تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

قوله: (وهم لم يقولوا ذلك).
أي: لم يصدر من جهة المجبرة صريح التكذيب وإن جوزت طائفة منهم الكذب على الله تعالى، ومن هذه حاله فليس مكذباً، وكيف يكون مكذباً من يخبر عن نفسه بأن مصدق بجميع أخبار الله وأخبار رسوله.
قوله: (إنما وصف المشركين بأنهم كذبوا..) إلخ.
هذا الوجه ينبني على قراءة التخفيف، وأول الكلام مسوق على قراءة التضعيف وهو الأرجح؛ لأن الكفر إنما يثبت بالتكذيب لا بالكذب.
قوله: (لجواز أن يظهر المعجزة(1) عند دعوى الكاذب).
يعني: فيحصل بذلك اننسداد باب العلم بالنبوة لأنا مع هذا التجويز لا نفرق بين النبي والمتنبي والرسول والساحر ويجوز أن ما أتى به هذا الذي ظهرت المعجزة عليه باطل وأنه داع إلى الكفر والضلال والإكفار بما هذا حاله معلوم بإجماع الأمة لما يتضمن من إبطال الدين وفساده.
قوله: (بل يعملون في دفعه كل حيلة).
قال الإمام يحيى: لما ألزموا إياه قاموا وقعدوا وصوبوا وصعدوا لما رأوا من فحش الإلزام وصعوبته ولما إعتاص عليهم رام النظار منهم وأهل الفطانة التخلص عنه بمخالص هي في الحقيقة غير نافعة ولا مجدية ولكنها نافعة لهم في عدم إكفارهم لدلالتها على عدم الالتزام سواء كانت صحيحة أو فاسدة.
قوله: (فقال الجويني: العلم يكون المعجز دلالة على التصديق علم ضروري).
قال الجويني: لأن العقلاء لا يشكون فيه متى حصل لهم علم بالمعجزة وإنما كذب من كذب من الأمم السالفة لعدم العلم بالمعجزة واعتقاداتها من قبيل الخبل والمخارق والطلسمات ولو علم صحتها لم يشك في دلالتها على الصدق.
قوله: (لا يقدح في ذلك).
قال: لأن أحدهما بمعزل عن الآخر وغير مترتب عليه فلا يكون مفسداً له.
قوله: (فأما كونه تصديقاً).
يعني: من الله تعالى للمدعي.
قوله: (ولا يقدح في ذلك تجويز إظهار المعجز على الكاذب).
__________
(1) ـ في (ب): المعجز.

(12/19)


قال الغزالي: لأن ما ذكرناه من تصرف العقل وحكمه مما ذكر يؤدي إلى العلم بتصديق الرسول من غير التفات إلى النظر في الحكمة فلا يلزم من تطرق التجويز فيما ذكرناه بطلان تصديق الرسول ومعرفته.
قال الإمام يحيى: وهذا منتهى تقرير أبي حامد وفيه مغالطة ظاهره، وإنحراف عن المقصد ونعمته لطريق الحق كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
قوله: (وهذه مرواوغة).
هي من زاغ إذا مال ومعنى المفاعلة هنا غير مقصود فإن المراد أنه الذي زاغ وحده لا أنه قوبل بمثل ذلك وكذلك المراد في قوله ومغالطة، وإنما المقصود بمثل هذا الاستعمال في العرف المبالغة في ذلك المعنى.
قال الجوهري(1): وفلان يراوغ في الأمر مراوغة. أراد أن معنى المفاعلة غير مقصود فيه.
قوله: (وهذه هي المهازلة والتلاعب بالدين).
الكلام في المهازلة كما سبق في المراوغة وهي من الهزل نقيض الجد، والتلاعب مصدر تلاعب فلان وفلان بكذا من اللعب، وكان التلعب أوفق لأن التلاعب لا يكون إلا بين اثنين.
قوله: (واعترض بأن مذهب المجبرة أن الشيء يحسن..) إلى آخره.
هذا الاتراض جيد وهو أولى مما سلكه(2) الإمام يحيى عليه السلام من أن صحة الشرائع موقوفة على القضايا العقلية والأمور الضرورية وتجويز أن يفعل الله القبيح لا يمنعنا من القطع بذلك(3) والجزم به لأن هذا إنما يصح إذا كان المراد بالشرائع ما يحكم العقل بوجوبه ووجوب تركه وليس كذلك فإن الأظهر أن المراد بالشرائع ما جاءت به الأنبياء مما طريقه السمع ومما يعترض به ذلك المسلك أنه وإن لزمهم فساد الشرائع فهم لا يلتزمونه ويحتالون في دفعه بكل حيلة والكفر لا يتوجه بالإلزام وإنما يتوجه الإلتزام.
فصل:
فأما(4) ما ينفرد به بعض علماء المجبرة من المقالات المنكرة فلزوم الكفر فيها أظهر.
__________
(1) ـ في (ب): قوله قال الجوهري.
(2) ـ في (ب): يسلكه.
(3) ـ في (ب): لذلك.
(4) ـ في (ب): وأما.

(12/20)


قوله: (كمقالة الأشعري: أنه لا نعمة لله على الكافر لا في الدين ولا في الدنيا).
قال: أما الدين فلأن الله تعالى إنما خلقه للعقوبة الأبدية والتعذيبات السرمدية في الآخرة وهو الذي عقد بناصيته الكفر بحيث لا محيص له عنه وخلقه فيه وإرادة منه ثم عذبه عليه، وأما نعمة الدنيا من الحياة والسمع والبصر والشهوة واللذة وجميع أنواع الانتفاع فليست في الحقيقة بنعمة لتأديتها إلى الضرر الدائم والعقاب الذي لا ينقطع أبداً.
قال الإمام يحيى: وهذه مقالة شنيعة ومذهب منكر لا يقول به من وقرَ الإسلام في صدره وهو كفر صريح فنعوذ بالله من الجهل المؤدي إلى الخذلان وكيف يمكن إنكار نعمة الله على الخلق ولا يمكن حصرها وعدها {وإن تعدوا نعمة الله لا تعحصوها}، فإذاً لا عذر له في هذه المقالة إلا الرد والتكذيب بما هو معلوم الضرورة من الدين ولا تعريج على التأويلات الباردة التي لا برهان ينطق بها ولا يدل عليها ولو شاغ في هذا تأويل لشاغ للباطنية وغيرهم من الفرق الخارجة عن الإسلام تأويلاتهم.
قوله: (وكما يحكى عن النجار..) إلخ.
يعني فإنه قال بمثل قول الأشعري في الفحش فهي كفر وردة لأن المعلوم ضرورة من دين صاحب الشرع أن الله تعالى أنعم على جميع المكلفين بالهداية إلى الدين ويخلق الألطاف والمصالح المقربة من الإيمان وأن المنافع الدينية في الوصول إلينا كالنعم الدنيوية بل نعم الدين أدخل في النفع؛ لأن النفع بها دائم غير منقطع، بخلاف الدنيا فإن نفعها منقطع.
قلت: خالف الإمام يحيى عليه السلام قاعدته التي يبني عليها وبالغ هنا في التشديد وينبغي أن يتأمل ما ذكره عليه السلام فللناظر فيه نظره.

(12/21)


ثم قال: وليس العجب من النجار وطبقته لقصور باعه وانتقاص شبره وذراعه ونكوصه عن بلوغ شاء والتحقيق وإنما العجب من ابن الخطيب الرازي حيث صوبه على هذه المقالة وتابعه على ركوب غارب هذه الجهالة من غير مخافة لله تعالى ولا مراقبة للدين ولا محاشاة لأهل الإسلام ويدعي مع ذلك حذقاً وفطانة وتبحر في العلوم وكياسة وقد ذكر هذه المقالة في تفسيره ونزل كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه على منهاج الجبر وقرره على قواعد وحاشى لله وكلا أن يشير كلام الله إليه أو يدل بظاهره ومفهومه عليه ولو تعب نبي مرسل على تصديق الجبر لكان ذلك عندي قدحاً في معجزته، ولله در الإمام يحيى لقد سل سيف الإنتصار للعدل وأهله وأني في ذلك بما يشهد بغزارة علمه ووفرة فضله.
قوله: (وكما يحكى عن العطوي..) إلخ.
قال الإمام يحيى: وقد كفره أهل العدل والجبر بهذه المقالة لأنها مؤدية إلى ألا توثق بشيء من أخبار الله تعالى ولا تقطع بصدقه ويقتضي الشك في جميع أخبار القرآن وأن القصص التي فيه خرافات، وكفر من هذه حالة معلوم بالضرورة من الدين، ولم يتجاسر أحد على تجويز الكذب على الله إلا العطوي لا غير، وما ذاك إلا لأجل الوقاحة وقلة المبالاة بدين الله تعالى فأما إخوانه المجبرة فما جسروا على ذلك بل اعتذروا عن إلزامهم الكذب فإن من لا يجوز عليه الجهل لا يجوز عليه الكذب إلى غير ذلك من المعاذير التي لا تجدي وأما هو فتحامق وركب في الكفر رأسه وطول في تقرير الهذيان أنفاسه.
فصل: في ذكر خيالات ادعى بعض المجبرة لأجلها كفر المعتزلة
قوله: (وإن هذا هو الأقرب في الغالب).
ليس هذا عطفاً على قوله: إنهم لا يكفرون أحداً من أهل الصلاة، ولا داخلاً فيما حكاه عن جمهورهم، وإنما هو استئناف كلام صادر عن المصنف فالموافق لذلك كسران ومعناه أن عدم تكفير أهل الصلاة هو الأقرب أي أقرب من تكفير من كفر منهم.
وقوله: (في الغالب).

(12/22)


يخبر به عن تكفير من قال بمقالة شنيعة كما ذكر آنفاً في حق العطوي والأشعري.
قوله: (وهذا تصريح بأنه لا وجه لتكفيره إياهم إلا أنهم أكفروه).
وقد صرح بذلك الرازي في النهاية عن أبي إسحاق قال ما لفظه: وكان الأستاذ أبو إسحاق يقول: أكفر من كفرني وكل مخالف يكفرنا فنحن نكفره.
قلت: ولعل مستنده في ذلك ما ورد في الحديث وهو(1) ما لفظه: ((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه)). أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من رواية ابن عمر. وكذلك ورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من دعا رجلاً بالكفر وقال عدو الله وليس كذلك إلا جاز(2) عليه)). أي: رجع. رواه البخاري ومسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه. وعن أبي سعيد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((ما أكفر رجل رجلاً إلا باء أحدهما بها وإن كان كافراً وإلا كفر بتكفيره)). رواه ابن حبان في صحيحة، فيقول الأستاذ إذا كفرهم المعتزلة مع أنهم مسلمون فقد كفروا لأجل ذلك أخذاً بهذه الأحاديث ونحوها ولا وجه لما(3) قاله وتلك أخبار آحادية وقد تمسك بها بعضهم في تكفير الروافض والخوارج لتكفيرهم من كفروه من الصحابة فاعترضه(4) الرازي بأن تكفير المسلم هل يقال بأنه يقتضي الكفر مطلقاً أم إذا كان المكفر معترفاً بأن المكفّر(5) مسلم الأول غير مسلم ولم يكون من اعتقد في بعض الاعتقادات الصحيحة كونه كفراً لأجل شبهة ثم كفَّر ذلك القائل فأنه يكون كفراً والثاني مسلم، ولكن الروافض والخوارج ما كفروا سادات الإسلام إلا لاعتقادهم صدور الكفر عنهم وإن كانوا قد أخطأوا فضلوا(6) في ذلك الاعتقاد وتأول الحديث على ما إذا قال: يا كافر مع إعترافه بكونه مسلماً.
قوله: (كما يقوله كثير من محققيهم).
__________
(1) ـ سقط من (ب): وهو.
(2) ـ في (ب): أجاز.
(3) ـ في (ب): لذ.
(4) ـ في (ب): اعترضه.
(5) ـ في (ب): الكفر.
(6) ـ في (ب): وضلوا.

(12/23)


إشارة إلى الغزالي والجويني ومن قال بقولهما.
قوله: (على أصل من تخيل مقدوراً بين قادرين).
يعني: وأما من يقول بصحته كأبي الحسين وأتباعه فلا نرد عليهم.
قوله: (بل لأجل أنهم أثبتوا قديماً مع الله).
يعني: كما أثبتموه أنتم وكذلك كفروا لقولهم بتناهي مقدورات الله وعجزه عن مدافعة الشيطان واحتياجه في دفعه إلى الإستعانة بالملائكة ونحو ذلك من جهالاتهم وحماقتهم(1).
قوله: (وهو من جنس الخراريف الأشهر في الاستعمال الخرفات).
قال الجوهري: وهي موضوعة من حديث الليل.
قلت: وأصله حديث خرافة.
قال الجوهري: وهو رجل من عذرة إستهوته الجن فكان يحدث بما رأى فكذبوه وقالوا حديث خرافة والراقية محققة. وإنما قال المصنف خراريف توهما منه أن الرامنقلة.
قال الإمام يحيى عليه السلام بعد ذكر هذه الشبهة إن مثل هذه الخرافات لا يصغى إليها ولا تسطر في الكتب النفيسة وهي بكتب التواريخ وأحاديث القصاص أليق.
قوله: (ويشكرون الله على الإيمان إلى قوله: ونحو ذلك).
يعني به: من كونه زينة في قلوبهم وأمهلهم ورغبهم فيه وبعث لهم الدواعي إليه.
قال الإمام يحيى: فأين(2) هذا عمن يقول: إن الله تعالى قد فعل فيه المعصية وخلق فيه عبادة الأوثان والأصنام وعقد الكفر بناصيته وأعمى قلبه وختم عليه وجعل على بصرة غشاوة وختم عليه الشقاوة(3) وسد عليه طرق السعادة.
قوله: (فمن أين أن(4) مخالفة الإجماع كفر).
قال الإمام يحيى: وليس كفراً باتفاق العلماء، وما هذا إلا جهل بحال الأدلة وحكمها، فمن لا يهتدي لتقرير أدلة الإكفار كيف يخوض خوض العلماء ويرتقي إلى مراتب النظار.
قوله: (وهذا موافقة لأهل الهبولي).
يعني: القائلين من الفلاسفة بالهبولي والصورة.
__________
(1) ـ في (ب): حماقاتهم.
(2) ـ في (ب): وأين.
(3) ـ في (ب): القساوة.
(4) ـ سقط من (ب): أن.

(12/24)


قال في النهاية: لا سيما الذين كانوا قبل أبي هاشم فإنهم كانوا ينفون الأحوال فلا بد لهم من القول بأن ذات الشيء ووجوده واحد فإذا لم يكن الذات حاصلة بالفاعل مع أن وجودها غير ذاتها كان ذلك قولاً بأن وجودها ليس بالفاعل، قالوا: وما هذا حاله فإنه(1) كفر لأنه يؤدي إلى قدم العالم وإبطال أن يكون له صانع.
واعلم أن هذه الشبهة لا تتوجه إلى أبي الحسين وأصحابه المنكرين لكون المعدوم شيئاً.
قوله: (معنى كون المعدوم شيئاً..) إلى آخره.
فيه نظر فإن القائلين بذلك يجعلون الذات وبعض صفاتها ثابتة في حال العدم بتميزه.
قوله: (ولا يجعلون للقادر فيها تأثيراً).
يعني: ومبينوا المعدوم شيئاً يجعلون للقادر فيها تأثيراً بأن يكسبها صفة الوجود ويخرجها إليه من العدم.
قوله: (ويمنعون من كون العالم وجد بعد أن لم يكن).
قال الإمام يحيى: وكفر أهل الهبولي حاصلٌ لقولهم بقدم العالم وإضافة هذه الآثار كلها إلى الأمور السماوية وتأثيرات النقوس الفلكية وكون ذاته تعالى موجبة ولنفي الاختيار عنها فأين هذه المقالة عن(2) مقالة أهل الإسلام المثبتين للصانع الحكيم المقرين بحدوث العالم.
قال الإمام يحيى: ولأن المُحدَث ما سبقه العدم السابق عليه سبقاً لا أول له وحصل بعد أن لم يكن وكل هذا موجود في ذات العالم سواء كان للذوات العدمية ثبوت أم لا وقد أقرته جميع الفرق الإسلامية من المعتزلة وغيرهم، فأما الفلاسفة فهم غير معترفين بشيء مما ذكرناه.
قوله: (هذا الخبر آحادي).
هو كما ذكر لكن هنا ما هو أظهر من ذلك وهو إطباق علماء الحديث على أنه موضوع مكتذب كما يعرف ذلك من طالع كتبهم.
قوله: (وفي ذلك إنكار لقاء الله).
قالوا: ومن أنكره فهو كافر كما قال تعالى: {بل هم بلقاء ربهم كافرون}.
قوله: (ثم قسمهم).
يعني: فدل ذلك على أن الإنسان أريد به العموم.
قوله: (وإن أردتم أنهم أنكروا لقاء ثوابه وعقابه..) إلى آخره.
__________
(1) ـ في (ب): في أنه.
(2) ـ في (ب): من.

(12/25)


إشارة إلى أن هذا المعنى هو المراد باللقاء.
قال الإمام يحيى: ونحن نحمله على الإعادة وملاقاة ثواب الله وأكثر المفسرين على أن المراد بقوله تعالى: {بل هم بلقاء ربهم كافرون}. الأخبار عن منكري الإعادة وملاقاة الثواب والعقاب.
فصل: في المرجئة
اعلم أن المرجئة ليسوا بفرقة مستقلة بل لا تخلو فرقة من فرق الإسلام غالباً عمن يقول بالإرجاء وليس ينبغي أن يطلق القول بتكفير المرجئة فإطلاق القول بذلك خطأ والواجب أن ينظر في مذاهبهم فإنها مختلفة متنوعة فما قام الدليل القاطع على أنه كفر الذاهب(1) إليه، وما لم يكن كذلك لم يكفر قائله.
قال الإمام يحيى: وهذا هو الذي عول عليه أهل العدل من أئمة الزيدية والمعتزلة وأرتضاه الأشعرية ولم أعلم أن أحداً من أهل القبلة قضى بإكفارهم مطلقاً لأن منهم من يكفر ومنهم من يفسق ومنهم من يكون مخطئاً في مقالته وقد أشار المصنف إلى هذه المراتب الثلاثة بما أورده من التقسيم.
قوله: (وهذا كفر بلا شبهة).
قال الإمام يحيى: إلا أن يزعم أن الوعيد بالعقوبة منصرف إلى الكفار فلا يكون ذلك كفراً لازماً هذا حاله ليس معلوماً بالضرورة لأن وعيد الفساق من أهل الصلاة ليس معلوماً بالضرورة [لأن وعيد الفساق من أهل الصلاة ليس معلوماً بالضرورة](2) من دين صاحب الشريعة.
قوله: (ليسوا مزجورين عن المعاصي).
أرادوا أن الله ما عناهم بالوعيد وأنهم غير داخلين تحته.
قوله: (قيل وهذا لا يكون كفراً).
__________
(1) ـ في (أ): أنه كفر كفر الذاهب.
(2) ـ ما بين المعكوفين في (ب)، مكرراًً.

(12/26)


صرح بذلك الإمام يحيى عليه السلام والظاهر من مذهب الأصحاب القطع بكونه كفراً وأن القائل بأنه لا وعيد للفاسق من أهل الصلاة وإن ارتكب كل فاحشة وأنه يدخل الجنة كافر لأنه رد ما هو معلوم من ضرورة دين النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وصرائح(1) القرآن المتقدم ذكرها واعترض بأن المعلوم ضرورة تناول الوعيد للعصاة جملة لا تفصيلاً، فإذا ذهب إلى أنه متناول للكفار دون الفساق لم(2) يكن هذا رداً لما علم ضرورة من الدين إذ تناوله للفساق بخصوصهم غير معلوم ضرورة إذن لوقع الإشتراك فيه فلا يقع الكفر بإنكاره كيف ومنكره إنما أنكره لآيات متعددة وأحاديث واردة معارضة لما يقضي بتوعدهم.
قال الإمام المهدي(3): ومن ثم امتنع بعض الأصحاب من تكفيرهم لكن الحق إكفارهم لازم لا محيد عنه فإنا نعلم ضرورة أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يكن يترك مرتكب الفواحش منزلة غيره بل يظهر السخط له والتبري من عمله ويحكم بوجوب التوبة عليه وكافيك أنه لا خلاف في وجوب التوبة على مرتكبي الفواحش بل ذلك معلوماً ضرورة من دينه صلى اللّه عليه وآله وسلم ـ كما علم(4) ـ وجوب الصلاة ونحوه ولا توبة إلا من ذنب يستحق عليه العقاب ولأن الله أمر بإقامة الحد عليهم على جهة الخزي والنكال ورد الشهادة حتى يتوبوا ولولا استحقاق العقاب عليها لم يكن فرق بينها وبين المباحات، وخلاف ذلك معلوم ضرورة من الدين فالمنكر لوعيد الفساق راد لهذه المعلومات ضرورة ويعلم ضرورة لزوم ذلك له وإن أنكره لم يدفع إنكاره إكفاره.
قلت: إذا صح أن الكفر يلزم بالإلزام ثبت هذا الكلام واستقام لكن(5) ذلك غير متحقق(6) كما سبق والله أعلم.
قوله: (وإن كان في كونه فسقاً خلاف).
__________
(1) ـ في (ب): وصريح.
(2) ـ في (ب): فإن لم.
(3) ـ في (ب): الإمام يحيى المهدي.
(4) ـ سقط من (ب): كما علم.
(5) ـ في (ب): ولكن.
(6) ـ في (ب): ذلك غير متحقق ولا واضح.

(12/27)


ذهب قاضي القضاة(1) إلى أنه فسق لأن الإجماع منعقد من جهة الأمة على اندراج فساق الصلاة تحت هذه العمومات الوعيدية فالقائل بخروجهم عنها قد خرق إجماعاً مصرحاً وخرق الإجماع فسق ونظَّره الإمام يحيى بأن قال: إن كان المدعي إجماع الصحابة على فسق من قال بهذه المقالة فهو فاسد؛ لأنهم لم يخوضوا في هذه المسألة وإنما خيض فيها في زمن التابعين وتابعيهم وما لم يخوضوا فيه فلا وجه لدعوى إجماعهم عليه لأن الإجماع والخلاف فرع على الخوض وإن كان إجماعاً لاحقاً فالمرجئة من جملة الأمة ولا يخرجون عنهم إلا بالفسق وهم لا يفسقون إلا بالإجماع فيتوقف أحدهما على الآخر.
قلت: كلامه عليه السلام لا يخلو عن انضراب لأنه بناه على أن المدعي للإجماع على فسق أهل ذلك القول وليس كذلك. فإن القاضي ادعى الإجماع على دخول الفساق في الوعيد وجعل الوجه في التفسيق خرق الإجماع لكن كلام الإمام يستقيم بوجهيه على ما ادعى القاضي من الإجماع فإنها دعوى لا برهان عليها.
قوله: (نحو ذلك من أقوال المرجئة).
يعني: كالقطع بأن الله تعالى يعفو عن البعض ويعذب البعض وهو مذهب محققي الأشعرية كالجويني والغزالي والباقلاني وكالقول بأنه يقطع بدخولهم النار ثم خروجهم عنها.
قوله: (والذي نسبته أن يقال..) إلى آخره.
يعني: الذي نسبته أن يكون حجة على تكفيرهم عند المكفرين لهم وهم كثير من الأصحاب. قالوا: بتكفير من جوز شرطاً أو استثناء في عمومات الوعيد الصادرة من الله تعالى.
فصل: في الخوارج
__________
(1) ـ في (ب): ذهب القاضي.

(12/28)


سُمُّوا بذلك لخروجهم على أمير المؤمنين اعتقاداً لوجوب الخروج عليه، ومع ذلك كفروه ولعنوه وأظهروا البراءة منه ويسمون المارقة لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم في وصفهم: ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)). ويسمون المحكمة للهجهم بقولهم: لا حكم إلا الله إنكاراً منهم لتحكيم الحكمين، ويسمون الحرورية لنزولهم بحرورى في أول أمرهم، ويسمون الشراة تهكماً بهم لزعمهم أنهم باعوا الدنيا بالآخرة نظراً إلى قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه إبتغاء مرضاة الله}. وفي الحقيقة أنهم على العكس من ذلك وأنهم باعوا الآخرة بالدنيا وآثروا الخسارة على الربح.
واعلم أن مذاهبهم متسعة وهم طوائف كثيرة إلا أنهم يجمعهم تكفير أمير المؤمنين وعثمان بن عفان وإنكار التحكيم والبراءة من حكم الحكمين وتكفير من ارتكب كبيرة.
قوله: (ذهب أهل العدل..) إلخ.
هذا مذهب أهل التحقيق من الزيدية والمعتزلة، وهو ـ أيضاً ـ مذهب المحققين(1) من الأشعرية، وذلك لعدم الدليل القاطع القاضي بكفرهم.
قال الإمام يحيى: فلا جرم وجب القطع بعدم إكفارهم.
قوله: (وذهب أكثر الأشاعرة إلى أنهم يكفرون).
هذا أيضاً منسوب إلى بعض أهل البيت عليهم السلام.
قوله: (فلا يبعد أن يكون اعتقادهم لحسنه وإباحته عاصماً لهم من الكفر).
مثل هذا ذكره الإمام يحيى، ولعمري أن اعتقادهم حسن ما ذكروا إباحته من الخطأ العظيم والغلو الفاحش فمن أشد الأمور بعد أن يكون ذلك عاصماً من الكفر ومانعاً عنه وكيف يعصم عنه ما هو من جنسه من العصيان بأن ينضم إليه لو لا أن الإكفار مما لا ينبغي بغير برهان قاطع ساطع الأقدام عليه.
قوله: (فإنما يكون جهلاً فقط).
لا بد أن يقال مع ذلك يكون خطأ وكونه إثماً إلا في المسائل الاجتهادية.
قوله: (إنهم يمنعون وقوع المعاصي من الأنبياء).
__________
(1) ـ في (ب): مذهب مذهب المحققين.

(12/29)


هو الذي تقتضيه قاعدتهم وإما أنهم يكفرونهم فلم يسمع بذلك عن أحد منهم لكن إنكارهم ومنعهم وقوع المعاصي من الأنبياء من جملة اعتقاداتهم الفاسدة ومذاهبهم الرديئة المبنية على غير قاعدة، فإن القرآن مصرح بنسبة المعاصي إلى الأنبياء نحو قوله تعالى: {وعصى آدمُ ربَّه فغوى}، ولعلهم يتأولون ما ورد من ذلك بأن المعنى أنهم عصوا بترك الأولى وارتكاب ما هو مكروه وهو تأويل بعيد ويخلص غير مفيد.
قوله: (الثالثة أنهم كفَّروا أمير المؤمنين..) إلخ.
قد تحرر هذه الشبهة تحريراً أوضح من هذا وهو أن يقال: إنهم استحلوا تكفير المؤمنين وأكابر الأئمة ولعنهم والبراءة منهم وذلك يدل على استخفافهم بالدين وتهاونهم بأمره، والمعلوم ضرورة من الدين أنه يكفر مستحل تكفير المؤمنين والمستخف بالدين، وهذه أقوى ما يحتج به على كفرهم ونعترض بما ذكره المصنف، وجوابه يناسب تحريره للمشبهة وأما هذا التحرير فيقال: إنهما يعلم ضرورة كفر(1) مستحل تكفير من يحكم هو بإيمانه وأما من اعتقد كفره لشبهة طرت عليه وهو في نفس الأمر مؤمن فلا يسلم العلم ضرورة من الدين تكفيره.
قوله: (فهو آحادي).
يعني فلا يصح أن يحتج به على كفرهم وإن كان ظاهره قاضياً بذلك، وقد عرفت ما اعترض به أدلة تكفيرهم ولأجل ذلك عدل المحققون عنه إلى تفسيقهم.
والحجة على فسقهم: ما ذكر من أدلة المكفرين فإن الاعتراضات الواردة عليها إنما تمنع(2) عن الإكفار وأقل الأحوال بعد ورودها أن تبقى دالة على فسقهم كما ذكر من استخفافهم بأمير المؤمنين وغيره من أئمة الحق ولعنهم والتبرؤ منهم وذلك فسق بالإجماع وقد اعترضه الإمام المهدي بأن الإجماع المذكور غير متواتر، وإن سلم تواتره فإنما يكون الاستخفاف فسقاً حيث يكون المستخف بالإمام معتقداً لإمامته لا حيث ينفيها ويعتقد ظلمه لشبهة طرت عليه فلا نسلم فسقه.
__________
(1) ـ في (ب): كتكفير.
(2) ـ في (ب): إنما المنع.

(12/30)


واعلم أن ما(1) كان دليله الإجماع والقياس من الإكفار والتفسيق فهو معرض الاحتمال عند أولي التحقيق فإن حصول القطع فيما طريقه ذلك متعسر أو متعذر والله ولي التوفيق.
ومن أدلة فسق الخوارج بغي متقدميهم على أمير المؤمنين وبغي متأخريهم على غيره من الأئمة فالباغي فاسق بالاتفاق، ومن لم يخرج منهم لا(2) على إمام ولا نعي عليه مع كونه مذهبه مذهبهم الذي يجمعهم على ما قدمناه وكان رأيه رأيهم فهذا الدليل لا يتناوله إلا أن أبا القاسم البستي نقل إجماع أهل البيت على فسقه وادعى ـ أيضاً ـ إجماع الأمة على عدم الفرق بين من حارب الإمام وخرج عليه وبين من اعتقد وجوب محاربته لأن الأمة لم يفرقوا بين الخوارج المتأخرين وبين من حارب منهم أمير المؤمنين.
قيل (مهدي): وهذا في(3) غاية الضعف لأن الخوارج بعض الأمة وهم لا يرون ذلك.
قلت: ولعله لا يعتد بهم في الإجماع ولكن لا قطع بالإجماع الذي ادعاه من غيرهم وإن سلم فلا قطع بأن ينعقد من دونهم ومما يحتج به على تفسيقهم إن رميهم لأمير المؤمنين وغيره بالكفر أفحش من قذف مؤمن بالزنا فإن الكفر أفحش من الزنا ويكون هذا من باب الفحوى وهو قياس جلي قطعي فيكون رميهم لعلي عليه السلام وعثمان بالكفر كما لو رموهما بالزنا بل هذا أولى.
قال الإمام المهدي: وهذا أقرب ما يتمسك به في فسق خوارج زماننا لكنه لا يفيد القطع عندي لأن القذف إنما قبح لكونه مفسدة، ووجوه المفاسد لا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى فلا مانع من أن تكون المفسدة في الرمي بالزنا أبلغ من المفسدة في الرمي بالكفر.
قلت: ويقوي ذلك وجوب الحد على القذف بالزنا دون الرمي بالكفر ثم صرح المهدي بأنه لم يظهر له برهان يدل على تفسيق القوم في عقيدتهم.
فصل: في الرافضة.
قوله: (في حديث زيد: يسبون أبا بكر وعمر).
__________
(1) ـ في (ب): أن كل ما.
(2) ـ سقط من (ب): لا.
(3) ـ في (ب): وهذا هو في.

(12/31)


قال الإمام يحيى: حديث زيد يدل على أن تلقيبهم بالرفض لأجل سبهم الشيخين.
قوله: (وقد اختلف الناس في تكفيرهم).
الذي عليه أئمة الزيدية وجمهور المعتزلة والرازي من الأشعرية: أنهم ليسوا بكفار ولا يقتضي شيء مما ذهبوا إليه الكفر، وذهب أكثر الأشعرية إلى إكفارهم.
قال الإمام يحيى: والحق هو الأول والمعتمد ما ذكرناه وهو أنه لا حجة على إكفارهم من نص كتاب أو سنة ظاهرة متواترة ولا فيه إجماع قاطع ولا قياس يرشد إلى العلم ولأنه لم يصدر من جهتهم إلا ما كان من سب الصحابة واعتقاد كفرهم والسب ليس كفراً، ومن اعتقد في بعض الاعتقادات الصحيحة أنها كفر فلا يلزم إكفاره لأجل هذا الاعتقاد. انتهى.
واعلم أن الروافض فرق كثيرة، وكثير منهم ينسب إليه مقالات كفرية كالمفوضة والخطابية والغلاة، فإن المفوضة زعموا أن الله فوض الخلق والرزق إلى الأئمة، وزعمت الخطابية و ـ كذلك ـ الميمونية أن الله يظهر في صورة البشر، ثم منهم من قال: يحتجب بالأئمة. ومنهم من قال: يتحد بهم. وقال بعضهم: إن الله هو عليٌّ وأن محمداً إنما هو رسول علي وإن كل من ظهرت عليه معجزة فهو الله. وسائر الغلاة لهم أقوال ـ كذلك ـ شنيعة ومذاهب فظيعة كما أشار إليها نشوان في رسالة الحور العين وشرحها وغيره من المصنفين بكتب المقالات، ولا شك في كفر أولئك وإنما محل الخلاف هل تكفر الرافضة بمذهبهم هذا الشهير الذي يجمعهم وهو تكفير الصحابة وسبهم أولاً، وقد أورد المكفرون لهم بذلك ثلاث شبه:
الأولى: أنهم كفَّروا سادات الإسلام، ومن كفر مسلماً فهو كافر لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إذا قال المرء لغيره يا كافر فقد بآء بها(1) أحدهما))، ونحوه، وقد تقدم ما يرشد إلى جواب هذه الشبهة وحاصله عدم تسليم أن يقتضي تكفير المسلم الكفر مطلقاً إنما يقتضيه إذا كان المفكر يعتقد إيمانه، وتأويل الرازي للحديث وحمله على ذلك مع أنه آحادي.
__________
(1) ـ في (ب): كاء بها.

(12/32)


الشبهة الثانية: أن القرآن والأخبار مشتملة على مدح الصحابة والثناء عليهم فتكفيرهم رد للكتاب والسنة وذلك كفر.
وأجبت: بأن الرافضة لا يسلمون المدح والثناء في الجماعة المعنيين الذين قضوا بكفرهم ولأنه إن(1) سلم ذلك فهو مشروط سلامة العاقبة(2) ولم يحصل ذلك في حقهم عندهم بل اعتقدوا أنهم قد غيروا وحرفوا وبدلوا فلم يكونوا رادين للكتاب والسنة في عقيدتهم.
الشبهة الثالثة: دعوى الإجماع على إكفار من كفر سادات الصحابة.
وجوابه: أنه غير مسلم أما الصدر الأول فلم يخوضوا في هذا، وأما إجماع غيرهم فالرافضة منهم وإن أجمع غيرهم على ذلك فالمجمعون بعض الأمة.
فصل: في المقلدين والعوام.
قد سبق في أول الكتاب ذكر حقيقة التقليد، والمراد هنا بالمقلدين من اعتقد ثبوت الصانع وثبوت صفاته تقليداً.
وأما العوام فهم في الحقيقة غير مقلدين وليس لهم من التمييز ما يهتدون به لمسلك التقليد ويعرفون به كيفيته، وسيأتي ذكر حكمهم.
فأما المقلدون فقد قال المصنف: (لا خلاف بين الجمهور أن المقلد مخطئ).
__________
(1) ـ في (ب): ولأنه أنه.
(2) ـ في (ب): سلامة العافية.

(12/33)


أشار بقوله: (الجمهور) إلى ما يحكى من خلاف شرذمة من الملاحدة والحشوية وأهل التعليم زعموا أن النظر بدعة وأن التكليف لم يرد متعلقاً بالاعتقادات العلمية وإنما ورد متناولاً للإقرار فقط بالنطق بكلمتي الشهادة وهذا هو الإيمان عندهم وكلام المصنف يقضي بأن الشيخ أبا القاسم ومن تابعه يقولون بخطأ المقلد وإنما يخالفون في كفره كأنه نظر إلى قول الإمام يحيى، ولا خلاف بين أهل التحقيق من الزيدية والمعتزلة والنظار من الأشعرية في خطأ المقلد فيما يتعلق بالأمور النظرية في المباحث الإلهية فإنما الخلاف هل يكفّر أو لا والمنقول عن أبي القاسم ومن قال بقوله ما يقضي بخلاف ذلك وأنه مصيب. قال في الغايات وقال الشيخ أبو القاسم البلخي وأبو إسحاق بن عباس والقاسم بن إبراهيم والإمام يحيى والرازي وغيرهم كأبي حامد الحاجرمي: بل المقلد مؤمن مستحق للثواب قائم بما وجب عليه إذا وافق الحق لحصول ما كلف به من الاعتقاد الحازم وهو المطلوب منه ولإجماع الصحابة على إسلام العوام الذين لم يتقدم منهم نظر في الأدلة.
قال: والعجب كله من هؤلاء العلماء كيف مالوا إلى هذا القول الذي تنهدم به قواعدهم التي أصلوها بل قواعد الإسلام كله فإن هلاك الأمم السالفة إنما كان من جهة تقليدهم أسلافهم فقيل(1) فيهم: {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون}. أراد تعالى فكيف اتبعوهم من دون نظر في حسن ما اتبعوهم فيه أو قبحه فعنفهم سبحانه على ذلك وهو عين ما قال هؤلاء العلماء بجوازه وحسنه من هذه الأمة وأشنع من ذلك أن أضافوا تجويز ذلك إلى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم والسلف من أصحابه(2) وتابعيهم كأنه لم يمر على أسماعهم ما ذم الله به في كتابه المتبعين لدين الأسلاف تقليداً.
__________
(1) ـ في (ب): فقال.
(2) ـ في (ب): من الصحابة.

(12/34)


قلت: بالغ المهدي عليه السلام في تشنيع هذه المقالة ولا يمكن القطع بكونها ضلالة وما من شيء إلا ويمكن تشنيعه وإذا تؤمل ما ورد من أخبار الأمم السالفة والخالفة استقرأت التواريخ وقصص الأنبياء في القرآن وغيره ظهر أن اتباع الأنبياء فيما جاءوا به ناجون وإن لم ينظروا ويستدلوا وأنهم غير ملومين ولا معدودين في زمرة الكافرين وإنما تعلق الذم والتسفيه بمن قلد أسلافه في رد ما جاءت به الرسل والاستمرار على الكفر من غير قبول لما جاءوا به ولا نظر في معجزاتهم ولا استماع لدعائهم، فكيف يلحق متبعوا الأنبياء ومصدقوهم إذا لم ينظروا ويستدلوا بمن ردهم ونأى عنهم واعتقد كذبهم واستهزأ بهم تقليداً لأسلافه العصاة وعدم مبالاة برسل الله.
وفي حكاية الإمام المهدي عن الإمام يحيى أن قوله كقول أبي القاسم نظر فإن الإمام يحيى نص على أن أبا القاسم يصوبه وأنه يخطئه فقال: إذا تقرر أن المقلد غير كافر فهل يكون مصيباً فيما فعله من الاعتقاد أو(1) لا، فيه قولان:
القول الأول: يكون مصيباً.
القول الثاني: أنه مخطئ في اعتقاده.
قال الإمام يحيى: وهذا هو الأقرب عندنا، وهو مذهب الأكثر من الزيدية والمعتزلة فصارت المذاهب في المقلد ثلاثة:
أحدها: أنه مصيب.
والثاني: أنه مخطئ خطأ غير كفر.
والثالث: أنه كافر.
فالإمام يحيى يقول بتخطئته، ولكنه يقول مع ذلك بأنه ناج.
قال: والمختار عندنا مع القول بخطائه أنه ناج عند الله وأنه يتجاوز عنه تقصيره(2) وإهماله للنظر لأجل اعتقاده هذا المطابق.
قال: وأظن ما ذكرته من الحكم بنجاته محكي عن الإمام المؤيد بالله.
حجة المصوبين: أن اعتقاده مطابق كما لو كان علما(3)ً فقد حصّل لنفسه اللطف في أداء الطاعات واجتناب المقبحات ولم يتأخر عنه إلا سكون النفس وثلج الصدر ومع حصول المطابقة لا يحل ذلك بالاعتقاد.
__________
(1) ـ في (ب): أم.
(2) ـ في (ب): بتقصيره.
(3) ـ في (ب): عالماً.

(12/35)


واحتج المخطئون غير المكفّرين بأنه ترك المعرفة مع إمكانها ومن أمكنه فهو مأخوذ بتحصيلها لما فيها من اللطف والمصلحة فيكون مخطئاً لا محالة، ولا يكفّر لعدم الدليل القاطع بكفره.
واحتج المكفِّرون بما ذكره المصنف.
قوله: (وقال الشيخان وغيرهما..) إلى آخره.
ذهب الشيخان وأكثر شيوخ المعتزلة أن كل من عدل إلى التقليد مع تمكنه من تحصيل العلم المقتضي لسكون النفس فإنه كافر وليس بمؤمن لأن المؤمن من قام بالطاعات الواجبة والمندوبة، وهذا قد أخل بأعظم الواجبات وهو العلم بالله وصفاته وعدله وحكمته، وقد قيل بأنه مؤمن عندنا، وفي ظاهر الحال إذا كان صلى اللّه عليه وآله وسلم يقبل إيمان العوام الذين لم ينظروا ولا استدلوا ولا يدري ما هو عند الله هل عقيدته مقبولة يحق بها الثواب أو لا يفيده إلا حقن دمه وتحصين ماله ووجوب موالاته في الدنيا وهو غير متخلص في الآخرة. حكاه الحاكم عن بعض العلماء مبهماً.
قوله: (فغير مسلم).
قال الإمام يحيى: لا نسلم انعقاد الإجماع على خطأ المقلد فضلاً عن كفره فإن في الأمة من عذره في التقليد وصوبه، فكيف يمكن دعوى الإجماع؟.
قوله: (ويمكن الجواب بأن المدعي إجماع كل عصر..) إلخ.
قد أتى المصنف بأبلغ ما يمكن في تقويم هذه الحجة لكن لا يعقل عما قد تكرر منا ذكره وهو أنه لا سبيل إلى حصول إجماع قطعي يؤخذ به في هذه المسائل كثيرة الخطر، وارجع إلى نفسك هل تجد روايات هذه الإجماعات موصلة لك إلى العلم بإجماع الأمة في محل الخلاف فإنك تجد العلم غير حاصل ولا تجده منك بمكان قريب.
قوله: (وهذا ثابت في المقلد).
أي: العلة الجامعة وهي انتفاء المعرفة وهذه طريقة قياسية.
قوله: (لقبحه).
إنما قضى بقبحه وإن كان مطابقاً لأن من قواعدهم أنه لا يجوز الإقدام على اعتقاد تجوز كونه جهلاً ولو كان في نفس الأمر مطابقاً وأنه قبيح، والإقدام عليه قبيح كالإقدام على الجهل.
قوله: (وهذا العدد وإن كان غير صحيح).

(12/36)


يقال أنه في الحقيقة إبداء فارق بين الأصل وهو الشاك والفرع وهو المقلد وهو فرق ظاهر.
قوله: (نجد في قلب كثير من العوام من الخشوع..) إلى آخره.
هو كما ذكره، ولقد وصل إلى عندي مرة رجل بدوي من أهل الشعر والوبر لا يقرأ القرآن فوقف بجنب تلميذ يقرأ في الكشاف ويبدأ بتلاوة قطعة من القرآن ثم تذاكر في تفسيرها فلما شرع التلميذ في قراءة تلك القطعة وذلك البدوي يجيبه أقبل بكليته على القارئ وأصغى سمعه وأحسن تعقل ما يتلوه فكان فيما أحسب إذا سمع ذكر الله سبحانه وهلله ومجده وإذا سمع ذكراً لرسوله صلى عليه(1) وإذا سمع ذكر الشيطان استعاذ بالله منه، وإذا سمع ذكر الجنة سأل الله دخولها، وإذا سمع ذكر النار استجار بالله منها ثم هملت عيونه وجرت دموعه وتحدرت في خدودة بسرعة وكثرت، فقضينا(2) من ذلك العجب وعلمنا أن له من الخشوع ما ليس لذي علم وأدب.
فائدة جليلة:
ذكر الإمام يحيى عليه السلام أن طبقات الخلق بالنسبة إلى إحراز العلوم الدينية على مراتب تنطوي على درجات خمس:
الدرجة الأولى: حصول هذه المعارف ضرورة وذلك مما اختلف فيه ولا مانع منه لأن موضوع إيجاب هذه المعارف منبني على اللطف والاستصلاح وليس يبعد في العقل أنه لا يصلح حال بعض المكلفين إلا بالعلم الضروري فلا جرم جوزناه وهذه أقوى الدرج في اللطف وأعظمها في الانتفاع.
الدرجة الثانية: تحصيل المعارف الإلهية كلها بالنظر والاستدلال.
قال: وهذا هو مذهب أكثر أئمة الزيدية والمعتزلة؛ لأن اللطف بما ذكرناه أكبر وأنفع وقد نبه عليه الشرع بما ورد في القرآن من التنبيه على طريق النظر.
قلت: أراد به أنفع من التقليد ونحوه لا من المعرفة الضرورية.
__________
(1) ـ في (ب): وإذا سمع ذكراً لرسول الله صلى الله عليه وآله.
(2) ـ في (ب): قضينا.

