|
نشاطاته:
بحوث :
القاضي عبدالوهاب البغدادي
قراءة في
فكره وعصره وسيرته وتأثره وتأثيره
بسم الله الرحمن
الرحيم
مقدمة:
الحمدلله الذي
بنعمته تتم الصالحات، والصـلاة والسلام على سيدنا محمد وآله
الطيبين الطاهرين .
وصلتني في تاريخ 3/
ربيع الأول 1423هـ الموافق 11/ يونيو 2002م دعوة كريمة للمشاركة
العلمية في المؤتمر العلمي الأول الذي ينعقد في دبي حول القاضي:
عبد الوهاب البغدادي المالكي الذي تقيمه دار البحوث للداسات
الإسلامية وإحياء التراث بالتعاون مع دائرة الأوقاف والشئون
الإسلامية بدبي في الفترة من 4/ شعبان 1423هـ الموافق يوم الاثنين
7/10/2002م وطلب مني كتابة ورقة في بعض المحاور التي اقترحها
السادة منظمو المؤتمر والدعوة موقعة من الأستاذ الكريم الدكتور /
أحمد محمد نور سيف - رئيس اللجان التنظيمية للمؤتمر والمدير العام
لدار البحوث للدارسات الإسلامية وإحياء التراث .
ومن محاسن الصدف أني
كنت في رحلة خارج اليمن، ولأني مولع بالقراءة ، وصرت معتادا على
حمل كتاب في يدي حال خروجي حتى ولو عرفت أني لم أتمكن من قراءته ،
وهي عادة تسبب لي فقدان بعض الكتب .
صادف الكتاب الذي
قرأت فيه كتاب البداية والنهاية تاريخ الصدر الأول الذي يُعجبني
تكرار قراءته ، ومررت على تاريخ بني أمية ثم بني العباس ووصلت إلى
العام الذي ولد فيه شخصية هذا المؤثر العالم القطب الرباني الفقيه
الأديب الأصولي: القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المولود
في 7 شوال سنة 362هـ والمتوفي سنة 422هـ.
وبقيت متحيرا كيف
يمكن لتلك الأيام التي مثلت أسوأ صور الضياع والفوضى ، وتقزُّمَ
العملاق الإسلامي الذي كان مرهوب الجانب في ظل خلافة واحدة بغض
النظر عن سلوك الولاة أو جوره ، بل إنك وإن أزعجك وآذاك وحزَّ في
نفسك عَسْفُ الأمراء وبطشهم، وجبروتهم، واستبداد الملوك والحكام،
إلا أنه مع ذلك يُسعدك أن الدولة الإسلامية كانت باسطة ظلها على
العالم الممتد من الصين والهند وروسيا شرقا والمحيط الأطلنطي غربا
، وتتاخم فرنسا شمالا، وأدغال إفريقيا جنوبا ، أي إن الهند مجرد
مقاطعة إسلامية. فصارت تلك الدولة الإسلامية العظمى الوحيدة في يد
خلفاء ضعفاء أهل لهو وترف تتحكم فيهم الإماء والغلمان .
بل لا أبالغ إذا قلت
: إن الخليفة العباسي أصبح كلعبة الأطفال يخلعه الخادم وصيف في
الصباح ، ويرده الخادم بغا في المساء ، وقد يُبَايَعُ أميراً
للمؤمنين اليوم ، وغدا تُسْمَلُ عيناه . ناهيك عن الإغراق في
الملذات، والشهوات، وجمع الأموال الواصلة من أقاصي الدنيا باسم
الخليفة من غنائم الفاتحين في أطراف الأرض، والأوقاف الإسلامية ،
والزكوات، وما شابه ذلك من موارد الدولة .
أعود فأقول: كيف
أنجبت تلك الأيام السوداء التي جاءت كأضعف حال بعد أقوى دولة وأعز
حكم ؟ كيف أنجبت أفذاذا ، وبحورَ علمٍ في كل فن من الفنون
الإسلامية ؟ : فالقارئ منهم بحفظ القرآن بالقراءات السبع والعشر،
واللغوي كالحريري والزمخشري والفيروز آبادي ، والنحوي كسيبويه
والكسائي والخليل ، والفقيه والأصولي كالقاضي أبي بكر الجويني
وتلميذه القاضي: عبد الوهاب المالكي وهلم جرا من العباقرة والجبال
الشامخة الذين لا يحصيهم العدّ - فلم أجد جوابا لهذه الظاهرة إلا
أن العلماء كالمعادن النفيسة ، والأحجار الكريمة؛ يزيدها الصَّهْرُ
ألَقاً وجمالا ، وتصنع منها النار عقودا تزين نحر الزمان ، أو
بمثابة البخور والند والعود يتضوع إذا أُحرق . وهؤلاء العلماء كان
أحدهم يأكل من حشائش الأرض حتى مات من الجوع ولم تسخ نفس بعض
الوزراء بإعطائه ما يسد رمقه.
وهذا إمام المالكية
في زمانه يخرج من بغداد بعد أن عزَّ عليه فيها القرص ، وتباعد منه
الرغيف ، والمترفون بجواره يصبون ألوف الدنانير وعقود الجواهر
وللآلي في حجور الجواري والمحظيات . ويخلِّف كثيرا من أمراء ذلك
الزمان من الكنوز ما إن مفاتحة لتنوء بالعصبة أولي القوة .
الفصل الأول
في جذور المذهب المالكي([1])
كنت أسمع اسم مالك
يتردد على ألسنة علماء وطلاب العلم الزيدية أثناء دراستي ولاسيما
في المسائل التي يقال : إن الزيدية مخالفون فيها للسنة، أو لما
عليه أكثر الأمة كإرسال اليدين في الصلاة ؛ فيردون مستشهدين بمذهب
الإمام مالك ويقولون : هذا إمام دار الهجرة وعالم المدينة المنورة
مالك بن أنس يوافقنا في هذه المسألة .
وهو يرجح عمل أهل
المدينة وهم أكثر الناس مشاهدة لرسول الله
صلى الله عليه وآله
وسلم
والتصاقا به ، ثم يجرهم الحديث إلى فضائل مالك رحمه الله .
ويستفيضون في علاقة
الإمام مالك بآل البيت عليهم السلام مثل زيد ين علي ، وجعفر الصادق
، وعبد الله بن الحسن وغيرهم عليهم السلام ، وغيرهم ، ويؤكدون صدق
مودة هذا الإمام لآل رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم
حتى سبَّب له
نقمة أبي جعفر المنصور لَمَّا تحقق لـه أن مالكا كان ميالا إلى
النفس الزكية محمد بن عبد الله وأخيه إبراهيم ، وكان مالك رضوان
الله عليه يفتي الناس بنصرة الإمامين محمد وإبراهيم، ولا سيما
المترددين بسبب ببيعتهم لأبي جعفر، فقال لهم علانية: ليس على
مُكْرَهٍ يمين، أو ليس على مستكره طلاق ؛ أي إنما أخذت البيعة
بالإكراه وهي غير ملزمة لصاحبها ؛ فاعتبر العباسيون فتوى مالك
تأييدًا لآل علي ، وثورة لا تقل خطورة عن الثورة المسلحة .
فاستدعى عامل المدينة من جهة أبي جعفر مالكا فضربه بالسياط حتى
أُغمي عليه ، وجروا يديه حتى خلعوها من الكتف
([2])
؛ فازداد الناس بعد ذلك حبا لمالك ، وتعلقا به ؛ إذ برهن أنه
العالم العامل القوي الذي لا يخشى في الله لومة لائم ، يصرخ بما
يراه الحق على رؤوس الأشهاد رغم أنف الجبارين ؛ وقد أحس أبو جعفر
بفداحة الخطأ من ضرب الإمام مالك الأمر الذي أرغمه أن يأتي إلى
الحجاز حاجا ليعتذر إلى عالم طبَّق صيتُه المشرق والمغرب ، وأصبح
المغرب قاطبة حتى الأندلس يدين بمذهبه ، ويزدحم زوار النبي
صلى الله عليه وآله وسلم
على رؤيته. وقد انبهر أبو جعفر لَمَّا عرض على مالك معاقبة جعفر بن
سليمان عامله الذي ضرب مالكًا ، فقال مالك : أعوذ بالله ، والله ما
ارتفع منها سوط عن جسمي إلا وأنا أجعله في حل من ذلك الوقت ؛
لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
.
قال القروي والعمري وأحدهما يزيد على الآخر : لما ضُرب مالك رحمه
الله تعالى ونِيْلَ منه - حُمِل مغشيا عليه ؛ فدخل الناس عليه
فأفاق فقال : أُشهدكم أني جعلت ضاربي في حِلٍّ ، فعُدْناه في اليوم
الثاني فإذا به تماثل فقلنا له ما سمعناه منه ، وقلنا له : قد نال
منك. فقال: تخوفتُ أن أموت أمس فألقى النبي صلى الله عليه وآله
وسلم، فأستحيي منه أن يدخل بعض آله
النار بسببي([3])
.
