تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

كتاب / نهج الحق وكشف الصدق

 

الفهرست

نهج الحق و كشف الصدق ... 1
تأليف العلامة الحلي ... 1
دراسته ... 1
شخصيته العلمية ... 1
وفاته ... 1
بحوث الكتاب ... 2
المقدمة ... 2
المسألة الأولى في الإدراك و فيه مباحث ... 4
البحث الأول المحسوسات أصل الاعتقادات ... 4
البحث الثاني في شرائط الرؤية ... 5
البحث الثالث في وجوب الرؤية عند حصول هذه الشرائط ... 6
البحث الرابع في امتناع الإدراك عند فقد الشرائط ... 6
البحث الخامس في أن الوجود ليس علة تامة في الرؤية ... 8
البحث السادس في أن الإدراك ليس لمعنى ... 9
البحث السابع في أنه تعالى يستحيل رؤيته ... 9
البحث الأول في أن النظر الصحيح يستلزم العلم ... 11
البحث الثاني في أن النظر واجب بالعقل ... 11
البحث الثالث أن معرفة الله تعالى واجبة بالعقل ... 12
المسألة الثالثة في صفاته تعالى و فيها مباحث ... 13
المبحث الأول إنه تعالى قادر على كل مقدور ... 13
المبحث الثاني في أنه تعالى مخالف لغيره بذاته ... 13
المبحث الثالث في أنه تعالى ليس بجسم ... 13
المبحث الرابع في أنه تعالى ليس في جهة ... 14
المبحث السادس أنه تعالى لا يحل في غيره ... 15
المبحث السابع في أنه تعالى متكلم و فيه مطالب ... 15
المطلب الأول في حقيقة الكلام ... 15
المطلب الثاني في أن كلامه تعالى متعدد ... 16
المطلب الثالث في حدوثه ... 16
المطلب الرابع في استلزام الأمر و النهي الإرادة و الكراهة ... 17
المطلب الخامس في أن كلامه تعالى صدق ... 18
المبحث الثامن في أنه تعالى لا يشاركه شي ء في القدم ... 18
المبحث التاسع في البقاء و فيه مطلبان ... 19
الأول أنه ليس زائدا على الذات ... 19
خاتمة تشتمل على حكمين الأول البقاء يصح على الأجسام بأسرها ... 20
الثاني في صحة بقاء الأعراض ... 21
المبحث العاشر في أن القدم و الحدوث اعتباريان ... 23
المبحث الحادي عشر في العدل ... 24

(1/1)


و فيه مطالب الأول في نقل الخلاف في مسائل هذا الباب ... 24
المطلب الثاني إثبات الحسن و القبح العقليين ... 29
المطلب الثالث في أن الله تعالى لا يفعل القبيح و لا يخل بالواجب ... 31
المطلب الرابع في أنه تعالى يفعل لغرض و حكمة ... 34
المطلب الخامس في أنه تعالى يريد الطاعات و يكره المعاصي ... 38
المطلب السادس في وجوب الرضا بقضاء الله تعالى ... 40
المطلب السابع في أن الله تعالى لا يعاقب الغير على فعله تعالى ... 40
المطلب الثامن في امتناع تكليف ما لا يطاق ... 41
المطلب التاسع في أن إرادة النبي ص موافقة لإرادة الله تعالى ... 41
المطلب العاشر في أنا فاعلون ... 42
الجبرية يخالفون القرآن ... 45
الآيات التي مدح فيها المؤمن أو ذم فيها الكافر ... 45
الآيات التي توبخ العباد على كفرهم و عصيانهم ... 46
الآيات الدالة على التخيير في الأفعال التكليفية ... 47
الآيات التي فيها أمر العباد بالأفعال ... 47
الآيات التي حث الله تعالى فيها على الاستعانة به ... 47
الآيات الدالة على اعتراف الأنبياء بأعمالهم ... 48
الآيات الدالة على اعتراف الكفار و العصاة ... 48
الآيات الدالة على تحسر الكفار في الآخرة ... 48
مخالفة الجبرية للحكم الضروري ... 49
مخالفة الجبرية لإجماع الأنبياء ... 49
مخالفة الجبرية لإجماع الأمة ... 50
يلزم الجبرية الظلم و العبث في أفعاله تعالى ... 50
يلزم الجبرية السفه و الجهل في أفعاله تعالى ... 51
يلزم مخالفة الضرورة ... 51
يلزم الجبرية كونه تعالى أضر من الشيطان ... 51
يلزم الجبرية مخالفة العقل و النقل ... 51
يلزم الجبرية كونه تعالى ظالما جائرا ... 52
إلزام الجبرية بالالتزام بالمحال ... 52
يلزم الجبرية كونه تعالى جاهلا أو محتاجا ... 53
يلزمهم نسبة الظلم إليه تعالى ... 53
المطلب الحادي عشر في نسخ شبههم ... 54
شبهه الأشاعرة في الجبر ... 54
الجواب عن شبهه الأشاعرة ... 55

(1/2)


المطلب الثاني عشر في إبطال الكسب ... 58
المطلب الثالث عشر في أن القدرة متقدمة على الفعل ... 60
المطلب الرابع عشر في أن القدرة صالحة للضدين ... 61
المطلب الخامس عشر في الإرادة ... 61
المطلب السادس عشر في التولد ... 62
المطلب السابع عشر في التكليف ... 62
المطلب الثامن عشر في شرائط التكليف ... 63
المطلب التاسع عشر في الأعواض ... 65
المسألة الرابعة مباحث في النبوة و فيها مباحث الأول في نبوة محمد ص ... 66
المبحث الثاني أن الأنبياء معصومون ... 67
المبحث الثالث في أنه يجب أن يكون منزها عن دناءة الآباء ... 72
و عهر الأمهات ... 72
المسألة الخامسة في الإمامة ... 73
و فيها مباحث المبحث الأول في أن الإمام يجب أن يكون معصوما ... 73
168المبحث الثاني في أن الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته ... 74
المبحث الثالث في طريق تعيين الإمام ... 75
الثاني العلم ... 104
الثالث الأخبار بالغيب ... 106
الرابع في الشجاعة ... 107
الخامس في الزهد ... 108
السادس كرمه ع ... 108
القسم الثاني من فضائله البدنية ... 109
الأول في العبادة ... 109
المطلب الثاني في الجهاد ... 109
القسم الثالث في الفضائل الخارجية ... 112
الأول في نسبه ... 112
المطلب الرابع في أنه صاحب الحوض و اللواء و الصراط و الإذن ... 116
المطلب الأول في المطاعن التي رواها السنة في أبي بكر ... 117
الصحابة في القرآن و مثالب أخرى ... 145
المسألة السابعة فيما يتعلق بأصول الفقه ... 182
الأول في الحكم ... 182
الثاني في الواجب الموسع ... 183
الرابع في الواجب المخير ... 184
الخامس في وجوب ما لا يتم الواجب إلا به ... 184
السابع في أن الكفار مخاطبون بالشرائع ... 185
التاسع في امتناع التكليف بالمحال ... 186
الفصل الثاني في الأدلة و فيه مباحث ... 186
الأول في الكتاب العزيز ... 186
الثاني الإجماع ... 187
البحث الثالث في الخبر ... 193

(1/3)


البحث الرابع في الأمر و النهي ... 193
البحث الخامس في التخصيص ... 194
البحث السادس في البيان ... 195
البحث السابع في النسخ ... 195
البحث الثامن في القياس ... 196
البحث العاشر في الاجتهاد ... 198
المسألة الثامنة فيما يتعلق بالفقه ... 199
و فيه فصول الفصل الأول في الطهارة ... 199
الثاني في الصلاة و فيه مسائل ... 205
الفصل الثالث في الزكاة ... 217
الفصل الرابع في الصوم ... 220
الفصل الخامس في الحج و فيه مسائل ... 224
الفصل السادس في البيع و فيه مسائل ... 230
الفصل السابع في الرهن و توابعه ... 235
الفصل الثامن في الوديعة و توابعها و فيه مسائل ... 241
الفصل التاسع في الإجارات ... 244
الفصل العاشر في الهبات و توابعها و فيه مسائل ... 246
الفصل الحادي عشر في المواريث و توابعها و فيه مسائل ... 247
الفصل الثاني عشر في النكاح و فيه مسائل ... 251
الفصل الثالث عشر في الطلاق و توابعه و فيه مسائل ... 254
الفصل الرابع عشر في الجنايات و توابعها و فيه مسائل ... 261
الفصل الخامس عشر في الصيد و توابعه و فيه مسائل ... 268
الفصل السادس عشر في الأيمان و توابعه و فيه مسائل ... 269
الفصل السابع عشر في القضاء و توابعه و فيه مسائل ... 271
الفهرست ... 277

نهج الحق و كشف الصدق (1)
تأليف العلامة الحلي
الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي - المعروف بالعلامة الحلي
ولد - في 29 رمضان سنة 648 ه، في مدينة الحلة.
دراسته
__________
(1) ـ لقد قام ابن تيمية بتأليف كتاب رداً على الكتاب و أسماه »منهاج السنة« نظرا للمقام السامي للعلامة الحلي و التأثير الكبير لكتبه في المجتمع الإسلامي. و لم يدخر ابن تيمية شيئاً من الكلام القبيح لم يورده في كتابه

(1/4)


لقد ولد العلامة في أسرة علمية. و قد بدأ بتحصيل العلم و اكتساب الكمال منذ طفولته. و قد تعلم الأدب العربي و المقدمات و العلوم العصرية في الحلة عند أبيه و سائر علماء المنطقة الكبار، و كذلك عند خاله المحقق الحلي و ابن عم أمه الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد و السيد أحمد بن طاوس و رضي الدين علي بن طاوس و الحكيم المشهور ابن ميثم البحراني مؤلف »شرح نهج البلاغة«.
أكمل المقدمات و نال درجة الاجتهاد و لم يبلغ سن التكليف. و منذ ذلك الوقت اشتهر بنبوغه و ذكائه و فضله و كانت له البشارة بمستقبل زاهر.
شخصيته العلمية
لقد كان العلامة من أعاجيب الدهر. ألف في الفقه و الأصول و الكلام و المنطق و الفلسفة و الرجال و غيرها. و له من الآثار في حدود 100 كتاب طبع بعض منها و التي يكفي أحدها - كتذكرة الفقهاء - للدلالة على نبوغه.
وفاته
توفي العلامة الحلي في 11 محرم سنة 726 ه، بعد عمر حافل بالجهد و السعي في إحياء الشريعة. و قبره في النجف الأشرف بجوار الرواق المطهر للإمام أمير المؤمنين عليه السلام

بحوث الكتاب
لقد كان العلامة في هذا الكتاب يقصد إلى التعريف بأصول التشيع و فروعه و إلى إيضاح انحرافات المخالفين في الأصول و الفروع، و قد بحث هذا الأمر بصورة تطبيقية.
و أبواب الكتاب هي ما يلي
1 - المسألة الأولى في الإدراك
2 - المسألة الثانية في النظر و الفكر
3 - المسألة الثالثة في صفات الله تعالى
4 - المسألة الرابعة في النبوة
5 - المسألة الخامسة في الإمامة )و التي احتلت القسم الأكبر من الكتاب(
6 - المسألة السادسة في المعاد
7 - المسألة السابعة في أصول الفقه
8 - المسألة الثامنة في المسائل الفقهية التي خالف فيها أهل السنة القرآن و السنة النبوية.

