|

مناظرة
القاسم للملحد
بسم الله الرحمن الرحيم(1)
الحمد لله رب العالمين وسلام على عباده الذين اصطفى ، وبعد فإن دين
الاسلام زاده اللّه شرفا وقوى دعا ئمه هو:
1ـ كتاب اللّه تعالى .
2 ـ وسنة رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم .
3 ـ وما دل عليه من الادله ولأ حكام الشرعية .
أ ما دلالتها على الأدله الشرعية فكدلالة الكتاب العزيز على :
أ ـ أن العقل حجة حيث قال تعالى : { فألهمها فجورها وتقواها } (1 )
ب ـ وعلى أن القياس حجة ، حيث قال تعالى : { وما اختلفتم فيه من شى
فحكمه الى اللّه } (1 )
أى مرد ود إلى اللّه هو: الرد إ لى كتابه وإلى ما جاء به رسول
اللّه صلى اللّه عليه وآ له وسلم عن اللّه تعالى ، وقال تعالى : {
فاءن تنازعتم في شى فردوه إلى اللّه والرسول } (1 ) ، والرد اليهما
هوا ما ذكرناه ، وذلك يقضى بأن الرد الى الكتاب والسنة إ ذا لم يكن
نصا وجب أ ن يكون ردا إ لى الأ صول منهما بجامع بين الأ صل والفرع
(1 ) . ومن قال أن الرد إ لى اللّه وإلى الرسول غير ما ذكرنا فقد أ
تى بالمحال ،وحاول إبطال خطاب ذى الجلال .
ج ـ وكدلالة الكتاب والسنة على أن الاجماع حجة ، حيث دلت آية
التطهير (3 ) ، وأخبار التمسك بالكتاب وأهل البيت عليهم السلام
وخبر السفينه (1 ) . وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : (( النجوم
أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتى أمان لأمتي من الإختلاف ))
فإذا خالفتهم قبيلة من العرب صارت حزب إبليس (1 ) ونحوه . وأخبار :
((لاتزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين )) (1) لإشتمال إجماع
الأمة على ذلك (1) فصار حجة فيما له أصل يرجع إليه من الكتاب
والسنة .(عدم حجية الرأى )
(1/1)
وليس بحجة في الرأى ،
لقوله تعالى { لولا كتاب من اللّه سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم
} (2) ، لما أ جمع النبى صلى اللّه عليه وآله وسلم والموجود من
أمته على رأى رأوه في أخذ الفداء من الأسرى 0 ولقوله صلى اللّه
عليه وآله وسلم : ((ستفترق أمتي علي بضع وسبعين فرقة ، يقيسون
الأمور برأيهم فيحرمون الحلال ويحلون الحرام )) (1) ولما رواه مسلم
عن النبى صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : ((إنما أنا بشر إذا
أمرتكم بشى من دينكم فخذوا به ، وإن أمرتكم بشي من رأيي فإنما أنا
بشر )) (1) وذالك دليل على أن الرأي وإن أجمع عليه فليس بحجة (3)0
(دلالت الكتاب والسنة على الأحكام )
وأما دلالتهما على الأحكام الشرعية فهوا ما دل عليه المحكم من كتاب
اللّه تعالى دون المتشابه من ، وكذلك السنة لقوله تعلى : {فيه آيات
محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين فى قلوبهم زيغ
فيتبعون ماتشابه منه } (1) الآية.
فيجب إجتناب المتشابه والعمل بالمحكم لقوله تعالى:{ إن هذا القرآن
يهدى للتي هي أقوم } (2) , ولأنه قول اللّه تعالى :{والله يقول
الحق وهو يهدي السبيل }(1) 0 والكتاب العزيز : هو المشتمل عليه
المصحف متواتراً 0 والسنة النبوية : ما جاء في خطاب رسول اللّه صلى
اللّه عليه وآله وسلم ، وأفعاله ، وتقريراته مع معرفة الوجه فيهما
(1) 0 وشروط قبول الخبر أن يكون :
1 ـ متواتراً في الجميع 0
2ـ أوتلقته الامة أو أهل الحق بالقبول 0
(1/2)
3 ـ أو كان راويه
عدلاً ، وله في الكتاب شاهد 0 أما المتواتر فلإفادته العلم ، وأما
المتلقى بالقبول فلما مر (1) مع خلوه من الرأي 0 واما ماوافق
الكتاب فلقوله تعالى : {وأن هذا صراطى مستقيماً فأتبعوه ولا تتبعوا
السبل فتفرق بكم عن سبيله} (3) ولقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم
:(( سيكذب علي فما روي عني فأعرضوه على كتاب اللّه )) الخبر (4) 0
وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم :((اعرضوا حد يثي على كتاب اللّه
فإن وافقه فهو مني وانا قلته )) (1) 0 وأما الإعتماد على الظن فيما
عدا ذلك فإن اللّه يقول :{إن الظن لايغني من الحق شيئا } (2) الآية
ونحوها ، وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم :((إياكم والظن فإن الظن
أكذب الحديث))(3) 0 وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ((إنما انابشر
مثلكم وإن الظن يخطي ويصيب ولكن ماقلت لكم : قال اللّه فلن أكذب
على اللّه } (1) 0 فإن لمم يكن له من الكتاب شاهد فلا يؤمن أن يكون
من السبل المتفرقه عن سبيله ، ولعلمنا بعدم عصمة الآحاد ، وبوقوع
السهو والغلط من المسلمين ، وبأكتتام المنافقين ، وتجريهم على
اللّه وعلى رسوله بالكذب ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
وسلم : ((إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)) (2) 0
(1/3)
( اشتال الكتاب
والسنة ) 0 والكتاب والسنة وردا باللسان العربي لقوله :{بلسان عربي
مبين } (1) الأية ونحوها 0 وهو يشتمل على : الحقيقة ، والجاز ،
والكناية 0 والمتواطي ، والمشكك ، والمشترك ، والمترادف 0 وعلى
الطلب ومنه : الأمر ، والنهي 0 وعلى الخبر مطلقا وبمعنى أيهما
والمجمل والمبين ، والمطلق والمقيد ، والعموم والخصوص ، والنص
والظاهر والمؤو ل 0 ويشتمل الكتاب والسنه على: الناسخ والممنسوخ ن
ويقل التعارض ،أما الكتاب والمتواتر فلا تعارض بين القطعيات ، وأما
ما عدى ذلك من السنة فلإلتحاقه بهما والله أعلم 0 (فصل)0 الحقيقة
هي : القول الموضوع لمعني ، وهي : أصلية كأسد 0 وعرفية عامة إن لم
يتعين ناقلها كدابة لذوات الآربع ، وإن تعين فعرفية خاصة كالنحو 0
وماوضعه الشارع فشرعية كالصلاة ، وشرعية دينية كمؤمن وكافر (1) 0
والجاز: القول الستعمل في غير اوضع له لعلاقة جاعة بينه وبين
الحقيقة ، كأسد للرجل الشجاع بواسطة الإقدام 0 وهوفي الكتاب العزيز
نحو قوله تعالى : {واخفض جناحك للمؤنين وفي السنة } ، وفي نحو قوله
صلى اللّه عليه وآله وسلم : ((أنامدينة العلم وعلى بابها ))0
والكناية:ماأطلق اللفظ على الممعنى المموضوع له والممراد به لازمه
كطويل النجاد 0
(فصل) ودلالة اللفظ على ماأريد به ممن الممعاني إنكان جملة الشيء
فممطبقة كقولك :(رجل) للفرد من الآدميين : ويدل على بعضه تضمن 0
وعلى صفته نحو كونه إلتزام 0 ولالات الخطاب : مماكان موافقاً
للمنطوق كقوله تعالى : {ولاتقل ً
لهَهُمَا أفٍ } فإنه يدل على تحريم الضرب بالأولى ويسمى (فحوى
الخطاب ) 0 ومكان مخالفاً للمنطوق : فالصفة : إن كانت موجبة للحكم
مثل : { الزانية والزاني} كان من لم يشاركه فيها بخلافه في هذا
الحكم 0 وكذلك مممفوومممم الشرط : لأنه الباعث على الحكم
(1/4)
ودلالات الخطاب :
ماكان موافقاً للمنطوق كقوله تعالى {ولاتقل لهما أفٍ } فإنه يدل
على تحريم الضرب بالأولى ويسمى (فحوى الخطاب ) وماكان مخالفاً
للمنطوق : فالصفة : إن كانت موجبة للحكم مثل {الزانية والزاني }
كان من لم يشاركه فيها بخلافه في هذا الحكم 0 وكذلك مفهوم الشرط :
لأنه الباعث على الحكم 0 ومقهوم العدد : إن كان جواباً لكم ، أو
