تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

نظام الفصول   شرح الفصول اللؤلؤية


للعلامة المحقق: الحسن بن أحمد الجلال
تحقيق: أحمد علي نور الدين

مركز التراث والبحوث اليمني

مقدمة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أحكم تدبير العالم بنظام الفصول، وأوضح من أصول الشريعة وفروعها ما يسر به إلى جنابه الوصول. أحمده على أن جعلني من هداة تلك الطريق، وخصني فيها بمزيد من الخبرة والتحقيق. وأصلي على إمام الهداة السائق للخلائق، وعلى آله وصحبه حماة الحقائق.
وبعد، فإنه لما رغب مُهَج(1) فؤادي، وأعيان أهلي وأولادي في سماع "الفصول اللؤلؤية " للسيد العلامة خاتم خنصر العترة النبوية، وخاتم محققي طريقتهم (2)السوية بقية ينابيع العلم الغزير، صارم الدين إبراهيم بن محمد الوزير، رفع الله رتبته في الجنة وجزاه أفضل ما جزى هاديا إلى سنة. وكان فيها من المباحث ما أشار أئمة التحقيق إلى ضعفه،وما لا يخلو عن مثله إلا كتاب الله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؛ أحببت أن أعلق عليها ما يكون بصيرة لهم في المضايق، ومنارا يهتدون بهديه(3) إلى الحقائق، لتجريدها عن الأدلة، والإمارات، وتشريدها الصواب بين تلك الدعاوى العاطلة والمجازات، خروجا عن(4) معذرة ما أمر الله به في كتابه المبين من زيادة النصيحة للأقربين، والله تعالى يجعل ذلك لهم ولمن شاء معهم وسيلة إلى درك حق اليقين، إنه الجواد الكريم المعين
__________
(1) - هكذا ضبطت في " ق"، وبالهامش : المهجة : الدم، أو دم القلبوالروح . هـ قاموس .
(2) - في " ق" طريقهم . وفوق آخر الكلمة بخط صغير " يقتهم " ...
(3) - في " ج" : به . وفوقها محشور بين السطرين : " بهديه نخ م " وأمامه في الهامش : " كذا في خط المصـ" .
(4) -في " ق " : " من " . وفي "ج" : عن . وفوقها محشور بين السطرين : "من، نخ ".

(1/1)


قال رحمه الله: (الحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد المصطفى الأمين وعلى أخيه الأنزع البطين، وعلى سيد ة نساء الخلق أجمعين، وعلى سبطيهما ) هما الحسنان عليهما السلام، وإنما هما سبطان للنبي صلى الله عليه وسلم لا لعلي عليه السلام، فإنهما ولداه، لكنه غلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كالأبوين والقمرين(1). وهذا نوع من التغليب غريب. (والأئمة السابقين والمقتصدين ) قال في الحواشي(2): السابق: صاحب الدعوة والظهور. والمقتصد: من لا دعوة له ولا ظهور. انتهى.
__________
(1) - في " ج " كالقمرين . وفوقها محشور بين السطرين بخط صغير " والأبوين . صح" وأمامه في الهامش : في النسخة التي بخط المصـ " كالأبوين، والقمرين " . وهو الثابت في "ق" أيضا .
(2) -أي : حواشي الفصول .

(1/2)


واتصاف الأول بالسبق لأنه جمع فضيلتي العلم والعمل من الجهاد والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتقريب الخلق إلى الله بدعوته لهم، وهذه مرتبة النبوة إذ ليس المراد بالداعي من سبق إلى التأمر على الناس، وستر التخليط في الدين(1) بالتسمي بأمير المؤمنين. ثم تفسير السبق والاقتصاد بما ذكر إن كان تفسيرا لما أراده فلا مشاحة، وإن كان تفسيرا لما في قوله تعالى (2): (ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ) فمفتقر إلى تصحيح المخصص بدليل (من أبنائهم المنتجبين وعلى أصحابهم وأتباعهم إلى يوم الدين. وبعد فهذه نخب مصطفاة من أقوال أئمتنا، ونغب مصفاة من سلسال معين علمائنا اعتصرتها من أفانين ) جمع أفنان، جمع فنن، كأناعيم،جمع أنعام جمع نعم. (دوحات معارفهم،الواسعة واختصرتها من قوانين ) جمع قانون، وهو ما يضبط به المنتشر، كالمكيال والميزان. والمراد هنا: القواعد. وسيأتي تفسيرها إنشاء الله تعالى. ( مصنفاتهم الحافلة الجامعة ورصعت جواهرعقدها المذهب ) فيه قلب، كعرضت الناقة على الحوض، إذ الترصيع للعقد لا للجواهر. ( بأقوال أئمتنا ) المنصوصة بنصوهم ( وما لخصه المتأخرون للمذهب ) أي:استخرجوه من مواضع لا نص عليه فيها، وإنما يستلزمه، وذكر المذهب لا يليق في الأصول لعدم صحة التمذهب فيها على رأي المصنف. ( وأضفت إلى ذلك ذمن مذاهب شيوخ العدل والتوحيد ) هم من لم ينسب فعل العباد إلى الله سبحانه[وتعالى ] لأن نسبتها إليه تستلزم تعذيبهم على معاصيها بما لم يفعلوه فيكون منافيا للعدل. (ما هو أعذب من ماء الفرات، وأحلى من جنى التوحيد ) لم يذكر في القاموس كون التوحيد من أسماء المطعومات، وكان المصنف رحمه الله تعالى توهم من قول المتنبي:
__________
(1) -عبارة " في الدين " محشورة في "ج" بين السطرين، بعد كلمة " التخليط " وبعدها " صـ" .
(2) -كذا في " ق" . وفي "ج" : لقوله تعالى . وأمامها في الهامش : لما في قوله تعـ نخ المصـ.

(1/3)


يترشفن من فمي رشفات ... هن فيه أحلى من التوحيد
أنه يريد مطعوما حلوا، وإنما يريد التوحيد لله على عادة الشعراء في المبالغة التي لا تليق. ( ومن مذاهب غيرهم ) أي: غير شيوخ العدل والتوحيد، وهم من ينسب فعل العباد إلى الله تعالى، كالأشاعرة وغيرهم. فلا يكون عدليا أو يثبت ما يوهم الشريك كالمعاني القديمة أو الجهة فلا يكون موحدا ( من علماء الأمة المحمدية، وحكماء العصابة الأحمدية ) هذا تصريح من المصنف باختيار مذهب البصرية في أن من قال بتلك الأقوال لا يخرج من زمرة الأمة المحمدية. ( فليثق باحث كنوزها بنيل أمله، وليستغن كاشف رموزها بإخلاص نيته وعمله، ومن تأملها منصفا، وجعل فكره الصحيح لمعانيها منصفا ) المنصف بوزن: منبر: الخادم أي جعل فكره الصحيج خادما لمعانيها،وقيد الفكر بالصحيح احتراسا مما عاناه من افهام المغفلين الذين جعلوا منصب النظر والاعتراض حمل الدفاتر،والمحابر والبياض. فإذا كان منصفا صحيح الفك: (علم أنها لباب نزع قشره ) كناية عن تجريد مال لا مصلحة فيه ( وعباب لا يدرك قعره، وجردتها عن الإمارات والأدلة ) كان الصواب عدم ذلك، لأن الأدلة والإمارات هي المبادئ التصديقية للمسائل. والبمادئ جزء من العلم لااتفاق، ولا يخفى أنه لا حسن في حذف بعض أجزاء العلم، وأما الاعتذار بقوله: ( اكتفاء بظهور شموس مسائلها والأهلة،وتسهيلا لحفظها وتقليلا للفظها،وإحالة على أصولها وحثا للإخوان على شرح فصولها. ) فأعذار لا نفاق لها، لأن الغرض من التصنيف كفاية الطالب عن غير المصنف – بفتح النون – وإراحته من التعب، وتصوير الحق في ذهنه، فإذا لم يغنه ذلك التصنيف عن غيره في المقصود، كان جديرا بأن يهمل ويشتغل بغيره.

(1/4)


نعم الاعتذار الصحيح هو ما في قوله: ( ولم أبالغ في اختصار لفظها صونا لها عن الإلغاز، ولا في بسطها لمنافاتها الإيجاز مع اقتفاء منهاج المختصرين من أهل التصنيف في حسن التهذيب والترصيف وإبراز المعنى الخفي اللطيف في إبريز اللفظ الجلي الطريف، على أنه قد قال غر واحد من علمائنا الأفاضل: المصنفون حقيقة هم الأوائل، وأما المتأخرون فتصنيفهم إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل ) هذا حكم أكثري لا كلي، فينبغي أن تجل القضية مهملة لا كلية، لتكون في قوة الجزئية للعلم بأن بعض المتأخرين خالف المتقدمين فقعد قواعد خلاف قواعد الأوائل وربطها ببراهين واضحة ودلائل كما يطلعك على صدق ذلك مطالعتك لمختصرنا في الأصول وشرحه. وستقف على نبذ من ذلك في غضون هذه الحواشي أيضا إن شاء الله.
مقدمة علم أصول الفقه
(مقدمة لا بد لطالب أصول الفقه من معرفتها ) .
إعلم أن المقدمة: اسم لما إذا تقدم على معرفة مسائل العلم كان ضبط المسائل أقرب إلى الفهم وأيسر مما لو لم تكن تلك المقدمة. والمبادئ: هي ما لولاه لم يكن للمسائل وجود رأسا. لأن المسألة مفتقرة إلى تصوير موضوعها وهو إما موضوع العم أو جزؤه أو جزئيه أو عرض لأحد الثلاثة أو مركب من اثنين من الأربعة أو أكثر ومفتقرة أيضا إلى تصور محمولها الذي هو عرض من أعراض تلك الموضوعات، وحال من أحوالها.وإنما تحصل تلك التصورات بالححدود لها، ومفتقرة أيضا إلى ما يحقق نسبتها وهو دليلها الذي يتوقف الإذعان بها عليه، فإذن المبادئ هي الحدود والأدلة.
والمصنف رحمه الله قد أراد بالمقدمة جميع ما قبل الأبةاب من الفصول،ولا شك ولا شبهة في أن أكثر تلك المباحث بحث عن أحوال الدليل التي هي نفس المسائل فجعلها مقدمات من الخطأ البين. ثم قوله:
(فصل)

(1/5)


(مبادئه خمسة: حده وموضوعه وفائدته واستمداده وحكمه ) خلط للمقدمات بالمبادئ تبع فيه المختصر وشرحه،حيث جعل الأربعة الأول مبادئ، وإنما هي مقدمات. وأما قول صاحب التهذيب: "وقد يقال: المبادئ لما يبدأ به قبل المقصود " فإنما يشير به إلى ما وقع في المختصر وشرحه من الخلط لا أن ذلك من أقوال أهل الحكمة واصطلاحاتهم.
أما الثلاثة الأول فبإجماع أهل المعقول [لأنها ليست جزءا منه بل ] جهات وحدة ليكون ضبط تفاصيله أيسر له [ لا أنه لا تمكن معرفة مسائل العلم إلا بذلك بل ] كمن يعلم أن غرضه في موضع مخصوص يقصده في ذلك الموضع ويترك ما عداه،فيقل تعبه وعناه.
وأما الرابع فإن كان المراد به الإخبار بموضع الاستمداد جملة كما يقال: هذا العلم يستمد من العربية والكلام والأحكام، فمع قلة جدوى ذلك يكون من المقدمات أيضا، وإن كان المراد إفادة شيء من مسائل ذلك العلم المستمد منه لتوقف الإذعان بمسألة هذا العلم على استفادته، فلا شك في أنه مبدأ تصديقي من أجزاء العلم لا من مقدماته. وحقه أن يذكر عند ما توقف عليه من المسائل لا قبل الجميع.
وأما الخامس، فأبعد من أن يكون مقدمة أو مبدأ. وسبب عدم الفرق بين المقدمة والمبدأ، عدم الفرق بين "بدى " المنقوص، و"بدأ " المهموز، ظنوا أن المبادئ من المهموز،ليكون التقديم للشيء والابتداء به واحدا وليس كذلك بل المبادئ كالمظاهر وزنا ومعنى،لأن العلم إنما يظهر منها،وهي علله المادية، فإن الصور إنما تظهر في المواد.
(أما حده مضافا ) الضمير في حده لا يصلح للفظ قطعا. ولا لصورة الإضافة [الخاصة ] لأنها أمر اعتباري [جزئي ] لا ماهية له [غير ماهية مفهوم الإضافة الكلي ]ولا للمضاف إليه قطعا، ولا للمضاف لا من حيث الإضافة الخاصة [لأنه قيد الحد بها ].

(1/6)


وإن أخذ المضاف من حيث الإضافة الخاصة فهو معنى اللقب، لأنه لم يتحدد على اللفظ إلا غلبته في المعنى، الأول كما غلب لفظ ابن عباس وابن الزبير على جزئي من معناهما الأول [وكما غلب النجم على الثريا والجزئي الحقيقي لا حد له غير حد كليه،كما علم في مظانه ] وبهذا يعلم أن الاشتغال بحد المضاف إيه مطلقا أو المضاف لا من حيث الإضافة الخاصة كما هو معنى قوله: ( فالأصل لغة: ما تفرع عليه غيره، وهو ف في عرفها حقيقة في الناميات مجاز في غيرها ) .اشتغال بما لا علاقة له بالدليل إذ ليس من مقدمات العلم ولا مبادئه ولا مسائله (واصطلاحا: الدليل ) إن أراد أن الأصل مطلقا هو الدليل فلا ينحصر فيه لأنه يقال له وللمستصحب وللحقيقة ولما يتفرع عليه غيره وإن أراد الأصول المضافة إلى الفقه فهي القواعد مع مبادئها لا أفراد أدلة الأحكام [مثل "أقيموا الصلاة " و " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " ] لأن أصول الفقه غلب على القواعد المذكورة أو على العلم بها كما سيأتي. ( والفقه لغة: العلم أو الظن لأمر خفي ولو بغير خطاب في الأصح ) .قد سمعت أن تعريف الفقه لغة واصطلاحا مما هو خارج عن مقدمات الأصول ومبادئه ومسائله.وإنما حقه أن يكون من مقدمات الفقه (واصطلاحا: العلم أو الظن للأحكام الشرعية الفرعية ) احترزنا بالشرعية عن العقلية كمسائل الإلاهيات.وبالفرعية عن الأصلية كوجوب الإيمان.

(1/7)


[ولا حاجة إلى الفرعية لأن الشرعي لا يكون إلا فرعيا،وأماتوهم أن وجوب الصلاة ونحوه أصلي، فوهم لأنها فروع للإيمان.قيل: وعن الأصولية كالحكم على القياس والإجماع والاجتهاد بالحجية، وهو دور صريح،لأخذهم الفرعية في حد الأصول.وسيأتي تحقيقه في رسم الأصول.وقوله ] ( عن أدلتها ) متعل ق بالعلم لإخراج علم الله تعالى فإنه لذاته لا لدليل،وكذا ظن المقلد لعدم استناده إلى أمارة صحيحة. وقد أراد المصنف هنا بالأدلة ما يشمل الأمارة على ما هو اصطلاح الأصوليين، ولا حاجة إلى قوله ( التفصيلية ) إذ دليل الفرعي لا يكون إلا تفصيليا ( وأكثرهامظنون ) إذ قل ما يجتمع في دلي حكم فرعي تواتر نقله،ونصية دلالته، وانتفاء أحدهما موجب لانتفاء العلم ( ووجوب العمل به ) أي: بالمظنون ( معلوم ) الظاهر أنه يريد أن القضية كلية في قوة " كل مظنون " فوجوب العمل به معلوم " وهي ممنوعة، مسندا منعها إلى تصريح الكتاب والسنة بمنع العمل بالظن في غير آية، وحديث.لا يخص من ذلك المنع إلا ما ورد الشرع بالعمل به كالعدلين الثابت كتابا وسنة، والعمل بظواهر الكتاب والسنة، وإن لم يفيدا غير الظن بدلالة اقتضاء الطلب المعلوم لمطلوب، وتعذر العمل بغير الظاهر.
ولمثل هذا جزم أبو الحسين بالعمل بالظن في تفاصيل معلوم الأصل واجب عقلا، وعليه مدار دلالته لاقتضاء المتفق على العمل بها.
إذا عرفت هذا فقولهم: " هذا مظنوني مجتهدا، وكل مظنوني مجتهدا يجب العمل به قطعا " قياس من الشكل الأول،ممنوع الكبرى، مسندا بما تقدم،والجزئية فيها لا تفيد كما علم.
ومن هنا وقع الخلاف بين علماء الإسلام في حجية الإجماع [ والآحاد] والقياس واعموم،وامفاهيم،والترجيح،وغير ذلك من أسباب الظن التي لم يرد بسببيتها للكم شرع،ولا عقل صحيحان، [وإلا لما وقع فيه خلاف كما لا خلاف في سببية العدلين،وظواهر النصوص.

(1/8)


ومن ذلك يتضح لك منع دعوى الاجماع على العمل بكل ظن كما زعمه سعد الدين وغيره. ( وأما حده لقبا ) قد عرفت أنه المعنى الإضافي أيضا. (فالقواعد ) وهي: جمل خبرية يكون المسند إليه فيها مفهوما كليا تشترك أفراده في حصول وصف المسند لكل واحد منها كقولك: " الأمر للوجوب " فإنه يشمل كل أمر من {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} وغيرهما.وتلك القواعد هي: ( التي يتوصل بها إلى الأحكام الشرعية الفرعية ( [ إن أراد بالفرعية هنا ما ليست بأصلية فلا حاجة إلى هذا القيد، لأن الأصلي ليس إلا الإيمان،وأما وجوب الصلاة، ونحوها فهو من فروع الإيمان لأنه إنما يحصل شرعي بأدلة سمعية لا عقلية كالإيمان، وكل شرعي فهو فرعي. وأيضا هذه القواعد مما يتوصل به إلى تصحيح الاستدلال بالسمع على ما يصح الاستدلال عليه بالسمع من أصول الدين العقلية كمسألة الرؤية ونحوها. وإن أراد بالفرعية ما ليست من أصول الفقه فدور صريح،لأن حاصله أن أصول الفقه:القواعد الموصلة إلى فروع أصول الفقه.
ولو قيل:التي يتوصل بها إلى استنباط أحكام الشرع، المقررة لمرادة، لكفى.
ولم يعلق التوصل بالاستنباط،كما فعله غيره، ظنا منه أن الفقه نفسه هو فائدة الأصول كما سيصرح به في الفائدة. وهو وهم كما سيأتي.وقوله: ( عن أدلتها التفصيلية ) عرف مما سبق. ( وقيل ) حد الأصول هو ( العلم بها ) أي: بالقواعد ( أو الظن بها ) لأن الفقه إنما يرجع إلى العلم بها لا إلى أنفسها، كما تقرر في الحكمة الإلهية من أن الشيء إنما يتولد عن نوعه عنصريا كان أو غيره فلا يتولد العلم عن المعلوم نفسه،بل عن العلم به. ( وهي ) أي: القواعد الأصولية ( قطعية ) كمسألة تقديم القاطع على الظني ( وظنية ) كمسألة تخصيص الكتاب بالسنة. وفي هذا الرسم أنظار [غير الدور المذكور أيضا ]: أربعة تبتني على القول بأن أصول الفقه عَلَم: -
أحدها: أن العلم جزئي، والجزئي لا يُكسَب ولا يَكسِب، إذ لا ماهية له. ولا لازم يختصان به.

(1/9)


[وثانيها: أن المعنى العلمي هو مجموع مسائل الفن من حيث هو مجموع، وليس ذلك بعلم،ولا قواعد،وإنما العلم والقواعد أجزاؤه التي اجتمعت.
وثالثها: ]: أن العلم يجب انحصار مسماه،وأصول الفقه لا ينحصر في المسائل المذكورة،ولحوق أكثرها للموضوع بالقرائن،وقرائن اللحوق لا تنحصر في قرائن اللواحق المذكورة في المسائل،وهي لا تخفى على المجتهد من حيث هو مجتهد، وإن أريد العلم،علم الجنس كأسامة فهو الجنس بعينه الذي هو مدلول المضاف من حيث الإضافة،وإنما يحكم بالعلمية لضرورة مراعاة أمر لفظي هو منع الصرف المسموع في نحو: أسامة، ولا ضرورة هنا.
ورابعها: أن التوصل بالقواعد المذكورة ليس لازما بينا لها،فإن أكثر من يعرفها لا يعرف التوصل بها.والتعريف لا يصلح إلا باللازم البين.
وخامسها: أنه غير مطرد لدخول علوم الاجتهاد كلها.
وقد قيد بعضهم الإيصال بالذات،فقال " الموصلة بذاتها " حافظ على الطرد فأخل بالعطس،لخروج المبادئ التي هي جزء من العم بالاتفاق.
( وأما موضوعه ) موضوع كل فن هو ما يبحث في العلم عن أعراضه،ولا حاجة إلى تقييد الأعراض بالذاتية،لأن ذلك إنما يشترط في أعراض [موضوع ] علم الطبيعة لا في العلوم الشرعية لأن أكثر محمولات موضوعاتها،ليس ذاتيا لها ( فالأدلة الكلية السمعية ) إذن هي موضوع هذا الفن،لما أن الأصولي:إنما يبحث عن أحوالها من كون التي تحمل عليه أو على جزئه أو على جزئيه أو على عرضه،لأن ما حمل على أحد لوازمه فقد حمل عليه [ لأن محمول اللازم لازم له،ولازم اللازم لازم ].

(1/10)


وأراد بالأدلة الكلية: الكتاب والسنة،والإجماع،والقياس،والاجتهاد.ثم لو ترك التقييد بالكلية،لكان أولى،لأن التقييد موهم أن الموضوع هو الدليل بشرط الكلية، ولا وجود له بهذا الاعتبار،إلا في الذهن.- والأصولي إنما يبحث عن الدليل بشرط كليته – ولا جزئيته كما هو معنى الماهية،الصادقة على ما في الخارج،من جزئياته [ ولا يصح أن يراد بالأدلة نفس القواعد، وإن كانت هني الموضوع،لأنها هي المسائل ]،ولكن المصنف تبع في ذلك من غفل عن الفرق بين أحكام الماهية بشرط وجودها وبشرط لا وجودها ولا بشرط أحدهما.
وأما التقييد بالسمعية فهو مبني على أن القياس بتخريج المناط دلي سمعي، بمعنى أن الشارع أذن فيه على ما تقتضيه أدلة إثبات القياس،ولكنهم صرحوا في الترجيح بأنه عقلي،حيث قسموا التعارض إلى ما يكون بين عقلي ونقلي وجعلوا العقلي هو القياس على أنهم قد جعلوا التخصيص بالعقل من أصول الفقه أيضا، وذلك دليل عقلي، فالقياس حذف السمعية أيضا.
(وأما فائدته: فاعلم بأحكام الله تعالى ) يريد بالأحكام هي: - الفروعية، كما تقدم،لكن في كون الفقه فائدة الأصول نظر،لأن الغرض من طلب الأصول إنما هو تحصيل ملكة الاستنباط كما أن الغرض من الاستنباط نفسه هو الفقه،فافقه وإن كان علة العلة،و" علة العلة علة " إلا أنهم لا ينسبون الفعل إلا إلى الغرض الأقرب،وإلا لزم أن يقال: فائدة الأصول هي دخول الجنة،لأنه علة العلل.

(1/11)


( وأما استمداده فمن الكلام ) يعني مما حرره أهل أصول الدين،من الأدلة على وجود الله تعالى وصفاته ( لتوقف الأدلة السمعية الكلية ) التي عرفتها ( على معرفة الصانع ) بأكثر صفاته الإيجابية،والسلبية ( وصدق المبلغ ) وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فإن من لا يعرف الحاكم بصفاته الحميدة لا يعرف استحقاقه الطاعة في الحكم،ولا سبيل إلى معرفته بالشرع، لأن معرفته بالشرع تتوقف على العلم بكون النبي [ صلى الله عليه وآله وسلم ] صادقا، وكونه صادقا يتوقف على كون المعجزة دالة على الصدق،وكونها دالة على الصدق يتوقف [على عدم تأثير غير القدرة القديمة فيها،فيجب تقديم العلم بالقديم، وقدرته،وأكثر صفاته على الاستدلال بالسمع،فلو استدل على ذلك بالسمع،كان دورا،إتفاقا، وعند المعتزلة خصوصا،كون المعجزة دالة على الصدق تتوقف ] على كون خالقها عدلا لا يخلقها للكاذب، فلا يصح الاستدلا حينئذ بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى نعلم أنه ليس بكاذب،ولا يصح الاستدلال على أنه ليس بكاذب بقوله،لأن ذلك دور واضح.
قلت:ولا يشك مؤمن أن إيراد هذا الدور من دسيس الملاحدة على الدين،وقد وفقني الله [ تعالى] لمعارضته بمثله،في دلالة العقل،بأنيقال:العقل مخلوق وفاقا،فلا يصح الاستدلال على الله وصفاته بحكمه حتى يعلم أن خالقه عدل،لم يخلقه للتلبيس،والكذب،لكن لا يعلم أن خالقه عدل إلا بحكمه فيدور،ويقوى بما علم من تناقض أحكام العقول في الإلهيات، بخلاف أحكام الرسل فيها، فهي متحدة، وإنما يختلفونفي الشرائع المصلحية،وذلك مقتض لترجيح الاستدلال بالسمع على العقل.
ولما قال السيد محمد بن إبراهيم الوزير رحمه الله تعالى في "ترجيح الاستدلال بكلام الله على الاستدلال بكلام أهل الكلام في قصيدة أولها:
أصول ديني كتاب الله لا العرض وليس لي في أصول بعده غرض
عارضه بعض أسراء التقليد في الكلام بقصيدة منها:
هذي مقالة منزلت به قدم عن منهج الحق أو في قلبه مرض

(1/12)


كيف السبيل إلى عرفان خالقنا قلت: الكتاب وهذا القول منتقض
فالدور في ذاك لا يخفى على أحد بئس الدليل الذي بالدور ينتقض
يشير بالدور إلى ما سبق تقريره.
فقلت في جوابه،غيرة على رسل الله وكتابه ومعجزاته:
الدور في العقل كالشرع الذي زعموا فما المخصص للأمر الذي رفضوا
بيانه العقل مخلوق فيمكن أن لا عدل في خلقه أيضا فينتقض
إذ ربما كان للتلبيس مصطنعا يقضي بما ليس حقا وهو ما فرضوا
فإن أحاروا جوابا كان ذاك لنا وإن عموا خرجوا عما نفوا ورضوا
بل الجواب بشيء فرع نهضته وقد تحير ما احتاروا وما دحضوا

(1/13)


وقد ذهب أبو علي [ من غلاة المتكلمين ] وغيره إلى جواز الاستدلال بالسمع على جميع الإلهيات،استقلالا تأكيدا كما رواه عنه الحاكم وغيره،وهو مقتضى حق الله[ تعالى في كتابه ]. وأنبيائه،ومعجزاته، التي هي حججه على عباده [ وعلى ذلك كافة من يرى الدخول في علم الكلام جرحا للعدالة ] فكيف يجعل الجميع [ من حجج الله ] تعالى لغوا، في ال؟ عن الدلالة عليه،مفوضا تصحيحها إلى عقول الجهال [ فإنا لله وإنا إليه راجعون ]. وقد أشبعنا الكلام في ذلك في شرحنا لشرح القلائد، ومنعنا توقف العلم بالصدق على ما ذكروه، وأسندنا المنع بما لا يحام حول إبطاله، على أن المعارف ضرورية،عند محققي أئمة أهل البيت عليهم السلام كالمؤيد،والإمام يحي،وغيرهم،من أئمةالدين، وعليه كافة أئمة الطريقة المتقين. ودفعنا ما أورد عليه من لزوم عذر الكفار في شرح شرح القلائد، بما هو ضالة الناشد، وبغية الرائد [ ولا تعد في مخالفة المعاند للضرورة (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } . ( ومن العربية لأن الأدلة من الكتاب والسنة عربية ( فتمس الحاجة إلى ما يتوقف دلالة الدليل على معرفته منها،كالحقيقة والمجاز والاشتراك والوضع وأقسامه وأقسام الموضوع ونحو ذلك مما سيأتي. ولا يخفى أن التوقف على مباحث العربية إنما يلزم على رأي من جعل دلالة الدليل بالوضع، أما من جعلها عقلية بالقرائن [ كما صرح به الرازي في المحصول ] وهو الحق، وحققناه في مختصرنا في الأصول، فلا،وسيأتي منه شيء أيضا ( ومن الأحكام ) التي هي: الفقه،وهي خمسة تكليفية:الوجوب، والندب، والحرمة،والكراهة، والإباحة. وثلاثة وضعية:السببية،والمانعية، والشرطية. واثنان مختلف في كونهما عقليين، أو وضعيين: الصحة،والفساد.

(1/14)


ولما كان هاهنا سؤال مشهور،وهو: أن الأحكام هي القضايا التي هي مسائل الفقه، ومسائل الفقه إنما تنشأ من الأصول فاستمداد الأصول من الفروع دور بين. أجاب المصنف بقوله: ( والمراد ) بالمستمد من الأحكام هو ( تصورها ) أي:تصور محمولاتها ( بالحد ليمكن إثباتها، ونفيها بعد ذلك في أفراد المسائل ) الأصولية ( لا حصولها ) أي: الأحكام.وهي: القضايا ( وإلا لزم الدور ) الذي عرفته،وإذا كان المراد تصورها فقط،فلا دور و لأن المتوقف على الأصول إنما هو التصديقات الفقهية من حيث أن الأصول مبادئها التصديقية.وأما تصور محمولات الفقه فلا يتوقف على الأصول.
هذا تقرير كلامهم.وفيه بحث لأن القول بأن تصور الأحكام إنما يحصل بالاستمداد من الفقه، غلط فاحش،لأن الفقه ليس مبدأ تصوريا لمحمولاته، إنما مبدؤها التصوري أجزاء معرفها من الجنس والفصل أو الخاصة [ وإنما تؤخذ من العلم الطبيعي ][ إن كانت أجزاء حقيقة طبيعية،أو من اللغة، إن كانت أجزاء حقيقة لغوية ]، وإن أرادوا نقل معرفاتها التي وقعت في الفقه إلى الأصول فمبني أيضا على اختصاص موضوع الفقه بها بحيث لا يجوز حملها على غير [ موضوعه] وهو ممنوع،فإن العرض المحمول قد يكون أعم من الموضوع لما علم من جواز كون اللازم أعم يثبت لملزومات متباينة،ووصف الوجوب،ونحوه له نسبة إلى مبدئه وهو الموجب – بالكسر – وإلى منهاه وهو الموجب – بالفتح- وهو محمول لكل واحد منهما،وقد يكون ذلك المحمول لبعض المسائل موضوعا [ أيضا لقضايا أخر ] تبين بها أحكامه. كما تبين هنا أحكام الأحكام، فالدليل موجِ وفعل المكلف موجَب [ والوجوب ] كالضرب يحمل على الفاعل والمفعول، فيقال: زيد ضارب وعمرو مضروب،وإذا كان للوجوب ونحوه نسبة إلى الدليل ونسبة إلى فعل المكلف، لم يكن تصوره في أحد العلمين مستمدا من الآخر، لأن تعريفه في كل علم جزء من ذلك العلم،وإلا لما كان لذكره فيه مساغ، في الحكمة رأسا.

(1/15)


ولمثل هذا جزم ابن سينا بأن مبادئ علم قد تبين في علم أدنى منه،وحمل كلامه على أن تبيينها في الأدنى ليس لأنها مبادئ الأقصى، فإن ذلك فضول،بل لأنها مبادئ الأدنى،واشتراكهما في المحمول لا يوجب عدم تمايزهما لأن التمايز إنما يكون بجهة الوحدة التي يختص بها العلم، وهي إما [الفائدة كما بينعلم الشريعة،وعلم الطبيعة،ولهذا تكون أكثر الرسوم بها أو ] الموضوع،كما بين الفقه،وأصوله، أو المحمول،كما بين النحو والصرف، فإن موضوعهما متحد،وهو الكلمة، وإنما يتمايزان بالمحمول،فمحمول النحو،أعراضها التي هي إعراب، ومحمول الصرف أعراضها التي ليست بإعراب ( وأما حكمه فالوجوب على الكفاية ) قال في الحواشي: " لأن القصد إلى طلبه يتوقف على معرفة وجوبه " وهذا وهم،لأن أكثر العلوم طلبت، وليست بواجبه،بل ربما طلب من العلوم ما هو محظور،أو مكروه كالسحر،ونحوه، ويكفي في قصد طلب العلم تصور فائدته،على أن الوجوب المدعى ممنوع، كيف والسلف الصالح من الصحابة والتابعين _رضي الله عنهم _لم يعرفوا خصوصية هذه القواعد ولا أخلوا في تركها بواجب قطعا،وإنما استخرجها متأخروا العلماء _ رضي الله عنهم _ من أنظارهم،ومحاوراتهم،وتحريرات مناظراتهم على غير امتثال إيجاب عليهم، وإنما قصدوا [ بتدوينها ] نصح من بعدهم، وإعانته على كيفية النظر في مواضع اللبس، وإلا فلا إجماع على شيء من قواعد الأصول،ولا نص حتى يكون ذلك دليلا على وجوبها،وإلا فكيف السبيل إلى القول بوجوب القولين المتناقضين فيها [ على كل مكلف، وإن أريد ] أن الاجتهاد واجب على الكفاية، فمع أنه غير اٍلأصول،ممنوع الوجوب أيضا لأنه إنما يكون لتحصيل حكم غير أحكام النصوص الظاهرة، ولا يسلم وجوب غير ظاهر النص، وإن رخص فيه للمجتهد، فجوازا لا وجوبا، ولا يقال: لا يتم الواجب من العمل بمدلول الدليل الشرعي إلا بالأصول، لأن ذلك مبني على وجوب البحث عن الناسخ والمخصص قبل العمل [ وعلى وجوب الترحيح عند

(1/16)


التعارض،وعلى لزوم الحكم عند التشابه ] وكل ذلك ممنوع كما سيأتي.
(فصل)
( ينحصر ) أصول الفقه انحصار الكل في أجزائه تقريبا للضبط ل تحقيقا ( في ) مباحث ( الأمر، والنهي، والعموم، والخصوص، والمطلق، والمقيد، والمجمل، والمبين، والظاهر، والمأول، والناسخ، والمنسوخ، والأفعال ) هذه من أعراض الدليل المجمع على دليليته، أعني: الكتاب والسنة، وكذا الخبر. ولو قدمه على الإجماع والقياس، كان أولى لأنهما ليسا منمحمولات الدليل، بل هما دليلان عندهم يقاسمان الكتاب، والسنة، في مطلق الدليل ( والإجماع، والإخبار، والقياس، والاجتهاد، وصفة المفتي والمستفتي، والحظر، والإباحة، والتعارض، والترجيح ) . وقد أهمل بحث المفهومات،وبعض مباحث الفصول التي قدمها على الأبواب، فإنها من المباحث التي تبحث عن أعراض الدليل، فهي من المسائل الأصولية،وليس من حقها أن تذك في المبادئ.
(فصل)

(1/17)


يذكر فيه: تقسيم اللفظ إلى: مهمل، مستعمل، مفرد، ومركب، ومفيد، وغير مفيد. والمركب إلى: خطاب، وغير خطاب. وبعض هذه الأقسام وإن كان من أحوال الدليل إلا أنه ليس من الأحوال التي يتوصل بها إلى استنباط الحكم كالأحوال النحوية والصرفية. فذكرها تطويل على الطالب، وقد توهم المصنف أنها أول مبادئ الدليل من اللغة، فقال: ( وما يصح المواضعة ) التي تسمى الاصطلاح ( عليه ) قسمان، لأن المواضعة إن صح أن تقع عليه، و ( لم يقع فهو المهمل ) نحو: كادث، ومادث، ( وإن وقعت، فهو المستعمل ) وفيه بحث، لأن ظاهره يقتضي أن المجاز يستلزم الحقيقة، وقد صرحوا بأنه يجوز أن لا يستعمل اللفظ فيما وضع له، فيوجد المجاز بلا حقيقة ( وتسميان كلاما عند جمهور الأصوليين ) خلاف ما اصطلح عليه النحاة من اختصاص الكلام بما تضمن كلمتين، بالإسناد، لأن الأصولي إنما يلاحظ مدلولات اللفظ شرعا، وهو هنا أعم من المعنى النحوي،يتفرع عليه الخلاف في مثل: " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ". [ والكلام، لغة: يرادف اللفظ الذي يطلق في أصلها على حرف واحد، وإن اشتهر في عرفها عدم إطلاق الكلام إلا على المركب من حرفين فصاعدا ]. والحق أن المسألة لغوية، ودلالة الدليل على المراد عقلية.
( وينقسم المستعمل إلى: مفرد، ومركب ) وسيأتي رسمهما ( والمفرد ) ينقسم ( عند جمهور الأصوليين والمتكلمين، إلى: مفيد ) لماهية مخصوصة كالكليات ( وهو حقيقة، ومجاز كأسد للسبع والرجل الشجاع، وإلى جار مجرى المفيد، وهو الموضوع بإزاء أمر لا يختص بذات، دون أخرى كشيء ) ومعلوم وجهول، ومذكور، ونحوها.

(1/18)


وظاهر كلامهم أنه لا يكون إلا حقيقة لأن المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له، وهذه الألفاظ لا تختص بشيء دون شيء، فلا مجاز لها ( ولا يجوز تغيرهما ) بأن يتناول كل منهما غير مسماه ( واللغة بحالها ) لم يتغير ( وإلى غير مفيد، ولا جار مجراه، وهو كالعلم ) لأنه لم يفد ماهية، وإنما وضعه لمجرد تمييز شخص عن شخص. قيل: ولهذا يصح وضعه، لجميع الأشياء، على البدل ( ويجوز تغيره، واللغة بحالها ) . أي: واحدة، لأنه باعتبار وضعه العلمي، مما لا يختص بلغة، دون أخرى، بخلاف القسمين الأولين.
وههنا بحث، وهو أن المراد باللغة، المنسوب إليها، التغير وعدمه، إن كانت جميع ما ينسب من الألفاظ، إلى صنف، من أصناف الإنسان، كالعرب، والروم، والزنج، بمعنى، أن لفظا من الألفاظ المستعمل لها ذلك الصنف في معنى، إذا تغير معناه، تغيرت جميع لغة ذلك الصنف.
فهذا ما لا يدعيه عاقل، للعلم بأن بعض الألفاظ ينقل من معنى إلى آخر، في كل لغة، بحيث يهجر المنقول عنه، ولا يوجب ذلك تغير كل لغة بذلك الصنف، وإن كان المراد، أن يغير معنى اللفظ الواحد، تغير اللغة، في ذلك اللفظ، لا في غيره، فالعَلَم كذلك ضرورة، فالقياس إقامة، البرهان، على أن العلَم، ليس من اللغة، إن وجد برهان، نقلي، أو عقلي، لعدم انتهاض مثل هذا الفرق، ولا صحته.

(1/19)


( الإمام، وبعض الأصوليين، وأهل اللغة،والعربية: بل هما ) أي: مالا يختص بذات، دون أخرى، وما هو كالعلم، ( من المفيد، وليسا بمستقلين ) بالمقاسمة، للمفيد، لأن المراد بالإفادة إن كان هي التمييز للمسمى، فهو حاصل، في الجميع، وإن كان المراد إفادة صفة، أو حكم في المسمى بها، فالتعين في العلَم، وعدمه في الشيء، ونحوه، حكمان أفادهما الاسمان،كما أن الرجولية، صفة أفادها " رجل " ( والمركب، ينقسم إلى: خطاب، وغير خطاب، فالأول: ما قصد به المتكلم، إفهام غيره، معنى من المعاني ) [ هذا لا يشمل مثل: { إني وضعتها أنثى } لأنها لم تفده معنى، وإنما كان ذلك مجرد تحسر منها، فلو قال: توجيه الكلام، إلى حاضر، لشمله الرسم، على أن للخطاب تفسيرا، آخر، سيأتي، إن شاء الله تعالى ]. ( والثاني: ما جرى على رسم الدرس ) ، أو جرى على اللسان، من حديث النفس.
(فصل)
( والمفرد،عند النحاة ) قيد بذلك، لأنه ظن اختلاف الأصوليين، والنحاة في رسمه حيث رسمه الأصوليون باللفظ بكلمة واحدة، كما في المختصر، وشرحه.ورسمه النحاة بأنه ( ما لا يدل جزؤه على [ جزء ] معناه ) فمن أجل ذلك لم يصرح برسمه عند الأصوليين، مع أن المقام لهم، وهو بصدد بيان اصطلاحهم، وصرح بما هو معلوم من رسم النحويين، ولا فرق بينهما، وإنما خاف صاحب المختصر من الاعتراض الوارد على رسم النحاة، بهيئة ضَرَب، وضارب، فإن الهيئة، جزء من كل واحد منهما، وهي تدل في الأول، على الزمان، وفي الثاني، على الفاعل، والمادة في كل واحد منهما تدل على الحدث، فقد دل جزء كل منهما على جزء معناه، مع أن كلا منهما مفرد، فعدل، إلى تعريفه، باللفظ بكلمة واحدة.

(1/20)


ولما خاف الشارح، أن يفسر الكلمة، باللفظ المفرد، فيقع في صريح الدور، قال: ومعنى وحدة الكلمة، معلوم عرفا،يعني: معلومة،من عرف النحاة، ولا ينجيه ذلك، الهرب من الدور، لأن تعريف الكلمة باللفظ، المفرد، إنما كان لتبيين عرف النحاة، فيها، فلو توقفت معرفتها على معرفة عرفهم فيها، لكان دورا، آخر، ( والمركب، بخلافه ) في كل من الرسمين، فهو: ما لجزء لفظه [ دلالة ] على جزء معناه، أو ما لا يكون لفظا بكلمة، واحدة. وفي الآخر نظر، لاستلزامه، كون اللفظ بكلمتين، لا تركيب بينهما، نحو: " زيد، عمرو " مركبا، ولا يتصف مثل ذلك بالتركيب، وإنما يتصف بالمتعدد، المقابل للمتحد [ وكذا، يستلزم أن يكون النطق بحرف واحد مركبا، لصدق رسم المركب عليه ] ( فإن أفاد نسبة ) أي: أمكن، أن يفيدها، وإن لم يفدها المخاطب، فإنه كثيرا ما يقع الكلام لغير إفادة النسبة، كما في قوله تعالى: { إني وضعتها أنثى } كناية عن تحسرها، و " السماء،فوقنا " و " الأرض، تحتنا " تهكما بالمخاطب. وقوله: ( يصح السكوت ) من المتكلم ( عليها ) لتخرج النسب الإضافية، نحو: غلام زيد، والتقييدية، كحيوان، ناطق، والاشتقاقية، نحو: ضارب، ومضروب، ( فهو الكلام، وأقل ائتلافه، من اسمين ) نحو: زيد، قائم، ( أو من فعل، واسم ) نحو: قام زيد، وأشار بالقلة، إلى أنه قد يتألف من أكثر من ذلك، كالجملة، التي خبرها جملة، نحو:زيد أبوه قائم، [ وأما مثل: "يازيد "، فحرف النداء،ناب مناب الفعل، ولكن يرد عليه،مثل: لا رجل عند بني تميم، فإنه ليس بمقدر،حتى يقال: المقدر في حكم الملفوظ، لأن النفي للذات، لا للحكم، كما في التي بمعنى ليس.ولهذا، لا يؤثر الحرف، إلا في المنفي ]
(فصل)

(1/21)


( ودلالة المفرد ) تخصيص، المفرد بذلك، دون المركب مع أنه مما وقعت، المواضعة عليه، كما تقدم، مما لا ينبغي ( على ما وضع له ) حذف قيد التمام الواقع في تعريف الأقوام يخل عليه لأنه قد صحح أن دلالة التضمن وضعية، فيلزم أن تكون ( مطابقة كدلالة عشرة على خمستين و ) دلالة المفرد على جزئه أي: جزء ما وضع له دلالة ( تضمن ) لوقوع الجزء في ضمن الكل ( كدلالتها ) أي: العشرة ( على خمسة، و ) دلالة المفرد ( على لازمه ) أي: لازم ما وضع له: دلالة ( التزام كدلالتها ) أي: العشرة ( على كونها زوجا ) واللازم قد يكون لازما للاهية ’ باعتبار وجودها في الذهن، وباعتبار وجودها في الخارج، كالتحيز اللازم لوجود الجسم في الخارج، وقد يكون اللزوم غير بين، ويكون بينا، وبيانه على وجهين، إما أن يلزم تصور اللازم من نفس تصور الملزوم، كتلازم المتضايفين، أو يلزم من تصور اللازم والملزوم معا، الجزم بينهما باللزوم، كما بين العشرة والزوج ( والدلالة الأولى ) وهي المطابقية ( وضعية إتفاقا، والأصح في الثانية ) وهي التضمنية ( أنها وضعية ) بمعنى أن اللفظ دل على شيء دخل في الموضوع له، والكل ليس غير مجموع الأجزاء، وهذا ينبني على القول بتمايز أجزاء الماهية ذهنا، وخارجا، وأما على اقول بأن الماهية لا تمايز لأجزائها، بل هي كالمزاج الحاصل من تفاعل كيفيات متضادة، يحدث عنه كيفية أخرى، هي المزاج، فهي بسيطة لا جزء لها خارجا، ولا عقلا، كالصورة الحاصلة عن المادة، ولا شك في أن الصورة ليست من المادة، ولا المادة من الصورة، وإن كانا متلازمين، ففرق بين الوضع للاهية الحاصلة عن الأجزاء، وبين الوضع للأجزاء الحاصلة عنها الماهية، فإذن دلالة التضمن عقلية، كالالتزامية، كما علم في البيان، ولا تختلف الوضعية، ( وشروط اللزوم كونه ذهنيا ) يريد أنه لا يشترط اللزوم الخارجي، ولهذا قال: ( وإن لم يكن خارجيا في الأصح ) والأولى أن يقال: ولا يشترط في اللزوم كونه

(1/22)


خارجيا، لأن ظاهر عبارته تقتضي اللزوم الذهني أعني: البين الذي تقدم تفسيره، وذلك غير مشترط في الدليل لأن أكثر دلالته بالقرائن على لوازم خفية،من المجازات، والكنايات، ولهذا قالوا في البيان: ولو لاعتقاد المخاطب لعرف أو غيره ( وقد تسمى الثلاثة وضعية ) أما المطابقية والتضمنية فما عرفت آنفا، وأما الالتزامية فلأنه لولا وضع اللفظ للملزوم لما فهم منه اللازم، وذلك معنى نسبتها إلى الوضع. واعلم أن معنى نسبة الدلالة إلى الوضع كونها حاصلة من نفس الوضع، وبطلان ذلك ضروري للقطع بأنا نسمع موضوعات في اللغة، ولا نعرف معناه إلا بمعرف غير الوضع، والعرف للوضع إن كان طبع اللفظ فباطل، كما سيأتي في الرد على عباد، وإلا لما تخلف الفهم عن سامع، وإن كان المعرف لفظا آخر موضوعا، فهو مفتقر إلى معرف لوضعه. والمعرف إن كان طبعا فباطل، وإن كان لفظا موضوعا رجع الترديد، ولزم إما التسلسل أو الدور.
ولا يقال: نعلم القدر المحتاج إليه في الوضع بالترديد، والقرائن، وما عداه بالوضع، لأنا نقول: إذا كفت القرائن والترديد في القدر المحتاج إليه [ فلم لا تكفي ] في غيره، لأن القرائن قد تكون حدسا وتجريبا، ومشاهدة، وعند ذلك يتضح كون دلالة الألفاظ كلها مفردها ومركبها عقلية بالقرائن ويندفع ما شكك به الرازي على دلالة الوضع وقد حققنا هذا البحث في شرح العصام، تحقيقا لا تجد محيصا من قبوله الأفهام
(فصل)
نذكر فيه شيئا من أحكام الوضع.

(1/23)


فاعلم أولا أنهم قسموا الوضع نفسه إلى شخصي، وكلي، والموضوع له إلى: شخصي، وكلي أيضا. فالأعلام وضعها شخصي، وموضوعها شخصي اتفاقا. [ ونحو: رجل، وفرس، مما الموضوع له ماهية مشتركة، وضعها شخصي، وموضوعها كلي اتفاقا ] والحروف والمضمرات، وأسماء الإشارة، والموصولات ونحوها، ذهب البعض إلى أن وضعها كلي، وموضعها شخصي، وذهب البعض إلى أنهما كليان، وإنما يتشخص المعنى بالاستعمال، لا بالوضع [ وكذلك وضع المركبات، نحو: تقديم المضاف على المضاف إليه، والفعل على الفاعل، ونحو ذلك من أوضاع هيئات التراكيب، والمشتقات، والجموع، ونحو ذلك ].
إذا عرفت هذا فقول المصنف: ( وهو أي: المفرد، والمركب، موضوع للمعنى الخارجي ) ليس على إطلاقه في كل موضوع لأنه إنما يتمشى في العلم، لأن مدلوله شخصي، وكل شخصي فهو خارجي باتفاق الحكماء، وكذا يتمشى في المضمرات، وما ذكر معها على من يرى أنهما موضوعة للمتشخص، وإن كان وضعها كليا، وأما إذا كان الوضع للكلي فإنما يتجه القول بأن الوضع لخارجي على قول من رى أن الكلي الطبيعي، موجود في الخارج، مستدلا بأنه جزء من كل فرد من أفراده الموجودة فإذا كان الكل موجودا كان جزؤه موجودا، وقد أجيب بمنع أن الكلي جزء من الكل، وإنما جزء الكل فرد من الجنس الكلي، لا نفس ماهية الحنس الكلية، وإلا لزم تعددها، والاتفاق قائم على اتحادها، فمن هنا جزم أكثر الفلاسفة، والمتكلمين بأن لا وجود لها إلا في الذهن.
وإلى هذا التحقيق يرجع دليل قوله: ( وقيل ) هو موضوع ( للذهني، وقيل: للمعنى من حيث هو هو ) لا بشرط وجوده في الذهن، ولا في الخلارج، و [ هذا ذهني أيضا ].
وحاصل الفرق بين الأقوال الثلاثة: أن الوضع في الأول للماهية [ بشرط وجودها في الخارج ] وفي الثاني بشرط لا وجودها فيه، وفي الثالث لا بشرط أحدهما.

(1/24)


وإذا أحببت تحقيق هذا المقام فعليك بشرحنا لرسالة الوضع لعضد الدين رحمه الله [ تعالى ] ( ولا يجب أن يوضع لفظ لكل معنى ) فيه إيهام والأولى:" ولا يجب أن يوضع لكل معنى لفظ لأن الغرض من الوضع تمييز المعنى في الذهن، وكما يحصل بالمفردات، يحصل بالمركبات الإضافية، نحو: ريح المسك، والتقييدية، نحو: حيوان ناطق، فلا يتحتم المفرد [ لكن لا يخفى وجوب ذلك عند من يرى أن المركبات موضوعة، فإن التركيب الخاص موضوع للإضافة الخاصة، فول قال: ولا يجب أن يوضع لكل معنى لفظ مفرد لاندفع اٌلإيراد ].
وقوله: ( إلا فيما دعت الحاجة إليه ) [ استثناء منقطع ] لأن الموجب للوضع هو الحاجة إلى الدلالة على المراد ( ووضعه ) يجب أن يكون ( للمعنى الجلي ) في الأذهان ( لا الخفي ) . إعلم أن الحقائق الوضعية تختلف لاختلاف الاصطلاحات، فرب معنى وضعي في نهاية الجلاء في اصطلاح، وهو في آخر في نهاية الخفاء، وذلك من الضرورة بحيث لا شبهة فيه، فإن أراد المصنف وجوب جلاء كل موضوع في كل ذهن فمما لا ينبغي أن يسمع، وإن أراد الجلاء في أذهان أهل اصطلاح الموضوع، فمسلم. ولا حاصل لذلك، لأن الخفي ينجلي بالمواضعة عليه، فقوله: ( إلا على الخواص ) إلى آخره كلام يشبه الهذر ( كما يقول مثبتوا المعاني ) الموجبة للصفات ( الحركة معنى يوجب تحرك الذات ) أي: يوجب وصف الذات [ بأنها ] متحركة. ( ولذلك ) أي: لأجل أن الوضع لا يكون إلا للمعنى الجلي ( ضعف استدلال الأشعرية على إثبات أن صفات الله تعالى من المعاني القديمة ) مستدلين بنحو: ( أنزله بعلمه ) حيث أضيف العلم إلى ضمير ذات الله تعالى. قالوا: فلو كان العلم نفس الذات لزم إضافة الشيء إلى نفسه.

(1/25)


وحاصل التضعيف لقولهم: إن العرب لا تفهم من قولهم: فعل هذا باطلاعي وعلمي إلا أنه فعل مقترنا فعله بأني مطلع، عالم،لا أنه فعل هذا معرنا فعله معنى حاصل لي يسمى علما [ لأنهم لا يعرفون ذوات المعاني التي أثبتها المتكلمون فهي عندهم في نهاية الخفاء ].
واعلم أن دفع كلام الأشاعرة بمثل هذا، مما لا ينتهض بعد الاعتراف بصحة قياس الواجب على الممكن، وأن العلم في الممكن معنى بالاتاق كما سيأتي في المشتق أنه موضوع لذات باعتبار معنى كما لا ينتهض استدلال الأشاعرة بإضافة العم إلى الذات على التغاير، لأنه معارض بمثل نفسه، وذاته،،" سعيد كرز " ونحو ذلك، ولا قائل بالتغاير.
نعم مرجع استدلال الأشاعرة إلى معنى الباء، أعني: المصاحبة، فإن مثل: "أنزله بعلمه "، إنما يكون خطابا لمن يتوهم الغفلة، ولهذا وقع تأكيدا للشهادة قبله التي معناها العلم بالمشهود به، ولا معنى لجعل العم حينئذ بمعنى الذات، ولا بمعنى صفتها، أما الذات فلأنه يصير في قوة: أنزله بنفسه، وذلك إنما يقال في خطاب [ من يتوهم ٍ] أن المنزل غيره، على أنه ينافي قوله: ( قل نزله روح القدس ) ونحوها، وأما صفتها فلأنها معنى اعتباري، والمصاحبة إنما تكون بين وجوديين ] وأما جعل علمه بمعنى معلومه، وهو تأليفه الخاص فمع أن العلم بمعنى المعلوم مجاز، ولا يستعمل إلا فيما يطلب من العلوم الصناعية، وغيرها يكون حاصله إيراد المؤلف متلبسا بتأليفه، ولا فائدة في ذلك ].
(فصل)
يذكر فيه معنى وصف الكلام بالحقيقة والمجاز. ولو أخره إلى بحث الحقيقة والمجاز، لكان أولى فقال.
( أئمتنا والمعتزلة واللغويون والنحاة والكلام حقيقة في المسموع مجاز في غيره كالنفساني، وهو ) أي: النفساني ( تصور الكلام، فأطلق على التصور مجازا ) مرسلا ( تسمية باسم ما يؤول إ ليه ) كما يقال للعصير خمرا، لأنه يؤول إلى الخمر.

(1/26)


( الأشعرية: بل هو معنى قديم في الغائب ) وهو الله تعالى، ولو قال: الخالق لكان أولى لأن الله تعالى لا يجوز عليه الغيبة ولا يوصف بها ( محدثا في الشاهد ) وهو الإنسان، والكلام على القدم والحدوث دخيل في أصول الفقه، لا سيما في أثناء بيان المعنى الحقيقي من المجازي، ولا ينبغي الاشتغال بالاستدلال على أحد الأمرين، لأن موضعه الكلام ( ولفظه مشترك بينه وبين المسموع ) يتعين أحد معنييه بإضافته إل ى من هو له، والقياس كونه مشككا كالوجود،والعلم، لأن الأولية، والأولوية لا توجب الاشتراك كما علم. ( وعن بعضهم حقيقة في النفساني مجاز في غيره،واتفقوا على أن كلام الأصولي على المسموع ) يريد على معنى المسموع من كلام الله [ تعالى ] [ المخلوق في قلب الملك ] لأن المسموع نفسه صوت القارئ، ولييس هو الدليل الذي هو موضوع الأصول [ بالاتفاق ] وإنما الدليل معناه أعني المحكي لا الحكاية ( وفي تسمية الكلام في الأول خطابا خلاف بينهم ) ينبني على تفسير الخطاب، وسيأتي ذلك في مسألة تعلق التكليف بالمعدومين إن شاء الله تعالى.
(فصل)
( وينقسم ) الكلام ( إلى خبر، وإنشاء ) إن أراد أن المنقسم هو الكلام النحوي، كما هو الظاهر، فخلط للاصطلاحات، وإن أراد الأصولي، فهو أعم من الخبر، والإنشاء، كما تقدم. ( لأنه إما أن يكون لنسبته خارج في أحد الأزمنة الثلاثة ) الماضي، والحال،والاستقبال ( أولا ) يكون لنسبته خارج.

(1/27)


إعلم، أن ليس المراد بالخارج: الخارج عن النفس، وإلا لخرجت تنسب أفعال القلوب، نحو: علمت، وظننت، وألفاظ العقود، نحو: بعت، وشريت، عند من يجعلها أخبار [ وكذلك النسب المستقبلة، والنسب المخالفة للاعتقاد، والواقع التي هي كذب بالاتفاق ] بل المراد بالخارج: الأمر الزائد على النسبة المتصورة، وهو إيقاعها، أو انتزاعها المسميات بالإيجاب والسلب، والحكم أيضا،فإن النسبة هي: مورد الثلاثة، والثلاثة خارجة عنها، وإذا أحببت تحقيق ذلك فعليك بمختصرنا وشرحه.
( الأول الخبر، والثاني: الإنشاء، ويسمى ) الإنشاء: ( تنبيها ) لتنبيهه المخاطب على ما عند المتكلم. وتسمية الإنشاء كله تنبيها، خلاف المشهور، تفرد به صاحب المختصر، والمشهور أن التنبيه هو ما عدا الطلب بأنواعه، أو ما عدا الأمر والنهي.
( وينقسم الخبر إلى: صدق، وكذب، ولا غيرهما خلافا للجاحظ ) فأثبت الواسطة بينهما، وسيأتي تحقيق ذلك في باب الإخبار إن شاء الله تعالى ( والإنشاء، إلى: أمر، ونهي، واستفهام، وتسمى: استخبارا ) لأنه طلب للخبر من الخاطب كما أن الاستفهام طلب الفهم منه. ( وإلى: تمن، وترج، وعرض، ونداء، وغيرها ) كالعجب، والمدح، والذم، وقد عرفتها في النحو.
(فصل)
يذكر فيه ما يتميز به كل من أنواع الكلام عن الآخر، وما به يحصل المتميز.
وهو دخيل ف الأصول لا حاجة للمستدل بالدليل الشرعي إليه بعد تصوره الأنواع برسومها. فقال:

(1/28)


( جمهور المعتزلة: ولكل منهما حكم ) خارج عن ذاته، فإن الأحكام خارجة عن الذوات كالخاصة المقولة في جواب:أي شيء هو ؟ ولهذا قال: ( يتميز به عن الآخر ) فإن المميز إما جزء من الذات كالفصل، ولا يكون إلا جزءا للموجودات الطبيعية، والكلام ليس منها، وإما خاصة وهي المراد هنا، وحصول ذلك المميز ( معلل بالفاعل ) أي: المتكلم ( بواسطة الإرادة ) يريد أن العلة إرادة الفاعل، لا أن الفاعل نفسه هو العلة من غير إرادة ( المنصور، والإمام يحي، والملاحمية: لا حكم لهما ) وإنما يتميز كل منهما عن صاحبه بالقرائن، ولهذا يأتي الخبر بمعنى الإنشاء، نحو " اتقى الله امرؤ" والإنشاء بمعنى الخبر نحو: " أحسن بزيد " على رأي، وغير ذلك مما عرف في النحو. ( الشيخ: للخبر حكم ) لأن له خارجا ( دون الإنشاء ) والأحكام والخواص إنما تكون لما له خارج، وهذا وهم لأن النزاع في اللفظ [ وما في النفس عند الأشاعرة ] لا [ في ] ما في الخارج، والخبر والإنشاء سواء في الوجود اللفظي [ والنفسي ] ( واختلف في ) المؤثر في وجود الحكم الذي يتميز به كل نوع عن الآخر، ولا نقل لاختلاف العلماء إلا في علة ( الأمر ) أعني ( لماذا كان أمرا ) يتميز عن سائر أنواع الكلام ( فالأقلون لا يعللون ذلك ) بغير وضع الصيغة، [ وهو غلط نشأ من اشتراك لفظ أمر بين الصيغة كما هو اصطلاح النحاة، وبين معناها الذي هو اصطلاح الأصول ].
( والأكثرون: بل يعلل، فالبغدادية، والفقهاء لذاته ) كما قال عباد بن سليمان الصيمري: أن دلالة اللفظ على معناه لذاته، وسيأتي [ ما يناسبه في كلام بعض الأشاعرة ].

(1/29)


( الإمام والبصرية: بل ) إنما كان الأمر أمرا ( لإرادة المأمور به ) وقالت ( الأشعرية ) : للإرادة أيضا، كالبصرية، لكن لما كانت إرادة الله الشيء تستلزم عندهم وقوعه إذ لا يقع في ملكه ما لا يريد على رأيهم، لم يحكموا بأن المؤثر في كونه أمرا إرادة المأمور به للقطع بأنه يأمر بشيء ولا يقع، فحكموا بأنه إنما كان أمرا ( لإرادة كونه أمرا ) [ على أن هذا إنما يتمشى على رأي بعضهم أنه لا يسمى أمرا في الأزل، ومن قال به لم يعلل، لأن كونه أمرا ثابت لذاته، لا لعلة لأنه قديم، والقديم ثابت لا لعلة، فلايتمشى ذلك التعليل في كلام البشر ].
(فصل)
( والمفرد ) إ، أريد: مفهوم "م ف د " فهو متحد دائما، فلا ينقسم إلى متعدد، وإن أريد ما صدق عليه، فهو لا يصدق إلا على واحد أيضا على البدل لا على الجمع، والواحد لا يتعدد، وحينئذ تعلم أن قولهم ( إما أن يتحد، ويتحد مدلوله ) صحيح، لا قولهم: ( أو يتعددا ) لما عرفت من عدم تعدد الواحد، ويصح قولهم: ( أو يتحد، ويتعدد مدلوله ) لإمكان ذلك في المشترك، دون قوله: ( أو عكسه ) لما عرفت من عدم تعدد الواحد أيضا، ولو جعل مورد القسمة هو اللفظ دون المفرد لجرى فيه ذلك التقسيم.

(1/30)


( فالأول ) وهو متحد اللفظ والمدلول، ولا اختصاص له بالتقسيم الآتي لأنه يجري في الأقسام الأربعة، أعني: أن كلا منها ( إن منع تصور معناه الشركة فيه ) أي: لم يجوز العقل كون معناه مشتركا بين كثيرين ( فجزئي حقيقي. كزيد ) فإن من فهم معنى زيد لم يجوز عقله صدق هذا اللفظ على كثيرين ( أو إضافي ) عطف على حقيقي، أي: أن جزئيه بالإضافة إلى غيره، وإلا فهو كلي بالنظر إلى نفسه ( كالنوع ) مثل: الإنسان، فإنه جزئي ( باعتبار ) الإضافة إلى ( النفس ) وهو الحيوان، مثلا، وإن كان كليا بالنظر إلى شموله لأفراد كثيرة، لكن المصنف قد جعل مقسمه ما منع تصور معناه الشركة، ولو ترك هذا الفصل لكان أجمل به ( وإلا ) يمنع تصور معناه الشركة فيه ( فكليل، والكلي، قسمان: متواطئ ) [ أي: غير مختلفة أفراده لأن التواطؤ، عدم الاختلاف، ولهذا قال: إن استوى ] ولو قال: إن استوت أفراده لكان أولى، لأن التواطؤ، إنما هو لأفراد الكلي لا له، ( ومشكك ) بكسر الأولى، أي: موقع للنظر في الشك، هل هو متحد المعنى أو متعدده، وإنما يكون مشككا ( إن تفاوتت ) أي: تفاوتت أفراده بأولية أو أولوية ( كالوجود ) الذي معناه نقيض العدم، وهو أمر متحد إلا أنه ف الخالق أسبق، وهو به أحق لأن وجوده من ذاته، ووجود غيره منه، فهو أول متصف بالوجود، وأولى به.
واعترض بأن الخصوصية الزائدة في أحد النوعين إن كانت مأخوذة لتقويم ماهية المشترك، أعني: الجنس، لم يشاركه، ما لميكن فيه تلك الخصوصية في الجنس قطعا لا تشكيكا، وإن لم تكن لتقويم الجنس، فلا تفاوت في الجنس، وإن تفاوتت أنواعه، فذلك لا يمنع التواطؤ كتواطؤ الإنسان، والفرس، في الحيوانية.

(1/31)


وأجيب بأن الخصوصية مأخوذة في ماهية النوع دون ماهية الجنس، فهي متحدة، وهو ساقط، لأنه غير ما ردد فيه المعترض،ولأن تفاوت الأنواع بفصولها لا يوجب عدم تواطؤها في جنسها المشترك ( ثم هو ) أي: الكلي ( ذاتي ) أي: تقوم به الذات، فهو جزؤها ( وعرضي ) أي: خارج عنها، عارض لها، والذاتي، الجنس، والفصل ( كحيوان ) وناطق، في حد الإنسان، والعرضي، الخاصة، والعرض العام، كضاحك ( ومتنفس ) إلا أن الخاصة تميز الذات، وإن لم تقومها، والعرض العام لا يميزها ولا يقومها، فلا يستعمل في التعريفات، ولهذا المقام تفاصيل محلها في غير هذا العلم.
( والثاني ) وهو متعدد اللفظ والمعنى ( المباين ) لو قال: المتباين لأنه وصف الأمرين، والمباين وصف أحدهما ( كأسد وثور وفرس ) جوامد متباينة ( ومفترس، وصاهل، وحارث ) مشتقات متباينة، والتمثيل باثنين كاف عن الثالث.
وأما تقابل شيء وصفته، نحو: أسد، ومفترس، وثور، وحارث،وفرس، وصاهل، فقيل: متباينة، أيضا، وإن تواصلت، بناء على أن الوصف مباين للموصوف، فإذا اشتمل عليه أحد اللفظين كان مباينا به للآخر، وهذا خلاف ما عليه أئمة المعقول من أن الأعم لا يباين الأخص بل يلازمه.
( والثالث ) وهو متحد اللفظ، متعدد المدلول، والمراد بالمدلول: ما نهو أعم من الوضعي، والاستعمالي. ( إن كان حقيقة في ) جميع ( مدلولاته، فمشترك، كنظر ) للإبصار، والفكر ( وناظر ) للمبصر، والمفكر، أحدهما مشتق، والآخر جامد ( وإلا ) يكن حقيقة في جميع مدلولاته ( فحقيقة ) في أحدها ( ومجاز في الآخر ) كبحر، للماء، والكريم، ( وزاخر ) لهما، مشتق، وغر مشتق، وهذا مبني على استلزام المجاز الحقيقة، وقد صححوا خلافه، فيصح أن يكون المعنيان مجازين.

(1/32)


( والرابع ) وهو ماتعدد لفظه، وتحد مدلوله، يسمى ( المترادف ) لأن الترادف: التساوي، والفرق بين التساوي في المتواطئ، وفيه: أن تساوي المتواطئ في اللفظ بحيث يطلق على كل فرد من أفراد المعنى، وتساوي المترادف في المعنى بحيث يطلق عليه كل من الألفاظ، كقعود، وجلوس، جامدان، وقاعد، جالس، مشتقان.
( وكلها ) أي: الأقسام الأربعة ( مشتق، وغير مشتق ) وقد عرفت أمثلتهما في كل قسم. وسيأتي لكل منها بحث آخر.
(فصل )
( والعلم: ما وضع لمعين ) في الخارج أو في الذهن ( لا يتناول غيره، بوضع واحد ) ليخرج ما وضع لمعينين بوضعين، فإنه إنما يتناول كل واحد منهما بالوضع الذي يختص به ( فإن كان التعيين ) صوابه: المعين له ( خارجيا، فعلم الشخص، كزيد، وإلا ) يكن التعيين خارجيا، بل ذهنيا ( فعلم الجنس، كأسامة ) في أعلام أجناس الأعيان، وفجار ، في أعلام أجناس المعاني.
واعلم أن تعريف علمية الجنس، لفظي، كتعريف [ لام ] العهد الذهني في نحو: ادخل السوق، ليس الفائدة فيهما إلا ذهاب التنوين، وإلا فهما نكرتان، كالجنس، وستعملان فيه أيضا، قال:
ولأنت أشجع من أسامة إذ دعيت نزال ولج في الذعر
يريد: أنت أشجع من أسد، لا من الماهية، الموجودة في الذهن،كما زعم الاندلسي، وابن الحاجب، أن معنى: علم الجنس، هو الماهية بشرط لا وجودها، ليمتاز عن الجنس الذي هو للماهية لا بشرط وتجودها ولا بشرط لا وجودها ( فإن سبق له ) أي: العلم ( وذع في النكرات، فهو المنقول ) لمناسبة بين المنقول والمنقول إليه حقيقة، أو ادعائية " كأسد " إذا جعل علما ( وإلا ) يسبق له وضع في النكرات ( فهو المرتجل، كعمران، واسم الجنس ما وضع لشيء لا بعينه، كرجل ) كلام ظاهري، وإلأا فالوضع مستلزم تعين الموضوع له، ضرورة.

(1/33)


والتعيين إما في الخارج كما في الأعلام المشخصة.، في الذهن كما في علم الجنس، واسم الجنس إذ هما اسمان لمعنى واحد، لا فرق بينهم إلا بما قدمناه لك، ولكن أفراد الجنس لما تعددت في الخارج وأطلق اسم المشترك على كل منها، أشبه اسم المشترك الاسم المشترك في أن كلا منهما أطلق على أمور متمايزة في الخارج، ومن ذلك توهم البعض أن الوضع لما في الخارج، وقد تقدم تحقيق ذلك.
(فصل)
( والمشترك ) هو ( اللفظ الواحد ) احترز بالواحد عن المتباين نحو: فرس، وأسد، فإنه من ( الموضوع ) لحقيقتين، وهو وهم لأن المجموع من حيث هو مجموع ليس موضوعا رأسا، ولا كل واحد من جزئيه موضوعا ( لحقيقتين، فصاعدا ) واحترز بالحقيقتين عن مدلول الأعلام، فإنه لا يسمى مشتركا، بناء على أنه بصدد الأوضاع اللغوية، والأعلام ليست من اللغة، وقد تقدم تحقيقه.
( أئمتنا، والجمهور: وهو ممكن عقلا، واقع لغة ) كالقرء للحيض، والطهر، ( وشرعا ) كالصلاة،للخمس، والجنازة ( وأوجب قوم وقوعه ) لأن المسميات غير متناهية، والألفاظ مركبة من الحروف المتناهية، والمركب من المتناهي متناه، فإذا كانت الألفاظ متناهية، والمعاني غير متناهية، وجب تشارك المعنيين فصاعدا في لفظ واحد، وإلا لخلت أكثر المعاني عن الدلالة عليها.