لك الله أيها الإمام
إذا كان هذا تبجيلك للنبي صلى الله عليه
وآله وسلم مع
الظلمة ممن يزعمون الانتماء إليه . فكيف حبك وتبجيلك لأئمة الهدى
من ذرية الزهراء ابنته
!؟
.
وقد انعكس هذا الموقف العظيم ، والوفاء النادر ، وشجاعة العالم
العامل على أبرز تلاميذه ، وأعظم طلابه الإمام محمد بن إدريس
الشافعي الذي احتذى حذو شيخه الإمام مالك في تأييد الإمام يحيى بن
عبدالله بن الحسن أخي النفس الزكية وإبراهيم ، وكان مع إبراهيم بن
أبي يحيى يدعوان الناس إلى مبايعة يحيى بن عبدالله أيام هارون
الرشيد فسبب هذا الموقف أن سحب الشافعي من صنعاء على ظهر بعير من
دون قتب وسلمه الله من القتل([4])
؛ إن مالكا والشافعي وغيرهما من أئمة العلم والجهاد يمثلون سلفنا
الصالح الذي يعرف المعروف فيتبعه ويدل عليه ، وينكر المنكر فيتنمر
له
.
وكان يجري الحديث عن مالك في كثير من المسائل التي يتفق فيها مع
المذهب الزيدي: كوجوب النية في الوضوء والغسل والتيمم([5])
. ووجوب مسح جميع الرأس([6])
. ووجوب مباشرة المسح للرأس([7])
، وكونه مرة واحدة([8])
، وكون الأذنين من الرأس([9])
. ودخول المرفقين في الغسل مع الذراعين([10])
.
ووجوب غسل القدمين([11])
. وتحريم مس المصحف على
الجنب([12])
. وتحريم قراءة القرآن عليه إلا الآية والآيتين ؛ مثل بسم الله
الرحمن الرحيم ، أو الحمد لله رب العالمين التي يلهج بها الناس
دائما ، ومَنْعُهُمْ منها مشقةٌ ظاهرة ، وهم لا يقصدون القرآن([13])
. وعدم الوضوء مما مسته النار([14])،
ومن أكل لحم الإبل([15])
. وكون دباغ جلود الميتة لا يطـهرها([16])
. ووجوب غسل بول الصبي
والصـبية سـواء أكلا أم لا([17]).
وطهارة بول ما يؤكل لحمة . ونجاسة المني([18])
. وكون رفع اليدين مندوب عند تكبيرة الإحرام فقط([19])
. ولا يضع المصلي يمناه على
يسراه في الصلاة في أشهر الروايتين عن مالك([20])
. وكون المؤتم يقرأ مع الإمام فيما يَسُرُّ ، ولا يقرأ معه فيما
يجهر فيه([21])
. وهلُمَّ جرا من المسائل التي كنا نطالعها في كتاب البحر الزخار
المجامع لمذاهب علماء الأمصار لمؤلفه الذي يشبه عبدالوهاب المالكي
في إخراج المذهب الزيدي إلى حيز الوجود وهو الإمام المهدي أحمد بن
يحيى المرتضى ، وكذلك في شرح الأزهار لمؤلفه القاضي عبدالله بن
مفتاح ، وكتاب الانتصار على علماء الأمصار لبحر العلوم الإمام يحيى
بن حمزة ، ونحوها من كتب الزيدية المشهورة .
وأما مشائخنا من
الشافعية فهم تلاميذ مالك بدون كلام ، وكذلك الحنابلة ؛ لأن أحمد
بن حنبل تلميذ الشافعي .
والخلاصة
فما سمعته
وقرأته رسم في ذهني صورة بهية لإمامنا العظيم مالك بن أنس وحدا بي
إلى التعرف على شخصيته ؛ وها أنا ذا أتشرف بكتابة لمحة موجزة عما
عرفته عن مؤسس المذهب المالكي العظيم .
ولد مالك عام 93هـ
وتوفي عام 179هـ ، وكان يجلس في مسجد رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم
للتدريس والفتوى ، في نصف القرن الثاني ، في المكان حيث كان يعتكف
فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
.
وكان مَنْ دخل المسجد يرى شيخا مهيبا ، ذا سمت ووقار ، أشقر الوجه
، جميلا ، طوالا ، مسنون اللحية ، يُغْضَى من مهابته([22])
. ذلك هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن
غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث ذو أصبح الأصبحي اليمني من أحفاد
الأقيال: سبأ ، وحمير([23])
عربي كريم .
وأما أبو عامر جد والده فهو صحابي شهد المغازي كلها مع رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم خلا بدرا
. وابنه مالك الذي هو جد مالك من كبار التابعبن([24]).
طلبه للعلم :
كانت أمه تعممه وهو
طفل وتقول له : اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه ، وقد أفضى
به طلب العلم إلى نقض سقف بيته ، وبيع خشبه ، ثم مالت علية الدنيا
بعد .
وكان يتنقل من عالم إلى عالم بصبر ، ودأب ، وفطنة ، وحرص ،
وتَثَبُّتٍ ، ورفق ، يستقصي ، ويمحص ، ويفتش ؛ حتى جمع فأوعى ،
وصار كما قال الشافعي : إذا ذكر العلماء فما لك النجم . ولم يبلغ
أحد في العلم مبلغ مالك لحفظه وإتقانه وصيانته ، ومن أراد الحديث
الصحيح فعليه بمالك ، وقال : مالك بن أنس معلمي ، وفي رواية:
أستاذي ، وما أحدٌ أمَنَّ عليَّ من مالك ، وعنه أخذنا العلم ،
وإنما أنا غلام من غلمان مالك ، وقال: جعلت مالكا حجة فيما بيني
وبين الله . وكان الشافعي دهره إذا سُئل عن الشيء يقول : هذا قول
الأستاذ : يريد مالكا([25])
. ولا نسترسل في هذا المجال
فهو واسع([26])،
ورجوع الناس إليه معروف ، وتحريه في الفتيا مشهور ،
جلوسه للفتوى
والتدريس:
قال مالك: ما جلست
حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم أني أهل لذلك .
وقد روي في تحريه:
أنه سأله رجل عن مسألة وذكر أنه أُرسل فيها من مسير ستة أشهر من
المغرب . فقال: أَخْبِرِ الذي أرسلك أنه لا علم لي بها . قال : ومن
يعلمها ؟ قال: مَن علمه الله .
وسأله آخر عن مسألة فقال : ما ابتلينا بها في بلدنا ولا سمعنا أحدا
من أشياخنا تكلم بها ، ولكن تعود . فلما عاد قال له: ما أدري ما هي
. فقال الرجل : يا أبا عبد الله تركت خلفي من يقول : ليس على وجه
الأرض أعلم منك ,. فقال غيرَ مستوحش : إذا رجعت فأخبرهم أني لا
أُحسن([27]).
إجلاله رضي الله عنه
لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم :
نقل عنه العجب العجاب من تعظيمه لحديث رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم حيث كان يغتسل أو يتوضأ
، ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ، ويعظم الحديث إعظاما يُخَيَّلُ لطلابه
أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
حاضر يشافهه . وهذا خلاصة ما يمكن قوله([28])
؛ ولهذا رزقه الله العبادة
، والعلم ، والهيبة ، والوقار ، ورفعة الشأن([29])
.
قيل: كان الثوري في
مجلس مالك فلما رأى إجلال الناس له ، وإجلاله للعلم أنشد :
يأبى الجواب فلا يُرَاجَعُ هيبــــةً
والسـائلون نواكـس الأذقـــــان
أدب الوفاء وعز سلطان التقى فهو المهيب
وليس ذا سلطان([30])
مشائخ الإمام مالك :
لازم رحمه الله ابن
هرمز رضي الله عنه ثلاث عشرة سنة ، وأخذ عن نافع ، وسعيد المقبري ،
وعامر بن عبد الله بن الزبير ، وابن المنكدر ، والزهري ، وعبد الله
بن دينار ، وجعفر الصادق .
وقد أحصى الذهبي مَن روى عنهم إحصاءً دقيقا ، وأحصى مروياته عنهم ،
وذكر قرناء مالك ، وتلاميذه ، وكل ما يريده المؤرخ والحدث والفقيه
والناقد([31]).
ولم يترك القاضي عياض
لأحد بعده بكلام فقد شمل كتابه ترتيب المدارك كل شاردة وواردة عن
مالك والمالكية .
والذي أجزم به أن
رجلا مثل مالك في قوة الذهن ، والعزم ، والحرص الشديد على استيعاب
كل شيء حوته المدينة التي هي حاضرة الإسلام ، ومهوى أفئدة المسلمين
؛ فالغالب على من خرج من العلماء أن يعود إليها زائرا ، ويستطيع
مالك أن يأخذ منه علمه . وأما من هو بالمدينة من العلماء على
اختلاف مشاربهم فما أرى إلا أن مالكا قد مر عليهم جميعا دون
استثناء قَلُّوا أو جَلُّوا ، وقد ذكروا أنه أخذ عن مائة من علية
العلماء. وبالرغم ما كان يحيط بعلماء آل البيت من متاعب من جهة
السلطة الأموية ثم العباسية ولا سيما أبو جعفر المنصور المعروف
بصرامته وقسوته المفرطة .