(12/37)


الدرجة الثالثة: تحصل هذه العلوم كلها على جهة الجملة من غير نظر في التفاصيل كما هو رأي أصحاب الجُمل وهم يخالفون أهل الدرجة الثانية لأن أولئك علموا(1) بالتفكر على جهة التفصيل في ذاته وصفاته وما يجب له ويجوز ويستحيل وهؤلاء إنما علموه على جهة الإجمال.
قال: وهذا هو الذي عليه العامة والنساء والعبيد والإماء ومن قعدت به همته عن النظر في التفاصيل كما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((عليكم بدين العجائز)). والغالب في حقهم السلامة.
الدرجة الرابعة: من أحرز هذه المعارف كلها تقليداً أو اعتقدها(2) وصمم عليها فهؤلاء وإن عدموا العلم فاعتقادهم حق وصواب، وقد تقدم حكمهم.
الدرجة الخامسة: أدنى هذه المراتب وأضعفها حالاً وهم الذين لا حظ لهم في هذه المعارف وليس معهم إلا الإقرار باللسان من غير اعتقاد لا عن نظر ولا عن تقليد، كما حكي عن الحشوية وأهل التعليم، وهؤلاء لا ثمرة لما جاءوا به إلا إحراز رقابهم عن السيف وأموالهم عن الأخذ حيث أقروا بمضمون المعارف ونطقوا بالشهادتين فأولى هذه الدرجات أعلاها وآخرها أدناها وما بينهما وسائط متفاوتة في القوة.
تنبيه:
اقتصر المصنف من ذكر من رمي بكفر التأويل على تلك الطوائف لأنهم أشهر من ذكر بذلك ووقع الاختلاف في كفره وقد ذكر المتكلمون مسائل غير تلك في أعيان مذاهب يجاذبوا فيها أهداب النظر يكون كفراً أو لا.
منها: حكم من ذهب إلى أن الله لا يقدر على الظلم ذهب البغداديون أنه يكفر، قالوا: ولكن النظام لا يكفر لأنه قد تاب عن تلك المقالة، وذهب أبو الهذيل إلى أن القائل بذلك لا يكفر. وفصل القاضي فقال: إن زعم القائل بذلك أن القبيح جنس مستقل برأسه لا يقدر الله عليه فكافر لأن ذلك يقدح في كونه تعالى قادراً للذات وإن لم يقل بذلك فلا يكفّر.
ومنها: حكم من جعل الألوان مقدورة لنا.
__________
(1) ـ في (ب): علموا الله.
(2) ـ في (ب): واعتقدها.

(12/38)


قال القاسم والمنصور بالله عليهما السلام، والشيخ أبو هاشم: أنه لا يكفر لإضافة فعل الله إلى غيره.
وقال القاضي وغيره: ليس بكافر.
ومنها: مذهب ثمامة أن المتولدات لا محدث لها.
قيل: إن أراد ظاهر ما ذكره فهي مقالة كفرية لأن بها تسند الطريق إلى العلم بالصانع لأن الطريق إليه حدوث هذه الحوادث فإذا جوزنا حدوث محدث ولا محدث له لم يبق لنا طريق إلى إثباته.
ومنها: القول بتجويز تعذيب الأطفال ذهب القاضي إلى أنه يكفر مجوز ذلك إذ أضاف الظلم إلى الله تعالى وتظليمه كفر.
وقال أبو علي: لا يكفر بذلك لأن القائل به يزعم أن الطفل مستحق فغلط في حال الطفل ولم يقله الاعتقاد أن الظلم جائز على الله تعالى، وتوقف أبو هاشم في ذلك.
ومنها: مذهب من يقول إن الإنسان غير هذا الشخص فقد قيل بكفره لرده صريح القرآن، فإن أدلى بشبهة واعترف بتسمية هذا الشخص إنساناً فخطأه محتمل.
ومنها: ذكر الإمام المنصور بالله أن معتقد إمامة الفجرة من الأمويين والعباسيين المتهتكين المتظهرين بشرب الخمور والفسوق كافر لأنه يعلم بضرورة الدين وجوب كون أولي الأمر عدولاً.
وعنه عليه السلام: أنه يكفر من أجار الكافر وأمَّنه إلى غير غاية محدودة لرده قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين أستجارك..} الآية. فقصر إجارته على غاية معلومة.
قلت: وحاصل القول في هذه المسائل أنه لا ينبغي الإقدام على التكفير فيها إلا مع قيام الدليل القاطع والبرهان الساطع وحصوله فيها بعيد وما وقفنا من أدلة القائلين بالتكفير فيها على ما هو سديد ومفيد فالواجب عدم التكفير وإن تحذر الناظر فيها عن مهاوي التغرير والله الموفق.
تنبيه آخر:
قد يذكر ببعض كتب الكلام في هذا الباب أحكام الكفار وأحكام الدور وذكر وجوب الهجرة ونحوه ولم يستحسن وضع ذلك هنا لأن هذه فصول(1) من قبيل الفروع تذكر في كتب الفقه وهي بها أليق.
تنبيه آخر:
__________
(1) ـ في (ب): الفصول.

(12/39)


كافر التصريح: خارج عن أمة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم وعن أهل القبلة اتفاقاً.
وأما كافر التأويل: فيوصف بأنه من الأمة ومن أهل القبلة والصلاة لأن الأمة في الأصل كل من بعث إليه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وفي العرف كل من صدقه واعتقد وجوب إتباعه سواء كان مؤمناً أو لا، بدليل: ((ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة..)). فجعل كل تلك الفرق من الأمة وليس الناجية منها إلا فرقة واحدة فقط وكذلك فأهل القبلة والصلاة من صدقه صلى اللّه عليه وآله وسلم واعتقد وجوب اتباعه وأهل التأويل كذلك.
وقيل: لا يصح وصف كافر التأويل بذلك لأن من شرط صحة الوصف بذلك أن يتابعه، وكافر التأويل غير متابع ولأن أمة النبي اسم مدح فلا يستحقه والصحيح هو الأول.
القول في التفسيق
قوله: (اعلم أن الفسق كالكفر في أنه لا يجوز إثباته إلا بدليل قاطع).
وكذلك فهو كالكفر في أنه لا مجال للعقل فيه وفي أنه ينقسم إلى:
مجمع عليه: وهو كل(1) ما علم من دين النبي ضرورة أنه كبيرة محبطة. ومختلف فيه وهو ما ليس كذلك.
وإلى فسق تصريح، وفسق تأويل: فالتصريح ظاهر كشرب الخمر والزنا ونحوهما مما لا يتأول مرتكبه.
قيل: وضابطه ما علم ضرورة من الدين أنه فسق وفيه نظر فليس كل فسق صريح يعلم كونه فسقاً بضرورة الدين ولو كان كذلك لم يحدث خلاف في شيء منه، ومعلوم أن في الكبائر خلاف في الأدلة التي تدل على كونها كبيرة.
وفسق التأويل: أن يرتكب المكلف معصية من ارتكبها عامداً مع علمه بكونها معصية فهو فاسق لكنه لا يعتقد كونها معصية لشبهة عرضت له.
__________
(1) ـ سقط من (ب): كل.

(12/40)


مثاله: ما كان من الخوارج من تكفير أمير المؤمنين ولعنه وقتاله واستباحة دمه وماله وكذلك دماء المسلمين وأموالهم لشبهة عرضت لهم وتلعبت بعقولهم اعتقدوا لأجلها إصابتهم في ذلك. وكذلك من بغى إلى أئمة الهدى وحاربهم معتقداً إصابته في ذلك وخطأ الأئمة وفسق من هذه حاله مذهب الزيدية وجل المعتزلة وكل الخوارج، وذهبت المجبرة وأهل الحديث إلى أن تلك مسألة اجتهادية فجعلوا ذلك من قبيل الخطأ في الاجتهاد فيكون المخطئ في ذلك معذوراً كسائر الاجتهاديات وقالوا في الحروب التي حدثت بين الصحابة هي من هذا القبيل فالقاتل والمقتول في الجنة لأن كلاً منهم فعل ما أدى إليه اجتهاده.
وبالجملة فالكفر والفسق أخوان متفقان في أكثر الأحكام وإنما يختلفان في أن عقاب الكفر أعظم وأحكام أهله أغلظ وفي أنه يجوز ثبوت فسق لا دليل عليه اتفاقاً. وأما ثبوت كفر لا دليل عليه فمختلف فيه كما سبق.
واعلم أن اختلاف أهل القبلة في المسائل الدينية العلمية للظن فيها التي لا مجال كالعقائد الإلهية لا بد من الخطأ فيه لأن الحق مع واحد ويعلم الخطأ فيه بالعقل كما يعلم من جهة العقل أن القادرية والعالمية ونحوهما صفات في حق الباري تعالى وأن المخالف في ذلك مخطئ ونحو ذلك، وأما كون ذلك الخطأ كبيراً أو فسقاً فلا مجال للعقل فيه وإنما يعلم من جهة الشرع، وقد سبق ذكر ما يبلغ من الخطأ في ذلك إلى حد الكفر واختلاف العلماء في التكفير جملة وتفصيلاً.

(12/41)


وأما التفسيق: فالمشهور عن أصحابنا وفي كتبهم أن ذلك الخطأ قد يكون فسقاً ولا يرتقي إلى درجة الكفر وينصون على فسق طوائف من المبتدعة وسبق عن المؤيد عليه السلام: أنه منع من تكفير المجبرة ونص على أن خطأهم كبير، والذي ظهر لنا من كلام الإمام يحيى عليه السلام في كتاب التحقيق: أنه لا يقول بالتفسيق في هذا الباب ويرفع قاعدته إلا نادراً لأنه ذكر وقوع الخطأ في بعض مسائل العقائد كما في مسألة الوجود هل هو حالة أو لا؟ وهل القادرية والعالمية أحوالاً ومعاني؟ وهل الصوت يسمع في محله أو غير محله؟ وهل الأكوان مدركة أو لا وغير ذلك من المسائل الكلامية ومنع من وقوع الفسق بذلك؟.
قلت: ومن هذا القبيل خلاف المعتزلة للزيدية في مسائل الإمامة وإن كان قد ذكر كثير من العلماء إن من أنكر إمامة ثابت الإمامة وجهلها فهو فاسق كمن نابذه وحاربه، ونسبه الشيخ أبو القاسم البستي إلى كثير من الزيدية. لكن المختار ما ذكره المؤيد بالله والبستي لنفسه وغيرهما من أنه لا دلالة على فسق من جهل إمامة إمام أو أنكرها إذا لم يقترن بذلك خروج عليه ومحاربة له.
قال الإمام المهدي: وهذا هو الحق عندي وعليه أهل التحصيل من الزيدية.
قال الإمام يحيى: والذي يدل على أن الخطأ في تلك المسائل لا يكون فسقاً أن القضاء بكونه(1) فسقاً لا بد فيه من دليل ولا دليل هناك، فوجب القطع بالخطأ دون الفسق، ولأنه لو كان الخطأ في تلك المسائل فسقاً لوجب انقطاع الموالاة وحصول المعاداة والإجماع منعقد على بطلان ذلك ووجوب المعاضدة والمناصرة مع وقوع الخلاف في هذه المسائل بينهم فعلمنا أن الخطأ فيها لا يكون كبيراً.
__________
(1) ـ في (ب): بكونها.

(12/42)


ثم ذكر عليه السلام المشبهة والمجبرة وذكر أن المنكرين لإكفار المشبهة والمجبرة منهم من زعم أنهم فساق وهذا شيء يحكى عن بعض الزيدية ولم أعرف هذه المقالة للإمام المؤيد بالله ولا للشيخ أبي الحسين ولا لأحد ممن أنكر إكفارهم ثم أبطل ذلك بأن الفسق لا بد عليه من دلالة قطعية من كتاب أو سنة أو إجماع من الأمة أو العترة أو قياس يقطع به وشيء من هذه الأدلة ليس حاصلاً(1) في حق المجبرة والمشبهة فلأجل هذا قطعنا بإنكار فسقهم ثم نقول لمن قطع على فسقهم إذا قد قطعتم على بطلان إكفارهم لعدم الدلالة عليه فأخبرونا لم قطعتم بفسقهم، هل الدلالة قامت على ذلك فاذكروها لننظر فيها أو من أجل قصور الدليل على كفرهم فوجب القطع بفسقهم فما هذا حاله باطل لأن قصور الدليل على الكفر لا يوجب إثبات فسقهم بل كل واحد من الكفر والفسق يحتاج إلى دلالة ثم إنه عليه السلام ذكر ما يستدل به على فسقهم ونقضه ثم ذكر المرجئة، وحكي أن أكثر الشيوخ من المعتزلة ذهبوا إلى أن من جوز من المرجئة على أن الله تعالى إلا تبين لنا مراده من الوعيد للفساق من أهل الصلاة فهو فاسق لأنه يتعذر عليه معرفة مراد الله في كل شيء ومن أخرج نفسه عن صحة أن يفهم عن الله بخطابه شيئاً فأقل أحواله أن يكون فاسقاً إذا لم يكفر(2) بهذه المقالة.
قال الإمام يحيى: واعلم أن تفسيقهم بما ذكرناه فيه نظر من وجهين:
الأول: أن تفسيقهم بذلك على جهة الإلزام ولا يلتزمونه.
الثاني: إظهار الفرق بين الوعيد وسائر خطاب الله. فقالوا: القصد بالوعد هو الترغيب فيما عند الله فلو لم تبين حاله لم يحصل الغرض به بخلاف الوعيد فالغرض التخويف(3) وهو كما يحصل مع القطع يحصل مع التجويز فافترقا.
__________
(1) ـ في (ب): ليس صالح.
(2) ـ في (ب): لم تكن.
(3) ـ في (ب): التخفيف.

(12/43)


ثم ذكر مذهب من زعم أن الوعد والوعيد تعارضا وقال: نهاية الأمر فيهم الخطأ فيما ذهبوا إليه من هذه المقالة فأما كونه فسقاً فلا دلالة تدل على ذلك وذكر من غلط في اللغة ولم يخط بحقائق الألفاظ الوضعية فخالف في ألفاظ العموم قال: وخطأهم دون خطأ من تقدم.
ثم ذكر الخوارج وحقق الأدلة على فسقهم ولجودتها وقوتها لم يعترضها ولا شك أن أقل أحوالهم الفسق واستحقاق عقابه وثبوت أحكامه.
قال الإمام يحيى: وقد سار أمير المؤمنين فيهم سيرة الفسق والبغي ولم يعاملهم معاملة الكفار.
قلت: وقد نقل الإجماع على فسقهم.
ثم ذكر عليه السلام الإمامية وذكر أنهم لقبوا بهذا اللقب؛ لقولهم بالنص على أعيان الأئمة ووجوب الرجوع إليهم في الأمور الدينية وزعموا أن منزلة الأئمة منزلة الأنبياء ولا بد في كل وقت من إمام، ويسمون الرافضة لما تقدم.
قال: ولما زلت أقدامهم في اعتقادهم في الأئمة ما لا يجوز من تفضيلهم على الأنبياء وإحاطتهم بالعلوم الغيبية وظهور الخوارق إلى غير ذلك من الجهالات خبطوا في كل وادٍ من الضلالة ثم تَحَزَّبُوا أحزاباً ثلاثة:
الحزب الأول: الغلاة، وهم المفوضة والخطابية والميمونية(1) وقد قدمنا طرفاً من الإشارة إلى ذكرهم ولهم أقاويل شنيعة وكفريات فاحشة لا يفوه بها مسلم.
قال الإمام عليه السلام: ولا خلاف بين الأمة في كفرهم وليسوا معدودين من فرق الإمامية كما لا تعد القرامطة والباطنية منهم وإن انتموا إليهم، ومنهم الغرابية يزعمون أن علياً هو الرسول وأنه أشبه بمحمد من الغراب بالغراب.
قال: ولهم تهويسات كثيرة أغفلنا ذكرها ظنة بالبياض وأكثر الغلاة يبطلون الشرائع ولا يعترفون بها.
__________
(1) ـ في (ب): اليمونية.

(12/44)


الحزب الثاني: المتوسطة الذين ليسوا بغلاة ولا حصلوا النظر وأظهروا الكياسة كغيرهم وهؤلاء فرق الكاملية وهم الذاهبون إلى أن الأمة كفرت يمنع على حقه وأنه كفر بترك المطالبة بحقه والكيسانية الزاعمون أن الإمام [بعد الحسين](1) محمد بن الحنفية ومنهم من جعله الإمام بعد علي ومنهم الجعفرية(2) الزاعمون أن الإمام بعد محمد بن علي جعفر بن محمد، وكل فرقة من هؤلاء تفرقت فرقاً كثيرة.
قال عليه السلام: معظم أقوالهم خطأ فإن قام برهان شرعي بعد إمتحانها وتعهدها بالنظر على أن فيها ما يكون كفراً أو فسقاً وجب القضاء به لأن الدليل منيع، وغالب الظن في مذاهبهم الخطأ وأنه ليس فيها ما يوجب الإكفار والتفسيق.
الحزب الثالث: القطعية قطعوا بموت موسى بن جعفر وزعموا أن الأئمة إثنا عشر وهم زبدة فرق الإمامية وعليهم التعويل في المذاهب وهم المنظرون فيهم الذين تصدروا لتقرير المذاهب وقعدوا في دست العلماء وأصغى إلى أقاويلهم الفضلاء في الرد والإفحام وهم العدد الكثير ومن عداهم حثاله(3) وغثاء وقد بادوا وانقرضوا فلا يوجد منهم إلا القليل النادر وهؤلاء يزعمون أن الإمام يجب عقلاً لكونه لطفاً في الدين وأن الزمان لا يخلو عنه وأنه تشترط فيه العصمة ولا بد له من معجزة وأنه يعلم الغيب ولا يعرف معنى القرآن إلا بواسطته ونحو ذلك من مذاهبهم.
قال عليه السلام: وهذه المذاهب وإن كان مقطوعاً على فسادها وبطلانها فليس فيها ما يقتضي الكفر والفسق لعدم الدلالة على ذلك وقد أبطل علماء الدين مذاهبهم وأفسدوها وسكتوا عن إكفارهم وتفسيقهم لما ذكرناه من عدم الدلالة على ذلك.
فصل:
قوله: (وذلك الدليل هو السمع فقط).
الكلام في هذا الفصل على نحو الكلام فيما تقدم من نظيره في ذكر أدلة الإكفار.
__________
(1) ـ سقط ما بين المعكوفين من (ب).
(2) ـ في (ب): والجعفرية.
(3) ـ في (ب): وما عداهم حثالهم.

(12/45)


قوله: ( إلى قوله: {ومن عاد فينتقم الله منه} التلاوة {ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}).
وهو أصرح في الاحتجاج على ما نحن بصدده. وأما قوله تعالى: {فينتقم الله منه}. فذلك في أنه قبل الضد.
قوله: (وبالجملة كل ما فيه وعيد يخصه).
فيه نظر وقد تقدم تحقيق هذا في ذكر ما يعرف به كبير المعصية والمعتمد عليه ما ذكر هناك فيراجع بالنظر فيه.
قوله: (وأما السنة..) إلى آخره.
لا كلام أنه ورد في السنة ما يقضي بكبر عقوق الوالدين وأنه فسق وإن لم يكن متواتراً كقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ألا أخبركم بأكبر الكبائر..)). فذكر منها عقوق الوالدين وقد تقدم ذكر ذلك وكذلك الربا فإنه ورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم فيه: ((إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاث وثلاثين زنية)). وورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: <إن أهون أبواب الربا وهي ثلاثة وسبعون باباً مثل أن ينكح الرجل أمة. وورد فيه من الكتاب ما يقضي بذلك كقوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله}. وقوله تعالى: {لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة..} الآيات. وقوله: {الذين يأكلون الربا..} الآية. وأما الفرار من الزحف ففي القرآن تصريح بما يقتضي كونه فسقاً وكبيرة وهو قوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله}.
قوله: (كان يعلم أن سرقة عشرة دراهم..) إلخ.

(12/46)


هذا ذكره من يصحح التفسيق بالقياس وادعى أنه قياس قطعي وقد منع من ذلك المؤيد وأبو الحسين وغيرهما بدليل أن الغاصب لا تقطع يده بالإجماع، وهذا فارق أقل أحواله منع كون القياس قطعياً وقد حكي عن أبي الحسين وغيره أنه لا يمكن الاستدلال بقياس قطعي في التفسيق لأنه إن نفى ما يمكن جعله فارقاً فلا قطع وإن لم يبق ما يمكن فيه ذلك فلا قياس والأصح أن ذلك ممكن جائز كما قدمنا وأما قيامه ووقوعه فمحل نظر ولا يقطع به وقد مال المصنف إلى نحو ما حكي عن أبي الحسين بقوله: لكن(1) الأغلب أنه لا يمكن القطع بعلة فسق قط.

القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قيل: إن هذا الباب مما تشتمل عليه الحيثية السمعية من باب الوعد والوعيد وهذا لا وجه له والصحيح أنه باب مستقل وقد جعله قاضي القضاة أحد الأصول الخمسة وقال: هو من أهم أبواب أصول الدين وأعظمها لأنه أخذ من التكليف جميع جوانبه وذلك من أربع جهات:ـ
أحدها: العقل والشرع فإن الأمر والنهي يقضي بهما العقل والشرع وكذلك المأمور به والمنهي عنه منهما ما يكون عقلياً ومنها ما يكون شرعياً.
الثانية: أنه يدخل فيه القطع والظن فقد يجب علينا قطعاً وقد يجب علينا ظناً.
الثالثة: أنه يشتمل على فرض العين وفرض الكفاية.
الرابعة: أنه يدخل فيما يخص المكلف الأمر الناهي وقد يكون فيما يتعداه.
__________
(1) ـ سقط من (ب): لكن.

(12/47)


قلت: بالغ قاضي القضاة رحمه الله في جعل هذا الباب من أبواب أصول الدين حتى عده من أهمها وأعظمها وجعله أحد الأصول الخمسة ......... للعدل والتوحيد والوعد والوعيد وإذا أعطي النظر حقه علم أنه ليس من أصول الدين في شيء وأنه من أبواب الفقه ومسائل الفروع لأن فن أصول الدين موضوعة الكلام في إثبات الصانع وصفاته وأفعاله وأحكام أفعاله وليس من هذه القبيل في شيء وكتب حال الدرس في علم الكلام أتعجب من عدهم له في أبواب هذا الفن وأنظر ما الوجه في ذلك حتى وقفت على كلام قاضي القضاة الذي ذكرناه وعلى جوه ذكرها غيره وكلها لا يقضي بكونه من علم الكلام أما ما ذكره قاضي القضاة من كونه أخذ من التكليف بجميع جوانبه فكثير من أبواب الفروع كذلك إلا في قوله: إن العقل يقضي به. وهو غير مسلم وكذلك ما ذكره بعضهم من كونه بطلت مناقبه مع العمل الأعتقاد الذي هو العلم دون الظن فقد رد بأن ذلك لا يقتضي كونه من أصول الدين كمسائل الفروع العلمية ومسائل أصول الفقه القطعية وكذلك ما أشار إليه الفقيه حميد في وسيطه من أن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقوبات على العصيان فكان ذلك سبباً في إتصاله بما تقدم من إستحقاق العصاة عقوبات الآخرة.
قيل (ي): وهو وجه صحيح.
قلت: بل وجه فاسد فإن الصلاة والزكاة والحج كذلك.

(12/48)


وقيل: إنما عد من أصول الدين لأنه يجب على كل مكلف معرفة هذا الباب علماً يقيناً كمعرفة نبوة النبي ولا يكفي الظن في ذلك لأنه من أصول الشرائع وفيه نظر لأنا نقول ما تريد بكونه تجب معرفته علماً يقيناً هل على سبيل الجملة أو على سبيل التفصيل فيجب العلم بكل مسألة من مسائله. الثاني غير المسلم والأول لا فرق بينه في ذلك وبين وجوب الصلاة والزكاة ونحوهما من أصول الشريعة وعلى الجملة فإذا علمت موضوع فن الكلام علمت أن هذا الباب ليس منه بسبيل وأنه لا إلتفات إلى ما ذكر من الأعذار ولا تعويل، وأقرب ما يمكن بمحلة أن يقال لما كان باب الوعد والوعيد ينطوي على ذكر الطاعات والمعاصي وما تقتضيه فيقضي إليه وما يجب من التوبة عن ترك الطاعة وفعل المعصية وذكر اسماء فاعليهما وأحكامهم وحسن وناسب أن نردف ذلك بذكر وجوب الأمر بالطاعة والحث عليها والنهي عن المعصية وإلا يترك لمريدها سبيلاً إليها فكما أن في ذلك الباب ذكر أحكام فاعلي الطاعة والمعصية وما ينبغي منهم من حسن المعاملة لله فهذا كلام في بعض ما ينبغي أن يعاملهما به غيرهما من الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي ولو إلى حد القتال بعد تحسين المقال وقد وقعنا على مثل ما ذكرنا خطورة بالبال ووقوعه في النفس لبعض المتأخرين فإنه صرح بخروج هذا الباب عن فن الكلام ثم قال: خلا أنه ينبغي الإ........... المتكلمين في ذلك بتركاً ولا صبراً في إتباعهم دنيا ولا دينا.
قوله: (إفعل أو ما يقوم مقامها).
يعني: مقام هذه اللفظة أو الصيغة لتفعل في حق الغائب وأفعلا وأفعلوا ولتعفلا ولتفعلوا وأفعلي ولتفعل هند.
قوله: (على جهة الإستعلاء).
يعني: إستعلاء الأمر على المأمور والإستعلاء طلب العلو فيصبح ذلك وإن كانت رتبة المأمور أعلى.
قوله: (مع أرادته لحدوث ما تناولته الصيغة).
يحترز من التهديد كقوله تعالى: {أعملوا ما شئتم}. ويذكر المراد من هذه الإحترازات بعرف المراد من الإحترازات في حقيقة النهي.

(12/49)


قوله: (والمعروف..) إلخ.
الذي يذكره المتكلمون في حقيقته أنه كل فعل عرف فاعله حسنه، والمصنف عدل إلى الحقيقة التي ذكرها لأنها أصر وليس من شرط الحقائق الإشارة إلى وجوه الإشتقاق كما ذكره مع أن لفظة المعروف أصلها عرف مخففاً لا عرف بالتضعيف.

فصل:
قوله: (لا خلاف في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
يعني: على سبيل الجملة ولم يعتد المصنف بخلاف يعزى إلى الحشوية وهو أنهم منعوا وجوبه عقلاً وشرعاً وقولاً وفعلاً إلا طائفة منهم فزعموا أنه لا يجب شرعاً ويعلم وجوبه بالعقل.
قيل (مهدي): وتلخيص مذهبهم وتحقيقه أنه يجب الأنقياد لكل من غلب وإن يمتثل أوامره ولو كان ظالماً فيجب الجهاد معه والأمر والنهي حيث أمرنا بذلك إذا لم يدعنا إلى الأمر والنهي من له شوكة فلا يجبان بالسيف قط ويجبان بالقول فقط.
قوله: (وإن أختلف في كيفيته هل تجب بالقول والفعل..) إلى آخره.
لعله يشير إلى خلاف الإمامية وقولهم لا يجب فعلاً إلا في زمن الإمام وأما قولاً فيجب من دونه ومنهم من أطلق فقال لا تجب قولاً ولا فعلاً إلا في زمن الإمام.
وقال الأصم: لا يجبان إلا حيث يكون ثم إمام مجمع عليه لا إذا لم يجمع عليه فلا يجبان.
قوله: (ويدل على وجوبه من الكتاب قوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل}).
هي من أوضح الأدلة على وجوب التناهي عن المنكر في حق بني إسرائيل والإستدلال بها في حقنا مبني على أنا متعبدون بشرع من قبلنا ما لم ينسخ وفيه خلاف بين أهل الأصول لكن هذا هو المسترجح وما ثبت في النهي عن المنكر ثبت في الأمر بالمعروف إذ هما أخوان ولا فارق بينهما في الوجوب.
قوله: (فأمر الله أن يكون فينا من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر).
يعني: ولأمر يقتضي الوجوب على ما هو المختار عند الجمهور من علماء الأصول وفيه خلاف واسع ليس هذا موع ذكره وبسطه.

(12/50)


قوله: (فأوجبه على الكفاية وذلك أن الأمر متناول لبعض منا غير معين، وهذه الآية الكريمة كما تدل على وجوب الأمر والنهي المذكورين بدل على أن هذا الوجوب من فروض الكفاية التي إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين.
ويدل على ذلك أيضاً: أن الغرض بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يقع المعروف وألا يقع المنكر فإذا حصل الغرض بالبعض فلا معنى لإيجابه على الكل كنشرمعالم الدين ونحو ذلك من فروض الكفايات.
قوله: (وقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض..) الآية.
وجه دلالة هذه الآية أنه تعالى حكم على المؤمنين بكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوصافهم فمفهومه أن من لم يكن كذلك فليس بمؤمن كما أنه من لم يقم الصلاة ويؤت الزكاة فلا إيمان له.
قوله: (وقال تعالى: {كنتم خير أمة..} الآية).
تمامها: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر).
قال الفقيه حميد: والإستدلال بها على الوجوب بعيد لأن مدلولها المدح على ذلك والمدح غير مقصور على الواجب بل يحسن على المندوب ولا يقال وجه دلالتها أن الله تعالى جعل هذه الأمة خير الأمم بذلك لأنه يقال: قد يجوز أن يكون خيراً مع ذلك وإن كان مندوباً لأن ذلك إنما يقتضي فضل هذه الأمة والفضل الذي بالثواب يكون بالواجب ويكون بالمندوب ومن الأدلة القرآنية قوله تعالى حاكياً عن لقمان: {يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر}. وأقره الله على ذلك ولولا كونه حقاً لما حسن إقراره.

(12/51)


قلت: وهو مبني أيضاً على أنا متعبدون بشرع من قبلنا ما لم ينسخ ولا يقال: ليس في الآية ما يدل على الوجوب لأن الأمر صادر عن غير الشارع وإنما أقره الله تعالى لأنا نقول آخرها يدل على الوجوب وهو قوله: {إن ذلك من عزم الأمور}. فإنه إشارة إلى جميع ما سبق ذكره من إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والصبر ومعناه أنه مما عزمه الله من الأمور أي قطعه قطع إيجاب وإلزام ومنه أن الله يجب أن يؤخذ برخصة كما يجب أن يؤخذ بعزائمه.
وقوله: (عزمة من عزمات ربنا).
ومنه عزمات الملوك وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده: عزت عليك إلا ما فعلت كذا. إذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله والمعنى من معزومات الأمور أي من مقطوعاتها ومفروضاتها هكذا قرره جار الله.
ثم قال: ونهاهيك بهذه الآية قاضية بقدم هذه الطاعات وأنها كانت مأموراً بها في سائر الأمم.
قوله: (فقوله عليه السلام: ((ليس لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل)). المشهور في رواية الحديث: ((لا يحل لعين..)). والمراد تنظري إطباق أحد الجفنين على الآخر يقال: أسرع من طرفة عين. والعين هاهنا عبارة عن جملة الإنسان لأنها التي يصح منها التغيير والإنتقال وليس المراد التخيير بين الإنتقال والتغيير الإنتقال بل المراد أنه إذا لم يمكنه زجر فاعل القبيح وجب عليه الإنتقال وفيه دلالة على وجوب الهجرة على ما يذهب إليه جماعة من أعيان الأئمة عليهم السلام كالقاسم والناصر والمنصور وإليه الإشارة بقوله: قيل عن البلد وعند كثير من أهل البيت وغيرهم أن الهجرة غير واجبة. وإليه الإشارة بقوله: قيل عن المكان. حملوا الإنتقال على أنه من مكان إلى مكان لترتفع التهمة عن الرضا بالمعصية.
قوله: (وعنه عليه السلام: ((لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر)). إلخ.

(12/52)


روى الترمذي ما هو بمعناه عن حذيفة عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم ولفظه: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم)).
قوله: (وأشباه هذا من الأحاديث أكثر من أن تحصى).
من ذلك ما رواه الفقيه حميد في العمدة عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ليخرجن من أمتي أناس من قبورهم في صورة القردة والخنازير بما داهنوا أهل المعاصي وكفوا عن نهيهم وهم يستطيعون)). وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بمؤمن بالقرآن ولا بي)). وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ما من رجل يجاور قوماً فيعمل بين ظهرانيهم بالمعاصي فلا يأخذوا على يديه إلا أوشك أن يعمهم الله بعقاب)). وذكر عبدالعظيم المنذري في كتاب الترغيب والترهيب جملة من الأحاديث الواردة في هذا الباب واسعة منها قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)). وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)). وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا)). وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)). وقال أبو بكر الصديق: يأيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا أهتديتم}. وقد سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)). وغير هذا مما يطول ذكره ويشق حصره.

تنبيه:

(12/53)


قد عرفت مما ذكر أن هذا الباب دليله الكتاب والسنة والإجماع لأن المصنف قد أشار إلى الإجماع في أول الفصل لكن لم يُعِد ذكره.
قال الفقيه حميد: وأما الإجماع فهو أنه لا خلاف بين الأمة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة القول وإن أختلفوا في ذلك من جهة الفعل كما تقوله الإمامية والدليل قائم على وجوبه من جهة العقل من دون إمام إلا فيما يختص الإمام وخلاف الإمامية لا يعتد به لأن مذهبهم حادث بعد إنعقاد الإجماع من الأمة فتستقيم دلالة الإجماع على كل وجه.

فصل:
قوله: (كان المتقدمون من شيوخنا يطلقون القول بوجوب ذلك إطلاقاً).
أي: يطلقون وجوب الأمر بالمعروف من غير تقييد بأن يكون المعروف واجباً لأن المعروف قسمان: واجب، ومندوب، أو حقيقة المعروف تشملهما كما مر.
قوله: (حتى جاء المتأخرون).
أعلم أنه إذا قيل المتقدمون من المعتزلة فالمراد بهم من هو متقدم على قاضي القضاة وتلامذته، والمتأخرون القاضي وتلامذته ومن بعدهم.
وقال في تعليق الشرح: بل الأقرب أن المتأخرين أبو علي وأبو هاشم وطبقتهما ومن بعدهم والمتقدمون من قبلهم وعليه بنى المصنف فإن أول من فصل في وجوب الأمر بالمعروف الشيخ أبو علي وهو تفصيل حسن وكيف يتصور أن يجب الأمر بما لا يجب على المأمور فعله وعلى هذا التقييد ينبغي أن يحمل إطلاق المتقدمين ولكنه قد نسب إلى الشيخ أبي القاسم تبقية الإطلاق على حقيقته والتصريح بوجوب الأمر بالمندوب وأحتج بحجة ضعيفة وهو أنه قد ورد عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في السنن والرواتب ما يقضي بأن تركها منكر وما كان تركه منكراً وجب الأمر به كقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا تدعوا ركعتي الفجر)). وقد ذكر بعض العلماء أنه إذا أطبق أهل بلدة على إهمال السنن وتركها وجبت محاربتهم والمحاربة أقصى ما ينتهى إليه في الأمر والنهي.

(12/54)


وجوابه: أما قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا تدعوا ركعتي الفجر)). فالمراد به الحث على فعلهما والتعريف بأنهما سنة مؤكدة وأنه ينبغي الحرص عليهما لعظم ثوابهما ولو حمل النهي على ظاهره فالذي يقضي به وجوبهما فقط ومع ذلك نسلم وجوب الأمر بهما وأما أنه يجعل دليلاً على وجوب الأمر بهما فقط فهذا ما لا وجه له وكما يرد الأمر للندب فكذلك يرد النهي للكراهة لا للتحريم فيكون مؤدى النهي عن الترك كراهته، وأما ما ورد عن بعض العلماء من ذكر قتال من أطبق من أهل البلدان على ترك المندوبات فليس بحجة ويحمل على أن مرادهم من تركها تهاوناً بالفرض وأستخفافاً بها.
قوله: (فأما المنكر فلا ينقسم).
يعني: لأنه قسم واحد وهو ما يستحق عليه العقاب فكله قبيح ولا يدخل فيه المكروه كراهة تنزيه وحكم النهي عنه حكم الأمر بالمندوب فيكون النهي عنه مندوباً.

فصل:
وأختلف الشيخان في هل يدل العقل مع السمع على وجوب ذلك.
قوله: (وقال أبو هاشم لا تدل).
وإلى مثل قوله ذهب قاضي القضاة وأبو الحسين والجمهور وصححه السيد صاحب شرح الأصول.
قوله: (إلا في صورة واحدة وهي أن يلحق أحدنا برؤيته المنكر إغتمام وغيظ).

(12/55)


يعني: على وجه يتضرر بذلك ويلحقه مضض ولا شك أن الغم من أنواع الضرر وزاد القاضي صورة أخرى: وهو أن يفوته بعدم إنكار المنكر تأدية واجب عليه كما إذا أعد مالاً لقضاء دينه فأراد الغير أخذه أو ماء ليتوضأ به فقصد غيره إلى إراقته أو الإنتفاع به غصباً فيجب حينئذ عليه عقلاً أن ينهى عن ذلك لأن تأدية ما وجب عليه لا يتم إلا بنهيه ومدافعته وما لا يتم الواجب إلا به يكون واجباً وقد أعترض ما ذكره أبو هاشم والقاضي بأنه لا معنى لأستثناء الصورتين المذكورتين لأن النهي فيهما لم يجب عقلاً لكونه نهياً عن المنكر بل وجب في الأول إلى لدفع الضرر وفي الثانية لتوقف الواجب عليه وهذا غير ما نحن فيه فإنه لا فرق في الصورتين المذكورتين بين الأمر والنهي وغيرهما فإنه يجب دفع كل ضرر بالأمر والنهي وغيرهما ويجب ما لا يتم الواجب إلا به أمراً ونهياً كان أو غيرها وإنما كلامنا في أنه هل يجب الأمر والنهي لكونهما أمراً بمعروف ونهياً عن منكر عقلاً ويكون هذا هو الوجه في وجوبهما أو لا فأبو علي ذهب إلى ذلك وأبو هاشم منعه ولم يجعل ما ذكر وجهاً في الوجوب فلا معنى لإستثنائه تلك الصورة لأن الأمر والنهي فيها وجباً لوجه آخر لا لذلك الوجه وهذا أعتراض حسن وكلام جيد لا غبار عليه.
قوله: لأنه من باب الإحسان إلى الغير ودفع الضرر عنه أما كونه إحساناً فظاهر لأنه يقوده إلى فعل الطاعة أو ترك المعصية يحصل له نفع عظيم وخير كثير وأما دفع الضرر عنه فلأن المأمور بفعل الواجب وترك القبيح يندفع عنه ضرر العقاب ولما كان الآمر والناهي كالسبب فيما ذكر صار كأنه النافع له ودافع الضرر عنه وإن كان حصول النفع والدفع بفعله لما أمر به وتركه لما نهى عنه.
قوله: (والذي ....... الحال فيه).

(12/56)


يعني: من الوجوه التي تحتملها القسمة على ما يذكره كثير من أصحابنا فإنهم يقولون لو وجب ذلك عقلاً لم يحل إما أن يجب لأمر يرجع إلى الآمر الناهي من كونه آمراً وناهياً وإلى الأمر والنهي من كونه أمراً بالواجب ونهياً عن القبيح أو إلى المأمور به والمنهي عنه وهو كون أحدهما واجباً والآخر قبيحاً أو لمجموع ذلك أو بعضه وكل ذلك لا يصح لأنه كان يجب أن يلزم الأمر والنهي في كل حال وعلى كل إنسان لأن وجه الوجوب قائم في كل حال وفي حق كل إنسان فيجب على الأعيان وكان يجب ألا يرد الشرع بإقرار أهل الذمة على عقائدهم الباطلة ومذاهبهم الفاسدة إذ ما كانت علته قائمة لا يجوز تغير حاله ولا أن يرد الشرع بخلافه كما في الكذب والجهل.
قوله: (لأن الباري تعالى مكلف..) إلخ.
قد يجاب عن هذا بأن وجه الوجوب وعلته إذا حصل في حق الباري تعالى ثبت الوجوب ولزم أن يمنع وإذا بطل التكليف في ذلك المأمور به أو المنهي عنه فلا ضير كما أنه لما وجب المنع من فعل المفسدة التي تصدر من مكلف لكونها مفسدة في حق مكلف آخر وجب ذلك عليه تعالى وإن بطل التكليف في حق ما منع عنه ذلك المكلف.
قوله: (لكن السمع قضى بإقرارهم).
قد أجبت بأنه لو كان وجه الوجوب ما ذكر لم يصح ورود السمع بخلاف مقتضاه كما أن الكذب والجهل لما قبحا لكونهما كذباً وجهلاً لم يختلف الحال فيهما ولم يصح أن يرد السمع بخلاف ذلك فعلمنا أن وجه الوجوب في الأمر والنهي ليس إلا حصول المصلحة لنا فيهما كغيرهما من الواجبات الشرعية والمصالح يجوز أن تختلف بإختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة بخلاف الوجوه العقلية المقتضية للقبح والوجوب فإنها لا تختلف بحال.
قوله: (لأنه لا يمكن القطع من جهة العقل..) إلخ.

(12/57)


يعني: فلا يصح أن يجعل ذلك وجهاً عقلياً يعرف به وجوب الأمر والنهي وإنما يعرف ذلك بالشرع فيكون كوجوب الصلاة والزكاة فإنه وإن كانا لطفين إلا أنه لما لم يعرف ذلك بالعقل لم يكن وجوبهما عقلياً وحيث لم يعرف إلا بالشرع كانا شرعيين وقد أحتج الشيخ أبو علي على مذهبه بوجهين:ـ
أحدهما: أنه لو لم يكن الطريق إلى وجوب الأمر والنهي عقلية لكان المكلف مغري بالقبيح وكمن أبيح له فعله.
وجوابه: أن هذا الكلام في غاية الركة إذ يقتضي أنه لا يجب واجب ولا يقبح قبيح إلا والطريق إليه عقلية وإلا كان المكلف مغرري بالقبيح، والإخلال بالواجب وفي حكم من أبيح له ذلك وهذا فاسد ولا ينبغي أن يعول عليه ولهذا أهمله المصنف.
الوجه الثاني: أنه قد ثبت وجوب الإمتناع عن المنكر فكذلك يجب المنع منه لأن العقل لا يفرق بينهما.
وأجبت: بأنه إذا كان الوجه ما ذكر لزم أن يجب المنع على الله لأن الإمتناع واجب عليه ومثل هذا لا يلتفت إليه.

فصل:
وكيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يبدأ بالقول اللين هو ما يأتي به على طريقة النصح والوعظ والتذكير.
قوله: (وإلا تعداه إلى القول الخشن).
وهو ما فيه غلظة وينطوي على الشتم والوعيد والتهديد.
قوله: (وإلا فالعصا).
وفي حكمها السوط والضرب بالنعال ونحو ذلك.
قوله: (ثم السيف).
أراد القتال لأن الأصح أنه يجوز هنا القتل والقتال سواء كان في الزمان إمام أو لم يكن لأن ذلك من مقتضى النهي عن المنكر إذ الغرض ألا يقع فإذا لم يتم إلا بالقتل جاز وعلته قوله تعالى: {وقاتلوا التي تبغ}.
قوله: (وقد ورد النص..) إلى آخره.
فيه نظر من وجهين:ـ
أحدهما: أن مثل هذه الآية لا تعد من النصوص على ما نحن بصدده بل من الظواهر.

(12/58)


الثاني: دعواه أن الإصلاح يتضمن الكلام اللين والخشن فلا دلالة في ظاهره على ذلك ولهذا فسره جار الله بما لفظه: فالذي يجب على المسلمين أن يأخذوا ببه في شأنهما إصلاح ذات البين وتسكين الدهماء..... الحق والمواعظ الشافية ونفي الشبهة إلا إذا أصرتا فحينئذ تجب المقاتلة.
وأعلم أن الآية في الحقيقة غير دالة على ما أستدل بها المصنف وغيره عليه من وجوب الترتيب لأن ذكر الإصلاح فيما إذا أقتتلت فئتان على سبيل البغي منهما جميعاً وذكر القتال فيما إذا بغت فئة على فئة وكان الباغي إحدى الفئتين فأمر الله تعالى في حق القسم الأول بالإصلاح وأقتصر عليه لكنه يعلم بدليل آخر أنه إذا لم .......صير إلى قتالهما معاً وذكر في القسم الآخر القتال للباغية لكنه يعلم بدليل آخر أنه لا قتال إلا مع عدم جدوى غيره قليتأمل.
قوله: (لأن الآية لم تفصل) إلى آخره.
ظاهره أنه أراد هذه الآية ......... العهد بالذكر وهي قوله تعالى: {وإن طائفتان..} الآية. وهو غير مستقيم وإنما يستقيم إذا قصد بها ما سبق ذكره فيما يدل على وجوب إنكار المنكر فيكون الأحسن أن يقول لأن الآيات المتقدمة وأما هذه الآية فإنها تدل على الإصلاح والقتال لمن بغى.

فصل:
وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط.
قوله: (ولأن ذلك يتضمن الخبر..) إلخ.
يعني: أن الأمر أريد بان يفعل كذا لوجوبه بتضمن الأخبار بالوجوب إذ لو لم يكن جاء كما يوجبه لما أمر به وكذلك في النهي فإذا كان الخبر الحسن إلا مع العلم فكذلك ما يتضمنه ويبنى عنه.
قوله: (....... على وجوب الفعل والكف عنه..) إلخ.
فقال: قياسك هذا مخيل لأنه يلزمك أن تساوي الفرع الأصل فيجب على الآمر الناهي أن يأمر وينهى ولو لم يعلم وجوب ما أمر به وقبح ما نهى عنه إذا كان يمكنه العلم وهذا لا يصح فإنه يقبح منه في تلك الحال فلا معنى لهذا القياس المتكلف ولا ملجي إليه ففيما سبق عينه عنه.
قوله: (أليس قد يدخل النكير في مسائل الإجتهاد).

