تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

شرح الرسالة الناصحة بالأدلة الواضحة


تأليف الإمام الأعظم والبحر الخضم والبدر الأتم المنصور بالله رب العالمين والمجدد للدين أبي محمد عبد الله بن حمزة بن سليمان عليه السلام
......

(1/1)


كلمة مركز أهل البيت
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً - وبعد:
يسرّ مركز أهل البيت(ع) للدراسات الإسلامية أن يقدم لك أخي المؤمن الكريم كتاب ( شَرْح الرِّسالَةِ النَّاصِحة بالأدلَّة الوَاْضِحَةِ ) تأليف الإمام الأعظم، والبحر الخضم، والبدر الأتم، المنصور بالله ربّ العالمين، والمجدد للدين، أبي محمد عبدالله بن حمزة -عَلَيْه السَّلام- وذلك ضمن الدفعة الثالثة الصادرة عن المركز عام 1423هـ، 2002م.
وخلال ذلك نجدد العهد لله تعالى ولرسوله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- ولأئمة أهل البيت -صلوات الله عليهم - بمواصلة ما بدأناه، والسير قدماً في نشر عقائد أهل البيت(ع) ومذهبهم من خلال نشر تراثهم الفكري، وما خلّفوه من علوم جليلة أسهمت وتُسْهم في صلاح المجتمعات، والوصول بها إلى السعادة الأبديّة، دون أن نحاول صياغة عقائدهم حسب ما يروق لنا، ونجعلها سَلِسَة بِسَلاسَةِ عَصْرنا، بل نقدّمها كما قدّمها أئمة الآل، قفد كفوْنا المؤونة في ذلك، وما بقي إلا أن نغترف من مائهم الزلال، واهتمامنا بذلك لما سبق وذكرناه من أمثال قوله تعالى: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}[الأحزاب:33] وقوله تعالى: {إنما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة:55]، وقوله تعالى: { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23].

(1/2)


وأمثال قول رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- :((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض))، وقوله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم-:((أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى))، وقوله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- :((أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء))، وقوله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- : (( من سرّه أن يحيا حياتي؛ ويموت مماتي؛ ويسكن جنة عدن التي وعدني ربي؛ فليتولّ علياً وذريته من بعدي؛ وليتولّ وليّه؛ وليقتدِ بأهل بيتي؛ فإنهم عترتي ؛ خُلقوا من طينتي ؛ ورُزقوا فهمي وعلمي.....)) الخبر- وقد بيّن -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم -أنهم علي؛ وفاطمة؛ والحسن والحسين وذريّتهما - عَلَيْهم السَّلام - عندما جلَّلهم -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- بكساءٍ وقال: ((اللّهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)).
وغيرها من النصوص الواضحة الجليّة الدالة على أنهم عروة الله الوثقى، وحبله المتين الأقوى.

* * * * * * * * * * * *
وقد صدر عن مركز أهل البيت(ع) للدراسات الإسلامية - بصعدة-:
1- لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار وتراجم أولي العلم والأنظار، تأليف/ الإمام الحجة/ مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي - أيده الله تعالى-.
2- مجموع كتب ورسائل الإمام الأعظم أمير المؤمنين زيد بن علي(ع)، تأليف/ الإمام الأعظم زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع).
3- شرح الرسالة الناصحة بالأدلة الواضحة، تأليف/ الإمام الحجة عبدالله بن حمزة(ع).
4- صفوة الإختيار في أصول الفقه، تأليف/ الإمام الحجة عبدالله بن حمزة (ع).

(1/3)


5- المختار من الأحاديث والآثار من كتب الأئمة الأطهار وشيعتهم الأخيار، تأليف/ السيد العلامة محمد بن يحيى الحوثي حفظه الله.
6- هداية الراغبين إلى مذهب العترة الطيبين، تأليف/ السيد الإمام الهادي بن إبراهيم الوزير(ع).
7- الإفادة في تاريخ الأئمة السادة، تأليف/ الإمام أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني(ع).
8- المنير - على مذهب الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم -عَلَيْهمالسَّلام-، تأليف/ أحمد بن موسى الطبري رضي الله عنه.
9- نهاية التنويه في إزهاق التمويه، تأليف السيد الإمام / الهادي بن إبراهيم الوزير(ع).
10- تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبيين، تأليف/ الحاكم الجشمي المحسن بن محمد بن كرامة رحمه الله تعالى.
11- عيون المختار من فنون الأشعار والآثار، تأليف الإمام الحجة/ مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي - أيده الله تعالى-.
12- أخبار فخ وخبر يحيى بن عبدالله (ع) وأخيه إدريس بن عبدالله(ع)، تأليف/ أحمد بن سهل الرازي رحمه الله تعالى.
13- الوافد على العالم، تأليف/ الإمام نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم الرسي(ع).
14- الهجرة والوصية، تأليف/ الإمام محمد بن القاسم بن إبراهيم الرسي(ع).
15-الجامعة المهمة في أسانيد كتب الأئمة، تأليف/الإمام الحجة مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي - أيده الله تعالى-.
16- المختصر المفيد فيما لا يجوز الإخلال به لكلّ مكلف من العبيد، تأليف/ القاضي العلامة أحمد بن إسماعيل العلفي رضي الله عنه.
17- خمسون خطبة للجمع والأعياد.
18- رسالة الثبات فيما على البنين والبنات، تأليف/ الإمام الحجة عبدالله بن حمزة(ع).
19-الرسالة الصادعة بالدليل في الرد على صاحب التبديع والتضليل، تأليف/ الإمام الحجة/ مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي - أيده الله تعالى-.
20- إيضاح الدلالة في تحقيق أحكام العدالة، تأليف/ الإمام الحجة مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي - أيده الله تعالى-.

(1/4)


21- الحجج المنيرة على الأصول الخطيرة، تأليف/الإمام الحجة مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي - أيده الله تعالى-.
22- النور الساطع، تأليف/ الإمام الهادي الحسن بن يحيى القاسمي رحمه الله تعالى.
23- سبيل الرشاد إلى معرفة ربّ العباد، تأليف/ السيد العلامة محمد بن الحسن بن الإمام القاسم بن محمد(ع).
24- الجواب الكاشف للإلتباس عن مسائل الإفريقي إلياس - ويليه/ الجواب الراقي على مسائل العراقي، تأليف/ السيد العلامة الحسين بن يحيى الحوثي حفظه الله تعالى.
25- أصول الدين، تأليف/ الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين(ع).
26- الرسالة البديعة المعلنة بفضائل الشيعة، تأليف/ القاضي العلامة عبدالله بن زيد العنسي رحمه الله تعالى.
كما شارك مركز أهل البيت(ع) للدراسات الإسلامية -بصعدة- بالتعاون مع مؤسسة الإمام زيد بن علي(ع) الثقافية في إخراج:
27- مجموع رسائل الإمام الهادي(ع)، تأليف/ الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم(ع).
28- العقد الثمين في تبيين أحكام الأئمة الهادين، تأليف/ الإمام الحجة عبدالله بن حمز(ع).
29- المصابيح وتتمته، تأليف/ السيد الإمام أبي العباس الحسني(ع)، والتتمة لعلي بن بلال رضي الله عنه.
30- الموعظة الحسنة، تأليف/ الإمام المهدي محمد بن القاسم الحوثي(ع).
ومع مكتبة التراث الإسلامي:
31- البدور المضيئة جوابات الأسئلة الضحيانية، تأليف/ الإمام المهدي محمد بن القاسم الحوثي(ع).
وهناك الكثير الطيّب في طريقه للخروج إلى النور إنشاء الله تعالى، نسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق.
* * * * * * * * * * * *

(1/5)


ونتقدّم في هذه العجالة بالشكر الجزيل لكلّ من ساهم في إخراج هذا العمل الجليل إلى النور، ونسأل الله أن يكتب ذلك للجميع في ميزان الحسنات، وأن يجزل لهم الأجر والمثوبة.
وختاماً نتشرّف بإهداء هذا العمل إلى مولانا الإمام الحجة/ مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي -أيده الله تعالى وأدام في الداريْن علاه- باعث كنوز أهل البيت(ع) ومفاخرهم، وصاحب الفضل في نشر تراث أهل البيت(ع) وشيعتهم الأبرار رضي الله عنهم.
وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.
مدير المركز/
إبراهيم بن مجدالدين بن محمد المؤيدي
27 ربيع الأول/ 1423هـ، 6/6/2002م

(1/6)


قال والدنا ومولانا الإمام الحجة/
مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد :
فهذا الكتاب العظيم من منن الله تعالى واهب المنن، وأنواره المنيرة في جبين الزمن، الساطع ببراهين اليقين، والقاطع بصوارم التبيين، لتحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وهو تأليف الإمام الذي جدّد الله بسيفه وعلمه الدين، وأحيا بقيامه وعزمه سنن المرسلين.
عليمٌ رَسَتْ للعلمِ في أرض صَدْره .... جبالُ جبالِ الأرض في جَنْبِها قُفّ
وما أصدق قوله -عَلَيْه السَّلام- :
وأنا ابن معتلج البطاح تضمّني .... كالدرّ في أصداف بحر زاخرِ
ينشقّ عنّي ركنها وحطيمها .... كالجفن يُفتح عن سواد الناظرِ
كجبالها شرفي ومثل سهولها .... خلقي ومثل المرهفات خواطري
فهو الإمام الأعظم، والطود الأشم، والبحر الخضم، والبدر الأتمّ، الصوّام القوّام، مقيم حجّة الله على الأنام، ومجدد أعلام ملّة الإسلام، أمير المؤمنين، المجدد للدين، المنصور بالله رب العالمين، أبو محمد عبدالله بن حمزة بن سليمان بن حمزة -عَلَيْهم السَّلام-.

(1/7)


مَنْ نشر الله به العدل والإحسان، وأظهر به الأمن والإيمان، وطهّر الأرض من الفسوق والعصيان.
وكفى بما قاله في شأنه عدوّه - وأقوى الشهادات شهادة الضد لضده - في رسالته التي وجّهها إلى أحمد العباسي الملقب الناصر يحضّه على حرب الإمام، حيث قال:
أما بلغتكم دعوةُ المتهجّد .... وإيعادُه يوماً يروح ويغتدي
وفيها:
وساعده المقدور حتى جرت له .... بما يشتهي أفلاكها ونجومها
ونادى أنا ابن المصطفى وابن عمّه .... علي أنا ترب العلا ونديمها
أما أحمد جدّي وحيدر والدي .... وإني للعلياء حقاً أقيمها
بكلام يستنزل العصم، ويزلزل الشم، أحلى من العسل، وأمضى من البيض والأسل...إلى آخر ما ذكر.
وخصائص هذا الإمام، وشمائله العظام، وفضائله المنيرة الفجاج، وفواضله الوضيئة الديباج، وبلاغته الوهّاجة السراج، وعلومه المتلاطمة الأمواج، عالية المنار، واضحة الأنوار، متجلّية الشموس والأقمار، وفي سيرته الخاصة به، وكتب السير العامة، الكثير الطيّب، والغزير الصيّب، وقد أوضحتُ المهم من أحوال أئمة العترة وأوليائهم في كتاب التحف الفاطمية شرح الزلف الإمامية - نفع الله بها - على سبيل الإختصار.
والله أسأل، وبجلاله أتوسل أن يصلي ويسلم على من أرسله رحمة للعالمين، وعلى آله الهادين إلى يوم الدين، وأن يتقبّل العمل، ويحقق الأمل، ويحسن الختام، ويصلح أمر الإسلام، إنه قريب مجيب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي
غفر الله لهم وللمؤمنين
كتب بأمره ولده/ إبراهيم بن مجدالدين المؤيدي
وفّقه الله تعالى

(1/8)


بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة التحقيق
الحمد لله الأول بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء، الدائم بلا فناء، المتعالي عن اتخاذ الصواحب والأبناء، الخالق لما أراد، المعيد لما أفنى وأباد، صادق الوعد والوعيد، المنزّه عن ظلم العبيد، لم يقضِ بالظلم والفساد، وحكم بالعدل والرشاد، أحمده لفضله، وأستدل عليه بفعله، وأصفه بعدله.
وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة سبقها الإيقان، ونطق بها اللسان، ثقيلة في الميزان، مرضية للرحمن.
وأشهد أن محمداً عبده الأمين، ورسوله إلى الخلق أجمعين، بعثه على حين فترة من الرسل، واختلاف من الملل، فبلّغ الرسائل، وأوضح الدلائل، وأنذر القبائل، حتى سطع نور الحق والهدى، وانقشع سربال الغي والردى، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأطهار المنتجبين الأخيار.
وبعد:
فإن من النعم التي يجب شكرها، ولا يسع المكلف كفرها، ما مَنَّ الله علينا به، وأوجب علينا حمده بسبه، من وجود أهل البيت -عليهم السلام-، والعثور على علومهم، التي بها يُهدى الأنام، ويشفى السقام، وفي هذه الحقبة الزمنية يسّر الله تعالى طباعة وإخراج الكثير من سلسلة علومهم، وينبوع كتبهم، ومجاميع درر ألفاظهم، وما كتبته أيديهم، التي بها تنشرح الصدور، وتزاد الفرحة والحبور، ويتضح الهدى والنور، لتكون مَدْرَساً للمتعلمين المتبدئين، ومرجعاً للعلماء العاملين، ووسيلة لمعرفة الحق المبين، منها تستخرج أحكام الحلال والحرام، والشرائع والأحكام.
كيف لا؟ وهم قرناء القرآن، وأمناء الرحمن، ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، كما قال جدّهم خاتم النبيين صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطاهرين.
حَفَظة الدين الحنيف، والمجددون للشرع الشريف، والذابون لأهل الزيغ والتحريف. وقد خرج بحمد الله الكثير الطيب من كتبهم والبقية في طريقها للإخراج.

(1/9)


ومن جلائل تلك الكتب، وجواهر تلك الصحف، كتب الإمام الأعظم، والبحر الخضم، والبدر الأتم، مجدد الدين في المائة السادسة الهجرية، والمجاهد في سبيل رب البرية، المنصور بالله رب العزة عبدالله بن حمزة بن سليمان بن حمزة عليه وعلى آبائه السلام. وقد طُبع بحمد الله البعض منها، والبقية تحت الطبع والإخراج.
ومنها: هذا الكتاب الذي بين يديك أيها المطلع الكريم وهو (شَرْحُ الرِّسالَةِ النَّاصِحة بالأدلَّة الوَاْضِحَةِ) الذي يُعدّ من أعظم مؤلفات الإمام -عليه السلام-.
وهو من الكتب التي تُشدّ لطلبها الرحال، ويسهل في سبيل اقتنائها مصاعب الانتقال، كيف لا ؟ ومؤلفها من لا يشقّ له غبار، ولا يجارى في مضمار.
وقبل أن ندخل في التحدث عن مضمون الكتاب، وأهميته، نقدم ترجمة لمؤلفه، لا لأجل التعريف به، فهو أعرف من أن يعرّف، وأجل من يوصف، ولكن كما قال الشاعر:
أسامي لم يزدن معرفة .... وإنما لذة ذكرناها
وكما قال:
مقام أمير المؤمنين ابن حمزة .... أجلّ وأعلى أن يحيط به وصفي
رفعت إليه الطرف فارتد خاسئاً .... ولا غرو أن يرتد من خجل طرفي
وأيقنت أن الصيد ما ضمه الفرا .... فقلت لكَفِّي عن كتابته كُفِّي
كيف تحوي سطور الدفاتر، بحراً من بحور العلم الزاخر ؟ وكيف تعبّر أقلام الكتَّاب عن شمس لا يحجبها حجاب؟

(1/10)


[ترجمة الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة(ع)]
هو الإمام الأعظم الكبير، والبحر الخضم الغزير، والبدر الأتم المنير، ذو الفضائل المأثورة، والكرامات المشهورة، والوقائع المذكورة، البحر الذي لا يوقف له على ساحل، صدر الأماثل، ورب الفضائل، المجدد للدين، والقائم بإحياء شريعة سيد المرسلين، المحيي للشريعة، والمميت للبدع الشنيعة، والرافع راية الشيعة الرفيعة، المثبت قواعد الزيدية، والمفني أعداءهم من الفرق الغويّة، المنصور بالله أمير المؤمنين عبدالله بن حمزة الجواد بن سليمان الرضى بن حمزة النجيب بن علي العالم بن حمزة النفس الزكية بن أبي هاشم الحسن الإمام الرضى بن عبدالرحمن الفاضل بن يحيى نجم آل الرسول بن عبدالله العالم بن الحسين الحافظ بن القاسم ترجمان الدين بن إبراهيم الغمر بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الشبه بن الحسن الرضى بن الحسن السبط بن علي الوصي أمير المؤمنين بن أبي طالب عليهم صلوات رب العالمين.
مولده(ع)
لتسع ليالٍ بقين من شهر ربيع الآخر سنة (561هـ) بقرية (عيشان) من ظاهر همدان.
نشأته(ع)
في حجر والده حمزة بن سليمان من فضلاء أهل البيت في عصره، وممن يؤهل للإمامة، نشأ في بيت العلم والزهد والورع والعبادة والشجاعة فأخذ من ذلك الضياء قَبَساً، ومن تلك المكارم غرساً، مع ما وهب الله له من مواهبه السنية، وعطاياه الهنية، من الفطنة والذكاء، والحفظ والتقى، لم يشتغل في صباه باللعب، ولم يمل إلى اللهو والطرب.
صفته (ع)
كان -عليه السلام- طويل القامة، تام الخلق، دُرِّي اللون، حديد البصر حدة مفرطة، أبلج، كثّ اللحية كأن شيبها قصب الفضة، صادق الحدس، قوي الفراسة، كثير الحفظ، فصيحاً بليغاً، شاعراً مفلقاً، شجاعاً بطلاً، يخوض غمرات الحتوف، ويضرب بسيفه بين الصفوف، وقائعه تشهد بشجاعته، ومواقفه تبين صدق بسالته، يقذف بنفسه في مقدمات الحروب، وترجف لهيبته القلوب، شأنه شأن آبائه المطهرين، وسلفه الأكرمين، في نشر الدين، وإطفاء بدع المبتدعين.

(1/11)


مشائخه(ع)
أخذ الإمام -عليه السلام- العلم والمعرفة عن علماء عصره؛ فمنهم: والده عالم أهل البيت في عصره حمزة بن سليمان (ع) في علوم القرآن وغيرها.
ثم ارتحل للقراءة على علامة اليمن أبي الحسن الحسن بن محمد الرصاص، فقرأ عليه في الأصولين والأدب وغيرها، حتى فاق الأقران، وأربى على أهل الزمان، وكان له من الجد والنشاط والهمة العالية في طلب العلم ما لم يكن لغيره من أبناء عصره، حتى بلغ في العلوم مبلغاً تحتار فيه الأفكار، وتقصر عنه علوم أولي العلم من جميع الأعصار، وسارت بذكره الركبان في جميع الأمصار.
طهارة نشأته(ع)
قال الحسين بن ناصر المهلا في (مطمح الآمال):
قال في سيرته: أما زهده فمعروف في سيرته، مشهور من شيمته، يعرفه من خالطه واتصل به من حال الصغر إلى الكبر، وأنه كان كثير الصبر على مضض العيش، مدمناً على الصوم والقيام، وما لمس حراماً متعمداً، ولا أكله ولا رضي أكله، وكان يغشى مجالس العلم، ويقتات الشيء اليسير الزهيد، ويؤثر على نفسه الوافدين إليه، والضعفاء والمساكين والغرباء، وكتب كتاباً قال فيه: (والله ما رأيت خمراً -يعني في يقظة ولا منام- ولا الملاهي من الطنابير وما شاكلها حتى ظهرتُ على الجبارين من الغز، وأمرت بكسرها وإراقة خمورها، ولا أكلتُ حبّة حراماً أعلمها، ولا قبضت درهماً حراماً أعلمه، ولا تركت واجباً متعمداً، وإني لمعروف النشأة بالطهارة، ما كان لي شغل إلا التعليم والدراسة والعبادة، ثم انتقلتُ بعد ذلك إلى الجهاد في سبيل الله فحاربت الظالمين)..إلى آخر ما قال -عليه السلام-.
ومقاماته في الرأفة والرحمة والعدل والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة أشهر من شمس النهار، يتناقله الأخيار، ويرويه الأبرار في محافل الأخبار. انتهى من مطمح الآمال.

(1/12)


بقية مشائخه(ع)
وقد روى الإمام المنصور بالله -عليه السلام- في أسانيده المباركة، التي عليها مدار أسانيد العترة -عليهم السلام-، وهي قطب رحاها، وواسطة عقدها، فروى البعض بالقراءة، والبعض بالإجازة العامة:
عن شيخه الحسن بن محمد الرصاص -رحمة الله عليه-.
وعن الفقيه العلامة محمد بن أحمد بن الوليد القرشي.
وعن الفقيه العلامة علي بن الحسين بن المبارك الأكوع.
وعن الفقيه العلامة حنظلة بن الحسن الشيباني الصنعاني.
وعن بدرالدين الأمير الأجل محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى -عليهم السلام-.
وعن الأمير الكبير شمس الدين الداعي إلى الله يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى -عليهم السلام-.
وعن الفقيه العلامة الزاهد أحمد بن الحسين بن المبارك الأكوع.
فحفظ الإمام المنصور بالله -عليه السلام- علوم آبائه، وعلوم الأمة حتى صار العَلَم المشار إليه، والكهف المرجوع في المشكلات إليه، فذاع صيته في الآفاق، وامتدت إليه الأعناق.
[الحالة الزمنية التي عاشها الإمام(ع) ناشئاً]
وكانت الفترة الزمنية التي يعيش فيها الإمام المنصور بالله (ع) أيام قراءته من أشدّ الفترات الزمنية التي عاشها اليمن، حيث اشتدت فيه الفتن، وتأجّجت نيرانها، وحصلت الاضطرابات في داخل أوساط أهل اليمن، وتفرقوا أحزاباً، حتى خمد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وانتشر الفساد حتى كاد يعم جميع اليمن.
ومن المعلوم أن اليمن ذات أهمية بالغة من الناحية التضاريسية، فهي تتمتع بجبالها الحصينة، وأرضها الخصبة، ومياهها العذبة.
ومن الناحية التاريخية: فهي مشهورة بشخصياتها ورجالها الذين خلدوا أسماءهم، ونقشوا سيرهم على صفحات التاريخ القديم والحديث، وأهلها أهل نجدة وشجاعة وبسالة ووفاء.
ومن الناحية الدينية: فهي من أوائل القبائل العربية دخولاً في الإسلام، وتمسكاً بأهل البيت -عليهم السلام-. وغير ذلك من المقومات المعيشية في اليمن.

(1/13)


فكانت تلك الفترة فترة منافسة بين الدول العظمى والدويلات القائمة في اليمن. فالدولة الأيوبية (الغز) كانت قد بسطت نفوذها في اليمن، وانتشر الفساد، فشُربت الخمور، ونُكحت الذكور، وعملت أعمال الفجور، أما بالنسبة لما يدور في داخل الساحة اليمنية فكما قال المؤرخ الشامي في (تاريخ اليمن الفكري (3/22): (كانت حسب أقوال المؤرخين قد تمزقت إلى مشيخات ودويلات، فعدن وتعز إلى آل زريع، وذمار ومخاليفها لسلاطين جنب ومشائخها، وصنعاء وأعمالها إلى حدود الأهنوم يحكمها السلطان علي بن حاتم اليامي، وآل دعام يسيطرون على الجوف، والأشراف من أحفاد الإمام الهادي لهم صعدة وما إليها، وشهارة وما صاقبها لأولاد الإمام العياني، والجريب والشرف لسلاطين حجور، وتهامة اليمن للأشراف، وزبيد إلى بلاد حرض يملكها عبدالنبي بن مهدي، وأصبحت كما قال الشاعر:
وتفرّقوا فرقاً فكلّ قبيلة .... فيها أمير المؤمنين ومنبر)
انتهى.
والذي سنى لهذه الدويلات التكاثر والتفرق هو خمود صوت الإمامة الزيدية في اليمن، فمن سنة (566هـ) العام الذي توفي فيه الإمام أحمد بن سليمان إلى سنة (583هـ) العام الذي فيه كانت دعوة الإمام المنصور بالله للإحتساب، لم يظهر إمام يضبط الأمور، ويقود الجمهور.
[الإرهاصات المبّشرة بالإمام(ع)]
الإمام المنصور بالله (ع) كانت تلوح في جبينه مخائل الإمامة، وتظهر على وجهه ملامح الزعامة، فالأمة بحاجة إلى قائد يقودها، ويطهر بالسيف أوزارها، ولقد كانت الإرهاصات والتفاؤلات تشير إلى أن الفتى الذي فاق أقرانه هو الذي سيصير (إمام الأمة)، ومن تلك الإرهاصات ما يلي:
أولاً: ما حكاه مؤلفوا سيرته من أنه لما ولد -عليه السلام-: (ازداد ضوء المصباح، وعلا علواً جاوز المعتاد، حتى بلغ دوين السقف، واستقام على ذلك)([1]).
_______________
([1])ـ الحدائق الوردية (خ)، التحفة العنبرية (خ)، الترجمان (خ)، اللآلئ المضيئة (خ)، الزحيف (خ)، وغيرها.

(1/14)


ثانياً: ومن ذلك: أن والده حمزة بن سليمان (ع) رأى أنه ظهر منه نورٌ ملأ الأرض كلها فعبره على جدة له شريفة فاضلة، فقالت: اكتمه، فقد قيل إنه لا بد أن يظهر منك أو من أبيك المنصور، أو من يدّل عليه، ثم عبر رؤياه على رجل وهو يتعجّب منها فلما استكملها قال: أبشر يا حمزة بإمام من ذريتك([2]).
ثالثاً: ما روي أنه أتى قوم من بني صريم إلى حمزة بن سليمان يطلبون منه القيام والمدافعة عنهم على حاتم بن أحمد لما ملك أرضهم فقال: لا فرج لكم على يديّ وإنما فرجكم على يدي هذا الصبي([3]).
وغير ذلك من الإرهاصات والإشارات الهادية المبينة لفضل الإمام المنصور بالله -عليه السلام- مع ما روي من الآثار والملاحم التي تبشّر بالإمام -عليه السلام-، وتشرح حال الزمن الذي يعيش فيه، ولنذكر بعضاً منها ليدل على ما سواه:
فمن ذلك: ما روي عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أنه قال لفاطمة -عليها السلام-: ((يا فاطمة منك الهادي والمهدي والمنصور))([4]).
ومن ذلك: ما روى مصنف سيرته وهو علي بن نشوان عن الأمير الفاضل بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى، قال: وجدت في كتاب قديم قد كاد يتلف من البلاوة مائة وعشرون سنة إلى وقت قيام الإمام -عليه السلام- كلاً في ذكر قيام القائم المنصور بالله في سنة ثلاث وتسعين، قال: ثم يظهر القائم المنصور في سنة (593هـ)([5]).
ومن ذلك: ما رواه مصنف سيرته أيضاً عن الشريف الفاضل سليمان بن زيد بن عبدالله بن جعفر، قال: وجدت في رواية صحيحة عن محمد بن الحنفية في شعره:
ووديعة عندي لآل محمد .... أودعتُها وجُعلت من أمنائها
فإذا رأيت الكوكبين تناوحا .... في الجدي عند صباحها ومسائها
فهناك يبدو عز آل محمد .... وظهورها بالنصر في أعدائها([6])
________________
([2])ـ نفس المصادر المتقدمة.
([3])ـ نفس المصادر.
([4])ـ رواه القاضي عبدالله بن زيد العنسي في الإرشاد، وفي الرسالة البديعة المعلنة بفضائل الشيعة، أنظر التحف شرح الزلف للإمام الحجة/ مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالىفي سيرة الإمام عبدالله بن حمزة عليه السلام.
([5])ـ الحدائق، اللآلئ المضيئة (خ).
([6])ـ الحدائق - اللآلئ المضية - التحف العنبرية، وغيرها.

(1/15)


ومن ذلك: ما روى الفقيه حميد الشهيد في الحدائق وهو من المعاصرين للإمام ومن أنصاره قال: نقل من أبيات قصيدة قديمة ذكر فيها صاحبها الخوارج ثم ذكر صفات الغز التي شوهدت عياناً، ثم ذكر القائم بالحق فقال:
أهل فسق ولواط ظاهر .... أهل تعذيب وضرب بالخشب
كفروا بالدين ثم اشتغلوا .... بفراغ الناس حباً للذهب
يتركون الفرض والسنة لا .... يعرفون الله ليسوا بعرب
فهم كالجن مَنْ أبصرهم .... طار رعباً ثم خوفاً وهرب
ينقلون المال من أرض سبأ .... نحو مصر ودمشق وحلب
فإذا ما الناس ضاقوا منهم .... في بسيط الأرض طراً والحدب
ظهر القائم من أرض سبأ .... يمني السكن شامي النسب
اسمه باسم أبي الطهر النبي .... ذاك عبدالله كشّاف الكرب
يملأ الأقطار عدلاً مثلما .... مُلئت جوراً وهذا قد غلب
تظهر الخيرات في أيامه .... ويُرى الباطل فيه قد هرب
وترى الأشيب في أيامه .... يتمنى كل يوم أن يَشِبّ
قال في الحدائق: (ومن تأمل هذه الصفات تحقق ما قلناه لأن هذه الصفات المذكورة هي الموجودة في الغز بالمشاهدة، ولم يقم الإمام إلا بعد أن أصاب الناس البلاء الشديد في سهول الأرض وحزونها من هؤلاء الأعاجم، وقوله: (ظهر القائم من أرض سبأ) لأن الإمام المنصور بالله -عليه السلام- كان خروجه من ناحية الجوف وهو يمني السكن شامي النسب لأن جده أبا هاشم الحسن بن عبدالرحمن -عليه السلام- وصل من الحجاز إلى اليمن، ثم صرّح بعد ذلك باسمه، وهو عبدالله. ولم يعلم أن أحداً من أئمتنا -عليهم السلام- إلى الآن على هذه الصفات، ثم ذكر ظهور الخيرات في أيامه -عليه السلام- وذلك ظاهر)..إلى آخر كلامه، انتهى.
فهذه مما رواها معاصروه، وهم أهل الثقة والأمانة والعدالة، والصدق في الرواية.
مع ما كان -عليه السلام- يتحلى به من الصفات الكاملة التي تؤهله لمنصب الإمامة، وتحمل أعباء الزعامة، من العلم والورع والشجاعة والكرم والعبادة وحسن التدبير، التي فاق فيها أرباب عصره، وعلماء دهره.

(1/16)


علمه(ع)
إن من أوضح الأدلة والحقائق على علم الإمام -عليه السلام- وبلوغه فيه أقصى الغايات، وخوضه في فنونه في بحار الدرايات، ما خلفه لنا من الثروة العلمية، من المؤلفات العظيمة التي أغنت المكتبة الإسلامية، في شتى فنون العلم في الأصول والفروع والتاريخ والتربية والأشعار وغيرها.
فلسنا بحاجة إلى الاستدلال على هذا الجانب فمؤلفاته -عليه السلام- تنيف على خمسين مؤلفاً كما ستعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
منها: الشافي، والرسالة الناصحة، وصفوة الإختيار، والشفافة وغيرها. وشهادة علماء عصره ومن بعدهم له -عليه السلام- بنهاية التقدم في فنون العلم والمعرفة.
وتسليم الأميرين الداعيين بدر الدين وشمس الدين يحيى ومحمد ابني أحمد بن يحيى بن يحيى الإمامة له والبيعة والجهاد معه مع تقدمهما دليل واضح على ذلك.
وأجوبته على المسائل الواردة عليه تبين بلوغه الذروة العليا في العلوم، فلم يبق فن إلا طار في أرجائه، وسبح في أثنائه.
شعره(ع)
أما فصاحة الإمام وبلاغته فذلك ظاهر في مؤلفاته وقصائده الشعرية، فقد كان له في الشعر باع طويل، فقد كان -عليه السلام- كما قيل (أفصح الفاطميين)؛ لما كان له من القدرة على نظم الشعر على جميع أنواعه وأوزانه.
ويعتبر شعره -عليه السلام- دراسة كاملة وشاملة لسيرته ولما وقع فيها من الأحداث والحروب وغيرها، قال المؤرخ الشامي:
(الإمام عبدالله بن حمزة شاعر مفلق، وشعره جزل التراكيب، فخم الألفاظ، مطرز بالغريب، وعلى جلال الواثق بنفسه، المتباهي بحسبه ونسبه، وعلمه وأدبه، ومسحة بدوية تلحقه أحياناً بشعراء ما قبل الإسلام..إلى قوله:

(1/17)


وقد اتخذ الإمام عبدالله بن حمزة من الشعر عصاً يتوكأ عليها في معاركه الحربية السياسية والمذهبية، ويهش بها على ملوك وسلاطين عصره، وليس هناك من حادثة وقعت له ولا من أمر مارسه، أو كارثة نَاْبَتْه، أو وجْدٍ انفعل له ؛إلا وسجّله شعراً، ولذلك فهو يعد من المكثرين لا بين شعراء أئمة اليمن -وجلهم كانوا كذلك- بل بين شعراء اليمن عموماً) انتهى.
وله ديوان شعر اسمه (مطالع الأنوار ومشارق الشموس والأقمار) وهو تحت الطبع، ولم تضمن هذه الترجمة شيئاً من شعره لشهرته ولأجل الاختصار.
الدعوة الأولى: دعوة الاحتساب
تقدم وصف الحال التي يعيشها اليمن قبل قيام الإمام المنصور بالله -عليه السلام- وانتصابه للأمر، وكانت الزيدية تعيش حالة انتظار للرجل المؤهل للقيام بالأمر المهم، وتخليص اليمن وأهله ما هو فيه من الفتن، إذا بصوت الإمامة الحيَّة تبدأ تدب في روح الجسد الزيدي ليعود إلى الدفاع عن دين الله، وتجديد شرائع الله، وإقامة الحدود، ونصر المستضعفين، فإذا بالشاب الذي طال ما امتدت إليه الأعناق، وشاع صيته في الآفاق، الذي لم يزل في الثانية والعشرين من عمره وقد حاز علوم الاجتهاد، وحفظ علوم الآباء والأجداد، يقوم بدعاء الناس إلى طاعة الله تعالى وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الظالمين، وإظهار كلمة الحق ودفع الفساد، وذلك في سنة (583هـ)، فأجابه أهل الجوفين كافة، فبايعهم (للرضى من آل محمد) لأنه كان طامعاً في قيام الأمير الكبير شمس الدين شيخ آل الرسول يحيى بن أحمد بل كل الخلق طامعون فيه، وكان الإمام -عليه السلام- حريصاً مجتهداً على أن يكون من أنصاره، فهذه هي الدعوة الأولى الخاصة التي قام بها -عليه السلام- احتساباً وانتظاراً لقائم الآل.

(1/18)


الإمام والأميرين
ودارت المكاتبات والرسائل بين الإمام -عليه السلام- والأميرين الكبيرين يحيى ومحمد ابني أحمد بن يحيى بن يحيى، ثم نهض الإمام متوجهاً إلى صعدة في مقدار مائة فارس ورجل كثير، فلقيه الأميران في الحقل في جمع كثير من خولان وبني جماعة والأبقور وبني حي وبني مالك وغيرهم، فتحدث معهم الإمام -عليه السلام- ووعظهم، وكان الناس ينتظرون قيام الأمير الكبير يحيى، فدارت مراجعة عرض فيها الأمير الكبير على الإمام البيعة فكره ذلك واستعظمه وقال: (إنما أردت حياة الدين وكرهت إهمال الأمة، وأنت العمدة والقدوة، وكبير أهل البيت الشريف، فإن علمت عذراً يخلصك عند الله سبحانه فأنا بذلك أولى لأنك أكبر أهل البيت -عليهم السلام-) وجرى بذلك خطاب طويل وكان قصد الإمام -عليه السلام- بالحركة في الجوف لينتظم للدين أعوان، وكان يعتقد أنه إذا وصل بأولئك القوم إلى الأمير الكبير ساعده إلى تقلّد الأمر.
ثم رجع الإمام -عليه السلام- إلى الجوف، فأصلح الأمور وساس الجمهور ولكنه لم يتشدد التشدد الأول.
وقام الإمام المنصور بالله -عليه السلام- بكثير من الأعمال والحروب في حال الاحتساب، وللإطلاع على تفاصيل ذلك راجع التحفة العنبرية في المجددين من أبناء خير البرية، والجزء الثاني من الآليء المضيئة للشرفي.
الدعوة الثانية (العامة)، دعوة الإمامة العظمى
كان له -عليه السلام- بيعتين:
الأولى: في ذي القعدة سنة (593هـ) من الجوف، ثم توجه إلى دار معين من أعمال صعدة فأقام بها أربعة أشهر تنقص أياماً، اجتمع إليه فيها العلماء وأورد كل منهم سؤاله وامتحانه، وكانوا نحواً من أربعمائة عالم وفاضل وشريف، فوجدوه بحراً لا ساحل له، واعترفوا له بالفضل والسبق([7]).
والثانية: يوم الجمعة الثالث عشر من ربيع الأول سنة (594هـ) قال الإمام الحسن بن بدر الدين:
_____________
([7])ـ اللآلئ المضيئة للشرفي الجزء الثاني (خ)، الحدائق الوردية (خ).

(1/19)


و(كانت دعوته بعد أن أحرز خصال الكمال، ونال منها أشرف منال، وكان معروفاً بالنشأة الطاهرة، والعلوم الباهرة، والورع المعروف، والكرم الموصوف، والشرف والسخاء والنجدة والوفاء، فاجتمع لاختباره علماء عصره، وسادات وقته، من الأمراء والأشراف، والقضاة والفقهاء وغيرهم من المسلمين، فناظروه في جميع الفنون، وامتحنوه أشد الامتحان حتى أن عالماً واحداً منهم سأله عن خمسة آلاف مسألة في الأصول والفروع وعلوم القرآن والأخبار، وأجابه عنها -عليه السلام- بأحسن جواب.
فلما رأى العلماء وسمعوا عن علمه ما يشهد له العيان، وينطق به الامتحان، ويعجز عنه أرباب البيان سمعوا له وأطاعوا، وأجابوا واتبعوا، وكانت البيعة له -عليه السلام- يوم الجمعة الثالث عشر من ربيع الأول سنة (594هـ)([8]) انتهى.
ثم إن الإمام -عليه السلام- توجه بمن معه من العلماء إلى المسجد الجامع الشريف بصعدة مسجد الهادي إلى الحق -عليه السلام- وقد امتلأ وغص بالعلماء والفضلاء.
فقام الأمير الكبير شمس الدين يحيى بن أحمد(ع) خطيباً في الناس وكان من قوله: ياجميع المسلمين إنا قد أطلنا خبرة هذا الإمام، وشهدنا بفضله، وإنه أحق الناس بهذا المقام، وقد تعينت علينا وعليكم الفريضة، ولزمت الحجة، فهلموا فبايعوا الإمام واستبقوا إلى شرف هذا المقام).
ثم إنه تقدم ومدّ يده فبايعه الإمام، ثم تقدم صنوه الأمير بدر الدين محمد بن أحمد فبايع، ثم تقدم بعدهما كبار الأشراف وأفاضل العلماء والقضاة وسائر المسلمين، فبايعوا كافة([9]).
فلما قضيت صلاة الجمعة خرج الإمام والأميران إلى ضفة المسجد الشامية والمسلمون، فأقبل من جمعه السوق من أهل صعدة وسائر قبائل العرب من خولان وسنحان وهمدان وغيرهم.
______________
([8])ـ أنوار اليقين (خ).
([9])ـ التحفة العنبرية (خ)، اللآلئ المضيئة، نقلاً عن السيرة المنصورية.

(1/20)


فتقدم الأمير شمس الدين فوعظ الناس وأخذهم باللطف وبيّن لهم الحق، وكان من كلامه: (أيها الناس لقد جهدنا في حطّ هذا الأمر عن رقابنا ورقابكم بكل ممكن فما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، وقد علمتم أن ملوك اليمن قد عرضوا علينا أموالهم، وخيولهم وحصونهم وطاعتهم وحضونا على هذا المقام فلم نساعدهم إلى ذلك لوجود العذر بيننا وبين ربنا، ومع وجود هذا الإمام فلم نجد سبيلاً إلى التأخر، وإنما هو الإقدام أو النار) فبايع الناس أفواجاً([10]).
ألفاظ البيعة
وكانت بيعته -عليه السلام- أن يبسط يده الشريفة ثم يقول للرجل: (أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وموالاة ولينا، ومعاداة عدوّنا، والجهاد في سبيل الله بين أيدينا) فإذا قال الرجل: (نعم) قال الإمام -عليه السلام-: (عليك بذلك عهد الله وميثاقه وأشد ما أخذ على نبي من عهد وعقد) فيقول الرجل: (نعم)، فيقول الإمام: (الله على ما نقول وكيل)([11]).
الوفود إلى الإمام (ع) للبيعة
ولما ذاع واشتهر في الناس انعقاد البيعة للإمام المنصور بالله -عليه السلام- ومبايعة العلماء له، وتسليم الأمر إياه، أقبلت إليه الوفود من كل فجّ عميق من أقطار اليمن مسارعة في الفضيلة، ومسابقة للجهاد بين يديه، والانضواء تحت راية القائم من أهل البيت -عليهم السلام- ليدفع عن الناس ما يصيبهم من الفتن والمحن، وبعضهم وفد إليه رهبة وهيبة لما كان قد اشهر، فوفد إليه السلاطين آل حاتم، وجميع المشار إليهم من ميع مناطق اليمن.
ولاة الإمام (ع) وقواده
وبعد أن تمّ الأمر وعقدت البيعة، قام الإمام -عليه السلام- بتولية الولاة، ووضع القضاة في البلدان، وكان له -عليه السلام- من الولاة والأنصار الذين بذلوا أنفسهم ونفيسهم ومجهودهم في سبيل طاعة الله وطاعة الإمام -عليه السلام-، ونذكر بعضهم:
________________
([10])ـ التحفة العنبرية (خ)، اللآلئ المضيئة (خ).
([11])ـ الحدائق (خ)، التحفة (خ)، اللآلئ المضيئة (خ) عن السيرة

(1/21)


فمن خيار أنصاره وولاته: الأمير الكبير الداعي إلى الله شمس الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن بحيى عليهم السلام، فقد كان له من الاجتهاد والعناية ما يليق بمثله، على كبر سنه وضعفه فعمره إذ ذاك في عقد السبعين، فقد بذل نفسه في سبيل الدعاء إلى الله وإلى طاعة الإمام(ع) وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله حتى تورمت قدماه من السير في بعض ناوحي بلاد المغرب.
ومنهم: الأمير بدر الدين الداعي إلى الله محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى -عليهم السلام-، ولاه الإمام –عليه السلام-.
وكان الأميران عضدي الإمام –عليه السلام- وأمينيه، ودارت بينهما مراسلات ومكاتبات نثرية وشعرية، تقضي بأكيد المودة وعظيم الصلة بينهم، وكان الإمام يجلّهما ويعظمهما ويعرف لهما الحق الكبير.
ومن ولاته وقوّاده: الأمير الشهير مجد الدين يحيى بن الأمير بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى -عليهم السلام-.
ومنهم: صنوه الأمير الشهيد إبراهيم بن حمزة بن سليمان -عليهم السلام.
والأمير الشهيد علي بن المحسن بن يحيى بن يحيى -رضي الله عنه-.
والأمير صفي الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن الحسين بن حمزة بن أبي هاشم -رضي الله عنهم-.
والأمير علم الدين سليمان بن موسى بن داود الحمزي.
والأمير تاج الدين أحمد بن الأمير بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى.
وصنوه الأمير أسد الدين الحسن بن حمزة بن سليمان -عليهم السلام-.
ومنهم: القاضي العلامة ركن الدين يحيى بن جعفر بن أحمد بن عبدالسلام بن أبي يحيى البهلولي رضي الله عنه.
و القاضي العلامة سليمان بن ناصر الدين بن سعيد بن عبدالله بن سعيد بن أحمد بن كثير السحامي.
ومن ولاته على القضاء: القاضي العلامة محمد بن عبدالله بن حمزة بن أبي النجم.
وولده القاضي عبدالله بن محمد تولى قضاء صعدة بعد موت أبيه.
ومن ولاته على القضاء: القاضي العلامة عمرو بن علي العنسي –رحمة الله عليه-.

(1/22)


ومنهم: القاضي العلامة عبدالله بن معرف، ولي القضاء على وادعة.
ومنهم: القاضي أحمد بن مسعود الربعاني من أصحاب القاضي جعفر -رحمة الله عليه-.
ومنهم: السيد يوسف بن علي الحسني الشهيد.
ومنهم: القاضي عرفطة بن المبارك.
ولم تكن دعوة الإمام المنصور بالله -عليه السلام- مقتصرة على اليمن فحسب، بل بلغت دعوته الأصقاع، وبلغ صيت دولته في كل بلد وذاع، ولم تكن مقصورة على الوطن العربي أو الجزيرة العربية بل أجابتها غيرهم من دول العجم.
فلما بلغت مولك العالم إذ ذاك دعوته سارعوا في إجابتها، وإجراء الأوامر الإمامية المنصورية بها، واستقبلوا رسل الإمام وعمّاله وأكرموهم.
فمن المناطق التي وصلت إليها دعوته -عليه السلام-:
أولاً: مكة المشرفة، وكان أميرها الأمير الفاضل أبو عزيز قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبدالكريم بن عيسى بن الحسن بن سليمان بن علي بن محمد بن موسى بن عبدالله بن موسى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام-.
ثانياً: الجيل والديلم، وكان داعي الإمام -عليه السلام- إلى الجيل والديلم الفقيه العلامة محمد بن أسعد المرادي المذحجي.
ثالثاً: خوارزم، وكان ملكها علاء الدين شاه شاه [أي ملك الملوك] فكتب له دعوة يدعوه فيها إلى طاعة الله وإلى البيعة، واتصلت به على يد العالم الكبير شيخ الطوائف مجدالدين يحيى بن إسماعيل بن علي بن أحمد الجويني الحسيني رحمه الله تعالى.
رابعاً: دمشق (حلب)، وملكها غازي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، وردت كتبه إلى الإمام -عليه السلام- سنة إحدى وستمائة والوارد بها رجل من ولد النفس الزكية.
وعلى الجملة الأمر كما قال الفقيه حميد الشهيد -رحمة الله عليه-: (وكان -عليه السلام- قد رزقه الله تعالى من حسن الصيت وارتفاع الذكر، وحسن الأحدوثة، والثناء الجميل، ما قلّ مثله لمن مضى من أئمة الزيدية -عليهم السلام-) انتهى([12]).
______________
([12])ـ الحدائق الوردية (خ).

(1/23)


كرامات الإمام(ع)
وقد أكرم الله وليّه وابن نبيه بكرامات كثيرة تبيّن عظيم منزلته عند الله تعالى، حكاه المؤلفون لسيرته -عليه السلام- المعاصرون له، أهل الثقة والعدالة والتثبت في الرواية والدراية، وظهرت كراماته -عليه السلام- للخاص والعام، ولزمت الحجة جميع الأنام مصداقاً لقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت:53]، وسنذكر بعضاً منها؛ فمن كراماته -عليه السلام- ما يلي:
1-قصة الطيور:
وهي أن الإمام -عليه السلام- لما دخل صنعاء المرة الثاني رؤي فوق الإمام -عليه السلام- وعسكره طيوراً صافة من الثمانية إلى التسعة إلى العشرة بيضاء مخالفة لما عهد من الطيور. روى القصة بهاء الدين أحمد بن الحسن الرصاص([13]).
2-قصة النشاب:
وذلك أنه -عليه السلام- لما دخل صنعاء فتح باب غمدان بشقصة من خشب وكان لا يفتح بمفاتيحه إلا بعد معالجة شديدة([14]).
3-قصة الأكسح:
وهي أن الإمام (ع) لما دخل صنعاء المرة الثانية أُتي إليه برجل يمشي على أرباعه، فمسح عليه الإمام فعافاه الله تعالى. قال الفقيه حميد الشهيد في الحدائق: (وقد شاهده خلق جم لا يحصون من أهل المدينة على حالته الأولى والثانية).
4-قصة النور:
وهي أن الإمام دخل شبام كوكبان آخر يوم من جماد الآخرة سنة (594هـ) فوقع على الدار نور عظيم ساطع بعد صلاة العشاء الآخرة واستطار في الأرض، وكان في المسجد الجامع شيخ كبير يتعثر في طريقه إذا خرج بعد صلاة العشاء لضعف بصره، فخرج وشاهد النور وقال لجماعة معه: إنني أفرق الليلة بين الحصيمة البيضاء والسوداء، وظن الناس أن ذلك ضوء القمر([15]).
__________________
([13])ـ رواها الأمير الحسين في الينابيع ص(268)، الحدائق (خ)، وأنوار اليقين وغيرها.
([14])ـ الأمير الحسين في الينابيع، أنوار اليقين، الحدائق وغيرها.
([15])ـ الحدائق الوردية (خ).

(1/24)


5-قصة فتح ذمار:
وهي أن أهل ذمار رووا أن الإمام لما فتح ذمار شاهدوا عسكراً من خيل ورجال سدت عليهم الآفاق، وريحاً عظيمة، كفت وجوههم وأبصارهم حتى منعتهم التصرف في القتال، وأنهم يريدون الرمي بالنشاب فيتساقط من أيديهم، وربما يتكسر في الهواء([16]).
6-قصة الصبي الذي عمي:
وهي ما روي أن الإمام كتب كتاباً لصبي قد ذهب بصره فلما تعلق الكتاب فيه، أبصر في الحال وعاد إلى عمله([17]).
7-قصة الخيل:
هي أن الإمام لما دخل صنعاء وأحاطت به جنود الغز وهو في المسجد فلما تفرق الجنود مضى إلى دار أحد الشيعة فأتى حصانه وبغلته وعليهما العدة والسلاح بدون سائق ولا قائد إلى الدار التي فيها الإمام -عليه السلام-([18]).
8-قصة السيل:
وهي أن وردسار أخرب داراً للإمام -عليه السلام- في حوث ثم عاد إلى صنعاء فما تم الأسبوع حتى أنزل الله تعالى سيلاً لم يُعهد مثله في ذلك العصر، وكان وردسار قد بنى قصراً شامخاً وتفنن في عمارته فأخذه السيل وأخذ كثيراً من أمواله ونفائسه جزاءً وفاقاً([19]).
9-قصة الجراد:
وهي أن البلدان التي كان أهلها يتعدون على الإمام يسلط الله عليهم الجراد يأكل مزارعهم وأموالهم، والمسلّمة للإمام فيها من البركة والخير ما ليس في غيرها([20]).
فهذه بعض كراماته وفضائله التي شاهدها معاصروه وازداد بها محبوه حباً، وكانت سبباً في توبة البعض الآخر ورجوعهم.
والتحدث عن فضائله لا يسعها مقام،
وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها .... ويجهد أن يأتي لها بضريب
__________________
([16])ـ الحدائق الوردية (خ).
([17])ـ أنوار اليقين (خ)، الحدائق (خ).
([18])ـ أنوار اليقين (خ)، الحدائق (خ).
([19])ـ السيرة المنصورية.
([20])ـ السيرة المنصورية.

(1/25)


وفاة الإمام(ع)
ولم يزل الإمام –عليه السلام- خافضاً بحسامه وجوه المعتدين، رافعاً ببيانه فرائض رب العالمين، حتى قبضه الله عز وجل إليه في شهر محرم الحرام يوم السبت الثاني عشر سنة (614هـ)، وعمره اثنان وخمسون سنة وثمانية أشهر واثنتان وعشرون ليلة، وقُبر في كوكبان، ثم نقل إلى بكر، ثم نقل إلى ظفار، ومشهده بها مشهور مزور. وكانت مدة إمامته –عليه السلام- تسعة عشر عاماً وتسعة أشهر وعشرون يوماً.
أولاده(ع)
وأولاده –عليه السلام-:
محمد، وأمه دنيا بنت قاسم، وكانت عند الإمام بمنزلة وتوفيت سنة (600هـ).
وأحمد وعلي، وأمهما فاطمة بنت يحيى بن محمد الأشل من ولد الهادي إلى الحق –عليه السلام-، وعلي وضعت به أمه سنة (600هـ) في شهر رجب يوم الثلاثاء لإثنتي عشرة ليلة من رجب.
وجعفر، أمه نعم بنت سليمان بن مفرح الضربوه.
وإدريس، أمه منعة بنت السلطان الفضل بن علي بن حاتم ودرج صغيراً.
وحمزة، درج صغيراً، وإبراهيم، وسليمان، والحسن، وموسى، ويحيى، والقاسم، وفضل درج صغيراً، وجعفر وعيسى لا عقب لهما، وداود، وحسين درج صغيراً.
وله –عليه السلام- إلى الكثير من أبنائه قصائد شعرية يحثهم فيها على طلب العلم وعلى الجاهد في سبيل الله والقيام بأمره، وهي مذكورة في ديوانه –عليه السلام- وقد أورد شطراً منها الإمام الحجة/ مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى في كتابه عيون المختار من فنون الأشعار والآثار.
وحكى الفقيه حميد في الحدائق قال: (أخبرنا السلطان الفاضل الحسن بن إسماعيل، قال: سمعت وأنا في داري في ظفار كلاماً في أول الليل بعد وفاة المنصور –عليه السلام- قبل أن نعلم بموته وكرره قائله حتى حفطته فسمعته يقول: (أبا محمد أنت القمر الزاهر، وأنت الربيع الماطر، وأنت الأسد الخادر، وأنت البحر الزاخر، وأنت من القمر نوره وضياؤه، ومن الشمس حسنه وبهاؤه، ومن الأسد بأسه ومضاؤه) ثم أتى الخبر بعد ذلك بوفاة الإمام –عليه السلام- في كوكبان).

(1/26)


آثاره المعمارية
وقد خلّف الإمام -عليه السلام- آثاراً معمارية عظيمة قام بها خدمة للإسلام والمسلمين، لم يخلف قصوراً كان يسكنها، بل خلف آثاراً تدل على عظمته وعنايته بأمر الإسلام، ابتنى الحصون الحصينة لتأمين ضعفة المسلمين من النساء والصبيان فيها، والمساجد العظيمة لأفعال الطاعات، والمدارس العلمية لدراسة العلوم الدينية،
إن آثارنا تدل علينا .... فانظروا بعدنا إلى الآثار
ومن أعظم تلك الآثار ما يلي:
1-حصن ظفار:
وقد اختطه الإمام -عليه السلام- وقام بعمارته في شهر شوال سنة (600هـ)، وكان قد اختطه قبل ذلك الإمام الناصر أبو الفتح الديلمي -عليه السلام-.
وأشار على الإمام ببنائه جماعة من أصحابه لأن خطر الغز كان قد عظم لكي يلجأوا إليه عند حركة العدو على البلاد، وكان الإمام قد همَّ بعمارته، وطاف إليها من شوابة، وأتاه في وجه العشي ولم يصعد أعلاه ولم يتأمله حق التأمل وكان قد أضرب عنه، ولما أشاروا عليه ببنائه رأى إعادة النظر فيه، فنهضوا إليه وطلع الإمام أعلاه وطاف أقطاره وأنعم النظر في أمره، فشاهد من الحصانة والمنعة ما رغّبه في عمارته. فأعدّ الآلات وبذل الأموال في عمارته، وكان ابتداء العمل فيه في موضعين:
أحدهما: السور، فقطعت له الصخور الكبار. والثاني: حفر الخندق.
فبقي -عليه السلام- في عمارته ثلاثة شهر وستة عشر يوماً، وسماها (ظفار) فكان اسمه مطابقاً لمسماه، فما أسرى منه سرية ولا جهز عسكراً إلا كان الظفر قرينه والنصر خدينه.
وهذا الحصن فيه من الحصانة وتصميم البناء وإحكام الصنعة، ما يدل على حسن تدبير الإمام -عليه السلام- وسياسته.
2-مسجد ظفار: وهو الجامع الذي فيه قبة وقبر الإمام -عليه السلام-، وقد يطلق عليه اسم (المدرسة المنصورية) بظفار، وقد تخرج منها طائفة كبير من العلماء الجهابذة.
3-مسجد حوث: ويقال له الآن (مسجد الصومعة) ويطلق عليه قديماً اسم (المدرسة المنصورية) بحوث...

(1/27)


4-مسجد الزاهر في الجوف، وفيه قبر أخيه الشهيد إبراهيم بن حمزة -عليهما السلام-.
5-جامع الحلة من أوطان بني صريم.
6-جامع أتافث.
وتتميّز آثاره -عَلَيْه السَّلام- بطابعها المعماري الفريد، ورونقها الجميل الملفت للنظر، ومن مساعيه الحميدة خارج اليمن أنه أمر الأمير قتادة بن إدريس ببناء مشاهد قبور الأئمة -عَلَيْهم السَّلام- كمشهد الإمام الحسين بن علي الفخي -عَلَيْه السَّلام-.
الآثار العلمية
خلّف الإمام المنصور بالله –عليه السلام- ثروة علمية طائلة وكبيرة، ومكتبة إسلامية عظيمة، أغنت التراث الإسلامي في جميع مجالاته، وعلى كافة المستويات، ورغم ما عاناه الإمام المنصور بالله من الصعوبات في مدة خلافته، ألَّف الكثير الطيب من المؤلفات العلمية التي اعتمدها العلماء في عصره وبعده وإلى يوم الناس هذا، وأصبحت من المراجع التي لا يستغني عنها عالم ولا متعلم، وفيها دلالة واضحة على علم الإمام وتبحره وفطنته وألمعيته، وقدرته على الاستنباط والاجتهاد، وقوته على الاستدلال بالأدلة الواضحة الجلية.
ولهذا لما وصلت مؤلفاته إلى الجيل والديلم واطلع عليها علماء وفقهاء الزيدية في تلك النواحي سارعوا إلى بيعته (وتداكوا عليها تداك الإبل العطاش على الحياض) وقالوا: هو أعلم من الناصر.
وهاهي بحمد الله تخرج مؤلفاته إلى حيز الوجود ليعمل الناظر فكره ولبّه فيها وفي ما احتملته من العلوم العقلية والنقلية، في الأصول والفروع. وسنذكر مؤلفاته –عليه السلام- على حسب ما تتعلق به من الفنون.
وأول الكتب وأحقها بالتقديم هو (كتاب الشافي) وهو مشتمل على علوم وفنون كثيرة في أصول الدين والفقه والحديث والتاريخ والسير وغيرها، وهو أربعة مجلدات، طُبع بتحقيق وعناية وإشراف مولانا الإمام الحجة مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى.
أصول الدين:
1-أرجوزة الرسالة الناصحة للإخوان. (شعر)

(1/28)


2-شرح الرسالة الناصحة للإخوان. [الذي بين يديك]
3-الشفافة رادعة الطوافة. (جواب على الأشعري المصري)
4-العقيدة النبوية في الأصول الدينية.
5-زبد الأدلة في معرفة الله.
أصول الفقه:
صفوة الإختيار في أصول الفقه.
الفقه:
1-المهذب في فتاوى الإمام المنصور بالله (ع).
2-الدر المنثور في فقه المنصور.
3-الرسالة المرتضاة في العهد إلى القضاة.
4-الأجوبة المرضية على المسائل الفقهية.
5-منسك الحج.
6-مصباح المشكاة في تثبيت الولاة.
7-الرسالة المشيرة في ترك الإعتراض على السيرة.
الرد على الفرق:
1-العقد الثمين في أحكام الأئمة الهادين. (في الرد على الإمامية).
2-الكاشفة للإشكال في الفرق بين التشيع والاعتزال.
3-الرسالة الإمامية في الرد على المسائل التهامية.
4-المجموع من آيات القرآن الشريف المبطل لمذهب أهل التطريف.
5-الرد على المطرفية.
أحكام خاصة:
1-الرسالة الهادية بالأدلة البادية في أحكام أهل الردة.
2-الدرة اليتيمة في أحكام السبي والغنيمة.
3-الرسالة العالمة بالأدلة الحاكمة.
في الحديث والفضائل:
1-الرسالة النافعة بالأدلة القاطعة في فضائل أهل البيت (ع).
2-حديقة الحكمة النبوية في شرح الأربعين السيلقية.
في التفسير:
1-تفسير الزهراوين (البقرة وآل عمران) شرع فيه ولم يكمله.
وله الكثير من الأجوبة على المسائل التي وردت عليه حتى أن مؤلفاته تنيف على السبعين ما بين مؤلف وجواب.

(1/29)


وأما مكاتباته: فله الكثير من المكاتبات إلى ملوك عصره وسلاطين وقته، وإلى أهل ولايته وطاعته، وإلى بعض عماله، وإلى بعض البلدان.
وأما قصائده الشعرية: فهي مجموعة في ديوان (مطالع الأنوار ومشارق الشموس والأقمار).
وبحمد الله جميع مؤلفاته تحت الطبع وفي طريقها للخروج إلى النور.
الإمام(ع) والمطرفية
تعد قضية الإمام -عليه السلام- مع المطرفية أهم القضايا التي واجهها الإمام في إبان دعوته وخلافته، ليس لأنه بداية ظهورها أو وجودها فقد كانت قبله بفترة، بل لأنه الإمام الذي صمد وجهاً لوجه معها في جميع مجالات الصمود والمواجهة.
وكثير من الناس لا يعرف حقيقة الخلاف، ولا يجيد البحث عن القضية بإنصاف وطلب للحق، بل كثير من الباحثين أُتوا من قبل الجهل أو قلة الاطلاع أو التعصب المذهبي أو الطائفي أو حب الدنيا،
لهوى النفوس سريرة لا تعلم .... كم حار فيها عالم متكلم
نعرف الحق ثم نعرض عنه .... ونراه ونحن عنه نميل
وقد وضعت في ذلك رسالة اسمها: (القاضب لشبه المنزهين للمطرفية من النواصب) ضمّنتها فصولاً في البحث عن المطرفية:
الأول: في نشأتهم.
الثاني: في عقائدهم وأقوالهم.
الثالث: في الأئمة المعاصرين للمطرفية وموقفهم منهم.
الرابع: في الأئمة المتأخرين وموقفهم من المطرفية.
الخامس: في موقف علماء أهل البيت من المطرفية.
السادس: في موقف علماء الشيعة من المطرفية.
السابع: في موقف الإمام المنصور بالله (ع) مع المطرفية.
ونتكلم هنا باختصار عما يأتي:
أولاً: نشأتهم
ظهرت المطرفية في زمن الإمام القاسم بن علي العياني (ع) ظهوراً أولياً في بعض المسائل التي رد عليهم فيها، ثم تطور الخلاف إلى منتصف القرن الرابع الهجري حيث ظهر الرجل الذي انتسبت إليه المطرفية وهو مطرف بن شهاب، الذي أحدث أقوالاً وبدعاً وعقائد ضالة مخالفة للقرآن والسنة، أخذها عن طريق الملحدة والباطنية.

(1/30)


ثانياً: بعض عقائدهم وأقوالهم
وقد اشتهرت عن المطرفية أقوال ضالة كانت سبب كفرهم وضلالهم فمنها على وجه التنبيه والإشارة لا على وجه التعميم:
1-قولهم بأن الله عز وجل لم يخلق سوى الأربعة الأصول وهي الماء والنار والهواء والتراب، ولا تأثير له أصلاً في غيرها، وبقية الأجسام والمخلوقات إنما وجدت بالإحالة والإستحالة.
2-إن الله لم يخلق الآفات والمضار والأمراض ولا أرادها.
3-قولهم إن النبوة فعل النبي وهي جزاء على الأعمال وليست باختيار من الله.
4-قولهم إن القرآن ليس كلام الله وإنما هو صفة لقلب الملك الأعلى حتى قال مطرف بن شهاب: (ما إلينا نزل، ولا بنا اتصل، ولكنه تُلي شيء وبطل).
5-قولهم إن الله لا يميت أحداً حتى يبلغ مائة وعشرين عاماً، وقبلها ليس الموت فعل الله بل بسبب تغير التغذية والأمزجة.
6-نفيهم لحشر البهائم والسباع يوم القيامة.
7-قولهم لا نعمة لله على كافر ولا فاجر.
8-نفيهم للرزق عن الله للعاصي.
9-وقولهم إن الله سوى بين الخلق في ستة أشياء وهي: الخلق والرزق والتكليف والحياة والموت والعطاء.
10-إنكارهم للفضل ابتداء إلا بالعمل، وبغضهم لأهل البيت -عليهم السلام-.
فهذه بعض أقوالهم وعقائدهم، وهي مصرحة بمخالفة القرآن الكريم. وأقوالهم هذه المحكية عنهم حقيقة وليست إلزاماً فقد حكاها عنهم أئمة أهل البيت -عليهم السلام- وعلماؤهم المعاصرون للمطرفية.
تصدي الأئمة المعاصرين للمطرفية لشبههم
وقد تصدى لرد شبه المطرفية وإبطال أقوالهم والتحذير منهم أئمة أهل البيت المعاصرون لهم فمنهم:
1-الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني -عليه السلام- ردّ على كثير من أقوالهم في كتاب (التنبيه والدلائل).
..

(1/31)


2-ولده الإمام المهدي لدين الله الحسين بن القاسم بن علي العياني -عليهم السلام، وقد كفّرهم ورد عليهم في كثير من مؤلفاته.
3-الإمام الناصر أبو الفتح بن الحسين الديلمي -عليه السلام- رد عليهم وله رسالة سماها (المبهجة في الرد على الفرقة الضالة المتلجلجة).
4-الإمام النفس الزكية الحسن بن عبدالرحمن -عليه السلام-.
5-الأمير المحتسب حمزة بن أبي هاشم الحسن بن عبدالرحمن -عليهم السلام-.
6-الأمير علي بن القاسم بن علي العياني.
7-الأمير جعفر بن القاسم بن علي العياني.
8-الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان -عليه السلام- كفّرهم وردّ عليهم في كثير من المؤلفات، وحكم بخروجهم عن الإسلام، وحرّم مناكحتهم وذبائحهم، ولا تقبل شهادتهم، ولا يجوز دفع الزكاة إليهم، ولا دفنهم في مقابر المسلمين، ولا الصلاة على موتاهم، ويحكم في بلدانهم بحكم دار أهل الحرب.
ومن مؤلفاته:
أ.الهاشمة لأنف الضلال عن مذاهب المطرفية الجهال.
ب.العمدة في كفر المطرفية المرتدة.
ج.الواضحة في ارتداد المطرفية الزنادقة.
د.الرسالة العامة.
9- الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة -عليه السلام- وهو أشهر الأئمة، وعلى يديه كان هلاكهم.
10- الإمام الداعي إلى الله يحيى بن المحسن بن محفوظ -عليه السلام-، له أرجوزة في ذكر أقوالهم، وذكر أئمة أهل البيت الذين كفّروهم، وحكم المطرفية عنده، فقد حكم بكفرهم وجواز قتلهم عند قوتهم.
فهؤلاء بعض الأئمة الذين عثرنا على أقوالهم، أو على مصادر موثوقة تدل على ما حكيناه عنهم، ومن أراد الزيادة فليرجع إلى (القاضب لشبه المنزهين للمطرفية من النواصب).

(1/32)


موقف الأئمة المتأخرين عن المطرفية
وقد أقرّ الإمامَ المنصور بالله -عليه السلام- الأئمةُ المتأخرون فمنهم من صرّح وتعرض لذكرهم وتكفيرهم، ومنهم من لم ينقل عنه شيء في أمرهم، لانقراضهم وزوالهم؛ فممن حكم بكفرهم:
1-الإمام الهادي إلى الحق عزالدين بن الحسن -عليه السلام- في المعراج.
2-الإمام المتوكل على الله المحسن بن أحمد، وقد حكى إجماع العدلية على تكفير المطرفية ومن شابههم من ضلال الأمة.
ولا يُلْتَفَتُ إلى ما يثيره بعض المفترين من نسبة الخلاف إلى بعض الأئمة فهي دعوى عاطلة عن البرهان وقد بيّنتُها في (القاضب).
علماء أهل البيت(ع) مع المطرفية
وقد تصدى للمطرفية أيضاً علماء أهل البيت المعاصرين لهم وقاموا وقعدوا، وشمروا عن ساعد الجد، وحذروا منهم بكل طرق التحذير باللسان والقلم شعراً ونثراً، وجدالاً وخطابة وغيرها.
ولا سبيل إلى حصرهم جميعاً لكنا نذكر من تيسر منهم؛ فنقول: من العلماء الذين تصدوا للمطرفية من يلي:
1-الشريف العالم الكبير الحافظ لعلوم آل محمد عبدالله بن المختار بن الناصر بن الهادي -عليهم السلام-.
2-الشريف العالم الفاضل زيد بن علي بن الحسين الحسني.
3-الشريف العلامة عمادالدين الحسن بن محمد المهول.
4-العلامة الكبير محمد بن يوسف الأشل بن القاسم بن الإمام يوسف الداعي.
5-أمير مكة العلامة تاج المعالي شكر بن أبي الفتوح.
6-الأمير الكبير العلامة عُلَيُّ بن عيسى بن حمزة بن وهاس أمير مكة.
7-الأمير الكبير شيخ آل الرسول شمس الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى(ع).
8-صنوه بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى -عليهم السلام-.
9-الأمير الكبير الحافظ الحسين بن بدرالدين محمد بن أحمد(ع).
10-السيد العلامة حميدان بن يحيى بن حميدان القاسمي.

(1/33)


11-السيد العلامة صلاح بن الإمام إبراهيم بن تاج الدين.
وغيرهم كثير لا يسع المقام حصرهم.
علماء الشيعة رضي الله عنهم مع المطرفية
وتصدى لهم أيضاً علماء الشيعة، وناصروا أهل البيت دفاعاً عن الحق والدين؛ فمنهم:
1-العلامة المجاهد علي بن شهر.
2-القاضي العلامة تبع بن المسلم.
3-القاضي العلامة الحسين بن عبيدالله بن شبيرة.
4-القاضي العلامة الحسين بن عمار.
5-وكذلك العلامة سعيد بن بريَّة وله مؤلف موجود لدينا.
6-وكذلك إسماعيل بن علا وله أرجوزة مشهورة.
7-وكذلك يوسف بن أبي العشيرة.
8-وكذلك العلامة عبدالله بن أبي القاسم البشاري.
9-وكذلك العلامة زيد بن علي بن الحسن الخراساني البروقني.
10-القاضي العلامة جعفر بن أحمد بن عبدالسلام بن أبي يحيى رضي الله عنه، وله مقامات ومؤلفات عظيمة.
11-القاضي العلامة إسحاق بن عبدالباعث.
12-العلامة محمد بن حميد الزيدي.
13-القاضي العلامة عبدالله بن زيد العنسي.
14-الفقيه العلامة الشهيد حميد بن أحمد المحلي.
وغيرهم من العلماء المعاصرين للأئمة، ولم نذكر المؤلفات تخفيفاً، وإلا فقد ذكرناها في (القاضب)، والغرض هنا التنبيه.
أهمية الكتاب
شرح الرسالة الناصحة يَبحث في فن علم أصول الدين الذي يتناول معرفة الله عز وجلّ التي هي أوجب المعارف وأجل العلوم، فهو يبحث في التوحيد والعدل وصدق الوعد والوعيد وإثبات النبوة وتوابعها، وإثبات الإمامة وأدلتها وشروطها، ويبحث الكتاب أيضاً في فضل أهل البيت -عليهم السلام- والرد على من جحد أو أنكر فضلهم من الروافض والنواصب.
وهي عبارة عن شرح أرجوزتين:
الأولى: خماسية، وهي في أصول الدين، وشرحها الإمام -عليه السلام- بالجزء الأول. الثانية: رباعية في فضل أهل البيت (ع) وشرحها الإمام -عليه السلام- بالجزء الثاني.

(1/34)


أرجوزة أصول الدين
فأما الأولى فهي عبارة عن (40) بيتاً مخمسة، في أبواب أصول الدين.
وقد حظيت بعناية فقد كانت مَدْرَساً للزيدية مع مشروحاتها، فقد شرحها الإمام نفسه، وشرحها القاضي أحمد بن عبدالله الجنداري (سمط الجمان شرح الرسالة الناصحة للإخوان)، وقد بيّن فيها الإمام (ع) أصول الزيدية وأسسها، مبيّناً ذلك بالأدلة.
أرجوزة التفضيل
وهذه الأرجوزة عبارة عن (105) أبيات مربعة أي أنها (210) أبيات،ضمّنها الإمام -عليه السلام- من إثبات التفضيل وفضل أهل البيت(ع) والرد على خصومهم ومنكري فضلهم، وذكر شيء من وقائعهم، ما يبهر الألباب، فإنه -عليه السلام- يعد أشعر الفاطميين مع ما منحه الله عز وجل من القدرة على سبك الألفاظ، والبلاغة والفصاحة التي لا تساويها فصاحة من فصاحات الشعراء والبلغاء.
وقد ذكرنا ذلك فيما مضى، فهذه الأرجوزة تعد من فرائد قصائده وأراجيزه، ونوابغ أقواله التي شحنها علماً وأدباً وفصاحة وقوة على الاحتجاج والاستدلال، وقدرة على المناظرة والجدال، وجعل ذلك مضمّناً في أبيات شعرية حسنة التعبير والسبك.
إثبات نسبة الكتاب إلى الإمام(ع)
نسبة الأرجوزة وشرحها إلى الإمام -عليه السلام-، كنسبة نور الشمس إلى الشمس، لا يتطرّق إليها الشك.
وقد عدّها في مؤلفاته مَنْ ألَّف في سيرته أو ترجم له من المعاصرين له -عليه السلام-، فقد ذكرها في تعداد مؤلفاته الإمام الحسن بن بدرالدين في أنوار اليقين، ونقل منها شذوراً في مواضع من كتابه.
وذكرها الفقيه حميد الشهيد في الحدائق الوردية ونقل منها.
وقد أكثر النقل منها والاعتماد عليها العلماء العاملون، منهم السيد حميدان بن يحيى بن حميدان في مجموعِه وهو من العلماء المعاصرين للإمام الحسن بن بدرالدين، والإمام الشهيد أحمد بن الحسين(ع).

