|

تقريب أصول الفقه
تأليف: محمد يحيى سالم عزان
بسم اللّه الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين وصلى اللّه على سيدنا محمد الطاهر الأمين
وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد.
فإن قواعد أصول الفقه من أهم وسائل المعرفة ومناهج الفهم لأننا
بواسطتها نتعلم كيف نتعامل مع الميراث الثقافي الذي تزخر به الساحة
الإسلامية، ونحدد مواقفنا العملية من كل ما يستجد في حياة المجتمع.
وتلك القواعد ثابتة في أصلها، قادرة على استيعاب الحوادث
والمتغيرات الحياتية التي تتجدد بتجدد الأيام وتختلف باختلاف
البلدان والأزمنة.
وقد تعرض هذا العلم ـ كغيره من وسائل المعرفة ـ لإضاعة دوره، وذلك
إما بقصره على كشف صحة مادَوَّنه الأقدمون، وإما بإخضاعه للمناخات
المذهبية ودفعه خلف الرؤى والاجتهادات التي يفترض تسييرها وفق
قواعده، فترى كثيراً من المعتنين به لاهَمَّ لهم إلا متابعة ماتوصل
إليه الأوائل من الأحكام والنظر في مدى مطابقته لماتعلموه من هذه
القواعد، أو تطويعها لمطابقة مذاهبهم، وهذا بدوره يؤدي إلى هز
الثقة في مصداقية تلك القواعد.
ونظراً لما لهذه القواعد من الأهمية قررت هيئة التدريس والإدارة في
(منتدى الشباب المؤمن) اعتبار هذه القواعد مادة أساسية من المواد
التي تدرس في المراكز العلمية التي يقيمها.
وعُيِّنت لخدمة طلاب العلم فدرَّست هذه المادة، وقضيت تجربة حية مع
الطلاب خلال دورة كاملة، ثم أَطْلعت هيئة التدريس والإدارة على
نتائج تلك التجربة، وأكدت على أن هنالك مايجب أن يُنَقَّح، ومايجب
أن يضاف، ومايجب أن يوزع على عدة مراحل، ليتلاءم مع مستويات
الطلاب، ثم استقر رأي الجميع على أن أقوم بجمع مختصر في هذه المادة
لعلها تؤدي الغرض المطلوب، على أن يراعى في ذلك الأصالة والتحديث،
ومتطلبات العصر، ونحو ذلك.
(1/1)
وقبل أن أرفع القلم عن كتابة هذا السطور أود أن أنبه على أن تدريس
هذه المادة لايتلاءم ـ من حيث المبدأ ـ مع أي مستوى من مستويات
الطلاب، إذ لابد أن يكون الطالب قادراً على الاستيعاب والربط بين
مختلف المواضيع، وإلا لم تحصل النتائج المرجوة. واللّه الموفق، هو
حسبنا ونعم الوكيل.
منهج البحث
حاولت في هذه الفصول عرض قواعد أصول الفقه عرضاً سهلاً مراعياً في
ذلك الأصالة والتحديث، ومعرضاً عن الإغراق في التفريعات التي
لاطائل تحتها، وبذلت جهدي في محاولة إعطاء الطالب جرعة من هذا
العلم يستطيع بعدها توسيع دائرة معرفته بنفسه، ويتمكن من التعامل
مع المراجع العملاقة في هذا الفن.
وكنت أشعر أثناء كتابة هذه الرسائل بأن المتناقضات تتجاذبني من كل
وجهة فأنا أريد بسط وتوضيح ودراسة بعض الجوانب، في حين أنا ملزم
باستيعاب مباحث أصول الفقه واختصارها بحيث لايخرج المختصر عن حجم
الكتاب الصغير. وكنت أرغب في إضافة أو إلغاء أو نقاش بعض المسائل،
لكنني كنت أشعر أن المحيط الثقافي الذي يلفنا، وطرق التدريس
الدارجة عندنا تحتاج إلى مراعاة وتصرف بحكمة.
وكتابة منهج للتدريس موجه لطبقة معينة من المثقفين يتطلب سلوك
طريقة مَدْرُوسة، توصل إلى مايمكن أن يقوم بالدور المنشود، فكان
منهجي في الكتابة كما يلي:
حاولت نقل الطالب من فهم المعنى المجرد إلى تصور الواقع التطبيقي.
ركزت على كشف جذور المسائل وسر علاقة بعضها ببعض، لأن ذلك يوفر
كثيراً من المعاناة في فهم التفاصيل.
تجنبت ذكر بعض الحدود والتعريفات والمصطلحات المعقدة، مستغنيا عن
ذلك بإدراجها في صيغة توضيح وتمهيد.
راعيت في ترتيب المباحث التَّدرُّج الفكري، فقدَّمت مايترتب عليه
غيره، وجمعت بين مايمكن جمعه في إطار واحد.
اعتمدت على التفريع والتقسيم، كوسيلة لتنظيم فهم المعلومات، كما
أعرضت عن بعض التقاسيم والتفريعات الصغيرة لكي لايضيع المقصود بين
ركامها.
(1/2)
تجنبت الإيغال في فنون مستقلة لها علاقة بهذا الفن كالمنطق
والبلاغة والنحو.
اعتمدت كثيراً على الأمثلة في زيادة توضيح المعاني، وحاولت جهدي أن
تكون أمثلة صحيحة سهلة لها حظ من الواقعية.
حاولت تجنب التعقيدات جهدي، ولذلك طلبت من بعض طلاب المراحل
المتوسطة قراءة هذا الكتاب والتفهم لمعانيه، والتنبيه على ما يصعب
فهمه، لكي أعمل على استبداله بصيغة أوضح.
خرجت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المستشهد بها كما استخدمت
الهامش لبعض الإيضاحات.
اعتمدت على جملة من أمهات المراجع في هذا الفن لاسيما من كتب علماء
الزيدية، منها:
الفصول اللؤلؤية.
هداية العقول في شرح غاية السؤل.
مرقاة الوصول.
مغني ذوي العقول.
إحكام أحكام الأصول بشرح مغني ذوي العقول.
معيار العقول في شرح منهاج الوصول. وكذلك استعنت بمايلي:
أصول الفقه. لمحمد أبو زهرة.
أصول الفقه. لعبدالوهاب خلاف.
علم الأصول. لمحمد باقر الصدر.
أصول الفقه. لمحمد رضا المظفر.
وأخيرا أحمد اللّه تعالى على الإعانة والتوفيق، وأسأله أن يحقق
آمالنا ويصلح أعمالنا، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين
الطاهرين.
الباب الأول
في معرفة مقدمات أصول الفقه
المبحث الأول: نشأة أصول الفقه وتطوره
جاءت الأديان السماوية رحمة للبشرية إذ كان في مقدمة مقاصدها توثيق
علاقة المخلوق بخالقه وتنظيم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان من خلال
العبادات ونظام المعاملات التي شرعت أساساً لذلك، وكانت رسالة
الإسلام هي الرسالة السماوية الخاتمة والشاملة لكل جوانب الحياة،
ولذلك اعتبرت ضرورة حياتية قبل أن تكون مطلباً دينياً.
وعلى امتداد فترة الرسالة الإسلامية ظلت التعاليم السماوية تصل إلى
الناس غضَّة طريَّة عن طريق رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم
فلا اضطراب في معرفتها ولاتخبط في فهمها.
(1/3)
ومن ثمة لم يكن هنالك حاجة لوجود قواعد لاستنباط الأحكام الشرعية
أو دفع الغموض عنها مع استمرار نزول الوحي والقرب من رسول اللّه
صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وبموت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم غاض ذلك النبع الصافي،
وتوقف إمداد الوحي السماوي بعد أن رسم للبشرية المنهج الذي يجب أن
تمضي عليه، ووضع الأسس التي يمكن أن تتحرك من خلالها لمعرفة أحكام
ما سيحدث ويتجدد في حياة الناس.
ففي عصر الصحابة واجه المسلمون تساؤلات عن تحديد المواقف العملية
تجاه بعض المستجدات التي لم يفهم عوام الناس موقف الشرع منها؛ لأنه
لم يرد بحكمها نص صريح في القرآن أو السنة، فتوجه فقهاء الصحابة
كعلي عليه السلام وابن مسعود وزيد بن حارثة وأبي بن كعب رضي اللّه
عنهم إلى إمعان النظر في مصادر التشريع ومراجعة التركة العلمية
التي ورثوها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فاستخرجوا
منها ما تتطلبه الساحة من الأحكام تجاه مختلف القضايا الحادثة،
معتمدين في ذلك على ثوابت وأصول مستمدة من العقل واللغة والشرع،
نحو تقديم النص القرآني على النص النبوي، ومراعاة التقييد
والتخصيص، والعمل بالناسخ، والاستفادة من المفاهيم، ودلالات
الألفاظ، ونحو ذلك مما صار يعرف مؤخراً بأصول الفقه. وللإمام علي
عليه السلام أقوال ـ في نهج البلاغة وغيره ـ توضح بعض تلك الضوابط
في كيفية ثبوت النصوص وفهمها.
وشهد عصر التابعين متغيرات كثيرة كان لها أثر ملموس في منهج
التفكير والنشاط العلمي، من أهمها:
1 ـ تَوَسُّع رقعة العالم الإسلامي، ودخول الدعوة الإسلامية إلى
مجتمعات متعددة الأعراف مختلفة الأوضاع يتطلب التعامل معها شيئاً
من المرونة والشمولية من جهة، والدقة في التحرك وفق مقاصد الشريعة
من جهة أخرى.
2 - تنامي الميراث الثقافي، حيث خلف الصحابة وراءهم طائفة كبيرة من
الأحاديث النبوية إلى جانب اختلافهم إما في نقلها أو في فهمها.
(1/4)
3
ـ انعكاسات الصراع السياسي على الحياة الثقافية حيث خلقت السياسة
أفكاراً وأخفت أخرى، وتدخل الحكام تدخلاً مباشراً في تقرير مصير
بعض المفاهيم والأحاديث بما يتناسب مع أوضاعهم السياسية.
4 ـ تسهيل الطريق ـ من قِبَل الأمويين ـ أمام عودة المفارقات
الاجتماعية والعرقية والتاريخية ونحوها مما جاء الإسلام لصهره في
إطار واحد، مما شجع الجميع على البحث عن مزيد من المميزات والفوارق
التي هي أساساً بذور الفُرقة والشتات.
وفي ظل تلك المتغيرات نشأت الفرق الدينية وتبلورت أفكارها وحرصت كل
فرقة على حشد ما يمكن حشده من الحجج والبراهين لتقوية جانبها
وترسيخ دعائمها.
وهذا بدوره وضع الفقهاء ـ الذين برزوا في ذلك العصر ـ أمام مهمة
صعبة؛ لأن ما يقررونه من اجتهادات ومسائل فقهية يجب فيها مراعاة
المتغيرات التي أسلفنا، والحرص على براءة الذمة أمام الشرع،
فتوجهوا إلى دراسة ما بين أيديهم من النصوص والاجتهادات وأضافوا
إليها اجتهادات أخرى، مما جعل القواعد والضوابط الأصولية أكثر
فاعلية وثراءً.
ورغم كثرة الضوابط ـ المنظمة لعملية الاستنباط ـ وتداخلها فإنها لم
تميز آنذاك كفَنٍّ مستقل تُشرح أبعاده وتبين جذوره، وإنما كان
الفقهاء يتداولونها كنظريات معروفة لديهم، يشيرون إليها في معرض
استدلالاتهم وأثناء حوارهم.
وقد قيل إن أول من أملى قواعد هذا العلم هو الإمام محمد بن علي
الباقر المتوفى (114 هـ)، وإن أول من صنف فيه هو الإمام محمد بن
إدريس الشافعي المتوفى (204 هـ).
وفي أوائل القرن الثالث الهجري بدأ أتباع أئمة المذاهب الفقهية
بجمع واستخراج ما يمكن أن يكون أصولاً لفقه إمامهم سواء كان مما
تميز به أم لا، ثم أفرغوا جميع ذلك في قوالب جديدة فجعلوا لها
أبوابا ورتبوا لها فصولاً وتعاملوا معها كأصول لمذهبهم، رغم أن
الجزء الأكبر منها ـ لاسيما في أمهات المسائل ـ يعد أصولا مشتركة
بين الجميع.
(1/5)
وأخذت كل طائفة تنمي وتفرع وتستدل وتتفنن في التجديد والصياغة حتى
وصل علم أصول الفقه إلى ما هو عليه اليوم.
ومما تقدم يمكننا النَّظر إلى تلك الأصول من زاويتين:
الأولى : أن أصول الفقه عبارة عن ثوابت عقلية ولغوية وشرعية يتحتم
على فقهاء المسلمين مراعاتها ـ على اختلاف عصورهم ومذاهبهم
ونزعاتهم ـ وذلك هو القدر المشترك الذي يمكن أن يطلق عليه اسم:
(أصول الفقه الإسلامي) مطلقاً غير مقيد بمذهب معين.
ويكون العمل في هذا الجانب هو: ذكر تلك الثوابت، ودراستها،
والاستدلال عليها، وتطبيقها، وتقييمها، والتفريع عليها، وتمييز ما
اتفق عليه منها، ومعرفة أسباب الخلاف فيما اختلف فيه، ونحو ذلك مما
لايخرج الحديث عنه إلى الخصوصيات.
ويعتبر المجتهد على ضوء هذا النوع من الأصول مجتهداً مطلقاً غير
مقيد بمذهب، لأنه يحتاج في اجتهاده إلى استنباط قواعد أخرى تساعده
على التوصل إلى تكوين رؤية متكاملة.
الثانية : أن أصول الفقه عبارة عن قواعد تميز بها مجتهد معين
واستخرجها أتباعه من فقهه، وغالبا ما تكون جزئيات متفرعة عن الأصول
المشتركة.
ويعتبر المجتهد على ضوئها مجتهداً في المذهب لامجتهداً مطلقاً ،
كما هو شأن كثير من المجتهدين في المذاهب الأربعة.
أصول الفقه عند الزيدية ومميزاته
كان الإمام زيد بن علي عليه السلام ـ وهو أحد التابعين ـ يعتمد
فيما يستنتجه من فقه على ضوابط أصولية لم يبينها لنا أو يمليها على
أحد من تلامذته شأنه شأن كثير من معاصريه، وإنما يمكن استيحاء
بعضها واستنتاجه من خلال الدراسة العميقة لفقهه، وقد قام بعض علماء
الزيدية ـ في زمن متأخر ـ بجمع تلك القواعد والاستدلال عليها كما
فعل أتباع المذاهب الأخرى.
(1/6)
ومما تجدر الإشارة إليه أن عموم فقه الزيدية لايقتصر على فقه
الإمام زيد وحده، بل هو فقه طائفة كبيرة من المجتهدين المنتمين إلى
خط أهل البيت (ع)، الذين تعاملوا مع الأصول الفقهية العامة غير
متقيدين بمميزاتِ وخصوصيات مذهب معين، ولاخاضعين لنمط خاص من
الاجتهاد، أو ملزمين بمسايرة فقه مجتهد معلوم.
ومن هنا كان كبار أئمة الزيدية أئمة مذاهب فقهية شأنهم شأن الأئمة
الأربعة، لهم أتباع ومقلدون، جمعوا فقههم واحتجوا له واستخرجوا
أصولهم وشرحوها.
وبعد مقتل الإمام زيد عليه السلام كانت حركة الفقه وقواعده ضئيلة
بل تكاد أن تكون معدومة، لأسباب عدة، منها:
أولاً : إن معظم تلامذة الإمام زيد قتلوا معه أو شردوا من بعده،
وبذلك قلَّت منابع الإمداد الفقهي وكادت أن تقتصر على ما دوّنه
الإمام زيد في مجموعه الحديثي، وما ضم إليه أبو خالد الواسطي من
فتاوى ومسائل فقهية، سمعها منه عدة مرات.
ثانياً: إن السلطة الأموية ومن بعدها العباسية عملتا على إقامة حظر
شامل على كل ما له علاقة بالإمام زيد في المجال الفكري وغيره، حتى
عاش أنصاره وأبناؤه معظم أعمارهم متنكرين، لايقدرون على إظهار
أسمائهم وأنسابهم فضلاً عن نشر أفكارهم، حتى قال محمد بن حسن
الشيباني المتوفى (189 هـ): إذا أمنت من أعداء زيد بن علي على نفسي
فأنا على مذهبه، وإلا فأنا على مذهب أبي حنيفة (1)، وبذلك لم يستطع
الزيدية أن يكونوا حتى مجتمعاً صغيراً يغلب عليه الطابع الزيدي.
__________
(1) ـ الشافي 1/236، الفلك الدوار 55.
(1/7)
ثالثاً: إن الزيدية عاشت بعد مقتل الإمام زيد ـ ما لايقل عن قرن من
الزمان ـ حالة استنفار دائمة نتيجة للصراع بين أتباع الإمام زيد
وخصومه، فبعد مقتله مباشرة قاد ولده يحيى بن زيد مَن بقي من
الزيدية ضد الحكم الأموي حتى قتل سنة (126 هـ)، وانقرض عصر
الأمويين وظهر العباسيون وسلكوا مسلكهم في الجور والطغيان، وحينها
كان الإمام محمد بن عبد اللّه النفس الزكية وأخيه إبراهيم بن عبد
اللّه يعدان لحركة أخرى استمرت إلى أن قتل محمد في المدينة سنة
(145 هـ)، وقتل إبراهيم في البصرة بعده بأشهر، ثم واصل المسيرة
الإمام الحسين بن علي الفخي حتى قتل سنة (149 هـ) بالحجاز، وتلاه
الإمام يحيى بن عبد اللّه في بلاد الجيل والديلم، إلى أن سم في سجن
الهادي العباسي ببغداد سنة (175هـ)، وكان الإمام إدريس بن عبد
اللّه قد خرج إلى بلاد المغرب وأقام بها دولة منفصلة عن الدولة
العباسية وتوفي سنة (177هـ). واستمر ذلك الصراع من دون انقطاع إلى
أواخر القرن الثاني.
