تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

نظام2


[{باب الإجماع}]
[فصل](1)
[{هو لغةً: العزم، والاتفاق}] يريد أنه ((أفعل))(2) للصيرورة إذا كان لازماً نحو: أجمع القوم، أي: صاروا ذوي(3) إجماع. فإذن هو من الاجتماع، وهو التوافق، لا غير. وأما العزم فهو الجعل الذي هو مدلول الهمزة. ومنه ((لا صيام لمن لم يجمع الصيام)) بمعنى: يجمع أوَّل النهار وآخره بالنيَّة. ومن ذلك توهَّم أن العزم من مدلولاته.
[{واصطلاحاً: قسمان:ـ عام، وخاص. فالعام: إجماع الأمَّة}] لم يضعف الأمَّة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. بناء على أنها صارت حقيقة عرفية في جماعة دِينه؛ لأن الأمة <وإن كانت في الأصل هي الأشخاص المجتمعة في النوع، لكن /674/ كثيراً ما يراد بها المجتمعة اجتماعاً عرضياً لا طبيعياً. كفي زمان، أو مكان، أو عرض>(4).
(و) لهذا قال: إن الإجماع [{هو اتِّفاق المجتهدين، المؤمنين}]؛ لأن الكافر وإن كان من الأمَّة النوعية فليس من الأمَّة الشرعية، أو العرفية. فعدم اعتباره ثابت بالإجماع. وأمَّا الفاسق فعدم اعتباره يُبْنَي(5) على أمرين:ـ
أحدهما:ـ كون الحجة على الإجماع هي الآية، أعني [{ويتَّبع غير سبيل المؤمنين}] وسيأتي عدم انتهاضها. وإنما الحجة أحاديث عدم اجتماع الأمة على الضلالة، والفاسق من الأمة إجماعاً.
وثانيها:ـ أنه لو سلَّم انتهاض الآية فكونه غير مؤمن محل نزاع للجمهور طويل، استوفيناه في شرح شرح القلائد. وليس هذا بمقامه.

(1/1)


وأمَّا دعوى المصنِّف فيما سيأتي للإجماع على عدم اعتباره فوهم فاحش. وأمَّا اشتراط الاجتهاد فسيأتي الكلام عليه. وأمَّا قوله: [{من الأمَّة}] فلا حاجة إليه، بعد ذكر الإيمان؛ لأن المؤمن لا يكون إلاَّ من الأمَّة؛ لأنه قد أراد المؤمنين اصطلاحاً، لا المصدقين فقط. وإلاَّ لم يخرج الفاسق. وقوله: [{في زمنٍ ما}] إشارة إلى عدم اشتراط انقراض العصر، بل إنه يستقر حجَّة على المجمعين، وغيرهم /675/ في مقام الاجتماع حتَّى لا يصح لأحد من المجمعين الرجوع. وإن كان [{على أمرْ ما}] ديني، أو دنيوي. وسيأتي [{ومن يرى}] أنه لا يكون حجَّة إلاَّ بعد [{انقراض العصر}] الذي يوجد فيه أحد من المجتهدين، بمعنى: أن حجيَّة إجماعهم موقوفة على موت آخرهم، موتاً قبل رجوعه كما سيأتي [{يريد}] في الحد لفظ [{إلى انقراض العصر}] فيقول: اتفاق المجهدين المؤمنين إلى انقراض عصرهم على أمر.
[{ومن يرى أنه لا ينعقد مع سبق خلاف مستقر، وجوَّز}] مع ذلك إمكان [{اتفاق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأوَّل، يريد لم يسبقه خلاف مستقر}] ثُمَّ لا وجه لتخصيص هذين الخلافين بالاحتراز عنهما في الرسم، فإنه سيأتي من الخلافات، ما إذا لوحظ الاحتراز عنه اضمحل الإجماع بالكليَّة.
[{والخاص: إجماع العترة عليهم السلام، وهو اتفاق المجتهدين المؤمنين من العترة كذلك}] أي: في زمن ما على أمر ما.
[{والإجماع ممكن عقلاً من الصحابة، غيرهم اتفاقاً}] إن أراد بالإمكان العقلي عدم الاستحالة للذات، فالاتفاق ظاهر. وإن أراد عدم الاستحالة مطلقاً فلا اتفاق؛ لأن مانع الوقوع يدّعي أنه مستحيل لغيره استحالة عادية كاستحالة /676/ انقلاب الجبل ذهباً. ومدّعي الإجماع لا يمكنه الاحتجاج به إلاَّ بعد تصحيح أربعة مقامات:ـ تصحيح إمكان وقوعه، ثُمَّ تصحيح وقوعه (بنقل جزئي من محمل النزاع نقلاً متواتراً)(1) ثُمَّ تصحيح طريق العلم بالوقوع،ثُمَّ تصحيح كونه بعد ذلك حجَّة.

(1/2)


المقام الأول: هو ما ادَّعى المصنِّف فيه الاتفاق، وهو غلاط صُراح، بل نقل ظاهر الافتضاح؛ لأن الإمامية، والنَّظام الذين نسب إليهم فيما سيأتي نفي الحجيَّة، نفوا إمكانه أيضاً مستدلين بأن الإجماع لا بد له من مستند. وهو إمَّا ضروري، والحجَّة(1) إنما هي الضرورة، لا الإجماع. إذ لا يقال: أن الحجَّة على وجوب الصلاة هو الإجماع، إنما النزاع في أنه هل يكون كافياً عن غيره من الأدلة، وإلا لجاز أن نقول: إن المجتهد الواحد حجَّة في الضروريات للعلم بصحَّة قوله، فينسب الولد إلى غير أبيه. وإمَّا نظري. والنظري يمتنع الاتفاق فيه عادة لاختلاف القرائح امتناع انقلاب الجبل ذهباً. وقد أجيب بجوابين:ـ
الأوَّل: أنه قد يستند إلى قاطع غير ضروري، فرُدَّ بأنَّه يستحيل اختصاص المجمعين بالإطلاع عليه دون من بعدهم. وأجيب بمنع استحالة اختصاصهم بالاطلاع عليه مسنداً بأنه يستغني بنقل الإجماع عن نقله لكفاية الإجماع عنه، وهو تهافت /677/؛ لأن كفاية الإجماع فرع حجيّته. وهي محل النزاع، ولأن المحوج إلى الإطلاع على الأدلة ليس دفع المخالف بها، بل إثبات الحكم.
الثاني: إنه قد يستند إلى ظني جلي لا يستحيل الاتفاق على مدلوله، فرد بأن جلاء الدلالة لا يستلزم جلاء السند؛ لأنه إن كان أحادياً فالخلاف في قبوله، ومقدار رواته وعدالتهم، وأسباب الجرح والتعديل ثابت سلفاً وخلفاً، فكيف يمكن الاجتماع على ما هو مركز الاختلاف. وإن كان متواتراً فهو معنى كونه قطعياً. وقد علم استحالة اختصاص بعض الأعصار بالاطلاع عليه.

(1/3)


المقام الثاني: ما أشار إليه المصنِّف بقوله: [{واختلف في وقوعه، فعند أكثر أئمتنا، والجمهور أنه قد وقع مطلقا}] أي: من الصحابة وغيرهم للقطع بإجماعهم على تقديم الدليل القاطع على الظني [{وقيل: لم يقع مطلقاً}]. وأمَّا تقديم القاطع على الظني فأثبت بضرورة العقل. بحيث لو عمل عام لعلى المظنون، وترك المعلوم لعدَّ مجنوناً فضلاً عن عاقل فضلاً عن عالم، فالاحتجاج(1) بالإجماع على مثل ذلك سَرَفٌ في التغفيل(2).

(1/4)


المقام الثالث: أنه لو سلَّم إمكانه ووقوعه في جزئي لا نعلمه، فلا بد لنا في /678/ معرفة وقوعه من طريق إلى الحكم بالوقوع. وهي إمَّا تواتر، أو آحاد. الآحاد لا تفيد في الأصول(1)، وإن أفادت في الفروع مع ما سيأتي في التواتر أيضاً. والتواتر يستحيل عادة أن يطلع نصابه على ما عند كل مجهد في المسألة الواحدة؛ لأنَّ من أنصف من نفسه علم ضرورة أن من المجتهدين من لا يعرف اسمه ولا عينه، فضلاً عن قوله؛ لأن منهم المغمور اجتهاده، وذاته. ولو سلم فالنزاع إنما هو في الإجماع على غير قطعي، فيجوز رجوعه قبل انعقاد الإجماع، أو كون موافقته تقية كما في زماننا أو نحو ذلك. وعند ذلك يتحقَّق أن النقل بمراحل عن إفادة القطع. وقد أجيب بأن هذا تشكيك في مقابلة الضرورة لما علم من تقديم الصحابة، والتابعين للدليل القاطع على المظنون. وما ذاك إلاَّ بنقل عنهم. ورد بما تقدَّم من أن العلم بذلك(2) إنما هو بالعقل لا بالنقل، ولا بالإجماع، وهو هو منم محل النزاع. ولهذا البعد المفرط قال: [{المنصور، والإمام، والرازي، وأحد قولي أحمد: وقع من الصحابة دون غيرهم و}] قال [{الإمامان، والأمير الحسين و}] إجماع أهل البيت إنما وقع [{من الأربعة}] أهل الكساء [{فقط}] فينبغي البحث عن عدالة من روى إجماع غير الصحابة، وغير الأربعة على غير ضروري. فأمَّا أحمد فقد قال: ((من ادَّعى الإجماع فهو كاذب}]، وهو قياس /679/ قول المحيلين له. وهو الذي نراه، فلا نقبل لمن يدَّعيه رواية [ولا شهادة](3)، إلاَّ أن يعلم منه أنه يريد بالإجماع: الاتفاق بينه وبين خصمه، فكثيراً ما يراد بالإجماع الاتفاق.
المقام الرابع:ـ ما أراده بقوله:
[{فصل}]

(1/5)


[{وإجماع الأمة حجَّة عند الجميع}] ممن قال بحجيَّة إجماع العترة، وغيره، أو حجّة عند من قال بوقوعه (ومن لم يقل به لو وقع)(1) [{مطلقاً}] أي: سواءً وقع من الصحابة، أو ممن بعدهم [{للدليل القاطع}] فإن كونه حجَّة أصل أعظم لا يثبت إلاَّ بقاطع. والقاطع الذي تثبت به الحجيَّة عقلي، ونقلي.
أما العقلي(2). فلأن العلماء قطعوا بتخطئة من خالف الإجماع. والعادة تقضي بأن هذه الأمَّة المشتملة على المنصب الكامل من الديانة، والأمانة، والورع الشحيح لا تقطع بغير مستند قطعي؛ لأنها لو استندت في القطع إلى ظن لكان ذلك منها جزافاً ينافي ما هي عليه من الأوصاف المذكورة، وقد شهد لها الكتاب والسنَّة بأنها خير أمَّة أخرجت للناس، وبأنها أمة وسط(3) أي: عدول؛ لأن الوسط /680/ عدل بين الطرفين. والمجازف ليس بعدل ضرورة. وهذا ليس استدلالاً بالإجماع على حجيَّة الإجماع حتَّى يلزم الدور، بل استدلال بأن العادة في مثل الموصوفين أن لا يجازف بالقطع مستنداً إلى ظن. واعترض بمنوع ثلاثة:ـ
أحدها: من (إجماعهم)(4) إلا على تخطئة(5) مخالف الضرورة كالخارج عن ملَّة الإسلام والنافي لأصول شرائعه. والنزاع في غير ذلك. وأما الإجماع في محل النزاع فقد تقدَّم منع وقوعه، وحجِّيَّة شيء فرع وقوع.

(1/6)


وثانيها: منع دلالة (إجماعهم)(1) على القاطع [الخفي](2) عادة؛ لأن العادة المفيدة للقطع معناها تجريب لزوم المحمول للموضوع، كما يستلزم شرب السقمونيا الإسهال. وذلك إنما يكون بعد تكرر وجود المحمول لوجود الموضوع. ولم يعرف استلزام (وقوع الإجماع)(3) لقاطع [خفي](4) بل هو محل النزاع. كيف وقد ظهر أن وجود القاطع [الظاهر](5)، لا يستلزم الإجماع. فإن دليل إمامة أمير المؤمنين كرَّم الله وجهه قاطع مشهور، ولم يستلزم الإجماع، فكيف بوقوع الإجماع على(6) قاع مغمور. فإذا انتفت لميَّة القاطع للإجماع فأحرى أن تنتفي إنيَّة (الإجماع)(7) للقاطع [لأن برهان إنَّ فرع برهان لِمَ](8).
وثالثها: منع امتناع استنادها في القطع إلى ظن؛ لأنه كثيراً ما يتبيَّن القطعي /681/ بالظني. وتحارير العلماء إلى الآن لا يفرقون بينهما إلاَّ بالقول، لا بالعمل. وغاية ما يبد به نسبة ذلك القول إليهم القول بعصمتهم. والمعصوم لا يعصم من الخطأ، فإن قطعهم بأن مستندهم في التخطئة قاطع يجوز أن يكون خطأ، ولا يعود الخطأ عليهم بنقص في أوصافهم الحميدة. قلنا: أجمعوا على أن الإجماع إذا عارض القاطع من كتاب أو سنة، فإنه يتعيَّن وجوب تقديمه على القاطع. وأجمعوا ثانياً على أنَّ غير القاطع لا يقدَّم على القاطع. فلو كان الإجماع غير قاطع لتعارض الإجماعان واللاَّزم باطل لتأديته إلى خطأ أحدهما، واعترض بمناقضتين ونقض إجمالي:ـ
أمَّا المناقضة الأولى: فيمنع الإجماع على تقديمه على القاطع. وإن قال به البعض فليس بإجماع.

(1/7)


وأمَّا الثانية: فبمنع بطلان اللازم. وأمَّا النقض: فإن سلم الإجماعان لزم تعارض القواطع، إن كان النص باقياً على قطعيته. وإن أريد بتقديم الإجماع عليه نسخة به فقد ذهبتم إلى عدم جواز النسخ بالإجماع. وإن أريد دلالة الإجماع على قاطع نسخ القاطع الذي عارضه. فهذا هو الدليل الأول بعينه، قد عُلم سقوطه بما تقدَّم. فهذا عمدة ما تستند إليه حجيَّة الإجماع من الدليلين /682/ العقلي. وهو يستلزم أن تكون حجِّيته عقلية لا [{شرعية فقط}] كما ذكره المصنِّف إما لضعف هذا الدليل عنده بما ذكر من الاعتراضات، وإما لأنه ظن أنه شرعي [{خلافاً لشذوذ}] فذهبوا إلى ثبوت حجيَّته بالعقل، والنقل، وهو جهل؛ لأن كون الشيء حجَّة شرعية(1)، حكم شرعي وضعي لا يثبت إلاَّ بالشرع؛ لأن معنى كونه حجَّة حرمة مخالفته. وذلك حكم تكليفي لا مدخل للعقل فيه.
وأمَّا النقلي(2): فالكتاب، والسنة.
أمَّا الكتاب، فقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُوْلَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيْلِ الْمُؤْمِنِيْنَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيْراً}، جمع تعالى بين مشاقة الرسول، واتباع غير سبيل المؤمنين، الذي هو إجماعهم في الوعيد، فدلَّ على حرمة مخالفهم، وهو معنى الحجيَّة، واعترض بوجوه:ـ
الأول: أن الوعيد مقيّد بتبيّن الهدى. وقيد المعطوف عليه قيد للمعطوف، ولا نزاع في الحجيَّة مع التبيّن، إنما النزاع قبله بحيث لا يكون على الهدى دليل غيره كما هو محل النزاع.
الثاني: أن العطف تفسيري؛ لأن الخطاب لمن في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم /683/ ولا حجيَّة للإجماع إلاَّ بعده اتفاقاً.
الثالث: أن السبيل جنس، وقد تقدَّم أن الجنس المضاف لا عموم له، فلا يعم كل السُّبُل(3)، كما لا يعم ((غلام زيد كل غلمانه)).

(1/8)


الرابع: أن تعريف الإضافة عهدي كما صرَّح به أئمة النحو، والبيان. فلا يقال: غلام زيد، إلاَّ لمعهود من غلمانه، وإلاَّ لوجب أن يقال: غلام لزيد، بالتنكير والإضافة، وإن كانت قد تستعمل للجنس فمجاز لا يفيد مع عدم العموم أيضاً. وإذا كانت الإضافة عهدية فلا عهد للإجماع في وقت نزول الآية؛ إذ لا يكون حجة، إلاَّ بعد موت النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم اتفاقاً. وإنما سبيلهم المعهود اتباع الكتاب، والرسول، ولا نزاع في حجيَّتهما. وربما كانت الآية حجَّة على منع حجيَّة الإجماع؛ لأنه غير السبيل المعهود. فكيف تكون حجَّة لإثباته. وهناك اعتراضات غير ما ذكر لا تبقي في الآية الكريمة رمقاً لإفادة الظن فضلاً عن القطع.

(1/9)


وأمَّا السنَّة: فأحاديث: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))، ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق)) ((يد الله مع الجماعة)) ((من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية)) ((الشاذة للذئب)) وغير ذلك. فهي متواترة المعنى قطعية الدلالة على وجو اتباع الإجماع/684/ وأجيب. بأن المدَّعى وقوع الإجماع على غير قطعي وحجيَّته. والحديث الأول ونحوه (منع)(1) للاجتماع(2) على الضلالة، ولا(3) يلزم منه الاجتماع على الحق الذي هو المدَّعى(4). وأيضاً الضلالة الكفر كما هو تفسيرها في جميع القرآن. ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم الذي هو الخطأ في الفرعيات، فإنه ليس بضلالة قطعاً لوجوب اتباع المجتهد له، فبأي وجه يجب عليه ترك اجتهاده المتفق على كونه حجَّة عليه إلى ما لا اتفاق على حجيِّته عليه. وأمَّا الثالث، والرابع، والخامس، ونحوها(5)، فمهجورة الظاهر اتفاقاً لعدم وجوب اتباع كل جماعة، فيكون المراد بها جماعة النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم، أو الحث على اجتماع القلوب تحذيراً من تفرق القلوب الذي انتهى إليه أمر الأمة الآن بتضليل كل فرقة أختها، فإنه إن لم يكن في الأمَّة الآن من يجمع فِرقها بالتولي لكلٍ منها، فقد تحقَّق الإجماع على التفرَّق المنهي عنه نهياً قطعياً، كتاباً، وسنة. وبهذا استدل ابن جرير، وغيره من المتأخرين المانعين حجيَّة(6) [إجماع](7) غير الصحابة لتهافت غيرهم في الاتفاق على البدع فيكون المراد بأمَّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أصحابه لا غير بدليل ((خير القرون قرني)) ونحوه، إن سلم دلالة الأحاديث على وقوع الإجماع، وحقّية ما أجمع /685/ عليه. فالحجيَّة معناها حرمة المخالفة، ولا يحرم مخالفة كل حق، بل قد يجب كما يجب على المجتهد اتِّباع نظره. ويحرم عليه اتِّباع نظر مثله، وإن كان هو الحقَّ في الواقع. وقد كان البراء بن معرور رضي الله عنه مخالفاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلَّم،

(1/10)


وأصحابه في استقبال الصخرة إلى استقبال الكعبة، وصوَّبه(1) النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المخالفة، لما علم أن ذلك تديّن منه، لا معاندة. وخالف ابن عمر(2) وغيره النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في صوم الدهر. وخالفه أنس بن النضر حين حكم عليه بكسر سن الربيع. فقال: لا والله يا رسول الله، بكسر سن الربيع وغير ذلك مما يحكم النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بضلال فاعله، كما يدَّعيه المتهافتون في البدع المفرقة بين أهل الدين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإنها مصيبة يجب عندها الاسترجاع لا سيِّما وقد صحَّح الخطابي حديث اختلاف أمتي رحمة مع كون إجماع من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا يزيد على إجماعه هو وأصحابه. وإنما المنهي عنه أن يضلّل كل مجتهد من خالف اجتهاده، كما يشهد لذلك تصويب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لكل من المختلفين في القبلة، ونزول القرآن على سبعة أحرف تيسيراً. وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم قراءة منفردة لا يقرأ بها الناس /686/ الآن حتَّى قال: اقرأوا، فكلَّكم مصيب <وقال أمير المؤمنين كرَّم الله وجهه(3): أقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف>(4) وما العجب إلاَّ ممَّن يدَّعي القطع بأصل أصَّله بنفسه، يُقدِّمه على الكتاب، والسنَّة مستنداً فيه إلى ما ذكر من الأدلة المتهافتة ثُمَّ يقول مع ذلك [{ولا اعتداد بمن قال: ليس بحجَّة مطلقاً كالإمامية، والنظام والخوارج، أو من غير الصحابة، كالظاهريَّة}] وابن جرير وغيرهم، وما المرجِّح لعدم اعتداده بخلافهم على عدم اعتدادهم بخلافه، لا سيَّما والقلَّة أمارة المحق والكثرة أمارة غيره كما صرَّحت به الآيات والأخبار، والسير [{أو}] قال: ليس بحجَّة [{إذا كان ظنياً}] كما سيأتي لأبي عبد الله، ومن معه.

(1/11)


واعلم أن معنى كون الشيء حجَّة، حرمة العمل على خلافه، والظِنِّيات كلها لا يحرم العمل على خلافها، اجتهاداً، ولا تقليداً، ولا جهلاً. ولهذا لا يجوز الإنكار فيها إلاَّ إذا كانت حجيِّتها ثابتة بدليل قطعي، كالشاهدين، كيف وقد خولفت ظواهر القرآن الكريم بالاجتهاد. وكلَّما صح الاجتهاد بمخالفته فليس بحجَّة على المجتهد، ولا غيره، لمنافاة جواز الخالفة للحجيَّة ضرورة. والمصنِّف وغيره من الغافلين عن هذا المعنى، الناسين لقولهم: إن الظن إنما يسمَّى أمارة لا دليلاً، ولا حجَّة.
[{أئمتنا، والجمهور: وهو قطعي إذا كان معلوماً}] (يريد أنه قطعي المتن، لا قطعي الدلالة)(1) لأن شرط قطعيَّتها أن يكون نصاً لا يحتمل غير معنًى واحد.
[{الآمدي، والرازي: ظني مطلقاً}](2) أي: سواء علم وقوعه قطعاً أو ظناً؛ لأن كونه دليلاً وحجَّة إنما يثبت(3) ظناً لما عرفت من قصور أدلة حجيَّته عن إفادة القطع [{واختلف في إجماع العترة، وهم الأربعة المعصومون، ثُمَّ أولاد الحسنين(4) من جهة الآباء في كل عصر، فعند العترة، وشيعتهم، والشيخين، وأبي عبد الله، والقاضي في رواية، وغيره: إنه حجَّة للدليل القاطع}](5) من الكتاب، وهو قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيْدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيَطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْراً}، ووجه الاستدلال ظاهر ن سياق النزول فإنها في الأرجاس الدينية، لا الحسيَّة. وذلك معنى الحجيَّة.

(1/12)


ومن السنَّة: ((أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق)) و ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلَّوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) وغيرهما مِمَّا تواتر معنًى بحيث يملأ الصدور، ويضيق به المسطور، ولا ينكره، إلاَّ مباهت /688/ [{وعند الأكثر، ورواية عن القاسم مغمورة ليس بحجَّة}] مجيبين عن تلك الأدلة الباهرة، والبراهين الظاهرة بالقول بموجبها، وعدم استلزامها للمطلوب من الحجيَّة؛ لأن غاية ما دلَّت عليه مساواتهم للكتاب في الحجيَّة. وقد علم بالضرورة جواز مخالفة ظواهر الكتاب بالاجتهاد. وتحقيقه أن النزاع إنما هو في الحجيَّة على أحكام الفروع، وأمَّا أصول الدين، فلا يصح التقليد فيه للنبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، ولا للقرآن وفاقاً للزوم الدور بزعم الجمهور من متأخري أهل البيت [وغيرهم](1) الذين اغترُّوا بالشُّبَه(2)، وأحكام الفروع لا تضليل بمخالفتها اتفاقاً مالم يعلم بالضرورة وجوبها سواء نظر المخالف أم قلَّد أم ترك، أصاب أم أخطأ فما معنى الحجيَّة إذن؟ والحق أن الأدلة دالة على عصمة ما أجمعوا عليه من أصول الدين المنافية للكفر الذي هو الضلال، وأنها صريحة في وجوب التقليد فيه للقرآن، ولمن لا يفارقه من أهل البيت، واحداً أو أكثر؛ إذ عدم مفارقته خاصة لأهل البيت (عليهم السلام)(3) والخاصة لا يجب انعكاسها. وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في المبادئ، ولَنَا بِه في كل مقام تطويل، يستمتع به بين البدع استمتاع الثكلى بالعويل /689/.

(1/13)


[{ومعلومه حجَّة قطعية في العلميات، كالنص العلوم فتحرم مخالفته}] ينبغي أن تقيَّد العلميات بما يصح الاستدلال بالسمع عليه لما عرفت من الدور الذي عاق مثله، وهدم عليه أصله، إلاَّ أن العلميات التي يصح الاستدلال عليها بالسمع إن لم يكن عليها دليل عقلي ضروري، فهي ظنيَّة؛ إذ لا واسطة بين الظن لعدم خلوصه عن الظن من جهة سند أو من جهة دلالة أو من جهة معارضة، فلا يتحقَّق القطع بغير ضروري من الدين [{وفي كونه كذلك]} أي حجَّة قطعية [{في العمليات خلاف بين أئمتنا، والمختار أنه كذلك}] كما تقدَّم في قطعيَّة حجيَّة الإجماع العام من الخلاف والمستند [{وأمَّا ظنيَّه وظني إجماع الأمَّة فكالآحادي}] من الأخبار ـ يعني أنهما أمارة فقط لا حجَّة قاطعة للخصم ـ [{ولا يُقدَّم}] الآحادي [{عليهما إلاَّ لمرجّح كصحة سنده}] كلام لا حاجة إليه؛ لأن ذلك شأن كل ظنيِّين تعارضا [{وتُعتبر نساؤهم المجتهدات المؤمنات}] لأنهن من الأمة، ومن العترة. [{فإن لم يبق منهم إلاَّ مجتهد فحجَّة في الأصح}] لأن غيره من المقلدين لا يعلم الحق، وإن عمل به مصادفة. فلو فرضنا أن العالم لا يعلم الحق لارتفعت حجَّة الله الواجب /690/ بقاؤها ببقاء التكليف. ومنهم من ذهب إلى أن العصمة إنما هي للاجتماع، كما هو ظاهر الأدلة. وتلك خاصة للمجموع، لا للآحاد. قلنا: بل خاصة للنوع، وإنَّما تُوجد في أفراده، ولا يجب انعكاسها.
[{فصل}]

(1/14)


[{و}] الإجماعان، العام، والخاص(1) [{ينعقد أن بالقول}] الصادر عن كل واحد من المجتهدين في المسألة (أو الفعل) للمحكوم فيه بشرط أن يعلم كونه فعل لأجل وجوبه، أو ندبه، أو إباحته. لأن الفعل لا ظاهر له كما عرفت [{أو الترك}] للمحكوم فيه بالحرمة، أو الكراهة، بشرط أن يعرف وجه تركه أيضاً [{أو السكوت}] عن الإنكار على الفاعل، أو التارك بشرط تكامل شروط التقرير كما تقدَّم فالسكوت في مسائل الخلاف لا يدل على الإجماع. وأمَّا قوله: [{مع الرضا}] فلا يجدِي؛ لأن المجتهد يجب عليه أن يرضى عن المجتهد فيما فعله، وإن خالفه، بل لو عمل على غير اجتهاده، ومذهبه تشهِّياً لوجب(2) على مخالفة الإنكار عليه، ثُمَّ الرضا، فعل قلبي خفي لا يطَّلع عليه فيعتبر مظنَّة، كما سيأتي في القياس إن شاء الله /691/ [{أو بما(3) أمكن تركيبه منها}] بمعنى أن بعضهم فعل، وبعضهم سكت على الترك، أو بعضهم، قال: وبعضهم فعل، أو بعضهم، قال: وبعضهم سكت على القول [{والطريق إليهما في حق الحاضر سماع القول، أو مشاهدة الفعل}] (أو نحوهما) من مشاهدة الترك عند مظنَّة وجوب الفعل، أو مشاهدة السكوت عند مظنَّة التحريم للفعل أو القول [{وفي (حق)(4) غيره النقل، وقد يُفيد العلم الضروري كالمتواتر، أو العلم الاستدلالي كالمتلقَّى بالقبول على الأصح، أو الظن كالآحاد}].

(1/15)


وسيأتي تحقيق ذلك في الأخبار فلا وجه لتقديمه هنا إلاَّ أن الإجماع المنقول بالآحاد مختلف في (حجيَّته على الظن)(1)، فقال المصنِّف [{وهو حجَّة عند أئمتنا، والجمهور}] لعدم الفرق بين منقول، ومنقول [{خلافاً لأبي عبد الله وأبي رشيد والغزالي}] <لا لأنه أصل من الأصول، ولا يقبل فيها الظن. فإن ذلك محل نزاع طويل المعترض مستظهر فيه من الجانبين، بل>(2) لما سيأتي في باب الأخبار من أن الآحادي إنَّما يقبل فيما يمكن اختصاص الراوي به. وجزموا بكذب الآحادي في أشياعه، ستأتي واختلفوا فيما تعم به البلوى، وغير ذلك من القرائن الموجبة للرد، ونقل واحد للإجماع من ذلك القبيل ليعد اختصاصه من بين سائر المجتهدين به مع شدة حرصهم وبحثهم /692/ عن الخلاف، والإجماع. وتوقَّف قوم.
[{فصل}]
[{وإذا قال بعض، وسكت الباقون، فإنْ علم أنَّ سكوتهم رضاً فإجماع}] إلاَّ أن الطريق إلى العلم بالرضا خفي لا يعلم إلاَّ بإخبارهم عن أنفسهم، وذلك يُعيده من الإجماع القولي [{وإن لم يُعلم، فإن كان مما لا تكليف علينا فيه كالقول بأن عماراً أفضل من حذيفة، فلا إجماع، ولا حجَّة. وإن كان مما فيه تكليف، فإن كان قطعياً}] بمعنى أنه من أصول الدين التي لا يكفي فيها الظن [{وكان لسكوتهم محمل غير الرضا}] من خوف، أو تقدَّم إنكار أو نحو ذلك [{كإمامة الثلاثة}] بناءً على أن الإمامة قطعية، وأنه لم ينكر أحد إمامتهم. وفي المقامين نزاع طويل. [{فكذلك}] أي: لا حجَّة، ولا إجماع لعدم تحقُّق الرضا من الجميع [{وإن لم يكن له محمل فإجماع}] لأن السكوت على مخالفة القطعي لغير عذر مما ينزَّه عدول الأمَّة عنه.

(1/16)


واعلم أن المنسوب إلى القطع في عباراتهم قد يريدون به المدلول بمعنى أنه لا يثبت إلاَّ بقاطع. وقد يريدون به الدليل بمعنى أنه مفيد للقطع. والذي أراد المصنِّف /693/ هو الأوّل. وفيه بحث؛ لأن كون بعض المدلولات لا يثبت إلاَّ بقاطع حكم آخر يفتقر إلى دليل، ولم يستندوا فيه إلاَّ إلى أن ما كان من العقليات، أو من الأصول الكلية، فلا يكفي فيه الظن. أمَّا العقليات، فإن أرادوا أن مخالف نقل العقلي المبتوت لا يصح إلاَّ قاطعاً فوهم(1) لأن القواطع لا تتعارض، أو المشروط فالبراءة الأصلية حكم عقلي مشروط بأن لا ينقلها الشرع. وقد جوَّزوا نقلها بالآحاد، ولم يمنعه إلاَّ الظاهرية. وإن أرادوا أنه لا بد في موافق العقل من قاطع فظاهر السقوط، وأمَّا الأصول لا شبهة في أن كون بعض الأحكام أصلاً، وكون بعضها فرعاً لا يثبت لذات الحكم، بل لدليل. فالدليل(2) إما العقل، ولا مدخل له في تأصيل غير العقليات، أو الشرع، ولا تخصيص فيه لحكم بالأصالة، ولحكم بالفرعيَّة (إلاَّ الإيمان وهو راجع)(3) إلى دليل عقلي هو(4) المعجزة، فإذن أحكام الشرع إنما تفتروا بقطعية دليل بعضها، و(5)ظنيَّة بعض. فقولنا: شرعي قطعي نسبة إلى الدليل القطعي لا غير فقطعيَّة المدلول الشرعي إذن فرع عن قطعية دليله، وليس له من نفسه أصالة ولا فرعية، ولا قطعية ولا ظنيَّة؛ لأن الأصل هو الدليل لا المدلول.

(1/17)


إذا عرفت هذا عرفت أن لا أصالة من المدلولات لغير العدل، والتوحيد والإيمان /694/ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم للمعجزة العقلية، وأن كل ما وراء الإيمان فرعي، وأحكام أصول الفقه ليست شرعية، بل بعضها لغوي وبعضها عقلي. والحكم بحجيَّة الإجماع والقياس، والآحاد، ونحوها فرعيي لاستناده إلى أمارة شرعية من فروع الإيمان وإنما سمَّوها أصولاً للفقه، الذي هو الشرع لتكميلها دليله من الكتاب والسنَّة بتبيين وجه دلالته، أو عدم دلالته، وبعد هذا التطويل تعلم أن حجيَّة السكوت (لا تعلم حتَّى يعلم أن دليل حل المسكوت عليه قطعي. وإذا علم أن دليل حله)(1) قطعي (فليس الدليل على الحل هو السكوت، أو يعلم أن دليل تحريمه قطعي فالإجماع السكوتي ظن)(2) لا يعارض القاطع، سواء كان السكوت لحامل، أو غير حامل فالسكوت إذن في القطعي(3) ليس بحجَّة، سواءً وافقه أو خالفه.

(1/18)


[{وإن كان اجتهادياً قبل تقرُّر المذاهب فاختلف في ذلك على القول بالتصويب}] وأما على التخطئة كما هو رأي الصحابة، والتابعين، فالظاهر أن السكوت إجماع. [{مع انتشاره}] أي: انتشار ما قع السكوت عليه من قول أوف عل، أو ترك [{فعند أكثر الفقهاء أنه إجماع}] لأن صدوره مع عدم تقُّرر المذاهب يقضي بأنه لو كان باطلاً لأنكر كعلى فرض التخطئة بخلاف ما إذا كانت المذاهب قد /695/ تقرَّرت فإنه قد علم أن كل صاحب مذهب منكر لمذهب خصمه، وإنما ترك الإنكار لعدم جدواه [{أبو علي و}] السكوت في مثل ذلك، إنما يكون حجَّة [{مع انقراض العصر}] والسكوت مستمر لم ينكره أحد [{ويسمَّى}] إجماعاً [{استدلالياً. وعند المتوكل، والمهدي، وأبي هاشم، والكرخي(1)، وعن الشافعي حجَّة لا إجماع}] بمعنى أنه يسوغ للمجتهد العمل على وفقه، وإن جازت مخالفته اجتهاداً. وقد عرَّفناك غير مرَّة أن معنى الحجيَّة عدم جواز المخالفة. وليس ذلك إلاَّ للقطعيات [{وهو الظاهر من كلام الهادي}] وإنما يتمشَّى على جواز تقليد المجتهد لغيره.
[{جمهور أئمتنا، وأبو عبد الله والأشعرية، والظاهرية، وعن الشافعي: لا إجماع ولا حجَّة}]؛ لأن الفرض على التصويب، وهو مانع من الاعتراض، بسواء تقرَّرت المذاهب أم لم تقرَّر، وبهذا يعلم أن لا حجَّة للمثبت في تخطئة بعض أصحابه لبعض لأنهم كانوا يرون أن الحق مع واحد، والتصويب، إنما عرض القول به في الزمن الأخير إلاَّ أن فرض المسألة على التصويب مما لا جدوى له؛ لأن مناط الحجيَّة تصويب الساكت، لا تصويب من بعده. والتصويب إنما عرض بعد تقرُّر المذاهب.

(1/19)


ابن أبي هريرة: إن كان}] الفاعل للمسكوت عنه [{مفتياً فإجماع، وإن كان /696/ حاكماً فلا إجماع ولا حجَّة}] لأن الحكم لا ينقض، وإن كان خطأ. فالسكوت لا يدل على الإصابة بخلاف الفتيا [{وعكس المروزي}]؛ لأن المفتي غير ملزم فلا محذور بإلزام الخطأ، فالسكوت، إنما هو لعدم إلجاء المفتي إلى الخطأ بخلاف الحاكم، فإنه إذا ألزم بالخطأ أنكر عليه الإلزام. فإذا سكت عنه دل السكوت على الإصابة [{وإن لم ينتشر، ولم يُعرف مخالف فقيل: إجماع}] وقيل: حجَّة، وهو مذهب عوَّل عليه القاصرون من المقلدين [{والمختار، ووفقاً للجمهور: أنه غير إجماع ولا حجَّة}] لعدم الدليل على أحدهما [{الملاحمية، والرازي: إن عمَّت به البلوى فحجَّة}] لأن عموم البلوى توجب انتشاره فيكون من القسم الأوَّل [{وإلاَّ فلا}] حجَّة ولا إجماع. والجواب منع استلزام عموم البلوى للانتشار كما سيأتي في الأخبار إن شاء الله تعالى.
[{والقول بما لم ينصوا على إثباته ولا(1) نفيه لا يخالف الإجماع}] لأن عدم القول ليس قولاً بالعدم كما سيأتي في إحدات دليل، وتعليل، وتأويل، لم يتعرَّضوا له [{وقد وهم في ذلك أبو جعفر}] فزعم أن كلَّما سكتوا عن القول به فقد قالوا بعدمه /698/.
[{فصل}]

(1/20)


[{أئمتنا، والجمهور: ولا يشترط في انعقاد الإجماع انقراض عصر المجمعين خلافاً لأحمد وابن فوراً مطلقاً}] في السكوتي، وغيره [{ولأبي علي في السكوتي}] كما تقدَّم له [{وللجويني فيما مستنده قياس}] لنا: أن حجيَّته ثبتت عقيب القول به، فلا يجوز مخالفته لأحد من المجمعين، ولا لغيرهم. وأجيب بالمنع؛ لأنه مصادرة؛ ولأن جهة كل قضية مقيَّدة بوجود ذات موضوعها. أو وصفه(1) ضرورة أن قولنا: الإجماع حجَّة قضيَّة معناها أنه حجَّة ما دام إجماعاً لا بعد الخلاف. كما أن الكاتب متحرك الأصابع. معناه، ما دام كاتباً لامتناع بقاء المحمول مع انتفاء ذات الموضوع أو وصفه. ألا ترى أن قولنا: القرآن حجَّة معناه ما دام قرآناً، لا المنسوخ حكماً، وتلاوة. وهذا أمر لا شبهة فيه. ومدَّعي خلافه مدَّعٍ لخلاف الضرورة بلا دليل. وتقريره: أنا قد سلّمنا أن الحجَّة(2) إجماع الموجودين في عصر على أهله. ولا ينافي ذلك رجوعهم، ولا نسخة بإجماع من بعدهم، كما تقدَّم في النسخ. وفي المقام أدلَّة ساقطة محصلها المصادرة. ويغني عنها /698/ ما ذكرنا. وأما وجه تخصيص السكوتي، وما مستنده قياس فهو ضعفها وكونهما حجَّة ظنيَّة، يجوز مخالفتها بالاجتهاد.
[{فصل}]
[{أئمتنا، والجمهور: ويعتبر}] في أهل الإجماع [{من لم يشتهر بالفتيا}] <من المجتهدين>(3) [{خلافاً لابن جرير}] بناءً على ما سيأتي له من أن إجماع الأكثر هو الحجَّة، [{والتابعي المجتهد}] يعتبر [{مع الصحابة إذا بلغ رتبة الاجتهاد، وقت إجماعهم خلافاً للظاهرية}] بناءً على أصلهم المتقدم في عدم اعتبار إجماع غير الصحابة [{فإن نشأ بعد إجماعهم اعتبر عند مشترط انقراض العصر}] وهذا تكرير للمسألتين لا وجه له.
[{فصل}]
[{أئمتنا، والجمهور: والمعتبر إجماع كل أهل العصر، فإن خالف واحد أو اثنان فليس بإجماع}] بناءً على أن لفظ ((المؤمنين)) ولفظ ((أمتي)) عام لكل فرد/699/.

(1/21)


[{خلافاً لابن جرير وبعض البغدادية، والفقهاء}] بناءً على عدم عموم الجمع واسمه لكل فرد. وإنما يعم مراتب الجموع. وقد تقدَّم البحث في باب الجموع، العموم(1).
[{ولا بحجَّة خلافاً للأشعرية}] استبعاداً؛ لأن يكون الراجح متمسك النادر، وأُجيب بأن الحق لا يعرف بالكثرة، بل الأمر بالعكس، فإن الحق قليل مع القليل كما صرَّح بذلك الكتاب، والسنة [{وقيل}]، وإن خالف أكثر من اثنين أيضاً فهو [{إجماع ما لم يبلغوا عدد التواتر}] بناءً على أن الحجيَّة عقلية لا سمعية. وهو تهافت لا يثبت الشرع بمثله، وإلاَّ لزم تضليل الأنبياء المخالفين لأممهم.