(1/35)


ونحن نرويها وجميع مؤلفات الإمام –عليه السلام- بطريق الإجازة عن عدّة من العلماء بطرقهم نذكر أعلاها وأرفعها: عن الإمام الحجة مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى، عن أبيه السيد العلامة الزاهد محمد بن منصور، عن الإمام المهدي محمد بن القاسم الحوثي، عن الإمام محمد بن عبدالله الوزير، عن الحسين بن يوسف زبارة، عن أبيه يوسف بن الحسين زبارة عن أبيه الحسين بن أحمد زبارة، عن عامر بن عبدالله بن عامر الشهيد، عن محمد بن القاسم بن محمد بن علي، عن الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد، عن أمير الدين بن عبدالله بن نهشل، عن أحمد بن عبدالله الوزير، عن الإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين، عن الإمام محمد بن علي السراجي، عن الإمام عزالدين بن الحسن، عن الإمام المطهر بن محمد بن سليمان الحمزي، عن الإمام أحمد بن يحيى المرتضى، عن أخيه الهادي بن يحيى، عن الفقيه قاسم بن أحمد المحلي، عن أبيه أحمد، عن أبيه الشهيد حميد بن أحمد المحلي، عن الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة –عليه السلام-.
النسخ المعتمدة
وقد اعتمدتُ في التحقيق على ثلاث نسخ:
الأولى: من مكتبة السيد العلامة يحيى بن عبدالله راوية -رحمه الله تعالى- وهي بخط جيد، بخط أحمد بن حسين سهيل، وهي الأصل، قال في آخرها: كان الفراغ من زبر هذا الكتاب وقت أذان العصر يوم الأربعاء 9/صفر/ 1355هـ.
الثانية: من مكتبة السيد العلامة عبدالرحمن بن حسين شايم، وهي بخط نسخي جيد، رمزت لها بـ(م). الثالثة: من مكتبة القاضي العلامة يحيى محمد مرغم، وهي بخط جيد، ورمزت لها بـ(ن)، والناسخ هو والده القاضي العلامة محمد مرغم رحمه الله تعالى، قال في آخرها: كان الفراغ من نقل هذه الرسالة الناصحة الناطقة بالبراهين الواضحة، ضحى يوم الاثنين الموافق خامس عشر شهر ذي القعدة الحرام سنة تسعة وستين وثلاثمائة وألف بقلم مالكها محمد يحيى مرغم، وكتب في آخرها أبياتاً شعرية كالتقريض وهي هذه:

(1/36)


هذي رسالة نصح للأخلاء .... قد صاغ عسجدها خيرُ الأدلاء
وخير من قام للإسلام ينصره .... إذْ طهَّر الدين من رجس وإقذاء
مجدد حُلَلِ الإسلام إذ خَلقت .... حتى غدا مرحاً من دون إغماء
مولى البرية عبدالله عمدتنا الـ .... ـمنصور ركن الهدى من شر أعداء
فالزم دراستها في كل آونة .... تجد منار الهدى من غير إطفاء
فإنها روضة غنَّاء باكرها .... صوب الحياء بمنهل من الماء
فيها الفواكه والأشجار مونقة .... فقطفها الحلو أغنى أي إغناء
دلالة من كتاب الله واضحة .... وسنّة سلمت من كل أهواء
فاقطف جناها وجل في روضها فهماً .... تجلو عمى اللب من جهل وأدواء
واشرب فراتاً لذيذاً من مناهلها .... تروي الصدى من حرارات وأضماء
فإن قارئها لا يختشي أبداً .... في دينه الهلك في أولى وأخراءِ
صلى الإله على من صاغ عسجدها .... في قالب واضح من غير إخفاء
ثم الصلاة على طه وعترته .... ما انهلّ وَدْق من الأنواء بالماء
ملاحظة
ألحقنا بشرح الرسالة أسئلةً وردت على الإمام (ع) على بعض فقرات الشرح، فأجاب عنها الإمام -عليه السلام- وموردُها هو الشريف العلامة نورالدين الحسن بن يحيى بن عبدالله بن سليمان، من ولد الهادي إلى الحق -عليه السلام-. وهي ثلاث عشرة مسألة، ألحقنا كل مسألة في موضعها تتميماً للفائدة.
ونكون بهذا قد قضينا غرضنا من المقدمة، وفي الختام نسأل الله عز وجل أن يجعل الأعمال خالصة لوجهه الكريم، وأن يوفقنا لطاعته، ويثبتنا على الصراط المستقيم، ويجعلنا من أوليائه المتقين، ويرزقنا حب محمد وآله الطاهرين، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً.
إبراهيم يحيى عبدالله الدرسي وفقه الله
الخميس/ 28/ محرم/ 1423هـ. 11/ 4/ 2002م

(1/37)


الجزء الأول من شرح الرسالة الناصحة

بسم الله الرحمن الرحيم
[ديباجة الكتاب]
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى([21]).
الحمد لله الذي قهر سلطانَ الملوك سلطانُه، وعلى شأنَ الجبابرة شأنُه، فكل مالك([22]) سواه مملوك، وكل قاهر ما خلاه مقهور، ليس له شبيه في ملكه، ولا نظير في سلطانه، كل غني([23]) سواه فقير إلى ما صار به غنياً، وكل ملك غيره ينقلب عما قليل لا يملك من الأمر شيئاً، تمت كلمتُه، ونفذ أمرُه، وعظم شأنُه، وارتفع ذكرُه، عم الأحياء بنعمتِه، واختص ما شاء برحمتِه، فالكل من بريته كامن([24]) في ظل إحسانه، وراتع في روض إنعامه وامتنانه، فالشكر واجب على الجميع، والناس بين عاص ومطيع.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً مقرونة بالإخلاص، مؤدية بالخلاص.
______________
([21]) ـ في (م) لايوجد.
([22])ـ ملك (نخ).
([23]) ـ في (م، ن): كل شيء.
([24]) ـ في (م، ن): كانس، الكنس المغيب والاستتار، من كنس الوحش إذا دخل كناسه، وكامن مِنْ كمِنَ كموناً: استخفى واستتر. تمت.

(1/38)


وأشهد أن محمداً عبده ورسوله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، ابتعثه من أعز جرثومة([25])، وأطيب أرومة، وأشرف خؤولة وعمومه، إختصه بالنبوة من بين تلك الأعارب، وأوجب تصديقه وطاعته على أهل المشارق والمغارب، والأباعد من خلقه والأقارب، فصدع -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بالرسالة، وأدى ما حمل من الأمانة([26])، والناس يومئذٍ مكبون([27]) على حجارة منحوتة، وعيدان منضودة، يعبدونها ويعكفون عليها، لا يعرفون ربًّا، ولا يدينون ديناً، ولا يطلبون دليلاً، ولا يهتدون سبيلاً، يأكل قويُّهم ضعيفَهم، ويهضم كثيرُهم قليلَهم، فأنقذهم الله سبحانه به -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- من الضلالة، وهداهم بنور علمه من ظلم الجهالة، فجزاه الله عنا وعنهم أفضل ما جزى نبياً عن عترته، ورسولاً عن أمته.
وأشهد أن الإمام بعده بلا فصل، أخوه وابنُ عمه، الفارجُ الكربِ عن وجهه، وأولُ من قال لاإله إلا الله معه علي بن أبي طالب -عليه سلام الله وصلواته-([28]).
وأشهد أن الإمامة بعده في ولديه النجيبين الطاهرين، الزكيين، العلمين، العالمين، العاملين، الشهيدين الحسن والحسين ابني رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، و سيدي شباب أهل الجنَّة، إلا ما جعل الله -سبحانه وتعالى- لابني الخالة([29]).
وأشهد أن أمهما الزكية الأمينة، والجوهرة المكنونة، فاطمة بنت رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم، وسلام الله عليها وبركاته- سيدة نساء أهل الجنَّة، إلا ما جعل الله -سبحانه- لمريم ابنة عمران -عَلَيْها السَّلام-.
وأشهد أن الإمامة بعدهما، فيمن طاب وزكا من ذريتهما، وسار بسيرتهما، وهدى بهديهما، وسلك منهاجهما، وحذا بحذوهما.
_____________
([25]) ـ الجرثومة هي: الأصل والأرومة بالضم الأصل، تمت قاموس.
جرثمة الشيء بالضم أصله، تمت قاموس.
([26]) ـ في (ن): الإبانة.
([27]) ـ في (ن): منكبون، أي ثابتون.
([28]) ـ نخ: عليه السلام.
([29]) - ومن هنا تبدأ مسائل الشريف العالم الفاضل نور الدين الحسن بن يحيى بن عبدالله بن سليمان بن محمد بن المطهر بن علي بن الإمام الناصر أحمد بن الإمام الهادي إلى الحق عليه السلام على الرسالة الناصحة، وهي ثلاث عشرة مسألة من مواضع متفرقة، وهذا بداية الأسئلة والجواب عنها : قال الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام : الحمد لله الذي جعل الحمد تاج عبادته، وأجرى المقادير على مقتضى حكم إرادته، وسد بتصافي نعمه كل خلل وكل فاقة، وكلف عبيده دون الجهد والطاقة، وصلى الله على نبيه المختار، وآله الأخيار وسلم.
سأل أرشده الله تعالى الشريف الأمير نور الدين ولي أمير المؤمنين عن مسائل تضمنها شرح (الرسالة الناصحة).
أولها : عن ابني الخالة من هما، الذين جعلهما أفضل من سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين -عَلَيْهم السَّلام-.
الجواب : أنهما عيسى -عليه السلام- ويحيى بن زكريا -عَلَيْهما السَّلام.

(1/39)


وأشهد أن الله -تبارك وتعالى- اصطفاهم لذلك من بين البرية، واختصهم بالكون من تلك المغارس الزكية، فعليهم سلام الله ورضوانه من عترة طاهرة مرضية، ورحم أتباعهم وأشياعهم من جميع البرية، هذا موقع شهادتي، وغاية إرادتي، فمن شهد بما شهدت به كان شريكاً في أجر ذلك وفخره، ومن كاع([30]) عن هذه الشهادة كنت عنه نائباً، ولما أعد الله -سبحانه- لمن شهد بها وارثاً وطالباً، وكان مخصوصاً بعار ترك ذلك ووزره.
[ذكر الدافع له -صلوات الله عليه- إلى إنشاء الأرجوزة]
وبعد ذلك: فقد سألني بعض من يعزّ عندي مسألتة، وتلزم إجابته، أن أعمل أرجوزة وجيزة أضمنها أصولاً في الدين، ورداً على من أنكر فضل عترة محمد خاتم النبيئين -صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين أجمعين-، من الرفضة المعاندين، وإخوانهم الناصبين، فأجبته إلى ذلك رجاء لما يحصل له فيه من المنفعة، ويدخر لي من الأجر والمثوبة، وجعلتها تذكرة للمنتهي، ووسيلة للمبتديء، ومِنَ الله -سبحانه- أستمد المعونة، وأسأل التوفيق والهداية، وشرحت تلك الأرجوزة شرحاً وجيزاً إلا فيما لا بد من ذكره، من دليل يحتاج إلى تفصيل، وشرح طويل، فإن ذلك موضع الإقصاء([31])، إلا أني اختصرت الشواهد على غريب لغتها، والإتيان على جميع أدلتها، وقصدت بذلك تخفيف مؤنتها، وتعظيم معونتها، وهي هذه:
[مقدمة الأرجوزة وشرحها]
[1]
الحمدُ للمُهيمِنِ المنَّانِ .... جَمِّ النوالِ باسطِ الإحسانِ
ذي الطولِ والعزةِ والسُّلطانِ .... لكلِ ذي شِدْقٍ وذي لِسَانِ
مِنْ غَيرِ تقريظٍ ولا سُؤالِ
(الحمد): هو التعظيم لمن أضيف إليه هذا اللفظ، ولا يجوز إلا لمن استحق ذلك، و لا أحق به ممن ابتدأنا بأصول النعم([32])، ومن هو مختص بصفات الكمال وليس ذلك إلا الله -سبحانه-.
ومعنى الحمد: قريب من معنى الشكر، إلا أن بينهما فرقاً من حيث أن الشكر: هو التعظيم مع ذكر النعمة التي شكر عليها.
_________________
([30]) - كَعَّ يَكِعُّ ويَكُعُّ بالضم قليل، كُعُوعاً جبن وضعف فهو كَعٌّ وكاعٌّ وكُعْكُع بالضم، تمت قاموس.
([31]) ـ في (ن): الإتساع.
([32]) ـ وهي: خلق الحي، وخلق حياته، وخلق قدرته، وخلق شهوته، وتمكينه من المشتهيات، وإكمال عقله، تمت.

(1/40)


والحمد: لا يفتقر إلى ذلك، فمن عَظَّمَ غيره ولم يذكر منه نعمة عليه كان حامداً ولم يكن شاكراً.
و(المهيمن): هو الشاهد.
و(المنان): هو المعطي، والعطيَّة: هي المنَّة، و(المن): هو العطاء بغير تنغيص ولا تكدير.
(الطول): هو إتساع القدرة وتمكن البسطة.
(العزة): هي المنَعَة، والتعزز: التمنع، والعزيز: هو الممتنع الجانب.
(والسلطان): هو القدرة ها هنا.
(والجم من كل شيءٍ): هو الكثير، (والنوال): هو العطاء، (والبسط): هو التوسيع.
ومعنى الإحسان والإنعام: واحد.
(الشدق): هو شق الفم، قال بعض الصالحين: (إن من شَقَّ الأشداق، تكفل بالأرزاق)، (واللسان): هو العضو المخصوص المعروف.
(والتقريظ): -بالظاء معجمة من أعلى-: هو المدح والتعظيم بالقول،.
(والسؤال): هو الطلب، وهذه صفة الباري -سبحانه- مع الخلق، فما به مخلوق إلا وقد أحسن إليه بغير مدح ولا طلب، فسبحانه من كريم ما أعظم أياديه، ومتفضل ما أسوأ أدب من يعاديه.
[باب إثبات الصانع]
[2]
مُرَكِّبِ الأرواحِ في الأجسامِ .... مُجرِي الرياحِ مُنْشئِ الغمامِ
كالبُركِ مِنْ سائمةِ الأنعامِ .... مِنْ الحنينِ الجمِّ والارزامِ
فَاعتَبِري يا أُمَّةَ الضَّلالِ
(الأرواح) ها هنا: جمع روح، والروح: هو النفس المتردد في مخارق الحي عند أهل العلم واللغة، ومنبعه من القلب، وليس للإتساع في ذكره ها هنا وجه، وقد قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (صلوات الله عليه)([33]): (وعلق في صدره قلباً، وركب فيه لباً، وجعله وعاء للعقل الكامل، وحصناً للروح الجائل).
_________
([33]) - ذكره الإمام الهادي في كتاب المسترشد ص191 من المجموعة الفاخرة - مطبوع بعنوان: مجموع كتب ورسائل الإمام الهادي عليه السلام-...

(1/41)


[ذكر طرف من كلام الناس في الروح والعقل]
وإذا قد ذكرنا الروح والعقل فلنذكر طرفاً من كلام الناس فيهما: إذْ قد وقع بين الناس في أمرهما إختلاف.

[الإختلاف في الروح]
إعلم: أن من الناس من نفى أن يقع العلم لأحد من المكلفين بماهيَّة الروح، وتعلق بظاهر قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(85)} [الإسراء]، مع قولهم: إن الروح أمر واحد.
وفي الناس من يزعم أن في الإنسان نفوساً وأرواحاً، وأن النفوس نامية، وحسية، وشهوانية، وناطقة، وغضبية، وأرواح وقوى، وجواهر بسيطة لا حجم لها ولا كثافة فيها، وكل واحدة لها عمل عندهم، فالنامية تنمي النبات والحيوان، والحسية بها تدرك المدركات، والشهوانية بها تراد المرادات، وبها يطلب الغذاء والمؤانسة والمحافظة، والناطقة بها تحصل العلوم والمعارف، ولا خلاف بين أهل هذه المقالة أن الإنسان إذا مات وذوي الشجر تلاشت هذه النفوس، فلا إعادة فيها أصلاً إلا الناطقة فقد وقع بينهم الخلاف فيها : فمنهم : من قال بتلاشيها، ومنهم من قال تبقى لا في شبح ويستحيل عليها الفناء، وهذا القول ينسب إلى قوم من الأوائل، وربما قال به قوم من الباطنية([34])، وإن كانوا لا يثبتون على قول يستمر حكايته عنهم، إلا أنهم يقولون: إن الذي فينا بعض من كل، فإذا تخلصت الأرواح من الأجساد لحقت العوالم من هذه بعالمها وبقيت بقاء لا انقطاع له وصارت مَلَكاً وصورة روحانية، والجواهر تحير ولا تهتدي المسالك، فتبقى تحت الفلك في حيرة، وهذا قريب من قول بعض الفلاسفة في النفوس وإن لم يحصلوا ذلك التحصيل، والكل عندنا باطل بما يأتي إن شاء الله -تعالى- من الدليل على إثبات صانع موصوف بصفات الكمال، عدل حكيم، بعث فينا رسولاً، لا يجوز عليه الكذب، أخبرنا بالأمور مفصلة، فوجب علينا القول وترك التَكَمُّه([35]) بغير دليل، فحينئذٍ الكلام في هذه المسألة ينحسم([36]) بالكلام في ذات الباريء وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز في ذاته وأفعاله وأحكام أفعاله، وأن ما يدعون من النفس الكلي والعقل الأول لا أصل له، إذ لا طريق من طرق العلم يوصل إليه.
__________
([34]) - الباطنية: فرقة من الفرق التي تنتحل الإسلام وهم في الحقيقة خارجون عن الدين، لإنكارهم الخالق تعالى وإنكارهم المعاد الجسماني وأصول مذهبهم تعود إلى مذاهب الفلاسفة والمجوس وهم من أعظم الفرق ضرراً ومكيدة لأن مذهبهم لايكاد يعرف، لتسترهم وإحداثهم كل وقت مذهباً، وفشا مذهبهم بعد مائتين من الهجرة أحدثه عبدالله بن ميمون القداح وكان مجوسياً تستر بالتشيع ليبطل الإسلام، وسموا الباطنية لدعواهم أن لكل ظاهر باطناً، ويقال لهم الإسماعيلية والقرامطة والمزدكية والتعليمية والملحدة، والباطنية أشهر ألقابهم، ولهم أقوال وخرافات لايسع المقام إحصاؤها وحصرها. الملل والنحل للإمام المرتضى 103، للشهرستاني 1/142، النبذة المشيرة.
وقد رد عليهم الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة -عَلَيْه السَّلام- في مشكاة الأنوار الهادمة لمذهب الباطنية الأشرار، وكتاب الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام، وكذلك الفقيه العلامة محمد بن الحسن الديلمي في قواعد عقائد آل محمد، وقد طُبِع منه الجزء الذي في الردّ عليهم.
([35]) ـ التكمه: الدخول في الشيء بغير حجة ولا دليل، تمت.
([36]) ـ ينحسم بمعنى ينقطع.
......

(1/42)


فأما النمو فإنما يقع بزيادة الباريء في الأجسام، وإنما اختص الحيوان والنبات لأنه -سبحانه- أجرى بذلك([37]) وجود الحياة وهي المصححة للشهوة والنفرة، والداعي يشمل الأمرين.
وفي الناس من زعم أن الروح في الإنسان الدم وفي كل حيوان، وجعل الروح غير النفس الناطقة، وهذا يروى عن جالينوس، وعمدته: أن الإنسان يموت بنزف الدم وتفريغه منه.
ومنهم من يزعم أن الروح في قلب الإنسان وهو([38]) حي عالم، وهذا يروى عن النظَّام([39]).
ومنهم من يزعم أن الروح جسم لطيف مؤلف تأليف الإنسان إلا أنا لا نراه، وهذا القول يروى عن قوم من الإمامية وأصحاب الحديث.
ومنهم من يقول: إنها خلقت قبل هذه الأجساد وعرض عليها التوحيد لقوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف:172]، إلى خرافات ينسبونها إلى النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لا طريق إلى تصحيحها، ولا مُلجئ إلى الكلام فيها.
فأما هذه الآية في قوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}[الأعراف:172] فظاهرها يقضي بتقدم الأجساد على الأرواح؛ لأن الظهور لا يكون إلا في الأجساد، فإذا أخرجت منها فهي قبلها، والأصل في تشعب هذه المقالات إهمال العقول، وإطراح الدليل، ومخالفة الرسول -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- في أمر هذه الأمة بالرجوع إلى أهل بيت نبيها، الذين شهد لهم بملازمة الكتاب، إلى يوم الحساب، وأخبر أن فيهم العلم والصواب؛ لأن أهل هذه المقالة لايجدون إلى ما يدعون منها دليلاً، ولا يهتدون له سبيلا، ولو كان لهم دليل أو شبه([40]) دليل لتكلمنا عليه، فالحمد لله الذي جعلنا لذلك أهلاً، وموضعاً ومحلاً، وكفى بالمذهب فساداً أن لا يقوم عليه دليل.
_____________
([37]) ـ في (ن، م) زيادة: العادة، فلا تفتقر والحال هذه إلا إلى إرادة الحكيم تعالى والإحساس يكفي فيه وجود الحياة.
([38]) ـ الضمير عائد إلى الروح؛ لأن النظام يقول: إن الروح مستطيع بنفسه، حيٌّ بنفسه، وإنما يعجز لآفة تدخل عليه، والعجز عنده جسم كما ذكر ذلك عنه عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفِرَق ص136
([39]) - النظام: هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام البصري المعتزلي يقال: هو مولى، قال الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى في شرح الملل والنحل، قيل: إنه كان لايكتب ولايقرأ وقد حفظ التوراة والإنجيل والزبور مع تفسيرها، قال الجاحظ: مارأيت أحداً أعلم بالفقه والكلام من النظام، وهو من الطبقة السادسة من المعتزلة، انتهى.
وسمي نظاماً لأنه كان ينظم الكلام، وقيل كان خرازاً ينظم الخرز توفي سنة بضع وعشرين ومائتين.
([40]) ـ (ن، م): شبهة.....

(1/43)


[أقوال العلماء في الروح]
فأما قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء:85]، فللعلماء فيه أقوال كلها توافق أدلة العقول.
منها: أنه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لما ادعى النبؤة وأنكرت قريش ذلك فزعوا إلى اليهود لأنهم أهل الكتاب، فقالت لهم اليهود([41]): إسألوه عن ثلاث مسائل: عن أصحاب الكهف([42])، وذي القرنين([43])، وعن الروح ما هو؟
_____________
([41]) ـ هذا الخبر: رواه ابن إسحاق في المغازي مطولاً، والبيهقي في دلائل النبوة، وابن هشام في السيرة مطولاً ج1/ 329، والواحدي في أسباب النزول (590) والزمخشري في الكشاف ج2/ 645 في تفسر سورة الإسراء.
والسؤال عن الروح بمفرده صح من حديث ابن مسعود عند البخاري (125) و(4721) و(7297)، ومسلم (2794)، والترمذي في التفسير (5/304) رقم (3141) وقال: حسن صحيح غريب، وأحمد (1/444) و(445)، وابن حبان (98)، والحاكم في المستدرك (2/531) وصححه ووافقه الذهبي، والنسائي في السنن الكبرى (11314) عن ابن عباس، ورواه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس (6/62) رقم (8002).
([42]) ـ أهل الكهف، هم: الفئة المؤمنة التي قص الله تعالى قصتهم في سورة الكهف، وكانوا في زمن ملك طاغية يقال له دقيانوس يعبد الأصنام، ويذبح لها، ويقتل من دان بغير ذلك، وكان ينزل قرب الروم فلا يترك أحداً ممن يخالف ملته إلا قتله، وكانت قرية أهل الكهف من قرى الروم تسمى أقسوس، وكان دقيانوس منها، وكانوا أولاد جماعة من أشراف قومه خرجوا وناموا، وكانوا قبل عيسى -عَلَيْه السَّلام-وانتبهوا بعده في زمن ملك صالح يقال له بيدوسيس وكان مؤمناً، ولبثوا في الكهف ثلاثمائة سنة وتسع سنين كما حكى الله في القرآن، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم، وكانت أسماؤهم: يمليخا، ومكشليتيا، ومشلينيا، وهؤلاء أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوش، ودبرنوش، وشادنوش، وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره والسابع الراعي الذي وافقهم، وكان إسم الكلب قطمير، ويقال: إن الكهف قريب من الأردن. انظر: سلوة الأولياء للإمام أحمد بن يحيى المرتضى - خ -، الكشاف للزمخشري تفسير سورة الكهف.
([43]) ـ ذي القرنين: عن علي -عَلَيْه السَّلام-: (إن ذا القرنين لم يكن نبياً، ولكن عبداً صالحاً أحب الله وأحبه الله، وناصر الله فنصره الله، فضربوه على قرنه، فمكث ما شاء الله، ثم دعاهم إلى الهدى فضربوه على قرنه الآخر، وإنما سمي ذو القرنين؛ لأنه المضروب على جانب رأسه)، رواه في البرهان في تفسير القرآن للإمام أبي الفتح الديلمي.
قال الإمام المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى عليه السلام في كتابه (سلوة الأولياء في معرفة سيرة الأنبياء) : واختلف في ذي القرنين وأهل الكهف هل كانوا قبل عيسى أم بعده ؟ والصحيح أن ذا القرنين كان قبله قيل : رأى في النوم أنه لازم بقرني الشمس أي جانبيها فسمي ذا القرنين وقيل : لانتمائه إلى قرني الأرض أي طرفيها، وقيل : كان له كقرني الظبية من ذهب، وقيل : من نحاس، قال نشوان : هو من حمير، قال ابن إسحاق : هو رجل من أهل مصر واسمه مَرّزبا بن مَرْزَبه اليوناني من أولاد يونان بن يافث بن نوح، وقيل : بل هو الإسكندروس من الروم ابن العجوز لا ولد لها غيره، وقيل : إنه ملك بدليل أن عمر بن الخطاب حين سمع رجلاً يدعو ولده يا ذا القرنين فقال : ما كفاكم أن تسموا أولادكم بأسماء أولاد الأنبياء حتى تعديتم إلى أسماء الملائكة، والصحيح الأول.
وحكى في كتاب التيجان أنه كان كافراً وأسلم على يدي الخضر عليه السلام وقيل كان نبياً. ومن حكايات الإسكندر أنه مر بقوم صالحين قبورهم على أبوابهم ولا أبواب على بيوتهم، ولا لهم أمير ولا قاضي ولا فيهم غني ولا فقير ولا يتفاضلون ولا يقحطون فتعجب وسألهم عن ذلك ؛ فقالوا : أما القبور فقربناها لئلا ننسى الموت، وأما ترك الأبواب فلأنه لا خائن فينا، وأما الأمير والقاضي فلأن كلامنا يوفي ما عليه ولا يتعدى على غيره، وأما الغنى والفقر فلأنا لا نرى التكاثر بل نحب المساواة، وأما عدم المفاضلة فلأنا متواصلون متراحمون لا يرى أحد لنفسه فضلاً على غيره، وأما عدم القحط فلأنا لا نغفل عن الاستغفار. قال : فهل كان آباؤكم كذلك ؟ قالوا : نعم، قال: لو كنت مقيماً لأقمت معكم. وأما أهل الكهف فالأصح أنهم خرجوا قبل عيسى وانتبهوا بعده. انتهى.

(1/44)


فإن أجاب عن الجميع فهو كاذب، وإن كف([44]) عن الجميع فهو كاذب، وإن أجاب عن أصحاب الكهف وذي القرنين وأجمل الجواب عن الروح فهو نبي صادق، فأتوا إليه فسألوه، فأمره الله بما حكى في كتابه، وأمسك عن الروح، فلزمت الحجة لله -تعالى- ولرسوله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- الفريقين من قريش واليهود، ولا يمتنع في الحكمة أن يصرفه عن الجواب فيما يعلم الله لحصول مثل هذا الغرض العظيم، كما منع زكريا عن الكلام آية له وقد كان مقدوراً له قبل ذلك.
ومنها: أنهم لما سمعوه يقرأ: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا} [النبأ:38]، قالوا: ما هذا الروح الذي يقوم صفاً والملائكة صفاً؟!
فأخبرهم أنه خلق من خلق الله عظيم، فاستعظموا ذلك، فأمره الله -تعالى- أن يجيبهم عن إستعظامهم بقوله : هو {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء:85]، أي من خلق ربِّي، لأن الأمر قد يعبّر به عن الخلق يقول: هذا أمر عظيم، كما يقول: هذا خلق عظيم، يقول: ربِّي قادر لذاته، فلا يمتنع عليه ما يشاء فلا تستعظموه، فليس على قدرته عظيم.
ومنها: أنهم لما سمعوا قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193)} [الشعراء]، قالوا: من هذا الروح؟! وما صفته؟!
فأمره الله أن يجيبهم بقوله: {قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}[الإسراء:85].
ومنها: أنه لما سمَّى الله القرآن روحاً بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}[الشورى:52]، سألوه عنه، وأمره الله -تعالى- بإضافته إليه، وأنه لم يأت به من تلقاء نفسه.
___________
([44]) ـ في (ن، م): وإن كف عن الجواب على الجميع.

(1/45)


وقد رأيت لبعض آبائنا صلوات الله عليهم أقوالاً تدل على تبقية الجواب فيه على الإجمال في هذه الآية إتباعاً للظاهر، فإذا سئلوا عن تفصيله أجابوا بما قلناه أولاً كما حكيناه عن الهادي -عَلَيْه السَّلام-.
ولا فرق عند أهل الشريعة بين الروح والنفوس، وطريقهم إلى العلم بذلك السمع من الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ}[الأنعام:93]، أجمعوا أن المراد بذلك أرواحهم، وإن كان لفظ النفس يخرج على معان([45]) كثيرة لا يحتمل هذا المختصر الكلام فيها.
____________
([45]) - النفس الروح: يقال خرجت نفسه، والنفس الدم يقال: سالت نفسه، وفي الحديث: ((ماليس له نفس سائلة فإنه لاينجس الماء إذا مات فيه)) والنفس الجسد، ويقولون ثلاثة أنفس فيذكرونه لأنهم يريدون به الإنسان، ونفس الشيء عينه يؤكد به يقال: رأيت فلاناً نفسه وجاءني بنفسه. تمت مختار صحاح.
وزاد في القاموس من معاني النفس: العين يقال: نَفَسْتُهُ بنفس، أي: أصَبْتَهُ بعين، والعظمة، والعزة، والهمة، والأنفة، والإرادة، والعقوبة. تمت.
قال الأمير الحسين بن بدر الدين -عَلَيْه السَّلام- في ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة: أما النفس فإنها تقع على معان منها:
الدم ولذلك سميت المرأة نفساء، ونفست بخروج الدم عنها عقيب الولادة.
وثانيها: بمعنى الروح قال تعالى: {أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ} [الأنعام:93]، أي أرواحكم.
وثالثها: الأنفة يقال لفلان نفس: أي أنفة.
ورابعها: بمعنى الإرادة والشهوة يقال: نفسه في كذا أي: إرادته وشهوته.
وخامسها: بمعنى العين التي تصيب الإنسان يقال: أصابت فلاناً نفس أي: عين.
وسادسها: مقدار الدبغة يقال: جعلت هذا الأديم نفساً أو نفسين من الدباغ.
وسابعها: نفس الإنسان وغيره الذي تكون به الحياة قال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون}.
وثامنها: أن يكون إخباراً عن ذات الشيء وعينه فيقال: نفس الرأي وعين الرأي أي: ذاته، ويكون ذلك تأكيداً وتحقيقاً للكلام، انتهى كلامه.

(1/46)


والروح في الشريعة ورد أيضاً في المعاني([46]) التي قدمنا ذكرها إلا أنه إذا أضيف إلى الإنسان لم يفد إلا ما ذكرنا.
فأما من طريق العقل: فقد تقرر في العقول أن الحي بحياة لا يكون حياً إلا لمعنى يحلُّه وأن ذلك المعنى لا بد له من شروط ولوازم: منها: ما هو ثابت بمجرى العادة من القديم سبحانه، ومنها: ما يجب حصوله ولا بد منه من جهة العقل، وموضع تفصيل الكلام في هذا كتب الكلام البسيطة فلا وجه لذكره ها هنا.
____________
([46]) - المعاني التي يطلق عليها الروح في الشريعة هي: النفس، والقرآن، وعيسى بن مريم عَلَيْه السَّلام، وجبريل -عَلَيْه السَّلام-، والوحي، والنفخ، وأمر النبوة، وحكم الله تعالى وأمره. تمت من القاموس.
وإذا أضيف إلى الإنسان لم يفد إلا معنى النفس.
---

(1/47)


[الكلام في العقل وماهيته]
فأما الكلام في العقل وماهيته:
فالكلام فيه يقع بيننا وبين قوم من الأوائل([1]) والمنجمين([2]) وأصحاب الطبائع([3]) في ثلاثة وجوه:
في محدثه، هل هو مختار أو موجب؟
وفي ذاته، ما هي؟ وفيه هل يحل أم لا يحل؟، وإن حل فأين محله؟
فأما تسميته، فالأمر فيها فيما يخص الإنسان أهون، ولكن يعظم في مدبر العالم؛ لأن من الأوائل من زعم أن المدبر جوهر بسيط يعلم ذاته ويعلم ما دونه جملة وتفصيلاً، ولا يعلمه مفصلاً إلا هو، فلإحاطته بالأشياء سمي عقلاً، وربما عبروا عن النفس بالعقل الثاني، كما أن العلة في النفس هي العقل الأول، فإذا كان ذلك كذلك لم يمتنع ما قالوا، بل وجب أن نُسمّي ما به يَعلمُ الإنسانُ نفسَه، وما يشاهده، وما ينهيه إليه الدليل، وما يتسق به التدبير عقلاً، ونحن لا نسلّمه ؛ لأن الأسامي المعتمدة شرعية ولغوية، ولا دليل في الشرع على تسمية الباريء -سبحانه- عقلاً، ولا في اللغة على ما يأتي بيانه، وكل ما لا دليل عليه يجب القضاء بفساده، ولا يترجح إثباته على نفيه، فسقط.
وفيهم مَنْ يقول: ما في الإنسان من العقل -مع الإختلاف في حلوله ومحله وما هيته- جزء منه -أعني من العقل-.
ومنهم مَنْ يقول: أثر منه.
__________________
([1]) ـ الأوائل: هم الفلاسفة.
([2]) ـ المنجمون: هم القائلون بالنجوم، وهي في أصل اللغة الظهور يقال: نجم الشيء إذا ظهر، وفي عرفها الكواكب. وهم القائلون بتأثير النجوم، ويجعلونها عللاً وأسباباً تؤثر في الأبدان والأنفس على زعمهم وافترائهم، وهي أحد الفرق الكفرية التي أنكرت الصانع جل وعلا، وقد ذكر المؤلف -عَلَيْه السَّلام- كثيراً من أقوالهم وافتراءاتهم، وذكر الرد عليها في عدة مواضع. انظر الملل والنحل للإمام المرتضى 76.
([3]) - الطبائع: المراد بها: الماء والنار والأرض والريح.وأصحاب الطبائع هم الفلاسفة، ومن قال بقولهم من الباطنية، والمطرفية، وغيرهم وهم كل من أضاف التأثير إلى الطبع.

(1/48)


فأمَّا أهل النجوم: فيضيفون السداد من الأمور، وما نسميه عقلاً، إلى تأثيرات الكواكب، وسعادة الموالد في أصل الخلقة.
وأما أصحاب الطبائع: فأضافوا العقل الحاصل للعاقل أو فيه - على حسب الخلاف في ذلك - إلى إعتدال المزاج على غاية الكمال، فحينئذٍ تتولد هذه القوة المميزة على قدر الإعتدال في الكمال والنقصان، وهي التي سميت عقلاً.
[ذكر قول أهل الحق في بيان العقل]
والذي ذهب إليه أهل الحق من الأئمة الأعلام -عليهم أفضل السلام-، والمحصِّلون من علماء أهل الكلام : أن العقل مجموع علوم يحدثها الله -تعالى- في الإنسان من أول نشوئه إلى لزوم التكليف له شيئاً بعد شيءٍ فإذا كملت كمل عقله، وإن لم تكمل لم يكمل عقله، وإن لم تحصل فلا عقل له، وإن حصل بعضها دون بعض فهو ناقص العقل([4]).
فمنها: أصول لا بد من حصولها لمن أراد الحكيم، سبحانه، تكليفه.
ومنها: زيادات يختص بها من يشاء من عباده كما قال سبحانه: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ}[البقرة:105]، فلولا ذلك لم يكن للآية معنى، ولا بد من ذكرها بمشيئة الله، سبحانه وتعالى، أولاً، ثم نعقبه بالدليل على صحة ما نذهب إليه فيها.
[بيان علوم العقل الموصلة إلى معرفة الله -تعالى-]
إعلم: أن أول علوم العقل التي يصح بها الوصول إلى معرفة الله -تعالى- علم الإنسان بنفسه وأحوالها؛ من كونه مشتهياً ونافراً، ومتألماً وظاناً، وعالماً بالشيء أو جاهلاً له، أو قاطعاً أو مجوزاً، إلى غير ذلك مما يعلمه كل عاقل من أحوال نفسه، فهذا أول ما يحصل، ثم يترتب عليه ما نذكره.
ثم بعد ذلك العلم بالمشاهدات، لأن العلم بالغير فرع على العلم بالنفس.
ثم بعد ذلك العلم بأن النفع حسن إذا تجرد عن المضار في الحال والمآل، وأن الضرر قبيح إذا تجرد عن المنافع في الحال والمآل، ويتصل بذلك العلم بأن لفعله به إختصاصاً لوقوفه على دواعيه حتى يمكنه الإعتذار من قبيحه، والإزدياد من حسنه، دون فعل غيره.
___________________
([4]) ـ في (ن): ناقص كلمة العقل.

(1/49)


ثم يتبع ذلك العلم بأحكام الأفعال: وهو أن الحسن يستحق عليه المدح، والقبيح يستحق عليه الذم.
ثم يتبع ذلك علم البدايه([5]): وهو أن العشرة أكثر من الخمسة، وأن المعلوم لا يخلو من كونه موجوداً أو معدوماً، وأن الموجود لايخلو من كونه قديماً أو محدثاً، وما شابه ذلك.
ثم يتبع ذلك العلم بمقاصد العقلاء في الأمور التي تنبيء عن التعظيم وعن الاستخفاف بشرط المشاهدة، والعلم بالمواضعة، فهذا مما تختلف أحوال العقلاء فيه، في البطء في معرفته والسرعة، ولا بد من حصوله لكل عاقل، ومن لم يحصل له فهو ناقص.
ويتبع ذلك العلم بمخبر الأخبار المتواترة؛ لأن من أخبرنا عن نفسه، أنه لا يعلم صحة قول الناس إن في الدنيا مكة وخراسان، وغيرهما من البلدان، وإن محمد بن عبدالله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لم يعلم صحة دعواه للنبوءة ومجيئه بالقرآن، ودعواه أنه معجزة له، وحجة على من خالفه، يعلم نقصان عقله، أو كذبه في قوله، ومن ذلك الذكر للأمور القريبة العهد العظيمة، وما تقدم من أفعاله الجلية نحو تنقله في البلدان، وحفظه لما يكثر درسه من العلوم، وهذا تختلف أحوال العقلاء في بعضه في البطء والسرعة، وبه يمتاز([6]) العقل المُوجب للتكليف، عن كل من كمل فيه ما تقدم ذكره، ولهذا إحتج بعض علماء أهل العدل على أهل التناسخ([7]) بأنا لو كنا في هياكل غير هذه الهياكل، وتصرفنا في الدنيا بأنواع التصرف؛ قبل هذه البنية التي نحن فيها، لذكرنا ذلك؛ إذ ذكر مثل ذلك من تمام العقول، فلما لم نذكره والحال هذه قطعنا على بطلان ما قالوه، وبمثل هذا نقطع على أن مالنا وأهلنا هم([8]) الذين نشاهدهم، وإن جاز أن يخلق الله [تعالى] مثلهم ويسترهم عَنَّا ومن شك في ذلك استنقصنا عقله، ومن أهل العلم من جعل هذا من علم العادات، ورأيُنا ما ذكرنا؛ فهذه علوم إلاهية؛ لايمكن العاقل دفعها مع بقاء عقله.
_____________________
([5])- المراد بالبداية هنا: البديهة والجبلة.
([6]) ـ في (ن، م): تمام العقل.
([7]) - أهل التناسخ : قال بالتناسخ بعض الكفار وبعض من ينتحل الإسلام كالروافض، وأول من أحدثه فيهم رجل يقال له: أحمد بن حائط، وله جهالات خرج بها عن الإسلام، زعموا أن الروح تنتقل في الهياكل؛ فالمثاب يتلذذ؛ والمعاقب إلى بهيمة يتألم، وأنكروا البعث، إلى غير ذلك من الجهالات، انتهى من المنية والأمل شرح الملل والنحل. قال في كتاب الحور العين : وقال أصحاب التناسخ -منهم جمهر بن بختكان الفارسي ومن قال بقوله: بدوام الثواب والعقاب، فالثواب انتقال أرواح المحسنين إلى الأبدان الإنسية، والعقاب انتقال أرواح المسيئين إلى أبدان البهائم والسباع والهوام. انتهى.
([8]) ـ في (ن، م): وأهلنا الذين

(1/50)


ثم يتبع ذلك علم التجارب: وهو الزيادات المشروطات، وأحوال الناس فيه تختلف، فمنهم من يبلغ فيه الغاية القصوى، ومنهم من يقف دون ذلك.
[الرَّد على مَنْ يقول إن المدبِّر جوهر بسيط]
[وأمّا مَنْ زعم من الأوائل أن المدبر جوهر بسيط يعلم ذاته، ويعلم ما دونه، ولإحاطته بالأشياء سمي عقلاً،([9])] ففساده من اللغة والشرع:
أما اللغة: فلأنه مأخوذ من العقل وهو المنع كما قدمنا، ولا دليل على خلافه، ولا مانع له تعالى؛ لأن علمه لذاته حاصل في الأصل لا عن مؤثر، لولا ذلك لم يكن عالماً لذاته، وقد قامت الأدلة بصحته، وغناه واجبٌ له، لعلمه واستحالة الحاجة عليه، فلا داعي له سبحانه إلى القبيح، يمنعه سبحانه علمه بقبحه وغناه عنه - عن فعله - فيكون فيه معنى العاقل فيسمى عقلاً للمبالغة كما سميناه تعالى عدلاً فبطل أن يسمى عاقلاً لمثل ذلك أيضاً.
وأما الشرع: فقاعدته الكتاب والسنة، ولا دليل فيهماعلى شيءٍ من ذلك، فهذا ما احتمل هذا المكان من الكلام في معنى العقل وحقيقته، ولم سُميَ؟ وتسميته.
___________________
([9]) - ما بين المعكوفين زيادة من هامش النسخة، قال فيه : لعل هنا سقط وهو..إلخ ما بين المعكوفين.

(1/51)


[الخلاف في محل العقل]
وأما الخلاف في محله: فهو واقع بيننا وبين الفلاسفة، وأصحاب الطبائع، فإنهم يقولون إن محله الدماغ.
وعمدتهم في ذلك: أنه إذا فسد الدماغ ذهب العقل، وهذا باطل؛ لأنا قد أجمعنا نحن وإياهم، بل الكافة، أن الكبد والطحال لا يتوهم حلول العقل فيهما، وإن كان بفسادهما يفسد العقل.
فإن قيل: إنا نريد الفساد مع بقاء الحياة.
قلنا: ونحن لا نسلم بقاء الحياة مع فساد الدماغ في مجرى العادة، ومذهبنا أن محله القلب، كما تقدم ذكره عن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين -عَلَيْه السَّلام- من قوله: (وعلق في صدره قلباً، وركب فيه لباً)، وهو مذهب الكافة من الأئمة الأعلام، وعلماء الإسلام، وقد احتج لذلك بعض علماء أهل العدل بأن الإنسان يجد العلم، والظن، والإعتقاد، والإرادة، والكراهة، والفكر، كأنها تتولد من ناحية صدره، وقد وقع الإجماع من العقلاء على نفيه عن جميع الأعضاء الباطنة مثل الطحال والكبد والرية، فلم يبقَ لحلوله جهة يتوجَّه الكلام فيها إلا القلب، وأجلى الأمور ما يجده الإنسان من نفسه، فلذلك قضينا بحلوله في القلب، وهذا القول يمكن أن يعارض بأن البخار إذا صعد إلى الدماغ فغطى عليه زال العقل، ومن قولهم: إن أهل العلة يعلمون ذلك عند البروء.

(1/52)


ويمكن أن يتخلص منه بأنه لا مانع من أن يكون الحكيم -سبحانه- جعل للقلب مواداً من الدماغ، فإذا صعد البخار بقدرة الحكيم -تعالى- إنقطعت المادة فأزال العقل سبحانه بمجرى العادة، كما يعلم أنه تعالى أجرى العادة بأن من قطعت أنثياه لم يخلق له لحية بمجرى العادة، بل يزيلها وإن كان ذلك لمواد جعلها فيهما للحية لا نعلمها، ولا يعلم وجه الحكمة في جعلها كذلك مفصلاً إلا هو، وكما يمكن ذلك يمكن أن يعارض قولهم بأن المُزاز([10]) إذا غطى على القلب زال العقل بمجرى العادة من الحكيم -سبحانه- وأهل العلة يعلمون ذلك كما قالوا فيما ذهبوا إليه، ولا يمكنهم معارضتنا في ذلك بأن الفؤاد باقٍ في النائم والعقل زائل بالإجماع، لأنا لا نقول: إن العقل هو القلب، وإنما قلنا: هو محله، ولا يمتنع زوال الحال مع بقاء المحل، وإنما يمتنع عدم الشيء مع بقاء ذاته عند كل عاقل متأمّل، وإنما يلزم قولهم فرقة تنسب إلى الزيدية [- نقل من نسخة أخرى بخطه أيضاً: (وهم كفار على الحقيقة يرجعون إلى مقالة المجوس والثنوية والطبيعيّة، ولهم من كل ضلالة أرداها)، إنتهى ـ([11])] يقال لها المطرفية، فإنهم يقولون إن العقل هو القلب نفسه، ولا أعلم لهم في ذلك عمدة من دلالة العقل، ولا من كلام آبائنا -عَلَيْهم السَّلام-، ولا أتباعهم من علماء الإسلام، وما ذكروه لازم لهم ومن قال بقولهم، وأما على قولنا فلا يلزم.
____________________
([10])- المزاز: بالضم: الخمر فيها حموضة، والمزَّة الخمر اللذيذة الطعم. تمت قاموس.
([11])- هكذا في جميع النسخ بهذه الزيادة الموجودة.

(1/53)


[الأدلة من القرآن على أن القلب محل العقل]
يؤيد ما ذهبنا إليه قوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا}[الأعراف:179] والفقه: هو العلم.بدليل أنك لا تقول: فقهت هذا الأمر وما علمته، ولا علمته وما فقهته، بل يعد من قال ذلك مناقضاً وذلك بدلالة([12]) تطابق اللفظين على معنى واحد كالجلوس والقعود، وقوله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)}[الحج]، وقوله سبحانه: {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ([13])}[المؤمنون:60]، وقال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28)} [الرعد] وقوله تعالى: {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ}[الحج:54]، وقوله تعالى: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ [إِلَى ذِكْرِ اللَّه]}[الزمر:23] إلى غير ذلك من آيات القرآن الكريم التي تدل كل آية بلفظها ومعناها؛ على أن القلب محل العقل وآلته، كما جعل الله -سبحانه- اللسان آلة الكلام، والعين آلة النظر، فلا يوجد شيء من تلك المنافع إلا في آلته بمجرى العادة منه سبحانه، وإن كان في المقدور أن يجعل تعالى خاصة كل آلة في أختها، فإنما جعل العادة منه تعالى جارية بذلك لما لا يعلمه مفصلاً إلا هو.
[الأدلة من السنة على أن القلب محل العقل]
ومما يؤيد ذلك من السنة ما روي عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((إن في الجسد بضعة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب، قالها ثلاثاً))([14]).
وماروي عنه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((القلوب أوعية وخيرها أوعاها)).
____________________
([12]) ـ في (ن): وذلك دلالة تطابق.
([13])ـ منكرة (نخ).
([14]) - رواه الإمام أبو طالب عليه السلام في شرح البالغ المدرك بلفظ وروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال : قال رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- : ((إن في جسد ابن آدم بضعة إذا صلحت صلح الجسد وإذا فسدت فسد الجسد ألا وهي القلب)) وروى نحوه الإمام المرشد بالله عليه السلام في الأمالي الخميسية ضمن حديث طويل (2/150)، وروى نحوه أيضاً في مسند الحميدي (2/409) رقم (919)، ومسند أحمد (4/274) رقم (18436).

(1/54)


وشفع ذلك قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -صلوات الله عليه-: (المرء بأصغريه، بقلبه ولسانه)، وقد أكثر الأنبياء -صلوات الله عليهم- والأئمة -عَلَيْهم السَّلام-، وسائر العلماء والحكماء، وصف القلوب بالعقل، واللب، والحجا، والنهى، والبصيرة، والحَجْر، فعلم بذلك أن محله - أعني العقل - القلب، وأنه ما قدمنا من العلوم بما قدمنا من الدلالة، وأنها علوم أوليَّة، من فعل القديم -سبحانه- تلزم الحجة بحصولها، وتزول بزوالها، ويقف حصولها وزوالها على اختيار الحكيم -سبحانه- وإرادته خلافاً لما ذهبت إليه الفلاسفة([15]) وأهل الطبائع والنجوم، لأن الفلاسفة أثبتوا علَّة ونفوا الفاعل المختار، ولا يلزمنا - مع إثبات الفاعل المختار -سبحانه- الذي قام الدليل بصحة دعوانا فيه - ما يلزم الفلاسفة وأصحاب النجوم والطبع.
لأنا نقول: إنه تعالى إذا أراد زوال العقل زال مع بقاء الحياة والقلب والدماغ، وإذا أراد وجوده وجد، ويزيله عنه حدوث النوم في مجرى العادة، ويعيده كما أبداه عند اليقظة لمن شاء، وهو ما قدمنا ذكره من العلوم، لأنه لا يمكن دعوى حصول العقل لمن عدمها وإن وجد قلبه ودماغه بالإضطرار عقلاً، ولا كمال العقل لمن عدم بعضها، ويعلم باضطرار العقلاء حصول العقل لمن وجدت فيه وإن لم يحضر سواها بالبال، وذلك معلوم لكل منصف.
[الكلام على الفلاسفة وأهل النجوم]
وكلامنا على الفلاسفة ظاهر لأن معولهم على العلل الموجبة، وقد علمنا أن اختصاص العلل بالإنسان في حال يقظته ومنامه على حد واحد، والعلل لا تفتقر في إثباتها إلى سوى الإختصاص، وذلك معلوم لهم ولنا بالدليل، ومعلوم زوال العقل عن النائم فبطل أن يكون عقله لعلة موجبة.
_____________________
([15]) - الفلاسفة: قال الإمام يحيى بن حمزة -عَلَيْه السَّلام-: هم أشد على الإسلام ضرراً، وأخفاهم مكيدة، وأعظمهم عداوة، فلا بدعة في الدين إلا وهم أصلها وأساس عمادها، ولافتنة في الدين إلا وهم رأسها وقاعدة مهادها.وتعتبر الفلاسفة من إحدى الفرق الطبائعية التي تزعم أن الأشياء الوجودية إنما كانت بطبائع اختصت بها وقوى موجوده فيها وينكرون الصانع، ويضيفون أصل الوجود إلى الماء والهواء والأرض والنار، وأنها امتزجت وتشاكلت وتفاعلت فيما بينها فحصلت عنها هذه الموجودات ولهم أقوال كاذبه تدل على جهلهم.

(1/55)


ولا يصح التعويل على اعتدال المزاج أيضاً لمثل ذلك، لأن اعتدال المزاج ثابت للنائم ثبوته لليقظان، وعقل النائم زائل لولاه لاحتاج عند كل يقظة إلى العلاج، ومعلوم خلافه، وبمثل ذلك أيضاً يبطل قول أصحاب النجوم لأن الطالع واحد، والأسباب والمقابلة واحدة، وجميع ما يتوهم تأثيره في حال اليقظة والمنام على سواء، لم يختلف الحال فيزول في حال النوم ويعود في حال اليقظة، فلا بد من مزيل ومعيد، وليس ذلك إلا الله -تعالى- لخروج العقل عن مقدور كل قادر سواه.
[ذكر ثمرة العقل]
وهو مما يجب أن يشكر تعالى عليه، بل هو من أَجَلِّ نعمه على عباده، لأن به تنال الأغراض الشريفة، ويرقى إلى الدُرُج العالية، وتفتح الأمور المستصعبة، وتسد الثغور، ويساس الجمهور، ويستظهر به على الفيل مع عظمه، وعلى الأسد مع شجاعته وقوته، وعلى المغير مع جلده، وبه يعبد الرحمن، ويشكر المنان، وتورث الجنان، ولا تنقضي ذكر ثمرته وإن كثر الكلام وطال الشرح، والحمد لله تعالى عليه خاصة، وعلى نعمهِ عامة، ولا سبيل بحمد الله لأحد إلى رد ما ذكرنا.

(1/56)


[الكلام على من نفى الصانع من الفلاسفة]
وإنما حمل من قدّمنا ذكر خلافه على الخلاف فيه كلامهم في نفي الصانع المختار، فطلبوا لذلك العلل؛ لأن الأوائل زعموا أن الباريء -تعالى- بلسان الشريعة علة موجبة للعقل الأول، وأن العقل الأول أوجب النفس، وأن النفس أوجبت الهيولى والصورة، والهيولى والصورة أوجبت الأجسام كلها الفلك بما فيه وما تحته، فلما اختلفت الأجسام والموجب غير مختلف الإختلاف اللغوي، وهم لا يرجعون إلى فاعل مختار، فنظروا النبات ينمو ولا فاعل عندهم يختار نموه على الوجه الذي يريد من المصلحة، أثبتوا قوة وطبيعة، ونفساً وإحالة؛ على حسب إختلافهم في العبارة التي ترجع عند التحقيق والمطالبة إلى معنى واحد، فلما اختلف عليهم النامي إلى حيوان وجماد، وكان في الحيوان حس ودركة([16]) أثبتوا في الحي معنى حسَّاساً سَمَّوه القوة الحساسة، وسموه النفس الحسيَّة، وطلبوا لاختصاصه من بين الأجسام بهذه الحالة ونفي الحكيم المختار -سبحانه- على الحد الذي أثبتناه عليه، من أن الفرع والأصل في ثبوت الحاجة إليه على سواء، فقالوا: لا بد من اعتدال المزاج وهو المؤثر في ذلك.
_________________
([16]) - الدَرَكة: هي الإدراك، وفي (ن): حس ودرك.

(1/57)


[الكلام على أصحاب الكواكب في نفي الصانع]
وقال أصحاب الكواكب([17]) منهم: المؤثر في ذلك الكواكب، وإعتدال المزاج شرط.
ومنهم من قال: المؤثر([18]) في ذلك النفس الكلي أو جزء منه، على حسب اختلافهم في فروعهم.
والكلام على الجميع على وجه الإختصار أنا نقول لهم: إذا كان الموجب الأول وهو لا يختص في الإيجاب إلا بأمر واحد، فما العلّة في حصول أكثر من واحد في الثاني والثالث والرابع؟ وما العلة في إيجابه مختلف الإيجاب والموجب والأول غير مختلف، بل متضاد الموجب والإيجاب؟ والعلل الأولى عندهم غير متضادة، ولأن الضد لا يولد ضده بالدلالة والبديهة لأنه إلى نفيه أقرب منه إلى إيجابه، ولأن الموجب لا يختص بوقت دون وقت؛ لأن الأوقات معه على سواء ونحن نرى هذا الصنع المتقن يحصل شيئاً بعد شيءٍ وحالاً بعد حال، والإستقصَّات([19]) موجودة، والعلل الأولى موجودة، وهي لا تفتقر في تأثيرها إلى أمر سوى الوجود، لأنها لو وجدت ولا أثر لها لم ينفصل وجودها عن عدمها وذلك محال، فما أدى إليه يجب أن يكون محالاً، والفاعل المختار بخلاف ذلك، لأنه قد يوجد وهو غير مختار للفعل لضرب من الصلاح فلا يفعل مع صحة وقوع الفعل منه، ويفعل المختلف والمتماثل والمتضاد لما يعلم من المصلحة.
______________
([17]) ـ أصحاب الكواكب: وهم فرقتان توجهتا إلى الشمس والقمر.
أولاً: عبدة الشمس: زعموا أن الشمس ملك من الملائكة لها نفس وعقل وهذه النفس هي النفس الكلية.
ثانياً: عبدة القمر: زعموا أن القمر ملك من الملائكة، وإليه تدبير العالم وأنه يستحق الخضوع والسجود والعبادة إلى غير ذلك من الأكاذيب والأباطيل، وهي من الفرق الكفرية التي توجد بالهند قديماً وحديثاً.
([18]) ـ في نسخة: بل المؤثر في ذلك.
([19])- في (ن، م): الإستقصاءات.

(1/58)


[الكلام على أصحاب النجوم في نفي الصانع]
وأما قول أهل النجوم فظاهر السقوط، لأن الصانع([20]) واحد، والمؤثر واحد، والماء واحتراق الأسباب المتوهمة عندهم واحدة، ويختلف حال الحيوان والجماد من أكثر الوجوه، لأنا نعلم أن البعير أكبر من البقرة والشاة، ولا يأتي البعير في مجرى العادة بأكثر من ولد واحد، وقد يأتيان في بعض الحالات بإثنين مختلفين في الألوان والذكورة والأنوثة، والكلبة أصغر من الجميع فتأتي بسبعة وفوق ذلك ودونه فيهم الذكور والإناث، والأحياء والأموات، والبيض والسود، إلى غير ذلك من الإختلاف، والموجب واحد، والطالع واحد، وقد نبه الله -تعالى- على ذلك بقوله: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ(8)} [الرعد]، تغيض: تنقص، والزيادة معلومة، فسبحان مَنْ لا يشغله شأن عن شأن، ومَنْ علمه بما يكون كعلمه بما كان.
________________
([20]) ـ في نسخة: الطالع.

(1/59)


ثم نبّه تعالى في أمر إختلاف النبات من الجمادات بقوله: {فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27)وَعِنَبًا وَقَضْبًا(28)وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا(29)وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30)وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)} [عبس]، فعم بالذكر سبحانه متاعنا ومتاع أنعامنا في هذه الألفاظ([21]) القليلة، الحلوة الجليلة، لأنه عم بقوله: {حَبًّا} جميع أنواع الحبوب، وبقوله: {وَحَدَائِقَ غُلْبًا} جميع أنواع الأشجار المثمرة، وبقوله:{ وَفَاكِهَةً} جميع الفواكه، لأنه نكر([22]) واحد الجنس فاقتضى العموم، وكذلك (الأب) عمّ جميع متاع البهائم من الكلا والخلا، وخص (الزيتون والنخل والعنب) مما يختص بالآدميين لجلالة قدره، كما أعاد ذكرجبريل وميكائيل عقيب ذكر الملائكة؛ وإن كانا منهم لجلالة قدرهما، وذلك ظاهر في قوله سبحانه: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}[البقرة:98]، وكذلك إعادته لذكر (القضب) مع أنه يعود في أصل اللغة إلى الأب لعظم حاله في نفع البهائم، وعجائب الكتاب الكريم وغرائبه لا تنقضي، فالحمد لله الذي جعلنا من ذرية نبيئه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، وورثة كتابه، وهدانا إلى معرفة علل الحكم وأسبابه، حمداً كثيراً.
_____________
([21]) ـ في (ن): ناقص :الألفاظ.
([22]) ـ في (ن): ذكر.

(1/60)


قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)}[عبس]، معناه نظر القلب الذي هو الفكر، والنظر في عجائب الصنع؛ لأن النظر بالأعيان قد وقع من الكافة، وهو لحكمته لا يأمر بالواقع، ولعمري إن من أنعم النظر فيما ذكر سبحانه حصل له العلم به تعالى على أبلغ الوجوه، لأن الماء واحد، والأرض واحدة، والهواء واحد، والحبَّة واحدة، والتأثير في الحبَّة الواحدة مختلف، إذ بعضها يهبط إلى أسفل، وبعضها يصعد إلى أعلى، وبعضها قشر، وبعضها لُب، وبعضها ورق، وبعضها عمود، وبعضها غصن، وهي واحدة فيأتي منها أعداد أكثر منها يعسر حصرها لكثرتها، وربما اختلفت ألوانها، بل قد شاهد الكافة ذلك، ثم جميع ذلك يحصل في وقت بعد وقت، شيئاً بعد شيءٍ، والعلل موجودة عند من قال بها، والمعلول لا يجوز تراخيه عن علّته([23]) وإلا انتقض كونها علّة فيه، فحينئذٍ يضطر الناظر العاقل إلى إثبات الصانع، المختار، ونفي العلل.
[سبب البسط في تفسير هذا البيت]
واعلم أن العلّة في بسط الكلام في معنى هذا البيت الذي فيه ذكر الأرواح إعتراض رجلين من الإخوان : أحدهما من العترة -عَلَيْهم السَّلام-، والثاني من شيعتهم -تولى الله توفيقهم- في أمر الأرواح وذكرها، فقاد الكلام بعضه بعضاً، والفائدة واقعة في الجميع.
ثم لنرجع إلى ذكر معاني ألفاظ البيت:
(الأرواح): جمع الريح والروح لما بينهما من الأخوة - أعني الياء والواو ـ، ولأنهما جمعا للقلة، ولأن الروح من قبيل الريح وجنسها، فالروح ما قدمنا ذكره.
[ذكر أنواع الرياح]
والرياح أربع: قبول ودبور وشمال وجنوب، فالقبول ما أقبل من مطلع الشمس وهي الصبا، والدبور ما أتى من جهة الغرب، سمي دبوراً لاستدباره البيت الحرام، والجنوب من ناحية اليمن، والشمال من جهة الشام، ولها أسماء كثيرة ولا وجه لتطويل الكلام بها.
وكل ريح اعترضت بين ريحين فهي نكباء.
________________
([23]) - عودة إلى مسائل الشريف نور الدين. ثانيها : عن العلة، قال في موضع : لا يجوز تراخي معلولها عنها، وفي موضع أوجب تقدمها عليه وإلا لم تكن علة ؟
الجواب عن ذلك : أن نقول مستقيم ؛ أما أنه لا يجوز تراخي معلولها عنها فلأنه لو جاز خرجت عن كونها علة فيه وذلك لا يجوز، وكان لا ينفصل وجودها عن عدمها ؛ لأن دليل وجودها ظهور معلولها، وما أدى إلى أن لا ينفصل وجود الشيء عن عدمه قُضِيَ ببطلانه.
وأما وجوب تقدّمها عليه وإلا لم تكن علّة فيه فمستقيم، والمراد تقدم الذات لتكون مؤثرة في الحكم لا تقدم الزمان ؛ فيجوز التراخي، فيتناقض القول كما ذكرت في حركة الأصبع وحركة الخاتم ؛ فإن حركة الأصبع متقدمة على حركة الخاتم تقدم الذات لا الزمان.

(1/61)


[بيان دلالة الرياح على الله تعالى]
وفي الرياح دلالة على الله -تعالى- لوجوه:
منها: أنها حركات متداركة([24]) توجد وتعدم في أجسام الهواء فلا بد لها من موجد وذلك لا يكون سوى الله تعالى.
ومنها: أن الهواء إنتقل لأجلها من جهة إلى أخرى، والإنتقال على القديم محال، فإذا صح إنتقاله وجب حدثه؛ لأن الموجود إذا استحال كونه قديماً؛ وجب كونه محدثاً، وإذا وجب حدثه كان لا بد له من محدث وهو جسم، ولا يصح حصوله من جسم لاستحالة وجود الأجسام من الأجسام لأن الأجسام قادرة بقدرة، والقادر بالقدرة لا يصح منه فعل الأجسام، لولا ذلك لصح من أحدنا أن يفعل لنفسه ما يشاء من الأموال والأولاد، ومعلوم خلاف ذلك، فلا فاعل له إلا الله -تعالى- لاستحالة وجود الفعل من غير فاعل كما نعلمه في أفعالنا، وعلة حاجة أفعالنا إلينا في([25]) حدوثها وقد شاركها في ذلك كل محدث وذلك مبسوط في كتب الكلام.
ومنها: أنها مختلفة، كما قدمنا، في جهاتها، وخواصها، وصفاتها، ولو كانت قديمة لما جاز عليها الإختلاف، وإذا لم تكن قديمة فهي محدثة لأن الموجودلا بد له من ذلك، ومحدثها هو محركها في الجهات.
و(الإنشاء): هو الإحداث.
و(الغمام): هو السحاب، وذلك ظاهر.
و(البرك) : جماعة الإبل في العطن والمأوى، ومن رآها في هاتين الحالتين علم أنها أشبه شيءٍ بالسحاب.
و(السائمة): هي التي ترتعي بروؤسها من القفار ولا يحش لها العلف، والرعي: هو السوم.
و(الأنعام): هي الإبل وما خالطها من المواشي سمي بإسمها، والإبل الأصل في ذلك، وسميت أنعاماً للين وطئها، ورطوبة أخفافها، مأخوذ من الناعم وهو اللين المس([26]).
و(الحنين): أصلها في الإبل، وهو معروف.
و(الأرزام): أصوات متقطعة متداركة أصلها الحنين، والحنين والأرزام أصلهما في الإبل تحن الناقة لولدها وترزم، والأرزام لولدها خاصة، والحنين يكون للولد والألف، وقد نقل الحنين والأرزام إلى الرعد فصار بالنقل حقيقة في الجميع مشتركة.
قوله: (فاعتبري يا أمة الضلال):
_______________
([24]) - السؤال الثالث من مسائل الشريف نور الدين : وثالثها: سأل أيده الله عن الرياح حركات متداركة، فعلى هذا هي عرض لا جسم.
الجواب عن ذلك : أنها حركات في أجسام الهواء وما كان كذلك سمي رياحاً، والحركة وحدها لا تكون رياحاً، والأسماء لا ينكر تعلقها بالأمور على وجوه، ألا ترى أن الإنسان مجموع أجزاء كل جزء منه على الإنفراد لا يسمى إنسان، فإذا اجتمع أطلق عليه اسم الإنسان، ألا ترى أنك لو وجدت أعضاء متفرقة لأضفتها إلى الإنسان، تقول : هذا رأس إنسان، ويد إنسان حتى تأتي على جميع الأعضاء؛ فما الإنسان والحال هذه إلا مجموع هذه الأعضاء، كذلك الرياح اجتماع الحركات في الهواء فإن سَكَنَّ رجع إلى الاسم الأول، وقيل : هواء.
([25]) ـ في (ن): ناقص : في.
([26]) ـ في (ن، م): المسن، وما أثبتناه هو الموافق للمعنى والله أعلم.

(1/62)


(الإعتبار): هو قياس بعض الأمور ببعض.
و(الأمة): هم طبقة الخلق في كل وقت، والجماعة العظيمة أمة من الناس لا يكون ذلك إلا بقرينة، ومجموعهم أمم، والأمَّة: القامة، والأمَّة: الدَّهر من الدهور والحين، وأمة محمد -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- هم الذين بعث إليهم عرفاً وشرعاً، والأصل هم الذين بعث فيهم.
[بيان دلالة الغمام على قدرة الله عز وجل]
ودلالة الغمام على الله -تعالى- من وجوه:
أحدُها: خلقه له بعد أن لم يكن، فلا بد له من محدث لمشاركته أفعالنا في الحدوث، وعلمنا بحاجتها إلى المحدث، فلا بد له لأجل ذلك من محدث وليس إلا الله -سبحانه- لأنه جسم ولا يصح وجود الأجسام من القادرين بقدرة.
وثانيها : تصعيده له في الهواء مع ثقله - أعني الغمام ـ، ونحن نعلم أن الثقيل يجب هويه أو استقراره إن لم يمنعه مانع، ولا يصعد إلا أن يرفعه فاعل مختار.
ومنها: بسطه له في السماء واستقراره في الهواء، ولو كان صعوده مع إستحالة ذلك لعلة في التقدير لوجب صعوده أبداً لأن العلة لا توجب أمرين مختلفين، كما يعلم أن الثقل يوجب الهوي أبداً، ولا يوجب الصعود أصلاً.
ومنها: حركته ومسيره من جهة إلى أخرى، فلا بد له من مسير.
ومنها: إمساك الماء فيه مع رقته وضعفه، وثقل الماء وقوته.
ومنها: ما يحدث فيه من الأصوات العظيمة التي ربما أهلكت، فلا بد لذلك من فاعل.
ومنها: إجتماع البرق الذي هو نار، مع الماء الذي هو محل ضدها، ولا يجتمعان في مجرى العادة إلا للقادر لذاته وهو الله -سبحانه- لأن الجمع بين محليهما وبقائهما على حالتهما يستحيل من القادرين بقدرة.
[ذكر الغمام وعظيم قدرة الله فيه]
ثم أعاد ذكر الغمام وعظيم قدرة الله فيه.
[3]
عجيبة يُعذرُ فيها مَنْ عَجِبْ .... في حملِهِ الماءَ فِلِمْ لا يَنْسَكِبْ
قَبْلَ بُلوغِ أرضهِ حيثُ نُدِبْ .... لو خالفَ اللهَ عصاهُ فَغَضِبْ
وصَارَ في دائِرةِ النَّكَالِ

(1/63)


(العجيبة): واحدة العجائب، والعجائب: هي الأحوال التي يجدها الإنسان من نفسه عند حدوث الأمر الجاري بخلاف العادة.
وقوله: (يعذر فيها من عجب): يريد؛ ترتفع اللائمة عند تكونها مما يُعجِبُ العقلاءُ مثلَها، لأن من عجب من الأمر المعتاد لامه العقلاء ورموه بأنه عجب من غير عجب، هذا إذا كان العاجب عاقلاً، ولا أعجب لكل عاقل متأمل من حمل السحاب الضعيف -الذي لا يمسك حبَّة الخردل فما فوقها- لما يملأ رحاب الأرض، وتضيق به فجاج الأودية من الماء الثقيل، القوي المحمول على الهواء، فسبحان من جعل الرقيق الضعيف، راحلةً للثقيل الكثيف، هذا ما لم تجر العادة بمثله في مقدور العباد، لولا اقتدار ذي الطول والأياد.
(الحمل): هو الإقلال للشيء، (والماء) إذا أطلق أفاد ما خلق الله -سبحانه- خالصاً من كل شائب مثل العيون الهامية، وهي التي أراد في القافية، والأنهار الجارية، والبحار الساجية، فإذا قيد أفاد غير ذلك بالقرينة نحو ماء الورد، وماء الكبريت وما شابهه فهو حقيقة، فيما قدمنا، مجاز في ما عداه.
قوله: (لاينسكب): يريد؛ لا ينصب الإنسكاب: هو الإنصباب.
(قبل بلوغ أرضه): أضافها إليه لمصيره إليها.
(حيث ندب): يريد حيث أمر، تقول العرب: ندب فلان لكذا وكذا إذا أمر به، سمعت من العرب ممن يوثق بعربيته من يقول ندبنا إليهم مندوباً: يريد؛ أرسلنا إليهم رسولاً.
و(الخلاف): هو ترك ما أمر به أو فعل نقيضه، (والله) سبحانه، هو الربّ الذي تأله إليه القلوب، أي تميل وتصغي إلى محبته.

(1/64)


و(المعصية): نقيض الطاعة وهي ترك ما أمر بفعله، أو فعل ما أمر بتركه. و(الغضب): نقيض الرضاء، (والمصير) هو الرجوع، (والدائرة) هي المحيطة بالشيء، و(النكال): هو العذاب، والإستخفاف لا يكون نكالاً حتى يكون كذلك، والله -تعالى- لا يقوم لغضبه مخلوق لا حيوان ولا جماد وقد ظهر ذلك لبني إسرائيل لما سألوه سبحانه المستحيل على ذاته وهو الرؤية بقولهم: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً}[النساء:153]، فسأل نبيئهم -صلوات الله عليه-([27]) لقطع شغبهم فتجلى سبحانه للجبل فجعله دكاً، فنعوذ بالله من غضبه، ونساله أن يصل سببنا بسببه.
[الكلام في مسألة الأرزاق]
[4]
كَمْ معشرٍ ساقَ إليهمْ رزقَهُ .... قد خَلَعُوا من الرِقَابِ رِقَّهُ
وقد عَصَوْا وجَحَدوهُ خَلْقَهُ .... جُلَّ الذي صوَّرَهُ ودِقَّهُ
لِمُبْلِغِ الحُجَّةِ لا الإجلالِ
(كم): معناه التكثير، وهو من كنايات العدد، وهو نقيض رُبَّ، لأن معنى رب التقليل.
و(المعشر): هم الخلق الذين يجمعهم أمر من الأمور، لأنه إذا جمعهم أوجب العشرة، والعشرة هي المجاورة والصحبة.
و(السوق): معروف، وأصله في الحيوان ويستعار لغيره.
و(الرزق) : هو الذي لمالكه تناوله والإنتفاع به وليس لأحد منعه على بعض الوجوه، وقولنا على بعض الوجوه: إحتراز من اليتيم فإن لوليه منعه من تناول رزقه إذا رأى ذلك صلاحاً، وكذلك المحجور عليه، والصائم إذا أراد أكل شيءٍ من ماله في نهار شهر رمضان لغير عذر كان لنا منعه من تناول رزقه على ذلك الوجه إذا تكاملت لنا شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرعلى ما يأتي بيانه إنشاء الله -تعالى- وما شابه ذلك.
[ذكر الإختلاف في مسألة الرزق]
والخلاف في مسألة الرزق مع بعض المطرفية، وقوم من الفلاسفة وهم الإسلاميون منهم، ومع أهل الطبع، وكفرة أصحاب النجوم، والكافة يتشعبون إلى فرق كثيرة لا وجه لذكرها ها هنا.
________________
([27]) ـ في (ن): صلى الله عليه وعلى آله.

(1/65)


وسائر الخلق من الأئمة -عَلَيْهم السَّلام-، والأمة مجمعون على أن لا رازق إلا الله تعالى.
[خلاف الفلاسفة والرد عليهم]
واعلم: أن خلاف من ذكرنا من الفلاسفة واقع في المعنى دون اللفظ، لأنهم يطلقون القول بأن الله -تعالى- رازق لجميع الخلق، على معنى أن الرزق فاضَ منه سبحانه على الكافة؛ كما يفيض النور من قرص الشمس من غير قصد منه في وصوله إلى من وصل إليه خصوصاً دون غيره، قالوا: وهذا أبلغ في الجود وأعم في الإنعام.
والكلام عليهم أنا نقول لهم: أخبرونا بحقيقة المنعم ما هي؟، وحقيقة الإنعام ما هو؟، فإن بمعرفة الحقائق تُحَلُّ الدقائق؛ لأنا وإياهم بل جميع العقلاء نعلم أن المنعم لا يكون منعماً حتى يقصد وصول المنفعة الحسنة للإحسان إلى من أنعم بها عليه، فحينئذٍ يتعين شكر المنعِم على المنعَم عليه، ولا يكفي في ذلك مجرد وصول المنفعة إذا تعرى من القصد - إلى الإحسان إلى من وصلت إليه - والإرادة.
ألا ترى أن إنساناً لو أتى بكوز ماءٍ بارد فأهرقه على إنسان مجدور يريد بذلك الإضرار به، فإنه لا يجب عليه -والحال هذه- شكره، وإن كان النفع قد وصل إليه من قبله، ولكنه لما تعرى من القصد سقط وجوب شكره، وكذا لو أعد طعاماً مسموماً لجائع يريد هلاكه به فلما أراد مناولته إياه غلط بغيره فأعطاه طعاماً شهياً لذيذاً خالصاً من السُّم سد به فاقته، وأمسك رمقه، وقضى وطره، فإنه لا يجب عليه عند جميع العقلاء شكره لما لم يقصد بإيصال الطعام إليه نفعه وإنما قصد مضرته، فلما حصل النفع معرىً من القصد خرج عن باب الإحسان، ألا ترى أن شكر الشمس لا يوجبه أحد من العقلاء، بل لا يستحسنه وإن كان النفع بها واصلاً إلينا، لمَّا كان القصد مستحيلاً عليها لكونها غير حية ولا قادرة، والقصد لا يكون إلا من حي قادر، فلو كان الإحسان الواصل إلينا من قبل الله تعالى فيضاً كما زعموا، لما وجب علينا شكره، كما قدمنا بيانه.

(1/66)


فحقيقة المنعم على ذلك: هو الموصل للنفع أو لسببه مع القصد للإحسان إلى من وصل إليه.
وحقيقة الإنعام: هو النفع الحسن الذي يقصد به موصله وجه الإحسان إلى من وصل إليه.
[الكلام على أهل الطبع]
وأما الكلام على أهل الطبع: فهو يتعين في إبطال ما يذهبون إليه من الطبع وإثبات الصانع المختار -سبحانه- وأنه لا فاعل للأجسام سواه، فبذلك يبطل ما ذهبوا إليه، وسنذكر في إبطال ما ذهبوا إليه طرفاً من الكلام فيما بعد إن شاء الله تعالى.
[الكلام على مذهب أهل النجوم في الأرزاق]
وأما أصحاب النجوم: فمذهبهم مبني على أن الأرزاق والأرفاق الواصلة إلى العباد تحصل بتأثير الكواكب وسعادة المولد.
والكلام عليهم: أن هذه الأرزاق الواصلة إلى العباد أفعال فلا بد لها من فاعل، والفاعل لا يكون إلا حيًّا قادراً، والكوكب غير حي ولا قادر.
ودليل آخر: وهو أن الكوكب جسم بالإضطرار والمشاهدة، تلزمه الحركة والسكون وسائر الأكوان، وذلك أمارة الحدوث، فلو قدّر على إستحالة ذلك كون الكوكب قادراً لم يخرج عن كونه قادراً بقدرة، فالقادر بالقدرة لا يصح منه فعل الأجسام، ولأن القادر بالقدرة لا يعدي فعله إلا بالإعتماد، والأرزاق أجسام بالإضطرار، والإعتماد لا يولد الأجسام، ولا تأثير له في إنشاء الغمام، وفتق الأكمام([28])، إلى غير ذلك من أنواع الإنعام.
ومما يبطل به قول أهل النجوم على وجه الجدل من المشاهدة: أنا ننظر إلى التوأمين والأسباب واحدة، والطالع واحد، مختلفي الأحوال في السعة والضيق، والرفاهية والنَّصَب، وذلك ما لاينكره أحد؛ لأن منكره تفضحه المشاهدة، فلو كان لما ذكروه وجه لما اختلف الأمر فيمن ذكرنا.
واعلم: أن بإثبات الصانع، المختار، يبطل ما قالوه، فهذا هو الكلام على أهل النجوم على سبيل الجملة.
_________________
([28]) - الأكمام جمع كم بالكسر : وعاء الطلع وغطاء النَّوْر. تمت ق.