وفي ظل تلك الظروف لم يكن هنالك أي مجال للتأصيل والجمع والتأليف
على نطاق واسع، إلا أن الأئمة ـ رغم كل ذلك ـ حافظوا على التوجه
العام لخط أهل البيت عليهم السلام، وكانوا يوافون أتباعهم في كل
عصر بما تتطلبه الساحة من المعارف الدينية إما على شكل فتاوى
وحوارات، أوعلى شكل كتب ورسائل كما فعل الإمام محمد بن عبد اللّه
النفس الزكية حين ألف كتاباً في الفقه السياسي سماه: (كتاب السير)
(1) .
__________
(1) ـ كتاب (السير) في الفقه السياسي، ذكره غير واحد، وقد نقل عنه
نصوصا كثيرة الإمام أبو طالب في (التحرير) والحافظ أبو عبد اللّه
العلوي في (الجامع الكافي)، والإمام يحيى بن حمزة في (الانتصار)
وغيرهم.
(1/8)
وفي أوائل القرن الثالث الهجري استطاع أئمة الزيدية أن يكونوا
مجتمعات صغيرة ذات طابع زيدي إما سراً كما فعل الحسن بن يحيى ومحمد
بن منصور في الكوفة، وإما بعيداً عن متناول أيدي السلطة كما فعل
القاسم بن إبراهيم المتوفى (246هـ) في (الرس)، والحسن بن زيد
المتوفى (270هـ تقريبا) في (طبرستان).
وبذلك تمكن الأئمة من تدوين شطر من فتاواهم واجتهاداتهم، وشرحوا
بعض الأصول التي قامت عليها، واشتهر في هذه الفترة جماعة من
فقهائهم، منهم:
الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي المتوفي سنة (246 هـ) (1)، وهو أحد
أعلام الأئمة المجتهدين، له مذهب فقهي مشهور في أوساط الزيدية،
وألف كتبا كثيرة في الفقه وغيره، منها: كتاب (الناسخ والمنسوخ) .
والحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد المتوفى (260 هـ) (2)، وكان في
الشهرة بالكوفة في الزيدية كأبي حنيفة عند فقهائها، قال السيد صارم
الدين: كان عامة الزيدية في الكوفة على مذهبه، أورد الحافظ أبو عبد
اللّه العلوي جزءاً من فقهه في (الجامع الكافي).
وعبدالله بن موسى بن عبد اللّه المتوفى سنة (247 هـ) (3)، وكان من
فضلاء أهل البيت وعلمائهم، وقد أورد الحافظ أبو عبد اللّه العلوي
جزءاً من فقهه في (الجامع الكافي).
وأحمد بن عيسى بن زيد المتوفى سنة (247 هـ) (4)، وهو المعروف بفقيه
آل محمد، له فقه كثير ورواية واسعة، تضمن كتاب (العلوم) الذي جمعه
محمد بن منصور المرادي كثيراً من فقهه وروايته حتى غلب عليه اسم:
(أمالي أحمد بن عيسى).
__________
(1) ـ الفلك الدوار 15، الأعلام 6/5.
(2) ـ طبقات الزيدية ـ خ ـ، الفلك الدوار 26.
(3) ـ الفلك الدوار 27.
(4) ـ الفلك الدوار 26، الأعلام 1/191.
(1/9)
ومحمد بن منصور المرادي، أبو جعفر الحافظ، أحد الفقهاء المعمرين،
قيل إنه تعمر مائة وخمسين سنة وتوفي بعد سنة مائتين وتسعين، جمع
فقهه وما روي عن أئمة الزيدية قبله من فقه في قرابة ثلثين كتاباً
اختصرها الحافظ العلوي في كتابه (الجامع الكافي).
ومما تقدم نلحظ أن حركة الفقه وأصوله عند الزيدية دخلت آنذاك طوراً
آخر وفترة جديدة، يمكن أن نعتبرها فترة تدوين الفقه وأصوله عند
الزيدية.
وفي أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع دخل الفقه الزيدي
مرحلة أخرى حيث استقرت أوضاع الزيدية نسبياً بقيام دولة لهم في
اليمن بزعامة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين المتوفى سنة
(298هـ)، وأخرى في الجيل والديلم بزعامة الإمام الناصر الحسن بن
علي الأطروش المتوفى سنة (304 هـ).
وكان التأليف في قواعد الأصول في القرن الرابع قد توسع قليلا حيث
الف الإمام الهادي كتاب (السنة)، وكتاب (القياس)، وكتابا آخر عن
القرآن وآخر عن عصمة الأنبياء.
ومن خلال نظرة فاحصة في مجمل التوجهات الفقهية ونمط الاستدلال
عليها، يمكننا اكتشاف ميزة أخرى في الفقه الزيدي، وهي أنّ اجتهاد
معظم فقهاء الزيدية اجتهاداً مطلقاً ولهذا يتحركون في اجتهاداتهم
من خلال نوعين من القواعد الأصولية:
النوع الأول: ما يمكن أن نعتبره إطاراً عاماً ـ من القواعد
الأصولية ـ يكاد أن يجمعهم ويكون بمثابة أصول مشتركة بالنسبة لهم،
ومنها على سبيل المثال:
مراعاة قضايا العقل في إصدار الأحكام، لاسيما ما كان له علاقة
بالتحسين والتقبيح.
اعتبار ما صح عن علي عليه السلام موضع احتجاج.
ترجيح ظواهر النصوص القرآنية، على كثير من الأحاديث الظنية.
اعتبار إجماع أهل البيت (ع) حجة يجب الأخذ بها.
اعتبار عرض الأحاديث على القرآن خير وسيلة لمعرفة صحتها.
وهذه ثوابت يندر تجاوزها والتغير فيها، ولايصح نسبتها إلى أصول
مذهب إمام بمفرده، حتى لايكون من يتحرك في إطارها مجتهد في المذهب
فقط.
(1/10)
النوع الثاني: قواعد مرنة قابلة للتجديد والتغيير، وهي التي يمكن
للمجتهد الاجتهاد فيها والترجيح على أساسها، ومن خلالها ظهرت
الخلافات الفرعية في المسائل العملية بين أئمة الزيدية، حتى اشتهر
في تاريخ الزيدية مذاهب فقهية متعددة تشبه في نشأتها وتطورها
المذاهب السنية الأربعة، ومن تلك المذاهب:
القاسمية، وهم: أتباع ومقلدوا الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي فيما
حصله من مسائل فقهية، وكان معظمهم في الحجاز والجيل والديلم. حتى
قال الإمام أبو طالب الهاروني: إن الديلم كانوا يعتقدون أن من خالف
القاسم بن إبراهيم عليه السلام في فتاويه فهو ضال، وكل قول يخالف
قوله فهو ضلالة (1).
الهدوية، وهم: أتباع الإمام الهادي ومقلدوه، ومعظم انتشارهم كان في
الجزيرة وخراسان والعراق، واعتنى به علماء الزيدية عناية فائقة،
ولم يكن بينه وبين مذهب جده القاسم كثير اختلاف.
الناصرية، وهم: أتباع الإمام الناصر الأطروش ومقلدوه، وكان معظم
أتباعه في العراق وفارس، وكان الجيل يعتقدون أن مخالفة مذهبه ضلال،
وقد قام بخدمته جملة من علماء الزيدية.
ثم توجه أئمة الزيدية بعد ذلك إلى دراسة معظم القواعد الفقهية
والاستدلال عليها، وتناولوها بشيء من الإسهاب والشمولية، واستمرت
حركة التجديد لقواعد الفقه عند الزيدية في كل عصر حتى صار المذهب
الزيدي من أثرى المذاهب الإسلامية وأكثرها فقهاً.
المؤلفون في أصول الفقه من الزيدية
في أواسط القرن الرابع قام بعض فقهاء الزيدية بإفراد كتب لأصول
الفقه، ضمنوها الأصول الثابتة وغيرها، مع الإشارة إلى اجتهادات كل
إمام مجدد ودليله، وكان من أبرز المبادرين إلى ذلك في القرنين
الرابع والخامس:
الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين الهاروني المتوفى سنة (424 هـ)،
ألف كتاب (المجزي في أصول الفقه) وهو من أشهر كتب هذا العلم.
__________
(1) ـ الإفادة في تاريخ الزيدية ، تحت الطبع.
(1/11)
القاضي جعفر بن أحمد بن عبدالسلام، وهو علامة أصولي بارع توفي سنة
(567 هـ). ألف (التقريب) في أصول الفقه، و(البالغ) في أصول الفقه
أيضاً.
وفي القرنين السادس والسابع:
الإمام المتوكل على اللّه أحمد بن سليمان (500 ـ 566 هـ)، ألف كتاب
(الزاهر) و (المدخل) كلاهما في أصول الفقه.
والقاضي سليمان بن ناصر السحامي، وهو علامة مجتهد له مؤلفات عدة،
توفي بعد (566 هـ). ألف (النظام) في أصول الفقه.
والشيخ أحمد بن محمد الرصاص (556 ـ 654 هـ)، وهو علامة أصولي
مشهور، ألف (الفائق) في أصول الفقه.
الإمام المنصور باللّه عبد اللّه بن حمزة، علامة مجتهد، له شهرة
واسعة في أوساط الزيدية، ألف كتاب (صفوة الاختيار).
عبد اللّه بن زيد العنسي، علامة أصولي، وفقيه معروف، له مكانة
مرموقة بين الزيدية، توفي (... هـ)، ألف كتاب (الدرر).
المبحث الثاني: تعريفه أصول الفقه وفوائده وموضوعه واستمداده وحكمه
تعريف أصول الفقه
علم أصول الفقه عبارة عن: قواعد وضوابط تُدْرَس وتهيأ لتنشأ عنها
عملية استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها.
ولكي نستوعب هذا التعريف ننبه إلى أنه قد اشتمل على عدة مفاهيم،
هي: القواعد، والأحكام، والأدلة، وفوائد أخرى.
فالقواعد في اللغة : جمع قاعدة، وهي: ما يُبْنَى عليه غيره.
وفي الاصطلاح: قضايا كلية تنطبق على جزئيات متعددة.
ومن أهم فوائده:
أ ـ أنه نظام عام لفحص وضبط المعلومات، وتنظيم المواقف العملية في
حياتنا.
ب ـ وأنه يرشدنا إلى اختبار وتنقيح المعلومات سواء التي تصدر عنا
أثناء الكتابة والخطابة والحوار وسائر الكلام، أو التي نتلقاها عن
شخص أو كتاب أو نحو ذلك، فلا نحكم في شيء بحكم إلاَّ بإذن من
الشرع.
(1/12)
ج
ـ أنه يصحح المعلومات التي يسببها النظر السطحي في الأدلة،
والتعويل على العموميات (1) ونحوها، ويحد من الترف الفكري الناتج
عن الإيمان بالخرافات والقصص الخيالية (2) والإغراق في بحث المسائل
الهامشية (3) وكشف زيف مايروى من تشبيه اللّه تعالى وتجويره (4).
د ـ أنه يؤمِّن ـ إلى درجة كبيرة ـ من ضِيق التَّعصُّب، فينبهنا
على أن المخالف قد يكون له مستند فيما يذهب إليه، وأن علينا أن
نحاوره بأدب وإنصاف، لأن التعصب نتيجة للجهل بأصول العلم وقواعده
وقلة الورع والتقوى.
هذا وأما الأدلة والأحكام فسوف نتناولها بشيء من التفصيل؛ لأنها
أصل هذا العلم.
موضوعه
يلوح من خلال ماتقدم أن موضوع أصول الفقه هو: كل مايتعلق بالمنهج
الذي رسم للفقيه ليتقيد به في عملية الاستنباط، فهو يوضح طرق
الاستنباط من الأدلة الشرعية وبيان أدلتها وخواصها وأنواعها
ومراتبها وتحليلها، ومايعرض لها من أحوال وتحتاج إليه من مقدمات.
استمداده
يستمد أصول الفقه من الثوابت العقلية؛ لترتب الأدلة السمعية عليها
كمعرفة اللّه.
ومن الثوابت اللغوية؛ لأن معظم الاستدلال معتمد على نظام اللفظ
العربي.
والأحكام الشرعية؛ إذ لابد من تصورها قبل إثباتها أو نفيها.
حكمه
__________
(1) ـ مثل اعتبار قوله تعالى: {ويحرم عليكم الخبائث} دليلاً على
تحريم أكل القات.
(2) ـ مثل ماروي أن رجلاً كان يُسمى عج بن عنق كان يأخذ الشي من
المشرق ويضعه في المغرب.
(3) ـ كالبحث عن نوع الشجرة التي أكل منها آدم، ونوع الطيور التي
ذبحها إبراهيم.
(4) ـ مثل ماروي ـ كذباً ـ عن رسول اللّه (ص) أنه ذكر أنه رأى ربه
عز وجل في المنام في أحسن صورة: شاباً موفراً، رجلاه في خضرة، عليه
نعلان من ذهب، على وجهه فراش من ذهب. رواه الطبراني في الكبير
25/143، والبيهقي في الأسماء والصفات 446، ورغم طعن الحفاظ
كالبخاري وابن حبان وابن حجر فيه فقد صححه الألباني، انظر: دفع شبه
التشبيه 152.
(1/13)
أما حكمه فهو من قبيل الواجب الكفائي؛ لأنه أداة للاجتهاد، وليس كل
مكلف مطالب به.
الباب الثاني
في معرفة الحكم وأقسامه وما يتعلق به
تعريف الحكم وأقسامه
الحكم: هو إثبات علاقة شئ بشيء أو نفيها، كإثبات علاقة بين الشمس
والحرارة حين يقال: الشمس حارة، أو إثبات علاقة بين الوجوب والصوم
حين يقال: الصوم واجب، أو نفي تلك العلاقة حين يقال: لايجب الصوم
على الصبي.
وتلك العلاقة إما أن تعرف بواسطة العقل، أو العادة، أو الشرع، فهذه
ثلاثة أنواع:
1 ـ الحكم العقلي، وهو: مايعرف بواسطة العقل المجرد، مثل: كون
الجبل أكبر من الحصاة. فإن ذلك يدرك بالعقل ولايحتاج إلى تعلم
ولاسابق خِبرْة.
2 ـ الحكم العادي، وهو: مايعرف بالتجربة والعادة، مثل: كون الماء
يتجمد إذا تعرض للبرودة الشديدة. وكون التيار الكهربي يؤذي من
باشره. وكون الماء يفور إذا تعرض لحرارة شديدة. فهذه أشياء عرفت
بالتجربة والعادة، ولم تعرف ببداهة العقل.
3 ـ الحكم الشرعي، وهو: مايعرف بواسطة الشرع، مثل وجوب الصيام
وتحريم الكلام في الصلاة، وإباحة الاصطياد، فهذه مما لا يعرف إلا
عن طريق الشرع.
وبحث أصول الفقه حول الحكم الشرعي، وسوف نبسط الكلام فيه.
الحكم الشرعي
الحكم الشرعي عبارة عن قانون إلهي شرعه اللّه لتنظيم حياة الناس،
وكلفهم من خلاله باتخاذ سلوك معين تجاه مختلف القضايا؛ لأن الإنسان
بعد إيمانه بالعبودية لله يكون مسئولا عن التوفيق بين سلوكه وبين
تلك القوانين. فالحاكم هو اللّه ورسوله من خلال الشرع والعقل،
والمحكوم فيه هي الأفعال المقدورة الممكنة، والمحكوم عليه هو
المكلف. وشروط التكليف: العقل، والمصلحة، والعلم باتصال الثواب
والعقاب، والقدرة، والتمكن من الفهم.
(1/14)
وتعرف الأحكام الشرعية من خلال الخطابات الشرعية المتعلقة بأفعال
المكلفين، مبَاشَرة أو غير مُبَاشَرة، وعلى هذا ينقسم الحكم الشرعي
إلى قسمين : مباشر وهو الحكم التكليفي، وغير مباشر وهو الحكم
الوضعي.
أولاً ـ الحكم الشرعي التكليفي
وهو الحكم المتعلق بأفعال الإنسان والموجه مباشرة إلى سلوكه في
مختلف مجالات الحياة، مثل قوله تعالى: {أَوْفُوْا بِالعُقُوْدِ}
[المائدة: 1]، وقوله تعالى: {لاَيَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ}
[الحجرات: 11]، وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَت الصَّلاَةَ
فَانْتَشِرُوْا فِيْ الأَرْضِ} [الجمعة: 10]. وهو إما أن يقتضي:
طلب فعل، أو طلب ترك، أو تخيير، فهذه ثلاثة أنواع:
النوع الأول، طلب الفعل وهو شيئان:
أ ـ الوجوب
وهو: الإلزام بالفعل، فيستحق فاعله المدح، وتاركه الذم، مثل: إقامة
الصلاة، والنهي عن المنكر.
وذهب أكثر أئمة الزيدية والفقهاء إلى أن الفرض والواجب مترادفان،
وفَرَّق بينهما الإمام الناصر الأطروش، والإمام الداعي، والحنفية،
فقالوا: الفرض هو: ما كان دليله قطعياً، فيفسق تاركه ويكفر مستحله،
نحو الصلوات الخمس. والواجب هو: ما ليس كذلك مثل صلاة الوتر عندهم.
وإذا كان الواجب يترتب على غيره فإما أن يكون الوجوب مقيداً به نحو
تقييد وجوب الحج بالاستطاعة، فإنه لايجب تحصيله ولايلزم إلا عند
حصوله، وإما أن لايكون مقيداً به، كتحصيل الماء للوضوء فإنه يجب
بنفس الدليل الذي أوجب الوضوء؛ لأن الأمر بالشيء أمر بمقدماته.
