|

وقد أجيب عن أصل السؤال بأنه يجوز أن يكون الذين حكى الله عنهم
طلب الموت غير اليهود الذين أخبرنا بهم لايتمنونه.
قوله: (حجة الوجه الثاني أنه علق الرؤية بشرط مستحيل) إلى آخره.
المجبرة يحرفون هذا الوجه ويجعلونه لهم ويحررونه على عكس ما يحرره
أصحابنا فيقولون: قد علقها بأمر جائز وهو استقرار الجبل وكان
جائزاً لأن الجبل جسم وكل جسم يجوز سكونه واستقراره وإذا كان كذلك
فالمعلق على الشرط الجائز جائز لأنه يجوز حصول ذلك الشرط، وإذا حصل
لزم حصول المشروط إذ لو لم يحصل انكشف عدم كونه شرطاً وهو يكشف عن
الكذب في كلامه تعالى عن ذلك، وقد رد عليهم الإمام /369/ عماد
الإسلام من وجهين: أحدهما: أنه وإن كان ممكناً بالإضافة إلى ذاته
فهو مستحيل بالإضافة إلى أمور أخرى ولافرق في استحالة حصول الشيء
ووقوعه بين أن يكون مستحيلاً لذاته وبين أن يكون مستحيلاً لأمور
أخر، ولهذا فلا فرق في عدم الوقوع بين استحالة حدوث ذات القديم
تعالى وبين استحالة وقوع القبيح من جهته وإن كان استحالة حدوثه
لذاته واستحالة وقوع القبيح منه لداعيه، واستحالة استقرار الجبلة
يثبت لأمور ثلاثة:
أما أولاً فلأن عندكم أنه أراد في ذلك الوقت ألا يستقر الجبل وما
أراد تعالى ألا يحصل كان حصوله مستحيلاً عندكم، فإن حصول الاستقرار
في ذلك الوقت محال.
وأما ثانياً فلأنه تعالى علق الرؤية باستقرار الجبل حال تحركه
وحصول الاستقرار حال الحركة محال.
(4/136)
وأما ثالثاً فلأن معنى قوله تعالى: {فإن استقر مكانه فسوف
تراني} إن استقر حال التجلي لأمرين أما أولاً فلأن أحدنا لو قال
لحاجب الخليفة أرني الخليفة. قال الحاجب: لن تراه، ولكن انظر إلى
زيد فإن استقر مكانه فسوف تراه فلما تجلى الخليفة لم تستقر دما زيد
علمنا أنه أراد فإن استقر قدماه حال التجلي، وأما ثانياً فلأن
الغرض بقوله: {فإن استقر مكانه فسوف تراني} لو لم يكن حال التجلي
لكان لامعنى لقوله فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} ليس إلا ليريد أن
استقرار الجبل حالة التجلي محال فثبت حصول الرؤية معلق على أمر
مستحيل فيجب أن يكون مستحيلاً.
الوجه الثاني: سلمنا أن الرؤية متعلقة على أمر ممكن فلم قلتم أنه
لابد أن تكون ممكنة بيانه أن المعلق على ما يوجد وهو مما يصح وجوده
يفيد أمرين أحدهما استحالة حصول المعلق عند عدم الشرط الثاني صحة
حصوله عند حصول الشرط والمطلوب بالمعلق بالشرط ههنا ليس إلا وقوع
الرؤية وحصولها عند حصوله ولاشك أن موسى عليه السلام لما سأل
الرؤية بقوله: {رب أرني أنظر إليك}، وأجابه الله تعالى بقوله: {لن
تراني} ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فعلق
الرؤية بأمر غير حاصل فكان تعليقه للرؤية على مالم يوجد لبيان نفي
وجودها وجوابه مطابقاً، فإما أن الغرض بيان أن لارؤية ممكنة أو غير
ممكنة فهو أمر غير مطلوب ولامقصود فلو كان الغرض من التعليق بيان
صحة الرؤية واستحالتها لم يكن الجواب مطابقاً فثبت أن الغرض بيان
نفي وجودها لانتفاء شرطها وهو المطلوب.
قوله: (ولهم ان يقولوا بل علقها باستمرار الاستقرار).
يعني وإذا كان كذلك فاستمرار الاستقرار جائز غير مستحيل وفيه حصول
غرضهم من أنه علقها بأمر جائز لامستحيل فتكون جائزة ولايلزم عليه
حصول الرؤية كما قاله أصحابنا فيما لو كان الشرط استقراره قبل
الاندكاك أو بعده لأنه لم يستمر استقراره فلا يلزم حصولها.
(4/137)
قوله: (شبهة تمسكوا بقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها
ناظرة}).
وجه احتجاجهم بها أن المراد بيومئذ يوم القيامة والمراد بناضرة
حسنة من النضارة التي هي حسن الرونق وهي وجوه المؤمنين لأن وجوه
العصاة ذلك لايوم باسرة كما حكاه تعالى وقوله: {إلى ربها ناظرة}
ولامراد بناظرة ههنا رائية لأن النظر بمعنى الرؤية ههنا قالوا:
ويؤكده أن النظر إذا علق بالوجه وعدي بإلى لم يحتمل إلا الرؤية.
قوله: (ويعقب النظر بالرؤية) إلى قوله: (ويجعل غاية له الرؤية).
وجه الاحتجاج بذلك على أن النظر غير الرؤية أن الشيء لايعقب بنفسه
ولايجعل وصلة إليه، ولا غاية له، وكان المثل الموافق للوصلة أن
يقول: رائية تنظر وقع مني ونحوه فأما انظر لعلك ترى فهو من قبيل
ترجي الرؤية مع النظر لا من قبيل التصريح بكونه وصلة.
قوله: (قلنا محال بدليل قوله تعالى: {وتراهم ينظرون إليك}) إلى
آخره.
يعني فجميع ما حكاه من الآيات وكلام /370/ العرب وأئمة اللغة قد
حصل فيه اقتران النظر بإلى ولم يفد الرؤية فدل على استحالة ما
ادعوه لغة، وقد اختلف في تفسير قوله تعالى: {وتراهم ينظرون إليك
وهم لايبصرون} فقيل: نظر المقابلة وقيل: تقليب الحدقة لأن عبدة
الأصنام كانوا يجعلون لها أعيناً من الجواهر واليواقيت فيخيل إلى
من رآها أنها تقلب أحداقها، وقيل: بل أريد الرؤية مجازاً والتقدير:
وتراهم كأنهم يرون وهم لايرون.
قوله: (وحكى الرازي عن الخليل).
يعني بالرازي ابن الخطيب الأشعري حكى في ذلك في كتابه الأربعين
معترضاً به على دليل أصحابه.
قوله: (في البيت: نظر الظما حيا الغمام).
الظما جمع ظام، كالعطاش جمع عاطش، والحيا وهو مقصور مطر الربيع.
قوله: (والنظر مع كون البحر حائلاً هو الانتظار).
(4/138)
جملة المصنف على أن معنى البيت: إذا نظرت إليك والبحر بيني
وبينك والظاهر أن مراده والبحر دونك في الكلام وذلك أن العرب تصف
الكريم بالبحر ويطلقون لفظة البحر على الكريم تجوزاً واستعارة
ويشبهون كرمه بكرم البحر ولذلك قال صاحب البردة يمدح النبي صلى
الله عليه وآله وسلم:
كالزهر في ترف والبدر في شرف ... والبحر في كرم والدهر في همم
وقال غيره:
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والبر ساحله
وهذه الجملة وهي قوله: والبحر دونك جملة اعتراضية أريد بها تأكيد
ما تصدى له الشاعر من بيان كرمه وكثرة إحسانه إليه.
قوله: (قال حسان:
وجوه يوم بدر ناظرات ... إلى الرحمن يأتي بالفلاح).
قيل: إن بعضهم رواه على وجه آخر وجعله لغير حسان:
وجوه ناظرات يوم بكر ... إلى الرحمان تنتظر الخلاصا
وزعم أن مراد الشاعر بيوم بكر يوم اليمامة، وسماه يوم بكر لأن
الحرب فيه كان بين أصحاب أبي بكر رضي الله عنه وبين مسيلمة الكذاب
واصحابه، وأراد بالرحمن في البيت مسيلمة وذلك لأنهم كانوا يسمونه
رحمن اليمامة وكان أصحابه يطمعون في أن يخلصهم عن ذلك البلا
وينظرون إليه في ذلك، والشاعر من أصحابه والحجة ثابتة على كلا
الروايتين.
قوله: (وقال البغيث) هو بالباء الموحدة المفتوحة والعين المهملة
المكسورة والياء الساكنة التحتانية والثاء المثلثة. قال الجوهري:
هو شاعر من بني تميم سمي بذلك لقوله:
تبغث مني ما تبغث بعد ما ... استمر فؤادي واستمر سريري
قوله: (في حكاية الشعر: ويوم بذي قار).
قال الجوهري: يوم ذي قار يوم لبني شيبان وكان ابرويز أغراهم جنساً
فظفرت به بنو شيبان وهو أول يوم انتصرت فيه العرب من العجم ووجه
الاحتجاج بهذا البيت أن الموت لايصح رؤيته فوجب حمله على الانتظار
لأن المعنى فيه صحيح.
(4/139)
قلت: والسابق إلى الفهم أن الشاعر أراد الرؤية تخييلاً وتصيراً
لشدة الأمر وأن الموت كأنه برز في تلك الحال وصار مشاهداً. وقال
الرازي: بل كنى بالموت عن الشجعان واستشهد بقول بعضهم:
وقل لهما ذروا بالغدر والتمسوا ... عذراً يبرركم إني أنا الموت
قوله: (لأن بعض المتعجرفين منهم).
قال في الصحاح: فلان يتعجرف على فلان، إذا كان يركبه بما يكره.
انتهى. وأظنه ههنا من قولهم: جمل فيه عجرفة، إذا كان قليل المبالاة
ولعمري أن مقالة هذا المتعجرف الذي ذكره المصنف تعاكس ما قاله
الرازي منهم فإنه احتج على أن النظر ليس بمعنى الرؤية في كتابه
الأربعين بخمس وعشرين حجة من الآيات والأثبات، وذكر مالم يذكره
أصحابنا من ذلك فلله در الإنصاف.
قوله: (وبعد فهب أنه صحيح).
أي أن نسبته إلى بعض أهل اللغة صحيحة.
قوله: (لأنها فعل الله تعالى وغيرها من الإدراكات) /371/.
يعني على مذهب الخصوم فإنهم يذهبون إلى أن لارؤية معنى يفعله الله
تعالى ولايكون إلا من فعله وكذلك سائر الإدراكات فأما مذهبنا فهي
صفة مقتضاة عن الحيية وكذلك سائر الإدراكات والمقتضى لايوصف بأن له
فاعلاً فلا يضاف إلى فاعل.
قول: (ولهذا لايذم أحدنا على العشق لأنه فعل الله تعالى).
إنما كان فعله تعالى على الإطلاق لأنه الشهوة التي تتعلق بالصور
والألوان من بني آدم والشهوة يختص تعالى بفعلها على الصحيح من
المذهب، ولايبعد أن يكون العشق على مذهب البغدادية من فعلنا أو
يكون منه على رأيهم ما هو قبيح.
قوله: (التي هي معنى يحل العين).
يعني على مذهبهم.
قوله: (وليس الرؤية تقضي على العاشق بل هي مما يستلذ به).
ذكر الرازي في الأربعين عكس هذا الذي ذكره المصنف قال: ومعلوم أن
الذي يقضي على العاشق رؤية المعشوق لاتقليب الحدقة نحوه وكلامه قوي
ويؤكده ما يسمع به عن العشاق من تغيرهم بل موت بعضهم عند رؤية
المعشوق والله أعلم.
قوله: (فكيف يسميها موتاً).
(4/140)
أي كيف يجعلها سبباً للموت لأنه قال: كادت تقضي عليه يعني
تميته.
قوله: (ومنها أن ظاهرها يقتضي أن الوجوه هي الناظرة). إلى آخره.
يعني فإذا ثبت أنه لايمكن بنفيه الآية على ظاهرها من كل وجه ووجب
تأويلها من وجه يثبت محاربتها وصح تأويلها من غير ذلك الوجه مع
الموجب لتأويلها.
قوله: (فدل على أنه أراد ذوي الوجوه).
يعني مع أن ظاهرها لايقضي بذلك بل بخلافه فيكون حملها على ذوي
الوجوه حملاً على غير ظاهرها.
قوله: (حيث قال للأعرابي) إلى آخره.
قال ذلك له وقد مر به وهو رافع يده إلى السماء شاخص بنصره إليها.
قوله: (وقد أسندت هذه الحكاية إلى ابن عباس).
ذكر الإمام يحيى عليه السلام في التمهيد رواية هذا التأويل عن أمير
المؤمنين وحكى قريباً منه عن ابن عباس وهو أنه سئل عنها فقال: أهل
الجنة ينتظرون رحمة الله وكرامته، وتلا قوله تعالى: {لاتدركه
الأبصار وهو يدرك الأبصار}.
قوله: (وابن المسيب) إلى آخره.
حكى الإمام يحيى عن ابن المسيب أنه قال: معناها تنتظر الثواب من
ربها، وعن مجاهد أن معنى الآية حسنة مستيسرة تنتظر الثواب من ربها،
وعن أبي صالح أيضاً أن معناها تنتظر الثواب من ربها، قال الإمام
عليه السلام: فثبت أن المفسرين فسروا الآية بذلك ولم ينكر عليهم
غيرهم فكان إجماعاً منهم فوجب حملها عليه.
قوله: (إن الله تعالى جعل الظن الذي هو الخوف) إلى آخره.
يعني حيث قال تعالى: {تظن أن يفعل بها فاقرة} وقد ذكر الإمام يحيى
قريباً مما ذكره المصنف فإنه قال: يصير معنى الآية: وجوه يومئذ
ناضرة أي ناعمة لثواب ربها منتظرة ووجوه يومئذ باسرة أي كالحة في
مقابله قوله: ناظرة تظن أن يفعل بها فاقرة أي تخاف حصول العقاب
وتتوقع هجومه وهي في مقابلة قوله: منتظرة لثواب ربها ليناسب آخر
الكلام أوله، ويتسق نمط الآية.
قوله: (فيزدوج الكلام).
الازدواج والمزواجة والتزاوج بمعنى ذكره الجوهري.
قوله: (قالوا لو جعل عجز البيت الثاني) إلى آخره.
(4/141)
يعني فيصير البيتان هكذا:
كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لحبلى كرى كره بعد إحفال
ولم أشرب الروى للذة ... ولم أبتطن كاعبا ذات خلخال
لتناسب ركوب الخيل وكرها وقوع الكر بعد الركوب وشرب الرق ومباطنة
الكاعب لكون الشرب من دواعي النكاح فكونهما من الملاذ المتلازمة في
الأغلب، وقد يقال: إن كلام امرئ القيس متناسب فإنه جمع في البيت
الأول بين ركوب الخيل للذة الاصطياد ونحوه لا للحرب وتبطن الكاعب
مع أنه فرع من الركوب وشرب الرق وكر الخيل لأنه ربما مدعاه إلى
التشجع والإقدام وكثيراً ما يعتاد ذلك، وقد ذكر في بعض الكتب أن
رجلاً /372/ بغدادياً كان كثير الطعن على القدماء والمحدثين ورد
على سيف الدولة فلما أنشد هاذان البيتان بحضرته طعن فيهما بهذا
المعنى المذكور.
فقال رجل آخر حاضر: لا ولا كرامة لهذا الرأي الله أصدق منك حيث
يقول: {إن لك ألا تجوع فيها ولاتعرى وأنك لاتظمأ فيها ولاتضحى}
فأتى بالجوع مع العرى ولم يأت به مع الظما. قال مصنف ذلك التكاب:
وقول امرئ القيس أصوب ومعناه أعز وأغرب لأنه أراد بقوله للذة الصيد
هكذا قالت الحكما ثم حكى عن شبابه وغشيانه النساء فجمع البيت
معنيين ولو نظم على ما قاله المعترض لنقص فائدة عظيمة وفضيلة
شريفة. ولو نظر البيت الثاني كما ذكر لكان ذكر اللذة حشواً لا
فائدة فيه لأن الزق لايسبا إلا للذة.
وأما الآية الكريمة فجارية على مايعتاد من ذكر العرى مع الجوع،
يقال: جائع عريان، ولايقال: ظمئان وبين الظمأ والضحى تناسب لأن
الضاحي من لايستره شيئ عن الشمس، ومن حقه أن يظمأ يعم أكثر
الروايات، ولم ......... الزق الروي يقال: سبا الخمر إذا شراها
ليشربها.
قوله: (وهذا مروي عن أمير المؤمنين).
(4/142)
روي في التمهيد عنه عليه السلام أنه قال: إلى ثواب ربها ناظرة.
وعن النخعي قال: حدثنا من سمع علياً عليه السلام يقول: في قوله
تعالى: {إلى ربها ناظرة} إذا جاز المؤمنون الصراط فتحت لهم أبواب
الجنة فينظرون إلى ما أعد الله لهم من الثواب والكرامة وما يعطون
من النعم.
وروي عن ابن عباس: إلى ثواب ربها ناظرة. وعن مجاهد وقتادة مثله.
وعن سعيد بن مسلم قال: سألت سعيد بن جبير عن قول الله تعالى: {إلى
ربها ناظرة} فقال: ما يقول أهل العراق؟ فقلت: يزعمون أنهم يرون
الله تعالى. قال: كذبوا أليس الله تعالى يقول: {لاتدركه الأبصار}؟
قلت: فما تقول في قوله: {إلى ربها ناظرة} قال: إلى ثواب ربها
ناظرة.
قوله: (ويمكن مجامعته للأول) إلى آخره.
يعني فتحمل ناظرة على معنيين: ألانتظار والرؤية للثواب، وهو ينبني
على أنه يصح أن يقصد باللفظ الواحد معنييه أو معانيه حيث يكون
مشتركاً وفيه خلاف وسيأتي تحقيق ذلك في آخر الكتاب.
وفيما ذكره المصنف تسليم أن الرؤية من معاني النظر.
قوله: (فإن قيل: إن في الانتظار تنغيصاً) إلى آخره).
هذا سؤال يرد على التأويل الأول. والجواب عنه من وجهين معارضة
وتحقيق، فالمعارضة بالرؤية فإنها لاتستمر لأهل الجنة بل لاتقع حال
الوطء والمداعبة ونحو ذلك من جميع الحالات التي يستحي العبد من
رؤيته لله تعالى وهو عليها.
إذا ثبت ذلك قلنا: فهو في هذه الحال ونحوها ينتظر حصول التلذذ
برؤيته تعالى عندهم لأن رؤيته أعظم الثواب عندهم، ولهذا قيل يلزمهم
القول بأن الشهوة تتعلق به تعالى أن يصح تعلق النفرة به فيلزم أن
تكون رؤيته عقوبة لأهل النار كما أنها مثوبة لأهل الجنة وهم
لايقولون به فما أجابوا به في انتظار الرؤية فهو جوابنا في انتظار
الثواب. وقد أشار المصنف إلى هذه المعارضة في آخر جوابه.
(4/143)
وأما التحقيق فقد استوفاه المصنف وقد أورد عليه الرازي أنه وإن
كان لا مشقة في الانتظار إذا كان على الصفة التي ذكرتم ولا غم معه
فإنه مما لم تجر العادة بالتلذذ به في الدنيا والمسرة فلا تحسن
البشارة بما هه صفته وإن فرضنا أنه لامشقة فيه بل لو قدرنا حصول
لذة فيه لم تحسن البشارة به أيضاً لما لم يكن مما يعتاد الانتفاع
به في الدنيا كما أنه لايحسن منه تعالى أن يعدنا /373/ بإدخال
النار وإن أخبرنا بأنا نتلذذ بإدراكها لما لم يكن مما يعتاد
الانتفاع به في الدنيا.
وأجيب بعدم التسليم فإنه يحسن من الله تعالى أن يعدنا بالانتظار
على الصورة التي ذكرناها. قوله: فإنه مما لم تجر العادة بالتلذذ به
في الدنيا والمسرة.
قلنا: لانسلم بل بالانتظار على الصورة التي ذكرناها تقع المسرة في
الدنيا فإن من كان بين يديه طعام شهي لذيذ وهو مع ذلك منتظر لغيره
من أنواع الطعام اللذيذة قاطع بحصولها فإنه يستر بذلك سروراً
عظيماً فكذلك في الآخرة.
قوله: (كما لايحسن منه تعالى أن يعدنا بدخول النار) إلى آخره.
قلنا: لانسلم بل إذا وصف للمطيع تلذذه بالكون فيها وحصول السرور
بذلك حتى يعلمه نتيقنه حسن من الله تعالى أن يعده بذلك مع أن هذا
ليس وزانا لمسألتنا لأن دخول النار مما يقع به التألم في الدنيا
والتضرر بخلاف الانتظار على الصورة التي ذكرناها فإنه يقع معه
السرور لأجلها دنيا وآخرة.
قوله: (ما أنكرتم أن الإلى واحدة الآلاء).
إنما عرف إلى للعهد لأن المراد الإلى المذكورة في الآية وقد أورد
على هذا أن الزمخشري وهو من أئمة النجاة النافين للرؤية ذكر في
مفصله عند ذكر الحروف الجارة أن (إلى) لاتكون إلا حرفاً فكيف
يجعلونها اسماً ويحكمون بأنها واحدة الآلاء.
(4/144)
والجواب قال الإمام يحيى عليه السلام: ما ذكره الزمخشري طأ وجهل
بمقاصد النجاة واحتج في التمهيد لصحة كونها اسماً بحجج واضحة وأضاف
القول بأن إلى واحدة الآلاء إلى الزهري، قال: ذكره في مهذبه
والمبرد وابن الأعرابي وذكره ابن دريد في الجمهرة وابن السكيت في
المقصور والممدود.
قال: وأنشدوا للأعشى: أبلج لايرهب الهزال.. إلى آخره. وقد قيل: إن
الذي حكي عن الأزهري من كونها اسماً إنما أراد به مع تنوينها وهي
في الآية غير منونة.
وأجيب بأنها في الآية مضافة فلهذا لم ترد منونة لأن الإضافة تمنع
التنوين وأورد أن البيت منسوب إلى الأعشى وهو ركيك لايقع في شعر
مثله ثم أنه قال فيه: ولايخون إلى وأراد بالخيانة ههنا جحود النعمة
وإنكارها ولامستعمل في السنة أهل اللغة كفران النعمة لا خيانتها.
والجواب: لعله يدل الكفران بالخيانة لاستقامة الوزن بها وعدم
استقامته بغيرها تجوزاً ومن تأويلات هذه الآية ما ذكره الإمام يحيى
عليه السلام وهو أن إلى قد تجيء بمعنى عند ذكره الأزهري في
التهذيب، وذكر ابن السكيت أيضاً أن إلى بمعنى عند قد جاء وأنشد
أوس:
فهل لكم فيها إلى فإنني ... بصير بما أعيى النطاشي حذيما
أي فهل لكم فيها عندي فعلى هذا يكون معنى الآية: وجوه يومئذ ناضرة
عند ربها ناظرة.
قوله: (لقوله تعالى: {يا أيها الإنسان} إلى آخره).
يعني واسم الجنس المعرف بالألف واللام من ألفاظ العموم ولهذا قسمهم
بعد ذلك فدل على استغراقه.
قوله: (لكان كأنه قال: واعلموا أنكم من أهل الثواب).
يعني لأنهم جعلوا الملاقاة الرؤية والرؤية لاتكون إلا للمثابين
لأنها من أعظم الثواب على مذهب الخصم فاختاره تعالى بأنهم ملاقوه
إخبار بأنهم يرونه واخباره بأنهم يرونه كإخباره بأنهم يثابون.
قوله: (وما وعد من ثواب أو عقاب).
(4/145)
يعني بقوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه} أي يلقون ثوابه وقوله:
{فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه} أي يلقون عقابه وقوله
تعالى: {واعلموا أنكم ملاقوه} وقوله: {يا أيها الإنسان} إلى آخرها
أريد بالملاقاة فيهما ملاقاة الثواب في حق المطيعين وملاقاة العقاب
في حق العاصين.
قوله: (فإن ذلك هو الذي يصح فيه معنى الملاقاة).
يقال: ألست ذكرت أن معنى الملاقاة تقابل الشيئين وتقاربهما بعد
مباعدة وذلك لايكاد يتصور في العقاب والثواب. /374/
والجواب: أن هذا المعنى إلى الحقيقة أقرب من رؤية الله تعالى فيكون
من قبيل المجاز الأقرب في وجوب حمل الكلام عليه وقد قيل: المراد في
قوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} أي يوم يلقون ملائكته.
قوله: (تمسكوا بقوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}).
وجه احتجاجهم بها أنها وردت في المعذبين والمراد أنهم محجوبون عن
رؤية ربهم وفي ذلك دليل على أن المثابين لايحجبون عن رؤيته تعالى
وأنهم يرونه.
قوله: (وتقديره عندنا عن رحمة ربها). يعني عن ثوابه وعطائه لأنه
الذي يتصور فيه معنى الحجاب.
قوله: (فإن هذا من الخطابات التي لامفهوم لها اتفاقاً بين
المحققين).
وذلك لأنه من قبيل مفهوم اللقب كما نصوا عليه في مثل قولك زيد
موجود أنه لايدل على عدم غيره ولم يخالف في ذلك إلا قليل سلكوا غير
منهج التحقيق وأما غيره كمفهوم الصفة نحو: في الغنم السائمة زكاة
فهم مختلفون فيه فمذهب أصحابنا وابن شريح وأكثر الحنفية أنه
لامفهوم للصفة يجب العمل به وذهب الشافعي وابن حنبل والأشعري
والجويني إلى أنه يعمل بمفهوم الصفة وهذا الخلاف إنما هو في باب
العمل فأما العلم فلا كلام في أن المفاهيم لاتوصل إليه وعلى هذا
فتمسكهم بتلك الآية تمسك فارغ.
قوله: (وإنما يروون في تفسيرها خبراً عن أبي بكر).
(4/146)
روي عنه رضي الله عنه أنه قال: الزيادة النظر إلى وجه الله،
وأما الرازي فروى في تفسيرها خبراً عن النبي صلى اللّه عليه وآله
وسلم فقال: قد صح عنه أنه قال: (( الزيادة هو النظر إلى وجه الله
تعالى )) .
قوله: (غرفة في الجنة).
الغرفة: ألعلية والجمع غُرُفات وغُرَفات وغُرْفات وغُرَف.
قوله: (انتظارهم لما يزيدهم الله من فضله).
هذا التفسير يصلح أن يكون تأويلاً للخبر الذي ذكره الرازي وهو
الزيادة النظر إلى الله تعالى فيكون بمعنى الانتظار.
قوله: (سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر).
تمام هذا الحديث المروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( لاتضامون
في رؤيته )) ويروى بتشديد الميم يعني لاتزدحمون كما أن القمر
لايزدحم عند رؤيته.
قال ابن الأثير: ويجوز على هذا ضم الياء وفتحها على تفاعلون
ويتفاعلون وتضم التاء والتخفيف بمعنى لاينالكم ضيم في رؤيته فيراه
بعضكم دون بعض والضيم الظلم هكذا ذكره في النهاية.
قوله: (وهو مطعون في سنده) إلى آخره.
يقال: أكثر ما يقتضيه ذلك الطعن أن رواية فاسق تأويل ورواية فاسق
التأويل بل كافره مقبولة على الصحيح.
والجواب: أن كلامه مبني على أن رواية فاسق التأويل وكافره
وشهادتهما غير مقبولة وهو مذهب الجمهور من المتكلمين والمروي عن
القاسم والهادي والناصر والمنصور عليهم السلام، وإن كان من العلماء
من يذهب إلى قبول روايتهما وهو المروي عن السيد لامؤيد بالله، وفي
رواية أيضاً عن القاسم والهادي وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي
وبيان أدلة ذلك وموضع ذكرها أصول الفقه.
قوله: (ثم كان من أصحاب معاوية من تعد).
روي أنه لما لحق بمعاوية هدم أمير المؤمنين عليه السلام داره ومما
يروى عنه أنه كان يقول: إن علياً ليس من أوليائي إنما وليي الله
ورسوله وصالحوا المؤمنين.
قوله: (وبعد فظاهر الخبر يقتضي التشبيه) إلى آخره.
(4/147)
يقال: ليس في الخبر ألا نشبهه تعالى بالقمر في تجلي الرؤية
وحصولها بسهولة لا في شكله وصورته.
وأجيب بأن التشبيه في الرؤية تشبيه في المرئي وإن كنا نسلم أنه ليس
في الخبر ما يدل على ذلك.
قوله: (ونحوها مما لايجوز على الله تعالى).
يعني من كونه على شكل الاستدارة وهيئة الإضاءة والإنارة.
قوله: (ومنه قوله عليه السلام: (( ليس لعين /375/ ترى الله يعسى
ثمامة فتطرف حتى تغير أو تنتقل )) وفي عد الرؤية هنا مما ورد بمعنى
العلم نظر والظاهر أنها الرؤية الحقيقية ولو كانت بمعنى العلم لم
يكن لنسبتها إلى العين وجه والذي ذكره لايقضي بصرفها عن ذلك فإن
وجوب الإنكار على من علم يؤخذ من غير هذا الخبر.
قوله: (ولصق بالأرض).
تمام الخبر: وقال لن يراه أحد ولاينبغي لأحد أن يراه.
قوله: (حاكياً عن عائشة: ثلاث من قالهن فقد أعظم الفرية على الله
تعالى).
الخبر تمامه: (( من زعم أن محمداً رأى ربه مع قوله تعالى: {لاتدركه
الأبصار}، ومن زعم أن محمداً يكتم شيئاً من الوحي مع قوله: {يا
أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت
رسالاته، ومن زعم أن محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم يعلم الغيب
مع قوله تعالى: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني
السوء )) .
تنبيه
قال أصحابنا: يلزم المكلف في هذه المسألة أن يعلم أنه تعالى لايرى
نفسه ولايراه غيره بل لايدرك بحاسة من الحواس لا في الدنيا ولا في
الآخرة، وأنه لايجوز ذلك عليه فيما لم يزل وفيما لايزال ولاتجوز
لارؤيته وإدراكه بحال من الأحوال.
القول في أن الله تعالى واحد لاثاني له
قوله: (لاقتضائه التناهي والتجديد).
إن قيل: فما قولكم في قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو
رابعهم ولاخمسة إلا هو سادسهم}.
(4/148)
قلنا: المراد بذلك رابعهم وسادسهم في العلم بما يتناجون به لا
رابعهم وسادسهم في العدد ولابمعنى أنه كأحدهم وبصفتهم فهو يتعالى
عن ذلك، ومما يدل على امتناع الواحد في حقه تعالى بهذا المعنى قول
أمير المؤمنين عليه السلام واصفاً له تعالى واحد لاتعدد دائم ثم لا
بأمد دائم لا بعمد.
قوله: (خلافاً لعباد).
الظاهر من كلام غير المصنف وقوع الاتفاق على أنه إذا أضيف إلى ذلك
قولنا حي فإنه مدح كما إذا قيل: الحي الذي لايتجزى وإنما الخلاف في
أنه هل يجري عليه تعالى واحد بمعنى أنه لايتجزى مع عدم اقتران كونه
حياً به فذهب الجمهور إلى جواز ذلك وذهب عباد إلى أنه لايصح وصفه
بذلك لأنه يوهم كونه تعالى جوهراً واحداً أو ذاتاً واحدة من
الأعراض.
قوله: (وأما من بعض الوجوه).
أي وإما أن يكون عدم قبوله للتجزئ من بعض الوجوه وهو الوجه الذي
جعل واحداً من جهته فإن الإنسان لايكون إنسانين ولا الدار دارين.
قوله: (وهذا المعنى مستحيل في حقه تعالى).
يعني لإفادته أنه واحد له أبعاض والله يتعالى عن ذلك.
واعلم أن هذه المعاني التي تقدم ذكرها هي معاني الواحد لغة وأما
معنى الواحد عرفاً فهو ما ذكره بقوله: وقد يراد به المختص بصفات
الكمال أو بعضها على حد فعل المشاركة له فيها وهذا المعنى أيضاً
مستحيل في حقه تعالى لأنه يقضي بصحة مشاركة الغير له فيها.
قوله: (وقد يراد به واحد القدم) إلى آخره.
هذا حده في اصطلاح المتكلمين.
قوله: (وهو المتفرد بصفات الكمال).
يعني من الوجود والقادرية والعالمية والحيية ونحو ذلك فإنه
لايشاركه فيها مشارك على الحد الذي يستحقها وهو الوجوب والثبوت في
الأزل وهذا معنى انفراده تعالى بها.
فصل
ذهب المسلمون إلى أن الله تعالى واحد لا ثاني له تعالى في القدم
والإلاهية.
قوله: (وخالفت الثنوية) إلى آخره.
(4/149)
قيل: أما إثبات ثاني يشارك القديم في جميع ما يجب له من الصفات
ويستحيل عليه فلا قائل به ولامخالف فيه يثبته، وإنما خلاف هؤلاء
المخالفين بإثبات ثان يشاركه في بعض الصفات وإنما سميت الثنوية
ثنوية لقولهم بإلهين اثنين.
قوله: (حاكياً عنهم وإن كل خير فهو من النور بطبعه وإن كل شر فهو
من الظلمة).
الخير عندهم /376/ ما تميل النفوس إليه وتلتذ به، والشر ما تنفر
عنه وتنقبض سواء كان ما تميل إليه النفوس أو تنفر عنه حسناً او
قبيحاً واتفقوا أيضاً على أن النور والظلمة قديمان.
قوله: (وأن العالم ممتزج منهما).
اعلم أن الذي أداهم إلى القول بأن العالم ممتزج من النور والظلمة
أن قالوا: إنا وجدنا أجسام العالم على ضربين أحدهما ذو ظل وطول
يستر غيره من أن يقع عليه النور وينفي عنه النور المشرق الثاني
الظل له كالأجسام النيرة المشرقة كالشمس وسائر الأنوار، فعلمنا أن
العالم نور وظلمة وأنهما ممتزجان وأنهما ضدان متنافيان بنفي أحدهما
الآخر فما كان له ظل فهو من جنس الظلام وما لم يكن ذا ظل فهو من
جنس النور فلهذا حكموا بأن العالم ممتزج منهما، واختلفوا في كيفية
الامتزاج فمنهم من قال أن قطعة من النور خرجت غازية للنور فأحاطت
الظلمة بالقطعة التي غزتها من النور فامتزجا وأحاط النور بالقطعة
التي غزته من الظلمة.
وقال بعضهم: إن النور لما كانت جهته العلو وجهة الظلمة السفل دفعها
النور بالاعتماد عليها فاندفع فيها لشدة انغماسه فخالطها. وقال
بعضهم: لما كانت الظلمة ذات خشونة وغلظة على النور أراد أن تليها
بالدخول فيها فلما دخل فيها غلبت عليه فامتزجا. وقال بعضهم: بل
اتفقا في جهة الاتصال بينهما فامتزجا من غير قصد ولاعمد.
(4/150)
وروي عن أبي الهذيل أنه قال: قلت لرجل من المجوس حدثني عن
الإنسان ما هو؟ قال: من أصلين قديمين امتزجا وهما نور وظلام. فقلت
له: أخبرني عن هذا النور ما جاء به إلى الظلام حتى مازجه أجاء إلى
أنسه وألفه وشكله أم جاء إلى ضده وعدوه؟ فقال: بل أتى ليؤديه.
فقلت: فهل عنده أن الظلام يقبل الأدب فتنقلب طبيعته؟ قال: لا. قلت:
فهو كمن قال للنار كوني برداً وسلاماً. فلما سمع قومه هذا الجواب
أنكروه وقالوا: أليس هذا جوابنا بل الجواب أن لاظلام وثب على النور
فأسره. قلت: فهل يكون الأسر إلا عن فضل قوة فأسر النور لايكون إلا
عن ضعفه وقوة الظلام، وذلك خير في الظلام وشر في النور فانقطعوا
وقالوا: أهل دينكم أصحاب إبل غلاظ الطباع حفاة فمن أين جاءكم هذا
التدقيق؟!
قوله: (وإنهما غير متناهيين إلا من جهة التلاقي).
اعلم أنهم يذهبون إلى أن جهة النور العلو وجهة الظلمة السفل ولكل
واحد منهما ست جهات، خمس لاتنتهي منها وتنتهي من السادسة، فالنور
لاتنتهي إلا من جهة السفل لأن الظلمة تلاقيه منها والظلمة لاتنتهي
إلى من جهة العلو لأن النور يلاقيها منها، واحتجوا لذلك بأن الحس
يشهد بأن الأجسام النورية صاعدة أبداً والأجسام المظلمة هابطة
أبداً فلو كان النور متناهياً من جهة الفوق لكان يجب أن يتصاعد
أكثر مما يتصاعد لأن صعوده بطبعه فلو كان يمكن صعوده لوجب وكذلك
قالوا في الظلمة.
قوله: (فقالت المانوية).
(4/151)
هم منسوبون إلى رجل يقال له: ماني بن بريك. وقيل: مانيا وهو من
دعاتهم وأخذ مذهبه أو أكثره عن قوم كانوا يقولون بذلك، وقيل: أنه
ادعى النبوة وجاء بكتابين سمى أحدهما الإنجيل والآخر الشابرقان وله
شريعة وكان ينهى قومه عن ادخار فوق قوت يوم وكسوة سنة وينهى عن
السرق والزنا ودخول بيت الأوثان، وروي أن ماني بن بريك ظهر في أيام
سابور بن ازدشير وهو تلميذ لقاردون، فقال سابور بمقالته من إلهية
النور والظلمة، ثم عاد بعد ذلك إلى دين المجوسية ولما يملك ولد
ولده بهرام بن هرمز بن سابور /377/ أتاه ماني فعرض عليه مذاهب
الثنوية فأجابه احتيالاً عليه إلى أن أحضر له دعاته المتفرقين في
البلاد الذين يدعون الناس إلى مذاهب الثنوية فقتلهم.
ومذهب المانوية كما ذكره ولم يفرقوا بين النور والظلمة إلا أن
النور يستعمل حياته وسمعه وبصره في الخير، والظلمة عكسه.
قوله: (وقالت الديصانية). قد يقال فيهم: الريصانية.
قوله: (وقالت المزدكية). اسمهم في كتب كثيرة من جملتها التمهيد
مثبت بالقاف بدلاً عن الكاف منسوبون إلى رجل يقال له: مزدق، وكان
ادعى الربوبية تعالى الله عما يقول الجاهلون ، وقتله على ما روي
كسرى أنوشروان.
قوله: (وأثبت المرقبونية). هم منسوبون إلى رجل يقال له مرقبونا.
قوله: (وسمت المجوس النور يزدان والظلمة أهرمن).
(4/152)
هم مع ذلك يقولون بأن كل خير من يزدان بطبعه وكل شر من أهرمن
بطبعه ومما روي عنهم أن الأرواح من يزدان والأجساد من أهرمن والذي
ذكره أكثر المتكلمين عنهم أن مرادهم بيزدان الباري تعالى وباهرمن
الشيطان، وأن الباري تعالى ليس هو النور والشيطان ليس هو الظلمة بل
الله تعالى على صفاته التي يعتقدها والشيطان أيضاً حي قادر فمنهم
من قال: هما جسمان ومنهم من قال: ليسا بجسمين، ومنهم من قال: بل
أهرمن جسم ويزدان ليس بجسم، ومنهم من عكس. والذي يلوح من كلام
السيد الإمام والمصنف أنهم يريدون بيزدان النور وبأهرمن الظلمة
وأنهم لايخالفون الثنوية إلا في العبارة.
قوله: (من عفونة كانت قديمة). العفونة: ألمزبلة.
قوله: (من فكرة يزدان الردية).
جعلوها ردية لتولدها أهرمن مع أنه رأس كل شر منها قالوا: وتلك
الفكرة أن يزدان لما استتم أمره فكر في شأنه فقال: كيف يكون حاله
لو كان معه ثاني منازع فحدث أهرمن من هذه الفكرة، وقال: هأنا
منازعك ومخاصمك.
قوله: (وزعموا أن عند حدوث هذا الثالث).
كان صوابه الثاني إلا أن يريده ثالث يزدان والعفونة، أو ثالث يزدان
والفكرة وفيه بعد فلعله من سهو القلم.
قوله: (حصل بينهما حرب).
(4/153)
الذي يحكى عنهم في تفصيل ذلك أن الدنيا كانت ذات بهجة سليمة من
الآفات وكان إبليس بمعزل عن النور وكان في الظلمة فاحتال بشياطينه
في الوصول إلى الدنيا ورام دخولها فخرق خرقاً فدخلها بشياطينه
وجنوده وهزم يزدان وملائكته وجنوده ومنعه حتى أدخله الجنة وحصره
فيها وحاربه ثلاثة آلاف سنة فصالح بينهما مهروس وسهيل ورامسان من
الملائكة على أن يكون إبليس وجنوده في العالم ..... سبعة آلاف سنة
بثلاثة الآلاف سنة التي حارب فيها يزدان، وأن يزدان رأى أن الصلح
واحتماله للمكروه هو وملائكته وجنوده إلى انقضاء الأجل أصلح قالوا:
واشترط إبليس لنفسه وجنوده ثمانية عشر شرطاً جملتها تعود إلى أن
يصير له حظ في خلقة الرياح والماء والنار والمودة وتسليط خلقه على
خلق الله قالوا: لما استقاما على شروطهما أشهدا على أنفسهما عدلين
ودفعا سيفيهما إلى المصالح بينهما فمن رجع عن شرطه ونكث عن عهده
قتل بسيفه ولهم من هذه المقالات الهوسية ما يطول ذكره ويستهجن زبره
ولولا استدعاء كلام المصنف لإيراده لما حسن أن يودع الأوراق وينشر
في الآفاق، فأخرس الله ألسنتهم وأعمى أبصارهم كما عميت بصائرهم.
وأكثر المحكي من مذاهبم يستند إلى معتمد الشيخ ابن الملاحمي.
قوله: (بعدة الأفلاك السبعة).
هي زحل، والمشتري، والمريخ، والشمس، والزهرة، وعطارد، والقمر.
قوله: (وفيهم قائلون بالتناسخ).
يعني تناسخ الأرواح على ما يأتي ذكره في باب الآلام /378/.
قوله: (فاتفقوا على أن الله تعالى جوهر واحد ثلاثة).
أفأنتم الذي قادهم إلى ذلك؟ إن قالوا: إن صانع العالم إما جوهر أو
عرض لايصح كونه عرضاً لأن العرض لايقوم بنفسه ولايصح أن يفعل فبقي
أن يكون جوهراً فإنما بنفسه ولايكون متحيزاً لن ذلك لايكون إلا مع
حدوثه فبقي أنه جوهر قائم بنفسه غير متحيز وهو متكلم حي، والأفنوم
عندهم الشيء المفرد.
قوله: (وأفنوم الابن).
(4/154)
وهو الكلمة المحكي عنهم أن أفنوم الابن هو الكلام والمعنى
متقارب وقد اختلفوا في تفسير الأقاسم فمنهم من جعلها ذوات فأفنوم
الابن الكلام أو العلم وأفنوم روح القدس الحياة. وقال بعضهم: بل هي
أشخاص. وقال بعضهم: بل هي صفات.
قوله: (وروح القدس قابضة بينهما).
زعموا أن الابن لم يزل يتولد عن الأب تولد الضياء عن الشمس قالوا:
ولم يزل أفنوم روح القدس الذي هو الحياة قابضاً بينهما بمعنى أنه
جامع بين الأب والابن وقد فسر بعض أصحابنا قولهم بالأب والابن وروح
القدس بما يقوله الفلاسفة من أنه تعالى عقل وعاقل ومعقول فهو من
حيث أنه عقل أفنوم الأب، ومن حيث أنه عاقل لذاته أفنوم الابن، ومن
حيث أنه معقول لذاته أفنوم روح القدس.
قوله: (فقيل هي الجوهر وهو هي).
هذا قول اليعقوبية والنسطورية منهم، وإن كان قد رويعن بعض
النسطورية أن كل أفنوم إله ناطق وقالت الملكانية منهم بل الجوهر
غير الأفانيم.
قوله: (واتفقوا على اتحاد الكلمة) إلى آخره.
يريدون بالكلمة أفنوم الابن لأنه عندهم المتحد بعيسى دون أفنوم
الأب.
قوله: (ممازجة الدهن للسمسم). السمسم حب الجلجلان.
قوله: (فصار المسيح جوهراً من جوهرين).
قد مثلوا ذلك بالفحمة إذا ألقيت في النار فصارت جمرة فإنها ليست
بنار خالصة ولا فحمة خالصة.
قوله: (وقال النسطورية: ادَّرَعَتْه).
أي ادرعت الكلمة التي هي أفنوم الابن عيسى.
قوله: (فالمسيح عندهم جوهران على الحقيقة).
تلخيصه: أنهم ذهبوا إلى أن جوهر الابن اتحد بجوهر المسيح فصار من
اثنين فالمسيح عندهم جوهران جوهر قديم هو الكلمة، وجوهر محدث هو
شخص المسيح فالمسيح إله تام وإنسان تام، قالوا: وكان حصول الكلمة
مع عيسى على جهة المجاورة فادراعها له كادراع الشمس للجدار، وروي
عنهم أيضاً القول بأن أفنوم الابن اتخذ عيسى هيكلا ومحلاً.
قوله: (بمعنى الانسانية المتصورة في الذهن).
(4/155)
أرادوا أن ادراع الكلمة هو لمعنى الإنسانية الحاصلة في عسى لا
الشخصية وهو قول الملكانية فإن الإمام يحيى حكى عنهم أن الاتحاد
كان بالإنسان الكلي وحقيقة الكلي هو الذي لايمنع تصوره من وقوع
الشركة فيه ..... الإنسان من حيث أنه إنسان حقيقة واحدة يشترك فيها
الأشخاص المفردة مثل زيد وعمرو.
قال عليه السلام: والباقون أثبتوا الاتحاد بالإنسان الجزئي.
ومعناه: هو الذي يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه فإن زيداً
لمكان حقيقته المعينة يمتنع وقوع الشركة فيه، وقد قال بعضهم: معنى
اتحاد الكلمة بعيسى تدبيرها للأمور على يديه.
قال الإمام يحيى: وللنصارى سبحة معروفة من أكثر ما نقل عنهم وهي
قولهم: نؤمن بالله الواحد الأب مالك كل صانع ما يرى وما لايرى
وبالذات الواحد أيسوع المسيح بن الله ذكر الخلائق كلها الذي ولد من
الله قبل العوالم كلها وليس بمصوغ إله من إله حق من جوهر الله الذي
أتقن العوالم كلها وخلق كل شيء من أجلنا معاشر الناس ومن أجل
خلاصنا نزل من السماء وتجسد بروح القدس وصار إنساناً وحبل به وولد
وقتل ودفن وقام بعد ثلاث وصعد إلى السماء وجلس عن /379/ يمين الله
وهو مستعد للمخرج تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء ونؤمن
بروح القدس الذي خرج من الله وبمعمودية واحدة لغفران الخطأ به
وبجماعة واحدة وبقيامه أبداً بنا والحياة الدائمة إى أبد الآبدين.
قال عليه السلام: ولهم أقاويل مختلفة ومذاهب مضطربة ومن أحاط علماً
بما ذكرناه عنهم هان عليه مناقضتها وإفسادها.
قال عليه لاسلام: واعلم أن أقرب النصارى إلى الحق وأكثرهم أيضاً
فريقان أحدهما البولية أصحاب بولي، فإنهم قالوا: الله واحد والمسيح
ابتدئ ومن مريم ابتداء وأنه نبي صالح عبد مخلوق إلا أن الله شرفه
وكرمه وسماه ابناً على طريق التبني لا من طريق الولادة، ولعل
التبني في لغتهم موضوع للإكرام والتعظيم من غير أن تعتبر فيه
المجانسة ولذلك قالوا تبناه الله.
(4/156)
الفريق الثاني: الأرضوسية منهم فإنهم زعموا أن عيسى كان عبدالله
ولكنه اتخذه ابناً على سبيل التشريف وغرضهم بالتبين الإكرام
والإعظما لاحقيقة البنوة كما حكيناه عن الفريق الأول.
قوله: (فإن هذا مذهب جمهور النصارى).
فيه نظر وإنما هو مذهب فرقة منهم من ثلاث فرق إذ فرقة أخرى قالت:
ذواق وفرقة أخرى قالت: أشخاص، إلا أن يكون المصنف فهم أن تلك
الفرقة أكثرهم.
قوله: (وذلك هو مذهب النصارى في الأفانيم).
فيه نظر لأنه ليس بمذهب جميعهم بل مذهب بعضهم لكنهم الأكثر.
قوله: (فإن عندهم أنها لاتستقل بنفسها).
يقال: أما الذين قالوا: إن الأفانيم ذوات فجعلوها مستقلةوقد صرح
بذلك بعض أصحابنا وجعله وجه الفرق بين كلامهم وكلام المجبرة.
فصل
ودليل أهل الحق أنه لو كان معه تعالى قديم ثان لصح بينهما التمانع
وصحة التمانع محال.
قوله: (فهذان أصلان) الأول أنه لو كان معه تعالى ثان لصح بينهما
لاتمانع والثاني أن صحة التمانع محال.
قوله: (يقتضي اشتراكهما في القادرية وسائر صفات الذات). قد تقدم
تقرير هذه القاعدة في فصل الكيفية فلا وجه لإعادته.
قوله: (ومن حق كل قادرين صحة التمانع بينهما). الذي يدل على ذلك
ويوضحه مع ما ذكره أن القادرين إن كانا قادرين للذات كان كل واحد
منهما قادراً على جميع أجناس المقدورات وإن كانا قادرين بقدرة كان
كل واحد منهما قادراً على جميع الأجناس العشرة ومن حق كل قادرين
اختلافهما في أعيان المقدورات لما تقدم من استحالة مقدور بين
قادرين ومن حقهما صحة اختلافهما في الدواعي.
قوله: (والتمانع) إلى آخره.
(4/157)
ينبغي ههنا ذكر حقيقة التمانع والمانع والممنوع والممنوع منه،
فالتمانع حقيقته: ما ذكره المصنف. والمانع هو ما لأجله يتعذر على
القادر إيجاد مقدوره مع بقا حاله في كونه قادراً هذا إذا استعمل في
الفعل، وأما إذا استعمل في الفاعل فهو من تعذر لأجل ما أوجده على
غيره إيجاد مقدوره، والممنوع من تعذر عليه إيجاد مقدوره لأجل ما
فعله الغير . والممنوع منه ما تعذر إيجاده لأجل ما فعله الغير.
واعلم أن لاذي يقع به التمانع بين القادرين جنس الاعتماد وشرطه
اختلاف الاعتمادات الحاصلة من كل واحد منهما، كمتجاذبي الحبل فإن
أحدهما يجذبه إلى غير الجهة التي يجذبه إليها الآخر فيقف الحبل
بينهما لاو ينجذب إلى إحداهما دون الأخرى، فالتمانع يقع بأمرين
مختلفين موجودين وهما الاعتمادان فإنهما موجودان ومختلفان لتغاير
الجهتين بواسطة ضدين معدومين في حكم الموجودين وهما الكونان اللذان
يولدهما الاعتمادان لو لم يقع التمانع وهما في حكم الموجودين لوجود
أسبابهما.
هكذا قيل وهو خلاف ما ذكره الفقيه حميد من ذكر أن التمانع يقع
بأمرين معدومين بواسطة فعلين موجودين وهو الذي يقضي به كلام ابن
متويه، وإذا تأملته /380/ فهو خلاف في عبارة مع أنه لاخلاف في أن
المانع لايقع إلا مع الاعتمادات على الصفة المتقدمة وإنما الخلاف
فيما به يقع التمانع. فقال أكثر المتكلمين يقع بالاعتمادات بواسطة
الأكوان المتولدة عنها.
وقال الفقيه حميد: بل يقع بالأكوان المعدومة بواسطة الاعتمادات
الموجودة ولا كلام في أن التمانع لايقع بمعدوم من غير واسطة لأن
المعدوم لاحكم له ولاتأثير ولابموجود صرف لأن مع الوجود لا يمانع،
ولابموجود ومعدوم لن الموجود غير ممنوع منه والمعدوم لا أثر له.
وإذا قيل: إن التمانع قد يقع بغير الفعل فحقيقته أن يحاول كل واحد
من القادرين ضد ما يحاول الآخر على وجه يتعذر من كل واحد منهما
إيجاد ما يحاوله.
(4/158)
قوله: (فلأنا إذا قدرنا أن أحد القديمين أراد تحريك الجسم يمنة
وأراد الآخر تحريكه يسرة).
يعني بأن يوجد أحدهما فيه اعتماداً إلى إحدى الجهتين والآخر
اعتماداً إلى الجهة الخرى فإما أن التمانع يقع بين المراد والمكروه
بواسطة الإرادة والكراهة فلا وذلك لأن إرادة كل واحد منهما إرادة
للآخر وكذلك الكراهة لاختصاصهما بهما على سواء وإذا كان كذلك وأراد
أحدهما إيجاد السواد وكره الآخر إيجاده لم يكن بأن تؤخذ إرادة من
أراد السواد أولى من كراهة من كرهه لأن إرادة كل واحد منهما
وكراهته هي إرادة الآخر وكراهته فالتمانع يعود إلى الإرادة
والكراهة لا أنه يكون بين المراد والمكروه فأما الاعتمادان فيقع
التمانع بين موجبهما بواسطتهما ولهذا ضعف الجمهور ما قاله الشيخ
أبو علي بن خلاد وما ذكره الشيخ أحمد بن الحسن في الواسطة.
والخلاصة من أن التمانع بين المراد والمكروه وهو الذي تقضي به
عبارة المصنف.
قولهك (وفيه خروجهما عن كونهما قادرين).
يعني لأن من حق القادر وقوع فعله عند إرادته له أو حصول داعيه وكان
الأولى أن يقول: وفي ذلك خورجهما عن كونهما قادرين للذات لأن
القادر بقدرة قد لايقع مراده بأن يمنع منه ولايخرجه ذلك عن كونه
قادراً.
قوله: (وفيه خروج من لم يوجد مراده عن كونه قادراً للذات).
دليله ما ذكره ولأنه إنما أوجد مراد الآخر ولم يوجد مراده لأن
الآخر أوجد أكثر مما أوجد ولو كان قادراً للذات لم يصح من صاحبه
إيجاد أكثر مما يصح إيجاده منه لأن من حقه لو كان قادراً للذات أن
يقدر على ما لايتناهى ولاشيء أزيد مما لايتناهى فلما تناهى مقدوره
تبين أنه ليس قادراً للذات أو أنه قادر بقدرة وقد أشار المصنف إلى
هذا بقوله: (وبعد فجواز المنع على أحدهما يدل على أنه متناهي
المقدور).
قوله: (فإن قيل أنهما حكيمان فلا يختلفان في الإرادة والداعي).
(4/159)
يعني لأنهما إذا كانا حكيمين فالذي يدعو أحدهما إلى الفعل من
العلم بحصول منفعة للغير فيه يدعو الآخر إليه والذي يدعو أحدهما
إلى فعل الإرادة يدعو الآخر أيضاً إذ ليس دواعيهما دواعي حاجة
فتختلف دواعيهما لاختلاف نفعهما وإذا كانا لايختلفان في الداعي
والإرادة لم يتمانعا إذ التماعن فرع على اختلاف الدواعي.
قوله: (فتكون إرادة كل واحد منهما).
أي من الضدين حكمة وكذلك يكون الداعي إلى فعل كل واحد منهما داعي
حكمة.
قوله: (فإن قيل إن أردتهما معنى واحد) إلى آخره.
هذا سؤال يرد على قوله في جواب السؤال الأول ومعلوم أن كل حيين يصح
اختلافهما في الإرادة وتقريره أن يقال: ليس ما ذكرته من حق كل حيين
إلا في الشاهد لأن الواحد منا مريد بإرادة حالة في قلبه فتختص به
ولاتختص بالمريد الآخر فلا يوجب لمن لم يختص به فيختلفان في
الإرادة بخلاف القديم الثاني لو ثبت تعالى الله عن ذلك لأن إرادته
تعالى لا في محل فهي كما تختص به غاية ما يمكن من الاختصاص تختص
أيضاً بالقديم المقدر فتوجب له أيضاً أو لايصح اختلافهما في
الإرادة إذ لايصح اختصاصها بأحدهما دون الآخر لثبوتها في حقهما على
سواء.
تابع من بداية صفحة 381 في الملف الخامس
(4/160)
من أول صفحة 381
والجواب عن هذا السؤال يمنع اتحاد إرادتهما لما ذكره المصنف ولأنه
كان يلزم منه إيجابهما الصفتين ولو تعدت في إيجابهما عن صفة إلى ما
زاد عليها لتعدت ولا حاصر، واعترض بأن ههنا حاصراً معقولاً لأنها
قد اختصت بالقديم تعالى والقديم المقدر لوجودها على حد وجودهما
فيوجب لهما دون غيرهما إذ لم يختص به ..... بأنها توجب له فإن
الاختصاص بالأحياء من الأجسام لايكون إلا بالحلول في القلب.
وأجيب بأنه إذا صح تعديها إلى إيجاب صفتين صح أن تتعدى لا على ذلك
الوجه وهو الإيجاب لسائر الأحياء بل بأن تتعدى في الإيجاب في حق
القديم تعالى إلى أزيد من صفة وإذا تعدت إلى ذلك تعدت ولا حاصر ف
يحقه وحق من اختصت به.
قوله: (ومن هنا قال أصحابنا أن الإرادة لو خلقت فينا لما أثرت في
كون كلامنا أمراً وخبراً).
يعني لو خلقت فينا إرادة كون كلامنا خبراً عن شخص معين لما أثرت في
كونه خبراً عنه لأنه يكون التأثير حينئذ له تعالى ومن حق المؤثر في
حكم الفعل أو صفة له أن يكون هو الفاعل له على ما تقدم وقد مضى
بيان الوجوه التي تمنع من تأثير الإرادة المخلوقة فينا في وجوه
أفعالنا.
قوله: (قلنا الحق أنه لايصح تقدير وقوع الظلم).
يعني وإذا لم يصح تقديره مع صحة تقدير التمانع بين الاقدرين لم يكن
لقائل أن يقول لم لم يقم تقدير وقوع الظلم من جهته تعالى مقام
وقوعه لأنه لايصح التقدير.
قال أصحابنا: التقدير قد يقوم مقام التحقيق كمسألتنا هذه، ومعنى
قولهم أنه يقوم مقامه أنه كاف في معرفة كون أحدهما أغلب أو
يساويهما وربما لايقوم مقامه كتقدير وقوع الظلم من جهته تعالى
ووقوع ما علم الله أنه لايقع ومعنى أنه لايوم مقامه أنه لايكفي في
الدلالة على الجهل أو الحاجة.
قوله: (إن تقدير الموجب المصحَح).
(5/1)
هو بفتح الجيم والحاء الأولى، وكان صوابه: الاثنان بلفظ التخيير
فيقول: الموجب أو المصحح فإن وقوع الظلم مصحح ومصححه الجهل والحاجة
وليس بموجب عنهما، ولا هما بموجبين له، ولكن الموجب معلولات العلل
ومسببات الأسباب.
وفيه سؤال وهو أن يقال: وتقدير المصحح الذي هو التمانع من دون
مصححه وهو الداعي إليه لايصح.
لكنه يجاب بأن التمانع يقع من غير ثبوت داع كما في النائمين.
قوله: (فلا يلزم التمانع). كلام لا معنى له لأن اعتبار وقوع
الاختلاف في الإرادة والداعي أدخل في لزوم التمانع من اعتبار الصحة
فما معنى أنه لايلزم التمانع من اعتبار الوقوع.
وأقرب ما يقال في توجيهه أنه إذا كان المعتبر الوقوع فيهما وبني
لزوم التمانع عليه لم يلزم التمانع لأن الاختلاف في الداعي
والإرادة تمنع منه الحكمة كما مر، والله أعلم.
قوله: (وبعد فمن مذهب الخصوم) إلى آخره.
يقال: إنك بصدد الاستدلال على نفي قديم قادر مثل للباري تعالى
والاعتراضات وردت على دليلك في ذلك فما بالك رجعت إلى الكلام على
أهل النور والظلمة وله فصل بعد هذا يخصه.
قوله: (ثم إن سلمنا أن مقدورهما واحد) إلى آخره.
تلخيص هذا الجواب: أن كون مقدورهما واحداً لايقتضي عدم صحة وقوع
التمانع بينهما لأنه يصح أن يدعو أحدهما الداعي إلى فعل كون مسبب
مقدور لهما فيحاول فعله بفعل سببه وهو الاعتماد الذي هو مقدور لهما
ويدعو الآخر الداعي إلى فعل كون في جهة أخرى مسبب ضد له مقدور لهما
جميعاً فيفعل سببه الذي هو مقدور لهما فيقع التمانع والسببان وإن
كانا مقدورين لهما معاً فهو يصح من كل واحد منهما فعل أحد السببين،
وإن لم يرد الآخر فعله، ولا دعاه الداعي إليه لأنه مقدور /382/ له
فيصح إيجاده منه ولايتوقف وجوده منه على إرادة الآخر، وإن كان
أيضاً قادراً عليه لأن كل واحد منهما قادر مستقل يصح أن ينفرد
بفعله.
قوله: (وأما من جهة السمع).
أي وأما الذي يؤيد دلالة التمانع من جهة السمع.
(5/2)
قوله: (فقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}،
وقوله: {إذن لذهب كل إله بما خلق} الآية ونحو ذلك).
لعله يشير بنحو ذلك إلى قوله تعالى: {قل لو كان معه آلهة كما
يقولون إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً} فهذه الآيات فيها مناسبة
لدليل التمانع وإشارة إليه وإن لم تكن صريحة فيه.
قال جار الله في قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}
فيهدلالة على أمرين: أحدهما: وجوب ألا يكون مدبرهما إلا واحداً.
والثاني: ألا يكون ذلك الواحد إلا إياه.
فإن قلت: لم وجب الأمران؟
قلت: لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من
التغالب والتناكر والاختلاف وهذا ظاهر. قال: وأما طريقة لاتمانع
فللمتكلمين فيها تحاول وطراد.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: {إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا
بعضهم على بعض} أي لانفرد كل من الآلهة بخلقه الذي خلقه واستبد به
ولرأيتم ملك كل واحد منهما متميزاً من ملك الآخرين ولغلب بعضهم
بعضاً كما ترون حال ملوك الدنيا ممالكهم متمايزة وهم متغالبون.
وقال في قوله تعالى: {لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى
ذي العرش سبيلا} لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلاً
بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض كقوله تعالى: {لو كان
فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} فهذه المعاني تناس بمعنى التمانع
وفيها إشارة إليه فصارت هذه الآيات مؤكدة لدلالته كما نبه المصنف
عليه.
قوله: (دليل لو كان مع الله تعالى قديم ثان) إلى آخره.
هذا الدليل محكي عن قدماء المعتزلة كأبي الهذيل وأبي علي وغيرهما.
قوله: (أما من يوجب كون مقدورهما واحداً فلا يتوجه هذا إليه).
(5/3)
يعني لأنه يجعل جميع أعيان المقدورات مقدورة للقادر للذات
ولايقول بأنه لايقدر على بعض العيان حتى إذا وجد ذلك العين دل على
غيره لكونه ليس بمقدور له، وإلى هذا ذهب الجمهور فقالوا: يجب إيجاد
مقدورات القديمين لاشتراكهما فيما لأجله وجبت القادرية وهو الصفة
الذاتية.
وقال أبو إسحاق: لايجب ذلك لامتناع مقدور بين قادرين سواء كانت
القادرية في القادرين جائزة أو واجبة فمن حق هذه الصفة ألا تثبت
أفرادها إلا مختلفة.
وقد اعترض الإمام يحيى هذا الدليل بأن قال: قولكم أنه لو كان مع
الله تعالى قديم ثان لكان يجب ألا ينفصل الاثنان عن الواحد، إما أن
يريدوا أنه ليس عند العاقل دليل يميز به أحد الإلهين عن الآخر فهو
حق لانزاع فيه، ولكن نقول: إنه لايلزم من عدم العلم بالأمر المميز
عدم تميزه في نفسه فيجوز أن يكون المميز حاصلاً وإن لم تعلموه،
اللهم إلا أن يقولوا: لاطريق إليه وحينئذ تكون طريقه أخرى غير هذه
الطريقة، وقد سبق الكلام عليها. وإما أن يريدوا أنه لايمكن أن يختص
أحد الإلهين في نفسه بأمر يكون لأجله مميزاً عن الآخر فهذه دعوى لا
بد من تصحيحها بدلالة.
ويمكن الجواب بأن مرادهم أنه لايمكن أن يختص أحدهما بأمر يكون
لأجله مميزاً عن الآخر لأنهما قد اشتركا في القدم وهو صفة ذاتية
والاشتراك فيه لايكون إلا مع الاتشراك في جنس الذات ويلزم منه
الاشتراك في سائر صفات الذات، فلا يتعقل افتراقهما في أمر يتميز به
أحدهما عن الآخر لكنه عليه السلام قد رفع هذه القاعدة وبنى على
/383/ بطلان هذه الطريقة.
وقد ذكر عليه السلام أدلة كثيرة يعتمدها أصحابنا في نفي الثاني
كهذه الدلالة ونقضها جميعاً إلا دليل التمانع فصححه وذكر أن
المعتمد في نفي قديم ثان دلالة الشرع لأن هذه المسألة مما يمكن
لااستدلال بالسمع عليها.
(5/4)
والأدلة السمعية آيات التهليل كقوله تعالى: {وإلهكم إله واحد لا
إله إلا هو}، وقوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله}، ولو كان
معه قديم ثان لوجب أن يشاركه في جميع صافته التي هي كونه قادراً
على جميع أجناس المقدورات عالماً بجميع أعيان المعلومات قديماً
غنياً عن كل شيء، وذلك معنى الإلاهية التي نفاها تعالى عن غيره
وكرر أنه لا إله معه. وبالجملة فنفي إله ثان على أي صفة كان معلوم
من ضرورة الدين وإجماع الأمة.
وقد استدل على نفي الثاني بطريقة مركبة من العقل والسمع وتحريرها
أن يقال: لو كان لله تعالى ثان قديم لوجب أن يشاركه في جميع صفاته
لما تقدم في مواضع كثيرة تقريره وإذا شاركه في جميع صفاته كان
عدلاً حكيماً مثله لأنه يكون عالماً بقبح القبيح غنياً عنه عالماً
باستغنائه عنه، وإذا كانا كلاهما حكيمين لم يجز أن يرسلا ولا أن
يرسل أحدهما رسولاً كاذباً فدل ذلك على صدق الأنبياء والمعلوم
ضرورة من دين خاتمهم وأفضلهم وكذلك غيره منهم الإخبار بأنه لا إله
إلا إله واحد وأنه لاثاني له والدعاء إلى ذلك والتصريح به، ولو كان
ثم ثان في نفس الأمر لكان ذلك كذباً والكذب لايجوز عليهم.
فصل في الكلام على ..... الثنوية في النور والظلمة
وقد ذكر بعض المتكلمين أنهم يعنون بالأنوار عالم العقل وقواه،
وبالظلمة عالم الطبيعة وقواعها، فإن الإنسان مركب من العالمين
معاً.
قال الإمام يحيى: فإن كان هذا مذهبهم فهم يوافقون الفلاسفة في
المعنى،ولهذا قال بعض العلماء: مراد الثنوبة بالنور والظلمة ما
يسميه الفلاسفة بالهيولى والصورة.
قوله: (إن النور والظلمة جسمان) إلى آخره.
قد تقدم ذكر ما يقوله أصحابنا في النور والظلمة وبيان خلافهم في
ذلك في مسألة نفي التجسيم والأقرب أنه خلاف لفظي وقد استدل على أن
النور عرض بوجوه أربعة:
(5/5)
الأول: أن الأجسام المستنيرة والمظلمة مشتركة في الجسمية
ومتباينة في النور والظلمة فما اشتركت فيه يجب أن تكون متغايرة لما
افترقت فيه فإذن الجسمية غير النور والظلمة.
الثاني: أن الجسم المعين يصير مضيئاً بعد أن كان مظلماً وبالعكس من
ذلك وجسميته باقية في الحالين فيجب أن تكون مغايرة لهذين الوصفين.
الثالث: أن الشمس إذا كانت محاذية لكوة البيت فحين تطلع الشمس يصير
البيت مضيئاً فإذا سدت صار مظلماً فلو كان النور جسماً لبقي بعد
سدنا للكوة في البيت.
الرابع: أن الشمس إذا طلعت من دائرة الأفق استضاء وجه الأرض ومن
المحال أن تنتقل الأجسام منها إلى الأرض لاستحالة الطفر والضوء قد
حصل دفعة واحدة فيجب أن يكون الضوء غير الجسم، وهذه الوجوه ذكرها
الإمام يحيى في التمهيد إلا أنه يجب أن نسأله عن استنارة وجه الأرض
عند طلوع الشمس على قوله هذا وما وجه حصول هذا العرض في وجه الأرض
هل هو ما ذهب إليه بعضهم من أن الشمس تكسب الهواء ضوءاً وانطباع
الضوء في الهوى فهو لايصح لأن انتقال الأعراض مستحيل فكيف يصير وجه
الأرض والهوى مضيئين لانتقال عرض إليهما والانطباع لايعقل، ثم كان
يلزم منه بقاء ذلك الضوء وإن غابت الشمس لأن لاهوى ووجه الأرض قد
اكتسبا هذا الضوء وغيبوبة الشمس لاتؤثر في انتفائه وعدمه، وإن جعل
حصول الضوء في الهوى ووجه /384/ الأرض مخترعاً عند طلوع الشمس أجرى
الله العادة بذلك فكان يجوز اختلاف العادة فلا يصح.
وقد وقع في كلام أصحابنا أن الذي نشاهده من النور في أجزاء الهوى
يستمده من الشمس حالاً فحالاً، فإذا غابت الشمس انقطع الاتسمداد
فلا يرى كذلك بل تزول استنارتها كما أن النار إذا التهبت ولم يمدها
شيء فإن أجزاءها تذهب فلا ترى لانقطاع الاستمداد. وفيه نظر.
(5/6)
قال عليه السلام: وأما لاظلمة فهي عبارة عن عدم النور. واحتج
لذلك بوجهين: أحدهما أن حال البصير في الظلمة التامة كحال الأعمى،
ثم أن الأعمى لا يدرك كيفية الظلمة لأنه لايبصر شيئاً أصلاً فيجب
أن تكون الظلمة عبارة عن أن البصر لايدرك شيئاً فتكون الظلمة أمراً
عدمياً.
الوجه الثاني: أنه إذا كان إنسان قريباً من النار وإنسان آخر بعيد
عنها فالبعيد منها يرى القريب ولايكون الهوى المظلم مانعاً بالنسبة
إليه فلو كانت الظلمة أمراً ثبوتياً لم يفترق الحال بينهما فكانت
إذا منعت أحدهما منعت الأخرى.
وهذا لايستقيم على قاعدة أصحابنا لأن النور عندهم باقي والباقي
لاينتفي إلا بضد أو ما يجري مجراه، فلا بد أن تكون الظلمة أمراً
ثبوتياً مضاداً له وإلا كان يلزم إذا وجد في جسم ألا ينتفي عنه وقد
علل ابن متويه رؤية البعيد من النار للقريب منها وعدم رؤية القريب
منها للبعيد بأن شعاع البعيد وجد مادة فرأى معها بخلاف من بالقب
منها، فإن شعاعه ينفصل إلى الظلمة التي لامادة فيها للشعاع فلا يرى
من فيها.
هذا والمحكي عن الثنوية أن النور والظلمة نفس الأجسام وذواتها
وبذلك يتضح بطلان قولهم بقدمهما.
قوله: (ولا كان أحدهما بأن يكون فاعلاً للخير أولى من الشر).
يعني لكونهما قديمين وإذا كانا كذلك كانا مثلين فلا يختص أحدهما
بوجوب أمر له دون الآخر.
قوله: (وكذلك في المدح والذم).
يعني ولا كان النور بأن يكون ممدوحاً أولى من الظلمة ولا كانت
الظلمة بأن تكون مذمومة أولى من النور، وهذا إنما يستقيم على قولهم
بصدور الخير والشر عنهما على سبيل الوجوب من غير اختيار فلا وجه
حينئذ لاختصاص النور بالمدح والظلمة بالذم.
قوله: (لاسيما وهما قادران للذات).
(5/7)
يعني لكونهما قديمين والقديم لابد من كونه قادراً لذاته وإذا
كانا كذلك كان كل واحد منهما قادراً على جميع أجناس المقدورات
خيرها وشرها وهذا لااستثناء المذكور يرجع إلى قوله: ولا كان أحدهما
بأن يكون فاعلاً للخير أولى من الشر.
قوله: (ويكف يصح الفعل من غير حي ولا قادر).
فيه نظر لأنهم لم يقولوا بصحة الفعل من الظلمة بل جعلوا الشر
صادراً عنها بطبعها فلا يكون في نسبة صحة الفعل إلى غير حي قادر
ويمكن أن يجاب بأن المصنف نبه على أن الظلمة إذا كانت عندهم جسماً
فالجسم غير موجب لأمر من الأمور والطبع غير معقول فلو كان لها
تأثير لكان على جهة الاختيار، وإذا كان تأثيرها لايصح أن يكون إلا
على جهة الاختيار فهو لايصح إلا من حي قادر ولايصح من عاجز موات.
قوله: (فكان يجب حصوله ولم يزل أي الامتزاج).
يعني ومع حصوله في الأزل يقع لااستغناء عن الثالث ويؤدي إلى قدم
العالم مع وضوح الدلالة على حدوثه، وهم أيضاً على ما حكاه بعض
أصحابنا لايقولون بقدمه.
قوله: (على أنه قد يكون صدر الخير والشر من غيرهما هو الثالث).
كان الأولى الإتيان بلفظ التخيير فيقول: الخير أو الشر؛ لأن الحاصل
عن الثالث هو الامتزاج لا غير فهم إما أن يجعلوه خيراً أو شراً،
ولعل المصنف بنى على أنه قد يكون خيراً في بعض المواضع وشراً في
بعضها.
قوله: (لأن العقوبة جسم وكل جسم محدث). يعني فكيف يقولون بقدمها مع
ذلك.
قوله: (ومما يعدونه شراً) /385/. يعني لنفرة النفوس عنها وذلك هو
معنى الشر عندهم.
قوله: (فيجب تقدم أهرمن عليها ليكون محدثاً لها).
يعني فمع حدوثها لابد لها من محدث ولايمكنهم أن يجعلوا يزدان
محدثاً لها لأنه لايصدر عنه إلا الخبر وهي شر لنها مما تنفر عنه
النفوس، وأيضاً فهي الموجبة لأهرمن وهو أصل كل شر فهي شر.
قوله: (ولأنه كان يجب أن يتولد عن كل عفونة أهرمن).
(5/8)
يعني لحصول كل عفونة على لاصفة التي حصلت عليها تلك الموجبة،
ولايجوز أن يحصل الموجب على الصفة التي توجب ثم لاتوجب إذ ليس
تأثير العفونة على جهة الاختيار فيقال: إن تلك اختارت إحداث أهرمن
دون البواقي، ومما يلزمهم أيضاً أن يتولد عن تلك العفونة المولدة
لأهرمن كل وقت أهرمن وإلا فما المخصص بإيجابها في وقت دون وقت، ثم
أنهم مع القول بقدمها يلزمهم إيجابها له في الأزل.
قوله: (أو من شكه).
إشارة إلى ما ذهب إليه بعضهم من أنه حدث من شك وقع لله.
قوله: (وكان يجب في كل فكرة وشك مثله). أي مثل ذلك الذي ذكروه في
تلك الفكرة والشك.
قوله: (إذا اتحد متعلقه). يعني فكان يلزم إذا فكر الواحد منا على
تلك الصفة وهو أن يفكر في أنه لو كان للباريتعالى عن ذلك مشارك
ومنازع كيف كانت يكون حاله أن يحدث أهرمن كما حدث عن فكرة الباري
لاتحاد متعلق الفكرتين فتكونان متماثلتين وما تولد عن أحد المثلين
تولد مثله عن المثل الآخر، والأسباب لايختلف تأثيرها من أي فاعل
صدرت مع أنه أيضاً لايشترط في توليد فكرتنا أن تكون مماثلة لتلك
الفكرة بل تولد على كل حال فإن الاعتمادات تولد الأكوان سواء
تماثلت أو لم تتماثل فكان يلزم في كل فكرة في أمر من الأمور أن
تولد أهرمن.
قوله: (ولأن هذه الفكرة لاردية من قبل الشرور) يعني عندهم،
لإيجابها ما هو أصل للشرور وهو أهرمن وما أوجب الشر أو أصله فهو
شر.
فإن قيل: فما قولكم في إحداثه تعالى للشيطان مع أنه أصل المعاصي
والقائد إليها؟
قلنا: ولا سوا لأن عندنا أن الشيطان غير موجب للشر بل فاعل مختار
وهو عندهم موجب.
واعلم أن أصحابنا رحمهم الله قد تكلموا على هؤلاء الطوائف وبسطوا
في الكلام عليهم بما لا مزيد عليه ولم يورد المصنف إلا الأقل من
ذلك وفيه كفاية ومذهبهم في وضوح البطلان أشهر من فلق الصبح إذا
استبان.
فصل في شبه الثنوية
قولهم: والفاعل الاوحد لايفعل الخير والشر.
(5/9)
قد يؤكدون ذلك بأن يقولوا: ألا ترى أن النار يصدر عنها التسخين
ولايصدر عنها ضده الذي هو التبريد، وكذلك فالثلج يقع به التبريد
ولايقع منه التسخين.
قوله: (بل يجب فيمن قدر على الشيء أن يقدر على جنس ضده).
يعني فإذا قدر أحدهما على الخير وجب أن يقدر على الشر لأنه ضده
وهذه مجاراة لهم على مذهبهم وهو أن الخير ضد الشر وإلا ففي التحقيق
لا يعتبر التضاد بذلك وإنما يرجع إلى تعاكس الذوات في صفاتها
المقتضاة عن الذاتية.
قوله: (وقد يفعل الضدين دفعة واحدة) إلى آخره.
هذا كالأول في أنه مجاراة لهم على ما يقولونه من أن الخير والشر
ضدان وأن الفاعل الواحد لايفعلهما وإلا فليس القتل باليمين
والإنقاذ باليسار ضدين من حيث كونهما قتلاً وإنقاذاً.
قوله: (وهو فاعل واحد). يعني فالنور أجبره على الخير كالصدق
والظلمة أجبرته على الشر كالكذب.
قوله: (قلنا ولم كانا بأن يجبرا بعض الناس على ذلك) إلى آخره.
يعني مع قولكم /386/ بأنهما غير مختارين بل موجبان فما المخصص لهما
بأن يجبرا بعض الناس دون بعض، فإن منهم من يصدق ويكذب، ومنهم من
لايكذب، وبالجملة فأحوالهم مختلفة في ذلك وكذلك فما المخصص بأن
يجبرا في وقت دون وقت.
تنبيه
وأما ما ذكره من النار والثلج فنحن نقول: إن ذلك من فاعل واحد وهو
الله تعالى فإنه الفاعل للحرارة عند إلهاب النار، والبرودة عند وضع
الثلج، وأجرى تعالى العادة بذلك لما علم فيه من المصالح كما في
إنبات البذر وحصول الأمطار في الأوقات المخصوصة وخلق الحيوانات من
أجناسها.
وقد قيل: إن التسخين بانتقال أجزاء من النار فيها حرارة إلى الماء
فتدرك تلك الأجزاء الحارة فتظن أن الحرارة في الماء، وليس كذلك
الحال في التبريد.
فائدة
(5/10)
اختلفوا في إحراق النار لما تحرقه فالذي عليه الجمهور أن الله
تعالى هو المحرق، أجرى العادة بأنه يحرق عندها فلو اتصلت بشيء ولم
يرد الله إحراقه لم يحرقه، والذي روي عن السيد م بالله والشيخ أبي
القاسم أن لانار تحرق بطبعها فكل ما اتصلت به مما جرت العادة بأن
أمثاله تحترق أحرقته لامحالة، ولا يمنع من إحراقها إلا حصول مانع
بينها وبينه.
فصل في الكلام على النصارى
وقد تقدمت حكاية مذهبهم. قال الإمام يحيى عليه السلام: وقد حكى
نقلة المقالات عنهم أقاويل مختلفة ومذاهب مضطربة لا تؤول إلى
رابطة، ومهما لم تنضبط المذاهب فالكلام عليها عسير صعب، وذكر السيد
الإمام قريباً من ذلك.
قوله: (وأما قولهم بالاتحاد).
الاتحاد في اللغة على ما ذكره السيد الإمام افتعال يشتق من الوحدة
لأن العرب متى اعتقدوا في شيئين أنهما صارا شيئاً واحداً قالوا:
أتحدا. والشيئان لايصيران شيئاً واحداً على الحقيقة أصلاً لأن ذلك
مستحيل إلا أن العرب إذا اعتقدوا ذلك فأجروا الإسم مطابقاً
لاعتقادهم كانوا مصيبين في التسمية مخطئين في الاعتقاد كاعتقادهم
في الأصنام أنها تستحق العبادة فسموها لذلك آلهة.
قوله: (فيلزم قدم المسيح أو كونه إلهاً حالة العدم).
يعني لأن اتحاد الباري بالمسيح إذا كان واجباً مع وجوده تعالى في
الزل لزم ألا ينفك الاتحاد عنه فيحصل في الأزل وهو إما أن يحصل مع
وجود عيسى فيلزم قدمه أو مع عدمه فيصير إلاهاً حالة العدم لأن مع
إيجاد الباري تعالى وصيرورتها شيئاً واحداً قد صار إلاهاً فإن
قالوا: إن اتحاده به مشورطاً بوجوده فلا يلزم حصول الاتحاد ووجود
عيسى لذلك في الأزل ولا اتحاد الباري به مع عدمه.
قلنا: إذا كانت ذات عيسى عليه السلام ثابتة في الأزل حالة العدم
على القول بثبوت الذوات في حالة العدم وذات القديم موجودة صح حصول
الاتحاد لثبوت الذاتين ولا دلالة على اشتراط الوجود.
قوله: (لأن في ذلك حدوثه).
(5/11)
يعني من حيث أنه لايجعل الذات على صفة من دون واسطة إلا الفاعل
لها والاتحاد عندهم صفة مع أن الفاعل لاتخير له في ذلك وإلا كان
يصح منا أن نجعل الأشياء المتعددة من مقدوراتنا شيئاً واحداً، ولو
صح ذلك لصح من الفاعل أن يجعل الشيء الواحد أشياء كثيرة.
قوله: (فلا يكون لها اختصاص بأفنوم الابن).
يعني فيجعله متحداً بعيسى دون أفنوم الأب وأفنوم روح القدس، لنه
إذا كانت الأفانيم جميعاً قديمة كانت متساوية فلا يصح أن يختص
ببعضها علة دون البعض الآخر إذ العلة التي تختص بذلك البعض إنما
تختص به لوجودها على حد وجوده، وجميع القدماء موجودون على حد واحد.
قوله: (والأول /387/ والثاني باطلان بالاتفاق).
يعني وهو أن يصير المحدث قديماً أو القديم محدثاً، فإن ذلك لايتوصر
إذ القديم الموجود في الزل فكيف يصح مع أنه قد وجد في الأزل أن
يصير بعد ذلك غير موجود في الأزل، وهكذا الكلام في المحدث.
قوله: (والثالث يبطل معنى الاتحاد).
يعني وهو أن يكون كل واحد منهما باق على حقيقته والناسوت ذات محدثة
واللاهوت ذات قديمة إذ مع قدم أحدهما وحدوث الآخر لا شك في كونهما
غيرين ومع كونهما غيرين لايكون للاتحاد معنى.
قوله: (فيلزم قيام صفة بموصوفين).
هذا الوجه يختص بالقائلين بأن أفنوم الأب وسائر الأفانيم صفات فأما
من جعلها أشخاصاً أو معاني فلا يلزمه ذلك، وإنما استحال قيام صفة
بموصوفين للزوم قيامها بأكثر من ذلك وأن يتعدى إلى الاختصاص
بموصوفين كثيرين وذلك محال.
قوله: (في حكاية الإثبات فاخمدوهم لأجل ما فعلوه).
لايبعد أن يكون مصحفاً والأصل: ما طلبوه، أو نحوه، ليناسب هذا
البيت سائر الأبيات في التزام الباء الواقعة قبل الضمائر وما في
حكمها.
قوله: (والكلام عليهم على جهة التفصيل).
يعني بتقسيم الاتحاد إلى ما يحتمله كلامهم والرد عليهم على كل وجه
مما يحتمل أن يكون مراداً لهم.
قوله: (وخروج الموصوف عن صفة ذاته أو حصوله على أكثر من صفة
للنفس).
(5/12)
يعني لأنهما إذا صارا ذاتاً واحدة وقد كان لكل واحد منهما قبل
ذلك صفة ذاتية إذ قد كان مما يصح أن يعلم على انفراد فحين صارا
ذاتاً واحدة لابد من أحد أمرين إما زوال إحدى الصفتين الذاتيتين
التي كان أحدهما يستحقها ويختصان بصفة واحدة إذ قد صار ذاتاً واحدة
وهو محال لأن خروج الذات عن صفتها الذاتية محال على ما هو مقرر في
موضعه ثم أنه ليس إحدى الصفتين بأن تزول أولى من الأخرى أو تثبت
الصفتان جميعاً مع أنهما قد صارا ذاتاً واحدة وهو محال لأنه لايجوز
اختصاص ذات واحدة بصفتين ذاتيتن لأن الصفتين الذاتيتين إن كانتا في
حكم المتماثلتين لزم مماثلة الذات لنفسها لحصولها على ما لو حصل
عليه غيرها لماثلها وإن كانتا مختلفتين لزم مخالفتها لنفسها
لحصولها علىما لو حصل عليه غيرها لخالفها والمماثلة والمخالفة فرع
على الغيرية وكون الذات غيراً لنفسها محال، وقد تقدم تقرير هذه
الطريقة وذكر ما يرد عليها من الإشكالات وقد قيل إنه يلزمهم
الأمران جميعاً لأنه مع اتحاد الذاتين وتصيرهما ذاتاً واحدة يلزم
خروج إحدى الذاتين من صفتها الذاتية من حيث أنه لايصح اتصاف ذات
واحدة بصفتين ويلزم أن تثبت الصفتان جميعاً من حيث أنه لايجوز خروج
الذات عن صفتها الذاتية ولأنه ليس أحد الصفتين بالزوال أو الثبوت
أولى من الأخرى فيلزمهم كلا الأمرين وهو الذي تقضي به بعض نسخ
الشرح للسيد الإمام.
قوله: (لأن إرادة الباري لاتختص بالأجسام).
يعني لكونها موجودة لا في محل واختصاصها بالأحياء من الأجسام
لايكون إلا بحلولها فيهم لأنه غاية مايمكن الاختصاص به تعالى
ولابسائر الأحياء غاية ما يمكن من الاختصاص إذ لم يوجد على حد
وجوده ولا خلت في سائر الأحياء، فإذا أوجبت له مع عدم الاختصاص
أوجبت لهم أيضاً إذ لافرق.
قوله: (لجاز أن يتحدا في العلم وغير ذلك).
(5/13)
تلخيصه أن يقال: لو اتحد الباري تعالى والمسيح مشيئة بمعنى أن
إرادة عيسى أوجبت له تعالى مع عدم اختصاصها به إذ لم يوجد على حد
وجوده لزم مثل ذلك في علم عيسى وقدرته وحياته أن يوجب صفات له
تعالى وإن لم تكن مختصة به قياساً على الإرادة مع كون موجبات هذه
المعاني جائز عليه تعالى كموجب الإرادة فلا يقال: إن موجباتها
/388/ تستحيل عليه تعالى فإن التزم الخصم ذلك لزم منه جواز أضداد
هذه الصفات عليه لأن من حق من جازت عليه صفة معنوية أن يجوز عليه
ضدها، ولهذا لما جاز كونه تعالى مريداً لمعنى جاز كونه كارهاً
كذلك.