(12/59)


تلخيصه أن يقال: أليس ما يجب علينا فيه الأمر والنهي الأمور الإجتهادية التي طريقها الظن بحث أنا نظن وجوبها أو قبحها ولا نعلم ذلك ومقتضى ما ذكرتم وشرطتم أن يرتفع فيها باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونها غير معلومة وتخليص الجواب إن الظن إنما هو في مسالكها فمتى دلت عليها الأدلة الظنية بعد توفية الإجتهاد حقه صار الوجوب فيها والقبح معلومين لأن دليل وجوب العمل بما أدى إليه الإجتهاد قطعي عندهم ونظيره ما إذا حصلت قرينة تقتضي الظن بأن الطعام مسموم أو أن في سلوك هذه الطريق لحوق ضرر فإنه حينئذ يعلم بالعقل علماً يقيناً وجوب تجنب الطعام والطريق.
قوله: (أما الإنكار على من يكلم امرأة في السوق..) إلخ.
هو جواب لسؤال مقدر تقديره إنه يجب نهي من أيناه يكلم امرأة في السوق أو على قارعة طريق ولا يعلم أن ذلك منكر لجواز أن تكون زوجة له أو محرماً.
قوله: (من حيث وقف موقفه تهمة).
يعني: وقام في مقام ريبة ولا شك في وجوب تجنب ذلك ولهذا بالغ صلى اللّه عليه وآله وسلم في تعريف من مر عليه ليلاً ومعه بعض زوجاته في المسجد بأنها زوجته وقال إنها...... ........
قلت: المار شك مع كونه صلى اللّه عليه وآله وسلم ممن لا تعلق به التهم ولا تتطرق إليه الوهوم وهو الطاهر المعصوم.
قوله: (وينزل منزلة أستدعاء الغير إلى الدين).
يعني: فإنه يحسن وإن علم أن ذلك لا يقع منه.
قوله: (وتكليف من المعلوم أنه يكفر كان الأولى أن يقول....... الله ......... من علم أنه لا يأتمر ولا ينتهي مع أن معنى ما ذكره مستقيم.
قوله: (فهاهنا يجب).
هو الأولى والأرجح ولا معنى لسقوط الوجوب مع أبتداء العلم والظن لعدم التأثير فإن المانع وهو علم عدم التأثير أو ظنه منيف والأصل والذي تقضي به الأدلة الوجوب مطلقاً.
قوله: (الثالثأن يعلم أو يغلب في ظنه..) إلى آخره.

(12/60)


قد يذكر هذا الشرط على وجه آخر وكيفية هي أوفق وهو أن يقال أن يعلم أو يغلب على ظنه أنه إن لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر أدى إلى تضييعهما نحو أن يرى آلات الملاهي المعتادة موضوعة والخمر حاضراً ومن يريد الشرب واقفاً أو يشاهد الغير لم يصل مع إن وقت الصلاة قد أذن بالزوال.
قوله: (والأمر بالتوبة عنه ونحو ذلك).
يعني: مما يكون فيه دعاء له إلى الإقلاع ومعرفة خطابه فيما أقدم عليه كان يعرفه بما يفضي إليه تلك المعصية والإقدام عليها والإصرار وعدم الإستغفار وما ينال بالتوبة من الفوز بالجنة والنجاة من النار.
قوله: (قيل: له المعرفة حاصلة من قبل).
يقال: ليس هذا على سبيل الإطلاق فقد يكون من مرتكبي المنكر من هو غافل عن الله غير عالم بحدود الله وقد يكون قريب العهد بالإسلام فمن كان كذلك فلا كلام في حسن تعريفه أو وجوبه.
قوله: (وأختلفوا في الوجوب).
القياس ثبوت الوجوب لأنه إذا علم إجتماع جماعة لشر الخمر في دار وحضوره عندهم ولم يعلم هل قد شربوا أو فرغوا من العلم أو لا فالأفصل عدم ذلك ويوجه الوجوب وعدم المسقط.
قوله: (ينزل به أو بأطرافه).
قال الفقيه حميد: ومن ذلك نحو الضربة والجنس الطويل.
قوله: (أو بماله المجحف).
قال الفقيه حميد: والمجحف بحاله ما يؤدي إلى هلاكه أو يدنو من ذلك من المشاق العظيمة وما لم يؤد إلى ذلك لم يسقط الوجوب كما لا يسقط وجوب الجهاد لمكان ما يتحمله من المؤن التي ..... في ماله وكذلك هاهنا.
قوله: (ونحو ذلك).
يعني: الإفطار في واجب الصوم وترك الصلاة حتى يخرج وقتها وغير ذلك.
قوله: (وذكر السيد في شرح الأصول..) إلى آخره.

(12/61)


قال ما لفظه: وفي هل يحسن ينظر فإن كان الرجل ممن يكون في تحمله لتلك المذلة إعزاز للدين حسن وإلا فلا وعلى هذا يحمل ما كان من الحسين بن علي عليهما السلام لما كان في صبره على ما صبر إعزاز لدين الله عز وجل وعلى هذا نباهي به سائر الأمم فنقول لم يبق من ولد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم إلا سبط واحد فلم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى قتل في ذلك.
قوله: (والأقرب أنه لا فرق بين ما فعله الحسين وما يفعله غيره).
يقال: بل الفرق ظاهر لأن صدور ذلك ممن يقتدى به ومن له رتبة عالية ليس كصدوره ممن لا ينظر إليه ولا يلتفت عليه.
قال الفقيه حميد: فإن كان ممن يقتدى به حسن منه ذلك وإن أدى إلى هلاكه وعلى ذلك جرت أحوال كثير من أئمتنا عليهم السلام نحو الحسين وزيد ومن حذا حذوهما فإنهم قاتلوا في قلة من الأنصار حتى أدى إلى أستئصال شأفتهم فصاروا قدوة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من بعدهم وقد رجع المصنف في آخر كلامه إلى الإعتراف بالفرق لكن بنى على أنه لا فرق في حسن ذلك سواء صدر ممن له منصب الأقتداء أو لا.
قوله: (فقال تعالى حاكياً عن لقمان إلى قوله {واصبر على ما أصابك}).
أراد أن هذه الآية الشريفة دالة على حسن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن أدى إلى أن يصاب لأنه أمر بالصبر على ذلك وهذا بناء على أحد تفسيرتها وهو أن المراد الأمر بالصبر على ما ناله من الأذى بسبب أمره ونهيه لأنهما مطيتان لذلك. والتفسير الثاني: أن المراد بالأمر بالصبر مطلقاً ذكر المعنيين في الكشاف.
قوله: (يؤدي إلى تضييع معروف آخر).
كان الأولى أن يقول: يؤدي إلى ترك واجب آخر لأنه لو أدى إلى ترك مندوب لم يضر ذلك ولا يمنع وجوب الأمر بالواجب.
قوله: (ولا يوصف الآمر الناهي بأنه معين له).

(12/62)


يقال: صحيح ذلك وأما أن أمره ونهيه في حكم المفسدة لدعائه إلى فعل القبيح أو ترك الواجب فليس هذا جواباً عنه وظاهر كلام السيد في شرح الأصول أنه لا يشترط إلا ألا يؤدي إلى مضرة أعظم منه ومثله بما إذا علم الناهي عن شرب الخمر أو غلب على ظنه أنه نهيه يؤدي إلى قتل جماعة من المسلمين أو إحراق محلة فلا يجب حينئذ ولا يحسن. وأما الفقيه حميد: فجعل الشرط ألا يؤدي إلى منكر آخر أو ترك معروف واجب مطلقاً فيسقط الوجوب والحسن لأنه يكون حينئذ مفسدة وقد أحسن المصنف البيان وجود في النقل فليوف الناظر النظر حقه.

فصل:
أعلم أن المعروف والمنكر ضربان:ـ
قوله: (أحدهما: يكون ضرورياً ظاهراً).
وذلك نحو وجوب رد الوديعة وشكر المنعم وقضاء الدين في العقليات ووجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج في الشرعيات وقبح الظلم والكذب في العقليات وقبح شرب الخمر والزنا في الشرعيات.
قوله: (والثاني: لا يكون ظاهراً بل يجوز خفاؤه).
وذلك نحو العقائد الفاسدة في المسائل المختلف فيها وظاهر كلام المصنف أن من هذا القبيل أيضاً ما يجب ويقبح من الأعمال الظاهرة وليس معلوماً من ضرورة الدين بل يجوز خفاؤه على المأمور به أو المنهي عنه وقد صرح من بعد بوجوب تقديم التعريف فيه.
قوله: (فهذا لا يحسن الأمر والنهي فيه إلا بعد التعريف).
أخبار المصنف أنه لا بد من البيان والتعريف قبل الأمر والنهي إلى هذا مال الفقيه حميد فإنه قال بعد ذكر النهي عن الإعتقادات الفاسدة: والنهي لا يكتفي به في هذا الباب بل لا بد من أن يبين له أن هذا الإعتقاد خطأ وأن تركه يجب لأن إزالته عن أعتقاده في هذه الصورة من غير أن ينصح أنه باطل بعيد ولأنه يروم منه أعتقاد خلاف ذلك المذهب وأعتقاده من دون دلالة تدل عليه قبيح فيقبح منه أن يأمره بذلك لأنه يكون أمراً بالتقليد.
قال في تعليق الشرح: وكلام قاضي القضاة يقضي بأنه ينهى عن ذلك وينكر عليه فيه وإن لم يبين له.

(12/63)


وجه الحجة: كما في غيره من القبائح التي من أفعال الخوارج ولأنه ممكن من العلم بقبحه.
قال: والأولى التفصيل فإن كان المنهي قريب العهد بالإسلام أو من لم يمارس الأدلة ووجوه الحجج وجب أن يبين له الدلالة على بطلان ما هو عليه وصحة ما يدعوه إليه وإن لم يكن كذلك لم يجب بل عليه أن ينظر في الأدلة ونظره فيها على الوجه الصحيح يقوده إلى الصواب فإن لم ينظر فقد أتى من جهة نفسه.
قوله: (** مؤخر ** ويكون مؤيداً لما ذكرناه يقال: ليس مؤيداً له لأن هذا النوع لا يتوقف على فعل ........ لفاعله فليس من ذلك القبيل والإتفاق حاصل هنا على أنه يصح ...........**
قوله: (فقال بعضهم لا يتصور الإكراه في ذلك).
هذا هو إختيار الإمام المنصور وصححه الفقيه حميد وذلك لأن الصلاة لا تكون صلاة على الحقيقة إلى بالنية فإذا عزبت عنها لم تكن صلاة فلا تكون حسنة وقد ثبت أن النية لا تصح بالأكراه عليها فلا يصح الإكراه على ما يحتاج إليها وفي حكم الصلاة الوضوء والصيام والتيمم والحج ونحوها.
قوله: (وقال بعضهم يتصور الإكراه في ذلك).
هذا يقتضي به مذهب الهادي عليه السلام أن تارك الصلاة عمداً......... ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل.
ومذهب المؤيد بالله أنه يحبس ويضيق عليه لأن مثل ذلك لا ثمرة له إلا طلب فعلها منه وإن يضطر إلى ذلك فلولا صحة الإكراه لم يحسن إلى ذلك.
قوله: (أحدهما لا يكون الإجتهاد محال فيه).
يريد به ما كان وجوبه أو تحريمه قطعياً ولا يعلم من ضرورة الدين كوجوب غسل الوجه في الوضوء وقبح الكذب الذي فيه نفع.
قوله: (بعد التعريف).
يعني: بوجوبه أو قبحه إقامة الدليل على ذلك ولا يحتاج إلى معرفة حال فاعله لأنه مما لا يختلف الوجوب فيه والتحريم بإختلاف الإجتهاد بل الحكم فيه واحد في حق كل مكلف.
قوله: (وعلى الحنفي أن ينهى الشفعوي في شربه).

(12/64)


يعني: لأن العبرة في هذا بحال الفاعل لا بحال الأمر والمنكر فالشافعي إذا فعل ذلك مرتكب المحظور عنده لكونه مذهبه تحريمه وعند الحنفي لأن الحنفي يرى تحريمه على الشفعوي ويفتي بذلك وإن أستحله هو.
قوله: (إما لفقد العلم أو للتساهل في النظر).
يعني: فقد العلم المعتبر في المجتهد الذي بحق له أن يقلد ويتبع لأجله أو لعدم الثقة به بأن لا يكون من أهل التحري فيتساهل في النظر بألا يوفيه حقه.
قوله: (فإذا عدل المجتهد أو المقلد عما كلفاه في المسألة الذي يكلفه المجتهد أن يوفي النظر حقه ويبحث عن الأدلة ولا يقصر في إجتهاده ولا يخالف ما أداه إليه).
والذي يكلفه المقلد أن يقلد المجتهد العدل بعد أن يحصل له الطريق إلى علمه وعدالته على ما ذلك مبين في موضعه من أصول الفقه.
قوله: (بل هو حلال عندك).
أي: حلال له عندك لا لك.

تنبيه:
إعلم أنا سلكنا في هذا الباب مسلك الإيجاز ولم نبسط القول فيه ولا عولنا على إستيفاء ما يورده أصحابنا فيه ضمن مصنفاتهم في علم الكلام وألغينا فصولاً يذكرونها في ما يتغير حاله بالإكراه وما لا يتغير وفيمن أعتقد أعتقاداً ثم ظهر له فساده وكونه خطأ باطلاً ما الذي يجب عليه وفي المفتي إذا أخطأ ما الذي يلزمه وفي الحاكم إذا أخطأ في الحكومة ونحوها لأن في ذلك ....... في الخروج إلى فن آخر وتعرضاً لما لا يعني فيما نحن بصدده وله كتب آخر يلتمس منها وفن آخر والله ولي التوفيق.

(12/65)


بسم الله الرحمن الرحيم
في أحوال الأئمة عليهم السلام في حق الصحابة رضي الله عنهم.
هذا باب بسط فيه المصنف وأستوفى الكلام عليه وأنصب بسرعة ورغبة وصدق همة وشدة إلتفات إليه وقد أفاد وأجاد ووفى بحق الصحابة الأمجاد ويمكن ......... من وجهين أمرهما يسير:ـ
أحدهما: أنه أتى بهذا الباب في غير موضعه المعتاد اللائق به والقياس أن يؤتى به في أحد موضعين إما في الكلام على التفسيق لأنه أليق به وأعرق فيه إذا هم ما في هذا الباب الذب عن تفسيق الصحابة والرد على من فسقهم أو كفرهم وذكر الشبه في ذلك والأجوبة عنها وذكر ما يدل على خلاف ذلك من الآيات والأخبار عن المصطفى المختار والآثار عن الأئمة الأطهار وهذا هو الذي أعتمده الإمام عماد الإسلام يحيى بن حمزة فإنه ذكر ذلك في باب التفسيق لأنه باب يذكر فيه تفسيق من فسق من الأمة صحيحاً كان أو فاسداً وإما أن يذكر في باب الأمة ويستدعيه منه الكلام في إمامة أمير المؤمنين وذكر أنه أحق بالإمامة ممن تقدمه وحكم من تقدم عليه وأغتصب حقه كما يعتاده الأصحاب في كتبهم وأحسن ما يعتذر به المصنف أنه تحاشى عن ذكر هذه النبذة في باب التكفير والتفسيق صيانة لمكان الصحابة ومحلهم عن أن ينظموا في عداد الطوائف المرمية بالفسق والكفر ولم يدخلها في مسألة إمامة أمير المؤمنين وتوسطها فيها لطول الكلام في هذه النبذة وإتساع شأن الصحابة إلى أن ينقضي الكلام على الإمامة فإن الكلام فيها أهم وأقدم وهذه النبذة من لواحقها وتوابعها والإختلاف الواقع في شأن الصحابة بسببها ولأجلها.
الوجه الثاني: من وجهي المنافسة والمصنف ترجم هذا الباب بأن قال: الكلام في أحوال الأئمة في حق الصحابة. ثم رتبه على أربعة أبواب:ـ
أولها: شبه المفسقين على الجملة.
الثاني: في الرد على الطاعنين في كل واحد على إنفراده.
والثالث: فيما ورد من النهي عن سبهم.
والرابع: في تزكيتهم والترضية عنهم.

(13/1)


وهذه الأبواب المذكور غير ما تقضي به الترجمة وأمور خارجة عنها وإنما أتى بالكلام في أحوال الأئمة في آخر فصل من فصول الباب الرابع فهذا كلام لا تلائم بين جملته وتفصيله وترجمته وحصيله ولو أنه قال: الكلام في أحوال الصحابة لكان حسناً لا بأس به وكذلك لو أنه قال: الكلام في أحوال الأئمة في حق الصحابة فذكر ما ورد عن الأئمة فيهم من حسن الثناء ثم عقبه بذكر من خالف هذه الطريقة وبنى في أمرهم على غير حقيقة بفسقهم وحظهم عن منزلتهم ثم أحتج عليهم بما ورد من الآيات والأخبار ثم ذكر شبههم وأجاب عنها وأيضاً فإن في قوله: (الصحابة). والأتيان بهذه اللفظة العامة لكل صحابي نظر فإن الكلام هذا من أوله إلى آخره إنما هو في شأن المشائخ الثلاثة ثم ذكر أمير المؤمنين على جهة الإستطراد فيما نال سائر الصحابة وإن كان في أدلة التزكية والترضية ما يشملهم وإنما أوردها من أجل الخلفاء لكونهم يدخلون فيها دخولاً أولياً وأما سائر الصحابة فغير مقصودين.
وأعلم أن الإمام يحيى عليه السلام ذكر هذه الأبواب والأنواع في باب التفسيق من كتابه التحقيق وأحكم في نظمها غاية الإحكام حتى أفرغها في قالب الألتئام وجعلها ثلاث مسائل:ـ
المسألة الأولى: في التصفح لما وقع في الصدر الأول من الخلاف هل يوجب الكفر أو الفسق أم لا. وذكر الخلاف في ذلك ثم قال: وحقيقة المسألة لا تصفو إلا ببيان كيفية التنصيص على إمامة أمير المؤمنين ثم بيان حكم من خالف هذه النصوص فهذان مطلبان، ثم ذكر المظلمين وأستوفى الكلام عليها بياناً للمذاهب وذكر الأدلة والأسئلة والأجوبة والشبه وحلها وأبطالها.
المسألة الثانية: في بيان ما أورد من المطاعن التي توجب تفسيق المشائخ الثلاثة ثم ما يتعلق بأمير المؤمنين وأستوفى الكلام على ذلك وأجوبة ما أورد منه.
المسألة الثالثة: في إقامة البرهان على التزكية للصحابة وأختصاصهم بالعدالة وجعلها أربع مراتب:ـ
الأولى: فيما ورد من الآيات القرآنية.

(13/2)


الثانية: من الأخبار النبوية.
الثالثة: من جهة الطرق الإعتبارية.
الرابعة: من جهة الآثار المروية.
ومن كلام الإمام يحيى أخذ المصنف رحمه الله ما أورده ولكنه ما رتبه على ما رتبه بل خالف في الترجمة والسياق فما طابق كل الطباق والأمر قريب وما مثل ذلك ترتيب والله الموفق.
قوله: (فتارة يكفرون وتارة يفسقون).
أعلم أنه لا خلاف عند أهل التحقيق من أئمة الزيدية والمعتزلة ونظار الأشعرية في أن الخروج على إمام الحق بغياً وعدوناً وإبطال إمامته والطعن فيه والقعود عن نصرته والتخذيل عنه وترك الإعانة له على أمره مع التمكن من غير عذر فسق لمخالفة الإجماع المنعقد على ذلك وأما الجهل بإمامته وإدعاء الإمامة لغيره والجلوس مجلس الإمام من غير أمر منه ومخالفته في ذلك كما كان من المشائخ الثلاثة في حق علي عليه السلام فهل يكون كبيرة أم لا فيه مذهبان:ـ
المذهب الأول: إنه من جملة الكبائر وأختلف هؤلاء هل يكون كفراً أو فسقاً فمذهب أكثر الإمامية ونسب إلى الصباحية من الزيدية أنه كفر. وحكي عن بعض الإمامية وعن الجارودية من الزيدية أنه فسق وإلى هؤلاء أشار المصنف بقوله: (فتارة يكفرون وتارة يفسقون) وفي غيار ........... أن التكفير صادر عمن صدر عنه التفسيق وإنما يقولون تارة بهذا وتارة بهذا وليس كذلك وإنما أراد ما ذكرناه من أن منهم من يكفر ومنهم من يفسق.
المذهب الثاني: أن ما ذكر لا يعد كفراً ولا فسقاً.
قال الإمام يحيى: وهو رأي أهل التحقيق من أئمة الزيدية والمعتزلة. قال: وهو المختار.
قوله: (ولعل المزري عليهم).
كان الأولى أن يقول: المزري بهم من الأزراء وهو التهاون يقال: أزريت به إذا قصرت به ولو ..... أي حقرته والزاري عليهم والزاري على الإنسان الذي لا يعده شيئاً وينكر عليه فعله والزاري أيضاً الغائب الساخط.
قوله: (أما لاباب الأول).

(13/3)


وهو في الجواب عما ذكروه في فسق الصحابة لم يعتد المصنف بما يذكر في تكفيرهم رضي الله عنهم لتناهيه في الضعف وإفراطه في الفحش وكيف يرمي بالكفر أرسخ الناس إيماناً وأشدهم فيه أركاناً.
وأعلم أن مدار الخلاف هنا على الخلاف في النصوص الواردة في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام فمن قال: بأنها جلية فمخالفتها لا محالة تكون كبيرة إما كفراً كما زعمته الإثنا عشرية وبعض فرق الزيدية، وإما فسقاً كما يزعمه بعض الإمامية وبعض الزيدية كما تقدم تقريره.
ومن قال: بأنها خفية يعلم المراد منها بنوع من الفكر والنظر.
قال الإمام يحيى: فنهاية الأمر فيه الخطأ من غير كفر أو فسق. قال: وهذا هو المختار عندنا وعليه الأكابر من علماء العترة.
قوله: (أكثر ما يقتضي إن صح أنهم أخطئوا).
هذا يقضي بالشك في خطأهم ولا قائل بذلك من أصحابنا.
قال الإمام يحيى: وهو أكثر الأئمة مبالغة في تحسين أمر الصحابة فوجدنا الذي يقطع به هو الخطأ لا غير ذكره في تحرير هذه الدلالة التي أوردها المصنف.
قوله: (وبشارتهم بالجنة).
يشير إلى ما ورد من أخبار النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بدخول أصحابه العشرة الجنة وهم الخلفاء الأربعة وعبدالرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن مقبل وطلحة والزبير ونظمهم الشاعر في قوله:ـ
علي والثلاثة وابن عوف وسعد منهم وكذا سعيد
كذاك أبو عبيدة فهو منهم وطلحة والزبير ولا مزيد

(13/4)


ولفظ الحديث المأثور فيهم وهو من رواية سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: ((أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وسعد بن مالك في الجنة وعبدالرحمن بن عوف في الجنة)). وسكت عن العاشر، قالوا: ومن هو العاشر؟ قال: سعيد بن زيد. يعني نفسه. أخرجه أبو داود والترمذي وفي رواية أشهد على رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أني سمعته وهو يقول: ((عشرة في الجنة النبي في الجنة وأبو بكر في الجنة..)). وذكر الحديث ولم يذكر أبا عبيدة.
قوله: (يوضحه أن في العلماء من ينكر القياس رأساً وخبر الواحد والتضرر في هذا الإنكار..) إلخ.
هذا كلام قلق غير مأنوس وكان الأحسن أن يقول: يوضحه أن في العلماء من ينكر القياس رأساً فضلاً عن أن يكون عنده حجة قطعية يؤخذ بها في التفسيق. ولو قال: يوضحه أن المخالف في هذه المسألة المورد لهذه الشبهة وهم الإمامية ينكرون القياس لكان أرجح وأوضح وأما خروجه إلى أن إنكار القياس ونحوه ضرره أكبر من الضرر في سرقة عشرة دراهم وهو لا يفسق به فكان التمثيل بغير هذا أنسب وأثبت لكنه أخذ ذلك من كلام الإمام يحيى عليه السلام فإنه جعل هذا وجهاً مستقلاً في جواب هذه الشبهة.
قال ما لفظه: وأما رابعاً: فلأن الضرر في إنكار القياس وخبر الواحد والإجماع أضر من سرقة عشرة دراهم والمعلوم من حال العلماء من أئمة الزيدية والمعتزلة أنهم لم يفسقوا من خالفهم في هذه الأصول كأهل الظاهر في إنكار القياس ولا من دفع خبر الواحد ولا فسقوا إبراهيم النظام في إنكاره الإجماع ولو كان أعتبار الضرر صحيحاً في التفسيق لوجب تفسيق من ذكرناه.
قوله: (فما المانع أن يكون تصرفهم على وجه الصواب..) إلخ.

(13/5)


قال الإمام يحيى: وينزلون في ذلك منزلة من قام للإمامة وبويع له بعد بيعة غيره وجهلاً بذلك ولم يتحقق الحال ثم لا يقول أن تصرفه كان خطأً بل يكون معذوراً في تصرفه فهكذا هاهنا.
قوله: (وبعد فقد سئل أمير المؤمنين عن الذين تخلفوا عنه أيام صفين..) إلى آخره.
هم سعيد بن أبي وقاص وابن عمر وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة هؤلاء هم المشهورون بذلك وأقتصر الإمام يحيى عليهم فلم يذكر غيرهم وذكر غيره أن منهم زيد بن ثابت وسعيد بن زيد بن عمرو بن مقبل وترجم عنهم الإمام يحيى بأن قال:
المسألة التاسعة: في حكم من تأخر عن أمير المؤمنين على جهة التوقف من غير بغي ولا محاربة وحكى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه لما بلغه تخلفهم قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي وإنما الخيار للناس قبل البيعة فإذا بايعوا فلا خيار لهم ألا وإن عليَّ الإستقامة وعلى الرعية التسليم وهذه بيعة عامة من ردها رغب عن دين المسلمين وأتبع غير سبيلهم وإنه لم يكن بيعتكم إياي فلتة وقد بلغني عن عبدالله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة أمور كرهتها والحق بيني وبينهم في ذلك ثم نزل عن المنبر وبعث إليهم ومع الناس عليهم، وقال: بلغني عنكم أمور كرهتها ولست أكرهكم على القتال بعد بيعتكم إياي فأخبروني عن السبب الذي أبطئكم عن الدخول فيما دخل فيه المسلمون وما الذي تكرهون من القتال معي أليس قد بايعتم أبا بكر وعمر وعثمان؟
قالوا: بلى.
قال: فأخبروني لو أن معاوية وعمرو بن العاص قاتلاً واحداً من الخلفاء أكنتم تقاتلون معه؟
قالوا: نعم.
قال: فلم تكرهون القتال معي، وقد علمتم أني لست بدونهم ولو أشاء أن أقول لقلت فأخبروني عنكم هل تخرجون عن بيعتي؟
قالوا: لا والله ولكنا نكره معك قتال أهل الصلاة.
فقال لهم: إن أبا بكر قد أستحل قتال أهل الصلاة ورأى عمر مثل ما رأى أبو بكر.

(13/6)


قال ابن عمر: نشدتك الله الرحم أن تدخلني فيما لا أعرف ثم أنصرف القوم.
وقيل: إن عمار بن ياسر رضي الله عنه أستأذن أمير المؤمنين في مكالمة ابن عمر فأذن له، فقال: يابن عمر إنه قد بايع علياً من المهاجرين والأنصار من إن فضلناه عليك لم تغضب وإنما أنكرت قتال أهل القبلة بالسيوف قد علمت أن القاتل يقتل بالسيف والمحصن يرجم بالحجارة، وما قاتل علي من أهل الصلاة إلى من لزمه من حكم القتال ما لزم هؤلاء.
فقال ابن عمر: والله ما أختار الدنيا وما فيها بأن أظهرت عداوة علي يوماً وأضمرت بغضه ساعة واحدة.
وقال: إن عمر جمع أهل الشورى فكان أحقهم بها في نفسي علياً وهو اليوم على ما كان عليه بالأمس غير أنه جاء أمر فيه السيف فصفحت عنه.
فقال عمار: يعلمون ولا يعلمون.
ثم استأذن في مكالمة محمد بن مسلمة فلما كالمة.
قال محمد: إنه لو لا ما في يدي من رسول الله لبايعت عليهاً ولو أن الناس مالوا جانباً ومال علي جانباً لكنت معه.
أشار محمد إلى ما سمع عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم مما يقضي بمنع قتال أهل الصلاة فإنه قال: أمرني رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن أقاتل بسيفي ما قوتل به المشركون فإذا قوتل به أهل الصلاة فأضرب به صخرة حتى تكسره فقد كسرته بالأمس.
ونقل أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في حقه: مفتون يعاتب وإن أمر ......
بعد ذلك قال لعمار: دع عنك هؤلاء الرهط الثلاثة، أما ابن عمر فضعيف في دينه، وأما سعد فحسود، وأما محمد بن مسلمة قد بنىء الله أني قتلت قاتل أخيه مرحباً اليهودي يوم خيبر.
قلت: وهذا يؤيد ما يرويه أصحابنا أن علياً عليه السلام هو قاتل مرحب ولعله أراد أن محمد بن مسلمة حسده لذلك وغاضه إن لم يكن هو قاتله ليتولى النقم بثأر أخيه محمود بن مسلمة فقد كان قتل عند أفتتاح أول حصن من حصون خيبر ألقيت عليه رحاً فقتلته، وأما ابن هشام فالذي ذكره في سيرته أن محمد بن مسلمة هو قاتل مرحب.

(13/7)


قال الإمام يحيى: وأعلم أنه لا خلاف أن ابن عمر وسعداً ومحمد بن مسلمة لم يمتنعوا من البيعة والرضا بإمامته وإنما أمتنعوا من المقاتلة معه لأهل القبلة ولم يشدد عليهم أمير المؤمنين في المقاتلة بل تركهم على حالهم من الشبهة وإن كان قد نسبهم إلى ضعف في الدين والبصيرة وقد رويت عنهم هذه المعاذير المذكورة فإن كان عليه السلام قد قبلها منهم فلا عيب عليهم في الأعتزال والتخلف لرضاه فأسقاط ذلك عنهم وإن ثبت أنه ألزمهم الخروج معه ولم يعذرهم في التخلف فنكصوا فما هذا حاله لا يبعد أن يكون كبيراً لأن كل من أمره الإمام بأمر ثم خالفه بعد أن ضيق عليه فيما تلزمه فيه الطاعة والإنقياد فلا يبعد فسقه وأنه بمنزلة البغي عليه.
قال عليه السلام: والظاهر من حالهم والذي نرتضيه في حقهم أنه لم يضيق عليهم أمر الخروج معه بل عذرهم لما عرض لهم من الشبهة في ذلك فلا يفسقون بالقعود والتخلف عنه.
قلت: وقد تظاهرت الروايات على توبة ابن عمر وندمه على ترك الجهاد مع أمير المؤمنين وأشتد أسفه على ذلك حتى قال: ما أتأسف على شيء تأسفي على أني لم أشهد معه المشاهد.
وحكى الحاكم في شرح العيون: أن أمير المؤمنين أذن له في التخلف.

تنبيه:
الذي تقدم من الروايات المذكورة في شأن أولئك الرهط فيه ما يقضي بأنهم غير متوقفين في إمامة أمير المؤمنين وإنما توقفوا في جواز حرب أهل القبلة مع أعتقادهم لإمامته وإلتزامهم لبيعته وتقدم أن الإمام يحيى عليه السلام روى الإتفاق على ذلك وعدم الإختلاف فيه ورجح الإمام المهدي عليه السلام ما روى أنهم متفقون في الإمامة ومتأخورن عن البيعة وذكر أن هذه الرواية أظهر من الأولى وأشهر ولا أعلم مستنده في ذلك.
قال الإمام يحيى عليه السلام: لم يقع الخلاف في شأن أمير المؤمنين عليه السلام إلا بعد إنعقاد إمامته لأمور:ـ
أما أولاً: فلأنه قسم بينهم بالسوية ولم يفضل أحداً على أحد فغضب أقوام وأنكروا ذلك.

(13/8)


قلت: أشار إلى طلحة والزبير ومن حذا حذوهما.
قال: وأما ثانياً: فلأنه دفع إلى محاربة أهل القبلة فضعفت بصائر قوم عن قبول ذلك وأنكروه.
قلت: أشار إلى ابن عمر ومن حذا حذوه.
قال: وأما ثالثاً: فلما كان من أمر عثمان وكل هذه أمور عارضة لا تقدح في صحة إمامته بعد ثبوتها واستقرارها بالنصوص الواردة فيها وبما كان من إجماع المسلمين على بيعته.
قوله: (الشبهة السادسة).
قوله عليه السلام: ((من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية))..) إلى آخره.
تلخيص ما قالوه أن ذلك يدل على أن كل من جهل إمامة الإمام مات ميتة الكفار من الجاهلية وفي هذا أوضح دلالة على كونه مخالفاً للدين وخارجاً عنه.
قوله: (وقد أجمع أهل التحقيق على أن معناه..) إلى آخره.
لا يعرف مستند المصنف فيما ذكره وكيف يحمل على معرفة الشروط وقد قيده بالزمان فقال: ((إمام زمانه)). فإن الشروط شروط في الإمام مطلقاً لا في إمام زمانه فقط والذي رواه الإمام يحيى عن العترة أن المراد وجوب معرفة داعي الوقت .......... مع الكمال. وقيل: أراد القرآن. وقيل: أراد علياً عليه السلام.
قال الإمام يحيى: وفيهما تعسف ذكره في البحر.
قوله: (بدليل أنه يجوز خلو الزمان عن إمام).
ليس في حمله على معرفة الإمام نفسه ما يمنع عنه ذلك لأن المراد من لم يعرف إمام زمانه الموجود لا غير الموجود.
قوله: (وأكثر ما فيه أن يكون أعتقادهم خطأ).
هذه عبارة تقتضي الشك في التخطئة وقد سبق أن الخطأ مقطوع به وقاعدة المصنف تقتضيه.
قوله: (وليس فيه أنه يموت كافراً أو فاسقاً).
قال الإمام يحيى: لأنه لم يقل من جهل إمامته للإمام فهو كافر أو فاسق وإنما قال: إنه يموت على خلة من خلال الجهل وقد يكون الرجل جاهلاً بالحق وهو غير فاسق ونحن نقول بموجب الخبر وهو أن الواجب أن يعرف الإنسان إمام زمانه لأن الجهل به قبيح ولا يأمن أن يكون مع الجهل قبيحاً مخلاً بما هو واجب عليه.

(13/9)


قوله: (ولهذا لا يقطع أهل التحقيق..) إلخ.
بناه على أن المراد بمعرفة الإمام معرفة شروطه.
قوله: (ومن آذى الله يوشك أن ينتقم منه).
مضارع أوشك أي أسرع في السير إيشاكاً.
قال الجوهري: ومنه قولهم: يوشك أن يكون كذا.
قال الإمام يحيى: وفي حديث آخر: ((ومن آذى الله لعنه الله)). قالوا فظاهر الخبر يدل على أن أذية علي كأذية الله ورسوله فأدنى درجاته أن يكون فاسقاً ومن أخذ حقه فقد آذاه إذ لا أذية أعظم من أخذ الحق على صاحبه.
قوله: (ونحو ذلك).
يعني: من الدعاء لهم باسم الخلافة والخروج مع بعضهم في بعض مغازية وأخذ نصيبه من الفيء والترحم عليهم.
الباب الثاني: في الجواب عما طعنوا به على كل واحد من الص1حابة
والمراد هنا بالصحابة المشائخ الثلاثة فكان الأولى عدم الإتيان بهذا اللفظ العام فليس المراد من عدده الكثير وما هو من أفراده الجم الغفير إلا ثلاثة فقط.
قوله: (في فدك).
قال الجوهري: هي قرية بخيبر.
وقال الإمام يحيى: هي قربات أفأها الله على رسوله من غير إيجاف عليها بخيل ولا ركاب.
وكان رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ينفق مما يرتفع من غلاتها إليه على نفسه وخاصته ثم توفي صلى اللّه عليه وآله وسلم وهي في يده على هذه الصفة وقد ذكر في عدد قرى فدك أنها سبع وذكر في تقدير غلتها أنها كانت في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار. وأعلم أن وجه الظعن بقضية فدك من جهتين:ـ
أحدهما: أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم ....... فاطمة عليها السلام لأنها أدعت ذلك وهي صادقة في دعواها لعصمتها فيكون قولها حجة ولأنها جاءت بشهادة ثانية على ذلك وهي شهادة علي عليه السلام وأم أيمن فيكون أبو بكر ظالماً لها لأنه أخذ مالها من غير حجة ظلماً وإذا كان الفسق يقع بأخذ عشرة دراهم فلأن يقع بأخذ أموال كثيرة أولى وأحق.
الجهة الثانية: دعواها لفدك بسبب الأرث من أبيها وهو ثابت بنص القرآن وقد أشار المصنف إلى الجهتين في أثناء جوابه.

(13/10)


قوله: (فعدلت إلى دعوى الإرث).
هذا أحد أقوال ذهب إلى كل منها طائفة من العلماء وأهل التاريخ.
القول الثاني: أن فدك كانت في يد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى أن مات ثم تناولها أبو بكر بعده ولم يتفق من فاطمة عليها السلام منازعة فيها لأبي بكر وإنما راجعته في ذلك على جهة الإستخبار فلما عرفت جوابه سكتت وأعرضت عن ذلك وكفت.
القول الثالث: قول من قال: إنه أخذ فدك ظلماً ورد فاطمة رداً يوجب الفسق.
قوله: (سواء كان الخبر ناسخاً أو مخصصاً).
يعني: لآية المواريث القاضية بأن كل ميت يورث من نبي وغيره فإن جعل التوريث من الأنبياء مشروعاً في الأصل ثم رفع فهذا معنى النسخ وإن جعل غير مشروع وجعلوهم غير مرادين في آية المواريث وإنما شملهم اللفظ فورد الخبر لبيان ما أريد من عدم دخولهم فهو مخصص.
قوله: (جواز أن يكون في أفعالها ما هو صغير).
يعني: فليس دعواها لما أدعته حيث لا صحة له مما يقطع بكثرة.
قوله: (فكيف يغلب على ظن أبي بكر صدق الخبر).
هذا كلام مختل لأن ظاهر الأمر أن أبا بكر أدعى أنه سمعه من رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وإنما يصح هذا لو أنه رواه له غيره.
قوله: (ويجعله مخصَّصاً).
هو بفتح الصاد الأولى، يعني: لعموم الخبر الأنبياء وإخراج الآية بعضهم فهي مخصصة له وهو أيضاً مخصِّص بكسر الصاد الأولى لآية الميراث الشاملة للأنبياء وغيرهم.
قوله: (لما قرره أمير المؤمنين عليه السلام حين أنتهى الأمر إليه).
هذا هو الظاهر من الروايات وأخبار التواريخ وما يؤكده ما روي أن عبدالله بن الحسن بن الحسن أراد من السفاح العباسي بعد تملكه وهلاك بني أمية أن يرد فدك إلى أولاد فاطمة وقال: ناشدتك الله إلا أوفيتنا حق أمنا فأجاب السفاح عليه بمناشدته الله هل صار إلى علي بعد عثمان.
قال: نعم.
قال: فما صنع؟
فسكت عبدالله والسفاح يكرر المناشدة له فدل على أنقطاع حجته إذ لو رده علي عليه السلام لأجاب بذلك.

(13/11)


قال الإمام يحيى عليه السلام: والمختار عندنا أمران:ـ
أحدهما: أن الذي أدعته فاطمة في فدك كان حقاً، وقال: وهو الذي عليه الأكثر من أكابر أهل البيت وأتفق عليه أهل التاريخ وأنها جرت بينها وبين أبي بكر المناظرة في فدك وأدعت أن أباها ....... إياها.
فقال لها: ائتني برجلين أو رجل وامرأتين.
فقالت: شهودي والله سيد الوصيين وأمير المؤمنين والحرة الصالحة أم أيمن التي أختارها رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لخدمة ولديه.
فقال: رجل مع رجل أو امرأة مع امرأة.
فأعرضت عن ذلك وسكتت.
ثم قال أبو بكر: إن الله إذا أطعم نبيه طعمة في حياته فهي للخليفة من بعده.
فلما أقر لها تملك رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لفدك وإقراره مقبول فيما كان في يده.
قالت: ويحك يا ابن أبي قحافة أترث أباك ولا أرث أبي!!.
فأحتج بالخبر فلما سمعت ذلك أعرضت ومرت على قبر أبيها فضربت بيدها عليه وقالت: كان بعد ...... ....... لو كنت حاضرها لم يكثر الخطب.
قال عليه السلام: فهذه المناظرة ظاهرة بين أهل التاريخ لا يمكن إنكارها لظهورها واشتهارها.

(13/12)


الأمر الثاني: أنها صادقة فيما أدعته من ذلك لأن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بشرها بالجنة وأن منزلها ومنزل أمير المؤمنين في الجنة حذاء منزله. وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد)). وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((فاطمة بضعة مني يريبني ما ..... ويؤذيني ما آذاها)). وكيف لا تكون صادقة في تلك الدعوى وقد شهد يصدقها فيها أمير المؤمنين ولا يشهد إلا بالحق ولا يقول إلا الحق هكذا ذكره الإمام يحيى في كتاب التحقيق وذكر في الإنتصار عن أهل البيت تصحيح كون فدك كانت ملكاً للرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم لظاهر قوله: {فلله وللرسول}. وتصحيح حكم أبي بكر وأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يورث ويجعلون مصرفه المصالح كسائر الأفياء أعتماداً على حكم أبي بكر.
قلت: وإنما صححوا حكم أبي بكر لأنه قضى بظاهر الشرع وق روي عن زيد بن عليه عليه السلام أنه قال حين سئل عن ذلك: لو كان ذلك إليَّ ما قضيت إلا بما قضى به أبو بكر وقد أشتهر عند أهل التواريخ أن عمر بن عبدالعزيز لما أفضت الخلافة إليه ووليَ الأمر رد فدك لآل فاطمة ونقض حكم أبي بكر وقَبِل ذلك ولم ينكر فيقال: إذا كان حكم أبي بكر صحيحاً عند أهل البيت فلم قبلوا ما فله عمر فأنهم بجملتهم معصومون عن الخطأ.......

(13/13)


وقد أجبت: بأن عمر بن عبدالعزيز لم يقصد نقض حكم أبي بكر وإنما أراد الإحتياط فن كان لفاطمة في معلوم الله فقد صيره إلى أبنائها وإن كان لمصالح المسلمين ومن المعلوم تعذر تخصيصه بينهم فقد صيره إلى خيرة المسلمين ورأسهم وإذا لم يكن بد من وضعه في بعض فالأولى وضعه فيهم لما ذكر وقد خالف صحة حكم أبي بكر الإمامية جميعاً وبعض الزيدية وبعض المعتزلة واحتجوا بعصمة علي عليه السلام، فقوله: وشهادته حق وحجته قطعية فطلب شاهداً آخر معه مخالف للقاطع والحكم بخلاف ذلك باطل ورد بأنه لو كان باطلاً لنقضه علي عليه السلام بعد توليه وكذلك الحسن وغيره لأنهم لا يقرون الباطل ولأنكره في وقته بنو هاشم وسائر المسلمين غضباً لفاطمة الزهراء وكيف يقرون أول حكم حكم به في الإسلام مع كونه باطلاً.
وقد أجبت عن تقرير علي عليه السلام ومن بعده من الأئمة له بأنهم تركوا نقضه لمصلحة أخرى لصحته.

فائدة:
قد أختلف في كون قول علي عليه السلام حجة قاطعة للإجتهاد فقال بذلك أكثر الزيدية قياساً على قول رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وعلى هذا يكون حكم أبي بكر في فدك باطلاً. وقال بعضهم: ما هو إلا كقول سائر الصحابة تجوز مخالفته والعدول عنه إلى غيره للأطباق على أن المستفتين كانوا بالخيار في الأخذ بقوله وقول غيره من غير نكير ولأن مخالفة العترة له في كثير من الأقوال الفقهية ظاهرة وللمنصور عليه السلام في ذلك قولان.
قوله: (وإلا فلا أقل من أن يخرج به عن الفسق).
ظاهره أنه إذا لم يثبت له سماع الخبر ولا غلب على ظنه فلا أقل أن يخرج به عن الفسق ويقال: ماذا لم يثبت له ذلك فلا يخرج به عن شيء وما الذي يبقى بعد عدم ثبوت ذلك فيصير حاكماً بما يصادم الشرع وينافيه.
قوله: (ومنها أن النبي عليه الصلاة والسلام مات وهو يقول: ((نفذوا جيش أسامة))) إلى آخره.
لا يخلو كلام المصنف هذا عن إنصراف وكان ينبغي أن يبني الإعتراض على أحد وجهين:ـ

(13/14)


إما أن أبا بكر لم يمتثل للأمر في حال مرض رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لعدم الخروج إلى مخيم إسامة وقد قال الشيخ أبو الحسين الخياط: إن أبا بكر أسترد عمر من جيش أسامة للحاجة إليه.
وإما أن يبني الإعتراض على أن أبا بكر لم يمتثل أمر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بتنفيذ جيش أسامة بعد موته صلى اللّه عليه وآله وسلم وبعد أن أفضت الخلافة إليه وولي الأمر.
وإذا تأملت كلام المصنف وجدته خلط الوجهين وجاء من كل واحد منهما بطرف لأنه في أوله رمز إلى عصيانه بعد موت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وفي آخره رمز إلى الوجه الأول فليتأمل.
والذي عول عليه الإمام يحيى وغيره الوجه الأول قال حاكياً عن الخصوم لأنه قال عليه الصلاة والسلام في مرضة مرة بعد مرة: ((نفذوا جيش أسامة)). وكان أبو بكر وعمر وعثمان فيه وكانوا من جملة من يلزمهم النفوذ فيه لأمره فلم يفعلوا ذلك مخالفة لأمه ومنعهم أبو بكر عن ذلك ومخالفة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم لا محالة فسق ولعل المصنف لم يقصد إلا هذا المعنى ولكن ركَّب عبارته بقوله: مات وهو يقول. وكان المطابق أن يقول: مرض وهو يقول أو قال في مرضه والقصة أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أقام بعد ......... من حجة الوداع بقية ذي الحجة والمحرم وصفر أو ضرب على الناس بعثاً إلى الشام وأمَّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة مولاه وأمره أن يوطي الخيل تخوم البلقاء ـ أي حدودها ـ والدارم من أرض فلسطين فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون والأولون.