ب ـ الندب
وهو: الدعوة إلى الفعل من غير إلزام، فيستحق فاعله المدح ولايستحق
تاركه الذم، مثل: صلاة التطوع، وقراءة القرآن في غير الصلاة.
(1/15)
وقد أمر اللّه به ليكون بمثابة الحارس الحامي للواجب؛ لأنه يروض
النفس ويعودها على القيام بسائر التكاليف، فالذي يحافظ على أداء
المندوبات يكون من السهل عليه أداء سائر الواجبات، ويستبعد أن يفرط
فيها، فإذا فرط في شيء من المندوبات لغير استهانة فإنه لايأثم،
خلافاً للناصر الأطروش والمعتزلة.
والمندوب مراتب متفاوتة، فمنه: السنن المؤكدة، وهي ما لازمه النبي
صلى اللّه عليه وآله وسلم، لا على وجه الوجوب، نحو: صلاة الوتر،
وركعتي الفجر، والمغرب، والظهر.
والسنن غير المؤكدة، وهي ما فعله النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم
على وجه القربة حيناً وتركه آخر، كالصدقات غير المفروضة، وصلاة
أربع قبل الظهر، وصلاة التسبيح، ونحو ذلك.
ويلحق بذلك الاقتداء بالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في نمط حياته
فيما ليس له علاقة بالتبليغ، كلبس الثياب وطريقة المزاح ونحو ذلك.
النوع الثاني طلب الترك، وهو شيئان:
أ ـ الحرمة
وهي الإلزام بالترك، فيستحق التارك المدح ويستحق الفاعل الذم، مثل:
تحريم شرب الخمر، وتحريم الجمع بين الأختين في النكاح. وينقسم
المحرم ـ باعتبار السبب ـ إلى قسمين:
محرم لذاته، وهو ما حرمه الشارع لما فيه من ضرر وأذى، كأكل الميتة
وشرب الخمر، ونحو ذلك مما يمس الضروريات الخمس: الجسم، والنسل،
والمال، والعقل، والدين، وهذا لايبيحه إلا الضرورة، كأكل الميتة
للذي يخشى على نفسه التلف.
محرم لغيره، وهو ما حرمه الشارع؛ لأنه قد يفضي إلى محرم لذاته،
كالنظر إلى مفاتن المرأة؛ الذي بدوره قد يؤدي إلى الزنا، وكذلك
الجمع بين المحارم لما قد يؤدي إليه من القطيعة، المحرمة لذاتها.
وهذا قد تبيحه الحاجة، وهي مادون الضرورة، كالنظر إلى العورة
للعلاج.
ويلحق به المحرم لعارض قد يؤدي إلى محرم لذاته، كالصلاة في الأرض
المغصوبة، وبيع المساومة.
وينقسم باعتبار ذات المحرم إلى: كبير وصغير.
ب ـ الكراهة
(1/16)
وهي الدعوة إلى الترك من غير إلزام، فيستحق التارك المدح ولايذم
الفاعل، مثل: الصلاة في أوقات الكراهة، والضحك بين المقابر، وقد
نهى اللّه عن المكروه على سبيل التنزيه ليكون رياضة للنفس كي تبتعد
عن المحظورات، والداخل فيه غير معاقب خلافاً للناصر والمعتزلة.
وبعض الفقهاء يقسم الكراهة إلى قسمين: كراهة حظر، وهي ما يقابل
الواجب، وكراهة تنزيه وهي ما يقابل المندوب، وهو اصطلاح لفظي.
النوع الثالث التخيير وهو:
الإباحة
وهي التخيير بين الفعل والترك، فلا يستحق عليه مدح ولاذم، كالأكل
والشرب في الحالات الطبيعية، والمشي في الطريق العامة.
ولايثبت المباح بالأمر بإباحته ، وإنما يثبت إما بنفي الإثم، نحو:
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ
الْخِنْزِيْرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوْذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ
وَالنَّطِيْحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ
وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} إلى قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ
بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}[المائدة: 3].
أو بعدم النص على التحريم، مثل الاستدفاء بحر الشمس، وسماع الأخبار
في المذياع، ونحو ذلك.
أو بالنص على الحِلّ، مثل تناول الطيبات، في نحو قوله تعالى:
{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}[المائدة: 5].
اختلاف الحكم في الشيء الواحد
(1/17)
لايصح أن يكون الشيء الواحد واجباً حراماً في وقت واحد، ولكنه قد
يختلف الحكم فيه بسبب مايطرأ عليها من العوارض، كرد السلام فإنه
واجب في غير الصلاة، حرام فيها لما يترتب عليه من إبطالها، وهو
منهي عنه بقوله تعالى: {وَلاَتُبْطِلُوْا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:
33]، وقد قام الدليل على كون رد السلام من الكلام المبطل للصلاة.
وكشرب الماء حكمه الإباحة، لكنه قد يكون واجباً إذا توقفت الحياة
عليه، وقد يكون حراماً إذا كان أثناء الصوم الواجب. والصلاة على
النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مندوبة في سائر الأوقات، واجبة في
الصلاة، مكروهة في الأماكن القذرة كالحمامات، حرام إذا سَبَّبَت
للاستهزاء والسخرية بالنبي- صلى الله عليه وسلم -.
ويسمى الحكم الأول: الحكم الواقعي الأول، ويسمى الحكم الطارئ:
الحكم الواقعي الثانوي.
تقسيم الحكم الشرعي
ينقسم مطلق(1) الحكم الشرعي إلى عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة.
التقسيم الأول باعتبار ثبوته
يعتبر الواجب من جهة ثبوته قسمين: ثابت بالضرورة، وهو إما عقلي،
مثل : شكر المنعم وقضاء الدين، أو شرعي، مثل: الأركان الخمسة،
ونحوها مما يعلم بضرورة الشرع أن النبي كان يدين به.
وثابت بالاستدلال، وهو إما عقلي كمعرفة اللّه ، وإما شرعي كمعرفة
سائر الأحكام الشرعية.
التقسيم الثاني باعتبار الوقت
يعتبر الحكم من جهة الوقت قسمين: مطلق ليس له وقت معين، ولكنه يفيد
إيقاع المأمور به فقط، مثل قوله تعالى: {َأَوْفُوْا
بِالْعُقُوْدِ}[المائدة: 1]، ومثل الحج فإنه لم يفرض وجوبه في عام
معين، وكذلك كفارات الأيمان.
ومؤقت وهو ماتعلق بوقت مُعَيَّن، وهو نوعان:
__________
(1) ـ إنما قلنا مطلق الحكم لأن هذا التقسيم لايجري على كل الأحكام
ولكن على معظمها، ولذلك خص كثير من الأصوليون هذا التقسيم بالواجب،
والحق أنه قد يدخل فيه غير الواجب.
(1/18)
أحدهما المُوَسَّع، وهو: ما اتسع وقته حتى يمكن القيام بالمأمور به
وزيادة من جنسه، مثل: الصلاة بالنسبة لأوقاتها، فإن وقت كل صلاة
يتسع لفعلها وفعل غيرها. ويتعلق الوجوب بجميع ذلك الوقت، فإذا فعل
المطلوب في أي جزء منه أجزى، ثم يتعين المطلوب في الجزء الأخير
منه.
وثانيهما المُضَيَّق، وهو: ما لا يتسع زمنه إلا للمأمور به فقط،
مثل: يوم رمضان للصوم، فهو لايتسع لغيره من جنسه.
ومطلق الواجب (1) المؤقت إذا فُعل في وقته ابتداءً فهو أداء، مثل
أداء الصلوات الخمس في أوقاتها. وإذا فعل في وقته ثانيا لعدم
صلاحية الأول فهو إعادة، مثاله لو افترضنا أن أحداً صلى الظهر،
وبعد فراغه من صلاته تذكر أنه لم يتوضأ، فانصرف ليتوضأ، ثم قام
يصلى فَفِعْلُهُ هذا إعادة، ومافعل بعد وقته فهو قضاء، كصيام ما
فات صومه من شهر رمضان في شهر شوال، أو غيره.
التقسيم الثالث: باعتبار المطلوب
وهو: إما أن يكون المطلوب فيه واحدا فهو: مُعَيَّن، مثل إقامة
الصلاة، وأداء الدَّين، ونحو ذلك مما يتعين فيه المطلوب، ولا يجزي
عنه غيره. وإما أن لا يكون المطلوب واحدا بعينه، فهو: مُخَيَّر،
مثل: تخيير الإمام بين المنّ والفداء في الأسرى، وتخيير المكَفِّر
بين خصال الكفارة: العتق، والصيام، والإطعام. وهذا المطلوب متعلق
بالأمر الكلي، فإذا فعل أي الخيارات سقط التكليف بها.
التقسيم الرابع: باعتبار المكلف به
وهو إما أن يوجه الطلب إلى كل مكلف، فهو: العيني، مثل: الصلوات
الخمس. وإما أن يوجه إلى الجماعة فإذا فعله بعض المكلفين سقط عن
الآخرين وإلا أثم الجميع وهو: الكفائي، مثل: صلاة الجنازة، والنهي
عن المنكر. ويتعلق الوجوب في فرض الكفاية بالجميع ويسقط بفعل
البعض.
__________
(1) ـ إنما قلنا مطلق الوجوب لأن هذا التقسيم لايجري على كل واجب،
ولكن على معظمها.
(1/19)
ولما كانت مواهب الناس وقدراتهم تختلف في تحقيقه، فبعضهم قادر عليه
مباشرة، وبعضهم قادر على التهيئة والتمهيد، فهو يلزم كلاً على قدر
طاقته، لأن أكثر أحوال الواجب الكفائي متصلة بمصلحة الجماعة.
التقسيم الخامس: باعتبار التقدير
المطلوب هو إما محدد المقدار، مثل زكاة الذهب والفضة والسوائم
وصدقة الفطر ونحو ذلك.
وإما غير محدد المقدار، مثل نفقة الأقارب ومقدار الركوع والسجود في
الصلاة.
توابع الحكم الشرعي(1)
حين يصدر حكماً شرعياً ينص على إباحة البيع مثلا ونذهب لنمارس
عملية البيع، فإن تصرفاتنا تتفاوت في مدى مراعاة ذلك الحكم، فقد
تكون وفق المواصفات المحددة في الشرع، وقد تكون غير ذلك، وفي كل
حال تأخذ وصفاً معيناً وتسمى تلك الأوصاف توابع الأحكام الشرعية،
والحكم بها أمر عقلي، وهي:
الصحيح، وهو: ما اكتملت فيه المواصفات والشروط التي اعتبرها الشارع
للعمل المشروع، كالصلاة بكامل فروضها، والنكاح بكامل شروطه، ولا
يوصف بالصحة إلا ما كان له وجهان وجه صحة ووجه فساد كالمثال
السابق، لاما ليس له إلا وجه واحد كرد الوديعة.
وفصل بعضهم بين الصحة في العبادات والصحة في المعاملات، فقال:
الصحة في العبادات ما وافق أمر الشارع. وفي المعاملات ما ترتبت
ثمرته المقصودة عليه، كترتب الملك وصحة التصرف على البيع.
الباطل، وهو: عكس الصحيح، كالصلاة بغير وضوء، والحج بغير إحرام،
والنكاح بغير شهود.
الفاسد، وهو في العبادات: ممارسة فعل مشروع لكن على صفة غير
مشروعة، كصوم الحائض، وصوم يوم العيد. فالصوم مشروع من حيث المبدأ؛
ولكن فعله في وقت معين ـ وهو أيام الحيض أو يوم العيد ـ صيره
فاسداً. وفي المعاملات: عدم ترتب ثمرته المقصودة عليه. كبيع ما ليس
عندك. والفاسد في العبادات يرادف الباطل.
__________
(1) ـ أدرج بعض المؤلفين في أصول الفقه هذه التوابع ضمن أقسام
الحكم الوضعي، بحجة أنها راجعة إلى أقسامه الثلاثة.
(1/20)
الجائز، وهو: الذي لايوجد مانع من ممارسته كالتزين بثياب الزينة،
وأكل وشرب المباح، وأفعال الأطفال، ويشمل المباح والمكروه.
العزيمة، وهي: ماشرعه اللّه من الأحكام ابتداء، وألزم المكلفين
بمراعاته، مثل الصلاة والزكاة وسائر الواجبات.
الرخصة، وهي: ماشُرِعَ لمكلفٍ من فعل أو ترك لعذر، إما لضرورة كأكل
الميتة للمضطر، أو لحرج كتغطية الرأس للمحرم المتضرر من كشفه،
والإفطار في السفر. وبهذا تكون الرخصة واجبة كما في المثال الأول،
وقد تكون مندوبة، أو مباحة، أو مكروهة، كما في المثالين التاليين.
ثانيا ـ الحكم الشرعي الوضعي
الحكم الوضعي هو: الخطاب المعرف للحالة التي تشَرَعُ وضعاً معيناً
يهيئ لإقامة حكم شرعي تكليفي، كالزوجية ـ مثلاً ـ فإنها حكم وضعي
شرَع علاقةً معينة بين الرجل والمرأة، وبذلك تكون سبباً مهيِّأ
لتوارد الأحكام الشرعية التكليفية، والالتزام بسلوك منهج معين
كوجوب طاعة الزوج، وحرمة الخروج من بيته إلا بإذنه، وإباحة النظر
والمداعبة، فهو عبارة عن أرضية تقوم عليها الأحكام التكليفية، وهو
ثلاثة أنواع هي:
1 ـ السبب
هو ما كان من الأمور الظاهرة المضبوطة يؤثر وجوده في وجود الحكم
وعدمه في عدمه، وقد جعله الشارع أمارة لوجود الحكم.
وهو إما من فعل المكلفين، مثل: السرقة المعتبرة سبباً في وجوب قطع
يد السارق، في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
فَاقْطَعُوْا أَيْدِيَهُمَا}[المائدة: 38]، فوجود السبب الذي هو
السرقة، هيأ لورود حكم تكليفي هو وجوب القطع. وكذلك كون السفر
سبباً لإباحة الإفطار، والزواج سبباً في حِلّ العشرة.
وإما من غير فعلهم، فهو إما علة كالإسكار في الخمر، أو غير علة مثل
كون الوقت سبباً لوجوب الصلاة، وكون النِّصاب سبباً في وجوب
الزكاة.
2 ـ الشرط
وهو الأمر الذي يتوقف عليه وجود الحكم، ويلزم من عدمه العدم ولا
يلزم من وجوده الوجود، مثل: الوضوء بالنسبة للصلاة، والشاهدين
بالنسبة للنكاح.
(1/21)
3
ـ المانع
وهو الأمر الشرعي الذي ينافي وجوده الغرض المقصود، فيؤثر وجوده في
عدم الحكم، مثل: اعتبار القتل مانعا عن الإرث بقول النبي صلى اللّه
عليه وآله وسلم: <ليس للقاتل ميراث> (1)، فوجود المانع الذي هو
القتل، هيأ لورود حكم تكليفي وهو حرمة توريث القاتل. ومثل اعتبار
الرضاع مانعاً من الزواج بقوله - صلى الله عليه وسلم -:< يحرم من
الرضاع مايحرم من النسب>(2) فوجود الرضاع هيأ لإقامة حكم تكليفي هو
حرمة النكاح بين الرضيعين. وكذلك الأبوة في منع القصاص.
وبهذا نكون قد تمكنا من تصور الحكم الشرعي بنوعيه الوضعي
والتكليفي.
الباب الثالث
في معرفة الأدلة الشرعية وأقسامها
مدخل
بعد أن تعرفنا على الأحكام الشرعية، لابد من معرفة أنه لايصح الحكم
بأيها على شيء إلا بإقامة الدليل الشرعي عليه، فمن أصدر حكماً
شرعياً فعليه تحمل أعباء إقامة الدليل عليه؛ لأن الدليل هو طريقنا
إلى العلم بالأشياء والحكم عليها، فلهذا تعتبر دراسة الأدلة ثبوتاً
ودلالة هي لب لباب هذا العلم.
الدليل في اللغة: المرشد والعلامة الهادية.
وفي الاصطلاح: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
وقبل البدء في الكلام على الأدلة الشرعية يحسن منا التنبيه على أن
الأصوليين اتفقوا على تعيين بعض الأدلة، واختلفوا في تعيين البعض
الآخر، واعتبروا إثبات أي دليل غير متفق عليه مفتقراً إلى إقامة
الدليل على اعتباره دليلا، ولأجل ذلك اعتبرنا الأدلة قسمين: أدلة
أصلية، وأدلة فرعية.
__________
(1) ـ رواه الإمام أحمد بن سليمان في أصول الإحكام _ خ _. وقال ابن
حجر في التلخيص 3/84: أخرجه النسائي وابن ماجه والموطأ والشافعي
وعبد الرزاق والبيهقي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعاً.
(2) ـ قال الزيلعي في نصب الراية 3/168: روي من حديث ابن عباس ومن
حديث عائشة فحديث ابن عباس أخرجه البخاري ومسلم، وحديث عائشة أخرجه
الجماعة عنها إلا ابن ماجه.
(1/22)
المبحث الأول في الأدلة الأصلية
أرشدنا اللّه سبحانه وتعالى إلى ما يمكن أن يدلنا على الحقيقة عند
الاختلاف فقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِيْ شَيْءٍ
فَرُدُّوْهُ إِلَىْ اللَّهِ وَالرَّسُوْلِ}[النساء: 59]، والرد إلى
اللّه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إلى ماصح من
سنته، وبذلك تكون الأدلة الأصلية هي: الكتاب، والسنة، فقد اتفق
علماء الإسلام على أنهما مصدري التشريع الإسلامي، وأنهما أدلة
الأدلة والأحكام.