قوله: (وبالجملة فكل حيين يصح أن يختلفا في الإرادة).
يعني فلا يصح القول بأن إرادتهما واحدة، وأن مرادهما واحد.
فصل في شبه النصارى
قوله: (ما لايفعله إلا الله تعالى).
يعني كقلب العصا حية، وإخراج الناقة من الجبل.
قوله: (أو يكون في الحكم كأنه من فعله).
يعني كالسير في الهوى وفوق الماء ونتق الجبل، وقلب المدن، فهذه وإن
كانت ليس بأفعال له تعالى فهي في الحكم كأنها من فعله إذ لا تكون
إلا مع أن يقدره تعالى على ذلك وهو خارق للعادة.
إذا ثبت هذا قلنا: ما من نبي إلا وقد ظهرت المعجزات على يديه
فيلزمهم القول بأن الأنبياء جميعاً أبناء له تعالى وأنه اتحد بهم
وهم لايقولون به وليس للمسيح في تلك الخوارق التي ظهرت له إلا
كونها كانت على يديه وإلا فهي فعله تعالى فعلها تصدياٌ له.
قوله: (وشيء من غير أب).
ذلك موجود في أنواع الطيور فإن من إناثها ما يبيض مع عدم الذكر
ويخرج الولد من بيضته.
قوله: (وبعد فالكلام عندنا عرض محدث يعدم في الوقت الثاني).
يعني فلا يمكن حمل الآية على ظاهرها ولايكون فيه حصول مرادهم وإنما
قال: عندنا؛ لأن الأشاعرة يجعلون الكلام معنى في النفس.
قوله: (فالروح عندنا هو النفس).
(5/14)
النفس بفتح الفاء وهي الأجزاء التي تتردد في مخارق الحي وقد حكي
عن بعضهم أن الروح الحاية التي هي عرض. والحجة عليه ما ذكره حيث
قال: (توضيحه) إلى آخره.
وقد ذهب أبو الهذيل إلى أن هذه الأجزاء الباردة هي الحياة وهي الت
توجب كون الحي حياً ورد بأن الأجسام لاتوجب الصفات واختلفوا في هل
الحياة تحتاج إلى الروح أو لا. فقال الشيخ أبو هاشم رحمه الله:
تحتاج إليه فإن من منع من النفس بطلت حياته على طريق الاستمرار،
وإذا كانت الحال مستمرة في ذلك عرفنا حاجة الحياة إليه.
وقال الشيخ أبو علي رحمه الله: بل لاتحتاج إليه إذ لو احتاجت إليه
لوجب أن تشيع الحاجة في كل محل فيه حياة مع علمنا بأن الروح
لاتجاوز أكثر المحال ولبسط الكلام في ذلك موضع أخص به.
قوله: ( {وأيدهم بروح منه} أي بهداية).
الذي ذكره في بعض التفاسير، قيل: بنصر. وقيل: بالإيمان. وقيل:
بالقرآن. وكلام المصنف مناسب لما ذكره جار الله فإنه قال: وأيدهم
بروح منه: بلطف من عنده حييت به قلوبهم.
قوله: ( وقال إني ذاهب إلى أبي وأبيكم) هو بالباء الموحدة.
قوله: (وكتاب الله العزيز مشحون بإبطال مذهب النصارى).
يعني في التثليث والبنوة، كقوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن
الله ثالث ثلاثة}، وقوله تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو
الغني} ونحو ذلك من الآيات.
وقد أجاب الإمام يحيى عليه السلام على تسليم صحة نقلهم بأن معناه
أنه يضهب إلى الموضع الذي أمره الله تعالى الرؤوف بهم وبه المالك
له ولهم لأنه يتجوز بالأبوة عن الرحمة والرأفة لأن شفقة الآباء على
الأبناءمعروفة فجاز أن يتجوز باسم الأب عن الرؤوف الرحيم وذلك
لايقتضي أن يسمى المرحوم ابناً قياساً بل لابد من أذن سمعي.
(5/15)
وقد أجيب أيضاً بأنه لو صح ما قلتم لوجب ألا يقتصروا عليه لأنه
قال: أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم. فلم يخص نفسه بذلك ثم أن الابن
حقيقته في اللغة من خلق من ماء الأب، والابن في الشرع المولود على
فراش الأب، والأب لغة من خلق الولد من مائه، وشرعاً من /389/ ولد
الولد على فراشه ولايصح أي هذه الأشياء المعتبرة لغة أو شرعاً في
حقه تعالى وحق المسيح والابن وإن استعمل في غير ذلك تجوزاً فهو
بشرطين: أحدهما أن يكون من جنس الحيوان الذي منه الأب. الثاني أن
يكون دونه في السن وكل هذا لايصح في حقه تعالى والمسيح، فهذه
الجملة تبطل ما يقوله اليهود من أن عزير ابن الله.
تنبيه
مقالات اليهود والنصارى في عيسى عليه السلام على طرفي نقيض، أما
اليهود فغلوا في بغضه وقالوا: ولد لغير رشدة، وأطنبوا في سبه
وبالغوا في ذمه، وأما النصارى فغلوا في تعظيمه هو وأمه ومدحهما حتى
قالوا: هو إله، وأمه كذلك.
فائدة
سمي عيسى عليه السلام بالمسيح لأنه مسح بالبركة. وقيل: من مسح
الأرض، لأنه عليه السلام كان يمسحها بمعنى أنه يسير فيها أكثر من
يغره. وقيل: سمي بذلك لأن باطن قدمه كان مسنوناً ليس فيه انخفاض
كالأقدام المعتادة. ولايقال: فكان الدجال سمي مسيحاً لذلك فإنه سمي
مسيحاً لأنه ذو عين واحدة وعينه الأخرى مساوية لخده. وقيل: لمسحه
الأرض كما تقدم في عيسى عليه السلام.
تنبيه
لا كلام في أنه يلزم المكلف في هذه المسألة أن يعلم أنه تعالى واحد
لاثاني له يشاركه في القدم وصفات الكمال والإلهية وأنه لايستحق
العبادة غيره تعالى لاختصاصه تعالى بتلك الصفات وإنعامه بأصول
النعم دون غيره وأن العلم بذلك من فروض الأعيان.
الكلام في العدل
(5/16)
اعلم أولاً أن وجه تأخيره وتقديم كتاب التوحيد والإتيان به على
أثره أنه كلام في أفعال الله تعالى وأحكام أفعاله وما يتعلق بذلك،
والتوحيد كلام في ذاته تعالى وصفاته الإثابتية والنفيية، فكان
تقديمه وتأخير العدل واجباً لأنه لايمكن الكلام على فعل لذات وعلى
حكمه إلا بعد العلم بتلك الذات وما كان من الصفات يتوقف عليه العلم
بالإعال وأيضاً فمن مسائل التوحيد ما يدل على بعض مسائل العدل ومن
حق الدليل أن يتقدم العلم به على المدلول فلنتكلم على ضبط علوم
العدل وحصرها، وله طريقان: جملي وتفصيلي، فالجملي حاصله أنها تنقسم
إلى إثبات ونفي، فالأول أن أفعاله تعالى حكمة، وأن أقواله صدق،
وأنه يأمر بالمصلحة وينهى عن المفسدة ويريد الطاعات ويكره المعاصي،
ويثيب المطيعين ونحو ذلك.
والثاني أنه تعالى لايفعل القبيح ولايخل بالواجب ولايريد القبائح
ولايرضى الكفر ولايحب الفساد ولايكره الطاعات ولايكلف ما لايطاق
ولايعذب بلا ذنب ولايظلم ولايأمر بالفحاش وغير ذلك، والتفصيلي أن
يقول هي بالنظر إلى اختلاف الناس فيها تنقسم إلى ستة أقسام:
الأول: نثبته فعلاً لله وغيرنا ينفيه كإنزال الأمراض والأسقام
والآفات في النفوس والزروع، وأن القرآن من قبيل أفعاله تعالى.
الثاني: ما ننفيه عنه تعالى وغيرنا يثبته فعلاً له كأفعال العباد
وتكليف ما لايطاق وإضلال الخلق وأعوانهم وصدهم عن السبيل ونحو ذلك.
الثالث: مانقضي عليه بالحسن وغيرنا يقضي بقبحه كما يقوله في تكليف
من المعلوم من حاله أنه يكفر وننفيه من المعلوم من حاله أنه يضل مع
كونه في الحال مهتدياً واحترام من المعلوم من حاله أنه سيهتدي وهو
ضال في الحال، والبعثة للأنبياء عليهم السلام.
والرابع: ما نقضي عليه بالقبح وغيرنا يذهب إلى حسنه منه تعالى كما
نقوله من قبح تكليف ما لايطاق وقبح الإضلال والإغواء وتعذيب من
لاذنب له كتعذيب الأطفال بذنوب آبائهم.
(5/17)
الخامس: ما نقضي عليه بالوجوب وغيرنا /390/ يمنع وجوبه كالتمكين
للمكلفين، والإثابة للمطيعين، والتعويض للمؤلمين، واللطف في حق من
يلتطف وغير ذلك.
السادس: عكسه، وهو ما لا نعده واجباً وغيرنا يقضي بوجوبه كنفينا
وجوب الأصلح في الأمور الدنيوية ووجوب العقاب فمرجع علوم العدل
ومدارها على هذه الأقسام.
عدنا إلى تتبع ما يفتقر إلى الكشف من كلام المتن.
قوله: (العدل).
في اللغة: مصدر عدل. قيل: هذا عرف اللغة، وأما أصلها فالعدل:
المثل، ومنه: {أو عدل ذلك صياماً}.
قلت: بل الظاهر أنهما معنيان لغويان فإن مصادر الأفعال ثابتة في
أصل اللغة.
قوله: (ومنه: {إنه عمل غير صالح}).
أي ومن استعمال المصدر في الفاعل للمبالغة قوله تعالى: {إنه عمل
غير صالح} في قراءة من قرأ بفتح الميم والتنوين.
قوله: (وهو في اصطلاح الفقهاء) إلى آخره.
ذكر السيد م بالله في تحقيقه أنه الخارج من كل شبهة المحاسب نفسه
في كل طرفة، وتارة ذكر أنه من كانت محاسنه أكثر من مساويه مع
اجتناب الكبائر وهذا أقرب، وذكر ابن الحاجب أن العدالة محافظة
دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة. قال: ويتحقق
باجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر وبغض الصغائر وبغض المباح.
يعني ببغض المباح: كالأكل في الأسواق وبحضرة الجمع، والبول في
السكك لغير عذر، ونحو ذلك مما لايفعله من له مروءة، وقوله: ليس
معها بدعة. ليخرج فاسق التأويل كالخوارج.
قوله: (وهو منتقض).
يعني حد القاضي لا مذهبه وأراد بقوله: أو لنصرة. ليدخل نحو العقاب.
فصل
قوله: (مر في هذه الجملة) إلى آخره.
(5/18)
اعلم أن المصنف لما أتى بذكر كتاب العدل وفرغ من حقيقته قدم على
الكلام في مسائله أربع مقدمات لاحتياج مسائل العدل إليها وتوقفها
عليها، فإنا مالم نعلم القبح والحسن ونحوهما لايمكنا الحكم على
أفعال الله بإثبات الحسن ونفي القبح ونحو ذلك في الوجوب وغيره،
ومالم نعلم أن القبيح يقبح لوجه يقع عليه من أي فاعل كان لم يمكن
القول بأنه تعالى لايفعله لتجويز أنه لايقبح منه، ومالم نعلم أن
القبح والحسن يثبتان عقلاً لم نحتج إلى الاستدلال على أنه لايفعل
القبيح إذ لا قبيح يمكن وجوده منه تعالى ولو لم نثبت قادريته على
فعل القبيح لم نعلم أن تركه له لأجل قبحه وكنا نجوز أن يكون لعدم
القدرة عليه، ولم نحتج إلى الاستدلال على أنه لايفعله.
فالمقدمات الأربع الكلام في حقيقة الفعل وقسمته وتوابع ذلك وهو
الفصل الأول، والثانية الكلام في الوجه الذي لأجله وجب الواجب وقبح
القبيح وحسن الحسن وهو الفصل الثاني، والثالثة: أنا نعلم بالعقل
وجوب بعض الأفعال إلى آخره وهو الفصل الثالث، والرابعة الكلام في
أن الله تعالى قادر على ما لو فعله لكان قبيحاً وهو الفصل الرابع.
قوله: (كالمسببات المتراخية).
يعني مسببات الاعتمادات كالإصابة في الرمي ونحو ذلك إذ لاتتراخى من
المسببات غيرها.
قوله: (لتدخل الصغائر).
يعني حيث صدرت ممن له ثواب أكثر من عقابها فإنه لايستحق عليها ذماً
مع قبحها لكنه يستحق الذم عليها على بعض الوجوه وهو أن يفعلها وليس
له من الثواب ما يزيد على عقابها.
قوله: (عند غير أبي هاشم).
وإلى مثل قوله ذهب أبوه أبو علي وأصحابهما.
قوله: (عند غير أبي الحسين).
وإلى مثل قوله ذهب ابن الملاحمي حكاه عنه الفقيه قاسم، وحكى عنهم
الإمام يحيى إطلاق القول بعدم قبح أفعال الصبيان ومن لاعقل له
والساهي والنائم واحتجوا بأن القبيح يقبح لوقوعه على وجه إذا علم
فاعله قبحه أو تمكن من العلم، والصبيان ونحوهم لا علموا ولاتمكنوا.
(5/19)
نعم وأما أبو علي بن خلاد وغيره من متأخري المعتزلة فذهبوا إلى
أنه /391/ ما صدر من الساهي والنائم والصبيان والمجانين من أنواع
القبيح فهو قبيح لن القبيح يقبح لوجه يقع عليه من كونه ظلماً،
وكذباً وجهلاً وعبثاً، وبه قال الشيخان وأصحابهما في الصادر من
الصبيان والمجانين. قيل: وبهذا قالت الزيدية.
واعلم أنه لاخلاف في أن القبائح لاتقبح منهم بمعنى أنهم لايستحقون
عليها ذماً ولا عقاباً.
قوله: (عند من يقول بقبحها). هو الظاهر من مذهب الأصحاب والموافق
للقواعد وإن لم يقبح منهما بمعنى أنهما لايستحقان عليها ذماً
ولاعقاباً وقد نص الفقيه قاسم على أن الإلجاء لايخرج القبيح عن
كونه قبيحاً وفي كلام أبي الهذيل ما يدل على مخالفته في ذلك فإنه
ذكر أن الكذب الواقع من المكره لايقبح وإن لم يعرض. وذكر الفقيه
قاسم أن الإلجاء قد يرفع قبح الفعل كمن الحي إلى إفساد زرع لغيره.
قوله: (وقلنا إلا في حالة عارضة) إلى آخره.
اعلم أن ظاهر هذا القيد لايفيد ما أراد به من الاحتراز بل يفيد
نقيضه لأن تناول الميتة يستحق الذم عليه على بعض الوجوه ويستحق
الذم عليه إلا في حالة عارضة فكما أنه يدخل تناول المضطر للميتة
بقولنا على بعض الوجوه فإنه يدخل بقولنا إلا في حالة عارضة.
ولعل الوجه في تمشيته ألا يجعل استثناء من قوله هو ما إذا فعله
الاقدر عليه استحق الذم بل يجعل استثناء من المحدود كأنه قال: فما
جمع هذه القيود فهو قبيح إلا في حالة عارضة فليس بقبيح وعلى كل حال
ففيه ركة.
قوله: (ما استحق الذم عليه على كل الوجوه). يعني كجهل المكلف بالله
تعالى.
واعلم أن هذه الحقيقة التي ذكرها المصنف للقبيح رسمية وحده الحقيقي
على ما ذكره بعضهم ما ليس للقادر عليه المتمكن منه الإقدام عليه
على بعض الوجوه فهذه الأوصاف تجري مجرى الذاتية إذ لاتعقل ماهية
القبيح مع كونه للتمكن منه الإقدام عليه وليست بذاتية لأنها أوصاف
للقادر عليه لا له.
(5/20)
قلت: والظاهر أنها أيضاً حقيقة رسمية.
فائدة
القبيح يسمى قبيحاً لغة وشرعاً، وأما تسميته جريمة ومحظوراً ومعصية
ومكروهاً لله تعالى فاسماً شرعياً.
قوله: (فأما الشيخان) إلى آخره.
وإلى مثل ما ذهبا إليه ذهب القاضي في مواضع وله مواضع أخر ما يقضي
بموافقته لأبي عبدالله والجمهور.
قوله: (من كونه جلب نفع أو دفع ضرر إما للنفس أو للغير).
هذا هو الوجه عندهما فيما عرف فيه ذلك، وأما نحو الصدق الذي لانفع
فيه ولادفع فحسن عندهما لكونه صدقاً، وكذلك الأمر بالحسن والنهي عن
القبيح يحسن لكونه أمراً بذلك ونهياً عن ذلك قيل: وكلامهم جميعاً
متقارب مع اتفاقهم على أنه مبني حصل وجه قبح مع وجه الحسن أن الحكم
يكون له ويقبح الفعل، ولايعتبر حصول وجه الحسن فيه.
قوله: (واعترضه الجمهور) إلى آخره.
الأحسن في توجيه اعتراضهم أنه لو كان يحسن لوجه يقع عليه للزم إذا
اجتمع في الفعل وجه حسن ووجه قبح أن يكون حسناً قبيحاً ككذب فيه
جلب نفع أو دفع ضرر.
قوله: (ويمكن الجواب) إلى آخره.
يرد عليه أنه لو كان للحسن وجه لايستقل بالتحسين ولم يقف تأثيره
على انتفاء وجه القبح كما أن وجه القبح لما كان مؤثراً في القبح
استقل بالتأثير فيه ولم يحتج إلى انتفاء وجه الحسن.
فصل
قوله: (وينقسم الحسن) إلى آخره.
كان قياس قوله: ومندوب أو ما في حكمه وأن يقول: ومباح أو ما في
حكمه. والذي في حكمه العقاب من فعل الله تعالى ولايسمى مباحاً لأن
المباح ما عرف فاعله حسنه إلى آخر حده، ولايصح أن يكون الله معرفاً
لكن له حكم المباح.
قوله: (وهو الثابت أيضاً).
منه قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( إذا وجب المريض فلا تبكين
باكية )) أي إذا ثبت ساكناً، ومنه وجب الحق على فلان، أي ثبت وقر.
قوله: (وفي الاصطلاح) /392/ .
اعلم أنه يستعمل اصطلاحاً في أمور أربعة:
أحدها: ما ذكره وهو الواجب الذي هو مناط التكليف.
(5/21)
والثاني: الواجب الذي هو في مقابلة الجائز. يقال: صفات الله
واجبة له، المعنى أنها غير جائزة.
والثالث: الذي هو في مقابلة الاختيار كما يقال: كون الجسم متحركاً
صادر عن مؤثر على سبيل الوجوب أي ليس بمختار.
والرابع: الذي يراد به الثابت المستمر يقال من توفرت دواعيه إلى
الفعل وصوارفه عن تركه وجب حصول الفعل منه بمعنى استمر حصوله.
قوله: (ويدخل في ذلك ما يكون استحقاق الذم على الإخلال به عارضاً).
اعلم أن المصنف استشعر ورود إشكال على حده للواجب وهو أن يقال:
يلزمك أن يكون أكل الميتة وشرب الخمر واجباً لأنه يستحق الذم على
تركه على بعض الوجوه وهو مع الضرورة وخشية التلف فأراد أن ينبه في
الحد على دفع هذا الإشكال، ولكن صعب عليه الاحتراز ولم تتسهل له
العبارة لأنه إن ساتثنى ذلك وقال: إلا في حالة عارضة لزم إخراج أكل
الميتة ونحوه مطلقاً في حالة الضرورة وغيرها، وليس كذلك فإنه في
حالة الضرورة واجب لامحالة، فقال: ويدخل في ذلك. إلى آخره.
ودخوله قد حصل من قوله: على بعض الوجوه. لكنه دخل معه غيره وهو أكل
الميتة ونحوه في غير حال الضرورة وهذا الذي زاده المصنف لايخرجه
ففي العبارة ركة، وإن كان المقصود معروفاً.
ولو قيل: ما إذا لم يفعله القادر عليه استحق الذم على بعض الوجوه
مالم يكن أصله القبح ولايجب إلا في حالة عارضة لكان أوضح وأسلم
والله أعلم.
قوله: (لتدخل الواجبات المخيرة).
يعني كالكفارات الثلاث فإن المكلف إذا فعل واحدة منها وترك
الآخرتين فقد ترك واجباً ولايذم على تركه في هذه الحال لكنه يذم
على تركه على بعض الوجوه وهو حيث لايكون قد فعل ما فعله.
قوله: (وفرض الكفاية).
يعني فإنه إذا فعله بعض المكلفين وتركه الآخرون فإنهم لايذمون على
تركه في هذه الحال، وهو واجب عليهم، لكنهم يذمون على بعض الوجوه
وهو حيث تركه ولم يفعله غيرهم.
قوله: (والواجب الموسع).
(5/22)
يعني فإن المكلف إذا تركه في أول الوقت فربما سمي تاركاً للواجب
ولايستحق الذم لكنه يستحقه على بعض الوجوه وهو حيث تركه حتى خرج
الوقت أو تركه في أوله غير عازم على فعله في بقية وقته.
قوله: (والمطلق الذي تركه صغير).
يعني فإن تاركه لايذم حيث له ثواب أكثر من عقاب تركه ويذم على بعض
الوجوه حيث تركه ولاثواب له يزيد على عقاب تركه وأراد بالمطلق مالم
يرد مؤقتاً بوقت كالحج ونحوه.
قيل: والاحتراز في حد الواجب عما تركه صغير وفي حد القبيح عن
الصغيرة لتدخلا بقولنا: على بعض الوجوه لايتأتى إلا على مذهب
متقدمي المعتزلة من أن الغصيرة تنقسم إلى محققة ومقدرة فالمحققة
حيث يكون ثواب فاعلها أكثر من عقابها والمقدرة حيث لايكون ثوابه
أكثر لكنه يمكن أن يكون أكثر بحيث أنه لو كان له ثواب كثيراً لوقعت
مكفرة في جنبه فأما على اصطلاح متأخريهم وهو أن الصغيرة ليست إلا
قسماً واحداً وهو المحققة فلا نحتاج إلى الاحتراز منها ولايصح.
قلت: وما ذكره ليس بصحيح فإن الاحتراز محتاج على كلا المذهبين إذ
المراد أن هذا الفعل أو الترك المعين الذي هو صغيرة في حق هذا
الفاعل المعين الذي ثوابه أكثر من عقابه يستحق الذم عليه على بعض
الوجوه، وهو حيث يصدر منه ولا ثواب له يزيد على عقابه وسواء قلنا
بأنه حينئذ صغيرة مقدرة أو لا.
قوله: (لعدم التنافي).
أراد الذي يستحق الذم عليه على كل وجه يستحق الذم عليه على بعض
الوجوه قطعاً فقد دخل في المحدود، وفيه نظر. /393/
تنبيه
الواجب يسمى أيضاً فرضاً ولازماً ولازباً وحتماً، والحنفية يفرقون
بين الفرض والاوجب فيجعلون الفرض ما دل على وجوبه دليل قاطع،
والواجب ما الدليل عليه ظني.
قوله: (وينقسم إلى عقلي) إلى آخره.
(5/23)
هذه القسمة بحسب طريقه، والعقلي: ما علم وجوبه بالعقل وهو
ضربان: ضروري كقضاء الدين ورد الوديعة وشكر المنعم. واستدلالي:
كوجوب المعارف الإلاهية وشكر المنعم المعلوم إنعامه دلالة.
والشرعي: ما لانعلم وجوبه إلا من جهة الشرع ولا يقال ما علم وجوبه
من جهة الشرع، فإنه يدخل فيه ما علم وجوبه عقلاً وشرعاً وليس بشرعي
بل هو عقلي لسبق العقل إلى معرفة وجوبه ولأن دليل العقل أقوى، فأما
ما تطابق فيه العقل والشرع من العمليات وكان يجوز أن يرد الشرع فيه
بخلاف حكم العقل فإنه شرعي مثاله: ما ورد الشرع بتحريم ذبحه من
الحيوانات التي لايؤكل لحمها. ذكر ذلك أبو الحسين وغيره.
وذهب الشيخ الحسن وصاحب الجوهرة إلى أن ما هذه صفته عقلي، والشرعي
ضربان: ضروري كالصلاة والزكاة والحج والصوم، فإنه يعلم بالضرورة أن
النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أتى بشرعيتها وكان يدين بها،
واستدلالي كتفاصيل فروض الصلاة والوضوء وأعمال الحج ومقادير النصب
في الزكاة ونحو ذلك.
تنبيه
اعلم أن قولنا شرعي أعم من أن نقول: سمعي. لأن لاسمعي مقصور على ما
يسمع من الأدلة الشرعية نحو كلام الله وكلام رسوله والشرعي يدخل
فيه غير ذلك كدلالة فعله صلى الله عليه وآله وسلم والقياس.
قوله: (وينقسم إلى مخير) إلى آخره.
هذه قسمة للواجب بحسبه في نفسه.
قوله: (تقوم مخالفة في الصورة مقامه).
وإنما لم يقل يقوم غيره لأنه ليس في الواجبات شيء لايقوم غيره
مقامه فإن الصلاة في جانب من المسجد تقوم مقامها الصلاة في جانب
آخر مع أنها أعيان أخر، ولسنا نكلف باتحاد أعيان الذوات لأنها
لاتميز لنا عن غيرها فالتكليف بها تكليف بغير الممكن.
قال السيد مانكديم: وإن وجد فيما يجب على الله تعالى يعني لأنه
لايمتنع اختصاص المصلحة الدينية بأعيان يوجدها الله تعالى دون
غيرها وهو تعالى قادر عليها عالم بتميزها كبعثته من علم أن المصلحة
له ولسائر المكلفين في إرساله دون غيره.
(5/24)
قوله: (كرد الوديعة بالنفس أو بالغلام).
جعل هذا مثلاً للمخير العقلي والأولى في تمثيله أن ينزل بإنسان داء
فقيل له: تنفعك الحجامة أو شرب هذا المسهل لأن اختلاف الصورة ههنا
واضح.
قوله: (وينقسم إلى موسع) إلى آخره.
هذه قسمة بالنظر إلى وقته وكان الأولى في هذا النوع من التقسيم أن
يقال: وينقسم إلى مطلق لاوقت له كالزكاة والحج ونحو ذلك وإلى مؤقت
وهو ضربان موسع ومضيق وقد قيل في حقيقة الموسع ماله وقت يسعه ويزيد
عليه، وفي حد المضيق ما له وقت يسعه أو بعضه ولايزيد عليه. ذكره
بعضهم. قال: ولايكون الواجب المؤقت إلا في الواجبات الشرعية.
قوله: (والمندوب هو ما كلفنا فعله) إلى آخره.
هذا بناء على مذهب أبي إسحاق بن عباس وهو أنا مكلفون بالمندوب خلاف
ما ذهب إليه ابن الحاجب وغيره من أنه ليس بتكليف. قال ابن الحاجب:
والخلاف هذا لفظي. فقال بعض شارحي كتابه: لأنه إن أريد بالتكليف ما
يترجح فعله على تركه سواء ذم تاركه أم لا فهو تكليف وإن أريد به
مطلوب طلباً يمنع تركه فليس بتكليف وهكذا المكروه في جانب النهي
فإنه كالمندوب في جانب الأمر خلافاً واحتجاجاً.
قوله: (وأما ذم الفقهاء) إلى آخره.
إشارة إلى ما نسب إلى الناصر وأكثر المعتزلة /394/ أنه من اعتاد
ترك النوافل فسق، وعن القاضي أن ترك السنة لغير عذر محظور، وظاهره
فيه غاية الضعف فلا تفسيق إلا بقاطع. وقد قال صلى اللّه عليه وآله
وسلم في الأعرابي الذي أقسم لازاد على الفرائص ولانقص: (( أفلح
وأبيه إن صدق )) .
قوله: (والمكروه) إلى آخره.
إنما سميم كروهاً تجوزاً لأن النهي عنه ليس بنهي على الحقيقة إذ
لاتقترن به كراهية لكن لما أشبه القبيح في أنه يستحق بتركه الثواب
سمي مكروهاً ومثاله في الشرع واضح والعقلي منه كالتعبيس وعدم البشر
لغير سبب.
فصل في الوجه الذي لأجله وجب الواجب وقبح القبيح وحسن الحسن
قوله: (جملة أو تفصيلاً). قد بينهما في قوله: (فلا يعلم قبح الظلم)
إلى آخره.
(5/25)
ويعرف منه أن من علم كونه ظلماً فقد علم وجه القبح جملة ومن علم
أن كونه ظلماً هو المؤثر في قبحه فقد علمه تفصيلاً.
قوله: (من نحو كونها ظلماً وعبثاً) إلى آخره.
اعلم أن أمهات القبائح أربع: الظلم والكذب والعبث والجهل. وإنما
قبحت لكونها ظلماً وكذباً وعبثاً وجهلاً، وما عداها من القبائح
راجع إليها وضابط ذلك أن يقال: الوجه الذي إذا وقع عليه الفعل كان
قبيحاً لايخلو إما أن يكون من حيث تعلقه بغيره أو من حيث الفعل
نفسه، فالأول الكذب والجهل، إذ وجه قبحهما كون متعلقهما لا على ما
هو به.
والثاني لايخلو إما أن يكون عدم الغرض في الفعل فهو العبث، أو كون
فيه ضرر خالص وهو الظلم فلا يرد قبح الظن الذي متعلقه لا على ما هو
به لأن له مقتضياً وهو الأمارة بخلاف الكذب والجهل، فلو قدرنا صدور
ظن لا عن أمارة متعلقة لا على ما هو به لكان قبيحاً لكنه لايقع إذ
لا داعي غليه.
قوله: (ومفسدة ونحو ذلك).
المفسدة: ما يكون المكلف معه أقرب إلى فعل القبيح وترك الواجب
وأراد بنحو ذلك سائر القبائح كالكذب والجهل.
قوله: (بحسب خلاف في النوافل سيأتي).
إشارة إلى ما ذهب إليه الجمهور من أن وجه حسنهما كونها مسهلة
للفرائض وسيأتي بحقيقة وفي المحيط عن بعض المتكلمين أن وجه حسنها
كونها ألطافاً في الواجبات الشرعية دون العقلية، وهذا الفعل فاسد
لأنه يقتضي وجوبها ووجه كراهة المكروه أن تركه مسهل لترك القبائح
وليس فعله مفسدة داعياً إلى فعلها إذن لقبح ولايلزم من القول بأن
النوافل تسهل الواجبات أن يكون داعم إليها ولطفاً فيها فيجب بل كما
يقول من تعود الأشعار سهلت عليه وإن لم يكن السفر الأول داعياً إلى
الآخر واعلم أن وهج وجوب الواجبات العلمية كونها ألطافاً في
العقلية العملية ووجه قبح الاعتقادات الجهلية والتقليدية و........
كونها مفاسد في الواجبات العقلية العملية ذكره بعضهم.
تنبيه
(5/26)
إن قيل: إذا كان وجه وجوب الواجب الشرعي كونه لطفاً فما قولكم
في فرض الكفاية أهو لطف لفاعله فقط أو له ولغيره أو لغيره فقط؟ فإن
قيل نأخذ الأولين لزم أن يتعين عليه، وإن قيل: بالثالث لزم ألا يجب
عليه لأن نفع الغير لايجب.
والجواب: أنه لطف له ولهم جميعاً ولايلزم أن يتعين عليه لأنه لطف
للجميع من أي فاعل كان وليس لفاعله من الإلتطاف به إلا كما لغيره،
وإنما يختص بثوابه لا غير، ومن هنا قيل بأن ثوابه أكثر من ثواب فرض
الغير لإسقاطه الوجوب عن الكل.
قوله: (لولا هذا لما حسن التكليف).
وذلك لأنها إذا لم تكن واجبة في أنفسها أو قبيحة كان التكليف بها
فعلاً أو تركاً عبثاً لافائدة فيه، ولم يكن لجعل هذه واجبة في
أنفسها أو قبيحة كان التكليف بها فعلاً أو تركاً عبثاً لافائدة
فيه، ولم يكن لجعل هذه واجبة وهذه قبيحة معنى إذ لامخصص.
قوله: (أرادوا بذلك أنا نعلم بالضرورة قبح كل مفسدة في الدين وحسن
كل مصلحة في الدين). /395/
فيه نظر لأن أمر الدين وشأنه غير معلوم بالضرورة فكيف يعلم
بالضرورة قبح ما هو مفسدة فيه، وحسن ما هو مصلحة فيه، وهو يستلزم
أن يعلم الفرع ضرورة مع أن الأصل لايعلم إلا بالاستدلال، ولعله
يجاب بأن المراد بالدين وجوب الواجبات وقبح المقبحات على الإطلاق،
وفي ذلك ما نعلم ضرورة.
فصل
قوله: (وذهب البغداديون من شيوخنا إلى أن القبيح يقبح لعينه).
قد تؤول كلامهم بأن معنى كون القبيح ذاتياً للظم مثلاً أنه لايقع
ظلم إلا وهو قبيح، وكذلك سائر القبائح فهو ذاتي لما قد حصل فيه وجه
القبح المجرد ذات الفعل فيكون جعله للذات تجوزاً، ويعود مذهبهم إلى
مذهب البصريين.
قوله: (وقال ابن الإخشيد).
هو أبو بكر محمد ذهب هو وأتابعه إلى أنه قبح الفعل للإرادة
المتعلقة به من جهة فاعله.
(5/27)
قيل: وإنما زادوا أن الذي يؤمر في وقوع الفعل على وجه دون وجه
هو الإرادة والقبح فرع على وقوعه على وجه مخصوص فإذا لم يقع على
ذلك الوجه إلا بالإرادة كانت هي المؤثرة في قبحه لأنه ما أثر في
السبب فهو المؤثر في المسبب، وعلى هذا فالخلاف بيننا وبينهم يعود
إلى الوفاق فإنهم على هذا يوافقوننا في أنه يقبح لوقوعه على وجه
ونحن نوافقهم أنه لايقع على ذلك الوجه إلا بالإرادة. وفيه نظر.
قوله: (وسيتضح عن قريب).
يعني إبطال أقوال المخالفين والرد على ما احتجوا به.
تنبيه
لم يذكر المصنف هذا الدليل على أن وجه وجوب الشرعيات وقبح القبائح
الشرعيات ما ذكره فلنذكر ما يذكره الأصحاب في ذلك مفصلاً، أما الذي
يدل على أن وجه وجوب الشرعيات كونها مصالح لنا فهو أن الله تعالى
قد عرفنا وجوبها ولا يصح أن يجب لا لأمر وإلا لم يكن وجوبها أولى
من عدمه، وإذا كان وجوبها لأمر فلا يصح أن يكون هذا الخبر بوجوبها
أو الأمر بها لأنها مالم تكن واجبة لم يحسن الإخبار بوجوبها ولا
الأمر بها بل يقبح لأن إيجاب ما ليس بواجب قبيح.
وكان يلزم وجوب المباح والقبيح لو وقع الإخبار بوجوبهما أو الأمر
بهما مع ثبوت وجه القبح والإباحة ولايصح أن تكون واجبة للثواب لأن
طلبه لايجب وإلا لوجبت النوافل ولايصح وجوبها لدفع ضرر العقاب لأن
استحقاق العقاب بتركها فرع وجوبها فيؤدي إلى الدور فلم يبق إلا أن
وجوبها علينا لكونها مصالح وألطافاً ولايصح أن تكون لطفاً في
المعارف الإلاهية لأنا لانعلم وجوبها إلا بعد حصول تلك المعارف فلم
يبق إلا أن تكون لطفاً في الواجبات العقليات العمليات، وترك
المقبحات العقليات.
والذي يدل على أن القبائح الشرعية قبحت لكونها مفاسد أن الله تعالى
نهى عنها وأعلمنا بقبحها ورغب في تركها، فإما أن تقبح لأمر أو لا
لأمر وتعود القسمة التي ذكرناها آنفاً في الواجبات الشرعية.
قوله: (ويبطل قول البغداديين) إلى آخره.
(5/28)
هذا الذي ذكره وجه صحيح في إبطال قولهم وقد ذكر أصحابنا في
إبطاله وجوهاً أخر منها:
أن صفة الذات يرجع إلى إفراد الذوات فكان يلزم في كل حرف من حروف
الكذب أن يكون قبيحاً وإن لم ينضم إليه غيره.
ومنها: أن القبيح لو كان قبيحاً لذاته لكان يجب كونه قبيحاً في
حالة العدم بناء على مذهبهم في ثبوت الذات وصفتها الذاتية في حالة
العدم.
ومنها: أن القبح لو كان لصفة ذاتية لوجب في كل القبائح أن تكون
متماثلة لأن الاشتراك في الحكم الصادر عن الصفة الذاتية يقضي
بالاشتراك في الصفة الذاتية والاشتراك فيها يقتضي التماثل
واختلافها لاشك فيه لكن جميع هذه الوجوه مؤاخذة لهم بظاهر قولهم،
ومجاراة لهم بحسبه وكلامهم قد يؤل بما ذكرناه، وقد حمل الرازي كلام
الشيخ أبي القاسم في هذه المسألة وفي غيرها كقوله في الواجب والحسن
والأمر والنهي والخبر وجميع الأوصاف /396/ التي تجري على الأفعال
على أن مراده بقوله فيها لذاته وعينه، أن عين الضرر الذي فيه حقيقة
الظلم يكون ظلماً، وكذلك الجهل والكذب والعبث ونحو ذلك لاتختلف
الحال فيه، ولايحتاج في كونه كذلك إلى إرادة، وكذلك قوله في أنواع
الكلام كالأمر فإنه بالوضع اللغوي موضوع للأمر من غير اعتبار إرادة
كالأسد والحمار، وكذلك غيره من ضروب الكلام.
قيل: وكلام الرازي بنفسه يقضي بذلك سيما في ضروب الكلام وحمله
لكلام أبي القاسم على ما ذكر ليس بالبعيد وهو جيد على النظر.
قوله: (وكذلك لو نفى الاعتقاد).
أي لو قدرنا أنه مما ينفى فبقي لكان على ما ذكر ويتضح الكلام في
ذلك على مذهب أبي هاشم.
قوله: (بل من لايثبتها) يعني نفاة المعاني وقد تقدم ذكرهم.
قوله: (ويعدوا ذكره فيه دور) إلى آخره.
فيه إشكال لأنه إنما يكون دوراً لو قال: بأن قبح الفعل لقبح
الإرادة كما توهمه عبارة المصنف لكن ظاهر مذهبه أنه يقبح للإرادة
نفسها لا لقبحها فلا دور.
قوله: (وبعد فلو سلمنا ذلك).
(5/29)
أي توقف قبح الكذب على إرادة الإخبار عن الشيء لا على ما هو به
وإن كنا لانسلمه فإن القبح وكون الخبر كذباً لايتوقف على تلك
الإرادة وإنما يكون كذباً لأن خبره لا على ما هو به سواء أراد ذلك
أو لم يرده.
قوله: (والبراهمة) إلى آخره.
لا إشكال في أنهم لايعلمون كوننا منهيين مأمورين لإنكارهم النبوات
والشرائع وأما كوننا مملوكين مربوبين فيعلمونه لاعتقادهم ثبوت
الصانع والله أعلم.
قوله: (وبعد فيلزم ألا يجب علينا معرفة النبوة) إلى آخره.
هذا الوجه خاص في إبطال القول بأن علة الحسن والقبح الأمر والنهي
لا كوننا مملوكين مربوبين إذ لاتتوقف معرفة ذلك على العلم بالنبوة
فلم يكن إلى قوله مملوكين مربوبين حاجة.
قوله: (وأما نهي صاحب الدار) إلى آخره.
هذا جواب عن سؤال مقدر حاصله التزام أن يؤثر نهينا في القبح فإن من
نهى الغير عن دخول داره أو وطئ أرضه أو نحو ذلك صار فعله لذلك
قبيحاً ولاعلة له إلا النهي. فأجاب عنه بأن نهيه لم يكن علة لقبح
تلك الأفعال بل كاشفاً عن عدم رضاه وفعلها مع عدم رضاه يقبح لأنه
إضرار به لانفع فيه ولادفع ولا استحقاق فكان ظلماً وكونه ظلماً وجه
في قبحه وفيه نظر، لأنه يقبح وإن فرض عدم الضرر لكن يقبح حينئذ لا
لمجرد نهيه بل لأن الشارع نهى عن التصرف في ملكه بغير رضاه، ونهيه
قد كشف عن عدم الرضا فيكون ذلك من مناهي الشرع.
قوله: (شبهتهم أنه يقبح من الله تعالى فعل الظن).
يقال: كيف يتصور احتجاجهم هذا وهم لايقولون بأنه يقبح من الله شيء
لعدم نهيه وأي دلالة في هذا على أن القبيح يقبح للنهي عنه وهذا
إشكال ظاهر فلعلهم أتوا بهذه الشبهة توصلاً إلى بطلان قولنا كأنهم
قالوا: إذا كان القبيح يقبح لوجه نفع عليه فلم قضيتم بقبح الظن من
الله تعالى دوننا مع أن الوجه قد حصل في الموضعين.
قوله: (من حيث لاحكم للظن) إلى آخره.
(5/30)
قد يسلك في تعليل قبحه منه تعالى وجه آخر وهو أن يقال: يقبح من
حيث يكون صادراً منه تعالى لا عن أمارة ينظر فيها لأنه يستحيل كونه
ناظراً في الأمارة إذ من حق الناظر الشك والتجويز.
قوله: (وهو تعالى عالم لذاته) فلو فعل الظن لفعله لا عن أمارة،
والظن الصادر لا عن أمارة قبيح إذ لافائدة فيه ولاثمرة تحته.
قوله: (لأنه يستجلب به الضرر على نفسه).
يعني وهذا وجه قبح فقبح ذلك الفعل لأجله منا ولم يحصل هو ولا غيره
من وجوه القبح في التكليف الصادر منه تعالى ونظير هذه الشبهة قولهم
أنه يحسن من الله تعالى إنزال العقوبة بالعاصي وإرادة إنزالها
ويقبح من العاصي أن ينزل ذلك بنفسه أو يريده. /397/
والجواب كالجواب في أنه قبح من الفواحد منا لكون ذلك ضرراً ولو
أمكنه دفعه لوجب عليه فكيف يحسن منه إرادته ولم يقبح من جهته تعالى
لأنه لاضرر عليه فيه مع استحقاق العاصي له.
فصل
عندنا أنه يعلم بالعقل وجوب كثير من الواجبات وقبح كثير من
المقبحات وحسن كثير من المحسنات.
قوله: (أي لاعمدة لها إلا الشهرة).
إشارة إلى ما يقولون من أنا لاننكر قبح هذه الأمور وحسنها ولكنا
نقول أنها أمور مشهورة وآراء محمودة عند العقلاء تنغرس في مبدأ
الصبا وأوائل النشو، وربما تنشو عن التسالم وطيب المعاشرة وربما
تحصل من الحنو والرقة، ولاستحسانها واستقباحها أسباب كثيرة لاتنضبط
وليست أموراً بديهية يقتضيها العقل بصريحه كما يقتضي سائر الأمور
البديهية.
(5/31)
قال الإمام يحيى: وكلامهم هذا فاسد لوجهين أما أولاً فإنا على
علم ويقين من حال العقلاء في رسوخ هذه القضايا في عقولهم وتحققها
في أفهامهم لا لبس عليهم فيها كسائر الأمور الضرورية من البداية
وغيرها مع أنا لاننكر أن لاعلوم متفاوته في الظهور والخفا ولكنها
مستوية في التحقيق والثبوت، وأما ثانياً فليس سعينا معهم إلا في
بيان أن هذه القضايا مقررة في الأذهان متحققة في العقول، فإذا
ساعدونا على هذا التحقيق فقولهم بعد ذلك أنها قضايا مشهورة وآراء
محمودة تنغرس في أوائل النشو لايضرنا بعد تسليم كونها عقلية وعلى
الجملة فنحن نقول: إن هذه القضايا مقررة في العقولوهم يزعمون أنها
مشهورة بين العقلاء ونحن نقول أن هذه النفرة عن المقبحات نفرة
عقلية وهم يقولون أناه نفرة طبيعية مع الاتفاق منا ومنهم على أن
موردها العقل ومستندها الضرورة كما ذكره المحققون من متأخريهم وأنت
إذا تحققت هذا منا ومنهم عرفت أن الخلاف بيننا وبينهم في هذه
القضايا يقرب أن يكون لفظياً.
واعلم أن الإمام عماد الإسلام مال في تصحيح تقبيح العقل وتحسينه
إلى طريقة الشيخ أبي الحسين وأصحابه، وهي دعوى العلم الضروري في
ذلك لايحتاج إلى الاستدلال عليه وأما الشيخ أبو هاشم وأصحابه
فسلكوا في ذلك سبيل الاستدلال والإلزام ولهم في ذلك أدلة واضحة
وإلزامات راجحة أغنى عن ذكرها عدم شدة الحاجة إليها فكل مسألة تدعى
فيها نظير أبي الحسين في التحقيق الضرورة لا تفتقر إلى إيراد كثير
من الأدلة وتطويلها وقد عرض في أثناء كلام المصنف أولاً وآخراً ما
فيه كفاية وزيادة.
فصل
قوله: (عند الجمهور أن الله تعالى قادر على ما لو فعله لكان
قبيحاً).
أراد بالجمهور الزيدية وأكثر المعتزلة منهم الشيخان والقاضي
والبغدادية، وبالغت البغدادية في ذلك حتى قالوا إن منكر ذلك كافر.
قوله: (ويستحيل منه لفقد الداعي).
(5/32)
إنما قالوا بذلك لأن عندهم أن الداعي شرط في الصحة وأن وجود
المقدور من دون داع مستحيل والدواعي له تعالى إلى القبيح مستحيلة
فاستحال وجوده منه. قالوا: وإنما يعلم أنه مقدور له من حيث أنا لو
قدرنا توفر الدواعي له إلى إيجاده وانتفاء الصوارف عنه لأمكنه فعله
فبهذا يتميز عندهم عما ليس بمقدور أصلاً.
قوله: (وقالت المجبرة) إلى آخره.
قد نسب هذا القول إلى النجارية فقط وقال في العيون عند الحشوية
والرافضة والمجبرة أنه تعالى لايقدر على القبيح فنسبه إلى المجبرة
على الإطلاق، وهذه الحكاية توافق /398/ مذهبهم لأنهم يقولون أنه
لايقبح منه تعالى قبيح ولاقبيح يمكن وقوعه من جهته تعالى إلا
النجارية فهم يذهبون إلى أن القبيح يقبح لعينه كالبغدادية.
قوله: (ولاتأثير لاختلاف وجوه الأفعال).
يعني من حسن وقبح وكذب وصدق.
وقوله: (في قدرة القادر).
يعني فلا يقتضي قبح هذا الفعل أو كونه كذباً عدم تعلق القدرة به
لأن تعلقها به غير موقوف على شرط.
قوله: (أليس لاتتعلق قدرة القادر باختصاص الفعل بوقت معين).
يعني ليس تخصيصه بذلك الوقت من تأثير القدرة إذ لا اختيار للقادر
في ذلك ولايتوقف عليه.
قوله: (ويمكن الجواب بأن الوجه الذي لأجله خرج الفعل عن تعلقه) إلى
آخره.
يعني فإن الوجه في خروج الفعل عن تعلقه بالقادر إذا انقضى وقته أنه
لايصح وجوده إلا في ذلك الوقت فإذا انقضى ولما يوجد تعذر وجوده في
غيره، أما غير الباقي قليلاً يلزم أن يصح كونه له في الوجود وقتان،
وأما الباقي من مقدور القدر فلزوم أن يصح إيجاد مقدورين من جنس
واحد في وقت واحد على وجه واحد بالقدرة ويلزم جواز تعديها ولا
حاصر، فيلزم صحة ممانعة أحدنا للقديم تعالى.
قوله: (لاسيما المبتدأ الباقي).
(5/33)
إنما خصه لما في غيره من الإشكال، وأن لامسبب وغير الباقي لو صح
منه تعالى إيجاده في وقت آخر غير الوقت الذي يختص به لزم ما سيأتي
تقريره من صحة انقلاب غير الباقي باقياً، ووجود مسببين في وقت واحد
عن سبب واحد، وإن كان المصنف قد مال إلى أن الحكم واحد في الجميع
على ما سيتضح لك.
قوله: (ويلزم أيضاً أن يكون نفي القدرة على الجمع بين الضدين
مدحاً).
يقال: من أين يلزم ذلك لأنا وإن جعلنا نفي القدرة على لاقبيح مدحاً
فلكون فعله نقصاً وعدم القدرة عليه محيل لصحة فعله وما استحال
لأجله وجود ما هو نقص كان جديراً بأن يتمدح به بخلاف نفي القدرة
على الضدين إذ ليس في إيجادهما لو صح منه وفعله نقص فما الجامع بين
الأمرين.
قوله: (وهذا الدليل) إلى آخره.
الأمر كما ذكره المصنف إذ لم يورد هذا الدليل والذي قبله إلا
احتجاجاً على القائلين بانتفاء قدرته على فعل القبيح كالنظام
والجاحظ، وقد أوردوا عليهم وجوهاًغير ما ذكره المصنف منها أنه
تعالى قادر لذاته والقادر للذات يقدر على جميع أجناس المقدورات،
وما هو من جنس منها إلا وهو يشتمل على الحسن والقبيح فيجب قدرته
على ذلك إذ لا اختصاص لذاته بحسن جنس دون قبيحه.
ومنها: أنه تعالى قادر على خلق الجماد بعد خلق الحيوان فيجب قدرته
على خلقه قبل خلق الحيوان ولو خلق الجماد قبل خلق الحيوان لكان
قبيحاً، وأما أبو الحسين فقد استدلوا على بطلان قوله بأن وجود
الفعل لايقف على الدواعي وإنما يقف على كون القادر قادراً وزوال
المانع ولهذا يقع الفعل من الساهي والنائم ولا داعي لهما وأيضاً
فإن أحدنا يتصدق بأحد الدينارين ويباشر الفعل بإحدى يديه دون
الأخرى من غير داع.
وادعى أصحابنا أيضاً المناقضة في كلام أبي الحسين واصحابه حيث
قالوا: يقدر عليه تعالى ويستحيل منه لكن دعوى المناقضة غير صحيحة
لاختلاف وجهي الصحة والاستحالة عندهم كما ذكره المصنف.
قوله: (قالوا لو قدر على القبيح لصح أن يوقعه) إلى آخره.
(5/34)
اعلم أن هذه الشبهة هي أشف ما يوردونه وغيرها من شبههم واضح
البطلان جدير بأن يضرب عنه صفحاً وقد أجيب عن هذه الشبهة بأجوبة
كثيرة منها: المعارضة بتقدير أن يخبرنا النبي صلى اللّه عليه وآله
وسلم بأن فلاناً لايدخل هذه الدار ثم يقول ما /399/ تقولون لو
قدرنا دخول ذلك الفلان تلك الدار أيدل على كون المعصوم كاذباً،
وكذا لو قدرنا وقوع الكبائر من جهته أيدل على ارتفاع عصمته أم لا
وغير ذلك فما أجابوا به فهو جوابنا.
قوله: (وعلله الشيخ أبو علي).
ذكر بعضهم أن هذا التفصيل لابن الملاحمي أودعه معتمده فلعله فيه
قاف لأثر أبي علي أو ناقل عنه.
قوله: (أو يكون أحدهما موجباً للآخر).
يعني وسواء كان الأول موجباً للثاني نحو إن كان في قلب زيد علم فهو
عالم، أو كان الثاني موجباً للأول نحو: إن كان عالماً ففي قلبه
علم.
قوله: (أو يكون أحدهما مصححاً للآخر).
أي سواء كان المصحح الأول أو الثاني ومثال ما يكون الأول فيه
مصححاً للثاني إن كان الجوهر متحيزاً احتمل العرض ومثال ما يكون
الثاني مصححاً للأول إن كان زيد عالماً كان حياً لأن كونه حياً هو
المصحح لكونه عالماً.
قوله: (ويلزمه ألا يجد دليلاً على أن الله لايفعل القبيح).
يعني لأن الدليل على عدم جواز فعله تعالى له أنه لو فعله لكان
جاهلاً بقبحه أو محتاجاً له إذ العالم يقبح الفعل الغني عنه
لايفعله وإذا كان قد زعم أنه تعالى لو فعل القبيح لم يدل على جهله
وحاجته انتقض الدليل وبطل التعليل.
قوله: (على ما لو قدر وقوعه على الوجه المستحيل).
يعني وهو صدوره من العدل الحكيم.
قوله: (لكان دليلا غير دليل).
فكونه دليلاً ظاهروكونه غير دليل لصدوره عن الحكيم.
تنبيه
من شبه النظام وأصحابه أنه تعالى لو قدر على القبيح لكان حاصلاً
على صفة نقص وهو يتعالى عن ذلك.
(5/35)
وأجيب عليهم بالمعارضة بالملائكة والأنبياء عليهم السلام فإنهم
قادرون على القبيح بالاتفاق ولعلهم يلتزمون جواز هذا النقص عليهم
كغيره من النقائص الجائزة عليهم من الجهل والحاجة ويقولون ليس
المتنزه عن صفات النقص المختص بصفات الكمال إلا الواحد المتعال.
والتحقيق أن الأمر على العكس مما قالوه فإنه تعالى لو لم يقدر على
القبيح لقدح في كونه قادراً لذاته من حيث أن القبائح داخلة في
أجناس المقدورات وإنما يقع النقص بفعل القبيح لا بالقدرة عليه إذ
لايستحق بالقدرة عليه ذماً.
قوله: (فهي مثبته على فاسد أصولهم).
يعني لأنهم يقولون كل ما فعله تعالى منفرداً فليس بقبيح إذ لاتحصل
فيه علة القبح من كونه منهياً عنه مع كونه مملوكاً فلا يتصور قدرته
على فعله وأما ما أوجده واكتسبه العبد فهو قبيح لأن العبد منهي عنه
وهو مملوك فكان قادراً عليه على هذا الوجه ولو صحت لهم أصولهم في
وجوه القبح والكسب لصحت هذه الشبهة لكن قد عرفت بطلانها وما ترتب
على الباطل فهو باطل.
فصل في بيان ما يجري عليه تعالى من الأسماء بمعنى أنه لايفعل ما
يقدر عليه
قوله: (منها قولنا: سبوح قدوس فإن من فائدته تنزيهه تعالى عن فعل
القبيح).
يعني وليس هذا كل فائدته فقد تقدم في الصفة الأخص أنه يفيد تنزهه
في ذاته وصفاته عما لايليق به ولهذا أتى بمن التي للتبعيض. وقال
الغزالي في المقصد الأسنى: القدوس يفيد تنزهه عن كل وصف يدركه حسن
أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير أو يقضي به
تفكير.
قال: ولا أقول أنه ميزة عن النقائص والعيوب فليس من الأدب أن يقول
قائل ملك البلد ليس بحائك ولا حجام.
(5/36)
قوله: ومنها قولنا بارك هذا الإسم لايرد في حقه تعالى مطلقاً
منفرداً بل مضافاً إلى ما يصير بإضافته إليه مدحاً كقولنا: تارك
للظم أو تارك للكذب أو تارك للقبيح ونحوه، وكذلك قولنا: مكفر
ومحبط، فيقال: مكفر /400/ للعقاب أي لايفعله للتوبة أو لصغر الذنب
ومكفر للذنوب بمعنى لايعاقب عليها ومحبط للثواب أي لايفعله بسبب
المعصية الكبيرة أو الندم على الطاعة، ومحبط للطاعات بمعنى لايثيب
عليها لمثل ذلك.
قوله: (لأنه يفيد احتمال المكاره).
يعني وذلك لايجوز في حقه تعالى لأن حاصله أن يحبس نفسه على المشقة
ويلزما ما يكرهه وينفر عنه وذلك لايتصور في حق القادر لذاته إذ
لامشقة في حقه.
قوله: (فإن ورد به سمع).
قد ورد في تعداد أسمائه تعالى الحسنى مرفوعاً في بعض كتب الحديث
وفسره الغزالي في المقصد بأنه الذي لاتحمله العجلة على المسارعة
إلى الفعل قبل أوانه بل ينزل الأمور بقدر معلوم ويجريها على سنن
محدود ولايؤخرها عن آجالها المقدرة لها تأخير متكاسل ولايقدمها على
أوقاتها تقديم مستعجل.
قوله: (وأظهر من ذلك).
أي وأظهر من صبور في عدم صحته إجرائه عليه تعالى.
القول في أن الله تعالى عدل حكيم
هذه المسألة هي ملاك باب العدل ولهذا قدمت على سائر مسائلة وما قدم
عليها فهو ف يحكم المقدمات والمبادئ لها كما تقدم تحقيقه.
(5/37)
قال بعضهم: ولا أعلم أن أحداً من المتكلمين قدم غيرها عليها من
مسائل العدل في موضوعات المتقدمين والمتأخرين إلا ما ورد في كلام
السيد صاحب الشرح من أن مسألة الأفعال أولى بالتقديم منها، ووجه ما
ذكره كون دليل العدل أنه تعالى عالم بقبح القبيح غني عنه عالم
باستغنائه عنه، ومن كان بهذه الصفة لم يفعل القبيح قياساً على
الواحد منا فما لم يثبت أن أحدنا فاعل لم تتم الدلالة وهذا الذي
ذكره فيه نظر لإمكان الاستدلال على عدله وحكمته بطريق ابتدائية
ولأنه لايقابل الوجه في تقديم هذه المسألة وهو أنها أم الباب
ومسائل العدل داخلة تحتها وتفصيل لها وهي دليل عليها كما نقوله في
الدلالة على أنه غير خالق لأفعالنا هي مشتملة على القبيح والله
لايفعله وتحقيق ذلك أن مسائل العدل على ضربين الأول المسائل
الإثباتية كالكلام في أنه تعالى يثيب من أطاعه ويعاقب من عصاه
ويبين للمكلفين ما كلفوه ويمكنهم منه فلا يكلفهم بما لايعلم أو
لايطاق ويعوض المؤلمين ويقبل توبة التائبين، وهذه كلها داخلة تحت
قولنا لايخل بالواجب.
والثاني: المسائل النفيية كالكلام في أنه ليس بخالق لأفعال العباد،
ولايثيب أحداً بغير عمل منه، ولايعاقبه بغير ذنب منه، ولايريد
المعاصي، ولايقضي به، ولايرضى بها، ولايكلف ما لايطاق، ولا ما
لايعلم، وهذه كلها داخلة في أنه تعالى لايفعل القبيح.
فعرفت صحة ما ذكر من كونها أم مسائل العدل وإنما سائر مسائله تفصيل
لها وعائدة إليها.
قوله: (ذهب أهل الحق إلى أنه تعالى عدل حكيم).
(5/38)
قال الإمام يحيى: اعلم أنه لاخلاف بين أهل القبلة أن الله تعالى
موصوف بالحكمة في جميع ما صدر منه من أقواله وأفعاله وأنها جارية
على حسب المصلحة وإنما يحكى الخلاف عن هؤلاء المجبرة على طبقاتهم
فإنهم وافقونا لفظاً فيصفون الله تعالى بالحكمة والعدل ويخالفونا
معنى فيقولون بأن جميع الفواحش والمعاصي من فعل الله تعالى وحاصلة
بقدرته وإرادته وهو المتولي لخلقها وإيجادها تعالى الله عما يقول
الظالميون علواً كبيراً. انتهى.
واعلم أنهم وإن أضافوها إلى الله تعالى فإنهم لايطلقون القول بأنه
يفعل القبيح لأنها غير قبيحة منه عندهم بناء على أصلهم في نفي
التقبيح العقلي.
قوله: (وهذه ثلاثة أصول).
أحد الأصول أنه لا علة لكون الواحد في الشاهد لايفعل القبيح إلا
اجتماع تلك /401/ الأوصاف.
وثانيها: أنها قد اجتمعت في حقه تعالى على أبلغ الوجوه.
وثالثها: أنه يجب ألا يفعله. هذا ما اختاره المصنف رحمه الله في
تحرير هذه الدلالة وغيره يجعلها مثبتة على أربعة أصول ويجعل الرابع
منها: أن من كان بهذه الأوصاف فإنه لايفعل القبيح، ثم يستدل عليه
بما يعلمه من حال الواحد منا أنه متى اختص بهذه الأوصاف فإنه
لايفعله وهذا في التحقيق راجع إلى ما ذكره المصنف من دعوى الضرورة
وقد ذكر مثله الإمام يحيى في تحريره لهذا الدليل فإنه قال: وإنما
قلنا أن الواحد منا متى كان عالماً بقبح القبيح وغنياً عنه وعالماً
بكونه غنياً عنه فإنه لايفعله فلأنه إذا قيل له إن صدقت أعطيناك
درهماً، وإن كذبت أعطيناك درهماً. وفرضنا أن الكذب والصدق مستويان
عنده في جميع الأمور وقدرنا أن الإنسان لم يخالط أحداً من الخلق
ولم يعتقد مذهباً ولا اعتقد ثواباً ولاعقاباً فإنا نعلم بالضرورة
أنه لايختار الكذب على الصدق.
قوله: (وإن يستمر الحال في ألا يفعله مع زوالها أو بعضها).
(5/39)
أي فيستحيل أن يفعله ولايجوز منه فعله إذ لايستمر عدم الفعل إلا
مع استحالته وعدم جوازه وذلك بأن يحصل الأمر المحيل لفعله منه
غيرها.
قوله: (لايعلم استحقاق العقاب). يعني لكفره.
قوله: (ولايتضرر بالذم) يعني لدناءته.
قوله: (وهي وإن كانت أوصافاً كثيرة).
هذا احتراز عن سؤال وارد على هذا الدليل وهو أن يقال: كيف عللتم
الحكم الواحد بعلل كثيرة ولو جاز ذلك ههنا لجاز في الحركة مع
المحترك. وجوابه: ما ذكره المصنف من معارضة وغيرها وقد ذكر في
جوابه أنا لم نعلل عدم فعل القبيح إلا بأمر واحد وهي كون الأوصاف
التي ذكرنا مجتمعة ولايقال: فإذا كانت علة لزمكم ألا يستحق تارك
القبيح عند اجتماعها مدحاً ولا ثواباً إذ العلة يجب ثبوت حكمها
عندها لأن المراد بكونها علة أنها تكشف عن عدم فعله لكونها صارفة
عنه لا أنها موجبة، وإن وجب ذلك فوجوب استمرار.
قوله: (إذا كانت كاشفة).
يعني لا إذا كانت موجبة فإنه لايصح تركبها من وصفين لأن كل واحد
منهما إن لم يكن علة على انفراده فليس يصير علة بالانضمام وإن كان
علة لزم أن يوجب الحكم على انفراده ويؤدي إلى أن يكون للمعلول
الواحد علتان وذلك لايصح على ما هو مقرر في موضعه.
قوله: (فقد يفعله لحسنه ولكونه إحساناً).
يعني والقديم سبحانه يشارك الواحد منا في فعل ما هو حسن لهذه
العلة.
قوله: (وبعد فكل عاقل يستحسن) إلى آخره.
يعني وإن لم يكن له فيه جلب نفع أو دفع ضرر، وأنت أيها السائل زعمت
أنه لايفعل الحسن إلا لذلك.
تنبيه
(5/40)
اعلم أن هذا الدليل الذي ذكره المصنف على ثبوت عدل الله، وأنه
لايفعل القبيح هو المعتمد في كتب الأصحاب، والمتداول في ألسنتهم
وهو بطريقة القياس لكن هذا يسمى قياس الأولى لوجود العلة في الغائب
أقوى مما هي في الشاهد فيكون قطعياً وقد رودت عليه اعتراضات، منها:
ما ذكره المصنف. ومنها: أن يقال: إذا كان عندكم أن من اجتمعت فيه
الأوصاف هذه لايفعل القبيح فقد ذكرتم أن العبث قبيح وأن فاعله فاعل
للقبيح مستحق للذم عليه وعلى قياس كلامكم أنه لايتصور من العاقل
فعله لعلمه بقبحه عندكم ضرورة ولاستغنائه عنه إذ الفرض أنه عبث لا
فائدة فيه فيلزم ألا يتعلق وقوعه من مكلف وحينئذ لايكون لعده من
القبائح وجه لأن الفرض أنه مستحيل الوقوع.
والجواب: أن يقال: إن كلام علمائنا في ذلك على وجه الفرض /402/
والتقدير، أي لو قدرنا وقوعه من المكلف وأما وقوعه تحقيقاً فهو كما
ذكرت أيها السائل لاثبوت له ذكر هذا الجواب بعضهم، ويمكن أن يقال
والله أعلم: يمكن وقوعه ممن جهل استغناءه عنه وإن كان فين فس الأمر
لاحاجة إليه ولا فائدة تحته وغير هذا من الأسئلة الواردة لكنها غير
قادحة فلا نشتغل بإيرادها.
وأما الشيخ أبو الحسين فحرر هذا الدليل على وجه آخر غير قياسي وهو
أن القادر لايفعل ما يفعل إلا لداع، والداعي إلى فعل القبيح ليس
إلا جهل الفاعل بقبحه أو جهله بغنائه عنه، أو حاجته إليه أو شهوته
له، وهذه الأمور كلها مستحيلة في حقه تعالى فلا جرم استحال منه فعل
القبيح.
(5/41)
قال الإمام يحيى: وحاصله أنه تعالى قد فقد داعيه وخلص صارفه عن
الفعل وكل من فقد داعيه وخلص صارفه عن الفعل فإنه لايفعله. وإنما
قلنا أنه تعالى قد فقد داعيه إلى القبيح وخلص صارفه عنه لأنه إما
أن يكون داعي حاجة أو داعي حكمة، والأول باطل لاستحالة المنافع
والمضار عليه كما سلف، والثاني أيضاً باطل لأن ذلك مرتب على كون
الفعل حسناً، وأما خلوص صارفه فظاهر لنه تعالى إذا كان عالماً
بقبحه وعالماً بأنه غني لايحتاج إلى شيء فقد خلص صارفه، وإنما قلنا
إن كل من فقد داعيه وخلص صارفه عن الفعل فإنه لايفعله لأنه لو وقع
والحال ما ذكرنا لبطل وقوعه على حسب الداعية وخرج عن كونه مقدوراً
له لأن حقيقة الفعل ليس إلا وقوعه على حسب الداعية. انتهى.
قال بعض المتأخرين: ويؤيد هذين الدليلين كليهما ما قيل أن اعتقاد
الجهل مقدور لأحدنا ومع ذلك لايمكن أن يقصد إليه يوفعله وهو عالم
بأنه جهل، إما لأنه لا داعي له إليه أو لوجود الصارف عنه وهو علمه
بقبحه وغناه عنه بخلاف الكذب فإنه قد يفعله لحصول غرض فيه في بعض
الأحوال.
فائدة
قال الشيخ أبو هاشم: كل أفعاله تعالى توصف بأنها عدل سواء تعلقت
بالحقوق كالإثابة، أو لاتعلق لها بذلك فخلق العالم وسائر التفضلات.
وقال الشيخ أبو علي: إنما يوصف بأنه عدل مناه ونحوها ما تعلق نحو
الغير فقط، إذ العدل توفير حق الغير واستيفاء الحق منه فيخرج خلق
العالم ونحوه مما لايتعلق بحق الغير وكلام أبي هاشم مبني على أن ما
كان حسناً فهو عدل والخلاف في التحقيق اللفظي.
فصل فيما يلزم المجبرة في هذه المسألة
ومعنى الإلزام: هو أن يأتي على مقتضي ما يذهب إليه الخصم أمر لا
يذهب إليه من حيث أن ما ذهب إليه يفضي إلى ذلك الذي لايذهب إليه
ويقتضيه فنورد عليه لزوم ما لايلتزمه بسبب ما ذهب إليه لئلا يذهب
إليه.
قوله: (قال لأنه ليس بأعظم من غيره من القبائح).
(5/42)
قال السيد الإمام: وأوضح ذلك بمثال فقال: إن أحدنا لو قال لصبي
أدخل البيت ففيه رمان موضوع لأجلك وليس في البيت ذلك فليس ذلك
بأعظم من أن يقلع سناً من أسنانه أو يقطعه إرباً إرباً. قال: ولقد
مر على القياس. وأقول: إنه وإن مر على قياس مذهبهم فلقد عظمت حرابه
على الله وقلت مراقبته لله ورد ما هو معلوم ضرورة من دين رسول الله
صلى اللّه عليه وآله وسلم فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
قوله: (فلا تثبت دلالته على المعنى النفسي).
أي على أنه صدق لأنه إذا اعترض الشك في صدق العبارة اعترض في
المعبر عنه.
قوله: (وكل وجه يذكرونه في المنع من الأمر به) إلى آخره.
يعني لأن المانع من ذلك لايكون إلا قبحه إذ لا إشكال في قبح الأمر
بالقبائح، ونقول: إذا لم يأمر بالقبيح لقبحه فكذلك /403/ لايفعله
لقبحه بل الأمر به أهون من فعله في القبح، فإن قالوا: إن فعله
لايقبح منه. قلنا: وكذلك الأمر لو صدر منه لم يقبح منه لانتفاء علة
القبح في حقه عندكم.
فإن قالوا: إن السمع دل على أنه لايأمر به كقوله تعالى: {إن الله
لايأمر بالفحشاء}.
قلنا: وكذلك السمع دل على أنه لايفعله كقوله: {إن الله لايظلم
الناس شيئاً}، ثم أن وجه دلالة السمع منتفية على قواعدكم إذ وجه
دلالته صدوره عن عدل حكيم لايجوز عليه الكذب، وقد نفيتم هذه
القاعدة فلا سبيل لكم إلى الاستدلال بالسمع.
قوله: (فهلا جاز أن ننصب الأدلة على الباطل) إلى آخره.
يقال: هذا غير لازم لهم لأن الأدلة التي أشرت إليها إن كانت شرعية
بما دلت عليه هو عندهم حق، ولايصح كونه باطلاً فلا يثبت أنه نصب
أدلة على الباطل، وإن كانت أدلة عقلية فالدليل العقلي يدل على
مدلوله لذاته ووجه دلالته الثابتة فيه لا لأن ناصباً نصبه واختار
كونه دليلاً.
قوله: (إنما نثبت ذلك إذا ثبت أن المدعي صادق).
(5/43)
يعني فلو ثبت صدق الأنبياء وكل من ادعى النبوة وظهر المعجز على
يديه أمكن أن يقال في حقه أن المعجز موضوع للتصديق لتواتر ظهوره
على ذوي الصدق وعدم علمنا بظهوره على يغرهم فأما وصدقهم غير معلوم
للتجويز الذي ذكرناه على قياس مذهبكم فمثل هذا الجواب لايتأتى لكم،
وليس تسليمنا لصدقهم كافياً لكم فإنا علمناه لعلمنا بعدل الله
وحكمته وقبح إرسال الكذابين منه وأنتم عن هذا بمعزل.
تنبيه
اعلم أنها قد جرت عادة الأصحاب ببناء هذه المسألة على ثلاثة أركان
وهي أنه تعالى لايفعل القبيح ولا يخل بالواجب وأفعاله كلها حسنة
ويحققون العدل بأنه الذي هذه صفته والمصنف عدل عن تحقيقه بذلك إلى
ما قد عرفت، واعترض حقيقتهم بما فيها من التكرار في المعنى واكتفى
بالاستدلال على أنه لايفعل القبيح عن الاستدلال على الركنين
الآخرين لن الأدلة متقاربة وإلا فإنه لابد من تقرير أنه لايخل
بالواجب إذ الترك في حقه ليس بفعل بالاتفاق. فلا يقال: إن ترك
الواجب قبيح وقد دللنا على أنه لايفعل القبيح وكذلك فلا بد من
الاستدلال على أن أفعاله كلها حسنة، فقد نص المصنف على أن في
الأفعال ما ليس بحسن ولا قبيح فلا يدل ثبوت أنه لايفعل القبيح على
أن أفعاله كلها حسنة إلا لو لم يكن بينهما واسطة.
وقد قال الإمام يحيى: لايقال إن هذا الأصل الثالث يعني أن أفعاله
تعالى كلها حسنة لافائدة فيه لأنه إذا ثبت أنه تعالى لايفعل القبيح
ولايخل بالواجب فأفعاله كلها لابد من كونها حسنة فلا معنى لإيراده.
إلا أنا نقول: في إيراده غرضان أحدهما الاحتراز عما يعد يسيراً من
الأفعال وعما يقع من الساهي، فإن مثل هذا لايوصف بحسن ولاقبح فلا
يعد من أفعاله تعالى لاستحالة السهو عليه، واستحالة أن يفعل فعلاً
لا غرض فيه. وثانيهما: أنا نذكره دفعاً لكلام المجبرة حيث قالوا:
إن الحسن ليس إلا ما أمر به والقبيح ليس إلا ما نهى عنه فأفعاله
ليست بحسنه ولاقبيحة بهذا المعنى. انتهى.
(5/44)
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الواجبات على الله تعالى عند العدلية
ثمانية تمكين المكلفين، والبيان لهم، واللطف حيث يكون بهم في
المعلوم لطفاً من فعله تعالى، وتعويض من لم يزل به ألم أو غم أو
فوت نفع من جهته تعالى، وقبول توبة التائبين إذا وقعت على الوجه
الواجب، وإثابة المطيعين له، وإعادة كل من له عند الله أو على أحد
من الخلق عوض، والانتصاف لمن له حق على غيره.
وقد خالف في وجوبها المجبرة على طبقاتهم /404/ بناء على قاعدتهم في
نفي التحسين العقلي، وخالف أيضاً تعد العدلية في وجوب اللطف على ما
سيأتي.
قيل: والأجود في التمكين والبيان واللطف ألا يعبر عنها بالوجوب
عليه بل لابد من فعله له إذ لو لم يفعل ذلك بالمكلف لانتقض غرضه
بالتكليف وألا يوصف بالوجوب إلا ما كان مستحقاً كسائرها.
(5/45)
قلت: بل الأولى ألا يوصف شيء منها بأنه واجب عليه تعالى وألا
يصرح بلفظ الوجوب بل يقال في جميعها لابد من أن يفعلها أو تتجنب
هذه اللفظة على ما بلغني عن بعض الفضلاء رحمه الله أنه كان لاينطق
بذلك تأدباً في حق الله جل جلاله وعظم شأنه، والذي يدل على أنه
تعالى لايخل مما ثبت وجوبه عليه على سبيل الجملة أنه متوفر الدواعي
إلى إيجاده ولا صارف له عنه، وكل من توفرت دواعيه إلى إيجاد فعل
وعدم صارفه عنه فلا بد أن يفعله، والذي يدل على أن دواعيه تعالى
متوفرة إلى ذلك خالصة عن الصوارف أنه تعالى عالم بوجوب ما ثبت
وجوبه عليه، وعالم باستحقاق الذم على تركه ولامشقة عليه تعالى في
إيجاده لقدرته على الممكنات وكونه عالماً بأن ترك الواجب والإخلال
به بمنزلة الإقدام على القبيح صارف له عن الإخلال به فثبت بهذا أنه
تعالى قد فقد صارفه وتوفرت دواعيه إلى فعل الواجب، فأما الذي يدل
على أن من توفرت دواعيه إلى فعل وانتفت صوارفه عنه فإنه يفعله
فتقريره بطريقين إحداهما أنه لو لم يفعله والحال هذه لبطل كونه
قادراً عليه لأن من حق ما تعلقت قادريته به وفوقه على حسب داعيه
وانتفاؤه بحسب صوارفه، وثانيهما بالرد إلى الشهد فإن الواحد منا
متى توفرت دواعيه إلى الفعل وجب وجوده ومتى صرفه عنه صارف امتنع
وجوده.
وأما الذي يدل على أن أفعاله تعلى كلها حسنة فهو أن الفعل الواقع
من العالم لايخلو إما أن يكون له فعله أو لا، ولا واسطة بينهما، إن
كان له فعله فهو الحسن، وإن لم يكن له فعله فهو القبيح، وقد ثبت
أنه لا يفعل القبيح فثبت بذلك أن أفعاله كلها حسنة والحمدلله.
القول في خلق الأفعال
ذهب أهل العدل إلى أن أفعال العباد منهم، وهو مذهب أكثر أهل القبلة
وغيرهم من أهل الأديان الكفرية.
وقال أهل الجبر: هي من الله تعالى، وإنما سمو جبرية لمذهبهم في هذه
المسألة وقولهم بأن العبد مجبور على هذه الأفعال لااختيار له فيها.
(5/46)
قيل: وابتداء مذهبهم كان من الطاغي معاوية بن أبي سفيان ومن
كلامه في الجبر: إنما أنا خازن من خزان الله أعطي من أعطى الله
وأمنع من منع الله. فقال له أبو الدرداء: كذبت يا معاوية بل تعطي
من حرمه الله وتمنع من أعطاه الله. وقيل: قاله أبو ذر وصدقه أبو
الدرداء، ومن كلامه: ما أظهرني الله عليكم إلا وهو يريد ذلك. وقال
لأهل الشام: إن الله أمرني عليكم. وقال: لو كره الله ما نحن عليه
لغيره. وظهر الجبر وشاع في سلطان بني أمية وكان يقال: الجبر أموي،
والعدل هاشمي.
واعلم أن من المخالفين في هذه المسألة المطرفية فإنهم يضيفون
المتعدي من أفعالنا إلى الله تعالى ويصرحون بكونه منه، وأما
المباشر فلا يضيفونه إليه، ولايقولون بالكسب ويقولون: إذا ضرب
أحدنا غيره أو قتله فههنا ضارب ومضروب وضرب وانضراب، وقاتل ومقتول
وقتل وانقتال، فالقاتل والمقتول ظاهران، والقتل ما يكون في يد
القاتل، والآلة من الاعتمادات والحركات والانقتال ما يكون في
المقتول من تفريق البنية والاعتمادات والحركات /405/ وزهوق الأرواح
فهذا الانقتال فاعله الله عندهم تفرد بإحداثه، وهكذا الكلام في
الانضراب وغيره من المتعديات كالانكسار ونحوه.
قوله: (كإضافة ألوانهم).
قالوا: فقولنا صلى فلان وصام وحج كقولنا: اسود وابيض وحي ومات.
قالوا: والطاعات علامة إيصال الثواب منه تعالى إلى العبد لا أنه
يستحق ذلك والمعاصي علامة إيصال العقاب إليه لا أنه يستحقه.
قوله: (وبه قال الأشعري) إلى آخره.
كما أن هذا قول الأشعرية فهو قول النجارية والكلابية.
قوله: (وقال المدعون للتحقيق منهم).
(5/47)
أشار به إلى الجويني وتلميذه الغزالي والقاضي أبي بكر الباقلاني
وأبي إسحاق الاسفراييني وابن الخطيب الرازي، وهؤلاء من متأخريهم
وهم المشاهير من علماء هذا المذهب واتفقوا على إنكار الكسب وتجهيل
القائلين به، وإن حدوث أفعال العباد من جهتهم لكنهم ذهبوا إلى أن
القدرة موجبة لمقدورها عند الدواعي. وقالوا بأنها صالحة للضدين لكن
يجب أحدهما عند حصول الداعي، هكذا حكاه بعضهم.
والذي حكاه الإمام يحيى عن الباقلاني أنه يذهب إلى أن الإيجاد إنما
هو بقدرة الله تعالى وأن تأثير قدرة العبد إنما هو في صفة زائدة
للفعل وهي كونه طاعة أو معصية. قال: وهذا هو الكسب عنده. قال: وذهب
الجويني إلى أن الإيجاد كما يكون حاصلاً بقدرة الله تعالى فهو
أيضاً بقدرة العبد عند الاختيار ولامعنى للكسب عنده.
قال: وهو مذهب الإسفراييني منهم.
قوله: (لأنه لا اختيار لهم في السبب ولا في المسبب).
أراد بالسبب القدرة لأنها إذا كانت موجبة فهي سبب إذ حقيقة السبب
حاصلة فيها وهي كل ذات توجب ذاتاً أخرى وإذا كانت سبباً فلا اختيار
لنا فيها لأنها من فعل الله تعالى ولا فيما هو مسبب عنها إذ هو
صادر على سبيل الإيجاب وغير واقف على الاختيار لا هو ولاسببه.
فصل
وقد اختلف أصحابنا في تفصيل الكلام عليهم.
قوله: (وقال أبو الحسين) إلى آخره.
وإلى هذه الطريقة وهي دعوى الضرورة ذهب محمود بن الملاحمي أيضاً
ومال إليه الإمام يحيى.
قوله: (ولكن جحده علماؤهم).
(5/48)
يعني وهم العدد اليسير منهم، قال أبو الحسين: المتسمون بالعلم
منهم ضربان ضرب ذو فقه وأصول فقه وعلم أدب فهؤلاء بمعزل عن علم
الكلام وحكمهم فيه حكم العوام، وضرب منهم وهم العدد اليسير يتسمون
بعلم الكم يجوز على مثلهم المكابرة واتباع الأهواء لأمور دنيوية
وأما عوامهم وهم السواد الأعظم منهم فلو عرض مذهبنا ومذهبهم عليهم
بحيث لاينسب إلى رؤسائهم فعند ذلك يقفون عن السب والتجهيل لهم،
ويقولون: لا ندفع ما قال علماؤنا وهم في اطن أمرهم جائرون عمهون
لايدرون ما يأتون ويدرون من اتباع مذاهب أسلافهم أو اتباع مذهب أهل
العدل، ثم أنهم إلى الرجوع إلى قول أسلافهم أميل لمآربهم.
قال: وقد اتفق لي ذلك مع بعض المجبرة فإنه أنكر مذهبهم وذم قائله،
فلما قيل له: إنه مذهب من يعظمونه من علمائهم أمسك عن الإنكار
والذم وقد ذكر الفقيه أحمد بن حميد الحارثي عين المتكلمين بصنعاء
أن مثل ذلك اتفق له مع بعض المجبرة ومما قررت به قاعدة أبي الحسين
في دعوى الضرورة أن كل عاقل يعلم من نفسه أن وقوع تصرفاته موقوفة
على دواعيه، ولولا دواعيه لما وقع منها شيء فمتى اشتد به الجوع
وكان تناول الطعام ممكناً له فإنه يقع منه الأكل لامحالة ومتى
اعتقد أن فيه سماً انصرف عنه وكذلك يعلم من حال غيره من العقلاء
الذين أحوالهم سليمة وقوف أفعالهم /406/ ووقوعها بحسب دواعيهم
وأراد بهم وأن الواحد منا إذا علم ماله من المنفعة في شرب الماء
حال عطشه ولم يمنعه مانع فإنه يقع منه لامحالة ومتى علم ما علم من
المضرة في دخول النار فإنه لابد حل فيها إذا كان الموجد للشيء هو
من يحدث منه الفعل موافقاً لدواعيه وثبت عند العقلاء أنه قد تقرر
في بدائه عقولهم أن العبد حاله كذلك علمنا أن لعمهم بكونهم محدثين
لأفعالهم علم ضروري.
(5/49)
واعلم أنه لاخلاف في أن تعلق الأفعال بنا ضروري وفي حسن تعلق
الأمر بها والنهي والمدح والذم ضرورة والمجبرة لايخالفون في ذلك
على سبيل الجملة لكن يخالفون في التفصيل، وهو كون وجه التعلق هو
الحدوث والجماهير من أصحابنا يقولون : لانعلم ذلك إلا استدلالاً.
وأما أبو الحسين ومن تابعه فادعوا العلم الضروري بالتفصيل كما وقع
الاتفاق عليه في الأمر الجملي.
وقد قيل: إن الناس كانوا قبل أبي الحسين بين منكر لكون العبد
موجداً لأفعاله ومعترف بصحة الإيجاد بان لدعواه على النظر
والاستدلال فكيف يسمع من أبي الحسين نسبة العقلاء إلى إنكار
الضرورة.
وأجاب الإمام يحيى بأن من قبله متفقون على وجوب الإضافة إلينا
ومعترفون بصحة وقوفها على أحوالنا وهم بين منكر لتأثير القدرة في
الحدوث ومثبت جهة أخرى وهم عدد قليل وبين معترف بالحدوث مثبت له
بطريق الاستدلال ويجوز أن يعرض اللبس في العلم بكونه ضرورياً أو
نظرياً كما عرض للكعبي في خبر التواتر فظنه نظرياً فظهر أن كلام
أبي الحسين مطابق للعقلاء ضرورة.
قوله: (وبين قوله أن الفعل موقوف على الداعي).
اعلم أن أبا الحسين يذهب إلى أن الفعل لايقع ولايصح وقوعه إلا لداع
ومرجح، وأن وقوعه من غير اعتباره محال لأنه شرط في وجود الفعل وإلى
هذا ذهب ابن الملاحمي والإمام يحيى، وهو قول متأخري الأشعرية خلاف
ما ذهب إليه أبو هاشم وجمهور المعتزلة وغيرهم من المتكلمين أنه ليس
بشرط.
(5/50)
وقال أبو الحسين: الفعل عند حصول المرجح واجب الحصول بالضرورة.
قال الرازي: وإذا كان يذهب إلى هذا فالداعي علم ضروري أو ينتهي في
آخر الأمر إلى العلم الضروري، وإذا كان الفعل لايقع إلا بالداعي
الضروري وإنما ينتهي إليه فالداعي سبب للفعل ومؤثر فيه وفاعل السبب
فاعل المسبب فالفعل على هذا من الله تعالى وادعى الرازي أن أبا
الحسين يذهب إلى أن أفعال العباد من الله تعالى، وإنما كان يظهر
لأصحابه إنكار ذلك وأن قوله كقولهم، بل أبلغ محاباة لهم وتستراً عن
ذمهم له.
قوله: (فليس الداعي موجباً للفعل).
فيه سؤال وهو: أن أبا الحسين قد صرح بوجوب الفعل عند حصول الداعي.
وجوابه: ما ذكره الإمام يحيى من أن مفهوم الوجوب مشترك والغرض به
هنا أن له أولوية بالوجود من ضده وتلك الأولوية حاصلة بالنظر إلى
داعيه وإن كان ضده ممكناً بالنظر إلى قادريته لأن العقل لايأبى
إثبات واسطة بين التساوي والتعيين على سبيل الوجوب، وهو أن يكون
أحد الجانبين أولى بالحصول من الآخر وإن لم تنته تلك الأولوية إلى
درجة الوجوب، ولهذا فإن أحدنا يستحق المدح والذم إذا ترك الفعل عند
توفر دواعيه، وأما عند حصول الإلجاء فلا يستحق مدحاً ولاذماً، وهذا
يدل على إمكان الترك عند حصول تلك الأولوية.
قوله: (فإن قال نعم يقدر على ذلك فقد ترك مذهبه).
فيه نظر لأنه لاينفي القدرة، وإن قال بأنها موجبة فكان الأولى أن
يقال: هل لأبي الحسين اختيار في أن يقول ولك في أن تتعجب لأن ظاهر
مذهبه نفي الاختيار /407/ لقوله بالقدرة الموجبة وكذلك في سائر
كلام المصنف على الرازي.
فصل
وقد استدل سائر الشيوخ وهم الذين لايدعون الضرورة في تفضيل تعلق
الأفعال بوجوه من الأدلة.
قوله: (وأبطله الجمهور بأن الداعي أيضاً فعل).
(5/51)
أرادوا وأنت يا أبا الحسين تذهب إلى أن الفعل لايقع إلا بداعي
وأن الداعي شرط فيه ولهذا اثبت الداعي في حق الساهي والنائم، وقد
قيل في إبطال قوله أنه لاطريق إلى إثبات هذا الداعي في حق الساهي
والنائم وبان المعلوم من حالهما في كثير من الحالات بل في كلها
صدور الفعل من جهتهما ولايعلم داع ولايظن ولايشك فيه ولأن أحدنا قد
ينتفي بعض ما في الطبق من الفاكهة ولانجد داعياً إلى تعيين ما
يتبقى.
