|
نشاطاته:
كتابات
:
الإصلاح الديني :
مقدمة :
نتفق على اختلاف مشاربنا على أن
تراثنا عظيمٌ، وعندما نتهم كمسلمين بالتطرف والإرهاب والتعصب
نتبارى في كيل المديح لديننا المتسامح، وسلوك سلفنا المنصف، كرد
فعلٍ لنفي التهمة، لكنا نتفق ثانية أننا نعيش حالة التنافر
المزمنة، ونشهد بعمق الفجوات، وكثافة الحواجز، ونئن لبعضنا ونشكوا
من الرواسب التاريخية التي فرقت صفوف المسلمين، والجفوة الموروثة
الواقفة أمام لَمِّ الشمل، إنا نقول ذلك صادقين.
غير أنا في كوامن نفوسنا لا
نتزحزح قيد أنملة عن مواقعنا؛ لأن كلا منا يرى أنه يمثل الحق،
وبناءً عليه فمن يريد وحدة المسلمين فعليه أن يكون زيدياً حسب
منطقي المذهبي، فهو حسب ثقافتي وعلمي وتربيتي ومستندي مذهب أهل
البيت عليهم السلام الحقيقي.
فليكن ذلك صحيحا، لكن غيري في
المذاهب الأخرى يختزن نفس ما أختزن، ويزيد عليَّ بأنه قد وفقه الله
لمذهب منتظم في سلك "السنة والجماعة"، ونجَّاه من مذهبي المكتوب
على لائحة المذاهب الشيعية، فهو مذهب بدعة، وإن كان أقرب المذاهب
إلى السنة والجماعة كما يقول من يجاملني ويحاول جبر خاطري.
وهكذا يظل كل منا متمترساً داخل
مذهبه، ومكبلاً بالضوابط والقواعد والترهيب من مخالفة إمام المذهب؛
لأن المخالفة تعني خذلان المذهب، ونصرة خصومه، وتفكيكاً لترسانة
الدفاع عن العقيدة القديمة التي بنيت بعد القرن الثالث الهجري، وتم
خلالها إعلان المذهبية المغلقة، وانطلق الثراء العقلي، والترف
الذهني يحلق في سماء حشد الأدلة، وحشر البراهين على صوابية اجتهاد
قطب المذهب في الصغيرة و الكبيرة، وشيد العلماء من كل مذهب سدا حول
مذهبه وأتباعه، ( فَمَا اسْطَاعُوَاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا
اسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً ) [الكهف:97]، وقد نعاني من التقوقعات
داخل المذهب نفسه:
( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ
وَمِنْهُمْ مّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)
[فاطر:32].
ويلاحظ أن تعميق الفرقة
الدينية، والشتات المذهبي من الهوايات المفضلة للملوك بعد عصر
الخلفاء كسياسة ثابتة داخل البيت الإسلامي . أما في عصر الاستعمار
فقد كانت خطط التفرقة والتمزيق من أقوى الأسلحة فتكا، ولم يَعْدَمْ
أُجَرَاءَ منَّا يثيرون الجدل حول المسائل العقيمة.
فقد نعقد ندوات إسلامية حول صحة
حديث الذباب الذي يقول : "إذا سقط الذباب في الإدام فامقلوه؛ فإن
في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء"، وأحاديث فضائل اللحية
الطويلة، وفضيلة الفقر والزهد، والرضى بالقضاء والقدر، وفضائل
الصحابة، وقد يتكرم أحد الأمراء أو الأثرياء بمؤتمر أو ندوة، وتبني
طباعة ونشر الأبحاث على المستوى العالمي وتترجم للغات الحية.
وبهذا العمل الكبير نكون قد
قضينا على أمراض البلهارسيا والكوليرا!!
إن مشكلتنا كمتخصصين في بعض
فروع الشريعة أننا لا نريد أن نفهم الإسلام كـ(منظومة صالحة لكل
زمان ومكان بدون مساس بالنصوص القرآنية التي لا تقبل التغيير).