القرآن الكريم
القرآن الكريم: هو الكلام المنزل على سيدنا محمد صلى اللّه عليه
وآله وسلم للإعجاز والتشريع وغيرهما (1)، وقد اشتمل عليه المصحف
المعروف الموجود بين أيدي الناس، وليس فيه زيادة ولانقصان، وكل
مافيه حق وصدق، ولاخلاف بين المسلمين في قطعية ثبوته عن اللّه، فهو
منقول إلينا بالتواتر .
وقد نزل القرآن مُنَجَّما على مدى الرسالة المحمدية، وغلب على ما
نزل في مكة بيان العقيدة الإسلامية وشرح أُسُس الإيمان، كما غلب
على ما نزل في المدينة بيان أحكام الفقه، وتنظيم الحياة العامة
للأسرة والمجتمع، وتنظيم شؤون الدولة وعلاقة المسلمين بغيرهم.
__________
(1) ـ كالاستشفاء به.
(1/23)
والقرآن الكريم كتاب هداية أبدية فما دل عليه من الأحكام لايتغير
بتغير الزمان والمكان، فهو صالح لكل زمان ومكان، وهو المهيمن على
سائر الأدلة، فمرجع السنة النبوية إليه بالعرض، ومرجع اختلاف أهل
البيت عليهم السلام فيما اختلفوا فيه إليه لكونه الثقل الأكبر (1)
__________
(1) ـ قال الإمام الهادي عليه السلام في كتاب القياس: (والأصل الذي
يُثَبِّت علمَ من اتبعه، ويُبَيِّن قول من قال به، ويصح قياس من
قاس عليه، ويجوز الاقتداء بمن اقتدى به، فهو كتاب اللّه تبارك
وتعالى المحكم، وسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم اللذان
جُعِلا لِكلِّ قولٍ ميزاناً، ولكلِّ نورٍ وحقٍ برهاناً، لا يضل من
اتبعهما، ولا يغوى من قصدهما، حجة اللّه القائمة، ونعمته الدائمة،
فمن اتبعهما في حكمهما، واقتدى في كل أمر بقدوتهما، وكان قوله
بقولهما، وحكمه في كل نازلة بهما دون غيرهما؛ فهو المصيب في قوله،
والْمُعْتَمَدُ عليه في علمه، القاهر لغيره في قوله، الواجب على
جميع المسلمين من آل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن
غيرهم أن يرجعوا إلى قوله، ويتبعوا من كان كذلك في علمه، لأنه على
الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا دَخَل، ولله الحمد عليه.
فمن كان على ما ذكرنا، وكان فيه ما شرحنا من الاعتماد على الكتاب
والسنة والاقتباس منهما، والاحتجاج بهما، وكانا شاهدين له على
قوله، ناطقين له بصوابه، حجة له في مذهبه، فواجب على كل واحد أن
يقتدي به، ويرجع إلى حكمه.
فإذا جاء شيء مما يختلف فيه آل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
وسلم مَيَّز الناظر المميز السامع لذلك بين أقاويلهم، فمن وُجِدَ
قَوْلُه متبعاً للكتاب والسنة، وكان الكتاب والسنة شاهدين له
بالتصديق؛ فهو على الحق دون غيره، وهو المُتَّبَع لا سواه، الناطق
بالصواب، المتبع لعلم آبائه في كل الأسباب.
وإن ادعى أحدٌ من آل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه على
علم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأنه مقتد بأمير المؤمنين
والحسن والحسين صلوات اللّه عليهم، فاعلم هديت أن علم رسول اللّه
صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يخالف أمر اللّه ووحيه، فاعرض قول من
ادعى ذلك على الكتاب والسنة، فإن وافقهما ووافقاه، فهو من رسول
اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وإن خالفهما وخالفاه فليس منه صلى
اللّه عليه وآله وسلم).
(1/24)
.
ومن القرآن ما هو قطعي الدلالة، ومنه ما هو ظني الدلالة كما سيأتي
في دلالات الخطاب.
السنة النبوية
هي ماصدر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من قول، أو فعل، أو
ترك، أو تقرير. ولاخلاف بين المسلمين في اعتبار السنة دليلا شرعيا
وأنها المصدر الثاني للتشريع.
فالقول، ما قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قاصداً به
التشريع، مثل قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((البَيِّعان بالخيار
مالم يفترقا )) (1)، وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( الفخذ
عورة ))(2)، وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم في البحر: ((هو الطهور
ماؤه والحل ميتته )) (3).
والفعل، ما صدر عن رسول اللّه من أفعاله التي لها علاقة بالتشريع،
مثل ماروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه كان يصلي ركعتين بعد
صلاة الظهر. وأنه كان يأكل بيمينه، وأنه كان يطوف بالبيت سبع مرات،
ونحو ذلك.
__________
(1) ـ احتج به الإمام الهادي في الأحكام 2/44 ، وأخرجه البخاري
3/134، ومسلم 2/1164، والترمذي 4/550 رقم (1245)، والنسائي 7/248،
وأبو داود رقم (3457)، وابن ماجة رقم (2182)، والدارمي 2/250،
والحاكم 2/16، وأحمد 2/9، عن ابن عمر.
(2) ـ أخرجه الإمام المؤيد باللّه في شرح التجريد ـ خ ـ ، وأخرجه
البخاري 1/166، والترمذي رقم (2797)، وأحمد 3/478، والطحاوي في
معاني الآثار 1/474، والبيهقي 5/228 عن جرهد الأسلمي.
(3) ـ ذكر السيد صارم الدين الوزير في الفلك الدوار 245 أنه رواه
الإمام أحمد بن سليمان، ومالك، وأبو داود، والنسائي، والشافعي،
وأحمد في مسانيدهم، والبخاري في تاريخه، والحاكم، والدار قطني،
وابن خزيمة، وابن ماجة، وابن حبان، وابن الجارود، عن أبي هريرة.
وقد تتبعت مصادره في هامش الفلك الدوار.
(1/25)
ويعتبر الفعل دليلاً إذا لم يكن من طبيعة الإنسان كالعطاس والتثاؤب
والنوم. ولم يكن خاصاً بالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مثل إباحة
الزواج بأكثر من أربع نساء. ووجوب التهجد في الليل.
فإذا ثبت أن الفعل صَدَرَ عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم؛
فلابد من معرفة الوجه الذي فُعِل له، هل فعله لأنه واجب، أو مندوب،
أو مباح؟ وكذلك إذا ثبت أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ترك
شيئاً؛ فلا بد من معرفة وجه التَرْك، هل تركه للتحريم، أم للكراهة،
أم للإباحة؛ لأن الفعل مجرداً عن القرينة لايعرف ظاهره (1).
__________
(1) ـ قال في الفصول اللؤلؤية: فصل: ويعلم وجه فعله صلى اللّه عليه
وآله وسلم بالضرورة من قصده، أو بنصه عليه، أو بوقوعه امتثالاً
لدال على وجوب أو ندب أو إباحة أو بتسوية بينه وبين ما علم وجهه،
وتعم هذه المعرفات أنواع فعله الثلاثة، وتخص الوجوب إمارته، نحو
كونه محظوراً عقلاً، وشرعاً، لو لم يجب كالحد، أو شرعاً كزيادة
ركعة في مكتوبة عمداً، أو استحقاق الذم على تركه، والندب كونه مما
له صفة زائدة على حسنه، وإخلاله به بعد المداومة على فعله من غير
نسخ، واستحقاق المدح على فعله دون الذم على تركه، والإباحة مجرد
الحسن، كالفعل اليسير في الصلاة بعد تحريم الكثير.
(1/26)
والتقرير، هو: أن يعلم النبيُّ صلى اللّه عليه وآله وسلم بصدورِ
شيء من شخص فيسكت عنه بلامانع، وذلك مثل: ماروي أن يهود بني قريظة
حَكَّموا سعد بن معاذ فيما يلزمهم عقوبة نقضهم العهد مع رسول اللّه
صلى اللّه عليه وآله وسلم وخيانتهم، فحكم عليهم سعد بما في توراتهم
وهو: أن يقتل مقاتلهم ، وتسبى ذراريهم، فسكت النبي صلى اللّه عليه
وآله وسلم ولم يعترض على ذلك. وقد روي أنه صلى اللّه عليه وآله
وسلم قال: <لقد حكمت بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة>. ومثل تقريره
صلى اللّه عليه وآله وسلم لاجتهاد الصحابة حين قال لهم: ((لايصلين
أحد العصر إلا في بني قريظة )) (1)، ففهم بعضهم أن المراد التأكيد
على الخروج للجهاد فقط، فصلى العصر حين خشي خروج وقتها المعروف،
وفهم البعض الآخر أن المراد بالنهي أن لاتكون الصلاة إلا في بني
قريظة فلم يصلوا إلا هنالك، فَذُكِر ذلك للنبي صلى اللّه عليه وآله
وسلم فلم يُعنِّف أحداً منهم.
ويشترط في التقرير ما يشترط في الفعل من لزوم معرفة الوجه فيه.
ومن السنة ماهو قطعي الدلالة، ومنها ماهو ظني الدلالة، كما سيأتي
في دلالات الخطاب.
أما معرفة صدورها عن النبي صلى اللّه عليه آله وسلم؛ فذلك خاضع
لضوابط نقل الأخبار عموماً، وضوابط نقل أخبار النبي - صلى الله
عليه وسلم - خصوصاً، وفيما يلي نشير إلى شيء من ذلك:
الأخبار
__________
(1) ـ رواه البخاري 5/243، مسلم 3/1391 عن ابن عمر.
(1/27)
الأخبار هي طريقنا إلى معرفة ما حدث في غير حضرتنا، سواء كان في
زمننا أو قبله، كوقوع معركة في بلد، أو صدور قول أو فعل عن أحد؛
وذلك لايكون إلا بواسطة الأخبار، وعندما نسمع أو نقرأ خبراً ما
فلايليق بنا أن نقبله لمجرد الموافقة، أو نرده لمجرد المخالفة، لأن
ذلك يؤدي إلى الجهالة؛ لاسيما في مسائل الشريعة فالشرع لم يأت
طبقاً لأهوائنا وتلبية لرغباتنا، والقبول والرد لاتتحكم فيه
الأهواء والأمزجة، ولكنه يخضع لقواعد ونُظُم لابد من مراعاتها،
والعمل بمقتضاها. فلذا لابد من لمحة سريعة عن تلك القواعد والنظم.
وينقسم الخبر في واقعه إلى: صدق وهو: ما طابق الواقع نفياً
وإثباتاً، سواء اعتقد المخبر مطابقته أم لا. وكذب وهو: ما خالف
الواقع سواء اعتقد المخبر مخالفته أم لا. ولكونه ذماً يتجنب تسمية
المخطئ المعذور كذاباً لأنه لا يستحق الذم.
وباعتبار تلقي السامع للخبر ينقسم إلى قسمين: مقبول، ومردود.
القسم الأول: المقبول من الأخبار
المقبول من الأخبار هو: ما قبلته النفس وسكنت إليه، لكنْ لا بمجرد
الموافقة والانسجام، لأننا مطالبون من وجهة نظرٍ علمية أن لانقبل
الخبر إلا إذا حاز مواصفات القبول، واكتملت فيه شروطه المعتبرة،
وتلك المواصفات والشروط تتفاوت في رتبة القبول، فلذا اعتبر المقبول
قسمين: معلوم الثبوت وهو قطعي، ومظنون الثبوت وهو ما تطمئن إليه
النفس من الظني.
أ ـ معلوم الثبوت
هو الخبر الذي حاز مواصفات عالية فأفاد اليقين بوقوع مضمونه ولم
يدع طريقاً للشك والاحتمال، وتلك القطعية ناتجة إما عن الخبر ذاته،
أو عنه مضافاً إلى أشياء أخرى، فهذان نوعان:
النوع الأول: القطعي بذاته وهو (المتواتر) الذي نقله جماعة عن
جماعة متبايني البلدان مختلفي الأهواء بما يُطَمْئِنُ أنهم لم
يتواطؤا على الكذب، ولايشترط في ذلك عدد مخصوص، فيكفي أن يكونوا
جماعة يفيد خبرهم العلم.
(1/28)
والتواتر قسمان: تواتر لفظي، وهو مانقله الرواة بلفظه، مثل قول
النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعلي- عليه السلام - : ((أنت مني
بمنزلة هارون من موسى )) (1)، ومثل حديث: ((من كذب علي متعمداً
فليتبوأ مقعده من النار))(2).
__________
(1) ـ أخرجه الإمام الأعظم زيد بن علي (ع) في المجموع 407 ـ 408،
والإمام الهادي (ع) في الأحكام 1/38 ، والإمام أبو طالب في أماليه
32،35 ، ومحمد بن سليمان الكوفي في المناقب رقم (419)، والمؤيد
باللّه في الأمالي الصغرى 104 (20)، والبخاري 5/99 و 6/18، ومسلم
4/1870 (2404)، والترمذي 5 رقم (3731)، وابن ماجه 1/42 رقم (175) و
1/45 رقم (121)، والحاكم في المستدرك 3/109، والبزار 3/276 رقم
(1065)، و (1066)، الحميدي في مسنده 1/38 رقم (71)، وأحمد بن حنبل
1/177 و 1/179، وأبو يعلى في مسنده 2/86 رقم (739)، و66 رقم (709)
و (698)، أبو نعيم في حلية الأولياء 7/196، والخطيب البغدادي
1/325، والطبراني في الكبير 1/148 رقم (337)، وفي الصغير 2/22،
وابن الأثير 4/26 ـ 27، وابن عساكر في تاريخ دمشق 1/216 رقم (349)
( ترجمة الإمام علي عليه السلام ) عن سعد بن أبي وقاص. وأخرجه
الإمام المرشد باللّه في الخميسية 1/134، والطبراني 2/247 (2035)
عن جابر بن عبد اللّه.
... ... وأورده السيوطي في الأزهار المتناثرة في الأحاديث
المتواترة عن عشرين من الصحابة، وتتبع ابن عساكر طرقه فبلغ عدد
الصحابة نيفاً وعشرين، وقد استوعب طرقه ابن عساكر في نحو عشرين
ورقة، وأورده الزبيدي في لقط اللآلي المتناثرة في الأحاديث
المتواترة 31.
(2) ـ رواه نحو سبعين من الصحابة. انظر: لقط اللآلي المتناثرة في
الأحاديث المتواترة للزبيدي 261.
(1/29)
وتواتر معنوي وهو مانقله الرواة بمعناه، مثل حديث رفع اليدين عند
الدعاء (1).
النوع الثاني: القطعي بغيره، وهو: ما يفيد اليقين مع غيره وهو
شيئان:
ـ المتلقى بالقبول (2)، وهو ما حَكَمَ بصحة صدوره المعصوم كالأمة
والعترة، أو حكم بصحة صدوره أكثرُ أهل الحق من أصحاب الاختصاص
والخِبْرة ولم يستنكروه. مثل قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم:
((الأعمال بالنيات)) (3).
ـ المعلوم بالقرائن (4)، وهو ما كان معه قرائن وشواهد تؤكد صحة
صدوره، كإخبار رجل بموت ولد له مريض مشارف على الموت، مع سماعه
صراخاً وعويلاً.
وإذا قطعنا بثبوت الخبر تحتم علينا تصديقه والنظر في محتواه، فإن
كان قطعي الدلالة وجب العمل بمقتضاه، وإن كان ظني الدلالة عُرِضَ
على قواعد الاستنباط.
ب ـ مظنون الثبوت
__________
(1) ـ روي في هذا المعنى نحو مائة حديث في وقائع مختلفة، وقد أفرد
له السيوطي كتاباً سماه (فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في
الدعاء).
(2) ـ اختلف في قطعية هذا النوع فقال أئمتنا قطعي، وقال الجمهور
ظني، وقال الإمام أبو طالب: قطعي في ابتداء الأحكام لا في نسخه
المعلوم.
(3) ـ هذا حديث معروف متداول في كتب الحديث، وقد قيل إنه متواتر
وليس كذلك، فهو وإن كان متواترا إلى يحيى بن سعيد الأنصاري، فهو من
عنده إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، لا يخرج عن كونه آحادا.
(4) ـ أما في عصر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقد كان كثيراً
ما يحصل القطع بواسطة القرائن. وأما بعده فوروده في السنة قليل ،
وقيل: بل معدوم.
(1/30)
هو الخبر الذي لم يَحُز المواصفات العالية، وهو وإن كان مقبولا
لايفيد إلا الظن بحيث يترك للشك طريقاً إلى القلب، وهذا هو خبر
الآحاد، وهو: مانقله واحد أو أكثر من واحد ولم يبلغ حد التواتر(1)؛
لأن الواحد والاثنين والثلاثة مهما بلغت عدالتهم ليسوا معصومين عن
السهو والخطأ والنسيان والهوى.
فإن كان المخبر ثقة فخبره مظنون الصدق، وإن كان متهماً فخبره ـ
الذي اتهم فيه ـ مظنون الكذب، وإن كان مجهولاً فخبره مجهول الصدق
والكذب، حتى يوجد دليل على صدقه أو كذبه.
والتعبد بالظني ـ المؤدي إلى الطمأنينة ـ جائز في المسائل التي
يجوز العمل فيها بالظن، مثل مسائل فروع الفقه.
والأدلة على جواز العمل بخبر الآحاد كثيرة، منها: أن النبي صلى
اللّه عليه وآله وسلم كان يبعث الآحاد إلى البلدان ليعلموا الناس
مسائل العبادة. ومنها: أن الصحابة لم يتحرجوا في قبول أخبار الآحاد
في مسائل الفروع ونحوها، فصار ذلك إجماعاً، وغير ذلك من الأدلة.