قوله: (وأما القصد فلا شبهة) إلى آخره.
القصد في اصطلاح المتكلمين هو الإرادة المقارنة للمراد أو لسببه
الذي هو في حكم المسبب لمقارنته إياه مع كونه هو وذلك المراد من
فعل فاعل واحد فلا تسمى الإرادة لفعل الغير قصداً.
قوله: (لاحتياجه إلى العلم).
يعني علمه بما يقصد إليه وتتعلق به إرادته التي هي قصد وفيه نظر
وقد صرح ابن متويه بأن النائم يصح كونه معتقداً وجعل الرؤيا من
قبيل الاعتقادات والظنون ثم قال: وكذلك كونه مريداً صحيح بأن يقصد
ما يعتقده وكذلك الكراهة وربما يأتي للمصنف فيما بعد ما يقضي بعدم
احتياج القصد إلى العلم.
قوله: (وأما فعل الملجى).
هو بصيغة اسم المفعول وهذا جواب عن سؤال مقدر تقديره: لايمكن
الاستدلال بما ذكرتموه على أن هذه التصرفات واقعة من هتنا لأن فعل
الملجى يقع بحسب قصد الملجى وليس فعلا له.
وجوابه ما ذكره ومثل ذلك قوله: (وكذلك منيراً لذاته) هو جواب أيضاً
لسؤال مقدر تقديره: إن سيرها في الجهة التي تسير فيها تابع لقصد
لاراكب وموقوف عليه ولم يدل على أنه فعله.
وكذلك قوله: (وأما نعيم أهل الجنة) فإنه جواب عن قولهم: أليس نعيم
أهل الجنة تابعاً لاختيارهم وواقفاً على دواعيهم ولم يلزم كونه من
فعلهم.
قوله: (وأما اللون الحاصل) إلى آخره.
(5/52)
هو أيضاً جواب عن قولهم: أليس اللون الحاصل عند الضرب موقوفاً
على الضرب يقل بقلته ويكثر بكثرته ويتوقف على قصد المضارب وداعيه
ومع ذلك فليس بفعل له ونظيره أيضاً بياض العبيطي فإنه يحصل بحسب
الضرب من جهتنا وكذلك سواد الخبز والحرارة الحاصلة عند حك إحدى
الراحتين بالأخرى وجوابه ما ذكره ومعنى انزعاج الدم أن اجزاءه كانت
متبددة بين أجزاء اللحم، واللحم كالساتر لها فلما حصل الضرب وقع به
تفريق بين أجزاء اللحم وصار بين اللحم فرج يجري الدم فيها، وحال
الجلد دون خروجه فلذلك ترى الحمرة تحت الجلد.
وقد ذهب بعض المتكلمين إلى أن ذلك اللون يحدث من جهة الله تعالى
عند الضرب بمجرى العادة وضعف بأن ما كان طريقه العادة جاز أن يختلف
حاله والحال في هذا مستمرة على وتيرة واحدة.
وذهب الشيخ أبو القاسم ومتابعوه من أهل بغداد إلى ما حكاه المصنف
وهو مبني على خلاف ما عليه الجمهور أن اللون من مقدورات الله
المختصة به.
قوله: (فلا تنقلب علينا في توليده للألم).
يعني لنه يولده بشرط انتفاء الصحة وهي تأليف مخصوص يوجد في محل
الحياة ولايمكن اشتراط مثل هذا في توليده للون لأن اللون يصح حلوله
في الجماد دون الألم، ومما يبطل قول الشيخ أبي القاسم وأصحابه أن
الضرب /408/ لايكون بتوليد بعض أنواع الألوان أولى من توليد غيره
إذ لامخصص.
قوله: (ومثله الكلام عليهم في بياض العبيطي) إلى آخره.
العبيطي: ضرب من الحلاوى أبيض مأكول لاشمروب وتلخيص ما أجاب به
أصحابنا عنه أن البياض الذي يظهر عند ضرب القبيطي لون كان كامناً
في الجسم فبرز بالضرب وكذلك لون الخبز كان كامناً فظهر بالخلط،
قالوا: ومعنى ذلك الكمون أنه حال في أجزاء الطبقة مسخنة في باطنة
مستترة بأجزاء أخر في ظاهره فإذا اعتمد على تلك الأجسام بضرب أو
خلط انقشعت تلك الأجزاء الساترة وظهرت الأجزاء اللطيفة الكامنة.
(5/53)
قالوا: ونظيره كمون النار في الحطب، والدهن في السمسم. وجوز
الشيخ أبو هاشم أن يكون ظهور ذلك اللون بمجرى العادة من جهة الله
تعالى ابتداء واستبعده الجمهور بمثل ما تقدم من اختلاف ما كان
طريقه العادة والذي ذكروه أيضاً مستبعد وفيه تكلف وتعسف ولاطريق
لهم إلى صحة ما ذكروه وقد استمر كثير مما طريقه العادة وكفى بما في
العالم العلوي من الأمور العادية المستمرة والله سبحانه وتعالى
أعلم، {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}.
وأما الشيخ أبو القاسم وابن المعتمر ومن تابعهما فذهبوا إلى أن ذلك
اللون من فعلنا متولد عن الضرب كما قالوه في اللون الحاصل عند ذرب
بدن الحي وهكذا الكلام في الحرارة الحاصلة عند الحك فعند الجمهور
أن تلك أجزاء كانت كامنة فظهرت، ويأتي على أصل أبي القاسم ومن
تابعه أنها من فعلنا وعلى أصل الشيخ أبي هاشم أنها بمجرى العادة.
قوله: (كالصحة والسقم وغيرهما).
يعني كالحر والبرد وجميع ما طريقه العادة كالإحراق وما يجري مجراه.
قال السيد الإمام: وعلى هذا يقال إن في الحيوانات حيوان يقال له
السمندل يدخل النار ويتمرغ فيها فلا تؤذيه ولايحترق بها وحتى أنه
ليتخذ من وبره منديل غمر فكلما توسخ تلقى في النار فيعود أنظف ما
يمكن ويكون وهكذا فإنه يقال: إن ......... خشنة لاتحرقها النار.
قوله: (هو غير واجب في الأدلة اتفاقاً).
يعني وإن وقع الخلاف في عكس العلل.
واعلم أنهم يتفقون على أنه يجب الطرد والعكس في الحدود وأنه يجب
الطرد ولايجب العكس في الأدلة ويختلفون في العلل فالعقلية يجب
اطرادها دون انعكاسها على المختار والأشعرية يوجبون فيها العكس
والعلل الشرعية بين أهل الأصول فيها خلاف فمن اجاز تعليل الحكم
بعلتين لم يوجب العكس ومن لم يجز ذلك أوجبه وجميع الأقسام لابد من
الطرد فيها بالاتفاق.
تنبيه
(5/54)
اعلم أن هذا الدليل هو معتمد الأصحاب في هذه المسألة أعني
القائلين بأنه يحتاج فيها إلى الاستدلال وقد أورد عليه اعتراضات
ذكرها الإمام يحيى أشفها أن ما ذكرتموه من وقوف فعل العبد على
داعيه لايفيد كونه محدثاً له وليس ذلك بأظهر من حصول الشبع للحي
السليم عند تناول الغذا الطيب، وحصول الري عند شرب الماء البارد،
وحصول النبت عند إلقاء البذر الجيد مع حصول الشرائط من السقي
بالماء وغير ذلك، فإذا كانت هذه الأمور واجبة الحصول عند هذه
الأشياء ومع ذلك لاتعلق بها فكذلك وقوع فعل العبد عند الداعي
لايوجب تعلقه به ولئن سلمنا وجوب حصول فعل العبد عند داعيه فلم
قلتم أنه لابد لذلك الفعل من مؤثر فضلاً عن أن يكون المؤثر فيه
قدرة العبد وهلا جاز أن يكون حاصلاً لا لأمر كما في صور من مذهبكم
منها أن الذوات مشتركة في كونها ذوات ثم إن بعض الذوات مختصة بصفة
ذاتية يجب حصولها لتلك الذات /409/ ويمتنع حصولها لغيرها من الذوات
وهذا الوجوب لايعلل بأمر لنه بأي شيء علل فسد فهكذا الوجوب في فعل
العبد لايعلل.
أيضاً ومنها أن الغرض المعين يجب اختصاصه بالمحل مع أن ذلك المحل
مثل لسائر المحال، وذلك الوجوب لايعلل أيضاً لأنه بأي شيء علل بطل.
ومنها: أن الأعراض التي لاتنفى تختص صحة حدوثها بالوقت المعين مع
كون ذلك الوقت مساوياً لسائر الأوقات.
(5/55)
ومنها: أن القادر يفعل أحد مقدوريه دون الآخر لا لأمر فلم لايصح
أني قال: إن الفعل الذي حدث عند توفر الدواعي اختص وجوب حدوثه بذلك
الوقت دون الوقت الذي قبله وبعده لا لأمر أو حدث وهو لايحتاج إلى
مؤثر أصلاً ثم لئن سلمنا أنه لابد لهذه الأفعال من مؤثر فلم لايجوز
أن يكون المؤثر فيها غير العبد ولا يمكن أن يقال لو كان كذلك لصح
من ذلك الغير ألا يخلق تلك الأفعال عقيب توفر الدواعي أو تخلفها
عقيب حصول الصوارف لنا نقول: إن الموجد لتلك الدواعي هو الله تعالى
فإذا كان كذلك فلم لايجوز أن يقال: إن تلك القدرة والداعية وإن
كانتا غير مؤثرتين في وجود الفعل ولكنه يستحيل انفكاكهما عن ذلك
الفعل والفاعل لأنه لايمكنه أن يفعل ذلك الشيء عارياً عما يلازمه
فلذلك يستحيل من الله تعالى ألا يوجد ذلك الفعل عقيب توفر الدواعي
كما أنه متى خلق الجوهر استحال منه ألا يخلق الكون الملازم له.
ويمكن الجواب عن هذا الاعتراض أما معارضته بالري والشبع والنبات
عقيب البذر فنحن نعلم الفرق بين توقف هذه الأشياء على ما يفعله
وبين توقف أفعالنا على قصودنا ضرورة ويمكن القول بأن حصول النبات
عقيب البذر بمجرى العادة ودليل أنه كذلك ما يقع فيه من اختلاف
الحال فقد ثبتت وقد لا، وقد يثبت بعضه دون بعض، وأما الشبع والري
فليس المرجع بهما في التحقيق إلا إلى انتفاء شهوة الطعام والشراب
على ما اختاره املحققون فهما أمران سلبيان ولعل من يثبتهما معنيين
كالشيخين يجعلهما من أفعالنا لتوقفهام عليها.
وأما قوله: (وهلا جاز أن يكون حاصلاً لا لأمر كما في صور من
مذهبكم).
فالجواب عنه أن تلك الصور قد ذكر المانع فيها وهو أنها بأي شيء
عللت بطلت وهذا مانع عن التعليل لامحالة بخلا فمسألتنا هذه فإن
تعليل ذلك بكوننا فاعلين لها ومؤثرين فيها لايؤدي إلى محدود.
وأما قوله: (لأنا نقول أن الموجد لتلك الدواعي هو الله تعالى).
(5/56)
فلا يصح لأن في دواعينا ما هو ظن واعتقاد جهل، ولايصح كونهما من
جهته تعالى ولو كانت من فعله لكان حكمها حكم العلوم الضرورية.
وأما قوله: (ولكنه يستحيل انفكاكهما عن ذلك الفعل والفاعل).
لأنه لايمكنه أن يفعل ذلك عارياً عما يلازمه ومعارضته بالجوهر
والكون.
فجوابه: المطالبة بوجه الملازمة بين الفعل وبين القدرة والداعية
فإن ملازمة الكون للجوهر ضرورية إذ يستحيل حصول الجوهر لا في جهة
فلنبين مثل ذلك في مسألتنا.
قوله: (إنما نحمده تعالى على مقدمات الإيمان).
أما الذي ذكره قاضي القضاة وابن الملاحمي والفقيه حميد وغيرهم من
المتكلمين فهو أنا نحمد الله تعالى على الإيمان نفسه وإن كان من
فعلنا لأنه في الحكم كأنه من جهته تعالى من حيث أنه أقدرنا على ذلك
ومكننا منه وأعلمنا به ولطف لنا فيه فصار الحال فيه كالحال فيمن
يكسب مالاً في جاه غيره لاختصاصه به، فإنه يحمد صاحب الجاه على ذلك
وإن لم يكن وصول ذلك المال إليه منه وكذلك الحكم فيمن أحسن إلى
غيره بمال فاتجر فيه وربح وتوصل إلى ملاذ ومسار فإنه يحمد ذلك
المحسن على هذه الأمور المتفرعة على إحسانه /410/ وإن لم تكن منه
لما كانت في الحكم كأنها من جهته.
قوله: (وهو تعالى يحمدنا على فعله).
ذكر في المحيط وذكره أيضاً الحاكم أن جبرياً سأل عدلياً بحضرة بشر
بن المعتمر فقال العدلي: أنا لا أحمد الله على ذلك وإنما الله
يحمدنا عليه فانقطع السائل فقال له بشر شنعت المسألة فسهلت أراد
لكونه في النطق في ذلك مخالفة لما ورد في الأثر ورد فيه الحمدلله
على أن جعلنا من المسلمين ولما اعتاده الصالحون من حمد الله على
الإيمان والهداية له وكان في هذا التشنيع تسهيل للمسألة لا انقطاع
السائل الاكتفاء عن إعمال النظر في جواب ذلك.
قوله: (وإنما استدللنا بالسمع هنا) إلى آخره.
(5/57)
هذا من المصنف ترجيح لما ذهب إليه قاضي القضاة والسيد وابن
متويه وغيرهم من المتكلمين وهو أنه لايصح الاستدلال بالسمع على هذه
المسألة للوجه الذي ذكره وكذلك غيرها من مسائل العدل النفيية
كمسألة أنه لايعذب بغير ذنب ولا يثيب بغير عمل وأنه لايكلف ما
لايطاق ولايريد القبيح ولا يرضاه إلى غير ذلك من المسائل التي هي
في الحقيقة تفصيل لكونه تعالى لايفعل القبيح، وأما الذي ذهب إليه
متأخروا المتكلمين من أصحابنا كالشيخ أحمد بن الحسن الرصاص والفقيه
حميد والإمام يحيى فإن الاستدلال بالسمع على هذه المسألة وغيرها من
جنسها صحيح وأنه يكفي في معرفة صحة السمع ثبوت الدلالة على أنه
تعالى عدل حكيم على الجملة، فإذا عرف المستدل عدله تعالى وحكمته
ونبوة نبيه ثبت له صحة السمع.
قال الإمام يحيى في التمهيد: اعلم أن التمسك بالآيات والأحاديث
والإجماع في هذه المسألة صحيح من جهة النظر وذلك لأن صحة المسالك
السمعية متوقفة على تقدير قواعد الحكمة والحكمة متوقفة على كونه
تعالى عالماً وغنياً فإذا صح هذان الأصلان صح الاستدلال بالسمع في
كل موضع لأن أصوله قد تمهدت.
قال: وأما من حيث الإلزام فممتنع لأنه مالم يثبت أن الله تعالى
لايفعل القبيح لم يصح الاستدلال بالسمع فكيف يمكن تصحيح ذلك
بالسمع.
قوله: (استظهاراً على الخصوم وإلزاماً لهم) إلى آخره.
هذا توجيه للاستدلال بالسمع على قول من قال أنه ليس بحجة على هذه
المسألة فإنهم أوردوا هذه الدلالة على كون أفعالنا منا استظهاراً
كما ذكره المصنف لن السمع إذا طابق العقل تأ:دت الحجة وانشرح
الصدر، وللتبرك بالكتاب العزيز الذي لايأتيه الباطل.
قوله: (ولأنهم كانوا يزعمون أنه لادليل لنا في السمع).
(5/58)
إنما زعموا ذلك لأن عادة المتقدمين من أهل العدل جرت بأنهم
لايحتجون بالقرآن وسائر أدلة السمع على المسائل التي يقف عندهم
العلم بصحة السمع على العلم بها وإنما يحتجون عليها بالأدلة
العقلية فقط، والمخالفون يوردون الأدلة السمعية على كل مسألة فلما
رأوا تصانيف أهل العدل خالية عن ذلك طعنوا عليهم وقالوا: لو كان
لهم حجج من القرآن والسمع لأوردوها واحتجوا بها فنحن أهل السنة
المطابقون لما ورد به السمع.
قوله: (ونحن نذكر من ذلك ما سنح).
الذي ذكره المصنف وغيره من الآيات الدالة على المطلوب واردة على
أنواع مختلفة متطابقة في الدلالة على ذلك، فمنها: نوع يدل على نفي
إضافتها إليه تعالى لوصفه لأفعاله بصفة مفقودة في أفعالنا كالإتقان
ونفي التفاوت.
ومنها: نوع يدل على إضافتها إلينا من حيث الإخبار والأمر والنهي
والوعد والوعيد وذلك لايكون إلا مع كونها منا.
ومنها: نوع يتضمن إضافتها إلينا بالعمل والفعل والكسب ونحو ذلك.
/411/
ومنها: نوع يتضمن نسبة خلقها وتقديرها إلينا.
قوله: (إما أن ينفي أن التفاوت من جهة الخلقة وهو باطل لحصوله).
يعني فإن في أفعاله تعالى العرض والمتحيز حي والمتحيز غير حي وغير
الحي نام وغير نام ومانع وغير مانع ثم في الأجسام الطويل والقصير
والحسن في الخلقة والشنيع ونحو ذلك، ذكره بعضهم.
وأما جار الله رحمه الله فجعل نفي التفاوت في هذه الآية من جهة
الخلقة وقال: أي من اختلاف واضطراب في الخلقة ولاتناقض إنما هي
مستوية مستقيمة.
قال: وحقيقة التفاوت عدم التناسب وهذا هو التحقيق فإن المراد بخلق
الرحمن ههنا هي السموات ودليله أول الآية ويؤيده قوله تعالى: {هل
ترى من فطور}.
قوله: (نفى أن يكون المراد من جهة الحسن والحكمة).
(5/59)
يؤيده أن قوله صنع الله مصدر مؤكد لكلام مقدر هو الناصب لقوله
تعالى: {ويوم ينفخ} والمعنى : ويوم ينفخ في الصور، فكان ما ذكره
الله تعالى أثاب المحسنين وعاقب المجرمين، قال: {صنع الله} يريد به
الإثابة والمعاقبة وإنهما من جملة الأشياء التي أنفيها وآتي بها
على الحكمة والصواب، والمعنى أن مقابلة الحسنة بالثواب والسيئة
بالعقاب من جملة أحكام الأشياء واتقانها وإجرائه لها على قضايا
الحكمة، ذكر هذا المعنى جار الله.
قوله: (قال القاضي معنى {أحسن كل شيء} في اللغة) إلى آخره.
قال: لأنه لايثبت بأحد اللفظين فيبقى بالآخر ولو قيل: أحسن كذا وما
أحسن فيه لكان مناقضة أراد القاضي ومعلوم أنه لو قال: أحسن في كل
شيء لم يحمل إلا على الحسن. وقد قيل: عليه بل المنازعة فيه ثابتة،
كما في قوله: {أحسن كل شيء}.
قال الرازي: سلمنا أن أحسن في كل شيء لايحتمل إلا الحسن فقط فمن
أين يلزم مثله في قوله: {أحسن كل شيء} وهل ذلك إلا قياس في اللغة
وهو لايصح، قيل: واستدلال القاضي بأنه لايثبت بأحد اللفظين وينفى
بالآخر غير مسلم.
قوله: (وقولهم مراده بقوله: أحسن أي علم باطل) إلى آخره.
فيه نظر. فقد قال جار الله في تفسير الآية: قيل علم كيف يخلقه من
قوله: قيمة المرء ما يحسنه. كقول ابن طباطبا:
فيا لائمي دعني أغالي ... فقيمتي في الحب حتى ودعه
وهذا الكلام نقله المصنف من كلام السيد رحمه الله.
قوله: (على أنا قد قدمنا أنه لايجوز إجراؤه على الله تعالى).
يعني في آخر مسألة كونه تعالى عالماً وما لايجري عليه من الأسماء
في ذلك الباب.
قوله: (ومنها قوله تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما
باطلاً}).
هذه الآية الكريمة في سورة صاد وهي: {وما خلقنا السموات والأرض وما
بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار}.
(5/60)
قال جار الله في تفسير باطلاً: خلقاً باطلاً، لا لغرض صحيح
وحكمة بالغة أو مبطلين غائبين، كقوله: {وما خلقنا السموات والأرض
وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق}، فتقديره ذوي عبث أو
عبثاً فوضع باطلاً موضعه كما وضعوا ..... موضع المصدر وهو صفة أي
ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب، ولكن للحق المبين، وهو أن
خلقنا نفوساً أودعناها العقل والتمييز ومنحناها وأزحنا عللها ثم
عرضناها للمنافع العظيمة بالتكليف وأعددنا لها عاقبة وجزاء على حسب
أعمالهم وقد بنى المصنف في الاستدلال بهذه الآية على أن أفعال
العباد مما بين السماء والأرض، وليس بالواضح لن معنى البين لايعقل
إلا في فصل أو وصل، إلا أن يريد أن الله سبحانه نفى بهذه الآية
حصول الباطل فيما خلق، وأنه لايفعل شيئاً باطلاً فلو كانت أفعال
العباد منه لم يكن ...... عن هذا المعنى /412/ .
تنبيه
ومما يستدل به من الأدلة الشرعية على صحة ما نقوله في هذه المسألة
السنة النبوية والإجماع، أما السنة فنحو قوله صلى اللّه عليه وآله
وسلم: (( اعملوا فكل ميسر لما خلق له )) ، وقوله: (( نية المؤمن
خير من عمله ونية الفاسق شر من عمله )) ، وقوله صلى اللّه عليه
وآله وسلم : (( الأعمال بالنيات )).
وأما الإجماع فهو أن الرضا بقضاء الله واجب فلو كان الكفر من قضاء
الله لوجب الرضا به لكن الرضا بالكفر كفر بافجماع فعلمنا أن الكفر
ليس من فعل الله تعالى فلا يكون من خلقه ذكر هذا بعضهم.
فصل في ذكر بعض ما ألزمهم أصحابنا على القول بأن أفعال العباد من
الله
قوله: (أليس في أفعال العباد ما هو ظلم).
لما ذكر السيد رحمه الله هذا الإلزام قال: ونحن قبل أن نحقق هذا
الكلام على الخصم نبين حقيقة الظلم.
(5/61)
قلت: ووجه ذلك أنه لايحسن بل لايمكن الكلام في حكم لشيء حتى
يتحقق معناه ويرتسم في الذهن وذلك ظاهر، وإنما أهملها المصنف بناء
على ظهور معناه وتجليه واكتفاء بذكره لها في موضع آخر، وقد حققه
السيد بأنه كل ضرر لانفع فيه ولادفع ضرر ولا استحقاق ولا الظن لأحد
الوجهين المتقدمين وألا يكون في الحكم كأنه من جهة المضرور، وألا
يكون في الحكم كأنه من جهة غير فاعل الضرر، وأورد عليه بعضهم
سؤالاً وهو: أن هذا الحد لايطرد فإن أحدنا لو أضر بغيره لنفع بفعله
له أو دفع ضرر أو لظن لذلك فإن هذا الإضرار ظلم مع كونه غير عار عن
ذلك، قال: فيزاد في أجزاء الحقيقة أو الضرر الذي فيه نفع أو دفع
ضرر أو ظنهما أو أحدهما، ولم يقض العقل أو الشرع بحسنه.
قلت: ويرد عليه إثباته في أول الحد بلفظ كل وذلك مغيب إذ المراد
تحقيق الماهية ولفظ كل للعموم والشمول.
قوله: (وأحدهما مشتق من ظلم).
كان الأولى أن يقول: من الظلم، بلفظ المصدر لأنه الأصل في الاشتقاق
وكذلك قوله: من فعل الظلم فإنه كان الألى أن يقول من فعل بكسر
الفاء وسكون العين.
قوله: (كالقعود والجلوس).
يعني فإن أحدهما مشتق من قعد والآخر من جلس ومعناهما واحد والمصنف
رحمه الله تابع في ذلك للسيد، وكان الأولى أن يقال كقعد وجلس أو
كقاعد وجالس، فإنهما متفقان في المعنى مع أن أحدهما مشتق من القعود
والثاني من الجلوس، لما ذكرناه آنفاً من أن الأصل في الاشتقاق هو
المصدر على الصحيح.
قوله: (ويرد عليهم السؤال في العادل).
يعني فيلزمهم أن يكون العادل غير فاعل العدل وألا يسمى الله لأجل
فعله للعدل عادلاً.
قوله: (ويلزم إذا انفرد بفعل الظلم ألا يكون ظالماً).
يعني الله تعالى. قال السيد: وعندهم أنه تعالى لو تفرد بالظلم لكان
ظالماً.
قوله: (لأنه الذي حله الظلم).
يعني في أغلب الأحوال كاللطم والضرب والقتل، وإن كان شيء منه محله
الظالم كالشم باللسان.
قوله: (وألا يكون ظالماً لو انفرد).
(5/62)
يعني الله تعالى لأنه ولو انفرد بفعله فلم يجعل ظلماً له مع أن
مذهبهم أنه لو انفرد به لكان ظالماً على ما حكاه السيد في غير
موضع.
قوله: (ويلزم لو وقف على الاختيار).
أي لو وقف كونه ظلماً على اختيار الجاعل. وفيه سؤال وهو أن يقال:
أليس المتكلمون ذكروا أن أحكام الأفعال من كونها ظلماً وكذباً ونحو
ذلك متعلقة بالفاعل؟
والجواب: أن مراده أن جعل كونه ظلماً للغير لايقف على الاختيار لا
جعله نفسه ظلماً ثم أنه وإن جرى ذلك في كلامهم فقد اعتذروا عنه
وقالوا: أردنا أن تلك الوجوه متعلقة بالفاعل على جهة المجاز لأن
الظلم هو الضرر العاري عن جلب نفع أو دفع ضرر وهذا نفي وتأثير
الفاعل في الإثبات لا في النفي.
قوله: (أن يجعل الكلام أمراً لزيد دون عمرو).
يعني بأن يجعله نهياً لعمرو أو خبراً له.
قوله: (وبعد فإن أردتم /413/ بقولكم جعل الظلم ظلماً له أنه حله
وذلك غير ما نوزعتم فيه) إلى آخره.
كان الأولى أن يقول: إنه خلق فيه لأن هذا هو مذهبهم الذي نوزعوا
فيه، وهكذا حرر السيد هذا الوجه.
قوله: (فكيف يدفعون الإلزام بنفس مذهبكم الذي لايتم إلا بعد اندفاع
الإلزام).
قال السيد: وهذا أصل كثير أن كل دلالة تصيب لإفساد مذهب من المذاهب
فالاعتراض على تلك الدلالة بنفس ذلك المذهب لايصح فيجب أن يراعى
هذا الأصل ويحافظ عليه. انتهى.
(5/63)
ودليله أن ذلك المذهب إما فاسد فالطعن به لايصح، أو صحيح فنصب
الدلالة على إفساده لاتصح، فالدليل فاسد وإن لم يطعن عليه بالمذهب
وينبغي أن يفصل القول فيما ذكر فيقول ينقسم ذلك إلى ما تكون
الدلالة فيه لاتصح إلا بعد فساد المذهب فتكون صحتها مثبتة على
فساده وإلى ما لايقف العلم بصحتها على فساد ذلك المذهب، إن كان
الأول لم يصح ما ذكره السيد رحمه الله بل يصح أن يعترض بذلك المذهب
على تلك الدلالة وإن كان الثاني فما ذكره مستقيم لكن مسألتنا من
القبيل الأول؛ لأن الدلالة المذكورة وهي أن الظلم لو كان من فعله
تعالى لوجب أن يسمى ظالماً ينبني على فساد القول بأن الظالم اسم
لمن جعل الظلم ظلماً له إذ لو صح هذا بطل دليلنا فمهما لم يفسد هذا
القول لم تصح تلك الدلالة وحينئذ يتوجه الاعتراض عليها بنفس ذلك
المذهب، وهو أن الظالم اسم لمن جعل الظلم ظلماً له.
قوله حاكياً عنهم: (الظالم اسم لمن تفرد بالظلم).
قالوا: والقديم تعالى لم يتفرد به لأنه مشترك بينه وبين العبد فهو
الذي أوجده والعبد اكتسبه فلا يجب تسميته ظالماً.
قوله: (قلنا يلزم مثله في العادل).
فيه نظر لأنهم يلتزمونه ولايجب أن يكون تعالى غير عادل لأنه منفرد
بأكثر أفعال العدل وإن لم ينفرد بما كان عدلاً من أفعال العباد
فتسميته بالعادل لأجل ما انفرد به وكان من أفعاله الخاصة عدلاً
وإنما الذي يلزمهم ألا يسمى عادلاً لأجل ما فعله من العدل الذي
اكتسبناه عندهم ولعلهم يلتزمون ذلك.
قوله: (ويلزم ألا يوجد ظالم قط).
يعني لأن الله تعالى غير منفرد بفعل الظلم وكذلك جميع العباد فإنهم
وإن اكتسبوه فليسوا منفردين به لأن الله تعالى هو الذي أوجده
عندهم.
قوله: (لأنه تفرد به).
يعني على مذهب الأشاعرة.
قوله: (لإيهامه الخطأ)
(5/64)
قال السيد: وهو أنه تعالى من جنس الأسباب يعني لوصفهم السبب
بأنه يولد المسبب حتى صار هذا اللفظ كأنه موضوع له والله تعالى ليس
بسبب لأنه فاعل مختار، والسبب مؤثر على طريق الإيجاب.
قوله: (والوالد اسم لمن خلق من مائه آخر من جنسه).
هذا معناه لغة وأما في الشرع فهو اسم لمن ولد الولد على فراشه.
قوله: (نفى عن نفسه الظلم والعبث والكذب).
يعني بقوله تعالى: {وما ربك بظلام للعبيد} ونحوها وبقوله: {وما
خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً} أي عبثاً، وتنصب الأدلة
على أنه لايجوز عليه الكذب.
قوله: (ولتجهيله وليقع خلاف ما أراد).
يعني لأنه تعالى قد علم منهم الكفر وأنهم لايؤمنون وأراده منهم
عندهم إذ لو لم يره لم يقع فكان إرسال الرسل على قود كلامهم الغرض
منه وقوع خلاف ما أراده وخلاف ما علمه وفي ذلك طلب تجهيله.
قوله: (وقد التزموا ذلك في نعمة الدين).
ممن صرح بذلك الرازي وعلله بأنا نعلم ضرورة أنه لانعمة لمن أعطى
السكين من هو قاطع بأنه يقتل به نفسه. قال بعض أصحابنا: ولقد ارتكب
عظيماً من الضلال فإن المعلوم بضرورة الدين أن إنزال الكتب وإرسال
الرسل نعمة على المؤمن والكافر، وقد قال تعالى: {وما أرسلناك إلا
رحمة للعالمين} فإنكار نعمة الله الدينية على الكافر إنكار لما علم
ضرورة من الدين ورد للقرآن، وهذا كفر شنيع من أوضح الكفر ولهذا فإن
الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام مع بعده عن التكفير كفر القائل به
أبا الحسن الأشعري والرازي ابن الخطيب، ولم يكفر من أهل القبلة
/414/ إلا هؤلاء المجسمة المصرحين بالأعضاء لفظاً ومعنى.
قوله: (وخلافه معلوم ضرورة).
(5/65)
يعني وفي ذلك دلالة على صحة ما نقوله، وإنما تثبت النعمة
الدينية في حقه لأنه تعالى عرضه بالتكليف إلى ارتقاء مراتب عظيمة
ونيل منافع جسيمة لاتنال إلا بذلك وأقدره على التوصل إلهيا ومكنه
من ذلك وأزاح علته فيه ولم يمنعه ولو صح ما ذكروه من أنه خلق فيه
الكفر وأجبره عليه وأراده منه ليقع في العذاب الأليم والعقاب
العظيم لم يكن له تعالى عليه نعمة.
قوله: (فلا يستقيم لهم الفرق).
وقد روي عن الأشعري عدم الفرق، والجري على قاعدتهم بنفي نعمة
الدنيا أيضاً لكنه بذلك أعظم الجرأة على الله فنعوذ بالله من
الضلالة.
قوله: (فما الفرق بين الموضعين).
يعني مع كون انتواله للكوز وشربه منه فعل الله تعالى أجبره عليه
واضطره إليه.
قوله: (وما معنى قوله عليه السلام) إلى آخره.
يعني لأن كل الأفعال على مذهبهم نحن مستكرهون عليها فيلزم أن تكون
كل التكاليف مرفوعة عنا وكلامه صلى اللّه عليه وآله وسلم قاض بأن
المرفوع شيء منها ونوع خاص.
قوله: (ويقال: قال تعالى: {فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء}).
هذا حكاية لحال الكافرين بعد أن توفاهم الملائكة ومعنى: {فألقوا
السلم}: سالموا وأخبتوا وجاؤا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من
الشقاق والكبر وجحدوا ما وجد منهم من الكفر والعدوان فقالوا: ما
كنا نعمل من سوء.
قوله: (فما معنى تكذيب الله لهم بقوله: {بلى}).
(5/66)
ظاهر كلام المصنف أن بلى من كلام الله تعالى رداً عليهم لأن بلى
إيجاب للنفي فالمعنى بلى كنتم تعملون السوء أي الكفر والعدوان
والبغي والعصيان، وحمله جار الله على أنه من كلام أولي العلم رداً
عليهم وشماتة بهم وهم الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى
الإيمان ويعظونهم فلا يلتفتون إليهم وينكرون عليهم ويشاقونهم نظراً
إلى سياق الآية: {ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين
كنتم تشاقون فيهم} أي تعادون وتخاصمون المؤمنين كأنها مشاقة لله
تعالى، {قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين
الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من
سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون} أي فهو مجازيكم عليه.
قوله: (ولابد من أحدهما).
يعني ولايمكنهم القول بأنها كاذبة فلم يبق إلا أنها صادقة وفيه صحة
ما نقوله.
قوله: (قلنا إذا كان الاختيار الموجب).
يعني على قاعدتهم لأنهم وإن قالوا بتوقف الفعل على اختياره فهو
عندهم واجب عند حصول الاختيار ولازم وجوده معه لامحالة.
فصل في ذكر بعض ما جرى من المناظرات
قوله: (اجتمع أبو العتاهية وثمامة عند المأمون).
هو أبو العتاهية الشاعر الشهير وكان جبرياً وهو الذي طلب المناظرة
وكان ثمامة مزدرياً له وقال له المأمون: عليك بشعرك ثم أذن له
المأمون بذلك ومما نقل أن أبا العتاهية صدف ثمامة بعد هذه المناظرة
فقال له: أما كان لك في إقامة الحجة مندوحة عن البذا؟ فقال ثمامة:
خير الكلام ما جمع الاحتجاج والانتقام.
قوله: (وقيل لأبي الهذيل من جمع بين الزاني والزانية) إلى آخره.
قد حيكت هذه المناظرة على صفة أخرى وهي أن جبرياً قال لعدلي: من
يجمع بين الزانيين؟ فقال العدلي: أبوك. فغضب الجبري. وقال: جعلت
أبي قواداً. فقال العدلي: بؤساً لك تنزه أباك عن ذلك وتنسبه إلى
ربك.
قوله: (فلقن حفصاً حجته).
(5/67)
إنما لقنه النظام لئلا يذكر ذلك من بعد فيظن أن له في ذلك مخلاً
وأراد انقطاعه بالكلية وقد حكي أن النظام لما قيل له: لم لقنته؟
أجاب بهذا المعنى وقال: عرفت أن أبا الهذيل لايفوته جواب.
قوله: (بطرار).
هو الذي ينتهب مال غيره /415/ جهراً ثم يهرب فإن لم يهرب فغاصب،
فإذا كان حفنة من حرز فسارق، ومن غير حرز مختلس.
قوله: (ضحكة).
هو بسكون الحاء وهو الذي يضحك منه.
قوله: (وقال مجبر لعدلي: أرأيت لو كان لي قطعة من الطين) إلى آخره.
هذا مثل ضربه لملك الله تعالى لخلقه وتصرفه فيهم كيف شاء من غير
اعتراض ولا استنكار من أحد.
قوله: (ولكن بشرط ألا يقول لم كانت هذه صحيحة) إلى آخره.
يعني فإذا كان الله في خلقه للإيمان والكفر كمن عمل في قطعته حرة
صحيحة وأخرى معوجة فلم قال للكافر: لم كفرت، كما قال لإبليس: {ما
منعك ألا تسجد} ونحو ذلك لأن هذا يستهجن ممن يجوز عليه النقص فضلاً
عن المختص بصفات الكمال.
قوله: (فقال اذهب فأحرقه) إلى آخره.
يعني وهذا نظير تعذيب الله للكافر على كفره لم لم يخلق فيه غيره
عندكم.
تنبيه
ومن المناظرات في هذا الباب أن قال عدلي لجبري: أكلما أقول وأفعل
من الله؟ قال المجبر: نعم. قال العدلي: فأنا أقول الجبر كفر
والمجبر كافر فبهت المجبر، وسأل عدلي جبرياً عن قوله تعالى: {إن
كيد الشيطان كان ضعيفاً} فقال: أخبرني هذا الكيد فعل اله أو فعل
الشيطان. إن قلت: فعل الله وصفته بالضعف مع كونه القوي الذي
لايغالب، وإن قلت: فعل الشيطان بطل مذهبكم والحق أولى.
فصل في إبطال قولهم بالكسب
قوله: (اعلم أن الكسب والاكتساب) إلى آخره.
يقال: قد سمى الله تعالى فعل العاصي اكتساباً فقال: {لها ما كسبت
وعليها ما اكتسبت} مع أنه لا نفع فيه ولادفع ضرر.
(5/68)
وجوابه: أن فاعل المعاصي لم يفعلها إلا لما فيها من المنفعة
العاجلة بما يحصل فيها من اللذة والنفع الدنيوي ولهذا خصها الله
تعالى بالاكتساب والخبر بالكسب لما كان في لفظ الاكتساب اعتمال
وكانت المعاصي مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمارة به فكانت
في تحصيله أعمل وأجد فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم يكن كذلك في
باب الجبر وصفت بما لادلالة فيه على الاعتمال، ذكره جار الله وقد
أورد على هذا الحد إشكالات أخر.
منها: أنه يستلزم تسمية الفصد والحجامة والجماع وأ:ل الطعام
والقعود عند الإعياء من المشي والاستلقاء للاستراحة كسباً لكونه
أوقع ليستجلب به نفع أو يستدفع به ضرر، وتسميته كسباً غير مسلم لغة
ولاعرفاً.
قيل: فالأولى في حده لغة أنه إعمال الجوارح أو بعضها في طلب عين
يصح تملكها مع الاعتقاد أو الظن لكونها مما ينتفع به واستعماله في
غير ذلك من الأعمال الصالحة والقبيحة مجاز تشبيهاً بالكسب اللغوي.
قوله: (والطيور المخصوصة).
يعني الجوارح لاصطيادها.
قوله: (فهو من الأسماء التي لامسمى لها والخيالات التي ليس لها
حقيقة).
يعني أن معناه ليس بمعقول وقد ذكره المتكلمون في خمسة مذاهب أنها
غير معقولة:
(5/69)
أحدها: ألكسب. وثانيها: ألطبع الذي تزعمه الطبائعية والفطرة
التي ذهبت إليها المطرفية. وثالثها: مذهب النصارى أنه تعالى واحد
ثلاثة. ورابعها: ما ذهبت إليه المجبرة من كونه تعالى يرى بالحواس
لا في جهة. وخامسها: مزية الخالدي التي ذكرها للطاعة مع المعصية
الكثيرة. قالوا: فمن هذه المذاهب ما لايعقل لأن ضرورة العقل تقضي
ببطلانه كمذهب النصارى أنه تعالى واحد ثلاثة لتناقضه، ومنها ما
لايعقل لكونه خارجاً عما تقضي به الدلالة العقلية كمذهب أهل الطبع
والفطرة لأن المعقول من المؤثر إما كونه فاعلاً مختاراً أو معنى
موجباً أو صفة تقتضي ذلك والطبع عندهم ليس من أي هذه. ومنها ما
لايعقل لن الطالب لفهمه قد حرص على فهمه فلم يتمكن من ذلك والطالب
لأن يفهمه الغير حرص على تفهيمه فلم يمكنه أيضاً، وهذا كمذهب
المجبرة في الكسب ويقرب أن القول بالرؤية لا في جهة /416/ من هذا
القبيل.
وكذلك مزية الخالدي وذلك لأن المنكرين للكسب وهم أهل العدل
والجهمية وسائر الفرق المقرين بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله
وسلم غير بقية المجبرة كالمطرفية والخوارج وغيرهم وجميع الفرق
الخارجة عن الإسلام على كفرهم واختلاف مذاهبم وتشتت أوطانهم وشدة
بحثهم عن معناه وحرصهم على فهمه ومناظرتهم في ذلك لم يجدوا إلى
تعقله سبيلاً، وكذلك القائلون به لم يجدوا إلى تفهيمه سبيلاً، ذكر
هذا بعضهم.
واعلم أن القوي والله أعلم أن الكسب بالمعنى الذي أرادوه معقول فإن
وجود الفعل بقدرة الله مقارناً لقدرة العبد مع عدم تأثيرها فيه على
ما حققه الأشعري أمر متعقل وكون الفعل طاعة أو معصية على ما حققه
به الباقلاني أمر متعقل أيضاً وإن كان جعلهم له جهة لاستحقاق المدح
والثواب والذم والعقاب أمر ظاهر البطلان، والفرق هذه المتكاثرة وإن
أنكرته فلأنه لاصحة له لا لعدم تعقله فافهم.
قوله: (مقارناً لقدرة العبد) أي مقارناً لحدوثها.
قوله: (وقال الباقلاني المرجع بالكسب إلى صفة للفعل).
(5/70)
هذا معنى الكسب عنده وقال أيضاً بأن تأثير قدرة العبد هو في هذه
الصفة وأما الإحداث فبقدرة الله تعالى.
قوله: (ولم كان إحدى الصفتين).
يعني الإيجاد وكون الفعل طاعة أو معصية.
قوله: (فما معنى الكسب عند هؤلاء).
يقال: هؤلاء لايثبتون الكسب ولايذهبون إليه.
قوله: (وقال بعض مشيختهم).
قد ينسب هذا القول إلى الجويني، ونسب إلى الغزالي ونسب إلى
الاسفراييني والرازي.
قوله: (فقال لهم أصحابنا).
يعني مبطلين لهذا القول وقد أبطلوه أيضاً بأن قولكم ما وقع بقدرة
محدثة ينبني على إثبات القدرة وإثباتها يترتب على كون أحدنا قادراً
وكونه قادراً ينبني على كونه فاعلاً وهو خلاف مذهبكم وأيضاً فهذا
يقتضي أن يكون للقدرة المحدثة فيه تأثير وهو خلاف ما ذهبتم إليه من
أن الفعل متعلق بالله تعالى إن شاء أوجده مع القدرة وإن شاء أوجده
ولا قدرة.
قوله: (وقال بعضهم الكسب هو ما حله مع القدرة عليه). نسب هذا إلى
الأشعرية.
قوله: (فيلزم ألا يقبح من الباري لو تفرد به لفقد الكسب) لعلهم
يلتزمون هذا.
قوله: (أليس معنى الاستطاعة عندكم) إلى آخره.
فيه نظر لن هذا معنى الاستطاعة عندهم التي هي القدرة لا استطاعة
الحج التي هي شرط فيه فهي غير هذا المعنى لكن القدرة أظهر في كونها
شرطاً ومعناها في التحقيق عندهم ما ذكره.
فصل في شبههم في أن الله خالق لأفعال العباد
قوله: (أشفها ما عول عليه الرازي).
أي أقواها ما اعتمده واستند إليه في تصحيح مذهبهم وقد أوردها ابن
الحاجب ثم أبطلها بأنها تؤدي إلى القدح فيما علم ضرورة لاستلزامها
كون أفعالنا ضرورية.
قوله: (وذلك يقدح في حدوث العالم).
يعني لأن الذي دل على حدوثه هو حصوله مع الجواز فلا بد من مؤثر فيه
وموجد له يرجح وجوده على عدمه.
قوله: (أنه لازم له في فعل الباري).
(5/71)
قال الإمام يحيى: فكما أنه يبطل الاختيار في حق العبد فهو بعينه
يبطل الاختيار في حق الله تعالى لأن طريق الفاعلية واحدة وهذا
بعينه فلسفة محضة، وقول بالموجب وخروج عن الدين فإن قالوا: إن كون
القديم تعالى يجب أن يكون فاعلاً لايخرجه عن حد الاختيار. قلنا:
وكون فاعلية العبد واجبة لاتخرجه عن حد الاختيار.
قوله: (على أصل الجمهور).
أراد لا على أصل أبي الحسين بمتابعته القائلين بأنهما لايفعلان إلا
لداع بناء على اشتراط الداعي.
قوله: (كما سيتضح). يعني في آخر هذا الجواب.
قوله: (لأن أحدنا متى دعاه الداعي إلى الأكل وعنده رغيفان يستويان)
إلى آخره.
هذا ما استدل به الجمهور على عدم اشتراط /417/ الداعي قالوا: لأنه
لو كان الداعي شرطاً في وجوده لكان كما يحتاج إليه في أول الأمر
يحتاج إليه في آخره أيضاً عند فرض الاستواء واعترضه الإمام يحيى
باعتراضات أما أولاً فبأنا لانسلم تماثلهما بالإضافة إليه ولو كانا
في أنفسهما مثلين فربما يعتقد لأحدهما فضلاً على الآخر فيكون هذا
سبباً للعدول عن أحدهما إلى الآخر.
وأما ثانياً فلو تناهينا في التصوير إلى أنهما يستويان من كل
الوجوه فربما يذهب عن أحدهما لاستوائهما في الغرض ويصير الحال كما
لو لم يكن إلا أحدهما.
قال: وأما بالثاء وهو الصحيح فلأن حال القادر ليس كحال الموجب فإن
أثر الموجب متى صح وجب ومتى لم يصح استحال والقادر يفعل أحد
مقدوريه لقصده وداعيه مع استوائهما في كونهما ممكني الوقوع على
سواء فمتى استويا في الغرض فإنه يفعل أحدهما لداعيه من دون أمر
آخر.
فإذا قال السائل: فما الذي يرجح وجود المقدور على عدمه. فمن جوابنا
أنه القادر فإذا قال: فلم وجد في هذا الوقت دون ما قبله وما بعده
ولم اختص بالحصول دون ضده.
(5/72)
قلنا: الفاعل المختار أوجده لقيام داعيه. فمتى قال: فلنفرض قيام
الاعي في كل واحد من الضدين على سواء. قلنا: من ههنا يتميز القادر
عن الموجب فإنا لو جربنا في هذا الموطن على طلب مخصص لأحد مقدوريه
دون الآخر غير كونه فاعلاً مختاراً لألحقناه بباب الموجب وخرج عن
حد الاختيار وهذا يرفع ما عرفناه ضرورة من الفرق بين القادر
والموجب وحصل من مجموع ما ذكرنا أن الفاعل في الأصل مفتقر إلى
الداعي ليبعثه على الفعل وعند فرض الاستواء في الفعلين من كلا
الوجوه يفعل أحدهما دون الآخر من غير أمر وراء كونه فاعلاً
مختاراً.
قلت: وفي كلامه عليه السلام ما يشفي في جواب هذه الشبهة التي
أوردها الرازي ويفتح مقفلها ويحل معضلها.
قوله: (فما باله شاطر عليه ههنا وحرره شبهة).
أي ما الذي خطر بباله أي قلبه حال كونه شاطراً، ولفظة شاطر لم يصح
لنا سماعها فإن كان بالشين المعجمة والطاء المهملة فلعله من شاطرت
فلاناً مالي إذا ناصفته وشاطرت طلبي أي اختليت شطراً أو صررته
وتركت له شطراً، والمعنى أنه شاطر الفلاسفة على ما أوردوه فأخذ
شطراً وجعله شبهة ولكن تعدية هذا المعنى ليست بالواضحة، وإن كان
بالسين والطاء المهملة فلا معنى له لغة يستقيم هنا ويخطر بالبال أن
هذه اللفظة بالصاد الدال المهملتين وإنما وقع ........ الصاد سيناً
.............. صرح بهذا المعنى في القاموس وأشار إليه في الصحاح
والمعنى فما بال الرازي طالب به هنا في تصحيح مذهبه وجهزه شبهة
يتوصل بها....
قوله: (يلزم أن يكون أحدنا عالماً بتفصيل ما اكتسبه).
(5/73)
وجوابهم جوابنا قد فرقوا بينهما بأن قالوا: الكسب يجب مع الصحة
فلا يجب في المؤثر فيه أن يعلم تفاصيل ما اكتسبه بخلاف الحدوث فإنه
لايجب مع لاصحة وإنما يثبت على وجه الاختيار فافترقا وأجيب عليهم
بوجهين أحدهما أن الكسب إذا كان متعلقاً بنا على زعمهم لم يكن بد
من وقوفه على اختيارنا إذ لو لم يكن كذلك لم يصح كونه متعلقاً بنا.
الثاني: أن الكسب إذا كان متعلقاً بنا ومع ذلك لانعلم تفاصيل ما
اكتسبناه لما كان واجباً مع الصحة فهلا قلتم أن أفعالنا حادثة من
جهتنا ولا نعلم تفاصيل ما أحدثناه لأنه يجب مع الصحة.
قوله: (فقد قال بعض أصحابنا معنى المحدث في الغائب إلا من علمه في
الشاهد).
يعني من حيث لايمكن تعقل المحدث في الغائب مع عدم تعقله في الشاهد
وهذا أولى من قولهم أن إثبات المحدث في الغائب ينبني على إثباته في
الشاهد لأنه يقال الاستدلال على إثبات الصانع ممكن من غير طريقة
القياس على المحدث في الشاهد بأن يقال: حصل العالم مع جواز ألا
يحصل وتجدد وجوده /418/ بعد أن لم يكن فلا بد من مؤثر فيه.
قوله: (فهذه التفرقة ثابتة في المتعديات).
هذا جواب يختص الأشاعرة ومن قال بقولهم في نفي الكسب عن المتعديات.
قوله: (لم يشترك في الحاجة إلى محدث معين).
يعني بل إلى محدث ما على سبيل الجملة ويكون الكلام في تعيينه
موقوفاً على الدلالة فإن قامت على أنه الواحد منا قيل به وإن قامت
على أنه غيرنا قضي به.
قوله: (في المعلولات المتماثلات) يعني كصفة الحي بكونه حياً وصفة
العالمية مع إتحاد متعلقها.
قوله: (فالتماثل الحقيقي) إلى آخره.
يعني وأما تماثل الصفات والأحكام فغير حقيقي وإن جرى في كلام
المتكلمين أن صفة الوجود ونحوها من الصفات المتفقة في الأحكام
متماثلة فيجوز لأن التماثل من أحكام الذوات فقط.
قوله: (والقدرة لاتتعلق على التفصيل إلا بمقدور واحد).
(5/74)
أراد بالتفصيل حيث يكون الجنس والوقت والمحل متحدة فإن القدرة
حينذ لاتتعلق إلا بمقدور واحد. قال في التذكرة: لأنها لو تعدت عنه
إلى ما فوقه ولا حاصر لتعلقت بما لايتناهى ولو تعلقت بما لايتناهى
لزم زوال التفاضل بين القادرين وكان يتأتى من الضعيف رفع الجبال
كما يتأتى من القوي الشديد القوة لأنهما على هذا التقدير قد قدرا
على ما لايتناهى على الشرائط التي ذكرناها، وإنما كان كون القدرة
لايتعلق على التفصيل إلا بمقدور واحد علة في عدم جواز الإعادة على
مقدورها لأنا لو جوزنا الإعادة على مقدورها بطل هذا الحكم لأنه
لابد أن يعاد بالقدرة التي وجد بها بعينها، فإنه لايجوز أن يتعلق
بقدرة أخرى ولا قادر آخر، وإلا لجاز مقدور بين قادرين.
وإذا وجب ذلك وقد صح أن مقدورها في كل وقت غير مقدورها في الوقت
الآخر فإن لها في كل وقت مقدوراً على ما هو مقرر في مواضعه وجب لو
صح إعادة مقدورها أن تتعلق القدرة الواحدة بجزء من الفعل على وجه
الابتداء وبجزء آخر على وجه الإعادة فيخرج عن الحكم الذي ذكرناه
ولايمكن أن يقال أنه لايصح أن يوجد بها في ذلك الوقت غير ذلك الجزء
المعاد لأن هذا يقتضي أن لو نفى هذا المعاد ولم يعدم وكانت القدرة
أيضاً باقية ألا يكون لها مقدور في ذلك الوقت أصلاً، وهذا يقتضي أن
تعلقها فيه بمقدور موقوفاً على فناء هذا المعاد وأن تعلقها لايرجع
إلى ذاتها وقد عرفنا خلافه. هذا ما ذكره ابن متويه قال رحمه الله:
وفي المجبرة من جوز إعادة مقدور القدر وهو محكي عن بعض البغداديين
وغيرهم من أهل العدل.
قوله: (فالسؤال لازم لهم في الكسب).
يعني وهم يذهبون إلى أن أحدنا مكتسب لهذه الأفعال ولايقدر على
إعادة اكتسابها.
قوله: (فإن في أفعال الباري تعالى ما يستحيل إعادته).
(5/75)
قلت: بل قد ذهبت الفلاسفة والكرامية وأبو الحسين البصري إلى أنه
لايصح من القديم ولا من غيره إعادة شيء من المعدومات بناء على
مذهبهم في نفي إثبات الذوات في حالة العدم فإذا عدمت صارت نفياً
محضاً غير متعينة في نفسها ولامتميزة في ذات بينها فلا يصح
إعادتها، وإنما يعاد أمثالها ونظائرها ولهذا ذهب أبو الحسين إلى
عدم جواز إعدام الخلقين وجعل الفناء يبدد أجزاءهم كما سيأتي،
والإعادة جمعها حتى تصير على مثل ما كانت عليه من الحياة ونحوها،
وهذا هو القياس الجاري على مذهبهم في نفي الذوات حالة العدم، وأما
الرازي فإنه مع نفيه لثبوتها في حالة العدم قال بصحة الإعادة
ولاسبيل له إلى الجمع بين هذين المذهبين.
قوله: (وهو ما لاينفى والمتولدات).
هذا هو المختار الذي صححه ابن متويه على خلاف فيه فإن أبا هاشم
أجاز إعادة المسبب مبتدأ ثم رجع عنه إلى جواز إعادته بإعادة سببه
وجوز الأشعري إعادة ما لايبقى وزاد أبو علي على ما ذكره فمنع من
إادة ما دخل جنسه تحت مقدورنا وإن كان مبتدأ باقياً من فعل الله
تعالى.
قوله: (إلى أمر يحيل ذلك).
يعني يحيل وجوده في الوقت الثاني من وقت حدوثه.
قوله: (لأنه يكون له في الوجود وجهان). يعني ابتداء وتوليداً.
قوله: (أ، يكون له في كل وقت مسبب).
(5/76)
يعني غير المسبب الذي /419/ تقدم كما يجب في القدرة أن يكون لها
في كل وقت مقدور غير المقدور الذي يختص بالوقت الأول فلو جوزنا
إعادة هذا المسبب بسببه وجب في هذا السبب أن يوجب على وجه الابتداء
جزءاً وعلى وجه الإعادة جزءاً آخر فيلزم تعديه إلى ما لايتناهى كما
قيل مثل هذا في القدرة، هذا إذا كان السبب باقياً وله في كل وقت
مسبب فأما إذا كان باقياً ولي سله إلا مسبب واحد مع بقائه
كالاجتماع فإن سببه التأليف وهو لا يولد إلا تأليفاً واحداً، فإ،ا
نقول: لايصح إعادة مسببه لأن تأثيره إنما هو في مسبب واحد حال
حدوثه وحالة حدوثه قد يغضب فلا يصح مع بقائه تأثيره بإعادة ولابغير
إعادة. وهذا على قول بعضهم.
وإن كان منهم من قال بتوليده في حال بقائه لكن بشرط تجدد التجاور،
وهو الذي اختاره ابن متويه وكذلك الاختلاف في الافتراق وتوليده
للألم بشرط انتفاء الصحة فإن منهم من قال لا يولده إلا في حالة
الحدوث ومنهم من قال يولده في حال البقاء بشرط تجدد انتفاء الصحة
وأما إذا كان السبب غير باق فإعادة السبب حينئذ متوقفة على إعادته
ولايصح لكونه غير باق على ما تقدم فيما لايبقى.
قوله: (أما المبتدأ فلقائل أن يقول) إلى آخره.
ربما يمكن الجواب بأن وجوده في الوقت الثالث أو الرابع مثلاً وإن
لم يلزم منه انقلابه باقياً ولم يحصل فيه هذا المحيل فقد لزم من
صحة وجوده في الثاني لما ذكرنا من أن الوجود لايحيل الموجود وصحة
وجوده في الثاني يلزم منه انقلابه باقياً فقد أدى إلى المحال
بواسطة وما أدى إلى المحال فهو محال، والذي أدى إليه تجويز الإعادة
لما لايبقى فلنترك القول بما يلزم من القول به المحال.
قوله: (وليس ذلك بأبلغ من الفعلين المتغايرين).
(5/77)
يقال: إن الفعلين لايستحيل تعلقهما بقادرين وتجويز تعلقهما
بقادرين لايؤدي إلى محذور بخلاف ما ذكرته فإنا لو قدرنا تعلق أحد
السببين بقادر والآخر بقادر آخر ولامانع من هذا التقدير أدى إلى
كون المسببم قدوراً لقادرين وذلك محال.
قوله: (والجواب منع الجامع) أي بين تعلقها بنا من جهة الحدوث
وتعلقها بنا على سائر صفاتها.
قوله: (ولزوم مثله في أفعال القديم تعالى).
يعني فكان يلزم أن تتعلق به أفعاله تعالى من حيث أنها أشياء وذوات
وحسنة وقبيحة ومعلوم خلافه.
قوله: (وفي الكسب).
يعني فيقال: أليس أنها تتعلق بنا من جهة الكسب عندكم ولايجب تعلقها
بنا من هذه الوجوه التي ذكرتموها ولامن جهة الحدوث.
قوله: (فإنه مما إذا صح وجب).
يعني كونه شيئا صوغرضاً وحسناً وقبيحاً فإن هذه الأشياء تجب عند
صحتها.
قوله: (وتوابعه). يعني توابع الحدوث ككون الكلام أمراً وخبراً ونحو
ذلك مما يتوقف على القصد.
قوله: (منعنا الجامع). يعني لأنه عالم لذاته فهو يعلم مقدار ما فعل
أولاً وثانياً ولايفعل بآلة فيجوز عليها التغير والانضراب بخلاف
الواحد منا.
قوله: (وكذلك يفعل مثل الإرادة والاعتقاد والحركة).
يعني فإنه إذا أراد مثلاً قدوم زيد مرة يمكنه أن يريد قدومه ثانياً
وثالثاً والإرادتان مثلان لتعلقهما بمتعلق واحد على أخص ما يمكن
وكذلك الاعتقاد فإن أحدنا إذا اعتقد أن زيداً في الدار والاعتقاد
مما لايبقى وإنما يجدده وقتاً بعد وقت فهذه الاعتقادات التي يجددها
متماثلة وكذلك الحركات في الجهة الواحدة متماثلة.
قوله: (وكذلك الكاتب الماهر تتساوى حروفه).
وقد نقل أن بعض الماهرين في صنعة التكابة كان يكتب المصاحب على وجه
يقتضي التباس بعضها ببعض حتى قال قاضي القضاة وقد رأى خطه: هذا مما
ينبغي أن تبطل به شبهة المجبرة.
قوله: (على أن السؤال وارد عليهم في الكسب).
(5/78)
يعني فيقال: كاني جب صحة أن يكتسب أحدنا ثانياً كما اكتسب أولاً
فأنتم تجعلون أحدنا قادراً على الاكتساب كما نجعله قادراً على
الإحداث.
قوله: (من حيث قد صار بالعرف اسماً) إلى آخره.
قيل: ولأن إطلاق هذه اللفظة علينا توهم أنا نقدر على خلق الأجسام
والأعراض التي لاتدخل تحت مقدورنا وأنا نخترع أفعالنا /420/ .
قوله: (ونحو ذلك مما ورد في اللغة نحو: خلقت الأديم، هل يجيء فيه
مطهرة.وقول زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ـض القوم يخلق ثم لايفري
قوله: (وأما قوله تعالى هل من خالق غير الله) إلى آخره.
هذا جواب عن تمام لهذه الشبهة تأتي بعد إلزام أن يسمى الواحد منا
خالقاً فيقال: ولايجوز ذلك، لقوله تعالى: {هل من خالق غير الله}.
فصل في شبههم السمعية
قوله: (قد تعلقوا بالمتشابه الذي ذم الله متبعيه).
يعني بقوله تعالى: {وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه
ابتغاء الفتنة} ومعناه: أن أهل البدع يتعلقون بالمتشابه منه الذي
يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لايطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه
من قول أهل الحق طلباً أن يفتنوا لاناس عن دينهم ويضلوهم.
قوله: (وهذه وجوه عامة).
يعني لايختص بإبطال استدلالهم بالسمع في هذه المسألة وقد ذكر
أصحابنا وجهين يختصان بالمنع عن استدلالهم بالسمع على هذه المسألة
وحدها، أحدهما أن صحة السمع تنبني على أن أفعالنا منا لأنه ينبني
على إثباته تعالى قادراً عالماً والطريق إلى ذلك متفرعة على أن لنا
أفعالاً حادثة من جهتنا فكيف نستدل بالسمع على بطلان ما لايصح
السمع إلا بعد صحته.
وثانيهما: أن صحة السمع تنبني على أنه تعالى عدل حكيم ولايثبت أنه
تعالى عدل مع القول بأنه فاعل لأفعال العباد وهي تشتمل على أنواع
القبائح جميعها.
قوله: (وسائر المعاني القديمة).
يعني على مذهبهم.
قوله: (فليسوا بالتأويل أحق منا).
(5/79)
يزاد: بل نحن به أحق لتطابق الأدلة العقلية والسمعية فتناولها
بأن المراد معظم الأشياء وهي ما لايقدر عليه أو لانقدر على الوجه
الذي أوقعه تعالى عليه، ولو لم يكن من موجبات تأويلنا هذا إلا أنها
وردت تمدحاً ولامدح في خلق أفعال العباد المشتملة على القبائح.
قوله: (وقوله أحسن الخالقين).
يعني وفيه دلالة على ثبوت أن غيره يخلق وإلا لم يكن للتفصيل وجه.
قوله: (ومنها له تعالى: {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه}).
وجه تمسكهم بها أن المعنى بل اجعلوا، ومعنى الهمزة الإنكار، وخلقوا
صفة لشركاء. قال جار الله: يعني أنهم لم يتخذوا لله شركاء خالقين
قد خلقوا مثل خلق الله حتىي قولوا قدرها ولا على الخلق كما قدر
الله عليه فاستحقت العبادة فنتخذهم شركاء ونعبدهم كما نعبد من غير
فرق بين خالقوخالق ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لايقدرون على ما
يقدر عليه الخلق فضلاً أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق. انتهى.
قلت: ومن هنا نعرف أنه لاتعلق لهم بهذه الآية وأنها عما نحن فيه
بمعزل وأن جوابي المصنف الأول والثاني فيهما انضراب، ونقصان لعدم
تحققه لمعنى الآية على ما فسرها به المحققون.
قوله: (وهو لايحتمل التأويل).
يقال: كيف جعلته ظاهراً ثم قلت لايحتمل التأويل، وإنما الذي
لايحتمل التأويل ما كان نصاً على أنهم قد تأولوها بالعلم على ما
تقدم.
قوله: (على أن ذلك وارد عليهم في الكسب).
يعني لنسبتهم له إلينا لكنهم يقولون ليس القول بتأثيرنا في الكسب
يقتضي إثبات خالق غير الله بخلاف الإحداث.
قوله: (فنحن قائلون بمقتضى الآية).
يعني إن سلمنا أنها تقتضي نفي كل خالق سوى الله لكنها لاتلحظ إلى
هذا المعنى والله أعلم.
قوله: (لاتعلق لهم في ظاهرها كما تقدم).
يعني لأن ظاهرها أنه خالق لنفسه وللمعاني القديمة التي يثبتونها.
قوله: (ومنها قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون}).
وجه تمسكهم بها أنهم جعلوا ما مصدرية فيكون المعنى وعملكم.
(5/80)
قوله: (أنه أضاف العبادة والنحت) إلى آخره.
يعني في الآية التي قبل هذه وهي: {أتعبدون ما تنحتون}.
قوله: (وردت مورد الانكار والاحتجاج).
أي إنكار عبادة الأصنام المنحوتة والاحتجاج عليهم بأن العابد
والمعبود جميعاً خلق الله فكيف يعبد المخلوق المخلوق /421/ على أن
العابد منهما هو الذي عمل صورة المعبود وشكله ولولاه لما قدر أن
يصور نفسه ويشكلها.
قوله: (أي وما يعملون فيه).
يعني فتكون ما موصولة حذف عائدها وجعل جار الله التقدير: وما
يعملونه أي من الأصنام، كقوله: {بل ربكم رب السموات الذي فطرهن} أي
فطر الأصنام.
قال رحمه الله: فإن قلت كيف يكون الشيء الواحد مخلوقاً لله تعالى
معمولاً لهم حيث أوقع خلقه وعملهم عليها جميعاً.
قلت: هو كما يقال عمل النجار الباب والكرسي، والصائغ السوار
والخلخال، والمراد عمل أشكال هذه الأشياء وصورها دون جواهرها
والأصنام جواهر وأشكال فخالق جواهرها الله وهم عاملوا أشكالها
الذين يشكلونها بنحتهم وحذفهم بعض أشكالها حتى يستوي التشكيل الذي
يريدونه ورجح رحمه الله جعلها موصولة بأن قوله: {وما يعملون} ترجمة
عن قوله: {ما تنحتون} وما في ما تنحتون موصولة لا مقال فيها فلا
يعدل بها عن .... إلا متعسف متعصب لمذهبه من غير نظر في علم البيان
ولا ينضر لنظم القرآن.
قال صاحب ....: قيل استفهام إنكار أي وأي شيء يعملون تحقيراً
لعملهم، وقيل: نافية أي وما تعملون شيئاً، وقيل: مصدرية أي وعملكم.
قال: وهذه وجوه متكلفة.
قوله: (فما معنى قوله: {جعلنا}).
يعني مع أنه إنكار لذلك إذ الهمزة فيه للإنكار.
قوله: (فزعم أن التقدير خلق العجل من الإنسان).
هذا تأويل أبي عمرو، قال صاحب المجيد: وكذا قرأ عبدالله أي طبيعة
من طبائعه. قال: وليس بجيد لأن القلب بآية الشعر.
قوله: (أحدهما أن العجل هو الطين).
(5/81)
قال جار الله: وقيل العجل الطين بلغة حمير. قال شاعرهم: والنحل
البيت. قال والله أعلم بصحته: وصدر البيت: ولانبع في الصخرة الصماء
منبته. والنبع: شجر.
قوله: (ومنه قوله تعالى: {من حمأ مسنون}).
يعني أنه موافق لتأويل العجل بالطين فإن الحمأ أيضاً هو الطين
الأسود المتغير وأما مسنون فقيل معناه مصور من صورة الوجه. وقيل:
مفرغ مصبوب وقيل: منتن.
قوله: (إذا أرادوا المبالغة) إلى آخره.
قال صاحب المجيد: قوله من عجل مبالغة كقوله عليه السلام: (( ما أنا
من دد ولا دد مني )) . وكقوله:
وإنا لمما يضرب الكبش ضرابه ... على رأسه يلقى اللسان من الفم
فجعلهم من الضرب.
قوله: (قال: {وخلق الإنسان عجولا}).
يعني قال الله تعالى والآية الكريمة: {وكان الإنسان عجولا}.
قوله: (ويدل على هذا قوله من بعد: {سأريكم آياتي فلا تستعجلون}).
يعني فإنه لما أراد نهيهم عن الاستعجال وزجرهم قدم أولاً ذم
الإنسان على فرط العجلة وأنه مطبوع عليها.
قال جار الله رحمه الله تعالى: فإن قلت لم نهاهم عن الاستعجال مع
قوله: {خلق الإنسان من عجل}، {وكان الإنسان عجولا} أليس هذا من
تكليف ما لايطاق.
قلت: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يعملها لأنه أعطاه القدرة
التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة. وعن ابن عباس أنه أراد
بالإنسان آدم أنه حين بلغ الروح صدره ولم يتبالغ فيه أراد أن يقوم
وروي أنه لما دخل الروح في عينه نظر إلى ثمار الجنة ولما دخل جوفه
أشهى الطعام وقيل خلقه الله في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب
الشمس فأسرع في خلقه قبل مغيبها وعن ابن عباس أيضاً أنه النضر بن
الحارث قال: والظاهر أن المراد الجنس.
قوله: (لأجل الفشل والتنازع).
(5/82)
الفشل عبارة عن الجبن وضعف الرأي وذلك إشارة إلى ما وقع من بعض
أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم أحد فإنه لما وصل شعب
أحد لقتال المشركين جعل خيل أحد خلف ظهره مستقبلاً للمدينة وأقام
الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا ولاينزلوا عن مكانهم كانت
الدائرة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل الكفار رشقت الرماة قبلهم
وضربهم الباقون /422/ بسيوفهم فانهزموا، وحينئذ وقع التنازع بين
الرتبة المذكورين فمن قائل قد انهزم المشركون فما مقامنا هنا، ومن
قائل: لانخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما نفر
الأكثر منهم لينهبوا ويأخذوا من الغنيمة كر المشركون على الثابتين
وهم عبدالله بن جبير في طائفة لاتبلغ العشرة فقتل عبدالله وأقبلوا
على المسلمين وحالت الريح دبوراً وكانت صبا فهزموا المسلمين فقتلوا
من قتلوا.
قوله: (ويجوز أن يكون المراد بالصرف الأصباب المقتضية للهرب).
هذا هو الأقوى ومن أبلغ الأسباب أن حالت الريح دبوراً وكانت صبا
حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا وهو معنى قوله تعالى: {ثم صرفكم عنهم}
ذكره جار الله.
قوله: (ويجوز أن يكون المراد بالصرف إباحة الهرب).
في هذا الوجه بعد وهو مما ينبو عنه الفهم.
قوله: (والابتلاء لايكون بالمعاصي).
يعني بل يكن بما يفعله الله من صنوف المحن لمتحن صبر من أصابته على
المصائب وثباته على الإيمان عندها.
قوله: (والمراد خلق لنا ماننتفع به).
قال جار الله: معنى لكم: لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم
أما الانتفاع الدنيوية فظاهر وأما الانتفاع الديني فالنظر فيه وما
فيه من عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم وما فيه من
التذكير بالآخرة وثوابها وعقابها لاشتماله على أسباب الأنس واللذة
ومن فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر
الحسنة البهية وعلى أسباب الوحشة والمشقة من أنواع المكاره
كالنيران والصواعق والسباع والأجناس والسموم والغموم والمخاوف.
(5/83)
قوله حاكياً عنهم: (فبين أن الإسلام من جهته).
قالوا: وكل من قال بأن الإسلام من جهته قال بذلك في سائر الأفعال.
قوله: (لاستحالة طلب الحاصل).
لهذا حمله جار الله على أن المراد زدنا إخلاصاً وإذعاناً لك.
قوله: (ومنها قوله تعالى: {وقهم السيئات}).
تمسكوا بها بناء على أن السيئات هي المعاصي وطلبهم لأن نفيهم الله
تعالى إياها دليل على أنه الذي يفعلها ولو صح أنها المعاصي هنا فلا
دلالة فيه على مذهبهم ويكون المعنى أعصمهم عنها والطف بهم في
تركها.
قال جار الله: ألسيئات العقوبات أو جزاء السيئات، فحذف المضاف على
أن السيئات هي الصغائر والكبائر المتوب عنها، والوقاية منها
التكفير أو قبول التوبة، ثم قال: فإن قلت: ما الفائدة في استغفارهم
لهم وهم تائبون صالحون موعودون المغفرة والله لايخلق الميعاد.
قلت: هذا بمنزلة الشفاعة وفائدته زيادة الكرامة والثواب.
قوله: (لأن الإفراغ لايعقل في الصبر).
يعني لأن معناه لغة الصب والإراقة لنحو الماء والدم من المائعات.
قوله: (والثبات أيضاً في الإقدام ليس على ظاهره).
قال جار الله: المعنى وهب لنا ما نثبت به في مداحض الحرب من قوة
القلوب وإلقاء الرعب في قلب العدو ونحو ذلك من الأسباب.
قوله: (على أنه سؤال) إلى آخره.
يعني فلا دلالة على أنه تعالى يفعل فينا الصبر والثبات لأنهم وإن
سألوا ذلك منه تعالى فلا يدل على أنه يفعله لكنه يقال: إن هذا حكاه
الله عنهم في معرض المدح لهم ولم ينكره عليهم ولو سألوا منه تعالى
ما لايصح منه تعالى أن يفعله لم يورده في معرض الثناء عليهم فهذا
وجه تعلقهم به.
قوله: (والفسقة والمجانين).
يعني الذين فسقوا بترك الصلاة وأما المجانين فهو لايتأتى منهم
لتوقفه على قصد القربة وهي غير متأتية منهم.
قوله: (والمعنى الانقياد لما يحدثه ويفعله فيهم).
(5/84)
أي من أفعاله تعالى شاؤوا أو أبوا لايقدرون أن يمتنعوا عليه
ولهذا قال في آخرها: {وظلالهم بالغدو والآصال} أي ينقاد أيضاً له
حيث ينصرف على مشيئته تعالى في الامتداد والتقلص والفيء والزوال.
قوله: (ويهش).
يقال: هش له أي ارتاح وهو بفتح التاء والهاء، على وزن يفعل، بفتح
العين وماضيه على وزن فعل.
قوله: (والمراد اشرح لي) إلى آخره.
قال جار الله /423/: لما أمر يعني أمر الله موسى لأن هذا حكاية منه
تعالى لكلامه عليه السلام بالذهاب إلى فرعون الطاغي عرف أنه كلف
أمراً عظيماً وخطراً جسيماً يحتاج معه إلى احتمال ما لايحتمله إلا
ذو جأس رابط وصدر فسيح ...... ربه أن يشرح صدره ويفسح قلبه ويجعله
حليماً حمولاً يستقبل ما عسى يرد عليه من الشدائد التي يذهب معها
صبر الصابر بجميل الصبر وحسن الثبات، وأن يسهل عليه في الجملة أمره
الذي هو خلافة الله في أرضه وما يصحبها من مزاولة معاظم الشؤون
وجلائل الخطوب، وإذ قد فهمت معنى الآية نوضح لك أنه لامتمسك لهم
بها ولامعنى لإيرادهم لها.
قوله: (والمراد اعصمنا عن ذلك).
أي عن عبادة الأصنام وثبتنا وأدمنا على اجتناب عبادتها، وأما قوله:
{اجعلني مقيم الصلاة} فجوابه يوجد مما تقدم في قوله: {واجعلنا
مسلمين لك} وذلك كقولهم: رب رمية من غير رام. هو مثل من أمثال
العامة ومنه:
فقلت لها أصبت حصاة قلبي ... ورب رمية من غير رام
والمعنى ر بإصابة حصلت من غير بصير بالرمي، قيل: وأول من أرسل هذا
المثل الحكم بن عبد يغوث المنفري واكن أرمى الناس في زمانه فنذر
ليذبحن مهاة على الغبغب فرام ذلك أياماً فلم يتمكن وكان يرجع
خائباً حتى هم بقتل نفسه فسأله ابنه مطعم أن يحمله معه وألح عليه
حتى فعل ومرت مهاتان واحدة بعد أخرى والحكم يرميهما فأخطأهما فلما
عرضت الثالثة رماها ابنه مطعم فأصابها فعند ذلك تكلم الحكم بهذا
فأرسل مثلاً.
قوله: (والقصة أنه عليه السلام أخذ حفنة من التراب) إلى آخره.
(5/85)
فمعنى الآية على ما ذكره جار الله أن الرمية التي رميتها لم
ترمها أنت على الحقيقة لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغ
أثر رمي البشر ولكنها رمية لله عز وجل حيث أثرت ذلك الأثر العظيم
فأثبتت الرمية لرسول الله صلى الله عليه لأن صورتها وجدت منه،
ونفاها عنه لأن أثرها الذي لايطيقه البشر فعل الله تعالى فكأ،ه
فاعل الرمية على الحقيقة وكأنها لم توجد من الرسول أصلاً.
قوله: (ومنها قوله تعالى: {ولولا فضل الله} إلى آخره).
وجه تمسكهم به أن المراد بالفضل خلق الإيمان وعدم خلق الكفر
والمعاصي وهذا غير لازم ولا دلالة في الآية عليه والمراد بالفضل ما
ذكره من إرسال الرسل وإنزال الكتب والتوفيق.
قوله: (الذي هو أخص من النوع).
أراد النوع الذي هو أخص من الجنس لأن الجنس ما اشتمل على مختلف
بالحقيقة كالحيوان مثلاً لاشتماله على الإنسان والفرس والجمل
ونحوها وحقائقها مختلفة وكل من هذه الأشياء المختلفة نوع كالإنسان
مثلاً ونوع الإنسان مثلاً ضروب طويل وقصير وأبيض وأسود ونحو ذلك.
قوله: (وهو المراد ههنا).
ويدل عليه ذكر ذلك عقيب ضرب مثل الحق والباطل بقوله: {هل يستوي
الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور}.
قوله: (ليس في الظاهر أن الدين فطرته).
يقال: بل هو الظاهر فإن المعنى أن الدين الحنيف فطرته التي فطر
الناس عليها ونحن نلتزم ماذكرته من أن كل الناس فطروا على الدين
وإن كان الخصوم لايلتزمونه لما ذكره من أن عندهم أن أكثر الخلق
فطروا للكفر.
قولهك (ولأنه لو كان كما قالوا).
يعني من أن الدين فطرته بمعنى أنه خلقه فينا.
قوله: (لكان قد بدل خلق الله).
يعني مع قوله: {لاتبديل لخلق الله}.
قوله: (هو بمنزلة أن يقول كن طويلاً) إلى آخره.
(5/86)
وذلك لأن معنى فأقم وجهك قوم وجهك له غير ملتفت عنه يميناً
ولاشمالاً، وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته عليه وثباته
واهتمامه بأسبابه فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرقه وسدد عليه نظره
وقوم له وجهه مقبلاً عليه.
قوله: (فالمعنى فطرة الله التي فطر الناس لها) إلى آخره.
يعني ويكون /424/ اللام بمعنى على، كقولهم: صف علي كذا، أي صفه لي،
وكما يرد على بمعنى اللام يرد اللام بمعنى على، كقوله تعالى:
{ويخرون للأذقان} وقولهم: سقط لوجهه.
قال جار الله: المعنى ألزموا فطرة الله أو عليكم فطرة الله وإنما
أضمر به على خطاب الجماعة لقوله: {منيبين إليه} وهو حال عن الضمير
في الزموا، والفطرة الخلقة ألا ترى إلى قوله: {لاتبديل لخلق الله}،
والمعنى أنه خلقهم قائلين للتوحيد، ودين الإسلام، غير نائين عنه
ولا منكرين له لكونه مجاوباً للعقل مساوياً للنظر الصحيح حتى لو
تركوا لما اختاروا عليه ديناً آخر ومن غوى منهم فبإغواء شياطين
الإنس والجن، ومنه قوله عليه السلام: (( كل عبادي خلقت حنفاء
فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري )) .
وقوله: (( كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان
يهودانه وينصرانه )) .
ومعنى لاتبديل لخلق الله: ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو بغير.
قوله: (في حكاية الخبر: إني خلقت عبادي حنفاء). أي مسلمين والحنيف:
ألمسلم.
قوله: (ومنها قوله تعالى: {لنجعل ما يلقي الشيطان فتنة}).
(5/87)
اعلم أنه لابد من ذكر تفسير هذه الآية ليتضح لك كيفية الجواب
عنها وتطلع على معاني جواب المصنف فيها. قال جار الله: السبب في
نزول هذه الآية يعني: {وما أرسلنا قبلك من رسولا ولانبي إلا إذا
تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} إلى قوله: {لنجعل ما يلقي الشيطان}
أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لما أعرض عنه قومه وشاقوه
وخالفه عشيرهت ولم يشايعوه على ما جاء به تمنى لفرط ضجره من
إعراضهم ولحرصه وتهالكه على إسلامهم ألا ينزل عليهم ما ينفرهم لعله
يتخذ ذلك طريقاً إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم فاستمر
به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة النجم وهو في نادي قومه وذلك
المتمني في نفسه فأخذ يقرأها فلما بلغ قوله: {ومناة الثالثة
الأخرى} ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها أي وسوس إليه بما
شفعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط إلى أن قال: تلك
الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى. وروي: الغرانقة، ولم يفطن له
حتى أدركته العصمة فتنبه عليه وقيل: نبهه جبريل عليه السلام أو
تكلم الشيطان بذلك فأسمعه الناس فلما سجد فيها في آخرها سجد معه من
في النادي وطابت نفوسهم.
إذا عرفت هذا فقوله: {لنجعل ما يلقي الشيطان فتنة} معناه أن تمكين
الشيطان من ذلك محنة من الله وابتلاء ازداد المنافقون به شكاً
وظلمة والمؤمنون نوراً وإيقاناً فقول المصنف : المراد بالجعل هنا
الدلالة والبيان، غير متضح وقد نقضه بأن حمل الآية على أن المراد
لنجعل نسخ ما ألقاه الشيطان فتنة للكافرين، والمراد بنسخ ما ألقاه
في قوله تعالى: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} أن يذهب به ويبطله ثم
يحكم آياته أي يبينها.
قوله: (خلى بينهم وبين الشيطان).
يعنيبأن مكنه من الوسوسة بذلك أو النطق به.
قال جار الله: والله سبحانه له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف
المحن وأنواع الفتن ليضاعف ثواب التائبين ويزيد في عذاب المذنبين.
(5/88)
قوله: (إلى قوله: {قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون
يفقهون حديثاً ما أصابك من حسنة فنم الله وما أصابك من سيئة فنم
نفسك وأرسلناك للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً}.
قوله: (وبعد فليس المراد بالحسنة والسيئة الطاعة والمعصية).
قال الله تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات}. وقال: {إن الحسنات
يذهبن السيئات}. والمعنى: وإن يصبهم نعمة من خصب ورخا نسبوها إلى
الله تعالى /425/ وإن تصبهم بلية من قحط وشدة أضافوها إليك،
وقالوا: هي من عندك وما كانت إلا بشؤمك، كما حكى الله عن قوم موسى:
{وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه}، وعن قوم صالح: {قالوا
اطيرنا بك وبمن معك}، وروي عن اليهود لعنت أنها تشاءمت برسول الله
صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالوا: منذ دخل المدينة نقصت ثمارها
وغلت أسعارها فرد الله عليهم: {قل كل من عند الله} يبسط الأرزاق
ويقبضها على حسب المصالح ولاتناقض بين هذه الآية وبين قوله: {ما
أصابك من حسنة فنم الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} لأن معناها ما
أصابك يا إنسان خطأ .... ما من حسنة أي من نعمة وإحسان فمن الله
تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً وامتحاناً وما أصابك من سيئة أي من
بلية ومصيبة فمن عندك لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك كقوله
تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}.
وعن عائشة رضي الله عنها: (( ما من مسلم يصيبه نصب ولا نصب حتى
الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله عنه
أكثر )) .
قوله: (ومنها قوله: فأغرينا).
هذه الآية أتى بها المصنف كذلك والآيتان اللتان بعدها وهي مما يعد
من شبههم في أنه تعالى يضل خلقه ويحمله على نواهيه ويوقعهم في
معاصيه وستأتي شبههم في ذلك ولها بهذه المسألة طرف تعلق فلا بأس
بذكرها ههنا.
قوله: (وعندنا أن الضمير في قوله فاعقبهم عائد إلى التولي والإعراض
والبخل).
(5/89)
قال جار الله: عن الحسن وقتادة أن الضمير للبخل ، يعني فأورثهم
البخل نفاقاً متمكناً في قلوبهم لأنه كان مثبتاً فيه وداعياً إليه
والظاهر أن الضمير لله عز وجل، والمعنى يخذلهم حتى نافقوا ويمكن في
قلوبهم نفاقهم فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا بسبب إخلافهم ما وعدوا
أنه من التصدق والصلاح وكونهم كاذبين ومنه جعل خلف الوعد ثلث
النفاق، وإنما جعل جار الله الضمير لله تعالى وفسره بالخذلان لكونه
جعله مسبباً عن الإخلاف كالعقوبة عليه والله أعلم.
قوله: (والضحك والبكاء قد يقعان معصية).
لا حاجة إلى هذه الزيادة لأن مرادهم الاحتجاج على نسبة أفعالنا إلى
الله معصية كانت أو غيرها وقد حصل غرضهم بنسبة الضحك والبكاء إليه
سواء كانا طاعة أو معصية أو يقعان طاعة في بعض الأحوال ومعصية في
بعضها.
ولهذا قال السيد: حاكياً عنهم قالوا: بين أن الضحك والبكاء من جهته
ومن قال بذلك لم يفصل بينه وبين غيره من الأفعال.
قوله: (والجواب أما البكاء) إلى آخره.
لابد من ذكر حقيقة البكاء والضحك ليتضح لك ما كان من هته تعالى وما
كان من جهة الضاحك والباكي والذي ذكروه في حقيقة الضحك أنه يفتح في
الوجه والأجفان ويقلص في الشفتين عند سرور أو تعجب.
قال ابن متويه: والذي لابد منه حتى يثبت صاحكاً ما يظهر في الحدقة
عند السرور أو التعجب فإن هذا لايخلو عنه أحوال الضاحكين فأما غيره
فقد يخلو عنه، ومتى حصل الضحك من دون سرور أو تعجب فهو متضاحك. قال
بعضهم: والمراد بفتح الأجفان امتداداه إلى مؤخر العين ومقدمها، وإن
تقاربت الأجفان إلى الالتقاء، ولامراد بتفتح الوجه كون جلدته تأخذ
إلى الصابرين وأما البكاء فهو نزول الدمع من العين مع لوعة وحزن
واللوعة والحزن ترجع بهما إلى اعتقادات وظنون لفوت نفع أو نزول
ضرر، ولابد من اعتبارهما فإن الدمع يخرج من عين الأرمل ومن به صدام
ولايكون بكاء.
قووله: (فهومن فعل الله).
(5/90)
هكذا أطلق القول في التذكرة أن البكاء من فعل الله، وكذلك أطلق
السيد كإطلاقه واستشهد على ذلك بعدم وقوفه على القصد والداعي بل قد
يدعو أحدنا الداعي إليه فلا يقع وقد يقع من غير اختيار.
قيل: وفيه نظر لأن الإنسان قد يقف البكاء على اختياره، بل قد قيل
/426/: إن من الناس من يقف البكاء على اختياره من عين دون عين، وقد
يستجلب أحدنا البكاء بأسباب كتذكر الأحزان وتعداد محاسن الموتى.