المقدمة

(1/5)


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي غرقت في معرفته أفكار العلماء و تحيرت في إدراك ذاته أنظار الفهماء و الكملاء و الأدباء العقلاء و حسرت عن معرفة كماله عقول الأولياء و قصرت عن وصف هويته ألسنة الفضلاء و عجزت عن تحقيق ماهيته أذهان الأولياء فلم يحصل لأحد منهم غير الصفات و الأسماء لا يشبهه شي ء في الأرض و لا في السماء رافع درجات العلماء إلى ذروة العلى و جاعلهم ورثة الأنبياء و مفضل مدادهم على دماء الشهداء أحمده حمدا يتجاوز عن العد و الإحصاء و يرتفع عن التناهي و الانقضاء و صلى الله على سيد الأنبياء محمد المصطفىو على عترته البررة الأصفياء الأئمة الأتقياء صلاة تملأ أقطار الأرض و السماء. أما بعد فإن الله تعالى حيث حرم في كتابه العزيز كتمان آياته و حظر إخفاء براهينه و دلالاته فقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ و قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ. و قال رسول الله ص من علم علما و كتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار تفضلا منه على بريته و طلبا لإدراجهم في رحمته فيرجع الجاهل عن زلله و يستوجب الثواب بعلمه و عمله. فحينئذ وجب على كل مجتهد و عارف إظهار ما أوجب الله إظهاره من الدين و كشف الحق و إرشاد الضالين لئلا يدخل تحت الملعونين على لسان رب العالمين و جميع الخلائق أجمعين بمقتضى الآيات القرآنية و

(1/6)


الأحاديث النبوية
و قد قال رسول الله ص إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله
و لما كان أبناء هذا الزمان ممن استغواهم الشيطان إلا الشاذ القليل الفائز بالتحصيل حتى أنكروا كثيرا من الضروريات و أخطئوا في معظم المحسوسات وجب بيان خطائهم لئلا يقتدي غيرهم بهم فتعم البلية جميع الخلق و يتركون نهج الصدق. و قد وضعنا هذا الكتاب الموسوم بنهج الحق و كشف الصدق طالبين فيه الاختصار و ترك الإكثار بل اقتصرنا فيه على مسائل ظاهرة معدودة و مطالب واضحة محدودة و أوضحت فيه لطائفة المقلدين من طوائف المخالفين إنكار رؤسائهم و مقلديهم القضايا البديهة و المكابرة في المشاهدات الحسية و دخولهم تحت فرق السوفسطائية و ارتكاب الأحكام التي لا يرتضيها لنفسه ذو عقل و روية لعلمي بأن المنصف منهم إذا وقف على مذهب من يقلده تبرأ منه و حاد عنه و عرف أنه ارتكب الخطأ و الزلل و خالف الحق في القول و العمل فإن اعتمدوا الإنصاف و تركوا المعاندة و الخلاف و راجعوا أذهانهم لصحيحة و ما تقتضيه جودة القريحة و رفضوا تقليد الآباء و الاعتماد على أقوال الرؤساء الذين طلبوا اللذة العاجلة و أهملوا أحوال الآجلة حازوا القسط و الدنو من الإخلاص و حصلوا بالنصيب الأسنى من النجاة و الخلاص و إن أبوا إلا استمرارا على التقليد فالويل لهم من نار الوعيد و صدق عليهم قوله تعالى ?إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ?. و إنما وضعنا هذا الكتاب خشية لله و رجاء لثوابه و طلبا للخلاص من أليم عقابه بكتمان الحق و ترك إرشاد الخلق و امتثلت فيه مرسوم سلطان وجه الأرض الباقية دولته إلى يوم النشر و العرض سلطان السلاطين و خاقان الخواقين مالك رقاب العباد و حاكمهم و حافظ أهل البلاد و راحمهم المظفر على جميع الأعداء المنصور من إله السماء المؤيد بالنفس القدسية و

(1/7)


الرئاسة الملكية الواصل بفكره العالي إلى أسنى مراتب العلى البالغ بحدسه الصائب إلى معرفة الشهب الثواقب غياث الملة و الحق و الدين أولجايتو خدا بنده محمد خلد الله ملكه إلى يوم الدين و قرن دولته بالبقاء و النصر و التمكين و جعلت ثواب هذا الكتاب واصلا إليه أعاد الله تعالى بركاته عليه بمحمد و آله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين و قد اشتمل هذا الكتاب على مسائل
المسألة الأولى في الإدراك و فيه مباحث
البحث الأول المحسوسات أصل الاعتقادات

(1/8)


كما كان الإدراك أعرف الأشياء و أظهرها على ما يأتي و به تعرف الأشياء و حصل فيه من مقالاتهم أشياء عجيبة غريبة وجب البدأة به فلهذا قدمناه. اعلم أن الله تعالى خلق النفس الإنسانية في مبدإ الفطرة خالية عن جميع العلوم بالضرورة قابلة لها بالضرورة و ذلك مشاهد في حال الأطفال ثم إن الله تعالى خلق للنفس آلات بها يحصل الإدراك و هي القوى الحساسة فيحس الطفل في أول ولادته بحس لمس ما يدركه من الملموسات و يميز بواسطة الإدراك البصري على سبيل التدريج بين أبويه و غيرهما و كذا يتدرج في الطعوم و باقي المحسوسات إلى إدراك ما يتعلق بتلك الآلات ثم يزداد تفطنه فيدرك بواسطة إحساسه بالأمور الجزئية الأمور الكلية من المشاركة و المباينة و يعقل الأمور الكلية الضرورية بواسطة إدراك المحسوسات الجزئية ثم إذا استكمل الاستدلال و تفطن بمواضع الجدال أدرك بواسطة العلوم الضرورية العلومالكسبية فقد ظهر من هذا أن العلوم الكسبية فرع على العلوم الضرورية الكلية و العلوم الضرورية الكلية فرع على المحسوسات الجزئية فالمحسوسات إذن هي أصول الاعتقادات و لا يصح الفرع إلا بعد صحة أصله فالطعن في الأصل طعن في الفرع. و جماعة الأشاعرة الذين هم اليوم كل الجمهور من الحنفية و الشافعية و المالكية و الحنابلة إلا اليسير من فقهاء ما وراء النهر أنكروا قضايا محسوسة على ما يأتي بيانه فلزمهم إنكار المعقولات الكلية التي هي فرع المحسوسات و يلزمهم إنكار الكسبيات و ذلك هو عين السفسطة
البحث الثاني في شرائط الرؤية
أطبق العقلاء بأسرهم عدا الأشاعرة على أن الرؤية مشروطة بأمور ثمانية :
الأول سلامة الحاسة.
الثاني المقابلة أو حكمها في الأعراض و الصور في المرايا فلا تبصر شيئا لا يكون مقابلا و لا في حكم المقابل.
الثالث عدم القرب المفرط فإن الجسم لو التسق بالعين لم يمكن رؤيته.
الرابع عدم البعد المفرط فإن البعد إذا أفرط لم يمكن الرؤية.

(1/9)


الخامس عدم الحجاب فإنه مع وجود الحجاب بين الرائي و المرئي لا يمكن الرؤية.
السادس عدم الشفافية فإن الجسم الشفاف الذي لا لون له كالهواء لا يمكن رؤيته.
السابع تعمد الرائي للرؤية.
الثامن وقوع الضوء عليه فإن الجسم الملون لا يشاهد في الظلمة و حكموا بذلك حكما ضروريا لا يرتابون فيه. و خالف الأشاعرة في ذلك جميع العقلاء من المتكلمين و الفلاسفة و لم يجعلوا للرؤية شرطا من هذه الشرائط و هو مكابرة محضة لا يشك فيها عاقل
البحث الثالث في وجوب الرؤية عند حصول هذه الشرائط
أجمع العقلاء كافة عدا الأشاعرة على ذلك للضرورة القاضية به فإن عاقلا من العقلاء لا يشك في حصول الرؤية عند استجماع شرائطها. و خالفت الأشاعرة جميع العقلاء في ذلك و ارتكبوا السفسطة فيه و جوزوا أن يكون بين أيدينا و بحضرتنا جبال شاهقة من الأرض إلى عنان السماء محيطة بنا من جميع الجوانب ملاسقة لنا تملأ الأرض شرقا و غربا بألوان مشرقة مضيئة ظاهرة غاية الظهور و تقع عليها الشمس وقت الظهيرة و لا نشاهدها و لا نبصرها و لا شيئا منها البتة. و كذا يكون بحضرتنا أصوات هائلة تملأ أقطار الأرض بحيث يدعج ]يتزعزع[ منها كل أحد يسمعها أشد ما يكون من الأصوات و حواسنا سليمة و لا حجاب بيننا و لا بعد البتة بل هي في غاية القرب منا و لا نسمعها و لا نحس بها أصلا و كذا إذا لمس أحد بباطن كفه حديدة محمية بالنار حتى تبيض و لا يحس بحرارتها بل يرمى في تنور أذيب فيه الرصاص أو الزيت و هو لا يشاهد التنور و لا الرصاص المذاب و لا يدرك حرارته و تنفصل أعضاؤه و لا يحس بالآلام في جسمه. و لا شك أن هذا هو عين السفسطة و الضرورة تقتضي فساده و من شك في هذا فقد أنكر أظهر المحسوسات عندنا
البحث الرابع في امتناع الإدراك عند فقد الشرائط

(1/10)


و الأشاعرة خالفوا جميع العقلاء في ذلك و جوزوا الإدراك مع فقد جميع الشرائط فجوزوا في الأعمى إذا كان في المشرق أن يشاهد و يبصر النملة السوداء الصغيرة على الصخرة السوداء في طرف المغرب في الليل المظلم و بينهما ما بين المشرق و المغرب من البعد و بينهما حجب جميع الجبال و الحيطان. و يسمع الأطرش و هو في طرف المشرق أخفى صوت يسمع و هو في طرف المغرب و كفى من اعتقد ذلك نقصا و مكابرة للضرورة و دخولا في السفسطة هذا اعتقادهم و كيف من يجوز لعاقل أن يقلد من كان هذا اعتقاده. و ما أعجب حالهم يمنعون من مشاهدة أعظم الأجسام قدرا و أشدها لونا و إشراقا و أقربها إلينا مع ارتفاع الموانع و حصول الشرائط و من سماع الأصوات الهائلة القريبة و يجوزون مشاهدة الأعمى لأصغر الأجسام و أخفاها في الظلمة الشديدة و بينهما غاية البعد و كذا في السماع فهل بلغ أحد من السوفسطائية في إنكارهم المحسوسات إلى هذه الغاية و وصل إلى هذه النهاية. مع أن جميع العقلاء حكموا عليهم بالسفسطة حيث جوزوا انقلاب الأواني التي في دار الإنسان حال خروجه أناسا فضلاء مدققين في العلوم حال الغيبة و هؤلاء جوزوا حصول مثل هذه الأشخاص في الحضور و لا يشاهدون فهم أبلغ في اسفسطة من أولئك. فلينظر العاقل المنصف المقلد لهم هل يجوز له أن يقلد مثل هؤلاء القوم و يجعلهم واسطة بينه و بين الله تعالى و يكون معذورا برجوعه إليهم و قبوله منهم أم لا فإن جوز ذلك لنفسه بعد تعقل ذلك و تحصيله فقد خلص المقلد من إثمه و باء هو بالإثم نعوذ بالله من زوال الأقدام. و قال بعض الفضلاء و نعم ما قال كل عاقل جرب الأمور فإنه لا يشك في إدراك السليم حرارة النار إذا بقي فيها مدة مديدة حتى تنفصل أعضاؤه و محال أن يكون أهل بغداد على كثرتهم و صحة حواسهم يجوز عليهم جيش عظيم و يقتلون و تضرب فيهم البوقات الكثيرة و يرتفع الريح و تشتد الأصوات و لا يشاهد ذلك أحد منهم و لا يسمعه و محال أن يرفع أهل

(1/11)


الأرض بأجمعهم أبصارهم إلى السماء و لا يشاهدونها و محال أن يكون في السماء ألف شمس كل واحدة منها ألف ضعف من هذه الشمس و لا يشاهدونها و محال أن يكون لإنسان واحد مشاهد أن عليه رأسا واحدا ألف رأس لا يشاهدونها و كل واحد منها مثل الرأس الذي يشاهدونه و محال أن يخبر أحد بأعلى صوته ألف مرة بمحضر ألف نفس كل واحد منهم يسمع جميع ما يقوله بأن زيدا ما قام و يكون قد أخبر بالنفي و لم يسمع الحاضرون حرف النفي مع تكرره ألف مرة و سماع كل واحد منهم جميع ما قاله بل علمنا بهذه الأشياء أقوى بكثير من علمنا بأنا حال خروجنا من منازلنا لا تنقلب الأواني التي فيها أناسا مدققين في علم المنطق و الهندسة و أن ابني الذي شاهدته بالأمس هو الذي شاهدته الآن و أنه يحدث حال تغميض العين ألف شمس ثم تعدم عندفتحها مع أن الله تعالى قادر على ذلك و هو في نفسه ممكن و أن المولود الرضيع الذي يولد في الحال إنما يولد من الأبوين و لم يمر عليه ألف سنة مع إمكانه في نفسه و بالنظر إلى قدرة الله تعالى. و قد نسب السوفسطائية إلى الغلط و كذبوا كل التكذيب في هذه القضايا الجائزة فكيف بالقضايا التي جوزها الأشاعرة التي تقتضي زوال الثقة عن المشاهدات. و من أعجب الأشياء جواب رئيسهم و أفضل متأخريهم فخر الدين الرازي في هذا الموضع حيث قال يجوز أن يخلق الله تعالى في الحديدة المحماة بالنار برودة عند خروجها من النار فلهذا لا تحس و اللون الذي فيها و الضوء المشاهد منها يجوز أن يخلقه الله تعالى في الجسم البارد. و غفل عن أن هذا ليس بموضع النزاع لأن المتنازع فيه أن الجسم الذي هو في غاية الحرارة يلمسه الإنسان الصحيح البنية السليم الحواس حال شدة حرارته و لا يحس بتلك الحرارة فإن أصحابه يجوزون ذلك فكيف يكون ما ذكره جوابا
البحث الخامس في أن الوجود ليس علة تامة في الرؤية

(1/12)