(1/67)


[ذكر قولي المطرفية في الرزق والرد عليهم]
فأما المطرفية: وهم فرقتان - أعني أهل نفي الرزق، على ما قدمنا ذكره، لأنا وجدنا منهم من لا ينفيه عن الله -تعالى- لا لفظاً ولا معنى.
ففرقة منهم: تزعم أن ما وصل إلى الكافة من أهل الطاعة والمعصية فإنما يحصل بغير قصد من الحكيم -سبحانه- وإنما يحصل بالحركات وإحالات العالم، قالوا: وهذا أبلغ في الإنعام؛ لأن الله -تعالى- جعل العالم ينقاد لمن قاده، ويستحيل إلى المنفعة على حسب إحسان العباد في أنواع التصرف، وهذا كما ترى شبيه بما حكينا عن الفلاسفة؛ فإذن الكلام على هذا القول قد تقدم.
ومما يؤيد ما تقدم: أنا نقول لهم: ما دليلكم على أن الله -سبحانه- جواد؟ وقد علمنا نحن وأنتم أن من نفى عنه -تعالى- صفة الجود كفر بالإجماع ولا تثبت هذه الصفة التي يجب إثباتها له إلا بدليل فلا يجدون دليلاً؛ إلاَّ أنه أوصل النفع الحسن إلى عباده إبتداءً، وهو يريد الإحسان إلى من وصل إليه، لولا ذلك لما وجب شكره تعالى على الكافة من خلقه الكافرين والمؤمنين، لأنا قد قدمنا البرهان على أن من أوصل إلى غيره نعمةً خالصةً ولم يقصد الإحسان إليه، لا يعد جوداً عليه ولا محسناً إليه، وذلك ظاهر عند جميع العقلاء؛ لا ينكره إلا من أعمى التعصب عين بصيرته.
وأما الفرقة الثانية من المطرفية: فيزعمون أن الله -تعالى- لا يرزق العصاة من عبيده، ودليلهم قالوا على ذلك: إنه تعالى، لحكمته لا يعينهم على المعصية، وهذه غفلة عظيمة لأنا نعلم جميعاً أن خلقهم وإحيائهم أبلغ من أرزاقهم في باب التمكين من المعصية، فلو ساغ نفي رزقهم عن الله -تعالى- لهذا الدليل؛ لساغ نفي خلقهم عن الله -تعالى- ومعلوم أن ذلك خروج من الدين وانسلاخ عن الملة.

(1/68)


[الأدلة من كتاب الله على أن الرزق من الله تعالى]
فإن قيل: إن الله تعالى خلقهم للطاعة.
قيل: وكذلك إنه تعالى رزقهم ليشكروه؛ فمن لم يشكره كفر، سيما وقد قال تعالى مخاطباً للمشركين خاصة، ولا معصية أعظم من الشرك بالله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(40)}[الروم]، وقال تعالى في الكفار خاصة: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ إِنْ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ(20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ(21)} [الملك]، فنعوذ بالله من الغرور والثبور، والعتو والنفور، وقال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ(56)}[النحل]، فصرح بأنه رزقهم ما يجعلون فيه لغيره نصيباً، وقال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(22)}[البقرة:22]، فهذه في الكفار خاصة، وقال تعالى في الكفار خاصة: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(28)}[البقرة]، {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(29)}[البقرة]، فهذا تصريح بأنه خلق لهم جميع ما في الأرض، فهو حينئذٍ يأتي على الخلاف من أصله، ويهدمه من قواعده، وقال تعالى للناس كافة:

(1/69)


{ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ(3)} [فاطر]، وقال سبحانه آمراً لنبيئه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمجادلة للمشركين والإحتجاج عليهم بما لا يجدون إلى دفعه سبيلاً، فقال عز من قائل: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ(31)فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ (32) }[يونس]، وإنما أقروا إضطراراً لا إختياراً لأنهم يعلمون أنهم لا يقدرون على إنزال المطر، وفلق الحب والنوى، وإخراج الثمار، وإحداث الأشجار، وقلب أحجار المعادن مالاً، وإيجاد العين([29]) إبتداءً، وأنه لا يقدر على ذلك إلا الله -سبحانه- فحينئذٍ لزمتهم الحجة وتعين عليهم الشكر، وقال سبحانه مخاطباً للمشركين أيضاً: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}[الإسراء:31]، فصرح تعالى بأنه رازق للمشركين وأولادهم، وحكى سبحانه قول إبراهيم: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ }[البقرة:126]، قال تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)}[البقرة]، والحجج من كتاب الله - تعالى - وكلام نبيئه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- وأقوال الأئمة -عَلَيْهم السَّلام- لا تنحصر لنا كثرة، وقد ذكرنا بحمد الله ما فيه كفاية لمن أنصف نفسه، وطلب رشده.
__________________
([29]) ـ المراد به هنا الذهب، وإلا فهو لفظة مشتركة بين معان كثيرة، ويمكن أيضاً أن يحمل عليها؛ فمنها: العين الباصرة، وذات الشيء، والماء النابع،وغيرها.

(1/70)


[الدليل العقلي والشرعي على أن الرزق من الله تعالى]
ومن دلالة العقل وأحكام الشرع: أن هذه الأرزاق أجسام ولا فاعل للأجسام إلا الله -تعالى- كما قدمنا.
ولأنهم يأخذونها بحكم الله -تعالى- ولهذا يحكم لهم بها كما أمر الله -سبحانه-.
ولأن الظاهر من دين الكافة من المسلمين، أن من أخذ من أموال العصاة شيئاً بغير رضاهم وجبت عليه الغرامة إذا كان الآخذ مسلماً ملتزماً لأحكام الشريعة، فلو كانت أموالهم للمطيعين كما قالوا لما وجب ذلك، أو لوجب الإستحلال من المسلمين ومعلوم خلافه، فهذا هو الكلام على فرقتي المطرفية على وجه الإختصار.
[إحالة الطبائعية لآثار الصانع والحكمة إلى علل موجبة والدلالة على بطلان ما قالوه]
وأما الطبائعية: فاعلم أنهم بنوا مذهبهم على نفي الصانع -تعالى- وإحالة آثار الصنع والحكمة إلى علل موجبة، ومن كانت هذه حاله نقل الكلام معهم إلى الدلالة على حدوث الأجسام، وأنه لا بد لها من محدث، وأن محدثها لا يكون إلا الله -تعالى- فحينئذٍ ينقطع شغبهم وعللهم، وينكشف خطأهم وزللهم، وقد رأيت لهم كتباً كثيرة فكان أدقّها معنى، وألطفها شبهة، وأدقها مدخلاً، تصنيفاً لرجل منهم ذكر فيه علل الحوادث من الغيث، والبرد، والثلج، والزلزلة، والرعد، والبرق، والنبات، والحيوانات، وما يطول الكتاب بشرحه، وجعل لكل شيءٍ من ذلك علة ونفى الجميع عن الله -تعالى- فكان من كلامه في الغيث: أنه يتولد من بخارين بخار دخاني وبخار رطب، وأن الدخاني يصعد بالرطب لأن من طبعه الصعود، وأنه يتكثف في الهواء، وأنه يستحيل الرطب إلى الماء فيتقوى وينحدر، وأن الريح الشمالية ربما اعترضته فإن اعترضته بعدما يكون قطراً نزل برداً، وإن اعترضته قبل ذلك نزل جليداً([30]) وثلجاً.
________________
([30]) ـ الجليد: الضريب والسقيط، وهو ندى يسقط من السماء فيجمد على الأرض. تمت مختار الصحاح. والبرد والثلج معروفان.

(1/71)


وذلك باطل بما نذكره من الأدلة العقلية التي أكدها سبحانه بقوله، وهو أصدق القائلين: {أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43)يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الْأَبْصَارِ(44)}[النور].
وأما الدلالة على بطلان ما قالوه من جهة العقل: أنه لا برهان لهم فيما ادعوه، وكفى بالمذهب فساداً أن لا يقوم عليه دليل، وإنما زخرفوا هذه الأقوال ونمقوها وبنوها على شروط إعتيادية، أجرى الحكيم -سبحانه- العادة بأنه يفعل تلك الأفعال عند حصولها فسموها عللاً، وأضافوا الصنع إليها بغير نظر في حقائق الأمور؛ لأنا نعلم في الشاهد أن الكتابة لاتحصل منا؛ إلا بحصول أمور من دواة وقلم إلى غير ذلك من آلات الكتابة، ثم نعلم أن الكتابة فعلنا، لوقوفها على دواعينا، وذلك معلوم لكل عاقل، مع أنا نعلم أن الآلة شرط في وقوع الفعل منا، والباريء -سبحانه- غني عن ذلك؛ لأنه متمكن من الفعل بدون الشروط الإعتيادية، وإنما أجراها لمصلحة يعلمها، والأمر في إضافة الأفعال إليه أجلى وأظهر من إضافة الأفعال إلينا، فكما أنه لا إشكال في إضافة أفعالنا إلينا -وإن وقف حصولها على شروط لا يستغنى عن حصولها- فكذلك يرتفع الإشكال عن إضافة أفعاله إليه، وإنما أجرى العادة لمصلحة هي حراسة أعلام النبوءة على ماذلك مقرر في مواضعه من كتب علم الكلام.

(1/72)


[السبب في نفي الطبائعية للصانع]
فكان السبب في إعتقادهم هذا الفاسد -والله أعلم- أنهم رأوا الولد لا يحصل إلا باجتماع الذكر والأنثى، وأن النبات لا ينمو إلا باجتماع الطين والماء، إلى غير ذلك، وقولهم هذا : لا يخرج الفاعل عن كونه فاعلاً، كما قدمنا مثاله في الواحد منا، ألا ننظر([31]) إلى هذه الأعاجيب المتقنة، والصور البديعة، والألوان المختلفة، والبُنا([32]) المركبة، التي يعجز العباد مع قدرتهم وعلمهم عن وصل المنفصل منها فضلاً عن إيجاده منظوماً مرتباً في غاية الإحكام، ومعلوم أن العلة عند من أثبتها غير حية ولا قادرة، ولا حكيمة ولا عالمة، وكيف يخفى ما ذكرنا على عاقل متأمل؟ أنظر إلى بنية الجنين في القرار المكين وما فيه من التفصيل والتوصيل، والمخارق لمداخل الأغذية، ومخارج الفضلات المؤذية، وحصول ذلك شيئاً بعد شيءٍ كما نبه على ذلك سبحانه بقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ(12)ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(13)ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)}[المؤمنون]، ثم علم ضعفه عند خروجه، فسوى له في صدر أمه غذاءً يلائمه، لا يؤذيه تناوله، وألهمه له عند خروجه أبتداءً منه برحمته، وأغناه به حتى يقدر على تناول ما سواه من أنواع رحمته، هل عقل سليم يضيف هذا إلى علة موجبة وينفيه عن صانع، مختار، عالم، حكيم لا يمتنع عن قدرته مراده سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً؟ وأنبأ أنهم أثبتوه لغير برهان وإنما عوَّلوا فيه على مجرد الوجدان، وكفى بالمذهب فساداً أن لا يقوم على صحته دليل.
____________________
([31]) ـ في (ن): ألا تنظر.
([32]) ـ البنا - بالضم والكسر -: جمع بُنْية. تمت.

(1/73)


[مناقشة حسنة في إبطال قول أهل الطبع في أن العالم يحيل بعضه بعضاً]
لأنا نقول لهم: مامعنى قولكم في العالم إنه يحيل بعضه بعضاً؟ تريدون أنه يفعل بعضه بعضاً، فقد صح أن الفعل لا يصح إلا من حي قادر، وما أضفتم إليه الفعل من الطبائع غير حية ولا قادرة.
وقولكم في الحاصل منها: إنه يحصل بالطبع، لا يرجع إلى أمر معقول، ونفي ما لا يعقل أولى من إثباته؛ لأنا نقول: أعلمونا بالطبع ما هو؟ والإحالة إن رجعتم إليها هل شيء أم غير شيءٍ؟.
فإن قلتم: غير شيءٍ.
فإضافة الأفعال المتقنة إلى غير شيءٍ تأباها العقول السليمة.
وإن قلتم: هي شيءٍ.
قلنا: فما ذلك الشيء موجود أو معدوم؟.
فإن قلتم: معدوم.
قلنا: ذلك محال؛ لأنا نعلم تعذر الفعل من العادم للقدرة مع وجود ذاته وحياته؛ كالمريض المدنف، فكيف بصحة الفعل مع عدم الذات؟!، هذا أبعد في العقول.
وإن قلتم: إنه موجود.
قلنا: لا يخلو ذلك الموجود، إما أن يكون لوجوده أول أو لا أول لوجوده، لأن الموجود لا بد له من أحد هذين الأمرين، فإن كان لا أول لوجوده وجب قدمه، لأنا لانريد بقولنا في الباريء -تعالى-: إنه قديم إلا أنه موجود لا أول لوجوده.
فإن قلتم: إنه غير الباريء
وجب أن يكون ثانياً معه فستأتي الدلالة على نفي الثاني فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وإن قلتم: إنه الباريء.
قلنا لكم: فهذه عبارة فاسدة لأن الباريء -سبحانه-، لا يسمى في اللغة والشرع والعرف طبعاً ولا إحالة، وكان الخلاف بيننا وبينكم في عبارة فارغة.

(1/74)


وإن كان محدثاً فلا يخلو، إما أن يشغل الحيز عند حدوثه أو لا يشغله، فإن شغله فهو من قبيل الأجسام، وإن لم يشغله فهو من قبيل الأعراض، ولا يجوز أن يكون ما ذهبوا إليه من الطبع والإحالة جسماً، لأن الأجسام تنقسم إلى حيوان وجماد، والجماد لا يصح الفعل منه؛ لأنه ليس بحي ولا قادر، والفعل لا يصح إلا من حي قادر، ولا يجوز إضافة هذه الأرزاق من الناميات والمائعات والجامدات إلى جسم حي؛ لأنه لا يكون حياً إلا بحياة، ولا قادراً إلا بقدرة؛ لاستحالة أن يكون حياً وقادراً لذاته لأن ذلك من صفات القديم، سبحانه، التي يستحيل حصولها في غيره لما يأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى، والقادر بالقدرة لا يصح منه فعل الأجسام.
ولا يجوز أن يكون الطبع والإحالة من قبيل الأعراض، لاستحالة صحة الفعل من الأعراض؛ لأن الفعل لا يصح إلا من حي قادر، ويستحيل أن يكون العرض حياً قادراً؛ لأنه لو كان حياً قادراً لم يحل في غيره، ولوجب أن تكون حياته لذاته، فيكون مثل الله -تعالى- ولا مثل له على ما يأتي بيانه، والحيوة والقدرة لا يوجبان إلا بشرط الاختصاص، والاختصاص لا يكون إلا بالحلول، وحلول العرض في العرض محال، لأن أحدهما لا يكون حالاً والآخر محلاً أولى من العكس، وذلك يؤدي إلى أن لا ينفصل الحال من المحل، وذلك محال إذ يعلم كل عاقل متأمل أن صفة أحدهما غير صفة الآخر، فبطل أن يكون العرض قادراً ولا حياً، وإذا لم يكن حياً ولا قادراً إستحال وجود الأفعال من قبله، وهذه جمل تحتاج إلى شرح طويل أضربنا عنه ميلاً إلى الإختصار كما وعدنا في أول الكتاب، فقد رأيت تهدم مذهب هؤلاء القوم فنعوذ بالله من التكمه في الضلالة، والخبط في ميدان الجهالة.
ومما يؤيد ما قلناه أن في هذه الأرزاق أثر الصنع والتدبير، وذلك لا يكون إلا من عليم قدير، وذلك ظاهر في الحيوانات والزرائع، وسائر الأرزاق التي تدل على وجود الصَّانع.
عدنا إلى شرح ألفاظ القافية:

(1/75)


(الخلع): أصله في الدابة تَخلعُ رَسَنَها([33])، ثم استعير ذلك لمن أخرج نفسه عن شيءٍ بعد دخوله فيه.
و (الرقاب): هي الأعناق، والهوادي([34])، معنى الجميع من ذلك واحد، وشهرته تغني عن الشاهد.
و (الرِّق): هو الملك، والمرقوق: هو المملوك، والرقيق: إسم المرقوق.
و (عصوا): خالفوا مقتضى الأمر.
و (الجحد): نقيض الإقرار، ومعنى الجحد والإنكار واحد.
و (الخلق): هو التصوير والتقدير، وهو إذا أطلق أفاد المخلوق، والمخلوق: هو المصور المقدر، هذا في الأصل.
و (الجل): هو جمهور الشيء ومعظمه.
و (الدق): هو الجزء القليل منه
(لمبلغ الحجة): يريد؛ لإبلاغ الحجَّة عليهم.
و (الحجَّة): هي الدلالة.
و (الإجلال): هو التعظيم.
[لماذا رزق الله تعالى العصاة؟]
ومعنى ذلك:هو أن الله -تعالى- رزق العصاة الذين تقدّت صفتهم ليحتجّ عليهم يوم القيامة الحجة البالغة فيقول: (أكلتم رزقي، و عبدتم غيري، وضيعتم شكري، وخالفتم أمري) فنعوذ بالله أن نكون من أولئك، وأن نخاطب بذلك.
ولا شك أن ذلك أبلغ في الإحتجاج عليهم من الإحتجاج لو لم يرزقهم ولم ينعم عليهم، ولم يرد بذلك سبحانه تعظيمهم، لأن عطايا الدنيا حجة لا تكشف عن التعظيم، ومنعها لا يكشف عن الإستخفاف، كما روي عن أمير المؤمنين([35]) علي بن أبي طالب أنه قال : (لا تعتبروا الرضاء والسخط بالمال والولد جهلاً بمواضع الحكمة ومواقع التدبير، قال الله تعالى : {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ(55)نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ(56)}) [المؤمنون].
ويُصدِّقُ هذا: ما روي عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أنه قال: ((إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض، ولا يعطي الآخرة إلا لمن يحب))([36]) فنبه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أن حال الآخرة على العكس من حال الدنيا.
_________________
([33]) ـ الرًّسَن - محركة -: الحبل الذي يقاد به البعير، وما كان من زمام على أنف، جمعها: أرسان وأرسُن. تمت قاموس مع زيادة.
([34]) ـ الهوادي والهَوَد بالتحريك، جمع هَوْدة: الأسنمة. تمت.
([35]) - نهج البلاغة في الخطبة التي تسمى القاصعة رقم (190) ص(400).
([36]) - رواه الإمام المرشد بالله في الأمالي الخميسية (2/161)، ولم يذكر آخر الحديث.

(1/76)


وقال -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر))([37]) فالدنيا عنده سبحانه هينة لزوالها وانتقالها كما روي عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أنه قال: ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء))([38])، فنسأل الله -تعالى- أن يجعل أرزاقنا عوناً لنا على طاعته، وسبباً موجباً للازدياد من رحمته، وثمناً للدرج الرفيعة في دار كرامته، وأن لا يجعلها علينا حجَّة، ولا يصيرها يوم القيامة حسرة، بحقه العظيم، والصلاة والسلام على محمد وآله وسلم.
[الاستدلال على الله تعالى بما صنع]
هذا نوع من الإستدلال على الله:
[5]
دلَّ على ذَاتِ القديمِ ما صَنَعْ .... وما ابْتَدا من خَلْقهِ وما اَخْتَرَعْ
مِنْ ظَاهِرِ الجسمِ ومَكْنُونِ البضَعْ .... عَجَائباً يعجزُ عَنْها مَنْ صُنِعْ
مِنْ غَيرِ تَعليمٍ ولا مثالِ
معنى (دَلَّ) هذا لا فرق بين الدلالة والهداية وذلك ظاهر عند أهل اللغة.
و(ذات) الشيء: هو الشيء.
و(القَدِيم): هو الموجود الذي لا أول له.
معنى (صَنَعَ): قدر وفطر.
و(الإبتِدَا): نقيض الإحتذا، وهو الفعل على غير مثال.
و(خلقه) ها هنا: هو الأجسام التي نشاهدها([39]) من الحيوانات والجمادات والأعراض.
و(الإختراع): هو إحداث الشيء إبتداء بغير سبب ولا شرط، وأكثر فعله -عز وجل- يقع على هذا الوجه.
و (ظاهر الجسم): المراد ظواهر الأجسام، فالألف واللام للجنس، وذلك يعم الحيوانات والجمادات.
_______________________

([37]) - رواه الشريف السيلقي في الأربعين السيلقية (خ) والطبراني في المعجم الكبير (7/288) رقم (7158)، وأخرجه في مسند الشافعي (67) وسنن البيهقي الكبرى (3/216) رقم (5598).
([38]) - رواه الأمام المرشد بالله في الخميسية بعدة أسانيد عن علي عليه السلام بلفظ : ((تسوى)) (2/161) وسهل بن سعد (2/165)، وأبي هريرة (2/160) بلفظ (تزن) والموفق بالله في الاعتبار وسلوة العارفين ص(67)، وابن ماجه من حديث طويل (2/1377) رقم (4110)، وابن المبارك في الزهد ص(178)، والطبراني في المعجم الكبير (6/178) رقم (5921)، والترمذي في السنن (4/560) رقم (2320)، وفي مسند الشهاب (2/316) رقم (1439).
([39]) ـ في (م): تشاهدها.

(1/77)


[الطرق الدالة على حدوث الأجسام]
[الطريقة الأولى: طريقة التأليف]
ودلالة الجسم علىالله ظاهرة، وذلك أنا نراه مركباً مؤلفاً، وذلك معلوم لكل عاقل متأمل، فلا بد له من مركب ومؤلف على ما نعلمه في الشاهد من البناء والكتابة، والعلة في حاجة البناء والكتابة في الشاهد إلى الباني والكاتب هي الحدوث، بدلالة أنهما - أعني البناء والكتابة - لا يحتاجان إلى الباني والكاتب في البقاء بعد الحدوث، لأنهما يبقيان بعد زوال قدرته وموته وتفرق أجزائه، بل فناه وعدمه، لو قدر أن المضادة ألاَّ يكون على مجرد الوجدان.
وكشف ذلك أنَّا لو رفعنا عن نفوسنا إعتقاد حدوثها إرتفع العلم لا محالة بحاجتها إلى المحدث، ولا يحتاج إليه في عدمها الأصلي، لأنها معدومة قبل وجوده، فلم يبق لحاجة البناء والكتابة إلى المحدث وجه إلاَّ لإخراجهما من العدم إلى الوجود، وقد شاركت الأجسام البناء والكتابة في الحدوث فوجب أن تشاركها([40]) في الحاجة إلى المحدث، وذلك المحدث لايكون إلا الله -تعالى- وهذا إستدلال بالشاهد على الغائب لإشتراكهما في علَّة الحكم، فخرج عن كونه إستدلالاً بمجرد الوجدان، ولحق بإستدلال أهل الحقائق.
[الإستدلال على حدوث تأليف الأجسام]
فإن قيل: إنكم بنيتم استدلالكم على أن تأليف الأجسام محدث، وأن ذلك موجبٌ([41]) حدوثها، فإذا كان ذلك كذلك كان لا بد لها من محدث، وهذا لا نسلمه لكم، بل نقول: إن تأليفها قديم فلا يحتاج إلى محدث.
__________________
([40]) ـ في (م): يشاركها.
([41]) ـ في (ن،م): يوجب.

(1/78)


قلنا: الدليل على حدوث التأليف: أنَّا نعلم جواز الإفتراق على كل مجتمع علماً ضرورياً، ويُعْلَم([42]) أنه إذا افترق عدم إجتماعه بالدلالة، فلو كان قديماً لما جاز عليه العدم؛ لأن القديم واجب الوجود فلا يفتقر إلى مؤثر من فاعل ولا علة، وإذا لم يفتقر إلى المؤثر كانت صفاته ثابتة لذاته، وذاته مع الأوقات على سواء، فإذا وجبت له صفة في حال، وجبت في جميع الأحوال، وبذلك يصح لنا العلم بحدوث الجسم عند صحة حدوث تأليفه، لأن القديم لا يخرج عن صفته، فإذا اجتمع في الأزل لو قدر ذلك إستحال افتراقه، وإذا افترق استحال اجتماعه، والتأليف تابع للإجتماع.
فإن قيل: إذا قد صح لكم إجتماع الجسم؛ فلا يخلو من أن يكون هو الجسم أو غيره، باطل أن يكون هو الجسم لأنَّا نعلم، بما يأتي بيانه، أن الإجتماع يعدم والجسم باق موجود، فلا بد من أحد أمرين : إما أن لا يجوز عدم الإجتماع مع وجود الجسم، وإما أن لا يوجد الجسم مع عدم الإجتماع، وكلا الأمرين باطل، فثبت بذلك أن الإجتماع والتأليف غير الجسم.
وأما أن الجسم إذا افترق عدم الإجتماع، فلأنه كان لا يخلو عند حصول الإفتراق للجسم: إما أن يكون موجوداً، أو معدوماً، باطل أن يكون موجوداً لأنه كان لا يخلو: إما أن يكون موجوداً فيه أو في غيره، أو معدوماً، باطل أن يكون موجوداً فيه لأنه كان يؤدي إلى أحد أمرين مستحيلين: إما أن يوجد ولا يظهر حكمه فلا يكون فرقاً بين وجوده وعدمه وذلك محال، وإما أن يظهر حكمه فيكون الجسم مجتمعاً مفترقاً في حالة واحدة وذلك محال، وإن كان موجوداً في غيره بعد أن كان حالاً فيه فذلك لا يعقل إلا بالإنتقال، والإنتقال على الأعراض محال، لأن المعقول منه تفريغ جهة وشغل أخرى، وذلك من خصائص الأجسام فلم يبق إلا أن يكون معدوماً، وغير الجسم من المحدثات ليس إلا العرض.
___________________
([42]) ـ في (ن،م): ونعلم أنه.

(1/79)


[الدليل على أن كل ما جاز عليه العدم وجب حدوثه]
وأما الدليل على أن كل ما جاز عليه العدم وجب([43]) حدوثه فلأن جواز العدم عليه يكشف عن كونه موجوداً لمؤثر على سبيل الصحة وهو الفاعل، أو لمؤثر على سبيل الإيجاب وهو العلة، لأنه لو كان موجوداً لذاته وذاته مع الأزمنة على سواء، كانت هذه الصفة واجبة له في جميع الأوقات؛ وإلا انتقض كونه موجوداً لذاته وقد ثبت ذلك، وخروج الموصوف عن الصفة الذاتية لا يجوز، فإذا جاز عليه العدم علمنا أنه قد تقدم حالة وجوده حالة كان وجوده فيها جائزاً، ثم وجب لمؤثر من فاعل أو علة وذلك معنى المحدث، فثبت بذلك أن كل ما جاز عليه العدم وجب حدوثه؛ لأن وجوده يكون بغيره لا بذاته.
وكذلك الإستدلال بظاهر الجسم فلأن علمنا بما ركب الله -سبحانه- في الأجسام من الأعراض تابع لعلمنا بالأجسام، وإذا ثبت ذلك وثبت أن الجسم لا يجوز وجوده إلا كذلك، ثبت أن الجسم محدَث؛ لأن الجسم إذا لم يجز وجوده إلا مع وجود المحدث ثبت أنه لم يتقدم المحدِث، وإذا لم يتقدم المحدِث فهو معه أو بعده، وما بعد المحدِث محدَثٌ بالضرورة، وما كان وجوده مع وجود المحدِث إستحال كونه قديماً لما بينا في حقيقة القديم.
[بيان أن كل محدَث لا بدّ له من محدِث مخالف له]
وإذا قد ثبت حدوثها فلا بد لها من محدِث مخالف لها، لإستحالة إحداثها لأنفسها، لأنها لو أحدثت أنفسها كانت لا تخلو: إما أن تكون أحدثت أنفسها وهي موجودة أو معدومة.
باطل أن تكون أوجدت أنفسها وهي موجودة، لأن إيجاد الموجود محال لإستحالة وجود غناه وحاجته، من وجه واحد، لوجه واحد، في حالة واحدة، وذلك ظاهر.
وباطل أن تكون أوجدت أنفسها وهي معدومة، لأنا قد علمنا أن إيجاد الفعل يستحيل من عادم القدرة مع وجود ذاته وحياته فبأن يكون عدم الذات أبلغ في إستحالة وجود منه أولى وأحرى.
______________
([43]) - نخ: وجد.

(1/80)


وإن كان المؤثر في وجودها غيرها فالغير إما فاعل أو علة، باطل أن تكون هذه الأجسام الحوادث حدثت لعلة؛ لأنا نراها مختلفة التراكيب والصور والألوان، ونراها تحدث شيئاً بعد شيءٍ، فلو كان المؤثر فيها علة لما جاز ذلك لأن معلول العلة لا يختلف أصلاً.
فإن قيل: إنما إختلفت لأنها تأثير علل كثيرة مختلفة فلذلك اختلف معلولها؟
قلنا: فلم اختلفت تلك العلل؟ ألعللٍ أخرى؟ أدى ذلك إلى التسلسل وذلك محال.
وإن كان الإختلاف لفاعل مختار، وذلك الذي نقوله، وجب الإقتصار هاهنا.
فإن قيل: ولم خالف بينهما([44])؟.
قلنا: لما يعلم من الحكمة والمصلحة في ذلك،ونحن نعلم جواز المخالفة في الغائب بما يعلم به وقوعها مع الحكمة في الشاهد، ولا ينكر ذلك إلا معاند.
[الطريقة الثانية في الدليل على حدوث الأجسام: طريقة الإنتقال]
ومما يدل على حدوث الأجسام بعد الطريقة الأولى:
أنا نقول: قد ثبت جواز الإنتقال على الأجسام بالمشاهدة، والإنتقال [على القديم محال، وإذا بطل قِدَمُها ثبت حدُثها، وكان لا بد لها من محدِث كما تقدم([45])] فجواز الإنتقال عليها يُعْلَم ضرورة.
وأما قولنا: الإنتقال على القديم محال، فلأن حقيقة القديم، الموجود الذي لا أول لوجوده، ولا يعقل وجوده - أعني الجسم - إلا في جهة، والعلم بذلك يلحق بالضرورة، وإذا وجد في جهة كان وجوده فيها لذاته لإستحالة وجود القديم لمؤثر من فاعل أو علّة، لأنه كان لا بد من تقدمهما عليه ليصح كون الفاعل فاعلاً له والعلة علة فيه، وإذا كان فيها لذاته إستحال إنتقاله عنها؛ لأن ذاته علة كونها فيها، وبقاء المعلول واجب لبقاء العلة؛ لإستحالة وجود العلة بدون المعلول، وأمَّا أنه إذا بطل قدمه وجب حدوثه فذلك ظاهر.
عدنا إلى تفسير القافية:
(بضع([46])) الشيء: هو جزء منه، وقد صارت البضع في الحيوان تفيد بالنقل قطع اللحم.
_________________
([44])ـ أي بين المحدِث ومحدَثه. تمت.
([45]) ـ ما بين القوسين ناقص من الأصل، وهو في (ن، م).
([46]) ـ بضع بالكسر أو الفتح

(1/81)


و(مكنونها) بواطن الحيوان من النواظر، يقول في واحدتها بَضْعَة كما نقول لحمه، ويريد بمكنونها الكبد والطحال وما شاكلهما.
[بيان دلالة البضع على الله تعالى]
ودلالتها على الله -سبحانه وتعالى- من وجوه:
أحدها: إختلافها في صورها، فلا بد من مخالف خالف بينها.
ومنها: إختلاف منافعها، فلا بد لذلك من مدبر جعل كلَّ واحد لغير ما جعل له صاحبَه، لأنها لو كانت كذلك لذواتها وجبت المماثلة، أو لعلل متماثلة، أو لعلل مختلفة لزم، ما قدمنا أولاً.
ومن ذلك إختلاف أماكنها؛ لأنها كانت تكون في تلك الأماكن لذاوتها لو قيل بنفي الصَّانع، وذواتها مع الأماكن على سواء فكان يجب كونها في جهة واحدة لفقد المخصص، فلما رأيناها كذلك علمنا أن لها صانعاً مختاراً مدبراً جعل كل شيءٍ منها في جهة منفصلة لما علم في ذلك من المصلحة، ففي كل شيءٍ عليه سبحانه دليل واضح لمن نظر بعين البصيرة، فنسأل الله الهداية في البداية والنهاية.
(العجائب): قد قدمنا تفسيرها، ولا أعجب من حصول هذه الأمور المختلفة في الصورة، والمنافع، والأماكن، من نطفة رقيقة مهينة لو تَتَبَّعتَ أجزاءها لم ترَ فيها من ذلك شيئاً، ولا تميز لك بعضها من بعض، بل لو اجتمع الجن والإنس على أن يخرجوا بلطف تدبيرهم من تلك النطفة شعرة أو ينشئوا بشرة ما قدروا على ذلك، بل لو اجتمعوا على وصل شعرة مقطوعة أو الزيادة في عرضها وطولها ما استطاعوا {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88)} [الإسراء]، فكيف بتلك البُنا الفائقة، والصور الحسنة الرائقة، والحواس النافعة، والمنافع الكاملة؟!، فسبحان من لا شريك له في ملكه، ولا نظير له في سلطانه، وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
(العجز): نقيض القدرة، ولا شك في عجز كل صانع عن إيجاد مثل فعل الله -سبحانه- الذي ذكرنا في ذاته وصفاته.
(التعليم): هو الأخذ عن الغير.

(1/82)


و(المثال): هو ما يقتدى به، ويعمل على حذوه، من الخطوط وغيرها، والله -تعالى- لم يتعلم عن غيره خلق ما خلق، ولو قيل بذلك نقل الكلام إلى ذلك الغير وكان الكلام فيه يؤدي إلى التسلسل إلى ما لا نهاية له وذلك محال، أو الوقوف على فاعل لا يحتاج إلى ذلك وهو الله -تعالى- فذلك الذي نريد.
[العلة في نفي المثل عنه تعالى]
وأما نفي المثَل عنه تعالى فذلك لأنه كان لا بد للمثال من فاعل، فإن كان الله تعالى فاعله إستغنى بعلمه الذي أوجد به المثال [عن المثال([47])]؛ لأن عمل المثال مع العلم لا يجوز إلا على من يجوز عليه السهو والغفلة، فيستعين بالمثال على أمره والله يتعالى عن ذلك لوجوب العلم له فلا يجوز خروجه عنه بحال، وإن كان الفاعل لذلك غيره فلا بد أن يكون الله تعالى فاعل ذلك الغير لإستحالة الثاني، على ما يأتي بيانه، وإذا كان الله الفاعل له إستغنى عن مثاله لأن الخالق أعلم من المخلوق، والرازق أكرم من المرزوق، فصح أنه تعالى فعل ما فعل من غير تعليم ولا مثال.
[الحض على النظر والمنع من التقليد]
[6]
يا ذا الذي أَصْغَى إلينَا مَسْمَعَهْ .... يَطْلُبُ عِلمَاً بَاهِراً ومَنْفَعَهْ
إنْ كُنْتَ لا تهوى طَرِيقَ الإمَّعَهْ .... فانظُر إلى أربعةٍ في أرْبَعَهْ
فذلكَ الجِسْمُ مَعَ الأَحْوَالِ
(السمع): آلة السمع، وهو الحاسة التي جعلها الله -تعالى- لإدراك الأصوات خاصة، كما خص سبحانه الخيشوم بإدراك الروائح، واللهوات بإدراك الطعوم، وفي ذلك معتبر لمن اعتبر، وأمعن النظر.
و (العلم): نقيض الجهل، وهو المعنى الذي يقتضي سُكون النفس، والإنسان يجد من نفسه الفرق بين علمه بالشيء وجهله به، وأجلى الأمور ما يجده الإنسان من نفسه.
و (الباهر): هو الواضح الظاهر الذي لا يكاد عظمه يحتمل للعقول، ولذلك قيل للقمر باهر.
_________________
([47]) - زيادة من نخ (م، ن).

(1/83)


و (المنفعة): هي اللذة والسرور وما أدى إليهما أو إلى أحدهما، والعلم بالله -سبحانه- يؤدي إلى كل سرور، ويحدث كل لذة وحبور.
والمنفعة: نقيض المضرة، فإن المضرة هي الغم والألم وما أدى إليهما أو إلى أحدهما.
(والإمعة) هو الذي لا ثبات له في الأمور ولا بصيرة، ولا له إلى الخير داع من نفسه، بل من دَعَاهُ قال أنا معك بغير تأمل لمنير ولا تدبير، ولا نظر ولا تفكير، ومن كانت هذه حاله فهو مذموم على قلة صبره، في إعمال فكره، وطلب العلم المؤدي إلى سكون نفسه، وانشراح صدره.
(والجسم) هو واحد الأجسام: وهو الجواهر المؤتلفة طولاً وعرضاً وعمقاً.
والطول: ما كان قُبَالةَ الناظر.
والعرض: ما كان عن يمينه وشماله.
والعمق: ما كان في مسامتته من قرنه إلى قدمه، وأقل ما يجتمع له هذه الصورة من ثمانية أجزاء فذلك معنى قوله: (فانظر إلى أربعةٍ في أربعه)، يريد: انظر إلى الجسم، وهو أربعة في أربعة، أي مع أربعة، هذا عند أهل اللغة ولا يسلكون بذلك مسلك أهل الضرب والحساب، قال شاعرهم:
أراني الخوفُ عَدَّتَهم ألوفاً .... وكان القومُ خمساً في ثمانِ
يريد مع ثمان لأنه لو سلك منهاج أهل الحساب والضرب لكان ألوفاً وخرج عن المعنى، وقد أوضح ذلك بقوله: (الجسم مع الأحوال): يريد؛ أن من أراد حصول العلم والخروج إلى سعة اليقين بالله -تعالى- من حيرة الجهل نظر في الأجسام لأنها أجلى المشاهدات.

(1/84)


[ما ذهب إليه الفلاسفة في الجسم والدليل على بطلانه]
والخلاف في الجسم مع الفلاسفة لأنهم يذهبون إلى أن أجزاءه غير منحصرة، وأنه يتجزأ إلى ما لا نهاية له، وغرضهم بذلك التوصل إلى قِدمه.
والذي يدل على بطلان ما ذهبوا إليه: أن الجسم قد أتى عليه الوجود،و إيجاد ما لا نهاية له محال؛ لأنه لا يخلو: إما أن يمكن عليه الزيادة أولا يمكن، فإن أمكنت الزيادة عليه فله نهاية بالإضطرار، وإن لم يمكن عليه الزيادة أدى إلى عجز الباريء -تعالى- وخروجه عن صفة ذاته وذلك باطل، وربما قال بهذه المقالة بعض المطرفية وهم لايعلمون ما يلزم عليها، وقد تقدم الكلام على القولين، وسبق أيضاً الإستدلال بالجسم وأحواله على الصَّانع تعالى.
[الأدلة على إبطال التقليد ووجوب النظر وكون الكثرة على الباطل]
فإن قيل: ولم أوجبتم النظر ومنعتم من التقليد الذي هو أهون على النفوس، وعليه عامة الناس، وهو أقطع للحاج([48]) حتى يكون إذا سألك الغير عن الدليل قلت: أنا على مذهب فلان وهو على الحق لا محالة قطعاً، ولم تُلْزِمْ نَفسَك مشقةَ الإتيان بالبرهان الذي ربما شغب فيه([49])، أو كسر بعض أركانه، واحتجت إلى فكر بعيد، ونظر سديد؟
__________________
([48]) - المراد بالحاج هنا هو: المحاجج والمجادل.
([49]) ـ الشِغْبُ ـ ويحرك ـ: تهيج الشر، وشغب، كمَنَع وفَرِحَ: هيَّج الشر عليهم، وهو شَغِبٌ ومِشْغَبٌ. تمت قاموس.

(1/85)


قلنا؛ ولا قوة إلا بالله: كون أكثر الناس عليه دلالة على بطلانه لأن الله -سبحانه وتعالى- أخبرنا في كتابه الكريم بأن الأكثر من الناس على ضلالة بقوله: {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ(70)}[المؤمنون]، وقوله: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ}[الأعراف:102]، وقوله تعالى : {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(103)} [يوسف] { وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ(102)}[الاعراف]، وقال -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لأصحابه: ((ألا أنبئكم بأهل الجنة في أهل النار يوم القيامة؟، قالوا: بلى؛ يا رسول الله، قال: كشعرة سوداء في جلد ثور أبيض - أو شعرة بيضاء في جلد ثور أسود - وإن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة ما معه إلا رجل واحد))([50])، وهذا كما ترى أكبر دليل على ضلالة الأكثر، ولو جعلتَ القلةَ دلالةَ الحقِّ لكنتَ أسعدَ حالاً؛ لأن الله -تعالى- قد مدح الأقلين في كتابه الكريم بقوله: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(13)}[سبأ]، وقوله: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ(40)}[هود:40]، وقوله سبحانه: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ}[النساء:66].
وأما كونه أقطع للحاج: فالحاج ([51]) في إلتماس الحق أحمد عاقبة من المداهنة في الإقرار على الباطل.
فأما الرجوع إلى قول: إنَّ فلاناً على الحق لكثرة عبادته؛ فذلك باطل، لأن في كل فرقة فلاناً عابداً، وذلك يؤدي إلى أحد باطلين:
إما تصويب أهل الأقوال المختلفات، واعتقاد المتناقضات، وما أدى إلى الباطل فهو باطل.
___________________
([50]) - رواه الإمام أبو طالب ص(442) بلفظ : ((أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟)) قالوا : بلى يا رسول الله، قال : ((والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وسأحدثكم بقلة المسلمين من الكفار يوم القيامة مثلهم مثل شعرة سوداء في جلد ثور أبيض، أو شعرة بيضاء في جلد ثور أسود، ولن يدخل الجنة إلا نفس مسلمة)).
([51]) - أي المحاجج، تمت.

(1/86)


وإما الترفيه على النفس؛ فهذا الدين القويم مبنى الصحة فيه على المشقة من أوله إلى آخره، قال الله تعالى: {وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)}[العصر]، الحق ها هنا: هو العلم والعمل بمقتضاه، والصبر لا يكون إلا على المشاق فبطلت فائدة الترفيه على النفس.
وأما التخويف بمشقة النظر: فقد ورد في الأثر ((أن من دق في الدين نظره، جل يوم القيامة خطره)).
[دليل عقلي على قبح التقليد]
ولأن المقلد لا يأمن من خطأ من قلده، والإقدام على ما لا يأمن الإنسانُ فيه الخطأ قبيحٌ، ولا يجوز للعاقل الإقدامُ على القبيح.
أمَّا أنَّ المقلدَ لا يأمن خطأ من قَلَّدهُ: فذلك ظاهر، لأنه يأخذ منه بغير برهان، وما أخذ كذلك لم يؤمن فيه الخطأ؛ لأن في مقالة المقلَّد -من أهل العفة والصلاح في ظاهر الحال- من يقضي بتخطئته وضلاله، فلا يأمن الغافل لهذه الأمارة صحةَ ما قيل؛ سيما إذا كان القائل ممن يزيد عليه في سلامة الظاهر أو يساويه.
وأمّا أنَّ الإقدام على ما هذا حاله قبيح؛ فلأنا نعلم أنه يقبح من أحدنا القطعُ على مخبر خبر لا يأمن كونه كذباً، وليس إلا أنه قطع بغير برهان ولا يقين، ولأنه لو ساغ التقليد لواحد لساغ لكل واحد لأنه لامخصص، فكان ذلك يؤدي إلى تصويب كل فرقة، وذلك ما لم يقل به مسلم ولا كافر، لأن كل فرقة من فرق الإسلام تدعو إلى سبيلها، وتخطيء من خالفها.

(1/87)


[بيان قُبْح تقليد الأكابر]
فإن قيل بتقليد الأكابر.
فلا شك أن لكل فرقة أكابراً وأسلافاً، فكان ذلك يُسَوِّغُ لليهود والنصارى تقليدَ أسلافهم؛ لأن إعتقادهم في أسلافهم كاعتقادنا في أسلافنا، بل أعظم، وقد بين الله -تعالى- ذلك ونعاه عليهم فقال: {لَا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام:163]، في التعظيم، وما به فرقة إلا ولها من تعظمه وتزكيه، وتفزع إليه، كما قدمنا، فلا وجه من وجوه الصلاح، ولا طريق من طرق السلامة أسعد مقدماً، وأحمد عاقبة، من اتباع الدليل؛ سيما وقد ذمّ الله - تعالى - المقلدين، وعنفهم بالتقليد في كتابه المبين، فقال، وهو أصدق القائلين: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ(170)}[البقرة].
وقال رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((من أخذ دينه عن التفكر في آلاء الله، وعن التدبر لكتاب الله، والتفهم لسنتي، زالت الرواسي ولم يزُل، ومن أخذ دينه عن أفواه الرجال، وقلدهم فيه ذهبت به الرجال من يمين إلى شمال، وكان من دين الله على أعظم زوال)) ([52])، فهذه وجوه كثيرة بعضها كافٍ في الإحتجاج على قبح التقليد؛ فكيف بمجموعها؟!، مع أنَّا تركنا وجوهاً أُخر مما يدل على قبحه ميلاً إلى الإختصار، وتماماً بما وعدنا في أول الكتاب من الميل إلى الإيجاز والتخفيف، فبطل التقليد ووجب إتباع الدليل، ونسأل الله -تعالى- بلوغ الغاية القصوى من رضوانه، والمصير إلى رفيع جنانه.
_____________________
([52]) - رواه الإمام أبو طالب في الأمالي ص(148) عن علي عليه السلام مرفوعاً، وروى الرصاص في مصباح العلوم والأمير الحسين في الينابيع (30).

(1/88)


[الجواب على من قال بأن أهل البيت (ع) يأمرون الناس باتباعهم تقليداً]
فإن قيل: هذا ما كنا نبغي حيث كفيتمونا مؤنة أنفسكم، وأبطلتم قولكم بقولكم، وكفاك على الخصم ناصراً أن يحتج على نفسه بأن ينقض قوله بقوله، وذلك لأنكم تلزمون كل فرقة الرجوع إليكم، والتعويل في المهمات عليكم، وتُسَفِّهونَ أحلامَهم، وتَذمُّونَ شُيوخَهم وأكابرَهم، وتُنَفِّرُونَ الناسَ عنهم، بل من ولي الأمرَ منكم حمل الناس على إتباع طريقته بالسيف حملاً ليس فيه هَوَادَةً ولا رِقَّةً، علم المسلمون ذلك ممن عاصرهم منكم مشاهدة، وممن تقدم من آبائكم نقلاً ورواية، وهذا كما ترون أمر بالتقليد على أبلغ الوجوه، فإذا قد احتججتم بما تقدم نشطتم العقال، وكفيتمونا مؤنةَ الجدالِ، وطلب كل منا بمبلغ حسنه، واستغنى عن غيره بنفسه، ولقد بلغ المسلمين عنكم أنكم تَعْجَبُونَ وتُعَجِّبُون، من رواية بلغتكم عن بعض أكابرهم الغابرين، وأهل الإجتهاد في نشر ذلك الدين، أنه يضيف إلى بعض علمائكم أنه خالف في الدين، ونفَّر المسترشدين، وتقولون لمن حضركم هذا عكس الواجب، فنعوذ بالله من حيرة العَمِين، وجهل المتكلِّفين، لأن الخلاف والوفاق لا يكون إلا لعترة الصادق الأمين، -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- وعليهم أجمعين-، وذلك لا يقع ولا يجوز إطلاقه في غيرهم من العالمين.

(1/89)


قلنا: معاذ الله؛ ما أمرنا الناس باتباعنا تقليداً، ولا عَجِبْنا من قول ذلك الشيخ تبخيتاً، وإنما قلنا ذلك لنصِّ محكمِ الكتابِ العزيز والسنةِ الشريفة الماضية، ومن عَمِلَ بمقتضى الكتابِ والسنةِ خرجَ عن دائرة التقليد، وعمل بأقوى الأدلة، وكيف نرخص في التقليد ونحن أشد الناس ذمًّا للمقلدين؟!، فما أمرنا العباد في الرجوع إلينا، واتباع آثارنا، إلا بما أمرهم به أحكم الحاكمين، وذلك ظاهر في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)}[النحل]، والذكر هو الرسول -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بدلالة قوله تعالى : {قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا(10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } [الطلاق:11]، فكان مما تلاه على الكافة من الآيات، وبينه لهم من الدلالات، وأخرجهم من الضلال([53]).
وهو صادق مصدوق، وذلك ثابت فيما رويناه بالإسناد الموثوق به من قوله -عليه وعلى آله السلام-: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض([54])))، وهذا كما ترون أمر منه سبحانه للكافة بالإتباع، ورد على من ادعا من الرفضة والنواصب بمفارقة العترة الطاهرة -عَلَيْهم السَّلام- للكتاب، ولأنه -عليه أفضل الصلاة والسلام- جعل غاية ذلك ورود الحوض فأوجب عند كل عاقل متأمل اتباعهم إلى انقطاع التكليف؛ لأن ورود الحوض لا يكون قبل يوم الحساب، وأمرنا الناس باتباعنا والإقتداء بنا لأقوى الأدلة من السنة والكتاب، فتأملوا -رحمكم الله- كلامنا بأعيان البصائر تجدوه ظاهراً جلياً.
____________________
([53]) ـ في نسخة: من الظلمات.
([54])- سيأتي عن قريب تخريج هذا الحديث إنشاء الله تعالى.

(1/90)


وكذلك الكلام في عجبنا من قول بعض شيوخ المسلمين -أنا ومن كان على مثل حالنا من المخالفين- ما كان إلا لما روينا عن آبائنا الطاهرين -سلام الله عليهم- عن جدّهم خاتم النبيين الشفيع المشفع يوم الدين، -صلى الله عليه وعلى آله الأكرمين-، أنه قال:
((قدموهم ولا تقدموهم، وتعلموا منهم ولا تعلموهم، ولا تخالفوهم فتضلوا، ولا تشتموهم فتكفروا([55]))) فهذا تصريح منه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بما قلنا، وفوق ما قلنا من وجوب اتباعهم والإقتداء بهم، وأخذ العلم عنهم، وقلة المخالفة لهم، وتحريم الطعن عليهم، فكيف يسوغ لمسلم التخلف عنهم؛ فضلاً عن نسبته نفسه إلى الصواب والوفاق، ونسبتهم بزعمه إلى الخلاف والشقاق؟!. لولا اتباع الهوى، وتغليب جنبة الضلال على جنبة الهدى.
[الدلالة على حدوث الجسم والجوهر]
[7]
دلَّ على حُدُوثِ قَرْنِ الأحوالْ.... خُرُوجُهُ مِنْ حَالةٍ إلى حَالْ
لو كُنَّ لِلذَّاتِ عَدِ مْنَ التِّرحَالْ.... ولم يُسَلِّمْنَ لِحُكْمِ الإِبْطَالْ
فانْظُر بِعَينِ الفِكْرِ غيرَ آلِ
(دلّ): معناه أرشد وهدى.
و (الحدوث): هو الكون بعد العدم.
و (قَرْنُ الأحوال([56])) : هو الجسم والجوهر، سمي قرناً لها، لمقارنة وجوده لوجودها، ولا توجد أبداً إلا فيه.
و (الخروج): نقيض الدخول، والجسم إذا كان مجتمعاً ثم افترق خرج من الإجتماع إلى الإفتراق لغة وعرفاً.
والمعنى على التحقيق: إذا عدم عنه الإجتماع لحصول ضدّه الذي هو الإفتراق، ولا شكّ أن الجسم لا يخلو عن هذه الأحوال التي هي إما الإجتماع أو الإفتراق، أو الحركة أو السكون، ولو رفعنا وجوده لا على أحدهما ارتفع وجوده عن الذهن جملة وهي متضادّة، فالحركة ضد السكون، والإجتماع ضد الإفتراق.
(وكونهنّ للذات) هو حصولهنّ لغير مؤثر من فاعل ولا علّة، على نحو ما تقدم، فيقول:
_____________
([55]) ـ رواه الإمام المرشد بالله (ع) في الخميسية (1/156) عن أبي سعيد بلفظ : ((لا تعلموا أهل بيتي فهم أعلم منكم، ولا تشتموهم فتضلوا))، وروى نحوه أيضاً محمد بن سليمان الكوفي في المناقب (2/108) رقم (597) من حديث أبي بن كعب، قال : ((أوصيكم بأهل بيتي خيراً فقدموهم ولا تتقدموهم وأمِّروهم ولا تأمروا عليهم))، وروى نحوه في الكامل المنير عن زيد بن أرقم بلفظ : ((لا تعلموا أهل بيتي فهم أعلم منكم، ولا تسبقوهم فتمرقوا، ولا تَقْصُروا عنهم فتهلكوا، ولا تولوا غيرهم فتضلوا)).
([56]) - ورابعها: سأل أيده الله عن القول في شرح الرسالة الناصحة : دل على حدوث قرن الأحوال.
قال أيده الله : والأحوال هاهنا عبارة عن الصفات فكيف اقترنت بها الأجسام وليست الصفات أشياء فيصح فيها حدوث أو قدم ؟
الجواب عن ذلك : أن المقارنة بين المعاني والأجسام والأحوال مقتضيات عن المعاني، وسمى المعاني أحوالاً توسعاً لما كانت دالة عليها، ومثل ذلك شائع، ولهذا فإنه جوز في الشرح ذكر المعاني، وجعلها الدليل، ويبني القول عنها ؛ وإنما الصفات كالمعبرة عنها بلسان الحال، فاعلم ذلك موفقاً.

(1/91)


(لو كنّ للذات): لم يخرج الجسم عن أحدهنّ مع بقاء ذاته، وكان يلزم أيضاً من كونهنّ للذات أمر مستحيل وهو وجوب إجتماعهنّ للجسم في حالة واحدة مع المضادة وذلك محال، فما أدى إليه يجب أن يكون محالاً، وإنما يستحيل خروج الموصوف عن صفة الذات، لأن صفة الذات يجب بقاء الذات عليها ما دامت ذاتاً، وهي لا تخرج عن كونها ذاتاً لأنه يستحيل عدم الموجَب مع الموجِب وذلك ظاهر، يؤيده: أنها مع الأوقات والجهات على سواء.
وقوله: (ولم يسلمن لحكم الإبطال): يريد؛ ولم يبطلن، وقوله: يسلمن: نقيض يمتنعن، والجميع مجاز، وهو شائع لا مانع منه لغة ولا شرعاً.
(والإبطال): هو الإذهاب لها.
(وعدم الذات): إرتفاع وجودها عن الدهر.
(فانظر بعين الفكر): معناه بفكر، وعين الفكر هي: القلب، والنظر هاهنا نظر القلب.
والنظر هو الذي يوصل إلى المعرفة قبل تجلي الأمور باضطراره([57]) سبحانه للعباد إلى ذلك عند انقطاع التكليف.
وقوله: (غير آل): يريد؛ غير مقصر في النظر، وقد تقدم الكلام على معنى هذا التكليف فيما تقدم من ذكر الأعراض وأنها غير الأجسام، وأنها محدثة، وأنه لايعقل وجود الجسم إلا عليها على سبيل البدل، وفي ذلك كفاية عن الإطالة، وراحة عن الملالة.
[بيان أن الجسم لا ينفك عن الأحوال]
[8]
مَا انفَكَ عَنْها الجِسمُ أَينَ مَا كَانْ.... في دَاني الأرضِ وَقَاصِي البُلدانْ
وغَابِرِ الدهرِ وباقي الأزمانْ.... كلا ولا يَدْخُلُ تَحْتَ الإمْكَانْ
خروجُهُ عَنْها مِنَ المَحَالِ
هذا زيادة إيضاح وإلا ففيما تقدم كفاية.
قوله: (ما انفك): معناه ما انفصل عنها.
و (الجسم): المراد به الأجسام([58]).
(أينما كان): ظاهر، زاده كشفاً بقوله: (في داني الأرض وقاصي البلدان) يقول: في قريب الأرض وبعيدها.
و (الداني): نقيض القاصي.
______________
([57]) ـ لأن معرفة الله سبحانه وتعالى في دار الدنيا لا تحصل إلا بالنظر والإستدلال، أما بعد انقطاع التكليف فإنها تحصل ضرورة بالإضطرار لكل مكلف على ما ذلك مقرر في مواضعه.
([58]) ـ لأن الألف واللام في قوله: (الجسم) للجنس.

(1/92)


و (غابر الدهر): ماضي الدهر، وهو ها هنا نقيض الباقي، وقد يكون الغابر هو المستقبل الداخل، فهذا الحرف من الأضداد.
(كلا): حرف يتضمن معنى القسم، وقد يقع للردع والتهديد إذا تعقبه حرف النفي نحو قوله تعالى: {كَلَّا لَا وَزَرَ(11)}[القيامة].
قوله: (ولا يدخل تحت الإمكان): إستعارة، لأنه من ظروف المكان، فمعناه لا يمكن -ذلك- خروجه عن هذه الأحوال بحال، ومعنى ذلك أن الجسم لم يخل من هذه الحوادث التي تقدم ذكرها وهي الإجتماع والإفتراق، والحركة والسكون، وقد تقدمت الدلالة على أنها حوادث.
[الدليل على أن الجسم لا يخلو من الأحوال]
والدليل على أن الجسم لا يخلو منها: أنا لا نعقلها موجودة([59]) إلا وهي إما مجتمعة، أو مفترقة، أو متحركة، أو ساكنة، وما حضر منها أو غاب فلا فرق في ذلك، بدلالة أن مخبراً لو أخبرنا أنه شاهد في بعض البلدان القاصية، أجساماً غير متحركة ولا ساكنة، ولا مجتمعة ولا متفرقة، لبادر العقلاء إلى تكذيبه، من غير توقف في أمره، إذ لا يعقل وجودها إلا في جهة، ولا يوجد في الجهة معقولاً إلا على أحد هذه الأحوال، وما لا ينافيه كحركة وإجتماع، أو سكون وافتراق.
[الأدلة العقلية والنقلية على صحة ماتقدم وما يأتي]
[9]
دَلَّ عَلَى صِحْةِ مَا أَقُولُ.... الفِكْرُ والتَدْبِيرُ والعقُولُ
والسَمْعُ إذ جَاءَ بهِ التَنْزِيلُ.... ومَا أَتى بِشَرْحِهِ الرسولُ
مُنَبّهاً عَْن وَسْنَةِ الإغْفَالِ
قد تقدم تفسير الدلالة.
و (الصحة): نقيض الإستحالة، تقول: هذا الأمر يصح، وهذا يستحيل، والمراد بالصحة هاهنا: الصدق، مأخوذ من صحة الخبر.
و (الفكر): معروف يعلمه الإنسان من نفسه، وهو نظر القلب.
و (التدبير): هو التمييز وقياس بعض الأمور ببعض.
___________________
([59]) ـ أي الأجسام.

(1/93)


و (العقول): هي علوم يخلقها الله -تعالى- في القلوب؛ والقلوب محالها وأوعيتها، وليست القلوب التي هي البضع عقولاً لأنها ثابتة للنائم والعقل زائل، وتقدم الكلام فيها بما فيه كفاية لكل منصف.
قوله: (والسمع إذ جاء به التنزيل): يريد بالسمع: دلالة السمع، وهو القرآن الكريم الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} [فصلت].
[ذكر مسائل أصول الدين وما يتبعها]
ولا شك أن القرآن الكريم شاهد لكل مسألة مما ذهبنا إليه من التوحيد والعدل، ومسائل الوعد والوعيد، وما يتبعهما، وما يتعلق بهما وينبني عليهما من النبوءة، والإمامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاء، والبراء، ونحن نذكر في كل مسألة على وجه الإختصار شاهداً من السمع، ونحذف التطويل ليتم غرضنا بالكتاب، ونفيء بشرطنا، ويصدق وعدنا في الإيجاز، لأن المسائل التي تقدم ذكرها تنقسم إلى ما يصح الإستدلال عليها بالسمع ابتداءً، وإلى ما لا يصح إلا بعد الدلالة العقلية، فلنبدأ من ذلك بالشاهد على وجوب النظر، ثم على إثبات الصَّانع، ثم نتبع ذلك ما يليق به من المسائل على ما رتبه آباؤنا الأئمة -عَلَيْهم السَّلام-، والصالحون من علماء الأمة -رضي الله عنهم-:
[الدليل على وجوب النظر من الكتاب]
قال الله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)}[الغاشية]... إلى آخر الآيات، ثم عقبه بالإستخفاف بهم، والوعيد لهم.
ووجه الإستدلال بهذه الآية: أن الله عقب الأمر لهم بالنظر على أبلغ الوجوه، بذكر اطْرَاحِهم، والإستخفاف بهم، والوعيد بعد ذلك لمن تولى منهم، وهو سبحانه لحكمته لا يأمر نبيئه بإطراح أحد إلا أن يترك واجباً، وكذلك لا يتهدد أحداً بالعقاب على ترك شيءٍ من أنواع الأفعال إلا الواجب.

(1/94)


والدليل على أن ذلك أمر: أن قول القائل: أفلا يفعل فلان؟!، ثم يعقبه بإطراحه إن لم يفعل، ثم يتهدده بالعذاب عند التولي، أبلغ من قوله: إفعل، أو لتفعل، وذلك ظاهر لكل عاقل متأمل.
[ذكر شواهد على مسائل التوحيد جملة من الكتاب]
والدليل على إثبات الصَّانع -تعالى- أكثر من أن تحصى في آيات القرآن الكريم، فمن ذلك قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ(78)قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ(79)} [يس]، فأثبت سبحانه ذاته بالإستدلال على وجود ذاته بتنبيهه بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، وأن ذلك لا يصح إلا من فاعل، مختار، موجود، واجب الوجود.
وقال في مسألة قادر: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، وقال: {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ(54)}[الروم].
وفي مسألة عالم: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(282)}[البقرة].
وفي مسألة حي: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة:255].
وفي مسألة سميع بصير: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(46)} [طه].
وفي مسألة قديم: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد:3]، وذلك يفيد معنى القديم.
وفي مسألة نفي التشبيه قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، وإذا لم يكن مثلَه شيءٌ فليس بمشبه للأشياء.
وفي مسألة غني: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ}[محمد:38]، وقوله تعالى: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} [الأنعام:14]، وفي ذلك معنى الغنى وزيادة.
وفي مسألة نفي الرؤية: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(103)} [الأنعام].
وفي مسألة نفي الثاني: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ}[المائدة:73]، فهذه جل مسائل التوحيد.

(1/95)


[ذكر شواهد على مسائل العدل جملة من الكتاب]
ثم يتبع ذلك مسائل العدل على الترتيب:
قال الله تعالى، في مسألة نفي الظلم: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(44)} [يونس:44]، وما تقدم([60]) من الكلام في مسألة غني، وما تقدم من الكلام في مسألة عالم.
وقوله تعالى {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(2)}[التحريم]، وإذا كان عليماً حكيماً فُقد داعيه إلى القبح، وقام الصَّارف عن القبيح على أبلغ الوجوه فلا يقع أصلاً؛ سيما مع تأكيده بقوله تعالى: {لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا}[يونس:44]... الآية.
وفي أنه لا يقضي بالمعاصي قوله: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ}[غافر:20]، والمعاصي باطل، وقوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا}[ص:27]، معناه للباطل، والله أعلم.
وفي مسألة أنه تعالى لا يكلف ما لا يطاق قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}[الطلاق:7]، و {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16].
وفي مسألة أنه تعالى لا يريد الظلم،ولا يرضى الكفر، ولا يحب الفساد قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ(31)}[غافر:31]، والرضى والمحبَّة راجعان إلى الإرادة([61]).
وفي مسألة الإمتحان بالأمراض قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}[الأنبياء:35]، وقوله تعالى: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ(126)}[التوبة]، معناه يمتحنون بالأمراض وسائر الإمتحان، فسره الأئمة -عَلَيْهم السَّلام-
____________________
([60]) ـ لأن الله عز وجل عالم بجميع المعلومات ومن جملتها الظلم، وغني عن كل شيء ومن جملة ما هو غني عنه الظلم ؛ لأنه لا يقدم على فعل القبيح أو الظلم إلا من كان جاهلاً محتاجاً، والله عالم غني؛ فهو لا يفعل الظلم، وسيأتي ذلك في باب مسائل العدل إن شاء الله تعالى.
([61]) - وخامسها: سأل أيده الله عن معنى رضا الله وسخطه، والإرادة منه لا تتقدم فعله، وقد ثبت أنه قد رضي وغضب؟.

(1/96)


وفي مسألة أن القرآن منزل من عنده على رسوله وعبده -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- قوله تعالى فيه: {تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(80)} [الواقعة]، وقوله تعالى: {تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(42)} [فصلت]، وقوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر:23]، معنى متشابهاً: يشبه بعضه بعضاً في جزالة الألفاظ وجودة المعاني، وصحة المباني، لا ما يتوهمه المبطلون، ويظنه الجاهلون، والله بعد ذلك أعلم.
وفي مسألة أن محمداً -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- نبي مرسل قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} [الفتح:29].
وفي دلالة صدقه، وظهور المعجز عليه، قوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة:23]، وقوله تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ(34)}[الطور]، فلما لم يقدروا على الإتيان بمثله علم أنه من عند الله -تعالى- فهذا هو الذكر في مسائل العدل.

---

(1/97)


الجواب عن ذلك : أن معنى رضاه للشيء إرادته، ومعنى غضبه منه كراهته له ؛ والرضا والغضب لا يتعلقان بشيء من أفعاله سبحانه، فيلزم ما سأل عنه أيده الله، وإنما يتعلقان بأفعالنا، وإرادته لأفعالنا متقدمة لها، وكذلك كراهته لأفعالنا ؛ لأن كراهته للواجب من أفعالنا ألطاف التكليف.
وكذلك كراهته لقبيح أفعالنا حد الألطاف الصوارف لأن من حق اللطف أن يتقدم على ما هو لطف فيه، فهذا ما يحتمله هذا المكان ومن الله نستمد التوفيق.

(1/98)


[ذكر شواهد على مسائل الوعد والوعيد جملة من الكتاب]
ثم يتبع ذلك الذكر في مسائل الوعد والوعيد:
قال تعالى في أن من توعده بالنار صائراً إليها لا محالة، ومن وعده بالجنَّة صائراً إليها لا محالة قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ(9)}[آل عمران] ، وقوله: {قَوْلُهُ الْحَقُّ}[الأنعام:73] ، وإخلاف الوعيد كذب، والكذب قبيح، والقبيح لا يكون حقاً.
وفي مسألة نفي الشفاعة لمن يستحق النار من الفساق والكفار قوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ(18)}[غافر] ، فلو شفع -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لم يخل الحال من أحد أمرين: إما أن يطاع فيبطل معنى الآية، وإما أن لا يطاع فتسقط منزلته، وكلا الأمرين باطل.
وفي أن الفاسق لا يسمى مؤمناً قوله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ(18)} [السجدة] ، ففرق بينهما، ولا يجمع بين ما فرق الله بينه؛ لأن ذلك لا يجوز، وبقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2)} [الأنفال] ، والفاسق بخلاف هذا كله.

(1/99)


والدليل على أنه لا يسمى كافراً: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(9)} [التحريم] ، وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} [الحجرات:6] ، فدل على خروجه من القسمين الأولين لأنه لا يأتيهم مع إقامتهم للحرب عليه.
فإن قيل: فلم نعلم منه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- جهاداً للمنافقين.
قلنا: بعد نزول هذه الآية لم يدع أحداً من أهل النفاق على نفاقه، بل يجاهده ويغلظ عليه لأنه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أتبعُ الخلق لأمر ربِّه، وأطوعُهم لخالقه.
فإن قيل: إنهم تستروا عنه حتى لم يظهر على شيءٍ من أمرهم.
فذلك جائز، فأكثر ما كان يعمل مع الفساق يقيم عليهم الحدود فيما يوجب الحدود؛ لأنه لم يكن لهم شوكة تجيز قتالهم كما كانوا في وقت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عَلَيْه السَّلام- ومن ثم إلى يومنا هذا تقوت شوكتهم، فالله المستعان.
وإقامة الحد لا تكون مجاهدة، لأن المجاهدة مفاعلة فلا تكون إلا بين اثنين وفيها مشقة تلحق كل واحد منهما؛ هذا في أصل اللغة.
فأما العرف: فلأنّا نعلم أن الإمام إذا أقام الحد على إنسان لم يقل: إن فلاناً جاهد الإمام، وإنما يقال: أقام الحد عليه، والفاسق على وجهين: فاسق من جهة التأويل، ومن جهة التصريح، ولا وجه لتفصيل ذكره ها هنا.
[ذكر شاهد -على مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- من الكتاب]
وفي مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(104)}[آل عمران] ، وهذا الأمر يقتضي الوجوب.

(1/100)


[ذكر شاهد -على أن الإمام بعد رسول الله (ص) بلا فصل أمير المؤمنين(ع) من الكتاب]
وفي مسألة الدلالة على أن الإمام بعد رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بلا فصل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام-، قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55)} [المائدة] فهذه الآية، توجب الولاية في جميع الأوقات، إلا ما خصَّه الدليل، وهي أوقات رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، فثبت أنه الإمام بعده دون جميع البشر.
[الأدلة على إمامة الحسنين بعد والدهما(ع)]
وفي مسألة أن الإمام بعده ولداه الحسن والحسين -عَلَيْهما السَّلام-:
[الدليل الأول: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ....}]
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ(21)}[الطور] .
ووجه الإستدلال بهذه الآية: أن الله -تعالى- قد أخبرنا فيها أن الذرية إذا اتبعت الآباء ألحقهم بهم وهو سبحانه لغناه وعلمه لا يخبر إلا بالحق.
وتحرير ذلك بطريقة التقسيم: أنَّا نقول([1]): لا يخلو إما أن يلحقهم تعالى بهم كما قال أو لايلحقهم.
وإن ألحقهم بهم فلا يخلو: إما أن يلحقهم بهم في أحكام الدنيا دون أحكام الآخرة، أو في حكم الآخرة دون أحكام الدنيا، أو في مجموع أحكام الدارين، وهذه القسمة كما ترى، دائرة بين النفي والإثبات، وذلك دلالة الصحة بالإضطرار.
باطل أن لا يلحقهم بهم في شيءٍ من ذلك لأنه قد أخبر بإلحاقه لهم بهم وخبره حق، لما يأتي بيانه في أبواب العدل، فثبت أنه تعالى يلحقهم بهم.
ثم لا يخلو: إما أن يُلحقهم بهم في أحكام الآخرة، أو في أحكام الدنيا، ولا واسطة بين الحكمين؛ فلزم أن لا بد من أحدهما.
_____________________
([1])ـ وفي نسخة: لا يخلو إما أن يلحقهم بهم في أيام الدنيا دون أحكام الآخرة أو في حكم الآخرة دون أحكام الدنيا أو في مجموع أحكام الدارين. انتهى.

(1/101)


قلنا: ولا يجوز أن يريد سبحانه بذكر إلحاقهم بهم في أحكام الآخرة لأمرين:
أحدهما: القرينة اللفظية في آخر الآية وهو قوله تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ(21)}[الطور] ، فثبت بذلك أن أحداً لا يلحقه حكم أبيه في الآخرة، وقد خالفتنا([2]) في ذلك المجبرة، ولا وجه لذكر خلافهم ها هنا.
والثاني: القرينة المعنوية في وسط الآية وهي قوله تعالى: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}[الطور:21] ، فنبَّه سبحانه بذلك على أنه يريد الإلحاق في أحكام الدنيا؛ لأن الألت في أصل اللغة هو النقص ، والنقص من عمل العامل لا يجوز عليه سبحانه، فلزم من ذلك أن أولادهم لا يشركون في أحكامهم الأخروية، لأن التبعيض يوجب النقص بالإتفاق؛ ولأن ثواب العمل لا يستحقه إلا عَامِله، خلافاً للمجبرة على ما ذلك مقرر في مواضعه من كتب العدل.
ولا يجوز أن يلحقهم بهم سبحانه في مجموع الأمرين من أحكام الدنيا والآخرة، لما بينا من الموانع أن يراد بذلك أحكام الآخرة، فلم يبق إلا أن المراد بذلك إلحاقه لهم بهم في أحكام الدنيا، وإلا تعرت الآية الشريفة من الفائدة رأساً، وذلك لا يجوز، فلم يبق إلا أن المراد بذلك إلحاقه سبحانه لهم بأبائهم في أحكام الدنيا فيما عليهم ولهم، فبذلك قضى الله تعالى على أولاد الأرقاء بالرق في هذه الدنيا وهو حكم آبائهم ليصبروا، وقضى لأولاد الأنبياء -عَلَيْهم السَّلام- بالإمامة والزعامة إلحاقاً لهم بحكم آبائهم ليشكروا، فمن شكر من هؤلاء أُجر، ومن صبر من أولئك أُجر، ومن كفر من هؤلاء ثبر([3]) ، ومن جزع من أولئك دحر([4]) ، فلا وجه لمتأمل ينكر به ما ذكرنا من وجوه الإستدلال، والحمد لله.
_______________________
([2]) ـ في (ن): خالفنا.
([3]) ـ التثبير هو: المنع، والصرف عن الأمر، والتخييب، واللعن، والطرد.
([4])- الدحر: الطرد والإبعاد، والدفع.

(1/102)


فإذا كان ذلك كذلك وقد ثبت للأب الذي هو أمير المؤمنين -صلوات الله عليه وآله وسلم- تصرف عام على الكافة في أمور مخصوصة يتبعها أحكام مخصوصة؛ ثبت مثل ذلك لولديه الحسن والحسين -صلوات الله عليهما- ولأولادهما من بعدهما -عَلَيْهم السَّلام-، على ما يأتي بيانه إنشاء الله تعالى.
[الدليل الثاني: قوله تعالى : ((قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ))]
ومما يؤيد ما قلنا: قول الله -تعالى- في خليله إبراهيم -صلوات الله عليه-: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)}[البقرة] .

(1/103)


ووجه الإستدلال بهذه الآية: أنَّا نعلم وكل عاقل متأمل أن الله -تعالى- إستجاب دعوة خليله إبراهيم، لأن الإمامة بإجماع كافة أهل الشرائع؛ لم تخرج عن ذرية إبراهيم -عَلَيْه السَّلام- من يوم دعوته -صلى الله عليه- إلى يومنا وإلى يوم الدين، وإنما كانت في إسماعيل وإسحاق، والكل بالإتفاق ذرية إبراهيم، وذلك ثابت لمن خصَّه الله به من ولد إسماعيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، وبهذا([5]) بطل قول الإمامية والباطنية بأن الإمامة مستقرة في ولد الحسين ولا يجوز رجوعها بعد ذلك إلى الحسن، لأن رجوعها إلى ولد إسماعيل ثابت بإجماع كافة المسلمين ، وكان يلزمهم على هذا الوجه أن تستقر في ولد الحسن ولا ترجع إلى ولد الحسين -عَلَيْه السَّلام-، وإن كنا لا نقول بذلك وإنما ألزمناهم على قولهم كما ثبت مثل ذلك في ولد إسماعيل ، ولا سبيل لهم إلى نقض هذا الأصل إلا بالإنسلاخ ظاهراً عن الدين ، وإنما نبَّه تعالى بقوله : {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)}[البقرة] ، على أنه لا حق للظالمين فيها، لأنهم بظلمهم لأنفسهم يمنعون من أقل ما يستحقه آحاد المسلمين من سهام المجاهدين، وخمس غنيمة الغانمين، فكيف يطلق لهم ما فوق ذلك من التصرف العام في جميع العالم؟! ، ذلك مما تأباه العقول، ويمنع منه الدليل، وهذا بحمد الله ظاهر للمتوسمين، فوجب ثبوتها للمؤمنين، وإلحاقه سبحانه لأبنائهم بهم في أحكام الدنيا، إلا ما خصَّه الدليل، إلى يوم الدين.
______________________
([5]) ـ في (ن): ولهذا يبطل قول الإمامية والباطنية.