وجوابه أن ما وقف على اختيارنا من غير تذكر سبب إن صح ذلك فهو من
فعلنا لكن لاينبغي أن يسمى بكاء ولكن هو تباكي، وأما المستجلب
بالتذكر ونحوه فهو من فعله تعالى بعد تذكر الأسباب حيث لايمكن دفعه
وإن كان في الحكم كأنه من جهتنا ويتعلق حكمه بنا من مدح وذم كما في
واضع رجل في النار ونحوه وما أمكن دفعه فهو من فعلنا وحيث يكون
البكاء من العبد فالمراد ما فيه من الاعتمادات والحركات ومن الحزن
واللوعة حيث يكونان ظناً أو اعتقاداً أو علماً غير ضروري، وما كان
منهما علماً ضرورياً فمنه تعالى وكذلك جرم الدمعة وتأليفها فافهم.
قوله: (ويجوز أن يكون المراد خلقه خلقه) إلى آخره.
إلى هذا الوجه لمح جار الله حيث قال: المعنى أنه خلق قوتي الضحك
والبكاء.
قوله: (لأن المراد أنعمت عليهم بالإيمان).
قال جار الله: والذين أنعمت عليهم هم المؤمنون وأطلق الإنعام ليشمل
كل إنعام لأن من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم يبق نعمة إلا
أصابته واشتملت عليه . وعن ابن عباس هم أصحاب موسى قبل أن يغيروا،
وقيل: هم الأنبياء.
القول في المتولدات
(5/91)
هي نوع من الأفعال وما تقدم شامل لها لكن اقتضى إفرادها بالكلام
عليها ما اختصت به من الخلاف ومخالفة بعض العدلية فيها، وإن كان ما
سنذكره من الخلاف غير مقصور على المتولدات وقد اقتضى ذكر المتولدات
للخلاف الذي فيها ذكر حقيقة المتولد وما يقابله وما قرانه وذكر
الأسباب وما يتصل بذلك ولهذا أورد المصنف من ذلك بنداً وهي كافية
في المقام وقد نفى صالح فيه المتولد من أفعالنا.
وقال: الذي نسميه متولداً يفعله الله ابتداء وهو قول الجبرية.
وقال الرازي: لو كان دوران الهوى مع النقل وجوداً وعدماً دالاً على
تولده عنه وجب أن يقتضي مثل ذلك تولد الفعل عن الداعي.
قوله: (وهما يرادفان السبب والمسبب في أغلب الأحوال).
أما المسبب فهو مرادف للمتولد مطلقاً، وأما السبب فيرادف المبتدأ
في بعض الأحوال إذ من المبتدأ ما ليس بسبب كالإرادة ومن الأسباب ما
ليس بمبتدأ.
قوله: (بحسب الخلاف بين الشيوخ).
يعني فعند المتقدمين أن المباشر هو الموجود بالقدرة في محلها مبتدأ
وعلى هذا يكون كل مباشر مبتدأ وعند المتأخرين أنه الموجود بالقدرة
في محلها على ما حققه به المصنف ولايشترطون فيه أن يكون مبتدأ كما
شرطه المتقدمون وعلى هذا لايكون كل مباشر مبتدأ إذ في المباشر ما
هو متولد كالعلم الحاصل عن النظر فإنه موجود بالقدرة في محلها
وكذلك كثير من الأكوان والاعتمادات وعلى هذا يكون بين المباشر
والمبتدأ عموم من وجه وخصوص من وجه، إذ في المبتدأ أيضاً ما ليس
بمباشر وهو ما كان من أفعاله تعالى مبتدأ بغير واسطة، وإلى هذا
أشار بقوله: ولا عكس.
قوله: (لأنها كلها مخترعة).
يعني المبتدأ والمتولد إذ لايفعل تعالى بقدرة ولا يعتبر في أفعاله
محل القدرة ... وقيل: ثم أن المتولد من فعله تعالى لايسمى مخترعاً
وإنما يختص اسم المخترع بالمبتدأ.
فصل والأسباب المولدة ثلاثة
قوله: (والمسببات هي ستة الاعتماد والكون والصوت والتأليف والألم
والعلم).
(5/92)
فالعلم من أفعال القلوب وليس فيها متولد غيره وإ، كان قاضي
القضاة قد ذهب إلى صحة توليد النظر للاعتقاد المطابق الذي ليس بعلم
وما عداه من المتولدات من أفعال الجوارح.
قوله: (اعتماداً مثله وكوناً).
الاعتماد يولدهما مقترنين ولايصح أن يولد أحدهما دون الآخر.
قوله: (وصوتاً). الاعتماد يولده بشرط الصكة.
قوله: (والكون يولد الألم) يولده بشرط انتفاء الصحة.
قوله: (وما هو من جنسه). /427/
يعني اللذة وإنما يفترق هو وهي بحسب مقارنة الشهوة والنفار وكذلك
يولد الكون التأليف بشرط المجاورة فإن كان في أحد المحلين رطوبة
وفي الآخر يبوسة حصل مع التأليف صعوبة التفكيك وإلا فلا.
قوله: (فإنا لانفعلها إلا متولدة).
قيل: وعكسها العلم فإنه لايصح من الله إلا مبتدأ ذكره بعض
المتأخرين المهدي وغيره، والصحيح خلافه لأنهم بنوا على أن الله
تعالى لايفعل النظر لكون شرطه التجويز ولايصح عليه تعالى لكن يقال
لهم: النظر من أجناس المقدورات والله تعالى قادر عليها كلها
والتجويز ليس بشرط إلا في حق الناظر وهو من أمر الله النظر فيه.
فصل
وقد ذهب أبو علي إلى أن الله تعالى لايفعل بسبب وأنه لايصح منه
الفعل على جهة التوليد وخالفه أبو هاشم فقال: يصح أن يكون في فعل
الله تعالى المتولد عن سبب فيكون إيجاده إيجاد سببه.
قوله: (ونحو ذلك).
يعني كإحراق النار بالاعتماد وهو ظاهر وقد قال تعالى في سير السفن:
{وجرين بهم بريح طيبة} فنص على حصول الجري عن الريح ويعضده قوله
تعالى في آية أخرى: {إن يشأ يسكن الرياح فيظللن رواكد على ظهره}.
ومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح فتثير
سحاباً}.
قوله: (لاختصاصه بجهة). يعني فالعلوي يختص بجهة العلو اللازم منه
كالدخان والمجتلب، والصفي يختص بجهة السفل اللازم منه كالثقيل
والمجتلب.
قوله: (شبهته أنه كان يلزم أن يكون لاله تعالى محتاجاً إلا السبب).
(5/93)
قال: لأن حاجة المسبب إلى سببه واجبة لازمة فيلزم إذا أراد الله
إيجاد ذلك المسبب ألا يمكنه ذلك ويتأتى منه إلا بإيجاد سببه فيكون
ذلك محالا لاستلزامه الحاجة عليه تعالى عند إرادة إيجاد المسبب.
قوله: (يصح منه مبتدأ).
يعني فلا يلزم احتياجه تعالى إلى السبب من أجل إيجاد مسببه لأنه
قادر على ما لايتناهى من أمثال ذلك المسبب ابتداء من غير توليد.
قوله: (لأنه أمر يرجع إلى الفعل).
أي يوقفه في الوجود على ذلك السبب واستحالة إيجاده مبتدأ فهو إذن
المحتاج إلى السبب لا الباري سبحانه وتعالى.
قوله: (كالحال في احتياج الغرض المعين إلى محل معين).
يكفي في معارضة ابي علي احتياج الفعل الذي لايصح وجوده إلا في محل
إلى محل ما فكما أنه لايصح من الله تعالى إيجاده إلا في محل ولم
يلزم أن يكون تعالى محتاجاً إلى المحل كذلك لايصح منه تعالى إيجاده
إلا بإيجاد سببه ولايلزم أن يكون محتجاً إلى السب بل عدم الحاجة في
هذا أوضح لصحة إيجاد أمثاله على وجه الابتداء كما تقدم.
ولايصح إيجاد أمثاله في غير محل وسواء قلنا بأن الغرض المعين يحتاج
إلى محل معين أم لا فقد استقامت الحجة على أبي علي.
واعلم أن العلة في احتياج الغرض المعين إلى محل معين أن الحال في
محل لايصح وجوده إلا فيه لأنه لو صح وجوده في محل آخر أو لا في محل
لم يكن تخصيصه بهذا المحل إلا لوجه ولايمكن أن يخصصه به إلا الفاعل
أو المعنى، أما الفاعل فلو أثر في ذلك لصح منه أن يوجده في أكثر من
محل واحد حتى يوجده في محلين ومحال كثيرة بأن يريد ذلك، وقد عرفنا
خلافه.
وأما المعنى فكان يلزم فيه مثل ما لزم في الأل من احتياجه في حلوله
في هذا المحل إلى معنى ويتسلسل هذا ما ذكره أصحابنا، وفي كلامهم
نظر وإطالة الكلام هنا لايليق بهذا المقام.
تنبيه
إذا صح منه تعالى إيجاد الفعل بواسطة سببه فإرادته له تكون عند
إيجاد السبب. فإن قيل: يلزم أن تكون هذه الإرادة عزماً وقد قلتم
لايصح العزم عليه.
(5/94)
قلنا: مقارنة السبب كمقارنة المسبب فهي في الحقيقة قصد لا عزم
وقد جوز بعضهم أن تكون إرادته مقارنة له والأصح هو الأول.
فصل
كل شيء يتولد عن فعل العبد فهو فعله عند جمهور أصحابنا، كما أن
المبتدأ فعله وإن اختلفا في أن أحدهما /428/ بواسطة وبغير واسطة.
قوله: (وقال الجاحظ).
تلخيص مذهبه أن الإرادة من فعل العبد فإنه لا فعل له سواها وجميع
ما عداها من الأفعال المنسوبة إليه متولد لا من فعله بل بطبع المحل
ولاتأثير للعبد فيه ولاتأثير لله تعالى أيضاً فيه.
قيل: والفكر عنده كالإرادة في أنه من فعلنا فهو يقول: ما عدا
الإرادة والفكر.
قوله: (وبه قال النظام) إلى آخره.
تلخيص مذهبه: أن المباشر وهو ما وجد فيم حل القدرة بها سواء كان
بواسطة أم لا من فعلنا، وما خرج عن محل القدرة وهو المتعدي فإنه
فعل الله تعالى لكن لم يفعل ابتداء بل جعله طبعاً للمحل فهو فعله
بواسطة ذلك الطبع وفسره بأن قال: طبع الحجر مثلاً صلاحيته
للإندفاع، وقبوله الذهاب في الجهة إذا دفع فيها برمي أونحوه، وتلك
الصلاحية لما أودعه الله فيه من الثقل وصلابة التأليف فالذهاب هو
فعل الله بواسطة هذا الطبع الذي هو الصلاحية.
قال الحاكم في شرح العيون: وحكى أصحابنا أن النظام رجع عن هذه
الأقاويل الشنيعة، وأما معمر فحكى المصنف عنه ما ذكره في الكتاب
وحكى غيره عنه أنه يذهب إلى أنه لافعل للعبد سوى الإرادة ولافعل
لله غير المتحيزات وما خلى عن ذلك فهو حاصل عن طبع الأجسام، وذهب
صالح قبة إلى أن جمع ما خرج عن محل القدرة فلا تأثير للعبد فيه ولا
لطبع المحل بل هو فعل الله تعالى، وإنما ينسب إلى العبد لوقوعه
بواسطة فعله كالإحراق بالنار عقيب الإلقاء فيها مع كونه من الله
اتفاقاً.
قوله: (وقال ثمامة) إلى آخره.
(5/95)
هكذا نقل عنه وبعضهم ذكر أن مذهبه إنما خرج عن محل القدرة حدث
لامحدث له. قال الحاكم: وقد تأول مشائخنا قوله بأنه أراد به إذا
فعل سبب المسبب خرج عن مقدوره إذ لايقدر على الامتناع منه ولو أراد
هذا لكان صحيحاً والله أعلم بمقاصد القوم.
قوله: (وقال أهل الجبر جميع المتولدات مما ينفرد الله به).
فيه نظر لأن هذا مذهب الأشعرية منهم وأما النجارية وضرار وغيرهم
فلا يقولون بذلك بل قالوا يوجدها الله والعبد يكتسبها كالمبتدأ،
ولامراد ما كان من المتولدات من فعلنا.
قوله: (في الكمية والمطابقة).
يعني فيكثر بكثرة الأسباب التي يفعلها ويقل بقلتها، وتوجد المسببات
مطابقة لها فإنا إذا فعلنا النظر ولد العلم لا غيره، وإذا فعلنا
الاعتماد على شرطه ولد الصوت لاغيره ونحو ذلك.
قوله: (ويبطل قول من علقها بالطبع).
يعني سواء إن قال بأنه مؤثر كالجاحظ أو واسطة كالنظام.
قوله: (إلا أن يريدوا أنه السبب فيقع الخلاف في عبارة).
يعني يكون الخلاف لفظياً، ولاخطأ في مذهبهم إلا من جهة العبارة لن
السبب فعلنا فيكون المتولد من فعلنا كما نقوله.
قوله: (وكذلك يلزم مثله في أصول النعم).
يعني فيجوز أن تكون حاصلة بالطبع وفي ذلك إخراج القديم عن استحقاق
العبادة لأنها كلاشكر على النعم ولايستحقها إلا المنعم بأصول
النعم، ويلزم النظام وأتباعه إضافة القبائح المتعديات إليه تعالى
وبهذا يبطل ما ذهب إليه صالح قبة وأما ثمامة فيبطل ما ذكره أنه قد
تقرر أن المحدث لابد له من محدث وأنه يلزمه تجويز أن يكون العالم
حدثاً لامحدث له، وهذا يؤدي إلى الإلحاد.
قوله: (ولأنه كان يجب اختصاصها بما هي علة فيه).
يعني لأن العلة لاتوجب إلا بشرط الاختصاص.
قوله: (وذلك لايصح إلا بعد وجوده).
يقال: بل اختصاصها به ثابت في حال عدمه وهو نفس التعلق الحاصل
بينها وبين هذا المراد دون غيره.
قوله: (غير محل المراد).
(5/96)
يعني في أغلب الأحوال وإلا فقد يكون محلها محله كالنظر والعلم
إذا تعلقت بهما الإرادة.
قوله: (عند وجود العزم).
يعني لأن العلة تقارن /429/ معلولها والعزم لايكون عزماً إلا مع
تقدمه.
قوله: (وكان لايصح النهي عن المراد بعد حصول الإرادة ولا أن يرجع
المرء عما أراد).
يعني لأن العلة لاتقف في إيجابها على شرط سوى الاختصاص ولايصح
انفكاك معلولها عنها ومعلوم أن المراد يتوقف وجوده على ألا يعارض
الداعي صارف يقاومه أو يزيد عليه وإذا وقعت تلك المعراضة رجع المرء
عما أراده تركه.
قوله: (لم تكن أحدهما بأن تكون سبباً) إلى آخره.
يقال: يلزمك مثل هذا في الكون والألم ونحوهما اولإرادة بكونها
سبباً أولى لتوقف المراد عليها وتأخره عنها وهي متقدمة ولاتتوقف
عليه.
وقد أجيب عن هذا بأنا نعلم السبب سبباً والمسبب مسبباً لكونه يصح
وجود السبب في بعض الأحوال ولايوجد المسبب لمانع وعدم شرط، وفيه
نظر لأن من جعل الإرادة موجبة عدها من الأسباب فيمكنهم الجواب بمثل
هذا.
قوله: (ولأنه كان يجب إذا أراد أحدنا بالكتابة) إلى آخره.
يقال: إن الإرادة وإن كانت سبباً فالسبب قد يتوقف في إيجاب المسبب
على شرط فيكون إيجاب الإرادة للكتابة ونحوها مشروطاًب العلم وذلك
لايقدح في كونها سباً.
قوله: (إن يعرض عارض يمنع من وقوع المسبب).
يعني من عدم شرط أو وجود مانع. توضيحه: أن أحدنا قد يوجد السبب
ويختار ألا يوجد المسبب كمن دفع جرماً بإحدى يديه ومنعه عن النفوذ
بالأخرى.
قوله: (لأن العلل لاتقف في الإيجاب على شرط بخلاف الأسباب).
(5/97)
إنما وجب ذلك لأن العلة لو وقفت على شرط منفصل عن وجودها لأدى
ذلك إلى فتح باب الجهالات فكنا نجوز أن في الجسم عللاً ولاطريق لنا
إليها إذ الطريق إليها ليس إلا معلولها ولعله لم يحصل لتوقفه على
شرط وذلك باطل بخلاف السبب فإنه إن لم يوجد مسببه فالطريق إليه
الصفة التي يوجبها أو الحكم وهو لايقف في إيجابه لها على شرط لأنه
علة فيهما فلا يلزم تجويز أسباب لاطريق إليها.
فصل وأما الكلام على المجبرة
قوله: (فغير لازم).
يعني لا يلزم من كون الفاعل فاعلاً أن يستعمل قدرته في الفعل حال
حدوثه إذ الفاعل ليس إلا من وجد من جهته بعض ما كان قادراً عليه
وهذا ملتزم فيما ذكرتم.
قوله: (ويصح أن يتوب من الإصابة قبل وقوعها).
هذا مذهب الأكثر أنه تصح التوبة من المتولد بعد وجود سببه وإ، لم
يكن قد وجد. قال القاضي: وإذا صحت وجبت لأنها من الواجبات لامصنفة.
قوال عباد: لاتصح التوبة من المتولد إلا بعد وقوعه إذ هي بذل الجهد
في تلافي ما وقع فأما مالم يقع فالواجب تركه لا التوبة منه. ورد
بأن ما وجد سببه ووقع فإنه كلاواقع الموجود نم جهة فاعله لخورجه عن
كونه مقدوراً عند وجود سببه على ما اختاره البصريون قالوا: ولهذا
لايفتقر المسبب إلى بقاء قدرة فاعل السبب ولا إلى حياته.
(5/98)
وأما عباد فقد بنى على مذهبه من أنه لايزال مقدوراً حتى يوجد
كالمبتدأ من غير فرق، ورد بأنه عند وجود سببه لايقف على قصد وداع
بل قد صار واجب الوجود ولو كره فاعل السبب وجوده ومن حق المقدورات
أن تقف على القصد والداعي وقد قال أبو هاشم بمثل مقالة عباد في
مسبب القديم فقط، وذهب إلى أنه لايخرج عن كونه مقدوراً بعد إيجاد
سببه، قال: لأن وقوفه على اختياره باق إذ ما من حالة إلا وهو يقدر
بعضها على منع وجوده بإيجاد ضده بخلاف أحدنا فإنه قد لايقدر
كالرمية بعد نفوذها، وظاهر كلام غيره الإطلاق لأن معنى خروجه عن
كونه مقدوراً هو عدم احتياجه بعد وجود سببه إلى تأثير القدرة، وهذا
حاصل في مسبب القديم تعالى.
إذا عرفت هذا فاعلم أنه لاكلام في وجوب التوبة عن سبب المسبب
القبيح بعد وجوده لقبحه ولو لم يقبح إلا لقبح مسببه.
وأما المسبب فالأولى أن يفصل القول فيه فاقل: إن علم الفاعل أو ظن
وجوده ولم يمكنه منع وجوده بإيجاد أضداده ونحوها وجبت عليه التوبة
تحرزاً من المضار المعلومة أو المظنونة، وسواء قلنا بأن الوجه فيو
جوبها دفع المضار إن صح قول أبي هاشم أنه يستحق العقاب عليه حال
وجود السبب أو منع استحقاق العقاب إن صح قول أبي علي أنه لايستحق
العقاب عليه إلا حال وجوده، وإن أمكنه منع وجوده وجب ذلك عليه
تحرزاً من المضار كما مر، ولم تجب عليه التوبة قطعاً إذ لايجتمع
وجوب ترك الفعل ووجوب التوبة منه وإ، لم يعلم ولايظن وجوده لم يجب
عليه منع وجوده ولا التوبة منه لأن الضرر غير معلوم ولامظنون فلا
يجب التحرز عنه.
قوله: (فاستحقاق الذم) وكذلك استحقاق العقاب فإنه يلازم استحقاق
الذم.
قوله: (قيل وهو أحد قولي أبي هاشم).
وقد قيل أيضاً وهو لاصحيح من قوليه الذي صححه هو.
قوله: (فسببه كبير).
(5/99)
هذا ما ذهب إليه أبو عليوهو وجوب مساواة عقاب السبب لعقاب
المسبب وعنه رواية أخرى وهو أن عقاب السبب دون عقاب المسبب وهو
الذي اختاره أبو هاشم لأنا نعلم بديهة كون قدر قبح الاعتماد المولد
للأصوات التي تألف منها الكذب ليس كقدر قبح الكذب، فإن الكذب قبح
لكونه كذباً والاعتماد قبح لكونه مولداً للكذب وهذان وجهان مختلفان
فلا طريق إلى وجوب تساوي عقابيهما بل يجوز اختلافهما في عظم القبح
لاختلاف وجهيهما ولأن قبح السبب تابع لقبح المسبب فيجب ألا يكون
كمثله، فلا يقطع بكبر السبب كالاعتماد المولد للقتل، ولايحكم عليه
حال الاعتماد بأنه فاسق. والله أعلم.
فصل فيما يجري عليه تعالى من الأسماء بمعنى كونه فاعلاً
قوله: (ومثله الباري).
قال جار الله رحمه الله: الخالق المقدر لما يوجده، والباري المميز
بعضه من بعض بالأشكال المختلفة، والمصور الممثل أي يميز ما بصورة
بتفاوت الهيئات ولا أدري لِم لَم يعده المصنف من أنواع هذه
الأسماء.
قوله: (وأجازوا حنان).
بالتخفيف بمعنى الرحمة كما قال تعالى: {وحناناً من لدنا}.
اعلم أن تقديره ووهبنا له حناناً أي رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفاً
وشفقة أنشد سيبويه:
وقالت حنان ما أتى بك ههنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف
وقيل: حناناً من الله عليه. قال جار الله: وحن في معنى ارتاح
واشتاق ثم استعمل في العطف والرأفة، وقيل لله: حنان. كما قيل:
رحيم. على سبيل الاستعارة وقد بان لك مما ذكر ضعف استشهاد المصنف
بالآية، إذ لم ترد في وصف الله بهذه اللفظة مخففة وإنما هي في
الآية مصدر ومفعول مطلق.
قوله: (معناه فاعل العدل والحكمة).
يقال: أما المحكم فمعناه فاعل الإحكام فهو مأخوذ من الإحكام لا من
الحكمة.
قوله: (وأما الأسماء الجارية عليه تعالى من طريق الاشتقاق).
مفهومه أن ما تقدم ذكره من الأسماء غير مشتقة وليس كذلك ففي كلامه
نظر ولا حجة إلى هذا الكلام الذي أتى به.
قوله: (عند من يجعله معنى).
(5/100)
هو أبو علي، وأبو القاسم، وأبو هاشم لكنه توقف آخراً وقوى نفيه،
وذهب الجمهور أن المرجع به إلى عدم الحياة وزوالها والمراد بالمميت
عندهم ما ذكره المصنف وهو أنه فاعل سببه أي سبب زوال الحياة من
تفريق البنية ونحوه.
قوله: (ومنها المقدر) إلى آخره.
يعني فالمقدر فاعل القدرة والمقوي فاعل القوة، والمعلم فاعل العلم،
والدال فاعل الدلالة.
قوله: (والمعلم هو غير مضعف).
ولاكلام في جواز إجرائه عليه تعالى، وأما المعلم بالتشديد فأجازه
أبو علي من التعليم وهو فعل العلم في غيره كالمحرك والمسكن وقد نطق
القرآ، بوصفه بالتعليم نحو: {ويعلمك الله} /431/ {علم الإنسان ما
لم يعلم}، {خلق الإنسان علمه البيان}.
وقال أبو هاشم: لايجوز إطلاقه عليه وإ، صح معناه لغة إذ هو في
العرف لحرفة مخصوصة كتعليم الصبيان ونحوه واختاره القاضي وقواه.
قوله: (والدليل عند من يجيز إطلاقه).
الذي أجاز إطلاقها أبو علي والقاضي بمعنى أنه خالق الدليل وفاعله
وإن كان مجازاً من قبيل تسمية الفاعل بفعله. وقال أبو هاشم: لايجوز
أن يوصف بذلك لأن الدليل في العرف ما يصح أن ينظر فيه ويستدل به
وذلك يستحيل عليه تعالى فلا يوصف به وأورد عليه وروده في السمع لأن
في بعض الأدعية المأثورة: يا دليل المتحيرين. لكن هذا لايقتضي صحة
إطلاق الإسم عليه بل يقر حيث ورد لكونه مجازاً، وقد ذكر ابن الحاجب
أن الدليل في اللغة الناصب والمرشد وما به الإرشاد، وحينئذ يصح
وصفه به إذا لم يكن فيه إيهام الخطأ كما في سائر الألفاظ المشتركة.
قوله: (فمجاز ومعناه المنور).
قال جار الله: المعنى ذو نور السموات وصاحب نور الأرض ونور السموات
والأرض للحق شبهه بالنور في ظهوره .
قوله: (الهادي والمرشد ونحوها).
يعني كالمتين وما أفاد هذا المعنى.
(5/101)
قوله: (ومنها الخير). أي فاعل الخير الظاهر أنه لمن أكثر من فعل
الخير ففيه مبالغة وكذلك الشرير المكثر لفعل الشر، فمعنى خير ثابت
في حقه تعالى بالنظر إلى لاحقيقة.
قوله: (كقولنا فاضل وصالح).
قال أبو علي: إن الذي منع من وصفه بفاضل هو الشرع وهو الإجماع، ولو
.... وقاعدة اللغة لوصفناه به لحصول معناه في حقه فإنه يفيد المدح
والتعظيم والقديم أهل لذلك لايمنع مساواة خير لفاضل في المعنى مع
امتناع فاضل من إطلاق خي رعليه تعالى، وإنهما يستويان في وصف
القديم بهما على قاعدة اللغة ومنع من الوصف بفاضل منع شرعي دون خير
فنفي خير على الجواز الأصل، ورده أبو هاشم بأن ما ذكرته لايصح فإن
اللغة أيضاً تمنع من الوصف بفاضل لأنه يفيد تجدد أمر لذلك الموصوف
يستحق بسببه المدح والتعظيم.
قيل: وهذا لادلالة عليه ولايفهم من اللغة بل إنما يفيد المدح
والتعظيم وأما أن سببه تجدد أمر أو غيره فخارج عن مفهومه..
قوله: (الرحمن).
هو من أشرف الأسماء وخواصها ولهذا لايجوز إطلاقه على غيره تعالى
وتسمية السورة الكريمة بذلك على معنى السورة التي يذكر فيها الرحمن
وكثير من أصحابنا يجعلونه من قبيل المجاز لأنه من التعطف والحنو
ورقة القلب وعلى تفسير المصنف تكون حقيقة وهو الأولى.
قوله: (ومثله المهيمن).
قال جار الله: ألمهيمن الرقيب على كل شيء الحافظ له مفيعل من الأمر
إلا أن همزته قلبت هاء.
قوله: (وأما السلام) إلى آخره.
قال جار الله: ألسلام بمعنى السلامة ومنه دار السلام، وسلام عليكم،
وصف تعالى به مبالغة في وصف كونه سليماً من النقائص أو في إعطائه
السلامة.
قوله: (فإنه يفيد نوع احتراف). يعني فالحارص اسم في العرب للمستأجر
على الحفظ وكذلك الراعي لمتعهد الغنم ونحوها وحافظها بالنهار.
تنبيه
(5/102)
اعلم أن الأسماء المشتقة من الأفعال لايصح إجراؤها عليه تعالى
في الأزل فلا يقال: هو خالق في الأزل ونحو ذلكن وقد أجازت النجارية
وصفه تعالى بأنه جواد في الأزل قالوا: إذ لو لم يكن جواداً في
الأزل لكان بخيلاً، وهو باطل لأن الجواد فاعل الجود، وهو تعالى غير
فاعل في الأزل فلو كان معنى الجواد نفي البخل. قولهم: لصح وصف
الجمادات وكثير من الحيوانات التي لايتصور منها البخل بالجود وهو
معلوم الاستحالة، وقد ذهبت الكرامية إلى أن صفات الله تعالى كلها
أ.لية سواء تعلقت بالفعل كخالق ورازق ومنعم ونحوها أو لم تتعلق به
وهو مذهب كثير من فرق المجبرة.
القول في أن الله تعالى لايعذب أحداً إلا بذنبه ولايثيبه إلا بعمله
قوله: (اعلم أولاً أن الثواب) إلى آخره.
لما أراد أن يتكلم على حكم للثواب والعقاب وهو أنهما لا يصلان إلى
مستحقهما /432/ احتاج إلى أن يبين أولاً ماهيتهما إذ التصور يتقدم
على التصديق وسيأتي تحقيق أمر هاتين الحقيقتين وحقائق ما اشتملتا
عليه من الألفاظ في الوعد والوعيد إن شاء الله تعالى فإنه بذلك أخص
وأما التعذيب والإثابة فهما إيصال العقاب والثواب إلى الغير.
فصل
ذهب أهل العدل إلى أن الله تعالى لايثيب أحداً إلا بعمله ولايعاقبه
إلا بذنبه، وذهب أهل الجبر إلى ما حكاه المصنف عنهم وتحقيق مذهبهم
تجويز أن يعذب الله من لاذنب له بل من له ثواب كالأنبياء وغيرهم
ويثيب من لاطاعة له بل من له عقاب كالكفرة وغيرهم لأنه مالك فله أن
يفعل في ممالكه ما أراد ولايقبح منه إذ ليس بمأمور ولامنهي والخلاف
في هذه المسألة يترتب على قاعدة التقبيح العقلي.
واعلم أنهم وإن جوزوا هذا فلم يذهبوا إلى أنه يقع مع أنه لازم لهم
لأن عندهم أن جميع أفعال المكلفين طاعاتها ومعاصيها من الله تعالى
فالمطيع وإن أثيب فعلى غير عمله والعاصي إذا عوقب فعلى غير فعله.
قوله: (ويثيب الفراعنة).
(5/103)
والفراعنة ملوك مصر كما أن الأكاسرة ملوك فارس وكان الفراعنة
أهل طغيان ومجاوزة للحد في الكفر والتكبر على الله تعالى كفرعون
موسى.
قوله: (وتعظيم من لايستحق التعظيم قبيح بالضرورة).
يعني التعظيم الكثير، وأما التستر منه فقد جوز الشيخان الابتداء به
في حق من لايستحقه لأنه كالنفع فيجوز الابتداء تفضلاً بالتستر منه
لاذي يقع فيه التسامح وأما قليل الاستخفاف والذم لغير مستحق فأجازه
أيضاً أبو هاشم ومنعه أبو علي وهو الصحيح.
قلت: والصحيح أيضاً على قواعدهم المنع من تستر التعظيم لغير مستحقه
وقياسه على النفع يقتضي جواز الكثير منه لمن لايستحقه كما يجوز
التفضل بالمنافع الكثيرة فالقياس فاسد.
قوله: (يستقبحون قيام الملك في وجه الرجل الدني الوضيع).
هذا أمر لاكلام فيه وادعاء الضرورة في استقباح ذلك لايعد مجازفة.
قوله: (ويستقبحون تعظيم الأجانب كتعظيم الأبوين).
يقال: إنه قد يكون من الأجانب من يستحق من التعظيم أكثر مما يستحقه
الأبوان كالنبي والإمام والسلطان العادل والعالم العامل.
وجوابه: أن المراد الأجانب الذي ليس لهم من الأحوال ما يوجب
التعظيم من نبوة ولا إمامة ولا علم فهو عموم أريد به الخصوص والله
أعلم.
قوله: (لصح التكليف).
يعني لأن الغرض به وهو الوجه في حسنه التعريض لمنافع لاتنال إلا به
فإذا كن إيصالها من دونه حسناً فلا فائدة فيه بل يكون عبثاً.
قوله: (احترازاً من تحمل مشاق الأسفار) إلى آخره.
هذا يشعر بأنه لافرق في كون الضرر ظلماً بين أن ينزله بنفسه أو
بغيره والظاهر أن الظلم مقصور على إنزال الضرر بالغير، وأنه إنما
يذم بنزل الضرر بنفسه لتركه ما هو واجب عليه من دفع الضرر عن
النفس، وإن أطلق الظلم على ما لايتعدى فعلى جهة المجاز كقوله
تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم}.
قوله: (ويدخل فيه أنواع التأديبات والألطاف ونحو ذلك).
(5/104)
أي ويدخل فيما أخرجناه عن كونه ظلماً بقولنا: وجلب نفع لأن في
تأديب الصبيان مثلاً ليتعلموا القرآن أو غيره من فنون العلم أو
ليتخلقوا بالآخلاق الحسنة ويتصفوا بالأوصاف المستحسنة نفع لهم،
وكذلك في إيلام المكلفين لينزجروا عما هم فيه من التهور في المعاصي
والانتهاك للمناهي أو ليكونوا أقرب إلى الطاعات الموصلة إلى أعلى
الدرجات نفع عظيم، وأراد بنحو ذلك جميع ما كان فيه للمضرور نفع
كتكليف الأجير العمل بالأجرة بعد عقد الإجارة فإنه لايكون ظلامً
لما في مقابله ذلك من النفع.
قوله: (لأنه لافرق في حسن إنزال الضرر) إلى آخره.
قال السيد: ألا ترى أنه يحسن من أحدنا أن يكلف ولده الاختلاف إلى
المكتب وإن شق ذلك عليه ولا يكون ذلك منه ظلماً لما كان في مقابلته
نفع /433/ مظنون أودفع ضرر مظنون.
قوله: (ولايكفي ظن الاستحقاق في حسن الضرر كما ستعرف).
يعني على ما سيجيء في موضعه، وهذا مذهب الزيدية وجلة المعتزلة كأبي
علي والقاضي وتلامذته لأن ظان الاستحقاق يقدم على ما لايأمن فيه
عدم الاستحقاق بل يجوز كونه ظلماً والإقدام على ما لايأمن كونه
قبيحاً كالإقدام على القبيح المعلوم حاله في القبح.
وذهب الشيخ أبو هاشم إلى أنه قد يحسن إنزال الضرر لأجل ظن
الاستحقاق محتجاً بورود إقامة الحدود على من قامت لاشهادة عليه
بأنه قذف مثلاً والحد إضرار بالمحدود ولايحصل بالشهادة إلا الظن
للاستحقاق، ولايرد الشرع بخلاف ما يقضي به العقل، ورد كلامه بأن
الشرع إنما ورد بعيداً فليس ثم اعتقاد الاستحقاق ولا أنه عقوبة بل
يفعل ذلك لورود الشرع به، فإن كان مستحقاً فعقوبة وإلا فامتحان
وعوضه حاصل من الله والقرآن وإن ورد بكونه عقوبة ونكالاً فلا بد من
حمله على هذا.
قوله: (وعن كونه كالواقع من جهة المضرور) إلى آخره.
(5/105)
قال السيد: ولو قلت إن هذا الشرط داخل فيما تقدم لصح لأن
المدفوع مستحق أن يرفع بما أمكن وهكذا فلو جعلته داخلاً تحت الشرط
الأخير لصح أيضاً لأن الإتيان عليه وقبله في الحكم من جهة غير فاعل
الضرر.
قيل: ولابد أن يزاد في حد الظلم أو الضرر الذي فيه نفع أو دفع ضرر
أو ظنهما أو أحدهما ولم يقض العقل أو الشرع بحسنه ليدخل في الظلم
إضرار الواحد منا بغيره لنفع يناله أو دفع ضرر أو لظن ذلك فإن هذا
الضرر مع كونه ظلماً غير عار عما ذكر وفيما ذكره نظر من حيث المعنى
ومن حيث اللفظ، أما المعنى فيقال: إن هذا الذي ذكرته ليس بظلم
ولايعرف بالعقل كونه قبيحاً ولا ظلماً وإنما عرفنا قبحه بالشرع
لكونه منهياً عنه، ونحن إنما حددنا الظلم المعروف قبحه عقلاً وأما
من حيث اللفظ فلأنا لو زدنا في الحد ما ذكرته كان لفظه أو مذكوره
في الحد والحدود يتجنب فيها ذلك ويعاب فيها الإتيان به لكن يمكن أن
يجاب عن هذا الأخير بأن (أو) ههنا ليست للشك ولا للتخيير ولا يعاب
في الحدود من لفظة (أو) إلا ما كان كذلك.
فصل
قوله: (ومحكم السمع يطابق ما ذهبنا إليه).
عبارة المصنف هذه تقضي باستواء حاجة أن هذه المسألة ونحوها مما
لايمكن الاستدلال عليه بالسمع لتوقفه على صحتها وقد صرح به بعد كما
صرح به السيد وهو مذهب القاضي وابن متويه وقد قدمنا ما ذكره الإمام
يحيى وهو صحة الاستدلال بالسمع عليها لتقرر قواعد الحكمة من قبل
وهو الأقوى. والله أعلم.
فصل في شبههم
قوله: (وأما الشبه في ذلك فهي أكثر من أن تحصى).
(5/106)
نحو حديث أبي ذر عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم فيما يرىو عن ربه
عز وجل أنه قال: (( يا عبادي إ،ي حرمت الظلم على نفي وجعلته بينكم
محرماً فلا تظالموا )) الحديث بطوله ولا ظلم أعظم من إيصال العقاب
العظيم إلى من لاذنب له وآخر هذا الحديث: (( يا عبادي إنما هي
أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن
وجد يغر ذلك فلا يلومن إلا نفسه )) أخرجه الترمذي.
قوله: (ومثل أوزار الذين يضلونهم).
الأحسن أن يقال: ومثل بعض أوزار الذين يضلونهم لأن من للتبعيض
واعلم أن قوله تعالى: {ليحملوا أوزارهم} اللام فيه للتعليل من دون
أن يكون عرضاً نحو قولك: خرجت من البلد مخافة الشر. والمعنى أنهم
قالوا عندما قيل لهم: {ماذا أنزل ربكم أساطير الأولين} أي أحاديثهم
وأباطيلهم، التقدير المنزل أساطير الأولين وإنما جعلوه منزلاً على
جهة السخرية، وقوله: {ليحملوا أوزارهم} أي قالوا ذلك إضلالاً للناس
وصداً عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فحملوا أوزار إضلالهم
/434/ كاملة وبعض أوزار من ضل لضلالهم، وهو وزر الإضلال لأن المضل
والضال شريكان هذا يضله وهذا بطاعة وعلى إضلاله قبيحاً فلأن الوزر
هذا ما ذكره جار الله بناء على أن من في قوله من أوزار للتبعيض
وبنى المصنف على ما ذهب إليه الأخفش من أنها زائدة، والمعنى: ومثل
أوزار، وقد رد الواحدي أن يكون (من) تبعيضية باستلزماه تخفيف
الأوزار عن الأتباع، وهو خلاف قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( من
غير أن ينقص من أوزارهم شيء )) .
قوله: (وإضافة المصدر) إلى آخره.
(5/107)
يقال: إما أنها في الكثرة كما ذكرت فلا فقد نص أهل العربية على
قلبها، وإما أنها جائزة فلا كلام فيه وبه يحصل الغرض مع أن جعلك
لهذه الآية من قبيل إضافة المصدر إلى المفعول، فيه نظر لأنه إنما
يتصور لو قال: إضلال الذين يضلونهم، وأما إضافة أوزار فليست من هذا
المعنى بل الإضافة لكون الأوزار بسبب الذين أضلوهم والإضافة تكون
لأدنى مناسبة والله أعلم.
قوله: (فله وزرها).
لفظ الحديث: (( فعليه وزرها )) والله أعلم.
قوله: (ولولا هذا لسقط وزر الذي عملها).
يعني مع أنه لايسقط قطعاً اتفاقاً، فقد قال صلى اللّه عليه وآله
وسلم: (( من سن خيراً فاستن به كان له أجره ومثل أجور من تبعه غير
منتقص من أجورهم شيئا ومن سن شراً فاستن به كان عليه وزره ومثل
أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئاً )) .
تنبيه
اكتفى المصنف بجواب هذه الآية عن جواب الأخرى، وهي: {وليحملن
أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} لأن الكلام فيها متقارب والمعني بهذه
الاية صناديد قريش فإنهم كانوا يقولون لمن آمن منهم لا نبعث نحن
ولا أنتم فإن عيسى كان ذلك فإنا نتحمل عنكم الإثم فأ،زل الله
تعالى: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل
خطاياكم وماهم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون وليحملن
أثقالهم وأثقلاً مع اثقالهم} أي أثقال أنفسهم وأثقالاً مع أثقالهم
أي أثقالاً أخر غير الخطايا التي ضمنوا للمؤمنين حملها وهي أثقال
إضلال من كانوا سبباً في ضلاله.
قولهك (نعت للفتنة).
أي وصف لها بأنها غير مصيبة للظالمين وحدهم ويكون مفهومه أنها
تصيبهم وغيرهم.
قوله: (ولاهو خبر لها أيضاً).
يعني فلا يكون التقدير هي لا تصيبن على أن ضميرها مبتدأ مقدر
والجملة المنفية خبره.
قوله: (لأن نون التأكيد لاتدخل في النعت ولا في الخبر).
يقال: أما إذا كان النعت أو الخبر نفياً فقد ورد دخولها في النفي
نادراً تشبيهاً له بالنهي، وأجازه بعضهم واحتج بقوله:
(5/108)
فلا ذا نعيم يتركن لنعيمه ... وإن قال فرطني وخدرشوه أبى
قوله: (وفي المستقبل مع الأمر). هذا الكلام لا معنى له والمثال
الذي أورده دخلت النون فيه لأنه جواب القسم ودخولها فيه لازم.
قوله: (وفي أما).
يعني الشرطية وهي (أن) فزيدت عليها (ما) مؤكدة لمعناها.
قوله: (للفرق بينها وبين التخيير).
لعله أراد للفرق بينهما وبين أما العاطفة أخت أو والذي ذكره
النحويون أن العلة لدخولها في أما الشرطية أنهم لما أكدوا أن بما
رأوا أن تأكيد ما هو المقصود وهو فعل الشرط أولى ولا أدري من أين
أخذ المصنف ما ذكره.
قوله: (وإذا كانت الفتنة تصيب الظالم وغيره) إلى آخره.
قد قيل في معنى الفتنة: هي الذنب. قيل: وهو هنا إقرار المنكر بين
أظهرهم. وقيل: افتراق الكلمة. وقيل: المراد بها العذاب. وقيل:
اختبار وبلية تصيبهم. وقيل: ضلالة وهرج، وقيل: قحط. وتمس المخالف
بها لايكون إلا إذا حملت على أن المراد بها العذاب.
قوله: (على ما قاله بعض النحاة).
هو الفراء إلا أن قول المصنف فيه طرف من النهي أو القسم لم ينسب
إلى الفراء في مظانه ولا حاجة إليه لأن النون يصح دخولها لما فيه
من معنى الجزاء.
(5/109)
قال الزمخشري: وجاز دخول النون المؤكدة في جواب الأمر لن فيه
معنى النهي إذا قيل أنزر عن الدابة لا تطرحك فلذلك جاز لاتطرحنك.
قال في المجيد: ورد بأنه ولو جعلت جواباً للأمر فليس فيه معنى
النهي بل هو نفي محض لأن /435/ تلك الآية وهي قوله تعالى:
{لايحطمنكم} ينتظم فيها شرط وجزاء ولاينتظم هنا إذ لو قلت أن منعوا
{لاتصيبن الذين ظلموا} أفسد المعنى وقد قيل في معنى الآية أن النون
دخلت لأنه جواب قسم مثبت ودخلت اللام في محلها إلا أن اللام أشبعت
فصارت لا والمعنى: والله لتصيبن الذين ظلموا ويؤيده قراءة ابن
مسعود ويغره لتصيبن الذين ظلموا وقد ضعف بأن الإشباع بابه الشعر
وبأن المعنى يختلف فيلتبس، ونقل عن المبرد والفراء والزجاج أنه
نهي، وتم الكلام عند قوله: فتنة. ثم ابتدأ نهي الظلمة خاصة عن
التعرض للظلم فتصيبهم الفتنة لكنه أخرج في صورة نهي الفتنة كما
قالوا لا أرينك هنا أي لاتكن هنا فأراك، فكأ،ه قال واحذروا ذنباً
وعقاباً، ثم قيل: لاتتعرضوا للظلم فيصيب العقاب وأثر الذنب من ظلم
منكم خاصة.
ونقل عن الأخفش الصغير أنه دعا أي لا أصابت الفتنة الذين ظلموا
خاصة واستلزم عدم الدعاء على غير الظالمين أي لا أصابت ظالماً ولا
غيره فكأنه قيل واتقوا فتنة لا أوقعها الله بأحد.
وقد قيل: المعنى لاتفعلوا المعاصي ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر
فإن لم تفعلوا عمكم العذاب. وقيل: عذاب الاستئصال يصيب الظالم
عقوبة وغيره امتحاناً.
قال جار الله: إذا كانت جواباً فالمعنى إن أصابتكم لاتصيبن الذين
ظلموا منكم خاصة ولكنها تعمكم كما يحكى أن علماء بني إسرائيل نهوا
عن المنكر تعذيراً فعمهم الله بالعذاب.
قوله: (ويجوز أن يكون الكلام مضمناً معنى كي) إلى آخره.
هذا لاوجه لجوازه وكان جديراً بأن لايوضع في مثل هذا الكتاب.
قوله: (ومنها قوله: {وإذا المؤودة سئلت}).
(5/110)
حكي في الكشاف أنه قرئ: سألت. أي خاصمت عن نفسها وسألت الله أو
قاتلها والمؤودة البنت المدفونة حية في حال صغرها أو عقيب ولادتها
وكان هذا من أفعال الجاهلية مخافة منهم للفقر أو للعار.
قوله: (وقيل أن المراد بالتبديل إعادة الخلود).
قريب من هذا ما حكاه في الكشاف أنه يجعل التصبح غير تصبح.
قوله: (فلم يرد أنه بدل أصلهما).
فيه نظر والظاهر خلاف ما ذكره وقد قال جار الله: وتسمية البدل
...... لأجل المشاكلة وفيه ضرب من التهكم وهذا يقضي بأن هذين
الجنسين ليسا من الجنان فضلاً أن يكونا من حياتهم.
قوله: (ولأن حياته النبي) إلى آخره.
كلامه هذا يقضي بأن المراد بالفاحشة الزنا، وقال جار الله: المراد
كلما اقترفوا من الكبائر، وقيل: هي عصيانهن رسول الله ونشوزهن
وطلبهم منه ما يشق عليه وما يضيق به ذرعه ويغتم لأجله، وقيل:
الربا، والله عاصم رسوله من ذلك كما مر في حديث الإفك.
قال رحمه الله: وإنما ضوعف عذابهن لأن ما قبح من سائر النساء كان
أقبح منهن فأقبح لأن زيادة قبح المعصية يتبع زيادة الفضل والمرتبة
وزيادة النعمة على العاصي من المعصي فليس لأحد من النساء مثل فضل
نساء النبي ولا على أحد منهن مثل ما عليهن من النعمة والجزاء يتبع
الفعل وكون الجزاء عقاباً يتبع كون الفعل قبيحاً فمتى ازداد قبحاً
ازداد عقابه شدة ولذلك كان ذم العقلاء للعاصي العالم أشد منه
للعاصي الجاهل لأن المعصية من العالم أقبح ولذلك كان فضل حد
الأحرار على حد العبيد حتى أن أبا حنيفة وأصحابه لايرون الرجم على
الكافر.
قوله: (فإذن لاشبهة لهم).
يعني لأنه ليس في العقل ولا في السمع ما يدل على جواز ذلك).
والآيات هذه وإن كان شيء من ظواهرها يوهم الوقوع وهو فرع الجواز
فقد وافقونا في عدمه فلم يبق لهم متمسك.
فصل
(5/111)
قطع أهل الحشو على أن أطفال المشركين يعذبون بذنوب آبائهم ولم
يكتفوا بتجويز تعذيب من لاذنب له بل قطعوا به ههنا، وقد ذهبت
المطرفية إلى أن النقم والبلايا التي تنزل بأولاد الكفار عقوبة لهم
على ذنوب آبائهم أيضاً /436/ وكذالك سبيهم واسترقاقهم ويخرج لهم من
هذا جواز تعذيبهم.
قوله: (قوله كما حكى الله تعالى).
يعني بقوله تعالى: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولايتساءلون} وقوله:
{يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه} ونحو ذلك.
قوله: (وإن صح فأحادي).
يعني وإن اجتمعت فيه شروط الصحة فالمسألة قطعية والآحادي ولو صح
لايفيد إلا الظن فلا يعمل به في مسائل الاعتقاد بل في الفروع
والعمليات.
قوله: (كل نسمة تولد على الفطرة).
قد اختلف أهل العدل في معنى هذا. فقال محمد بن الحسن الشيباني صاحب
أبي حنيفة: المراد بالفطرة الإسلام. والمعنى عنده أن كل مولود يولد
مسلماً وهكذا ذكر السيد المرتضى الإمامي أن الفطرة الإسلام قال:
وقوله على الفطر أي للفطرة، فالمعنى أن كل مولود يولد للإسلام لأن
حروف الجر تتعاقب كقوله تعالى: {ويخرون للأذقان) أي على الأذقان.
وقال أيضاً في موضع آخر: المراد بالفطرة الخلقة الدالة على توحيد
الله وعدله فيكون المعنى يولد على الخلقة الدالة على توحيد الله
وعدله، ذكره الحاكم.
وقد قيل: إن المراد بالفطرة العهد الذي أخذه على بني آدم عند
إخراجهم من ظهر دم بعد نزوله إلى الأرض قبل أن يخرجوا من بطون
أمهاتهم على الصورة التي خلقوا عليها ونقل في ذلك أثر وهو أن الله
تعالى لما خلق آدم أخرج ذريته من ظهره كأمثال الذر ثم قال: ألست
بربكم؟ قالوا: بلى. وأخذ عهدهم على ذلك وعلى التصديق ما جاءت به
الرسل فكل مولود يولد على ذلك العهد إلا أن هذا الخبر غير مصحح عند
أصحابنا.
وقيل فيه إنه من دسائس الملحدة. قيل: ويقرب أنه لامانع من صحة
معناه إن كان مما جتمعت فيه شروط صحة الأخبار.
قوله: (كما قال عرضت بعامر).
(5/112)
الذي في شرح الأصول ويغره لعامر باللام وهو أولى، وقد قيل: على
الاستشهاد بهذا البيت الذي يقع في النفس أن صاحب البيت أراد غير
ذلك لأنه أضاف الطفولة إلى الحرب لاإلى مدد الأعمار ولم يرد بأطفال
الحروب إلا الذين كانوا في أول الدخول فيها والاعتياد وكهل الحرب
وشيخها من كبر مراسه لها وطال انغماسه فيها ومدحهم بكونهم أطفال
الحرب من حيث أن الخبير بمضار الحرب يهابها ويتقي الإقدام ولا كذلك
من لم يعتد ذلك، فإنه قد يجترئ ويشرع في الإقدام لجهله ما يخشى من
ضرها.
قال: وإنما البيت الذي يدل على أن الأطفال يراد بها البلاغ قول
بعضهم:
ويسرع للفواحش كل طفل ... يجر المخزيات ولايبالي
إذ الفاحشة والمخزية لاتسمى بذلك إلا في حق من كان بالغاً.
فصل في ذكر بعض ما يلزمهم
وقد تضمن هذا الفصل طرفاً مما نقل عن الخصوم من المبالغة في مذهبهم
هذا.
قوله: (إن كان لكم عنا).
أي تعب ونصب، أراد إذا كان عنا بالعين المهملة ون كان بالغين
المعجمة فالغنا النفع ولم يصح لنا سماعه والمعنى على كل منهما
مستقيم.
قوله: (إني من إحدى القبضتين).
القبضة بالضم ما قبضت من شيء، يقال: أعطاه قبضة من بر أو سويق أي
كقامته وربما جاء بالفتح.
تنبيه
الأصحاب يذكرون أن العلم بهذه المسألة فرض عين لأن العلم بعدل الله
وحكمته يتوقف على العلم بها وكذلك يأتي في غيرها كمسألة خلق
الأفعال وغير ذلك من مسائل العدل التي هي فرع على مسألة العدل
والحكمة.
القول في القضاء والقدر
قوله: (نحو {فقضاهن سبع سموات}).
أورده السيد ... هذا على معنى الفراغ والإتمام وما ذكره المصنف
أولى لأن اليومين ليسا طرفاً للفراغ بل للخلق وإن جعلا طرفاً
للفراغ بمعنى أنه وقع في آخر ساعة منهما أو في أحدهما فبتأويل.
قوله: (نحو {وقضينا إلى بني إسرائيل}).
(5/113)
قيل: الأجود هنا أن القضاء بمعنى الكتابة لأن القضاء في الآية
ينبغي حمله على معنى يصح أن يعقب بالحرف الذي بعد القضاء ولو كان
المعنى على الإعلام لم يستقم ذلك، إذ لايصح أعلمنا إلى بني
إسرائيل، ولا أخبرنا إلى بني /437/ إسرائيل ويستقيم المعنى إذا كان
كتبنا إلى بني إسرائيل.
قلت: ولامعنى لها فإن اختلاف التعدية بالحروف لايدل على اختلاف
معاني الألفاظ المعداة، وقد حمله جار الله على أن المعنى وأوحينا
إليهم وحياً مقياً أي مقطوعاً مبتوتاً بأنهم يفسدون في الأرض.
وبهذا التفسير تستقيم التعدية بإلى مع استقامة الاستشهاد بالآية
لأن الإيحاء إعلام ومن معاني القضاء تخليص الذمة كقضيته الدين.
ومن معانيه: الحكم. قال تعالى: {وقضى بينهم بالحق} أي حكم وفصل
والذي ذكره السيد من معانيه الإتمام والفراغ والإعلام والإيجاب،
وجعله بدل الأمر مستشهداً عليه بقوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا
إلا إياه} ثم قال: واستعماله في هذه الوجوه لايمنع من أن يكون
حقيقة في بعضها متعارفاً في الباقي كالإثبات فإنه حقيقة في الإيجاد
ثم قد يذكر بمعنى الخبر عن وجود الشيء وقد يذكر بمعنى العلم.
قال بعض الشارحين: أراد حقيقة لغوية وعرفاً لغوياً ويكون مشتركة مع
ذلك إذا كان استعمالهما وسبقهما إلى الفهم على سواء وإلا فالأغلب
أن العرفية تكون أسبق إلى الأفهام واستعمالها أكثر فتكون هي
الحقيقة وتنقلب الحقيقة الأصلية مجازاً كما ذكر في اسم الدابة
والقارورة. قال: ولعله أراد بما هو حقيقة فيه في الأصل الخلق
والتمام وفي غير ذلك عرفية.
قلت: فيه وهم فإن السيد لم يعد الخلق من معانيه.
قوله: (فلم يرد) إلى آخره.
قيل: ويستعمل في الخلق نحو: {وقدر فيها أقواتها} وفي التقليل نحو:
{ومن قدر عليه رزقه} وفيه نظر لأن المراد في الآية الأولى التقدير
لا القدر والمعنى تقدير أرزاق أهلها ومعائشهم وما يصلحهم وفي قراءة
ابن مسعود: {وقسم فيها أقواتها}.
(5/114)
قوله: (وكقوله: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} أي بعلم).
قال جار الله: القدر والقدر والتقدير وقرئ بهما أي خلقنا كل شيء
مقدراً محكماً مرتباً على حسب ما اقتضته الحكمة أو مقدراً مكتوباً
في اللوح معلوماً قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه.
وهذا في الحقيقة يقاربه ما ذكره المصنف.
قوله: (فإن أرادوا به). يعني المخالفين في هذه المسألة وهم
المجبرة.
قوله: (نحو {قدرناها من الغابرين} أي علمنا).
وهذا التقدير لله وحده وإنما أسنده الملائكة إلى أنفسهم لما لهم من
القرب والاختصاص به تعالى كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا،
والغابرين: الذين غبروا في ديارهم أي بقوا فهلكوا، والتذكير لتغليب
الذكور.
فصل
اتفق أهل القبلة على إثبات القضاء والقدر في جميع أفعال العباد
بمعنى العلم والكتابة.
قوله: (واتفقوا على نفيه بمعنى الأمر).
يعني الأمر بكل أفعال العباد وإن كان ثابتاً مجمعاً عليه في بعضها.
قوله: (فأ،كره أهل العدل).
ولإنكارهم له منعوا من إطلاق القول بأن أفعال العباد بقضاء الله
وقدره ولقولهم بثبوته بمعنى العلم والكتابة منعوا أيضاً من إطلاق
نفي كوناه بقضاء الله وقدره وأما المجبرة فلإثباتهم معنى الخلق
أجازوا إطلاق القول بأنها بقضائه تعالى وقدره بل لهم بذلك لهج كثير
بحيث أنه من أحب الأشياء في ألسنتهم فلا يأتي أحد بطاعة أو معصية
إلا قالوا: هي بقضاء من الله وقدر.
قوله: (فقد قال تعالى: {وكان أمر الله قدراً مقدوراً}) إلى آخره.
(5/115)
فهي نظر لأنه يقال ليس يلزم إذا كان أمر الله قدراً أن يكون
القدر أمر الله فلا يلزم إذا كانت المعاصي من القدر أن تكون من أمر
الله لأن هذا عكس ولايجب، ثم أن كلام المصنف يوهم أن المراد بالأمر
ما يأمر الله به وليس كذلك فإن المراد بأمر الله ما يريد أن يكونه
نعم ومما يورد على الجبرية في هذه المسألة أن يقال لهم: من قضى
بعبادة الأوثان والنيران؟ فإن قالوا: الله تعالى كذبهم القرآن، قال
تعالى: /438/ {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}، وإن قالوا: لم يقض
بها تعالى. فهو كما نقول.
وروي أن الحجاج بن يوسف كتب إلى أربعة من العلماء يسألهم: هل
أفعالنا بقضاء الله وقدره أو لا؟ وهم: الحسن البصري، وعمرو بن
عبيد، وواصل بن عطاء، والشعبي.
فأجاب الحسن بأن قال: أتظن أن الذي نهاك دهاك، إنما دهاك أسفلك
وأعلاك، والله برئ من ذاك. قال: ولا أعرف جواباً غير هذا، وهو جواب
أمير المؤمنين.
وقال الثاني: لا أعرف إلا ما قاله أمير المؤمنين: أتظن أن الذي فسح
لك الطريق يلزم عليك المضيق.
وقال الثالث: لا أعرف إلا ما قاله أمير المؤمنين إذا كانت المعصية
حتماً كانت العقوبة عليها ظلماً.
وقال الرابع: لا أعرف إلا ما أجاب به أمير المؤمنين قال: ما حمدت
الله تعالى عليه فهو منه، وما استغفرت الله منه فهو منك. قيل: فلما
بلغ الحجاج ما أجابوا به قال: قاتلهم الله لقد أخذوها من عين
صافية.
فصل في بيان من القدرية
قوله: (وعندهم أنا المعنيون به).
قال السيد: وحكي عن بعضهم أنه قال: إن المعتزلة كانت تلقبنا
بالقدرية فقلبناها عليهم وقد أعاننا السلطان على ذلك.
قوله: (إن الإسم إنما يشتقه أهل اللغة) إلى آخره.
(5/116)
فيه نظر لأن القدري ليس مشتقاً من القدر، وإنما هو منسوب إليه
أو هو اسم القدر زيدت عليه ياء النسبة فما ذكره رحمه الله وهم
والألى في تحرير العبارة ما ذكره السيد رحمه الله في قوله: إن
القدري اسم نسبة. وإن قيل عليه قد أثبتم يا معتزلة القدر لأنكم
تجعلون المعاصي بقدر العبد فصحت النسبة والاشتقاق فأ،تم إذن
القدرية؟ فالجواب: إن هذه ليست من عبارات المعتزلة ولايتولعون بذكر
القدر بخلاف المجبرة.
قوله: (وأكثركم يثبت القدر). يعني عدا الجهمية.
قوله: (على أن الإسم المشتقم من إثبات القدرة قُدري).
يعني المشتق منها على طريق النسبة لأن الإسم المنسوب ليس إلا
المنسوب إليه مع زيادة يائي النسبة. فإن قيل عليه: هذا من يعتبر
النسب كدهري في النسبة إلى الدهر ورازي في النسبة إلى الري. قلنا:
إنما يصح ذلك لو صح أنه منسوب إلى القدرة فصححوه أو لا حتى نحمله
على التعبير.
وقوله بضم القاف كان ينبغي أن يزيد وتسكين الدال.
قوله: (كما يقال نمري لنبي).
وأوضح منه في التمثيل قولهم للخارجي حكمي لولوعه وشدة حرصه على
النطق بلا حكم إلا الله، وقد قرر هذا الوجه الذي أشار إليه بأن
القدري اسم منسوب والنسبة إما أن تكون للقرابة كنسبة الرجل إلى
أبيه أو جده أو أحد قرابته المعروفين كهاشمي وعربي وعلوي، وإما إلى
الحرفة والصناعة نحو باقلاني، وإما إلا البلد التي سكنها هو أو
أبوه أو جده نحو بصري ومكي، وإما إلى كلمة لهج بها وكثر تكريره لها
كماي قال: حكمي للخارجي، ووجوه النسب مفقودة في هذا الإسم إلا هذا
الوجه الأخير وقد نظرنا فوجد الخصوم أولي لهج عظيم وولع كبير بهذا
اللفظ ولايزالون يذكرونه عند كل حادثة تحدث فيجب أن يكونوا
المعنيين به.
قوله: (وأما كونهم شهود إبليس) إلى آخره.
(5/117)
شهادتهم له ومخاصمتهم لله جل وعلا تقديرية وبلسان حالهم وإن
كانوا هم وإبليس في الآخرة أحقر من أن يحاجوا الله بالأباطيل
وينطقوا بالهجر من الأقاويل والمعنى أن هذا يكون قولهم لو قالوا
ونطقوا إنما كانوا عليه من الاعتقاد وهيهات هذا يوم لاينطقون
ولايؤذن لهم فيعتذرون. نسأل الله تعالى النجاة فيه من عذابه.
قوله: (وأما الآثار).
أراد ما أثر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وغيره وإن كان
اصطلاح أهل الحديث أن يخصوا الآثار بما نقل عن غير النبي صلى اللّه
عليه وآله وسلم من الصحابة والتابعين وما نقل عنه صلى اللّه عليه
وآله وسلم عبروا عنه بالأخبار.
قوله: (قام شيخ إلى علي) /439/.
قال الدامغاني في رسالته: اسم هذا الشيخ أزور بن ضرار.
قوله: (ولا علونا) بلغة التلعة ما ارتفع من الأرض.
قوله: (فقال له مه). معناه اكفف عن هذا الكلام واعتقاده.
قوله: (قال ويحك لعلك ظننت قضاء لازماً) إلى آخره.
يقال: فما بال أمير المؤمنين أطلق القول بأن ذلك بقضاء الله وقدره
مع أنكم قد منعتم إطلاقه لإيهامه الخطأ واحتماله المعنى الغير
الصحيح كما سبق إلى فهم هذا الشيخ الذي راجعه.
وأجاب بعضهم بأنه عليه لاسلام يجوز له إطلاق ما لايجوز لنا إطلاقه
لما ثبت بالدلالة من عصمته فلا يجوز للسامع أن يظن به قول الخطأ
ولا اعتقاده فأشبه الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم في هذا الحكم.
قلت: ويمكن أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام قصد بالإطلاق
استخراج المباحثة في هذا المعنى وإشباع الفصل فيه ولو لم .....
الشيخ لما اكتفى بالإطلاق ولا وضح له المعنى من غير سؤال.
قوله: (في حكاية البيت الأول: يوم الحساب من الرحمان غفرانا).
قد روي: يوم النشور من الرحمان رضوانا. ويروى بعد هذين البيتين
اللذين حكاهما المصنف:
نفس الفداء لخير الناس كلهم ... بعد النبي علي الخير مولانا
نفي الشكوك مقال منك متضح ... وزاد ذا العلم والإيمان إيمانا
(5/118)
فليس معذرة في فعل فاحشة ... يوماً لفاعلها ظلماً وعدوانا
لا ولا قائل ناهيه أوقعه فيها ... عبدت إذاً يا قوم شيطانا
فإن صحت هذه الرواية ففيها نص صريح على بطلان ما ذهب إليه المجبرة
وبيان أنهم القدرية وكلامه عليه السلام حجة.
فصل في بعض ما جرى من المناظرات
قوله: (فقالت أوه تركت السنة وتبعت مذهب ابن عباد).
أوّه بفتح الهمزة وتشديد الواو وهي من أسماء الأفعال ومعناها أتوجع
ويقال فيها: أوه. وهي أفصح ومنه قوله:
فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها ... من بعد أرض بيننا وسماء
ولعلها أرادت بابن عباد الصاحب الكافي رحمه الله فإنه كان ذا قدم
راسخة في الاعتزال.
قوله: (ما نقوله في مناظرة آدم لموسى).
إذارة إلى ما ورد في الحديث ورواه البخاري ومسلم في جامعيهما من
رواية أبي هريرة عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (( تحاج آدم
وموسى فقال: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم. قال:
فقال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه أتلومني على
أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني )) أو قال: (( قدره الله علي قبل
أن يخلقني )) قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( فحج آدم موسى ))
وقد ذكر بعض محققي محدثي أصحابنا ما معناه أن موسى لم يلم آدم على
نفس المعصية بل على ما أفضت إليه من الخروج عن الجنة وهي أعظم
المصائب والتسلي بالأقدار في المصائب حسن اتفاقاً وإنما القبيح
التسلي بالقدر في الذنوب إجماعاً ودليل حسن الألو قوله تعالى: {ما
أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم} الآيتين، توضيح ذلك: أن
موسى لم يصرح بالإنكار على آدم إلا في نفس الخروج من الجنة
والانتقال من الراحة إلى التعب، وأما نفس المعصية فلم ينكر عليه
فيها وكيف ينكرها وقد تاب عنها وهذا توجيه حسن والله أعلم.
قوله: (إذن مثلنا).
يعني في فعل الله تعالى المعصية فينا وقضائه بذلك علينا وما يجب
علينا من التوبة عن ذلك والندم عليه وإبلاغ الجهد في الاستغفار
منه.
(5/119)
قوله: (إننا نوافقه).
هذا تقرير لموافقة مذهب المجبرة لمذهب المجوس لكون المجوسي ادعى أن
المجوسية من الله تعالى وهكذا مذبهم.
قوله: (حاكياً عن بعضهم يدل على أن يوسف كان قدرياً).
يعني أن مذهبه كمذهب المعتزلة لأنهم القدرية عندهم.
فصل في شبههم في هذه المسألة
قوله: (وسلف ما هو جواب عنها).
يعني من أنه لو كان ذلك عذراً لآدم لكان ذلك عذراً لجميع العصاة
لما كان لله /440/ على الناس حجة.
قوله: (فقلل الكفار في أعين المسلمين ليجتروا عليهم).
قال جار الله: قللهم تصديقاً لرؤيا رسول الله صلى اللّه عليه وآله
وسلم وليعاينوا ما أخبروا به فيزداد يقينهم .... ويثبتوا. قال ابن
مسعود: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين.
قال: أراهم مائة. فسألنا رجلاً منهم أسرناه. فقال: كنا ألفاً.
قوله: (وقلل المؤمنين في أعينهم) إلى آخره.
روي أنه تعالى قللهم حتى انتهى الحال إلى أن قال قائل منهم إنماهم
أكلة جزور، وكان هذا التقليل قبل اللقاء ثم كثر المؤمنين في أعينهم
لتفجأهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا حين يرون مالم يكن في حسابهم.
قال جار الله: والطريق التي بها يبصرون الكثير قليلاً أن يستر الله
بعضه بساتر أو يحدث في أعين الرائين ما يستقلون له الكثير كما أحدث
في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين.
قوله: (وهو من الألفاظ المشتركة).
قيل بين القول المخصوص والفعل، وقيل: أنه مشترك بين الصيغة والشأن.
يقال: هو في أمر أي في شأن، والغرض نحو فعليه لأمر وجهه التأثير
نحو تحرك الساكن لأمر.
قوله: ( لايقتضي ذلك أن يكون قد وجد في تلك الحال).
يعني تأويل رؤيا صاحبي السجن من قتل الخباز وكون الساقي يسقي ربه
خمراً.
قوله: (والمراد بالقضاء هنا) إلى آخره.
قال جار الله: المعنى قطع وتم ما تستفتيان فيه من أمركما وشأنكما.
قوله: (والجواب إنما يقتضي ظاهرها) إلى آخره.
(5/120)
فيه نظر لأن كلامه إنما يصح على قراءة بعضهم بالرفع في كل وجعل
خلقناه وصفاً لكل.
وقوله: (يقدر هو الخبر).
ويكون المعنى حينئذ أن كل شيء خلقناه فهو بقدر ، وأما إذا جعلنا
خلقناه هو الخبر وبقدر حالاً فمع تقدير كونه خبراً لايصح ما ذكره
بل يكون المعنى أنه تعالى خلق جميع الأشياء بقدر، وكذلك على قراءة
الجمهور بالنصب فالظاهر معهم لأن خلقناه يكون حينئذ مفسراً قطعاً
لا وصفاً.
قال ابن جني: وقراءة الرفع هو الوجه في العربية يعني لعدم قرينة
ترجح النصب فنختار الرفع بالابتداء.
قوله: (وإنما يستعمل في معان) إلى آخره.
الأقوى والله أعلم أن الكتابة على ظاهر معناها في جميع الآيات
الكريمة ولكنها مستلزمة للعلم والمعنى بقوله: {كتب عليكم الصيام}
كتب عليكم وجوبه وكذلك سائرها.
قوله: (من الثواب والنصر).
هما الحسنيان المذكورتان في الآية الكريمة.
قوله: (ومنها قوله: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} تمسكهم بهذه
الآية في إثبات القضاء والقدر بمعنى الخلق غير متضح.
قوله: (وبعد فقد قال بكفرهم ففسر معنى الإشراب) إلى آخره.
فيه نظر لن المعنى أشربوا في قلوبهم العجل بسبب كفرهم. ذكره جار
الله فليس الكفر هو الإشراب بل سببه ولو صح ما ذكره لكان يفوته
لمتمسك الخصم بالآية.
قوله: (وأيضاً فكيف يعاقب الله) إلى آخره.
يعني لن الإشراب سببه الكفر وهو في نفسه معصية فكيف يجعل عقاباً
على الكفر.
قوله: (والمعنى).
قال جار الله: المراد أنه بداخلهم حبه والحرص على عبادته كما بداخل
الثوب الصبغ.
قوله: (على هذه الصيغة). أي صيغة مالم يسم فاعله.
قوله: (مع جواز أن يرد على خلاف هذه الصيغة).
(5/121)
يعني كما ورد في قراءة بعضهم {سَقط في أيديهم} قال الزجاج معناه
سقط الندم في أيديهم أي في قلوبهم وأنفسهم، وأما ولما سقط بصيغة
المجهلو فالمعنى لما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل لأن من
شأن من اشتدت ندامته أن يعض يده غماً فتصير يده مسقوطاً فيها لأن
فاه قد وقع فيها وهو من باب الكناية، وكذلك فإن ألقي الشجرة يصح أن
يستند مثله إلى الفاعل الحقيقي بأن يكون الملقي غير الملقى فيسند
الفعل إليه، ومعنى الآية الكريمة أن الشجر خروا سجداً كأنما ألقاهم
ملقٍ لشدة /441/ خرورهم وعدم تمالكهم عندما رأوا.
قوله: (ونحو ذلك مما هو صحيح في حقه). يعني من معاني القضاء كالأمر
بالطاعات منها وإيجاب بعضها.
قوله: (هذه سبيلها). يعني كونها تستعمل في معان بعضها يصح عليه
تعالى وبعضها لايصح في حقه فإنه لايجوز إطلاقها عليه تعالى بإثبات
ولانفي لأنا إن قلنا أن اللفظة المشتركة إذا خلت عن القرائن حملت
على جميع معانيها فظاهر امتناع الإثبات والنفي وإن قلنا لاتحمل على
معانيها كلها بل يتردد فيهم السامع بينها ويكون اللفظ مجملاً ففيه
إيهام الخطأ وتعريض له وتعرض للتهمة.
القول في الهدى والضلال
قوله: (الهدى يستعمل) إلى آخره.
قيل: ألصحيح أن الهدى ليس بلفظة مشتركة وإنما هو حقيقة في الدلالة
والبيان لتبادر الفهم إليها عند الإطلاق واستعماله في غيرها مجاز.
قوله: (نحو {سيهديهم ويصلح بالهم}) أي حالهم وشانهم.
قوله: (في قصة المقتولين بشبرا) إلى قوله: (والذين قاتلوا في سبيل
الله) وقد روي: قتّلوا بالتشديد. قال قتادة: نزلت في يوم أحد.
قوله: (أي لو أنجانا لأنجيناكم).
(5/122)
هذا من كلام الذين استكبروا للضعفاء يوم القيامة. قال في
الكشاف: وإنما قالوا هذا القول إما ..... الذنب في ضلالهم وإضلالهم
على الله كما حكى الله عنهم. وقالوا: {لو شاء الله ما أشركنا}
الآية، {ولو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} يقولون ذلك في
الآخرة كما كانوا يقولونه في الدنيا ويدل عليه قوله تعالى حكاية عن
المنافقين: {يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم
ويحسبون أنهم على شيء}. وأما أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف
فلطف ربنا بنا فاهتدينا لهديناكم للإيمان، وقيل معناه: لو هدانا
الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم أي لأغنينا عنكم وسلكنا بكم
طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة.
قوله: (كقوله: ما زال يهدي قومه ويضلنا.. ألبيت).
يعني فإن معناه يحكم على قومه بالهدى ويسميهم مهتدين وعلينا
بالضلال ويسمينا ضالين. وقوله: يضلنا في البيت مضارع أضلنا
فالاستشهاد به مستقيم.
قوله: (فقد يكون لازمه).
أي لايقف فهم معناها على متعلق كقام وقعد.
قوله: (وقد تكون متعدية).
أي يقف فهمها على متعلق كضرب وشاهد، ما ذكره من ضل فلان الطريق
والدار، وأما ضل عنهما فليس متعدياً وإنما هو لازم عدي بعن ففي
كلامه نظر.
قوله: (وكقول الكميت)
هو شاهد على أن أفعل ترد بمعنى الحكم والتسمية وإ، لم يكن فيه لفظة
أضل.
قوله: (كما يقال أحبنته وأنحلته).
شاهده قول عمرو بن معدي كرب يخاطب مجاشعاً: لله دركم يا بني سليم
قاتلناكم فما أحبناكم وسألناكم فما أ،حلناكم وهاجيناكم فما
أقحمناكم. أي ما وجدناكم على هذه الصفات الذميمة.
قوله: (وعليه حمل قوله تعالى: {وأضله الله على علم}).
ممن حمله على ذلك الإمام يحيى وأما جار الله فحمله على أن المعنى
تركه عن الهداية واللطف وخذله على علم أي علماً بأن ذلك لايجدي
عليه وأنه ممن لا لطف له أو مع علمه بوجوه الهداية وإحاطته بأنواع
الألطاف المحصلة والمقربة.
قوله: (كقوله تعالى: {يضل به كثيراً}).
(5/123)
يعني فإنه نسب الإضلال وأضافه إلى نفسه لفعله ما وقع الضلال
عنده وهو ضرب المثل. قال جار الله: وإسناد وهداهم.
قوله: (وإ، جاز) إلى آخره.
هذا بناء على أن الضمير للقرآن وما ذكره الله .... أوضح وأرجح.
قوله: (وقوله: {ليضل عن سبيله} بالضم).
يعني على قراءة الضم فإن بعضهم قرأه بالفتح ولاحجة فيه، ويقال:
ولاحجة في /442/ الضم أيضاً فإنما هو متعد إلى مفعول واحد مقدر أي
ليضل الناس وأما سبيله فإنما يتعدى إليه بحرف فافهم، وكذلك قوله:
{إن كاد ليضلنا عن آلهتنا}.
فائدة
ذكر الإمام يحيى من معاني الضلال العقوبة كما قال تعالى: {إن
المجرمين في ضلال وسعر} ويشهد له قوله تعالى: {يوم يسحبون في النار
} الآية، وهكذا قوله تعالى: {بل الذين لايؤمنون بالآخرة في العذاب
والضلال البعيد}، والهلاك والنفاد كقوله تعالى: {أئذا ضللنا في
الأرض إنا لفي خلق جديد} معناه هلكنا ونفدنا وتبددت أجزاءنا.
والنسيان كقوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}.
والذهاب عن الشيء والغفلة عنه نحو: {ووجدك ضالاً فهدى} أي وجدك
غافلاً عما أراد لك من الكرامة بالنبوة.
فصل
قوله: (ذهب أهل العدل إلى أن الله تعالى لم يضل عباده عن الدين).
في قول المصنف: أهل العدل. إشارة إلى أن الإضلال عن الدين ينافي
العدل ولايجامعه فلهذا نفاه من قال بالعدل.
قوله: (وقالت المجبرة) إلى آخره.
قال الإمام يحيى عليه السلام: اعلم أن المجبرة على طبقاتهم ذهبوا
إلى أن الله تعالى قد أضل أكثر الخلق عن الدين وصدهم عن منهاج
الطريق المستبين وأ.لهم عن السبيل وليس عليهم وجه الدليل وتهالكوا
في إظهار ذلك حتى قال قائل منهم: إن الله تعالى هو إبليس إبليس،
ومصدر كل ضلالة وتلبيس، تعالى الله عن مقالتهم وشنيع جهالتهم.
قوله: (لاخلاف بيننا وبينهم) إلى آخره.
(5/124)
يعني لحصول الإجماع على أن الله تعالى لا يكلف ما لايعلم أما
عند أهل العدل فلقبحه وأما عندهم فلأنه غير متصور فلا يصح استدعا
حصوله.
قوله: (فلا يصح أن يجامع التكليف).
يقال: أما الإضلال الذي هو خلق الضلال فيحص مجامعته للبيان إذ ليس
البيان يمانع من خلقه وأما التلبيس فنعم لايجامعه ولكنه يغر متعقل
على مذهبهم لأنه تعالى إذا كانا فاعل الإيمان والكفر والطاعة
والمعصية فلا معنى للتلبيس ولاحكم له.
قوله: (ولهذا قال شعيب: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما نهاكم عنه}).
معنى الآية: ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي أ،هاكم عنها
لأستبد بها دونكم.
قوله: (وقال: {هدى للناس}).
يعني فأخبر بأنه أ،زل القرآ، لهداية الناس لأنه تعالى قال: {شهر
رمضان الذي أنزل فيه القرآ، هدى للناس}.
قوله: (وقال: {فإما يأتينكم مني هدى}).
أراد تعالى برسول أبعثه إليكم وكتاب أ،زله عليكم يدل عليه قوله
تعالى: {فمن اتبع هداي} وقال في مقابلته: {والذين كفروا وكذبوا
بآياتنا}.
فإن قيل: لادلالة في الآية على حصول الهداية لأنه أتى في الآية
بلفظ الشك.
قلنا: ليس المراد أن إتيان الهدى إليهم مشكوك فيه فإنه كائن
لامحالة وإنما أتى بحرف الشك إيذاناً بأن الإيمان به وتوحيده
لايشترط فيه بعثه الرسل وإنزال الكتب لتركبته فيهم العقول ونصبه
للأدلة العقلية وتمكينه من النظر والاستدلال.
قوله: (وقال: {قد جاءكم بصائر من ربكم}).
ووجه التمسك بهذه الآية أن البصيرة نور القلب الذي يستبصر به كما
أن البصر نور العين الذي به يبصر، والمعنى جاءكم من الوحي والتنبيه
ما هو للقلوب كالبصائر.
قوله: (وقال: {وعلى الله قصد السبيل}).
وجه التمسك بها هنا أن المعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق
واجبة عليه كقوله: {إن علينا للهدى}.
قوله: (وقال: {أفمن يهدي إلى الحق}).
(5/125)
يعني بعد قوله تعالى: {هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله
يهدي للحق} فإنه تعالى أخبر بأنه يهدي إلى الحق وأنكر هداية الذين
أثبتوهم شركاء له إلى الحق وقرر أن من يهدي إلى الحق وهو الله
سبحانه أحق بالاتباع.
قوله: (وقال: {أو يقول لو أن الله هداني}).
يقال: هذه الآية حجة عليك لا لك لن الله تعالى أخبر عن نفس الكافر
أنها تقول عند معاينة العذاب لو أن الله هداني لكنت من المتقين
نفياً لحصول الهداية وتحسراً على عدمها فإذن هذه الآية مما ينبغي
للخصوم أن يوردوها.
وجوابه: ما ذكره جار الله أنه لايخلو إما أن يريد به الهداية /443/
بالإلجاء وبالألطاف أو بالوحي فالإلجا خارج عن الحكمة ولم يكن من
أهل الألطاف فيلطف بهم، وأما الوحي فقد كان ولكنه أعرض ولم يتبعه
حتى يهتدي وإنما يقول: هذا تحيراً في أمره وتعللاً بما لايجدي عليه
كما حكي عنهم التعليل بإغواء الرؤسا والشياطين ونحو ذلك ونحوه: {لو
هدانا الله لهديناكم} وقوله تعالى: {بلى قد جاءتك آياتي} رد عليه
منه تعالى والمعنى قد هديت بالوحي فكذبت به واستكبرت عن قوله وآثرت
الضلالة على الهدى، ومنه قوله تعالى: {أتريدون أن تهدوا من أضل
الله} أي صار ضالاً.
قوله: (وأمثال هذا كثير). صوابه: كثيرة.
قوله: (فدليلها أنه تعالى أضاف الإضلال بالمعنى المختلف فيه إلى
غيره).
(5/126)
يقال: ليس في إضافته له إلى غيره ما يدل على أنه لايفعله.
وجوابه: أن الخصوم ذهبوا إلى أن الإضلال بالمعنى المختلف فيه صادر
جميعه منه تعالى فإذا نسبه إلى غيره بطل ما ذهبوا إليه من أنه
المتولي لذلك إلا أن قوله تعالى: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين}
لاحجة فيه لأن المعنى أنهم اتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت
الشياطين تقرأها على عهد ملك سليمان وفي زمانه ولا دلالة على أن
الشياطين الذين حملوهم على ذلك وكذلك قوله: {وما كان الله ليضل
قوماً بعد إذ هداهم} لا حجة فيه لأنهم يقولون أما من هداه فنعم
لكنه يضل من لم يهده وفي سائر الآيات كفاية في الدلالة على
المقصود.
فصل في شبههم
قوله: (وقد قدمنا أنه لايصح لهم الاستدلال بسمع قط).
يعني لتجويزهم القبيح عليه تعالى ومع ذلك فما يؤمنهم أنه تعالى لم
يرد بخطائه معنى من المعاني المفهومة بل يتكلم به على جهة الهدر
واللعب أو أراد به معنى ..... بعلمه في الأزل ولم يجعل لنا إلى
العلم به سبيلا، أو يقال: أراد به معنى غير ما ذهبتم إليه.
قال الإمام يحيى: وكفى بهذا المذهب شناعة على قائله ومما يقال لهم
هنا: قد دل الدليل العقلي على أنه تعالى لايجوز أن يضل عباده
ولادليل لكم على الإضلال إلا هذه الآيات التي تمسكتم بها والأدلة
العقلية لاتحتمل التأويل ولايجوز احتمالها للخطأ وإلا لزم من تجويز
الخطأ فيها تطرق احتمال الخطأ إلى الكتاب والسنة لأنه لايمكن القطع
بكون الكتاب والسنة حجة إلا بالعقل والقدح في الأصل يتضمن القدح في
الفرع، وأما الآيات السمعية فيمكن تأويلها وحمل الكلام على المجاز.
قوله: (ليس فيه تصريح بمحل النزاع الذي هو خلق الإضلال) صوابه: خلق
الضلال، ولعله من سهو القلم.
قوله: (والمعنى هنا يهلك من يشاء).
(5/127)
قال الإمام يحيى: المراد العقوبة يشهد له سياق الآية من قوله
تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء
ويهدي من يشاء}، {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}، ولو كان كما زعموا
من خلق الكفر والضلال في الكافر لكان لامعنى لقوله تعالى: {إن الله
عليم بما يصنعون}، فإنها وردت للناسي وتسلية رسول الله صلى اللّه
عليه وآله وسلم عن شدة ما يقاسي من عنادهم وإصرارهم فأخبر تعالى
أنه عليم بما يصنعون وسيجازيهم على سوء فعلهم وصنيعهم وهذا لايصح
مع كونه خالقاً للكفر وموجداً له فيهم.
وقال جار الله في تفسير قوله تعالى: {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي
من يشاء} في سورة المدثر ذلك إشارة إلى ما قيل من معنى الإضلال
والدى أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل الكافرين ويهدي
المؤمنين يعني يفعل فعلاً حسناً مثبتاً على الحكمة والصواب فيراه
المؤمنون حكمة ويذعنون له لاعتقادهم أن أفعال الله تعالى كلها حسنة
وحكمة فيزيدهم إيماناً وينكره الكافرون ويشكون فيه فيزيدهم كفراً
وضلالاً.
قوله: (ويحتاج إلى حذف وإضمار).
لعل مراده أنا إذا حملناه على الإغواء كان التقدير: يضل من يشاء عن
الدين. أي يغويهم، وإذا جعلناه بمعنى العذاب أو الحكم أو التسمية
/444/ أو الإهلاك لم يحتج إلى ذلك، ومعنى يحتاج إلى حذف وإضمار أي
إلى أن يقدر أن ثم حذفاً من الكلام وإضماراً لما يتم به المعنى.
قوله: (لأن الله لايضل بالقرآن).
هذا بناء على أن الضمير في به عائد إليه وقد تقدم ما ذكره جا رالله
في تفسير هذه الآية وأن الضمير لضرب المثل.
قوله: (والمراد يعذب بالكفر به) إلى آخره.
وهكذا ذكر الإمام يحيى قال: ويحتمل الإضلال هنا معنى آخر وهو الصد
والإغواء عن طريق الجنة بما يستوجبون لأجل الكفر به. والهداية
الإرشاد إلى طريق الجنة بما استحقوه على تصديقهم وإيمانهم.
قوله: (والباء يرد في اللغة بهذا المعنى).
أي للسببية نحو أصبت الغرض بفلان، وبتوفيق الله حججت.
(5/128)
قوله: (أو جار مجراه).
يعني في كونه متفرعاً على كفرهم وتابعاً له كالحكم بذلك عليهم
وتسميتهم به.
قوله: (ويجوز أن يكون المراد أتريدون أن تنجوا من أهلك الله).
هكذا حمله عليه الإمام يحيى فالمراد به الإهلاك والعقبوة والمعنى
أتريدون نجاة من هو عند الله هالك. قال: ويجوز أن يكون المراد
أتريدون أن تجعلوا لهم الجنة وقد استوجبوا من الله النار، حمله جار
الله على أن المعنى أتريدون أن تجعلوا من المهتدين من جعله الله من
حملة الضلال وحكم عليه بذلك أو خذله حتى ضل.
قوله: (وتوضيح هذا أنه فسر الإركاس بالضلال).
يعني على ما يقضي به سياق الآية من قوله تعالى: {فمالكم في
المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل
الله} ومفهوم كلامه أن الإركاس الإهلاك فإذا فسره بالإضلال كان هنا
إهلاكهم وكان المعنى أتريدون أن تنجو ا من أهلك لكن الإركاس ليس
معناه الإلهلاك وإنما الإركاس الرد ففسره جار الله بأن المعنى ردهم
في حكم المشركين كما كانوا بما كسبوا من .... ولحوقم بالمشركين
واحتيالهم على رسول الله أو أركسهم في الكفر بأن خذلهم حتى ارتكسوا
فيه لما علم من مرض قلوبهم لأنها نزلت في شأن قوم خرجوا مع رسول
الله يوم أحد ثم رجعوا وقيل هم العربيون الذين أغاروا على السرح
وقتلوا يساراً مولى رسول الله وقيل: هم قوم أظهروا الإسلام وقعدوا
عن الهجرة.