فكان الاقتراب من عبد
الله بن الحسن الكامل أو أولاده كالنفس الزكية ، وإبراهيم يجر
المتاعب ، ويورث التهمة ، إلا أن مالكا من جبال العلم التي لا
تحركها العواصف ، ولا تزلزلها القواصف . أفتى الناس بالانضمام إلى
النفس الزكية ، وأخيه إبراهيم ، وكان يغشى مجالس أبنا فاطمة ،
وأولاد علي ، وكانوا له مكرمين مبجلين ؛ لِمَا رأوا فيه من الحب
والوفاء والتبجيل لجدهم ولهم .
قال القاضي عياض نقلا
عن الإمام مالك :
لقد كنت آتي جعفر بن
محمد (الصادق) وكان كثير المزاح والتبسم ، فإذا ذكر عنده النبي
صلى الله عليه وآله وسلم
اخضر واصفر ، ولقد
اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال : إما
مصليا ، وإما صائما ، وإما يقرأ ، ولا يتكلم فيما لا يعنيه ، وكان
من العلماء العباد الزهاد ؛ الذين يخشون الله . وما رأيته قط إلا
رأيته يخرج الوساد من تحته ويجعلها تحتي .
ترتيب الاستدلال عند
الإمام مالك:
بنظرة عجلى نجد
الإمام مالك رضي الله عنه يرتب الاستدلال كتالي :
أولا الكتاب: يعمل بالنص الصريح
الذي لا سبيل لتأويله ، ويأخذ بالظاهر الذي يقبل التأويل ؛ حتى
يترجح لديه تأويله بدليل يوجب ذلك ، ويأخذ بمفهوم الموافقة وفحوى
الخطـــاب : فقــوله تعالى: (ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) . يدل
عند مالك على تحريم التأفيف ، والانتهاء بظاهر النص ، ويدل بمفهوم
الموافقة الذي هو بمعنى الأولى ، والذي يسميه الأصوليون فحوى
الخطاب – على تحريم الضرب والحبس من باب الأولى . وهذا هو ما يفهمه
كل عاقل ناهيك عن عالم .
ومن التحري الذي عرف
عن إمام دار الهجرة في العمل بالقرآن رد الأحاديث التي يرى أنها
متعارضة مع القرآن مثل حديث : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم
فليغسله سبعا). فقد حكم بطهارة كلب الصيد ؛ عملا بقــوله سبحانه:
(وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله ).
وقال: كيف يباح صيده ويكون نجسا . ولم يتحمس للعمل بالخبر المجيز
للولد أن يحج عن أبيه أو أمه بغير وكالة ؛ لمعارضته لقوله سبحانه :
(وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ). وهذه القاعدة التي تجعل القرآن
الكريم في مكانه المناسب ، الذي يليق به ، ويحُدُّ من جماح
الأحاديث التي لا يوجد لها زمام. وهذه القاعدة يراها علماء الزيدية
من أهم القواعد التي تصون العقائد ، وتمنع الكذب على رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم
. ولا تعني أبدا
إهدار السنة الشريفة ، حاشا وكلاَّ ؛ فالرجل الذي جاور النبي
صلى الله عليه وآله وسلم،
وكان يتطيب ويتطهر عند قراءة الحديث لا يتهم على السنة .
السنة: هي في المرتبة الثانية عند مالك وهو يأخذها مُرَتَّبَة:
أولا:
المتواتر وهو الذي رواه جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب إلى
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
.
ثانيا: الحديث الذي رواه عن الصحابة عدد يؤمن اتفاقهم على الكذب .
أو رواه واحد أو
أكثر من التابعين ، ثم اشتهر بروايته عدد لا يتواطئون على الكذب في
زمن التابعين . يجعله في الدرجة الثانية بعد التواتر .
ثالثا: الخبر الآحادي وهو ما عدا القسمين السابقين ، وهذا لا يرده الإمام مالك ،
وإنما يقوم عليه عمل أهل المدينة عند التعارض ؛ فألفٌ عن ألفٍ خير
من واحد عن واحد ، ويدل عمل أهل المدينة بخلاف الحديث الآحادي أنه
شاذ .
عرف عن مالك رحمه
الله أنه يعتبر عمل أهل المدينة حجة بعد السنة الصحيحة ، وإذا كان
ذلك العمل يحمل في طياته النقل عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم،
وكان يقول - ما قاله شيخه ربيعة بن عبدالرحمن : ألف عن ألف خير من
واحد عن واحد .
فتوى الصحابي:
كان يراه الإمام مالك
بمثابة الحديث عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم وقد
قدم فتوى بعض الصحابة في مناسك الحج على عمل أُثر عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم
؛ بحجة أن ذلك الصحابي ما كان ليفتي أو يفعل شيئا لا مجال للاجتهاد
فيه ، إلا إذا كان سَمِعَهُ من النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أو رآه .
لكن الشافعي انتقد
شيخه مالكا ، وقدَّر أن هذا من باب تقديم الفرع - وهو فتوى الصحابي
أو عمله - على الأصل وهو الحديث . إلا أن مالكا كما أسلفنا يرى
فتوى الصحابي أو عمله عبارة عن نَقْلٍ عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم
؛ فهي أصل وليست فرعا ، فمتى ترجحت له قدَّمها على الحديث الذي لم
يُقْنِعْهُ سنده ؛ فالتعارض بين أصلين ، وليس أصلا وفرعا .
كما كان يقدم فتاوى
كبار التابعين - إذا عضدها إجماع أهل المدينة - على ما أُثر عن عمل
النبي صلى الله عليه وآله وسلم
.
القياس:
يأخذ مالك بالقياس :
وهو إلحاق حكم شرعي فرعي غير منصوص عليه بحكم أصلي منصوص عليه ؛
لاشتراكهما في العلة .
المصالح المرسلة وهي
الاستحسان:
كان مالك رحمه الله يقول: الاستحسان تسعة أعشار العلم([32])
.
والمصلحة : - التي تَوَسَّعَ الإمام مالك في الأخذ بها ، واشتهر
عنه مذهب متميز في الأخذ بالاستحسان – هي التي لا يشهد لها دليل
خاص بالاعتبار أو الإلغاء ؛ فيؤخذ بها حيث لا نص ، بشرط أن يكون في
الأخذ بها دفع حرج ، وأن تكون من جنس المصالح المعتبرة في الشريعة
المطهرة ، وإن لم يشهد لها دليل خاص . وهو دليل ثابت عند أغلب
الزيدية([33])
والحنفية([34])
والحنبلية([35])
والمالكية([36])
.
ونقل عن القاضي عبدالوهاب المالكي أنه قال: لم ينص عليه مالك، وكتب
أصحابنا مملوءة منه كابن قاسم ، وأشهب ، وغيرهما([37])
. وقد اختلف في تحقيق معناه وفي كونه دليلا معمولا به .
قال سعد الدين التفتازاني في حاشيته على العضد([38])
:
اعلم أن الذي استقر
عليه - أي المتأخرين - هو أن الاستحسان عبارة عن دليل يقابل الجلي
الذي يسبق إلى الأفهام ، وهو حجة .
وهو يثبت بالأثر كما
في خبر المصرَّاة ، وهو قول النبي صلى
الله عليه وآله وسلم
لمن اشترى بقرة أو شاة فوجد الحليب مجمعا بضرعها منذ أيام وليست
بذات در . فقال: (ردها وصاعا من تمر) . فالقياس يقتضي ضمان المثلي
بمثله؛ فقبول التمر عوضَ اللبن في الخبر المذكور إنما هو استحسان ؛
لعدم وجود المثل في تلك الحال، أولا يحسن أن نشق على المشتري
المخدوع أن يبحث عن مِثْل .
وقد يثبت بالإجماع
كما في دخول الحمام بأجرة مجهولة ، وأجرة السَّقَّاء لجهالة ما
يستغرق من المنافع ، والماء ، وهو جائز بإجماع المسلمين ، والقياس
أن لا يجوز.
ويثبت بالضرورة كما
في طهارة الحياض والآبار على أصول الحنفية التي تشرب منها الوحوش ،
فهي تتنجس كغيرها على أصولهم ؛ لكن ضرورة الاحتياج إليها أوجب
طهارتها استحسانا .
ويثبت بالقياس الخفي كما في وجوب الزكاة على الصيرفي إذا امتلك دون
نصاب من الذهب قيمته نصاب من الفضة أو العكس ؛ فالقياس الجلي على
أموال التجارة أنها لا تجب عليه ؛ لأن نقود الصيارفة كسلع التجارة
؛ لكن الاستحسان أوجب الزكاة بالقياس الخفي ؛ لأنه قد ملك نصابا
كاملا مما تجب فيه الزكاة على غيره ، ولعل الشافعي رحمه الله يقول
هنا: لا حاجة لنا إلى فرض استحسان يوجب ما ليس بواجب . وهو محل
نزاع .