كان مازاد عليه محظوراً في الأصل كقول تعالى : {فأجلوا كل وحدٍ
منهما مائة جلدة } فالمانع الحظر العقلى وماسوى ذالك فمسكوت منه
لايفهم منه نفي الحكم ولاإثباته ، فإن قام دليل على مشاركة المسكوت
منه المنطوق به في الحكم عمل به كالربائب اللأتي في غير الحجور
وإلا فلا والله اعلم (5) 0 والمتواطي: مايطلق على فرد فرد لأمر
مقصود للواضع ، كرجل للذكر من الإنسان ، وجمل للذكر من الإبل 0
والمشكك : ميطلق على متعدد لمعنى متفاوت كأحمر للقاني ، وضعيف
الحمرة 0 والمشترك : مايصلح لمعنيين متباينين ك(جون) للمسواد
والبياض ، و(قرء) للطهر والحيض ، و(عسعس) لأقبل وأدبر 0 والمترادف
: لفظان فأكثر لمعنى واحد نحو : رجل وإنسان ، وقاعد وجالس0
(1/5)
(فصل) والطلب :ماكان
منه بصيغة : افعل ، ونحوه ، وألاتفعل ، ولولا تفعل ، وأسماء
الأفعال التي للطلب مثل : عليك نفسك ونحو ذلك 0 فإن ورد من مالك
منعم قاهر ، سمى الأول أمراً ، والبقيات تحضيضاُ وفي معنى الأمر 0
وأفاد الوجوب لغة وعقلاً ، وشرعاً 0 لمكان الملك والنعمة والقدرة 0
ولايصرف عن الوجوب إلا لقرينة كالتهديد 0 أما إفادته الوجوب لغة :
فذلك معلوم بالإستقراء 0 وأما عقلاً : فإنه يدرك بالعقل قبح صيان
المملوك المنعم عليه فيما أمره به سيده وحضه عليه 0 وأما شرعاً :
فلقوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) (1) الآية0 وإن
ورد ممن قاهر على غير مملوك ولامنعم عليه : فإنه يسمى في اللغة
أمراً ، ولا يجب االإئتمار لذلك عقلا ولاشرعا ، لإنتفاء مايوجب ذلك
من الملك والنعمة 0 وإن ورد من غير قاهر : فإنه لا يسمى أمراً في
اللغة أصلاً ، وإنما له معاني أخرى : (دعاء) في نحو : اغفر لي
اللهم 0 و(إرشاد) نحو : امض الطريق الواضح وغير ذلك 0 ويجب العمل
بمقتضى مطلقه فوراً إلا لقرينة , لأن اللفظ لاينافيه بل يتناوله
ولقوله تعا لى : { فاستبقوا الخيرات } ونحوها ولقول الرسول صلى
اللّه عليه وآله وسلم : ((بادروا بالأعمال )) الأخبار وهي كثيرة
ويجب الاستمرار عليه إلا لقرينة , لأن معناه المصدر وهو عام
كلفظ:(ماء) ولايخرج عن عهدته إلا بدليل 0 والمؤقت يجب في وقته ،
موسعاً فيما كان محظوراً كذبح الأنعام ، وكقوله تعالى:{فَإِ ذا
قُضِيت الصلاة فأنتشروا في الأرض } وفي انعقاد العقود نحو :((بيعوا
التمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد ))0
(1/6)
[النهي] : وماكان
بصيغة : لاتفعل أوما يؤدي معناه من أسماء الأفعال ، فإن كان من
مالك كذلك سمي يهيا وأفاد القبح في الافعال لمثل ماتقدم (3) ورفع
الأذن في العقود ، وكذلك في العبادات فتبطل ،ويفيد مطلقه
الفوروالإستمرار ، لأن معناه يؤدي ذلك مالم يؤقت (1) ، أويقيد (2)
، أويدل على خلاف ذلك كالتهديد 0 وإن كان من غير قاهر فلا يسمى
نهياً كقولنا : اللهم لاتؤاخذنا بسوء أعمالنا ، وكالإرشاد
نحو:لاتسلك الطريق الخائف 0
(فصل) والخبر من العاقل ثلاثة أقسام : 1 ـ صدق وهو: تعمد الإخبار
عن معتقد المخبر لما في الخارج مع المطابقة 0 2ـ والكذب مع مخالفة
الإعتقاد سواءً طابق الإخبار الخارج ، كما في قوله تعالى:{قالوا
نشود إنك رسول اللّه } (3) أولا 0
3 ـ والجهل :وذلك كفتاوي الجهال بغير الحق 0 وكمن أخطأ في عبارة
فإنه يسمى جهلاً ، ولايسمى كذباً ، ومن نحو المجنون هذياناً 0 ومن
الخبر ما يفيد الأمر كقوله تعالى :{ ولله على الناس حج البيت من
استطاع اليه سبيلا } (1)
(فصل) والمجمل :مالم يفهم المقصود به إلا أن يبين ،كالأمر بالصلاة
والزكاة والصيام والحج ، ثم بينها اللّه لنبيه صلى اللّه عليه وآله
وسلم :((إنكم في زمن هدنه))فقال المقداد (2) : يارسو\ل اللّه وما
الهدنة؟ قال:((داربلاء وانقطاع)) الخبر (1) 0
والمبين هو:ما بين به المجمل ، وما كان نصاً مثل :{ ولاتنكحوا
مانكح آباؤكم من النساء }(3) 0 وكان ظاهراً مثل :{حرمت عليكم
أمهاتكم } (3)
(فصل)والمطلق مالم يقيد بوقت ولا مكان ولاحال 0 والمقيد : عكسه :
فالمممقيد بالوقت مممثل : {الحج اشهر معلومات } (4)0 وبالمكان مثل
: مواقيت الإحرام ، الوقوف بعرفة 0 وبالحال مثل قوله تعالى :{ من
استطاع إليه سبيلا } (5)، ومثل قوله تعالى : {حرم عليكم صيد البر
مادمتم حرم} (1) 0
(1/7)
(فصل) والظاهر: ماكان
له من اللفظ معنيان فأكثر ، فماسبق إلى الفهم قبل غيره من المعني
فهو الظاهر كما تقدم 0 فإن تحريم نكاح الأمهات هوالسابق الي الفهم
من تحريم المنافع 0
والمؤول : ماكان له من اللفظ معنيان ،أقرب وأبعد ، ويراد به الأبعد
بدليل 0 كقوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } (3) فإنه يراد به نعمة
السوابغ لا الجورح تعالى اللّه عن ذلك ، بأدلة نفي التشبيه عقلا ،
وسمعاً كما في علم الكلام 0
فصل في العموم والخصوص
(1/8)
العام : هو اللفظ
الصالح لاستغراق مايصلح أن يطلق عليه مثل : (ما) للأجناس
:[استفهاماً وموصولة وموصوفة وشرطاً كقوله تعالى :{ومارب العالمين
}لا حاكياً عن فرعون أي : أي الأجناس هو ؟ فقال موسى عليه السلام :
{رب السماوات والأرض ومابينهما } (2) أي هو رب الاجناس وليس منها
ومن لم يعلم والنكرة إن كانت في الإثبات مفعولا لفعل أمر نحو :
اضرب رجلاً أفاد شمول التخيير في ضرب أي رجل شئت ، ومنه قوله تعالى
: { إن اللّه يأمركم أن تذبحوابقرة } لولا تعنت بني إسرائيل 0
والدليل على ذلك صحة الإستثناء في نحو قولك : اضرب رجلاً إلا زيداً
، ولأنه بمعنى اضرب واحداً ممن شئت 0 وإن كان في سياق النفي او
الشرط أفاد كل من يطلق عليه بلا تخير ، نحو قوله تعالى : { وإن أحد
من المؤمنين أستجارك } ، { إن امرء هلك ليس له ولد } ، { وإن امرأة
خافت بعلها } 0 ونحو قولك : لا تضرب رجلا 0 فلا تضرب رجلا 0 فإنك
إن خالفت في واحد ، فقد أخلفت بما أفاده اللفظ عند جميع اهل اللسان
العربي 0 ومن ألفظ العموم : كل وجميع ونحوه إذا كانت في الإ ثبات ،
أومتقدمة على آلة النفي ، اما إذ تأخرت عنها فالمراد : افعل البعض
لا الكل عرف ذلك بالإستقراء 0 ومن ألفاضه : ما دخل عليه الألف
واللام لغير معين ولا للتعريف اللفظي نحو قوله تعالى : { إن
الإنسان لفي خسر ‘إلا اللذين آمنوا } وقوله تعالى : { الزانية
والزاني فاجلدوا كل واحد منهما } 0 ومن الفاظه : اسماء الشرط نحو:
مممهما وأياما ومنه المشترك إذا لم يكن بين ضدين في محل واحد ولم
تقم قرينة لأحد المعنيين كقوله تعالى : { إن اللّه وملائكته يصلون
على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} 0 فإن
الصلاة من اللّه معظم الرحمة ، ومن الملائكة الإستغفار ، وقد
شملهما اللفظ 0 والخاص : ما أريد به بعض ما يتناوله اللفظ 0
والتخصيص : هو ما دل من القرينة , أوالدليل على أن المممراد بلفظ
العموم بعض ما تناوله
(1/9)
من المعنى نحو قوله
تعالى : {وأوتيت من كل شيئ} فإن الفريهة العقلية دالة على أنها لم
تؤت من العالم العلوي ، ولامن كثير من غيره 0 والقول : كقوله تعالى
: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } والدليل مثل