(1/104)


[الدلالة من العقل على وجوب استجابة دعوة الأنبياء على رب العالمين]
وما يدل على وجوب إستجابة دعوة الأنبياء على ربِّ العالمين بدلالة العقل: أن مراده تعالى في بعثتهم أن يَتَّبِعَهم العالَمُون، ولا ينكر ذلك أحد من المسلمين، فلو لم يستجب دعوتهم لنفر ذلك عنهم الراغبين، والمصغين إليهم من المسترشدين، وذلك يعود على مراده في بعثهم بالنقض والإبطال؛ وذلك لا يجوز ، لأنه يكون عبثاً، والعبث قبيح، والله -تعالى- لا يفعل القبيح على ما ذلك مقرر في كتب علم الكلام.
ومثاله في الشاهد: أن رجلاً لو أتى إلينا وادعا أنه خاصَّة الملك وأتى على ذلك بالشهود، ثم رأيناه يسأل الملك أمراً هو عليه هين ولا مانع له منه، ثم لم يعطه إياه ولا يقبل عليه فيه، فإنه يسقط من أعيننا، ومنزلته لدينا، وإن كان الملك قد صدقه في دعواه الأولة بحضرتنا علمنا أنه قد بدى له منه ما يوجب الإستخفاف به، فيكون ذلك أقوى للصرف عن الإتباع له؛ والإصغاء إليه، ومثل ذلك لا يجوز عليه تعالى.
[شبهة في دعاء إبراهيم لآزر والجواب عليها]
فإن قيل: أفليس قد دعا إبراهيم -عَلَيْه السَّلام- لأبيه فلم تستجب دعوته؟!.
قلنا: إنما دعا لأبيه مشروطاً بسلامة الحال، والإستمرار على الإنابة إلى ذي الجلال، وذلك ظاهر؛ لأنه سبحانه أخبر أن دعاه كان لوعده له أنه إن دعى([6]) له تاب إلى الله -تعالى- فلما علم خليله أن وعده مدخول، وعزمه منقوض، وأنه لا خير فيه، فتبرأ عنه عند ذلك وأبدى له البغضاء، وأوصل إليه -عَلَيْه السَّلام- ما أمكنه من منافع الدنيا، والدعاء المشروط لا يجاب إلا بعد الإتيان بالشرط، فافهم ما سألت عنه موفقاً.
[شبهة؛ هل تقف أفعاله تعالى على شروط تحصل من قبلنا؟ والجواب عليها]
فإن قيل: كيف يقف ما ذكرتم من إلحاق الله -سبحانه وتعالى- للأبناء بالآباء كما ذكرتم في أحكام الدنيا على شرط؟، وهل تقف أفعاله تعالى على شروط تحصل من قبلنا؟.
_________________________
([6])- لقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ(114)} [التوبة].

(1/105)


قلنا: نعم؛ وذلك ظاهر لأن الأمر فيه أعم، لأن أكثر أحكامه سبحانه فينا وعلينا في الآخرة والدنيا، موقوف على أفعالنا، ألا تسمع إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى}[محمد:17] ؟!، فشرط سبحانه شرطاً معنوياً لزيادة الهدى الذي هو من فعله بوقوع الإهتداء الذي هو من فعلنا ، ولأن حكمه علينا بالإيمان تابع للإيمان الذي هو فعلنا وهذا ظاهر، فلا وجه للإطالة فيه.
[شبهة في أن الاستدلال بآية :{إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} ..إلخ يوجب ثبوت الأمر لجميع أولاد علي(ع) والجواب عليها]
فإن قيل: فإن سلم لكم إستدلالكم فيما تقدم بما قدمتم من البراهين فها هنا أمر نأتي به يهدم قاعدة بنيانكم، وهو: أن إستدلالكم في هذه الآية يوجب ثبوت الأمر لجميع أولاد علي -عليه وعليهم السلام-، فإما أن تثبتوا الإمامة للجميع، وإما أن تنقضوا ما قدمتم.
[الجواب في تخصيص أولاد الحسن والحسين(ع) بالإمامة]
قلنا: عن هذا السؤال جوابان، جدلي، وعلمي:
أما الجدلي([7]): فهو أن أحداً من أولاد علي -عَلَيْه السَّلام- سوى ولد الحسن و الحسين -عَلَيْهم السَّلام- لم يدعها لنفسه من لدن علي -عَلَيْه السَّلام- إلى يومنا هذا، مع سلامة الأحوال وتراخي الأعصار، وقد كان فيهم -رضي الله عنهم- من بلغ الغاية القصوى في الفضل والعلم وجميع الخصال، فلولا علمهم بأنَّ الإمامَّة في غيرهم لادعوها كما ادعاها غيرهم بجهله، فأبطل آباؤنا عليكم ومن تابعهم بالأدلة دعواه، ودعوى من يدعي لهم لا تقبل لو كان في عرض يساوي ربع درهم، فكيف ألا تقبل في الإستحقاق ووراثة النبوءة، لأن الدعوى للغير في الشرع لا تسمع إذا كانت عن غير ولاية ولا وكالة له، فكيف بطالب تصحيحها؟!.
فإن قيل: فإن ادعاها مُدعٍ منهم الآن؟.
_______________________
([7]) - وسادسها: سأل عن الجدلي ما هو ، وما معناه؟
الجواب : أن الجدلي هو ما تقطع به خصمك بما سلمه وإن كان لا يوصلك إلى العلم ، كما أن المطرفي يخص فعل العبد في حركة وسكون ، ونحن نقول فعل العبد سواهما ؛ فإن قال : لا ، قلنا : أخبرنا الألم بحركة أو سكون ، أو كل الفعل أو بعضه ؛ فإن كان سكوناً بطل بضده ، وكذلك إن كان حركة .
ونقول : هل العلم حركة أو سكون ؟ وهل الجمع ، وهل التأليف ، وهل الظن ، وهل الإرادة ، وكل شيء من هذا، نقطعه ولكنه لا يوصل إلى العلم ، وإنما يوصل إليه الدليل العلمي .

(1/106)


قلنا: تبطل دعوا ه بإجماع السلف السابق من الفريقين -عَلَيْهم السَّلام- على أن الإمامة مقصورة على ولد الحسن والحسين -عَلَيْهم السَّلام- بعد بطلان قول أصحاب النص، وسنذكر بطلانه فيما بعد إنشاء الله -تعالى- والإجماع آكد الدلالة.
فإن قال: وما الطريق إلى الإجماع على ذلك؟.
قلنا: تراخي الأعصار مع سلامة الحال، وكون ذلك مما على الجميع فيه التكليف، ولم يظهر دعوى الجواز فضلاً عن الوقوع وبهذه الطريقة يعلم الإجماع في سائر الأمور؛ بل هي أقوى طرق الإجماع على ما ذلك مقرر في كتابنا الموسوم -بصفوة الإختيار- في أصول الفقه وغيره، فمن ادعى ذلك الآن منهم لم يتبع سلفه الصالح -رضي الله عنهم- بإيمان، وقد بينا أن الإلحاق مشروط بالإيمان.
وأما بالطريقة العلميَّة، فنقول: إن الإستدلال بالآية عام، كما ذكرتم، وكان يقتضي دخول الكافة فيه، ولكن ها هنا دليل أوجب تخصيص العموم، وتخصيص العموم بأدلة جائز.
فإن قيل: وما ذلك الدليل؟.
قلنا: إجماع العترة الطاهرة -عَلَيْهم السَّلام- على أن الإمامة مقصورة عليهم؛ دون غيرهم من سائر الناس، وإجماعهم حجَّة، لما يأتي بيانه، والإجماع آكد الدلالة.
فإن قيل: إن إجماعهم حجَّة فيما يرجع إلى غيرهم.

(1/107)


قلنا: هذا تخصيص بغير دليل وذلك لا يجوز، ولأن الشاهد لهم، الذي قضى بصحَّة دعواهم لأنفسهم، غيرهم وهو النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، ألا ترى أنه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لو قال فلان صادق في جميع القول لصدقناه، وإن إدعى لنفسه على غيره بقول النبي - صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم - لصدق المدعي لنفسه ما قال، وهو -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم - أصدق الشاهدين، وصدِّيق الصَّادقين، لا ينكر ذلك أحد من المؤمنين؛ لأن دلالة([8]) إجماعهم عمت ولم تخص، فهذا القول يؤدي إلى نقضها وذلك لا يجوز؛ لأن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أمر باتباعهم عموماً في الأقوال والأفعال، ولم يخص حالاً من حال ، وأمَّن في إتباعهم من مواقعة الضلال، ولأن هذا يفتح باب الجهالات، ويسد طريقة الإجماع وذلك باطل ، لأن أكثر ما أجمعت عليه الأمَّة إنما وقع في أمور ترجع إليها، فكما لا يجوز الإعتراض بذلك على الأمَّة لا يجوز على العترة -عَلَيْهم السَّلام-، وفيما تقدم كفاية لمن تأمّله.
[الأدلة على أن الإمامة محصورة في أولاد الحسن والحسين(ع)]
[الدليل الأول آية الإجتباء]
وفي مسألة أن الإمامة محصورة في أولادهما، قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}[الحج:78] .
______________
([8]) ـ في (ن): لأن أدلة.

(1/108)


ووجه الإستدلال بهذه الآية: أن الله -تعالى- أمر أولاد إبراهيم -عَلَيْه السَّلام- أمراً ظاهراً بالجهاد في الله -تعالى- حق الجهاد، ولا يكون ذلك كذلك إلا بتجييش الجيوش، وعقد المراكب ، وشن الغارات، وحمل من عصى الله -تعالى- على طاعته حتى يتمحض الجهاد فيه عز وجل، ويتعرى عن غرض آخر بجميع وجوه الإمكان، من شدة ولين، وإقامة الحدود، وحفظ البيضة ، وسد الثغور، وسياسة الجمهور، وقتل المحاربين، وسَوق الهاربين، وأخذ أموال الله -تعالى- ممن وجبت عليه طوعاً وكرهاً، وصرفها في مستحقها، إلى غير ذلك من سائر أنواع أعمال الإمامة، وإنما قلنا ذلك لأنه لا يعقل من إطلاق الجهاد في الله - تعالى - حق الجهاد إلا ما قدمنا، بدليل أنه لايجوز أن يقول القائل إن فلاناً حارب أعداء الله -تعالى- فشن عليهم الغارات، وقاد إليهم المقانب([9])، ونصب لهم المكائد، وأدار في حربهم أنواع الحِيَل ، وهجر له النوم، وجمع العدة ، ورتب الأمر فيه على مقتضى حكم السياسة ولم يجاهدهم مع ذلك حق الجهاد؛ بل ينفي ما قدمنا، ويقول القائل: إنه جاهدهم حق الجهاد ، فثبت أن المجاهدة في الله -تعالى- حق جهاده الواجب فيه لا يكون إلا بما قدمنا ذكره وبمثل([10]) ذلك تعرف الحقائق في كل أمر.
_______________
([9]) - المقانب: جمع مقنب وهو طائفة من الخيل مابين الثلاثين إلى الأربعين.
([10])ـ في (ن) : ومثل.

(1/109)


وكما أن هذا يدل على ما ذكرنا هو أيضاً يدل على بطلان دعوى من يدعي الإمامة لمغلق الباب مِرخي الستر، لأن أقل أحوال من يستحق الإمامة أن يشهر نفسه، ويظهر للخاص والعام أمره، حتى تسقط الحجة عنه، ويتعلق الفرض بغيره، فإذا كان ما ذكرنا وكان سبحانه وتعالى قد أمر بذلك والأمر يقتضي الوجوب، لأن ترك مقتضى الأمر معصية، ومعصية الحكيم -تعالى- لا تجوز، فلا يخلو: إما أن يريد سبحانه ذلك من كل ولد إبراهيم -عَلَيْه السَّلام- أو من بعضهم، وباطل أن يريد سبحانه ذلك من كلهم؛ لأن اليهود والنصارى والكفار والفساق منهم، يجب أن يُجَاهدوا بدليل آيات الكتاب الكريم وإجماع الأمة والعترة - عليهم السلام- على ذلك ؛ فكيف يُجَاهِدُ في الله من يجب جِهَادُه لله؟!، ولا يخفى هذا على عاقل، فبقي أن المراد بمقتضى الآية بعضهم دون كلهم، ولأن الآية مخصوصة.
قلنا: وباطل أن يراد بذلك سائر القبائل من مسلمي ولد إبراهيم -عَلَيْه السَّلام-؛ لأن جميع ما ذكرنا من الجهاد في الله -سبحانه-حق الجهاد؛ لا يكون إلا للأئمة بالإجماع من العترة الطاهرة -عَلَيْهم السَّلام- والأمة؛ لأن الأمة وإن خالف بعضُها العترةَ الطاهرة في نصب الإمامة ؛ فالكل مجمع على أن إقامة الحدود، وتجييش الجيوش إلى سائر ما ذكرنا لا يجوز إلا للأئمة دون غيرهم ، فثبت أن مقتضى الآية يفيد معنى الإمامة.
[الكلام في خبر : ((الأئمة من قريش))]
ولا يجوز ثبوت الإمامة لسائر القبائل من ولد إبراهيم -عَلَيْه السَّلام- لقول النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((الأئمة من قريش))، فخصهم بالذكر دون قبائل ولد إبراهيم -عَلَيْه السَّلام-.
والكلام في هذا الخبر يقع في موضعين:
أحدهما في صحته.
والثاني في وجه الإستدلال به.

(1/110)


أما الكلام في صحته: فلا خلاف بين أهل العلم من الأئمة([11]) والأمة أنه احتجّ به أبوبكر يوم السقيفة، وأنه ظهر بين كافة الصحابة فلم ينكره أحد؛ مع تضمنه لأمر مهم من أمر الدين، فجرى مجرى الأخبار التي ___________________
([11])- قد استكمل البحث في حديث ((الأئمة من قريش)): الإمام الحافظ الحجة الولي مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله وأبقاه في كتاب مجمع الفوائد، وذكر تخريجه من كتب أهل البيت -عَلَيْهم السَّلام-، ومن كتب العامة، وأسهب وأطال في تخريجه وفي الكلام على صحته، وتخريج ألفاظه بروايات اتفق عليها الموالف والمخالف، وسنذكر بعض من رواه على جهة الإختصار:
فممن رواه إمام الأئمة الإمام زيد بن علي عليه السلام في مجموعه، ورواه في الجامع الكافي عن محمد بن منصور المرادي عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- أنه قال : ((الأئمة من قريش ما إذا حكموا فعدلوا ، وإذا اقتسموا أقسطوا ، وإذا استُرحموا رحموا ، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) .
ورواه الطبراني في الأوسط (5/71) رقم (6610) عن أنس بلفظ : ((الأئمة من قريش ولي عليكم حق عظيم ، ولهم ذلك ما فعلوا ثلاثاً : إذا استُرحموا رحموا ، وإذا حكموا عدلوا ، وإذا عاهدوا وفوا ، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) وفي الأوسط أيضاً من طريق أخرى بلفظ آخر (2/353) رقم (3521) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (5/195) وعزاه إلى الصغير، ورواه في نهج البلاغة.
ورواه في البخاري عن ابن عمر بلفظ ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)) وقد ترجم بلفظ باب الأمراء من قريش.
ورواه الطبراني بلفظ ((الأئمة من قريش)) ورواه أيضاً في فتح الباري لابن حجر العسقلاني من حديث قال في آخره ((الأمراء من قريش)).
وأخرجه الطبراني والطيالسي والبزار والمصنف في التاريخ، عن أنس بلفظ ((الأئمة من قريش ما إذا حكموا فعدلوا))، وأخرجه النسائي والبخاري في التاريخ وأبو يعلى من طريق بكير الجزري عن أنس.
ومن أراد إكمال البحث في هذا الخبر وصحته، فليرجع إلى ص277 من مجمع الفوائد.

(1/111)


يقع الإجتماع على مقتضاها كخبر عبدالرحمن بن عوف في قصة المجوس([12]) وغيره.
وأما وجه الإستدلال به: فظاهر لأنه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- خص قريشاً بأن الأئمة منهم دون سائر القبائل من مسلمي ولد إبراهيم -عَلَيْه السَّلام-؛ فخرج من سواهم عن ذلك بدلالة الخبر.
[بيان بطلان استدلال المعتزلة بخبر((الأئمة من قريش)) على صحة الإمامة في جميع قريش]
فإن قيل: فهذا الخبر كما يدل على ما ذكرتم هو دليل على ما ذهبت إليه المعتزلة في صحة الإمامة في جميع قريش دون غيرهم، بل هو عمدتهم في الإستدلال.
قلنا: بل هو بعينه دليل على نفي ما ذهبت إليه المعتزلة؛ لأن قوله عليه وآله السلام: ((الأئمة من قريش))، يدل على أنهم بعض قريش، وذلك قولنا؛ لأن أولاد الحسن والحسين -عَلَيْهم السَّلام- أشرف أبعاض قريش، لأن أكثر ما يقولون فيه إن (مِنْ) هاهنا لبيان الجنس، ونحن لا نأبى ذلك؛ لأن ولد الحسن والحسين -عَلَيْهم السَّلام- من صميم جنس قريش، فسقط من أيديهم ظاهر الخبر.
ثم نقول مع ذلك: كما أنها تدل على الجنس هي تدل على البعض، ولا تنافي بين المعنيين فوجب حملها على مجموعهما؛ لأن إطراح أحد المعنيين يكون إطراحاً لمعنى كلام النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بغير مانع، وذلك لا يجوز، فبطل ما قالوه؛ ألا ترى أن سائر القبائل من ولد إبراهيم - عليه السلام- وغيرهم من الأنصار وسائر العرب؛ لما انحَسَم([13]) طمعهم في الإمامة لدلالة الخبر بقي أهل الأمر من أهل البيت -عَلَيْهم السَّلام- وأتباعهم على دعواهم، في أن الأمر لهم دون سواهم، من سائر أبيات قريش حتى وقع القهر الذي لايدل على صحة صحيح، ولا بطلان باطل.
_______________________
([12]) - وهو أن عمر قال : ما أدري ما أصنع في أمر المجوس وكثرت مساءلته عن ذلك حتى روى عبدالرحمن بن عوف عنه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- أنه قال : ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم)) . انتهى .
([13]) - انحسم : أي انقطع .

(1/112)


وقولنا لا يدفعه عاقل متأمل، لأن ولد الحسن والحسين -عَلَيْهما السَّلام- من قريش فثبتت الجنسية، وهم بعض قريش فوجب التخصيص، ألا ترى أن قول القائل: هذا الخاتم من فضة كما يدل على أن جنس الخاتم العين المخصوصة المسماة فضة، يدل بنفسه على أنه بعض الفضة؛ بل يستحيل خلافه ، ومثل ذلك يلزم فيما قدمنا، لاستحالة صحة الإمامة في جميع قريش؛ لأن أكثرهم لا تجوز إمامته بإجماع الأمة؛ كالمجاهرين وفساق المتأولين ؛ فصحّ أن المراد بمقتضى الآية على الترتيب الذي ذكرناه ولد الحسن والحسين -عَلَيْهم السَّلام- دون غيرهم.
[بيان بطلان قول من أثبت الإمامة لبعض قريش دون ولد الحسن والحسين(ع)]
فإن قيل: فما تنكرون على من يحتجّ بحجتكم هذه فيثبت الإمامة لبعض قريش دون ولد الحسن والحسين -عَلَيْهم السَّلام- ويقصرها عليهم ويأتي بإستدلالكم على نسقه؟.
قلنا: ذلك باطل لوجهين:
أحدهما: أنه لا قائل بهذا القول من الأمة؛ فإحداثه يكون إتباعاً لغير سبيلهم وذلك لا يجوز.

(1/113)


والثاني: إجماع الأمة على صحتها فيهم، واختلافهم فيمن سواهم، والإجماع آكد الدلالة؛ فثبت أن الإمامة مقصورة -بما قدمنا من الآية- على ولد الحسن والحسين -عَلَيْهم السَّلام-، فتأمّل -رحمك الله تعالى - هذه الآية من كتاب الله ما أدقها، وأخطارها ما أجلها، وبراهينها ما أظهرها، ولو استقصينا ما نعلم من معاني هذه الآية، وما تشتمل عليه من الأدلة ، ويتعلق بها من الأغراض الشريفة، لما أتينا على جميع ذلك إلا في مدة طائلة، لأنها - أعني الآية الشريفة - كما تدل على صحة الإمامة في آل البيت -عَلَيْهم السَّلام-؛ هي بعينها تدل على أن إجماعهم حجة ؛ لأن الله - تعالى- أخبر في الآية أنه اجتباهم؛ والإجتباء هو الإختيار، وجعلهم له شهداء على الناس، وهو سبحانه لحكمته لا يجعل له شهداء على عباده إلا العدول، والعدول لا يقولون إلا الحق، والحق لا يجوز خلافه، ونحن لا نريد الحجة إلا ما يجب إتباعه، ويحرم خلافه؛ فثبت بذلك أن إجماعهم حجة، وسنبسط الكلام فيه فيما بعد إنشاء الله، تعالى.
فهذا كما ترى إشارة إلى ما ذكرنا من سعة معاني كتاب الله -تعالى- فالحمد لله الذي جعلنا من ورثة كتابه وقرنه بنا، وقرننا به؛ حمداً كثيراً.
[ذكر شاهد -على وجوب الولاء والبراء- من الكتاب]
وفي وجوب الولاء والبراء: قوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[المجادلة:22] .

(1/114)


ووجه الإستدلال بهذه الآية: أن الله -تعالى- نفى الإيمان عمَّن ودَّ مَنْ حادَّ الله -سبحانه- ورسوله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- من قريب وبعيد على سبيل العموم؛ بل قد زاد سبحانه ذلك بياناً بذكر الآباء ولا أخص منهم،والأبناء ولا أقرب منهم، والإخوان ولا أولى منهم، والعشيرة ولا أدنى منهم، فكيف بمن سواهم؟!.
فصل: [في ذكر طرف من معنى الولاء والبراء]
وإذ قد ذكرنا الولاء والبراء فلنذكر طرفاً من معناهما؛ لأن أكثر الناس إنما أُتي من الجهل بمعاني كتاب الله -سبحانه-، وقلّة الفزع إلى عترة نبيه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- الذين هم تراجمة الكتاب، وأولى الناس بالهدى والصواب، واستغنائهِ بعلم نفسه بزعمه عن علم أهل ذلك النصاب، الذين جعلهم الله -سبحانه- لبَّ اللباب، وقرنهم بالكتاب.

(1/115)


[بيان أن الموالاة والمعاداة لا تكونان إلا بالقلب]
إعلم؛ وفقنا الله وإياك: أن الولاء والبراء يعودان في التحقيق إلى المحبَّة بالقلب والقصد والإرادة والرضى، ومعنى ذلك أن تحب للولي ما تحب لنفسك من أنواع الخير في الدنيا والآخرة، وتكره له ما تكره لنفسك من شرور الدنيا والآخرة لمجرد إيمانه، وإن لم يصل إليك نفع من قبله، والعاصي بالعكس من ذلك إلا في أمر الدنيا؛ فلا تكره ما وصل إليه من نعم الله -تعالى- لأنك لو كرهتها كرهت ما أراد الله - تعالى-، ولا يجوز لأحد أن يكره مراد الحكيم؛ لأنه سبحانه يكمل عليهم النعمة في الدنيا ليلزمهم الحجة في الآخرة، كما قدمنا في مسألة الأرزاق، ويكره له جميع خيرات الآخرة بشرط موته على معصية ربِّه؛ لأن الله -تعالى- يكره أن يوصل إليه خير الآخرة، فتكون إذ ذاك في الحالين مطابقاً لمراد مولاك الحكيم - سبحانه - وتحب له التوبة والرجوع إلى الله -تعالى- وهي من أجل خير الدنيا؛ بل يبذل الجهد، ويستفرغ الوسع في حصولها لكل أحد؛ لأن الله - تعالى- أمر بذلك، وهو لا يأمر إلا بما يريد ويحب؛ فبذلك يتضح لك أن الإحسان إلى العاصي لا يكون موالاة عند أهل العلم من أهل البيت -عَلَيْهم السَّلام-، وأتباعهم من العلماء -رضي الله عنهم-؛ لأن الله -تعالى- محسن إلى الكفار والفساق بالأنواع الجلية الواجبة الشكر في الدنيا نحو الحيوة والصحة اللتين ترجُحان بالدنيا وما فيها لو قُوِّما، والأموال، والأولاد، والإمهال بعد الإستحقاق للنقمة ، الذي يتمكن معه من أراد الرجوع من الرجعة والتوبة؛ ولهذا يجب عليهم شكره تعالى في جميع الأوقات.

(1/116)


ولا يجوز إطلاق القول بأنه تعالى مُوَالٍ لهم؛ بل ربما يقرب هذا القول من الكفر ممن قال به؛ لأنه رد لظواهر الكتاب والسنة التي لا تحتمل التأويل؛ فصح الفرق بين الأمرين بأجلى برهان؛ ولأن المعلوم من حال النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أنه كان يحسن إلى الكافة ممن أمكنه الإحسان إليه من مؤمن وكافر، وبر وفاجر؛ بل كان ذلك خلقه وسجيته يذكره أولياؤه، فلا ينكره أعداؤه.
ولا يجوز إطلاق القول بأن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- كان موالياً لهم، وقد قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا(8)إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(9)}[الإنسان:8-9] ، روي أن هذه الآيات، نزلت في السبَّاق إلى الخيرات ، علي بن أبي طالب - عليه السلام-، ولا شك أن الأسير في تلك الحال لا يكون إلا مشركاً، وعلي -عليه السلام- غير موال للمشركين؛ بل هو أشدّ الناس لهم عداوة بعد الرسول الأمين -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، فصح أن الموالاة والمعاداة يرجعان إلى البغضة والمحبَّة لا سيما وقد أيد الله -تعالى - ذلك بقوله: {لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8)}[الممتحنة]،

(1/117)


وهذا([14]) كما ترى تصريح منه سبحانه بأن برهم: وهو الإحسان إليهم، والإقساط: وهو العدل فيهم، مما يحب اللهُ فاعلَه، وهم لا شك في ذلك عند أهل العلم في تلك الحال كافرون؛ ولأن الله -تعالى- ورسوله - صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم - كان قبل المهاجرة غير محارب لهم، وإنما كان داعيا كما أمر الله - تعالى - إلى سبيله بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن؛ ولا يجوز وصفه -صلوات الله عليه- بأنه والى أحداً من المشركين طرفة عين، وقد صح بمجموع هذه الأدلة التي في بعضها كفاية لمن اكتفى أن الموالاة والمعاداة -التي هي المباراة- لا يكونان إلا بالقلب، ولا شك أن التعبد به أشق؛ لأنه مما يختص الله -سبحانه- بالإطلاع عليه؛ فيجب على العاقل أن يجتهد في أن قلبه لا يخلو من حب المؤمنين لمجرد إيمانهم، وإن لم يصل إليه منهم نفع، وفي بغض العاصين لمجرد معصيتهم، وإن لم يصل منهم ضرر؛ بل وإن وصل إليه منهم نفع ؛ لأن نفع الله له أجل، وحقه عليه أوجب، وإن لم يظهر شيئاً من ذلك؛ لأغراض صحيحة دينية إما رجاء توبتهم إلى الله تعالى وإقبالهم، وإما استكفى مضرتهم، إلى غير ذلك، هذا كله في غير وقت الإمام.
فأما في وقت الإمام ففرضُ كلِّ مؤمنٍ الإئتمارُ والتسليمُ له في المحبوب والمكروه، فقد رأيت كيف دلَّ السَّمعُ على جميع مسائل أصول الدين وفروعه وكان كما قال الله -سبحانه وتعالى- فيه:{تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل:89] ، وكل مسألة مما قدمنا؛ عليها أدلة كثيرة، موجودة ظاهرة، من الكتاب الكريم، والسنة الشريفة الماضية، ولم نذكر معاني ما قدمنا الإحتجاج به من الآي؛ لأن أكثر مواضعها متأخرة في الترتيب، وأكثرها لا يصح الإحتجاج به ابتداءً إلا بعد الدلالة العقلية، وكان مقصودنا بما ذكرنا من الآيات التنبيه والإشارة إلا أثنى الإستدلال على إمامة الحسن والحسين -عَلَيْهما السَّلام- وأن الإمامة مقصورة على أولادهما، فقد ذكرنا في معانيهما وجوهاً كافية لمن طلب الهداية.
____________________
([14]) ـ في (ن): فهذا.

(1/118)


[ذكر حجج الله على خلقه]
فإن قال قائل: وكم حجج الله -تعالى- على خلقه التي جعلتم بعضها أصلاً وبعضها فرعاً وجعلتم جملتها مع ذلك في وجوب الإتباع واحدة؟.
قلنا: حجج الله -تعالى- على خلقه أربع:
أولها: العقل، وثانيها: الكتاب، وثالثها: السنة، ورابعها: الإجماع.
[بيان ما هو الإجماع وذكر أقسامه]
فإن قيل: وما الإجماع؟، وإلى كم ينقسم؟.
قلنا: الإجماع: هو الإتفاق على قول، أو فعل ، أو ترك، أو تقرير، ومعناه ظاهر في اللغة والشرع، وهو ينقسم إلى: إجماع الأمة، وإجماع العترة، وإجماع الأمة ينبني على إجماع العترة، ولا يصح بدونه، وإجماع العترة -عَلَيْهم السَّلام- لا يفتقر إلى إجماع الأمة؛ بل يصح بدونه؛ فإذا هم -عَلَيْهم السَّلام- أصل كل حق، وقرار([15]) كل صدق، ولا شك عند أهل البصائر الذين وفقهم الله -تعالى- للإقرار بفضلهم أنهم أصل الدين وقِوَامُه، وعمدَتُه ونظامُه، وشرفُه وتمامه، وولاتُه وحكامُه، ولكل واحد من الإجماعين حكم يخصه، وليس هذا موضع تفصيل الكلام فيه والتطويل بذكره؛ لأن موضع ذلك أصول الفقه، وقد أودعنا الكتاب الذي وسمناه بـ (صفوة الإختيار في أصول الفقه) ما يقنع كل طالب، ويشفي كل راغب ، فلا حاجة بنا ها هنا إلا إلى ذكر إجماع العترة -عَلَيْهم السَّلام-؛ لأنَّا قد قدمنا الوعد بذلك، وبعض ما تقدم من المسائل في هذا الكتاب وتأخر مبنية عليه، فوجب لذلك ذكره ها هنا.
___________________
([15]) ـ في (ن): وقرارة كل صدق.

(1/119)


فمذهبنا أن إجماع العترة -عَلَيْهم السَّلام- حجة، وهو مذهب أتباعنا الزيدية، ومذهب الشيخين أبي علي([16]) وأبي عبدالله([17]) وأتباعهما من المعتزلة.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه من أن إجماعهم -عَلَيْهم السَّلام- حجَّة: الكتاب والسنة.
[الأدلة من الكتاب على حجيَّة إجماع أهل البيت(ع) ]
أما دلالة الكتاب: فقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) }[الأحزاب] ، ولا بد من تقديم الدلالة على أنهم المرادون بقوله تعالى: {أَهْلَ الْبَيْتِ}[الأحزاب:33]، دون غيرهم لنبني الإستدلال على أصل مسَلَّم.
_________________
([16]) ـ أبو علي : محمد بن عبد الوهاب الجبائي ترجم له في الطبقة الثامنة من طبقات المعتزلة ، قال أبو بكر أحمد بن علي : وهو الذي سهل علم الكلام ويسره وذلَّله ..إلى قوله : ولم يتفق لأحد من إذعان سائر طبقات المعتزلة له بالتقدم والرياسة بعد أبي الهذيل مثله بل ما اتفق له هو أشهر أمراً وأظهر أثراً ، وكان شيخه أبا يعقوب الشحّام ولقي غيره من متكلمي زمانه .
وكان إذا روى عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- أنه قال لعلي والحسن والحسين : ((أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم)) يقول : العجب من هؤلاء النوابت يروون هذا الحديث ثم يقولون بمعاوية. وروى عن علي عليه السلام أن رجلين أتياه فقالا ائذن لنا نصير إلى معاوية فنستحله من دماء من قتلنا من أصحابه ، فقال -عَلَيْه السَّلام- : أما إن الله قد أحبط أعمالكما بندمكما على ما فعلتما.
قال أبو الحسن : وقد نقض كتاب عباد في تفضيل أبي بكر ولم ينقض كتاب الإسكافي المسمى المعيار والموازنة في تفضيل علي على أبي بكر . قال في كتاب شرح نهج البلاعة : وقال -أي قاضي القضاة-: إن أبا علي -رضي الله عنه- يوم مات استدنى ابنه أبا هاشم إليه وقد كان ضعف عن رفع الصوت فألقى إليه أشياء من جملتها القول بتفضيل علي -عَلَيْه السَّلام- .
توفي أبو علي سنة (303هـ) . انظر كتاب المنية والأمل شرح الملل والنحل ، ولوامع الأنوار للإمام الحجة مجدالدين بن محمد المؤيدي أيده الله تعالى وحفظه (1/586).
([17]) ـ أبو عبدالله: الحسين بن علي البصري ، أخذ عن أبي علي بن خلاد أولاً ثم أخذ عن أبي هاشم وكان شديد التقزز في الطهارة ، وكان من تلامذته من أهل البيت عليهم السلام أبو عبدالله الداعي وكان يميل إلى علي -عَلَيْه السَّلام- ميلاً عظيماً وصنف كتاب التفضيل وأحسن فيه غاية الإحسان . ترجم له في الطبقة العاشرة من طبقات المعتزلة . توفي سنة (367هـ) . انظر كتاب المنية والأمل شرح الملل والنحل.

(1/120)


فالذي يدل على صحة ما نذهب إليه من أن المراد بقوله تعالى: {أَهْلَ الْبَيْتِ}[الأحزاب:33] الحسن والحسين -عَلَيْهما السَّلام- وأولادهما دون غيرهم وجهان:
أحدهما: ما نعلم من هذه اللفظة إذا أطلقت فقيل: قال أهل البيت، وفعل أهل البيت، لم يسبق إلى أفهام السَّامعين إلا من ذكرنا من أولاد الحسن والحسين -عَلَيْهما السَّلام- دون غيرهم، وكل لفظة تسبق إلى فهم السامعين معنىً فهي حقيقة فيه سواء كانت شرعية أو لغوية أو عرفيِّة ، ألا ترى إذا قيل: فلان يصلي، سبق إلى فهم السَّامعين من أهل الشرع أنه يفعل الأفعال المخصوصة، ويذكر الأذكار المخصوصة، فيعلم أن لفظ الصلاة الآن حقيقة في ذلك دون غيره([18])؛ وهذا حكم سائر الحقائق وبذلك يقع الفرق بين الحقيقة والمجاز، لأن المجاز لا يسبق معناه إلى الفهم، ولا يعلم إلا بقرينة، فثبت أن هذا اللفظ حقيقة فيهم -عَلَيْهم السَّلام- مجاز في غيرهم من نسائه وسائر أقاربه، وخطاب الحكيم يجب حمله على الحقيقة دون المجاز قولاً واحداً.
وثانيهما: إجماع([19]) أهل النقل على اختلاف مذاهبهم وأهوائهم من العلماء أنهم المرادون بهذه الآية دون غيرهم، ممن ذكرنا، حتى رووا أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أقام مدة يقف على باب علي -عَلَيْه السَّلام- فيقول: ((السلام عليكم أهل البيت{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(33)} [الأحزاب] )) فهذا تصريح كما ترى بأنهم المرادون بذلك دون غيرهم فصح ما قلناه.
[بيان إدخال سائر ذرية الحسنين في آية التطهير]
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون المراد بذلك علي وولداه -عَلَيْهم السَّلام- دون أولاد ولديه -عَلَيْه السَّلام- إلى تقضي الأعصار؟.
قلنا: أنكرنا ذلك لوجهين:
أحدهما: ما قدمنا من الدلالة أن هذا اللفظ حقيقة فيهم في جميع الأعصار لسبقه إلى الأفهام عند الإطلاق، فكلام الحكيم يجب حمله على الحقائق؛ لأن القول بغير ذلك يؤدي إلى اطراحه وذلك لا يجوز.
___________________
([18]) ـ في (ن): دون غيرهم.
([19])- وسيأتي تخريج ذلك في الجزء الثاني إنشاء الله تعالى عند قول الإمام عليه السلام:
هل في البرايا كبني النبي .... أهل الكسا والحسب المهذب
والضرب في عرض العجاج الأشهب .... عن دينهم كل رديء المنصب

(1/121)


وثانيهما: أن هذا القول خارج عن أقوال الأمة، فلا يجوز إحداثه لأنه يكون بدعة، وكل بدعة ضلالة، ألا ترى أن الناس في هذه الآية بين قائلين: قائل يقول: هم المرادون بذلك، ويشرك معهم أزواجه وأقاربه، وقائل يقول: المراد بذلك علي وولداه وأولادهما إلى انقطاع التكليف، فقد أدخلهم الفريقان كما ترى، فمن أخرج أولادهما من ذلك فإنَّا نقول: إنه قول خارج من أقوال الأمَّة، وذلك لا يجوز بالإتفاق.
[الكلام في وجه الاستدلال بآية التطهير]
وأما الكلام في وجه الإستدلال بهذه الآية: فإن الله -تعالى- أخبرنا أنه يريد أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً؛ فلا يخلو: إما أن يريد تطهيرهم من النجاسات الظاهرة كالبول والغائط والميتة والدم، أو تطهيرهم من رجس المعاصي ونجاسات الذنوب، أو لا يريد تطهيرهم من واحد من الأمرين.
باطل أن لا يريد تطهيرهم من واحد من الرجسين؛ لأنه تعالى قد أخبرنا بأنه قد أراد ذلك، ومراده من فعله واقع لا محالة، فالقول بخلافه لا يجوز.
وباطل أن يريد التطهير من النجاسات الظاهرة، والأرجاس المباشرة، لأنهم وغيرهم في ذلك سواء، وحكمهم وحكم الأمة فيه واحد بالإتفاق، فبقي أن المراد بالآية التطهير من الإقدام على المقبَّحات، وترك الواجبات، وذلك لا يكون إلا بالعصمة من فعله تعالى عند الإتفاق؛ فثبت بذلك أن إجماعهم حجة.
[الأدلة من السنة على حجية إجماع أهل البيت (ع)]
وأما دلالة السنة: فقوله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض)).
والكلام في هذا الخبر يقع في موضعين: أحدهما: في صحته، والثاني: في وجه الإستدلال به:

(1/122)


أما في صحته: فلأنه مما ظهر بين الأمة ظهوراً عاماً بحيث لم ينكره أحد، فصاروا بين عامل به ومتأول له، فيجري مجرى أخبار الأصول من حجِّ النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، وصيامه إلى غير ذلك.
وأما وجه الإستدلال به: فلأنه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- صرح بأن التمسك بعترته أهل بيته بمنزلة التمسك بالكتاب، ولا شك في وجوب التمسك بالكتاب، وأنه حجَّة؛ فكذلك يجب التمسك بإجماع العترة والقول بأنه حجَّة، لأنَّا لا نريد بقولنا حجَّة إلا ما يجب الرجوع إليه، ويلزم التمسك به، وقد زاد -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- ذلك تأكيداً بإخبَاره أنهما لا يفترقان حتى ورود الحوض؛ والتكليف عنده منقطع، ولا واجب يومئذٍ ونحن نعلم ذلك، كما أنه -عليه وآله السلام- لو قال: تمسكوا بزيد وعمرو تسلموا من الضلال، واعلموا أنهما لن يفترقا، علمنا بدلالة هذا الظاهر أن وجوب الرجوع إلى أحدهما كوجوب الرجوع إلى الآخر، وأنَّا بالرجوع إلى كل واحد منهما ننجوا من الضلال؛ فثبت بذلك أن إجماعهم -عَلَيْهم السَّلام- حجَّة؛ والحمد لله ربِّ العالمين.
عدنا إلى تفسير القافية:
قوله: (منبهاً عن وسنة الإغفال): يريد؛ متيقظاً، ولا فرق بين اليقظة والإنتباه.
و (الوسنة): مبتدأ النوم، ومعناها ومعنى السِّنَةِ واحد.
وقوله: (الإغفال): يريد؛ إغفال العقل عن تمييز صحيح الأقوال عن سقيمها، ومؤنسها عن صميمها، فنسأل الله -تعالى- أن يجعلنا ممن يفزع إلى الأدلة، ويسلم الأمر كله لله، ولا يجعلنا من الإستعداد غافلين، ولما يجب علينا من المعرفة به سبحانه جاهلين، بحقّه العظيم، واسمه الكريم، والصلاة على محمد وآله.
[باب القول في التوحيد]
[الكلام في مسألة إثبات الصانع]
[10]
وَهْيَ إلى صَانِعِهْا مُحْتَاجهْ .... في مُقْتَضَى العقلِ أشدَّ حاجهْ
إذْ صَارَ مِن حاجتِها إِخراجَهْ .... قَلبُ سليمِ القلبِ كالزجاجهْ
مضيئةٌ مِن قَبَسِ الذَّبالِ

(1/123)


قوله: (وهي إلى صانعها محتاجة): يريد؛ الأجسام، والأعراض التي هي من فعله سبحانه -وتعالى- في الأجسام.
و (صانعها): فاعلها، لا فرق بين الصَّانع والفاعِّل في أصل اللغة.
ومعنى الحاجة والإفتقار واحد، وتسميتها (محتاجة) شائع في اللغة؛ لأنهم إذا ذكروا فعلاً قالوا: هو يحتاج إلى فاعل، وللحاجة معان كثيرة لا وجه لتطويل الكلام ها هنا.
وقوله: (في مقتضى العقل): يريد؛ في قضية العقل وحكمه.
وقوله: (أشد حاجة): وذلك ظاهر؛ لأن حاجتك إلى من يوجد ذاتك وحياتك، وعافيتك وقدرتك، أشد من حاجتك إلى من ينفعك في أمر من سائر الأمور.
وقوله: (إذ صار من حاجتها إخراجه): يريد إذ كانت حاجتها إليه ليخرجها من العدم إلى الوجود.
و(من) زائدة لتحسين الكلام وصلته، كما قال الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}[النور:30] ، وهو يريد سبحانه يغضوا أبصارهم.
وقال: (إخراجه) ولم يقل من العدم إلى الوجود واكتفى بدلالة اللفظ؛ وذلك شائع في اللغة، قال الشاعر:
فإن المنيّة من يلقها .... فسوف تصادفه أينما
يريد؛ أينما توجه، أو أينما كان، فحذفه لدلالة اللفظ عليه وتعلق المعنى به.
(والحاجة) وإن كانت خاصة في عرف المتكلمين في الدواعي الداعية إلى جلب نفع أو دفع ضرر ، فهي عامة في أصل اللغة في كل أمر يفتقر في ثبوته إلى أمرٍ آخر، يقول قائلهم: هذا الثوب يحتاج إلى كذا وكذا من القطن ، وهذا البيت يحتاج إلى كذا وكذا من الخشب.
وقوله:
(قلب سليم القلب كالزجاجة .... مضيئة من قبس الذبال)
يريد بسليم القلب: صحيح القلب من أدواء الحيرة وعاهات الضلالة.
وقوله: (كالزجاجة): يريد؛ من صفائه ونوره.
وقوله: (مضيئة): يريد به الزجاجة أضاءت.

(1/124)


(من قبس الذبال): يريد؛ من نار الذبال؛ وهو في أصل اللغة القبس، فشفع نور الزجاجة بنور القبس الذي في الذبالة، وذلك للمبالغة في تعظيم صفة النور أن يكون في الزجاجة ناراً ؛ والجميع من ذلك صفة لقلب المؤمن وتشبيه له ؛ لأن قلب المؤمن سليم من آفات الجهل، كما قدمنا، فنسأل الله -تعالى- أن يجعلنا من أهل القلوب السَّليمة، كما جعلنا من أهل الأصول الكريمة، والمغارس الشريفة الصَّميمة.
ومعنى ما ذكره في القافية يريد إيضاح أن الأفعال محتاجة إلى فاعلها لأجل حدوثها، وتلك العلّة قائمة في الأجسام والأعراض ، فيجب أن تحتاج إلى فاعلها القديم تعالى ، وإلا انتقض التعليل وذلك لا يجوز ، وحدوثه على ما نشاهده من الترتيب والتراخي يقضي بأن فاعله مختار، ويبطل القول بالعلة الموجبة كما تقوله الفلاسفة ومن طابقهم على ذلك.
[إبطال تأثير العلة الموجبة في الحدوث]
وتحرير الدلالة في ذلك: أنَّا نقول: قد تقدمت الدلالة على حدوث الأجسام؛ والمحدث موجود على سبيل الجواز؛ إذ لو كان موجوداً على سبيل الوجوب لم يكن لوجوب الوجود في حال أولى مما تقدمها من الأحوال ، وذلك يوجب وجوده أزلاً وأبداً وقد ثبت حدوثه، وإذا كان موجوداً على سبيل الجواز لم يكن بد من مؤثر أوجب خروجه إلى الوجوب من الجواز؛ لأنه كان جائزاً في الأصل ثم وجب؛ فلا بد من مؤثر أوجب خروجه من الجواز إلى الوجوب، إذْ لو لم يكن ثم مؤثر لبقي على الجواز والعدم الأصلي، فلما وجد علمنا المؤثر لا محالة، وذلك المؤثر لا يكون إلا فاعلاً مختاراً، كما قدمنا.
يزيد ذلك ظهوراً أن خروجه من العدم إلى الوجود لو كان لعلة لكانت تلك العلة لا تخلو: إما أن تكون موجودة أو معدومة.
باطل أن تكون هذه الحوادث حدثت لعلة معدومة؛ لأن العدم لا أول له فكان يجب قدمها وقد ثبت حدوثها.
وباطل أن تكون لعلة موجودة؛ لأنها كانت لا تخلو: إما أن تكون قديمة أو محدثة.

(1/125)


فإن كانت العلة قديمة وجب قدم الحوادث لقدم علتها، واستحالة تراخي المعلول عن العلة، وقد ثبت حدوثها.
وباطل أن تكون هذه الحوادث لعلة محدثة، لأن الكلام كان ينتقل إليها فيقال: لماذا حدثت؟، فإن كان لعلّة قديمة لزم ما قدمنا أولاً وقد ثبت بطلانه، وإن كان لعلة محدثة أيضاً أدَّى إلى التسلسل، ووقوف حدوث الحوادث التي قد صح حدوثها على حدوث ما لا نهاية له وذلك محال ؛ فلم يبقَ إلا القول بحاجتها إلى مؤثر هو فاعل مختار يوجدها قدراً بعد قدر، حالاً بعد حال، على مقدار ما يعلم من المصلحة، وليس إلا الله -سبحانه وتعالى-.
[الكلام في مسألة قادر]
[11]
وهوَ تعالى ذو الجلالِ قادِرُ .... إذ فعلهُ عَنِ الجوازِ صَادِرُ
أَعراضُ ما رَكَّبَ والجواهرُ .... وذاكَ في أهلِ اللِّسانِ ظاهرُ
عِنْد ذوي الفِطْنَةِ والجُهَّالِ
لما فرغ من الكلام على إثبات الصَّانع تعالى بما تقدم من دلالة حدوث الأجسام؛ وأنه لا بد لها من محدث فاعل مختار، عقبه بالكلام على أنه تعالى قادر، لاستحالة صحة الكلام فيه هل هو قادر أو ليس بقادر ، ولمَّا يصح العلم بثبوت ذاته وذلك ظاهر.
فقال: (وهو تعالى ذو الجلال قادر): يريد بذي الجلال: الله سبحانه، و(الجلال) هو: عظم الشأن، وارتفاع الحال؛ ولا أعظم منه سبحانه شأناً، وأظهر سلطاناً.
و(القادر): نقيض العاجز.
لأن القادر: هو المختص بصفة لاختصاصه بها يصح منه الفعل إذا لم يكن ثم مانع([20]) ولا ما يجري مجرى المنع([21])، ويجوز([22]) أن لا يوجد.
ومن أصحابنا من زاد في الحقيقة إذا كان معه مقدوراً له؛ ونحن لا نوجب هذه الزيادة؛ لأن العاجز كان يدخل في هذه الحقيقة؛ لأن الفعل يصح منه إذا كان مقدوراً له؛ إذ يستحيل كونه مقدوراً له، وليس بقادر عليه، وذلك ظاهر.
والعاجز: هو المختص بصفة لاختصاصه بها يتعذر منه الفعل، وإن لم يقع ثم منع، ولا ما يجري مجراه، وصفته بالعكس من صفة القادر.
______________________
([20]) - المانع: مثل القيد والحبس وإحداث ضد الفعل، أو منع من هو أقدر منه، أو تعذر فعل سببه، أو كونه غير عالم بكيفية الفعل. تمت.
([21]) - الذي يجري مجرى المنع مثل فقد الآلة كآلة الكتابة وغيرها، ولايجوز ذلك إلا في حقنا أما الباري جل وعلا فلا يجوز ذلك في حقه لأنه على كل شيء قدير، وهو قادر على جميع المقدورات، ولا يحتاج إلى آلة في ثبوت الفعل من قبله، ولأن ذلك من صفات النقص؛ لأنه يدخل بالعجز على الله جل وعلا، وهو يتعالى عن ذلك. تمت.
([22])- والمعنى في ذلك: أن القادر الذي يصح منه الفعل، يجوز منه إيجاد الفعل وعدم إيجاده، لأن عدم إيجاد الفعل مع القدرة عليه لا يمنع من كونه مقدوراً للقادر وذلك معلوم للمتأمل.

(1/126)


وفعله تعالى الصادر عن الجواز؛ هو ما تقدم ذكره من الأجسام والأعراض.
ومعنى قوله: ويجوز أن لا يوجد: بأن لا يختار تعالى إيجاده؛ وهذا حكم أفعال الفاعلين.
قوله: (وذاك في أهل اللسان ظاهر): يريد؛ أهل اللغة العربية؛ فإنهم يسمون من وجد منه الفعل على هذا الوجه قادراً، وقد يغفلون تأثير العلل جملة فلا يسمونها قادرة، ألا ترى أنهم يسمون من وجد منه الفعل على هذا الوجه قادراً؛ ومن لا يوجد منه عاجزاً، فيفرقون بينهما لمعنى عقلوه جملة لولا علمهم به لما فرقوا بينهما.
قوله: (عند ذوي الفطنة والجهَّال): يريد عند أهل التدقيق والتحقيق، وغيرهم من أهل الظواهر من أهل اللغة يسمون من صح منه الفعل قادراً، وذلك معلوم بينهم، وقد صحت الأفعال منه سبحانه -وتعالى- مع الجواز فوجب وصفه بأنه قادر، وتسميته لأجل ذلك قادراً.
[بيان كيفية اعتقاد العجم في الصفات إذا ثبتت باللغة]
فإن قيل: فما يجب على العجم مع اختلاف لغاتهم إذ قد رجعتم في الإحتجاج على أنه يسمى قادراً ووصفه بذلك بما عليه أهل اللسان العربي؟.
قلنا: يجب عليهم إعتقاد معنى هذا الإسم وثبوت الصفة المقتضية لذلك، وهو أنه تعالى يفارق من لا تصح منه هذه الأفعال بمفارقة لولاها لما صح منه ما تعذر على غيره، وأن تلك المفارقة تضمن معنى كونه قادراً ، ويجوز لهم التعبير عن هذا المعنى بما يدل عليه من الألفاظ ؛ وكذلك الكلام في سائر صفاته تعالى تعبدهم فيها أن يضيفوا إليه تعالى ما يجب إضافته إليه، وينفوا عنه ما يجب نفيه عنه من الصفات والأفعال بأي عبارة تكون عندهم مفيدة لتلك المعاني، فإذا أردت جمع معاني جملة هذه الألفاظ للتحقيق قلت: الباريء قد صحّ منه الفعل بما تقدّم ، ومن صح منه الفعل فهو قادر [أما أن الفعل قد صحّ منه تعالى فقد تقدّم بيانه ، وأما أن من صح منه الفعل فهو قادر فذلك ظاهر([23])]؛ فوجب أن يسمى قادراً وأن توصف به الجملة.
___________________
([23]) ـ ما بين القوسين زيادة في (ن) وغير موجود في الأصل.

(1/127)


[الكلام في مسألة عالم]
[12]
وكلُّ ما بانَ مِن الترتيبِ .... في ظاهرِ البُنْيَةِ والتَرْكِيبِ
من كلِّ فَنٍّ مُتْقَنٍ عجيبِ .... دَلَّ على العلمِ بِلا تَكذيبِ
في مَعْرَضِ الجوابِ والسؤالِ
لما فرغ من الكلام في أنه تعالى قادر عقبه بالكلام في أنه سبحانه عالم؛ لأن ما استدللنا به على أنه تعالى قادر، وهو وجود الأفعال من قِبَلِهِ، دليل على أنه تعالى عالم؛ لأنه وقع على وجه يكشف عن أنه تعالى عالم على أبلغ الوجوه ؛ لأنك إذا نظرت إلى الأجسام - التي دَلَلْنَا على أنه تعالى أوجدها من دون غيره - وما فيها من التقادير العجيبة، والتراتيب الفائقة ، والمنافع الجليلة الكاملة ، التي لا يشك كل عاقل في كونها أبلغ في باب الإحكام من الكتابة الحسنة، والصنعة البديعة الرائقة، وقد صحت مفارقة العالم بالكتابة والصنعة لمن ليس بعالم، وأن من لا يحسن الأفعال المحكمة لايسمى عالماً، ومن يحسنها يسمى عالماً، وقد صح من الله -تعالى- من الأفعال المحكمة ابتداءً ما يعجز عنه كل عالم؛ فوجب تسميته لذلك عالماً؛ أو بما يكشف عن معنى العالم عند من لا يحسن اللغة العربية.
وقوله: (كلما بان): يريد؛ كلما ظهر (من التركيب) يريد تركيب الحيوانات أعضاءً، وأجزاءَ الجماداتِ بعضها فوق بعض على مقدار ما يعلمه الله -سبحانه- من المصلحة، فقد ظهر لنا بحمد الله؛ ولكل عاقل متأمل؛ ما يبهر العقول، ويشهد لصحته علم الأصول.

(1/128)


(من كل فنٍ متقنٍ عجيب): يريد؛ أجناس الحيوانات والجمادات؛ لأنك إذا تفكرت في نوع منها؛ وهو خلق ابن آدم وما فيه من التوصيل والتفصيل والمخارق لمخارج الأغذية ومداخلها، وللإحساس للمحسوسات؛ من المطعومات والمسموعات والملموسات، وكذلك سائر أنواع الحيوان ؛ وكذلك إذا تفكرت في هذه النباتات وما فيها من التركيب والأرزاق والأعمدة التي تقوم عليها ، والعروق التي تجذب إليها الأغذية من الماء والطين، وما يخرج منها من الثمار الحسنة، والأزهار البديعة، التي لو اجتمع الخلق أن يخرجوا بلطف إحتيالهم ثمرة، أو يركبوا على ذلك الوجه الفائق حبَّة ، أو ينشروا زهرة، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً؛ علمت أن ذلك أبلغ في العقل من كتابة الكاتب، وبناء الباني، ولولا علمهما بوجود الكتابة على ذلك الوجه مفيدة، والبناء حسناً لما صح منهما ذلك؛ وكذلك لولا علم الله- سبحانه- بحاجة العباد إلى ما خلق لهم من الآلات والحواس والمنافع قبل خلقهم لما تأتى منه تعالى ذلك ؛ فلما فعل ذلك قبل الحاجة مطابقاً لها في أمور كثيرة لا يصح حصولها بالإتفاق ، علمنا أنه سبحانه أعلم العلماء، وأحكم الحكماء، وذلك يوجب علمه بجميع المعلومات؛ لأن علمه ببعض المعلومات، ولا مخصص لكون هذه الصفة واجبة له تعالى للذات، توجب علمه بجميع المعلومات، وفي جميع الأوقات ، واستحالة خروجه عنها في جميع الحالات ، وسيأتي ما يؤيد هذا فيما بعد إنشاء الله تعالى.

(1/129)


[الكلام في مسألة حي]
[13]
وكلُّ مَنْ كان عَلِيمَاً قادراً .... لِذَاتهِ وناهياً وآمراً
وباطناً لخَلْقِهِ وظاهِراً .... وقابلاً لتَوْبِهِم وَغَافِراً
فَذَاكَ حَيٌّ غَير ذِي اعْتِلالِ
لما فرغ من الكلام على أنه تعالى عالم، قادر؛ عقبه بالكلام في أنه تعالى حي، وإنما وجب تأخير هذه المسألة عن كونه تعالى قادراً وعالماً؛ لأن الذي علمنا به ذات الباريء -تعالى- هو وقوع الفعل من جهته؛ ووقوع الفعل من جهته دلالة على قدرته، وترتيبه دلالة على علمه، وذلك واقع لنا بالمشاهدة والإعتبار، قبل خطور هذه المسألة رأساً بالبال؛ فلذلك أخرنا مسألة حي عن مسألة قادر وعالم، وإن كانتا يترتبان في الصحة عليها؛ لاستحالة كون من ليس بحي عالماً وقادراً.
قوله: (وكل من كان عليماً قادراً): يريد كل من كان عالماً ومعنى عليم وعالم واحد؛ إلا أن في عليم معنى المبالغة، ومعنى (قادر) قد قدمناه في مسألة قادر.
قوله: (لذاته): يريد أن ذاته كافيةٌ في حصول هذه الصفة له تعالى من دون مؤثر من فاعل ولا علة؛ لأن الفاعل والعلة لا يؤثران إلا بشرط التقدم على المفعول والمعلول، وقد تقدم في دلالة حدوث الأجسام وأنه تعالى محدثها ما يدل على أنه تعالى قديم لاستحالة وجود الأجسام من المحدث ؛ فوجب ثبوت صفاته تعالى([24]) للذات، وإذا ثبت أنه عالم قادر وجب كونه حياً، لاستحالة صحة معنى العلم والقدرة لمن رفعنا عن أذهاننا كونه حياً كالميت والجماد وسيأتي ما يزيده بياناً بمشيئة الله تعالى.
وقوله: (وناهياً لخلقه وآمراً) النهي([25]): قول القائل لغيره لا تفعل على وجه الإستعلاء بشرط الكراهة، وهو نقيض الأمر.
إذ الأمر قول القائل لغيره: إفعل أو لتفعل على وجه الإستعلاء بشرط الإرادة.
وذكرُ الأمرِ والنهي، وقبولِ التوب والمغفرةِ له وجه صحيح في الإستدلال على أنه تعالى حي، وإن كان إثبات الإرادة والكراهة تترتب على العلم بالحياة من حيث أن دليلنا على إرادته تعالى وكراهته؛ لا يوجد إلا من وقوع أفعاله، على وجوه مختلفة ، فذلك ملازم لدلالة كونه تعالى عالماً قادراً ؛ وإذا كان الأمر كذلك فهو تعالى لا يأمر إلا بما يريد، ولا ينهى إلا عما يكره.
_____________________
([24]) ـ في (ن): ناقص (تعالى).
([25]) ـ في (ن): النهي هو...إلخ.

(1/130)


ويستحيل كونه مريداً وكارهاً لذاته؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن لا تقع أكثر أفعاله([26])، وقد وقعت؛ فثبت أنه مريد بإرادة؛ وكذلك كاره بكراهة، والإرادة والكراهة يستحيل إيجابهما لغير الحي على ما ذلك مقرر في مواضعه من كتب الأصول.
قوله: (وباطناً لخلقه): يريد من خلقه، فتستحيل رؤيته عليهم في الدنيا والآخرة فصار كأنه باطن.
(وظاهراً) يقول: لما أظهر من الدلالة على ثبوت ذاته وصفاته سبحانه الجليَّة الواضحة؛ صار كأن العالم بها يشاهده - تعالى عن ذلك - لظهور الحال فيه وفيما أظهرسبحانه من الأدلة عليه دلالة على علمه وقدرته، وذلك دليل على أنه حي؛ فلذلك ذكرهما في هذه المسألة - أعني الباطن والظاهر -.
قوله: (فذاك حي غير ذي اعتلال): يرجع إلى معنى قوله: (قادراً لذاته)؛ لأن القادر للذات لا يكون سوى الله -تعالى-.
(والعلل) هاهنا: هي ما تحدث من الآفات، في الجوارح الآلات، والله -تعالى- تستحيل عليه الجوارح لأنه ليس بجسم، وذلك لا يكون إلا للأجسام على ما يأتي بيانه، فلهذا قال: (من كان عليماً([27]) قادراً لذاته) إستحالة العلل في حقه، ووجب كونه حياً لمجرد صحة العلم والقدرة له، وإن جهلنا ما جهلنا ، ألا ترى أنَّا إذا شاهدنا ذاتين أحدهما يصح أن يعلم ويقدر، والثاني يستحيل أن يعلم ويقدر؛ علمنا أن بينهما فرقاً ومزية، وإلا وجب إشتراكهما في استحالة صحة الفعل([28]) والقدرة منهما جميعاً أو صحة العلم والقدرة لهما جميعاً وذلك ظاهر ؛ فإذا قد صح العلم لله -تعالى- والقدرة؛ بل وقع ذلك، بما تقدم من الدلالة، وجب كونه تعالى حياً، وثبوت هذه الصفة له في جميع الأحوال.
ودليل إطلاق هذه اللفظة من اللغة بعد ثبوت معناها بالأدلة العقلية المتقدمة أن أهل اللغة يعبرون عمن صح فيه معنى العلم والقدرة بأنه حي، وإن لم يعلموا حقيقتهما بأنه حي، ويعبرون عمن لا يعلمون صحة معناهما فيه([29]) بأنه ميت أو جماد.
____________________
([26]) ـ لأن الله عز وجل يريد الإيمان من جميع عباده، ويكره الكفر، ويريد فعل الطاعات، ويكره المعاصي، والمعلوم أن من العباد المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي؛ فلو كانت إرادته لذاته لوجب أن تقع إرادته وأن يكون جميع العباد مؤمنين مطيعين، ومعلوم خلاف ذلك. والله أعلم.
([27]) - في الأصل: عالماً، والأظهر عليماً لأنه سياق البيت.
([28]) ـ في (ن): صحة العلم والقدرة.
([29])ـ ما بين القوسين زيادة في : (ن، م) .

(1/131)


(الكلام في مسألة الإدراك)
[14]يَسْمَعُ ما دَقَّ مِن الأصوَاتِ .... ويَعْلَمُ المقصُودَ باللُّغَاتِ
ليس بِذِي دَاءٍ ولا آفَاتِ .... ويَنْظُرُ الذَرَّةَ في الصّفاتِ
سودَاءَ في سودا مِنَ الليالي
الكلام في هذه المسألة يتعلق بالإحتجاج على أنه تعالى مدرك لجميع المدركات، من المسموعات والمشمومات والمذوقات، والملموسات والمبصرات، وقد وقع الإجماع على أنه تعالى موصوف بذلك، وإنما وقع الخلاف بين أهل العلم في كيفيَّة وصفه تعالى بذلك؛ فمنهم من أثبت له سبحانه بكونه مدركاً حالاً زائدة على كونه عالماً ، ومنهم من منع من ذلك ورجع بالإدارك إلى العلم، ولنا في هذه المسألة نظر، نسأل الله فيه التوفيق.
(يسمع ما دق من الأصوات): على قول من يجعل الإدراك بمعنى العلم، يقول: يعلم سبحانه لطيف الأصوات وغامضها؛ لأن ذاته تعالى مع اللَّطيف من الأصوات والعظيم على سواء ، فلا فرق عنده سبحانه لهذا بين لطيفها وعظيمها إذ([30]) كان عالماً لذاته ، وذاته مع المعلومات على سواء، واللطيف معلوم كالعظيم.
ومن قال كونه مدركاً زائد على كونه عالماً، فقوله إنه يدرك الصوت كما يدركه الواحد منَّا؛ إلا أنه يدركه بغير جارحة ولا حاسة لاستحالة الحواس في حقه تعالى.
ويقول إن الإدراك زائد على العلم؛ لأن الواحد منَّا قد يعلم ما لا يدركه، كأن يخبره نبي صادق أن زيداً في المسجد، وكمخبر الأخبار المتواترة، فإنَّا نعلم ذلك ولا ندركه، كالبلدان القاصية نعلمها بالأخبار ولا ندركها، وكالباريء -تعالى- فإنَّا نعلمه ولا ندركه، وندرك ما لا نعلم، كالنائم يدرك الأمر الذي ربما أيقظه ولا يعلم، وربما يسأل من كان بحضرته يقظاناً بما دهاه وذلك ظاهر؛ فثبت أن بين الأمرين فرقاً.
_________________
([30]) - نخ (ن): إذا.

(1/132)


قالوا: ويزيد ذلك أن الإنسان منَّا قد يعلم بالأخبار المتواترة أمراً؛ ثم يشاهده بعد ذلك بالحاسة فيجد مزية وحالاً غير ما تقدم، وهذا كما ترى يوجب كونه تعالى عالماً بالمدركات من المسموعات والمشمومات والمذوقات غير مدرك لها فيما لم يزل، وأنه مدرك لها بشرط البقاء بعد وجودها فيما لا يزال.
[معنى كون الله سميعاً بصيراً]
وترتيب الإستدلال في هذه المسألة: أن يعلم أنه تعالى حي بما تقدم، ثم يعلم أنه لا آفة به لا ستحالة الجوارح والآلات -التي لا تكون إلا في الأجسام- عليه تعالى؛ لأن المعقول من الآفات فساد الجوارح والآلات ، فإذا تقرر عِلْمُ ذلك ثبت العلم بأنه تعالى سميع بصير مدرك للمدركات.
دليله في الشاهد أن من كان حياً لا آفة به تمنعه من السمع والبصر يجب أن يدرك المدركات، ولو لم يكن حياً أو كان حياً إلا أن به بعض الآفات في السمع والبصر أو محل الحياة لم نعلمه مدركاً.
فقد صح بهذه الأدلة المتقدمة أن الله، سبحانه، سميع بصير مدرك للمدركات.
و (الذَّرة): دويبة لطيفة، وربما كانت سوداء.
و (الصَّفَات): هي الصخرة الملساء.
قال الحطيئة يخاطب الزبرقان وقومه:
ماذا علي إذا فلَّت مَعَاوِلَكُمْ .... من آل لاي صفاتٌ أصلها راسي
وقوله: (سوداء في سودا من الليالي): فعلى قول من يقول الإدراك بمعنى العلم، يقول إنه سبحانه يعلم النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصفات السوداء؛ إلا أنه سبحانه عالم لذاته، وذاته مع المعلومات على سواء، فيجب أن يعلم الجميع من دقيق المعلومات وجليلها لفقد الإختصاص ، والنملة ودبيبها في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء من جملة المعلومات.
وعند من يقول إن الإدراك زائد على العلم يقول إنه سبحانه يرى شخصها في هذه الحال ويسمع همسها، وكلا القولين دال على عظيم حاله سبحانه وتعالى.

(1/133)


(الكلام في مسألة قديم)
[15]
وَرَبُنا سُبْحانَهُ قَدِيمُ .... لَمْ تَخْتَلِجْنَا دُونَهُ الوُهُومُ
وهوَ بأوصَافِ العُلى مَعْلُومُ .... حَيٌّ على عِبادهِ قَيُّومُ
مُمْتَنعٌ من حَالَةِ الزَّوَالِ
هذا الكلام على أنه تعالى قديم، (ومعنى القديم): هو الموجود الذي لا أول لوجوده.
وللسائل ها هنا مطلبان، أحدهما: في أنه سبحانه موجود.
والثاني في أنه لا أول لوجوده:
أمَّا أنه موجود: فقد تقدم الدليل عليه في إحتجاجنا على أن العالمَ محتاج في وجوده إلى مؤثر، وأن المؤثر لا يجوز أن يكون معدوماً، ولأنهما يشتركان([31]) في العدم، فلا يكون أحدهما في أن([32]) يؤثر في صاحبه أولى من العكس.
وكل قول أدى إلى أن لا يفرق بين الفعل والفاعل فهو باطل.
ولأنا أيضاً نعلم تعذر الفعل من الفاعل لعدم حياته وقدرته، فبأن يكون عدم ذاته في تعذر الفعل من قِبَلِه أولى وأحرى، فوجب لذلك كونه تعالى موجوداً.
وأما الذي يدل على أنه لا أول لوجوده: فلأنه لو كان لوجوده أول لكان محدثاً، ولو كان محدثاً لاحتاج إلى محدث حتى يتصل بما لا يتناهى وذلك محال ، فيجب الإقتصار على موجود لا أول لوجوده ، وذلك هو المراد بقولنا إنه تعالى قديم ؛ لأنَّا لا نريد بالقديم إلا الموجود الذي لا أول لوجوده.
فإذا ثبت لله -تعالى- أنه موجود بما تقدم، وثبت أنه لا أول لوجوده لمثل ما ذكرنا وعللنا من إستحالة حدوثه؛ فثبت أنه تعالى قديم.
وقوله: (لم تختلجنا دونه الوهوم): يقول أوصلنا نظرنا إلى معرفة حقيقة ذاته سبحانه، ولم تصرفنا الوهوم: وهي الظنون، عن ذلك مثل غيرنا من الفرق؛ بل أخذنا معرفته سبحانه، ومعرفة صفاته، وما يجوز عليه ومالا يجوز عليه، بالأدلة الموصلة إلى العلم.
وقوله: (قيوم): يريد؛ قائم على عباده لحفظهم والإنعام عليهم، وهذه حاله مع كل مكلف، فمن هنالك وجبت طاعته على الجميع.
___________________
([31]) ـ في (ن): مشتركان.
([32]) ـ في (ن): بأن.

(1/134)


وقوله: (وهو بأوصاف العلى معلوم): يقول إنه تعالى يُعلم على هذه الصفات العلى، التي لا تكون إلا له تبارك -وتعالى-، من علمه بجميع المعلومات، وقدرته على جميع أجناس المقدورات، وإدراكه لجميع المدركات، ووجوده قبل كل الموجودات، فهذه الصفات لا تثبت على هذه الوجوه إلا في حقه تعالى.
[الكلام في] (مسألة نفي التشبيه)
[16]
وهو تعالى غير ذِي تَنقُّلِ .... قُدِّس عن مَقَالَةِ ابنِ حَنْبَلِ
والأَشْعَريِّ وضِرَارِ الأحْوَلِ .... فَخَالِف الشَّكَ إلى النَّصِ الجَلِي
ليس بِذِي نِدٍّ([33]) ولا مِثَالِ
هذا في أنه سبحانه لا يشبه الأشياء من الأجسام والأعراض؛ لأن الشيء لا يخلو: إما أن يكون موجوداً أو معدوماً، والموجود لا يخلو: إما أن يكون محدثاً أو قديماً، والمحدث لا يخلو: إما أن يكون متحيزاً أو غير متحيز، فالمتحيز هو الجسم، وغير المتحيز هو العرض.
باطل أن يشبه المعدوم لما بينا من وجوب وجوده تعالى، والمشبه للشيء: هو المماثل...([34])، من الحنبلية([35]) والكرامية([36])؛ لأنه لو كان جسماً لكان محدثاً لما قدمنا من الدلالة على حدوث الأجسام، وقد ثبت قدمه لما تقدم في مسألة قديم، ولو كان مشبهاً لما ليس بمتحيز كان لا يخلو: إما أن يشبه البعض أو الكل، باطل أن يشبه البعض لفقد المخصص.
_____________________
([33])ـ في (ن): ولا بذي يد ولا مثال.
([34]) - هنا سقط في الأصل المنقول عليه، وفي جميع النسخ، ويتم الكلام بقولنا: والله عز وجل لا يشبه شيئاً من المخلوقات؛ لأن المشابهة تستلزم الجسمية والله تعالى ليس بجسم؛ خلافاً لما تذهب إليه بعض الفرق من أنه تعالى جسم، وهم قوم من الحنبلية...إلخ، والله أعلم. تمت من حاشية على الأصل.
([35]) ـ الحنبلية، هم: أتباع أحمد بن حنبل، وستأتي ترجمته إن شاء الله.
([36]) ـ الكرامية: قال الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى في شرح الملل والنحل ص117، 118: أصحاب أبي عبدالله محمد بن كرام، وهم فرق جمعوا بين الجبر والتشبيه، ومنعوا تكليف ما لايطاق، ومقارنة القدرة وكان هذا محمد بن كرام قدم نيسابور أيام الطاهرية فحبس بإشارة من العلماء وبقي في السجن بضع عشرة سنة، انتهى.
والكرامية من أشد الناس بغضاً لأمير المؤمنين علي عليه السلام، ولا شك أن بغضه نفاق.

(1/135)


وباطل أن يشبه الجميع من الأعراض؛ لأنه واحد غير متضاد ولا مختلف، وهي متضادة مختلفة، ولأنَّا لانعقل وجودها إلا حالَّةً، والحلول عليه سبحانه يستحيل([37])، ولو أشبهها جاز عليه ما جاز عليها من الإنتفاء بالأضداد ، وقد ثبت بما تقدم وجوب إستمرار وجوده في جميع الأوقات لثبوته للذات وما به عرض منها إلا ولنا ما ينافيه، فسبحان من لا ضد له ينافيه، ولا مثل يكافيه.
قوله: (قدِّس): يريد؛ تنزه، والتقديس: هو الطهارة والتنزيه.
و(ابن حنبل)([38]) يقول إنه جسم.
و(الأشعري)([39]) يقول إنه يرى يوم القيامة رؤية غير معقولة.
_____________________
([37]) ـ في (ن): مستحيل.
([38]) ـ هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي أبو عبدالله، ولد سنة أربع وستين ومائة وروي عنه التشيع كما ذكر ذلك في الطبقات، قال: وعده ابن حميد من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال إنه ممن والاه وشايعه، وقال ابن حابس: كان أحمد ينوه برواية فضائل أهل البيت، وهجم بيته مرتين لطلب بعض الطالبيين...إلى قوله: قال الإمام شرف الدين: وقد روي أنه كان يُنَوِّه بفضائل أهل البيت -عَلَيْهم السَّلام-، ونطق بأن أسانيدهم بأنها الشفاء.
توفي في ربيع سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة، وكان موته ببغداد ودفن بمقبرة باب حرب، إنتهى ما ذكره في الطبقات.
وقد روى عنه التجسيم أيضاً: الحاكم الجشمي رحمه الله تعالى، وعده الإمام المنصور بالله - عليه السلام - في الشافي من المجسمة، ومنهم من نفى عنه التجسيم، والله أعلم.
([39]) ـ قال الشرفي في شرح الأساس الصغير: الأشعرية منسوبون إلى مذهب أبي الحسن الأشعري وهو علي بن أبي بشر بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبدالله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، كذا ذكره ابن خلكان.
قال الإمام المنصور بالله في الشافي: والأشعري بصري وليس له سلف يرجع إليهم لامن أهل العدل، ولا من أهل الجبر؛ لأنه درس على أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة وخالفه إلى مقالة المجبرة، ولم يرجع إلى أحد من شيوخ المجبرة بل أحيا مذاهب لجهم بن صفوان كانت داثرة فحرفها وصحفها ليبقى له أدنى مسكة من الإسلام، وقد حيل بينه وبين ذلك بالدليل...إلخ.