(1/34)


والجواب: منع عدم تناهي المعاني المختلفة، وأما المتماثلة، فالوضع لما اشتركت فيه من المعنى الكلي، كاف لصحة إطلاق الكلي على كل من أفراده، ولو سلم عدم تناهي المختلفة، فإنما يحتاج إلى الوضع له، ولو سلم الحاجة إلى الوضع لما لا يعقل، فلا نسلم أن المركب من المتناهي ماناه، فإن أسماء العدد مركبة من اثني عشر اسما، وهي لا تتناهى،ولو سلم تناهي المركب من المتناهي، فلا نسلم خلو أكثر المعاني عن الدلالة عليها، لإمكان الدلالة عليها بغير وضع شخصي من إضافة، نحو: ريح مسك، وحركة فلك، وذلك من دلالة التركيب، لا المفرد،فإن أردتم بالوضع الواجب ما يعم وضع المركبات والمجازات فلا نزاع، وإن أردتم الوضع الأخص فلا حاجة إليه. ( ونفاه ثعلب، وأبو زيد، والبلخي، والأبهري، مطلقا ) أي: ف اللغة، والشرع، لأن الغرض من الوضع، تفهيم المعنى، والاشتراك،مخل بالتفهيم.
والجواب: أن الغرض من الفعل لا يجب أن يحصل بحصول الفعل، فقد يوضع اللفظ ولا يستعمل، وقد يستعمل ولا يدل، لجواز عروض مانع من الدلالة، أو فوات شرط كالعلم بالوضع، وأيضا إنما يتوجه الدليل على تقدير كون الواضع واحدا.أما معم جواز تعدده كما سيأتي، فلا محذور. لجواز النقل مجازا،ثم يشتهر فيقع الاشتراك بغير إرادة الواضع.
وقد أجبت بمنع عدم حصول الفهم مع الاشتراك مسندا بأنه يحصل بالقرائن، وفيه: أن المدعى منافاته الغرض لا منافاته الفهم، وهذا الجواب لا يدفع منافاته الغرض،وكذلك الجواب بالقياس على أسماء الأجناس، لما علمت من أن الأجناس موضوعة لمعنى واحد مشترك، وإن وجد ف كل فرد من أفراده بخلاف المشترك اللفظي ( وقوم ) نفوه ( في القرآن، وقوم ) نفوه ( فيه، وفي السنة ) لأنه إن وقع فيهما غير مبين. لم يفد، وإن اقترن ببيان، كان تطويلا، لا حاجة إليه، لإمكان تأدية المعنى بغير مشترك.
وحاصله: وقوع ما لا فائدة فيه، أو ما لا حاجة إليه.

(1/35)


والجواب: بمنع التطويل، لحصول البيان بالقرائن العقلية،من السياق، والمقام، فإنهما لا يخلوان من قرينة المراد.
وأما الجواب بالقياس على الأجناس،فقد تقدم ضعفه. وكذا، الجواب بأن الفائدة في وقوعه في الأحكام، هي الاستعداد للعمل عند حصول البيان، لأن الاستعداد موجود في كل مؤمن، فهو طلب تحصيل الحاصل. (والرازي ) نفى وقوعه ( بين النقيضين ) لأنه إذا وقع فيهما فإن حمل على جميع معانيه،أدى إلى التكليف بالجمع بين النقيضين، وإن حمل على أحدهما أدى إلى الإغراء بنقيض المطلوب، وضده،مثل: لا تطلق في القرء، فيفهم المكلف المنع من الطلاق في الطهر،وجواز التطليق في الحيض، وهو نقيض التحريم،إذ لا يجتمعان، ولا يرتفعان، أو يفهم وجوبه في الحيض أيضا، وهو ضد المراد إذ يرتفع الوجوب والتحريم بالجواز، وإن لم يحمل على شيء أدى إلى عدم إفادة الخطاب،بخلاف الاشتراك بين غير الضدين،والنقيضين، فإنه يحمل على الجميع،كما قال الشافعي: ولا محذور.
والجواب:أن المنع من وقوعه بين النقيضين، إن كان منعا للوضع، فقد تقدم، وإن كان منعا للاستعمال، ولو مع قرينة المقام، والسياق، فمنع لغير مانع، وإن كان منعا للاستعمال مع غير قرينة، كما ينبغي أن يكون هو المدعى، فمسلم، لكن لا نسلم خلو المقام،والسياق من قرينة المراد.

(1/36)


ولنا وقوعه، والوقوع فرع الجواز في القرآن وفي غيره، بالأولى، نحو: "ثلاثة قروء " مع إجماع أهل العربية إلى أن القرء للطهر، والحيض معا على البدل.واحترزنا بقولنا:" معا " عن المنفرد، لأنه لواحد بعينه، وبقولنا: " على البدل " عن المتواطئ، لأنه للقدر المشترك. قالوا: اعتبار البدل في المشترك، إن كان في الوضع، فباطل لأن لواحد بعينه، فإن الاشتراك إنما يكون تعدد وضع، وإلا لكان للمشترك، أو باعتبار المشترك، وإن كان في الاستعمال فلا يفيد لأن الموضوع لأمر عام كذلك، في الاستعمال لواحد على البدل، فلم لا يكون موضوعا للمشترك بين المعنيين، أو لأحدهما حقيقة، وللآخر مجازا.
( وهو واقع، واقع ( إما بوضع اللغة فقط كشفق ) فإنه مشترك بين الحمرة، والبياض، في الأفق، ( أو العرف فقط كدابة ) في عرف للأتان، وفي آخر للفرس ( أو الشرع فقط، كالصلاة ) للخمس، وللجنازة، ونحوها، وسيأتي الخلاف في الحقيقة الشرعية ( أو باثنين منها ) أي: من الأوضاع الثلاثة ( الشيخ، وحفيده: أو بمجموعها ) .
إعلم ؛ أن المشترك حقيقة في كل من معنييه، والحقيقة تستلزم أن يكون المتكلم مستعملا له في وضعين هما من الأوضاع التي بها يخاطب كالصلاة في لسان الشارع فإنه يخاطب بموضوعها اللغوي، نحو: " وصل عليهم،"و "من كان صائما فليصل " أي: يدعو لأهل الطعام، ويخاطب بموضوعها الشرعي، والوضعان متساويان في أنهما من اصطلاحه، وكالكلمة في لسان النحوي المنطقي، فإنها للفعل، وما هو أعم منها، كلاهما من أوضاع خطابه.

(1/37)


وبالجملة لا يتحقق الاشتراك إلا إذا تحقق تعدد اصطلاح [المستعمل للفظ ] ) وذلك ) إنما يكون ( عند استواء استعماله فيها، وهو) أي: الاستواء ( بعيد ) بل لا بعد فيه كما ذكرنا ( ويكون بين ضدين ) وهما من الأوصاف ما يرتفعان عن المحل،ولا يجتمعان فيه " كجون " للسواد، والبياض، [ ( ونقيضين ) وهما من الأوصاف ما لا يجتمعان أيضا، ولا يرتفعان "كقرء " للطهر،والحيض ] ( ومختلفين ) وهما ما تغايرت ماهيتهما، وإن جاز اجتماعهما، كالسيد للمالك، والرئيس، وقد لا يجتمعان، " كعين " للجارية، والجارحة، " لا بين مجازين " فلا يقع " في الأصح ". ومنهم من جوزه، كما في لفظ " بحر " فإنه مجاز في الكريم، والعالم، والسابق من الخيل. وكلها متساوية فيه، فتكون مجازا مشتركا، وهو غفلة عن كون المجاز موضوعا [ باعتبار ] نوع العلاقة المشترك كالاتساع المشترك بين الثلاثة في المثال المذكور، فهو كالمتواطئ في الحقائق ( ويعرف ) الاشتراك ( بالنص ) من أئمة الاصطلاح الواحد ( عليه أو بالاستدلال بسبق الفهم عند إطلاقه ) أي: الموضوع ( إلى معنيين فصاعدا ) دفعة واحدة بحيث لا يسبق أحدهما الآخر [ ولا حاجة إلى ذكر السبق لأنه إنما يكون بين سابق ومسبوق، وسيأتي تحقيق البحث في مسألة ما تعرف به الحقيقة من المجاز ] [ إن شاء الله تعالى ] ( أو ) يعرف ( بحسن الاستفهام عنه ) أي:عن معناه المقصود من إطلاقه.

(1/38)


وفي تعريفه بمثل هذا نظر، لأن الاستفهام يحسن في الحقيقة، والمجاز، وفي المنفرد أيضا لغرابة في مدلوله الوضعي ( والفرق بينه وبين المتواطئ وإن كانت نسبتهما إلى مسمياتهما، نسبة واحدة ) وهي دلالة كل منهما على كل من أفراد الموضوع له بالوضع ( أن مسميات المتواطئ مشتركة في معنى يشملها ) مبني على ما تقدم من أن وضع المتواطئ للأفراد، وقد تقدم لك خلافه ( ومسميات المشترك، مشتركة في اللفظ فقط ) ومن يمنع الاشتراك يقول: بل هو موضوع للمشترك، فالجون موضوع للَون العام، للسواد،والبياض، لأنهما أصل الألوان كلها، والقرء لمجموع الأيام المعتادة للحيض، أو الطهر،لأنه من" قرأت الناقة لبنها في الضرع " أي: جمعته.
( أئمتنا، والجمهور: ويصح إطلاقه حقيقة على كل معانيه ) .
إعلم ؛ أن إطلاق المشترك على كل معانيه يتصور على أحد أربعة وجوه:-
أحدها: الوضعي، وهو أن يقال مثلا: اخرج عينا، ولا يراد به إلا واحدة من نوع واحد. وهذا الإطلاق يقع على كل من معانيه ضرورة.
ثانيها: أن يراد في الإطلاق الواحد،واحد من أي النوعين،كما يطلق " رجل " ويراد: عربي، أو عجمي، وهذا الذي ينبغي أن يكون مركز الخلاف.
وثالثها: أن يراد في الإطلاق، الواحد [ واحد من هذا النوع، وواحد من النوع الآخر دفعتين ].
ورابعها: أن يراد مجموع الاثنين من النوعين [ دفعة واحدة ]، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه،لأن المفرد لا دلالة له على مجموع أمرين حقيقة، ولا مجازا، وكذا الثالث أيضا، لأن ما مدلوله واحد لا يدل على واحدين دفعة كالمثنى،ولا دفعتين سواء كانا من جنس كرجل أو جنسين كعين.
نعم ؛ يدل على كل واحد منهما بدلا، وهو الوجه الثاني.

(1/39)


إذا عرفت هذا، فقد توهم كثير من المحققين كون [ الأخيرين ] مركز الخلاف، وبنى عليه المصنف قوله: ( غير المتنافية ) لأنه إنما يحتاج إلى التقييد به من أجل أنه لا يصح طلب الجمع بين النقيضين أو الضدين، نحو: اجعل هذا الثوب جونا، أي: أبيض وأسود. وأما على إرادة البدل فمرجعه إلى التخيير بين أحد المعنيين كالتخير بين آحاد المتواطئ، ولا محذور فيه، وسيأتي في كلام المانعين ما يمنعه.
وأما كونه حقيقة في المعنيين فقرروه بأن الواضع وضع اللفظ للمعنى المستعمل فيه سواء انفرد عن مشاركة [ في الوضع ] وكان معه، ولا يخفى أن ذلك محل نزاع الخصم، فإنه إنما وضع لفرد لا لفردين،كيف والوضع يستلزم الدلالة، ولا دلالة على الكثرة،[ وأيضا الاشتراك إنما يكون بتعدد وضع لا بوضع واحد كالمتواطئ، وتعدده يستلزم انفراد أحد النقيضين عن الآخر ]. وقوله: ( مطلقا ) يريد: أنه يصح ذلك لغة وإرادة.

(1/40)


( أبو هاشم،والكرخي، وأبو عبد الله: يمتنع مطلقا ) أي: لغة وإرادة، ومن اللغة المجاز، فلا يصح عندهم حقيقة،ولا مجازا، أيضا. [ أما الحقيقة فلما تقدم من الاتفاق على أنه إنما يكون بتعدد وضع، وكل من الوضعين كان لأحد المعنيين وإلا لاتحد الوضع،وهو خلاف الفرض، أو كان للقدر المشترك فيكون متواطئا، وأما المجاز ] فلأن المجاز يستلزم العلاقة،ولا علاقة بين الواحد المعين الذي وضع اللفظ له، وبين غير المعين الذي هو المعنى الثاني [من الأربعة ] إذ لا وجود له إلا في الذهن، وإنما صح إطلاق المتواطئ على غير معين، لأنه موضوع للماهية الموجودة في كل فرد بخلاف المشترك، فإنه ليس موضوعا لمشترك، ولو أريد الجمع بينهما على ما توهم في المعنى الثالث، والرابع، فلا علاقة بين الواحد ومجموع الاثنين لأن الاثنين المنفكين في الخارج ليسا كلا ولا كليا للواحد لعدم التركيب ذهنا، ولا خارجا،حتى يكون إطلاق اسمه عليهما من إطلاق اسم البعض، أو الأخص على الكل، أو الأعم لأنهما إنما اشتركا واتصلا في مجرد اللفظ وليس من العلاقة في شيء.
( الإمام،وأبو الحسين، والشيخ، وبعض الأشعرية: يصح من حيث الإرادة، لا اللغة ) لأن النفس تريد المحال، وتتشعب في أودية الخيال، وأما اللغة فإنها مبنية على المنقول المعقول ( وقيل: يصح في النفي والنهي دون الإثبات ) لأنه تصح دلالة المطلق المفرد في النفي على الكثرة للعموم الذي حصل من النفي بخلاف المفرد في الإثبات فلا يدل على الكثرة ( وقيل ) يصح ( في الجمع ) والتثنية، مثبتين أو منفيين ( خاصة ) لأنهما يدلان على الكثرة، ولا يستلزمان اتحاد ماهياتها، لأن المثنى والجمع وصف اللفظ، لا وصف المعنى، لأن "عينين " مثلا " ناب مناب "عين وعين" فكما يجوز اختلاف معناهما بكغير تثنية، يجوز اختلاف معنى ما ناب عنهما. (جمهور المتأخرين يصح مجازا ) . وهو غفلة، عما ذكرناه في دليل المانعين مطلقا.

(1/41)


إذا عرفت ما اختاره ( أئمتنا، والشافعي، وجمهور المعتزلة ) من صحة إطلاقه على كل معانيه غير المتنافية ( فيجب حمله على جميعها عند تجرده عن القرينة ) المعينة لأحد المعاني ( لظهوره فيها ) أي: في جميع المعاني ( كالعام ) فالعام، على هذا، قسمان: قسم متفق الحقيقة، وقسم مختلفها. ( فلا إجمال فيه ) لأن الظاهر غر مجمل ضرورة [ إلا أنه لا يبقى لتخصيص المشترك بالحمل على جميع معانيه وجه لصحة مثل ذلك في كل مجمل، فإن الإجمال إنما يحصل من كثرة المعاني، لأن ما لا معنى له مهمل لا مجمل، ولا يبقى أيضا لتخصيص غير المتنافية وجه، لأنه يصح تعليق العدة مثلا بالطهر والحيض معا فيلزمها ثلاثة أطهار، ثلاث حيض، ونحو ذلك فيرتفع باب الإجمال بالأصالة ].
واعلم أن صحة الإطلاق على الجميع إذا سلمت لا تستلزم الظهور، لأن الظهور إنما ينشأ عن كونه فيما استعمل فيه حقيقة، وقد تقدم ما عليه، أو عن كونه مقترنا بقرينة على المراد، وهو خلاف المفروض من التجرد عن القرينة.
( أئمتنا: ومنه ) أي: من المشترك: المحمول على جميع معانيه، غير المتنافية، لفظ " مولى " في ( حديث الغدير ) المشهور، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في علي كرم الله وجهه، بلفظ:" من كنت مولاه فعلي مولاه " فيحمل على جميع معاني المولى. ومنها: السيد، [ لكن النزاع [ إنما هو] فيما لم يقترن بقرينة [ تعين ] المراد. وخبر الغدير محفوف بقرائن جمة ليس هذا المقام لاستيفائها ].
( وقيل: يحمل على أحدها على البدل، فهو مجمل ) هذا تكرير لا حاجة إليه بعد ما تقدم مع أن فيه وهما أيضا، لأن الحمل على البدل غير مجمل بل من الظواهر كالتخيير بين آحاد المطلق، إنما الإجمال فيما إذا أريد به معين ولم يعلم ( وسيأتي ) في باب المجمل إن شاء الله تعالى.

(1/42)


وقلنا فيما تقدم: يحمل على جميع معانيه غير المتنافية " فأما المتنافية فيحمل عليها على البدل حتى يظهر دليل الرجحان ". قد عرفت أن الحمل على واحد على البدل غر مجمل كما في طلب واحد من آحاد المطلق [ وعرفت أن ذلك ينبني على توهم كون مركز الخلاف هو التقدير الرابع. كما تقدم، وإلا فلا تنافي على التقدير الثالث ].
( والخلاف في تثنيته وجمعه ينبني عند الجمهور على الخلاف في المفرد ) فمن جوز في المفرد إرادة المعنيين معا، جوز التثنية، والجمع، باعتبارهما، ومن منعهما، منعهما.
( ومختار أكثر متأخري النحاة: منعهما ) أي: منع التثنية، والجمع باعتبار المعاني المختلفة، ولهذا قال في الكافية ليدل على أن معه مثله من جنسه. وغلط الحريري في قوله:
جاد بالعين حين أعمى هواه عينه فانثنى بلا عينين
والحق أنه إنما امتنع في المفرد، لعدم دلالته على الكثرة كما تقدم، فأما المثنى والمجموع فيدلان عليها، وإن كانت من أجناس، كما تقدم.
(فصل )
(والحقيقة: لغة: الراية، ونفس الشيء ) كما يقال: الحيوان الناطق حقيقة الإنسان.
( واصطلاحا: اللفظ ) مبني عل أن المركبات موضوعة بالنوع، ليكون من اللفظ ( المستعمل في ما وضع له ) . والحق أن المتصف بالحقيقة والمجاز، إنما هو الموضوع للماهيات، وإلا لزم كون المجازات حقائق، لأنها موضوعة بالنوع، وقد خرجت عن تعريفه الحقيقة العقلية، لأنها من أوصاف النسبة الإسنادية لا من أوصاف اللفظ، الدال على النسبة، وقوله: ( في اصطلاح به التخاطب ) متعلق بوضع أي: المستعمل في الوضع الذي به التخاطب، فيخرج لفظ الصلاة، إذا استعملها [ الشرعي ] في الدعاء،فإنها وإن كانت مستعملة في شيء وضعت له لكنه ليس من الوضع الذي به يخاطب الشرعي، فهي فيه مجاز شرعي.

(1/43)


( وتنقسم إلى لغوية ) أي: من أوضاع أهل اللغة ( كأسد، للسبع ) المعروف ( وعرفية، عامة، وهي ما لا يتعين ناقلها ) عن أصل الوضع الأول، وظاهره أن العرفية، لا تكون إلا منقولة. والظاهر جواز كونها مرتجلة كالأعلام ( كدابة ) قصرت لذات الأربع بعد أن كانت لكل ما يدب، فقد نقلت من العموم إلى الخصوص، وفي كون ذلك نقلا نظر، لأنها من المعنى الأصلي، وهجر الاستعمال في البعض من معانيه لا يوجب كون ما لم يهجر منقولا إليه [ ولا كون اللفظ مجازا في المهجور، لعدم العلاقة في الأكثر وإن جاز أن توجد في بعض المحال، كما إذا كان المعنى المهجور لازما للمعنى الغالب ] [ وإن صار مجازا في المهجور ] إنما يتجه القول بالنقل في ما [ لو كان اللفظ موضوعا للكل من حيث هو كل ليكون ذلك من نقل اسم الكل إلى الجزء أو ] لم يكن من المعاني الأصلية، كبعض المجازات، أعني ما استعمل في اللازم الخارج ثم اشتهر فيه ( أو خاصة، وهي: ما يتعين ناقلها كاصطلاح أهل كل علم نحو الجوهر ) فإنه عند أهل الكلام، اسم للمتحيز ( الذي لا يقبل القسمة ) نقلوه إلى ذلك بعد أن كان في الأصل لنفس الشيء وذاته، وأمثال ذلك عند كل أهل فن، وقوم مخصوصين ( وشرعية كالصلاة للعبادة ) المخصوصة، وسيأتي الخلاف في الحقيقة الشرعية ( وإلى مفردة، وهي ما تفيد معنى واحدا،ومشتركة، وهي ما يفيد أكثر منه ) وقد تقدم الكلام في المشترك ( وإلى مشروطة، كالبلق ) للسواد والبياض الواقعين في الفرس والسحاب ( وتسمى ) الحقيقة ( المقيدة ) من باب "ضيق فم الركية " لأن التقييد إنما يكون بعد الإطلاق. ومن يجوز القياس في اللغة، لا يقيدها، وسيأتي ( وغير مشروطة، كطويل، وتسمى:المطلقة ) لإطلاقها عن التقييد بمحل دون محل.

(1/44)


واعلم أن تخصيص القسمة للموضوع إلى مطلق ومقيد، ومنفرد ومشترك مما لا وجه لتخصيصه من بين سائر الاعتبارات الراجعة إلى المعنى مثل: معرفة، ونكرة، وبسيطة، ومركبة، وحيوان، وغير حيوان، مما لا يتناهى.
( والحقيقة الشرعية ممكنة عقلا خلافا لعباد ) بن سليم الصيمري بناء منه على أن دلالة اللفظ لذاته، وما بالذات لا يتغير، وسيأتي تحقيقه.
( واختلف في وقوعها، فعند أئمتنا، والمعتزلة، وجمهور الفقهاء، أنها واقعة بالنقل، عن معانيها اللغوية، إلى معان مخترعة، شرعية، فما نقل منها إلى أصول الدين، فحقيقة دينية، كمؤمن، وفاسق ) [ الأول، كان في الوضع الأول ] للمصدق، وصار في الشرع لمن قام بالواجبات، واجتنب المقبحات. والثاني، للخارج، مما كان فيه كامنا، وصار لتارك واجب، أو فاعل، محرم، قطعيين.
( وما نقل منهما إلى فروعه، فحقيقة، فرعية، كالصلاة ) كانت في اللغة، للدعاء، ( والصوم ) كان في اللغة، للإمساك، عن الفعل مطلقا، وصار شرعا للإمساك عن الطعام، ( والزكاة ) كانت لغة، للطهارة، والنماء، فصارت لجزء من المال، ( والحج ) كان لمطلق القصد فصار شرعا لقصد البيت الحرام. ( الباقلاني، وبعض المرجئة: بل لم تقع مطلقا، بل هي باقية على حقائقها اللغوية، لم تنقل عنها ) لأنها في جزئيات منها، وإطلاق اسم الأعم على الأخص حقيقة بالوضع الأول، كرجل يطلق على زيد. قلنا: إنما تبقى حقيقة بالوضع الأول لو أطلق عليه لا بخصوصه، أما فيما نحن فيه، فقد صار اللفظ اسما للجزئيات بخصوصها، [ قالوا:صيرورتها اسما لبعض الجزئيات بخصوصها، فرع الغلبة فيه، ولا نسلم الغلبة، [ فيه ] في لسان الشارع، وإن وقعت الغلبة بعده لأهل عرف الشرع ].
متعلق بوضع أي: المستعمل في الوضع الذي به التخاطب، فيخرج لفظ الصلاة، إذا استعملها [ الشرعي ] في الدعاء. فإنها وإن كانت مستعملة في شيء وضعت له لكنه ليس من الوضع الذي به يخاطب الشرعي، فهي فيه مجاز شرعي.

(1/45)


( وتنقسم إلى لغوية ) أي: من أوضاع أهل اللغة ( كأسد، للسبع ) المعروف ( وعرفية، عامة، وهي ما لا يتعين ناقلها ) عن أصل الوضع الأول، وظاهره أن العرفية، لا تكون إلا منقولة. والظاهر جواز كونها مرتجلة كالأعلام ( كدابة ) قصرت لذات الأربع بعد أن كانت لكل ما يدب، فقد نقلت من العموم إلى الخصوص، وفي كون ذلك نقلا نظر، لأنها من المعنى الأصلي، وهجر الاستعمال في البعض من معانيه لا يوجب كون ما لم يهجر منقولا إليه [ ولا كون اللفظ مجازا في المهجور، لعدم العلاقة في الأكثر وإن جاز أن توجد في بعض المحال، كما إذا كان المعنى المهجور لازما للمعنى الغالب ] [ وإن صار مجازا في المهجور ] إنما يتجه القول بالنقل في ما [ لو كان اللفظ موضوعا للكل من حيث هو كل ليكون ذلك من نقل اسم الكل إلى الجزء أو ] لم يكن من المعاني الأصلية، كبعض المجازات، أعني ما استعمل في اللازم الخارج ثم اشتهر فيه أو خاصة، وهي: ما يتعين ناقلها كاصطلاح أهل كل علم نحو الجوهر ) فإنه عند أهل الكلام، اسم للمتحيز ( الذي لا يقبل القسمة ) نقلوه إلى ذلك بعد أن كان في الأصل لنفس الشيء وذاته، وأمثال ذلك عند كل أهل فن، وقوم مخصوصين ( وشرعية كالصلاة للعبادة ) المخصوصة، وسيأتي الخلاف في الحقيقة الشرعية ( وإلى مفردة، وهي ما تفيد معنى واحدا،ومشتركة، وهي ما يفيد أكثر منه ) وقد تقدم الكلام في المشترك ( وإلى مشروطة، كالبلق ) للسواد والبياض الواقعين في الفرس والسحاب ( وتسمى ) الحقيقة ( المقيدة ) من باب "ضيق فم الركية " لأن التقييد إنما يكون بعد الإطلاق. ومن يجوز القياس في اللغة، لا يقيدها، وسيأتي ( وغير مشروطة، كطويل، وتسمى:المطلقة ) لإطلاقها عن التقييد بمحل دون محل.

(1/46)


واعلم أن تخصيص القسمة للموضوع إلى مطلق ومقيد، ومنفرد ومشترك مما لا وجه لتخصيصه من بين سائر الاعتبارات الراجعة إلى المعنى مثل: معرفة، ونكرة، وبسيطة، ومركبة، وحيوان، وغير حيوان، مما لا يتناهى. والحقيقة الشرعية ممكنة عقلا خلافا لعباد ) بن سليم الصيمري بناء منه على أن دلالة اللفظ لذاته، وما بالذات لا يتغير، وسيأتي تحقيقه.
( واختلف في وقوعها، فعند أئمتنا، والمعتزلة، وجمهور الفقهاء، أنها واقعة بالنقل، عن معانيها اللغوية، إلى معان مخترعة، شرعية، فما نقل منها إلى أصول الدين، فحقيقة دينية، كمؤمن، وفاسق ) [ الأول، كان في الوضع الأول ] للمصدق، وصار في الشرع لمن قام بالواجبات، واجتنب المقبحات. والثاني، للخارج، مما كان فيه كامنا، وصار لتارك واجب، أو فاعل، محرم، قطعيين.
( وما نقل منهما إلى فروعه، فحقيقة، فرعية، كالصلاة ) كانت في اللغة، للدعاء، ( والصوم ) كان في اللغة، للإمساك، عن الفعل مطلقا، وصار شرعا للإمساك عن الطعام، ( والزكاة ) كانت لغة، للطهارة، والنماء، فصارت لجزء من المال، ( والحج ) كان لمطلق القصد فصار شرعا لقصد البيت الحرام. ( الباقلاني، وبعض المرجئة: بل لم تقع مطلقا، بل هي باقية على حقائقها اللغوية، لم تنقل عنها ) لأنها في جزئيات منها، وإطلاق اسم الأعم على الأخص حقيقة بالوضع الأول، كرجل يطلق على زيد. قلنا: إنما تبقى حقيقة بالوضع الأول لو أطلق عليه لا بخصوصه، أما فيما نحن فيه، فقد صار اللفظ اسما للجزئيات بخصوصها، [ قالوا:صيرورتها اسما لبعض الجزئيات بخصوصها، فرع الغلبة فيه، ولا نسلم الغلبة، [ فيه ] في لسان الشارع، وإن وقعت الغلبة بعده لأهل عرف الشرع ].

(1/47)


قالوا: لو سلم أنها تصير اسما للجزئيات بخصوصها لهجر العنى الأصلي، وهجره، ممنوع ] كيف وألفاظ الشرع طافحة باستعمال تلك الألفاظ ي معانيها الأصلية، وكثرة الاستعمال في معنى جزئي مما له الاسم، لا يوجب وضع الاسم له، وضعا ثانيا، كالنجم للثريا، ونحوه، ولهذا بقيت فيه اللام، لبقاء الجنسية. [ نعم ؛ تنقلب اللام للعهد فقط، ثم النقل ] من اسم جنس إلى اسم جنس، غير مفيد، كما علم.
قلنا: إنما تثبت بذلك الحقيقة العرفية، ولا نزاع فيها [ ولأن معناها سبق الفهم إلى المعتاد، وسيأتي أن مختار الأكثر، عدم التخصيص بالعادة ]. قلنا: العبادات، هي: الدين المعتبر، إجماعا، والدين،هو الإسلام، لقوله تعالى: { إن الدين عند الله الإسلام } والإسلام،هو: الإيمان، لأنه لو كان غير الإسلام، لما قبل، لقوله تعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } وهو مقبول،بالإجماع، فليس غير الإسلام، وهذا قياس من الشكل الأول، مركب من ثلاث مقدمات، ينتج: العبادات هي الإيمان.
قالوا: الإسلام عندكم، أعم من الإيمان، ولهذا تثبتون مسلما غير مؤمن، ولقوله تعالى: { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } وإذا كان أعم، لم يكن اتحادهما في أولى الكبريين، حقيقيا، بل ادعائيا، نحو: " عمر الشجاع "، مبالغة، في حصر أحدهما على الآخر، نحو: " الدين النصيحة " كما علم، في البيان، فهو قياس مغلطي، مختل الصورة والمادة.
( الشيرازي، وابن الحاجب، والسبكبي: الفرعية، واقعة، لا الدينية ) وقد عرفت دليل [ المفصل من دليل ] المثبت، والنافي، المقدم في كلام، أهل الإطلاقين.

(1/48)


( الإمام، والغزالي، والرازي: يدل على المعنيين، اللغوي، والشرعي ) . وهذا ليس مذهبا مستقلا، بل راجع إلى أحد الإطلاقين، لأنهم أطلقوا ( ثم اختلفوا: فالإمام، والغزالي ) قالا: ( يدل عليهما، حقيقة ) وهذا نفس القول، بأن اللفظ في المعنى الشرعي، جزئي، للموضوع له لغة، فهو البقاء على الحقيقة، اللغوية، ونفي الشرعية. وقال ( الرازي: يدل على اللغوي، حقيقة، وعلى الثاني، مجازا، وهذا نفس مذهب الباقلاني ) ومن معه ( وتوقف الآمدي. وتكون متواطئة، كالحج ) تواطأت أفراده،من القران، والتمتع، والإفراد، ( ومشتركة كالصلاة ) المشتركة، بين الخمس، والجنازة، والعيدين، والكسوفين. ولا وجه لإعادة حديث التواطؤ والإشتراك، وبعد ما تقدم.
(فصل)
( واللفظ، المراد به، اللازم ) أعم من كون اللازم جزءا أو خارجا، [ وإن كان تسمية الجزء لازما مجازا، فقط في اصطلاحهم، لأن اللازم إنما هو المحمول، وجزء الشيء، لا يحمل عليه ]، ( إن قامت قرينة على عدم إرادة ما وضع له،فمجاز، وإلا فكناية، وهي: لفظ ) مفرد أو مركب، ( أريد به لازم ما وضع له، مع جواز إرادته معه ) حيث تصح الإرادة،لا في نحو: { يداه مبسوطتان } فإنه كناية عن الكرم، مع عدم صحة إرادة ما وضع له، ( كطويل النجاد ) كناية، عن طول القامة، ويصح إرادة طول النجاد نفسه. وبهذا فارقت المجاز.
فإن قلت: بل منهم من جوز استعمال اللفظ في حقيقته، ومجازه،فلا يفارق الكناية، بخاصة له،أولها. قلت: ينبني على الخلاف في أن قرينة المجاز، هل اشترطت، لتحصيل المعنى المجازي، أو لدفع الحقيقي، فمن يرى الأول كما هو الحق [ وإلا لنافاه الترشيح] يقول: بجواز اجتماع قرينتين: إحداهما للمجازي، والأخرى لمجموعهما، فإنه مجاز أيضا، يفتقر إلى القرينة،كما سيأتي.

(1/49)


والحق أن المجاز يفتقر إلى نقل اللفظ إلى المعنى، ولا يحتاج إلى ذلك إلا في الاستعارة، لأنها استعمال، [ اسم ] ملزوم اللازم، في ملزوم له آخر، ولا دلالة لأحد الملزومين على الآخر، فإن الإنسان لا يدل عل الفرس، وإن كانا ملزومين للحيوانية، كذا الأسد، لا يدل على الرجل، وإن كانا ملزومين للشجاعة، بخلاف سائر المجازات، والكناية، فإنها، وإن كانت مستعملة، في لوازم موضوعاتها، فإنما ذلك بواسطة استعمالها في الملزوم، أولا، وبالذات، ليدل على لازمه بغير نقل، فلا مجاز فيها، لفظيا رأسا، وإنما يتأتى فيها المجاز في الإسناد [ وربما صار اللفظ، حقيقة عرفية في اللازم،كما في قوله تعالى: { لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم } فإنه كثر استعمال ذلك في الاستخفاف والإهانة، ومنع الإحسان حتى صار حقيقة عرفية، لا من مجاز الكناية، كما يتوهم ]. وقد حققنا ذلك في مختصرنا، تحقيقا تشد إليه الرحال، ويحرمه محروم من الرجال. وربما يأتي منه شيء.
( والمجاز، لغة: العبور ) مبني على أنه مصدر ميمي، فقط، ولا وجه للحصر، لأنه في اللغة لثلاثة معان: الحدث، وزمانه، ومكانه، ( واصطلاحا: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له ) مفردا، كما في " الأسد " المستعمل [ للرجل ] أو مركبا، كما في " تقدم رجلا وتؤخر أخرى " إذا استعمل في تردد الرأي. وأما المجاز في الإسناد، فهو خارج عن هذا الرسم، لأن الاسناد: ضم كلمة إلى أخرى، والضم ليس لفظا، إنما اللفظ، هو المضموم.
ولو قال: ما استعمل في غير ما هو له، وضعا، أو عقلا، لدخل، لأن حاجة المجتهد إلى حقيقة الإسناد، ومجازه، كحاجته إلى حقيقة اللفظ،ومجازه.

(1/50)


( وينقسم ) المجاز اللفظي ( إلى: لغوي، كأسد، للشجاع، وعرفي، عام، كالدابة، لكل ما يدب ) فإنه مجاز في العرف، وإن كان حقيقة في الأصل ( أو خاص،نحو استعمال اصطلاح أهل كل علم في غيره، كالجوهر ) الذي معناه عند المتكلمين: ما لا يتجزأ، فيستعمله بعضهم ( للنفس. وشرعي، كالصلاة ) إذا استعملها الشارع للدعاء، عند من قال بثبوت، الحقيقة، الشرعية.
(فصل)
( وهو، واقع ) لأن الأسد للرجل، والحمار للبليد، لا يفهم إلا بقرينة، وهي، إمارة المجاز، بخلاف قرينة المشترك، فإنما هي للتعيين ( خلافا للفارسي، والإسفرايني ) فقالا: إن الحاجة إلى القرينة، لا تختص بالمجاز، لاحتياج اسم الإشارة، والموصول، والضمائر، والحروف في دلالتها إلى غير اللفظ، مع كونها حقائق، بلا خلاف، فمثلها المجاز، لأنه مثلها موضوع باعتبار أمر عام هو العلاقة.

(1/51)


وزعم سعد الدين أن غير المجاز، مما هو موضوع باعتبار أمر عام، موضوع للدلالة بنفسه. والمجاز، موضوع للدلالة، بمعونة القرائن، فما كان من الأول، فحقيقة، وما كان من الثاني، فمجاز، وهو ساقط، لأن القرينة، إن أخذت في الجميع قيدا، في الوضع، بمعنى أن الواضع عين أسدا للرجل، وتعيينه، بشرط أن يكون مع قرينة، كلفظ، " في " للظرفية، بشرط بأن يكون مع الدار، مثلا، وجب أن يكون حقيقة، عند حصول القرينة و ضرورة و حصول الوضع عند حصول شرطه، ولا نريد من الحقيقة إلا اللفظ المستعمل، فيما وضع له، سواء كان الوضع بشرط، كما في " البلق " ونحوه، أو بغير شرط. وإن أخذت القرينة قيدا للموضوع بمعنى أن الواضع عين "أسدا يرمي " مثلا للرجل الشجاع، و" في الدار" للظرفية، الخاصة، وجب أن يكون كوضع المركبات، المجعولة بإزاء معنى واحدا، كخمسة عشر، ولا قائل بأنها مجازات، ولا يمكن التخلص إلا بما اختراناه من أن دلالة الألفاظ كلها عقلية، بالقرائن، [ وسيأتي للكرخي، في التخصيص، بمتصل، وللباقلاني، في دلالة الاستثناء، ما يدل على أن المجموع من العام، ومخصصه حقيقة في الباقي، وهو ناظر إلى هذا التحقيق ]. ( وللإمامية، والظاهرية، في الكتاب، وللظاهرية، في السنة ) فإن أرادوا نفي صورته، فيهما مع الإقرار به في غيرهما، فتهافت، وإن أرادوا نفيه مطلقا، فكالفارسي، والإسفرائيني، ( وحملوا المجازات الواردة على الحقيقة ) وهو تكلف يغني، عنه ما ذكرناه في حجة الاستاذ، والإسفرائيني. ( ابن جني: وهو الأغلب ) في اللغة، والقرآن، استعمالا، لكن فيه إشكال، لأنه يقتضي أن اللفظ إذا دار بين [ أن يكون حقيقة، أو مجازا، حمل على المجاز، كما قيل: فيما إذا دار بين ] المجاز، والإشتراك، فلا يصح القول بأن الأصل الحقيقة، لأن الغالب هو الأصل.

(1/52)


( ويقع في المفرد، والمركب، كالحمار، للبليد ) مجاز في المفرد ( وشابت لمة الليل ) مجاز في المركب ب، إن أراد أن هذا مجاز لغوي، كما هو الظاهر، من جعله، صفة للمركب، لا للتركيب، فوهم، تبع فيه شارح الشرح، فإن المجاز المركب: اللفظ المستعمل، [ في لازم النسبة، التي وضع المركب، لإفادتها، كما في: { إني وضعتها أنثى } استعمل للتحسر، ونحو ذلك، أو المستعمل في ما ] شبه بمعناه الأصلي، نحو: " يقدم رجلا ويؤخر أخرى " استعارة، لتردد الرأي ، من تردد الرجل، ولا معنى حقيقي، لـ "شابت لمة الليل " وأما شابت لمة الرجل، فهو مركب آخر، [ ومنشأ وهم شارح الشرح، قول صاحب الكشاف في: { ختم الله على قلوبهم } أنه تمثيل، ظن أنه تمثيل على سبيل الاستعارة. وحققه بعضهم، بما حاصله: أنه تشبيه، لهيئة قلوبهم، مع ما حصل عليها، من موانع اللطف الموصل إلى المنافع الدينية، بهيئة محال معدة لحلول مصالح، مهمة،منع عن المقصود بها، مانع الختم، فكان كل من طرفي التشبيه مركبا، لكن اقتصر من جانب المستعار منه على ما عليه مدار تلك الهيئة، وهو الختم والبقية مرادة. وهذا تهافت، لأن الكل مما يدل على الهيئتين، إذا كان مرادا، وإنما يستغنى بذكر بعضه، فقد جمع بين ذكر كل مما يقوم مقام الطرفين، لأنه كما أن للختم مدخلا في تحقيق هيئة المشبه به، فللقلوب مدخل في تحقيق هيئة المشبه قطعا، والاستعارة تنافي ذكر الطرفين، فالختم إما استعارة، تبعية، أو تخييلية، للمكنية، أو الكلام، كله تشبيه تمثيلي، لا استعارة فيه، رأسا، كما هو رأي صاحب التلخيص، في الاستعارة بالكناية، وعليه يحمل كلام صاحب الكشاف هنا، لمنافاة ذكر الطرفين للاستعارة، وإن كان صاحب التلخيص، جعل التشبيه، للمنية بالسبع، وإنما هو لهيئة فعلها بهيئة فعله. وأما كلام الشرح فله فسادات بيناها، في شرح مختصرنا، منها:

(1/53)


قوله: إن كلام صاحب التلخيص لا مستند له من كلام السلف، ومستنده، ما ذكرنا [من كلام صاحب الكشاف ] وإن أراد أن هذا مجاز عقلي [ كما توهمه غيره ] مما طرفاه مجازان، لغويان، [ فمسلم ]، و[ لكن ] حق العبارة، أن يقال: ويقع في المفرد، والتركيب، لا المركب، وكأنه غفل عن الفرق بين المجاز المركب، والمجاز في التركيب، [ لأن المجاز في التركيب: إسناد الفعل، أو معناه، إلى ملابس به، غير من قام به، عند المتكلم، في الظاهر، كالإسناد إلى الطرفين، والمصدر، والسبب سواء كان معنى الفعل المسند حقيقيا، أو مجازيا، مثل: " نطقت الحال " فإن النطق مجاز في الدلالة، وإسناد الدلالة إلى الحال، حقيقة، وكذا إسناد: " شابت لمة الليل "، و " قامت الحرب على ساق " حقيقة عقلية، وإن كان الطرفان مجازين، فلا مجاز في التركيب، ولا في المركب ] [ فلا يتوهم أن المراد، إسناد المعنى الحقيقي للمسند فقط ].
( ومنعه السكاكي، واين الحاجب ) في التركيب، لا في المركب. أما السكاكي، فرده، إلى الاستعارة، بالكناية، بجعل ذيول الليل، من جنس لمم الرجال، وإثبات، ما هو من خواص لمم الرجال لها، وهو الشيب، كما يجعل المنية من جنس الأسود، فيثبت لها ما هو من خواص الأسود، وهو الأظفار، في قول أبي ذؤيب:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع

(1/54)


وأما ابن الحاجب فرده، إلى الاستعارة التبعية، شبه البياض المالط لذيول الليل، من غرة الصبح، بالشيب، المخالط بياضه لسواد لمة الرجل، ثم تبعت الاستعارة، في: " شابت " وكلامه في هذا المثال حق، لكن المحققون، لا يجعلون هذا المثال ونحوه من مجاز الإسناد، إنما مجاز الإسناد في مثل: " أنبت الربيع البقل " مما لا يشبه الإنبات بشيء له وجه شبه صحيح، [ وتلكف القاضي عضد الدين، لتقويم كلامابن الحاجب، بأن قال: الذي يزيل الوهم بالكلية، هو أن يجعل الفعل مجازا في السبب، العادي، ليكون " أنبت الربيع البقل " بمعنى: تسبب الريع للإنبات، وهذا لا يصح من وجهين: ـ
الأول: أنه لا يتم في: { عيشة راضية } و { ماء دافق } و " جد جده " لأن المفعول والمصدر ليسا سببين للرضا والدفق، والجد.
الثاني: أنه لو أريد بالسبب، الملابسة، لم يكن بين المصدرين، أعني: الإنبات، والملابسة، علاقة استعارة، ولا مجاز مرسل، فكيف يجعل أحدهما مجازا، عن الآخر، إنما، العلاقة بين كل منهما، وبين الفاعل، وأما ما يقال: أن الفعل، موضوع لأن يسند إلى فاعل مختار، فإذا أسند إلى فاعل غير مختار، فقد صار، أو هيئة تركيبه، مجازا، كما افتراه، البعض، مثل، الشيخ عبد القاهر، من أنه يقول: " الإسناد في نحو: طلعت الشمس، " مجاز،فيرده تصريح الشيخ، وغيره، كالرازي، والسكاكي، وغيرهما، بأن الفعل إنما وضع للحدث والزمان،غير مأخوذ في وضعه، فكون فاعله، مختارا، أو غير مختار، لا دخل له في وضع الفعل. وهذا معنى قول ابن الحاجب: لاتحاد جهة الإسناد.

(1/55)


ومن العجب، أن شارح الشرح، روى هذا الكلام، عن الشيخ، وارتضاه، ثم قال: إن " أنبت الربيع البقل " ونحوه، استعارة تمثيلية، شبه التلبس، غير الفاعلي، بالتلبس الفاعلي، وغفل عن كون التمثيل استعارة بأسره، كما في:" أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى " والتلبس الفاعلي " أنبت الله البقل " ولم ينقل هذا، التركيب بعينه، إلى تلبس الربيع، ضرورة أن تركيب " أنبت ألربيع " غير تركيب " أنبت الله " ]. وأما جعل الإنبات مجازا عن التسبب، العادي، كما زعمه في الشرح، [ ليكون إسناد التسبب، إلى الربيع إسنادا إلى ما هو له ] ففاسد، إذ لا مشابهة، بين تسبب الربيع، وبين إنبات الفاعل المختار، لأن المشابهة، إنما هي بين المؤثرين، الحققي، والعادي، بجامع التأثير، منهما، لا بين التأثيرين، أنفسهما، إذ ليس هناك، إلا تأثير واحد، لكنه ينسب تارة إلى المؤثر الحقيقي، وتارة إلى العادي، [ ولا علاقة أيضا للمجاز المرسل، إذ الإنبات، والتسبب،مصدران، متباينا المفهوم، كالضرب، والدخول، فلا يجعل أحدهما مجازا عن الآخر ]. وقد حققنا هذا المقام، في شرح العصام، تحقيقا، لم يحم حوله الأقوام.
( وإنما يعدل إليه، عن الحقيقة، لأمر يرجع إليها،كثقلها ) كما في التغليب، نحو: العمرين، فإنه أخف من: أبي بكر وعمر، ( أو جهلها ) نحو: قتل بنو فلان، زيدا، عند جهل القاتل منهم، ( أو نحو ذلك ) كخسة، معناها، نحو: الغائط ( أو يرجع إليه كبلاغته ) ولا تكون البلاغة إلا في المركب، لأن المفرد لا يتصف بالبلاغة، نحو: " أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى " فإنه أبلغ من " أراك مترددا في الرأي " ( أو شهرته ) في المعنى المراد، كأسد، فإنه أشهر في المبالغة في الشجاعة، من "شجاع "، ( أو نحو بذلك ) من الأغراض،التي لا تنحصر، كما فصل بعضها في أغراض التشبيه، الذي تبتني عليه الاستعارة، كما عرفت.
(فصل)

(1/56)


( ولا بد من العلاقة، بين المدلول، الحقيقي، والمجازي، ) ليتحقق تلازمهما في الذهن، الذي عنه يكون انتقال الذهن، من أحدهما إلى الآخر. ( فإن كانت غير المشابهة بينهما فالمجاز المرسل ب، ) وتنحصر العلاقة بغير المشابهة، في التعاور، [ والتجاور ] وهو تعاقب الوصفين على محل واحد، فيسمى المحل تارة باسم الثاني منهما،نحو: تسمية العصير خمرا، وتارة باسم الأول نحو: العتيق عبدا، وما عدا ذلك من العلاقات، غير المشابهة، فهو علاقة تجاور، ينحصر أيضا في تجاور السبب، والمسبب، وتجاور الكل، والبعض، وتجاور الحال، والمحل، وسيأتي تفصيلها، وفي حصر ما علاقته، غير المشابهة، عند غير السكاكي، إذ مصحة الملابسة للفعل كما علم. وأيضا قد خرج عليه من التقسيم فلو ذكره مع لماز المرسل، لكان صوابا، ( وإلا تكن العلاقة غير المشابهة ) بل هي المشابهة’ ( فالاستعارة، فإن ذكر فيها المشبه به ) دون المشبه نحو: " أسد يرمي " ( فالتحقيقية ) لتحقق معناها حسا، أو عقلا، ولو قال فالتصريحية، لأنه بصدد ما يقابل، المكنية، وأما التحقيقية، فإنما تقابل التخييلية، ولكنه تبع في ذلك غيره، ثم تجاز في إهمال التخييلية، كما تجاوز في ترك قسمة التحقيقية، إلى أصلية، وتبعية، وغير ذلك، من أحكام المجاز، لأن المقام ليس لاسستيفائها، وإنما محله علم البيان، [ على أنه لا مجاز لغويا في التخييلية، عند غير السكاكي، ولا في المكنية، أيضا، عند صاحب، التلخيص، وهو الحق، ولا في التبعية، على الصحيح، لأنها في الحرف والمشتقات،من المصدر، فالحرف، والفعل موضوعان لنسبة، الحدث، الجزئي، إلى محله، كما حققناه في شرحنا للكافية، أعم من كون الحدث حقيقة أو مجازا، فهما مستعملان فيما وضعا له، دائما، كما أن اسم الفاعل، ونحوه،من الصفات موضوع للذات باعتبار المعنى أعم من كون المعنى حقيقة، أو مجازا، فهو مستعمل فيما وضع له دائم، وتسمية التبعية، استعارة مجرد تجوز، كما تجوزوا بتسمية

(1/57)


التخييلية، استعارة، ومجازا، ومثلها المكنية عند صاحب التلخيص ] لكنه يرد هنا أن يقال: إن كان دلالة الدليل الشرعي متوقفة على علم البيان، فلا بد من تفاصيله، بأسرها، وإلا فلا حاجة إلى جمَله، ولا تفاصيله، كما يدعيه من، يجعل دلالة الكلام عقلية، أو طبيعية، [ لا وضعية ]، ولهذا قال، بعض علماء البيان: إن علماء الأصول سرقوا علينا علمنا. ( وإن ذكر المشبه ) دون المشبه به، نحو: " وإذا المنية أنشبت أظفارها " ( فالمكني، عنها ) لأنه كني بإثبات الأظفار للمنية، عن استعارة، اسم الأسد له. وصاحب التلخيص يقول إن إطلاق اسم الاستعارة هنا، مجاز، لأن حقيقتها،نقل لفظ إلى غير معناه، الأصلي، وكل لفظ هنا باق في معناه، الأصلي، [ وبما اختاره صاحب التلخيص، هنا يفسر التمثيل الذي صرح به صاحب الكشاف، في: { ختم على الله على قلوبهم } ليكون تشبيها، لا استعارة، لأن التمثيل على سبيل الاستعارة، لا يقبل ذكر المشبه، وقد ذكرت القلوب المشبه، بالظرف المختوم على ما فيه، فيعلم، أن ما ذكره سعد الدين من أن ما ذكره صاحب التلخيص كلام، لا مستند له من كلام السلف، غفلة، عما صرح به صاحب الكشاف ] وأما السكاكي، فادعى أن لفظ المنية، لما ادعى لها السبعية، صار من أسماء السباع، ثم نقل إلى الموت،فورد عليه أن هذا اعتبار لا ملجئ إليه، ولا صحة له، لأن لفظ " المنية "هنا، ومعناها،هو لفظها، ومعناها، في نحو: " دنت المنية " وأما مجرد إضافة الأظفار إليها، فمثل إضافة الإثبات إلى الربيع، الذي هو حقيقة، عند غيره، ( وقد حصرت العلاقة بحسب الاستقراء ) لمجازت العرب، ( في ثلاثة وعشرين نوعا: إطلاق اسم المتشابهين على الآخر ) ولا مجاز، عند التحقيق، إلا هذا، وسيأتيك البيان،ثم التشابه بين المتشابهين، ( إما في شكل، كالإنسان ) إذا أطلق ( على الصورة ) المنقوشة، على الجدار، ( أو ) الثوب، أو التشابه ( في صفة ) للمشبه به ( ظاهرة، كالأسد، على الشجاع، لا ) إذا

(1/58)


أطلق الأسد ( على ) الرجل ( الأبجر ) لأن البخر، ليس من الصفات الظاهرة في الأسد، لأن المراد بالظهور، الإشتهار، لا تحقق الوجود. فلهذا لا يجوز أن تكون العلاقة، هذه الصفة ( لخفائها ) [ لكن الظهور إنما هو شرط لحسن الاستعارة، لا لصحتها، فلا وجه لاشتراطه على الإطلاق ]، ( وتسمية الشيء،بما كان عليه، كالعبد ) إذا أطلق عل العتيق، فإنه في حال الإطلاق ليس عبدا، ( وباسم ما يؤو ل إليه كالخمر ) إذا أطلق على عل ماء العنب، ولا يخفاك، أن العبد، والخمر في الأصل مصدران، بمعنى الفاعل، أي: العابد، والخامر،كما في " فإنما هي إقبال وإدبار ". والمشتق، حقيقة، بمعنى الماضي، والاستقبال. كما سنحققه في مسألة اشتراط بقاء المعنى في كون المشتق حقيقة، إن شاء الله،[ تعالى ]. ( وإطلاق اسم المحل على الحال،نحو: جزئي الميزاب ) فإن الميزاب مراد به، الماء، لحلوله،فيه، وهذا مجاز في الاسناد، كما في: " نهر جار " لا في المفرد ( وعكسه ) أي: إطلاق اسم الحال على المحل،نحو: { فأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله } أي: في الجنة، التي هي محل للرحمة. وهذا من الاستعارة، التبعية، في الحرف كما في: " زيد في نعمة " أو من المجاز في الإسناد، لأن الحلول في الجنة الذي هو مدلول الحرف [ مسبب عن الرحمة، فذلك من الإسناد إلى السبب، لأن أصل الإسناد، أعم من كونه ] بتركيب إسنادي، أو إضافي، أو إيقاعي، أو غيرها، كما صرحوا به ( وإطلاق ) اسم ( السبب على المسبب ) نحو: " رعينا الغيث " ( وعكسه ) نحو: " أمطرت السماء نباتا، " سمى الكلأ: غيثا " في الأول، والغيث نباتا، في الثاني. وهذان من المجاز في الإسناد، لأنه إسناد إلى الملابس [ أعم من إسناد المسبب إلى السبب، أو إسناد السبب إلى المسبب ]. ( واسم الكل على البعض، ) نحو: { جعلوا أصابعهم، في آذانهم، } أطلق الأصابع على الأنامل، وهي بعضها، ( وعكسه ) نحو: { فتحرير رقبة } أطلق الرق ) بة، على

(1/59)


الشخص، لأنها جزؤه. وهذا من مجاز الإسناد للملابسة، كما تقدم، أيضا ( والمطلق، على المقيد ) كما تقول: أصحب رجلا، والمراد، رجلا كاملا، وهذا ينبني على أن استعمال اسم الأعم في الأخص مجاز، وقد صرحوا بأن " جاءني رجل " إذا جاءك زيد حقيقة، لأنك لم ترد جعل رجل اسما له بخصوصه، بل لأنه من جملة الرجال [ كما تريد أن إطلاق أسد على زيد، لأنه من جملة الأسود، دون عمرو ] وهذا معنى قولهم: إن استعمال الأعم في الأخص، لا بخصوصه، حقيقة. نعم لو جعلت الرجل اسما للكامل، أو لزيد، دون غيره، [ ثم هجر غيره ] لكان ذلك، حقيقة عرفية، كما تقدم.

(1/60)


( وعكسه ) أي: استعمال المقيد في المطلق، كما ادعى الجمهور، في قوله تعالى: { وربائبكم اللاتي في حجوركم } أن المراد به مطلق الربائب، وفيه نظر، لأنهم إن أرادوا، أن المركب التقييدي، كله، معناه، هو معنى جزئه، الأول، فباطل، ومستلزم للعبث الذي لا يجوز على حكيم فضلا، عن الله سبحانه. وإن أرادوا أن القيد غير معتبر لدليل عارضه، فكان في حكم الساقط، لم يكن المطلق مقيدا حينئذ، فهو استعمال للمطلق في المطلق، لا للمقيد في المطلق. ولو أريد بالإطلاق، والتقييد: إطلاق الوضع، وتقييده، كما في " البلق " و " والقارورة " و " المشفر" فذلك إنما يتم بعد صحة الدليل، على عدم صحة القياس، فياللغة، والحجر عن إطلاق الوضع، وذلك ممنوع. وسيأتي صحة التعميم، إما بالحقيقة [ وإما بالاستعارة، ] وإما بالعرف، كما في: { لا تقل لهما أف } حيث يعم التأفيف، كلما يؤذي الأبوين، لأن علة القياس وجه شبه، وما علاقته المشابهة، يكون استعارة، لا مجازا مرسلا. ( والخاص، على العام، وعكسه، ) إن أراد العموم، اللفظي، فينبني المجاز على [ أن ألفاظه، موضوعه للعموم، فقط، أو للخصوص، فقط، كما سيأتي، لا إذا كانت مشتركة، بينهما، أو متواطئة، كما هو الحق، فهي، في كل منهما، حقيقة، ] [ وفيه الخلاف، كما سيأتي ] وإن أراد العموم المعنوي، فهو المطلق، والمقيد، وقد تقدم.
( وحذف المضاف، مع إقامة المضاف إليه مقامه ) في الإعراب،نحو: { واسأل القرية } حيث حذف لفظ " أهل " الذي،هو المضاف،إذ التقدير: واسأل أهل القرية، وجعل النصب على القرية. وفي كون هذا قسما مستقلا نظر، لأنه إن أراد أن لفظ " القرية " مجاز عن أهلها، فهذا من المحل في الحال، وإن أراد اتصاف القرية بالمجازية، لتغيير إعرابها، فليس هذا من المجاز، الذي رسمه باللفظ، المستعمل، في غير ما وضع. وقد صرح أئمة البيان بأن وصف الكلمة بالمجازية، بهذا الاعتبار، مجاز.

(1/61)


وأما قوله: ( أو من دون إقامته ) مقام المضاف في إعرابه، نحو: أكل امرء تحسبين امرءا ونار …………
أي: وكل نار، فأبعد من الاتصاف بامجازية، إلا في المعنى، ولا في الإعراب، إذ لا تغيير، في شيء منهما. ( ويسمى: مجاز النقص ) لحصوله بسبب نقص المضاف من اللفظ، لكنه لا يسمى بالمجاز اللفظي، باصطلاح القوم، إلا اللفظ الذي تغير معناه، أو إعرابه، ( وعكسه ) أي: حذف المضاف إليه، دون المضاف، نحو:
بين ذراعي وجبهة الأسد
وقبل، وبعد، ولا مجاز في مثل ذلك رأسا، وإلا لزم ثبوت المجاز، في كل حذف، لفعل، أو مبتدأ، أو خبر، أو غير ذلك.
( واسم آلة الشيء، عليه ) نحو: { واجعل لي لسان صدق } أي: ذكرا حسنا. وهذا من السبب، في المسبب، لأن الآلة من جملة الأسباب.
( واسم الشيء، على بدله ) نحو: " أكل الدم " أي: الدية، وهذا من السبب في المسبب، إذ الدم، سبب الدية.
( والنكرة، على العموم ) نحو: " تمرة، خير من جرادة ". وهذا من حذف المضاف، مع إقامة المضاف إليه مقامه.أي: كل تمرة، خير من [ كل ] جرادة. وقد تقدم. أن إطلاق المجاز عليه، مجاز [ وأيضا مبني على أن النكرة في سياق الإثبات، لا تعم. وسيأتي قول الرازي، وغيره، بعمومها، في الأمر، نحو: " أعتق رقبة " ].
( واسم أحد الضدين، على الآخر ) نحو: { جزاء سيئة مثلها } والجزاء، ليس بسيئة.
إعلم ؛ أن للسيئة معنيين لغويا، وعرفيا، فالعرفي هو: ما يقابل الفعل، الحسن، واللغوي، هو: ما يقابل، النعمة كقوله تعالى: { وإن تصبهم سيئة } أي: جهد، وبلاء. والمراد هنا، هو اللغوي، ولا مجاز فيه، ثم لو سلم، فهو من اسم السبب، في المسبب، لأن الجزاء مسبب، عن المجزي عليه. وقد تقدم.
( وإطلاق المعرف على المنكر ) نحو: { أكله الذئب } أي: أكله، ذئب. وهذا حقيقة، إذ اللام، للماهية، لا بشرط شيء، واستعمال الأعم، في الأخص، لا بخصوصه، حقيقة، كما تقدم.

(1/62)


( والحذف ) نحو: { يبين الله لكم أن تضلوا } أي: مخافة أن تضلوا. وهذا هو مجاز النقض، بنفسه.
( والزيادة ) { ليس كمثله شيء } على القول بزيادة الكاف، والمجازية هنا، باعتبار تغير الإعراب. وأما من يرى عدم زيادة الكاف، فيقول: إنه كنى بنفي مثل: مثله. عن إثباته، تعالى، إذ لو كان [ الله ] مثل، لكان لله [ عز وجل ] مثل مثله، فلم يصح نفي مثل المثل. واعترض بأن هذا يستلزم نفي الله تعالى، لأنه مثل مثله. وقد نفي.
وأجيب بأن الكناية، لا تستلزم، وجود المعنى، الأصلي، كما في: { يداه مبسوطتان } فإنه لا يستلزم وجود يدين، فهنا، لا يستلزم وجود مثل له تعالى. وفيه نظر لأن الكناية، هنا بالنفي، عن النفي، والنفي متوجه، إلى مثل مثله، وليس إلا هو تعالى، فلا محيص عن الاعتراض، إلا بأن يقال: قد ثبت أن الله [ تعالى ] شيء، لا يكون النفي [ للشيء ] متوجها إلى [ ذات المثل، بل إلى ] الوصف العنواني، أعني: المماثلة، [ لا إلى ذات المثل ] على ما هو القاعدة، في نفي المحمول. وبهذا تتم الكناية، لأنها إذا انتفت مماثلة الله [ تعالى ] وغيره، لمثل انتفاء المثل، ضرورة انتفاء الملزوم، بانتفاء اللازم.
فإن قلت: هذا المفاد بأصالة الكاف يحصل من حذف لفظ: " شيء " ويكون اسم ليس، ضميرا فيها، راجعا إليه تعالى، ليكون المعنى ليس هو مثلا لمثله، كما في الكناية عن قِصَر من لا نجاد له، بقولنا: " ليس بطويل النجاد " فما فائدة التعميم، بذكر شيء ؟.
قلت: ليفيد نفي مماثلة كل شيء للمثل المفروض، دفعا لما يستلزم تجويز مماثلة شيء. غير الله تعالى لمثل الله تعالى، من مماثلة ذلك الشيء لله، لما تقرر في علم الهندسة من أن مساوي المساوي مساو.

(1/63)


فإن قلت: فما وجه توجيه النفي إلى مماثلة المثل، وهلا قيل: ليس كشيء ؟. قلت: مبالغة في التوحيد لأنه، إذا تحقق انتفاء مماثلته، لما يتصور مثلا، فما ظنك بانتفاء مماثلته، ما لا يتصور مثلا. وهذا من الإيغال في استقصاء نفي التشبيه، بحيث لا يخفى على عارف بأساليب المبالغة، والبلاغة، ( ولا يخفى تداخل بعضها ) وقد بيناه، لك.
(فصل)
( والنقل، شرط في هذه الأنواع ) من العلاقات، بمعنى أنه لا بد من استقراء، يثبت لنا منه مثلا، قضية كلية، كما يثبت من تتبع استعمالات العرب للسبب في المسبب، مثلا أن اسم كل سبب يطلق على مسببه، ونحو ذلك، لا أنه لا بد من أن ينقل لنا أن الواضع قال: يستعمل كل سبب في كل مسبب، لعدم تعين الواضع حتى يتصل النقل إليه، وإنما يؤخذ الحكم بالوضع من تتبع موارد الاستعمال، كما تقدم. فالنقل للأنواع، على ما ذكرنا مشترط، ( اتفاقا ) بين أئمة البيان ( دون أفرادها ) أي: أفراد العلاقات، أعني: سماع كل جزئي، جزئي، من الأمثلة ( وقيل: يشترط فيها، وتوقف الآمدي ) إذ لو لم يشترط، لجاز، " نخلة " لطويل، غير إنسان، و " شبكة " للصيد، و" ابن " للأب، ونحو ذلك، للعلاقة، الحاصلة صورة في الأول، وملابسة في الأخيرين، واللازم، باطل، كما لم يجز في الحقائق، " السخي " والفاضل " لله تعالى، والقارورة، لغير الزجاجة، و " الدبران " لغير النجم، المعروف.
الجواب: منع بطلان اللازم، أما في الحقائق، فمسند بجواز القياس في اللغة. وسيأتي.
وفي أسماء الله [ تعالى ] خصوصا، ينبني على أنها توقيفية، وفيه النزاع، ( فأما امتناع، نخلة على طويل، غير إنسان، وشبكة للصيد، وابن للأب، وعكسه ) فإن سلمنا بطلان اللازم، الذي منعناه آنفا، فلعدم تحقق العلاقة، أي: عدم تحقق القدر المعتبر منها، فإنها كالعلة، في القياس، وقد منعوا التعليل بغير المنضبطة، وهذا ساقط، لجواز منع كل مجاز، لم يسمع من العرب، وإسناد المنع بمثل هذا.

(1/64)


فالجواب الصحيح: منع بطلان اللازم، الذي أشرنا إليه، آنفا وأشار إليه المصنف، بقوله: ( إن صح الامتناع ) لأنا لا نسلم صحته.
(فصل)
( وتعرف الحقيقة، ) أي: المعنى الحقيقي، للفظ. ( إما بالنص عليها، بعينها ) كأن يقال: المعنى الحقيقي، للأسد، هو السبع [ وهذا تعريف لفظي ] ( أو بحد ) له ( شامل ) كما يقال: معنى الإنسان الحقيقي، هو: الحيوان الناطق، ( أو بذكر خاصة، لها ) كما يقال: معنى الإنسان الحقيقي، هو: مستوي القامة، بادي البشرة، قابل صنعة الكتابة. وقد يتوهم، أن المراد: تعريف مفهوم لفظ الحقيقة، وليس بشيء، لأنها، وصف للفظ اعتباري، حاصل من الاستعمال، في المعنى، ولا وجود له فيه، فضلا، عن أن يكون له حد، تام، أو رسم، بخاصة.
وأما ما يتوهم أن المراد رسم مفهوم الحقيقة، مثل، قولهم: الحقيقة: ما يتبادر إلى الفهم، أو ما لا يصلح نفيه، فتأباه المقابلة بالنص، والاستدلال، لأن النص، والاستدلال، لا يكونان إلا على مفهوم اللفظ، الموصوف بالحقيقة، لا على مفهوم الحقيقة، لأنه لا ينص على مفهومها، إلا بالرسم، ولا يصح الاستدلال على المفهوم، لأن الحد، لا يثبت، بالبرهان، كما علم بين أرباب المعقول. ( وإما بالاستدلال بسبقها، إلى الفهم، من دون قرينة ) كما لا يسبق من إطلاق لفظ " الأسد " على الرجل، بلا قرينة، إلا المفترس، ولا يرد، أن المشترك، لا يسبق منه المعين الذي هو، حقيقة، لأنا نقول: أما من يجعله متواطئا، فمعناه الحقيقي عنده، هو:الأحد الدائر ضرورة، وأما من لا يجعله متواطئا، فلأن هذا تعريف بالخاصة، ولا يجب انعكاسها.

(1/65)


[ ( تنبيه ) : وقع في تفسير، قول المختصر [ في رسم المجاز ] بأن يتبادر غيره، لولا القرينة، عكس الحقيقة، وأورد المشترك خبط في تفسير العكس، وفي محل الإيراد، فجعلوا الإيراد على العكس، وفسره بعضهم، بأن الحقيقة، تتبادر هي كما صنع المصنف، هنا. فلم يبق لقوله:" وأورد المشترك " وجه، إذ الخاصة، لا يجب انعكاسها. وبعضهم فسر العكس، بأن لا يتبادر غيرها، فلم يرد المشترك، نفسه أيضا، لأن الخاصة، لا يجب انعكاسها، فعدل المحقق، إلى أن المراد بورود المشترك، ورود مجازه، على رسم الحقيقة، لأنه يصدق عليه، أنه لم يتبادر غيره، فيلزم كونه حقيقة. وفي عدوله، تهافت، ماحق للسؤال، من أصله، لأن السائل، لا ينكر دلالة المشترك، على كل من المعنيين، سواء، كان ممن يقول بظهوره، فيهما، أو بأنه لواحد منهما، فإنه يتبادر المشترك، قبل المجاز، ضرورة، وإن لم يعلم، أنه المراد، فالحق، أن إيراد المشترك، إنما هو على علامة المجاز، لا على علامة الحقيقة. وتحقيقه، أن كل واحد من منيي المشترك، يتبادر غيره، لأن التفاعل،تشارك، في التبادر، فلا يستلزم، تقدم أحدهما، وتأخر الآخر. وحينئذ يلزم أن يكون [ في ] كل واحد منهما، مجازا، ولا سبيل إلى الجواب، بأن موضوعه، الأحد الدائر، ولم يتبادر، غيره، وهو المعين، لأن ذلك يستلزم، أن يكون في المعين بخصوصه، مجازا، كما يكون المتواطئ، في المعين بخصوصه، مجازا، ولا قائل بذلك في المشترك ].

(1/66)


واعلم ؛ أن سبق فهم المنطقي مثلا عند إطلاق غيره، الكلمة، إلى الفعل، وحده، لا يوجب، كون الفعل، هو حقيقة، ما سمعه، لأن وضعي الحقيقة، والمجاز، إنما يثبتان، للكلمة، باعتبار اصطلاح المستعمل، [ ليستدل بذلك على ما هو الأصل، عنده ] لا باعتبار فهم السامع، فلا يصلح فهم السامع، معرفا لها، البتة، [ إلا إذا علم اتحاد اصطلاح، المتكلم، والسامع ] فتعريفها، بفهم السامع، [ على الإطلاق ] غلط، تتابع فيه الأصوليون، ( أو عروها عنها، عند الاستعمال ) أي: أن الكلمة إذا عريت، عن قرينة المجاز، كان عراؤها، عنها معرفا للحقيقة. وفيه نظر، لأنه استدلال بعدم الدليل، على عدم المدلول. وقد علم بطلانه. وأما حمل ما عري عن قرينة المجاز، على الحقيقة، فلأنه باستصحاب الأصل، ولا يستلزم موافقته، لجواز، أن يريد المتكلم، المعنى المجازي، فلا تنصب عليه، قرينة، كما يريد أحد معنيي المشترك، ولا تنصب عليه قرينة، وحكم المتكلم، إنما يتعلق بمقصوده، لا بمدلول لفظه. ثم وقع في نسخ المتن، لفظ " العرو " وهو، غفلة، عن الفرق بين معنيي، عَرِي، يعرى، وعَرا، يعرو.

(1/67)


( ويعرف المجاز، بالنص عليه ) على قياس ما عرفناك به، في الحقيقة، ( أو بالاستدلال بسبق غيره، أي: غير المعنى المجازي، سبقا، ( راجحا ) لا مساويا، كما في معنيي المشترك، فإنهما يسبقان على السواء، ولا حاجة إلى هذا القيد، لأن معنى السبق، هو: التقدم، لا المقارنة، [ كما في التبادر ] ( لولا القرينة، ) أي: لو خلا المعنى المجازي، عن القرينة، لسبق غيره، وفي الاستدلال بالسبق هنا، ما تقدم في الاستدلال به على الحقيقة. ثم لا يعترض بمجاز المشترك، حيث يقال: إنه ل يسبق غيره، لما عرفناك، من أن هذا تعريف بالخاصة، ولا يجب انعكاسها. وأما ما يجاب به، من منع عدم سبق غيره، لأنه يسبق أحد المعنيين، غير معين، فملزم لمن لا يقول بالتواطؤ، أن يكون في المعين، مجازا، لأنه صدق عليه، أنه سبق غيره، وهو غير المعين. وقد أجيب بمنع أنه سبق غيره، إذ المعنى، من قولهم: سبق غيره، على أنه المراد، من اللفظ، لا مجرد الحظور، ولا نسلم، أن الأحد الدائر، يسبق على أنه المراد، عند من لا يقول بالتواطؤ، ( وباستحالة قيامه، بما علق به ) كاستحالة قيام النطق الحقيقي، بالحال، في قولهم،: نطقت الحال، فييعلم، أن النطق، ليس مستعملا فيما وضع له، وكذا في: { يداه مبسوطتان } عند من لا يجعله، كناية، عن الكرم، ومن يجعله كناية، يحتاج إلى تحقيق الفرق بين الكناية، والمجاز،في مثله، لأن القرينة، العقلية، قد منعت من جواز إرادة المعنى الأصلي، الذي هو، الفارق، بين المجاز، والكناية. وقد حققنا ذلك في بحث طويل، على كلامهم، في أول الكناية، من علم البيان. ( وفي معرفته بصحة نفيه، كقولهم للبليد: ليس بحمار، وبجمعه، على خلاف جمع الحقيقة، كأمور، جمع أمر ) للفعل الذي هو، الطلب، أعني: صيغة، "إفعل " [ وفي التمثيل،نظر، لأن أوامر، لا يصح، كونها، جمع، أمر، فإن،فواعل، لا تجي، إلا جمعا، لفاعلة، فأوامر،جمع، آمرة، بمعنى: كلمة،آمرة، مجازا،كما في، " شعر شاعر".