قوله تعالى { فمن اضطر في مخمصة } 0 بعد شمول تحريم الميتة على كل
أحد ، وعلى ذلك فقس 0
فصل : والتخصيص ، والتقييد ، والتبيين ، كلها بيان فإذا عارض
الواحد منها ما يقا بله ، وجب العمل بالخاص ، والمقيد ، والمبين ،
لأن إلغائها إبطال لخطاب الحكيم ، وذلك باطل ، والعمل بالعام ونحوه
إبطال لفائدة البيان بها ، وليس كذلك مايقابلها لصلاحية ألفاظ
العموم ونحوه 0
فصل : والنسخ : هو بيان انتهاء حكم شرعي بأبداله ، كبيان انتهاء
وجوب الإستقبال إلى بيت المقدس بإبداله إلى البيت الحرام وكنكاح
المتعة ولحوم الحمر الأهلية فإنه نسخ التحليل ، وأبدل بالتحريم ,
ويعرف ذلك بالتاريخ ، فإن المتقدم منسوخ والمتأخر ناسخ 0
(1/10)
فصل والقياس : تعليق
حكم أصل ثبت له لباعث بالدليل على فرع ، لمشاركة الفرع لذلك الأصل
في : عين ذلك الباعث كالإسكار ، أو جنسه كالقتل العمد العدوان : في
قياس القصاص بالمثقل على القتل بالمحدد ، كالأطراف في الإحتجاج على
الحنفية 0 مثال : الخمر : هوالأصل 0 حرمت : هذا هو الحكم لكونه
مزيلا للعقل : هذا هو الباعث 0 والنبيذ : هذا هو الفرع 0 محرم
كالخمر : هذا تعليقنا لمثل حكم الأصل على الفرع 0 الذي هو النبيذ
لمشاركته للخمر في الباعث وهو الإسكار فذلك أربعة أركان ، وثمرة
الركن الأول : الأصل ،والثاني حكمه ، والثالث : علته التي شاركه
الرع فيها ، والرابع الفرع المشارك ، والثمرة تعليق ممثل حكم الأصل
على الفرع لذلك الجامع 0 والعلة في تحريم بيع الجنس الواحد من
المكيل والموزون متفاضلا الرفق بالمحتاج والتيسير عليه 0 وفي تحريم
النسيئة فيه كونهما مبيعين اقتضى الشرع إحضارهما فالعلة ذلك 0
فقياس غير المنصوص عليه على المنصوص بذلك وقد تعارض العلة الموجبة
للحكم علة أخرى مانعة لذلك الحكمم كالأبوة في القتل العمد العدوان
فإنه يمنع من القصاص بدليل وكذلك السرقة للنصاب من الحرز في عام
المجاعة للخبر والله الموفق 0
فصل والأجتهاد المطلق هو : القضاء بحكم شرعي ظني بأذن ، كالقضاء
بجزاء الصيد كما قال تعالى :{ يحكم به ذوا عدل منكم } وكان القضاء
بقيمة المتلفات ، وأرش الجنايات التي لم يرد فيها نص ، وكتقدير
نفقة الزوجات لقوله تعالى { لينفق ذوسعةمن سعته ومن قدر عليه رزقه
فلينفق مما آتاة اللّه لايكلف اللّه نفساً إلا ما آتاها } ،
ولايفصل بين المتشاجرين إلا الحاكم العدل 0
والله ولي التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل
الرد على الملحد
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الأمام القاسم بن إبراهيم في سطور
(1/11)
الإمام القاسم بن
إبراهيم بن اسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي
طالب، أبومحمد المعروف بالرسي، ولد سنة<196 >0 ونشأ في أحضان
الفضيلة، يطلب العلم عند أكابرعلماء أهل بيته، حتى فاق اقرانه،
فكان فقيها، محدثاً، مناظراً، شاعراً، زاهداً، ورعاً، شجاعاً،
سخياً، ثائراًلله0 وكان احد الدعاة إلى بيعة أخيه الإمام<محمدبن
إبراهيم> في مصر، ومازال مختفياً بها مدة عشرسنين، والمأمون
العباسي يجد في طلبه، ولما توفي أخوه محمد بالكوفة سنة<218 ه> نهض
القاسم عليه السلام بأمر الإمامة، وسميت بيعته البيعة الجامعة،
لأنه أجمع عليها وجوه أهل البيت عليهم السلام وذلك سنة<220 ه> في
عهد المعتصم العباسي، ولماعاد إلى الحجاز، اشتهر أمره، فطاردته
جيوش العباسية في اليمن والحجاز، فاضطر إلى الإختفاء ثانية0
ولمالم تساعده الإمكانيات على الصمود في وجوه العباسيين إعتزل،
واشترى جبلاً قرب المدينة يسمى<الرس>، وهو جبل أسود بالقرب من ذي
الحليفية على بعد ستة أميال من المدينة وإليه ينسب هو وأولاده،
وعاش هناك بقية عمره حتى توفاه اللّه سنة<246 ه> ودفن بجبل الرس،
وله أخبار طوال في كتب التاريخ0
وقد حفظ لنا من تراثه العظيم وأفكاره النيرة رسائل وكتب منها:
1ـ الدليل على الله الكبير وهو رد على الملاحدة الذين يطلبون
الدليل على وجود اللّه
2 ـ المكنون
3ـ اصول العدل والتوحيد ونفي الجبر والتشبيه0
4ـ العدل والتوحيد ونفي الجبر والتشبيه0
5 ـ صفة العرش والكرسي وتصريفهما0
6ـ كتاب الهجرة للظالمين0
7ـ الدليل الصغير0
8ـ مسألة الطبريين وهو في الوحيد0
9ـ الإمامة0
10ـ تثبيت الإمامة0
11ـ المسترشد في الرد على من زعم أن اللّه في السماء دون ماسواها0
12ـ سياسة النفس0
13ـ القتل والقتال0
14ـ المديح الكبير للقرآن المبين0
15ـ المديح الصغير0
16ـ الناسخ والمنسوخ0
17ـ تفسير القرآن0
18ـ الرد على الزنديق اللعين ابن المقفع0
(1/12)
19ـ الرد على الملحد
ـ هذا الذي بين يديك ـ0
20ـ الرد على الروافض من أصحاب الغلو0
21ـ الرد على الرافضة0
22ـ كتاب ماحددت النصارى من قولها قد استحصينا فيه جميع أصولها0
23ـ الرد على المجبرة0
24ـ الرد على النصارى0
25ـ إحتجاج في الإمام0
26ـ الكامل المنير في الرد على الخوارج0
27ـ الأصول الخمسة0
28ـ مجموعة رسائل0
29ـ رسالة إلى بعض بني عمه0
30ـ كتاب المسائل المنثورة وفيه إجابات على أسئلة لإبنه محمد0
31ـ كتاب مسائل مما سأل عنه الحسن، والحسن هذا هو ابن القاسم
الرسي0
32ـ المصباح ـ ويسمى العالم والوافد ـ0
وقد طبع منها:
ـ كتاب أصول العدل والتوحيد0
ـ كتاب العدل والتوحيد ونفي التشبيه عن الواحد الحميد0
ـ الرد على المجبرة0
كلها بتحقيق الأستاذ سيف الدين الكاتب ضمن مجموع<رسائل العدل
والتوحيد>، طبع دار مكتبة الحياة0
وطبعت أيضاً بتحقيق الدكتور محمد عماره إضافة إلى:
ـ كتاب فرض اللّه على المكلفين0
ـ كتاب الأصول الخمسة، ضمن مجموع <رسائل العدل والتوحيد>0
ـ وطبع كتاب المصباح بتحقيق السيد إبراهيم البانجي،ولم ينسبه إلى
الإمام القاسم، ولكن أصله مخطوط لدينا0
ـ وهذا كتاب الرد على الملحد بين يديك0
ورأيت الأخ الأستاذ الفاضل عبدالكريم أحمد جدبان قد بداء بتحقيق
مجموعة من رسائله0
ويجدر بي أن أشير هنا إ لى أن بعض هذه الرسائل لا تجاوز ورقتين
أوثلاث0
مصادر ترجمته: الحدائق الوردية، والمصابيح في السيرة، الإفادة
اللآلي المضيئة، أنوار اليقين، المقصد الحسن، مآثر الأبرارـ مخطوطة
ـ ، مقاتل الطالبيين 553 ، وأعيان الشيعة 8/435 ـ 436 ، الأعلام
6/5 ، التحف شرح الزلف 39 ، الزيدية لمحمود صبحي 115 ، معجم
المفسرين 1/431 عمدة الطالب 201 ، سر السلسلة العلوية 28 ، الشافي
1/262 ، الجواهر والدرر 228 <مقدمة البحر الزخار>، رسائل العدل
والتوحيد 21 ـ 23 0
النسخ التي أعتمدت عليها
(1/13)
1ـ نسخة الأصل، وهي
بخخط السيد العلامة بدر الدين الحوثي حفظه اللّه، ذكر في آخرها أنه
إنتهى من نسخها في عشرين من جمادى الأولى سنة<1401 ه>، ثم ذكر أنه
انتهى من تصحيحها على نسخة ثانية في الثالث من جمادي الثانية من
نفس العام0
2ـ النسخة<ب>، وهي بخط نسخي متوسط،إلا أنها مملؤة بالتصحيف والسهو،
وهي ضمن مجموع فيه بعض كتب الإمام القاسم، لم يذكر فيها إسم
الناسخ، ولكن كتب في آخر المجموع: كان الفراغ من هذه النسخة ثاني
شهر رجب سنة<1064 ه>0