قوله: (ولأن الجعل مشترك بين معان).
منها: الحكم والتسمية كقوله: جعلتني .... البيت. والإحداث والإنشاء
كقوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور}، والتصيير كقوله تعالى:
{وجعلناكم أزواجاً} {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً}
قال جار الله: في الجعل معنى التضمين ..... شيء من شيء أو تصيير
شيء شيئاً أو نقله من مكان إلى مكان، ومن ذلك: {وجعل منها زوجها}
{وجعل الظلمات والنور} لن الظلمات من الأجرام المتكاثفة والنور من
النار، {وجعلكم أزواجاً} {أجعل الآلهة إلهاً واحداً}.
(5/129)
وقد ذكر من معاني الجعل الطرح والإلقاء كقوله: {فنجعله في جهنم}
واللطف كقوله: {واجعلنا مسلمين لك} وفيه نظر فإن هذين المثالين
داخلان في معنى التصيير فالمعنى يصيره في جهنم وينقله إليها وصيرنا
مسلمين بالطافك وهدايتك.
قوله: (وثانيها أن يكون التقدير) إلى آخره.
ذكر معنى هذا الإمام يحيى قال: ويكون المراد بالهدى هنا الإثابة
وبالاضلال العقوبة ويصير معنى الآية: فمن يرد الله إثابته في
الآخرة يقدم له شرح الصدر عند موته با، طيلعه على منزله في الجنة
لأجل إسلامه ومن يرد عقوبته في الآخرة يقدم له عند موته ما يضيق به
صدره بأن يطلعه على منزله في النار فيضيق صدره لأجل فسقه أو كفره.
قوله: (وثالثها أن يكون التقدير). إلى آخره.
هذا أيضاً حمل للهداية والإضلال على أنهما بمعنى الثواب والعقاب
على وجه غير ذلك الوجه الأول ولم يذكر المصنف في هذا التقدير معنى
{ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً /445/ حرجاً} لكن هو مفهوم من
ذكر معنى الهداية، وتقديره ومن يرد أن يعذبه يجعل صدره ضيقاً حرجاً
في الآخرة بما يوصله غليه من العقاب، وحرر الإامم يحيى هذا الوجه
الثالث على أن المراد فمن يرد الله إثابته في الآخرة يجعل له من
ذلك جزاء وحظاً كاملاً فيشرح بذلك صدره ومن يرد أن يضله أي يعاقبه
يجعل له من ذلك جزاء يضيق به صدره ويحرج منه قلبه.
قوله: (والرجس هو العذاب).
قال جار الله: هو الخذلان ومنع التوفيق وصفة تنقيص ما يوصف به
التوفيق من الطيب أو أراد الفعل المؤدي إلى الرجس وهو العذاب من
الإرتجاس وهو الاضطراب وحمل الآية على التقدير الأول الذي ذكره
المصنف.
قوله: (فالظاهر أنه بعد وقوع الكفر).
يعني لقوله: {كذلك نجعل الرجس على الذين لايؤمنون}.
قوله: (والجاوب أن المراد فريقاً .... الضلالة).
أي كلمة الضلالة وعلم الله أنهم يضلون ولايهتدون.
قوله: (والمراد يهلك بها من يشاء).
(5/130)
وحمله جار الله على أن المعنى يصل بالمحنة الجاهلين غير
التائبين في معرفته ويهدي العالمين به التائبين بالقول الثابت وجعل
ذلك إضلالاً من الله وهدى منه لأن محبته كانت سبباً لأن ضلوا
واهتدوا وكأنه أصلهم بها وهداهم.
قوله: (لأن لفظة هي عائدة إلى الرجفة).
جعلها في الكشاف عائدة إلى تكليمه تعالى لموسى وهم يسمعون فاستدلوا
بالكلام على الرؤية استدلالاً فاسداً حتى افتتنوا وضلوا وجعلها
الإمام يحيى عائدة إلى قصة بني إسرائيل في اتخاذهم للعجل من حلية
السامري وإدخال الشبهة والإلباس.
قوله: (إذا طبخته في الكانون).
الكانون والكانونة الموقد ذكره في الصحاح.
قوله: (ثم استعمل في كل عذاب).
يعني وإن لم يكن بالنار كما في قوله تعالى: {إن الذين فتنوا
المؤمنين والمؤمنات} إن حملنا الآية على أن المراد بلوهم بالأذى
على سبيل العموم وإن حملناها على أن المراد بالذين فتنوا أصحاب
الأخدود خاصة وبالذين آمنوا المطروحين في الأخدود فمعنى فتنوهم
عذبوهم بالنار، وتكون الآية شاهدة على الأصل في الاستعمال وقد جوز
جار الله الوجهين كليهما.
قوله: (وقال: {والفتنة أشد من القتل}).
قال جار الله: المراد بها هنا الإخراج أو الشرك.
قوله: (ثم استعير للإغواء).
ظاهر كلامه أن استعمال الفتنة فيه مجاز وقد ذكر الإمام يحيى أنها
تستعمل في الإهلاك بالعذاب وفي الاختيار والامتحان وفي الإضلال
والتعمية وتلبيس الحق والاستدعاء إلى المعصية كقوله تعالى: {يا بني
آدم لايفتننكم الشيطان} فظاهر كلامه أنها مشتركة في هذه المعاني
لأنه قال: فإذا تقررت هذه القواعد من استعمال بعضها فيما يصح
إطلاقه على الله تعالى وبعضها ينافي موضوع الحكمة وجب حمل ما في
القرآن من الفتنة على ما يصح في حقه تعالى ويليق بحكمته دون ما
لايليق وحمل الآية على أن المراد بالفتنة فيها الاختبار والامتحان
والابتلاء.
قال: لأن إدخال الشبهة والإلباس يقرب من الامتحان والاختبار.
(5/131)
قوله: (والمعنى أن موسى) إلى آخره.
قال جار الله: قوله: {ربنا ليضلوا عن سبيلك} دعاء عليهم بلفظ الأمر
كقوله: {ربنا اطمس} واشدد وذلك لما عرض عليهم آيات الله وبيناته
عرضاً مكرراً وردد عليهم النصائح والمواعظ زماناً طويلاً وحذرهم
عذاب الله وانتقامه وأنذرهم عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال
المبين ورآهم لايزيدون على عرض الآيات إلا كفراً وعلى الإنذار إلا
استكباراً وعلى النصيحة إلا سوءاً ولم يبق له مطمع فيهم وعلم
بالتجربة وطول الصحبة أنه لايجيء منهم إلا الغي والضلال، وإن
إيمانهم كالمحال الذي لايدخل /446/ تحت الصحة أو علم ذلك بوحي من
الله اشتد غضبه عليهم وأفرط مقته لهم وكراهيته لحالهم فدعا الله
عليهم بما علم أنه لايكون غيره كما تقول: لعن الله إبليس، وأخزى
الكفرة، مع علمك أنه لايكون غير ذلك ولتشهد عليهم بأنه لم يبق له
فيهم حيلة وأ،هم لايستأهلون إلا أن يخذلوا ويخلى بينهم وبين ضلالهم
يتسكعون فيه كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليكونوا
ضلالاً وليطبع الله على قلوبهم فلا يؤمنوا وما علي منهم هم أحق
بذلك وأحق كما يقول الأب المشفق لولده الشاطر إذا لم يقبل منه حسرة
على ما فاته من قبول نصيحته وحرداً عليه لا أن يريد خلاعته واتباعه
هواه.
قوله: (إن الله جعل ذلك جزاء على كونه اتخذ إلاهه هواه).
يقال: ليس في الآية ما يدل على ما ذكرته من كون ذلك على سبيل
المجازاة.
قوله: (والمعنى) إلى آخره.
قال جار الله: وتثبيتهم في الدنيا أنهم لم يزلوا كما ثبت الذين
فتنهم أصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط
الحديد وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا عند تواقف الإشهاد عن
معتقدهم ودينهم لم يتلعثموا ولم ..... ولم تحيرهم أحوال الخسر،
وقيل: معناه الثبات عند سؤال القبر.
قوله: (لأجل القول الثابت).
(5/132)
هو خلاف الظاهر بل المراد أن تثبيتهم يكون بالقول الثابت ومعناه
الذي ثبت بالحجة والبرهان في قلب صاحبه ويمكن فيه فاعتقده واطمأنت
إليه نفسه وليس المراد أن تثبيتهم بسبب القول الثابت فإن الفهم
..... الكلام لايقتضيه.
قوله: (ويهلك الظالمين).
حمل المصنف قوله: {ويضل الظالمين} على أن الإضلال فيه بمعنى
الإهلاك وقال جار الله: المعنى بإضلالهم في الدنيا أنهم لايثبتون
في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أول شيء وهم في الآخرة أضل وأ.ل
وكلامه أولى للطباق.
قوله: (أ،ه جعل ذلك جزاء).
يقال: أما أنه جزاء على القول الثابت فلا ولادليل عليه ولاسبيل
إليه، وأما على ألإيمان فلا يبعد أن يكون تثبيتهم لأجل إيمانهم
وكذلك خذلان الظالمين وعدم تثبيتهم يكون لأجل ظلمهم.
قوله: (ولتتأكد الحجة على المصر).
يعني بأن يقال له يوم القيامة: {أو لم يعمركم ما يتذكر فيه من
تذكر} قال جار الله: في هذه الآية وأخرج على لفظ الأمر إيذاناً
بوجوب ذلك وأنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثل لقطع معاذير
الضال، أو في معنى الدعايات بمهلة الله وينفس في مدة حياته.
قوله: (كما قاله في آية أخرى) أراد {كلا سنكتب ما يقول ونمد له من
العذاب مدا}.
قوله: (المراد ليس عليك ثوابهم).
في الكشاف: إن المعنى لايجب عليك أن تجعلهم مهتدين إلى الانتهاء
عما نهوى عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك وما عليك
إلا أن ..... النواهي فحسب ولكن الله يهدي من يشاء يطلف بمن يعلم
أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهي عنه وهذا هو اللائق بتفسير كلام
الله تعالى.
قوله: (وعلى هذا يحمل قوله تعالى: {لأسقيناهم} إلى آخره.
(5/133)
يعني فإن المراد أن الجن لو استقاموا على الطريقة المثلى أي لو
ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله تعالى ولم يستكبر
عن السجود لآدم ولم يكفر وتبعه أولاده على الإسلام لأنعمنا عليهم
ولوسعنا رزقهم وذكر الماء الغدق وهو الكثير لأنه أصل المعاش وسعة
الرزق لنفتنهم فيه أي لنختبرهم كيف يشكرون ما حولوا منه، واعلم أن
المعنى في قوله: {وإن أدري لعله فتنة لكم} الآية: قل يا محمد ما
أدري لعل تأخير الموعد بغلبة المسلمين امتحان لكم لننظر كيف تعملون
أو يمتنع لكم إلى حين ليكون ذلك حجة عليكم وليقع الموعد في وقت
/447/ هو فيه حكمة.
قوله: (فإن الكافر المرتاب يقول: ولم كانت تسعة عشر. قال في السيرة
النبوية: قال أبو جهل يوماً وهو يهزأ برسول الله صلى اللّه عليه
وآله وسلم وما جاء به من الحق: يا معشر قريش يزعم محمد إنما جنود
الله الذين يعذبونكم تسعة عشر وأنتم الناس عدداً وكثرة أفيعجز كل
رجل منكم عن رجل منهم فأ،زل تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار} الآية.
قوله: (من أن التقدير من يرد الله عذابه) إلى آخره.
قال جار الله: أي تركه مفتوناً وخذلانه فلن يملك له من الله شيئاً
فلن يستطيع له من لطف الله وتوفيقه شيئاً أولئك الذين لم يرد الله
أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم لأنهم ليسوا من أهلها لعلمه
أنها لاتنفع فيهم ولاتنجع.
قال الإمام يحيى: ويجوز أن يكون المراد أن الله تعالى ما أراد أن
يطهر قلوبهم عن اعتقاد الكفر والشرك على جهة القسر والإلجاء بل وكل
ذلك إلى اختيارهم لئلا يبطل التكليف مع الإلجاء.
قوله: (والجواب أنه دعاء فعبدنا به).
قال جار الله في معناه: لاتبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا بعد إذ
هديتنا وأرشدنا لدينك ولاتمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا.
قوله: (قد ورد بمعنى العذاب في قوله: {فلما زاغوا}) إلى آخره.
(5/134)
فيه نظر لن القوي أن المراد فلما زاغوا عن الحق أزاغ الله
قلوبهم بأن منعهم ألطافه ولو كان بمعنى العذاب لم يكن لذكر القلوب
فائدة وليس كونه جزاء على زيغهم يستلزم أنه بمعنى العذاب لأن
الخذلان أيضاً مسبب عن المعصية والإصرار فإذن القوي ما رجع إليه
المصنف آخراً.
قوله: (فبين أن غرضه أن يقولوا ما هو كفر).
إنما كان كفراً لأن معناه أنه قرأها وتعلمها وليست وحياً ولا
كلاماً لله.
قوله: (وهو التذكرة والتكرار).
صوابه: وهو تكرار الآيات لتذكيرهم وإيقاظهم عن سنة غفلتهم.
قوله: (ولو كان كما قالوه).
يعني من أن المراد يصرف الآيات ليكفروا.
قوله: ( والمعنى لئلا يقولوا).
هذا ذكره أبو علي الفارسي وقال: من قرأ درست فالمعنى في ليقولوا
كراهة أن يقولوا أو لئلا يقولوا درست أي فصلت الآيات وأحكمت لئلا
يقولوا أنها أخبار قد تقدمت وطال العهد بها وأما من قرأ ادارست أو
درست فاللام للصيرورة فدرست قراءة ابن عامر بفتح السين وسكون التاء
ودارست قراءة ابن كثير وأبي عمرو ودرست بسكون السين وفتح التاء
قراءة باقي السبعة.
قوله: (قالت الخنساء: فآليت آسى على هالك).
يعني فالمعنى لا آسى أي لا أحزن ويدل على ذلك أنه لولا تقدير لا لم
يجز تلقي القسم بآسى بل كان يجب دخول اللام ونون التوكيد فيكون
لآسين ولأسألن نائحة مالها، وكذلك قول الطائي: لقد آليت أغدر.
فلولا تقدير لا لكان يجب أن يقول لأغدرن، والجذاع السنة الشديدة،
والرباع صغار الإبل، ومعنى يجزا: يكتفي.
قوله: (ويجوز أن يكون لام العاقبة).
ويسمى أيضاً لام الصيرورة وهذا ذكره ابن عطية وأبو البقاء قالوا:
وهي كقوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواْ}. وقال الزمخشري: هي
لام العلة مجازاً وذلك لأن الآيات صرفت للتبيين ولم تصرف ليقولوا
درست ولكن حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبين شبه به فسيق
مساقه.
قوله: (التهديد الوارد في صورة الأمر).
(5/135)
هذا الوجه يؤكده قراءة سادة بتسكين اللام في: {فليقولوا} فيكون
حينئذ لام الأمر والفعل مجزوم بها ويكون معناه الوعيد وعدم
الاكتراث بهم وهذا القول نسبه في المجيد إلى الشيخ أمير الدين أبي
حيان.
قوله: (كقوله: {وليوفوا نذورهم}).
ليس المراد أن هذا مثال للتهديد بل للأمر الذي يرد التهديد بصيغته
أراد أن يبين أنه يرد بتسكين اللام بعد واو العطف.
قوله: (فالظاهر يقتضي أن الإغواء آلة لإبليس في الإضلال).
يعني لأن /448/ هذه الباء مثل الباء في قولهم: كتبت بالقلم ومسحت
بالمنديل. اقل جار الله: ألباء للقسم وما مصدرية وجواب القسم
لأزينن والمعنى: أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم ومعنى إغوائه إياه
تسبيبه لغيه بأن أمره بالسجود لآدم عليه السلام فأفضى ذلك إلى غيه
وما الأمر بالسجود إلا حسن وتعريض للثواب بالتواضع والخضوع لأمر
الله ولكن إبليس اختار الإباء والاستكبار فهلك والله بريء من غيه
وإرادته والرضاء به.
قوله: (والمعنى ولاينفعكم نصحي) إلى آخره.
قال جار الله: إذا عرف الله من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم
يلجئه سمى ذلك إغواء وإضلالاً كما إذا عرف منه أنه يتوب ويرعوي
فلطف به سمي إرشاداً وهداية، وقيل: أن يغويكم أن يهلككم من غوي
الفصيل غوي إذا .... فهلك ومعناه أنكم إذا كنتم من التصميم على
الكفر بالمنزلة التي لاتنفعكم نصائح الله ومواعظه وسائر ألطافه كيف
ينفعكم نصحي.
قوله: (لأن العلية لاتصح إلا من الحي القادر).
يعني لأن عليت علينا بمعنى ملكتنا.
قوله: (شقي شقاوة وشقاء). وكذلك شقوة وتفتح السين في شقاوة وشقوة
وتكسر.
قوله: (والمعنى زينا لكل أمة عملهم الذي كلفوهم).
هذا تأويل على خلاف الظاهر وأجود منه ما ذكره جار الله من أن
المعنى خليناهم وشأنهم ولم نكفهم حتى حسن عندهم سوء عملهم وأمهلنا
الشيطان حتى زين لهم أو زيناه في زعمهم وقولهم أن الله أمرنا بهذا
وزينه لنا.
قوله: (وهو باطل لأن ما قد مضى لايحتاج إلى تزيين).
(5/136)
يقال: هو وإن لم يحتج إليه في وجوده فالتزيين فيه متصور فلا
مانع من أن يزين لعامل عملاً صدر منه ويحسنه في عينه ويحكم عليه
بأنه مصيب فيه.
تنبيه
هذه المسألة مما يحكم عليه الأصحاب بأن العلم به من فروض الأعيان
لتوقف مسألة العدل على هذه المسألة والمراد العلم بأن الله لم يضل
عباده عن الدين، وأن الله قد دل كل مكلف وبين له لا غير ذلك.
القول في أن الله تعالى يريد الطاعات ولايريد القبائح
اعلم أن عادة المصنفين في علم الكلام تختلف في ذكر إرادة الله
وكراهته وما يريده وما يكرهه فمنهم من يذكر جميع ذلك في باب
التوحيد نظراً إلى أن كونه تعالى مريداً وكارهاً من صفاته الثابتة
له وأحواله التي تستحقها ذاته وذكر ما يريده وما يكرهه من فروع ذلك
ولواحقه ومنهم من يذكر جميعه في باب العدل نظراً إلى أن من مقتضى
العدل والحكمة أن يريد الطاعات ويكره المعاصي، وأن خلاف ذلك ينافي
الحكمة ويخالف مقتضاها وعلل السيد ما نكديم ذكره للإرادة والكراهة
في باب العدل بأنه كلام في أفعاله تعالى وهما منها واعترض بأنه
يلزم أن يعد جميع أفعال الله فيه لأن الحكم في جميعها ما ذكر.
قيل: فالألى في توجيه ما اختاره أن العدل أكثر مسائله أنه تعالى
لايخل بالواجبات وأنه تعالى منعم بالتكليف وجميع النعم منه تعالى
وأن القرآ، صدق في جميع أخباره وأنه بيان ولطف وأمر ونهي ولن يتم
شيء من ذلك إلا مع إثبات كونه مريداً وكارهاً والمصنف رحمه الله
اقتضى نظره المحرر وتأمله المنور أن يذكر كل نوع من أنواع هذه
المسألة في بابه ويرده إلى نصابه فذكر ما يتعلق بباب التوحيد فيه
وهو إثبات هاتين الصفتين له تعالى وبيان كيفية استحقاقهما وما
يتعلق بذلك وجعله بعد ذكر الصفات الواجبة وكيفية استحقاقها لأن
الواجب آكد من الجائز، وذكر ما يتعلق باب العدل فيه، وهو أنه يريد
الطاعات ويكره القبائح فكان كلامه أوفق وأحسن وتعليله أوضح وأبين
والله سبحانه وتعالى أعلم.
(5/137)
قوله: (ذهب أهل الجبر) إلى آخره.
كان الأليق أن يقدم ذكر مذهب أهل /449/ العدل مفصلاً لأنه مذهبه ثم
يذكر مذهب المخالف من بعد وكأ،ه اكتفى بترجمة المسألة وما أحسن ما
حكاه الإمام يحيى عليه السلام من الاختلاف في هذه المسألة بقوله:
ذهب القائلون بالعدل من الزيدية والمعتزلة إلى أن الله تعالى مريد
لجميع أفعاله ما خلا الإرادة والكراهة وأنه تعالى مريد لجميع
الطاعات من أفعالنا ما حدث منها وما لم يحدث وأنه تعالى كاره لجميع
المعاصي ما حدث منها وما لم يحدث.
وذهب سائر فرق المجبرة من الأشعرية والكلابية والنجارية إلى أنه
تعالى مريد لجميع ما حدث من الكائنات طاعة كان أو معصية وأنه
لاكائن في عالمنا إلا وهو متعلق بإرادته ومالم يحدث منها فإنه
تعالى لايريده طاعة كان أو معصية.
قوله: (ويكره ما لا يقع).
يعني لايريده لأن المرجع بالكراهة عندهم إلى عدم الإرادة ولايجعلون
للكاره بكونه كارهاً حالاً.
قوله: (فدليله أنه أمر بها).
لاخلاف في هذا الأصل والقرآن والسنة مصرحان به غير مرة والخصم
يسلمه والمسلمون متفقون عليه.
قوله: (والأم لايكون أمراً إلا بالإرادة).
وذلك لأن صيغة افعل قد تقع أمراً مرة وقد تقع غير أمر بأن تصدر من
ساه أو نائم فلا بد من أمر لمكانه كان أمراً فإما أن يكون أمراً
لذاته إلى سائر التقسيم الذي تقدم ما يرشد إليه وجميع باطل إلا
كونه أمراً لإرادة المأمور به وأيضاً فلا ينفصل الأمر عن التهديد
إلا بإرادة المأمور وأيضاً فهو طلب والطلب لابد له من مطلوب فيلزم
أن تكون إرادة المأمور من معقول الأمر فيجب أن يكون المأمور به
مراداً.
قوله: (لأن كراهة الحسن قبيحة).
كان الأولى أن يقول: لأن كراهة الواجب ونحوه أو الطاعات وأما أن
كراهة المباح والمكروه قبيحة فغير واضح ولا راجح.
قوله: (ولأن الكراهة إنما تعرف بالنهي).
(5/138)
يعني في حقه تعالى لأن ذاته لاتعلم ضرورة فلا تعلم كراهته إلا
بدليل يدل عليها ولادليل يتصور إلا نهيه سبحانه وتعالى عما كرهه
وفيه نظر لن ظاهره الإطلاق وقصر معرفة الكراهة على النهي وليس كذلك
فإ،ها تعرف في الشاهد ضرورة من شاهد حاله ويعرف في حقه تعالى بغير
النهي كأن يخبرنا في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وآله
وسلم بأنه يكره أمراً من الأمور.
قوله: (وضعفه أهل اللغة بأنه مطيع).
شاهده قول بعض أعمام النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد ضرب بعقبه
الأرض فنبع الماء إن ربك ليطيعك. فقال: وأنت يا عم لو أطعت الله
لأطاعك، وليس الله بمأمور وقول سويد بن أبي كاهل:
رب من أنضجت غيظ صدره ... قد تمنى لي موتاً لم يطع
قوله: (غير مسلم).
وذلك لأن العبد يوصف بكونه مطيعاً لسيده وإن لم يكن من جهته أمراً
حيف عل مراده، ولما تقدم قوله: (ثم أمر به على لسان رسوله) أي أتى
بما صورته صورة الأمر وإلا فليس بأمر على الحقيقة لأن من شرطه
الإرادة وقد فرضه كارهاً.
قوله: (على طريق الإيجاب) دليل ذلك أنه متى حصلت الإرادة واقترنت
بحدوث الصيغة وجب كونه أمراً ولم يجز بوجه أن يكون غير أمر، وهذا
مذهب الجمهور. وقيل: بل تأثيرها على سبيل الجواز والأول أوضح
وأرجح.
قوله: (والنهي إنما يكون نهياً بالكراهة) إلى آخره.
تقريره على نحو ما مضى في الأمر إلا في الوجه الثالث وهو قولنا أن
الأمر طلب إلى آخره.
قوله: (وأما السمع) إلى آخره.
أما الإستدلال به على أن اله تعالى يريد الطاعات فلا كلام فيه فإنه
صحيح على لاقواعد إذ لايتوقف العلم بصحة السمع عليه وأما الاستدلال
به على أنه تعالى لايريد القبائح فمن كان رأيه أنه لايصح الاستدلال
بالسمع على أنه تعالى لايفعل القبيح مجملاً ومفصلاً كالقاضي
وتابعيه فإنما يستدل بالسمع ذلك من قبيل التقوية والاستظهار.
قوله: (فنحو قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر}) إلى آخره.
(5/139)
دلالة هذه الآية على ما ذكره غير واضحة والظاهر أن المراد بها
نفي كثير الحرج والمشقة في الدين والأمر بالحنيفية السمحة، ومن
جملتها الترخيص بترك الصوم في المرض /450/ والسفر، وقد أشار إلى
ذلك جار الله.
قوله: (والغرض والإرادة واحد بلا خلاف).
يعني في الغلب وإن كان لفظ الغرض قد يطلق على الداعي.
قوله: (وهذه لام الغرض بلا شبهة).
لايقال: إن إرادة العبادة لايكون حال خلقهم وإنما يكون حال تكليفهم
على قواعدكم فإنا نقول المعنى: {ما خلقت الجن والإنس} الذين سبق في
علمي وحكمتي تبقيتهم وتكليفهم إلا وأنا مريد أن أبقيهم ثم أكلهم
لتقع منهم العبادة والله سبحانه أعلم.
قوله: (وقوله: {يريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة}).
أي يريدون حطام الدنيا وسمي عرضاً لنه حدث قليل اللبث والله يريد
ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل والحجة في هذا
الطرف والآية نزلت في شأن أخذ الفدا من أسارى بدر، وعتاب الله
للمؤمنين على ذلك.
قوله: (في حكاية الآيات: {ولقد يسرنا القرآن للذكر}).
أي سهلناه ليحفظ من يسرنا فيه للسفر إذا رحلها فاللام فيه للغرض
والله أعلم.
قوله: (ومن قوى ما يعتمده) إلى آخره.
هذه الآية الكريمة من أقوى ما يعتمده الأصحاب في هذه المسألة
وأوضحه دلالة وقد بين المصنف وجه الإستدلال بها من الوجوه الخمسة
المذكورة.
قوله: (ثم أكذبهم) إلى آخره.
هذا بناء على قراءة التخفيف في كل كذب، والوجه في دلالتها ظاهر
والمشهور القراءة بالتشديد والمعنى أنهم جاؤا بالتكذيب المطلق لن
الله عز وعلا ركب في العقول فأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته
من مشيئة القبائح وأراد بها والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود
القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإراته فقد كذب التكذيب كله
وهو تكذيب الله وكتبه ورسله ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره هكذا
قرره جار الله.
قوله: (وأما استدلالهم على تأويلهم هذا) إلى آخره.
(5/140)
الحجة لهم في قوله: {فلو شاء لهداكم أجمعين} وجوابها من وجهين:
أحدهما أنه تعالى لما رد عليهم قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا}
أراد أن ينبههم على أن مشيئته للتوحيد منهم مشيئة اختيار لا إجبار
إذ لو شاء مشيئة الإجبار لهداهم جميعاً إذ الكل منهم تحت قدرته
يصرفهم كيف يشاء. ثانيهما: أنه أراد فلله الحجة البالغة عليكم على
وفق مذهبكم فلو شاء لهداكم أجمعين منكم ومن مخالفيكم في الدين، فإن
تعليقكم دينكم بمشيئة الله تعالى يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم
أيضاً بمشيئته فتوالوهم ولاتعادوهم وتوافقوهم ولاتخالفوهم لأن
المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وما هم عليه هكذا قرره جار الله.
قوله: (ومعلوم أن الرضا والمحبة والإرادة واحد) إلى آخره.
فيه نظر إلا أن يريد أن الرضى والمحبة من جنس الإرادة وإن كانتا
لنوعين مخصوصين منها فالرضا اسم للإرادة المتقدمة المتعلقة بفعل
لغير بشرط وقوع ذلك الفعل، والمحبة اسم للإرادة التي تطابق الداعي
فلو خلق الله فينا إرادة لما لا داعي لنا إليه كدخول النار لسميت
إرادة ولم تسم محبة.
قوله: (فمعناه أحب الاستمتاع بها).
هكذا أجاب الشيخ أبو علي، وأجاب الشيخ أبي هاشم بأن المحبة هنا
متجوز بها عن الشهوة وإليه أشار المصنف بقوله: (أو بمعنى العشق)
لأنه الشهوة المتعلقة بالصور والألوان.
قوله: (وليس إذاً تجوز) إلى آخره.
احتراز عن سؤال يرد حاصله أن الإرادة والمحبة إذا كانتا بمعنى واحد
لزم أن تستعمل إحداهما حيث تستعمل الآخر حقيقة كان أو مجازاً فأجاب
بمنع لزوم ذلك ومن شواهده الغائط والمكان المطمئن فإنهما في اللغة
بمعنى واحد ثم استعمل الغائط في قضاء الحاجة دون المكان المطمئن.
فصل في بعض ما ألزمهم أصحابنا
قوله: (فإ، قالوا الكفر كفروا الجزم بكفر مريد الكفر).
(5/141)
فيه نظر فقد اختلفوا فيمن عزم عليه هل يكفر أو لا، ومن لم يكفره
فأولى وأحرى ألا يكفر من إرادة من غيره والإكفار لاينبغي الإقدام
عليه إلا عن دليل قاطع، وأما العصيان بذلك والإثم فيه فمقطوع به.
قوله: (فأنتم إذن أحق بالحمد والشكر).
يعني من هذه الحيثية وإن كان الله أحق بها من حيثيات أخر.
قوله: (فيكون ما فيه تعجيزه عندهم). يعني /451/ وهو وقوع خلاف ما
تعلقت به إرادته.
قوله: (خرجوا) يعني عن ربقة الإسلام.
فصل في شبههم
قوله: (من أساطيركم).
هو جمع أسطورة بضم الهمزة وإسطارة بكسرها وهي الأباطيل فقوله
الباطلة وصف جيء به للتأكيد.
قوله: (يمتنعون من قياس الغائب على الشاهد) إلى آخره.
يعني يجعلونه من الأدلة الطيبة ويسمونه قياس التمثيل ويمتنعون من
عده قياساً قطعياً ولايسمونه برهاانً.
فصل
وأما السمعيات فقد قدمنا منعهم من الاستدلال بها.
قوله: (قال تعالى: {فمن شاء ذكره}) الضمير في ذكره عائد إلى
التذكرة في قوله تعالى: {فمالهم عن التذكرة معرضين} أي عن التذكير
وهو العظة يريد القرآن أو غيره من المواعظ والمراد: فمن شاء أن
يذكره ولاينساه ويجعله نصب عينيه فعل فإن نفع ذلك راجع إليه وإنما
ذكر الضمير مع عوده إلى التذكرة وهي مؤنثة لأنها في معنى الذكر أو
يعود الضمير إلى القرآن لوضوحه أي فمن شاء تذكر به.
قوله: (أي اتخاذ السبيل) هو عبارة عن التقرب إلى الله تعالى
والتوسل إليه بالطاعة.
قوله: (وقال : {لمن شاء منكم أن يستقيم}) أي يستقيم بالدخول في
الإسلام.
تنبيه
(5/142)
إذا عرفت ما ذكرناه من تحقيق معاني الآي الكريمة فكلام المصنف
مستقيم في قوله: والمراد ما يشاؤون الطاعة لأن جميع ما ذكر طاعة.
وأما قوله: إلا وقد شاء الله فغير مستقيم لأن قوله تعالى: {إلا أن
يشاء الله} شرط محقق، وأن دالة على اللاستقبال فلا يصح تفسيرها
بقد. بل الأولى تفسير جار الله وهو أن المعنى وما يذكرون إلا أن
يشاء الله أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه لعلمه أنهم لايؤمنون
اختياراً وما يشاؤون اتخاذ السبيل وهو الطاعة إلا أن يشاء الله أن
يقسرهم عليها وما يشاؤون الاستقامة يامن يشاؤها إلا بتوفيق الله
ولطفه أو ما تشاؤنا أنتم يامن يشاؤها إلا بقسر الله وإلجائه.
قوله: (فهو إنما نفى فعل نفسه).
صوابه: مشيئة فعل نفسه.
قوله: (ويجوز أن يكون المراد إلا أن يشاء الله يكرههم).
هذا هو التفسير القوي الذي عول عليه أئمة التفسير وأما ما أشار
إليه أولاً بقوله: قد قدمنا أنه لايقع إيمان إلى آخره، ومعناه: أن
المراد ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله إلا وقد شاء الله
إيمانهم والطبع التسليم، اولضوق المستقيم لايسعد إليه لعدم مطابقته
السياق ونبوه عن الأذهان في هذا المساق.
قال جار الله: إلا أن يشاء الله مشيئة إكراه واضطرار ولكن أكثرهم
يجهلون فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لايشعرون من حال قلوبهم
عند نزول الآيات أو لكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لايؤمنون
إلا أن يضطرهم فيطمعون في إيمانهم إذا جاءت الآية المقترحة.
قوله: (لما كانوا يقترحون).
أصل الاقتراح أن يسأله شيئاً من غير رؤية والمتعارف في استعماله
معنى التعنت والله أعلم.
قوله: (ومنها قوله: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها}) إلى
آخره.
(5/143)
اعلم أنه لاوجه لاحتجاجهم بهذه الآية فإنهم يوافقونا في أنه
تعالى لايأمر بالقبيح وليست شعري ما أغفل الأصحاب عن مثل هذا فإنه
كان الأولى ألا يوردوها في شبههم ولايلتقوا لهم بها احتجاجاً وقد
وجه المصنف احتجاجهم بها بقوله: فأخبر أنه يستدرجهم بالفسق لإتمام
مشيئته وهو توجيه غير واضح فالتحقيق أن الآية كما ينبغي منا الجواب
عنها وردها إلى المحكم ... كذلك يتوجه ذلك عليهم لمخالفة ظاهرها ما
نحن وهم متفقون عليه.
قوله: (وقيل أمرناهم بالطاعة) إلى آخره.
هذا ما ذهب إليه الأكثرون من كون التقدير أمرناهم بالطاعة وقد بالغ
الزمخشري في رد هذا التفسير قال: لأن حذف ما لادليل عليه غير جائز
فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه وذلك لن المأمور به إنما حذف
لن فسقوا يدل عليه وله كلام مستفيض يقال أمرته فقام وأمرته فقرأ
لايفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة ولو ذهبت تقدر غيره
فقد رمت من مخاطبك علم الغيب، قال: ولا يلزم من هذا قولهم أمرته
فعصاني أو فلم يمتثل أمري لأن ذلك مناف للأمر مناقض له فلا يكون ما
مناقض الأمر مأمور به واختار أن التقدير أمرناهم بالفسق ففعلوا
ويكون الأمر هنا مجازاً لأن حقيقته أن يقول لهم: افسقوا وهذا
لايكون فنفى أن يكون مجازاً ووجهه أنه صب عليهم النعمة صباً
فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك
لتسسبب إيلاء النعمة فيه وإن كان الغرض من تخويلهم إياها الشكر
وعمل الخير والتمكن من الإحسان والبر.
ورد ما ذكره جار الله في منع تقدير الطاعة بأن الحذف يكون تارة
لدلالة الموافق وتارة لدلالة الضد كقوله: {وله ما سكن} أي وما تحرك
والفسق هنا ضد الطاعة فصح تقديرها وكما أن قوله فعصاني يدل على أن
المقدر غير العصيان وكذا قوله: {ففسق} يدل على أن المأمور به شيء
غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به. انتهى.
(5/144)
وقد قيل: إن أمرنا بمعنى كبرنا يقال: أمر الله القوم. أي كثرهم
حكاه أبو حليم عن أبي زيد قال الواحدي: العرب تقول: أمر القوم إذا
كثروا أو أمرهم الله إذا كثرهم. قيل: ومنه الحديث: (( خير المال
سكة مأبورة ومهرة مأمورة} أي كثيرة النتاج.
قوله: (أي جعلناهم أمراء).
رده الفارسي بأن أمارتهم لم تكن إلا لواحد بعد واحد والإهلاك في
مدة واحدة. وأجيب بمنع تسليم أن الأمير الملك بل من يأمر ويؤتمر
ولو سلم فقد يتوالى الفساد منهم فينزل العقاب بآخرهم، وقد فسرت
قراءة التشديد بالتكبير كقراءة التخفيف وهو مستقيم.
قوله: (وإنما يستعمل بمعنى الأمر نحو: {فإنه نزله على قلبك بإذن
الله}).
فيه نظر فإنه لايصح لغة فاستعماله بمعنى الأمر والمراد في الآية
التي استشهد بها تيسير الله وتسهيله نص عليه جار الله وكذلك معنى
الآيتين الأخروين فإن المعنى أنه أخرجهم من الظلمات إلى النور
تيسير الله لذلك وتسهيله له بما ينتج من الألطاف ويبعثه من
الدواعي. قال جار الله: مستعار من الأذن الذي هو تسهيل الحجاب وما
كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله، أي بتسهيله بفعله للألطاف وهدايته
إلى ذلك.
قوله: (كقوله: {فقل آذنتكم على سواء}).
هو هنا بمعنى الإعلام وفيه دليل على أن الأذن بمعنى العلم لأن آذن
إذا كان بمعنى أعلم فآذن بمعنى علم لأن آذن مأخوذ منه وفرع عليه
وكذلك آذنتنا في البيت وكان الأحسن والأصرح الاستشهاد بقوله تعالى:
{فأذنوا بحرب من الله} أي فاعلموا أنه من أذن بالشيء إذا علم به.
قوله: (رب ثاو يمل منه الثواء).
أي رب ممقيم يمل منه الإقامة يقال: ثوى بالمكان أي أقام به يثوي
ثواء وثوياً.
قوله: (وعلى هذا تحمل هذه الآية).
(5/145)
أما جار الله فأشار إلى أن المعنى بتيسير الله وتسهيله كما صرح
به في غير هذه الآية لأنه قال بعد حكاية قوله تعالى: {وما هم
بضارين به من أحد إلا بإذن الله} ما لفظه: لأنه ربما أحدث الله
عنده فعلاً من أفعاله وربما لم يحدث وقد نبه المصنف عليه آخراً
بقوله على أن الضرر الحاصل عند السحر إلى آخره.
قوله: (لأنه تعالى نهى عنه بقوله: {وقيل اقعدوا}).
جعل الأمر بالقعود نهياً عن الخروج لأنه في معناه إذ لايمكن الجمع
بينهما كالأمر بالحركة فإنه في حكم النهي عن السكون وقوله تعالى:
{ما زادوكم إلا خبالاً} الخبال: الفساد والشر. وقوله تعالى:
{ولأوضعوا خلالكم ولسعوا بينكم} بالنمائم وإفساد ذات البين.
قوله: (وبعد فلام كي لاتدخل على الأسماء).
(5/146)
فيه نظر لأن الأصل في اللام أنها حرف جلا لاتدخل إلا على
الأسماء وإنما تدخل على الفعل وتسمى لام كي لكونها بمعناها بواسطة
تقدير إن التي يصير بدخولها الفعل هي والفعل بمنزلة الإسم وقد بنى
المصنف على أن لالام التي للعرض لاتكون إلا لام كي الداخلة على
الفعل، وليس بمستقيم ما ذكره بل هذه اللام هي لام التعليل تدخل على
الأسماء الجامدة والمشتقة وعلى الفعل بتقدير أن ليكون بمنزلة الإسم
فتسمى حينئذ لام كي، وقد مثل النحاة دخولها على الإسم الجامد
بقولهم: جئتك للسمن واللبن. وسموه مفعولاً له لكن لايجوز حذف اللام
وتقديرها حيث يكون جامداً وقوله: فهي لام العاقبة ظاهرة تقضي بأنها
ليست لام التعليل وكذلك في قوله تعالى: {ليكون لهم عدواً وحزنا}
/453/ وليس كذلك فإنها هي لكن لما لم تدخل على ما هو العلة في
الفعل والغرض فيه سماها من ليس له حظ وافر من البلاغة بهذا الإسم
وظن أنها ليست بتلك اللام وما عرف أنها هي وإنما تجوز فيما يؤول
الأمر إليه يجعله غرضاً وعلة من قبيل التشبيه وقد ذكر ذلك جار الله
فقال: جعلهم لأعرافهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه وأنه لايأتي منهم
إلا أفعال أهل النار مخلوقين للنار دلالة على توغلهم في الموجبات
وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: {ليكون لهم عدواً وحزناً} هي لام كي
التي معناها التعليل كقوله: جئتك لتكرمني، سواء بسواء ولكن معنى
التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة لأنه لم يكن داعيهم
إلى الالتقاط أن يكون لهم عدواً وحزناً ولكن المحبة والتبني غير أن
ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له ....... شبه بالداي الذي يفعل
الفاعل الفعل لأجله.
قوله: (ومثل هذا الجواب في قوله تعالى: {إنما أملي لهم ليزدادوا
إثما}).
(5/147)
معنى الإملاء تخليتهم وشأ،هم مستعار من أملى لفرسه إذا أرخى له
الطول ليرعى كيف شاء وقيل هو إمهالهم وإطالة عمرهم. قال جار الله:
لما كان في علم الله المحيط بكل شيء أنهم يزدادون إثماً فكان
الإملاء وقع من أجله وبسببه على طريق المجاز.
قوله: (وقوله: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض}).
أي ابتلينا بعض الناس ببعض وذلك أن المشركين كانوا يقولون للمسلمين
أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا أي أنعم عليهم بالتوفيق
لإصابة الحق ولما يسعدهم عنده من دوننا ونحن المقدمون والرؤساء وهم
العبيد والفقراء إنكاراً لأن يكونوا أمثالهم على الحق.... عليهم من
بينهمب الخير ومعنى فتناهم ليقولوا ذلك خذلناهم فافتتنوا حتى كان
افتتانهم سبباً لهذا القول لأنه لايقول مثل قولهم هذا إلا مخذول
مفتون هكذا قرره جار الله.
قوله: (واعلم أن جميع ما ذكروه) إلى آخره.
يقال: إنهم لم يوردوه دليلاً على عدم الاختيار بل على إرادة الله
للواقعات وعدم إرادته لما لم يقع فما معنى المعارضة بما ذكرته
ويجاب بأن من قاعدتهم أن ما أراده الله فلا بد من وقوعه ولا اختيار
للعبد في تركه فمذهبهم في الإرادة يقضي بنفي الاختيار من حيث
لايمكن العبد ترك ما أراده الله ولافعل ما لم يرده.
قوله: (بإجماعها على قولها: {لامرد لأمر الله}).
يعني ولم يقتض ذلك أنه لايوجد واحد ممن رد أمر الله فلم يخالفه
ولاترك ما أمر به بل المعلوم أن أكثر الناس كذلك ولقائل أن يقول:
إن مراد الآية لامرد لأمر الله وهو ماي فعله فينا ويريده منا من
أفعال نفسه كمرض وموت وفقر وعكس ذلك فإن هذا هو السابق إلى الأفهام
دون الأمر الذي هو نوع من الكلام.
قوله: (وعلى قولها استغفر الله من جميع ما كره الله).
يعني وعلى مذهبكم أن الله لايكره المعاصي الواقعة لكن الأقرب أن
دعوى الإجماع منا ومنهم على تلك الأقوال غير سليمة ولامسلمة.
قوله: (فجوابهم جوابنا).
(5/148)
ليس مراده أنهم إذا أجابوا على ما ذكرناه بجواب كان بعينه
جواباً عما ذكروه فإنه لاتلاؤم بين الجوابين وإنما ينبغي أن يكون
المراد فإذا تكلفوا الجواب عما ذكرناه وتأولوه فنحن نفعل مثل ذلك
ونجيب عما ذكروه بتأويله.
قوله: (ولا يتم هذا إلا إذا قصدوا افعال نفسه).
يقال: بل تمامه مع قصدها وقصد أفعال غيره أظهر وآكد فإنه من كان
شأنه أن كل ما شاءه من فعل نفسه وفعل غيره وقع ومالم يشأ من
الجنسين لم يقع فاقتداره أظهر ممن لايكون ذلك إلا في حق فعله نفسه
فإن الواحد منا هذه صفته ما شاء من مقدوراته وأفعاله كان بأن يفعله
ومالم يشأ منها لم يكن إذ لايصدر إلا باختياره ولعل المصنف لمح إلى
أن وقوع ما شاء من فعل غيره لايدل على كمالا الاقتدار /454/ فقد
يشاء الواحد الضعيف فعلاً من السلطان القاهر فيفعله ولايدل ذلك على
اقتداره وهذا صحيح لو قيل: فلان يشاء شيئاً من فعل غيره فيقع فإنه
لادلالة في مثل هذا على الاقتدار، وأما قصر الوقوع على المشيئة
والانتفاء على عدمها فمن أبلغ دلائل الاقتدار والله أعلم.
قوله: (وأما قولهم: إن شاء الله) إلى آخره.
أشار إلى جواب شبهة لهم حاصلها أن الإجماع منعقد على أن من علق
شيئاً من طاعاته بمشيئة الله تعالى وحلف ليفعلنها نحو والله
لأقضينك دينك إن شاء الله ولم يقضه لم يحنث ولو كان الله يشاء ذلك
وقع أم لا لحيث لامحالة وحاصل ما أجاب به المصنف أن هذا الكلام
لايراد به حقيقته وهو ما وضع له الشرط وإنما يؤتى به لقطع الكلام
عن النفوذ كأنه قال: لأفعلن كذا إن استرجحت ذلك وابتعثت الدواعي
مني إليه، وهذا الجواب محكي عن أبي علي وأنه لما أجاب به قيل له:
فلو أراد حقيقة الشرط. قال: يحنث. قيل له: خرقت الإجماع. قال: لا
لأن الإجماع ما انتهى إلى هذا الحد الذي انتهينا إليه، ولو انتهى
إليه لأجابوا بما أجبت به.
(5/149)
وأجاب أبو عبدالله بأن المعنى لأفعلن إن وفق الله لذلك وسهل
سبيلي إليه فإذا لم يفعل دل على أنه لم يوفق فلم يحنث، وأجيب أيضاً
بمنع الإجماع فإن أكثر الزيدية على خلافه ولهذا قالوا: في قول
الرجل لامرأته أنت طالب إن شاء الله ينظر فإن كان ممسكاً لها
بالمعروف لم يقع لأن الطلاق حينئذ مباح ولايريده الله وإلا وقع
لأنه واجب والله يريده.
فصل
ومن المتشابهات نوع يستدلون به على أن الله تعالى يمنع العباد مما
أمرهم به لأجل أنه كرهه ولم يرده.
قوله: (من حيث يفعل في داخل القلب).
فيه نظر لأن الختم في الحقيقة نوع من التغطية كختم الكتاب الذي هو
تغطية له لئلا يتوصل إلهي ولايطلع عليه ولعل المصنف لمح إلى ما روي
في الحديث من أن الرجل إذا عصى نكت في قلبه نكتة سوداء.
قوله: (فلم يقل ختم على قلوبهم من الإيمان).
يقال: سياق الآية يقضي بذلك وإلا فما المراد.
قوله: (فلا يشتغلون بإيراد الخواطر والألطاف).
فيه نظر لأن الألطاف من فعل الله وليست موكولة إلى الملائكة
والخواطر إنما هي في ابتداء التكليف ففي هذا التأويل تكلف.
قوله: (كما قال تعالى: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان}). حمل
الكتابة على ظاهرها وأنها تجعل علامة كما قال في تفسير الختم
والتحقيق أن المراد يكتب أثبت الإيمان فيها ووفقهم فيه وشرح له
صدورهم.
قوله: (نكت في قلبه نكتة) أي نقط فيه نقطة.
قوله: (قال الشاعر: أسم عما ساءه سميع). هذا يضرب مثلاً لمن يتغافل
عما يكره.
قوله: (ومثل هذا يقع الكلام في قوله: {وطبع على قلوبهم}).
(5/150)
الطبع في اللغة الرقم الذي لايزول عن محله بعد ثبوته ولهذا سمى
الطابع طابعاً وهو آلة ترقم فيها نقش فإذا وضعت على ما فيه رطوبة
انطبع فيه مثله وإذا وقع في الثوب شيء لايزول كالدهن قيل انطبع فيه
بمعنى أنه لاينفصل وتأويله على ما ذكره المصنف وقد ورد عنه صلى
الله عليه وآله وسلم: (( الطابع معلق بقائمة من قوائم العرش فإذا
اتنهكت الحرمات واستحلت المحارم أرسل الله الطابع فطبع على القلوب
بما فيها )) وفي حديث آخر: (( القلب مثل الكف المفتوحة كلما أذنب
ذنباً انقبضت إصبع حتى تنقبض الأصابع كلها فينسد على القلب فذلك هو
الطبع )) رواه الإمام يحيى في التصفية ولجار الله في كشافه كلام
على الختم والطبع لاينبغي لمريد التحقيق فيهما عدم الإطلاع عليه
والنظر إليه.
قوله: (وقد قال: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين}).
المعنى أنه يلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزءاً به غير مقبول كما لو
أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها، قلت: كذلك أنزلها باللئام يعني
مثل هذا الإنزال أنزلها باللئام مردودة غير مقضية وهو من سلكت
/455/ الخيط في الإبرة واسلكيه إذا أدخلته فيها ونظمته والضمير
للذكر وهو القرآن.
قوله: (ولم يقل لئلا يفقهوه).
ظاهره أن المحذوف الذي ينبغي تقديره اللام قيل: إن ولا النافية
بعدها والذي يقدره علماء العربية يضاف قبل أن فيقولون: ـقديره
كراهة أن يفقهوه أو نحوه.
قوله: (وللآية معان صحيحة أصح مما ذكره).
تفسير جار الله أنه حكاية لما كانوا ليقولوا به {وقالوا قلوبنا في
أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} كأ،ه
قال: وإذا قرأت القرآن جعلنا على زعمهم ومعنى كون الحجاب مستوراً
أنه ذا ستر أو هو لايرى فهو مستور أو حجاب يستر أن يبصر فكيف يبصر
المحتجب به.
قوله: (كما يقضي به سبب نزول هذه الآية).
(5/151)
يشير إلى ما ذكره الحاكم في تهذيبه من أن سبب نزولها أن قوماً
كانوا يؤذون النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بالليل إذا تلا القرآن
وصلى عند الكعبة يرمونه بالحجارة ويصدونه عن الدعاء إلى الإيمان
فحال الله بينهم وبينه والأكنة الأغطية جمع كنان.
قوله: (وتقديره لأن يفقهوه) إلى آخره.
في هذا الوجه تعسف وتكلف والذوق لايلتفت إليه ولا يساعد عليه.
قوله: (فإن قيل كيف يكون الكن والوقر مفعولين للفهم). الكن في
اللغة السترة والجمع أكنان وهي الأغطية والوقر الثقل في الأذن.
قوله: (والجواب المراد نقلب في الآخرة).
فيه نظر والظاهر أنه عطف على لايؤمنون تقديره: وما يشعركم أن هذه
الآية التي اقترحوها وأقسموا أن جاءتهم ليؤمنون بها لعلها إذا
جاءتهم لايؤمنون وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم أي نطبع على
قلوبهم وأبصارهم ولايفقهون ولايبصرون الحق كما كانوا عند نزول
آياتنا أو لايؤمنون بها لكونهم مطبوعاً على قلوبهم وما يشعركم أنا
نذرهم في طغيانهم أي نخليهم وشأنهم لانكفهم عن الطغيان حتى يعمهوا
فيه، هذا ما ذكره جار الله.
وقد قيل: إن نقلب مستأنف وليس ببعيد.
قوله: (ولأنه جعله عقوبة لكونهم لم يؤمنوا).
يعني أن قوله: {كما لم يؤمنوا} تعليل للتغليب وليس كذلك فإن الكاف
للتشبيه كما أشار إليه جار الله، وكما قال في المجيد أي لايؤمنون
به إنما بآياتنا كما لم يؤمنوا به أول مرة.
قوله: (ويجوز أن يكون المراد يسلب الألطاف) إلى آخره.
هذا هو الوجه على قواعد الأصحاب وجاري عادتهم في التأويل.
قوله: (والجواب لم يقل: سأصرفهم عن فهمها).
(5/152)
أما جار الله فاعترف بما حملها الخصم عليه فقال: سأصرف عن آياتي
بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم لايفكرون فيها ولايعبترون بها
غفلة وانهماكاً فيما يشغلهم عنها من شهواتهم ثم قال: وقيل سأصرفهم
عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون أن يبطل آية موسى بأن جمع
السحرة ويجوز سأصرفهم عنها وعن الطعن فيها والاستهانة بها وتسميتها
سحراً بإهلاكهم وفيه إنذار للمخاطبين من عاقبة الذين يصرفون عن
الآيات لتكبرهم وكفرهم بها لئلا يكونوا مثلهم.
قوله: (فهو على جهة الدعا).
يعني دعا عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عما في قلوب أهل الإيمان من
الانشراح.
قوله: (وأيضاً فإنما أخبره بأنه يقدر على ذلك).
يقال: بل أخبر بأنه يفعله وأن من شأ،ه فعله فإنه لم يقل أن الله
يقدر على أن يجعل.
قوله: (عبر بذلك عن الموت) هكذا فسره جار الله فقال: يعني أنه
يميته فيفوته الفرصة التي هو واجدها وهو التمكن من إخلاص القلب
ومعالجة أدوائه وعلله ورده سليماً كما يريده الله فاغتنموا هذه
الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله.
قوله: (كما قال طرفة: فلولا ثلاث) إلى آخره.
هو طرفة بفتح الطاء والراء بن العبد الشاعر المشهور سمي بالواحد من
/456/ الطرفا وهو شجر معروف، وأراد بقوله: وحدك الخط. وقيل: المعنى
حده نسباً، ومعنى: لم أحفل لم أبل، والعود: جمع عائد من عيادة
المريض وفي المتن عوادي، وهو وهم والثلاث قد صرح بها فيما بعد هذا
البيت حيث قال:
فمنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكرى إذا نادى المضاف محنباً ... كسيد العصا تنبه المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معـ ... ــجب بتهكنه تحت الخباء المعمد
وقد ضمن الإمام ص بالله عليه السلام بيت طرفة هذا بعض أشعاره وقال
بعد ذكر الثلاث:
فمنهن خلط الخيل بالخيل ضحوة ... على عجل والبيض بالبيض ترتدي
ومنهن نشر الدين في كل بلدة ... إذا لم يقم بالدين كل مبلد
(5/153)
ومنهن تطهير البلاد عن الخنا ... ورحض أديم الأرض عن كل مفسد
ثم قال عليه السلام بعد ذلك:
بذلك أوصاني أبي وبمثله ... أوصي بني أوحداً بعد أوحد
والغفل يستعمل في اللغة إلى آخره.
قال الجوهري: ويقال أرض غفل لا علم بها ولا أثر عمارة. وقال
الكسائي: أرض غفل لم تمطر، ورجل غفل إذا لم يجرب الأمور وفي
الأقداح ثلاثة غفل هو مما يوصف به الواحد والجمع والأقداح هي
الأزلام المذكورة في القرآن وتسمى الأقلام، كان من عادة الجاهلية
في القمار أن ينحروا جزوراً ويجعلونها ثمانية وعشرين جزءاً ويضربون
عليها بعشرة قداح مكتوب في كل واحد اسمه وهي على هذا الترتيب:
الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى،
والمنبح، والسفيح، والوغد. ويتساهم بها عرشة رجال فمن خرج له الفذ
أخذ جزءاً ومن خرج له التوءم أخذ جزأين فهكذا حتى ينتهي إلى المعلى
فيأخذ من خرج له سبعة أجزاء من الجزور وقد استكملت أجزاء الجزور
ومن خرج له أحد السهام الباقية الغفل التي لايصيب لها وهي المنبح
واثنان بعده، حمل ثلث ثمن الجزور فيحملها أهل الثلاثة الغفل ومن
عادتهم أن يجعلوا الأسهم في خريطة على يدي عدل فيجلجلها ثم يخرجها
واحداً واحداً باسم كل واحد منهم ويدفعوا ما حصل لهم من أجزاء
الجزور إلى الفقراء ولايأكلاو منها شيئاً ويذموا من لم يدخل في هذا
القمار ويسمونه البرم وهذا هو الميسر المذكور في القرآن قرن الله
ذكر القمار بالخمر تفظيعاً لشأ،ه.
قوله: (وفي الشيء الذي لا سمة له).
قال الجوهري: وذاته غفل أي لاسمة عليها.
قوله: (في قوله: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان}).
قد تقدم أن المصنف بنى على أن المراد فيه ذه الآية الكتابة
المعروفة وأن الذي ذكره المحققون أن المراد أثبت في قولبهم الإيمان
كما يثبت الشيء المكتوب والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل
ومن المتشابهات نوع يستدلون به على أنه تعالى يحمل العباد على
نواهيه ويوقعهم في معاصيه لأجل أنه أرادها.
(5/154)
قوله: (لأنه لاتأثير للشياطين في الإز).
يعني على قاعدتهم أن الأفعال كلها لله والإز والهز والاستقرار
بمعنى ومعناها التهييج وشدة الإزعاج أي تغريهم على المعاصي وتهيجهم
لها بالوساوس والتسويلات.
قوله: (هو التخلية والتسليط).
يعني بعدم المنع لهم عنهم ولو شاء الله لمنعهم قسراً.
قوله: (على جهة العقوبة والخذلان).
اعلم أن هذا كثيراً ما يتكرر في كلام الأصحاب أن الله سبحانه
وتعالى يجعل الخذلان وهو سلب الألطاف وترك فعلها والتخلية عقوبة
للعاصين وهو مناف لقواعدهم لأنه إن كان في المقدور لطف لهذا العاصي
فمن قواعدهم إيجاب فعله على الله والمنع من /457/ تركه له لأنه
عندهم إخلال بواجب وإ، لم يكن له لطف فلا معنى لكون سلب اللطف
عقوبة لأن فعل اللطف حينئذ كتركه بل لايسمى لطفاً ما لايلتطف به
فلا سلب وهذا واضح كما ترى وقد تكلف بعض المتأخرين الجواب عنه بأنه
لامانع من أن يكون في معلوم الله أنه لولا العصيان المتقدم من هذا
المخذول لكان يلتطف بهذا الفعل الذي سلبه فلما عصى تولد من معصيته
عدم لطفته ما كان لطفاً له لو لم يعص فكان ترك فعله وسلبه إياه
بسبب معصيته فعد ذلك عقوبة عليها وفيه تعسف كما ترى فإن العقوبة
إ،زال الضرر بالعاصي على جهة الاستحقاق لأجل معصيته وليس الضرر
الذي يناله بسبب فعل المعصية لا جزاء عليها بعد عقوبة كما لو قيل:
من لايستحق القتل فوقع السلاح الذي قتله به في شيء من جسده أو ناله
تعب بسبب القتل فإن ذلك لايعد عقوبة وإنما يتصور ما يذكرونه على
لاقول بعدم وجوب اللطف وأن الله سبحانه سلبه إياه مع تأثيره لو
فعله إياه عمن يعصيه عقوبة له ومكافأة على معصيته وليكن هذا على
بال منك فإنه كثيراً ما يرد في كلام العدلية القائلين بوجوب اللطف
وهو غير مستقيم على قواعدهم والله سبحانه أعلم.
قوله: (قالوا فدل على أنه قد أراد منهم الطغيان).
(5/155)
يقال: هذا خلاف ما أردت إيراده في الفصل هذا فإ،ك جعلته لما
استدلوا به على أن الله يحمل على نواهيه ويوقع في معصايه لا على
أنه يريد ذلك فموضعه الفصل الأول من فصول شبههم السمعية فكان
الأولى أن يقال: فدل على أنه تعالى يحملهم على الطغيان ويوقعهم
فيه.
قوله: (أن المد في الطغيان بالمعنى الذي ذهب إليه الخصوم غير معقول
في اللغة).
فيه نظر بل هو المعقول الظاهر وقد اعترف به إمام العدلية وعالمها
جار الله في تفسيره فقال: هو من مد الجيش وأمده إذا زاده فالحق به
ما يقويه ويكثره وكذلك مد الدواة وأمدها زادها ما يصلحاه ومدة
الشيطان في الغي وأمده إذا واصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه ويزداد
... كافية.
قال: ويحمل على أن الله لما منعهم ألطافهم التي يمنحاه المؤمنين
وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم تعنت قولبهم بتزايد الرين والظلمة فيها
تزايد الإنشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمي ذلك التزايد مدداً
وأسند إلى الله سبحانه لنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم أو على أن
يسند فعل الشيطان إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية
بينه وبين إغواء عباده.
قوله: (وإنما المد هو الإنساء في الأجل).
أنكر هذا الزمخشري ورده وقال: إن الذي بمعنى الإمهال إنما هو مد له
مع اللام كأملى له، وقال: فإن قلت ما حملهم على تفسير المد في
الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة لا يطاوع عليه. قلت: استجرهم على
ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى الله ما أسند إلى الشياطين ولكن
المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته وإلا كان منه بمنزلة
الأروى من النعام.
قوله: (كلام مستأنف أي في حال عمههم في الطغيان).
(5/156)
هذا كلام غير مستقيم فإن جعله مستأنفاً ينافي جعله حالاً فإن
الحال متعلق بما قبله وقيد من قيوده ولامعنى للاستئناف ههنا وأما
جعله حالاً فيستقيم على تفسير المد بالإمهال تقديره ويمهلهم حال
عمههم في طغيانهم عمهين والعمه كالعمى إلا أن لاعمى يستعمل في
البصر وي الرأي والعمه في الرأي فقط، وهو التحير والتردد أي
يتحيرون ويترددون.
قوله: (ولولا هذا لوجب أن يكون قوله يعمهون جواباً ليدمهم فيكون
مجزوماً /458/ والرفع دليل الاستئناف).
أقول: هذا كلام ما كان ينبغي أن يصدر عن مميز فضلاً عن مصنف إن
الجزم لامعنى له نهياً ولاموجب على أي تفسير وعلى كل مذهب في المد
فإن للجزم شروطاً ليست هنا يعرفها من له أدنى مسكة بالعربية وإنما
يعمهون جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير نمدهم أو من ضمير
طغيانهم لأنه مصدر مضاف إلى الفاعل وهو مرفوع اللفظ لتجرده عن
الناصب والجازم ومثل هذا لايجهله عالم.
قوله: (لم يستعمل المرض بمعنى الشك في اللغة).
يعني حقيقة فإنما حقيقته الألم.
قوله: (والمريض شاكاً). يقال: هذا لايجب لأنا وإ، جعلنا من معاني
المرض الشك فليس يلزم أن نجعل من معاني الشك المرض.
قولهك (وفي الغم مجازاً) وكذا في غير الغم من أعراض القلب كسوء
الاعتقاد والغل والحسد والميل إلى المعاصي والعزم عليها واستشعار
الهوى والجبن اولضعف وغير ذلك مما هو فساد وآفة شبيهة بالمرض، ذكره
جار الله قال: والمرادب قوله: {في قلوبهم مرض} ما في قلوبهم من سوء
الاعتقاد والكفر أو من الغل والحسد والبغضاء وزيادة الله إياهم
مرضاً أنه كلما أ،زل على رسوله الوحي فسمعوه كفروا به فازدادوا
كفراً إلى كفرهم فكأن الله الذي زادهم ما ازدادوه إسناداً للفعل
إلى المسبب له.
قوله: (والفاء كما يرد) إلى آخره.
(5/157)
كلام لا بأس به لكن المفهوم من سياق الآية المعنى الأول يعرف
ذلك بالذوق فإن المداد بالقرناء أخدانهم من الشياطين فلا يتصور أن
يقبضوا لهم لعكس تزيين معاصيهم إذ ليسوا مظنة لعكس تزيين المعاصي
ولايمكن من طلبهم من الكافر ذلك ولا أن يكون المراد مجرد الإخبار
وإلا فما الغرض من ذكر تقييض القرناء.
قال الجوهري: يقال قيض الله فلاناً لفلان أي جاءه به وأتاحه له
ومنه قوله سبحانه: {وقيضنا لهم قرناء}.
قوله: (والمعنى سنهلكهم).
قال جار الله: الاستدراج استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو
الاستنزال درجة بعد درجة والمعنى سنستدرجهم قليلاً قليلاً إلى ما
يهلكهم ويضاعف عقابهم من حيث لايعلمون ما يراد بهم وهذا التفسير هو
وجه تمسكهم بههذ الآية فإن ظاهره يطابق مذهبهم لكنهم بنوه على
الحقيقة والظاهر منه. والزمخشري بناه على المجاز وهو أن الاستدراج
أريد به أن واتر الله عليهم نعمه مع انهماكهم في الغي فكلما جدد
عليهم نعمة ازدادوا بطراً وجددوا معصية فيتدرجون في المعاصي بسبب
ترادف النعم ظانين أن مواترة النعم أثرة من الله وتقريب وإنما هو
خذلان منه وتبعيد فهذا استدراج الله نعوذ بالله منه.
قوله: (يقال درج فلان صبياً).
أي هلك ودرج الناس قرناً بعد قرن. وقال الجوهري: درج الرجل بمعنى
مضى لسبيله ودرج بنو فلان أي انقرضوا وفي الكشاف: درج القوم بعضهم
في إثر بعض.
قوله: (وقال الأعشى مهدداً).
أورده الزمخشري شاهداً على المعنى الذي ذكره وهو أنه بمعنى
الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة ليستدرجنك إلى آخره وهو أصح
ودليله ما قبله وهو:
فلو كنت في جب ثمانين قامة ... ورقيت أسباب السماء تسلم
فقوله: ليستدرجنك القول جمع فيه بين الاستصعاد من الجب والاستنزال
من السماء. ورواية الكشاف للبيت الثاني:
ليستدرجنك القول حتى تهره ... ويعلم أني عنكم غير مفحم
وتهره بفتح الهاء وكسر الهاء من هره يهره بمعنى كرهه وليس بالزاي.
(5/158)
قولهك (من أن المراد ازدادوا عندها).
أي ازدادوا كفراً لن الرجس هنا الكفر. قال جار الله: المعنى
فزادتهم كفراً مضموماً إلى كفرهم لأنهم كلما جددوا /459/ بتجديد
الله الوحي كفراً ونفاقاً ازداد كفرهم واستحكم وتضاعف عقابهم.
وافق الفراغ من زبره بين صلاتي العصرين من يوم الأربعاس لتسع ليال
خلون من شهر ربيع الآخر عام أربع وتسعين وثماني مائة هجرية.
وذلك على يد أفقر عباد الله إلى عفوه ورحمته المفتقر إلى كرم العفو
الصمد عبد القادر بن محمد عفا الله عنه وسامحه بمنه وكرمه.
ويتلوه في الجزء الثاني القول في الاستطاعة، نسأل الله الإعانة على
التمام، وأن يبلغنا في الصالحات قصارى السؤل والمرام والصلاة
والسلام على سيدنا محمد وآله الكرام.
(5/159)
السفر الثاني من كتاب المعراج إلى كشف أسرار المنهاج القاطع
بأمواس الحجاج أمراس اللجاج الكافل لطالب علم الكلام بقضاء كل حاج
الجزء الثاني
تأليف الإمام عز الدين بن الحسن
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين والحمدلله وصلواته على سيدي محمد وآله وسلامه.
القول في الاستطاعة
اعلم أن هذا الباب موضعه علم اللطيف لأنه في ذكر معنى نوع من
المعاني وهو القدرة وذكر بعض أحاكمها لكن لما كان الكلام فيه حسبما
يذكره ينبني عليه صحة مذهب العدلية وفساد مذهب الجبرية ذكر في باب
العدل من هذا الفن لأن من العدل أن الله تعالى ليس الفاعل لأفعال
العباد ومنه أنه تعالى لايكلف ما لايطاق وذلك كله ينبني على أن
القدرة متقدمة غير موجبة وأنها صالحة للضدين.
قوله: (بما يتوصل إليه بمشقة).
كان الأولى أن يقول: بما يتعلق من القدرة بالفعل الذي يلحق المشقة
بإيجاده لأن هذا الوصف يفيد إعمال محل القدرة في الفعل وثبوت
المشقة فيه.
فصل
قوله: (المقصود في هذا الباب) إلى آخره.
يقال: ظاهره حصر الغرض من هذا الباب على ما ذكره، والغرض المقصود
في الحقيقة تقرير ما تقدم من كون أفعال العباد منهم لأن القول
بإيجاب القدرة يقضي بأنها من الله تعالى إذ فاعل السبب فاعل المسبب
ولهذا فإن عادة أكثر المصنفي أن يلحقوا هذه المسألة بمسألة خلق
الأفعال ويجعلوها كالتتمة لها ولكن الذي ذكره المصنف يؤول إلى هذا.
قوله: (وخالفت المجبرة).
تحقيق خلافهم أن أكثرهم يذهبون إلى أنها توجب حال وجودها مطلقاً
وهؤلاء هم القائلون بمقارنتها ومتأخروهم كالجويني والغزالي والرازي
ذهبوا إلى أنها إنما توجب بشرط وجود الداعي فلا يوجبون مقارنتها إذ
قد يتأخر الداعي عنها.
(6/1)
وقيل: بل يقولون بإيجابها عند الشهوة والغضب فإما أن لم يكن شيء
من ذلك فلا يوجب، وإلى القول بإيجابها ذهبت الفلاسفة شاهداً
وغائباً، والمختار عندهم كالموجب في اعتبار مقارنة الأثر للمؤثر
وإيجابه لايفترقان إلا في الشعور لأن المختار يشعر بما يؤثر فيه
دون الموجب.
قوله: (لأنه لاجهة لها بخلاف الاعتماد).
يشير إلى أن إيجاب الاعتماد لمسببه في غير محله كما إذا رميت بحجر
فدفع حجر الآخر هو لكونه يختص بالجهة لأن الاعتماد لابد أن تكون في
إحدى الجهات الست، ولهذا المعنى تقرير يتعلق باللطيف.
قوله: (وإما أن يكون إيجاب العلل).
قد قيل: إن المجبرة تجعل إيجابها كإيجاب العلل للصفات الصادرة عنها
وشبهوه بذلك وبإيجاب الإرادة وتأثيرها فيو جوب الأفعال.
قوله: (والقدرة مشروطة بالبنية والحياة) إلى آخره.
يعني ومعلوم أن كثيراً من مقدورات القدر غير مشروطة بذلك كالأكوان
والاعتمادات لكنه يقال: إنما وجب ما ذكر به لكون معلوله العلة
يتوقف عليها وهي تتوقف على شرطها فيلزم توقف معلولها عليه والحاصل
توقف وجود مقدور القدرة كالكون وغيره على البنية والحياة وذلك
ملتزم بمعنى أنه لايحصل هذا الكون المعين الذي هو من مقدورات قدرة
زيد مثلاً إلا مع كون زيد حياً مبنياً بنية مخصوصة وأما أنه يلزم
ألا يوجد ذلك الكون إلا في محل مبنى بنية مخصوصة فغير لازم دائماً
لزوم ذلك في العالمية لأنها صفة تجمل لجملة ولايكون حمله إلا مع
الحياة والبنية مع أن العالمية تثبت للجملة كلها وليس كلها مبنياً
بنية القلب التي هي شرط في العلم.
قوله: (ولولا هذا لصح حصول العلة مع استحالة المعلول).
فيه نظر لأن ذلك إنما يلزم من القول بأن للمعلول شرطاً غير شرط
العلة لامن القول بأنه لايشترط فيه ما يشترط في العلة فهذا الكلام
إنما يورد حجة على القول بأن المعلول لايقف على شرط منفصل ولكن
المصنف وهم.
قوله: (فكان يلزم مثله في قدرة الباري).
(6/2)
يعني فيلزم قدم العالم إن كانت قديمة أو القول بحدوثها /3/ وهذا
الإلزام ينبني على مذهبهم في إثبات القدرة معنى في حق الباري.
قوله: (ونحو ذلك). يعني كإيجاب الصفة.
قوله: (بحسب أحواله) يريد القصد والداعي والكراهة والصارف.
فصل وأما الركن الثاني
قوله: (فقد ذهب أهل العدل إلى أنها متعلقة بالضدين).
تحقيقه أن أصحابنا يذهبون إلى أنها تتعلق من الأضداد في الوقت
الواحد بما لايتناهى والمراد جنس الد وفيما له ضد فيصح أن يفعل
القادر بقدرة في هذا الوقت المعين كوناً في هذه الجهة وفي هذه وفي
هذه وهكذا سائر الجهات ولايقع منه إلا على البدل لا على الجمع وأما
الضد الحقيقي فقد يتعلق القدرة به مع ضده على البدل أيضاً، وقد روي
عن الشيخين القول بأن لاسهو ضد للعلم، ولايقدر عليه وهذا يخالف
قاعدتهم في أن القدرة تتعلق بالضدين، وقد وافقهما أبو عبدالله في
قول له. وقال مرة: إنا نقدر عليه. وأما على قاعدة الجمهور من كون
السهو ليس بمعنى فإطلاقهم سليم عن النقض.
قوله: (وقال ابن الروندي) إلى آخره.
هذا مذهب بعض متأخرين المبجرة وقواه ابن الراوندي وعيسى الوراق
وحكي أيضاً عن أبي حنيفة واستبعد ابن متويه ذلك عنه.
قوله: (نحن نعلم بالضرورة) إلى آخره.
فيه نظر لأنه لامعنى لكون هذا دليلاً ولو علم ضرورة لاستغني عن
الاستدلال وقد ادعى الشيخ محمود أيضاً الضرورة في تقدم القدرة
لمقدورها بل ادعى أنه حاصل للمراهقين والبهائم. ونقل عن أبي الهذيل
ما يقضي بذلك وهو أنه قال: حمار بشر أعقل منه فإنه إذا حمله على
طفر جدول فإن كان ضيقاً ظفره وأن كان واسعاً امتنع منه فيعرف قبل
محاولة الفعل ما يقدر عليه وما لايقدر.
قال مولانا عليه السلام: ولايعزب أن دعوى الضرورة في هذه الأحكام
من قبيل الأوهام لن القدرة لاتعلم ضرورة فكيف يحكمها، ودعوى المصنف
أن الكلام يعلم على الجملة ضرورة لايفيد فإن كلامنا في إثبات هذه
الأحكام على سبيل التفصيل.
(6/3)
قوله: (يصح أن يوجدها الله في أحدنا وهو في المكان الأيسر).
وذلك أنه لاشيء يحيل ذلك فإن القدرة مما يختص القديم تعالى بالقدرة
عليه ولاتلحقه في صفة ذاته بغير ولامانع عن إيجادها وهو بالمكان
الأيسر ولامحيل له ولاضد لها فيقال أنه ممتنع وجودها حينئذ لوجوده.
قوله: (وهو المطلوب). وذلك لأن الحركتين في المكانين ضدان.
قوله: (وفي ذلك خروجها عما هي عليه). يعني صفتها المقتضاة.
قوله: (وإما أن تتعلق بالحركة في المكان الأيسر) لن انتقال محلها
اقتضى حينئذ اختلاف تعلقها.
وأما إذا قيل: بأيها تتعلق؟ قيل: أنها تتعلق بالحركة في المكان
الأيسر لأن انتقال محلها اقتضى حينئذ اختلاف تعلقها، وأما إذا قيل
بأنها تتعلق بالحركة في المكان الأيمن فلا اختلاف لكن يلزمهم عليه
عدم المقارنة لمقدورها لتعذر المقارنة حينئذ.
قوله: (فكيف يعترض) إلى آخره.
هذا مستقيم إلا إذا كان الدليل مثبتاً على تسليم مذهب الخصم
فاعتراضه عليه حينذ بنفس مذهبه صحيح.
قوله: (دليل لو لم يكن أحدنا قادراً على الضدين).. إلى آخره.
اعلم أن المصنف خرج في هذا الاستدلال إلى معنى آخر غير ما كان فيه
فإن أدلته الأولى واردة على مذهبه في كون القدرة متعلقة بالضدين
وهو الذي جعل هذا الباب باباً له واستدلاله هذا رجوع إلى مسألة
أخرى وهو أن القادر يصح أن يكون قادراً على الضدين إما بقدرة واحدة
أو قدرتين، ولعل الخلاف في المسألتين واحد.
قوله: (وقد يكون لاختلاف المتعلق) إلى آخره.
(6/4)
هذا وهم من المصنف فإن اختلاف المتعلق ليس هو المؤثر في اختلاف
العلمين وإنما اختلفا لما هما عليه كما في القدرة والعلم إذ
الاختلاف من أحكام الصفة الذاتية مطلقاً لكن اختلاف المتعلق كاشف
عن اختلافهما ودليل عليه وقد ذكر ابن متويه كلاماً في هذا المعنى
حاصله أن الاختلاف قد يكون لمجرد اختلاف الصفتين كالقادرية
والعالمية فلا يختلف بالموصوفين وقد تختلف باختلاف ما يوجبه ككونه
عالماً بمعلومين لا أنه يرجع الاختلاف إلى مجرد الصفة فلهذا صح في
الله أن يكون عالما /4/ بالأشياء كلها على التفصيل وله بكونه
عالماً صفة واحدة ولايعلم اختلاف صفتي الواحد منا بكونه عالماً
بمعلومين إلا بعد العلم بالمعنيين الموجبتين لهما وأنهما إذا
تغايرا أو اختلفا اختلفت الصفتان الموجبتان عنهما.
فصل وأما الركن الثالث
قوله: (فإنما وجب تعلقها بالضدين لكي يصح) إلى آخره.
فيه نظر لأنه يقتضي تعليل تعلقها بالضدين بذلك وليس كذلك فإن
تفاصيل التعلقات يعلم بأدلتها الواضحات ولايعلل بمثل هذه
التعليلات.
قوله: (أو يكون في حكم المقارن).
يعني بأن يقارن أول حرمته كإرادة كون الكلام خبراً فإن مقارنتها
لأول حرف منه كاف.
قوله: (وكما يجب تقدمه يجب أيضاً مقارنته). أما وجوب المقارنة
فلكونه مؤثراً في وقوع الفعل على وجه كما في الإرادة، وأما وجوب
التقدم فلكونه مؤثراً على سبيل الجواز كالقدرة إذ لايجب من العالم
بالكتابة إيجادها محكمة بخلاف الإرادة فإنها تؤثر على سبيل الإيجاب
إذ لايصح إرادة كون الكلام خبراً مع إيجاده غير خبر وخالف بعض
المتأخرين في ذلك وذهب إلى أن الإرادة غير موجبة وأن سبب ما ذكر
مقارنتها للداعي ومع حصوله والإمكان نفع الفعل على ذلك الوجه
لامحالة.
قوله: (فهو مضمن بضده بدلاً منه).
وذلك كالجوهر فإنه لما كان مضمناً بالحركة كان مضمناً بالسكون.
قوله: (لما احتاج الفعل إلى الآلة ولا إلى العلم إذا كان محكماً
ولا إلى الإرادة).
(6/5)
يقال: أما الآلة فالإلزام فيها مستقيم لأنه يحتاج إليها في وجود
الفعل وأما العلم والإرادة فلا يستقيم لن إيجاد الفعل لايتوقف
عليهما واقفعة على حصول الآلة مشروطة به فلا يرد عليهم شيء مما
ذكر.
قوله: (لاستحالة انفكاك أحدهما عن الآخر).
يعني فيفارقان بذلك السبب المقارن والمسبب لأنه يمكن انفكاك المسبب
عنه بعدم شرط أو وجود مانع وهم لايقولون بذلك في القدرة والمقدور
ولاترد العلة ومعلولها لأن العلة بالتأثير أولى لأنها ذات والمعلول
صفة أو حكم ولهم أن يقولوا ليس الاقتران وعدم الانفكاك يقتضيان عدم
تميز المؤثر عن الأثر ألا ترى أن كثيراً من المقتضيات لاتنفك عن
مقتضاها ولايقضي ذلك بعدم التميز ونحن نعلم أنه لايصح كون الحركة
مثلاً موجبة للقدرة إذن للزم أن نوجبها للجماد وكذلك الاعتماد وغير
الاعتماد فيتأمل.
قوله: (إلا إلى ضد أو ما يجري مجراه).
يعني إلى ضد وهو العجز إن ثبت، يعني على ما يقوله بعض الشيوخ، أو
ما يجري مجرى الضد وهو ضد ما تحتاج القدرة إليه كتفريق البنية التي
تحتاج إليها القدرة وتتوقف عليها.
قوله: (فيجب استمرار قدرة الباري تعالى).
أراد قادريته وإذا ثبت استمرار الصفة فهو دليل على استمرار ما يؤثر
فيها في بعض المواضع وبقائه، فإن هذه قاعدة مطردة منعكسة أن كل صفة
تستمر ولاتتجدد فالعلة التي تؤثر فيها كذلك وبالعكس والله أعلم.
قوله: (فإذا طولب أحدنا برد الوديعة) إلى آخره.
حاصل هذا الدليل أنه لو لم يكن قادراً حال الأمر لم تحسن مطالبته
ولو لم تكن قدرته باقية من حال الأمر إلى الوقت الذي كان يمكنه فيه
قطع تلك المسافة لم يحسن ذمه وقوي هذا الدليل ابن متويه لايقال
إنما حسن ذمه لأنه لم يقطع أقرب الأماكن إليه لأنه لو انتقل إلى
أقربها إليه حصلت له قدرة على المتأولة لأنا نقول: إنما ذمه
العقلاء على أنه لم يرد الوديعة لا على ما ذكر، ولو كان الذم لأجله
كان موجهاً إليه.
(6/6)
قوله: (ولانتقلت علينا في العلم بالكتابة) إلى آخره.
هذا إشارة إلى سؤال يرد على هذا الدليل هو .... ما أوردوه وهو
المعارضة بالعلم وتقريره أن أحدنا إذا أمر بالكتابة فلم يفعل ومضى
من الوقت ما لو فعلها فيه لوسعها فإنه يحسن ذمه على ترك ذلك وهي
تفتقر إلى العلم فيجب أن يحكم ببقاء العلوم إذ لو لم يكن عالماً
حال الأمر لما حسن أمره ولولا بقاء علمه إلى مضي /5/ الوقت الذي
يمكنه فيه الكتابة لما حسن ذمه وأنتم لاتقولون بذلك.
قوله: (سواء كان أحدنا في المكان الأول أو العاشر).
يعني لأن تأثي العلم تأثير الشروط فمتجدده كباقيه ويقوم بعضه مقام
بعض بخلاف القدرة فمتجددها ليس كباقيها لأن الباقية منها مقدوراتها
واحدة وأما إذا تجددت فللقدرة المتجددة الحادثة مقدورات غير
مقدورات الأولى.
قوله: (فإن تأثيرها هو تأثير حقيقي).
يعني فمتى أمر أحدنا بالفعل في المكان العاشر وهو في المكان الأل
فهو مأمور بما هو غير قادر عليه على القول بأنها لاتبقى إذ الخصم
يزعم أن أحدنا وهو في المكان الأول غير قادر على الكون في العاشر
والفرق واضح ومعنى كون تأثيرها حقيقياً أنه تأثير في الإيجاد وهو
تأثير الفاعلوتأثير العلم في الأحكام وهو غير حقيقي لأنه تأثير شرط
وإلا فالتأثير فيه على التحقيق للقادرية.
قوله: (فصرح بأن الذي يقدر على الصوم ولايفعله عليه فدية).
هكذا كان الأمر في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يكونوا قد
تعودوه فشق عليهم ذلك فرخص الله لهم في الإفطار والفدية والأولى أن
معنى يطيقونه هنا أنه لايضرهم ولايتعذر عليهم ويعضده أن لاصيام ليس
أمراً ثبوتياً بل معناه عدم الأكل والشرب والنكاح والإمساك عن
المفطرات والقدرة لاتتعلق إلا بفعل.
قوله: (وهذه مباهته).
هي مفاعلة من البهت فقال: بهته بهْتاً وبهَتاً وبهتاناً أي قال
عليه مالم يفعله ولامعنى للمفاعلة هنا وإنما أراد المبالغة
والمقصود معنى البهت.
فصل
(6/7)
قوله: (إذا ثبت وجوب تقدم القدرة) إلى آخره.
هذا الفصل فرع لما قبله لأنه لما ثبت أن القدرة متقدمة أراد أن
يبين قدر تقدمها وحال المقدورات في ذلك يختلف بحسب اختلاف وجوهها
وهي تنقسم إلى مبتدأ ومتولد فالمبتدأ كالإرادة يجب تقدم القدرة
عليه بوقت بمعنى أنها توجب في الوقت الأول وفيه يصح الفعل بها ثم
يوجد بها الفعل في الوقت الثاني، وقيل: بل توجد في الوقت الأول
ويصح بها الفعل في الوقت الثاني ثم يوجد بها الفعل في الوقت الثالث
ذكره في شرح النفحات للفقهي حميد، وأما المتولد فهو ينقسم إلى
متراخ وغير متراخ بالذي لايتراخى كالتأليف والألم حكمه حكم المبتدأ
لأن وقته وقت سببه والمتراخي كالإصابة مع الرمي إن كان سببه مبتدأ
وجب تقدم القدرة على سببه بوقت وسببه يتقدم عليه بوقت فتتقدم القدر
عليه بوقتين ثم إذا كان ذلك المسبب سبباً تقدمت القدرة على مسببه
بثلاثة أوقات وعلى هذا فقس.
قوله: (مع الوقتين المذكورين).
يعني وقت وجود السبب والوقت المتقدم على وجوده.
تنبيه
(6/8)
اعلم أن كلام المتكلمين قاض بأنه لايصح تقدم القدرة على مقدورها
إلا بما ذكر فما لم يوجد من المبتدأ والمسبب غير المتراخي في الوقت
الثاني من وجودها فقد مضى وقت وجوده وخرج عن كونه مقدوراً وتعذر
وجوده بمضي وقته فمقدور القدرة ليس له إلا وقت معين إن وجد فيه
وإلا فقد خرج عن كونه مقدوراً ويلزم عليه أن كل قدرة توجد فلا
يتهيأ بها فعل شيء من المبتدآت والمسببات الغير المتراخية إلا في
الوقت الثاني من وجودها ولا المتراخية إلا في الوقت الثالث ونحوه
فإذا لم يفعل بها شيء في هذين الوقتين مما ذكر فقد صار وجودها
وبقاؤها كعدمها ولم يبق لها تأثير ولا للقادر بها انتفاع وأن فعل
في الوقت الثاني مبتدأ واحداً شغل به ذلك الوقت فلا تأثير لها في
غيره وإنما تحتاج إلى قدرة توجد فيه من بعد وفي هذا من البعد ما
لايخفى وقد احترز المصنف رحمه الله عن ذلك بقوله: (أولاً فإنما يجب
تقدم القدرة عليه بوقت واحد) ولم يقل كقولهم لايصح تقدم القدرة
عليه إلا بوقت واحد ثم نبه عليه بما ذكره حيث قال: وهل يجوز تقدمها
على المبتدأ بأكثر من وقت واحد إلى آخره.
وقد جرد الكلام في ذلك بما لامزيد عليه والله ولي التوفيق.
فصل في ذكر بعض ما يلزمهم
قوله: (متى يقدر أحدنا على /6/ الانتقال من الشمس) إلى آخره.
يقال عليه: توجد القدرة عليه حال مصيره في الظل في المحترك فإن
الحركة توجد فيه حال مسيره في الجهة الثانية التي انتقل إليها،
ولايقال: قد استغنى عن الحركة وبالجملة فالقدرة على القول بإيجابها
كالحركة في إيجاب الانتقال والحق أن الحركة والمصير في الجهة
الثانية يقعان في وقت واحد فكذلك يقول الخصم في القدرة على
الانتقال إلى الظل والانتقال إليه يقعان كذلك في وقت واحد.