(1/68)


وقد توهم، الجوهري، ما توهمه غيره، وليس له شاهد من كلام العرب، وإنما ذلك،من عبارات أهل الشرع، بالتأويل، الذي ذكرنا] ( وبعدم الاشتقاق منه ) حيث لا يقال: من الأمر،بمعنى: الفعل " آمر " ولا مأمور، بخلافه، بمعنى الصيغة،،فإنه يقال، منها: آمر، ومأمور. ( وبعدم اطراده في مدلوله، حيث لا يقال: نخلة، لكل طويل ( خلاف ) بينهم، منهم، من عرفه بذلك، ومنهم من لم يعرفه بذلك.
أما الأول، فلأنه دور، بيانه:أن المراد بسلبه، سلب كل معنى، حقيقي، لأن سلب بعض المعاني، الحقيقية، لا يستلزم أن يكون في غير المسلوب،مجازا، لجواز كونه،من البعض الذي لم يسلب من الحقيقة، ولا نعرف أن المسلوب، ليس شيئا، من المعاني، الحقيقية، إلا بمعرفة أنه غيرها، فيكون سلبه متوقفا على معرفة أنه من غير ما وضع له اللفظ، والفرض، أنه لم يعرف أنه من غير ما وضع له، إلا بسلبه، فيدور.

(1/69)


وقد أجيب، بأن سلب بعض المعاني، الحقيقة، كاف، فنعلم، أنه مجاز في غير المسلوب، وإلا لزم الاشتراك، وهو مفسدة، لا يعدل عن المجاز، إليها، وأيضا الدور إنما يتم لو أردنا، أن السلب يعرف الموضوع له، وغير الموضوع له. أما إذا عرفناهما، وجهلنا أيهما ألمراد، فإن السلب، يعرف المجاز، من الحقيقة ضرورة. وفي الجوابين، نظر، لأن مرجع الأول إلى مسألة، إذا دار اللفظ بين المجاز والاشتراك، فالمجاز،أرجح، ومع أن ذلك ( من ) إثبات اللغة بالترجيح، لا من تعيين معانيها. وسيأتي بطلانه، [ مع أن ] في المسألة، ما فيها. ومنه تعلم،ضعف الجواب، الثاني، لأن النزاع في تعريف الموضوع له، وغيره، لا في تعيين المراد. وأما الثاني، < فوجه دلالته، أن اللفظ، لا يكون حينئذ، متواطئا، لأن شرطه، اتحاد المعنى، والفرض، تغايره، فهو،إما مشترك، أو حقيقة، ومجاز، لكن الحكم بالمجازية،عند التردد،أولى من الحكم بالاشتراك،كما تقدم لك. وتقدم ما في هذه القاعدة من خلل. وأما الثالث> فإن أريد أن اسم الحدث المنقول، إلى حدث آخر، لا يشتق منه، فممنوع، وإن أريد المنقول، إلى غير حدث، فمسلم، ولا يضر، لأنه لا اشتقاق، إلا من أسماء الأحداث، على أن من أسماء الأحداث الحقيقية، ما لا يشتق منه، كأسماء المصادر ، نحو: " كلام، وسبحان ".
وأما الرابع، فلا يختص بالمجاز،لوجوده في الحقيقة،فإن السخي، لا يطلق على، الله [ تعالى ] والقارورة، والدبران، ونحو ذلك، لا يطلق إلا على مخصوص، دون ما حصل فيه المعنى.
فإن أجيب، بأنه منع من طردها، مانع شرع، أو وضع، بخلاف نخلة، لطويل،غير إنسان،
ونحوه، فدور، لأنه حينئذ،لا يعرف عدم الاطراد، إلا بالعلم، بعدم الوضع،لما لا يستعمل، فيه، لكن الفرض أن عدم الوضع له إنما يعلم بعدم الاطراد، وهو صريح الدور.

(1/70)


وقد أجيب،بأن السخي، مثلا لما دار بين أن يكون موضوعا للجواد، المطلق، والجواد من شأنه أن يبخل، ووجدناه لا يطلق على الله [ سبحانه ]، علمنا أنه ليس للجواد، المطلق، بل للجواد المقيد، وفي هذا الجواب، نظر، لأن ذلك يجري في المجاز، حيث يقال: لما دار التجوز، بنخلة بين أن يكون لطويل،مطلقا، وطويل، هو إنسان، وهو مطرد، فلا يكون، عدم الاطراد، خاصة للمجاز، يعرف بها. وهناك معرفات أخر. منها: عدم استعماله إلا مقيدا،نحو: جناح الذل، <وفيه الدور أيضا،لأنه لا يعرف التزام تقييده،إلا بعد معرفة كونه مجازا، ولا يعرف كونه مجازا،إلا بالتزام تقييده >، ومنها: عدم استعماله إلا مع الحقيقة، نحو: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } وغير ذلك.
(فصل)
( القاسمية، والشافعي: ويصح أن يراد باللفظ حقيقته، ومجازه ) في إطلاق واحد، ( كالمس ) للوطء، واللمس [ ولا يقال: الوطء، مس حقيقي،لعدم انحصار المس في المس باليد، فليس من استعمال اللفظ في حقيقته، ومجازه، بل من استعمال المتواطئ في معانيه، لأنا نقول: الوطء، مس، خاص. وقد استعمل الأعم في الأخص بخصوصه، على أنه اسم له، وذلك مجاز، كما عرفت ](1) ( والنكاح ) للوطء، والعقد، ( إذ لا مانع عقلي، ولا لغوي،خلافا لأبي حنيفة، وأبي هاشم، وأبي عبد الله ) وهي كمسألة استعمال المشترك في كلا معنييه، بإطلاق واحد، تفصيلا، واحتجاجا، وجوابا.
__________
(1) -ما بين المعقوفين، غير ثابت في الأم، وقد أشار إلى ذلك في هامش "ج " بقوله : " والنكاح للوطئ والعقد إذ لا مانع عقلي ولا لغوي .. إلخ . كذا في نخ المصـ، ولم يثبت فيها ما هنا ."

(1/71)


وبقي ههنا بحث، وهو،أنهم صرحوا بأن المجاز، لا يكون إلا مع قرينة مانعة عن إرادة المعنى الحقيقي، وذلك مناقض لإرادته مع المجاز. والجواب: ما قدمنا الإشارة إليه،من أن الغرض من الإتيان بقرينة المجاز، هو النفع، لا الدفع، أعني: الدلالة على المعنى المجازي، لا الصرف عن الحقيقي. [ وإلا لما جاز الترشيح للاستعارة، لمنافاته الدفع، و](1) لأنهم لم يشترطوا في استعمال الملزوم، في اللازم،كون اللازم بينا، بحيث يدل لفظ، الملزوم عليه. بل اكتفوا باللزوم
في الجملة، ولو بعد تأمل، وفكر، فالقرينة على اللازم الخفي إنما هي(2) للنفع، لا للدفع، ضرورة. وإنما يتجه الخلاف في قرينة إرادة اللازم البين. والظاهر، أنها كقرينة المشترك، للتعيين، فيه للنفع أيضا، لا للدفع، لأن دلالة اللفظ، على الملزوم، واللازم، دلالة واحدة، وإنما تختلف بالإضافة، إلى المدلول، كما صرح به أرباب المعقول.
(فصل)
( والأعلام، ليست بحقيقة، ولا مجاز ) لما تقدم من أنها ليست من اللغة، ولا من المفيد. وفيه نظر، [ لأنه إن أريد بالحقيقة (3): الطبيعة(4)، الكلية، فلا شك في أن العَلَم، ليس بحقيقة، بهذا الاعتبار، لأنه موضوع لشخص، ولكن ليس البحث عن هذه الحقيقة من وظيفة الأصولي. وإن أريد بالحقيقة: ما هو صفة اللفظ، أعني: اللفظ المستعمل في ما وضع له ](5) فالحقيقة، والمجاز، فرع الوضع، والعَلَم موضوع، وإن لم يكن مفيدا، ولا من اللغة.
__________
(1) - ما بين المعقوفين غر ثابت في الأم، وقد أشار إليه في هامش " ج" بقوله: " لأنهم لم يشترطوا . آه، كذا في نخ المصـ ، ولم يوجد ما هنا من الزيادة،
(2) - في (ق) : هو
(3) -في (ق) : " إن أريد به حقيقة الطبيعية " وفوق " حقيقة " : حقيقية .
(4) - في (ق) : الطبيعية .
(5) - ما بين المعقوفين غير ثابت في الأم . وقد أشار إلى ذلك في هامش (ج) بقوله : " لأن الحقيقة والمجاز فرع الوضع . آه، كذا في نخ المصـ، ولم يثبت فيها ما هنا من الزيادة .

(1/72)


وقد صرح تجم الأئمة، وغيره، من أئمة النحو والبيان، بأن التأكيد في مثل: " ضرب زيد، زيد " قد يكون لدفع التجوز، بإطلاقه(1) على غلامه، كما في " قطع الأمير اللص "
نعم ؛ يتجه منع كونه استعارة، حتى يتضمن نوع جنسية، لأن مبنى الاستعارة، على دعوى دخول المشبه، في جنس المشبه به، والعَلَم ليس بجنس، ( وكذا غيرها، من الألفاظ، بعد الوضع، وقبل الاستعمال ) في حقيقة، أو مجاز، إذ الاستعمال، شرط في حصول حقيقتهما، ( لا بعده ) أي: بعد الاستعمال، فلا يخلوا عنهما، أو عن الكناية، بناء على القول بأن الكناية، معنى ثالث، غير الحقيقة، والمجاز.
وقد عرفت، أن انتقال الذهن إلى اللازم إنما يحصل بعد حصول الملزوم فيه، وحصوله في الذهن، لا يستلزم حصوله في الخارج، كما في: { يداه مبسوطتان } . وقد تقدم لك تصحيح أن الوضع إنما هو لما في الذهن،لا لما في الخارج. فإذن كل استعمال في اللازم فإنما يكون بواسطة للاستعمال(2)، في الملزوم، ضرورة أنه لو لم يرد باللفظ ملزوم اللازم، وأن لم يكن موجودا في الخارج، فإن الإرادة لا تستلزم المارد، لم يكن من الكناية عن اللازم في شيء، كما لو أطلق " طويل النجاد " وأريد بالنجاد: جمع نجد، وهو فراش البيت، فإنه لا يكون كناية عن طول القامة قطعا حتى يعلم أنه أيد به: طول حمالة السيف.
وبعد هذا تعلم أن لا مجاز،إلا في الإسناد أو في ما علاقته المشابهة.
__________
(1) - في (ج) : في إطلاقه.
(2) -في (ق) : الاستعمال .

(1/73)


وأما في المجاز المرسل، والكناية، ومنها ما سموه التمثيل، على سبيل الاستعارة، ونحو: { إني وضعتها أنثى (1) } فالألفاظ مستعملة فيما وضعت له، وهو الملزوم، لينتقل منه إلى اللازم، بخلاف نحو: أسد يرمي، فإنه ليس مستعملا في المفترس، ولا في الشجاعة، التي لازمة، بل في الرجل نفسه، وليس بلازم، للأسد على أن الحق في الاستعارة،ما ذهب إليه الرازي، من أنها مجاز عقلي، لأن اللفظ، لا يطلق على معناه، المجازي، إلا بعد اعتبار كونه فردا من أفراد الحقيقة. وأما دفع ذلك بأنها موضوعة للمشبه به، لا للمشبه، ولا لأعم منها، فلا يفيد بعد العلم بأن الوضع إنما هو للذهني، لا للخارجي، لأن المعنى المجازي قد صار من معاني اللفظ الذهنية (2). وبهذا يصح إطلاقه على حقيقته، ومجازه، كقول الشاعر:
قسا قلبا وشن عليه درعا فباطنه وظاهره حديد
__________
(1) -في هامش (ج) و (ق) : " زعم بعض الأفاضل أنه من المجاز المرسل المركب" وبعده " صح" .
(2) - في (ج) وضع فوق كل من " اللفظ " و "الذهنية " رأس صاد هكذا (صـ)وبالهامش : " في نخ المصـ اللفظ، وله وجه باعتبار قوله الذهنية، تأمل " ولم يظهر لي المقصود من ذلك .

(1/74)


( ولا تستلزم الحقيقة مجازا، اتفاقا، بين الأصوليين (1) ) [ إن أراد أنه لا يكون للمدلول الوضعي لازم، يستعمل فيه الموضوع، كما يشعر به قوله ( إذ من الحقائق، ما لا مجاز له ) كالمعاني، البسيطة، من الأفلاك، والعقول، إذ لا جزء لها، لبساطتها، ولا لازم بين الثبوت لها، والانتفاء عنها، فوهم،لعدم خلوها عن لازم يصح التجوز باستعمال
ألفاظها فيه (2)، إذ لا يشترط اللزوم البين، بل يكفي أدنى ملابسة، وإن لم يكف في الدلالات الالتزامية. وإن أراد أنه لا يجب أن يستعمل اللفظ في لازم الموضوع له، فكذا لا يجب استعماله في الموضوع له أيضا، وإن أراد أنه قد يستعمل في الموضوع له، ولا يستعمل في لازمه، فصحيح، لكن حق العبارة، أن يقال: إذ من الحقائق، ما لا يستعمل في مجازه، ](3).
__________
(1) -في هامش (ق) : " إذ المجاز، هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، ومن الحقائق ما لا يستعمل في غير ما وضع له، وأما أنه لا مجاز له،ففيه نظر، لأن مجاز الحقيقة، قد غلب في جزئها، ولازمها، أعني في المعنى لا في اللفظ، المستعمل في المعنى، وقد قيل : إن المطابقة تستلزم التضمن والالتزام، وإن كان الأكثر في عدم استلزامها إياهما، فلا اتفاق على أن من الحقائق ما لا مجاز له، واختلف في استلزام، إلخ، نسخة عوض. ؟ .
(2) -قال في هامش (ج) : "كما يقال للقبة، فلك للهيئة المشتركة بينهما . تمت منه "
(3) - ما بين المعقوفين غير ثابت في الأم إلا عبارة " إذ من الحقائق ما لا مجاز له " حيث ألحقت مع ما قبلها وهو " ولا تستلزم الحقيقة مجازا، إتفاقا بين الأصوليين "

(1/75)


( واختلف في استلزام المجاز لها. والمختار وفاقا للجمهور: أنه لا يلزم كالرحمن،وعسى ) فإن الرحمن موضوع، ولم يستعمل في ذي الرحمة الحقيقية، التي هي العرض القلبي. وأما استعماله في الله [ تعالى ](1) فتسمية للشيء- الذي هو الرفق بالعبد – باسم سببه، الذي هو رقة القلب، لأن الرقة سبب للرفق. وأما عسى، فإنها فعل ماض، وهو موضوع لحدث، وزمان، وقد استعملت في مجرد الحدث، الذي هو، الترجي، أو الاشتقاق، دون الزمان، إذ لا دلالة لها عليه، فقد استعملت في جزء معناها، وفي كلا الأمرين، نظر. أما الأول، فلأن الرحمن، مشتق، والمشتق، موضوع لذات باعتبار معنى، ولم يشترطوا في المعنى، كونه حقيقيا، وأما تسمية [ أئمة البيان ](2) للمشتق من المجاز، [ استعارة، تبعية، والاستعارة ](3) مجازا، فتسامح، باعتبار مجازية ما اشتق منه(4)، ضرورة أنه مستعمل في ما وضع له، من ذات باعتبار معنى، وأما الثاني، فلأنه لا دليل، على أن كل فعل
فهو موضوع لحدث، وزمان، غير الاستقراء، الذي ظهر عدم تمامه بوجود فعل لا يدل عليهما. وقد حققنا هذا في مختصرنا، وشرحه بأكثر من هذا.
( فصل) (5)
__________
(1) - غير ثابت في الأم، و(ق) .
(2) -ما بين المعقوفين غير مثبت في الأم و(ق) ويظهر أنها لم تكن مثبتة في (ج) أيضا، ثم ألحقت فوق السطر وعدلت " المشتق " إلى " للمشتق " .
(3) -ما بين المعقوفين غير مثبت في الأم، و(ق) ويبدو أنه كان كذلك في (ج) ثم ألحق فوق السطر ووضع بعده صح . وبالهامش : ما لفظه : " كذا ألحق المصنف ما ترى، والموجود في نخ المصـ " وأما تسمية المشتق من المجاز مجازا فتسامح " .
(4) - في (ق) : المشتق منه .
(5) - من (ق) وقد استحسنت إثباته، وإن لم يكن في الأم و(ج) .

(1/76)


( والقرينة، لغة: بَعِير، صعب، يقرن بذلول. واصطلاحا: ما أوجب صرفا، أو تخصيصا ) لا حاجة، إلى التخصيص، لأن القرينة المخصصة، قد صرفت العموم عن ظاهره، ( قيل: أو تكميلا ) كالقرينة على أن الخصوص، مراد به العموم، كما سيأتي، إن شاء الله [ تعالى ](1). والحق، أن القرينة، معينة للمراد، ففائدتها، فائدة الوضع، لا غير.
( وتنقسم، في نفسها إلى لفظية، ومعنوية، فاللفظية: اللفظ المستعمل لرفع الاحتمال ) الحاصل ( في ) لفظ ( غيره. وتكون متصلة، وهي غير المستقلة بنفسها، كتخصيص عموم الكتاب، والسنة بالاستثناء،أو الصفة، أو الغاية، أو الشرط ) أو غيرها. وسيأتي تفصيل الجميع، إن شاء الله [ تعالى ](2). ( ومنفصلة،وهي، المستقلة بنفسها، كتخصيص عموميتهما ) أي: الكتاب، والسنة، ( بالمستعمل منهما، وبالإجماعين ) إجماع الأمة، وإجماع العترة، ( اللفظيين ) لا الفعليين، والسكوتيين، فهما من المعنوية، كما سيأتي.
وتسمية ما ذكر قرائن ( مما لا يساعد عليه النقل، ولا العقل، لأنه جزء من الخطاب
المؤدى به أصل المراد، وسيأتي تحقيق ذلك ) (3).
( والمعنوية، الموضحة، لإبهام ما سبق ) ذكره من الكتاب، والسنة، بشرط أن يكون إيضاحها، ( بغير لفظ ) وإلا كانت من اللفظية، المتقدمة ( وتكون عقلية، ضرورية وهي، المستندة إلى العقل بلا واسطة نظر، نحو: { تدمر كل شيء بأمر ربها (4) } فإن ضرورة العقل تقضي بأنها لم تدمر السماوات والأرض ( وتسمى الحالية ) لأنها مأخوذة من حال الخطاب، المقارنة له.
__________
(1) - غير مثبتة في الأم .
(2) - غير مثبتة في الأم .
(3) -ما بين القوسين مضروب عليه في ( ق) ووضع بدلا منه في الهامش : " بناء على أن العموم يصير بتخصيصه مجازا، وسيأتي تفصيل ذلك . ووضع بعده " صـ صـ "
(4) - (25 الأحقاف) .

(1/77)


( واستدلالية، وهي المستندة إليه بواسطة النظر، كالمخصصة، لغير المكلفين من عموم خطاب التكليف، وما يترتب عليه كالوعيد، وسمعية، وهي المستند إيضاحها ’ إلى السمع كالفعل، والترك، والتقرير، المخصصة لعموم الشرع، وعرفية وهي المستندة إلى العرف، وتسمى العادية ) كما سيأتي في مسألة التخصيص بالعادة [ إن شاء الله تعالى ] (1).
( وتنقسم باعتبار فائدتها، إلى: رافعة، وهي: الموجبة، صرف اللفظ عن ظاهره، لفظية كانت، أو معنوية، وتختص بالمجاز ) لأنها رفعت المدلول،الحقيقي. ومعنى اختصاصها بالمجاز، أنها لا توجد غلا فيه، لا أن قرينة كل مجاز رافعة للمدلول الحقيقي، لأن من المجاز ما لا ترفع القرينة، مدلوله، الحقيقي، كاللفظ المستعمل مجازا في
حقيقته، ومجازه. ( ومخصصة،وهي الموجبة قصر العام، على بعض مدلوله ) ولا يخفى أن هذه من الصارفة، عن الظاهر، عند من يرى أن ألفاظ العموم حقيقة فيه، مجاز في الخصوص ( والمشترك على أحد محتملاته، ويختص بهما ) أي: بالعموم والمشترك، ( قيل: وإلى مكملة، وهي تمام فائدة، خطاب بخطاب ) قال في المسودة: نحو: أن يرد خطاب بعصيان مخالف الأمر وخطاب آخر بأن العاصي في النار، فيعلم أن مخالف الأمر في النار. وفيه نظر، لأن كل واحد من الخطابين ، مستقل بفائدته، وإنما الخطاب الثالث لازم الخطابين، معا، لأنه نتيجة قياس حصل منهما، فالأولى تفسير المكملة، بما(2) أوجب تعميم الخاص كما تقدم.
( أو بغير خطاب، كعلة القياس ) فيه غفلة عن أن علة القياس، إنما توجب الحكم في الفرع، بخطاب الشارع، بالتعبد بالقياس.
__________
(1) - من (ج)، وهي غير ثابتة في الأم، و(ق)
(2) -في (ج) و(ق) : " بلفظ " بدلا من " بما " . وقد كانت في الأم كذلك ثم ضرب المصنف على " بلفظ " ووضع فوقها " بما " وقد أشير في هامش (ج) إلى ذلك بقوله : بما أوجب، آه، صحح به المصـ في نخ بخطه، وضرب على ما هنا .

(1/78)


نعم ؛ هذا يتمشى على القول بأن النص على العلة، كاف بدون ورود التعبد بالقياس، ( ونحوها من التعلقات(1)، المخصوصة ) الموجبة تعميم الحكم في غير محل النص، كما في تنقيح المناط، وأحكام المفاهيم، والكنايات، وغير ذلك.
(فصل)
( والمترادف، لفظان، فصاعدا ) كسجود، وركوع، وخضوع، ( بمعنى واحد ) في اللغة، ( وهو واقع عند أئمتنا، والجمهور، خلافا لثعلب، وابن فارس ) لنا، أسد، وليث، وقعود، وجلوس، قالوا: اتحدت الحروف كلها، فلا ترادف، وإن اختلفت فلها، خواص، في المعنى، كما اعترفتم به، في الفصم، والقصم، فلا ترادف، لاختلاف المعنى باختلاف الحرف الواحد.
والجواب: أن ذلك ينبني على تحقق حكمة الواضع،ولا تحقق لها، واستدل لو وقع لعري الوضع عن الفائدة. وأجيب بمنع الملازمة مسندا بأن العراء عنها، إنما يتم على تقدير عدم استعماله، رأسا. أما لو استعمل تارة، وغيره أخرى فلا عراء، وبمنع بطلان اللازم مسندا،بالعلم،الضروري، بأن ليس كل غرض من فعل يحصل بحصوله، ولأن المحوج إلى الوضع هو الإنباء عما في الضمير، كما سيأتي، ( ويقع كل منهما مكان الآخر ) لتساويهما في الدلالة، على المعنى المقصود ( إلا في التعبد به ) كالقرآن، فإنا متعبدون بلفظه، ولهذا لا يصلي العجمي به، بل بالتسبيح(2)، خلاف من جوز
__________
(1) - في (ق) : التعليقات .
(2) -قال في هامش (ج) : "وكذلك اختلف في النكاح هل ينعقد بالعجمية، أم لا ؟ من حواشي جمع الجوامع ".

(1/79)


القراءة بالمعنى ( ويكون من(1) واضع، أو واضعين ) كما قيل: في المشترك ( وفائدته، التوسعة ) في التعبير عن المراد، فإنه مقصد جليل، كمن يُعَد(2) أَلَتَيْنِ(3) لعمل واحد، فإن ذلك أفضى إلى تيسير(4) عمله بأقربهما، حضورا، عنده، ( وتيسير النظم، والنثر ) فإن من كانت قافية شعره،أو فقرة سجعه، على السين، مثلا طابق غرضه الجلوس، ولم يطابقه، القعود، ( والتجنيس ) فإن " القعود " أي: البكر، فيه جناس، لا في، الجلوس، على القعود، يطابقه القعود ( والأصح، أن الحد والمحدود، ونحو شيطان ليطان ) مما يكون الثاني، لمجرد مزاوجة اللفظ، لا المعنى، ( غير مترادفين ) أما في الحد،والمحدود، فمبنى ذلك على ما أسلفناه لك،من عدم تمايز أجزاء الماهية، <وأنها معنى ثالث،غير الجنس، والفصل، كما أن النتيجة في القياس، غير مجموع المقدمتين >(5) فيكون أمرا آخر غير مجموع الأجزاء. وأما من يرى تمايزها فليست غيرها، وقيل:بل لأن الحد يدل على المحدود(6)، بأوضاع متعددة، بخلاف المحدود. وفيه نظر، لأن المتعدد، إنما هو وضع المفردات، والحدود لا تدل على المحدود بوضعها، [ الإفرادي ](7) بل بوضع التركيب، لما علمت من أن المركبات موضوعة لمدلولاتها <وأما شيطان وليطان، ونحوه فلأن الفرض اتحاد المعنى، وما يؤتى به للمزاوجة، والتحسين، لا معنى له، إلا ما قصد منه، وهو غير معنى المتبوع >(8)
__________
(1) - في (ق) : عن . وفوقها : نخ من .
(2) -في (ق) : يَعْتَد .
(3) - هكذا ضبطت في (ج) .
(4) - في (ج) و (ق) : تيسير . وبهامش (ج) : تيسر، نخ مصـ .
(5) - ما بين القوسين ألحقه المصنف في هامش نسخته، ووضع بعده " صح " . وقد ألحق في هامش (ج) أيضا . ولم يثبت في (ق) .
(6) - فوق " المحدود " في (ج) بخط شبه مطموس : "نخ المفردات" وقد ضرب عليها في (ق) ووضع فوقها " نخ " وبالهامش " المفردات صـ " .
(7) - لم يثبت في الأم . وهو ملحق بهامش (ج)، ومحشور بين السطرين في (ق) ووضع بعده " صح" .
(8) - ألحقه المصنف بهامش نسخته،وصححه . وهو ثابت في (ج) و (ق) .

(1/80)


،
(فصل)
( والاشتراك، والنقل، والمجاز، والإضمار، والتخصيص، والنسخ، خلاف الأصل ) فلا يثبت شيء منها، إلا بدليل، نقلي، أو عقلي. أما في الإضمار فإذ لا محوج إليه، ألا عدم الصدق، أو عدم الصحة العقلية، أو الشرعية، كما سيأتي في دلالة الاقتضاء، وأما التخصيص فينبني على أن الأصل في الألفاظ في الألفاظ المعدودة،هو العموم، لا الخصوص، أو الاشتراك، وأما في الاشتراك، والنقل [ والنسخ ](1) والمجاز،فظاهر، لكن هذا لا يصلح، إلا على رأي من يرى أن البحث عن معارض المفهوم الأول من الدليل،لا يجب. وأما على أصل من يوجب البحث عن المعارض، فلا، لأن الأصل بعد غلبة التعارض في المفهومات، هو التعارض، لأن الغلبة، أصل كما سيأتي، في ترجيح المجاز، على الاشتراك. هذا إذا لم يفهم من اللفظ، إلا معنى واحدا، ( و ) أما إذ تعددت مفاهيمه، فإن ( احتمال قول المتكلم، لأحدها، هو المخل بفهم(2) مراده ) والمراد بالاحتمال، ليس مجرد إمكان كل منها، بل مساواة كل منها، في الاحتمال لصاحبه، لكن هذا لا يحصل، إلا في المشترك، أما في الحقيقة، والمجاز، والعموم عند من يراه هو الحقيقة، فلا إخلال، إلا أن يراد
بالإخلال، إمكان أن يكون المراد خلاف الحقيقة لغلبة المجاز، وكون الغلبة أصلا، كما قدمنا، فمسلم، ( ولا خلل مع انتفائها ) يعني: انتفاء الاشتراك، وما ذكر معه، وإنما ينتفي ذلك في مثل، أسماء المقادير، نحو: ثمانين جلدة، والأعلام، التي لا اشتراك فيها، ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحدا، لم يتجوز به عن معنى يلابسه، أيضا، وذلك يعرف من قرائن الحال، فإنه لا سبيل إلى العلم بما قصد من اللفظ،إلا بالقرائن، لغلبة المجاز، كما قدمنا تنبيهك عليه، ( وإذا دار اللفظ بين الاشتراك،والمجاز ) كالنكاح،الدائر بين: الوطء، والعقد، ( فالمجاز أولى ) .
__________
(1) - غير مثبت في الأم .
(2) - في (ج) " بمفهوم " وفوقها : " بفهم صح نخ مصـ " .

(1/81)


إعلم ؛ أن هذه الترجمة مترددة، بين وهمين، لا مخلص من أحدهما، لأن التردد، إن كان في كل واحد من المدلولين، أهو حقيقة، أم مجاز، فقد تقدم أن المجاز، خلاف الأصل، في كل منهما، وإن كان التردد في أحدهما، وأما الآخر فقد ثبت كونه حقيقة فيه، فإن استويا في السبق عند التجرد من القرائن، واتحاد اصطلاح المتكلم، والسامع، فأمارة الاشتراك، وإن سبق أحدهما فأمارة المجاز في المسبوق، فلا تردد.
ومنهم من دفع هذا الأشكال، بأن المراد: التردد مع القرينة، بمعنى أنا نحكم بأن القرينة، قرينة مجاز، أعني: صارفة، عن الحقيقة، لا قرينة اشتراك أعني: مخصصة لأحد المعنيين، المتساويين. وهذا ليس بشيء، لأنه مستلزم للحكم بمجازية كل واحد من معنيي المشترك، إذ لا يدل على الواحد منهما، إلا بالقرينة، فلو حكم بأنها قرينة مجاز، في كل منهما، لارتفعت الحقيقة(1)، رأسا، أو كان الحكم بحقيقة واحد فقط تحكما، ولو استعمل لأحدهما بلا قرينة، ولم يستعمل للآخر، إلا معها، لكان ذلك من معرفات الحقيقة، والمجاز كما تقدم، فلا تردد. على أنا قد عرفناك، غير مرة، أن فهم السامع، لا يدل على المعنى الحقيقي، لجواز اختلاف الأعراف، والمستدل بدليل الشرع، بصدد معرفة الحقيقة، والمجاز عند الشارع، ليحمل خطابه، المطلق على حقيقته، عنده. وفي هذا المقام استدلالات ترجع إلى إثبات اللغة بالترجيح، وهو باطل، وأشفها ما أشار إليه بقوله: ( لغلبته ) يعني: أن المجاز، أغلب في اللغة من الاشتراك < وفيه نظر، لأن الترجيح بالغلبة، وغيرها، فرع التساوي، الموجب للتردد > وقد عرفت، ما في الترجمة من وهم، وعدم محل للنزاع، ( وقيل: بل الاشتراك ) أولى، لأن الأصل، الحقيقة مع حصول علامتها، في الأمرين، أعني: التردد، وعدم السبق، إلى واحد بعينه، ( الإمام: يوكل ) الحكم بالمجاز،أو
__________
(1) - ف (ج) و (ق) :"لارتفع الاشتراك ". وبهامش (ج) : في نخ المصـ " لارتفعت الحقيقة رأسا . أو كان الحكم . آه . "

(1/82)


الاشتراك ( إلى نظر الفقيه ) وهو المجتهد. وقد عرفناك، أن دلالة الدليل،لا تتوقف على وصفي الحقيقة، والمجاز.
وإنما يتوقف عل فهم المراد،سواء كان حقيقة، أو مجازا، فاشتغال الأصولي من حيث هو أصولي، بتحقيق وصفيهما، فضول، وتعرض لوظيفة اللغوي.
(فصل)
( والمشتق: ما وافق أصلا بحروفه، الأصول، ومعناه ) فذكر الأصالة،ليخرج ما وافق فرعا مثله، كموافقة، يضرب: لضرب. وذكر الأصول، ليخرج، الموافق بالزوائد، نحو: الاستعجال، والاستحثاث. وذكر المعنى، ليخرج، الموافق في مجرد الحروف مع مناسبته، في المعنى نحو: الحمد، والمدح، أو بدونها، نحو: القمر،والمرق(1)، فلو زاد ذكر ترتيب الحروف، لكان أولى،لأنه بصدد حد الاشتقاق، الصغير، فإنه لا يعتبر فيه الترتيب. وأما نحو: ثلب، وثلم، مما يسمى: الاشتقاق(2) الأكبر، فقد خرج بذكر الموافقة، لأن المعنيين، غير متوافقين، بل متناسبان، فقط < ولأن المراد من حروفه كلها، كما يدل عليه عموم الجمع المضاف،لأفراده >(3).
واعلم ؛ أن ذكر الأصالة، مما يستلزم الدور في الأصل، لأنه لا يعرف كون اللفظ
أصلا،حتى يعرف فرعه، والعكس، وأما(4) تنكيره " أصلا " على إرادة، ما يكون أصلا في الجملة، فغير مفيد، للتخلص، لأن الأصالة، والفرعية، إضافيتان، فأخذ أحدهما في رسم الآخر(5)،دور، سواء أضيف إليه، أو إلى غيره.
__________
(1) - في (ج) و(ف) : المرق والقمر .
(2) - (ج): بالاشتقاق .
(3) - ألحقه المصنف بهامش نسخته،وصححه .وهو ثابت بهامش (ج) أيضا . ولم يثبت في (ق) كما لم تثبت فيها لفظة " فقط " المتقدمة .
(4) - في (ق) : فأما .
(5) - في (ج) : " فأخذ إحداهما في رسم الأخرى " وبالهامش إشارة إلى ما في الأم بقوله: " في نخ م : فأخذ أحدهما في رسم الآخر . وفي (ق) كانت كما في (ج) ثم ضرب على ألف التأنيث في " إحداهما " وفي " الأخرى " لتصير كما في الأم .

(1/83)


وقوله: ( بتغيير ما ) قيل: أي: في المعنى، ليخرج، نحو: المقتل، مصدرا، مع القتل، فإنه لا تغيير في المعنى، ولأن ذكر الأصالة،تستلزم التغيير، في اللفظ، فيكون رد التغيير إليه، مستدركا. وفيه نظر،لأن مثل: القتل والمقتل، قد خرجا من ذكر الأصالة، غذ ليس أحدهما، أصلا للآخر، وإن كان فيه الدور المذكور، أولا.
ثم اعلم ؛ أن التغيير، قد يكون بزيادة حرف، أو حركة، أو كليهما، فقط، أو نقصان،كذلك، فهذه ستة بسائط، أو مع ضرب ثلاثة الزيادة، في ثلاثة النقصان، ليكون الحاصل من الضرب، تسعة تراكيب، مركبة مضمومة إلى ستة بسائط، فيكون الجميع، خمسة عشر تقديرا. ومثلوها، في المطولات [ بما لا يخلو بعض الأمثلة، من نظر ](1) وليس الاشتغال بها مما يعيد نفعا، على المستدل، وإنما هي وظيفة الاشتقاقي.
( وقد يطرد بحسب الوضع اللغوي، كاسم الفاعل، و[ نحوه ](2) ) اسم المفعول، بمعنى
الحدوث، وأفعال غير الطبائع، ولهذا كانت الصفة المشبهة، على حسب السماع. وقد زعم في الشرح أنها من الطرد، ( وقد يختص ) الاشتقاق، ببعض محال المعنى، ( كالقارورة ) تختص بالزجاجة، وإن كان القرار في غيرها.
وزعم في الشرح أن سبب الاطراد، أخذ المعنى علة للتسمية، وسبب عدمه أخذه مصححا، وليس إلا ما ذكرنا لك، من كون علة الاطراد إرادة الحدوث، وعلة عدمه إرادة الثبوت.
ثم اعلم ؛ أن الفرع،يعرف بتركيب معناه، من الأصل وغيره، كاسم الفاعل، وخصوصيته (3)، نحو: الحمد، والمدح. وفي مختصرنا تحقيق ذلك.
(فصل)
__________
(1) - غير مثبت في الأم .
(2) - غير مثبت في الأم .
(3) - في (ج) و (ق) : وبخصوصه . وبهامش (ج) :"وخصوصيته نخ مصـ" .

(1/84)


( الجمهور:ويشترط في كون المشتق حقيقة، بقاء معناه، مطلقا ) أي: سواء، أمكن بقاء المعنى كما في " أسود، وطويل " أو لم يمكن، كما في متكلم، فيكون الأول حقيقة، والثاني، مجازا(1)، لأنه لو كان في غير الباقي حقيقة، لما صح نفيه، لكن نفيه يصح، تقول في الحال لمن شرب أمس: " هو ليس بضارب " والنفي علامة المجاز.
الجواب:
ما تريد بالصحة ؟ الصحة لغة، بمعنى: أنه يصح أن يقال: لمن ضرب أمس، إنه ليس بضارب ؟ منعنا الصحة لغة، لأنه محل النزاع، أو أنه يصح عقلا، بمعنى أنه يصدق أنه ليس بضارب، حينا ما ؟ فمسلم. ولكن ( صحة ) (2) هذا النفي، لا ينافي كون اللفظ،حقيقة، إنما المنافي له، صحة النفي بالكلية، لأن نقيض المطلقة، ليس إلا الدائمة.
[ وفي هذا الجواب،نظر من وجهين:
الأول: أن منع الصحة لغة، إنما يتجه حيث أريد نفي المطلق، ليكون نفيه،نفيا للمقيد، الذي هو لماضي المعلوم الوقوع. وأما إذا أريد النف المطلق،لم يتجه، لأنه كما يصح النفي المطلق، عقلا، يصح لغة، فإن دلالة، الألفاظ، لغوية، لا عقلية، عندهم، والسلب المطلق، لا ينافي الإيجاب المطلق، لغة، ولا عقلا. فمنع صحة النفي لغة، مكابرة. فالأولى، أن يقال: الضمير في نفيه الذي وقع في الثاني، إن كان عائدا إلى الماضي، منعنا الثانية، وكذا إن كان عائدا، إلى المطلق، أيضا، لأن المطلق، أعم، ونفي الأعم، يستلزم نفي جميع أفراده. وقد علم وجود بعضها، أعني: الماضي، فيكون نفي المطلق، غير صادق، وإن كان عائدا، إلى الواقع، في الحال، أو الاستقبال، منعنا الأولى، وهي، الملازمة. وسند المنع، ظاهر.
__________
(1) - في الأم بين " مجازا " و" لأنه " ثلاثة عشر سطرا، ضرب عليها المصنف بعلامة (×)، وسيأتي ما ضرب عليه قريبا، وهو من قوله : " أبو هاشم " إلى " من ضرورة اللغة " .
(2) - ليست في (ق ) .

(1/85)


الثاني: أن ] (1)هذا (2) الاستدلال، والجواب، يتمشيان، بعينيهما في المستقبل، حيث يقول المستدل: يصح أن يقال، لمن سيضرب غدا، إنه ليس بضارب، فيقول المعترض: أتريد، أنه يصح عقلا، لمن يضرب غدا، أن يقال: إنه ليس بضارب حينا ما ؟ فصحة هذا النفي، لا ينافي كونه حقيقة، في المستقبل، إنما المنافي له، صحة النفي دائما، لأن نقيض المنتشرة، المطلقة، ليس إلا الدائمة، وهي، لا تصح وفاقا؟. أو تريد، أنه يصح في اللغة، أن يقال: إنه ليس بضارب(3)، فمحل النزاع، بل هو، كيضرب، حقيقة في المستقبل، كالحال، إذ النزاع في حكم لغوي، لا عقلي. والاشتقاق، إنما هو من المصدر الموضوع للأمر الكلي الذهني، الشامل للماضي، والحال، والاستقبال، فلا نسلم أن معنى، ضارب: من ثبت له الضرب، [ لأن ذلك إنما يتمشى على ما ذهب إليه ابن سينا، من اشتراط، صدق وصف الموضوع، على ذاته، بالفعل. وأما على ما ذهب إليه الفارابي، وغيره، من الحكماء، وإليه ينظر كلام أهل الوضع، الآتي ذكره، فإنما الشرط، صدقه عليه، بالإمكان ] (4)، وإلا لزم المعتزلي، أن لا يشتق لغير من قام به الفعل، وسيأتي، ومن هذا تعلم بطلان الاستدلال على الاشتراط بأنه لو لم يشترط، لكان حقيقة في المستقبل،لأن الخصم يمنع بطلان اللازم، فإنه
مصادرة على المدعى.
__________
(1) - ما بين المعقوفين، غير ثابت في الأم . وقد أشار إلى ذلك في هامش (ج) بقوله : " وهذا الاستدلال، والجواب، يتمشيان، آه، كذا في نخ بخط المصـ، ولم يوجد ما هنا من الزيادة فيها . "
(2) - في الأم : " وهذا "
(3) - في هامش (ج) : " نفيا للمطلق " .
(4) - ما بين المعقوفين، غير مثبت في الأم، وقد أشير إلى ذلك في هامش (ج) بقوله : " وإلا لزم المعتزلي، كذا في نخ المصـ ولم يوجد ما زيد هنا ملحقا فيها " .

(1/86)


( أبو هاشم، وابن سينا: لا يشترط ) لعدم انتهاض دليل الاشتراط، كما سمعت، وانتهاض دليل عدمه في المستقبل، أيضا، فالماضي أجدر. قالوا: لو لم يشترط، لصح، كافر، لمؤمن، باعتبار كفر، تقدم، فيكون كافرا مؤمنا (1) معا، حقيقة، ويلزم أن يكون أكابر الصحابة كفارا، حقيقة، وكذلك النائم، واليقضان، والحلو، والحامض، والحر، والعبد، وأمثال ذلك، مما لا يحصى.
الجواب، منع بطلان اللازم في غير المؤمن، والكافر، لأنه محل النزاع، < وإلا لزم أن يكون وصف محمد الآن بأنه رسول الله،مجازا، ولزم (2) أن يقال: أشهد أن محمدا، كان رسول الله. ولهذا جعلوا الحكم على مثل ذلك، لا يكون إلا عرفية (3) فيقولون: النائم، ليس بمستيقض، ما دام نائما، لا دائما، والتقييد، قرينة الاشتراك، فيه >(4) وأما في " المؤمن " و " الكافر "، فإنما امتنع لمنع الشرع < وهو قوله تعالى: { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } >(5) والامتناع لمانع خاص، لا يقدح في المقتضى، فإن عدم الاطراد، حاصل في الحقيقة، كما في " القارورة " وفي المجاز، كما في " نخلة " لغير إنسان
__________
(1) - في (ج) : "وإلا لكان كافرا مؤمنا"،وقد كانت كذلك في الأم،ثم ضرب عليها، وأبدلت في الهامش بما أثبتناه . وفي هامش (ج) : فيكون كافرا مؤمنا، كذا في النسخة التي بخط المصـ وضرب على " وإلا لكان " . وفي (ق) كالأم ضرب على " وإلا لكان " ووضع فوقها " فيكون .
(2) - في (ق) : فلزم .
(3) - في (ج) و (ق) : " بعرفية " وبهامش (ج) : " إلا عرفية، نخ مصـ " .
(4) -ما بين القوسين ألحقه المصنف في هامش نسخته، وصححه . وهو ثابت في (ج) و(ق)
(5) - ما بين القوسين ألحقه المصنف بهامش نسخته، وصححه، وقد ألحق في هامشي (ج) و (ق) أيضا، وصحح.

(1/87)


( وقيل: إن كان بقاؤه ممكنا، ولوجود أجزائه دفعة، كضارب، اشترط، وإلا فلا، كمتكلم ) أما في الممكن فلأدلة المشترطين وأما في غيره، فلأن اللغة، لم تبن على المشاحة. وقد يقال: المشتق، كالمضارع، ينقضي أجزاء الحدث أولا فأول،فلا بقاء في الجميع، إذ ذلك شأن كل حدث سيال، وأيضا تخصيص بعض بالاشتراك، وبعض بغيره، مما يفتقر إلى دليل نقلي، من اللغة، إذ العقلي قد صحح الحقيقة، مع عدم البقاء في الجملة.
( وهو في الاستقبال، مجاز اتفاقا ) منع دعوى الاتفاق، إمامنا القاسم بن محمد عليه السلام، في الأساس، وروي القول بالحقيقة فيه عن بعض أهل العربية، وأبي هاشم، ومنع اختصاصه بالحاجة إلى القرينة، مستندا له بأنه مشترك بين الثلاثة، كالمضارع بين الحال، والاستقبال. فالقرينة مخصصة، لا رافعة.
قلت: ويكشف عن ذلك، ما صرح به أئمة الوضع، من أن المشتقات، وضعت باعتبار أمر عام، وما وضع باعتبار أمر عام، فهو كما وضع لأمر عام، أعني: نحو: رجل، للماهية، لا بشرط شيء، كما تقدم لك، في تحقيق الوضع، وإذا كان الوضع باعتبار الماهية، لا بشرط وجودها، كان في كل من الثلاثة، حقيقة. ولهذا توصف الصلاة المستقبلة، بأنها واجبة، ومطلوبة، ونحو ذلك، حقيقة. ومدعي المجاز، لا دليل له <ويلزمه قول الأشعري، أن لا تكليف، حقيقة، إلا حال الفعل >. (1)
(فصل)
__________
(1) - ألحقه المصنف بهامش نسخته، وصححه . وقد ألحق في هامشي (ج) و (ق) . وصحح.

(1/88)


( والمعنى القائم بمحل، إن لم يكن له اسم مخصوص، كأنواع الروائح، لم يشتق منه اسم المحل ) لأن الاشتقاق، إنما هو من لفظ الاسم، ولا اسم له ( واختلف فيما له اسم مخصوص، فعند أئمتنا، والمعتزلة، لا يجب أن يشتق منه اسم لمحله (1) ) فلا يجب أن يقال للشجرة التي سمع موسى منها الكلام متكلمة، لما عرفت من أن الحقيقة قد لا تطرد، ( ويصح الاشتقاق منه لغيره ) أي: لغير المحل ( وهو فاعله ) أي: الغير، هو فاعل ما في المحل، لا في كل مشتق، حتى يلزم أن الله [ سبحانه](2)، إذا خلق الحركة في شيء قيل له تعالى: متحرك، بل إنما النزاع في البعض ( كمتكلم ) فإنه أطلق على الله تعالى، بالاتفاق. والكلام ليس صفة ذاتية له تعالى، بل هو فعل حادث من أفعاله، وكل حادث لا يصح أن يكون قائما به تعالى، للاتفاق على أن ذاته لا تكون محلا للحوادث، فوجب أن يكون وصفه بمتكلم، لا باعتبار قيام الكلام به، بل باعتبار قيامه بغيره، من ملك يخلقه فيه، أو شجرة، أو نحو ذلك، كما أن وصفه بخالق، ونحوه من صفات الأفعال كذلك ( وخالفت الأشعرية في الأمرين ) فقالت: يجب أن يشتق منه اسم لمحله، ولا يصح الاشتقاق منه لغيره. أما الأول، فادعت، أن عدم الاطراد، إنما يكون فيما ليس للحدوث، كالدبران، والقارورة. وأما ما المراد به الحدوث، فقد تقدم وجوب اطراده، فإذا لم يصح الاشتقاق منه، كشف أن المعنى،غير قائم به. وأما الثاني، فلأنهم لما جعلوا الكلام، صفة ذاتية، أزلية،كالعلم،لم يلزمهم قيام الحوادث بذاته، فصح اشتقاق متكلم له، كما صح اشتقاق عالم، وقادر، لأن الكلام، نوع من العلم بنسبة تصديقية، وهو الكلام النفسي، لا المركب من الحروف،الحادثة باعتماد الصوت،على المخارج،التي هي مجرد دليل عليه.
__________
(1) -قال في هامش (ج) _بخط غري خط الناسخ _ : بل يضاف إلى محله، فيقال : رائحة مسك، ونحو ذلك .
(2) - لم تثبت في الأم و(ق) .

(1/89)


لنا: أطلق " الخالق " على الله تعالى، باعتبار الخلق، والخلق، هو المخلوق، إذ لو كان غيره،لكان هو التأثير، فإن قَدُم قِدَم (1)العالم،إذ لا يتصور تأثير، ولا أثر، وإن حدث، احتاج إلى تأثير آخر، ولزوم التسلسل.
وقد أجابوا، باختيار حدوث التأثير،ومنع احتياجه، إلى تأثير آخر، لأنه إضافة بين القدرة، والمقدور، مقارنة لتعلق أحدهما بالآخر، وإنما يحتاج إلى مؤثر، لو كان حدوثه متقدما على المقدور، غير مقارن. أما إذا حدث التأثير، والأثر عن موجب واحد، هو تعلق القدرة، عند وجود حكمة الإيجاد، فلا، وليس هذا الفن محلا لتحقيق هذه المسالة، لأنها أصل افتراق الأمة. وحق المؤمن، هو الإيمان بالله، وما يجب له، وما يمتنع عليه، على حد ما هو في علم الله، تعالى (2) وهذه طريقة السلف الصالح، سلك الله تعالى بنا سبيلهم، وبلغنا(3) مقيلهم.
(فصل)
( ومدلول الوصف المشتق، ذات ما متصفة بالمشتق منه، من غير إشعار بخصوصيتها، فالأسود، إنما يدل على ذات متصفة بسواد، من دون خصوصية بجسمية، أو غيرها. ومن ثم قال أبو هاشم: لو قدر أنه تعالى مرئي، لم يلزم مجانستة للمرئيات (4). وقال أبو علي: يلزم ) .
احتج الأولون بأن قولنا: الأسود، جسم كلام مفيد، فلو دل المبتدأ، على الخبر، لما كان مفيدا، بل كان مثل: زيد هو زيد.
__________
(1) - كذا ضبطت الكلمتان في (ج) ووضع فوق الأولى "صـ" .
(2) -في (ج) : سبحانه، وفوقها : " تعالى نخ " .
(3) - في (ج) : " وبوأنا " .
(4) - قال في هامش ( ج) : " في الجسمية، لكونه معلوما، إذ معناه، أن رائيا، رآه، لا أنه من جنس من يرى . تمت مقدمة " .

(1/90)


والآخرون، يمنعون إفادة " الأسود، جسم " في خطاب من يعلم، أن السواد لا يكون إلا في جسم، وإن أريد إفادته، في خطاب من لا يعلم ذلك، فالإفادة، وعدمها مما يرجع إلى جهل المخاطب، بالنسبة، وعدمه، فلا يجب الاطراد، في كل مخاطب. وأما مسألة مرئي فلا ينبني الخلاف فيه على هذه المسألة؛ لأن الرؤية، ليست معنى قائما بالمفعول. والنزاع، إنما هو في المشتق، من المعاني الحقيقية، كالسواد، ونحوه، من الأعراض، المفتقرة، إلى الأجسام، لا المعاني الإضافية، وإلا لزم في " محمود " و"مشكور " أن يكون من جنس من يحمد، ويشكر، ثم إن كان المراد، تفسير المدلول الوضعي، فهو إنما يعرف من تتبع موارد الاستعمال، ولا يستعمل " أسود " إلا في جسم. وأما مثل: يوم أبيض، وأسود، فمجاز، بالاتفاق، وإن كان المراد، المدلول العقلي، فلا شبهة، في دلالة الأسود على الجسم، عقلا، لعدم إمكان قيام المعنى بالمعنى، عقلا. فحديث الإفادة، مشترك الإلزام، والتصريح <بنسبة اللازم إلى الملزوم، لا ينافيه، فهم لزومه من لفظه >(1) بل الحمل كله مبني على وضع الملزوم، وحمل اللازم.
(فصل)
__________
(1) - ما بين القوسين غير مثبت في (ج) والموجود فيها : " والتصريح باللازم، لا ينافيه، ذكر الملزوم، بل الحمل كله مبني على وضع الملزوم، وحمل اللازم " . وقد كانت العبارة في الأم و ( ق) كذلك، ثم جرى عليها الحذف والتعديل، والإضافات، حتى صارت على نحو ما أثبتناه بين القوسين . وبهامش (ج) ما لفظه : " بنسبة اللازم إلى الملزوم، لا ينافيه فهم لزومه له من لفظه، صـ مصـ كذا صححه، وضرب على المصدر هنا " .

(1/91)


( وما ثبت التعميم فيه، بالنقل، جامدا كرجل، أو مشتقا، كعالم، أو بالاستقراء. كرفع الفاعل ) ونصب المفعول، فإن استقراء كلام العرب، وهو تتبع جزئيات الفاعل، والمفعول، في كلامهم ووجدان كل جزئي منهما، موافقا في الإعراب، للجزئي الآخر، يحصل لنا من(1) ذلك، حكم كلي برفع كل فاعل، ونصب كل مفعول والتعميم في اللغة، لا يثبت،إلا بهذه الطريق. وقول المصنف: إن تعميم عالم، ورجل، مما يثبت بالنقل، فرع تعين الواضع، لينتهي إليه النقل، ولم يحكم، أئمة اللغة بالوضع، إلا من تتبع موارد الاستعمال، فيما حصل فيه المعنى المشترك، من الرجولية، والعلم، ولهذا بقي النزاع في تعيين معنى رجل، ونحوه، فقيل: هو ما في الذهن، وقيل: ما في الخارج، وقيل: ما هو أعم منهما، ولو كان نقليا، لاحتجوا فيه بالنقل، ولم يحتج أحد به.
نعم ؛ بين مثل: رجل، وعالم، وبين، رفع الفاعل، ونصب المفعول، فرق آخر، وهو أن الأولين، لفظ، والإعراب، هيئة، لآخر اللفظ، أو جزء منه، فلا يتصفان بالوضع، ولا يستقلان بالدلالة على المعنى. وأما ما توهم أن الرفع يدل على الفاعلية، والنصب يدل على المفعولية، فقد بينا فساده، في النبذة التي سميناها، " الأغراب في تيسير الإعراب " فما كان من أي ما ذكر ( فمتفق على اطراده ) بمعنى: أن ما حصل فيه المعنى الملازم، كالرجولية، والعِلم، في الأولين، والفاعلية، والمفعولية، في الآخرين، سمي بذلك الاسم، ووقع عليه ذلك الإعراب، وينبغي تخصيص الاطراد، بما تقدم، من أنه لا يجب أن يشتق من المعنى، اسم لمحله، لكنه لا يبقى، فرق يعتد به بينه، وبين القسم الذي أشار إليه بقوله:
__________
(1) - في (ج) و (ق) :" منه " وفوقها في (ج) : من ذلك صـ مصـ .

(1/92)


( واختلف في إثبات الأسماء اللغوية، بقياس لغوي ) . لو قال(1): إثبات لغة العرب بالقياس، لكان أظهر، لأن معنى اللغوية، واللغوي، هو ما فعله العرب. والنزاع، إنما هو فيما لم يفعلوه، ولهذا قال: ( فيسمى لغة: المسكوت عنه باسم غيره ) الذي ثبتت تسمية العرب له به ( بجامع بينهما ) تدور معه التسمية، وجودا، وعدما ( كالنبيذ ) هل يسمى، ( خمرا، للتخمير ) الذي تدور تسمية العصير، خمرا معه، وجودا، وعدما، ( والنباش ) لأكفان أهل المقابر، هل يسمى ( سارقا، للأخذ، خفية ) الذي تدور معه تسمية الرجل، سارقا، وجودا وعدما إذ الآخذ بغير خفية، إنما يسمى، غاصبا، لا سارقا ( واللائط ) هل يسمى ( زانيا، للإيلاج، المحرك ) الذي دارت تسميته، زانيا معه، وجودا، وعدما، ( والمختار: منع ذلك ) أي: منع نسبته، إلى اللغة، لأنه يستلزم، ثبوت الحدود، في مثل ذلك بالتعميم، اللغوي، حيث صار الاسم، عاما، للمعنيين، لغة كالخاص، المراد به، العام، لا بالتعميم، القياسي، الشرعي، المعبر عنه، بتخريج المناط، والفرق بين الأمرين، جلي ( إلا ) أن يثبت ذلك التعميم، ( بالنقل، أو الاستقراء ) استثناء، منقطع، إذ الكلام فيما لا يكون بنقل، ولا استقراء، كما في القسمين، الأولين وإذا عرفت أن الكل إنما يثبت بالاستقراء، الذي هو: استخراج مناط الاستعمال، في الجزئيات، ليناط به حكم كلي، فاعلم أن ذلك الاستقراء، قد يكون مستغرقا للأفراد، فيسمى، استقراء، تاما. وإنما يكون بمنفصلة، حقيقية، فيفيد، القطع بالمناط، وقد يكون استقراء، لبعض الأفراد، فيكون استقراء، ناقصا، فإن كان باستغراق، أكثر الأفراد، حصل به الظن، للمناط، كما في القسمين الأولين، من مسألتنا، لا العلم. ولهذا، يجوز التخلف، كما تقدم، في مسألة متكلم < وكرفع المفعول، في قول الفرزدق:
وغصن زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحت أو مجلف
__________
(1) - في (ج) و (ق) :" ولو " وفوقها في (ج) : "لو صـ مصـ "

(1/93)


ورفع المستثنى، في الموجب، نحو: قراءة { فشربوا منه إلا قليلا } برفع، قليل >(1)، وإن كان لا باستغراق أكثر الجزئيات، لم يحصل ظنا، كما في القسم الأخير، ( وفاقا، للجويني، والغزالي، والآمدي، وابن الحاجب ) .
لنا: إثبات اللغة، بالمحتمل، لجواز التصريح بخلافه. قالوا: جواز التصريح بالخلاف، ثابت في الظواهر، كالعمومات. قلنا: فليجب الوضع بغير قياس،إذا قام الاحتمال. قالوا: إن كان الاحتمال لدليل من قياس، أو غيره، فهو المدعى، وإلا فلا لزوم، إذ النزاع في الوضع، بدليل، والقياس، دليل كالآحاد. قلنا: يجوز، كون خصوصية الأصل،شرطا، أو خصوصية، الفرع، مانعا،. قالوا: ذلك، إنما ينفي القطع، لا الظهور، وإلا لزمكم في الشرعي.
قلنا: علة الشرعي، في الحقيقة، هي الإجماع.
قالوا: لا إجماع، لاشتهار الخلاف فيه عن أمم.
( وخلافا للمنصور، والباقلاني، وابن سريج، وابن أبي هريرة، والرازي، وجمهور أئمة العربية، ) قالوا: لعدم الفرق بين القياس في اللغة، وفي الشرع، إلا بما ذكرتم، ولم ينتهض، كما تقدم، وأيضا يصح الإطلاق مجازا للتشابه الصوري، والمجازي، من اللغة، ضرورة.
فإن قلتم: ( وليس المجاز من ذلك، إذ العلاقة، مصححة للتجوز ) لأن المجاز، موضوع، بالنوع، لكل ما حصلت فيه العلاقة، فهو ( كرفع الفاعل ) وقد تقدم، أنه مما يثبت، بالتعميم.
قلنا: فلم لا يجوز أن يسمى، النباش، سارقا، مجازا للتشابه الصوري، حتى إذا أطلق اللفظ، صح أن يراد به حقيقته، ومجازه، ويكون ذلك من إثبات حكم المجاز، باللفظ، لا بالقياس، فإن علة القياس، هي علاقة المجاز بنفسها، فالفرق، مجرد دعوى، لا سيما إذا كانت علة التسمية، معلومة، وسيأتي القول بأنها مقتضية للتعميم، ولا فرق بين تعميم الاسم، المسمى قياسا في اللغة، وتعميم الحكم المسمى قياسا الشرع، إلا مجرد الآباء.
__________
(1) - ما بين القوسين ألحقه المصنف، بهامش نسخته، وصححه . وهو ثابت في (ج) و(ق) .

(1/94)


نعم ؛ إنما ينجو من ذلك من منع القياس، بتخريج المناط، واشترط النص على العلة، ( فأما إثبات الأسماء، الشرعية، بقياس شرعي، فجائز، على الأصح، كما يأتي، إن شاء الله ) عند الخلاف في أ، شيئا، من القياس، هل يفيد القطع، حتى يصح التكفير، والتفسيق به ؟ أم لا يفيد، قطعا، فلا يصح ؟.
(فصل)
يذكر فيه بيان [ تمييز ] المعاني، الحقيقية، لبعض الحروف، من المجازية، ولا حاجة، إليه، بعد تحقيق الحقيقة، والمجاز، وعلاماتهما، وما يحكم به، إذا أراد اللفظ بين المجاز والاشتراك، وإلا لكان تخصيص بعض الحروف، بالذكر، دون الأسماء، ودون باقي الحروف، تحكما. لكنا نمشي معه كما مشى هو مع غيره، بقدر تفسير كلامه، وإلا فمباحث الحروف طويلة متشعبة، لا يتسع لها غير فنها، اللغة.
فنقول: ( في الحروف: الواو، للجمع، المطلق ) أي: غير المقيد، بترتيب، ولامعية، ولا عدمهما، فيكون متواطئا، بين الترتيب، والمعية، وغيرهما، إلا أنه يشكل بأن من معاني، الواو، المعية، فهي مشتركة، فلا يصح الحكم بأنها ليست للمعية، حتى يعلم أنها ليست للمعية، ولا ينتهض الاستدلال بالنصب، لعدم إفادته في نحو: ضربت زيدا، وعمرا، ولأنه يستلزم أن لا يكون، للمعية، إلا مع النصب، < فلا تكون المعية، من مواردها، > عند عدم النصب، [ كما في: كل رجل، وضيعته ]. وهو خلاف ما ( عند أكثر أئمتنا، والجمهور: لا ) أن معناها الدلالة على ( كون متبعها ) أي: أن الذي تبعها، يكون ( في الحكم، محتملا، للمعية، رجحان، ) على التقدم، والتأخر، عما قبلها، ( وللتأخر بكثرة ) على التقدم. والفرق بين الكثرة، والرجحان، أن الرجحان، أكثر من الكثير، ( وللتقدم بقلة ) .

(1/95)


فعلى هذا، يكون حقيقة في المعية، لأن الغلبة، والرجحان، يقتضيان السبق، إلى الفهم الذي هو أمارة الحقيقة، ومجرد الاستعمال في شيء لا وجب كونه من المعنى الحقيقي. ( خلافا لبعض النحاة ) وهو: ابن مالك. وإنما ذهب إلى ذلك أخذا من تتبع موارد الاستعمال الذي تثبت به اللغة، والحكم بحقائقها، ومجازاتها.
( ولا الترتيب، خلافا لأبي طالب، والشافعي، والفراء، وثعلب، وأبي عبيد، ) أخذا من موارد الاستعمال، نحو: ( اركعوا ) واسجدوا والصفا والمروة حتى قيل: " إبدأوا بما بدأ الله به ". ولأن المعية تقتضي النصب، كما تقدم. ( وعن الفراء، أنها للترتيب، حيث يستحيل الجمع من مفرد ) نحو: داخل، وخارج، ( أو جملة ) نحو: يدخل، ويخرج ( ولا للمعية ) يريد: أن التي لا تنصب المفعول معه، ولا هي للحال، لا تكون للمعية، فقط، بل هي للقدر المشترك، بين المعية، وغيرها، كما تقدم، ( قيل: وقد تزاد ) كما في قوله تعالى: { حتى إذا جاءوها، وفتحت أبوابها } لأن ما دخلت عليه، هو الجزاء، ولا تدخله الواو، فهي، كالتي تدخل في خبر باب كان، كقول الحماسي:
فلما صرح الشر وأمسى وهو عريان
وكالتي لتأكيد لصوق الوصف، نحو: { سبعة وثامنهم كلبهم } <وكثيرا ما تكون بمعنى أو كما في: " ألكلمة: اسم، وفعل، وحرف " وتسميها، المناطقة، الواو الفاصلة، لأنها أداة للانفصال، كأو >.
( والفاء: للتعقيب ) بغير مهلة، لأنه المفهوم، من التعقيب، ( خلافا لبعض النحويين، ) فإنه ذهب إلى أنها ترادف " ثم"، كما في آيتي خلق الإنسان.وليس خلافه، راجعا إلى أن معناها، معنى الواو، كما يحتج لذلك بنحو، قوله:
إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده
فإن ذلك،مجاز، من تشبيه الترتيب في الانتقال الذهني، بالترتيب في الوقوع الخارجي، وفاقا ( وقد تقع موقع ثم ) في استعمالها، مع المهلة، كما في آيتي خلق الإنسان، التي احتج بها بعض النحويين.

(1/96)


وقد عرفت أن الاستعمال، لا يستلزم الحقيقة، التي هي محل النزاع، ولا تثبت إلا بالغلبة، لا بالنادر، وإن كان مشكلا على القول بغلبة المجاز، كما تقدم.
( وتفيد السببية، حيث يعطف بها جملة ) نحو: " فإنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دما " ( أو صفة ) باللام، نحو:
يا لهف زيابة للحرب الصابح فالغانم فالآيب
لأن الصفة حينئذ، جملة فعلية، في صورة، المفرد، فهي في قوة "الذي يصبح، فيغنم " [ فيؤب ].
( وثم، تشارك، الفاء، في الترتيب، على الأصح ) خلافا لأبي عاصم العبادي، فذهب إلى أنها بمعنى الواو، كما في: " إن من ساد ثم ساد أبوه ". وفي قوله تعالى: { كلا سوف يعلمون ثم كلا سوف يعلمون } . ( وتنفرد بالمهلة، على الأصح ) إشارة إلى خلاف بعض النحويين، المقدم، وقد تقع موقع، الفاء، مجازا، كثيرا، نحو: دخل زيد ثم عمرو، أي: عقبه ( و ) تقع أيضا ( في عطف المتقدم بالزمان، اكتفاء بترتيب اللفظ ) كما تقدم في خلاف أبي عاصم.
وقال ( المؤيد بالله: تقع موقع الواو ) نحو قوله تعالى: ( ثم إن علينا بيانه ) أي: وعلينا بيانه.
( وحتى، ومعطوفها، بعض متبوعه، ) نحو: قدم الحاج حتى المشاة ( أو كبعضه ) [ نحو ]: جاءني القوم حتى غلمانهم. وربما عطف بها اللازم عقلا، كما في قوله:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله والزاد حتى نعله ألقاها
فإنه لما بالغ في وصف حامل الصحيفة بالتخفف، حتى طرح ما هو سبب سفره، وقوامه، كان ذلك في قوة، طرح كل شيء، فيدخل النعل في العموم، ويجوز أن تكون حتى، ابتدائية، ونصب الفعل بمحذوف، مفسرا بالمشتغل بعده ( وغاية له في زيادة ) نحو: مات الناس حتى الأنبياء، لزيادتهم في الفضل، ( أو نقص ) نحو: قدم الحاج، حتى المشاة، لأنهم أنقص الحاج حالة.

(1/97)


وهاهنا بحث. وهو أن التي للغاية، غير العاطفة. بيانه، أن الغاية، مختلف في دخولها في الحكم المغيا، ولا كذلك العاطفة، للاتفاق على أن المعطوف بها ممتظم في حكم المعطوف عليه، بل لم تأت إلا لذلك. وأيضا لا معنى لكونه غاية في الزيادة، والنقص، إذ معنى ذلك، أن يشتركوا في الزيادة، ويزيد بعضهم فيها، كما يقال: هو غاية في زيادة الكرم، يعني،أنه شارك في زيادة الكرم، ثم كان هو الغاية، في الزيادة. وكذا في جانب النقص، ولا يمكن تطبيق ذلك فيما نحن فيه، إذ لا معنى لكون الأنبياء غاية في زيادة الموت، ولا المشاة، غاية في زيادة القدوم.
( ولا يقتضي ترتيبا ) في الخارج بين المعطوف، والمعطوف عليه، لما عرفت من جواز وقوع المعطوف قبل المعطوف عليه، ( خلافا للزمخشري ) فذهب إلى ما حققه أئمة النحاة من أن الترتيب الدال عليه الحرف لا يجب أن يكون خارجيا، بل المراد بالترتيب، أعم مما في الذهن، أو في الخارج، فإن الذهن يذهب إلى أن الماشي، من الحاج، إنما يقدم آخر الحاج، لما يخيل إليه من ضعفه، المقتضي لذلك، وكذا يذهب الذهن إلى أن الفاضل إنما يموت بعد الناقص، لما يخيل إليه من عدم سخاء الموت بإفنائه. ولهذا أنكر أكثر الصحابة موت النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب جم غفير من الشيعة إلى أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، لم يمت، وإنما رفع إلى السماء، وغير ذلك، من أحكام الأوهام.
( وأو، وأما، لشك ) من المتكلم ( أو تشكيك ) على المخاطب ( أو تقسيم ) لمحل ( أو إيهام ) على المخاطب. هو التشكيك بعينه ( أو تخيير ) أي: تسوية بين ماقبلها، وما بعدها في الحكم ( وإذا استعملتا في ما أصله الحصر، امتنع الجمع، بين المطوف، والمعطوف عليه ) نحو: خذ من مالي درهما، أو دينارا، (إلا ما أصله الإباحة ) فلا يمتنع الجمع، نحو: كل واشرب، ( وقد تكون أو بمعنى: إلا ) نحو: لألزمنك، أو تطيني حقي، أي: إلا أن تعطيني.

(1/98)


( الهادي عليه السلام: وبمعنى، الواو ) نحو قوله تعالى: { إلى مائة ألف أو يزيدون } لامتناع الشك، والتشكيك في كلام الله تعالى. وليس من مقامات التخيير، والتقسيم. قيل: ومثله، قوله تعالى، { لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } .
( ولا، وهي، عاطفة، بعد أمر، او خير مثبت، أو نداء، أو غير عاطفة، نافية، وزائدة ) وأمثلة ذلك ظاهرة، ومعروفة، من النحو ( وقد تحذف، وهي مرادة ) لتفرق بين نفي مجموع الأمرين،ونفي أحدهما، نحو: ما جاءني زيد، وعمر، أي: ولا عمر.
( وبل، لنفي الحكم عن الأول ) مبني على ما ذكره بعضهم، أنها لنفي الحكم، عن الأول. والذي قرره المحققون، أن الأول في حكم المسكوت عنه، ومعنى نفي الحكم، في المثبت، ظاهر، وأما في المنفي، نحو: ما جاءني زيد، بل عمر، فالجمهور، على أن المعنى: بل عمر جاء، فلا يكون الحكم على هذا، منفيا عن زيد، بل باقيا، وإنما يتمشى ذلك على مذهب المبرد.
أن معنى: ما جاءني زيد، بل عمر: أن عمرا الذي لم يجئ، فيكون عدم المجيء، منفيا عن زيد، بمعنى، أنه جاء.
( ولكن للاستدراك، ويلزمها، النفي، وأو النهي، عند عطف المفرد ) نحو: ما جاءني، زيد، لكن عمرو، ولا تضرب، زيدا،لكن عمرا. ( والتناقض عند عطف الجمل ) ليس المراد التناقض الحقيقي بل مثل ما في قوله تعالى: { وإن ربك لذو فضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون } فإنه لا تناقض بين تفضل الله [ تعالى ] على عباده، وعدم شكر أكثرهم، بل إنه لا تناسب، بين التفضل وعدم شكره، ( وكالحروف، الناصبة ) كأنه، عطف على مجرور بالكاف، حذف من بعض النسخ، (كإذن ) للجواب، والجزاء، عند سبويه. قيل: قائله، أبو علي الشلوبين، ( مطلقا ) أي: لا تردد لغيره، وقيل قائله أبو علي الفارسي، ( غالبا ) أي: يكون لهما في الأغلب، وقد ترد لمجرد الظرفية.

(1/99)


( ولن: لتأكيد النفي في الاستقبال، وهي حقيقة في التأبيد ) أي: تأبيد النفي، نحو قوله، تعالى لموسى: { لن تراني } ( وفاقا، للزمخشري، وغيره، وخلافا، لابن مالك، وغيره، ولا تردد للدعاء خلافا لابن عصفور ) فيصح أن يقال عنده: اللهم لن تغفر لفلان، كما يقال: اللهم لا تغفر له.
( وكي، للسببية، ) أي: للغرض الباعث على الفعل، فإن السبب، أعم من الغرض، ( وكحروف الجر، منها: من لابتداء الغاية ) وقعت العبارة في كلام النحاة، هكذا، والصواب، لابتداء المغيا ( والتبعيض، والتبيين، وزائدة، ) في غير الموجب ( وللتعليل، ) نحو: { مما خطيئاتهم أغرقوا } ( وللبدل ) نحو: { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } ( والمجاوزة ) التي هي معنى عن، نحو: { فويل للقاسية قلوبهم، من ذكر الله } على رأي ( وللانتهاء ) الذي هو معنى إلى فيكون على هذا من أسماء الأضداد، لأن جميع ما تقدم فيه معنى الابتداء، ولا يتحقق له ههنا مثال < فنقول: وإنما يمثل له بنحو: دخل ضوء الهلال، من المنزل، أي: إليه > ( وللاستعلاء ) نحو: { ونصرناه من القوم الذين كذبوا } ( وللفصل ) نحو: { والله يعلم المفسد من المصلح } ( ولموافقة الباء ) نحو: { ينظرون من طرف خفي } ( وفي ) نحو: أ { أروني ماذا خلقوا من الأرض } على رأي ( وتزاد، لتنصيص العموم ) نحو: " ما جاءني من رجل " لاحتمال النكرة للوحدة، ( أو لمجرد التوكيد ) إذا لم تحتمل الوحدة، نحو: ما جاءني، من أحد، لأن أحدا، يراد به: الكثرة، وإنما يفيد المعنيين ( بعد نفي أو شبهه ) من استفهام، أو نهي.