(1/22)


[{الإمام و(1) أبو عبد الله الجرجاني}] قول من عدا المخالف [{إجماع مالم يسوغوا له الخلاف}] لأن تسويغهم دليل أنهم لم يجزموا بالحكم [{ولا يعتبر وفاق من سيوجد خلافاً لمن يشترط انقراض العصر ولمن زعم أنه لا يكون حجَّة إلاَّ إذا كان قول جميع الأمَّة من وفاته صلى الله عليه وآله وسلَّم إلى انقطاع التكليف}] محتجاً بأنه لو كفى من في بعض الأعصار لكفى بعض من في عصر؛ لأن الأمَّة إن عمَّت كل فرد مِمَّن آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلَّم فمطلوبة، وإن كانت للجنس لزم ما ذكر ضرورة. وأنتم تمنعون الأمرين بلا دليل. وأجيب بأنه /700/ لو اعتبر إجماع من سيوجد، لما وجد إجماع قط. ورد بمنع بطلان اللاَّزم مسنداً بما تقدَّم من حجج نافي وقوع الإجماع [{ولا}] يشترط وفاق [{العوام خلافاً لأبي عبد الله والباقلاني}] لنا: لو اعتبر وفاق العوام لم يتصور إجماع. وأجيب بمنع بطلان اللاَّزم كما تقدَّم. قلنا: تحرم عليهم مخالفة المجتهدين. قالوا: محل النزاع <لأن حرمة المخالفة عليهم فرع ثبوت الإجماع بدونهم فإلزامهم الموافقة إيجاب للتقليد عليهم، ولا يجب>(2) التقليد [لعدم وجوب التقليد](3) في الظنيات، وإنما تحرم مخالفة القطعيات. وهي لا تخفى على العوام لمعرفتهم لها بضرورة الدين، ولهذا يقرون على ما فعلوه مالم يخالف الضرورة. وأيضاً يجوز أن يقلدوا ميتاً مخالفاً لما أجمع من بعده عليه. ثُمَّ ينبني المنع على أن القول: يموت بموت قائله. هي مسألة لم يسبقه خلاف مستقر.

(1/23)


[{واختلف في من لم يبلغ درجة الاجتهاد كالمحدث: فقيل: يعتبر مطلقاً}] لأنه من الأمَّ [{وقيل: لا يعتبر مطلقاً}] كالعامي، بجامع عدم الأهلية لاستنباط الحكم [{وقيل: يعتبر المتكلم الأصولي}] لقوة نظره [{وقيل: الفروعي}] لقربة إلى معرفة أحكام الشرع [{والمختار: أن الحكم المجمع عليه إن كان من فنِّه أو يتمكن /701/ من النظر فيه}] هذا خلاف فرض المسألة؛ لأنها مفروضة في من لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق، أو في مسألة أو فن على القول بتري الاجتهاد [{اعتبر وإلاَّ فلا}] لأن مدار الاعتبار، وعده على الأهلية وعدهما.
[{فصل}]
[{ولا يعتبر كافر التصريح}]؛ لأنه ليس من الأمَّة [{وفاسقه}] أما على من يحتج بالآية الكريمة. ويرى أن الإيمان مرادف للعدالة، فظاهر. وأمَّا على من يحتج، بالسنَّة فلتخصيصه الفاسق من الأمة بالقياس على شهادته. والقياس أحد الأدلة. وأمَّا قوله: [{إجماعاً}] فإنما هو قيد للكافر لعدم كونه من الأمَّة. وأمَّا فاسق التصريح فدعوى الإجماع على عدم اعتباره، وهم صريح؛ لأنه من الأمَّة، فالأدلة لا تنتهض بدونه [{واختلف في كافر التأويل، وفاسقه، فعند بعض أئمتنا وأبي هاشم(1)، وجمهور الأشعرية يعتبران}] لأنهما من الأمَّة [{وعند جمهور أئمتنا وأبي علي والقاضي /702/ لا يعتبران}] قياساً لهما على المصرِّحين، وهو قياس ساقط لظهور الفارق بين العمد والخطأ بضرورة الدين، كتاباً وسنة.

(1/24)


[{الغزالي: يعتبر الفاسق دون الكافر}]؛ لأن فاسق التصريح أصل قياس فاسق التأويل. وقد قيل: باعتباره، فأصل القياس غير مجمع عليه بخلاف أصل قياس كافر التأويل، فهو مجمع عليه [{وقيل: يعتبر الفاسق}] المصرِّح. وإن كان المصنِّف إنما ذكره في معرض الكلام على المتأوّل، فإن التصريح بالمصرِّح، صريح كلام الأصوليين [{في حق نفسه}] أي: فيما يكون عليه لا له، كما لو أجمعوا على إباحة شيء، فخالفهم إلى حرمته. فلا تكون الإباحة إجماعاً لتبقى عليَّة التحريم. وكل هذا خبط وتخييل لما ليس بدليل دليلاً.
[{وإذا اختلفت الأمة على قولين ثم(1) كفرت إحدى الطائفتين سقط خلافها، وكان إجماعاً}] وينبغي أن لا يكون في ذلك خلاف؛ لأن الكفر يحبط الأعمال بخلاف الموت [{وكذا إن فسقت}] على رأي من لا يعتبر الفاسق [{خلافاً للإمام وأبي هاشم}](2)، ومن يقول بالموازنة؛ لأن الفسق لم يحبط قولها الأوَّل [{أو ماتت أيضاً}] فإنه يسقط خلافها، ويصير قول الباقين(3) إجماعاً على رأي من لا يشترط أن لا يسبقه /703/ خلاف مستقر، لا على من اشترطه [{خلافاً للإمام وغيره}] من المشترطين في الإجماع أن لا يسبقه خلاف مستقر بناءً على أن القول لا يموت بموت قائله. وسيأتي أن كلاً من الفريقين يدّعي الإجماع على ما ذهب إليه [{فأمَّا المبتدع بغيرهما}] أي: بغير ما يتضمن الكفر والفسق [{فمعتبر}] اتفاقاً [{البصرية: ويوصف}] الكافر والفاسق [{المتأوَّل بكونه من الأمَّة}] وقيل: لا يوصف بذلك. قلنا: حديث ((ستفترق أمتي)) صريح في أن الهالكة من الأمَّة. قالوا: مجاز باعتبار ما كانت عليه كالعبد للمعتق. قلنا: الأصل الحقيقة. والإضافة لا تستلزم كل ملابسة، بل تكفي أدنى ملابسة. وهي التصديق والمعرفة للبعض.
[{فصل}]

(1/25)


[{أئمتنا، والجمهور: وهو حجَّة في الأمور الدنيوية}] يريد بالدنيوية غير العبادات، وإن كان له تعلُّق بالدين [{كالآراء}] المصلحية [{والحروب}] الجهادية، فإن لها نسبة إلى صلاح الدين والدنيا [{خلافاً للقاضي في أحد قوليه}] ذاهباً إلى أن الإجماع إنما يكون حجَّة لدلالته على مستند هو نص في المجمع عليه. ومثل الآراء والحروب لا يستند إلاَّ إلى حدس وتجارب. ولا نص للشارع على إيجابها/704/.
[{الشيخ، وأبو رشيد إن استقر}]ولم يرجع عنه أحد من المجمعين إلى انقراض عصرهم [{فحجَّة، وإلاَّ فلا. الحفيد: كله ديني فلا تصح قسمته إلى ديني، ودنيوي، وهو فاسد؛ إذ المراد بالدنيوي غير العبادات، وإن كان دينياً}] كالحروب التي هي جهاد [{فأما الدنيوية التي لا يتعلق بها تكليف كالزراعة ونحوها ففي كونه حجَّة فيها خلافاً}] من ذهب إلى حجيَّته نظر إلى أن التكسّب لكفاية النفس، والعيال واجب شرعي وغايته أن تكون المكاسب واجبات مخيّراً فيها فيكون ذلك دينياً كما ذكره الحفيد، ومن ذهب إلى عدم حجيَّته نظراً إلى أن الواجب المخيَّر لا يتعين منه بعض دون بعض إلاَّ بنص شرعي، يستند الإجماع إليه، وإلاَّ فليس لأهل الإجماع التعيين من تلقاء نفوسهم تظنّناً.
[{فصل}]

(1/26)


[{وإذا ظهر الإجماع}] <بنقله عن كل واحد حتَّى السكوتي، فإنه لا بد من نقله القول أو الرضا عن كل واحد>(1) [{ثُمَّ نقل الخلاف عن واحد}] (كلام متناقض؛ لأن الإجماع إنما يظهر بنقل عن كل واحد) <من ترجيح نقل الخلاف>(2) حتَّى السكوتي فإنه لا بد من نقل القول أو الرضا /705/ عن كل واحد (فإذا نقل خلاف واحد)(3) تعارض النقلان، ولزم فيه ما سيأتي من الترجيح (والتعادل)(4) فالقول(5) بأنه إذا كان كذلك [{لم يقدح عند بعض علمائنا والجمهور}] قول مخالف لما سيأتي <من ترجيح نقل الخلاف>(6) (في قاعدة التعارض)(7) [{خلافاً للمنصور وغيره}] بقاءً على ماهو حق التعارض من ترجيح <نقل الخلاف>(8)(أو توقَّف)(9). وأما التمثيل بقوله: [{كإجماعهم على أن ما وصل الجوف مفطر، ثُمَّ نقل خلاف أبي طلحة في البردة}] فتمثيل لم يصدر عن تأمُّل؛ لأنه إن كان قد علم(10) دخول أبي طلحة في الإجماع بنقل صحيح عنه فهذا من رجوع بَعْض المجمعين. وهو مسألة أخرى يُصحِّحه من يشترط انقراض العصر ويمنعه من لا يشترطه، وإن لم ينقل عن أبي طلحة دخول معهم فلا إجماع. وهو مسألة إذا ندر المخالف [{وقيل: حجَّة}] بناءً على أن ندرة المخالف لا تمنع الحجيَّة، وقد تقدَّم.
[{والمختار: أن الإجماع إن ظهر بآحاد قدح فيه ذلك}] لأن الآحاد تقام الآحاد فيلزم مقتضى التعارض [{وإن ظهر بالتواتر لم يقدح فيه}]، وهذا حق، إلاَّ أنه لا وجه لتخصيص هذا المقام بذكره؛ لأن هذا شأن كل متعارضين.

(1/27)


وسيأتي بابه [{فأما إذا كان}] للعالم [{قولان يوافق أحدهما الإجماع، ويخالفه /706/ الآخر، فإن تقدَّم الموافق فإجماع. وإنما يجوز الثاني عند مشترط انقراض العصر وإن تأخَّر}] القول الموافق [{فقال المهدي: إجماع}]؛ لأنه لا يشترط في الإجماع صدوره من المجمعين في وقت واحد [{وقال الإمام: ليس بإجمال}] ولا وجه له <إلاَّ ما سيأتي من كون الأول بمنزلة الحكم>(1).
نعم، لو لم يوافق إلاَّ بعد إن وجد مجتهد آخر غيره، وغير المجمعين أوَّلاً لم يكن إجماعاً إلاَّ بذلك المجتهد الناشئ فيحمل كلام الإمام على هذا ليكون وجهاً له.
[{فصل}]
[{وإذا اختلف أهل العصر، ولم يستقر خلافهم ثُمَّ اتفقوا فإجماع}] اتفاقاً [{واختلف إذا استقر هل}] يتأتَّى عادة أنهم [{يتفقون بعده، والإمام، والطوسي، والغزالي: يمتنع}] اتفاقهم عادة كامتناع انقلاب الجبل ذهباً <قيل: ولأن الخلاف إذا استقر كان إجماعاً منهم على أنها خلافيَّة، فلا تصح مخالفهم(2) بعد ذلك للإجماع، وردَّ بمنع كونه إجماعاً على خلافيتها. كيف وكل فريق نافٍ لقول صاحبه>(3).
[{الجمهور: بل يجوز}] إن أريد الجواز عقلاً بمعنى عدم الاستحالة للذات فلا نزاع /707/ فيه، وإن أريد لجواز عادة احتاج إلى نقل جزئي من المعتاد الذي هو محل النزاع، ولا يوجد [{ثُمَّ اختلفوا: فعند بعض العلماء ليس بإجماع}] لو وقع لأن رجوع المجتهد عن القول الأوَّل المخالف إلى الموافق، كرجوع الحاكم عن الحكم، فكما لا يصح نقض الحكم، فكذا لا يصح الرجوع(4) [{أئمتنا، والموسوي، وأبو علي، وأبو الحسين، وبعض الشافعية، ومن يشترط انقراض العصر: بل إجماع}] وكون الرأي الأول بمنزلة الحكم ممنوع.
[{فصل}]

(1/28)


[{واختلف في اتفاق أهل العصر الثاني، كالتابعين على أحد قولي أهل العصر الأوَّل بعد استقرار خلافهم}] لا حاجة إلى هذا القيد في هذه المسألة، وإنما يحتاج إليه في التي قبلها؛ لأن اتفاق أهل العصر الثاني إنما يكون بعد موت أهل العصر الأوّل، فكيف يكون(1)، قبل استقرار خلافهم(2) [{فعند أحمد، والأشعري، والجويني، والغزالي، والصيرفي يمتنع}] عادة(3) لما(4) تقدَّم في المسألة الأولى.
[{أئمتنا، والجمهور: بل يجوز، ثُمَّ اختلفوا في وقوعه، فأكثرهم على أنه واقع}] كما اختلف /708/ في بيع أمهات الأولاد، ثُمَّ أجمع من بعدهم على منع بيعهنَّ. وكان عمر ينهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج، ثُمَّ صار جوازه إجماعاً، وأجيب بمنع الإجماع على بيع أمهات الأولاد، لاستقرار الخلاف فيه إلى الآن <عن جابر وابن مسعود وابن الزبير وابن عباس في رواية عنه وعليه>(5)، (كما)(6) عليه الإمامية، وهو قول الإمام محمد بن مطهر، وولده من متأخري أئمة أهل البيت. وأما نهي عمر فلأنه مجرد استحسان من الغريب الملغي، لاعترافه بسنِّيَّتة لقوله: ((متعتان كانتا على عهد رسول الله [صلَّى الله عليه وآله وسلَّم](7) أنا أنهى عنهما)) فلم يخالف في السنيَّة [{سواءً شذَّ المخالف}] في العصر الأول كما في الإجماع على أن البَرَد مقطر بعد خلاف أبي طلحة [{أو كثر، ثُمَّ اختلفوا فعند جمهور أئمتنا، وأبي علي، وأبي الحسين، وبعض الفقهاء: أنه إجماع فيحرم العمل بمخالفه، لانقراض قائله، وعند بعض الفقهاء، والمتكلمين: ليس بإجماع، فيجوز العمل بمخالفة؛ إذ لا يموت بموت قائله}] وتحقيقه: أن الحجَّة إجماع من وجد من الأمَّة. والموت والحياة لا دخل لهما في المقتضى، ولا في المانع، فلا يرد عدم اعتبار من سيوجد، ولا قياس ما استقر الخلاف فيه، على مالم يستقر؛ لأن مالم يستقر ليس في العرف قولاً لأحد، وإنما هو يروي قول. [{وقيل: إن كان المتفقون

(1/29)


هم المختلفين فإجماع يحرم /709/ مخالفته وإلاَّ فلا}] هذا القيل هو ما في الفصل الأول بعينه [{واستبعد ابن الحاجب وقوعه إلاَّ عند شذوذ المخالف <من أهل العصر الأول>(1)}] كما في الإجماع على خلاف قول أبي طلحة في البردة، وأبي موسى في عدم نقض النوم للوضوء [{وأما قبل استقرار خلافهم فجائز}] لما تقدَّم من أن مالم يستقر فيه الخلاف لا يكون شيء من الأقوال فيه قولاً في العرف لأحد.
[{فصل}]
[{أئمتنا، والجمهور: ويمتنع إجماع أهل العصر الثاني على خلاف إجماع أهل العصر الأول، خلافاً لأبي الحسين الطبري(2)، وأبي عبد الله، فالثاني ناسخ عندهما بناءً على أصلها في جواز نسخ الإجماع، والنسخ به، واختاره الرازي}] وقد تقدَّم تحقيقه في النسخ فلا نكرره.
[{فصل}]

(1/30)


[{أئمتنا، والجمهور: والتمسك بأقلَّ ما قيل}] <وحده على دعوى مركبة من إثباته ونفي غيره>(1) /710/ [{ليس بإجماع}] أي: ليس تمسكاً بإجماع <على جزئي الدعوى المركبة، وإن كان تمسكاً بإجماع على أحدهما>(2) [{خلافاً للشافعية، فمثل قول الشافعي أن دية اليهودي ثلث دية المسلم، إجماع عندهم لاشتمال الدية الكاملة، والنصف عليه}] يريد أن من العلماء [رضي الله عنهم}](3) من ذهب إلى أن دية اليهودي دية كاملة، ومنهم من ذهب إلى أن دينه نصف دية، فمن ذهب إلى أنها ثلث دية، فقد <تمسك على مدَّعاه بإجماع>(4) [{وليس كذلك لأنه}] أي: القول بالثلث [{مركب من إثبات القليل، ونفي الزيادة}] على الثلث. والقائل بالكل والنصف لم ينف الزيادة، بل أثبتها. وإثباتها يُناقض نفيها، فإن أُبدي وجه مانع من الزيادة، أو انتفاء شرط، أو أن الأصل عدمها، لم يكن إثبات المطلوب بمجرد الإجماع، بل بدليل غيره <ولهذا قال الغزالي في المستصفى والرازي في المنتخب: المتفق عليه(5) وجوب القليل والمختلف فيه سقوط الزيادة فالنفي والإثبات لم يتواردا على موضوع متحد ولا محمول؛ لأن ثبوت الإجماع متوجِّه إلى وجوب القليل ونفيه متوجه إلى نفي الزيادة، وهذان حكمان لا حكم واحد}](6) [{فأمَّا استدلال أئمتنا على قصر الإمامة في ولد السبطين فليس منه}] أي: ليس من التمسك بأقل ما قيل <وحده بل به وبغيره>(7) [{لتركبه) <أي الاستدلال>(8) (من الاتفاق على صحتها فيهم، وعدم الدليل على صحتها في غيرهم}].

(1/31)


وأمَّا حديث: ((الأئمة من قريش)) فقال النجري في شرح القلائد: إن من للتبعيض وهو بعض مُبْهم. فوجب الاقتصار على البعض المجمع على أهليته، ولا إجماع /711/ إلاَّ على ولد السبطين، فقُلِبَ عليه الدليل بأن قيل: اتفقتا على بعض مبهم واختلفتا في تخصيص بعض معين، فلا إجماع على التخصيص، وهو مدعاك؛ لأن الصحة لا يستلزم الاختصاص. قولك: لا دليل على صحتها في الغير، وهم؛ لأن البعض المطلق ظاهر في الأحد الدائر في قريش مجاز في الأحد المعين، كاضرب رجلاً، والظاهر هو الحقيقة وهي الأصل.
[{فصل}]
[{ولا إجماع إلاَّ عن مستند، دلالة}] قطعية كما مفهوم الدليل عند المتكلمين [{وهو اتفاق}] بين من أثبت الإجماع؛ لأن الدليل القطعي لا يبعد الإجماع فيه عقلاً [{أو أمارة}] ظنيَّة [{أئمتنا: ولو اجتهاداً}] في دلالات النصوص كالمفاهيم، وقرائن تعميم الخاص. وتخصيص العام، ونحو ذلك [{أو قياساً كتحريم شحم الخنزير}] قياساً على لحمه المنصوص عليه بناءً على أن الشحم ليس من مسمَّى اللَّحم. والظاهر أنه منه، وإن اختص باسم منفرد كاختصاص بعض اللَّحم باسم /712/ كالكلية، والكبد، والسنام، ونحو ذلك، فإن لحم كل شيء لُبُّه، وما في جوفه. ومنه: لحم الحنظل، وشحمه، لما يحويه قشره [{خلافاً لابن جرير والظاهريَّ}] بناءً على أصلهم في نفي القياس [{وقيل: لم يقع عنهما}] أي: عن الاجتهاد، والقياس، وإن كان ممكناً في نفسه.

(1/32)


بعض الشافعية: يجوز إن كان القياس [{جلياً لا خفياً فأما(1) تمثيل ذاك}] أي: الإجماع المستند إلى القياس [{بإمامة أبي بكر}] حيث قاسوا استخلافه للإمامة العظمى على استخلاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم إيَّاه في إمامة الصلاة بقولهم: رضيك لأمر ديننا أفلا نرضاك لأمر دنيانا [{فمخالف}] إدعاء الإجماع عليها [{للمعلوم ضرورة للقطع بوقوع الخلاف فينا <واستمراره>(2) سلفاً}] كما قال أمير المؤمنين كرم الله وجهه: ((أما والله لقد تقمَّصها ابن أبي قُحافة، وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا ترقى إليَّ الطير)) وما كان من حديث سعد بن عبادة (رضي الله عنه)(3) في ذلك. وقول عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرَّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه [{وخلقا}] من جهابذة أئمة أهل البيت عليهم السلام، وشيعتهم الكرام [{وببطلان /713/ القياس}]؛ لأن الصلاة يكفي فيها العدالة بالإجماع، بل منهم من جوّز إمامَة الصلاة للفاسق، بخلاف الإمامة العظمى، فالعلم والعدل مشترط فيها وفاقاً، ومن جوَّز إمامة الجائر لم يجوز العقد له ابتداءً، وإنما جوَّز تبقيته إذا فسق بعد العقد إن لم يكن خلعه إلاَّ بإراقة دماء وهتك حرم وأموال. وإلاَّ وجب خلعه. فكيف يصح القياس مع ذلك، والإجماع المستند إلى قياس، واجتهاد [{يحرم مخالفته حيث يكون عنهما خلافاً للحاكم صاحب المختصر}] محتجاً بأن الفرع لا يزيد على أصله، فكما يجوز مخالفة الاجتهاد يجوز مخالفة ما تفرع عنه، واستند إليه؛ لأن حجيَّة الإجماع لا لذاته، بل لدلالته على مستند للحكم [وإلاَّ لم يحتج إلى مستند ولا بكونه جزء حجة والمستند جزؤها الآخر؛ لأن ما صحَّح كونه جزء حجة صح كونه حجة مستقلة. وبهذا تعلم أن لا يدل على صحة مستنده؛ لأن ذلك معنى كونه حجة على الصحة، فيكون دوراً، ولعدم العصمة](4) عن الخطأ كما تقدَّم [{أئمتنا، والجمهور: وليس لهم أن يجمعوا

(1/33)


جزافاً}] لأنهم متشرِّعون لا مشرِّعون [{وقيل: يجوز إذ هم مفوضون وللصواب معرَّضون، ومرجعه إلى قول مؤيس}]/714/ وسيأتي تحقيق ذلك في الاجتهاد إن شاء الله تعالى.
[{فصل}]
[{وإذا أجمع على موجب خبر متواتر}] بمعنى أن رواته بلغت نصاب التواتر [{فإن(1) كان نصاً جلياً وتواتر في عصر المجمعين وبعدهم فهو مستند الإجماع اتفاقاً}] وفيه بحث؛ لأن التواتر في العصر لا يستلزم التواتر لكل أهل العصر. وقد صرَّح محققوا العلماء بأن المتواترات لا يجب التساوي فيها لجواز التساوي فيها لجواز أن يتواتر لأحد مالم يتواتر لغيره ضرورة. وإنما يجب التساوي في البديهيات. وإذا جاز تواتر شيء للبعض دون البعض فلأي وجه نجزم بأن مستند الكل هو ذلك المتواتر للبعض دون البعض [{وإن لم يتواتر بعدهم وعلم بدليل أنه مستندهم، فكذلك، وإن لم يعلم فعند أئمتنا، والجمهور أنه مستنده قطعاً}]، وهذا هو القطع بغير تقدير [{وعند أبي عبد الله لا يقطع به}]، وهذا هو الحق الواجب لحق الورع، على أن المسألة لا ثمرة لها رأساً، فهي من الفضول الذي لا ينبغي أن يشتغل به ذو دين، فضلاً عن ذي علم؛ لأن الحكم على الأمة بأنهم استندوا إلى ذلك بخصوصه ممَّا /715/ لا تكليف به، علماً ولا عملاً. ولو قيل: إن الثمرة هي الحكم بصحة ما استندوا إليه لكان ذلك ممنوعاً، فإن ذلك فرع العصمة عن الخطأ. ولم يثبت للأنبياء، فضلاً عن أممهم كما تقدَّم [{وإن لم يكن نصاً جلياً جاز أن يكون مستنده أو غيره من دلالة أو أمارة. وأما الأحادي فإن علم أنهم أجمعوا لأجله بأن نصوا على ذلك أو تنازعوا أو توقفوا(2) ثُمَّ انقطع التنازع أو التوقُّف عنده}] أي عند الاطلاع على الأحادي [{أو عرف بالنظر}] في عباراتهم [{أنه المستند فهو المستند اتفاقاً، وهو}] أي: الإجماع [{حينئذٍ قطعي في الأظهر}] وإن كان مستنداً إلى آحادي، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الآحادي بمعنى أنه ينقلب قطعياً؛ لأن الإجماع تصحيح

(1/34)


له قطعاً اتفاقاً [{فإن لم يعلم أنهم أجمعوا لأجله، فالمختار وفاقاً لأبي عبد الله وأبي الحسين أنه لا يقطع، بذلك خلافاً لأبي هاشم(1)}] محتجاً بأنه إذا لم يوجد مستند غيره لم يخل الأمر من أن يكونوا أجمعوا جزافاً، أو لأجله. الأوَّل باطل. والثاني، متعيِّن.
ورد بأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، إلاَّ أن يكون نفي الوجدان صادراً عن كل الأمَّة [{وقال الحفيد: إن كان في باب الاعتقاد أو ما يترتب عليه كالموالاة /716/ والمعاداة، علم أنهم أجمعوا لأجله، وإن كان عملياً محضاً فلا قطع}]؛ لأن الفرض أن لا نص سواه. والاعتقاد لا يثبت بالاجتهاد بخلاف العمل فيجوز الاستناد فيه إلى اجتهاد [{وفيه نظر}] من وجهين:ـ الأول: أن الآحاد لا يفيد إلاَّ الظنّ. والاعتقاد لا يصح استناده إليه بخلاف العمل، فالظن كافٍ فيه. فكان القياس عكس قوله الثاني أن الاعتقاد قد يثبت بالقياس. كيف وتكفير المتأول وتفسيقه إنما يثبت بالقياس على المصرِّح. وكادت الأمَّة أن تجمع على ذلك لولا أن حفظ الله عصمتها بمخالفة أفراد في ذلك.
[{فصل}]

(1/35)


[{الإمامية، وجمهور أئمتنا: وقول الوصي وفعله حجَّة}]، فإذا تواتر عنه كرَّم الله وجهه الجزم بحل شيء، أو حرمته لم تجز مخالفته، فإن معنى الحجيَّة كما عرفت حرمة المخالفة ووجوب الموافقة قطعاً. وذلك إنما يحصل عن تواتر دليل الحجيَّة، ونصية دلالته عليها، فإذا رأيت بعض أئمتنا يخالف قول الوصي كرَّم الله وجهه فاعلم أنه لم يتواتر له عنه. فإن المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخالف كما علمت. وإنما كان حجَّة /717/ [{للعصمة}] الثابتة بآية التطهير، وخبري السفينة، وإني تارك فيكم، وخبر الكساء، وغير ذلك مما يشهد له خصوصاً بالأوليَّة في ذلك، والأوليويَّة <كحديث الراية الدال على عصمته قطعاً، فلا يرد أن بقية أهل الكساء معصومون؛ لأن عصمة كل واحد غير قطعية>(1) ولا معنى للحجيَّة إلاَّ ذلك، وإلاَّ عاد بالشك في صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم، والقرآن.

(1/36)


[{الجمهور: ليس بحجَّة}] لأن <حجيَّة قوله ليست قطعية>(1)، وينبغي أن يكون محل الخلاف كما في سيرته في البغاة، فقد احتجت به الأمَّة قاطبة، ولا يعلم فيه إلاَّ خلاف الخوارج. إلاَّ أن كونه حجة قاطعة محل مناقشة، ولهذا لم يقيّد الصنِّف حجيّته بالقطع، وإذا لم يكن قطع فلا معنى للحجيَّة كما علمت؛ لأن الظن ليس بحجَّة، وإنما هو مسلك رخص للمجتهد في سلوكه. ولا ينتهض على خصمه إلاَّ ما منع الخلاف كما حقَّقناه لك /718/ غير مرَّة. ولهذا خالف الصحابة رضي الله عنهم اجتهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الفداء، وفي الخروج إلى أحد، وفي النهي عن صوم الدهر، وفي النهي عن القرآن في الحج، وخالفه البراء بن معرور في استقبال الصخرة. وقالوا له يوم بدر(2): إن كان رأياً رأيته فليس برأي، وإن كان وحياً فلا رأي لنا مع رأي الله. فقال: بل رأي رأيته، ورجع إلى رأيهم. وخالفه أمير المؤمنين كرَّم الله وجهه في ترك قتل الذي أمره بقتله حين اتَّهمه بأم ولده فوجده مجبوباً فتركه، وصوَّبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما أخرجه مسلم. وغير ذلك مما يطول تعداده، ويقضي بأن كل اجتهاد ليس بحجَّة على العموم حتَّى يستند إلى حجَّة حقيقية. ولهذا قال: [{بعض أئمتنا: أرجح من غيره}] من المجتهدين في الصحابة. وذلك إنما يكون بالنسبة إلى المقلِّد. وأمَّا المجتهد فقد علم عدم حجيَّة مجتهدي الصحابة عليه. ولو قال البعض بأنه أرجح من اجتهاد المجتهد لنفسه لكان ذلك معنى الحجيَّة عليه المانعة لاجتهاده. [{ثُمَّ اختلفوا، فقيل: مع كونه غير حجَّة}] على المجتهد، بل يجوز له العمل بما أدَّى إليه ظنُّه(3)، وإن خالفه [{وقيل: مع الوقف}] إلاَّ أن حاصل الوقف هنا عدم انتهاض دليل الحجيَّة، وأنه يوجب نفيها.

(1/37)


[{فأما فيما الحق فيه مع واحد. فاتَّفق أئمتنا على أن قوله حجَّة}] إلاَّ أن في ذلك /719/ بحثاً تقدَّم نظيره. وهو أن ما ألحق فيه مع واحد دليله قطعي، فالحجَّة(1) هو الدليل القطعي، لا من عمل على وفقه، فلا يعرف كون قوله حجَّة حتَّى يعلم كون دليله قطعياً، ولا حاجَة حينئذٍ إلى الاحتجاج بقوله، كما تقدَّم في الإجماع على مدلوله القطعي.
[{وعلى القول بأنه حجَّة، فقيل: مخالفة فاسق}] وهو تهافت لأن قوله: إن كان في القطعيات فالفسق لمخالفة القطعي. وإن كان في الظنِّيات فلا يزيد اجتهاده على اجتهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم. وقد خالفه هو وغيره كما تقدَّم [{وقيل آثم}] بمعنى أن مخالفته ليست من الكبائر المعلومة. والتفسيق إنما يكون بها. [{وقيل: مخطٍ}] إنما يتمشَّى على القول بأن دليل حجيَّة قوله ظني. أما إذا قلنا: هو قطعي فلا أقل من الإثم إن لم يكن فسقاً؛ لأن القطعي ليس بمحل للاجتهاد [{<وقيل بالوقف>(2)}].

(1/38)


[{ولا حجَّة في قول غيره من الصحابة خلافاً للشافعي(1)، ومحمد وأبي علي، وأبي عبيد الله وبعض المحدثين}] لحديث ((أصحابي كالنجوم)) وغيره مما ورد في فضلهم. وأجيب بأنها إنما تدل على أهليتهم للتقليد، وإلاَّ لزم التناقض عند اختلاف آرائهم لوجوب طاعة كل واحد، وعدم وجوبها [{ولأبي حنيفة إن خالف القياس}] لأن /720/ مخالفته تُشعر بنص ورد بمنع ذلك، وبأن الحجَّة(2) أصل أعظم لا يثبت بمثل ذلك التجويز [{ولا في إجماع الخلفاء الأربعة خلافاً لأحمد وأبي حازم}](3) لحديث: ((عليكم بسنتي وبسنة(4) الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ)) ونحوه، قلنا: إن كانت سنتهم سُنته فالحجَّة هي، وإن كانت مخالفة لها. فتمام الحديث ((وإياك ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)) على أن المراد بالخلفاء ليس الأربعة، بل من اتَّصف بالرشد والهداية، وهما في المتابعة لسنة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلّم، لا غير [{ولا العمرين خلافاً لقوم}] لحديث ((اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر، وعمر)) قلنا: لا صحة للحديث، ولو صح الصحة الآحادية فهو خطاب للمقلدين، ولا خصوصية لهما بصحة التقليد [{ولا أهل الحرمين خلافاً لقوم}] محتجين بما ورد في فضل الحرمين. قلنا: فضل المحمل لا يوجب حجيَّة الحال فيه؛ لأن مكة إنما فضلت بالبيت والمدينة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولو سلَّم فالحجيَّة غير الفضل.[{ولبعضهم في أهل مكة}] لأنها مجمع أهل الإسلام من كل ناحية فيبعد أن لا يطلع أحد منهم على الراجح. وأجيب بالمنع مسنداً بأنها كثيراً ما تخلو عن المجتهدين، فضلاً عن جمعهم(5) [{ولمالك في أهل المدينة}] /721/ لمثل ما قيل في مكَّة استدلالياً، وجواباً. وإن أريد إجماع من في زمان مالك، فإنما يسندون إلى حكمهم برجحان ما استندوا إليه. وحكمهم برجحانه لا يستلزم رجحانه في الواقع حتَّى يثبت أن حكمهم حجة على غيرهم، وأنه دور

(1/39)


[{<ولا المصرين في الأصح>}](1) [{ولا في قول الإمام خلافاً لأبي العباس والإمامية}] بناءً على وجوب عصمته ومحل تحقيق ذلك هو الكلام على أن العصمة لا تستلزم الحجيَّة؛ لأن غاية العصمة لزوم كون ما قال به الإمام حقاً. وحقية ما قال به لا يستلزم بطلان ما قال به غيره. أمَّا على التصويب فظاهر. وأما على التخطئة فلما تكرر(2) غير مرَّة من أن المعصم لا يعصم عن الخطأ. والمصيب لا يتعين اتفاقاً، فمن أين يلزم تعينه للإصابة. ووجوب الاتباع في خطأ أو صواب، إنما يثبت للنبي صلى الله عليه وآله وسلَّم بمثل {لاَ تُقَدِّمُوْا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُوْلَهُ} و {اتَّبِعُوْهُ} ونحو ذلك. فإن أريد قياسه على النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم. أو الاستدلال بإطلاق {أَطِيْعُوْا اللَّهَ وَرَسُوْلَهُ وَأُوْلِيْ الأَمْرِ مِنْكُمْ} فقد أوضحنا فساد ذلك في رسالتنا الموصومة ببراءة الذمَّة في نصيحة الأئمة.
[{ولا في إجماع غير هذه الأمة على الأصح}] لأن الحجية إنما تثبت بدليل سمعي على الأصح كما تقدَّم. ولا سمع يعتبر لغير هذه الأمَّة. وأما من يركن إلى الاستدلال بالعادة /722/ فربما يرد عليه ما قيل في التواتر: أن خبر الكفَّار والفساق قد يفيد العلم إذا تواتر، والإجماع أكثر من التواتر.
[{ولا يُشترط عدد التواتر خلافاً للجويني وغيره}] ممن يحتج بالعادة قياساً للإجماع على التواتر، وبأن الإجماع نقل في الحقيقة للمستند، والواحد لا تقوم بنقله حجَّة قطعية، وأما عندنا [{فلو لم يبق إلاَّ دون أقل الجمع فالمختار أنه حجة قاطعة}] لمدلول السمعي [{خلافاً للدواري والسبكي وغيرهما}] فنازعوا في القطع لنحو ما قال به الجويني.
[{فصل}]

(1/40)


[{وإذا اختلفت الأمَّة على قولين في مسألة أو مسألتين فصاعداً ففي إحداث قول ثالث خلاف. فعند أكثر أئمتنا والجمهور: لا يجوز مطلقاً، وهو أحد قولي المؤيَّد بالله}] بناءً على أصل فاسد وهو أن عدم القول قول بالعدم.
[{وعند الظاهرية: يجوز مطلقاً}] (وهو أحد قولي المؤيد بالله وظاهر كلام أبي العباس)(1)؛ إذ ليس عدم القول قولاً بالعدم. [{وقال المنصور وأبو الحسين، والشيخ والمتأخرون: إن رفع ما اتفقوا عليه لم يجز كحرمان الجسد}] /723/ بعد القول بأنه يأخذ المال كله، أو يقاسم الأخوة، أو يرد إلى السدس إن نقصته المقاسمة عنه. وهذا في مسألة واحدة [{وتعميم نفي النيَّة في الطهارة}] بعد القول بأنها تجب في الوضوء، والتيمّم معاً، أو تجب في التيمُّم فقط؛ لأن القولين الأولين في مسألة الجد قد اتفقا على أنه لا يحرم بالكلية، فصار إجماعاً. (وفي مسألة الطهارة قد اتفقا على وجوبها في التيمُّم فصار إجماعاً)(2). وهذا في مسألتين الجد بالكلية، ونفي وجوب النية في التيمّم مما لم يختلفوا فيه، فليس من محل النزاع؛ لأن المسألة عبارة عن الحكم الواحد يتحد موضوعه ومحموله، وإنما يختلف بإثبات المحمول ونفيه. فالجد يرث مثلاً مسألة لم يختلف فيها، وإنما اختلف في المقدار. والتيمُّم تجب فيه النيَّة مسألة لم يختلف فيها، فالتفصيل(3) في غير محل النزاع. وبذلك يعلم أن لا وجود لغير الإطلاقين [{وإلاَّ جاز كالعزل عن الزوجة المملوكة}]، قال بعضهم: يجوز العزل عن الزوجة، حرة أ ومملوكة. وقال بعضهم بعدم الجواز مطلقاً، فالقول بجوازه في المملوة دون الحرة لم يخالف إجماعاً [{وكنسخ النكاح ببعض العيوب الخمسة}] دون بعض بعد القول بالنسخ بجميعها. والقول بعدم النسخ بشيء منها، فالقول به في البعض دون البعض لم يخالف إجماعاً /724/.
[{فصل}]

(1/41)


[{وإذا استدلت الأمة بدليل، أو علَّلت بعلَّة، أو تأوَّلت بتأول، فإن نصت على منع خلافه لم يجز إحداثه}] لأنه مخالف لنص الإجماع [{وإن نصت على جوازه معيناً أو مبهماً جاز، وإن لم ينص}] وهذا هو محل النزاع، وإنما ذكر غيره محبة للتطويل [{فعند أكثر أئمتنا، والجمهور: أنه يجوز}] لأن عدم القول بشيء ليس قولاً بعدمه كما تقدَّم [{وعند بعض المعتزلة والشافعية: لا يجوز}] لأنه غير سبيل المؤمنين. وأجيب بالمنع؛ لأن سبيلهم الحكم، ولم يحكم بغير حكمهم، وإلاَّ لما جاز له أن يسكن في محل لم يسكنوه جميعاً. ولا أن يقتل الكافر بغير ما كانوا يقتلونه به، ونحو ذلك مما علم جوازه بالإجماع. وبذلك يعلم دفع احتجاجهم بـ {تَأْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ}. [{وتوقَّف أبو الحسين في إحداث دليل أو تعليل}] بخلاف إحداث تأويل؛ لأن التأويل: إخراج الدليل عن ظاهره. ولم يخالفهم فيه بخلاف الدليل والتعليل، فإنه ربط للحكم به فيتضمن مخالفتهم في ربط الحكم بغيره لعدم جواز تعدُّد العلل عنده [{وكذا أبو عبد الله، ومنع هو، وبعض أئمتنا وجمهور المتكلمين /725/ من إحداث تأويل}] لأنه إن كان راجحاً امتنع أن تجهله الأمة، وإن كان هو المرجوح امتنع أن يكون تأويلاً [{<المنصور: إن (كان)(1) الدليل أو التأويل من جهة النقل امتنع لا من جهة النظر فجائز>}].
[{فصل}]
[{ويمتنع عدم علم الأمة بخبر أو دليل ليس معه غيره مع العمل بمقتضاه، وعدمه}] أما مع العمل فلأن عملهم يكون جزافاً بغير دليل، وأما مع عدم العمل(2) فلأنه إجماع على ترك سنة، وكل هذا مبني على عدم جواز الخطأ على المعصوم.