ولذلك روي عنه قوله: (من استحسن فقد شرَّع)
([39])
أي أنه أثبت حكما من تلقاء نفسه لا من الشارع([40])
.
توالت الطبقات التي حملت تراث مالك ، حتى تسلم الراية ، وحمل لواء
المالكية:
القاضي عبد الوهاب
على رأس الطبقة الثامنة .
ولد عام 362هـ . من
أحفاد مالك بن طوق الأمير المعروف . وقد كان جده هذا أيام الرشيد -
والدولة العباسية قوية مرهوبة الجانب - لكنها في زمن القاضي عبد
الوهاب صارت عملاقا مشلولا ممددا على الأرض ؛ والسبب في ذلك ميل
بني العباس إلى الرفاهية والإغراق في اللهو ، واقتناء الجواري ،
والغلمان ، ولم يأخذوا بالحزم في سياسة أنفسهم ، وسياسة الدولة ،
وتركوا أولادهم لحياة القصور ، وثقافة الأمهات ، ودلال الثروة ،
والملك ، واختيار الحظايا . واقتصرت همة بعضهم على البحث عن
المنشطات الجنسية.
إضافة إلى إهمال
العنصر العربي وتهميش ذوي الحل والعقد ؛ ظنا من العباسيين أن
الاستبداد المطلق لا يُطِيْقُ تنفيذه إلا العجم من فرس ، وترك ،
وروم ، ولم يعتبروا بما جرى أيام أبي جعفر وأبي مسلم الخرساني ؛
فقد أحس المنصور أن الدولة في يد أبي مسلم ، وأنه أقوى من رأس
الدولة ، فما هدأ حتى قتله ، ولو لم يفعل لذهبت دولة بني العباس
كما يرى المؤرخون . ثم تكررت الحكاية مع الرشيد والبرامكة . لكن
بعض أولاد الرشيد ظن أن العنصر التركي هو الذي يوفر الاستقرار
والقوة للدولة فعالجوا الخطأ القاتل بخطإٍ مدمر؛ فقد استفحل أمر
الترك ، واشتد عود الغلمان من أقارب أمهات أولاد الخلفاء . ولمع
نجم الخادم وصيفٍ وزميله بُغا .
ومن ملامح عصر القاضي
عبدالوهاب البغدادي
ما ذكره أبو الفداء
ابن كثير في حوادث 362هـ ، وهي السنة التي ولد فيها البغدادي: أنَّ
مراسم العزاء والنياحة ، وتعليق المسوح ، وغلق الأسواق يوم كربلاء
- صارت تفرض نفسها بقوة ممن سماهم بالروافض .
وذكر أن رجلا من أعوان الدولة ضرب رجلا من العامة حتى مات ، فثارت
العامة ومعهم جماعة من الأتراك فأحرقوا الضارب بعد قتله . فركب
الوزير أبو الفضل الشيرازي. - قال: وكان شديد التعصب للسنة - وبعث
حاجبه إلى أهل الكرخ (وكان سكانه من الشيعة) فألقى في دورهم النار
فاحترقت طائفة كثيرة من الدور والأموال ، من ذلك ثلاثمائة دكان ،
وثلاثة وثلاثون مسجدا ، وسبعة عشر ألف إنسان([41]).
ألا نستشف من هذه
الحوادث أن العامة في الكرخ كانوا تقريبا روافض ، وقد بلغ الكره
بين الطوائف إلى الحد الذي صار القتل والحرق هو الذي يشفي الغليل ،
وقد رأى الوزير الذي ارتكب تلك المذبحة البشعة أنه يتقرب إلى الله
بإحراق الألوف لنصر السنة ، وإنضاجها على الأجساد المتفحمة ، وتدل
مثل هذه الحوادث على الفوضى العارمة ، والتفكك الاجتماعي وفساد
الأمور .
وبجوار هذه المهازل
في بغداد يتبختر المعز الفاطمي بمصر والمغرب ويستمع منتفخا لمحمد
بن هاني الأندلسي منشدا في مدحه :
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد
القهار([42])
ولم يكن ما حدث استثناء يعود المسلمون بعده إلى رشدهم ؛ ففي سنة
363هـ . قال ابن كثير : وقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أهل السنة
والرافضة بسبب بدعة عاشوراء الشنيعة على عادة الروافض ؛ وكلا
الفريقين قليل عقل أو عديمة ، بعيد عن السداد : وذلك أن جماعة من
أهل السنة أركبوا امرأة وسموها عائشة ، وتسمَّى بعضهم بطلحة،
وبعضهم بالزبير ، وقالوا: نقاتل أصحاب علي ؛ فقتل بسبب ذلك من
الفريقين خلق كثير ، وعاث العيارون في البلد فسادا ، ونهبت الأموال
. وقال أيضا : وقويت السنة على الشيعة وأحرقوا الكرخ ؛ لأنه محل
الرافضة([43])
، وذكر أنه كان لمعز الدولة ساعيان يتعصب أحدهما لعوام السنة ، والثاني
لعوام الشيعة([44]).
ثم إن القرامطة كانوا
يعيثون في الأرض فسادا.
هكذا تتزاحم
التقلبات: فمن الناحية المذهبية سيطر المعتزلة ردحا من الزمان في
دولة المأمون وأخيه المعتصم ، واضطهدوا الحنابلة ومَنْ على رأيهم
فيما عُرف بفتنة خلق القرآن، وفتحوا بها جرحا غائرا ما زال نازفا
حتى الساعة .
وقد كان الناس متفقون
على أن القرآن كلام الله : فلما زاد المعتزلة : مخلوق ، زاد خصومهم
: قديم .
وعندما جاء المتوكل
العباسي أيد الحنابلة وانحاز إليهم ، ونكل بالمعتزلة حتى أفناهم ،
وصار مسمى السنة حكرا على الحنابلة كما يشير إلية السياق التاريخي
، ولم يَسلم أصحاب المذاهب الأخرى السنية من الغمز واللمز والأذى .
وفي زمن بنى بويه كان
للشيعة حضور قوي ، وكان الصراع المذهبي على أشده من سنة وشيعة
وباطنية وقرامطة ، وأهل السنة مذاهب شتى .
أما الناحية السياسية
:
فقد كانت الدولة
الإسلامية مقسمة كما يلي :
1-
بنو بويه
يحكمون في العراق وما وراء النهر ، والخليفة عندهم يشبه ورقة
الديكور : لا حكم له ولا حول ولا طول .
2-
الفاطميون يحكمون في مصر والشام والحجاز واليمن .
3-
بقايا الأمويين في الأندلس .
4-
مراكز قوى هنا وهناك تتنقل بالولاء ودفع شيء من الهدايا والمال
لمن عز جانبه.
ومن المعلوم أن عدم
الاستقرار السياسي يسبب الحروب والقلاقل ، وهو ما كانت عليه حياة
الناس من انتشار النهب والسرقات ، وقطع الطرق ، وغلق الأسواق حسب
مزاج أي مستبد ظالم ، فقد كان يحدث أن يُمنع الباعة من الاتجار
نهارا ، ويلزموا بالبيع والشراء ليلا .
الطبقات الاجتماعية
:
الطبقة الأولى: طبقة
الحكام وأصحاب السلطة ؛ وهم الذين استأثروا بموارد الدولة كغنائم
الفتوحات والزكوات والأوقاف والضرائب . وقد تكدست الثروة في أيديهم
إلى حد التخمة والعبث . روي أن الطائع العباسي دفع صداق امرأة
تزوجها مائة ألف دينار .
وخلَّف فخر الدولة
ابن بويه وراءه ثلاثة ملايين دينار ، وما يقارب خمسة ألاف قطعة من
الجواهر ، ومن الأواني الذهبية ما قيمته مليون دينار ، ومن الفضة
ما يساوي ثلاثة ملايين درهم ، وثلاثة آلاف حمل من الثياب ، وألف
وخمسمائة حمل من الفرش .
الطبقة الثانية:
طبقة المنتفعين الذين يُقَدَّمُ لهم مقابل خدماتهم . وكذلك كبار
التجار ، وهؤلاء يشكلون الطبقة المتوسطة ، وداخل هذه الطبقة طبقات
تقترب أو تبعد من طبقات الأغنياء أو الفقراء .
الطبقة الثالثة :
طبقة المسحوقين ، وتبدأ بمن يجد القرص بمشقة ، ومن ينجو بجلده قبل
الموت ، كما في حالة شيخ المالكية في زمانه القاضي البغدادي .
ومن يموت جوعا ويذوب
هزالا بجوار الثروات المكدسة في جيوب حفنة من غلاظ الأكباد ، قساة
القلوب . وكيف لا يوصفون بذلك ولم تسمح نفوسهم بتوفير عيشة الكفاف
والعفاف لشيخ علم وكبير ، بل زعيم طائفة أليس له حق في بيت المال ؟
وكذا آخر من كبار
العلماء مات جوعا بعد أن جهد وسيط له أن يظفر بمعونة بسيطة من أحد
الوزراء فامتنع ؛ فواصل ذلك العالم أكل العشب حتى لقي الله وليس في
معدته شيء سوى قليل من أوراق العُشْب .