خالفت الأشاعرة كافة العقلاء هاهنا و حكموا بنقيض المعلوم بالضرورة فقالوا إن الوجود علة في كون الشي ء مرئيا فجوزوا رؤية كل موجود سواء كان في حيز أو لا و سواء كان مقابلا أو لا فجوزوا إدراك الكيفيات النفسانية كالعلم و الإرادة و القدرة و الشهوة اللذة و غير النفسانية مما لا يناله البصر كالروائح و الطعوم و الأصوات و الحرارة و البرودة و غيرهما من الكيفيات الملموسة. و لا شك في أن هذا مكابرة للضروريات فإن كل عاقل يحكم بأن الطعم إنما يدرك بالذوق لا بالبصر و الروائح إنما تدرك بالشم لا بالبصر و الحرارة و غيرها من الكيفيات الملموسة إنما تدرك باللمس لا بالبصر و الصوت إنما يدرك بالسمع لا بالبصر و لهذا فإن فاقد البصر يدرك هذه الأعراض و لو كانت مدركة بالبصر لاختل الإدراك باختلاله و بالجملة فالعلم بهذا الحكم لا يقبل التشكيك و إن من شكك فيه فهو سوفسطائي. و من أعجب الأشياء تجويزهم عدم رؤية الجبل الشاهق في الهواء مع عدم الحائل السابق و ثبوت رؤية هذه الأعراض التي لا تشاهد و لا تدرك بالبصر و هل هذا إلا عدم تعقل من قائله
البحث السادس في أن الإدراك ليس لمعنى

(1/13)


و الأشاعرة خالفت العقلاء في ذلك و ذهبوا مذهبا غريبا عجيبا لزمهم بواسطته إنكار الضروريات فإن العقلاء بأسرهم قالوا إن صفة الإدراك تصدر عن كون الواحد منا حيا لا آفة به. و الأشاعرة قالوا إن الإدراك إنما يحصل لمعنى حصل في المدرك فإن حصل ذلك المعنى للمدرك حصل الإدراك و إن فقدت جميع الشرائط نهج الحق ص : 46و إن لم يحصل لم يحصل الإدراك و إن وجدت جميع الشرائط و جاز عندهم بسبب ذلك إدراك المعدومات لأن من شأن الإدراك أن يتعلق بالمرئي على ما هو عليه في نفسه و ذلك يحصل في عدمه كما يحصل حال وجوده فإن الواحد منا يدرك جميع لموجودات بإدراك يجري مجرى العلم في عموم التعلق و حينئذ يلزم تعلق الإدراك بالمعدوم و بأن الشي ء سيوجد و بأن الشي ء قد كان موجودا و أن يدرك ذلك بجميع الحواس من الذوق و الشم و اللمس و السمع لأنه لا فرق بين رؤية الطعوم و الروائح و بين رؤية المعدوم و كما أن الم باستحالة المعدوم ضروري كذا العلم باستحالة رؤية الطعوم و الروائح. و أيضا يلزم أن يكون الواحد منا رائيا مع الساتر العظيم البقة و لا يرى الفيل العظيم و لا الجبل الشاهق مع عدم ساتر على تقدير أن يكون المعنى قد وجد في الأول و انتفى في الثاني و كان يصح منا أن نرى ذلك المعنى لأنه موجود. و عندهم أن كل موجود يصح رؤيته و يتسلسل لأن رؤية الشي ء إنما تكون بمعنى آخر و أي عاقل يرضى لنفسه تقليد من يذهب إلى جواز رؤية الطعم و الرائحة و الحرارة و البرودة و الصوت بالعين و جواز لمس العلم و القدرة و الطعم و الرائحة و الصوت بليد و ذوقها باللسان و شمها بالأنف و سماعها بالأذن و هل هذا إلا مجرد سفسطة و إنكار المحسوسات و لم يبالغ السوفسطائية في مقالاتهم هذه المبالغة
البحث السابع في أنه تعالى يستحيل رؤيته

(1/14)


و خالفت الأشاعرة كافة العقلاء في هذه المسألة حيث حكموا بأن الله تعالى يرى للبشر أما الفلاسفة و المعتزلة و الإمامية فإنكارهم لرؤيته ظاهر لا يشك فيه و أما المشبهة و المجسمة فإنهم إنما جوزوا رؤيته تعالى لأنه عندهم جسم و هو مقابل للرائي فلهذا خالفت الأشاعرة باقي العقلاء و خالفوا الضرورة أيضا فإن الضرورة قاضية بأن ما ليس بجسم و لا حال في الجسم و لا في جهة و لا مكان و لا حيز و لا يكون مقابلا و لا في حكم المقابل فإنه لا يمكن رؤيته و من كابر في ذلك فقد أنكر الحكم الضروري و كان في ارتكاب هذه المقابلة سوفسطائيا. و خالفوا أيضا آيات الكتاب العزيز الدالة على امتناع رؤيته تعالى قال عز من قائل لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ تمدح بذلك لأنه ذكره بين مدحين فيكون مدحا لقبح إدخال ما لا يتعلق بالمدح بين مدحين فإنه لا يحسن أن يقال فلان عالم فاضل يأكل الخبز زاهد ورع و إذا مدح بنفي الإبصار له كان ثبوته له نقصا و النقص عليه تعالى محال و قال تعالى في حق موسى لَنْ تَرانِي و لن للنفي المؤبد و إذا امتنعت الرؤية في حق موسى ع ففي حق غيره أولى و قال تعالى فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَُ بِظُلْمِهِمْ و لو جازت رؤيته لم يستحقوا الذم و لم يوصفوا بالظلم و إذا كانت الضرورة قاضية بحكم و دل محكم القرآن أيضا عليه فقد توافق العقل و النقل على هذا الحكم و قالوا بخلافه و أنكروا ما دلت الضرورة عليه و ما قاد القرآن إليه و من خالف الضرورة و القرآن كيف لا يخالف العلم النظري و الأخبار و كيف يجوز تقليده و الاعتماد عليه و المصير إلى أقواله و جعله إماما يقتدون به و هل يكون أعمى قلبا ممن يعتقد ذلك و أي ضرورة تقود الإنسان إلى تقليد هؤلاء الذين لم يصدر عنهم شي ء من الكرامات و لا ظهر عنهم ملازمة التقوى و الانقاد إلى ما دلت الضرورة عليه و نطقت به الآيات القرآنية بل اعتمدوا مخالفة نص الكتاب و ارتكاب ضد ما

(1/15)


دلت الضرورة عليه و لو جاز ترك إرشاد المقلدين و منعهم من ارتكاب الخطإ الذي ارتكبه مشايخهم إن أنصفوا لم نطول الكلام بنقل مثل هذه الطامات بسل أوجب الله تعالى علينا إهداء العامة بقوله تعالى وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
نهج الحق ص : 49المسألة الثانية في النظر و في المسألة مباحث
البحث الأول في أن النظر الصحيح يستلزم العلم
الضرورة قاضية بأن كل من عرف بأن الواحد نصف الاثنين و أن الاثنين نصف الأربعة فإنه يعلم أن الواحد نصف نصف الأربعة و هذا الحكم لا يمكن الشك فيه و لا يجوز تخلفه عن المقدمتين السابقتين و أنه لا يحصل من تلك المقدمتين أن العالم حادث و لا أن النفس جوهر أو أن الحاصل أولا أولى من حصول هذين. و خالفت الأشاعرة كافة العقلاء في ذلك فلم يوجبوا حصول العلم عند حصول المقدمتين و جعلوا حصول العلم عقيب المقدمتين اتفاقيا يمكن أن يحصل و أن لا يحصل و لا فرق بين حصول العلم بأن الواحد نصف نصف الأربعة عقيب قولنا الواحد نصف الاثنين نهج الحق ص : 50و الاثنان نصف الأربعة و بين حصول العلم بأن العالم محدث أو أن النفس جوهر أو أن الإنسان حيوان أو أن العدل حسن عقيب قولنا إن الواحد نصف الاثنين و الاثنان نصف الأربعة. و أي عاقل يرتضي لنفسه اعتقاد أن من علم أن الواحد نصف الاثنين و أن الاثنين نصف اأربعة يحصل له علم أن العالم محدث و أن من علم أن العالم متغير و كل متغير محدث يحصل له العلم بأن الواحد نصف نصف الأربعة و أن زيدا يأكل و لا يحصل له العلم بأن العالم محدث و هل هذا إلا عين السفسطة
البحث الثاني في أن النظر واجب بالعقل

(1/16)


و الحق أن مدرك وجوب النظر عقلي لا سمعي و إن كان السمع قد دل عليه أيضا بقوله قُلِ انْظُرُوا و قالت الأشاعرة قولا يلزم منه انقطاع حجج الأنبياء و ظهور المعاندين عليهم و هم معذورون في تكذيبهم مع أن الله تعالى قال لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ فقالوا إنه واجب بالسمع لا بالعقل و ليس يجب بالعقل شي ء البتة. فيلزمهم إفحام الأنبياء و اندحاض حجتهم لأن النبي إذا جاء إلى المكلف و أمره بتصديقه و اتباعه لم يجب عليه ذلك إلا مع العلم نهج الحق ص : 51بصدقه لا بمجرد الدعوى يثبت صدقه بل و لبمجرد المعجزة على يده ما لم ينضم إليه مقدمات منها أن هذا المعجز من عند الله تعالى و منها أنه تعالى فعله لغرض التصديق و منها أن كل من صدقه الله تعالى فهو صادق و لكن العلم بصدقه حيث توقف على هذه المقدمات النظرية لم يكن ضروريا بل كان نظريا فللمكلف أن يقول لا أعرف صدقك إلا بالنظر و النظر لا أفعله إلا إذا وجب علي و عرفت وجوبه و لم أعرف وجوبه إلا بقولك و قولك ليس حجة علي قبل العلم بصدقك فتنقطع حجة النبي ص و لا يبقى له جواب يخلص به فينتفي فائدة بعثة الرسل حيث لا يحصل الانقياد إلى أقوالهم و يكون المخالف لهم معذورا و هذا هو عين الإلحاد و الكفر نعوذ بالله منه. فلينظر العاقل المنصف من نفسه هل يجوز له اتباع من يؤدي مذهبه إلى الكفر و إنما قلنا بوجوب النظر لأنه دافع الخوف و دفع الخوف واجب بالضرورة
البحث الثالث أن معرفة الله تعالى واجبة بالعقل

(1/17)


الحق أن وجوب معرفة الله تعالى مستفاد من العقل و إن كان السمع قد دل عليه بقوله فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ لأن شكر المنعم واجب بالضرورة و آثار النعمة علينا ظاهرة فيجب أن نشكر فاعلها و إنما يحصل بمعرفته و لأن معرفة الله تعالى واقعة للخوف الحاصل من الاختلاف و دفع الخوف واجب بالضرورة. نهج الحق ص : 52و قالت الأشعرية إن معرفة الله تعالى واجبة بالسمع لا بالعقل فلزمهم ارتكاب الدور المعلوم بالضرورة بطلانه لأن معرفة الإيجاب تتوقف على معرفة الموجب فإن من لا نعرفه بشي ء من الاعتبارات البتة نعلم بالضرورةنا لا نعرف أنه أوجب فلو استفيدت معرفة الموجب من معرفة الإيجاب لزم الدور المحال. و أيضا لو كانت المعرفة إنما تجب بالأمر لكان الأمر بها إما أن يتوجه إلى العارف بالله تعالى أو إلى غير العارف و القسمان باطلان فتعليل الإيجاب بالأمر محال أما بطلان الأول فلأنه يلزم منه تحصيل الحاصل و هو محال و أما بطلان الثاني فلأن غير العارف بالله تعالى يستحيل أن يعرف أن الله قد أمره و أن امتثال أمره واجب و إذا استحال أن يعرف أن الله تعالى قد أمره و أن امتثال أمره واجب استحال أمره و إلا لزم تكليف ما لا يطاق و سيأتي بطلانه إن شاء الله تعالى
المسألة الثالثة في صفاته تعالى و فيها مباحث
المبحث الأول إنه تعالى قادر على كل مقدور

(1/18)


الحق ذلك لأن المقتضي لتعلق القدرة بالمقدور هو الإمكان فيكون الله تعالى قادرا على جميع المقدورات. و خالفت في ذلك جماعة من الجمهور فقال بعضهم إن الله تعالى لا يقدر على مثل مقدور العبد و قال آخرون إنه تعالى لا يقدر على غير مقدور العبد و قال آخرون إنه تعالى لا يقدر على القبيح و قال الآخرون إنه تعالى لا يقدر أن يخلق فينا علما ضروريا يتعلق بما علمناه مكتسبا. و كل ذلك بسبب سوء فهمهم و قلة تحصيلهم و الأصل في ذلك أنه تعالى واجب الوجود و كل ما عداه ممكن و كل ممكن فإنه إنما يصدر عنه و لو عرف هؤلاء الله حق معرفته لم تتعدد آراؤهم و لا تشعبوا بحسب ما تشعب أهواؤهم
المبحث الثاني في أنه تعالى مخالف لغيره بذاته
العقل و السمع تطابقا على عدم ما يشبهه تعالى فيكون مخالفا لجميع الأشياء بنفس حقيقته. و ذهب أبو هاشم من الجمهور و أتباعه إلى أنه يخالف ما عداه بصفة الإلهية و أن ذاته مساوية لغيره من الذوات. و قد كابر الضرورة هاهنا الحاكمة بأن الأشياء المتساوية يلزمها لازم واحد لا يجوز اختلافها فيه فلو كانت ذاته تعالى مساوية لغيره من الذوات لساواها في اللوازم فيكون القدم و الحدوث و التجرد و المقارنة إلى غير ذلك من اللوازم مشتركا بينها و بين الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ثم إنهم ذهبوا مذهبا غريبا عجيبا و هو أن هذه الصفة الموجبة للمخالفة غير معلومة و لا مجهولة و لا موجودة و لا معدومة و هذا كلام غير معقول في غاية السقوط
المبحث الثالث في أنه تعالى ليس بجسم