قوله: (هل يقدر على ذلك مثل وقوع الطلاق والعتق أو بعده). يقال: بل
حاله.
قوله: (شاطي دجلة) دجلة بكسر الدال المهملة وسكون الجيم نهر بغداد.
(6/9)
قوله: (أليس لايقدر جبريل على حملها) يعني على قاعدتكم لأن
قدرته علىحملها وجدت فيه لوجب وقوعه منه.
قوله: (أقدر على قتلها وهو حي) إلى آخره.
يقال: قدر على ذلك حال القتل وهو تفريقه لبنية نفسه وهو حينذ حي
وليس فيه دلالة على ما نقوله من تقدم القدرة.
قوله: (ولو قدروا عليه لكانوا أكفر خلق الله وأظلمهم).
كان الأولى أن يقول: لكانوا كفرة وعصاة أو يقول: أولاً أليس
الأنبياء والملائكة ما تركوا أن يكونوا أكفر خلق الله وأظلمهم رجاء
لثواب الله وهكذا في قوله: فكانوا أفضل خلق الله وأتقاهم.
قوله: (فيقال مامعنى قوله تعالى: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم}).
كان الأحسن أن يقول: فينبغي أن ينفعهم ذلك ويفوزوا به لقوله تعالى:
{هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم}.
فصل في مناظرات جرت في هذا الباب
قوله: (فقال مجبر).
هذا بكسر قولنا في الاستطاعة كسره لقولهم غير واضح إلا أن يكون من
جهة أنه أمرهم ولو كانت القدرة موجبة لم يكن لهم اختيار فلا معنى
للأمر.
قوله: (قال .....). هذا القائل لاحظ له في الإسلام.
قوله: (فخذ تلك الصعوة) قيل: هي عصفور أصفر والناسق من الطيور التي
تقبل التعليم ويصطاد بها وهو أكبر من الصقر بقليل.
قوله: (قد فعل ذلك بهم) أي العذاب.
فصل في شبههم
اعلم أنها على ثلاثة أضرب).
ضرب استدلوا به على أن القدرة موجبة وضرب استدلوا به على أنها غير
صالحة للضدين وضرب استدلوا به على أنها مقارنة، وقد رتبت شبههم
العقلية على هذا الترتيب، وأما ما استدلوا به من السمع في آخر
شبههم فهو يصلح متمسكاً لهم في إيجابها في مقارنتها لأن حاصلة
الأخبار بعدم حصول الفعل لعدم حصول القدرة وذلك عندهم يدل على أنها
لو وجدت لوجد فتوجبه وتقترن بها أما الشبهة الأولى ففيها ركة وليست
جديرة بأن تسطر ولاتصدر.
قوله: (القادر واختياره).
يعني ويكون المخصص إرادته.
قوله: (توضيحه أن ذلك المعنى المقدر) إلى آخره.
(6/10)
يقال: ليس في هذا ما يمنع ما أورده الخصم بل هو تأكيد لكلامه
لأنه أراد أن يلزم ما هو غير صحيح ولايلتزم.
قوله: (وأيضاً فكان يكون تعلق الإرادة بالمرادات واجباً) إلى آخره.
فيه نظر من وجهين أحدهما أنه لايناسب ما تقدم، ولايصلح وجهاً في
الرد لشبهتهم وما تبعها من سؤالاتهم المقدرة. الثاني: أن تعلق
الإرادة بالمراد من الأمور الواجبة لأنه حكم صادر عن صفتها
المقتضاة والحكم بوجوب التعلق لايقتضي وجوب المتعلق فلا يلزم ما
ذكره وليتأمل.
وله كالحال في سائر الموانع يعني كالقيد المانع للقادر على المشي
عنه والمطيق عليه في نحو .... بحيث لايتمكن من الاحتراك إلى جهة من
الجهات.
قوله: (لأن مع تغاير المتعلق يزول التضاد).
وذلك لأن تضاد الجنس الواحد مما يتعلق لايكون إلا مع اتحاد المتعلق
وانعكاس التعلق كاعتقاد أن زيداً في الدار واعتقاد أنه ليس فيها
وأما إذا تغاير المتعلق فلا تضاد ويقضي بالاختلاف كاعتقاد أن زيداً
في الدار واعتقاد أن عمراً في المسجد فإن اتحد المتعلق ولم ينعكس
التعلق فإنه يقضي بالتماثل كاعتقادين يتعلقان بكون زيد في الدار.
قوله: (اتحاد المتعلق فيما يتعلق).
يعني مع تعاكس التعلق كما سبق.
قوله: (لو تعلقت بالضدين لانقطعت /7/ الرغبة عن الله تعالى).
جعل هذه الشبهة في الشرح مما يقضي بالمقارنة فقال واحد ما يتعلقون
به أن القول بتقدم القدرة لمقدورها يوجب انقطاع الرغبات عن الله
تعالى أرادوا أنها إذا كانت متقدمة وباقية انقطعت الرغبة في أن
يفوتنا على ما كلفنا إذ لاحاجة لنا إليها لوجودها من قبل وبقائها،
وهذا بسبب ما ذكره المصنف من أن صلاحيتها للضدين يوجب انقطاع
الرغبة إذ لاوجه يعقل لإيجاب الصلاحية لذلك، وأما جوابه فحسن ومما
أجيب به أن من العدلية من لايقول ببقاء القدرة فتكون الرغبة في
تجديدها حالاص بعد حال كما يقوله أبو القاسم وأصحابه البغدادية.
قوله: (لأن ألا يفعل عندنا جهة كافية في استحقاق المدح والذم).
(6/11)
يعني فمع فرض خلوه عن فعل الشيء وضده لايلزم خلوه عن الطاعة
والمعصية لأنه بعدم فعله للطاعة عاص، وبسبب عدم فعله للمعصية مطيع
كما لو فعل طاعة ومعصية.
قوله: (فهو يجيزه عند حصول مانع).
مثاله ما تقدم من المطبق عليه في تنور فإنه صار ممنوعاً عن الحركة
وذلك ظاهر وعنده إنما منع من الشيء منع من ضده فلا يفعل السكون
فصار حينئذ خالياً عن الأخذ والترك.
قوله: (فقد خالف حاله حال المجبرة).
يعني في قولهم لايجوز الخلو عن الأخذ والترك لأنهم لايجيزونه بحال.
قوله: (وعند سلامة الحال لابد من كونه فاعلاً عند أبي علي).
يعني ولا فرق حينئذ بين قوله وقولهم لكنه يمكن الفرق بأنه يجيز ذلك
بل يوجبه حال وجود القدرة لأنه يوجب تقدمها وهم يوجبون عدم الخلو
في أول أوقات وجودها وبأنه يقول بعدم خلوه عن الأخذ والترك من غير
تعيين لأحدهما وهم يقضون بالتعيين لأن القدرة لاتصلح للضدين عندهم
وبأنه يجيز الخلو في المتولدات ولم يذهب إلى ذلك إلا في المبتدأ
وهم يطلقون ولايفرقون.
وقد حكى ابن متويه عن الجاحظ جواز خلو القادر بقدرة عن الأخذ
والترك إذا كان ساهياً ومنع من ذلك في العالم.
قوله: (لكن قد حصلت الدواعي والوصارف على أبلغ الوجوه).
يعني لن من لازم التكليف بالطاعة وترك المعصية تعلق الشهوة
بالمعصية والنفرة بالطاعة فيكون ذلك داعياً إلى المعصية وصارفاً عن
الطاعة والعلم بما يحصل في الطاعة من الثنا والثواب وفي المعصية من
الذم والعذاب داع إلى الطاعة وصارف عن المعصية فتتعارض الدواعي
والوصارف ويختلف المكلفون في رجحان ما ترجح منها فمن رجحت دواعيه
إلى الطاعة آثرها، ومن رجحت دواعيه إلى المعصية آثرها، ولايمكن
الخلو مع حصول الدواعي لأن القادر المتمكن من الفعل إذا حصل داعيه
استمر حصول الفعل عنده.
قوله: (وفي استحالة تعلقها بغير المقدور المعين) أي تعلق قدرتنا.
قوله: (أو صار في حكم الواقع).
يعني بوقوع سببه الموجب له.
(6/12)
قوله: (كاليد والرجل). يعني للبطش والمشي.
قوله: 0قلنا الذي يحتاج إليه عند الصحة) إلى آخره.
لو أجيبت هذه الشبهة بأن يقال مسلم ما ذكرته فالذي يحتاج إليه في
صحة الفعل حصول القدرة والذي يحتاج إليه عند وقوع القصد والداعي
لكان جواباً جيداً.
قوله: (أما أبو علي فأوجب تقدم المنع) إلى آخره.
اعلم أن المصنف لم يلخص العبارة هنا ولايخلو كلامه عن انضراب فإن
ظاهره يقضي بأن الخلاف بين أبي علي وسائر الشيوخ في المنع مطلقاً
وأن المنع إنما يكون بالضد أو ما يجري مجراه وليس كذلك فإن الضد
وما يجري مجراه قسم من أقسام المنع والخلاف بين أبي علي وسائر
الشيوخ في هذا القسم دون غيره ومثال المنع بالضد أن يوجد أحدنا في
جسم سكوناً حال ما يحاول غيره تحريكه.
(6/13)
ومثال الجاري مجراه أن يحدث أحدنا في آخر الجسم تفريقاً في حال
ما يحاول الغير تأليفه لأن التفريق يجري مجرى الضد للتأليف لأنه
يضاد ما يفتقر التأليف إليه ويتوقف عليه وهو الاجتماع وحجة أبي
هاشم والجمهور أن الضد إما يجري مجراه إذا تقدم فإن عدم لم يمنع
وذلك ظاهر وإن بقي فالثاني لاتأثير له في المنع لأن تأثير الضد في
نفي ضده ليس إلا في حال حدوثه بخلاف القدرة فإنها تقتضي صحة الفعل
بها في ثاني /8/ وجودها فوجب تقدمها، وكذلك العجز لو فرض معنى
يقتضي عكس ما يقتضيه وهو الإحالة في الثاني فيجب تقدمه وهذا فيما
يمنع بنفسه كالسكون في منع الحركة، فأما ما يمنع بموجبه كالاعتماد
المانع من جذب الحبل إلى جهة أخرى بما يوجبه من الكون في خلاف تلك
الجهة فلا بد من تقدمه ويمنع مع بقائه كالنقل في الحجر المانع من
تحريكه، والقسم الثاني من المنع هو ما لايكون بضد ولا ما يجري
مجراه، وهو أيضاً ينقسم إلى ما يكون بعدم آلة كمنع عدم القوس
والسهم عن الرمي وعدم القلم والمداد عن الكتابة وإلى ما ليس كذلك
كالقيد والحبس في المنع عن المشي، وعلى اليد في المنع عن البطش،
وليس هذا النوع نم المنع بمحل للخلاف بين الشيوخ فاعلم ذلك.
قوله: (حكمه القدرة في وجوب تقدمه).
وذلك لأنه يوجب من الأحكام ضد ما توجبه القدرة فإذا كانت توجب صحة
الفعل في الثاني كان موجباً لاستحالته في الثاني وظاهر كلام المصنف
المنع عن وجود الفعل حال العجز عنه مطلقاً، وليس كذلك فإنه يجوز في
المسبب المتراخي كالإصابة بعد الرمي أن يقترن بها العجز عنها كما
يجوز أن يقترن بها خروج الرامي عن كونه حياً وعن كونه حمله بل عن
الوجود على القول بأن الفنا الواحد ليس ضداً لكل جسم.
قوله: (في أن التفرقة حاصلة بأمر متقدم).
يعني وهو فعل القبيح لأنه لايستحق الذم إلا من يأتي وجوده من جهته
وما بعده.
قوله: (أو ممنوعاً أو ممتنعاً).
(6/14)
ذكر ابن متويه أن الممتنع هو من فعل في نفسه ضد الفعل الممتنع
منه. قال: ولايكون ذلك إلا في المباشر من الأفعال ولايدخل في
المتولدات ولا في أفعاله تعالى وبهذا يفارق الممنوع ويفارق
الامتناع المنع وهذا مجرد اصطلاح، وأما في اللغة فالظاهر أن امتنع
مطاوع منعته يقال: منعته عن كذا فامتنع نحو كسرته فانكسر فمعنى
كونه ممتنعاً أن غيره فعل ما يمنعه عن الفعل فتم امتناعه عنه ولم
يتمكن من دفع المنع.
قوله: (فهذا تقسيم للشيء على نفسه وعلى ضده).
فيه نظر لأنه قسم القادر إلى فاعل لما قدر عليه أو فاعل لفعل يمنع
عن ذلك أو ممنوع عن فعل ما قدر عليه وهذا ما لا غبار عليه فإن
الفاعل غير القادر والممنوع غير العاجز إذ يصح منه الفعل والمنع
إنما منع عن وقوعه.
قوله: (إن أردتم أنه يصح وجود الفعل مع العجز عنه فغير صحيح).
قد تقدم أنه يصح ذلك في بعض الأحوال.
قوله: (فكذلك لايصح وجوده مع القدرة عليه).
ظاهره يقضي بأنه لايوجد الفعل بالقدرة إلا حال عدمها ولم يرد
المصنف ذلك وإنما أراد أنه لايصح وجوده مع كون القدرة قدرة عليه
لأنه حال وجوده قد خرج عن كونه مقدوراً وعن تعلقها به، وأما أن
الفعل يصح أن يوجد مع بقاء القدرة المؤثرة فيه واستمرار وجوداه
فظاهر.
قوله: (إنما يدل على أنه كان قادراً).
يعني ومقارنة الدليل لهذا المدلول لانفع لكم فيه.
قوله: (ثم ننظر في هل استمر به هذا الوصف أم لا).
كأنه احتراز عن أن يقال: فيلزم في حق الباري ألا يعلم إلا أنه كان
قادراً فنبه على أن معرفة استمرار قادريته بنظر آخر وهو أن قادريته
يستحقها لذاته ولايجوز الخورج عن صفة الذات.
قوله: (ولسنا أيضاً نسلمه).
(6/15)
أي نسلم وجوب مقارنة الدليل للمدلول بل قد يقارن كدلالة المعلول
على العلة والمقتضيات التي لاتقف على شرط على المقتضي أو ما ثبت
على شرط يقترن بالمقتضي ومنها ما يتأخر الدليل فيه عن المدلول
كالمعجز والفعل ومنها ما يتقدم الدليل فيه على المدلول كإخبار الله
تعالى بقيام الساعة وكدلالة السبب الذي يتراخى مسببه عنه عليه
كدلالة الرمي على الإصابة حيث لامانع ومنها ما يجوز فيه الأمران
وهي الأسباب أ, المقتضيات التي تقارن وتقف على شروط.
قوله: (وإنما يحصل حال الفعل استحقاق الولاية).
فيه نظر والأقرب أن الاستحقاق أيضاً إنما يثبت في الوقت الثاني من
الفعل لأن الفعل يقتضيه فيه وقد دل على ذلك قولهم في حد الاستحقاق
هو /9/ حسن أمر أو وجوبه لأجل أمر متقدم.
قوله: (كاليد والعين واللسان). يعني في البطش والإدراك للمرئيات
والكلام.
قوله: (كاللسان للكلام). هذا مثال المحل الحقيقي فإن اللسان محل
الكلام فوجبت مقارنته ووصله إليه من حيث أن الكلام إنما يقع
متولداً عن الاعتماد الحاصل فيه في الوقت الأول فوجب تقدمه.
قوله: (واليد للبطش) يمكن جعلها مثالاً للمحل لأن الاعتمادات حالة
فيها ويمكن جعلها مثالاً للجاري مجرى المحل إن جعلنا البطش لما
يحدث في المبطوش به من الاعتمادات والأكوان ويكون جعلها جارية مجرى
المحل من حيث يفتقر إلى مماستها للمبطوش به واتصالها بجسده.
قوله: (والعين للإدراك عند من يجعله معنى).
لاكلام في كونها على هذا القول محلاً وأما عند من لايجعله معنى
فليست بمحل وهل تجعل جارية مجرى المحل لايتعدد ذلك لكون الإدراك
الذي هو صفة حاصلاً للجملة التي هي بعض منها وهي أخصها به لحصوله
بها.
قوله: (والسكين للقطع).
(6/16)
هذا المثال الصريح للجاري مجرى المحل لأن التفريق محله أجزاء
المقطوع وإنما كان جارياً مجراه لأن الذبح إنما يحصل بتخلل السكين
بين أجزاء المذبوح ولهذا وجبت فيه المقارنة ووجب التقدم لمثل ما
مضى في اللسان فإنه لابد من تقدم الاعتماد فيه الذي يتولد عنه
التفريق.
قوله: (وبهذا شبه البغداديون القدرة) إلى آخره.
يقال: كيف تصح مقالة البغداديين هذه وهي تستلزم القول بتقديم
القدرة لإيجابهم حصولها في وقت متقدم على وجود الفعل وفي وقت وجوده
فيصير لها في الوجود وقتان ومن مذهبهم أن القدرة غير باقية وهذا
سؤال لاجواب لهم عنهن وأكثر ما يمكن أن يتمحل لهم القول بأن بعض
القدر تخالف بعضاً ذكره ابن متويه ولا فرج لهم فيه فإن القدرة
الثانية ليست قدرة على ذلك لافعل بل هي قدرة على غيره فإن كان ذلك
مرادهم فمرجع كلامهم إلى أنه لابد من تقدم القدرة وأن يوجد مقدورها
وللقادر قدرة أخرى على غيره وهذا كلام لا ثمرة له.
قوله: (كصلابة الأرض للمشي).
الأرض محل لما يحدث الشيء فيها من الاعتماد والأكوان وجارية مجرى
المحل لما في الرجل من ذلك وهو المشي الحقيقي وإنما كانت جارية
مجرى المحل لأنه لابد من مماسة الرجل للأرض واستقرارها عليها.
قوله: (الظاهر يقتضي أنه لايستطيع في المستقبل).
يقال: بل هو صريح في ذلك لايحتمل غيره لأن لن للنفي في المستقبل
منصوص ذلك في كتب الأدب. قال بعض علماء العربية مالفظه: لن حرف نصب
ونفي واستقبال. وقال ابن مالك: وينصب المضارع بلن مستقبلاً وغير
ذلك من نصوصهم.
القول في استحالة البدل عن الموجود الحاصل
وجه اتصاله بما تقدم ما أشار إليه المصنف بقوله: (لما ألزمهم
أصحابنا) إلى آخره.
(6/17)
واعلم أن مذهب العدلية وكثير من غيرهم أنه لايجوز البدل عن
الموجود الحاصل لكن مامن موجود له ضد إلا وكان يصح وجود ضده بدلاً
عنه قبل وجوده لا حاله وأجاز حسين بن محمد النجار ويغره من الجبرية
وجود الإيمان حال الكفر فجوز العدل عن الموجود الحاصل.
قال الحاكم: وهو أ,ل من أجازه فراراً من أن يلزمه على قاعدته في
إيجاب القدرة تكليف ما لايطاق، واعلم أن للبدل وصحته على ما يقوله
أصحابنا شرائط أحدها أن يكون البدل والمبدل لايصح اجتماعهما في
الوجود بأن يكونا ضدين فإن كانا مثلين أو مختلفين صح الجمع بينهما
ولم يدخل فيهما البدل ونص الأصحاب على أنه لابد أن يكونا ضدين
ولايبعد أن الجاريين مجرى الضدين كذلك كالتأليف والتفريق.وثانيهما
أن يكونا معدومين ولايكون أحدهما موجوداً لأنه إذا صار موجوداً لم
يقل فيه يصح أن يوجد بدلاً عن ضده إذ الموجود لايصح أن يوجد تابعاً
ولايصح وجود المعدوم بدلاً عنه لأن وجوده قد حصل والبدل لايصح إلا
عما لم يحصل. وثالثها: أن يكونا مستقبلين فإن قيل اشتراطكم لعدمهما
يعني عن /10/ هذا. قلنا: بل لابد منه لأنه لو حضر وقت وجودهما ولم
يوجدا فهما معدومان غير مستقبلين ولايصح البدل فيهما لأنه قد تعذر
وجودهما من بعد.
ورابعها: أن يختصا بوقت واحد، فإن لم يتحد الوقت فالجمع بينهما في
وقتين ممكن.
وخامسها: أن يكونا مقدورين لقادر واحد. ويعرف بما ذكرنا أن البدل
والمبدل عنه في الاصطلاح موضوعان لمقدورين ضدين أو ما في حكمهما
متعلقين بقادر واحد يختار إيجاد أحدهما في وقتهما المخصوص.
قوله: (لجاز مثله في صفات الأجناس).
يعني الصفات المقتضاة نحو كون الجوهر متحيزاً والسواد هيئة تجمع
الشعاع والبياض هيئة تفرق الشعاع، هذا اصطلاحهم إذا أطلقوا صفات
الأجناس، وأما المصنف فيقضي ما ذكره بعد بأنه أراد بها الصفات
الذاتية كالجوهرية والسوادية.
قوله: (بخلاف وجود الكفر).
يعني فإنه جائز لاواجب.
(6/18)
قوله: (هذا فرق من وراء الجمع).
يعني لأن الجامع هو ثبوت المبدل عنه وقد حصل الاشتراك فيه والوجوب
أو عدمه أمر آخر من وراء ذلك.
قوله: (وبعد فتأثير القدرة عنده على جهة الإيجاب).
لايقال أنه وإن كان كذلك إلا أن القدرة في الأصل حصولها جائز فإنا
نقول هذا فرق من وراء الجمع كما تقدم نعم مما يجاب به أصل السؤال
في الفرق بين صفات الأجناس وبين مسألتنا أن مذهب الخصوم فيها أنها
جائزة ثابتة بالفاعل فلا يستقيم الفرق.
قوله: (لجاز عن الماضي) إلى آخره.
يرد عليه سؤالان الأول أن المبدل عن الماضي يمنع منه مجالان الوجود
والمضي ففارق ما ذكرنا.
وجوابه أن وجه الإلزام اشتراكهما في أن كل واحد منهما ثابت ولا فرق
في ذلك بين الحاصل والماضي وما ذكروه فرق من وراء الجمع. الثاني أن
من شرائط البدل والمبدل أن يختصا بوقت واحد فيمتنع في الماضي لفقد
هذا الشرط وأجيب بأنا نصور ذلك مع اتحاد الوقت كأن يقول القائل:
أكلت الآن بدلاً من الأكل الواقع بالأمس على معنى أنه يجوز ألا يقع
بالأمس بل يقع الآن بدلاً من الوقوع الماضي وليس بواضح بل الأحسن
في الجواب أن يقال إذا جوزتم البدل مع وجود أحد البدلين فجوزوه مع
اختلاف الوقتين فإن عدمهما شرط كاتحاد وقتهما فإذا لم يعتبروا ذلك
الشرط حسن ألا يعتبروا هذا فليس بعد أحدهما في العقل إلا كبعد
الآخر.
قوله: (يجب عدمه).
يعني يلزم أن يكون حينئذ معدوماً إذ لايجوز وجود الإيمان إلا مع
ذلك.
قوله: (بشرط ألا يكون كان فيه). العجز ظاهرة تنبني على إثبات العجز
معنى ويمكن تمشيته على مذهب الجمهور فيكون المراد بالعجز عدم
القدرة وحصول ما هو كالضد لها من اختلال البنية.
قوله: (وقد فرقوا بوجوه).
وذلك لموافقتهم في أن العاجز لايكلف بالإيمان لأنه عادم للقدرة
فتكلفوا الفرق بما لايجدي.
قوله: (قلنا إن معنى الصحة والجواز) إلى آخره.
(6/19)
ذكر في الشرح للجواز معاني خمسة بعد أن ذكر أن الجواز في الأصل
هو الشك فقال: ثم تستعمل بمعنى الصحة نحو يجوز منه الفعل وبمعنى
الإمكان نحو المحل يجوز أن يبيض ويجوز أن يسود وبمعنى أنه وقع موقع
الصحيح نو ما يقوله الفقهاء يجوز التوضئ بالماء المغصوب وتجوز
الصلاة في الدار المغصوبة أي تقع موقع الصحيح وبمعنى الإباحة نحو
يجوز للمضطر تناول الميتة وذكر في بعض تعاليقه معاني ثلاثة غيرها
الإجزاء نحو يجوز التوضئ بالماء المستعمل وما يقابل المحال يقال
هذا خبر جائز أي صحيح ليس بكذب، وبمعنى الحلال نحو هذا المطعوم
يجوز تناوله، أي يحل، وأما الصحة فيراد بها نفي الاستحالة نحو يصح
أن يحترك المتحيز ويسكن وبمعنى التخير نحو يصح من القادر الفعل أي
هو متخير في ذلك وهي في مقابلة الإيجاب، وبمعنى مقابلة السقم يقال:
صح العليل أي زال سقمه وألمه وبمعنى اعتدال المزاج يقال: فلان
صحيح، أي مزاجه معتدل، وبمعنى نوع من التأليف وهو /11/ تأليف أجساد
الحيوانات وبمعنى الإجزاء نحو صلاة فلان صحيحة، وبمعنى اجتماع
الشرائط المعتبرة شرعاً في العقود نحو هذا بيع صحيح ونكاح صحيح،
وبمعنى وجوب القبول كما يقال شهادة صحيحة وخبر صحيح أي يجب العمل
به، وبمعنى مقابلة الكذب نحو خبر صحيح أي ليس بكذب، ولايعقل من
معاني الجواز والصحة هنا إلا إمكان أن يفعل وألا يفعل بحسب اختياره
وهذا لايتصور إلا في حق القادر ولم يجعلوا الكافر قادراً على
الإيمان فلا معنى لذلك فيه.
قوله: (فهو ترجيح أضعف المجوزين من غير مرجح).
جعل الوهم نفس الترجيح والأحسن أنه نفس الظن لما هو مرجوح، وقيل:
الظن لأمارة كاذبة.
قوله: (قلنا: بل الكافر فيه أضداد كثيرة).
يقال: ليس للإيمان منها ضد إلا الكفر فقط وجوابه: أن ذلك على جهة
التسامح سماها أضداداً لما كانت عندهم لاتجامع الإيمان كما سموا
العجز ضداً للإيمان وإنما هو ضد للقدرة عليه.
قوله: (لاسيما على ما نقوله).
(6/20)
كان الأحسن حذف لاسيما فإنه إنما يلزم ما ذكره ويكون لابد منه
على ما يقوله لأنه يتأتى على كلا القولين ويكون تأتيه على قولنا
أظهر وأوضح ومما يجاب به عليهم في هذا الفرق عدم تسليم كون العجز
معنى فلا وجه لجعله ضداً إذ المرجع به إلى زوال القدرة والكافر
كذلك.
قوله: (وإلا كانت الجمادات مطلقة مخلاة).
كان الأحسن أن يقول: وإلا صح تكليف الجمادات بالإيمان لأنها غير
ممنوعة إذا لم يشترط في التكليف إلا ذلك ولم يشترط حصول القدرة أو
يقول: الإطلاق والتخلية لا يستعمل إلا في القادر وإلا لزم تسمية
الجمادات مطلقة ومخلاة.
قوله: (على أن هذا ليس أولى من عكسه).
يقال: بل أولى لن المشيئة مرجحة لوجوده مكتسباً عندهم ولا أثر
للإيمان فيها ويجاب بأن المشيئة والإيمان إذا لم يكن للعبد فيهما
تأثر فلا فرق بينهما في حق الواحد منا بل هو مجبر مسخر.
فصل
ولهم في تجويز البدل عن الموجود شبهتان.
قوله: (في الأولى فليجز حال وجود أحدهما).
قالوا: لأن مرور الأوقات لا أثر له في عدم جواز ما هو جائز.
قوله: (والجواب أن يقال من سلم لكم تعلق الموجود بالقادر) إلى
آخره.
هو كلام واضح ومما يجاب به حصول الفرق وذلك أن حال عدمهما جميعاً
لامحيل يحيل وجود أحدهما بدلاص من الآخر ولاكذلك بعد وجود أحدهما
فإن وجود الموجود منهما يحيل وجود الآخر بدلاص عنه فافترقا.
قوله: (لأن العلم بعدم الإيمان تابع لعدم الإيمان).
لم يقل المصنف لأن العلم تابع للمعلوم ويأتي به مطلقاً خيفة أن يرد
عليه العلم بالأحكام فإنه مؤثر فيه والأحكام تابع له، والحاصل أن
العلم على وجهين أحدهما ما يتعلق بالثبوت والانتفاء فهاذ تابع
للمعلوم ولا أثر له فيه بل يتعلق بالذات على الثبوت أو الانتفاء من
غير تأثير فيها وثانيهما ما يتعلق بالأحكام وهو مؤثر فيه غير تابع
له بل الأحكام هو التابع وليس الكلام هنا إلا في القسم الأول.
الكلام في التكليف
(6/21)
قد ذكر في وجه إدخاله في باب العدل أنه فعل من أفعال الله
الحسنة وفيه نظر لأنه لو كان ذلك مقتضياً لذكره لاقتضى أن يذكر
غيره من أفعال الله تعالى فكلها حسن وقيل بل لأن منه ما يجب لكونه
بياناً للعقلاء وهو التكليف بالشرعيات لأنها لما كانت لطفاً لهم
ولايهتدون بعقولهم إلى معرفتها وجب أن يبين لهم ذلك وفيه نظر لأن
الذي يتعلق بالعدل ذكر وجوب البيان جملة فأما أن يجعل لكل بيان
باباً فلا فإن البيان أنواع والتكليف المكذور نوع منها والتحقيق أن
التكليف لما كان قاعدة السعادة الأخروية وله تفاريع كثيرة منها ما
يحتاج إلى معرفته وكشف القناع عنه في هذا الفن وهو تكليف من
المعلوم من حاله أنه يكفر لأنه أقوى شبه نفاة الحكمة حسن ذكره في
هذا الفن واستيفاء الكلام عليه والله سبحانه أعلم.
قوله: (هو في اللغة البعث على ما يشق من فعل أو ترك).
وحاصله /12/ أن ما لامشقة فيه فلا يسمى تكليفاً، ويفهم منه حد
المكلَّف والمكلِّف والمكلَّف به.
قوله: (بأن له في الفعل أو الترك جلب نفع أو دفع ضرر).
هذا الحد يرد على طرده لو أعلم الله العبد بأن له في شرب هذا
الدواء دفع ضرر لداء كذا وحصول قوة واضحة في بدنه فالأحسن أن يقال:
إعلام الله العبد بوجوب بعض الأفعال عليه وقبح بعضها منه مع مشقة..
إلى آخره. وإن عددنا المندوب والمكروه من جملة ما العبد مكلف به
زيد فيه: وندب بعض منها وكراهة بعض.
قوله: (مع مشقة تلحقه).
المشقة قسمان مشقة ترك وهي ما يحصل بتركا ما تميل النفس إليه ومشقة
فعل وهي ما تلحق الجسد من وها وكلال.
قوله: (مع زوال الإلجاء).
هو بلوغ داعي الحاجة حداً لايقابله صارف يقاومه.
قوله: (وقد دخل فيه الإعلام) إلى آخره.
(6/22)
اعلم أن الإعلام بوجوب الواجبات وقبح المقبحات منه ما يحصل به
العلم الضروري كالعلم بوجوب رد الوديعة وقضاء الدين وشكر المنعم
وقبح الظلم والكذب ومنه ماليس كذلك وهو ما يحصل به العلم عن نظر ثم
ذلك العلم ضربان ما نصبت عليه دلالة عقلية وهي المعارف الإلهية
ونحوها وما نصبت عليه دلالة سمعية وهو ما ورد به القرآن وجاءت به
السنة وما يتبع ذلك.
قوله: (ولا حاجة إلى اعتبار الإرادة).
أي إرادة المكلِّف أن يفعل المكلَّف ما كلفه به لأن ذلك وإن وجب في
حق الحكيم لكنه ليس من شرط التكليف بل لو فرضنا صحة مقالة الجبرية
في إرادة الكائنات فقط لم يكن ذلك قدحاً في التكليف.
قوله: (وإن لم تكن إرادة). هو من كان التامة أي وإن لم تحصل إرادة.
فصل
قوله: (في معنى أن الله حكيم).
موضع هذا أول باب العدل والحكمة وإنما استرجح المصنف إعادته هنا
لما كان في التكليف ما يفتقر رده إلى العدل والحكمة وتصحيح قاعدة
الحكمة وفهم معناها كتكليف من المعلوم من حاله أنه يكفر بل التكليف
كله فإن العقل في الظاهر وبادي الرأي قد يتسارع إلى أنكاره
واستشكال وجه الحكمة فيه أما تكليف من يكفر فظاهر وأما أصل التكليف
فلما فيه من إلزام الشاق مع إمكان النفع ودفع الضرر من دونه ولما
فيه من بعث دواعي القبيح والصوارف عن الواجب وذلك قد يتخيل أنه
كالإغراء بالقبيح وترك الواجب.
قوله: (وقال أهل الجبر لايجوز أن يفعل لغرض).
هذا هو الظاهر من مذهبهم والذي تقضي به نصوصهم وكلامهم في كتب علم
الكلام وصرح به الرازي في نهايته واحتج لصحته بأن الغرض في فعل
الله إذا كان عائد إلى غيره فهل له في انتفاع ذلك الغير غرض يعود
عليه فتلزم صحة الحاجة عليه أو لاغرض فيه يعود عليه فيلزم كون وجود
ذلك الفعل وعدمه بالنظر إليه على سواء ومع ذلك فلا معنى لكونه
غرضاص مرجحاً للإيجاد.
(6/23)
ويمكن الجواب بأن حاصل دليلك هذا إنكار أن يكون النفع العائد
إلى الغير غرضاً وهو نفس المتنازع فيه فإنا نقول: بأنه غرض صحيح
وأنه يعلم بالعقل حصول الغرض في إرشاد ضال عن الطريق وإ"عام جائع
قد أشرف على التلف وإن فرضنا عدم العلم بحصول نفع في ذلك يعود إلى
المرشد والمطعم بأن لايخطر بباله ثنا ولاثواب أو بأن يكون ممن ينكر
ذلك أو يجهله.
فصل في بيان وجه الحكمة في ابتداء الخلق
لما كان ابتداء الخلق هو الأصل في التكليف إذ لو لم يخلق المكلف لم
يكلف أراد أن يقدم على الكلام في حسن التكليف الذي هو المقصود ما
هو أصل له وهو بيان حسن ابتداء الخلق إذ لو لم يكن حسناً لم يثبت
حسن ما تفرع عليه وبيان المكلف ما هو والخلق هنا بمعنى المخلوق.
قوله: (فجهلت الملحدة) إلى آخره.
في جعل ذلك سبباً لنفي الملحدة للصانع خفا والظاهر أنهم نفوه
لاعتقاد قدم العالم وغير ذلك من شبههم.
قوله: (ولايصح في ابتداء الخلق إلا الثلاثة الأول).
اعلم أن الذي عليه الزيدية والمعتزلة وكثير من الفرق الإسلامية
والكفرية أن الله خلق /13/ الخلق حيواناً وجماداً لحكمة في ذلك
فالحكمة في غير الحيوان كونه نعمة على الحيوان جسماً كان أو عرضاً
فإن من الأعراض ما هو من حلائل النعم كالطعوم والألوان والروائح.
(6/24)
قيل: ... بل لولا الأعراض لما عظم موقع الانتفاع بالجسام
والحياة أصل النعم وكذلك الشهوة والقدرة والعقل وأما الحيوان
فمكلفوغير مكلفو كل منهما خلقه الله تعالى حياً لنفع نفسه بما
ينفصل به عليه من المنافع الدنيوية وقد يكون في بعض من المكلفين
نفع لغيره ويقصد ذلك بخلقه تبعاً لنفع نفسه، وأما غير المكلفين من
الأحياء فلا يبعد أن يكون الغرض المهم من خلقهم نفع غيرهم من
المكلفين بل قد صرح الجمهور بأنه ما خلقوا إلا لذلك وهو إما نفع
دنيوي كركوب البهائم والحمل عليها، والانتفاع بأصوافها وألبانها
وجلودها ولحومها وغير ذلك وأما ديني كما يحصل بها من الاعتبار عند
النظر فيها والتأمل لأمرها وما يحصل بذلك من الشكر لله تعالى عليها
عند مشاهدتها وقد ذهبت الجهمية وبرغوث إلى أن الله إنما خلق الخلق
لأن الأمر أمره والملك ملكه وقيل بل خلق الخلق لإظهار قدرته وقيل
خلق بعضهم للنار وبعضهم للجنة وقيل خلق الخلق لمحبة الرسول.
فصل
قوله: (وقد حصل مما تقدم امتناع تقديم الجماد على الحيوان).
يعني لما تبين من أن الله لايفعل إلا لغرض ولا غرض في التقديم وهذا
هو مذهب العدلية وخالف في ذلك بعض أهل الحديث تمسكاً بظواهر وردت
منه قد أشار المصنف إلياه وإذا اجتمعت شرائط صحة الخبر فيها أمكن
تبقيتها على ظاهرها ويكون الغرض في تقديم خلقها أن يكون في علم
الله أنه إذا خلق المكلفين من بعد كان لهم في العلم بتقدم خلق تلك
الأشياء لطف كما ذكر مثله فين صب الميزان والحساب وشهادة الجوارح
فإن الغرض فيها مع تأخرها ووقوعها في غير دار التكليف وعدم الحاجة
إليها أن يكون في العلم بها لطف للمكلف واعتبار وقد تؤول ما روي
عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (( أول ما خلق الله اللوح والقلم))
بأنهما حيان أو أن المراد أول ما خلق من الجمادات.
فصل
(6/25)
يصح أن يبتدئ الله خلقاً في الجنة وينعم عليهم بنعم خالصة لا
شائب فيها ولايكونوا مكلفين والوجه في ذلك أن فيه غرضاً وهو نفعهم
مع تعريه عن سائر وجوه القبح وهو معنى الحسن: وهذا هو مذهب أبي
هاشم، وقال البغداديون: ونسب إلى أكثر العدلية أن ذلك لايجوز لأنهم
إذا خلقوا في الجنة لم يعرفوا موقع النعمة إذ لايعرفها إلا من وقع
في غيرها ولحقه مشقة ولأن ذلك يستلزم إباحة الجهل لهم لأن المعرفة
لم تجب عليهم إذ لو وجبت لكانوا مكلفين وقد فرض عدم تكليفهم ويمكن
رد ذلك بأنه لايعد جهلهم لقدر النعمة وجه قبح في ذلك مع أنه يمكن
تعريفهم قدرها بالعلم الضروري، وكذلك معرفتهم بالله تكون ضرورية
كمعرفة المكلفين في دار الآخرة هذا على فرض كونهم عقلاء، وأما إن
لم يكن لهم عقول فلا إشكال.
فصل في المكلف الذي هو الإنسان ما هو؟
قوله: (عندنا أنه هذا الشخص) إلى آخره.
هذا مذهب الزيدية وجمهور المعتزلة وكثير من غيرهم من الفرق
الإسلامية والكفرية وهو أن الإنسان هو هذه الجملة ذات الأعضاء
والحواس لا أنه أمر غيرها داخل فيها أو خارج عنها وخالف فيه طوائف
من أهل الإسلام وغيرهم وقد ذكر المصنف أقوال المخالفين إلا
الفلاسفة فلم يعتن بتحقيق مذهبهم.
واعلم أن الفلاسفة يقولون بالنفس الناطقة ويحكمون عليها بأنها
الإنسان ويجعلونها غير هذا الشخص لكنها أمر لها تعلق به وليست بجسم
ولاعرض ولايجوز عليها الموت ولا غيره مما يجوز على الأجسام
والأعراض بل هي حية باقية لاتموت.
قيل: ويذهبون إلى حدوثها بأن أوجبها عقل مجرد أزلي وليست أزلية
لأنه يوجبها بشرط متجدد وهو حدوث المزاج المستعد لقبولها، وذهب
الرازي في أحد قوليه /14/ وبعض كتبه أن الإنسان جوهر نوراني في
أعماق هذا البدن فلا هو مجرد ولاهو البدن لأنه باق وإن كان إعدامه
ممكناً.
قوله: (وقال النظام) إلى آخره.
(6/26)
ومن عباراته أن الإنسان هو الروح وأن الروح هو الحياة المشابكة
لهذا الجسد وهو جوهر واحد مداخل للجسد لامختلف ولامتضاد وأنه قادر
عالم حي لذاته ومداخلته للشخص هذا كمداخلة الدهن للسمسم.
قال الشيخ أبو القاسم: إني لأخاف على إبراهيم النظام لما ذهب إليه
في الإنسان فإن الكتاب العزيز يقضي بخلافه.
قوله: (وحكي عن الأسواري أنه روح في القلب) ومما حكي عنه أنه
لايدرك.
قوله: (وقال ابن الروندي) إلى آخره.
تقرب مقالته من قول الأسواري وقد جُعل مذهبهما واحداً، وحكي عن ابن
الراوندي في قول أن في البدن أرواحاً كثيرة وإليها يرجع الإدراك
والتألم.
قوله: (وقال الفوطي).
هو هشام بن عمر ومذهبه قريب من مذهب الأسواري وابن الرواندي إلا أن
ابن الرواندي ذكر تسخيره للجملة وقد عد بعضهم مذهب الثلاثة مذهباً
واحداً.
قوله: (وقال ابن الإخشيد) إلى آخره.
قيل: وإلى هذا ذهب افمام عماد الإسلام يحيى بن حمزة.
قوله: (ولايجوز أن يعلم الذات استدلالاً وصفتها ضرورة).
وذلك لأن العلم بالصفة فرع على العلم بالذات فكيف يكون الفرع أجلى
من الأصل. نعم قد قيل لو ادعى أن الإنسان الحي القادر العالم هو
هذه الجملة ضرورة لم يمتنع ذلك وأنه معلوم من اجماع المسلمين قبل
حدوث هذا الخلاف.
تنبيه
قيل: اسم الإنسان يطلق عليه بعد موته كما يطلق في حال حياته واختلف
الشيخان هل يطلق اسم الإنسان على هذا الشكل المخصوص وإن لم يكن فيه
لحمية ولا دمية ولا ما في معنى ذلك كأن يكون من عود أو طين فالذي
ذكره أبو هاشم وصححه المتلكمون أنه لايسمى بذلك وذكره أبو علي في
قول له وفي أحد قوليه أنه يسمى .... وهو بعيد عن الصواب.
تنبيه آخر
قيل: الإنسان ليس هو كل الجرم المشاهد بل الإنسان منه ما حلته
الحياة دون ما لاتحله كالعظام والشعر والدم وفاقاً فيهما وعلى قول
أبي علي في العظام، وأما أبو هاشم فقد جوز حلول الحياة فيها لحصول
التألم بانصداعها.
(6/27)
قيل: وإن كان الإنسان على التحقيق الجملة التي لايكون حياً إلا
بها دون ما زاد عليه من الفضلات التي لايضر فقدها في إبطال كونه
إنساناً وإن كانت تدخل في جملة الإنسان وكذلك الحكم في جميع أصناف
الحيوانات من الملائكة والجن والشياطين والسباع والبهائم.
قوله: (شبهة النظام) إلى آخره.
قد عورض بالحركة فإنها توجب للجوهر كونه محتركاً وهي في نفسها غير
محتركة والجوهر قبل حلولها فيه غير متحرك فكيف يصير محتركاً بضم ما
ليس بمحترك إليه.
قوله: (وهو ظاهر البطلان).
يعني لما تقرر من اشتراك الجواهر في الجوهرية وأنها صفة ذاتية، وأن
الإشتراك في الصفة الذاتية توجب التماثل.
قوله: (قالت الفلاسفة) إلى آخره.
ذكر احتجاجهم ولم يذكر في الأصل مذهبهم وقد ذكرناه.
قوله: (هذه الجملة تصح عليها الزيادة والنقصان) إلى آخره.
هذه الشبهة يتمسك بها المخالفون كلهم. وقيل: بل من جعل الإنسان
شيئاً لايتبعض ولايزيد ولاينقص. قالوا: فإذا بطل كون هذه الجملة
وجب أن يحكم على الحي بأنه شيء واحد وإذا ثبت أنه شيء واحد فهو في
القلب لما علم ضرورة أن وجود العلم والشهوة والإرادة وأضدادها
والفكر والظن من جهة القلب فعلمنا أن الذي صدرت عنه وتصرف فيها شيء
مستقر فيه.
(6/28)
والجواب عنها على لاتحرير الذي أتى به المصنف كما ذكر وقد أجاد
وأفادوا وأما على هذا التحرير الأخير فهو أن ما عللوا به لايقضي
بأن الإنسان في القلب كما زعموا وإنما مقتضاه حصول تلك المعاني فيه
وإذا ثبت أن الإنسان هو هذه الجملة فحصول تلك المعاني من جهته،
وربما يحررون هذه الشبهة تحريراً آخر وهو أن قالوا: لو كان كما
ذكرتم وحلت الحياة في الجملة المهزولة لكن القلب محل لها وأوجبت
لها كونها حية ثم سميت والحياة توجب للجملة عندكم لزم أن تكون
الحياة قد أوجبت /15/ حال بقائها لغير ما أوجبت له حال كون الجملة
مهزولة والمعاني إنما توجب لأجل صفاتها المقتضاة وهي ثابتة عند
وجودها ولايتجدد إيجابها لغير من أ,جبت له عند ابتداء وجودها ويكون
الجواب على هذا التحرير أن الحياة لايتغير إيجابها للجملة والجملة
لها هذا للإسم ولها احكام لاتختلف هي والإسم في حال سمن ولاهزال.
واعلم أن للفلاسفة شبهاً مثبتة على قواعد لهم غير مسلمة ننبه على
شيء منها ليعلم أنها غير قادحة وهو أنهم احتجوا على أن الإنسان ليس
بجسم ولا جسماني أي ولا حال في جسم بأنه قد ثبت أن الإنسان يعلم
الأشياء التي لايصح انقسامها، والعلم بما يستحيل انقسامه يستحيل أن
يكون منقسماً وإذا استحال انقسامه استحال أن يحل في منقسم ولاشك أن
علم الإنسان حال فيه فوجب أن يكون الإنسان مما يستحيل انقسامه،
وإذا كان كذلك ثبت أنه ليس بجسم ولاجسماني.
(6/29)
والجواب لم جعلتم العلة في استحالة انقسام العلم استحالة انقسام
معلومه فإن وجه الملازمة في ذلك غير معلوم ولو لم تكن العلة في
استحالة انقسام العلم إلا ما ذكرتم لزم صحة انقسام العلم المتعلق
بما صح انقسامه ثم لم قلتم أن ما يستحيل انقسامه يستحيل أن يحل في
منقسم وما وجه الملازمة أو ليس التأليف عرض لايصح انقسامه وهو مع
ذلك يحل في جزئين يصح انقسامهما والوهم عندهم جسماني مع أنه
لاينقسم ثم إن سلمنا ذلك فنحن نقول بموجبه وهو أن العلم يحل فيما
يستحيل انقسامه وهو جزء من أجزاء القلب فإن الجزء لايتجزأ عندنا
وإذا كان كذلك لم يلزم ما ذكرتم لكنهم بنوا على أنه لاينتهي الجسم
إلى جزء لاينقسم وذهبوا إلى أن الجزء يصح تجزئه إلى ما لانهاية له
وهي قاعدة فاسدة واحتجوا أيضاً بأن الإنسان قد شارك الأجسام في
الجسمية وخالفها في الإنسانية فلابد أن يكون ما خالفها فيه أمراً
غير الذي شاركها فيه فيكون الإنسان غير جسم.
والجواب المعارضة بنحوه في الفرس والحمار ونحوهما من أنواع الحيوان
والتحقيق أنه خالفها بخواصه التي لاتوجد في غيره من الشكل والصفات
التي تتميز بها.
تنبيه
(6/30)
اعلم أنه ورد من الكتاب الكريم ولاسنة النبوية ما يقضي بأن هنا
أمراً زائداً على الجسد المشاهد والأعضاء المرئية من جنس الأجسام
فيقرب أن يكون كالدليل على صحة قول من جعل الإنسان جسماً لطيفاً
منساباً في الجسد كقوله تعالى: {والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا
أنفسكم}، فدل على أن ثم شيئاً يخرج من الجسد والخروج من صفات
الأجسام، وقوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} الآية، وفيه
تصريح بقبض الأنفس عند الموت والنوم، وأنه يمسك النفس عند الموت
ويرسلها إذا قبضها بالنوم والقبض والإمساك والإرسال لايتصور إلا في
حق الأجسام، وقوله في الشهداء: {بل أحياء عند ربهم} الآية، وفيه
دليل على أن المستشهدين غير هذه الهياكل إذ هي أموات بالضرورة وقد
وصفهم الله بأنهم أحياء مرزوقون، وأما الأخبار النبوية فكثيرة منها
ما ذكر في قصة المعراج من ملاقاته صلى اللّه عليه وآله وسلم
للأنبياء ووصفه لخلقتهم، ومنها قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((
إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تأوي إلى سدرة المنتهى )) وقوله
صلى اللّه عليه وآله وسلم في قتلى بدر: أهل القليب مخاطباً
لأصحابه: ما أنتم بأسمع منهم.
والجواب عن ذلك أنه ليس في الآيات والأخبار المذكورة تصريح بأن هذه
الأشياء المقبوضة والمرسلة والأرواح هي التي تسمى الإنسان ويتوجه
إليها المدح والذم والثواب والعقاب، وهذا هو محل النزاع وأقرب
الآيات إلى المعنى المتنازع فيه آية الشهداء والحكم عليهم بأنهم
أحياء مع مشاهدة موت جثثهم والعلم به ضرورة ونحن نقول: لامانع من
أن يحيي الله الجثث في قبوها كما هو الظاهر، والذي يقضي به كلام
المفسرين. قال جار الله ما لفظه: بل أحسبهم احياء عند ربهم مقربون
عنده ذووا زلفى كقوله: {فالذين عند ربك يرزقون} مثل ما يرزق سائر
الأحياء يأ:لون ويشربون وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي
هم عليها من التنعم برزق الله. انتهى.
(6/31)
وما هذه الآيات إلا دالة على ثبوت الروح وهو /16/ أمر منعنا من
الخوض فيه، وحجب عنا العلم به وتلك مسألة أخرى غير ما نحن فيه فإنه
روح للإنسان لا أنه هو الإنسان وأما الإمام المهدي أحمد بن يحيى
عليه السلام فقد حكم بأن المراد بالإنسان وهو المقبوض والمرسل
والمحيا والذي في أجواف الطير الخضر هو الجملة التي لايصح كون الحي
حياً إلا بها وبحصول مجموعها وهي متصلة بالهيكل هذا المشاهد كاتصال
جسد المهزول بأجزاء سمته فقد صارت الجملة المذكورة التي هي الإنسان
في الحقيقة متصلة بهذه الزيادة وصارت الزيادة وكذلك أجزاء الحياة
التي في الأجزاء الزوائد فثبت أن الإنسان جملة لطيفة في هذا الهيكل
المشاهد لاتصح حياته إلا بمجموعها وهي التي تنزع عن الهيكل فتبطل
حياته والتي تنزعها ملائكة الموت بأمر ربها وتمكينه لهم من ذلك وهي
الموضوعة في أجواف الطير الممسكة عند الموت المرسلة عند النوم
المناداة يوم القليب المشاهدة من الأنبياء ليلة المعراج وهي
والهيكل في حال الحياة كالشيء الواحد لن الحياة الحالة فيها توجب
صفة الحيية لكل ما اتصل بها من الأجزاء التي فيها حياة.
(6/32)
قال عليه السلام: وعلى هذا يستقيم قولنا أن الإنسان هو هذا
الشخص المشاهد وإن كان في التحقيق هو الجملة التي لايكون الحي حياً
إلا بمجموعها وسائر الأجزاء تابعة غير مقصودة. هذا حاصل ما ذكره
عليه السلام وهو كما ترى فيه تكلف وتعسف وهكذا حال الإنسان إذا
حاول أن يعلم ما تفرد الله بعلمه ولم ينصب لنا دليلاً عليه ولاجعل
للعقل فيه مجالاً، ذهب كل مذهب ولم يفز بمطلب، والأجزاء التي
لايكون الحي حياً إلا بها أجزاء قليلة يسيرة فكيف يصح أن تكون هي
الموجودة المشاهدة ليلة المعراج والمعلوم من لفظ الحديث إن صح أنها
صور واضحة وأشخاص كاملة ذات أعضاء وجوارح ووجوه موصوفة خلقتها فلو
كانت هي المنزوعة المقبوضة حال اليوم لوجب بطلان حياة النائم حال
نومه حتى يستيقظ بعد ردها ومعلوم أنه حي في حال نومه ولهذا يدرك
وكان يجب إذا قطعنا جسد الميت وفتحنا جسده أن نجد مكان تلك الجملة
في جسده مفرغاً إذ قد انتزعت الجملة من وسطه ثم من المعلوم أن
الإنسان هو العالم المريد الكاره الظان الناظر وهذه معان لاتوجد
ولاتحل إلا في القلب، فأخبرنا هل القلب من تلك الجملة فهذا يقضي
بأنها كثيرة واسعة إذ القلب مع كبره جزء منها وقد قلت أنها هي
الأجزاء التي لايكون الحي حياً إلا بها أ, ليس القلب منها فكيف
تكون هي العالمة الناظرة المريدة الكارهة وهذه المعاني في اجزاء
غيرها لو ذهبت لم يقدح ذهابها في كونها إنساناً عالماً ظاناً
ناظراً مريداً كارهاً وغير هذا من الإشكالات التي يمكن إيرادها على
هذه المقالة لامحالة.
(6/33)
والحق الذي لامدفع له ولا محيد عنه أن الإنسان العاقل المكلف
الممدوح المذموم المثاب المعاقب هو هذا الشخص المشاهد وأن النفس
والروح التي أشير في الآيات والأخبار إليها هو أمر لايمكن الوصول
إلى معرفته حقيقة إلا بالسمع ولم ينصب الله لنا دليلاً على معرفة
حقيقته يتضمن التصريح بذلك بل قضت حكمته بإبهام ذلك علينا لمصلحة
علمها لنا في الإبهام فلا يتكلف علم مالم نعلم بإيرادها على القلب
قولك فيما لانعلم لا أعلم وقد أورد المهدي على نفسه سؤالات في
تحقيق ما ذهب إليه والكشف عنه وتكلف الجواب عنها واعترف في البعض
منها بعدم القطع والرجوع إلى الظن ......، وعن ذلك كله مندوحة وكل
ذلك يناميه عليه السلام على أن العلم بالروح ممكن وأن الآية
الكريمة وهي قوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي}، لاتقضي بأن حجب
العلم به فإنه أورد سؤالاً حاصله كيف حار النظر في الروح والقطع
بتميزها وقد سئل عنها رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فلم يعلم
الجواب عنها، واعترف بعدم إدراك حقيقتها مع /17/ علو درجته وارتفاع
منزلته في العقل ومع كون السمع لايعلم إلا منه فكيف لايعلم الروح
بما تنزل عليه ونعلمه نحن.
(6/34)
وأجاب بأن الآية لاتقضي بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لايعلم
الروح ويحتمل أنه إنما أبهم الجواب على اليهود فيه لأنه أمر
بإبهامه مع عدم جهله به فلم يضف الجهل إلا إلى السائلين إذ قال:
{وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} ولم يقل: وما أ,تيتَ وإن فرض عدم
علمه بها وأن عقله صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يدرك معرفة حقيقتها
فمن الجائز أن الله سبحانه حجب عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم العلم
بها دوننا كما منعه من الشعر والخط وأيضاً فمن الجائز أنه يمكنه
النظر فيها والعلم بها لكنه لم يجتهد في النظر ولا بلغ الغاية فيه
لعدم تكليفه بذلك ولايجب في النبي أن يكون أعرف الناس في كل شيء
فلا إشكال على من نظر في الروح وتكلم بما أداه إليه عقله في معرفته
وهذا الجواب كما ترى.
وقد روي في الكشاف عن أبي بريدة أنه قال: لقد مضى النبي صلى اللّه
عليه وآله وسلم وما يعلم الروح. قال: والأكثر على أنه الروح الذي
في الحيوان سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من أمر الله أي مما استأثر
بعلمه، وقيل: خلق عظيم روحاني أعظم من الملك. وقيل: جبريل. قال:
وروي أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لما قال لهم ذلك يعني
قوله: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} قالوا: نحن مختصون بهذا
الخطاب أم أنت معنا فيه؟ فقال: (( بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم
إلا قليلاً )) فقالوا: ما أعجب شأنك ساعة تقول: {ومن يؤت الحكمة
فقد أوتي خيراً كثيراً} وساعة تقول هذا فنزلت: {ولو أن ما في الأرض
من شجرة أقلام} قال جار الله: وليس ما قالوه بلازم فإن الشيء يوصف
بالعلة مضافاً إلى ما فوقه وبالكثرة مضافاً إلى ما تحته ..........
العبد حتى كبر في نفسها وقيل بالإضافة إلى علم الله.
فصل في حسن التكليف وبيان وجه الحكمة فيه
قوله: (وجعله شاقاً ليستحق به الثواب).
(6/35)
عد كونه شاقاً من معاني التعريض للثواب لأنه لو لم يكن شاقاً لم
يستحق عليه ثواب إذ لاثواب مع عدم المشقة في الفعل المكلف به أو
سببه أو ما يتصل به إذ لو استحق الثواب بغير مشقة لم يكن فرق بين
ما كلفنا به وبين ما يلتذ به من الطعام والشراب والنوم، ومعلوم أن
عدم استحقاق الثواب على هذه الملاذ إنما هو لعدم المشقة فيها ولأن
الثواب جزاء على الأعمال كالأجرة عليها فكما أن من استعمل الغير في
عمل يسير لايستحق عليه أجرة لعدم مشقته فكذلك الطاعات لو لم يكن
فيها مشقة لايستحق الثواب عليها. هذا ما ذكره أصحابنا.
وفيه نظر أما أولاً فلقولهم: أن عدم استحقاق الثواب على الملاذ
إنما هو لعدم المشقة فإنه يمكن أن يقال بل لعدم لاتلكيف بها ولعدم
حصول المصلحة الدينية فيها. وأما ثانياً فقياسهم على العمل اليسير
في عدم استحقاق الأجرة عليه وهو قياس غير صحيح فإن العمل اليسير
لايستحق عليه أجرة ولو لحقت به مشقة فالعلة كونه يسيراً يتسامح
بمثله في العادة لا كونه لامشقة فيه.
وأما ثالثاً فالملاذ قد يستحق عليها الثواب إذا قصد بها وجه الله
كمن نوى بأكله التقوى على الطاعة وبلباسه ستر العورة وبنومه إمكان
القيام للعبادة وليس النية المذكورة تخرجها عن كونها ملاذاً
ولاتدخلها في كونها شاقة وكذلك قد ورد السمع بإثابة الرجل على
تقبيل زوجته ومداعبتها ونحو ذلك مما فيه غاية اللذة، وقولهم: أن
المشقة فيما تصل به من حفظ الفرج عن غير جائز الوطء كلام فارغ فإن
ذلك أمر آخر كلفنا به فيه مشقة يثاب عليه ويعاقب على تركه فكيف
يجعل شرطاً في استحقاق الثواب على تلك الملاذ المتعلقة بالزوجة.
(6/36)
ثم اعلم أن أصحابنا يجعلون المشقة شرطاً في استحقاق الثواب
ولايجعلونها سبباً فيه فحينئذ لايلزم أن يكون الثواب على قدر
المشقة لأن ذلك لايلزم إلا مع جعلها سبباً للثواب فالمسبب يقل بقلة
السبب ويكثر بكثرته، وأما إذا كانت شرطاً لم يلزم ذلك والسبب هو
فعل الطاعة وترك المعصية ولهذا يكثر الثواب بكثرتها ويقل بقلتها أي
بكثرة موقعها في الوجه الذي لأجله وقع الوجوب أو الندب كما ورد في
فضل ركعتين في الحرم فإنهما تفضلان الركعتين في غيره بكذا وكذا
ضعفاً من الثواب، وكذلك صلاة الفريضة فيه وما ذلك إلا لكون موقع
الفريضة وهو لطفيتها والنافلة وهو تسهيله للفرائض أكثر مما إذا
كانت /18/ الفريضة أو النافلة في غيره وعلى هذا الاعتبار فقس.
قيل: والواجبات نوعان نوع لايختلف موقعه فلا يختلف القدر المستحق
عليه في قلته وكثرته وهي الواجبات العقلية فإنها إنما وجبت لوجوه
تقع عليها فلا يختلف موقعها باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص،
ونوع يختلف موقعه فيختلف القدر المستحق عليه من الثواب حسبما يتحصل
من الغرض الذي لأجله شرع وهو الواجبات الشرعية كالصلاة والزكاة
ونحوهما فإنها إنما وجبت لكونها ألطافاً في الواجبات العقلية ويقع
فيها التفاضل فمنها ما يدعو إلى فعل واجبات كثيرة ومنها ما لايدعو
إلا إلى فعل واجب واحد، ومنها ما يدعو إلى واجب ومندوب، ومنها ما
لايدعو إلا إلى واجب فقط، ويصح اختلاف ذلك بحسب الأمكنة والأزمنة
والأشخاص ولهذا كان ثواب ركعتين في الحرم أكثر من ثوابهما في غيره
وصدورهما من الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم أفضل مما إذا صدرا من
غيره وصلاة بعض الأوقات كجوف الليل ولاسحر وبين الأذان والإقامة
أفضل من الصلوات في غير هذه الأوقات وهذا تقسيم وتعليل حسن على
قواعد الأصحاب في وجه وجوب العقليات والشرعيات والله سبحانه أعلم.
قوله: (ويندفع به ضرر عظيم) إلى آخره.
(6/37)
فيه نظر لن اندفاع العقاب ليس بالتكليف إذ لو عدم التكليف لم
يثبت عقاب، فالعقاب من فروعه لا أنه يندفع به وإنما يندفع بالطاعة.
قوله: (فإنه لاينال الثواب إلا به).
وذلك لتضمنه التعظيم والابتداء به من غير استحقاق له لايحسن لأن
العقلاء يستقبحون تعظيم من لايستحق التعظيم.
قوله: (إنما اعتبر الرضا في الشاهد في الأمور التي يشتبه الحال
فيها).
فيه نظر فإن الرضا ..... معتبر مع عدم الاشتباه وليس لأحدنا أن
يكره الغير على عمل يسير بعوض كبير عظيم خطير فكان الأحسن في
الجواب ما رجع إليه وإن لم نلخصه وهو أن اعتبار الرضا في الشاهد
إنما هو لعدم الملك والولاية ولهذا حسن الإكراه من السيد لعبده ومن
الأب لطفله والله سبحانه وتعالى هو المالك لنا الملك الحقيقي
والمتولي علينا الولاية الحقيقية فإن لم يرد حاله على حال السيد في
حق عبده والوالد في حق والده بدرجات كبيرة لم تنقص.
قوله: (وهو أن تحسن إلى الغير ليحسن إليك).
ظاهره أن المعتبر في المفاعلة صدور الفعل من أحد الفاعلين قصداً
لأن يصدر إليه مثله والمشهور أنها كما ذكره ابن مالك لأقسام
الفاعلية والمفعولية لفظاً والاشتراك فيهما معنى يريد أن مثل جاءني
زيد وعمر أتوني به ليكون زيد فاعلاً وعمرو مفعولاً في اللفظ، وفي
المعنى أن كل واحد فاعل ومفعول.
فصل في أن التكلف يحسن سواء قبل المكلف أو رده
قوله: (اعلم أن تكليف من المعلوم من حاله أنه يكفر صار شبهة) إلى
آخره.
(6/38)
أما النافون للصانع بسببه فهم الملاحدة. قالوا: لو كان لهذا
العالم صانع حكيم يريد الخير بخلقه لما كلف من هذه حاله مع علمه
بأنه يعصي ويخالف ما أمر به ونهى عنه ثم يدخل النار فليس إلا أنه
لا صانع وأما المثبتون للثاني فهم الثنوية والمجوس، قالوا تكليف من
هذه صفته قبيح والله لايفعله فليس إلا أن فاعله غير الله، وأما
المجبرة فإنهم قالوا هذا صورته صورة القبيح فإذا فعله الله جاز أن
يفعل غيره من القبائح كتعذيب من لاذنب له وتكليف ما لايطاق ولكنهم
مع ذلك يقضون بحسنه من جهة الله تعالى وهذا أيضاً أعظم شبههم في
نفي التحسين والتقبيح العقليين من حيث أنكروا كون مثل ذلك التعريض
يحسن في الشاهد وكونه نعمة منه تعالى على المكلف بل هو مضرة عظيمة
محضة لا أعظم منها فلو صدر من أحدنا مثل ذلك لكان قبيحاً وقد صدر
منه تعالى ولم يقبح منه فعلمنا أنه لايقبح منه قبيح وهي أيضاً أعظم
شبههم في نفي الغرض والحكمة هذا ما ذكره أصحابنا في غير موضع من
كتبهم وفي نفسي شيء من حكمهم بأن تكليف من المعلوم من حاله أنه
يكفر هو المؤدي /19/ للملحدة إلى نفي الصانع وللثنوية إلى إثبات
الثاني لأن الملحدة والنثوية لايثبتون التكليف ولايعترفون
بالسمعيات ولا يثبتون الجنة والنار فكيف يستقيم ما ذكروه عنهم.
قلت: قال مولانا عليه السلام: ومما أدى إلى تكليف من هذه حاله
القول بعدم قدرة الله على هدايته وتوقيفه لأنه لو قدر على ذلك لوجب
عليه وإلا لقبح التكليف مع عدم فعل ما يلتطف به وهو مذهب البهشمية
وجمهور العدلية وأدى أيضاً إلى القول بعدم التعذيب وإيصال العقاب
إلى الكافرين والمذنبين وهو قول طائفة من المسلمين.
(6/39)
وأما العدلية فذهبوا إلى حسنه وحسن إيصال العقاب بسببه وأنه
لافرق في الحسن بين تكليف من المعلوم من حاله أنه يموت كافراً
مستحقاً للعقاب وأنه يموت مؤمناً مستحقاً للثواب لكن اختلفوا في
وجه حسنه فذهبت الزيدية والبصرية من المعتزلة إلى أن وجه حسنه أنه
تعالى إنما أراد تعريضه للثواب بما يأتي ويذر من الأعمال وليس عليه
تعالى أن يقبل. وذهب أكثر البغدادية إلى أنه إنما يحسن تكليفه
حينئذ لنفع غيره وصرح أبو القاسم بقبح هذا التكليف وأنه تعالى
لايفعله ولايحسن منه إلا بأن يكون لطفاً لغيره من المكلفين ثم
اختلفوا فبعضهم اعتبر الكثرة فلا بد أن يحصل اللطف بتكليفه لمكلفين
فصاعداً ومنهم من لم يعتبرها فقال: يحسن، وإن كان المكلفون جماعة
وماتوا على المعصية إذا حصل بذلك التطاف مكلف واحد، ولو في طاعة
واحدة.
وحكي عن ابن الملاحمي أن وجه حسن تكليفه ما ذكرته البصرية ولابد
فيه من لطف لغيره وقد حكي هذا عن أبي الحسين أيضاً، وقيل: وجه حسنه
وحسن تكليف من يموت مؤمناً مستحقاً للثواب لطف لغيره، وقد حكي هذا
عن أبي الحسين أيضاًن وقيل: وجه حسنه وحسن تكليف من يموت مؤمناً
مستحقاً للثواب ما لله تعالى عليهما من النعم ولايعتبر غير ذلك.
قوله: (ما قد ثبت بالأدلة القاطعة) إلى آخره.
يقال: إنكم ما لم تدفعوا ما ادعاه الخصوم من قبح هذا التكليف لم
يتم لكم ما استدللتم به من عدل الله وحكمته . وجوابه: أن العدل
والحكمة قد قامت عليهما الأدلة القاطعة ولم ترد هذه الشبهة على أي
أركان تلك الأدلة ومقدماتها من كونه تعالى عالماً بقبح القبيح
وغنياً عنه وعالماً باستغنائه عنه فلا يقدح ذلك فيما قد علمناه
وتيقناه من العدل والحكمة ومع تيقنهما نقطع بأن كل فعل التبس علينا
وجه الحكمة فيه فله وجه حكمة خفي عنا إذ مالم نعلمه أكثر مما
علمناه.
قوله: (كما أن من قدم طعاماً إلى جائعين) إلى آخره.
(6/40)
قد ورد عليه أنه لامساواة بين الصورتين لأن لاجائعين على شفا
جرف الهلاك فتحسن إرادة استنقاذهما وإن لم يقبلا أو أحدهما ولاكذلك
الحيان قبل التكليف فإنهما في فسحة وسلامة ونعمة يتفضل الله عليهما
بالحياة والملاذ من غير تكليف.
وأجيب بأن حال الحيين قبل التكليف أبلغ في العطب من حال الجائعين
لأن لاضرر الذي ينزل بهما إذا لم يقبلا الطعام المقدم إليهما أكثر
ما يكون زهوق الروح والضرر النازل بالحيين إذا لم يقبلا هو فوت
نعيم الأبد والتعظيم الذي لايحد والرزء في فوات ذلك أعظم وأجل من
زهوق الروح.
قلت: قال مولانا عليه السلام: وفيه نظر فإنه يجب بالعقل دفع الضرر
وتحمل المشاق لأجله ولا يجب النظر في تحصيل النفع وإعمال الحيلة في
ذلك ولاتحصل المشقة لأجله وأوضح من ذلك الإشكال أن يقال لانسلم
استواء الصورتين فإن المقدم للطعام إلى الجائعين محسن إليهما
بتعريضه إياهما للنفع ودفع ما بهما من الضرر ثم إذا لم يقبلا لم
يوصل إليهما ضرراً بسبب عدم قبولهما ولم يعاقبهما عليه بخلاف
المكلف أنه إذا لم يقبل ويفعل ما يفضي به إلى النعيم العظيم عوقب
بالعقاب الشديد الأليم فالقياس غير سليم ولامستقيم والله سبحانه
وتعالى أعلم.
قوله: (فلا يتم إحسان الباري تعالى ونعمته إلا بفعل أحدنا).
فيه نظر لأن لهم أن يجعلوا إتمام الإحسان متوقفاً على علم الله
بالقبول لا على نفس القبول.
قولهك (وهذا مع كونه محالاً في الشاهد). إلى آخره.
نعني باستحالته /20/ أنا نعلم أنه لايتوقف كون إحسان أحدنا إلى
غيره نعمة على قبوله.
قوله: (فإنه لولا حسن تكليفه تعالى) إلى آخره.
فيه نظر لأن قبول المكلف للتكليف لايتوقف على حسنه بل على إيقاعه
فإنه يمكن قبول التكليف حسناً كان أو قبيحاً ولعله أراد أنه
لايتأتى من المكلف القبول الحسن إلا مع حسن تكليفه تعالى وفيه
تكلف.
قوله: (لأن وجه الحسن والقبح يجب أن يقارن).
(6/41)
هذا صحيح ووجهه ظاهر فإنهما المؤثران في الحسن والقبح ولايتأخر
المؤثر عن الأثر وإن كان قاضي القضاة قد ذكر أنه يصح في وجه الحسن
التقدم كنشر الصحف ونصب الموازين وإنطاق الجوارح فإن وجه حسنه علم
المكلف به ليكون لطفاً له وذلك متقدم، والتأخر نحو أن يحتجم أحدنا
أو يفتصد أو يشرب دواء كريهاً فإن وجه حسنه كونه دفعاً للضرر وهو
متأخر ويمكن أن يقال بل الوجه في حسنه العلم بكونه يندفع به الضرر
وهو مقارن ووجه الحسن في النوع الأول تصديق الإخبار به والوفاء
بالوعدية والإخبار هو اللطف والله سبحانه أعلم.
قوله: (ولوجب فيمن كلف أن يقطع بأنه من أهل الجنة).
يعني للبناء على قبح تكليف من المعلوم من حاله أنه يكفر مع القطع
بأن الله لايفعل القبيح، وقد استدل الشيخ أبو الحسين على حسن هذا
التكليف بأنه لو قبح لقبح لكونه ظلماً أ, عبثاً إذ لاوجه يقتضي
قبحه يمكن الإشارة إليه غير ما ذكر لايصح أن يقبح لكونه ظلماً لأنه
إن جعل ظلماً لما يتبعه من العقوبة فلم يعاقب على نفس التكليف
وإنما عوقب على فعل قبيح أو ترك واجب وهما جهتان لحسن العقابن
فلييس العقاب ظلماً وإن جعل ظلماً لما يلحق من المشقة بسببه في
الفعل أو الترك فالكافر الذي فرضنا الكلام فيه لم يفعل واجباً ولم
يترك قبيحاً فلم تلحقه مشقة ولأنه يلزم في المؤمن أن يكون تكليفه
ظلماً لنه الذي لحقته المشقة وإن جعل ظلماً لأن التكليف ضرر في
نفسه فهذا الوجه ثابت في المؤمن فيكون تكليفه ظلماً ونفس التكليف
لاضرر فيه ولامشقة فبطل أن يكون الوجه كونه ظلماً إذ لايتعقل كونه
ظلماً إلا من الوجوه المذكورة وقد أبطلناها ولايصح أن يجعل الوجه
كونه عبثاً لأن العبث ما لاغرض فيه أصلاً أو ما عري عن غرض مثله
لايجوز أن يكون من النوع الأول لأن الغرض فيه حاصل ولامن النوع
الثاني فإن التعريض لتلك المنافع العظيمة الدائمة غرض مثله بلا شك
إذ مشاق التكليف يسيرة بالنظر إلى ما يحصل بها من نعيم الأبد.
(6/42)
قوله: (قلنا لو كان كذلك لكان غالب الظن) إلى آخره.
ما ذكره فيه نظر من وجهين أحدهما أنه قاس الأضعف وهو الظن على
الأقوى وهو العلم وألزم من إثبات الحكم مع العلم ثبوته مع الظن
وبينهما فرق واضح ومن حق الفرع مساواته للأصل إن لم يكن زائداً
عليه، ثانيهما قياس تكليف من يعلم أنه لايؤمن على من قدم إليه
الطعام مع العلم بأنه لايقبل وليس ...... واحداً إلا لو كان يحسن
تقديم الطعام إلى من لايقبل ويتقل مثلاً لعدم قبوله ولعله نظر إلى
عبارتهم حيث جعلوا عدم القبول هو الوجه في القبح من غير أن يشترطوا
في وجه القبح إفضاء ذلك إلى عقابه وأنزال الضرر به.
والأولى في الجواب منع أن يكون عدم القبول وجهاً في القبح وأن
العقل لايقضي بذلك إذن لشاركناهم في العلم بالقبح لمشاركتنا إياهم
في العلم بما جعلوه وجهاً للقبح.
قوله: (إنما قبح منه لأنه إنما يأمر ولده) إلى آخره.
كان الأقوى والأولى في الجواب أن يقال: إنما قبح ذلك لأن الغرض من
أرم الولد بالتجارة وصوله إلى النفع فإذا كان يعلم عدم حصول ذلك
ووقوع ضده لم يحسن منه أمره بذلك والغرض في تكليف الله العبد
تعريضه للمنافع التي لاتنال إلا بالتكليف وقد حصل وعدم انتفاعه به
أتيه فيه من جهة نفسه.
وإنما قلنا إن هذا أولى لأن قصر الغرض في أمر الوالد ولده بالاتجار
/21/ على ما ذكره فيه نظر، فإن الوالد يقصد مع ذلك حصول النفع
لولده.
قوله: (كالقدرة والآلة والعلم).
أما القدرة والآلة فالكلام فيهما مستقيم، وأما العلم فليس كونه
يمكننا من النفع والضر بالواضح.
قوله: (وقولهم أن التفضل متيقن) إلى آخره.
فه نظر لأنهم ما أرادوا بأنه متيقن أنه كائن لامحالة بل أرادوا أن
يقع التفضل حيث أوصلت إليه المنافع التي كلف ليصل إليها تفضلاً
يكون متيقناً إذ لايلحقه ضرر بوجه بخلاف التكليف إنه إن قبل وصل
إلى النفع وإن لم يقبل فات النفع ولحقه ضرر كثير.
قوله: (يوضحه أنه قد كان يحسن من جهة العقل) إلى آخره.
(6/43)
يعني وفي ذلك دلالة على أن التكليف ليس هو لاسبب في الضرر إذن
لم يحسن العفو من جهة العقل فتبين أن السبب هو المعصية التي هي ذنب
يقتضي ثبوت حق العقوبة للمعصي ويحسن من جهة العقل أن يسمح حقه.
قوله: (كونها مسهلة للفرائض).
ليس المراد بذلك أنها تدعو إلى فعل الفرائض بل المراد أن الإنسان
إذا تعودها وداوم عليها سهل عليه فعل الفرائض كما أن من تعود السفر
سهل عليه بعد ذلك وإن لم يكن السفر الماضي داعياً إلى السفر الآخر.
قوله: (على أن كثيراً من الناس أوجب إتمام النوافل).
يعني زيد بن علي عليه السلام وأبا حنيفة واتباعهما جعلوا نوافل
الصلاة ونحوها كنافلة الحج فيوجوب الإتمام بعد الشروع.
قوله: (فقد بطل غرض السائل).
فيه نظر لأن قول زيد وأبي حنيفة بوجوب الإتمام لايبطل غرضه من أنه
لايستحق بتركها من الأصل عقاب وأيضاً فلا يستحقه بترك الإتمام عند
الجمهور.
قوله: (فيما يتعلق بالتعريض بالتكليف والتمكين والألطاف ونحو ذلك).
يعني فقد أحسن سبحانه وفعل الاختيار له بأن عرضه لمنافع عظيمة
بتكليفه إياه وبأن مكنه من الوصول إلى ذلك وطلف به وأراد بنحو ذلك
حسن البيان له، والإيضاح والتبقية وقتاً يتمكن فيه من ذلك.
قوله: (إنما يقبح التكليف في الموضعين) إلى آخره.
تلخيص الجواب وتحقيقه أنه إنما قبح تكليف زيد إذا كان يكفر لأجله
عمرو لكونه مفسدة وكل مفسدة قبيحة وأما تلكيفه مع العلم بأنه نفسه
يكفر فليس من قبيل المفسدة بل هو بيان لما كلف به بالعلوم الضرورية
وتنصيب الأدلة ومن حق المفسدة أن تكون بعد البيان والتمكين وكذلك
اللطف فلا يتصور أن يكون تكليف الإنسان لنفسه مفسدة ف يحقه ولا
لطفاً ويتصور ذلك في حق غيره.
قوله: (إن كان الغريق لايقدر على تخليص نفسه إلا بإدلاء الحبل).
يعني ولايتمكن من إهلاكها إلا بذلك.
قوله: (لأن الغرض واحد). يعني وهو التعريض للنفع الذي لاينال إلا
بذلك.
قوله: (قلنا الغرض بالتكليف).
(6/44)
يعني التكليف الذي هو إكمال علوم العقل فقد ذكر بعض اصحابنا أن
للتكليف في لسانهم مجريين: أحدهما هذا ولاكلام أن الغرض به التعريض
للمنافع لاعظيمة والتمكين من الوصول إليها، والثاني إرادته منهم فع
لالواجبات وترك المقبحات وأمره ونهيه بذلك والغرض بهذا حصول
الطاعات وترك المعاصي وهو الذي قصدوه بقولهم في الاحتجاج على وجوب
اللطف لو لم يلطف بهم لكان ناقضاً لغرضه بالتكليف أرادواب التكليف
هذا المعنى الأخير، وأما بالمعنى الأول فالغرض به التعريض للمنافع
وقد حصل سواء فعل اللطف أم لا.
قوله: (لأن أكثر ما يفعله المنعمون في الشاهد) إلى آخره.
يعني كإعطاء الدراهم والدنانير مما لاتنتفع به نفسه بل يتوصل به
إلى النفع.
قوله: (بحسب اختلاف بين أهل هذه المقالة).
يعني فإن بعضهم لم يعتبر الكثرة بل بنى على أنه يحسن تكليف جماعة
يعلم الله أنهم يموتون على الكفر لالتطاف مكلف واحد وبعضهم اعتبر
الكثرة واشترط أن يكون تكليف من يعلم من حاله أنه يكفر لطفاً
لاثنين فصاعداً وهو المشهور عن أبي القاسم.
فصل فيما يتناوله التكليف من الأفعال والتروك
قوله: (أو بألا تفعل).
هذا بناء على ما هو المختار من مذهب أبي هاشم وأتباعه وهو أن ألا
تفعل جهة كافية في استحقاق المدح والذم ويتعلق بها التكليف وفيه
خلاف وسيأتي تحقيقه في باب الوعد والوعيد إن شاء الله تعالى.
تنبيه
(6/45)
قد يذكر فيما يتناوله التكليف عبارة أخرى غير عبارة /22/ المصنف
هذه فيقال: الذي يتناوله التكليف فعل وترك والفعل علم وعمل والعلم
فرض عين وهو العلم بالمسائل الإلهية وما ينبني العلم بها على العلم
به وكذلك العلم بأصول الشرائع كالعلم بوجوب الصلاة وتفاصيل أركانها
الواجبة وأذكارها والعلم بوجوب الصوم والحج والزكاة ونحو ذلك في حق
من وجب عليه عمل في ذلك، وفرض كفاية وهو العلم بالمعلومات الدينية
التي ليس على العالم بها فيها عمل كالعلم بأحكام الحيض في حق من
لايباح له الاستمتاع بذات الحيض والعلم بتفاصيل أحكام الزكاة في حق
من لاتجب عليه والعلم بمناسك الحج في حق من لايجب عليه ونحو ذلك.
فأما العمل والترك فأثرهما ظاهر والكلام في ....... يطول وهو مذكور
في مواضعه.
فصل في شرائط حسن التكليف
قوله: (نحو أن يعلم الله أنه إذا كلف زيداً).
فيه نظر فإن لامفسدة من حقها أن تكون أمراً زائداً على التكليف
اللهم إلا إذا قصد في فعل معين كأن يعلم الله من حال زيد بعد أن قد
صار من جملة المكلفين أنه إذا كلفه بهذا الفعل المعين أو الترك
المعين كفر لأجل ذلك فهذا التكليف مفسدة ولايحسن، وأما أصل تكليفه
فلا يصح أن يعد مفسدة في حقه.
قوله: (وقال أبو هاشم) إلى آخره.
اعلم أن أبا هاشم يوافق أبا علي في أنه لو لم يكن للعاصي زيادة
ثواب مع دعا الشيطان له إذا أدى ما كلف أنه لايحسن حينئذ خلق
الشيطان ولاتبقيته ولاتمكينه من الوسوسة والإضلال.
قوله: (حجة أبي علي) إلى آخره.
(6/46)
اعلم أن للشيخ أبي علي حججاً من هذا القبيل كقوله تعالى: {ولو
بسط الله الرزق لعباده} الآية. وقوله تعالى: {كلا إن الإنسان ليطغى
أن رآه استغنى} فأخبر تعالى وصرح بأن الغنى مفسدة في حق كل
المكلفين أو بعضهم مع أن المشقة في الامتناع عن المعصية يزداد مع
الغنى لأنه مع الغنى يتمكن من المعاصي ويسهل عليه فعلها وامتناع
الإنسان عما يتمكن منه من المعاصي مع الغيبة والسعة أشق من ذلك مع
عدم الغنى وسعة الرزق فلو كانت زيادة المشقة تخرج التكليف عن كونه
مفسدة لما كان الغنى مفسدة أصلاً.
وأجيب بأنه لايبعد أن يكون الغنى الذي حكم الله عليه بكونه مفسدة
لايزداد لأجله ثواب الممتنع عن المعصية معه وإن كانت المشقة معه في
الامتناع أكبر لأن كثرة الثواب لا يلازم كثرة المشقة ولو فرضنا
شيئاً من الغنى يزداد معه الثواب في ترك المعصية أخرجناه عن كونه
مفسدة ولم يحكم عليه بذلك.
وذكر الشيخ محمود بن الملاحمي ما معناه أنه مع تساوي الثواب في
التلكيفين الأشق والأخف يظهر أن الشهوة الزائدة والغنى الزائد
مفسدة ولابد أن يسلم أبو هاشم أن المفسدة قبيحة وعند التعريض
لزيادة الثواب ينبغي أن يسلم أبو علي أنه كالتكليف المبتدأ في كونه
غير مفسدة.
قوله: (قال أبو هاشم يحسن لأن فيه مزيد ثواب والمكلف أتى من جهة
نفسه).
فيه سؤال وهو أن يقال: إذا كان وجه حسن هذه الزيادة التي يصل
المكلف بسببها كونها تعريضاً للثواب الأكثر لزم حسن سلب اللطف عن
العبد إذا علم الله أنه مع الإتيان بالفعل المكلف به حيث سلبه
اللطف يكون ثوابه أكثر لأن فيه تعريضاً للثواب وأنتم لاتجوزون سلب
اللطف لهذا الغرض بل أبطلتموه بأن منع اللطف جار مجرى المفسدة
لاستحقاق المكلف معه عظيم العقاب وذلك الغرض المذكور لايعتد به
لأنه لايكون الشيء حسناً حتى يتعرى عن جميع وجوه القبح.
(6/47)
وجوابه أن زيادة الشهوة وتمكين إبليس من جنس التكليف فحسن ذلك
للتعريض كابتداء التكليف بخلاف سلب اللطف فليس من جنس التكليف.
قوله: (وبه قال أهل الأصلح).
يعني أبا القاسم وأصحابه قالوا لأنه أصلح له والأصلح واجب على الله
تعالى عندهم.
قوله: (وقال أبو هاشم لايجب).
وبه قال القاضي وابن متويه وجمهور المتكلمين.
قولهك (لأن التبقية في الأصل تفضل منه تعالى، وكذلك التكليف حال
التبقية).
اعلم أن المتكلمين كثيراً ما يطلقون العبارة بأن التكليف يفضل
ويذكرون في موضع أن شرائط التكليف متى اجتمعت في الحي وجب تكليفه
وهذا يوهم التدافع وقد أجاب بعضهم بأن ذكرهم للوجوب /23/ تساهل في
العبارة وليس مرادهم بقولهم يجب أن يكلف إلا أنه لابد من ذلك لكيلا
يكون تعالى عابثاً بأن جمع الشرائط المذكورة في الحي ولم يكلفه
فعلى هذا لو جمعها ولم يكلفه كان الذم على جمعها وعلى ظاهر القول
بالوجوب يكون الذم على عدم التكليف وأوضح من هذا الجواب ما قد سبق
من أن للتكليف في لسانهم مجريين فحيذ ذكروا أن التكليف يفضل أرادوا
به أحدهما وهو إكمال علوم العقل فلا شك في أن إكمالها وخلقاه تفضل
محض لايشتبه عدم وجوبه وحيث يذكرون وجوبه عند اجتماع شروطه أرادوا
به المجرى الثاني وهو إرادة الطاعة منه وكراهة المعصية والأمر
بالواجبات والنهي عن المقبحات فلا شك على قواعدهم أن من أكمل الله
له العقل ومكنه بالقدرة والآلة لابد أن يخلقه ويأمره وينهاه وإلا
لكان إكمال الشرائط عبثاً وكان عدم الأمر والنهي إخلالاً بما يجب
من البيان والهداية.
قوله: (لأنها إن كانت لطفاً في الماضي) إلى آخره.
هذا ذكره القاضي. قال ابن الملاحمي: ولقائل أن يقول: يجوز أن يريد
أبو علي بكونها لطفاً في الماضي أنها كاللطف إذ الغرض منه أن تزداد
دواعيه إلى المطلوب منه فيفعله ليخلص من عقاب تركه وهذا المعنى
حاصل في هذا التكليف لأنه يتخلص به من العقاب فيكون كاللطف.
(6/48)
قوله: (بمقالة أهل الأصل إن كان مؤمناً).