اسم صاحب الترجمة
:
عبد الوهاب بن علي([45])
بن نصر بن أحمد بن الحسين
بن هارون بن مالك بن طوق التغلبي صاحب الرحبة البغدادي وكنيته أبو
محمد الفقيه المالكي .
طلب العلم :
يظهر من سيرته أنه
عصامي النفس في طلب العلم ، يدور في الحلقات كالنملة ، ويتنقل من
عالم لعالم في تحصيل الغايات البعيدة . وتحقق له ما أراد .
ولم يذكر في تاريخ
أسرته إلا أن جده السادس كان أميرا ومن ندماء الرشيد ، وأن والده
كان من أعيان الشهود في بغداد ، ونُسب إلى القاضي عبد الوهاب أنه
سمع من أبيه. ومع ثبوت ذلك ، وأن والده كان ذا علم إلا أنه من
المؤكد أن القاضي يصدق عليه قول الشاعر :
نفس عصام سودت
عصاما وعلمته الكر والإقـدامــــا
وليس غريبا على
المذهب المالكي أن يقدِّم في ساحة العلماء رجالا كالقاضي عياض وابن
عبد البر ، والقرطبي ، وابن الرشيد ، والبغدادي .
ولم يكن البغدادي
بحاجة للرحلة في طلب المشائخ فالدنيا مختصرة في بغداد ، ولطالب أن
يطلب ما شاء ممن شاء .
مشائخه :
ذكروا له مشائخ عدة تتلمذ عليهم أو سمع منهم مثل :
1.
أحمد بن محمد المجبّر البغدادي ت: 405هـ .
2.
أحمد بن وصيف الصياد .
3.
أبي سعيد الكرخي .
4.
أبي عمر بن السماك .
5.
أبي محمد بن زرقونة .
6.
سمع من أبيه عن أبي بكر الصيدلاني وأبي عمر بن السماك وأبي خالد
النصيبي والحاوي .
7.
أبي علي الحسن بن أبي بكر البزار البغدادي ت: 425هـ .
8. أبي عبد الله الحسين
بن محمد العسكري الدقاق ت: 375هـ
9.
ابن نافع : عبد الله بن سعيد بن نافع من فقهاء المالكية .
10.
عبد الملك بن مروان قاضي المدينة: مالكي ت: 363هـ .
11.
أبي القاسم بن الجلاب إمام فقيه أصولي حافظ ، تفقه على أبي بكر
الأبهري وغيره ، وهو من تفقه به القاضي عبد الوهاب .
12. ابن القصار علي بن عمر أبي
الحسن القصار البغدادي صاحب عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء
الأمصار الذي اختصر منه القاضي عبدالوهاب كتابه: عيون
المجالس توفي ابن القصار 397هـ .
13.
أبي حفص بن شاهين ت: 385هـ ذكر أنه صنف ثلاثمائة وثلاثين مصنفا ،
سمع منه القاضي .
14.
عمر بن محمد البجلي البغدادي القاضي ت:376هـ .
15.
أبي عمر الهاشمي القاسم بن جعفر العباسي ت: 414هـ
16.
المجد . بدون ترجمة .
17.
محمد بن أحمد الصياد .
18.
أبي خالد محمد بن إسماعيل النصيبي .
19.
المخلّص محمد بن عبد الرحمن البغدادي الذهبي ت: 393هـ مسند وقته .
سمع الحافظ أبا القاسم البغوي وطبقته .
20.
أبي بكر الباقلاني محمد بن الطيب بن جعفر بن القاسم البصري المالكي
الفقيه الأصولي المتكلم المعروف شيخ المالكية بالعراق في عصره ،
وهو من أهم مشائخ القاضي عبد الوهاب ، تفقه عليه وأخذ عنه الأصول
والكلام ، وقال فيه : هو الذي فتح أفواهنا وجعلنا نتكلم ت: 403هـ.
21.
أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد التميمي الأبهري ت: 375هـ شيخ
المالكية بالعراق ، وهو من أهم مشائخ القاضي .
22.
يوسف بن عمر البغدادي الزاهد ت: 385هـ روى عن البغوي وطبقته .
تلاميذه :
ما دام قد استفرغ علم
أولئك الأكابر فمن الطبيعي أن يكون محطّ أنظار طلاب العلم، وقد
أمَّه نوابغ الدارسين ، وتخرج عليه أئمة أعلام ، كالحافظ الخطيب
البغدادي ، والشيرازي ، والعكبري النحوي .
ولو لم يكن من
تلاميذه إلا هؤلاء لكفاه فخرا ، كما كفى مالك أن درس عنده الشافعي
تسع سنوات .
لكن طلاب القاضي كثر
ومن أبرزهم :
1.
جمال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروز آبادي الشيرازي
الشافعي علم من الأعلام ت: 476هـ .
2.
أبو العباس أحمد بن منصور الغسَّاني الدمشقي فقيه مالكي روى عن
القاضي .
3.
أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي الحافظ أحد الأئمة الأعلام ،
والمؤلفات المشهورة كتأريخ بغداد والكفاية ت: 463هـ .
4.
أبو الحسن بن محمد السعدي المالكي البغدادي ، يروي عن القاضي .
5.
حيدرة بن علي الأنطاكي المالكي أبو النجا .
6.
عبد الحق بن محمد السهمي القرشي الصِّقِلِّي ، إمام فقيه ، نظار ،
متفنن ، تفقه بشيوخ القيروان ، ولقي القاضي أثناء الحج ت:466هـ .
7.
أبو محمد الكتاني عبد العزيز بن أحمد التميمي الدمشقي الحافظ ، رحل
إلى العراق والجزيرة سنة 417هـ وتوفي 466هـ .
8.
أبو القاسم عبد الواحد ين علي بن برهان العكبري النحوي صاحب
المؤلفات المشهورة ، إمام في النحو واللغة والنسب وأيام العرب
والأمم السالفة ت:456هـ .
9.
علي بن الخضر السلمي .
10.
أبو طاهر بن أبي الصقر الأنباري محمد بن أحمد اللخمي ت: 476هـ .
11.
القاضي أبو عبد الله محمد بن الحسن الغافقي الأندلسي ، وهو الذي
حمل عن القاضي جميع مؤلفاته ، وعنه أخذ أهل الأندلس كتب القاضي عبد
الوهاب .
12.
محمد بن عبدالله بن أحمد بن عمروس أبو الفضل البزار بغدادي .
13.
المازري وهو غير المازري المشهور أبي عبد الله ت: 536هـ .
14.
أبو الفضل مسلم بن علي الدمشقي ، ويعرف بغلام عبد الوهاب ، فقيه
مالكي مشهور.
15.
مهدي بن يوسف .
كلمة عن مكانته
العلمية :
قال عنه الحافظ أبو بكر البغدادي تلميذه : كتبت عنه وكان ثقة ، لم
ألق في المالكيين أفقه منه ، وكان حسن النظر ، جيد العبارة ، وتولى
القضاء بباداريا وباكُسايا ([46])
.وخرج في آخر عمره إلى مصر فمات بها([47])
في شعبان 422هـ .
وقال أبو الحسن بن
بسام : كان أبو محمد ـ يعني القاضي عبد الوهاب البغدادي ـ :
في وقته بقية الناس ،
ولسان أصحاب القياس ، وهو أحد من صرف المذهب المالكي بين لسان
الكناني ونظر اليوناني ؛ فقدَّر أصوله ، وحرر فصوله ، وقرر جمله
وتفاصيله ، ونهج فيه سبيلا كانت قبله طامسة المنار ، دارسة الآثار
.
وقال أبو إسحاق الشيرازي : أدركته وسمعت كلامه في النظر . وكان
فقيها ، متأدبا شاعرا ، وله كتب كثيرة في كل فن من الفقه([48])
.
وقال ابن فرحون : أحد أئمة المذهب ، وكان حسن النظر ، جيد العبارة
، نظار ، ناصر للمذهب ، ثقة ، حجة ، نسيج وحده ، وفريد عصره .
وقال عبد الحي بن أحمد بن العماد الحنبلي : أحد الأعلام ، انتهت
إليه رئاسة المذهب
وقال القاضي عياض : ألّف في المذهب والخلاف والأصول تواليف بديعه
مفيدة([49])
ووصفه ابن عساكر([50])
بالقاضي المالكي الفقيه
صاحب المصنفات . وقال الذهبي في وصفه : هو الإمام العلامة شيخ
المالكية أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر أحمد بن حسين بن هارون
بن أمير العرب مالك بن طوف التغلبي العراقي الفقية المالكي من
أولاد صاحب الرحبة .
صنف في المذهب كتاب التلقين وهو من أجود المختصرات ، وله كتاب
المعرفة في شرح الرسالة وغير ذلك([51])
.
كلمة عن الوضع العلمي
في زمن القاضي
:
شهد القرن الرابع
الهجري تخبط العقل الإسلامي حينما أغلق باب الاجتهاد ، وركدت ريحه
، وسُدت منافذ الاستنباط .