(1/19)


أطبق العقلاء على ذلك إلا أهل الظاهر كداود و الحنابلة كافة فإنهم قالوا إنه تعالى جسم يجلس على العرش و يفضل عنه من كل جانب ستة أشبار بشبره و أنه ينزل في كل ليلة جمعة على حمار و ينادي إلى الصباح هل من تائب هل من مستغفر و حملوا آيات التشبيه على ظواهرها. نهج احق ص : 56و السبب في ذلك قلة تمييزهم و عدم تفطنهم بالمناقضة التي تلزمهم و إنكار الضروريات التي تبطل مقالتهم فإن الضرورة قاضية بأن كل جسم لا ينفك عن الحركة و السكون و قد ثبت في علم الكلام أنهما حادثان و الضرورة قاضية أن ما لا ينفك عن المحدث فإنه يكون محدثا فيلزم حدوث الله تعالى و الضرورة الثانية قاضية بأن كل محدث مفتقر إلى محدث فيكون واجب الوجود مفتقرا إلى مؤثر و يكون ممكنا فلا يكون واجبا و قد فرض أنه واجب هذا خلف. و قد تمادى أكثرهم فقال إنه تعالى يجوز عليه المصافحة و إن المخلصين يعانقونه في الدنيا و قال داود اعفوني عن الفرج و اللحية و اسألوني عما وراء ذلك و قال إن معبوده جسم ذو لحم و دم و جوارح و أعضاء و إنه بكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه و عادته الملائكة لما اشتكت عيناه. فلينصف العاقل المقلد من نفسه هل يجوز له تقليد هؤلاء في شي ء و هل للعقل مجال في تصديقه في هذه المقالات الكاذبة و الاعتقادات الفاسدة و هل تثق النفس بإصابة هؤلاء في شي ء البتة
المبحث الرابع في أنه تعالى ليس في جهة
نهج الحق ص : 57العقلاء كافة على ذلك خلافا للكرامية حيث قالوا إنه تعالى في جهة فوق و لم يعلموا أن الضرورة قضت بأن كل ما هو في جهة فإما أن يكون لابثا فيها أو متحركا عنها فهو إذن لا ينفك عن الحوادث و كل ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث على ما تقدم المبحث الخامس في أنه تعالى لا يتحد بغيره

(1/20)


الضرورة قاضية ببطلان الاتحاد فإنه لا يعقل صيرورة الشيئين شيئا واحدا. و خالف في ذلك جماعة من الصوفية من الجمهور فحكموا بأنه تعالى يتحد مع أبدان العارفين حتى أن بعضهم قال إنه تعالى نفس الوجود و كل موجود هو الله تعالى. و هذا عين الكفر و الإلحاد. و الحمد لله الذي فضلنا باتباع أهل البيت دون أهل الأهواء الباطلة
المبحث السادس أنه تعالى لا يحل في غيره
من المعلوم القطعي أن الحال مفتقر إلى المحل و الضرورة قضت بأن كل مفتقر إلى الغير ممكن فلو كان الله تعالى حالا في غيره لزم إمكانه فلا يكون واجبا هذا خلف. و خالفت الصوفية من الجمهور في ذلك و جوزوا عليه الحلول في أبدان العارفين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فانظروا إلى هؤلاء المشايخ الذين يتبركون بمشاهدهم كيف اعتقادهم في ربهم و تجويزهم تارة الحلول و أخرى الاتحاد و عبادتهم الرقص و التصفيق و الغناء و قد عاب الله تعالى على الجاهلية الكفار في ذلك فقال عز من قائل وَ ما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَ تَصْدِيَةً و أي غافل أبلغ من تغفل من يتبرك بمن يتعبد الله بما عاب به الكفار فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ. و لقد شاهدت جماعة من الصوفية في حضرة مولانا الحسين ع و قد صلوا المغرب سوى شخص واحد منهم كان جالسا لم يصل ثم صلوا بعد ساعة العشاء سوى ذلك الشخص فسألت بعضهم عن ترك صلاة ذلك الشخص فقال و ما حاجة هذا إلى الصلاة و قد وصل أ يجوز أن يجعل بينه و بين الله تعالى حاجبا فقلت لا فقال الصلاة نهج الحق ص : 59حاجب بين العبد و الرب. فانظر أيها العاقل إلى هؤلاء و قائدهم في الله تعالى كما تقدم و عبادتهم ما سبق و اعتذارهم في ترك الصلاة ما مر و مع ذلك فإنهم عندهم الأبدال فهؤلاء أجهل الجهال
المبحث السابع في أنه تعالى متكلم و فيه مطالب
المطلب الأول في حقيقة الكلام

(1/21)


الكلام عند العقلاء عبارة عن المؤلف من الحروف المسموعة. نهج الحق ص : 60و أثبت الأشاعرة كلاما آخر نفسانيا مغايرا لهذه الحروف و الأصوات دالة عليه. و هذا غير معقول فإن كل عاقل إنما يفهم من الكلام ما قلناه فأما ما ذهبوا إليه فإنه غير معقول لهم و لغيرهم البتة فيف يجوز إثباته لله تعالى و هل هذا إلا جهل عظيم لأن الضرورة قاضية بسبق التصور على التصديق. و إذ قد تمهدت هذه المقدمة فنقول لا شك في أنه تعالى متكلم على معنى أنه أوجد حروفا و أصواتا مسموعة قائمة بالأجسام الجمادية كما كلم الله تعالى موسى من الشجرة فأوجد فيها الحروف و الأصوات. و الأشعرية خالفوا عقولهم و عقول كافة البشر و أثبتوا له تعالى كلاما لا يفهمونه هم و لا غيرهم. و إثبات مثل هذا الشي ء و المكابرة عليه مع أنه غير متصور البتة فضلا عن أن يكون مدلولا عليه معلوم البطلان و مع ذلك فإنه صادر منا أو فينا عندهم و ل نعقله نحن و لا من ادعى ثبوته
المطلب الثاني في أن كلامه تعالى متعدد
المعقول من الكلام على ما تقدم أنه الحروف و الأصوات المسموعة و هذه الحروف المسموعة إنما تلتئم كلاما مفهوما إذا كان الانتظام أحد الوجوه التي يحصل بها الإفهام و ذلك بأن يكون خبرا أو أمرا أو نهيا أو استفهاما أو تنبيها و هو الشامل للتمني و الترجي و التعجب و القسم و النداء و لا وجود له إلا في هذه الجزئيات. و الذين أثبتوا قدم الكلام اختلفوا فذهب بعضهم إلى أن كلامه نهج الحق ص : 61تعالى واحد مغاير لهذه المعاني و ذهب آخرون إلى تعدده. و الذين أثبتوا وحدته خالفوا جميع العقلاء في إثبات شي ء لا يتصورونه هم و لا خصومهم من أثبت لله تعالى وصفا لا يعقله و لا يتصوره هو و لا غيره كيف يجوز أن يجعل إماما يقتدى به و يناط به الأحكام
المطلب الثالث في حدوثه

(1/22)


العقل و السمع متطابقان على أن كلامه تعالى محدث ليس بأزلي لأنه مركب من الحروف و الأصوات و يمتنع اجتماع حرفين في السماع دفعة واحدة فلا بد أن يكون أحدهما سابقا على الآخر و المسبوق حادث بالضرورة و السابق على الحادث بزمان متناه حادث بالضرورة و قد قال الله تعالى ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ. و خالفت الأشاعرة جميع العقلاء في ذلك فجعلوا كلامه تعالى قديما لم يزل معه و أنه تعالى في الأزل يخاطب العقلاء المعدومين. و إثبات ذلك في غاية السفه و النقص في حقه تعالى فإن الواحد منا لو جلس في بيت وحده منفردا و قال يا سالم قم و يا غانم اضرب و يا سعيد كل و لا أحد عنده من هؤلاء عده كل عاقل سفيها جاهلا عادما للتحصيل فكيف يجوز منهم نسبة هذا الفعل الدال على السفه و الجهل و الحماقة إليه تعالى. نهج الحق ص : 62و كيف يصح منه تعالى أن يقول في الأزل يا أَيُّهَا النَّسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ و لا مخاطب هناك و لا ناس عنده و يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا و أَقِيمُوا الصَّلاةَ و لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ و لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. و أيضا لو كان كلامه قديما لزم صدور القبيح منه تعالى لأنه إن لم يفد بكلامه في الأزل شيئا كان سفيها و هو قبيح عليه تعالى و إن أفاد فإما لنفسه أو لغيره و الأول باطل لأن المخاطب إنما يفيد نفسه لو كان يطرب في كلامه أو يكرره ليحفظه أو يتعبد به كما يعبد الله بقراءة القرآن و هذه في حقه تعالى محال لتنزهه عنها و الثاني باطل لأن إفادة الغير إنما تصح لو خاطب غيره ليفهمه مراده أو يأمره بفعل أو ينهاه عن فعل و لما لم يكن في الأزل من يفيده بكلامه شيئا من هذه كان كلامه سفها و عبثا و أيضا يلزمه الكذب في إخباره تعالى لأنه لو قال في الأزل إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً أَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ و وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ و ضَرَبْنا لَكُمُ

(1/23)


الْأَمْثالَ مع أن هذه إخبارات عن الماضي و الإخبار عن وقوع ما لم يقع في الماضي كذب تعالى الله عنه و أيضا قال الله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فه إخبار عن المستقبل فيكون حادثا
المطلب الرابع في استلزام الأمر و النهي الإرادة و الكراهة
كل عاقل يريد من غيره شيئا على سبيل الجزم فإنه يأمر به فإذا كره الفعل فإنه ينهى عنه و إن الأمر و النهي دليلان على الإرادة و الكراهة. و خالفت الأشاعرة جميع العقلاء في ذلك و قالوا إن الله تعالى يأمر دائما بما لا يريده بل بما يكرهه و إنما ينهى عن ما لا يكرهه بل عما يريده. و كل عاقل ينسب من يفعل هذا إلى السفه و الجهل تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
المطلب الخامس في أن كلامه تعالى صدق
اعلم أن الحكم يكون كلام الله تعالى صادقا لا يجوز عليه الكذب إنما يتم على قواعد العدلية الذين أحالوا صدور القبيح عنه تعالى من حيث الحكمة و لا يتمشى على مذهب الأشعرية لوجهين الأول أنهم أسندوا جميع القبائح إليه تعالى و قالوا لا مؤثر في الوجود من القبائح بأسرها و غيرها إلا الله تعالى و من يفعل أنواع الشرك و الظلم و الجور و العدوان و أنواع المعاصي و القبائح المنسوبة إلى البشر كيف يمتنع أن يكذب في كلامه و كيف يقدر الباحث على إثبات كونه صادقا الثاني أن الكلام النفساني عندهم مغاير للحروف و الأصوات و لا نهج الحق ص 64طريق لهم إلى إثبات كونه تعالى صادقا في الحروف و الأصوات
المبحث الثامن في أنه تعالى لا يشاركه شي ء في القدم

(1/24)