(13/15)


قال ابن هشام: قال إسحاق وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء أن رسول الله أستبطأ الناس في بعث أسامة وهو في وجعه فخرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر وقد كان الناس قالوا في أمرة أسامة أمر غلا ما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: ((أيها الناس نفذوا بعث أسامة فلعمري لئن قلتم في أمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقاً لها)). ثم نزل صلى اللّه عليه وآله وسلم وأنكمش الناس في جهازهم واستعز برسول الله مرضه فخرج أسامة وخرج بجيشه معه حتى نزلوا الجرف من المدينة على فرسخ فضرب به عسكره و... الناس وثقل رسول الله فأقام أسامة والناس لينظروا ما الله قاض في رسوله.
قال ابن إسحاق حدثني سعيد بن عبيد بن السباق عن محمد بن أسامة عن أبيه أسامة بن زيد قال: لما ثقل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة فدخلت على رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها عليَّ أعرف أنه يدعو لي.
قوله: (من الجائز أن يرى الصواب في تأخيره لنصرة الإسلام ولئلا يفترق المسلمون).
كان أيسر من هذا أن يقول: إن إنفاذ الجيوش والسرايا إنما هو مبني على أنقداح المصلحة ومراعاتها ولا شك أنه لما ولي الأمر بعد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم رأى الصلاح متعلقاً بالوقوف بالمدينة عقيب وفاة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فإن كان هذا صلاحاً فقد فعله وإن كان غير صلاح فقد أعتقد أنه صلاح ولم لا يكون عذراً له هكذا ذكر الإمام يحيى.

(13/16)


وأما كلام المصنف فلقائل أن يقول: وأي نصرة للإسلام في تخلف الجيش، وأي أفتراق يكون في نفوذه، وكان المصنف لمح إلى أن وقوف الجيش وتخلفه كان وازعاً من الفرقة في أمر الإمامة لما شجر بين المهاجرين والأنصار فيها ولا معنى لهذا فإن الشجار أرتفع ببيعة أبي بكر وأنتظم الأمر وأستقر ولو نفذ الجيش لم يعد ذلك خذلاً للإسلام ولا فرقة بين المسلمين أو لعله لمح إلى ما كان من أرتداد بعض العرب وأنه لو نفذ الجيش والحال ما ذكر لكثرت فرق الردة ولكان في ذلك خذلان عن جهاد المرتدين.
قوله: (وقد جهزه من بعد لما أستقر الأمر).
فيه نظر لأن جيش أسامة المذكور لم ينقل تجهيز أبي بكر له وإن جهز عسكراً إلى الشام فغير ذلك الجيش ومع غير ذلك الأمير وبعد ذلك الزمان بزمان كبير. والله أعلم.
قوله: (قالت المعتزلة كل هذه الأحاديث أفتعلها الروافض).
في هذه العبارة إشارة إلى أنه لا يقطع بما قطعت به المعتزلة من أختلاق تلك الأخبار لأنه أضاف ذلك إليهم وتخلص عن عهدته وقد وردت في شيء من التواريخ ونقلها غير الروافض من الزيدية وغيرهم ولكن نقول لا شك أنها لم تبلغ حد التواتر وإيمان القوم معلوم مشهور وفضلهم معروف غير منكور وتلك الأمور المنسوبة إليهم لا تليق بحالهم وفضلهم ولا يصدر مثلها إلا عن الجبابرة المفرطين في الظلم والعدوانكما كان من خلفاء الجور الأمويين والعباسيين وأما أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وخواصه ومن سمحوا بديارهم وأموالهم وآبائهم وأبنائهم في محبته ونصرته وحفظ ............ فمن البعيد أن يصدر منهم ما فيه إحباط لأعمالهم الصالحة وجرأة على الله وعتك لحرمة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وينبغي أجتناب الظن السَّيء فيهم فهو من البعض الذي هو أثم. والله أعلم.
قوله: (وقال لأبي سفيان حين أمره بالمشاقة).

(13/17)


هي مفاعلة من الشق وأصلها المشاققة فأقتضى حكم التصريف تسكين القاف الأولى وإدغامها في الثانية وقد نقل عن أبي سفيان أستنكار تولي أبي بكر ومصير الإمرة والخلافة في تيم وهم من أضعف بيوت قريش ولم يكن لهم رئاسة ولذلك روي عن أبي سفيان أنه قال لعلي عليه السلام حملكم على هذا الأمر أذل بيت في قريش أما والله لأن شئت لأملأنها خيلاً ورجلاً فزجره علي عليه السلام وقال: طال ما غششت الإسلام وأهله. وكأنه عليه السلام فهم منه قبح القصد وعدم النصيحة للإسلام وأهله وأعتماد الهوى فيما نفخ منه وعداوته للإسلام ظاهرة ولم يدخل في الإسلام إلا عن غير رضا منه.
قوله: (أحياء منار الإسلام).
المنار في الأصل: علم الطريق. والمعنى المراد: حفظ بيضة الإسلام وحماية سربه أن يضام.
قوله: (والمنافسة في الرئاسة).
المنافسة الرغبة في الشيء على وجه المباراة.
قوله: (إذ مسلك المناظرة والمحاجاة).
كان الأصوب أن يقول: والمحاجة بمعنى الحجاج وهي إقامة الحجة وأما المحاجاة فهي من قول أهل اللغة بينهما أحجته يتحاجون بها وهي لغة وأغلوطة يتعاطاها الناس بينهم.
قال أبو عبيدة: نحو قولهم أخرج ما في يدي ولك كذا وقد صارت بالعرف فيما أورد من المسائل على جهة الألغاز وليس هذا بمقصود هنا.
قوله: (فلم يكن الصحابة حينئذ يستحسنوا).
الصواب يستحسنون بإثبات النون.
قوله: (إن عدم التولية لا يدل على أنتقاص مرتبته).
يوضح هذا أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد ولى من المعلوم قطعاً أنه دون أبي بكر بمراحل بعيدة ومراتب كثيرة كتولية عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وقد ولى أبا بكر الصلاة التي هي سنام الدين ولا يتولاها إلا أخيار المسلمين.
قوله: (ولهذا قطع سارقاً..) إلى آخره.
قالوا: وأحرق الفجاة بالنار مع نهيه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك وقال: ((لا يحرق بالنار إلا رب النار)).
قوله: (قالت المعتزلة المشهور أنه كان من أعلم الصحابة..) إلخ.

(13/18)


قال الإمام يحيى عليه السلام: وعلى الجملة فهب أن الأمر على ما ذكره السائل. يعني من مخالفة للدين.
قلت: مقتضى ما ذكره الإمام يحيى عليه السلام أنه من ......... تحت الإمامة ظاناً للصلاحية وليس منها في شيء فأورد وأصدر وقدم وأخر وتصرف في النفوس والأموال وحال في ميدان هذا الأمر الواسع المجال أنه لا يحكم بفسقه وفي هذا ترخيص كثير فليتأمل.
قوله: (فقد أقدم بالكذب على الكبيرة).
ولم يتعرض المصنف لمناقشتهم في هذا ووجهها ظاهر وهو منع كون ذلك مما يقطع بكبره.
قوله: (ومنها قول عمر كانت بيعة أبي بكر فلتة..) إلى آخره.
وجه أحتجاجهم بذلك أن قالوا في هذا بيان أنها كانت خطأ وأنه يجب المقابلة فيها وهو يدل على أعتقاد عمر أنه غير صالح للإمامة.
قوله: (وبعد فقوله: وقى الله شرها يدل على أنه لم يكن يعتقدها خطية).

(13/19)


يعني: لأنه لو أعتقدها خطية لقال ونسأل الله أن يغفرها لنا أو فنستغفر الله منها ونحوه. وأما وقى الله شرها فإنما يدل على أن فيها نوع خطر وإن مثل ذلك لا تؤمن معه الفرقة والتشاجر لأن البيعة وقعت بعد نزاع شديد عن غير أتفاق رأي وإجماع كلمة وإنما وقعت فجأة من غير تدبر ولا تردد ولا مشاورة وإنما قال عمر لأبي بكر أمدد يدك أبايعك فوقى الله شر ذلك حيث لم يقل غير عمر لغير أبي بكر مثل ذلك فيفترق المسلمون و........ الفساد والعناد لكن وقى الله شر ذلك وتم لعمر ما أراد. والمعنى أن الملجي إلى ذلك في صدر الإسلام وعقيب وفاة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم خشية أنتهاب هذا الأمر وما وقع في السقيفة من التنازع العظيم الذي كاد يقضي إلى أشد الفساد ولا مجلي إلى مثل ذلك فيما بعد لاستقرار أمر الإمامة وعدم منازعة قريش فيها وأحتكام المسلمين لمن وليها في أمره وأمر من يخلفه إلى أن نجم أمر معاوية وما سنة من سنن الجبارين ثم صارت كسروية قيصرية أتباعاً لسنته الشنية الردية وكان المحتجين بحديث عمر توهموا أن معنى فلتة. كمعنى زلة أو الخطية وليس كذلك.
قال الجوهري: يقال: كان ذلك الأمر فلتة أي قحام إذا لم يكن عن تدبر ولا تردد، والفلتة آخر ليلة من كل شهر ويقال: في آخر يوم من الشهر الذي بعده الشهر الحرام. أنتهى.
قيل: وإنما سميت آخر ليلة من الشهر الذي بعده الشهر الحرام فلتة لأن من لم يدرك ثأره فيه فاته بدخول الشهر الحرام لما يكون من كف الأيدي عن القتل والقتال.

فصل: وأما ما طعنوا به على عمر فوجوه
قوله: (لولا علي لهلك عمر).
قال ذلك حين أراد أن يرجم مجنونة وحين أراد أن يرجم حاملاً فمنعه علي عليه السلام وقال له في شأن الحامل هب أن لك عليها سلطاناً فما سلطانك على ما في بطنها.
قوله: (فعلاه بالدرة).
الدرة بكسر الدال المهملة وهي شيء يستعمله الأمراء يضربون به إذا أدعى الداعي إلى ذلك.
قال الجوهري: الدرة التي يضرب بها.

(13/20)


قوله: (وقال لابن عباس ما أظن صاحبك..) إلخ.
وفي الرواية أن ابن عباس قال بعد قوله الأول أد إليه ظلامته وأنه قال بعد قوله الثاني والله ما أستضعفه الله حين ولاَّه سورة براءة وعزل أبا بكر وما رووه أن عمر قال للعباس رضي الله عنه في مناظرته: إن هذا الأمر لمن هو أحق به مني ومنك لمن تركناه وراءنا بالمدينة. يعني علياً عليه السلام.
قوله: (إنه قال عام الحديبية).
هو بالتخفيف مكان معروف بالقرب من مكة كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد أنتهى إليه من المدينة قبل الفتح يريد دخول مكة معتمراً بهدي معه فصده المشركون ووقع بينه وبينهم خوض في الصلح والهدنة فقبل ذلك رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم مع إنطواء الهدنة على رجوعه وعدم دخوله فنحر الهدي بالحديبية وققد كان سبق الوعد بدخولهم مكة برؤيا رأها رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا وأستبشروا وحسبوا أنهم اخلوها في عامهم وقالوا إن رؤيا رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم حق وكان الذي راجع في ذلك عمر لأنه كان رجلاً جهورياً جسوراً وحاشى فضله وعلمه ورسوخ قدمه في الإسلام أن ينحو منحى التكذيب لله ورسوله وإنما قصد إلى أستنكار تقبل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك مع القطع بصدق وعد الله منازعة في الرأي لأن عمر كانت تلك عادته كما نازع في أمر أسرى بدر ومفاداتهم وكما نازع في الصلاة على المنافق ومما جسره على ذلك تصويب الله رأيه في عدة مواضع كما كان في قصة أسرى بدر وفي الصلاة على المنافق وإذا تأمل كلامه في الحديبية حق التأمل وجد قاضياً بقوة الإيمان لا بضعفه.

(13/21)


قوله: (فلما قال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أنفلت لكم في عامكم هذا)). فسكت. المروي أنه قال: لا. قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((فهو كما قلت)). يعني: أن ما وعدتكم فهو صدق فسيكون الأمر في المستقبل كما قلت لكم.
قال الإمام يحيى: فلما سمع ذلك عمر سكت وعلم أن ذلك كائن في المستقبل كما وعد الله وقد كان ذلك يوم الفتح فدخلوها آمنين محلقين ومقصرين غير خائفين من أحد حرباً ولا نكاية وإنما صدر الإستنكار والأستهجان وما هو في معنى التكذيب من عبدالله بن أبي رأس المناافقين وعبدالله بن نفتل ورفاعة بن الحرب فإنهم قالوا والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين}.
قوله: (قالت المعتزلة: لا نسلم صحة هذا الخبر..) إلخ.
قال الإمام يحيى: والحاصل أن هذا الخبر إن كان آحادياً فلا يقبل في أحكام التفسيق لأنه لا شك في أن الأمر بقتل المسلم يكون فسقاً بلا مرية فضلاً عمن يعظم محله في الإسلام ويرتفع مكانه فيه كأمير المؤمنين، وإن كان متواتراً يورث العلم وأمكن حمله على النهي عن الإختلاف والتفرق وجب حمله عليه ولا يجوز القطع به في التفسيق مع إمكان الحمل على ما ذكر.
قال الإمام المهدي: يحمل على أنه أراد أن البعض الذي فيهم عبدالرحمن بن عوف إذا عقدوا الواحد لزم أتباعه وإن أمره لازم لهم لأن ذلك من أحكام الإمامة فصار الذي الذي يختاره عبدالرحمن ومن أنضم إليه كالمنصوص عليه ونص الإمام على إمام بعده ....... في أعتقاد إمامته عدد كبير من الأمة.
قال عليه السلام: وإذا كان يعتقد ذلك جاز عنده أن يأمر بقتل من خالفه لأنه يصير عنده باغياً وإذا كان مخطياً في هذا الإعتقاد فهو خطأ لا يقتضي الفسق إذ لا دليل على ذلك ولا تفسيق إلا بدليل قاطع.
قوله: (جاء إلى باب فاطمة فأحرقه وفعل وفعل).

(13/22)


المذكور أن عمر قام على الباب وقال: لئن لم يخرج ابن أبي طالب لأحرقن عليه البيت بمن فيه وأخرج علياً والزبير وكسر سيفه.
قوله: (وإن فاطمة ماتت بسبب ضربة على بطنها).
الذي رووه أنه لما دخل عمر عليهم البيت أعتمد على الباب وأعتمدت فاطمة عليه فضرب الباب على بطنها فألقت صبياً أسمه محسن وبقيت عليلة إلى أن ماتت.
قوله: (من أنه لا يظن العاقل بالصحابة مثل هذا).
قال الإمام يحيى: وهذه الروايات رويت من طرق ضعيفة وحكايات موهومة عن رجال لا يوثق بدينهم ينسبون إلى وضع الأحاديث ...... وهذه الأخبار في ......... والتهمة منزلة أخبار الجبر والتشبيه والقصد بوضعها الطعن في الصحابة وإسقاط منازلهم في الدين.
قال: ولا معنى لتأويل هذه القصص فإنها لو صحت لكانت من الكبائر المبطلة للأعمال الموجبة لاستحقاق النار.
قال: (وخلافها معلوم من حال الصحابة).
يعني: فقد علم منهم تعظيم أمير المؤمنين ورفع منزلته وأستمدادهم من جهته للرأي والمشورة وأعتمادهم على فتواه في مسائل الإجتهاد.
قوله: (وهذا أستخفاف بأمير المؤمنين وهو فسق).
قالوا: والوعيد بالقتل في حق أمير المؤمنين أعظم من الخروج عليه.
قوله: (روايات آحادية غير مقطوع بها).
قال الإمام يحيى: منسوبة إلى رجل ثقفي في نفسه بعلة الثقة وأختلاف الرواية ولو قدرنا صحته فغاية الأمر فيه أنه خبر آحادي لا يعمل به في التفسيق ومعارض بما أثر عن عمر من الرجوع إلى أمير المؤمنين في الإجتهادات والإعتراف بحقه وتصريحه بأنه لولاه لهك وغير ذلك من الروايات لاحسنة فأين هي عن هذيان الروافض وفرية الملاحدة.
قوله: (ومنها ما رووا أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لما أحتضر..) إلخ.
تحرير هذه الشبهة على ما ذكره الإمام يحيى أن قالوا: لما حضرت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم الوفاة وكان في البيت رجال منهم عمر قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً)).

(13/23)


فقال عمر: حسبنا كتاب الله. وأختصموا في البيت، فقال عمر في الرسول إنه مهجر وعصاه حين طلب أن يكتب الكتاب وهو رد على الرسول في أمره وأعتراض عليه فإن لم يكن هذا كفراً لما فيه من الإستخفاف بالرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم فأقل أحواله أن يكون فسقاً.
قلت: المهجر من الهجر هو الهذيان يقال: هجر المريض يهجر هجراً فهو هاجر والكلام مهجور.
قوله: (والجواب ما تقدم من أن هذه الأخبار لا يظن صدقها).
قال الإمام يحيى: إن أحداً من الخلق في زمن عمر ما أتهمه بالردة والرجوع عن الإسلام بعد وفاة رسول الله ولو كان ما نقلوه صحيحاً لوجب ذلك.
قلت: بل هذا من الأخبار الصحيحة أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في جامعهما من رواية ابن عباس رضي الله عنه قال: لما حضر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وفي البيت رجال منهم عمر بن الخطاب فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده)).
فقال عمر: إن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله.
فأختلف أهل البيت وأختصموا فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ومنهم من يقول: ما قال عمر. فلما كثر اللغط والإختلاف قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((قوموا عني فلا ينبغي عند التنازع)). فخرج ابن عباس وهو يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وبين كتابه.
وفي أخرى: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس. ثم بكلى حتى بل دمعه الحصى.
قلت: بابن عباس ما يوم الخميس؟
قال: أشتد برسول الله وجعه، فقال: ((ائتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً)). فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما شأنه هجراً استفهموه فذهبوا يردون عليه فقال: ((ذروني دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه)). فأمرهم.

(13/24)


وفي رواية: فأوصاهم بثلاث فقال: ((أخرجوا اليهود من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم)). وسكت عن الثالثة أو قال نسيتها.
وقد قال الإمام يحيى: إذا قدرت صحته فإنما هو منقول بالآحاد فلا تعول عليه في المسائل العلمية ويجوز أن يكون عمر قد ألتبس عليه حال رسول الله فظنه مغمي عليه فيكون الخطأ في هذا دون الخطأ في العمد وسيأتي إن شاء الله أعتراف عمر بما كان منه من مدافعة رسول الله عما أراد من أمر الكتاب وذكره لعذره في ذلك.
قوله: (لما قال الناس توفي رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أنكر ذلك).
ذكر أهل السير أن عمر حينئذ قام وقال: والله ما مات رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا يموتن حتى يظهر على الدين كله، وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم من أرجف بموته ولا أسمع رجلاً يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي، وكان أبو بكر حال موت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بمنزله فجاء في تلك الحال حتى كشف عن وجه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فوجده ميتاً. فقال: بأبي وأمي طيب حياً وميتاً ثم خرج والناس حول عمر وهو يذكر أنه لم يمت وإنما هو غائب كما غاب موسى عن قومه ويخلف.
فقال له أبو بكر: أيها الحالف على رسلك، ثم قال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال الله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون}.
قال عمر: فعلمت أن رسول الله قد مات ولم أملك نفسي حيث سمعتها أن سقطت إلى الأرض.
قوله: (وربما توهم أنه لا يموت حتى يظهره الله على الدين كله).
المذكور في سيرة ابن هشام عن ابن عباس عن عمر أنه قال: يا ابن عباس: هل تدري ما كان حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم؟
قال: قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين، الله أعلم.

(13/25)


قال: والله إن كان الذي حملني على ذلك إلا أن كنت اقرأ هذه الآية: {كذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}. فوالله إن كنت لأظن أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها فإنه للذي حملني على أن قلت ما قلت.

فصل: وأما ما أستدلا به على فسق عثمان فوجوه
قوله: (من لا يصلح للولاية).
إشارة إلى كونه ولى الوليد بن عقبة وأستعمله على العراق وكان أخاه من أمه فظهر منه شرب الخمر حتى صلى بالناس وهو سكران، يروى أنه صلى بهم الصبح أربعاً ثم ألتفت إليهم فقال: أزيدكم.
وأستعمل سعيد بن العاص على الكوفة فجار وظلم حتى أخرجه أهل الكوفة منها.
وولى عبدالله بن أبي سرح مصر فتظلموا منه وكاتبه سراً بخلاف ما كتب إليه..... وأمره بقتل محمد بن أبي بكر وقد كان وجهه إلى مصر لتوليها وعزل ابن أبي سرح لما شيع عليه في أمره.
وولي عبدالله بن عامر العراق فكان منه ما كان.
وولى معاوية الشام حتى أبتغى لدين الله الغوائل وحرف وبدل وفعل ما فعل.
وولى مروان مقاليد أمره ودفع إليه خاتمه.
قالوا: فجميع هذه الأمور تدل على تهاونه بالدين وترك الإهتمام بأحوال المسلمين وهذا يوجب سقوط عدالته وفسقه.
قوله: (فإنه لم يعلم ذلك من حالهم حتى ظهر قد أعترض هذا بأنه ما ولى أولئك النفر إلا وحالهم مشهور في التهتك والمجانة ولاشك أن الوليد بنعقبة فسقه متقدم لولايته وكان شرب الخمر سنة له وعادة معروفة حتى نزل فيه: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً}. فهو المراد بالفاسق والمؤمن أمير المؤمنين نزلت لمسابَّة وقعت بينهما، وفيه نزل قوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ}. فكيف يخفى على عثمان مع أختصاصه به وكونه أخاه لأمه من حاله ما لا يخفى على الأباعد.
قوله: (فلما ظهر عزلهم).

(13/26)


قد أعترض بأنه لم يعزل الوليد إلا بعد أن دافع عنه غاية المدافعة ولولا أن أمير المؤمنين قهره على رأيه لما عزله ولما مكن من جلده وكذلك الحكم في غيره.
قوله: (وقد ولَّى أمير المؤمنين قوماً ظهر منهم الخيانة).
أعترض هذا بأنه لا سواء فإنه لم يول أمير المؤمنين إلا من ظاهره حسن ولا يتهمه الناس ومن أحص منه بعض الريبة يمهله ولا يداهنه.
قوله: ( وولي ابن عباس البصرة فجار في مالها أعظم).
إن عبدالله بن عباس فضله أشهر من نار على علم وقدمه في العلم والكمال أرسخ قدم وقد نسب إليه ما ذكره المصنف وما كان جدير بذلك، وقد أختلف أهل السير والتواريخ.
فقال الأكثر منهم: إن ذلك جرى لابن عباس قبل قتل علي عليه السلام.
ومنهم: من أنكر ذلك كأبي عبيدة معمر بن المثنى وزعموا أن عبدالله لم يزل عاملاً على البصرة حتى قتل علي عليه السلام وحتى صالح الحسن معاوية فعاد إلى البصرة وأخذ أثقاله ومالاً قليلاً من بيت المال زعم أنه ......... ومضى إلى مكة.
وقال أبو الحسن المدائني: الصحيح أن علياً قتل وعبدالله بن العباس بمكة والذي شهد صلح الحسن عليه السلام ومعاوية عبيدالله هكذا وقفنا عليه في بعض التواريخ المستجادة وممن صحح تلك الرواية محمد بن أحمد بن عبد ربه وذكرها في تاريخه العقد وبايعه صاحب الجليس وهو من التواريخ البسيطة المحيطة وصحح ذلك الفقيه العلامة عمران بن الحسن بن ناصر العدوي الشتوي في شرح قصيدة أبي فراس الميمية التي أنشدها أنتصاراً لأهل البيت عليهم السلام وذكر في شرح قوله:ـ
أننكر الحبر عبدالله نعمته أبوكم أم عبيدالله أم قثم.

(13/27)


فقال ما لفظه: وكان عبدالله بن عباس من أكثر أعوانه وأنصاره شديد المحبة له وهو عالم الأمة وحبرها بعد علي وابن مسعود وأبي الدرداء وله تفسير قد جمع بين أحسن تفسير وولي البصرة لعلي عليه السلام وأخذ منها مالاً جسيماً لبيت المال مبلغة ألف ألف درهم وهرب من علي، وقال: إن تركتني وإلا لحقت بمعاوية فأمسك علي عنه ورجع إليه وتاب وعمي في آخر عمره من البكاء على عليه عليه السلام ولأمة كلها ترضى عنه وتقبل حديثه وهو أحد العميان هو أبوه وجده في نسق واحد لا يعلم سواهم قال: وعبيدالله هو الذي هدَّ ركن الإسلام حيث فلَّ عسكر الحسن وأخذ من معاوية مائة ألف درهم. أنتهى.
وهذه القصة منقولة من العقد بإختصار قال:
ثم خرج عبدالله بن العباس على علي بن أبي طالب عن أبي بكر بن قط، فقال له يوماً أردت أن أستعملك ولكني أخشى أن تستحل الفيء على التأويل فلما صار الأمر إلى علي أستعمله على البصرة فاستحل الفيء على تأويل قوله الله تعالى: {واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذوي القربى}. فأستحله بقرابته من رسول الله ثم ذكر ابن عبدربه مامعناه أن أبا الأسود الدؤلي وكان يخلف ابن عباس على أعمال البصرةكتبت إلى علي عليه السلام وقال في كتابه: إن ابن عمك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك فلم يسعني كتمانك ذلك.
فكتب علي عليه السلام إلى ابن عباس: أما بعد فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت الله وأخزيت أمانتك وعصيت إمامك وخنت المسلمين فأرفع إليَّ حسابك. واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس والسلام.
فأجابه ابن عباس: بأن الذي بلغك باطل وإني لما تحت يدي ضابط وعليه حافظ فلا تصدق على المظننين والسلام.
فكتب إليه علي: أما بعد فإنه لا يسعني تركك حتى تعلمني ما أخذت من الجزية من ابن ..... وما وضعت منها ابن وضعته فاتق الله فيما أئتمنتك عليه وأستر عيبك أياه فإن المناع بما أنت راز منه قليل وتباعته وبال لا .......والسلام.

(13/28)


فأجاب عليه: أما بعد:
فقد بلغني بعظمك على مرزية ما بلغ عني ...... رزاية أهل البلاد وأثم الله لأن ألقى الله بما في بطن الأرض من عقبانها ولحينها وما على ظهرها من طلاعها أحب إليَّ من ألقى الله وقد سفكت دم الأمة لا بأل بذلك الملك وللأمرة فأبعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعن عنه والسلام.
ثم أنه مل ما كان في بيت المال وكان فيما زعموا ستة آلاف ألف فجعله في الغرائر وذكر صفة حملة له وأنتهاضه به وما كان من منازعة بعض القبائل له في ذلك ودفع بعضهم عنه حتى أجرزه ونزل به مكة فاشترى من عطاء بن جبير ثلاث جواري موالدات عجاريات يقال لهن: سادن وحوراء وفتون بثلاثة آلاف دينار فلما كان من أمره الذي كان وبلغ علياً عليه السلام قال: وايل عليه بناء الذي ابتناه......... ما يسلخ منها فأسبعه الشيكان فكان من العلم وكتب إليه أما بعد:

(13/29)


فإني كنت أشركتك في أمانتي ولم يكن في أهل بيتي رجل أوثق عندي منك لمواساتي وموأزرتي وإذاء الأمانة إليَّ فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلت والعدو عليه قد جزت وأمانة الناس قد خربت وهذه الأمة قد قتنت قلبت لابن عمك طهر المجن ففارقته مع القوم وخذلته اسوأ خذلان وخنته مع من خان فلا ابن عمك آسيت ولا الأمانة إليه أديت كأن لم تكن على بينة من ربك وإنما كدت أمة محمد على دنياهم وغررتهم في فيئهم فلما أتتك الفرصة في خيانته أسرعت العدوة وعاجلت الوثبة فأختطفت ما قدرت عليه من أموالهم وأنتقلت بها إلى الحجاز كأنك إنما أحرزت إلى أهلك ميراثك من أبيك وأمك فسبحان الله أما يومن بالمعاد أما تخاف الحساب أما تعلم إنما تأكل حراماً وتشرب حراماً وتشتري الإماء حراماً وتنكحهن بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين ومأ آفاء الله عليهم فأتق الله وأردد إلى القوم أموالهم فإنك والله إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأ عذرن إلى الله فيك والله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كان لهما عندي هوادة ولما تركتهما حتى آخذ الحق منهما والسلام.
فأجاب عليه ابن عباس: أما بعد، فقد بلغني كتابك يعظم عليَّ إصابة المال الذي أصبت من بيت مال ....... ولعمري أن حقي في بيت المال أكثر وأعظم مما أخذت والسلام.

(13/30)


فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد، فإن العجب كل العجب منك أن ترى لنفسك في بيت مال المسلمين أكثر مما لرجل من المسلمين قد أفلحت إن كان تمنيك للباطل وأدعاؤك لما لا يكون ينجيك من الأثم ويحل لك ما حرم الله عليك عمرك الله أنك لأنت المفيد السعيد أتخذت مكة وطناً وبها عطنا تشتري المولدات من المدينة والطائف وتختارهن على عينك وتعطي بهن مال غيرك فإني أقسم بالله ربي وربك رب اللعزة ما أحب أن ما أخذت من أموالهم حلال لي أدعه لعقبي فما نال ........ بأكله حراماً صح رويداً فكان قد بلغت المدى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الأعلى ينادي فيه المعتر بالحسرة ويتمنى المصنع التوبة والظالم الرجعة.
فكتب إليه ابن عباس: والله لأن لم تدعني من أساطيرك لأحملنه إلى معاوية يقاتلك به. فكف عنه عليه السلام، أنتهى ما ذكره ابن عبدربه وغيره والله أعلم بصحته.
فأما ظاهره فمناف لما كان عليه ابن عباس رضي الله عنه من العلم والفضل.
قوله: (وهو طريد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم).
ذكر الذهبي في النبلاء: أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نفاه لكونه حكاه في مشيته وفي بعض حركاته فسبه وطرده.
وذكر صاحب الإستيعاب: أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم طرده من المدينة فنزل الطائف وكان صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا مشى يتكفى وكان الحكم يحكيه فألتفت صلى اللّه عليه وآله وسلم فرآه يفعل ذلك فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((فكذلك فلتكن)). فكان الحكم متخلجاً يرتعش من حينئذ.
قوله: (حتى أمر بقتل محمد بن أبي بكر وغيره).

(13/31)


يعني بعد أن ولاَّه عثمان مصر وعزل عبدالله بن أبي سرح ولم يكن ذلك برضا منه وإنما فعله لما ألحق عليه وكثر التظلم من ابن أبي سرح فلما أنفصل محمد بن أبي بكر ومن معه متوجهين إلى مصر وصاروا في بعض المسافة لحقهم بعض خدم عثمان يريد مصراً فأستكروه فوجدوا معه كتاباً من عثمان بخط مروان وخاتم عثمان إلى ابن أبي سرح فيه أمره بقتل محمد بن أبي بكر ومن معه إذا قدموا عليه فرجع محمد ومن معه وكان ذلك سبب حصار عثمان في الدار وما آل إليه أمره.
قوله: (وذلك فسق منه أما إيوآؤه للحكم فلأن فيه رداً لأمر الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم ومخالفة له وإيواء الطريدة وأما ............. عن مروان وعدم مؤاخذته له فلأن ذلك يقضي بأحد أمرين:ـ
إما أنه كتب بأمره ورضاه فيكون هو الآمر بقتل عصابة من المسلمين والناقض لعهده.
وإما الإغضاء له على ذلك والإدهان إذا كان فعله بغير أمره ورضاه وذلك يؤذن بعد المبالاة بالدين والإسلام والمسلمين.
قوله: (فلم يقبل قوله أبو بكر وعمر).
إنما تقبلاه لأنه شاهد واحد ومثل ذلك يفتقر إلى شهادة كاملة ولا تقبل فيه رواية الواحد.
قوله: (إنه أحرق المصاحف).
قيل الذي كان مشهوراً من المصاحف ثلاثة مصاحف ابن مسعود ومصحف أبي بن كعب ومصحف زيد بن ثابت. قيل: فابن مسعود قرأ القرآن على رسول الله وعرضه عليه ولم يكن قد كمل النزول وأبي قرأه عليه صلى اللّه عليه وآله وسلم بعد الهجرة وما كان عرضه عليه إلا في ذلك الوقت وكانت قرآءة زيد له عليه صلى اللّه عليه وآله وسلم بعدهما وتأخر عرضه له عليه صلى اللّه عليه وآله وسلم عنهما وكان صلى اللّه عليه وآله وسلم يقرأ في صلاته به حتى مات والمختارون لقراءة زيد أكثر ثم وقع الإتفاق عليها. وقد قيل: إن عثمان لم يحرقها وإنما غسلها لكن الإحراق أشهر.
قوله: (فلا عنت عليه).

(13/32)


قال الإمام يحيى: فأما جمع القرآن على حرف واحد فهو معدود من مناقبه لأنه لما وقع أختلاف في القرآن كتب مصاحف على رأي ابن عباس وحرق ما عداها فقرآءة السبعة المأثورة الآن هي على مصاحفه.
قوله: (إلا ابن مسعود).
أعترض بوجهين:ـ
أحدهما: منع ........ إنكار غير ابن مسعود وأدعاء أن المنكر جماعة من الصحابة وطائفة منهم.
الثاني: أن إنكار ابن مسعود كاف لفصله وعلو درجته ولقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم فيه: ((من سره أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقراءه على قراءة ابن أم عبد)). وعن ابن عباس أن قراءته هي القراءة الأخيرة لأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يعرض القرآن على جبريل في كل سنة عرضة في شهر رمضان وأما العام الذي توفي فيه فعرضه صلى اللّه عليه وآله وسلم عليه عرضتين وشهد عبدالله بن مسعود ذلك وما صح منه وما نسخ فقرآءته هي الأخيرة، وعن ابن مسعود، أخذت عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لغلام يهودي له ذؤابة.
قوله: (لبشاعة الإحراق).
هو بالباء الموحدة والشين المعجمة من قولهم شيء بشع إذا كان كريه الطعم بأخذ بالحلق وكان الأحسن أن يقول لشناعته بتقديم الشين والنون.
قوله: (أنه ضرب ابن مسعود).
وفي رواية رووها أنه ضربه حتى مات وفي رواية أنه أمر بأخراجه.
قوله: (كان يكفره ويسبه).
روي أنه كان يقول في عثمان ليتني وإياه برمل عالج يحثو عليَّ وأحثو عليه حتى يموت الأعجز مني ومنه وأوصى ألا يصلي عليه وكان يقول: ما يزن عثمان عند الله جناح ذباب.
قوله: (لأجل أنه عزله ونقص من عطائه).
أما عزله إياه فقد كان أميراً على الكوفة على عهد عمر رضي الله عنه فلعل عثمان عزله بعد موت عمر عند أن أفضت الخلافة إليه، وأما نقصه من عطائه فظاهر بل روي أنه منعه إياه كله وذكر أن عثمان عاده في مرضه، فقال له: ما تشتكي؟
قال: ديوني.
قال: فما تشتهي فلا رحمه ربي؟
قال: أفلا أدعو لك طبيباً؟
قال: الطبيب أمرضني.

(13/33)


قال: أفأمر لك بعطائك؟
قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه وتعطينيه وأنا مستغن عنه.
قال: يكون لولدك.
قال: رزقهم على الله.
قال: لتستغفر لي يا أبا عبدالرحمن؟
قال: أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقي.
قوله: (إنه ضرب عماراً).
زعموا أنه ضربه ضرباً عنيفاً حتى صار به فتق من الضرب فكان عمار يطعن فيه وهو ممن ظاهر عليه وكان يقول قتلناه كافراً.
قوله: (فإنه لم يصح ذلك).
قد أعترض بأن إنكار ضربه عماراً كإنكار طلوع الشمس فإنه لم يختلف فيه الرواة.
قوله: (إن عثمان أشخصه من الشام).
قيل: إنه أشخص على جمل ليس عليه إلا القتب حتى جرحه ذلك وسقط لحم فخذيه وكان ذلك من عثمان أتباعاً لهوى معاوية لأنه كره إقامة أبي ذر في الشام وأدعى أنه يثبط عن عثمان وأراد أن يبعد عنه لئلا يطلع على مبتدعاته فينكرها لأنه كان صليباً في دين الله فاضلاً من فضلاء أصحاب رسول الله قدوة يقتدى به في دين الله وقد روي إنكاره على معاوية أشياء فعلها منها بناء الخضراء بدمشق قال له: إن كانت من مال الله فخيانة، وإن كانت من مالك فأسراف. وكان يقول: والله لقد حدثت أعمال أعرفها والله ما هي في كتاب الله ولا سنة رسول الله وإني لأرى حقاً يُطفى وباطلاً يحيى وصادقاً مكذباً وكاذباً مصدقاً وأثرة تغير تقى وصالحاً مستأثراً عليه. وقيل لمعاوية: إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام فتدارك أهله فكتب معاوية إلى عثمان فيه. وقد قيل: إن عثمان هو الذي نفاه إلى الشام وأرجعه من المدينة إليه فلما رجح له معاوية أبعاده عن الشام أشخصه إلى المدينة ثم أخرجه منها مرة إلى إلى الربذة بليدة بالبادية وبها قبر أبي ذر رضي الله عنه وهي بالراء المهملة والباء الموحدة المفتوحتين والذال المعجمة وكان سبب نفرة أبي ذر عن عثمان إيثار أهل بيته بالأموال العظيمة كما سيأتي ذكره.
قوله: (حين قتل الهرمران).

(13/34)


هو ررجل من أهل فارس أسلم وسبب قتل عبيدالله له أنه رآه مع أبي لؤلؤة قاتل أبيه عمر يشاوره فأتهمه بأن له يداً في قتل عمر ونقل أن عمر أوصى بقتل أبنه عبيدالله إن لم يقم بينه على الهرمران بما أتهم به من الأمر بقتله فلما مات عمر طلب المسلمون إلى عثمان إمضاء الوصية في عبيدالله و......... فعظم ذلك على المسلمين.
قوله: (وأراد أن يعطل الحد في الوليد بن عقبة).
يعني: حده على شربه لاخمر وقد تقدم وذكر وقامت به الشهادة المعتبرة وزعموا أن عثمان توعد الشهود وتهددهم وضرب أحد الشهود أسواطاً، فأتاه أمير المؤمنين وقال: علطنا الحدود وضربت قوماً شهدوا على أخيك فقلبت الحكم.
قال: فما ترى؟
قال: أن تعزله ولا توليه شيئاً من أمور المسلمين وأن الشهود إذا لم يكونوا أهل ظنة ولا عداوة أقمت عليه الحد فساعده ولكن ما جسر أحد على حده فأخذ أمير المؤمنين السوط فجلده بيده.
قوله: (لم يكن للهرمران ولي).
قيل: إنه كان وليداً فعفا عن قاتله. فقيل: إن أمير المؤمنين أعترضه في عفوه عنه، وقال: إنه قتل في أمره غيرك وقد حكم الوالي الذي قتل في إمارته بقتله ولو أنه قتل أيضاً في إمارتك لم يكن لك العفو عنه فأتق الله فإن الله سائلك عن هذا.
قوله: (ومنها أنه كان يؤثر أهل بيته بالأموال العظيمة..) إلخ.
قد روي أنه أعطى أزواج بناته وهم أربعة من قريش ما ذكره المصنف، وفي رواية: أنه أعطى مروان مائة ألف عند فتح أمر نفيه. وفي رواية: أنه أعطاه خمسها وكان ألف ألف دينا. وقيل: مائتا ألف دينار.
قالوا: وكان من قتله يعطي على جهة الإقتصاد وبقدر الإستحقاق وإذا كانت سرقة عشرة دراهم توجب الفسق فإتلاف هذه الأموال على بيت المال وإعطاؤها من لا يستحقها بمنزلة إلقائها في اليم فيكون ذلك فسقاً مبطلاً لعدالته.
قوله: (وجائز أن يعطي من ماله).
قال الإمام يحيى: قد روي ذلك فإنه كان ذا مال وثروة عظيمة.

(13/35)


قال: وإذا كان من بيت المال فالإحتمالات فيه كثيرة ما هذا حاله لا يمكن القطع بالتفسيق به وغاية الأمر أنه أخطأ في العطاء من غير استحقاق فلا يكون بذلك فاسقاً خاصة مع أعتقاده للولاية وأن بيت المال في يده يقبض فيه ويبسط.
قوله: (ومنها: أن أكابر الصحابة كانوا بين قاتل له وراض بقتله وخاذل له وذلك دليل على فسقه).
قالوا: لأنه لو لم يكن قتله حقاً لم يتفق عليه المهاجرون والأنصار ومع كون قتله حقاً فأقل أحواله الفسق.

(13/36)


وأعلم أن قصة عثمان وما كان من قتله في صحن داره والمصف في حجره بمهاجر رسول الله وفي جواره وحول قبره وبمدينته المسماة طيبة بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين أثنى الله عليهم ومدحهم وخصهم بالفضائل الكبار مع قرب عهدهم بنبيهم خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم يأخذون عنه ويشاهدون نزول الوحي عليه وهبوط جبريل إليه وكان لهم من الحرص على صيانة الإسلام وعدم تعدي الحدود وجري الأمور على فوانينها وبنائها على قواعدها وأستنكار الأمر اليسير الذي يخالف مقتضى الشرع الشريف ما لا يقدر قدره ومع ذلك فسكوتهم هذا يكون على أعظم فاحشة وأكبر منكره القتل الذي عظم الله الرزية فيه حتى جعل من قتل نفساً واحدة كمن قتل الناس جميعاً وذهب أعيان من علماء الإسلام إلى أنها لا تقبل توبة فاعليه مع تعلقه بشيخ من مشائخ المسلمين وكبير من كبراء المهاجرين السابقين وأحد العشرة الخواص البررة المبشرين و...... رسول الله ومن أرتضاه زوجاً لأبنتين من بناته واحدة بعد واحدة رقية وأم كلثوم فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لو كان لنا ثالثة لزوجناك إياهما ونحلة)). وله فضائل الدثرة وناهيك بتجهيز جيش العسرة ثم ختم مكارمه وأوصافه بأقتعاده عازب الخلافة وتولي إمرة المؤمنين فبايعوه والتزموا طاعته وأمتثلوا أوامره ما يدهش الألباب ويبهر العقول وتحار فيه الأذهان ويصير له النظر في كل واد يهيم فلا يهتدي إلى الوجه في ذلك كما لا يهتدي ضال الطريق في الليل البهيم وليس القسمة تحتمل إلا أحد أمرين:ـ
إما أن عثمان قد أستحق القتل بما صدر منه وصار دمه هدراً فما بال كبراء الصحابة ورؤساء المهاجرين والأنصار وأهل الحل منهم والعقد لم يتولوا الأمر ويكونوا فيه رأساً لا ذنباً والغاضبين لدين الله والمنتصرين له ممن تعدى حدوده وعصاه.

(13/37)


وإما أن يكون غير مستحق لما ناله وهو باق على الأصل في كونه محترم الدم ثابت الحرمة فما يكون المخلص من السكوت على ذلك والإغضاء عليه وعدم الغضب لله والذب عن رجل من أكابر المسلمين ومن يتولى أمورهم وقد بايعوه ومدوا أكفهم إلى يده ولو أن رجلاً حاول أن يذبح دجاجة في المدينة ظلماً وتعدياً على مالكها بحضرة صحابي واحد أو أثنين لما تم له ذلك ولا ترك له سبيل إليه فكيف تم لأولئك الأهماج الرعاع ذبح عثمان وإراقة دمه على ورقات القرآن ما هي إلا مصيبة عظمى وطامة كبرى وقصته فاحشة ومؤلمة للقلوب موحشة ونحن نتكلم منها في أطراف خمشة نذكر في كل طرف منها شبح فالأستقصاء يؤدي إلى بسط كثير:ـ

الطرف الأول: في السبب المفضي إلى ذلك.
والسبب في ذلك ما صدر من عثمان من الأحداث التي تقدم ذكرها والمهم منها ما كان منه من توليه الأعمال كلها قرابته مع سوء أحوالهم وقلة أديانهم وقبح سيرتهم وأنه ترك أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم مهاجريهم وأنصارهم في المدينة بحكم المسجونين وإن ذهب أحد منهم إلى جهة لم يجد فيها مجالاً لمكان ولآة السوء فهذا أشد ما دأبهم منه.