ورضي العلماء أن
يتحولوا من مجتهدين إلى مقلدين ، ومن متوثبين إلى جامدين ، ومن
عمالقة إلى أقزام . حقا لقد حقت النكبة بالمسلمين في كل الجوانب ،
وهذا التحول من أخطر النكبات التي لحقت بنا .
فأي عَالِمٍ مهما نبغ
وتفوق وامتلك قدرة عقلية وثروة علمية تضاهي أو تفوق السابقين أو
بعضهم إلا أنه لا يتجاوز الشرح ، والدراسة ، والاختصار ، والبحث عن
القواعد ، وتأصيل الأصول لبعض من أئمة مذاهب العلم الكبار الذين
صاروا فيما بعد أئمة مذاهب مقسمة ، لكل مذهب أصوله وقواعده ، وعلى
أساسها يدور التفريغ ، ومن أجل أقوال الأئمة الْمُقَلَّدِيْنَ يشتد
الجدل ، ويكثر الاحتجاج واللجاج في أحيان كثيرة ، والتعصب المذهبي
جعل كُلاَّ يرجح جميع أقوال إمامه بغض النظر عن كونه هو القول
الأقوى والأكثر مطابقة للكتاب والسنة .
فصارت أقوال أئمة
المذاهب نصوصا كالقرآن والسنة ، بل صارت أكثر احتراما عند كثير من
المقلدين من نص الشرع نفسه بحجة أن إمام المذهب فَهِمَ الكتاب
والسنة أكثر وأعمق منا ، وهو أعلم وأدرى ، فما فهمه يجب أن نفهمه
حتى في الهفوات التي لا يسلم البشر منها مهما كبر قدره ورسخت في
العلم قدمه .
وكما يقال : لكل جواد
كبوة ، ولكل صارم نبوة ، إلا أن الأتباع غالوا في حفر الخنادق بين
المذاهب ، وحصار أئمة المذاهب بالخصوصية المفرطة .
حتى يخيل إليك أن
الشافعي مثلا خلق مخصوصا بالشافعية ، واجتهاده موجه لهم ، وهم
الوحيدون الصالحون لتلقيه ، والمقبول من تفسير القرآن ما فسره
الشافعي ، والصحيح المقبول من السنة ما صححه وقبله الشافعي ، وهكذا
بقية المذاهب سواء سواء.
بل لو افترضنا جدلا
أن واحدا من أئمة المذاهب وقع في سهو ، فرفع المجرور أو جر المرفوع
، لوجد من أتباعه من يحول سهوه إلى قاعدة يجيز من خلالها مخالفة
قواعد العربية، وربما فضل اللحن على الإعراب .
وهكذا السلوك ينعكس
سلبا على ما هو المطلوب من المسلمين المقتفين آثار رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم .
الذي نصح لهم بقوله :
الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها أو : فهو أولى الناس بها .
سبحان الله ، ما أعظم
وأجل التوجيه النّبَوي الشريف ، كيف فتح الباب واسعا أمام طلاب
العلم ، وعشاق الثقافة حاثًّا لهم على السباق إلى معالي الأمور .
وأعلاها طلب الحكمة ، وهي العلم . وقال : العلم ضآلَّتُكم ، هدفكم
، بغيتكم ، التقطوه ، خذوه ، تعلموه ، أنتم أولى به ، لا يمنعكم من
أخذ الحكمة أي مانع .
يا ترى ما الذي دهانا
حتى سلَّمنا عليا للشيعة ، وزيدا للزيدية ، وجعفرا للجعفرية،
ومالكا للمكية ، و هلم جَرًّا .
لماذا لا يتسابق
المسلمون إلى كل إمام لاستيعاب فكره ونتاجه وأسلوبه ومنهاجه ،
والاستفادة من إسهامه في تبسيط وتقريب المسائل الشائكة ، وجهده في
الاستنباط والاجتهاد فهل يجوز أن نعرض صفحا عن الجهد الضخم لأفذاذ
العلماء ؟.
ولكن أقول: لو كان
هناك مزية لإغلاق الاجتهاد ، والعكوف على دراسة المذاهب من أتباعها
لكان ذلك في تنقيح وتحرير كل شاردة وواردة من نتاج أئمة المذاهب ،
ولعل في ذلك الخير الكثير لو عقل المتأخرون واستفادوا مما تقرر
وتحصل .
أثر القاضي على
المذهب المالكي:
جاء القاضي عبدالوهاب
في فترة حاسمة من التعصب والجمود فمال إلى إحياء تراث إمام دار
الهجرة ، فأسهم إسهاما كبيرا في إرساء قواعد المذهب المالكي ،
ونافح عنه منافحة الأبطال وترك بصمات بارزة اختطها من بعده تجد ذلك
في مؤلفاته ومجادلاته ، ثم ذهابه إلى معقل المذهب المغرب العربي
الذي تلقاه بالترحاب .
لمحة عن حياته :
وجدت فيما يذكر من
أخباره أنه لما خرج من بغداد إلى مصر وتبيعه الفقهاء والأشراف من
أهلها ، قالوا له : والله لقد يعز علينا فراقك ، فقال لهم : والله
لو وجدت في بلدكم كبجلتين (قرصين) من ذرة ، ما خرجت منها . ولقد
ترك أبي جملة دنانير ودارا، أنفقتها كلها على صعاليك من كان ينهض
بالطلب عندي . فنكس كل واحد منهم رأسه . ثم أمرهم بالانصراف ،
فانصرفوا . وأنشد :
لا تطــلبن إلى
المجـبوب أولادا ولا السَّراب لتسْقِي
منه وَرَّادّا
ومن يروم من الأنذال
مكرمة كمن يُوَتِّدُ في الأتـــبان
أوتادا
ويقال: إن سبب خروجه
من بغداد قصة جرت لهُ فتكلم في الشافعي . فخاف على نفسه. فخرج فارا
منها . وأظن أن هذه القصة غير صحيحة ، فالقاضي من أهل الورع والدين
المتين ، ولا يقول في الشافعي ما يوجب الفرار ، إلا إذا كان التعصب
قد بلغ إلى الحد الذي يوجب القتل على كل من تكلم في عالم فلا
يستبعد ذلك .
قال الشيرازي رحمه
الله : وأنشد أبو محمد في خروجه من بغداد :
سلام على بغداد في كل موطن وحُقَّ لها مني
السلام المضاعف
لعمرك ما فارقتــها عن ملالـــة وإني بشطي
جانبيها لعـــــارف
ولكنها ضاقت علىّ برحبهـــــا ولم تكن
الأرزاق فيها تساعف
فكانت كخل كنت أهوى دنوه وأخلاقه تنأى به
وتجانـــــــف
ويروى له أيضا في
مثله:
بغداد دار لأهل
المال واسعـــة وللصعاليك دار الضنك والضيق
أصبحت فيها مضاعا بين
أظهرهم كأنني مصحف في بيت زنديق
ومما أنشده أيضا في
ذلك ، وبعضهم ينسبه له :
وقائلة : لو كان ودك صادقا لبغداد لم
ترحل فكان جوابيا
يقيم الرجال الموسرون بأرضهم وترمي النوى
بالمعسرين المراسيا
وما هجروا أوطانهم عن ملالة ولكن حذارا من
شمات الأعاديا
وحدث بعض الأندلسيين
أنه قال : دخلت بمصر حمَّاما ، فاجتمعت فيها بالقاضي أبي محمد ،
وعندي آنية فيها طيب ، فقصدت إليه ، وسألته استعماله ، فتناوله
واشتَمَّهُ ، وسألني من أين هو لك ؟ قلت : اشتريت خادما ، وكان هذا
في أسبابها . فقال لي : اشترطتَ ماله ؟ قلت : لا . قال . قال : خذه
إليك فلا حاجة لي به . ولما وصل إلى مصر ونيته المغــرب ، فوُصِفَ
لـه فزهــد فيه ، وخاطبه ابنا الشيخ أبي محمد بن أبي زيد ، وقد
انعقد بينهما وصلة بسبب شرحه لتواليف أبيها ، ووصلاه بمال لم يرضه
، واستدعياه للدخول إلى المغرب فكتب إليهم :
أنا ذاك الصديق لكن قلبي عند قرب
الديار ليس بقلب
ما انتفعنا بقربكم ثم لا لو م عليــكــم
وإنما الذنــب ذنــبي
أنا في حطة واسأل ربي في خلاصي من
شرها ثم حسبي
وكان خاطب فقهاء أهل
القيروان في الوصول إليها ، فرغبه في ذلك أبو عمران ، وكسره عنه
أبو بكر بن عبد الرحمن ، وخاطبه أيضا مجاهد الموفق ، صاحب دانية ،
في الوصول إلى الأندلس فيما ذكره . وخرج في آخر عمره إلى مصر ،
واجتاز بالمعرة فضيَّفه أبو العلاء بن سليمان المعري ، وقال فيه:
والمالكي ابن نصر زار([52])
في
سفر بلادنا فحمدنا النَّأْيَ والسَّفَرا
إذا تفقّه أحيـا([53])
مالكا جدلا وينشر الملك الضليل إن شعرا([54])
وله أشعار رأئقة ،
فمن ذلك :
ونائمةٍ قَبّـَلْـتُـهـا
فَـتَـنَـبَّـهَــــت وقالت([55])
تعالوا فاطلبوا اللص بالحد
فقلت لها إني فديتك غاصــب
وما حكموا في غاصب بسوى الرد
خذيها وكُفِّي([56])
عن أثيم ظُلامَةً
وإن أنْتِ لم ترضي فألْفا على العَدِّ
فقالت قصاص يشهدُ العقْلُ أنهُ على كَبِدِ
الجاني ألَذُّ من الشَّهْــــدِ
فباتت يَمِيْني وهي([57])
هِمْيَانُ
خَصْرِها وبانتْ يَسَارِي وهي واسِطَةُ
العِقْدِ
فقالت ألم أُخْبَرْ بأنك زاهِدٌ فقُلتُ
بَلى ما زِلْتُ أزْهَدُ في الزُّهْدِ([58])
قال أبو إسحاق في ( الطبقات ) : أَدْركت عبد الوهاب وسمعتُهُ
يناظر ، وكان قد رأى القاضي الأبْهَرِيَّ ولم يسمع منه . وله كتب
كثيرة في الفقه : خرج إلى مصر ، وحصل له هناك حالٌ من الدنيا
بالمغاربة([59])
.