العقل و السمع متطابقان على أنه تعالى مخصوص بالقدم و أنه ليس في الأزل سواه لأن كل ما عداه سبحانه و تعالى ممكن و كل ممكن حادث و قال تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ. و أثبتت الأشاعرة معه معاني قديمة ثمانية هي علل الصفات كالقدرة و العلم و الحياة إلى غير ذلك و لزمهم من ذلك محالات منها إثبات قديم غير الله تعالى قال فخر الدين الرازي النصارى كفروا بأنهم أثبتوا ثلاثة قدماء و أصحابنا أثبتوا تسعة. و منها أنه يلزمهم افتقار الله تعالى في كونه عالما إلى إثبات معنى هو العلم و لولاه لم يكن عالما و افتقاره في كونه تعالى قادرا إلى القدرة و لولاها لم يكن قادرا و كذا باقي الصفات و الله تعالى منزه عن الحاجة و الافتقار لأن كل مفتقر إلى الغير فهو ممكن. و منها أنه يلزم إثبات ما لا نهاية له من المعاني القائمة بذاته تعالى و هو محال بيان الملازمة إن العلم بالشي ء مغاير للعلم بما عده فإن من شرط العلم المطابقة و محال أن يطابق الشي ء الواحد أمورا متغايرة متخالفة في الذات و الحقيقة لكن المعلومات غير متناهية فيكون له علوم غير متناهية لا مرة واحدة بل مرارا غير متناهية باعتبار كل علم يفرض في كل مرتبة من المراتب الغير المتناهية لأن العلم بلشي ء مغاير للعلم بالعلم بذلك الشي ء ثم العلم بالعلم بالشي ء مغاير نهج الحق ص : 65للعلم بالعلم بذلك الشي ء و هكذا إلى ما لا يتناهى و في كل واحدة من هذه المراتب علوم غير متناهية و هذه السفسطة لعدم تعقله بالمرة. و منها أنه لو كان الله تعالى موصوفا بهذه ت و كانت قائمة بذاته كانت حقيقة الإلهية مركبة و كل مركب محتاج إلى جزئه و جزء غيره فيكون الله تعالى محتاجا إلى غيره فيكون ممكنا

(1/25)


و إلى هذا أشار مولانا أمير المؤمنين ع حيث قال أول الدين معرفته و كمال معرفته التصديق به و كمال التصديق به توحيده و كمال توحيده الإخلاص له و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف و شهادة كل موصوف أنه غير الصفة فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه و من قرنه فقد ثناه و من ثناه فقد جزأه و من جزأه فقد جهله
و منها أنهم ارتكبوا هاهنا ما هو معلوم البطلان و هو أنهم قالوا إن هذه المعاني لا هي نفس الذات و لا مغايرة لها و هذا غير معقول لأن الشي ء إذا نسب إلى آخر فإما أن يكون هو هو أو غيره و لا يعقل سلبهما معا
المبحث التاسع في البقاء و فيه مطلبان
الأول أنه ليس زائدا على الذات

(1/26)


و ذهب الأشاعرة إلى أن الباقي إنما يبقى ببقاء زائد على ذاته و هو نهج الحق ص : 66عرض قائم بالباقي و أن الله تعالى باق ببقاء قائم بذاته تعالى. و لزمهم من ذلك المحال الذي تجزم الضرورة ببطلانه من وجوه الأول أن البقاء إن عني به الاستمرار لزم اتصاف العدم بالصفة لثبوتية و هو محال بالضرورة بيان الملازمة أن الاستمرار كما يتحقق في جانب الوجود كذا يتحقق في جانب العدم لإمكان تقسيم المستمر إليهما و مورد التقسيم مشترك و لأن معنى الاستمرار كون الأمر في أحد الزمانين كما كان في الزمان الآخر و إن عني به صفة زائدة على الاستمرار فإن احتاج كل منهما إلى صاحبه دار و إن لم يحتج أحدهما إلى الآخر أمكن تحقق كل منهما بدون صاحبه فيوجد بقاء من غير استمرار و بالعكس و هو باطل بالضرورة و إن احتاج أحدهما إلى صاحبه انفك الآخر عنه و هو ضروري البطلان. الثاني أن وجود الجوهر في الزمان الثاني لو احتاج إلى البقاء لزم الدور لأن البقاء عرض يحتاج في وجوده إلى الجوهر فإن احتاج إلى وجود هذا الجوهر الذي فرض باقيا كان كل من البقاء و وجود الجوهر محتاجا إلى صاحبه و هو عين الدور المحال و إن احتاج إلى وجود جوهر غيره لزم قيام الصفة بغير الموصوف و هو غير معقول. أجابوا بمنع احتياج البقاء إلى الجوهر فجاز أن يقوم بذاته لا في محل و يقتضي وجود الجوهر في الزمان الثاني و هو خطأ لأنه يقتضي قيام البقاء بذاته فيكون جوهرا مجردا و البقاء لا يعقل إلا عرضا قائما بغيره. و أيضا يلزم أن يكون هو بالذاتية أولى من الذات و تكون الذات بالوصفية أولى منه لأنه مجرد مستغن عن الذات و الذات محتاجة إليه و المحتاج أولى بالوصفية من المستغني و المستغني أولى بالذاتية من المحتاج. نهج الحق ص : 67و لأنه يقتضي بقاء جميع الأشياء لعدم اختصاصه بذات دون أخرى حينئذ. الثالث أن وجود الجوهر في الزمان الثانيهو وجوده في الزمان الأول و لما كان وجوده في الزمان الأول غنيا عن

(1/27)


هذا البقاء كان وجوده في الزمان الثاني كذلك لامتناع كون بعض أفراد الطبيعة محتاجا لذاته إلى شي ء و بعض أفرادها مستغنيا عنه المطلب الثاني في أن الله تعالى باق لذاته
الحق ذلك لأنه لو احتاج في بقائه إلى غيره كان ممكنا و لا يكون واجبا للتنافي بالضرورة بين الواجب و الممكن و خالفت الأشاعرة في ذلك و ذهبوا إلى أنه تعالى باق بالبقاء. و هو خطأ لما تقدم و لأن البقاء إن قام بذاته تعالى لزم تكثره و احتياج البقاء إلى ذاته تعالى مع أن ذاته محتاجة إلى البقاء فيدور و إن قام بغيره كان وصف الشي ء حالا في غيره و إن غيره محدث و إن قام البقاء بذاته كان مجردا. و أيضا بقاؤه تعالى باق لامتناع تطرق العدم إلى ذاته ]صفاته[ تعالى. و لأنه يلزم أن يكون محلا للحوادث فيكون له بقاء آخر و يتسلسل. و أيا صفاته تعالى باقية فلو بقيت بالبقاء لزم قيام المعنى بالمعنى
خاتمة تشتمل على حكمين الأول البقاء يصح على الأجسام بأسرها
و هذا حكم ضروري لا يقبل التشكيك. و خالف فيه النظام من الجمهور فذهب إلى امتناع بقاء الأجسام بأسرها بل كل آن يوجد فيه جسم ما يعدم ذلك الجسم في الآن الذي بعده و لا يمكن أن يبقى جسم من الأجسام فلكيها و عنصريها بسيطها و مركبها ناطقها و غيرها آنين. و لا شك في بطلان هذا القول لقضاء الضرورة بأن الجسم الذي شاهدته حال فتح العين هو الذي شاهدته قبل تغميضها و المنكر لذلك سوفسطائي بل السوفسطائي لا يشك في أن بدنه الذي كان به بالأمس هو بدنه الذي كان الآن و أنه لا يتبدل بدنه من أول لحظة إلى آخرها و هؤلاء جزموا بالتبدل.
الثاني في صحة بقاء الأعراض

(1/28)


ذهبت الأشاعرة إلى أن الأعراض غير باقية بل كل لون و طعم و رائحة و حرارة و برودة و رطوبة و يبوسة و حركة و سكون و حصول في مكان و حياة و علم و قدرة و تركب و غير ذلك من الأعراض فإنه لا يجوز أن يوجد آنين متصلين بل يجب عدمه في الآن الثاني من آن وجوده. نهج الحق ص: 69و هذا مكابرة للحس و تكذيب للضرورة الحاكمة بخلافه فإنه لا حكم أجلى عند العقل من أن اللون الذي شاهدته في الثوب حين فتح العين هو الذي شاهدته قبل طبقها و أنه لم يعدم و لم يتغير و أي حكم أجلى عند العقل من هذا و أظهر منه
ثم إنه يلزم منه محالات الأول
أن يكون الإنسان و غيره يعدم في كل آن ثم يوجد في آن بعده لأن الإنسان ليس إنسانا باعتبار الجواهر الأفراد التي فيه عندهم بل لا بد في تحقق كونه إنسانا من أعراض قائمة بتلك الجواهر من لون و شكل و مقدار و غيرها من مشخصاته و معلوم بالضرورة أن كل عاقل يجد نفسه باقية لا تتغير في كل آن و من خالف ذلك كان سوفسطائيا و هل إنكار السوفسطائيين للقضايا الحسية عند بعض الاعتبارات أبلغ من إنكار كل أحد بقاء ذاته و بقاء جميع المشاهدات آنين من الزمان. فلينظر المقلد المنصف في هذه المقالة التي ذهب إليها الذي قلده و يعرض على عقله حكمه بها و هل يقصر حكمه ببقائه و بقاء المشاهدات عن أجلى الضروريات و يعلم أن إمامه الذي قلده إن قصر ذهنه عن إدراك فساد هذه المقالة فقد قلد من لا يستحق التقليد و أنه قد التجأ إلى ركن غير شديد و إن لم يقصر ذهنه فقد غشه و أخفى عنه مذهبه
و قد قال ص من غشنا فليس منا
الثاني
أنه يلزم تكذيب الحس الدال على الوحدة و عدم التغير كما تقدم.
الثالث

(1/29)


أنه لو لم يبق العرض إلا آنا واحدا لم يدم نوعه ]لم يلزم تأبيد نوعه[ فكان السواد إذا عدم لم يجب أن يخلفه سواد آخر بل نهج الحق ص : 70جاز أن يحصل عقيبه بياض أو حمرة أو غير ذلك و أن لا يحصل شي ء من الألوان إذ لا وجه لوجوب ذلك الحصول لكن دوامه يدل على وجوب بقا.
الرابع
لو جوز العقل عدم كل عرض في الآن الثاني من وجوده مع استمراره في الحس لجوز ذلك في الجسم إذ الحكم ببقاء الجسم إنما هو مستند إلى استمراره في الحس. و هذا الدليل لا يتمشى لانتقاضه بالأعراض عندهم فيكون باطلا فلا يمكن الحكم ببقاء شي ء من الأجسام آنين لكن الشك في لك هو عين السفسطة.
الخامس
أن الحكم بامتناع انقلاب الشي ء من الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي ضروري و إلا لم يبق وثوق بشي ء من القضايا البديهية و جاز أن ينقلب العالم من إمكان الوجود إلى وجوب الوجود فيستغني عن المؤثر فيسد باب إثبات الصانع تعالى بل و يجوز انقلاب واجب الوجود إلى التناع و هو ضروري البطلان و إذا تقرر هذا فنقول الأعراض إن كانت ممكنة لذاتها في الآن الأول فتكون كذلك في الآن الثاني و إلا لزم الانتقال من الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي و إذا كانت ممكنة في الثاني جاز عليها البقاء.
و قد احتجوا بوجهين الأول
البقاء عرض فلا يقوم بالعرض.
الثاني

(1/30)


أن العرض لو بقي لما عدم لأن عدمه لا يستند إلى ذاته و إلا لكان ممتنعا و لا إلى الفاعل لأن أثر الفاعل الإيجاد و لا إلى طريان الضد لأن طريان الضد على المحل مشروط بعدم الضد الأول عنه نهج الحق ص : 71فلو علل ذلك العدم به دار و لا إلى انتفاء شرط لأن شرطه الجوهر ا غير و هو باق و الكلام في عدمه كالكلام في عدم العرض. و الجواب عن الأول المنع من كون البقاء عرضا زائدا على الذات سلمنا لكن نمنع امتناع قيام العرض بمثله فإن السرعة و البطء عرضان قائمان بالحركة و هي عرض. و الجواب عن الثاني أنه لم لا يعدم لذاته في الزمان الثالث كما يعدم عندكم لذاته في الزمان الثاني سلمنا لكن جاز أن يكون مشروطا بأعراض لا تبقى فإذا انقطع وجودها عدم. سلمنا لكن يستند إلى الفاعل و نمنع انحصار أثره في الإيجاد فإن العدم ممكن لا بد له من سبب سلمنا لكن يعدم بحصول المانع و نمنع اشتراط طريان الثاني بعدم الضد الأول بل الأمر بالعكس و بالجملة فالاستدلال على نقيض الضروري باطل كما في شبه السوفسطائية فإنها لا تسمع لما كانت الاستدلالات في مقابل الضروريات
المبحث العاشر في أن القدم و الحدوث اعتباريان
ذهب بعض الأشاعرة إلى أن القدم وصف ثبوتي قائم بذات الله تعالى و ذهبت الكرامية إلى أن الحدوث وصف ثبوتي قائم بذات الحادث. و كلا القولين باطل لأن القدم لو كان موجودا مغايرا للذات لكان إما قديما أو حادثا فإن كان قديما كان له قدم آخر و يتسلسل. نهج الحق ص : 72و ن كان حادثا كان الشي ء موصوفا بنقيضه و كان الله تعالى محلا للحوادث و كان الله تعالى قبل حدوثه ليس بقديم و الكل معلوم البطلان و أما الحدوث فإن كان قديما لزم قدم الحادث الذي هو شرطه و كان الشي ء موصوفا بنقيضه و إن كان حادثا تسلسل و الحق أن القدم و الحدوث مالصفات الاعتبارية
المبحث الحادي عشر في العدل
و فيه مطالب الأول في نقل الخلاف في مسائل هذا الباب

(1/31)