(1/136)


وكذلك (ضرار) بن عمرو([40]) يقول بالإدراك؛ إلا أنه يقول: إنها تقع بحاسّة سادسة، وسيأتي ذكر خلافهم في باب الرؤية.
ولا شك أنه يلزم من أثبت رؤيته سبحانه وإن كره ذلك أنه تعالى يشبه المحدثات([41]).
وقوله: (ضرار الأحول): يريد به المايل عن الحق؛ لأن الحول في أصل اللغة: هو الميل، ومن ذلك سميت العين المائلة حولاء، فأما عينه فلم يُعلم أي حالة كانت.
[الكلام في] (مسألة غني)
[17]
وهو غَنِيٌّ ليس بِالمُحْتَاجِ .... إلى سَدَادِ البَطَن والأزواجِ
إذْ هوَ عَنْ نَيْلِ المَلاذِّ نَاجِي .... ومُقْتَضَى المِحْنَةِ والإحْرَاجِ
قَدْ عَمَّ كُلَّ الخَلقِ بالإفضَالِ
قوله: (وهو غني): يريد بذلك الله سبحانه.
وقوله: (ليس بالمحتاج): كشف لمعنى قوله فيه سبحانه إنه غني؛ لأن (الغني): هو الحي الذي ليس بمحتاج.
وقوله: (إلى سداد البطن): لأن الحاجة كما تعلق بغير المأكول والمشروب فتعلقها بهما آكد.
وقوله: (والأزواج): لأن النكاح نوع من أنواع اللذة التي توجبها الحاجة المستحيلة في حقه تعالى.
قوله: (ومقتضى المحنة والإحراج): يريد أن يخاف المحنة التي هي الألم والغم وما أدى إليهما أو إلى أحدهما.
و(الإحراج) الذي هو الضيق المبتني عليهما لا يجوز عليه تعالى كما لا تجوز عليه المنفعة.
قوله: (قد عمَّ كل الخلق بالإفضال): يقول: مع أنه غني سبحانه، وهذه من صفات الكمال كلٌّ من الخلق محتاج إليه، وهذا كمال ثان، ثم لحق ذلك تمام لايبارى وهو عمومه كل الخلق بإفضاله وتغطيتهم بنواله سبحانه وتعالى.
والدلالة على هذه المسألة بجمعك معاني ما قدمنا من الألفاظ أن تقول: الله سبحانه غني؛ لأنه حي ليس بمحتاج، وكل حي ليس بمحتاج يجب كونه غنياً.
فإن قيل: ما الدليل على أنه حي؟، وما الدليل على أنه ليس بمحتاج؟، وما الدليل على أن من كان حياً غير محتاج وجب كونه غنياً؟.
قلنا: الدليل على أنه تعالى حي: قد تقدم في مسألة حي.
_______________________
([40]) ـ ضرار بن عمرو الغطفاني رئيس الفرقة الضرارية من فرق المجبرة، وليس هذا معدوداً من المعتزلة؛ لأنها لم تورده في طبقاتها، وله أقوال بعضها يوافق المعتزلة، وبعضها توافق المجبرة.
([41]) ـ لأن الرؤية لا تقع إلا على الجسم أو العرض، باطل ومحال أن تقع على غير جسم أو عرض، فمن أثبت الرؤية فقد أثبت الجسمية أو العرضية، ومن أثبت الجسمية أو العرضية فقد أثبت المشابهة، ومن أثبت أن الله يشبه الأشياء فقد رد قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11].
وأيضاً من أثبت أن الله جسماً أثبت احتياجه إلى محدث، وقد تقدم أنه تعالى قديم.

(1/137)


والدليل على أنه ليس بمحتاج: أنَّا لا نعقل الحاجة -ولا يجوز إثبات ما لا يعقل في حق الحي- إلا الدواعي الداعية إلى جلب النفع أو دفع الضرر.
والنفع: هو اللذة والسرور وما أدى إليهما أو إلى أحدهما.
والضرر: هو الألم والغم، وما أدى إليهما أو إلى أحدهما، لا يعقل النفع والضرر إلا ذلك، واللذة والسرور والألم والغم لا تجوز على الله -سبحانه- لأن ذلك لا يجوز إلا على المحدث، وهو تعالى قديم بما تقدم.
وأما الذي يدل على أن من كان حياً غير محتاج فهو غني: فلأن الغني لا يُعْقَل إلا على هذه الصفة ، فمن عُلِمَ عليها عُلِمَ غناه، فثبت بذلك أن معنى الغني: الحي الذي ليس بمحتاج، وهذا الغنى ثابت لله -سبحانه وتعالى- فثبت أنه غني.
(الكلام في نفي الرؤية له سبحانه)
[18]
وعنه نَنْفِي رُؤيةَ الأبْصَارِ .... في هذه الدَّارِ وتِلْكَ الدَّارِ
إذ هو لا يُعْلَمُ بالمِقْدَارِ .... ولا بِإقْبَالٍ ولا إدْبَارِ
في أيِّما حَالٍ من الأحْوَالِ
هذه مسألة نفي الرؤية؛ والخلاف فيها مع المجبرة([42])، من المجسمة الحنبلية والكرامية، وسائر المجبرة على طبقاتهم، غير أن الخلاف لا يتحقق بيننا وبين المجسمة في هذه المسألة؛ لأنهم يسلمون لنا أن الله -تعالى- إذا استحال كونه جسماً استحالت رؤيته، ونحن نسلم لهم أنه إذا ثبت كونه -تعالى عن ذلك- جسماً صحت رؤيته، وقد ثبت بما تقدم من الأدلة أنه تعالى ليس بجسم فانقطع خلاف المجسمة، وبقي الخلاف بيننا وبين سائر طبقات المجبرة.
فمذهبنا أن رؤيته تعالى لا تصح في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا معنى قوله: (في هذه الدار وتلك الدار)، فهو يريد بهذه الدار الدنيا لكوننا فيها، وبتلك الدار الآخرة لمصيرنا إليها.
قوله: (إذ هو لا يعلم بالمقدار): يقول: لا يقاس بغيره من الأجسام.
وقوله: (ولا بإقبالٍ ولا إدبار): الإقبال: نقيض الإدبار، نفى عنه المجيء والذهاب كما يقول بعض المجبرة.
__________________
([42]) ـ المجبرة: لأنهم يقولون إن العبد مجبر على ما هو فيه من طاعة أو معصية أو إيمان أو كفر، وتسمّى مجورة لإضافتها الجور والظلم إلى الله ، وقدرية لقولهم: إن كل حادث هو بقضاء وقدر من الله الحسن والقبيح والخير والشر والطاعة والمعصية.
وهم فرق كثيرة ذكرها الإمام المنصور بالله عليه السلام وأفاد بأنها:
الضرارية: أصحاب ضرار بن عمرو الغطفاني.
الجهمية: أصحاب جهم بن صفوان.
والنجارية: أصحاب حسين النجار.
والكلابية: أصحاب ابن كلاب عبدالله بن سعيد.
والأشعرية: أصحاب أبي الحسن بن أبي بشر الأشعري.
والبكرية: ينسبون إلى أبي بكر، ومنهم عبدالله بن سعيد البكري.
والكرامية: ينسبون إلى أبي عبدالله محمد بن كرام.
وللكرامية والنجارية فرق كثيرة متشعبة ومختلفة فيما بينها، تكفر بعضها بعضاً.
انظر: الملل والنحل للشهرستاني، الفرق بين الفرق للبغدادي، الملل والنحل للإمام أحمد بن يحيى المرتضى.

(1/138)


(في أيما حال من الأحوال): يريد؛ في كل حال من الأحوال، و(ما) ها هنا زائدة، و (أي): من ألفاظ العموم، وكل من أسماء تأكيد العموم، فلذلك أبدلها منها.
ووجه الإستدلال بما تقدم من تفصيل هذه الجملة المتقدمة([43]): أن الله تعالى لو جازت عليه الرؤية لكانت لا تخلو: إما أن تكون معقولة أو غير معقولة:
فإن كانت معقولة: كانت لا تصح إلا مقابلة أو ما في حكمها.
ونريد بما في حكمها: الألوان التي هي في حكم المقابل، وما يرى بالأشعة المنعكسة عند مقابلة الأجسام الصقيلة.
باطل أن يكون تعالى في جهة المقابلة؛ لأن ذلك من خصائص الأجسام، وقد دللنا فيما تقدم على أنه تعالى ليس بجسم.
وباطل أن يكون حالَّاً فيما هو في جهة المقابلة؛ لأن الحلول من خصائص الأعراض، وقد بينّا فيما تقدم أنه ليس بعرض.
وإن كانت رؤيته غير معقولة: أدى إلى فتح باب الجهالات فيقال إنه تعالى يشم شماً غير معقول، ويلمس لمساً غير معقول، ويذاق ذوقاً غير معقول إلى غير ذلك من أنواع الجهالات؛ وكل قول أدى إلى ذلك فهو باطل، وقد أدى إليه القول بجواز رؤيته تعالى، فيجب نفي ذلك القول والقضاء بأنه تعالى لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة.
(دليل آخر) [في نفي الرؤية عن الله تعالى]
[19]
لو كَانَ ربِّي مُدْرَكاً في حَالهْ .... أَدْرَكْتُهُ الآنَ بِلا مَحَالَهْ
يا إخوتا فَاطَّرِحوا الجَهَالهْ .... وَالشَّكَ والحَيرَةَ والضَلَالهْ
واغْتَرِفُوا من زَاخِرٍ سَلْسَالِ
وهذا دليل ثانٍ في نفي الرؤية عن الله تعالى.
ووجهه: أن الله -تعالى- لو رؤي في الآخرة؛ لوجب أن نراه الآن، فلما استحالت رؤيته الآن إستحالت رؤيتنا له في الآخرة.
وهذا الدليل مبني على أصلين:
أحدهما: أنه لو جاز أن يرى في الآخرة لرأيناه الآن.
والثاني: أنَّا لا نراه الآن.
_____________________
([43]) - نخ (ن) : المقدمة.

(1/139)


أما أنه لو رؤي في الآخرة لرأيناه الآن؛ فلأن الواحد منا حاصل على الحال التي لو رؤي لما رؤي إلا لكونه عليها؛ من سلامة الحاسة، وإرتفاع الموانع؛ والباريء -تعالى- موجود على الحال التي لو رؤي لما رؤي إلا لكونه عليها من وجوده تعالى، ولا مانع يعقل بيننا وبينه من بُعد مُفرط، أو قُرب مُفرط، ولا رقة، ولا لطافة، ولا هو في خلاف جهة الرائي، ولا هو في ظلمة -تعالى عن ذلك-؛ لأن هذه الأمور لا تثبت إلا في حق الأجسام ، وهو تعالى ليس بجسم، ولا هو بعرض، فيكون حالَّاً في بعض هذه الموصوفات، فلما لم نره الآن مع حصول شرائط الرؤية فينا وفيه لو كان مرئياً -تعالى عن ذلك-؛ علمنا أنه لا تجوز رؤيته في دنيا ولا في آخرة.
وأما الدليل على أنَّا لا نراه الآن: فذلك معلوم ضرورة.
(مسألة في نفي الثاني)
[20]
وهو يَجِلُّ عن قَرِينٍ ثَانِي .... يَمْنَعُ مِنْهُ العقلُ والمَثَانِي
لَوْ كَانَ ثانٍ وهُما ضِدَّانِ .... وَظَهَرَ المُنْكَرُ في البُلدانِ
ولم يُسَلِّمْ أوَّلٌ لِتَالي
هذا هو الكلام في مسألة الوحدانية، والخلاف فيه مع الثنوية([44]) من الديصانية([45]) والمانوية([46]) والمجوس([47]) على طبقاتهم، ومع المثلثة من النصارى([48]) والمرقيونية([49]).
قوله: (يجل عن قرين ثانٍ): يريد؛ يتعالى ويعظم ويستحيل ثبوته في حقه [تعالى([50])].
قوله: (يمنع منه العقل): يريد؛ دلالة العقل.
و (المثاني): يريد؛ دلالة السمع؛ لأن المثاني القرآن في إحدى آيتي ([51]) ذكر المثاني، ودلالة القرآن هي الدلالة السمعية.
______________
([44]) ـ الثنوية: فرقة من الفرق الكفرية القائلة بإلاهية النور والظلمة، وتأثيرهما في العالم ولذلك سموا ثنوية؛ لأنهم يقولون بإلهية اثنان وهما النور والظلمة وأنهما أزليان قديمان، وهم فرق كثيرة يطول ذكرها، ولكن نذكرها على سبيل الجملة، وهم: المانوية، والمزدكية، والديصانية، والمرقيونية، والمهانية، والكيسانية، والصامية، والمهراكية.
وبينهم اختلاف كثير في النور والظلمة وتأثيرهما. الملل والنحل للشهرستاني 1/186، الملل والنحل للإمام أحمد بن يحيى المرتضى 68.
([45]) ـ الديصانية: فرقة من الثانوية الكفرية القائلة بإلهية النور والظلمة، وتأثيرهما وأن النور يفعل الخير قصداً واختياراً والظلمة تفعل الشر طبعاً واضطراراً، وهم أصحاب ديصان. الملل والنحل للشهرستاني 1/191، وللإمام أحمد بن يحيى 71.
([46]) - المانوية: أصحاب مانئ بن فاتك الحكيم الذي هرب في زمان سابور بن أردشير، وقتله بهرام بن هرمز، وكان يقول بنبوة عيسى ولايقول بنبوة موسى، وله أقوال تشبه الديصانية وغيرها من فرق الثانوية. الملل والنحل للإمام أحمد بن يحيى المرتضى 68، الملل والنحل للشهرستاني 1/186.
([47]) ـ المجوس: هم الذين يقولون بصانعين يزدان وهو: فاعل الخير بزعمهم، وهو عندهم الله، تعالى عن قولهم، واهرمن وهو: الشيطان فاعل الشر ويقولون إن أهرمن حدث من فكرة يزدان الردية، ولهم أقوال ظاهرة الفساد سريعة البطلان.
وطبقات المجوس، ثلاث: الكيومرثية، والزروانية، والزردشتية، وفكرة يزدان الردية هي: أن يزدان لما تم له الأمر قال في نفسه لو كان لي منازع كيف حالي فحدث أهرمن. الملل والنحل للإمام المرتضى 72، الملل والنحل للشهرستاني 1/171.
([48]) ـ النصارى: هم أمة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، وهم من أهل الكتاب وسموا بهذا الإسم نسبة إلى قرية تسمى ناصرة، وقيل لقولهم: نحن أنصار الله، وافترقوا بعد رفع عيسى عليه السلام إلى اثنين وسبعين فرقة كما جاء في الحديث أشهرها الملكانية، والنسطورية، واليعقوبية، والأرميوسية، واتفق هؤلاء على أن الله اتحد بالمسيح، واختلفوا في كيفية الإتحاد، واتفقوا على أن الله جوهر واحد مكون من ثلاثة أقانيم: إقنوم الأب، وإقنوم الإبن، وإقنوم روح القدس، واتفقوا على أن الإبن هو الكلمة، والأب هوالحي القديم، والروح هو الحياة، ولهم أقوال واختلافات واسعة وكثيرة لايسع المقام ذكرها. الملل والنحل للإمام المرتضى 81، الملل والنحل للشهرستاني 1/166.
([49]) ـ المرقيونية: وهم أصحاب يعقوب بن مرقون، وهم من فرق الثنوية القائلة بإلهية النور والظلمة إلا أنهم زادوا على إخوانهم بأن جعلوا شيئاً ثالثاً ليس بنور ولا ظلمة، قالوا: دون الله في النور، ودون الشيطان في الطبع، ولهذا جُعلوا من المثلّثة. الملل والنحل للإمام المرتضى 71، للشهرستاني 1/193.
([50]) - زيادة من نسخة (ن).
([51]) - الآيتان في ذكر المثاني هما :
1- قوله تعالى : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ(87)} [الحجر].
2- قوله تعالى : {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} ..إلخ الآية [الزمر:23]، وهي المرادة في هذا الموضع .____

(1/140)


وقد نبَّه على الدلالة العقلية بقوله: (لو كان ثان): يريد؛ لو صحت التثنية ظهرا و(هما ضدان) المضادة اللغوية، يريد: متعاديان متنافران كل منهما يريد أن يكون الملك له.
قوله: (وظهر المنكر في البلدان): يريد بالمنكر الفساد؛ وهو إهلاك كل واحد منهما لما خلق صاحبه، وإفساده لما أصلح.
قوله: (ولم يسلم أول للتالي): يقول: لم يسلم واحد منهما [لصاحبه([52])]؛ لأن التسليم دلالة العجز.
ولا يجوز صرف التسليم إلى الحكمة؛ لأن ذلك مبني على الوقوع الذي يقتضي تقدير الجائز باستحالته.
ومعنى ذلك أنه لو كان ثانياً مفروضاً -تعالى عن ذلك- وقدرنا أمراً ممكنا وهو أن أحدهما أراد تحريك جسم في حال وأراد الآخر تسكينه كانت الحال لا تخلو من ثلاثة وجوه:
إما أن يحصل مرادهما معاً فيكون الجسم متحركاً ساكناً دفعة واحدة، وذلك محال.
وإما أن لايحصل مراد أحدهما فيخلو الجسم من الحركة والسكون معاً، وذلك محال.
وإما أن يحصل مراد أحدهما دون الآخر، وذلك أيضاً محال لكونهما قادرين لذاتيهما لو كان ذلك تقديراً فلا يتحصل مقدوراهما؛ ولا يكون أحدهما أولى من صاحبه بصحة الفعل ولا تعذره، وقد أدى إلى هذه المحالات القول بالثاني فيجب أن يكون محالاً.
وأما الدلالة السمعية: فقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)}[الصمد] ، وقوله: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ}[المائدة:73] ، وقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}[الأنبياء:22] .
ولا وجه لإفراد الكلام في التثليث؛ لأنه فرع على التثنية، فإذا بطلت بطل.
[الكلام في أن الله -تعالى- عدل حكيم ليس في أفعاله ظلم ولا عبث ولا سفه ولا شيء من القبيح]
[21]
وهو حَكِيمٌ ذُو الجَلالِ عَدْلُ .... إذ كُلُّ جَورٍ حَاجَةٌ وجَهلُ
وَمِنْهُ للكُلِّ العَطَاءُ الجَزْلُ .... وليس يَثْنِي نِعْمَتَيْه العَذْلُ
يُجْزِي عَلى الحبَّةِ بالمِثْقَالِ
هذا هو الكلام في أن الباريء -تعالى سبحانه- عدل حكيم، ليس في أفعاله ظلم، ولا عبث، ولا سفه، ولا شيءٌ من القبيح.
وهذه المسألة أهم مسألة من مسائل الخلاف بين أهل الجبر والعدل، وهي من أركان الدين القوية.________________
([52]) - زيادة من نسخة : (ن) .

(1/141)


ولجهل أكثر الفرق بمعنى العدل والحكمة خبطوا خبط العشواء، وركبوا الأهواء، وسموا العدل جوراً، والجور عدلاً، لفقد معرفتهم بالحقائق، فنسأل الله التوفيق.
قوله: (وهو حكيمٌ ذو الجلال عدل): أراد بيان مذهبه في هذه المسألة.
فمذهنبا أن الله -تعالى- عدل، حكيم، ليس في أفعاله ظلم، ولا عبث، ولا سفه، ولا شيءٌ من القبيح.
وخالفت المجبرة في ذلك على طبقاتها.
ودلالة هذا المذهب تنبني على أصلين، أحدهما: أن الظلم قبيح، والثاني: أن الله -تعالى- لا يفعل القبيح.
[الدليل على أن الظلم قبيح]
أما كون الظلم قبيحاً فذلك معلوم لكل عاقل ضرورة؛ ولهذا يشترك في العلم بقبحه المختلفون.
والمجبرة لا تخالفنا في قبحه، لكنهم يقولون إذا وقع من الباريء وقع على وجه يخرجه عن كونه ظلماً، وذلك باطل؛ لأن العلة الموجبة لكونه ظلماً من الواحد مِنّا هي قائمة في الباريء -تعالى- على أبلغ الوجوه.
ألا ترى أن الظلم عند جميع العقلاء: هو الضرر العاري عن نفع يوفي عليه، أو دفع ضرر أعظم منه، أو استحقاق لجنسه؛ لأن الظلم، وإن كان عند غيرنا من المجبرة، وضع الشيء في غير موضعه كما يقوله بعضهم ، والتصرف في ملك الغير بغير إذنه ، كما يقوله بعض آخر، إلى نحو ذلك، فلا ينكرون أن كل فعلٍ وقع على الوجه الذي ذكرنا فإنه يكون ظلماً لا محالة له، ولا سبيل لهم إلى دفعه، لأنه من علوم العقل الأوَّلة.

(1/142)


يزيد ذلك إيضاحاً أن رجلاً لو مر برجل يقطع يد غيره ففتش عن حاله هل ذلك القطع لدفع ضرر أعظم؟ كأن يكون في يده آفة أجرى الله -تعالى- العادة بأنها إن لم تقطع سرت إلى سائر الجسد، أو كان ذلك الإنسان سارقاً فأمر الإمام بقطعه بعد معرفة ذلك الرجل بصحة الإمامة، أو قطعت يده قصاصاً، أو رأى رجلاً يضرب صبياً ضرباً مبرحاً لا لنفع يعود عليه، ثم أخبرنا بعد ذلك، مع تعري هذا الضرر عن واحد من هذه الوجوه، أنه لا يقطع على قبح ذلك الفعل لَعَلِمَ كل عاقل بطلان قوله بما يجري مجرى الضرورة ، فثبت أن الظلم لا يقبح إلا لوقوعه على هذا الوجه من أي فاعل كان ، بدلالة أنّا إذا أحضرنا بعقولنا الفعل على هذا الوجه، ولم نحصر الفاعل علمناه قبيحاً؛ بل وقوعه على ذلك الوجه من الباري -تعالى عن ذلك- أدخل في باب القبح؛ لأنه أعلم العلماء، وأحكم الحكماء، وأغنى الأغنياء، وله الصفات العُلا، فإذا وقع منه -تعالى عن ذلك- كان قبيحاً على أبلغ الوجوه.
[الدليل على أن الله لا يفعل القبيح]
وأما دلالة الأصل الثاني؛ وهو أن الله لا يفعل القبيح: فلأنه عالم بقبحه، وغني عن فعله، وعالم بأنه غني عنه، ومن كان بهذه الأوصاف فهو لا يفعل القبيح.
أما علمه بقبحه: فلما تقدم من أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، وقبح القبائح من جملة المعلومات لولا ذلك لما صح علمنا به.
وأما أنه غني عن فعله: فلما تقدم من الدلالة على أنه غني، وذلك يقتضي الغنى عن الحسن والقبيح.
وأما أنه عالم باستغنائه عنه: فلأنَّ أجَلَّ المعلومات ذاته، وما هو عليه سبحانه من الصفات فيجب أن يعلم هذه الحال بنفسه التي هي أجل المعلومات لما تقدم من أنه عالم بجميع المعلومات.

(1/143)


وأما أن من كان بهذه الأوصاف فهو لا يفعل القبيح: فذلك ظاهر؛ لأنه لا يحمل فاعل القبيح على فعله - عند كل عاقل- إلا جهله بقبحه، أو حاجته إلى فعله، أو جهله بأنه غني عنه، وقد ثبت أن هذه الوجوه مستحيلة على الباريء -تعالى- فثبت أنه تعالى لا يفعل القبيح.
ويدخل تحت جملة هذا اللفظ الظلم والسفه والعبث والكذب، وجميع أنواع القبائح المعلومة بالعقل والسمع، فلا وجه لإفراد كل واحد منها بالذكر، فإذا ثبت أنه تعالى لا يفعل شيئاً من القبائح، وقامت الدلالة بأن شيئاً من المحدثات لا فاعل له سواه، كأن يكون جسماً أو عرضاً ضرورياً، إذ لا فاعل للأجسام والأعراض الضرورية إلا الله -تعالى- لخروجهما عن مقدور العباد؛ قضينا بأن ذلك الفعل حسن إذ لا واسطة بين الحسن والقبيح وإن كانت النفوس تكرهه؛ لأن الحسن أكثر ما يكون في المكاره، والقبيح أكثر ما يكون في الملاذ والمشتهيات؛ وهذا تنبيه لكل عاقل متأمل لم يعم التعصب عين بصيرته، وتملك يدُ التقليد مقودَه.
[التذكير ببعض نعم الله]
(عدنا إلى التفسير)
قوله: (ومنه للكل العطاء الجزل): فكذلك حاله سبحانه؛ لأنَّا نعلم أنه منعم على كل أحد من عباده نعمة جليلة ترجح بالدنيا وما فيها، فأول نِعَمِه على عباده - ومجموعها لا تحصى - إخراجه لهم من العدم إلى الوجود، وإحياؤه لهم بعد الإخراج، وتركيب هذه الجوارح الجليلة القدر فيهم من الأيدي والأرجل والألسنة والأنوف والأعيان والآذان، التي لو أعطي كل واحد منَّا في جارحة منها ما في الدنيا من عين وجوهر وطيب وفلس ؛ بل جميع حيوانها وجمادها، لما أنصف العاقل وسد له مسد الإستمتاع بها فضلاً عن مجموعها، فالحمد لمن جمعها، وجعلنا نشتهي، ومكننا من المشتهى، وأغنانا بحلال المشتهى عن حرامه، لنحترز عن مواقعة القبيح وآثامه.

(1/144)


بل إنظر أيها العاقل - عَطفاً لا إضراباً - إلى هذه الحياة ما أجل قدرها وهي فِعْلُه لا محالة، فإنه لا يوازيها شيءٌ من ملك الدنيا؛ بل لا يوازيها ملك الدنيا؛ لأنَّا نعلم علماً ضرورياً أن الموت لو اندفع بملك الدنيا ويخرج عن ملكه لفعل، يوضح ذلك أنَّا نعلم أن الملوك ينهزمون عن الممالك الخطيرة إذا خافوا فوت الحيوة، أو ذهاب بعض الجوارح ، أو الحبس الذي يهون أمره، إن فكر في أمر حبس الآخرة وعذابها نعوذ بالله منه؛ فإذا فكر الإنسان في عطايا الله -سبحانه- وعظمها - وأن الحكيم سبحانه قصد بها الإحسان إلينا لاستحالة النفع الذي هو فرع الحاجة عليه تعالى، وإكماله سبحانه لما تقدم من النعم بالعقل الذي هو تمام كل حي، وأشرف كل شيءٍ من عطايا الحكيم بالإتفاق - علم تقصير نفسه مع الإجتهاد عن تأدية الشكر الواجب عليه، فالله المستعان.
وليس لجاهل أن يعترض ما قدمناه بأنَّا نرى بعض الملوك يستسهل الموت ويؤثره على الإنهزام.
قلنا: يعلم ذلك كل عاقل أن لا فوت للموت، وأنه حوض لا بد من وروده، ونحن قدرنا لو حصل له وقع الموت [إرغاماً]([53]) وهذا لا يمكن إعتراضه بشيءٍ.
______________
([53]) ـ في جميع النسخ كلمة غير ظاهرة، ولعلها: (إرغاماً).

(1/145)


قوله: (وليس يثني نعمتيه العذل): يريد؛ نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، ويحمل على النعمة الباطنة والنعمة الظاهرة، ويحمل أيضاً على نعمة الدنيا ونعمة الدين، فهو تعالى منعم في جميع هذه الوجوه، فحمل اللفظ على الجميع أولى، ولا يثنيه([54]) العذل؛ بل السَّبُّ الذي هو في هذا الباب أبلغ، وهو في حقه تعالى أشنع وجوه القبح؛ لأن اليهود قالت: يده مغلولة ، وقالت : هو فقير وهم أغنياء، فلم يمنعه ذلك من الإنعام عليهم، وقد نطق بذلك القرآن فقال تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}[البقرة:40ـ47] ، فهذا كما ترى تصريح بما ذكرنا، فسبحان من لا يثني نعمه عذل العاذلين، ولا يقدح في حكمته تأويل الجاهلين؛ إذ المعلوم من كل معط سواه - ومن ذا الذي يعطي على الوجه الحسن إلا من أعطاه وأغناه سبحانه ، وأقناه ـ، يؤثر فيه عذل العاذلين، وإن لم يستمر ذلك فلا بد من وقوعه في حين، فكيف بما يُعلم من متمرّدي هذه الأمة بالمشاهدة، ومن الأمم الضالة المتقدمة بما في كتاب الله -سبحانه- وسنة رسوله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بالأخبار المتواترة، أنهم سألوا الله -تعالى- إنزال النقمة وتعجلوها قبل وقتها في الحكمة جهلاً منهم بالله -سبحانه-، واستخفافاً بعظيم ما أعد لمن عصاه، فأنزل الله -سبحانه- عليهم النعمة عوضاً عما سألوا لسعة جوده، وعظم كرمه، فسبحان من لا يحصي أياديه العادون، ولا يأتي على كنه وصفه الواصفون، فالحمد لله ربِّ العالمين.
قوله: (يجزي على الحبَّة بالمثقال): ظاهر الدليل؛ لأنه أخبر أنه يعطي على الحبَّة المعطاة منه ضعف وذلك دليل على ما قلنا وزيادة، وذلك لا يُعلم من غيره سبحانه؛ لأن الحبَّة المعطاة منه وليس كذلك غيره، فلا نجد في أنواع الشكر أبلغ من الإعتراف بالتقصير والثناء، ونسأل الله العون.
____________________
([54]) ـ من الثني، وهو الضد الذي هو المنع، تمت.

(1/146)


(وفي مسألة القضاء)
[22]
قَضَاؤُهُ بالحقِّ دُونَ الباطِلِ .... كما أَتَى في السُّورِ النَّوَازِلِ
وإذْ بِهِ يَفْرَحُ كُلُّ عاقِلِ .... والظُّلمُ يُشجي قَلبَ كلِّ فَاضِلِ
فَانْظُرْ إلى مَخَارِجِ الأقَوَالِ
بيَّن في هذا القول بالدلالة أن الله -سبحانه- لا يقضي إلا بالحق، وقد أشار إلى ذلك بقوله: (إذ به يفرح): يريد؛ بقضاء الله -سبحانه- وهو يريد بالفرح هاهنا: الرضى، فلما كان الرضى بقضاء الله، وإن كان كريهاً، يؤدي إلى الفرح، سماه بإسم ما يؤدي إليه، وأمثاله في اللغة كثير جداً.
وكذلك قوله في الظلم: إنه (يشجي قلب كل فاضل): يريد؛ يسخطه كلّ فاضل مرضي، فلو كان قضاء الله لم يسخطه ساخط من الفضلاء.
ومعنى الشجا: الإعتراض والسعل، وأكثر ما يستعمل الشجي في القلب، واستعماله في غيره شائع في اللغة.
فمذهبنا أن الله -تعالى- لا يقضي إلا بالحق، وأن الظلم والمعاصي باطل، والخلاف فيه مع المجبرة.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه: ما ثبت من إجماع الأمة أن الرضى بقضاء الله -تعالى- واجب، وأن الرضى بالمعاصي لا يجوز، فلو كانت المعاصي من قضاء الله -سبحانه- لوجب الرضى بها لما تقدم من إجماع الأمة؛ على ما ذكرنا من الوجهين جميعاً، فلما كان الأمر بالضد من ذلك؛ علمنا أنها ليست من قضائه، وقد قال تعالى: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ}[غافر:20] ، والمعاصي لا تكون حقاً، وهذه الدلالة هي التي نبَّه عليها بقوله: (فانظر إلى مخارج الأقوال): يريد؛ النظر في وجوب الرضى بقضاء الله، ووجب السخط للمعاصي، ولا يجب الرضى بشيءٍ والسخط له في حالة واحدة، وذلك أظهر دليل على أنها ليست بقضائه سبحانه.
---

(1/147)


(القول في تكليف ما لا يطاق)
[23]
وَكَلَّفَ العَبدَ دُوَيْنَ الطَّاقَهْ .... وحَلَّ إذ كلَّفَهُ وِثَاقَهْ
إذْ صار لا تَجْرِيْ عليهِ الفَاقَهْ .... ولَم يُرِدْ سُبْحَانَهُ إرهَاقَهْ
جَلَّ فما أَرْحَمَهُ من وَالِي
هذا هو الكلام في أنه تعالى لا يكلّف أحداً من عباده ما لا يطيق، والخلاف فيه مع المجبرة.
ومذهبنا في هذه المسألة: أن الله -تعالى- لا يكلف أحداً من عباده ما لا يطيق؛ بل لا يكلفه كل ما يطيق؛ لأنه قد كلف دون ما نستطيع لجوده وكرمه.
قوله: (وكلّف العبد دوين الطاقة): لأنَّا نعلم أنَّا تعبدنا من جميع أنواع التعبد بما في وسعنا أضعافه، والطاقة والإستطاعة معناهما واحد.
قوله: (وحل إذ كلفه وثاقه): يقول إنه تعالى مكنه من فعل ما تعبده به، ليكون مختاراً في فعله، فيستحق الثواب والمدح بفعله، والعقاب والذم بتركه، ولولا تقديمه للقدرة عليه لم يستحق شيئاً من ذلك؛ خلافاً لما تذهب إليه المجبرة؛ لأنهم يقولون إن الله تعالى تعبده بأمر لا يدخل تحت مقدوره، ولا يجد إلى فعله سبيلاً؛ وقد أبطل الله -تعالى- قولهم بقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}[البقرة:286]، و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}[الطلاق:7]، وبقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن:16].
قوله: (إذ صار لا تجري عليه الفاقة): تنبيه على أن الظلم، وفعل القبيح لا يجوز إلا ممن تجوز عليه الحاجة، ومعنى الفاقة والحاجة واحد، وقد ثبت بما تقدم أن الله -تعالى- غني عن كل حسن وقبيح، وأن الحاجة مستحيلة في حقه، ولا يحمل على فعل القبيح إلا الحاجة، وقبح تكليف ما لا يطاق معلوم ضرورة لكل عاقل.
فتحرير الدلالة في هذه المسألة أن نقول: تكليف ما لا يطاق قبيح والله -تعالى- لا يفعل القبيح.

(1/148)


[بيان أن تكليف ما لا يطاق قبيح]
أما الأول: وهو أن تكليف ما لايطاق قبيح: فذلك معلوم ضرورة.
ألا ترى أن كل عاقل يستقبح من أحدنا أن يقيد عبده ويصله ويهبطه إلى البير، ثم يكلفه الصعود منها بغير آلة ولا فك، ومن أخبرنا من نفسه، أنه لا يعلم قبح ذلك من نفسه، قضى جميع العقلاء بكذبه أو جهله، وما قبح ذلك من أحدنا لوجه من الوجوه سوى أنه تكليف لما لا يطاق، بدليل أنه لو كلفه الصعود، وأهبط إليه الرشاء، وحلّ وثاقه وقَيْدَهُ، وعلم أنه ممن يمكنه مع ذلك الصعود، لما قبح ذلك عند أحد من العقلاء؛ بل يعلم الجميع إستحقاق العبد للذم إذا لم يفعل ما أمره به مولاه.
وأما الأصل الثاني: وهو أن الله -تعالى- لا يفعل القبيح: فقد تقدم بيانه.
قوله: (ولم يرد سبحانه إرهاقه): يقول: لم يرد سبحانه تكليفه ما لا يمكنه، و(الإرهاق): هو إلحاق الغير المشقة، والرَّهاق في أصل اللغة: هو اللحاق، يقول قائلهم: رَهقك الفارس إذا غشيك.
قوله: (جلَّ فما أرحمه من والي): معنى جلَّ وعلى وعظم عن أن يشبهه شيء.
(ما أرحمه): تعجب من سعة رحمته، ورحمته سبحانه لا تنحصر بالعد، ولا يُنْتَهى فيها إلى حد، يكون منها أنه لم يكلف عبيده ما لا يطيقون، فكلفهم دون ما يطيقون، وعذرهم عندما فعل بهم من الآفات التي أصابهم بها، ووضع عنهم الفرض فيها فقال سبحانه: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ}[النور:61].
ومن رحمته أنه أمهل من عصاه بعد استحقاقه للعقوبة؛ لأنه يستحقها([1]) من يأتي المعصية، وأمر إليه الرسل ونبهه بالخواطر، ونصب له الأدلة، و جعل باب التوبة مفتوحاً لمن تاب
______________
([1])ـ أي العقوبة، تمت.

(1/149)


(الكلام في أنه تعالى لا يريد الظلم)
[24]
ولم يُرِدْ ظُلماً ولا فَسَادا .... لو شَاءَهُ ما عَذَّبَ العِبادا
ولأَرَدْنا كُلَّ ما أرادا .... ثَمَّتَ وَالَيْنَا الذي قَدْ عَادَا
وكان لا يَنْهى عن الإضْلالِ
هذا هو الكلام في أنه تعالى لا يريد الظلم، ولا يرضى الكفر، ولا يحب الفساد، والخلاف في هذه المسألة مع المجبرة.
معاني ألفاظ القافية:
(الإرادة): ما يجب به كون الحي مريداً، وهي ضد الكراهة.
و (الظلم): هو الضرر العاري عن جلب نفع للمضرور أعظم منه، أو دفع ضرر يوفي عليه، أو استحقاق لذلك.
و (الفساد): هو كل فعل قبيح يتغير له الظاهر المعتاد.
قوله: (لو شاءه ما عذَّب العبادا): المشيئة والإرادة معناهما واحد؛ لأنك لاتقول: شئت هذا الأمر ولم أرده، ولا أردته ولم أشه؛ بل يعد من قال ذلك مناقضاً جارياً مجرى قوله: أردت وما أردت.
ومعنى قوله: (ما عذَّب العبادا): ظاهر؛ لأنه لو أراد الظلم ما عذبهم على فعله، لأنهم قد فعلوا مراده فكان إسم الطاعة ألزمَ لهم من إسم المعصية.

(1/150)


قوله: (ولأردنا كلما أرادا): لأن ذلك الواجب علينا له ليلزمنا حكم المطيع أن نريد جميع ما أراد سبحانه من المحبوب والمكروه، ونكره ما كره من جميع ما أحببنا واشتهينا.
قوله: (ثمت والينا الذي قد عادا): لأنه فعل ما أراد الحكيم -سبحانه- كما قال مخالفنا، وجبت علينا موالاته؛ لأنه لم يحاده سبحانه ولم يعصه إذ لم يخالف مراده.
قوله: (وكان لا ينهى عن الإضلال): إلزام لمن خالفنا في ذلك من المجبرة؛ لأن شياطين الجن والإنس الذين يضلون الناس لم يأمروهم على مذهب من يقول إنه سبحانه يريد الظلم وقبيح أفعال العباد؛ إلا بما أراد سبحانه فكان يجب أن لا ينهاهم عن ذلك؛ لأنه لم يأمرهم إلا بما أراد منهم على قول المخالف، ومثل هذا لا يغبى على عاقل منصف.
وتحرير هذه الدلالة: أنا نقول: إرادة القبيح قبيحه، والله -تعالى- لا يفعل القبيح.

(1/151)


[بيان أن إرادة القبيح قبيحة]
أما الذي يدل على الأول وهو أن إرادة القبيح قبيحة؛ فلأنا نعلم أن الواحد منا لو أخبرنا عن نفسه أن جميع ما يجري من القبائح والمنكرات واقع بإرادته لذمه العقلاء، وعلى قدر شرفه وعظم شأنه يكون ذمهم له أكثر، والعقلاء لا يذمون على فعل إلا وهم يعلمون قبحه بالعقول، ودلالة العقول واجبة الإتباع لأنها أقوى الأدلة؛ بل هي أصلها.
وما ذموه إلا لمجرد إرادته القبيح وإن كان الفاعل غيره، فكيف الحال إذا أراد وفعل على ما يقول المخالف!؟، فإذا أراد سبحانه، وتعالى عن ذلك - على قول المخالف - القبائح كانت علة إستحقاق الذم فيه سبحانه، وإثمه على أبلغ الوجوه؛ لأنا قد قدمنا ما لا ينكره عاقل منصف أن القبيح يعظم لعظم فاعله وشرفه، وإرادة القبيح قبيحة وهي فعل، ولا أعظم من الله -سبحانه- ولا أشرف منه ولا أعلى، فثبت أن القبائح لا تجوز عليه إرادتها؛ لأن ذلك يؤدي إلى باطلين:
إما أن لا يُذَمَّ مع وقوع القبيح من قبله -تعالى عنه- ومعلوم خلافه.
وإما أن يُذَمَّ -تعالى عن ذلك- وذلك باطل؛ لأنه يجب حمده، ويستحيل ذمه، فلا مخلِّص من ذلك إلا القول بأنه تعالى لا يريد شيئاً من القبائح.
وأما الأصل الثاني وهو أنه تعالى لا يفعل القبيح فقد تقدم بيانه فلا وجه لإعادته.

(1/152)


(مسألة الإمتحان)
[25]
يَمْتَحِنُ العالمَ بالأمْرَاضِ .... والموتِ والشدَّةِ والأعرَاضِ
لِلإعْتِبَارِ المَحْضِ والأعْوَاضِ .... وهو عَنِ المُمْتَحَنِيْنَ راضِي
يُحِلُّهُم فَوْقَ المَحَلِّ العَالِي
الخلاف في هذه المسألة واقع بيننا وبين فرق الكفر من الثنوية والطبائعية.
فالثنوية فرقتان: المجوس وأصحاب النور والظلمة.
فأهل النور والظلمة فرقتان: الديصانية والمانوية، ويلحق بهما فرقة يقال لهم المرقيونية.
والطبائعية أهل أصل المقالة بالطبع، ثلاث فرق، وهم يتشعبون إلى فرق كثيرة لاختلافهم في فروع لهم، لا وجه لتطويل الكلام بذكرهم ها هنا؛ لأنا إذا قطعنا مقالة أهل الأصول إنحسم خلاف أهل الفروع.
ولا خلاف نعلمه بين أهل الإسلام في أن الآلام والمحن الخارجة عن مقدور العباد لا فاعل لها إلا الله -سبحانه- إلا ما يذهب إليه طائفة من المطرفية، وقد طابقهم على ذلك -من ينتسب إلى الإسلام- الباطنية؛ إلا أن آبائنا - عَلَيْهم السَّلام-، لا يذكرون خلافهم في خلاف فرق الإسلام، لإلحادهم في أسماء الله -تعالى-، وتأويلهم للشريعة تأويلاً يؤول إلى الكفر، ورد ما علم من دين النبي - صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- ضرورة، ولولا خشية التطويل لذكرنا طرفاً مما يحكي عنهم الأئمة -عَلَيْهم السَّلام- وعلماء الأمة.

(1/153)


[بيان مذهب المطرفية ومذهب المجوس في الإمتحانات وإبطالهما]
فإذاً الخلاف لا يعلم من أحد من أهل الإسلام في مسألة الإمتحان إلا عن المطرفية، وهم لا يرجعون في نفيهم الآلام عن الله -تعالى- إلى أصل معين فيتعين الكلام عليه؛ لأنهم ربما رجعوا بالآلام، إلى إحالات الأجسام، وتأثيرات الطبائع، وهذا كما ترى يدخل الكلام عليه تحت الكلام على الطبائعية.
وربما أضافوا الآلام إلى الشيطان وتعلقوا بظاهر قوله -تعالى- حا كياً عن صفة([2]) أيوب -عَلَيْه السَّلام-: {أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ(41)}[ص]، وجهلوا تأويل هذه الآية، ولم يرجعوا إلى ورثة الكتاب في تفسيرها، وهذا القول يدخل في مقالة المجوس.
لأن المجوس ذهبوا إلى أن العالم حدث عن صانعين عبروا عن أحدهما بيزدان، وعن الثاني باهرمن، ويزدان -تعالى عن قول الظالمين- عندهم الله، واهرمن الشيطان، فأضافوا كل نفعٍ، ولذةٍ، وخيرٍ، وصورةٍ حسنةٍ، وراحةٍ، وسعةٍ، وسرورٍ، إلى يزدان الذي هو عندهم الله تعالى.
وكل ألمٍ، وغم، وضيقٍ، وشدةٍ، وصورةٍ وحيشةٍ، إلى اهرمن، وهم مجمعون على صفة يزدان، ومختلفون في صفة اهرمن، خلاف طويل لا يحتمل الكتاب ذكره.
______________
([2]) ـ في (ن، م): صفيه...

(1/154)


وحملهم على هذه المقالة القبيحة أنهم اعتقدوا أن الملاذّ كلها حسنة، والمكاره كلها قبيحة، فهذا غفلة عظيمة؛ لأن أكثر المكاره حسن، وأكثر الملاذ قبيح، فحملتهم هذه المقالة الردية على جواز نكاح الأمهات والأخوات؛ لاعتقادهم أن كل لذة حسنة، وجهلوا أن الفعل لا يحسن لصورته وإنما يحسن لوقوعه على وجه دون وجه.
ألا ترى أن السجدة قد تكون كفراً، كأن تقع لغير الله -تعالى-، وقد تكون طاعة كأن تقع لله -تعالى-، والصورة في الحالتين واحدة؟!.
وكذلك ضرب الإنسان لرقبة الغير قد يكون قبيحاً بأن يقع عدواناً، وقد يكون حسناً بأن يقع قصاصاً أو بأمر إمام الحق، فهذا فعل واحد ضرر في جميع الحالات، حَسُن لوقوعه على وجه، وقَبُح لوقوعه على وجه آخر.
وقد يكون ضرب العنق لمن لا يستحق العقاب، ويكون حسناً يجب أن يعوضه الله عليه، وذلك في رجل يقتل مسلماً متعمداً ثم يندم على فعله ويتوب إلى ربِّه فيُقِيدُ نفسه إلى أولياء القتيل فإنهم بالخيار إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا اتدَّوا([3])، فإذا ضربوا عنقه كان ذلك الضرب حسناً، لولا حسنه لوجب إنكاره، ومنعهم عند القدرة منه، ومعلوم عن جميع الأمة خلافه؛ بل يجب الرضى به، فإن أنكره منكر كان من الجاهلين.
وكذلك الألم قد يكون من ضرب الظلمة فيكون قبيحاً، وقد يكون من الله -تعالى- للإعتبار والعوض فيكون حسناً، وهو ألم في الحالين، فقد رأيت دخول الخلاف لمن ذكرنا تحت ما تقدم ذكره، فالكلام عليهم يأتي على القولين جميعاً
_______________
([3])- أي أخذوا الدية.

(1/155)


[إبطال مذهب الثنوية في مسألة الإمتحانات]
فأما أهل النور والظلمة من الديصانية والمانوية فقد أطبقوا مع إختلافهم في فروع لهم في صفة الظلمة خاصة، على أن النور يفعل الخير بطبعه ولا يصح منه الشر أبداً، وأن الظلمة تفعل الشرّ بطبعها ولا يصح منها الخير أصلاً، وهذا غفلة؛ لأن فاعل الخير لا يمتنع عليه فعل الشر شاهداً ولا غائباً، ولسنا نحتج عليهم بالقرآن لأنهم ينكرونه، وإلا فقد صرح تعالى بذلك في قوله: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}[الأنبياء:35]، وبقوله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ}[الأنعام:17]، إلى غير ذلك.
وقد أجمع أهل هذه المقالات على اختلافهم أن ما يحصل في العالم من الأمراض والأسقام لا تضاف إلى الله -تعالى- بل يجب نفيها عنه، ولم يحملهم على هذه المذاهب الفاسدة الخارجة عن الإسلام إلا جهلهم بالله -سبحانه-، وإنكارهم للآخرة وما أعد فيها سبحانه للمطيعين والممتحَنين، وأن ما نقص في الدنيا وزاد في الآخرة خير مما زاد في الدنيا ونقص في الآخرة، فلما جهلوا ذلك طلبوا لهذه الحوادث عللاً، ونفوها عن الحكيم -تعالى-.
والذي يدل على بطلان قول أهل هذه المقالات جميعاً: أن هذه الإمتحانات حوادث، والثاني: أنه لا بد للمُحدَث من مُحدِث.
فالذي يدل على أنها حوادث: [أن([4])] لوجودها أولاً، وذلك معنى المحدَث بلا خلاف، أما أن لوجودها أول فذلك معلوم لنا بالمشاهدة في غيرنا، وبما نعلمه من نفوسنا؛ لأنَّا نعلم عند حصول الألم فينا وفي غيرنا حدوث أمر لم يكن، وهذا عام لجميع الإمتحانات.
والذي يدل على أن المحدَث لا بدَّ له من مُحدِث: قد تقدم في إثبات الصانع -سبحانه- بما لا سبيل إلى دفعه فلا وجه لإعادته.
_______________
([4]) - زيادة من نخ (ن، م).

(1/156)


[بيان عَجْزِ القادرين بقُدْرة عن حصول الإمتحانات من جهتهم]
فإن قيل: ما أنكرتم من حصول هذه الإمتحانات من جهة القادرين بقدرة؟.
قلنا: أنكرنا ذلك؛ لأنها لا تدخل تحت إمكانهم، ولا تحصل بسبب إرادتهم، ولا تنتفي بحسب كراهتهم، وتلك خواص أفعالهم؛ ولأنهم لو قدروا عليها، لقدروا على أضدادها، خلافاً لما ذهبت إليه المجبرة، ومعلوم أنهم لايقدرون على أضدادها.
أما أنهم لو قدروا عليها لقدروا على أضدادها؛ فلأن القدرة على الشيء هي القدرة على ضده، بدليل أن القدرة على الحركة قدرة على السكون، ولهذا يصح من أحدنا أن يفعل أحدهما بدلاً من الآخر.
وأما أنهم لا يقدرون على أضدادها فلأنا نعلم من العليل أنه يجتهد في برء نفسه، فلو كان البرء مقدوراً له لما أخره ساعة واحدة؛ خاصة منا لقلة صبرنا.
وأما الأنبياء -عَلَيْهم السَّلام- فقد كانوا يختارون الصبر على الألم، واحتمال المشاق، رغبةً في عوض الآخرة، وإلا فكان يدخل تحت مقدورهم الدعاء إلى الله -تعالى- برفع الآلام عنهم.
ألا ترى إلى أيوب -عَلَيْه السَّلام- وتأخيره للدعاء حتى بلغ به الجهد كل مبلغ!؟.
فأما أن أحداً من القادرين بقدرة يمكنه دفع الألم عن نفسه بحوله فلا سبيل لأحد إلى تصحيحه.
[إبطال حصول الآلام بتأثيرات الطبائع]
فإن قيل: فما أنكرتم أن هذه الآلام حصلت بتأثيرات الطبائع، وإحالات الأجسام، وانحراف الأمزجة كما ذهبت إليه الطبائعية ومن طابقها؟.
قلنا: أنكرنا حصول هذه الآلام من الطبائع؛ لأنها غير حية ولا قادرة، والفعل لا يصح إلا من حي قادر على ما أجمع عليه أهل الإسلام وأيدناه بالبرهان في مسألة قادر.

(1/157)


[إبطال حصول الآلام من الإحالات]
وأنكرنا حصول هذه الآلام من الإحالات؛ لأن الإحالات لا تخلو: إما أن تكون معقولة حتى يصح إضافة الفعل إليها، أو غير معقولة.
فإن كانت غير معقولة، إستوى نفيها وإثباتها في باب الجواز؛ لأن إثبات ما لا يعقل لا يكون أولى من نفيه؛ فوجب القضاء بفساده كما لزم ذلك الأشعرية في إثباتهم رؤية للباريء غير معقولة فراراً مما ألزمنا المجسمة.
فإن رجع بالإحالة إلى شيءٍ معقول؛ فذلك الشيء لا يخلو: إما أن يكون محدثاً، أو قديماً، ولم نذكر المعدوم؛ لأن إضافة الأفعال إليه مستحيلة؛ لأنا نعلم تعذر الفعل على الموجود إذا عدمت قدرته وحياته، فكيف يضاف إلى المعدوم مع عدم ذاته وقدرته!؟، واستحالة ذلك في العقول أبعد {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ(269)} [البقرة].
فإن كان يريد بقوله: حصل بالإحالة حصل بالقديم سبحانه.

(1/158)


قلنا: هذا وإن صح من جهة المعنى، من حيث أنه لا يقدر على تقليب العباد بين الخير والشر، ليشكروا على أحدهما ويصبروا على الآخر، فيعطيهم على الشكر أجر الشاكرين، وعلى الصبر أجر الصابرين، ويُرغِّب بالخير في خير الآخرة، ويخوفهم بالشر من شر الآخرة، وغير هذه وجوه لا تمنع منها الحكمة؛ فذلك قبيح من جهة العبارة قبحاً لا يؤمن إنتهاؤه إلى الكفر؛ لأن إطلاق الأسماء عليه لا يجوز إلا بشرع أو لغة، ولا دليل في واحد منهما على تسمية الباريء -سبحانه- إحالة؛ بل الفاعل عموماً، وإن رجع بالإحالة إلى أمر محدث، فالمحدث ينقسم إلى متحيز في الوجود، وغير متحيز؛ فالمتحيز الأجسام والجواهر، وغير المتحيز الأعراض.
[بيان عجز الأجسام عن إيجاد الإمتحانات]
ولا يجوز حصول الآلام وسائر المحن من الأجسام، لأنها تنقسم إلى جماد وحيوان.
باطل حصولها من الجماد؛ لأنه غير حي ولا قادر، والفعل لا يصح إلا من حي قادر.
وباطل أن تحصل هذه الآلام وسائر الإمتحانات من الحيوان؛ لأنه قادر بقدرة، والقادر بقدرة لا يعدي الفعل إلى غيره إلا بأن يعتمد في جسم يوصله إليه؛ لأن الإختراع عليه في غير جسم مستحيل، ونحن نعلم ضرورة أن هذه الآلام وقعت علينا بغير اعتماد من غيرنا عدَّاها في جسم إلينا، يعلم ذلك كل عاقل؛ بل ربما يفزع إلى إعتماد الغير عليه لدفع بعض الألم؛ وبهذا يبطل قول المجوس أن الألم من الشيطان - أعني الفرقة التي زعمت أن الشيطان حدث من فكرة يزدان الردية ـ.

(1/159)


[فكرة يزدان الردية التي أثبتها المجوس]
وهي عندهم أصل قوله لما خلق العالم خالصاً من الآلام والشوائب، لو كان لي منازع في هذا الملك أُصِح ويُسقم، ويبتلي وأُنعم، وأُشِبُّ ويُهْرِم، وكيف كان حالي معه، فتولد من فكرته بزعمهم الشيطان، فقال ها أنا منازعك فكادا أن يقتتلان إلى أن اصطلحا على إخلاص العالم العلوي ليزدان، ومشاركتهما في العالم السفلي، وكان السفير بينهما بعض النيرات، منهم من قال: إنه القمر، خرافات تقضي ببطلانها أدلة العقول؛ بل بدايهها.
والفرقة التي زعمت أنه استحال من عفونة العالم؛ لأنا نقول لهاتين الفرقتين: هو محدث بالضرورة فيلزم من ذلك كونه قادراً بقدرة، والقادر بالقدرة يستحيل منه تعدية الفعل إلى غيره، إلا بآلة من الأجسام يعتمد فيها ثم يصل إلى ذلك الغير، ونحن لانعلم عند الألم وصول جسم إلينا، ولا تأثيره فينا، وكذلك جميع العقلاء.
فأما من ذهب من المجوس إلى قدم اهرمن، فقوله يبطل بنفي الثاني، وقد تقدم في مسألة واحد، فلا وجه لذكره.
وقد دخل قول من قال من المُطَرفيَّة إن الألم حاصل من جهة الشيطان تحت هذا القول، فيبطل بما بطل به، فلا وجه لإفراد ذكره.
[معنى قوله تعالى:{أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ} على مذهب أهل البيت(ع)]
فإن قيل: فما معنى الآية عندكم؟.
قلنا: هذا لا يلزمنا، لمن جعل نفسه خصماً لنا، أن نبين له ما لم يفهم، وإنما يلزمنا لمن سأل منا الفائدة؛ لأن الواجب علينا إفساد مقالة الخصم، وقد تقدم ذلك.
ومما يزيده إيضاحاً: أن الخصم يقصر فعل العبد على الحركة والسكون، وسواء في ذلك الشيطان وغيره، ولا يصح من القادر بالقدرة فعلهما دفعة واحدة في نفسه ولا في غيره، وإنما يفعل أحدهما بدلاً من الآخر، والألم خارج عنهما؛ لأنهما ضدان عند كل عاقل، فلو كان الألم سكوناً بطل بالحركة، أو حركة بطلت بالسكون، ومعلوم خلافه.

(1/160)


ولأنا نعلم ضرورة بقاء الألم في حالة حركة الواحد منا وسكونه؛ فثبت خروجه عن مقدور القادرين بقدرة من الشياطين وغيرهم.
فإن قيل: فما معنى قول أيُّوب على وجه الإستفادة؟
قلنا: المراد بالنُصْبِ والعذابِ هاهنا: الوسوسة، ففزع إلى الله -تعالى- ليعرف حكم الحادثة؛ لأنه لما أقسم ليجلدن إمرأته مائة جلدة، كان إذا أجمع([5]) -صلوات الله عليه- على ذلك وسوسه بأن نبياً من أنبياء الله يجلد إمرأة مؤمنة مائة جلدة في غير حق الله -سبحانه- هذا لا يجوز، فإذا أضرب عن جلدها - ولم يكن من شرعه -صلوات الله عليه- الكفارة، لولا ذلك كَفَّرَ، ولم ينصب إليه شيء من الله - [وسوسه بأن نبياً من أنبياء الله([6])] يحلف بالله على إمضاء أمر يقدر على إمضائه ولا يمضيه، فبقي في غاية النصب والعذاب، ففزع إلى خير مفزع وهو الله -سبحانه- فأمره بأمر أبرَّ فيه قسمه، وتحلل من إليته، ولم يؤذ المؤمنة وقوعه، فهذا أكبر ما يبلغ إليه كيد الشيطان، ويدخل تحت مقدوره.
فأما تلك الآلام والأجسام، التي حدثت فيه -عَلَيْه السَّلام-، فلا قادر عليها إلا الله -سبحانه- بالآثار والدلالة.
_______________
([5]) ـ أجمع الأمر إذا عزم عليه. تمت مختار.
([6])- هكذا في جميع النسخ، والمعنى لا يستقيم، ولعل هنا سقط وهو: وسوسه بأن نبياً من أنبياء الله يحلف بالله...إلخ.

(1/161)


وقد روينا للإمام الناصر لدين الله أبي الفتح بن الحسين الديلمي([7])-صلوات الله عليه- في كتاب
__________________
([7]) - هو الإمام الناصر لدين الله أبو الفتح بن الحسين بن محمد بن عيسى بن محمد بن عبدالله بن أحمد بن عبدالله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، من أئمة أهل البيت علماً وفضلاً وشجاعة، دعا إلى الله في الديلم سنة 430هـ ثم خرج إلى اليمن فاستولى على أكثر بلاد مذحج وهمدان وخولان وانقادت له العرب وحارب الجنود الظالمة المتمردة والقرامطة.
قال الإمام المنصور بالله في الشافي: وكان له من الفضل والمعرفة ما لم يكن لأحد من أهل عصره، ولم يزل قائماً بأمر سبحانه وتعالى حتى أتاه اليقين، وقد فاز بفضل الأئمة السابقين. انتهى. استشهد عليه السلام في الوقعة المشهورة التي بينه وبين علي بن محمد الصليحي قائد الباطنية وداعيتهم، بموضع يقال له (نجد الجاح) من بلد رداع بعنس، وقتل معه نيف وسبعون سلام الله ورضوانه عليه وعليهم أجمعين، سنة (نيف وأربعين أو خمسين وأربعمائة)، وقبر بمنطقة يقال لها (الميفعة) على خط رداع تبعد عن ذمار بحوالي (17كم)، أنظر سيرته في التحف شرح الزلف للإمام الحجة مجدالدين بن محمد المؤيدي أيده الله تعالى..

(1/162)


(البرهان في علوم القرآن) أنه -عَلَيْه السَّلام- لما نزلت به الحادثة في النفس والمال والولد قال صلوات الله عليه([8]): ((اللَّهُمَّ الآن مَا([9]) أنعمت عليَّ الإنعام كله، كنت بالنهار يشغلني حبّ الدنيا، وبالليل يشغلني حبّ العيال، والآن أفرغ لك بسمعي وبصري))، فوفى صلوات الله عليه لربِّه من إفراغ السمع والبصر بما قال، ولو انتهينا إلى غاية معنى هذه الآية لخرجنا إلى الإسهاب.
ويشهد بصدق رواية الناصر -عَلَيْه السَّلام- عن أيوب -عَلَيْه السَّلام- ما روينا بالإسناد الموثوق به إلى أبينا علي بن أبي طالب -عَلَيْه السَّلام- أنه قال في بعض مفرداته في حمد ربِّه:
________________
([8]) ـ قال الإمام الناصر أبو الفتح الديلمي - عليه السلام- في (البرهان في تفسير القرآن) في تفسير سورة الأنبياء في الجزء الأول، في تفسير قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(83)} قال -عَلَيْه السَّلام-:
(روينا أن أيوب آتاه المال والولد، فتلف ماله وهلك ولده، فقال: ((يا رب قد أحسنت إليَّ الإحسان كله، كنت قبل اليوم يشغلني حب المال بالنهار، وحب الولد بالليل، والآن فرغ لك سمعي وبصري، وليلي ونهاري)) ثم ابتلاه الله بما ابتلاه من الدود واشتدت به الحال، وكان له أخوان فأتياه يوماً ووجدا ريحه، فلم يستطيعا أن يدنوا منه؛ فقالا: (لو كان لأيوب عند الله خير ما بلغ به هذا البلاء) فجزع من قولهما جزعاً لم يجزع من شيء؛ فقال: ((اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدِّقني، قال: فصُدِّق وهما يسمعان، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصين وأنا أعلم مكان عارٍ فصدقني، قال: فصدق وهما يسمعان، ثم قال: اللهم لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي))، قيل: فما رفع رأسه حتى كشف الله عز وجل ما به). انتهى من البرهان ج1/ ص246 مخطوط، وروى نحو هذا الإمام الهادي إلى الحق -عَلَيْه السَّلام- في مجموع رسائل الإمام الهادي(ع) في كتاب خطايا الأنبياء (ع) (447).
([9]) زائدة أو مدية، تمت من هامش (نخ)....

(1/163)


عطيّته إذا أعطى سروراً .... فإن سلب الذي أعطى أثابا
فأيّ النعمتين أجلّ قدْراً .... وأعظم في عواقبها إياباً؟
أنعمته التي أهدت سروراً .... أم الأخرى التي دخرت([10]) ثواباً!؟
واعلم؛ وفقك الله -تعالى- أن من جهل نعمة الله في المكاره، ولم يعرفها إلا في اللذات والمشتهيات؛ فقد جهل شطر الحكمة.
[بيان أن الآلام الخارجة عن مقدور العباد من الله تعالى]
فإن قيل: وإنا لا نرجع بالإحالة إلى أمر يعقل إضافة الفعل من حيوان ولا جماد إليه ولكنا لما رأينا هذه الأفعال يقف حصولها على أمور غيرها، نحو وقوف السَّدم على وصول بعض البلدان، وما شاكل ذلك مما يطول شرحه، وواحده يدل على جِنْسِه، فلما رأينا ذلك هِبْنَا أن نضيف ذلك إلى الله -تعالى- لوجهين:
أحدهما: تنزيهه عما تكره النفوس.
والثاني: أنه لو كان فعله تعالى لحصل بدون وصول البلد المخصوصة.
قلنا: هذان وجهان باطلان.
أما وجه التنزيه لله -سبحانه- فهو يقبح إذا تعلق بأفعاله؛ لأنا إذا نزهناه عن أفعاله، لم نجد بدًّا من إضافتها إلى غيره، فيلزمنا التثنية وذلك كفر بالإتفاق، وهذه منزلة الثنوية نعوذ بالله منها؛ لأنهم لما نزهوه من فعل المكروه وأضافوه إلى غيره، فإن اعتللنا بكراهة النفوس لها؛ فأكثر أفعاله فينا، تنفر عنها نفوسنا، كالموت مما وقع الإتفاق عليه، وكإنباته للشعر فينا في مواضع مخصوصة، وأمره لنا بإزالته لأنه جعل الدنيا دار بلوى.
____________
([10])ـ ذخرت (شافي)

(1/164)


وأما وجه البلدة المختصة بحصول السَّدم فيها أو ما يجانسه من الآلام التي تختص بعض البلدان في مجرى العادة، فلا يمتنع ذلك، لأنا نعلم وقوف كثير من أفعاله التي يجمع الكل عليها على شروط اعتيادية كالولد الذي لا يخلقه تعالى، إلا أن يضع الماء المخصوص في المكان المخصوص، وكان يقدر على خلقه في غيره أو الإبتداء بخلقه، وأمثال ذلك كثير، فلا وجه لقول القائل: لم لا أسدم في موضع غير ذلك الموضع؟ لأن الجواب له، أن الله بحكمته أجرى العادة أن لا يحصل هذا النوع من المرض إلا في هذا المكان دون غيره، وفعل الحكيم لا يعلل بعد صحة حكمته، وقد صحت والحمد لله؛ بل فعل الفاعل على سبيل الجملة لا يعلل في مجرد وقوعه([11])، فلم يبقَ للخلاف وجه معقول كما ترى؛ يوجب نفيها عن الله -تعالى- وإضافتها إلى غيره، فوجب التسليم والقضاء بأن تلك البلدان والأسباب التي تقع عقيبها الآلام شروط اعتيادية موقوف، مشروطها على اختياره تعالى إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، فثبت أن الآلام الخارجة عن مقدور العباد من الله تعالى.
وأما الذي يدل على أنها حسنة: فلأنها أفعال الحكيم الغني على الإطلاق، والحكيم الغني على الإطلاق لا يفعل إلا الحسن.
______________
([11]) - وسابعها: سأل عن فعل الفاعل على سبيل الجملة إن كان لا يعلل في مجرد وقوعه؛ قال أيده الله: ما الفرق بينه وبين الغرض وداعي الحكمة؟
الجواب عن ذلك: أن فعل الفاعل يحصل عن اختياره، إما لداعي حكمة وهو علمه أو ظنه واعتقاده حسن الفعل وأن لغيره فيه نفعاً أو دفع ضرر.
وداعي الحاجة علمه أو ظنه واعتقاده في أن له في هذا الفعل نفعاً أو دفع ضرر، وهو لا يحصل لعلة سوى الإختيار؛ فلهذا إنا لو رأينا رجلاً خرج من داره ولها بابان يخرج من أحدهما فأجهدنا نفوسنا في طلب العلة في خروجه من أحدهما دون الآخر لوَّمَنا العقلاء، إذ ذلك موقوف على اختياره، وكذلك إذا قضى الدين من أحد الكيسين وما شاكل ذلك.

(1/165)


[بيان وجه الحكمة في الآلام]
فإن قيل: فما وجه الحكمة فيه مع أنه ألم ومضره؟.
قلنا: لا يلزمنا تبيين ذلك كما قال جدنا العالم القاسم بن إبراهيم -صلوات الله عليه- للملحد([12])، وقد سأله عن مثل ذلك؛ لأن مذهب الملحدة كما بينا، أولاً على اختلاف طبقاتهم التي ذكرناها لا يختلفون في نفي الآلام والإمتحانات عن الله -تعالى-.
ولذلك قال الملحد في مسألته لجدنا ترجمان الدين -عَلَيْه السَّلام- (أخبرني كيف يكون حكيماً من خلق خلقاً ثم آلمه بأنواع الآلام، وامتحنه بضروب من الإمتحان، أخبرني عن وجه الحكمة في ذلك من الشاهد نريد واضرب مثلاً فيما أشاهد أن الألم يكون حسناً؟
______________
([12])- جواب الإمام القاسم بن إبراهيم -عَلَيْه السَّلام- على الملحد، فيه ما يبهر الألباب، وتخر مذعنة له الرقاب، ويشهد بصحته مقتضى العقل وواضح السنة والكتاب، وفيه ما يدل على غزارة علم الإمام القاسم صلوات الله عليه.
وقد قيل: إن ذلك الملحد كان في مصر، وكان يحضر مجالس فقهائها ومتكلميها ويسألهم عن مسائل الملحدين، وكان بعضهم يجيب عنها جواباً ركيكاً، وبعضهم يزجره ويشتمه. فبلغ خبره القاسم بن إبراهيم -عَلَيْه السَّلام-، وكان بمصر مستخفياً في بعض البيوت، فبعث صاحب منزله ليحضره عنده، فلما دخل عليه قال له القاسم رضي الله عنه: إنه بلغني أنك تعرضت لنا، وسألت أهل نحلتنا عن مسائلك، ترجو أن تصد أغمارهم بحبائلك، حين رأيت ضعف علمائهم عن القيام بحجج الله، والذب عن دينه، ونطقت على لسان شيطان رجيم لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً.
قال الملحد: أما إذا عبت أولئك فإني سائلك وممتحنك، فإن أجبت عنهم فأنت زعيمهم، وإلا فأنت إذاً مثلهم.
فقال الإمام القاسم: سل عما بدا لك وأحسِن الإستماع، وعليك بالنصفة، وإياك والظلم ومكابرة العيان، ودفع الضروريات والمعقولات، أجبك عنه، وبالله أستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبي ونعم الوكيل:
ثم دار بينهم ذلك الحوار، وأورد عليه الملحد من الأسئلة ما يدل على شدة تزندقه وإلحاده، ويجيب عليه الإمام القاسم بما يشهد بغزارة علمه وشدة فهمه ومعرفته بالله معرفة صادقة حتى أن الملحد سأله عما يقرب عن إثنان وأربعين مسألة في شتى مجالات الأصول في خلق العلم وحدوثه، وإثبات حكمة صانعه، وعدم تأثير العلة ونحوها في إيجاد شيء من العالم، وفي توحيده وعدله وصدق وعده ووعيده، وإثبات النبوة، وحسن الإبتلاء من الحكيم وغير ذلك من المسائل العويصة، التي يعجز عن الجواب عنها العلماء.
ولذلك فإن الملحد لما سمع جوابات القاسم -عَلَيْه السَّلام- وحسن محاوراته، وإبطال شبه ذلك الملحد بالأدلة العقلية، الواضحة الجلية، التي لا يمكن ردها أو إنكارها. قال عند ذلك - ذلك الملحد - (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن كل ما جاء به حق، وتَعستْ أمّة ضلّت عن مثلك)، وأسلم وحسن إسلامه.

(1/166)


قال القاسم -عَلَيْه السَّلام-: وجه الحكمة في ذلك من الشاهد: أنا رأينا من الآلام في الشاهد ما هو إحسان أو داعي إلى الإحسان، من ذلك ضرب المؤدبين للصبيان، ومنه الفصد والحجامة، وشرب الأدوية الكريهة، كل ذلك إحسان وداعي إلى إحسان، وكل ما هو كريه من قبل الله -تعالى- مثل الموت والمرض والعذاب وغيره؛ فحسن في الصنع، وصواب في التدبير([13])) فصرح -عَلَيْه السَّلام- بما ذهبنا إليه من حسن الآلام، وأنها من قبل الله.
ونبّه بالمثال أنها تحسن للنفع كما يحسن شرب الدواء الكريه لنفع العافية ودفع ضرر الألم كما يدفع بالإعتبار ضرر ألم عقاب الآخرة، فلما صرح -عَلَيْه السَّلام- للملحدة بذلك، قال له: فما الحكمة فيه كما ذكرنا في الإعتراض قبل ذكر قوله - عليه السلام- فأجابه -عَلَيْه السَّلام- بأن تبيين وجه الحكمة في ذلك لا يلزم بقوله، ولو لم يعلم علل ذلك وأسبابه لكان جائزاً؛ لأنك إذا علمت في الأصل أنه حكيم، فالحكيم لا يفعل فعلاً إلا لحكمة.
فإن قيل: أنبؤونا بذلك على وجه الإفادة، إذ منكم البداية وإليكم الإعادة؟
قلنا: وجه الحكمة في ذلك؛ أن العبد مع الألم يكون أقرب إلى طاعة الله -تعالى- والتضرع إليه، وقد قال سبحانه: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ}[يونس:12]، وما قرَّب إلى ذكر الله -تعالى- أو طاعته؛ فلا خلاف بين أهل الإسلام في حُسْنِه.
فإن قيل: هذا مُسَلَّم؛ ولكنَّا نرى الألم يباعد من الطاعة، فكأنكم أردتم الإحتجاج بأمرٍ أناخ عليكم بَكَلْكَلِه([14])، يوضح ذلك أن المريض ربما عجز عن الصلاة قائماً وعن الطهارة والصيام.
______________
([13])- ثم قال الملحد بعد ذلك: ما الدليل على أن ذلك داعيه إلى الإحسان؟
قال الإمام القاسم -عَلَيْه السَّلام-: لأنه فعل الحكيم، والحكيم إنما يفعل هذه الأشياء التي هي ترغيب في السلامة والصحة والخير، والترهيب من الغم والشر والسقم، ومن رغَّب في الخير فحكيم فيما نعرفه.
([14]) ـ الكَلْكَل: الصدر أو ما بين التروقتين، ومن الفرس: ما بين محزمه إلى ما مس الأرض منه إذا ربض. تمت قاموس. ولعل المراد بهذا المثل هو أنكم احتججتم بحجة هي عليكم لا لكم.

(1/167)


قلنا: الطاعة هي فعل ما أُمِر به المطاع، وسيأتي فيما بعد ذلك دون غيره مما لم يؤمر به، ألا ترى أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لم يوصف، ولا يجوز وصفه، بالبعد عن طاعة الله -تعالى- طرفة عين، وقد أقام لا يصوم ولا يصلي قبل الأمر بذلك دهراً طويلاً، فلما أمر -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- تبتل([15]) إلى خالقه تبتيلاً، والله -تعالى- لم يأمر المريض العاجز عن القيام بالتطهر والصلوة قائماً متوضيًّا.
ويؤيد ذلك: قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78]، وقوله سبحانه: {وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ}[النور:61]، فالمريض في حال مرضه يتمكن من كل ما أمره الله -تعالى- به في حال مرضه من الصلاة قاعداً، أو على جنبه متوضياً أو متيمماً كما أمره ربُّه، إذ لم يكلفه سبحانه إلا ومعه تمكن الصحيح من طاعة ربِّه التي أمر بها بمبلغ طاقته، وللمريض زيادة الخشوع والإنقطاع الذي يعلمه كل عاقل منصف من نفسه، فالأمر بالضد مما توهمه السائل وعكسه.
[بيان وجه الحكمة في ألم الأطفال]
فإن قيل: إذا ثبت هذا في حق المكلفين فما وجه الحكمة في ألم الأطفال؟.
قلنا: ليعتبر بهم المكلفون، ويعوضهم على ذلك ربُّ العالمين، فإن الله -تعالى- قد ذخر لهم على آلامهم ما يصغر عندهم الآلام ويهون المشاق، فلذلك حسن أَلَمُهُمْ فظهر وجه الحكمة فيه.
__________________
([15]) ـ تبتل إلى الله: انقطع وأخلص. تمت قاموس.

(1/168)


يزيد ذلك ظهوراً: أن كل عاقل منصف يعلم أنه يحسُن من الآباء إيلام أبنائهم؛ لتأديبهم وتعريفهم في وجوه مكاسبهم، وربما كان نفعاً يعود على الآباء، فإن عاد عليهم فهو مظنون الحصول، فقليل البقاء بعد التحصيل، فإذا حسن ذلك من الآباء بالإتفاق لهذا الغرض، وقد ثبت أن الله -تعالى- غني ولا يريد إلا مجرد نفعنا مع أنه أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا، وأحسن نظراً لنا، ويعلم الغيب فلا يعرضنا إلا لنفع يصل إلينا لا محالة، حَسُن في عقل كل عاقل بطريقة الأولى إيلامه لنا في حال الطفولية لما يحصل لنا على ذلك من الأعواض الباقية الدائمة، ويدخر لنا من المنافع الخالصة من الشوائب في الآخرة، وقد قال رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((نحن معاشر الأنبياء أشد بلاءً والمؤمنون الأمثل فالأمثل([16])))، فأخبر -عليه وآله السلام- أن البلوى تنزل بمن لا يستحق العقوبة من الأنبياء -عليهم السلام- والمؤمنين على قدر منازلهم؛ لأن الله لا يعرّض كل التعريض للخير العظيم إلا أحباءه وأولياءه.
______________
([16]) ـ أخرج نحوه الإمام المرشد بالله في الأمالي عن علي -عَلَيْه السَّلام- بلفظ: ((يا علي، إن أشد الناس بلاء في الدنيا النبيون، ثم المؤمنون، ثم الذين يلونهم)) ورواه الإمام أبو طالب أيضاً في الأمالي 428 باختلاف في اللفظ، والطبراني في الأوسط (6/355) رقم (9047)، والكبير (24/245) رقم (628)، وأخرجه بألفاظ متقاربة في مسند أحمد (1/185) رقم (1607)، سنن الترمذي (4/601) رقم (2398)، سنن ابن ماجه (2/1334) رقم (4023)، سنن الدارمي (2/412) رقم (2783)، صحيح ابن حبان (7/160) رقم (2900)، المستدرك (1/99) رقم (120)، السنن الكبرى (4/352) رقم (7481)، مسند أبي يعلى (2/143) رقم (830).