(1/100)


( والباء، وهي للإلصاق ) نحو: وصلت هذا بذاك، ( والاستعانة ) نحو: كتبت بالقلم، ( والسببية، والتعليل، ) هما هنا بمعنى واحد، إذ لا يراد بالتعليل الغرض لعدم مجيئها له، ومثالهما: { ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل } ( والمصاحبة، ) نحو: { جاءكم الرسول بالحق } ( والظرفية ) نحو: { نصركم الله ببدر } ( والبدل ) نحو: بعت هذا بهذا، ( وموافقة عن ) نحو: { سأل سائل بعذاب } ( وعلى ) نحو: ركبت بالبحر ( وتزاد مع فاعل ) نحو: { وكفى بالله شهيدا } ( ومفعول ) نحو: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ( وغيرهما ) نحو: بحسبك درهم ( ولا تكون للتبعيض، وفاقا للجمهور، وخلافا للشافعية ) محتجين بمثل: ( عينا يشرب بها عباد الله ) أي: منها.
( واللام. للاختصاص ) نحو: الجل، للفرس ( والتعليل ) وتسمى: لام كي، نحو: { لتحكم بين الناس بما أراك الله } ( وللاستحقاق ) نحو: { إنما الصدقات للفقراء } ( وللنسب ) نحو: { أدعوهم لآبائهم } ( وللعاقبة ) نحو: " لدوا للموت وابنوا للخراب ". ( والتبليغ ) نحو: { أقم الصلا لدلوك الشمس } عند من يرى أنه الغروب، ( والتعجب ) نحو: لله دره، ( والتبيين ) نحو: { هيت لك } ( والصيرورة ) هي: العاقبة، التي تقدمت. ( وموافقة في ) نحو: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } ( وعند ) نحو: كذب بالحق، لأول سماعه، ( وإلى ) هو معنى التبليغ. ( وبعد ) نحو: " تنكح المرأة لكمال عدتها " ( وعلى ) نحو: ( يخرون للأذقان ) ( ومن ) نحو: قصده لوجهه.

(1/101)


( وفي. للظرفية، حقيقة، ) نحو: زيد في الدار، ( أو مجازا ) نحو: { ولكم في القصاص حياة } . ( والمصاحبة ) نحو: { ادخلوا في أمم } ، ( والتعليل ) نحو: { لمسكم فيما أخذتم } ( والمقايسة ) نحو: { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة } ، ( وموافقة على ) نحو: { لأصلبنكم في جذوع النخل } ( والباء ) نحو: أخذت هذا في هذا، أي: بهذا، ( وبين ظهورها، وإضمارها، فرق ) . حاصله، أن " صمت هذه السنة " يستغرق الكل منها. و" صمت في هذه السنة " لا يستغرق الكل.
( وإلى للانتهاء، ) نحو: { وأتموا الصيام، إلى الليل، } ، ( والتبيين ) نحو: { قال رب السجن أحب إلي } ( والمصاحب ) نحو: { من أنصاري إلى الله } ، ( وموافقة اللام ) نحو: { الأمر إليك } ( وفي ) نحو: { ليجمعنكم إلى يوم القيامة }
( ومن ) الابتدائية، كما تقدم، ف كون " من " بمعنى، " إلى " ويصلح هنا "الأمر إليك " أيضا. ( واختلف في دخول ما بعدها، في حكم ما قبلها. فقيل: يدخل ) وهو مروي عن زفر. وعلى هذا يكون من المنطوق، ويكون المفهوم فيما وراء الغاية، ( وقيل:مشتركة، وقيل: إن كان من جنسه، فقط ) والصحيح، أنها تقتضي، مخالطة جزء من الغاية، كما أن " من " تقتضي مخالطة جزء من موضع البداية، كما ذكره صاحب الكشاف، في قوله تعالى: { أو كصيب من السماء فيه ظلمات } وذلك أمر معروف، من العرف.
( وعلى للاستعلاء، حسا ) نحو: ركب على الفرس، ( أو حكما ) نحو: { فضلنا بعضهم على بعض } ( والمجاوزة ) نحو: رضي الله عليه، أي: عنه. ( والمصاحبة ) نحو: { وآتى المال على حبه } ( والظرفية ) نحو: { ما تتلو الشياطين على ملك سليمان } ( والتعليل ) نحو: { ولتكبروا الله على ما هداكم } ( وموافقة من ) نحو: { إذا اكتالوا على الناس يستوفون } ، ( والباء ) نحو: { حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق } .

(1/102)


( وحتى، لانتهاء العمل بمجرورها، أو عنده ) فيجوز، في نحو: { هي حتى مطلع الفجر } أن يكون انتهاء ليلة القدر، هو طلوع الفجر، أو عند طلوع الفجر، كم تقدم من الخلاف في دخول الغاية، في الحكم، أو عدم دخولها، فالباء في قوله بمجرورها، متعلقة بالانتهاء، لا بالعمل، ولو حذف لفظ العمل، لكان أولى.
( ورب، وهي: عند جمهور البصرين، والكوفيين، للتقليل ) إلا أن بعض الكوفيين يجعلها اسما مثل " كم " ( وعند صاحب العين ) هو الخليل بن أحمد ( وابن درستويه، وغيرهما ) سيبويه، وابن مالك ( للتكثير ) فلا تفتقر مثل: { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } إلى تكلف تحقيق التقليل ( وقيل: لهما معا ) واختاره صاحب جمع الجوامع، وهو قياس القول بأن الحمل على الاشتراك أولى من المجاز ( وقيل: حرف إثبات لم يوضع لهما، وإنما يفهمان من السياق. واختاره أبو حيان ) وهو ساقط، لأ، الإثبات، لا يحتاج إلى حرف، لأنه مفهوم الجملة، بخلاف النفي.

(1/103)


( والباء، والتاء، والواو، للقسم، وكحروف الشرط، وغيرها، نحو " لو "، ويقتضي امتناع الأول، لامتناعه، بأن يكون الجزاء، لازما، عقليا، فيكون انتفاء اللازم، مستلزما لانتفاء الملزوم. [ لا لو كانت القضية، وفاقية، نحو: " لو لم يخف الله، لم يعصه، " فإن عدم الخوف، ليس مناسبا، لعدم العصيان، وإنما المناسب له، هو الخوف، وسيأتي ]، ( ولم يخلف المقدم غيره ) هذا وهم، كما سيأتي تحقيقه، ( نحو: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ) فإنها جاءت للاستدلال بانتفاء الفساد، على انتفاء الآلهة، ( لا إن خلفه، نحو: لو كان إنسانا، لكان حيوانا ) [ لأن انتفاء الإنسانية، لا تستلزم انتفاء الحيوانية، لأنه يخلف الإنسان، الفرس مثلا.وهي، تستلزم الحيوانية، لكن] هذا الاستدراك، إنما يتمشى على ما ذكره النحاة، أنها موضوعة، لتدل على أن انتفاء الثانية، كان لأجل انتفاء الأول. ولما كان ظاهر البطلان، لأن الأول، سبب، أو ملزوم، وانتفاء السبب، والملزوم، لا يستلزم انتفاء المسبب، واللازم، لجواز تعدد الأسباب، وعموم اللازم.
عدل بعض محققي النحاة إلى كلام المناطقة، فجعلها موضوعة لانتفاء الأول لأجل انتفاء الثاني كما ذكره المصنف. وذلك مطرد، لأن انتفاء اللازم، والمسبب، يدل على انتفاء كل الملزومات، والأسباب. قيل: ولا حاجة إلى تغيير كلام النحاة، لأنهم لا ينظرون إلى الاستدلال بالأقيسة الشرطية، التي لا ينتج منها إلا وضع المقدم، ورفع التالي، دون العكس، بل إنما ينظرون إلى الحكم بوقوع الجزاء، عند وقوع الشرط، فالشرط عندهم قيد لحكم الجزاء، كالطرف، فكما أن قولنا: آتيك إذ طلعت الشمس، خبر بالإتيان، مؤقت بطلوع الشمس، فكذا إذا طلعت الشمس آتيك < وكذا قولهم: لو جئتني، أكرمتك، معناه: الإٍخبار، بأن الإكرام، كان يحصل عند المجيء >.
وأما المناطقة، فليس خبرا، مؤقتا بالإتيان، بل خبرا بلزوم الإتيان، لطلوع الشمس، فكم بين المذهبين من بون.

(1/104)


قلت: لأن الكذب عند النحوي، والصدق،إنما يكونان بتحقق الإتيان، في ذلك الوقت، أو عدمه. وأما الصدق، والكذب عند المناطقة، فإنهما فرع تحقق لزوم لعلاقة، أو اتفاقا، أو عدمه، فإن تحقق التلازم حال النطق بالقضية، فصادقة، وإلا فكاذبة سواء وقع الشرط، أو لم يقع. < وهذا حاصل تحقيق المقام على ما بلغت إليه همم الأقوام.
وأنا أقول: هو خبط، منشؤه، عدم التيقظ، لما صرح به صاحب المفتاح، وشراحه من أن " لو " لربط امتناع شيء، بامتناع غيره، حقيقة، لا لربط وجود شيء بوجود غيره فرضا، كما توهمه الجماهير لأن ذلك موضوع أن وما تضمنها، وحينئذ لا غبار على قول النحاة أن " لو " لامتناع الثاني، لامتناع الأول. ولا صحة لقول التفتازاني أن قوله تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } وارد على كلام المناطقة، لا على كلام النحاة، بل هو جار بعد هذا التحقيق على المذهبين، لأن انتفاء اللازم الذي هو امتناع الفساد، بأن يوجد الفساد بدل على انتفاء ( الملزوم الذي هو ) امتناع الآلهة، كما يدل وجود امتناع الآلهة ( الذي هو الملزوم ) على وجود امتناع الفساد، ( الذي هو اللازم ) غاية الأمر أن لا تكون القضية لزومية، بل اتفاقية، لعدم العلاقة بين الامتناعن، والشرطيات، لا تنحصر في اللزوميات، كما علمت. ولهذا صرح التفتازاني في المذهب الكلامي، من علم البديع بأن الآية الكريمة،من الخطابيات [ لا الاستدلاليات ] البرهانيات، ( وحققنا ذلك في شرحنا للكافية، بأبلغ من هذا التحقيق ) .

(1/105)


( ويثبت ) الظاهر أن المراد يثبت تاليه ( إن لم يناف ) امتناع ما يليه ( وناسب ) امتناعه أيضا ( بالأولى ) متعلق بيثبت، ( نحو: " لو لم يخف الله لم يعصه " ) فإن التالي، وهو عدم العصيان في حال امتناع المقدم، أعني امتناع عدم الخوف، وهو حصول الخوف، ثابت بالأولى، ولا يخفى قصور عبارة المصنف عن تأدية هذا المعنى،، وقلق ؟ مراجع عطفها ؟ وضمائرها، ( أو المساواة ) عطف على " بالأولى " ( نحو: " لو لم تكن ربيبة، لما حلت للرضاع " ) يشير إلى معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قيل له: تزوج بدُرّة بنت أبي سلمة، فقال: لولا أنها ربتني في حجري، لما حلت لي، إنها بنت أخي، من الرضاعة. < وإن كان الحديث بلفظ " لولا " فالظاهر أنه تصحيف، لافتقار " لولا " إلى تكلف أشد من التكلف للو > [ لأنها عند الجمهور، حرف امتناع لوجود، ولا يمتنع عدم الحل، لوجود الرباية ؟ فلا يستقيم المعنى إلا على مذهب الفراء، أنها " لا " ومدخولها فترجع إلى معنى " لو لم تكن ربيبتي " فيثبت ] التحريم، على تقدير المقدم، وعدمه ثابت، على السواء، لأن أحد السببين الرضاعة، أو الصهارة، كاف فيه، فلا تتفاوت بكثرة الأسباب، وقلتها.
واعلم أن كلمة الشرط في هذين المثالين، ونحوهما لمجرد الربط بين أمرين، كما في " زيد ولو كثر ماله بخيل " لا للشرط النحوي، أعني: تقييد الحكم، ولا المنطقي، أعني: الحكم بالملازمة ، ولهذا لا يصح استثناء نقيض المقدم كما هو رأي النحاة، ولا نقيض التالي، ولا عين المقدم، كما هو رأي المناطقة، وأكثر ما يستعمل هذا المعنى مع واو العطف، فهو في قوة " لا يعصي الله مع الخوف، ولو لم يخف أيضا " كما في: " زيد ولو كثر ماله بخيل ".
( وهي: للمضي، وقد تستعمل للمستقبل ) لنكت، موضع تفصيلها علم المعاني، نحو: { ولو ترى إذ وقفوا علي النار } .

(1/106)


( وإن. وهي: لربط شرطها ) بجزائها، في الاستقبال. ولو قال " لربط جزائها بشرطها، لكان أولى، لما علمت من أ، الشرط، قيد، والجزاء، مقيد، وقد يكون للمضي، كما في قول أبي العلاء:
أيا وطني إن فاتني بك سابق من الدهر فلينعم لساكنك البا
وتأتي لمجرد الربط، ك " لو " نحو: زيد وإن كثر ماله، بخيل " ( وكذا ما في معناها ) من كلمات الشرط.
( وأما لتفصيل نسب متعددة ) فيه تسامح لأنها موضوعة لتفصيل المجمل بنسب، لا أنها موضوعة لتفصيل النسب. فإن قولك: هؤلاء، فضلاء، أما زيد فعالم، وأما عمر فزاهد، وأما أبو بكر، فعابد، تفصيل للفضل المجمل، بهذه النسب، المتعددة، < قيل > ( وقد تكون مقدرة ) كما قيل: إن قوله تعالى: { والراسخون في العلم } في قوة: وأما الراسخون في العلم، لتقابل { فأما الذين في قلوبهم زيغ } .
( ولولا. ومعناها، في الجملة الاسمية: امتناع جوابها، لوجود شرطها ) نحو: لولا علي، لهلك عمر. فإنها تدل على امتناع هلاك عمر، لوجود علي.
إذا علمت أن الشرط ( هو ما أثر عدمه، في عدم المشروط ) ، علمت، أنها ليست من أدوات الشرط. والمصنف قد أدرجها، في أدوات الشرط، توهما من احتياجها، إلى الجواب، وهو منقوض بحروف القسم.
[ نعم ؛ مذهب الفراء، أنها " لو " الشرطية، شرطها " لا " وما دخلت عليه ]، ( وفي، الفعلية، التوبيخ، إن كانت ماضية، ) أي: ماضوية، نحو: { لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء } ، { لولا إذ سمعتموه، قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا } [ ومعنى ] التوبيخ هنا، على ترك الفعل، وكان الأولى، أن يقول:للتنديم، كما قال غيره، لأن معنى الحرف، يجب أن يكون فيما دخلت عليه، لا في نقيضه، والتوبيخ، لا يصح، على الفعل، إنما يصح عليه، التنديم. ( والتخصيص، إن كانت مضارعة ) أي: مضارعية، نحو: { لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون } .

(1/107)


( ومنها ) الظاهر أن هذا عطف على مقدر في النفس، أي: ذلك الذي ذكرت من الحروف، ومنها ( لام التعريف، فإن أطلق اسم الجنس المعرف بها على نفس الماهية، من غير نظر إلى ما صدقت عليه من الأفراد، نحو: الرجل، خير من المرأة، فهو تعريف الجنس، ونحوه، علم الجنس، كأسامة ) زعم الأندلسي، وابن الحاجب، أنهما للماهية، بشرط لا وجودها، وإلا لم يتميزا عن المنكر، فإنه اسم للجنس، ضرورة، وإنما هو بشرط الوجود. والحق أن المعرف بها، والمنكر، لا بشرط شيء، وهو أعم مما هو بشرط الوجود، كما في القضايا الخارجية، أو بشرط عدم الوجود، كما في القضايا الطبيعية. ولتحقيقه، فن غير هذا.
( وإن أطلق على حصة معينة منها ) أي: من الأفراد ( معهودة بين الخاطبين ) الظاهر أن المراد، المتخاطبين، بلفظ التفاعل ، ليطابق قوله ( نحو: "ما فعل الرجل" لمعهود بينك، وبين مخاطبك، فهو تعريف العهد الخارجي، ونحوه ) في التعريف ( علم الشخص، كزيد. وإن أطلق على حصة غير معينة، نحو: ادخل السوق حيث لا عهد، فهو تعريف العهد الذهني ) هو تعريف الماهية، لكن بشرط وجودها ( ونحوه النكرة، كسوق ) لكن بشرط استعماله في خارجي، نحو: دخلت سوقا. أما بغير استعمال فيه، فمعناه، الماهية، لا بشرط شيء.

(1/108)


( وإن أطلق على كل الأفراد، نحو: { والعصر إن الإنسان لفي خسر } فهو تعريف الاستغراق ) بدليل صحة الاستثناء الذي يجب فيه تحقق دخول المستثنى في المستثنى منه. والحق، أنه تعريف الجنس بنفسه، وإنما المفيد للاستغراق، هو القرينة، ( ونحوه: " كل " مضافا، إلى نكرة، نحو: كل إنسان في خسر ) لأن لفظ " كل " موضوع لشمول أفراد ما تقدمه، أو أضيفي إليه، فإنه مع الإضافة، تأكيد لما أضيف إليه، من إضافة التابع إلى المتبوع، لأن الشمول معنى كالصفة، وهي تضاف إلى الموصوف، كما في " حرد قطيفة " ؟ والتأكيد، الشمولي، كما قرره أئمة النحو، إنما يقرر ما هو موجود منه في المؤكد، فحيث لا شمول للمؤكد، لا يجوز تأكيده بألفاظ الشمول، فكما لا يصح " جاءني زيد كله " لا يصح " كل زيد ".
وإذا عرفت أن التأكيد، إنما يأتي لتقرير ما كان موجودا قبله، عرفت أن لفظ " إنسان " مفيد لمعنى: كل إنسان، كما أن مدلول " إنسان " وهو الماهية لا بشرط شيء، هو مدلول الإنسان، لا فرق بينهما إلا بالتعريف، والتنكير، فيجب ( أما ) القول بعموم إنسان، ونحوه، كعموم " الإنسان " و " كل إنسان " أو بعدم عموم الجميع، إلا بقرينة، كما في " تمرة خير من جرادة " ونحوه.

(1/109)


ولا يقال: إن لفظ " كل " موضوع للشمول، فهو نص فيه، لأنا نقول: غاية الأمر، أن يكون معناها معنى لفظ الشمول، وهو إذا أضيف إلى شيء يكون معناه شمول حاصل لما أضيف إليه، وكلاهما، مطلقان، وإضافة مطلق إلى مطلق، لا يستلزم حصول المضاف لكل أفراد المضاف إليه، وفاقا، [ وإن استلزم حصوله، لمجموع منه لأن الشمول من صفات الكثرة، لا من صفات آحادها. ألا ترى أن قوله تعالى: { واجعل على كل جبل منهن جزءا } لا يستلزم أن يكون الجعل على جميع جبال الدنيا، ونحوه { وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } وإن استلزم أن يكون الجعل على كثير من الجبال، ونحو ذلك ] < كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم،: " مولى القوم منهم " لا يستلزم أن يكون مولى لكل واحد من القوم> إنما النزاع في أن الإضافة، هل تستلزم حصول كل أفراد المضاف، للمضاف إليه، < أولا. وسيأتي أن إضافة الجنس، لا تعم بخلاف اسم الجنس، [ ويأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى وعسى ] يأتي في باب العموم زيادة تحقيق، فاضمم كفيك على ما أهديناه إليك.
(فصل)
وسبب وضع اللفظ، الحاجة، إلى التعبير عما في الضمير ) من المعاني، وهذا صريح في أن الوضع للمعنى الذهني، لا للخارجي، وهو يستلزم تصحيح ما ذهب إليه الأشاعرة من أنه إنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا.

(1/110)


وسبب الوقوع في مثل ذلك، هو النقل للقواعد من كتبهم، من غير تفطن لغوائل كلامهم ( وهو ممكن بالإشارة ) إلى ما في الخارج،من الأغراض، كما تشير البهائم إلى أغراضها من العلف والماء، ونحو ذلك، ( والمثال ) أي: تصوير ما في النفس من الغرض، بصورته الخارجية، كما في تصاوير الحيوانات على الثياب، وغيرها، ( لكن اللفظ أولى به ) أي: بالتعيير ( لأنه أعم منهما ) لأنهما لا يفيدان، إلا في المحسوس، بخلاف اللفظ، فهو يعبر عن المعقول ( وأسهل ) منهما أيضا، لما في التصوير من التعب في إثبات الصور، وإزالتها حيث يحتاج إلى الإزالة، وما في الإشارة من البعد عن التفهيم المحتاج، إلى التكرير، والقرائن الخارجية بخلاف اللفظ، في ذلك كله، فلهذا تميز به المنان في قوله { خلق الإنسان علمه البيان } .
( ودلالته على مسمى دون مسمى، مع استواء النسبة إليهما ) لا حاجة إلى هذا القيد، لأن القائل بدلالة اللفظ لذاته، لا يقول باستواء نسبته إلى المعنيين ( ممتنعة، فلا بد من مخصص له بأحدهما، والمخصص، إما الذات ) أي: أن ذات اللفظ، مقتضية بنفسها للمعنى، ( وهو باطل، إذ ليس بينه وبين مدلوله مناسبة ذاتية، خلافا لعباد ) بن سليمان الصيمري.
لنا، لو كانت الدلالة على المعنى بطبع اللفظ، لما تخلف فهم معنى اللفظ عن سامعه، واللازم، باطل، للعلم الضروري، بأنا نسمع ألفاظا من اللغات كلها، ولا نفهم مدلولاتها.
واستدل بأنه يجوز دلالته، على نقيض معناه، وعليهما، معا. فلو كان ذاتيا، لما اختلف، ولا تخلف، وفيه نظر، لأن اللفظ،لازم، والمعاني، ملزومة، وتنافي الملزومات، لا يوجب تنافي اللوازم.

(1/111)


( وتأوله السكاكي ) بأن مراد عباد، ما عليه أئمة الاشتقاق، من أن مقتضى حكمة الواضع، أن لا يهمل المناسبة، بين اللفظ والمعنى، كما وضع الفصم بالفا الرخوة ؟ لانقطاع لا يكون بشدة ، والقصم بالقاف الشديدة، لانقطاع بشدة، ونحو ذلك. والأولى، تأويل كلامه [ بما عليه أهل علم الحرف فإنهم إنما يستخرجون أحكام المسمى من حروف اسمه، أو ] بما سيأتي، من نفي كون الدلالة بالوضع، وإن كان نفي الدلالة بالوضع لا يستلزم الدلالة بالطبع، لجواز كونها بالعقل، كما سيأتي ( وإما بالوضع، وهو الأصح ) إذ المخصص، قد بطل أن يكون هو الطبع، فلم يبق إلا الوضع، وفيه نظر، لأن الدلالات، ثلاث: طبيعية، وعقلية، ووضعية. وبطلان الطبيعية، لا يتعين به الوضعية، لجواز كونها عقلية، كما هو الحق. وتقدم تحقيقه، في بحث الدلالات الثلاث. وصرح به الرازي في المحصول.
(واختلف في واضع اللغات،فعند جمهور أئمتنا، والبهشمية: واضعها البشر، واحدا، أو جماعة ) للعلم بحدوث أوضاع لغة العرب، بعد أن كانت اللغات، كلها عجمية.
وبهذا يندفع ما قيل: إن الله [ تعالى ] علمها كلها آدم، للعلم بأنه كان عجميا. قالوا: { وعلم آدم الأسماء } . قلنا: انتقضت الكلية بما ذكرنا، والجزئية، ليست بمحل النزاع. ثم المراد بـ" علمه ":ألهمه التسمية، والواضع كما في: { وعلمناه صنعة لبوس لكم } و { علم الإنسان ما لم يعلم } ولهذا توارثها عقبه. قالوا: الظاهر، أن المراد: عرفه ما وضعه له. قلنا: بل الظاهر: ما ذكرنا بدليله المذكور[ ثم، هاهنا تجويزات، لا ملجئ إليها، لأن التأويل البعيد، إنما يفتقر إليه في ما تعارض فيه القواطع، فلا يشتغل بها ].

(1/112)


( ويحصل تعريفها ) أي: تعريف تخصيصها بالمعنى الموضوع له، لا بنفس الوضع، وإلا لما تخلف الفهم، عن سامع، أي: موضوع، بل إنما يعرف ذلك التخصيص ( بالإشارة ) الحسية، بأن يطلق ( اللفظ ) ويشار عند إطلاقه إلى محسوس، إشارة يفهم منها تخصيص ذلك اللفظ بذلك المشار إليه، ( والقرائن ) كأن يقترن إطلاق اللفظ بمباشرة شيء، وبتكرر الاقتران مرارا، فيفهم منه اختصاص اللفظ بذلك الشيء المباشر ( كالأطفال ) يتكرر عندهم إطلاق لفظ عند مباشرة معنى، ولا يذكر ذلك اللفظ عند غير ذلك المعنى، فيفهمون اختصاص اللفظ بذلك المعنى، بدوران الفظ مع المعنى وجودا وعدما.
( وعند المرتضى، وأبي مضر، والبغدادية، وأكثر الأشعرية: توقيفية ) بمعنى: أن الله [ سبحانه ] أوقف العباد عليها، لا أنهم الواضعون لها. ثم اختلفوا في كيفية الإيقاف عليها. فقال ( الأشعري: وذل بالوحي ) لقوله تعالى: { وعلم آدم الأسماء كلها } والتعليم، معناه الظاهر: جعل المعلم، عالما بالموجود، المجهول، قبل التعليم. ورد بما تقدم ( أو بعلم ضروري ) يخلقه في قلب رسول. فيلقيه إلى غيره، ( أو بخلق الأصوات، إما بأن يخلق في كل شيء ) من المسميات ( إسماع ) الناس ( اسمه، أو ) يخلق ( في بعض الأشياء ) إسماع الناس، ما هو اسم، ( له ولغيره ) ولا يخفى أن هذه التجويزات، وإن كانت ممكنة في جانب القدرة الإلهية، فلا يصح التمسك بها لإثبات أصل كلي، لأن الإمكان لا يستلزم الوجود. وقال ( أبو علي، والاسفرائيني: القدر المحتاج إليه في لتعريف ) أي: تعريف الوضع، وكيفية فعله ( توقيف ) لأن الوضع يجب أن يكون بقضية، مثل " هذا اللفظ، موضوع لهذا المعنى " فلا بد أن يكون وضع مفردات هذه القضية، ونحوها مثلا توقيفيا، وإلا تسلسل، لأن معرفة وضع مفرداتها، يحتاج إلى معرف. ثم معرفة وضع المعرف، يحتاج إلى معرف، فإن لم ينته، إلى التوقيف، تسلسل، أو دار، والدور أيضا تسلسل، وهو باطل.

(1/113)


والجواب، منع أن الوضع يجب أن يكون بقضية، بل يكفي إطلاق مفرد، ويريد المتكلم به، معنى، ثم يفهم السامع، المراد، بقرينة الترديد، كالأطفال، والحيوانات، تعلم مراد تصويت الإنسان لها، وتصويت بعضها لبعض، بقرينة حدسية، هي: نوع من الإلهام، ثم ينتهي ذلك إلى تجريب تام، يفيد الضرورة.
وعلى ذلك ينبغي حمل قول الصيمري، بالطبع، ويندفع به أيضا ما أشكل به الرازي، على دلالة الوضع، برجوع ما ذكرنا إلى دلالة (1)العقل الضرورية. ( وغيره، محتمل لهما ) وعلى ذلك ينبغي حمل قول الصيمري بالطبع. ويندفع به أيضا ما شكك به الرازي على دلالة الوضع برجوع ما ذكرنا إلى دلالة العقل الضرورية ( وغيره محتمل لهمها ) يريد أن غير المحتاج إليه يحتمل أن يكون وضعه توقيفا أو اصطلاحا بعد حصول ما يحتاجه أهل الاصطلاح في الوضع ( وحكي عن بعض المعتزلة عكسه ) لأن الحاجة إلى التعبير عن المراد عامة، والإيقاف خاص بالرسل ويستحيل عادة أن يوقف الله [ تعالى ] كل متحتاج على كل ما يحتاج إليه وإذا استحال استلزم الإخلال بالغرض من الفهم والتفهيم بخلاف الاصطلاح فإنه لا يغيب عن وقت الحاجة مبتدعا أو متبعا، وأما ما لا حاجة إليه فمحتمل للاصطلاح والتوقيف لعدم الإخلاف فيه بغرض.
( الإمام وابن أبي الخير وبعض الاشعرية: الجميع ممكن ) وهذا ليس قولا في الحقيقة، وإن كان حاصله الوقف، فإن الوقف عدم قول، ولكنه لا يضرب في هذه المسئلة لأن الاستدلال بالدليل السمعي لا يتوقف على معرفة الواضع للإجماع على العمل بالمفهموم من اللفظ سواء كانت دلالته لفظية أو عقلية، وسواء كان الواضع هو الله [ تعالى ] أو البشر.
ومن هذا تعلم أن اشتغال الأصولي بهذه المسألة فضول، لا يليق به.
(فصل)
__________
(1) -بسم الله الرحمن الرحيم

(1/114)


( وطريق معرفتها ) أي: معرفة وضع اللغة، فالتأنيث من باب " كما شرقت صدر القناة ". ( إما العقل، ولا مجال له في الوضعيات ) لأن التلازم بين اللفظ ومدلوله الذي بسببه يحصل الانتقال من اللفظ إلى المدلول ليس ذاتيا حتى يدرك العقل أحدهما بإدراك الآخر كتلازم الدخان والنار، بل بواسطة اختيار الواضع، ولا نعرف اختيار الواضع إلا بالنقل، وهذا غاية ما يتمشى به هذا القول.
وإذا علمت أن معنى اللفظ لا يفهم إلأا بالقرائن كما سبق لك والقرائن عقلية، علمت أنه إنما يؤخذ الحكم بالوضع للمعنى من دلالة اللفظ عليه [ مع القرينة ] لأن أئمة اللغة كالأصمعي وأبي عبيد لم ينقلوا تصريح الواضع بأن هذا اللفظ لهذا المعنى لما علمت من عدم تعين الواضع وإنما حكموا بالوضع من تبادر المعنى عند إطلاق اللفظ وبعدم الوضع من عدم التبادر لا من لفظ آخر عرفهم به، لأنه موضوع يفتقر إلى معرف لوضعه ولزم التسلسل الأول، والسر في ذلك أن العلم بالوضع والعلم بالموضوع والعلم بالموضوع له متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فما عرف الموضوع له < من حيث أنه موضوع له > عرِّف الوضع. وقد قدم المصنف أنه إنما يعرف المعنى بالقرائن فقوله هنا " لا مجال للعقل فيه " رجوع بعوده على بدئه [ وتكرير لذكر ما به التعريف لم اعلمت من أن ما عرف الوضع عرف الموضوع له ]. وهكذا فليصنع التقليد في النظريات. ( أو النقل وهو إما بالتواتر فيما لا يقبل التشكيك، كالأرض والسماء ) إن أريد النقل عن الواضع فقد عرفت ععدم تعينه والنقل يجب أن ينتهي إلى معين، وإن أريد النقل عن غير الواضع كأبي عبيد والأصمعي، فلا يفيد لأنهم لم ينقلوا عن الواضع لذلك، وإنما أخبروا عما فهموه من المعاني الاستعمالية ولا اختصاص لهمه بفهم المعاني دون غيرهم، ولا لمن فهموا عن استعماله أيضا، لأنه ليس بالواضع ولا من فوقه لذلك، وإنما الفهمه مستند في كل رتبة إلى القرينة لا إلى النقل، ( أو بالآحاد في غيره ) أي: غير

(1/115)


ما لا يقبل الشكيك ( ولو مرسلة ) لأن المراسيل مقبولة عند البعض، ولا يشترط الاسناد المتصل بالواضع بل كما في المنقولات الشرعية. وهذا تهافت لأنه استشعر عدم انضباط الوسائط إلأى الواضع، وذهل عن أن الإرسال يفتقر إلى ذكر المرسل عنه بعينه كما نقول في الشرعيا قال رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] وهذا لا يمكن في اللغة لعدم تعين المرسل عنه، ( وثبوت الأحكام العملية بها ) أي: باللغة الآحادية ( عند توقفها عليها ) أي: توقف الأحكام الشرعية العملية على اللغة الآحادية كثبوتها أي: الأحكام العملية ( بأخبار الآحاد ) عند من جعلها طريقا إليها إذ لا فرق بين آحادي في اللغة وفي الشرع ( وشرط قبولهما واحد ) وهو العدالة والضبط ( وما قدح به الرازي وغيره في هذه القاعدة ) حيث قالوا: الدليل اللفظي مبني على نقل اللغة والنحو والتصريف وعدم الاشتراك والمجاز والاضمار، والنقل والتخصيص والتقديم والتأخير والناسخ والمعارض العقلي، وكل ذلك ظن لا يفيد ما ينبني عليه العقاب، والتأثيم والثواب والتولي.
أما الأمور الاثباتية من هذه فلعدم عصمة الرواة وختلافهم في أكثر الألفاظ دورانا على الألسنة، وهو لفظة “ الله “ أهو سرياني، أم عربي مشتق، ومِمَّ.؟ أو موضوع، ولِمَ ؟. ومثله “ السماء “ أهي جهة فوق ؟ أم الفلك ؟ أو غير ذلك ؟ فما ظنك بغير هذه الضرورية.
وأيضا رواة اللغة معدودون لم يبلغوا حد التواتر، وأيضا إنما أخذوا من تتبع كلام المستعملين للفظ، فهما لا نقلا. والفهم يختلف، ولهذا تعددت معاني بعض الألفاظ، وأما الأمور العدمية أعني: الاشتراك وما بعده، فلأن حاصلها ما علمت، وعدم العلم ليس علما بالعدم.
ووجه الدقع أن التشكيك في القسم الأول أعني: الضروري، سفسطة، ( فلا يسمع ) . وأما الثاني، فلأنهم قد اعترفوا بجواز العمل بالآحاد في الشرع وإن لم يفد إلا الظن ولا فرق في جواز العمل بها بين شرع ولغة، لأن الفارق طردي.

(1/116)


واعلم، أن هذا التشكيك لا يرد إلا على من جعل مرجع العلم بمعنى اللفظ إلى النقل < ولا يلوذ بغير التغافل عن الإشكال كما سمعت >. أما من جعله عقليا حدسيا ثم تجريبيا، لم يرد عليه ذلك، لأنه يقول: معنى خطاب الشارع الذي هو محل النزاع لا ينفك عما تعلم به مراده عقلا من المقام، فإذا فرض انفكاكه عن ذلك بقي مجملا لا عمل به، ولهذا كان الصحيح جواز الرواية بالمعنى. وهكذا في كل راو عن الشارع، أو عن الراوي حتى ينتهي إلينا عن كثيرين، فيكون كالمتواتر، وعن آحاد فعلى الخلاف في قبولها وعدمه.
(فصل)
( في ذكر المبادئ من الأحكام )
( والحكم لغة: المنع ) يتعدى فعله بنفسه، يقال: حكمه حكما، أي: منعه مما يريد. والقضاء: يتعدى بالحرف، يقال: حكم عليه حكما، أي: قضاء، والحكمة لايتعدى فعلها، بأيهما، يقال: حكم حكما، أي: صار حكيما، ومنه " الصمت حكم، وقليل فاعله " فإذا كانت معاني الحكم اللغوية ثلاثة فلا وجه لقصر المصنف له على أحدها.
( وعرفا: الإلزام ) ومنه: الحاكم، أي: الملزم للحكم.
( واصطلاحا: ) لأهل الشرع: جنس يطلق على ( الوجوب أو الندب أو الكراهة أو الإباحة، أو الحضر ) < ولا وجه لحصر الاصطلاحي في الخمسة التكليفية، لأن منه الثلاثة الوضعية الآتية > ولكونه جنسا يطلق على الخمسة. قال:
( والأظهر أن إطلاق الحكم عليها بالاشتراك المعنوي ) الذي هو التواطؤ على معنى واحد غير المعنى اللغوي الذي ذكره، والعرفي لعدم وجود المنع والإلزام في كل من الخمسة، كما لا يخفى ( لا اللفظي ) الذي معانيه مختلفة.
فإن قلت: فما رسمه على التواطؤ ؟

(1/117)


قلت: لم يرسمه أحد من أئمة الأصول باعتبار صفة الفعل منه [ برسم صحيح ] إنما رسموه باعتبار صفة الحاكم، فقالوا: هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو الوضع، أو التخيير، لأن من رسمه بذلك يرى أن لا صفة منه للفعل المحكوم فيه حقيقة، لأنها مجرد كون الفعل متعلقا للخطاب، وهو أمر اعتباري فقط، بخلاف صفة <الحاكم على أن تسمية الخطاب الذي هو " افعل " و " لا تفعل " حكما، مجاز أيضا، لأن الطلب مجرد تصور، لا حكم فيه رأسا. لكن لما كان سببا للحكم على المطلوب بأنه واجب، أو محظور، أو نحوهما، سمي حكما، تسمية للسبب باسم المسبب.
ومنهم، من قال: إن حقيقة الحكم راجعة إلى أمر إضافي، تختص به الذات أو الفعل، وأصاب، لكن قال: وهذا أمر معنوي، تشترك فيه الأحكام الخمسة، فأخطأ (لأن الاشتراك إنما يكون في الحقائق، لا في الإضافيات، إذ لا تقوم بها ماهية، البتة. كما علم في مظانه. وإن أمكن تميز ) بعضها من بعض بما أضيفت إليه، كما ستسمع الآن >فالأولى جعل الحم، هو القضاء، كما هو أحد معانيه، اللغوية، وهو هنا علم الله بثبوت نسبة الفعل إلى العبد، أو بسلبها عنه بالفعل، <إن أريد الحكم على المكلف أو العلم بحصول مصلحة، أو مفسدة، أو عدمهما، في الفعل، أو الترك، إن أريد الحكم عليهما > لأن القضاء هو: العلم بنسبة تصديقية. وحققنا ذلك في شرح العصام.
( ويستدعي الحكم حاكما ومحكوما فيه ومحكوما عليه ) . وأما المحكوم به فهو الحكم في التحقيق لأن الحكم الذي هو المعنى المصدري حدث كسائر الأحداث إذا نسب إلى مبدئه. فالمراد تأثيره وإذا نسب إلى منهاه فالمراد تأثره، فالحكم إذا نسب إلى الله [ تعالى ] فالمراد تعلق علمه، وإذا نسب إلى المتعلق فالمراد كونه متعلقا لذلك العلم، فالحكم إضافة بين علم الله تعالى ومعلومه كما في سائر الأفعال المتعلقة بمفعول.
وبهذا يتبين لك حسن ما اخترناه من كونه هو القضاء. إذ الأصل عدم النقل عن المعنى اللغوي.

(1/118)


( فالحاكم ) باستحقاق الثواب على الفعل أو العقاب على الترك أو عدمهما عاجلا وآجلا ( هو الشرع اتفاقا ) (بين العقلاء لصحة علمه بذلك، إلا أن البراهمة لم تحكم الشرع في البعض، كذبح الباهائم ) ( والعقل ) أيضا حاكم ( عند أئمتنا وبعض المعتزلة وبعض الفقهاء ) بمعنى: أنه يدرك استحقاق ما تقدم بحيث لا يخالف ما أدركه من ذلك ماهو عند الله [ تعالى ] وفي علمه، لاستقلاله بمعرفة الأحكام المستلزمة عند الله للثواب والعقاب، عاجلا وآجلا، وإلا فلا نزاع في استقلال العقل بأحكامه التي عليها مدار النظر في الالهيات وغيرها، خلافا للأشعرية وبعض الفقهاء، فقالوا: العقل لا يدرك الآجل نفسه فضلا عن استحقاق الجزاء فيه، كيف وقد أنكرته العقلاء بأجمعهم قبل الشرع ولم يكن مع خلص المؤمنين منه إلا تصديق الرسل إيمانا بالغيب ( ولذلك أنكروا التحسين والتقبيح ) .
هذه غفلة عن كون هذا هو محل النزاع فإن حكم العقل هو التحسين والتقبيح نفسه، فكيف يكون على لإنكاره.
( وحكموا بأن التكاليف ) يعني: إدراك لوازمها ( كلها شرعية ) أي: مدركة بالشرع ( فقط ) ليس للعقل إليها طريق وإن استحسن واستقبح باعتبارات ستأتي في آخر الكتاب،إن شاء الله [ تعالى ]. ( وأنه لا حكم قبل الشرع فلا يعاقب منكر الصانع الذي لم تبلغه دعوة الرسل ) يعنون: لا يدرك عقله استحقاق العقاب، وأما أنه لا يعاقب فاتفاق لقوله تعالى:" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ". ومن الأصحاب من يعتقد أنه يقع العقاب وإن لم يقع شرع، وذلك مناف لمعنى الآية. ( وسيأتي تحقيقه إن شاء الله [ تعالى ] ) . في باب الحضر والإباحة، واستيفاء أدلة الفريقين هنالك، بعو الله [ تعالى ].

(1/119)


( وينقسم خطاب الشرع ) هذا تقسيم للحكم إلا أن الحكم لما كان أضافة بين الحاكم والمحكوم فيه، وعليه، كما تقدم. وإضافته إلأى الحاكم أظهر الإضافات. جعل المصنف المقسِّم هو الخطاب على ما اختاره غيره من أن الحكم هو خطاب الله ( المعرف لعين المصلحة أو المفسدة ) . لو ترك هذا القيد لكان أولى،لأن من الأحكام ما هو تعبُّدي لا تعرف فيه عين المصلحة وإن آمن بها المؤمنون جملة، < أو لو قال: المعرف لما فيه المصلحة أو المفسدة، لكان أجمل > ولأنه ينتقض بالإخبار بجزاء الأعمال، فإنه من الخطاب المعرف لعين المصلحة، وليس من الحكم الاصطلاحي المراد تقسيمه في شيء، ( إلى: تكليفي، ) يكون اقتضاء أو تخييرا ( ووضعي ) لا يكون كذلك وإنما يكون أمراة لحصول التكليفي.
( فالأول: الخطاب المعرِّف لغير السبب والشرط والمانع ) وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى، ويكون ذلك التعريف الخطابي ( بالاقتضاء ) أي: طلب الفعل أو الترك ( أو التخيير ) بينهما ( لأنه إن اقتضى الفعل حتما، فمعرف الوجوب ) والحتم إنما يعرف بالقرائن كالوعيد، والذم على الترك لأن الطلب بمجرده لا يفيد الحتم كما ستسمع في حقيقة الأمر إن شاء الله [ تعالى ] ( أو غير حتم، فمعرِّف الندب أو ) اقتضى ( الترك حتما فمعرف التحريم ) ولا نعرف حتم الترك إلا بالذم على عدم الترك لأن النهي بمجرده، إنما ينتهض دليلا على الكراهة ( أو غير حتم، فمعرف الكراهة، أو كان بالتخيير ) بين الفعل والترك ( فمعرف الإباحة ) . وقد يكون التخيير لا للإباحة، بل للتسوية كما في الواجب المخير ( والواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحضور: الفعل المتصف بذلك ) أي: بالوجوب أو الندب أو الكراهة، أو الحضر أو الإباحة،فتوحيد اسم الإشارة نظر إلى الأحد الدائر.
(فصل)

(1/120)


( والواجب، هو: ما ) أي:فعل أو ترك ( استحق المدح على فعله والذك على تركه ) . هذا ظاهر، ولكنه دور لأنه لا يعرف الاستحقاق إلا بعد معرفة الوجوب، ولا يعرف الوجوب إلا بمعرفة الاستحقاق، ثم إن كان المراد استحقاق كل تارك، خرج الواجب الظني على التصويب، وإن كان المراد استحقاق البعض، وهو من يعتقد أنه واجب لزم الدور أيضا، إذ يصير حاصله: الواجب: ما يستحق من يعتقد أنه واجب ( بوجه ما ) متعلق بالذم، أي: ليس الشرط هو الذم على كل وجوه الترك بل إذا حصل الذم على بعض الوجوه حقق الوجوب، ليدخل الواجب المخير، فإن فعل كل واحد يتصف بالوجوب، ولكنه لا يذم في كل حالات تركه، بل إذا تركه وغيره، وأما من يرى أن الواجب واحد مبهم فلا يحتاج إلى القيد، وقد قيل: إنه يختل به الطرد إذ ترد صلاة النائم والساهي، والرخصة، فإنه يذم تاركها بوجه، وهو حال عدم العذر، وليست بواجبة ولا يمكن التقضي بدعوى أنها واجبة ولكن سقطت بالعذر، لأنا نقول: وكذا المخير والكفاية واجبة، وسقطت بفعل الغير، فلا يحتاج إلى القيد، وربما يجاب بأن الترك الذي يتعلق به الذم أولا يتعلق واحد في الكفاية بخلاف ترك النائم ونحوه، فإن المتعلق به الذم هو الترك في النقطة، والذي لا يتعلق به الذم هو الترك في النوم، والمتغايران إذا أريد أحدهما لم يرد عليه الآخر نقضا. وهذا ساقط، لأن " أعني " لا يجدي في الحدود. < ولأن الخصم يمنع كون الترك في الكفاية تركا واحدا، بل هو تركان، أحدهما ترك حال عدم فعل الغير له، وثانيهما ترك حال فعل الغير ( له ) فالأول، يأثم به، والثاني، لا يأثم به كالنائم >.
والأولى في رسم الواجب، أن يقال: ما توعد الشارع على تركه، ولا يقال: إن وعيد الله يجب صدقه، فيلزم ان لا يجوز العفو، لأنا نقول: قد اختار جماعة من المحققين أن صدق الوعيد، وإن حسن لا يجب لأن إخلافه عفو وهو أحسن وأنشدوا:
وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

(1/121)


وأما نحن فنقول: إن الوعيد مقتض للصدق إلا أنه مشروط بعدم التوبة وعدم العفو كما أن الوعد مشروط بالتوبة عن الكبائر، والمقتضى لا يوجب مقتضاه، إلا عند وجود الشرط اتفاقا <وقد صرح صاحب الكشاف في تفسير " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك " بما معناه: أن وفاء الله بوعده واجب، وإنما الدعاء في الحقيقة لطلب التثتبيت والتوفيق لتحصيل شروطه >.
( أئمتنا، والجمهور: < تحتمه > ويرادفه الفرض. الناصر، والداعي، والحنفية، الفرض: ما دليله < أي: دليل تحتمه> قطعي، يفسق تاركه، ويكفر مستحله، ويُقضى، والواجب نقيض ذلك ) يريد: أن الواجب لا يوصف بذلك، يدخل المندوب وغيره. فعلى هذا لا يكون الخلاف لفظيا، كما زعمه في شرح المختصر، إلا أن في الترادف إشكالا هو: أن الذم الذي ذكره في رسم الواجب لازم العقاب بل هو جزء منه، والعقاب لازم الفسق < والواجب الظني لا يفسق تاركه > لامتناع عقاب المؤمن، فالذم لازم الفسق < والواجب الظني لا يفسق تاركه > [ اتفاقا، لأن التفسيق لا يكون إلأ بقاطع ] فالحق عدم الترادف.
( وينقسم الواجب، بحسب نفسه إلى: ضروري، واستدلالي ) عقليين أو شرعيين ( وإلى: معين، ومخير. وبحسب فاعله إلى: فرض عين، وكفاية ) هما من المعيَّن، والمخيَّر، إلا أن التخيير في الكفاية في الفاعل، لأن الوجوب متعلق بألأمة وكل منهم مخير بين أن يفعل أو يكتفي بفعل غيره ( وبحسب وقته إلى: مضيق، وموسع، وأداء، وإعادة، وقضاء. فالمعين ظاهر ) كالصلوات الخمس، والحج، وصوم رمضان، ( والمخير، كالكفارات الثلاث ) في اليمين، إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، ( ويأتي في الأمر إن شاء الله [ تعالى ]. واختلف في فرض الكفاية، فعند أئمتنا، والجمهور: إنه واجب على الجميع ) أي: على كل واحد ( ويسقط بفعل البعض، وقيل: على البعض ) .
لنا: أن كل واحد يأثم لو لم يقم بالكفاية أحد، وإثم كل واحد دليل على تعلق الوجوب به.

(1/122)


قالوا: كل واحد مخير بين أن يفعل، أو يجتزئ [ بفعل غيره ] فهو كواحد من خصال الكفارة، وسيأتي أن المكلف به فيها مبهم، فيكون المكلف ههنا مبهما، غاية ما يفرق به أن هذا تخيير في الفاعل، وذاك تخيير في المفعول. والتأثيم هناك إنما هو بعدم تحصيل واحد مبهم، وإن كان ذلك العدم لا يتحقق إلا بترك الجميع.
قلنا: بل كل واحد هناك واجب.
قالوا: يستلزم التأثيم بالمتروك.
قلنا: سقط وجوبه بفعل صاحبه، لأن وجوبه مشروط بأن لا يفعل صاحبه.
قالوا: فعل صاحبه يكشف عن عدم وجوبه، لانتفاء شرط الوجوب الذي ذكرتم، فإن انتفاء الشرط يوجب انتفاء المشروط. ( ثم ) القائلون بالوجوب على البعض ) اختلفوا، فقال الرازي، والسبكي: بعض مبهم ) وقد تقدم تحقيق دليلهم ( وقيل: معين عند الله. وقيل: من قام به ) .
هذان القولان لا أصل لهما في مسألة الكفاية، وإنما هما في المخير. وكان ذلك قياس لأحد المسألتين على الأخرى، وسيأتي في مسألة المخير إن شاء الله تحقيق دليلهما وجوابه. ( ويقع في أصول الدين ) الظاهر أن هذا وهم أراد به أن حل الشبهة في الإلهيات مما يكفي فيه واحد، ولكن ذلك ليس من أصول الدين، بل من فروع الفقه، لأنه كالجهاد، ( وفروعه ) كصلاة الجنازة، والجهاد، ( وتحرم الأجرة عليه إن تعين أداؤه ) بأن لا يوجد من يفعله غير الأخير ( كالمعين ) أي: كما تحرم الأجرة على ما وجب بعينه، إن كانت النسخة بلفظ المعين فإنما يقابل المخير، لا الكفاية، وإن كانت بلفظ العين فالمرد به كما تحرم الأجرة على فرض العين. وهذه المسألة كما أنها من الفروعيات الصرفة التي لا دخل لها في الأصول ففيها بحث على كلا النسختين. أما على نسخة المعين بالميم، فلأن القياس على شيء فرع ثبوت حكمه < ومغايرته للمقيس > والكفاية نفسها، تكون من المعين عندهم، فيكف يقاس الشيء على نفسه.؟ وأما على نسخة العين بغير ميم، فلأن الأجرة قد.

(1/123)


صحت على فرض العين كالحج والصوم على رأي،وإن أريد الأجرة على ما هو واجب متعين على الأجير فليس ذلك من الإجارة في شيء، لأنها عقد معاوضة، ولو كان ما وجب على الأجير حقا للمستأجر فليس ذلك من الإجارة أيضا، وإنما المأخوذ عليه رشوة لأن المعاوضة أخذك ما هو للغير وإعطاء ما هو لك. وأما الرشوة على ما يجب لك فإنما هي أخذ ما هو لك، ثم تعليل تحريم الأجرة على الواجب بالقربة فاسد لوجودها في المندوب مع صحة الإجارة عليه، كعمارة المساجد والطرق والقول بأن القربة تختص بالآمر لا بالفاعل غفلة عن عموم حكم الندب لكل مكلف، ثم طلب العوض الآجل والعاجل بالقربة شأن أكثر العابدين، < الذين قام الاجماع على صحة عبادتهم مع ذلك، ولهذا صحت التجارة في الحج، ونزل قوله تعالى في ذلك " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ". وبه ورد الكتاب والسنة " وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب ". فالأولى الحكم بالكراهة فقط لمنافاة طلب الأجر لمقام المقربين الذين قرباتهم لوجه الله لا يريدون جزاء ولا شكورا، لأنهم يرون ذلك من الشرك بالله تعالى. ولهذا قالت رابعة العدوية. رضي الله عنها: " والله ما عبدتك خوفا من نارك،ولا طمعا في جنتك ". وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: أنا أكر م الشريكين أدع ما شوركت فيه لشريكي، ومصداقه ما الصحيح " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ( وفي تعيينه ) على واحد ( بالشروع ) فيه ( خلاف ) منهم، من ذهب إلى ذلك، لأنه بالشروع التزم فعله كمن التزم بتأدية عن الغير، وإلى مثل ذلك ذهب أبو حنيفة في النفل أيضا. ومنهم من ذهب إلى البقاء على الأصل ولأن كون الشروع سببا لإسقاطه عن الغير حكم شرعي يفتقر إلى دليل كدليل إسقاط الفعل له. وأما حديث القياس على الالتزام فلا يثبت في العبادات، ولو سلم فالالتزام إنما يسقط عن الغير إذا أسقط عنه

(1/124)


من له الحق. ولهذا يصح له مطالبة الملتزم والملتزَم عنه، ولا سبيل إلى العلم بأن الشارع قد أسقط الواجب بمجرد الشروع بل هو محل النزاع.
( وفرض العين أفضل منه وفاقا للجمهور ) لأن عدم سقوطه عمَّن لم يفعله دليل على عظيم المصلحة فيه للمكلف الذي إليه مرجع التفاضل بين الأعمال ( وخلافا للإسفرائيني والجويني ) والنووي.
إعلم أن الرواية عن المذكورين بلفظ: إن القيام بفرض الكفاية أفضل بلا زيادة ذكر المفضل عليه وذلك إنما هو ظاهر في أفضليلة القيام به على عدم القيام به استغناء بالغير فلا يكون خلاف المذكورين في أفضليته على فرض العين، ولما كان تفضيل القيام بفرض الكفاية على عدم القيام به كالإخبار بأن السماء فوقنا والأرض تحتنا، حمل كلام المذكورين على خلافه صونا له عن شبه الإهمال، والأولى تبقية كلامهم على مدلوله، ولا نسلم كونه ك "السماء فوقنا " لأن سقوطه عمن لم يفعله بفعل غيره مظنة أن يتوهم فيه التسوية بين أن يفعله وأن يفعله غيره. ولهذا ذهب بعضهم إلى أن الكفاية من الواجب المخير فيه بين الفاعلين كما سيأتي.
( وهو من فاعله بعد فعل منيسقط بفعله نفل ) لأنه قد كان سقط الوجوب ونفيت القربة، وهو نظير ما قالوا إنه: " إذا نسخ الوجوب بقي الجواز ". وفيه بحث، لأن ذلك إنما يتمشى على تحقق أن الوجوب نوع من الندب، والندب نوع من الإباحة حتى يجتمع في أمر يعمها، هو ترجيح الفعل أو الإذن فيه فإذا ارتفع الأخص لم يرتفع الأعم، وذلك مما لا برهان عليه، بل الشرع مانع من البدع، فكما لا يشرع في الجنازة أكثر من خمس تكبيرات، وإن كان أصل التكبير قربة لا يشرع تكرير الصلاة، وإن كانت الصلاة قربة أيضا، < بل من فرض الكفاية ما ينقلب بعد فعل البعض له حراما على الباقين كالإمامة.

(1/125)


فإنها فرض كفاية إذا قام بها البعض حرمت على الباقين عند من لا يجوز تعدد الأئمة >. ( وقيل ) فعله بعد أن فعل ( فرض ) على الفاعل الآخر أيضا، بمعنى أنه وإن كان قد رخص له في الترك فالرخصة في الترك لا تنفي الوجوب كمن يصوم في السفر، فإن صومه فعل لواجب، لأنه يصدق أنه أدى ما يجب عليه. ( ويأثم الكل بالإخلال به إن عرفوه معا ) لأن العلم بالواجب شرط للتكليف به كما علمت ( وإلا ) يعرفوه معا ( فمن عرفه ) هو الآثم فقط.
( أبو العباس، والإمام: وبعضه من فروض العلماء ) كحَلِّ الشُّبه الواردة على الدين، لأتهم الذين يقدرون عليه لا العوام. ( بعض الفقهاء: بل عام ) لأن العوام يكونون مطالبين بما لا يتم الواجب إلا به من التعلم. ( وقواه المهدي ) معللاله بأن الخطاب عام والجهل بالوجوب ليس بعذر إذ يلزمهم البحث، وفيه نظر، لأن ذلك من تحصيل شرط الواجب ليجب، لا مما لا يتم الواجب إلا به. ولهذا صرحوا بأن الجاهل كالمجتهد، يقر على ما هو عليه ما لم يخرق الاجماع، لا يتحقق إلا على ضروري، والضروري من الشرع لا يخفى على العوام. ومن هنا أيضا صرح بعضهم بأن النافي لحكم الشرع لا دليل عليه، وإنما الدليل على مثبته. ( والمضيق، ظاهر ) كوجوب صوم رمضان فإنه لا يتسع لأكثر من ثلاثين يوما، ( والموسع يأتي في الأمر إن شاء الله [ تعالى ] ) .

(1/126)


( والأداء: ما فعل في وقته المقدر له ) فخرج ما وقت له مقدر عن أن يسمى أداء إصطلاحا، كبعض النوافل. وقوله: ( أوَّلا ) متعلق بالمقدر، ليخرج القضاء لأنه ليس في وقته المقدر أولا بل ثانيا، < وليس المراد بالمقدر هو المحدود،وإلا لم يكن الحج ونحوه أداء، ولا قضاء، واللازم باطل > ولا حاجة إلى إخراج الإعادة المؤداة، لأنها في الوقت الذي قدر أوَّلا، فهي أداء، ( والإعادة: ما فعل ( ثانيا ) في وقته ) الأول، أو الثاني ليدخل إعادة المقضية ( لخلل في الأول ) من فوات ركن أو شرط ( وقيل ) هي: ما فعل ثانيا في وقته ( لعذر ) من خلل أو نقصان فضيلة، وهو أعم من الأول لشموله إعادة المنفرد مع الجماعة، وهذا إنما يتمشى على رأي من يجعل الفريضة هي الفعل الثاني، وعلى صحة الرفض شرعا، وتجدد الطلب بعده، وذلك مما لا دليل عليه. ولهذا أشار المصنف إلى ضعف هذا القول بلفظ القيل.
( والقضاء: ما فعل بععد وقت الأداء، لتركه فيه ) عمدا، أو سهوا، إختيارا، أو اضظرارا، ( أو لوقوع خلل في فعله فيه ) يصيره ذلك الخلل في حكم المعدوم المتروك. ولا حاجة إلى هذا القيد إلا مجرد التوضيح، لأن ما ألحقه الخلل بالمعدوم، فقد ترك، وإلا فلا، وقد يزاد في الرسم " استداركا لما سبق له وجوب " وهو مخرج لقضاء النوافل المؤقتة، ثم لا حاجة إلى ذكر الاستدراك لأنه ليس من مفهوم القضاء، وإن كان عرضا، لأن العَرض من الشيء، خارج عن ذاته، ولأنه ينبني على وجوب نيَّة القضاء والأداء، ولا دليل عليه.
( وإنما يُقضى ) ما جمع شروطا: الأول: ان يكون (عبادة ) . الثاني: أن تكون ( مؤقتة ) لأن المطلقة أداء في كل وقت. الثالث: كونها ( لم تقع في وقتها ) لأنها لو كانت قد وقعت فيه لم يجب القضاء، ( أو وقعت ) فيه لكن مع خلل فيها.

(1/127)


قد تقدم أن الخلل إن ألحقها بالعدم فلم تقع في وقتها، وإن لم يلحقها به فقد وقعت في وقتها،فلا قضاء، ( و ) الرابع: أن يكون ( ورد الدليل بقضائها ) كالصلاة، والصوم، لا نحو صلاة الكسوف، فإنها مؤقتة، لكنلم يرد دليل على قضائها، وهذا بناء على أن القضاء بأمر جديد. وسيأتي تتحقيق ذلك إن شاء الله [ تعالى ].
(فصل)
( وما لا يتم الواجب إلا به ) نوعان، لأنه ( إن لم يكن مقدورا ) هذا خلط، لأن الفعل إذا لم يكن ما لا يحصل إلا به مقدورا ( لم يجب ) أحدهما، والفصل معقود على تحقق وجوب واجب متفق عليه، وإنما الخلاف فيما لا يتم إلا به ( إلا عند مجوِّز تكليف ما لا يطاق ) . وسيأتي تحقيقه إن شاء الله [ تعالى ].
( وإن كان مقدورا، فإن قيد الوجوب به لفظا كالاستطاعة في الحج، لم يجب إلا عند حصوله ) وأما تسميته واجبا قبل الحصول، فمجاز كتسمية العصير خمرا ( و ) هذا الذي قيد به الوجوب ( لا يجب تحصيله، اتفاقا ) لأن تتحصيل شرط الواجب ليجب، لا يجب ( وإن أطلق ) أي: لم يقيد الأمر، وإن قيد المأمور به فذلك لا ينافي إطلاق الوجوب، وهذا هو المراد بقولهم: الواجبات المطلقة.
وحاصله: أن شرط الطلب وسببه من أحكام الوضع وشرط المطلوب وسببه من أحكام التكليف. والنزاع في وجوب الثاني، لا في وجوب الأول، فلا نزاع في عدم وجوبه.
إذا عرفت ذلك ( فأئمتنا، والجمهور، على وجوب ذلك ) الذي لا يتم ( المطلوب ) إلا به، وعلى أن وجوبه أيضا ثبت ( بالأمر الذي وجب به الواجب ) يريدون أنه يلزم منه لا أنه مدلوله الوضعي < أو التضمني كما سيأتي في أن الأمر بالشيء، ليس نفس النهي عن ضده، ولا يتضمنه، وإنما يستلزمه >بل كما يلزم جواز الإصباح على الجنابة من جواز المباشرة إلى تبين الفجر، وذلك من أقسام المنطوق غير الصريح كما سيأتي.

(1/128)


وأما قول المصنف: ( لأن الأمر بالشيء أمر بمقدماته ) فاحتجاج بمحل النزاع، وحينئذ يجب ما لا يتم الواجب إلا به ( وسواء كان شرطا عقليا، كترك كل ضد للواجب ) إذا لم يكن ذلك الضد أهم من الواجب، فإن الواجب قد يكون ضدا للواجب ( وفعل ضد ) واحد ( للمحرم ) فإن وجوب ذلك بدلالة الالتزام العقلية كما عرفناك ( أو عاديا ) كغسل جزء من الرأس، لأنه لا يتم غسل الوجه في العادة إلا بغسل جزء من الرأس ( أو شرعيا كالوضوء ) < في الصلاة > فإنه لم يكن شرطا عقليا ولا عاديا لتمام الصلاة، وإنما اعتبره الشارع فقط، ولا يخفاك أن النزاع فيما يثبت بالأمر الذي وجب به الواجب، ومثل الوضوء لا يجب إلا بدليل مستقل ( أو كان علة ) لا شرطا ( كالنار، للإحراق ) إذا أمر به وجب تحصيل النار. وهذا وهم، لأن النار آلة كالسيف للقتل [ والنزاع في وجوب مثله ] فلو قال: كحز الرقبة في الأمر بالقتل كما مثل به المحققون، لكان أولى على أن تمثيلهم به إنما يتمشى على القول بأن القتل هو الأثر الحاصل في المقتول، كما هو رأي المعتزلة، وأما على رأي من مثل به فلا يستقيم لأن القتل عنده هو التأثير، أعني نفس الحز للرقبة، ( وقيل: لا يجب فيها ) أي: في أنواع ما لا يتم الواجب إلا به، ( مطلقا ) أي سواء كان شرعيا أو غير شرعي علة أو غير علة ( بل ) إنما يجب ( بغيره من الأدلة الخارجة ) من عقل ( أو عادة ) أو غيرهما لا بدليل الواجب الأصلي فقد صرحت عبارة المصنف بأنه لا نزاع في أصل الوجوب للاتفاق على وجوب فعل ما لا يتم الواجب إلا به، وإنما النزاع في نسبة هذا الوجوب إلى ما وجب به الواجب الأصلي أو غيره من عقل أو عادة أو شرع، والنزاع في ذلك شبيه بالنزاع في نسبة الدلالة الالتزامية إلى اللفظ أو العقل.
إذا علمت هذا، قلنا: إن كل ما لا بد منه ممتنع الترك، وكل ممتنع الترك واجب، وكل واجب مأمور به ينتج كل ما لابد منه مأمور به.

(1/129)


وأجيب بأنه إن أريد بواجب الوجوب الشرعي منعت الصغرى، أعني: القائلة: " وكل ممتنع الترك واجب، " أو مجرد اللزوم، منعت الكبرى، أعني القائلة: " وكل واجب مأمور به.
ورد بأن المنع طلب الدليل عليها. وقد قررنا فيما تقدم أنه دلالة الاقتضاء. وهي من النص، وإن كان خفيا.
قالوا: لو وجب بما وجب به الأصلي لزم تعقل الشارع له لامتناع طلب ما لا شعور به. ولما كان تعلق الطلب [ به ] لذاته لتوقفه حينئذ على وجود ما لا يتم الواجب المطلوب إلا به، ولامتنع التصريح بنفي وجوبه، ونحن نصرح بأن الشرع لم يوجب غسل شيء من الرأس،ولعصي بتركه،ونحن نعلم أن العصيان إنما هو بترك الأصل. ورد بمنع بطلان اللوازم. أما الأول، فلأن النزاع إن كان في الوجوب الشرعي، فانتفاء علم الله [ تعالى ] معلوم البطلان لإحاطة علمه، وإن كان ( فيما ) هو أعم منه، فإنما يلزم تعقل مطلق ما لا يتم إلا به، لا جزئياته،كما لا يلزم في تعقل الأمر بضرب رجل، تعقل جميع الرجال. وأما الثاني، فمبني على قدم [ تعلق ] الطلب، وهو ممنوع، ولو سلم فهو قيد للمطلوب، لا للطلب، حتى تكون المقدمة شرطا في الوجوب كالنصاب للزكاة. وأما الثالث، والرابع، فبمنع الثانية، لأنها مصادرة على المطلوب.
قالوا: لو كان واجبا، لوجبت نيته كالأصلي، ولصح قول الكعبي في نفي المباح، إذ لا يتم فعل الواجب إلا بترك كل ضد له، ولا ترك الحرام إلا بفعل واحد من أضداده، التي منها المباح، فيكون فعل المباح وتركه، واجبين. غاية الأمر أن يكون واجبا مخيرا بينه وبين غيره.

(1/130)


ورد بمنع الملازمة. أما النية فمنقوض بها نفسها، فإنها واجبة، ولا تجب نيتها للتسلسل، ولأنها إنما تجب لما وجب أصلا، لا ما وجب تبعا. وأما قول الكعبي فلجواز وجود شيء من المباح، لا يكمل واجبا < ولا مظورا > ولا يشغل عن محظور كترك المباح في غير وقت < فعل > الواجبات < والمحرمات > الفعلية، فإنه مباح لم يكمل واجبا < ولا محظورا فعليين حتى يكون واجبا أو محظورا مثل ما كمله لوقوعه في غير وقت فعلهما >، لعدم استغراقهما للأوقات، ( ولا يشتغل عن محظور < تركي> لأن ترك المباح بجامع ترك الواجب.
وقولنا: الفعلية، لأن الوقت لا يخلو عن واجب تركي لاستغراق دليله الذي هو النهي المطلق للأوقات كلها، كلن المباح لا يكمل ترك الحرام < الذي هو الواجب التركي وإن كمل فعله لأن هذا أحد التركين يجتمع مع غيره الآخر، فلو افتقر أحدهما في وجوده إلى الآخر، لما وجد مع ضده المنافي لوجوده >، < بخلاف ترك المباح في وقت فعل الحرام، والواجب الفعلي، فإنه يتمم غيره دونهما، إذ لو فعل المباح لصدَّ عنهما، فكان تركه مكملا لفعلهما قطعا. وأيضا غاية ما يلزم في المباح وجوبه مخيرا. وسيأتي أن الوجوب على التخيير، لا ينافي الإباحة > إلا أن ههنا إشكالا، وهو أن استغراق الحصر للأوقات مستلزم رفع المندوب، والمكروه، ( لأن الأشتغال ) بهما فعل ضد للحرام، ولا يتم ترك الحرام إلا بفعل ضد له، غايته أن يكونا واجبين مخيرا بينهما وبين غيرهما. ولا يصح الاعتذار بأنه واجب مندوب من جهتين، كالصلاة في الدار المغصوبة، لاتحاد متعلق الطلبين، هنا لا هناك.
< والجواب ما سيأتي من عدم منافاة الوجوب المخير لسائر الأحكام >، < وأيضا ثبوت الحكم للفعل لا لذات الفعل، بل لاعتبار الشارع له ولا يمتنع اعتباره لأحد الحكمين فيه في وقت، وللآخر في آخر، والوقتيتان لا تناقض بينهما >.

(1/131)


( وقال الجويني وابن الحاجب: " يجب الشرعي، دون غيره " ) لأنه لو لم يجب لم يكن شرطا إذ لا معنى لاشتراطه إلا وجوبه.
وأجيب بأنه إن أريد: لو لم يجب بدليل الأصل منعت الملازمة لجواز ثبوت شرطيته بدليل آخر. وإن أريد: لو لم يجب بأي دليل لم يكن شرطا، فمسلم، ولا يحدي لأن النزاع في الوجوب بدليل اٍلأصل. وفيه نظر، لأن النزاع ليس في الشرط المنفصل عن الخطاب بالواجب، فإن ذلك حكم آخر. ولهذا يكون الشرط المنفصل نسخا للإطلاق الأول إن تراخى، لا شرطا له كما سيأتي، إنما النزاع في الشرط المتصل بالخطاب قيدا له، وهو كما يكون قيدا للطلب، نحو: إذا ملكت نصابا فزكه، يكون قيدا للمطلوب نحو: صل متطهرا، وقيد المطلوب جزء منه، وطلب الكل المقدور، يستلزم طلب جزئه، ضرورة وقال الموسوي، والرازي: بل لا يجب بما وجب به الأصل، إلا العلة المؤثرة في حصول الواجب كحز الرقبة الذي هو علة للقتل المأمور به. وتقدم ما فيه من نظر.
ثم قد عرفت الاتفاق على أنه لا بد من تحصيل ما لايتم الواجب إلا به، وأن هذا هو معنى الوجوب. وإنما الخلاف في أن هذا الوجوب هل كان بما وجب به الواجب الأصلي، أو كان بغيره من عقل أو عادة، فمن سلم أنه لا بد منه، ونفى عنه الوجوب الشرعي، والعقلي < بعدم إثباته حكم العقل > فقد ناقض على نفسه، أو أثبت حاكما غير العقل، والشرع، ومثل ذلك لا ينبغي أن يُنسب إلى جاهل فضلا عن عالم، فقول المصنف:
( وثمرة الخلاف، هل يتناوله الأمر ) ليس ثمرة، وإنما هو محل النزاع. وكذا قوله: ( ويوصف بالوجوب ) لأنه مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في أن هذا الوجوب بالشرع، أم بغيره. وكذا قوله: ( ويثاب بفعله، ويعاقب بتركه ) لأنه لا نزاع في أن ما ثبت وجوبه عقلا أو شرعا أصلا، أو تبعا، لزمه الثواب على الفعل، العقاب على الترك، لأنهما مأخوذان في رسم الواجب < وهو يلازمهما >.