وقيل : كان ذهابه إلى مصر لإفلاسٍ لحقَهُ . فمات بها في شهر صفر
سنة 422هـ وله ستون سنه([60])
.
مؤلفاته :
خلف القاضي أبو محمد
عبد الوهاب بن على رحمه الله مجموعة طيبة من تآليفه ، وقد ذكـر
كثير ممن ترجــم لــه ، أنه مصنف بارع قدير ، وأن مصنفاته جيدة
حسان ، فقد قال القاضي عياض رحمه الله : (وألف في المذهب والخلاف
الأصول تواليف بديعة مفيدة)
([61])
.
ومن كتبه التي ذكرتها
المصادر :
1)
الإشراف على مسائل الخلاف ، وهو
كتاب مطبوع متداول([62]).
2)
الإفادة في أصول الفقه([63]).
3)
الأدلة في مسائل الخلاف([64])
وأوائل الأدلة في مسائل الخلاف([65])
ويبدو ـ والله أعلم ـ أنهما
كتاب واحد لتقارب اسميهما .
4)
التقييد على الأحكام الخمسة([66])
.
5)
التلخيص في أصول الفقه([67]).
6)
التلقين في فروع الفقه([68]).
7)
الجوهرة في المذاهب العشرة([69]).
8)
رحبة
([70])
.
9)
الرد على المزني
.
وموضوعه ـ والله أعلم ـ الفقه ـ حيث كان المزني رحمه الله ألف
كتابا رد فيه على مالك رحمه الله ثلاثين مسألة ، فرد عليه أبو بكر
الأبهري وعبد الوهاب رحمهما الله([71])
.
10)
شرح التلقين ، ولم يتم([72])
.
11)
شرح فصول الأحكام([73])
.
12)
شرح المدونة ، ولم يتم([74])
.
13)
عيون المجالس([75])
و: عيون المسائل ([76])
وأحسبهما. كتابا واحدا لتقارب اسميهما، وموضوعيهما .
14)
غرر المحاضرة ورؤوس المناظرة([77])
.
15)
الفروق في مسائل الفقه، والبروق في
مسائل الفقه ، والنظائر في الفقه
([78])
والثلاثة – كتاب واحد ، وقد ذُكِرَ أن القاضي عبدالوهاب ألف في هذا
الفن([79])
.
16)
المروزي في الأصول([80])
.
17)
المعرفة في شرح الرسالة([81])
.
18)
المعونة على مذهب عالم المدينة([82])
.
19)
المفاخر([83])
.
20)
المقدمات في أصول الفقه([84])
.
21)
الممهد في شرح مختصر الشيخ أبي محمد([85])
. صنع فيه نحو نصفه .
22)
النصرة لمذهب إمام دار الهجرة . وقع على يد شافعي بخط المؤلف ، فألقاه في
النيل ، قبل أن يشتهر([86])
.
23)
وقـــــد ذكـــــر أن له مؤلفـا في
العقيدة ذكـــر فيه أن مالكـا رحمــه الله ، صنــف عقيدة ، وأعطاها
لابن وهب فكانت عنده([87])
.
خلاصة:
يظهر مما سبق أن
القاضي رحمه الله إلى جانب علمه كان أديبا كبيرا ، وشاعرا مفلقا
لخص ذلك المعري في بيت واحد :
إذا تفقّه أحيـا([88])
مالكا جدلا وينشر الملك الضليل إن شعرا([89])
وكان رحمه الله مرحا
، رقيق الطبع ، دمث الْخُلُقُ ، وإنه حقا حقيق بانعقاد مؤتمر على
شرفه ، وجدير بإقامة مهرجان للتذكير بتراثه ، وتنسم آثاره فرحمه
الله حيا وميتا وأفادنا من علمه ، وألحقنا به صالحين ، شاكرا في
الختام من قام بهذا الجهد لإحياء ذكرى سلفنا الصالح ، ولتشريفهم لي
بالدعوة لحضور هذا المؤتمر الكريم برعاية سمو الشيخ/ حمدان بن راشد
آل مكتوم – نائب حاكم دبي – وزير المالية والصناعة ، وفقه الله
وجميع حكام الإمارات وعلى رأسهم معالي الأب الكبير الشيخ / زايد بن
سلطان لما يحب ويرضى .
بقلم د/ المرتضى بن زيد
المُحَطْوَري الحسني
أستاذ الشريعة بجامعة صنعاء
عضو جمعية علماء اليمن
صنعاء – الجمعة 13/ رجب 1423هـ
الموافق 20/9/2002م
(
[1])مراجع
البحث: جماع العلم للشافعي: (242) ، تاريخ خليفة بن خياط:
1/432، 2/719. طبقات خليفة: 275، المعارف لابن قتيبة :
498-499، المنتخب من كتاب ذيل المذيل للطبري : 106، 107،
مشاهير علماء الأمصار : ت (1110)، الحلية: 6/316، الفهرست لابن
النديم مع تراجم أصحابه: 280-284، أنساب العرب لابن حزم:
1/435-436، الفهرست للطوسي: ت (740، الانتقاء في فضائل الثلاثة
الفقهاء : 9-63، طبقات الشيرازي : 67، ترتيب المدارك :
1/102-254، المبهمات في الحديث للنووي: 34/2، جزء فيه الأحاديث
التي خولف فيها مالك بن أنس: تخريج الدار قطني 255/1-269/2،
تذكرة الحفاظ لابن عبدالهادي: 49/2، صفة الصفوة : 2/177-180،
الكامل لابن الأثير : 6/147، تهذيب الأسماء واللغات للنووي :
2/75-79، وفيات الأعيان : 4/135-139ـ تهذيب الكمال: 1297،
تذكرة الحفاظ: 1/207-213، العبر للذهبي: 1/272، مرآة الجنان
لليافعي: 1/373-377، البداية والنهاية : 10/174-175، الديباج
المذهب: 1/55-139، تهذيب التهذيب: 10/5، النجوم الزاهرة لابن
تغري بردي: 2/96-97، شرح البخاري للقسطلاني: 1/6، مفتاح
السعادة طاش كبري زاده: 2/12، 84-88، التاريخ الكبير: 7/310،
التاريخ الصغير 2/220، الطبقات الكبرى للشعراني: 45، شذرات
الذهب: 2/12-15، تذهيب التهذيب : 4/14/2-16/2، الكاشف: 3/112،
، تاريخ ابن معين: 2/543-546، الأنساب : 1/287، اللباب: 1/69،
الرسالة المستطرفة: 13، مروج الذهب: 3/350، طبقات الحفاظ: 89،
تاريخ الخميس : 2/333، طبقات القراء : 2/35 .
([2])
ترتيب المدارك 1/228، وتأريخ الطبري 7/560 ونصه حدثني سعيد بن
عبد الحميد بن جعفر بم عبد الله بن الحكم ابن سنان الحكمي أخو
الأنصار ، قال : أخرني غير واحد أن مالك بن أنس استُفتى في
الخروج مع محمد ، وقيل له : إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر ،
فقال : إنما بايعتم مكروهين ، وليس على كل مكره يمين . فأسرع
الناس إلى محمد ، ولزم مالك بيته. وترتيب المدارك للقاضي عياض
1 / 228 . وسير أعلام النبلاء للذهبي 8/79 ، نقلا عن الطبري ،
ومقاتل الطالبيين لأبي فرج الأصفهاني الأموي ص283 ونصه : قال
أبو زيد: وحدثني سعيد بن عبد الحميد ، قال: حدثنا جهم بن جعفر
الحكمي ، قال: أخبرني غير واحد أن مالك بن أنس استفتى في
الخروج مع محمد بن عبد الله ، وقيل له: إن في أعناقنا بيعة
لأبي جعفر ، فقال: إنما بايعتم مكرهين ، وليس على مكره يمين ،
فأسرع الناس إلى محمد بن عبد الله . وينظر ينابيع النصيحة في
العقيدة الصحيحة للأمير الحسين بن بدر الدين بتحقيقنا ص485
الطبعة الثانية مركز بدر العلمي سنة 1422هـ - 2001م ، والبداية
والنهاية 10/90 ، الكامل لابن الأثير 5/3 ، وسر انحلال الأمة
ووهن المسلمين لمحمد سعيد العرفي ص121 .