(1/169)


وقال -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((الدنيا سجن المؤمن وجنَّة الكافر([17])))، ولا شك أن السجن جامع المحن التي أحدها الألم.
وقال -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((ألا وإن الله جعل الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً، وجعل ثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي))([18]).
والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى في هذا المكان، وهي مطابقة لكتاب الله -تعالى- فوجب قبولها.
________________
([17]) ـ أخرجه الإمام الموفق بالله في الإعتبار وسلوة العارفين والإمام أبو طالب في شرح البالغ المدرك والإمام المرشد بالله في الأمالي عن علي -عَلَيْه السَّلام- (2/161)، وعن ابن عمر (2/163)، وأخرجه مسلم في كتاب الزهد (4/2272)، رقم (2956)، والترمذي في كتاب الزهد أيضاً (4/562) حديث (2324)، وابن ماجه في باب الزهد أيضاً (2/1378)، رقم(4113) وأحمد في المسند (2/389) رقم (9043)، والطبراني في الأوسط (2/136) رقم (2782) عن أبي هريرة، وكذلك (6/381) رقم (9136) عن ابن عمر، وكذلك (6/456) رقم (9385) عن أنس، والكبير (6/236) رقم (6087)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/192) وقال: رواه البزار، وروي في مسند الشهاب (1/118) رقم (145)، والمستدرك للحاكم (3/699) رقم (6545)، ومسند أبي يعلى (11/351) رقم (6465)، وصحيح ابن حبان (2/464) رقم (688).
([18]) - رواه الشريف زيد بن عبدالله الهاشمي في الأربعين السيلقية من حديث طويل عن ابن عمر، وهو الحديث الخامس والثلاثين...

(1/170)


ألا تسمع إلى قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}[الأنبياء:35]، وقوله تعالى: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ(126)}[التوبة]، وفسره الهادي -عَلَيْه السَّلام- فقال: (يمتحنون بمرض الأجساد، وفراق الأحبة والأوداد، ومثل ذلك من جميع المحن النازلة من الله -سبحانه- على جميع العباد، بنزول الإمتحان عليه إما في نفسه أو في غيره) وبذلك قال جميع الأئمة -عليهم السلام - ولولا ضيق الوقت، والعلم بأن في بعض ما ذكرنا كفاية لمن كان له عقل رشيد، أو ألقى السمع وهو شهيد، لذكرنا من قول كل واحد من آبائنا -عَلَيْهم السَّلام- من لدن علي بن أبي طالب -عَلَيْه السَّلام- إلى المتوكل على الله أحمد بن سليمان، والهادي إلى الحق يحيى بن الحسين -عليهم جميعاً أفضل السلام-؛ فعندنا بحمد الله -تعالى- لكل واحد منهم في ذلك ما يشهد بصدق دعوانا لمن بحثنا عن ذلك.
[الدلالة على ثبوت العوض من قبل الله تعالى]
فإن قيل: إذا قد صححتم أن الآلام من قبل الله -تعالى-؛ فما الذي يدل على أن لا بد من العوض من الله -سبحانه وتعالى- على الآلام؟، وهلا كفى مجرد الإعتبار كما روي عن بعض شيوخ أهل العدل!؟.

(1/171)


قلنا: إنما أوجبنا العوض لما ثبت من أنه تعالى عدل، وأن الألم [ضرر، وأن الظلم هو الضرر العاري عن جلب نفع إلى المضرور به يوفى على الإضرار أو دفع([19])] ضرر عنه أعظم منه، كمن يقطع يد غيره - والقطع ضرر - خيفة من سري الآفة إلى سائر الجسد، فإنه لا يكون لذلك ظالماً، أو للإستحقاق لذلك كمن يقطع يد الغير قصاصاً أو حداً، فإن تعرى الضرر عن واحد من هذه الوجوه كان ظلماً، وقد ثبت أن الآلام تنزل بغير المستحق، كما قدمنا في الأنبياء -عَلَيْهم السَّلام- والصالحين والأطفال، فلولا العوض لكانت ظلماً لوجود حقيقة الظلم فيها لو تعرت، ولولا الإعتبار لكانت عبثاً لعلمنا أنه سبحانه يقدر على إيصال مثل عوض الألم إلينا إبتداءً، فكانت والحال هذه إيلامه لنا يكون عبثاً، والعبث قبيح، وهو تعالى لا يفعل القبيح.
[بيان أن الألم لا يحسن إذا تعرى عن العوض]
فإن قيل: فلم لا يحسن هذا الألم وإن تعرى عن العوض لوقوعه من الحكيم -سبحانه- لرفع ضرر عنا أعظم منه لولاه لرفع([20])؟.
قلنا: ذلك لا يجوز؛ لأن ما به ضرر إلا والله -تعالى- يقدر على صرفه عنا - بدون الألم - فلو لم يكن في مقابلة ذلك نفع يوفى إليه، واعتبار منا أو من غيرنا بحسنه لكان ظلماً قبيحاً، وقد ثبت أن الله -تعالى- لا يفعل القبيح بما تقدم من الأدلة في باب العدل، ولا يحسن لمجرد الإعتبار لأنه تعالى لا يفعل الفعل إلا على أبلغ الوجوه كما فعل في الجبل في شأن بني إسرائيل فصعقوا عن آخرهم حتى استقال موسى، فلا يحسن الألم كما ثبت لك إلا لمجموع الأمرين.
_______________
([19])ـ ما بين القوسين زيادة غير موجودة في جميع النسخ، ولكن البحث يتطلب معناها ليتم.
([20]) ـ هكذا في جميع النسخ، والظاهر أنها: لولاه لما رفع.

(1/172)


[بيان أن الأجر على قدر المشقة لا على قدر القلة والكثرة]
فإن قيل: أكثر ما يعتمد المخالفون في نفي الألم عن الله -تعالى- أن الألم يقطع بالعبد عن الطاعات، والأعمال الصالحات، فزيدونا فيه تبياناً على ما تقدم.
قلنا: إن الطاعة -في اللغة والشرع الشريف- فعل ما أمر المطاع بفعله، وترك ما أمر بتركه؛ لأجل أمره بفعله أو تركه، لا يعلم عند أهل العلم لها حقيقة غير ذلك؛ بل لا يوجد على غيره برهان، ولا شك في أن المريض متمكن من فعل ما أمره الله - سبحانه- به؛ لأنه لم يكلفه في حال مرضه ولا صحته؛ ما لا يدخل تحت مقدوره، وذلك لغناه سبحانه وحكمته، ورأفته ورحمته، والأجر على قدر المشقة، لا على قدر القلة والكثرة، فإذا أدى ما أوجبه الله عليه كان له الأجر كاملاً وإن نقص في الصورة؛ لأنا نعلم أن صلاة المسافر ناقصة عن صلاة المقيم، وأجرهما سواء بل يكون أجر المسافر أعظم لمكان المشقة، ولأنا نعلم أنه لو صلى صلاة تامة كصلاة المقيم لم يكن له أجر؛ بل كان على رأينا مخطئاً، فبان بذلك أنه لا ينظر إلى كثرة الفعل وطوله، بل ينظر إلى وقوعه على الوجه الذي أمر به سبحانه المكلف، وهو سبحانه بحكمته وعدله جعل التعبد على عباده مختلفاً على حسب إختلاف القوى والآلات، فلم يكلف نفساً في ذلك إلا ما آتاها؛ لأنه لو كلفهم تكليفاً واحداً في جميع الحالات كان ذلك قبيحاً - تعالى الله عنه- لأنه يكون تكليفاً لما لا يطاق وذلك قبيح.
[إبطال قول المجبرة إن الله -تعالى- ساوى في التكليف ولم يساو في التمكين]
وقد خالفتنا المجبرة في ذلك، فقالت: إن الله -تعالى- ساوى في التكليف ولم يساو في التمكين، فأبطلنا قولهم بما تقدم من الدليل أن تكليف ما لا يطاق قبيح والله -تعالى- لا يفعل القبيح.

(1/173)


ألا ترى أنه يقبح أمر المقعد بالصلاة قائماً، وأمر الأعمى بنقط المصحف على جهة الصواب، فظهر بذلك أن الله -تعالى- خالف بين عباده في التكليف، على حسب مخالفته بينهم في التمكين بالقدرة والآلة، كما قال جدنا العالم ترجمان الدين القاسم بن إبراهيم -عَلَيْه السَّلام- في رده على المجبرة (فلم يكلف الكريم الرحيم، أحداً من عباده ما لا يطيق، كلفه دون ما يستطيع، وعذرهم عندما فعل بهم من الآفات التي أصابهم بها، ووضع عنهم الفرض فيها، فقال لا شريك له: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ}[النور:61]، لما فعل ذلك بهم وأراده، ولم يقل: ليس على السارق حرج، ولا على الزاني حرج، ولا على الكافر حرج لما لم يفعل ذلك ولم يرده) هذا كلامه -عَلَيْه السَّلام-، وبه قال كل إمام من آبائه وأولاده -عَلَيْهم السَّلام-.
وكذلك صاحب الألم غير مضيع من الثواب الجزيل في حال ألمه مع ما ذخر له الله -سبحانه- من العوض، فقد روينا عن أبينا رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أنه قال: ((إن الله -سبحانه- إذا أنزل على عبده ألماً أوحى إلى حافظيه أن اكتبا لعبدي أفضل ما كان يعمل في حال صحته ما دام في وثاقي، فإذا أَبَلَّ([21]) من علته خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه([22]))).
__________________
([21]) ـ بَلَّ الرجل وأَبَلَّ إذا برء، تمت مختار صحاح.
([22]) ـ أخرج نحوه الإمام المرشد بالله في الأمالي ج2/ 287 بلفظ: ((ما من أحد من المسلمين يبتلى ببلاء في جسده إلا أمر الله عز وجل الحفظة الذين يحفظونه يقول: اكتبوا لعبدي ما كان يعمله من الخير ما كان محبوساً في وثاقي)).

(1/174)


ووجه هذا الخبر - عندنا إيضاحاً لفرسان الكلام، فأما غيرهم فلا ينتهي وهمه إلى الإلزام - أنا نقول: الله تعالى أعلم بمقادير الثواب من خلقه الملائكة وغيرهم فلا يمتنع على ذلك أن يعلم أن ثواب صبر المؤمن يزيد على ثواب طاعاته([23])، من صلواته وصومه وحجِّه وجهاده وسائر أعمال الصحة، يؤيد ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(10)}[الزمر]، وهذا دليل على كثرته وعظمه.
وصدق الكتاب والسنة للمتوسمين، وما يعقلها إلا العالمون.
__________________
([23]) - وثامنها: سأل أيده الله عن قولنا في الإمتحان لا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن ثواب الصبر على البلوى أعظم من ثواب سائر العبادة.
قال أيده الله: ونحن نعلم أنا لنستمع أن محمداً -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أفضل من أيوب، وبلوى أيوب ومحنته أعظم، وعظم الله صبره وقال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(10)} [الزمر].
وقال نبيه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((ليس من نبي إلا ويحاسب يوم القيامة بذنبٍ غيري))، وقال في الممتحنين: ((يساقون إلى الجنة بغير حساب)).
قال أيده الله: فكيف الجواب عن ذلك جميعه؟
الجواب عن ذلك: أن الأمر مستقيم؛ لأنه أخذ من نص الكتاب: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(10)} [الزمر]، والآثار النبوية كثيرة جداً في تعظيم عظم البلوى وتكاثر ثواب الصبر، ولا وجه لإنكاره.
وأما ما ذكر أيده الله من عظم بلوى أيوب -عليه السلام- وأن لنبينا -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم وعلى جميع الأنبياء- مزية وهو أن كل نبي يحاسب بذنبٍ غيره.
فالجواب عن ذلك: أن نبينا -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أضاف الحكيم له إلى محنة التعبد بأنواع العبادة، التعبد بالجهاد الذي هو سنام الدين ورأس الإيمان، ووقفة الرجل في الصف في سبيل الله تعدل عبادة ستين سنة في بعض الآثار يصوم نهاره فلا يفطر، ويقوم ليله فلا يفتر، ومع ذلك فإن الأجر لا يقدر بكثرة العمل؛ لأنه غيوب لا يعلمه إلا الله.
وقد قال رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- في حديث طويل: ((إنما مثلكم ومثل الذين كانوا من قبلكم -يريد اليهود والنصارى- كمثل رجل قال لآخر: اعمل من أول النهار إلى الظهر ولك كذا، وقال لآخر: اعمل من الظهر إلى العصر ولك كذا، ثم قال لثالث: اعمل من العصر إلى المغرب بكذا وكذا؛ فغضب الأولان، وقالا: عملنا أضعاف ما عمل وضوعف له الأجر، قال -عليه السلام-: وكذلك اليهود والنصارى غضبوا لما خص الله به هذه الأمة من مضاعفة الأجر)).
وعلى سبيل الجملة نحن نعلم أن الآصار والتكاليف على الذين كانوا قبلنا أشق وأكثر، وأعمارهم كانت أطول، ونحن نعلم أن أمة محمد -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أفضل الأمم وأكثرها ثواباً، وأحسنها منقلباً ومئآباً؛ وإنما تنكر هذه الفرقة العمياء الضالة عن منهاج الهدى التي عادت أدلتها وهداتها، وفارقت حماتها ورعاتها، فتاهت في أودية الضلال، وباعت الماء بالآل، فلم تباشر يدي اليقين، ولا كتبت في ديوان المتقين؛ فنعوذ بالله من الزيغ والزلل، ونسأله الثبات في القول والعمل.
وأنت تعلم أيدك الله أن نوافل نوح -عليه السلام- أكثر من نوافل محمد -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- وفرائضه أضعافاً مضاعفة؛ فأعطاه الباري سبحانه بقليل العمل في جنب ما قدمنا كثير الأجر، كما صحّ عندنا ولا اعتراض على الحكيم بعد ورود النص؛ لأن طالب العلة يبني على أصل فاسد، وهو أن الفضل ليس إلا بعمل، وقد بيّنا بطلانه في الشرح في مواضع كثيرة...

(1/175)


[بيان الحكمة في عدم دوام الآلام]
فإن قيل: فلم لا تدوم الآلام على الصالحين وتعمهم إن كان فيها ما ذكرتم من المنافع -التي نفيناها عن الله -تعالى- استبعاداً وتنزيها له تعالى- من ثواب الصابرين وعوض الممتحنين؟.
قلنا: الإستبعاد لا يعترض به على الأدلة القاطعة، من الكتاب العزيز والسنة الماضية الشريفة، وبراهين الأئمة السابقين، وإجماع المؤمنين، وكذلك تنزيهه عما يجب في الحكمة عليه، يوجب الإنسلاخ عن الدين، فنعوذ بالله من تنزيه يوجب التوبة على المستيقظين، والراجعين إلى البررة [الصالحين([24])] الصادقين، من عترة خاتم النبيين (سلام الله عليه وعليهم أجمعين).
فأما الجواب عن قول السائل: لم لا تدوم المحن على الصالحين؛ وتعمهم؟.
فإنا نقول: إنه لا يؤلمهم ويمتحنهم لأمر يرجع إليه؛ وإنما ذلك لمصلحة تعود عليهم، وهو بمصالح العباد أعلم، فينزل ذلك عليهم على مقدار ما يعلم من مصلحتهم، فمن علم أن صلاحه في دوام الألم عليه أدامه، ومن علم أن صلاحه في نقله عنه نقله، ومن علم أن صلاحه في دوام الصحة له أدامها، ومن علم مصلحته في تقليبه بين حالي الصحة والسقم قلَّبه، ولا يعلم أحوال العباد وما يصلحهم في الصحة والسقم مفصلاً إلا الله -تعالى-.
يؤيد ذلك ما روينا بالإسناد الموثوق به إلى أبينا رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- يرفعه إلى الله -تعالى- أنه قال: ((إن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي لعلمي بقلوبهم))([25])، فسبحانه من جواد ما أرحمه، وقادر ما أحكمه.
فهذا هو الكلام في الإمتحان بالموت والأمراض، وسائر المحن والأعراض.
________________
([24]) - زيادة من (نخ).
([25]) - رواه الإمام المرشد بالله عليه السلام في الأمالي الخميسية من طرف حديث طويل (2/204).

(1/176)


وكان في القافية ذكر (الشدة): وهي عند العرب: القحط وارتفاع المطر، فينبغي أن نتكلم في ذلك بكلام وجيز نافع إن شاء الله، فنقول:
[دلالة الجدب على حصول الإمتحان من جهة الله -تعالى]
أما الامتحان بالجدب فكونه من الله تعالى ظاهر؛ لأنه يرتفع بنزول المطر، ولا يقدر على إنزال الغيث، ونشر الرحمة بعد قنوط القانطين إلا الله -تعالى- فإذا لم ينزل المطر على المؤمنين علمنا أنه يريد امتحانهم بذلك؛ لأنه لا يمنعه عن إنزاله البخل؛ لأن ذلك من صفة المحتاجين، ولا العجز؛ لأن العجز من صفة المحدثين، وهو قادر لذاته، كما بينا أولاً، ولا الجهل بحاجتهم؛ لأنه عالم بجميع المعلومات مفصلة، وحاجة العباد من جملتها، فإذا لم ينزل المطر، مع ما قدمنا، علمنا أنه يريد محنتهم في الدنيا ليعوضهم في الآخرة ما يوفي على ذلك أضعافاً كثيرة، ويكون أنفع لهم من عاجل الدنيا ومنافعها الفانية اليسيرة، فيكون ذلك الخصب من نعمه العاجلة، والجدب من نعمه الآجلة، فيجب حمده تعالى في حال الشدة والرخاء، والسراء والضراء، وذلك واضح عند من لا يستبعد ما وعد الله به من الأجر، ويؤثر عليها زهرة الحياة الدنيا، فيجب على كل مسلمٍ مُسَلِّمٌ لربِّه غير مُسْتَغِشٍّ به، ولا ظاناً به ظناً مردياً، أن يتبع فعله سبحانه وتعالى بالحمد والرضاء، سواء كان ذلك محبوباً أو مكروهاً، ويصبر ويحتسب.
والحق لا يتبع الأهواء كما قال تعالى: {وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ } [المؤمنون:71]، فنعوذ بالله من طلب الجمع بين الحق والهوى، الذي أخبر أنه لا يجتمع ربُّ الأرض والسماء سبحانه وتعالى، ولا نقضي فيما لا نعلم وجه حكمة الله -تعالى- فيه بأنه خطأ؛ لأن الله -تعالى- أعلم بالمصالح من خلقه.

(1/177)


وجهل الجاهل لحكمة الحكيم لا يخرج فعله عن الحكمة في شيءٍ من الأشياء، عند جميع العقلاء، وقد روينا في ذلك عن أبينا خاتم الأنبياء -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، أنه قال: ((لا يُكْمِل عبدٌ الإيمانَ بالله حتى يكون فيه خمس خصال: التوكل على الله -تعالى- والتفويض إلى الله، والصبر على بلاء الله، والتسليم لأمر الله، والرضاء بقضاء الله))([26])، فنسأل الله -تعالى- أن يجعلنا متوكلين عليه، مفوضين لأمورنا عليه([27])، صابرين على بلائه، مستسلمين لأمره، راضين بقضائه فيما مر وحلا، وكافة المسلمين - آمين - وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
[بيان المراد بالبلوى في الكتاب والسنة]
فإن قيل: إن بعض الناس حمل البلوى على التكليف والتعبد وتأول جميع ما في الكتاب والسنة -زادهما الله -تعالى- على مرور الأيام جِدَّة وشرفاً- من ذكر البلوى على ذلك وجعل حمله عليه أولى.
قلنا: العترة الطاهرة -عَلَيْهم السَّلام- أرجح من ذلك البعض، وهي إلى الصواب أهدى، كيف لا؟! وبراهينهم على خلاف ما ذهب إليه السائل لا تخفى.
ألا ترى أن قائلاً لو قال: هذا رجل مبتلى، لم يسبق إلى أفهام السامعين أن المراد به التعبد أصلاً؛ بل يسبق إلى أفهامهم أنه قد أصيب بشيءٍ من محن الدنيا، التي قدمنا إليه الكلام فيها أولاً، وحمل كلام الباريء -سبحانه- وكلام رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- على الحقائق أولى.
______________
([26]) - رواه الشريف الهاشمي في الأربعين حديث السيلقية عن ابن عمر (خ) وهو الحديث السادس.
([27]) ـ في (ن، م): إليه.

(1/178)


والحقيقة في كل لفظ: ما يسبق عند الإطلاق إلى إفهام الملأ؛ لا ينكر ذلك أحدٌ من العلماء، فهذا بحمد الله أظهر من أن يخفى، {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56]، { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} [النمل:80]، فهذا هو الكلام في هذه المسألة على وجه الإختصار؛ لأنَّا لو بَلغنا إلى حدّ الإستقصاء وذكرنا جميع ما يتعلق بهذه المسألة من أدلة العقل، وحجج الكتاب، وبراهين السنة، وأقوال الأئمة والعترة -عَلَيْهم السَّلام- لاحتجنا إلى إفراد كتاب، وخرجنا إلى الإسهاب، ومن اتصل بنا بحمد الله من عتاة المتعنتين، أو بررة المسترشدين، علم حقيقة ما قلنا شفاهاً، فالحمد لله الذي ألزم عباده لنا الحقوق، وجعلنا من ذرية الصادق المصدوق؛ حمداً كثيراً طيباً.
(فصل): (في أن القرآن: كلام الله تعالى)
[26]
ومِنْهُ قَدْ جَاء الكتابُ المُنْزَلُ ....شَاهِدُهُ البَرُّ النَبيُّ المرسلُ
مُوَصَّلٌ مَتْلُوّهُ مُفَصَّلُ .... فيه الهُدى مُبَيَّنٌ ومُجْمَلُ
كالدُّرِ والياقُوتِ واللآلي
هذا هو الكلام في أن القرآن كلام الله -سبحانه-، والخلاف في هذه المسألة من جهة المعنى مع المجبرة والباطنية ومن قال بقولهم.
ومن جهة اللفظ مع طبقات الملحدة.
فأما الملحدة: فلاوجه للكلام معهم في هذه المسألة؛ لأن الكلام في أن هذا القرآن؛ -الذي بين أظهرنا حجة لنا وعلينا- هو كلام الله فرع على الإقرار بالله -سبحانه- فيجب أن ينقل الكلام معهم إلى إثبات الصانع - تعالى- وصفاته، وما يجوز عليه، وما لا يجوز، وأفعاله، وأحكام أفعاله، حتى يصل إلى هذه المسألة، وقد استقرت قواعدها.
وأما الكلام على من خالف في هذه المسألة ممن قدمنا ذكره:

(1/179)


فمذهبنا أن هذا القرآن الموجود بيننا -حجة لنا على من خالفنا، وحجة لأنفسنا على أنفسنا- هو كلام الله -تعالى- ووحيه وتنزيله، وأن محمداً -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- جاء به من عند ربِّه ولم يقله من تلقاء نفسه، وسيأتي الدليل على هذا المذهب بعد تبيين معاني ألفاظ القافية إنشاء الله تعالى.
قوله: (جاء به): يريد؛ وصل إلينا، والمجيء نقيض الذهاب.
و (الكتاب المنزل): هو القرآن، والله -سبحانه- أنزله ليهدينا به كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}[البقرة:185].
قوله: (شاهده البر النبي المرسلُ): يريد دليله؛ لا فرق بين الشاهد والدليل، والحجة والبرهان، والآية في أصل اللغة معناها واحد، فهو يريد أن الدليل على أن هذا القرآن كلام الله -تعالى- أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أخبر بذلك، وهو لا يخبر إلا بالصدق على ما يأتي بيانه.
قوله: (موصل متلوّه مفصلُ): يقول: إن من الذكر الحكيم زاده الله شرفاً ما يجب توصيله في الحكم والتلاوة كقرآن الصلاة مثلاً، ومنه ما يجوز تفصيله فيهما جميعاً أو في أحدهما، ولا وجه لإنهاء القول فيه.
قوله: (فيه الهدى مبين ومجملُ): (فالمبين): هو ما فهم من ظاهر لفظه مراد الله -سبحانه وتعالى- فيه، من دون اعتبار غيره من قول أو فعل وما يقوم مقامهما.
(والمجمل): هو مالا يعلم المراد به إلا باعتبار غيره من قول أو فعل أو ما يقوم مقامهما، وموضع تفصيل ذلك أصول الفقه ذكر الواجب عليه فيه، وقد ذكرنا في (كتاب صفوة الإختيار([28])) ما يغني كل طالب، ويشفي كل راغب بحمد الله -تعالى-.
_______________
([28]) ـ كتاب للإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة -عَلَيْه السَّلام- من أجلّ الكتب التي أُلفت في أصول الفقه، طُبع عن مركز أهل البيت(ع) للدراسات الإسلامية.

(1/180)


قوله: (كالدر والياقوت واللآلي): يقول: إن القرآن الكريم في فصاحة لفظه، وجودَةِ معناه، ورشاقة تلاوته، وحسن تلائمه، وطلاوة ظاهره، وحلاوة باطنه، وحراسة نظمه، وعذوبة علمه، بمنزلة هذه الجواهر التي هي الدر والياقوت واللؤلؤ، فكما أنها أفضل جواهر الدنيا، كذلك القرآن الكريم أفضل كلام الأحياء.
[فائدة في أسماء الدُّرِّ وأنواعه]
(والدر واللؤلؤ) جنس واحد، وإنما الدر إسم لما كبُر منه، فأكبر الدر يقال له الوَنِيَّة، وهي أعظم الدر، ثم التُّومةُ وهي التي تليها وجمعها تُوم، ثم النُّطَفَة([29]) وجمعها نطاف، وما دون النُّطَفَة يقال لها الرعيث وهو كبار اللؤلؤ إذ هو لا يخرج عنه اسم اللؤلؤ، وما بعده لؤلؤ على الإطلاق، وما صغر منه فهو المرجان، فما جمع منه في العنق سمي قلادة وتقصاراً، وسِمْطاً([30]) وكَرْماً وجبلات، وقلادة الملك تسمى الحَاجَّة، وما لم يجمع منه ولم يثقب فهو حصَان([31])، لا أدر أخذ من المرأة أم أخذت المرأة منه، فإن بدد وسمط بغيره فهو فريد، الواحدة فريدة.
فأما الياقوت: فهو جنس منفرد، وله أنواع متقاربة، وهو أعني جميع ما تقدم، أحسن ما يشبه به الكلام، ولا وجه لذكر الشواهد عليه، لظهور الحال فيه، وكون ذلك مخرجاً لنا عما نحن بصدده، وربما وسعنا الكلام في بعض الأحوال لتعلق الفائدة به.
[ذكر الدليل على أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله]
وتحرير الإستدلال على ما قدمنا من أن هذا القرآن كلام الله و وحيه وتنزيله: أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- كان يدين بذلك ويخبر به، وهو -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لا يدين إلا بالحق، ولا يخبر إلا بالصدق.
وتحقيق ذلك التحرير ينبني على أصلين: أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- كان يدين بذلك ويخبر به. والثاني: أنه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لا يدين إلا بالحق، ولا يخبر إلا بالصدق.
__________________
([29]) ـ النُّطفة - كهمزة - اللؤلؤة الصافية أو الصغيرة جمعها: نُطَف. تمت قاموس.
([30]) ـ السِّمط - بالكسر - جمعها: سُموط، قلادة. تمت قاموس.
([31]) ـ مأخوذة من الحِصن بالكسر: كل موضع حصين لا يوصل إلى جوفه. تمت قاموس.

(1/181)


أما الذي يدل على الأول: وهو أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- كان يدين بأن القرآن كلام الله ويخبر به: فذلك معلوم من حاله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- ضرورة لكل من علم أنه (عليه أفضل الصلاة والسلام) كان في الدنيا.
وأما الذي يدل على الأصل الثاني: وهو أنه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لا يدين إلاَّ بالحق، ولا يخبر إلاَّ بالصدق: فلأن الله -سبحانه- أظهر المعجز على يديه على ما يأتي بيانه، فلو كان كاذباً مُبطلاً -حاشاه عن ذلك- قبح إظهاره عليه؛ لأنه كان يكون بمنزلة التصديق على أبلغ الوجوه، وتصديق الكاذب قبيح، وقد تقدم الكلام في أن الله -تعالى- لا يفعل القبيح.
[بيان معنى المُعْجز وعلى مَنْ يَظْهَر]
فإن قيل: ومن أين لكم أن المعجز ظهر على يديه؟، وما معنى المعجز؟.
قلنا: أما ظهور المعجز على يديه فحصل لنا العلم منه من طريقين: جملية، وتفصيلية.
أما الجملية: فقد علمنا ضرورة أن جميع من ادعى النبوءة من المحقين أتى بالمعجز، وقد ادعى -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- ذلك، فكان لا بد من معجز، وقد رويت له معجزات يكثر تعدادها في هذا المكان كإجابة الشجر وكلام الحجر إلى غير ذلك، علمنا جملة أن لا بد من صحة بعضها أو كلها كما علمنا شجاعة عنتر وسخاء حاتم، وإن كانت مقامات عنتر وعطايا حاتم لا تعلم كل واحدة منها على التفصيل، فصح بذلك ظهور المعجز على يديه -عليه وآله أفضل الصلاة والسلام-.

(1/182)


وأما التفصيلية: فإنا نعلم من أنفسنا حال كثير من معجزاته -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- كإطعام العدد الكثير من الطعام اليسير، وكثير مما يشاكل ذلك ضرورة، وطريقها البحث والتفتيش، أو الإصغاء والإستماع.
وأما المعجز: فهو ما يعجز الخلق عن الإتيان بمثله سواء كان من فعل الله -سبحانه- كإخراج الناقة من حجر، وقلب العصا حية، أو جارياً مجرى فعله كأن يُقْدِر سبحانه نبياً من أنبيائه على المشي على الماء أو في الهواء.
وأما أن إظهاره على الكاذب قبيح: فلنزوله منزلة تصديقه كما قدمنا.
وأما أن تصديق الكاذب قبيح: فهو معلوم لكل عاقل.
وأما أن الله -تعالى- لا يفعل القبيح: فقد تقدم بيانه، فثبت أن القرآن كلام الله -سبحانه-، وأنه الموجود بين أظهرنا دون غيره، لا كما ذهبت إليه الباطنية من أنه نور لا ينقسم، والمجبرة من أنه صفة للباريء قديمة.

(1/183)


(الكلام في أن محمداً -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- نبي مرسل)
[27]
وعندنا محمدٌ نبيُّ .... مهذَّبٌ مطهَّرٌ زكيُّ
إختصَّهُ بذلكَ العليُّ .... وجاءَ منهُ مُعْجِزٌ جَلِيُّ
يَعْجَزُ عنهُ كلُّ ذِيْ مَقَالِ
قوله: (عندنا محمد) -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: لأن اليهود([32])، والنصارى([33])، والبراهمة([34])، والصابئين([35]) وهم فرقة تقرب من النصارى، وجميع فرق الكفر خالفونا في نبوءة محمد -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، وأضافوا النبوءة إلى تدبيره و حيلته، دون أن يكون ذلك إختصاصاً له من خالقه، وذِكْرُ خلاف من قدمنا مفصلاً، يخرجنا عما نحن نرومه من الإقتصاد في هذا المختصر، وما نذكره من الدلالة بحمد الله تأتي على قول الكافة ممن خالف في ذلك.
___________________
([32])- اليهود هم: أمة موسى -عَلَيْه السَّلام-، وكتابهم التوراة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن موسى نبي الله، ولا يقولون بنبوة عيسى -عَلَيْه السَّلام-، ومحمد -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، وقد حكى الله تعالى عنهم وعن أقوالهم وعقائدهم واختلافهم الكثير في القرآن الكريم، وهم يقولون بالتشبيه، وجواز الرؤية، والخروج من النار وغير ذلك من أقوالهم التي رد الله عليهم فيها، وأكذبهم في القرآن الكريم. ولهم فرق كثيرة يجري فيما بينهم اختلاف، فمنهم:
العنانية: نسبوا إلى رجل يقال له عنان بن داود.
والعيسوية: نسبوا إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الإصفهاني، وكان في زمن أبي الدوانيق وابتدأ في دعوته في آخر دولة بني أمية فتبعه بشر كثير من اليهود.
واليوذعانية: نسبوا إلى يوذعان من همدان.
والموشكانية: أصحاب موشكان.
والسامرة يقولون بنبوة موسى وهارون ويوشع بن نون، وينكرون نبوة من بعدهم إلا نبياً واحد يأتي مصدقاً لما بين يدي التوراة ولا يخالفها البتة.
الملل والنحل للشهرستاني مختصراً ملخصاً من ص158 إلى ص165، والملل والنحل للإمام المرتضى 84.
([33])- تقدّمت.
([34])- البراهمة: نسبة إلى رجل يقال له براهم، وهم فرقة ينفون النبؤات أصلاً. فيدخل في ذلك إنكار نبوة نبينا محمد -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- خصوصاً، وسائر الأنبياء عموماً.
([35])- الصابئون: اشتق اسمهم من الصبؤ وهو الميل، قيل فرقة من النصارى، وقيل هم فرقة مستقلة، يقرون بالصانع وقدمه، وافترقوا في الجسم وأوصافه، ويدعون لهم أنبياء، وينكرون نبوة جميع أنبياء الله صلوات الله عليهم.

(1/184)


ومحمد -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- هو أشهر من أن يُعرَّفَ بنسب أو لقب، وإنما نذكر ذلك تبركاً بذكره.
هو النبي الأمي الموجود ذكره في التوارة والإنجيل بصفته، وحليته، وأصحابه، وزمانه.
محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف من زهرة، ملأ المشارق والمغارب ذكره، وانتهى إلى جميع الآفاق أمره.
وقوله: (نبي): يريد؛ رفيع المنزلة أنبأه ربُّه بمصالح عباده، فأداهم -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بلا خيانة ما أدى، وهداهم كما هدى.
[بيان معنى: النبي]
إعلم أن لفظ النبوءة قد يُهمز وقد لا يُهمز، فإن همز كان من الإنباء وهو الإعلام والإخبار، قال الله -تعالى-: {مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا}[التحريم:3]، أي من أخبرك به، والله أعلم.
وقد يأتي فعيل بمعنى مُفْعِل كما قال الشاعر:
أمن ريحانة الداعي السميع .... يورقني وأصحابي هجوع
فقال في هذا (سميع) وهو يريد مُسْمِع، فعلى هذا يكون نبيء بمعنى منبيء.
وقد يأتي فعيل بمعنى مُفْعَل كما قال آخر:
وقصيدةٍ تأتي الملوك حكيمة .... قد قلتها ليقال من ذا قالها
فقال حكيمة:
وهو يريد محكمَه، فكان حكيم قد يكون بمعنى محكَم، فعلى هذا هو نبيء بمعنى منبَأ، وهو -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- جامع للوجهين، من حيث أنه أُنبئ، وأَنبأ، وأَنبَأهُ ربُّه، وأَنبَأ هو -عليه وآله السلام- عترته وأمته.
..

(1/185)


فإن لم يهمز كان من النباوة؛ وهي الرفعة، قال الشاعر:
فأصبح رتماً دقاق الحصى .... مكان النبي من الكاثب ([36])
وأحسب أن معنى هذا البيت صفة شدة الإلحاق، وأنه يريد بالنبي ها هنا الراكب على ظهر الفرس أو الراحلة، فأدمى خفها أو حافرها ذلك النبي.
وقوله: (مكان): يريد؛ لمكان، فحذف اللام لظهور ذلك وأمثاله في شعرهم كثير، وقد فسره أبو عبيد بغير هذا مع اتفاق الكافة ممن فسَّر هذا البيت من أهل العلم أن النبي هو المرتفع ها هنا.
فأما الكاثب: فهو منسج الفرس، ويجوز أن يستعار لكاهل البعير وغيره، وقد حَصَلَتْ هذه المعاني كلها للنبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- من كونه مُنْبَأ ومُنبِياً، ورفيع المنزلة عند الله -تعالى- وعند خلقه في الدنيا والآخرة، وقد ورد التعبد بذلك في القراءة بالهمز وبغير الهمز، وذكر مواضعه يطول الشرح، وظهوره لأهل العلم بالقراءة كافٍ.
________________
([36]) - والكاثبة من الفرس المنسج والجمع أكثاب، والكاثب موضع أو جبل. تمت ق.
قال في شرح رسالة الحور العين: قال أوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة الأسدي:
على السيد الصعب لو أنه .... يقوم على ذروة الصاقب
لأصبح رتماً دقاق الحصى .... مكان النبي من الكاثب
الكاثب هنا اسم جبل فيه رمل وحوله رواب يقال لها النبي، الواحد: ناب، مثل غار وغرى، يقول: لو قام فضالة على الصاقب وهو جبل يذلِّله لسهل له حتى يصير كالرمل الذي في الكاثب، ونصب مكان على الظرف ويقوم بمعنى يقام، والرتم: الكسر والدق. انتهى.

(1/186)


وقوله: (مهذب): يريد؛ مجرد عن كل مكروه في نسب وأدب، وخلق وسبب؛ لأن التهذيب في أصل اللغة: التجريد من المكاره، وقد علمه الله وفهمه مصالح نفسه ومصالح غيره، علمه الله -سبحانه- ذلك وهداه.
و(المطهَّر): هو المنزه من القبائح والزنايا([37])، وقد نزهه الله عن ذلك بالعصمة.
وقوله: (زكي): يريد؛ كثير النماء والبركة في قوله وعقبه، وذلك ظاهر؛ لأنه لا أشرف من ذريته (عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام) في الذراري، ولا أنفع من قوله -عليه وآله السلام- في الأقوال.
قوله: (اختصه بذلك العلي): يريد بالعلي: الله -سبحانه وتعالى- والإختصاص هو التمييز على الكافة.
وقد خالفنا في ذلك جميع فرق الكفر على طبقاتهم لأنهم قالوا: كلما كان فيه من الآيات، وظهر على يديه من الدلالات الباهرات، هو من صبره وتعلمه، وذكائه وحيلته، حتى استتبت له الأمور، وانقاد له الجمهور، وكان أشدهم في ذلك عناية اليهود (لعنهم الله تعالى) فقال الله -تعالى- رداً عليهم: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(29)}[الحديد]، وقال سبحانه في آية أخرى بعد ذكر نبوته -عليه وآله السلام- رداً على اليهود أيضاً: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(21)}[الحديد]، ثم شبههم سبحانه بالحمر حاملة الأسفار وهي الكتب، واحدها سفر، لقلة التأمل لما فيها والإعتبار، والتيقظ والإزدجار.
وسمّى سبحانه في آية أخرى النبوءة فضلاً بقوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } [النساء:54]، وهو لا يريد بالناس في هذه الآية إلا النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، وأمثال هذا كثيرة جداً نبهنا عليها، وهي ظاهرة ظهور الشمس في الكتاب العزيز -زاده الله شرفاً-
___________________
([37]) - جمع زاني وزانية، فلا يوجد في آبائه وأمهاته سفاح الجاهلية.

(1/187)


قوله: (وجاء منه): الهاء في منه عائدة إلى العلي سبحانه.
(معجز): والمعجز هو الذي يعجز الخلق عن الإتيان بمثله، وقد تقدم الكلام فيه، وهو يريد به ها هنا القرآن الكريم، وهو أجلى معجزات الأنبياء -عَلَيْهم السَّلام-، وإن كان فيها ما هو أبهر كخروج الناقة من حجر، وقلب العصا حيَّة، وفلق البحر، ونتق الجبل، إلى غير ذلك.
وإنما قلنا هو أجلى: لأن معجزات الأنبياء -عَلَيْهم السَّلام- لم تدم، وكانت تحدث في الحين بعد الحين، ثم لا تعود لهم للزوم الفرض لهم بالتقدم، وهذا القرآن الكريم باقٍ ما بقي الدهر لا يزداد على كثرة الترداد إلا جِدَةً، ملازم لأوقات التكليف، وتراجمته من العترة الطاهرة -عَلَيْهم السَّلام-، قد عرض للمسرفين([38]) والهذرة المتمردين، وفتاك المدققين من طبقات الملحدين، فكل من يعرض به لزمه فرضه وعلم خروجه عن مقدور المحدثين، وكان في مرامه له بمنزلة من رام مسح وجه الهلال بيمينه والبعد حائل من دونه([39]).
وقد ظهر عجز الجميع عن المعارضة، لأنهم لو قدروا لوجدت وظهرت ظهور سائر المعارضات، ونحن لا نريد بالمعجز غير ذلك كما قدمنا.
وإعجازه للخلق موجب لكونه من فعل القادر لذاته، وظهوره على يديه دليل على صدقه فيما قال وادعى، وادعاؤه للنبوءة يعلم ضرورة على حد العلم بأنه -عَلَيْه السَّلام- كان في الدنيا وصحت نبوءته لذلك؛ لأن الله -تعالى- لعدله وحكمته لا يصدق الكاذب في دعواه؛ لأنَّ تصديقه قبيح، وهو متعالي عن فعل القبيح.
قوله: (يعجز عنه كل ذي مقال): أكد به ما تقدم، وإلا فقوله: (معجز) يتضمن معنى ذلك.
___________________
([38]) ـ في (ن، م): للمسترقين.
([39]) ـ هذا المثل يضرب لمن يريد شيئاً محالاً غير ممكن بل من المستحيل حصوله...

(1/188)


(والمقال) هو اللفظ والكلام، من النثر والنظام، يقول كل متكلم يعجز عن الإتيان بمثله وذلك ظاهر؛ لأنه لو كان ممكناً لكان قد وقع كما نعلمه في الأشعار والخطب، فما أحد ادعى البينونة والتميز على أحد من أهل عصره إلا وعارضوه، ولم يسعهم([40]) الإنقياد لأمره، والإرتداع لزجره، وهذا كما ترى أبلغ، فلم يعارض بشعر أو غيره، إلا وقد عُورض بأضعاف ما جاء به، كإمرء القيس ومن دونه، فقد عارض إمرؤ القيس علقمة في أكثر قصائده معارضة اختلف فيها أهل المعرفة إلى يومنا هذا وإلى آخر الدهر، إلا أن القرآن الكريم -كرم الله ذكره- فما علم في أمره بشيءٍ يرفع رأس عالم بذكره.
فإن قيل: جوزوا أنه قد عُورض، وأن المعارضة كتمت؟.
قلنا: هذا التجويز يفتح باب الجهالات فيجب القضاء بفساده؛ لأن لقائل أن يقول على هذا القول: جوزوا أن يكون بعد النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أنبياء جاءوا بالمعجزات، ونسخوا شرع النبي - صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم - وأوجبوا الحج إلى بيت آخر، وصيام شهر غير رمضان، أو أكثر، ومن انتهى إلى هذا التجويز فتعاميه مناظرة؛ إلا أن يكون مسلوب اللُّب فالله عاذره، فصح بما تقدم نبوءة النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، وبها يصح لنا العلم بنبوءة جميع الأنبياء (-عَلَيْهم السَّلام-) وكتبهم والملائكة والجن لأنه أخبر بجميع ذلك.
زيادة إيضاح في أمره -عليه وآله السلام-:
[28]
أيَّدهُ ربي بإِظْهَارِ العَلَمْ .... فصَارَ في هَامَةِ بَحْبُوح الكَرَمْ
أفَضَلُ مَنْ يمشي على بَطنِ قَدَمْ .... وكلِ ذي لحمٍ من الخلقِ ودمْ
مَنّاً مِنَ الواحدِ ذِي الجَلالِ
هذا زيادة إيضاح في أمره -عليه وآله السلام-.
قوله: (أيَّده ربي بإظهار العلَم): يقول إن الله -سبحانه- أعانه، ونصره على أعدائه؛ بإظهار معجزاته.
والمعجزات قد تقدم الكلام في معناها، وهي أعلام النبوءة وأدلتها.
__________________
([40]) ـ في (ن، م): وإن لم يُسِمْهم.

(1/189)


و (العلَم): هو القرآن الكريم وسائر معجزاته -عليه وآله السلام- كإخباره بالغيوب في مثل قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ(44)}[القمر]، يريد بذلك قريشاً، فقال سبحانه: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ(45)}[القمر]، وأحدٌ في تلك الحال لا يطمع بأن قريشاً تُغْلَب، فكان كما قال، فهزم جمعهم، وولوا الدبر، ووعده إحدى الطائفتين إما عير قريش، وكان فيها جلتهم ومشائخهم، وإما بعيرهم فيها صناديدهم وشجعانهم، فأعطاهم الطائفة التي لم يكونوا يطمعوا بمثالها، ولو علموا لقاءها ما لقوها في تلك العدَّة لحدة شوكتها، وشدة بأسها، وعظم عدتها، ووعدهم المغانم الكثيرة، فأخذوها حتى انتهت إلى أمر عظيم، مع تأييده له بغير ذلك من معجزات المشاهدة كإتيان الشجر بدعائه([41])، وحنين الجذع لفراقه([42])،
_________________
([41]) - قال السيد الإمام أبو العباس الحسني في المصابيح: أخبرنا علي بن الحسين البجلي بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن أبيه الحسين بن علي (ع) أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه خطب الناس وقال: أنا وضعت كلكل العرب وكسرت قرن ربيعة ومضر ووطأت جبابرة قريش..إلى قوله صلوات الله عليه: وأتاه الملأ من قريش أبو جهل بن هشام وهشام بن المغيرة وأبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو وشيبة وعتبة وصناديد قريش فقالوا: يا محمد قد ادعيت أمراً عظيماً لم يدّعه آباؤك ونحن نسألك أن تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف أمامك؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن ربي على كل شيء قدير وإني أريكم ما تطلبون وإني أعلم أنكم لا تجيبوني وإن منكم من يذبح على القليب ومن يحزب الأحزاب ولكن ربي رحيم؛ ثم قال للشجرة: انقلعي بعروقك بإذن الله، فانقطعت وجاءت ولها دويٌّ شديد حتى وقعت بين يدي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم، فقالوا استكباراً وعتواً: ساحر كذاب، هل صدقك إلا مثل هذا يعنوني؛ فقال -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم-: حسبي به ولياً وصاحباً ووزيراً، قد أنبأتكم أنكم لا تؤمنون والذي نفس محمد بيده لقد علمتم أني لست بساحر)). انتهى المراد.
([42]) - قال الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين عليه السلام في الأمالي: وبه قال: أخبرنا أبي رحمه الله، قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قال: أخبرنا محمد بن الحسن الصفار، قال: أخبرنا أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن علي بن الحكم، عن أبان بن تغلب، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: كان رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- إذا خطب جمع له كثيب فقام عليه وأسند ظهره إلى جذع فلما وضع المنبر في موضعه وقام عليه النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- خار الجذع فنزل إليه رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- فالتزمه ثم كلمه فسكته فلولا كلامه لخار إلى يوم القيامة. انتهى المراد.

(1/190)


وأكل الخلق الكثير وكفايتهم([43]).
(فصار في هامة بحبوح الكرم) يقول إنه -عليه وآله السلام-: أقام على هامة وسط الكرم، وبحبوح كل شيءٍ: وسطه، ووسط كل شيءٍ خياره.
والكرم ها هنا هو الشرف والرفعة، وتلك إستعارات جائزة، وكل ذلك لما أظهر الله -سبحانه- على يديه من المعجزات، وأيده به من الدلالات.
قوله: (أفضل من يمشي): يريد؛ أنه أفضل الخلق من الأنبياء -عليهم السلام- فمن دونهم وذلك معلوم من دينه -عليه وآله السلام-، وقد ثبت صدقه -عليه وآله السلام- كما تقدم من ظهور المعجز على يديه.
قوله: (وكل ذي لحمٍ من الخلق ودم): زيادة تأكيد لما تقدم، يقول إنه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أفضل البشر؛ لأنهم مختصون باللحم والدم دون غيرهم من المتعبدين من الجن والملائكة، لا يفتقرون إلى أزيد من الرطوبة، واليبوسة، والتخلخل في البنية.
قوله: (منًّا من الواحد): المراد بالواحد ها هنا الله -سبحانه-
________________
([43]) - قال الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين في الأمالي: وبه قال: أخبرنا محمد بن بندار، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا سلمة، قال: وحدثني محمد بن إسحاق، عن سعيد بن مينا، عن جابر، قال: عملنا مع رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- في الخندق وكانت عندي شويهة سمينة، فقلنا: والله لوضعناها لرسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- فأمرت امرأتي فطبخت شيئاً من شعير فصنعت لنا منه خبزاً وذبحت تلك الشاة فشويتها لرسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- فلما أمسينا وأراد رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- الانصراف عن الخندق وكنا نعمل فيه نهاراً فإذا أمسينا رجعنا، قال: فقلت يا رسول الله إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا وعضنا شيئاً من خبز هذا الشعير وأحب أن تنصرف معي إلى منزلي وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- وحده؛ فلما قلت له ذلك، قال: نعم؛ ثم أمر صارخاً فصرخ: أن انصرفوا مع رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- إلى بيت جابر، قال: فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون فأقبل رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- وأقبل الناس معه فجلس وأخرجنا إليه قال: فبرك وسمى وأكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدر أهل الخندق عنها وهم ثلاثة آلاف. انتهى المراد...

(1/191)


وقوله: (منًّا): يريد؛ تفضلاً؛ لأن المَّن إذا أطلق أفاد التفضل؛ لأنه لا يمن على الأجير بأجرته، ولا على البائع بثمن مبيعه، إلى ما شاكل ذلك لغة ولا عرفاً.
[بيان أن النبوة مَنٌّ من الله تعالى وتفضل وليست بجزاء على العمل]
وهذا ينفي أن يكون اختصه بذلك لشيءٍ من فعله كما قالت اليهود وغيرها من فرق الكفر بأن الله -تعالى- لم ينزل عليه القرآن، حتى قالوا: {مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}[الأنعام:91]، فأكذبهم سبحانه بقوله: {مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ}[الأنعام:91]، إلى غير ذلك من أدلة نزوله وأنه من عنده.
وكان من قولهم: إن الله -سبحانه- لم يمن عليه بذلك ولم يفضله به ابتداء على جميع خلقه، فقال سبحانه منبهاً لكل عاقل متأمل منهم ومن غيرهم بأنه المتولي لتفضيل بعض خلقه على بعض حتى الأنبياء -عَلَيْهم السَّلام- فقال، لا شريك له، مصرحاً بما قلنا تصريحاً: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا(55)}[الإسراء]، إلى غير ذلك من آيات الكتاب الكريم.
قالوا: وإنما كان ذلك له -عليه وآله السلام- بحيلته وحسن تدبيره حتى صار رئيساً مُطَاعاً.
والكلام عليهم من طريق العقل: أن الحيلة لا تأثير لها في ظهور المعجزات، وخرق العادات، سيما وقد أكد ذلك سبحانه وأكد بهم بقوله له -عليه وآله السلام- مذكراً له نعمته عليه وآمراً له بذكرها ونشرها: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى(6)وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى(7)}[الضحى]، وضلاله -عليه وآله السلام- ها هنا قلة علمه بالشرائع والتكاليف الشرعية فهداه إليها ودله عليها، لا ما يقوله المبطلون ويتأوله الجاهلون، {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى(8)}[الضحى] المراد بذلك الزهد في الدنيا، والقنوع بالطفيف من الأشياء، وقد قيل أغناه بمال خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها).

(1/192)


وقولنا: أحب إلينا، فلم تكن عينه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- تمتد إلى شيءٍ من متاع الدنيا، ولا ينافس إلا أهل التقوى، حتى روي عنه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أنه ما ذكر الله عنده ذاكرٌ إلا ذاكره -عليه وآله السلام- حتى يكون آخرهما بالله عهداً.
وعَيْلَتِه: الأولى أنه لم يكن قد أنزل إليه آيات التزهيد في أمر الدنيا، وتشبيهها بالهشيم مرة، وباللعب أخرى، وكلا الأمرين زائل لا يبقى، فصار -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بذلك أغنى الأغنياء؛ كما روي عن روح الله عيسى (صلوات الله عليه وعلى جميع إخوانه من الأنبياء) أنه قال:(أبيت وليس لي شيءٌ، وليس على وجه الأرض أغنى مني).
ثم قطع سبحانه أباهر الشاكين في تفضيله لنبيئه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- واعتراضهم عليه في تفضيله بقوله سبحانه: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ}[البقرة:105]، وفي هذا كفاية لمن اكتفى، {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}[القصص:56].
(باب القول في الوعد والوعيد)
[29]
وقولُنَا في الوعدِ والوَعِيدِ .... للمؤمنِ الطائعِ والعنيدِ
وللشقيِّ العرضِ والسعيدِ .... بالمَكْثِ في الدارينِ والتَخْلِيْدِ
وذاكَ قُولُ اللهِ ذي المَحَالِ
هذا الكلام في الوعد والوعيد، ولا بد من ذكر حقيقتهما، ليكون ذلك أساساً لما نذهب إليه فيهما.
(فالوعد): هو الإخبار بوصول النفع أو سببه إلى الغير في المستقبل.
(والوعيد): نقيضه؛ وهو الإخبار بوصول الضرر الخالص أو سببه إلى الغير في المستقبل.
وإنما قلنا الضرر الخالص إحترازاً من مضار المحن وتمحيص المؤمنين، فقد أخبر سبحانه بذلك ولم يكن وعيداً؛ لأن الوعيد لا يكون إلا للعاصين، كما أن الوعد لا يكون إلا للمؤمنين.

(1/193)


[الكلام في الخلود في الجنة والنار]
فمذهبنا في هذه المسألة: أن مَنْ وعده الله -سبحانه- بدخول الجنَّة أنه صائر إليها وخالد فيها، والخلود: هو الدوام أبداً لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ(34) }[الأنبياء]، فلولا أن الخلود هو الدوام أبداً لكانت الآية لاحقة بالكذب الذي لا يجوز عليه لقبحه -جل عن ذلك وعلا- لأن الكل ممن قبله -عليه وآله السلام- قد بقي بقاءً منقطعاً، وأن من توعده الله -تعالى- من العاصين بدخول النار فإنه صائر إليها، وخالد فيها.
وخالفت المجبرة في ذلك على طبقاتها، ويلحق بهذا الخلاف قول السوفسطائيه لنفيهم لحقائق الأشياء وتجويزهم أن يكون الذي عوقب غير الذي عصى، فمن قطع على ذلك قطعاً كانت يده في الخلاف أقوى، وظهور الأمر في تخطئته أجلى.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه: أن الله -تعالى- قد وعد وأوعد، وإخلاف الوعد والوعيد كذب، والكذب قبيح، والله -تعالى- لا يفعل القبيح.
أما أنه تعالى وعد وأوعد: فذلك ظاهر في آيات القرآن الكريم والسنة الشريفة الماضية، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(7)جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)}[البينة]، فنسأل الله -تعالى- أن يجعلنا تحت الرضى، وأن يجعلنا ممن آثر خشيته على منافع الدنيا.
وقال -سبحانه- في العاصين: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(23)}[الجن].
وإسم المعصية واقع بالإتفاق على كل من فعل قبيحاً أو ترك واجباً، والتائب مستثنى بدلالة قوله سبحانه في مثل ذلك: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا}[الفرقان:70].

(1/194)


وأما أن إخلاف الوعد والوعيد كذب: فلو جود حقيقة الكذب فيه لو وقع -تعالى عن وقوعه ربنا- لأن حقيقة الكذب: هو الخبر عن الشيء لا على ما هو به، كقول القائل: أقام زيد في الدار سنين كثيرة، وهو لم يقم فيها إلا يوماً واحداً فإن ذلك كذب عند جميع العقلاء، فلو أخرج سبحانه أهل النار أو بعضهم منها، مع إخباره لنا ولهم بخلودهم فيها، كما قدمنا، لكان هذا خبراً عن الشيء لا على ما هو به وذلك كما قدمنا.
وأما أن الكذب قبيح: فقبحه معلوم لكل عاقل.
وأما أن الله -تعالى- لا يفعل القبيح: فقد تقدم بيانه في مسألة العدل، فلا وجه لذكره هاهنا.
قوله: (وذلك([44]) قول الله ذي المحال): فـ (المحال): هو القدرة، وقد تقدم الكلام عليه في مسألة قادر.
وأما أنَّا لم نقل في هذه المسألة إلا بقول الله -تعالى- فلأنه سبحانه يقول في كتابه الكريم {قَوْلُهُ الْحَقُّ} [الأنعام:73]، والكذب باطل بالإجماع، ويقول سبحانه: {لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ}[يونس:64]، وقال: {لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(115)} [الأنعام]، والكذب تبديل على أقبح الوجوه، فمن هنا كان قولنا مطابقاً لقوله تعالى.
(مسألة الشفاعة)
[30]
وما لأهلِ الفِسْقِ مِنْ شَفَاعهْ .... لَمَّا تَنحَّوا عن طريقِ الطاعهْ
وخَالَفُوا السنةَ والجَمَاعهْ .... وارتَكَبُوا المُنْكَرَ والبشاعهْ
فَخُلِّدُوا في حِلَقِ الأنكالِ
[الكلام في أمر الشفاعة لمن تكون يوم القيامة]
هذا هو الكلام في أمر شفاعة النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لمن تكون يوم القيامة.
فذهب أهل الجبر إلى أنها تكون لأهل الكبائر من هذه الأمة، ورووا في ذلك أخباراً عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لا تنتهي إلى ثقات، وصريح الكتاب الكريم معترض لها جميعاً، وهي بالإطراح أو التأويل أولى، وفي مقابلتها أخبار تنقضها، رواتها من سادات العلماء؛ فهي لذلك أقوى.
________________
([44]) ـ في (ن): وذاك، وهو الظاهر من قافية البيت.

(1/195)


وذهب أهل العدل على طبقاتهم إلى أنها - أعني شفاعة النبي صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم - لا تكون لمن يستحق النار من الفساق والكفار، ولم ينكر أحد من جميع الأمة والأئمة -عَلَيْهم السَّلام- الشفاعة، وكيف وقد ظهر قوله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((من كذب بالشفاعة لم ينلها))([45])، وإن حدث قول بغير ذلك كان خارقاً للإجماع وذلك لا يجوز.
فإن قيل: فلمن تكون الشفاعة على هذا إن قلتم تكون للعصاة هدمتم قاعدة كلامكم أولاً، وإن قلتم للمؤمنين فلا نجد لها معنى؛ لأنهم بما استحقوا من الثواب أغنياء؟.
قلنا: الأمر فيما ذهبنا إليه [واضح([46])] جداً، لأنَّا نعلم أن الله -تعالى- قد وعد نبيئه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أن يبعثه مقاماً محموداً يتميز به على سائر الأنبياء -عَلَيْهم السَّلام- وذلك لا يكون إلا بأن يبعثه شافعاً مشفعاً، والشفاعة كما تحسن في حق الفقراء تحسن في حق الأغنياء، ألا ترى أنه كما يقال: يشفع فلان إلى الملك في إغناء فقيرٍ، أو فك أسيرٍ، قد يحسن أن يقال: شفع ولده إليه في الزيادة في راتب الوزير، وإجلاسه معه على السرير، فكما أن الشفاعة تحسن وتنفع في دفع المحذور، قد تحسن وتنفع في جلب السرور.
[الدليل على أن الشفاعة ليست للفساق]
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قول الله -تعالى- وهو لا يقول إلا الحق: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ(18)}[غافر].
ووجه الإستدلال بهذه الآية: أن الله -تعالى- نفى على العموم أن يكون لأحد من الظالمين، يوم القيامة حميم من المؤمنين، ولا شفيع مطاع من المقربين، والفاسق ظالم كالكافر، وإثبات ما نفى الله -تعالى- لا يجوز.
أما أنه تعالى نفى أن يكون لأحد من الظالمين حميم ولا شفيع يطاع: فذلك ظاهر؛ لأنه أدخل حرف النفي على شفيع، وهو نكرة شائعة، فاقتضى العموم بدلالة جواز الإستثناء.
___________________
([45]) - أخرجه في مسند الشهاب (1/248) رقم (399).
([46]) - غير موجود في النسخ.

(1/196)


وأما أن الفاسق ظالم كالكافر: فذلك معلوم مِنْ عُرْفِ العلماء، وأكثر الفساق ظلمة شرعاً ولغةً وعرفاً، ولم يفرق بينهما أحد من أهل الخلاف في الشفاعة فيما سبق، فإحداث الفرق في وقتنا لا يجوز؛ لأنه يكون خارجاً عن سبيل الأمة وذلك لا يجوز.
وقد ورد في الشرع أن العاصي ظالم لنفسه، فلا يخرج أحد من الفساق عن اسم الظلم كما قدمنا.
وأما أن إثبات ما نفى الله لا يجوز: فظاهر؛ لأن إثباته يكون تعقباً لحكمه، وتبديلاً لكلماته، ورداً عليه في قوله، وتحكماً عليه في سلطانه؛ وذلك لا يجوز بإجماع الأمة، فلو شفع النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- للفساق؛ والحال هذه، كان الأمر لا يخلو من أحد أمرين باطلين.
أن يُشَفَّع -عليه وآله السلام- فيهم بعد نفي الله -سبحانه- لقبول الشفاعة من كل شفيع بوقوع النفي عاماً، كما قدمنا، فيكون ذلك تكذيباً لكتابه، وتعقباً لحكمه، وتبديلاً لكلماته؛ وذلك لا يجوز.

(1/197)


وكيف لا يتعذر جوازه، وقد وعده الله -سبحانه وتعالى- ووعده الحق الذي لا مرية فيه، أنه يبعثه مقاماً محموداً شريفاً، يتميز به على سائر الأنبياء -عليهم السلام-، وقد أدى إلى هذين الباطلين القول بأن شفاعة النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- تكون للفساق، فيجب القضاء بفساده، وأن شفاعته -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- تكون للمؤمنين ليزيدهم الله سروراً إلى سرورهم، ونعيماً إلى نعيمهم، وللتائبين الذين ماتوا وهم من الطاعة غير مستكبرين، ليجعل كتابهم في عليين، وعليه يحمل ما روى المخالف عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أنه قال: ((ذخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي([47])))، فلا يستقيم لهذا الخبر معنى في الحكمة حتى يحمل على التائبين، مع أنه قد عورض بحديث أصحّ منه وأقوى سنداً يطابق محكم الكتاب وهو قوله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي))، فسقط قول المخالف وثبت ما قلنا.
_________________
([47]) ـ تأويل الحديث من المجاراة للخصم، والواقع أن هذا الخبر من الأخبار الآحادية المعارضة لصرائح القرآن، وقد روي بطرق كلها في بعض رجالها جرح وتضعيف من قبل أهل السنة أنفسهم؛ فأكثر مدار رواياتهم، ومعول طرقهم على أنس بن مالك، وابن عباس، وقد أسندت إليهم بطرق مجروحة تشهد بتضعيفها فمنها: عند الطبراني في الأوسط (2/369) رقم (3566) بسنده عن أنس بن مالك وفيه عروة بن مروان، قال الطبراني: تفرد به عروة بن مروان. انتهى.
قلت: قال فيه الدارقطني: كان أمياً ليس بالقوي في الحديث، ميزان الاعتدال 5/82.
ومنها: عند الطبراني في الصغير، والبزار من طريق أبي داود، والهيثمي في مجمع الزوائد (10/381) بسند عن أنس بن مالك، وفيه الخزرج بن عثمان، قال الدارقطني: يترك، وقال الأزدي: فيه نظر، ونقل عنه ابن الجوزي أنه قال: ضعيف، ميزان الاعتدال 2/440، تهذيب التهذيب 2/87.
ومنها: عند الطبراني في الكبير (6/205) رقم (8518) وأبو داود السنة (4، 236) رقم (4739) والترمذي في صفة القيامة (4/625) رقم (2435) وأحمد في المسند (3/261) رقم (13227) بإسنادهم عن ثابت بن قيس عن أنس بن مالك، وفيه ثابت بن قيس، قال ابن معين: ضعيف، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن حبان: قليل الحديث كثير الوهم لا يحتج بخبره، وقال الحاكم: ليس بحافظ ولا ضابط، ميزان الاعتدال 6/ 86، تهذيب التهذيب 1/ 391.
ومنها: عند الطبراني في الكبير (3/319) رقم (4713) والبخاري في الإيمان (1/67) رقم (9) ومسلم في الإيمان (1/63) رقم (58/ 35) بسند عن ابن عباس، وفيه موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، قال الذهبي: ليس بثقة، قال ابن حبان: دجال، قال ابن عدي منكر الحديث، ميزان الاعتدال 6/549.
وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا موسى بن عبد الرحمن.
فهذا جُلُّ ما يعتمدونه في هذا الخبر؛ فقد رأيت تهدم قواعدهم، واضطراب أساسهم.

(1/198)


عدنا إلى تفسير القافية:
(الأنكال): هي القيود، وأحسب أنها ذات العُمد، واحدها نكل، ومنه أخذ التنكيل.
(والسنة) ما كان عليه محمد -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-.
(والجماعة) أهل الحق وإن قلوا؛ وهم أهل البيت -عَلَيْهم السَّلام- ومن تابعهم.
(الكلام في المنزلة بين المنزلتين)
[31]
ولا يُسمَّى ذُو([48]) الفُسُوقِ كافِراً .... مُغَالِبَاً بِكُفْرِهِ مُجَاهِراً
ولا تَقيَّاً ذا وقَارٍ ظاهِراً .... بَلْ فاسقاً رِجْسَاً لَعِيناً فَاجِراً
يَجُولُ في جَوَامِعِ الأَغْلالِ
________________
([48]) - نخ (أ): ذا...

(1/199)


هذا هو الكلام في المنزلة بين المنزلتين، والخلاف مع الحسن بن أبي الحسن البصري([49])؛ فإنه قال: " الفاسق منافق "، ومع الخوارج([50])؛ فإنهم قالوا إن (الفاسق كافر) ومع المرجئة([51])؛ فإنهم قالوا إن الفاسق مؤمن.
ومذهبنا: أنه لا يجوز إطلاق شيءٍ من الألفاظ المتقدمة على المرتكب للكبائر من هذه الأمة مع اعترافه بصحة النبوءة ووجوب أحكام الشريعة على الكافة؛ بل نسميه فاسقاً ونقره على ذلك الإسم، ونجري عليه حكماً مفرداً عن أحكام من ذكر أولاً([52]) من المنافقين والكفار والمؤمنين.
والذي يدل على صحة ما قلنا: أن لكل إسم مما علقوا بالفاسق معنى في الشريعة مخصوصاً يتبعه حكم مخصوص غير ما عليه الفاسق بالإتفاق.
_____________________
([49]) ـ الحسن البصري، هو: الحسن بن أبي الحسن، واسم أبي الحسن يسار البصري أبو سعيد مولى أم سلمة، وقيل: مولى زيد بن ثابت، وقيل غير ذلك، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر في المدينة، قدم البصرة بعد مقتل عثمان ولقي علياً -عَلَيْه السَّلام-، وروى عنه على الإختلاف في لقياه هل في البصرة أم في المدينة، توفي سنة عشر ومائة، وله ثمان وثمانون سنة، خرج له الجماعة، وأئمتنا الخمسة، والهادي -عَلَيْه السَّلام- في الأحكام، وقد توسع صاحب الطبقات في ترجمته، انتهى من الطبقات.
([50]) ـ الخوارج: سموا بذلك لخروجهم على أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام-، ويسمون الشراة لقولهم: إنهم باعوا الدنيا بالآخرة، ويسمون الحرورية لنزولهم بحروراء في أول أمرهم وهي بلدة بناحية الكوفة سماهم بذلك أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام-، ويسمون المحكمة؛ لقولهم: لاحكم إلا الله، ويسمون المارقة؛ للخبر المروي عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لعلي -عَلَيْه السَّلام-: ((تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين))، وقوله أيضاً في ذي الخويصرة: ((سيخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية))، وأصول فرقهم خمس:
الأزارقة: منسوبون إلى أبي راشد نافع بن الأزرق.
والإباضية: إلى عبدالله بن يحيى بن أباض.
والصِفرية بكسر الصاد إلى زياد الأصفر.
والبهيسية إلى أبي بهيس.
والنجدات إلى نجدة بن عامر، الملل والنحل لابن المرتضى 111، الملل والنحل للشهرستاني الجزء الأول 114 إلى 138.
([51]) ـ المرجئة: سميت بذلك لتركهم القطع بوعيد الفساق، والإرجاء في اللغة: التأخير، وهم الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل، ويقولون لاتضر مع الإيمان معصية، وقد قال فيهم الرسول -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((صنفان من أمتي لاتنالهما شفاعتي لعنوا على لسان سبعين نبياً: القدرية، والمرجئة)) قالوا: فما القدرية؟ قال: ((الذين يقولون أن المعاصي بقضاء من الله وقدر، والمرجئة الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل))، وهم فرق كثيرة، ولهم أقوال مختلفة.
([52]) ـ في (ن، م): ذكروا أولاً.

(1/200)


أما النفاق: فهو إسم لمن أظهر الإسلام بلسانه وأبطن الكفر في قلبه، فلو وجد سبيلاً إلى إظهار الكفر لأظهره، ومعلوم أن الفاسق بخلاف ذلك، ويلحق به من أحكام الشريعة أن نفاقه إن ظهر أستتيب فإن تاب وإلا قتل، والفاسق تقام عليه الحدود، ويجبر على الواجبات في وقت الإمام، وهذا فرق ظاهر.
وأما الكفر: فهو إسم لأفعال مخصوصة كالجحود لله -سبحانه وتعالى- وتكذيب رسله أو بعضهم، والإستهزاء بآياته، وإنكار نزول كتبه بصائر إلى عباده إلى غير ذلك، وتعطيل الشرائع.
ويتبعها أحكام مخصوصة وهي حرمة المناكحة، والموارثة، والدفن في مقابر المسلمين، والقتل حتى يدخلوا في الدين أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، إلا كفار العرب فليس لهم إلا السيف أو الإسلام لحكم ربِّ العالمين.
وأما الإيمان: فهو إسم لفعل الطاعة وترك المعصية في الشريعة، وهو إسم مدح وتعظيم؛ ألا تسمع إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2)}[الأنفال] !؟، وليس هذه حال الفاسقين بالإجماع.
والإيمان، كما ذكرنا، إسم مدح وتعظيم، والفاسق لا يستحق المدح والتعظيم؛ بل يستحق الإستخفاف، واللعن، والبراءة، والسَّب، فقد تبين لك بما قدمنا أن الفاسق خارج عن هذه الأسماء وهذه الأحكام، وتسميتنا له فاسقاً أخذ بموضع الإجماع الذي هو آكد الأدلة؛ لأن الحسن لا يخالفنا في أنه فاسق مع تسميته له منافقاً، وكذلك الخوارج لا يخالفونا في تسميته فاسقاً مع تسميتهم له كافراً، والمرجئة لا يخالفونا في تسميته فاسقاً مع قولهم إنه مؤمن، فقولنا؛ كما ترى، أخذ بموضع الإجماع، فنسأل الله التوفيق.

(1/201)


رجع التفسير:
قوله: (يجول في جوامع الأغلال): يقول إنه عندنا يستحق العقاب خلافاً للمرجئة في الوقوع؛ لأن عندنا أن المستحق واقع، كما قدمنا، وعندهم أن المستحق لا يقع، كما حكينا عنهم.
و (الجامعة): هي ما يجمع بين يدي الإنسان وعنقه من السلاسل، وربما جمع بها بين الإنسان وغيره.
و (الغَل): يختص بما يجمع يد الإنسان وعنقه، وهذا تنبيه منه إلى أن مصير الفساق في الآخرة، نعوذ بالله -تعالى- من حالهم إلى هذه الحال.
(الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
[32]
والنَّهيُ عَنْ فِعْلِ القبيح واجبُ .... والأَمْرُ بالمعروفِ فرضٌ لازِبُ
وهو على فاعِلِهِ مَرَاتِبُ .... وَعظٌ وَزجرٌ وَحُسَامٌ قَاضِبُ
مِْن غِيرِ تَفْرِيطٍ ولا استعجالِ
هذا هو الكلام في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا بد من البداية بذكر حقيقة الأمر والنهي ليتضح الكلام فيها.
أما الأمر: فهو قول القائل لغيره إفعل أو لتفعل، على جهة الإستعلاء بشرط الإرادة لمقتضى الأمر.
والنهي: قول القائل لغيره لا تفعل أو لا يفعل، على جهة الإستعلاء دون الخضوع بشرط الكراهة لما تعلق به النهي، فهما؛ كما ترى نقيضان.
ومذهبنا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على الكافة وجوب الكفاية عند قيام البعض، ووجوب الأعيان عند إهمال الجميع.
---

..........

(1/202)


[شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
ولا بد للوجوب من شرائط؛ إن وجدت لزم، وإن عدمت أو شيءٌ منها سقط:
أولها: أن يكون الآمر الناهي عارفاً بالمعروف والمنكر مفصلاً، وبمراتب الأمر ليقع أمره ونهيه مطابقاً لمراد الحكيم سبحانه إذ بجهله بذلك أو ببعضه لا يأمن أن يأمر بمنكر أو ينهى عن معروف أو يقدم ما يجب تأخره ويؤخر ما يجب تقديمه فينتقض الغرض.
وثانيها: أن يعلم أو يغلب في ظنه أن لأمره ونهيه تأثيراً في وقوع المعروف وارتفاع المنكر؛ لأن أمره ونهيه، والحال هذه، يكون عبثاً - أعني إذا لم يعلم أو يغلب في ظنه تأثير أمره ونهيه - إلا أن يكون نبيئاً أو إماماً فيجب حينئذٍ لإبلاغ الحجة، وأما في آحاد الناس فلا.
وثالثها: أن يعلم أو يغلب في ظنه أن أمره ونهيه لا يؤدي إلى ترك معروف أكثر مما أمر به، أو ارتكاب منكر أكثر مما نهى عنه.

(1/203)


ورابعها: أن يعلم أو يغلب في ظنه أن ذلك لا يؤدي إلى تلف نفسه، ولا ذهاب عضو من أعضائه، أو اجتياح ماله، إلا أن يكون إماماً فإن ذلك سائغ له أن يحمل نفسه على ذلك وإن علم الهلاك لإعزاز الدين كما فعل الحسين بن علي -عَلَيْهما السَّلام- ولذلك تباهى به سائر الأمم فيقول لم يبق من الرسول إلا سبط فحمل نفسه على الموت لإزالة المنكر عن دين ربِّه.
ولا يعذر عن التخلف عنه، والحال هذه، أحد إلا من عَذَرَه، ومن عَذَرَهُ وسعه التخلف، واللحاق أفضل بكثير، وقد فعل فعله كثير من أهل بيت النبوءة -عَلَيْهم السَّلام- ذكرهم يخرجنا عما نحن بصدده.
وخامسها: أن يعلم أو يغلب في ظنه أن ذلك الفاعل للمنكر، التارك للمعروف، ممن لم يعاهد على الإقرار على منكره وتركِ ما هو معروف عند غيره كاليهود وسائر أهل الذمَّة؛ فإنهم عوهدوا على أنهم يودعون([1]) وفعلِ ما يستحلون في شريعتهم، وإن كان عندنا منكراً كشرب الخمر وما شاكله، وتركِ ما لا يعتقدون وجوبه في شريعتهم كصلاتنا وصيامنا وما شاكل ذلك، وأن ذلك الفعل منكر من ذلك الفاعل إذ لا يقبح منه من الأمور المختلف فيها إلا ما يعلم قبحه أو يغلب في ظنه لفتوى من يرجع إليه من المفتين؛ إلا الإمام فله الإعتراض في مثل ذلك، فمتى حصلت هذه الشرائط وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومتى عدمت أو عدم بعضها سقط ذلك.
_______________
([1]) ـ يودعون بمعنى: يخلى بينهم وبين فعل ما يستحلون.