(1/132)


وأما توهم أن الخلاف يرجع إلى أنه: هل يكون الجزء جزءا،واجبين أو واجب واحد، فوهم، لأن الطلب متوجه إلى المجموع من حيث هو مجموع، وانتفاء الجزء موجب لانتفاء الكل من حيث هو كل فالعقاب إنما هو على انتفاء الكل لا على انتفاء الجزء، وإن كان سببا له كما ستعرفه في العلة المركبة، وكذا ليس المطلوب من تحصيل وجود الجزء تحصيله، مستقلا حتى يثاب بفعله وحده، بل المطلوب جعله جزءا، وذلك إنما يتم بحصول الكل.
وأنت إذ عرفت القول بعدم تمايز أجزاء الماهية، عرفت أن ليس هناك إلا واجب واحد، حاصل من مجموع الأجزاء، لا يتصف بأنه غير مجموعها، ولا شيء من الأجزاء يتصف بعد تركيب الماهية منه، ومن غيره بأنه غيرها، لعدم التمايز الذي تستلزمه المغايره. ثم لو قلنا أيضا بتمايز أجزاء الماهية ذهنا، وخارجا، لكان المطلوب هو الجمع بينها، وأنه أمر واحد، هو الواجب كالجمع بين أركان الصلاة، والطهارة.

(1/133)


( وإذا لم يتم الواجب إلا بقيح ) كمن خشي التلف على نفسه، فلم يجد حفظها الواجب عليه غلا بحرام ( أو بإخلال بواجب ) هو قبيح أيضا، فلا وجه لعطفه عليه، ولا ترك قبيح إلا بقبيح، كمن توسط أرض الغير [ غاصبا ] فإنه لا يتمكن من ترك الغصب إلا بالخروج الذي هو استعمال لحق الغير أيضا ( فالترجيح ) بين الواجب والقبيح، أو بين القبيحين. هذا إذا كانا ظنيين، وأما إذا كانا قطعيين ففيه إشكال، لأنهم قالوا::إن القواطع لا تتعارض، وقد عرفت أن استعمال أرض الغير بالبقاء فيها أو الخروج سواء في الحرمة القطعية. ولهذا جزم أبو هاشم، ببقاء حترمة الخروج كالدخول، ولا محيص عن ذلك إلا بما قررناه في مختصرنا. وأشار إليه جماعة من المحققين ( من ) أن ألتكاليف القطعية، ولاظنية، كلها، لا دلالة لها على جميع الأزمنة، والأمكنة،والأحوال، والأشخاص، قطعا، بل لا ظهور فضلا عن القطع، وإلا لزم أن لا يصح تخصيص القطعيات، ولا الترخيص في شيء منها، ويلزم أيضا أن تكون الأحكام المنسوخة، قد نسخت عمَّن وجد بعد النسخ قبل تمكنه من فعلها. وذلك لا يصح عند العدلية. وأيضا حتديث: " إنكم في زمان من ترك فيه عشر ما أمر به هلك، وسيأتي زمان من عمل فيه بعشر ما أمر به نجا ". ثابت في دواوين الإسلام، من طرق، وليس ذلك من النسخ، بل من حصول شرط للمخاطبين ( به ) ، وانتفاؤه عن غيرهم مع جهل العبد له، وعلم الله به. ولهذا وقع الخلاف في أن الأمر، للمرة، أو للتكرار، أو الفور، أو التراخي، وغير ذلك.
(فصل)

(1/134)


( ويستحيل كون الشيء الواحد ) بالشخص، لا بالنوع، فلا استحالة فيه، لجواز كون فرد منه واجبا، كالسجود لله [ تعلالى ]، وآخر حراما، كالسجود للصنم، وإنما يستحيل إذا كان ( واجبا، حراما، من جهة واحدة ) أي: لعلة واحدة، هي علة التسمية، سواء كانت وصفا له، أو أمرا خارجا عنه، < فلا يتوهم أن المراد بالعلة، والجهة، هي العلة الغائية، التي هي الباعث على الحكم، لأنه قد يمتنع مع تعددها أيضا، كما في صوم يوم النحر، لأن الغرض من الصوم، القربة، ومن النهي عنه إرادة الترفيه >، وإنما استحال لتأديته إلى < إيجاب العلة الواحدة للنقيضين، ويستلزم > طلب الجمع بين الفعل، وتركه، وأنه جمع بين النقيضين،ومناقضة أيضا. ولهذا منعه بعض مجوز تكليف المحال،معللا ذلك بأنه مناف للحكمة < فرقا منه بين التكليف المحال، والتكليف بما هو محال > ( إلا عند بعض مجوز تكليف ما لا يطاق عقلا وشرعا ) فإنه يجوز ذلك لتجويزه تعارض القواطع. واعتذاره، بأن ذلك إذا صدر من حكيم ل ينافي الحكمة، لأنه يعود إلى التخيير بين الوجوب والتحريم بدليل اقتضاء الصحة العقلية لذلك، كما سيأتي في دلالة الاقتضاء.
( ومنه: الصلاة في الدار المغصوبة، عند أئمتنا، وأحمد، والظاهرية، وجمهور المتكلمين، وإحدى الروايتين عن مالك، لإيجاد المتعلق ) أي: متعلق الأمر، والنهي، وهي أكوان الصلاة.
وهذا تعليل فاسد، إذ ليس المانع هو اتحاد المتعلق [ لأن البيع وقت نداء الجمعة، متعلق الإباحة، بقوله تعالى: " وأحل الله البيع ". ومتعلق النهي بقوله: " وذروا البيع ". فإيجاد المتعلق، لا يضر ] إنما المانع اتحاد الجهة التي هي العلة،كما عرفت.

(1/135)


ولا يصح أن يقال: إن العين التي هي المتعلق هي العلة، لأنه سيصرح في باب النهي، بأن النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة للوصف، لا للعين، ولأن التعليل بالعين، فاسد، كما سيأتي لاستلزامه قبح الأكوان كلها لتماثلها في الذات، وإنما تختلف بالصفات، وعلى هذا ( فلا تصح ) في الدار المغصوبة. وهذا التفريع إنما يستقيم لغير جمهور المتكلمين، فإنه سيأتي لهم أن النهي للوصف لا يقتضي الفساد. ( ولا يسقط الطلب ) للصلاة عن من فعلها، لأن الفساد في العبادات، يرادف البطلان ( ويجوز كونه كذلك ) .
أي: كون الفعل الواحد واجبا حراما من جهتين، أي: بعلتين كل منهما وصف للفعل ( كالأمر بالخياطة، والنهي، عن مكان مخصوص، ثم فعلت ) الخياطة ( فيه ) أي: في ذلك المكان المخصوص، فإن الخياطة هي بعض الكون في المكان المخصوص، الكون هذا هو المأمور به المنهي عنه. لكن تعلق الأمر به لوصف الخياطة، وتعلق النهي به لأمر خارج عن وصفه وذاته، هذا ( إن كانت الخياطة ليست بغصب للهوى ) أما إذا كانت غصبا له، فهي منهي عنها، كالصلاة في الدار المغصوبة، فيتحد المتعلق، فلا يصح. وهذا وهم منشؤه عدم معرفة معنى الجهة. وقد عرفناك أنها وصف الفعل الذي لأجله طلب، ولا إيجاد له في هذا المثال، ولا في صلاة الدار المغصوبة، كما ستسمعه الآن، إن شاء الله [ تعالى ] في كلام المخالف.

(1/136)


( ومنه ) أي: مما هو واجب حرام من جهتين ( الصلاة في الدار المغصوبة عند الفريقين، وجمهور الأشعرية ) يريد: من عدا الحنفية، والشافعية، كالمالكي، والحنبلي، المنتسب رأيه في التحسين والتقبيح إلى رأي الأشعري، لأنه منافات بين المذاهب الأربعة في الفروع، وبين رأي الأشعري في الكلام، حتى يكون العطف مقتضيا للتغاير، وعلى هذا القول ( فتصح ) الصلاة عندهم في الدار المغصوبة لعدم اتحاد جهة الأمر،والنهي لأن الأمر بالأكوان لأنها صلاة، والنهي عنها لكونها غصبا، فلم تتحد علة الأمر والنهي وإن اتحد الكون ( ويثاب ) الفاعل لها لأنه أتى بما أمر به على وجهه الذي تعلق به الطلب.
قلنا: لو صحت لصح صوم يوم النحر بالجهتين.
قالوا: الأمر والنهي عن كلاهما متعلق بالصوم من حيث كونه صوما،أي:إمساكا عن الطعام، لأن الصوم بنفسه مناف لمصلحة هي الترفيه، ومناسب لأخرى هي العبادة بخلاف الغضب فإنه ليس بمناف للصلاة.
( وقيل: لا يثاب ) وإن صحت صلاته لمقاومة المصلحة المفسدة، وهو ساقط ( لأن سقوط المصلحة التي هي الثواب، فرع عن وجودها. وليس النزاع في وجوده، إنما النزاع في استحقاقه ) < ولأنه إن أريد منه نفي الاستحقاق، فالاستحقاق ملازم للمصلحة، وإن أريد نفي إيصاله إلى المكلف، فمبني على الاحتياط المتفرع على تحقق كبر المعصية، وكلا الأمرين في حيِّز المنع >.

(1/137)


( الباقلاني، والرازي: لا يصح، ويسقط الطلب ) . وهذا أسقط من الأول، لأن المسقط للطلب إن كان موافقة ما أمر به فذلك معنى الصحة، وإلا لزم صحة كل ما لا يطابق أمر الشارع ( ودعوى الغزالي الإجماع على صحتها ) . مستدلا بأن السلف لأم يأمروا الغاصبين، بالإعادة، فكان ذلك دليلا على إجماهم، على الصحة ( باطلة ) لقول أحمد وأكثر المتكلمين بعدم الصحة، فلو وقع إجماع قبل أحمد لما خفي عليه، لأنه أقعد من الغزالي بمعرفة إجماعات السلف. والإجماع بعد خلافه، وخلاف أكثر المتكلمين بعيد، أو غير صحيح عند من يشترط أن لا يسبقه خلاف مستقر، ولا يريد أن مخالفة أحمد وبعض المتكلمين يمنع الإجماع، وإنما يبعد ظنه، فلو قال: "ودعوى الإجماع بعيدة "، لكان أولى. ( [ وفي كونها قطعية أوظنية خلاف بينهم ] ) .
( وأما من خرج من مغصوب تائبا، فآت بواجب، وهو الخروج لأنه مأمور به ) ليتخلص من غصب مال الغير بالوقوف فيه. قال ( الجويني: ومستصحب عنده ) أي: عند الخروج ( حكم المعصية ) بالدخول ( مع أنه مأمور به، وهو ) أي: قول الجويني ( بعيد ) إذ الإتيان بالمأمور به على وجهه لا مساس له بالمعصية حالا، ولا استصحابا لزوالها بالتوبة المتقدمة للخروج، وقد صرحوا بصحة التوبة عن المسبب قبل وقوعه، وبعد وقوع سببه، كمن تاب حال نفوذ السهم عن القوس، وقبل وقوعه في المرمِي. وما قيل: إنه بالدخول الجائفة إلى التصرف في ملك الغير حال توبته فعليه عقاب ذلك الإلجاء، مدفوع بأنه هو الدخول نفسه، ولا نزاع في الإثم به. ولهذا افتقر إلى التوبة، إنما النزاع في الإثم بالخروج بعد التوبة.
فإن قيل: فلتعتبر في الخروج الجهتان كالصلاة في الدار المغصوبة.
أجيب: بالفرق باستحالة ترك الغصب بالخروج، وعدم استحالة ترك الغصب بنفس الصلاة.

(1/138)


( وقول أبي هاشم في الأصح، مثل قوله ) أي: قول الجويني. والإشارة بالأصح إلى ما دفعه بقوله ( لا أنه ذهب إلى تحريم الخروج، كالوقوف ) كما شنَّع به عليه خصومه ( وتحقيقه أن أكوان خروجه عندهما ) أي: الجويني، وأبي هاشم ( لا توصف بكونها طاعة، وإن كان مأمورا بها ممتثلا ) لأن الأمر مجرد إباحة للخروج، وترخيص فيه، كأكل الميتة للمضطر. وهذا ساقط، لأن أكل الميتة واجب يثاب فاعله عليه،ويعاقب لو تركه حتى مات ( واستصحابه لحكم المعصية ) إنما كان ( لتسببه إلى ما ) أي: إلى غصب ( لا مخلص منه إلا معها ) أي: مع معصية السبب التي هي الغصب بالدخول،وفيه نظر،لأن معصية الدخول ( قد ) انمحت بالتوبة كما تقدم. والخروج ليس بمعصية.
( وحظ الأصولي في ذلك بيان استحالة تعلق الأمر والنهي معا بالخروج ) لما عرفت من أنه شيء واحد، ويستحيل كون الشيء واجبا حراما من جهة واحدة، هي كونه خروجا من غصب، وأنه لا يتصور فيه اعتبار الجهتين، بل هو كصوم يوم النحر، لا يجوز أن يتصف بالندب والتحريم.

(1/139)


( ووجوبه، أو تحريمه، موكول إلى نظر الفقيه ) هذا سرف في الغفلة، لأن الخروج مجمع على وجوبه والأمر به، وعدم النهي عنه، فكيف يصح من مجتهد القول بتحريمه، وقد تعبنا في الاعتذار لأبي هاشم عن روايته عنه < لَمَّا كان قوله خرقا للإجماع >، وأما المستصحب فإنما هو معصية الدخول لا معصية الخروج ( وتحير أكثر الفقهاء ) عن جواب سؤال هو: ( < في قول أبي هاشم > ماحكم الله على منسقط [ ثم وقع ] على أوسط جماعة جرحى، إن استمر عليه قتله، وإن انتقل عنه قتل كفؤه ؟. وجزم الجويني بأنها واقعة خالية عن حكم الشرع، وقيل: هو مخير ) لعدم المرجح لقتل واحد على قتل غيره ( وتوقف الغزالي ) والحق أن الساقط مسلوب الاختيار للكون على الأوسط،فلا قبح فيه لأن الحسن القبح من صفات فعل المختار إجماعا بخلاف الانتقال، فهو مختار له، ولا يجوز اختيار قتل النفس بل هو حرام، والاستمرار وإن كان هو القاتل للأوسط < وهو صادر باختياره > لا السقوط، لكن دفع مفسدة الاستمرار، لا تحصل إلا بمثلها فيكون الانتقال خاليا عن المصلحة، فلا يكون مأمورا به، وإذا لم يكن مأمورا به لم يكن منهيا عن ضده، بمطابقة ولا التزام، ويرجح الوقوف بأن الأصل في الانتقال التعدي بخلاف الوقوف، فإن الأصل فيه عدم الاختيار، فلا تعدِّي.
(فصل)
( والمندوب: ما ) أي: فعل، أو ترك، إما على من يرى أن التروك أفعال < فهو فعل > وإما على من يرى أنها عدم الفعل، فلأن ذلك العدم يتعلق به التكليف، كترك المكروه، إلا أنه لا يساعده قوله: ( يستحق المدح على فعله ) لأن العدم ليس بفعل < ( ولا يستحق الذم على تركه ) في حال قط، وإلا لورد المخير على مذهبه، والكفاية فإنه يمدح على فعلهما، ولا يستحق الذم على تركهما إلأ في حالٍ، وهو حال عدم فعل الغير > ثم قد تقدم لك من البحث في رسم الواجب ما يجري مثله هنا، كما أن هذا البحث يجري هناك أيضا.

(1/140)


( بعض الشافعية: ويرادفه التطوع، والسُنَّة، والمستحب، والمرغَّب فيه، والنفل، والحسن ) . أما مرادفته لغير السنة، والحسن، فظاهر، وأما للحسن، فوهم، لأن الحسن يشمل الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، على رأي الجمهور. وأما للمسنون، فلأن السنة هي: الطريقة المعتادة، فما لم يكن معتادا، لا يكون مسنونا. ولهذا قال،
( أئمتنا، والجمهور: والمسنون: ما أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ندبا، وواضب عليه، كالرواتب ) بعد الفروض، وقبلها. ولو ترك المصنف قوله: ( وإلا فمستحب ) لكان صوابا، لأنه راجع إلى مجموع القيود، أو أحدها، فيلزم كون الواجب والمباح، والمحظور، والمكروه، مستحبات، لأنه يصدق عليها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يأمر بها ندبا، ولا يأثم معتاد تركها، أي: المندوبات. ( لغير استهانة، خلافا للمؤيد، والإمام، والقاضي ) عبد الجبار ( وغيرهم ) مستدلين بأن اعتياد الترك، ملازم للاستهانة، لأن غير المستهين، يندر تركه لها ( ولا يفس خلافا للناصر، وجمهور المعتزلة ) بناء على ما ذكره الأولون من التأثيم. والإثم لا يكون إلا لمعصية، والأصل في المعاصي الملتبسة، الكِبَر، وأنه يستلزم الفسق < لكنه إنما يتمشى في السنة القطعية >.

(1/141)


( وقد تطلق السنة على الواجب، نحو: " عشر من سنن المرسلين " ) ثم عدَّ فيها ما هو واجب، ولا يخفاك أن هذا هو خلط للمفاهيم اللغوية بمفاهيم عرف الشرع، فإنه لا نزاع في أن السنة، لغة، لكل ما يستمر عليه، هيرا كان أو شرا. ومنه حديث: " من سنَّ سنة سيئة ". وقد ورد حديث: " عشر من سنن المرسلين " على المعنى اللغوي. ونحن بصدد بيان ماهو عرف أهل الشرع، لا بيان موضوعات اللغة، ( والمندوب، مأمور به ) لأنها تتعلق به صيغة " إفعل " التي هي المعنى الحقيقي للفظ " أ م ر " ( خلافا للكرخي، ورازي الحنفية ) مستدلين بحديث " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك " وبأن لفظ " أم ر " إنما يكون حقيقة في الطلب حتما < كما سيصرح به المصنف في الأمر > وما لا يكون حتما فإنما هو إرشاد لا أمر. وأما تسمية الصيغة أمرا < كما في: مروهم بالصلاة لسبع > فتسمية اللازم الأعم أعني اللفظ باسم الملزوم، أعني طلب الحتم، لأن الاسم لازم للمسمَّى،كما تقدم عند قول عبَّاد. ( وليس بتكليف ) لأن التكليف إلزام ما فيه كلفة ولا إلزام في المندوب ( خلافا للإسفرايني ) مستدلا بأن معنى كلَّف هنا، التعدية. فكما أن معنى فرَّحته: جعلته متصفا بالفرح، فكذا معنى" كلفته ": جعلته بتعريفه مصلحة الفعل متصفا بالكَلَف به، أي: الرغبة فيه، وليس الإلزام من مفهوم التكليف لغة، ولا شرعا. ( وهو ) أي: الخلاف في كونه مأمورا به، وتكليفا ( لفظي ) لا يرجع إلى اختلاف في معنى المندوب للاتفاق بين الجميع على أنه ( هو ) ما يثاب بفعله، ولا يعاقب بتركه. وفيه نظر، إذ يترتب عليه في مثل قوله تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " شمول المندوب، أو عدم شموله. وكذا في مثل قوله تعالى: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون " < ومثل قول الرواي: أمرنا بكذا > ( والأمر به ) للشارع ( لا واجب ) عليه ( خلافا لأبي القاسم ) بناء منه على وجوب الأصلح على الله تعالى. وقد عُرف في الكلام بطلانه.

(1/142)


(فصل)
( والمباح: ما لا يستحق عليه ) أي: ( لا يستحق ) على جنسه، لئلا يرد أن الإكثار منه يستحق عليه الذم، وتنتقص به العدالة ( مدح ولا ذم، ويرادفه الحلال، والطلق ) فنفي الثلاثة إذن عن شيء لا يستلزم تحريمه كما يتوهم لجواز كونه مكروها ( وكذا الجائز يرادف المباح ) وإنما فصله لفظ " وكذا " ليُرتب عيه قوله: ( وقد يطلق على غيره ) أي: غير معنى المباح، وهو إما ما لا يمتنع شرعا، واجبا كان،أو مندوبا، أو مكروها، أو عقلا، فيقال: "الزنا، جائز "، أي: غير ممتنع عقلا، لولا الشرع،وإما ما هو مشكوك فيه في شرع مع رجحان أحد طرفيه نحو: " صلاة الضحى جائزة " بمعنى: غير ممتنع نفيها، وإن كان ثبوتها مظنونا، أو مع استواء الطرفين، كمايقال عند تعادل الأمارتين بلا مرجح: كلا الأمرين جائز، أو في عقل مع رجحان أحد الطرفين، أو تساويهما في العقل ( وليس مأمورا به عند أئمتنا، والجمهور ) لمثل ما استدل به الكرخي في المندوب، إلا أنه يشكل على الجمهور، لأن التساوي في الدليل يوجب التساوي في المدلول. وقد حصل فيه ما علَّلوا به كون المندوب، مأمورا به، أعني: تعلق صيغة " إفعل " به ( خلافا لأبي القاسم ) بناء منه على أن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، وإن كان مخيرا بينه وبين غيره. وقد تقدمت المسألة. ( وقيل: لم تثبت الرواية عنه، ويحتمل أن تكون إلزاما ) له من القول بوجوب ما لا يتم الواجب إلا به. وقد عرفت لزومه له، ولغيره، ولايستلزم رفع المباح بالأصالة،كما قدمنا ( وعلى ثبوتها، فالمشهور عنه مع بطلانه ) قد عرفت أن القول بوجوب ما لا يتم الواجب إلا به، مبطل للبطلان ( أن المباح مأمور به، لكنه دون المندوب، كما أن المندوب مأمور به، لكنه دون الواجب ) يريد: أن المباح، والمندوب، كليهما مما لا يتم الواجب إلا به مخيرا. لكن تتميم الواجب بفعل مندوب أرجح من تتميمه بفعل مباح، والتخيير بين الفاضل والأفضل صرح به صاحب الكشاف في تفسير قوله

(1/143)


تعالى: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه " قال: كما خير المسافر بين الصوم والإفطار ( وقيل: أراد أمر الإيجاب ) وهذا هو الظاهر من وجوب ما لا يتم الواجب إلا به. وتأول الإجماع على انقسام الأحكام إلى خمسة، قائلا: إن ذلك الانقسام المجمع عليه، إنما كان ( بالنظر إلى ذات المباح، لا بالنظر إلى ما يستلزمه من ترك الحرام، فهو واجب ) وهذا التأويل، فاسد، لأن انقسام الأحكام إلى الخمسة، ليس لذوات < الأفعال > لتساويها في الذاتية، < أعني: الكون > وإنما انقسمت باعتبار ما تعلق بها من الشرع، من إيجاب، أو نحوه، أصالة، أو تبعا،فالأولى أن يقال: كل واجب، مخير فيه، يكون واجبا بالنظر إلى إغناء فعله عن الواجب المبهم،مباحا بالنظر إلى جواز تركه بفعل غيره، كما هو مذهب من قال في المخيرات، بأنها لا تتصف كلها بالوجوب ( والمباح، جنس للواجب ) .
إعلم ؛ أن معنى كون الشيء جنسا لشيء، هو كونه متركبا منه ومن غيره كالحيوان جنس للإنسان ( لتركب الإنسان منه ومن الناطق ) وأن كل ما لزم الجزء من لازم، لزم الكل، ولا عكس. والمباح، ليس بهذه المثابة، لأنه لو كان جزءا للواجب مع كون جواز الترك جزءا من ماهيته، لكان جواز الترك جزءا من ماهية الواجب.
فالحق، أن الواجب، ليس بقسم منه، وإنما هو قسيم له، كلاهما قسمان من مطلق الحكم.
وأما استدلال المصنف على ما اختاره بقوله: ( ولذلك إذا نسخ الوجوب بقي الجواز ) كما بقي جواز صوم عاشورا، بعد نسخ وجوبه، فوهم، وإنما يبقى ما كان من أصل قبل الوجوب، ولذلك لا يبقى جواز لمثل ذبح إسماعيل، ولا لثبات المسلم الضعيف لعشرة كفار أقوياء، بعد نسخ الوجوبين، ونحو ذلك < ما سيأتي في المانع من الأبوة قد رفعت وجوب القصاص، ولم يبق جوازه >. وإنما بقي جواز صوم عاشوراء، لأن الجواز هو الأصل، لا لأنه جنس للواجب.

(1/144)


فالحق، قول: ( ابن الحاجب، وغيره: بل هما نوعان للحكم ) . وتحقيقه: ما تقدم. ولا يذهب عنك أن المصنف يريد بالجنس هنا، وبالنوع: ما هو مصطلح أهل المنطق، وهو عكس مصطلح الأصول ( وليس الإباحة بتكليف ) لما عرفناك به سابقا من معنى التكليف ( وفاقا للجمهور، وخلافا للإسفرائيني ) مستدلا بأنه لا يجوز الحكم بخلاف ما رسمه الشارع في المباح من الإباحة، فكما لا يجوز تحليل الحرام، لا يجوز تحريم الحلال الذي هو [ معنى ] المباح. وهذا معنى التكليف.
( وعن بعض المعتزلة. أنها حكم عقلي ) لأن معناها انتفاء الحرج في الفعل، والترك. وهذا معنى ثابت قبل الشرع.
وأجيب، بأن تقرير الشارع له حكم بثبوته، ولهذا لا يجوز تحريمه، كما ذكره الإسفرائيني، وهو معنى الحكم الشرعي.
ورد، بأنه يلزم أنيكون كل حكم نسخا، إذ ما من حكم إلا وقد سبقه تقرير على خلافه.
والحق، أن التقرير إنما يكون حكما بالإباحة في محرَّم الأصل، عقلا، أو شرعا، لبعد السكوت على حرام، لا في مباح الأصل، لأنه تحصيل الحاصل، ولو كان حكما شرعيا لكان رفعه نسخا، وقد صرحوا بأن رفع الإباحة الأصلية، لا يكون نسخا، لأنه ليس رفعا لحكم شرعي.
وعلى هذا ينبغي حمل كلام الكعبي، والإسفرائيني. أعني: يوجبه خلافهما، إلى إباحة محرم الأصل، لأنها الإباحة الشرعية، دون غيرها. وعند ذلك تتجه دعوى وجوب المباح، وكونه تكليفا، إلا أن التكليف به علمي، لا عملي، لتساوي فعله وتركه، إن لم يتمم واجبا بخلاف الأربعة، فإن التكليف بها علمي، وعملي مطلقا.
(فصل)

(1/145)


( والمكروه: ما يستحق المدح على تركه < ولا يذم على فعله >. والخلاف في كونه منهيا عنه، وكلفا به ) كالمندوب، لأن الترك هنا راجح على الفعل، كما أن الفعل هناك راجح على الترك (وقد يطلق على الحرام ) كقوله تعالى: ( كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ) والمراد الإطلاق في اصطلاح عرف الشرع لأن هذا المعنى عندهم مجاز، وإن كان حقيقة لغوية، وشرعية، كما تقدم مثله. وعلى ترك الأولى، كالمندوبات أي: كترك المندوبات، فإنه ربما يقال: " ترك الضحى، مكروه ".
(فصل)
(والمحظور: ما يستحق الذم على فعله، والمدح على تركه ) قد تقدم لك الكلام على مثل هذا الرسم، فلا نكرره. ولم يتعرض لذكر الثواب والعقاب في رسوم الأحكام كلها لخفاء لزومه. ولهذا صرح بعض الأشعرية، وغيرهم، أن الخلاف في التحسين والتقبيح إنما هو بمعنى استحقاق الثواب آجلا، والعقاب كذلك. وأما بمعنى استحقاق المدح والذم والثواب والعقاب عاجلا، فليس محلا للخلاف (ويرادفه القبيح ) بناء على أن المكروه، حسن، والحرام يأخذ معنييه ( أعني ) الممنوع، لا الممتنع، كما في ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) . (وينقسم إلى صغير،وكبير،وملتبس ) هذه المسألة مع كونها مما لا مدخل له في الأصول لأنها من مسائل الكلام التي لا يتوقف على معرفتها دليل الحكم، وهم. لأنه إن أراد الانقسام في نفس الأمر، فليس إلا صغيرا وكبيرا. وعند المتكلمين، فليس إلا كبير وملتبس.
نعم ؛ يتجه ذلك على رأي من جوز تعيين الصغائر، وربما يؤخذ للمصنف القول بذلك من هذا التقسيم.
(فصل)

(1/146)


(والثاني ) من قسمي خطاب الشرع (هو الخطاب المعرف للسبب، والشرط، والمانع ) وسيأتي تحقيقها إن شاء الله [ تعالى ] (ولا يكون بالاقتضاء والتخيير ) ليخرج التكليفي. ولا حاجة إلى هذا القيد، لأن معنى تعريف الثلاثة تعريف سببية السبب، وشرطية الشرط، ومانعية المانع، ولا اقتضاء في ذلك، ولا تخيير، وإن كان أحدها تكليفيا أيضا، كالوضوء، فإنه من حيث أصل الفعل بأنه تكليفي. ومن حيث توقف صحة الصلاة عليه بكونه وضعيا (وفائدته: سهولة معرفة ما كلفنا به من فعل، أو ترك ) .
إعلم ؛ أن الثلاثة قيود، إما للطلب، أو للمطلوب، ولا معنى لتعريفها التكليف، لأنه لو أطلق الأمر بالصلاة، لكان المطلوب صلاة في أي وقت، وعلى أي حال، وذلك معلوم من البراءة عن القيد، فلا معنى لجعل خطاب الوضع مسهلا للمعرفة. وأما توهم أن التسهيل تحصل (بنصب المعرِّف علامة لذلك في كل واقعة بعد انقطاع الوحي، لئلا تخلو أكثر الوقائع من الأحكام، مع ما فيه من حكمة الاختصار ) ( فوهم ) لأن معرفة ما لا يقيَّد بسبب، ولا شرط، ولا مانع، شرعيات أسهل معرفة مما قيد بذلك. لما تقرر في الحكمة من أن المقيد أخفى من المطلق.
وأيضا، الشرط قد يكون شرطا للواجب، لا للوجوب، وشرط الواجب جزء منه كالوضوء، فكيف يكون معرِّفا له، وعلامة ؟.
وأما ما توهم أنه لولا خطاب الوضع، لخلت أكثر الوقائع من الأحكام، فأفحش في الوهم، لأن عموم الأحكام للأشخاص والأزمان بدلالة العموم اللفظي أو العرفي المسمى تنقيح المناط، < أو تحقيقه عند من جعل النص على الحكم كافيا في التعبد بحكم الفرع، كما سيأتي، لأن النص عليها في قوة العموم > سواء كان الحكم مطلقا أو مقيدا بشرط أو سبب، أو عدم مانع.
< نعم ؛ إنما يتوهم أن النص على العلة في الأصل معرف لحكم الفرع عند من لا يجعل النص عليها كافيا في تعميم الحكم بل لا بد من التعبد بالقياس، وهو فاسد، لأن المعرف حينئذ هو التعبد بالقياس، لا العلة بمجردها >.

(1/147)


(واعترض بعض المتأخرين القدماء في تسميتهم ما عرف بخطاب الوضع حكما. وقال: إنما هو علامة الحكم، ولا يسمى حكما، وهو ) أي: هذا الاعتراض (فاسد ) لأن الحكم، كما عرفناك، هو القضاء على الشيء بشيء، فكما يقضى على فعل المكلف بأنه حرام، يقضى على الوصف بأنه سبب، ونحوه. وذلك معنى قول المصنف: (لأن نصب الشارع علامة للحكم، حكم شرعي، فكما أن وجوب الحد، حكم شرعي ) فكل واقعة،عرف حكمها بعلامتها.
ههنا ثلاثة أمور: الواقعة، وحكمها، وعلامتها. فإن فسرت الواقعة بالفعل الجزئي، كزنا المجلود مثلا. وحكمها بوجوب الجلد،مثلا. لم يصح تفسير العلامة بالسبب الذي هو زنا المجلود لصيرورة المعنى أن الزنا عرف بالزنا. وإن فسرت الواقعة بالحكم صار المعنى: فكل حكم عرف حكمه، ولا حكم للحكم. وكل هذا هذر منشؤه عدم التأمل لمعاني تراكيب الكلام.
وأما قوله: (لا بدليل آخر ) فأعجب، لأن حكم كل زنا وقع من كل زان، إنما عرف من تعلق ( اجلدوا ) بالمفهوم الكلي من ( الزانية والزاني ) العام لكل فرد لأن وجوب الجلد، عرف بالزنا. وإن كان سببا للأمر بالجلد الذي هو الحكم، فإن العلة سبب الحكم الحاكم، أعني شرع الشارع للحكم، لا لمعرفة الحكم، فإنه إنما عرف من نحو: ( اجلدوا ) . وسيأتي الخلاف بين الشافعية والحنفية، في أن حكم الأصل، هو هو ثابت بالعلة، أو بالنص ؟. ولا خلاف في المعنى لاتفاقهم على ما حققناه، كما صرح به في المختصر، وشرحه. فكل واقعة (فلله فيها حكمان: الحكم المعرَّف بها ) المعرف بفتح الراء الذي عرفته الواقعة. وهذا تصريح منه بأن الواقعة هي السبب (والحكم عليها بكونها معرِّفة له ) بكسر الراء. أي: معرفة للحكم. وهو وجوب الجلد مثلا.

(1/148)


(ويشترط في التكليفي ما لا يشترط في الوضعي، كالتكليف، وعلم المكلف ) . قد سبق لك من كلامه أن الوضعي علامة للتكليفي، وذلك مستلزم لتلازمهما. وكلامه هنا يشعر بانفراد الوضعي. وذلك تناقض بين غره فيه تقليد غيره، وما رأي من تعلق الضمانات المسببة عن الإتلاف بغير المكلف، وغير العالم. ولهذا قال: (ومن ثم وجب الضمان ) على غير المكلف، وذلك إنما كان مخالفا لقياس الأصول حفظا للأموال، والدماء، كالعاقلة، والقسامة، ولو لم يشترط في الوضعيات كلها التكليف لوقعت عقود الصبي وإيقاعه.
وأما قوله: (ووقع طلاق السكران، ونحو ذلك ) فوقوع طلاق السكران ممنوع. وعلى منعه جمهور الصحابة، والتابعين. وكذا منع المحققون تعلق الجناية بالصبي، وإن وجد سببها. وإلا لتخلف المسبب، أعني: وجوب الغسل عن سببه. وكذا منهم من منع تعلق الزكاة بماله، وإن وجد سببها، وهو النصاب لعدم الفرق بين ذلك، وبين عقوده، وإيقاعاته، في سبب كل منها، أهلية السببية، وأما القول بأن فعل الصبي أو ماله يكونان سببين للوجوب على الولي فمستلزم للقول بأنه يجب على الولي غسل الصبي من الجنابة، وقول بعضهم إنه يمنع من مس المصحف، ودخول المسجد، ساقط، لأنه لو حرم عليه المس والدخول، أو كُرها لوجب عليه الغسل، لعدم الفرق بين الأحكام الخمسة في التعلق، ولو منع عما ليس بحرام، ولا مكروه عليه لم يجز منعه.
(فصل)

(1/149)


(وانقسام المعرف بخطاب الوضع إلى الثلاثة المتقدمة ) الشرط، والسبب، والمانع إنما كان (بحسب الاستقراء ) وهو تتبع العلماء لآثار قيود الأحكام، لأنه أي المعرَّف بالفتح (إن أثر وجوده في وجود الحكم وعدمه في عدمه ) سواء كان ذلك المؤثر (علة له ) أي: مناسبا في العقل لشرعية الحكم (كالإسكار ) المناسب لتحريم الخمر عقلا، فإن حفظ العقول عما يغيرها ن العقليات المعتبرة في كل ملة (أو غير علة كالزوال ) المؤثر وجوده في وجوب تنجيز صلاة الظهر، وعدمه في عدم وجوبه (فهو السبب، وإن أثر عدمه ) أي:عدم المعرف (في عدمه ) أي: عدم الحكم (ولم يلزم من وجوده وجود ) كما في السبب (ولا عدم ) كما في المانع (فهو الشرط ) كالحول في وجوب الزكاة.
< وأما قول المصنف (كالوضوء ) ففيه نظر > لأن شرط الواجب لا يؤثر عدمه في عدم الحكم. فإن عدم الوضوء لا يؤثر في عدم وجوب الصلاة، وإن أثر في عدم الصحة، فالصحة ليست بحكم شرعي، كما سيأتي. ولا يصح أن يراد بالحكم ما هو أعم من الشرعي، والعقلي، لأنه قد أراد بالوضعي، ما جعل علامة لتكليفي، وإلا لزم كون جزء العبادة، كالركعة مثلا، شرطا، لأنه يؤثر عدمها في عدم الصحة، ولا يؤثر وجودها وحدها في وجود الصحة (وإن أثر وجوده في عدمه كالأبوة ) < أي أبوة القاتل للمقتول > إذا وجدت أثرت في منع القصاص كان القياس في منع وجوب القصاص، لأن كلامنا في مانع الحكم، إلا أنه خاف أن يلزمه ما ادعاه فيما سلف من أن الوجوب إذا ارتفع بقي الجواز، ولا قائل بالجواز هنا (فو المانع ) وسواء كان مانعا لحكم تكليفي، أو وضعي (وسيأتي تفصيلها في موضعه، إن شاء الله [ تعالى ) .
(فصل)

(1/150)


(والصحة < والبطلان > [ والفساد ] والحكم بهما أمر ) أي: أمور، إلأا أنه أفرد الخبر على إرادة كل واحد (عقلي، لا شرعي، وضعي، خلافا للآمدي والسبكي ) فقالا: لا تنافي بين كون الشيء عقليا، ووضعيا، فكما جعل الشارع الإمكان شرطا، وهو عقلي، كذلك حكمه عند إتمام ما اعتبره من كيفيات الفعل، وكمياته بإسقاط القضاء، وبقبول الفعل اللذين هما معنى صحته شرعي، وإن كان ذلك معلوما بالعقل أيضا.
والجواب ؛ أنه لا يستحق أن ينسب إلى الشرع، إلا ما نافى أحكام العقول، كذبح البهائم، واعتبار المقادير، ونحوها في العبادات التي لا تهتدي العقول إلى الحكم بها، وإلا لكان ذلك تحصيل الحاصل، كما تقدم في الإباحة.
(والصحة في العبادات، عند الفقهاء، وبعض المتكلمين: كون الفعل مسقطا للقضاء. وعند جمهور المتكلمين: موافقة أمر الشرع ) فالصلاة باستصحاب الطهارة، ثم انكشف عدمها صحيحه، على الثاني، وإن وجب القضاء، فلا تلازم بين الصحة، وعدم وجوب القضاء، وغير صحيحة على الأول.
(و ) الصحة (في العقود ) [ كونها بحيث يحصل بها ] (ترتب ثمراتها عليها، المقصودة منها ) كالانتفاع بالمبيع، ونحو ذلك. وكان الواجب، عدم الفصل بين الصفة وموصوفها، فالوجه قطع الصفة.
(وإنما يوصف بها ) أي: بالصحة (ما كان له وجهان ) أحدهما مشروع، والآخر غر مشروع، ليكون ما وافق الشرع هو الصحيح. وما خالفه هو الفاسد، كالنية، لا تجب إلا فيما احتمل وجهين، ولهذا لا تجب نية النية، لأن ما كان ذا وجه واحد، كإنفاق من تجب نفقته، وبر الوالدين، ونحو ذلك فلا يتصف بالصحة، ولا بالفساد.
(والبطلان: نقيضها، بكل من الحدين ) يعني: حد العبادة، وحد العقود، وإن كان لهما في العبادة حدان، فتصير الحدود ثلاثة. وهذا في البطلان، وأما في الفساد، فقال.

(1/151)


(الناصر، ومالك، والشافعي: ويرادفه ) أي: البطلان (الفساد في العقود ) أيضا. فمعنى فسادها، بطلانها، لأن مرجع ذلك، إن كان إلى عدم شرط لها، فقد علمت أن عدم الشرط، مستلزم لعدم المشروط، وهو معنى البطلان، وإلا فلا فساد. وكأن هؤلاء يرون أن المناهي تقتضي أن يكون عدم ما نهي عنه شرطا للمطلوب، أو وجوده مانعا عنه. وسيأتي في المناهي بيان ما هو الحق، إن شاء الله [ تعالى ].
(جمهور أئمتنا، والحنفية: بل هو ) أي: الفساد في العقود (قسم ثالث ) غري الصحة، والبطلان (وهو خلل فيها ) أي: في العقود (يوجب في حال ) كحالة ترافع الخصمين إلى الناصري، أو الشافعي، أو المالكي، عند اشتمال العقد على شيء منهي عنه، فإنهم يحكمون بالبطلان. والحكم بذلك يقتضي (عدم ترتب ثمراتها عليها المقصودة منها ) لجعل أولئك الحكام العقد كلا عقد. وأما حيث لا يختلف المتعاقدان، أو يترافعان إلى من لا يرى النهي للفساد، فإنه يتحقق حينئذ ترتب ثمرة العقد عليه، إلا أن هذا رسم غير مانع لدخول الباطل، لأن ثمرته إنما تبطل في حال اختلاف المتعاقدين. ولا يصح أن يراد بالثمرة حلها، ليخرج الباطل، لأن من الصحيح ما لا يترتب عليه ثمرته،كحالة تناكر المتعاقدين على وقوعه. فإن الحاكم يحكم بالأصل، وهو عدم العقد، فلا تترتب ثمرته عليه مع صحته وحله، فلا يكون الرسم مانعا له أيضا.

(1/152)


(و ) البطلان، والفساد (يترادفان ) إذا أطلقا (في العبادات، عند الجميع ) ممن فرق بينهما في العقود، وغيره (وإنما يتناول الخطاب ) الشرعي (الصحيح ) من الشرعيات، فإذا قال الشارع: "صل "، فالمراد: إفعل الصلاة المستكملة للشرائط. وكذا إذا قال: بع، أو أنكح، أو طلق. وفي ذلك بحث، لأنه ينبني على ثبوت الحقيقة الشرعية. وقد عرفت عدم انتهاض الدليل عليه. وأيضا يستلزم أن يكون النهي مقتضيا للصحة، كما هو مذهب البعض، لأن النهي من الخطاب. وسيأتي تحقيق لزوم ذلك، إن شاء الله [ تعالى ] ويستلزم أيضا أن لا يجري شيء من أحكام الصحيح على الفاسد، < كما هو مذهب من لم يفرق بين الباطل والفاسد، في المعاملات > لأن الخطاب المطلق، إذا لم يشمل إلا الصحيح و الأحكام الشرعية له فقط، احتاج الفاسد:إلى أدلة على أحكامه، غير أدلة المطلق، ولا دليل غيرها. فإثباتها للفاسد لا بدليل. وقياس الفاسد على الصحيح لا يصح لظهور الفارق.
(فصل)
(والرخصة: ما شرع للمكلف فعله، أو تركه لعذر ) فيه تسامح، لأن ما شرع، هو الفعل، لا الرخصة، فإنها رفع التحريم، أو الكراهة، عن نحو أكل الميتة، لعذر الجوع، وترك الصوم، للسفر (مع قيام المحرم أو الموجب لولاه ) أي: لولا العذر.
وههنا بحث ( وهو أن علل الأحكام كلها، أعذار ) فإن شرعية القصاص مثلا، لدفع التلف، أو دفع المشقة، أيضا [ مع قيام المانع لولا ذلك العذر ] فالأولى أن يقال: " هي رفع تحريم فعل أو ترك أو كراهتهما لعذر حتى يزول العذر ".

(1/153)


(وثبوتها بخطاب التكليف لا الوضع ) لأنها قد تكون واجبة، ولا معنى للتكليف إلا مثل ذلك (خلافا للآمدي ) مدعيا أن ما وجب، أو ندب منها، لا يسمى رخصة، وإنما الرخصة ما بقي على مدلولها لغة، لأن معناها لغة التبشير (وشرعها، لدفع التلف، أو دفع المشقة ) ولا وجه لحصر الغرض فيهما، فإنها قد تكون لغير ذلك كالترخيص في التبختر في الحرب لإغاضة العدو وفي ضرب الدف في الأعياد ونحوها. ثم قد أشرنا لك إلى أن ذلك هو الغرض من شرع الرخص، وأكثر العزائم. بل لو اعتبرنا دفع التلف والمشقة الأخرويين، لقلنا ذلك هو الغرض من شرع الشرائع كلها، فإنها مصالح وألطاف.
(وتنقسم ) الرخصة (إلى واجب كأكل الميتة للمضطر، ومندوب، ومباح، ومكروه، كالفطر في السفر بحسب حال المسافر ) في المشقة، إن لم يبلغ الضرر، وإلا وجب الفطر أيضا. (وقد يكون سببها ) أي: العذر المقتضي شرعها (واجبا ) كسفر لا حاجة إليه (ومحظورا ) كسفر المعصية (وفعلا لله [ تعالى ) كالمرض (وللعبد ) كالسفر.
(وإطلاقها يفيد أنها من جهة الشارع ) إذ رفع التحريم والكراهة، إنما تكون من جهة الشارع.
(والفرق بينها وبين الشبهة واضح ) هو: أن الرخصة تستند إلى دليل صحيح، والشبهة تستند إلى دليل لا تعلم صحته، وإن كانا منسوبين إلى الشرع. وسيأتي لذلك تحقيق في المتشابه، إن شاء الله [ تعالى ] (والعزيمة: ما ألزم المكلف به من ) متعلقات (الأحكام ) سواء كان المتعلق (فعلا ) كالواجب (أو تركا ) كالمحظور. وفي العبارة قلق، لأن من الأحكام ما لا يصلح بيانا لما ألزم، لأن الملزوم إنما هو المحكوم فيه أعني: الفعل الواجب، كالصلاة مثلا، لا وجوبها الذي هو الحكم. ولو صح ذلك مجازا، لما صح تقسيمه إلى الفعل والترك، لأنهما غري الحكم. فلهذا قدرنا لفظ المتعلق.
وأما قوله: (لا لعذر ) فقد عرفت أن الأحكام كلها إنما شرعت لجلب المصالح، ودفع المفاسد، وهي الأعذار بنفسها.

(1/154)


(ولا ينحصر الحكم في العزيمة والرخصة، إذ لا يدخل المندوب، والمكروه، والمباح، في العزيمة ) لما عرفت من أنها إلزام، ولا إلزام في الثلاثة، ولا رخصة لما علمت من أنها إنما تكون في فعل محرم أو ترك واجب لا في فعل أحد الثلاثة، ولا تركه (خلافا للإسفرائيني، وبعض الأشعرية ) فإنهم حصروا الحكم في العزيمة، والرخصة، لأن العزيمة، والرخصة، من صفات الحكم، لا من صفات متعلقه، أعني: المحكوم فيه. والمراد بكون الحكم عزيمة، كونه معزوما عليه، أي:مبتوتا مطلقا، غير متردد فيه، كما في الرخصة التي لا تثبت إلا في حال دون حال، فأشبهت المتردد فيه. ولهذا يبقى الوجوب، والتحريم
(فصل)
(والمحكوم فيه: الأفعال ) < أو التروك. وكأنه تركه بناء على أن التروك أفعال، لكن > حصر المحكوم فيه على الأفعال إضاعة، تبع فيها غيره، لأن الحكم كما عرفت تكليفي، ووضعي. والوضعي قد لا يكون في فعل بل كسببية الزوال، ومانعية الأبوة، وشرطية الحول. فالأولى أن يقال: المحكوم فيه متعلق الحكم فعلا <أو تركا > أو وصفا (و ) الأفعال التي هي متعلق الحكم التكليفي (يشترط في التكليف بها عند أئمتنا والمعتزلة، وجمهور الأشعرية تعريفها ) المكلف (ومن ثم امتنع التكليف بما لا يعلم خلافا للرازي ) هذا الاشتراط دخيل في بحث المحكوم فيه لأن حاصله اشتراط فهم المراد، وذلك من أحوال المحكوم عليه، وشروطه كما سيأتي. ونحن لا نطول ببيانه هنا، وهناك.

(1/155)


(< وإمكانها > ومن ثم صح التكليف بالممكن لذاته، ولغيره عقلا وشرعا إجماعا ) العبارة مراد بها: "ومن ثم أجمع على صحة التكليف " إلى آخره، إلا أن تقييد الإمكان بالذاتي، غير معهود في عباراتهم، ولا مستقيم لأن إمكان الممكنات لم يكن لذواتها، وإلا لما احتاجت إلى محدث، وإنما تقيد بذلك القيد الاستحالة، فيقولون: مستحيل لذاته، ولغيره، ويريدون بالثاني ما هو ممكن متصور، وإنما منع منه مانع، خارج عن ذاته. ثم حاصل العبارة أنه إنما أجمع على صحة التكليف بالممكن لأجل اشتراط هذا الشرط، وهذا هذر من التركيب لأن علة الإجماع إنما هي عدم المانع من التكليف به (وكذا الممكن لذاته الممتنع باختيار المكلف كالإيمان من الكافر ) يريد فإنه مجمع على صحة التكليف به إذ ليس مستحيلا لذاته، وإن كان مختلفا في وقوع التكليف به، فإن الحنفية وغيرهم على عدم تكليف الكفار بالشرعيات، وهو منها على رأي من يجعله مجموع الأقوال والأفعال والاعتقادات، وكذا مجرد التصديق بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ذلك إنما يعرف بالشرع. ولذلك فصل معقود يأتي في الأمر، إن شاء الله [ تعالى ] (وفي الممتنع بإخباره تعالى ) عبارة ركيكة مراد بها " وفي ما علم بإخبار الله [ تعالى ] امتناعه كما في " ( لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) (خلاف يأتي إن شاء الله [ تعالى ] ) في مسألة ما علم الأمر، وجهل المأمور انتفاء شرط وقوعه (واختلف في الممتنع لذاته، وهو ما يمتنع تصوره كالجمع بين الضدين، وفي ما لا يدخل تحت القدرة، وإن أمكن تصوره كالطيران، فمنعه أئمتنا، والمعتزلة، والنجارية، عقلا، وسمعا، وهو أحد قولي الأشعري. وثانيهما، واختاره جمهور أصحابه، جوازه عقلا ووقوعه عند أكثرهم شرعا ) كتكليف من علم أنه يموت أو يعصي أو ينسخ عنه قبل التمكن من الفعل، فإن الفعل منه محال لأنه خلاف ما علم الله سبحانه وخلاف ما علم الله محال.

(1/156)


وأجيب بأن ذلك تكليف مقيد بحصول شرط التمكن، وبعدم المانع، ورد بأن ذلك يرفع الخلاف لقول الخصم بمثله في تكليف المحال، فإن التكاليف كلها مقيدة بحصول شرط الفعل وبعدم المانع منه، وبمثل ذلك لا يمنع أصل التكليف، وأن أطلق في اللفظ لأن من قيوده ما يكفي العقل في اعتباره كما سيأتي في التخصيص والتقييد بالعقل.
وأما قول المصنف: ( وقبح ذلك معلوم ضرورة ) .
فاعلم أن الخلاف في هذه المسألة ينبني عل الخلاف في ما ذا يصير به الأمر أمرا ؟. فالمعتزلة ومن تبعهم على أن الأمر إنما يصير أمرا بإرادة المأمور به. والأشاعرة ومن تبعهم على أنه يصير أمرا بإرادة كونه أمرا فقط وقد تقدم الخلاف في ذلك < وأما القول بأنه يصير أمرا بالوضع فغير محل النزاع لأن النزاع ليس فيما صارت به الصيغة دالة على الطلب، بل النزاع في الطلب نفسه الذي هو مدلولها > فيصح عند الأشاعرة < ومن تبعهم > أن يأمر الله [ تعالى ] بشيء ولا يريده، لجواز انفكاك الأمر عن إرادة المأمور به لأصل لهم في ذلك، هو أن ما أراده فلا بد أن يكون، فلو استلزم أمره العصاة بالطاعة إرادتها منهم لوقعت منهم لا محالة لامتناع تخلف مراده عن إرادته، وأيضا الإرادة لا تتعلق بفعل الغير، وعليه جمهور المعتزلة أيضا.

(1/157)


وبعد هذا تعلم أن القبح الضروري الذي ذكره المصنف إنما يتضح بعد اتضاح كون الأمر يستلزم إرادة المأمور به، وأن الإرادة تتعلق بفعل الغير والأمران من الضرورة بمراحل لأن القبح الضروري إنما هو في إرادته تعالى من العبد ما لا يقدر عليه، وأما إلقاء الصيغة إليه غير مراد بها ما تعلق بها بل إنما المراد بها لازم من لوازم معناها كما في التعجيز، والابتلاء الذي في نحو أمر إبراهيم بذبح ولده وغير ذلك فالقبح غير ضروري. ومن هنا أيضا تعلم أن استدلال المختصر وشرحه بأنه لو صح التكليف به لكان مستدعى الحصول ممنوع الملازمة مسندا منعها بما حققناه، لأن استدعاء الحصول نفس إرادة المأمور به، وليس بمراد، وهذا أيضا مراد من نفي تكليف الكفار بالشرعيات لأنه لم يرد أن الأوامر لم تتوجه إليهم، وإنما أراد أن المأمور به غير مستدعى منهم ولا مراد. وإن توجهت الأوامر إليهم إقامة للحجة، وتتميما للمعذرة، وتشريفا للرسل بفضيلة التبليغ، كما صرح به علماؤهم، وذلك غرض صحيح، ووجه للأوامر صبيح. لا سيما على القول بأن الإرادة لا تتعلق بفعل الغير، ولأن استدعاء الآمر حصول ما علم عدم حصوله، سفَه، لا يجوز على غير الله [ سبحانه ] فضلا عنه (سبحانه ) كما سيأتي في تحقيق تلك المسألة إن شاء الله [ تعالى ].
وههنا أدلة للفريقين تُمل الفكر وتَفُل حد النظر، وبضمك يديك على ما حققناه لك تعلم وقوع الخبط في تحرير محل النزاع في هذه المسألة، وفي أدلتها من كلا الفريقين، فلا فائدة في التطويل بذكر ألتهم الخارجة عن محل النزاع.
وقوله: (شاهدا، وغائبا ) يعني: أن ذلك القبح معلوم ضرورة، سواء صدر تكليف المحال من الله [ تعالى] أو من غيره. وقد عرفت نكارة إطلاق الغيبة على الله تعالى.

(1/158)


(البصرية: بل إنما يقبح ) ذلك ( بالاستدلال في الغائب ) لأن الحكم بالقبح فرع صحة قياس أفعاله على أفعالنا، ومراداته على مراداتنا، وذلك إنما يثبت بالاستدلال، وما تفرع على الاستدلال كان استدلاليا، وإنما القضايا العرفيات تلتبس بالأوليات، فلهذا احتيج إلى قانون يعصم النظر عن الخطأ.
(فصل)
(أبو علي، والإخشيدية والبلخي، والمطرفية، والأشعرية، وروي عن القاسم والمرتضى: والمكلف به في النهي فعل، وهو كف النفس، أي:الانتهاء ) الذي هو الانفعال للنهي (إذ لا تكليف إلا بفعل ) هذا تعليل بمحل النزاع، والصواب إذ الطلب إنما يتعلق بالمقدور، وعدم الفعل قبل وقوع الفعل غير مقدور لأنه حاصل. وطلب تحصيل الحاصل محال. وكذا طلب العدم بعد حصول الفعل محال أيضا. لأنه طلب أن لا يكون للموجود حالة وجود.
والجواب، باختيار أن المطلوب عدم الفعل قبل وجود الفعل، والمراد استمرار ذلك العدم، وأنه ممكن لأن الاستمرار غير حاصل، وإن كان لا يتم الاستمرار إلا بالكف عن الفعل، فذلك مما لا يتم الواجب إلا به، لا من أصل المطلوب. ولهذا قال
(أبو هاشم، والجمهور: بل ) المكلف به في النهي ( هو أن لا يفعل ) المكلف الفعل المنهي عنه، أي أن يستمر له ذلك العدم ( وهو جهة كافية في استحقاق المدح، والثواب، والذم، والعقاب ) . ولهذا صح تعلق الإرادة في قوله تعالى: ( يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة ) وصح التعليل بالعدم كما سيأتي في القياس لجواز كونه مناسبا مقصودا كما في قوله تعالى: ( كي لا يكون دولة ) .
(فصل)
( أئمتنا، والمعتزلة، والجويني، والغزالي. وابن الحاجب: وإنما يكلف بالفعل قبل حدوثه، فيتعلق الأمر به قبل المباشرة إعلاما ) للمكلف ( وإلزاما لا حال حدوثه قبل حدوثه، فيتعلق الأمر به قبل المباشرة إعلاما ) للمكلف ( وإلزاما، لا حال حدوثه، إذ هو تكليف بإيجاد الموجود، وهذا محال ) .

(1/159)


( الأشعري، وجمهور أصحابه: بل التكليف به حال حدوثه فقط ) لأن معنى التكليف به إيجاد القدرة عليه، وهي مقارنة للعل، والأمر قبله ليس هو التكليف، إذ لا كلفة حاله، وإنما هو ( إعلام بأن المكلف يصير في الزمن الثاني مأمورا ) بالمباشرة التي هي تحمل الكلفة.
قلنا: التكليف، إما طلب الإيجاد وقد حصل فهو طلب تحصيل الحاصل كما تقدم، وإما الابتلاء، كما يقولون، ومعناه اختيار هل يفعل ولا معنى للاختيار مع حصول الفعل.

(1/160)


إذا عرفت هذا فاعلم أن المكلف به من الفعل عند الأشعري، إنما هو الكسب، وهو الوجه الذي لأجله صار الفعل أو الترك طاعة، لا نفس الفعل، أعني الأكوان فإنها عنده فعل الله ولا تكليف للعبد به لأنها غير مقدورة له. < لأنها ذات، وذات المعنى، كذات الجوهر، كلاهما غير مقدور لغير الله >، وإنما المقدور لغير الله هو الوجه على الخلاف بين أصحابه في تميز الكسب، أو كونه مقدورا بين قادرين، كما علم في الكلام. وتكليف العبد بهذا الوجه وإن كان مع الفعل لا يستلزم أن يكون مع الوجه حتى يلزم طلب تحصيل الحاصل، وعدم صحة الابتلاء. نعم يرد على الأشعري ما عرف في الكلام من أن هذا الوجه إن كان فعلا للعبد رجع الترديد، وإن لم يكن فعلا له لزم تكليف غير المقدور، إذ لا تكليف إلا بفعل، ولهذا [ نسب التكليف بالمحال إلى الأشعري و] هرب بعض أصحابه إلى أنه مقدور بين قادرين لا يتميز تأثير أحدهما من تأثير الآخر لئلا يمكن الإشارة إلى مقدور العبد، فيقع فيه الترديد < وذلك مثل ما ذهب إليه أبو علي في القرآن [ من ] أن الله ينطق مع كل قارئ ولا يتميز نطقه من نطق القارئ > وبعضهم إلى أنه انفعال العبد للقدرة الموجبة للفعل، فكما أن الانكسار طاعة المكسور للكاسر ويضاف هذا الانكسار إليه لا إلى الكاسر، وهذه الطاعة متأخرة عن الكسر الذي هو تعلق القدرة بالمكسور، فكذا فعل العبد القابل للانفعال، ولهذا ذهب بعض المعتزلة إلى أن الله [ سبحانه ] خلق الكافر على بنية لا تقبل اللطف، فلزمهم إما عجز الله [ عز وجل ] عن هداية الكافر، أو ما لزم الأشعري من تخصيص بعض العباد بسبب الطاعة، وبعضهم بسبب العصيان. ومحل استيفاء تحقيق المسألة الكلام.

(1/161)


( ويلزمهم ) أيضا ( أن ما عصى مكلف، ولا استحق ذما ) يعني بترك واجب فعلي لا مطلقا، لأن عدم العصيان والاستحقاق المذكورين لا يلزم في فعل المحظور لأن التكليف بتركه قد تعلق بهم قبل فعله، وبالفعل يتحقق العصيان ضرورة عند الجميع. وأما الواجب الفعلي، فإنهم لما قصروا التكليف على حالة الفعل لم يكونوا قبل الفعل مكلفين، فلا عصيان بترك الواجب الفعلي، لأن الترك قبل التكليف على رأيهم.
واعلم أنهم يجيبون بأن الأمر بشيء نهي عن ضده، وهو استمرار الكف عنه أو بتضمنه، أو بأن ما لا يتم الواجب إلا به يجب بوجوبه فيتحقق العصيان بفعل المنهي عنه، سواء كان النهي عنه أصالة أو تبعا للأمر بغيره فلا يلزمهم ما ذكر.
( ويمتنع التكليف بعد حدوثه ) أي: الفعل الجزئي لأنه طلب تحصي الحاصل ( إلا عند مجوزي التكليف بالمحال ) وقد تقدمت المسألة في ذلك.
(فصل)
( والمحكوم عليه: المكلف. وشرط تكليفه ) بالشرعيات ( عند أئمتنا، والمعتزلة ) ستة شروط:
الأول، والثاني: ( العقل، والمصلحة ) له في فعل ما كلف به، من ثواب أو سلامة من عقاب. واشتراط المصلحة مبني على أن الشرعيات لطف لا شكر على نعم الإيجاد والإمداد. ومذهب أهل البيت، خلاف ذلك.
وإن أراد بالمصلحة مجرد الحث على تأدية الشكر الواجب عقلا، لئلا يقع في عقاب الكفران المستحق عقلا، فغير محتاج إليه في معرفة وجوب الشكر، ولا معرفة ما يستلزم فعله، وتركه من الجزاء لاستقلال العقل بذلك،وإلا لما كان عقليا < على أن في هذا الشرط بحثا كلاميا. حاصله: أن تكليف العصاة مع علم الله تعالى بعصيانهم قد صار مفسدة عليهم بما يستلزم من العقاب إذ لو لم يكلفهم لما عوقبوا. ولسنا بصدد تحقيق المباحث الكلامية >.

(1/162)


( و ) الثالث: ( العلم بإيصال الثواب والعقاب ) لأن ذلك من اللطف إلا أن لا يخفى أن ذلك لا يصلح شرطا للتكليف نفسه، وإن كان مسهلا للعمل به، فإن حسن التكليف إنما يتوقف على ثبوت استحقاق الشكر، وقد استقل العقل بوجوبه، فضلا عن حسنه. ولهذا ذهب المحققون إلى أن استحقاق الجزاء في الشرعيات إنما هو على خصوصية ما عينه الشارع من كيفيات الشكر وكمياته، لأن العقل إنما أدرك وجوب الشكر مطلقا لا على الصفة التي عينها الشارع، إلا أنه يرد ترديد آخر بأن يقال: إن وجبت تلك الخصوصية شكرا لم يستحق جزاء وإن وجبت لطفا فهي مما لا يتم الواجب العقلي إلا به ،فلا يستحق أيضا جزاء غير جزاء الواجب العقلي كما لا يستحق غسل جزء من الرأس جزاء غير جزاء غسل الوجه، فكيف يقال: شرط التكليف بها العلم بجزائها ؟.
( و ) الرابع: ( القدرة ) على ما كلف به، والفرق بين كون الفاعل قادرا، وكون الفعل مقدورا، أن الأول يقابل العجز، والثاني يقابل الاستحالة.
( و ) الخامس: ( عدم الإلجاء ) إلى ما كلف به، لأن التكليف مستلزم للجزاء وكما علمت و والجزاء إنما يكون على ما فعله المكلف باختياره،فإن المكره كالساقط بغير اختياره، لا يستحق جزاء على سقوطه، وإن استحق عوضا، فالجزاء غير العوض وهذا شرط في الحقيقة لاستحقاق الجزاء لا لحسن التكليف، ( وينبني على ما تقدم في كونه شكرا، أو لطفا، وفي أن الجزاء الواقع لا محالة، هل وجب وفاء بالوعد أو جزاء على العمل فإن وجب جزاء، ففيه ما عرفت، وإن وجب وفاء بناء على أن الواجبات شكر فله أن يلجئ إلى استيفاء ما وجب له فالإلجاء لا ينافي التكاليف ) .

(1/163)


( و ) السادس: ( الفهم ) ( لمراد الخطاب لامتناع توجه العزم إلى ما لا يتصور بصورته ) ( ومن ثم امتنع تكليف من لا يعلم كالساهي، والنائم ) يريد: امتناع طلب التنجيز لا تعلق الخطاب، وإلا لما وجب عليهما القضاء، وليصح قوله: ( إلا عند بعض الأشعرية ) لأنهم جميعهم يقولون بتعلقه بالمعدوم كما سيأتي فضلا عن الموجود. وإنما جوز هذا منهم بعض من جوز تكليف المحال، دون بعض، لأن المحال المفهوم يحصل فيه معنى التكليف، وهو الابتلاء. ( وأما من لا يفهم الطلب فلا ابتلاء له ) . ( و ) احتج المجوز بأنه وقع من السلف ( اعتبار طلاق السكران، وقتله وإتلافه ) . والجواب: أن ذلك ليس بتكليف بل من قبيل الأسباب كقتل الصبي وإتلافه وقد تقدم لك أنه يشترط في التكليفي ما لا يشترط في الوضعي، وقدمنا ما هو الحق في ذلك فلا نكرره.
(فصل)
( ويستحيل تكليف المعدوم، وإرادة الفعل منه في حال عدمه اتفاقا ) بين الأشعرية، وغيرهم. وهذا التكليف هو المسمى بتكليف التنجيز. ( وكذا ) يمتنع ( عند أئمتنا، والمعتزلة، تعلق الخطاب به ) والمراد بالتعلق أنه توجه عليه في الأزل حكم شروط طلب تنجيزه بوجوده وعقله، وتمكنه ( خلافا للأشعرية ) فادعوا ذلك ( بناء على أصلهم في قدمه ) أي: الخطاب، فإن تعلق القديم لذاته كتعلق علم الله [ تعالى ] بمعلوماته الموجودة، والمعدومة تعلقا واحدا لا يتفاوت ما بعد الوجود، وما قبله، لأن الكلام في التحقيق عندهم نوع من العلم بنسبة تصديقية أو تصويرية ( واختلفوا في وصفه بكونه أمرا ونهيا وخبرا في الأزل فمنعته الكلابية ) أصحاب عبد الله بن سعيد بن كلُاَب، لأن أمرا ونهيا وخبرا من غير مأمور ومنهي ومخبر، محال. قالوا: وإنما القديم هو الأمر المشترك بين هذه الأنواع. وأورد عليهم أن القديم يجب أن يكون موجودا، والمشترك لا يوجد إلا في ضمن نوع من أنواعه.

(1/164)


وأجيب بأن المذكورات ليست بأنواع، وإنما هي أوصاف ( عارضه ) للمشترك بحسب تعلقه كالعلم، إذا تعلق بنسبة سمي تصديقا، وإذا تعلق بمفرد سمي تصورا.
ورد بأن هذا تشخيص لأشخاصه فيلزم تعدده، والقديم لا يتعدد.
وأجيب بأنه ليس تعددا وجوديا، بل كتعدد العلم بتعدد المعلومات. فكما أن علم الله [ سبحانه ] ليس بمتعدد وإن تعلق بمتعدد، فكذا هذا.
( وأثبته ) أي: أثبت وصف الخطاب بما ذكر ( غيرهم ) أي غير الكلابية، من الأشعرية ( لما عرفت من ) تخلصهم من المحذور في ذلك.
( واختلف العلماء ) الظاهر أن المراد بالعلماء من لم يقل بقدم التعلق. وأما من قال به فقد كفي مؤنة التكليف في كيفية دخوله، أي المعدوم ( في خطاب الموجودين ) لما علمت من أنه يقول: إن الحادث إنما هو نزول الخطاب، لا ذاته، ولا تعلقه. والتكليف في الحقيقة إنما حصل من تعلق ذاته، لا من نزوله، وإن كان العلم بالتكليف الذي هو شرط طلب التنجيز متوقفا على النزول، فغايته، أنه شرط للتنجيز لا نفس التكليف هذا ما يقتضيه حد مضرب الدليل، وإن كان بعض من قال بقدم التعلق لا يقول بالعموم كصاحب المختصر، وشرحه.
( فقيل: يعمهم حقيقة ) وهذا رأي الحنابلة، وهو قياس القول بقدم التعلق كما حققناه لك.
( بعض أئمتنا: وهي الحقيقة العرفية ) إن أراد هذا البعض، عرف اللغة، فوهم إذ لا يقال للمعدومين: " يا أيها الناس " بالخطاب الحادث، وإن أراد عرف أهل الشرع، فخطاب ( الشرع ) لا يحمل على خطاب تجدد بعده كما عرفناك مرارا. وأما قوله: ( كالوصية للأولاد ) فوهم، لأن النزاع ليس في عموم اسم الجنس بل في صيغة الخطاب، والنداء. < نعم ؛ قد تستعمل صيغة الخطاب لغير حاضر كما في قوله:
أيا راكبا إما عرضت فبلغن نداماي من نجران أن لا تلاقيا
ومثل قوله تعالى: " ولو ترى إذ وقفوا على النار ". لكن ذلك مجاز بقرينة، ولا نزاع فيما قامت عليه القرينة >.

(1/165)


( وقيل: مجاز ) من تغليب المخاطب على غير المخاطب، نحو: " أنت وزيد فعلتما " وفيه نظر، < لأن الحمل على التغليب إنما يصح حيث لا يصح الحمل على الحقيقة، كما في الأبوين والقمرين لامتناع كون الواحد اثنين بخلاف ما نحن فيه، فإنه لا حاجة إلى التغليب لصدق النداء، والناس على الموجودين بدون المعدومين، ولأن > قرينة المجاز لا يجوز أن تكون منفصلة. ولهذا يجب ذكر زيد في " أنت وزيد فعلتما ".
( وقيل: بالقياس ) المسمى تنقيح المناط، وهو إلغاء الفارق بين الموجود والمعدوم في علة الإرسال إليه، وهي استدعاء شكر النعمة العامة للكل أو < إيصال > اللطف الواجب للكل.
واعترض بأنه لو عم لما اختلفت الشرائع، والاتفاق إنما يجب في التوحي ونحوه، ولهذا لم تختلف فيه الشرائع، لا سيما وقد ثبت حديث: " سيأتي زمان من عمل فيه بعشر ما أمر به نجا ".
ورد بأن تجويز عدم ( الاشتراك ) لا يدفع ظهور ( الاشتراك ) وهو كاف. ولا يشترط القطع، وهذا أقوى ما يتمسك به من لم يقل بقدمه مع ما يعضده من الأدلة المنفصلة التي بلغ مقتضاها الضرورة الشرعية في تعلق الأحكام بمن سيجيء بعد نزولها.
(فصل)

(1/166)


( ويصح التكليف بالشيء مع جهل الأمر والمأمور بانتفاء شرط وقوعه عند وقته اتفاقا ) والمراد بالصحة: إمكان الوقوع، وعدم قبحه من فاعله ( وكذا مع جهل الأمر، وعلم المأمور ) لأن علم المأمور، وجهله بمجردهما لا تأثير لهما في حسن فعل غيره أو قبحه لما علم في الكلام من أن علم الفاعل بوجه الحسن والقبح في الفعل شرط في استحقاقه المدح أو الذم < وإنما يكونان في الشاهد >. ( وأما مع علم الأمر وجهل المأمور فإن كان الأمر خاصا ) بواحد من المكلفين ( فأئمتنا والمعتزلة، والجويني، على امتناعه ) لما تقدم من أن الطب يقتضي استدعاء المطلوب، واستدعاء ما علم قطعا حصوله سفه يقبح صدوره من الحكيم ( وجمهور الأشعرية على جوازه ) لما تقدم من أن الأمر عندهم إنما يكون أمرا لإرادة كونه أمرا لا لإرادة المأمور به، فإنه قد لا يراد. وروي عن المنصور القول بقول الأشاعرة، وذلك ( كأمره مكلفا بصوم يوم قد علم موته قبله ) فلم يكن الأمر إلا ابتلاء للمكلف هل يعزم فيثاب، أو لا يعزم فيعاقب. وذلك غرض صحيح من إلقاء الصيغة، وإن كان عاما، أي: واقعا بصيغة العموم الشاملة لجميع المكلفين ( امتنع عند البصرية ) كما في الخاص. وعلى هذا فلا يكون الكفار الذين علم الله [ تعالى ] موتهم على الكفر مخاطبين بطلب الإيمان، ولا غيره، كما هو رأي الحنفية، وتكون صيغة العموم الواردة بالتكليف العام مرادا بها الخصوص مجازا أو على الاشتراك كما سيأتي ( خلافا للبغدادية، والأشعرية ) فجوزوه لأن دلالة العموم ظنية، فلا مانع من خروج بعض من شملته الصيغة عن الخطاب في ذلك كصوموا غدا مع علمه بموت بعض، ومع علمهما ) أي: الآمر والمأمور بانتفاء شرط وقوع المطلوب من إرادة قديمة أو حادثة، أو غيرهما ( يمتنع ) التكليف ) اتفاقا أيضا ) للزوم السفه المتقدم مع انتفاء فائدة التكليف من الابتلاء واعلم أن إرادة المكلف لفعل ما كلف به شرط لوقوعه على وجهه. فإذا علم هو عدم إرادته للفعل وجب

(1/167)


على هذا أن لا يصح تكليفه به. وهذا أقوى ما يتمسك به من نفى تكليف الكفار بالشرعيات.
(فصل)
( والدليل لغة: المرشد، وهو العلامة الهادية، وناصبها، وذاكرها ) إن كانت لفظا، فيقال: لله تعالى دليل لنصبه العالَم دليلا على وجوده، ولذكره الدليل نحو قوله [ تعالى ]: " لو كان فيهما آلهة:إلا الله لفسدتا ". ولا يذهب عنك أن الدليل مشتق من الدلالة.
ورسموا الدلالة بكون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم بشيء آخر. فعلى هذا لا يكون الناصب والذاكر دليلا إلا مجازا، وعلى رأي من يشترط في حقيقة المشتق وجود معناه وبقاءه لا يكون الدليل أيضا هو نفس المنصوب والمذكور بل الدليل هو العلم بوجه دلالتهما كما يقتضيه رسم الدلالة المذكور. على أنه لا يشمل دلالة اللفظ أيضا إذ الدليل إنما هو معناه لا لفظه، لتوقف دلالة اللفظ على العلم بمدلوله، ولهذا رسموا النظر بأنه ملاحظة المعقول لتحصيل المجهول.
( واصطلاحا عند الأصوليين، والفقهاء: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري ) قالوا: والاكتفاء بالإمكان لأن الدليل لا يخرج عن كونه دليلا بعدم النظر فيه. وقد عرفناك أن الدليل ليس هو مُوصِل بالفعل لا بالإمكان إذ العلم إنما يتولد عن مثله لا عن نفس المعلوم (لا ) من حيث كونه معلوما لما تقرر في الحكمة من أن الشيء إنما يتولد عن نوعه عنصريا كان أو بسيطا. ثم تقييد النظر بالصحيح، لأن الفاسد باختلال صورة الدليل، والمعرّف أو مادتهما لا يوصل إلى المطلوب.