وحصل عندنا خلط بين المبدأ
المقدس، والشخص الذي قدَّس المبدأ، فالمبدأ المقدس لا يدخله الخطأ،
لكن الشخص ما يزال بشرا: يصيب ويخطئ.
سيظل البشر مسلمين وغير مسلمين
يعانون من أزمة الخطاب الديني واستخدام الدين كسلاح في يد
السياسيين؛ لأغراض التوسع والقضاء على الخصوم، فما كان لعائشة
وطلحة والزبير أن يقفوا في وجه خليفة بحجم عليٍّ لولا لغة العاطفة
الدينية: زوج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )، حواري النبي(صلى
الله عليه وآله وسلم ). وما كان لمعاوية وهو من "الطلقاء" أن يصل
إلى ذروة طموحه البعيد لولا الدهاء الديني، وقد واتته الفرصة بمقتل
عثمان فأشعل الدنيا نارا، وقاد أهل الشام في حرب ضروس ضد عليٍّ
أيضاً، ورغم الْبَوْنِ الشاسع بين الرجلين كما قيل:
فأين الثريا وأين الثرى!
وأين معاوية من علي!
إلا أن التباكي الديني السياسي
على عثمان، والزعم أن الدين الحنيف، والشرع الشريف يحتم القيام
بثأره، هيأ له أهل الشام لخوض المعركة ، وظل يردد لأنصاره أعذب آية
خدمت مشروعه وهي قوله تعالى :
( وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ
جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً ) [الاسراء:33] .
وظل يضخم مقام الصحابي الجليل
"ذي النورين" حتى أسفر الحال عن سقوط سبعين ألف قتيل "ليلة الهرير"
الرهيبة، وأوشك على الانهيار والهزيمة الماحقة، لكنه مع زميله
"عمرو" استلهما أخطر سلاح ديني على الإطلاق، وهو سلاح "القرآن"،
فبادرا إلى رفع المصاحف على رؤوس الرماح، وقدماها في الصفوف
الأولى، وصرخوا : (هذا كتاب الله حكم بيننا وبينكم)، فكان هذا
السلاح أقوى من ضربات السيوف، ووخز الرماح، ووقع النبل؛ إذ قَسَمَ
جيش عليٍّ إلى أربع فرق : ففرقة مالت إلى التحكيم بحماس شديد.
وفرقة مصممة على القتال حتى استئصال رأس البغي، وعلى رأس هذه
الفرقة مالك الأشتر. وفرقة أنهكتهم الحرب فهم متكاسلون ميالون بصمت
وحذر إلى التحكيم دون إظهار موقف واضح. وفرقة منافقة بقيادة
الأشعث.
واستخدم معاوية سلاح "الدين"
مرة أخرى حين تنازل الحسن، وانفرد بحكم الأمة، أعلن للناس
المجلوبين لبيعته بالقَسْرِ أن عام هذه البيعة هو عام (السنة
والجماعة)، حتى عندما حوَّل خلافة الأمة إلى ملكٍ عضوض كان يزعم
أنه مُنَفِّذٌ لقضاء الله وقدره، وأنه مُسْتَخْلَفٌ من الله، ومنفذ
لأمره يعطي من يشاء الله إعطاءه، ويمنع من يشاء الله منعه.
ومن المعلوم أنه لا علاقة لله
بما يفعل الجبابرة، وهو بريءٌ من نِسْبَةِ ظلمهم إليه على أنه قضاء
وقدر، فالله لا حدود لقدرته، ولا يُسأل عما يفعل، لكنه منح عباده
حرية الاختيار امتحانا وابتلاء
( لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ
أَحْسَنُ عَمَلاً ) [الملك:2] .