(1/204)


والدليل على صحة ما ذهبنا إليه في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قول الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(104)}[آل عمران] .
ووجه الإستدلال بهذه الآية: أن هذا أمر من الله -سبحانه- والأمر يقتضي الوجوب، وهذه الدلالة مبنية على أصلين:
أحدهما: أن هذا أمر من الله -سبحانه- والثاني: أن الأمر يقتضي الوجوب.
أما الأول، وهو أن هذا أمر: فلأنه أحد صيغتي الأمر التي قدمنا وفيه شرطه؛ لأنه صيغة لتفعل على جهة الإستعلاء، والدليل على مقارنة الإرادة لهذا اللفظ تعقيبه بالمدح لفاعل مقتضاه، فلولا إرادته له لما مدح فاعله، وذلك دلالة الإرادة عند كل متأمل من العقلاء، ولأنَّا قد علمنا أن المعروف حسن، والمنكر قبيح، والإرادة فعل من أفعاله سبحانه، وهي من جملة اللطف في التكليف؛ لأنَّا إذا علمناه يريد منا الفعل كان ذلك تقريباً لنا ، وتقريب المكلف واجب ، وهو تعالى لا يخل به، فثبت أن الإرادة مقارنة لصيغة الأمر.
وأما الذي يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب، وهو الأصل الثاني: فما نعلمه من أن الواحد منا إذا أمر عبده بفعل من الأفعال فلم يفعله، مع التمكن، إستحق الذَّم عند الكافة، وليس ذلك إلا أنه ترك الواجب ، وحالنا مع الله -سبحانه- دون حال العبد مع مالكه من العباد ؛ لأن نعمه علينا لا تحصى ، وهو مالكنا وسيدنا، وقد لا يكون للسيِّد من العباد على عبده نعمة أصلاً؛ لأنه إذا أطعمه، و أسقاه، وجمله، وكساه، لغرض يعود عليه لم يكن منعماً في الحقيقة، فإذا قبح عصيانه لسيده عند جميع العقلاء لمجرد ملكه له فعصياننا لسيدنا ومالكنا المنعم علينا بأنواع النعم أقبح، وذلك ظاهر لمن ترك العناد.
تفسير لفظ البيت:
(لازب): لازم، وكذلك لاسب، ولاصب، متقاربة معناهما في اللغة واحد.

(1/205)


قوله: (وهو على فاعله مراتب): المراتب: هي الأمور التي يبنى بعضها على بعض وكان أصلها في الأجسام ثم نقلت بعد ذلك إلى الكلام فصارت حقيقة مشتركة.
قوله: (وعظٌ): يريد؛ التذكير بأمر الله -تعالى- والتخويف من عقابه، والترغيب فيما عنده من جزيل ثوابه، فهذا أول ما يجب على الآمر الناهي أن يأتي به، فإن نجح وإلا انتقل إلى مرتبة أخرى وهي القول الخشن، والتهديد والوعيد، فإن نجع وإلا ضرب بالسوط والعصا، والزجر يقتضي التهديد والضرب بالسوط والعصا، وإلا فالسيف.
(والحسم): هو القطع بلا حسم.
و(القضب): هو القطع مع الحسم([2])، ولذلك يسمى السيف حساماً وقاضباً، والمعنى فيهما متقارب، وإنما قلنا ذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يردان لأنفسهما وإنما يردان لما يؤديان إليه من وقوع المعروف وارتفاع المنكر، فإذا حصل ذلك بالأمر الهين لم يجز العدول إلى الأمر الصَّعب.
وقوله: (من غير تفريطٍ ولا استعجالِ): التفريط والتقصير والتواني معناها واحد، والتأني يقرب منها؛ إلا أنه محمود، والتواني مذموم مثل العجلة والسرعة، معناهما متقارب، والعجلة مذمومة والسرعة محمودة، ولا وجه للإتساع فيما يتعلق باللغة وإنما نذكر طرفاً تتعلق به الفائدة.
ومراده بذلك أن لا يتوانا الآمر الناهي فيفوته الأمر لوقوع منكره وترك واجبه، ولا يستعجل فيأمر وينهى على وجه الوجوب قبل وجوب ذلك الأمر عليه فيكون ذلك قبيحاً.
وقلنا بوجوبه على الكفاية: لأن الأمر لم يتعين، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإن لم يقم به البعض وجب على الكافة لتوجه الذم إلى الجميع، وذلك معنى واجب الكفاية، فاعلم ذلك موفقاً.
________________
([2]) ـ في (ن، م): الحس.

(1/206)


(الكلام في إمامة أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام-)
[33]
ثُمَّ الإمامُ مُذْ مضى النبيُّ .... صلَّى عَليِهِ الواحدُ العليُّ
بغيرِ فَصلٍ فَاعْلَمَنْ عليُّ .... والنَّصُ فِيهِ ظاهِرٌ جَلِيُّ
يومَ الغَدِيرِ ساعةَ الإحْفَالِ
مذهبنا في هذه المسألة: أن الإمام بعد رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، بلا فصل، علي بن أبي طالب -عَلَيْه السَّلام-، وبه قالت الإماميَّة([3]).
_______________
([3]) ـ الإمامية: فرقة من فرق الشيعة القائلين بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام، وأنه منصوص عليه، وأنه أفضل الصحابة، ويسمون الرافضة لرفضهم الجهاد مع الإمام زيد بن علي عليه السلام، وإنكار إمامته.
قال الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين الهاروني عليه السلام: ((إن جميع فرق الأمة أجمعت على إمامة زيد بن علي عليه السلام إلا هذه الفرقة))، ويسمون الإثني عشرية لقولهم بإمامة إثني عشر إماماً منصوص عليهم أولهم أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وآخرهم المهدي المنتظر عجل الله فرجه ، وترتيب الأئمة لديهم كالتالي:
الإمام علي عليه السلام استشهد بالجامع بالكوفة في محرابه، ضربه أشقى الأولين والآخرين عبد الرحمن بن ملجم سنة 40هـ، وبعده الإمام الحسن بن علي عليه السلام استشهد بالسم سنة 50هـ، وبعده الإمام الحسين بن علي عليه السلام استشهد بكربلاء سنة 61هـ العاشر من محرم، وبعده الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام قتل بالسم سنة 94هـ، وبعده الإمام محمد بن علي بن الحسين الباقر عليه السلام قتل مسموماً سنة 114هـ، وبعده ولده الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين قتل مسموماً سنة 148هـ، وبعده ولده الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق توفي سنة 183هـ، وبعده ولده علي الرضا بن موسى الكاظم قتل مسموماً سنة 203هـ سمه المأمون، وبعده ولده محمد الجواد بن علي الرضى قتل عام 220هـ، وبعده ولده علي الهادي بن محمد الجواد قتل سنة 253هـ، وبعده ولده الحسن العسكري بن علي الهادي قتل سنة 260هـ، وبعده الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه، وقد اختلفوا اختلافاً كثيراً واسعاً في تعيين من هو المهدي المنتظر.
وقد افترقت الإمامية فرقاً كثيرة، منها: الجعفرية والباقرية، والقطعية، والإسماعيلية، والكيسانية، والناووسية، والمباركية، والشمطية، والعمارية، والمفضلية، والمغيرية، وغيرهم، منها ما هو باق إلى اليوم، ومنها ما قد انقرض ، ولمزيد من التعرف على هذه الفرقة انظر كتاب العقد الثمين للإمام المنصور بالله عليه السلام.

(1/207)


وذهبت المعتزلة([4])، والزيدية([5]) الصالحية، وأصحاب الحديث، والخوارج على طبقاتها إلى أن الإمام بعد رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، بلا فصل، أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي بعدهم -أبعدهم الله-.
_________________
([4]) ـ المعتزلة: فرقة من فرق العدلية، وهم أتباع أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال كان نادرة زمانه في فصاحته وبلاغته، وكان يحضر مجلس الحسن البصري ثم ناظره في المنزلة بين المنزلتين، وهي أن صاحب الكبيرة لايسمى مؤمناً ولايسمى كافراً بل له منزلة بين الإيمان والكفر، وكان الحسن ينكرها فاعتزل واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري، وتبعه عمرو بن عبيد، وكان الحسن يقول: ما فعلت المعتزلة فسموا معتزلة، وافترقت المعتزلة إلى: بصرية، وبغدادية، والبصرية شيخهم محمد بن الهذيل العلاف صاحب المناظرات، والبغدادية شيخهم أبو الحسين الخياط وتلميذه أبو القاسم البلخي، ويجمع مذهبهم القول بالعدل والتوحيد، وإمامة أبي بكر وتقديمه، واختلفوا في الأفضلية، فمنهم من قال بأفضلية أبو بكر، وهم غالب البصرية.
وتتميز البغدادية عن البصرية بميلهم إلى التشيع.
([5]) ـ الزيدية الصالحية: يقال إنها فرقة من فرق الزيدية، وهم أتباع الحسن بن صالح بن حي رحمه الله يقولون بتقديم أبي بكر وصحة إمامته مع أولوية الإمام علي عليه السلام، وفي الحقيقة لاوقوع لهذه الفرق التي أُثبتت للزيدية؛ لأن الزيدي فرع على الشيعي، ولا تشيّع لمن يقول بتقديم غير الإمام علي عليه السلام عليه، فكيف يُقال إنه زيدي مع انتفاء تشيّعه، ولو صُلح إطلاق لفظ الزيدي عليهم، لصلح إطلاقه على المعتزلة؛ لأنها تقول بأقوال الزيدية في مسائل كثيرة في العدل والتوحيد وغيرها، وتخالفهم في تفاصيل بعض مسائل التوحيد لا في الجملة، وتخالفهم في مسألة الإمامة؛ لأنهم يقولون بإمامة المشائخ الثلاثة، والزيدية تقول بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله بلا فصل، وبعده الحسن، وبعده الحسين، ولا تقول بإمامة الثلاثة المشائخ؛ وأيضاً المعتزلة لا تقول بحصر الإمامة في أولاد البطنين وتقول بأن موضعها قريش، وتوافقهم في ذلك الصالحية، مع أن الزيدية تقول بحصرها في أولاد البطنين دون غيرهم؛ فإذاً لا فرق بين أن نقول الصالحية فرقة من فرق الزيدية، أو المعتزلة من فرق الزيدية، فبما أن المعتزلة فرقة مستقلّة توافقها الصالحية في بعض المسائل وبالأخصّ مسألة الإمامة، إذاً نقول: إن الصالحية فرقة مستقلة حالها كحال أي فرقة تنتسب إلى رجل من رجال الإسلام وتجعل لها أقوالاً وعقائد على حيالها، أو نقول إن الصالحية فرقة من فرق المعتزلة، كما قال الشهرستاني في الملل والنحل 1/ 117: "أما في الأصول فيرون رأي المعتزلة حذوا القذّة بالقذّة، ويعظّمون أئمة الاعتزال أكثر من تعظيم أئمة أهل البيت(ع)؛ لأن الإدعاء ليس دليلاً على الثبوت".
وأما إطلاق لفظ الإمام عليه السلام على الصالحية بأنها زيدية، فليس فيه دليل على أنهم زيدية؛ بل إن ذكره لهم في عداد القائلين بعدم إمامة أمير المؤمنين بعد رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- ينفي أنهم زيدية، وقد يكون -عَلَيْه السَّلام- ذكرهم بالعَلَم الذي تسمّوا به، وقوله -عَلَيْه السَّلام- : "أبعدهم الله" يكشف ذلك، ثم إنه لم يُؤْثر عن أحد من أئمة الزيدية القول بأقوالهم، فبطلت نسبتهم إلى الزيدية بخروجهم عن أقوال أئمّتها، ثم تراه وهو إمام الزيدية -عَلَيْه السَّلام- يردّ عليها ويفنِّد أقاويلها ويبيّن ضلالها، ومن اطلع على كلامه عليه السلام في الشافي في تبيين من هو الزيدي وحقيقته وعقيدته، وعلى كتاب الكاشف للإشكال في الفرق بين التشيع والاعتزال ضمن مجموع السيد حميدان، علم صحة ما قلنا، وسيأتي في هذه الرسالة ما يدلّ على صحة ذلك إن شاء الله تعالى، وقد انقرضت هذه الفرقة وغيرها من الفرق المنتسبة إلى الزيدية وهي على غير مذهبها ولم يعد لها وجود إنْ كانت وُجِدت أصلاً، وللتوسّع في الكلام مجال آخر، وموضع غير هذا.....

(1/208)


وبالدلالة على صحة ما ذهبنا إليه يبطل ما قالوه:
إعلم أن الذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه الكتاب، والسنة، والإجماع، وسيأتي ذكر دلالة الكتاب والإجماع فيما بعد،ونذكر ها هنا دلالة السنة؛ لأن أكثر ما يروم المخالف ثبوت دعواه بالسنة من حديث أو إجماع، فنبدأ بالإحتجاج بجنس ما يأتي به؛ ولأن الكل أدلة شرعية يجب الرجوع إليها بالاتفاق.
[دليل السنة على إمامة أمير المؤمنين - عليه السلام-]
فالذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه: قول النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- وقد قام للناس يوم غدير خم على مكان عالٍ في يوم قائظ -شديد الحر-، فرفع بيد علي حتى رأى الناس بياض آباطهما وقال للناس كافة: ((ألست أولى بكم من أنفسكم ‍ !؟، قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه؛ اللَّهُمَّ والِ من والاه، وعاد من عاداه)) ، والكلام في هذا الخبر يقع في موضعين؛ أحدهما: في صحته، والثاني: في وجه الإستدلال به.
أما الدليل على صحته: فظاهر؛ لأن الأمة نقلته نقلاً متواتراً على وجه واحد لا اختلاف فيه، وهم بين محتج به، ومتأول له، فصار العلم به ضرورياً لجميع أهل العلم فجرى مجرى الأخبار الواردة في أصول الشريعة المهمَّة كحج النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، وطوافه بالبيت، ووقوفه بعرفة إلى ما يعلم ضرورة من أفعاله وأقواله -عليه وآله السلام- بطريق الأخبار، وكما لا يسوغ إنكار شيءٍ من ذلك لا يسوغ إنكار هذا..

(1/209)


وأما الكلام في وجه الإستدلال به على إمامة أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام-: فذلك لأن الرسول -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- قال: ((ألست أولى بكم من أنفسكم !؟)) ، للمسلمين كافة، فقالوا: بلى، وقد أوجب الله عليهم ذلك بقوله: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}[الأحزاب:6] ، وأولى في اللغة بمعنى أحق وأملك، لا يختلف أهل اللغة في ذلك، ولا يعقل له معنى سواه إذا أطلقت اللفظة، فإن كانت ممن يصح ذلك منه فذلك أبلغ وأكشف، فلما تقرر ذلك قال -عليه وآله السلام-: ((فمن كنت مولاه فعلي مولاه)) ، فكان معنى هذا اللفظ عند كل عاقل متأمل أن من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به،ولا شك أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أولى بكل مؤمن من نفسه.
وقد حقق الله -سبحانه- ذلك بقوله: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}[الأحزاب:6] ، وقد جعل الله هذه المرتبة لعلي بن أبي طالب -عَلَيْه السَّلام-، وذلك يفيد معنى الإمامة.
أما أنه جعل ذلك لعلي بن أبي طالب -عَلَيْه السَّلام- فظاهر اللفظ يشهد بذلك؛ لأنه قال: ((ألست أولى بكم من أنفسكم !؟)) قالوا: بلى، قال: ((فمن كنت مولاه فعليٌّ مولاه)) ولفظة مولى؛ وإن كانت في الأصل مشتركة بين معان كثيرة، فقد صارت بالقرينة المتقدمة، وهي قوله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- ((ألست أولى بكم من أنفسكم؟)) وهي مع ذلك إحدى حقائقها ، فصار ذلك بمنزلة قوله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لو قال: (ألست أملك التصرف فيكم ؟ فإن قالوا: بلى، قال: فمن كنت أملك التصرف عليه فهذا مالك) ثم يمسك فإن لفظة مالك وإن كانت مشتركة بين ملك اليمين والإسم العَلَم وملك التصرف ، لا يفهم منها والحال هذه إلا ملك التصرف، وهذا معلوم لكل منصف؛ بل قول النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أولى مما مثلنا به وأجلى.

(1/210)


ألا ترى أن المثل كان يطابق الممثول في ذلك لو قال -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بعد ذلك ((فمن كنت مولاه فعلي مولاه)) ، ثم يمسك، وإنما صرح -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بقوله: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) فكان ذلك أبلغ.
وأما أن ذلك يفيد معنى الإمامة: فلأنَّا لا نريد بقولنا فلان إمام إلا أنه يملك التصرف في المسلمين في أمور مخصوصة، لها أحكام مخصوصة، وأن له الولاية عليهم، وأنه أولى بهم من أنفسهم، بمعنى أنه يجب عليهم إيثار مراده على مراد أنفسهم، وقد دل على هذا ما قدمناه من كلام النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، فثبت أن الإمام بعده بلا فصل علي بن أبي طالب -عَلَيْه السَّلام-.
ونريد بقولنا: بلا فصل؛ أنه -عَلَيْه السَّلام- الإمام بعده -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- من دون أبي بكر ، وعمر، وعثمان ؛ لأن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أوجب له ذلك عاماً من دون تخصيص وقت دون وقت.
فإن قيل: فإن ذلك يقتضي إمامته في وقت النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- وحال حياته.
قلنا: أما الإستحقاق فهو ثابت في جميع الأوقات، وأما التصرف على الكافة فهو مخصوص بدلالة شرعية هي الإجماع من كافة المؤمنين أن التصرف في الأمة لا يجوز لأحد في حال حياة النبيء -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- إلا من تحت أمره، وما عدا وقت النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- داخل تحت العموم فلا يجوز نفيه لغير ذلك.

(1/211)


[إبطال دعوى الإجماع على إمامة الثلاثة]
فإن قيل: لنا هنا - أيضاً - دلالة شرعية أخرجت زمان أبي بكر، وعمر، وعثمان؛ وهي الإجماع على إمامتهم بعد رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، فيكون قول النبيء -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- يفيد إمامته عليكم بعدهم فلا يتعرى كلامه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- من الفائدة، وذلك الذي نقوله.
قلنا: يكفي في الجواب عن هذا إبطال دعوى الإجماع في إمامة أبي بكر، ولأن أحداً لم يفرق في ذلك.
أما الذي يدل على بطلان دعوى الإجماع في ذلك فلأنا نقول قول من يدعي الإجماع في ذلك قول من كان عن أمر الناس بمعزل؛ لأن أحداً لم يختلف من أهل العلم القائلين بإمامة أبي بكر ولا غيرهم أن النزاع وقع بين الناس في سقيفة بني ساعدة بين المهاجرين والأنصار كل يريد أن يكون الأمر له حتى قال قائل من الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير)، وطمع في إستقامة الأمر بالإمارة من دون الإمامة، إذ غلبهم المهاجرون بقول النبيء -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((الأئمة من قريش)) ، وبأن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- يوصي فيهم المهاجرين، فلو كان للأنصار في الأمر شركة لما توصَّاهم([6]) فيهم.
حتى رُوي عن أبي بكر أنه قال : (جزاكم الله يا معشر الأنصار عن نبيكم خيراً، فأنتم أهل الدار والهجرة، والإيواء والنصرة، ولكم السوابق والفضائل، إلا أنكم تعلمون أنّا شجرة رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، ومنهم من قال إنه قال عترته، والعرب لا تجتمع إلا على هذا الحي من قريش، وقد قال النبيء -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((الأئمة من قريش)).
_____________
([6]) - هذا مقتبس من كلام أمير المؤمنين عليه السلام المروي في نهج البلاغة رقم (66) ص(141) في الاحتجاج على الأنصار فإنه لما بلغه أنباء السقيفة قال عليه السلام : ما قالت الأنصار؟ قالوا : قالت (منّا أمير ومنكم أمير) قال عليه السلام : فهلاّ احتججتم عليهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصَّى بأن يُحسَن إلى محسنهم ويُتجَاوز عن مسيئهم، قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم ؟ فقال عليه السلام : (لو كانت الإمامة فيهم لم تكن الوصية بهم) .

(1/212)


ووقع بينهم أمر ليس بالهزل حتى خرج سعد بن عبادة([7]) وهو سيد الخزرج، بل جمع بعد موت سعد بن معاذ([8]) -رحمه الله- سيادة الحيين الأوس والخزرج مغاضباً لهم، زارياً عليهم حتى رُوي من قوله أنه قال: (لما رأيناهم عدلوا بالأمر عن أهله طمعنا فيه)، إلى أن قتل غيلة في حال غضبه.
_____________
([7]) ـ سعد بن عبادة بن دُليم الخزرجي سيد الخزرج صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها، وشهد بدراً، وقيل لم يشهدها بل تهيأ للخروج فنهش فأقام، وهو من نقباء الأنصار ليلة العقبة، وكان يسمى الكامل لكماله في أشياء كثيرة كالرمي وغيره، وكان كثير الصدقات والجود، وتخلف عن بيعة أبي بكر، وخرج من المدينة، ولم يرجع إليها حتى قتل سنة إحدى عشرة في خلافة أبي بكر، وفي قتله ما يقول حسان بن ثابت:
يقولون سعداً شقّت الجنّ بطنَه .... ألا ربما حققت أمرك بالعذرِ
وما ذنب سعد أنه بال قائماً .... ولكن سعداً لم يبايع أبا بكرِ
لأن سَلِمَتْ من فتنة المال أنفسٌ .... لما سلمت من فتنة النهي والأمرِ
فيا عجبا للجن تقتل مسلماً .... على غير ذنب ثم ترثيه بالشعرِ
وروي في قتله: أن والي الشام جعل له كميناً؛ فلما خرج إلى الصحراء قتله ذلك الكمين، بسبب تخلّفه عن البيعة ، وروي أنه قُتل بحوارين من أعمال دمشق سنة (15هـ) تقريباً في خلافة عمر بن الخطاب ، والصحيح الأول. انظر : شرح نهج البلاغة ج1 ص292، لوامع الأنوار ج3 ص85، الطبقات - خ -، حاشية شرح الأزهار ج1.
([8]) - سعد بن معاذ بن النعمان الأوسي ، سيد قومه شهد بدراً وأحداً واستشهد يوم الخندق وفيه قال النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم- : ((اهتز العرش لموت سعد)) . انظر لوامع الأنوار (3/95) .......

(1/213)


ولما عقد الأمر لأبي بكر، وكان ميل أكثر الناس من المهاجرين والأنصار إليه، أخذ الناس بالدخول في الأمر طوعاً وكرهاً، حتى أن الزبير([9]) وهو من كبار المهاجرين؛ بل من أشد الناس عناء بين يدي رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بعد علي بن أبي طالب، خرج شاهراً لسيفه وقال : (لا نبايع إلا علي بن أبي طالب) فرض([10]) له عمر بن الخطاب في جماعة، فكسر عمر سيفه، وظهر من عمَّار بن ياسر([11])-رضي الله عنه- بعض الإنكار فضُرِبَ، وكذلك سلمان الفارسي([12]) تكلّم بمثل ذلك حتى استخف به وزجر.
_______________
([9]) ـ الزبير بن العوام الأسدي: أمّه صفية بنت عبد المطلب عمّة النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أسلم بعد أبي بكر، ثم هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلّها، امتنع عن البيعة لأبي بكر ودخل بيت فاطمة عليها السلام مع علي عليه السلام وجماعة بني هاشم، وكان محباً شديد الولاء لعلي عليه السلام، لم يبايع إلا بعد ستة أشهر من البيعة.
قال ابن أبي الحديد: لم يكن إلا علوي الرأي شديد الولاء، إلى أن نشأ ابنه المشؤم عبدالله.
بايع علياً عليه السلام طائعاً، وكان أول من بايعه مع طلحة ثم خرج عليه ونكث بيعته وحاربه في معركة الجمل، ولما ذكره علي عليه السلام قول الرسول -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((إنك ستقاتله وأنت له ظالم)) انصرف فلحقه ابن جرموز فقتله، وكان حرب الجمل سنة ست وثلاثين، وللزبير سبع وستون سنة، انتهى من الطبقات، ولوامع الأنوار 3/82.
([10]) ـ الرض: الدَّق والجرش، ورضرضه كسره. تمت قاموس.
([11]) ـ عمار بن ياسر بن عامر بن مالك أبو اليقظان العنسي المذحجي: كان من السابقين الأولين المعذبين في الله أشد العذاب، شهد مع رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- المشاهد كلها، وكان مخصوصاً منه بالبشارة والترحيب، وقال له: ((مرحباً بالطيب المطيب))، وقال: ((عمار جلدة ما بين عيني وأنفي))، وقال: ((تقتلك الفئة الباغية))، وقال: ((ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)).
وحديث الفئة الباغية أقرت به جميع الطوائف حتى معاوية اعترف بصحته، وكم له من الفضائل والشمائل من رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- شهد من مشاهد الوصي عليه السلام الجمل وصفين واستشهد في صفين بعد أن قاتل قتالاً عظيماً سنة سبع وثلاثين رحمة الله عليه.
([12]) ـ سلمان الخير أبو عبدالله الفارسي: مولى رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- قصة إسلامه طويلة عظيمة تحكي عن جلال قدره وعظيم منزلته وشدة صبره وتجلده في ذات الله وفي سبيل البحث عن الحق، كان من فضلاء الصحابة وأحد النجباء، وشهد من الخندق فما بعدها جميع مشاهد رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- وقيل إنه شهد بدراً وأحداً وهو عبد، والصحيح الأول.
سكن العراق وعمر طويلاً يقال إنه عاش ثلاثمائة سنة، ومات في خلافة عثمان بالمدينة سنة خمس وثلاثين وكان من أولياء الوصي عليه السلام ومحبيه، والقائلين بأفضليته وإمامته وخلافته، وتخلف عن البيعة مع علي عليه السلام في بيت فاطمة رحمة الله عليه ورضوانه.

(1/214)


فأما علي -عَلَيْه السَّلام- وأهل بيته -عَلَيْهم السَّلام- فأمر إنكارهم لذلك أظهر؛ لأنه رُوي أن العباس([13]) قال لعمر: (بما احتججتم على الأنصار؟
قال: بأنا شجرة رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-.
فقال له العباس: فهذه لنا دونكم؛ فإن جعلتم الأمر في أهله وإلا فالأنصار على دعواهم، وأنشد:
ما كنتُ أحسب أن الأمر منتقلٌ .... من هاشم ثم منها عن أبي الحسن
أليس أول من صلَّى بقبلتكم .... وأعرف الناس بالآثار والسنن
ما تنقمون عليه لا أبى لكم .... ها إن بيعتكم من أوَّل الفتن)
__________________
([13]) ـ العباس بن عبد المطلب بن هاشم: عم رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- كان أسن من رسول الله بسنتين أو ثلاث، وفي رواية الإمام أبي طالب لما سئل أيما أكبر أنت أو رسول الله؟ فقال: (هو أكبر مني وأنا ولدت قبله) ولم يزل معظماً في الجاهلية والإسلام، وخرج إلى بدر مع المشركين فأسره المسلمون ففادى نفسه وابني أخيه أبي طالب عقيلاً ونوفلاً، وأسلم عقيب ذلك، وعذره الرسول -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- في الإقامة بمكة من أجل سقايته ولقي النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- في سفر الفتح، وخرج معه إلى حنين، فكان يعظمه ويعطيه العطاء الجزل، وكذلك الخلفاء بعده، ونصبه عمر للإستسقاء فسقوا، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين كرم الله وجهه:
بعمّي سقى الله البلاد وأهلها عشية يستسقي بشيبته عمر
توفي في المدينة في رجب سنة إثنتين أو أربع وثلاثين عن ثمان وثمانين في زمن عثمان، وقبره بالبقيع رحمة الله عليه ورضوانه.

(1/215)


وقال لعلي لعلمه بأن النص عليه يفيد معنى إمامته: (أبسط يدك لأبايعك، فيقول الناس عمّ رسول الله بايع ابن أخيه فلا يختلف عليك اثنان)، وامتنع -عَلَيْه السَّلام- من ذلك لما رأى من تشدد القوم، وشحة نفوسهم بهذا الأمر مع كثرة أعوانهم في تلك الحال، وعلم بقلة ثبات الأعراب وأهل الأطراف في الدين، وقرب عهدهم بالجاهلية مع بقاء كثير ممن أظهر الإسلام على النفاق خيفة من السيف، وعند الفرقة يرتفع الخوف، هذا مع أن مسيلمة([14]) -لعنه الله- في جند قوي من بني حنيفة قد غلب على اليمامة وما والاها، وادعى النبوءة، وانضافت إليه سجاح([15]) -لعنها الله تعالى- في أتباعها من تميم، إلى غير ذلك مما يطول شرحه.
____________________
([14]) ـ مسيلمة بن ثمامة بن كبير الحنفي الوائلي أبو ثمامة، ولد ونشأ باليمامة، وتلقب في الجاهلية بالرحمن، وعرف برحمان اليمامة، ولما ظهر الإسلام في غربي الجزيرة وافتتح النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- مكة ودانت له العرب، جاءه وفد من بني حنيفة قيل: كان مسيلمة منهم، فأسلم الوفد؛ فلما رجعوا كتب مسيلمة إلى النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: (من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون).
فأجابه النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين )) وذلك في أواخر سنة 10هـ، وتوفي النبي - صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- قبل القضاء على فتنته، فلما كان خلافة أبي بكر أرسل إليه جيشاً قوياً بقيادة خالد بن الوليد، فهاجم ديار بني حنيفة، ودارت معركة حاسمة تسمى معركة (اليمامة) قتل فيها مسيلمة الكذاب سنة 12هـ، في حروب الردة. الأعلام (7/226).
([15]) ـ سجاح بنت الحارث بن سويد التميمية، من بني يربوع، ظهرت في أيام الردة، وادعت النبوة بعد وفاة النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، وكانت في بني تغلب في الجزيرة، وكان لها علم بالكتاب أخذته عن نصارى تغلب فتبعها جمع من عشيرتها؛ فأقبلت بهم من الجزيرة تريد غزو المسلمين، فنزلت باليمامة، فبلغ خبرها مسيلمة فخافها؛ فأقبل إليها في جماعة من قومه وتزوج بها، ثم أدركت صعوبة الإقدام على قتال المسلمين فرجعت إلى الجزيرة، فلما بلغها مقتل مسيلمة أسلمت وهاجرت إلى البصرة وتوفيت بها. تاريخ الطبري 3/ 121، الأعلام (3/78)...

(1/216)


وكان ممن أنكر إمامة أبي بكر خالد بن سعيد([16]) وعبدالله بن بياضه حي من الأنصار من بني بياضة، وقالا: (لا بيعة إلا لعلي ابن أبي طالب -عَلَيْه السَّلام-)، حتى رُوي أن الأنصاري([17]) قال شعراً، منه:
ويلكم إنه الدليل على اللـ .... ـه وداعيه للهدى وأمينهْ
ووصي النبي قد علم النا .... س أخوه وصنوه وخدينهْ
ويل أم الذي يلاقيه في الحر .... ب إذا ضمت الحسام يمينهْ
ثم نادى أنا أبو الحسن القر .... م فلا بد أن يطيح قرينهْ
_______________
([16]) ـ خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي أبو سعيد: أمه أم خالد بنت حباب الثقفية من السابقين الأولين في الإسلام، قيل: كان رابعاً، وقيل: خامساً، وكان سبب إسلامه رؤيا رآها أنه على شعب نار فأراد أبوه أن يرميه فإذا النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- قد أخذ بحجزته فأصبح فذهب إلى رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- فعاقبه أبوه ومنعه القوت، ومنع أخوته من كلامه فتغيب حتى خرج بعد ذلك إلى الحبشة فكان ممن هاجر إلى الحبشة هو وامرأته مع جعفر بن أبي طالب، وقدم هو وأخوه عمرو من الحبشة مع جعفر، وشهد عمرة القضاء وما بعدها، واستعمله النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- على صدقات مذحج، وكان ممن تخلف عن بيعة أبي بكر مع أمير المؤمنين علي عليه السلام، قتل يوم أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاثة عشر قبل وفاة أبي بكر بأربع وعشرين ليلة، وقيل سنة أربع عشر في صدر خلافة عمر.
([17]) ـ قائل هذه الأبيات هو خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي أبو عمارة ذو الشهادتين شهد بدراً وما بعدها، وكانت راية بني خطمة في يده يوم الفتح، وكان سيداً فيهم وشهد مع أمير المؤمنين عليه السلام الجمل معركة الناكثين واستشهد بين يديه بصفين، وانتظر حتى قتل عمار بن ياسر، فلما قتل، قال: سمعت رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- يقول: ((تقتل عماراً الفئة الباغية)) ثم سل سيفه وقاتل حتى قتل رحمة الله عليه سنة سبع وثلاثين رضي الله عنه، وهو القائل لما بويع أمير المؤمنين عليه السلام:
إذا نحن بايعنا علياً فحسبنا .... أبو الحسن مما نخاف من الفتنْ
وجدناه أولى الناس بالناس إنه .... أطب قريش بالفرائض والسننْ
وإن قريشاً ما تشق غباره .... إذا ما جرى يوماً على الضمّر البدُنْ
وفيه الذي فيهم من الخير كله
.... وما فيهم كل الذي فيه من حسنْ
وهو القائل يوم معركة الجمل:
ليس بين الأنصار في جمحة الحر .... ب وبين العداة إلا الطعان
إلى قوله:
فادعها تستجب فليس في الخز .... رج والأوس ياعلي جبان
يا وصي النبي قد أجلت الحر .... ب الأعادي وسارت الأظعان
واستقامت لك الأمور سوى الشا .... م وفي الشام يظهر الإذعان
انتهى، الطبقات - لوامع الأنوار ج1/ 219، شرح النهج ج1/ ص115...

(1/217)


[بيان المانع لعلي (ع) من حضور السقيفة وسبب دخوله في الأمر بعد ذلك]
فإن قيل: فلم لم يحضرهم علي في السقيفة، ويحتج عليهم في وقت الإحتجاج كما احتجوا على الأنصار؟
قلنا: إشتغل بأهم الأمور في تلك الحال وهو تجهيز رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- الذي لم يكن ينبغي لأحد أن يشتغل في تلك الحال بغيره، وظن أن القوم لا يقطعون أمراً دونه سيما بعد سماعهم من رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- في أمره -عَلَيْه السَّلام- ما في بعضه كفاية لمن نظر وتدبر.
فإن قيل: فلم دخل في الأمر بعد ذلك؟.
قلنا: قد أنكر -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- إنكاراً يلزم بأقله الحجة؛ بل انقاد بعد ذلك حراسةً للإسلام، ونظراً للدين، خيفة من وهن الإسلام وضعفه؛ لقرب عهد الناس بالجاهلية، وهذا لعمر الله أحد فضائله عليه السلام.
ألا ترى أن عمر لما أتى إليه فقال له: (قم بايع أبا بكر، قال: فإن لم أفعل؟، قال: ضربنا عنقك، فقال -عَلَيْه السَّلام-: وكيف لو كان عمي حمزة وأخي جعفر حيَّين)، ثم بايع بعد ذلك، وهذا غاية الإنكار عند كل عاقل، فكيف يستقيم لمنصفٍ دعوى الإجماع فضلاً عن تصحيحه !!؟، وهل هذه إلا كدعوى من يدعي صحة الإمامة لمعاوية لدخول الناس فيها بعد الإستظهار عليهم وغفلتهم عن إظهار الإنكار.....

(1/218)


فإذا لم يصح الإجماع في الأول، لما بينا من الأمور التي بعضها كافٍ في وقوع الخلاف، ولا في الثاني؛ لأن للإمساك وجهاً يصرف إليه وهو الخوف مما وقع أولاً؛ لأن أمر أبي بكر ما ازداد إلا قوة حتى مات، فمتى وقع الإجماع بعد بطلانه أولاً وآخراً، وهذا واضح، فبطل دعوى الإمامة لأبي بكر بذلك.

[بيان بطلان أخبار البكرية]
فإن قيل: إنا ندعي الإمامة لأخبار روتها البكرية([18]) عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-.
قلنا: الإمامة من أصول الدين الكبار، والتعبد بها عام للكافة، فالأدلة عليها يجب أن تكون معلومة ليحسن التكليف بها، كما قلنا في الأدلة على إمامة أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام-، ونحن أهل البحث فلم نعلم ما روت البكرية، ولايمكنهم دعوى ظهوره للكافة، فبطل ما قالوا.
______________
([18]) ـ البكرية: فرقة من فرق المجبرة أتباع بكر بن عبد الواحد، واختصوا بالقول بأن الطفل لايألم، وأن إمامة أبي بكر منصوصة نصاً جلياً، ويختلقون على ذلك أحاديث موضوعة مكذوبة، ولا توبة لقاتل عمد، الملل والنحل لابن المرتضى ص117.

(1/219)


[بيان أن التقديم للصلاة ليس من الإمامة بسبيل]
فإن قيل: إن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- قدم أبا بكر للصلاة وذلك يفيد الإمامة.
قلنا: لم يصح ذلك،وإن صح فليس التقدم للصلاة من الإمامة بسبيل؛ لأنه قد قدم ابن أم مكتوم للصلاة وكان -رحمه الله- أعمى، كذلك عمر استخلف صهيباً([19]) على الصلاة وهو مولى، ولو لزم ذلك للزمت الإمامة أسامة بن زيد([20]) بطريقة الأولى؛ لأن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- قُبِضَ وقد أمره على أبي بكر وعمر في جلة المهاجرين والأنصار بلا خلاف في ذلك ، والأمارة تتضمّن معنى الإمامة، وليس كذلك الصلاة ؛ لأن المأموم يجوز أن يصلي بالإمام بلا خلاف بين الأئمة والعلماء في ذلك، وعند أكثر المخالفين تجوز صلاة البر خلف الفاجر، فأي دلالة في الصلاة تفيد ما ذكروه !!؟
______________
([19]) ـ صهيب بن سنان الرومي، وقيل كان اسمه عبد الملك: كان أحد مؤذنة النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، وهو أبو يحيى النمري صحابي مشهور شهد بدراً وغيرها.
قال أبو عمر في الإستيعاب بهامش الإصابة ج2 ص181: كان صهيب مع فضله وورعه حسن الخلق مداعباً...إلى قوله: وأوصى عمر إليه بالصلاة بجماعة المسلمين حتى يتفق أهل الشورى استخلفه على ذلك ثلاثاً، وهذا مما أجمع عليه أهل السير والعلم بالخبر...إلى قوله: وفضائل صهيب وسلمان وبلال وعمار وخباب والمقداد وأبي ذر لايحيط بها كتاب، ولقد عاتب الله نبيه فيهم في آيات من الكتاب.
وقال في الإصابة ج2 ص195: ولما مات عمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأن يصلي بالناس إلى أن يجتمع المسلمون على إمام. رواه البخاري في تاريخه. انتهى.
ومات صهيب بالمدينة سنة ثمان، وقيل تسع وثلاثين ودفن بالبقيع.
([20]) ـ أسامة بن زيد بن حارثة القضاعي الكلبي نسباً والهاشمي ولاءً، أبو زيد المدني، كان أبوه مولى لخديجة بنت خويلد فوهبته للنبي - صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم - وهو ابن ثمان، وكان يُدعى زيد بن محمد، فنزل: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب:5]، وكان أسامه محبباً إلى النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أمَّره رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- على الجيش الذي أنفذه قبل وفاته وجعله أميراً عليه، وكان في جملة الجيش أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وغيرهم من جملة الصحابة من المهاجرين والأنصار غير الإمام علي وأهل البيت فلم يكونوا مع الجيش، وتخلف المذكورون عن جيش أسامة، توفي سنة أربع وخمسين وهو ابن خمس وسبعين بالمدينة.....

(1/220)


[بيان بطلان السبب الذي يدعيه المخالفون في حديث الغدير]
فإن قيل: فقد رُوي في سبب الحديث الذي استدللتم به على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عَلَيْه السَّلام- تنازع بينه وبين زيد بن حارثة([21]) -رضي الله عنه- قال له زيد: (لست مولاي)، فقال الخبر الذي ذكرتم.
قلنا: هذا باطل بوجوه:
منها: ما ذكره آباؤنا -عَلَيْهم السَّلام- وعلماء شيعتنا -رضي الله عنهم-.
ومنها: ما نذكره الآن؛ أولها: أن الرواية في تاريخ الخبر متأخرة عن شهادة زيد -رضي الله عنه- وذلك أن الخبر في منصرف النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- من حجة الوداع وزيد -رضي الله عنه- قتل شهيداً يوم موته وبينهما زمان([22]).
ومنها: أن أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام- أورده يوم الشورى([23]) مورد الإحتجاج ولم ينكره أحد منهم، ولا قيل له في شأن زيد؛ لأنهم كانوا أعلم بذلك ممن رواه عنهم لو كان له صحة.
________________
([21]) ـ زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي اليماني أبو أسامة بن زيد، وكان زيد حِب رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- منَّ عليه فأعتقه وامرأته أم أيمن مولاة النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- وصلى بعد علي عليه السلام وشهد بدراً وقتل شهيداً بمؤتة سنة ثمان وهو ابن خمس وخسمين.
([22]) ـ استشهد زيد بن حارثة يوم مؤتة سنة ثمان هجرية، والخبر كان في الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشر للهجرة، تمت.
([23])- خبر الشورى هو: أن عمر لما حضرته الوفاة جعل الأمر شورى بين ستة من الصحابة؛ فلما اجتمع الصحابة ناشدهم أمير المؤمنين عليه السلام بالله، وذكر في مناشدته لهم كثيراً من الأخبار النبوية، وكثيراً من فضائله التي أقرها ولم ينكرها أحد من الصحابة في ذلك الوقت، وقد اشتمل على نحو سبعين منقبة لأمير المؤمنين علي عليه السلام.
وقد روى خبر الشورى الجم الغفير من أهل البيت -عَلَيْهم السَّلام-، وغيرهم من علماء الإسلام؛ فممن رواه: الإمام المؤيد بالله في الأمالي الصغرى، بسنده عن عامر بن واثلة ص114، وأخرجه علي بن الحسين الزيدي في المحيط بالإمامة - تحت الطبع- بسنده عن أبي رافع، والإمام الحسن بن بدر الدين في أنوار اليقين - خ -، والشهيد حميد في الحدائق والمحاسن -تحت الطبع-، ورواه أيضاً أحمد بن موسى الطبري في المنير - طُبع عن مركز أهل البيت(ع) للدراسات الإسلامية-.
وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة أمير المؤمنين علي عليه السلام ج3/13 بتحقيق محمد باقر المحمودي، وأحمد في مسنده ج4/ص370، ج1/ص118، مع اختلاف في عدد الفقرات وفي بعض الألفاظ، وذكره ابن عبد البر في الإستيعاب المطبوع بهامش الإصابة عن أبي الطفيل عامر بن واثلة في ترجمة علي بن أبي طالب عليه السلام، وذكر منه حديث المؤاخاة ج3/ص35، والسيوطي في اللآليء باب فضائل علي عليه السلام 1/178، والخوارزمي في فصوله في مناقب أمير المؤمنين - خ - في فصل 19، وابن حجر في صواعقه المحرقة ص15، وعزاه إلى الدارقطني، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب ص224، وقال: هكذا رواه الحاكم.
وأخرجه الصدوق في أماليه 12/212، ومحمد بن بابويه القمي في الخصال ص533، والطوسي في أماليه 1/342، والذهبي في ميزان الإعتدال في ترجمة الحارث بن محمد1/441، وابن حجر في لسان الميزان 2/156- 157.

(1/221)


ومنها: أن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- قال ذلك للمسلمين كافة، فلو كان في شأن زيد لخص بالخطاب في مثل ذلك زيداً، فلما خاطب الكل علمنا أنه يريد بذلك الولاية على الكل.
يؤيّد ذلك: أنه رُوي عن عمر أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لما انحدر هو وعلي -عَلَيْه السَّلام- من مقامهما ضرب عمر بين كتفي علي -عَلَيْه السَّلام- وقال: (بخٍ بخٍ يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة([24]))، ولولا علمهم أنه في غير شأن زيد لما قال ذلك.
________________
([24]) ـ خبر التهنئة من عمر لعلي عليه السلام أخرجه الكنجي عن سعد بن أبي وقاص، وأخرجه محمد
بن سليمان الكوفي، وأخرجه الإمام المرشد بالله وابن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل في المسند، ومحمد بن سليمان من طريقين، ويحيى بن الحسن البطريق عن البراء.
وأخرجه الإمام المنصور بالله في الشافي عن أنس في خبر طويل في المؤاخاة، وأخرجه الإمام المرشد بالله والحاكم من طريقين عن أبي هريرة، ورواه فرات بن إبراهيم الكوفي بسنده إلى أبي ذر، وذكره الحاكم الحسكاني وأخرجه الحاكم الجشمي في تنبيه الغافلين، انتهى من لوامع الأنوار الجزء الثاني ص474.

(1/222)


ومنها: أن زيداً -رضي الله عنه- صادق فيما قال، لو قال ذلك؛ لأن عليَّا -عَلَيْه السَّلام- لا يصح كونه معتقاً لمن أعتقه النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، لقول النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((الولاء لمن أعتق([25])))، وفي رواية أخرى ((لمن أعطى الورق)) ، وظاهر روايتهم تنبيء أن النبيء -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- قاله في ذلك المقام للإنكار على زيد وذلك لا يجوز عليه -صلوات الله عليه- لأنه لا ينكر حكمه، وكيف يجوز إضافة إنكاره إليه وهو لم يأت به من تلقاء نفسه وإنما هو واقع من عند ربِّه؛ لقوله سبحانه فيه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)}[النجم] .
ومنها: أنه لو سُلِّمَ على بعد ذلك أن سببه زيد فأحكام الحوادث لا يجوز قصرها على أسبابها؛ لأن القول بذلك يؤدي إلى تعطيل الشريعة وذلك لا يجوز، فيجب أن تكون الولاية لأمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام- عامة في جميع المؤمنين؛ لأن الولاية إذا صحت له -عَلَيْه السَّلام- على زيد صحّت على الكافة؛ لأن الأمر في الجميع واحد، وقد بينّا استحالة رجوع ذلك إلى العتق، ويكون زيد -رضي الله عنه - أصل هذه البركة، وهو بها حقيق حيث أوجب الله - سبحانه وتعالى - على لسان نبيئه ببركة منازعته إمامه وأوجب ولاءه على الكافة، فقد رأيت قوة هذا الخبر على أن لأهل([26]) مقالتنا -رحم الله ماضيهم وتولى توفيق باقيهم- في هذا الخبر وجوهاً ومسالك إستغنينا عن ذكرها لكونها موجودة في كتبهم وميلاً إلى التخفيف في هذا المختصر، فقد رأيت قوة هذا الخبر وصحة الإستدلال وتهافت الأسئلة الواردة عليه بما لا سبيل إلى دفعه إلا بالمكابرة الخارجة عن مسلك العلم، وببطلان إمامة أبي بكر تبطل إمامة من بعده بالإتفاق.
____________________
([25]) ـ رواه الإمام المؤيد بالله -عَلَيْه السَّلام- في شرح التجريد (خ) والإمام المتوكل على الله -عَلَيْه السَّلام- في أصول الأحكام (خ) ، وأخرجه البخاري في كتاب الصلاة (1/655) رقم (456) ومسلم في كتاب العتق (2/1141) رقم (5/ 1504) والطبراني في الأوسط (5/195) رقم (7046) عن عائشة.
وأخرجه أحمد في المسند (1/366) رقم (2546) والطبراني في الأوسط (1/184) رقم (607) وأيضاً في (6/225) رقم (8590) الهيثمي في مجمع الزوائد (4/234).
([26]) - في نخ (ن) : على أن لأهل من أهل مقالتنا ...إلخ .

(1/223)


[تفصيل خبر الموالاة والغدير]
[34]
قالَ فمنْ كُنتُ لهُ وليَّا .... فليتولَ مُعلناً عليَّا
إنْ كان يَرْضَانِيْ([27]) له نَبِيَّا .... شافِعاً وصَاحِباً حَفِيَّا
فَصَارَ أهلُ الزَيغِ في بَلْبَالِ
ذكر تفصيل ألفاظ النص على أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام-،وهو قول النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((ألست أولى بكم من أنفسكم؟، قالوا: بلى؛ قال: من كنت مولاه فعلي مولاه)) .
وقوله: (إن كان يرضاني له نبيئاً): فهو رواية لحديث النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- من طريق المعنى وذلك جائز؛ لأن شرائط جواز رواية الحديث بالمعنى قد اجتمعت لنا في هذا الخبر؛ والحمد لله، وموضع تفصيل ذلك أصول الفقه.
______________
([27])ـ يرضاني: يرضى بي (نخ).

(1/224)


وقوله: (شافعاً وصاحباً حفيَّا): لما روينا عن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((ذخرت شفاعتي لثلاثة من أمتي؛ رجل أحب أهل بيتي بقلبه ولسانه، ورجل قضى حوائجهم لما احتاجوا إليه، ورجل ضارب بين أيديهم بسيفه([28]))) وعلي أكبر أهل بيته لخبر أهل الكساء الذي اتفق الكل على صحته، فهذا الخبر - أيضاً - كماترى يفيد معنى الإمامة؛ لأن المضاربة بين أيديهم على الإطلاق لا تكون إلا بعد ثبوت الإمامة، وإذا ثبت ذلك لبني علي -عَلَيْه السَّلام- فثبوته لعلي أولى.
وإنما ذكرنا معاني هذه الألفاظ ليعلم العاقل المتأمل أنا لم نوردها من أوجه معراة عن المعاني الشريفة، وقد تقدم الكلام في معنى الخبر بما فيه كفاية.
و (الشافع): هو سائل جلب النفع أو دفع الضر ممن يملكهما لغيره على وجه الخضوع، هذا حد الشفاعة.
و (الصاحب): معروف، و (الحفي): هو المحب الشديد المحبة، لذلك يُكْثِرُ السؤالَ عمن أحبه حتى يقال: أحفى في السؤال، وأصله ما ذكرنا.
و (أهل الزيغ): هم أهل الميل لا فرق بين قولهم، زاغ ومال ولهما نظائر، والمراد بأهل الزيغ ها هنا: المنافقون؛ لأنهم كانوا أشد الناس بغضة لأمير المؤمنين.
______________
([28]) ـ رواه الإمام أبوطالب في الأمالي 443، والإمام علي بن موسى الرضا في الصحيفة 463 بلفظ: أربعة أنا شفيع لهم، والحاكم الجشمي في تنبيه الغافلين بلفظ : ثلاثة أنا شفيع لهم يوم القيامة ..إلخ (139).

(1/225)


قال بعض أصحاب النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: "ما كنا نعرف المنافقين على عهد النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- إلا ببغض علي ابن أبي طالب([29])"، يريد بذلك ما روينا عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أنه قال: ((يا علي بحبك يعرف المؤمنون وببغضك يعرف المنافقون([30]))) .
و (البَلْبال): هو تلجلج اللسان من شدة الحزن، وقد كان فيهم ذلك في تلك الحال وما هو أعظم منه من السَّب والمكيدة.
_____________________
([29])- خبر : ما كنا نعرف المنافقين إلا ببعضهم علي بن أبي طالب:
أخرجه الإمام الناصر الأطروش في البساط عن جابر بن عبدالله الأنصاري وأبي سعيد الخدري.
وأخرجه الإمام أبو طالب في الأمالي عن أبي سعيد الخدري 49.
ورواه الطبراني في الأوسط عن جابر (1/578) رقم (2125) والبزار (3/199) والهيثمي في مجمع الزوائد (9/135ـ 136).
ورواه الترمذي عن أبي سعيد (2/299)، وأبو نعيم في الحلية (6/294)، وأخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي ذر (3/129) بلفظ: ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم الله ورسوله، والتخلف عن الصلوات، والبغض لعلي بن أبي طالب، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم.
ورواه المتقي في كنز العمال (6/39)، وقال: أخرجه الخطيب في المتفق، ورواه المحب الطبري في الرياض النضرة (2/214)، وقال: أخرجه ابن شاذان، ورواه الخطيب البغدادي عن ابن عباس في تاريخ بغداد (3/153)، ورواه ابن عبد البر في الإستيعاب (2/262) عن جابر، ورواه الهيثمي في مجمعه (9/132)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط والبزار بنحوه. راجع فضائل الخمسة (2/232).
([30])- هذا الحديث مشهور بلغ حد التواتر في المعنى، وله ألفاظ وسياقات في بعضها زيادة، وفي بعضها نقصان، وقد رواه الموالف والمخالف، وله ألفاظ.
فمن ألفاظه: قول علي عليه السلام: (والذي فلق الحبة برأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إليَّ أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق) أخرجه في نهج البلاغة.
رواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، ورواه الترمذي في صحيحه (2/301)، والنسائي في خصائصه (27)، من ثلاث طرق عن زر بن حبيش، ورواه أيضاً في صحيحه (2/271) من طريقين، ورواه ابن ماجه في صحيحه (12)، ورواه أحمد بن حنبل (1/84-95ـ 128) في المسند، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه (2/255)، و(8/417) و(14/426)، ورواه أبو نعيم في الحلية (4/185) بثلاث طرق عن عدي بن ثابت عن زر بن حبيش، ورواه في كنز العمال (6/394)، وقال: أخرجه الحميدي، وابن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، والعدني، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، وأبو نعيم، وابن أبي عاصم، ورواه المحب الطبري في الرياض النضرة (2/214)، وقال: أخرجه أبو حاتم. انظر فضائل الخمسة (2/230).
ومن ألفاظه أيضاً: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق):
أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (9/133)، قال: رواه الطبراني في الأوسط، وأخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة (2/213) بزيادة في أوله وآخره، قال: أخرجه أحمد في المناقب.
ولإستكمال البحث في ذلك، انظر: لوامع الأنوار لمولانا الإمام الحجة مجدالدين بن محمد المؤيدي أيده الله تعالى الجزء الثاني ط2 ص 291، 720 وما بعدها، وكذلك فضائل الخمسة (2/530).

(1/226)


(دليل آخر) [دليل الكتاب في إثبات إمامة أمير المؤمنين (ع)]
[الإستدلال بآية الولاية]
[35]
وقالَ ربِّي وهوَ نِعمَ القائلُ .... وهَدْيُهُ إلى العبادِ واصِلُ
مَولاكمُ فِيهِ لكُم دلائلُ .... مَنْ أَخَذَ الخَاتَمَ عنهُ السائلُ
وهو لِمَفْرُوضِ الصَلاةِ صَالِي
أراد قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55)}[المائدة] .
[الكلام في آية الولاية]
والكلام في هذه الآية يقع في موضعين؛ أحدهما: أن أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام- المراد بها دون غيره، والثاني: أن ذلك يفيد معنى الإمامة.

(1/227)


أما أنه -عَلَيْه السَّلام- المراد بها دون غيره؛ فلوجهين:
أحدهما: إجماع أهل([31]) النقل على أنها نزلت في أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام- وأنه المتصدق بخاتمه في حال ركوعه دون غيره.
_________________
([31])- قال الإمام الحافظ الحجة الولي مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى في التحف شرح الزلف في سياق كلامه على الآية:
أجمع آل الرسول صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم على نزولها في الوصي عليه السلام، قال الإمام الأعظم الهادي إلى الحق الأقوم عليه السلام في الأحكام[1/37] في سياق الآية: فكان ذلك أمير المؤمنين دون جميع المسلمين. وقال الإمام أبو طالب عليه السلام في زيادات شرح الأصول: ومنها النقل المتواتر القاطع للعذر أن الآية نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام.
وقال الإمام أحمد بن سليمان عليهما السلام: ولم يختلف الصحابة والتابعون أنه المراد بهذه الآية. وحكى الإمام المنصور بالله عليه السلام إجماع أهل النقل على أن المراد بها الوصي.
وحكى إجماع أهل البيت على ذلك الإمام الحسن بن بدر الدين، والأمير الحسين، والأمير صلاح بن الإمام إبراهيم بن تاج الدين، والإمام القاسم بن محمد عليهم السلام وغيرهم كثير.
وروى ذلك الإمام المرشد بالله عليه السلام عن ابن عباس من أربع طرق، وأتى الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل بطرق كثيرة في ذلك، منها: عن أمير المؤمنين عليه السلام، وابن عباس، وعمار بن ياسر، وأبي ذر، وجابر بن عبدالله، والمقداد بن الأسود، وأنس بن مالك...إلخ كلامه أيده الله تعالى.
وروى نزولها في أمير المؤمنين عليه السلام:
الفخر الرازي في مفاتيح الغيب عن أبي ذر، وساق القصة بطولها، ورواه الشبلنجي في نور الأبصار ص170، وقال: نقله أبو إسحاق أحمد الثعلبي في تفسيره.
ورواه الزمخشري في كشافه (1/682) من تفسير سورة المائدة، ورواه أيضاً السيوطي في الدر المنثور في تفسير سورة المائدة، وقال فيه: وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عباس أنها نزلت في علي عليه السلام.
قال: وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، وساق القصة مع شيء من الاختصار، قال: وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وساق القصة.
وأخرجه الواحدي في أسباب النزول (397) عن ابن عباس مرفوعاً، وأخرجه عبد الرزاق كما في تفسير ابن كثير (ج2/ 92ـ 93) عن ابن عباس، وأخرجه الطبري عن مجاهد مرسلاً (12219)، وكرره (12216) عن أبي جعفر، وأخرجه ابن مردويه عن علي عليه السلام كما في تفسير ابن كثير (2/ 93)، وأخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (10978).

(1/228)


والثاني: أنه لا يجوز أن يكون المراد بها غير أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام- لوجوه أحدها: أنه سبحانه وصف الولي في هذه الآية بصفة لم تعلم في غيره -عَلَيْه السَّلام- وهي الصَّدقة بخاتمه في حال الركوع.
[الجواب على من قال: ما أنكرتم أن يكون المراد بآية الولاية أن الركوع من شأنهم وإن لم يتصدقوا في حاله؟]
فإن قيل لهم: ما أنكرتم أن يكون المراد بذلك أن الركوع من شأنهم وإن لم يتصدقوا في حاله؟
قلنا: لا يجوز ذلك؛ ألا ترى أن مخبراً لو أخبرنا أن زيداً يلقط الرمح من الأرض وهو راكب، لعلمنا أنه يلقطه في حال ركوبه، ولو أخبرنا بعد ذلك هو أو غيره أن زيداً يلقطه بعد هبوطه؛ وأن قوله وهو راكب أن الركوب من شأنه أو من عادته لكان في خبره الأول عندنا من الكاذبين، وفي تأويله من الجاهلين.
وكذلك لو قيل فلان يؤثر على نفسه وهو فقير؛ أفاد ذلك الإيثار في حال فقره دون غيره، وأمثال ذلك كثير.
ومنها: أن المعطوف في اللغة يقتضي كونه غير المعطوف عليه بالإتفاق من أهل اللغة العربية، أو بعضه للتفخيم عندنا، على خلاف في هذا الآخر مع الإطباق على الأول على ما ذلك مقرر في مواضعه من أصول الفقه، فإذا لم يجز عطف قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا}[المائدة:55] على جميع من أريد بالضم في قوله: {وَلِيُّكُمْ}[المائدة:55] وحمل على الغير المتفق عليه أو البعض المختلف، فالغير أو البعض بإجماع الكافة لا يكون إلا أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام- لأنه لا ثالث للقولين؛ لأن من صرفه عن أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام- قال: المراد به كافة المؤمنين.

(1/229)


فإذا ثبت بما بينا أنه لا يجوز عطف لفظ الجمع عليهم لاستحالة عطف الشيء على نفسه وكان المراد بعضهم أو غيرهم كان المراد بذلك أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام- بلا خلاف.
يزيد ذلك وضوحاً: أن الآية أفادت مخاطِباً هو الله -سبحانه- ومخاطَباً هم المؤمنون، ووليًّا هو الله ورسوله وأمير المؤمنين.
ألا ترى أن قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}[المائدة:55] ، يعلم بظاهره أن المخاطبين بذلك هم المؤمنون، وقد صرح بذكر رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- مع ذكره تعالى...وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55)}[المائدة] ، فالواو للعطف والجمع؛ إذ هي موضوعة لهما ولا تنافي بينهما فالمراد الرسول -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- باللفظ الصريح وأمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام- بالذي بينَّا أولاً، وسنزيد إنشاء الله.
ثانياً: أن المراد به أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام- في ولاية أمير المؤمنين، فلو حمل على قول المخالف إن المراد بالمؤمنين آخراً ما أريد بالضمير في قوله: {وَلِيُّكُمْ}[المائدة:55]، لكان في التقدير كأنه تعالى قال إنما وليكم الله ورسوله وأنتم، ومثل ذلك لا يقع في كلامنا فضلاً عن كلامه تعالى؛ لأنه في أعلى طبقات الفصاحة، وغاية مراتب البلاغة.

(1/230)


[الجواب على من قال: إن ألفاظ آية الولاية جمع بالاتفاق، فحملها على أكثر من واحد حَمْل لها على الحقيقة، ولا يجوز صرف الخطاب إلى المجاز مع إمكان حمله على الحقيقة إلا بمانع]
فإن قيل: إن ألفاظ هذه الآية جمع بالإتفاق فحملها على أكثر من واحد حمل لها على الحقيقة، ومن حملها على أكثر من واحد قال المراد بذلك جماعة المؤمنين، ولا يجوز صرف الخطاب إلى المجاز مع إمكان حمله على الحقيقة إلا لمانع، ولا مانع.
قلنا: إن المانع قائم في ذلك على أبلغ الوجوه، فهذا السؤال ورد عن غير تأمل لما قدمناه من إجماع أهل النقل أن المراد بها أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام-، وأن الصَّدقة بالخاتم في حال الركوع لم تعلم من غيره، وأن حمل الآية على المؤمنين المقدم ذكرهم، يُذْهب جلالتها، ويخرجها عن بابها وذلك لا يجوز، وأن العطف يفيد غير المعطوف أو يفيد بعضه على الخلاف إذا اختص بتفخيم أو تعظيم.
يوضح ذلك: أنك إذا قلت: لقيت زيداً وابن عمرو، أفاد بظاهره أن ابن عمرو غير زيد، فإن ظهر أنك تريد زيداً نفسه كان ذلك خُلْفاً من القول.

(1/231)


فإن قيل: أفليس قد قال تعالى: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب:40] ؟.
قلنا: الواو ها هنا للإستئناف ومعناها التأكيد، فكأنه قال تعالى هو رسول الله، وهو خاتم النبيئين، كما قال تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا}[الأنعام:96] ، كان تقديره وهو جاعل الليل سكناً بخلاف الآية المتقدمة؛ لأن فيها مخاطب ومتول وآمر هو الله -تعالى- ولا مانع من حملها على واحد هو أمير المؤمنين -عليه السلام- لكونها ألفاظ جمع؛ لأنه عز وجل قد حكى خطابه بلفظ الجمع في قوله : {رَبِّ ارْجِعُونِ(99)}[المؤمنون] ، وبقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9)} [الحجر] ، فهذه ألفاظ جمع والمراد بها الحكيم وحده، فلا يمتنع مثل ذلك لأمير المؤمنين لأن لفظ الجمع([32]) يذكر ويراد به الواحد للتعظيم كما يقول السلطان: فعلنا وأمرنا ، وهو لا يريد إلا نفسه للتفخيم، فلا يمتنع ذكره له سبحانه في هذه الآية بلفظ الجمع للتفخيم لأنه تعالى أراد من الكافة انقيادهم لأمره تعالى وأمر نبيئه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، ومن أريد لمثل هذا الشأن فتعظيمه غير بديع، وقد أكده تعالى بالقرينة التي ميزته بذلك عن غيره بإتيانه خاتمه في حال الركوع، ولم ينقل ذلك عن غيره كما قدمنا الكلام فيه أولاً.
________________
([32]) - نخ: الجميع.

(1/232)


[الجواب على من قال كيف تصدق بخاتمه في حال الركوع والفعل الواقع من غير الصلاة فيها يفسدها؟]
فإن قيل: كيف تصدق بخاتمه في حال الركوع والفعل الواقع من غير الصلاة فيها يفسدها وخصوصاً عندكم؟.
قلنا عن هذا أجوبة قاطعة:
منها: أن النهي عن الأفعال في الصلاة ورد بعد التعبد بالصلاة بمدة، فلا يمتنع أن يكون هذا الفعل وقع منه -عَلَيْه السَّلام- قبل النهي؛ لأنه كان بلا اختلاف أعلم الناس بما نزل على الرسول، ونحن نعلم ذلك بالتواتر، فلو كان قد نزل النهي لما فعل، ولأن الله -تعالى- مدحه بذلك؛ وهو لا يمدح لحكمته بفعله لأمر قد نهاه عنه.
ومنها: أن مناولته للمسكين الخاتم فعل([33]) قليل، والفعل القليل قد رُخص فيه؛ وهو لا يفسد الصلاة بالإجماع.
ألا ترى أن المصلي يدرأ المار عن مصلاه ونفسه، ويسوي ثيابه، ويحك ما يؤذيه تركه، ويبصق النخامة عن فيه ، حتى اختلف أهل العلم في موضع البصق ، فكان قولنا عند قدمه الأيسر بسرعته، وينجذب إذا جذبه اللاحق ولم يجد في الصف الأول مقاماً، وإن حدث بالإمام حدث وقدم رجلاً من المؤتمين لإتمام الصلاة تقدم معه، والصلاة تامة بالإتفاق.
_________________
([33])- قال الزمخشري في كشافه في سياق تفسير هذه الآية (1/682): كأنه كان مُرْجَاً - قلت: أي مؤخراً - في خنصره، فلم يتكلف لخلعه كثيراً عما تفسد بمثله صلاته، انتهى.

(1/233)


وإشارته -عَلَيْه السَّلام- بالخاتم دون أكثر هذه الأفعال، ولما قلنا من هذه الأفعال التي جوزناها للمصلي أصول في الشريعة يمنعها المستحيطون لم يمنعنا من ذكرها إلا كراهة التطويل وكونها موجودة عند العالمين.
ومنها: أنه لا يمتنع كون هذا الفعل خاصة لأمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام-؛ لأن عندنا وعند كافة المسلمين أن التعبد يجوز اختلافه باختلاف حال المتعبدين، وعلمه سبحانه بمصالح المكلفين، وبهذا الدليل جوزنا نسخ شرائع الأنبياء الأولين -عَلَيْهم السَّلام-، ويكون اختصاصه سبحانه له -عَلَيْه السَّلام- بذلك فضيلة تميز بها على كافة المؤمنين فجعل ما يكون نقصاً في حق غيره زيادة في حقه وعلامة لشرفه، ولهذا أقره صاحب الشرع -صلى الله عليه وعلى آله- على فعله، ونهى غيره عن مثله، فهذه كما ترى وجوه ظاهرة جلية.
فإن قيل: إن الله -تعالى- نهى عن موالاة اليهود والنصارى بين يدي هذه الآية ثم عقب ذلك بتولي المؤمنين.
قلنا: هذا يزيد قولنا تأكيداً؛ لأن الله -تعالى- نهى المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى وهم بعض من الخلق مخصوص، وأخبرهم بأن بعضاً مخصوصاً وليهم على معنى أنه ولي محبتهم وأولى بملك التصرف فيهم، قرن ذكره بذكره سبحانه وذكر نبيئه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- على الترتيب، وهو أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام- والمُخاطِب الله -سبحانه وتعالى- والمُخاطَب المؤمنون والمتولي المذكور بلفظ الجمع بعد الله -سبحانه- ورسوله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام-، بدلالة أنه لو أظهره لاستمر كأن يقول تعالى: ولي أمركم الله ورسوله وعلي ابن أبي طالب، فتأمل ما ذكرت لك موفقاً إنشاء الله -تعالى- فهذا هو الكلام في الموضع الأول.

(1/234)


وأما الموضع الثاني؛ وهو أن ذلك يفيد معنى الإمامة: فلأن لفظ الولي إذا أطلق في اللغة والشرع أفاد المالك للتصرف الأبدي، إذا قيل هذا ولي اليتيم إنه يفيد المالك للتصرف عليه ، وكذلك ولي المرأة ، وقول النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((السلطان ولي من لا ولي له)) ، معناه المالك للتصرف فيه.
ولأنك تزيل التوهم عند الإلتباس بقولك: هذا أولى بهذا الأمر من هذا، أي أحق به، وأملك للتصرف فيه، وولي القتيل المالك للقصاص والإبراء، وهذا ظاهر وأمثاله كثير، ونحن لا نريد بقولنا فلان إمام مطلقاً ، إلا أنه المالك للتصرف على الكافة ، وأنه أولى بهم في الأمور الموكلة إليهم من أنفسهم، فثبت بذلك أن أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام- أولى الناس بالناس بعد رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، وذلك يفيد معنى الإمامة، كما قدمنا، فثبت أنه الإمام بعده بلا فصل.
[بيان دلالة الإجماع على إمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام]
فإن قيل: إنكم قد ذكرتم في أول كلامكم بيان إمامته -عَلَيْه السَّلام- بالإجماع فاخرجوا من عهدة ذلك
قلنا: أردنا بذلك الإجماع من جهة المعنى أولاً وآخراً، ومن جهة اللفظ والمعنى آخراً.
كَشْفُ ذلك أنهم أجمعوا معنا في صحة إمامته -عَلَيْه السَّلام- بعد عثمان، وخالفناهم في صحة إمامة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، في جميع الأزمان ؛ لأن مذهبنا -كما قدمنا- أن الإمام بعد رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بلا فصل علي بن أبي طالب، وأن إمامة الثلاثة الذين تقدموه -عَلَيْه السَّلام- غير صحيحة في جميع الأحوال فقد وقع الإتفاق عليه والإختلاف في غيره فكان أولى.

(1/235)


وأما الإجماع من جهة المعنى: فقد أجمع الصحابة ومن بعدهم قرناً بعد قرن إلى يومنا هذا أن الإمام يجب كونه أفضل الأمَّة أو كأفضلهم، وذلك ظاهر؛ لأن عمر لما بسط يده إلى أبي عبيدة([34]) نهره لإعتقاده أن أبا بكر أفضل منه، وكان في إحتجاج أبي بكر ما يدل على أنه يحتج بالفضل لأنه قال: (نحن شجرة رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-)، وفي رواية أخرى: (عترته)([35])، كل ذلك يريد التفضيل لنفسه، وذكر قريشاً لاعتقاد العرب تعظيمهم، ولذلك كانوا في الجاهلية لا يذعرون لهم سرياً، ولا يرومون لهم حقاً، وكانوا يقولون هم آل الله، إلى غير ذلك، وجعلها عمر شورى في ستة لطلب الأفضل، ولهذا قال أمير المؤمنين -عليه السلام-: (متى اعترض الشك في مع الأولين حتى صرت الآن أقرن بهذه القرائن([36]))) وذَكَرَ فضائله يوم البيعة لعثمان تنبيهاً للكافة على أنه أولى بالأمر.
______________
([34]) ـ أبو عبيدة بن الجراح، هو: عامر بن عبيدالله، وقيل: عبدالله بن الجراح القرشي الفهري أسلم قديماً، وشهد بدراً وما بعدها وكان ممن صبر يوم أحد، وكان ثالث أقطاب السقيفة، ورضي أبو بكر به أو بعمر، ولاه عمر قيادة الجيش في الفتوح بعد عزله لخالد بن الوليد، فتح الديار الشامية، وبلغ الفرات شرقاً، وآسية الصغرى شمالاً، وتوفي بطاعون عمواس بفتح المهملة وسكون الميم فواو فألف مهملة قرية بالأردن سنة ثمان عشرة عن ثمان وخمسون سنة.
([35]) - كلام أبي بكر ذكره الطبري في تاريخه (2/70، 71) (منشورات مؤسسة الأعلمي).
([36]) ـ نهج البلاغة في خطبة الشقشقية 55.

(1/236)


[مراتب الفضل]
وإذا كان ذلك كذلك وقد علمنا أن الفضل بمجموع أشياء:
منها: الثبات في الأمر، والصبر على مضض الحرب، والتقدم في المواطن الكريهة، والنكاية في العدو.
ومنها: السخاء بما حوت اليد، والإيثار على النفس والأهل والولد.
ومنها: الزهد في الدنيا والإعراض عنها، والرغبة في الآخرة والإقبال إليها.
ومنها: الورع الحاجز عن الإقدام على المحرمات وترك الواجبات.
ومنها: العلم البارع بحيث يكون أهلاً لتبيان القضايا وفك المشكلات.
ومنها: وساطة الحسب وشرف الأبوة.
ومنها: السبق إلى الخيرات، والمبادرة إلى الطاعات.
ومنها: التمكن من جودة الرأي وحسن التدبير ليكون متقدماً في السياسات.
فهذه الأمور من اجتمعت فيه كان بالإضطرار أفضل الناس؛ بل من حاز أكثرها.
وأما الإحاطة بها: فما يلحق العلم بأن من حازها يكون أفضل الخلق بالضرورة بالأوليَّات، وهو -عَلَيْه السَّلام- قد حازها وزيادة بلا خلاف بين أهل العلم.
...

(1/237)


[بيان فضيلة الشجاعة]
لأن شجاعته -عَلَيْه السَّلام- ضربت بها الأمثال،ونظمت فيها الأشعار، وأجمع على العلم بها المؤمنون والكفار، حتى تكلم أهل النفاق بأن القتال قد يكون لأنفة، وحميَّة، وقساوة، وصلابة، يريدون بذلك إطفاء نور الله {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(8)}[الصف] .
وقد أكذبهم الله -تعالى- بما أظهر على لسان نبيه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- من حمده وتعظيمه، فلو كان لغير الله من الأغراض لم يستحق عليه مدحاً؛ لأن الله علام الغيوب، والسرائر منها
ثم قال تعالى: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95)}[النساء] ، ولو لم يكن له من الجهاد إلا يوم خيبر لكان كافياً ؛ لأن أهل النقل لم يختلفوا ، وإجماعهم في النقل حجَّة في أن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- دفع الراية إلى أبي بكر فرجع مهزوماً يلوم أصحابه ويلومونه، ثم دفعها إلى عمر فعاد كذلك فقال: ((لأعطين الراية غداً رجلاً كرار غير فرار، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح الله على يديه([37]))) ،
_______________
([37]) ـ خبر الراية رواه محمد بن سليمان الكوفي بأسانيده عن عدة من الصحابة عن أبي سعيد، وفيه ذكر انهزام عمر وتجبينه لأصحابه وتجبينهم إياه، وعن سلمة بن كهيل من طريقين، وعن أبي ليلى، وعن سعد بن أبي وقاص وعن عمران بن الحصين، وعن سهل وعن بريدة، وعن ابن عباس، وعن أبي هريرة، وعن عمرو بن سعيد بن المسيب، وعن ابن عمر.
ورواه ابن المغازلي الشافعي بأسانيده عن إياس بن سلمة عن أبيه من طريقين، وعن عمران بن الحصين من طريقين، وعن أبي هريرة من طريقين، وعن سعد بن أبي وقاص.
ورواه في خصائص النسائي عن سعد، وعن علي، وعن بريدة، وعن سهل بن سعد فروايته عن سعد بثلاث طرق، ورواه أيضاً عن أبي هريرة من أربع طرق، وعن عمران بن حصين، وعن الحسن بن علي، وعن ابن عباس من حديث طويل.
ورواه البخاري ومسلم، وسائر المحدثين بألفاظ مختلفة في بعضها زيادة وفي بعضها نقصان، فهي متواترة تواتراً معنوياً، أخرجه أحمد عن أبي هريرة، وأحمد والبخاري عن سعد، وأخرجه الدارقطني، والبخاري، وابن عساكر عن عمر بن الخطاب ، وأخرجه البخاري رفعه إلى سلمة بن الأكوع، وسهل في الجزء الثالث والخامس والرابع عن سهل ، ورواه الترمذي بإسناده إلى سلمة، وأخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن ماجه، والبزار، وابن جرير، والطبراني في الأوسط، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الدلائل، وسعيد بن منصور، انتهى من التخريج للمولى العلامة الحسن بن الحسين الحوثي رحمه الله تعالى مختصراً، والحاكم الجشمي في تنبيه الغافلين (101)، وثم روايات أخرى ترجع إلى هذه وتؤيدها.