(13/38)


قيل: فهموا بعزله فما أسعدهم ولا تمكنوا من ذلك لرسوخ قدمه في الأمر وأشتداد وطأته ونفوذ أحكامه وأرادوا منه أن يولي غير ولاته فما أنقاد لذلك لكن لما ألحق أغلبه أسعد أمير المؤمنين إلى أن يولي محمد بن أبي بكر مصر وفعل ذلك وخرج محمد بن أبي بكر ومع مصريون كانوا قد وفدوا إلى المدينة متظلمين من المتولي عليهم فلما صاروا ببعض الطريق أدركهم خادمه يسير في أثرهم قاصداً إلى مصر ففتحوا أمتاعه فوجدوا معه كتاباً إلى عاملة بمصر أن إذا وصلك محمد بن أبي بكر فأضرب عنقه وحد على الطريق حى لا يأتل العلم بذلك حتى يأتي كتابي أو كما قال: فأخذوه ورجعوا إلى المدينة وأطلعوا أمير المؤمنين عليه وأزمعوا أن يقصدوه إلى داره فقال علي عليه السلام دعوه حتى أطلعه على كتابه فلما أطلعه أعترف أن الختم له وأنكر أن يكون الكتاب منه وأعتذر بأن مروان كتبه بغير ضامنه.
فقال علي: إدفع إلينا مروان لنقيم عليه ما هو عليه.
فقال: لا أفعل.
فعند ذلك تجهز محمد بن أبي بكر في المصريين وغيرهم من أهل الأفاق بعد أن فهموا من الصحابة النقم لطريقته فهجموا عليه وحاصروه.

الطرف الثاني: ذكر ما نسب إلى أكابر الصحابة في شأنه.
أعلم أنه قد شهر نسبة قتله والرضا به إلى أمير المؤمنين وهو عليه السلام أبرأ الناس من دمه وقد ذكر المصنف عنه ما يدل على ذلك من قوله: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان. وعنه: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله. وقال لعثمان: ........ قتله بعد أن عاتبه عثمان: والله إني لأكثر الناس ذباً عنك ولكني كلما جئت لشيء أظنه لك رضاء...... وإن نغيره ..........
قوله: (وتركت قولي).
وروى الإمام يحيى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: والله لقد دفعت عنه حتى حسيت أن أكون آثماً.
قال: ولما قال عمار: هو جيفة على الصراط ناظره الحسن السبط فأحتكما إلى علي عليه السلام.
فقال علي لعمار: أتكفر بما آمن به عثمان؟
قال: لا.

(13/39)


قال: أفتؤمن بما كفر به عثمان؟
قال: لا.
فقال له: حل عن ...........
وقال عليه السلام لرجل سأله عنه: ليس رأي فيه رأي أبي اليقضان، أما أنه استأثر فأسىء الأثرة وجزعتم فاسأتم الجزع ولله حكم واقع في المستأثر والجازع وإنما بالغ في إضافة ذلك إلى علي عليهم السلام فرقتان:ـ
أحدهما: أرادت بذلك........ عنه والحط من شأنه وإغراء الناس عليه في حياته وبعد موته وهذا هو الذي أراده معاوية وأتباعه والمقتفون لآثاره.
والفرقة الثانية: المتحاملون على عثمان المبالغون في وضعه وتشنيع أفعاله وتقطيع ما صدر منه فأرادوا بذلك حصول غرضهم لأن أمير المؤمنين حجة وأي حجة وأقواله وأفعاله إلى الهدى أوضح محجة وقد نسب الرضا بقتل عثمان وما كان في أمره إلى عائشة وطلحة والزبير وكانوا من المتحاملين عليه.
وقفت في بعض التواريخ على أن عائشة أبرزت قميصاً لرسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم حتى رآه من بالمسجد وقالت: يأيها الناس هذا قميص رسول الله لم يبل وعثمان قد أبلى سنته فقال: {إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم}.
ورأيت في بعضها: أن رجلاً سئل عن أمر عثمان فقال: قتل بسيف شحذه فلان وسمه فلان وضرب به فلان وذكر أمراً رابعاً وعين علياً عليه السلام وعائشة وطلحة والزبير.
وأما شأن عمار بن ياسر في ذلك فظاهر ومحمد بن أبي بكر هو زعيم تلك القضية ورأسها لكنه ليس بصحابي على الحقيقة لحداثة سنة وإن كان قد ذكر في تقريب التهذيب إن له رواية وأحسب أن المشاركين في قضية عثمان هم العدد الكبير من الصحابة والجلة منهم ولو لم يرضوا بما كان ولا ظنوا أن القضية تنتهي إليه لما كان يصدر منهم من النعم عليه و....... بأفعاله وتصرفاته والإنكار لها ومثل ذلك يكفي في إغراء الجهلة وأهل الحماقة ومن ليس له تورع يصوبه عما....... وقد نسب إلى أمير المؤمنين أنه قال: قتله الله.
ولا صحة لهذا وأتفق من الصحابة أن تزكوه بعد قتله ثلاثاً لم يدفن.

(13/40)


وقال عمار: هو جيفة على الصراط، وقبر في خش ولم يؤثر أجتماعهم للصلاة عليه وحضور مواراته فلمثل ذلك......... الرافضة على أن نسبوا قضيته إلى أكابر الصحابة وأعتقدوا رضاهم.

الطرف الثالث: في ذكر الأصح من حال الصحابة في أمره.
فالذي صححه المحققون أن أكابر الصحابة كانوا متوقفين في بطلان إمامته بسبب أحداثه فما أمروا بخلعه لعدم قطعهم بإنتفائها ولا كرهوه لعدم قطعهم ببقاء أحكامها ولم يرضوا بقتله وقد روي أن أمير المؤمنين أمر أولاده ومن عنده من أصحابه أن يفكوا عنه الحصار فما أمكنهم ذلك ونسور الدين قتلوه من خلف الدار حتى قتلوه ولم يشعر بهم من في وجة الدار حال مدافعتهم عنه.
قال بعض أئمتنا: والظاهر أن جميع الصحابة الذين بمدينة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم خذلوه فلم يدفعوا عنه وذلك لما كرهوه من أفعاله وإما أنهم رضوا بقتله فلا لأنه ظهر غضبهم منه فيما تعد وأشتهر.
قلت: ولعلهم ظنوا أن خذلانهم له وتركهم لنصرته على جهة الغضب عليه لما فعل ما فعل وما أنزجر ولا أعتدل لا يؤدي إلى قتله وإنما يؤدي إلى خلعه فلما حشي عليه القتل أمر الحسنين أن يدافعا عنه.
قيل: (مهدي): ورجاء أمير المؤمنين أنه بعد مضايقتهم له يسعد إلى الإنخلاع فتجتمع كلمة المسلمين وقد كان ذلك قريباً فقد كان عثمان أمر الحسن إلى والده فسبق ما سبق عن غير رضا من علي عليه السلام بقتله وأما خلعه فكان لا يكرهه وعليه يحمل ما روي عن علي عليه السلام أنه قال: والله ما أمرت ولا نهيت ولا رضيت ولا كرهت.
أراد: ما أمر بالخلع ولا نهى عنه ولا رضي به ولا كرهه.

الطرف الرابع: في حكم قتله عندنا.
فالذي نختاره وندين به أنه قتل ظلماً بغير حق وأن قتله معصية لأنه إن كان لا يستحق القتل فظاهر، وإن فرض أستحقاقه له فليس ذلك إلى من قتله لعدم الولاية على ذلك إنما الولاية في مثله إلى الأئمة.
قال الإمام يحيى: ولم يقتله إلا السفهاء والأوباش الذين لا رشد لهم.

(13/41)


الطرف الخامس: في حكم قاتله.
والتحقيق: القول بتفسيقهم لما ذكر من كون قتلهم إياه ظلماً وعدواناً على كل تقدير ولأن أمير المؤمنين عليه السلام قال: اللهم ألعن قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل.
قال الإمام يحيى: وفي هذا دلالة على فسقهم وقتلهم له بغير حق وإلى ذلك ذهب أكثر المعتزلة. وقالوا أيضاً: بتفسيق خاذليه. وتوقف الشيخ أبو القاسم فيه وفيهم وبعضهم توقف في الخاذلين لا القاتلين.
وذهب ابن جرير: إلى تكفير عثمان بأحداثه.
وبعضهم: ذهب إلى تفسيقه لأجلها.
وقال الشيخ أبو الهذيل: أتولى عثمان وحده.
معناه: أجرى عليه أحكام المسلمين من وجوب موالاته ولا أقول بفسقه، وأتولى قاتله وخاذليه وحدهم ولا أدري كيف حالهم عند الله.
قال الإمام المهدي: وهذا عندي هو أعدل الأقوال وأقربها إلى السلامة إلا أن قاتليه إن كانوا متمكنين من أستخلاص ما في يده من الأموال والعهد من دون قتله فلا شك في فسقهم، وإن كانوا لا يتمكنون من أستخلاص ما في يده بغير قتله إما بأسره أو غير ذلك فلعل الشبهة في ذلك تدفع عنهم الفسق كما ذكره أبو الهذيل.
قلت: أما من تولى القتل بيده وباشره بنفسه وأقدم عليه فلا ينبغي أن نتولاه ولا أن يتأول له ولا أن يجعل شبهته دافعة لفسقه.
وأما من أعان عليه وحضر مهلكه وأغرى الناس به فلا بأس بذلك القول في حقه والله سبحانه الموفق للصواب والعالم بحقيقة ما نشتك فيه ونرتاب.
قوله: (وإنما دخل عليه أعلاج لم يدر أيهم قاتله).
العلج: الرجل من كفار العجم. والجمع: أعلاج وعلوج ومعلوجاً وعلجة. وقد أدعى بعض المؤرخين أن قاتله رجلان معينان أسمهما: قنبرة بن وهب وسودان بن حمران. وروي أنهما قتلا في الدار عقيب قتلهما لعثمان بأيدي عبيده فيسقط السؤال من أصله وقد روي أن محمد بن أبي بكر ممن دخل الدار وهم أن يباشر القتل وأمسك بلحيته عثمان.
فقال له عثمان: لو رأى أبوك مقامك هذا لأنكره أو كما قال.
فتركه ولم ينله بشيء.

(13/42)


فصل: فيما يطعن به أهل الزيع على أمير المؤمنين عليه السلام.
قوله: (أعلم أنه عليه السلام أحل قدراً وأشهر فضلاً من أن يطعن عليه).
يعني: لما خصه الله به من العصمة عن كل شين وضيمة والفضائل الدثرة والمكارم التي يفوت الوصف كثره بحيث أنه لا يدرك أحد حصرها ولا يقدر الناظر فيها قدرها وليس بجهل منصف أمرها ولكن الشيطان نعوذ بالله منه أستفز كثيراً من الناس بمكره وحيله، وأجلب عليهم بخيله ورجله وأوقعهم في مهاوي اللال حين أتاهم من خلف وقدام ويمين وشمال ففدح الأهماج في رب العزة والجلال وعادى ........ جبرائيل وميكائيل وطعن الزعانف في الأنبياء المصطفين للأرسال ومن العجائب أن من الطاعنين في أمير المؤمنين وسيد الوصيين بعض أهل الأعتزال نسب ذلك إلى الجاحظ عمرو بن بحر مع أشتهاره وسعة علمه وقول بعضهم فيه وقد سئل عن الدليل على أعجاز القرآن إيمان الجاحظ به فنعوذ بالله من مسلك الضُّلاَّل.
روي عنه: أنه كان شديد الإنحراف عن أمير المؤمنين والتعصب للعثمانية وصنف في ذلك وبالغ فيه حتى روي من يجامله أنه صنف كتاباً للعثمانية وأيده وأحتج فيه وطعن على أمير المؤمنين عليه السلام وأعقبه بتصنيف آخر في إمامة المروانية وأقوال شيعتهم، وترجمه بكتاب أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان وذكر فيه رجال المروانية وأحتج على إمامة بني أمية من بني مروان ثم صنف كتاباً آخر ترجمه بكتاب مسائل العثمانية وذكر فيه ما فاته ذكره من نقص فضائل أمير المؤمنين.
فأنظر إلى هذا الزيغ الشديد والضلال البعيد وقد نقض كتبه هذه جماعة من متكلمي الشيعة وبالغ في نقضها الشيخ أبو جعفر محمد بن عبدالله الأسكافي وهو من شيوخ المعتزلة البغدادية ورؤسائهم وأهل الزهد والديانة فيهم وممن يذهب إلى تفضيل أمير المؤمنين والقول بإمامته نقل ذلك من المروج للمسعودي.

(13/43)


قال: ولم يصنف الجاحظ هذه الكتب لأنها مذهبه أو كان يعتقده لكن فعل ذلك بما جنا وقد نسب إلى عباد والأصم أنه عليه السلام لا يصح للإمامة فأنظر ما أشنع هذه العبارة على أن كلامهما قد تأول بأن عباد أراد عدم الصلاحية قبل العقد. وأن الأصم قال بذلك لما كان من قضيته الحمل.
قوله: (منها قتاله لأهل الصلاة).
أعلم أن الناس في محاربته عليه السلام لأهل القبلة على فرق:ـ
منهم: من خطأه في قتالهم جميعاً.
ومنهم: من خطأه في قتال طلحة والزبير وعائشة.
ومنهم: من وقف فيه وفي هؤلاء.
ومنهم: من قصر التصويب على حرب معاوية.
ومنهم: من صوبه في حرب الخوارج.
وأحتج من خَطَّأَهُ بأن القتال إنما يجب ويستحق بخصال الكفر والردة والقتل والزنا.
وقد ثبت أن الذين قاتلهم لم يكن منهم شيء من ذلك بل منهم من محله في الدين ومنصبه في الإسلام وفي صحبة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لا تخفى فقتلهم وقتالهم حرام لا يحل.
وأعلم أن هذا من التجاهل العظيم والخطأ الفاحش الذميم فإن محاربته عليه السلام وقتاله لمن قاتل من بغاة الأمة وأهل القبلة جدير بأن يعد من فضائله وكرم شمائله.
قال الإمام يحيى عليه السلام: هو دليل على علو منزلته عند الله لما فيه من مضاعفة الأجر وجزيل الثواب فقد روي أن امرأة قتل ولدها فجاءت إلى الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال لها: ((إن أبنك له أجر شهيدين لأنه قتله أهل الكتاب)). فإذا كان ذلك لأجل قتال أهل الكتاب مع كفرهم فكيف حال المحق في حرب أهل القبلة ومن هو على بصيرة من أمره مع القطع بخطأ من قاتله وهلاكه عند الله للخروج على إمام الحق ومحاربته له ومنعه عن القيام بأمر الله وجمع شمل المسلمين ورفع كلمة الدين كما كان من الخارجين على أمير المؤمنين.
قلت: ولهذا المعنى جزم كثير من فضلاء الأئمة بأن حرب البغاة أفضل من حرب الكفار كالإمام المؤيد بالله عليه السلام.

(13/44)


قال الإمام يحيى: فأما تعلقهم بأن القتل لا يستحق إلا بأحدى تلك الخصال الثلاث فهو باطل لأن الشرع كما أباح القتل بما ذكروه فقد دل على جواز القتل لما يكون من البغي بغير الحق والفساد في الأرض وأما كون طلحة والزبير من فضلاء الصحابة وكبرائهم ولهم من الفضائل ما لهم فذلك لا يمنع من جواز حربهما لأن أمير المؤمنين حيث صحت إمامته وأجمع عليها الأحمر والأسود قد وجبت طاعته وحرمت مخالفته فلا فرق بين مخالفة طلحة والزبير وعائشة وبين مخالفة معاوية والخوارج في كونها بغياً وخروجاً على الإمام وربما يحتجون بما روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((نُهيت عن قتل المصلين)). وهو متروك الظاهر فإنهم يوافقون أنهم إذا قَتلوا أو قُتلوا وإذا زنوا مع الإحصان رجموا ولا تمنعهم الصلاة عن ذلك فكذلك لا تمنعهم مع البغي.
قوله: (ولا بغي أعظم من الخروج على إمام المسلمين).
يعني: لما في ذلك من شق العصا وتفريق كلمة الدين وتشتت أمر المسلمين.
قوله: (فقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين)). هذا خبر شهير متلقى بالقبول معدود من معجزات الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم.
والناكثون: طلحة والزبير وأتباعهما ممن بايع علياً عليه السلام على السمع والطاعة ثم نكث بيعته فإن طلحة أول من مد يده إليه للبيعة الزبير كان من أشد الناس حرصاً على إمامته وبايعه.
والقاسطون: معاوية وأتباعه والقاسط الجائر، ولا شك في جورهم وعدوانهم.

(13/45)


والمارقون: الخوارج، قال فيهم صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)). ولا شك أن في هذا الخبر دلالة على جواز قتالهم وأنه مصيب للحق فيه لأنه ورد في معرض المدح له والتعظيم لشأنه والانتفاض لمحاربته ووضفهم بصفات النقص والذم ولم يرد مورد الأنكار كما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم للزبير: ((لتقاتلنه وأنت له ظالم)). أو كما قال، وكما أخبر عائشة بخروجها وأنها تنبحها كلاب الحؤب.
قوله: (وقوله عليه السلام: ((سيكون هنا وهنا بعدي))).
أي: حصلات سوء والتكرير للمبالغة.
قوله: (حتى قال الفقهاء..) إلى آخره.
أول من قال ذلك أبو حنيفة وإنما قاله لأن علياً عليه السلام كان أول من حاربهم وقرر أحكامهم وإنما أقتدى به الأئمة من بعده ولم يتفق قبله خروج ولا بغي على أحد من الخلفاء.
قوله: (على صحة مقاتلة اللصوص).
يعني: إذا قصدوا بلداً من بلاد المسلمين وخيف منهم سفك الدماء وأجتياح الأموال لا قتالهم على سبيل الإطلاق كما يقضي به ظاهر كلام المصنف.
قوله: (أولى وأحرى).
إنما كان أولى لما سبق وهو ما فيه من شق العصا.
قوله: (إنه لدار أن يتزوج من بني المغيرة).
المروي أن التي أراد أن يتزوجها بنت لأبي جهل بن هشام.
قوله: (يريبني ما .....).
هو من قولك: رأيني هذا الأمر ورأتني أمره إذا أدخل عليك شكا وخوفاً.
قوله: (وإن صح فإنما أراد أن يستأذن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم).
سياق الحديث مضى بأنه لم يستأذن ولو استأذنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لكفاه ألا يأذن له ولم يحتج إلى إظهار الإنكار.
وأعلم أن الإمام يحيى عليه السلام قطع بأنه إن صح الحديث فإنها هفوة من أمير المؤمنين وزلة وتكون صغير في حقه لدليل العصمة.
وكلام المصنف أعدل حيث قال: ومن البعيد أن ينكر النبي هذا الإنكار في أمر هو حلال من الله وأكثر ما فيه أن يكون هفوة.
قلت: وهذا الحديث مما تستبعد صحته من جهات:ـ

(13/46)


إحداها: أنه لا يناسب ما كان عليه أمير المؤمنين من محبة البتول وتعظيم أمرها ومعرفة قدرها فإنها سيدة نساء العالمين.
الثانية: أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم معلم الشرائع فلا يناسب حاله أن ينكر ما هو غير منكر ومقتضى شرعة الشريف ونص القرآن الكريم جوار نكاح ما فوق الواحدة إلى أربع فكيف ينكره ويشنع الأمر فيه ولو فرض أنها أدركته الغيرة فليست تتعدى به إلى حد الإنكار والتجريح فيما هو حلال طيب.
الثالثة: أنا لو فرضنا أنه يحرم ذلك لمكان فاطمة عليها السلام وأن هذا حكم خاص لها وأن علياً عليه السلام دعته الشهوة البشرية إلى ذلك فهم به فمن البعيد أن يكون الإنكار من الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم لذلك على تلك الكيفية وأن يفتقر في منع علي عليه السلام إلى صعود المنبر والتكلم بذلك على أعين الناس مع ما كان بينه وبين علي من الإختصاص ومن المعلوم المتيقن إمكان الإنكار على صفة جميلة كما يفعله الخواص والأحباب في مقام العتاب فذلك لا يناسب ما كان عليه صلى اللّه عليه وآله وسلم من الحلم الواسع والخلق العظيم على أن هذا الحديث قد أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من رواية المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: إن علياً خطب بنت أبي جهل وعنده فاطمة بنت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فسمعت ذلك فاطمة فأتت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكحاً أبنة أبي جهل فقام رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فسمعته حين تشهد يقول: أما بعد، فإني أنكحت العاص بن الربيع فحدثني وصدقني وإن فاطمة بضعة مني وأنا أكره أن يسوؤها. وفي رواية: أن يفتنوها والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبداً. وفي رواية: إنما هي بضعة معني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها. قال: فترك علي الخطبة.
قوله: (ومنها قصة التحكيم. قالوا: فَحَكَّمَ وهو يعلم أنه على الحق).

(13/47)


هذه الشبهة الركيكة معتمد الخوارج المارقين الحمفى في تخطئته عليه السلام والطعن عليه بل في تضليله وتكفيره ألجؤه إلى التحكيم ثم عادوا إلى تخطئته فيه ورميه بالأمر العظيم والقصة أنه لما طال قتال صفين وبدا عنوان النصر للمؤمنين على الباغين وأشرف أهل الشام على التلف أحتالوا في التخلص بأن يرفعوا المصاحف على الرماح وأظهروا أنهم باذلون للإنصاف وتحكيم الكتاب المحكم والرجوع إليه في ذلك الأمر.
فقال أمير المؤمنين: إنا أحق من أحاب إلى كتاب الله ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن إني أعرف بهم منكم صحبتهم صغاراً ورجالاً فكانوا شر صغار وشر كبار وما رفعوها إلا خديعة.
فجاءه عليه السلام من أصحابه قدر عشرين ألفاً مقنعين بالحديد حاملي سيوفهم على عواتقهم قد أسودت جباههم من أثر السجود فنادوه بأسمه ولم يدعوه بأمير المؤمنين.
قالوا: يا علي أجب القوم إلى كتاب الله وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان وكف الأشتر عن قتالهم.
فقال الأشتر: أمهلوني ....... بامة فقد أحسست بالظفر.
فقالوا له: تحب أنك تظفر ويقتل أمير المؤمنين أو يسلم إلى عدوه فصاح بهم الأشتر يا أهل الذل والوهن أحين علوتم وظنوا أنهم مقهورون رفعوا المصاحف وراجعهم وسبهم وسبوه وضرب وجه دوابهم وضربوا وجه دابته فصاح بهم أمير المؤمنين فكفوا وبعث علي عليه السلام قراء من أهل العراق وبعث معاوية قراء من أهل الشام فاجتمعوا بين الصفين ومعم المصحف على أن يحيوا ما أحيي ويميتوا ما أمات وعلى أن يحكموا رجلين أحدهما من أصحاب أمير المؤمنين والآخر من أصحاب معاوية فأختار أهل الشام عمرو بن العاص وأختار الأشعث والخوارج أبا موسى.
فقال علي عليه السلام: أنا لا أرضى به وقد فارقني وخذل الناس عني ثم هرب مني ولكن هذا ابن عباس.
فقالوا: والله ما نبالي أنت كنت أو ابن عباس.
قال: فالأشتر.
قالوا: وهل ضيق سعة الأرض علينا إلا الأشتر.

(13/48)


قال علي عليه السلام: إني أخاف أن يخدع ...... فإن عمرو ليس من الله في شيء.
قال الأشعث: هو أحب إلينا.
قوله: (لما غلب على رأيه في التحكيم).
قد علم ذلك من سياق القصة المذكورة فإنها تشهد بعدم رضاه عليه السلام بما كان من التحكيم وإنها قهر عليه وألجي إليه.
قوله: (وأما قولهم إنه رضي بمحو إسم أمير المؤمنين ـ إلى قوله ـ يوم صحيفة التحكيم).
لما تقرر الأمر على التحكيم وشرعوا في كتبه الصحيفة كتب عبدالله بن أبي رافع هذا ما صالح عليه أمير المؤمنين فأمتنع البغاة عن ذلك حتى كتب علي بن أبي طالب فذكر عليه السلام قصة الحديبية وتمثل بها.
فقال عمرو: أونقاس بالمشركين.
فقال عليه السلام: أولم تكن يابن النابغة للمؤمنين عدواً وللمشركين ولياً أولم تكن في الإسلام ذنباً وللضلالة رأساً قم من هاهنا يا عدوا الله.
الباب الثالث
قوله: (أبو سعيد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا يستوا أصحابي..))). إلى آخره.
أخرجه مسلم من رواية أبي هريرة وهذا أسلوب لبعض أهل كتب الحديث يذكرون في المراسيل أسم الراوي الصحابي ويحذفون الفعل المسند إليه مثل قال أو نحوه.
وقوله: (فيه ما أدرك مدا حدهم ولا بصفة المد مكيال معروف قال الجوهري هو رجل وثلث عند ........... ......................................
والصاع أربعة أمداد والنصف هنا بمعنى النصف لغة فيه.
قوله: (لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً).
الصرف التوبة، والعدل الفدية ذكره الجوهري وغيره.

وأما الباب الرابع: فهو في إقامة الدلالة على تزكيتهم والترضية عنهم
قوله: (في تزكيتهم جملة وتفصيلاً).
يعني: بالجملة ما ورد فيهم معاً وبالتفضيل ما ورد في كل واحد منهم وهذا الباب ....... وتنطوي كتب الحديث منه على الواسع الكثير والجم الغفير.
قوله: (والقياس).

(13/49)


أراد به: طريقة الأعتبار وليس المراد القياس المركب من أصل وفرع وعلة وحكم وعطف على الكتاب والسنة هنا ليس بالمطابق فكان الأحسن أن يقول ما ورد في الكتاب والسنة ودل عليه الأعتبار.
أما ما ورد في الكتاب من ذلك فنحو قوله: {والسابقون الأولون..} إلخ هذه الآية. دالة على رضاه عنهم ورضاهم عنه ولا غاية فوق هذه الدرجة ولا فضل يساوي هذه ....... وقوله: {إذ يبايعونك..} الآية. إشارة إلى بيعة الحديبية وهي بيعة الرضوان وسببها أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لما وصل الحديبية عام الصلخ أمر عثمان إلى مكة ليفهم أخبارها وما أهلها عليه فأرجف بقتله فقال والله إن قتلوه لأضرمنها عليهم ناراً وبايع من حضره من المؤمنين لأجل ذلك على الموت ثم صفق بشماله على يمينه وقال هذه لعثمان لئلا يفوته فضل تلك البيعة.
قوله: (إلى قوله: {رضي الله عنهم ورضوا عنه}).
وجه الإستدلال بها أنه لما ذكر حكم من في وقته صلى اللّه عليه وآله وسلم من كبار أهل الكتاب ذكر حكم من في وجه صلى اللّه عليه وآله وسلم من المؤمنين وهم الصحابة لأنه لا يوجد حينئذ من مؤمن إلا هم فذكرهم في معرض المدح لذكر نقيضهم في معرض الذم ثم عقبه وختمه بأعجب الخواتيم وهي رضاه عنهم ورضاهم عنه.
قوله: (ونحو قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس}).
وجه دلالتها أنهم لو كانوا فساقاً خارجين عن سمت العدالة لم يكن فيهم خير فضلاً عن أن يكونوا خير أمة.
قوله: (ونحو قوله: {والسابقون..} إلى آخرها).
وجه الدلالة أنه ذكر السبق في معرض المدح والغرض بذلك هو السبق إلى الإسلام ومناصرة الرسول.
قوله: (ونحو قوله: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين..} الآية).
وجه دلالتها أنه أيد رسوله بهم في إظهار الدين و..... عليهم بكونه ألَّف بين قلوبهم وهاتان خصلتان عظيمتان ومن هه حاله كيف لا يكون ظاهره السير والعدالة وإحراز التزكية لنفسه.
قوله: (ونحو قوله: {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}).

(13/50)


هذه الآية ليست مما ورد في الصحابة جملة وإنما أريد بها بعض منهم فجيء في أولها بمن التي للتبعيض ذكر جار الله أنها نزلت في حمزة بن عبدالمطلب ومصعب بن عمير وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيدالله وسعيد بن زيد بن عمرو بن فقيل وغيرهم نذروا أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يثبوا وقاتلوا حتى يستشهدوا {فمنهم من قضى نحبه} يعني: حمزة ومصعباً {ومنهم من ينتظر} كطلحة. وفي الحديث: ((من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة)).

فصل:
وأما السنة فنحو قوله عليه السلام والسلام: ((أصحابي كالنجوم بأيهم أقتديتم أهتديتم)). أخرج معنى هذه الحديث من رواية ابن المسيب عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: ((سألت ربي عز وجل عن أختلاف أصحابي من بعدي فأوى إليَّ يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء ولكل نور فمن أخذ بشيء فيما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى)).
قوله: (((خياركم القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم..)) الخبر).
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من رواية عمران بن حصين أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ـ قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ـ ثم إن بعدهم قوماً يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذورن ولا يوفون ويظهر فيهم السمن ويحلفون ولا يستحلفون)). أراد في رواية لهما وللترمذي عن ابن مسعود: ((تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته)). القرن من الناس أهل زمان واحد. قال الشاعر:ـ
إذا ذهب القرن الذي أنت فيهم وخلفت في قرن فأنت غريب
قوله: (ونحوه مما يدل على أن الإجماع حجة).

(13/51)


يعني: كقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)). وقوله: ((سألت الله ألا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها)). وما روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لن تجتمع أمتي على خطأ)).
قوله: (وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((رحم الله أبا بكر..)) إلى آخره).
هذا الحديث مما يختص ببعض منهم معين وهو مما أخرجه الترمذي من رواية علي عليه السلام ولفظه: ((رحم الله أبا بكر زوجني أبنته وحملني إلى دار الهجرة وصحبني في الغار وأعتق بلالاً من ماله، رحم الله عمر يقول الحق وإن كان مراً وتركه الحق وما له من صديق، رحم الله عثمان تستحيي منه الملائكة، رحم الله علياً اللهم أدر الحق معه حيث دار)). وقد ذكر المصنف في أول الباب أنه لا يأتي بشيء من هذا القبيل خشية التطويل والأحاديث الواردة في أعيان من الصحابة رضي الله عنهم واسعة دثرة ولا تنحصر كثرة.

فصل: وأما طريقة الأعتبار.
قوله: (ويهون عليهم قتل الآباء والأولاد والأخوة قد أثر ذلك عن عدة من الصحابة كما كان من أستئذان بعضهم له صلى اللّه عليه وآله وسلم في قتل أبيه فقال دعه له غيرك وأحسبه أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة وكما كان من أغلاظ عبدالله بن عبدالله بن أُبَي على أبيه ومنعه له من دخول المدينة حتى يعترف بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين وربما هم بقتله روي أنه قال له: لئن لم تقر لله ولرسوله بالعزة لأضربن عنقك.
فقال: ويحك أفاعل أنت.
قال: نعم.
فلما رأى منه الجد قال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
قوله: (خاضوا غمرات الموت).
هي شدائده.
قوله: (حتى كانوا يتنافسون في ذلك).
هو من نافست في الشيء منافسة ونفاساً إذا أدعيت فيه على وجه المباراة في الكرم ولقد بلغ من مناصبتهم في المؤاساة أنه إذا كان للرجل منهم امرأتان نزل عن إحداهما لأخيه أبتغاءً لوجه الله وطلباً لما عنده.
قوله: (النجدة ما النجدة).
الشجاعة.

تنبيه:

(13/52)


أختصر المصنف رحمه الله هذه الطرق الأعتبارية في فضل الصحابة وتزكيتهم والمجال فيها واسع وقد بسط فيها الإمام يحيى وغيره وهو أمور ظاهرة وأحوال شاهرة تعلمها ضرورة من طالع الأخبار والسير والتواريخ وأستقصاء تفاصيلها يطول ويتفرع إلى أنواع كثيرة وفصول.

فصل:
وأما ما ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام فيهم فهو ضربان: جملي، وتفصيلي.
قوله: (والمشهور من حال عمر التعويل عليه ومشاورته من ذلك أنه أستشاره في الخروج إلى الروم وقد كان عزم على ذلك فأشار عليه أمير المؤمنين بالقعود فقعد وقبل رأيه.
قوله: (والتعويل عليه في المهمات والرجوع إليه في المعضلات).
المهمات جمع مهمة والمهم الأمر الشديد وأهمني الأمر إذا أقلق وأحزن والمعضلات الشدائد جمع معضلة يقال: أعضلني الأمر أي أعياني وأعضل الأمر أشتد وأستعلق وأمر معضل لا يهتدى لوجهه ولا شك في رجوعهم إليه وتعويلهم عليه في المسائل الدينية والفتاوى والأقضية والأحكام حيث أستغلفت عليهم وأستبهمت وإنهم كانوا يعترفون له بالعلم الواسع والفضل الباهر.
قوله: (يخالف معاملته لمعاوية وعمرو بن العاص ونحوهم).
يعني: كأبي الأعور السلمي وأبي موسى الأشعري فإنه يعامل هؤلاء باللعن والتبري والبعد عنهم لسوء حالهم وحيث يواظنهم ويعامل أولئك بالمودة والنصرة.
قال الإمام يحيى: إنما عاملهم معاملة الأبرار المصطفين الأخيار.
قوله: (ويهدد من يعود إلى الوقوع فيها).
قال الإمام يحيى: ثم قال في آخر هذه الخطبة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر ثم الله أعلم بالخير أين هو.
قوله: (أماما الهدي).
رقم المصنف رحمه الله بخط يده حاشية على هذا في نسخته لفظها: فإن قيل: هذا تصريح منه عليه السلام بإمامتهما فيكون حجة.

(13/53)


قلنا: الخبر آحادي فلا يقطع بصحته عنه ولو صح فهو محمول على البقية كغيره مما ورد عنه عليه السلام والصلام من الدعاء لهما بإسم الخلافة في حياتهما وأنه كان يظهر الرضا فيحمل عندنا على البقية.
قلت: وقد تناول بأن المراد إمامتهما في العلم والفضل فإنه قد يقال: إمام هدى لمن يؤخذ عنه ويهتدى به ويقتدى.
قوله: (فقال: ناصح الله فنصحه).
أراد أنه كان شديد الإخلاص يعاكس حاله حال من خادع الله فخدعه.
قوله: (فقال: كان أواهاً منيباً).
الأواه الدعَّاء وقيل كثير التأوه أي التوجع أشفاقاً وفرقاً.
قوله: (من هذا المسجى بينكم).
هو من سجيت الميت تسجية إذا مددت عليه ثوباً.
قوله: (وتجرم).
أصله الجرم وهو الذنب والتجرم على الشخص أن يدعى ذنباً عليه، وفي الصحاح وتجرم على فلان أي أدعى ذنباً لم أفعله فقيده بأن تكون الدعوى غير صحيحة، ولعل ذلك أصله ثم صار بالعرف مستعملاً مع صحة الدعوى وعدمها.
قوله: (قد أخذ الله ميثاقكم).
في أم الكتاب وأصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ لأن كل كائن مكتوب فيه.
قوله: (وعقدة ذمتي).
هو جمع عاقد كقعدة في جمع قاعد ولعل ذلك كتابه عن أختصاصهم به وزلفتهم لديه وكرامتهم عليه لأنه لا يعقد الذمة عليك إلا من كانت تلك منزلته لديك.
قوله: (ولا تدابر).
والتدابر في معنى التقاطع. قال الجوهري: تدابر القوم تقاطعوا وفي الحديث: ((لا تدابروا)).
قوله: (وتظاهروا).
أمر بالمظاهرة غير داخل في حيز النهي وهي المعاونة.

فصل:
وأما ما ورد عن ذرية أمير المؤمنين والغرض بذكر ما ورد عنهم على ما قرره الإمام يحيى عليه السلام فالمصنف تابع له وأخذ عنه أمران:ـ
الأول: أن يعلم الناظر في ذلك أن أمير المؤمنين والأفاضل من أئمة أولاده عليهم السلام لا يكفرون أحداً من الصحابة ولا يفسقونهم مع مخالفتهم للنصوص الواردة في إمامة أمير المؤمنين فثبت أن مخالفتهم لها عندهم لا تقطع موالاتهم ولا تبطلها.

(13/54)


الغرض الثاني: ألا ينقل ناقل يتقول عنهم خلاف ما نقلناه وآثرناه فيظن صحته وحاشى وكلا.
قال المؤيد بالله: لو قيل لواحد ممن يدعي تزعمه كفراً أو فسقاً في حقهم أرني نصاً من جهة الأئمة صريحاً أنه يتبرئ فيه من الشيخين لم يمكنه ذلك.
وعن بعض أئمة أهل البيت أنه قال: من زعم أن أحداً من العترة من لدن زيد بن علي إلى يومنا هذا يذهب لى تفسيق الصحابة فإنه كاذب في هذه المقالة.
قوله: (فرضينا لدنيانا من رضية رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لديننا).
يقال: ولم جعل الإمامة دنيوية مع أنها من معالم الدين؟
والجواب: أنها دينية على التحقيق بلا شك وإنما جعلها دنيوية لما سيأتي ذكره إن شاء الله في الإمامة.
قوله: (لما وضع الديوان).
هو سجل يذكر في المعطوب وينزل فيه عطاياهم ويشتمل على تقدير ما لكل منهم.
قوله: (فالصوكلكلة الكل).
كل الصدر وكذلك الكلكال ذكره الجوهري.
قوله: (وأنه لما رأى الفسادلم يتلبث في إظهار دين الله بالسيف).
تمام كلامه عليه السلام ما لفظه: كما فعل بأهل الجمل وأهل النهروان وصفين وغيرها.
قال الإمام يحيى: فهذا كلام من شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه لم يمزج بالحسد ولا خالطته العصبيه والمكر.
قوله: (ومنه ما روي عن عبدالله بن الحسن وأولاده عليه السلام).
ذكر الإمام يحيى من أولاده محمد بن عبدالله النفس الزكية وإبراهيم ويحيى وأهل المصنف ما نقله الإمام يحيى عليه السلام عن الباقر والصادق قال عليه السلام: والمأثور عن الباقر شدة المحبة وعظم الثناء على الشيخين والموالاة لهما أثر عن أسلافه، وعن جعفر الصادق أنه كان شديد المحبة لهما. وقد روي عنه خلق عظيم أنه كان يترحم عليهما. قال: وروي عن الصادق أيضاً أنه قيل له: ما تقول في أبي بكر؟
فقال: ما أقول فيمن ولدني مرتين.
أراد بذلك: أن أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأم أمه بنت عبدالرحمن بن أبي بكر.

(13/55)


قال الإمام يحيى: فقوله هذا يدل على الرقة في قلبه والرحمة وإعظام المنزلة.
قلت: بل يقضي بأنه ...... لحق الولادة ولولا هي لقال فما في مثل هذا حجة، والله سبحانه أعلم.
قوله: (والجاحظ).
هكذا ذكر الإمام يحيى وقد تقدم ما روي عنه مما يدل على أنه ناصبي المذهب وهو ينافي هذا.
قوله: (وغيرهم).
إشارة إلى معتزلة بغداد فإنهم ...................... أهل البيت.
قال الإمام يحيى: معتزلة بغداد فإنهم يفتخرون بأئمة الزيدية فلو ظهر هؤلاء الأئة نقصاً في حالهم ما بايعوهم ولا كان منهم أعتقاد لإمامة واحد منهم.
قوله: (ومنه ما روي أن القاسم عليه السلام..) إلى آخره.
قال الإمام يحيى: وروي عنه أنه قال: ننكر أفعالهم ونسخط ولا نقول قول الرافضة فنفرط.
قال: وهذا تصريح منه بتحريم الأذية والسب.
قال: وكلا الروايتين دال على سلامة الأمر من جهته في حقهما ولهذا صرح بأن قول الرافضة إفراط وغلو وليس يرتضيه مذهباً لنفسه ولو كان صواباً وحقاً لقال به وحاشى لبصيرته النافذة وورعه الذي فاق به على نظرائه أن يصدر من جهته ما لا يليق بذلك.
قوله: (قال سمعت المؤيد بالله..) إلى آخره.
قال الإمام يحيى: وكان المؤيد بالله في أول غره وعنفوان شبابه متوقفاً عن الترضية ثم ترحم عليهما في آخر عمره وذكر في الهوسميات أن الخلاف في الإمامة وإن كانت عطعية لا يوجب كفراً ولا فسقاً ولهذا فإن أمير المؤمنين لم يصدر من جهته رمي لهم ببكفر ولا فسق مع مخالفتهم له فيها.
قوله: (وكتبه مشحونة بذلك).
قال عليه السلام في بعضها: والذي نختاره ما نقلناه عن الأفاضل من آبائنا عليهم السلام فإن المأثور عنهم ما أوضحناه من المحبة والتولي لهما وإعظام منزلتهما وبترك المقالة القبيحة في حقهما بل أقول كما قال الصادق عليه السلام: اللهم إني أحبهما وأودهما وأتولاهما وأحب من يحبهما اللهم إن كنت تعلم خلاف ذلك من قلبي فلا تنلني شفاعة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم.

(13/56)


قوله: (فيها لمن أنصف بلاغ).
أي: كفاية لأن البلاغ لغة الكفاية، وهو أيضاً أسم بمعنى الإبلاغ والتبليغ.
قوله: (وأما ما روي عن أبي طالب ـ إلى قوله ـ فصحيح).
وليس فيه أن الصحابة قد خرجوا على أمير المؤمنين عنده، أما ظاهر إطلاق أبي طالب فكما ذكر ليس فيه بأس ولكن لا يبعد أنه قصد به المشائخ الثلاثة ولهذا ذكر الكني رحمه الله أن كلامه هذا إنما كان في أيام متقدمة من أول عمره وعنفوان شبابه حين كان أمامياً يرى رأي الإمامية ويعتقده فأما بعد أن صار زيدياً محققاً في الأصول فلا يظن به أنه معتقد لذلك ويؤيد ذلك أن شرح التحرير مشحون بذكر الإستدلال والرواية عن الشيخين في الأخبار والأقضية والفتاوى ولو كانا فاسقين عنده لم يكن الإحتجاج بشيء من أقوالهما وأقضيتهما وجه.
قلت: وممن يظهر عنه التجرم على المشائخ والنفحات التي تقضي بالتفسيق السيد أبو العباس الحسني رحمه الله فمن طالع كتابه المصابيح رأى ما يقضي بأنه كان إمامي المذهب وقد روى فيه أخباراً عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم تدل على الفسق وتشغر به.
قال الإمام يحيى: وكلها آحادية لا يمكن أن تكون معتمدة في الكفر والفسق لونها غير مرشدة إلى القطع.
قوله: (وأما توقف كثير من متأخري أهل البيت عليهم السلام..) إلى آخره.
قال الإمام يحيى عليه السلامك أن أحداً من الأئمة وأكابر العترة لم ينقل عنه إكفار ولا تفسيق كما شرحناه أولاً ونقلناه ثم هم بعد ذلك فريقان:ـ
الأول: مصرحون بالترحم عليهم والترضية والموالاة وصدق المحبة والمودة كما حكيناه عن أمير المؤمنين ومن ذكر من أولاده عليه السلام.
الفريق الثاني: متوقفون عن الترضية والترحم وعن الإكفار والتفسيق وعلى هذا دل كلام القاسم والهادي وأولادهما وإلى هذا يشير كلام الإمام المنصور بالله فهؤلاء يحكمون بالخطأ ويتوقفون في حكمه ولا يقدمون على سب ولا أذية أراد والأولون يحكمون بالخطأ ويقطعون بأنه ليس بكفر ولا فسق.