(1/42)


[{واختلف في عدم علمهم بخبر، أو دليل راح مع العمل بمقتضاه، واستدلالهم بموافقة المرجوح، فقيل:يجوز}] إذ لا محذور؛ لأن المصلحة في العمل، وقد حصل [{وقيل: لا يجوز}] لأن الجهل بالراجح ضلالة. وأُجيب بالمنع مسنداً بأن الجهل عذر. ولهذا كان العلم شرطاً في التكليف، فلا تكليف فضلاً عن كونه ضلالة.
[{والمختار: امتناع ذلك فيما كان مشهوراً، وجوازه في غيره}] أما الجواز في غيره فلدليل المجوِّز. وأمَّا الامتناع في المشهور فالمراد الامتناع العادي، لا الشرعي، فإنه وغير المشهور سواءٌ في عدم التكليف بالمجهول علماً، ولا عملاً كما سيأتي قريباً.
[{ويمتنع قبولهم لخبر ظاهره الصحة، وباطنه البطلان، للزوم استنادهم إلى باطل في نفس الأمر}] ومبناه على وجوب(1) عصمة المعصوم عن الخطأ [{بخلاف المجتهد}] فالخطأ جائز عليه.
[{فصل}]
[{أئمتنا، والجمهور: ويمتنع ردَّة الأمة وفسقها سمعاً}] وهي أدلة الإجماع الأعم والأخص كما تقدَّم؛ لأن فيها ((حتَّى تقوم الساعة)) [{خلافاً لقوم}] محتجين بحديث: ((إن الله لا ينتزع هذا العلم انتزاعاً وإنما ينتزعه بقبض العلماء حتَّى إذا لم يبق في الأرض عالم اتَّخذ الناس رؤساء جهالاً فضلُّوا وأضلُّا فهلكوا)) وفي آخر حديث الدجال في الصحيح ((فيرسل الله ريحاً طيبةً تقبض روح كل مؤمن حتَّى لا يبقى في الأرض إلاَّ جهّال يتهارجون (فيها)(2) تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة)) ونحو ذلك. وأُجيب بنحو حديث عائشة ((يا رسول الله، أيهلك الناس وفيهم الصالحون. قال: يهلكون معهم ويحشرون على نيَّاتهم. والحق أن الردَّة فرع الإيمان. والممتنع إنما هو ارتداد كل من آمن. وأما من تقوم عليهم الساعة فإنما هم كفَّار بالأصالة لحديث: ((لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: اللَّه)) وأولئك ليسوا من الأمة ضرورة /727/.

(1/43)


[{وكذا العترة}] بل هم بالعصمة أولى؛ لأن حجيَّة الإجماع الأعم إنما قويت بحجية إجماعهم [{لا اتفاقهم على الجهل بما لم يكلفوا به}] فإنه لا يمتنع على أهل الإجماعين [{لا اتفاقهم على الجهل بما لم يكلفوا به}] فإنه لا يمتنع على أهل الإجماعين [{على الأصح لعدم الخطأ}] لأن معنى الخطأ: ترك ما كلفوا به، ولا تكليف بمجهول علماً، ولا عملاً كما تقدَّم. ولأن الخطأ الذي عصم الإجماع عنه هو الخطأ بالمعنى الأصلي لغة المرادف للعصيان، كما تقدَّم(1) [{فأمَّا انقسامهم فرقتين كل مخطئ في مسألة مصيبٌ في أخرى. فالأصح جوازه}] والإشارة بالأصح إلى ما يتوهم أنه إذا أخطأ كل من الفريقين فقد اجتمعوا على الخطأ. وإن كان كل من الخطأين في مسألة. والدفع بأن الخطأ مراد به الفرد الذهني بقرينة الاجتماع. ولم يجتمعوا عليه. لا الماهية لعدم وجودها في الخارج حتَّى يحصل الاجتماع عليها.
[{فصل}]
[{وينقسم إلى قطعي، وهو المتواتر الصادر من جميع الأمَّة، والعترة المعتبرين المعلوم قصدهم فيه}] لا حاجة إلى هذين القيدين؛ لأنهما مأخوذات في ماهية الإجماع [{وكذا المتلقى بالقبول}] وإن كانت روايته آحادية فإنه قطعي [{على الأصح}]؛ لأن تلقي الأمَّة كلها للآحادي بالقبول عمل به. وقد عرفت أنه يمتنع قبولهم لخبر ظاهره الصحة وباطنه البطلان، وسمعت ما عليه من قيل [{وظني وهو خلافهما، ويُقدم القطعي على الكتاب والسنَّة}] المتواترة لما عرفت من أن عصمة الإجماع تأبَى مخالفة القطعي فيشعر إجماعهم بنسخه. وفي ذلك من التهافت ما قدَّمنا لك في دليل الإجماع [{والقياس}] يقدِّم عليه الإجماع بالأولى جلياً كان أم خفياً ظنياً كان أم قطعياً عند من يرى أن منه ما هو قاطع.

(1/44)


[{بعض المتكلمين، والفقهاء: ومخالفته كُفر}] مخالفته ظاهرة في العمل على خلاف حكمه، إلاَّ أنه سيأتي ذكره لذلك، وكذا لو أريد بمخالفته إنكار حجيَّته؛ لأنه سيأتي، فالظاهر أن في المقام تكريراً. والأقرب إلى مناسبة التفكير هو أن يراد إنكار حجيَّته معللاً ذلك بأنه أصل أعظم كأصول الشرائع. ويرد بمنع أصالته؛ لان أصول الشرائع علمت ضرورة. وحجيَّة الإجماع لم تكد تبلغ الظن فضلاً عن القطع، فضلاً عن الضرورة.
[{أئمتنا والجمهور: بل فسق}] لأن حجيَّته لم تبلغ الضرورة. وإنما بلغت القطع، ومنكر القاطع غير الضروري فاسق لا كافر، وهو ينبني على إثبات علم غير ضروري /729/ ولا ظني، كما عليه المتكلمون. وقد بيَّنا أن لا واسطة بين الظن، والضرورة(1) في صدر مختصرنا في الأصول.
[{الآمدي، والرازي: لا أيهما}] إذ لا ضرورة ولا قطع بالحجيَّة، وإنما غايتها الظن [{فأما مخالفة مقتضاه}] أي: ترك العمل بما قضى به الإجماع مع الاعتراف بحجيَّته [{فمعصية لا يقطع بكبرها}] لعدم دليل الكبر من وعيد خاص أو تصريح بالكبر أو نحوه. وأما الوعيد في {نَوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ (وَسَاءَتْ مَصِيْراً)(2)} فإنما هو على (مخالفة)(3) الرسول [صلى الله عليه وآله وسلَّم](4) ولما فيه من الردود المتقدمَة لا تنتهض.

(1/45)


[{واختلف أئمتنا في مخالفة إجماع العترة القطعي}] أي: مخالفة مقتضاه [{فقيل: فسق، وقيل: إثم، وقيل: خطأ}] يريد بالخطأ هاهنا غير المعفوِّ(1)؛ لأن إرادة المعفوِّ يستلزم أن لا تكون حجيَّته قطعية. وأسماع الزيدية لا تصيغ إلى ذلك، كيف وقد صحَّحوا أن إجماعنا حجَّة الإجماع، ضرورة أن أدلة إجماعنا أقوى من أدلة إجماع الأمَّة. مع حكمهم بأن إجماع الأمة حجة قطعية، وأن مخالف القطعي آثم [{و}] الخطأ [{هو المقطوع به في قضاء أبي بكر في فدك}] إما لأنه لم يطَّلع على حجيَّة /730/ إجماع أهل البيت؛ لأنها غير ضرورية، أو اطَّلع عليها، لكن رآها ظنيَّة، أو رآها قطعية، لكن خصصها بما سمع من حديث ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)) وهو قطعي عنده؛ لأنه سمعه بإذنه، إن لم تصح تهمة الحافظ عبد الرحمن بن حراش لمالك بن أوس بن الحدبان بوضعه.

(1/46)


[{ولا يكفر، ولا يفسق منكر كونهما(1) حجَّة}] هذا هو التكرير الذي أشرنا لك إليه، وهو إنما يتم على تثنية ضمير الإجماعين. أما لو كان الضمير في كونهما مفرداً لأمكن تخصيص ذلك بإجماع العترة؛ لأنه فرق بين أحكام الإجماعين في مخالفة مقتضاهما، فيستلزم الفرق بينهما في إنكار حجيَّتهما [{فأمَّا ما علم من ضرورة الدين كالعبادات الخمس فمنكرة كافر اتفاقاً}] إن كان المراد: إنكار نفس ما عُلم من ضرورة الدين <كما يشهد له ذكر إنكار النص الجلي}](2)، فلا شك في كونه كفراً، إلاَّ أنه لا دخل له في المقام، إذ الكلام على أحكام الإجماع. ولا في أصول أيضاً؛ لأنه من مباحث الكلام، فهو فضول على كل تقدير. وإن كان المراد: إنكار الإجماع على الضروري فلا وجه للتكفير؛ لأن إنكار الإجماع ليس إنكاراً للحكم. [{ومنكر النص الجلي}] المتواتر فقط؛ لأن الجلاء قد يكون في الآحادي؛ إذ هو صفة الدلالة الحاصلة في المتواتر(3)، والآحاد(4) /731/ لا صفة السند.[{فاسق، لا كافر خلافاً لأكثر الإمامية}] ومعنى إنكاره حجَّة وقوعه، والتكفير بناءً على أن المتواتر ضروري. وأن الجلاء يستلزم ضرورة الدلالة، فمنكرها منكر للضرورة. وأما ترك العمل عليه مع الاعتراف به فإنما هو فسق، كترك العمل على أصول الشرائع مع الاعتراف بها.
[{ومنكر النص الخفي متأوِّلاً مخطئ قطعاً، عند جميع العترة، وشيعتهم. واختلفوا، فجزم أقلهم(5) بفسقه}] الظاهر أن حكمهم <بالفسق إنماهو لتوهم الجلاء. وإلاَّ فالحكم بفسق مخالف الخفي جزاف بيِّن>(6) [{ومتأخروهم، وبعض قدمائهم بتولِّيه}]؛ لأن سبق تحقق إيمانه معلوم. وخفاء النص مشكك في عناده. ولا يرتفع العلم بالشك، فيجب استصحاب المعلوم حتَّى يقوم دليل ناهض على نقله. [{وتوَّقف جمهورهم}].
[{فصل}]

(1/47)


[{ومعارضه من الأدلة، إن كان عقليًا لا يجوز تغيُّره}] بمعنى أن العقل حاكم به حكماً مبتوتاً، كما تقدَّم في النسخ [{وجب تأويل الإجماع إن أمكن، وإلاَّ قطع بكذبه على الأمَّة}] كلام لا طائل تحته؛ لأن الإجماع إن كان قطعياً ففرض معارضته /732/ للعقلي(1)، المبتوت فرض محال على رأي المعتزلة. وإنما يتمشَّى على رأي من لا يثبت للعقل حكماً رأساً. فيجب قبول الإجماع عنده مطلقاً. وإن كان ظنياً، فلا تعارض بين قطعي وظني. ولهذا قال: [{وإنما يتقدَّر ذلك}] أي: الحكم بكذب النقل للإجماع [{في ظنيِّه}]؛ إذ لا يمكن التعارض بين القطعيين، وكذا بين قطعي ظني [{وإن جاز تغييره}] بأن يكون حكم العقل حكماً مشروطاً [{فالمعتبر الإجماع قطعياً كان أو ظنياً}] وقد تقدَّم تحقيقه في النسخ [{وإن كان شرعياً فإن كانا قطعيين. فقال الحفيد وغيره: يمتنع ذلك؛ إذ لا تعارض بين القواطع، والنسخ متعذر؛ لأن الإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ به}] على المختار فيما تقدَّم [{والمختار: اعتبار الإجماع دون}] أي: دون القاطع المخالف له، لا لأنه نسخ بالإجماع، كما استبعده الحفيد، بل [{لأنهم لا يجمعون}] على خلافه [{إلاَّ وقد علموا نسخه لعصمتهم عن جهل القطعي. وعن مخالفته، إلاَّ أن هذا لا يتمشَّى إلاَّ على أحد وجهين بعيدين، أما جواز استناد الإجماع إلى ظني خفي نسخ به القطعي. وهو ينبني على جواز نسخ القطعي بالظني الخفي، ولا قائل به، وعلى أن الإجماع المستند إلى الظني يصير قطعياً. وعلى أن الإجماع معصوم عن الخطأ فيما طُلب كما أنه معصوم عن الخطأ /733/ فيما وجب. وإما جواز خفاء المستند القطعي على من بعدهم. وقد عرفت أن القطعي مما لا يجوز عادة اختصاص عصرٍ به دون عصر. وكل هذه الدعاوى في محل الريبة [{وإن كانا ظنيين، فإن أمكن تخصيص المعارض بالإجماع خصِّص به لا عكسه، وكذا المعارض القطعي}] متناً، يُخصَّص بالإجماع القطعي متناً [{لا عكسه}] أي: لا يُخصَّص الإجماع

(1/48)


القطعي متناً بالنص القطعي متناً، ودلالة، ولا الإجماع الظني متناً بالنص الظني متناً [{لأن الإجماع لا يقبل تخصيصاً}] كما لا يقبل نسخاً؛ لأن إجماعهم إنما يكون على حكم المستند، لا على لفظه. فإذا أجمعوا على كونه عاماً، كان كالنص على حكم كل فرد منه بخلاف النص العام، فإن دلالته على العموم ليست بالنصوص، بل بالظهور، فيقبل التخصيص. وقد يقال: حكم المستند إنما هو ظهور العموم فلا يجوز لهم الإجماع على القطع بالعموم؛ لأنه جزاف. وإذا كان الإجماع إنما هو على ظهور العموم لم ينافه التخصيص؛ لأنه تابع لمستنده. على أنهم لو صرَّحوا بلفظ ((عام)) لجاز تخصيصه كما يجوز تخصيص عمومات الشارع، إلا أن يجمعوا على أنه لا يجوز تخصيصه، فمسألة أخرى [{وإن لم يمكن}] تخصيص المعارض بالإجماع بأن كان خاصً لا يقبل تخصيصاً [{فالوقف حتَّى يظهر مرجِّح}] [{<أو إلاَّ طرح، أو التخيير كما تقدَّم في النسخ>}](1) هذا /734/ سهو، على القول بأن الإجماع أقوى، وأولى من النص. ولهذا قدم على القطعي معللاً بأنهم لا يجمعون إلاَّ وقد علموا نسخ القطعي، فما ظنك بالظني [{وإن كان أحدهما قطعياً والآخر ظنياً، فالمعتبر القطعي}] ولا نزاع في ذلك إلاَّ لمن يجوّز نسخ القطعي بالظني [{وإذا تعارض رواية الإجماع، والخلاف في شيء حملنا(2) على الصدق إن أمكن}] لا يمكن هنا إلاَّ الترجيح؛ لأن الحمل على الصدق مستلزم لاجتماع النقيضين، وإنما أ/كن في الجرح والتعديل؛ لأن حاصل التعديل ((ما علمت جارحاً بعد علمي بالعدالة)) ولا ينافي علم غيره به بخلاف رواية الخلاف والإجماع عن رجل واحد في مسألة واحدة، فإن كل واحد من الراويين يستند إلى قول للمروي عنه، فإن علم المتأخر منهما فالعمل عليه ولا تعارض. وإلا فالترجيح لا غير [{وإلاَّ}] يمكن حملهما معاً على الصدق [{فرواية الخلاف أولى}] لأنها مثبتة، ورواية الإجماع تحتمل النفي؛ لأن الإجماع السكوتي في قوة ما أنكر

(1/49)


الحكم، وهو نفي. ولو كان قولياً، أو فعلياً من الجميع لكان الترجيح بالغلبة أولى كما قلنا في ترجيح المجاز على الاشتراك، والخلاف أغلب من الإجماع، وأكثر.
[{فصل}]
[{ومراتبه) في القوة(1) (سبع}] [هذا وهم؛ لأن مدار الحجيَّة على العصمة [للمجمعين] (2) وهي متحقِّقة عنده في كل إجماع. فلا وجه (للتفضيل؛ إذ لا تفاضل لما عرفناك غير مرة أن معنى الحجيَة القطع بوجوب اتباع الحجة والقطع معناه العلم ولا يتفاوت)(3) <إذا عرفت هذا فالأقوى عنده [{ما جرى عليه السلف، والخلف. ولم يُعلم فيه خلاف. وهو عزيز لا يوجد إلاَّ فيما علم من ضرورة الدين، كأصول الشرائع، وإنمالم يحتج إليه فيها لحصول ما هو أقوى منه}] وهو الضرورة [{ثُمَّ ما انفرد به السلف}] وهو وهم أيضاً؛ لأن معنى انفرادهم مخالفة من بعدهم، لإجماعهم. وهذا إنما يتمشَّى على رأي أبي الحسين الطبري، وأبي عبد الله، واختيار الرازي>(4) [{ثُمَّ مالم ينقرض عصره}] لتحقُّق ثبات كل ن المجمعين عليه بخلاف ما انقرض فقد قيل: إن القول يموت بموت قائله <وربما يدعى العكس؛ لأن ما انقرض عصره مأمون الرجوع عنه بخلاف مالم ينقرض. فقد قيل بصحة رجوع البعض كما تقدَّم فهو معرَّض لعدم الثبات>(5) [{ثُمَّ ما افترقوا فيه على قولين، ثُمَّ اتفقوا على أحدهما}] /736/؛ لأن اجتماعهم بعد الخلاف اعتراف ببطلان الخلاف، لا كما في قوله [{ثُمَّ ما افترقوا فيه على قولين، ومضوا عليهما، ثُمَّ أتى التابعون فأجمعوا على أحدهما}] لأنه قد قيل: إن خلاف من مضى لا يموت بموته، فلا يكون الإجماع بعده إجماعاً [{ثُمَّ ما أفتى به بعض، وعلم البعض الآخر، وسكتوا}] لغير حامل أو مصحِّح للسكوت، كما تقدَّم؛ لأنه أظهر في الحجيَّة، مما لو تحقَّق خلاف واحد، أو اثنين، كما في قوله: [{ثُمَّ ما انعقد من أهل العصر معاً إلاَّ واحداً، أو اثنين. ومسائله قليلة}] إن أراد مسائله التي تحقَّق فيها

(1/50)


فمعدومة، لا قليلة، إلاَّ في الضروريات. والحجَّة فيها الضرورة كما صرَّح به آنِفاً، وإن أراد مسائله التي ادَّعى فيها فليست بقليلة، بل لا تنحصر كدعاوى آبي جعفر، ومن سلك مسلكه من القاصرين. فإن الإجماع صار حمارهم القصير إذا عجزوا عن السير مع العلماء في مهامه الأدلة، ركبوا عليه كذباً على أمة محمد [صلى الله عليه وآله وسلم](1) فإنا لله وإنا إليه راجعون [{فلتراجع بسائطها}] مشعر بأن لضبط مسائل الإجماع كتباً مبسوطة، ومختصرات غير كتب الفقه، ولا نعلم بشيء من ذلك (في غير كتب الفقه)(2) [{وأكثرها ظني}](3) ثابت بنقل الآحاد المستندين إلى ما علمت، بناءً على الأصل المنهدم إن عدم العلم بالقول /737/ أو عدم القول قول بالعدم الذي حاصله الاستدلال بجهل الشيء على العلم به.
[{باب الأفعال وما يجري مجراها}]
من تركٍ أو سكوت على فعل.
[{فصل}]
[{اختلف في عصمة الأنبياء عليهم السلام}] العصمة: مصدر نوعي للعصم، وهو: المنع؛ لأن المعصوم على نوع منه، وهو المنع من القبائح [{فعند الإمامية وبعض الفقهاء، وبعض الأشعرية: إنهم معصومون من الكبائر، والصغائر عمداً، وسهواً}] <لكن هذا إنما يتمشَّى>(4) على أن الخطأ والنسيان ليس بمعصية رأساً. وأن الصغائر، والكبائر كلها فيما عداه. وإلا فلا تخفى مصادمة هذا القول لصرائح القرآن مثل {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وقول وموسى {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} /738/ وقول أيُّوب: {إِنِّيْ مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ} وغير ذلك مما يكون خطأ سببه إنساء الشيطان، كما قال فتى موسى: {وَمَا أَنْسَانِيْهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ} وقوله تعالى: {فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} وإن كان في ذلك بعد ظاهر لا حاجة إلى ارتكابه.

(1/51)


[{الإمامية: إلاَّ على جهة التقيَّة}] لنحو قوله صلى الله عليه وآله وسلَّم لعمار: ((إن عادوا لك فعد لهم)) وقوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَّتَقُوْا مِنْهُمْ تُقَاةً} لأن التقية من جنس الإكراه. [{الحشوية والكرامية، وبعض الخوارج، وبعض الأشعرية}] وهو المروي عن أبي الهذيل من المعتزلة [{غير معصومين عنها، وتقع منهم عمداً وسهواً}](1) كما هو صرائح القرآن.
[{أئمتنا، وجمهور المعتزلة}] يعني من عدا أبا الهذيل، ومن تبعه [{والغزالي معصومون عن الكبائر}] يريد الفواحش؛ لأن منهم من ذهب إلى أن كل عمد كبيرة [{وتجوز عليهم الصغائر}] متعينة أو غير متعينة على الخلاف. ومدار حجَّة المانعين مطلقاً، أو للكبائر فقط، على أن المعاصي منفرة عن اتباع الأنبياء عليهم السلام والعصمة من المنفر لطف لا يتركه الله تعالى. وإلاَّ كان منافياً لغرض البعثة. وإن كان لا يقبح تركه عقلاً عند الأشاعرة. والمناقضة لا تجوز على الحكيم. وأجاب /739/ المجوزون بأن هذا من عدم نهضته على العصمة قبل النبوَّة ممنوع مسنداً منعه بأن نفرة المدعو عن الداعي إنما تكون إذا دعاه لما لا يطابقه، ولا يشتهيه. فأمَّا من دعى الناس إلى شهواهم، وشاركهم فيها فأتباعه أكثر. وهذا أمر ضروري لا ينكره إلاَّ مباهت. ولهذا قال تعالى: {وَدُّوْا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوْنَ} وإنما نفرنا الآن عن صاحب المعصية لما(2) تقرر عندنا من قبحها شرعاً، وذم فاعلها. والنزاع إنما هو فيما ينفر قبل الشرع. فالحق أن العصمة لا تجب إلاَّ عن ما اتفقت العقول قبل الشرع على: قبحه: كالغدر والخيانة، والكذب لغير تقيَّة، ونحو ذلك. وأمَّا غيره فلا مثل القتل الصادر عن موسى، وأكل المستلذ الصادر عن آدم. والغيرة الحاملة لأولاد يعقوب على طرح(3) أخيهم في البئر على القول بنبوَّتهم. ورمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسهم في حرب الفجار مع أنه حميَّة على قومه وفي شهر حرام، حتَّى قال

(1/52)


بعد النبوَّة: ((رميت في حرب الفجار بأسهم، وما أحب أني لم أكن فعلت)) وأخرج أئمة الصحيح قوله صلى الله عليه وآله وسلَّم: ((ما هممت بشيء(1) من أمر الجاهلية إلاَّ مرتين)) مع أنه قد سار إليه واستحفظ غنمه التي كان يرعاها. وإنما كان يعوقه السماع الذي يجده في الطريق فيشتغل به عمَّاهم به /740/ وقد صرحوا أن العزم يشارك المعزوم عليه في القبح لا سيَّما بعد انضمام الفعل إليه كالسَّير وغير ذلك، مما يطول تعداده، ولا يجد المانع له إلاَّ مجرد الدفع في وجه دليله بالرَّاح. ويشهد لما ذكرناه قوله: [{إلاَّ ما فيه خسَّة فيمتنع اتفاقاً}] لاتفاق العقول على إنكاره، والترفع عنه فهو منفر لا محالة [{وكذا ما يتعلَّق بالتبليغ كالكتمان}] لأنه خيانة، والعقول متفقة على خسَّتها فهي من الخسيس أيضاً. ولو اكتفى بذكر ما فيه خسَّة لشمل جميع ما يجب العصمة عنه.
[{واختلفوا في كيفية إقدامهم عليها. فعند الهادي عليه السلام، وأبي علي، وأبي عبد الله، والقاضي على وجه التأويل}] لشبهة تفضي في الظاهر بحلِّها. وهو تهافت؛ لأن النزاع فيما علمت حرمته؛ لأن الشُّبه لا تقوم في المحرَّم المعلوم. والنزاع فيه. وأما ما يجهل تحريمه فليس الإقدام عليه معصية، صغيرة، ولا كبيرة، وإن كان حراماً في الواقع لما علمت من أن العلم بالقبح شرط في قبح القبيح، وفي التكليف بالامتناع عنه. والمعصية هي مخالفة التكليف.
[{النظام وابن مبشر: على جهة السهو}] كما قال تعالى في آدم {فَنَسِيَ} لأن الشهوة والغضب مما ينسيان القبح [{وليس بمعفوٍ عنهم}] كما عفي عن أممهم /741/ لأن كثرة ألطافهم مما يوجب أن لا يسهو. فسهوهم في حكم عمد غيرهم، بل ، اشتهر أن(2) حسنات الأبرار سيئات المقربين كما يشهد له {يُضَاعَفْ لِهَا الْعَذَابَ ضِعْفَيْنِ}.

(1/53)


[{جمهور أئمتنا <وأبو هاشم>(1) بل يقدمون عليها عمداً، أو سهواً}] وإن كانت من كبائر غيرهم؛ لأن كبائر الأنبياء صغائر في جنب مالهم من الثواب. وهو تعليل لا يساعده معقول ولا مشروع للعلم بأن وقوع المعصية ممن حقه أن لا تقع منه أقبح مِمَّن ليس كذلك، ولهذا وجب الرجم على المحصن دون غيره. وضوعف حد الحرّ على حدِّ العبِيد، وحقَّقنا هذا المقام في شرح شرح القلائد.
وأمَّا قوله: [{ولا يقرون عليها}] فلا فائدة له؛ لأنه إن كان المراد تعريفهم بقبحها، فالفرض أنه معلوم قبل الفعل. وإلاَّ فلا معصية. فإن العلم بقبح القبيح شرط في قبحه عند الشيخين، وغيرهما. وإن كان المراد منعهم عن معاودتها، فلا فرق في فعل القبيح بعد العلم بقبحه في فعله ابتداءً، أو ثانياً؛ لأنه ليس النزاع في الكثرة، ولا القلة [بل](2) في نفس الفعل مطلقاً. وليس الكلام في الكبائر، وما فيه خسة حتَّى يعتذر بأن الكثرة منفرة دون المرة، بل في غير ذلك مما لا تنفير فيه، كثُر أم قلَّ. فقوله: [{الجمهور: ويجب خفاؤها}] لئلا تنفِّر، وهْمٌ؛ لأن المنفِّر /742/ إنما هو الكبير، وما فيه خسَّة. والخلاف المذكور إنما هو على أصل المعتزلة في تجويز الصغائر التي لا خسَّة فيها. وإنما يليق القول بوجوب الخفاء على أصل مجوّز الكبيرة وهو فاسد أيضاً؛ لأن نفس تجويز الكبيرة على النبي [صلى الله عليه وآله وسلم](3) منفر فيجب القول بمنع التجويز فضلاً عن الفعل [{ولا يعلمون صغرها إلاَّ بعد فعلها}] لئلا يؤدي إلى إغرائهم بفعلها. وكم لمتأخري أئمتنا من متابعة للمعتزلة في مثل هذه الخيالات التي لم تستند إلى عقل، ولا نقل؛ لأن كون فعل القبيح منقصة بين يدي الله. والحاجة بعده إلى مضيق وجوب التوبة، كافيان في الزجر عنه. فكيف يكون العلم بصغره مغرياً بفعله؟ كيف وقد قال المحقِّقون إن كل عمدٍ كبيرة، والعبادة على الخوف من العقاب، إنما هي وضيفة الجهَّال الذين لا يخافون

(1/54)


العقوبة بالحجاب.
وقوله: [{كالمكروه منهم}] يريد أنهم لا يعلمون كراهته إلاَّ بعد فعله؛ لأنه وإن كان من جنس الحسن عند الجمهور فهو مرجوح. والأنبياء لا يفعلون المرجوح، وإنما يفعلون الراجح؛ لأن حكمتهم من حكمة مرسلهم <وإنما يتمشَّى هذا على القول بأن المكروه من جنس القبيح كما حقَّقناه فيما تقدَّم. وفي شرح شرح /743/ القلائد [{على الأصح}] لأن فعلهم المرجوح تفويت لحكمة الراجح. وقيل: يعلمون المكروه قبل فعله، ويفعلونه؛ لأن امتناعه على الله، إنما هو لعدم حاجته إليه، وأمَّا الأنبياء فهم في مقام البشرية من الحاجة، وغيرها. والمكروه رخصة يصبح دخولهم فيها كسائر الرخص. بل قد صحَّح المحقِّقون أن وظيفة الأنبياء هي الأمر بالعزيمة. وفعل الرخصة سيراً مع الضعيف. وليس ترك الرخص في وسع أحد، فإن ما في الدنيا كله مكروه، كما في حديث ((الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلاَّ ذكر الله، وعالماً ومتعلماً، وما والاهما)) <وذلك يقضي بما ذهب إليه الكعبي من نفي المباح أيضاً [{وانعقد الإجماع على عصمتهم من تعمَّد الكذب في الأحكام}] لمنافاته الأمانة على الرسالة، ضرورة [{وجوَّزه الباقلاني}] إذا وقع منهم [{غلطاً}] لأن الغلط خطأ، والمعصوم لا يعصم عنه، كما يروى عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنَّه قرأ {أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّىَ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الأُخْرَىْ تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترجى} وأنه نزل فيه قوله تعالى: {إلاَّ إذا تمنَّى ألقى الشيطان في أمنيته} وأبى صحة ذلك من أبى من أئمة السنة. وهذا مبني على أنه لا يشترط في كذب الخبر، إلاَّ مخالفة الواقع، أو الاعتقاد. وأمَّا من يشترط الأمرين /744/ ويثبت الواسطة فيقول: ليس بصدق، ولا كذب. ونظيره قوله صلَّى الله عليه وآله وسلّم لذي اليدين ((كل ذلك لم يكن)) مع أن بعضه قد كان.

(1/55)


[{واختلف في وقت العصمة. فعند الإمامية، وبعض الفقهاء، والأشعرية: إنه وقت الولادة}] بناءً على أن العصمة بُنْيَة مخصوصة. كما سيأتي. ويشهد له(1) قوله تعالى في موسى {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِيْ}.
[{وأبو الهذيل، وأبو علي وجمهور الأشعرية: وقت النبوَّة}](2) لأن اشتراط العصمة إنما هو للحذر من التنفير عن الإجابة. ولا إجابة إلاَّ وقت الدعوة. ولا دعوة إلاَّ بعد النبوَّة. وأجيب بأن تقدُّم العلم بالتلوث بالمنفر موجب للنفير حال الدعوة، وإن لم يقارنها. وردَّ بأنه إذا دعا إلى إنكار ما كان يفعله كان ذلك أدعى إلى الإجابة حيث يتضمن تخطئة نفسه إنصافاً فهو أعون على النصح، وأظهر في القبح، كما قال موسى عليه السلام {فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّيْنَ} وإن لم يكن مثل ما فعله من المنفر، كما تقدَّم لك {{والمختار وفاقاً لجمهور المعتزلة أنه وقت التكليف}] لأنه وقت العلم بالقبح الذي هو شرط في القبح، فلا تقوم على الصبي حجة لمن نفر عنه بما فعله في حال عدم العقل. إلاَّ أن هذا لا ينتهض /745/ إلاَّ على العصمة من القبائح العقلية؛ لأن الشرعية لا تعلم إلاَّ بعد النبوَّة، إلاَّ أن يدعو النبي إلى شريعة نبي قبله قد آمن به. وعرف قبائح شريعته. وذلك إنَّما يتأتَّى في غير نبيِّنا صلى الله عليه وآله وسلَّم. على أن التعليل بالمنفر مستلزم أن لا يكون في الشريعة ما يكون سبباً للنفرة كما ادَّعى في النسخ وفي نكاح زينب وغير ذلك مما نقمه الكفَّار {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}.

(1/56)


[{واختلف في من يثبت منه}] أي: في تعيين العاصم [{وفي كيفية ثبوتها}] أي: في ما به العصمة [{فقيل: ثبوتها من الله}] بمعنى: أنه هو المستقل بفعل سببها، كما يشهد له {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} و {لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا}. [{ثُمَّ اختلفوا في الكيفية}] أي: في السبب، فإن الكيفية هي الوصف، لا ما أوجبه من علَّة [{فعند أئمتنا، والمعتزلة: بالألطاف}] التي هي فعل الله ما يكون النبي معه أقرب إلى فعل الحسن، وترك القبيح منه إلى ضدهما. وهو المسمَّى بالتوفيق ولا ينافي الأختيار [{وقيل: بُنْيَة مخصوص}] لا تقبل فعل المعصية. وردَّ بأنه إجبار على الطاعة، لا يستلزم استحقاق الثواب على فعل الحس، وترك القبيح. وأجيب بأنه ينبني على أن الطاعات ليست شكراً. ومن يجعلها شكراً لا يوجب /746/ الثواب بالعمل. وإن أوجبه وفاءً بالوعد. وذلك لا ينافي العصمة بالخلق، على البنية التي لا تقبل المعصية [{وقيل: بمنعهم من المعصية}] أي: الحيلولة بينه وبينها. كما قال تعالى في يوسف: {لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} وفسر بأنه الرد ليده عنها، وقد مدَّها إليها، وعليه ما على القول بالبنية. [{وقيل: بل ثبوتها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم}] أي: هو العاصم لنفسه ليمكن الحكم باستحقاق الثواب على فعل الحسن وترك القبيح؛ لأن اللَّطف المقرب، إن أوجب فعل الطاعة، وترك المعصية، فهو معنى الاضطرار المنافي للجزاء. وإن لم يوجبه لم يكن هو السبب، بل السبب اختيار النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم. وهو معنى فعله للعصمة.

(1/57)


[{ثُمَّ اختلفوا في الكيفية. فقيل: باختيار نفسه فقط، وقيل: مع اللُّطف منه تعالى}] بمعنى: أن العلة مركَّبة من الأمرين. إلاَّ أنه خروج عن دعوى أن الفاعل هو النبي [صلى الله عليه وآله وسلَّم] إذ لا وجه لتخصيص أحد جزئي العلة بنسبة المعلول إليه دون الجزء الآخر [{وقيل: بل ثبوتها من الله تعالى، ومن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكيفيته بخلق الدواعي، واللُّطف منه تعالى، وبفعل الواجبات واجتناب الكبائر من النبي [صلى الله عليه وآله وسلم](1) ومعناه معنى ما قبله}] /747/ أي: معنى القول بأنه باختيار النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] مع اللُّطف، [{وليس بمستقل في الأظهر}] وقوله: في الأظهر بناءً على أنه يحتمل الفرق بين القولين بأن الأول يجعل الاختيار سبباً، واللَّطف شرطاً. وأما الثاني فمصرَّح بوجوبها بهما(2)، فكل منهما جزء علَّة (وهو شبيه)(3) بما يقول أهل الكسب من المقدور بين قادرين، وإن الجزاء على فعل السبب(4) (كاف)(5) وإن لم يستقل(6) (بالفعل)(7).
[{فصل}]
[{في حقيقة التأسي، والاتباع، والموافقة، والمخالفة، والائتمام}].

(1/58)


[{فالتأسِّي}] لغة: هو الاقتداء وهما [{إيقاع فعل بصورة فعل الغير على الوجه الذي فعل}] والمراد بالوجه الغرض من الفعل، ككونه امتثالاً لوجوب أو ندب أو نحوهما. وهذا إنما يشترطه من لا يوجب التأسِّي فيما لم يعلم وجهه، كما هو رأي الجمهور لا من أوجبه كما سيأتي للمنصور وبعض المعتزلة، والشافعية والحنابلة، ولا بد أن يكون ذلك [{مع قصد اتِّباعه}] فلا يكون أحد المصلين فرادى متَّبعاً للآخر. وإن كان فعل كل منها بصورة فعل صاحبه، ووجهه <ولا /748/ يكفي مجرَّد الاتباع أيضاً بدون قصده>(1) [{أو تركه كذلك}] أي: على الوجه الذي ترك لأجله مع قصد اتباعه في الترك [{ويكون فيها دون القول}] وهو اصطلاح لم يستند إلى منقول، ولا معقول؛ لأن القول فعل في اللَّغة، ويندب التأسِّي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في قراءته، وتسبيحه، ودعائه ونحو ذلك؛ وسيأتي قول المصنِّف أن الأظهر أن التأسي قد يكون في القول.
[{ابن خلاد: لا يشترط قصد الاتِّبعاع}] لأن المبحث لغوي، ولم تعتبر فيه اللغة غير الاقتداء، والاعتبار في خير أو شر، كقول الخنساء:
وما يبكون مثل أخي ولكن

أعزِّي النفس عنه بالتَّأسي

لا تريد أنها قصدت اتباع البواكي في البكاء. وإنما يتجه قصد الاتباع في الإئتمام.

(1/59)


[{أبو طالب، والحفيد: ويشترط فيه العلم بصورة المتأسَّى فيه، وجهه من المتأسّى به}] يريد أنه يشترط أن لا تعلم الصورة. والوجه إلاَّ من جهة المتأسَّى به، ولو قال كذلك، لكان أظهر [{فلا تأسي بالمصطفى في نحو رد الوديعة}] لأنا نعلم وجه الرد ـ أعني الوجوب من العقل ـ وأما الصورة فلم تعتبر للرد صورة مخصوصة [{والمختار وفاقاً لأبي الحسين أنهما}] أي: العلم بالصورة، وبالوجه من جهة /749/ المتأسَّى به. وتثنية ضمير العلم تسامح لتعلقه بشيئين [{لا يشترطان، فنحن متأسون به في ذلك}] أي: في رد الوديعة، وإن كان وجهه معلوماً بالعقل، [{وأما اعتبار الزمان، والمكان، وطول الفعل وقصره في التاسّي، فإنَّ علم دخولها في غرض المتأسَّى به اعتبرت، كرمضان في الصوم، وعرفة في الوقوف}] والتمثيل بهما، وهم؛ لأن تعينهما(1) بالقول، فهو من الاتباع الذي سيأتي [{والطمأنينة في أركان الصلاة}] مثال للطول [{واقتصاد الإمام في قراءتها}] مثال للقصر [{وإن علم عدم ذلك لم يعتبر}] التأسي به في الصلاة في مسجده. وإن كان له فضيلة على غيره [{وإن التبس}] هذا هو محل القاعدة التي فيها النزاع وما قبل ذلك تطويل [{فمقتضى كلام أبي طالب، والحفيد، وأبي عبد الله: اعتبارهما}] لإطلاق الأمر باتباعه في القرآن، ولا مقيَّد للإطلاق [وهي من توابع الفعل](2) [{ومقتضى كلام القاضي وأبي الحسين: عدم اعتبارهما}] لأن إطلاق الأمر باتباعه لا عموم له في المتبع فيه فضلاً عن دلالته على الزمان، والمكان والهيئات. وإنما يدل على الاتباع في أصل الفعل. والأصل براءة الذمَّة عما لا دليل عليه [{والاتباع}] ضد الابتداع وهو [{المصير إلى ما تعبدنا به على الوجه الذي تعبدنا به}] قد عرفت أن المراد /750/ بالوجه هو الغرض الحامل على الفعل، والمقصود منه فلا حاجة إلى قوله: [{لأنا تعبدنا به}] لأن حاصله إرادة الامتثال لإيجاب، أو نحوه. وهذا هو الوجه والغرض من الفعل [{وهو أعم

(1/60)


من التأسي؛ لأنه يكون في القول [{أو نعمل بمقتضاه من وجوب أو ندب}] متعلقين بفعل خارجي [{أو غيرهما}] من إباحة، أو كراهة، أو حرمة [{و}] يقع [{في الفعل أو(1) الترك، كالتأسِّي. والأظهر أن التأسِّي قد يكون في القول}] وقوله (على هذا فلا فرق بينه وبين الابتداع) <بناءً على أنه يشترط(2) في الاتباع قصد الاتباع، وإلاَّ كان الفرق بينهما باقياً على غير مذهب ابن خلاَّد>(3) [{والموافقة في القول أن تقول كقوله، وإن لم يكن؛ لأنه قال. وفي الفعل أن تفعل كفعله، وإن لم يكن لأنه فعل. وفي الترك أن تترك كتركه، وإن لم يكن؛ لأنه ترك، وفي الاعتقاد كذلك}] أي: تعتقد كاعتقاده. وإن لم يكن لأنه اعتقد.
[{والمخالفة نقيض الموافق}]، وهذا مبحث لغوي، لا حاجة إليه في غرض الأصولي إلا مثل حاجته إلى معرفة مفردات اللَّغة. فتخصيصه بالتعرض له دون غيره تحكم، وتطويل بفنٍ في آخر. /751/.
[{والائتمام: الاتباع في صورة الفعل ووجهه}] ولهذا منع من صلاة المفترض خلف المتنقِّل [{أو في صورته فقط عند قوم}] ولهذا صحَّحوا صلاة المتنفل خلف المفترض.
[{فصل}]
[{أئمتنا، والجمهور: ويجب التأسي به صلى الله عليه وآله وسلم في غير ما وضح فيه أمر الجبلَّة}] أو تردّد بين الجبلي والشرعي أيضاً، كالركوب في الحج على ما سيأتي. وإطلاق الوجوب لا وجه له؛ لأنا نتأسَّى به في المندوب، ونحوه. ولا يجب علينا [{بناءً على أن التأسِّي يقع في القول على ما استظهره آنفاً [{وأفعاله، وتروكه المتعلقة به}](4) يريد المتعلق وجوبها أو نحوه به مسكوتاً عن تعلقه بالأمة <وقوله (المعلوم وجهها)>(5) [{مطلقاً}] يريد في العبادات، وغيرها [{الكرخي، وغيره: لا يجب ذلك مطلقاْ إِلاَّ فيما خصَّه دليل}].