إن بيعة يزيد وليًّا للعهد، ثم
ملكا، ما كانت لتتم لولا الدعاية الضخمة بأن ذلك من أجل مصلحة
المسلمين، واجتماع كلمتهم، وحفظ بيضتهم، وحَسَمَ السيف والذهب موقف
المترددين في فهم لغة الدين المصلحي، إلا أن لغة الدين إن لم
تساندها قوة تفرضها لا قيمة لها، ولا وزن في الغالب، فما حصل
للحسين رغم تمتعه بأعلى سلطة دينية خير دليل؛ لأنه لم يكن مالكا
لخزينة الدولة التي تجعل للدين بهاء ورونقا:
إن الدراهم في الأماكن كلها
تكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة
وهي السلاح لمن أراد قتالا
وفي العصر المتأخر شهد العالم
الإسلامي صراعات الدين بين المسلمين والصليبيين، فيما صار يعرف بـ"الحروب
الصليبية"، وشهدت الجزيرة تزاوج الحركة الدينية العنيفة بقيادة ابن
عبدالوهاب مع السلطة السياسية بقيادة ابن سعود، وأسهمت في اكتساح
شبه الجزيرة تحت راية "التكفير" التي أباحت قتال الخصوم كمشركين!!
ثم تم ترويض المقاتلين
الوهابيين بعد أن أحكم الملك عبدالعزيز رحمه الله قبضته على ربوع
المملكة، وفرضت الدولة سلطانها، مع الإبقاء على نفوذ كبير للمؤسسة
الدينية، ما دامت ملتزمة بطاعة ولي الأمر، وتحريم الخروج عليه، كما
أمكن للدولة مد نفوذها خارج المملكة بواسطة جهاز "الدعوة" العتيد.
صار لهؤلاء صولة في بلدان عديدة أهمها : اليمن.
وها هم اليوم عندنا خاصة يخدمون
ولي الأمر بالفتاوى بكفر الديمقراطية والديمقراطيين، وتحريم
الانتخابات؛ لأنها مخالفة للشرع الشريف، والقرآن الكريم، الذي يدعو
صراحة لطاعة ولي الأمر: (
يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ
الرّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ) [النساء:59] .
ولعل ما بالعراق من مجازر
وأشلاء أرسلها التفخيخ إلى المقابر إلا ومن ورائها محرك "الدين"
سواء كان إسلاميا، أم يهوديا، أم صليبيا، ما عاد يهمنا سوى أن نعرف
: هل لهذا العنف العبثي نهاية؟ وإلى أين يزحف البشر ؟ وماذا يريد
الطامحون والطامعون من الثروة والسيطرة وقد حولوا البلاد والعباد
إلى دمار ورماد؟! لماذا نحن مستعجلون لفتح أبواب القيامة والدخول
إلى جراثيم جهنم؟ .
كنا في اليمن زيدية وشافعية،
ولم يكن السواد الأعظم يعرف فرقا بين الطائفتين إلا في: الضمِّ،
والتأمين في الصلاة، والأذان بدون "حي على خير العمل"، وبـ"الصلاة
خير من النوم" في الفجر عند الشافعية، وعكسها عند الزيدية.
وكنا وما زلنا ندرس في "البحر
الزخار" و "شرح الأزهار" مذهب الزيدية بجوار مذهب الشافعية،
والمذاهب الأخرى كافة، ولا نخرج في مسألة قط عن الاتفاق مع
الجمهور، أو مع إمام من أئمة المذاهب على الأقل.
واليوم نحس وكأن البلاد على
فوهة بركان يفجره لا سمح الله عنف الخطاب، وعقم التفكير، وقسوة
تعامل الجماعات التي طرأت على الساحة واستفحلت، وثقلت وطأتها،
والسلطة تسلط جماعة على أخرى، وتغري طائفة بالشقاق على أختها، وهي
لعبة خطرة، تشبه اللعب بالثعابين، والنفخ في النار.
وستلتهب حتما في وجوه نافخيها،
وستلتوي الحيات على أجساد اللاعبين بها، رأينا ذلك في اللعبة
الأفغانية كيف تحولت زلزالا هز العالم أجمع، وما زالت المعمورة
تهتز، فالمارد الآن خارج قمقم سليمان.
ولكي نتفادى الكوارث والمتاعب
التي يفرزها الخطاب الديني المتشنج كواحد من الوسائل المدمرة، يجب
أن نتواصى باتِّباع الأسلوب الديني التجديدي الحضاري المتزن الذي
يوصي به كل دين إلهي منذ آدم الأول حتى قيام الساعة.