(13/57)


قلت: قد عرف ما ذكره الإمام يحيى عليه السلام من توقف الهادي والمنصور وما ذكره هو والمصنف فيما ورد عن الهادي عليه السلام في الأحكام من الكلام الشديد الغليظ المحوج إلى التأويل وقد وقفنا لهذين الإمامين على كلام من جنس ما ورد عن أمير المؤمنين والحسنين ومن ذكر معهم.
أما الهادي عليه السلام فقال في رسالته التي أجاب بها على أهل صنعاء وذكر فيها عقائده وبراءته من البدع ومذاهب أهلها ما لفظه: ولا أنتقص أحداً من الصحابة الصادقين والتابعين بإحسان المؤمنات منهم والمؤمنين أتولى جميع من هاجر ومن آوى منهم ونصر فمن سب مؤمناً عندي إستحلالا فقد كفر ومن سبه أستجراماً فقد ضل عندي وفسق ولا أسب إلا من نقض العهد والعزيمة وفي كل وقت له ...... من الدين بالنفاق تمردوا وعلى الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم مرة بعد مرة تمردوا وعلى أهل بيته أجترؤا وطعنوا وإني لأستغفر الله لأمهات المؤمنين اللواتي خرجن من الدنيا وهن من الدين علي يقين وجعل لعنة الله على من تناولهن بما لا يستحققن من سائر الناس أجمعين وقفنا على هذا في الرسالة نفسها وحكاه أيضاً الفقيه العلامة محمد بن يوسف بن هبة الفضلي القدمي في كتاب له سماه الإنتصاف أجاب به رسالة وردت من بعض الشافعية المجبرة يتضمن التنفير عن مذهب الزيدية ونسبة مذاهب قبيحة إليهم وهو كتاب حسن فلما أنتهى فيه إلى ذكر ما ورد عن الأئمة في شأن الخلفاء روى كلام الهادي هذا ثم روى عن المنصور بالله عليه السلام ما أصرح من ذلك قال ما لفظه: ومن ذلك ما قاله إمامنا المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام في الرسالة الإمامية في جواب المسائل التهامية للفقيه محمد بن أسعد الواقدي الصليحي من ناحية زبيد قال: وأما ما ذكره المتكلم حاكياً عنا من تضعيف آراء أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فهم خير الناس على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وبعده يرضى الله عنهم وجزاهم عن الإسلام خيراً

(13/58)


ولكن ذلك لا يمنع من أن يكون عترة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أفضل منهم وأولى بمقامه من قائمهم، أنتهى.
قوله: (وأعجب من هذا أن الرجل من علماء زماننا..) إلى آخره.
سمعنا من السنة عدة من معاصرينا أنه رمز بهذا التعجب إلى القاضي عبدالله بن حسن الدواري وكان بينهما على ما بلغ وحشة ولكنا وقفنا على ما يقضي من حال القاضي المذكور بخلاف ذلك وهو الترضية عنهم وشاهدنا ذلك في بعض مصنفاته بخط يده ولما ذكر في تعليقه على الشرح الكلا في حكم من تقدم في الإمامة على أمير المؤمنين حكى المذاهب في ذلك فأجاد في النقل وأستوفى ذكر الخلاف في ذلك وذكر أن القول بتفسيقهم أشهر الروايات عن الجارودية وإليه ذهب بعض الإمامية.
قال: وظاهر إطلاق القاسم بن علي العياني وولده الحسين والإمام أبو الفتح الديلمي وذكر ذلك الإمام أحمد بن سليمان في كتاب الحقائق ورواه عن السيد أبو طالب وأبو العباس، ثم قال: وينبغي تأويل هذه الرواية لمن كان بذلك من سادات أهل البيت وصالحي المسلمين لأن هذه مزلة قدم نعوذ بالله منها.
وتأول كلام الهادي في الأحكام وروى كلامه المذكور في جواب أهل صنعاء، وحكي عن المنصور بالله أقوالاً مختلفة وسلك في جميع ذلك مسلك الإنصاف وما لا ينقد عليه.
قوله: (ولقدد أحسن القائل:ـ
إني أحب أبا حفص وشيعته كما أحب عتيقاً صاحب الغار)
قيل أن قائل هذه الأبيات أبو نواس وأبو حفص كنية عمر كنى ببنته حفصة أم المؤمنين ولعله إنما كني بها لمكانها من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وكانت من فضليات زوجاته ولما هَمَّ بطلاقها أمر بالكف عنه لأنها صوامه قوامة، وحذف آخر السم ترحيماً وعتيق لقب أبي بكر وأسمه عبدالله وإنما لقب بذلك قيل لجماله لأن العتق لغة من اسماء الجمال كما أنه ........... وقيل: لأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال له: ((أنت عتيق النار)). ذكره الجوهري.
القول في التفضيل

(13/59)


قوله: (وأبو عبدالله هو من أهل المبالغة في ذلك وصنف فيه كتاب التفضيل).
وممن قال بأفضلية أمير المؤمنين من المعتزلة الحاكم نص عليه في شرح العيون وعلل ذلك بأنه وصي رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
قوله: (وروي هذا عن ابن عباس..) إلى آخره.
وممن روي عنه من الصحابة أبو سعيد الخدري وخالد بن سعيد وأبي بن كعب وقيس بن عبدالله الخزرجي وأبو الهيثم بن ......... وأبو بردة الأسلمي وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبو أيوب الأنصاري وسهل بن حنيف وعثمان بن حنيف.
قوله: (وقال النظام والجاحظ أبو بكر أفضل قالوا ثم عمر ثم عثمان).
وهذا رأي أكثر المعتزلة والشافعية والحنفية ورأي الخوارج فيهم إلى أن حديث الإحداث من عثمان ووقع التحكيم من علي ثم ذهبوا فيهما إلى غير ذلك.
قوله: (وقال أبو علي وأبو هاشم بالوقف).
قد روي عنهما الرجوع عنه إلى تفضيل أبي بكر والتوقف في الثلاثة الباقين ونقل عن قاضي القضاة أن أبا علي رجع آخراً إلى تفضيل علي عليه السلام وذكر ذلك لأبنه أبي هاشم في عدة أشياء أسرها إليه قرب موته بعد أن أستدناه إليه.
قال قاضي القضاة: ونقل ذلك عنه سماعاً ولم يوجد في شيء من مصنفاته.

تنبيه:
ومن الخلاف في هذه المسألة ما ذهب إليه أبو الهذيل وجعفر بن حرب وغيرهما أن الأفضل أبو بكر ثم عمر ثم علي ثم عمثان.
وأعلم أنه لم يذهب أحد إلى تفضيل غير الخلفاء الأربعة عليهم ولا ذهب أحد إلى تفضيل عمر على أبي بكر ولا إلى تفضيل عثمان على الشيخين. وقيل: بل قد ذهبت العباسية والروندية إلى تفضيل العباس على الأربعة والحكايات في هذه المسألة لا تخلو عن تفاوت.
ذكر ابن أبي الحديد العالم النحرير في شرح نهج البلاغة: أن الذي عليه قدماء البصريين من المعتزلة منهم عمرو بن عبيد والنظام والجاحظ وثمامة والقوطي هشام بن عمرو ويوسف السجام أن أبا بكر أفضل وأن فضلهم على ترتيب خلافتهم.

(13/60)


قال: وذكر البغداديون قاطبة قدماؤهم والمتأخرون منهم أن علياً عليه السلام أفضلهم فيهم بشر بن المعتمر وجعفر بن ميسر وعيسى بن صبيح والأسكافي وأبو الحسين والخياط وأبو القاسم البلخي وهو عبدالله بن محمود وتلامذته.
قال: وإلى هذا ذهب من البصريين أبو علي ذكره أخيراً سماعاً عنه ولم يذكر ذلك في شيء من مصنفاته. وقال به الشيخ أبو عبدالله وكان مبالغاً في ذلك، وبه قال قاضي القضاة ب توقفه والشيخ أحمد بن السن بن متويه وأحتج لذلك وأطال.
قال: وكثير من الشيوخ توقف منهم أبو هاشم وأبو الحسين البصري وأما أبو الهذيل وواصل فقطعا على تفضيل علي على عثمان وتوقفا في شأنه وشأن أبي بكر وعمر.
قوله: (وقال بعض الناس إن كان الخلاف في الأفضل أي الأكثر ثواباً..) إلى آخره.
ذكر الفقيه حميد في العمدة أن المراد بالفضل الأكثر ثواباً وبنى الخلاف على ذلك وقال في تعليق الشرح الأفضل له معنيان متفرعان على معنى الفضل:ـ
أحدهما: الأكثر ثواباً خالصاً من غيره.

(13/61)


الثاني: من خصال المحامد فيه أكمل وأتم ويظن لأجلها أستحقاقه لزيادة الثواب ومرادنا هاهنا بقولنا في علي أنه الأفضل المعنيان جميعاً وهذا القول الذي نسبه المصنف إلى منهم ولا يبعد أن يكون هو ....... عذره وإنما ........ ستر ذلك تحرزاً من طعن جهلة الشيعة وأهل التعصب المفرط سمعت من المعاصرين من يستحسنه ويستقويه في حال درس هذا الكتاب أبان الشباب وعنفوانه قد قمت في تلك الحال حاشية عليه في ......... معناها أنه يمكن أعتراضه بأنك إذا سلمت كثرة فضائل علي وهي عبارة عن سبق أسلامه وعظم جهاده وسعة علمه وشدة ورعه ونحو ذلك ولا شك في أن هذه الفضائل أسباب في أستحقاق الثواب الجزيل ويعلم قطعاً أنه يستحق الثواب عليها وأنه لم يأت بما يحبطه لما ثبت من عصمته وإن ثواب المختص بها أكبر من ثواب من ليس على صفته فيها إما بأن تكون معدومة في حقه أو مقتضية فيقطع بأن علياً أكثر ثواباً من أبي بكر لقطعنا بأن فضائله أكبر وإنها أوفر كما أنا نعلم أن ثواب من جاهد أكبر من ثواب من لم يجاهد حيث لم يعلم أن الأجر يفضله في غير ذلك وليس العلم بكثرة الثواب يتوقف على العلم بكميته ومقاديره فإنا نعلم قطعاً أن ثواب الني أكثر من ثواب غيره ومع ذلك لا نعلم القدر والكمية وإذا قلت من الجائز أن يكون لأبي بكر طاعات خفية لم نعلمها يستحق عليها من الثواب مثلما يستحقه علي على تلك الفضائل الظاهرة أو أكثر لعدم العلم بمقادير الثواب في عظم الموقع.

(13/62)


قلت: إذا سلمت أن علياً فضائله الظاهرة وأعماله المشهورة أكثر وأوفر وسلمت أن ثوابه أكثر بالنظر إليها ولم يبق إلا التجويز المذكور فهو لا يقدح في الأمر المعلوم ويقابله تجويز آخر أن يكون لعلي عليه السلام أعمال باطنة وطاعات خفية مثلما جوزت في حق غيره بل لك أقرب في حقه وأغلب ثم إنا بينا ما ذكره على تسليم القطع بأنه أكثر فضائل كما صرحت به والتجويز المذكور ينافيه فليتأمل ما سمح به سن الحداثة وبلوغ أوان الحلم والله الموفق.
قوله: (وأحسنهم بلاءً).
يقال: أبلى في القتال بلاء حسناً أظهر بأسه حتى بلاه الناس وأمتحنوه.
قوله: (والمروي أن المأمون ناظر أبا العتاهية..) إلى آخره.
المأمون هو أحمد بن هارون الخليفة العباسي العالم الشهير وله من جودة العلم وصفات الكمال ما ليس لغيره من سلفهم وخلفهم وكان شديد التشيع ولم ينل أحداً من العترة عليهم السلام نكبة من جهته ومما يؤثر عنه في تفضيل أمير المؤمنين قوله:ـ
لا تقبل التوبة من تائب إلا بحب ابن أبي طالب
أخو رسول الله خلف الهدى والأخ لا يعدل بالصاحب
لو جمعاً في الفضل يوماً لقد نال أخوه رغبة الراغب
ولم أقف على مناظرته لأبي العتاهية في غير هذا الكتاب وإنما الذي وقفت عليه مناظرة له كثيرة مع جماعة كثيرة من الفقهاء مما ذكرها ابن عبدربه في عقده وهي مناظرة عظيمة ودرة يتيمة حملني شدة الإعجاب بها على رقمها في هذا الموضع وكتبها ونحن ننقلها بلفظ العقد غالباً على ما ذكرره من زوائد فإنها تشتمل على فوائد وفرائد وحيط ذلك مما ينبغي أن يقصده القاصد.
قال: (أحتجاج المأمون على الفقهاء في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه).

(13/63)


بسم الله الرحمن الرحيم
قال إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بعث إليَّ يحيى بن أكثم وإلى جماعة من أصحابي وهو يؤمئذ قاضي القضاة للمأمون فقال إن المأمون أمرني أن أحضر عدا من الفجر أربعين رجلاً كلهم فقيه يفقه ما يقال ويحسن الجواب فسموا من تظنونه يصلح لما طلب أمير المؤمنين فسمينا له عدة وذكر هو عدة حتى أم العدة التي أراد وكتب تسمية القوم وبعث فيهم وأمرنا....... في السحر فغدونا عليه قبل طلوع الفجر فوجدناه قد لبس ثيابه وهو جالس ينتظرنا فركب وركبنا معه حتى صرنا إلى الباب فإذا الخادم واقف فلما نظر إليه قال يا أبا محمد سيدي ينتظرك فدخل ودخلنا معه وأمرنا بالصلة فلم يستقمها حتى خرج الرسول فقال: أدخلوا فدخلنا فإذا المأمون جالس على فراشه وعليه سواد وطيلسانة والطويلة وعمامته فوقفنا وسلمنا فرد السلام وأمرنا بالجلوس فلما أستقربنا المجلس تحدر عن فراشه ونزع عمامته ووضع قلنسوته ثم أقبل علينا.
فقال: إنما فعلت ما رأيتم لتفعلوا مثل ذلك وأما الخف فمنع من حلة من عرفها فقد عرفها ومن لم يعرفها فسأعرفه بها ومد رجله وقال أنزعوا فلا نسكم وخفافكم وطيالستكم.
قال: فأمسكوا.
فقال لنا يحيى: أنتهوا إلى ما أمر به مولانا فتنحينا فنزعنا حفافنا وطيالستنا وملابسنا ورجعنا فلما أستقر المجلس.
قال: إني بعثت فيكم معشر القوم للمناظرة فمن كان به شيء من الحفتين لم ينتفع بنفسه ولم يفقه ما يسمع فمن أراد منكم الخلاء فهناك وأشار بيده فدعونا له ثم ألقى مسألة من الفقه.
فقال: بلى أبا محمد قول وليقل القوم بعدك.
فأجاب يحيى القاضي ثم الذي يليه ثم الذي يليه حتى أجاب آخرنا في العلة وعلة العلة وهو مطرق لا يتكلم فلما أنقطع الكلام ألتفت.
فقال: يا أبا محمد أصبت الجواب وتركت الصواب في العلة ثم لم يزل يردد على كل واحد منا مغالته حتى أتى على آخرنا.

(14/1)


ثم قال: لم أبعث فيكم لهذا ولكن أحببت أن أبسطكم أني أحببت مناظرتكم في مذهبي الذي أنا عليه وديني الذي أدين به.
فقلنا: أفعل وفقك الله وأرشدك.
فقال: إني أدين الله بأن علي بن أبي طالب أفضل خلق الله بعد رسول الله وأحقهم بالخلافة.
قال إسحاق: فقلت: إن فينا من لا يعرف ما ذكرته في علي رضي الله عنه وقد دعوتنا للمناظرة؟
قال: يا إسحاق أختر إن شئت أن اسألك وإن شئت أن تسأل؟
قال إسحاق: فأغتنمتها منه.
فقلت: بل اسألك من أين قلت إن علي بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وأحقهم بالخلافة بعده؟
قال: يا إسحاق خبرني عن الناس بما يتفاضلون حتى يقال فلان أفل من فلان؟
قلت: بالأعمال الصالحة.
قال: صدقت.
قال: فأخبرني عمن فضل صاحبه على عهد رسول الله ثم إن المفضول عمل بعد وفاة رسول الله بأفضل من عمل الفاضل على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أيلحق به؟
قال: فأطرقت.
قال: يا إسحاق لا تقل نعم. فإنك إن قلت: نعم أوجدناك في دهرنا هذا من هو أكثر منه جهاداً وصلاة وصياماً وصدقة.
قلت: أجل لا يلحق المفضول على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم الفاضل أبداً.
قال: يا إسحاق فأنظر ماذا روى لك أصحابك ومن أخذت عنهم دينك وجعلتهم قدوة لك من فضائل علي فقس عليها ما أتوك به من فضائل أبي بكر وعمر فإن وجدت لهما من الفضائل ما وجدت لعي وحده فقل إنهما أفضل منه لا والله ولكن قس فضائل العشرة الذين شهد لهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بالجنة فإن وجدتها تشاكل فضائله فقل إنهم جميعاً أفضل منه.
يا إسحاق أي الأعمال كانت أفضل يوم بعث الله رسوله؟
قلت: الإخلاص بالشهادة.
قال: أليس السبق إلى الإسلام؟
قلت: نعم.
قال: اقرأ ذلك في كتاب الله تعالى يقول الله تعالى: {والسابقون السابقون أولئك المقربون}. إنما علي من سبق إلى الإسلام فهل غلمت أحداً سبق علياً إلى الإسلام؟

(14/2)


قلت: إن علياً أسلم وهو حديث السن لا يجوز عليه الحكم وأسلم أبو بكر وهو مستكمل يجوز عليه الحكم.
قال: أخبرني أيهما أسلم قبل ثم أناظرك عليه من بعد في الحداثة والسن؟
قلت: علي أسلم قبل أبي بكر على هذه الشريطة.
قال: نعم.
فأخبرني عن إسلام علي حين أسلم هل يخلو من أن يكون رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم دعاه إلى الإسلام أو يكون إلهاماً من الله؟
قال: فأطرقت.
قال: يا إسحاق لا تقل إلهاماً فتقدمه على رسول الله لأن رسول الله لم يعرف الإسلام حتى أتاه جبريل عن الله.
قلت: أجل بل دعاه رسول الله إلى الإسلام.
قال: يا إسحاق هل يخلو رسول الله حين دعاه إلى الإسلام من أن يكون دعاه بأمر من الله تعالى أو تكلف ذلك من نفسه؟
قال: فأطرقت.
قال: يا إسحاق لا تنسب رسول الله إلى التكلف فإن الله تعالى يقول: {وما أنا من المتكلفين}.
قلت: أجل بل دعاه بأمر من الله عز وجل.
قال: فهل من صفة الجبار جل ذكره أن يكلف رسله دعاء من لا يجوز عليه حكم؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: أفتراه في قياس قولك يا إسحاق أن علياً أسلم صبياً لا يجوز عليه الحكم فقد كلف رسول الله من دعاء الصبيان ما لا يطيقون فهذا يدعوهم الساعة ويرتدون بعد ساعة فلا يجب عليهم في أرتدادهم شيء ولا يجوز عليهم حكم الرسول عليه الصلاة والسلام.
أتُرى هذا جائز عندك أن تنسب إلى الله عز وجل؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: يا إسحاق فأراك قصدت إلى فضيلة فضل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم علياً بها على هذا الخلق أبانه بها منهم ليعرف مكانه وفضله ولو كان الله تعالى أمر بدعاء الصبيان لدعاهم كما دعا علياً عليه السلام؟
قلت: بلى.
قال: فهل بلغك أن الرسول دعا أحداً من صبيان أهله وقرابته لئلا يقول كان علي ابن عمه؟
قلت: لا أعلم ولا أدري فعل أو لم يفعل.
قال: يا إسحاق ارأيت من لم يدره ولا يعلمه ايسأل عنه؟
قلت: لا.
قال: فدع ما قد وضعه الله عنك وعنا.

(14/3)


ثم قال: أي الأعمال كانت أفضل بعد السبق إلى الإسلام؟
قلت: الجهاد في سبيل الله.
قال: صدقت. فهل تجد لأحد من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ما تجد لعلي في الجهاد؟
قلت: وفي أي وقت؟
قال: في أي الأوقات شئت؟
قلت: بدر.
قال: لا أريد غيرها.
قال: فهل تجد لأحد ما تجد لعلي يوم بدر. أخبرني كم قتلى بدر؟
قلت: نيف وستون رجلاً من المشركين.
قال: فكم منهم قتل علي وحده؟
قلت: لا أدري.
قال: ثلاثة أو أثنين وعشرين والأربعون لسائر الناس.
قلت: إن أبا بكر كان مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في عريشه.
قال: يصنع ماذا؟
قلت: يدبر؟
قال: وتلك دون رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أو شريك معه أم أفتقاراً من رسول الله إلى رأيه أي الثلاثة أحب إليك؟
قلت: أعوذ بالله أن يدبر أبو بكر دون رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أو يكون معه شريكاً أو أن يكون برسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أفتقار إلى رأيه.
قال: فما الفضيلة بالعريش إذا كان الأمر كذلك أليس من ضرب بسيفه بين يدي رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أفضل ممن هو جالس؟
قلت له: كل الجيش كان مجاهداً.
قال: صدقت كل مجاهد، ولكن الضارب بسيفه الحامي عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وعن الجالس أفضل من الجالس أما قرأت كتاب الله عز وجل: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر}، {والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم}، {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى}، {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً}؟
قلت: وكان أبو بكر وعمر مجاهدين.
قال: فهل كان لأبي بكر وعمر فضل على من لم يشهد ذلك المشهد؟
قلت: نعم.
قال: فكان لسبق الباذل نفسه فضل على أبي بكر وعمر؟
قلت: أجل.
قال: يا إسحاق هل تقرأ القرآن؟
قلت: نعم.

(14/4)


قال: اقرأ {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا}.
قال: فقرأت حتى إذا بلغت: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا إلى قوله ويطعمون الطعام على حبه}.
فقال: على رسلك فيمن نزلت هذه الآية.
قلت: في علي.
قال: فهل بلغك أن علياً حين أطعم المسكين والييم والأسير قال: إنما نطعمك لوجه الله، هل سمعت الله وصف في كتابه بمثل ما وصف به علياً عليه السلام؟
قلت: لا.
قال: صدقت. لأن الله جل ذكره عرف سريرته، يا إسحاق ألست تشهد أن العشرة في الجنة؟
قلت: بلى.
قال: ارأيت لو أن رجلاً قال: والله ما أدري هل هذا الحديث صحيح أم لا، ولا أدري أقاله رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أو لم يقله أكان عندك كافراً؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: ارأيت لو أنه قال: ما أدري هذه السورة من كتاب الله أم لا أكان كافراً؟
قلت: نعم.
قال: يا إسحاق أدى بينهما فرقاً، يا إسحاق أتروي الحديث؟
قلت: نعم.
قال: فهل تعرف حديث الطير؟
قلت: نعم.
قال: فحدثني به فحدثته بالحديث.
قال: يا إسحاق إني كنت أكلمك وأنا أظنك غير معايد للحق فأما الآن فقد بان لي عنادك ....... هذا الحديث صحيحاً؟
قلت: نعم. رواه من لا يمكنني رده.
قال: افرأيت من أيقن أن هذا الحديث صحيح وزعم أن أحداً أفضل من علي يخلو من أحد ثلاثة:ـ
من أن تكون دعوة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم مردودة عنده عليه.
أو أن يقول إن الله عرف الفاضل من خلقه وكان المفضول إليه أحب.
أو أن يقول إن الله عز وجل لم يعرف الفاضل من المفضول.
فأي الثلاثة أحب إليك أن تقول، فأطرقت.
ثم قال: يا إسحاق لا تقل شيئاً منها أستمسك وإن كان للحديث عندك تأويل غير هذه الأوجه الثلاثة فقل؟
قلت: لا أعلم وإن لأبي بكر فضلاً.
قال: أجل، لولا أن له فضلاً ما قيل: إن علياً أفضل فما فضله الذي قصدت له الساعة؟
قلت: قول الله عز وجل: {ثاني أثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}. فنسبه إلى صحبته.

(14/5)


قال: يا إسحاق أما إني لا أحملك على الوعر من طريقك إني وجدت الله تبارك وتعالى نسب إلى صحبة من رضيه ورضي عنه كافراً وهو قوله: {قال لصاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نظفة ثم سواك رجلاً لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً}.
قلت: ذلك صاحب كان كافراً وأبو بكر مؤمن.
قال: فإذا جاز أن تنسب إلى صحبة من رضيه ورضي عنه كافراً جاز أن تنسب إلى صحبته مؤمناً وليس بأفضل المؤمنين ولا الثاني ولا الثالث.
قلت: قدر الآية عظيم لأن الله تعالى يقول: {ثاني إثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}؟
قال: يا إسحاق فإني الآن أخرج إلى الإستقصاء عليك أخبرني عن حزن أبي بكر كان لله رضاً أم سخطاً.
قلت: إن أبا بكر إنما حزن من أجل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم خوفاً عليه وغماً أن يصل إلى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم شيء من المكروه.
قال: ليس هذا. جوابي أن تقول رضا أو سخط؟
قلت: بل كان لله رضا.
قال: فكان الله جل ذكره بعث رسولاً ينهى عن رضا الله وعن طاعته؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: أوليس قد زعمت أن حزن أبي بكر كان رضا لله؟
قلت: بلى.
قال: أولم تجد أن القرآن يشيد أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قال له: لا تحزن نهياً له عن الحزن؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: يا إسحاق إن مذهبي الرفق بك لعل الله أن يردك إلى الحق ويعيدك عن الباطل لكثرة ما يستعين به حديثي عن قول الله تعالى: {فأنزل الله سكينته عليه}. من عني بذلك رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أم أبا بكر؟
قلت: بل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
قال: صدقت. فخبرني عن قوله: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً إلى قوله فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين}. أتعلم من المؤمنين الذين أراد الله في هذا الموضع؟
قلت: لا أدري.

(14/6)


قال المأمون: الناس جميعاً أنهزموا يوم حنين فلم يبق مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إلا سبعة من بني هاشم علي منهم فضرب بسيفه بين يديه والعباس أخذ بلجام بغلة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم والخمسة المحدقون به خوفاً من أن يناله من جراح القوم شيء حتى أعطى الله لرسوله الظفر والموهمون في هذا الموضع علي خاصة ثم من حضره من بني هاشم فمن أفضل من كان مع رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في ذلك الوقت أم من أنهزم عنه ولم يره الله موضعاً لينزلها عليه؟
قلت: بل من أنزلت عليه السكينة.
قال: يا إسحاق من أفضل من كان معه في الغار أم من نام على فراشه ووفاه بنفسه حتى تم لرسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ما أراد من الهجرة، إن الله تبارك وتعالى أمر رسوله بأن يأمر علياً بالنوم على فراشه وأن يقى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بنفسه فأمره رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بذلك فبكى علي رحمة الله عليه، فقال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ما يبكيك أجزعاً من الموت؟
قال: لا والذي بعثك بالحق يا رسول الله ولكن خوفاً عليك.
قال: فنم على فراشي.
قال: سمعاً وطاعة طيبة بذلك نفسي بالفداء لك يا رسول الله.
ثم أتى مضجعه فاضطجع وسجي بثوبه وجاء المشركون من قريش فجفواته لا يشكون أنه رسول الله وقد أجمعوا أن يضربه كل رجل من كل بطن من بطون قريش طربة بالسيف لئلا يطلب الهاشميون بطناً من البطون بدمه وعلي يسمع ما القوم فيه من تلف نفسه ولم يدعه ذلك الجزع كما جزع صاحبه في الغار ولم يزل علي صابراً محتسباً فبعث الله تعالى ملائكته فمنعته مشركي قريش حتى أصبح فلما أصبح نظر القوم إليه.
فقالوا: أين محمد؟
قال: وما علمي بمحمد أين هو.
قالوا: فلا نراك إلا كنت مغروراً بنفسك منذ ليلتنا.
فلم يزل علي أفضل مائة يزيد ولا ينقص حتى قبضه الله.
يا أبا إسحاق هل تروي حديث؟
قلت: نعم.
قال: أروه. ففعلت.

(14/7)


قال: يا أبا إسحاق ارأيت هذا الحديث هل أوجب على أبي بكر وعمر ما لم يوجب لهما عليه؟
قلت: إن الناس ذكروا أن هذا الحديث إنما كان بسبب زيد بن حارثة لشيء جرى بينه وبين علي وأنكر علي فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)).
عند ذلك قال: يا سبحان الله ما هذه العقول ثم قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)). وفي أي موضع قال هذا، أليس بعد منصرفه من حجة الوداع؟
قلت: أجل.
قال: فإن قتل زيد بن حارثة قبل الغدير كيف رضيت لنفسك بهذا، أخبرني لو رأيت أبناً لنفسك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول: مولاي مولى ابن عمي أيها الناس فاعلموا ذلك، أكنت منكراً ذلك عليه تعريفه الناس ما لا ينكرون ولا يجهلون؟
قلت: اللهم نعم.
قال: يا إسحاق أفتنزه أبنك عما لا تنزه عنه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، ويحكم لا تجعلوا فقهائكم أربابكم دون الله فإن الله عز ذكره يقول: {أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}. ولم يصلوا لهم ولا قاموا ولا زعموا أنهم أرباب ولكن أمروهم فأطاعوا أمرهم.
يا إسحاق أتروي حديث: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى))؟
قلت: نعم. قد سمعته وسمعت من يجحده.
قال: فمن أوثق عندك من سمعته منه وصححه أم من جحده؟
قلت: بل من صححه.
قال: فهل يمكن أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم مزح بهذا القول؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: فهل يمكن أن يقول قولاً لا معنى له ولا يوقف عليه؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: فما تعلم أن هارون كان أخا موسى لأبيه وأمه.
قلت: بلى.
قال: فعلي أخو رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لأبيه وأمه.
قلت: لا.
قال: أوليس هارون نبياً وعلي عترتي.
قلت: بلى.
قال: فهذان الحالان معدومان في علي وقد كانا في هارون، فما معنى قوله: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى))؟

(14/8)


قلت: إنما أراد أن تطيب نفس علي لما قاله المنافقون خلفه أستثقالاً له.
قال: فأراد أن تطيب نفسه بقول لا معنى له.
فأطرقت.
قال: يا إسحاق له في كتاب الله معنى بَيِّن.
قلت: وما هو؟
قال: قوله عز وجل حيث يحكي عن موسى أنه قال لأخيه هارون: {أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}.
قلت: إن موسى خلف هارون في قومه وهو حي ومضى إلى ربه وإن رسول الله خلف علياً حين خرج إلى عرانة.
قال: كلا ليس كما قلت.
أخبرني عن موسى حين خلف هارون هل كان معه حين ذهب إلى ربه أحد من أصحابه أو أحد من بني إسرائيل؟
قلت: لا.
قال: أوليس أستخلفه على جماعتهم؟
قلت: نعم.
قال: أخبرني عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم حين خرج إلى عرانة هل خلف إلا الضعفاء والنساء والصبيان فأنى يكون مثل ذلك وله عندي تأويل آخر من كتاب الله يدل على أستخلافه إياه لا يقدر أحداً أن يحتج به ولا أعلم أحداً أحتج به وأرجوا أن يكون توفيقاً من الله.
قلت: وما هو؟
قال: حين حكا عن موسى: {رب أجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً}. ....... علي بمنزلة هارون من موسي وزيري من أهلي وأخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبح الله كثيراً ونذكره كثيراً فهل يقدر أحد أن يدخل في هذا شيئاً غير هذا ولم يكن يبطل قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وأن يكون لا معنى له.
قال: وطال المجلس وأرتفع النهار.
فقال يحيى للمأمون: قد أوضحت لمن أراد الله به الخير وثبت ما لا يقدر أحد أن يدفعه.
قال إسحاق: فأقبل علينا.
وقال: ما تقولون.
قال: كلنا نقول بقوله أعزه الله.
قال: والله لولا أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((أقتلوا القول من الناس)). ما كنت لأقبل منكم القول، اللهم قد نصحت لهم القول، اللهم إني قد أخرجت الأمر من عنقي، اللهم إني أدينك بالتقرب إليك بحب علي وولايته.

(14/9)


قوله: (فأوضح المأمون أن علياً أول الناس إسلاماً).
قد سبق ما ذكره المأمون في ذلك ومما يؤيده قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم لفاطمة: ((ألا ترضين أني زوجتك أقدمهم سلما وأعلمهم علماً)). وقال علي عليه السلام في أبيات له:ـ
سبقتكم إلى الإسلام طراً غلاماً ... ما بلغت أوان حلمي
وفي جامع الترمذي عن أنس بن مالك أنه قال: بعث رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم الأثنين وصلى علي يوم الثلاثاء.
قوله: (لأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم دعاه إلى الإسلام..) إلى آخره.
قد تقدم في مناظرة المأمون تقرير ذلك.
قال الفقيه حميد: ولأنه عليه السلام كان مع بني عبدالمطلب يوم دعاهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فبادر إلى التصديق ولأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم مدحه بذلك في آثار مشهورة منها قوله لفاطمة: ((ألا ترضين أني زوجتك أقدمهم سلما)). ولو كان إسلامه لا يعتد به لمكان الصبا لما حسن تعظيمه به لأنه يستحق التعظيم ولأنه عليه السلام لما أورد ذلك في مناشدة الشورى استدلالاً منه على فضله أقرته الصحابة ولم يعترضه ولا قالوا ولا بعضهم وأي شرف لك بإسلامك وأنت صغير وقد قيل أن المراد بقوله عليه السلام أوان حلمي: أن إسلامه وقع في وقت لم يقف عليه في هذا الحلم المعتاد لغيره مع كونه كامل العقل وآفر اللب.
قوله: (وذلك من التكاليف العقلية..) إلخ.
جواب غريب لم يقف عليه في هذا الموضع لغير المصنف والظاهر أن التكليف بالعقليات يلازم التكليف بالشرعيات وإن وقت ذلك كله واحد توضحه أن الشرعيات وجبت لكونها ألطافاً في العقليات فكيف يتأخر إيجابها عنها وإذا حقق النظر فلا يعد في ذلك ولا مانع أن يعلم الله في حق بعض الناس أنه يفعل التكاليف العقلية من دون ألطافها االتكاليف الشرعية فيكلفه بها قبل ولعل غير المصنف قد ذكر معنى كلامه في موضع غير هذا والله أعلم.
قوله: (على أنه لا يمنع أن يكون من خصائص أمير المؤمنين صحة إسلامه صغيراً).

(14/10)


قال في تعليق الشرح: نقرب أنه أسلم دون الإدراك وذلك وإن لم يستحق به ثواب فهو وصف كمال وفضيلة وبه يقع المدح سيما إذا أستمر كذلك إلى وقت الإدراك وذلك معلوم فإن من نشأ مطهراً عن الرذائل في صغره حتى أدرك يمدح ويكون له على ....... درجة في الفضل، أنتهى.
أعلم: أن له عليه السلام فضيلة في الإسلام ومزية غير حاصلة في أحد من أكابر الصحابة وهو أن إسلامه لم يسبقه كفر بخلاف غيره وقد قال بعض العلماء أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم نبه في قوله: ((إلا أنه لا نبي بعدي)). ولو كان لكنته على أنه لو صلح أحد للنبوة بعده عليه الصلاة والسلام لكان علياً لكون إسلامه لم يسبق بكر وذلك شرط في بعثه من بعث للنبوة.
قوله: (حتى باهي الله به الملائكة).
المذكور في المناظرة السابقة أن الله أمر الملائكة لتحرسه وأما المباهاة فلعل المصنف أطلع على خبر ينطوي عليها.
قوله: (إن علياً كان أعظم الناس جهاداً).
لا شك في ذلك يحيث أنه لا يعلم لأحد من الصحابة وسائر أهل الإسلام لما يساويه في ذلك أو يدانيه ولا ينكر ذلك إلا معاند تكذبه الشواهد ولا قال أحد ولا يقل أنه ولى دبره قط في شيء من وقعاته وغيره من الخلفاء ليس كذلك أما أبو بكر رضي الله عنه فلم يشتهر بقتل أحد ولا قتاله وعمر وعثمان من المولين مدبرين يوم أحد وقد بولغ في هرب عثمان حتى ذكر بعضهم أنه أستمر ثلاثة أيام وجمع أمير المؤمنين في الجهاد بين قتال الكفار الذين قوتلوا على تنزيل القرآن وقتال البغاة الذين قوتلوا على تأويله وإليه يرجع أهل الإسلام عن........ في تعرف أحكام البغاة.
قال الفقيه حميد: وإذا ثبت أن له في الجهاد الفضل الذي لا يجارى والسبق الذي لا يبارى ثبت كونه أفضل الصحابة لقوله تعالى: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً}. فصرح بتفضيل المجاهدين على من ليس بمجاهد ويلزم منه تفضيل الأكثر جهاداً على الأقل.

(14/11)


قوله: (حين هرب الناس عن رسول الله).
يعني: في أحد وحنين.
قوله: (وكان من اللذين أنزل الله عليهم السكينة وألزمهم كلمة التقوى).
لا يخلوا هذا الكلام عن وهم لأن هذه الآية المشار إليها في سورة الفتح ولم تنزل في ذلك المعنى بل نزلت في شأن صلح الحديبية وما كان من المشركين فيه من حمية الجاهلية وإنما الذي نزل فيما نحن بصدده قوله تعالى في سورة التوبة: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها}.
قوله: (وكان علي أول من بارز).
يعني: لما ألتقى الجمعان يوم بدر وذلك أنه برز عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة من صف الكفار وطلبوا البراز فبرز إليهم عوف ومعاذ وعائذ ابنا عفراء من الأنصار فقالوا: قوم كرام ولكن نريد أكفأنا من قريش ونادوا يا محمد أخرج إلينا أكفأنا من قريش فبرز علي وحمزة وعبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب فقتل علي الوليد وقتل حمزة شيبة ثم أعانا عبيدة على عتبة فقتلوه وقد كان ضرب عبيدة فقطع رجله ثم توفي عبيدة بالصفراء، وقال قبل موته: لو عاش أبو طالب لعلم أنا أولى بهذا البيت.
ونسلمه حتى نصرع حوله ويذهل عن أبنائنا والحلائل
وروي أن ابن مسعود قال له أبو جهل وبه رمق في خطاب جرى بينهما من الغلام النقي العارضين الذين كان ............ كما تحذر أمامه؟
قال: علي بن أبي طالب.
فقال: أبو جهل قطع الرحم وسفك الدماء وقتل الصناديد وما ودع ولا وذر للصلح موضعاً.
قيل: والذين قتلهم عليه السلام في بدر الوليد بن عتبة وحنظلة بن أبي سفيان والوليد بن نوفل والعاص بن سعيد شجاع بني أمية والحرث بن زمعه وعمر بن عثمان وحرملة بن عمرو بن أبي عتبة وأبو قيس بن الوليد ومسعود بن أبي أمية وعبدالله بن المنذر ومنبه بن الحجاج السهمي وولده العاص بن سنبه وغيرهم، وشارك حمزة في شيبة بن ربيعة وفي عقيل بن الأسود.
قوله: (حتى أجمع المفسرون..) إلخ.

(14/12)


فيه نظر فإنهم لم يجمعوا على ما ذكره بل ذهب بعضهم أن سبب نزولها أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين: نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبياً.
وقال المؤمنون: نحن أحق بالله أمنا بالله وبمحمد ونبيكم وبكتابنا وكتابكم وكل كتاب ونبي وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه حسداً فنزلت قوله: {أبلى فيه بلاء عظيماً}. قيل أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أمر علياً بأن يحمل على نفر من الكفار ففعل، وقيل: منهم هشام بن أمية المخزومي وفرق جماعتهم ثم أمره صلى اللّه عليه وآله وسلم بأن يحمل على زمرة أخرى فقتل منهم رجلاً جمحياً وفرقهم ثم أمره بالحملة على طائفة أخرى فهزمهم وقتل رجلاً من بني عامر بن لؤي.
فقال جبريل للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إن هذه المؤاساة.
فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إنه مني وأنا منه)).
فقال جبريل عليه السلام: وأنا منكما يا رسول الله.
وروي أن علياً عليه السلام قتل يؤمئذ عثمان بن طلحة وكان حامل لواء المشركين.
وقيل: بل طلحة بن أبي طلحة وحمل عثمان اللواء بعده فقتله حمزة ثم حمله مشافع بن أبي طلحة ثم مجالس بن أبي طلحة ثم أرطأة بن شرحبيل مولى لهم فقتلهم عليه السلام جميعاً واحداً بعد واحد.
قوله: (حتى جاء النداء من السماء..) إلخ.
قيل أنها هاجت في ذلك اليوم ريح فسمع مناد ينادي بذلك وقد قيل إن الذي سمع بيتا شعر وهما:ـ
لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي في الوغى ... فإذا نديتم هالكاً فاتكوا الوفاء وأخا الوفاء
قوله: (وسائر الصحابة يصعدون ولا يلوون على أحد).
ليس على عمومه فإن من الصحابة من ثبت ذلك اليوم غير علي عليه السلام كطلحة بن عبيدالله وغيره.

تنبيه:

(14/13)


أقتصر المصنف على ذكر بدر وأحد لأنهما الملحمتان الشهيرتان ولعظم بلاء أمير المؤمنين فيهما والأقلة مقامات أخرى في الجهاد كقتله لعمر بن عبد ود وقد أقتحم الخندق حتى تركه من وراء ظهره وهابه الناس أشد الهيبة وله المقام المحمود يوم خيبر وغير ذلك وغيره.
قوله: (وروى بعضهم).
لا معنى لجعل هذا من قبيل الرواية وكان الأولى أن يقول وقال بعضهم.
قوله: (علي وأبو بكر وزيد).
أراد: زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي مولى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وقد قيل: أنه أول الرجال إسلاماً أستشهد يوم مؤتة في حياة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم سنة ثمان وهو ابن خمس وخمسين سنة.
قوله: (ومعاذ وابن مسعود).
هما معاذ بن جبل بن عمور بن أوس الأنصاري الخزرجي وكان من أعيان الصحابة وشهد بدراً وما بعدها.
قيل: وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن وكان موته سنة ثماني عشرة بالشام، وعبدالله بن مسعود بن عاقل بن حبيب الهذلي وهو من السابقين الأولين ومن كبار علماء الصحابة ومات بالمدينة سنة أثنتين وثلاثين أو ثلاث وثلاثين.
قوله: (وأبو ذر).
هو أبو ذر الغفاري الصحابي المشهور وهو ممن تقدم إسلامه وتأخرت هجرته فلم يشهد بدراً، وله مناقب كثيرة وأختلف في أسمه وأسم أبيه أختلافاً كبيراً والصحيح أنه جندب بن جنادة مات سنة أثنتين وثلاثين بالربذة.
قوله: (وأبو دجانة).
هو من الأنصار وهو ممن شهر بالنجدة وأبلى بلاء حسناً في الجهاد.
قوله: (وأُبَيّ).
هو أبي بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي من بني النجار وهو من فضلاء الصحابة وقرآئهم وأختلف في سنة موته فقيل تسع عشرة. وقيل: أثنتان وثلاثون. وقيل: غير ذلك.
قوله: (علي وجعفر والعباس).
كان جعل حمزة الثالث هو القياس مع أن العباس ممن لا يشك في فضله ونبله.
قوله: (ولله القائل: من فيه ما في جميع الناس .........).
يعزى هذا البيت إلى العباس رضي الله عنه على كفيفة أخرى وهي:ـ

(14/14)


من فيه ما فيهم من كل مكرمة وليس في كلهم ما فيه من حسن
وفي هذا المعنى قال الصاحب الكافي:ـ
علي على في المواقف كلها ... ولكنهم قد خانهم فيه مولد
يجمع فيه ما يفرق في الورى ... فمن لم يعدده فإني معدد
وقال خزيمة بن ثابت الأنصاري:ـ
وفيه الذي فيهم من الخير كله ... وما فيهم كل الذي فيه من حسن
وقال أيضاً:ـ
كل خير يربهم هو فيه ... وله دونهم خصال تزينه
قوله: (والمشهور عنه عليه السلام يوم الشورى أنه أحتج عليهم في المناشدة المعروفة حتى عد بضعاً وعشرين فضلة).
في الأصل بضع ........... ألف وهو وهم أو من سهو القلم وأراد بيوم الشورى اليوم الذي أججتمع فيه أهل الشورى وهم الذين جعل عمر أمر النظر في الإمام إليهم وجعله منهم وهم ستة عثمان وعبدالرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وأمير المؤمنين.
قال عامر بن وائل: كنت على الباب يوم الشورى إذ دخل علي عليه السلام وأهل الشورى وحضرهم عبدالله بن عمر فهذا اليوم هو المراد بيوم الشورى.
وقد ذكر في تعليق الشرح أنه عدد ذلك اليوم إلى سبعين فضيلة والمذكور في الحدائق الوردية والعمدة هو حديث عامر هذا قال: سمعت علياً يقولهم لهم بايع الناس أبا بكر فسمعت وأطعت ثم بايعوا عمر فسمعت وأطعت ثم يريدون أن يبايعوا عثمان إذن أسمع وأطيع ولكني محتج عليكم أنشدكم الله هل تعلمون فيكم من أحد أحق برسول الله مني؟
قالوا: اللهم لا.
هل فيكم من أحد له عم مثل عمي حمزة أسد الله وعم رسوله وسيد الشهداء؟
هل فيكم من أحد له أخ كأخي جعفر له جناحان أخضران يطير بهما مع الملائكة؟
هل فيكم من أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة سيد نساء الجنة؟
هل فيكم من أحد له سبطان مثل سبططي الحسن والحسين سيدى شباب أهل الجنة إلا أبنى الخالة؟
هل فيكم من وحَّد الله قبلي؟
هل فيكم من أحد صلى القبلتين غيري؟
هل فيكم من أحد قتل مشركي قريش في حرب رسول الله وإخراجه ناجزاً عنه عند كل شديدة تنزل مني؟

(14/15)


هل فيكم من أحد مسح رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عينيه وأعطاه الراية يوم خيبر وقال: ((لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس برعديد ولا جبان)). غيري؟
هل فيكم من أخذ نصيبه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم للناس ولكم يوم غدير خم فقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والا من والاه وعاد من عاداه)). غيري؟
هل فيكم من أحد أخاه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم آخا بين المسلمين وقال: ((أنت أخي وأنا أخوك ترثني وأرثك وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)).
هل فيكم من أحد عارز عمرو بن عبد ود يوم الخندق وقتله غيري؟
هل فيكم من أحد وقف مع الملائكة يوم حنين غيري حين ذهب الناس؟
هل فيكم من أحد أشتاقت الجنة إلى رؤيت بقول نبيكم غيري؟
هل فيكم من أحد هو وصي رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في أهله غيري؟
هل فيكم من أحد له سبق مثل سبقي في الإسلام؟
هل فيكم من أحد ورث سلاح رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ودوابه عند موته غيري؟
هل فيكم من أحد له شقيق مثل شقيقي ووزير مثل وزيري؟
هل فيكم من أحد هو أعنى عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم مني حين أضطجع في مضجعه وأضجعني في مضجعه وبذل له مهجة دمي وأقيه بنفسي.
هكذا في الحدائق الوردية والعمدة ولا تخلوا عن أنضراب، في أنوار اليقين:ـ
هل فيكم أحد أضطجع على فراش رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم حين أراد أن يسير من مكة فوقاه بنفسه حين أرادوا قتله غير؟ وهو أصح وأقوم.
هل فيكم من أحد له سهمان كسهمي سهم في الخاصة وسهم في العامة؟
هل فيكم من أحد وهو أحدث عهداً برسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم مني؟
هل فيكم من أحد ولي غسل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بالروح والريحان مع الملائكة المقربين غيري؟

(14/16)


هل فيكم من أحد قال له رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أغسلني فإنه لا يرى أحد من عورتي شيئاً إلا عمي غيرك يا علي))؟
هل فيكم من أحد وضع رسول الله في حفرته ولف في أكفانه غيري؟
هل فيكم من أحد أمر الله بمودته في السماء حيث يقول: {لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} غيري، وأمر الله نبيه بسد أبواب المهاجرين وأخرجهم غيري؟
هل فيكم من أحد جار رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في مسجده يحل له فيه ما يحل لرسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم حين قال له ذوو قرابته: سددت أبوابنا وأخرجتنا من من مسجدك وتركت علياً؟
قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ما أنا أخرجتكم ولا سددت أبوابكم ولا تركت علياً لكن الله أمرني بأخراجكم وترك علياً لم يخرجه)).
في كل واحدة من الخصال الشريفة المذكورة والفضائل الحميدة المبروزة بقول علي عليه السلام في أولها: أنشدكم الله ويقولون في آخرها: اللهم لا. وقد يقول: أنشدكم الله وبحق نبيكم.
وقد يقولون: اللهم لا نعلمه.
فلما أنتهى إلى آخرها قال عليه السلام: اللهم أشهد وكفى به شهيداً بيني وبينكم أسمع وأطيع وأتبع وأصبر حتي يأتي الله بالفتح من عنده شأنكم فاصنعوا ما بدا لكم ثم قال هذه الأبيات:ـ
محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي
وجعفر الذي يضحى ويمسي يطير مع الملائكة ابن أمي
وبنت محمد سكني وغرسي ....... لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد أبناي منها فمن هذا له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الإسلام طراً غلاماً ما بلغت أوان حلمي
وروى الفقيه حميد هذه الأبيات في موضع آخر من الحدائق وحكى أنه أنشدها يوم الشورى بحضرة من حضر من المهاجرين والأنصار وزاد فيها:ـ
وأوجب بالولاية لي عليكم رسول الله يوم غدير خم

(14/17)


وأعلم أنا أوردنا من حديث المناشدة هذا ما أورده الفقيه حميد رحمه الله وأعتمدنا على ما نقله في الحدائق والعمدة والذي ينطوي عليه من الخصال الشريفة والفضائل المتيقنة قريب من ثلاثين خصلة وأما الذي ذكر الإمام الحسن بن بدر الدين في كتاب أبوار اليقين فهو أكثر من ثلاثة أضعاف ذلك فإنه حكى حديث المناشدة وعدد فيه من الخصال الحميد والفضائل سبعاً وتسعين فضيلة خليلة تنطوي على عجائب وغرائب فليطالعه من أحب استقصأها.
قوله: (بهذا المعنى).
يعني: بأعتبار كثرة الفضائل.
قوله: (خبر الغدير وخبر المنزلة).
الأول: قوله: ((من كنت مولاه فعلي مولاه..)). والثاني: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى..)). وسيأتي ذكرهما وشرح سرهما.
قوله: (وخبر الطائر).
عن أنس بن مالك قال: أهدي لرسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم طائر مشوي فقال: ((اللهم أئتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر)). فجاء علي فدق الباب فقلت: من هذا؟
فقال: أنا علي.
فقلت: إن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على حاجة حتى فعل ذلك ثلاثاً، فجاء الرابعة فضرب الباب برجله فدخل فقال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ما حبسك))؟
فقال: قد جئت ثلاث مرات.
فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم لأنس: ما حملك على ذلك؟
قال: كنت أحب أن يكون رجلاً من قومي.
وفي رواية: أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لما سمع صوت علي قال: ((والى........... أنه أحب خلق الله إليه فهو أحبهم إلي)). وأنه لما أعتذر أنس بذلك قال: إن الرجل ليحب قومه.
وأعلم أن هذا الخبر من أجل الفضائل وأبلغها وأدلها على فضل علي عليه السلام.
قال الفقيه حميد: لأنه لا يكون أحبهم عند الله إلا وهو أكثرهم ثواباً وأكرمهم عنده تعالى وهو خبر صحيح مشهور وممن أخرجه الترمذي في جامعه.
قال في كتاب العواصم: ولقد صنف الحافظ العلامة محمد بن جرير الطبري كتاباً في طريق حديث الطير في فضائل علي عليه السلام لما سمع رجلاً بقوله: أنه ضعيف.