3ـ النسخة<ج> وهي بخط نسخي جيد،وهي قليلة الأخطاء، وقد كتب عليها :
مما استكتبه مولانا الأكرم العلم العلامة الأعظم عز الإسلام
والمسلمين وسيد أولاد الأنزع البطين<محمد بن الحسن بن أمير
المؤمنين المنصور بالله القاسم بن محمد>، وهي بخط الشيخ سليمان بن
محمد بن عبدالله المهلا، انتهى من نسخه في سادس شهر جمادى الأولى
سنة<1065 ه>0
عملىفي التحقيق
لاشك أن التحقيق أكثر صعوبة من التأليف باعتبار أن المحقق مقيد بنص
يجب عليه متابعته وتوضيحه وعدم الخروج منه، ولا يجوز له تغييره أو
الزيادة فيه أوالنقص إلا في حالة ضرورة، مع التنبيه على ذلك في
الهامش0
وغالباً مايواجه المحقق كثير من التصحيف وسهو النساخ، ومن أجل هذا
اعتبر كل مخطوط طبع بغير تحقيق مقبرة الأخطاء وقليل الفائدة0
وقد قمت أثناء تحقيقي لهذه الرسالة بما يلي:
1ـ قابلت النسخة الأصلية على النسخ\ة<ب> و<ج>، وما اختلف أثبته في
الهامش ، وربما أستبدل كلمة في الأصل بأخرى في إحدى النسختين
لوضوحها أو قربها للمعنى في نظري، وأثبت كلمة الأصل في الهامش، ولم
أذكر الخطأ التي في <ب> و<ج> لعدم الفائدة0
2ـ قمت بترقيم وتفصيل وتنقيط النص حسب القواعد المتعارف عليها0
3ـ فسرت بعض الكلمات الغامضة معتمداً على معاجم اللغة0
ضبطت بعض الكلمات المحتملة لغيرها صرفاً للإحتمال0
5ـ بينت مارأيته من العبارات محتاجاً إلى بيان0
(1/14)
6ـ أضفت في النص بعض
الكلمات للتوضيح ووضعتها بين معكوفتين هكذا:[ ] تنبيها على
زيادتها0
7ـ قسمت الكتاب إلى ثمانية أقسام ووضعت لكل قسم عنواناً بين
معكوفتين0
8 ـ راجعت الكتاب بعد طبعه جهدي0
وإن تجد عيباً فسدالخللا ... فجل من لاعيب فيه وعلا
9ـ وضعت للكتاب مقدمة تشتمل على: ترجمة للمؤلف، ذكر النسخ التي
اعتمدة عليها، عملي في التحقيق، تمهيد0
بسم اللّه الرحمن الرحيم
[مدخل إلى المناظرة]
قيل:كان وافي مصر رجل من الملحدين فكان يحضر مجالس فقهائها،
ومتكلميها ، فيسألهم عن مسائل الملحدين ، وكان بعضهم يجيب عنها
جوابا ركيكاً ، وبعضهم ، يزجره ويشتمه، فبلغ خبره<القاسم بن
إبراهيم عليه السلام>، وكان بمصر متخفياً في بعض البيوت، فبعث صاحب
منزله ليحضره عنده ، فأحضره، فلما دخل عليه قال له القاسم رضي
اللّه عنه: بلغني أنك تعرضت لنا، وسألت أهل نِحْلَتِناَ، عن مسائلك
ترجو أن تصيد أغمارهم بحبائلك، حين رأيت ضعف علمائهم عن القياممم
بحجج الله، والذب عن دينه ، ونطقت على لسان شيطان رجيم لعنه
الله(وَقَالَ لأَ تَّخِذَنَّ مِنْ عِباِدِكَ نَصِيْباً مفروضاً)0
فقال الملح: أما إذا علت اولئك وعبرنهم بالجهل، فإني سائبك
وممتحنك، فإن أنت أجبت عنهمم فأنت زعيمهم، وإلا فأنت إذا مثلهم0
فقال القاسم عليه السلام: سل عما بدالك، وأحسن الإستماع، وعليك
بالنصفة وإياك والظلم، ومكابرة العيان، ودفع الضرورات والمعقولات،
أجبك عنه ، وبالله أستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبي ونعم الوكيل0
[إثبات وجود الصانع وحدوث العالم]
فقال الملحد عند ذلك: حدثني ما الدلالة على إنّيَة الصانع ؟
(1/15)
قال القاسم عليه
السلام: الدلالة على ذلك قوله في كتابه عز وجل:(ياايُهَا النَّاسُ
إنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإِناَّخَلَقْناَكُمْ ِمنْ
تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ
مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرمُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِنَ لَكُمْ
وَنُقِرُّ فِي الارْحَامِ ما نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ
نُخْرِجَكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوْا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكمُ
مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الارْضَ
هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْناَ عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ
وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كِلِّ زَوْجٍ بَهِيْجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ
اللَهَّ هُوَ الَحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ
عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيْر وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ
فِيْهَا وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُوْرِ}0
(1/16)
وجه الدلالة في هذه
الآية: فهوكون الإنسان تراباً، ثم نطفة، ثم علقة، لاتخلوهذه
الأحوال من خلتين: إما أن تكون محدثة، أوقديمة، فإن كانت محدثة فهي
إذا من أدل الدلالة على وجود آنيته لعلل منها: أن المحدث متعلق في
العقل بمحدثة، كماكانت الكتابة متعلقة بكاتبها ، والنظم بناظمه إذ
لايجوز وجود كتابة لاكاتب لها، ووجود أثر لا مؤثر له في الحس
والعقل ومنها: أن المحدث هو ما لم يكن فكون، فهو في حال كونه لا
يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون هو كون نفسه، أوغيره كونه، فإن كان
هو الذي كون نفسه لم يخل أيضامن أحد أمرين: إما أن يكون كون نفسه،
وهو معدوم، او كونها وهو موجود، فإن كان كونها وهو معدوم، فمحال أن
يكون المعدوم اوجد نفسه، وهومعدوم، فمحال أن يكون المعدوم أوجد
نفسة، وهو معدوم0 وإن كونها وهو موجود، فمحال أن يكون الموجود أوجد
نفسه وهو موجود0 إذ وجود نفسه قد اغناه عن ان يكونها ثانيا0 فإذا
بطل هذا ثبت أن الذي كونه غيره، وأنه قديم ليس بمحدث إذ لوكان
محدثا كان حكمه حكم المحدث 0
وإن كانت الاحوال قديمة فذلك يستحيل، لأنا نراها تحدث شيئا بعد شيئ
في جسم واحد، في نفس واحدة، فلو كانت كلها مع أختلافها في أنفسها
واوقاتها قديمة، لكانت الترابية نطفة، مضغة، دما، علقة، عظما،
لحما، إنسانا، في حالة واحدة، اذ القديم هو الذي لم يكون، ولم يزل
وجوده، وإذا لم يزل وجود هذه الاحوال، كان على ماذكرت وقلت، من
كونه ترابا، مضغة، لحما، عظما ، إنسانا، في حالةواحدة، اذ الاحوال
لم يسبق بعضها بعضا، لأنها قديمة، ولأن كل واحد منها في باب القدم
سواء، فإذا استحال وجود هذه الأحوال معا في حين واحد، في حالة
واحدة، وثبت أن الترابية سابقة للنطفية، والنطفيةسابقة للحالتين
التين بعدها، صح الحدوث، وانتفى عنها القدم، واذا صح الحدوث فقد
قلنا بدءاً أن المحدث متعلق في العقل بمحدثه0
(1/17)
قال الملحد: وما
أنكرت أن هذه الأحوال حديثة، وأن العين التي هي الجسم ـ قديمة0
قال القاسم عليه السلام: أنكرت ذلك من حيث لم أره منفكا عن هذه
الاحوال بتة[ولاجاز أن ينفك]، فلما لم اره منفكا من هذه الاحوال،
ولاجاز أن ينفك فكان حكم العين كحكم الأحوال في الحدوث0
قال الملحد: ولم؟
قال القاسم عليه السلام: من قبل أنها اعني العين إذا كانت قديمة
وكانت الاحوال محدثة، فهي لم تزل تحدث0 فيها الأحوال وإذا قلت لم
تزل تحدث فيها ناقضت، لأن قولك : لم تزل0 خلاف قولك: تحدث0 والكلام
إذا اجتمع فيه إثبات شئ ونفيه في حال واحد، استحال0 وذلك أنها إذا