(1/61)


[{ابن خلاد: يجب في العبادات، دون غيرها}] احتج المثبت مطلقاً بـ {مَا آتَاكُمُ الْرَّسُوْلُ فَخُذُوْهُ} فرد بأنه ظاهر فيما أمركم لمقابلته. وما نهاكم، أو بعدم ظهور /752/ الإيتاء في غير الإعطاء. قالوا: فاتبعوه. ورد بأن المراد أجيبوا دعوته، لظهور الاتباع عرفاً لغوياً في الإجابة. وهو {مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِيْنَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} ونحوها، قالوا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيْ رَسُوْلِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسنَةٌ} ورد بأنها واقعة مخصوصة. ولا عموم في اللفظ. قالوا: خلع نعله فخلعوا [نعالهم](1). ورد بأنه ليس بإجماع. وإن سلم فغير حجَّة يومئذٍ. وإن سلم فقد اعترضهم(2) وبين علة خلعه، فهو عليكم لا لكم. قالوا: لما أمرهم بالتمتع تمسكوا بفعله.ورد بما رد به الخلع، وبأنه غير محل النزاع؛ لأن النزاع في اتباع فيما لم ينه عنه. قالوا: لمَّ اختلفوا في الغسل بغير إنزال سألوا عائشة فقالت: فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم واغتسلنا <وعورض بحديث ((الماء من الماء)) والقول أقوى من الفل>(3) ورد بأنه بيان <للجنابة في>(4) {إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً} وهو غير محل النزاع. قالوا: أحوط كصلاة فائتة، ومطلقة التبستا بغيرهما، فإن الأحوط إيجاب قضاء الجميع، وتحريمه. ورد بأنه علم الوجوب والتحريم فيه. فارتفعت البراءة الأصلية لا فيما نحن فيه. فإن الفرض أن الوجوب على الأمة غير معلوم. ثم الحيطة في ترك إيجاب لم يقم عليه دليل شرعي. وقد قال تعالى: {لاَ تَسْأَلُوْا عَنْ أَشْيَاءٍ أَشْيَاءٍ} وصح عنه صلَّى(5) الله عليه وآله وسلَّم: أتركوني ما /753/ تركتكم و ((إن الله فرض فرائض، فلا تضيعوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)) والكل ظاهر في أن ما سكت النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم عن إلزام الأمة به، فليس عليها في تركه حرج. وفرض المسألة على

(1/62)


ذلك. وأما حجة المفصَّل فمبنيَّة على أن القربة ظاهرة في العبادات. وقد قامت أدلة ترغيب الأمة في القرب، هو ساقط؛ لأن غاية الترغيب الندب. والنزاع في الوجوب.
[{واختلف في طريق وجوبه، فعند أكثر أئمتنا والجمهور سمعاً}] وهو الأدلة الماضية [{لا عقلاً. الإمام، وغيره: بل عقلاً وسمعاً}] لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم وأمته متفقون في العبودية مع كونه رسولاً إليهم بأحكام الله وآدابه. فالعقل يقضي بالتشارك. وأجيب بالمنع مسنداً بأن تكليف العالم غير تكليف الجاهل، وتكليف العبد غير تكليف الحر. وذلك معلوم من ضرورة الدين، ثم العقل لا مدخل له في إيجاب الأحكام الشرعية. وإن كان المراد القياس فالفرق ظاهر، كما ذكر /753/.
[{فصل}]

(1/63)


[{وما وقع منه فواجب، أو مندوب، أو مباح}] يريد أنا نحكم بأنه أحد الثلاثة [{لامحرم كبير للعصمة}] التي قرَّرنا أنها ماعة منه [{ولا صغير}] لأنا لا نحكم بصغره إلاَّ بعد علمنا بالصغر. ولا علم له [{لخفائه}]، وأما من جعل الصغائر اللَّحم وما شابهه من محقرات الذنوب فيحكم بالصغر [{ولا مكروه لخفائه أيضاً. وقيل: لندرته}] بالنسبة إلى ما عليه منصبه، وأخلاقه فإنه قد تقدَّم أنه لا يفعل المرجوح عمداً، وأما الرخص فإنها راجحة بالنسبة إلى مقتضى شرعها. وهذا بالنسبة إلى حكمنا على الفعل. وأما بالنسبة إلى الواقع فيجوز أن يكون أحد الخمسة، لا أحد الثلاثة فقط [{إلاَّ أن يبينهما}] أي: يبين أن ما فعله معصية صغيرة. أو مكروه. فقد علمت أنهما لا يمتنعان عليه، ولا ينافيان العصمة [{وهو}] أي: الواقع منه [{على خمسة أقسام، الأول: ما وضع فيه أمر الجبلة}] أي: الطبيعة، والعادة البشرية [{مما لا يخلو عنه ذو روح كالأكل، والشرب}] مجردين عما يتعلق بهما من وجوب عند الضرورة إليهما، أو ندب عند الحاجة، أو كراهة عند الشِّبع والري، أو حرمة عند الضرر /755/ وإلاَّ لكان من القسم الرابع الآتي [{لا هيأتهما}] فإنها ليست مما تقتضيه الجبلَّة فيلحق العلم بالوجه كما في القسم الرابع، أو عدم العلم به كما في الخامس.
[{وسبيله وسبيل أمته فيه(1) الإباحة}] مالم يقترن بموجب، أو نحوه كما تقدَّم.

(1/64)


[{والثاني: ما وضح تخصيصه به، واجباً كالتوتر، والتهجّد، والمشاورة، والسواك والأضحية، وتخيير نسائه فيه}] بناءً على أن مثل {قُمُ اللَّيْلَ} و {شَاوِرْهُمْ} و {قُلْ لأَزْوَاجِكَ} أمر. والأمر يقتضي الوجوب. ومن نازع في القاعدة ينازع في الوجوب إن لمي وجد عليه دليل غير الأمر كوجوب التبليغ في {قُلْ لأَزْوَاجِكَ} (والوفاء بما قال)؛ لأن مجرد الملازمة لا يستلزم الوجوب [{أو مباحاً، كالوصال، والنكاح بلا مهر وشهود، وإلى تسع، أو محرماً، كخائنة الأعين، ونزع لأمته حتى يقاتل}] لحديثي ((ما كان لنبي أن يكون له خائنة الأعين)) و ((ما كان لنبي أن ينزع لأمته حتى يقاتل)) واعترض بأن صيغة ما كان له لا تقتضي التحريم. كما في {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِيْنَ أَنْ يَعْمُرُوْا مَسَاجِدَ اللَّهِ} وإنما المقتضي ما عرَّفناك به في المكروه من أنه مرجوح حتى جعله البعض من القبيح. وفعل المرجوح مما لا يليق بمنصبه تصوّنا لا تديناً.
[{والثالث: ما وضح فيه أنه بيان لمجمل}] تعلق الطلب فيه بالأمَّة. وتعيَّن كون /756/ الفعل بياناً له [{إما بقول مثل ((صلوا كما رأيتموني في أصلي)) أو بقرية كالقطع من الكوع}] بعد نزول {فَاقْطَعُوْا أَيْدِيْهِمَا} [{والأمَّة مثله فيه}]؛ لأنه بيان لخطاب تجه إليهم [{وأما ما تردَّد بين الجبلي، والشرعي، كالركوب في الحج فلا تأسي به}] قياس هذا أن يذكر في الخامس. ولا دخل له في الثالث والرابع.

(1/65)


[{والرابع: ما علم وجهة من وجوب أو ندب أو إباحة}] وأما الحرم والمكروه فإنهما لو وقعا منه فلا تأسي به فيهما كماتوهم بعضهم محتجاً بما روي أنه ضرب بريرة لتصدقه خبر عائشة. وأمر علياً بقتل من اتهمه بأم ولده. ومدعياً أن ذلك حجة على جواز العمل على التهمة من النصوص القرآنية بمثل: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} والسنَّة التي صرَّحت بأن حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة.وأيسر مما ادعاه هذا المدَّعى القول بأنه اجتهاد ظهر خطؤه. ولا تأسي في الخطأ ضرورة. وقوله: [{وليس مختصاً به}] يريد: وليس اختصاصه به معلوماً كما في القسم الثاني: بمعنى أن الشرط عدم العلم بالاختصاص، لا العلم بعدم الاختصاص، الذي هو منى المشاركة ليصح قوله: [{وهو محل الخلاف}] لأن الخلاف مع عدم العلم بالاختصاص، لا مع العلم بعدم الاختصاص. كما تؤديه عبارته، فإنه لا خلاف فيه /757/
[{والخامس: ما لا يعلم وجهه عبادة كان أو غيرها. واختلف فيه، فعند المنصور وبعض المعتزلة، والشافعية، والحنابلة إنه واجب في حقنا}] لما تقدَّم لمثبتي وجوب التأسي به في غير ما ظهر فيه أمر الجبلة من الأدلة المطلقة فيما علم وجه. وفيما لم يعلم بناء من هؤلاء على أن العلم بالوجه لا يشترط في حقيقة التأسي. وقد عرفت الأجوبة عن تلك الأدلة. وقال: [{الشافعي، والجويني: مندوب}] إذ لا أقل من أن يكون ما فعله راجحاً. وهو معنى الندب له. ولا أقل أيضاً من أن يرجح فعل الأمة له على تركه. وهو معنى الندب لهم. وهذا مبني على أن وجوب التأسي بالعقل أو بعموم سمعي. وكلاهما ممنوع كما تقدَّم. ولجواز تحريمه عليهم كالوصال، والتسع الزوجات.
[{بعض علمائنا، وعن مالم: مباح}] لعدم ترجح دليل رجحان الفعل، ولا الترك وهو معنى الإباحة. والأصل براءة الذمة عن الموجب، والمحرَّم، والمرجَّح.

(1/66)


[{أكثر أئمتنا، والجمهور: الوقف}] وهو هوس؛ لأن الوقف إنما يكون عند تعارض الأدلة، وتعادلها. وأما عند عدم نهضة دليل خلاف الأصل فاستصحاب الأصل كافٍ؛ لأنه دليل مستقل، لا ينفل إلاَّ بمستقل ينقله [{ومن ثم قال أئمتنا /758/ لا حجة في حكاية فعله، وتركه(1)، إذا لم يعرف وجههما}] بناءً على أن معرفة الوجهشرط في التأسي كما تقدَّم.
[{ابن الحاجب: إن ظهر قصد القربة فندب وإلاَّ فمباح}] وهو كلام في غير محل النزاع؛ لأن ظهور القربة علم بالوجه الأعم. والنزاع فيما لم يظهر وجه قربة عام. ولا خاص على أن المراد إن كان ظهر كونه قربة. لنا: فالندب بدليل القربة لا بالتأسي، إن كان المراد ظهور القربة له، فلا يستلزم ندب التأسي لجواز كونه واجباً مختصاً به، فلا تأسَّي إلاَّ أن يفعله على الوجه الذي فعله <وهو خلاف المدَّعى>(2)، وهو الوجوب، إلاَّ عند من لا يشترط في التأسي كونه على الوجه الذي فعله.
[{فصل}]
[{ويعلم وجه فعله صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم بالضرورة من قصده}] القصد خفي، ولهذا لا يصح تعليل وجوب القصاص بنفس التعمُّد. وإنما يعلَّل بمظنة الخفي، كاستعمال الجارح في المقتل. فلو قال: بالضرورة من القرائن الحالية، لكان الصواب؛ لأنها قد تفيد الضرورة الحدسية [{أو بنصه عليه، أو بوقوعه امتثالاً لدال على وجوب}] /759/ كالأمر عند من قال بأنه للوجوب [{أو ندب}] كالأمر عند من قال: إنه دال على الندب [{أو إباحة}] كما دل عليها {لِكَيْلاَ يَكُوْنَ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ مِنْ حَرَجٍ فِيْ أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} أو بتسوية بينه وبين ما علم وجهه. وتعم هذه المعرفات أنواع فعله الثلاثة}] الواجب، والمندوب، والمباح، لما عرفت من أنه لا يحمل على محظور، ولا مكروه.

(1/67)


[{ويخص الوجوب أماراته نحو: كونه محظوراً عقلاً وشرعاً لو لم يجب كالحد}] كلام لا طائل تحته. أمَّا أوَّلاً فلأن الحد وقع امتثالاً لدال على وجوب فهو من المعرَّف الأول. وأما ثانياً فلأن الفعل بعد حضره عقلاً وشرعاً، لا يستلزم الوجوب. بل هو في الإباحة أظهر، وقد تقدَّم أن المختار أن الأمر بعد النهي للإباحة. نحو: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوْا} مع كون الأصل في الأمر هو الوجوب، فما ظنك بالفعل الذي لا أصل له فيه، وإنما أصله الجواز. وكذا قوله: [{أو شرعاً كزيادة ركعة في مكتوبة عمداً}] كذا قوله: [{أو استحقاق الذم على تركه}] لا يصح معرفاً حتى يعلم أنه واجب. ولا يعلم أنه واجب إلاَّ بعد العلم باستحقاق الذم كما قدَّمناه لك في رسم الواجب [{و}] يخص [{الندب كونه مماله صفة زائدة على حسنه، ولا دليل على وجوبه..... من ذاك لا يعرف له صفة زائدة على حسنه}] حتى يعلم أنه مندوب، ولا يعلم أنه مندوب حتى يعلم أن له صفة زائدة على حسنه /760/ [{وإخلاله به بعد المداومة على فعله}] فإنه يدل على ندبه إذا كان الإخلال [{من غير نسخ}] وهذا من ذاك أيضاً لما عرفت من أن تركه كفعله يكون ناسخاً لفعله، فلا يعرف كونه غير ناسخ حتى يعرف كونه غير ناسخ، أو(1) لا يعرف كون الترك غير ناسخ حتى يعرف كون الفعل غير واجب، ولا يعرف كون الفعل غير واجب حتى يعرف كون الترك غير ناسخ، فلا يصح معرّفاً للندب [{واستحقاق المدح على فعله دون الذم على تركه}] وهذا من ذاك أيضاً كما سمعت في الواجب [{و}] تخص [{الإباحة}] من المعرفات [{مجرد الحسن}] إن أراد الحسن الشرعي، فهذا من ذاك؛ إذ لا يعرف مجرد الحسن عن مرجح فعل، أو ترك حتى يُعلم أن الحسن مجرد(2) عن مرجح فعلٍ أو ترك. وإن أراد بالحسن عدم الحرج العقلي فمشكل؛ لأن ما لا حرج فيه عقلياً قد يكون محضوراً شرعياً، كالغناء، والزنا، فلا يكون معرفاً للإباحة الشرعية. وأما قوله: [{كالفعل اليسير في

(1/68)


الصلاة بعد تحريم الكثير}] فأعجب؛ لأن التحريم إذا لم يكن إلا للكثير فاليسير إباحته ثابتة بمفهوم الصفة من الكثير. فالتعريف إنما هو بالمفهوم. وهو من النص العام للثلاثة كما تقدَّم /761/.
[{فصل]
[{وإذا عَلِم صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم بأمرٍ من مكلَّفٍ، فعل، أو قول}] ولا وجه لتخصيصهما دون الترك؛ لأنه إذا ترك مكلَّف واجباً كان حكه،كما لو فعل حراماً [{ثم سكت عن إنكاره قادراً}] على النطق بالإنكار. ولا وجه لهذا القيد؛ لأن الأنبياء لم يبعثوا إلاَّ للتبليغ. فلا يجوز عليهم السكوت قط؛ لأنه كتمان للتبليغ. وقد تقدم عصمتهم عنه اتفاقاً [{فإن كان كمي كافر إلى كنيسته}] ما علم أنه قد أنكره، وعلم أن الإنكار في الحال، لا يجدي أيضاً [{فلا أثر لسكوت اتفاقاً، وإلاّ دلَّ على الجوز إن لم يسبق تحريمه. ون سبق تحريمه فنسخ إن لم يمكن التخصيص}] أي: تخصيص الفاعل بالتجويز له دون غيره. إما بنص على التخصيص كرضاع سالم من سهلة، أو على العلَّة كسكوته لعبد الرحمن في لبس الحرير للحكة [{فإن استبشر به فأوضح من السكوت في الجواز، ولذلك تمسّك الشافعي في ثبوت(1) النسب بالقيافة لسكوته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم واستبشاره بقول المدلجي في قضية أسَامة وزيد}] وقد بدت له أقدامهما من تحت الكساء، وكان زيد أبيض، وأسامة أسود مثل القار [{هذه الأقدام /762/ بعضها من بعض، ولا حجَّة له في ذلك}] السكوت، والاستبشار [{عند أئمتنا، والحنفية؛ لأنهما إنما يكونان حجة حيث يعلم الحكم منها، لا من غيرهما، هو هنا معلوم منه}] أي: من غيرهما، وهو الفراش الثابت لزيد في أسامة، القائمة حجيَّته شرعاً على الحكم بالنسب [{و}] الاستبشار، والسكوت [{إنما فعلهما}] النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم [{لغرض جملي، وهو حسم القالة}] أي: الطعن في نسب أسامة من زيد [{بما يلزم الخصم على أصله}] فإن للقضايا المسلمات وقعاً في النفوس كوقع الضروريات، ومن هذا يُعلم

(1/69)


جواز الأقيسة المغلطية لإثبات الحق. قالوا: السكوت والاستبشار ظاهران في حجيَّتها. وسبب سكوته، وإلاَّ كان تلبيساً لا يصح منه. قلنا: [{وإنما ترك تبيين أنها ليست بطريق شرعي لظهور ذلك}] بقوله: ((الولد للفراش)) ونحوه. وقد يمنع الظهور في غير المشابه لأبيه مسنداً بقوله صلَّى الله عليه وآله وسلم في الملاعنة: ((فإن جاءت به أدعج العينين، خدلج الساقين، فهو لشريك، فجاءَت به كذلك. فقال صلَّى اله عليه وآله وسلَّم ((لولا اللِّعان لكان لي ولها شأن)) وكل ذلك تصريح باعتبار القيافة مئنَّة للنسب، وإن كان الفراش مظنَة. وذهب بعض أئمتنا إلى عموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ /763/ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ}] للبنت من الزنا، ولا معنى لإثبات النسب إلاَّ إثبات أحكامه، لو بعضها [ويشهد لذلك حديث ((هو لك يا عبد الله واحتجبي منه يا سودة))](1).
[{فأمَّا سكوته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم على منكر مع عدم العلم فليس بحجَّة}] على جوازه؛ لأن الحجية إنما حصلت من جهة أنه لا يجوز سكوته على منكر؛ لأنه خلاف تكليفه الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا تكليف لما لا يُعلم [{خلافاً لبعض الظاهريَّة}] ذاهباً إلى أن تأبيده بالوحي يقضي بأن لا يخفى عليه ما أخفي مما يتعلق به حكم شرعي. ولهذا كانت لا تخفى عليه أفعال المنافقين في السر، وأقوالهم. فإذا لم ينبه عليه بالوحي دل على عدم الحكم فيه. ورد بأن الكلام فيما علم تحريمه. ولا يجب أن ينبَّه بكل فاعل محرم بل كان يحث على التستر بستر الله.
[{فصل}]

(1/70)


[{ويقع التعارض بين فعله صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم وقوله بحيث يمنع كل منهما مقتضى الآخر}] <لكن هذا إنما يتم عند اتحادهما في وحدات التناقض الثماني المعروفة وحينئذٍ لا يستقيم قوله>(1) [{فيكون أحدهما مصصاً}] للآخر <لأن صحة التخصيص تكشف عن عدم /764/ الاتحاد في المحكوم عليه، على أن تخصيص الفعل بالقول ينبني على أن للفعل عموماً.وقد تقدَّم، وأمَّا قوله}](2) [{أو ناسخاً}] <فإنما يتمشَّى على رأي من جوز النسخ قبل التمكن كما سيأتي للأشاعرة، وأيضاً التعارض، إنما هو على تقدير الجهل بالمتأخر فقط>(3).
[{والقسمة العقلية تقضي بوقوعه بين فعلين أو قولين، أو فعل وقول، أو عكسه}] العكس هو المعكوس بعينه؛ إذ التعارض تفاعل من الجانبين، وإنما يختلفان باعتبار التقدم والتأخُّر. وهو مشترك بين الأربعة الأقسام. ولهذا(4) لم يذكر في التفصيل إلاَّ ثلاثة أقسام على أن العقل يقضي أيضاً بأن للترك والسكوت مدخلاً مع القول، والفعل؛ إذ هما دليلان مثلهما، والمجتهد لا يغرب عنه كيفية العمل، وتصوير الأقسام فلا نطول بذلك [{فأما الفعلان فإن كانا متماثلين كصلاتين في وقتين، أو مختلفين كصلاة وصوم، فلا تعارض اتفاقاً. واختلف في المتضادين كصوم، وأكل. فأكثر أئمتنا، والجمهور على أنه لا تعارض بينهما لجواز الأمر) [للنبي صلى الله عليه وآله وسلَّم] (بأحدهما في وقت <والإباحة في آخر>}] [والغرض أنا لم نعلم إلاَّ نفس الفعل لا الأمر}](5) وإلاَّ لكان من القول والفعل كما سيأتي [{إلاَّ أن يدل دليل على وجوب تكرار الأول عليه أو على أمته، أو عليه وعليهم، فالثاني ناسخ لحكم الدليل الدال على التكرار، لا لحكم الفعل لعدم اقتضائه التكرار}/765/ ولا وجه لهذه الاستثناء؛ لأنه عاد من تعارض القول والفعل. والكلام في تعارض مجرد الفعلين.

(1/71)


[{المنصور، وأبو رشيد: بل يتعارضان}] لأن الفعل ظاهر في جميع الأزمنة، والأمكنة، وذلك شبه عموم. كما سيأتي. فقول المصنَّف [{وهو لفظي، إذ مراد منكري التعارض أنه لا يمكن فيهما بمجردهما، وهو اتفاق}] وهم في دعوى الاتفاق؛ لأن مدَّعي التعارض يقول: الأول ظاهر في ثبوت حكمه في جميع الأزمنة، والأمكنة، والأحوال. فإذا تعقَّبه ما ينافيه كان ذلك نسخاً للظهور. وكذا لا يستقيم قوله: [{ومراد مثبته أنه يكون باعتبار ما ينظم إليه من القرائن <وهو اتفاق>(1)}] لأنه إذا اعتبر حصوله العموم بقرينة لفظية. كان ذلك من تعارض القول، والفعل، لا من تعارض الفعلين الذي هو محل النزاع <[{وأما القولان فيتعارضان كما تقدَّم فيكون أحدهما مخصصاً، أو ناسخاً وهو ظاهر}]>(2).
[{وأما الفعل والقول، ففيهما أربعة:ـ}]

(1/72)


[{القسم الأول: أن لا يدل دليل على تكرار الفعل في حقه، ولا على تأسِّي الأمَّة به}] فيه بخصوصه، وكل على أصله في وجوب التأسي في معلوم الوجه، وغير معلومة، وعدم الوجوب /766/ كما تقدَّم، ولو قال: أن يدل دليل على مرة الفعل لكان هو الصواب؛ لأن عدم الدليل على التكرار(1) لا يستلزم المرة [{والقول إن خصَّه وتأخَّر فلا تعارض}] في حقِّ، ولا في حق الأمة. أما الأمة؛ فلأنه لا تأسِّي عليها. فحكم الفعل غير متعلق بها بالأصالة [ولا تعلق بها حكم القول] (2). وأما في حقه [فلانقطاع حكم الفعل بالفراغ منه؛ إذ الفرض كونه مرة فقط](3)، [{وإن تقدَّم القول امتنعت}] <إذ الغرض أن كلاً منهما مانع لمقتضى الآخر كما تقدَّم للمصنِّف، وذلك إنما يتمشَّى في معين، أو مطلق قبل التمكن من فعل فرد منه، ولوا ذلك لما صح إطلاق الامتناع>(4) [{خلافاً للأشعرية}] بناءً على أصلهم في جواز النسخ قبل التمكن في مطلق ومعين كما تقدَّم [{وإن جهل فالمختار القول}] حكماً بتقدُّم الفعل، لئلا يقع التعارض المستلزم للنسخ الذي هو خلاف الأصل، وقبل التمكن [{وقيل: الفعل}]؛ لأنه كبيِّنة الخارج لنقله للحكم الشرعي فيرجح بذلك عند من جوَّز النسخ قبل التمكن فقط [{وقيل: الوقف}] لتعارض المرجحين [{وإن خص}] القول [{الأمة فلا تعارض مطلقاً}] أي: في حقه وحقهم لاختصاص القول بهم، والفعل به [{وإن عمه وعمهم، فن كان بطريق التنصيص}] عليه وعليهم [{وتأخر}] القول [{فلا تعارض، لا في حقه}](5) [لانقطاع حكم الفعل بلافراغ منه كما تقدَّم](6) [{ولا في حقهم}](7) [لعدم التأسي عليهم] (8) وإن /767/ تقدم القول فلا تعارض في حقهم لبقاء حكم القول عليهم، حيث لا علاقة لحكم الفعل بهم، حتى يلزم التعارض في حقهم بين حكم القول، وحكم الفعل [{ويمتنع في حقه}] (على الفرض المتقدِّم)(9) [{خلافاً للأشعرية. وإن جهل فكما تقدَّم}] من

(1/73)


الثلاثة المذاهب. واختيار الحكم بتقدم الفعل [{وإن كان بطريق الظهور}] بلفظ عموم، لا بتنصيص عيه صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم، وعلى أمته [{وتأخّر}] القول [{فلا تعارض. لا في حقِّه}] <فيه ما تقدَّم>(1) [{ولا في حقِّهم}] إذ لا تعلق لحكم الفعل بهم [{وإن(2) جُهِل فالوقف}] لأن التخصيص، وإن لم يكن محذوراً كالنسخ <فالحكم به فرع الحاجة إلى التخلُّص به من عهدة التكليف بقدر الإمكان. ولا تكليف على الأمة بالفعل، وترجيح التخصيص بالنظر إلى النبي صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم لا حاجة إليه، فهو فضول يُغني عنه الوقف>(3).

(1/74)


[{الثاني: أن يدل دليل على تكرار الفعل في حقِّه، وعلى تأسي الأمة به. والقول إن خصَّه فلا تعارض في حق الأمة مطلقاْ}] أي: سواء تقدَّم القول أو الفعل؛ إذ لا تعلق لحكم القول بهم [{وفي حقه إن تأخَّر فنسخ}] لدليل تكرار الفعل [إذا تأخَّر /768/ القول عن حصول التكرار وإمكانه، وإلاَّ امتنع على أصل المصنِّف] (1) [{وإن تقدَّم}] القول [{امتنع}] على المتقدم [{خلافاً للأشعرية، وإن جهل فالثلاثة كما تقدم}] في المختص به [{وإن خص}] القول فلا تعارض في حقِّه}] لعدم تعلق حكم القول به [{وفي حقهم إن تعلق } القول [{فنسخ لدليل تكرار النسخ المتعلق بهم ..... [تكرر] (2) تأسيهم أو وقت يمكن التاسي ..... [{وإن تقدَّم}] .... [{امتنع] .......... الفعل قبل ...... من فعل ...... القول}](3) [{...... للأشعرية ....جهل. فالمختار وفاقاً للجمهور: العمل بالقول لاستقلاله}] بتأدية المعاني والأحكام. بخلاف الفعل، فقد علمت أنه لا ظاهر له، والكلام هاهنا لا يخلو عن خبط، أمَّا أولاً فقد علمت أن التأسي إنما يكون بعد معرفة الوجه، فإذا كان الفرض معرفته فالاعتذار بأنه لا ظاهر له خلاف الفرض. وأمَّا ثانياً فالفرض أن عليه دليلاً قولياً. وإذا كان كذلك فقد رجع من تعارض القولين. وقد تقدَّم [{وقيل: بالفعل؛ لأنه يبيِّن القول}] كما يمثل المنطوق إذا خفي بالمحسوس و(4)الأولى التعليل بأن عليه دليلاً قولياً. فهو عمل بدليلين. ودليلان من جنين أقوى من دليل. وما ذكروه لا دخل له في الترجيح؛ لأن المروض ظهور حكم القول والفعل، وعدم حاجتهما إلى البيان الذي يدعي رجحان أحدهما فيه<الإمام>(5) [{القاضي، وابن زيد وغيرهم: بل يتعارضان، فيرجَّح أحدهما على الآخر ـ إن أمكن ـ وإلاَّ رج إلى غيرهما من الأدلَّة}] كلام لا طائل تحته؛ لأنه نفس الترجمة، ونفس ما قال به الأولون. ونما اختلفوا في وجوه الترجيح [{وإن عمَّه}] القول [{وعمَّهم

(1/75)


وتأخَّر فنسخ}] لدليل <التكرار بشرط أن يكون القول بعد التكرار. أو إمكانه، وإلاَّ امتنع ما في قوله>(1) [{وإن تقدَّم امتنع}] لأنه نسخ قبل التمكن [{خلافاً للأشعرية. وإن جهل فالثلاثة}] المذاهب.
[{القسم الثالث: أن يدل دليل على تكرار الفعل في حقه دون تأسي الأمَّة به. والقول: /769/ إن خصَّه فلا تعارض في حقِّ الأمَّة مطلقاً تقدَّم أو تأخَّر، أو جُهِلَ لعدم تعلق حكم القول ولا الفعل بهم [{وفي حقِّه إن تأخَّر}] القول بمدَّة قد تكرَّر الفعل فيها، أو أمكن تكريره [{فناسخ}] وإلاَّ فممتنع كما حقَّقناه آنفاً [{وإن تقدَّم}] القول [{امتنع خلافاً للأشعرية، وإن جهل فالثلاثة}] المذاهب [{على الخلاف المتقدِّم}] القول [{امتنع خلافاً للأشعرية، وإن جهل فالثلاثة}] المذاهب [{على الخلاف المتقدِّم. وإن خص الأمة، فلا تعارض مطلقاً}] إذ لا علقة(2) لحكم الفعل بهم [{وإن عمَّه، وعمَّهم فكذلك في <حقّ>(3) الأمة مطلقاً، وفي حقِّه كما ذكر في الخاص به في هذا القسم}] الثالث.
[{القسم الرابع: أن يدل دليل على تأسي الأمة به دون تكرار الفعل في حقه. والقول: إن خصَّه وتأخَّر فلا تعارض}] في حقِّه [لانقطاع حكم الفعل بالفراغ منه] (4) <وفيه ما تقدَّم>(5)ولا في حق الأمة لعدم تعلق حكم القول بهم [{وإن تقدَّم}] القول [{امتنع خلافاً للأشعرية في حقه مطلقاً تقدَّم أو تأخّر، أو جهل لعدم تعلق حكم القول به.

(1/76)


[{وفي حقِّهم إن تأخَّر}] القول [{فكذلك على المختار}] والقياس: الحكم بالامتناع <لأن القول، ودليل التأسي متعلقان بمعيَّن(1) كما هو المفروض من أوَّل المسألة>(2)، وإنما التجويز قياس الأشاعرة، كما قال [{ابن الحاجب: بل نسخ}] وبذلك تعلم أن قول /770/ المصنِّف [{وفيه نظر}] إنما يكون تنظيراً على من أطلق عدم التعارض <لا على ابن الحاجب؛ لأن(3) قوله قياس قاعدة الأشاعرة>(4) [{وإن تقدَّم امتنع}] إذ الغرض أن القول في المعيّن فيمتنع تحريمه، وإيجاب التأسي فيه مع تشخُّصه [{خلافاً للأشعرية. وإن جهل فالثلاثة. وإن عمه وعمهم، وكان بطريق التنصيص، وتأخر فلا تعارض في حقِّه}](5) [لانقطاع حكم الفعل بالفراغ منه مرة](6) [{ولا في حقِّهم}] بل حكمه حكم ما اختص بهم، وتأخَّر، وقد فصّلناه آنفاً [{وإن تقدَّم}] القول [{امتنع}] في حقهم، وحقه لما تقدَّم في المختص بهم [{خلافاً للأشعرية. وإن جهل فالمختار القول}] حكماً بتأخره لئلا يقع المحذور الذي عرفت. وفيه ما عرفت من عودة إلى تعارض القولين [{وإن كان بطريق الظهور}] والتعميم [{فكذلك}] بل تأخر الفعل يكون في حقِّه تخصيصاً. ويمتنع في حقهم؛ لأن الغرض أن القول ودليل التأسي كليهما في معيَّنٍ كما هو المفروض(7) <لأن الكلام الآن في ما لا دليل على تكراره>(8).
[{فصل}]
[{في ما تدل عليه أفعاله، وتروكه المتعلقة بغيره. وفي الفعل أربعة صور:ـ}] /771/
{[الأولى: إقامته الحد على شخص لا يدل على أنه فعل كبيرة قطعاً}]؛ لأن غايته أن تقوم عنده بيِّنةُ سبب الحد. والبيِّنَة إنما تُفيد الظن. وقد قال [صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم] (9): ((فإنما أقطع له قطعة من نار)) وذلك صريح [في] (10) تجويز الخطأ [{خلافاً لأبي الحسين}] بناءً على عم تجويز الخط. وهو باطل لما تقدَّم.

(1/77)


[{الثانية: تناله من طعام. هل يدل على حل مكسبه قطعاً. المختار: أنه لا يدل على ذلك}] لمثل ما تقدَّم في الحد. ولقوله تعالى: {وَلَوْ كُْنْتَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} وذلك ظاهر في جواز مس السوء له لعدم العلم به كيف وقد سُمَّ. وأكل السم سوء ديني لتحريمه، ودنيوي لضرره [وفي قوله: ((المختار)) إشارة إلى أن هناك قائلاً بدلالة تنبئ على حل المكسب بدليل امتناعه من أكل لحم الشاة التي بعث بها إليه الأسارى وقصتها مشهورة](1).

(1/78)


[{الثالثة: إذا فعل في الصلاة فعلاً، فإن كان مما يفسد}] أي: مما علم إفساده: [{لو لم يكن مشروعاً كزيادة ركعة عمداً في مكتوبة، دلَّ على أنه مشروع فيها لغيره أيضا}] إذ الفرض أن المزيد عليه عام له ولغيره. إلاَّ أن الدليل إن عرف مجرد العمدية لم يدل على أكثر من الجواز، وعدم الإفساد. لما عرفت من أن الفعل لا يدل على أكثر ن الجواز وإن عرف كون العمدية شرعاً، كان الدليل على الشرعية هو القول لا الفعل [{وإلاَّ}] يكن مما علم إفساده [{دل على أنه فعل قليل لا يفسدها}] كلام لا طائل تحته؛ لأن /772/ القلة والكثرة أمور إضافية، فكل شيء قليل بالنظر إلى ماهو أكثر منه، وكثير بالنظر إلى ما هو أقل منه. والشارع لم يحد القليل ولا الكثير بحد. وإنما قال الإمام يحيى: هو ما أجمع على كثرته. وهو، رد إلى مجهول؛ إذ لا يعلم ما أجمع على كثرته. وهو، رد إلى مجهول؛ إذ لا يعلم ما أجم عليه. وقال المنصور: هو ما إذا رأى الرائي فاعله نَّه غير مصلٍ. وهو دور؛ لأنه لا يفهم كونه غير مصلٍ حتى يعلم أنه مشتغل بما ينافي الصلاة. ولا يعلم أن يشتغل(1) بما ينافيها(2) إلا إذا علم أنه مشتغل بمفسد. وأما قوله: [{كوضعه الحسين عليه السلام في الصلاة وحمله أمامة فيها}] فلا يدلان على كثرة غيرهما حتى يعلم كونهما معياراً للقليل؛ إذ عدم القول في غيرهما ليس قولاً فيه كما عرف. كيف وقد خرج من صلاة الجماعة ليتصدَّق بالستة الدنانير، التي كانت في البيت، وأمرهم بانتظاره حتى خرج وتصدَّق وعاد إليهم، وبنى على ما كان فعل قبل الخروج، وغير ذلك مما ادَّعى نسخه بغير نص، ولا قياس صحيح.

(1/79)


[{الرابعة: إذا أوقع بالغير نوعاً من العقوبات، كأخذ ماله}] حاشا لرسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عن أخذ مال مسلمٍ. كيف وقد قال: ((إني أحب أن ألقى الله بريئاً من دماء بني آدم، وأموالهم}] وأما الغنائم فبحكم قوله تعالى: [{أَوْرَثَكُمْ /773/ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} وغير ذلك. وإلاَّ فقد كانت الغنائم محرمة على من قبله [{فإن كان ذلك لأمر معين فهو سببه، وإلاَّ فهو لسببٍ غير معيّن}] كلام لا طائل تحته، حاصله أنه لا يكون لا لغرض ولا لسببٍ. وذلك مما علم من ضرورة أفعال الجهَّال فضلاً عن العقلاء فضلاً عن الأنبياء.
[{وفي الترك خمس صورة:ـ}]
[{الأولى: تركه للإنكار على فاعله ما علم حضره، يدل على إباحته له، وأما لغيره فإن كانت الإباحة لسبب وشاركه فيه الغير <فهو مثله>(1) وإلاَّ فلاَ إلاَّ لدليل}] وسكت عن مالا يعلم له سبب بناءً على المشاركة فيه. وهذا كله إعادة لما تقدَّم في التقرير.
[{الثانية: تركه للفعل يدل على عدم وجوبه عليه، وعلى أمته، إلاَّ لدليل يدل على اختصاصه به}] أي: بالترك، كترك الوضوء من النوم معللاً له بأنه تنام عيناه ولا ينام قلبه [{دون أمته}].
[{الثالثة: تركه للقنوت وللتشهد الأوسط مرة لا يدل على عدم كونهما مشروعين، لاحتمال السهو، لا مع التكرار، فيدل على ذلك فيهما}] كلام لا حاصل له إلاَّ أن ترك المسنون مرة لا يدل على عدم مسنونيته، وذلك ظاهر مما تقدَّم. فإن معنى كون الشيء /774/ مندوباً، كونه غير متحتم الفعل، وأما الاستدلال بتكرار الترك على عدم المشروعيّة فمبني على أنه لا يترك الراجح إلى المرجوح، كما تقدَّم.
[{الرابعة: تركه لشيء من الفروض، يدل على نسخه في حقِّه، لا في حق غيره، إلاَّ أن يتركه الغير مع علمه، وتقريره}] يأتي في ذلك ما تقدَّم في تعارض القول والفعل، فاعتبره.