(14/18)


قال الذهبي: وقفت على هذا الكتاب فأندهشت لكثرة ما فيه من الطرق.
قوله: (وخبر المؤاخاة وخبر سد الأبواب).
قد تقدم في مناشدة علي عليه السلام يوم الشورى ذكرهما بأوفى عبارة وفيه كفاية وإن كان لهما سياق أبسط من ذلك.
قال الفقيه حميد: وإنما أخا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بين أصحابه على قدر منازلهم في الثواب فلما كان علي لا يساويه أحد في الثواب ولا يدانيه لم يجد له صلى اللّه عليه وآله وسلم أخاً ألا نفسه.
وخبر سد الأبواب إلا باب علي، فما أخرجه الترمذي من رواية ابن عباس وأخرج أيضاً من رواية أبي سعيد أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لعلي: ((لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجدغير وغيرك)).
قوله: (وفضيلة فتح خيبر لما غزى صلى اللّه عليه وآله وسلم خيبر وشق أفتتاحه بات صلى اللّه عليه وآله وسلم مهموماً وقد كان أعطى الراية عمر قولى هارباً وفي رواية أنه قد كان أعطاها قتله أبا بكر فولى هارباً أيضاً فقال: ((لأبعثن بالراية رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله)). وكان علي أرمد فدعاه رسول الله فتفل على عينيه فبرأ وأعطاه الراية فأفتتح الحصن وقد كان ألجأ من فيه إلى قصر فلم يدر المسلمون من أين يأتونهم فأقتلع علي الباب فوضعه على عاتقه ليرتقوا عليه ففعلوا ووقع الفتح ونظر وأبعد إلى ذلك الباب فوجد مما لا نقله إلا أربعون رجلاً وفي هذه القصة قال حسان بن ثابت:ـ
وكان علي أرمد العين يبتغي دواء فلما لم يحسن مداويا ... حياه رسول الله منه بتغلة فبورك مرقياً وبورك راقياً
وقال:ـ
سأعطي الراية اليوم صارماً كمياً محباً للرسول موالياً ... وأصفى بها دون البرية كلها علياً وسماه الوزير المؤاخيا

(14/19)


قال الإمام الناصر في كتاب المسفر: لما فتح الله خيبر على يد علي عليه السلام سر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بذلك كثيراً ولما رجع إلى رسول الله بعد فتح خيبر قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لولا أن تقول طائفة من أمتي فيك ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك مقالاً ........ ........ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت رجليك وفضل طهورك يستشفون بهما ولكن حسبك مني أن تكون بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي وأنك تبرئ ذمتي وتقاتل على سنتي وفي الآخرة أقرب الناس مني وعلى الحوض خليفتي وأول من يرده وأول من يكتسي وأول داخل الجنة وشيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم وحربك حربي وسلمك سلمي وسرك وعلانيتك علانيتي وسري وإنك على الحق ليس أحد من الأمة يعدلك بعدي وإن الحق على لسانك وقلبك وبين عينيك والإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي ولن يرد الحوض مبغض لك ولن يغيب عنه محب لك)). فخر علي عليه السلام ساجداً لله شكراً.
قوله: (وفضيلة حمل اللواء يوم القيامة).
روي من حديث طويل أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((وإني أخبرك يا علي إن أمتي أول الأمم يحاسبون ثم إنك أول من يدعى به لقرابتك مني ومنزلتك عندي ويدفع إليك لواء وهو لواء الحمد وآدم وجميع خلق الله يستظلون بظل لواي يوم القيامة)).
قوله: (وفضيلة الوصاية وفضيلة ذهاب الرجس).
سيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى.
قوله: (وأشباه هذا مما لم يوجد لأحد).

(14/20)


من ذلك ما رواه البيهقي في فضائل الصحابة عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((من أحب أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى توسع في تقواه وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في هيبته وإلى عيسى في عبادته فلينظر إلى وجه علي)). وروى الفقيه حميد عن علي عليه السلام قال: كان لي من رسول الله عشر ما أحب أن لي بأحداهن ما طلعت عليه الشمس قال لي: ((يا علي أنت أخي في الدنيا والآخرة وأقرب الخلائق مني في الموقف يوم القيامة ومنزلي يواجة منزلك في الجنة وأنت الولي والوزير والوصي والخليفة في الأهل والمال وفي المسلمين في كل غيبة وأنت صاحب لوائي في الدنيا والآخرة وليك وليي ووليي ولي الله وعدوك عدوي وعدوي عدو الله)).
وأعلم: أن فضائل أمير المؤمنين وما نقل فيها وورد لا يتمكم من حصر ذلك أحد وقد صنف فيها كتب كثيرة من محاسنها كتاب الدعامة للسيد أبو طالب، وقيل: أن الأعمس كان يروي في فضائل أمير المؤمنين قدر عشرة آلاف حديث.
قيل (ي): وقد أشتملت الإمهات كالبخاري ومسلم ونحوهما على ستمائة حديث وخمسة وثمانين حديثاً وأما ما يرويه أهل البيت وشيعتهم في فضل علي عليه والسلام وأبنائه فقد قيل أنها ألف ألف حديث أو ما يقارب ذلك، ولبعضهم:ـ
ولولا أن يظن بنا غلو لزدنا في المقال من أسترادا
قوله: (عائشة أقضاكم).

(14/21)


على ظاهره وقف الحديث على عائشة وقد رفعه الفقيه حميد قال ما لفظه: وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد خص بعض الصحابة بنوع ..... من العلم أقضاكم علي وهو أولى فإنه مما أخرجه الترمذي من رواية أنس قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأشدهم حياء عثمان، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرأهم أبي بن كعب، ولكل قوم أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر أشبه عيسى عليه السلام وورعه)).
قوله: (والقضاء جامع لعلوم الإجتهاد).
يعني: لأنها شرط في صحته فالوصف به وصف بها وقد ورد مما يدل على سعة علمه عليه السلام ما هو أصرح من هذا كقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)). وهو مما أخرجه الترمذي في جامعه هكذا وغيره زاد: ((فمن أراد المدينة فليأت الباب)). ولما نزل قوله تعالى: {وتعيها أذن واعية}. قال: ((سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي)). وقال ابن عباس رضي الله عنه: قسم العلم إلى ستة أسداس أخذ علي منها خمسة وشارك الناس في الباقي.
قال الفقيه حميد: ثم إذا تأملت أصناف العلوم وجدته الأصل في جميعها فله في الأصول ما لا يوجد لأحد من الصحابة مثله بل اليسير من كلامه فيها يعدل بكلامهم ثم له في الفرائض البديهية العجيبة والوادث الغريبة ثم في الفروع الفقهية الحظ الأسنى والقدح المعلى وكم من مرة تدارك فيها عمر على سعة علمه وبعد أن باشر الخطأ حتى قال: لا أبقاني الله لمعضلة لا أرى فيها ابن أبي طالب.
وما رجع علي عليه السلام إلى أحد منهم في شيء من الحوادث فإذا تقرر أنه أعلم وجب أن يكون أفضلهم قال تعالى: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}.
قوله: (يحيى بن آدم: ما أدركت بالكوفة..) إلخ.

(14/22)


يحيى بن آدم هذا مولى أموي كان من الثقات الحفاظ الأفاضل وهو من كبار الطبقة الثالثة من طبقات تابعي التابعين وكانت وفاته سنة ثلاث مأتين من الهجرة.

الكلام في الإمامة
قد قدمنا في جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فن علم الكلام وعدهما من أبوابه ما ينبغي أن يؤتى بمثله في مسألة الإمامة.
قال بعض المتأخرين: والتحقيق أنها من مسائل الفروع القطعية.
قال: وقد أفرط بعض الناس في إخراجها من أصول الدين فقال: هي من مسائل الإجتهاد التي كل مجتهد فيها مصيب وأقرب ما يعتذر به في إدخالها في هذا الفن وجعلها باباً من أبوابه أن الإمامة خالفة النبوة وعليها مدار كثير من أحكام الإسلام ولهذا ذكر أصحابنا أن العلم بها جملة من فروض الأعيان وتفصيلاً من فروض الكفايات.
وقال بعضهم: هي أهم التكاليف وأفحمها وأعظمها ثواباً والإمام أفضل الآدميين وهو في الدرجة الثانية من النبي وكما أن النبي لا يراد لنفسه بل يراد لغيره فكذلك الإمام فلو قدر أنه لم يبق إلا مكلف واحد لم يصح أن يبعث نبياً ولا يجعل إماماً.
قوله: (هي التقدم).
قيل: لا بد معه من أعتبار حصول الإقتداء فالإمام لغة: المتقدم على غيره في أمر من الأمور على وجه يقتدى به.
قوله: (كما قال تعالى: {يوم يدعو كل أناس بإمامهم}).
هذا شاهد يعم الوجهين لأن المعنى سواء كان إمام خير أو إمام شر.
والذي يختص إمام الخير: {إني جاعلك للناس إماما}. {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا}.
والذي يختص إمام الشر نحو: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار}.
قوله: (قلنا: رئاسة عامة، أحتراز من الخاصة كرئاسة الرجل على أهل بيته).

(14/23)


المراد بعمومها إنها تعم الأمة كافة ولا تتعلق ببعض منهم دون بعض ولا بجهة دون جهة ولا بوقت دون وقت إلا أنها لا تعم الجن فلا تكليف عليهم فيها ولا يلزمهم طاعة الإمام ولا يعلم منهم أئمة إذ لا دليل على ذلك ويخرج كل رئاسة خاصة كولاية القضاء والإمارة في بلد أو على عسكر وولاية الأوقاف والمساجد ونحو ذلك.
قوله: (ولهذا قال عمر: سيفان..) إلخ.
قاله يوم السقيفة جواباً للأنصار وقد قال قائلهم: منا أمير ومنكم أمير.
قوله: (والألطاف تختلف).
يعني: فمن الجائز أن يكون اللطف في بعثة نبي واحد وأن يكون في بعثه نبيين أو ثلاثة.
قوله: (وقلنا في أمور مخصوصة..) إلخ.
سيأتي تحقيق هذا في بيان ما يحتاج إلى الإمام فيه.
قوله: (وحفظ بيضة الإسلام).
أي: حوزته والحوزة في الأصل الناحية.
قال الجوهري: بيضة كل شيء حوزته.
قوله: (لكن يد الإمام فوق يده).
يعني: فيلزمه أمتثال ما أمره به ونهاه عنه ولو صدر منه ما يوجب الحد وجب على الإمام أن يقيمه عليه.

تنبيه:
لم يذكر المصنف حقيقة الإمام أكتفاء بذكر حقيقة الإمامة لأنها ترشد إليها فالإمام من له تلك الرئاسة العامة المذكورة.

فصل:
قوله: (والظاهر من كلام العلماء أن الإمامة واجبة).
هكذا يذكرون وهو كلام مجمل.
قال الفقيه حميد: ومعنى ذلك أنه يجب على من صلح للقيام بأعباء الأمة أن ينتصب ويدعو الناس إلى طاعة الله تعالى وطاعته والأنقياد للأحكام الشرعية.
قلت: ويجب ذلك على الصالح ويتعين إن لم يصلح غيره وكفاية إن كان الصالح لذلك جماعة ويجب على سائر الأمة نصبه على قول من يجعل طريقها العقد والإختيار ويخيرون في نصب من شاؤا من الصالحين لها.
قال الرازي في نهايته: أتفق جمهور الأمة على أنه يجب نصب إمام في كل وقت.

(14/24)


وتابعه على ذلك الإمام يحيى وهذا يستقيم على القول بالعقد والأختيار........... الواجب على الأمة وأما إذا لم تكن طريق الإمامة إلا الدعوة فالواجب على الإمام لا عليهم ولا يبعد أن يعد من الواجب على الأمة حثه على القيام وإعانته عند من يجعل طريقها الدعوة لأنه قد يفهم من كلامهم أن الواجب على الأمة وعلى ما ذكره الفقيه حميد أن الواجب على الإمام فقط، وإنما يجب عليهم الإجابة والطاعة، والقول بوجوبها مذهب أهل العدل والأكثر من الأمة والخلاف في ذلك مع الحشوية ..... من الخوارج والأصم وهشام بن الحكم وهشام الفوطي وبعض المرجئة، وأختلف في الرواية عنهم.
فقيل: ذهبوا إلى أن الإمامة لا تجب شرعاً ولا عقلاً لكن إن أمكن نصب إمام عدل من دون سفك دم ولا ضرر فحسن وإن لم يتفق ذلك وقام كل واحد بأمر منزله ومن يشتمل عليه من ذي قرابة وجار فيقيم فيهم الحدود والأحكام على مقتضى الكتاب والسنة جاز ذلك ولا حاجة إلى الإمام، وإما أنه يقوم بالسيف والحرب فلا يجوز هكذا حكى نشوان عنهم.
وقيل: بل الخوارج لا توجب الإمامة بحال تناصف الناس أو لم يتناصفوا.
وقال هشام بن الحكم: تجب الإمامة مع التناصف لأن الإمام يحتاج إليه لتنفيذ الأحكام مع التناصف لا عند التشاجر.
وقال الأصم ومن طابقة: إن وقع التناصف لم يجب لعدم الحاجة إلى الإمام حينئذ.
قال في تعليق الشرح: وكلامهم يعود إلى قولنا، لأن المعلوم ضرورة من عادة البشر أنه لا يقع بينهم تناصف.
وقد حكى الرازي عن عشام الفوطي مثل ما نقل عن هشام بن الحكم فقال هؤلاء: يجب نصب الإمام في حال ظهور الظلمة لأنهم ربما أنفوا عن طاعته فيؤدي قيامه إلى إثارة فتنة وأما مع ظهور التناصف فيجب نصبه لإظهار شعار الشريعة.
قوله: (ويحتجون لذلك بإجماع الصحابة).

(14/25)


أختصر المصنف في ذكر هذا الدليل وعادة المستدلين به توسيع الكلام فيه وذكر ما ظهر من أهتمام الصحابة بتأدية هذا الأمر الواجب حتى أشتغلوا عن تجهيز رسول الله وقدموه عليه وأثروه بالنظر ثم لما دنت الوفاة من أبي بكر أشتغل بذلك في مرضه وأمعن النظر فيه وعقد الولاية لمن يقوم بالأمر بعد ثم لما أتفقت قضية عمر جعل المهم له النظر في ذلك مع معاناته لأسباب الموت وصير الأمر شورى ثم لما أتفق مهلك عثمان أنثال الناس على أمير المؤمنين وبادروا إلى بيعته من غير تراخ ولا مهلة وفي جميع هذا الأحوال لم يسمع من دان ولا عال أن قال: لا حاجة بنا إلى هذا ونحن في غنية عنه أو ليس هذا بلازم لنا ولا واجب علينا، ولا أنكر أحد قول أبي بكر: لا بد لهذا الأمر ممن ينظمه ويقوم به. ولا قول غيره في هذا المعنى وهذا الدليل هو أبلغ ما يعتمد عليه في وجوب الإمامة وأستقواه كثير من العلماء وبنوا على أنه دليل قطعي برهاني وقد أورد المصنف عليه الإشكالات الثلاثة المذكورة في المتن وهي واردة عليه بعد تسليم وقوع الإجماع وأنه منقول بالتواتر وأن الإجماع حجة قطعية وأنه لا يشترك في ذلك أتفاق جميع من وجد من الأمة قطعاً بل إجماع أهل كل عصر كاف وفي كل من هذه الوجوه نزاع شديد.
قوله: (أحدهما: أن إجماع الصحابة..) إلخ.

(14/26)


قد أجاب عن ذلك في العمدة بأنهم لو فعلوا ذلك لحسنه فقط من دون وجوب لما خلا بعضهم عن أن يقول لا حاجة بنا إلى ذلك ولخالف فيه كما ثبت أختلافهم فيما ليس بواجب ومعلوم ان الأمر ليس كذلك فإنهم كانوا يبادرون إلى نصب الإمام أشد المبادرة على حد يظهر منهم دلائل أعتقاد الوجوب لا الحسن فقط، وقد بالغ الإمام المهدي عليه السلام في رد هذا السؤال وتضعيفه وقال: إنه لا يصدر عن ذي فطانة لأنا نعلم ضرورة من دين النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وجوب نصرة الإسلام على كل مسلم وتوهين الكفر حسبما نستطيع وكل عاقل يعلم ضرورة أن بقاء الأمة بعد موت الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم فوضاء ليس لهم أمير يجمع كلمتهم ويسد الثغور ويصلح ما أفسده الجهال والضلال فيه هدم لما كان صلى اللّه عليه وآله وسلم مشيده والمنكر لذلك معايد دافع للعلم الضرورة فعلم أنهم إنما فزعوا إلى نصب الإمام لتقوية أمر الإسلام وذلك عليهم فرض واجب فيجب أن يكون فعلهم ذلك لوجوبه.
وعندي أن هذا الجواب غير مطابق للسؤال وفيه مجازفة وإذا ثبت ما أدعاه من العلم ضرورة بوجوب نصرة الإسلام على كل مسلم والعلم ضرورة بأن عدم الإمام ينافي ذلك أستغنينا عن الإستدلال بإجماع الصحابة فالأمور المعلومة ضرورة من الدين لا تفتقر إلى إقامة البراهين.
قوله: (لما جاز خلو الزمان عن إمام).
يعني: مع أنه يعلم ضرورة خلو كثير من الأزمنة عن أئمة الهدى والمحققون متفقون على ذلك وأنه يجوز خلو الزمان عن إمام.
وأما أنه هل يجوز خلو الزمان عمن يصلح للإمامة أو لا؟
فالعدلية وجمهور المتكلمين منعوا ذلك وقالوا: لا يجوز أن يخلو الزمان عمن هو صالح لهذا الأمر وكل من أصله فالزيدية يقولون: بإمتناع أن يخلوا عن صالح من الفاطميين.
والمعتزلة: عن صالح من قريش، إلا أبا علي: فجوز أن يخلو عمن يصلح من قريش.
وقال: ومع ذلك تجوز الإمامة في غيرهم.
وقال: ولا بد أن يوجد الصالح بكمال الشرائط ما عدا المنصب.

(14/27)


والخلاف في هذه المسألة مع المخالفقين في وجوب الإمامة أستدل الجمهور بأن علينا تكاليف لا يصح تأديتها إلا مع وجود الإمام كإقامة الجمعات والحود وأخذ الزكوات كرهاً ونحو ذلك فيجب على الله تعالى أن لا يخلي الزمان عن صالح للإمامة ليتم لنا تأدية ما كلفناه إذ لا يتم إلا مع وجود من كملت في الشرائط فما كان منها من فعل الله كالعقل والذكورة والمنصب والبلوغ وجب عليه تعالى فعله، وما كان منها أكتسابياً كالعلم والورع وجب عليه تعالى توفير دواعي المكلف إلى تحصيله.
وإذا قيل: هذا يقتضي ألا يخلوا الزمان عن إمام ثابت الإمامة لأن أداء التكاليف المذكورة يتوقف على وجوده لا على وجود من يصلح فقط.
قالوا: الواجب على الله ما ذكر من فعل ما كان من الشرائط من فعله وتوفير الدواعي إلى إكتساب ما هو من فعل المكلف بحيث يقع منه ثم إذا أكملت فقد صار الواجب على غيره وهو الدعوة والخروج عند من يجعلها طريق ثبوت الإمامة والعقد على العاقدين عند من يجعله الطريق والرضا على الآخرين، وإذا ثبت أنه لا يخلو الزمان عن صالح للإمامة فمن الجائز بل الواقع وجو جماعة يصلحون للإمامة فمن دعا فهو الإمام أو من عقد له على أعتبار العقد والأختيار.
وذهب عباد بن سليم والإمامية: أنه لا يجوز أن يوجد في وقت واحد ممن يصلح للإمامة إلا رجل واحد وإلا كان تخصيص واحد بها لغير مخصص ورد بأن عمر جعلها شورى في ستة ولم ينكر عليه وبأنا نقطع بصلاحية كل واحد من الحسنين وهما في وقت واحد.
وذهب الشيخان: أنه لا بد من أن يقرع بينهم مع الاستواء لأن القرعة معتبرة في الشرع.
وقال ضرار: بل يؤثر العجمي على العربي.
والدليل على العزيز: ليكون أقرب إلى إمكان الخلع والإزالة.
وهي جهالة فإن المعتبر ما كان أقرب إلى قوة الشوكة وإنفاذ الكلمة.

(14/28)


وقد أجبت عن الوجه الثاني من وجهي الأشكال اللذين أوردهما المصنف: بأن الإمامة وإن وجبت على الأمة في كل عصر فوجوبها موسع غير مضيق لتباعد التواخي وأختلاف الأراقي في طلب الصالح وتعيينه وإذا كان وجوبها موسعاً لم يظهر الأخلال بالواجب من أهل العصر إلا بعد أن ينقرضوا كافة ولا يبقى منهم أحد قبل أن يقوم منهم قائم حق ولا يعلم أتفاق ذلك والخلو عن قائم حق في مدة ممتدة يقطع فيها بإنقراض أهل عصر كلهم إذ لا يقطع بذلك أو يغلب الظن به إلا في قد مائة وخمسين سنة ومن المعلوم أنه لم تخل الأمة عن قائم حق قدر هذه المدة وإنما تقع فترات يسيرة في أوقات قصيرة ذكر معنى ذلك الإمام المهدي وفيه نظر لأن الواجبات التي يحتاج إلى الإمام فيها وجب نصبه للقيام بها غير متأخرة بل يجب في أوقاتها فكيف يكون ما يتوقف عليه متأخراً موسعاً وكيف يقولون بأنه يجب نصب الإمام ليمكن تأدية ما وجب من إقامة الجمعة والحدود وأخذ الزكوات وتجييش الجيوش وحفظ بيضة الإسلام ثم يقولون يجب وجوباً موسعاً متراخياً في قدر مائة وخمسين سنة فما يكون حكم الجُمَع في هذه المدة وهي تجب في كل شهر أربع مرات وما يكون حكم الحدود وأسبابها ترتكب كل يوم وليلة في الأغلب وما يكون حكم الزكوات وهي تجب في كل سنة ومنها ما يجب في السنة مرتين ومرات مع أنكم تقولون أنه إذا قام لم تقم الحدود في الوقت الذي مضى قبل ولايته و.......... الماضية قد تعذرت إقامتها فما جاز في مدة التراخي هذه من عدم قيامة جاز فيما بعدها وأي غرض في أن يتعين وجوب إقامة على أهل العصر على آخر مدة بقائهم وأوان أنقراض آخرهم وإذا أستغنوا عنه في مدتهم وزمانهم حتى مضى الزمان وذهب أكثر الأعيان ولم يبق إلا يوم أو يومان ولا بقي منهم إلا واحد أو أثنان فلتقع الغنية عنه لتلك البقية اليسيرة في تلك المدة القصيرة وما أحوج إلى هذا إلا التكليف وسلوك سبيل التعسف.

(14/29)


قوله: (ووجه ثالث: وهو أن يقول المعتزلي للزيدي..) إلخ.
في هذا الوجه ضعف وجوابه واضح: وهو أن حكمنا على سكوت علي عليه السلام ومن على رأيه عن إنكار إمامة أبي بكر بأنه للتقية إنما كان لقرائن أقتضت ذلك من تجرم علي عليه السلام وفلتات تصدر منه وما صح من أدعائه الأولوية مع ما نعلم أو نظن من أن منكرها لا يسلم من الإهانة ولخوف الضرر وإرغام الأنف كما كان في حق سعد بن عبادة وما روي من هذا المعنى في حق غيره ولم يحصل مرتبة تقضي بأن السكوت عن إنكار وجوب الإمامة لمثل ذلك بل القرائن قاضية بخلافه.
قوله: (وقد أستدل على وجوبها بوجه آخر).
هذا الدليل هو الذي أعتمد عليه الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام وأبو علي وأبو هاشم في بعض كتبهما وأعتمده الرازي في نهايته.
قوله: (وأجمعت الأمة..) إلخ.
كذلك دل عليه الحديث وهو قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أربعة إلى الولاة الحدود والجُمعات والفيء والصدقات)).
قوله: (وبوجه آخر، وهو أن يقال: ما أنكرتم..) إلى آخره.
حاصله أن يجعل الإمام شرطاً في الوجوب كالنصاب في الزكاة ولا يجب تحصيل الشرك الذي هذا حاله لا شرط أداء كالوضوء لأن الإجماع وقع على أن الوضوء شرط أداء فيجب تحصيله ولا إجماع على أن الإمام شرط في أداء الحد وأول من أورد هذا الإعتراض الشيخ أبو عبدالله وضعف هذه الدلالة لأجله.

(14/30)


وقد أجبت: بأن الأمر بالحدود وقع مطلقاً غير مقيد بالشرط كالأمر بالصلاة فيجب تحصيل الشرط، وليس في قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أربعة إلى الولاة..)). ما يقضي بأن الولاة شرط وجوب بل منه كالتصريح بأنهم شرط أداء لأنه قال: ((إلى الولاة)). أي إقامتها بعد وجوبها بحصول أسبابها إليهم لا إلى آحاد الناس وإذا وجبت كذلك ولم يجز إقامتها إلا على وجه مخصوص داخل تحت مقدورنا وجب علينا تحصيله لنقوم بما قد وجب علينا وجوباً مطلقاً، وهذا الجواب لا يستغنى عن إعادة النظر فيه وتأمل ما أشتمل عليه من تعليل وتوجيه وأوضح من ذلك الإعتراض أن يعترض ذلك الإستدلال بمنع الإجماع وكيف يدعى الإجماع مع أن أبا حنيفة لا يشترط الإمام في إقامة الحدود ويجعل إقامتها إلى الأمراء وأهل الشوكة وإن لم يكن ثم إمام والمخالفون في وجوب الإمام وهم الحشوية ومن قال بقولهم يمنعون من كون تلك الأمور مشروطة بالإمام ومقصورة عليه وفي كون الحد والفيء والصدقات وإقامة الجمعات مقصورة على الإمام خلاف ظاهر مشهور مبين في مواضعه من كتب الفروع فكيف يحتج بالإجماع هنا، وأما الخبر المذكور فآحادي ولا تصريح فيه بالإشتراط وما المانع من أن يكون المراد أنها إليهم مع وجودهم ولا يصح أن يتركب على مثله دليل يدعي كونه قطعياً وقد أستدل بعض أصحابنا على وجوب الإمامة بدليل ثالث يجري الكلام في تقريره وتنظيره على نحو من الإستدلال بدليل الأمر بإقامة الحدود وهو أن الجهاد فرض واجب على الأمة والإمام شرط في أدائه وتحصيل هذا الشرط ممكن للأمة فثبت وجوبه ووجوب الجهاد لا نزاع فيه، وأما أن الإمام شرط فيه فغير مسلم وقد أحتج على ذلك بحجة متكلفة وسلك إلى تصحيحة في طريق متعسفة والمعلوم ضرورة إمكان جهادة الكفار والبغاة من دون حصول الإمام الجامع للشرائط وإن العلماء متفقون على من شاء الجهاد لا يتوقف عليه كمدافعة الكفارة والبغاة وبعضهم يجيز قصدهم من دون إمام ويلحق بما ذكر إيراد

(14/31)


ما تمسك به المانعون لوجوب الإمامة ونصب الإمام وقد تمسكوا بوجوه:ـ
الأول: لو وجب ذلك لكان إما لفائدة فيه أو مع غيره فائدة محال أن يكون نصبه لغيره فائدة لأنه يكون عبثاً وإذا كان لفائدة فهي:
إما دينية وهو كونه الأصل في معرفة الله ومعرفة صفاته كما تقوله طائفة، أو لكونه لطفاً في الواجبات والكف عن المحرمات كما تقوله الإمامية والقسمان باطلان فبطل أن يكون نصبه لفائدة دينية.
وإما دنيوية فأما جلب نفع فهو غير واجب إتفاقاً أو دفع ضرر فيكون الوجوب موقوفاً على حصول المضرة وإندفاعها ولا مانع من أن ينكف الناس عن الأضرار مع عدمه لا يكون دفعه ممكناً فضلاً عن أن يكون واجباً.
وأجبت: بأن نصبه لغرض ديني خلاف ما ذكر وهو إظهار شعار الدين كالجهاد وإقامة الحدود والجمعات وغير ذلك، وغرض دنيوي وهو دفع ضرر بعض الخلق عن بعض ودفع الظلم وهذا غرض عظيم ومقصد كلي.
وقولهم: فلا مانع من أن ينكف الناس عن الأضرار إلى آخره.
قلنا: ذلك أمر موهوم وأما الحاصل الموجود فهو أن الخلق لا يخلو حالهم عن إضرار بعضهم بالبعض.
الثاني: قالوا: نصب الإمام يتضمن الإضرار بالخلق لأنه ربما يستنكف الناس عن طاعته فيحاربونه فإما قتلوه أو قتلهم فتعظم الفتنة وتشتد البلوى وأي ضرر أعظم من هذا فلا يتوجه نصبه.
والجواب: هب أنه كذلك لكن الضرر الحاصل من تركه أعظم وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فإن في نصبه صلاحاً للخلق وقطعاً للشجار وكفاً للظلم.
الثالث: أجمعت الأمة على أن طريق الإمامة ليس إلا أحد ثلاثة أمور: النص، الأختيار، والدعوة.
والنص باطل بما تذكره المعتزلة، والأختيار باطل بما يذكرونه فإذا بطل ذلك كله ولا طريق للإمامة سواه وجب بطلان وجوب نصب الإمام.
والجواب: أن ما ذكره لا يستقيم لإقامة الدليل على صحة ما يذهب إليه في طريق الإمامة.

(14/32)


الرابع: قالوا: من شرط الإمامة الإجتهاد وضبط علوم الإجتهاد صعب وإحراز شروطه متعذر فقد يستغرق الإنسان في بعض علوم الإجتهاد عمره ولا يقع على المقصود منه فكيف إذا أراد إحراز جميعها وإذا كان ذلك متعذر كان نصب الإمام متعذراً.
قال الإمام يحيى: والجواب من وجهين:ـ
أحدهما: أنا إن قلنا أن الإجتهاد ليس شرطاً في الإمام وإن إمامة المقلد صحيحة لم يلزمنا ما قلتم إذا كان محرزاً لسائر الصفات من الورع وحسن السياسة والتدبير كما سنقرره بعد إن شاء الله.
وإن قلنا: إن الإجتهاد شرط فإن كان ممكناً فنصب الإمام واجب وإن كان غير ممكن لم يجب لأنا لم نوجب الإمام إلا مع الإمكان دون التعذر والإستحالة.
وأما ثانياً: فسنوضح الكلام في علوم الإجتهاد ونبين مقدار الواجب منها وإن إحرازه ممكن على القرب فسقط ما ذكرره.
الخامس: لو وجب النصب للإمام لكان إما أن ينصب إمام واحد أو أكثر. والأول باطل لأنه مستحيل أن ينفذ أمره في قضية واحدة من جهة المشرق والمغرب جميعاً. والثاني باطل للإجماع على بطلان إمامين في وقت واحد فيجب القضاء ببطلان نصب الأئمة.
والجواب: أن المحال إنما يلزم إذا كان هو المتولي للقضايا في المشرق والمغرب بنفسه وأما إذا كان لنصب القضاة وإنفاذ الولاة فإن ذلك غير متعذر كما كان حال الخلفاء في جميع الأقطار فسقط جميع ما تعلقوا به.

تنبيه:
أعلم أن الجمهور يعدون مسائل الإمامة من المسائل القطعية التي لا مجال للإجتهاد فيها ويحكمون بأن وجوب الإمامة معلوم قطعاً وإن أدلته موصلة إلى العلم وذهبت الأشعرية وبعض المعتزلة إلى أنها من المسائل الظنية الإجتهادية.

(14/33)


قيل (مهدي): ومعنى قولهم إن الإمامة إجتهادية أن الأمة إذا أختلفت في إمامة إمام فبعضهم قضى بصحتها وبعضهم قضى بفسادها فثبوت إمامته ووجوب طاعته ظني لا قطعي مهما لم يحصل عليه نص متواتر ولا إجماع ولا قياس قطعيان وحكموا بتعذر هذه الطرق الثلاث فيمن قام منذ قتل عثمان، وَرَدَّ بأن الأدلة القطعية قد قامت على وجوب الإمامة ولم يشترط الشرع حصول نص ولا إجماع على القائم بها ومن أنتصب لها كامل الشرائط فقد قام بما أوجبه الله قطعاً فلزم القطع بإمامته.
قلت: وقد أتفقت بيننا وبين أعيان علماء عصرنا مراجعة في هذا المعنى مجموعها قدر مجلد لطيف ابتدأناها برسالة وأجاب عنها أعيان علماء صنعاء وغيرهم وأجبنا عن أجوبتهم وفي تلك المراجعة فوائد وفرائد لا ينبغي أن يغفل عنها من عول على التحقيق في هذه المسألة.

فصل:
وطريق وجوب الإمامة عند جمهور العدلية السمع فقط.
قوله: (وبنوا ذلك..) إلى آخره.
تحقيق هذا الوجه أن الإمامة إنما وجبت لأجل وجوب أمور علم وجوبها من جهة السمع كإقامة الحدود ولا شبهة أن العقل لا يقضي بوجوبها وإذا ثبت ذلك فلا يجوز أن يعلم وجوبها بالعقل لأنه لا يعلم وجوب ما هو وصلة إلى الواجب إلا بعد العلم بوجوب ذلك الواجب فإذا كان الإمام إنما يراد لأداء أمور واجبة وجب ألا يعلم وجوب الإمامة إلا بعد العلم بها وهي لا تعلم إلا من جهة الشرع، وأحتجوا أيضاً بأن العقل يمنع من مقتضى الإمامة إلا بمبيح شرعي لأن الإمامة إنما تراد لأمور ضارة كالقطع والرجم والصلب وأخذ نصيب من أموال الناس على كره منهم وقتالهم وقتلهم إن أمتنعوا من ذلك ولا شك أن العقل يمنع من وجوب هذه الأمور لأنه يمنع من حسن الإضرار بالغير لا لنفع أو دفع ضرر والعقل لا يدل على ثبوت غرض في هذه الأفعال بل هو مما ينفرد الله بالعلم به ولا يعلم إلا بوحي يرد من جهته.
قوله: (قالوا: والذي يقضي به العقل من ذلك هو رئيس ما هو كذلك).

(14/34)


فإن هذا الدليل إنما يقضي بأنه لا بد من رئيس يحصل به الغرض المقصود كافراً كان أو مؤمناً جامعاً للشرائط أو خالياً عنها ولا نعلم منه أيضاً أنه لا يصح أن يكون إلا واحداً بل مقتضاه أن أهل كل قرية لا يستغنون عن الرئيس الذي يحصل به ما ذكر وقد جعل أصحابنا هذا وجهاً مستقلاً في بطلان ما ذهبوا إليه لأن الذي زعموا أن العقل يقضي به هو غير ما نحن فيه، وإذا قالوا نرجع في شرائطه وتفصيل أحواله إلى دلالة أخرى وهي: الشرع. أو قالوا: يجب أن يكون مؤمناً لأن النفوس إليه أميل ويجب أن يكون واحداً لأن كثرة الرؤساء يؤدي إلى التنازع والمنافسة وذلك يقضي إلى نقيض الغرض المقصود.
قال الإصحاب لهم: إذا كان وجوب الرئاسة.
دليله: ما ما نعلم من فزع العقلاء إلى الرؤساء وجب ألا يعتبر في الإمامة إلا ما يعتبرونه عند الفزع، فأما أن يجعل الفزع دليلاً على بعض ذلك دون بعض فلا مخصص وإما كون النفوس أميل إلى المؤمن والكافر تنفر عنه النفس فغير المسلم لأن كثيراً من الجاحدين يقع منهم العدل وكثير من أمراء الإسلام يقع منهم الجور.
وقولهم: إن كثرة الرؤساء يؤدي إلى التنازع.
غير مُسَلَّمٍ فمن المعلوم أنه متى أراد الواحد منها أنفاذ أوامره على أقطار كثيرة وأستبداده بالرئاسة وقع من التنازع والتشاجر والتناحر ما يزيد على ما يقع بسبب تعدد كثرة الرؤساء هكذا قرره الفقيه حميد في العمدة.
قوله: (فالواجب دفع أكثر الضررين بأقلهما).
المعنى هنا: دفع أكثر الضرر بالأمر الذي ينشأ منه أقلهما.
قوله: (وقد جاز خلو الزمان من نبي فليجز خلوه عن إمام).
هذا الوجه يرد على قولهم أنه لا يجوز خلو الزمان عن إمام وهو ظاهر من مذهبهم وإن لم يذكره المصنف في أول المسألة عند ذكر خلافهم.
قوله: (إلا من رأى هذا الإمام).
يقال: ليس من شرط اللطف أن يكون مرئياً فكان القياس أن يقول أو من ...... دعوته.
قوله: (وبعد فأكثر الألطاف تختلف..) إلخ.

(14/35)


هذا وجه ركيك وكان يلزم مثله في معرفة الله تعالى ونحوها فإنما تختلف الأحوال في نحو الصحة والألم والغناء والفقر ولا يلزم من أختلاف الحال فيها أختلافه في كل لطف.
قوله: (لأن الناس يكونون معه أقرب إلى الطاعات).
يعني: ومن حق اللطف أن يفعل على أبلغ الوجوه كما تقدم.
قوله: (ومع فَقْدِ الإمام وعدم إطلاعه على الأفعال لا سيما أفعال القلوب كيف يفعل لأجله).
أما مع فَقْدِ الإمام وغيبته على ما تقوله الإمامية فمستقيم، وأما مع وجدانه وظهوره والعلم به فلا مانع من ثبوت اللطفية وليست مقصورة على أن يطلع الإمام على فعله ويفعل المكلف ما يفعله ليعلم الإمام ذلك منه.
قوله: (يكفي لجميع الأزمان).
يعني: كما ثبت ذلك في حق النبي.
قوله: (ولو كان هناك إمام كما زعموا).
كان الأحسن أن يقول: فلو كان الخلاف يرتفع بالإمام كما زعموا.
قوله: (لأن العلم بهذه الأمور ليس بواجب لا يبعد أن تعد أو بعضها من الواجبات على الكفاية.
قوله: (وإلى هذا أشار المتنبي بقوله:ـ
يموت داعي الضأن في جهله ميتة جالينوس في طيه)
هذا البيت من أبيات له فائقة رائقة عظمها صاحب اليتيمة ويعلمها في سلك المنظومات الحكيمة وهي:ـ
نحن بنو الموتى فما بالنا نعاف ما لا بد من شربه ... تبخل أيدينا بأرواحنا على زمان هن من كسبه
فهذه الأرواح من جوه وهذه الأجساد من تربه ... لو فكر العاشق في منتهى حسن الذي ....... لم ........
لم ير قرب الشمس في شرقه فشكت الأنفس غربه ... يموت راع الضأن في جهله ميتة جالينوس في طبه
وربما زاد على عمره وزاد في الأمر على شربه ... وغاية المفرط في سلمه كغاية المفرط في حربه
ولا قضى حاجته طالب فؤاده يخفق من رغبة
قوله: (وبعد فنهاية الأمر أن يهلك المرء..) إلى آخره.
يعني: وإن كان فهذا غير مُسَلَّمٍ لما سبق ذكره ولأنه يمكن معرفة ذلك بضروب من الخبرة والتجربة.

فصل: فيما يحتاج له الإمام
قوله: (وحفظ الأوقاف).

(14/36)


يعني: التي لا ولي لها خاص يصلح لتوليها وقد تقيد الأوقاف بالعامة بناء على أنه لا تعلق للإمام بالأوقاف الخاصة والأطلاق أولى.
قوله: (وتجييش الجيوش ونحو ذلك).
يعني: غزو الكفار والبغاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإرهاب الفسقة.
قوله: (وإن أختلفت فبعضها لا يقوم به إلا الأئمة وبعضها يقوم به غيرهم).
إعلم أن التكاليف التي شرعت الإمامة لأجلها وما يرجع إلى الإمام من الأحكام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:ـ

القسم الأول: ما لا يقوم به إلا الإمام وإذا لم يوجد الإمام لم يقم به غيره.
وهو أربعه أنواع: إقامة الجمعات، وإقامة الحدود، وغزو الكفار والبغاة، وأخذ الزكاة كرهاً.
وهذا رأي أهل المذهب ومستندهم الحديث النبوي وهو: ((أربعة إلى الولاة الحدود والصدقات والجُمعات والفيء)). وفي كل واحد من هذه الأنواع خلاف.
أما إقامة الجمعات: فذهب الشافعي ومالك إلى صحتها في غير زمن الإمام وعدم أشتراطه فيها.
وقال به أعيان من متأخري أهل البيت وأئمتهم: كالمطهر بن يحيى وولده محمد والمؤيد يحيى بن حمزة والمهدي علي بن محمد.
وذهب أبو حنيفة: إلى عدم أشتراط الإمام جامع الشرائط وقال: لا بد من سلطان له قهر عادلاً كان أو جائراً.
وأما الحدود: فقد أدعي الإجماع على أنه لا يقيمها على الأحرار إلا الأئمة.
وروي عن بعض الفقهاء منهم: مالك وبن شروين: أن إقامتها تصح من آحاد الناس.
وعن بعضهم: أن للوالد أن يقيم الحد على ولده.
وللمؤيد عليه السلام: قول أن المنصوب للقضاء من جهة الخمسة يجوز له إقامة الحدود وكذلك كل قاض صح قضاؤه من غير جهة الإمام بالصلاحية أو بنصب الظلمة.
وعن بعضهم: أن ذلك يصح من أمراء الأمصار والشُّرط.
وأما المماليك: فعند القاسم والمنصور بالله أن السيد يحد مملوكه مع عدم الإمام لا مع وجوده.
قيل (ي): وهو الظاهر لأهل المذهب.
ويروى عن الشافعي: أن ذلك يجوز للسيد مع وجود الإمام كما يجوز مع عدمه.