(1/168)


واعلم أن الدليل لا يكون دليلا حتى يوصل إلى مجهول، لأن المعلوم ضرورة لا يكسب بالدليل لأنه تحصيل الحاصل، وتقييد المطلوب بالخبري ليخرج ما يتوصل به إلى مطلوب تصوري كالحدود والرسوم فأنها لا تسمى أدلة في الاصطلاح، وإن أوصلت إلى مجهول ( فيشمل ) هذا الرسم الدليل (القطعي ) وهو إن كان نقليا فالمتواتر في نقله الذي لا يحتمل غير معنى واحد، وهو قريب من المعدوم، لما تقدم في تشكيك الرازي، وإن كان عقليا فبسلامة مادته عن القضايا المظنونة، والمغلطية، والشعرية والسفسطية، وصورته عن اختلال شرط إيجاب الصغرى، وفعليتها، وكلية الكبرى، ونحو ذلك ( والظني ) وهو ما عدا القطعي.
( وعند المتكلمين ) ليس الدليل إلا ( ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري، فيخرج ) المطلوب ( الظني ) وإنما جعلنا الظني صفة للمطلوب ليناسب قوله: ( وهو ما استند إلى الأمارة ) لأن المستند هو المطلوب لا الدليل، وإن تخالف السياق، والسياق لأنه بصدد إخراج ما يفيد الظن من رسم الدليل، إذ لا يسمى دليلا عندهم، وإنما يسمى أمارة ( وليس الظن بلازم عن النظر فيها وفاقا للبهشمية ) لأن الغيم الرطب إمارة للمطر ولا يستلزم ظن المطر لانتفاء ظن المطر في بعض الأحوال مع بقاء الغيم ( وخلافا للملاحمية ) وهو الحق لأن الأمارة إنما سميت أمارة لدلالتها على مدلولها ظنا. فما لم يدل على مدلول رأسا لا يسمى أمارة.

(1/169)


وحاصله: أن ظن المطر في المثال المذكور لازم لظن رطوبة الغيم بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر، كما لا ينفك العلم الحاصل عن الدليل عن العلم بوجه دلالة الدليل، فإذا زال ظن المطر كشف زواله عن زوال ظن الرطوبة، فإنه هو الأمارة لا نفس الغيم، فإنه مشاهد، لا مظنون، ولا نفس الرطوبة فإنها في حيز المجهولات لعدم تحققها، إلا بتحقق المطر، فإن المطر برهان إنّي لها، وهي برهان لِمّي عليه، كالحمى فإنها برهان إنّي على بعض الأخلاط وبعض الأخلاط برهان لِمّي على الحمّى. وقد عرفت أن الشيء إنما يتولد عن نوعه. فالعلم إنما يتولد عن علم، والظن إنما يتولد عن ظن لا أن واحدا يتولد عن متعلق مثله، ففرق بينهما وبين متعلقهما.
نعم بين العلم والظن فرق بأن العلم لا ينفك عن متعلقه بخلاف الظن، ( والنظر ) هو ( الفكر ) والفكر: انتقال الذهن عن المطالب في مبادئها لاستيضاح تلك المطالب كما ينتقل من حدوث العالم الذي هو مطلوبه إلى تغيره، ومن التغير إلى حدوث المتغير، ثم من التغير إلى الحدوث، ثم من الحدوث إلى الجزم بتلك النسبة بين العالم والحدوث، فقد ظهر معنى قول المصنف ( المطلوب به علم أو ظن ) سواء تعلقا بمفرد، وهو التصور الحادث عن الحدود والرسوم، أو بمركب، وهو التصديق الحادث عن الدليل، إلا أنهم قد يخصون التصديق باسم العَلَم، والتصور باسم المعرفة، كما يخص في بعض الاصطلاحات العَلَم بالكلي، والمعرفة بالجزئي تصورين كانا أو تصديقين (والإدراك ) هو لحوق الذهن لمطلوبه أوّلا وبالذات، أو ثانيا وبالعرض. إلا أنه غلب عندهم في المدرك نفسه. فلهذا قال: إن كان ( بلا حكم ) .

(1/170)


والحكم هو: إذعان النفس وميلها إلى تصحيح النسبة بين الأمرين أو إبطالها، فإذا كان الحاصل في النفس غير الحكم المذكور، فذلك الحاصل ( تصوّر ) لا يكتسب بدليل قط. وإنما يكتسب بالحد والرسم، ولهذا لا يحصل الحد ببرهان، لأن البرهان إما أن يكون على ما يصح منعه، وذلك ليس إلا النسب الإسنادية التي تشتمل على الأحكام ( و ) إن كان الإدراك ( بحكم ) أي: مع حكم، وقد عرفته. فالباء للمصاحبة، وهي مطر ؟ إلى مذهب الرازي في جعل التصديق مركبا من تصور المحكوم عليه والمحكوم به، والنسبة والحكم. والمحققون على أنه نفس الحكم فقط، لأن تصور كل واحد من الثلاثة الأخر علم مستقل. ولا فائدة في جمع أربعة علوم، وردها علما واحدا، وإنما الثلاثة الأول شروط عندهم للرابع لا شطور منه، والحكم يقال له ( تصديق، وهو جازم ) أي ذو جزم كتامر ؟ ولابِن، أو مجاز كعيشة راضية، لأن الجازم هو النفس لا ما فيها ( وغير جازم، فالجازم مع المطابقة ) أي مع مطابقة ما في النفس لما في الواقع ( وسكون النفس ) إلى المطابقة أيضا ( علم ) وهذا هو العلم بالمعنى الأخص، وإلا فالعلم يطلق على كل صورة حاصلة في النفس تصورا كانت أو تصديقا، جازما أو غير جازم، مطابقا أو غير مطابق.

(1/171)


ثم تعريف العلم بالجزم وسكون النفس، تعريف له بأحوال محله، وهو النفس،لأن الجزم والسكون لها، وقد تجزم وتسكن بالمشهورات عندها لظنها لها من الأوليات، ولهذا يجزم المبطلون، وتسكن نفوسهم إلى ما جزموا به، وأما إدخال قيد المطابقة في تعريف العلم < فساقط > لأنه لا يعرف المطابق من غيره بضابط غري الضرورة،وقد أثبتوا علما غري ضروري فالمطابقة < إن كانت معلومة بالضرورة فهذا علم ضروري، وإن لم تكن معلومة بالضرورة، فهي في حيز الاعتقاد، واعتقاد المطابقة لا يستلزم المطابقة (( فلا يصح تعريفه بها، ولا تحققها فيه ليحكم بكونه علما، فالحق أن لا واسطة بين الظن والضرورة، وإنما تختلف مراتب الظن بالقوة والضعف فيكون العلم الأخص هو التصديق الضروري لا غير ( والجازم مع المطابقة دون سكونها ) أي النفس ( اعتقاد صحيح ) هذا وهم، فإنهم قسموا ما في النفس إلى ما يحتمل متعلقه النقيض بوجه من الوجوه أو لا، الثاني: العلم، وقسموا الأول إلى: ما يحتمل النقيض عند الذاكر لو قدره، وما لا يحتمل عنده كذلك، وجعلوا الثاني هو الاعتقاد صحيحا إن طابق الواقع، وفاسدا إن لم يطابقه فكلاهما مما لا يحتمل النقيض عند الذاكر لو قدَّره،وذلك معنى سكون النفس، لأنها لو لم تسكن لم يبق جزم، فم يفارق الاعتقاد الظن، وهما عندهم قسمان متغايران، وبهذا يتضح لك خلل قوله: ( والجازم مع عدمهما اعتقاد فاسد ) لأن المطابقة والسكون إذا فقدا معا أو السكون فقد الجزم، وإنما الاعتقاد الفاسد ما كان جازما، غير مطابق، فإن سكون النفس تفسير للجزم، وهما في الحقيقة قيد واحد ( وغير الجازم ) وهو ما لا سكون للنفس معه ( ظن ووهم وشك. فالأول ) هو ( الراجح ) في الذهن على نقيضه ( والثاني المرجوح ) فيه عليه ( والثالث المستوي ) هو ونقيضه في الذهن بحيث لا ترجيح في الذهن لوقوع أحدهما على وقوع الآخر. وههنا بحثان:

(1/172)


الأول: أن الشك: مستوي الطريفين، فلا تصديق فيه رأسا، وإنما هو مجرد تصور، وقد عرفت أن هذا التقسيم للتصديق.
الثاني: أن الحكم بالرجحان وعدم الرجحان أن كان بالنظر إلى الواقع انهدمت القسمة، إذا لا سبيل إلى معرفة شيء من الأقسام إلا بعد معرفة ما في الواقع، وما في الواقع لا يترجح، ولا يحتمل غير ما فيه، وإن كان المراد بالرجحان وعدمه في الذهن، فالوهم راجح في الذهن لم تقرر في الحكمة الإلهية من أن النفس مسخرة للحِس والوهم لا يمتنع من قبول ما أكسباها البتة، أل تراها تقبل من الوهم أن الميت يخاف منه، وترجحه على حكم العقل وتعمل عليه دون حكم العق وتحكم بأن وراء العالم فضاء لا يتناهى وترجحه دون حكم العقل بل العامل بأجمعهم في أسر حكم الوهم المنافي لحكم العقل، فإن إيثار الباقي على الفاني هو المعقول، وقد رجحوا خلاف حكم العقل لأوهام تقررت في النفوس، ولا يقال::إن المراد ترجيح العقل لا ترجيح النفس لأنا نقول: العقل هو النفس لكنها تسمى عقلا لعقلها الحقائق، وشيطانة لتجاوزها إياها كما تسمى أمَّارة، ولوامة، ومطمئنة. كل ذلك باعتبار أحوالها. كما حقق في مظانه.
(فصل)
( والعلم: قيل: لا يحد. ثم اختلفوا، فقال الجويني، والغزالي، لعسره، لخفاء جنسه، فصله ) الذي لا يكون الحد إلا بهما، ويشترط كونهما أجلى منه أيضا. قالا. وإنما يعرف بالقسمة المذكورة تقريبا فقط لأن الجزم وسكون النفس من صفات النفس لا من صفات العلم، ولوازمه الذاتية، وكذا المطابقة لا تعلم:إلا بالحواس، وإلا لما وقع جهل لأحد، أو تعرف بالمثال كما يقال: مثل العلم الحاصل في النفس مثل الصور التي تحصل في المرآة، وكل ذلك لا يوجب حصول الحد والرسم الحقيقيين.

(1/173)


( بعض الأوائل والرازي: بل لجلائه ) والجلي لا يحد لأنه إنما يُحد بجلي، أو خفي، وكلاهما لا فائدة فيه، فإنه يشترط في المعرِّف أن يكون أجلى، وإنما كان العلم جليا ( لأنه ضروري ) لوجهين: الأول: أن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم فلو علم العلم بغيره من حد أو رسم لزم الدوران لكن الدور باطل، فتعينت الضرورة. والجواب: لا نسلم أنه معلوم بمعنى متصور الماهية، ولا أن معرفة الغيربة [ ليست ] هي تحقق ماهية الغير به، بل تعلقه به، وذلك ليس من تعريف ماهية الغر به في شيء، ولو سلم فالذي يعلم به الغير إنما هو فرد من العلم وهو الفرد المتعلق ( بذلك الغير ) والذي نريد حده هو المشترك بين الأفراد، وهو غيرها، وإلا لتعددت الماهية.

(1/174)


الثاني: إن علم كل أحد بأن نفسه موجودة ضروري، وهذا لعم خاص، والخاص مسبوق بالعام لأن الأعم جزء من الأخص، والجزء أسبق من الكل، والسابق على الضروري ضروري، فالعلم المطلق ضروري، وهو المطلوب. والجواب: أن الضروري حصول العلم بوجود النفس، وحصول الشيء غير تصور ماهيته الذي هو المتنازع، فإنه لا يلزم من حصول أمر تصور ماهية ذلك الحاصل فضلا عن تقدم تصورها فضلا عن تصور المشترك بينه وبين غيره، ولو سلم فإنما يستلزم حصول الجزئي تصور المشترك بعد تحقق أمرين، أحدهما بداهة تصور ذلك الجزئي لا بداهة حصوله فقط. وثانيهما كون العلم الذي هو جنسه ذاتيا له لتكون بداهة الأخص مستلزمة لبداهة الأعم، وكل من الأمرين ممنوع. أما الأول، فلما قررنا من أن حصول (أمر ) لا يستلزم تصور ماهيته، فضلا عن بداهة التصور، وأما الثاني، فلأن معنى كون الشيء ذاتيا لشيء، أنه جزؤه لا كله، وإلا لم تغايرا، وكونه جزءه يستلزم تركب ذاته منه ومن غيره، وتركب الذوات:إنما يكون في العنصريات، لا في البسائط، فإنها:إنما تتعدد باعتبار جهة التعلق، فإن إرادة المعلوم إنما تتميز عن العلم به من جهة تعلقها به تعلق محبة لحصوله، كما أن العلم يتعلق به تعلق إحاطة به وإلا فهما في أنفسهما لا يتمايزان، ومن ثم < حكموا بأن البسائط أنواع حقيقية غير إضافية، أي لا تندرج تحت جنس، وأشرنا إلى تحقيق ذلك في شرح التهذيب >.

(1/175)


وذهب أهل البيت [ عليهم السلام ]:إلى أن صفات الله، ذاته، وإنما تعددت أسماؤها لتعدد جهات تعلق الذات المقدسة، وأيضا لو تركبت ذاته لم يكن تصورها ضروريا، إذ كل مركب مكتسب، ولا شيء من المكتسب بضروري بسيط، ولا تنعكس كلية، لجواز كسب البسيط بلوازم خارجة عن ذاته ( قيل: وهو ) أي: القول بأنه ضروري ( ينبني على أن العلم بالعلم ضروري، كما هو رأي البغدادية ) إن أرادوا أن العلم بماهية العلم المشترك ضروري، فهذا نفس المسألة، فيكف تنبني على نفسها. وإن أرادوا أن علم الإنسان بأنه قد علم معلوما ضروري كما يعلم أنه قد علم بوجود نفسه < أو علم ضرورة بأن الله ( تعالى ) عالم >، فهذا علم جزئي كالعلم بوجود نفسه. وقد عرفت أن حصول علم جزئي لا يستلزم تصور ماهيته، فضلا عن تقد تصورها، فضلا عن تصور المشترك بينها وبين غيرها.
( وقال أئمتنا، والجمهور: بل يحد ) وقد تقدم لك اشتمال تقسيم الإدراك على جنس العلم، وفصوله، فهو تصديق جازم مطابق مع سكون نفس، إن خص التصديق باسم العلم، وإلا فهو حصول صورة ما في الواقع عند الذات المجردة عن المادة حصولا لا يحتمل النقيض بوجه، فيشمل التصديق والتصور، والكلي والجزئي.
( قيل: وهو ينبني على أن العلم بالعلم يكتسب < كما هو رأي البصرية > ) وعلى هذا ما على الأول وزيادة، أن كسب الجزئي الأخص لا يستلزم كسب الكلي الأعم، لأن الأخص أخفى من الأعم فيجوز أن يكون الأعم ضروريا والأخص مكتسبا، بل ذلك هو الأغلب.

(1/176)


( والجهل ) لا حاجة بالأصولي إلى معرفة الجهل، والسهو، لأنه إنما يبحث ( عن ) أحوال الدليل، أو ما يستلزمه الدليل من علم أو ظن، والجهل بمعزل عن الأمرين ( مفرد، ومركب. فالمفرد انتفاء العلم بالمقصود. والمركب، تصور المعلوم ) أي ما من شأنه أن يعلم ( على خلاف ما هو عليه ) في الواقع فهو جهل بالمعلوم، وجهل بجهله. فلهذا كان مركبا من جهلين ( والسهو: الذهول عن المعلوم ) أي عن ما قد عُلم، وإنما زال العلم ) .
(فصل)
( والحد، وترادفه، الحقيقة ) باصطلاح المنطق لا باصطلاح البيان ( ذاتي، وهو ما أنبأ عن ذاتيات المحدود ) كلها، ولهذا لا يكون للشيء حدان ذاتيان. ورسموا الذاتي برسوم ثلاثة، ما لا يتصور فهم الذات قبل فهمه، أو ما لا يثبت لها بعلة خارجة عنها، أو ما ترتفع هي بارتفاعه، وكلها بمعنى واحد.
وقوله: ( الكلية ) احتراز عن ذاتيات الشخص كحيوانية زيد، ونطقه، فإنها لا تقوم ماهية قط، فلا تكون حدا له، ولا حقيقة، ولهذا يقولون: الجزئي الحقيقي لا يكسب ولا يكسب. ( وقوله ) ( المركبة ) يريد التي ركب بعضها مع بعض، لأنها فرادى لا تفيد الحقيقة. وهذا ( ينتقض برسوم ) الذاتيات أنفسها، فإن رسومها تنبئ عنها < لأنها مساوية، وكل مساو فهو ملزوم كما أنه لازم، والملزوم ينبئ عن اللازم ضرورة > فلو قال: ما اشتمل على ذاتيات المحدود، وفي الرسم ما اشتمل على لازمه، لسلم من هذا الاعتراض، ومما سيأتي بعده.

(1/177)


وقوله: ( المرتبة ) يريد الترتيب الطبيعي من تقديم الجنس على الفصل، أو الخاصة، لأن تلك صورة الحد فعدمها خلل فيها < وإن كان لقطب الدين في شرح [ الشمسية ] كلام في ذلك، ودُفع > لأن ذكر الأخص بعد الأعم تمييز، وذكر الأعم بعد الأخص تعميم وتلبيس، ( ورسمي ) لأن الرسم: الأثر، واللازم الذي يقع به التعريف أثر من آثار الملزوم ( ويرادفه العرضي ) لأنه إنما يكون بالخاصة، وهي عرض، ولهذا قال: ( وهو: ما أنبأ عن الشيء بلازم له يخصه ) كالضحك للإنسان، ولما جاز تعدد اللوازم، جاز تعدد الرسوم بخلاف الحد، فإنه لما اعتبر فيه ذكر الذاتيات كلها لم يكن للشيء حدان ذاتيان، إلا أن فيه بحثا، وهو أن الأجناس مرتبة إلى العالي، ومقوم العالي ذاتي له ضرورية، وما هو ذاتي له فهو ذاتي للسافل، والمعلوم أن حد السافل لا يشتمل صريحا على كل ما قامت به ذاته لأنها قامت بكل ذاتي لكل عال عليه < ولا ينتهض > الجواب بأن ذكر الجنس القريب قد اشتمل على كل ذاتي للأجناس البعيدة، فذكره ذكر لكل الذاتيات، ومغن عنه لأنهم قد جعلوا التعريف بالجنس البعيد مع الفصل حدا أيضا < وإن سموه ناقصا > ولم يشتمل على كل الذاتيات لفوات ذكر الجنس القريب، ولو اكتفى في الحد بالإنباء عن بعض الذاتيات لدخل بعض الرسم، وهو ما يكون بالجنس مع الخاصة < فيجب جمل قولهم:لا يكون للشيء حدان ذاتيان على " لا يكون له حدان تامان " > ( ولفظي، وهو ما أنبأ عن الشيء بلفظ أظهر مرادف له ) ما في " ما أنبأ " بمعنى لفظ، فكأنه قال: وهو لفظ أنبأ بلفظ. ولا يصح جعل ما بمعنى حد، لأنه يصير المعنى: والحد حد، فيكون تعريفا للشيء بنفسه. قيل: فالوجه أن تجعل ما مصدرية. وفيه نظر، لأن الرسم عندهم ليس نفس الإنباء بل ما به الإنباء ( وشرط الثلاثة أن تكون مطردة أي مانعة ) لغير المحدود عن الدخول فيه بمعنى أنه كلما وجد الحد وجد المحدود فقط، ( ومنعكسة أي جامعة ) لأفراد المحدود بمعنى أنه كلما وجد

(1/178)


المحدود وجد فيه الحد، فاجتمعت أفراد المحدود في وجود أجزاء الحد في كل واحد منها ( ويسمى ) الحد على أنواعه ( القول الشارح ) لأنه يشرح المحدود ( والحقيقي ) وهو ما سماه الذاتي ( أولها ) إن أراد أولها في الذكر كما فعل فكالسماء فوقنا، والأرض تحتنا. وإن أراد أولها طبعا فممنوع. نعم لو قيل: أولاها لفسر بأولوية الاستعمال أو التسمية بالحد كما خصه بذلك أئمة المنطق، ولم يعممه في الثلاثة إلا أئمة الأصول.
(فصل)
( والأدلة الشرعية ) قد عرفت أنها موضوع الفن الذي لا يبحث الأصولي غلا عن أحواله. وأحوال الأدلة الحملية أربعة: ـ
الأول: إثبات كونها أدلة، فإن أحوال الدليل إنما يجب له بعد ثبوت كونه دليلا، وذلك حالة له يتفرع ثبوت غريها على ثبوتها.
الثاني: تقسيمه إلى أنواعه من كونه كتابا أو سنة،أو غيرهما.
الثالث: أحكامه الجارية على لفظه من كونه دالا وفردا و ومركبا، ومشتركا، ومترادفا، وحقيقة ومجازا، ومشتقا، وجامدا، ومستقلا بإفادة معنى، وغير مستقل.
الرابع: أحكامه الجارية على معناه من كونه موجبا أو محرما أو نحو ذلك أمرا ونهيا منطوقا أو مفهوما، ظاهرا أو مؤولا، مجملا أو مبينا، ناسخا، أو منسوخا، مطلقا أو مقيدا، عاما أو خاصا.

(1/179)


إذا عرفت هذا، فالمصنف قد ترك الحال الأول لأنه قد أخذ على نفسه أن لا يستدل لإثبات دليل ، ولا مدلول، ونحن نذكر إن شاء الله [ تعالى ] دليل كون كل واحد من أقسام الدليل دليلا، أو غير دليل في موضعه إن شاء الله [ إلا كون الكتاب دليلا فإنه غني عن البيان، وكذا المتواتر، والمشهور من السنة للإجماع على حجيتهما ] وأما الثالث، وشيء من الرابع فقد قدمه توهما أنه من المبادئ، وهو من المسائل. وأما أقسام الثاني وبقية الرابع فقد جعلها أبواب الكتاب. وأما الثاني نفسه فقال: إن الأدلة الشرعية ( هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاجتهاد ونحوه ) من الترجيح والاستصحاب، وشرع من قبلنا، ونحو ذلك من المباحث الآتية إن شاء الله [ تعالى ]. والمراد بالمذكورات ما جمع شروط صحة الاستدلال من عدم الإجمال والنسخ والتخصيص، والمعارض، وغير ذلك من شروط القياس والإجماع والإخبار، فاللام في كل منها للجنس لا للاستغراق. ثم استدل على هذا التقسيم بقوله: ( لأن الدليل إما أن يكون وحيا أو لا. والأول إن كان متلوا ) أي مشروعة تلاوته ( فهو الكتاب وإلا ) تشرع تلاوته (فهو السنة ) وهذا مبني على أن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تكون دليلا على شرع حتى تكون عن وحي. وبطلان ذلك معلوم ( بضرورة ) الدين. وأما الاستدلال بمثل: " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " فمع أنه منقوض بما سيصحح من جواز اجتهاده ووقوعه لا ينتهض دليلا على ما ادعاه تبعا لغيره لوجوه:
الأول: إن ضمير " هو " راجع إلى معين، وهو ما رآه المشركون فيه بدليل قوله: " أفتمارونه على ما يرى ".
الثاني: إن المراد بالهوى، التشهي، ونفي النطق عنه لا يستلزم نفي النطق عن الاجتهاد، والنظر في المصلحة.
الثالث: أنه قد صح صدور الخطأ عنه صلى الله عليه وآله وسلم في القول نحو قوله: " كل ذلك لم يكن ". واستغفاره لمن نهي عن الاستغفار له، كابن أبي، ونحوه، وإذنه للمتخلفين، ونحوه.

(1/180)


والرابع: أن السنة أعم من القول والفعل والتقرير، والآية لم تصرح إلا بالنطق.
الخامس: حديث: " ما أخبرتكم عن الله فهو حق، وما قلته من تلقاء نفسي فإنما أنا بشر مثلكم أصيب وأخطي " ومثله حديث: " من قضيت له بشيء من مال أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار " وذلك صريح في عدم استلزام السنة للوحي، وإلا لما جاز عليه الخطأ، وغير ذلك من وجوه ضعف هذا القول، ولا يقال: ما لم يعترضه الله [ تعالى ] فيه فقد قرره عليه، فهو إذن ثابت بالوحي لأن هذا أبين سقوطا من الأول، فإن عدم الوحي في شيء ليس وحيا فيه، وإلا لكان العدم هو الوجود، وكان كل من لم يعترض في فعل موحى إليه فيكون الناس كلهم أنبياء. ( والثاني ) وهو: ما لا يكون وحيا ( إن كان قول كل الأمة، والعترة، فالإجماع، وإن كان إلحاق فرع بأصل لمشاركته له في علة حكمه، فالقياس، وإلا فالاجتهاد، أو نحوه ) وهذا مجرد جمع لما يريد الكلام عليه لا ضبط للأدلة باستقراء تام، ولا ناقص، لأنه إن أراد أن هذا هو المجمع عليه فممنوع إذ لا إجماع إلا على الكتاب، ومتواتر السنة، أو مشهورها باصطلاح المحدثين. وإن أراد المختلف فيه فلا ينحصر في المذكورات، لأن منها مذهب الصحابي، وأهل المدينة، والتفويض، والمصالح المرسلة، وقول أمير المؤمنين علي عليه السلام، وقول الإمام المعصوم عند الإمامية، وغير ذلك،بل قواعد هذا الفن نفسها أدلة كلية سمعية، لأنها مأخوذة عن دلالة خطاب الشارع عليها بمنطوق أو مفهوم، أو اقتضاء، وإلا لما كانت أصولا للشريعة، لأن الأصل كما عرفت هو الدليل.
(فصل)
( والكتاب ) الأولى أن يُراد بالكتاب غير مفهومه العلمي الذي هو المجموع من حيث هو مجموع لأنا بصدد رسم الدليل، وليس هو المجموع من حيث هو مجموع، إنما الدليل < نِسَبُه، وقضاياه >. ليكون المارد به الجنس الموجود في كل آية يستدل بها.

(1/181)


وقوله: ( هو الكلام ) أي: الجنس الذي يشمل ( المنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ) . وغيره، وتقييده بالمنزل على محمد ليخرج ما لم ينزل رأسا، وما نزل لا على محمد [ صلى الله عليه وآله وسلم ] من كتب الله [ عز وجل ] وكلامه.
وأما قوله: ( للإعجاز ) فلا يصلح فصلا، لأن تعليل التنزيل بذلك لم يثبت في كتاب ولا سنة، وإن وقع التعجيز بمثله، فذلك آية من آياته لا علة لتنزيله، إنما العلة ما في نحو قوله تعالى: " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ". وتوهم صاحب الشرح وشرحه أن الفصل هو نفس الإعجاز، فمنع كونه لازما بينا يصح التعريف به، وليس الفصل إلا التعليل به كما ذكرنا لا نفسه، وإلا لوجب أن يقال: الكلام المنزل معجزا ( [بأقل ] سورة ) أي بقدرها لأن المتحدي به ليس نفس السورة القرآنية، كما يتوهم في بادئ الرأي لعدم العجز عن الإتيان بها نفسها. وكذا لا بد من تقدير المضاف في ( منه ) لأن المراد من مثله لا منه نفسه لإمكان أن يؤتى بسورة منه ضرورة، وحينئذ يعلم أن لا حاجة إلى قوله: ( أو بعدد آياتها ) لأ، ذلك هو الحاصل من معنى ما تقدم. وإنما أوقعه فيه الوهم الذي أشرنا إليه. هذا تقرير مراد الأصوليين في هذا الرسم، وهو لا يصدق على شيء من أفراد الدليل المقصود رسمه لأن كل واحدة من آيات الكتاب التي هي دليل بعد تسليم كون التنزيل للإعجاز، لا يصدق عليها أنها منزلة للإعجاز، وإنما المنزل للإعجاز مجموع الثلاث، وإلا لوجب القول بأن المعجز قدر آية واحدة ( ولا قائل به ) وأيضا يصير المعنى "بسورة من مجموع هو مثل الواحدة " وهو تشبيه لا يحسن من بليغ فضلا عن أحكم الحكماء، أو بسورة من واحدة مثل الواحدة، ولا يتصور أن يكون من الواحدة بسورة، ولا مخلص إلا بجعله رسما للمعنى العَلَمي للكتاب، وإن خرج عن مقصود الأصولي فهو يرجع إليه بنوع استلزام، لأن تميز المجموع عن غيره يستلزم تميز ( أجزائه ) عن غيرها < مع ما

(1/182)


فيه من نظر > [ أيضا ] وإن كان المعنى العلمي لا يحد كما علمت من أن المعنى الشخصي لا يَكسِب ولا يُكسب، إلا أن رسمه يجري مجرى التشخيص للشخص بمشخصاته، وأما تقييد التنزيل بقوله: ( متواترا ) فعجيب، إذ لم ينزل متواترا، وإنما تواتر بعد النزول ( و ) الذي كان ينبغي أن يكون تعريفا، قوله: ( هو الموجود بأيدي الأمة من غير زيادة فيه ) حرف الظرفية، أعني " فيه " إن كان بمعنى " على " كما في " لأصلبنكم في جذوع النخل " كان المعنى بلا زيادة عليه. ( إجماعا، ولا اعتداد بخلاف الإمامية ) المدعين أن هناك قرآنا في ولاية علي [ عليه السلام ] أو غيره، وإنما أخفاه حساده، وأسقطوه من المصحف إلا أن تخصيص الإمامية بذلك لا وجه له لقول غيرهم من أهل السواد بمثل ذلك، وإن كان الحرف على أصله من الظرفية كان المعنى هو الموجود حال كونه من غير زيادة حاصلة في الموجود على القرآن، ولا اعتداد بخلاف الإمامية حيث ادعوا أن في الموجود زيادة إلا أن هذا غير مشهور عن الإمامية، ولأن خلافهم على هذا يرجع إلى نفي النقصان فكان حقه أن يذكر بعد قوله: ( ولا نقصان عما في العَرْضة الأخيرة ) وهي التي وقعت في زمن عثمان على قراءة زيد بن ثابت، ونفي ما سواها، وخالف فيها ابن مسعود وغيره، وكان ابن مسعود يقول للناس: غلوا مصاحفكم فإن الله [ تعالى ] يقول: " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " والعرضة الأولى كانت في زمن أبي بكر، وليست بعرضة، وإنما هي جمع للقرآن، جمعه له أيضا زيد، ولم يجمع الناس على قراءة على قراءة واحدة كما فعل عثمان.
( ومنه، البسملة في غير براءة ) يفهم من هذا الاستثناء أن في براءة بسملة، ولا يعرف القول بذلك عن أحد ( وهي آية من الفاتحة، ومن أول كل سورة عند جمهور السلف. وأئمتنا والشافعية، وقراء مكة والكوفة ) لأن السلف كتبوها في أول كل سورة مع مبالغتهم في تجريد المصحف عن كل ما لا يكون قرآنا حتى منع بعضهم إثبات آمين، وبعضهم العَجْم.

(1/183)


قيل: وهذا دليل قاطع لأن العادة تقضي في مثله بعدم الاتفاق، فكان لا يكتبها بعضهم أو ينكر على من كتبها. ولما اجتمعت الأمة على كتبها، ولم ينقل منكر له دل ذلك قطعا على أنها قرآن في كل موضع كتبت فيه، وهو المطلوب. وأيضا روى ابن الجوزي في " زاد المسير " عن ابن عمر أنه قال: إنها أنزلت مع كل سورة، والقول بمثل ذلك لا يكون عن رأي، ومثله عن ابن عباس حتى قال: من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية، وقال: سرق الشيطان من الناس آية ( خلافا لبعض السلف، ومالك، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وقراء المدينة والبصرة، والشام ) مستدلين بأنها لو كانت قرآنا لتواترت قرآنيتها كسائر القرآن، لكنه لم يرو في ذلك إلا قول ابن عباس وابن عمر، وهو مما يمكن أن يصدر عن اجتهاد مستندا إلى وضعها في المصحف أو التيمن بالابتداء بها، وكيف لا ؟ ولو تواترت قرآنيتها لما وقع فيها اختلاف فإن المتواتر لا يخفى على المجتهد من حيث هو مجتهد، وأما عدم الإنكار للكَتْب، فإنما يكون حجة لو لم يتواتر شرع الابتداء بها في كل مستأنف قولا أو فعلا. أما بعد شرعه والتحريض عليه فلا، لأن كل سورة مستأنفة، ولهذا لم تكتب في براءة لمّا مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يسورها وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال فضموها إليها، ولم يكتبوا سطر " بسم الله الرحمن الرحيم " < الذي وقع به التسوير > كما ثبت عند أبي داود والترمذي من حديث ابن عباس في قصة مع عثمان ( وقال ابن المسيب، ومحمد بن كعب: هي آية من الفاتحة فقط ) لم روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم ". وعورض بما روي عن أم سلمة أنها قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سورة الفاتحة وعدَّ " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين " آية، وهو ظاهر في كونها بعض آية، ومحتمل أيضا كون الآية هي ما بعدها، وإنما قدمت عليها

(1/184)


تبركا. ( وقيل: [ بل ] آية منها ) لذلك ( بعض آية من غيرها ) قياسا على ما ورد عن أم سلمة [ رضي الله عنها ] في بسملة الفاتحة.
( أحمد، وداود، ورازي الحنفية: آية مستقلة منزلة بين كل سورتين ) للفصل بينهما لما ذكر في قصة ابن عباس مع عثمان، وقول عثمان ذلك.
وأما إجماع السلف على كتبها، وما ذكر معه من الأدلة فلا ينتهض إلا على قرآنيتها في الجملة ’ فيثبت به القدر المشترك، وهو القرآنية، أعم من كونها في سورة معينة أو مبهمة، أو في كل السور. وهذا قريب خلا أن الحكم بالاستقلال مما يفتقر إلى دليل، والحكم بالجزئية مما يوجب التحكم بجعلها جزءا من سورة دون أخرى، إلا أن يدفع بحديثي أبي هريرة [ رضي الله عنه ] وأم سلمة [ رضي الله عنها ] إن صحا على ما فيهما من التدافع فيحكم بأنها من الفاتحة، ويُوقف عن الحكم بأنها مستقلة أو جزءا منها. فإن قيل: يلزم جواز تكرير ما يثبت قرآنا في غير موضعه. قلنا: إذا كان تكرير البسملة توقيفيا لم يلزم، والقياس عليها لا يصح لظهور الفارق بينها وبين غيرها من القرآن في على التكرير، وهي التيمن بالاسم الشريف على الخصوصية المشروعة ( وتواترت بعض آية في النمل إجماعا ) .
( ومنه المعوذتان، وخلاف ابن مسعود في إثباتها في المصحف لا في كونها قرآنا، وخلاف أبي في الفاتحة كذلك ) أي إنه إنما خالف في إثباتها في المصحف لا في كونها قرآنا. وهذا تأويل بعيد، لأن علة الكتب في المصحف إنما هي وصف القرآنية لإرادة تمييز ما له الوصف عما ليس له. فإذا ثبتت العلة الموجبة للكَتْب، فكيف لا يثبت المعلول، ويبعد من مثل هذين الإمامين التخصيص لغر مخصص.

(1/185)


( القاسم، والهادي، والجمهور: ويكفر منكر آية ) أي: منكر أنها من كلام الله [ تعالى ] لتضمنه تكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجبريل فيما أخبر به عن الله [ عز وجل ] وهذا مبني على تواتر التفاصيل، وعلى أن ما تواتر صار ضروريا من الدين، لأن التكفير إنما يكون برد ما علم من الدين ضرورة ( وفي كل من المقامين ) نزاع، وتخصيص الجمهور بذلك إشارة إلى ما روى المهدي في القلائد عن البعض من أن من أنكر كون القرآن كلام الله [ سبحانه ] لا يكفر مع تصريحه بقوله: " حتى يسمع كلام الله ". ثم دفع هذا القول بما قدمنا من تضمن ذلك تكذيب الرسل فيما أسندوه إلى الله [ تعالى ] لأن تكذيب الرسل هو الكفر الصريح. وأما نفي أن يكون هذا المتلو المكتوب في المصاحف هو كلام الله [ تعالى ] فقد قال به جمهور ( المعتزلة كأبي هاشم، والجعفرين، وغيرهم، قالوا: وإنما هو مثله لأن الحكاية غير المحكي، وإنما يسمى كلام الله مجازا، والحفظ ليس حفظا ( لنفس كلام الله ) [ سبحانه ] بل علما بكيفية، فكيف يصح تكفير من نفى كونه كلام الله على الحقيقة ؟ إذن لكُفِّر شيوخ العدل والتوحيد ( فيُقتل إن لم يتب ) .
قال ( ابن الحاجب: وقوّة الشبهة في ) كل من نفى كون ( البسملة ) من القرآن، وإثباته ( منعت من التكفير من الجانبين ) أي: جانب المثبت، وجانب النافي. وهذا ظاهر السقوط، لأن الشبهة لا تدفع الضرورة، ولا تصدها عن موجبها من التكفير لمخالهفا ، وإن أريد قوتها عند صاحبها لزم عذر كل من خالف الضرورة لشبهة قوته عنده، فيلزم عذر اليهود والنصارى، وغرهم في ترك الإيمان.
(فصل)

(1/186)


( حكى الجزري عن الجمهور أن القراءات الصحيحة: ما صح سندها ) الصحة المعتبرة عند أهل الحديث، أعني السلامة عن الشذوذ والعلة، وإن لم تتواتر، ( ووافقت المصاحف العثمانية لفظا، أو تقديرا، بأن يحتملها الرسم ) الموجود في المصحف، كقراءة " مسَّاكين " بتشديد الشين، و"حبلا" بالباء والياء، ( ووافقت العربية، ولو بوجه ) نادر كقراءة: " فشربوا منه إلا قليل " برفع قليل، لأنه من هجر اللفظ إلى المعنى في قوة: فلم يطيعوه إلا قليل، كما في قوله:
وعض زمان بابن مروان لم يدع من المال إلا مسحت أو محلّف
في قوة: ما بقي منه إلا مسحت أو مجلّف.
( و ) حكى الجزري أيضا عن الجمهور ( أنه لا يجوز إنكارها ) أي: الجامعة لهذه الثلاثة القيود، لأنها ليست اجتهادية بل توقيفية ( سواء كانت عن السبعة، أو العشرة، أو عن غيرهم ) من الأئمة الثقات، كقراءة زيد بن علي، وأخيه محمد بن علي، وغيرهما.
( و ) حكى الجزري أيضا عن الجمهور ( أنه لا يشترط في الصحة التواتر إلا عن بعض المتأخرين ) الذين قالوا: ما نقل آحادا فليس بقرآن. وفي تخصيص بعض المتأخرين دلالة على أن هذا قول حادث بعد المتقدمين من السلف.
( و ) حكي عن الجمهور أيضا ( أن ما اختل فيها أحد القيود الثلاثة، فشاذ ) إن أمكن تأويلها ( أو باطلة ) إن لم يمكن تأويلها بالرد إلى معنى الصحيحة.

(1/187)


( وحكى غير الجزري، أن الشاذ: ما وراء السبع. وقيل: ما وراء العشر ) على خلاف في تعيين الثلاث الأخر، وذلك الخلاف إنما هو في كونها قرآنا، ( و ) أما في العمل بمدلولها فإن ( مختار أئمتنا، والحنفية، والمزني، وأحد قولي الشافعي: أنها كالآحاد ) الواردة من السنة ( فيعمل بها ) كما فيم مصحف ابن مسعود " فصيام ثلاثة أيام متتابعات "، فيحب التتابع. وإنما يعمل بها ( في الأحكام العملية ) لا العلمية، لأن الآحاد لا يفيد العلم. ووجه صحة العمل بها أنها لا تخلو من أن تكون قرآنا أو سنة، لأن الفرض أن نقلها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صحيح، وإهدار شيء من صحيح قرآن، أو سنة لا يجوز، ( خلافا لعطاء، ومالك، والشافعي، والمحاملي، وابن الحاجب ) بناء منهم على وجوب تواتر القرآن، فبكونها آحادية، انتفت عنها القرآنية، وبكونها منقولة قرآنا ’ انتفت عنها صحة السنة.
والجواب: أن الاحتجاج، ليس بوصفها، أعني: القرآنية، أو السنية، بل بذاتها، التي صحت نسبتها إلى الشارع. والخطأ في الوصف بالقرآنية إن سلم وجوب التواتر، لا يستلزم الخطأ في نسبة الذات التي هي الحكم إلى الشارع. ولم يشترط في الراوي أن لا يخطئ رأسا، بل أن يُرجح ضبطه على سهوه، والفرض أن الراوي كذلك، والندرة لا تبطل الرجحان ( فأما القراءة بالمعنى فمحرمة ) لما فيها من القرآن، وتبديله، وإذهاب بلاغته التي هي مرجع حجيته.
ويروى عن أبي حنيفة، وغيره، جواز ذلك لما تقدم عن أبي هاشم، والجعفرين من أن هذا المتلو إنما هو ترجمة عن مراد الله كما تترجم العربية بالعجمية، والعكس، وإذا كانت الترجمة مؤدية للمعنى المترجم عنه فلا تغيير فيه، ولا تبديل، وأما البلاغة فليست مرجع حجية، إنما هي الإعجاز. وقد ذهب أكثر السلف إلى أن الإعجاز ليس للبلاغة حتى بلغت الأقوال في وجه الإعجاز إلى بضعة عشر قولا سيأتي ذكر المصنف لستة منها.

(1/188)


نعم ؛ لو قيل بتحريم القراءة بالعجمية لمنافاة ذلك لقوله تعالى: " قرآنا عربيا "، " بلسان عربي " لاستند القول بذلك إلى ما ذكر، وإن كان لا ينتهض على التحريم.
(فصل)
( والقراءات السبع متواترة عند الجمهور أصولا، وهو جوهر اللفظ، وفرشا، وهو هيئته كالمد، والإمالة، والترقيق، والتفخيم، ونحوها. وفيل: ليست متواترة لا أصولا ولا فرشا ) . وهو ظاهر كلام الزمخشري، والرضي، والإمام يحي وغيرهم.
( القرشي، وابن الحاجب: المتواتر،الأصول، دون الفرش ) وإنما حكم بالتواتر مَن أوجبه لتلقي الأمة للسبع بالقبول فوجب كونها قرآنا للإجماع. وقد وجب كون القرآن متواترا فيجب كونها متواترة، وهذا قياس من الشكل الأول. وأجيب بمنع الكبرى. قالوا: العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله. ورد بمنع قضاء العادة بتواتر التفاصيل.

(1/189)


نعم ؛ ربما قضت بتواتر الجملة، ولو سلم فالعادة تكَرُّر لزوم محمول واحد لكل فرد من أفراد كلي، لإثبات ذلك المحمول لنفس الكلي، لا لمثله، وهي الدليل المسمى بالاستقراء، ولا يفيد إلا الظن أيضا، إذا كان الاستقراء لأفراد الكلي. أما إذا كان لغيرها فليس من الاستقراء في شيء، وإنما هو من القياس للمثل على مثله، ومع أن القياس لا يفيد إلا الظن أيضا ينبني على تحقق أن علة التواتر هو الغرابة وأنها متحققة في كل واحدة من التفاصيل. وذلك مجرد دعوى. قالوا: لو لم تتواتر قرآنية تفاصيله في المحل المخصوص لجاز إسقاط شيء من محله، ونقله إلى غيره، لأنه ليس قرآنا هناك. رد بأنه إن أريد الجواز العقلي فمسلم ولا يضر، وإن أريد الجواز الشرعي منعنا الملازمة، مسندا بأن عدم جواز الإسقاط شرعا، وإن لزم وجود التواتر فهو غير لازم لانتفائه، لأن انتفاء الدليل الخاص لا يوجب انتفاء المدلول، جواز تعدد الأدلة كما علم. والأمر هنا كذلك، فإن عدم الجواز الشرعي يحصل بحصول التواتر وبحصول نصاب الشهادة، وإن لم يتواتر ( ومعتمد أئمتنا قراءة أهل المدينة. ولزيد ابن علي قراءة منفردة، مروية عنه ) . هذا كلام دخيل في الأصول، فلا يُشتغل به فيه.
( ويوصف ما دون حد الإعجاز بأنه قرآن متواتر، كالآية، والآيتين ) لأن القرآن في الأصل مصدر، فهو يشمل القليل والكثير. والأصولي إنما يبحث عنه بهذا المفهوم، لا بالمفهوم العلمي الغالب على الكل من حيث هو كل.

(1/190)


( والحرف الثابت في إحدى القراءتين دون الأخرى، كمالك، وملك، جزء متواتر ) على القول بتواتر السبع ( أتي به ) حذف فاعل الإيتاء، وهو الشارع للعلم به. وإنما أتي به ( توسعة على العباد ) لأن المخير أوسع من المعين، وإن كان أحد المخيرات أرجح ( ولا يسمى على انفراده ) عن الآية ( قرآنا ) لأنه جزء لا جزئي، واسم الكل لا يطلق على الجزء إلا مجازا، بخلاف اسم الكلي فإنه يطلق على الجزئي حقيقة والمجتزي بالأخرى لم يترك قرآنا ( كالمجتزي بخصال الكفارة المخيرة ) فإنه إذا فعل واحدة منها وترك الأخرى لم يترك واجبا. وهذا وهم < على أصله في الحكم بوجوب الجميع > [ و] لأن اتصاف خصال الكفارة بالوجوب ليس ذاتيا لها، وإنما هو عارض يحكم الشرع به على التخيير، ولهذا قيل: الواجب واحد لا بعينه. وأما وصف القرآنية فإنه ذاتي لكل < آية، فإذا كان تركيب الآية على هيئات مختلفة، فالمجتزي بإحدى الهيئات قد ترك قرآنا كما أن > الراكب للفرس دون الحمار [ قد ] ترك ركوب حيوان قطعا، وكل هذا من عدم الارتياض بصناعة المنطق والنظر.
( ولفظ القرآن يطلق على الحكاية ) [ ( و ) يطلق ( المحكي ) وهو إما الصورة المخلوقة في قلب الملك عند من يقول بخلقه، أو المعنى القديم الذي هو صفة من صفات الله تعالى عند من يقول بقدمه كالعلم ] يعني الأصوات الخارجة من أفواه المكلفين على ما هو رأي أبي هاشم والجعفرين في أن ذلك غير القرآن، وأما على رأي أبي علي فإن ذلك هو القرآن، لأن الله تعالى يتكلم مع كل متكلم، فالقرآن الذي هو كلام الله هو نفس ما خرج من فم القاري، سواء قال: قال الله، أو لم يقل ذلك. وهذا شبيه بقول الأشعرية في الكسب من عدم تميزه، وكونه مقدورا بين قادرين.
( وإنما أنزل على سبعة أحرف ) كما ورد في الحديث ( تخفيفا ) على العباد، وهذا تكرير لقوله المتقدم: " أُتي به توسعة ".

(1/191)


( الجمهور: المراد به < أي: بالأحرف > سبع لغات عربية ) لا عجمية، والمراد بالقرآن " المنزل كذلك هو الجنس، ليكون ذلك خاصة للنوع لا يجب انعكاسها بل يكفي وجودها، ولو في كلمة واحدة، كما في نحو: " تذّكرون " تقرا بمضارع الافتعال بذال معجمة بلا إدغام، وبه، وبمهملة كذلك، أربعة وبمضارع التفعيل مدغما ومفكوكا، وبمضارع فعل سبعة أحرف < وكما في قوله تعالى: " وليقولوا درست " قُرئ بثمانية أوجه، وغير ذلك > إلا أن هذا القول يشكل بما تقدم من أن القرآن لا يطلق على الحرف الواحد. والسبعة الأحرف إنما توجد في الحرف لا في الكلمة. ولو أريد بالقرآن هو الكل المجموعي حتى تكون السبعة الأحرف في المجموع بمعنى أن بعض الآيات تنزل بلغة قوم، وبعضها الآخر بلغة آخرين، لم تتحقق التوسعة في ذلك لأن ذلك تعيين لبعض اللغات، والتعيين ينافي التوسعة.
( ثم اختلفوا في تعيينها على أقوال ) لا يستند شيء منها إلى نقل إلا وجد أن تلك اللغة في القرآن ، ويشكل عليه بما تقدم من عدم التوسعة في المعين ، وبأن الموجود في القرآن غير منحصر في سبع ، ولا في العربية أيضا كسجيل ، ونحوه.
( وقيل: بل المراد معاني الأحكام ) لأن المراد بالحرف الجانب حسيا كان أو عقليا. ثم المراد بالأحكام ليس الوجوب ونحوه لأنها خمسة لا سبعة ، وإنما المراد أقضية القرآن الواردة فيه من أمر ونهي ، وإخبار ، ووعد ، ووعيد ، وقصص ، ومواعظ ، ومدح ، وذم ، وغير ذلك مما لا يستند التعيين إلى دليل أيضا ( و ) لهذا [ ( اختلفوا في تعيينها على أقوال ) ]:
قيل: ( ليس المراد حقيقة العدد ، بل المراد السبعة ، والتيسير ) كما أن المراد بالسبعين في: " إن تستغفر لهم سبعين مرة " هو المبالغة ، وبالتثنية في: " لبيك وسعديك " التكثير. إلا أن هذا القول لا يتمشى إلا على أن المراد بالقرآن الكلمة الواحدة ، لأن السبعة ، والتيسير إنما يتحققان في اختلافها.
(فصل)

(1/192)


( واختلاف القراءات ) إن أراد المصنف من عقد هذا الفصل إظها وجه نزول القرآن ، وصدوره عن الشارع مختلفا ، فمع أنه قد تقدم تعليل ذلك بالتوسعة ، والتيسير لا تساعده أكثر الوجوه الآتية مثل ترجيح مختلف فيه ، وترجيح قول بعض النحويين على بعض ، لأن الاختلاف والنحاة إنما كانا بعد نزول القرآن فلا يصلح مثل ذلك علة لإنزال القرآن مختلفا لامتناع تأخر السبب عن المسبب ، ولأنه إذا أنزل على الوجوه المختلفة فلا ترجيح بل تسوية.
وإن أراد أن اختلاف القراءات كان عن اجتهاد من القراء لا عن نقل من الشارع ، فهذا غفلة فاحشة لأنه لم يقل أحد بصحة القراءة بغير نقل تواتري ولا أحادي ، ولهذا نفى من اشترط التواتر كون غير المتواتر قرآنا رأسا، وإلا لجاز أن يجتهد كل أحد في تحويل كلمات القرآن ، والزيادة عليه ، والنقص منه فيكون ذلك فوق ما جوّزه أبو حنيفة من القراءة بالمعنى.
إذا عرفت بطلان نسبة الاختلاف إلى غير الشارع وجب أن لا يشتغل برد شيء من العلل الآتية إليه. وأما تعليل الاختلاف من جهة الشارع فقوله: ( إما لبيان أصل الحق ، ودفع أصل الزيغ ) لا يصلح علّة للاختلاف نفسه ، لأن هذا هو أصل الغرض من إنزال أصل القرآن المختلف والمتفق لا الغرض من اختلافه. وكذا لا يصلح قوله: ( أو حكم مجمع عليه ) والإجماع إنما حدث بعد الاختلاف ثم الاختلاف نفسه لا يصلح أن يكون الغرض منه بيان المجمع عليه ، سواء كانت مخالفة القراءة من الله [ تعالى ] أو من القارئ ، وكذا لا يصلح قوله: ( أو لاختلافهما ) أي: الحكمين لأن اختلاف الحكمين غنما يكون باختلاف المحكوم فيه ، واختلاف المحكوم به ، ومثل ذلك لا ينشأ عن اختلاف القراءة ، بل إنما ينشأ عن اختلاف المقروء نفسه.

(1/193)


نعم يصلح قوله: ( أو لتفسير ما لعلّه لا يُعرف ) بالقراءة الأخرى ، كما في: " والصلاة الوسطى صلاة العصر " بغير واو. وأما قوله: ( أو لإيضاح حكم يقتضي الظاهر ) من القراءة الأخرى ( خلافه ) فهو التفسير نفسه. وكذا لا يصلح قوله: ( أو لترجيح قول بعض النحويين على بعض ) لما تقدم في ترجيح المختلف بل هو هو ، فالأولى حمل ترجمة الفصل على أنه وقع تصحيف الاختيار إلى الاختلاف، والمراد اختيار القراءات أي اختيار كل من القراء لإحدى القراءات ، وحينئذ يظهر ارتباط العلل بالاختيار كلها ، إلا الأولى ، أعني بيان أصل الحق لأنه إن أراد بالبيان التفسير والإيضاح <فيلزم منه التكرير > وإن أراد به أن اختيار القارئ لإحدى المختلفات إنما كان لكونه هو الحق دون غيره فغلط لأن الغرض أن القراءات كلها حق لفظا ومعنى.
وبالجملة فقد قلد المصنف في هذا الفصل عوام المصنفين. ولقد عظمت محنة الإسلام بالتقليد ، حتى صار به الحاذق تبعا للبليد ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، < ومعرفة قدر الآية ومحلها توقيفي >.

(1/194)


( واختلف في وجه إعجاز القرآن. فعند أئمتنا ، والجمهور: بلاغته الخارقة للعادة ) ويرد على هذا أن البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى حال المتكلم. ولهذا يُخرج الكلام على خلاف ظاهر حال المخاطب ، فيؤكد مثلا في غير موضع التأكيد ، ويترك التأكيد في موضع الحاجة إليه ، ونحو ذلك لاعتبارات يعتبرها هو ، ومع ذلك يكون كلامه بمحل من البلاغة ، وليس لها حد إلا ما اعتبر المتكلم مطابقته. وهذا لا يتفاوت فيه تراكيب المنزل ، وتراكيب من أنزل إليه ، كما لا يتفاوت في الإعراب والبناء ، ونحوهما ، وإلا لوجب خروجه عن كونه عربيا لأن علّة نسبته إلى العرب كونه على صفة كلام العرب ، فلو خرج عنها لما استحق تلك النسبة كما اشتهر في المعقول من أن الشيء إذا جاوز حده جانس ضده ، وأيضا إعجازه مناط حجيته على النبوة ، والحجة يجب تساوي المحجوجين في العلم بها لينتهض على كل منهم. والبلاغة مقصورة على أفراد من العرب وبقيتهم ممن لا يقدر عليها ولا يعرف وجهها.
( وقيل: الإخبار بالغيب ) ويرد عليه أن الكهّان ، والهواتف وأهل الرمل والفلك يخبرون بشيء من الغيب ، وإن أريد بالغيب الجنة والنار ، فهذا خبر جزم الكفار بكذبه ، وهو عند أكثر المسلمين في معرض التكذيب لعملهم على خلاف ما يقتضيه.
( وقيل: كون قارئه لا يكل ، وسامعه لا يمل ) ( ويرد على هذا المنع ظاهر أو نهي السلف على التكلف ) لقراءته خشية الملل. كيف وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ: " أفتان أنت يا معاذ " وما ذاك إلا لأنه أملّهم. ومجرد الاسترواح إلى سماعه ساعة موجود في غيره من القصص والآداب ونغمات الحداء ، والأعواد ، وغير ذلك.

(1/195)


( وقيل: سلامته عن التناقض والاختلاف ) وأورد عليه مثل: " لا يُسأل عن ذنبه إنس ولا جان " مع قوله: " وقفوهم إنهم مسئولون ". ولهذا احتجنا إلى التخلص عنه بالاعتذار باختلاف المواقف لأن شرط التناقض الاتحاد في الثمان الوحدات المعروفة. وأجاب الخصم بأن " زيد قائم " زيد ليس بقائم " تناقض في اللغة ، وإن لم يتحقق اتحاد الوحدات. فالتناقض إن أريد به اللغوي فلا سلامة ، وإن أريد به الحقيقي فلا اطلاع عليه ، وإنما مع المؤمن مجرد الإيمان بصدقه. والحجة يجب بأن تكون ظاهرة لكل محجوج كما تقدم.
( وقيل: أمر نحس به ولا يُدرك ) وأورد عليه أنه تهافت لأن الإحساس هو الإدراك نفسه ، سواء كان بالحواس الباطنة أو الظاهرة ، فالقياس أن يقال: ولا يوصف بدليل قوله: ( كالملاحمية ) لكن يرد عليه أن المحسوس ضروري ، وأن من أفعال العباد ما هو معجز لأن فيه ذلك الذي نحس به ولا يوصف كبعض النقوشات والتصويرات.
( وقيل: صرفه ) أي الله تعالى ( عن معارضته ) ويرد عليه أن الإعجاز صفة المعجز والصرفة فعل الله تعالى ، وليست وصفا للمعجز. وأيضا لو كان كل ما صرف العباد عن فعل مثله معجز لقامت المعجزة لكل أحد لا يتبعه أحد على مثل فعله. وهناك أقوال أخر مثل:كونه واردا على لسان أمي لا يقرأ ولا يكتب. ومثل: كونه مخالفا لأخلاق العرب لأمره بالصبر والتواضع والعفة وغير ذلك مما لم يكن في طباع أهل جلدة من جاء به. فإن الإنسان لا ينفك عن أخلاق أبناء جنسه. وغير ذلك مما لا يخلو عن اعتراض. ويغني عنه محض الإيمان والتصديق بالغيب الذي جعله الله [ تعالى ] صفة الخُلّص من عباده. ولهذا قال:

(1/196)


( وانعقد الإجماع على أنه محروس من المطاعن ) < المتحدة في الواقع لا عن شبه الطاعنين ، فقد تقدم منها شيء. ولا عن الطعن نفسه فقد طعن فيه من طعن كابن الراوندي ، وغيره من الملحدة > ( كتبديل ) صدر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لتحذُنّ حذو بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى دخلوا جُحر ضب لدخلتموه. ولا شك أن أعظم من شنع الله به من هيئات بني إسرائيل تبديل أحكام الكتاب ( وتناقض ) وقد تقدم دفع ما يوهم ذلك ( وكذب ، ولحن ) لا يوجد له نظير في كلام العرب. وأما مثل: " فشربوا منه إلا قليل " بالرفع فقد تقدم ( وزيادة ونقصان ) فيه يحصلان من النبي [ صلى الله عليه وآله وسلم ] أومن جبريل ، أو من غيرهما. وهذا إنما يستقيم في المتواتر. وأما في المختلف فيه كالآحادي فليس من متعلق الإجماع المذكور.

(1/197)


ثم هاهنا بحث. وهو أن الاستدلال بالإجماع على صحته فرع صحته لأن الإجماع إنا كان دليلا بالشرع. والشرع إنما يثبت بالمعجزة وهي القرآن. والمعجزة إنما تثبت بالبلاغة. وما ذكر من وجوه الإعجاز ، وتلك الوجوه فرع الصحة والسلامة من التناقض ونحوه فلا يستقيم ذك إلا على ما حققناه في غير موضع من جوازالاستدلال بالسمعيات على كل مطلوب عقلي أو غير عقلي ، عملا بوجوب الإيمان بالغيب ، وترك التعنت الذي أهلك المتكلمين. ولهذا أوردنا الإشكالات السابقة على كل قول لنضطر المتعنتين إلى ما ذهبنا إليه من الإيمان بالغيب والرضا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وآله وسل نبيا ( وقد تواتر غيره من المعجزات ) كانشقاق القمر ، وحنين الجذع ، وتسبيح الحصا في كفه ، وكفاية الطعام الحقير للجم الغفير ببركته ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وإخباره عليا بقاتله ، وموضع جراحته ، وإخباره بقتل عمار ومن يقتله ، وغير ذلك. ( وفاقا للبغدادية ، وخلافا للشيخين ) ظنا منهم أنه يجب استواء الناس في المعلومات التواترية ، كما استووا في القرآن. وإنما يجب الاستواء في البديهيات ، والحسيات. أما المتواترات فيجوز أن يتواتر لأحد ما لم يتواتر لغيره ، لأن حصوله فرع البحث ، فمن بحث وجد ، دون من لم يبحث.
(فصل)
( وينقسم إلى: محكم ، ومتشابه ) لقوله تعالى: " منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات " ( فالمحكم: ما وضح معناه ) أي: ما عُني به ، سواء كان حقيقيا ، أو مجازيا ، وسواء كان إيضاحه بنفسه كالمنفرد النص المعلوم عدم التجوز فيه بقرينة على الحقيقية ، أو كان إيضاحه ليس إلا بالقرينة القائمة على أحد محتملاته. ولا يصح حمل المعنى على الوضعي لاستلزامه كون كل ما علم موضعه محكما ، وليس كذلك.

(1/198)


واعلم أن التشابه تفاعل ، وهو موضوع لتشارك أمرين في أصل معنى المصدر الذي اشتق منه ، وليس المراد بالتشابه هنا أيضا التماثل ، لأن الآيات المتماثلة هي من المحكم لشهادة بعضها لبعض. وإنما المتشابهات هي الآيات الموهمة للتناقض نحو: " لا تدركه الأبصار " مع " إلى ربها ناظرة " كأنهما اشتركا في الشبهة الناشئة في كل منهما عن الأخرى ، كأن كل واحدة منهما تلقي الشبهة والشك واللبس على أختها. ولهذا يقول المعتزلي بإحداهما ، وغيره بالأخرى. وعلى هذا لا يصح وصف واحدة منهما بالأحكام لأن ذلك معنى التفاعل سواء نسب إلى مدلول الآيتين ، أو إلى لفظهما لأنه يكون في المركب كالآيتين ، وفي المفرد كالمشترك ، وعلى هذا يتضح " كل من عند ربنا " لأن المراد: كل من المتشابهين لا كل من المحكم والمتشابه كما توهمه الجمهور.
وبمعرفتك هذا تعرف خلل كثير من الرسوم والأدلة في هذا المقام فلا نطول بالتعرض لكل خلل ودفعه.
( وقيل: ما لا يحتمل إلا معنى واحدا ) لأن التعدد يوجب التشابه ، وإن كان مع القرينة لجواز حصولها لكل من المعنيين ، كما في اجتماع التجريد والترشيح في الاستعارة. والمراد بنفي الاحتمال عدم قبول العقل لغير ذلك الواحد. إما لأنه متحد بالوضع كالأعلام التي علم عدم التجوز بها عن لازم لها. ولما لزمه من القرائن القوية المصيرة له مختصا بالإرادة من اللفظ في ذلك المحل <مع انتفاء المعارض المنفصل أيضا > ( وقيل: ما كان إلى معرفته سبيل ) وإن كان خفيا في بادي الرأي. فعلى هذا لا يكون المتشابه إلا ما لا يبينه الشارع بمتصل ، ولا منفصل.
( الإمام: ما علم المراد بظاهره بدليل نقلي أو عقلي ) وذكر الظاهر لا حاجة إليه ، إلا أن يراد ما علم أن ظاهره هو المراد بدليل حتى لا يكفي في الأحكام مجرد الظهور ، بل لا بد من دليل على أن الظاهر هو المراد ، وإلا فهو القول الأول ، لأن المراد هو المعنى.

(1/199)


( وقيل: آيات الحلال والحرام ) لأن المراد بالكتاب: المكتوب ، أي: الحكم المفروض المراد من نحو قوله تعالى: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا [ موقوتا ] ". ولا يصح أن يكون المارد به القرآن ، للزوم أن يكون الكتاب غير المحكم منه ، لأن المضاف يجب أن يكون غير المضاف إليه. وقيل: يصح. وتكون الإضافة بمعنى " في " أي: هن أمٌ في الكتاب. وفيه ضعف < لأن الإضافة لا تكون بمعنى " في " إلا إذا كان المضاف حدثا لا جُثة > لأن الكل ليس طرفا لجزئه ، ولأن المراد من الأمومة رجوع الأحكام إلى المحكم كما يرجع الطفل إلى أمه بالولادة والحضانة ولا ترجع الأحكام [ إلا إلى المحكم ] لا غير ، وفيه دليل على أن المتشابه لا يكون أُمّا لشيء من الأحكام < لأن حمل الجنس على شيء يفيد اختصاصه به كما علم في باب القصر من علم المعاني > ( كما حققناه ) في " فيض الشعاع الكاشف لظلم الابتداع " ( وهو ) أي: المحكم ( نص جلي ) وهو ما لا يحتمل غير معنى واحد < كالأعلام المنفردة ، وفيه نظر ، لأن العَلم يصح أن يكون مجازا في أحد لوازمه > ( و ) نص ( ظاهر ) وهو ما كان أحد معانيه أظهر فيحمل عليه دون غيره ( و ) نص ( مفهوم ) بناء على أن المفهومات من النصوص لأنها مأخوذة عن الخطاب ، ومن ينفي العمل بالمفهوم لا يجعلها من النصوص ، إلا أن تقوم قرينة على إرادة المفهوم ، فإنه يعود نصا لأن القرينة هي النص لا كونه مفهوما.

(1/200)


وقوله: ( لم يعارضا ) أي: الظاهر والمفهوم صريح في أن ما عورض بدليل لا يكون محكما بل متشابها لا يكون أُما للكتاب ، وهو حاصل ما فسّرنا به المتشابه كما تقدم لكن فيه بحث حاصله: أن التخصيص معارضة للعموم ، وقد صرحوا أن العموم ظاهر فيما بقي ، وإن كان مجازا فهو مما وضح معناه ، فهذا الشرط إنما يتمشى على قول من لم يجعله حجة بعد التخصيص ، أو قول من ينفي العموم رأسا. ثم لا وجه لاشتراط عدم المعارض في الظاهر ، والمفهوم دون الجلي ، لأن المعارضة توجب الشك فيه ، وفي معارضه فيلزم الترجيح ، أو الوقف. ( و ) نص ( خاص ، وإن عارضه عام ) فإنه لا يبطل أحكامه. وهذا إنما يتمشى على قول من لا يصحح نسخ الخاص بالعام. وقد فهم من هذا التخصيص للخاص أن العام الذي عارضه خاص لا كون محكما كما حققناه. ( و ) نص ( مقيّد ، وإن عارضه مطلق ) والكلام فيه كالكلام في تعارض العام ، والخاص من أن معارضة العام للخاص لا تبطل أحكام الخاص على قول. وأما معارضة الخاص للعام فتبطل أحكام العام ( وما وافقه تحسين عقلي ) لا وجه لعد ذلك جزئيا من النص دون ما لم يوافقه التحسين ، فإن ( من ) الشرعيات ما لا يحسنه العقل كذبح البهائم وترتيب الأعضاء للتيمم ، والتحنية بالسجود ، وغير ذلك إلا أن الاشتغال بما لا يعني الأصولي كأكثر هذه المسائل مما يوقع في الهذر. ( ومنه في الأظهر مجاز قرينته ضرورية أو جلية ) لما عرفت من أن المراد بالمعنى ما هو أعم من الوضعي ، والاستعمالي ، وأن كلا منهما يوصف بالوضوح.

(1/201)


( والمتشابه: خلافه ) أي: خلاف المحكم بكل من الرسوم الخمسة. ( وقيل: بل ) المتشابه ( آيات مخصوصة ، ثم اختلفوا فقيل: الحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل: آيات السعادة والشقاوة ) لتعارض أدلة الوعد والوعيد فيهما ( وقيل: الناسخ ، والمنسوخ ) لما في النسخ من شبه البداء ( وقيل: الأوامر [ والنواهي ] ) لترددها بين الواجب والندب والإباحة وغيره ، وبين المرة والتكرار ، وبين الفور والتراخي كما سيأتي إن شاء الله [ تعالى ]. ( وقيل: القصص ) والأمثال ، لأن الغرض منها خفي. ولهذا قال الكافرون: " ما أراد الله بهذا مثلا " وأجاب عليهم الله تعالى بـ: " يُضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين ". وهذا الجواب أيضا من المتشابه.
( ووروده في الكتاب لفوائد كثيرة ) تختلف باختلاف تفسيره ، وأجلها الهداية للإيمان به ، والإضلال بابتغاء تأويله ، كما صرح به: " يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ". ( أو لمصلحة يعلمها الله تعالى ) المصلحة التي يعلمها الله [ سبحانه ] من الفوائد ، فلا ينبغي أن تجعل قسيمة لها إلا على القول بأن الراسخين لا يعلمون تأويله. ويراد بالقسم الأول ما يستفيده العباد ليكون المعنى لفوائد يعلمها العباد أولا يعلمها إلا الله.
(فصل)
( بعض السلف ، وبعض أئمتنا ، والجمهور ) من غيرهم ( ويعلم الراسخون تأويله ) قالوا: قف عندها ، ولا على العلم في قوله: " والراسخون في العلم " وإنما وجب أن يعلموه ( لوقوع الخطاب به ) إن أريد بالخطاب التكليف بمدلوله فقد عرفت أن المختار كونه نقيض المحكم فهو ما لا يتضح معناه ، أو ما ليس تحليلا ولا تحريما ، وكلا الأمرين لا تكليف به إذ شرط التكليف فهم المطلوب بخصوصه ، ولا فهم كذلك. وغير التحليل والتحريم ليس بتكليف. وإن أريد من الخطاب توجيه الكلام إلى المخاطب لإفهامه فمستلزم < لوجوب فهم الراسخين للمجمل أو القول > بمنع الخطاب بالمجمل ، ولا قائل بمنعه.