قال ابن الملاحمي ما معناه: فأما المؤمن هل يجوز أن يبقى إذا كان
المعلوم أنه يفسق ينبغي أن يقال بجواز ذلك إذا كان من المعلوم أنه
يتوب بعد فسقه إذ لايمتنع أن يستحق بالتوبة أزيد من الثواب الذي
كان يستحقه لو لم يفسق ويتب ويحنئذ فليس في تبقيته نقض للغرض، وأما
إذا كان من المعلوم أنه لايتوب بعد فسقه فإنه يجب احترامه لما في
تبقيته من نقض الغرض.
قوله: (لاسيما وقد ورد الشرع) إلى آخره.
قد أجاب ابن الملاحمي عما ذكره بأنه لم يثبت إيمان إبليس قبل كفره
بل أخبر تعالى عنه أنه كان من الكافرين ولاوجه لجعل كان بمعنى صار
فإنه خلاف الظاهر وتأول قوله تعالى: {إن الذين آمنوا ثم كفروا} بأن
المراد أظهروا الإيمان نفاقاً ثم كفروا ظاهراً ولهذا قال: {بشر
المنافقين بأن لهم عذاباً أليما}، وتأول قوله تعالى: {كيف يهدي
الله قوماً كفروا بعد إيمانهم} بأن المراد إيمان قوم من اليهود
الذي هو إخبارهم بالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قبل بعثته وقوله
تعالى: {أكفرتم بعد إيمانكم} بأن المراد بعد إظهاركم الإيمان ورد
في قوم منافين وكل ما ذكره خلاف الظاهرولا ملجئ للتأويل بغير دليل.
قوله: (أن كلفه تكليفاً ثانياً كفر).
أما أن علم أنه يكفر لأجل التكليف فهو عين المفسدة ولا يجوز
بالاتفاق وأما أن علم أنه يكفر برد ما كلفه ثانياً أو كفراً ليس
لأجل تكليفه فالأمر كما ذكره.
قوله: (وقال أبو عبدالله) إلى آخره.
هكذا ينبغي أن يكون قول أهل الأصلح ولاذي ياتي على قواعدهم.
قوله: (قال القاضي) إلى آخره.
كلامه هو المطابق للقواعد والجاري على سنن قياس ما تقدم للبهشمية
في الصور الأول ورجحه بعض المتأخرين وقال هو الحق.
قوله: (وأما الشروط الراجعة إلى الفعل المكلف به فشرطان).
زاد بعضهم شرطاً ثالثاص وهو ألا يكون مفسدة ولايتصور كونه مفسدة
إلا في حق مكلف آخر أو في عل آخر أو ترك واجب لأن لاشيء لايكون
مفسدة في نفسه.
(6/49)
قوله: (فيخرج من ذلك المباح والفعل اليسير كما ذكر).
ويخرج منه أيضاً ما يقع من الساهي والنائم فعلا أو تركاً ويخرج منه
فعل المقبحات والمكروهات وترك الواجبات والمندوبات فإن جميع ما ذكر
لايتعلق به التكليف.
قوله: (وسيجيء الكلام عليهم).
يعني في أنه لا يجوز تكليف ما لايطاق والأولى أن يقال: وكلامهم
مبني على قاعدة لو صحت لهم لم ننازعهم فيما ذكروه بالنظر إليها
لكنها فاسدة قد بينا بطلانها وهي القول بإيجاب القدرة لمقدورها
ومقارنتها له.
قوله: (لحصول العقل).
فيه نظر فإن من لاعقل له لاتكليف له إذ التكليف هو في الحقيقة خلق
العقلاء فلا /24/ ينبغي أن يعد شرطاً، وإنما يصح ذلك على تفسير
التكليف بالمعنى الثاني.
قوله: (والآلة).
يعني الآلات التي يحتاج إليها في إذا ما كلف بأن تكون حاصلة أو
يمكنه تحصيلها والآلات ضربان منها ما لايقدر عليه فلا يجب علينا ما
هي آلة فيه وإن لم يحصل لنا كلو كلفنا بالكتابة مع أمكان تحصيلنا
القلم والمداد والكاغد.
قوله: (ونحو ذلك).
لعله أراد به اتساع الوقت للفعل المكلف به ليمكنه تحصيله فيه
والأقرب أنه أراد به عدم الإلجاء فإن الأصحاب يعدونه هنا أحد
الشروط.
قوله: (أن يكون مزاج العلة بالألطاف) إلى آخره.
الصحيح أن هذا ليس من شرائط حسن التكليف فإنه يحسن بكمال ما عداه
من الشروط وإنما فعل اللطف واجب مستقل عند من أ,جبه فإذا لم يفعل
كان إخلالاً بالواجب ولم ينكشف بتركه قبح التكليف.
قولهك (وصارف وهو المشقة).
اعلم أن المشقة شرط في التكليف ولاتكليف مع عدمها وقد أدرج المصنف
ذكرها في هذا الشرط وكان ينبغي أن تفرد لكن لعله بنى على أنها
داخلة في ماهية التكليف والشرط من حقه أن يكون زائداً على الماهية
وقد صرح بذلك بعضهم.
قوله: (ومن هنا قال أصحابنا أن من استغنى بالحسن عن القبيح) إلى
آخره.
(6/50)
هكذا قال الشيخ أبو هاشم وأتباعه وعدوا عدم الاستغناء المذكور
شرطاً من الشروط الراجعة إلى المكلف وعدوا حصوله من الأمور الرافعة
للتكليف فجوزوا أن يكون هو الوجه في ارتفاع تكليف أهل الجنة وجوزوا
أن يكون الوجه في ارتفاعه الإلجاء.
وقال الشيخ أبو علي: أنه لايشترط في التكليف عدم الاستغناء بالحسن
عن القبيح ولايرفع التكليف إلا الإلجاء فأ,جب على الله أن يلجئ أهل
الجنة إلى ترك القبيح لعدم تكليفهم ويتفق الشيخان على أنه يجب
صرفهم عن القبيح لكن قال أبو علي بطريقة الإلجاء فقط، وقال أبو
هاشم به أو بالاستغناء المذكور.
تنبيه
أهمل المصنف شرطاً معتبراً هنا وهو أن يكون المكلف عالماً بما كلف
وصفته والعلم بذلك ضربان: ضروري كالعلم بقبح الظلم والعبث وتكليف
ما لايطاق على الجملة فما هذا حاله لايكلف إلا مع حصوله بل هو من
العقل فهو داخل في نفس التكليف، واستدلالي كالعلم بالمسائل الإلهية
والعلم بالشرعيات كالصلاة والصوم وما هذا حاصله لايشترط في التكليف
حصوله بل التمكن منه.
قوله: (وهي أصول النعم).
سميت أصولاً لأن كلا منها مؤثر في الالتذاذ أو شرط فيما يؤثر فيه
بحيث لايتم الالتذاذ من دونه وبحيث أنها إذا اجتمعت عقل الالتذاذ
وإن فقد غيرها وإذا فقد واحد منها لم يعقل.
قوله: (وقدرية).
منهم من لم يعدها قسماً برأسه وجعلها داخلة في التمكين من المشتهى
ومنهم من عدها وأراد بالتمكين غيرها وهو خلق المشتهى والتخلية بينه
وبينه.
قوله: (ويجري ذلك مجرى الشكر المطلق).
(6/51)
اعلم أن العبادة توافق الشكر في أمرين الاستحقاق لأجل النعمة
ومقارنة التعظيم والإجلال وتفارقه في وجوه أحدها أنه لايستحقها إلا
المنعم بأصول النعم وثانيها تأديتها على نهاية ما يمكن من التذلل
والخضوع وثالثها أنها يتغير حكمها بتغير الأحوال والأمان ويرد
عليها النسخ، ورابعها وجوب إظهارها على سبيلا الاستمرار في أوقاتها
والشكر لايجب إظهاره إلى عند بهمه، وخامسها أنها لاتتزايد بتزايد
النعم والشكر يتزايد بتزايدها، وسادسها أنها لايعلم وجوبها إلا
بالشرع ووجوبه معلوم بالعقل.
قوله: (قيل له) إلى آخره.
كان الأحسن في الجواب والأكثر إصابة ومطابقة أن يقال: وجب الثواب
لكون الحكمة قضت باقتران العبادة بالمشقة العظيمة مع أنه كان يمكن
تجريدها عنها بألا يخلق لنا نفرة عنها وتزال الصوارف الصارفة /25/
عنها ولايخلق فينا شهوة القبيح فهذا هو خلاصة الجواب وقد عاد إليه
المصنف آخراً بقوله: وعلى الجملة وما قبله فيه تكلف لاحاجة إليه.
قولهك (أن يكون عالماً باجتماع الشرائط الراجعة إلى المكلف والمكلف
به).
ينبغي أن يزاد: ولاتكليف.
قوله: (الرابع أن يكون عالماً أنه سيثيبه) إلى آخره.
قال في المحيط: ألتوفير للثواب ليس بشرط في حسن التلكيف بل الشرط
التزام الثواب على الطاعة ولو فرض عدم اتصاله فلا يقدح في حسن
التكليف مع استحقاقه كما أنه تعالى لم يلطف بالمكل فلم يقدح في حسن
تكليفه على رأي البعض قيل: ومن تمام هذا الشرط أن يعلم تعالى مع
علمه بأنه سيثيبه أنه سيزيد إثابته عند ذلك، ولايقال: يزيد إثابته
من حال الفعل للطاعة لأن تقديم الإرادة عبث ويمكن أني قال لادليل
على أن هذا من الشروط فإن الإرادة تقع تبعاً للداعي إلى الفعل
والغرض المقصود الإثابة أريدت أو لم ترد وإن لم يكن بد منها في حق
العالم المميز لفعله المقصود في نفسه.
تنبيه يشتمل على فوائد تتعلق بالشرائط المذكورة
(6/52)
الفائدة الأولى: ذكر في المحيط أن هذه الشرائط يقتضيها التكليف
لا أنها شرط في حسنه والصحيح خلاف ما ذكره وأنها شرائط في الحسن
إذا أحيل أحدها قدح في حسنه وهو الظاهر من كلام المتكلمين.
الثانية: أن الشرائط تنقسم فمنها ما يتقدم على التكليف وهو التمكين
ونحوه ومنها ما يقارن وهو المشقة هذا على عدها شرطاً لنها لاتكون
إلا بالشهوة والنفرة ولو تقدمتا لم يكن لها حظ في حصول المشقة
ومنها ما يعتبر فهي التقدم والمقارنة وهو العقل وما يتفرع عليه من
العلوم التي تناول الأفعال والتروك وأحكام الأفعال والتي يدعو إلى
الفعل أو يصرف عنه. هكذا قيل. وفي عد العقل شرطاً نظر فإنه نفس
التكليف في الحقيقة.
الثالثة: أنه لايشترط في التكليف وحسنه أن يقبل المكلف ولا أن يكون
هناك لطف ولا أن يعلم كونه مكلفاً ولا ألا يعلمه الله بأنه يموت
على الكفر مع بقاء تكليفه بل يجوز ذلك عند الأكثر. وقال أبو
القاسم: لايجوز لأنه إذا علم أنه من أهل النار أيس من الانتفاع
بالتكليف فيطرح علائقه فيكون إغراء. وهو قول طائفة من البغدادية
ومتأخري الأشاعرة.
وأجيب بأن علمه أن عقابه إنما هو لكفره فقط زيادة في زجره عن الكفر
فيكون لطفاً لا إغراء وانهماكه في العصيان عند علمه بذلك غير مسلم
لأن العقاب مراتب وهو يعلم أنه ما ازداد كفره ازداد عقابه ورضاه
بالأخف لايكون رضا بالأشد يوضحه قوله تعالى في أبي لهب: {سيصلى
ناراً ذات لهب} فقد أخبر بأنه من أهل النار والقرآن خطاب وإعلام
لجميع المكلفين وهو من جملتهم وأما إعلام المكلف بأنه يؤمن ويدخل
الجنة فلا خلاف في حسنه.
الفائدة الرابعة: في ذكر فروع يتفرع على التكليف بعد ثبوته وكمال
شرائطه ذكرها بعض أصحابنا:
(6/53)
الفرع الأول: في حكم من فعل الواجب أو ترك القبيح خشية من الذم
في الدنيا والخزي والعقوبة العاجلة كالحد أو ضرر ينزله لاله به في
نفسه أو ماله لا لوجوبه ولا لقبحه ولا لقصد الإمتثال حكمه أنه
لايستحق الثواب لأنه جزا ولايستحق الجزاء من لم يطابق ما أراده
المجازي، وأما لاعقاب فيسقط عنه إذ قد أتى بالواجب على وجهه كقضاء
الدين ونحوه من الواجبات العقلية ولم يأت بالقبيح فأما نحو الصلاة
من الشرعيات فالقرب أنه يستحق العقاب وإن أى بها على ذلك الوجه إذ
هو في حكم المخل بها لأنه لم يأت بها على الوجه المشروع في نيتها
فلا يقع على الوجه الذي لأجله وجبت وهو اللطفية لأن لاشرط في
لطفيتها إيقاعها على لاشروط التي قضى الشرع باعتبارها ومن جملتها
النية التي بها تتعين وتمتاز عن النفل وهي أن يفعلها لوجوبها.
الفرع الثاني: من فعل الواجب مخافة العقاب على تركه إن اقترن /26/
بذلك معرفته أنه لايعاقب إلا على ترك واجب فإن تلك النية تجزيه
لأنه في التحقيق قد أداه لوجوبه فيستحق الثواب وينجو من العقاب،
وإن اعتقد أنه تعالى يعاقب على ترك ما ليس بواجب لم تجزه نيته،
وأما إذا ترك القبيح لهذه النية فإن عقابه يسقط بكل حال، إذ
لايفتقر تركه إلى نية إلا لتحصيل الثواب فإن تحصيله يفتقر إلى تركه
بنية الطاعة والامتثال.
(6/54)
الفرع الثالث: من فعل واجباً أو مندوباً أو ترك قبيحاً أو
مكروهاً ليحصل الثواب قال لا إشكال أن هذه النية لاتجزي في الواجب
والمندوب لأن الواجب لايكون لطفاً والمندوب لايكون مشبهاً للفرائض
إلا مع نية التأدية للوجوب أو للندب فلا يستحق ثواباً ولايسقط عنه
عقاب الإخلال وأما تركه للقبيح لذلك فيسقط عنه العقاب وأمأ الثواب
فيه وفي ترك المكروهات يحتمل عدم استحقاقه لعدم نية الامتثال فإنه
إنما ترك لغرض يخصه ويحتمل أن يستحقه لأن نيته قد تضمنت نية
الامتثال لأنه لايصل الثواب إليه إلا مع الطاعة والامتثال وقد قصد
وصوله هذا في حق الواجبات والقبائح الشرعية وأما العقليات فحكملها
حكم القبيح الشرعي في سقوط العقاب والاحتمالين في استحقاق الثواب.
الفرع الرابع: لو فعل الواجب لوجوبه لكنه ضم إلى ذلك قصد أن يمدح
عليه وكذلك ترك القبيح. قال: ألتحقيق أن الشرع قد نص على أنه يبطل
استحقاق الثواب مطلقاً إذ سئل صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال:
لاشريك لله في عبادته فلا ثواب في فعل الواجبات الشرعية لذلك
ولاسقوط للعقاب، وأما القبائح فلا عقاب إذ لم يفعلها بل قد تركها
لكن يستحق العقاب على نية المدح وإرادته المحرمة وأما الواجبات
العقلية فيسقط عقاب تركها لفعله لها وحصولها على وجه وجوبها ويعاقب
على تلك النية ولايستحق ثواباً، وأما ترك القبيح العقلي فكذلك
لايعاقب عليه إذ لم يفعله ويعاقب على تلك النية وهي إرادة المدح.
الفرع الخامس: لو ضم إلى نية فعل الواجب لوجوبه إرادة أن يثاب عليه
أو ألا يعاقب على تركه. قال: لا إشكال أن هذه النية توجب سقوط
العقاب، وأما الثواب فلا بد من مطابقة مراد الله منه لأنه جزاء
ولاجزاء مع عدم إرادة الامتثال لأمر فاعل الجزاء لكن إذا علم أنه
تعالى لايثيب إلا على ما أراده فقد قصده.
(6/55)
الفرع السادس: إذا فعر الواجب لوجوبه وترك القبيح لقبحه من غير
قصد اتباع مراد الله. قال: ألتحقيق سقوط العقاب مطلقاً وعدم
استحقاق الثواب إذ لاثواب إلا مع إرادة مطابقة مراد المثيب كما
قدمنا لكن لايبعد أن يستحق بذلك العوض لأجل المشقة الت يضمنها الله
تعالى لافعل والترك فهو بمنزلة المؤلم، هذا تلخيص ما ذكره بعض
أصحابنا من هذه الفروع. وعندي أن ذلك أو أكثره بحكم لادليل عليه
وأن أحكام النية وإجزاؤها وعدمه طريقة الشرع ولامجال للعقل فيه ولم
يرد في الشرع ما يقضي بما ذكره إلا في تحريم النية التي يصير بها
مرائياً وبطلان العمل لأجل المراياه وما عدا ذلك فهو مما تفرد
بعلمه الله والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل في أن الله تعالى إذا أ:مل للعبد شرائط التكليف فلا بد أن
يكلفه
اعلم أن مع كمال الشرائط قد حصل التكليف بأحد المعنيين وهو مصير
العبد مكلفاً والمراد هنا المعنى الثاني وهو أن يريد منه الطاعة
ويأمره بها ويكره منه المعصية وينهاه عنها فالوجه فيه ما ذكره.
قولهك (كمن يصنع للغير طعاماً).
يعني ولايدعوه إليه ولايعرضه عليه فإن ذلك يعود على غرضه بالنقص.
القول في قبح تكليف ما لايطاق
قوله: (إلا الغزالي).
ليس وجه امتناعه عنده عقلاص، الوجه الذي تعلل به العدلية وهو قبحه
وأن الله لايفعل القبيح لأن قاعدته نفي التقبيح العقلي /27/ بل علل
بأن الطلب ممن لايتأتى منه المطلوب محال كما يستحيل طلب الحركة من
الشجرة.
قولهك (إلا من لا يعبأ به الجمهور).
(6/56)
مهم على أنه ممتنع سمعاً فالقائل بجوازه عقلاً وسمعاً الأشعري
وأتباعه وليسوا كما ذكر ممن لايعبأ به فإن الأشعري رأسهم وإمامهم
الذي يعتزون إليه ويعظمونه وقد نسب إليه أصحابنا التصريح بذلك وذكر
ابن الخطيب وابن الحاجب أنه لم يصرح بجواز تكليف ما لايطاق وإنما
أخذ له من نحو قوله: لا تأثير لقدرة العبد في أحداث الفعل فإذا كلف
به فقد كلف بما لايقدر عليه وغير ذلك من أصوله القاضية بالجبر وعدم
الاختيار.
واعلم أن لما لايطاق صوراً إحداها ما لايدخل تحت مقدور قادر مطلقاً
كالجمع بين الضدين وإيجاد ما لايتناهى وجعل القديم محدثاً وإدخال
بعض المتحيزات في بعض. الصورة الثانية: ما لانقدر عليه نحن وهو
مقدور في نفسه يقدر القديم سبحانه عليه كإيجاد الأجسام ونحوها مما
لايتعلق به قدرنا.
الصورة الثالثة: ما لانتمكن من فعله لوجه يقع عليه وإن كان مما
يدخل جنسه تحت مقدورنا كلاكلام الموجود في الحصى والشجر والطيران.
الصورة الرابعة: ما يدخل تحت مقدورنا جنساً ووجهاً وصفة إلا أن كل
قادر يقدرة لم توجد فيه القدة على ذلك وإن كانت قد توجد في بعض
القادرين فهذه صور أربع وهل الخلاف فيها كلها او في البعض منها
الرواية عنهم في ذلك مختلفة.
قيل: والأظهر أنهم يجيزون التكليف فيها كلها وقيل لايخالفون إلا في
الصورة الرابعة فأما الثلاث الأول فلا يصح عندهم التكليف بشيء منها
وذكر محمود الملاحمي حاكياً عن الشيخ أبي الحسين أنه وجد في بعض
كتب الأشعرية قال: اتفق أهل الحق على أن الله تعالى يصح أن يكلف ما
لايطاق وإن اختلفوا هل يجوز تكليف العاجز والزمن السعي والضرير
..... المصحف والإنسان خلق الأجسام وخلق مثل القديم وجعل القديم
محدثاً والمحدث قديماً، قال: فيمنع بعض أهل الحق من ذلك وأجازه
آخرون وهم المصيبون المحقون واتفقوا جميعاً أنه لايصح أن يكلف
تعالى الجماد.
(6/57)
ثم أن الشيخ أبا الحسين تعجب من هذا الكلام فقال: العجب من قوله
أهل الحق وتسمية من قال بجواز تكليف ما لايطاق محقاً والمانع من
ذلك مبطلاً وأعجب من هذا قوله: المحقون المصيبون وكونهم عنده من
قال بجواز أن يكلف الإنسان خلق الحيوان وجعل القديم محدثاً والمحدث
قديماً وكل ذلك مستحيل منا، ثم العجب كيف قضى بقبح تكليف الجماد
وأجاز التكليف بخلق القديم محدثاً والجماد يصح أن يقدر بأن يجعل
حياً قادراً والقدرة على جعل القديم محدثاً محال بكل حال.
قال مولانا عليه السلام: لعل وجه ذلك عندهم أن الجماد لايصح أن
يخاطب ويتوجه إليه الطلب واعلم أنك إذا حققت وجدت الصواب على
قاعدتهم طرد القضية في الصور الأربع لأن الوجه في جواز ذلك عندهم
أنه تعالى لايقبح منه قبيح وهذه العلة مع جميع الصور على سواء فأما
الواقع منه من تكليف ما لايمكن عندهم فهو الصورة الرابعة.
قوله: (وأعجب من هذا فرقهم بين تكليف من لايعلم) إلى آخره.
لعل وجه الفرق عندهم أن ما لايعلم لايمكن تصوره فلا يتصور تعلق
التكليف به بخلاف ما يعلم ولا يقدر عليه.
قوله: (لنا العقل والسمع).
هذه المسألة مما لايصح الاستدلال عليها بالسمع إلا أن إيراد الأدلة
السمعية عليها من قبيل الاستظهار والمعارضة لما أ,ردوه من ذلك.
قوله: (أما العقل فهو أن تكليف ما لايطاق) إلى آخره.
اعلم أن أهل العدل لايختلفون في أن قبح تكليف ما لايطاق معلوم على
الجملة ضرورة وإنما اختلفوا في العلم بقبحه تفصيلاً وفي وجه قبحه
وفي حق الله تعالى فالشيخان أبو الحسين ومحمود بن الملاحمي طردا
القضية وقالا كل ذلك معلوم بالضرورة قيل لهما: لو كان ضرورياً لم
تخالف فيه المجبرة فأجابا بأنهم صنفان عوام وعلماء فالعلماء منهم
فيهم قلة فيجوز عليهم التواطؤ على أنكار الضرورة لأغراض دنيوية
والعوام هم السواد منهم ومن غيرهم وهم نعقة للناعق.
(6/58)
وقال جمهور العدلية: لايعلم قبح تكليف ما لايطاق مفصلاً وفي حق
الله ألا استدلالا وهو الأصح.
قوله: (وهو نفع المكلف كما تقدم).
فيه نظر /28/ إذ لو كان الغرض نفعه لم يكلف من يعلم أنه يموت
كافراً بالصواب وهو تعريض المكلف للنفع.
قوله: (فقوله تعالى: {لايكلف الله نفساً إلا وسعها}).
هذه الآية فيها غاية التصريح بخلاف ما ذهب إليه الخصوم من وقوع
تكليف ما لايطاق لا أنها تدل على عدم الجواز فلا دلالة عليه فيها
والوسع ما يسع الإنسان ولايضيق عليه ولايخرج فيه ومن هنا نعرف أن
الله تعالى نفى التكليف بما لايطاق وبشيء مما يطاق مما فيه حرج
وضيق.
قولهك (و {إلا ما آتاها}).
يعني فصرح الله بأنه لايكلف أحداً أن ينفق إلا مما آتاه وفيه دلالة
على أنه لايكلف ما لايطاق إذن لكلفه الإنفاق مما لم يؤته.
قوله: (وقد زعم بعض أغمارهم).
يقال: رجل غُمْر وغُمُر أي لم يجرب الأمور والجمع أغمار.
قوله: (على أن الحل لايثبت بالتكليف).
يقال: أليس في تأويل الخصم ما يقضي بذلك بل محصوله أنه لايكلف إلا
بالحلال.
فصل في شبههم
قوله: (إن كان لها أثر لزم حصول المقدور حال حصول الأثر).
اختصر المصنف هذه الشبهة والذي يحررونها عليه أنها في الزمان
المتقدم إما أن يكون لها أثر في الفعل أو لايكون إن كان لها أثر
فتأثيرها في المقدور في الزمان الأول مع كون وجود المقدور غير حاصل
فيكون تأثيرها في المقدور مغايراص لوجود المقدور والمؤثر إما أن
يؤثر في ذلك المغاير حال وجوده فيلزم أن يكون موجداً للموجود أو
قبل وجوده فيكون الكلام فيه كما تقدم ويلزم التسلسل وإن لم يكن
للقدرة في الزمان المتقدم أثر وثبت أيضاً أنه ليس لها في الزمان
المقارن لوجود الفعل أثر استحال أن يكون لها أثر البتة في الفعل،
وإذا لم يكن لها أثر البتة استحال أن تكون قدرة على الفعل.
قوله: (فإن قيل لو قدرنا وقوع ما علم الله أنه لايقع).
(6/59)
هذا سؤال يرد على قولنا أنه لايستحيل خلاف المعلوم وأن القدرة
تتعلق به فيقال: إذا كان جائز الوقوع فما الحكم لو قدرنا وقوعه؟
قوله: (ما قاله أبو الحسين).
هذا الجواب الذي أسنده المصنف إليه منصوب إلى البغدادية، وهو جواب
حسن واضح لكنه قد اعترض بأنه جواب غير مطابق للسؤال لأن حاصل
السؤال لو قدرنا وقوع ما قد ثبت في علم الله أنه لايقع فلا بد أن
يكون الجواب مع بقاء السؤال بحاله وأنت قلت: إذا قدرنا وقوعه كأن
الله غير عالم بعدم وقوعه وما فرضنا الكلام إلا مع علمه تعالى بعدم
الوقوع.
قلت: قال مولانا عليه السلام: وهذا الاعتراض غير قادح في الجواب
فإن المفروض أن الله عالم بأنه لايقع وأنه في نفس الأمر كذلك
لاوقوع له في الخارج فلما قدر الوقوع الذي لاحقيقة له ولاحصول في
الخارج قدرنا عدم العلم بعدم الوقوع كذلك، وما هذا الجواب المذكور
إلا جواب واضح ميزانه راجح وخلافه من قبيل التكلف ومنسوج على منوال
التعسف ونسب إلى أبي الحسين غير هذا الجواب وهو أن وقوع خلاف
المعلوم محال من جهة العالمية فإذا قدر وقوعه اتبعناه تقديراً آخر
وهو أنه يدل على الجهل ولزوم ........ ليس ببعيد وإنما البعيد لزوم
المحال للجائز.
قوله: (فلا بد أن يخرج عن كونه عالماً بوقوعه).
صوابه عن كونه عالماً بأنه لايقع.
قوله: (وأما سائر الشيوخ) إلى آخره.
حاصل ما ذكروه أنه يحال السؤال بمعنى أنه يقال للسائل تقديرك هذا
يستلزم الجواب عليه بنعم محالاً وبلا محالاً فلا يجاب بلا ولا بنعم
إذ بأيهما أجيب نقض أصلاً قد علم علماً يقيناً.
قوله: (قال الرازي كلفنا الله بالعلوم النظرية) إلى آخره.
(6/60)
قد أجاد المصنف تحرير هذه الشبهة على جهة الإيجاز واستكمل
معانيها وأطرافها بأخصر عبارة، وأما الرازي فله فيها بسط ذكره في
محصوله وهو من أولى البسط، وله مدخل في التخليط والخبط ومن العجائب
أن كتبه كلها مبنية على الأنظار فلا يكاد يعلم شيء مما فيها
باضطرار فكيف يتجاسر على إنكار إمكان النظر ويتوصل بذلك إلى أن
ينسب إلى الله ما ليس له بأهل من تكليف ما لايطاق ويقال له: لابد
لك من الاعتراف بأن العلوم الضرورية غير كافية في تحصيل العلوم
المكتسبة وإلا فليشترك /29/ العقلاء في العلوم المكتسبة لاشتراكهم
في الضرورية، وإذا صح أثر لابد من أمر غيرها، فذلك الأمر إن لم يكن
متوقفاً على اختيارنا لزم مثله في العلوم المكتسبة وقد ثبت أنها
واقفة على الاختيار وحاصله بحسب القصود والدواعي الحاصلة لنا.
قوله: (وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين).
وذلك من حيث أنه كلف بالإيمان وبأن يعلم عدم وجوده منه وهو لايتمكن
من هذا العلم إلا مع عدمه إذ لايكون علماً إلا إذا تعلق به على ما
هو عليه بتكليفه بهذا العلم وإن لم يكن نقيضاً للإيمان فهو يستلزم
النقيض الذي هو عدم الإيمان.
قوله: (والجواب يقال لهم من سلم لكم) إلى آخره.
جواب المصنف هذا غير واضح لأنه إن كان معترفاً بأن الله قد أخبرنا
بأن أبا لهب لايؤمن فليس له بد من الاعتراف بأن أبا لهب مكلف بأن
يصدق الله فيما أخبر به من عدم إيمانه وكيف يصح أن يخاطب الله
بخطاب ثم لا يريد من المكلف اعتقاد صدقه وإن كان منكراً لذلك إلا
أن الله سبحانه لم يخبر بعدم إيمانه ومعتقداً أنه لادليل يدل على
ذلك فكان الجواب بهذا المعنى أوضح وكان من حقه أن يبين عدم دلالة
الظواهر القرآنية على ذلك، والمصنف ترك سلوك كل من هذين المنهجين
في الجواب وأجاب بالمنع جملة وليس ذلك بشاق.
(6/61)
إذا عرفت ما ذكرناه فاعلم أن الجمهور أجابوا بالمنع كما ذكره
المصنف مع الاعتراف بأن الله أخبر بأنه لايؤمن وذلك ليس بمستقيم.
وقد أجاب بعض المتأخرين من أصحابنا بما حاصله أن الذي كلف به أبو
لهب أن يصدق النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فيما جاء به على سبيل
الجملة لا في كل من الأفراد إلا ما بلغه منها ولايسلم إن هذا مما
بلغه إذ لايجب التبليغ إليه إلا لما له فيه مصلحة من حكم أو غيره
ولامصلحة لأبي لهب في هذا وإن سلمنا أن النبي صلى اللّه عليه وآله
وسلم أخبره فلم يخبره بأنه لايؤمن وإنما أخبره بأنه من أهل النار
هو وامرأته وذلك لايتضمن أنه لايؤمن بما جاء به الرسول فإن كثيراً
من المصدقين من أهل النار. سلمنا أن المصدقين ليسوا من أهل النار
فالإطلاق الوارد في حقه بأنه من أهل النار مشروط بعدم التوبة كما
في كثير من الإطلاقات الوعيدية نحو: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد
حدوده فإن له نار جهنم} فيكون قوله تعالى: {سيصلى ناراً ذات لهب}
تقديره: إن مات على كفره ولم يسلم، وكذلك قوله تعالى: {تبت يدا أبي
لهب وتب} لاتدل على القطع بهلاكه لجواز كونه مشروطاً بما ذكر
كقوله: {ويل لكل أفاك أثيم} أي إن لم يتب وهذا جواب حسن.
قوله: (قالوا فكلف الملائكة ما لايعلمون).
يقال: فما وجه إيرادها في شبهة تكليف ما لايطاق وإنما يدل على
تكليف ما لايعلم فهي من غير هذا الباب ولايصلح متمسكاً إلا للأشعري
إن صح عنه القول بذلك.
قوله: (لاتعلق في ظاهرها).
(6/62)
المعنى: أن هذا ليس بأمر حقيقة وليس المراد طلب الإنباء منهم
وإنما خاطبهم بذلك مبكتاً لهم ومقرعاً ومنبهاً على أنهم لايعلمون
ما يعلمه ليقفوا عند أوامر ربهم ولايستهجنوا ما خفي عنهم فيه وجه
الحكمة ولهذا قال: {إن كنتم صادقين} يعني في زعمكم أني أستخلف في
الأرض مفسدين سافكين للدماء رداً عليهم وتعريفاً لهم بأن فمن
استخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون
لأجله أن يستخلفوا فأراهم بذلك وبين لهم بعض ما أجمل من ذكر
المصالح في استخلافهم في قوله: {إني أعلم ما لاتعلمون}.
قوله: (أن المراد لاتحملنا ما يثقل علينا وتشتد كلفته). إلى آخره.
هذا وجه حسن وقد فسره جارالله بأن المراد لاتحملنا ما لاطاقة لنا
به من العقوبات النازلة مبن قبلنا طلبوا الإعفاء عن التكليفات
الشاقة التي كلفها من قبلهم بقوله: {ولاتحمل علينا إصراً كما حملته
على الذين من قبلنا} ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في
المحافظة عليها ثم قال: وقيل المراد به الشاق الذي لايكاد يستطاع
من التكاليف وهذا تكرير لقوله: {لاتحمل علينا إصراً}.
قوله: (والجواب أن المراد أنه يثقل ويشق) إلى آخر ما ذكره هو
مستقيم إلا قوله: (والذي أمرنا أن نعدل بينهن فيه هو الجماع) فإنه
لايجب العدل فيه إذ هو حق /30/ للرجل غير واجب عليه، وإنما يجب
العدل في المثبت، وقوله: (ولين الجناب) فإن إلانة الجناب مندوبة
غير واجبة.
قوله: (وحسن العشرة) هو يجمع الانفاق والمبيت وسائر حقوق الزوجية
فلا يحتاج إلى قوله: (ونحو ذلك) والذي ذكره جارالله رحمه الله في
تفسير هذه الآية ومحال أن يستطيعوا العدل بين النساء والتسوية حتى
لايقع ميل البتة ولازيادة ولانقصان فيما يجب لهن فرفع ذلك عليكم
تمام العدل وغايته وما كلفتم منه إلا ما تستطيعون بشرط أن تبذلوا
فيه وسعكم وطاقتكم لأن تكليف ما لايستطاع داخل في حد الظلم {وما
ربك بظلام للعبيد}.
(6/63)
وقيل: معناه إن تعدلوا في المحبة وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم
أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: هذه قسمتي فيما أملك فلا
تؤاخذني فيما تملك ولا أملك يعني المحبة، وقيل: إن العدل بينهن أمر
صعب بالغ من الصعوبة حداً يوهم أنه غير مستطاع لأنه يجب أن يسوى
بينهن في القسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة
والمفاكهة والمؤانسة وغيرها مما لايكاد الحصر يأتي من ورائه فهو
كالخارج من حد الاستطاعة هذا إذا كن محبوبات كلهن فكيف إذا مال
القلب مع بعضهن.
قوله: (لاسيما على مذهبهم في أن الإدراك معنى).
يعني فإنه فعل من أفعال الله وأما إذا كان صفة مقتضاة عن كونه حياً
فليس من قبيل الأفعال وإن كان مقتضى عن الحيية التي هي حاصلة
بالحياة التي فعلها الله.
قوله: (فأورد ذلك على طريق التهديد والذم) فيه نظر، والأولى ما
ذكره آخراً من أنه وارد على طريق التشبيه. قال جار الله: أراد أنهم
لفرط تصامهم عن استماع الحق وكراهتهم له كأنهم لايستطيعون السمع
ولعل بعض المجبرة يتوثب إذا غير عليه فيوعوع به على أهل العدل كأنه
لم يسمع الناس يقولون في كل لسان هذا كلام لا أستطيع أن أسمعه وهذا
مما يمجه سمعي.
وقال: (في قوله: {وكانوا لايستطيعون سمعاً}) يعني وكانوا صماً عنه
إلا أنه أبلغ لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به وهؤلاء كأنهم
أصمتت أسماعهم فلا استطاعة بهم للسمع.
الكلام في الألطاف
وجه كونه من باب العدل أن حاصل العدل أنه تعالى لايفعل القبيح،
ولايخل بالواجب، واللطف معدود مما يجب عليه فذكر النص على أنه
تعالى يفعله ولايخل به وإن كان قد دخل في مسألة عدل حكيم أنه لايخل
بالواجب لكن احتيج إلى إفراد الكلام فيه ليدل على وجوبه وتفصيلاً
لذلك المجمل وزيادة في طمائنينة النفس واليقين وكذلك أكثر مسائل
العدل ووجه اتصاله بباب التكليف ماله من العلاقة به وكونه من
توابعه ومذكوراً في شرائط حسنه.
قوله: (هو ما قرب من نيل الغرض).
(6/64)
هذه حقيقته في اللغة وأما في أصلها فاللطافة مقابلة للكثافة
وهما من هيئات الأجسام وقيل: اللطف في اللغة الرفق.
قوله: (والمفسدة ما يقابله).
وتحديدها أن يبدل لفظ الطاعة في حد اللفط بالمعصية وزاد بعض
المتكلمين في حدها ما لفظه: والثواب في الفعل المكلف به واحد.
واحترز به عما إذا أراد الله في تكليفه للمكلف، وفي علمه أنه يعصي
عند ذلك فإنه لايكون مفسدة لما يحصل به من التعريض لزيادة الثواب.
قوله: (يختار عنده الفعل). يعني فعل الواجب والمندوب.
قوله: (الذي يختار عنده الترك). يعني ترك المحظور والمكروه.
قوله: (احترازاً من أن يختار الإلجاء).
يعني عند أمر حدث، والمعنى أنه يحترز من أن يختار عند أمر الفعل أو
الترك لا لذلك الأمر بل لأمر آخر وهذا زيادة في البيان وإلا فقوله
يختار عنده مشعر بأن الاختيار لأجله.
قوله: (ليدخل فيه اللطف المطلق).
واللطف المطلق عند المتكلمين هو ما يدعو المكلف إلى فعل ما كلف
فعله أو ترك ما كلف تركه /31/ فعل أو لم يفعل ترك أو لم يترك فهو
في التحقيق يشمل أنواع اللطف، هذا معنى كونه مطلقاً لكن لما حسنوا
اللطف الذي يفعل عنده بأن سموه توفيقاً والذي يترك عنده بأن سموه
عصمة قصروا اللطف المطلق على ما عدا هذين النوعين.
قوله: (فليس بسديد) إلى آخره.
أما على ظاهر عبارتهم فكلامه مستقيم لكن المعلوم قطعاً عنهم أنهم
لايقولون بأن الألطاف لاتكون إلا من قبيل الدواعي التي هي اعتقادات
وظنون فقط فإنهم لايزالون ينصون على أن الآلام وغيرها وجه حسنها
كونها ألطافاً لما يحصل بها من الالتطاف والاعتبار وإنما أرادوا
بقولهم أن الألطاف تدعو أن الدواعي تنبعث معها وتحصل لأجلها ويقع
اختيار الفعل الملطوف فيه عندها فمعنى عبارتهم في الحقيقة ومختار
المصنف في العبارة واحد.
فصل
قوله: (ويسمى لطفاً) إلى آخره.
(6/65)
لما كان اللطف يسوق المكلف ويوصله إلى ما لم يكن ليصل إليه
لولاه سمي لطفاًوهو مأخوذ من اللطافة لأن اللطيف من الأجسام يمكن
دخوله الأماكن الضيقة الصغيرة للطافته وسمي مصلحة وصلاحاً لما فيه
من النفع واستصلاحاً لما فيه من طلب صلاح المكلف.
قوله: (ويسمى توقيفاً).
هذا اسم خاص لنوع منه وكذلك العصمة وما تقدم أسماء غير خاصة.
قوله: (وكذلك لايقال أصلح الله فلاناً).
هذا نسبه في المحيط إلى قاضي القضاة فإن أراد حيث ورد للدعاء فغير
صحيح لأن الدعاء بالإصلاح والهداية يصح للكافر والفاسق وإن أراد
حيث ورد بمعنى الإخبار فكلامه ليس ببعيد وقيل: بل الصحيح خلافه لأن
الله تعالى قد أصلح جميع خلهق بفعل اللطف لهم وإن كان منهم من لم
يلتطف.
قوله: (فيجوز كل ذلك).
نحو فلان موفق لفعل الصلاة ومعصوم عن الزنا وأصلحه الله في أمر
الصلاة ونحو ذلك.
فصل
قوله: (ليس يجب أن يكون لكل ما كلفناه لطف).
الخلاف في هذا لبشر بن المعتمر ومتابعيه ممن يقول بأن اللطف لايجب
فإنهم قالوا لامكلف إلا والله قادر على اللطف به حتى يؤمن لكن
لايجب عليه تعالى. قال الحاكم: ولقولهم هذا سموا أصحاب اللطف. يعني
لا لنفيهم وجوب اللطف.
قوله: (وذلك ظاهر في الشاهد).
يقال: هذا صحيح لكن ثبوته في الشاهد لايستلزم ذلك في الغائب للفرق
الواضح وهو أن الشاهد قاصر في علمه وقدرته والله سبحانه عالم لذاته
وقادر لذاته.
قوله: (على أن أصحابنا) إلى آخره.
هو كما قالوه فإنه لايصح جعلها لطفاً في التكاليف الشرعية لأن من
حق اللطف أن يكون زائداً على التمكين والإتيان بالشرعيات على
وجوهها لايمكن مع فقد المعرفة وقوله العملية أراد به نحو قضاء
الدين ورد الوديعة وشكر المنعم وتخرج العلمية نحو معرفة سائر مسائل
التوحيد والعدل لمثل ما ذكر في الشرعيات.
فصل
قوله: (اتفق الشيوخ) إلى آخره.
يعني الشيوخ القائلين بوجوب اللطف.
قوله: (وهو أحد قولي أبي هاشم). هو الأخير من قوليه.
(6/66)
قوله: (لأن لطفه في المقدور) يعني فإذا لم يفعل للمكلف لم .....
عليه كمن لطفه في فعل حسن وفيه نظر فإن ترك فعل الله ما هو قبيح
مما يدعوه إلى الطاعة لايعد علة للمكلف بها فإن القبيح في حق الله
كالمستحيل وقد ذهب أبو علي إلى أنه يستحيل كون القبيح داعياً إلى
الحسن فالمسألة مرتفعة من أصلها عنده ورد بعدم تسليم الاستحالة
التي ذكرها إذ لايعلم ضرورة ولا دليل عليها وما المانع من كون
القبيح داعياً إلى الحسن.
فصل وللطف شروط
قوله: (منها أن يكون ثابتاً).
حرف المصنف عبارة الأصحاب هنا لأنهم يقولون أن يكون موجوداً.
قالوا: لأن المعدوم لا حظ له في دعا ولاصرف ذكره في المحيط فورد
عليه أن اللطف يكون في الموجود وغيره، قيل: فكان ينبغي أن يقول
موجوداً أو معدوماً ويصح وجوده لأن الاعتبار بأن يكون له أثر في
الدعاء والصرف موجوداً كان أو معدوماً ولهذا بدل المصنف لفظة موجود
بثابت وليس يحصل بذلك كل التخلص مما ورد /32/ وعبارته تشعر بأن
مراده بالثابت المستمر لأنه قابله بالزائل ولا مانع من أن تحصل
اللطفية بوجود أمر وإن كان قد زال كمرض يشفى منه الإنسان وفقر
يتعقبه الغنى والله أعلم.
قوله: (مناسبة). معنى المناسبة أن يكون وجه تعينه على الملطوف فيه
معلوماً.
قوله: (فقد يعلمها جملة). وذلك كالتكاليف الشرعية فإنا لانعلم وجه
بعثها على ما هي لطف فيه، وهم التكالف العقلية مفصلاً بل على سبيل
الجملة وهو أن الله لحكمته لم يكلفنا بها إلا لكونها لطفاً لنا.
قوله: (بأن نعلم أن الله لايفعل إلا ما هو صلاح).
هو غير مستقيم لأن ظاهره يوهم ثبوت اللطفية وعلمنا بها جملة في
جميع أفعال الله وليس كذلك والمثال المستقيم ما ذكرناه وهو أن
الشرعيات كالصلاة والزكاة والحج ألطاف كما قد تقدم وعلمنا لطفيتها
جملة لأن الله كلفنا باه ولو لم تكن ألطافاً لم يكلفنا إياها.
قوله: (وكذلك الصلاة).
(6/67)
قيل: بل هي كغيرها في عدم العلم بالمناسبة تفصيلاً وليس في
الآية إلا ذكر أنها لطف وأنه يحصل بها الانتهاء عن الفحشاء ولم
يذكر ما وجه ذلك.
قوله: (فلا يخرجه عن كونه مختاراً).
وذلك لأن الغرض باللطف أن يأي بالطاعة على الوجه الذي يستحق به
الثواب والإلجاء بنا في ذلك.
قوله: (ومنها أن يكون المكلف عالماً أو ظاناً) إلى آخره.
الأولى التفصيل فيقال: إن كان اللطف من فعل المكلف وكلف بتحصيله
فإنه يكفي فيه أن يتمكن من العلم به أو الظن مع إمكان فعله وإن كان
من فعل غيره فلا بد أن يعلمه أو يظنه ليثبت له حظ الدعاء والصرف
لكن أن علمه فالمعلوم هو نفس اللطف وإن ظنه فالظن هو اللطف وفي
الحقيقة أنه لابد أن يكون معلوماً لأن اللطف في المظنون هو الظن
وهو معلوم.
قوله: (ويلزمه مثله في فعل العبد).
إنما ألزمه ذلك لأنه لايلتزمه فيه بل يوافق في جواز تقديم اللطف أو
فإنا كثيرة كالصلاة فإن الملطوف فيها إنما يفعل بعد وقتها ولذلك
وسع فيها إلى آخر الوقت.
قوله: (ولافرق على الصحيح).
يعني على القول الصحيح وهو قول أبي هاشم بجواز تقدمه، وأما على قول
أبي علي فإذا منع تقدمه على الملطوف فيه بعد التكليف فأولى وأحرى
قبله.
قيل: ومن صور المتقدم على التكليف أن يلتطف الصبي في كبره بما
يعلمه في صغره. قلت: قال مولانا عليه السلام فيه نظر لأن التطافه
بالعلم المتجدد الحاصل له في حال الكبر ألا ترى أنه لو كان قد نسي
ما علمه في حال لاصغر لم يثبت له الالتطاف.
تنبيه
وعلى القول بجواز تقدمه على التكليف فلا قائل بأنه يجب تقدمه ولو
فرض أنه مع التقديم أبلغ في الدعاء إلى الطاعة لأن سبب وجوبه
التكليف فمهما لم يحصل السبب لم يحصل المسبب وهو الوجوب وكذلك
لايجب مقارنته لمثل ذلك.
قوله: (أن يكون مدركاً أو في حكم المدرك).
المدرك كالآلام النازلة بالمكلفين وبغيرهم إذا حصل لهم بها التطاف
والذي في حكم المدرك المعلوم ضرورة.
قوله: (وإنما يعتبر ذلك) إلى آخره.
(6/68)
هذا تأويل قاضي القضاة لقول الشيخ والذي ذهب إليه جمهور
المتكلمين أنه لايشترط فيه ذلك مطلقاً وقد نبه المصنف بقوله: (قيل
والصحيح خلاف ما ذكره) إلى آخره. على ما يحتج به للجمهور.
فصل
قوله: (ليس يصح أن يكون اللطف جهة في التكليف).
أي وجهاً في حسنه.
قوله: (ولاجهة في الطاعة أي وجهاً في وجوبها.
قوله: (كالإرادة التي هي جهة في الطاعة).
أي في كونها طاعة فإن إرادة كون السجدة لله هي المؤثرة في كونها
طاعة إذ لو لم يرد بها ذلك وأراد بها غير الله لم تكن طاعة.
قوله: (ونحو ذلك من وجوه الأفعال).
يعني وجوه حسنها وقبحها ككون الكلام صدقاً أو كذباً وكون الفعل
عدلاً أو ظلماً.
قوله: (جهة في صوم النهار).
أي في كونه طاعة وتأدية للواجب مثلاً.
قوله: (قيل ليست جهة في الصوم).
فيه نظر لأنه ليس المراد أنها جهة فيه نفسه بل في كونه طاعة
ومجزياً /33/ كما قدمنا.
قوله: (وإنما وجب التثبيت) إلى آخره.
فيه نظر لأن ذلك لايخرج به عما ورد عليه فإن الذي استمر به النوم
قد أثرت النية المتقدمة في صومه وصارت جهة له ولأنه يلزم على ما
ذكره أنه لو كان قبل طلوع الفجر غير نائم وقد كان ثبت النية ولم
يستحضرها في الوقت المتصل بطلوع الفجر ومع أول جزء من أجزاء النهار
ألا تجزئه تلك النية الأولى وليس كذلك.
فصل
واللطف قد يكون من فعل الله تعالى، وقد يكون من فعل المكلف نفسه،
وقد يكون من فعل غيره.
قوله: (وكذلك ما تقدمه أو قارنه).
أما ما تقدمه فظاهر، وأما ماقارنه فلأنه إذا كان التكليف هو
المقتضي لوجوب اللطف لم يقتض وجوبه إلا في الحالة الثانية من
حصوله.
قوله: (وهذا واجب عند الجمهور).
(6/69)
أراد من الزيدية والمعتزلة وسائر القائلين بالعدل لم يشذ عنهم
في ذلك إلا بشر بن المعتمر وتفصيل جعفر بن حرب وإذا روي رجوعه فلا
ينبغي أن يعتد بخلافه إلا أن يكون من أتباعه من لم يرجع لرجوعه
ولعل القول بعدم وجوب اللطف فرع على القول بأنه لامكلف إلا وفي
مقدور الله ما هو لطف له.
قوله: (قيل وقد رجع عن هذا).
نقل عنه أبو الحسين الخياط وحكاه في المحيط وغيره من كتب الكلام.
قوله: (وقال جعفر بن حرب) إلى آخره.
هو أحد قولي أبي هاشم وتلخيص هذه المقالة أن لامكلف إذا كان يستحق
من الثواب على ذلك الفعل مع عدم تحصيل اللطف فيه أكثر مما يستحقه
إذا فعله بعد أن حصل له اللطف فإنه لايجب لأن الغرض التعريض لمنافع
الثواب وقد عرضه بعدم فعل اللطف لمنافع لاتنال مع فعله فإذا لم
يفعل ما كلفه فقد أتي من جهة نفسه وتكون هذه الصورة كصورة زيادة
التكليف بأنواع من التكاليف إذا علم الله أنه بسبب تلك الزيادة يخل
بفعل ما كلفه فيستحق العقاب، فإن وجه حسن الزيادة مع ذلك كونها
تعريضاً إلى منافع لاتنال إلا بها، وإن استوى الثواب في الحالين
وجب اللطف لأنه إذا لم يفعله كان ناقضاً لغرضه من التكليف مع عدم
مراعاة مصلحة أخرى. قال قاضي القضاة: وما ذكره جعفر يؤدي إلى ألا
يجب على الله لطف إذ ما من فعل إلا وهو مع اللطف أسهل ومع عدمه أشق
والثواب يزداد لكثرة المشقة.
قلت: قال مولانا عليه السلام: وفيما ذكره القاضي نظر، وهو غير مسلم
على الإطلاق.
قوله: (وقال قوم لابد أن يفعله الله وليس بواجب).
هذا نسبة ما يقوله أبو القاسم أنه لايجب كما يجب قضاء الدين على
المدين بل يفعله الله لامحالة ويجب من طريق الجود. قال الحاكم:
وهذا الخلاف لفظي.
(6/70)
قلت: قال مولانا عليه السلام: وفي قوله نظر فإن الحق أنه خلاف
معنوي لأنهم لايجعلون فعل اللطف واجباً في نفسه كقول الجمهور ومن
الخلاف في هذه المسألة ما روي عن قاضي القضاة وهو أنه لايجب على
الله تعالى من اللطف إلا ما كان توقيفاً أو عصمة وهذا القول عندي
قوي جداً على قاعدة الجمهور، ومقتضى استدلالهم لأنه ما كان من
الألطاف لايحصل به إلا مجرد التقريب ولا يقع الفعل عنده فتركه
لايعد نقضاً للغرض. والله أعلم.
قوله: (في إزاحة علة المكلف).
يعني فكما أنه إذا كلف العبد ولم يمكنه كان له أن يقول يا رب
كلفتني ولم تمكني فأنا معذور في ترك ما كلفتني به فلأي شيء تريد أن
تعاقبني عليه، فكذلك إذا لم يلطف تعالى بعبده فإن للعبد أن يقول:
يارب كلفتني وأردت مني الوصول إلى الثواب ولو فعلت في كذا لأطعت
فعذري في ترك الطاعة من جهتك فلأي شيء تعذبني على معصيتك، هكذا
قرره الأصحاب فلا يخفى ما فيه من تكلف القياس وبنائه على غير أساس
فإن الله أن يجيب على المعتل بعدم اللطف بأن يقول: كلفتك وعرضتك
للثواب العظيم ودللتك على طريقه وأوضحت لك أنك إن تنكبتها وقعت في
العقاب العظيم بعد أن أكملت لك العقل ونصبت لك الدلالة وأقمت عليك
الحجة. ولاجواب على من لم يمكنه فالفرق واضح وليس مثل هذا الدليل
يؤخذ به في الفروع الظنية فكيف بالمسائل الأصولية القطعية.
قوله: (لاستوائهما في أن المكلف لايختار الفعل إلا عنده).
فيه نظر لأنهما ون استويا من هذا الوجه فلم يستويا من وجه آخر وهو
أن المكلف لا يمكنه الفعل مع عدم التمكين ويمكنه مع عدم اللطف فلا
مساواة ولأنه لو كلفه ولم يمكنه لكان تكليفاً لما لايطاق وقبحه
معلوم ضرورة بخلاف ما إذا لم يلتطف /34/.
تنبيه
(6/71)
من عادة المتكلمين أن يحرروا الاستدلال في هذه المسألة على
كيفية أخرى يصير بها هذا الدليل الذي ذكره المصنف دليلين أحدهما ما
صدره وقدمه وهو أن اللطف يجري مجرى التمكين فيجب كوجوبه ويفردونه
بما ذكرناه وهو معترض بما أوردنا.
الدليل الثاني أنه تعالى لو لم يفعل اللطف فلم يحصل كان ناقضاً
غرضه في التكليف كما لو منع من ذلك الفعل إذ لافرق بين أن يمنع منه
وبين أن يترك ما علم أنه لو فعله لفعل المكل فعند ما كلفه من غير
صارف حاجة ولاصارف حكمة ولهم في هذا الدليل الأخير تحرير غير هذا
التحرير ويرد عليه سؤال وهو أن هذا لايقضي بوجوب اللطف ولايقتضي
استحقاق الذم على تركه وإنما يكشف عدم فعله عن كون المكلف كالعابث
بالتكليف، وإنه لم يرد تعريض المكلف إلى الثواب إذ لو أراد ذلك
لفعل ما يفعل المكلف عنده ما يستحق به الثواب أو يقربه منه، ولهذا
ذهب قوم إلى أن اللطف غير واجب في نفسه ولكن لابد أن يفعل ويستحق
الذم مع عدم فعله، لا على الإخلال به بل على أمر آخر وهو كونه كلف
لغرض ثم لم يفعل مايفع عنده ذلك الغرض أو يقرب من الوقوع فيصير
عابثاً بالتكليف.
قوله: (إلا إذا شاطره على ماله). أي أعطاه شطره.
قوله: (لما توجه الذم إلى التكليف).
أي لما توجه إلى الله لأجل التكليف واعلم أن الذي أورد على دليل
أبي علي يرد مثله على دليل الجمهور في قولهم لو لم يلطف بالمكلف
لكان ناقضاً لغرضه بالتكليف لأن معنى نقض الغرض انكشاف عدم الإرادة
للفعل المكلف به ولتعريض المكلف إلى درجات لاتنال إلا به وإن كان
يظهر أن الجمهور جعلو وجه وجوبه ألا ينتقض الغرض وأبو علي جعل وجهه
ألاتنكشف عدم الإرادة وكلامهم في الظاهر أقوم وإن كان في الحقيقة
أن المعنى واحد. والله أعلم.
قوله: (دليل لو لم يجب اللطف لما قبحت المفسدة).
(6/72)
هذا الدليل ذكره قاضي القضاة وقد قرره المصنف بما ترى وأورد
عليه ما أ,رد ومال إلى تصحيحه وهو سقيم جداً وكيف يجعل عدم فعل
اللطف مع أنه لايدعو إلى معصية كفعل ما يدعو إليها مع أنه يعلم قبح
ما يدعو إلى القبيح كما يقبح فعله ولايعلم قبح ترك ما يدعو إلى
الواجب ولاوجوب فعله وكيف يقاس فرع على أصل مع عدم المساواة وهو
عمدة شروط القياس فالقياس من دونه لاقاعدة له ولا أساس.
تنبيه
لم يتعرض المصنف للرد على جعفر بن حرب في تفصيله وما أدلى به
وأقامه الدليل على خلافه وقد ذكر في الرد عليه أن فعل اللطف مع
حصول بعض النفع وهو ثواب الفعل الذي يحصل مع فعل اللطف أولى من
تفويت جميعه لأجل أن يكون الثواب أكبر لو فعل مع عدم اللطف وأما
قياسه على الزيادة في التكليف فجوابه أنها إن كانت مفسدة في بعض
تكاليف المكلفين بها لم يجز فعلها وإن لم تكن مفسدة فالتكليف بها
مصلحة محضة لم يحصل بها تفويت نفع لولاه لوصل المكلف إليه بخلاف
الإخلال باللطف فإن فيه تفويت منفعة لولا عدم اللطف لوصل المكلف
إليها وفيه نظر، فإنه حصل بزيادة التكليف تفويت منفعة وهي الثواب
على الفعل الذي كان كلف به قبل الزيادة فلما وقعت فاتت تلك المنفعة
ووقع في عكسها، فالفرق يدق، ثم يقال: التكاليف إما عقلية فلا يصح
الزيادة فيها ولا النقصان بوجه وإما شرعية فهي إما واجب يكلف بفعله
أو قبيح يكلف بتركه وإما غيرهما من مندوب ومكروه فالأولان لايصح
الزيادة فيهما ولا النقصان لأنهما متى حسن التكليف بهما وجب ومهما
لم يحسن فهو قبيح، وأما المندوب والمكروه فقد يمكن الزيادة فيهما
والنقص لأن التكليف بهما لايجب لكنه يقال: لايحسن من الله الزيادة
فيهما إلا حيث لامفسدة فيهما بتناول غيرهما من التكاليف فمتى كان
في المعلوم أنه إذا زاد فيهما وقع العبد في المعصية /35/ قبحت
الزيادة كما قلناه في منع اللطف من غير فرق.
قوله: (في ذكر السنة إذ لاتكليف إلا وفي المقدور ما هو لطف فيه).
(6/73)
يعني فإذا لم يفعل الله اللطف مع القدرة عليه دل على عدم وجوبه
لأن حكمته تمنع من الإخلال بالواجب.
قوله: (فما المانع أن يكون قد فعل الله به اللطف المطلق).
هذا فيه نظر لأن المخالف يدعي أن في مقدور الله من الألطاف ما يفعل
المكلف عنده ما كلفه قالوا: لأنه تعالى قادر لذاته والقادر للذات
يقدر على جميع أجناس المقدورات ومن كل جنس على ما لايتناهى وما من
مكلف إلا وله لطف في كل أمر كلف بفعله أو تركه ثم أن كلام المصنف
يقضي بأن اللطف المطلق مما يجب على الله ويفعله لإزاحة علة المكلف،
وقد تقدم ما روي عن قاضي القضاه ورجحناه من أنه لامعنى لإيجابه
ولاتقتضيه القواعد.
وقد ذكر بعض المتأخرين من أصحابنا أنه تعالى لايفعل من الألطاف إلا
التوفيق والعصمة وأن المقرب إنما يجب علينا لا عليه تعالى، وإذا
قيل: أليس الآيات التسع التي أنزل الله لتدعو آل فرعون إلى الطاعة
لم يحصل بها فعل ما كلفوه بل مجرد التقريب أجيب بأنه لايجب فيما
أنزل بالمكلف أن يكون لطفاً بل يصح أن يكون لطفاً لغيره وقد دل
الدليل على أن اللطف المقرب لايجب فلا يفعله الله فيقطع بأن تلك
الآيات قد انتفع بها غير من نزلت به كما فيما ينزل بالأطفال
والبهائم من ألم ونحوه. هكذا قرر.
قلت: وفيه ما يقضي بأن ما لم يجب فعله من الألطاف لم يجز وفيه نظر
فإن عدم الوجوب لايمنع من الجواز ولايقتضي عدمه فليتأمل.
قوله: (وأيضاً فقد يكون اللطف من فعل المكلف كما سيأتي). إلى آخره.
فيه نظر لأن الخصم بنى قوله على أنه ما من مكلف إلا وفي مقدور الله
من الأفعال ما يلتطف به فإذا لم يفعله دل على عدم الوجوب وليس كون
له لطف في فعل الغير يسقط الواجب عن الله إذا ثبت الوجوب فيما يكون
لطفاً له من فعله تعالى.
قوله: (على أن هذا يوصل بالعبارة).
أي يوصل بها إلى إثبات مذهبه وقع فيه التنازع والعبارات لاتحصل بها
المعاني ولايستدل بها في المسائل العلمية القطعية.
(6/74)
قوله: (قالوا وقع التعبد) إلى آخره.
هذه الشبهة مبنية على أن من قواعد الجمهور الموجبين للطف أن كل ألم
يفعله الله فلا بد فيه من لطفية وهذا يرد عليهم إلا من يقول أن
العوض كاف في حسن إنزال الألم ومما يشابه هذا الذي أوردوه إلزام
قبح التداوي لأن الألم إذا كان لطفاً يجب على الله فعله فرفعه لأجل
التداوي لايجوز منه تعالى فلا أثر للتداوي، ومتى ارتفعت عنه
اللطفية وجب رفعه إذ لايجوز إنزاله واستمراره إلا مع حصول الاعتبار
فيه فالتداوي عبث لافائدة فيه على كل من التقديرين والإجماع ثابت
على حسن التداوي وورد فيه ما ورد ففي الأثر عنه صلى اللّه عليه
وآله وسلم: (( تداووا فما أنل الله من داء إلا وله دواء إلا السام
والهرم )) واجمع الأمم على حسن تعلم علم الطب.
وقد أجيب بأنه لابد من أن يقطع بأن في فعل التداوي صلاحاً لنا
ويكون واجباً تراة ومندوباً أخرى فيجب حيث يقطع من طريق العادة بأن
الألم يرتفع به كان يغص بلقمة ويكون إنزالها بالماء أو نحوه ممكناً
فيجب عليه لأن دفع الضرر عن النفس واجب عقلاً وشرعاً، ويندب حيث
لايقطع باندفاع ضرر الألم بل يظن ذلك كالأدوية المركبة لتعديل
المزاج عند غلبة إحدى المرر فيندب لمن غلب على ظنه نفع ذلك شرب
الأدوية له لقوله صلى الله عليه وآله وسلم تداووا وظاهره الوجوب
لكن أراد صلى اللّه عليه وآله وسلم حيث عرضت العلة وحصل الطبيب
الذي يوثق ببصره وصدقه فإذا أخبر بأن العلة تندفع بكذا وجب على
العليل استعمال ذلك دفعاً للضرر وإذا ثبت وجوبه أو ندبه شرعاً فلا
بد أن يكون في فعله صلاح لنا في الدين زائد على إزالة الألم كسائر
الواجبات والمندوبات الشرعية ويقوم ذلك الصلاح الحاصل بالتداوي
مقام الصلاح الحاصل بالألم فيجب رفعه عند حصول الدواء فهذا وجه
ظاهر في حسن التداوي ذكر هذا بعض أصحابنا المتأخرين، وقد جود
الكلام وأحسن وأحكم غاية الإحكام.
قوله: (ولولا السمع منع) إلى آخره.
(6/75)
لا أعلم دليلاً من السمع يمنع من ذلك إلا أن يدعى الإجماع
ولايصح ثبوته في هذه المسألة ولكن يعرف ذلك من وجوب دفع الضرر
فيقال: إذا كان الواجب على العاقل أن يدفع الضرر عن نفس كالمرض
بالأدوية وغير ذلك فبالأولى ألا تطلب الضرر ويسأله.
قيل: وقد اختلف في الدعاء على النفس بمضار الدنيا فقيل لا يحسن
مطلقاً وقيل عدم حسنه مشروط بألا يكون فيه صلاح.
قوله: (على أنه لايمتنع) إلى آخره.
هذا الوجه قوي جداً وتحقيقه أنا قد تعبدنا بالدعاء بالعافية، قال
النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمه العباس: (( سل الله العافية
)) وكان كثيراً ما يدعو صلى اللّه عليه وآله وسلم بها فيقطع بأن في
الدعاء مصلحة وأنه في نفسه طاعة والله سبحانه يفعل في استمرار
الألم وأنزاله ورفعه بحسب ما يعلم من الصلاح في ذلك.
قوله: (على ما لايتم إلا به وهو اللطف).
يعني لأن الله ليس الفاعل للطاعة فيتوجه السؤال إلى ذلك والأفضلية
لاتحصل إلا بزيادة الطاعات فيتوجه على الإطلاق وفي حال عدم
الاستحقاق له لايحسن من الله فعله فلا يحسن حينئذ سؤاله ويجاب بأنه
إذا لم يكن مستحقاً تعلق السؤال بفعل ما يستحق لأجله وهو الطاعة
وسؤالها يعود إلى سؤال اللطف فيها وتسهيلها فيرجع إلى الوجه الأول.
والله أعلم.
فصل
قوله: (ظاهر كلام أصحابنا أن اللطف من فعل الله يجب أن يفعل على
أبلغ الوجوه).
معنى ذلك أنه إذا كان يمكن إيقاع اللطف على وجهين، هو بوقوعه على
أحدهما أبلغ منه بوقوعه على الوجه الآخر، وجب أن يفعل على الوجه
الذي يكون بوقوعه عليه أبلغ وأدخل في اللطفية ومثل ذلك في الشاهد
بما إذا أعد الإنسان لغيره ضيفة وعلم أنه لايأتي إلا برسول قاصد
لكن الإرسال يقع على وجهين أحدهما أبلغ في الدعاء من الآخر كإرسال
ولده وإرسال عبده فإنه يتحتم الأدخل في الدعاء.
(6/76)
قلت: قال مولانا عليه السلام: وهذا إنما يتصور إذا كان اللطف
على أحد الوجهين يفعل عنده الملطوف فيه وعلى الآخر يقرب من فعله
ولايفعله فالكلام مستقيم ولاشك على القول بوجوب اللطف أنه يجب
ويتعين ما يفعل عنده لا ما يقربه إذ لاغرض في التقريب مع عدم الفعل
ومع هذه الكيفية فقد علم ذلك بما تقدم لأن اللطف في الحقيقة هو ما
يفعل عنده لا ما لايفعل، وأما على تقدير أن فعل الملطوف فيه يقع مع
كل من الوجهين كأن يعلم في المثال المذكور أن الرجل المطلوب يأتي
سواء كان الرسول العبد أو الولد لكنه مع إرسال الولد أنشط إلى
الإجابة وأطيب نفساً فالأصح أن الله تعالى مخير في أي الوجهين شاء
لأن الغرض وقوع الفعل المكلف به لا غير.
إذا عرفت هذا مع تذكرك لما قدمناه من أنه لامعنى لفعل الله اللطف
المقرب ولا لوجوبه عرفت أنه لامعنى لما ذكر من وجوب اللطف على أبلغ
الوجوه ويمكن أن يقال: بل المقصود الوجه الثاني وهو أنه يأتي
بالفعل مع كل من الوجهين لكن مع أحدهما يكون فعله له أكمل بزيادة
إخلاص أو حد وازدياد رغبة أو نحو ذلك مما يكثر به ثوابه وفيه تكلف.
قوله: (وهذا هو الذي تقتضيه أجوبة هذه الشبه).
فيه نظر لأنه ليس في أجوبة هذه الشبه ما يقتضي ذلك.
قوله: (فلما لم ينتفعوا بها سلبهم إياها).
قد تقدم لنا في هذا كلام مضمونه أنه مع عدم الانتفاع بها لايعد
سلبها عقوبة لأنه لاضرر عليهم في سلبها حيث لا انتفاع لهم بفعلها
وتقدم ما يمكن في تقرير ذلك.
قوله: (وإزاحة العلة يحصل ببعض الألطاف).
يقال: إن حصل ببعضها فعل الملطوف فيه فصحيح ما ذكرت وإن لم يحصل
بها وكان يحصل بفعل البعض الآخر فلا إزاحة وبالجملة فقد بينا في
أول الفصل أنه لايتحصل معنى ما ذكر من كونه يجب على أبلغ /37/
الوجوه وإن الكلام في هذا الفصل كله أصله وتشكيله غير ثابت القاعدة
ولامحصل الفائدة. والله أعلم.
فصل
(6/77)
إذا ثبت أن اللطف من فعل الله واجب فسواء كان لطفاً في واجب أو
مندوب أو ترك قبيح أو مكروه.
قوله: (فيجب أن يزيح علينا في الجميع).
يقال: إن إزاحة العلة إنما يجب مع استحقاق العقاب وذلك لايتصور إلا
في الواجب والقبيح لأن المكلف إذا ترك ذلك أو فعل هذا استحق العقاب
فإذا أراد الله أن يعاقبه ولم يكن قد لطف به كان له أن يعتل بعدم
اللطف به وأما ترك المندوب وفعل المكروه فلا عقاب عليهما والأولى
في توجيه ما ذكره أنه تعالى لو لم يلطف بالمكلف فيما كلفه من فعل
الواجب والمندوب وترك المحظور والمكروه لكان قد نقض الغرض بالتكليف
بذلك إذ لاغرض له في التكليف به إلا التعريض للمنافع المستحقة
بسببه فإذا لم يفعل ما يدعو إليه مما هو في مقدوره ولامفسدة يصرف
من إيجاده كان ناقضاً لغرضه لاذي هو التعريض.
قوله: (كونه دفعاً للضر أو جارياً مجراه).
اعلم أن ترك الواجب وفعل القبيح يستحق به العقاب ولايندفع ضرر
العقاب إلا بفعل الواجب والترك للقبيح فدفع الضرر هو بفعل الواجب
وترك القبيح فإذا كانا لايقعان إلا بفعل اللطف الداعي إلى فعلهما
والجار إليه كان اللطف جارياً مجراه فبين أن ما جري مجرى دفع الضرر
لا أنه الذي يندفع به الضرر.
قوله: (وكذلك إذا كان اللطف من فعل غير المكلف وغير الله).
قد حكي عن أبي علي المنع من أن يكون للمكلف لطف من غير فعله وفعل
الله وكلامه في غاية البعد فإن الأدلة قامت على كون تبليغ الرسل
لما حملوه لطفاً وتبليغهم الشرائع وغير ذلك كوعظ وتركيز. قال أبو
هاشم: ولم يقطع أبو علي على المنع من ذلك وإنما استبعده.
قوله: (فإنه لايقتضي وجوب ذلك اللطف).
يعني على من هو من فعله أما إذا كان فاعله غير مكلف فظاهر وأما إذا
كان مكلفاً وهو غير الملتطف فإنه لايجب على مكلف أن يفعل ما هو جار
مجرى دفع الضرر عن مكلف آخر.
قوله: (فإن كان لفاعل اللطف صلاحاً).
هذا من سهو القلم والصواب صلاح بالرفع لأنه اسم كان.
(6/78)
قوله: (واللطف للجاد فقط وللناظرين).
أما للجاد فيقطع به لأنه واجب شرعي كالصلاة وكل واجب شرعي لم يجب
إلا لكونه مصلحة في الدين وأما الناظرون فمن الممكن كونه لطفاً لهم
ويجوز عليهم عدم الالتطاف إذ لاوجه يوجب القطع بالتطافهم.
تنبيه
اعلم أن كلام المصنف في المحدود مستقيم وهو أنه إن كان قد تاب
فالحد لطف له لأنه من قبيل الابتلاء والامتحان ونوع من الألم أنزل
به ولابد فيه من اللطف له أو لغيره ليخرج عن كونه عبثاً ومن عرض له
ليخرج عن كونه ظلماً.
قيل: وفيه زيادة زجره عن معاودة القبيح وإن كان مصراً فوجه حسنه
كونه عقوبة عجلت له وقسطاً من العذاب في الدنيا وحقيقة العذاب
حاصلة فيه فإنه مضرة أنزلت بمستحقها على وجه الاستحقاق ويشهد له
قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}، ونقل عن الشيخين
كلام حاصله الاتفاق منهما على أن الحد مصلحة للمحدود ثم اختلفا
فقال أبو علي: هي مصلحة في الدين، أي لطف له يدعوه إلى فعل واجب أو
ترك قبيح. وقال أبو هاشم: بل مصلحة له دنيوية لأنه شرع لزجره عن
المعاصي وإذا تركها مخافة أن يقام عليه الحد لم يستحق عليه ثواباً
وإنما يستحقها حيث تركها لقبحها. وهذا كلام ليس له كل الاستقرار
على قواعدهم.
قوله: (وكذلك أفعال الحفظة) إلى آخره.
يعني فإنها لطف لهم لاشك في ذلك لما يعرفون من مطابقة الواقع لما
اخبروا به ولنا في العلم بذلك لطف ومصلحة ظاهره.
تنبيه
ينبغي أن يلحق بهذا الفصل فوائد:
الأولى: أن اللطف الذي من فعل الله تعالى لايجب إذا كان فيه وجه من
وجوه القبح، بلا لايحسن لأن من حق الحسن والواجب أن يتعريا عن وجوه
القبح وقد سبق الكلام فيما إذا كان للمطلف لطف قبيح في المقدور هل
يحسن أن يكلف بملطوفه مع عدم فعله أو لايحسن.
(6/79)
الثانية: أنه إذا كان للمكلف لطف في شيء من فعله نفسه ولطف في
مقدور الله وعلم الله أن المكلف لايفعل /38/ ما يكون لطفاً له هل
يجب عليه تعالى أن يفعل ما هو لطف له في مقدوره أولا. قيل: لا لأن
الله تعالى إذا كان في مقدوره ما هو لطف وجب عليه فعله ولم يحسن أن
يكلف ذلك المكلف بفعل يكون له لطفاً لأن في مقدوره تعالى ما هو مغن
عنه. هكذا ذكر المتكلمون قالوا: فلو قدرنا أن للمكلف لطفاً في
العلوم الضرورة بالمسائل الإلهية لما كلف الله تعالى العبد
اكتسابها ولقبح منه تعالى إيجابها لأن تكليفه حينئذ بها ليس إلا
لمجرد تحصيل الثواب وهو نفع وطلب النفع لايجب وهذه الفائدة ذكرها
بعض المتأخرين، ثم قال: وما ذكروه صحيح حيث يكون اللطف واجباً وأما
اللطف غير الواجب وهو حيث يكون لطفاً فيما ليس بواجب ولاقبيح فيصح
منه تعالى تلكيف العبد به بأن يندبه إليه لأن طلب النفع يحسن
ولاندب إليه أو إلى ما يؤدي إليه يحسن.
(6/80)
قلت: قال مولانا عليه السلام: وهذا الكلام منضرب جداً لأنه صدر
الفائدة بتقدير أن يكون للمكلف لطف من فعله ولطف في مقدور الله
وفرض أن المكلف لم يأت بما كلفه مما هو لطف له فهل يجب أن يفعل
الله اللطف الذي في مقدوره أو لاثم رد الكلام إلى وجه آخر وهو أنه
إذا كان للعبد لطف في مقدور الله وكان له في فعل منه لطف أيضاً لم
يكلفه الله بتحصيل ذلك اللطف لأن في مقدوره ما يغني عنه فهما
مسألتان وكان الأحسن أن يقول: إذا قدر أن للمكلف لطفاً من فعله
تعالى وأن لذلك المكلف لطفاً في فعل له فهل يصح أن يكلف بذلك أو لا
لكون في مقدور الله ما يغني عنه، ثم إذا فرضنا صحة تكليفه به فكلف
به لوم يفعله هل يجب على الله أن يفعل اللطف الذي في مقدوره ليزيح
علته أو لايجب لأن المكلف لو شاء لفعل ما يدعوه إلى ذلك الفعل
الملطوف فيه فإذا ترك مع القدرة لم يجب على الله أن يفعل اللطف
وإذا اعتل بأن الله لم يزح علته أجيب عليه بأنك الذي فرطت في حق
نفسك ولو فعلت ذلك الفعل لدعاك إلى فعل هذا ففعلته وكنت مثاباً
عليه غير معاقب على تركه.
العلة الثالثة: إذا كان في فعل غير الله تعالى ما يقوم مقام فعل
الله في اللطف فإن علم تعالى أن ذلك الغير يفعل ذلك اللطف سقط
الوجوب عنه لزوال علة الوجوب وإن علم أن ذلك الغير لايفعله وجب
عليه تعالى.
الفوائدة الرابعة: أنه إذا كان للمكلف لطف من فعله تعالى معين تعين
عليه فعله وإن كان في أشياء متعددة كانت بصفة الواجبات المخيرة.
الفائدة الخامسة: أنه تعالى إذا كان في مقدوره تعالى ما هو لطف
للمكلف لكن علم أنه يفعل ما كلفه وإن لم يفعل ذلك اللطف فإنه لايجب
فعله لأن الغرض في فعله قد ارتفع بل لايبعد أن يكون فعله عيباً
فيحكم بقبحه على قواعدهم.
فصل
قوله: (اتفق الشيوخ على أن الإخلال باللطف لايقدح في حسن التكليف).
(6/81)
في دعواه الاتفاق نظر لأن الحاكم وغيره نسبوا هذا إلى أبي هاشم
وحكوا خلاف أبي علي فيه وأنه يذهب إلى أن ترك فع لاللطف يقضي بقبح
التكليف ويعود حينئذ عبثاً وظلماً ورد ما ذكره بأن الشيء لايقبح
لما سيأتي بعده ولابد أن يقارن وجه القبح وجود ذلك الفعل أو يكون
في حكم المقارن إذ المقتضي لقبح الفعل وقوعه على وجه مخصوص.
قال الحاكم: وسبب قول أبي علي هذا قاعدته المشهورة وهي أنه لايستحق
الذم على ألا يفعل بل على أن يفعل فجعل الذم في ألا يفعل اللطف
موجهاً إلى فعل وهو التكليف لما لم يجد فعلاً بوجه الذم إليه غيره.
قوله: (واتفقوا على أنه لايقدح في حسن العقاب لأن المعاقب حينئذ
غير مزاح العلة).
يمكن أن يقال: ليس عدم إزاحة علته يستقل وجهاً في قبح عقوبته لأن
وجه استحقاقه للعقاب قد حصل على أتم الوجوه وهو إتيانه بالمعصية
بعد تكليفه بتركها ونهيه عن فعلها وتوعده عليه بالعقاب الشديد
ووعده على الترك بالثواب المفيد /39/ وهو متمكن من ذلك وليس ترك
فعل يجب على الله اقتضى وجوبه ألا يكون ناقضاً لغرضه وهو مما
لايتوقف ترك المعصية عليه يكون سبباً في سقوط حق بعد حصول موجبه،
كما ذكره القاضي في الذم سواء.
قوله: (وهو ألا يكون في حكم المستفسد له المسقط لحقه).
يقال: ليس تركه للطف قبل فعل المعصية يكون سبباً في فساد استحقاق
العقاب بعد ثبوته بفعل المعصية ولامسقطاً له لأن المسقط من حقه أن
يتأخر عن المسقط.
فصل فيما يصح أن يكون لطفاً من أفعال المكلفين وما لايصح
وكذلك ما يصح أن يكون مفسدة وما لايصح
قوله: (كما لاتتم هي إلا به). مثاله لاقيام وفتح الباب في رد
الوديعة وشرب الدواء في دفع ضرر الألم ونحو ذلك.
قوله: (وما يتصل بها).
يعني من معرفة وعده ووعيده واستحقاق الثواب على الطاعة والعقاب على
المعصية.
قوله: (وكأكثر الشرعيات). يعني وهي الواجبات منها.
(6/82)
قوله: (وبين ما يكون سببه) أي سبب وجوبه طاعة كالنذور فإن لفظ
النذر قربة كما إذا نذر بركعتين وتصيران بذلك السبب واجبتين.
قوله: (واعترضه بعضهم).
كان في أصل النسخ وهي التي بخط المصنف تصريح بأن المعترض شيخه
القاضي سليمان بن إبراهيم النحوي ثم خدش اسمه وأبدله بلفظ: بعضهم.
قوله: (إن كان من قبيل الدواعي).
نظراً إلى ظاهر عبارة الجمهور وليس مرادهم أن الألطاف لاتكون إلا
من قبيل الدواعي التي هي اعتقادات وظنون فإنهم مصرحون بلطفية كثير
من الأفعال وليست كذلك بل أرادوا أن الألطاف تدعو إلى فعل الملكوف
فيه وقصدوا بذلك ما قصده المصنف يقوله أن يختار عندها فعل الملطوف
فيه.
قوله: (ولامتممه للألطاف).
لعله أراد بالمتممة ما يقصده أهل علم الأصول بالمكملات للضروريات
التي هي حفظ العقل والنفس والنسب ونحو ذلك كتحريم قطرة من الخمر
فإن ذلك لا لكونها يحصل بها ضياع العقل بل على جهة التكميل.
قوله: (ولهذا حكمنا بأن بعثة الرسل) إلى آخره.
يعني لاعتقادنا كون الشرعيات واجبة في نفسها لقيام الدليل على ذلك
حكمنا بما ذكر ولو لم يكن واجبة في نفسها بل أوجبت لتحصيل الثواب
لم يجب التكليف بها وكذلك البعثة التي هي للتعريف بها.
قوله: (فأما المفسدة من فعل المكلف) إلى آخره.
ظاهر كلام المصنف أنه يجوز وقوع المفسدة من فعل المكلف سواء كانت
مفسدة في حقه أو حق مكلف غيره والمروي عن الشيخين أن أبا علي يمنع
من وقوعها وأن أبا هاشم يجيز أن يقع من المكلف حيث هي مفسدة في حق
نفسه ويمنع من جواز وقوعها إذا كانت مفسدة في حق غيره مطلقاً،
ويوجب على الله ألا يمكنه منها مهما أراد بنفيه التكليف وكذلك إذا
كانت من فعل غير المكلف.
قوله: (أو دفع ضرر عاجل).
أراد ضرر الخوف الحاصل عند عروض الخاطر.
قوله: (أو لوجوب شكر المنعم).
يعني على التفصيل لأنه مفصلاً لا يمكن إلا بعد معرفة المنعم.
فصل في الكلام على أهل الأصلح
(6/83)
اعلم أن الذي تقدم كلام على الأصلح في باب الدين وقد ذكر مذهب
الجمهور في وجوبه على الله لأن المراد بالأصلح في الدين الألطاف
التي يدعو المكلف إلى امتثال ما كلفه وأما الأصلح في غير باب الدين
كمصالح الدنيا من الأرزاق وغيرها فقالت البصرية من المعتزلة وكذلك
الزيدية وغيرهم من الفرق الإسلامية أن هذه المصالح الدنيوية غير
واجبة على الله وإنما هي تفضل منه وجود وكرم كما إذا أحسن الواحد
منا إلى غيره. وقالت البغدادية: الشيخ أبو القاسم وغيره أن ذلك
واجب على الله واختلفوا فمنهم من قال بوجوب ذلك عليه مع .....
كوجوب قضاء الدين حتى لو قدر إخلاله به لاستق الذم.
وقال أبو القاسم: بل يجب وجوب وجود وتفضل لا أنه يصير مستحقاً عليه
وهو خطأ في العبارة حيث سمى الجود والتفضل واجباً وليس الواجب من
هذا الجنس إلا ما كان مستحقاً وهذا الخلاف هو في المصلحة الدنيوية
/40/ ومعنى كونها دنيوية أنها لا أثر لها بدعاء وصرف في شيء مما
كلفناه فعلاً أو تركاً سواء كانت تلك المصلحة في الدنيا أو في
الجنة.
قيل: وحقيقتها المنفعة التي يصح أن ينتفع بها العبد ولاضرر فيها
على غيره ولا وجه من وجوه القبح مع تعريها عن الدعاء والصرف في
الدين.
قوله: (والنظر في العقليات أي هو المثال في العقليات).
يعني النظر في معرفة الله لأنها لاتتم المعرفة إلا به والظهور هو
المثال في الشرعيات لما لايتم الواجب إلا به فإن الصلاة لاتتم إلا
بالطهور.
قوله: (وكالاعادة). يعني فإنه لايتم الواجب من الإثابة للمطيعين
ولاعوض للمؤلمين والانتصاف من الظالمين للمظلومين إلا بها.
قوله: (واستحالته لاتخرجه عن كونه واجباً).
فيه نظر بل تخرجه وكيف يجب ما لايطاق فإن الذي لا يتناهى مستحيل
والمستحيل لايطاق والذي لايطاق لايجب.
قوله: (بحيث لايعلم بها المكلفون). يعني فلا يقدر أن في علمهم بها
مفسدة.
قوله: (لأنه إذا حصل وجه الوجوب وجب الفعل).
(6/84)
فيه نظر لأنه لابد أن يتعرى عن وجوه القبح وإلا فإنه إذا تعارض
وجه وجوب ووجه قبح فترك المفسدة أهم من تحصيل المصلحة.
قوله: (ولوجب أن ينقي الله الكفار كلهم). يعني إن كانت التنقية
أصلح.
وقوله: (أو يميتهم كلهم). يعني إن قدرنا أن إماتتهم أصلح.
قوله: (سائر المباحات). يعني كالأكل والشرب وهو يلزمهم حيث في
المباح نفع فأما ما لانفع فيه فلا يلزم لكن يقال: إن الذي لانفع
فيه يخرج عن حد المباح إلى العبث الذي هو نوع من القبيح وفي
الإتيان بلظفه سائر هنا نظر فإنه إنما يقال سائر كذا بعد أن يؤتى
بشيء منه كأن يقال: الأكل وسائر المباحات ونحو ذلك وقد عد الحريري
هذا من غلطات الخواص في كتابه درة الغواص.
قوله: (ويقتضي اعتبار قيد زائد).
يعني وهو ألا يكون فيه ضرر ولو التزموا هذا لم يضرهم لكنهم لم يرد
في كلامهم اعتبار هذا القيد.
قوله: (كسائر الواجبات). يعني فإنها لاتخلو عن ضرر ومشقة.
فصل في شبههم
قوله: (يجري مجرى التمكين).
يعني من الفعل المكلف به ومعنى كونه جارياً مجراه أنه إذا لم يفعل
كان تركه علة للمكلف في ترك ما كلفه كما إذا لم يتمكن.
قوله: (يجري مجرى الاستفساد).
أي طلب الفساد بفعل المفسدة لأنهم قد ذكروا أن ترك اللطف في نقض
الغرض كفعل المفسدة.
قوله: (فأما الشرع فقد جاء بوجوب الزكاة) إلى آخره.
هذا لامعنى له فإن الزكاة لاتتعين على ربها صرفها في فقير معين كما
لايتعين عليه أن يتفق على الغير من ما له فكان الأحسن أن يقول فأما
الشرع فقد ورد بأنه يجب على المؤسر أن يسد رمق المشرف على الهلاك
من ماله ويصير ذلك من جملة الواجبات الشرعية كما أن الشرع أجاز
...... خشي على نفسه التلف أن يأخذ من مال الغير وإن كره لأن حرمة
النفس آكد.
قوله: (فأنهم يعتقدون وجوب إضافة الضيف).
ظاهره أن وجوب الإضافة لا أصل له في الشرع وقد ذكر علماء الشرع بها
يجب على أهل الوتر وله أصل في الأثر.
قوله: (قلنا ليس هذا وزان المسألة) إلى آخره.