لمم تزل تحدث فيها، فقد أثبتها قديمة لم تزل تحدث فيه، وإذا كان
هذا هكذا فهي لم تسبق الحدث, فقد صار الحدث قديما، لأنه صفة الجسم
الذي هو قديم، وإذا كانت صفته إستحال أن تكون صفة القديم الذي لم
يخلو منها ولا يزال عنها محدثة، وهذا محال بين الإحالة، لأن فيه
تثبيت المحدث قديما والقديم محدثا0
قال الملحد: فما انكرت أن تكون هذه الأعيان هي التي فعلت الأحوال؟0
قال القاسم عليه السلام : بمثل ماأنكرت زيادتك الأولى، لأنه لافرق
بين أن تكون هي الفاعلة، وهي لم تسبق فعلها، أو تكون هي قديممة وهي
لمم تسبق فعلها، أوتكون قديمة وهي لم تسبق صفاتها، لأن الفاعل سابق
لفعله متقدم له، وكذلك القيم الذي لم يزل سابق للذي لم يكن، لأن في
إثبات الفعل له إثبات حدث فعله، وإذالم يسبق فعله فقد جمعت بينهما
في حال واحد، وثبت للشئ الواحد القدم والحدوث في حالة واحدة، وهذا
محال بين الإحالة0
[ الكلام عن الهيولى والصورة
وحدوث الأشياء بعضها من بعض]
قال [الملحد]: فإني لم أر كون شئ إلامن شئ،، فما أكرت أن تكونن
الأشياء لم تزل يتكون بعضها من بعض؟ وما انكرت أن يكون الشئ الذي
هو الأصل قديما؟
(1/18)
قال القاسم عليه
السلامم : أنكرت، ذلك أشد الإنكار، وذلك أن الشئ الذي هو الشئ الذي
هو الأصل لايخلو من أن يكون فيه من الأحوال والهيئات مثل ما في
فرعه، اوليس كذلك فان كان فيه مثل مافي فرعه فحكمه في الدث كحكمه،
وقد تم الكلام في هذا المعنى بما فيه كفاية، على أنا نجدها فيه،
ووجود الشئ بعد عدمه هو أدل الدلالة على حدثة0
فحدثني عن الصور من أي اصل حدثت ؟ فإن قلت: انها قديمة أحلت، وذلك
انها لاتخلو من أمور0
أحدها: ان الصورة لو كانت قديمة لكانت في هذا المصور الذي ظهرت فيه
الصوره، أو في عنصره الذي تسمونه<هيولى>، فإن كان في هذا المصور
بان فيساد قولكم ودعواكم، إذ قد نجده بخلاف هذه الصورة، وإن كانت
في الذي تسمونه<هيولى>، فلا بد إن ظهرت في هذا المصور أن تكون قد
اننقلت عنه إلى هذا فإن قلت: إنتقلت0 أحلت، لأن الأعراض لايجوز
عليها الإنتقال، على أن في الصورة ما يرى بالعيان، فإن كانت
منتقلةفما بالها خفيت عند الإنتقال، وظهرت عند اللبث0
وفيه خلة اخرى وهي: أنها لوكانت في الأصل، ثم انتقلت عنه الى
فرعها، فقد جعلت لها غاية ونهاية فقد صح الذي انتقلت عنه هذه
الأحوال.فإن قلت: لم تزل تنتقل. كان الكلام عليك في هذا المعنى
كالكلام الذي قدمناه آنفا في(باب لم تزل تحدث).
وفيه معنى آخر وهو: انك إذا جعلت الأشياء في وهمك شيئين، إذا أفردت
كل واحد من صصاحبه نقص وانتهى الى حد ما وقل ، وإذا جممعت كل واحد
الى صاحبه زاد وانتهى الى حد ماوكثر فليس[قديما] إذا انتهى في حال،
وزاد فكثر أونقص فقل. فالنقص والزيادة يخبران بالنهايةعنه، وإذا
اثبت فيه النهاية، ثبت فيه الحدوث.
قال الملحد: ما أنكرت أن تكون صورة التمرة والشجرة كامنة في
النواه، فلما وجدت ما شاكلها ظهرت...
قال القاسم عليه السلام: إن هذا يوجب التجاهل، وذلك أنا لوتتبعنا
أجزاء النواة لم نجد فيها ما زعمت.
(1/19)
وشئ آخر وهو : انه لو
جاز هذا لجاز أن يكون الأنسان كامنة فيه صورة الخنزير، والحمار،
والكلب؛ وإذا كان ذلك كذلك، كان الإنسان إنسانا في الظهر. كلبا،
حمارا، خنزيراً، فيلا في الباطن. فإن قلت ذلك لحقت بأصحال (
سوفسطا)، فإ شئت تكلما فيه. ععلى أه قد ظهر م حمقهم لأهل العقول ما
يزعهم ع القول ممقالتهم. قال الملحد: وكيف يجوز أ يكو الإنسان
إنساناً في الظاهر، وكلبا حمارا خنزيراً فيلا ، في الباطن؟
قال القاسم عليه السلام: كما جاز أن تكون صورة التمرة والنخلة
كامنة في النواة.
قال الملحد: فإن بين التمرة والنخلة والنواة مشاكلة،،، وليس بين
الإنسان والكلب مشاكلة.
قال القاسم عليه السلام: لوكان بين التزرة والنخلة والنواة مشاكلة
مع اختلاف الصورة، لجاز أن يكون بين الإنسان والكلب مشاكلة.
قال الملحد: فإن النواة إذا انتقلت من صورتها، انتقلت الى صورة
النخلة.
قال القاسم عليه السلام: وكذلك الإنسان إ ذ تفرقت أجزاؤه جاز أن
يكون كلبا في الطبع والقوة الهيولية عندك، فمهما أثبت فيه من شئ
تريد الفرق بينهما فهو لي عليك، أو مثله. ووجه آخر وهو: أن الصورة
لو كانت في الأصل نفسه، لكان الأصل نفسه هو التمرة، لان الترة غنا
بانت من سائر المصورات وعرفت من غيرها بالصورة، فعلى هذا يجب أن
يكون أصلها التمرة، وهذا كابرة العقول، لأنه لو كان هذا هكذا، لكان
ظهورها في نواتها أقرب، وأشهر ، وأعم؛ ولم يستحل وجود صورتين عا في
حين واحد.
قال الملحد: إن النواة هي تمرة بالقوت الهيولية، أعني أنها إذا
انتقلت لمم تنتقل إلا إلى شجرنها، ثمم الى ثمرنها، ثمم تعود الى
أصلها، ثم تصير نواتا في وسطها.
(1/20)
قال القسمم عليه:
لوكان هذا، لكانت الطبيعة التي هي الأصل تمرة، بالقوة الهيولية، إن
كنت ممن يقول بالدهر، وإن كنت ثنويا، فالنور والظلمة؛ وما أصلت من
أصل فيجب على هذا أن يكون ذلك ألأصل تمرة بالقوة، لأنها إذا انتقلت
إنتقالاتها صارت تممرت، وفي هذا مكابرة واضحة، وذلك يوجب عليك أن
الأصل الحت: تمرة، نواة، خوخة، باذنجانة، لأنه جائز عندك الأنتقال
ممن صورة الى صورة، وإن كان حكم الأصول والهيآت خلاف حكم الفروع
فسنقول فيه قولا شافيا إن شاء اللّه.
قال الملحد: إن صححت ان حكم الأصول حك الفروع، تركت مذهبي فإنه قد
عظمت علي الشبهة في هذا الموضع.
قال القاسم عليه السلام: إعلم أن طرق العلم بالأشياء مختلفة،
فمنها: مايعرف بالحسن، ومنها: مايعرف بالنفس، ومنها: مايعرف
بالعقل، ومنها: مايعرف بالظن والحسبان.
فأما الذي يعرف بالحس فطرقه خمس: سمع، بصر، شم، ذوق، لمس. فالسمع
طريق الأصوات، والكلام. والبصر طريق الألوان، والهيئات. والذوق
طريق المطعوم. والشم طريق الروائح. واللمس طريق اللين والخشونة.
وأما مايعرف بالنفس فالخجل، والوجل، والسرور، والحزن، والصبر،
والجزع، واللذة، والكراهية، وما أشبه ذلك من التوهم، وغيره.
واما مايعرف بالعقل فشيئان. أحدههما : يدرك ببديهتة مثل تحسين
الحسن ، وتقبيح االقبيح، وحسن التفضل، وشكر المنعم، ومثل تقبيح كفر
المنعم، والجور، وما يجانسه من عم بدائه العقول.
والوجه الثاني هو: الأستنباط، والأستدلال ، الذي هو نتيجة العقول
كمعرفة الصانع، وعلم التعديل، والتجوير، والعلم بحقائق الأشياء.
(1/21)
وأما مايعرف بالظن
والحسبان فهو: القضاء على الشئ، بغير دليل، فهذبا ربما يصيب، وربما
يخطي، وإنما لخصت لط هذا كله ، ليكون عونا لنا فيما تاخر من
كلامنا، ويكون أحد المقدمات التي نرجع اليهافكل شئ من هذه العلوم
لايصاب إلامن طريقه، ولو حاولته من غير طريقه، لتعسر عليك، وكنت
كمن طلب علم الألوان بالسمع، وعلم الذوق بالعين.
فأما أحوال الأجسام فإن طريق المعرفة بها من جهة الصر، والبصر لا
يؤدي الى الأسان الا الأجسام، لأن الأجسام لا يجوز أن تخلو من هذه
الصصفاتن فيتوهمه ويمثله في نفسه خاليا منها ، فإذا لم يجز ذلك،،،
ثبت أنن الأجسام لا تخلو من هذه الصفات، وانه لا يكون حكم اصولهها
الا كحكم فروعها.