ولايعمل به في شيء من المسائل التي لابد فيها من قطعي، مثل مسائل
أصول الدين والموالاة والمعاداة.
... القسم الثاني المردود من الأخبار
وهو مالم تتوفر فيه مواصفات المقبول، ويتطلب الرد شيئاً من الدقة
والتأمل؛ إذ لاتقل أهمية التحري في رَدِّ الأخبار عن أهمية التحري
في قبولها، لما يترتب على الرد العشوائي من تغييب كثير من الحقائق،
وتعريض الرواة للتكذيب بغير حق، ولهذا كان لابد من وجود ضوابط
وعلامات تميز الخَبَر المردود عن غيره، وعندنا أن الحديث يرد على
أساس فساد معناه، وذلك الرد يكون بما يلي (2):
__________
(1) ـ يدخل في ذلك المشهور، وهو مانقله أكثر من واحد ولم يبلغ حد
التواتر.
(2) ـ أنواع المردود هذه مأخوذة من الفلك الدوار بتصرف.
(1/31)
بأن يكون كذبه معلوماً عقلاً لضرورة ـ كمخالف قضية العقل المبتوتة
الضرورية، كقبح الظلم، وحسن شكر المنعم ـ واستدلالاً كمخالفة قضية
العقل المبتوتة الاستدلالية، كخبر قضى بتَشْبِيه أو تَجْوِيْر، ولم
يقبل تأويلاً. وأما الأحاديث الموهمة لذلك والقابلة للتأويل بغير
تعسف فلا موجب لرد ما نقله الثقات منها.
وبأن يكون كذبه معلوماً بضرورة السمع كمخالف أصول الشرائع، أو
استدلالاً كمخالف الإجماعين(1).
ويُرَدُّ الحديث للطعن فيه بكذب الراوي في غير ما روى، بإقراره، أو
بالقرائن عامداً. وأسبابه: الإلحاد في الدين، أو تقرب إلى سلطان،
أو انتصار لمذهب، أو ترغيب، أو ترهيب، أو رواية بما يَتَوَهَّم أنه
المعنى، أو نحو ذلك (2).
ويُرَدُّ لتهمة الراوي، أو لفحش غلَطِه أو غَفْلَتِه، وسوء حفظه،
أو لوهمه مع ثقته.
فأما الرَّدُّ بمجرد مخالفة الراوي في المذهب فَمردود، إذا لم يفهم
منه تقوية مذهبه في مسائل التعصب.
ويرد بجهالة الراوي، وهو: إما مجهول العدالة، ورَدَّه أئمتُنَا.
وإما مجهول الضبط، فلا يقبل. وإما مجهول الاسم أو النسب فيقبلان
على الأصح.
ويُرَدُّ المسلم بارتكاب الكبائر تصريحاً، وهو إجماع، وشذّ من
قَبِلَ الصدوق منهم، بناء على أن الكبيرة مظنة تُهَمَة لا سَلْب
أهلية.
ويرد ماصادم نصاً قطعي الثبوت قطعي الدلالة، ولو ظاهراً.
ويرد ما اعترف راويه بأنه كَذَبَهُ.
ويرد ماخالف الأصول الممهدة والثوابت الراسخة. كأن يروي أحد خبراً
يجوز فيه الظلم، أو يبيح فيه الزنا وعقوق الوالدين.
ويرد ماعمل راويه بغير مقتضاه، إلا أن يراه منسوخاً أو مرجوحاً
بدليل آخر.
طرق الرواية
يأخذ التلميذ الأخبار عن شيخه بكيفِيَّات وطرق متعددة، منها:
__________
(1) يعني إجماع الأمة وإجماع أهل البيت.
(2) ـ قال السيد العلامة بدر الدين الحوثي: هذه أسباب الكذب وترد
رواية من حصلت فيه، الا أن الراوي بما يظنه المعنى يكون رد خبره
محل اجتهاد.
(1/32)
1
ـ القراءة، وهي إما قراءة الشيخ والتلميذ يستمع، أو قراءة التلميذ
والشيخ يستمع، أو قراءة غير التلميذ بحضرته والشيخ يستمع.
2 ـ الإجازة، وهي إما مشافهة، كأن يقول الشيخ للتلميذ: أجزت لك أن
تروي عني كتاب كذا. أو مناولة، وهي أن يناول الشيخ التلميذ كتابا
مع قوله: هذا من سماعي فاروه عني. أو مكاتبة، وهي أن يقول الشيخ
للتلميذ: إرو عني ماكتبت إليك.
3 ـ الوِجَادة، وهي أن يروي الراوي من صحيفة وجدها بخط يعرفه،
فيرويها عن صاحب الخط.
رواة الأخبار
يتفاوت الرواة في دقة النقل، وقوة الحفظ، وضبط الألفاظ،
والاتِّصَاف بالورع والتثبت، والتحرر من العصبية والهوى، وبذلك
يتفاوت الاعتماد عليهم، وقبول أخبارهم.
ولاتعارض بين الفضل والسهو، وبين الهوى وقوة الحفظ، فقد يكون
الراوي ورعا فاضلا إلا أنه شديد السهو والذُّهول، وقد يكون دقيق
الضبط قويَّ الذاكرة إلا أنه صاحب هوى وعصبية، فليس كل فاضل ثقة
ولاكل متقن حجة.
وقد عمل العلماء على تمييز الرواة وشرح أحوالهم، وأفردوا لذلك
جانبا من جوانب العلم سُمِّي: علم الجرح والتعديل، وجوز الخوض فيه
كثير من العلماء، رغم أن فيه غمز لأحياء وأموات؛ لأن المصلحة
الدينية اقتضت ذلك، واستدلوا لذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها.
وقد كان الصحابة يضعف ويوثق بعضهم بعضا وذلك مشهور معروف في كتب
التأريخ (1)
__________
(1) ـ من ذلك ما روى البخاري 3/151 (فتح)، ومسلم 2/638 أن عمر بن
الخطاب وابنه عبداللّه رويا عن النبي (ص) أنه قال: ((إن الميت يعذب
ببكاء أهله عليه )). وحين سمعت عائشة أن ابن عمر يحدث بذلك قالت:
يغفر اللّه لأبي عبدالرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ،
إنما مر رسول اللّه (ص) على يهودية يُبكى عليها فقال: ((إنهم
ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها ))، كما في صحيح مسلم في
الجنائز رقم (27).
... وروى أبو داود الطيالسي في مسنده 199 بسند صحيح على شرط مسلم
عن علقمة قال: كنا عند عائشة فدخل عليها أبو هريرة فقالت: يا أبا
هريرة أنت الذي تُحَدِّثُ أن امرأة عُذِّبَتْ في هرة لها ربطتها لم
تطعمها ولم تسقها؟ فقال أبو هريرة: سمعته من النبي (ص). فقالت
عائشة: أتدري ما كانت المرأة؟ قال: لا. قالت: إن المرأة مع مافعلت
كانت كافرة، إن المؤمن أكرم على اللّه من أن يعذبه في هرة، فإذا
حدثت عن رسول اللّه (ص) فانظر كيف تُحدِّث.
... ... وروي عن عمر أنه كان ينكر على أبي هريرة كثرة الروايات عن
رسول اللّه (ص) وقال: لتتركن الرواية عن رسول اللّه (ص) أو لأنفينك
إلى جبال دوس. شرح البالغ المدرك 83، سير أعلام النبلاء 2/600.
(1/33)
.
ولاشك أن للكلام في تقييم الرواة مخاطر عظيمة تحتاج إلى شيء من
الحِيْطَة والحذر والتجرد عن الهوى والعصبية، ولا يكفي الاعتماد
على تقليد الرجال في الحكم على الرواة، سواء كانوا من أهل الاختصاص
أو من غيرهم، لاسيما وأن ما بين أيدينا من الأقوال المدونة في
الرواة تحتاج إلى غربلة ومراجعة.
وقد تبين أن كثيراً من الدوافع غير المشروعة كانت تتحكم في جانب
كبير من عملية الجرح والتعديل، إضافة إلى أن الجارح أو المعدل ـ
مهما بلغا من العلم والدقة ـ بشرٌ يعتريه السهو ويغلب عليه الهوى،
وحسبنا ماوقع فيه كثير ممن خاض في هذا الفن من الأخطاء (1).
معرفة أحوال الرواة
الشروط الراجعة إلى المخبر أربعة: 1 ـ التكليف 2 ـ الإسلام 3 ـ
العدالة 4 ـ الضبط.
والعدل في الرواية هو الصَّدوق في الإخبار، والمجروح عكسه، ولادخل
للمذاهب، والبلدان، واللغة، وكثرة العلم وقلته في عدالة الراوي أو
جرحه (2)
__________
(1) ـ الأخطاء التي وقع فيها أهل الجرح والتعديل كثيرة ومدونة في
كتب الجرح والتعديل، ومنها: توثيقهم عمر بن سعد قاتل الحسين، وحريز
بن عثمان الذي كان يدين ببغض علي عليه السلام، وغمز الإمام جعفر
الصادق، والإمام أبي حنيفة، والإمام علي بن المديني، حتى قال ابن
حزم وهو من أهل الحديث: إن الترمذي مجهول لايعرف. وتجنب البخاري
الرواية عن الإمام زيد وقال: إنه فتق فخرج على هشام ـ يعني شق
العصا ـ.
(2) ـ إلى هذا ذهب المحققون من أهل العلم من أئمة الزيدية وغيرهم،
قال السيد صارم الدين في الفلك الدوار : <والحق عند أئمتنا أن
الراوي العدل وإن كان خارجاً عن الولاية مقبول الرواية، إذ الأصح
أن المعتبر في التوثيق هو توثيق الرواية لا توثيق الديانة>.
وقال في خاتمة الكتاب: <أما الخاتمة فهي من أعظم قواعد الدين،
وعليها الاعتماد في حفظ حديث سيد المرسلين، وآثار القرابة والصحابة
والتابعين، وبها عَمَلُ المحققين من علماء طوائف المسلمين، وهي: أن
الواجب قبول حديث كل راو من أي فرق الإسلام كان، إذا عُرِفَ
تَحَرّزُه في نقل الحديث وصدقُه وأمانتُه وبُعْدُه عن الكذب، وإن
كان مبتدعاً متأوَّلاً، ورد كل راو عُرف منه خلاف ذلك، من غير
تساهل في القبول، ولا تعنت في الرد، فأما قبوله بمجرد الموافقة في
الاعتقاد، ورده بمجرد المخالفة في الاعتقاد، وتطلب المدح لغير
الثقات، وتكلف القدح في حق الأثبات، فمن مزال الأقدام، والتهور
الموقع في الكذب على المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام،
واعتماد على مجرد التشهير الموقع في غضب الجبار>.
(1/34)
.
وقد يتميز حال الراوي بمايلي:
1 ـ بتتبع رواياته والمقارنة بينها وبين روايات من عُرف بالعدالة
والضبط.
2 ـ المقارنة بينما تفرد بروايته وبين النصوص القرآنية.
3 ـ النظر في مواقفه من الروايات التي لها علاقة بالسلطة ونصرة
المذهب والعصبية، ونحو ذلك.
وتعتبر شهادة معاصريه له بالعدالة، وثناء المتخصصين ـ بالبحث عن
أحوال الرواة ـ عليه، والتزامه الديني والخلقي مرجحاتٌ قويةٌ لكونه
مقبول الرواية.
ولايصح أن يُجعَل قولُ غير المعصوم حجة في الجرح والتعديل.
ولايُقْبَل الجرح بالمذهب، ولا الجرح الذي لم يُبَيَّن سببه. وكل
رواية محل نظر ودراسة، فالمخطئ في رواية قد يصيب في أخرى.
كتب الحديث
الكتب التي جمعت فيها الأحاديث من مجاميع، وصحاح، ومسانيد،
وأماليات، ومعاجم، وسنن، ومصنفات، ليست حكراً على أحد؛ لأن رجال
أسانيدها خليط من كل الطوائف الإسلامية، فالصحاح الست المعتبرة عند
أهل السنة فيها الكثير من رجال الزيدية والإمامية، وكذلك الأماليات
المعتمدة عند الزيدية مشحونة برجال السنة والإمامية، وكذلك كتب
الإمامية، وليس في تلك الكتب مايعد صحيحاً بلا استثناء، بل جميعها
خاضع للدراسة والنَّقد، والعرض على القواعد المعتبرة عند الجميع.
وقد رجحت كل طائفة ما رواه أئمتهم بمرجحات ذكروها في المطولات.
المبحث الثاني في الأدلة الفرعية
الأدلة الفرعية هي: ما قام الدليل من الكتاب أو السنة على كونه
دليلاً شرعياً، وهي محل خلاف بين الأصوليين، وقد عين أكثرهم دليلين
(1) هما:
الإجماع
الإجماع هو: اتفاق مجتهدي المسلمين أو أكثرهم في عصر على حكم شرعي
في قضية مخصوصة، وينعقد بـ: القول، أو الفعل، أو الترك، أو السكوت
مع الرضا.
واختلف في إمكانية وقوعه فقيل: يمكن وقوعه. وقيل: لايمكن إلا في
عصر الصحابة قبل انتشارهم في الأقطار.
__________
(1) ـ وعد بعض أصحابنا الاجتهاد دليلاً خامساً.
(1/35)
ويُشترط في صحة الإجماع: وجود مستند من الكتاب أو السنة يَعْتَمِدُ
الإجماع عليه؛ لأن أهل الإجماع لاينشؤن الأحكام إذ هي حق لله تعالى
وللنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بوحي منه. وقال بعض الأصوليين:
يصح أن يكون المستند إجماعاً أو قياساً. ويشترط لصحته أيضا: انقراض
عصر المجمعين.
أقسام الإجماع
ينقسم الإجماع باعتبار نوعيَّة المجمعين إلى قسمين:
1 ـ إجماع عام، وهو: إجماع الأمة، واستدل من اعتبره دليلا بقوله
تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُوْلَ مِنْ بَعْدِ مَاتَبَيَّنَ
لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيْلِ المُؤْمِنِيْنَ
نُوَلِّهِ مَاتَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ
مَصِيْراً}[النساء: 115]، وماروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله
وسلم أنه قال: ((لاتجتمع أمتي على ضلالة )) (1) وأدلة أخرى ذكروها
في المطولات.
__________
(1) ـ رواه أبو داود 4/452، الترمذي 3/315، ابن ماجة 2/1303،
المستدرك 1/115، أحمد 6/396.
(1/36)
2
ـ إجماع خاص : هو إجماع أهل البيت عليهم السلام (1) واستدل من
اعتبره دليلا بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيْدُ اللّه لِيُذْهِبَ
عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْراً}
[الأحزاب: 33]، وبقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( إني تارك
فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي )) (2)،
وبقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( أهل بيتي أمان لأهل الأرض من
الضلال )) (3)، وغيرها، وتختلف قوة هذه الأدلة ووضوحها، وتعتبر
الأدلة على حجية إجماع أهل البيت عليهم السلام أكثر وضوحاً من
الأدلة على حجية إجماع الأمة.
وينقسم باعتبار حصوله إلى قسمين:
__________
(1) ـ ليس الشيعة وحدهم الذين قالوا بحجية إجماع أهل البيت، بل ذهب
إلى ذلك كثير من أهل النظر من سائر الطوائف.
(2) ـ رواه الإمام زيد بن علي (ع) في المجموع 404، ومسلم 15/179،
والترمذي 5/622 رقم (3788)، وابن خزيمة 4/62 رقم (2357)، والطحاوي
في مشكل الآثار 4/368 ـ 369، وابن أبي شيبة في المصنف 7/418، وابن
عساكر في تاريخ دمشق 5/369 (تهذيبه) ، والبيهقي في السنن الكبرى
7/30، والطبراني في الكبير 5/166 رقم (4969)، والنسائي في الخصائص
150 رقم (276)، والدارمي 2/431، وابن المغازلي الشافعي في المناقب
234، 236، وأحمد في المسند 4/367، والحاكم في المستدرك 3/148 وصححه
وأقره الذهبي، وأخرجه عبد بن حميد 107 ـ 108 ( المنتخب) ، وأبو
يعلى في المسند 2/197 و 376، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد
8/442، عن عدة من الصحابة.
(3) ـ أخرجه الإمام علي بن موسى الرضا في الصحيفة 363، ومحمد بن
سليمان الكوفي في المناقب ـ خ ـ والإمام المرشد باللّه في الأمالي
الخميسية 1/155، و2/152، والحموئي في فرائد السمطين 2/153،
والطبراني في الكبير 7/22، و الحاكم في المستدرك 2/448 وصححه.
جميعهم عن جماعة من الصحابة.
(1/37)
أحدهما: الإجماع الصريح، وهو: الاتفاق على حكم شيء بحيث يصدر عن كل
واحد من أهل الإجماع قول أو فعل يعبر صراحة عن رأيه.
ثانيهما: الإجماع السكوتي، وهو: أن يبدي بعض المجتهدين رأيه صراحة،
ويسكت الباقون سكوت موافقة ورضى عُرِف منهم.
ويعرف وقوع الاجماع بالنسبة للحاضرين بسماع القول، أو مشاهدة
الفعل. وبالنسبة لغير الحاضرين بالإخبار عن كل واحد منهم، إما بنقل
نص له أو فتوى.
وينقسم باعتبار ثبوته إلى قسمين:
أحدهما: قطعي وهو ما تواتر صدوره عن جميع الأمة أو العترة
المعتبرين، وعُلِم قصدهم فيه، ويقدم هذا النوع من الإجماع على
الكتاب والسنة والقياس، وتعد مخالفته فسق.
ثانيهما: ظني وهو بخلافه.
القياس
هو إجراء حكم أصل منصوص عليه على فرع غير منصوص عليه شاركه في علة
الحكم.