(1/202)


( بعض السلف وأكثر الفقهاء ، والمحدثون: لا يعلمونه ) فالوقف عندهم على الجلالة أعني على قوله: إلا الله ( لعدم الخطاب به ) أي: عدم التكليف. ولهذا خص المحكم بكونه أُما للكتاب. وإنما وجه إلى العباد لحكمة لا يعلمها إلا الله. أو ليستعدوا للعمل به عند ارتفاع التشابه ببيان المراد كما سيأتي في المجمل إن شاء الله [ تعالى ] وكما ادعى القائل بأنه يجوز الأمر بما يعلم الله تعالى انتفاء شرط وقوعه. فالخطاب مراد به لازم من لوازمه كالكتابة التي عرفت صحتها.
ومن هنا سقط رد هذا القول بأن الخطاب بما لا يفهم بعيد لأنه لا قائل بأن في القرآن ما لا يفهم منه معنى رأسا حتى الحروف المقطعة في أوائل السور. وإنما الخلاف في فهم خصوصية المراد من المعاني المتشابهة ، ولا يعد في الخطاب بما لا يعرف المراد منه وإلا لامتنع الخطاب بالمشترك منفكا عن قرينة المراد ، وجوازه اتفاق. وهذا القول ظاهر قول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في خطبة الأشباح ، والراسخون في العلم هم الذين أغناهم عن تقحم السدد المضروبة دون الغيوب ، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب. فمدح الله اعترافهم بالعجز عما لم يحيطوا به علما. وسمَّى تركهم التعمق في طلب ذلك رسوخا. انتهى. وهو المروي عن ابن مسعود [ رضي الله عنه ]. وابن عباس ، وأبي بن كعب. ولهذا قرأ بلفظ: ويقول الراسخون " وهؤلاء الأربعة هم أربعة أركان الكتاب ، والسنة دراية ورواية. وقد حققنا ذلك في فيض الشعاع تحقيقا بليغا ، لأن هذا المقام ليس من محاله لعدم جدواه على المستدل للأحكام الفرعية الذي هو الغرض من وضع أصول الفقه.

(1/203)


( القاسم عليه السلام: وقد يُطلع الله [ تعالى] عليه ) أي على غير ما يتعلق به التكليف ( بعض أصفيائه ) إن أراد إطلاعه عليه بوحي كالأنبياء، أو بخبر نبي يختص به كعلي عليه السلام، فمسلم، وإن أراد بغير ذلك، فالفرض أنه متشابه لا دلالة للفظ ولا للعقل بأنفسهما على خصوص المراد منه، وإلا لم يكن متشابها.
( الإمامية: لا يعلمه إلا الإمام، كالمحكم ) هذا هو القول بأن الراسخين يعلمونه، وإنما خلاف الإمامية في تعيين الراسخ، وهو تحجّر للواسع.
( والراسخ: المجتهد ) وسيأتي تحقيقه. ( الثابت العقيدة ) يحترز من الجبري، والمشبّه، ونحوهما، فإنه ليس براسخ عند المعتزلي، كما أن المعتزلي ليس براسخ عند الجبري. ( ويمتنع على القول الأول ) وهو القول بأن الخطاب بالمتشابه واقع ( جهل كل الراسخين بتأويله، لمخالفته لخبره تعالى ) لأن الواو في: " والراسخون في العلم " لعطف المفرد، أعني الراسخين على الجلالة، لا لعطف الجملة على جملة: " فأما الذين في قلوبهم زيغ " ليكون في تقدير: وأما الراسخون. وقد عرفت أنه محل النزاع، ومن المتشابه أيضا. فكيف يصلح دليلا. ( لا بعضهم ) فلا يمتنع جهلة لأن الراسخين عموم لا يمتنع تخصيصه ( وعلى القول الثاني ) وهو القول بعدم الخطاب بالمتشابه ( ينقسم الكتاب إلى ما يراد فهمه على جهة التفصيل ) للمراد ( وهو المحكم، وعلى جهة الإجمال ) [ وهو المتشابه ]. وهو أن المارد أحد المفهومات المتعددة منه ليكون الاستعداد للعمل عند اتضاح المراد مقدمة طاعة. ومن هذا ومن قوله ( فأما ورود ما لا معنى له فيه فممتنع ) تعلم ما حققناه لك آنفا من ضعف دفع هذا القول بأن الخطاب بما لا يفهم بعيد ( خلافا لبعض الحشوية ) فإنهم زعموا أن فيه شيئا من ذلك كأوائل السور، وكأنهم أرادوا بنفي المعنى نفي فهمه ليكون حاصلة نفي المعنى المفهوم لا نفي المعنى بالأصالة، إذ لفظ لا معنى له لا ينبغي أن يصدر من عاقل فضلا عن أحكم الحكماء.

(1/204)


( والتأويل، يُطلق ) لمعان ثلاثة: -
الأول: حقيقة المعبّر عنه، ونفسه، كما في قوله تعالى: " يوم يأتي تأويله " أي الجزاء المعبّر عنه بالوعد والوعيد. لا شك أن الراسخين وإن علموه علم اليقين لا يعلمونه عين اليقين، ولا حق اليقين، لأن علم اليقين إيمان بالغيب دون عينه وحقه.
الثاني: ( ترجيح المرجوح لدليل ) كما يُرجح كون لفظ العموم للخصوص في بعض المواد نحو: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا " إذا المراد بالذين آمنوا أمير المؤمنين علي عليه السلام. وهذا معنى التأويل ( عند الأصوليين ) .
( و ) الثالث: ( التفسير ) للمراد من اللفظ، أعم من كونه راجحا أو مرجوحا. وهذا معنى التأويل ( عند المفسرين ) فكل تأويل عند الأصوليين فهو تأويل عند المفسرين، ولا عكس كليا. فبين الاصطلاحين عموم مطلق، وبين الأول وبينهما تباين. ( وتختلف مراتبه ) أي التفسير، ومنه التأويل كما علمت ( دراية ) وهي ما عرف بالنظر < وحديث " من قال في القرآن برأيه فقد كفر " متأول بما هو معروف في محله > ( ورواية ) وهي ما استندت إلى النقل إلى الشارع ( فالدراية أعلاها تفسير الكتاب بالكتاب ) كما يفسر رجوح الضمير في: " فأتوا بسورة من مثله " إلى المنزل دون العبد ؟ برجوعه إليه قطعا في: " فأتوا بعشر سور مثله " وتفسير المماثلة بالمماثلة في الكون من عند الله لا ( في البلاغة ) ونحوها بـ " قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما " ونحو ذلك.
( ثم التفسير النبوي ) وهو كثير اشتمل عليه تفسير البغوي وغيره، والمراد ترجيح ما بلغ مبلغ الصحة. إلا أن هذا من الرواية لا من الدراية.

(1/205)


( ثم تفسير القرابة ) أهل الكساء وذريتهم السائرين في طريقهم من الزهد في الدنيا والإقبال على حقائق العلم، والعمل لما ورد فيهم من آية التطهير وغيرها، وخبري السفينة، وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبّأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ". ( ثم تفسير الصحابة ) المتّصفين بمثل ما اتصف به أهل البيت، لأن التفضيل الوارد لهم في الكتاب والسنة خاصة النوع، ولا يجب انعكاسها كما علمت.
( ثم العلماء الثقات ) كان القياس أن يقال: الأذكياء، لأن التوثيق إنما يشترط في الرواية، وكلامنا في التفسير بالدراية، ولهذا قال: ( سيّما أئمة اللغة ) كأبي عبيدة، والأصمعي، وابن الأعرابي، ونحوهم ممن اشتهر بمعرفتها الموجبة لمعرفة مفردات القرآن ( والعربية ) كالخليل، وسيبويه، ممن اشتهر بمعرفة تراكيبه ( ومن لا يفسر إلا عن توقيف ) هذا ليس من التفسير بالدراية، بل بالرواية، وإن لم يصرّح بها.
( والرواية < أعلى مراتبها > ) إن أراد مراتب الرواية نفسها، فمراتبها ستأتي من السماع والإجازة، ونحوهما. وإن أراد مراتب الرواة كما هو الظاهر من قوله: ( القرابة، ثم الصحابة، ثم مفسرو التابعين الثقات، ثم من بعدهم كذلك ) أي الثقات، فلا يخلو إما أن يُراد علوّ مراتبهم في العدالة، أو الوجود، إن أراد الأول، لم يصح ذلك، لأن في التابعين من هو أعدل من بعض الصحابة، وكذا في كل نوع من المتأخرين من هو أعدل من بعض المتقدمين. وإما أن يراد العلو في الوجود الزماني، فمع أنه كالسماء فوقنا والأرض تحتنا، لا يطّرد لتأخر بعض القرابة عن زمن الصحابة. وإن أراد القرابة الذين في عصر الصحابة، فلا علو في الزمان أيضا. وإن أراد العلو المصطلح عند أهل الحديث فكثيرا ما يكون إسناد تابع التابعي أعلى من إسناد بعض التابعين.

(1/206)


( ويجب رفض تأويل المبتدعة ) لكن البدعة إن فسرت بإخراج اللفظ عن مدلوله الوضعي، فمشكل للإجماع على قبول المجاز، والكناية. وإن فسرت بما لا إجماع على صحته فكذلك أيضا، وإن فسرت بما هو باطل فدور، إذ لا يعرف كونه بدعة إلا بعد معرفة كونه باطلا، ولا يعرف كونه باطلا إلا بمعرفة كونه بدعة.
( وتحريف الملحدة ) إن كان المراد تحريف اللفظ فذلك غير التفسير الذي نحن بصدده، وإن كان المراد تحريف المعنى فهو تأويل المبتدعة نفسه، لأن الملحد مبتدع ولا عكس.
( وينقسم الكتاب ) لا وجه لتخصيص الكتاب بهذا التقسيم لأنه جار في الكتاب والسنة والإجماع ( إلى قطعي، وهو: ما كان نصا في دلالته ) والمراد بالنص هنا هو الخاص لا العام، إلا عند من يدّعي أن دلالة العموم قطعية، إما مطلقا أو في العلميات، كما سيأتي، وإما عند القرائن على العموم.
واعلم ؛ أنه لا سبيل إلى قطع بدلالة عَلَم، ولا غيره بعد تجويز المجاز إلا بأدلة خارجية على خصوص المعنى المراد من اللفظ فالقطع بالمدلول الحقيقي لا يكون إلا بعد الدلالة على أنه هو المراد لا المجازي، ولا يكفي أن الأصل هو الحقيقة لأن ذلك ظهور لا قطع. ويكون أيضا ( متواترا في نقله ) وسيأتي تحقيق التواتر، ودلالته إن شاء الله تعالى.
( وظني، وهو خلافه ) أي خلاف القطعي، بأن لا يجمع شرطيه. ( ويعرف معناه ) أي الكتاب ( من نفسه إن كان مبيّنا ) غير مجمل. وسيأتي بيانهما إن شاء الله [ تعالى ] ( ومن بيانه إن كان مجملا، ويختص الرسول [ صلى الله عليه وآله وسلم ] ببيان مجملاته الشرعية ) أي مدلولات الحقيقة الشرعية كلفظ الصلاة، وهذا إنما يتمشى على القول بإثبات الحقيقة الشرعية، إذ لا يختص الرسول [ صلى الله عليه وآله وسلم ] إلا بفهمها. ومن نفاها لا يقول باختصاصه بفهم شيء من الموضوعات اللغوية، وإن حكم في مفهومها بحكم لأن الخطاب الشرعي مستقل بالدلالة على الحكم، وعلى المحكوم فيه.
(فصل)

(1/207)


( ابن عباس، وعكرمة، وغيرهما: في القرآن،المُعرَّب، وهو لفظ استعملته العرب في معنى وضع له في غير لغتهم ) وأما لغتهم في ذلك المعنى فهي لفظ غير ذلك اللفظ ( وقد يغيّرونه ) لا بالقصد إلى تغييره بل لثقله وعسر نطقهم به لعدم الأنس له كما يغير العجمي العربية لذلك.
( ومنه: المشكاة، للكوة ) أي لمدلول الكوة في لغة العرب، وهي النقب غير النافذ في البيت، ونحوه وهي هندية. وقسطاس للميزان، أي لمدلوله في لغة العرب ( وهي رومية. و:إستبرق، لغليظ الديباج وسِجّيل، للتراب المطبوخ، وهما فارسيتان ) .
( والمختار وفاقا للشافعي، وابن جريج، والجمهور: منع ذلك ) لقوله تعالى: " قرآنا عربيا " وقوله: " أعجمي وعربي " إنكارا للتوبيخ. ( وعورض ) بالحقيقة الشرعية، فما أجبتم به فهو جوابنا، والحل بأن المذكورات مفردات، والمفرد لا يسمى قرآنا إنما يسمى قرآنا < المركب الإسنادي > وأما مدهامتان، فاسم فاعل مركب مع فاعله تركيبا إسناديا. ( و ) أما الجواب بأن ( هذه مما اتفق فيه اللغتان كالتنّور، والصابون ) فلغة العرب إنما تثبت بالنقل عنهم، ولم تنقل هذه الكلمات عن عربي قبل القرآن، وإن استعملت بعده فإنما ذلك مجرد اتباع له ( و ) لا يذهب عنك أن ( الخلاف ) هذا إنما هو ( في أسماء الأجناس ) المتصرّف فيها بدخول اللام، والإضافة ( لا الأعلام ) كما توهم صاحب المختصر، أن إبراهيم، ونحوه إنما منع للعجمة، والعلمية. وهو واقع، ومثله في القرآن مع كونها عجمية، ولا دليل له في ذلك ( لأنها بحسب وضعها العلمي ليست مما ينسب إلى لغة دون أخرى ) لما تقدم لك من أنها ليست من المفيد، ولا من اللغة.
(فصل)

(1/208)


( أئمتنا، والمعتزلة. وشروط الاستدلال بخطابه تعالى: علم المستدل أنه لا يجوز أن يخاطب بما لا <يريد به >معنى البتة، كما تقول الحشوية في فواتح السور ) لأن الخطاب إن لم يفهم منه معنى، ولا يراد كان عيبا، وهو قبيح لا يجوز على الله تعالى. وإن فهم جاز أن لا يكون ذلك مرادا. والاستدلال إنما هو باللفظ على إرادة المتكلم به معناه، فلا يصح أن ينسب إرادة ذلك المفهوم إلى الله [ تعالى ]. وهذا وهم، لأن المروي عن الحشوية كما تقدم نفي المعنى، لا نفي إرادته، والفرق بين المعنيين ظاهر [ فإنه إذا لم يكن له معنى رأسا فالخطاب به عبث ؟ وإن كان له معنى لكن المراد غير معناه المطابقي والتضمني، والإلتزامي كما تقوله الباطنية، كان إعرابا لجهله. وغير مفيد في الاستدلال أيضا فهو عبث ] والقول بأن في القرآن ما لا معنى له يستلزم منع الاستدلال بما له معنى، ولا يستلزم العبث، لأن المعنى أخص من الغرض، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم حتى يلزم العبث القبيح، ولو سلم دخل في قوله: ( ولا على وجه يقبح كالأخبار بالكذب، والأمر بالقبيح، والنهي عن الحسن ) يريد المصنف بهذا إلزام الأشاعرة أن الاستدلال بالقرآن لا ينفعهم مع تجويزهم ما ذكر ليفهم التحسين والتقبيح العقليين. وقد أجابوا عن ذلك بأن الحسن والقبح من صفات الفعل إجماعا، وكلام [ الله ] تعالى خبرا كان أو أمرا أو نهيا ليس فعلا بل صفة ذات، وصفاته الذاتية لا تتصف بحسن ولا قبح إتفاقا، ولا يجوز اختلافها بالوجوه والاعتبارات التي لا يكون الحسن والقبح إلا لها عند أكثر المعتزلة، وكون مذهب المعتزلة أن كلامه تعالى فعل لا يكون حجة على من ذهب إلى أنه صفة ذات ( ولا بما يريد به غير ظاهره من غير بيان ) ينبغي تقييد هذا [ الإطلاق ] بما سيأتي من جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، وقد قال به الإمام يحي، والموسوي وغيرهما من المتأخرين مطلقا في بيان الظاهر وبيان المجمل، ولم يفرقوا هناك

(1/209)


بين علمي ولا عملي مع أن فيه إشكالا هنالك، هو أن وقت الحاجة هو وقت الخطاب بالظاهر، أما في العلمي فواضح، وأما في العملي ففي النهي واضح، لأنه يقتضي الفور وفاقا، وأما في الأمر فإن القائل بالتراخي لم يوجبه لأن الفور عند ؟ من أوقات العمل.
إذا عرفت هذا فقوله: ( كما تقول المرجئة في آي الوعيد ) أن المراد بها التخويف، لا التحقيق، لا يصلح مثالا، لأنهم يقولون: قد ثبتت بآيات الوعد وأحاديثه < والتخويف لازم لمعنى الخطاب بها، واستعمال الملزوم في اللازم شأن أكثر كلام الله [ تعالى ] من كناية ومجاز > وإنما دفع الوعيدي البيان لترجيحه أدلة الوعيد على أدلة الوعد. وقد حققنا المسألة في شرح شرح القلائد تحقيقا شافيا كافيا لمن يعرف التحقيق.
( وشروط الاستدلال بخطاب الرسول كذلك ) أي العلم بما تقدم من شروط الاستدلال بالكتاب ( و ) علمه أيضا أنه أي الرسول ( لا يكتم ما أمر بتبليغه ) ولا يحرفه ولا يبدله. والعلم بذلك إنما يحصل بالعلم بالمعجزة الدالة على الصدق والعلم بأن فاعلها لا يفعل القبيح، وإلا لجاز أن يخلقها للكاذب. ومرجع ذلك إلى العلم بالعقل بعدل الله [ تعالى ]، وأكثر صفاته. وقد تقدم الكلام في ذلك عند الكلام على استمداد الأصول من الكلام.
( وشروط الاستدلال بفعله صلى الله عليه وآله وسلم معرفة شروط الاستدلال بالخطاب و ) معرفة ( شروط التأسي ) أي في الفعل. وهي: ( أن لا يكون خاصا به ) بحي لا يجب إلا عليه كالأضحية، أو لا يجوز إلا له كنكاح من تهب نفسها. وهذا فيما لا يجوز إلا له ظاهر. وأما ما لا يجب إلا عليه فمبنى اشتراط ذلك على تفسير التأسي بإيقاع الفعل على صورة فعل الغير، ووجهه.

(1/210)


والحق أنه يكفي الإيقاع على الصورة وإن اختلف الوجه. ومن هنا سُنت الأضحية تأسيا به وبإبراهيم، وجوز البعض صلاة المتنفِّل خلف المفترض. ولعل المصنف إنما حذف شرط معرفة الوجه الذي هو من شروط التأسي لذلك. وهناك شروط أُخر ستأتيك إن شاء الله [ تعالى ].
( وشروط الاستدلال بتقريره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كون من أقره ممن يعتزي إلى الملّة ) فلا يكون في تقرير اليهودي على شرب الخمر حجة، للعلم بأنه قد أنكره وغيره عليه. وإنما علم أن الإنكار في الحال لا يجدي.
ولو قال: الشرط أن لا يتقدم ما يعلم به عدم جدوى الإنكار، لكان أشمل، لأنه لو أقر مجهول الإسلام والكفر على شيء لكان ذلك دليلا. ( و ) يشترط أيضا ( وقوع ما قرره عليه بعلمه ) أي أن يقع وهو عالم بوقوعه لا لو فعل ولم يعلم بفعله، فلا حجة فيه لأنه ليس بتقرير. ( و ) يشترط أيضا ( أن لا ينكره أحد مع علمه ) أي علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( بإنكاره ) أي إنكار الأحد لذلك الفعل إذ لو أنكره أحد وسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن سكوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقريرا للفعل، بل تقريرا للإنكار.
( وشروط الاستدلال بالإجماع معرفة شروط الاستدلال بالخطاب ) . وقد عرفت أن مرجع شروط الكل من الأدلة هو العلم بعدم جواز فعل من يحتج بقوله للقبيح.
وههنا بحث، وهو أنه جعل الحجة من السنة ثلاثة: قولا، وفعلا، وتقريرا، ولم يجعلها من الكتاب والإجماع إلا القول. وقد صرحوا بأن الإجماع كذلك. وأما الله تعالى فإنما يحتج بقوله فقط لا بفعله، ولا تقريره للإجماع على أن له أن يفعل ما لا يجوز لنا فعله عقلا ولا شرعا، كإيلام الأطفال، وتسليط الضورا على من لا ذنب له، والتخلية بين الظالم والمظلوم، ونحو ذلك مما تعلّق (به ) نفاة تعلّق التحسين والتقبيح بفعله تعالى، كما تقدم.

(1/211)


( و ) أما قول المصنف: إنه يشترط في صحة الاستدلال بالإجماع معرفة ( مستند الإجماع من دلالة ) قطعية ( أو إمارة ) ظنية، فوهم صريح لم يسبقه إلى القول به أحد. وإن قالوا: إن الإجماع لا بد له من مستند، فإنما ذلك شرط في وقوع الإجماع لا في الاستدلال به. ( و ) كذا قوله: إنه يشترط معرفة ( كيفية نقله من تواتر أو تلقٍ بالقبول ) لأن هذا لا يختص بالإجماع بل ذلك شرط في كل دليل نقلي يُحتج به ( في القطعي ) أي في مدلول يُطلب القطع به كمسائل العلم التي يصح الاستدلال عليها بالسمع، كمسألة الرؤية ونحوها ( أو آحاد في الظني ) أي فيما يطلب بالدليل ظنه فقط. والقطعي والظني يقعان صفة للدليل والمدلول.
( وشروط الاستدلال بالقياس، معرفة شروط الاستدلال بالخطاب ) لأن < القياس إنما كان دليلا شرعيا يتعبد الشارع به كما سيأتي كالإجماع. لم تثبت حجية كل منهما إلا بخطاب الشرع فيجب استكمال شروط الخطاب. ومن يرى أنه لا يشترط في صحة القياس ورود التعبد به يكتفي بشروط أركانه ويجعله دليلا عقليا كالتخصيص بالعقل، والتقييد به > ( وشروط أركانه ) من الأصل والفرع والعلة والحكم، وشرط نفسه أيضا، وهو مشاركة الفرع للأصل مع منع العلة في الأصل أو في الفرع. وسيأتي تحقيق ذلك كله إن شاء الله [ تعالى ].
وأما قوله: ( وأن لا يكون على الحكم دليل غيره ) فلا حاجة إليه، لأنه من شروط الفرع وقد دخل في شروط الأركان، وهو أيضا شرط للحاجة إلى القياس، لا لصحة القياس التي نحن بصدد شروطها. ولهذا قال: ( إلا ) إذا أريد ( التقوية ) بالقياس للدليل من غيره.

(1/212)


( وشروط الاستدلال بأصل الحضر والإباحة، أن لا يوجد حكم الحادثة في طرق الشرع ) التي هي الكتاب، والسنة، والإجماع، وجدانا صحيحا ودلالة قوية، لأن حكم الأصل معلوم فلا يرتفع إلا بدليل قد ثبت دليليته بما تقدم. ( وأن يكون للعقل فيها حكم ) توهّم المصنف من قسمتهم الأفعال إلى ما يقضي العقل فيه بحسن أو قبح، وما لا يقضي فيه بأيهما أن الثاني لا حكم للعقل قيه رأسا، وإنما أرادوا أن العقل لا يدرك أحدهما قيه بخصوصه، فلهذا اختلفوا في حكم ما لا يدرك فيه بخصوصه. فذهب بعضهم إلى أن أصل هذا الجزئي الملتبس هو الحضر، وبعضهم إلى أن أصله هو الإباحة، وبعضهم توقف. ولا وجه للوقف كما < ستعلم > فما أجمع على حكمه فظاهر، وما اختلف فيه فكل على أصله فيه. وذلك هو حكم الأصل عنده. ويأتي كل ذلك في موضعه إن شاء الله [ تعالى ].
(باب الأمر)
(فصل)
( لفظه، يعني ) أ م ر ( حقيقة في الصيغة المخصوصة ) التي رسمها هو بأنها: طلب فعل بقول إنشائي على جهة الاستعلاء و والتحتم ( اتفاقا ) .

(1/213)


وههنا بحث، وهو أنه إن أراد أن المخصوصة وحدها حقيقتها عند النحاة، فوهم ( لأنهم يخصون ذلك ) بصيغة " افعل " التي حكم آخرها حكم المجزوم طلبا أو تهديدا أو غيرهما استعلاء أو غير استعلاء، لأنهم بصدد بيان ما حكم آخره حكم المجزوم الذي هو من أحكام اللفظ لا بصدد بيان المعاني وإن (أراد ) <من حقائقها عندهم فلا وجه للتخصيص، وإن أراد أن > هذه حقيقتها عند أهل الأصول، فوهم أيضا، في دعوى الوفاق < لأن مسمى الأمر عند الأصوليين هو ما تثبت له أحكام الأمر من الوجوب والفور والتراخي والصيغة بمجردها لا تثبت لها تلك الأحكام، وإنما تثبت لها أحكام النحاة. فالأصوليون وإن قالوا: إن مدلول " أمْر" ( هو ) الصيغة، فمرادهم مدلول الصيغة الوضعي وإلا رجع كلامهم إلى كلام النحاة > [ وهذا ينتظم في الشكل الأول. هكذا مدلول أمر الصيغة المخصوصة، والصيغة المخصوصة طلب الإيجاب، فمدلول أمر، طلب الإيجاب ] < وإذا ثبت أن مرادهم بالصيغة مدلولها الوضعي فلا اتفاق > للخلاف الذي سيأتي في كون صيغة الأمر للندب أو للوجوب أو للإباحة أو مشتركة أو للقدر المشترك. ومنهم من يشترط الاستعلاء، ومنهم من لا يشترطه. ثم أيضا إن كان المراد بالصيغة هي اللفظية دون النفسانية، فبعض الأشعرية إنما يجعلها حقيقة في العقلية، وكذا إن أُريد ما هو أعم من اللفظية والعقلية، فلا وفاق عليه.
( الجمهور ، ومجاز في غيرها ) مما سيأتي للمخالف. ( الإمام وأبو الحسين، مشترك بينها وبين الشأن ) هو من قولهم: شَأَنْت شأنَه، أي تصدت قصده، فهو مصدر بمعنى المفعول، أي شأنتُ مَشْئونَه، أي مقصوده. وعلى هذا المراد من الش للتأثير إلا أنهما علة غائية كقولهم: أمر أقعده عن الخروج، أي مانع عجز، أو خوف، أو نحو ذلك.

(1/214)


( المنصور، والحفيد، كذلك ) أي حقيقة في الثلاثة ( إلا في جهة التأثير ) توهما أنه ليس الأمر اصطلاح أهل الكلام الذي لا تحمل عليه الحقائق اللغوية والشرعية كما يقولون: " تحدث الكائنة بعد أن لم تكن، فلا بد من أمر " يريدون: فلا بد من مؤثر. وقد عرفت أن ذلك وارد في استعمالات العرب.
( بعض الشافعية مشترك بين الصيغة والفعل ) كقول بلقيس: " ما كنت قاطعة أمرا " أي فاعلة فعلا.
( الآمدي، متواطئ فيهما ) أي الصيغة والفعل ( لاشتراكهما في معنى يشملهما وهو كونهما شيئا أو موجودا [ أو فعلا إذ هو ) أي الفعل ( أعم من أن يكون للشأن أو غيره ) لأن الكلام فعل في اللغة ] وهذا ساقط لأنه يستلزم القول بنفي الاشتراك لإمكان أن يقال: إنما سمي كل من الطهر والحيض قرءا لأنه شيء أو موجود، فيطلق القرء والأمر على كل شيء وموجود لا من حيث كونه شأنا أو غرضا أو مؤثرا < نعم فيصح التواطؤ في قوله: "أو فعلا "، إذ هو أعم من أن يكون باللسان أو غيره، وذلك لأن الكلام فعل في اللغة >.

(1/215)


( جمهور الأشعرية: مشترك بين اللساني ) يعني الصيغة اللفظية ( والنفساني ) وهو ما عنه صدرت الصيغة اللفظية مما في النفس ( وحد الصيغة المخصوصة هو طلب فعل ) < هذا جنس لا يحترز به عن التهديد > ونحوه ( بقول أنشائي ) يرد عليه النهي عند من يجعل مطلوبه فعلا وهو الكف، لا عند من يجعله عدم فعل. ثم المراد بالإنشاء لفظا أو تقديرا كما في: " والوالدات يرضعن أولادهن " وعلى هذا فيخرج نحو: أمرتك، وأوجبت عليك < وهو خلاف ما صرح به في شرح المختصر عن إمام الحرمين، وغيره من المحققين، من أنه لا يختلف في أن التعبير عن الأمر [ ممكن ] مطلقا، مثل: أمرت، ومقيدا في وجوب ( أو ندب ) كأوجبت وحتّمت، وندبت، وسننت، وذلك ظاهر في أن ذلك أمر لكنه مشترك بينه وبين الخبر. والنزاع إنما هو في أنه هل له صيغة تخصه دون الخبر والنهي، ونحوهما > ( على جهة الاستعلاء ) ليخرج الالتماس والدعاء، والاستفهام، والتمني، ونحو ذلك ( والتحتم ) الذي هو الوجوب ليخرج ما كان لا على سبيل الوجوب كالندب. وههنا بحث، وهو أن مدلول " أ م ر " إذا كان هو صيغة الوجوب كان قول الأصوليين: " الأمر للوجوب " في قوة < قولك > ما كان معناه الوجوب فهو للوجوب. ومع أنه لا فائدة في مثل ذلك مُستلزم أن لا يكون المندوب مأمورا به كما تقدم، ومخالف لما صرحوا به أن طلب الندب يسمى أمرا كما تقدم عن إمام الحرمين، وغيره من المحققين.
والحق ما ذكره المصنف من دخول قيد الحتم في مفهوم " أ م ر " لأن الوعيد < طافح على مخالفة الأمر نحو: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره " " أفعصيت أمري " والوعيد > إنما يتوجه على مخالفة ذلك المفهوم لا على مخالفة مطلق مفهوم صيغة " افعل " غلا عند من يقول أنها حقيقة في الوجوب الذي هو معنى " أ م ر " مجاز في غيره، ولا برهان له عليه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وهذا مقام من مضايق أذهان النظار، ومزالق أقدام المهرة الشطار.

(1/216)


( جمهور الأشعرية: ولا يعتبر فيه علوّ ) للآمر على المأمور ( ولا استعلاء ) عليه أي اعتقاد الآمر في نفسه أنه عال على المأمور، وإن كان أسفل منه قدرا ( وقيل: يعتبران ) معا فيكون عاليا حقيقة معتقدا لتلك الحقيقة.
( جمهور المعتزلة، والشيرازي، وابن الصبّاغ، والسمعاني: يعتبر العلو ) فقط.
( أئمتنا، وأبو الحسين، والمتأخرون: يعتبر الاستعلاء ) فقط. ومرجع هذا الخلاف إلى استقراء مسمى " أ م ر " لغة. والظاهر عدم إطلاقه على غير طلب الحتم كما قدمناه. والحتم لا يكون من سافل على عال، بل ربما صدر من سافل معتقد لعلو نفسه على المأمور.
(فصل)
( وتستعمل " افعل " في معان، وهي: الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد، والإرشاد ) كقولك لمن لا يعرف الطريق: خذ يمينا ( والامتنان ) " كلوا واشربوا " ( والإكرام ) " ادخلوها بسلام " ( والتسخير ) " يا جبال أوّبي معه " ( والتعجيز ) " فأتوا بسورة " ( والتأديب ) هو الندب أو الوجوب ( والإهانة ) " اخسئوا فيها ولا تكلمون " ( والتسوية ) " اصبروا أو لا تصبروا " ( والدعاء ) " ربنا اغفر لنا ذنوبنا " ( والتمني ) " ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي " ( والاحتقار ) " ألقوا ما أنتم ملقون " ( والانذار ) " اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة " ( والتكوين ) " كُن فيكون " ( وهو ) أي " افعل " ( مجاز فيما عدا الخمسة الأول اتفاقا ) .
قد عرفت أن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وعرفت أن " افعل " مركب إسنادي، وأن المركبات موضوعة للنسبة إنشائية كانت أو خبرية. وأما فوائد النسبة والغرض منها، فأمور خارجة عن ذاتها لا تنحصر فيما ذكر من الأغراض لأنها قد تكون للابتلاء، كقولك لمن تشك في طاعته لك: افعل كذا، ليظهر لك ما خفي عليك منها، ومن العصيان، ولمن تعلم عصيانه وهو يخفيه: افعل كذا، تريد إظهار ما علمته منه، والسخرية، كقولك للأعمى: انظر هذا الكتاب.

(1/217)


والاستخفاف،نحو: " اذهب وربك فقاتلا " وغير ذلك من المقاصد التي لا تنضبط بحد ولا عد. ومن ثم رسموا الكلام بما أفاد المستمع، لا يفرقون بين إفادة أصل الحكم أو لازم من لوازمه في كون كل منهما من فوائد التركيب. ولهذا كان " السماء فوقنا و الأرض تحتنا " كلاما عند التهكم بالمخاطب غير كلام عند الإخبار له بأصل الحكم. وبه يظهر أن ما توهّمه بعض المحققين من أن مثل قولها: " رب إني وضعتها أنثى " ومثل: " هواي مع الركب اليمانين مصعد " مجازان في التحسّر بناء على أن الكلام موضوع لإفادة المخاطب أصل الحكم، أصل الحكم ساقط لا دليل عليه أيضا. أما عند من جعل دلالة الكلام عقلية فلا إشكال. وأما عند من جعلها وضعية فلأن الغرض من الوضع هو الإنباء عما في الضمير كما عرفت، أعم من كونه أصل الحكم، أو لازمه. ولا دليل إلا استقراء الاستعمال، وهو غير منحصر في إفادة أصل الحكم، بل هو في غيرها أكثر وأغلب فكيف يحكم بمجازية الأغلب. ولو سلم فغاية الأمر أن تكون المعاني المذكورة لوازم لمعاني المركبات، ويكون استعمالها في اللازم كناية. وقد عرفناك فيما تقدم أن الكناية من الحقيقة إذ لا ينتقل الذهن إلى اللازم إلا بواسطة إرادة الملزوم كما تقدم. ومثل ذلك يدفع ما تكلف الشريف وغيره في علاقة المجاز الذي توهموه في معاني الاستفهام مثل الإنكار والتقرير والتعجب، فإنها كنايات عن اللازم بملزومه. ومحل توضيحه فن آخر.
إذا عرفت هذا، عرفت أن الخلاف في الخمسة الذي أشار إليه بقوله: ( واختلف فيها ) خلاف لم يرجع إلى تحقيق معنى الحقيقة والمجاز على رأيهم فيهما فضلا عن رأينا من منع المجاز في غير استعارة المفرد ورأي من منع المجاز رأسا.

(1/218)


وأما تفصيل خلافهم ( فعند أئمتنا والجمهور: حقيقة في الوجوب، مجاز في غيره ) لاستدلال السلف بمطلق الصيغة على الوجوب. وقد أجيب بمنع الإجماع، إذ لو كان لما وقع بعده خلاف في ذلك عادة، وإن سلم فالمدعى استدلالهم على الوجوب بلا قرينة، فأين الدليل على كونه بلا قرينة وهو جزء المدّعى ؟ قلنا: " ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك " وهو استفهام إنكار وتوبيخ. قالوا: قد صرح بأنه أمر، ولا نزاع في كون الأمر للوجوب، إنما النزاع في الصيغة مجردة عن قرينة الأمر. قلنا: "وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون " ذمهم على مخالفة " اركعوا " وهو مطلق. قالوا: المراد بالركوع إقامة الصلاة، ووجوبها ضروري من الدين. والنزاع فيما لم يقم دليل على وجوبه غير الصيغة. قلنا: تارك المأمور به عاصٍ، وكل عاص متوعّد. أما الصغرى فضرورية، وأما الكبرى فلقوله تعالى: " ومن يعص الله ورسوله … الآية " قالوا: عاصي الأمر، ولا نزاع فيه بعد ثبوت كونه أمرا إنما النزاع في الصيغة التي تكون أمرا وغير أمر. قلنا: فليحذر الذين يخالفون عن أمره ". قالوا: الجواب، الجواب. نعم ؛ يجب اجتناب المفاسد، وإنما يكون في المناهي. ( أبو طالب، وأبو عبد الله، والبلخي، والحاكم: شرعا فقط ) للأدلة المتقدمة. أكثر أئمتنا والمعتزلة ( والفقهاء. لغة وشرعا ) أما الشرع فلما تقدم أيضا، وأما اللغة فلذم العقلاء عبدا لا يمتثل أمر سيده. وأجيب لتفويته منفعة سيده وحاجته. وأما الله [ سبحانه ] وتعالى فلا نفع له ولا حاجة له إلى طاعة العبد، وإنما المصلحة للعبد وطلب المصالح لا يجب.

(1/219)


وقال ( أبو هاشم، والقاضي، وبعض الفقهاء، وأحد قولي الشافعي، وأبي حنيفة: بل حقيقة في الندب ) بقاء على الظاهر من طلب المصالح، وهو رجحانه على الترك فقط. وهذا معنى الندب ( وعن المنصور: روايتان ) إحداهما: الوجوب كقول الجمهور، والأخرى: الندب [ كقول ] أبي هاشم، ومن معه. ( الموسوي: مشترك بينهما ) لأنه أطلق على كل واحد منهما، والأصل الحقيقة. ورد بأنه إذا دار اللفظ بين المجاز والاشتراك، فالمجاز أولى. وفيه ما تقدم. ثم الاشتراك لا يتعين لجواز التواطؤ، ولهذا قال: ( الماتريدي: متواطئ فيهما فهو للطلب المشترك بينهما، وهو ترجيح الفعل على الترك ) وأجيب بأن الحكم بالوضع للرجحان المذكور إثبات للمدلولات اللغوية بالترجيح مع جواز أن يكون لغير المشترك. ورد بأنه ليس ترجيحا بل دفعا للتحكم بجعله لأحدهما < معينا لعدم انتهاض أدلة التعيين كما سلف > ودفعا للاشتراك بجعله لكل واحد منهما ودفعا للمجاز بجعله لمبهم لأنها محذورات لا يصار إليها مع إمكان الخلوص منها.
( وتوقف الأشعري، والباقلاني، والغزالي، والآمدي ) فصار عندهم من المجمل المتشابه الذي لا يجب العمل به إلا عند بيان المراد منه وإن حسن الاحتياط بالعمل لعدم التنافي بين الوجوب والندب وكفاية النية المشروطة عن المعينة. واختلف في كيفية توقفهم ( قيل: في كونه للوجوب، أو للندب. وقيل: في كونه مشتركا، أو متواطئا فيهما. وقيل: متواطئ فيهما، وفي الإباحة ) بمعنى أنه موضوع ( للإذن ) في الفعل ( المشترك بينهما ) بناء على عدم ظهوره في رجحان الفعل الذي يختص به الوجوب والندب ( وقيل: مشترك بين الثلاثة ) لأنه لو كان للإذن المشترك لانتفى الوجوب والندب بانتفاء الرجحان ( لما ) تقدم من أن الإباحة تنافي الوجوب والندب لاستلزامها التخيير بين الفعل والترك.

(1/220)


( الإمامية: مشترك بينها وبين التهديد. وقيل: مشترك بين الخمسة ) الأول، خامسها الإرشاد لكون استعماله في اللغة لكل منها طافحا، والتواطؤ ممتنع لما عرفت من أن حكم الأعم يلزم الأخص، فلو تواطأت في الترجيح فقط لزم جواز ترك الواجب، وكذا في الأذن يلزم عدم الرجحان له وللمندوب. وأما في التهديد فأظهر امتناعا، وأما المجاز فتعيين أحدها حقيقة والآخر مجازا مع استواء الاستعمال لغة، تحكم. وقد تحيرت أدلة التعيين للحقيقة من المجاز فوجب البقاء على الأصل ولا يصح الاستدلال بسبق الفهم من أهل الاصطلاحات العرفية لما عرفت أن المعتبر هو الفهم في اصطلاح اللغة، ولا سبق في اللغة إلى أحدها إلا بقرينة، وذلك دليل الاشتراك ( وإذا اقترن به وعيد فللوجوب اتفاقا ) وكذا إذا اقترن به وعدا اختص بالوجوب والندب اتفاقا ( ويحمل إذا تجرد عن القرينة على حقيقته عند كل ) من المختلفين فيما وضع له ( والخلاف في البحث على خلافها ) أي هل المراد به خلاف حقيقته التي اختارها بعض القائلين ( كالعام ) في وجوب البحث عن خلاف الأصل من العموم وغيره إن شاء الله تعالى
(فصل)
( أئمتنا والجمهور: والكفار مكلفون بفروع الإيمان ) كالصلاة والزكاة، والصيام والحج وغيرها من التروك كترك الربا والزنا وشرب الخمر. وقد اتفق الجميع على أن الإيمان شرط ( شرعي للفروع ) ومن ثم سميت فروعا له. ثم الذي في المختصر وشرحه أن الخلاف سفي كل شرط شرعي، وأشار سعد الدين إلى أن الظاهر من خلاف الحنفية إنما هو في هذا الشرط بخصوصه إما لأنه شرط للوجوب، وإما لأنه شرط عقلي، فإن الإتيان بالشرعيات فرع الإذعان لمن جاء بها بخلاف الوضوء ونحوه فإنها من الشرعيات أنفسها لأن الشرعي يجوز أن يكون شرطا لشرعي مثله كما تقدم ( فحق الأول ) أن يقال ( فيه ) شرط الشرعي بالإضافة لا الشرط الشرعي بالوصف.

(1/221)


إذا عرفت هذا ( فتشملهم عمومات الخطاب خلافا للحنفية والاسفرائيني مطلقا ) في الخطاب أي أمرا أو نهيا وفي الكافر أي مرتدا أو غير مرتد. لنا: كلفوا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وهي بخصوصها فعل شرعي ولا فرق بين شرعي وشرعي. وأجيب بأنها مسألة ما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه وهو إرادتهم إيقاع الفعل على وجوهه المختلفة فإن الإرادة هي المؤثرة في وقوع الفعل على وجه، وفي زمان دون زمان، ومكان دون مكان، ومقدار دون مقدار. وقد تقدم أن الخطاب العام للمسلم والكافي غير ممتنع لأنه يكون من العموم المخصوص أو من العموم الذي أريد به الخصوص. وأيضا التكليف تأثير التكلف فمن لم يتكلف لا يتحقق تكليفه، لأن التكلف أثر التكليف، وإنما يعلم التأثير بالأثر. واستدل للجمهور بأن الإيمان شرط، فلو لم يكلفوا مع عدم الشرط لم تجب صلاة على محدث، ولا الصلاة قبل النية، ولا اللام المعرفة قبل همزة الوصل. وفيه تهافت، لأن الخصم يقول: إن أردت، لو لم يكلف الكافر لم يجب عليه الشرعي، منع بطلان اللازم، لأنه محل النزاع. وإن أردت، لم يجب على المسلم، منعت الملازمة مسندا منعها بالفرق بين من حصل فيه شرط الوقوع ومن لم يحصل فيه، وأيضا السنة طافحة بتقييد الوجوب بالمسلم في الزكاة، وصدقة الفطر، والجمعة، غسلها، وغير ذلك من الشرعيات بلفظ يجب على كل مسلم فيما لا يحصى من الأحكام. قلنا: صرح القرآن بتعذيبهم على تركها في قوله: " لم يك من المصلين ولم يك يطعم المسكين " قالوا: علة التعذيب: " وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين " وذلك هو الكفر والتعذيب عليه وإن ذكر مع العلة لازم من لوازمها فلا تأثير له في الحكم كما سيأتي في القياس إن شاء الله [ تعالى ] ( ولقوم ) فإنهم وافقوا الحنفية ( في غير المرتد ) وخالفوهم فيه لأنها قد تعلقت به أحكام الإسلام، فلهذا لا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف ( وقيل: يكلفون بالنواهي دون الأوامر لإمكان

(1/222)


الترك حال الكفر دون الفعل، فلا يجامعه الكفر ) لأنه يفتقر إلى إرادة الفعل ونية القربة به، ولا إرادة ولا قربة لكافر. وفيه تهافت، لأن التروك أيضا تفتقر إلى نية، كون الترك طاعة كالفعل. ولهذا ذهب البعض إلى أنه فعل، وهو كف النفس ( وثمرة الخلاف، هل يعاقبون على ترك < غير الإيمان > أم لا ؟ ) تبع في تعيين هذه الثمرة غيره. والمسألة أصولية، إنما ثمرتها أحكام فرعية عملية لا اعتقادية، فالحق أن ثمرتها هل تؤخذ الزكاة من مال المعاهد، أم لا ؟ وأما الحربي فهو مباح المال والدم. وكذا هل تجري عليهم الحدود أم لا ؟ وهل يجب عليهم القضاء عند من أوجبه على متعمد الترك، فإنه تكليف مستق، وإن كان بدليل منفصل، لا كما توهمه صاحب المختصر وشرحه من أنه لا ربط بين القضاء والتكليف بالمقضي، وأيضا هو محل النزاع، فإن البعض على أنه يجب بالأمر الأول، ولا يصلح الاستدلال بحديث " الإسلام يجبُّ ما قبله " لأنه حينئذ يكون اعترافا باللزوم. ثم السقوط وأمثال ذلك كثير في التكليفيات. وأما الوضعيات، فهل يحرم دخولهم المسجد ومسّهم المصحف صلى الله عليه وآله وسلم وهل يشترط في طلاقهم ونكاحهم وبيوعهم ما يشترط في ذلك على صلى الله عليه وآله وسلم والظاهر أنه قد قام الإجماع على مخالفة غير المنافق للمسلمين في الأحكام، فلهذا كان ينزلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسجد، وهم أجناب، فلو تعلقت بهم أحكام الجنابة لما أنزلهم المسجد، وقد أقر أهل الذمة على خلاف شرائع الإسلام، ولو علم تعلقها بهم في حكم الله [ تعالى ] لما قبل منهم إلا الإسلام، أو السيف، كالمرتد.
(فصل)

(1/223)


( ويقتضي الأمر الوجوب بعد الحضر العقلي اتفاقا ) بين من جعل الأمر للوجوب سواء كان ممن يثبت حكم العقل أو لا. ومعنى اقتضائه بقاؤه للوجوب عند اللبس لا لزوم أن يكون للوجوب بحيث لا يصح أن يكون لغيره من ندب أو إباحة بقرينة ( واختلف فيه بعد الحضر الشرعي. فعند ) من قال بأنه للوجوب من ( أئمتنا والمعتزلة، وبعض الأشعرية، والفقهاء: إنه ) باق على موضوعه من كونه ( للوجوب ) أيضا ( جمهور الفقهاء: بل للإباحة ) لأن تقدم الحضر قرينة. وقيل: إذا علق الأمر بزوال علة عروض النهي كما في: " إذا حللتم فاصطادوا "، " وإذا قضيت الصلاة فانتشروا " لا إن لم يعلق كما لو أمر بقتل نساء الكفار بعد النهي عنه. وأما استدلال الموجب بجواز التصريح بالإيجاب بعد الحضر فساقط لأن النزاع في الظهور، ولا يمتنع التصريح بخلاف الظاهر، وكذا استدلال المبيح بالعلية في الإباحة لأن خصمه يمنع العلية في غير التعليق المذكور آنفا.
( وتوقف الجويني، وقال الغزالي: إن كان الحضر أصليا ) يعني لم تتقدمه إباحة شرعية كأخذ شيء من مال الغير، وليس المراد بالأصلي العقلي، لأن الغزالي ممن لا يثبت حكم العقل ( فالأمر بعده للوجوب ) مثل: " خذ من أموالهم صدقة " ( وإن كان عارضا ) لعلّه بعد أن كان الأصل الإباحة كما في: " إذا حللتم فاصطادوا " ( فللإباحة. وعليه يحمل إطلاق الأولين ) وهذا نحو ما قيل من الفرق بالتعليق على علة، وعدمه، كما أشرنا إليه.
(فصل)
( والواجب به ) أي بالأمر مطلقا ( إما واحد، أو أكثر على الجمع من دون ترتيب ) نحو: " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " ( أو معه ) نحو: " اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق " ( أو على التخيير ) نحو: " قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا " وق
يمثل بخصال الكفارة، وفيه نظر، لأن التخيير فيما به التكفير لا في التكفير نفسه، فهو فعل واحد.

(1/224)


ومن هنا تعلم أن قوله: ( واختلف في الواجب المخير كالكفارات ) تسامح لأن المطلوب واحد هو التكفير، وإنما المختلف ما به التكفير، كما إذا قلت: اضرب زيدا بيدك أو بالسوط فليس هناك واجبان مخيران، بل واجب واحد ( فعند أئمتنا، والمعتزلة، وأقل الفقهاء: أنها واجبة معا على التخيير ) لا يخفاك أن الوجوب من صفة الفعل لا من صفات متعلقاته. والفعل الذي هو التكفير المطلوب لا يتعدد بتعدد متعلقاته التي يمكن وقوعه بها وعليها وفيها، لأن كل واحد من الإطعام والكسوة والعتق، تكفير، فالمطلوب معين لا مخير إنما التخيير فيما به التكفير، ولا يتصف بالوجوب كما عرفت. وأيضا إن أرادوا وجوب [ فعل ] كل واحد وجوبا مشروطا بأن لا يفعل غيره ليكون من الواجب المقيد بشرط الوجوب، فلا إشكال فيه إلا كون وصفه بالوجوب قبل حصول الشرط مجازا، كما يوصف من لا يملك النصاب بأن الزكاة تجب عليه عند ملك النصاب. وإن أرادا أن [ فعل ] كل واحد قد وجب بالفعل فساقط أنه يستلزم أن يستحق الذم على تركه بخصوصه لأن ذلك من حقيقة الواجب كما تقدم. والتخيير يستلزم أن يكون تركه مباحا، وذلك تناقض. فالحق قول: ( الأشعرية وأكثر الفقهاء: بل الواجب منها واحد لا بعينه ) لأن الثلاثة أفراد التكفير، فهو في الحقيقة أمر بمطلق موجود في أفراد. وسيأتي في مسألة الأمر بمطلق تحقيق الحق إن شاء الله [ تعالى ]. ( وقيل: واحد معين عند الله [ تعالى ] مجهول عند المكلف، فإن فعله سقط الوجوب به، وإن فعل غيره فنفل يسقط به الفرض ) وهذا يشبه ما يقوله المخطئة في أن لِله مطلوبا معينا عند تعارض الأدلة على المدلولات المختلفة ( وقيل: الواجب: ما يفعل منها ) وهذا يشبه ما يقوله المصوبة من أن حكم الله تابع لفعل المجتهد. ( وكل من الطائفتين ) المعتزلة والأشعرية أهل القولين الأولين ( ينسب المذهبين الأخيرين إلى مخالفهِ، فإذن لا خلاف في بطلانهما ) أما الأول فلأنه تكليف بما لا يعلم، وأما الثاني

(1/225)


فأن الوجوب إذا توقف على الفعل لزم أن لا يكون قبل الفعل وجوب، فلا يذم على ترك التكفير. والجواب، ما عرفت من جري القولين كليهما على مذهبي التخطئة والتصويب، فالعذر العذر، ولا وجه للحكم بالبطلان.
( الأقلون: والخلاف لفظي ) للاتفاق على أن الوجوب يسقط بفعل أيها ( والجمهور: بل معنوي، وتظهر فائدته فيمن حلف بعد حنثه وقبل تكفيره بالطلاق ما عليه عتق ) الطلاق ( على الأول ) من الأقوال ( ولا يقع على الثاني، والثالث، إذ الأصل براءة الذمة ) عن تعلق وجوب العتق بخصوصه ( ويقع على الرابع بالعتق ) لأنه قد تحقق وجوب العتق عليه ( وقيل: لا إذ لم يتعين الوجوب فيه إلا بفعله ) واليمين منعقدة على أنه لا وجوب عليه في حال اليمين.

(1/226)


واعلم ؛ أن جعل فائدة الخلاف تظهر في الأيمان مما لا ينبغي لأن الأيمان مبنية على عرف الحالف واعتقاده، وإن خالف الشرع واللغة. والنزاع إنما هو في المدلول الشرعي واللغوي للتخيير. ثم ينبني أيضا على كون حكم الله بوجوب العتق تابعا لحكم الحالف كما هو التصويب، فإن كانت المسألة ظنية، فلا نزاع في أنه يجب على المجتهد ما ظنه، ولو كان خلاف ما عند الله [ تعالى ]. وإن كانت قطعية كما يدّعى في مسائل الأصول، فلِله مطلوب فيها معين فينبني وقوع الطلاق على تحقق قطعية دليل وجوب العتق عليه. والقطع عنه بمراحل. ( وقد يكون الجمع بين المخير فيها مندوبا كالكفارات ) إن أراد ( أن ) التكفير بالثلاثة معا مندوب إليه، فلا دليل، وإن أراد أن كلا منها مندوب إليه للتقرب، فمسلم، ولكنه فضول في المسألة لا يعني الأصولي. وكذا قوله: ( ومحظورا كتزويج الكفوين ) الخاطبين، فإن الولي مخير بينهما، ويحرم الجمع بينهما إلا أن ذلك ينافي وجوب الجميع كما اختاره المصنف إذ لا ينقلب الواجب حراما وهذا إنما يصلح على رأي من جعل الواجب واحدا مبهما ( وإذا فعلت ) المخيرات ( معا فإن كانت مترتبة ) في الزمان ( فالواجب أولها ) إن تعين بالنية للتكفير ( ويستحق عليه ثواب واجب مخير ) لا فائدة في زيادة " مخير " لأن ثواب الواجب واحد مخيرا كان أو معينا < وقد تقدم الكلام في التفاضل بين فرض الكفاية وفرض العين فلا نعيد الحق في ذلك > على أنه لا يتصف بعد الفعل بالتخيير لأن معنى التخيير جواز فعله وتركه وترك ما قد وجد مستحيل لا جائز ( والأخيران ندب ويستحق عليهما ثواب الندب ) قد عرفت أنه إن أراد أنه يندب التكفير بهما بعد فعل الواجب فلا دليل، وإن أراد أنهما من القرب ففضول ( وقيل: ثواب واجبين لا ذم على تاركهما ) وهو تهافت لأن الذم لازم لترك الواجب ( أبو الحسين: يستحق على جميعها ثواب واجب مخير ) هذا إنما يستقيم على تقدير أنه نوى التكفير بها معا فلم يتعين أحدها

(1/227)


للتكفير. أما لو نوى التكفير بواحد وفعل الأخيرين لا بنية التكفير فلا وجه لهذا. ( وإن كانت دفعة استحق الثواب على أشقّها، وفاقا لجمهور المعتزلة ) وهو مبني على أن الثوب على قدر المشقة لا على قدر الموقع. وأكثر المعتزلة تخالف في ذلك. ثم هذا ظاهر في نقض القول بوجوب الكل، وروايته عنهم، فالقياس ما قاله أبو الحسين. ولهذا قال: ( والخلاف فيها كذلك ) أي كالخلاف في المرتبة ( وإذا تركت معا استحق العقاب على ترك أخفها وفاقا لجمهور المعتزلة ) فيه الوهمان السابقان ( وعقاب ترك واجب مخير عند أبي الحسين ) ولِله در نظر أبي الحسين ما أثبته في المزالق وأنفذه في المضايق. ( وإنما يخير بين متفقي الحكم، كواجبين أو مندوبين فصاعدا ) أو جائزين أو حرامين. كما في تخيير المضطر بين أكل الزكاة والميتة، أو مكروهين، كما بين الضّبّ والأرنب. وهذا بناء على أنه يجب تساوي المخيرات في القدر المطوف فيه. ولهذا قال: ( لا ما اختلف حكمهما، كواجب ومندوب ) . وهذه المسألة وهم فاحش قد تتابع فيه عوام المصنفين في الأصول، لأن المتفقين، إن كان قد ثبت حكمهما قبل التخيير على التعيين، فالتخيير نسخ للتعيين ضرورة، وإن لم يكن ثبت الحكم كذلك، وإنما ثبت بدليل التخيير، فالتخيير موجب للتساوي في الحكم، لأن ذلك معناه لغة وشرعا. هذا إن أريد التخيير بين أصل الفعلين المحكوم فيهما،وإن أريد التخيير بين أصل الحكمين بأن يخير المكلف بين أن يوجب هو شيئا أو يحرمه، أو نحو ذلك. فذلك نفس مسألة التفويض، وسيأتي وقوعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن سعد بن معاذ في بني قريضة، وغير ذلك. وهي مسالة التصويب بنفسها، فإن التخير لا ينافيه الترجيح كما سنحققه هنالك إن شاء الله [ تعالى ]. وأما التخيير بين واجب وحرام فهو أصل التكاليف كلها، فإن الله سبحانه أمر تخييرا ونهى تحذيرا تتميما لعدله، وإقامة لحجته في جزاء كل عامل بما اختاره لنفسه " وقل الحق من ربكم فمن شاء

(1/228)


فليؤمن ومن شاء فليكفر ". وهذا صريح في نفي قولهم: يجب تساوي المخيرات في القدر الملطوف فيه. وقد صرح صاحب الكشاف وغيره في قوله تعالى: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه " بجواز التخيير بين الشيء وبين ما هو أفضل منه، لأن التأخر أفضل منه التعجل، ومثله تخيير المسافر المستوي عنده الصوم الواجب في السفر والإفطار، فإنه مخير بين فعل واجب قطعا وبين جائز.
(فصل)
( والأمر، مطلق ومقيد ) جعل الإطلاق والتقييد وصفين للأمر، وهو الصواب لما عرفناك فيما تقدم من الفرق بين إطلاق الحكم وتقييده وبين إطلاق المحكوم فيه وتقييده، فإن ذلك من الحكم المطلق لأنه لا تنافي بين إطلاق الحكم وتقييد المحكوم فيه كما ستعرفه إن شاء الله تعالى ( فالمطلق عند جمهور أئمتنا والأصوليين، للمرة بوضعه لا للتكرار ) لأن السيد إذا قال لعبده: ادخل الدار و فدخل مرّة، عُد ّممتثلا.
وأجاب القائلون بأنه بمجرد الطلب بأن الامتثال إنما كان لحصول ماهية المطلوب التي هي معنى المطلق في ضمن فرد، لا لأن الفرد هو موضوع الأمر. وأما القائلون بأنه للتكرار فاحتجاج بفرد من محل النزاع، فهو مصادرة، وإن سلّموا حصول الامتثال بالمرة، فإنما هو لقرينة انقطاع الغرض المطلوب بالدخول، ولا كذلك أوامر الشرع فإنها للتأديب، وهو يقتضي الاستمرار على الأدب ( إلا لقرينة ) تقتضي التكرار كما في الصلوات الخمس.

(1/229)


< ( متأخروا أئمتنا، والكرخي، والحاكم و والجويني، وغيرهم: لمجرد طلب الفعل، ولا يدخل عليهما بوضعه ) لأن الطلب لم يقع إلا في وقت واحد، والمطلوب مطلق، والمطلق إنما هو الماهية. والمرة والتكرار، من الكم، وهو ينافي الماهية، كما سيأتي في الأمر بمطلق. ( وقيل: مشترك بينهما ) وهو تهافت، لأن الماهية موجودة في الواحد والكثير، فكل من الأفراد جزئي لها، والكلي ليس مشتركا لفظيا، وإن أريد الاشتراك المعنوي فهو معنى المطلق ( السكاكي: إن كان لقطع الواقع ) فللمرة كقولنا للساكن: تحرك، وإن كان لاتصاله، فللاستمرار، كقولنا للمتحرك: تحرك. وهو ساقط، لأن ذلك من القرينة، ولا نزاع في اتباعها، إنما النزاع فيما لا قرينة معه >. ( الاسفرائيني: للتكرار مدة العمر مع الإمكان بوضعه، لا للمرة، إلا لقرينة ) مستدلا بأنه لو لم يكن للتكرار لما تكررت الصلاة ونحوها. فعورض بالحج، ومنعت الملازمة مسندا بأن التكرار من قرينة، كما يحنث به في الحج، واستدل أيضا بأن الأمر كالنهي. وقد ثبت كونه للتكرار. وأجيب بأن المطلوب في النهي أن لا يكون للمنهي عنه حالة وجود، فلو وجد في بعض الأزمنة لما حصل امتثال. ورُدّ بمنع أن المطلوب ذلك، بل المطلوب الكفّ عن الفعل و أو انتفاء الفعل، وكلاهما مفهوم كلي يحصل في ضمن بعض الأوقات، لأنه كما أن الأمر لمصلحة في الفعل فالنهي لمفسدة فيه. والمصلحة والمفسدة يجوز أن تستمرا وأن تنقطعا، لما علم من اختلاف المصالح والمفاسد باختلاف الأحوال والأزمان والأشخاص. فما هو جوابكم في النهي، فهو جوابه في الأمر. ( وقيل: بالوقف إما بمعنى لا يدري هل هو حقيقة في المرة أو في التكرار < أو للمطلق > من دون دلالة عليهما أو بمعنى أنه مشترك ) إذا كان ( مجرد عن القرينة )
(فصل)

(1/230)


( والقائلون بأنه للتكرار، قائلون بأنه للفور ) لأن الوقت الحاضر أحد أزمنة التكرار ضرورة أن معنى التكرار حصوله في كل وقت ( فيعصي من أخر. واختلف الذين قالوا بأنه للمرة فعند الهادي والناصر والمؤيد بالله والقاضي جعفر وأبي حنيفة ومالك وبعض أصحابهما: أنه للفور فيعصي من أخر عن الوقت الأول إلى الثاني ) كما لو قال السيد لعبده: اسقني ماء، فأخر. وأُجيب، إنما كان ذلك لحاجة السيد إلى الماء فورا بخلاف أمر الله [ تعالى ] فهو غير محتاج، كما تقدم. قالوا: كالإيقاعات، نحو: أنت طالق. ورُدّ، بأن هذا خبر عن واقع في الحال بخلاف الأمر، ولو سلم فالأمر مستقبل اتفاقا، كما في " سأضرب ". قالوا: كالنهي. أجيب بما تقدم للاسفرائيني. قالوا: " ما منعك ألا تسجد ". ردّ، بأنه مؤقت بـ" إذا سويته " < ومعقب بالفاء التي لغير مهلة > وقد حصل الوقت. والنزاع في المطلق. قالوا: " سارعوا " " فاستبقوا". أجيب لو كان للفور، لما طلبت المسارعة فحمل طلبها على الأفضلية. ( والوجوب فيه ) أي في الوقت الثاني ( بذلك الأمر ) الأول. وفيه أنه جمع بين الحقيقة والمجاز، أو رجوع إلى القول بأنه لمطلق الطلب ( الكرخي، وأبو عبد الله: بل بدليل غيره ) لأن الموضوع لشيء إنما يدل على غيره بقرينة وهي معنى حصول دليل غيره. وكما قيل في القضاء لأن الفور كالوقت في المؤقت فيجوز أن تكون المصلحة فيه وقد فاتت بفوته، فلا يجب استدراكها إلا بدليل ( القاسم وأبو طالب والمنصور والشيخ والملاحمية والشيخان وبعض الأشعرية: للتراخي ) فالزمان كله بمنزلة وقت الموسّع فيكون المكلف مخيرا بين أجزاء الوقت، لكن ذلك لا يوجب تخصيص التراخي لاستواء المخير فيه، وإنما يتمشى على قول الحنفية في الموسع أن الوجوب متعلق بآخره كما سيأتي. فقولهم: ( ويمتثل من بادر ) كما يمتثل من صلى أول الظهر. لا يستقيم إلا على التخيير كما قال الجمهور في الموسع. وأما على قول الحنفية فالامتثال إنما هو بالفعل

(1/231)


في آخر الوقت، وما فعل في أوّله فعلى الخلاف بينهم كما سيأتي. ( الشافعي، والمتأخرون: بمجرد طلب الفعل، ولا يدل عليهما ) أي الفور والتراخي ( إلا لقرينة ) والفرق بين التراخي ومجرد الطلب ظاهر، فإن التراخي تعيين للوقت، ومجرد الطلب تخييرا، كما سيأتي [ إن شاء الله ] في الموسع. ( الجويني: للفور شرعا ) لأن الطلب متحقق، والتأخير مشكوك. ورد بمنع الشك، لأن الطلب تخيير كما تقدم بين الفور والتراخي ( وتوقف لغة. الباقلاني: يجب الفور والعزم ) وسيأتي تقريره في الموسع [ إن شاء الله ]. ( وقيل: بالوقف. إما بمعنى: لا يدرى هل وضعه للفور أو للتراخي، أو بمعنى أنه مشترك بينهما ) . وتقريره كما تقدم في المرّة والتكرار. ( والمبادر مُمتثل عند أكثر المتوقفين. وتوقف بعض غلاتهم فيه وفي المؤخّر لاحتمال إرادة الشارع للتقديم أو التأخير ) وذلك هَوَس، لأن المشترك وهو الطلب متحقق، وأنه يتحقق بفرد من أفراد المطلوب حاصل في أي وقت، والتكليف بما لا يعلم ممتنع كما تقدم ( ويأثم من أخر مع ظن الموت اتفاقا ) وإلا لم يتحقق الوجوب إذ لا يحققه إلا الإثم بالترك. وأجيب بأن الوجوب إنما يتحقق بدليله، ولا ملازمة بين الوجوب والفعل ولا بين الإثم والترك لجواز ترك الواجب لعذر، والتوسيع عذر. ولا نسلم أن ظن الموت يُضيّقه و يقطع التخيير لأن الظن المخصوص لا يكون دليلا إلا لدليل كما في الشاهدين
(فصل)

(1/232)


( والمقيد بوقت ) القيود كثيرة للحكم وللمحكوم فيه، كما سيأتيك في فصل المقيد بتأبيد. وكلامنا هنا في تقييد الحكم. فإن كان بوقت ( ينقص عن الفعل ) بمعنى لا يتسع له فإنه ( يمتنع الأمر به ) نحو أن يأمر بصيام أربعين يوما في شهر رمضان ( إلا عند مجوز تكليف ما لا يطاق ) وإن كان مقيدا بوقت يساويه كاليوم للصوم فإنه يتعلق الوجوب بجميعه على سواء، و ) إن كان مقيدا ( بوقت يزيد عليه ) أي يتسع لأكثر من ذلك الفعل فإن هذا ( هو الموسع ) كوقت أداء الصلاة ) المحدود من دلوك الشمس إلى غسق الليل ( واختلف فيه فعند أئمتنا، وجمهور المعتزلة والأشعرية وبعض الفقهاء: يتعلق الوجوب بجميعه على سواء موسعا في أوله ) فأجزاء الوقت كخصال الكفارة، يخير المكلف بينهما حتى لا يبقى إلا ما يتسع للفعل فيتعين وهو معنى قوله: ( مضيقا في آخره. المنصور والملاحمية: ومع التأخير لا يجب العزم على فعله بعينه في أوله. وإنما يجب العزم على الإتيان بكل واجب جملة ) ومنها ذلك الواجب ( أبو طالب والجمهور: يجب ) العزم عليه بعينه ولا يكفي العزم على الواجبات جملة. ( ثم اختلفوا، فعند أبي طالب وأكثرهم ) منهم الباقلاني ( إنه بدل عنه ) ويرد على هذا القول أن ذلك يستلزم تعيين أول الوقت للفعل أو بدله، وهو ينافي التخيير بين أول الوقت وآخره وإنما التخير بين العزم أو الفعل ( وعند أقلهم: ليس ببدل ) وإنما هو تحقيق للامتثال والطاعة، لأنه لازمها. ويرد عليه أن ذلك لازم كل مأمور به فلا وجه لتخصيص بعضها دون بعض. ( جمهور الشافعية: بل بأوله، وخرّجه أبو طالب للهادي عليه السلام ) لأن الموسع كالمطلق، وقد تقدم أنه للفور ( واختلفوا فيما فعل في آخره، فقيل: قضاء، وقيل: أداء، وهو وقت تأدية، لا وجوب ) وفيه تهافت إذ التأدية متعلق الوجوب ( الحنفية، ورواية عن القاسم: بل بآخره ) لأنه تعين للأداء كما تقدم والمخير فيه غر متعين ( ثم اختلفوا فيما فعل في أوله فقيل: نفل يسقط به

(1/233)


الفرض ) كتعجيل الزكاة، قبل الحول، وفيه نظر، لأن الحول شرط للتحتم، لأا سبب للوجوب، بخلاف الوقت، وإلا لصحت الصلاة قبله ( وقيل: واجب معجّل ) وفيه النظر المذكور إذ الفرض أن آخر الوقت هو سبب الوجوب، فكيف يتّصف في أوله بالوجوب ( الكرخي: موقوف على آخره، فإن بلغه المكلف ففرض، وإن لم يبلغه أو سقط تكليفه قبله ) بجنون أو نحوه ( فنفل ) وهذا صحيح في النفل على قياس القول بتعيين آخر الوقت < لا في الفرض لما تقدم من لزوم تقدم المسبب على السبب >. لنا تخصيص أوله أو آخره بالوجوب خلاف الظاهر. وأما حديث الفور كما في المطلق فإنما ثبت في غير المغيّا بغاية لأنها ظاهرة في [ جواز ] التراخي كما في: " لا تقربوهن حتى يطهرن " فإن التحريم ثابت فيما بين طرفي الغاية، فكذلك الوجوب. وكذا حديث التضيّق في الآخر، إنما كان لأنه هو المقدور بعد فوت الأول. والطلب إنما يتعلق بالمقدور. قالوا: الوقت الثاني بدل من الأول مرتب. قلنا: الأبدال المرتبة من المعين والظاهر هنا التخيير فمدّعي خلاف الظاهر يحتاج إلى دليل ولا دليل. الحنفية: لا يأثم بترك الأول فلو كان واجبا لأثم بالترك إذ هو لازم الوجوب. وعورض بمثله في الآخر فإنه لا يأثم بترك الآخر بعد الفعل في الأول فلو كان واجبا في الآخر لأثم بالترك فيه. والتحقيق: أن المخير لا إثم فيه إلا بترك الجميع.
( ومن مات في أثناء الموسع بعد العزم على الفعل لم يأثم بتأخيره. ويأثم في الأصح من أخر لغير عذر مع ظن الموت وإن عزم ) وقد تقدم الرد على مثل ذلك فلا نكرره ( فإن لم يمت ثم فعله في وقته فالمختار وفاقا للجمهور أنه أداء ) لأنه فعل في وقته المقدّر له شرعا خلافا للباقلاني فزعم أن وقته المقدّر ليه ليس إلا ما لم يظن الموت قبله لأنه تعين الوقت المتقدم لبطلان بدله من العزم بظن الموت. والجواب منع التعيين لما حققناه من أن التوسع عذر في الترك، ولا نسلّم التضيق بمجرد الظن كما تقدم.
(فصل)

(1/234)


( أئمتنا والجمهور والقضاء بأمر جديد لا بأمر الأداء لأنه لا يستلزمه ) لأن القضاء كما عرفت لا يكون إلا للمؤقت. ومن قال لغيره:" صُم يوم الجمعة " لم يقتض صيام السبت بمطابقة ولا تضمن ولا التزام. وأجيب بأنه ينبني على أن الوقت قيد للمطلوب ليكون فوت جزئه موجبا لفوته لاستحالة استدراك الزمان الغائب، وهو ممنوع، فإن الوقت قيد للطلب لا للمطلوب. ولهذا جعلوه سببا [ للمطلوب ] والسبب غير المسبب ضرورة. وإذا كان سببا فلا براءة عن المسبب بعد وقوع سببه إلا بفعله، ولا يجب استمرار الأسباب كلها. وأما الغاية في نحو: " إلى غسق الليل " فلبيان أن كلا من أجزاء الوقت المغيا بالغاية سبب يوجب تعلق الوجوب بمن تكلف بعد الدلوك. وقيل: الغسق لا لتقييد المطلوب وإلا لتعارض التقييد بالغاية والأمر بالقضاء فوجب إما ترجيح التقييد وعدم وجوب القضاء أو ترجيح دليل القضاء، واستلزم نسخ التقييد، وأنه مطلوب الخصم [ وربما يقال: إذا كان الوقت قيدا للطلب كان المغيا هو الطلب فينقطع عند غايته وانقطاعه عند غايته مما يمنع تجدد مثله بعد الغاية، وذلك هو معنى كون القضايا بأمر جديد ]. قلنا: لو استلزم القضاء لما كان لتجديد الأمر به فائدة. وأجيب بأن التأكيد لدفع التوهم فائدة جليلة بل هي الغرض منه. قلنا: المطلوب المقيد أخص من المطلق فإن من قال: " أكرم الحيوان الناطق " لم يأمر بإكرام أي حيوان حتى يكون المأمور ممتثلا بإكرام حمار. قالوا: التقييد بالوقت في الصلاة ونحوها للطلب لا للمطلوب كما في " صُم يوم الجمعة " وقد تقدم تحقيقه، ومن أجاب بأن وجوب القضاء بالأمر الأول يبتنى على تمايز أجزاء ماهية المطلوب المركب فقد غفل عن كون الوقت في الصلاة ونحوها سببا للطلب لا جزءا للمطلوب ( خلافا للقاضي ورازي الحنفية والحنابلة وغيرهم ) مستدلين بما تقدم من أن الوقت سبب التكليف لا جزء من المكلف به ولا براءة عن السبب بعد حصول سببه إلا بفعله [وفيه ما تقدم ] (

(1/235)


والأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا به ) وإلا لكان: " مُر عبدك بكذا " تعديا على الغير بالتصرف في عبده. وأجيب بأن التعدي إنما يحصل بعد بلوغ الأمر إلى العبد من غير سيده بغير رضاه، أما إذا كان السيد هو المتولي لتنفيذ الأمر فلا تعدي. فإن أريد من الترجمة نفي المشافهة فمسلم وهي أخص من الأمر، ولهذا يقال: أمرته مشافهة. وانتفاء الأخص لا يوجب انتفاء الأعم. قلنا: لو كان أمرا للعبد لناقضه نهي العبد. وأجيب بمنع بطلان اللازم، فإنه تناقض وأي تناقض. يظهر ذلك فيما لو قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصبيان: " لا تصلوا " بعد أن قال لأوليائهم: مروهم بالصلاة ( وفاقا للجمهور. وسواء كان بلفظ: مُر، أو غيره، من صيغ الأمر ) نحو: قل له يفعل
(فصل)
( والمقيد بالتأبيد يقتضي الدوام ) هذا تفسير للشيء بمثله، لأن الأبد والدوام جنسان يقعان على المدة الطويلة لا على ما لاينقطع وإلا لما جاز نسخه. وقد جوّزه الجمهور كما سيأتي، فالقياس أن يقال: والمقيد بالتأبيد يقتضي التكرار لأن البحث فيه على أن الكلام في إطلاق الأمر وتقييده لا في إطلاق المأمور به وتقييده. والتقييد [ للأمر ] بالتأبيد إطلاق للمأمور به، وتعميم للأمر في كل الأوقات، وذلك ينافي التقييد فغن التقييد تخصيص للأمر ببعض الأزمان أو الأحوال.