[الكلام على علة وجود الأشياء وفسادها]
قال الملحد: إنهم يزعمون أ، علة كون الأشياء، وفسادها حركات الفلك،
وسير الكواكب، وبعضهم يقول: إن علنها تمازج الطبيعتين، أعني النور
والظلمة، وبعضهم يقول غير ذلك.
قال القاسم عليه السلام: الدليل على فساد قولهم: قول اللّه تبارك
وتعالى:< ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر>، وقوله: <
ومن نعمره ننكسه في الخلق أفر تعقلون>.
فلو كان علة كونه ماذكروا لكان الأنسان لايتوفى في طفوليته، ولا
يفسد كونه، مع وجود علة كونه، اللهم الا أن يقروا بحدوث عله
الفساد، فيكونوا حينئذ تاركين لمذهبهم، فإن قالوا: بل علة كونه
وفساده قديم، فالشئ إذا كان فاسدا في حال، كان فيها صالحا، إذ
عللهما موجودة، ومحال أن تكون عللهما موجودة ويتوفى هذا في
الطقولية، ويرد هذا في الخلق، إذ يعمر؛ إن هذا لعمرى لعكس العقول.
قال الملحد: لو لزمهم ذلك، للزمك حين زعمت: إن اللّه علة كون
الأشياء وفسادها، مثلما الزمت خصومك.
(1/22)
قال القاسم عليه
السلام: ولا سواء، وذلك أنا لانزعم ان اللّه علة كون الأشياء،
وفسادها بل نقول: أن اللّه تعالى هو الذي كون الشئ, وافسده من غير
اضطرار، والدليل على أن اللّه عزوجل ليس بعلة فعلة ذلك؛ ان أفعاله
مختلفة الأحوال، منتقلة الصفات، فلو كان هو العلة لما زال شئ عن
صفته، لأنه عز ذكره قديم ، والقديم لو كان علة شئ، لم يزل معلوله،
كما لم يزل هو في ذانه، وزوال الأشياء عن صفاتها يدل على أن اللّه
عز وجل ليس تعلة، ولا معلول.
[الدليل على أن خالق العالم واحد]
فقال الملحد عند ذلك: بارك اللّه فيك، وفي من ولدك، فقد أوضحت
ماكان ملتبسا علي؛ وإني سائلك عن غيرها، فإن أجبتني عنها كما أجبت
أسلمت.
قال القاسم عليه السلام:إن أسلمت فخير لك، وإن أصررت فلن يضر اللّه
إصرارك، سل عما بدا لك.
قال الملحد: ما الدلالة على أن صانع العالم واحد؟
قال القاس عليه السلام: لأنه لو كان اكثرمن واحد، ل يخل ن أنيكون
كل واح من الصانعين حيا، قادرا، أوليس كذلك، فإذا كان كل واحد
منهما حيا قادرا، لم يكن محالا متى أراد هذا خلق شئ، أن يممنعه
الآخر ممن خلقه لذلك الشئ بعينه، ولومممعه صاحبه من ذلط ، كان
الممنوع عاجزا، ودلك عجزه على حدثه؛ وإن تمانعا، وتكافأت قواهما،
وقع الفساد، ولمم يتم لواحد منهما خلق شئ، ودخل على كل واحد منهما
العجز، إذ لم يقدر كل واحد منهما على مراده، فلما وجدنا العالم
منتظما، ممتسق التدبير، دلناأن صانع ذلك ليس بإثنين، ولا فوق ذلك.
قال الملحد: ماأنكرت أن يتفقا، ويصطلحا؟
قال القاسم عليه السلام: إن الإتفاق والإصطلاح يدلان على حدث، من
تعمدهما، لأنهما لا يتفقان الا عن ضرورة، والمضطر فمحدث لامحالة.
قال الملحد: إنهم يقولون: إن صانع الخير لايأتي بالشر أبدا،، وكذلك
صانع الشر لايأتي بالخير أبدا.
قال القاسم عليه السلام: إن هذا مكابرة العقول.
قال الملحد: وكيف ذلك؟
(1/23)
قال القاسم عليه
السلام: لأن ذلك يدعو الى القول بأن أحدا لم يذنب قط، ثم اعتذر من
ذنبه؛ والى القول بأن إنسانا واحدا لميصدق ويكذب ، ولم يضل وهتد،
ألا ترة أنهم يزعمون أن انتحالهم حق ، وانه واجب على الناس الرجوع
الىمذهبهم، فأن كان الشي الواحد لايأتي بالخير \و\\الشر، فحدثني من
يدعون الى مذهبهم؟ فإن قالوا: الخير؛ قيل : فإن الخير لايضل أبدا،
وإن قالوا: الشلا، فالشر لايهتدى ابدا، فليت شعري من هذا الذي
يدعونه الى مذهبهم.
قال المملحد: لعمري لقد ألطفت في الإستخراج على القوم ، ولعممري إن
هذا مما يقكع شغبهم، ولكنهم يقولون: لما كا في العالم خير وشر،،
دلننا ذلك على أنهما من اصلين قديمين.
قال القاسم عليه السلام: اما وجود الخير والشلا في العالم،
فإنانجده؛ الا أن هذا يدلنا على أن صانع العالم واحد.
والدليل على ذلك: أن الخير، والشر، معتقبان على الخير والشلايلا،
ووجدناهما محدثين، وقد قدمنا الكلام في هذبا المعنى بمما فيه
كفاية، وبينا أن العالم أصله وفرعن محدث، وأ، المحدث يقتضي المحدث،
فإن كان حكممم فاعله كحكمه، أوجب ذلك حدوث صانع العالم، ويقتضي
المححدث، فإن كان هذا هكذا، فلكل صانع صانع، الى ممالانهاية له،
وقد بينا فساده أيضا.
ووجه آخر وهو: ا، الخير والشر ليس اختلافهما يدل على قدمهما، وليس
إختلافها أعظمم من اختلاف الصور والهيئات، وقد قلنا : إن اختلافها
يدل على ن خالف بينها، واخترعها مختلفة، فلوكان الخير والشر وشائر
المختلفات قديمة\، لكان فيها دفع الضرورات.
(1/24)
ووجه آخر: وهوأنا نرى
خيرا لعنى، وشرا لمعنى آخر، ونرى الخير والشر مجتمعين في حال واحد،
فلا يخلو في حال اجتماعهما مممن أمور، غمما أن يكونا اجتعا
بأنفسها، أوجعها غيرهمما، فإن كانا عجتعا بأنفسهما فذلك يستحيل،
وذلك أنهما ضدان، والضدان لا يجتمعان بانفسها، |لأنا نشاهد
نفورهما، وفرار كل واحد من صاحبه، فإذا فسد ذلك ، لم يبق الا أن
جامعا جمعهما. ووجه آخر وهو: أنه لوكان وجود الخير والشر، دالا على
أن لهما اصلين قديمين، لكان وجود الطبائع الأربع دالا على أن
لهاأصولا قديمة، وإذا كان هذا، هكذا دلنا على ان شاهدهم شاهد زور.
[الحكمةمن خلق العالم بما فيه من الخير والشر]
قال الملحد: فإذا لمم يكن العالم واحد قديما، ولا كان مزاج
الإثنين، وكان صنعا من صانع قديم؛ فحدثني، لم خلق اللّه هذا
العالم؟
قال القاسم عليه السلام: إن هذا الكلام فرع من أصل، فإن سلمت لي
الأصل، كلمتك قيه وإلا نازعتك في الأصل.
قال الملحد: وما ذلك الأصل؟
قال القسم عليه السلام: هو أن تعلم بالجلائل: أن العالم محدث، وأن
له محدثا، ثم تعلم : أن محدثه واحد، قديم ؛ ثم تعلم: أنه قاجر، حي،
حكيم في نفسه، وفعله.
قال الملحد: قد دللت على الصانع، وعلى أنه واحد، فما الدليل على
أنه قادر حي حكيم؟
قال القاسم عليه السلام: الدليل على ذلك أنا وجدنا الفعل المتقن
المحكم متعذرا الا على القادر، الحي، الحكيم، العالم؛ فلما وحدنا
الفعل المحكم واقعا، دلنا ذلك على أن صانعه عالم،قادر،حي، حكيم.
قال الملحد: فهل وجدت الفاعل الحكيم القادر سوى الأنسان؟
قال[القاسم]: لا.
قال [الملحد]: أفتقول أنه إنسان؟
(1/25)
قال[القاسم]: إني وإن
لمم أجدالا إنسانا، فلم يقع الفعل منه، لأنه إنسان، إذ قد
وجدناإنسانا تعذر عليه الفعل، فلما وجدناه متعذرا عليه؛ دلنا ذبلك
على وجود فاعل ليس بإنسان. الا ترى أنا لما قلنا : إنه لا يجوز كون
الفعل الا من قادر، حكيم، جائز منه ذلك. فكان قولنا فيه مسترا؛
ولما لم يستمر القول في ذلك لم نقل به.