(1/80)


[{الخامس: تركه قطع من سرق دون قدر نصاب السرقة، يدل على أنه لا قطع فيما دونه}] إن أراد أن ترك القطع بعد معرفة نصابه يدل على نصاب القطع فتحصيل الحاصل محال. وإن أراد دلالته قبل معرفة النصاب على عدم بلوغ النصاب فتهافت.
نعم يدل الترك على انتفاء شرط، أو سبب لا على التعيين. [{فأما تركه قطع من سرق درعاً فلا يدل على الترك فيها}] يريد أن الترك لا يدل على عدم كون سرقتها سبباً للقطع [{لجواز سقوطه لشبهة دارئة}] للحد. فإن الحدود تدرأ بالشبهات. وهذا تهافت؛ لأنه قد قرر في مسائل الترك أنه دليل على عدم وجوب المتروك، فلو جوّزنا كون الترك لمانع لما كان تركه للواجب نسخاً لجواز مانع. وليته ترك هذا الفصل المزري بالتصنيف [{وأقواله المتعلقة بغيره تأتي في الأخبار إن شاء الله}] /775/.
[{فصل}]
[{والفعل، وإن لم يتطرق إليه كثيراً من أحكام اللَّفظ كالعموم، والخصوص. ففيه ما يشبه العموم، ويحمل عليه نحو: أن يفعل فعلاً في وقت. ولا يعلم ولا يظن لشخص ولا حال ولا زمان ولا مكان فيه خصوصية) توجب اختصاصه بالحكم دون غيره (فتكون نسبته إليها على سواء}] بناءً على أن عدم القول بالفارق قول بعدمه. وقد تقدَّم ما عليه. ولو سلم فذلك إنما يستقيم في المحكوم عليه لا في المحكوم فيه، ولا زمانه (ولا مكانه) (1)؛ لأنه في المحكوم عليه نظير ما قالته الحنابلة، وغيرهم في خطاب الواحد أنه من العموم العرفي. وذلك إنما يتمشَّى في المحكوم عليه [{وفيه ما يُشبه الخصوص ويُقرّ في موضعه كاستقباله بيت المقدس، وقضاء الحاجة في العمران}] بعد النهي عن استقباله، فيكون تخصيصاً للعمران من بين الأمكنة. ولا يخفى أنه يتنزَّل على فرض التأسي وعدمه، والتكرار وعدمه. وفيه الأربعة الأقسام الماضية، فلا وجه للحكم المبتوت فيه بالخصوص، ولكن عدم التيقُّظ لِلَوازم الكلام يفعل أكثر من هذا /776/.
[{فصل}]

(1/81)


[{واختلف في تعبُّده قبل البعثة. فعند أئمتنا، وجمهور المعتزلة، وبعض الفقهاء: أنه لم يُتعبَّد قبلها بشرع}] لافتقاره في تعبُّده إلى دليل موجب عليه، إمَّا على خصوص تعلُّقه به، ولا مخصِّص. وإما على عموم شريعة من قبله، والظاهر أنها خاصَّة بأمَّة دون أمَّة. وإن عموم الدعوة لم تكن إلاَّ له، هي إحدى فضائله.
[{وقيل: بل متعبَّد ثم اختلفوا فقيل: بشريعة آدم، وقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: عيسى، وقيل: موسى}] وكل ذلك رجم بالغيب [{وقيل: ما ثبت أنه شرع}] ورد بأن من الشرائع ما هو خاص بأمَّة دون أخرى. للعلم باختلاف الشرائع في غير التوحيد، والعدل، فكان يستلزم اجتماع النقيضين في البعض.

(1/82)


[{وتوَّقَّفَ الإمام، والشَّيخ، والباقلاني، وبعض الشافعية}] ولا وجه للتوقف؛ لأنه إنما يكون عن تعارض الأدلة. ولا دليل على التعبُّد إلاَّ مجرَّد الإمكان، إن سلم بل الدليل على عدمه قوله تعالى: {مَا كُنْتَ تَدْرِيْ مَا الْكِتَابَ ولا الإيمانَ} وإذا لم يدر ما الإيمان فكيف بفروعه؟، قالوا: كان يتحنَّث كان يطوف. كان يصلِّي /777/ وهي أعمال شرعية، لا تتصور من دون تعبُّد. فإن العقل بمجرده لا يحسِّنه(1)، بل يُعلم بالضرورة ممن مارسها قصد الطاعة. وهي موافقة أمر الشارع. ورُدَّ بالمنع؛ لأنها أفعال لا تدل على وجوب ولا ندب. فكيف تدل على قصد موافقتها. وهي معنى الشرع، فأين دليل الحكم عليه الذي هو محل النزاع. وإن سلم فهي مبادئ شرعة. وهي كما تكون بالوحي تكون بالإلهام للفعل؛ لأنه نوع منه، فلم يلزم كون ذلك شرع من قبله. مع أن قوله {لِسَانَ الَّذِيْ يلْحِدُوْنَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ} رد على قولهم: إنما يعلمه بشر، ومستلزم أن لا علم عنده من شرع من قبله كما يدل عليه {مَا كُنْتَ تَدْرِيْ} [{وأما بعد البعثة، فعند أكثر أئمتنا والجمهور: أنه لم يكن متعبداً بكل شرائع من قبله، إلاَّ ما نسخ أو منع منه مانع}]؛ لأن نفي التعبُّد قبل البعثة معلل بعدم الاطلاع على الحكم، وعدم تحقق أمره به. وذلك شرط في تعلقه. وأمَّا بعد حصول الطريق فالأقدام متساوية في تعلق كل حق بها. ورد بمنع التساوي في غير التوحيد والعدل؛ لاختلاف المصالح باختلاف الأزمان. وبمنع وجوب إطلاعه على غير ما أمر به. وهو بعد ذلك شرع له، وإن وافق شرعاً سابقاً /778/.

(1/83)


[{وتوقَّف أبو طالب، والشيخ، وابن زيد، وجمهور المتكلمين في كونه طاف وسعى وذكَّى قبل البعثة، وقطع أبو رشيد بأنه لم يفعل}] شيئاً من ذلك. أما التذكية فللقبح العقلي. وهو تهافت للعلم الضروري بأنه لو خالف قريشاً في ذلك لنُقِل. وإن أريد عدم التضحية على الوجه المشروع فمسلَّم. وكذا الطواف على الوجه المشروع. وأمَّا تعظيم البيت بما أمكن فذلك ضروري عندهم. وأمَّا السعي فلأنه إنما حدث في عمرة القضاء للسبب المعروف.
[{المنصور، وأئمة الأثر، وأبو علي في رواية، أنه فَعَل}] واعتذر المانعون بأن النزاع في أنه فعله على الوجه المشروع، ولا شرع. ومجرد الفعل لا يدل على الشرعية؛ لجواز أن يكون استحساناً طابقه الشرع المتأخر. وليس ذلك بمحل النزاع.
[{باب الأخبار}]
[{فصل}]
[{لفظ الخبر، حقيقة في القول المخصوص}] وهو الذي سيأتي رسمه، بقوله: هو الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجية [{مجاز في غيره}] وهو القول النفسي، كما يقال: عندي من ذا الأمر خبر <على الأصح. إشارة إلى>(1) قول الأشاعرة: إن كل ما في النفس من أنواع الكلام يسمَّى باسم(2) ما في اللَّفظ منه حقيقة.
أئمتنا، والجمهور: لا يمتنع حد الخبر، وهو الكلام}] فلا تدخل الجمل الخبرية، والحالية، والوصفية، والمشتقات، المشتملة على نسبة إلى ضمير فيها؛ لأنها ليست بكلام. وإن أفادت نسبة كما علم.
وقوله [{ المحكوم فيه بنسبة}] يخرج الإنشاء، فإن معنى الحكم: إذعان النفس للنسبة بين المسند، والمسند إليه. والإنشاء خالٍ عن ذلك الإذعان؛ لأن تصور فقط /780/.

(1/84)


فإذن لا حاجة إلى قوله: [{خارجية}]؛ لأنه توهم أن في الإنشاء حكماً، وليس كذلك كما سمعت. وأما تسميتهم الأوامر، والنواهي أحكاماً فلأنها أسباب الحكم على الفعل بالوجوب والحرمة، ونحوهما لدلالتها على الطلب المقتضي عقلاً وشرعاً للطاعة، المانعة عن المخالفة <وإن لم يكن منعاً حقيقياً>(1) والحكم لغة: هو المنع. وليس الحكم في الأخبار هو المنع، بل القضاء نفسه، وهو التصديق المسمَّى علماً <وإن استلزم امتناع خلافه في حق الله>(2) وتقدَّم تحقيق شيء من ذلك في الحكم. فلو حذف لفظ ((الخارجية، لكان أولى لما سمعت، ولعسر تفسيرها؛ لأنها إن فسرت بما هو خارج عن النفس لم يدخل مثل ((علمت)) <والقضايا الوهمية. والطبيعية، والاستقبالية، وما لا وجود لطرفيها في الخارج، نحو: اجتماع الضدين محال>، والأخبار الكواذب؛ لأن متعمَّد الكذب ليس في نفسه حكم، وإذعان بالنسبة، بل في نفسه حكم وإذعان بنقيضها ضرورة، وإن كان في لفظه حكم بها، ودعنى إذعان بها. وكذا إن فسِّرت بما هو خارج عن اللفظ؛ لأن الأخبار المشكوكة، والكاذبة عمداً لا حكم فيها. وإنما هي مجرَّد تصوُّر كالإنشاء <فهي خارجة عن الرسم. فلو قال: ما دل على حكم بنسبة بين طرفيه، لما ورد عليه نقض؛ لأن>(3) الخبر مجرَّد أمارة على مدلوله، الذي هو الحكم النفسي المسمَّى بالتصديق، والأمارة /781/ لا تستلزم تحقُّق مدلولها في الواقع. لما علمت من أنه لا ربط بين سبب الظن، وبين متعلَّقه بخلاف العلم. وبهذا يظهر معنى قولهم: إن الخبر يحتمل الصدق، والكذب، وإنه لا ينافيه. كونه موضوعاً للصدق، ودالاً عليه. وأما اشتراطه لكون النسبة الخارجية واقعة [{في أحد الأزمنة الثلاثة}] فوهم مبني على أن كل خبر لا بد للفظيَّة، ونفسيَّة من خارجي حال في أحد الأزمنة. وقد عرفت أن حلول شيء في الزمان، فرع عن وجوده في نفسه وبعض الأخبار، لا وجود لنسبته في الخارج. وإن أريد به خارج، فإن إرادة شيء

(1/85)


لا يستلزم وجوده. وبعض الأخبار لم يكن فيه حكم بخارج(1)، كما في الكواذب والمشكوكات. كما تقدَّم لك. فلو حذف هذا القيد لكان أجمل به. وسواء كانت تلك النسبة المحكوم بوجودها في الخارج [{مطابقة}] لما هو متحقَّق في الخارج، كما في الأخبار الصادقة [{أو غير مطابقة}] كما في الأخبار الكاذبة [{والإنشاء يقتضيه}] فهو الكلام الذي لا يحكم فيه بنسبة خارجية؛ لأنه ليس إلاَّ مجرد تصوَّر المحكوم عليه، وبه. والنسبة بينهما، ولا حكم فيه بنسبة، نفسية ولا خارجية. وإن كان فيه نسبة نفسية، ففرق بين النسبة وبين الحكم بها. فإن قلت: إذا لم يكن فيه حكم، فكيف تكون الأوامر والنواهي أحكاماً لله. قلت: قد أشرنا لك آنفاً إلى وجه (تسميتها أحكاماً)(2). وقد /782/ سئمنا من تحقيق هذه المباحث، لدقتها. وحيث أحببت الوقوف على الجواب فعليك بشرح مختصرنا [{وقيل: يمتنع}] حد الخبر [{ثُمَّ اختلفوا. فقيل: لعسره، وقيل: لجلائه}] والأدلة، والردود ما تقدَّم في العِلم. فلا نطوَّل بإعادتها. وطالب التحقيق لا يتعسَّر عليه معرفة ذلك؛ لأن الخبر عِلُم، كما عرَّفناك [{وقد يرد بصورة الإنشاء}] كما في الاستفهام الصوري، نحو {هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلَكُمْ} (وغير ذلك مما عرف في النحو، والإنشاء بصورته)(3) [(وقوله تعالى: {قُلْ انْفِقُوْا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً (لَنْ يَتَقَبَّلَ) (4)} وقول كثير عزَّة:
أسيئي بناء أو أحسني لا ملومة

لدينا ولا مقليَّة إن نقلَّت

كما حقَّقه صاحب الكشاف)(5). وغير ذلك مما عرف في النحو [{والإنشاء بصورته](6)}] كما في ((اتقَى الله امرءٌ))، {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ}] ونحو ذلك.
[{والمختار في نحو: بعت، وطلَّقت، إذا قصد بها إيقاع الحكم حال النطق بها أنها إنشاء}] لأنه(7) لم يحكم فيها بنسبة خارجية متقدِّمة على اللَّفظ مشاراً به إليها.

(1/86)


[{خلافاً لأبي حنيفة}] فذهب إلى أنها خبر أشير به إلى نسبة خارجية، لما عرفت من أن الخارجية أعم مما في النفس، وما في الخارج عنها. فمن قال: بِعتُ، فقد /783/ أخبر عن بيع في نفسه، هو الرضا المشترط شرعاً. وإنما جعل اللَّفظ دليلاً عليه. كمن قال: علمت، أخبر عن علم في نفسه. وذلك ظاهر كلام الهادي في قوله في المظاهر: إنما هي كذبة كذبها، ولمدَّعي الإنشاء أدلة لا يَخفى عليك منعها بعد معرفتك أنه إخبار عمَّا حصَل في الذهن. وأن ذلك من الواقع.
[{فصل}]
[{وينقسم الخبر إلى:ـ صدق، وكذب. أئمتنا والجمهور: ويخصر فيهما}] أي: لا واسطة بينهما [{ثُمَّ اختلفوا في تفسيرهما(1). الأكثر: على أن الصدق هو: المطابق للواقع}] وقد عرفت أن الواقع قد يكون في النفس. وهو الاعتقاد، كما في: علمت، وبعثُ، وقد يكون في الخارج كما في ضربت، وسواءً كان [{إثباتاً}] كما ذكرنا [{أو نفياً}] كما علمت، ولا ضربت. فيكون الخبر صدقاً بمجرد مطابقة الواقع المذكور [{سواءً اعتقد المخبر مطابقته أو لا}] وهذا ظاهر في مثل ((ضربت)) وأما في مثل ((علمت)) ففيه إشكال؛ لأن حصول العلم في النفس هو نفس اعتقادها حصوله. ضرورة عدم امتناعها عن قبول ما أكسبها العقل، أو الحسن، أو الوهم فقبولها هو /784/: نفس الاعتقاد. والاعتقاد هو نفس حصول العلم. فالاعتقاد هو نفس ما في الواقع.

(1/87)


والجواب: أنا لا نحكم بصدق الخبر، باعتبار مطابقته لما في النفس من حيث أنه اعتقاد، بل من حيث أنه الواقع. وكذا لو قال: علمت، وليس في نفسه علم لا يحكم بكذبه من حيث كونه مخالفة الاعتقاد. بل من حيث كونه مخالفة لما فيه الواقع(1). [{والكذب غير مطابق}] لما في الواقع فيهما، أي: في الإثبات، والنفي [{سواءً اعتقد كونه غير مطابق، أو لا. النظَّام، وموافقوه: بل الصدق المطابق لاعتقاد المخبر. ولو}] كان ذلك الاعتقاد [{خطأ}] مخالفاً لما في الواقع [{والكذب مخالفته، ولو صواباً، ولا عبرة فيهما بمطابقة الواقع(2)، وعدمها}] محتجاً بما تقرَّر من أن الألفاظ، إنما وضعت للتعبير عمَّا في الضمير. وهو المعاني الذهنية، لا الخارجية، كما تقدَّم. وما في الضمير هو نفس الأعتقاد. فإذا وافقة اللَّفظ فقد صادق موضوعه. وهو معنى الصدق. وإن خالفه فهو معنى الكذب. ولا مخلص إلاَّ بمنع كون الوضع للمعاني الذهنيَّة. ودعوى كونه للمعاني الخارجية. وقد تقدَّم ما عليه <وبيان أن من الأخبار ما لا واقع له كما في الجملة الشرطية. بلو، وغيرها مما تقدَّم>(3)، ومن هنا تعلم أن احتجاجه بآية المنافقين، ونحوها، إنما ينتهض /785/ بعد انتهاض كون الخبر خبراً عمَّا في الذهن، وموضوعاً للدلالة عليه. وكذا أجوبة الجمهور عليه إنما تنتهض بعد انتهاض دليلهم على أن الوضع ليس إلاَّ لما في الخارج لا لما في الذهن، ولا يساعدهم على ذلك دليل في الأجناس، والمركبات؛ لأن الوضع للمعنى الكلي، ولا وجود له في الخارج. وإنما هو في الذهن.
نعم مثل ذلك يتأتى في الأعلام، إلاَّ أنهم صرَّحوا بأنها ليست من اللَّغة، كما تقدَّم.

(1/88)


[{الجاحظ: لا ينحصر فيهما، بل بينهما واسطة}] لأنه يدَّعي أن وضع الخبر لما في الذهن، ولما في الواقع معاً [{فالمطابق للواقع مع اعتقاد المطابقة، صدق وغير المطابق مع اعتقاد عدمها كذب. وما ليس كذلك، وهو أربعة أقسام:}] مطابقة الواقع مع اعتقاد عدم مطابقته، أو بدون اعتقاد رأساً. وعدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة، أو بدون اعتقاد رأساً [{ليس بصدق، ولا كذب}] وفيما قاله نظر <لما عرفت من(1) أن من الأخبار ما لا واقع له، غير الاعتقاد>(2) ولأنا إن سلمنا أنه موضوع لما في الذهن، ولما في الواقع معاً، فإنما يستلزم كون الصدق مطابقتهما معاً. وأما أن الكذب مخالفتهما معاً فممنوع؛ لأنه إذا اعتبر في الوضع مجموع الأمرين. كان فوت كليهما، أو أحدهما خلافه، ضرورة. ولهذا ذهبنا في /785/ مختصرنا إلى أن الصدق مطابقة الأمرين، والكذب مخالفة أحدهما، أو كليهما؛ لأنه(3) شهادة بالدليل لغير مدلوله الوضعي. فيكون الصدق قسماً واحداً، والكذب خمسة. وبعد صحَّة كون الخبر خبراً عما في النفس من النسبة تعلم سقوط أجوبة الجمهور على استدلال النظَّام بآية المنافقين. وسقوط ما زعمه بعضهم من أن ((يشهد)) إنشاء كما في بعث، وطلَّقت، لا خبر.

(1/89)


[{وظاهر قول الهادي في الكذب كقوله}] وهو اشتراط عدم مطابقة الواقع، والاعتقاد معاً [{وهما(1) بتفسير الجاحظ أخص من التفسيرين الأولين}] فكل صدق، وكذب عند الجاحظ، فهو كذلك على الأولين. وليس كلما هو صدق، أو كذب على الأولين فهو كذلك عنده لإثباته الواسطة. وأمَّا النسبة بين الأولين أنفسهما فعموم، وخصوص من وجه؛ لأنهما يجتمعان فيما ذهب إليه الجاحظ فيهما، ويفترقان في البقيَّة. [{والخلاف معنوي}] لأنه يترتب عليه أحكام للصدق، والكذب متباينة، كالحسن والقبح. والتعليق لنكاح، أو طلاق أو بيع، أو غيرهما على أحدهما [{وقيل: لفظي}] وهو ظاهر السقوط لما علمت من تباين أحكامهما. [{ويُؤُوَّل بأن المراد أنه مبحث لغوي}] حاصله الاختلاف في معناهما، لغة. وإلاَّ فلا خلاف في أن ما خالف /787/ الاعتقاد فهو قبيح. وما لم يخالفه فلا قبح فيه. وهذا التأويل فاسد أيضاً؛ لأن الحسن، والقبح إنما ينصرفان شرعاً إلى مفهومهما لغة لعدم تجدد وضع شرعي، فإذا اختلف في اللغوي، فقد صار الخلاف(2) معنوياً يترتب عليه تنافي أحكامهما [{وقولهم: محمد ومسيلمة صدقاً، أو كذباً، كذب على الأصح}] لأن نسبة الفعل إلى ضمير المثنى، نسبة واحدة. فلا يصح أن يكون الشيء الواحد صدقاً، وكذباً، لاستلزامه اجتماع النقيضين. إن قلت: فلِم رجح الحكم بأحد المتساويين على الآخر مع إمكان الواسطة أيضاً، كما ذهب إليه الجاحظ. قلت: لأن مفهوم الصدق وجودي هو المطابقة. ومفهوم الكذب عدمي، وهو عدمها. والأعدام إنما تعرف بملكاتها. وإذا لم تتحق الملكة فقد تحقق العدم.
[{فصل}]
[{وينقسم إلى: ما يُعلم صدقه، وإلى ما يُعلم كذبه، وإلى ما يحتملهما}].

(1/90)


[{فالأول: ضروري بنفس الخبر، كالمتواتر، لفظاً، أو معنى}] بناءً على ما اختاره فيما سيأتي من كون المتواتر ضرورياً، لا استدلالياً [{وبغيره كالموافق للضرورة}](1) /788/ كمن أخبر أن النار حارة. فإنه لم يعلم صدق الخبر إلاَّ بالضرورة [{واستدلالي عقلي كخبره تعالى، وخبر رسوله}] بأحوال المعاد، ونحوها مما لا يمكن الاطلاع عليه إلاَّ من جهتهما. وفيه بحث؛ لأن ذلك مجرد تصديق، وإيمان بالغيب، ولهذا مدح الله المؤمنين به. نعم، وجوب التصديق به معلوم. وأمَّا كونه علماً بالمعنى الأخص فقد عرَّفناك أن العقل لا يحكم بالمطابقة، إلاَّ عند معاينة الحقيقة، ولهذا جوَّز البعض الخلف في الوعيد؛ لأنه عفو، وهو حسن. وفرقوا بين علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. على أنه قد سلف أن الأنبياء غير معصومين من الخطأ في الخبر. وقد وقع أيضاً، كما في قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ((كل ذلك لم يكن)) وقول يعقوب في المرَّة الثانية: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً} فكيف يكون كل خبر للأنبياء معلوماً [{وشرعي كخبر الأمَّة، والعترة}] بناءَ على العصمَة عن الخطأ. وهو خطأ. نعم المعصوم معصوم عن تعمُّد الكذب. فلا يتمشَّى القول بالعصمَة عنه إلاَّ على رأي النظام. فإن المعصوم لا يعصم إلاَّ عن مخالفة ما وجب، لا عن مخالفة ما طلب، كما تكرر لك مراراً. ومع تجويز الخطأ لا يحصل علم قط، وإن حصل إيمان وتصديق [{وكذا موافقهما}] أي: الاستدلالي العقلي، والشرعي. يريد أنه معلوم /789/ استدلالاً. وفيه ما سمعت.
[{والثاني}] وهو ما يعلم كذبه، هو نفس [{نقيض ما علم صدقه}] <وقد عرفت أن التناقض هو اختلاف القضيتين في الكم والكيف، والجهة، مع اتحادهما فيما عدا ذلك من الثماني الوحدات المعروفة في المنطق>(2).

(1/91)


[{والثالث}] وهو ما يحتمل الصدق، والكذب [{خبر الواحد بما(1) لم يعلم صدقه ولا كذبه}] إذ لو أخبر بما علم صدقه لكان العلم بالصدق بغيره. ولو أخبر بما علم كذبه، لكان الكذب معلوماً بغيره <وهذا إنما يتمشَّى على رأي الجمهور، لا على رأي النظام، والجاحظ>(2) [{وقد يظن صدقه، كخبر العدل، أو كذبه كخبر الكذاب، أو يشك كالمجهول. وقطع بعض الظاهرية بكذب كل خبر لا يعلم صدقه}] قد يتوهم أن مراد بعض الظاهرية، كذب ما لا يعلم الناس كذبه(3)، وليس كذلك، بل مراده أن من أخبر بخبر وهو نفسه لا يعلم صدقه فهو كذب. وهذا معنى ما ذهب إليه النظام من كون الكذب مخالفة الاعتقاد. وإن طابق الواقع. وعليه ما في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وأبي هريرة [رضي الله عنهما](4) ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً ((إيَّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث)) /790/ فكلا الحديثين يشير إلى أن الأخبار بالمظنون كذب. وهذا عين ما ذهب إليه بعض الظاهرية، وهو من حجج النظَّام أيضاً.

(1/92)


[{وقد كذب على نبينا صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قطعاً}] لما في حديث العرض عند أهل البيت ((إنه سيكذب عليَّ كما كذب على الأنبياء من قبلي)) وكذب عليه رجل ادَّعى أنه أرسله إلى قوم لأخذ صدقهم. فأخذها وهرب. فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وجده بقتله. وسيأتي في الموضوع ذكر أمم اعترفوا بالكذب عليه، أو عرفهم الأئمة بذلك، بحيث يبلغ نقل ذلك حد التواتر المفيد للقطع. فلا يرد ما ذكره ابن دقيق العيد بأنه يجوز أن يكذب المعترف بالكذب في اعترافه [{وسببه الإلحاد في الدين}] الصادر من الزنادقة مثل: عبد الكريم بن أبي العوجاء، خال معن بن زائدة. اشتهر بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأمر بضرب عنقه محمد بن سليمان بن علي أمير مكة. فقال: وما يغني الإسلام قتلي، وقد وضعت أربعة آلاف حديث في الحلال والحرام.

(1/93)


ومثل: بيان بن سمعان النهدي، من بني تميم ظهر العراق بعد المائة. وقال بالإلهية علي عليه السلام، ثُمَّ ادَّعى النبوَّة. وكتب إلى الباقر يدعوه إلى نفسه. فقتله /791/ خالد بن عبد الله القسري، وحرقه بالنار، حتَّى قال حماد بن زيد: ((وضعت الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعة عشر ألف حديث)) [{أو الرواية بما يتوهم أنه المعنى}] كما وقع من ثابت الضبي، دخل على شريك، والمستملي بين يديه، وشريك يقول: ((حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثُمَّ التفت إلى ثابت قبل أن يذكر متن الحديث فقال: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)) يريد بذلك ثابتاً؛ لأنه كان من العبَّاد، ثُمَّ رجع إلى متن الحديث: ((يعقّد الشيطان على قافية رأس أحدكم… الحديث)) فظن ثابت أن قول شريك من كثرت صلاته من متن الحديث؛ لأنه مناسب للحث على القيام للصلاة، الذي هو مقصود الحديث، فرواه حديثاً. فكذب، ونسب إلى الوضع. وإنما هو غلط، ووهم في خلط قول شريك بقول النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم [{أو رواية ما هو خاص على العموم، أو ما يحكى عن قوم على خلاف ذلك لعدم سماع أوَّله}] كل هذا من توهم خلاف المعنى، فلا فائدة بالتطويل بالجزيئات. [{أو الترغيب، والترهيب}] كما صنع أبو عصمة نوح بن أبي مريم المعروف بنوح الجامع لجمعة العلوم كلها، اعترف بأنه وضع حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه /792/ في فضائل القرآن سورة سورة، لما رأى الناس مشتغلين عنه بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق. ومثله الحديث الطويل، عن أُبَيّ الذي أثبته الواحدي، والثعلبي والزمخشري في تفاسيرهم في السور، اعترف بوضعه شيخ من صوفية عبادان للمؤمَّل بن إسماعيل في قصَّة حتَّى ذهب بعض الكرامية إلى جواز مثل ذلك. واعتذروا عن حديث ((من كذب عليَّ متعمِّدا)) بأنه قال: ((عليَّ)) ونحن نكذب له، لا عليه. ورد عليهم العلماء

(1/94)


بردود طويلة، ليس هذا مقام ذكرها.
ومثلهما: ما روى ابن حبان عن ابن مهدي. قال: قلت: لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث: من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغِّب الناس(1) بها. وهذا دأب المغفلين ممن ينسب إلى العلم والصلاح. وهم أعظم ضرراً على الإسلام من العوام. حتَّى قال يحيى بن سعيد: ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه في من ينسب إلى الخير [{أو تقرِّب إلى سلطان}] كما فعل غياث بن إبراهيم في حديث ((لا سبق إلاَّ في نصل، أو خف، أو حافر)) فزاد فيه ((أو جناح)) حين دخل على المهدي وهو يلعب بالحمام. فأمر المهدي بذبحها. وقال: أنا حملته على الكذب)) [{أو انتصار لمذهب}] كما هو رأي الخطابية، وبعض الروافض، وبعض السالميَّة، ورواه /793/ المنصور بالله عن المطرفية، إلاَّ أن الفقيه يحيى بن حسين البحتري منهم، أنكر هذه الرواية لما نسبها إليهم القاضي جعفر. وقال: هذا بهت لنا، لا ينبغي بهت المسلم، فكأنَّ المنصور سمعها من متأخريهم [{أو نحوها}] كما نسب إلى أبي الخطاب بن دحية من كبار أئمة الحديث، أنه ألجئ إلى إقامة دليل على ما أفتى به، فلم يجد دليلاً فوضع من نفسه حديثاً في ذلك. وكما يروى عن أبي سعيد المدايني أنه كان يضع أحاديث يتكسَّب بها معاشه.

(1/95)


وقد يكون سبب ذلك محبَّة الأغراب في الحديث. وهذه علَّة ابتلي بها المحدثون يُبَاهِي بها بعضهم بعضاً. ومن ذلك توهّم أن الضعيف لا يُردَّ إلاَّ في الحلال، والحرام، وأمَّا في الفضائل فلا، فلهذا قال المصنِّف [{ويحرم التساهل في أحاديث الفضائل}] لبعض الأعمال أو [أحد](1) العاملين، على بعض [{ونحوها}] من الأحاديث الواردة في الندب، أو(2) الكراهة. فإن بعضهم ذهب إلى قبول ما جاء فيها مطلقاً؛ لأنه لا يتعلق بها تحريم، ولا تحليل، ولا تخطئة، ولا تضليل. فلا محذور في قبولها. وإنما تحرم روايتها إذا كانت [{من غير بيان ضعفها}] إن كانت ضعيفة [{أو بطلانها}] إن كانت باطلة؛ لأن قبح الكذب ليس لخصوصية متعلَّقة، بل الموجب للقبح هو نفس /794/ مخالفة الواقع، وإفك الشيء، وقلبه عن حقيقة(3) ما هو عليه. ويستوي في ذلك الحرام، والحلال، والفضائل، وغيرها [{وكذا نسبة موافق القياس}] <وأراد بموافق القياس حكم القياس نفسه، وهذا لازم لكل من يثبت الحكم الشرعي بالقياس، لا يختص بأهل الرأي ـ أعني أصحاب أبي حنيفة ـ لأن مثبت القياس يقول: هذا واجب، أو حرام. والتحريم والإيجاب من خواص الشارع اتفاقاً فهو في قوَّة، أن الشارع أوجب، وحرَّم>(4) [{الجلي إليه}] أي: إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنها تحرم [{خلافاً لبعض أهل الرأي. وفتيا الإمام ونحوها}] من أحكامه، يحرم نسبتها إلى النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم [{خلافاً للإمامية}] بناءً على عصمته عن الخطأ. وقد عرفت بطلانه [{وتعمَّد الكذب عليه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فسق لا كفر}] إذ لا دليل على غير الحرمة. وهي لا تستلزم الكفر إلاَّ عند الخوارج [{خلافاً للأمير الحسين، والجويني}] <وغيرهما>(5) محتجين بأن الكذب على غير النبي(6) صلَّى الله عليه وآله وسلّم فسق. وقد قال: ((إن كذباً عليَّ ليس ككذب على غيري}] وهو صريح في الفرق، فوجب أن يكون أقبح

(1/96)


منه، ولا أقبح من الفسق، إلاَّ الكفر. وأجيب بالمنع، بل الفسق في نفسه متفاوت، منه فاحشة /795/ ومنه غير فاحشة. وقبح كل شيء بالنسبة إلى مفسدته. فما عظمت فيه المفسدة عظم فيه القبح. وأما الاحتجاج بقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِه} حيث قرن الكذب عليه بالتكذيب الذي هو كفر بالإجماع. فبعد تسليم أن الاقتران دليل لا ينتهض إلاَّ على كفر الكاذب على الله، لا على رسوله.
[{فصل}]

(1/97)


[{وينقسم خبره صلى الله عليه وآله وسلم إلى:ـ قطعي. وهو ما كان نصاً في دلالته متواتراً في نقله. أو متلقَّى بالقبول}] أي: أجمعت الأمَّة على صحته، والعمل بمدلوله، وقد يتوهم أن المتلقى بالقبول غير ذلك مما اشتهرت روايته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وليس كذلك. فإن من المشاهير ما هو كذب، كما حقِّق في الأحاديث المستحسنة، الدائرة على الألسنَة [{على الأصح}] إشارة إلى ما ذهب إليه كثيرون من أن التلقَّي بالقبول غايته الإجماع، والإجماع، وإن كان معصوماً، فالعصمَة لا تستلزم عدم الخطأ الذي هو معنى القطع بصحته، وإن استلزمت القطع بالعمل به كما عرفت مراراً من أن المعصوم، إنما عُصم عن الخطأ في ما وجب لا عن الخطأ في /796/ ما طُلِب [{وظني، وهو خلافه، كالآحادي}] وسيأتي قول من يقول: إن المشهور منه يفيد العلم بنفسه، لا بقرينة [{والتواتر لغة: تتابع الأشياء مع تراخ بينهما. واصطلاحاً: خبر جماعة يحصل العِلم بخبرهم}] أي: بمجرد خبرهم كما هو الظاهر. [{ومنعت السمنيَّة من حصول العلم به، لا الظن}] فجوَّزته بناءً على أن العلم إنما هو عين اليقين. وأما علم اليقين فإنما هو من جملة الظن. ولهذا طلب الخليل عن اليقين للطمأنينة، التي هي شرط العِلم. وإن كان عنده علم اليقين فكثيراً ما يسمَّى الظن علماً. وإلاَّ لما حصل فرق بين ما نشاهده، وما يتواتر، والفرق ضروري. وأجيب بأن مراتب الضرورة متفاوتة <لا لاحتمال النقيض بل لسرعة الحصول في النفس والبطء. وفيه نظر سيأتي في قول من يقول: إنه استدلالي>(1) [{ثُمَّ اختلفوا. فمنعه أكثرهم في الماضيات}] أي: الأمور الفانية، كوقائع الأمم الماضيَّة [{والحاضرات}] أي: الباقيات، كوجود مكة ومصر، ونحو ذلك [{وأقلَّهم في الماضيات فقط}] وأما الحاضرات الباقية فتفيد العلم، لا بالتواتر فقط بل مع التجريب، فإن العلم بوجود مكة حصل من التواتر مع التكرار في كل سنة، الذي هو معنى التجريب [{واتفق

(1/98)


العقلاء}] إشارة إلى أن من قال /797/ أنه لا يفيد العلم ليس بعاقل [{على حصول العلم به، ثُمَّ اختلفوا. فعند أئمتنا، وجمهور المعتزلة، والأشعرية، والفقهاء، والمحدِّثين: أنه ضروري}] خلق لِلَّهِ عند كمال النصاب، لا فعل للعبد، ولا كسب؛ لأن الضرورة تنافي الكسب من حيث استلزامه تحصيل الحاصل. [{وعند البغدادية، والمطرَّفيَّة، والملاحميَّة، وبعض الأشعرية، والفقهاء: أنه استدلالي}] احتج الأولون بأنه لو كان استدلالياً، لافتقر إلى المقدمتين، واللازم باطل. وأجيب بمنع بطلان اللاَّزم، فإنه مصادرة على المطلوب. قالوا: لو كان نظرياً لما عُدَّ مانعه مكابراً كالسّمنية. وأجيب بمنع الملازمة مسنداً بأن المكابرة قد وصف بها مانع الظواهر الظنيَّة بلا دليل. فما ظنك بمانع المعلوم؟. واحتج الآخرون بأن ضروريته إن كانت بديهية وجب أن لا يختلف فيها. وإن كانت استدلالية، فإما بمقدمات بديهية أيضاً، فكذلك أو بمقدمات استدلالية، كالعاديات غير التجريبيات، فلا تنتج الضرورة لما عرَّفناك به من حقيقة العادة ودلالتها. وإنما غايتها أن تنتج الجزم، لكن الجزم لا يستلزم المطابقة، إنما يستلزمها الأوليَّات، والمشاهدات. ومن ثُمَّ ذهب المحقِّقون إلى أنه لا واسطة بين الضرورة، والظن، وبه يعرف عذر السمنيَّة /798/ ولا يلزمهم منه محذور؛ لأن المحذور إنما هو في نفي العمل بالمتواتر. ولم يقولوا به (و) من أجل هذا التعارض [{توقَّف الموسوي، والآمدي}].
[{فصل}]

(1/99)


[{وشروطه المعتبرة: تعدّد المخبرين تعدداً يمنع}] في العادة [{من اتفاقهم على الكذب، وتواطؤهم عليه}] بأن يعلم بالقرائن، أن لا حامل لهم على الاجتماع على الأخبار [{واستنادهم إلى ضروري}] <لا حاجة إلى كونه ضرورياً؛ لأنه يجوز أن يستند كل واحد منهم إلى خبر واحد مثله. وخبر الواحد لا يفيد العلم فضلاً عن الضرورة. ويكفي عن ذلك قوله>(1) [{محسوس}] وإن اختلف الحسن بأن تكون الدرجة العليا مستنة إلى المشاهدة، والسفلى إلى السماع من العليا <واحترز بالمحسوس عن الأخبار عن المعقولات، فإن أخبار عدد التواتر بحدوث العالم مثلاً لا يفيد بنفسه العلم، مالم يؤيّد بالنَّظر>(2) [{وعدم سبق العلم بالمخبر عنه للمخبر}] ـ بوزن اسم المفعول ـ لأنه لو كان عالماً به، لما أفاده التواتر علماً؛ لأنه محصل(3) الحاصل، ولا حاجة إلى هذا الشرط؛ لأن الشرط، إنما هي لما يفيد العلم، لا لإفادة العلم، ولا يخرج /799/ الدليل عن كونه دليلاً بالعلم بمدلوله، كما لا يخرج عن كونه دليلاً بالجهل به.

(1/100)


[{واستواء عددهم في الطرفين، والوسط، في عدم النقض عن أقل عدد يحصل العلم بخبرهم}] هذا إنما يتمشّى على كون المقدار المفيد للعلم. وسيأتي له أنه غير معلوم، فلو قال: واستواؤهم في حصول العلم بخبرهم لكان أولى، إلاَّ أنه معنى الشرط الأول بعينه. وإن اختلف اللَّفظ. فالحق: أن الشرطين الأولين كافيان عن الأخيرين [{ومعنى كونها شروطاً عند من جعله ضرورياً}] أنه تعالى لا يخلقه إلاَّ عندها}] أي: عند اجتماع هذه الشروط [{بمجرى العادة}] إلاَّ أنا قد عرَّفناك أن معنى العادة تجريب لزوم المحمول للموضع. كما أن الإسهال، لازم لشرب السقمونيا فمالم يُعلم الموضوع بعينه، ويعلم تكرر لزوم المحمول له، لا يعلم اللزوم، كما في مقامنا هذا. فإن المقدار الذي يلزم العلم بخبره، غير معلوم قدره، ولا صفته، كما سيأتي، وإنما يعرف التواتر بحصول العلم. فإذن لا عادة مستمرة في معيَّن. ولهذا قال: [{وضابط العلم بحصولها}] أي: الشروط [{حصول العلم}] بالخبر. فالعلم بالخبر برهان إنِّي على تحقّقها، ولا لِمِّي هنا؛ لأن برهان لِمَ إنما يكون في الاستدلاليات لا في الضروريات؛ لمنافاته لها. إلاّ أن فيه بحثاً. وهو أن برهان إنَّ لا يكون إلاَّ /800/ أمراً محسوساً، كالحمَّى المحقَّقة لتعفُّن الأخلاط. وحصول العلم هنا ليس أمراً محسوساً. فإنه مشترط فيه تحقُّق المطابقة، ولا طريق إلى تحقُّقها بغير الحسِّ. وأمَّا اعتقادها فلا يستلزمها <ولهذا كان الإخبار عن المعقولات غير مفيد للعلم. وإن تواتر، لا كالخبر عن الوجدانيات من المحسوسات الباطنية>(1) [{و}] معنى كونها شروطاً [{عند من جعله استدلالياً، أنها شروط في نفس حصوله}] لا في خلقه، بمعنى أنها علل لوجوده [{فيجب تقدُّم(2) معرفتها}] ضرورة وجوب تقدَّم العلَّة التي هي الدليل على المعلول، الذي هو المدلول. وهذا مبني على ما عليه أبو الحسين، وغيره مِن أن الشروط علل، أو أجزاء عِلل. فلا فرق بينهما

(1/101)


وبين السبب، على أنه لا يخفاك، أن لا فرق بين كونها شرطاً للخلق. وشرطاً للحصول، إلاَّ مجرَّد الوهم؛ لأن خلق العلم هو نفس وجوده، إذ الخلق هو نفس المخلوق عند المعتزلة، وأتباعهم كالمصنِّف. فالفرق فرق من وراء الجمع [{وهو}] أي: تقدُّم معرفتها [{ضابط حصول العلم. ثُمَّ العدد قد يكون ناقصاً، لا يحصل العلم عنده، وزائداً يحصل بدونه، وكاملاً بحيث لو نقص لم يحصل العلم، ولو زاد، لكان}] الزائد [{فضلة. والمختار وفاقاً للمحقِّقين: أنه غير معلوم لنا}] قدراً، ولا صفة. [{وضابطه ما حصل /801/ العلم عنده}] إلاَّ أن هذا يفتّ في عضد ثبوت العادة، التي هي مناط الدليل كما قدَّمناه آنفاً. [{ويختلف باختلاف أحوال المخبرين}] عدالة، وغيرها من الخصوصيات الحاصلة لهم من ممارسة المخبر عنه، وغيرها [{واختلاف المستمعين}] فهماً ومعرفة للمخبرين وأحوالهم وغير ذلك [{والوقائع}] المخبر عنها ظهوراً وخفاءً، وشهرة، وغرابة ونحو ذلك.
[{وقيل: هو معلوم لنا. واختلف في أقلِّه، فقيل: أربعة}] كشهود الزنا؛ لأنه لولا طلب العلم فيه لكفى اثنان كغيره [{وقطع أئمتنا، والشافعية، والباقلاَّني بنقصها}] وإلاَّ لما احتج إلى تزكيتهم. وهو ساقط؛ لأن ذلك إنما يرد نقضاً على دعوى الاطراد في كل عدد. وليس بالمدعَّى؛ لأن القائل يُخصِّص الدعوى بالعدول.