اعلم أن هذا أصل عظيم تبتني عليه القواعد الإسلامية بل الأحكام الدينية مطلقا و بدونه لا يتم شي ء من الأديان و لا يمكن أن يعلم صدق نبي من الأنبياء على الإطلاق على ما نقرره فيما بعد إن شاء الله و بئس ما اختار الإنسان لنفسه مذهبا خرج به عن جميع الأديان و لم يمنه أن يعبد الله تعالى بشرع من الشرائع السابقة و اللاحقة و لا يجزم به على نجاة نبي مرسل أو ملك مقرب أو مطيع في جميع أفعاله من أولياء الله تعالى و خلصائه و لا على عذاب أحد من الكفار و المشركين و أنواع الفساق و العاصين فلينظر العاقل المقلد هل يجوز له أن يلقى الله تعالى بمثل هذه العقائد الفاسدة و الآراء الباطلة المستندة إلى اتباع الشهوة و الانقياد إلى المطامع. قالت الإمامية و متابعوهم من المعتزلة إن الحسن و القبح عقليان مستندان إلى صفات قائمة بالأفعال أو وجوه و اعتبارات يقع عليها و قالت الأشاعرة إن العقل لا يحكم بحسن شي ء البتة و لا بقبحه بل كل ما يقع في الوجود من أنواع الشرور كالظلم و العدوان و القتل و الشرك و الإلحاد و سب الله تعالى و سب ملائكته و أنبيائه و أوليائه فإنه حسن. و قالت الإمامية و متابعوهم من المعتزلة إن جميع أفعال الله تعالى حكمة صواب ليس فيها ظلم و لا جور و لا كذب و لا عبث و لا فاحشة و الفواحش و القبائح و الكذب و الجهل من أفعال العباد و الله تعالى منزه عنها و بري ء منها. و قالت الأشاعرة ليس جميع أفعال الله تعالى حكمة و صواب ]و صوابا[ لأن الفواحش و القبائح كلها صادرة عنه تعالى لأن لا مؤثر غيره. و قالت الإمامية نحن نرضى بقضاء الله تعالى حلوه و مره لأنه لا يقضي إلا بالحق. و قالت الأشاعرة لا نرضى بقضاء الله كله لأنه قضى الكفر و الفواحش و المعاصي و الظلم و جميع أنواع الفساد. و قالت الإمامية و المعتزلة لا يجوز أن يعاقب الله الناس على فعله و لا يلومهم على صنعه وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى. و قالت الأشاعرة لا

(1/32)


يعاقب الله الناس إلا على ما لم يفعلوه و لا يلومهم إلا على ما لم يصنعوه و إنما يعاقبهم على فعله فيهم و سبه و شتمه ثم يلومهم عليه و يعاقبهم لأجله و يخلق فيهم الإعرا ثم يقول فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ و يمنعهم من الفعل و يقول ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا. و قالت الإمامية إن الله تعالى لم يفعل شيئا عبثا بل إنما يفعل لغرض و مصلحة و إنه إنما يمرض لمصالح العباد و يعوض المؤلم بالثواب بحيث ينتفي العبث و الظلم. و قالت الأشاعرة لا يجوز أن يفعل الله شيئا لغرض من الأغراض و لا لمصلحة و يؤلم العبد بغير مصلحة و لا غرض بل يجوز أن يخلق خلقا في النار مخلدين فيها من غير أن يكونوا قد عصوا أو لا. و قالت الإمامية لا يحسن في حكمة الله تعالى أن يظهر المعجزات على يد الكذابين و لا يصدق المبطلين. و لا يرسل السفهاء و الفساق و العصاة. نهج الحق ص : 75و قالت الأشاعرة يحسن كل ذلك. و قالت الإمامية إن الله سبحانه لم يكلف أحدا فوق طاقته. و قالت الأشاعرة لم يكلف الله أحدا إلا فوق طاقته و ما لا يتمكن من تركه و فعله و لامهم على ترك ا لم يعطهم القدرة على فعله و جوزوا أن يكلف الله مقطوع اليد الكتابة و من لا مال له الزكاة و من لا يقدر على المشي للزمانة الطيران إلى السماء و أن يكلف العاطل الزمن المفلوج خلق الأجسام و أن يجعل القديم محدثا و المحدث قديما و جوزوا أن يرسل رسولا إلى عباده بالمعجزات ليأمرهم بأن يجعلوا الجسم الأسود أبيض دفعة واحدة و يأمرهم بالكتابة الحسنة و لا يخلق لهم الأيدي و الآلات و أن يكتبوا في الهواء بغير دواة و لا مداد و لا قلم و لا يد ما يقرؤه كل أحد و قالت الإمامية ربنا أعدل و أحكم من ذلك. و قالت الإمامية ما أضل الله تعالى أحدا من عباده عن الدين و لم يرسل رسولا إلا بالحكمة و الموعظة الحسنة. و قالت الأشاعرة قد أضل الله كثيرا من عباده عن الدين و لبس عليهم و أغواهم و أنه يجوز أن

(1/33)


يرسل رسولا إلى قوم لا يأمرهم إلا بسبه و مدح إبليس فيكون من سب الله تعالى و مدح الشيطان و اعتقد التثليث نهج الحق ص : 76و الإلحاد و أنواع الشرك مستحقا للثواب و التعظيم و يكون من مدح الله تعالى طول عمره و عبده بمقتضى أوامره و ذم إبليس دائما في العقاب المخلد و اللعن المؤبد. و جوزوا أن يكون فيمن سلف من الأنبياء ممن لم يبلغنا خبره من لم يكن شريعته إلا هذا.و قالت الإمامية قد أراد الله تعالى الطاعات و أحبها و رضيها و اختارها و لم يكرهها و لم يسخطها و أنه كره المعاصي و الفواحش و لم يحبها و لا رضيها و لا اختارها. و قالت الأشاعرة قد أراد الله من الكافر أن يسبه و يعصيه و اختار ذلك و كره أن يمدحه قال بعضهم أحب وجود الفساد و رضي بوجود الكفر. و قالت الإمامية قد أراد النبي ص من الطاعات ما أراد الله عز و جل و كره من المعاصي ما كرهه الله عز و جل. و قالت الأشاعرة بل أراد النبي ص كثيرا مما كرهه الله عز و جل و كره كثيرا مما أراد الله. قالت الإمامية قد أراد الله تعالى من الطاعات ما أراده أنبياؤه و كره ما كرهوه و أراد ما كره الشياطين من الططعات و لم يرد ما أرادوه من الفواحش. و قالت الأشاعرة بل قد أراد الله سبحانه ما أرادته الشياطين من الفواحش و كره ما كرهوه من كثير من الطعات و لم يرد ما أرادته الأنبياء من كثير من الطاعات بل كره ما أرادته منها. و قالت الإمامية قد أمر الله عز و جد بما أراده و نهى عما كرهه. و قالت الأشاعرة قد أمر الله عز و جل بكثير مما كرهه و نهى عما أراد. فهذه خلاصة أقاويل الفريقين في عدل الله تعالى. و قول الإمامية في التوحيد يضاهي قولهم في العدل فإنهم يقولون إن الله عز و جل واحد لا قديم سواه و لا إله غيره و لا يشبه الأشياء و لا يجوز عليه ما يصح عليها من التحرك و السكون و إنه لم يزل و لا يزال حيا قادرا عالما مدركا لا يحتاج إلى أشياء يعلم بها و يقدر و يحيي و إنه خلق الخلق أمرهم و

(1/34)


نهاهم و لم يكن آمرا و ناهيا قبل خلقه لهم. نهج الحق ص : 78و قالت المشبهة إنه يشبه خلقه و وصفوه بالأعضاء و الجوارح و إنه لم يزل آمرا و ناهيا و لا يزال قبل خلق خلقه و لا يستفيد بذلك شيئا و لا يفيد غيره و لا يزال آمرا و ناهيا ما بعد خراب لعالم و بعد الحشر و النشر دائما بدوام ذاته تعالى. و هذه المقالة في الأمر و النهي و دوامها مقالة الأشعرية أيضا و قالت الأشاعرة أيضا إنه تعالى قادر عالم حي إلى غير ذلك من الصفات بذوات قديمة ليست هي الله تعالى و لا غيره و لا بعضه و لولاها لم يكن قادرا عالما حيا تعالى عن ذلك علوا كبيرا. و قالت الإمامية إن أنبياء الله و أئمته منزهون عن المعاصي و عما يستخف و ينفر و دانوا بتعظيم أهل البيت الذين أمر الله تعالى بمودتهم و جعلها أجر الرسالة فقال قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى. و قال أهل السنة إنه يجوز عليهم الصغائر و جوزت الأشاعرة عليهم الكبائر. ترجيح أحد المذهبين

(1/35)


فلينظر العاقل في المقالتين و يلمح المذهبين و ينصف في الترجيح و يعتمد على الدليل الواضح الصحيح و يترك تقليد الآباء و المشايخ الآخذين بالأهواء و غرتهم الحياة الدنيا بل ينصح نفسه و لا يعول على غيره و لا يقبل عذره غدا في القيامة أني قلدت شيخي الفلاني أو وجدت آبائي و أجدادي على هذه المقالة فإنه لا ينفعه ذلك يوم القيامة يوم يتبرأ المتبعون من أتباعهم و يفرون من أشياعهم و قد نص الله تعالى على ذلك في كتابه العزيز و لكن أين الآذان السامعة نهج الحق ص : 80و القلوب الواعية و هل يشك العاقل في الصحيح من المقالتين و أن مقلة الإمامية هي أحسن الأقاويل و أنها أشبه بالدين و أن القائلين بها هم الذين قال الله فيهم فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ فالإمامية هم الذين قبلوا هداية الله تعالى و اهتدوا بها و هم أولو الألباب. و لينصف العاقل من نفسه إنه لو جاء مشرك يطلب ]و طلب[ شرح أصول دين المسلمين في العدل و التوحيد رجاء أن يستحسنه و يدخل فيه معهم هل كان الأولى أن يقال له حتى يرغب في الإسلام و يتزين في قلبه أنه من ديننا أن جميع أفعال الله تعالى حكمة و صواب و أنا نرضى بقضائه و أنه منزه عن فعل القبائح و الفواحش لا تقع منه و لا يعاقب الناس على فعل يفعله فيهم و لا يقدرون على دفعه عنهم و لا يتمكنون من امتثال أمره أو يقال ليس في أفعاله حكمة و صواب و أنه يفعل السفه و الفاحشة و أنه أمر بالسفه و الفاحشة و لا نرضى بقضاء الله و أنه يعاقب الناس على ما فعله فيهم بل خلق فيهم الكفر و الشرك و يعاقبهم عليهما و يخلق فيهم اللون و الطول و القصر و يعذبهم عليها. و هل الأولى أن نقول من ديننا أن الله لا يكلف الناس ما لا يقدرون عليه و لا يطيقون أو نقول أنه يكلف الناس ما لا يطيقون و يعاقبهم على ترك ما لا يقدرون

(1/36)


على فعله. و هل الأولى أن نقول أنه تعالى يكره الفواحش و لا يريدها و لا يحبها و لا يرضاها أو نول أنه يحب أن يشتم و يسب و يعصى بأنواع المعاصي و يكره أن يمدح و يطاع و يعذب الناس لما كانوا كما أراد و لم يكونوا كما كره. و هل الأولى أن نقول إنه تعالى لا يشبه الأشياء و لا يجوز عليه ما يجوز عليها أو نقول إنه يشبهها. و هل الأولى أن نقول إن الله تعالى يعلم و يقدر و يحيي و يدرك لذاته أو نقول إنه لا يدرك و لا يحيي و لا يقدر و لا يعلم إلا بذوات قديمة لولاها لم يكن قادرا و لا عالما و لا غير ذلك من الصفات. و هل الأولى أن نقول إنه تعالى لما خلق الخلق أمرهم و نهاهم أو نقول إنه لم يزل في القدم و لا يزال بعد فنائهم طول الأبد يقول أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة لا يخل بذلك أصلا. و هل الأولى أن نقول إنه تعالى تستحيل رؤيته و الإحاطة بكنه ذاته أو نقول إنه يرى بالعين إما في جهة من الجهات له أعضاء و صورة أو يرى لا في الجهة. و هل الأولى أن نقول إن أنبياءه و أئمته منزهون عن كل قبيح و سخيف أو نقول إنهم اقترفوا المعاصي المنفرة عنهم و أنه يقع منهم ما يدل على الخسة و الذلة كسرقة درهم و كذب و فاحشة و يدومون على ذلك مع أنهم محل وحيه و حفظة شرعه و أن النجاة تحصل بامتثال أوامرهم القولية و الفعلية وفإذا عرفت أنه لا ينبغي أن يذكر لهذا السائل عن دين الإسلام إلا مذهب الإمامية دون قول غيرهم عرفت عظم موقعهم في الإسلام و تعلم أيضا بزيادة بصيرتهم لأنه ليس في التوحيد دليل و لا جواب عن شبهة إلا من أمير المؤمنين ع و أولاده ع أخذ و كان جميع العماء يستندون إليه على ما يأتي فكيف لا يجب تعظيم الإمامية و الاعتراف بعلو منزلتهم فإذا سمعوا شبهة في توحيد الله تعالى أو في عبث بعض أفعاله انقطعوا بالفكر فيها عن كل أشغالهم فلا تسكن نفوسهم و لا تطمئن قلوبهم حتى يتحققوا جوابا عنها و مخالفهم إذا سمع دلالة قاطعة على أن الله عز و جل لا