والقياس منشؤه أمرٌ فطري تقره العقول، إذ أساسه ربط ما بين شيئين
بالمماثلة؛ لأن تساوي أي قضيتين في العلة يوجد تماثلاً في الحكم.
وقد طبق القرآن قانون التساوي هذا بإثبات الحكم عند التساوي في نحو
قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيْرُوْا فِيْ الأَرْضِ فَيَنْظُرُوْا
كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ
اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِيْنَ أَمْثَالُهَا}[محمد: 10].
أوبنفي الحكم عند التخالف في نحو قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ
الَّذِيْنَ اجْتَرَحُوْا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ
كَالَّذِيْنَ آمَنُوْا وَعَمِلُوْا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً
مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُوْنَ}[الجاثية: 21].
وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم روايات تفيد التطبيق
الفعلي لهذا المبدأ، من ذلك ما روي أن عمر قال للنبي صلى اللّه
عليه وآله وسلم: يارسول اللّه صنعت أمراً عظيماً، قبَّلتُ وأنا
صائم! فقال رسول اللّه: <أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم>، فقال
عمر: لا بأس. فقال الرسول: <فصم>.
(1/38)
ولأن اللّه تعالى قال : {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِيْ شَيْءٍ
فَرُدُّوْهُ إِلَىْ اللَّهِ وَالرَّسُوْلِ}[النساء: 59]، فإذا عرضت
لنا حادثة ما بحثنا عن حكمها في الكتاب والسنة فإن لم نجد ما يدل
عليها صراحة بحثنا عن أصل منصوص عليه يشترك مع ما عرض لنا في علة
الحكم .
أركان القياس
اشتمل تعريف القياس على أربعة مفاهيم هي: الأصل، والفرع، والحكم،
والعلة. وتسمى هذه المفاهيم أركان القياس، وبغير وجودها لايعتبر
القياس صحيحاً، وفيما يلي نتعرف على تلك الأركان.
الأصل
وهو ماورد بحكمه نص، مثل تحريم شرب الخمر، وتحريم الإرث على قاتل
مُوَرِّثه. ويشترط في الأصل شروط هي:
1 ـ ألا يكون حكمه منسوخاً، كأن يقاس على تحريم ادخار الأضحية فوق
ثلاث.
2 ـ ألا يكون حكمه معدولاً به عن سنن القياس، مثل الشفعة، أو مثل
السفر في إباحة الإفطار، فلا يصح أن يقاس عليه الأعمال الشاقة.
3 ـ ألا يكون مثبتاً لمخصوص، كجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
وسلم شهادة خزيمة بن ثابت بشهادتين.
4 ـ ألا يكون ثابتاً بالقياس؛ لأن ذلك يؤدي إلى التسلسل.
5 ـ ألا يكون ساقطاً عن الاعتبار. نحو أن يكون حديثاً غير صحيح.
6 ـ أن يكون معقول المعنى، بحيث يدرك العقل سبب شرعيته، كتحريم
الخمر والميسر وأكل مال الغير، أما إذا كان تعبدياً مثل مناسك الحج
ونحوها فلايقاس عليه.
الفرع
وهو ما يُراد إلحاقه بأصل في حكمه، مثل شُرب النبيذ، وقتل الموصَى
له للموصي. وله شروط هي:
1 ـ أن تتحقق العلة فيه، وتستوي مع الأصل في التخفيف والتغليظ، فلا
يقاس التيمم على الوضوء في التثليث لما في التيمم من التخفيف.
2 ـ ألا تتقدم شرعيته على شرعية الأصل، فلايقاس الوضوء على التيمم
في النية، لأن الوضوء شرع قبل التيمم.
3 ـ ألا يرد في حكمه نص، إذ لاقياس مع ورود النص، وقد يستعمل
لتأكيد النص الظني.
حكم الأصل
(1/39)
وهو الحكم الشرعي الذي أدى إليه النص، ويشترط فيه: أن يكون دليله
شرعياً، لاعقلياً، ولالغوياً، ولا عادياً. هذا إذا كان الحكم
شرعياً، وأما إذا كان الحكم عقلياً فيمكن أن يكون دليله عقلياً.
العلة
وهي الوصف المنوط به الحكم الشرعي في الأصل، ولأجل وجوده في الفرع
يسوى بالأصل في حكمه، وهي أساس الربط بين الأصل والفرع، ولهذا لابد
من تناولها بشيء من الإيضاح، إذ ليس كل وصف في الأصل يصح أن يكون
علة الحكم.
شروط العلة
لابد من توفر جملة من الشروط في أي وصف لكي يعتبر علة، وتلك الشروط
هي:
1 ـ أن تكون وصفاً ظاهراً بحيث يدرك بالحس الظاهر، فلايصح التعليل
بما لايمكن التحقق من وجوده ولاعدمه، فلايعلل نقل الملكية بتراضي
البائعين؛ لأن الرضى أمر خَفِيٌّ، ولكن يعلل بمظنته الظاهرة، وهي
الإيجاب والقبول.
2 ـ أن تكون وصفاً مُنْضَبِطاً، بحيث تكون له حقيقة مُحَدَّدَةٌ
يمكن التحقق من وجودها في الأصل والفرع، فلايصح التعليل بالأوصاف
التي تختلف على أي وجه، فلايعلل إباحة الفطر في رمضان للمريض
والمسافر بدفع المشقة، لأن المشقة تختلف باختلاف الظروف والأحوال
والأشخاص، ولكن يعلل بالسفر والمرض، لأن السفر يمكن أن يضبط بمسافة
معينة والمرض يمكن أن يضبط بحالة معينة.
3 ـ ألا تكون وصفاً مقصوراً على الأصل، ولذا لم يصح القياس على
الأحكام التي خُصَّ بها الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولم يصح
التعليل في تحريم بيع الذهب بالذهب بأنه ذهب.
4 ـ أن تكون باعثة على الحكم، فلا يصح جعل الدلوك علة لإقامة
الصلاة في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوْكِ
الشَّمْسِ}[الإسراء: 78].
5 ـ ألا يكون ثبوتها متأخرا عن حكم الأصل كتعليل ولاية الأب على
ولده الصغير الذي جن بالجنون، لثبوتها قبله.
(1/40)
6
ـ ألا تخالف نصاً ولا إجماعاً، مثال مخالفة النص: أن يقال المرأة
مالكة لبضعها فيصح نكاحها بغير أذن وليها قياساً على بيع سلعتها،
فإنه مخالف لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : <أيما امرأة نكحت
بغير أذن ولها فنكاحها باطل>. ومثال مخالفة الإجماع: أن يقال :
لاتجب الصلاة على المسافر، قياساً على الصوم، فهذه العلة أثبتت
حكماً مخالفاً للإجماع.
7 ـ أن تكون وصفاً مناسباً لتحقيق الحكمة الإلهية من الحكم، لأن
الحكمة هي الباعثة على التشريع، فإذا جعلنا الإسكار في الخمر هو
علة التحريم كان ذلك مناسباً، لأن في بناء التحريم عليه حفظ للعقل،
وذلك مناسب للحكمة، ولايصح أن يُجعل لون الخمر أو ريحه علة الحكم
لعدم مناسبة ذلك لحِكْمة الحكم.
طرق معرفة المناسبة بين العلة والحكم
تعرف المناسبة بين العلة والحكم بأشياء، هي :
أ ـ النص، كقوله تعالى في إيجاب الفيء للفقراء والمساكين: {كَيْ
لاَ يَكُوْنَ دُوْلَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}[الحشر: 7]
فإنه قد نص على أن إيجاب الفيء للأفراد لكي لايكون المال دولة بين
الأغنياء، وقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : ((لايرث القاتل
))؛ فإنه قد نص على أن العلة في عدم توريث القاتل هو القتل.
ب ـ الإجماع، وذلك مثل اتفاقهم على أن علة الولاية المالية على
الصغير هي الصِّغَر، ومثله تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب في
الميراث بسبب رجحانه بقرابة أمه.
(1/41)
ج
ـ السَّبرْ والتَّقْسِيم، ومعناه: حصر الأوصاف الصالحة لأن تكون
علة واختبارها، ومن ثمة تعيين العلة الصالحة، مثال ذلك: إذا أردنا
معرفة العلة في تحريم الزيادة في تبادل الشعير بالشعير؛ فإننا نبدأ
بحصر العلل، فنقول: لأنه مما يضبط بالكيل، أو لأنه طعام، أو لأنه
مما يقتات به ويُدَّخر، ثم نعود وننظر في تلك العلل ونختبرها، فنجد
أن كونه طعاماً لايصح علة؛ لأن التحريم ثابت في الذهب بالذهب وليس
طعاماً، ولايصح كونه مما يقتات؛ لأن التحريم ثابت في الملح بالملح
وليس مما يقتات، فتعين أن العلة كونه مقدراً يضبط بالكيل،
ويُسَمَّي ذلك: تنقيح المناط (1).
وبهذا يمكن تقسيم القياس إلى قسمين: سمعي، وهو: ما ثبتت علته بدليل
السمع وقطع بوجودها في الفرع. وهذا لا إشكال في صحته.
ونظري، وهو: ما ثبتت علته بالسبر والتقسيم ونحوه، وكان وجوده في
الفرع مظنوناً، وهذا إنما يصح على قول من يجعل الظن طريقاً شرعياً
على الإطلاق.
مثال القياس:
ورد في السنة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((لايرث
القاتل شيئاً )) فهذا أصل منصوص عليه، وحكمه تحريم توريث قاتل
مُوَرِّثِه، وعلته استعجال الشيء قبل أوانه.
فإذا قَتَل الموصَى له الموصي، فإن هذا فرع وجدت فيه علة حكم الأصل
وهي الاستعجال، فيُسَوَّى الفرع بالأصل ويُحرم ـ قاتل الموصي ـ
الوصية.
__________
(1) ـ وقد اعترض بعض الأصوليين على جعل السبر ولتقسيم طريقاً
لمعرفة العلة؛ لأنه ليس ذلك الاّ مجرد عمل بالظن وهو يحتاج إلى
دليل.
(1/42)
ومثال آخر هو: إذا كنت جالساً مع اثنين يتحدثان برموز وإشارات،
فإنك تشعر بضيق وانزعاج، وهنالك لاتدري ماموقف الشرع من فعلهما،
لأنك لاتجد على ذلك نصاً من الكتاب أو السنة أو الإجماع ، وهنالك
تلجأ إلى البحث عن قضية مشابهة لما وقعتَ فيه قد ورد نص بالحكم
عليها، فتجد أنه ورد عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
(( إذا كنتم ثلاثة فلايتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه ))
(1)، فتجد أن العلةَ في النهي عن التناجي ـ وهي الإحزان ـ موجودةٌ
فيما حدث لك، وهنالك تجري حكم التناجي ـ وهو الكراهة أو التحريم ـ
على ماحدث لك من قِبَل جليسيك وهو المحادثة بالرموز والإشارات.
وهذا هو القياس.
أنواع القياس
للقياس أنواع هي:
قياس علة وهو: ما صرَّح الشارع فيه بالعلة، مثل قوله: {كَيْ لاَ
يَكُوْنَ دُوْلَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}[الحشر: 7].
وقياس دلالة وهو: ما جُمِع فيه بين الفرع والأصل بما يلازم العلة،
مثل قياس قطع يد الجماعة بقطع يد الواحد قياساً على قتل الاشتراك
في وجوب الدية عليهم.
وقياس طرد وهو: إثبات حكم الأصل للفرع لاشتراكهما في العلة، وأكثر
القياسات من هذا النوع.
وينقسم هذا النوع إلى: جلي وهو ما قطع فيه بنفي الفارق، مثل قياس
الأمَةِ على العبد في سراية العتق. وخفي وهو بخلافه، مثل الإسكار
في بعض الأنبذة؛ فإنه ليس كقوة الإسكار في الخمر.
وقياس عكس وهو: ما ثبت فيه نقيض حكم الأصل بنقيض علته، مثل قول
النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم جواباً على من قال: يأتي أحدنا
شهوته في الحلال ويكون له في ذلك أجر؟ قال: <أرأيتم لو وضعها في
حرام أكان عليه وزر>.
الباب الرابع
في كيفية تحليل الأدلة ومعرفة دلالات الألفاظ
و الاستنباط منها
مدخل
__________
(1) ـ أخرجه البخاري 8/117، ومسلم 4/1718، والترمذي رقم (2825)،
وابن ماجة رقم (3775)، وأحمد 1/431، وعبد الرزاق رقم (19806)، عن
ابن مسعود.
(1/43)
إذا فرغنا من إقامة الدليل الشرعي وتأكدنا من صحة صدوره، بقي علينا
النظر في ذات الدليل، والتعرف على مايحمله من دلالات في ألفاظه
المفردة، وجُمَلِه المرَكَّبة، لنتمكن بعد ذلك من استنباط الحكم
الشرعي.
وإذا تأملنا في الأدلة السابقة وجدناها تنقسم إلى قسمين: دليل لفظي
يأتي عن طريق التلفظ، وهو: القرآن، وقول الرسول صلى اللّه عليه
وآله وسلم. ودليل غير لفظي، وهو فعل النبي صلى اللّه عليه وآله
وسلم وتقريره والاجماع والقياس.
أما غير اللفظي فقد تقدم الكلام عليه، وبقي الكلام على الدليل
اللفظي.
المبحث الأول في: مباحث اللفظ
يحتل الدليل اللفظي مساحة واسعة على صفحات هذا الفن؛ لأن مدار معظم
المسائل الفقهية عليه، وبما أنه معتمد على اللفظ العربي ونظامه،
فإن طريقنا إلى تحليله ومعرفة محتواه هي معرفة كيفية وَضْعِ اللفظ
المفرد، وكيفية استعماله، وماهي دلالته. وسنعرف إنشاء اللّه ذلك
فيما يلي:
وضع الألفاظ:
لو رأينا دخاناً يتصاعد في الهواء لفَهِم كل من رآه ـ عربيا كان أو
أعجمياً ـ أن ناراً توجد في موضع الدخان؛ لأن الدخان دل على النار
دلالة ذاتية لايحتاج في ذلك إلى وضع واضع.
أما لوسمعنا من يقول : الجبل .. الجبل . فإنه لايَفْهم المراد بهذا
اللفظ إلاّ الإنسان العربي؛ لأن اللفظ لايدل على المعنى دلالة
ذاتية، وإنما يدل عليه حين يوضع ويخصص له.
إذاً فالوضع هو: تعيين لفظ مخصوص لمعنى من المعاني ليعبر عما في
الضمير، بحيث يدل عليه بنفسه، ويرتبط به ارتباطاً يجعلنا كلما
سمعنا أو تصورنا اللفظ انتقلت أذهاننا إلى تصور المعنى المراد،
وكلما وجدنا ذلك المعنى انتقلت أذهاننا إلى اللفظ الموضوع له، حتى
تكون العلاقة بين اللفظ والمعنى كالعلاقة بين الحرارة والنار.
أقسام الوضع:
نحتاج عند وضع لفظ لأحد المعاني إلى تصور اللفظ والمعنى؛ لأن ذلك
بمثابة الحكم عليهما. وهذا يعطينا ثلاث صور:
(1/44)
الصورة الأولى: وضع لفظ واحد لمعنى واحد، كوضع لفظ: (جبل) لذلك
الجرم المنتصب، و(زيد) لرجل معين، ويدخل تحت هذه الصورة من صور
الوضع نوعان:
أ ـ جزئي، وهو مايمتنع وقوع الشركة فيه، نحو وضع وتخصيص لفظ (مكة)
و(صنعاء) و(طرابلس) لمدن معينة، فهو حينئذ خاص بها، فإذا أطلق ذلك
اللفظ على معنى آخر غير ما خصص له فهو بمثابة وضع جديد، كوضع لفظ:
(طربلس) اسماً لمدينة في لبنان واسماً لمدينة في ليبيا. وحينها
يحتاج إلى التمييز بالإضافة، فإذا ورد في الدليل لفظ من هذا النوع
فيحمل على المعنى المخصص له فقط.
ب ـ كلي، وهو: وضع لفظ لمعنى واحد له مجموعة أفراد، مثل وضع لفظ:
(بقرة) للحيوان المعروف، فهو وإن كان معناه واحد إلا أنه يطلق على
جميع البقر، وهو قسمان:
ـ متواطئ، وذلك إذا استحقت جميعُ الأفراد أن يطلق عليها اللفظ
بالسوية، كالمثال السابق، وكلفظ: إنسان، فإنه يطلق على: محمد،
وعلي، وزيد على حد سواء. ويحمل اللفظ الكلي المتواطئ على أي واحد
من أفراده بلا تردد.
ـ مشكِّك: وذلك إذا كان بعضُ الأفراد أولى باللفظ من بعض، كلفظ:
(أحمر) للقاني، وشديد الحمرة، فإن لِشديد الحمرة أولويةً في
استحقاق ذلك اللفظ. وكلفظ: (قديم) لشيئين متفاوتين في القدم، فإن
للأقدم منهما أولوية في استحقاق اللفظ. وكلفظ الوجود فإنها في حق
اللّه أولى.
الصورة الثانية: وضع لفظ واحد لمعنيين فأكثر، مثل وضع لفظ: (عين)
لعين الإنسان، وعين الماء، وذات الشيء، ويقال له: المشترك اللفظي،
والفرق بينه وبين المتواطئ أن مسميات المتواطئ مشتركة في معنى
يشملها من أجله اشتركت في استحقاق الاسم. ومسميات المشترك في اللفظ
فقط.
والمشترك اللفظي إما موضوع لمعان متباينة مثل لفظ: (قرء) الموضوع
للحيض والطّهر، فهو: مجمل، يعرف المراد منه بقرينة، وهي النص عليه
أو الاستدلال أو سبق الفهم إليه ونحو ذلك. وسيأتي مزيد من الكلام
عليه.