فالإنسان مطالب بأن يكون عند
مستوى المسئولية، فهو المخلوق الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من
روحه، واستخلفه في الأرض .
والمطلوب من العقلاء وقادة
الرأي التواصي بهذه الخطوات العملية :
أولاً: في مجال العقيدة:
يكفينا قوله تعالى
( فَاعْلَمْ
أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلا اللّهُ ) [محمد:19]، ( لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتَا
) [الأنبياء:22]، ( هَلْ
مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللّهِ ) [فاطر:3]، ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
) [الشورى:11]، ( لاّ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ ) [الأنعام:103]،
وغيرها من الآيات المثيرة لدفائن العقول؛ لينظر في خلق الله
الواسع البديع، فالأحرى بنا أن لا نقف عند عقدة الصراع الحاد
القديم، ونتجمد عند عقيدة أبي علي الجبائي أو أبي الحسن الأشعري.
إن الفرصة متاحة أمامنا لنعرف
من عظمة الله وقدرته وعلمه وحكمته ما يفوق الخيال من خلال ما
تيسَّر للبشرية من تقدم هائل في ميدان التكنولوجيا التي غاص بها
الإنسان في أعماق البحار، وشاهد من روعة ملكوت الله ما يبهر
الألباب، وسبر أطراف الفضاء، فعاد مشدوها من هول ما استطاع أن
يشاهد من مليارات المجرات المبثوثة في فضاء قدَّره بعض العلماء
بثلاثين مليار سنة ضوئية. أما الفراغ الكوني الهادئ فلا يدري مدى
سعته إلا الذي خلقه.
هكذا نفتش عن ربنا العظيم
الكبير في مخلوقاته؛ لنجد أنه تعالى أكبر من وصف الواصفين، ونستغني
عن تصوره سبحانه بالصورة المعقدة المملة التي أبعدتنا عما يليق
بالله من تبجيل إلى الغرق في الحديث عن الوجه واليد والعين
والرؤية، وهل صفته ذاته؟ وتصورناه نازلا إلى السماء الدنيا في
الثلث الأخير، وما زلنا نعتقد من خلال عقيدة من كان لا يعرف من
مخلوقات الله سوى الأرض والسماء التي هي بمقاس الأرض، ومن لا يعرف
شيئاً مما يعرفه إنسان اليوم. فالثلث الأخير عند كثير من السابقين
واحد في الأرض قاطبة؛ لعدم معرفتهم بكروية الأرض ودورانها حول
نفسها وحول الشمس، وأن الشمس أكبر من الأرض بكثير.
فالإيمان بالله وبما يستحق من
وصف بغير الدخول في تعقيدات لم تكن أيام النبي(صلى الله عليه وآله
وسلم ) مثل: هل صفته ذاته أو زائدة؟ فقد جلب تساؤل كهذا فرقة
وتنابزا.
ونكتفي بالإيمان بأن الله:
عادل، صادق، وعد المؤمنين المتقين بالجنة، والعصاة المذنبين
بالنار، ونعتقد أن الشفاعة لا تحل محل العدالة الإلهية القاضية
بعقاب المجرمين وتخليدهم في النار، وإن لم نستفد من العلم الحديث
في قضايا العقيدة التي لا تتعارض مع القرآن فلا أقل من أن نقرأ
قراءة مقارنة دون تشنج وعداء، بل نسمح بالحرية، ونتعود على احترام
الرأي المخالف .
فالحرية جوهر هذا الدين، فما
أتى إلا لتحرير الناس من العبودية لغير الله، وقد برز أبهى مظهر من
مظاهر حرية الاختيار في قوله تعالى:
( فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن
وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف:29]، ( لاَ إِكْرَاهَ فِي
الدّينِ) [البقرة:256]؛ ولذلك أقرَّ اليهود والنصارى على دينهم،
وقَبِلَ من المنافقين ظاهر إسلامهم.
هل آن لهذه الأخلاقيات الكريمة
أن تسود حياة المسلمين عوضا عن التوحش، والقسوة، والبداوة، والغلظة
المغلفة بـ"لحية الإسلام، ومسواك الإسلام، وقميص الإسلام؟".