(1/102)


[{الجمهور: خمسة، وهو المختار(1)}]؛ لأن الأربعة احتيج إلى تعديلهم، فدلَّ على عدم العلم بهم. وهو ساقط؛ لأنه لا يقبل في الزنا غير عدل، وإن كانوا خمسة أو أكثر. [{وقطع القاضي، وأبو رشيد بنقصهما(2). وتوقَّف الباقلاني. وقيل: سبعة}] كعدد(3) أهل الكهف [{الاصطخري: عشرة}] كعدد الصحابة المبشرة بالجنَّة [{وقيل: اثني عشر}] كعدد نقباء بني إسرائيل [{أبو الهذيل: عشرون}] /802/ لقوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُوْنَ صَابِرُوْنَ} [{وقيل: خمسة وعشرون. وقيل: أربعون}] كعدد الجمعة عند الشافعي [{وقيل: سبعون}] كعدد أهل ميقات موسى [{وقيل: مائة. وقيل: ثلاثمائة وبضعة عشر}] كأهل بدر. وكلها خيالات [{أبو الحسين، والباقلاني وغيرهما: وكل عدد أخبر شخصاً بواقعة فحصل له العلم عنده خبره، ثُمَّ أخبر بها(4) غيره، فإنه يجب حصوله للغير}] لأنا قد شرطنا أن يفيد بنفسه. فإذا أفاد بعض السامعين، ولم يفد الآخر، دل على أن إفادته، للبعض ليست لذاته؛ لأن ما بالذات لا يتخلَّف، وأجيب بأن المراد من اعتبار ذاته لا يفيده بقرائن خارجة عن حال الخبر، والمتكلِّم، والمخبَر عنه، والمخبر. وهذه الخارجة هي الزائدة على ما لا ينفك عنه عادة، فإذا أفاد العلم بها لم يكن متواتراً، وإن أفاده بغير الزائدة(5) لم يقدح <التخلف>(6) لأن من غير الزائدة أحوال السامع، فإنه يجوز أن يكون بعض السامعين أنهم من بعض، وأحذق، وأشدُّ تفرساً للصدق، والكذب. فيفيد الخبر معه العلم، ولا يفيده مع غيره. وذلك مجرَّب.

(1/103)


[{وكذا}] يجب حصول العلم [{عند إخبار ذلك العدد، أو مثله لواقعة أخرى ذلك الشخص أو غيره}] وفيه ما تقدَّم؛ لأن من الوقائع ما لا يفيد العلم به إلاَّ /803/ عدد كثير لبعد وقوعه. ومنها: ما يفيد العلم به عدد قليل لقربه. وكذا الكلام في مثل ذلك العدد؛ لأن من الأعداد ما له مزيد خصوصية ببعض الأخبار دون غيره، ولهذا يرجح المباشر، وصاحب القصَّة على غيرهما، كما سيأتي في الترجيح. فالقول بالإطراد جمع مع ظهور الفرق [{وقيل: لا يجب ذلك}] وهو الحق لما ذكرنا.
[{المؤيَّد بالله، والمنصور بالله، والصاحب، وأبو رشيد، والحفيد: يجب ذلك في العدد الكثير، لا القليل}]؛ لأن الخصوصيات التي يقع بها الفرق تضمحل مع كثرة المخبرين. وقد يمنع، ويسند؛ لأن(1) السامع إذا خالجت الشبهة قلبه، لا يحصل له العلم بالمتواتر. ولهذا لم يصدق غلاة الشيعة بموت أمير المؤمنين كرَّم الله وجهه مع رواية جميع الأمة له، وإجماعهم عليه.
[{فصل}]
[{أئمتنا، والجمهور: ولا يشترط أن لا يحويهم بلد}] حذراً من التواطؤ [{وأن لا يجبروا على الصدق}] لأنهم إذا أجبروا، جوَّز العقل كون الخبر غير صدق. وإنما هو مطاوعة للمجبر. وتعليق الأخبار بالصدق بخصوصه، لا وجه له. وحقُّ العبارة /804/ أن لا يجبروا على الخبر؛ لأن الفرض أن الصدق لم يعرف إلاَّ بالجبر؛ إذ لو تحقَّق الصدق قبله لم يكن المفيد له هو الخبر <ولا كونهم معصومين>(2).
[{وأن لا يسبق إلى المخبر اعتقاد خلاف خبرهم لشبهة}] كما ذكرنا في غلاة الشيعة؛ لأن ذلك إنما يلزم مدَّعي الاطراد. وأمَّا من لا يدعيه فلا يلزمه؛ لأن تخلف المقتضي عن المقتضَى لمانع لا يقدح في اقتضائه، كما علم، إلاَّ أنه يقدح في نسبة العلم إلى ذات الخبر، وإن أجيب باعتبار أحوال السامع في الذات لزم أن لا ينتهض الاستدلال بمتواتر على ذي شبهة في مدلوله، ولا يقوم به عليه حجَّة، ولا يحكم بعبادة، وذلك محقق لقول السمنية.

(1/104)


وأما قوله: [{أو تقليد}] فهو من الشبهة. فإن المتمذهب ينكر الضرورة، كما قال تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِيْنَ أُوْتُوْا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوْا قِبْلَتَكَ}].
[{ولا}] يشترط في عدد التواتر [{إسلام، ولا عدالة}] لأن العلم في التواتر خلق لله تعالى لا كسب للمكلَّف فيه. وأما ما يكسبه فإنه مأخوذ عليه فيه بجري الطريق الشرعية ـ أعني عدم الركون إلى الظالم ـ [{ولا اختلاف دين، ونسب، ووطن}] لأنا قد نُطناه بحصول العلم. فحيث يحصل العلم مع عدم الاختلاف في تلك الأشياء، لا وجه لاشتراط /805/ الاختلاف فيها، وحيث لا يحصل العلم مع الاختلاف فيها، لا يكون متواتراً، وفاقاً، فإذن لا وجه لاشتراطها [{ولا كونهم معصومين}] بينهم كواحد من أهل الكساء، أو الإمام عند الإمامية لما ذكرنا من أن المناط حصول العلم؛ إلاَّ أن المشترك يمنع حصول العلم بغير حصول شرطه، فلا يندفع إلاَّ بمنع أن العصمة تستلزم عدم الخطأ، فلا يجديه اشتراطها لتجويز الخطأ معها [{أو أهل ذلَّة فيهم}] لأن غاية حصول ذلك زيادة قرينة وهي لا تستلزم العلم، وإلاَّ لجوَّزنا إفادة خبر الدليل الواحد للعلم.
[{فصل}]
[{وينقسم إلى:ـ متواتر لفظاً، ومعنىً}] قال ابن الصلاح: ويعزُّ وجوده في <الأخبار النبويَّة>(1) إلاَّ أن يدّعى ذلك في حديث ((من كذب عليَّ متعمداً)). ومنع ابن حجر العزَّة، مسنداً للمنع بأن دواوين الإسلام المشهورة، إذا اجتمعت على إخراج حديث، وتعدَّدت طرقه، تعدُّداً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، أفاد العلم اليقيني بصحة نسبته إلى قائله. قال: ومثل ذلك في الكتب المشهورة /806/ كثيراً. انتهى

(1/105)


قلت: عدَّ عياض منها في الشفاء: حديث الشفاعة، والحوض؛ لأن رواتهما من الصحابة زادوا على أربعين. وكذا عدَّ عياض أيضاً منها: حنين الجذع، وغيره، حديث انشقاق القمر، وحديث: ((الأئمَّة من قريش)). وابن حزم: حديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد. والنهي عن الصلاة في معاطن الإبل. وابن بطال: حديث النهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر.
[{ومتواتراً لفظاً، ومعناه}] أي: ما عنى به، وقصد من معانيه، وإلاَّ فالمعنى على الإطلاق، لا ينفكّ عن اللَّفظ [{مختلف فيه، كخبري الغدير، والمنزلة}] أمَّا خبر الغدير فلأن له مائة وخمسين طريقاً، لكن لم يعرف ذلك من حفَّاظ الحديث إلاَّ الأفراد. ولكن لفظ ((المولى)) فيه مشترك. والمشترك لا يدل بنفسه على خصوص معنى من معانيه. فلهذا اختلف في المراد من المولى. وقد تقدَّم في المشترك تحقيق ذلك، وفي النص أيضاً.
وأما خبر المنزلة، أعني: قوله لعلي عليه السلام: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلاَّ أنَّه لا نبي بعدي)) فهو <صحيح>(1) مشهور، لا متواتر، إلاَّ عند من يجعل نصاب التواتر الخمسة <فما حولهم>(2) لكنهم اختلفوا، هل المراد به إمامته بعد موته. /807/ أو مجرد استخلافه على المدينة، كما استخلف موسى هارون على قومه حين سار للميقات، فالأولون احتجوا بأن هارون كان إمام بني إسرائيل. وكذلك أولاده بعده إلى الآن، بل الإمامة عندهم مختصَّة بأولاده هارون، دون أولاد موسى.
وأنشد الطغرَّائي:
حبّ اليهود لآل موسى ظاهر

وولاؤهم لبني أخيه بادي

وإمامهم من نسل هارون الأولي

بهم اهتدوا، ولكل قومٍ هادي

وأرى النصارى يكرمون مودة

لنبيِّهم نُجْراً من الأعواد

وإذا تولَّى آل أحمد مسلمٌ

قتلوه أو وسموه بالإلحاد

هذا هو الداء العضال لمثله

ضلَّت حلوم حواضر وبوادي

لم يحفظوا حق النبي محمَّد

في آله والله بالمرصاد

(1/106)


والآخرون قصروا المعنى على السبب تحقيقاً لتطابق المشبَّه والمشبَّه به محتجين على نفي الإمامة بأن هارون مات قبل موسى. ولو دلَّ ذلك على الإمامة لكان كلَّ من استخلفه النبي صلَّى الله وآله وسلم إماماً بعده، كابن أم مكتوم، وعتَّاب ابن أسيد في مكة، وغيرهما. ثُمَّ لا يخفى أن ليس المراد بتواتر اللَّفظ أن لا يحصل فيه اختلاف رأساً /808/ حتَّى يرد الاعتراض بأن خبر المنزلة، يروى تارة ((أنت مني)) وتارة ((أما ترضى أن تكون مني)) [{ومتواتر معنى [هو ما](1) في لفظه اختلاف. وهو ما اتُّفق عليه بتضمن أو التزام}] أي: أن كلا من الأخبار يتضمن ذلك المعنى أو يستلزمه.
وأما قوله: [{عند اختلاف الوقائع}] فقد تبع فيه غيره، ولا حاجة إليه، بل لا صحة لتطبيقه على المقصود [{كشجاعة علي عليه السلام}] فإنه روي أنه قتل يوم بدر كذا، ويوم أحد كذا، إلى غير ذلك. ومجموع ذلك تعلم منه شجاعته، وإن لم تصرِّح بأنه شجاع [{وجود حاتم}] فإنه روي أنه أعطى كذا إبلاً، وكذا غنماً، وقرى كذا ضيفاً، إلى غير ذلك، ومجموع ذلك يعلم منه كرمه، وإن لم يصرَّح بأنه كريم.

(1/107)


تنبيه: اختُلف في تعيين مثال التضمن، ومثال الإلتزام. فمنهم من ذهب إلى أن شجاعة علي بالالتزام. وجود حاتم بالتضمن. ومنهم من سوَّى بينهما. وإذا عرفت أن التضمن، الدلالة على جزء الموضوع له. والإلتزام، الدلالة على خارج عن ذات الموضوع له. عرفت أن المرويَّ عن علي، وحاتم باللَّفظ إنما هو أفعال لا دلالة لها بالتضمن البتَّة؛ لأن الشجاعة، والكرم إن كانا كيفيَّتين للنفس، تصدر عنهما تلك الأفعال، كما هو الحق، فالأفعال خارجة عن الكيفية المذكورة، لازمة لها. فكلا المثالين من دلالة الإلتزام. وإن /809/ كان الكرم والشجاعة نفس الأفعال وحدها [فهي مدلولات لفظ الشجاعة والكرم المطابقية، لا التضمنية، ولا الالتزامية}](1)، أو الكيفية مع الأفعال. فالجزء لا يدل وجوده على وجود الكل، فإن العسل لا يدل على السكنجيين. والحيوان لا يدل على الإنسان، وإنما دلالة التضمن دلالة اسم الكل على الجزء لا العكس.
[{ويسمَّى التواتر المعنوي، والثلاثة}] الأقسام، أعني: متواتر اللَّفظ، والمعنى، ومتواتر اللَّفظ فقد، ومتواتر المعنى فقط [{مقبولة في أصول الدين، وفروعه}] أما إذا تواتر المعنى سواء كان مع تواتر اللفظ، أو مع عدمه، فظاهر؛ لأنه مفيد للعلم بالمعنى الذي و المقصود، وأما إذا لم يتواتر المعنى فمشكل؛ لأن المعنى يكون حينئذٍ ظنياً؛ لأن قطعية المتن لا تستلزم قطعية الدلالة. والأصول لا يقبل فيها الظن. وإنما ادَّعى أئمتنا في خبري الغدير والمنزلة، العلم. والإمامة من أصول الدين؛ لأن معناهما معلوم بقرائن أخر، لا بمجرد الخبر. وذلك مما لا يخفى على ذي نظر، والنزاع فيما يفيد بنفسه، لا بغيره، فإنه سيأتي إفادة الآحاد العلم بالقرائن، فما ظنك بالمتواتر.
[{فصل}]

(1/108)


[{والمتلقَّى بالقبول، ما حكم بصحته المعصوم، كالأمَّة}] وهذا ظاهر في أن ليس التلقي بالقبول مجرَّد اشتهاره بين الأمَّة، كما يتوهمه كثير مِمَّن لا رشد له، بل التلقِّي حكم جميع المجتهدين بصحته [{فعلم صدقه بالنظر}] اتفاقاً، لا بالضرورة، كما قيل في المتواتر [{أكثر أئمتنا، وأبو هاشم، والقاضي، والغزالي، وبعض المحدثين: وهو قطعي كالمتواتر}] لأنه إجماع. وقد تقدَّم أن الإجماع يقدَّم على القطعي. فلو لم يكن قطعياً لقدم الأضعف.
وأُجيب بأن تقديم الإجماع على القطعي لا لذاته، بل لأنه يستحيل عادة عدم اطلاع الأمة على القطعي. أو عملها بعد اطلاعها عليه، على خلافة بدون العلم بنسخه، فتقديمه على القطعي لذلك. وهو ليل عقلي، غير الإجماع. والنزاع في قطعيَّة الإجماع لذاته.
[{الجمهور: بل ظني}] لأن المعصوم إنما يعصم عن مخالفة ما وجب، لا عن مخالفة ما طلب كما حقَّقناه مراراً، فإذا جاز عليه الخطأ، كان ما حكم به مظنون الصحَّة فقط.
[{أبو طالب: قطعي في ابتداء الحكم، لا في نسخه للمعلوم}] إن أراد أنه يدل على تعلُّق الحكم بالمكلَّف قطعاً فذلك موجب كل دليل ظني كالعدلين. وإن أراد أنهي دل على وقوع /811/ مدلوله في الخارج قطعاً، فلا وجه للفرق بين الابتداء، والنسخ.
[{فصل}]
[{والآحادي: ما ليس بمتواتر، ولا تلقي بالقبول، فإن رواه فوق عدلين، ولم يتواتر ولا تلقي بالقبول}] زيادة هذين القيدين تكرير؛ لأن الضمير في ((رواه)) لما ليس بمتواتر ولا تلقي بالقبول [{فمشهور مستفيض}] بشرط أن لا ينقص عن الثلاثة في كل مرتبة إلى أن يبلغ منتهاه. وإلاَّ كان مشهوراً في تلك المرتبة فقط.

(1/109)


[{ <أكثر>(1) أئمتنا}] [أي: جمهورهم لئلا يخالف ما سيأتي من قبول بعضهم: إنه يفيد العلم مع القرينة](2) [{والجمهور: لا يحصل(3) به العلم، لا بدون قرينة، ولا معها. وقيل: قد يحصل}] <لا حاجة إلى ((قد)) لأنها تدل على الندرة، وقوله: فيما سيأتي: ((ويطَّر)) ينافيه>(4).
[{ثُمَّ اختلفوا، فعند أحمد والظاهرية: يحصل ولو بدون قرينة}] لأن العدالة عصمة كعصمة الإجماع [{ويطَّرد}] أيضاً كما اطَّرد في الإجماع. وإلى ذلك ذهب ابن الصلاح وابن ظاهر، وأبو نصر فيما اتفق عليه البخاري ومسلم، ولم ينتقد عليهما، وإن لم يستغض أيضاً. وهو المروي عن أحمد (وإنما جعل المصنِّف مركز الخلاف هو المشهور ليضم /812/ معه الظاهرية)(5) لأنهم يخصون المشهور بإفادة العلم، دون العزيز، وهو ما رواه عدلان ودون الفرد، وهو ما تفرّد به العدل.
[{المؤيَّد) بالله (والمنصور) بالله (في رواية، والإمام، وغيرهم من علمائنا، والنظام، وبعض الأشعرية: يحصل، لكن مع قرينة كما إذا أخبر ملك بموت ولد له مدنف}] أي: معلوم إدنافه قبل الإخبار موته [{مع صراخ، وانتهاك حريم، ونحو ذلك}] فإن الخبر يفيد العلم بموت الولد. ورد بأن معنى العلم هو ما لا يحتمل النقيض في الواقع. ولا في الذهن، ومن المعلوم أنه لو أخبر عدل آخر بأن غير المدنف من أولاد الملك سقط من السطح فمات لقامت الشبهة، وحصل الشك، وذلك ينافي العلم بخلاف ما لو رأى الملك الميت بنفسه، لم يتطرق إلى علمه بذلك شك، ولا شبهة.
[{فصل}]

(1/110)


[{وما أخبر به واحد بحضرة خلق كثير، ولم يكذبوه. وعلم أنه لو كان كذباً لعلموه}] لأنه بحيث لا يخفى عليهم ثبوته، ولا انتقاؤه، وهو احتراز عما يخبر به شامي أهل اليمن /813/ أو العكس، فإن سكوتهم لا يدل على صدقة [{ولا حامل لهم على السكوت}] أيضاً؛ إذ لو أخبر ملك جبّار من حوله بخبر فسكتوا، لم يدل سكوتهم على صدقه، فإذا جمع الشرط [{فهو صدق قطعاً للعادة}] وفيه بحث؛ لأنه ينبني على عصمة الساكتين، وقد عرفت أن لا عصمة لغير الأمَّة، وإلاَّ وجب(1) القول بما ذهبت إليه الظاهرية، وغيرهم في المشهور من إفادته العلم. وأما العادة فقد عرفت غير مرَّة عدم دلالتها على العلم إلاَّ أن يكون تجريباً لموضوع واحد يعلم، ملازمته لمحموله، وقد تقدَّم في المتواتر القولي إنه يختلف، ولا يطرد فما ظنك بالسكوتي. نعم، سكوتهم يدل على التصديق للمخبر، ولا يستلزم الصدق الذي هو محل النزاع [{وكذا ما أخبر به بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يتعلَّق بشريعته، أو معجزاته، أو نحو ذلك، ولم ينكره}] لأنه معصوم عن السكوت على الباطل، كما تقدَّم في التقرير [{خلافاً لابن الحاجب، وغيره}] محتجين بجواز غفلته، أو عدم فهمه، أو الاستغناء بإنكار متقدم أو تردّده في شرعيته، وعدمها كما سكت للبراء بن معرور، في عدم استقبال قبله النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولمن قال: لا والله لا تكسر سن الربيع، أو غير ذلك، أو كون السكوت صغيرة تجوز على الأنبياء وبالجملة فالفرق بين هذه المسألة، والتي قبلها أن ترك السكوت في الأول معتاد /814/ في التصديق بخلاف هذه فلا عادة.

(1/111)


[{وما صرَّح بتكذيبه جمع يستحيل تواطؤهم عليه عادة، أو صادم قاطعاً، أو بحث عنه، فلم يوجد عند أهله غير مستندين في رده، أو فقده إلى صل مرفوض}] كمن يستدل بعدم الوجدان على عدم الوجود، أو من يستدل بعدم الإسناد على بطلان الحديث. [{فهو كذب}] أما الأول، فلأن أخبارهم بكذبة خبر متواتر. وأما الثاني، فلأن الغرض أنه آحادي، فلا يقاوم القاطع. وفيه بحث؛ لأن كونه لا يقاوم القاطع، مراداً به(1) أنه لا يقدم عليه، ولا يرفع حكمه. وأما الحكم بكذب الآحادي فمما لا سبيل إليه. كيف والمحققون على جواز نسخ القطعي بالظني؛ لأنه تخصيص لعموم الأزمان. والخبر يجوز تغير مدلوله كالحكم الشرعي. وأما الثالث، فإن أريد بفقده عند أهله تكذيبه الشيخ للراوي، أو تفرده به من دون أصحابه، فسيأتي فيهما تفصيل، وإن أريد عدم وجدان المروي عند المحدثين مثلاً، فالرد بمثل ذلك مستند إلى أصل مرفوض عند غير المحدثين، ولا يجوز الجزم بكذب <(خبر المنفرج)> (2) [{بما تتوفر الدواعي إلى نقله، وقد يشاركه فيه}] أي: في موقف سماعه [{خلق كثير، خلافاً للإمامية، والبكرية}] فإنهم زعموا أن الأمَّة تظاهرت /815/ على إخفاء النص على أئمتهم [{والتوفر، إما لتعلقه بالدين كأصول الشريعة}] فإن من نقل وجوب صلاة سادسة، آحاداً علم كذبه. وفيه نظر؛ لأن أصل الشريعة إنما هو الإيمان، كما قدَّمنا، فكل حكم شرعي فهو من فروع الشريعة، والعلم بالبعض لا يوجب إصالته، دون غيره، وإنما علم انتفاء صلاة سادسة بالبراءة الأصلية، وعدم نقلها آحاداً، ولا تواتراً، ولو نقلت آحاداً صحيحة لوجب العمل بها عند من يقبل غير المشهور في نقل البراءة؛ لأنها حجة عنده. وغاية الأمر أن يكون حكمها ظنياً، وبالجملة حصول العلم ببعض الشرائع اتفاقاً، لا يوجب اشتراطه، ولا يستلزم كون العلم له من ذاته، والظن لغيره من ذاته، وإنما العلم والظن لأمر خارج هو الدليل، وسيأتي تحقيق ذلك فيا تعم به البلوى

(1/112)


إنشاء الله تعالى [{أو لغرابته، كقتل الخطيب على المنبر، أو لمجموعهما، كمعارضة القرآن}] فإن لها في الإسلام غرابة بحيث لو رواها أ؛د على حد المعارضة المقاومة لما عارضته لما خفي ذلك على أهل الإسلام. ولها أيضاً تعلق بالدين؛ لأنها لو صحت لانهدم إعجاز القرآن الذي هو مناط حجيَّته. [{وَظهو رالمعجزة على يدي مسيلمة}] من ذلك القبيل، فلو نقل لوجب الحكم بكذبه.
[{وليس من ذلك، خبر الغدير، والمنزلة}] فإنهما، وإن كانا من الغريب، ومما /816/ تتوفر الدواعي إلى نقله، لكون الإمامة من أصول الدين العظمى، فلا يحكم بكذبهما [{لتواترهما لمن بحث}] وقد عرفناك أن طرق خبر الغدير مائة وخمسون طريقاً فوق حد التواتر. وأما خبر المنزلة؛ فلأن إن <سلم أنه>(1) لم يتواتر فلم يكن بمحضر عظيم حتَّى يجب تواتره، ثُمَّ ينبني وجوب التواتر على أن إمامة معين مما تعم به البلوى علماً، وعملاً. ولم يدَّع أكثر من يدَّعي القطع في الإمامة، وكونها من أصول الشريعة إلاَّ قطعية أصلها، وأصالته، لا تفاصيلها. ومن التفاصيل تعيين الأئمة. ولو كان تعيينهم من أصول الشريعة لوجب النص على كل قائم، إلى يوم الدين، كما تدعيه الإمامية في اثني عشر [{ولا يلزم استمراره}] أي: استمرار توفر الدواعي النقل [{إلاَّ مدَّة استغرابه، كنتق الجبل، وانشقاق القمر، وتسبيح الحصا، ونحوها}] وفيه بحث حاصله أن الاستغراق مفاجأة خارقة العوائد. ولا يجب اطلاع الكل على الخارق؛ لجواز أن يختص بالإطلاع عليه دون نصاب التواتر، فلا يلزم تواتره، ولا توفر الدواعي إلى نقله؛ لأن توفر الدواعي إلى النقل فرع الإطلاع على المنقول. فإن قيل: هي معجزات النبوة التي مدار صحة الإيمان على العلم بها، وإلاَّ كان مجرد تقليد، أجيب بأن القرآن قد ناب مناب كل معجزة، فاكتفى بنقله تواتراً عن نقل سائر المعجزات، وفيه /817/ بحث حقَّقناه في أوائل التفسير الذي(2) شرعنا فيه، وتقدّضم من ذلك شيء في

(1/113)


رسم القرآن أيضاً، فإن قيل: كثيراً ما لا يتواتر ما توفرت الدواعي على نقله، كصفات الحج، والجهر بالبسملة، وكميَّات الأذان، والإقامة، أجيب بأنها مما لا تتوفر الدواعي إلى نقله؛ إذ لا يتوفر إلاَّ على أصول الشرائع، لا تفاصيلها. وفيه نظر تقدمت الإشارة(1) إليه.
فصل
[{أئمتنا، والجمهور: والتعبد بخبر الواحد}] مفهومه أن نزاع المخالف إنما هو في الفرد المطلق؛ لأن أحداً لا ينكر التعبُّد بالاثنين [كما في الشهادة](2) لكن الظاهر أن الخلاف فيما لا يفيد العلم من الآحاد، وهو ما دون المشهور عند الظاهرية؛ لأن حكم الخبر أغلظ من الشهادة؛ لكونه أصلاً كلياً يعم المكلفين بخلاف الشهادة فإنها إنما تكون في جزئي، فمفسدة الخطأ فيها مغتفرة(3).
وأما وصف [{العدل}] فلا وجه لزيادته في هذه المسألة؛ لأن الكلام في الجواز العقلي، لا الشرعي. والعدل إنما اعتبر شرعاً، لا عقلاً. والعدل إنما اعتبر شرعاً، لا عقلاً، فإن العقل يجوز مساواة الكافر الصدوق للمسلم في ذلك [{جائز عقلاً}]/818/.

(1/114)


[{ثُمَّ اختلفوا في وقوعه}] أي: وقوع التعبد به. ولو قال في وجوب العمل به؛ لأن التعبد به أعم من الإيجاب، أو الندب، أو الإباحة، أو غيرها <والنزاع إنما هو في وجوب العمل به الذي هو معنى الحجيَّة>(1) [{فعند أحمد، وابن شريح، وأبي الحسين، والقفال يجب عقلاً وسمعاً}] أما السمع فلما سيأتي في دليل المختار. وأما العقل فغير أبي الحسين، احتج بأنه لو لم يجب العمل بالآحاد لخلت وقائع كثيرة عن الحكم الشرعي؛ لأن الكتاب والسنة المتواترة لا يفيان بالأحكام. وأجيب بمنع الملازمة مسنداً بأن الشرع قد جعل البراءة الأصلية عن الحكم الشرعي عند عدم العلم به دليلاً على عدم الحكم. فقال: {لاَ تَسْأَلُوْا عَنْ أَشْيَاءٍ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((اتركوني ما تركتكم)) و ((إنما أهلك من قبلكم كثرة مسائلهم)) و ((إن الله سكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)) وذلك صريح في أن عدم دليل على عدمه وذلك حكم شرعي، بدليل شرعي. فكيف يلزم خلو الواقعة عن حكم الشرع. قالوا: صدق العدل ممكن، فالعمل به أحوط. وعورض بأن كذبه ممكن لعدم العصمة. وترك الابتداع لغير معلوم أحوط. وأما أبو الحسين فاحتج بأن العمل بالظن في تفاصيل معلوم الأصل واجب عقلاً؛ لأنا لما علمنا الطلب بظواهر القرآن علماً يقيناً. وجب /819/ علينا أن نعمل بظواهرها في المطلوب وإن لم يد إلاَّ الظن به خروجاً من عهدة الطلب المعلوم بفعل أظهر المطلوبات. وفي مسألتنا تحققنا بغية الشارع للمصالح ودفع المفاسد، وخبر العدل تفصيل لها كمدلول الظواهر بجامع الظواهر.

(1/115)


وأجيب بأنه في الظواهر ثبت بدلالة اقتضاء الطلب لمطلوب، وتعيّن الظاهر له فالمكلَّف مدفوع، وملجأ إليه لضرورة التخلص من العهدة المعلومة، ولا كذلك ما نحن فيه، فإن جلب المصلحة، أو دفع المفسدة، ليسا تابعين للعلم بأن أحكام الشرع لهما في الجملة، بل للعلم بالخطاب المخصوص، المقتضي لهما في محل مخصوص، ولا كذلك خبر الآحاد؛ لأن كونه خطاباً محل النزاع. قالوا: أخبار العدل بمضرة أكل شيء يقضي العقل عنده بوجوب اجتنابه. وأجيب بالمنع بالمتنازع ـ أعني الوجوب بمعنى حكم العقل باستحقاق العقاب شرعاً على أكله. وإن أريد أولوية ترك الأكل على الأكل، فذلك ليس معنى الوجوب، ولو سلم في المفاسد كالأكل المذكور فلم يجب قبوله في المصالح، وطلب المصلحة لا يجب عقلاً.

(1/116)


[{وعند أئمتنا، والمعتزلة، والطوسي، والأشعرية: يجب سمعاً فقط، والعقل يجوَّز}] فقط، وإنما وجب سمعاً لتكرار العمل به في الصحابة، شائعاً، ذائعاً /820/ من غير نكير، وذلك يقضي باتفاقهم عادة فيكون إجماعاً. وأجيب بمنع عدم الإنكار، فقد أنكر أبو بكر خبر المغيرة <في ميراث الجدة>(1) حتَّى رواه محمد بن مسلمة. وأنكر عمر رضي الله عنه خبر أبي موسى في الاستئذان حتَّى رواه أبو سعيد. وأنكر خبر فاطمة بنت قيس في السكنى، والنفقة. وأنكرت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله، وأنكرت هي وابن عباس خبر أبي هريرة رضي الله عنه في الاستيقاظ وغير ذلك. وكان أمير المؤمنين عليه السلام لا يقبل من أحد حتَّى يحلفه. واليمين نائبة مناب العدلين، ورد بأنهم إنما أنكروا ما حصل فيه الارتياب، والرد لحصول المانع، لا يوجب الرد مع انتفائه. وهو ساقط؛ لأن كون المانع مانعاً مثل كون المقتضي مقتضياً، كلاهما لا يثبت إلاَّ بخطاب الوضع كما يقاوم الشاهدان الشاهدين فلو جاز أن يكون الرد لمانع غير عدم المقتضى، لجاز أن يكون القبول لمقتضى آخر من سبق علم بالمخبر به، أو اعتضاده بدليل آخر. فلا يكون القبول لمجرد(2) المروي. قيل: الأصل عدم مقتض آخر. أجيب: وعدم مانع غير انتفاء المقتضي. وعلى فرض التسليم فالمدعى هو الوجوب، فمن أين للفعل دلالة عليه. والفعل لا يدل على الوجه إلاَّ مع قول. قلنا: تنفيذ الآحاد إلى النواحي لتبليغ الأحكام. قالوا: فِعل فأين دلالته على أن /821/ قبولها واجب على المبعوث إليهم. وهل محل النزاع. قلنا: دلالة الاقتضاء، وإلاَّ كان الإرسال عبثاً، وأجيب بأن بعثهم لتعريف أصول الشرائع بالاتفاق، وهي مما تتوافر الدواعي على نقله. وقد منعتم قبول خبر الآحاد فيها. وإلاَّ وجب أن تقبلوه في صلاة سادسة، فما هو جوابكم فهو جوابنا. فالحق أن الآحاد إنما بعثا إليهم إيقاظاً لهم على البحث، وإلاَّ لزم الدور؛ لأن الآحاد لا يكون

(1/117)


حجة شرعية عليهم حتَّى يثبت [الشرع](1) كونها حجة شرعية، وهو محل النزاع، نعم يتمشى على رأي من جعله حجَّة عقلية.
[{البغدادية، والإمامية، والظاهرية، والخوارج ممتنع سمعاً، وإن جاز عقلاً}] فأدلة السمع مانعة له، مثل {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} و {إِنْ يَتَّبِعُوْنَ إِلاَّ الظَّنَّ} ((إياكم والظن فإنه أكذب الحديث)). وأجيب بأنها ظواهر لا يثبت بها أصل، وقد أصلتم بها منع قبول الآحاد. ورد بأن التأصيل إنما هو بالبراءة، وهي دليل علمي، قلنا: نقلها الإجماع. قالوا: وقوعه ممنوع مسنداً منعه بما تقدَّم من إنكار الصحابة رضي الله عنهم له.
[{وقيل: ممتنع عقلاً}] لأنه محتمل للخطأ. والخطأ مفسدة، والإصابة مصلحة، واجتناب المفاسد أرجح في العقل من جلب المصالح. وذلك معنى امتناعه عقلاً /822/ [{ونسبته إلى أبي علي غلط}] وإنما منعه سمعاً كسائر البغدادية. والجواب أن دليل الامتناع المذكور، جارٍ في الظواهر كلها. وأجيب بالفرق بأن المكلَّف في الظواهر المتواترة مدفوع إلى العمل بظواهرها بضرورة اقتضاء الطلب المعلوم بمطلوب وتعين الظاهر له بخلاف ما نحن فيه، فلا ضرورة لعدم تحقُّق الطلب.
[{وقيل: عقلاً وسمعاً}] وقد عرفت الأدلة والردود على كل منهما.
[{ودليل التعبد به قطعي}] لأنه الإجماع المتقدم، وبعثه الآحاد. وهذا هو القطع بغير تقدير، وليته لم يفسر القطعي بأنه النص في دلالته المتواتر في نقله، ليكون الجهل بمدلوله عذراً له [{ولا يفسق منكره}] أي: منكر حجيَّته [{وإن قطع بخطئه}] كما تقدَّم في الإجماع مثله؛ لأن كون دليله قطعياً لا يستلزم التفسيق؛ لأنه استدلالي. وإنما يفسق مخالف الضروري.

(1/118)


[{واتفق على وجوب العمل به في الفتيا، والشهادة}] يريد أن العالم إذا أفتى العامي وجب على العامي العمل بالفتوى اتفاقاً. وهذا وهم سيأتي تحقيقه في التقليد، إنشاء الله تعالى. وأما الشهادة، فيريد أنه إذا أنضم إلى آخر عمل بهما، وذلك لا يخرجه عن رتبة الآحاد كما تقدَّم [{وما قدح به الرازي في العمل به فلا يسمع}] وقد /823/ تقدَّم نقل القدح في دلالة اللَّفظ، والجواب عنه فلا نكرره.
[{فصل}]
[{وشروطه المعتبرة الراجعة إلى الْمُخبِر، أربعة:ـ}]
[{الأول: التكليف}] وكل على أصله، في وقت حصوله وتعلقه [{وإن سمع قبله وفاقاً للجمهور، كالشهادة}] لأن اشتراط التكليف، ليعرف حسن الصدق، وقبح الكذب، والجزاء عليهما. وإنما يحتاج إلى معرفة ذلك عند الرواية، والشهادة لتكون المعرفة داعياً أو زاجراً.
[{واختلف في المراهق) المميِّز (فعند المؤيَّد) بالله (يقبل}] لأن معنى التمييز علمه بحسن الصدق، وقبح الكذب [{وهو مقتضى <مذهب>(1) من أن أوجب العمل به عقلاً}] وإنما يخرج من ذلك من أخرج الشرع اعتباره، ككافر التصريح وفاسقه.
[{أبو عبد الله، والغزالي، والرازي: لا يُقبل}] لأن كون الشيء سبباً للحكم الشرعي حكم شرعي وضعي يفتقر إلى دليل شرعي. ولم يرد الدليل في غير العدل المتحققة عدالته والصبي بمعزل عن ذلك <لأن العدالة هي الإتيان بالواجبات، كما سيأتي، ولا تتعلق /824/ بغير مكلَّف>(2).
[{وقبول شهادة بعضهم على بعض في الجنايات}] التي تقع بينهم [{مستثنى عند قائلها لكثرتها بينهم منفردين}] وإن كانت جارية على خلاف القياس، كالقسامة؛ لئلا هدر الدماء. وأجيب بأن في القسامة الشرعية غُية عن قبول شادة من ليس بأهل فلا إهدار للدماء. وربما يقال: إن القرائن قد تفيد العلم، كخجل الجاني وهربه، وتلعثمه، وتظافر الأطفال على نسبة ذلك إليه. والحدس من مقدمات العلم فكيف يعدل عن العلم إلى القسامة التي لم تشرع إلاَّ عند عدمه.

(1/119)


[{الثاني: الإسلام، وإن سمع قبله}] لمثل ما تقدَّم في التكليف [{فلا يقبل كافر التصريح إجماعاً}] لأن قبوله ركون إليه. وقد قال تعالى: [{وَلاَ تَرْكَنُوْا إِلَىْ الَّذِيْنَ ظَلَمُوْا}] وقياساً على الشهادة. وقد قال تعالى: {ذَوِيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وفيه بحث لأن قوله تعالى: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} صريح في قبولهم عند الضرورة(1)، ولم <يأت من ادَّعى النسخ بشيء إلاَّ قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوْا ذَوِيْ عَدْلٍ} وفيه غفلة؛ لأن المائدة بعد الطلاق>(2) [وهي آخر ما نزل حتَّى قيل: إنه ليس فيها منسوخ](3).
[{ومن قبل شهادة بعضهم على بعض مطلقاً، أو مع اتحاد الملَّة) فقط (لا يقبل روايتهم}] /825/ فيما يستلزم حكماً شرعياً. وأما في غير فقبول روايتهم، ضروري، فقد كانوا يفدون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفراداً فيسألهم عما وراءَهم، ويعمل عليه. وكذا أصحابه في سراياهم. وعقد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم صلح الحديبية بمجرد تصديق سهيل بن عمر، وصرَّح القرآن بخبر نعيم بن مسعود، وتصديقهم له، وغير ذلك.

(1/120)


[{واختلف في كافر التأويل، وهو من أتى من أهل القبلة ما يوجب كفره غير متعمِّد}] للكفر. ولو قال: من أتى من أهل القبلة ما يوجب تعمده كفر لكان أجمع المركز الخلاف؛ لأن الخطأ غير موجب للكفر عند الأكثر، كما سيبين إنشاء الله (كالمشبِّه) ومن ينفي الصفات كالباطنية، الذين قالوا: لو يثبت(1) لِلَّه تعالى صفات، لاحتجاج تخصيصه بها دون نقائها إلى مخصص، فيكون كالمحدثان. وهذا يتضمن رد القرآن، كما تضمن التشبيه رد قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٍ} فيجب عليك أن تعرف ما يتضمن الكفر، مما لم يتضمن÷ن فقد لغط أكابر أهل الكلام في التكفير، والتفسيق بما لم يخالف ضرورة عقلية، ولا شرعية. وقد عرفت مما تقدَّم أن لا تكفير، ولا تفسيق إلاَّ بخالفة (الضرورة فقط؛ لأن مخالفة الإيمان الضروري) فلو أنكر منكر حلاوة العسل لم يكفر فافهم /826/.
[{فعند بعض أئمتنا، وأبي الحسي، والرازي، وجمهور الفقهاء: إنه يقبل}] وروى المنصور بالله في المهذب، والإمام يحيى في الانتصار، وابن زيد في الدرر، والقاضي زيد في الشرح الإجماع على ذلك، وفي اللُّمع أن المؤيد بالله، قال في كفار التأويل: فعلى هذا شهادتهم جائزة عند أصحابنا، انتهى. وهو تعمي لأصحابه في قوة دعوى إجماع العترة، وهو تخريج المؤيد بالله، وأحد تخريجي أبي طالب للهادي وصريح روايته أبي مضر عنه.