(6/85)
جواب صحيح وقد يجاب بأنه إنما قبح من أحدنا ذلك من حيث أنه لا
غرض له في المنع من ذلك حتى لو قدرنا أن له في ذلك غرض صحيح لم
يقبح منه المنع. والله تعالى لايصح كون عدم خلقه لما ينتفع به
الأحياء ويتنعمون به من قبيل التفضل عبثاً.
القول في الآجال
وجه إدخال القول في الآجال والأرزاق والأسعار في علم الكلام
واتصالها بباب الألطاف جواز كونها ألطافاً أما الأجل فقد يكون حياة
الإنسان وموته لطفاً لغيره وأما هو فلا يصح أن تكون حياته لطفاً له
لأن اللطف لابد أن يكون زائداص على التمكين ولاموته لأنه لاتكليف
بعده لكن العلم بذلك يمكن كونه لطفاً له ولايقطع بذلك ويقطع بأن
الموت لطف لغيره إذ لابد فيه من اعتبار /41/ وهو متعذر في حقه
فيثبت لغيره، وأما الأرزاق فمن الجائز الممكن المستقرب كونها
ألطافاً وأن الله سبحانه يفعلها ويبسطها طلباً للاح عبده وتعريضاً
له للشكر والعفاف وغير ذلك من الطاعات، وأما الأسعار فما كان منبته
من غير الله تعالى فلا يقطع فيه بلطف ولا خلافه وما كان من جهة
الله ويحصل به ألم أو غم فلا بد فيه من لطف للمتألم أو المغتم أو
غيره والذي لا ألم فيه ولاغم يجوز ذلك فيه ولايقطع به، وقد نبه
المصنف على هذه المعاني في آخر الأبواب.
قوله: (الأجل هو كل حادث) إلى آخره.
الظاهر من اللغة أن الأجل في أصلها مدة الشيء وفي عرفها إذا أطلق
فلوقت الموت ولايستعمل في غيره مطلقاً بل مقيداً كأجل الدين.
قوله: (إن مات الأمير). هذا من أمثلة النفي لأن الموت انتفاء
الحياة عند الجمهور.
قوله: (فعبده حر) كذلك لأن الحرية انفتاء الملك وأما مثال الصفات
فكان يقال: إذا حصل الوجود للجوهر تحيز.
فصل
قوله: (ومعنى أن الله جعل للشيء أجلا) إلى آخره.
يقال: بل المعنى الأظهر في كون الله جعل له أجلاً أنه حد له وقتاص
لايتعداه إلى غيره ويكون انقطاع الحياة مثلاً في آخره يفعله تعالى
أو نحو ذلك.
فصل
قوله: (ولايصح فيمن قتل غيره).
(6/86)
أو يقال أنه قطع أجله هذا مذهب أبي هاشم وأصحابه بناء على أنه
ليس للموت إلا أجل واحد وقالت البغدادية بل للموت أجلان مقدر ومسمى
واختلف في تفسيرهما عنهم فقال الحاكم: المقدر الذي يموت أو يقتل
فيه والمسمى الذي لو لم يقتل مثلاً أو لم يغرق أو يصيبه الهدم أو
يحترم لبقي إليه.
وقيل: بل الأقرب أن المخالف يعكس فيجعل المسمى هو الذي يموت فيه أو
يقتل أو نحو ذلك والمقدر يختص بالمقتول والغريق ونحوهما وهو الذي
يقدر بقاؤه إليه لو لم يبق له ذلك لأن هذا أنسب إلى العبارة
ولايبعد أن يكون مذهبهم هذا متفرعاً على قطعهم بأن المقتول لو لم
يقتل لعاش.
والحجة الواضحة للبهشمية أن الأجل هو وقت الشيء الذي يقع فيه فلو
جعلنا للموت أجلين لزم ثبوت موتين في هذه الدار وخلافه مقطوع به
واحتج البغدادية بقوله تعالى: {ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده}.
وأجيب بأنه تعالى لم يرد أجلين للموت وإنما أراد بالأول أجل الموت
وبالثاني أجل القيامة هكذا ذكره جار الله في تفسيره.
قال: وقيل الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين
الموت والبعث وهو البرزخ. وقيل: الأول: النوم والثاني الموت.
واعلم أن احتجاج البغدادية هذا يقضي بصحة تفسير الحاكم لقولهم
والذي عكس نظر إلى ظاهر العبارة فقط والمعول عليه ما ذكره الحاكم
ومعنى كون الأول مقدراً أن الله قضاه وقدره لا بمعنى أنه تقديري
ومعنى كون الثاني مسمى أنه سماه ولم يقض به والله أعلم.
واحتجت البغدادية أيضاً بقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين خرجوا من
ديارهم} الآية فإنه نقل عن الحسن البصري في تفسيرها أنهم قوم هربوا
من الطاعون فماتوا قبل آجالهم، وأجيب بتسليم أن للمذكورين في الآية
أجلين فإنهم أميتوا في الدنيا مرتين والخلاف إنما هو فيمن يموت مرة
واحدة.
(6/87)
قالت: قال مولانا عليه السلام: الخلاف في الحقيقة إنما هو في
القاعدة التي بنى البغداديون كلامهم عليها وهو أن المقتول ونحوه لو
لم يقع فيما وقع فيه لعاش قطعاً فلو صحت لهم لم ينازعوا فيما ذكروه
من الأجلين وكان كلامهم فيه مستقيماً.
قوله: (ما ورد في الحديث أن الرجل ليصل رحمه) إلى قوله: الخبر
تمامه: وإن الرجل ليطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاث وثلاثون سنة
فيبتره الله عز وجل إلى ثلاث سنين.
وقوله: (وفي رواية الحديث: فيرده الله). الذي في شمس الأخبار:
فيمدها الله. ومثل هذا ما نقل عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جده،
قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( احتضر رجل بار
بأهله وفي جواره عاق بأهله فقال الله للملك ـ وهو أعلم بذلك ـ: كم
بقي من عمر هذا العاق؟ قال: ثلاثون سنة. قال: حولها إلى عمر هذا
البار واقبض روح هذا العاق )).
فصل
قوله: (ذهب الجمهور من شيوخنا إلى أن المقتول لو لم يقتل لجاز أن
يموت وجاز أن يعيش).
هذا قول الزيدية وجمهور المعتزلة منهم الشيخان وقاضي القضاة
وأتباعهم.
قوله: (لجواز أن يعلم الله من حاله) إلى آخره.
هذه الزيادة غير محتاج إليها ولا هي بمستقرة المعنى.
قوله: (وقال أبو الهذيل) هذا أيضاً منسوب إلى الحشوية والجبرية لكن
عللوا بغير ما علل به وهو أن وقوع خلاف المعلوم محال ورد ما ذكروه
بأن تقدير بقائه لو لم يقتل لايكون فيه خلاف ما علم الله لأن الله
سبحانه قد علم أنه يقتل في ذلك الوقت وعلم أنه لو لم يقتل لعاش إلى
وقت آخر يكون موته فيه.
قوله: (وقال بعض البغداديين).
(6/88)
الذي في غير هذا الكتاب نسبته إلى جملتهم وهكذا الخلاف في كل من
مات بسبب من هدم أو غرق أو تحريق والظاهر بقاء كلام الجمهور على
ظاهره وقال الحاكم: بل المراد التجويز في حق المقتول لو لم يقتل
وأما بعد القتل فيقطع أنه لم يكن يجوز غيره لأن الأجل عبارة عن وقت
الموت فإذا قتل في ذلك الوقت فقد مات في أجله وإلى هذا أشار صاحب
شرح الأصول حيث قال: ولاخلاف فيمن مات حتف أنفه أو قتل أنه مات
بأجله لأن الأجل هو وقت الموت وهما جميعاً قد ماتا وإنما الخلاف في
المقتول لو لم يقتل كيف كان يكون حاله في الحياة والموت.
قوله: (على أنه قد فوت عليه بالقتل أعواضاً كثيرة).
يعني لأنه إاذ مات حتف أنفه أو بسبب من الله فآلام الموت وغمومه من
جهته تعالى فعوضها عليه والعوض المستحق عليه يبلغ في الكثرة مبلغاً
لايبلغه ما كان من غير الله تعالى أو بسبب منه كما سيأتي فيكون
ظلمه إياه لتفويته تلك المنافع عليه ومما حتج به أبو الهذيل ومن
قال بقوله قوله تعالى: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم
القتل إلى مضاجعهم} أراد مصارع الموت.
وأجيب بأن المعنى لو كنتم في بيوتكم وقد علم الله أنكم تقتلون في
وقت كذا بموضع كذا لبرز المعلوم ذلك من حالهم إلى تلك المصارع
باخيتارهم لداع يدعوهم إلى ذلك كما ورد في الخبر عنه صلى اللّه
عليه وآله وسلم أنه إذا علم الله وفاة عبد في جهة جعل له فيها
حاجة.
فصل
قوله: (ومعنى كون الأجل لطفاً ... يختلف) إلى آخر كلام المصنف في
هذا الفصل جيد واضح.
(6/89)
قوله: (ويجوز أن يكون علم زيد بأنه يموت) إلى آخره. هو صحيح
ويتصور مثله في علمه بحياته في مدة عمره، ويتصل بهذا الباب فائدة
ينبغي أن تعد فصلاً من فصوله وهي أن الله تعالى هو المميت لكل حي
وهذا أمر ظاهر لايجهله مسلم والمسلمون مجمعون عليه ولو ادعى كونه
معلوماً بضرورة الدين لأمكن وخالفت فيه المطرفية فقالوا: إن الله
تعالى لايميت الأطفال ولا من لم يبلغ عمره مائة وعشرين سنة ومن مات
دون ذلك فموته لأسباب عارضة لا أن الموت من الله وينبغي أن يسألوا
عن سبب موت من حكموا بأن الله لم يمته. فيقال لهم: هل مات لأمر أو
لا. لايصح أن يحكم بأن موته لا لأمر لنه حينئذ لايكون بأن يموت
أولى من ألا يموت وإن كان لأمر وقد ثبت أن الموت إما معنى مقابل
الحياة أو عبارة عن التفريق المضاد لما تحتاج الحياة إليه فهذا
العفل لايصح أن يكون إلا من فاعل والفاعل لايصح أن يكون هو الميت
إذ لايقف على قصده وداعيه ولاينتفي لصارفه وكراهته وإن قيل بأن
المؤثر غيره لم يصح لأنه إن كان موجباً قديماً فلا قديم مع الله،
وكان يلزم حصول الموت قبل أوانه لأن ذلك الموجب القديم حاصل قبله
بل كاني لزم ألا يوجد حي، وإن كان موجباً محدثاً فما هو ولأنه إنما
يكون سبباً فالمؤثر فيه إذاً محدثه، وإن كان مختاراً فلا يصح أن
يكون عرضاً ولاجماداً إذ لا اختيار لما هذه صفته وإن كان قادراً
بقدرة فمن هذه صفته لايفعل فعلاً في غيره إلا بواطسة الاعتماد
ولايعلم شيء من ذلك في حق من مات، وأما من مات بسبب من الغير /43/
فإن موته مضاف إلى فاعل ذلك السبب وأعواضه عليه، وإن كانت الدلالة
قد قامت بأن الله تعالى هو المميت له وأن ملك الموت يتولى قبض روحه
ويدل على ذلك من جهة السمع قوله تعالى: {خل الموت والحياة}،
والظاهر الاستغراق لحصول أداته، ومثله: {الله يتوفى الأنفس حين
موتها}.
القول في الأرزاق
(6/90)
الرزق في اللغة العطاء، قيل: ومن معانيه الشكر. قال تعالى:
{وتجعلون رزقكم} الآية. وقيل: الرزق في أصل اللغة عبارة عن كل ما
يغتذي به الحيوان اقتناء على وجه لاترجح مضرته على نفعه ولايساوى
ولامنع منه ليخرج نحو الدم والخنزير وما أشبه ذلك ويفترق الرزق
والملك فالرزق أعم إذ يدخل فيه ما ليس بملك كلاماء والكلا. وإذا
قيل: رزق الملك جنده. فالمعنى أعطاهم رزقهم المفروض لهم ويقال:
رزقك الله ولداً صالحاً أي وهب لك فإن كان المعطي مما يسمى رزقاً
فهي نسبة حقيقية وإن لم يكن كذلك فهي مجازية كقولهم: رزقك الله
العافية.
قوله: (فلأسباب حادثة).
قال صاحب شرح الأصول: سبب الملك ربما يكون الحيازة وربما يكون
الإرث وربما يكون المبايعة وربما يكون الهبة هذا في الآدميين قال:
وأما في البهائم فينقسم أيضاً إلى ما يكون رزقاً على الإطلاق وذلك
نحو الماء والكلا وغير ذلك وإلى ما يكون رزقاً على التعيين وذلك
نحو ما حواه فمه والمعنى أنه إذا حاوه فمه فقد تعين له فلا يجوز
لغيره أخذه.
قيل: والرزق يكون من عند الله كتوالد المواشي ونما الزرع وإجراء
الفلك إلى الجهة المقصودة لطلب الرزق وقد يكون سببه من فعل العبد
كالإجارة والتجارة وأنواع الاكتساب.
فصل
والرزق لابد أن يتعرى عن وجوه القبح والحظر.
قوله: (خلافاً للمجبرة).
المحكي عنهم أن الرزق هو المأ:ول والمشروب والملبوس والمنكوح ونحو
ذلك مما يلتذ به حلالاً كان أو حراماً.
قوله: (كما قال تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده
والطيبات من الرزق}).
(6/91)
المراد بالزينة الثاب وكل ما يتجمل به وبالطيبات المستلذات من
المآكل والمشارب. قال جار الله: ومعنى الاستفهام إنكار تحريم هذه
الأشياء. وقوله تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله من رزق فجعلتم منه
حراماً وحلالاً} أي أنزله رزقاً حلالااً كله فبعضتموه وقلتم هذا
حلال وهذا حرام كقولهم: هذه أنعام وحرث حجر، وقالوا: ما في بطون
هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، ووجه الاحتجاج أن
الاستفهام فيها للإنكار أنكر عليهم كونهم قضوا على شيء من الرزق
بكونه حراماً.
قوله: (ويتعبد الإمام بقطع يده).
يعني لن النصاب المسروق على وجه يوجب القطع هو عندهم من أنواع
الرزق.
قوله: (فقال: {وأنفقوا مما رزقناكم} ، ومدح على ذلك فقال: {ومما
رزقناهم ينفقون}).
وجه الاحتجاج بهاتين الآيتين أنه تعالى مدح على الإنفاق من الرزق
وأمر به وهو لايأمر بالإنفاق من الحرام ولايمدح به لأن ذلك قبيح
وهذا الاستدلال معتمد عند الأصحاب. وضعفه بعض المتأخرين وقال: إن
هذا لايرد على الخصم إلا لو قال بأنه لاشيء من الرزق إلا الحرام
فأما وهو يجعل الرزق قسمين حراماً وحلالااً فلا ينتهض الدليل عليه
لأنه لم يأت في الآيات بلفظ يعم كل ما يسمى رزقاً وإنما أتى بمن
التي للتبعيض فللخصم أن يقول ذلك البعض هو الحلال. قال: والأولى
الرجوع في الاستدل إلى موضوع الرزق لغة عند أئمة اللغة وهم لايسمون
ما اعتقدوا تحريمه رزقاً.
قلت: قال مولانا عليه السلام: ظاهر الآيتين الكريمتين الأمر
بالإنفاق من أي رزق كان والمدح على ذلك من غير تقييد والظاهر أنه
إذا أنفق مما رزق فقد امتثل الأمر واستحق المدح. واعلم أن تطويل
الأصحاب في هذه المسألة احتجاجاً وشبهة وجواباً مما لم يكن إليه كل
الحاجة فإن لفظة الرزق لفظة لغوية يرجع في موضوعها إلى أهل اللغة
وأن اصطلح فيها اصطلاحاً آخر فلكل اصطلاحه، فليست من مسائل الكلام
التي ينبغي أن يطول فيها الكلام.
فصل في طريق الوصول إلى الرزق
(6/92)
/44/ قوله: (اعلم أن الرازق في الحقيقة هو الله تعالى).
يعني وأما تسمية الواحد منا رازقاً فمجاز لأن الرزق لايقدر عليه
إلا الله تعالى إذ هو أشياء ينتفع بها كالمأكول والمشروب أو غرض من
فعله تعالى كنفس الطعوم والألوان والقوة مما لايدخل جنسه تحت
مقدورنا أو يدخل جنسه تحت مقدورنا لكن لانقدر على فعله بتلك
الكيفية كالعقل فإذا أضيف الرزق إلى الواحد منا فمن قبيل التجوز
كما يقال: رزق فلان خادمه. أي أعطاه ومنه قوله تعالى: {فارزقوهم
منه} ووجه التجوز كون له سبب فيه كالهبة والصدقة وأما استعماله
حقيقة فهو في فاعل الرزق نفسه وليس إلا الله تعالى. هكذا ذكره
أصحابنا وفيه نظر لأنه قد ثبت أن الرزق لغة بمعنى الإعطاء فإذن
يكون رزق الملك جنده ونحوه مستعملاً في أصل ما وضع له فهو حقيقة
لامجاز.
وقد قيل: التحقيق أن لفظ الرزق له معنيان أحدهما: العين المنتفع
بها نحو: {في السماء رزقكم} أي المطر فلا يضاف بهذا المعنى إلا إلى
الله إذ لايقدر عليه غيره. والثاني بمعنى الإعطاء ومنه قوله تعالى:
{لايملكون لهم رزقاً من السموات والأرض شيئاً} أي لايملكون أن
يرزقوهم شيئاً، وهذا فيه معنى المصدر ولهذا عمل النصب في شيئاً
وبهذا المعنى يصح إضافته إلى العباد لأنه بمعنى الإعطاء ومنه:
{فارزقوهم منه} أي أعطوهم.
قلت: قال مولانا عليه السلام: وهذا أحد وجهين ذكرهما الزمخشري في
تفسير الآية والوجه الثاني أن الرزق ههنا بمعنى ما يرزق ويكون
شيئاً بدلاً منه يعني قليلاً أو يكون تأكيداً للا يملك أي لايملك
شيئاً من الملك. وقالت المجبرة: لايصح إضافة شيء من الرزق إلى
العباد بل الجميع من الأرزاق والتسبيب وغيره من الله بناء على نفي
أفعال العباد. ويقال لهم: إذا كان الجميع من الله لزم ألا يستحق
الواحد منا على هبته ونحوها مدحاً ولا ثواباً والمعلوم خلافه.
قوله: (كالمواريث ونحوها). هو ما لايفتقر إلى قبول من التمليكات
كالنذر على المختار.
(6/93)
قوله: (من بيوع وغيرها). يعني كالهبة على عوض.
قوله: (والإباحات ونحوها). يعني كالعارية.
قوله: (فكالمواريث والوصايا). يقال: أما المواريث فلا بأس، وأما
الوصايا فهي في حكم الهبات عقلاً.
قوله: (وكذلك الصدقات). لعله قصد الصدقة الغير المعينة وكلام
المصنف في هذا الفصل ليس بالجيد.
فصل
قوله: (زعم المتآكلة وأهل الكسل).
هم قوم من الصوفية يلزمون موضعاً مخصوصاً رجاء أن يحصل لأحدهم بذلك
ما يقتاته وجرت لهم العادة بأن من سلك هذه الطريقة أوصل إليه
الكفاية فجعلوا ذلك ديناً لهم ومذهباً.
قوله: (حاكياً عنهم أن طلب الرزق محظور).
قالوا: لأن فيه ترك التوكل على الله. واعلم أن هذا الفصل موضوعه
حسن طلب الرزق لكنه صدره بمذهب الخصوم وكان الأحسن أن يقول مثلاً:
فصل في أنه يحسن طلب الرزق. الذي عليه جمهور أهل الإسلام: أن طلب
الرزق حسن فمنه واجب ومنه مندوب ومنه مباح وقد يكون في التكسب ما
هو محظور وما هو مكروه ثم يذكر خلاف من خالف في ذلك ثم يذكر الدليل
للمذهب الصحيح ويعقبه بذكر متمسك المخالف ونحن نتتبع ما يحتاج إلى
الكشف من كلامه ثم نرجع إلى ذكر ما أهمله.
قوله: (من طلب مالاً حلالاً ليصل به رحمه) الخبر . لم يدل على هذا
الخبر في مظانه التي من كتب الحديث عندنا على سعتها واحاطتها ....
أكثر مما علمنا.
قوله: (وقال عليه السلام: لو توكلتم على الله..) ألخبر.
أي قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وروي أنه قاله لجماعة وجدهم
واقفين في مسجد ينتظرون ما يأتيهم من الرزق ويصفون أنفسهم بأنهم
متوكلون.
قوله: (فأخبر بأنها تغدو وتروح).
يعني والمفهوم أنه أراد أن تلك صفة التوكل. قيل: وفيه نظر إذ ليس
معنى الخبر إلا أنه يرزقهم لو توكلوا كرزق الطير وليس فيه ......
فعل الطير توكل ولا أن الطلب توكل بل مسكوت عن ذلك، فالأولى أن
يقال: التوكل طلب الرزق من حله وعدم الجزع من فوته وعلمه أن الله
تعالى لم يؤخره عنه إلا لضرب من الصلاح.
(6/94)
قلت: قال مولانا عليه السلام: في تنظيره نظر /45/ لأن شبيههم لو
توكلوا بالطير مع ذكر صفة طلبها للرزق يفهم منه بالذوق السليم أن
فعل الطير توكل إذ لو لم يكن توكلاً لم يصح التشبيه فما وجه الشبه
حينئذ. وعن عمرو بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر بقوم فقال: (( من
أنتم؟ )) فقالوا: نحن المتوكلون. قال: (( إنما المتوكل رجل ألقى
الحب وهو ينتظر الغيث )) يعني الزراع لأنه أ[لغ الناس توكلاً لشدة
اعتنائه في العمل من حرث وغيره من إصلاح الأرض ثم إلقاء البذر فيها
وليس معه في ذكل إلا التوكل على الله في إتمام ما فعله وصرف ما
يفسده إذ لولا ثقته بالله وتوكله عليه لما سمح بإلقاء البذر وهو
بضعة من ماله لايتسامح به مع تجويزه لبطلانه بأنواع واسعة من
العوائق، وبعد الزراع في التوكل المسافر في البر والبحر للتجارة
فإنه يقطع الآفاق ويخوض البحر الدفاق لابتغاء فضل ربه الرزاق
متوكلاً عليه في صرف ما منع من غرضه وعاق.
قوله: (وأما من يقول أن المعاملات قد فسدت).
هؤلاء فرقة أخرى من الصوفية أيضاً يمنعون من التكسب لهذه الشبه
التي اعترضت لهم ومما يبطل به قولهم وإن كان واضح البطلان أن في
المكاسب ما لاتلتبس الحال في حله فيحسن طلبه كالاحتشاش والاحتطاب
من الفلوات واستقاء الأمواء من الأنهار العظيمة كدجلة وهذا
الاستدلال مستقيم، وإن كان المراد بذلك تناول ما يحتاجه منه، وأما
إذا احتش أو احتطب أو اغترف الماء ليبيعه وينتفع بثمنه فالاحتجاج
غير مستقيم، ويدل على حسن التكسب من العقل أنه يعلم بالعقل حسن طلب
الانتفاع بما لاينتفع به مما لاضرر على أحد فيه، ولاورد الشرع
بالمنع منه، ومن القرآن ما ذكره المصنف وقوله تعالى: {فانتشروا في
الأضر وابتغوا من فضل الله}. وقوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما
كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} فجمع بين الإنفاق من الكسب
والإنفاق مما أخرجت الأرض مما هو باصل الإباحة.
(6/95)
ومن السنة ما روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( من طلب من
الدنيا حلالاً تعطفاً على والد أو ولد أو زوجة جاء يوم القيامة
ووجهه على صورة القمر ليلة البدر )).
ومن الإجماع أنه لاخلاف بين المسلمين في حسن طلب الرزق على وجه يحل
أما من المباحات كالاحتطاب والاحتشاش ونحو ذلك، وإما من جهة تملك
المملوكات بالبيع والشراء والهبة والصدقة ونحوها وإجماع الصدر
الأول على ذلك كالمعلوم الذي لا تتطرق إليه الوهوم.
تنبيه
قد ذكرنا فيما تقدم انقسام طلب الرزق إلى جميع أقسام متعلقات
الأحكام من واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحظور، أما الواجب فحيث يخشى
بتركه الضرر على نفسه بجوع أو عرى ولايندفع عنه ذلك إلا بأن يتكسب
فيجب عقلاً لأن دفع الضرر عن النفس واجب، وكذلك إذا خشي الضرر على
أبويه العاجزين وطفله فيجب شرحاً وكذلك يجب بالشرع لطلب ما ينفق
على زوجته وإن لم يتضرر وكذلك حيث يعرف من نفسه أو يخاف عليها أنه
إن لم يكتسب ما يحتاجه من نفقة ونحوها ويكون معداً لذلك وقع في
الحرام فإنه يجب عليه وإن لم يتضرر بالترك ولايستغرب مثل هذا
ويقال: كيف يجب طلب الرزق مع أنا مأمورون بالزهد في الدنيا ورفض
الحب لها وعدم الاتفات إليها فقد بينا وجه الوجوب في ذلك، ولقد ذكر
بعض أصحابنا المتأخرين شيئاً حفظه عن بعض العلماء وهو أن التكسب
للنفس والأولاد من أهم الواجبات وإنما لم يقع تصريح من جهة الله
بذلك اكتفاء بما ركب فينا من حب المال والحرص على جمعه فلا حاجة
إلى التصريح بإيجابه كإيجاب الصلوات والزكوات والحج.
قال: ووجه ذلك ما في تحصيل المال من الاحتراز عن أذاء الناس
بالسؤال وتحمل مننهم ولما في جمع المال من حفظ الورع عن أموال
الناس وقد نبه صلى اللّه عليه وآله وسلم على ذلك حيق ال: دطلب
الحلال فريضة على كل مسلم بعد الفريضة )) أو كما قال: (( نعم العون
على التقى المال )) .
(6/96)
وأما المندوب فحيث لاوجه من وجوه الوجوب بأن يكون معه كفايته
لكن يكسب ليتصدق أو لئلا يلحقه في المستقبل حاجة /46/ أو ليتجمل
بما يكتسبه عند الناس.
وأما المباح فيكسبه ليتوصل بما يكتسبه إلى التلذذ بالمباح من مطعوم
ومشروب ومنكوح ومركوب ومسكن ولايقصد غير ذلك.
وأما المكروه فحيث يكون معه كفياته والتكسب يشغله عما هو أفضل من
طاعة الله وما يقرب إليه أو يكون تكسبه بحرفة تنقص قدره وتضع منه
أوو يكون في منصب الاقتداء فيخشى أن يقتدي به غيره من العوام
فيكسبهم ذلك الحرص على جمع المال والغفلة عن الآخرة والاستعداد
للموت.
وأما المحظور فحيث التكسب من وجه محظور أو من حلال للمكاثة
والمفاخرة أو حيث يشغل عن أداء واجب عليه ولايبعد أن يعد من هذا
النوع التكسب بالسؤال لما ورد فيه من الأخبار القاضية بتحريمه وليس
مما أردناه بقولنا يحسن طلب الرزق فإن الغرض بغير السؤال كالتجارة
والإجارة والنجارة والفلاحة وسائر المهن والاصطياد واستخراج نفائس
البحر والمعادن والاحتطاب والاحتشاش ليبيع ذلك وإحياء الأرض لبيعها
وغزو ديار الكفار للاغتنام منها.
وقيل: ليس الفلاحات من التكسب وكذلك قبول الهبات والوصايا والنذور
لأنها وإن كانت عملاً في تحصيل الرزق فلا تسمى كسباً لغة ولاعرفاً
ولاشرعاً.
قلت: قال مولانا عليه السلام: وفي ذلك نظر لاسيما الفلاحة.
ويلحق بما تقدم فوائد:
(6/97)
الأولى: أنه لايجب عليه تعالى أن يرزق أحداً من عباده إذ الغرض
منه التبقية وهي لاتجب عليه مطلقاً إلا ما يقوله الأصحاب من أنه
يجب عليه تبقية المكلف بعد تكليفه وقتاً يسيراً يتمكن فيه من فعل
شيء مما كلفه لئلا تبطل فائدة التكليف وهي ممكنة وأكثر منها من دون
رزق. وأما قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}
فهو وإن كان ظاهره يقتضي الوجوب للإتيان بلفظة على التي تدل على
الاستحقاق مؤول بأن الله تعالى لما تكفل بالرزق ووعد باستمراره
وأمن العباد من قطعه إيناساً منه لهم وصرفاً لهم عن استغراق
الأوقات بطلبه صار كأنه واجب.
قال جار الله: فإن قلت كيف قال الله على الله رزقها بلفظ الوجوب
وإنما هو تفضل؟ قلت: هو تفضل إلا أنه لما ضمن أن يتفضل به عليهم
رجع التفضل واجباً كنذور العباد.
الفائدة الثانية: أن لله تعالى أن يفاضل بين عباده في الرزق وقد
خالف في ذلك بعض المطرفية فقالوا: بوجوب المساواة ومنع المفاضلة
وخلاف ما ذكروه معلوم بضرورة الوجدان وبما ورد في القرآن كقوله
تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق}، وقوله: {يبسط الرزق
لمن يشاء ويقدر}، وقوله: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} ولأن
الرزق تفضل فلا تجب فيه المساواة.
تنبيه
لو اشترى التاجران في جودة البضاعة ومكارم الأخلاق والتحبب إلى
الناس وجميع ما يدعو إلى مثلهما وكان الناس إلى أحدهما أكثر
انصرافاً وانجذاباً فقد اختلف فيه بعض الشيوخ هل ذلك بسبب من الله
أو لا؟
قيل: والتحقيق أنه لابد من مرجح للناس في ذلك إذ مجرد الإرادة
لاتكفي في الفعل فيكون ذلك المرجح اعتقاد جهل أو ظن لزيادة فيه من
دون علم بالزيادة لأنا قد فرضنا الاتسواء من كل وجه ولايكون الجهل
والظن من الله.
(6/98)
الفائدة الثالثة: أنه تعالى يرزق العصاة وهو مذهب المسلمين كافة
وخالفت فيه المطرفية فذهبوا إلى أنه تعالى لم يرزق العصاة بل
العاصي مغتصب لنفسه ورزقه ولعل هذا اختص به طائفة منهم إذ المحكي
عنهم جملة أنه تعالى لم يرزق أحداً لامؤمناً ولا عاصياً وإنما كل
حي يحتال في طلب رزق نفسه وهو خلاف ما علم ضرورة من الدين وكذلك
قولهم هذا في العصاة فإن الله سبحانه قد صرح برزقه للكافرين كقوله
تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيداً وجعلت له مالا ممدودا} الآيات وغير
ذلك وغيره.
فصل
اعلم أن الرزق قد يكون لطفاً وقد لايكون.
قوله: (لأجله منه). يعني من الرزق وكلامه في هذا الفصل جيد لا غبار
عليه واضح لايتطرق اللبس إليه.
القول في الأسعار
قوله: (السعر هو تقدير الثمن). جعل ما هية الشعر نفس التقدير /47/
كأن يقول القائل: ابتع الرطل من هذا بكذا.
وقيل: إن السعر في اللغة عبارة عن قدر ما يباع به الشيء. يقال: سعر
الطعام أي كم القدر الذي يباع به فهو على هذا اسم للثمن. وقال في
الضياء: الشعر هو الذي يقوم عليه الثمن وهو قريب مما قال المصنف.
قيل: والسعر غالب في المأكولات المثليات. وقيل: بل يختص من
المثليات بالمكيلات في الغالب.
إذا عرفت هذا فالثمن هو الذي يستحق في مقابله المبيع هكذا ذكر صاحب
شرح الأصول، ونظر بأن المستحق في مقابلة المبيع قد يكون مبيعاً
أيضاً والأحسن أن يقال: أما في اللغة فالثمن ما دخلت فيه الباء
والمبيع مالم تدخل فيه، وأما في اصطلاح الفقهاء فلهم تفصيل يذكر في
مواضعه.
قوله: (فهو غلا).
هو مأخوذ من الغلو وهو تجاوز الحد ومنه لاتغلوا في دينكم.
قوله: (فهو رخص). مأخوذ من الرخص الذي هو اللين يقال: كف رخص
البنان إذا كانت لينة اللمس.
فصل
ومعنى إضافة الرخص والغلا إلى الله تعالى هو أنه فعل الأشياء التي
تقتضي ذلك.
قوله: (ونحو ذلك). يعني ككثرة الانتظار وصلاح الثمار وتقليل
الشهوات للطعام.
(6/99)
قوله: (وكذلك قد يكون سبب الغلا من جهة الظلمة).
يعني فيكون الغلا وكذلك الرخص منهم حيث السبب منهم وقد خالفت
الحشوية في ذلك فقالت: جميع الأسعار من الله ولاشيء من العباد ورد
بأن الله سبحانه نهى عن الاحتكار للقوتين على ما هو مقرر بشروطه في
موضعه وما نهى عن ذلك إلا لئلا يقع الغلا فدل على أن لهم أثراً في
التسبيب في ذلك.
قوله: (في آخر الفصل ونحو ذلك). كأن يمنعوا المبتاعين للحب من دخول
المصر فترخص الحبوب لكثرتها مع عدم طالبيها.
فائدة
هل يجوز التسعير أم لا؟ فالذي عليه الأئمة عليهم السلام والمعتزلة
وجمهور الفقهاء أن ذلك لايجوز وذهب مالك إلى جوازه وجه المنع نهيه
صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك والمجيز له زعم أن النهي لم يكن
إلا عن التسعير في تلك الحال لعدم المصلحة فأما إذا ظهرت المصلحة
صح وجاز.
قيل: وهو القوي لكن لايجوز إلا لذي الولايات إذ إليهم النظر في
المصالح العامة فإذا رجح عندهم أن في التسعير مصلحة شاع ذلك.
القول في الآلام والغموم
اعلم أن الألم جنس من الأعراض متميز عن غيره غير راجع إلى النفي
واللذة من جنسه ولايتميز أحدهما عن الآخر إلا بمقارنة الشهوة أو
النفرة فما قارنته الشهوة فلذة وما قارنته النفرة فألم ودليل
كونهما جنساً واحداً أن الواحد منا قد يتألم بما يلتذ به ويلتذ بما
يتألم به كالحك وغيره وحقيقة الألم على هذا القول ما ذكره المصنف
وهو قول جمهور المتكلمين.
وقال أبو إسحاق بن عباس: المرجع بالألم إلى النفي، وهو خروج الجسم
عن حد الاعتدال أو إلى أمر ثبوتي غير ما ذكره الجمهور وهو حصول آخر
بمنزلة حمل الثقيل والصحة عكسه في الوجهين، وذهب ابن زكريا المتطبب
إلى أن اللذة يرجع بها إلى النفي أي الخروج عن الألم وحكي عنه مثل
ذلك في الألم وهو الخروج عن اللذة.
قوله: (بمحل الحياة فيه).
(6/100)
هو يمتاز بهذا الحكم عن سائر المدركات لأن سائرها يدرك بمحل
الحياة في غيره فلهذا كان ما ذكره فضلاً له عن سائر المدركات
والكلام في تصحيح ما ذهب إليه الجمهور وتزييف قول من خالفهم مبسوط
في مواضعه من علم اللطيف وليس مما يهمنا الكلام فيه هنا لأن الذي
نحن بصدده لايتوقف على صحة ما ذكر ولافساده.
قوله: (والغم) إلى آخره.
هذه الحقيقية مثبتة على ما اختاره أبو هاشم من كون الغم من قبيل
الاعتقاد أو الظن وليس جنساص مستقلاً وذهب أبو علي إلى أن الغم
والسرور جنسان مستقلان ليسا من قبيل الاعتقاد ولا الظن والذي قاله
أبو علي هو الصحيح وإنما الاعتقاد والظن المذكوران في الحد لابد
منهما أو من أحدهما في حصول الغم والله أعلم.
ولبسط الكلام في ذلك ونظر أدلة المذهبين موضع أليق به من هذا وليس
ذلك مما يتوقف عليه ما نحن فيه.
قوله: (في المستقبل). أما ابن متويه /48/ فلم يشرط الاستقبال فيه
بل قال: إما في الحال أو في الاستقبال وهو الأحسن.
قوله: (ويفارق الخوف مفارقة العام للخاص في بعض صوره).
هذا الكلام غير واضح المعنى ولامطابق للمقام فإنه لاحاجة إلى ذكر
تميز الخوف عن الغم هنا ولو دعت إليه حاجة فاللائق حينئذ أن يذكر
حقيقة الخوف ثم ينبه على وجه افتراقهما كما قال ابن متويه رحمه
الله: الخوف الاعتقاد أو الظن لنزول ضرر به في المستقبل أو فوات
نفع عنه إما فيه أو في من يجري مجراه وكذلك الخشية. قال: ويفارقان
لاغم لأنه لايدخلهما طريقة العلم ولأنهما لايدخلان فيما وقع ومضى
ولافيما هو موجود في الحال وليس كذلك الغم ولايستقيم أن يكون هذا
ما أراده المصنف بقوله في بعض صوره لأنه قد جعل الغم مساوياً للخوف
في اعتبار الاستقبال ولعله أراد من حيث أن الغم يكون مع العلم
وغيره والخوف لايكون مع العلم والله أعلم.
فصول في الوجوه التي يسحن عليها الألم ويقبح
قوله: (ضل كثير من الناس).
(6/101)
اعلم أن وجه ضلالهم كون الآلم مضرة عاجلة ووجوه حسنها خفية غير
واضحة وقد أشار إلى بعض الفرق الضالة بسببها فقوله حتى كان ذلك
شبهة في إثبات ثان إشارة إلى الثنوية لأنهم جعلوا لها فاعلاً غير
فاعل الخير لاعتقادهم كونها شراً محضاً، وأن الفاعل الواحد لايصح
أن يفعل الخير والشر.
قوله: (وفي جواز كل قبيح على الله).
إشارة إلى المجبرة فإنهم لما اعتقدوا قبح الآلام مع صدورها عن الله
جوزوا صدور غيرها من القبائح عنه وقالوا: لايقبح منه تعالى قبيح
وله أن يفعل في ملكه ما شاء.
قوله: (وفي التعطيل).
عند ابن الراوندي الأصحاب يذكرون أنها السبب في تعطيل الدهرية
وأنهم يقولون لو كان للعالم صانع مختار لما صدرت عنه هذه الآلام
الضارة التي لاغرض فيها وأما المصنف فجعل تسببها في التعطيل
مقصوراً على ابن الراوندي لأنه قد كان من علماء الإسلام فقاده
الجهل بنفي جنسها إلى نفي الصانع والتعطيل بسبب الآلام في حقه أظهر
وكذلك أبو عيسى الوراق وأهمل المصنف من الفرق الضالة بسببها
البكرية والتناسخية وسيأتي ذكرهم وتفصيل مذهبهم، وممن ضل فيها
وبسببها المطرفية فإنهم ذهبوا إلى أنها حاصلة بالفطرة والتركيب
بمعنى أن الله تعالى خلقها على وجه يتألم عند مجاورة جسم آخر وقضوا
بقبحها فلم يضيفوها إلى الله.
قال بعضهم: ما خلق الله ليفني ولا أحيا ليميت ولا أغنى ليفقر.
قوله: (في رواية البيت: كم عالم عالم).
الأشهر في الرواية: كم عاقل عاقل. وتكرير اللفظ للتأكيد.
قوله: (وكان السبب في جميع ذلك نفار الطبع عن هذه الآلام).
قد صرح بعض من قال بقبح الآلم بأن هذا هو الوجه في قبحها وأن
المرجع بالقبح والحسن في العقل إلى الاستحلا والنفرة وصرح به بعض
الأشعرية.
فصل
يحسن الألم من فعلنا إذا كان لنفع إلى آخره.
قوله: (إيلام من آلمه أو غيره). أي أو آلم يغره فهو معطوف على
الضمير المنصوب في آلمه.
قوله: (لأن المنزل له يكون مقدماً على ما لايأمن كونه ظلماً).
(6/102)
يعني وقد تقرر أن الإقدام على ما لايؤمن قبحه كالإقدام على
القبيح. فإن قيل: يلزمكم مثل هذا حيث أقدم مع ظن النفع أو دفع
الضرر.
أجيب بأن ذلك لايلزم ولايساوي بين الوجهين إذ قد تقرر في العقول
تقرراً أولياً استحسان الآلام للنفع ودفع الضرر المظنونين بخلاف ظن
الاستحقاق وفيه نظر.
قوله: (وقد دخل في جميع هذه الجملة بطلان جميع الأقوال المتقدم
ذكرها).
يعني لكون مبناها على قبح الآلام مطلقاً وكذلك يدخل فيه بطلان قول
التناسخية والبكرية لأنهم بنوه على أنها لاتحسن إلا مستحقة.
فصل
قوله: (وإن كان الألم من فعل الله) إلى آخره.
اعلم أن الآلام النازلة بنا من غير اختيارنا ولا اختيار غيرنا من
القادرين بقدرة هي فعل الله تعالى وكذلك غيره /49/ من المضار التي
لاتتوقف على اختيارنا كفساد الثمار واجتياحها بالبرد والبرَد،
والذي عليه أهل الإسلام وكثير من الخارجين عنه أن جميع ذلك فعل
الله تعالى والمخالفون فيه قد تقدم ذكرهم ودليل ما قلناه أنها
محدثة بلا شك ولامحالة فإنها تتجدد ويجوز العدم عليها والمحدث لابد
له من محدث وليس محدثها إلا الله تعالى إذ لايصح أن تحدث نفسها
قطعاً، وغير الله إما موجب قديم فلا قديم مع الله لأن ذلك يستلزم
قدمها وإما موجب محدث، وإما علة والعلل لاتؤثر إلا في الصفات
والآلم ذوات على ما هو مقرر في موضعه، وإما سبب فلا بد له من فاعل
وهو المؤثر فيها في الحقيقة وإما إن كان المؤثر فيها فاعلاً
مختاراً غيره تعالى فغير الله من الفاعلين لايصح منه أني فعل فعلاً
متعدياً عن محل قدرته إلا بسبب هو الاعتماد ونحن نجد هذه الآلام
النازلة بنا ولدينا من غير إحساس باعتماد معتمد علينا.
وبهذا الاستدلال نبطل قول الملاحدة والمطرفية والثنوية ويتوضح فساد
مذاهبهم الردية وللأصحاب في الرد عليهم بسط لاحاجة بنا إلى ذكره.
قوله: (وكان أبو علي) إلى آخره.
(6/103)
هذا المذهب الذي رجع عنه ذهب إليه أصحاب اللطف بشر بن المعتمر
وأصحابه لما مر من مذهبهم في عدم إيجاب اللطف، هكذا ذكره بعض
أصحابنا.
قلت: قال مولانا عليه السلام: وفيه نظر إذ قاعدتهم لاتمنع من
الإيلام للعوض والاعتبار ولامن اشتراط حصولهما وإنما يمنع من
إيجابه لأجل الاعتبار وقد نقل عن أبي علي تجويز كون الألم في حق
الكافر والفاسق عقوبة معجلة كالحدود والخسف ونحوه.
ورد بأنا نعلم من الدين وجوب صبرهما على الآلم النازلة بهما وقبح
الجزع والحدود لايجب فيها ذلك بل للمحدود أن يجد في الهرب عنه كما
فعل ماعز.
قوله: (وقد ذهب عباد) إلى آخره.
اعلم أن كلام عباد إن كان على عمومه بحيث أنه يقول يحسن منه تعالى
إيلام الأطفال ونحوهم لمجرد أن يحصل بذلك اعتبار للمكلفين أو بعضهم
وإيلام مكلف لمجرد اعتبار يصحل لغيره فقد أبعد ومذهبه في غاية
الضعف فإن الإضرار بشخص لنفع يحصل لغيره من أوضح الظلم ولو جاز ذلك
لأجزنا جميع أنواع الظلم فإنه لايكاد يخلو شيء منها عن نفع لغير
المظلوم وإن أراد أن الألم يحسن لمجرد اعتبار يحصل به للمؤلم وهو
اللائق بعلمه وفهمه فمذهبه في غاية القوة وأي نفع للمكلف أعظم من
نادية الألم هذا إلى كونه من أهل الجنة والسعادة الأبدية.
وقول الجمهور في الرد عليه أن الثواب في مقابلة لاطاعة فهو وإن كان
صحيحاً. يجاب عنه بأن الألم هو الداعي إلى الطاعة وهو في حكم
المسبب عنه فالنفع حاصل في الحقيقة لأجله ولولاه لم يحصل وقد حكموا
بأن تحمل الإنسان لمشاق السفر وأخطاره حسن لما في ذلك من النفع
المظنون وهو حصول دراهم أو دنانير مثلاً وليس الانتفاع حاصلاً بها
نفسها لكنها تؤدي إليه ثم أنهم يذهبون إلى أنه يجب على الله فعل
الألم لأجل الاعتبار ولو تركه كان مخلاً بواجب فإذا كان الاعتبار
قاضياً بوجوبه فأولى وأحرى أن يقضي بحسنه لأن الوجوب زائد على
الحسن.
قوله: (حاكياً عن عباد وأيضاً فلو حسن من الله للعوض لحسن منا له).
(6/104)
قد نسب إلى أبي هاشم تجويز تحميل غير المكلف المشقة في مقابلة
نفعه عقلاً كالبهائم فجعل العقل قاضياً بحسن ركوبها وغيره من
الانتفاع بها لتعهدها بالسقي والعلف وبهذا أجاب من سأل عن وجه ركوب
النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم للبهائم قبل بعثته إذا لم يكن
متعبداً بشريعة من قبله وأنكر ذلك أبو علي ولم يجز عقلاً تحميلها
أشياء من المشاق في مقابلة نفعها لأن اعقل لايهتدي إلى قدر العوض
وإنما حسن ذلك للسمع، وأما إنزال الألم بالعاقل لنفعه من غير
مراضاة له فقد اختلف الشيخان فيه فقال أبو هاشم ومعه الأكثر أنه
يعلم حسن ذلك عقلاً كأن يكره على القيام من مكانه لأخذ صرة فيها
ذهب كثير ليس بينها وبينه /50/ إلا قدر الخطوة ويعد ذلك تفضلاص
عليه.
قيل: ولعلهم يعنون حيث لايكون السبب في امتناعه الزهد في الدنيا
والخلوص عن تحمل المنة ونحو ذلك من المقاصد الحسنة بل علم ضرورة من
حاله أنه امتنع لأجل الكسل. وقال أبو علي: لايحسن غ:راهه ويعلم
قبحه عقلاً لجواز أن يكون هذا المتكاسل يلتذ بالدعة أبلغ من لذته
بالمثاقيل.
قيل: وهو الصحيح وأما إجباره لدفع مضرة كأن يكون تحت جدار متداع
يخشى انهدامه في الحال فلا يبعد اتفاق الشيخين على حسنه ويتفقان
على حسن إيلام البهائم ونحوها لدفع المضرة عنها.
قوله: (أنه معارض بالاعتبار) إلى آخره.
قيل: هذه المعارضة لاتصح لأن أحدنا لايعلم هل يقع الاعتبار أم لا
وإذا وقع فهل يفعل ما يقع الدعاء إليه أم لا، وما ذلك المدعو إليه
ولا كذلك الله تعالى فإنه عليم بذلك كله.
قلت: قالم ولانا عليه السلام: وفي هذا نظر لأن المعارضة هي على
تقدير حصول الاعتبار بما يفعله من اللم وليس ذلك متعذراً كما لو
أخبرنا نبي صادق بأن إنزال أحدنا الضرر بمكلف يكون لطفاً له ثم أن
وجه جعله للاعتبار مستقلاً بتحسين الألم كونه نوعاً من النفع وظن
النفع كالعلم به.
قوله: (فهلا حسن منه تعالى الإيلام لدفع الضرر).
(6/105)
حسن الإيلام لذلك مذهب البغداديين.
قوله: (الضرر المزال) إلى آخره.
يستكمل المصنف أقسام هذا الطرف والأولى أن يقال: وإن كان من فعل
غيره تعالى فلا يخلو إما أن يكون مفسدة أو لا، إن لم يكن مفسدة لم
يحسن من الله تعالى إنزال الضرر لدفعه بل النهي لذلك الغير إن كان
مكلفاً كاف مع افنصاف منه إذا لم ينته والإنصاف من غير المكلف كاف
وإن كان مفسدة فلا يخلو إما أن يكون مفسدة لفاعل الضرر أو لغيره إن
كانت لغيره لم يمنكنه الله تعالى منذ لك الضرر ويختم منعه عنه ولو
خرج عن كونه مكلفاً بالنظر إليه أو لايكلف من المفسدة هذه حاصلة في
حقه بما هي مفسدة فيه، وإن كان الضررم فسدة في حق فاعله فالنهي
والوعيد كافيان في منعه منه عند أبي هاشم وحيث لم يمتنع فقد أتي من
جهة نفسه.
وأما أبو علي فقال: يجب المنع منه أيضاً لن المنع بالقهر من
المفاسد كلها مطلقاً واجب عنده ويمكن أن يقال لأبي هاشم ولم قضيت
بأنه لايحسن الإيلام لدفع الضرر الذي هو مفسدة لفاعله حيث مع إنزال
الألم به وقلت: أنه يكفي نهيه وتوعده مع علم الله أنه لاينزجر بذلك
والمعلوم قطعاً أن إنزال الألم به حينئذ أنفع له وتفضل في حقه لأنه
يندفع به عنه ضرر آخر، ويسلم بذلك من الوقوع في الهلكة ويكون له
فيهاعتبار يبلغ به إلى نعيم الأبد.
قوله: (وإلا أنصف المضرور من أعواض الضار).
ظاهره أن إنصاف المضرور من أعواض الضار غير المكلف ومن أعواض الضار
الذي هو مكلف كاف وإن كان ذلك الضرر مفسدة وهو غير صحيح وقد قدمنا
أنه يجب منع المكلف من المفسدة في حق غيره أو عدم تكليف ذلك الغير
بما هي مفسدة فيه وهكذا الكلام في حق غير المكلف على ما تقتضيه
قواعد الأصحاب والله أعلم.
قوله: (لما كان فرق بين أن يوضع الصبي في النار) إلى آخره.
(6/106)
ظاهره يقتضي بأن البكرية تقول أن الصبي لايتألم مطلقاً والمشهور
أن الآلم الحاصلة من جهته تعالى لما ذهبوا إلى أنها لاتحسن إلا
مستحقة والله تعالى لايفعل إلا الحسن والصبي لايستحق عقاباً /51/
ولكن مثل ما ذكره المصنف قد ذكره غيره وما هو أوضح منه في المعنى
المشار إليه وهو قولهم في الرد على البكرية: كان يجب أن يكون تقطيع
الصبي وضربه السياط عنده كالانتقال من جانب المنزل إلى جانب آخر
ويلزم ألا يكون أحدنا ظالماً بجرحه وضربه لأنه لاضرر عليه في شيء
من ذلك وكلام البكرية مستغن عن التطويل في دفعه فإن خلافه معلوم
ضرورة.
قوله: (وقال أهل التناسخ).
تحقيق مذهبهم أن أرواح هؤلاء عضواً في أجساد مكلفة وهي التي عنوا
بالهياكل ثم نقلت أرواحهم إلى أجساد هؤلاء يسمون أهل الهياكل
والتناسخ وتنقل الأرواح.
قوله: (مع ما تقدم). يعني من بيان أن الآلام تحسن غير مستحقة.
قوله: (وهو عندنا باطل). يعني فإن الإنسان هو هذه الجملة المشاهدة.
قوله: (لاسيما إذا كانت حاله عظيمة). يعني لتعذر تطرق النسيان إلى
مثل ذلك.
قوله: (وأن الله عدل حكيم). ليس يشترط في إنزال العقاب بمستحقه
علمه بعدل الله وحكمته وفيه نظر.
قوله: (وأن يكون له طريق إلى تلافيه بالتوبة).
يعني لأنه الآن في دار التكليف وأما المعاقب في الآخرة فلا طريق له
إلى التلافي لانقطاع دار التكليف ولهم أن يقولوا خروجه عن الهيكل
الأول فيه قطع لتكليفه كما إذا .... المكلف في الغير وعوقب عندكم.
فصل في الوجه الذي يقبح عليه الألم
قوله: (وكان أبو هاشم يذهب) إلى آخره. مثل قوله هذا حكي عن القاضي.
قوله: (ويجعل الوجوه التي تقتضي حسنه مخرجة له عن كونه ضرراً).
(6/107)
هكذا ذكر وقال أبو علي: لايخرج الضرر عن كونه ضرراً بإيقاعه
لنفع أو دفع وهو الأظهر. قيل: ويشهد له قوله تعالى: {ولايتعلمون ما
يضرهم ولاينفعهم} فلو كان ما كان فيه نفع من الضرر لايعد ضرراً كان
قوله: ولاينفعهم زيادة مستغنى عناه وفيه خفا فإن أبا هاشم إنما
أراد والله أعلم أن الوجوه التي تقتضي حسنه تخرجه عن حكم الضرر
وتصيره في الحقيقة غير ضرر لا أنه لايسمى ضرراً ثم إن قصد ذلك فله
أن يقول: قوله تعالى: {ولاتنفعهم} من قبيل التأكيد ووروده سابغ
شايع.
قيل: والأقرب أن الخلاف لفظي راجع إلى وضع لفظ الضرر لماذا فأبو
هاشم والقاضي يقولون إنما وضع للألم القبيح ويجعلون كونه ضراً
حينئذ وجه قبحه ككونه ظلماً وأبو علي يجعل الضرر اسماً لما يتألم
به حسناً كان أو قبيحاً والمرجع في ذلك إلى ما نقله أئمة اللغة.
قوله: (ما رجع إليه آخراً). فيه تصريح بأن ذلك قديم قوليه، وقيل:
بل هو الأخير منهما.
القول في الأعواض
قوله: (المستحقة) يخرج به التفضل.
قوله: (لا على جهة .......) يخرج به الثواب وهذا الذي ذكره المصنف
حقيقته اصطلاحاً، وأما في اللغة فهو ما فعل لأجل أمر آخر على جهة
المقابلة سواء كان ذلك في ضر أو نفع.
فصل والعوض قد يستحق على الله تعالى
قوله: (وقد يستحق على المخلوقات). صوابه: المخلوقين فإنه يجب تغليب
العقلاء.
قوله: (أو سببها) هو كأن يفعل سبب الألم من الأكوان أو سبب المصائب
كعصف الريح في انكسار السفن وشدة البرد في إهلاك الثمار وإحداث
البرد. وغير ذلك.
قوله: (بأن يأمر). يعني أمر إيجاب كأمره بذبح الهدي أو أمر ندب
كأمره بذبح الأضحية ويدخل في هذا شرب الدواء والفصد والحجامة لدفع
المضار.
قوله: (أو يبيح ذلك) كإباحة ذبح البهائم لا أكلها وتأديب الخادم.
قوله: (أو يلجأ) كمن ألجأه سيل إلى أن يطأ زرع الغير أو شيئاً من
الحيوان.
(6/108)
قوله: (وقد يستحق لأنه في حكم الفاعل). نحو أن يضع أحدنا صبياً
في النار أو يلقيه إلى الأسد فالفاعل للإحراق والأكل وإن كان غيره
فهو في حكم الفاعل له، والعوض عليه، وسيأتي تحقيقه.
قوله: (ومنها العموم). اعلم أن الغم كالألم في لزوم العوض لأجله
بأن يفعله الله تعالى أو يفعل سببه أو يكون في حكم الفاعل له إما
بإيجاب كالحاصل بحجر الحاكم تعذر /52/ إن طلبه الخصم وشهادة الشهود
بعد أن طلبت منهم أو بإباحة كإخبار رجل آخر بموت ولده أو ذهاب ماله
لا إذا أخبره بأن زيداً قتل ولده عدواناص ونحوه، فالعوض على زيد
لأنه كأنه المخبر وإن كان الله هو المبيح للخبر هكذا ذكره بعض
الأصحاب وفيه نظر.
الأحسن أن الغم مسبب عن المخبر به لاعن الخبر فالعوض على الله في
الصورة المذكورة أو لا لأنه فعل سببه لا لأنه أباح الإخبار به وعلى
زيد لأنه الفاعل لسببه لا لما ذكر من أنه كالمخبر.
قوله: (فربما يبني الله بنية بعض الأشخاص بنية يشرع معها الخوف)
لعل لفظه: بنية الأولى من سهو القلم أو يكون بنية بمعنى جملة.
قوله: (والزائد لا عوض فيه).
يقال: إذا كان السبب في زيادة غمة تلك البنية التي بناه الله عليها
فالقياس أنه يستحق العوض على الزائد وقد ذكر بعض الشارحين المسألة
علىص ورة أخرى حسنة وهو أن يغتم الإنسان لأمر من الأمور غماً
زائداً على ما يحتمله الحال وكان يمكنه دفع ذلك عن نفسه فإنه لاعوض
له لكونه أتي من جهة نفسه ونظيره من تألم ألماً يمكنه دفعه فإنه
لاعوض له ولو كان سببه من الله كمن تألم بجوع أو برد وعنده طعام
وما يستدفئ به ولامانع له من ذلك.
قوله: (كالممرور).
هو من علقت به المرة وغلبت عليه والمرء اسم إحدى الطبائع الأربع
وهي الصفراء والبلغم والسودا والدم والأغلب أن الذي يكثر .....
وتعلق به العموم لأجل تلك التخيلات هو من غلبت عليه مرة السودا.
قوله: (وقال القاضي يجب).
(6/109)
كلام القاضي هذا في غاية الركة وتعليله واستدلاله إنما يوجب أن
استحقاق العوض على نفس الضرر الذي لم يعلم به ولانزاع في ذلك وإنما
النزاع في الغم الذي يلحقه على تقدير أن يعلم به.
قوله: (ولم يكن دفع ذلك الضرر واجباً).
يعني فأما مع وجوبه فهو يستحق على المشقة اللاحقة به ثواباّ وكذلك
حيث يكون مندوباً.
قوله: (كدفع ضرر الأمراض) الخ.
يقال: إن من قواعدهم أن دفع ضررها مع العلم أو الظن لاندفاعه بشرب
الأدوية واجب فكيف يعده مباحاً ولعله أراد مع عدم العلم أو الظن.
قوله: (مثاله أن يلحقه برد شديد) إلى آخره.
في عبارة المصنف هذه ركة لأنه قد فرع من التمثيل.
قوله: (أن يلزمه ابنه طلب قوت لغيره) لاموجب هنا لذكر الإلزام لأن
العوض يستحق على الغم الحاصل لفقد القوت الجارية عادة مثله بتحصيله
سواء كان لازماً أو غير لازم.
قوله: (بالنسبة إلى إيتاء جنسه) وذلك كاغتمام رجل بنقص خلقته على
ما ذكره المصنف بالنسبة إلى رجل آخر أما لو اغتم بنقص خلقته عن
خلقة من ليس من جنسه كالملائكة فلا عوض له في ذلك.
قيل: فلو اغتمت المرأة بكونها لم تكن من جنس الرجال ففيه احتمالان
أحدهما ألا عوض كما ذكر آنفاً، الثاني أنها إذا اغتمت لأجل ما فضل
به الرجال استحقت العوض كما ذكروه فيمن اغتم بسبب فقده ما تقع به
المنافسة من ظهور فضل الله على الغير.
قلت: قال مولانا عليه السلام: الاحتمال الأول أرجح ووجهه أوضح.
قوله: (لأجل الجنون أو الدين ونحو ذلك). كالصغر مع التمييز والسفه
والتبذير عند من يقول به.
قوله: (في كل هذيه يجب العوض على الله تعالى).
(6/110)
يقال: أما في الإلجاء بسيل أو نحوه إلى العدو على زرع الغير
فيحتمل أن يقال مهما بقي للملجئ فعل هو سبب الإفساد فالظاهر أن
قيمة الزرع يجب عليه فلا يستحق صاحبه عوضاً على الله بل يكون
الملجئ هو لامستحق للعوض في مقابلة ما لحقه من الغرم ويستقيم
الكلام حيث لم يبق للملجأ فعل أو صدر منه ما لايوجب عليه حقاً في
الشرع وغرماً مع لحوق ألم أو غم.
قوله: (إن حكمها حكم ما تقدم). هذا هو الذي اختاره بعض المتأخرين
والأظهر أن الخلاف شامل لناقصي العقول من السباع والحيوانات
والصبيان والمجانين ويدعم ذلك قول المصنف التي يصدر ممن لاعقل له
وصرح به ابن الملاحمي وقيل: إنما الخلاف فيمن ليس بعاقل من غير بني
آدم /53/.
واعلم أن الخلاف إنما هو في العوض الذي ليس فيه غرامة دنيوية فأما
ما كان كذلك فتلك الغرامة هي عوضه وهي على من أوجبها الشرع عليه
على ما هو محقق في الكتب الفروعية فقد تكون على الصغير ونحوه، وقد
تكون على مالك البهيمة، وقد تذهب هدراً فتكون حينئذ محل الخلاف.
تنبيه
قال بعض الذاهبين إلى أن العوض هنا يجب على الله ولابد أن يكون في
الآلام الواقعة ممن لايعقل مع العوض الواجب على الله لطف واعتبار
والألم يحسن من الله خلق النفرة عنه لمجرد التعويض عبث فلا يحسن.
قيل: وعلى هذا يعلم أن كل ألم يغر مستحق سواء كان من الله تعالى أو
من غير المكلف أو من المكلف فلا بد فيه من الاعتبار مع العوض إما
من فاعله أو من غيره على ما مر، أما الألم من فعل الله فلما تقدم
وأما من فعل غيره مكلفاً أو غيره فلأنه لولا الاعتبار ... حسن خلق
النفرة عنه.
وقيل: أما ما يصدر من المكلف فلا يشترط فيه الاعتبار ولايعد تمكينه
من الإيلام وخلق النفرة عنه مع عدم الاعتبار عيباً لأن الوجه في
حسن خلق النفرة أنه يتضمنها التكليف بترك الظلم مع ما فيه من
التعريض لمنافع لايحسن الابتداء بمثلها لأن علمه بتضرر من يؤلمه
شرط في تكليفه بتركه.
(6/111)
قلت: قال مولانا عليه السلام: وينبغي أن يتأمل هذا الكلام فلن
يخلو عن مبالغة وغلو وتعسف والله أعلم.
قوله: (لأنه مكنها من ذلك) إلى آخره.
هذا الذي ذكره المصنف حاصل ما يعول عليه من حجج أبي الحسين وأتباعه
ومما يحتج به له أن العوض كالعقاب فكما لايستحق العقاب على غير
مكلف كذلك لايجب العوض عليه وفيه نظر لأن الذي يقتضي عدم التكليف
امتناع الوجوب، والجمهور يسلمون ذلك ويقولون العوض لايجب عليها بل
الوجوب على الله يجب عليه أن يأخذ ذلك من أعواضها وكما أنها تستحق
العوض ولاتستحق الثواب يصح أن تستحق عليها العوض ولايستحق العذاب.
قوله: (وقال القاضي والجمهور).
هذا هو الذي عليه الزيدية وجلة المعتزلة.
قوله: (لأنه لم يلجها) إلى آخره.
يعني مع كونها الفاعلة لذلك الضرر ولاينتقل العوض عن فاعل الضرر
إلى غيره إلا بأن يكون في الحكم كأنه من فعله بإيجاب أو ندب أو
إباحة أو إلجاء والثلاثة الأول لاتتصور مع عدم التكليف وإنما يتصور
الإلجاء وهو منتف بما ذكره، وهذا حاصل ما احتج به لمذهب الجمهور.
وقد اعترض المصنف أدلتهم اختياراً منه لمذهب أبي الحسين وتقوية له
وإن لم يصرح بذلك واعلم أنك إذا تأملت أدلة الفريقين لهذه المسألة
ونحوها وجدتها عن البرهان وإفادة اليقين بمراحل، ومن دون منزلته
بدرجات ومنازل، وحيث لم تكن عملية فيؤخذ فيها بالظن ولاحصل فيها
دليل قاطع وبرهان ساطع، فالأولى أن يرد إلى علم الله الذي وسع كل
شيء وقصر عن دركه كل حي.
قوله: (قال الجمهور قد حسن منا أن نمنع من لاعقل له) إلى آخره.
(6/112)
هذا أحد ما يستدلون به على مذهبهم وله تحرير آخر وهو أن يقال:
لو كان عوضها على الله لكانت في حكم أفعاله ولكان عوضها بالغاً في
الكثرة إلى حد لاينبغي أن يسمح به لأن هذا حكم الأعواض التي على
الله، ولو كانت في حكم أفعاله لكانت حسنة ولو كانت حسنة لم ينبغ أن
يقع المنع عنها ولو كان عوضها كما ذكر لكان المانع لها عن الإضرار
بمن قصدت الأضرار به جانياً عليه لحرمانه له العوض العظيم ومعلوم
قبحها إذ فيها حقيقة الظلم، وإن الذاب عمن أرادت الإضرار به محسن
إليه وقد اعترض صاحب المحيط ما ذكر بأن جواز المنع لايستلزم قبح
الممنوع عنه ألا ترى أن للمحدود أن يهرب ويمنع الحاد مع حسن الحد.
ثم أجاب عن ذلك بأن حسنه في الحد لكونه ضرراً /54/ محضاً فيحسن منه
دفعه في حقه لا ف يحق غيره بخلاف إيلام الحيوانات لنا أو لغيرنا
فليس بضرر محض لما فيه من العوض العظيم من الله عند الخصم فإذاً
لايحسن منا المنع منه.
قوله: (وعلى الجملة فلا يصح أن يقال: أيها يحسن منهم) إلى آخره.
يقال: هذا متفق عليه ولكن المحتج ألزم حسنها لكونها في الحكم من
فعل الله تعالى فأقوى ما يرد به هو المعارضة بما إذا ألجيء إليها
كما سبق.
قوله: (وأما المنع) إلى آخره.
قد ذكر بعض الشارحين فيه تفصيلاً أكثر إحاطة مما ذكره المصنف فقال:
أما إضرار الحيوانات بأموال الآدميين بأكل أو فساد فقد ورد الشرع
بالمنع منه وللعقل مجال في ذلك، فإنه يقضي بحسن المنع عن مضرة
الغير وأما إضرارها بالحيوانات فإن كان بغير الأكل وجب منعها منه
وقد ذكره قاضي القضاة، وقيل: لايجب إلا عند من يقول بأن القبح يدخل
في فعلها ومن لايقول بذلك يجعله حسناً فقط وإن كان إضرارها بالأكل
فالحكم كذلك أيضاً.
(6/113)
وذكر ابن الملاحمي أن الواجب منعها من الإضرار بمواشينا أو حيث
يلحقنا غم بمشاهدة إضرارها ببعض الحيوانات فأما ما عدا ذلك فلا
يلزمنا منعها عنه. قال: وليس في أدلة العقل والشرع ما يدل على وجوب
ذلك ولاسمع عن أحد إيجاب الخروج على البراري لمنع الآساد ونحوها عن
الاصطياد والافتراس.
قوله: (قال الجمهور: قد ثبت أن الصبي إذا جنى) إلى آخره.
هذا أوضح ما يتمسك به لمذهبهم وهو قياس جلي فإن الأروش في الدنيا
بمنزلة الأعواض في الآخرة ولهذا لايجب الأرش والعوض معاً ولكنه مع
وضوحه لايرتفع عن ريبة الظني وجواب المصنف عليه ليس بالقوي.
قوله: (قال الجمهور قال تعالى: {وإذا الوحوش حشرت}).
مما يؤيد احتجاجهم بهذه الآية تفسير قتادة، قال: المعنى يحشر كل
شيء حتى الذئاب للقصاص. ويضعفه تفسير ابن عباس قال: المراد بحشرها
موتها، وجواب المصنف قوي فإن حشرها لايستلزم ما ذكروه ولجوبه وجه
غير ذلك وهو أن يوفر عليها ما تستحقه من جهة الله تعالى أو من جهة
المكلفين فإن لم يكن لها ذلك أو لبعضها فإعادتها تفضل عليها وهو
حسن لايعارضه شيء من وجوه القبح.
قوله: (آحادي وإن ثبت فمعناه) إلى آخره.
أما كونه آحادياً فصحيح ولايؤخذ بالآحادي في المسائل لاقطعية وأما
التأويل الذي ذكره فمن التأويلات البعيدة لأن ذلك ليس من الانتصاف
ولأن لفظة من تفيد أن ذلك من القرناء لا لأجلها والله أعلم.
قوله: (ولم يحصل ما يقتضي نقله عنه).
يعني بأن توجيه الله عليه أو يندبه إليه أو .... له أو يلجئه إليه.
قوله: (متعدهاً للكذب أو على وجه قد نهي عن الإخبار عليه).
لعله يريد أن يخبر بصفة البغي المحرم ومع كونه صادقاص فالاغتمام
لأجل المخبر به والعوض على فاعل السبب في الغم كما تقدم.
قوله: (نحو أن يلجئ أحدنا غيره إلى العدو على زرع الغير).
(6/114)
إن كان الإلجاء على وجه يخرجه عن حد الاختيار والقصد إلى الفعل
فصحيح ما ذكره لأنه قد صار في حكم الإله للملجئ وإن كان قصده إلى
الفعل باقياً وإنما هو مكره خشي من عدم الفعل التلف أو الضرر
فالعوض عليه نفسه، وله عوض على ملجئه بسبب مالحقه بإلجائه من
الضرر.
قوله: (كأن يضع صبياً في النار أو البرد).
هذا وجنسه جدير بأن يعد من الضرب الأول لأنه في حكم المباشر ولا
أقل من أن يكون هذا من قبيل ما فعل سببه.
قوله: (بحسب الخلاف المتقدم).
لعله يريد في الملقي له إلى الأسد هل العوض على الأسد أو عليه وإذا
جعل على الأسد فالخلاف فيه كالخلاف في من افترسه الأسد من غير أن
يلقي إليه هل العوض عليه أو على الله.
قوله: (ونحو أن يشهد شهود الزور) إلى آخره.
اعلم أن أصحابنا يتكلفون ذكر صورتها هنا /55/ في هذا الضرب الثاني
من القسم الثاني يشابه الصور التي في الضرب الثاني من القسم الأول.
(6/115)
قالوا: فيستحق على الواحد منا إذا أباح أو أوجب أو ندب أو ألجأ
فأما الإلجاء فظاهر، وأما سواه مما ذكر فعلى جهة التجوز فإن المبيح
والموجب والنادب حقيقة ليس إلا الشارع الحكيم لكن المعنى أن الفعل
الصادر عن الواحد منا كان سبباً في الوجوه أو الندب أو الإباحة
فيمثلون الإباحة بما إذا شهد شاهدا زور على آخر بأنه أتلف عليه
مالاً أو أن معه له ديناً أو لمورثه مثلاً فاستوفاه فإن الشاهدين
هما اللذان أباحا له ذلك وأما إذا أخذه بغير حكم ظاهر وأما إذا
أخذه بالحكم فقد يقال لم لايكون العوض على الحاكم لأن الاستباحة
كانت بحكمه وجوابه: أن الحكم كان لأجل شهادة الشاهدين فالإباحة
مستندة إليهما، ومثال الإيجاب أن يشهد الشاهدان على آخر أنه شرب
الخمر ونحو ذلك فإنه يجب على الحاكم الحكم بشهادتهما وأن يحده فإذا
فعل وجب العوض عليهما، ومثال الندب لو شهدا بأمر يوجب التعزير إذا
قلنا أن الحاكم لايجب عليه التعزير بل يندب وهذا مالم يكن المشهود
له عالماً بأنه لايستحق ذلك ولم يكن الحاكم عالماً بكون الشهادة
غير صحيح، فغ، كانا عالمين معاً والمحكوم له فقط فالعوض على
المحكوم له، وإن كان العالم هو الحاكم فقط فالعوض عليه كما أن
العوض عليه مطلقاً حيث علم في الحد والتعزير.
فصل في المضار التي يشتبه الحال في أعواضها على الله أو على غيره
أو هل فيها عوض أم لا
قوله: (ولهذا يوجب الفقاهء الدية أو القود).
أما إيجاب الدية فظاهر وأما إيجاب القود على حافر البئر فلا أعلم
قائلا به. وأما إيجابه على واضع السم فكذلك لم يقل به إلا حيث وضع
اللقمة المسمومة في يد الآكل مع جهله بأنها تقتل وعلم الواضع ففيه
خلاف قيل الدية وقيل القود.
قوله: (على الملجئ أو من في حكمه).
لعله يريد بمن في حكمه حيث الإلجاء ممن لاعقل له فإن العوض على
الله لتمكينه منه على قاعدة أبي الحسين وهو في حكم الملجئ وأما هذا
الملجئ فلا يستحق عليه العوض.
(6/116)
قوله: (كإضرار البهيمة به وبنفسها).
يعني في أن العوض على الله على ما قاله أبو الحسين ورجحه المصنف
واعلم أن كلام المصنف في مسألة حفر البئر إلى آخرها لايخلو عن نظر
والأحسن في أمرها أن يعتبر فيها بالقاعدة الفروعية المذكورة في كتب
الفقه فحيث يجب الضمان فإن سلم وإلا فالعوض واجب، وحيث لاضمان فلا
عوض والله سحبانه وتعالى أعلم.
قوله: (دون الزائد).
فيه نظر لأنه وإن لم يكن فاعلاً للزائد فهو الفاعل لما جر إليه وما
هو كالسبب فيه فالقوي على القواعد أن العوض كله عليه.
فصل
ذهب الجمهور إلى أنه لايجوز أن يتفضل الله بالأعواض التي تستحق على
العباد.
قوله: (وقال ابن الملاحمي وغيره يجوز).
هذا مذهب الشيخ أبي القاسم فإنه ذهب إلى جواز أن يتفضل الله على
الجاني بما عليه من الأعواض للمجني عليه وقد حكاه قاضي القضاة عن
بعض الشيوخ.
قوله: (أنه يجب الانتصاف).
يعني والتفضل لايسمى انتصافاً لغة ولاشرعاً ألا ترى أن الحاكم لو
سلم مالاً للمدعي في مقابلة بناء على المدعى عليه له لم يسم
منتصفاً له وإذا قيل أن الحاكم إذا ملك الظالم ذلك الذي سلمه
وأعطاه من نفسه ثم قضاه المظلوم عنه سمي منتصفاً له لحصول حقيقة
الانتصاف أجابوا بأن لاتمليك في الآخر غير متأت فلا يمكن أن يمك
الله الظالم تلك الأعواض ثم يوفرها عنه إلى المظلوم وأحسن من ذلك
أن يقال: هذا غير ما ذهب إليه الخصوم فإنهم إنما أجازوا أن يتفضل
الله بإيفاء المظلوم حقه من غير تمليك، ومرجح الجمهور أن الانتصاف
لو كان بالتفضل لكان في ذلك إغراء للظلمة وغيرهم وكأنه قيل لهم:
افعلوا /56/ ماشئتم فنحن نتفضل بتوفير ما وجب عليكم، ولهم أن
يحسبوا بأن الإغراء إنما يكون مع القطع على ذلك فأما مع التجويز
فلا.
(6/117)
واحتج ابن الملاحمي ومن يقول بقوله أن الواجب للمظلوم إيصال نفع
في مقابلة ما نزل به من المضار عوض له ثم لافرق بين أن يصل إليه
ذلك من جهة الظالم أو من جهة غيره، وقد ذهبت المجبرة إلى أن
الانتصاف يكون بالثواب والعقاب فإن كان للظالم ثواب أعطي المظلوم
من ثوابه وإلا طرح عليه من عقاب المظلوم وعلى ذلك ظواهر من
الأحاديث تقضي به، إلا أن قواعد العدلية تمنع منه لأن الثواب يستحق
على وجه التعظيم والعقاب على جهة الاستحقاق ومتعلقهما الأعمال ولأن
ذلك لايتصور ف يحق من لايستقح ثواباً ولاعقاباً كالصبيان والمجانين
والحيوانات. وذهبت المطرفية إلى أن الانتصاف يكون بمعاقبة الظالم
ويبطله أن ذلك لايعود منه نفع إلى المظلوم فلا إنصاف في حقه.
فائدة
ظاهر كلام الأصحاب أن الخلاف هذا في كيفية الانتصاف من الظالم على
سبيل الإطلاق سواء تاب أو لم يتب والتحقيق أن في الثابت خلافاً
يخصه فنقول: اعلم أن المؤلم لغيره إذا كان مكلفاً يلزمه حق لله وهو
العقاب وحق للمظلوم وهو العوض فإذا تاب سقط حق الله بالاتفاق، وأما
حق المظلوم فلا يسقط إلا بايصاله إليه فيجب على الله أن يستوفي
للمظلوم من أعواض الظالم التائب. وقال الشيخ أبو القاسم: بل التوبة
قد صيرت ذلك الفعل كأن لم يكن فيبطل ما يفرع عليه من عقاب وعوض
ويجب على الله أن يقضي عنه ورد بما تقدم من أن ذلك لايعد انتصافاً
وبأن التوبة لاتسقط ما يجب بالجناية للغير كالأرش ولأن العوض وجب
في مقابلة الجناية لا في مقابلة المعصية والتوبة إنما ترفع حكم
المعصية لا حكم الجناية.
قوله: (تنبيه لما ذهب الجمهور) إلى آخره.
(6/118)
هذا فرع ينبني على قاعدة الجمهور ولم يشترطوا أن يكون الجاني في
حال تمكينه من الجناية له من العوض حينئذ ما يفي به بل العبرة بما
في معلوم الله من حاله عند موته فإذا كان يعلم أنه سيحصل له ما
يوفي المظلوم مما يوافي به العوضة جاز تمكينه من إيلامه وخالف في
ذلك الشريف المرتضى فاشترط في حسن التمكين أن يكون الظالم في تلك
الحال مستحقاً من الأعواض ما يوفي المظلومن ورد بأن المعتبر في
الإيفاء وقت التناصف لا وقت الفعل واحتج بأن التبقية للحيوان غير
واجبة وكذلك إيلامه فيما بعد غير واجب فكيف يمكن من الإيلام والحال
هذه.
قلنا: صحيح ما ذكرته ولكن علم الله بأنه يوافي العرضة وله ما يوفي
عنه كاف ولو لم يجب ما ذكر. فإن قيل: فلو قدر أن الله تعالى أماته
بعد أن جنى أو لم يؤلمه ما يكون الحكم هل يحكم بانكشاف قبح التمكين
المتقدم أو يقضى بقبح اجترامه وعدم إيلامه.
قلنا: هذا من قبيل تقدير وقوع خلاف ما علم الله أنه لايقع فلا
يستحق جواباً وإذا لم يكن بد من الجواب قابلناه بتقدير آخر وهو
تقدير أن الله تعالى لم يمكن الظالم من الإيلام وفيه من الخبط ما
قد تقدم ذكره في نظائره.
فصل في إسقاط العوض
قوله: (فقيل لايسقط).
هذا مذهب جمهور المتكلمين وحجتهم ما أشار إليه المصنف ومما احتجوا
به أنه ليس إليه استبقاؤه فلا يكون له إسقاطه كالصغير.
قوله: (وقيل يسقط).
هو مذهب الشيخين أبي الحسين وابن الملاحمي والفقيه حميد ورجحه بعض
المتأخرين.
قوله: (لأن الشرع ندب إلى إسقاطه).
يعني بما ورد في ذلك عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقد روي عنه: من
كانت عليه مظلمة لأخيه في نفس أو مال فليتحللها.
(6/119)
قيل: وما ورد في الأربعين السيلقية في المظلوم الذي أمر بالنظر
إلى الجنان فرأى ما أعجبه من الخير والنعمة فقال: لمن هذا يا رب.
فقال: لمن أعطاني ثمنه. فقال: ومن يملك ذلك يارب؟ فقال: /57/ أنت.
قال: بم ذلك؟ قال الله تعالى: بعفوك عن أخيك. فلولا أن البراء يصح
لم يستحق عليه مثوبة.
فائدة
فأما الثواب فلا يصح إسقاطه اتفاقاً ولعله لبلوغه في الكثرة والعظم
مبلغاً لاتمح النفوس بمثله ولأنه يشتمل على التعظيم وليس مما يصح
إسقاطه.
فرع
هل يصح نقل العوض إلى الغير. قيل: حيث لايصح إسقاطه لايصح نقله،
وحيث يصح إسقاطه يصح نقله بطريق النذر والوصية لأنهما يصحان
بالمعدوم وفي نقل العوض غرض وهو نفع المنقول إليه فلا وجه يقضي
بمنعه.
فصل في دوام العوض
قوله: (فقال الجمهور).
هم الزيدية وأكثر المتكلمين فمنهم أبو هاشم وقاضي القضاة وتلامذته
والشيخ أبو عبدالله وغيرهم.
قوله: (وقال أبو الهذيل) إلى آخره. من القائلين بهذا القول الصاحب
الكافي.
قوله: (يوضحه أن العقلاء يستحسنون تحمل المشاق في الأسفار).
هذا في الحقيقة دليل مستقل تقريره أن دوام العوض لو كان هو الوجه
في حسن فعل الألم لوجب ألا يحسن من أحدنا إنزال الألم بنفسه ولابمن
له التصرف عليه من مملوك أو ولد صغير لأن المنافع الحاصلة بذلك غير
دائمة ومعلوم أنه يحسن ذلك ذكر هذا الدليل أبو هاشم.
وقد اعترض بأن الواحد منا إذا آلم نفسه فهو يرضاه فلم يجب أن يكون
ما يقابل ذلك دائماً بخلاف إيلام الباري إيانا ويدل على اختلاف
الحالين أن أحدنا يؤلم نفسه لمنفعة مظنونة وإن كانت في حقيقة الأمر
غير حاصلة ولاكذلك إيلام الله إيانا فإنه لايحسن إلا مع علمه بحصول
النفع فتبين افتراق الحالين.
قوله: (ليس العلم معتبراً في الأعواض).
(6/120)
يعني لايجب أن يعلم المعوض أن هذا النفع الذي وصله هو عوضه فيما
لحقه من الألم وهذا مذهب الجمهور لما ذكره المصنف ونقل عن صاحب
الخلاصة أنه لابد من أن يعلم ذلك ولعله يريد في حق العقلاء.
قوله: (فإن من حقهما الإجلال أو عكسه فلا بد من العلم).
يعني بأن ما وصل إليه هو ثوابه أو عقابه وإلا كان قد عرضه لاعتقاد
قبيح وهو اعتقاد تعظيم من لايستحق التعظيم أو الاستحقاق بمن
لايستحقه.
قوله: (إنما يقدح ذلك في حسن ايصاله دفعة واحدة).
يعني وهو غير محل النزاع، وليس جواز انقطاعه يستلزم جواز اتصاله في
وقت واحد بعد استحقاقه على ألم طويل لنعمة ساعة وإن بلغت في الكبرة
الغاية، ويصح أن يختار الألم في يوم لنعمة أيام كثيرة.
قوله: (والجواب أنه ينقطع على وجه لايتألم بانقطاعه كما سيتضح).
يعني في الفصل الذي يلي هذا وقد أجيب عن هذه الشبهة بأنه يلزمهم
مثل ذلك في التفضل إذا انقطع وفي الثواب الذي كان قد اجتمع في
الأوقات السالفة حتى انتهى إلى وقت اتصاله فإن ذلك يصل إلى العبد
ثم ينقطع ولايدوم له إلا القدر المستحق على الطاعة في الأصل وبأنه
وإن انقطع، فمن الجائز أن يتفضل الله عليه بمقدار تلك على
الاستمرار فلا يلحقه غم وبأنه وإن انقطع فلا يسلم أنه يلحقه
بانقطاعه غم لأن الله تعالى يرضيه ويقنعه كما في أهل الجنة تتفاوت
درجاتهم ولايغتم غير ذي الدرجة العليا.
قوله: (فلوجه حكمة وهو أن يرى) إلى آخره.
الأحسن إبهام وجه الحكمة وإجماله وليس من فرضنا التكلف للكشف عنه
على أن انقطاع العوض بعد توفير القدر المستحق لايفتقر إلى بيان وجه
الحكمة فما لم يكن واجباً لم يجب أن يتكلف وجه حكمة في عدم فعله.
تنبيه
(6/121)
وإذا ثبت أن العوض لا دوام له فأجزاؤه لاتتزايد ....... كما في
الثواب لأن الواجب من العوض أجزاء منحصرة معلومة والثواب يستحق منه
ما لا نهاية له فإذا تأخر لزم اتصال ثواب تلك المدة كما سيأتي ونقل
عن أبي علي أنه يلزم تزايده كالثواب لأنهما دائمان وهو بناء على
قاعدتهم في دوام العوض، ولو صحت لصح ما بنى عليها لكن قد تقدم
إبطالها.
فصل في كيفية إيصال العوض إلى مستحقه
اعلم أنه يجوز إيصاله في دار الدنيا بالشرطين اللذين ذكرهما المصنف
فيما مضى وهو ألا يكون فيه مفسدة وألا يكون على مستحقه عوض لغيره
/58/ عند من لايجيز أن يتفضل الله بإيفاء الحق عن الظالم.
قوله: (وجاز أن ينقله إلى صورة يلتذ بها أهل الجنة) إلى آخره.
ظاهره أن ذلك مع تبقية الحياة فيه وصرح بعضهم بأن المراد سواء كانت
الصورة حيواناً أو جماداً بعد أن يميته ...... وقد جعل السيد صاحب
شرح الأصول إقرار التفضل بعد انقطاع الأعواض تبقية المعوضين غير
المكلفين أقرب الوجوه وعلله باتفاق الأمة على أنه لا موت بعد الحشر
واعترض بعدم تسليم الإجماع وإن سلم فالمراد أنه لاموت معه ألم،
والمراد لاموت لمن له حق لم يستوفه واعلم أن ظاهر كلام المصنف أن
الوجوه التي ذكرها في حق من ليس بمكلف ثابتة سواء كان من صغار بني
آدم أو غيرهم.
وقيل: بل تلك الوجوه المجوزة في حق غير المكلفين من غير الآدميين
فأما غير المكلفين منهم فإن السمع ورد بأن الله تعالى يدخلهم الجنة
ويعوضهم فيها أو قبل دخولها ثم يتفضل عليهم بأنواع النعيم في الجنة
ويديم التفضل عليهم. وقيل: إن أولاد الكفار يكونون خداماً لأهل
الجنة بحيث يتلذذون بذلك ولايلحقهم نصب ولاغم.
قوله: (أو في النار على وجه لايقع به اعتداد بأن يخفف من عقابه)
إلى آخره.
(6/122)
قد أورد على ما ذكر سؤالان، أحدهما أن يقال: أليس من قواعدكم أن
العوض يكون في قدرة وصفته بحيث لو خير المؤلم قبل إيلامه بين لحوق
الألم له مع ذلك العوض وبين ألا يتألم لإخبار الألم وإذا كان وصول
عوض المعاقب إليه على الصفة المذكورة فالعاقل لايختار إنزال الألم
به لأجل أن يحصل له ما ذكرتم مما لايعتد به ولايحصل له به روح.
وأجيب بأنا شرطنا ما ذكر بالنظر إلى نفس العوض ونفس المعوض والذي
عوض للمعاقب من عدم الروح والاعتداد بما أوصل إليه أبي قبة من جهة
نفسه لأجل دينه إذا قدم إلى أحدنا أطعمة شهية لذيذة فجرح نفسه وأحل
بها آلاماً بحيث لم يقع له بذلك الطعام التذاذ، الثاني أنكم إذا
أجزتم التخفيف من عقابه لأجل ما يستحقه فقد رجعتم إلى ما أنكرتم من
قول أبي علي وهو أن العوض يسقط العقاب ورجعتم إلى ما كنتم نفيتموه
من لحوق الروح بالمعاقب فإن التخفيف أبلغ روح في حقه وراحة.
فأما الطرف الأول فأجيب عنه بأن أبا علي يقول بأن الجزء من العوض
|