إن الإسلام بريء من هذا كله، إن
لغته رصينة مهذبة : ( ادْعُ
إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [النحل:125]، (
ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [المؤمنون:97]، ( وَلَوْ
كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ) [آل
عمران:159] .
أين هذا من الحوار بالسيارات
المفخخة، والأحزمة الناسفة؟ ولماذا لا نغزوا عقول وقلوب الأمريكان
بامتلاك ناصية العلم، ودعوتهم إلى الإسلام من خلال علمائنا
الأمريكان من أصل مسلم أو عربي، وبإمكانات أمريكا نفسها، البلد
المفتوح الحر المؤلف من المهاجرين؟
لماذا نجح اليهود وفشلنا ؟. ما
هي العلة؟ وأين ا لدواء؟ هل نحن نمثل الإسلام، ونهتم به، ونخدم
مثله العليا، أو نخدم الأهواء والطموح والجري وراء السراب الخادع،
واستعداء أهل الأرض والسماء على المسلمين؟
لماذا نغزو أمريكا بالطائرات
المدنية المليئة بالمدنيين، وندمر الأبراج المدنية المكتظة
بالأبرياء، ونسمي فعلنا هذا بـ"غزوة منهاتن"؟
إن الذي فعل ذلك لا يعبر عن
المسلمين؟ لكن من الذي صاغ فكره، وعبأه بكراهية الآخرين، ولم يسمع
إلا كلمات الشتم لكل طوائف الخلق: كفرة، عُبَّاد الأوثان، زنادقة،
شيعة، رافضة، فرقة ضالة، مشرك، أخس من اليهود والنصارى.. إلى آخر
قاموس الشتائم؟!
حتى ثقافة الدعاء، نُؤَمِّنُ
على دعاء خطبائنا وهم يدعون الله أن يدمر البشرية بكاملها: (اللهم
أهلك اليهود والنصارى والمشركين والمجوس والهندوس والبوذيين).
ولو كان الدعاء كهذا: (اللهم
انصر الحق وأهله، واخذل الباطل وحزبه، اللهم نكِّس رايات الظالمين،
وعجِّل بالفرج لأمة محمدٍ أجمعين، ووفق عبادك لرضاك) لكان كافيا
شافيا.
وقد كان بإمكان العرب أن
يسودوا العالم من خلال الولايات المتحدة الأمريكية، كما فعل اليهود
الذين تغلغلوا في وسائل الإعلام، فامتلكوا الصحف، ومحطات التلفزة
والسينما، وامتلكوا البنوك والمصارف الضخمة، وأنشبوا مخالبهم في
مراكز الأبحاث وصناعة القرار، وتسربوا إلى عالم التكنولوجيا
والاختراع، وبرزوا في عالم الطب والسياسة، واخترقوا مجلسي الشيوخ
والنواب والبيت الأبيض.
ثانيا: في ميدان السياسة:
لا مصلحة لنا في البقاء في ساحة
الجدل حول: "الخلافة في قريش، أو بني هاشم، أو في خمسة أو اثني عشر
أو سلالة أو فرد"، فالمصلحة: أن تحصل الأمة على قرارها، وتستطيع
تولية وعزل حكامها، فالمصيبة أن يجثم على أنفاسها والٍ باسم
القرآن، أو باسم الشيطان ثم لا يتزحزح إلا بالموت، أو الثورة، أو
الغزو الخارجي.
ثالثا: أما مجال المذهبية:
فلا يهمني إن -مُحِضَتْ
العبادة لله- على أي مذهب وافَقَتْ طالما وهم جميعاً من رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم ) الله آخذون، إنما الخطير: أن نترك
الإسلام ونتعصب للأشخاص والانتماءات حتى وإن كانوا على مستوى من
الفضل والعلم، فاحترامهم يأتي بعد الانتماء للمبدأ؛ لأنا وجدنا من
يتعسف لتصحيح قول إمامه وهو في غاية السقوط؛ لمجرد أنه قول إمام
مذهبه!!