(1/121)


[{وعند جمهور أئمتنا، والمعتزلة، والمحدثين، والغزالي، والباقلاني: لا يقبل}] وادَّعى قاضي القضاة على ذلك الإجماع وقال الحفيد: إنه روي عن أبي طالب قريب من الإجماع ورجحت دعوى الإجماع الأول، بالكثرة، والصراحة(1)، وشدة الاختصاص بأهل البيت فإن رواية الإجماع عن الأمة تستلزم رواية إجماع أهل البيت. وأما رواية الحفيد عن أبي طالب، فإنما قال: قريب من الإجماع، والقريب من الشيء غيره. ونقضت دعوى الإجماع الثاني بتحقّق الخلاف ممن روى عنهم الإجماع. فإن قيل: وكذا تحقق الخلاف في رواية الأول. أجيب بأنه مروي عن السلف، ولم يتحقق منهم مخالف. وخلاف المتأخرين لا يقدح وأما دعوى الثاني فتحقق خلافهما بقبول السلف، والخلف. احتج الأولون بأن الأصل فيمن علم قيامه بوضائف الإيمان، عدم ما يرفع الإيمان، وبأن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم /827/ حكم بإيمان الجارية التي قالت: إن ربها في السماء. أخرجه مسلم، وغيره، وذلك يستلزم الجهة، التي تستلزم الجسمية، والعرضية، وهو تشبيه. ولأنَّا لو رددنا حديثهم لوجب رد مراسيل من قبلهم، كالمؤيد، والمنصور، والإمام يحيى عليه السلام، والقاضي زيد، وابن زيد، ولوجب التوقُّف في قول من تعارضت عند الرواية فيهم كالهادي، والقاسم، فتكون علومنا مختلفة على أصولنا. ولكن كل هذا من اجتهاد القاصرين، والمتنطعين فنسأل الله السلامة.
واحتج الآخرون بالقياس على المصّرح العامد. وأجيب بأن القياس إنما يتم مع عدم الفارق. وأركان الإسلام فارق جلي، والفرق بين العمد والخطأ في أحكام الشرع ضروري. وإلاَّ لوجب القصاص في قتل الخطأ، ونحو ذلك، وليس هذا مقام تحقيقه، فإذا أجيبت ذلك فعليك بآخر رسالتنا الموسومة ببراءة الذمَّة في نصيحة الأئمة.

(1/122)


[{وعن القاسم، والهادي: روايتان. وللمؤيد قولان أظهرهما القبول}] وأما نسبة التكفير بالتأويل إلى المحدثين، فإنما يحكمون برد حديث من علم كفره بالضرورة كالباطنية الذين يقال لهم الرافضة. وصرَّح الهادي [عليه السلام](1) بتكفيرهم مسنداً له إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بآبائه الطاهرين عليهم السلام. وأما غيرهم ممن يثبت الجهة /828/ كالحنابلة، أو ينسب الفعل إلى العبد، فهم أهل الحديث. فكيف يكفرون أنفسهم لا سيّما والأحاديث عندهم طافحة بالنهي عن تكفير أهل القبلة. كما استوفينا بعضها في الرسالة المذكورة، وإنما يحكم بعضهم بكفر من كفرهم كما دلت عليه أحاديث جمة نبهنا عليها هنالك أيضاً. ومن حكم بالتكفير فإنما ينسب إلى المحدثين، وليس منهم، وإنما هرول بين الكلامي، والمحدِّث.
[{الثالث: العدالة، فلا يقبل فاسق التصريح إجماعاً}] لقوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيُّنُوْا} وهو وإن كان في سبب خاص، وليس من ألفاظ العموم (فالعموم لا يقصر على سببه، والشرط في قوة)(2) النفي، كما تقدَّم في، إن أكلت، وذلك يصلح مستنداً للإجماع، وإن لم يكن بين الفسق، والعدل، الذي هو الصدق تنافٍ؛ لأن من الفسَّاق مَن هو أصدق من كثير مِمَّن ينسب إلى الخير، كما تقدَّم عن يحيى بن سعيد، ويعتضد بقوله تعالى: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}.

(1/123)


[{واختلف في فاسق التأويل، وهو من أتى من أهل القبلة ما يوجب فسقه غير متعمد كالخوارج}] وأشار بالتمثيل بالخوارج إلى مثل ما أشار بالتمثيل بالمشبه إليه، في كفر التأويل؛ لأن معنى كفر التأويل على ما قدمناه لك، استلزام /829/ القول (لعدم)(1) الإيمان (بشرعي)(2) ضروري. ومعنى فسق التأويل يفاد نسخها عدم العمل بشرعي ضروري(3)، وإن كان مؤمناً بشرعيته، فالخوار مؤمنون بحرمة أموال المسلمين ودمائهم (الضرورية من الدين)(4) وإنما انتهكوها لشبهة عرضت عليهم (وهو توهم سلفهم أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه عصى بالتحكيم، وأن المعاصي كفر، وأن الكافر ومن تبعه مباح الدم والمال، فأنتجت لهم الشبهة أن من عصى فهو مباح الدم والمال وغير أئمة الزيدية ومن شايعهم يرى أن الخوارج كل من خرج على سلطان عادل أو جائر، واستلزم خروجه سفك دم مسلم أو أخذ ماله؛ لأن الإمامة عندهم ظنية الشروط وحرمة دم المسلم وماله قطعية، فلهذا يجرح أئمة الحديث من رأى السيف على أئمة الجور، وإن كان من جهابذهم كالحسن بن صالح، فإنهم جرحوه بذلك، وغيره ولا يجيزون أكثر من مدافعة الباغي؛ إذا بغى بالقتل فقط، ولا يؤخَذ من ماله شيء لا ما أجلب به، ولا مالم يجلب. وفي هذه الأعصار تعدت شبهة الخوارج إلى بعض أئمة المتأخرين، فظنوا أن قتال الباغي إنما كان لفسقه، وأن الفسق كالكفر يبيح الدم والمال، وأن ما في أيدي الأمَّة الآن بيت مال؛ لأن البغاة في كل أرض قد استولوا عليه فملكوه كما تملكه(5) الكفار لعدم الفرق في التَّكْفير بين معصية ومعصية، فإذا استولى عليه الإمام من أيديهم صار غنيمة، وهو مخيَّر فيها بين أن يقسمها أو يضرب عليها خراجاً ويتركها في أيدي أهلها، وهذه أصول منهارة خالفت ما عليه قدماء أئمة أهل البيت علي (والهادي)(6) والناصر والمؤيَّد فإنهم استولوا على ما استولى عليه البغاة، ولم يؤثر عن أحد منهم مثل هذه الأقوال، بل

(1/124)


رد أمير المؤمنين أموال الخوارج أنفسهم، فما ظنك بأخذ أموال من ظلموه وقهره <على أن أبا بكر وعمر وابن عباس والمؤيّد بالله والشافعي وغيرهم من المحققين يمنعون ملك الكفار لما استولوا عليه من أموال المسلمين لقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِيْنَ عَلَى الْمُؤْمِنْيْنَ سَبِيْلاً} ولأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ناقته القصوى من يد امرأة أبي ذر، وقد اختلستها من أيدي الكفار بعد أن استولوا عليها بلا عوض، وهو حديث صحيح، فما روي أنه صلّى الله عليه وآله وسلَّم قال لمن عرف بعيره في الغنيمة: إن أصبته قبل القسمة فهو لك، وإن وجدته بعد ما قسم أخذته بالقيمة، لا يقاوم الآية الكريمة، وخبر الناقة؛ ولأنه ظاهر في أنه لم يخرج من ملكه بمجرد الاستيلاء، وإنما منعت القسمة من رده، والحكم على القسمة بأنها مانع لا تعقل علَّته فيوق فعلى محله /831/ ولا يقاس عليه على أنه لو سلم مساواة الباغي للكافر في ملكه ما استولى عليه، فقد اتفق العلماء المختلفون في المسألة على أن أئمة العدل إذا استولوا عليه من يد الكافر أو نحوه وضع المسلم يده قبل القسمة على ما كان له لم يكن غنيمة، بل هو له خصوصاً. والأمر كذلك في بلاد المسلمين، لم يعلم أن أحداً من أئمة العدل قسم أو وقف ما في أيدي أهل بلاد الإسلام على حد قسمة النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم، وأصحابه أو وقفهم. ولا نقل عن البغاة أيضاً أنهم وضعوا أيديهم على ما لا ينفل من أموال من بغوا عليه بقسمة ولا بغيرها، وذلك معنى إثبات اليد منهم لا مجرد دخول دار العدل، كيف وقد أحاطت الأحزاب بأموال المدينة، فلو كان مثل ذلك يوجب ملكهم لقسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلك الأموال بين المسلمين بالسويّة أو وقفها، ولم يؤثر شيء من ذلك، ولكن البدع والشهوات تفعل أكثر من ذلك، فنسأل الله السلامة>(1))(2).
/832/ …………………

(1/125)


/833/ إذا عرفت فاسق التأويل [{فعند بعض أئمتنا، وأبي الحسين، والقاضي، والغزالي، وأكثر الفقهاء: إنَّه يقبل}] ونقل الإجماع على القبول فيما اطلعنا عليه عشرة أئمة المنصور بالله في ((صفوة الاختيار)) وفي ((المهذب)) والإمام يحيى في كتاب الأذان وكتاب الشهادات من ((الانتصار)) والقاضي زيد في كتاب الشهادات من ((الشرح)) وابن زيد في الدرر، والأمير الحسين في الشفاء، وأبو الحسين في المعتمد، والحاكم المحسن بن محمد بن كرامة في ((شرح العيون)) والحفيد في ((الجوهرة)) لنفسه، وفي ((غرر الحقائق)) رواها عن جده، وابن الحاجب في ((المنتهى)).
[{وعند بعض أئمتنا، ومالك، والشيخين، والباقلاني: لا تقبل}] قياساً على المصرِّح، وهو ساقط؛ لأنه قياس للخطأ على العمد مع اختلاف أحكامهما ضرورة شرعية. وقياس في مقابلة نص الإجماع، ولا يصح القياس في مقابلة النص اتفاقاً. ولو اشترط في نقل الإجماع أكثر من العشر الطرق التي ذكرناها عن أهل الاجتهاد الصحيح، والورع الشحيح، لما قبلت رواية إجماع قط، كما هو مذهب مانع(1) وقوع الإجماع /834/.
[{وتوقَّف أبو طالب}] لأنه قال في المجزي: أن الفقهاء كلهم ادعوا العلم بثبوت هذا الإجماع فحجَّة من قَبِلهم الإجماع، وحجة من ردهم القياس. ثُمَّ قال: فإن صح الإجماع فلا معنى للقياس. انتهى

(1/126)


وتوقَّف في ثبوت الإجماع، قلت: فيكفيك في عدم الاغترار بدعاوى الإجماع في كتب المقلدين توقفه عليه السلام في هذا الإجماع الذي رواه هو نفسه عن الفقهاء كلهم، فما ظنك بدعوى واحد من المقلدين له، وهذا يعضد ما ذهب إليه مانع وقوع الإجماع على غير ضروري،كما ذهبنا إليه. إلاَّ أن الوقف في هذه المسألة على الخصوص، لا حاصل له؛ إذ لا مخلص من رد المتأوِل أو قبوله، فإن رواياتهم مما عمت به البلوى بحيث لا يخلص طريق حكم عن رواية متأول في الصدر الأول، أو من بعدهم غالباً، لمعارضة كل واحد من أهل البيت للآخر، فلا بد أن يكون أحدهم باغياً على الآخر. والبغي فسق إجماعاً، ولا مخلص عن ذلك، إلا بما ذكرناه وحقَّقناه في براءة الذمَّة في نصيحة الأئمة.
[{وقيل: يقبل دون الكافر}] وهذا قول، لا انفراد له، بل قائله مع الرادين في كفر التأويل، ومع القائلين في فسق التأويل.
[{ويستثنى من كفار التأويل وفساقه، عند قابليهم من يجوِّز الكذب، إن لم يقل /835/ بكفره، أو فسقه تصريحاً، كالسالمية، والكرامية، والخطابية}] بناءً على أن حرمة الكذب ضرورية من الدين مطلقاً، فيكفر مستحله، ويفسق متعمِّده. وفيه نظر؛ لأن ضروريَّة(1) حرمته إنما هي إذا كان لغير مصلحة(2) لتصريح العلماء بوجوب الكذب، إذا كان فيه عصمة نبي من القتل. ورخ فيه صلى الله عليه وآله وسلم لقتلة ابن الأشرف، وابن أبي الحقيق [وللحجاج بن علاط](3)، والتفسيق والتكفير إنما يكونان لمن اعتقد حل المحرم الضروري مطلقاً، وأما من يرخص فيه قياساً على ما رخص فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه يرى أن ما خالف الأصول يصح القياس عليه؛ لأنه صار أصلاً برأسه. ففي تكفيره أو تفسيقه تصريحاً نظر.

(1/127)


[{ولا يقبل من أظهر التأويل، وأقواله، وأفعاله تدل على تعمد مخالفة الحق كمعاوية}] لأنه كان مصرِّحاً بفضل(1) أمير المؤمنين كرم اله وجهه، حتَّى روى عنه أنه قال فيه: سلك بالناس مضيقاً فلم يدع له الحق صديقاً؛ ولأنه استلحق زيادة بن سمية، والنسب إنما يثبت للفراش، ضرورة شرعية <وقاتل علياً بعد قتله عماراً، وهو يعلم حديث عمَّار؛ لأنه متواتر عند الصحابة كافة. فهو متعمد للبغي كما تعمد إثبات النسب بغير فراش>(2)، وغير ذلك من هناته.
[{الباقلاني: وهما}] أي: كفر التصريح وفسقه [{سلب أهلية}] أي: أن الكافر والفاسق ليسا بأهل للقبول إخساءً لهما، وحطاً عن مرتبة العدل، كسلب العبد أهلية الإمامة والقضاء، وغير ذلك من الاستحسانيات(3) الشرعية، وإن قام بمنصب الحر أتم القيام، وكذا لو علم صدق لهجة الكافر والفاسق، وتنزَّههما عن الكذب، فلا يقبلان.
[{أبو حنيفة: مظنَّة تهمة}] كالسفر يوجب القصر؛ لأن مظنة المشقة، وإن لم توجد المشقة؛ لأن انتفاء المئنة لا يوجب عدم اعتبار المظنَّة ربطاً للأحكام بالغالب.
[{الشافعي: الكفر سلب أهلية، والفسق: مظنة تهمة}] والحق ما ذكره أبو حنيفة رحمه الله، وإلاَّ لوجب أن لا يقبل تواتر الكفار. فإن قيل: وكذا انتفاء المئنة <للكذب>(4) فيا اعتبرت فيه المظنة له(5)، لا يوجب إسقاط اعتبار المظنة. فالجواب: منع كون التواتر مظنة للكذب، بل مئنة للصدق، ومظنة.

(1/128)


نعم. وكل ما تقدم من الخلاف إنما هو فيمن كفر، أو فسق ببدعته [{فأما من لم يكفر ولم يفسق ببدعته، كالمختلفين في بعض مسائل الأصول}] التي لا تتضمن رد ما علم من الدين ضرورة، ولا مخالفته. وإنما خالف قطعياً غير ضروري، أما في أصول الفقه /836/ فكنا(1) في حجيَّة الإجماع، والآحاد، والقياس إن جعلن المبتدع هو النافي. أو مثبتها إن جعلنا المبتدع هو المثبت، فإن معنى الابتداع شرع مالم يشرع (قطعاً)(2) أو إنكار ما شرح (قطعاً)(3)، وأما في أصول الدين فكالخلاف في وجوب أصل الإمامة، أو منصبها، أو الإرجاء كما صرَّح به الفقيه حسن في التذكرة، والفقيه حميد في العمدة، والقاضي عبد الله الدواري في الإرجاء. وإنمالم يفسق من خالف في مثل ذلك؛ لأن أدلتها غير ضرورية. وأشار المصنف بلفظ البعض ليحترز عما يستلزم مخالفة الضرورة، منها كما تقدّم، وكاتبات الذوات في العدم، ومن شعره في ذلك:
برئت من قول كل معتزلي

يرى ثبوت الذوات في العدم

لو صح هذا لكان خالقنا

قد شاركته الذوات في القدم

وإنما ستروا قبح هذه المقالة بالفرق بين ثابت، وموجود، وهو فرق لا يتحقق؛ لأن الوجود أعم مما في الذهن، أو في الخارج، كما لا يتحقق كسب الأشعري، ولا طفر(4) النظام، ولا مزايا أبي الحسين.

(1/129)


[{وإن ادَّعى كل منهم القطع بمذهبه فمقبولون إجماعاً}] لأن دعوى القطع لا تستلزم القطع، وإنما تستلزمه الضرورة الدينية [{وكذا من أتى مظنوناً من الفروع المختلف /838/ فيها مجتهداً، أو مقلداً كشرب مالا يسكر من النبيذ}] فإنه لا يفسق تصريحاً، ولا تأولاً [{وتقبل شهادته أيضاً إجماعاً، ولا وجه لتفسيقه، وتسمية ذلك فسقاً مظنوناً}] كما زعمه بعض القاصرين عن معرفة الأدلة التي توجب مخالفتها الفسق؛ لأن كل معتقد مذهب يظنه قطعياً، كما هو دأب المغفلين من المقلدين [{للقطع أنه ليس بفاسق؛ إذ لا قاطع}] لما عرفت من أن القاطع غير الضروري ممنوع، وأن ما دليله ظاهر وإن كان متواتراً فهو ظني.
[{وقول الشافعي: ((أقبل شهادة الحنفي وأحده إذا شرب النبي)) فيه نظر}] لأن الحد فرع الفسق، وهو موجب لرد الشهادة أيضاً. فالفرق تحكم، وأيضاً التحريم والحد إنما هما واردان في الخمر، ومفهومها لغة غير مفهوم النبيذ. وإنما قيس النبيذ عليها في التحريم بعلة الإسكار. والقياس لا يفيد غير الظن، لجواز كون خصوصيَّة الأصل شرطاً، أو خصوصية الفرع مانعاً، لا سيَّما في الأسباب والحدود، فإن الجمهور على منع القياس فيها. وأيضاً لحدود تدرأ بالشبهات، وقد صرَّحوا بأن الخلاف شبهة لما صحح الخطابي من حديث ((اختلاف أمتي رحمة))، وأيضاً قدر الحد في الخمر ظني، لقول أمير المؤمنين كرَّم الله وجهه: لا أجد في نفسي من الحدود شيئاً إلاَّ حد الخمر /839/ فإنه أمر أتيناه من عند أنفسنا)) يريد كرَّم الله وجهه أنه قاسه على حد القاذف بقوله: إذا سكر هذا، وإذا هذا افترى)) فأرى عليه ما على المفتري. فكيف بالحد مع هذه الأمور التي لا يجزم معها بحرمة النبيذ فضلاً عن الحد عليه.

(1/130)


وأمَّا قول المصنِّف في تعليل التنظير [{إذ لا يحد بمباح عنده}] فعلى عادته في الاحتجاج بمحل النزاع. فإن اعتقاد إباحة الحرام القطعي، إذا ثبت كونه قطعياً، لا يمنع من الحد. إنما يمنع من الحد انتفاء المقتضى، أو وجود المانع الشرعيين.
[{الرابع: رجحان ضبطه الظاهر}] لا حاجة إلى زيادة الظاهر في هذا الشرط، وإنما يعتبر في شرط العدالة لا مكان اختلاف الظاهر، والباطن فيها. وأمَّا في الضبط فلا؛ لأن من لا ضبط له في الباطن، لا ضبط له في الظاهر؛ لأن اللَّفظ إنما ينشأ عما في النفسي، والضبط كما عرفناك(1) إنما يعرف بدوام موافقة الحفاظ فيما رووه.
[{على سهوه}] وذلك لأن العلَّة في قبول خبر الواحد حصول الظن به، كما ذكره بعض المحققين، لا إجماع الصحابة كما توهم غيره، ولا كونه عدلاً، ولهذا رد [بعض] (2) الصحابة [رضي الله عنهم](3) خبر بعض الرواة لما ضعف عنده الظن بصدقه، وهو كما ذكر. إلاَّ أن كون العلة علة حكم شرعي وضعي لا يثبت إلاَّ بخطاب شرعي. ولو أراد أن حصول /840/ الظن يقضي عقلاً بوجوب العمل، فهو رأي من جعله حجَّة عقلية. وقد تقدَّم منه وسند المنع.
[{فإن استويا، قبل عند القاضي، وابن زيد والشافعية (إلاَّ أن يعلم سهوه فيه) (4)}] بناءً على أن علة القبول هي العدالة، لا الظن، كما تقدَّم. وهي موجودة؛ لان السهو لا يبطلها. وفيه نظر. فإن من عرف من نفسه السهو بتكرره منه، ثُمَّ أقدم على الرواية لهو متعمد؛ لأن الإقدام على المظنَّة، إقدام على المئنة، لحديث: لا يُؤَمّن أحدكم حتَّى يترك ما لا بأس به حذراً مما به البأس [{ورد عند أكثر أئمتنا، والجمهور}] لأنهم يعلِّلون القبول بحصول السلامة، وعدم الريبة كما قال تعالى في كتب الشهادة {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلْشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أْنَ لاَ تَرْتَابُوْا}.

(1/131)


[{وقال المنصور، والإمام، وابن إبان: محل اجتهاد}] فإن أرادوا: أن حجيّته(1) محل اجتهاد، فلا محيص لهم من (التعليل بالعدالة، أو الظن)(2)، وهما القولان الأولان، وإن أرادوا أنا لا ندري هل العلَّة العدالة أو الظن، فهذا توقُّف لا اجتهاد، وإن أرادوا: أن ما رواه من الجزئيات يكون العمل به محل اجتهاد. فتارةً يُردُّ وتارة يقبل لمرجحات للقبول، والرد. فغير محل النزاع؛ لأن النزاع في حجيَّته بمجرده لا بما ينضم إليه من موجب للقبول، أو الرد/841/.
[{وتشارك الرواية الشهادة في اعتبار هذه الشروط الأربعة}] التكليف والإسلام، والعدالة، ورجحان الضبط [{وتختص الشهادة باعتبار عدم العداوة}] بين الشاهد، والمشهود عليه؛ لأنها مظنة همة الزور. وفيه بحث (لأن اعتبار هذا الشرط لم يستند إلى نص، وإنما استند إلى اجتهاد. ولا وجه له)(3) لأن الغرض العدالة، وهي تأبَى تجويز شهادة الزور(4). وإنما يتجه ذلك عند من قبل مجهول العدالة. ثُمَّ اختصاص ذلك بالشهادة ممنوع؛ لأن عداوة المذهب أعظم عداوة. ولهذا جوَّزت السالمية، والخطابية، والكرامية الكذب لنصرة المذهب. وضعَّف بعض أئمة المذاهب الأحادي التي تخالف مذهبه مع قوتها وقوَّى ما وافقه مع ضعفه. [{واعتبار العدد}] وهو العدلان، بخلاف الخبر فيكفي فيه عدل. وهذا الاختصاص عند غير أبي علي، ومن وافقه، أو زاد عليه كالظاهرية [{والتحليف عند معتبره}] في الشهادة، لقوله تعالى: {فَيِقْسِمَانِ بِاللَّهِ} دون الخبر. وأمَّا من شتره في الخبر أيضاً كما هو المصحح عن أمير المؤمنين كرَّم الله وجهه، فلا اختصاص. [{وتختص الرواية بقبول الفرع مع إنكار أصله}] للمروي عنه، بناء من المصنّف على ما اختاره فيما سيأتي، وإن منعه غيره /842/.

(1/132)


[{والتجريح بالكثرة}] لرواة أحد الخبرين المتعارضين، على ما رواته أقل. وفيه بحث؛ لأن التعارض إنما يتم مع اختلاف الحكم. كما يكون أحدهما مثبتاً، والآخر نافياً أو محرماً، والآخر مبيحاً. فإذا كانت الكثرة في جانب الإباحة، أو النفي، والقلة في جانب التحريم، أو الإثبات، لم يصح الجزم بترجيح الكثرة؛ لأن التحريم والإثبات أرجح من الإباحة والنفي. ولهذا رجح في الشهادة المثبتة على النافية، والخارجة على الداخلة.
[{فصل}]
[{والعدالة}] مكلة نفسية يصدر عنها (الإتيان بالواجبات، واجتناب (كبائر)(1) المقبحات}] والمراد بالواجب: ما هو عند الفاعل واجب. وكذا في الكبيرة، كما تقدَّم في قول الشافعي: أحد الحنفي على شرب النبيذ، وأقبل شهادته. وعلى هذا من لا يحسن التقليد من العوام، لا تنفي عدالته إلاَّ بمخالفة ضروري من الشرع، كترك الصلاة، والصوم، وفعل السرقة، والكذب، ونحو ذلك مما فعله، أو تركه ضروري القبح. للإتفاق على أنه يقر على ما فعله مالم يخرق الإجماع. وإن حكمه حكم المجتهد أو الناسي. وكلاهما لا يُجْرح باجتهاد أو نسيان [{وما فيه خسَّة}] يعلم قبحها /843/ أيضاً؛ لأن العلم بقبح الفعل شرط في قبحه، كما علمت فإن الخسة تتفاوت بفتاوت المقادير. ولهذا رد شعبة حديث من رآه يركض على برذون. ورد ابن عينية راذان، لكثرة كلامه، وغير ذلك مما يعد مستهجناً من شخص دون آخر، وبالجملة مدار القبول، والرد على قوة الظن، وضعفه، وذلك وجداني، فكمال العدالة والحفظ سبب قوته، والجرأة، وسوء الحفظ، سبَب ضعفه.

(1/133)


[{واختلف في الكبيرة. فعند أئمتنا، وبعض البغدادية، والطوسي، أنها ما توعد عليه بعينه، البصرية: ما وجب فيه حد أو نص على كِبَره. الاسفرائيني، ومن وافقه على نفي الصغائر، كالخوارج}] وإن كان الخوارج يرون أن كل معصية كفر، وغيرهم يقسم الكبائر إلى ما هو كفر، وما هو فسق. وأما الخطأ والنسيان فليسا عند أهل هذا القول بمعصية رأساً [{بل هي كل ذنب}] والخطأ والنسيان ليسا بذنب.
[{الناصر، والبغدادية: بل كل عمد}] والخطأ والنسيان ذنب إلاَّ أنه هو الصغير لا غير، وما عداه كبير. لنا قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوْا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} فدل على أن فيما نهي عنه كبير وصغير. فنفي الصغائر مخالف لذلك. ولنا: أن غير العمد غير منهي عنه؛ إذ النهي تكليف، والخطأ والنسيان لا يستطاع تركهما؛ لأنهما ضروريان /844/ فتركهما غير مقدور. فوجب أن تكون الكبائر والصغائر كليهما من المنهي عنه.
[{وعدَّ منها الهادي، وولده أحمد: الشرك، وقتل النفس عمداً، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف) لا متحيزاً إلى فئة (وأكل مال اليتيم، والزنا، واللواط، وشرب الخمر، والسرقة. وزاد الهادي: تشبيه الله بخلقه، وتجويزه، والكذب على الله تعالى، وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والإمام العادل عمداً}] قياساً للإمام العادل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وظاهر تخصيص الكذب على الثلاثة أن الكذب على غيرهم ملتبس الكِبَر. وأن الآيات الواردة في تقبيح مطلقه نحو: [{إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بالله}] و ((ثلاث من كن فيه فهو منافق}] وغيرهما من الآيات والأحاديث لا تستلزم الكِبر وهو خلاف المعلوم. وإنما رخص في الكذب لقتلة ابن الأشرف، وابن أبي الحقيق، ويروى الترخيص فيه على الزوجة، والطفل، تعريضاً، لا تحققاً. والرخصة لا تنافي الكبر في غير وقت الرخصة.

(1/134)


[{ثُمَّ قال عليه السلام: ونحوها مما توعَّد الله فاعله بالنار. وزاد ابنه أحمد: التغرَّب بعد الهجرة}] يعني: الرجوع بعد الهجرة إلى أخلاق الأعراب، المتهاونين /845/ بأحكام الشرع، لقوله تعالى: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَنْ لاَ يَعْلَمُوْا حُدُوْدَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُوْلِهِ} وذلك كفر. وليس المراد بالتعرب: السكوت في مساكن الأعراب، أعني: البادية، كما يتوهم. لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم سكنوا مساكن الأعراب، كأبي سعيد، وأبي ذر، وغيرهما.
[{وعقوق الوالدين المسلمين. وكتم الشهادة لغير عذر، والفساد في الأرض، وأذى المسلم}] ينبغي أن يقيَّد بأذاه لا لحق تعلَّق به. [{وأكل الميتة}] لغير ضرورة (والرِّبا) المجمع على كونه ربا. [{واليمين الغموس، والرشوة على واجب، أو محظور، وغلَّ الزكاة}] أي: عدم تسليمها إلى إمام، ولا فقير؛ لأن ذلك هو الغل. أمَّا لو سلمها إلى الفقير، دون الإمام فليس بغالٍ، وأخذ مال الغير إذا كان قدر نصاب السرقة. وقال الهادي والناصر: مطلقاً}] وإنما النصاب شرط للقطع في السرقة، لا للفسق بالغصب.
[{المؤيَّد: وتكفير المؤمن، وتفسيقه}] كما عليه المتكلمون من التكفير، والتفسيق بالإلزام، والقياس، وبالمذاهب، كاعتقاد أن المعاصي، كفر، كما فعلت الخوارج بتكفير أمير المؤمنين [كرَّم الله وجهه](1)، وأتباعه [رضي الله عنهم](2) /846/.

(1/135)


[{أئمتنا: وترك الصلاة، والفطر في رمضان لغير عذر}] القاضي زيد، وأبو مضر: وفطر النذر المعيَّن}] لأنه قد وجب بيقين في الوقت المعيَّن، بعض أئمتنا، ونقض العهد. الإمام: وقتل المحرِم الصيد عامداً. الشافعية: والنميمة، وقطع الرحم، والخيانة في الكيل، والوزن، وتقديم الصلاة، وتأخيرها، وسب الصحابة، والدياثة}] أي الكشحنة [{والقيادة، والسعاية}] بالناس إلى الظلم [{ويأس الرحمة، وأمن المكر}] من الله [{والظهار، وأكل لحم الخنزير، والغلول}] لشيء من الغنيمة المشتركة بين المجاهدين.
[{الناصر، والمنصور، والبستي، وغيرهم: والأصل في المعصية الكِبَر. الشافعية: بل الصِّغر. والمختار: تجويزهما حتَّى يقوم دليل}] ولا يذهب عنك أن الكبر، والصِغر تابعان لِعظم المفسدة، وصغرها، أو لبس، محل إجمال. والأولى أن يقال: الأصل براءة الذمة عن المعصية. فإذا قام عليها دليل فإن كان قطعياً، وانضم قرائن الكبر فلكبيرة، وإلاَّ فملتبسة وإن يكن قطعياً، فالأصل البراءة عن موجب الفسق، وهو الكبر لعدم القطع بالمعصية أو لا؛ لأنها مظنونة، ويكون الأصل في المعصية المظنونة هو الصغر؛ لأنه الأقرب إلى ماهيتها، كما في مخالفة الواجبات /847/ الظنية، ثُمَّ الكِبَر، والصِّغَر أمور نسبية لا تنحصر في نسبة معينة، فكل معصية فهي كبيرة بالنسبة إلى أصغر منها، وصغيرة بالنسبة إلى أكبر منها. والعلم بمقادير ذلك فرع العلم بمقادير الجزاء التابع لعظم المفسدة، وعدمه. والجزاء من الغيوب التي لا يعلمها إلاَّ الله. فالاشتغال بذلك فضول.
[{فصل}]

(1/136)


[{واختلف في رواية المجهول. ويطلق على مجهول العدالة، أو الضبط، أو النسب أو الاسم. فعند محمد بن منصور، وابن زيد، والقاضي في العمد. والحنفية، وابن فورك يقبل مجهول العدالة. وهو أحد احتمالي أبي طالب، وأحد قولي المنصور}] بناءً على أن الأصل في دار الإسلام، هو الإسلام. والأصل في المسلم هو القيام بوظائف الإسلام. وهذا قياس من الشكل الأول ينتج أن الأصل هو القيام بالوظائف. وهذا معنى العدالة. ورد بمنع الكبرى مسنداً بأن الأصل هو الغالب. والفسق في المسلمين أغلب من الإيمان، لقوله تعالى: {وَقَلِيْلٌ مَّا هُمْ} {وَقَلِيْلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورَ} {وَمَا أَكْثَرَ النَّاسَ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِيْنَ} وغير ذلك. والفرد المجهول يجب حمله على الأعم /848/ الأغلب. ولهذا يرد من غلب سهوه على حفظه اتفاقاً. ورجح المجاز لغلبته على الاشتراك قالوا: الخبر موضوع للصدق، واحتمال الكذب أمر عقلي كما حقٌَّه المحقِّقون. فالظاهر هو الصدق. وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((نحن نحكم بالظاهر)) وردَّ بمنع ظهوره فيمن غلب عليه خلافه. وبلزوم العمل بخبر الفاسق المصرِّح؛ لأن ظاهره الصدق. قالوا: لا لزوم لأنه مخرج بالنص. والحق أن غلبة الفسق مظنة للفسق وحكم المظنة، وإن انتفت المئنة، كما سيأتي في القياس. قالوا: حديث ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله.. الحديث)) له طرق مرفوعاً، وموقوفاً وصحَّحه أحمد، وهو يدل بظاهره على أن كل من حمل علماً فهو عدل. وأجيب بأنه دور؛ لأنه قال: هذا العلم، فلا يعرف أنه من علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتَّى يعرف أن الحامل عدل، ولا يعرف أنه عدل حتَّى يعرف أن المحمول من علم النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم. ثُمَّ ظاهره مخالف للضرورة للعلم بفسق أكثر من يحمل علماً، فيجب حمله على أنه بيان لأهلية الحمل في قوة: أهل حمله هم العدول، كما يشهد له وقوعه في بعض الروايات بلفظ الأمر بالَّلام ((ليحمل هذا

(1/137)


العلم)) فهو حينئذٍ عليكم لا لكم. وأيضاً المراد بحمله /849/ ليس مجرد نقله، بل تحمُّل أعباء العمل به، وحراسته. بدليل ((ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين)) ولا نزاع في أن من فعل ذلك فهو عدل.
[{وعند أكثر أئمتنا، والجمهور: لا يقبل إلاَّ مجهول(1) الصحابي}] إذ الأغلب فيهم (هو)(2) العدالة اتفاقاً. وكل على أصله في تفسير الصحابي، إلاَّ أن من لا يقبل فاسق التأويل يقول: إنما تقبل رواية مجهولهم في ما رواه قبل الفتنة، لا بعدها.
[{المنصور: أو مجهول التابعين}] وكذا تابعوا التابعين، أيضاً، كما ذكره في مجموعة للنص على خيريتهم بقوله صلَّى الله عليه وآله وسلم: ((خير القرون قرني ثُمَّ الذين يلونهم ثُمَّ الذين يلونهم)) وأجيب بأن الخيرية خاصَّة(3) لهم. والخاصة، لا يجب انعكاسها للعلم بأن الفساق فيهم أغلب من العدول [{فأما مجهول النسب أو الاسم فمقبول}] بشرط أن يكون معلوم العدالة، والضبط [{على الأصح}] إشارة إلى أن الغالب فيمن جهل اسمه، ونسبه أن تجهل عدالته بالأولى. وأجيب بأن الفرض معرفة العدالة، والضبط، فهو جواب(4) في غير محل النزاع.
[{ومجهول الضبط لا يقبل}] لأن تحقق العدالة [والضبط](5) سبب حصول الظن، الذي هو مناط القبول. فإذا فقد أحدهما استلزم فقد المناط /850/.
واعلم أن مرجع العلم بالضبط إلى تجريب موافقة الراوي للحفاظ، فيما رووه بحيث لا يكاد يخالفهم إلاَّ نادراً. فمن لم تكثر روايته موافقة رواية الحفاظ المشاهير فهو مجهول الضبط لا يقبل ما انفرد به.
[{فصل}]

(1/138)


[{أئمتنا، والجمهور: ولا تَشترط الذكروة}] لحديث: ((خذوا شطر دينكم عن الحميراء)) وأخذ الصحابة عن أمهات المؤمنين بلا نكير(1) [{ولا البصر}] لأن طريق الرواية السماع، لا الرؤية [{ولا عدم القرابة، والعداوة}] كما يشترط في الشهادة؛ لأن السُّنن لا تختص بعدو، ولا صديق بخلاف الشهادة [{ولا عرضه على الكتاب}] لحديث: ((عسى أن يُؤتى أحدكم بحديث عني وهو متكئ على أريكته)) وفي رواية ((وهو شبعان)) ((فيقول: ليس عندنا إلاَّ كتاب الله. ألا وإني أوتيت كتاب الله ومثله معه)) وللعلم الضروري بأن مقادير الزكاة، والديات، وصفات الحج، والصلاة وغير ذلك، لم يذكر في القرآن، وإنما أخذ من السنة. وثبت أن السنة تبيِّن الكتاب وتقيِّده، كما قيّدت قطع السارق بالنصاب، وبالحرز، وغير ذلك.
/851/ وقد أجاب مشترطوا العرض، بأن النزاع إنما هو في أصل الحكم، لا في تفاصيله، فإن السنة، كالرواية للمقصود منه، والنبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أعلم بمقصود القرآن فمثل ذلك غير محل النزاع

(1/139)


والحق، أن المراد من حديث العرض إن صح عرض مالم يكمل فيه نصاب القبول، وكلٌ على أصله في النصاب. فمن نفى حجيَّة الآحاد ينبغي أن لا ينفي منها ما وافق الكتاب للعلم الضروري من الدين بإطلاق القرآن للأمر بطاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم فيما صح عنه، إلاَّ أن في كون العمل بالمعروض حينئذٍ تسامحاً؛ لأن العمل إنما هو بالكتاب [{ولا الإكثار من الحديث}] بناءً على أن الإكثار يستلزم المعرفة بالضبط؛ لأن من أكثر من شيء ولم يغلط فيه كشف عن كمال أهليته، فيقبل أفراده؛ لأن النزاع إنما هو في قبول الأفراد. وأمَّا ما تواتر واشتهر أو وجد له شاهد، فإن العمل حينئذٍ بالمجموع لا بالواحد. وأما من لم يكثر روايته وانفرد بحديث، فإنه مجهول الضبط لما عرفت من أن الضبط إنما يعرف بالتجريب ولا تجريب للمقل. [{ولا معرفة النسب}] وقد تقدَّم تعليل اشتراطها، والجواب /852/ عنه [{ولا العلم بفقه، أو عربية، أو معنى الحديث}] لأن الرواية إنما هي لتركيب اللَّفظ، وإنما يضبطه الحفظ، لا الفقه، والعربية، والمعنى، ومنهم من شرط(1) ذلك؛ لأن الرواية بالمعنى جائزة كما سيأتي. فمن لا فقه له ولا عربية ربما توهم من اللفظ خلاف معناه، فرواه كما توهمه وهو معذور. والجواب: أن الفرض كمال العدالة، وهي مانعة من المجازفة، فإن من يروي عن الوهم غير عدل لا معذور [{ولا موافقة القياس إذا لم يكن الراوي فقيهاً}] وهذا في الحقيقة راجع إلى اشتراط الفقه. وإنما الفرق بينهما. أن من يشترط الفقه(2) يرد غير الفقيه، سواء وافق القياس أم لا. ومشترط موافقة القياس يقبله؛ لأن القياس شاهد له. وإن كان العمل في الحقيقة بالقياس. [{ولا كونه الإمام المنصوص عليه}] كما تدعيه الإمامية من أن لا قبول إلاَّ لما نقلته أئمتهم، دون غيرهم [{ولا كونه من أهل البيت}] كما تدعيه غلاتهم الذين شاركوا الإمامية في الغلو [{ولا العدد}] أي: عدد الشهادة.

(1/140)


[{أبو علي: لا يقبل إلاَّ عدلان فصاعداً، ثُمَّ كذلك حتَّى ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم}]؛ لأن الرواية إلزام للمكلَّف بحق عليه لِلَّه، كالشهادة إلزام له بحق للغير فلا بد فيهما من نصاب الشهادة [{لا عدل واحد}] فليس بحجَّة لما تقدَّم من رد الصحابة [رضي الله عنهم](1) له حتَّى يروي ما رواه صحابي آخر. وقد تقدَّم تحقيقه. وعدم انتهاض حجيَّة الواحد بخلاف حجية الاثنين فهي ثابتة في الشهادة بنص القرآن، وكون الشيء دليلاً وسبباً حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، كما تقدَّم، ثُمَّ ذلك ظاهر مذهب المحدثين حيث شرطوا في الحديث السلامة من الشذوذ، وفسروه بالفرد المطلق. قال أبو يعلى(2) الحليلي: الذي عليه حفَّاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلاَّ إسناد واحد يسند بذلك شيخ فقة كان، أو غير ثقة فمتروك، وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يحتج به. انتهى. ومثل ذلك قال الحاكم: وزاد أنه يغاير المعلل من حيث أن المعلل وقف على علَّته الدالة على جهة الوهم والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك، انتهى.