(
[3])ترتيب
المدارك لقاضي عياض 1/ 228- 229 .
([4])
ينظر
مناقب الشافعي لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، تحقيق أحمد
صقر ، طبعة أولى 1391هـ - 1971م ، مكتبة دار التراث – القاهرة
1/142، 143، ومقدمة التحقيق لكتاب الأم للشافعي للمحقق الدكتور
أحمد بدر الدين حسون، قال: وتتفق الروايات على أن الشافعي قدم
العراق متهما بالتشيع لآل علي كرم الله وجهه وكان ذل في عهد
الخليفة هارون الرشيد 1/50، ونحوه تأريخ دمشق 51/286 ، وتأريخ
المذاهب الإسلامية لمحمد أبي زهرة ص442.
(
[5])
مسالة 3 – 1 /97 عيون المجالس.
(
[6])
مسألة 5 – 1 / 101 .
(
[7])
مسالة 6 – 1 /104 .
(
[8])
مسالة 7 – 1 / 106.
(
[9])
مسالة 8 – 1 / 108.
(
[10])
مسالة 11 – 1 / 114.
(
[11])
مسالة 13 – 1 / 117 .
(
[12])
مسالة 15 – 1 / 121.
(
[13])مسالة
16 – 1 / 122.
(
[14])مسالة
28 – 1 / 150 .
(
[15])مسالة
29 – 1 / 151.
(
[16])مسالة
43 – 1 / 178.
(
[17])مسألة
50 – 1 / 197.
(
[18])مسألة
53/54 – 1 / 201.
(
[19])مسألة
122 - 1 / 290.
(
[20])مسالة
127 - 1 / 295.
(
[21])مسالة
129 – 1 / 300.
(
[22])ترتيب
المدارك 1 / 102 . وأبو زهرة 390.
(
[23])للتوسع
أنظر ترتيب المدارك 1 / 107.
(
[24])ترتيب
المدارك 1 / 130.
(
[26])
للتوسع عليك بترتيب المدارك 1 / 129 – وما بعدها.
(
[27])
ترتيب المدارك 1 / 145- 146.
(
[28])
ينظر
ترتيب المدارك 1 / 153.
(
[29])
ينظر
ترتيب المدارك 1 / 166.
(
[30])
ينظر
ترتيب المدارك 1 / 167.
(
[31])
سير
أعلام النبلاء 8 / 48 رقم الترجمة 10.
(
[32])تأريخ
المذاهب للإمام محمد وأبي زهرة ص428.
(
[33])شرح
الكافل للسيد/ أحمد لقمان ص286 .
(
[34])شرح
المنار وحواشيه ص811 طبعة أولى سنة 1315هـ، مطبعة عثمانية .
(
[35])التحبير
شرح التحرير 8/3818.
(
[37])التحبير
شرح التحرير 8/3819.
(
[39])رفع
الحاجب 4/521 .
(
[40])حاشية
شرح الكافل لابن لقمان .
(
[41])البداية
والنهاية لأبي الفداء ابن كثير 11 / 309 .
(
[42])
البداية 11 / 310.
(
[45])
بعض
المصادر لم تذكر عليا فتقول عبد الوهاب بن ناصر.
[47])
)
تأريخ بغداد 11 / 31.
[48])
)
طبقات الفقهاء لأبي إسحاق 168.
[49])
)
ترتيب المدارك 2/ 692.
[50])
)
تأريخ دمشق 37 / 337 رقم الترجمة 4384.
[51])
)
سير أعلام النبلاء 17 / 329 رقم الترجمة 287.
[52])
)
في الأصل : ( زان ) بالنون ، والمثبت من ( شروح سقط الزند )
وغيرها.
[53])
) في
( شروح السقط ) : أعيا.
[54])
)
البيتان في ( شروح سقط الزند ) 1700 ، وأوردهما ابن خلكان فب
( الوفيات ) 3 / 220 ، وابن بسام في ( الذخيرة ) 4 / 2 / 516 ،
والكتبي في ( الفوت ) 2 / 420 والملك الضليل : هو امرؤ القيس
بن حجر الكندي ، سمي بذلك لأنه أضل ملك أبيه.
[55])
)
في الأصل : (وقالوا ) والمثبت من مصادر التخريج.
[56])
)
في ( الذخيرة ) : ( وحُطِّي ).
[57])
)
في ( الذخيرة ) : ( رهن ) بدل ( وهي ) في الموضعين من البيت.
[58])
)
الأبيات في ( الذخيرة ) 4 / 2 / 518 ، و( وفيات الأعيان ) 3 /
220 ، 221 ، و( فوات الوفيات ) 2 / 420 ، 421 ، و ( البداية
والنهاية ) 12 / 33 ، و( شذرات الذهب ) 3 / 224.
[59])
)
أنظر( طبقات الفقهاء) 143 ، و ( ترتيب المدارك ) 4 / 692 ، و
( تبيين كذب المفتري ) 250.
[60])
)
أنظر( وفيات الأعيان ) 3 / 220 ، و (ترتيب المدارك ) 4 / 693.
[61])
)
أنظر : ترتيب المدارك 4 / 692.
[62])
)
أنظر : الأعلام 4 / 184.
[63])
)
أنظر : الديباج ص 160 ، ترتيب المدارك 4 / 692.
[64])
)
أنظر : شجرة النور ص 104.
[65])
)
أنظر : معجم المؤلفين 6 / 226 ـ 227.
[66])
)
أنظر : مقدمة كتاب المعونة على مذهب عالم المدينة ص 33.
[67])
)
أنظر : الديباج ص 159 ـ 160.
[68])
)
أنظر : وفيات الأعيان 3 / 219 ، ( وقد حقق هذا الكتاب في
جامعة أم القرى ، في رسالة علمية مقدمه من : محمد ثالث سعيد ،
سنة 1405هـ 1406هـ ) . ( أنظر : مقدمة كتاب المعونة ص 27 ).
[69])
)
أنظر : هدية العارفين 5 / 637.
[70])
)
أنظر : ترتيب المدارك 4 / 692 ، هدية العارفين 5 / 637.
[71])
)
أنظر: الديباج ص 160 ويبدو أنه كان يشرح التلقين الذي سبق ذكره
، وهو الذي كان ألفه ، والله أعلم.
[72])
)
انظر : الديباج ص 160 ، ويبدو أنه كان يشرح التلقين الذي سبق
ذكره ، وهو الذي كان ألفه ، والله أعلم.
[73])
)
انظر بروكلمان الملحق 1/660، وله نسخة في القرويين بفاس تحت
رقم (908)، الأعلام 4/184.
[74])
)
انظر تهذيب المدارك 4/692، الأعلام 4/184 .
[75])
)
وهذا هو كتابنا هذا الذين سيأتي التفصيل عنه ، في الفصل
الثالث .
[76])
)
انظر: ترتيب المدارك 4/692 ، هدية العارفين 5/637، معجم
المؤلفين 6/226-227 .
[77])
)
انظر بروكلمان الملحق 1/660 ، الأعلام 4/184، وله نسخة في
مدريد تحت رمق (60).
[78])
)
انظر: الديباج ص160، شجرة النور ص104 .
[79])
)
انظر : مقدمة كتاب عدة البروق ص52 .
[80])
)
انظر : ترتيب المدارك 4/692.
[81])
)
انظر : سير أعلام النبلاء 17/429-430 .
[82])
)
انظر : الديباج ص159، شجرة النور ص104، وذكره القاضي عياض :
باسم المعونة لدرس عالم المدينة ، (انظر : تريب المدارك 2/691)
، وقد حقق في جامعة أم القرى بمكة في رسالة دكتوراه ، تحقيق /
حميش عبد الحق سنة 1413هـ ، 1993م .
[83])
)
انظر ترتيب المدارك 2/691 .
[84])
)
نسبه له السيوطي رحمه الله في كتابه : الرد على من أخلد إلى
الأرض ص123.
[85])
)
انظر : الديباج ص160، شجرة النور ص104 .
[86])
)
انظر : الديباج ص159-160، شجرة النور ص104 ، هدية العارفين
5/637.
[87])
)
انظر : عيون المناظرات ، لأبي السكوني ص204 .
[88])
) في
( شروح السقط ) : أعيا.
[89])
)
البيتان في ( شروح سقط الزند ) 1700 ، وأوردهما ابن خلكان فب
( الوفيات ) 3 / 220 ، وابن بسام في ( الذخيرة ) 4 / 2 / 516 ،
والكتبي في ( الفوت ) 2 / 420 والملك الضليل : هو امرؤ القيس
بن حجر الكندي ، سمي بذلك لأنه أضل ملك أبيه.

|