(1/45)
وإما موضوع لمعان مختلفة غير متباينة، مثل لفظ: (عين)، فهو: عام.
يجب حمله على معانيه، إلا لقرينة، ومنه حديث الغدير، وسيأتي مزيد
من الكلام عنه أيضاً.
الصورة الثالثة: وضع لفظين فأكثر لمعنى واحد، مثل: قعود وجلوس لفعل
واحد، وقط وسنور لحيوان واحد، ويقال له: المترادف. ويصح التعبير عن
ذلك المعنى بأي لفظ من الألفاظ المترادفة، إذا عُرِف عدم الفارق.
دلالة المفرد على ما وضع له
لاتقتصر دلالة اللفظ المفرد على المعنى الموضوع له، بل تتعدى إلى
إفادة معان أخرى، فلفظ: (عشرة) كما يدل بالمطابقة على تمام معناه
(عشرة)، ويدل بالتضمن على جزئه (خمسة)، ويدل بالإلتزام على
(الزوجية) في العشرة، ولهذا اعتبر الأصوليون دلالة المفرد على ما
وضع له ثلاثة أنواع :1 ـ دلالة مطابقة. 2 ـ دلالة تضمن. 3 ـ دلالة
التزام.
استعمال الألفاظ
بعد أن عرفنا كيفية وضع اللفظ للمعنى ودلالته عليه نتوجه إلى معرفة
كيفية استعمال هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى، فإذا أردنا أن نتصور
معنى من المعاني فإننا نستعمل اللفظ الموضوع له، ليكون سبباً في
تصوره؛ لأن اللفظ للمعنى كالمرآة للصورة، ولا يخلو إما أن يستعمل
اللفظ في معناه الموضوع له مع إرادة ذلك المعنى، أو في غير معناه
الموضوع له، أو في معناه مع إرادة غيره، فالأول: حقيقة، والثاني
مجاز، والثالث كناية، وهي كما يلي:
الحقيقة
المراد بالحقيقة هنا: استعمال اللفظ فيما وضع له مع إرادة ذلك
الموضوع، وهي قسمان:
1 ـ حقيقة أصلية، وتسمى لغوية، وهي استعمال اللفظ في معناه الأصلي
الذي وضع له أولاً، مثل: استعمال لفظ (أسد) للحيوان المفترس.
و(جبل) للجُرم المنتصب المعروف.
(1/46)
2
ـ حقيقة منقولة، وهي اللفظ المصروف عما وضع له أولاً إلى معنى جديد
إما في الشرع مثل لفظ: (صلاة)، فإنها في الأصل وضعت للدعاء، ثم
نقلها الشارع إلى ذات الأذكار والأركان، وهذه تسمى: حقيقة شرعية.
وإما في العرف، مثل: (دابّة)، فإنها في الأصل وضعت لكل ما دبّ، ثم
نقلها العرف إلى ذوات الأربع، وهذه تسمى حقيقة عُرفية.
المجاز
والمراد به هنا: استعمال اللفظ في غير ماوضع له لعلاقة ظاهرة بينه
وبين الحقيقة، وقرينة صارفة عنها، وهو قسمان:
1 ـ استعارة، وذلك إذا كانت العلاقة بين ذلك الغير وبين الحقيقة
المشابهة، مثل استعمال لفظ: (أسد) لرجل يشابه الأسد في الشجاعة.
ومثل استعمال لفظ: (ثعلب) لرجل يشابه الثعلب في المكر والخديعة.
2 ـ مجاز مرسل، وذلك إذا كانت العلاقة بينه وبين الحقيقة غير
المشابهة، وهي كثيرة، منها:
أ ـ الجزئية، وهي إطلاق الجزء والمراد به الكل مثل قوله تعالى:
{فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}[النساء: 92]، فالمقصود بالرقبة
العبد أو الأمة.
ب ـ السببية، وهي إطلاق السبب والمراد به المسبب، مثل: رعت الغنم
المطر، أي النبات؛ لأن المطر سبب فيه، أو إطلاق المسبب على السبب،
نحو: {وَيُنْزِلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً}[غافر: 13].
ج ـ الظرفية، وهي إطلاق الحالّ والمراد به المكان مثل قوله تعالى:
{فَفِيْ رَحْمَةِ اللّه هُمْ فِيْهَا خَالِدُونَ}[آل عمران: 107]،
فالمراد بالرحمة الجنة التي تحل فيها الرحمة.
د ـ الملزومية، وهي إطلاق الملزوم والمراد به اللازم ، مثل: ملأت
الشمس المكان، فالمقصود هنا الضوء؛ لأنه يوجد عند طلوع الشمس.
والقرينة هي التي توجب صرف اللفظ عن معناه الموضوع له إلى معنى
آخر، ولها أقسام ومواصفات تطلب من كتب البلاغة.
الكناية
(1/47)
المراد بها هنا: استعمال اللفظ فيما وضع له، لكن المُستعمِل يقصد
لازم اللفظ، ويعرف قصده بقرينة تدل على قصد اللازم مع الملزوم، مثل
قولك: زيد كثير الرّماد. إذا أردت بذلك كونه كريماً، فإنك استعملت
كل لفظ فيما وضع له، وأنت تريد معنى آخر له علاقة بالمعنى الظاهر.
دلالات الخطاب
الخطاب الموجه إلى الغير لإفهام معنى من المعاني يحمل في طياته
دلالتين: دلالة اللفظ المنطوق، ومفهومه، كما في قولك: من صلى كتب
له الأجر. فإن اللفظ المنطوق يدل على الحصول على الأجر بالصلاة، في
حين يدل بالمفهوم على عدم الأجر لمن لم يصل. وهذا ما يسمى بالمنطوق
والمفهوم.
المنطوق
هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق، وهو إما أن يوضع اللفظ له أو
لايوضع له، فالأول صريح والثاني غير صريح.
القسم الأول الصريح
الأصل في تسمية الصريح أن تكون دلالته واضحة لا احتمال فيها، وذلك
لايخص الحقيقة، والصريح أنواع هي:
1 ـ النص
وهو ما كانت دلالته على المعنى دلالة واضحة بنسبة 100% بحيث لايقبل
الاحتمال في دلالته على معناه، وسمي نصاً لأنه نص على معنى واحد
واضح، فإن كان لايحتمل غيره بضرورة اللغة فهو: نص جلي وذلك مثل:
لفظ (النصف) في قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَاتَرَكَ
أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ}[النساء: 62]. فإنه
لايحتمل في اللغة إلا معنى واحداً. ومثل قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ
وَالزَّانِيْ فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ
جَلْدَةٍ}[النور: 2] فإن لفظ مائة لا يحْتَمل غير العدد المخصوص.
وإن كان لايحتمل غيره بالنظر والاستدلال فهو نص خفي، مثل: قوله
تعالى: {فَطَلِقُوْهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}[الطلاق: 1]، فإن هذا نص
في مراعاة وقت السنة في الطلاق (1).
__________
(1) ـ قال في الفصول: ومنه حديث الغدير في الدلالة على إمامة
الإمام علي (ع).
(1/48)
وماكان من القرآن دلالته قطعية فيقال له: قطعي الثبوت قطعي
الدلالة، يُكَفَّر أو يفسَّق من تعمد مخالفته، ويجب العمل به حتى
يقوم دليل على صرفه عن معناه، فإن كان عاما حُمِلَ على عمومه حتى
يأتي مخصص، وكذلك إن كان مطلقا ونحو ذلك، ونادراً ما يدخله
التأويل.
2 ـ الظاهر
وهو: ما كانت دلالته واضحة تتبادر إلى الذهن بدون تأمل، وتدل على
المعنى بنسبة 60% فما فوق، مع احتماله لمعنى مرجوح، وسمي ظاهراً
لرجحانه وظهوره في اللفظ، مثل:{أَحَلَّ اللّه البَيْعَ}[البقرة:
275]، فإن الظاهر حِلُّ جميع ما وقع عليه اسم البيع.
ويختلف الظاهر عن النص، بما يلي:
أنه يدخله التأويل كثيراً فيجب صرفه إليه، عند ظهور الدليل
الصَّارف.
وإذا عُلِم في آيات القرآن فهو المراد؛ لأن القرآن خطاب الحكيم،
وهو لايغرر على عباده بظاهر غير مقصود لاسيما في الخبر.
ومثال الظاهر قوله تعالى: {لاَيُؤَآخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللغْوِ
فِيْ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ
الأَيْمَانَ}[المائدة: 89]، فقد اختلف الفقهاء في معنى اللغو في
الآية، فقال بعضهم: إنه الحلف على شيء ظنه كذلك فكان خلاف ماظن،
وقال آخرون: إنه الحلف الذي يقصد به توكيد الكلام، نحو لا واللّه..
نعم واللّه.. لأنها قد تجري على الألسنة من غير قصد، ولا شك أن
دلالة اللفظ على أحد معنييه دلالة ظنية ولذلك اُخْتُلِف فيه.
ومثال آخر هو قوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ}[المائدة:
6]، فإن الآية قطعية في وجوب مسح الرأس جملة، ولكنها لم تحدد
المقدار الذي يجب مسحه، هل هو كل الرأس أم نصفه أم بعضه؛ لأنها
تحتمل كل ذلك، وكون الظاهر مسح كل الرأس لايفيد النصوصية. وكذلك
قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
وَالدَّمُ}[المائدة: 3]، فلفظ الميتة عام يقتضي تحريم كل ميتة،
ويحتمل أن يخصص بما عدا ميتة البحر.
(1/49)
وما كانت دلالته ظنية فيقال له: قطعي الثبوت ظني الدلالة، ولاتؤدي
مخالفته إلى فِسْق المخالف ولاكفره، إذا كان الخلاف مستنداً إلى
نظر، أما مجرد التمرد فلا يعذر بكونه ظنياً إذ الواجب اتباع القرآن
من غير فرق بين قطعي وظني.
3 ـ المجمل
وهو: ما كانت دلالة النطق على المعنى بنسبة 50%، وسمي مجملاً لأنه
لم يتضح معناه.
4 ـ المؤول
وهو: ما كانت دلالة النطق على المعنى بنسبة 40% فما دون، وسمي
مؤولاً لأنه لايعول عليه إلا بالتأويل بنصب أدلة وقرائن تصيره
راجحاً.
والتأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معناه المرجوح، وهو
أنواع:
ـ قريب، وهو مايكفيه أدنى مرجح، ومنه تأويل قوله تعالى: {وَسْئَلِ
القَرْيَةَ} [يوسف: 82] بأن المراد أهلها.
ـ متوسط، وهو مايحتاج إلى مرجحات واضحة، ومنه تأويل قول النبي صلى
اللّه عليه وآله وسلم: <لاصيام لمن لم يبيت الصيام من الليل> بصيام
القضاء.
ـ بعيد، وهو ما يحتاج إلى مرجحات وقرائن أكثر وضوحاً، ومنه تأويل
قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: <أيما امرأة نكحت بغير أذن
وليها فنكاحها باطل> بأن المراد الصغيرة والمكاتبة والمجنونة دون
غيرهن.
ـ متعذر، وهو ماكان فيه تعسف ومدافعة للقواطع، كتأويل المرجئة آيات
الثواب بالترغيب، وآيات العقاب بالترهيب. ويلحق به مخالفة الظاهر
المحفوف بقرائن كثيرة تدل على إرادة الظاهر.
القسم الثاني من المنطوق: غير الصريح
وهو أنواع، هي:
دلالة الاقتضاء، وهي: ما قُصِد فيه اللازم وتوقف صدق الكلام وصحته
عليه، مثل قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((رفع عن أمتي الخطأ
والنسيان ))، فإن صدق الكلام يتوقف على تقدير: (إثم) أو (تَبِعَة)،
فيكون المراد: رفع عن أمتي إثم الخطأ والنسيان. لأن الخطأ والنسيان
موجودان في الأمة قطعاً.
(1/50)
دلالة التنبيه، وهي: ما قصد فيه اللازم ولم يتوقف صدق اللفظ وصحته
عليه، إلا أنه يلزمه عقلاً أو عرفاً، مثل إذا قال أحد: إني عطشان.
فإنه يدل على طلب الماء، إذا قصد ذلك، وكذلك لو قال المفتي: بطل
البيع. لمن قال له: إني بعت السمك في النهر، فإنه يدل على اشتراط
القدرة على تسليم المبيع.
دلالة الإشارة، وهي: مالم يقصد منه اللازم نحو: {أُحِلَّ لَكُمْ
لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} [البقرة: 187] فإنه يلزم من إباحة
الرفث في كل الليل جواز الإصباح جنباً، ومثل دلالة قوله تعالى:
{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُوْنَ شَهْراً}[الأحقاف: 15] مع
قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}[البقرة: 233] على أن أقل الحمل ستة أشهر.
المفهوم
هو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، وهو قسمان:
أ ـ مفهوم الموافقة: وهو ما وافق حكمه حكم المنطوق في الإثبات
والنفي، فإذا قال لك والدك: لاتعطي زيداً درهماً، فإنك تعرف بالنطق
أنه نهاك عن إعطائه درهماً، وتفهم منه أنه لايريد إعطاءه أكثر من
درهم. فكانت وجهة المعروف بالنطق والمعروف بالفهم واحدة وهي المنع،
وهذه هي الموافقة.
فإن كان المفهوم مساوياً للمنطوق في الأهمية، مثل:
{وَلاَتَقْرَبُوْا مَالَ اليَتِيْمِ}[الأنعام: 152]، فإنه يفهم
منه: ولاتتلفوه بالإحراق أو الإغراق، والإغراق والإحراق والأكل
سواء في الإتلاف، فيسمى هذا: لحن الخطاب. وإن كان المفهوم أولى من
المنطوق، مثل: {لاَتَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}[الإسراء: 23]، فإن
المفهوم: ولاتضربهما، والضرب أشد وأقبح من التأفيف، ويسمى: فحوى
الخطاب.
(1/51)
ب
ـ مفهوم المخالفة: وهو ما خالف حكمه حكم المنطوق في الإثبات
والنفي، فإذا قال لك والدك: إن دخل زيد فأكرمه، فإنك تعرف من خلال
النطق أن عليك إكرام زيد إن دخل، وتفهم أنه إذا لم يدخل فليس عليك
إكرامه، فوجهة المنطوق الإكرام، ووجهة المفهوم المنع، وهذه هي
المخالفة، ولهذا المفهوم أقسام تتفاوت في درجات القبول، وهي:
1 ـ مفهوم الحصر، وهو مثل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ
وَالْمَسَاكِيْنِ وَابنِ السَّبِيلِ ..}[التوبة: 60] الخ، فمفهومه:
لالغير من شملته الآية.
2 ـ مفهوم العدد، هو: مايستفاد من تعليق الحكم بعدد مخصوص، نحو:
{فَاجْلِدُوْا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}[النور:
2]، فمفهومه: عدم شرعية الزيادة فيلزم تحريمها.
3 ـ مفهوم الغاية، هو مايستفاد من تقييد الحكم بأداة غاية، مثل:
((إلى )) و((حتى )) نحو: {ثُمَّ أَتِمُّوْا الصِّيَامَ إِلَى
الليْلِ}[البقرة: 187]، فمفهومه: عدم شرعية الزيادة. وقوله تعالى:
{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}[البقرة: 230]، فمفهومه: أنها
إذا نكحت زوجاً غيره ارتفع الحضر بأن يموت أويطلق.
4 ـ مفهوم الشرط، هو: ما استلزم عدمه عدم غيره، نحو: {وَإِنْ كُنَّ
أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوْا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق:6] فمفهومه:
فإن لم يكن أولات حمل فلا تنفقوا عليهن (1).
5 ـ مفهوم الصفة، هو: ما اشعر بمعنى في الموصوف، نحو: في الغنم
السائمة زكاة، فمفهومه: فإن لم تكن سائمة فلا زكاة فيها.
__________
(1) ـ بهذا المثال مثل بعض أهل الأصول، وقال بعضهم: إنه لامفهوم
له، وقوى ذلك السيد العلامة بدر الدين الحوثي حفظه اللّه . وهنالك
كلام كثير حول مفهوم الشرط يمكن مراجعته في المطولات.
(1/52)
6
ـ مفهوم اللقب، هو: نفي الحكم عما لم يتناوله الاسم، نحو: في الغنم
زكاة. فيفهم منه نفي الزكاة في غير الغنم. ونحو قوله:
{وَاذْكُرُوْا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة:
198] فمفهومه أما عند غيره فلا ذكر ـ وهذا أضعف المفاهيم، ولا يعمل
به عند أئمتنا.
وقد اختلف في اعتبار بعض هذه المفاهيم، وذكرت حولها تفاصيل كثيرة،
تطلب في المطولات.
البحث الثاني في: دلالات الألفاظ
تنقسم الألفاظ اللغوية من وجهة نظر أصولية إلى قسمين:
1 ـ ألفاظ مشتركة وهي مايوجد في كثير من الأدلة مهما كان موضوعها ،
وتفهم من خلالها معان دقيقة للجملة، وذلك مثل لفظ: (كل) و(إنما)
و(صيغة فعل الأمر)؛ فإنها تستخدم في مواضيع شتى، إذ نجدها في مباحث
الصلاة، والصيام، والحج، والبيع، والأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر.. الخ.
2 ـ وألفاظ خاصة وهي مالايوجد إلا في الدليل الذي يعالج موضوعاً
معيناً، مثل لفظ: (إحسان)، فإنه لايستعمل إلا في الدليل الذي يشتمل
على حكم مرتبط بالاحسان، ولفظ: (إحرام) فإننا لانجده إلا في الدليل
الذي يعالج مسألة الإحرام.