(1/141)


وذكر ابن الصلاح تفصيلاً يخالف بعض قولهما. ورد عليه قوله محقِّقوا أئمة الحديث. وإن اعترض بقوله بعض متأخريهم الذين ركنوا إلى تقليد [{إلاَّ أن يعضده ظاهر الكتاب أو السنة أو عمل بعض الصحابة به(1)، أو قياس، أو اجتهاد اجتهاد منتشر}] <(وقيل: اشترط في الزنا أربعة، وفي الأموال ونحوها عدلين، كالشهادة فيها)> (2) فإنه يعمل بمدلوله، لكن لا لذاته، بل للدليل الآخر. وذلك غير محل النزاع، فإن كلاً من المذكورات مستقل بالحكم، إلاَّ مذهب الصحابي على خلاف فيه، أيضاً [كما](3) تقدَّم [{وللوصي كرَّم الله وجهه في أحوال في أحوال الرواة تفصيل يتوجه معرفته}] <حيث قال: وإنما /854/ أتاك بالحديث أربعة رجال، ليس لهم خامس، إلى آخر ما نقله شيخنا الحسين بن أمير المؤمنين رحمه الله [تعالى](4)، في شرح الغاية له. ولما كان التفصيل مجّرد إخبار بأخلاق(5) الناس من عدم الأمانة، وعدم الضبط، وعدم المعرفة بالناسخ، والمنسوخ، ولا بعماني المنقول. لم يحتج إليه لكفاية اشتراط العدالة، والضبط عنه، لا سيِّما وظاهره يقضي أن لا تُقبل الرواية إلاَّ من مجتهد، ولا قائل به، وأظهر منه>(6) حديث كميل بن زياد، المشهور عنه، وهو في ترجمة (أمير المؤمنين)(7)، من تذكرة الحفاظ للذهبي، وفيه: يا كُميل، القلوب أوعية فخيرها أوعاها، احفظ ما أقول لك، الناس ثلاثة، فعالم رباني، وعالم متعلق على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العِلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق بها، إن هاهنا ـ وأشار بيده رضي اله عنه إلى صدره ـ علماً لو أصبت له حَمَلة. بلى أصبت لقناً غير مأمون عليه يستعمل آلة الدين للدنيا يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عبادة. أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في إحيائه يقتدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا ذا ولا ذاك. أو منهوماً باللَّذة، سلس القياد للشهوات، أو

(1/142)


مغزَى (بجمع الأموال) والادِّخار، ليسا من عادة الدين(1) أقرب شبهاً بهما الأنعام السائمة. كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم بلى، لن تخلو الأرض /855/ من قائم لِله بحجة لكيلا تبطل حجج الله وبيِّناته، أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً. بهم يدفعون الله عن حججه حتَّى يؤَدُّوها إلى نظرائهم فيزرعونها في قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر [فاستلانوا ما استوعره الجاهلون، واستأنسوا بما استوحش منه المترفون](2) تلك أبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في بلاده(3)، والدعاة إلى دينه، هاه، هاه، شوقاً إلى رؤيتهم. وأستغفر الله لي، ولك، إذا شئت فقم، انتهى.
فصرَّح في قوله: ((لا ذا ولا ذاك)) وبقوله: ((غير مأمون عليه)) وبقوله: ((ليسا من دعاة الدين، وبأن العلم معهم ميت)) بأن الأربعة الأصناف ليسوا بأهل لحمل العلم، فضلاً عن أن يكونوا أهلاً للأخذ عنهم. وبأن العلَّة في سلب أهليتهم لحمل العلم هي تلك الأوصاف، التي وصفهم بها. ولهذا كان لا يقبل أحداً منهم حتَّى يستحلفه؛ لأن اليمين نائبة مناب الشاهدين.
[{فصل}]
[{وللتعديل طرق، أعلاها}] تصريح أئمة التعديل بها على مراتب أربع:ـ
الأولى: ثبت حجة، أو ثبت حافظ، أو ثبت ثقة، أو ثقة متقن، أو نحو ذلك مما تكرر /856/ فيه التوثيق باللَّفظ الأول، أو مناسِبه.
الثانية: أفراد أحد الألفاظ المذكورة عن التأكيد.
الثالثة:ـ قولهم: ليس به بأس، أو لا بأس به، أو صدوق أو مأمون.
الرابعة:ـ قولهم: محلّه الصدق، أو إلى الصدق ما هو، أو شيخ، أو وسط، أو صالح الحديث، أو مقارب الحديث، أو جيِّد الحديث أو حسن الحديث، أو صويلح، أو صدوق إن شاء الله، أو أرجو أنه ليس به بأس به)(4).

(1/143)


وأما قول المصنِّف: إن أعلاها [{حكم الحاكم المشترط للعدالة بشهادة الراوي}] فغفلة عن أن الحكم فعل، وإن القاعدة أن القول أقوى من الفعل دلالة. مع أن ذلك لا يتحقّق إلاَّ حيث لا ثالث للشاهدين. وإلاَّ لجوَّزنا في كل واحد منهم أن لا يكون الحكم بشهادته، بل بشهادة صاحبيه. وأيضاً في اعتبار عدالة الشاهد، فلا فائدة في قوله: المشترك العدالة؛ لأن من لا يراعيها ليس بحاكم. وإن أراد أن من الحكام من لا يراعيها لغفلته، أو ظلمه فحقه أن يقال: الحاكم العدل.
وأما قوله: [{ثُمَّ قول المزكي: هو عدل لِكذا}] أي: لأني صحبته في سفر، وحضر /857/ فما أتي ما يخرم العدالة، فإن أراد بالمزكِّي: غير أئمة التعديل، والحكام من أفراد الناس فمسلم. وإن أراد به: أئمة التعديل، فهذه هي المرتبة الأولى، لا الثانية. والقول أصرح وأدل من الفعل كما علم. وأئمة التعديل حكام الحكام، وتوثيقهم يتضمن العدالة والضبط، بخلاف حكم الحاكم، فإنه يكتفي فيه بعدالة الراوي. فربما حكم بشهادة عدل غير ضابط فلا يقبل في الحديث. وإن قبل <في الشهادة>(1).
[{ثُمَّ عمل العالم الذي لا يقبل المجهول بروايته}] فحينئذٍ لا بد (من)(2) أن يعلم أن العالم لا يقبل المجهول، ويعلم أن عمله كان لمجرد رواية الراوي، لا لغيره.
وقوله: [{على الأصح}] إشارة إلى ما تقدَّم من أن العمل مجرد فعل، والفعل لا ظاهر له، كما علم.
[{ثُمَّ رواية العدل عنه، واختلف فيها، فقيل: تعديل مطلقاً}] وهو جزاف للعلم برواية العدول، عن غير العدول [{وقيل: ليس بتعديل مطلقاً}] أمَّا إذا لم يعلم أنه لا يروي، إلاَّ عن عدل فظاهر، وأمَّا إذا علم أنه لا يروي إلاَّ عن عدل فلأن حاصله استدلال بعادته، والعادة ليست بحجَّة، ولهذا منع الأكثرون تخصيص العموم بها. ولأن العمل فعل، والفعل لا ظاهر له/858/.

(1/144)


[{والمختار: إنه إن كان لا يروي إلاَّ عن عدل، فتعديل، وإلاَّ فلا}] عملاً بالغالب وهي العادة؛ لأن الفرد المجهول يحمل على الأعم الأغلب، وقد تقدَّم ضعف منع التخصيص بالعادة. وأما الاعتذار بأنه فعل، والفعل لا ظاهر له. فمرادهم لا ظاهر له بمجرده، وأمَّا إذا أنضمت إليه العادة فهي قرينة كافية.
[{فصل}]
والجرح: ارتفاع أحد أركان العدالة. وله طرق أعلاها، التصريح به}] قياس ما تقدَّم له، أن يكون أعلاها، ترك عمل الحاكم بشهادته، على تقدير، عدم المعارض لها. ثُمَّ التصريح على مراتب خمس:ـ
الأولى: وهي شرها. أن يكون الجرح [{مع ذكر السبب}] مجزوماً به، نحو: كذاب، أو وضَّاع، أو دجال، أو وضع حديثاً، أو يضع الحديث، أو يسرق الأحاديث.
الثانية: ذكر السبب بغير جزم نحو: متهم بالوضع، أو بالكذب، فهاتان اثنتان [{ثُمَّ التصريح من دونه}] أي: من دون ذكر السبب. وهو ثلاث مراتب:ـ
الأولى من الثلاث: ساقط، هالك(1) ذاهب الحديث، متروك تركوه، لا يعتبر به /859/ أو بحديثه، ليس بثقة، غير ثقة، غير مأمون، واهٍ بمرة، لا شيء، ليس بشيء، لا يساوي شيئاً. وفي نحو ذلك قول البخاري: فيه نظر، سكتوا عنه. وهذه الثلاث الأول لا مخالف في عدم قبول من جرح بها.
الخامسة: فيه مقال، فيه ضعف، يعرف، وينكر، ليس بذاك، ليس بالمتين، ليس بالقوي، ليس بالمرضي للضعف، ما هو فيه خلاف، طعنوا فيه، سيء الحفظ، ليِّن الحديث، في لين، تكلموا فيه، ترَّكوه، بزاي معجمة مشدَّدة، وكل من ذكر في المرتبة الرابعة، أو الخامسة، فإنه يخرج حديثه للاعتبار به، ولا يستقل بإثبات الحكم.
تنبيه على فوائد:ـ
الأولى: أن أهل المرتبة الخامسة في الجرح، هم أهل الرابعة في التعديل.
الثانية: إن المجهول لا يطلق عليه جرح، ولا تعديل. فلم تشمله إحدى المراتب، بل هو مرتبة منفردة.
الثالثة: أن قولهم: كذاب قد أطلقوه على صالحين، كثر خطؤهم، وإنما يثلم /860/ العدالة، تعمد الكذب.

(1/145)


الرابعة: أن قولهم: متروك، هالك، ونحوهما. قد أطلقوه على المبتدع الداعية إلى مذهبه. وربما كان المبتدع من التوَّرع عن الكذب، ومن العدالة، والحفظ، بالمحل الأعلى. ألا ترى إلى داود الظاهري كيف تركوه لقوله بخلق القرآن ودعائه الناس إليه، ومناصرته عليه حتَّى عزَّت الرواية عنه، مع أنه أشد تورعاً منهم في الحديث حيث لا يقبل إلاَّ المشهور. وكان من العلم بحيث انتهت إليه رياسة المذاهب الأربعة. ومن العقل والزهد بحيث لا يشاركه فيها إمام. وعدَّه الذهبي في التذكرة من الحفاظ. وقال: لا بأس بمذهبه. وقبلوا قتادة، مع أنه كان يرى رأي المعتزلة الذي يسمونه القدر. وكان لا يكفيه إلاَّ أن يصيح به صياحاً. وإنما فرقوا بين الرجلين؛ لأن قتادة كان قبل التمذهب، وداود كان بعده. فمن اجتهد ولم يتمذهب ترك. فلا يعتبر بجرح، ولا تعديل(1) من بعد المذاهب؛ لأنه لا يثمر ظناً، وإنما يثمر الظن ما كان، فيمن قبل المذاهب، أو مبيّن السبب المجمع على الجرح به، كفعل محظور، أو ترك واجب، مجمع عليهما. وذلك كله يستلزم عدم قبول الجرح المطلق، وبقاء المجروح على حكم الأصل من الجهالة، أو العدالة، أو الفسق عند من يرى أن الغالب /861/ هو الأصل. والفرد المجهول يحمل على الأعم الأغلب [{وليس منه}] أي: من الجرح [{ترك الحاكم العمل بشهادته، ولا}] ترك [{العالم العمل بروايته، لجواز معارض}] عارض المقتضى، فتوقف، لا لعدم المقتضى. بل لوجود المانع، وفي ذلك نظر؛ لأنا إذا جوَّزنا هنا أن التوقف لمانع لا يعلم. جوزنا في العمل بشهادته أنه لمقتضٍ غيرها، فلا وجه لجعل العمل بالشهادة تعديلاً. والترك ليس بجرح لعدم الفرق في التجويز المذكور [{ولا العمل بقول في مسائل الاجتهاد ونحوها}] نحو: شرب الحنفي للمثلّث، وصلاة الشافعي متلبساً بالمني، وخروج الزيدي على أئمة الجور، وقول الظاهري بجواز نكاح التسع كالنبي صلى الله عليه وآله وسلَّم. إلاَّ أن ذلك رد إلى جهالة؛

(1/146)


لأن الاجتهاد قد تعدَّى إلى مخالفة القطعيات، كمصالح مالك في قتل الثلث لإصلاح الثلثين. وقياس الفاسق على الكافر في استباحة دمه، وماله. فلو ذهبنا إلى أن كل اجتهاد لا يمنع القبول لما بقي خلاف في قبول المبتدع بما يتضمن كفراً، ولا فسقاً. وقد تقدَّم [{ولا التدليس}] بأقسامه الأربعة الآتية؛ لأنه نوع من الإرسال [{على الأصح}] إشارة إلى أن منهم من ذهب إلى أن تدليس الشيوخ وتدليس التسوية، تغرير وتلبيس /862/ في الدين، وهو خرم للعدالة، والقول بأنه إرسال ممنوع، وإن سلم فالمرسل للضعيف بصيغة الجزم في مثل ذلك؛ لأن مبنى الرواية بالجزم على حصول نصابها، من الشروط.
[{فأما الحد}] للشاهد [{في شهادة الزنا، لانخرام النصاب}] أي: إذا شهد الشاهد على رجل بالزنا، ولم تنضم إليه شهادة ثلاثة معه، فحد للقذف [{فجارح}] أي: فالحد جارح له؛ لأنه ممنوع شرعاً من الشهادة منفرداً، فقد تعمد مخالفة قطعي وقد تسامح المصنِّف في نسبة الجرح إلى الحد، وصفاً للمسبِّب بصفة السبب، فإن الجارح في الحقيقة إنما هو القذف المنهي عنه، لا الحد عليه. وقوله [{على المختار}] إشارة إلى أن منهم من ذهب إلى أنه يجوز أن يكون شهد مع كمال النصاب فرجع بعض الشهد، فلم يشهد حيث هو ممنوع من الشهادة.
[{فصل}]
[{واختلف في اشتراط العدد في التعديل، والجرح في الرواية، والشهادة. فعند المؤيد بالله، والباقلاني، يثبتان بواحد فيهما}] لأنهما خبران، لا شهادة /863/ [{وعند بعض المحدثين: لا يثبتان به فيهما}] لأن الجرح، والتعديل، يثبت بهما حق له، أو يسقط، وإثبات الحقوق، وإسقاطها، لا يكفي فيهما واحد.
[{والمختار، وفاقاً للجمهور. ثبوتهما بواحد في الرواية، لا في الشهادة، فيعتبر فيها إثبات فيهما}] إتباعاً لكل واحد، يكفي في التعديل له والجرح واحد. وكما أن الشهادة لا يكفي فيها إلا اثنان لا يكفي في الجرح والتعدي لها إلا اثنان.

(1/147)


[{الباقلاني: ويكفي في الرواية الإطلاق فيهما}] لأن العدل لا يطلق جرحاً، ولا تعديلاً إلاَّ مع معرفة أسبابهما. وإلاَّ لم يكن عدلاً. ورد باستقراء خلاف ذلك عن العدول توهمهم الإجماع على الجارح، أو عدم الاعتداد بخلاف من خالف فيه، أو نحو ذلك. [{وقيل: لا بد من تعيين سببهما}] لكثرة الخلاف فيه، والاستقراء المذكور، بحيث لا يحصل ظن بإطلاق أحدهما كما قدمنا تحقيقه بعد المذاهب.
[{الشافعي: يكفي في التعديل دون الجرح}] للإجماع على أسباب التعديل ـ أعني القيام بالواجبات واجتناب كبائر المقبحات ـ وما فيه خسة بخلاف أسباب الجرح، ففيها خلاف ربما بنى الجارح على مذهبه فيما يجرح [{وقيل: عكسه}] /864/ لكثرة إظهار التصنُّع في العدالة، فربما اغتر الواحد بالمتصنّع، ولأنها سلبية فحاصل التعديل ما علمت، فيحتاج إلى التقوية بخلاف الجرح ، فسببه ظاهر، وإخبار ثبوت فيكفي فيه واحد.
[{بعض أئمتنا، والجويني، والغزالي، والرازي: إن كان عالماً بأسبابهما، كفى الإطلاق، وإلاَّ فلا، وهو المختار}] وهذا مذهب راجع إلى مذهب الباقلاني؛ لأن الغرض أن الجارح والمعدّل عدل. والعدالة تقضي أن لا يجازف بالجرح، وغير عالم بسببه، أو يعدل كذلك [{لكن يشترط اتفاق الجارح والمجروح معتقداً في الجرح}] ليتحقَّق أنه لم يجرحه، بخلاف مذهبه، ومخالفة المذهب ما دام مذهباً جرح، لكن حاصل هذا الشرط أنه لا جرح إلاَّ بعد العلم بأن المجروح خالف مذهبه، ما دام مذهباً له. وهذا معنى عدم قبول الإطلاق. فقد عاد على مختار المصنِّف بالنقض.
[{فصل}]
[{وإنما يقبلان من عدل، لا يحمله عليهما هوًى}] هذا وصف كاشف لا مقيِّد /865/ لأن العدل كذلك. ويكونان(1) أيضاً (في من يحتملهما)(2) فلا يقبل من جرح أمير المؤمنين علياً كرَّم الله وجهه، ولا من عدَّل الحجاج بن يوسف، ونحو ذلك.

(1/148)


[{وإذا تعارض، قُدِّم الجارح، إن كان عدده أكثر إجماعاً}] في مبيّن السبب المجمع على الجرح به، وإلاَّ فلا إجماع، بل كل على أصله في الاكتفاء بالإطلاق، وعدمه [{وكذا إن تساويا، أو كان الجارح أقل}] (فإنه يقدَّم الجارح، لكن لا إجماعاً)(1) فلو زاد (على المختار) أو حذف قوله ((وكذا)) لئلا يُوهم(2) دعوى الإجماع. وإنما قدّم الجارح؛ لنه مثبت، والمعدل نافٍ، والمثبت محقق دون النافي؛ ولأن تقديم الجارح تصديق لهما؛ إذ غاية قول المعدل: ما علمت جارحاً، وهو صادق، وعدم علمه لا يستلزم عدم علم غيره، ولو قدمنا التعديل لكذبنا أحد العدلين، وهو خلاف الظاهر.
[{وقيل: يطلب الترجيح}] عند التساوي، أو قلة الجارح؛ إذ الأصل هو الجهل بحال المجروح، أو المعدل. وأما من يجعل الأصل هو الفسق لغلبته، أو العدالة بعد صحة الدخول في الإسلام فينبني على الخلاف في تقديم الناقل بمن حكم الأصل أو الموافق له كما سيأتي في باب الترجيح، إن شاء الله تعالى [{فأما عند إثبات سبب /866/ معين، ونفيه}] كما لو قال الجارح: هو قتل فلاناً. وقال المعدل: الفلان عندي الآن حي صحيح [{فالترجيح}] هو الواجب اتفاقاً [{و}] الجرح، والتعديل [{ببطلان بجرح المعدل والجارح}] لأنهما لا يقبلان إلاَّ من عدل، كما تقدَّم.
[{فصل}]
[{وشروطه الراجعة إلى الخبر ثلاثة:ـ}]

(1/149)


[{الأول: أن لا يصادم قاطعاً عقلياً، فيقطع بكذب كل خبر قضى بتشبيه، أو جبر، أو تجويز}] لا حاجة إلى زيادة التجويز؛ لأن قبح الخبر إنما كان لاستلزامه التجويز بالجزاء على غير فعل للمجزي. (و) إنما يقطع بكذبه إذا [{لم يمكن تأويله}] بأن يكون نصاً جلياً في أحد الثلاثة الممتنعة على الله تعالى، لكن مثل ذلك لم يوجد في الشرع [{أو يُوهم راويه(1) كبعض(2) أحاديث الصفات، ونحوها}] الواردة فيما يوهم التشبيه، أو الجبر. مثل: حديث ((إن الجبَّار يضع قدمه في النار حتَّى تقول: قط، قط)) وحديث ((فحج آدم موسى)) إلاَّ أن الحكم يوهم الراوي في مثل ذلك، لا وجه له؛ لأن مثل ذلك موجود في القرآن، نحو: {يَدَاهُ مَبْسُوْطَتَانِ} {وَمَا تَشَاءُوْنَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} وذلك /867/ من الكناية التي لا تستلزم وجود المعنى الحقيقي، كما قدَّمناه، إلاَّ أن هاهنا بحثاً، وهو أن القطع بكذب الخبر، إنما يتصور حيث لا يكون متواتراً؛ لأن دلالة المتواتر ضرورية عقلية، كما علم، ولا مشهوراً؛ لأن وجوب قبول المشهور من ضرورة الشرع. ولهذا لم يذكر وجوب العمل به أحد من الأمَّة، فكيف يصح الحكم بكذب ما وجوب العمل به ضروري من العقل أو الشرع. فالقياس أن يقال: ويمتنع شهرة خبر قضى بتشبيه أو جَبر لا يمكن تأويله للزوم تعارض القواطع العقلية والشرعية. لكن هذا إنما يتمشَّى على القول بالتقبيح العقلي، ونفي الحكمة في خلاف حكم العقل. وفي المقامين نزاع طويل عسى أن يأتي شيء منه في مواضعه إن شاء الله تعالى [{أو شرعياً عِلمياً}] كوجوب الصلاة، ونحوها من قطعيات، وفي ما صادمَه، وكل ما يصح تخصيصه، فليس بقاطع، إلاَّ ما ادَّعاه في العمومات العلمية، وقد تقدَّم أن تجويز تخصيصه مستلزم لتعارض القواطع.

(1/150)


[{الثاني: الإسناد، وهو اتصال الرواة من رواية إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم}] على ما حكام الخطيب عن أئمة الحديث. وبه قطع الحاكم أبو عبد الله. وقال ابن /868/ عبد البر: هو ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم متَّصلاً أو منقطعاً، فعلى هذا يرادف المرفوع، ثُمَّ اشتراط اتصاله بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو(1) قول الأكثر ما اتَّصل إسناده إلى قائله، كائناً من كان. فإن جمع كل واحد من الرواة شروط المخبر الأربعة، المجمع عليها بلا شذوذ، ولا علة، فالإسناد والحديث كلاهما يوصف بالصحة، وإن كان مع علة أو شذوذ، أي: انفراد بالحديث، أو بزيادة في متنه، أو في إسناده، فالإسناد صحيح، لا المتن؛ لأن شرط صحة المتن صحة الإسناد مع سلامته من الشذوذ، والعلة. وهذا [{عند أكثر المحدثين، والظاهرية، وبعض الأصوليين. ولذلك منعوا قبول المرسل}] وهو قول الراوي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . أو نحو هذه الصيغة من صيغ الجزم، لا العنعنة، وصيغ التمريض. فإن ذلك ليس بمرسل، ولا مسند. هذا الذي نص أصحابنا على تسميته مرسلاً دون غيره. فاضمم بذلك على هذه النكتة [{مطلقاً}] أي: سواء كان من أئمة الإسناد، ومن لا يرسل إلاَّ عن عدل، أو لا [{إلاَّ من الصحابي}] فإنه إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حمل على السماع منه؛ لأنه هو الغالب لتحقُّق اللِّقاء الذي هو شرط البخاري؛ ولأنه لو فرض عدم السماع من النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لكان سماعه من غير صحابي مثله نادراً. والصحابة كلهم عدول بخلاف من بعدهم/869/.

(1/151)


[{الإسفرايني: ولا يقبل منه أيضاً}] لأن الصحابة كغيرهم، فيهم العدل، والمجروح؛ ولأن العبادلة كلهم رووا عن كعب الأحبار. وصح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) حتَّى ذكر ابن حجر أن بعض الصحابة روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثا بينه فيه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة نفر، وحينئذٍ لا يكمل الظن بصحة الحديث.
[{و}] المرسل [{وهو عند أئمتنا، والجمهور: ما سقط من إسناده راوٍ فصاعداً}] ولو جميع رواته غير المتكلم، ولو كان السقوط أيضاً [{من أي موضع}] من أول السند أو منتهاه، أو وسطه [{فدخل فيه المعلَّق}] وهو ما حذف بعض الرواة من أوَّله، واحداً أو أكثر. مالم يستغرقهم الحذف، وسُمِّي معلقاً؛ لأن المعلَّق غير متَّصل بالقرار من أسفله، ومتصل بما فوقه.
[{والمنقطع}] وهو ما حذف من وسطه راوٍ واحد فقط(1)، والفرق بينه وبين المقطوع أن المنقطع في اصطلاحهم، ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والمقطوع ما هو [من](2) كلام التابعين لأنفسهم. وقد وجد التعبير بالمقطوع عن المنقطع أيضاً في كلام الشافعي، والطبراني، والحميدي، والدار قطني. فعلى /870/ هذا لا فرق بنيهما.
[{والمعضَل}] وهو بفتح الضاد، ما حذف من وسطه اثنان فصاعداً، على التوالي، مع ذكر طرفيه [{جمهور المحدثين: بل}] المرسل ليس إلاَّ [{قول التابعي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم}] وروى ابن عبد البر عن قوم من أهل الحديث أن المرسل ليس قول كل التابعين أيضاً، وإنما هو قول كبارهم فقط، الذي أكثر حديثهم عن الصحابة، كابن المسيِّب، وقيس ابن أبي حازم، وعبيد الله بن عدي بن الخيار، وأما صغارهم الذين لم يلقوا إلاَّ نفراً من الصحابة، كأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري فلا تقبل مراسيلهم.

(1/152)


[{و}] المرسل [{قبله أئمتنا والمعتزلة، والحنفية، والمالكية مطلقاً}] سواءٌ كان من مراسيل التابعين، أو مراسيل أئمة الإسناد، أو من لا يرسل إلاَّ عن عدل، أو غيرهم [{ولذلك اختصر كثير من أئمتنا الأسانيد، كزيد، والقاسم، والهادي، وغيرهم، ولم ينِّفوا في الجرح والتعديل}] محتجين بأربع(1) حجج:ـ
الأولى: أن البراء بن عازب قال في حضرة الصحابة: ليس كلما أحدِّثكم به سمعته /871/ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلاَّ أنا لا نكذب. وروى ابن عباس [رضي الله عنهما] (2) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا ربا إلاَّ في النسيئة)) ثُمَّ قال: أخبرني بذلك أسامة بن زيد حتَّى قيل: إن أكثر حديث ابن عباس [رضي الله عنهما](3) ليس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لصغر سنِّه في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ومن ذلك حديث أبي هريرة في فطر من أصبح جنباً، ولا مقبول، لما سكت الصحابة عليه، فضلاً عن أن يقبلوه، فكان إجماعاً سكوتياً. وأجيب بأن النزاع في مراسيل غير الصحابة؛ لأن مَن منعه إنما خاف من توسط غير عدل في المرسل، ولا خوف في مراسيل الصحابة؛ لأن غالبهم عدول. والفرد المجهول يحمل على الأعم الأغلب. وبما أخرجه مسلم في الصحيح [أن بشيراً العدوي قال لابن عباس رضي الله عنهما](4) أنا أحدث عن رسول الله، ولا يصغى إليَّ. فقال له ابن عباس: إنا كنا مرة إذا قال رجل قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ابتدرته أبصارنا وأصغت غليه آذاننا. فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه، وفي رواية: لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف، وهذا صريح في عدم قبولهم للمراسل.
الثانية: إجماع التابعين على قبول المراسيل. رواه ابن جرير، قال: ولم ينكره أحد /872/ إلى رأس المائتين. قال ابن عبد البر: كان ابن جرير ـ يعني أن الشافعي أول من أبى قبول المراسيل. انتهى

(1/153)


وأجيب بأن علَّة قبول مراسيل الصحابة، موجودة في التابعين، ولهذا قيل: لا يقبل إلاَّ مراسيل كبارهم، ثُمَّ منقوض بما في صحيح مسلم عن ابن عباس.
الثالثة: أن أدلة قبول الآحاد لم تفصل بين مسند، ومرسل. وأجيب بأن أدلة قبولها إنما هي إجماع الصحابة، وبعثة الآحاد إلى النواحي، كما تقدَّم، فأما إجماع الصحابة فإنما كان على قبول آحادهم. وذلك مما لا نزاع فيه؛ لأنها مسندة، وأما بعثة الآحاد إلى النواحي، فإن سلم دلالته على القبول فهو مسند أيضاً؛ لأن الرسول يخر عن النبي بلا واسطة.
الرابعة: إن الثقة إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة الجزم وهو يعلم أن من رواه له غير عدل فقد خان. والخيانة مسقطة للعدالة، وهو خلاف ما فرض من عدالته. فإنه لا خلاف في أن المرسل إنما هو ما كان بصيغة الجزم.
قال صاحب العواصم، على سعة اطلاعه: لا أعلم أحداً ذكر البلاغ، والرواية بصيغة مالم يُسمَّ فاعله في المراسيل، ولا فيما يجب قبوله من أخبار الثقات. وقال: إن الرواية بصيغة الجزم هو الذي نص الأصحاب على تسميته مرسلاً. ولهذا لم /873/ يمثلوا له إلاَّ بِقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. انتهى
وأجيب، أوَّلاً: بأنكم لا تشترطون في الإرسال، أن لا يرسل إلاَّ عن عدل، كما سيأتي للشافعي، بل أطلقتم، ومع ذلك لا يحصل ظن بصحة الحديث قطعاً؛ لأن ضعفاء المحدثين هم الأغلب. حتَّى قال يحيى بن سعيد، أو ابن معين: ما الحديث الصحيح في جنب غيره إلاَّ كالشَّعرة البيضاء في الثور الأسود، ولا شك أن الفرد المجهول يحمل على الأغلب، ولو سلم المساواة، لان ذلك شكاً، لا يجوز العمل به.

(1/154)


وثانياً: بأن ذلك تقليد له في صحة الحديث، ولا يجوز للمجتهد أن يقلِّد غيره في ذلك، فإن قيل: قد قلَّد المحدثون أئمة الجرح (والتعديل)(1) والتصحيح، والتضعيف. وهذا من ذاك أجيب بأنهم إنما عملوا بتصحيح من التزم أن لا يقبل شيئاً من الضعف، وذلك موجب لحصول الظن بتصحيحه، وتضعيفه، وليس بتقليد، بل رواية جرح، وتعديل في الحقيقة ولا قائل بأن قبول رواية الجرح، والتعديل: تقيد بخلاف قبول إرسال من لم يلتزم شيئاً من ذلك، فإنه تقليد له، ورجم معه بالغيب.
فقد عاد قول المحدثين إلى قول [{الشافعي: يقبل إن كان لا يرسل إلاَّ عن عدل}] ولهذا قبلوا ما علَّقه البخاري بصيغة الجزم. ولم يقبل أئمتهم تصحيح الحاكم في المستدرك /874/ وإن قبله من ذهب إلى مذهبه في تصحيح الحسان، فثبت بهذا أن المتأخرين من المحدثين قد وافقوا على قبول بعض مراسيل المتأخرين، كما وافقوا على قبول مراسيل الصحابة لحصول الثقة بصحة الحديث في الأمرين، والثقة مناط القبول، وأمَّا قوله: [{أو عضده غيره، كقول صحابي، أو فعله، أو فعل الأكثر}] فهو بناءً من الشافعي على حجيَّة قول الصحابي، فانضمام(2) ما ليس بحجَّة إلى ما ليس بحجَّة لا يوجب الحجيَّة كما في انضمام ضعيف إلى ضعيف، فإنه لا يبلغ مرتبة الاحتجاج، وإنما يعتبر بالضعيف مع من يحتج به كما علم من مذهب المحدثين [{أو إسناد}] يحتج به [{أو إرسال مع اختلاف شيوخهما}] لأنه يبعد أن يكون كل من الطريقين ضعيفة [{أو قياس}] فإنه حجة مستقلة [{والمجموع}] من المرسل وما عضده [{هو الحجَّة لا مجرَّده}] وهو كلام ظاهري، لا يتم إلاَّ في انضمام المرسل، وهو ممنوع أيضاً؛ لأن انضمام ما ليس بحجَّة إلى ما ليس بحجَّة لا يصيرهما حجَّة، وأمَّا في انضمامه إلى المسند، والقياس فهما الحجَّة، لا هو.

(1/155)


[{ابن إبان يقبل مرسل الصحابي والتابعي}] مطلقاً [{فأمَّا من بعدهم فإن كان من أئمة النقل (قُبل)(1) وإلاَّ فلا}] هذا هو الذي عرَّفناك بعود كلام المحدثين /875/ كلهم إليه [{فإن أسند الراوي تارة، وأرسل أخرى}] وقد عرفت الإسناد والإرسال [{أو رفع تارة}] أي: صرَّح بذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونسبة الحديث إليه [{ووقف أخرى}] أي: أنهى الإسناد إلى الصحابي، ووقف(2) فلم ينسبه إلى النبي صلَّى الله عليه وآله وسلّم [{أو وصل تارة}] أي: لم يحذف أحداً من رجال الإسناد، لا من أوّله، ولا آخره، ولا أوسطه(3) [{وقطع أخرى}] أي: حذف من المسند إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راوياً من وسط السند. وكذا إن أعضل، أو علَّق. وقياس المصنِّف أن لا يحتاج إلى ذكر الوصل، والقطع؛ لأن المرسل يشمل جميع ما عدا المتَّصل على تفسيره المتقدِّم، والمسند ليس إلاَّ المتّصل على ما رواه عن أئمتنا، والجمهور. وهذا الذي أشار إليه إنما هو اصطلاح المحدثين لا الأصوليين [{فالحكم(4) للإسناد والرفع، والوصل على الأصح}] لأن ذكره لما لم يسمع أبعد من حذفه لما سمع، فكثيراً من العدول من لا يذكر ما سمع، ولا كذلك ذكره لما لم يسمع. فذلك من نحو: زيادة العدل. وقيل: بل الحكم لغير الزيادة؛ لأنه(5) المتحقِّق. وحذفها تارة قد شكَّكَ في ثبوتها، وإن لم يشكّك في العدالة، لجواز الغلط، والنسيان، والغفلة، ونحو /875/ ذلك مما ليس بريبة في الراوي، وهو موجب للريبة في المروي، فذلك علَّة كالاضطراب في الإسناد، بل هذا أشد؛ لأنه ناقض نفسه فيه كما تقدَّم، ولا شك أن تلوّن الرواية ريبة. حتَّى قيل في أمثال العوام. إذا أحببت أن تعرف صدق المخبر من كذبه فاستخبره مرتين، والمنكر للريبة بذلك مباهت، هذا في الرفع والوقف والوصل، والقطع مع ذكر بعض الإسناد، وأما مع حذف الإسناد كله تارة، وذكره كلمة تارة. فلا ريبة، لشهرة حذف الإسناد

(1/156)


اختصاراً، دون حذف واحد منه.
[{وقيل: للأكثر من أحواله}] وليس بشيء؛ لأن الريبة حاصلة مع كثرة أحد الأمرين(1) وقلَّته هذا إن(2) اختلفت حالة نفسه [{وإن أسند ما أرسل غيره، أو رفع ما وقف، أو وصل ما قطع}] بشرط أن يتحد الطريق؛ لأنها لو تعدَّدت لما كان هناك ريبة، ولا محل للخلاف [{فالحكم كذلك عند أئمتنا، والجمهور، وعند أكثر المحدثين أنه للمرسِل، والواقف والقاطع}]؛ لأن الطريق إذا اتحدت واختص بعض الرواة بزيادة فيها، كانت مخالفته لهم ريبة في المزيد إن لم يقطع بعدمه كما تقدَّم في ما تتوفر الدواعي إلى نقله، وقد شاركه فيه غيره؛ لأن دواعي المحدثين إلى الإغراب والإتيان بما لا يأتي به غيرهم متوفر، فلو كانت الزيادة موجودة لما خفيت على من /877/ توفرت دواعيه إلى نقلها، وشاركة في مخرجها، لا يقال: الطريق، وإن اتحدت يجوز أن يكون السماع من الشيخ في موقفين يختص أحدهما بالزيادة؛ لأنا نقول: يرجع ذلك إلى المسألة الأولى، التي هي تلوُّن الشيخ فتنتقل الريبة غليه. وأمَّا(3) الإسناد والإرسال فلا ريبة فيهما، كما تقدَّم(4)، ولهذا قال البخاري في حديث: ((لا نكاح إلاَّ بولي)) لما أرسله شعبة، وسفيان، وهما في الحفظ جبلان، وأسنده إسرائيل بن يونس في آخرين، الزيادة من الثقة مقبولة، وحكم بوصله. ولأن إسرائيل لم ينفرد به فيكون ذلك شذوذاً كما تفرد معاذ بن هشام برفع حديث علي عليه السلام ((يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام)) وقد وقفه غيره من الرواة.

(1/157)


[{وقيل: للأكثر، وقيل: للأحفظ}] وليسا بشيء؛ لأن مرجع ذلك إلى الترجيح، ولا يدفع الريبة كما سيأتي في الترجيح إن شاء الله تعالى من أن الشك في أحد المتقابلين شك في الآخر، والشك لا يعمل به وفاقاً، وأيضاً إذا كان المتفرد بالزيادة واحداً من غير مشاهير الحفاظ، فإن ذلك يكون من الشذوذ المردود. وإن كان منهم فمن الشذوذ المتوقف فيه كما سيأتي في الزيادة. وتقدَّم أيضاً، فكان الشاذ حينئذٍ قسمين، مخالفة الواحد للناس إماماً، و غير إمام، والانفراد مطلقاً كما تقدَّم /878/ روايته عن أبي يعلى الحليلي، وعن الحاكم. وأما ابن الصلاح فقال: إن الفرد المطلق لا يرد إلاَّ على(1) غير الأئمة الأثبات، ويسميه أحمد وغيره منكراً، وصحَّح المحققون تساوي الشاذ، والمنكر. والحجَّة على رده قوله تعالى: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوْا رَسُوْلَهُمْ فَهُمْ لَهُ مِنْكِرُوْنَ} صرّح تعالى بأن إنكار الشيء عذر في رده، ولرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم خبر ذي اليدين لما تفرد به، حتَّى صدقته الصحابة، وتقدَّم رد كثير من الصحابة لحديث بعضهم إذا أنكره، فإن شئنا قلنا: إجماع سكوتي على صحة إعلال الرواية، وإن شئنا قلنا: خص من الإجماع على قبول الآحاد ما كان له علَّة توجب الريبة، فإن العلَّة في اصطلاحهم عبارة عن سبب خفي طرأ على الحديث فأثَّر ضعف الظن به من إرسال، أو وقف، أو اضطراب متن أو سند، أو دخول حديث في حديث، أو إدراج، أو نحو ذلك، وملاك ذلك كله التفرُّد الذي لا يعرفه إلاَّ من جمع طرق الحديث كلها؛ لأن الموافقة للإثبات ينفي الوهم بالكلية، وأغلب ما تكون العلَّة في الإسناد، ومن علِيَّة ما لا يقدح في متنه كتبديل ثقة بثقة مثله، فإنه وإن كان عِلَّة في الإسناد فلا يكون على للمتن.

(1/158)


[{والظاهر في العنعنة الإسناد}] أي: الاتصال على ما عرف به المسند، إلاَّ إذا كانت(1) من المدلّس، فلا يحمل على الاتصال [{وجمهور من قبل المرسل يقبل التدليس /879/ لأنه نوع منه}] أي: المدلِّس نوع من المرسل، لكن هذا إنما يتجِّه في القسم الأول والرابع. وأما الثاني والثالث فمن المتصل ضرورة؛ لأنه لا إسقاط لشيء من الرواة فيهما. وإنما حصل بالثالث الجهالة، فمن يقبل المجهول يكون عنده متّصلاً [{إلاَّ القسم الثاني، والرابع منه الاثنين}](2) إن كان (استثناء)(3) القسمين المذكورين من القبول كما هو الظاهر. فلا وجه لعدم قبول الثاني؛ لأنه مسند متَّصل بالثقات، وإن ضم إلى أحدهم من لم يسمع المدلّس منه، فذلك إنما يوجب وصفه بالتدليس في السماع، ولا يوجب رد الحديث؛ لأنه قد يثبت من غير جهة التدليس، وليس بمرسل أيضاً من تلك الجهة، ولا مدلّس من الجهة المتصلة. وإنما يتجه رد الرابع لأنه صدق عليه التدليس والإرسال معاً، ولم يصدق عليه اتصال، وإن كان استثناء القسمين من نوعيَّة المرسل فالإستثناء، إنما يظهر في الثاني لأنه متصل، كما ذكرنا. وأما الرابع فمن المرسل ضرورة؛ لأنه من المنقطع، وقد تقدَّم دخوله في حد المرسل [{ورده أقلَّهم إذا روي بالعنعنة}] لأن شرط المرسل أن يروى بصيغة الجزم، كما تقدَّم روايته عن أصحابنا وتمثيلهم فيه بـ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والعنعنة ليست بصيغة جزم، وقيل: حكم العنعنة حكم الجزم؛ لأنها ظاهرة فيه، ولهذا يحكم فيها بالاتصال، إذا /880/

(1/159)