(1/236)


وأما قوله: ( وفي جواز نسخه خلاف يأتي ) فحطب ليل، الغرض منه ضم شيء إلى شيء ناسبه أو لم يناسبه. وكذا قوله: ( والمقيد بالعام ) < نحو: كلما جاءك فأكرمه > ( يقتضي التكرار ) على نحو ما عرفناك به في التأبيد مع أن المفيد للتكرار من العام إنما هو: "كلما " فقط. وأما سائر ألفاظ العموم فلا، كيف وقد صرح بعدم اقتضائها ؟ كقول صاحب الأزهار: ولا يقتضي التكرار إلا كلما ( و ) التقييد ( بغيره ) أي بغير العام ( من وصف أو شرط إن لم يكن فيهما التكرار لم يقتضه نحو: ادفع إلى قاتل عمرو درهما ) لأن قتل عمر لا يتكرر، فلا يتكرر دفع الدرهم. وهذا ليس من تقييد الحكم بل من تقييد المحكوم فيه و أعني دفع الدرهم ( واكسه إن قتل زيدا ) هذا من تقييد الحكم أعني إيجاب الكسوة، وإنما لم يتكررا لأن تقييد الكلي بالشخص يفيد تشخيصه بخلاف تقييده بالكلي، فإن تقييد كلي بكلي لا يخرجه عن الكلية، وهو معنى قوله: ( وإن أمكن ) يعني التكرار ( فإن كان ) يعني القيد ( علة ) للحكم ( في المعنى نحو: " الزانية والزاني فاجلدوا " " وإن كنتم جنبا فاطّهروا " وجب التكرار اتفاقا ) لأن التقييد وقع بكلي وهو الزنا، والجنابة فيتكرر الجلد والتطهير بتكرر أفراد الزنا والجنابة، ولا شك أن هذين تقييد للحكم.

(1/237)


وقد اختلفوا لماذا تكرر الحكم ؟ فقيل: ( للأمر عند القائلين أن مطلقه يقتضيه ) أي يقتضي التكرار ( وللعلة عند القائلين أنه لا يقتضيه ) . ومن هنا ذهبنا في العموم إلى أنه إنما يثبت العموم بتعليق الحكم بالوصف الصالح للعلية. وذلك بالعقل لا بالوضع الثابت بمجرد الصيغة. ولهذا إنه ( إن كان غير علة نحو: " أعطه درهما " حال قيامه و " إن دخلت السوق فاشتر لحما " لم يقتض التكرار عند أئمتنا وجمهور القائلين بأن مطلقه لا يقتضيه ) أما في الأول، فلأن التقييد للمحكوم فيه لا للحكم، فهو مطلق. وأما الثاني أعني الشرط فلأن التقييد وإن كان للحكم إلا أن القيد ليس بعلة مناسبة للحكم حتى يتكرر بتكرر المناسب ( خلافا لأقلهم ) فإنهم فرّقوا بين الحكم المطلق وبين المقيد بالشرط بأن التقييد بالشرط حكم بالسببية للجزاء ويمتنع تخلف المسبب عن سببه. وأما غير الشرط فإن ظهرت العلية كما سيأتي في طرق العلة تكرر وإلا فلا. ( و ) من هنا حصلت موافقة أقل القائلين بأن مطلق الأمر لا يقتضي التكرار ( للقائلين إن مطلقه يقتضيه كالإسفرائيني ) فقد ظهر لك من جميع ما تقدم أن الاتفاق على التكرار إنما هو في المقيد بـ " كلما " أو التأبيد، أو بالعلة. والخلاف في البقية من الأوامر مطلقة أو مقيدة بوقت أو غيره. وظهر لك أن القيد إن كان قيدا للفعل المحكوم فيه فالحكم مطلق، وإن كان للحكم فالحكم مقيد. فالمطلق والمقيد صفتا الحكم لا صفتا المحكوم فيه. وهذا الذي وعدناك فيما تقدم بظهوره لك في هذا المقام.
(فصل)

(1/238)


( وإذا أمر بفعل مطلق نحو " بع " ) لا وجه لذكر الإطلاق لأن المقيد بكلي كذلك كما سبق لك ( فالمطلوب كل فرد ) عبارة ليس لصحتها شبهة عند أئمة الأصول لأنهم إنما اختلفوا هل المطلوب ( هو ) الماهية أو فرد منها، وأما أن أحدا قال منهم المطلوب كل فرد بصيغة الاستغراق فلا نعلمه. وإلا لما حصل الامتثال إلا بالجميع من الأفراد ولزم عدم جواز النسخ ( لعدم تناهي الجزئيات وعدم جواز النسخ قبل التمكن إذ لا يمكن من غير المتناهي ) وناقضه قوله: ( على البدل ) لأن معناه أن فردا من الأفراد يجزي عن فرد آخر لا أن فردا يجزي عن مجموع الأفراد ولأن المطلق لا يدل على الاستغراق إنما يدل عليه ألفاظ العموم على خلاف فيها سيأتي، وأيضا الأفراد لا تتناهى. ويمتنع طلب ما لا يتناهى. وكأنه لما رأى صحة التخيير بين الأفراد ظن أنه من الواجب المخير وقد تقدم أن المخيرات كلها واجبة لاستبعاد تعلق الطلب بمبهم، وغفل عن أن الواجب إنما هو فعل المكلف لا ما يتعلق الفعل به من مفعول ونحوه، فالفعل هو المطلوب وهو واحد معيّن لا يتعدد إلا عند من قال إنه للتكرار. وقوله: ( من الأفراد الجزئية ) صفة لفرد فصل بينها وبين موصوفها بالحال أعني قوله: على البدل، لأن معناه أن كل فرد من الأفراد الجزئية مطلوب حال كونه بدلا لصاحبه. وأما قوله: ( المطابقة للماهية ) فمعناه الموجود في كل منها رسم الماهية الكلية، وبهذا يعلم أن ليس المطلوب إلا مطابق الماهية، وأن الجميع من حيث هو جميع ليس مطابقا لها، لأنه مطلوب كم، وهي مطلوب ما. ولهذا يقبح لفظ كل في الحدود. وإنما قلنا: إن المطلوب هو كل فرد ( لإمكان وجوده في الأعيان ) بخلاف الماهية، فإن طلبها لا يصح لأنها لا توجد إلا في الذهن. والطلب إنما يتعلق بتحصيل ما تحصّل في الخارج.

(1/239)


وأجيب بمنع أن المطلوب ما في الخارج لأنه حاصل، وطلب تحصيل الحاصل محال، وإنما المطلوب هو جعل ما في الذهن في الخارج، وما في الذهن ليس إلا الماهية. ولو سلم فالمستحيل وجوده في الخارج إنما هو الماهية بشرط كليتها. وأما لا بشرط كليتها فغير مستحيل.
وأما قوله: ( إلا ما علم خروجه عن القصد بقرينة كالبيع بالغبن الفاحش ) فمبني على أن الخطاب لا يتناول النادر أو المكروه، وهو يخالف ما سيأتي له. ومبني على أن الخطاب لا يتناول إلا الصحيح كما تقدم أيضا ( لا نفس الماهية الكلية المجردة ) عن المشخصات الوجودية ( لاستحالة وجودها في الأعيان. بعض الشافعية: بل هي المطلوبة ) مانعا لاستحالتها، إنما يستحيل وجودها بشرط كليتها، وأما لا بشرط كليتها فموجودة ( فالأمر بها لا بالجزئيات المطابقة لها ) لأن طلب شيء فرع تصوره، والجزئيات إن طلبت بأسرها فهي غير متناهية، ويمتنع طلب ما لا يتناهى، وإن طلب منها بعض معين فلا دليل عليه. وأيضا إنما يتعين الموجود في الخارج، والخارج لا يطلب، لأنه طلب تحصيل الحاصل كما تقدم أو مبهم فهو الماهية لا بشرط كليتها ولا جزئيتها. وأيضا الأمر كالنهي إن كان المطلوب كل جزئيات الكف والانتفاء فغير متناهية ويلزم عدم جواز نسخ النهي أو بعضها لم يكن النهي للدوام والتكرار، أو الماهية فما هو الجواب في النهي فهو الجواب في الأمر.
(فصل)

(1/240)


( أئمتنا والجمهور: والإتيان بالمأمور ) على الوجه الذي أمر به الشارع ( يفيد الإجزاء ) عن الأمر ( إذ هو ) أي الإجزاء ( وقوع الفعل على وجه يخرج عن عهدة الأمر. أبو هاشم والقاضي والحاكم: لا يفيده ) يريدون ليست كلية. أي ليس كل إتيان بالمأمور به يفيد الإجزاء، إذ المصلي باستصحاب الطهارة جاهلا لتغيرها مأمور بالصلاة بذلك الاستصحاب لامتناع أمره بطهارة أخرى لأنه من تكليف الغافل. وإذ قد تحقق أنه مأمور بالصلاة باستصحاب الطهارة فقد أتى بما أمر به وخرج عن عهدة الأمر، ولم يتحقق الإجزاء، وإلا لما أمر بالقضاء عند انكشاف خلل الطهارة التي استصحبها ( إذ ) الإجزاء ( هو وقوع الفعل على وجه يسقط القضاء ) فبين القولين عموم وخصوص مطلق، إذ كل مسقط للقضاء واقع على وجه يخرج عن عهدة الأمر، وليس كل واقع على وجه يخرج عن عهدة الأمر مسقطا للقضاء. وبهذا تعرف أن قول: ( المنصور والحفيد: بل هو مجموعهما ) ليس قولا ثالثا، بل هو مذهب أبي هاشم ومن معه لأنه اعتبار للأخص، ومعتبر الأخص معتبر للأعم، لأنه لازم له ( والخلاف لفظي ) لاتفاقهم على أن المصلي باستصحاب الطهارة خارج عن عهدة الأمر الأول، لأن القضاء ليس بالأمر الأول. وعلى أن القضاء واجب عليه لانكشاف خلل الطهارة بأمر ثان لا بالأول، فاختلافهم إذن إنما هو في مدلول الإجزاء ( وقيل: معنوي. وتظهر فائدته فيمن صلى بظن الطهارة ثم انكشف له الحدث ) بناء على أن أهل التفسير الأول لا يوجبون القضاء لأنه قد حصل الإجزاء، وأهل الثاني يوجبونه لأنه لم يحصل. وهذا وهم فإنهم متفقون على وجوب القضاء كما حققناه. وإنما يختلفون في تعيين ما يجزي عنه الفعل فإن أريد إجزاؤه عما كلف به فالحق الأول، وإن أريد إجزاؤه عن الأكمل في المصلحة فالحق الثاني. والحق أن الفائدة تظهر في العبادة المنهي عنها لوضعها كصلاة المقعِي والمدبح ؟ والحاقب، وفي المكان الغصب، ونحو ذلك فإنها مجزية بمعنى مسقطة للقضاء، وليست

(1/241)


على الوجه الذي أمر به الشارع. وعلى هذا فالتفسير بإسقاط القضاء أعم من وجه ( وإنما يوصف به ) أي بالإجزاء ( ما له وجهان ) فصاعدا أي أحوال بعضها معتبر شرعا وبعضها ليس بمعتبر كما ذكرنا في الصلاة ( لا ) ما ليس له إلا ( وجه واحد كمعرفة الله ( تعالى ) ورد الوديعة ) هذا وهم فإن معرفة الله ( سبحانه ) متفاوتة بتفاوت العارفين ضرورة أن معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مفاوتة لمعرفة العوام، وإن منها ما هو مجزٍ ومنها ما ليس بمجز. وقد صرحوا بأنه يصح معرفة الله ( تعالى ) من وجه دون وجه. وكذا رد الوديعة قد ذكروا له شرطا وأحوالا مختلفة محلها الفروع فما وقع على الوجه الجامع للشروط فهو المجزي. وما اختل فيه شرط فغري مجز. وكأن المصنف ( رحمه الله ) ذهب وَهْلُه إلى أن المذكورَين لا يشترط فيهما النية لأن الغرض منهما لا يختلف وإنما يفتقر إلى النية ما يقع لمقاصد مختلفة.
(فصل)

(1/242)


( أئمتنا والمعتزلة: وليس الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، ولا يتضمنه أي لا يدل عليه بالمطابقة ولا بالتضمن، إذ هما لفظان متغايران ) لا يذهب عنك أن هذه المسألة هي مسألة ما لا يتم الواجب إلا به. والمصنف رحمه الله قد صرح هنالك بأن أئمتنا والجمهور يوجبونه بالأمر الذي وجب به الواجب معللا له بأن الأمر بالشيء أمر بمقدماته. وإنما رددنا كلامه هنالك إلى دعوى أنه يستلزمه ليطابق قوله هنا ( والمختار وفاقا لبعض المعتزلة أنه يستلزمه ) لئلا يناقض ما تقدم، ولا يقال: إن الكلام هناك في الأمر بالمقدمات، وهنا في النهي عن الموانع لأنا نقول: عدم المانع وإن لم يكن جزءا من المقتضي بالكسر فهو جزء من المقتضَى بالفتح مقدور. وتحقيقه أن الكفّ عن الفعل المأمور به ضد للفعل ومانع منه فلا يتم الفعل إلا بإزالة هذا المانع وإزالته إنما تحصل بالكفّ عنه فيكون الكف عن هذا الكف مقدمة للفعل مطلوبة لا يتم إلا بها والكف المطلوب لا يكون إلا مطلوب نهي في الأغلب. وإن جاز طلبه بأمر من لفظه نحو: "اكفف " وهذا هو المطلوب من أن الأمر بالفعل مستلزم للنهي عن ضده الذي هو الكف عنه. وإن شئنا قلنا: مستلزم للأمر بالكف عن الكف [ عنه ] لأنه مقدمة لا يتم الواجب إلا بها ( خلافا للإمام وغيره ) فذهبوا إلى أن ذلك لازم عقلي غير بين أيضا والنزاع في نهي لغوي شرعي وليس ذلك منهما في شيء وإلا لزم تصور الكف عن الكف. وقد تقدم أن دلالة الالتزام عقلية اتفاقا، وإن سميت وضعية باعتبار أنه لولا وضع اللفظ للملزوم لما دل على اللازم كما تقدم.
( وعن بعض المعتزلة أن أمر الوجوب يستلزمه دون أمر الندب ) إما لأن النهي مستلزم القبح والقبح إنما هو في ترك الواجب لا في ترك المندوب، وإما لأن المندوب ليس مأمورا به كما تقدم. وإذا لم يكن مأمورا به لم يكن ضده منهيا عنه لأن غايته أن يكون تركه مكروها. وقد تقدم أن المكروه ليس بمنهي عنه.

(1/243)


( واختلف الأشاعرة، فقال الغزالي والجويني وابن الحاجب وغيرهم: ليس عينه ولا يتضمنه ) لمثل ما قلنا به ( ولا يستلزمه ) يريدون استلزاما لغويا أو شرعيا، كما قالوه فيما لا يتم الواجب إلا به، مستدلين بما استدل به الإمام وغيره، وبدليل آخر وهو أنه لو كان نهيا عن الضد لوجب تعقل الضد ضرورة تعقل المنهي عنه، واللازم باطل للقطع بأن أحدنا يأمر بشيء ولا يتعقل ضده. واعترض عليه بمنع بطلان اللازم مسندا بأن الآمر إنما يأمر المأمور حين هو متلبس بضد ما أمر به وإلا لكان طالبا لتحصيل الحاصل، فكيف لا يتصور ما هو مشاهد له من الضد. وأجيب بأنه قد يؤمر من هو متلبس بالمأمور به، فكيف يلزم تصور الضد. ورد بأن أمر المتلبس بالمأمور به لإرادة الاستمرار فيه وإنما يؤمر خوف الترك وقطع ما هو متلبس به، وذلك مستلزم تصور الضد ضرورة وإن لم يكن واقعا فإنه لا يلزم من تصور شيء وقوعه. وحينئذ سلّم ابن الحاجب وشراح كلامه أن الأمر بالشيء نهي عن تركه الذي هو الكف عنه. وإنما ادعوا أن النهي عن ذلك واضح لا معنى للاحتجاج عليه إنما الضد المتنازع في النهي عنه هو شيء من الأفعال التي تضاد المأمور به ولا ينفعهم ذلك لأن النهي عن الكف عن المأمور به ( إذا ) كان واضحا وجب وضوح متعلقه، وهو الكف الذي لا يحصل إلا في ضمن أحد أضداد المأمور به ضرورة، ووضوح اللازم ولزومه ولزومه مستلزم لوضوح الملزوم الذي هو أحد الأضداد.

(1/244)


( الباقلاني: بل هو عين النهي عن ضده ) وإلا لكان مثله أو ضده أو خلافه لأن التغاير إنما يكون بأحد الثلاثة، لكن الضدان والمثلان لا يجتمعان، والأمر بشيء والنهي عن ضده يجتمعان ضرورة، والخلافان يجوز اجتماع كل منهما مع ضد الآخر، ومع خلافه كما يجتمع السواد الذي هو خلاف الحلاوة مع الحموضة التي هي ضدها ومع الرائحة التي هي خلافها ولا كذلك ما نحن فيه، فإنه لا يجتمع الأمر بشيء مع ضد النهي عن ضده وهو الأمر بضده لأن من جمع بين الأمر بشيء والأمر بضده فقد ناقض كلامه [ ولا مع خلافه لأن خلاف الأمر بالقيام مثلا هو الأمر بالضرب والأمر والأمر بالقعود خلاف الأمر بالضرب، ولا يجتمع الأمر بالقيام مع خلاف الأمر بالضرب الذي هو الأمر بالقعود ]. وأجيب بأن قضية اجتماع كل واحد من الخلافين مع ضد الآخر ومع خلافه ليست بكلية، لجواز كون الخلافين متلازمين فيستحيل اجتماع ضد أحدهما مع الملازم له لأنه يستلزم اجتماعه هو مع ضد نفسه وأنه محال أو يكون ضد أحد الخلافين أيضا ضدا للآخر كالعلم ضد الشك ولضده وهو الظن فلا يجب اجتماعه مع ضد ضده. واستدل الباقلاني أيضا بأن الأمر بالسكون نفس ترك الحركة لأن البقاء في الحيز هو بعينه عدم الانتقال إلى الحيز الثاني الذي هو الحركة. وإنما يختلف التعبير، كعندي له تسعة أو عشرة إلا واحدا. وأجيب بأن اكفف عن الضرب، ولا تضرب، معناهما واحد مع أن أحدهما أمر والآخر نهي. فإن أردت أن الأمر عين النهي كما في هذا، أي أن محصول أحدهما هو محصول الآخر، رجع النزاع لفظيا في تسمية اكفف عن الضرب نهيا، وتسمية لا تضرب أمرا وكذا في اسكن ولا تتحرك. والظاهر أن التسمية لا تصح بنقل عن العرب.

(1/245)


واعلم ؛ أن الباقلاني لا يريد بالأمر والنهي الصيغتين اللفظيتين لظهور اختلافهما، وإنما يريد بهما النفسيتين، وهما في النفس طلب شيء واحد حتى أن الاستفهام في قوة:" أخبرني، ولا تكتمني " لما تقدم في كلام الكلابية من أن اختلاف الكلام إنما هو بحسب العوارض المشخّصة من المتعلقات والعبارات ( ثم قال آخرا بتضمنه ) لما عرفت من أن معناه الحقيقي الوجوب أو الندب أو الإباحة و وكل منها قد أخذ تركه في رسمه فقيل: الواجب: ما يُثاب بفعله ويُذم بتركه. إلى آخرها. وهذا معنى التضمن لأن الترك وقع فصلا للحد. وأجيب بأن ذلك إنما يلزم لو كانت تلك الرسوم مدلولات لغوية ليكون الذم على الترك من ذات مفهومه، أما من جعل ثبوت الذم بالترك بالشرع فقط أو جعل الأمر لمجرد الطلب فلا. وقد تقدم ما في تلك الرسوم من الدور ( واختاره الآمدي ) لأن النزاع ليس في الأمر لغة، إنما النزاع في الأمر شرعا وطلب الترك جزء مفهومه شرعا. ( وقال الرازي: يستلزمه ) كما قلنا ( ولم يفرقوا بين أمر الوجوب والندب. أئمتنا والمعتزلة: وكذا ليس الآمر بالشيء ناهيا عن ضده ) لما عرفت من أن الاشتقاق إنما هو من المصدر فحيث لا يكون الأمر نهيا لا يكون الآمر ناهيا ( خلافا للباقلاني ) فزعم أن الخلاف في كون الأمر نهيا إنما كان لتغاير الصيغتين الذي أوهم التباين و وأما الفاعل فهو واحد. وقد اعترف الأكثر بأن الأمر يتضمن النهي أو يستلزمه. والكلام النافي للتضمن والاستلزام إلى الاعتراف بأن النهي عن الكف واضح لا نزاع فيه كما تقدم فقد اجتمعت الأقوال في أن الأمر بالشيء نهي عن ضده أما بالمطابقة أو بالتضمن أو بالالتزام والكل يستلزم أن يكون الآمر ناهيا لأنه لا يشترط في وصفه بالناهي أن ينهى بالمطابقة بل يكفي الالتزام كما في الكناية والمجاز، وإلا لما صح أن ينسب الإيجاب والتحريم بهما إلى الله تعالى. وبعد هذا ( تعرف ) أن قول المصنف: ( ودعواه للاتفاق في الفاعل باطلة ) باطل لأنه

(1/246)


نسبة لما صح بالدليل إلى البطلان.
(فصل)
( والأمران غير المتعاقبين ) يعني غير الواقعين في آن واحد < بل في آنين > وإلا فالتعاقب من لوازم الموجودات في الزمان سواء ( اختلفا ) ذاتا وصفة نحو: الأمر بصلاتين في زمانين فإنهما ( غيران ) لأن المغايرة كما تكون بالاختلاف والتضاد تكون بالتماثل كما عرفت لأن المراد بالماثل الاتحاد في الذات والاختلاف في المشخصات، والمراد بالغيرية غيرية المطلوب لا غيرية الطلب كما هو ظاهر عبارته فإن غيرية الطلبين ضرورية، سواء تغاير المطلوب أم لم يتغاير. وغيرية المطلوب إنما تكون في غير المتماثلين، وفيهما على تقدير التنكير. أما لو قال بالأمس: صل ركعتين، ثم قال: غدا صل الركعتين، فالأمر فيهما ما سيأتي في المتعاقبين قطعا، لأن التعريف يرجع إلى المعهود. ( والمتعاقبان ) أي الواقعان في آن واحد ( المختلفان ) ذاتا فقط، نحو: الصلاة والصيام سواء كانا ( مع العطف ) نحو: صل ّ، وصم، وعدمه، نحو: صل، صم، ( وإمكان الجمع ) بينهما كالصلاة والصيام ( واستحالته عقلا ) نحو: صم يوما، أو افطر فيه ( أو شرعا ) نحو: صل وتكلم في الصلاة، كذلك أي غيران يجري عليهما أحكام الغيرين في الطلب، وعدمه لكنه يمتنع الجمع في المستحيل ينبغي أن يراد المستحيل عقلا لا شرعا، لأنه لو ورد الأمر بالجمع بين الصلاة والكلام فيها لكان نسخا لتحريم الكلام فيها إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق. والمتعاقبان في آن واحد المتماثلان إن كانا مع عدم العطف ولم يقبل الأول التكرار عقلا نحو: اقتل زيدا، اقتل زيدا. أو شرعا، نحو: حج عن فرضك، حج عن فرضك. ( فالثاني تأكيد، سواء كانا عامين ) إن أراد عموم نفس الطلب فقد علمت أنه فعل أمر ولا عموم له، وإنما هو مطلق، وكذا لو أراد عموم المطلق بمعنى وجود الماهية في أفراد لم يستقم قوله: ( أو خاصين أو الأول عاما والثاني خاصا، أو عكسه ) لأن الخاص لا يوجد إلا بالعام. والعام لا يوجد إلا في ضمن

(1/247)


الخاص. وكذا لو أراد عموم متعلق الطلب، وخصوصه بأي التفسيرين للعموم والخصوص أيضا كما لو قيل: اقتل زيدا الكافر، اقتل كافرا. في عموم الماهية، أو اقتل كافرا، اقتل كل كافر، في عموم اللفظ، لم يستقم القول بكون الثاني تأكيدا ف المختلفين عموما وخصوصا، كما في المثالين. نعم يصح التأكيد في المتفقين عموما معنويا، نحو: اقتل كافرا اقتل كافرا، أو لفظيا نحو: اقتل كل كافر، اقتل كل كافر، أو خصوصا نحو: اقتل زيدا اقتل زيدا. ( وإن قيل: الأول التكرار ) كما لو بدّل القتل بالضرب في الأمثلة ( فالثاني تأسيس ) أي يكون المطلوب به غير المطلوب بالأمر الأول ( عند الموسوي، والإمام، والقاضيين، الحاكم، والرازي ) إما في المختلفين عموما وخصوصا، فظاهر، وإما في المتفقين فلأن التأكيد وإن كان محتملا، فالتأسيس أرجح من التأكيد لمزيد الفائدة لا سيما في مقام لا يفتقر إلى التأكيد صونا لكلام الحكيم عن شبه الإهمال ( إلا لمانع من عادة ) نحو: اسقني ماء اسقني ماء، لجري العادة بالاكتفاء في الساعة الواحدة بشرب مرة. ( أو تعريف ) نحو: صل ركعتين صل الركعتين، لأن اللام تصير حينئذ للعهد ( لا للجنس ) أو ظهر تراخ ٍمن المأمور لتوهم سهو أو تجوّز أو نحو ذلك، فإن الثاني يكون تأكيدا ( وتأكيد عند المنصور والشيخ وابن زيد ) لأنه الغالب في المتكرر. والفرد المجهول يحمل على الأعم الأغلب مع كون الأصل براءة الذمة عن غير الغالب. ورد بأن الغلبة إنما تكون في غير المختلفين بالعموم والخصوص لا في المختلفين بهما. ( وتوقف أبو الحسين، وابن الملاحمي ) لتعارض فائدة التأسيس و وعلية التأكيد، فوجب الوقف. والحق أن ثبوت الفائدة فرع تحقق التأسيس، فإتيانه بها دور، والقياس التفصيل الآتي مع العطف ( وإن كانا مع العطف ولم يقبل الأول التكرار عقلا أو شرعا وهما عامان أو خاصان ) والأمثلة قد تقدمت، وإنما يحتاج هنا إلى زيادة حرف العطف ( فالثاني تأكيد ) وإن كان حرف العطف

(1/248)


يقتضي المغايرة فقد منعها المانع العقلي أو الشرعي < ( ابن زيد، وغيره > وكذا إذا كان الأول عاما والثاني خاصا أو عكسه. الإمام، والقاضي، والشيخ: بل تأسيس ) إذ الاختلاف بالعموم والخصوص يرفع التماثل المفروض، فإن مجموع الاثنين ليس مثلا للواحد. وكذا ضرباهما ليس مثلا لضرب واحد. وقد أشرنا فيما تقدم إلى عدم استقامة القول بالتأكيد في مثل ذلك ( وتوقف أبو الحسين والرازي ) لجواز أن يراد بالعموم الخصوص أو بالخصوص العموم. ورد بأن التجويز لا يدفع الظهور وإلا للزم امتناع العمل بالظواهر لحصول التجويز في جميعها ( وإن قيل: الأول التكرار ) كما لو بدّل القتل بالضرب مع الواو أيضا في الأمثلة السابقة ( فالثاني تأسيس ) لوجود المقتضى للتغاير، وهو العطف وانتفاء المانع من قبول التكرار ( إلا لمانع ) يمنع المقتضى عن مقتضاه ( من عادة أو تعريف كما تقدم تمثيله ( خلافا للرازي في التعريف ) محتجا بأن اللام لا تتعين للعهد إلا بقرينة. وتقدم ذكر الركعتين لا يوجب مصيرها للعهد إذ العهد إنما يكون لخارجي، والأول إنشاء لا خارج له، إلا بعد فعله، ولا يصح طلبه بعد ذلك ( وتوقف فيه أبو الحسين ) لتعارض الجنس والعهد في اللام، فإن العهد كما يكون للخارج في الطبيعة يكون للخارج في اللفظ.
(باب النهي)
(فصل)

(1/249)


( هو قول إنشائي دال على المنع من الفعل حتما على جهة الاستعلاء ) . فعلى هذا ما دل على الكراهة فقط لا يكون نهيا فلا يكون المكروه منهيا عنه إلا أن الرسم ينتقض بالاستفهام الإنكاري نحو: " أفغير دين الله تبغون ". ثم إن الدلالة أعم من المطابقية والالتزامية. وقد تقدم أن الأمر دال بالالتزام على المنع من ضد المأمور به فهو غير مطّرد. ثم الأصولي من حيث هو أصولي بصدد ما يدل على طلب فعل أو تركه أعم من كونه إنشائيا أو غيره، فهو غير منعكس لخروج مثل: نهيتك، وما يؤدي من الخبر طلب ترك فعل، فلو قال: ( والصيغة ) التي تخص النهي: دخول لا الجازمة على المضارع [ لطلب تركه حتما على جهة الاستعلاء ] لكان أولى لأنه بصدد حد الصيغة لا حد النهي، كما أنه لم يحُدّ الأمر فيما تقدم، وإنما حد الصيغة المختصة به بدليل قوله: ( وله حرف واحد، وهو لا الجازمة، نحو لا تفعل بالتاء للمخاطب، والياء للغائب ) ولم تكن للمتكلم. قيل: لأن الناهي يجب أن يكون غر المنهي. وفيه أن النهي كالأمر، وقد صرحوا بصحة أمر المتكلم نفسه باللام نحو: لِأَضربْ، فالقياس التعليل بعدم السماع في النهي ( وتستعمل صيغته ) يريد حرفه أو تركيبه، لأن الصيغة اصطلاحا، هيئة الكلمة لا هيئة المركّب من الحرف ومدخوله ( في معان، وهي: التحريم، والكراهة، والتهديد، والتحقير ) يريد: الإهانة، نحو: " اخسئوا فيها ولا تكلمون ". وأما قوله: ( وبيان العاقبة ) فإنما يكون ذلك من مدلولات لام التعليل نحو: " لدوا للموت ". وأما نحو: لا تدخل النار بفعلك هذا، فمثل: لا تمت وأنت ظالم. ( والدعاء، اليأس، والإرشاد ) وغير ذلك من المقاصد التي قدّمنا لك الكلام عليها في الأمر فلا نكرره ( وهي ) أي الصيغة ( مجاز فيما عدا الأولين ) التحريم، والكراهة اتفاقا بين المختلفين في صيغة الأمر. ( واختلف فيهما، فأئمتنا، والجمهور: حقيقة في الحضر. وقيل: في الكراهة. وقيل مشتركة. وقيل: متواطئة فيهما، فهي

(1/250)


للقدر المشترك بينهما، وهو طلب الكف. وقيل: بالوقف بمعنى: لا ندري لأي معنى وضعت، فالخلاف كما تقدم في الأمر ) يريد الخلاف في صيغته لا في لفظه، أعني: " ن هـ ي " فالاتفاق هنا قائم على أنه حقيقة في الصيغة اللفظية أو النفسية لا في غيرها، وسيأتي ذلك في الفروق بينهما ( وإذا اقترن به وعيد، فللحضر اتفاقا، ويحمل إذا تجرد عن القرينة على حقيقته عند كل ) من المختلفين في حقيقته.
(فصل)
( وهو مطلق، ومقيد ) قد عرفناك معنى الإطلاق والتقييد في الأمر، فلا نكرره ( ويقتضيان القبح ) في المنهي عنه ( والفور ) في تركه ( اتفاقا ) . أما الفور فسيأتي من يقول بأنهما للمرة، ولم يقيدها بالفور، وهي تتحقق في الفور والتراخي إلا أن الظاهر كراهة المنهي عنه حال النهي أو حال وقوع قيده فيكون المطلوب الترك في تلك الحال بخلاف الأمر فإن الغرض يختلف بالفور والتراخي لأن النهي لإزالة المفسدة، والمفسدة لا يغتفر وقوعها بخلاف الأمر فهو لطلب مصلحة ( والمصالح ) قد يغتفر فوتها. ولهذا وجب عقلا دفع المفسدة و ولم يجب عقلا طلب المصلحة. وأما القبح فإن أراد اقتضاء الصيغة لقبح المنهي عنه فقد عرفت أن البعض قائل بأنها للكراهة. والمكروه عند الجمهور من جنس الحسن لا من جنس القبيح. وإن أراد أن مدلول الرسم يقتضي القبح فمسلم ولكن يلزم الفرق في استلزام الأمر بشيء للنهي عن ضده بين أمر الوجوب وأمر الندب، وفي استلزام النهي عن شيء للأمر بضده بين نهي الحضر ونهي الكراهة، كما هو مذهب البعض المقدم ذكره.

(1/251)


( فالمطلق لدوام الانتهاء لغة، وشرعا، عند أئمتنا والجمهور إلا لقرينة، ولذلك قيل: النفي المطلق يعم، بخلاف الوجود المطلق ) إن أراد ما ذكره أئمة المعاني من أن استمرار العدم لا يفتقر إلى سبب، بخلاف استمرار الوجود، فلا دليل له في ذلك، لأنهم إنما علّلوه بأن الأصل استمرار الانتفاء، وذلك إنما يثبت بدليل هو الاستصحاب، لا بالوضع الذي هو محل النزاع. ثم النزاع إنما هو في الصيغة، وهي وجود غير مستمر قطعا. وإن أراد ما ذكره أئمة الأصول من أن الفعل المنفي نحو: لا آكل، ولا أشرب، يقتضي العموم، إما في الحدث أو في متعلقه فسيأتي ما في ذلك من النزاع. والمتنازع لا يصلح حجة لإثبات مختلف فيه. ( وقيل: للانتهاء مرة لا للدوام إلا لقرينة ) لأن النهي لدفع مفسدة في الفعل. والمفاسد كالمصالح مختلف باختلاف الأزمان والأحوال والأشخاص، وإلا لما جاز نسخ المناهي، ولا تبديل الشرائع فيها.
( السكاكي: إن كان لقطع الواقع كقولنا للمتحرك: لا تتحرك، فللمرة. وإن كان لاتصاله، كقولنا للمتحرك: لا تسكن، فللدوام ) . وحاصل هذا هو القول بالمرة، لأن الدوام إنما فهم من قرينة طلب الدوام، وقد تقدم مثله في الأمر.
( والمقيد بوصف نحو: العالم لا تُهنه، أو شرط نحو: إن كان فاسقا فلا تكرمه، للدوام عند أئمتنا والجمهور كالمطلق ) المثال الأول قد عرفت أنه ليس من تقييد الحكم بل من تقييد المحكوم فيه. ثم الدوام فيه وفي الثاني من تعليق الحكم على علّة هي العلم والفسق. وقد تقدم أنه لا نزاع في مثل ذلك. ( أبو عبد الله والحاكم: للانتهاء مرة إلا لقرينة ) الظاهر أنهما يريدان في غير ما علق على علة.
(فصل)

(1/252)


( أئمتنا والجمهور: ويقتضي الحضر بعد الوجوب ) ونقل الاستاذ الاسفرائيني الإجماع على ذلك إلا لقرينة لمثل ما تقدم في الأمر بعد النهي ( وقيل: بل للإباحة ) لأن تحتم الفعل بالأمر قيد زائد على الفعل والنهي والنفي ونحوهما، إنما يتوجه إلى القيد في الأغلب كما علم فيكون النهي لرفع الوجوب وهو معنى الإباحة ( وقيل: بل الكراهة ) بقاء على أصل موضوعه عند من قال إنه للكراهة وعلى أقرب المجازات عند من قال: إنه للحضر، وتوقف الجويني.
(فصل)

(1/253)


( والنهي عن الشيء المقتضي للحضر ) احترز به عن مقتضي الكراهة فإنه لا يكون للعين، ولا حاجة إلى هذا القيد، لأن النهي لا يكون إلا للحضر كما عرفت في رسمه وأقسامه ثلاثة ( إما لعينه ) عين الشيء ذاته التي هي هويته. وقد عرفت أن الفعل إنما ينهى عنه لقبحه، فمن علل القبح بالعين كالبراهمة وبعض المعتزلة، فذلك ظاهر على أصله. وإنما يشكل عليه أن ذوات الأفعال أعني الأكوان متماثلة لا تتمايز إلا بالأسماء والمتعلقات التي تتعلق بها كالعلوم، فلو كان القبح للذات لقبحت الأكوان كلها لأن الإضافات والأسماء ليست من ذواتها. ومن لم يعلل القبح بالعين بل بالوجوه والاعتبارات كما هو مذهب الجبائية وهو الحق. ومختار المحققين من أئمتنا وغيرهم، وإليه أيضا يرجع مذهب الأشعرية فالتعليل بالعين مشكل على أصله. وإنما قلنا برجوع كلام الأشعرية إلى قول الجبائية مع ظهور خلافه بين الناس بحيث يعد ناقله كاذبا أو جاهلا لأن الأشعرية لم تنف علّة القبح في الواقع، وإنما نفت وجوب إحاطة العبد بكل علة لكل حكم من أحكام الله [ تعالى ] كما أوجبته المعتزلة. ولماّ تمادى الجدال بينهم في ذلك نفوا الحكمة رأسا مسندين ذلك إلى أنها عرض والأعراض لا تجوز على الله [ تعالى ] قطعا لذريعة التعرّض للإحاطة بحكم الله [ سبحانه] كما طوّل في ذلك صاحب إيثار الحق على الخلق. وبيّن اجتماع كلمة الأشعري والمعتزلي على إثبات الحكمة التي هي العلة. وعليها مدار الأصل الأعظم في الأصول وهو القياس. ( وهو ) أي ما نهي عنه لعينه ( ما نهي فيه عن الجنس كلّه ) سواء أريد بالجنس ما هو معناه عند الأصوليين أو المناطقة ( لأنه منشأ مفسدة كالظلم ) لما يستلزمه من هيج الفتن والإحن وهلاك النفوس والأموال، وغير ذلك من المفاسد الحائلة بين العباد وبين ما هم بصدده من الإقبال على الجناب الأقدس. إلا أن تعليل المصنف بأنه منشأ مفسدة صريح في أن العلة اجتناب تلك المفاسد الخارجة عن عينه. وبه يظهر

(1/254)


أن المنهي عنه هو الذات، وأن العلة غيرها ( أو لوصفه وهو ما نهي فيه عن بعض الجنس لوصفٍ ) ملفوظ أو مقدر ( يلازمه ) أي يلازم ذلك البعض فقط دون باقي الجنس كالنهي عن صوم العيد، فالمراد بالوصف على هذا قيد المنهي عنه المذكور كالعيد المضاف إليه الصوم المنهي عنه < أو المقدّر كما يقال للحائض: لا تصلي فإن التقدير: ما دامت حائضة. ومثل هذه القضية يسميها أرباب المعقول العرفية لأخذ القيد من العرف، لا أن المراد بالوصف الوصف العنواني للفعل المنهي عنه لوجوده في كل الجنس، وهو المعبر عنه بالعين في المنهي عنه لعينه إلا أن تفسير الوصف بما ذكرنا يسقط القسم الثالث، أعني النهي لأمر خارج لأن منشأ المفسدة التي هي علة النهي إن كان هو الوصف العنواني فالنهي للعين، وإن كان هو الوصف التقييدي ظاهرا أو مقدرا فهو النهي للوصف ولا غيرهما وهو الحق > لما عرفت من الإشكالين الواردين على من أراد بالعين نفس الكون. وأما تمثيل المصنف بقوله: ( كالصلاة في المنزل الغصب ) فوهم تبع فيه غيره، ولو كانت منهيا عنها لما اختلف القائلون بفساد المنهي عنه لوصفه في فسادها كما لم يختلفوا في فساد صوم العيد، وعدم إجزائه عن شيء من الصوم المأمور به ( وبيع الغرر ) فإنه منهي عنه لوصفه التقييدي أعني الغرر، لأن المضاف إليه قيد للمضاف، كما علمت ( أو لغيرهما، وهو ما نهى عنه لأمر خارج عنهما ) أي عن الذات وعن الوصف ( يقارن تارة، ويفارق أخرى كالبيع وقت نداء الجمعة ) هذا من النهي للوصف التقييدي إذ ليس المراد بالوصف هو التابع ولا المشتق بل القيد كائنا ما كان < مفعولا به أو فيه أو معه أو لأجله أو حالا أو شرطا أو نعتا أو تأكيدا شموليا أو غير ذلك مما يوجب تقييد النهي أو المنهي عنه لأن المفسدة التي وقع النهي لأجلها منشؤها القيد لا المقيد > ( ويدل النهي في الأول ) وهو ما نهي عنه لعينه ( وعلى القبح مؤكدا ) ذلك النهي لحكم العقل إذا ورد النهي الشرعي ( في )

(1/255)


القبائح ( العقليات و ) النهي أيضا يدل ( عليه ) أي على القبح ( وعلى الفساد ) إذا ورد النهي ( في الشرعيات ) ( هذا وهم ) لأن الفساد عدم الإجزاء عن الأمر وما نهي عنه لعينه لا يكون مأمورا به البتة ( وقالت الأشعرية: الخلاف فيه ) أي في اقتضائه الفساد في الشرعيات ( كالثاني ) من المناهي الثلاثة لأنهم لا يعللون الحسن والقبح إلا بالشرع ويجوّزون كون الظلم مأمورا به، فلو فرض أمر الشارع به ثم نهي عنه لاقتضى ذلك النهي فساد فعل المأمور به إلا أنه يشكل بأن النهي حينئذ نسخ للأمر بالجنس كله، ولا معنى لفساد المنسوخ، وبالجملة فإشكالات القول بأن النهي يكون للعين لا تنحصر لنا على الفساد، أن الذات إذا كانت منشأ مفسدة لم يصح أن تكون منشأ مصلحة وإلا لزم حصول النقيضين بعلة واحدة، وأنه محال بخلاف النهي للوصف فإنه يجوز أن تكون الذات أو بعض ( أو صافها ) علة لمصلحة، وبعضها علة لمفسدة كما في الصلاة في المنزل الغصب ( ذاتها ) منشأ مصلحة، وكونها غصبا منشأ مفسدة.
(فصل)

(1/256)


( ولا بدل في الثاني ) وهو ما نهي عن بعض الجنس لوصف يلازمه ( على الفساد لا لغة ولا شرعا لا في العبادات ولا في غيرها عند أبي حنيفة ومحمد والشيخين وأبي عبد الله والكرخي والقاضي والحاكم والقفّال وبعض الأشعرية، وحيث يفسد المنهي عنه فبدليل غيره ) نحو: " فنكاحها باطل، باطل " لأن معنى ( فساد العبادة ) عدم ترتب الإجزاء والانتفاع على المأمور به منهما. ولا دلالة للنهي على [ عدم ] الأمرين بمطابقة ولا تضمن ولا التزام. أما الإجزاء فلأن الصلاة في الدار المغصوبة مثلا قد استجمعت أركانها وشروطها. والفساد إنما يكون بفوات ركن أو شرط. وعدم الغصب ليس بشرط حتى تثبت شرطيته بدليل، والنهي لا يصلح بمجرده دليلا على الشرطية، وإلا < لم تصح صلاة من عاص حالها. ولا يقال: الشرط إنما هو عدم العصيان بالفعل المأمور به فلا يلزم ما ذكرتم في العاصي بغيره، لأنا نقول: قد تقدم أن ما به العصيان غير ما به الطاعة، فإن العصيان بالغصب والطاعة بالصلاة كما تقدم > وأما الانتفاع فأوضح.

(1/257)


( واختلفوا، هل يدل على صحة المنهي عنه شرعا ) حيث يتوجّه النهي إلى ما أمر الشارع بجنسه قبل النهي عن بعضه لوصفه نحو: " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " حتى لو صلى السكران مستكملا لأركان الصالة وشروطها صحت صلاته بعد النهي كما كانت صحيحة ( قبل النهي أو لا ) تقييد المصنف بهذا القيد إخراج للمسألة عن محل النزاع لأن المتنازع هو الصحة بعد النهي، ولكنه لماّ استبعد هذا القول بحيث يكاد بطلانه يُعد من البديهيات، ظن أن ذلك القيد تأويل يقرّبه إلى المعقول، ولا نزاع في الصحة قبل النهي، إنما النزاع في الصحة بعده ( فعن أبي حنيفة ومحمد: يدل ) النهي ( عليها ) لأن المنهي عنه إذا لم تقم قرينة على أن المراد به غير الشرعي كان هو ما وضع له اللفظ شرعا، لأن اللفظ في أمر الشارع ونهيه وخبره يحمل على اصطلاحه فيه وليس اصطلاحه. إلا الصحيح، كما تقدم للمصنف. والنهي إنما يدل على طلب ترك ذلك الصحيح، وغاية ما يلزم من النهي دلالته على مفسدة ناشئة عن الوصف، وهي لا تنافي الصحة الناشئة عن استكمال شروط المشروع وأركانه < حتى صرح أبو حنيفة بأن النهي إنما يتوجّه إلى القيد لا إلى المقيد، فحكم بصحة عقد الربا إذا طرحت الزيادة، لأنها المنهي عنها لا نفس العقد المشتمل عليها > ورد بمنع أن المنهي عنه هو الصحيح مسندا بأن الصحيح مأمور به، وكل مأمور به غير منهي عنه [ وشرط الشرعي ليس من مفهومه ] وإلا لزم كون الشرط جزءا من المشروط، وهو باطل اتفاقا. وأجيب بمنع الكبرى مسندا بجواز النهي عن الواجب الصحيح لمانع منه، والمانع لا يقتضي الفساد لما عرفت من أن عدم المانع ليس جزءا من المقتضى. وأما إلزام كون الشرط جزءا من المشروط فملتزم في شرط المحكوم فيه، ودعوى الاتفاق على بطلانه باطلة، لأن قيد المطلق جزء من ماهيته كالفصل والخاصة مع الجنس. قلنا: النهي يكشف عن فوات شرط. قالوا: إن علم فوات الشرط، كما في: " دعي الصلاة أيام أقرائك " فالفساد لفوات

(1/258)


الشرط، وهو الطهارة. ولا نزاع فيه، وكذا ( إن ) لم يكن المنهي عنه معنى شرعيا كما في: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " فليس من محل النزاع، لأن النكاح باق على معناه اللغوي، وهو الوطء. والصحة والفساد من أوصاف المسميات الشرعية.
وبعد هذا، تعلم خبط المختصر وشرحه وغيرهما في تقرير هذا القول والرد عليه وله. ( وعن غيرهما: لا يدل عليها كما لا يدل على الفساد. أبو طالب، والمنصور، وأكثر الفقهاء، وبعض المتكلمين، والظاهرية: بل يدل على الفساد في العبادات وغيرها. ثم اختلفوا، فأقلهم، شرعا، وأكثرهم لغة. وحيث لا يفسد المنهي عنه ) كما في طلاق البدعة ( فلدليل ) قالوا: لم تزل العلماء تستدل به على الفساد. ورد بأنه ليس بإجماع، وإلا لما وقع فيه خلاف بعد الإجماع عادة. قالوا: لو لم يفسد لزم من نفيه حكمة للنفي، ومن ثبوته حكمة للصحة، فمع تساوي الحكمتين ومرجوحية حكمة النهي يمتنع النهي لخلوه عن الحكمة بتساقط الحكمتين المستويتين وسقوط المرجوحة بالراجحة أيضا، ومع رجحان حكمته تمتنع الصحة، وهو المطلوب. ورد بأن الصحة ترتب ثمرة الفعل الشرعي عليه. وذلك ثابت بحكم البراءة الأصلية عن المانع. وأما قبح الفعل الذي دل عليه النهي فلا يصلح مانعا لجواز اجتماع الحسن والقبح باعتبارين، كما علمت في الصلاة في المنزل الغصب.
وإنما يثبت الفساد بدليل منفصل، من نص عليه نحو: " فنكاحها باطل باطل " أو تحقق فوات شرط قد ثبتت شرطيته بدليل أو بنفي للفعل يتعين فيه نفي الصحة نحو: " لا طلاق في إغلاق " أو بتصريح بسلب الثمرة نحو: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر " أو نحو ذلك. وأيضا دليلكم جارٍ في المنهي عنه لأمر خارج فما هو جوابكم، فهو جواب خصمكم.

(1/259)


( جمهور أئمتنا و وبعض الفقهاء، وأبو الحسين، وابن الملاحمي، والرازي: يدل على الفساد في العبادات دون غيرها ) إذ لا ثمرة للعبادة إلا الإجزاء. وقد عرفت أنه موافقة أمر الشارع. والمنهي عنه ليس بموافق لأمره. ورد بما تقدم من جواز كون الشيء مأمورا به من جهة منهيا عنه من أخرى. ولا شك في أنه إذا فعل من جهة الأمر فقد وافق أمر الشارع، وأسقط العهدة من ذلك الوجه، ( إلا لدليل فيهما ) يدل على الفساد في المعاملات كما في: " نكاحها باطل باطل " أو عدم الفساد في العبادات كما في صوم الذين واصلوا بعد النهي عن الوصال حيث لم يأمرهم بالقضاء وإن أنكر عليهم ( ومعناه ) أي الفساد ( في العبادات، البطلان، وفي غيرها من المعاملات ) بالعقود ( والإيقاعات ) للطلاق، والعتاق، ونحوهما ( البطلان أيضا عند الناصر، والشافعي ) لمثل ما قلنا في العبادات، ولعدم فرقهما بين الفاسد والباطل، ( وعند جمهور أئمتنا: إنه خلل فيها يوجب في حالٍ عدم ترتب ثمراتها عليها المقصودة منها ) وقد تقدم تحقيق ذلك، فلا نكرره كما كرره المصنف.
(فصل)

(1/260)


( ولا يدل في الثالث على الفساد عند أئمتنا، والجمهور، خلافا لبعض أئمتنا ) هو صاحب البرهان أبو الفتح الديلمي عليه السلام ( ومالك، وأحمد، في رواية عنه ) لما عرفناك من عدم وجود هذا القسم الثالث. وأن النهي ليس إلا عن الجنس كله أو عن بعضه لقيد لازم البعض، فكان ذلك القيد هو منشأ المفسدة المقتضية للنهي، وذلك معنى النهي للوصف ملفوظا أو مقدرا كما تقدم ( وحظ الأصولي معرفة انحصار المناهي في الثلاثة ) النهي للعين، وللوصف، ولأمر خارج عنهما ( وتمييز كل منها عن الآخر جملة ) وقد سمعت ما حققناه لك من أنه ليس هناك إلا تعليل بالوصف العنواني أو التقييدي، مظهرا كان أو مضمرا. وأن الخلاف لا يتجه أيضا إلا في الوصف التقييدي، لأن العنواني لا يتقدم من الشارع أمر بموصوفه حتى يدل النهي على فساد المأمور به < كما أن النهي عن شيء لوصفه العنواني لا يتأخر عنه أمر به ( لذلك الوصف ) وإن جاز أن يؤمر به لأمر خارج > ( فأما النظر في آحاد الصور الجزئية < من أي الأخيرين ) لأن الأول لا يتقدم النهي فيه أمر حتى يقتضي النهي [ فيه ] الفساد، فإن الفساد عبارة عن مخالفة أمر الشارع ولا أمر > ( والحكم عليها بأحد الأقوال المتقدمة ) التي هي الفساد أو الصحة أو عدمهما لغة وشرعا، أو لغة فقط أو شرعا فقط، لتكون الأقسام ستة ( فموكول إلى نظر الفقيه ) أي المجتهد ( ولذلك تختلف أنظار الفقهاء في كثير من صور الفروع ؤ للاختلاف في التحقيق والاجتهاد قوة وضعفا.
(فصل)
( وأما نهي الكراهة فيدل على مرجوحية المنهي عنه، لا على فساده ) لما عرفت من أن تسميته منهيا عنه مجاز، وأنه من الحسن عند الجمهور ( كالنهي عن الصلاة في الأماكن المكروهة ) كأعطان الإبل ( ولذلك ) أي لأنه لا يقتضي الفساد ( تقع ) الصلاة في الأماكن المكروهة ( عن الواجب مع النهي عنها ) لأن النهي صوري لا حقيقي كما عرفت.
(فصل)

(1/261)


( أئمتنا والمعتزلة: وليس النهي عن الشيء هو عين الأمر بضده، ولا يتضمنه، أي لا يدل عليه بالمطابقة، ولا التضمن إذ هما لفظان متغايران. الباقلاني: بل هو عين الأمر بضده ) وإلا لكان مثله أو ضده أو خلافه. ولأن النهي عن الحركة نفس الأمر بالسكون. وقد تقدم تحرير الدليلين، والجواب عليهما، وما فيه في بحث الأمر. ويختص النهي بدليل ثالث، وهو أن النهي طلب ترك المنهي عنه، ويجب أن يكون الترك فعل أحد أضداده، لا عدم المنهي عنه فقط، لأن العدم ليس بمقدور كما تقدم فيكون ضد المنهي عنه مطلوبا، وطلبه معنى الأمر به. وأجيب بأنه يلزم أن يكون الزنا واجبا، لأنه ضد اللواط. ويلزم قول الكعبي في نفي المباح، وبما تقدم من أن المطلوب استمرار عدم المنهي عنه، وهو مقدور. فإن قلتم: الاستمرار لا يتحقق إلا بالكف، والكف عنه فعل يضاده ، رجع النزاع لفظيا في تسمية طلبه الحاصل بالنهي أمرا. ويلزم أن يكون النهي عندكم أمرا، فإن كان نقلا عن أئمة اللغة احتاج إلى تصحيح النقل، وإن كان اختراعا فلا يصح في اللغة. ويمكن دفع الإلزام الأول بأنه تهويل ما عليه تعويل، لأن غاية ما قال به الباقلاني عموم الأمر للأضداد على البدل. والنهي عن بعضها خاص، والخاص مقدم إجماعا، فبأي وجه يلزم تقديم العام على الخاص ؟. ومثل الإلزام وجوابه يأتي في القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده حيث يقال: يلزم النهي عن الصلاة عند عروض الأمر بما هو أهم منها كإنقاذ غريق أو تضييق، وهي موسعة، ولا عذر إلا ترجيح النهي عنها على الأمر بها. ويمكن دفع الإلزام الثاني بما تقدم في مسألة ما لا يتم الواجب إلا به، من أن الواجب المخير مباح مخير، فبأي وجه يلزمه نفي المباح. وأما دفع الثالث فقد كفى فيه تسليمكم له. ( ثم قال آخرا بتضمنه ) لأن الكف المطلوب من النهي إنما يتحقق بفعل الضد ( والمختار على قياس ما تقدم ) في الأمر ( أنه يستلزمه ) وإذا وردت تلك الإلزامات الفضيعة، فقد عرفت جوانبها (

(1/262)


وقصر بعضهم هذه القاعدة ) أي الاستلزام ( على الأمر دونه ) أي دون النهي لعجزه عن التخلص من الإلزامات المذكورة.
(فصل)
( والنهي قد يكون عن شيء واحد، وعن شيئين فصاعدا، إما على الجمع ) أي على إرادة أن لا يكون شيء من المنهيات ( ويحسن ) النهي ( إن أمكن الخلو عنهما نحو: لا تقتل، ولا تزن. ويقبح ) النهي ( إن لم يمكن ) الخلو عن أحدهما ( نحو: لا تتحرك ولا تسكن ) لأنه طلب ارتفاع النقيضين، وهو محال يقبح طلبه ( أو عن الجمع، يعني أن النهي إنما هو عن الجمع، لاعن الجميع. ولو قال كذلك، لكان أظهر < على أنه يخرج عن الترجمة لأنه نهي عن شيء واحد هو الجمع لا عن شيئين > ( ويحسن ) النهي ( إن أمكن ) الجمع ( كالنهي عن الجمع بين الاختين ) الممكن ( ويقبح إن لم يمكن كالنهي عن الجمع بين القيام والقعود ) لأنه طلب تحصيل الحاصل، فهو إما محال أو عبث ( وإما على البدل ) وهذا هو المعروف بالحرام المخير بمعنى تخيير المكلف بين تحريم أحد الأمرين على البدل ( والخلاف في هذا القسم كما تقدم فيما أمر به على التخيير ) من أن المنهي عنه المحرم هو الكل أو واحد مبهم أو معين عند الله [تعالى ] أو ما يتركه المكلف ( نحو: لا تكلم زيدا أو عمرا أو بكرا. فله ترك كلامهم معا كما أن له في الأمر المخير فعل الجميع وله ترك كلام بعضهم دون بعض كما أن له فيه ) أي في الأمر المخير ( فعل البعض وترك البعض، وليس له الجمع بين كلامهم، كما أن ليس له فيه ) أي في الأمر المخير ( ترك الجميع، من خصال الكفارة ) ونحوها ( أو ) يكون النهي ( عن البدل ) كما كان النهي عن الجمع لكن هذا على أحد وجهين، إما ( بمعنى النهي عن فعل يجعل بدلا عن غيره نحو: لا تمسح، بدلا عن الغسل ) في الأرجل ( ويرجع < إلى > النهي عن قصد البدلية ) وهو من النهي عن شيء واحد في الحقيقة، فما كان له ذكر في النهي عن شيئين إلا أنه خاف التباسه على قليل الفهم ( أو بمعنى النهي عن فعل أحدهما دون

(1/263)


الآخر ( نحو: لا تفعل المسح، دون الغسل ) فيكون المفهوم من توجه النهي إلى البدل لزوم فعل الجميع أو ترك الجميع إلا أن هذا المثال من النهي عن المقيد بحال نحو: لا تضرب زيدا قائما، ولا دلالة فيه على النهي عن البدل إنما يدل على النهي عن المقيد فقط وهو من النهي عن شيء واحد، وأما لزوم فعل المسح والغسل معا فإنما يتمشى على مذهب الباقلاني من أن النهي عن الأفراد، لا أحدهما أمر بضده، وهو الجمع بينهما. ولو ترك المصنف آخر هذا الفصل، لكان أجمل به لذلك ولما سيأتي.
( ويقبح ) النهي ( إن لم يمكن ) قياس ما تقدم أن لا يمكن فعل أحدهما دون الآخر. ولا يخفى أنه لا يتمشى في قوله: ( نحو: لا تفعل الحركة دون السكون ) لإمكان الفعل الحركة مثلا دون السكون بأن يسير دائما. ولو أريد عدم إمكان الجمع لكان من القسم الأول.
واعلم ؛ أن الفرق بين النهي على البدل وعن البدل إنما هو بما أراد المتكلم من جعل النهي متوجها إلى القيد أعني حرف التخيير أو إلى المقيد. فإن جعل متوجها إلى القيد فقط كان نهيا عن البدل وإن جعل ( متوجها ) إلى المقيد فقط كان النهي على البدل، وعن البدل. إنما هو بما أراد المتكلم من جعل النهي متوجها إلى القيد فقط، كان نهيا عن البدل، وإن جعل ( متوجها ) إلى المقيد فقط كان نهيا على البدل وعلى الجمع أيضا كما في: " لا تطع منهم آثما أو كفورا ". وقد تقدم أن " أو " تأتي بمعنى الواو.
(فصل)

(1/264)


( وللأمر والنهي شروط منها ما يرجع إليهما ) < لا يصلح أن يراد شروط وجودهما لظهور أن المفسدة وشيئا مما ذكر بعدها لا ينافي وجودهما فينبغي أن يراد شروط حسنهما أو الاستدلال بهما. ولا يصلح ( أن يراد ) الثاني هنا وإلا كان تكريرا لما تقدم في شروط الاستدلال بالخطاب فتعين أن تكون الشروط لحسنهما خلا أن حسنهما شرط للاستدلال بهما أيضا فيكون ما قدم من شروط الاستدلال بهما غير واف كما لم تكن الشروط الراجعة إليهما هنا وافية لأن منها: أن يكون لهما معنى كما تقدم هنالك > ( وهو أن لا يكون الأمر والنهي في أنفسهما مفسدة ) أي منشأ ( فساد ) على المكلف أو غيره. وفيه بحث كلامي حاصلة أن التكاليف قد صارت عينها مفسدة على العصاة إذ لو لم يكلفوا بها لما استحقوا عقابا. وأما الجواب بأنها تعريض لهم للمصلحة وهي الثواب على الفعل فسقوطه أبين من أن يبين. وحققنا ذلك في الكلام بما لا مزيد عليه. ( وأن يتقدما بالقدر الذي يتمكن فيه من معرفة ما تناوله ) وقد تقدم ذلك في شروط المحكوم عليه ( وهو أربعة أوقات: وقت سماعهما، ووقت النظر في حكمهما ) هل هو الوجوب أو الندب في الأمر أو الحضر أو الكراهة في النهي. ( ووقت حصول العلم أو الظن لحكمهما، ووقت الأخذ فيهما ) ووقت تحصيل ما لا يتم المطلوب منهما إلا به ( ويجوز ) تقدمهما ( بأكثر ) من هذه الأوقات الأربعة ( وفاقا للبصرية وخلافا للبغدادية ) لأن المتقدم بأكثر من تلك الأوقات ناقص في اللُّطفية من حيث كونه معرضا للنسيان وللموانع عن الفعل. وقولهم هذا ينبني على وجوب الأصلح وقد علم بطلانه في الكلام.

(1/265)


( وأوجبت الأشعرية والنجارية مقارنتهما ؤ كالقدرة. وقد تقدمت المسألة ف:إنهم لما جعلوا القدرة مقارنة لم يصح التكليف بغير مقدور ( وما تقدم ) على وجود القدرة ( فهو للإعلام عندهم ) بأن المكلف سيصير مأمورا منهيا عند وجود شرط التكليف من القدرة وغيرها. ( وأن يتمكن المخاطب من فهمهما ) أي الأمر والنهي ولو بترجمان ( لا ) أنه يشترط ( ورودهما بلسانه خلافا للحفيد ) بناء منه أن الفهم شرط وجوب. وتحصيل شرط الواجب ليجب لا يجب، ولهذا تقر العوام على ما فعلته ما لم يخالف ضروريا يشاركون فيه [ العلماء في العلم به ] ( ومنها ما يرجع إلى الآمر والناهي وهو أن يعلم ) ( يعني ) الآمر والناهي ( من حالهما ) أي الأمر والنهي ( ما ذكر ) في شروطهما الراجعة إليهما ( ومن حال المأمور والمأمور به والمنهي عنه ما سنذكر، وأن يكون له فيهما مراد صحيح ) لئلا يكون عبثا. وهذا مما ذكر في شروط الاستدلال كما تقدم. ( وأنه يُثيب ممتثل أمره ويُعاقب مخالف نهيه ) الامتثال والمخالفة، يشمل كل منهما الأمر والنهي، فلا فائدة في تلوين العبارة. ثم هذا لا يتمشى على القول بأن العبادات شكر على النعم السابقة، وأن الثواب لا يجب جزاء، وإن وجب وفاء بالوعد. وكل ذلك مذهب جماهير أهل البيت الذين لم يقلدوا المعتزلة وسواء جعلنا هذا الشرط شرطا للحسن الأخص، أعني ما هو سبب رجحان الفعل على الترك أو شرطا للصحة المعبّر عنها بالحسن الأعم الثابت بمجرد تعرّي الفعل عن وجوه القبح ( ولا يشترط إرادة إثابته حال الأمر ) قيد للإرادة، أي لا يشترط أن يريد حال الأمر إثابة المأمور ( ولا ) إرادة ( عقابه حال النهي خلافا للأخشيدية ) مدّعين أنه لو أمر غير مريد لذلك لعري الأمر عن وجه الحسن الأخص، لأن الأفعال إنما تحسن وتقبح للاعتبارات المقارنة للفعل، وقد عرفت أن هذا من شروط الحكم لا من شروط الحاكم ( ومنها ما يرجع إلى المأمور به والمنهي عنه وهو العلم بهما ) إن أريد علم

(1/266)


الحاكم فذلك < مما يرجع إلى الآمر والناهي. وأيضا قد عرفت أن الشروط للحسن، وهذا شرط ( للوجود ) لامتناع طلب ما لا يعلم > وإن أريد علم المأمور فهو من التمكن الآتي ز وقد تقدم كونه من شروط المكلف ( وأن لا يكونان مستحيلين في أنفسهما ) قد تقدم ذلك في شروط المحكوم فيه ( وأن يكون المأمور به له صفة زائدة على حسنه ) الأعم و أعني التعرِّي عن وجوه القبح، لأن التعري عنها لا يوجب ترجيح الفعل على الترك، وإنما ترجحه الصفة الزائدة التي هي وجه الحسن الأخص، وأن يكون ( المنهي عنه مما يترجح تركه على فعله ) بصفة زائدة على تعري الترك عن وجوه القبح لأن المباح، فعله وتركه حسناه، لتعري كل واحد مهما عن وجوه القبح، فترجيح أحدهما للأمر به أو النهي عنه يفتقر إلى مرجح، هو الصفة الزائدة ( وهي ) المعبّر عنه بالحسن الأخص، وهذا مبني على أنه لا يجوز على الله تعالى فعل الحسن بالوجه الأعم، وأن لا مباح في أفعاله. وفي المقامين كلام في الكلام. ( ومنها ما يرجع إلى المأمور والمنهي وهو تمكنهما من الفعل ) بالفهم والقدرة والآلة ونحو ذلك ( والترك ) بحيث لا يكون ملجأً إلى الفعل أو الترك. وقد تقدم ذلك في شروط المحكوم عليه ( وتردُّد دواعيهما ) هو لازم التمكن من الفعل والترك وليس شرطا مستقلا لأن حاصله عدم الإلجاء ( ووجود الآلة في الفعل المحتاج إليها ) هذا من التمكن، فليته ترك هذا الفصل الذي ناقض عليه دعواه أنها لباب نزع قشره، فإنه لم يزد فيه على تكرير ما تقدم من شروط الحكم والحاكم والمحكوم عليه والمحكوم فيه. ثم ليته اكتفى بالتكرير وسلم من خلط بعضها ببعض وتكرير كل منها مرة بعد أخرى.
(فصل)

(1/267)


( ويتفقان في أن كل واحد منهما حقيقة ومجاز ) فصيغة " افعل " حقيقة في الوجوب مجاز في الندب ونحوه وصيغة " لا تفعل " حقيقة في الحضر مجاز في الكراهة. وهذا من الهذر، لأن الحقيقة والمجاز لا يختصان باتفاق الصيغتين فيهما لأن الصيغتين تتفقان في اللفظ وفي التركيب وفي الوجود وفي النسبتين اللفظية والنفسية وفي السماع لهما وفي الصدور عن الحاكم وفي التوجه إلى المحكوم عليه، وغير ذلك مما يسمج ذكره.
ولا اختصاص أيضا للصيغتين بالحقيقة والمجاز، فإن الحقيقة والمجاز يجريان في كل لفظين أمرين أو نهيين أو خبرين أو مختلفين أو مفردين أو مركبين. والعجب ممن يتصدى لتحقيق العلوم ثم يلج هذه المسالك التي لا تعني ولا تغني ( وأن سبب كل منهما سبب صفة فاعله ) يعني أن ما أوجب للفاعل الوصف بكونه آمرا أو ناهيا أوجب للأمر والنهي كونهما أمرا ونهيا، وذلك هو الإرادة. أما إرادة كون الآمر آمرا كما تقوله الأشاعرة أو إرادة المأمور به كما يقوله غيرهم. وهذا من ذاك الذي عرفت فلا نشتغل ببيان فساده فنشارك في الهذر. ( وأن الاستعلاء معتبر فيهما عرفا ) عند الأكثر. لا بأس بذكر مثل هذه الخاصة، فإنها تختص بهما دون سائر الكلام. ( وأنه يكون كل واحد منهما مطلقا ومقيدا بشرط ) له نفسه لا للمحكوم فيه ( أو صفة ) للمحكوم فيه لا للحكم، لما قدمناه لك، إلا أن هذا كالسماء فوقنا والأرض تحتنا. لأن الإطلاق والتقييد يكون في غرهما من مركب ومفرد. وأما قوله: ( فيقتصر عليهما ) فمبني على ما سيأتي من الخلاف في أن الشرط والصفة يقتضيان قصر الحكم على المنطوق دون المفهوم، أو لا فهو مع كونه مختلفا فيه وقد جزم به ذكر، ذكر لشيء في غير محله. ( وأنه يشترط فيهما الشروط المذكورة في حسن التكليف ويختلفان في أن لفظ الأمر ) يعني " ا م ر " ( مشترك بين الصيغة والشأن وغيرهما ) على الخلاف المتقدم ( بخلاف لفظ النهي ) يعني: " ن هـ ي " فهو منفرد غير مشترك ( وفي اختلاف

(1/268)


صيغتهما " افعل " و " لا تفعل " وفي أن الأمر بمطلق يخرج عن عهدته بمرة على الأصح، ولا يخرج عن عهدة النهي المطلق إلا بدوام الانتهاء على الأصح. وأن الأمر يقتضي حسن المأمور به. والنهي يقتضي قبح المنهي عنه. وأن المقصود من الأمر حصول الفعل، ومن النهي الكف عنه. وأن فاعل ما تناوله الأمر يسمّى مطيعا، وفاعل ما تناوله النهي يسمى عاصيا. وان الأمر يفتقر إلى إرادة لفظه، وإرادة مدلوله. أبو علي: وإرادة كونه أمرا بخلاف النهي ) لأن متعلقه، عدم الفعل. والإرادة لا تتعلق بالعدم كما قيل في القدرة، فلا يشترط فيه الإرادة لفظه فقط. وكذا إرادة كونه نهيا عند أبي علي أيضا ( و ) لا حاجة إلى ما زاده أبو علي لما ( أن الأمر يوصف بكونه أمرا للإرادة ) أي إرادة المأمور به عند غير الأشاعرة ( والنهي يوصف بكونه نهيا للكراهية ) أي لكراهة المنهي عنه ( فإذا كانت الإرادة والكراهة هما المؤثرين في كون الأمر أمرا والنهي نهيا، لزم أبا علي إرادة الإرادة، وأنه يستلزم التسلسل، لأن حاصلها نيّة، ونية النية لا تجب ) وهذا مبني على كلام البصرية في أول الكتاب، لا على قول البغدادية، وقول الأشعرية. وعلى أن الخلاف الجاري في الأمر يجري مثله في النهي، وإن لم يذكروه في النهي. وبالجملة فالتمايز بين الشيئين إنما يكون بخاصة لأحدهما لا توجد في الآخر. وقد عرفت أن وجوه الاختلاف المذكورة ليست من اللوازم الذاتية. ولهذا ثبت الخلاف في أكثرها، ولا يصلح من مصنف أن يطلق الحكم في مواضع الخلاف.

(1/269)