قالالملجد:[قد] أبلغت في هذا، فنرجع إن شئت الى مسألتي.
قال [القاسم]: سل.
قال[الملحد]: لم خلق اللّه العالم؟
قال السم عليه السلام: قال اللّه ستحنه: (هوالذي خلق الموت والحياة
ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، وقال :( وما خلقت الجن والإنس إلا
ليعبدون)، وقال: {وسخر لكم مافي السماوات وما في الأرض جميعاًمنه}،
فأخبر أنه خلقنا للعبادة، والإبتلاء، وليبلغ بنا الى أرفع الدرجات،
وأعلى المراتب.
قال الملحد: فما دعاه الى خلقنا؟ألحاجة خلق؟
قال القاسم عليه السلام: أما قولك: مادعاه؟ فمحال.
وذلك أنه لم يزل عالما بلا سهو، ولا غفلة. فقولك: فمادعاه. محال.
لأن الداء، والتنبيه، والتذكير، إنما يحتاج اليها الغافل؛ فأما
الذي لا يجوز أن يغفل، فمحال أن يدعوه شئ الى شئ؛ إذ لاغفلة هناك ،
ولا سهو؛ والدليل على ذلك: أن الغفلة من الدلالة على الحدوث؛ وقد
قامت الدلالة على أنه قديم. وأا قولك: ألحاجة خلق؟ فالحاجة ايضا ن
صفات الممحدثين، والقديم يتعالى عنها.
قال الملحد: فلم خلق؟
قال القاسم عليه السلام: أما قولك : لم خلق؟ فقدأجبتك، وذلك في
الجوابين السابقين لهذا. لأن قولك:(لم)؟ سؤال. وقولي:(لأن) إجابة.
قال الملحد: فما وجه الحكة، في خلق العالم، وخلق المممتحنين؟
قال القاسم عليه السلام: وجه الحكمممة في ذلك، أنه إحسان، أوداع
إلىإحسان، وكل من أحسن ، أودعى إلى إحسان، فهو حكيم فيما نعرفه.
قال الملحد وكيف يكون حكيما ن خلق خلقا فألمه بأنواع الآلام؟،
وأمتحنه بضروب ممممن الإمممتحان، أخبرني عن وجه الحكمة في ذلك، من
الشاهد؟
(1/26)
قال القسممم
عيلهالسلام: أمما قولك: كيف يكون حكيمما، ممن خلق خلقا، فألمه
بأنواع الألام في الشاهد مماهو داع الى الإحسان. من ذلك: ضرب
الممؤدبين والصبيان، وممنه الحجامة، والفصد, وشرب الأدوية الكريهة؛
كل ذلك داعيةالى الإحسان، والى شئ حسن في الغقل، فإذا كان من
الإيلا م في الشاهد، ماهو كذلكب فكل ماكونه من قبل اللّه عز وجل،
مثل الموت، والمرض،
والعذاب،وغيره، حكمة في الصنع، وصواب في التدبير، إذا كان كل ذلك
داعيةالى إحسان.
قال الملحد: ما الدليل على أن ذلك داعية إلى الإحسان؟
قال القسممم عليه السلام: الدليل على ذلك أنها أفعال الحكيم، وقد
صح أن الحكيمم إنما يفعل هذه الأشياء، التي هي الرغيب في السلامة،
والصحة، والخير، والترهيب من الغم، والسقم والشر. ومن رغب في
الخير، فحكيم في ما نعرفه.
وأما قولك: لم امتحن إمتحانات، عطب أكثرهم عندها؟ فإنا نقول في ذلك
ولا قوة إلا بالله : إن اللّه: سبحانه إنما إمنحانه، وأمره، ونهيه،
داعية له الى الخير، فمن عطب فمن قبل نفسه عطب ، لأنه لم يأتمر بما
أمره اللّه سبحانه؛ ولا انتهى عما نهاه عنه، ولو كان انتهى عما
نهاه عنه ، وركب ما أمر به، لكان يؤديه ذلك الى الفوز العظيم.
فهو: من قبل نفسه عطب؛ لامن قبل اللّه عزوجل.
ومثل ذلك فيما نعرفه: أن حكيما من حكمائنا لو بعطى عبيدا له
دراهمم، وقال لهمم: اتجروا، فإن ربحتم، ولمم تفسدوا؛ فأنا معطيكم
ما يكفيكم؛ وأن لم تفعلو عاقبتكم. فأطاعه منهم قوم، وعصاه آخرون ،
لم ترجع اللائمة عليه، بعصيانهم إياه؛ ولكنها لا حقة بهم، حين
عصوه، ولم يخرج دعاء سيدهم إياهم، وعيتهم ، من الحكمة؛ إذ لم يدعهم
به إلا إلى الإحسان، فلما كان ذلك كذلك، كان اللّه حكيما، بامتحانه
وأمره ونهيه.
قال الملحد: إن اللّه يعلم ممما ه صائرون اليه، ونحن لانعلم ذلك.
(1/27)
قال القسمم عليه
السلام: إن الجهل، والعلممم، لا يحسن الحسنن ولا يقبح البيح، وذلك
لأنه لو كان حسنا لأن الآمممر به يعلم أنه يفعله؛ لكاان ذلك قبيحا
إذ كان الآمر ممنا بمما يصير اليه الممأممور جاهلا، فلممما لمم يكن
ذلك قبيحا لجهل الآمر منا لأنه إنمما أمممر بالحسممم ودعى الى
الحسن جاهلا بممما يصير اليه الممأمور، أوعالمما.
وشي آخر: وهوأنه لو كان الإمتحان قبيحا، إذا علمم أنه يعصى، لكان
لاشي أقبح ممن إعطا الغقل، لأنه إنمما يعصى عند وجوده، ويستحق
الذمم والمدح به؛ فلمما كان إعطا العقل عند الأممم كلها موحدها
ولحدها حسنا، دل ذلك على أن الإمتحان، والخلق, والأمر بالحسن كله
حسن؛ علم أنه يعصي أو يطيع.
قال المملحد: فلم مزج الخير بالشر ولمم صار واحد غنيا، والآخر
فقيرا، والآخر قبيحا، والآخرحسنا؟
قال القاسم عليه السلامم: إن هذه الدار جار اممتحان، ودار ابتلاء،
وحقيقة الإمتحان هو: أ ن يخلق فيه، أو يأمره بشئ يثقل على طباعه؛
فينظر، هل يطيع ، أم لايطيع؟ ولو خلق اللّه مما هو خفيف على طباعه،
ثمم أممره بالخفيف لكان ذلك لذة له، وليس بإمتحان. فلمما كانت هذه
الدار دار إمتحان، كان الواجب في صواب التدبير، أن يمزج الخير
بالشر، والنفع بالضر، والمكروه بالمحبوب، والحسنة بالسيئة، والكريه
المنظر، بالحسن المنظر، إذكانت الدار دار إمتحان؛ لأنه جل وعلا
حكيم ، ولو كان كله محبوبا كان دالا الثواب، ولوكان كله ممكروها،
كان دار العقاب، ودار الثواب والعقاب هذه صفتها. واعلم أ،ا ولو لم
نعرف علة ذلك لكان جائزا ، وذلك أنه في بدء الأمرن إذا أقمت
الدلالة على أنه حكيم في نفسه، وفعله، ثم دللت على أن الكل مممن
أفعاله حكمممة، إستغنيت عن معرفت علله.
(1/28)
ومثال ذلك ممن
الشاهد: أنا لو هجمممنا على آلات ممن آلات الصانع، فرأينا إعوجاج
الموجات، وإستواء المستويات، وصغر بعضها، وكبر بعضها، وكثرة بعضها
، وقلة بعضها، فحكمناعلى أن صانعها غير حكيم، لكنا جاهلين بالحكمة،
نضع الحكممة في غير موضعها. بل حينئذ الواجب علينا أن نسلمم
للحكماء ححكمتهم، ونعرف أنهمم لايفعلون شيئا من ذلك إلا لضرب من
الحكمة بعرفونه، ونعلم بأن المعوج والمستوي، وكل زوج منها يصلح
لعمل لايصلح له الآخر، فحينئذ وضعنا الحكمة في موضعها. فاعرف ذلك
وتبينه، تجده كما قلنا إن شاء اللّه تعالى.
ولما كانت أفعال اللّه كلها إحسانا، أوداعية الى الى إحسان، كان
تبارك وتعالى بفعلها كلها حكيمما، إذ كل ذلك حسن في العقل.
فإن قلت: لم فعل الحسن في العقل؟ قيل لك: يفعل الحسن لحسنه، ولو لم
يفعل الحسن في العقل لحسنه ولكان لا يترك القبيح لقبحه في العقل،
وكفى بهذا القول قبحا.
[إرسال الرسل وحكم التشريع]
قال الملحد: لقد أبلغت وقد بقيت لي مسائل.
قال القاسم عليه السلام : سل.