(1/37)


يفعل الفواحش و القبائح ظل ليله و نهاره مهموما مغموما طالبا لإقامة شبهة يجيب بها حذرا أن يصح عنده أن الله تعالى لا يفعل القبيح فإذا ظفر بأدنى شبهة قنعت نفسه و عظم سروره بما دلت الشبهة عليه بأنه لا يفعل القبيح و أنواع الفواحش غير الله تعالى فشتان بين الفريقين و بعد ما بين المذهبين و لنشرع الآن في تفصيل المسائل و كشف الحق فيها بعون الله و لطفه
المطلب الثاني إثبات الحسن و القبح العقليين
ذهبت الإمامية و من تابعهم من المعتزلة إلى أن من الأفعال ما هو معلوم الحسن و القبح بضرورة العقل كعلمنا بحسن الصدق النافع و قبح الكذب الضار فكل عاقل لا يشك في ذلك. و ليس جزمه بهذا الحكم بأدون من الجزم بافتقار الممكن إلى السبب و أن الأشياء المساوية لشي ء واح متساوية و منها ما هو معلوم بالاكتساب أنه حسن أو قبيح كحسن الصدق الضار و قبح الكذب النافع. و منها ما يعجز العقل عن العلم بحسنه أو قبحه فيكشف الشرع عنه كالعبادات. نهج الحق ص : 83و قالت الأشاعرة إن الحسن و القبح شرعيان و لا يقضي العقل بحسن شي ء منها و لا بحه بل القاضي بذلك هو الشرع فما حسنه فهو حسن و ما قبحه فهو قبيح
و هو باطل من وجوه الأول
أنهم أنكروا ما علمه كل عاقل من حسن الصدق النافع و قبح الكذب الضار سواء كان هناك شرع أم لا و منكر الحكم الضروري سوفسطائي.
الثاني
لو خير العاقل الذي لم يسمع الشرائع و لا علم شيئا من الأحكام بل نشأ في بادية خاليا من العقائد كلها بين أن يصدق و يعطى دينارا أو بين أن يكذب و يعطى دينارا و لا ضرر عليه فيهما فإنه يتخير الصدق على الكذب و لو لا حكم العقل بقبح الكذب و حسن الصدق لما فرق بينهما و لا اختار الصدق دائما.
الثالث
لو كان الحسن و القبح شرعيين لما حكم بهما من ينكر الشرع و التالي باطل فإن البراهمة بأسرهم ينكرون الشرائع و الأديان كلها و يحكمون بالحسن و القبح مستندين إلى ضرورة العقل في ذلك.
الرابع

(1/38)


الضرورة قاضية بقبح العبث كمن يستأجر أجيرا ليرمي من ماء الفرات في دجلة و يبيع متاعا أعطي في بلده عشرة دراهم و في بلد يحمله إليه بمشقة عظيمة و يعلم أن سعره كسعر بلده بعشرة دراهم أيضا و قبح تكليف ما لا يطاق كتكليف الزمن الطيران إلى السماء و تعذيبه دائما على ترك هذا الفعل و قبح من يذم العالم الزاهد على علمه و زهده و حسن مدحه و قبح مدح الجاهل الفاسق على جهله و فسقه و حسن ذمه عليهما و من كابر في ذلك فقد أنكر أجلى الضروريات لأن هذا الحكم حاصل للأطفال و الضروريات قد لا تحصل لهم.
نهج الحق ص : 84الخامس لو كان الحسن و القبح باعتبار السمع لا غير لما قبح من الله شي ء و لو كان كذلك لما قبح منه تعالى إظهار المعجزة على يد الكذابين. و تجويز ذلك يسد باب معرفة النبوة فإن أي نبي أظهر المعجزة عقيب ادعاء النبوة لا يمكن تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد الكاذب فيدعوى النبوة.
السادس
لو كان الحسن و القبح شرعيين لحسن من الله تعالى أن يأمر بالكفر و تكذيب الأنبياء و تعظيم الأصنام و المواظبة على الزناء و السرقة و النهي عن العبادة و الصدق لأنها غير قبيحة في أنفسها فإذا أمر الله تعالى بها صارت حسنة إذ لا فرق بينهما و بين الأمر بالطاعة فإن شكر المنعم و رد الوديعة و الصدق ليست حسنة في أنفسها و لو نهى الله تعالى عنها كانت قبيحة لكن لما اتفق أن الله تعالى أمر بهذه مجانا لغير غرض و لا حكمة صارت حسنة و اتفق أنه نهى عن تلك فصارت قبيحة و قبل الأمر و النهي لا فرق بينهما و من أداه عقله إلى تقليد من يعتقد ذلك أنه أجهل الجهال و أحمق الحمقى إذ علم أن معتقد رئيسه ذلك و من لم يعلم و وقف عليه ثم استمر على تقليده فكذلك فلهذا وجب علينا كشف معتقدهم لئلا يضل غيرهم و لا تستوعب البلية جميع الناس.
السابع

(1/39)


لو كان الحسن و القبح شرعيين لزم توقف وجوب الواجبات على مجي ء الشرع و لو كان كذلك لزم إفحام الأنبياء لأن النبي ع إذا ادعى الرسالة و أظهر المعجزة كان للمدعو أن يقول إنما يجب علي النظر في معجزتك بعد أن أعرف أنك صادق فأنا لا أنظر حتى أعرف صدقك و لا أعرف صدقك لا بالنظر و قبله لا يجب علي امتثال الأمر فينقطع النبي و لا يبقى له جواب.
الثامن
لو كان الحسن و القبح شرعيين لم يجب المعرفة لتوقف نهج الحق ص : 85معرفة الإيجاب على معرفة الموجب المتوقفة على معرفة الإيجاب فيدور. التاسع
الضرورة قاضية بالفرق بين من أحسن إلينا دائما و من أساء إلينا دائما و حسن مدح الأول و ذم الثاني و قبح ذم الأول و مدح الثاني و من يشكك في ذلك فقد كابر مقتضى عقله
المطلب الثالث في أن الله تعالى لا يفعل القبيح و لا يخل بالواجب
ذهبت الإمامية و من وافقهم من المعتزلة إلى أن الله تعالى لا يفعل القبيح و لا يخل بالواجب بل جميع أفعاله تعالى حكمة و صواب ليس فيها ظلم و لا جور و لا عدوان و لا كذب و لا فاحشة لأن الله تعالى غني عن القبيح و عالم بقبح القبيح لأنه عالم بكل المعلومات و عالم بغناه عنه و كل من كان كذلك فإنه يستحيل عليه صدور القبيح عنه و الضرورة قاضية بذلك و من فعل القبيح مع الأوصاف الثلاثة استحق الذم و اللوم و أيضا الله تعالى قادر و القادر إنما يفعل بواسطة الداعي و الداعي إما داعي الحاجة أو داعي الجهل أو داعي الحكمة فأما داعي الحاجة فقد يكون العالم بقبح القبيح محتاجا إليه فيصدر عنه دفعا لحاجته و أما داعي الجهل فبأن يكون القادر عليه جاهلا بقبحه فيصح صدوره عنه و أما داعي الحكمة بأن يكون الفعل حسنا فيفعله لدعوة الداعي إليه و التقدير أن الفعل قبيح فانتفت هذه الدعاوي فيستحيل القبح منه تعالى. و ذهبت الأشاعرة كافة إلى أن الله تعالى قد فعل القبائح بأسرها من أنواع الظلم و الشرك و الجور و العدوان و رضي بها و أحبها

(1/40)


فلزمهم من ذلك محالات منها امتناع الجزم بصدق الأنبياء لأن مسيلمة الكذاب لا فعل له بل القبيح الذي صدر عنه من الله تعالى عندهم فجاز أن يكون جميع الأنبياء كذلك و إنما يعلم صدقهم لو علمنا أنه تعالى لا يصدر عنه القبيح فلا يعلم حينئذ نبوة نبينا ص و لا نبوة موسى و عيسى و غرهما من الأنبياء. فأي عاقل يرضى لنفسه أن يقلد من لا يجزم بنبي من الأنبياء البتة و أنه لا فرق عنده بين نبوة محمد ص و نبوة مسيلمة الكذاب فليحذر العاقل من اتباع أهل الأهواء و الانقياد إلى طاعتهم ليبلغهم مرادهم و يربح هو الخسران بالخلود في النيران و لا ينفعه عذره غدا في يوم الحساب.
و منها

(1/41)


أنه يلزم منه تكذيب الله تعالى في قوله وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ و لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ و مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ و ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ و لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً و ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُونَ كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ. و من يعتقد اعتقادا يلزم منه تكذيب القرآن العزيز فقد اعتقد ما يوجب الكفر و حصل الارتداد و الخروج عن ملة الإسلام فليتعوذ الجاهل العاقل من هذه المقالة الردية المؤدية إلى أبلغ أنواع الضلالة و ليحذر من حضور الموت عنده و هو على هذه العقيدة فلا تقبل توبته و ليخش من الموت قبل تفطنه بخطإ نفسه فيطلب الرجعة فيقول رَبِّ نهج الحق ص : 87ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ فيقال له كَلَّا. و منها أنه يلزم منه عدم الوثوق بوعده و وعيده و لأنه لو جاز منه فعل القبيح لجاز منه الكذب و حينئذ ينتفي الجزم بوقوع ما أخبر بوقوعه من الثواب على الطاعة و العقاب على المعصية و لا يبقى للعبد جزم بصدقه بل و لا ظن به لأنه لما وقع منه أنواع الكذب و الشرور في العالم كيف يحكم العقل بصدقه في الوعد و الوعيد و ينتفي حينئذ فائدة التكليف و هو الحذر من العقاب و الطمع في الثواب. و من يجوز لنفسه أن يقلد من يعتقد جواز الكذب على الله تعالى و أنه لا جزم في البعث و النشور و لا بالحساب و لا بالثواب و لا بالعقاب و هل هذا إلا خروج عن الملة الإسلامية. فليحذر الجاهل من تقليد هؤلاء و لا يعتذر بأني ما عرفت مذهبهم فهذا عين مذهبهم و صريح مقالتهم نعوذ بالله تعالى منها و من أمثالها.
و منها

(1/42)


أنه يلزم نسبة المطيع إلى السفه و الحمق و نسبة العاصي إلى الحكمة و الكياسة و العمل بمقتضى العقل بل كما ازداد المطيع في طاعته و زهده و رفضه للأمور الدنيوية و الإقبال على الله تعالى بالكلية و الانقياد إلى امتثال أوامره و اجتناب مناهيه نسب إلى زيادة الجهل و الحمق و السفه و كلما ازداد العاصي في عصيانه و لج في غيه و طغيانه و أسرف في ارتكاب الملاهي المحرمة و استعمال الملاذ المزجور عنها بالشرع نسب إلى العقل و الأخذ بالحزم لأن الأفعال القبيحة إذا كانت مستندة إليه تعالى جاز أن يعاقب المطيع و يثيب العاصي فيجعل المطيع بالتعب و لا تفيده طاعته إلا الخسران حيث جاز أن يعاقبه على امتثال أمره و يحصل في الآخرة بالعذاب الأليم السرمد نهج الحق ص : 88و العقاب المؤبد و جاز أن يثيب العاصي فيحصل بالربح في الدارين و يتخلص من المشقة في المنزلتين. و منها
أنه تعالى كلف المحال لأن الآثار كلها مستندة إليه تعالى و لا تأثير لقدرة العبد البتة فجميع الأفعال غير مقدورة للعبد و قد كلف ببعضها فيكون قد كلف ما لا يطاق. و جوزوا بهذا الاعتبار و باعتبار وقوع القبح منه تعالى أن يكلف الله تعالى أن يخلق مثله تعالى و مثل نفسه و أن يعيد الموتى في الدنيا كآدم و نوح و غيرهما و أن يبلع جبل أبي قبيس دفعة و يشرب ماء دجلة جرعة و أنه متى لم يفعل ذلك عذبه بأنواع العذاب. فلينظر العاقل في نفسه هل يجوز له أن ينسب ربه تعالى و تقدس إلى مثل هذه التكاليف الممتنعة و هل ينسب ظالم منا إلى مثل هذا الظلم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
و منها
أنه يلزم منه عدم العلم بنبوة أحد من الأنبياء ع لأن دليل النبوة هو أن الله تعالى فعل المعجزة عقيب الدعوى لأجل التصديق و كل من صدقه الله تعالى فهو صادق فإذا صدر القبيح منه لم يتم الدليل أما الصغرى فجاز أن يخلق المعجزة للإغواء و الإضلال و أما الكبرى فلجواز أن يصدق المبطل في دعواه.
و منها