(14/37)


وأما غزو الكفار إلى ديارهم: فالجمهور على أن ذلك مما يختص به الإمام ولا يجوز مع عدمه، نص عليه الهادي في الأحكام، وقال به أبو العباس وأبو طالب، والظاهر أنه قول أكثر أهل البيت.
وذهب المؤيد أخراً إلى أنه يجوز قصد الكفار إلى ديارهم من غير إمام ولا إذن منه.
قال في الكافي: وإليه ذهب زيد بن علي والناصر للحق وأبو عبدالله الداعي.
قيل (ي): وإليه ذهب الإمامان المتوكل أحمد بن سليمان والمنصور بالله.
وأما غزة البغاة إلى ديارهم: فنص القاسم والهادي وأسباطهما على أنه لا يجوز إلا للإمام وهو الظاهر من أقوال السادة الهارونيين، وبه قال المنصور بالله أخراً.
وذهب السيد أبو عبدالله الجرجاني: إلى أنه يجوز بغير إمام ولا أذنه في وقته وغير وقته قال: وهو الذي ذهب إليه المحصلون من محدثي أصحابنا وأختاره الحاكم أبو سعد، وقال به المنصور بالله أولاً.
وأما أخذ الزكاة كرهاً: وفي حكمها الخمس فمذهب أهل البيت عليهم السلام أن ذلك مما يختص به الإمام ولا يجوز لأحد غيره.
وذهب أبو الفضل بن شروين والقاضي جعفر: أن ذلك جائز لغير الإمام، ولكل من أهل هذه المذاهب المختلفة دليل على ما ذهب إليه وليس هذا موضع التنبيه عليه وهو مذكور في مواضعه من كتب الفقه.

القسم الثاني: ما يكون إلى الإمام مع وجوده لا إلى غيره ومع عدمه يكون إلى غيره.
وهو كتولية القضاة والتولية على الأوقاف ونصب القُوَّام على الأيتام والحكم بين الناس وتعديل الشهود وجرحهم والأخذ على أيدي السفهاء وإنصاف المظلوم من الظالم فهذه الأحكام إلى الإمام عند وجوده ثبتت له الأولوية بالقيام بها.

تنبيه:
إذا عدم الإمام فكيف يكون في تولي القضاة والولاة على الأوقاف والأيتام والمساجد ونحو ذلك؟
ذهب الجمهور من أهل البيت كالقاسم والهادي والناصر وأبو طالب: إلى أنه لا يعتبر النصب وإن من صلح لذلك قام به وتعين عليه ونصب نفسه وأحتسب فيه.

(14/38)


وذهب السيد المؤيد بالله والحنفية والشافعية والشيخان أبو علي وأبو هاشم وقاضي القضاة وأنور سيد وخرجه المؤيد بالله للهادي: أنه لا بد من النصب ينصب خمسه من أهل العلم والزهد وإن لم يكونوا من أهل الإجتهاد والصلاحية للإمامة والقضاء سادساً يصلح لما نصبوه له ولا يصح ذلك ليتصرف المنصوب بالولاية هذا في غير وقت الإمام أو في بلد لا تنفذ أوامره فيه.

القسم الثالث: ما يستوي في القيام به حال الأئمة وغيرهم لكن الواجب فيه آكد على الأئمة.
وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأصح فإنه يجب ذلك والمقاتلة عليه سواء كان في الوقت إمام أو لم يكن لأن الأدلة الدالة على وجوبه لم تفصل وإنما تكون آكد في حق الإمام لما سبق ذكره.
وعده الفقيه حميد من القسم الثاني قال: لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجبان على حسب الإمكان فمن كان تأثيره فيهما أقوى كان الوجوب في حقه آكد وأولى ولا شك أن للإمام من التمكن ما ليس لغيره.

فصل: في شروط الإمامة

(14/39)


وإعلم أن العلم بصحة إمامة الإمام يتوقف على العلم بها فلهذا أوجب أصحابنا معرفة الصفات والشرائط على كل مكلف كما أنه يجب معرفة إمام الزمان على كل مكلف لأن على كل مكلف تكليفاً يتعلق بالإمام وما لا يتم الواجب إلا به يكون واجباً وللإجماع على ذلك، ولقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)). وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((تمسكوا بطاعة أئمتكم ولا تخالفوهم فإن طاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله)). ولن يتمكن من التمسك بطاعة الإمام إلا من عرفه وعرف شرائطه المعتبرة وحصولها فيه وهذا ثابت في حق كل مكلف ذكر، وأما المرأة فإن تعلق بها تكليف يرجع إلى الإمام كوجوب الزكاة أو ألزمها الإمام أمراً له أن يلزمها إياه وجب عليها أن تعرف الإمام وشرائطه في الدرجة الثانية من درجة النبوة إذ لم ينقص عنها إلا في أمر الوحي لا غير ولا شك في لزوم معرفة النبوة لكل مكلف عامي أو غيره وكذلك الإمامة وما من شرط إلا ويمكن العامي معرفة حصوله في الإمام إلا العلم فلا يصح أن يعلمه العوام إلا جملة وما عداه يمكنهم معرفته والعلم به بالخبرة والتجربة أو بالتواتر ولا فرق في ذلك بين العالم والعامي.
وقيل: بل التدبير وجودة الرأي مما يسوغ التقليد فيه إذ ليس كل أحد يتمكن من معرفة وجوه الأراء مصادرها ومواردها، وأما معرفة العلم تفصيلاً فمتعذرة فيجوز للعامي التقليد فيه إذ لا يمكنه طريق آخرى وقد أجاز بعضهم للعوام التقليد في معرفة الإمام وإجتماع الشروط فيه وضعفه أصحابنا، لأن العلم بما ذكر ممكن فلا يعدل عنه إلى التقليد مع إمكانه.

تنبيه:

(14/40)


وأما من مضى من الأئمة فلا تلزم معرفة إمامته لكن من تواتر كماله وجمعه للشرائط حصل العلم بإمامته ومن لم يتواتر ذلك فيه فلا يجب طلب معرفة إمامته والبحث عنها إذ لا يتوقف على ذلك تكليف علمي ولا عملي إلا الثلاثة المنصوص عليهم وهم علي والحسنان، فالأكثر من الزيدية على أن معرفة إمامتهم من فروض الأعيان تجب على كل مكلف ذكر وأنثى، وأستدلوا على ذلك بإجماع العترة، وذكر الهادي عليه السلام: أن الجهل بإمامة علي عليه السلام فسق ومثله ذكر صاحب الكافي ونص المؤيد بالله والأمير الحسين على ذلك في إمامة أمير المؤمنين ولم يتعرضا لذكر إمامة ولديه بنفي ولا إثبات، وصاحب الكافي صرح بأن العلم بإمامتهما غير داخل في أصول الدين.
قال في تعليق الشرح: وتجب معرفة إمامة زيد بن علي عليه السلام على الأظهر من كلام الزيدية وغيرهم، ومعرفة الأوصاف التي كان عليها لأنه مجمع على إمامته وحصول شرائط الإمامة فيه فعلينا أن نعلم ذلك ليكون طريقاً لنا إلى معرفة شرائط إمام الزمان وأوصافه إذ الأعتبار في أشتراط الشرائط أو أكثرها بإجماع الأمة وأهل البيت ولا إجماع معلوم إلا فيه إذ بعد زمانه أنتشرت الأمة وأنتشر أهل البيت فقلما يعلم لهم إجماع.
قلت: وفيه نظر وليس الإجماع على إمامة زيد يتضمن الإجماع على أن جميع أوصافه شرائط في صحة الإمامة بل يتضمن الإجماع على أنه قد جمع الشرائط وقد يكون في الإمام من الصفات الحسنة والخصال الحميدة ما ليس مشترطاً في صحة الإمامة.
قوله: (وهي عشرة صحيحة).

(14/41)


أصحابنا يجعلونها أثنى عشر ولكن المصنف حذف واحداً فلم يعده من الشروط وإن كان متفقاً على أنه لا بد منه وهو ألا يسبقه داع كامل مجاب وإنما لم يعده منها لأنه أمر خارج عن الأوصاف الراجعة إلى الإمام وليس بمزية ثابتة له وأدرج واحداً وأدخله فيها ولم يعده شرطاً على حياله وهو البلوغ فذكره مع العقل لأن البلوغ مع عدم العقل لا معنى له وأشتراط البلوغ ليس لأمر يرجع إليه نفسه بل لكونه أمارة للعقل ومستلزماً له.
وإعلم أن هذه الشروط المذكورة المعدودة لا تثبت الإمامة لشخص إلا مع أحرازها وأجتماعها فيه ومن لم يعلم إجتماعها فيه لم تعلم إمامته.
قيل (ي): إلا الثلاثة المنصوص عليهم فإن إمامتهم علمت بالنص فلا تتوقف معرفتها على العلم فحصول الشروط فيهم وإن كانت فيهم أتم وأكمل ولو قدرنا أنه لم يكن فيهم بعض الشرائط أو كلها لكانوا أئمة مع فقدها لثبوت النص فيهم.
قلت: بل لو قدر أنتفاء بعض الشرائط فيهم كان ذلك دليلاً على عدم أشتراطه في حق غيرهم لأن إمامتهم إذا كانت ثابتة مع عدمه لأجل النص دل ذلك على أن الإمامة لا تتوقف عليه وليس يصح أن تتوقف الإمامة في حق شخص على ما لا تتوقف عليه في حق غيره، وإن صح أن يكون بينهما فرق من حيث الطريق إلى إمامتهما فأحدهما الطريق إلى إمامته النص والآخر الدعوة لأن أختلافهما في الطريق إلى إمامتهما لا يقتضي أختلافهما من حيث توقف الإمامة على المشروط وعدمه.
قوله: (لأن الصغير والمجنون..) إلى آخره.
قال الفقيه حميد: ولأن من ليس بعاقل لا يمكنه التمييز بين القبيح والحسن والواجب وغيره فينتقض الغرض بقيامه.
قوله: (أن يكون ذكرا).
حكى أصحابنا الإجماع من الأمة على أشتراط الذكورة، وقد حكى أيضاً بعض أصحابنا الأتفاق على أشتراط البلوغ والعقل والحرية والشجاعة والتدبير والسخاء.
قوله: (لأن الأنثى يتعذر عليها التصرف في هذه الأمور أو يتعسر).

(14/42)


الظاهر أنه يتعذر ولو لم يتعذر من حيث القدرة تعذر من حيث الجواز لضرب الحجاب عليها وعدم إباحة الشرع لها رفع الستر.
قال الفقيه حميد: ولأن المرأة مولى عليها فكيف يجوز أن تلي عقد النكاح على غيرها وقد قال الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء}. وإذا كانت لا تصلخ للقضاء عند العلماء لم يخالف في ذلك إلا أبو يوسف في غير الحدود فأولى وأحرى ألا تصلح للإمامة.
قوله: (لأن العبد مملوك التصرف).
أي: يجب أن يكون تصرفه عن أمسر سيده وفي مصالحه وقيامه بأمر الأمة يؤدي إلى ألا يصح تصرفه في أمور سيده لأنه والحال هذه لا يمكنه ذلك.
قوله: (ولأنه لا بد من أعتبار المنصب في الإمامة).
يعني: والرق ينافيه وهو غير مسلم لأنه لا مانع من إجتماع المنصب وعدم الحرية كأن يتزوج الفاطمي أمة مملوكة لحصول شرط جواز ذلك في حقه فيأتي له منها ولد ذكر.
قوله: (الرابع: أن يكون من منصب مخصوص أتفاقاً) في دعوى الإتفاق نظر فإن المشهور عن الخوارج القول تجوز الإمامة في جميع الناس عربهم وعجمهم هكذا نص عليه الفقيه حميد وذكره الرازي في النهاية والإمام يحيى في التمهيد.
وقال في تعليق الشرح: ذهب الخوارج إلى صحة الإمامة في جميع الناس خلا المماليك. ويروى ذلك عن النظام، وقال به قوم من الصحابة فيهم سعد بن عبادة وغيره من الأنصار وهو قول أعداد من سائر الفرق لم يعتبروا المنصب وكلام عمر يقضي بذلك حيث قال: لو كان سالم مولى أبي خذيفة حياً ما خالجتني فيه الشكوك.
وبه قال القاضي نشوان بن سعيد قال: وهو أعدل الأقوال وذهب ضرار إلى أن الإمامة في الأعاجم أولى من كونها في غيرهم لأنه رفع يد العجمي عنها أيسر إذا أحتيج إلى ذلك.
قوله: (فحكى ابن الملاحمي عن الجاحظ..) إلخ.

(14/43)


المذكور في التمهيد للإمام يحيى أن الجاحظ حكي عن جل المعتزلة أنها في جميع الناس وأشار إليه في النهاية وفي تعليق الشرح قال الإمام يحيى وفيما ذكره نقله الجاحظ عن جل المعتزلة أنها في جميع الناس ضعف بل الظاهر من قولهم أنها في جميع قريش وقد حكي عن أبي علي أنه قال: إن قدر خلو الزمان عن صالحي قريش جاز نصب الإمام من غيرهم لئلا تضيع الحدود وتتعطل الإحكام لكن الظاهر من قول جماهيرهم ما نقلناه.
قوله: (وبه قال نشوان).
قد تقدم عنه أن يجيزها في جميع الناس.
قوله: (لا بد أن يكون فاطمياً).
يعني: من أولاد فاطمة مع كونه علوياً من أولاد علي لصلبه ويخرج من أولاده من لم يكن من أولاد فاطمة كولد العباس بن علي.
قوله: (وقالت الإمامية لا بد أن يكون من أولاد الحسين).
بني المصنف على أنهم ممن يعتبر المنصب، والذي بنى عليه الفقيه حميد: أنهم لا يعتبرون المنصب ولا يعولون عليه وإنما أعتبروا النص.
قال الفقيه حميد: وتعويلهم على النص في ذلك ولا يقولون بأعتبار منصب.
قوله: (وقالت العباسية لا بد أن يكون عباسياً).
يعني: من ولد العباس بن عبدالمطلب وهو مذهب حادث حدث زمن المنصور والمهدي وذهبت الكيسانية أنها في أولاد محمد بن الحنفية وأولادهم وذهب بعضهم إلى أنها تصح في أولاد علي عليه السلام وأولادهم ما تدارجوا من غير أعتبار أن يكونوا من أولاد فاطمة.
قوله: (وسيأتي بيان الصحيح من هذه الأقوال).
يعني: في ذكر أن الإمامة بعد الحسن والحسين مقصورة على أولادهما ونحن نذكر ما يبطل به أقوال هذه الفرق المخالفة.
أما قول الخوارج ومن ذهب إلى ما ذهبوا إليه من كون الإمامة جائزة في جميع الناس فيبطله وجهان:ـ
أحدهما: الإجماع وهو ما ثبت بالنقل المتواتر أن الأنصار لما طلبوا الإمامة يوم السقيفة لأنفسهم وأعتقدوا صحتها منعهم أبو بكر لكونهم ليسوا من أهلها وأشتهر قوله في ذلك ولم ينكره أحد.

(14/44)


الوجه الثاني: ما روي عنه عليه السلام من قوله: الأئمة من قريش. رواه أبو بكر وكثير من الصحابة. وقال: الولاة من قريش ما أطاعوا الله وأستقاموا لأمره. وقال عليه السلام: قدموا قريشاً ولا تقدموها.
وأحتجوا بقوله عليه السلام: أطيعوا السلطان ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع.
وأجبت: بأن المقصود المبالغة في الأنقياد لأمر الولاة والأئمة وهضم النفوس وإزالة..... ...... لا دلالة في الحديث على ما ذكروه فإن كل إمام سلطان وليس كل سلطان إماماً فلا يلزم من دلالة الحديث على كون العبد الحبشي سلطاناً دلالته على صحة كونه إماماً وبأن ظاهر الخبر متروك إتفاقاً للأتفاق على أن إمامة العبد لا تصح وقد تؤول على أن المراد ولاة الإمام الذين يتصرفون عن أمره وأحتجوا بقوله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}.
قالوا: فلم يفصل في وجوب طاعة من له الأمر ولا شرطها بالمنصب.
وأجبت: بأن الآية مجملة لأنه تعالى لم يبين من أراد بأولي الأمر ولو فرضنا عدم الإجمال فظاهرها يقضي بطاعة من تأمر حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى فإذا المراد الأمر بالطاعة لمن تجب طاعته وهم من كملت فيه الشرائط ومنها المنصب للدلالة القائمة على أعتباره والذي يدل على غبطال قول جمهور المعتزلة والصالحية من الإكتفاء بكونه قرشياً إجماع العترة وإجماعهم حجة كما سيأتي وأنه لا دليل على ذلك يقطع به إذ مستندهم تلك الأحاديث المروية وقد ظعن فيها وصدر من عمر ما يقضي بإنكارها إنه قال: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً ما خالجتني في الشكوك. وكذلك سعد بن عبادة وولده فإنهما بنيا على الخلاف ولم يعتبرا الأحاديث المذكورة وغاية ما يكون أن يحكم عليها بالصحة فهي آحادية والمسألة قطعية.

(14/45)


قال أصحابنا: ولأن قوله: الأئمة من قريش. إنما يقضي بأن الإمامة في بعض مجهول منهم وليس في الحديث تعيين، وأحتجوا بإجماع الأمة على صحة إمامة من دعا من قريش كامل الشرائط كأبي بكر وعمر ورد ...... الإجماع وأن الخلاف لم يزل في إمامة أبي بكر مذ عقد له إلى الآن.
وأما الذي يبطل قول الإمامية: فإن مذهبهم لم يدل عليه دليل والنص الذي يدعونه إن كان آحادياً فلا ...... عن مسئلتنا، وإن كان متواتراً لا يحتاج إلى بحث لزم أن يعلم ذلك الكل من المكلفين كعلمهم ببعثة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وكون مكة في الدنيا وإن كان محتاجاً إلى البحث لزم أن يعلم ذلك عند البحث كالعلم بكثير من أحوال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ومغازيه ومن العلوم أنه لو بحث عما ذكروه أشد البحث لم يعلم.
والذي يبطل ما ذهبت إليه العباسية: أنها لو كانت لبني العباس بالأرب لادعاها العباس وأولاده والمعلوم منهم خلاف ذلك وأنهم كانوا منقادين لعلي عليه السلام ومصرحين بإمامته ولأنه كان يلزم أن يستحقها النساء والصبيان.
والذي يبطل ما ذهبت إليه الكيسانية: أنتفاء الدلالة على صحته إذ لا دليل من أدلة الشرع تقضي به ولأن المعلوم أنه لم يدعها أحد من أولاد محمد بن الحنفية وبمثل ذلك يبطل قول من قال أنها تصح في العلويين مطلقاً.

فائدة:
الذي به يعرف ثبوت نسب الإمام وكونه من منصب الإمامة الشهرة وقد أختلف في معناها.
فقيل: تواتر الخبر بذلك بحيث يحصل العلم الضروري.
وقيل: بل أنه مشهور النسب أو بخبر ثقة من النساء وهي ....... بأنه ولد على فراش فاطمي.
وقيل: بل أربع.
ذكر ذلك كله في تعليق الشرح.

فائدة أخرى:
إذا تزوج فاطمي مملوكة فأتت له بولد ثم أعتق فقد أختلف في صلاحيته للإمامة وفي كفائة لفاطمية لم يجر عليها رق فمنع بعضهم من الوجهين وصححه بعضهم فيهما وفصل بعض فمنعوا الكفاءة وأجازوا الإمامة.
قال في تعليق الشرح: وهو الصحيح.

(14/46)


وذكر أيضاً أن الأصح صحة إمامة الولد المدعى بين فاطمي وغيره حيث وطئا أمه مشتركة بينهما جهلاً وأدعيا ولدها لأنه ابن لكل واحد منهما وكل واحد منهما أن كامل له.
وقال أبو مضر: لا تصح.
قوله: (لأن الغرض الذي نصب له الإمام لا يتم إلا بالعلم).
لأن الجاهل يجوز أن يقدم على المحظور معتقداً لوجوبه ويطرح الواجب معتقداً لحظره أو عدم وجوبه.
قوله: (بل لا بد أن يكون مجتهداً).
هذا مذهب أهل العدل وغيرهم وذهب الغزالي والإمام يحيى: إلى أنه يصح كون الإمام مقلداً، وروي ذلك عن المنصور بالله رواية غير مشهورة هكذا ذكر في تعليق الشرح.
وذكر المهدي عليه السلام: أن الذي ذهب إليه الغزالي أنه إذا أعوز المجتهد فلم يوجد صحت إمامة المقلد لئلا تتعطل الأحكام المتعلقة بالإمام وإلى هذا مال الإمام يحيى.
قال: ولقد تطرق أهل محبة الدنيا بهذه المقالة إلى أن سهلوا طريق الإمامة حين ولوها من لم يعلم فروض صلاته وصيامه ولا عرف من أصول دينه أصلا ولا أدرك من سياسة الأمور فصلاً.
قلت: لا يبعد أن يريد بذلك الإشارة إلى ما أتفق في زمانه من القاضي عبدالله عن الدواري ومن تابعه بعد موت الإمام الناصر محمد بن علي من تنصيب ولده وتأهيله للخلافة ومما يؤكد ما ذكره ما رأيناه نحن في كتابي تعليق الشرح وتعليق الخلاصة للقاضي المذكور من أحتجاجه على أشتراط الإجتهاد إلا به وإطلاق........ ثم لما كانت القصة عن أن كتابه المذكور فخدش ذلك وكتب بخط يده في حاشيتهما إجازة إمامة المقلد ومن قبل ذلك يقضي العجب.
قال الفقيه حميد: الظاهر من مذاهب العلماء أعتبار الإجتهاد في الإمام.
ويحكى عن بعضهم: أنه تجوز إمامة الإمام وإن لم يبلغ إلى درجة الإجتهاد في الأحكام الشرعية ويكفي فيه أن يقلد غيره ويعمل بمقتضى فتواه وإن كان لا بد أن يكون مجتهداً في أبواب السياسة.
والدليل على أعتبار الإجتهاد: الإجماع فإنه قد أنعقد على أن الإمام يجب أن يكون مجتهداً هكذا ذكر أصحابنا.

(14/47)


قالوا: والذي يذهب إلى خلاف ذلك.
قوله: (حادث مسبوق بالإجماع فلا يقدح فيه).
وأوضحه الإمام المهدي بأن قال: ما وقفنا على باب الإمامة في أي المصنفات الأصولية والفروعية إلا وفيها حكاية أنعقاد الإجماع على ذلك مع تباين أراضي مصنفيها وآرائهم حتى لو أدعى مدع حصول التواتر في ذلك لم يعد لأن كل واحد بأقل من طريق غير الطريق الذي نقل عنه غيره فيكون المخالف خارقاً لما أجمعت عليه الأمة.
قلت: وفي هذا نظر. أحتج أصحابنا على أعتبار الإجتهاد بأن الأحكام منوطة بالإمام كأستباحة الفروج والدماء والأموال والفيء والغنائم فيها من الأحكام اللطيفة والمسائل الغامضة ما لا يدرك إلا بالإجتهاد ولا يزال يتجدد على ممر الأوقات، فإذا لم يكن مجتهداً يستقل في معرفتها بنفسه وقع في الحيرة واللبس ولم يدر ما يأتي ولا يدر، والرجوع إلى غيره قد يتعذر في كثير من الأحوال فإن أقدم بغير بصيرة أثم إثماً كبيراً وإن وقف تعطلت الأحكام وأنتثر النظام.
وقد أستدل بقوله تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع} الآية. لأن المقصود بالإمام إقامة الحق ومن حق الداعي إلى ذلك أن يكون عالماً به غير متبع لغيره فيه وإلا كان الإمام هو ذلك المتبع وقد أبطلت الآية الكريمة حق المقلد من وجوب الإتباع بقوله: {أم من لا يهدي إلا أن يهدى} لأن هذه حقيقة المقلد لا يهدي إلى الحق إلا أن يهدى إليه.
وأستدل بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من أستعمل على قومه عاملاً وفي تلك العصابة من هو أرضى منه وأعلم بكتاب الله تعالى وسنة نبيه فقد خان الله ورسوله)). فإذا أعتبر في العامل على القوم والمراد القيم عليهم في تنفيذ الأحكام الشرعية والمناصفات ونحوها كونه عالماً مرضياً فالإمام أولى.

(14/48)


وأستدل بقول علي عليه السلام في شأن أهل السقيفة: والله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القاريء لكتاب الله الفقيه في الدين العالم بالسنة. وهذا هو الإجتهاد بلاشك.
قوله: (وليس المراد بكونه مجتهداً..) إلخ.
إشارة إلى ما هو المعتبر في الإجتهاد وذكر علومه وما هو المقصود منه.
قوله: (بحيث يتمكن من إرشاد الضال وحل الشبهة).
جعل هذا من ثمرة الإجتهاد المقصودة منه وهو يتعلق بعلم أصول الدين وليس ذلك من الأمور المختصة بالمجتهد فكان الأولى أن يأتي به عند ذكر علم الكلام عقيب قوله: حتى يكون ........ علم الكلام أو يأتي به على نحو كلام الإمام يحيى لأنه قال: لا بد أن يكون الإمام عالماً مجتهداً في أصول الدين وقواعد الشريعة وفروعها حتى يكون متمكناً من إيراد الأدلة وحل الشبه في أصول الديانة ومن الفتوى في أحكام الشريعة.
قوله: (وإيراد........).
يعني: على الأحكام الشرعية.
قال الإمام يحيى: الواجب أن يكون متمكناً من تحصيل الحكم في الحادثة وعدم التمكن من ذلك نقصان وما عداه فزيادة وفضل وتبحر في العلوم.
قوله: (حتى يكون مجوداً في علم الكلام).
قيل (مهدي): وهو من أهم العلوم المعتبرة في الإجتهاد لتوقف صحة الإستدلال بالسمعيات على الحقيقة.
والمراد أنه مجوداً فيه أن يطلع على مسائله المحتاج إليه ويوصله النظر الصحيح إلى العلم بها.
قوله: (وعلم الأصول).
يعني: أصول الفقه وهو مما أجمع على أعتباره في الإجتهاد ولم يخالف أحد في أنحرام الإجتهاد بإنحرام تحقيق أبوابه.
قوله: (فيكون عالماً بأنواع الخطاب إلى قوله وأركانه وشروطه).
تعداد لأبواب أصول الفقه غير مستكمل على ما يتضح للخائض فيه وكان عن هذا التعداد مندوحة.
قوله: (والإجماع لئلا يخالفه).
فيه نظر لأنه الآن في تعداد أبواب أصول الفقه والذي يتعلق به من الإجماع ذكر أنه حجة وتفصيل مسائله.
وقوله: (لئلا يخالفه).

(14/49)


يقضي بأنه أراد معرفة المسائل المجمع عليها وذلك من فن الفقه.
قوله: (وأن يكون مجوداً فيما يحتاج إليه من علم المنطق).
قال المهدي عليه السلام في ديباجة النحر: فأما المنطق فالمحققون لا يعدونه لإمكان إقامة البرهان دونه ولم يعده الإمام يحيى أيضاً من علوم الإجتهاد وهو الأصح وقد سبق للمصنف في أول هذا الكتاب ما يقضي بأستهجانه لهذا الفن وأعتقاداته مما لا ثمرة له بل إنه مفسدة في الدين وقد ذكرنا ما يمكن به التلفيق بين كلامه أولاً وآخراً.
قوله: (فيعلم من ذلك ما يتوصل به إلى علم التصور إلى قوله ونحو ذلك مما يحتاج إليه في الإجتهاد).
تعداد لأبواب المنطق وإشارة إلى مسائله التي يحتاج المجتهد إلى معرفتها وأراد بنحو ذلك بقية مسائله التي لم يذكرها مع كون الحاجة تدعوا إليه ولعله أراد بذلك نحو معرفة كيفية الأشكال وترتيب مقدمات الأدلة وإن كان قد سبق له في أول الكتاب ما يقضي بعدم أعتبار تلك الأشكال.
قوله: (وأن يكون مجوداً في العلم بكتاب الله..) إلى آخره.
هذا مما أجمع على أعتباره ولم يعلم خلاف في إنحرام الإجتهاد بإنحرامه.
قوله: (قيل: وهي خمسمائة آية. وقيل: أكثر).
قال الإمام يحيى: ولا يلزم أن يكون حافظاً لذلك من ظاهر قلبه بل أن يعلمها علماً يتمكن معه من أن يطلبها من مكانها.
قال في تعليق الشرح: وأجود ما وضع فيها كتاب الأنوار للأمير محمد بن الهادي بن تاج الدين.
قلت: ومن أحسن المصنفات فيها كتاب الثمرات.
قوله: (وأن يكون مجوداً في العلم بالسنة).
يعني: الأخبار النبوية.
قوله: (فيعلم أيضاً ما يتعلق بالإجتهاديات).
يعني: الأخبار الواردة في الأحكام الشرعية من وجوب وندب وحظر وإباحة وكراهة دون ما ورد منها في القصص وفضائل الأعمال وفضائل الأصحاب والمواعظ والآداب ونحو ذلك ولا مخالف في أعتبار ما ذكر في الإجتهاد وأن الإجتهاد ينحرم بإنحرامه لكن لا يلزمه حفظها من ظاهر قلبه والإحاطة بجميعها.
قوله: (ويعلم أحوال الرواة).

(14/50)


يعني: في العدالة والجرح على مراتبها ومن هو مقبول منهم ومن هو مردود والحاصل أنه يلزمه معرفة كون الراوي ظابطاً ولا يلزم أن يعلم جميع طرائق الرواة وأحوالهم وأنسابهم ذكره الإمام يحيى.
قوله: (وكيفية الرواية).
لعله أراد: ما يذكره علماء الحديث فيما يأتي به الراوي عن غيره من نحو حدثنا وأخبرنا ونحوه، وقد ذكر الإمام المهدي في ديباحة النحر ما لفظه: فأما علم أحوال النقلة تفصيلاً وأنتقاد أشخاصهم جرحاً وتعديلاً فقبول المراسيل أسقطه وإنكار قبولهم أياها سفسطة فإنه لما كان غاية محصولة التظنين ولم يستثمر به العلم اليقين حكم فحول علماء الأصول بقبول مراسيل العدول وأن رواية العالم العدل تعديل حيث لا يرى قبول المجاهيل.
قلت: بالغ عليه السلام في تسهيل الأمر وتيسيره كما بالغ ...... السيد العلامة علي بن محمد بن أبي القاسم في تنكيده وتعسيره وخير الأمور وأوساطها ولا أقل للمجتهد من أن يطلع على ........ وافية من علم الحديث وأحوال الرجال وما يفتقر إليه الإسناد.
قوله: (ووجوه الترجيح).
كان الأولى أن يعد هذا من جملة أبواب أصول الفقه فإنه منه وإن كان يرجع بشيء منه إلى معرفة أحوال الرواة.
قوله: (وإن يكون مجوداً في علم العربية).
هو بجمع معرفة النحو والتصريف والمعاني والبيان واللغة فأشار إلى النحو بأحوال الإعراب وإلى التصريف بالإشتقاق فإنه مما يذكر في فن التصريف وإن كانت أبوابه كثيرة.
قوله: (والإسناد والحذف إلى قوله والكنايات).
فن المعاني والبيان وأهمل المصنف ذكر العلم باللغة وهي معرفة معاني الألفاظ اللغوية ولا بد من ذلك لتوقف العلم بالمراد من أدلة الكتاب والسنة على العلم به.
قوله: (والتنبيهات).
التنبيه والإيماء مما يذكر في القياس من فن أصول الفقه وكلام المصنف لا يخلو عن أنضراب.
قوله: (ونحو ذلك).
مما يتمكن معه من معرفة أحوال الخطاب وكيفية الإستدلال به هذا مما مرجعه إلى أصول الفقه.

(14/51)


قوله: (وأما الفقه فلا يحتاج أن يعلم منه إلا ما كان قطعياً).
كان الأولى أن يقول: فلا يحتاج أن يعلم منه إلا مسائل الإجماع لئلا يخالفها بإجتهاده. لكنه أنكل على ما سبق من تلك الإشارة الواقعة في غير موضعها. وأما المسائل القطعية غير المجمع عليها فليس العلم بها من علوم الإجتهاد وإنما هي مما يستنتج بعلوم الإجتهاد فإنه إذا علم مسائل الإجماع وآيات الأحكام وجملة صالحة من الأخبار أرشده ذلك إليها كما ترشد إلى معرفة الأحكام الظنية. وفي كلام الفقيه حميد ما يقضي بأنه لا بد من أن يكون له معرفة في الفقه مسائل الإجماع وغيره لأنه قال: يجب أن يعلم قطعة شافية من الفروع الفقهية وما أنعقد عليه الإجماع منها مما لم ينعقد عليه لئلا يجتهد في خلاف ما أجمعت عليه الأمة لأن الإجماع من الأدلة المقطوع بها.
قال الإمام يحيى: ولا تلزم الإحاطة بجميع الإجماعات بل يكفيه ألا يفتي بحكم قد وقع الإجماع على خلافه.

تنبيه:
إعلم: أن أقوال العلماء مختلفة في تبعيد الإجتهاد بقرينة وتيسيره وتعسيره وكثيراً ما يذكر الأصحاب أنه يكفي في الأجتهاد قراءة كتاب من كل فن وإن كان مختصراً كالخلاصة في الكلام والمجزي أو الفائق في الأصول ومعرفة آيات الأحكام ومعرفة كتاب من كتب الحديث كالسنن لأبي داود أو شفاء الأوام ومقدمة ظاهر أو ابن الحاجب وكتاب المجمل لابن فارس في اللغة ونحو ذلك. والتحقيق أن هذا مما لا يقف على تحديد فإن أحوال القراءة وطلبه العلم تختلف فمنهم من يستثمر ويستفيد بأيسر علاج ومنهم من لا يتم له ذلك إلا بعد التعب والنصب وكثرة مدارسة الكتب وذلك لن العلوم منح إلاهية ومواهب أختصاصية.
قوله: (السادس: أن يكون ورعاً).
معنى الورع الكف عن المحرمات والقيام بالفرائض الواجبات وأشتراطه مذهب الزيدية وجماهير العدلية وغيرهم.

(14/52)


قال الإمام يحيى: ولا يشترط حصوله في أعلى مراتب الكمال في الورع والزهد ولكن مقدار الغرض يحصل بمجانبة الكبائر والتنزه عن الأمور المستسخفة، أنتهى.
فلا تصح إمامة الفاسق ومن يفعل ما لا يعتاد صدوره إلا من أهل الفسق وذهب بعض الناس إلى صحة إمامة كافر التأويل وفاسقه.
قيل (ي): ولا يبعد أن الخلاف في إمامة فاسق التأويل كالخلاف في شهادته ونسب إلى الحشوية صحة إمامة الفاسق المجاهر بالفسق وأنهم لا يعتبرون إلا التغلب على الأمر وأفضى بهم ذلك إلى أن قالوا بإمامة يزيد مع فسوقه ومروقه.
ونسب القول بصحة إمامة الفاسق: إلى أهل خراسان ومن كان من البغدادية وراء النهر.
قيل: ولا خلاف في أن الإمام يجب أن يكون عدلاً عند ادعائه للإمامة وخلاف الحشوية فيما إذا فسق بعد العقد وقد أشار المصنف إلى الدليل على أشتراط الورع. بقوله: (لأنه ما لم يكن كذلك..) إلى آخره.
وأستدل على ذلك: بإجماع الصحابة فإنهم أجمعوا على طلب الأفضل في الإمامة.
وأستدل: بقوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين}. فإن المراد بالعهد الإمامة على ما يقضي به سياق الآية.
وقيل: المراد به الأمر.
أي: لا ينال أمري، والمعنى أمره بأن يقتدي بهم في الدين وما أودعه من شرعه الذي أمر المكلفين بإتباعهم فيه فلا يجوز كون الفاسق نبياً ولا خليفة ولا أميراً ولا قاضياً ولا محدثاً ولا مفتياً ولا إماماً في الصلاة لأن الإمامة تشمل هذه المعاني.
وأحتج القائل بصحة إمامة كافر التأويل وفاسقه: بأنه متحرج في دينه لا يقدم على معصية يعلمها فأشبه من ليس كذلك ورد بأن الله تعالى قد أمر بالجهاد للكفار والبغاة ولم تفرق الأدلة بين مصرح ومتأول فكيف تصح طاعته مع وجوب جهاده.
وإعلم أن النووي على جلالة قدره في العلم وتبحره فيه أجاز إمامة الفاسق المتغلب وقضى بوجوب طاعته ونفوذ أحكامه، وقال في منهاجه ما لفظه: وبالغلبة ولو جاهلاً أو فاسقاً في الأصح وهذه غلطة من مثله.

(14/53)


وما أحسن ما قاله جار الله في كشافه عند تفسير قوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين}. أن من كان ظالماً في ذريتك لا يناله أستخلافي وعهدي إليه بالإمامة وإنما ينال من كان عادلاً بريئاً من الظلم.
وقالوا: في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه ولا شهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة، وكان أبو حنيفة يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي رضوان الله عليه وحمل المال إليه والخروج معه على اللص المتغلب أنا يسمى بالإمام والخليفة كالدوانيقي وأشباهه.
قالت له امرأة: أشرت على أبني بالخروج مع إبراهيم ومحمد أبني عبدالله بن الحسن حتى قتل.
فقال ليتني مكان أبنك.
وكان المنصور وأشياعه لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره ما فعلت.
وقال ابن عيينة: لا يكون الظالم إماماً قط وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل السائر من أسترعى الذئب ظلم.
قوله: (السابع: أن يكون فاضلاً لا خلاف فيه).
يعني: لإجماع الصحابة ولهذا فزعوا يوم السقيفة إلى ذكر المناقب والمفاخر فعد الأنصار فضائلهم وحاجهم أبو بكر بتقرير أمتياز المهاجرين بالفضل ولما قال عمر لأبي عبيدة: أمدد يدك أبايعك.
قال: مالك هفوت في الإسلام أتقول لي هذا وأبو بكر قائم فأنكر فعل عمر لأعتقاده أن أبا بكر أفضل.
قوله: (وإن كان المرجع بالفضل في الحقيقة إلى جمع الشرائط).
يعني: وإن عد في ظاهر الأمر شرطاً مستقلاً وإراد الشرائط التي هي العلم والورع والسخاء والشجاعة والقوة على تدبير الأمور وسياسة الجمهور وهذا أختيار الإمام المنصور بالله وغيره.
قال عليه السلام: فلا ينبغي أن يعد شرطاً مستقلاً إذ لا يصح أن يقال: فلان عالم ورع سخي شجاع قوي على تدبير الأمور إلا أنه ليس بفاضل بل يعد من قال ذلك مناقضاً والأفضل على هذا هو الأكمل في ثبوت الشرائط له.

(14/54)


وقيل: المرجع به إلى الصلاح في الدين والعفة فيكون معناه معنى الورع.
وقيل (ي): الأصح أن المراد به أن يكون له من المحافظة على الطاعات والتجنب للمكروهات ما يعتاده كثير من الصالحين ويكون بينه وبين القبيح والإخلال بالواجب حاجزاً كما هو شيمة كثير من الصالحين أعتياد كثير من الطاعات غير الواجبة وتجنب كثير مما لا يقطع بقبحه نظراً إلى قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه وأنه من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه)). وليس المراد بالأفضل هنا الأكثر ثواباً قطعاً.
قوله: (ولا وجه لهذا).
يقال: بل له وجه يستند إليه القائلون به وهم الإمامية وغيرهم كما سيأتي.
قوله: (وقال أكثر المعتزلة وبعض الزيدية يكفي أن يكون من جملة أفاضلهم).
قيل (ي): هذا مذهب البغدادية من المعتزلة والذي أختاره صاحب المحيط.
وقال ابن الملاحمي في الفائق: هو رأي الصالحية من الزيدية.
قوله: (ولم ينكر عليه).
قد رد بمنع عدم الإنكار فقد قال أمير المؤمنين: فيالله متى أعترى الشك في مع الأولين حتى أقرن بهذه النظائر. وبتجويز أن يكون عمر قد أعتقد في مساواتهم في الفضل.
قوله: (وقال بعض الزيدية يجب أن يكون أفضل الناس وقت الصحابة لا بحضار أهل الفضل وإمكان معرفتهم ولا يجب بعد ذلك كثير من أصحابنا).
ينسب هذا القول إلى الزيدية من غير تبعيض ولا تخصيص بوقت الصحابة.
قيل (ي): وممن نص على ذلك القاسم والهادي والناصر والمؤيد.
قال الناصر: ويفسق المفضول إذا سبق الأفضل بالدعاء إلى الإمامة.
حجة أهل هذا القول: أن الإجماع منعقد على جواز إمامة الأفضل.

(14/55)


ولا دليل يدل على جواز إمامة المفضول من كتاب ولا سنة ولا إجماع فوجب قصرها على الأفضل وما سبق من فزع الصحابة إلى عد الفضائل وتقرير الإمتياز فيها ويمكن أن يقال: ليس عدم الإجماع على جواز إمامة المفضول يقدح في ذلك لأن الأدلة قد دلت على وجوب الإمامة وعلى أن الإمام لا بد له من شرائط وقد حصلت في حق المفضول وافية فعلى المانع من صحة إمامته أن يقيم الدليل وأما فزع الصحابة إلى عد الفضائل فليس فيه تصريح بأنه لا بد أن يكون القائم هو الأفضل وإنما يعلم منه الأولوية ونحن لا ننكرها.
قوله: (وقال بعض المعتزلة..) إلى آخره.
هذا منسوب إلى الشيخين أبي علي وأبي هاشم.
قوله: (فخافت الصحابة ألا ينقاد له الناس).
قلت: وقد صرح بذلك عمر على ما روي عنه في شرح نهج البلاغة من كلام له سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى قال في آخره: لا ورب هذه البينة لا يجتمع عليه قريش أبداً ولو وليها لانتفضت عليه العرب من أقطارها.
قوله: (هذا كلامهم فإنه أشارة إلى عدم تصحيحه).
وقد نقض أصحابنا هذا الإعتذار بوجوه:ـ
أحدها: أنه لو منع ذلك من تولية هذا الأمر أولاً لمنع ثانياً لأن هذه العلة مستمرة بالضرورة فكان يلزم ألا تصح إمامته بحال وإلا يفزعوا إليه بعد قتل عثمان.
وثانيها: أنه لو منع عن الإمامة لمنع عن الإمرة فكان لا يؤمره رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ونحن نعلم خلافه فإن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يؤمره على المهاجرين والأنصار في كل موضع يخرج فيه ولم يؤمر عليه أحداً كما كان منه بعد تولية أبي بكر تبليغ سورة براءة فإنه أرسل علياً في أثره وآثره بذلك، هكذا ذكر الفقيه حميد وينبغي أن يتأمل.

(14/56)


وثالثها: أن هذا الأعتذار يوجب اساءة الظن بالصحابة لأن فيه أنهم كانوا يرون أمير المؤمنين بعين النقص وأمتنعوا من العقد له لأسباب تعد في مناقبه وفضائله ورد أصحابنا على أهل هذه المقالة أصل ما ذهبوا إليه من جواز العدول إلى غير الأفضل لعذر بأن العذر كان راجعاً إلى الإمام قادحاً في صلاحيته فنحن نسلم ما ذكرتم إلا أنا فرضنا الكلام في حق من هو صالح للإمامة وإن كان العذر راجعاً إلى غيره من المكلفين كأن يكون فيهم من يكره إمامته وينفر عنها فلا نسلم أن ذلك يوجب العدول عنه لأنه إن كان بسبب الحسد ونحوه فهم عاصون بذلك والمعصية لا تدافع وقوع الطاعة وأن كان لغير ذلك فلا دليل يدل على أن عدم رغبتهم فيه مع كماله وأفضليته يمنع عن إمامته ويوجب العدول إلى من هو دونه، وللقائل أن يقول: إنما كان الأفضل أحق بالإمامة لكونه أصلح وأرجح والقلوب إليه أميل، فإذا عرض في حقه مامنع من ميل القلوب إليه وتعويل الناس عليه وعلم أو غلب على الظن أنه يقل الأنقياد له ويتفاقم الأمر عليه فلا شك أنه يصير غيره أرجح منه وإن كان هو الأفضل لأن العبرة بالصلاح والمقصود حصول ثمرة الإمامة لا مجرد قيام الإمام.
يوضحه: أنهم قد نصوا على أنه لا ينبغي أن يؤم في الصلاة من كرهه الأكثر وإن كان صالحاً لها بل ورد التصريح بالنهي عن ذلك مع عدم الحظر في إمامته والأمن من الضرر فكيف بالإمامة الكبرى التي يفتقر فيها إلى طيبة النفوس وأستمالة القلوب.

تنبيه:
إذا قام المفضول بهذا الأمر ولا يعلم في تلك الحال أن غيره أفضل منه ثم ظهر بعد ذلك من هو أفضل منه في خصالها وأكمل في شرائطها ما يكون الحكم في ذلك عند من يعتبر الأفضل.
قال الفقيه حميد: أختلف أئمتنا عليهم السلام في ذلك.
فذهب الناصر: إلى أنه يجب عليه التسليم.
وذهب أبو طالب: إلى أنه لا يخرج عن إمامته بل هو أولى بالإستمرار عليها وقد صار أفضل لتحمله أعباء الإمامة وقيامه بأمر الأمة.

(14/57)


قوله: (وقالت الصحابة الأولى أن يقول، وقالت المهاجرون في مقابله فقالت الأنصار).
فالصحابة اسم يعمهم جميعاً.
قوله: (نحن عترة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم).
أي رهطه لأن العترة يستعمل في النسل وهو المقصود في تسمية أهل البيت عترة وفي الرهط.

(14/58)