فلو افترضنا أن الشافعي يرى:
نقض الوضوء بلمس المرأة حتى وإن كانت زوجته، ويرى الهادي: تحريم
الزواج بالكتابية، فسنرى أتباعهما يجادلون طولا وعرضا من أجل سيادة
رأي يقف إزاء رأي ودليل أقوى منه، ولا يمنعنا من الأخذ بالأقوى سوى
عاطفة الانتماءات، وشهوة التقليد، والجمود والعناد.
ومن المعلوم أن الإسلام قبل
المذاهب كان أحسن حالا يوم كان المسلمون يتعبدون الله بقناعاتهم
هم، لا بقناعات غيرهم، .
رابعا: في مجال المرأة:
يجمل بنا أن نصحح بعض الأخطاء
التي نمارسها في حق النساء، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم )
رغم جليل قدره، وعظيم منزلته برزت بجانبه المرأة التي كانت مسحوقة،
وقفز بها إلى منصة الكرامة الآدمية، فلولا محمد النبي(صلى الله
عليه وآله وسلم ) الإنسان الكريم لما سمعنا في تاريخ الخلود :
خديجة، وفاطمة، وأم سلمة، وأسماء، ونسيبة، وعائشة، وزينب.
ونحن لأننا أقزام، تقزمت
بجوارنا المرأة، واندفنت في أنوثتها بمقدار الادعاء الفارغ
لرجولتنا، ولولا الضغط الخارجي المطالب بحقوق المرأة لما تزحزحنا
عن رأينا في النساء بأنهن: عِيٌّ، وعورات، ويجب أن نستر عِيَّهُنَّ
بالسكوت، وعورتهن بالبيوت، وهن من ضلع أعوج، وناقصات عقل ودين،
ودية المرأة نصف دية الرجل، ولا تصلح للقيادة وإنما تصلح للوطء،
ولا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، رغم أننا في اليمن أفلحنا مرة
واحدة في التاريخ: عندما حكمتنا الملكة بلقيس، أما حكام اليمن
فَنَحْسٌ وبؤسٌ عبر التاريخ، إلا من ومضات نادرة.
فالخطاب في هذا الباب لا ينفع
فيه المذكر والمؤنث وإنما العلم والكفاءة.
خامسا: الخطاب الإسلامي
والاقتصاد:
هناك العشرات من الروايات
الْمُحَبِّبَةِ في الفقر، والمرغبة في المسكنة، وهناك حماس منقطع
النظير في الدعوة إلى ترك طلب الرزق، فإن الله هو الرزاق، والتوكل
على الله وحده كفيل بأن يجعل المرء سعيدا راضيا.
وهي أحاديث أشك في نسبتها إلى
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم )، أو على الأقل في صواب
تفسيرها، فما أرتاب أن الملوك بعد الخلافة شجعوا الناس على الكفاف
والعفاف، ورغبوهم في الصبر على الفقر، وأوعزوا لدراويش السلطة أن
يحدِّثوا الناس بأن الفقير المؤمن يدخل الجنة قبل الغني المؤمن
بخمسمائة عام!! كل ذلك لينعم الظلمة بخيرات الأرض، ويتلذذوا وحدهم
بأرزاق العباد، عكس ما أراد الله ورسوله من رجال المال وأصحاب
الثروة أن لا يكنزوا الذهب والفضة تاركين الفقراء يتضورون جوعا:
(وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا
فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} {يَوْمَ
يُحْمَىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنّمَ فَتُكْوَىَ بِهَا
جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـَذَا مَا كَنَزْتُمْ
لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) [التوبة:35] وحذر
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم ) من جمود المشاعر: "ما آمن بي من
بات شبعان وجاره جائع". إن سد الرمق واجب عيني على كل قادر عليه.
والخلاصة:
فالأمة الإسلامية وهي واقعة في
هوة سحيقة من الضياع، والتخلف، والتناحر، والإحباط، واليأس، يجب
عليها أن تفتح عقولها، وأن ترهف سمعها لنداء عقلائها.
والله الموفق
بقلم د/ المرتضى بن زيد
المُحَطْوَري الحسني

|