(1/238)


فدفعها إلى علي بن أبي طالب، فتقدم وقتل مرحباً وما تتام آخر الناس حتى فتح لأوّلهم ، وقلع الباب، وسانده للناس إلى جهة من الحائط فطلع بعض الناس عليه وكان في هذا الخبر من الزيادات القطع على مغيبه -عَلَيْه السَّلام-، وذلك لم يعلم من غيره لاستواء باطنه وظاهره.
وإخبار الله -سبحانه- على لسان نبيئه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بأنه يحبه فوجبت لذلك موالاته على الكافة في السر والعلانية، وكان في هذا الخبر معجزة للنبيء -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- من حيث أخبر أن الفتح يقع على يديه، وكان كما قال؛ لأن شوكة اليهود كانت عظيمة، وكانت معهم الآلات القويَّة والعدة الكاملة، وهم مظاهرون لخصمهم وفي أوطانهم، وهم على شبهة دين، وقتال أهل التدين شديد كما يُعلم في الخوارج، فلو كان يقول -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- من تلقاء نفسه لم يتجاسر على القطع بأنه يفتح على يديه؛ لأن أكثر ما يقطع العاقل عليه من أمر الغير الثبات، وأنه لا ينهزم، وهو يجوز عليه أن يقتل، كما قد قتل -عَلَيْه السَّلام- فيما بعد، أو يشغل بجراحة مثخنة، فلما قطع على أنه يرجع، وأن يفتح على يديه علمنا أن ذلك من جهة علام الغيوب، ومع ذلك فأهل التقدم في باب الشجاعة ولكل حظ،

(1/239)


وإنما خصصنا من وقع الإتفاق عليه وارتفع الخلاف فيه خمسة نفر؛ علي بن أبي طالب -عَلَيْه السَّلام-، والزبير ابن العوام، وسماك بن خرشة المكنى بأبي دجانة([38])، ومحمد بن مسلمة([39])، وخالد بن الوليد([40])، ولا يمكن عاقل يدعي لأحد من هؤلاء النفر مقارنة علي بن أبي طالب - عليه السلام- في باب الشجاعة فضلاً عن مساواته، وقد صرح الله بتفضيل أهل الجهاد بقوله: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95)}[النساء] .
____________________
([38]) ـ سماك بن خرشة أبو دجانة الأنصاري الساعدي، ويقال: سماك بن أوس بن خرشه، شهد بدراً مع رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، وكان بهمة من البهم الأبطال دافع عن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- يوم أحد فكثرت فيه الجراحة، وروي أن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أخذ سيفاً يوم أحد، فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه، فأخذه أبو دجانة، ففلق به هام المشركين، وفي رواية أنه قال: وما حقه يارسول الله قال: أن لايقتل مسلماً ولا يفر به من كافر، وشارك في قتل مسيلمة الكذاب، وقتل يوم اليمامة.
([39]) ـ محمد بن مسلمة بن سلمة أبو عبدالله الأنصاري الأوسي المدني شهد بدراً وما بعدها، ولما ظهرت الحروب بين أمير المؤمنين عليه السلام وأعدائه اعتزلها مع ترجيحه جانب علي عليه السلام، وقيل: إنه أتخذ سيفاً من خشب، وكان ممن انتدب لقتل كعب بن الأشرف فقتله، توفي بالمدينة سنة ثلاث وأربعين وهو في عشر الثمانين.
([40]) ـ خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، أبو سلمان، وقيل: أبو الوليد، كان قائداً من قواد المشركين، وشهد معهم حروب رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- إلى غزوة الحديبية، أسلم سنة سبع للهجرة على الصحيح، وكان شجاعاً بطلاً قائداً، سياسياً محنكاً، أمَّره أبو بكر على الجيوش وعلى قتال بعض أهل الردة، ثم عزله عمر عن قيادة الجيش. توفي بالمدينة سنة إحدى وعشرين، وقيل: بل توفي بحمص سنة إحدى - أو اثنتان - وعشرين. الإستيعاب ج1 ص409 بهامش الإصابة.

(1/240)


[بيان فضيلة العلم]
ومن ذلك العلم: وأمره فيه -عَلَيْه السَّلام- أظهر من أن يستشهد عليه، وآثاره تنطق بذلك، وقد كان عمر بن الخطاب معدوداً في أكابر العلماء، وأطبق الناس على الرواية عنه: (لولا علي لهلك عمر)، حتى جرت لشهرتها مثلاً، وذلك في قصة المرأة التي أمر عمر برجمها فردَّها علي -عَلَيْه السَّلام- إليه، وسأله عن شأنها، فذكر له أنها اعترفت على يديه بالفجور، فقال -عَلَيْه السَّلام-: (هل استبرأت رحمها؟، فقال : لا)، فأمر نسوة يبصرونها فوجدنها حُبلى، فقال -عليه السلام-: (هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها؟) فأنطق هذه القضيَّة العجماء -صلوات الله عليه- بلطف نظره إلى قيام الساعة، ثم قال -عَلَيْه السَّلام-: (لعلك أخفتها أو تهددتها؟، فقال: قد كان ذلك، فقال: ويحك؛ أما علمت أن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- قال: لا حد على مُعترف بعد بلاء؟) فأمر عمر بتخلية سبيلها وقال ما حكينا عنه إلى غير ذلك مما يطول شرحه.
ولو أفردنا له كتاباً ما أتينا على آخره؛ ولأن أهل العلم المتقدّمين فيه بعد رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- وإن كان لكل من أصحابه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بسطة في العلم وقدم -فجزاهم الله عن الدين والإسلام خيراً- هم على اختيارنا ثلاثة: علي -عَليه السَّلام-، وابن مسعود([41])، وأبو الدرداء([42])، وقد قيل معاذ([43])،
_______________________
([41]) ـ ابن مسعود، هو: عبدالله بن مسعود بن غافل بمعجمتين بينهما ألف أبو عبد الرحمن الهذلي نسباً الزهري حلفاً الكوفي كان من أهل السوابق، وهاجر قديماً، وشهد المشاهد كلها، وكان من الجبال في العلم، وعلى قامة القاعد في الجسم، وهو القائل كنا نتحدث أن أفضل أهل المدينة علي بن أبي طالب، وكان من الجبال الراسخة في العلم، وهو القائل: قرأت القرآن على رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- وأتممته على خير الناس بعده علي بن أبي طالب، وكان من محبي أمير المؤمنين وشيعته توفي سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين وعمره ستون سنة، ودفن بالبقيع.
([42]) ـ أبو الدرداء، هو: عويمر بن مالك، وقيل عامر، وقيل ابن ثعلبة الأنصاري الخزرجي أسلم عقيب بدر، وكان من عباد الصحابة ومتألهيهم، وهو أحد الذين جمعوا القرآن حفظاً على عهد رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بلا خلاف، وهو القائل: العلماء ثلاثة عالم بالشام وعالم بالكوفة وعالم بالمدينة، فالذي في الشام يسأل الذي في الكوفة، والذي في الكوفة يسأل الذي في المدينة، والذي في المدينة لايسأل أحداً، ومراده الذي بالشام نفسه، وبالكوفة ابن مسعود، وبالمدينة أمير المؤمنين عليه السلام، ولاه عثمان دمشق وكان فقيهاً، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين في آخر خلافة عثمان، وكانت أول مشاهده أحد وما بعدها.
([43]) ـ معاذ بن جبل بن عمر الأنصاري الخزرجي السلمي أبو عبد الرحمن المدني كان من أعيان الصحابة وأقرأهم في العلم والفتوى وحفظ القرآن، أسلم وهو فتى وعمره ثمان عشرة سنة، وشهد العقبة الأخيرة مع الأنصار السبعين وشهد بدراً وأحداً، والخندق وجميع مشاهد رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- كلها وبعثه النبي إلى اليمن يعلم القرآن والأحكام، وكان يزوره في الأسفار، وأخذ بيده، فقال: يا معاذ والله إني لأحبك، وتوفي في طاعون عمواس بالأردن وعمره ثمان وثلاثين سنة سنة ثمان عشرة.

(1/241)


وقد قيل عمر، وقيل ابن عبَّاس([44])، وقيل سلمان([45])، واختيارنا ما قدّمنا؛ وعلي بالإجماع أعلم النفر، وكيف لا يكون كذلك والنبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- يقول لما أنزل عليه قوله تعالى: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ(12)}[الحاقة] ، قال: ((سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي([46]))) ، وقال: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها([47]))) إلى غير ذلك مما يطول شرحه.
_____________
([44]) ـ تقدمت ترجمته.
([45]) ـ تقدمت ترجمته.
([46]) ـ أخرجه الكنجي الشافعي في كفاية الطالب الباب (16) ص(108) الغري، وابن المغازلي (1/142) رقم (79) و(1/158) رقم (94) ورقم (121، 122)، وعبد الوهاب الكلابي عن بريدة، ورواه أبو القاسم الحسكاني عن علي من أربع طرق، وعن ابن عباس، وعن جابر، وعن أنس، وعن بريدة ومكحول . انظر : شواهد التنزيل (2/271، 285) نم رقم (1007إلى 1029).
ورواه فرات بن إبراهيم الكوفي عن أنس، ورواه الحاكم عن بريدة، ومكحول من ثلاث طرق، ورواه الثعلبي في تفسيره عن بريدة، ورواه محمد بن سليمان الكوفي عن خديجة بنت علي بن الحسين، وعن مكحول من ثلاث طرق، وذكره في الكشاف، ورواه سعيد بن منصور والطبري عن مكحول، ورواه الطبراني، ورواه السيوطي في الدر المنثور ، وقال : أخرجه سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن مكحول.
([47]) - حديث : ((أنا مدينة العلم ..إلخ)) : رواه الإمام الهادي إلى الحق عليه السلام ، والإمام محمد بن القاسم عليه السلام في الأصول الثمانية (66) ، ورواه الإمام المنصور بالله عليه السلام في الشافي من عشر طرق ، عن علي عليه السلام من ثلاث طرق ، وعن جابر بن عبدالله من طريقين ، وعن ابن عباس من خمس طرق ، الشافي (2/232).
ورواه صاحب المحيط بالإمامة من عدة طرق ، عن الإمام المرشد بالله عليه السلام ، ورواه الشريف الرضي في مجازات السنة النبوية (203، 204) .
ورواه الحاكم في المستدرك (3/126) وقال : حديث صحيح الإسناد ، ورواه من طريق أخرى (3/127) ، ورواه ابن المغازلي الشافعي من عدة طرق ، فعن جابر من طريقين ص(71) وص(72) رقم (125) ، وعن علي عليه السلام من طريقين ص(72) رقم (122) وص(73) رقم (126) ، وعن ابن عباس من ثلاث طرق ص(71) رقم (121) وص(72) رقم (123، 124) .
ورواه محمد بن سليمان الكوفي في المناقب (2/558) رقم (1071) ، ورواه ابن عساكر في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام (2/464) رقم (991) عن علي عليه السلام ، وعن ابن عباس (992) ، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (4/348) و(7/172) و(11/48، 49) عن ابن عباس ، ورواه ابن الأثير في أسد الغابة (4/22) عن ابن عباس ، ورواه المتقي في كنز العمال (11/614) رقم (32979) و(13/148) رقم (36463) عن ابن عباس .
ورواه الطبراني في الكبير (11/65، 66) رقم (11061) عن ابن عباس ، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد (9/114) عن ابن عباس ، وقال : أخرجه الطبراني . ورواه ابن عدي في الكامل (1/195) عن جابر .
ورواه السيوطي في الجامع الصغير (1/161) رقم (2705) عن ابن عباس ، ورواه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل (1/334) رقم (459) و(2/272) رقم (1009) عن علي عليه السلام .

(1/242)


[فضيلة الورع]
وأمَّا الورع: فمما ظهر الحال فيه للعدوّ والولي ما صُرفت له سقطة في نائبة، ولا زلّ حتى لقي الله -تعالى-، ولا قوَّى أمر معاوية -لعنه لله- إلا قسمة السَّويَّة، والعدل في الرعية، وإيثار الدار الباقية على الفانية الدنية، ولو فصلنا ذكره لطال الشرح؛ ولكن من ذلك أنه -عَلَيْه السَّلام- ملك العراقين وخراسان ومصر والحجاز واليمامة والبحرين وما والاهما إلى عمان واليمن بأسره، ثم ولى إلى جوار ربه (وما خلف بيضاء ولا صفراء إلا أربع ما ئة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادماً لأهله([48]))، ظننا أن ذلك لولا كان في حاجة أهله ما ادخر دانقاً لنفسه، ومثل هذا لم يعلم من غيره.
[بيان فضيلتي الزهد والسخاء]
وأمَّا الزهد: فإجماع الناس بعد النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- على ثلاثة علي -عَلَيْه السَّلام-، وأبو ذر، وعمر بن الخطاب، ولم يعلم مثل حال علي -عَلَيْه السَّلام- في واحد منهما في مطعمه ومشربه وملبسه، ولكل من ذلك نصيب ولكن لا سواء.
______________
([48]) - ما بين القوسين اقتبسه الإمام عليه السلام من خطبة الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام قال فيها : (قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ، ولا يدركه الآخرون بعمل ..إلى قوله : ولقد توفّي في الليلة التي رفع فيها عيسى بن مريم ، والتي توفّي فيها يوشع بن نون ، وما خلف صفراء ولا بيضاء [أي ذهباً ولا فضة] إلا سبعمائة درهم من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله) إلى آخر الخطبة .
والخطبة رواها الإمام المرشد بالله في الأمالي الخميسية (1/142) ، والموفق بالله في الاعتبار ص(660) ، والإمام أبو طالب في الأمالي ص(179) ، ولم يذكر ما نحن بصدده ، والإمام أبو العباس الحسني في المصابيح ص(340) ، ورواها أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين ص(62) ، والطبري في تاريخه (4/404) (ط/ مؤسسة الأعلمي)، وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة (16/224) ، وابن المغازلي الشافعي في المناقب ص(25) رقم (16) .
ورواها الطبراني في الأوسط (1/585) رقم (2155) ، والكبير رقم (7913) ، والحاكم في مستدركه (3/172) ، وأحمد بن حنبل في مسنده (1/199) ، والبزار في كشف الأستار (3/205) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (9/149) وقال : إسناد أحمد وبعض طرق البزار والطبراني حسان .
ورواها محمد بن سليمان الكوفي في المناقب (2/574) رقم (1084) ، وابن عساكر في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق (3/398، 404) من رقم (1496، 1504) ، والنسائي في خصائصه ص(12) ، وأبو نعيم في حلية الأولياء (1/65) ، وأبو يعلى الموصلي وغيرهم .

(1/243)


وأمَّا السخاء: فغايته الإيثار على النفس والأهل والولد، وكانت هذه حالة علي -عَلَيْه السَّلام- حتى ذكر الله ذلك في محكم كتابه في قوله عز وجل: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)}[الإنسان] ، وصرح بإخلاص نيته -عَلَيْه السَّلام- وأهل بيته تصريحاً بقوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(9)} [الإنسان] ، وأخبر بخوفهم له في قوله: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا(10)} [الإنسان] ، ودل على عصمتهم -عَلَيْهم السَّلام-، وأنهم يلقونه على عهده، ولا يقع منهم تفريط ولا تبديل لحكمه، بقوله: {فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا(11)وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا(12)}[الإنسان] ، إلى آخر الآيات المقدسات، فَذِكْرُ حب الطعام في أول القصة، وذكر الصبر في آخرها أكبر برهان لأهل الأذهان على أن الضر قد كان بلغ فيهم نهايته، فآثر -عَلَيْه السَّلام- على نفسه، إيثاراً لم يُعلم من غيره، وهذا غاية السخاء؛ لأنه -عليه السلام-، وإن لم يكن من أهل السعة، فقد كان يجود بموجوده، وأبو بكر وإن عد في أهل الإنفاق، فإنما كان إنفاقه من ظهر غنى، وإنفاق علي جهد المقل، والفرق في ذلك لأهل البصائر ظاهر، وإن كان الجميع مأجور، ولا نعلم خلافاً بين أهل البيت -عَلَيْهم السَّلام- وأعيان أهل العلم([49]) أن المراد بالآيات علي بن أبي طالب عليه السلام، وأنها نزلت في شأنه وقد دلت على الكرم، وزادت العصمة، والقطع على المغيب وذلك لم يقع لغيره ، فلو لم ينظر بعد ذلك في شيءٍ من أمره لكان ذلك كافياً في وجوب إمامته، وتقديم زعامته.
____________________
([49]) - قوله تعالى : {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا(5)}[الإنسان]، إلى آخر الآيات : نزلت في الخمسة أهل الكساء : أمير المؤمنين عليه السلام ، والزهراء، والحسنين صلوات الله عليهم ، وقد روى ذلك الجم الغفير من المفسرين والمحدثين عن عدة وافرة من الصحابة والتابعين بطرق كثيرة ؛ فممن روى ذلك :
أمير المؤمنين عليه السلام روى ذلك عنه : الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل (2/300) رقم (1042) بعدة طرق عن جعفر بن محمد ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين عليه السلام ، ورواه فرات بن إبراهيم الكوفي ص(196) ، والشيخ الصدوق في الأمالي ص(212) المجلس (44) رقم (11) .
وعن زيد بن أرقم روى ذلك عنه : الحاكم الحسكاني في الشواهد (2/309) رقم (1061) ، وفرات بن إبراهيم الكوفي ص(199) ، ومحمد بن سليمان الكوفي في المناقب (1/58) رقم (23) .
وعن ابن عباس روى ذلك عنه : الحاكم الحسكاني في الشواهد عن مجاهد عن ابن عباس رقم (1047) و(1048) و(1051) ، وعن الضحاك عن ابن عباس ، وسعيد بن جبير عن ابن عباس ، وأبي صالح عن ابن عباس ، وعطاء عن ابن عباس ، من عدة طرق .
ورواه أيضاً محمد بن سليمان الكوفي عن ابن عباس (1/178) رقم (103) ، والحسين بن الحكم الحبري في تفسيره (326) رقم (69) والزمخشري في كشافه مرسلاً عن ابن عباس (4/670) ، والثعلبي في تفسيره ، والواحدي في أسباب النزول ص(331) ، وابن جرير الطبري في تفسيره أيضاً.
وعن طاووس روى ذلك ابن المغازلي الشافعي في المناقب ص(176) رقم (320) وعن الأصبغ بن نباتة روى ذلك الكنجي في كفاية الطالب ص(342) وغيرهم .

(1/244)


[بيان فضيلة التدبير للأمور]
وأمَّا تدبير الأمر: فكان -عَلَيْه السَّلام- أعرف الناس بِفُرص الأعداء، وعورات الثغور، ووجوه المكائد، وأوقات الغارات، وطرق السرايا، وترتيب الأمراء، وحفظ الأطراف، ونظم العساكر، وكيف لا يكون كذلك وهو أبو هذا الشأن([50])، وأمه، وخاله،
وعمّه ، وهو عموده من لدن شبابه إلى لقاء ربِّه، وقد كان أبو بكر وعمر معروفين بجودة السياسة وحسن التدبير؛ وكان فزعهما في مهمَّات هذا الشأن إليه، وتعويلهما عليه.
وإنما وصل معاوية -لعنه الله- إلى ما وصل إليه لإقدامه على المحظورات، ولزومه لأمر الدنيا، وإعراضه عن الآخرة، فكل ما أعمل من مكيدة بينه وبينها حد من حدود الله تعداه، أو محظور من أمر الله ارتكبه ، وهو -عليه السلام - بالضد من ذلك؛ يرى الفرصة التي تأتي بأمر ابن هند من قواعده وبينه وبينها حائل من أمر الله فيدعها لله حتى يسدها عدوّ الله على مهل، فلذلك وصل عدو الله من أمر الدنيا الفانية إلى ما وصل.
________________
([50]) ـ يضرب هذا المثل للمبالغة في من وصف بأمر وكان لايفوقه أحد في ذلك الأمر فيقال: هو أبوه وأمه وخاله وعمه، وقد يقتصر على لفظة أبوه والبقية تأكيد في تعظيم الأمر وصاحبه، تمت من حاشية في الأصل.

(1/245)


[بيان فضيلة التقدم في الإسلام]
وأمَّا التقدم إلى الإسلام([51]): فقد ذكر أهل العلم أن المتقدّم إلى الإسلام من الرجال ثلاثة، علي بن أبي طالب، وأبو بكر، وزيد بن حارثة، ولم يتمكن أحد من دعوى تقدمهما عليه بالسبق في القبول والإنقياد، وأكثر ما قالوا إنه -عَلَيْه السَّلام- كان صغيراً، أو كان إسلامه إسلام إلف ومحبَّة، ولم يكن إسلام إنقياد لأمر الله عن نظر واستدلال، وقولهم هذا عندنا باطل لوجهين:
________________
([51]) ـ الأخبار الدالة على أن علياً ـ عليه السلام ـ أول من آمن كثيرة شهيرة؛ فمنها:
ما رواه ابن المغازلي الشافعي ص(27) رقم (20) بسنده عن سلمة بن كهيل عن حبة العرني عن علي ـ عليه السلام ـ أنه قال: أنا أول من أسلم. ورواه أيضاً رقم (21) من طريق أخرى عن سلمة بن كهيل.
ورواه أيضاً محمد بن سليمان الكوفي في المناقب (1/275) رقم (188) عن شعبة عن سلمة بن كهيل، ورواه أيضاً النسائي في الخصائص ص5 بلقظ: (أنا أول من صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم.
ومنها: ما رواه محمد بن سلميان الكوفي (1/259) رقم (171) بسنده عن أنس بن مالك، ورواه أيضاً الحاكم الجشمي في تنبيه الغافلين عن فضائل العترة الطيبين ص132 -طبع عن مركز أهل البيت(ع) للدراسات الإسلامية - عن أنس قال: بعث النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم- يوم الاثنين وأسلم علي يوم الثلاثاء، ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق من سبع طرق عن أنس (1/50ـ 51ـ 52)، بعضها بلفظ: (بعث)، وبعضها بلفظ: (استنبئ)، ورواه عن أنس ابن أبي الحديد في شرح النهج (13/ 158) بلفظ: (استنبئ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم...إلخ).
ومنها: ما رواه أيضاً محمد بن سليمان الكوفي (1/278) رقم (192) عن علي ـ عليه السلام ـ قال: (بعث النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم- يوم الاثنين وأسلمت يوم الثلاثاء)، ورواه أيضاً أبو يعلى الموصلي في مسند علي - عليه السلام - من كتاب المسند (1/348) الطبعة الأولى رقم (186) عن علي ـ عليه السلام، ورواه أيضاً ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة علي ـ عليه السلام ـ (1/52) عن علي ـ عليه السلام.
ومنها: ما رواه ابن عبد البر في الاستيعاب بهامش الإصابة (3/32) قال: (استنبئ النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم- يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء)، ورواه ابن أبي الحديد (4/324).
ومنها: ما رواه الحاكم الجشمي في تنبيه الغافلين عن أبي رافع ص132 قال: (صلى النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم- يوم الاثنين وصلى عليٌّ يوم الثلاثاء)، وروى نحوه عن أبي رافع، محمد بن سليمان الكوفي في المناقب (1/262) رقم (174)، ورواه ابن عساكر من طريقين (1/48) رقم (70ـ 71).
ومنها: ما رواه محمد بن سليمان الكوفي أيضاً من ثلاث طرق (1/263) رقم (175) و (1/294) رقم (216) (217) عن سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ قال: (أول هذه الأمة وروداً على نبيها أولها إسلاماً علي بن أبي طالب). ورواه أيضاً الحاكم الجشمي في تنبيه الغافلين رواية عن الناصر ص132، ورواه أيضاً ابن المغازلي الشافعي ص27 رقم(22) عن سلمان، ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب بهامش الإصابة (3/27ـ 28) من طريقين أحدهما موقوفة والأخرى مرفوعة، وقال: رفعه أولى لأن مثله لا يدرك بالرأي، ثم أسند رواية المرفوع، وأرسل الموقوف، ثم قال بعد كلام له: ولا شك أن علياً عندنا أوّلهم إسلاماً، وذكره عنه أيضاً ورجّحه ابن أبي الحديد في شرح النهج (4/320)، ورواه عن سلمان أيضاً ابن عساكر من ثلاث طرق (1/84ـ 86) رقم (115ـ 116ـ 118).
وروى محمد بن سليمان الكوفي (1/280) رقم (195) الحديث المتقدم عن أبي ذر مرفوعاً، ورواه أيضاً مرفوعاً عن سلمان (1/285) رقم (201).
ومنها: ما رواه محمد بن سليمان الكوفي (1/282) رقم (197) عن زيد بن أرقم قال: (أول من أسلم علي)، ورواه ابن المغازلي الشافعي ص21 رقم (18) عن زيد بن أرقم بلفظ: (أول من صلى مع رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم- علي بن أبي طالب)، ورواه أيضاً ابن عبد البر في الاستيعاب بهامش الإصابة (3/32)، ورواه الطبري في تاريخه من طريقين عن زيد بن أرقم (2/227) منشورات مؤسسة الأعلمي أحدهما بلفظ: أسلم، والأخرى بلفظ: صلى.
ورواه أيضاً النسائي في خصائص أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ من ثلاث طرق عن زيد بن أرقم (ص605)، والأحاديث والأخبار الواردة في أن علياً ـ عليه السلام ـ أول من أسلم وآمن وصلى مع رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وَسَلَّم- كثيرة لا يسع المقام حصرها وإيرادها، وقد رواها جمع غفير من الصحابة والتابعين، وقد تقدّم بعض من روايات الصحابة، ومنهم أيضاً: أبو أيوب الأنصاري، وعفيف بن عبدالله الكندي، وداود بن بلال أبو ليلى، وعبد الرحمن بن عوف، ويعلى بن مرة، وأبي بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وبريدة الأسلمي، ونعمان بن جبلة التنوخي، وسلمة بن الأكوع، وجابر بن عبدالله الأنصاري، وخباب بن الأرت، وسعد بن أبي وقاص، والبراء بن عازب، وعبدالله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وطارق بن شهاب، وأسماء بنت عميس، وليلى الغفارية، ومعاذة العدوية، وأبو رجاء العطاردي عمران بن ملحان، وأبي مجلز، وغيرهم.
وقد روى ابن عساكر أحاديث إيمان علي ـ عليه السلام ـ من سبعين طريقاً من رقم (70 إلى 140) (ج1/ 48ـ 105) بعضها موقوفة وبعضها مرفوعة؛ فالأحاديث قد زادت على حد التواتر.
ومن غير الصحابة: الحسن بن أبي الحسن البصري، وعامر الشعبي، وجابر بن زيد أبو الشعثاء، ومحمد بن المنكدر، ومحمد بن كعب القرظي، وربيعة الرأي، ومجاهد بن جبر المكي، وابن إسحاق وغيرهم، وقد نظمت فيه الأشعار، من كثير من الشعار، من المهاجرين والأنصار، والتابعين وتابعيهم من الأخيار، لا يسع المقام ولا يسمح بإيرادها.
وقد أورد أكثرها الأميني في كتاب الغدير في الجزء الثالث.

(1/246)


أحدهما: قول النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لفاطمة -عَلَيْها السَّلام-: ((زوجتك أقدمهم سلماً وأكثرهم علماً([52]))) ، والضمير في هم عائد إلى رجال أصحابه بالإتفاق، وقد صرح بذكر زوجها، فلو كان غير بالغ لما مدحه بذلك؛ لأن الناس عنده -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- في الحق سواء، ولم يكن ينطق عن الهوى.
والوجه الثاني: أنه دعاه إلى الإسلام أولاً، ونحن نعلم من حالنا أنه يقبح من أحدنا أن يبتديء في الدعاء إلى الدين بالأطفال؛ قبل دعاء ذوي الألباب من الرجال؛ لأن ذلك يكون عدولاً عن الواجب إلى المندوب ومثل ذلك لا يجوز منا فكيف يجوز من النبيء -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- !!؟.
فإن قيل: فأبو بكرأكبر منه سِّناً.
قلنا: ذلك مُسَلم ولكن لا حجَّة لكم فيه؛ لأن الكل إذا كان بالغاً عاقلاً كانت فضيلة السبق لعلي، و قد وقع الإتفاق على إيمانه ثاني البعثة يوم الثلاثاء وكانت البعثة بالإثنين، وقد أَذْكَرنا إعتلالُكم بكبر السِّن بكثير من أهل عصرنا هذا إذا دعوا إلى أهل العلم وورثة الكتاب من عترة نبيهم -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- قالوا: وكيف نصنع بمشائخ لنا قد نفذت أعمارهم على هذا الشأن، ومن تدعوننا إليه من أهل البيت -عَلَيْهم السَّلام- لم يقاربوهم في السِّن؛ فلذلك يقطع على أن أحداً من أهل البيت لا يساويهم في فضيلة العلم وحسن التأدية، وظهور فساد هذا القول يغني عن إقامة الدليل عليه.
____________________
([52])- خبر قول النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- لفاطمة عليها السلام: ((زوجتك أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً)): رواه الإمام أبو طالب في الأمالي ص(88) بلفظ : ((أقدمهم إسلاماً ، وأحسنهم خلقاً ، وأعلمهم بالله علماً)) ، وابن أبي الحديد في شرح النهج (7/150) و(9/18) ، ومحمد بن سليمان الكوفي في المناقب من عدة طرق عن أنس رقم (170) ، وعن أبي أيوب الأنصاري رقم (177) ، وعن بكر بن عبدالله رقم (693) ورقم (189) ، وابن المغازلي الشافعي من حديث طويل ص(84) رقم (147) ، والحاكم الجشمي في تنبيه الغافلين (150) بلفظ : ((زوجتك أقدم الناس سلماً وأفضلهم حلماً وأكثرهم علماً)) ، وفي ص(33) بلفظ : ((زوجتك أعلمهم علماً وأقدمهم سلماً)).
رواه أحمد بن حنبل في مسنده (5/27) بسنده عن معقل بن يسار، والمتقي في كنز العمال (6/153)، والهيثمي في مجمع الزوائد (9/101ـ 114)، وقال: أخرجه الطبراني برجال وثقوا.
ورواه ابن الأثير في أسد الغابة (5/520) بسنده عن علي عليه السلام، والمحب الطبري في الرياض النضرة (2/182). انظر فضائل الخمسة (2/219).

(1/247)


[بيان فضيلة وساطة المنصب]
وأمَّا وساطة المنصب: فليس فيه منازع، وله في ذلك مزيَّة ولادة هاشم بن عبدمناف لأبيه وأمه؛ لأن أُمَّه -عَلَيْه السَّلام- فاطمة بنت أسد، أول هاشمية ولدت لهاشمي، وعبدالله أبو النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- وأبو طالب أمهما واحدة، فكان له هذه الزيادات مع مشاركة بني هاشم في وساطة النسب حتى قال بعض شعراء الشيعة:
إن علي بن أبي طالب .... جدّا رسول الله جدّاهُ
أبو علي وأبو المصطفى .... من طينة طهَّرها اللهُ.
وقد ثبت لك أن الصحابة أجمعت على طلب الأفضل، وإن اختلفوا في عينه، فمن قائل يقول هو أبو بكر، ومن قائل يقول هو علي، وقد ظهرت الأدلة أن الفضل لا يكون إلا بما قدمنا ذكره من الخصال وأن عليًّا حازها بأسرها جملة وزاد فيها على القدر الذي يحتاج إليه؛ لأن في بعضها الدلالة على أنه يجاوز الحد الذي يصح في عصمته، والقطع على مغيبه، وفي بعضها الدلالة على الإمامة بدونه في جميع تلك الأنواع السابقة، إذ لم يقل أحد من أهل العلم إن الإمام يجب أن يبلغ في شيءٍ منها إلى درجته -عليه السلام- لاستحالة ذلك في غيره، وكيف وهو بعض آيات ربِّه وفضائل نبيئه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-! فقد وضح لك أن الإجماع واقع من جهة اللفظ والمعنى على إمامته ؛ لإجماعهم على طلب الأفضل، وكونه لما قدّمنا من الخصال الثابتة بالبراهين أفضل بالإضطرار، إذ يستحيل من كل عاقل منصف العلم بإجتماع تلك الخصال الشريفة لواحد، ودعوى عدم العلم بكون ذلك الواحد أفضل ممن لم يساوه فيها ولا في بعضها؛ بل لم يقاربه، والحمد لله، فثبتت إمامته -عَلَيْه السَّلام- بالكتاب والسنة من كل وجه وبالإجماع من الوجهين المتقدمين، والحمد لله أولاً وآخراً.

(1/248)


(مسألة في إمامة الحسن والحسين -عَلَيْهما السَّلام-)
[36]
وبَعدَهُ الأمْرُ إلى السِّبْطَيْنِ .... الحسنِ الطَاهِرِ والحسينِ
قَتِيلِ أَربَابِ الشَقَى والمَيِنِ .... شَهْمِ الجَنَانِ طَاهِرِ الثَوْبَيْنِ
مُردِي كُمَاةَ الظُّلمِ في النِّزَالِ
تفسير لفظ البيت ظاهر، والمعنى فيه: أنه لما فرغ من الكلام في أن الإمام بعد رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-، بلا فصل، علي بن أبي طالب، عقبه بالكلام في أن الإمام بعده ولداه الحسن والحسين (-عَلَيْهما السَّلام-).
فمذهبنا في هذه المسألة أن الإمام بعد علي ولداه الحسن والحسين -عَلَيْهما السَّلام- على الترتيب الظاهر بينهما، وهو قول الإمامية والمعتزلة وبعض الخوراج، فالقول في إمامتهما -عَلَيْهما السَّلام- أظهر، فلذلك لم نطل فيه الشرح؛ لأن أحداً من أهل العلم لم يخالف في ثبوت الإمامة لهما على الترتيب، كما قدمنا، فقد كانت إمامتهما تصح بالإجماع؛ وهو حجَّة على ما يأتي بيانه، ولأنَّا قدبينا في أول كتابنا هذا بيان إمامتهما بالكتاب الكريم في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}... الآية [الطور:21] ، وعللناه فيما هنالك تعليلاً شافياً.

(1/249)


[الكلام في حديث : ((الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما))]
ومن الدليل - أيضاً - على إمامتهما -عَلَيْهما السَّلام- من السنة: قول النبيء -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خيرٌ منهما([53]))) ، وهذا كما ترى بين صريح على إمامتهما.
_________________
([53]) ـ هذا الخبر مشهور عند الأمة، ومتلقى بالقبول من جميع الطوائف إذ الأمة بين عامل به ومتأوّل له، ولم يصدر عن أحد من الأمة إنكاره أو ردّه أو تضعيفه، وما أحسن قول حافظ اليمن السيد صارم الدين الوزير (ع) : وإن التلقي بالقبول على الذي وما أمّة المختار من آل هاشم به يستدل المرء خير دليل تلقّى حديثاً كاذباً بقبول
قال الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم عليهم صلوات رب العالمين في كتاب أصول الدين (104) : وأجمعت الأمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما)) ، وقال هما : ((إمامان قاما أو قعدا)) ، ورواه الإمام محمد بن القاسم في كتاب الأصول الثمانية، ورواه الإمام أبو طالب في كتاب شرح البالغ المدرك، وأخرجه الأمير الحسين في شفاء الأوام (3/497) ، وأورده (ع) في العقد الثمين وقال : وهذا نصّ جلي على إمامتهما وفيه إشارة إلى إمامة أبيهما ، ورواه أحمد بن الحسن الرصاص في مصباح العلوم ، وأورده الإمام الحافظ الحجة الولي مجدالدين بن محمد المؤيدي في لوامع الأنوار (ط/2) (3/35) وقال : وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما)) فهو كذلك مجمع عليه بين الأئمة.
قال الإمام الحسن بن بدر الدين عليه السلام: والعترة مجمعة على صحته، وقال: إنه مما ظهر واشتهر بين الأمة، وتلقّته بالقبول، ولا يجحده أحد ممن يعوّل عليه من علماء الإسلام، بل هم بين عامل به، ومتأوّل له.
وقال النجري: ويدل على إمامتهما الحديث المشهور المتلقى بالقبول - يعني هذا الحديث -.
وقال القاضي أحمد بن يحيى حابس: وصحته إما لأنه متواتر على رأي أو متلقى بالقبول، ولأن العترة أجمعت على صحته.
وقال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام: إنه مجمع على صحته، قال الشرفي: لأنه متلقى بالقبول من الناس جميعاً.
وقال الإمام عز الدين بن الحسن في المعراج: حكى الفقيه حميد إجماع العترة على صحته، قال: وقد ظهر بين الأمة، ولم يعلم من أحد إنكاره، انتهى.
وقال الفقيه عبدالله بن زيد العنسي في المحجة: إنه مما ظهر واشتهر بين الأمة، وتلقته بالقبول، ولم ينكره أحد من المخالفين.
وقال الإمام المهدي لدين الله محمد بن القاسم عليه السلام في الموعظة الحسنة (98) : وهذا الخبر مما أجمعت عليه العترة وهو نص صريح في إمامتهما عليهما السلام ، ورواه الإمام المتوكل على الله إسماعيل في كتاب العقيدة الصحيحة.
أنظر لوامع الأنوار لمولانا الإمام الحجة مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى ج2-584-ط2.

(1/250)


والكلام فيه يتعلق بموضعين، أحدهما: تصحيحه، والثاني: في وجه الإحتجاج به.
أمَّا الكلام في صحته: فهو مما علمته الأمة، وأطبقت على نقله لشهرته، ولم يعلم من أحد منها دفعه؛ فجرى مجرى الأخبار المتعلقة بأصول الدين كالصوم والصلاة كما قدمنا.
وأمَّا الكلام في وجه الإستدلال به: فذلك أظهر؛ لأن قوله -عليه السلام- ((إمامان)) تصريح لهما بالإمامة، وتنبيه بطريقة الأولى لأهل الإستدلال على إمامة أبيهما -عليهم السلام- بقوله: ((خيرٌ منهما))، ثم أكد ذلك بقوله: ((قاما أو قعدا))؛ لأنا نعلم ضرورة أنه -عَلَيْه السَّلام- لا يريد قيام البنية المنافي لقعودهما، وإنما يريد قيام التصرف في الأمة بإنفاذ الأحكام، وقعود المانع من ذلك كما فعلا -عَلَيْهما السَّلام- لما غلب معاوية - لعنه الله- على الأمر؛ لأن لفظ الإمام قد صار بعرف الشريعة إذا أطلق لم يفهم منه إلا ملك التصرف على الكافّة ، وذلك قصدنا بالإمامة، فثبت بذلك إمامتهما-عَلَيْهما السَّلام-.
فإن قيل: إن ظاهر الخبر يوجب إمامتهما -عَلَيْهما السَّلام- في وقت النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- ووقت أبيهما، واشتراكهما في وقت الحسن -عَلَيْه السَّلام-، وأنتم لا تجيزون إمامين في وقت واحد.
قلنا: الأمر كما حكيتم عنَّا، وظاهر الخبر كما قلتم، ولكنَّا خصصنا وقت النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- ووقت أبيهما -عَلَيْه السَّلام- ووقت الحسن -عَلَيْه السَّلام- بإجماع الأمة ، والإجماع دليل يجوز تخصيص الكتاب والسنة، وإجماعهم -عَلَيْهم السَّلام- وهو حجَّة - أيضاً -، كما قدمنا، على أن التصرف في الأمة لا يجوز لأحد في زمن النبيء إلا بإذنه -عليه وآله السلام- وكذلك زمن علي -كرم الله وجهه- وزمن الحسن -سلام الله على روحه- ودخولهم -عليهم السلام- تحت أمر النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- في حياته ، ودخولهما تحت أمر أبيهما -عليه السلام- في حياته أيضاً، ودخول الحسين تحت أمر أخيه الحسن حتى لقي ربَّه مما يعلم ضرورة لكل من عرفهم، فلا وجه للتطويل في شرحه، فهذا هو الكلام في إمامتهما (-عَلَيْهما السَّلام-).

(1/251)


(يتلوه الكلام في أن الإمامة في أولادهما وأنها مقصورة عليهم)
[37]
والحُجَّةُ الظاهرةُ المُعِمَّهْ بالأمر في آلِهِما الأئمهْ شَاهِدُهَا إجمَاعُ هَذِي الأمهْ سَفِينةِ الحقِّ بُدُورِ الظُّلْمَهْ
إذا ألَمَّتْ ظُلَمُ الأَهْوَالِ
إعلم أن الكلام في هذه المسألة يتعين الخلاف فيه بيننا وبين الخوارج والمعتزلة والإمامية.

(1/252)


(1/253)


[ذكر خلاف الخوارج والمعتزلة والإمامية في الإمامة]
فمذهب الخوارج مبني على أن الإمامة جائزة في جميع الناس ما صلحوا بأنفسهم، ولا يعتبرون للإمامة منصباً مخصوصاً، وعمدتهم في ذلك ظاهر الأوامر من الكتاب والسنة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمبادرة إلى الطاعات، وبرواية يضيفونها إلى النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أنه قال: ((أطيعوا السلطان ولو كان عبداً حبشياً)) .
وأما المعتزلة: فيعتبرون المنصب على غير الوجه الذي اعتبرناه؛ لأنهم يقولون بجواز الإمامة في جميع قريش، وإن كانت عندهم لا تجوز في غيرهم من سائر الناس، وعمدتهم في ذلك الخبر الذي قدمنا ذكره من رواية أبي بكر: ((الأئمة من قريش)) .
ومذهب الإمامية: أن الإمامة لا يُعتبر فيها منصب مخصوص، وإنما الإعتبار في ذلك بالنص الوارد عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- على تعيين الأئمة بالتصريح أو بالإشارة بعد تعيين العدد ؛ لأن فرقة منهم ادعت على النبيء -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أنه ذكر كل واحد منهم باسمه وأبيه وأمه ونعته ولقبه.
وفرقة منهم قالت: إنه ذكرهم جملة وقال: ((الأئمة من ولد هذا - يعني الحسين -عَلَيْه السَّلام- - بعدد نقباء بني إسرائيل)) قالوا: وقد ورد النص على إثني عشر نقيباً من ولد الحسين -عَلَيْه السَّلام- بمجموع القولين، هذا أصل خلافهم، ولهم فروع واختلاف لا حاجة إلى شيءٍ من ذكره؛ لأن إبطال الأصل يأتي عليه بأسره.

(1/254)


قالوا: وآخر هؤلاء الإثني عشر الحسن بن علي العسكري، وكانت وفاته -عَلَيْه السَّلام- سنة ستين وما ئتين، وعندهم أنه باقٍ إلى الآن، وأنه سوف يظهر ويملأ الأرض عدلاً، وينشر أمره في جميع الأقطار، وأنه لم يكن بعده من أولاد النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- إلى يومنا هذا من يصلح للإمامة، وأن الإمام يجوز؛ بل يجب ظهور المعجز على يديه، وأن العلم يكون فيه طبعاً، وأنه يجب كونه أعلم الناس بجميع المعلومات، من الغيوب والمكتسبات، وأن المعجز يظهر على يديه، وأن إمامته ثابتة وإن أغلق الباب وأرخى الستر واحتجب عن الأمة حجاباً طويلاً، وأن حاجة الأمة إليه في مصالح الدنيا والآخرة شديدة بحيث لايسد غيره مسده، وأن الدين لا يستقيم إلا به، ويجوزوا مرور الأعصار المتوالية، وانقطاع تكليف كثير من الناس ولا يرونه -عَلَيْه السَّلام-، وهذه مناقضة ظاهرة كما ترى؛ لأن الله -تعالى- من عدله لا يعلق مصلحتنا في الدين بأمر لا نجد إليه سبيلاً.
وقد أغفلنا ذكر خلاف الباطنية؛ لأنهم يظهرون أنهم يعتقدون قصر الإمامة على قوم ينسبون إلى الحسين -عَلَيْه السَّلام- ولم يثبت إليه نسبهم؛ لأنهم لو كانوا من ذريته -عَلَيْه السَّلام-، كما ادعي لهم، لما كانت هجرتهم دار الفساد، وأشياعهم وأتباعهم على الصفة التي علمها جميع العباد؛ لأن النبيء -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- يقول في أهل بيته حاكياً عن ربِّه: ((وخلقت شيعتكم منكم)) ، فالشيعي، كما ترى، من إمامه بنصّ الصادق المصدوق.

(1/255)


ومما نقول لهم على وجه الجدل: أخبرونا؛ هل أنتم أولياء لأئمتكم أم أعداء؟
فإن قالوا: أولياء؛ ظهرت الردة وانكشف الغطاء.
وإن كانوا أعداء؛ فكيف يصح إنتسابهم إليهم وإختصاصهم بهم دون سائر الملأ؟
وإنما أغفلنا ذكرهم وذكر ما يزعمون أنه شبهة لهم؛ لأن خلافهم لا يعد في خلاف فرق الإسلام لانسلاخهم عن الدين، واتخاذهم آيات الله هزواً، وإجماعهم قولاً واحداً على تسمية الشرائع الشريفة نواميس، وطعنهم على الأنبياء -عَلَيْهم السَّلام- بالنسيان.
قالوا: والمناقضة عموماً، وعلى نبينا -عليه وآله السلام- خصوصاً، وكل عاقل متأمل لأحوالهم وأقوالهم يعلم ذلك منهم، لأنه لولا طعنهم عليه لما استخفوا بشريعته -عليه وآله السَّلام-، ولقاموا بلوازمها من الصلاة، والصوم، والحَّج، والزكاة، إلى غير ذلك من شرائع الإسلام، ووقفوا عن مناهيها التي علم نهيه -عليه وآله السلام- عن فعلها ضرورة كشرب الخمر، وإتيان الفاحشة، والنظر إلى غير المحرم، أو الزوجات من النساء، إلى غير ذلك، وربما ينكرون إرتكاب ذلك بألسنتهم وهو يعلم وقوعه منهم ضرورة.
..

(1/256)


ومن ملك نفسه عن ارتكابه ظاهراً منهم؛ فموالاته لمن فعَله تدل على أنه يستجيز فعله؛ لأنه لو كان يعتقد أن فعله محادة لله ورسوله لما والى من فعَله، وإن كان يعتقد أنه من المؤمنين بالله واليوم الآخر؛ لأنه عز من قائل يقول: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}[المجادلة:22] ، فأوجب سبحانه عداوتهم لمحادتهم له، وإن كانت أرحامهم واشجة([1])، وأنسابهم واصلة ، غير أن هذه الآية وغيرها من آيات القرآن لا بدَّ لها عندهم من باطن لا يوافق ظاهرها بحقيقته ولا بمجازه، وأن هذه المحرمات عند أهل الإسلام؛ لنهي النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- فيها من الحِكَمِ والمنافع ما جهله أهل التحصيل من الأئمة الأعلام، وأتباعهم من علماء الإسلام، وأنه لم يحظ بمعرفتها إلا أهل الكتب المخزونة، والأسرار المحجوبة؛ التي لا يُطْلِعُونَ عليها إلا من أخذوا عليه العهود المغلظة، والأيمان المؤكدة، على كتمانها، وإنكار ما ظهر منها.
ولهم كتاب يسمونه (البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم)، ومنهم من يسميه بـ (البلاغ السابع)، و لولا خشية التطويل لذكرنا مما ذكروا فيه طرفاً يكشف عن بلوغهم الغاية القصوى في الإلحاد، والإنسلاخ عن الدين، والخروج عن دائرة المسلمين، فلذلك لم نعد خلافهم في شيءٍ من خلاف أهل الإسلام.
وبإسقاطنا لقول الإمامية يسقط ما أثبتنا عليه من الأقوال، فهذا مذهب المخالفين في هذه المسألة، ولا بد بمشيئة الله -تعالى- من إبطال كل قول من أقوالهم بأدلة قاطعة لا يمكن دفعها إلا بالمكابرة.
_____________
([1]) ـ واشجة: بمعنى مرتبطة ومختلطة، تمت.

(1/257)


[بيان مذهب الزيدية في مسألة الإمامة]
ومذهبنا في هذه المسألة أن الإمامة بعد علي وولديه الحسن والحسين -صلوات الله عليهم- فيمن قام ودعا من أولادهما -عَلَيْهما السَّلام-، وأن الإمامة مقصورة فيهم، وأن القول بالنص باطل.
[شروط الإمامة وما يجوز على الإمام ومالا يجوز]
وأن الإمام من أولادهما لا تصح إمامته بعد الدعوى إلا باجتماع شرائطها:
أولها: أن يكون ذكراً، حراً، بالغاً، فاضلاً، عالماً، ورعاً، زاهداً، شجاعاً، سخياً، قوياً على تدبير الأمروالسياسة، سليماً من الآفات المنفرة المانعة من القيام بالأمر، وسد الثغر.
وأنه يجوز عليه السهو، والغفلة، والنسيان، والمعصية، كما يجوز ذلك على غيره من الناس، وأن المعصية إذا وقعت منه كبيرة سقطت إمامته، وأنه لا يجب القول بعصمته والقطع على مغيبه، وأنَّا إنما تعبدنا بالنظر في سلامة ظاهره دون باطنه؛ لأن الله -تعالى- لعدله لا يكلفنا أمراً إلا ويجعل لنا طريقاً إلى معرفته.
وأنه لا يجوز له كتمان نسبه، مع الدعاء إلى نفسه وإيجاب طاعته، ولا يجوز له الحجاب الغليظ عن رعيته؛ بل يعلمهم رشدهم بلطفه، ويشاركهم في مهمات الحروب بنفسه، كما فعل النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- ووصيه، والطيبون من ذريته،ولا يجوز أن يكون متكبراً ولا متجبراً؛ بل يكون كما حكى الله -تعالى- عن ذم المشركين لجده في قولهم: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ}[الفرقان:7] .

(1/258)


والنبوءة أعلى درجة من الإمامة،وذم المشركين لا يكون إلا بما يتضمن المدح للمؤمنين كما حكى الله عن قوم لوط في ذمهم له ولأهل بيته بأنهم أناس يتطهرون، ولا يشغله عن إصلاح أمر الأمة لذّاتُ الدنيا.
وأن يكون أدنى الناس وأقصاهم عنده في الحق سواء، على منهاج السلف الصالح من علي، وولديه، وزيد بن علي -عَلَيْهم السَّلام-.
فهذا مذهبنا في هذا الفصل من الإمامة مجرداً، وسيأتي من الأدلة القاطعة على صحته بمشيئة الله وعونه ماوعدنا؛ ونحن نتكلم في بطلان هذه المذاهب التي قدمنا ذكرها مذهباً مذهباً، فنبدأ من ذلك بالكلام على الخوارج؛ لأن قولهم أعم، والإبتداء بذكره أهم، ثم نتبعه بالكلام على المعتزلة لمثل ذلك، ثم نتكلم بعد ذلك على الإمامية.
[الكلام على قول الخوارج في مسألة الإمامة]
أمَّا الكلام على الخوارج: فلنا فيه طريقان؛ جملية، وتفصيلية.
أمَّا الجملية؛ فنقول: إن قولكم بتجويز الإمامة في جميع الناس قول لا دليل عليه، وكل قول لا دليل عليه فهو باطل.
أمَّا أنه لا دليل عليه: فلأن الأدلة عقلية وسمعية، ولا دليل في العقل على وجوب الإمامة على الوجه الذي يصيرها شرعية رأساً؛ لأن الإمامة على مقتضى الشرع جاءت على وجه لولا الشرع لما حسُنت كإهلاك النفوس، وأخذ مال الغير، وقتله إن امتنع من ذلك، وهدم المنازل ، وقطع يد السارق، وتأديب الخائن، وجرمهما سواء بل جرم الخائن أدهى، إلى غير ذلك مما يعلمه العلماء، فهذا كما ترى يوجب في العقل نفي الإمامة فضلاً عن كون العقل عليها دليلاً.

(1/259)


وأمَّا السمع: فهو الكتاب الشريف، والسنة الماضية المقدسة، ولا يمكن إدعاء الدلالة على ذلك منهما -زادهما الله شرفاً-.
وأما الإجماع فبطلان دعوى الدلالة فيه أظهر من أن يخفى.
وأمَّا التفصيلية: فأن نتتبع أهم ما يمكنهم التعلق به من آيات الكتاب الكريم فنذكر منه طرفاً يكون على غيره دليلاً، وكذلك السنة الشريفة نذكر منها على مثل ذلك شاهداً.
أمَّا الكتاب الكريم: فالذي يمكنهم توهم الإحتجاج به آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأشفها قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(104)}[آل عمران:104] .
قالوا: فأمَرَ الله -سبحانه- بذلك أمراً واحداً عاماً، والإمام لا يراد إلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الجواب عن ذلك؛ أنَّا نقول: إن هذا الكلام بأن يكون عليكم أولى من أن يكون لكم؛ لأن قوله سبحانه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ}[آل عمران:104] تدل على التخصيص للبعض منَّا، وذلك البعض المخصوص هم العترة النجباء، على ما يأتي بيانه بعون الله -تعالى- فسقط تعلقهم بالظاهر، فإن رجعوا إلى التأويل فنحن به أولى.

(1/260)


وأمَّا من معنى الآية: فلأنه قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ}[آل عمران:104] ، فدل على أن المأمور جماعة، والإمامة لا تصح بالإجماع إلا لواحد، فبطل - أيضاً - تعلقهم بالآية من جهة المعنى.
وأمَّا الذي يدل على بطلان تعلقهم بهذه الآية من جهة الحكم: فلأنَّا نقول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كانت الإمامة تأتي عليهما لدخولهما في أعمالها، وهما مما يصح قيام الأمة بهما مع فقد الأئمة كما قدمنا.
والإمامة تنفرد بأحكام أخر نحو: قطع السارق على وجه دون وجه، وقتل الزاني على وجه دون وجه، إلى غير ذلك مما لا يجوز لغير أئمة الهدى بما نبينه بمشيئة الله آخراً.
ومما يلحق بذلك مما يتعلقون به قول الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10)أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ(11)}[الواقعة] ، فحض على المسابقة بالترغيب فيها، وتفخيم حال فاعلها.
وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)}[آل عمران] .
قالوا: وهذا أمر؛ والأمر يقتضي الوجوب على الكافة، والوجوب أعلى رتبة من الجواز في هذا المعنى، والخطاب عام للكافة من الملأ، وهذا يقتضي جواز الإمامة في جميع الناس كما حكيتم عنا.
والمسابقة إلى المغفرة لا تكون إلا بأعلى الطاعات وأكثرها مشقة وليس ذلك إلا للإمامة، قالوا: فثبت ما قلنا.

(1/261)


الجواب عن ذلك؛ أنَّا نقول: هذا خطاب عام كما ذكرتم لكافة المكلفين، ومن جملتهم المماليك والنساء وأهل العاهة، والزمناء؛ لأن الطاعة إسم لما يريده المطاع مما يدخل تحت إمكان المطيع عند جميع العلماء، فلو كان ذلك يفيد بظاهره الإمامة لدخل من أطبقت الأمة على خروجه عنه من المماليك، والنساء، وأهل العاهة، والزمانة من الورى، فسقط التعلق بالظاهر.
فإن قالوا: نحن نخرج من ذكرتم على هذا الظاهر بأدلة.
قلنا: فلستم بالتأويل أولى منَّا، وكذلك نحن نخرج من سوى ولد الحسن والحسين بأدلة تأتي فيما بعد إنشاء الله تعالى.
[الكلام على حديث ((أطيعوا السلطان.....إلخ))]
فإن قيل: فقد قال النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((أطيعوا السلطان ولو كان عبداً حبشياً)) .
قلنا: هذا لم يصح عنه -عليه وآله السلام-، فإن صحّ فلا تعلّق لهم به لوجهين.
أحدهما: أن لفظ السلطان إذا أُطلق لم يسبق إلى الفهم منه الإمام، وكلام النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- يجب حمله على السابق إلى الأفهام، فإذا أريد به الإمام كان لابد من قرينة كقولهم: سلطان الحق، وما أشبه ذلك.

(1/262)


وثانيهما: أن ظاهر الخبر إن حمل على الحقيقة دلّ على بطلان ما قالوه، فكيف يجعلونه عليه دليلاً !!؟؛ لأن لفظ العبد في الشريعة إذا أطلق ناقض لفظ الحُر فكان يفيد بظاهره جواز إمامة المملوك وهم لا يقولونه، ولأنهم لو قالوه بطل؛ لأن المملوك لا يلي أمر نفسه ولا تصرفه، فكيف يلي أمر الكافة والتصرف في الأمة عموماً !!؟، فسقط التعلق بظاهره، فإن عدلوا إلى التأويل فنحن عليه أقوى، وبه أدرى.
وقولنا: إن المراد بهذا الخبر، إن صح، الحض على طاعة الأمراء كما أمَّر -عليه وآله السلام- زيداً([2]) وكان فيما تقدم عبداً فبيَّن بذلك -عليه وآله السلام- أن العبودية في باب الإمارة لا تجيز المخالفة وأن الطاعة لسلطان البلدة أو الجيش من الله -سبحانه- فرض وإن كان حبشياً؛ لأن التحري في ذلك إلى الإمام، وقد يكون فيهم من يصلح لذلك بخلاف الإمامة فلا تكون إلا شرعية، كما نذكره في موضعه، فعلى هذا يحمل هذا الخبر، إن صح، وقس على ما قدمنا جميع ما يأتي من هذا الباب موفقاً إنشاء الله تعالى.
_____________
([2]) ـ يريد الإمام عليه السلام بزيد زيد بن حارثة الذي أمَّره رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- على الجيش في غزوة مؤتة بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب عليه السلام؛ لأنه قال: ((إن قُتل جعفر فزيد بن حارثة، وإن قتل زيد فعبدالله بن رواحة)) رحمهم الله جميعاً، ومراد الإمام أن زيد بن حارثة كان عبداً لرسول الله فمنَّ عليه فأعتقه، تمت.

(1/263)


[الكلام على مذهب المعتزلة في الإمامة]
وأمَّا الكلام على المعتزلة: فعمدتهم فيما ذهبوا إليه من جواز الإمامة في جميع قريش وجهان؛ وهما يرجعان عند التحقيق وجهاً.
أحدهما: إجماع الأمة، قالوا على اختيار أبي بكر والعقد له، فلولا جوازها في قريش لما أجمعوا على ذلك؛ لأنهم لا يجمعون على الخطأ.
والثاني: حديث أبي بكر الذي روى أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- قال: ((الأئمة من قريش)) .
ونحن نتكلم على الوجهين بما يبطل ما ذهبوا إليه ونثبت ما قلنا.
أمَّا الإجماع: فقد بينا -بما تقدم- أن الإجماع لم يقع على إمامة أبي بكر وقتاً واحداً من ثم إلى يومنا هذا؛ لأن النزاع وقع - كما بينا- على أبلغ الوجوه في الإبتداء، وبعد ذلك كان للسكوت وجه يصرف إليه غير الرضاء، وهو استظهار صاحب الأمر والخوف من انشقاق العصا.
وأما إحتجاجهم بالخبر فقد بينا، بما تقدم، أن الإحتجاج به لنا أولى؛ لأن (مِنْ) للتبعيض، ونحن بعض قريش؛ بل أشرف أبعاضها.
ولبيان الجنس، ولا شك في أن جنسنا قرشيٌّ محضٌ...

(1/264)


[إبطال كون العقد والإختيار طريقاً إلى الإمامة]
وقد ذكرنا العقد والإختيار فلا بد من الإستدلال على أنهما لا يكونان طريقاً إلى الإمامة أصلاً، فنقول: ذلك باطل لوجهين.
أحدهما: أنه لا دليل في العقل ولا في الشرع يدل على كون العقد والإختيار طريقاً إلى الإمامة.
أما العقل: فقد ثبت أن الإمامة من أمور الدين المهمة، وأركانه القويَّة، فلا يجوز أن يثبت بطريق لا توصل إلى العلم.
ومن قال بالإختيار لم يوجب أكثر من خمسة يعقدون لواحد بأن يختاروه باجتهاد أنفسهم، ولم يشرط أحد من أهل هذه المقالة عصمتهم، وإذا كان الأمر كذلك فالعقل كما يجوز نصيحتهم يجوز خيانتهم أو محاباتهم، كما نعلم من حال أَنْفُسِ من اختار أبا بكر، ولأنَّا لو قطعنا على نصيحتهم؛ لم نأمن من خطأهم في إختيارهم، فيختارون من يكون إختياره سبباً لإشتعال نار الفتنة، وتنكباً لاحِبَ المحجة كما قد كان...

(1/265)


والإمامة إنما وجبت لكونها مصلحة في الدين، ولايعلم المصالح إلا الله -تعالى- فطريقها يجب أن تكون معلومة بأدلة معلومة من قبله تعالى، ولا يمكنهم إدعاء الإجماع في معنى العقد وإن إختلف في عين الإمام ومنصبه؛ لأنَّا نعلم أن عليًّا ومن قال بقوله، لم يفزعوا إلى العقد أصلاً، فلهذا قال العبَّاس -رضي الله عنه-: (أبسط يدك لأبايعك)، ولم يقل: اجتمع مع أربعة ونعقد الأمر لك.
ولأن عليًّا -عَلَيْه السَّلام- كان يلزمهم الإتباع له في مقامات المجادلة إلزاماً يكشف عن إسقاط العقد جملة؛ لأن صاحب العقد لا يلزمهم بيعته ولا طاعته إذ الأمر في ذلك إليهم دونه.
فإن إختاروه وعقدوا له؛ لم يكن له إعتراضهم،وعلي -عليه السلام- دعاهم إلى بيعته تصريحاً، وتعريضاً، وإشارة، وبكتهم، وذكرهم، وكذلك الأئمة من أولاده -عليه السلام- إلى يومنا هذا، إذا علم أحدهم تَوَجُّهَ الفرض عليه دعا الناس إلى بيعته، وألزمهم الدخول فيها، ولم يكل ذلك إليهم ولا يفوضهم في إختياره، وذلك ظاهر.

(1/266)


[الكلام على مذهب الإمامية في الإمامة]
[أولاً: إبطال النص]
وأمَّا الكلام على الإمامية: فاعلم أن كلامهم مبني على النص الذي ادعوه، ومنذ بيان بطلانه يبطل ما قالوه فيه وما ابتنى عليه من قول الباطنية
والذي يدل على بطلانه؛ أنَّا نقول:إن التعبد بالنص لا يخلو إمَّا أن يكون عاماً للكافة لازماً فرضه للجميع، أو لا يكون كذلك، ولا قائل بأنه لا يلزم أحداً، فإن كان كذلك لم يكن بد إمَّا أن يكلف به البعض، أو الكل، وترددت القسمة بينهما.
فإن قيل: تكليف العلم بالنص والمنصوص عليه فرض على الجميع.
قلنا: قد ثبت أن الله -تعالى- عدل، حكيم، لا عبث في حكمته، ولا ظلم في شيءٍ من أفعاله، فكان لا يخلو إما أن يجعل لنا إلى العلم بما تعبدنا به طريقاً، أو لايجعل.
باطل أن لا يجعل لنا إلى العلم بما كلفه طريقاً؛ لأن إزاحة العلَّة عليه واجبة...

(1/267)


وحصول العلم لنا بغير طريق مستحيل فكان تكليفه لنا بذلك يكون تكليفاً بما لا يُعلمَ، وتكليف ما لا يُعلمَ قبيح، والله -تعالى- لا يفعل القبيح لما تقدم بيانه.
وإن جعل لنا إليه طريقاً فهي لا تخلو إمَّا أن تكون سمعية أو عقلية، ولا طريق في العقل يوصل إلى ذلك.
والسمع هو الكتاب، والسنة، والإجماع، وهم لا يدعون ذلك من الكتاب، ولا إلى تصحيحه سبيل، ومن جهالهم من يقول: قد كان في الكتاب فسقط، وسيأتي الكلام على أن القرآن لا يجوز أن يسقط منه شيءٌ.
ويؤكد ذلك أن هذا التجويز يفتح باب الجهالات؛ لأن لمدعٍ أن يدعي أن صيام شهر مع شهر رمضان قد كان فرض علينا بالكتاب ثم سقط لفظه ونسخ، وكذلك الحج إلى بيت آخر، إلى غير ذلك، فإذا كان ذلك باطلاً قضي ببطلان ما أدى إليه.
وإن ادعوا طريقه من السنة؛ قلنا: العلم بذلك لا يخلو إمَّا أن يكون ضرورياً أو مكتسباً.
فإن كان ضرورياً: إشترك في العلم به الكافة ممن احتج به، ومن احتُجَّ به عليه، كما ثبت في النص على أمير المؤمنين وولديه -عَلَيْهم السَّلام- ووقع الكلام في كيفية الإستدلال به لا غير.....

(1/268)


وإن كان العلم به إستدلالياً: فلا يثبت إلا بالتواتر والنقل المطرد([3])، ولا يمكنهم تصحيح إضافة هذا القول إلى آحاد المتقدمين من أهل البيت -عَلَيْهم السَّلام- ولا الصالحين في الصدر الأول، فكيف يقال بأنهم نقلوه نقلاً متواتراً !؟، ولأنهم في أنفسهم([4]) يأتون لأمرهم على الوَهَم؛ لأنهم لو كانوا من النص على يقين لم يختلفوا فيه كما لم نختلف في النص على أمير المؤمنين وولديه -عَلَيْهم السَّلام- لفظاً ولا حكماً، فلما اختلفوا في ذلك، كما حكينا عنهم، وهم لا ينكرون ما حكينا، علمنا؛ بل علم كل عاقل منصف أنهم على وهوم لا حقيقة لها عندهم فضلاً عن غيرهم، ولا قائل بأن التعبد بالعلم بالنص المنصوص عليه يخص بعضاً دون بعض.فإن قيل بذلك؛ بطل؛ لأن الإجماع منعقد بأن فرض الإمامة من الفروض التي عم الحكيم -سبحانه- بالتعبد بها جميع العقلاء، فالقول بغير ذلك لا يجوز، فقد تبين لك بطلان قولهم بالنص من كل وجه بالبرهان الواضح.
__________________
([3]) ـ النقل المطرد: هو الذي إذا ثبت صح الإستدلال به، وإذا انتفى بطل الإستدلال به، ويلزم من الإستدلال به على الوجه الصحيح ثبوت صحته، ومن ثبوت صحته صحة الاستدلال به. تمت.
([4]) ـ الضمير عائد إلى الإمامية، تمت.

(1/269)


[ثانياً: إبطال قصر الإمامة في ولد الحسين(ع) دون ولد الحسن(ع)]
فإن قيل: فما تقولون لقائل إن قال: إن قصر الإمامة على ولد الحسين -عَلَيْه السَّلام- دون ولد الحسن ثابت بإجماعكم مع الإمامية بجوازها فيهم على الوجه الذي أوجبتم به قصر الإمامة على أولادهما جميعاً، والإجماع آكد الدلالة؟.
قلنا: هذا باطل بوجهين:
أحدهما: أن الإجماع سابق من الأئمة الكافة من العترة الطَّاهرة من ولد الحسن والحسين -عَلَيْهم السَّلام- ومن الأمة على خلافه ؛ لأنه لم يعلم في الصدر الأول منهم -عَلَيْهم السَّلام- ولا من غيرهم القول بأن الإمامة لا تجوز في أولاد الحسن؛ بل كان القائم متى قام تابعه الفريقان من العترة -عَلَيْهم السَّلام-، والعلم بذلك ضروري لمن علم قصصهم وأخبارهم وتتبع آثارهم.
هذا محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، النفس الزكية([5]) -عَلَيْه السَّلام- إجتمع عليه جميع العترة الطَّاهرة من ولد الحسن والحسين -عَلَيْهم السَّلام- فبايعوه وآثروا الجهاد بين يديه على الحياة في الدنيا حتى كان أول قتيل من المسودة الفجرة قتل بين يديه -عَلَيْه السَّلام-، إشترك في قتله موسى وعبدالله ابنا جعفر بن محمد -عَلَيْه السَّلام-، وكان من أكابر من حضر في حروبه - أيضاً - من أولاد الحسين -عليه السلام- عيسى والحسين ابنا زيد بن علي.
_____________
([5]) ـ ستأتي ترجمته وذكر من بايعه في الجزء الثاني إنشاء الله تعالى.

(1/270)


والثاني من الوجهين؛ أنَّا نقول: هذه الدعوى لاحقة بدعوى اليهود -لعنهم الله تعالى-؛ لأنهم قالوا لنا: ألستم قد أجمعتم معنا على نبوءة موسى -عَلَيْه السَّلام- وخالفناكم في نبوءة محمد -عليه وآله السلام- فنحن بالحق أولى؟.
فإنَّا نقول: قد أجمعنا على نبوءة موسى الذي بشر بنبوة محمد وعيسى -عَلَيْهما السَّلام-، فإن كان موسى الذي ذكرتم جحدهما؛ فنحن له جاحدون، وبنبوته كافرون.
وجوابنا لأهل هذا القول بجوابنا لليهود؛ فإنَّا نقول بجواز الإمامة من ولد الحسين -عَلَيْه السَّلام- لمن لم ينكر جواز الإمامة لأولاد الحسن -عَلَيْهم السَّلام-، فمن أنكر جواز الإمامة في ولد الحسن من ولد الحسين لم تجز عندنا إمامته، وسقطت بذلك عدالته، فضلاً عن إمامته، فقد رأيت كيف لحق التفريق بين الأئمة الهادين بالتفريق بين النبيئين؛ لا نفرق بين أحد منهم {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(285)}[البقرة] .
ومع ذلك فإن معولهم على النص وعند بطلانه يرتفع الخلاف بيننا وبينهم، وقد بينا بطلانه بما تقدم، وإذ قد فرغنا من الكلام فيه وفي توابعه، فلنتكلم على أقوالهم التي بنوها عليه قولاً قولاً بأدلة مختصرة كافية لكل مستبصر متدبر.

(1/271)


[إبطال قول الإمامية بالغيبة على الإمام مع صحة إمامته]
فأولها: دعواهم للغيبة على الإمام مع صحة إمامته، وحاجة الأمة إليه، ولزوم طاعته.
فنقول ولا قوة إلا بالله: الذي يدل على بطلان دعوى الإنكتام والغيبة مع شدة الحاجة إلى الإمام قول الله -سبحانه وتعالى- فيه خصوصاً، وفي العلماء عموماً: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}[فاطر:28] ، وقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا}[البقرة] ، وهذا غاية التهديد والذم، كما ترى، والأئمة من أخشى الناس لله -تعالى- والمعصية عند المخالف لا تجوز عليهم.
وعندنا فيما تعلق به الوعيد تسقط إمامتهم، والبيان لا يكون مع الإنكتام عند جميع العقلاء.
وعندنا أنه أريد لأمور شرعية لا يقوم بها سواه، وعندهم أنه منوط به مصالح الدين والدنيا، حتى لا يُستغنى عنه في شيءٍ من الأشياء، فالحاجة كما ترى إلى ظهوره واشتهاره على قولهم أقوى، ويؤدي إلى أن لا يجوز عليه الإنكتام طرفة عين، إذ ما به وقت إلا والحاجة إليه داعية لاستغراق الحوائج في الدين والدنيا بجميع الأوقات.
والحكيم - سبحانه - لا يخرجنا إلى أمر في ديننا إلا ويجعل لنا إليه سبيلاً؛ ولأن الإقتداء بالنبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- واجب على الأئمة من ولده -عليه وآله السلام- خصوصاً، ولم لا وقد قال تعالى: {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ}[النور:63] !؟، والأمر يشمل القول والفعل، وذلك معنى الإقتداء.
وعلم وجوب اتباع منهاجه من دينه ضرورة، ولم يزل -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- شاهراً لنفسه، داعياً إلى ربِّه، بأحسن الموعظة، والدعاء من الإبتداء إلى الإنتهاء من لقاء ربِّه تعالى.

(1/272)


وكذلك عليٌّ وولداه -عَلَيْهم السَّلام- شهروا نفوسهم لإيجاب الحجَّة على الأمة حتى لقوا الله -تعالى- وكيف يكتمون أنفسهم وهم المفزع في الغوامض والمشكلات لطلاب الدين !؟، فلو كِيْدَ الدينُ لم يُكَدْ بأكثر من مغيب أربابه، وورثة كتابه، وكيف يضاف ذلك إلى اختيارهم أو اختيار الله فيهم !؟.
[مجادلة حسنة للإمامية في إبطال الغيبة]
ومما نجادلهم به؛ أنَّا نقول لهم: إمامكم يا معشر الإمامية في حال هذه الغيبة مجاهدٌ أم قاعدٌ؟.
فإن قالوا: مجاهدٌ، عُلِمَ بطلان قولهم ضرورة، وإن قالوا: قاعدٌ، قلنا: فالقائمون من أهل بيت النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- في عصرنا هذا وفيما بيننا وبينه من الأعصار أفضل منه بشهادة الصادق الذي لايكذب؛ وذلك ظاهر في قوله تعالى: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95)}[النساء:95] ، وفي قوله سبحانه: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}[الحديد:10] .
ومعلوم أن من قام بعده قد اختصوا بالإنفاق قبل فتحه، الذي تدعون له، وقاتلوا فكانوا أعظم منه درجة بنص الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا مخلص لهم من الإلزام إلا الرجوع إلى الحق، وأن فرضه -عَلَيْه السَّلام- قد سقط بالموت الذي يزيل التعبد، ولا بد لكل حي، سوى الحي لذاته، من ورود حوضه.
ومما يقال لهم: أخبرونا؛ هل تقضون بإمامة إمام يخالف عليًّا -عَلَيْه السَّلام- في منهاجه ويتبع غير سبيله؟.

(1/273)


فإن قالوا: نعم، أبطلوا بإجماع الأمة القائلين بتقديم علي وتأخره، وإجماع العترة الطاهرة -عليهم السلام- أن كل إمام لا يسلك منهاج علي لا يجوز القول بصحة إمامته؛ ولهذا قال إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن -صلوات الله عليهم- بعد قيامه في البصرة ومتابعة الناس له، وقد حضَّه بعض أصحابه على ترك الرفق الذي كان من شيمته وشيمة آبائه -عَلَيْهم السَّلام- مخاطباً لذلك الحاض له: "هل هي إلا سيرة علي أو النار"، فتركوا نزاعه، وعلموا أنه -عَلَيْه السَّلام- على منهاج لا يجوز تنكبه.
وإن قالوا: لا بد من اتباعه، ولا بد من سلوك منهاج علي -عَلَيْه السَّلام- وإلا بطلت إمامته.
قلنا: فمنهاج علي المعلوم لأهل الآثار ضرورة عَرْضُهُ لنفسه على الكافة وذِكْرُ فضائله التي يمر بها عليهم في المجامع الحافلة، إلى غير ذلك مما يطول شرحه.
فمن قام من أولاده -عَلَيْه السَّلام- من بعده حتى استجنت قلوب أعاديه، واشرأبت قلوب أوليائه، وثقلت على الظالمين وطأته، فمن كتم نفسه وضيع رعيته بعد ذلك، علمنا أنه قد سلك غير منهاجه ، وسقطت بذلك إمامته، ولم تلزم بعد ذلك طاعته؛ لأنَّا لا نأمن إن رجع إلينا ونهضنا معه أن يقودنا ثانياً كما فعل أولاً، ومثل هذا لا يجوز على الأئمة -عَلَيْهم السَّلام- مع بقاء الإمامة، فيجب القضاء بفساده.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون فعل ذلك لأمر بلغه عن علي -عَلَيْه السَّلام- !؟، فالعلوم عندهم محفوظة، وهم خزائنها؟.
قلنا: لأن عليًّا -عَلَيْه السَّلام- إن أمره به فلا يخلو إمَّا أن يكون بِرّاً أو فُجُورَاً، ولا يجوز أن يأمر -عَلَيْه السَّلام- بالفجور لما بينا في الدلالة على إمامته من ثبوت عصمته. وإن كان بِرَّاً لم يجز أن يأمر به أحداً من عترته إلا بعد فعله، لقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ}[البقرة:44] ، وأمثال هذا كثير لو استقصيناه؛ ولكنا نميل إلى الإختصار، فإن رغب في الإزدياد من ذلك راغب وجد عندنا منه بحمد الله شفاءَه وحاجته.

(1/274)