وموضوع أصول الفقه دراسة الألفاظ المشتركة، ومن مباحث الألفاظ
المشتركة مايلي:
الأمر والنهي
الأمر
هو الإلزام بالفعل من ولي نعمة مالك قاهر بصيغة: (إفعل) أو ما أفاد
معناها، كالفعل المضارع المقرون بلام الأمر نحو: ليقرأ محمد.
والعقل يحكم بوجوب الامتثال له.
(1/53)
وقد بسط الأصوليون الكلام حول ماهية الأمر وشروطه ومفاده، وهل مجرد
صيغته تفيد الإيجاب والفور والتكرار أم لا، والذي أجزم به أن صيغة
الأمر موضوعة للنسبة القائمة بين المتكلم والمخاطب وذات الحدث فقط،
فلا تفيد بمفردها الأمر بالفعل أوالفور أو التراخي أو التكرار
أوالمرة، وإنما يفيد كلَّ ذلك مقصدُ الآمر ومراده (1) .
ألا ترى أنه إذا قيل لك: إضرب زيداً. فإنك لاتدري هل يريد بقوله:
إضرب. الأمر بفعل الضرب.. أم يريد تهديدك بأنك لو فعلت لنالك
مايسوؤك (2).. أم يريد التعجيز وإشعارك بأنك لاتستطيع ولاتجرؤ على
ضربه (3) .. أم غير ذلك؟
فإذا عرفت أنه يريد الأمر، فإنك لاتدري هل يريده على وجه الإلزام
الحتمي، أم في ذلك فسحة؟ فإذا عرفت أنه يريد الإلزام، فإنك لاتدري
هل يريد القيام به فوراً أم فيه مهلة؟ ثم هل يريد أن تضربه مرة، أم
مرات؟ هذه التساؤلات تفيد أن مجرد صيغة الأمر لاتحدد المراد
بمفردها، وأن تحديد المراد يعود إلى إرادة المتكلم، فهي التي
تُعَيِّن مدلول الصيغة إما للوجوب، أو للتهديد، أو للتعجيز، أو غير
ذلك، وهي التي توجه مفاد الصيغة أيضا للفور، أو التراخي، أو المرة،
أو التكرار. وتعرف إرادة الآمر إما بالإفصاح عنها وإما بالقرائن
الدالة عليها.
وقد ذكر الأصوليون أن صيغة (إفعل) تستعمل لستة عشر معنى، هي:
1 ـ الوجوب، مثل قوله تعالى: {وَأَقِيْمُوْا الصَّلاَةَ}[البقرة:
43].
2 ـ الندب، مثل قوله تعالى: {فَكَاتِبُوْهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ
فِيْهِمْ خَيْراً}[النور: 33].
__________
(1) ـ قال السيد العلامة بدر الدين الحوثي: ظاهرها ـ يعني صيغة فعل
الأمر ـ الأمر إذا كانت من قاهر، قال تعالى: { ما منعك أن تسجد إذ
أمرتك} ، {وإذا قيل لهم اركعوا لايركعون}.
(2) ـ كما يقال في التهديد إفعل ما تشاء.
(3) ـ كما يقول المتحدي : اصنع كصنعي.
(1/54)
3
ـ الإرشاد، مثل: قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوْا شَهِيْدَيْنِ مِنْ
رِجَالِكُمْ}[البقرة: 282]. والفرق بين الندب والإرشاد: أن الندب
لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا.
4 ـ الإباحة، مثل قوله تعالى: {كُلُوْا وَاشْرَبُوْا}[الحاقة: 24].
5 ـ التهديد، مثل قوله تعالى: {اعْمَلُوْا مَا شِئْتُمْ}[فصلت:40].
6 ـ الإنذار، مثل قوله تعالى: {تَمَتَّعُوْا
قَلِيْلاً}[إبراهيم:30]، وهو قريب من التهديد.
7 ـ الإكرام، مثل قوله تعالى: {ادْخُلُوْهَا بَسَلاَمٍ}[الحجر:46].
8 ـ التسخير، مثل قوله تعالى: {كُوْنُوْا قِرَدَةً}[البقرة:65].
9 ـ التعجيز، مثل قوله تعالى: {فَأْتُوْا بِسُوْرَةٍ مِنْ
مِثْلِهِ}[البقرة:23].
10 ـ التأديب، مثل قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: <كل
مما يليك>. وهو قريب من الندب.
11 ـ الإهانة، مثل قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيْزُ
الْكَرِيْمُ}[الدخان:49].
12 ـ التسوية، مثل قوله تعالى: {اصْبِرُوْا أَوْ
لاَتَصْبِرُوْا}[الطور:16].
13 ـ الدعاء، مثل قوله تعالى: {رَبَّنَا اغْفِرْ
لَنَا}[الأعراف:151].
14 ـ التمني، كقول الشاعر:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي.
15 ـ الاحتقار، مثل قوله تعالى: {أَلْقُوْا مَا أَنْتُمْ
مُلْقُوْنَ}[الشعراء:43].
16 ـ التكوين، مثل قوله تعالى: {كُنْ فَيَكُوْنُ}[يس:82].
وقد ذكر أنها مجاز فيما عدا الخمسة الأوَل، وحكى في (الفصول) عن
أئمة الزيدية أنها حقيقة في الوجوب مجاز في غيره.
النهي
هو الزجر والإبعاد والإلزام بالترك من ولي نعمة مالك قاهر بصيغة :
(لاتفعل) أوما أفاد معناها، ويحكم العقل بوجوب الامتثال له.
وصيغة النهي موضوعة للنسبة بين المتكلم والمخاطب والحدث، ويعتبر
فيها ماتقدم في صيغة الأمر.
وذكر الأصوليون أن صيغة النهي تستعمل في ثمانية معان:
1 ـ التحريم، مثل: {وَلاَتَقْتُلُوْا النَّفْسَ..}[الأنعام: 151].
2 ـ الكراهة، مثل: <لاتأكل بشمالك>.
(1/55)
3
ـ التهديد، كقولك لمملوكك: لاتمتثل أمري.
4 ـ التحقير، مثل: {لاَتَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ}[الحجر: 88].
5 ـ بيان العاقبة، مثل: {ولاَتَحْسَبَنَّ اللَّهَ
غَافِلاً..}[إبراهيم: 42].
6 ـ الدعاء، مثل: {رَبَّنَا لاَتُزِغْ قُلُوْبَنَا}[آل عمران: 8].
7 ـ اليأس، مثل: {لاَتَعْتَذِرُوْا الْيَوْمَ}[التحريم: 7].
8 ـ الإرشاد، مثل: {لاَتَسْأَلُوْا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ
لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}[المائدة: 101].
قال في (الفصول): وهي مجازاً فيما عدا الأولين اتفاقاً.
أنواع النهي
النهي المقتضي للحظر على ثلاثة أنواع:
1 ـ إما لعينه، وهو: مانهي فيه عن الجنس كله؛ لأنه منشأ لمفسدة
كالظلم، وهذا يفيد قبح المنهي عنه وفساده عند الناهي، مثل قوله
تعالى: {وَلاَتَقْتُلُوْا أَنْفُسَكُمْ}[النساء: 29]، وقوله تعالى
{وَلاَتَقْرَبُوْا الزِّنَى}[الإسراء: 32] .
2 ـ وإما لوصفه، وهو: ما كان النهي فيه عن بعض الجنس لوصف يلازمه،
مثل بيع الربا، فهو جائز من حيث هو بيع، لو لا أنه ممنوع من حيث هو
ربا، مثل: (( لاتبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل )) (1)، ومثل
الصلاة في المنزل المغتصب، وهو يدل على الفساد في العبادات (2).
3 ـ وإما لأمر خارج، يقارن تارة ويفارق أخرى، كالبيع وقت نداء
الجمعة، فإن المقتضي للنهي عن البيع وقت النداء أمرٌ خارج عن البيع
وهو تفويت صلاة الجمعة، وهو في هذا لايدل على الفساد (3).
شروط الأمر والنهي
__________
(1) ـ أخرجه المؤيد باللّه في شرح التجريد ـ خ ـ والبخاري 3/154،
ومسلم 2/1208، والترمذي رقم (1241)، والنسائي 7/278 عن أبي بكرة.
(2) ـ هذا عند جمهور أئمتنا، وعند أبي طالب والمنصور باللّه في
العبادات وغيرها.
(3) ـ هذا عند أكثر أئمتنا، خلافاً للإمام أبي الفتح الديلمي
والحافظ محمد بن منصور المرادي، فإنه ذكر عنهما أنهما يقولان بفساد
البيع بعد نداء الجمعة، وهو مذهب بعض الفقهاء.
(1/56)
للأمر والنهي شروط باعتبارات مختلفة (1)، فمنها:
ما يرجع إلي ذات الآمر والنهي، وهي: ألا يكون الأمر والنهي في
أنفسهما مفسدة، كالأمر بالظلم والنهي عن رد الوديعة.
وأن يتقدما بالقدر الذي يمكن فيه معرفة ما تناولاه، وذلك بأن يمكن
سماعهما، والنظر في حكمهما، وحصول العلم أو الظن لحكمهما، والأخذ
بهما، وأن يتمكن المخاطب من فهمهما.
ومنها ما يرجع إلى المأمور به والمنهي عنه، وهو: العلم بهما.
وألا يكونا مستحيلين في أنفسهما.
وأن يكون المأمور به له صفة زائدة على حُسنه، والمنهي عنه مما
يترجح تركه على فعله.
ومنها ما يرجع إلى الآمر والناهي، وهو: أن يَعلم من حالهما ما
تقدم، وأن يكون له فيهما مراد صحيح.
وأنه يثيب ممتثل أمره، ويعاقب مخالف نهيه.
ومنها ما يرجع إلى المأمور والمنهي، وهو: تمكنهما من الفعل والترك،
وتردد دواعيهما وإمكان وجود الآلة في الفعل المحتاج إليها.
العموم والخصوص
العموم
هو: الخطاب الذي يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد (2). ويستفاد
من: اللغة، أو العقل، أو العرف. فالعموم المستفاد من اللغة، له
ألفاظ، منها:
ما يفيد العموم بنفسه، وهي:
1 ـ أَيُّ ،نحو: أكرم أي رجل.
2 ـ وأَنَّى للزمان، نحو: أنى تستقم يوفقك اللّه.
3 ـ وحيث للمكان، نحو: حيثما كنت يدركك الموت.
4 ـ كل، مثل: (( كل مسكر حرام )) (3)، وما في معناها، مثل: جميع،
وعامة، وكافة، ونحو ذلك. وهذه الألفاظ تدل على العموم لغة فيما
تضاف إليه.
__________
(1) ـ هذه الشروط مأخوذة من كتاب (الفصول) بتصرف.
(2) ـ تضمن هذا التعريف شيئين، أحدهما: الاستغراق، وذلك مثل لفظ:
رجال ، فإنه مستغرق لجميع أفراده، بخلاف النكرات مثل: رجل، فهو وإن
كان يصلح لكل رجل إلا أنه لا يستغرقهم. وثانيهما: الوضع الواحد
ليخرج ما وضع مرتين كاللفظ الموضوع مرة للحقيقة ومرة للمجاز.
(3) ـ أخرجه الإمام المؤيد باللّه في شرح التجريد ـ خ ـ، وهو حديث
مشهور.
(1/57)
5
ـ أسماء الشرط، مثل: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمْهُ}[البقرة: 185]. فإن لفظ: (من) اسم شرط يفيد أن كل من
رأى الشهر من المكلفين وجب عليه الصوم.
6 ـ الاستفهام، مثل: {مَنْ ذَا الَّذِيْ يُقْرِضُ اللّه قَرْضاً
حَسَناً}[البقرة: 245]. فإن لفظ:(من) يفيد كل من يتصدق؛ لأنه معنى
الإقراض.
7 ـ الأسماء الموصولة، مثل: {إِنَّ الَّذِيْنَ يَأْكُلُوْنَ
أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُوْنَ فِيْ
بُطُوْنِهِمْ نَاراً}[النساء: 10]، فإنه يشمل كل آكل لمال اليتيم
كائناً من كان.
ومنها ما يفيد العموم؛ لأنه دخل عليه ما يفيد ذلك، وهي:
1 ـ ما دخل عليه التعريف بلام الجنس (1) جمعاً، مثل:
{وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ}[البقرة: 233]، أو
مفرداً؛ إذا عُرِّف بالألف واللام لغير عهد ولم يرد بها تنكيراً
(2)، مثل: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِيْ خُسْرٍ}[العصر: 2].
فإن لفظ:(الوالدات) في الآية الأولى، ولفظ: (الإنسان) في الآية
الثانية معرفان بـ(ال) ولهذا كانا شاملين لكل إنسان وكل والدة.
2 ـ المعرف بالإضافة جمعاً، مثل: {يُوْصِيْكُمُ اللّه فِيْ
أَوْلاَدِكُمْ}[النساء: 11]. فإن لفظ: (أولادكم) جمع معرف بالإضافة
إلى الضمير فهو شامل لكل الأولاد.
أومفرداً، مثل قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم في البحر: (( هو
الطهور ماؤه والحل ميتته )) (3)، فإن لفظ : (ميتة) مفرد مضاف إلى
الضمير، وهو يدل على حل ميتة البحر مهما كان نوعها .
__________
(1) ـ الجنس هو: ما ينطبق على الكثير والقليل بلفظ واحد، مثل: لفظ
ماء.
(2) ـ وعلى هذا الأساس اعتبره أئمتنا والفقهاء مفيداً للعموم.
(3) ـ تقدم تخريجه.
(1/58)
3
ـ النكرة في سياق النفي، مثل قول اللّه تعالى: {لاجُنَاحَ
عَلَيْكُمْ} [البقرة: 233]، فإن لفظ (جناح) نكرة في سياق النفي
أفاد رفع أي جناح، وقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((
لاوصية لوارث )) (1). فإن لفظ: (وصية) نكرة في سياق النفي أيضاً
يفيد المنع من الوصية للوارث مهما كانت. وكذلك مثل قولنا : لا إله
الا اللّه ، ففي ذلك نفي استحقاق الألوهية لغير اللّه .
أو في سياق النهي، مثل: {وَلاَتُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ
أَبَداً}[التوبة: 84]. فلفظ: (أحد) نكرة في سياق النهي أفاد المنع
من الصلاة على أي أحد مات على شركه.
وأما العموم المستفاد من العرف، فكقوله تعالى: {حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}[النساء: 23] . فإنه يفيد في العرف
تحريم جميع وجوه الاستمتاع.
وأما العموم المستفاد من العقل، فمنه ما علق من الأحكام على علة،
فأينما وُجِدَت العلة وجد الحكم، مثل تحريم الإسكار، فأينما وجد
الإسكار وجد التحريم. أنواع العام
بعد البحث والتتبع لأدلة الشريعة ثبت أن العام ثلاثة أنواع:
1 ـ عام يراد به العموم ولم يخصص، وهو ما صحبته قرينة تنفي احتمال
تخصيصه، مثل: {وَاللّه عَلَى كُلِّ شَي قَدِيرٍ}[البقرة: 284]،
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إلاَّ عَلَى اللّه
رِزْقُهَا}[هود: 6].
2 ـ عام يراد به التخصيص، وهو ماصحبته قرينة تفيد ذلك، مثل:
{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ}[آل عمران: 97]، فالمراد
بالناس في هذه الآية المكلفين. وهذا النوع إما أن يراد به الخصوص،
نحو: {الَّذِيْنَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوْا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173]، والمراد بالناس
هنا شخص معين. وإما أن يكون عاماً صحبه مخصص.
__________
(1) ـ أخرجه الترمذي رقم (2121)، والنسائي 6/247، وابن ماجة رقم
(2713)، وأحمد 4/186، والطبراني في الكبير 17/35، وعبدالرزاق رقم
(7277) عن عمرو بن خارجة.
(1/59)
3
ـ عام يحتمل أن يكون وروده للعموم لعدم المخصص، ويحتمل أن يكون
وروده للخصوص لوجود المخصص في الواقع، وهو ما يكون البحث عنه.
الخصوص
إذا ورد في الشرع لفظ عام وجب حمله على عمومه وتطبيقه على جميع
أفراده مالم يقم دليل على تخصيصه، وهذا يوجهنا إلى البحث عن المخصص
في العمليات قبل العمل بالعام، لورود العموم المخصص كثيرا في
الشرع، حتى قيل: ما من عام إلا وقد خُص. فإن كان في المسائل
العملية الظنية فيكتفى فيه بالبحث حتى يغلب الظن بانتفائه، وأما في
المسائل العلمية فإن التخصيص يكون مقترناً بالعام حقيقة أوحكماً،
وإلا حصل العلم بانتفائه؛ لأن موضوع الخبر إفهام معناه عند النطق،
فإذا أفهم العموم امتنع تخصيصه من بعد.
ولايعني ورود المخصص إلغاء لكل فائدة في العموم، فقد يستفاد من
العموم ولو في غير مجال ورود الحكم، كالجانب البلاغي أو الدعوي أو
التربوي، ونحو ذلك.
والتخصيص هو: إخراج بعض ما تناوله العام، أو تبيين مراد الشارع من
لفظ العام، وهو قسمان:
1 ـ مخصص متصل
وهو: المُخَصِّص الذي لايَسْتقِل بنفسه في الإفادة، ويكون بـ:
أ ـ الاستثناء المتصل
وهو : إخراج بعض ما تناوله اللفظ بـ(إلا) أو إحدى أخواتها، مثل:
{مَنْ كَفَرَ بَعْدَ إِيْمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ
مُطْمَئِنٌ بِالإِيْمَانِ}[النحل: 106]، فـ(من أكره) مستثنى
لايتناوله حكم العتاب العام المستفاد من قوله: (من كفر) المفيد
للعموم.
ويشترط
|