قال الملحد: ما الدليل على أن الصانع له رسول؟
قال القاسم عليه السلام: الدليل على ذلك أن الصانع حكيم، محسن الى
خلقه، وفي العقل [أن شكر المنعم واجب، فلما كان هذا في عقولنا
واجبا، وكان اللّه حكيما، منعما، على خلقه؛ كان من كمال النعمة: أن
أرسل اليهم السل، مع درئل الضطرت العقول اليها ليبين لهم كيفية
شكره لأن ككيفية شكره ليس مما بعلم بالعقل، ولا بالنفس، ولا بالحس،
ولا بالظن، وإن كان في العقل جوازه، فحينئذ أقام لهم معهم دلائل،
ومعجزات، دل بها على صدقهم.
قال المملحد: كأنك تقول : إن شرائع الأنبياء خارجة عن العقول، إذ
قلت: لايعلم كيفيتها بها.
قال القسم عليه السلام: أماقولك: إن شرائع الرسل خارجة عن العقول
إذليس فيها كيفيتها. فإني لم أقل ليس فيها كيفيتها بتة، بل اشترطت
لك فقلت لك إنه وإن لم يكن فيها كيفيتها ففيها حواز كونها.
(1/29)
قال المملحد:وكيف
ذلك؟
قال القسم عليه السلام: هومثل ماتعرفه في الشاهد ، وذلك لوأن سيدا
أمر عبده ببناء دار، أن قطع شجرة،أوإعطاء عبد الله، أوضرب زيد،
فإنه ليس في العقل أن السيد يامممر به، فإذا أممر به كان في العقل
أن الإئتماربه حسن،وأن تركه قبيح، إذا كانا لأمر سيده عاقبة
محمودة، ومرحع نفع الى العبد، فالعقل يجوز الأمر بكل شئ على حياله،
ولايوجب شيئا من ذلك دون شئ، إذا كان ذلك الأمر مما ينتقل حاله في
العقل، وذلك أ،ه قد يكون المشي الى موضع ما حسنا في القل، إذا كان
للمشي معنى حسن، فأمما اللواتي يدرك حكمها في العقل، فقد أدرك أن
الآمر بها لايأمره إلابما هو حسن، ولا ينهىإلا عن مما هو قبيح
عنده.
قال الملحد: فحدثني عن الصلاة، والصيام، وغيرهما، من الشرائع هل
لها أصل في العقل تفرع هذا منه؟
قال القاسم عليه السلام: أجل، قد أخبرتك به آنفا، وهو كالأمر
بالمشي الى موضع ما، وكضرب زيد، وإعطا عبد اله ، ليس له أصل في
العقل ، أكثر من الإئتمار لأمر الحكيم، ووجه الحكمة فيه أن الآمر
إنممما يامر به لينظر هل يأتمر به المامور فيجازيه لذلك، لاسيما
إذا كان الآمر مستغنيا، غير محتاج الى ما يأممر به ، وإنما
يأمممرهم ليمتحنهمم، وليظهر بذلك أعممالهمم، فأن الأمر به حسن،
وعلى ذلك سبيل الشرائع كلها.
قال الملحد: خبرني عن كيفية معجزاتهم؟
قال القاسم عليه السلام: هو قلب العادات، وأ، لايترك العادات جارية
على ممجراها، فإذا جاء أحهم وقال له قومه: ما الدلالة على صدقك،
قال ك الدليل أن اللّه يقلب عاداتهمم، في كذا، وكذا، الى كذا وكذا،
فحينئذ يعرفون صدقه، ويضطرون الى قبول قوله، وهذه سبيل الممعجزات
كلها ، وبممثل ذلك يفرق بين النبي، والمتنبي، والصادق والكاذب.
[الحكمة من الموت والبعث]
قال الملحد: فإنه بقي في قلبي شبهةفأحب أن تقلعها بحسن رأيك،
ونظرك.
هاتهالله أبوك.
(1/30)
قال الملحد: أخبرني
عن اللّه عزوجل،لم يمميت الإنسان ، وصيره تراباً ، بعد أنجعله ينطق
بقرائب الحكمة، وبعد هذبه الصورة العجيبة البديعة؟ ولم يفني
العالمم كله؟ أرأيت لوأن إنسان بنا بناء فنقضه لا لممعنى ، هل يكون
حكيما؟
قال القاسم عليه السلام: ليس الأمر كمما ظننته، ارأيت لو أن إنسانا
بنا بناء للشتا فلما جاء وقت الصيف نقضه وبناه للصيف، هل يكون
حكيما؟
قال الملحد: نعم.
قال لأن الذي اتخذه للشتاء، لايصلح للصيف، وكذلك الذي اتخذه للصيف
لايصلح للشتاء.
قال القاسم عليه السلامم: وكذلك اللّه عز وجل، خلق الدنيا ومما
فيها للإبتلا، فإذا انتهى الى أجله وحينه، أفناها ، ويعيدها
ثانيا(ليجزي الذين اساؤا بما عمملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى)
ولا يكون ذلك خروجا من الحكمة أن لا يضيع الثواب والعقاب.
قال الملحد: إن التوحيد، والعديل، والرسل، قد تكلم فيه ياس مممن
أهل الملل وكل يشك في الميت، هل يحيى أم لا؟ وكل يجئ في ذلك بشئ،
فإن دللت على ثباته، وكيفيته، لم تبق لي مسالة، وحينئذ آمنت بربي0
(1/31)
قال القاسم عليه
السلام:أما الدلالة على ثباتها فإني وجدت اللّه تبارك وتعالى
حكيما، قد امتحن خلقه، وأمرهم، ونهاهمم، وكان قول من يقول بإزلة
الإمتحان، داعيا الى الإهمال، والإهمال داع الى أن اللّه غير حكيم،
فإذا جاز أن يكون العالم قديممما. لأنه لافرق بين أن يفعل ممن ليس
بحكيمم هذا الصنع العجيب، وبين أن يقع فعل لاممن فاعل، والأشياء
مموجودة، فتكون قديمة، أزلية، لافاعل لها.[و]وجدت هذا القول داعيا
الى التجاهل، فلمما كان ذلك كذلك، صح أ، اللّه حكيم، ولحكيم لايهمل
خلقه، وإذا لم يهممل خلقه، لم يكن بد ممن أممرن ونهي، ولم يكن بد
من مؤتمر، وغير مؤتمر، وكان من حكم العقل أن يفرق بين الوفي،
والعدو، ووجدناأولياءه وأعداءه مستوية الاحوال، في الدنيا، لأنه
كمما أن في الأعداء من هو موسر، صحيح، ففيهم ممن هو معسر،مريض،
وكذلك الأولياء، فلما كانت في الدنيا أحوالهم ممستوية÷ ولم يكن بد
من الفرقة، صح أن دارا أخرى فيهايفرق بيهم، وفيها ينشرون، إذقد
وجدت هذه الحال قد شملت الكل، الولي والعدو، وذلك قوله عزوجل:(أم
نجعل الذين آمنو وعملو الصالحا كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين
كالفجار).
وأماقولك: أخبرني عن كيفيتها؟ فإن اله عزوجل جعل الروح لجسد
الإنسان حياة له ، كالأرض إذا اهتزت بالمماء، وتحركت بالنبات، كذلك
الروح إذا صار في الإنسان، صار حياً متحركا، إذا اممتزج أحدهما
بصاحبه.
قال الملحد: وكيف يمتزج الروح بالبدن وقد صار ترابا؟
قال القاسم عليه السلام: وكيفيممتزج الماء بالأرض الهامدة؟ إذا
صارت قاحلة يابسة.
قال الملحد:هو أن يمطر عليها، أويجري فيهها فيتصل أجزاء الأرض
بأجزاء الماء، بالمشاكلة التي بينهما، فعندها تهتز وتتحرك.
(1/32)
قال القاسم عليه
السلام: وكذلك الروح، يرسل الى ذلك التراب، فيماسه، ومازجه، فحينئذ
يحيى الإنسان، ويتحرك. أولا ترى إلى بدء خلق الإنسان، كيف كان؟!
أولست تعلم أنه كان ترابا، فلما جممع اللّه بينهوبين روحه
صارإنسانا، فأصل خلق الإنسان يدلك على آخرة، أولا تسممع قوله
سبحانه:{ قل يحييها الذي أنشأها أول ممرة وهو بكل خلق عليم الذي
جعل لكمم ممن الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون}.
قال الملحد: إ،ه ليس بين الروح والتراب مشاكلة، فيمما يعرف.
قال القاسم عليه السلام: فهل تعلمم بين النار والشجر الأخضرمشاكلة.
قال الملحد: نعم. وهي أنها مخلوقة من الطبائع الأربع.
قال القاسم عليه السلام: اللّه أكبر هل تعلم بين الناروثلاثتها
مشاكلة؟
قال الملحد:لا.
قال القاسم عليه السلام: فكيف اجتمعن؟ إنه لما جاز أن تجتمع النار
مع الماء، والأرض والأهوية، بلا ممشاكلة جاز للروح مثل ذلك.
فقال الملحد عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول
اللّه ، وأن كل ماجاء به حق، وتعست أمة ضلت عن مثلك، وأسلم وحسن
إسلامه.
وكان يختلف الى الإمام أمير المؤمنين القاسم عليه السلام، ويتعلم
منه شرائع الإسلام.
تمت المناظرة وصلى اللّه وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين
الطاهرين.
(1/33)

|