(1/43)


أن القبائح لو صدرت عنه تعالى لوجبت الاستعاذة منه لأنه حينئذ أضر على البشر من إبليس لعنه الله و كان واجبا على قولهم أن يقول المتعوذ أعوذ بالشيطان الرجيم من الله تعالى. و هل يرضى العاقل لنفسه المصير إلى مقالة تؤدي إلى التعوذ من أرحم الراحمين و أكرم الأكرمين و تخليص إبليس من اللعن و البعد و الطرد نعوذ بالله من اعتقاد المبطلين و الدخول في زمرة الظالمين و لنقتصر في هذا المختصر على هذا القدر
المطلب الرابع في أنه تعالى يفعل لغرض و حكمة
قالت الإمامية إن الله تعالى إنما يفعل لغرض و حكمة و فائدة و مصلحة ترجع إلى المكلفين و نفع يصل إليهم. و قالت الأشاعرة إنه لا يجوز أن يفعل شيئا لغرض و لا مصلحة ترجع إلى العباد و لغاية من الغايات
و لزمهم من ذلك محالات منها
أن يكون الله تعالى لاعبا عابثا في فعله فإن العابث هو الذي يفعل لا لغرض و حكمة بل مجانا و الله تعالى يقول وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا و الفعل الذي لا لغرض للفاعل فيه باطل و لعب تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
و منها

(1/44)


أنه يلزم أن لا يكون الله تعالى محسنا إلى العباد و لا منعما عليهم و لا راضيا لهم و لا كريما في حق عباده و لا جوادا. و كل هذه تنافي نصوص الكتاب العزيز و المتواتر من الأخبار النبوية و إجماع الخلق كلهم من المسلمين و غيرهم فإنهم لا خلاف بينهم في وصف الله تعالى بهذه الصفات على سبيل الحقيقة لا على سبيل المجاز. و بيان لزوم ذلك أن الإحسان إنما يصدق لو فعل المحسن نفعا لغرض الإحسان إلى المنتفع فإنه لو فعله لا كذلك لم يكن محسنا و بهذا لا يوصف مطعم الدابة لتسمن حتى يذبحها بالإحسان في حقها و لا بالإنعام عليها نهج الحق ص: 90و لا بالرحمة لأن التعطف و الشفقة إنما يثبت مع قصد الإحسان إلى الغير لأجل نفعه لا لغرض آخر يرجع إليه و إنما يكون كريما و جوادا لنفع الغير للإحسان و بقصده و لو صدر منه النفع لا لغرض لم يكن كريما و لا جوادا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فلينظر العاقل المنصف من نفسه هل يجوز أن ينسب ربه عز و جل إلى العبث في أفعاله و أنه ليس بجواد و لا محسن و لا راحم و لا كريم نعوذ بالله من مزال الأقدام و الانقياد إلى مثل هذه الأوهام.
و منها
أنه يلزم أن يكون جميع المنافع التي جعلها الله تعالى منوطة بالأشياء غير مقصودة و لا مطلوبة لله تعالى بل وضعها و خلقها عبثا فلا يكون خلق العين للإبصار و لا خلق الأذن للسماع و لا اللسان للنطق و لا اليد للبطش و لا الرجل للمشي و كذا جميع الأعضاء التي في الإنسان و غيره من الحيوانات و لا خلق الحرارة في النار للإحراق و لا الماء للتبريد و لا خلق الشمس و القمر و النجوم للإضاءة و معرفة الليل و النهار للحساب و كل هذا مبطل للأغراض و الحكم و المصالح و يبطل علم الطب بالكلية فإنه لم يخلق الأدوية للإصلاح و يطل علم الهيئة و غيرها و يلزم العبث في ذلك كله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
و منها

(1/45)


أنه يلزم الطامة العظمى و الداهية الكبرى عليهم و هو إبطال النبوات بأسرها و عدم الجزم بصدق أحد منهم بل يحصل الجزم بكذبهم أجمع لأن النبوة إنما تتم بمقدمتين. إحداهما أن الله تعالى خلق المعجزة على يد مدعي النبوة لأجل التصديق. و الثانية أن كل من صدقه الله تعالى فهو صادق. و مع عدم القول بأحدهما لا يتم دليل النبوة فإنه تعالى لو خلق المعجزة لغير غرض التصديق لم تدل على صدق المدعي إذ لا فرق بين النبي و غيره فإن خلق المعجزة لو لم يكن لأجل التصديق لكان كل أحد أن يدعي النبوة و يقول إن الله تعالى صدقني لأنه خلق هذه المعجزة و يكون نسبة النبي و غيره إلى هذه المعجزة على السواء. و لأنه لو خلقها لا للتصديق لزم الإغراء بالجهل لأنه دال عليه فإن في الشاهد لو ادعى شخص أنه رسول سلطان و قال السلطان إن كنت صادقا في دعوى رسالتك فخالف عادتك و اخلع خاتمك ففعل السلطان ذلك ثم تكرر هذا القول من مدعي رسالة السلطان و تكرر من السلطان هذا الفعل عقيب الدعوى فإن الحاضرين بأجمعهم يجزمون بأنه رسول ذلك السلطان كذا هنا إذا ادعى النبي الرسالة و قال إن الله تعالى يصدقني بأن يفعل فعلا لا يقدر الناس عليه مقارنا لدعواي و تكرر هذا الفعل من الله تعالى عقيب تكرر الدعوى فإن كل عاقل يجزم نهج الحق ص : 92بصدقه فلو لم يخلقه لأجل التصديق لكان الله تعالى مغريا بالجهل و هو قبيح لا يصدر عنه تعالى و كان مدعي النبوة كاذبا حيث قال إن الله تعالى خلق المعجزة على يدي لأجل تصديقي فإذا استحال عندهم أن يفعل لغرض كيف يجوز للنبيع هذه الدعوى. و المقدمة الثانية و هي أن كل من صدقه الله تعالى فهو صادق ممنوعة عندهم أيضا لأنه يخلق الضلال و الشرور و أنواع الفساد و الشرك و المعاصي الصادرة من بني آدم فكيف يمتنع عليه تصديق الكاذب فيبطل المقدمة الثانية أيضا. هذا نص مذهبهم و صريح معتقدهم نعوذ بالله من عقيدة أدت إلى إبطال النبوات و تكذيب الرسل و التسوية

(1/46)


بينهم و بين مسيلمة حيث كذب في ادعاء الرسالة. فلينظر العاقل المنصف و يخف ربه و يخش من أليم عقابه و يعرض على عقله هل بلغ كفر الكافر إلى هذه المقالات الردية و الاعتقادات الفاسدة و هل هؤلاء أعذر في مقالتهم أم اليهود و النصارى الذين حكموا بنبوة الأنبياء المتقدمين ع و حكم عليهم جميع الناس بالكفر حيث أنكروا نبوة محمد ص و هؤلاء قد لزمهم إنكار جميع الأنبياء ع فهم شر من أولئك و لهذا قال الصادق ع حيث عدهم و ذكر اليهود و النصارى إنهم شر الثلاثة و لا يعذر المقلد نفسه فإن فساد هذا القول معلوم لكل أحد نهج الحق ص : 93و هم معترفون بفساده أيضا. و منها

(1/47)


أنه يلزم منه مخالفة الكتاب العزيز لأن الله تعالى قد نص نصا صريحا في عدة مواضع من القرآن أنه يفعل لغرض و غاية لا عبثا و لعبا قال تعالى وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ و قال تعالى أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً و قال تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و هذا الكلام نص صريح في التعليل بالغرض و الغاية و قال تعالى فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ و قال تعالى لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ و قال تعالى وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ. و الآيات الدالة على الغرض و الغاية في أفعال الله أكثر من أن تحصى فليتق الله المقلد في نفسه و يخش عقاب ربه و ينظر فيمن يقلده هل يستحق التقليد أم لا و لينظر إلى ما قال و لا ينظر إلى من قال و ليستعد لجواب رب العالمين حيث قال أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جاءَكُمُ النَّذِيرُ فهذا كلام الله تعالى على لسان النذير و هاتيك الأدلة العدلية المستندة إلى العقل الذي جعله الله تعالى حجة على بريته و ليدخل في زمرة الذين قال الله تعالى عنهم فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ و لا يدخل نفسه في زمرة الذين قال الله تعالى نهج الحق ص : 94عنهم قالوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ و لا يعذر بقصر العمر فهو طويل على الفر لوضوح الأدلة و ظهورها و لا بعدم المرشدين فالرسل متواترة و

(1/48)


الأئمة متتابعة و العلماء متضافرة.
و منها
أنه يلزم تجويز تعذيب أعظم المطيعين لله تعالى كالنبي ص بأعظم أنواع العذاب و إثابة أعظم العاصين له كإبليس و فرعون بأعظم مراتب الثواب لأنه إذا كان يفعل لا لغرض و غاية و لا لكون الفعل حسنا و لا يترك الفعل لكونه قبيحا بل مجانا لغير غرض لم يكن تفاوت بين سيد المرسلين و بين إبليس في الثواب و العقاب فإنه لا يثيب المطيع لطاعته و لا يعاقب العاصي لعصيانه فهذان الوصفان إذا تجردا عند الاعتبار في الإثابة و الانتقام لم يكن لأحدهما أولوية الثواب و لا العقاب دون الآخر. فهل يجوز لعاقل يخاف الله تعالى و عقابه أن يعتقد في الله تعالى مثل هذه العقائد الفاسدة مع أن الواحد منا لو نسب غيره إلى أنه يسي ء إلى من أحسن إليه و يحسن إلى من أساء إليه قابله بالشتم و السب و لم يرض ذلك منه فكيف يليق أن ينسب ربه إلى شي ء يكرهه أدون الناس لنفسه
المطلب الخامس في أنه تعالى يريد الطاعات و يكره المعاصي
هذا مذهب الإمامية قالوا إن الله تعالى أراد الطاعات و لم يرد المعاصي سواء وقعت أو لا و كره المعاصي سواء وقعت أم لا و لم يكره الطاعات سواء وقعت أم لا. و خالفت الأشاعرة مقتضى العقل و النقل في ذلك فذهبوا إلى أن الله نهج الحق ص : 95تعالى يريد كل ما وقع في الوجد سواء كان طاعة أو لا و سواء أمر به أو نهى عنه و كره كل ما لم يقع سواء كان طاعة أو لا و سواء أمر به أو نهى عنه فجعلوا كل المعاصي الواقعة في الوجود من الشرك و الظلم و الجور و العدوان و أنواع الشرور مرادة لله تعالى و أنه تعالى راض بها. و بعضهم قال إنه محب لها و كل الطاعات التي لم تصدر عن الكفار مكروهة لله تعالى غير مريد لها و أنه تعالى أمر بما لا يريد و نهى عما لا يكره و أن الكافر فعل في كفره ما هو مراد لله تعالى و ترك ما كرهه تعالى من الإيمان و الطاعة منه.
و هذا القول يلزم منه محالات منها

(1/49)


نسبة القبيح إلى الله تعالى لأن إرادة القبيح قبيح و كراهة الحسن قبيحة و قد بينا أنه تعالى منزه عن فعل القبائح كلها.
و منها
كون العاصي مطيعا بعصيانه حيث أوجد مراد الله تعالى و فعل وفق مراده.
و منها
كونه تعالى يأمر بما يكره لأنه أمر الكافر بالإيمان و كرهه منه حيث لم يوجد و ينهى عما يريد لأنه نهاه عن الكفر و أراده منه. و كل من فعل ذلك من أشخاص البشر ينسبه كل عاقل إلى السفه و الحمق تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فكيف يجوز للعاقل أن ينسب إلى ربه تعالى ما يتبرأ منه و يتنزه عنه.
و منها
مخالفة النصوص القرآنية الشاهدة بأنه تعالى يكره المعاصي نهج الحق ص : 96و يريد الطاعات كقوله تعالى وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ و كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ إلى غير ذلك من الآيات فترى لأي غرض يخالف هؤلاء القرآن العزيز و ما دل العقل عليه.
و منها
مخالفة المحسوس و هو استناد أفعال العباد إلى تحقق الدواعي و انتفاء الصوارف لأن الطاعة حسنة و المعاصي قبيحة و لأن الحسن جهة دعاء و القبح جهة صرف فيثبت لله تعالى في الطاعة دعوى الداعي إليها و انتفاء الصارف عنها و في القبح ثبوت الصارف و انتفاء الداعي لأنه ليس داعي الحاجة لاستغنائه تعالى و لا داعي الحكمة لمنافاتها إياها و لا داعي الجهل لإحاطة علمه به فحينئذ يتحقق ثبوت الداعي إلى الطاعات و ثبوت الصارف في المعاصي فثبت إرادته للأول و كراهته للثاني
المطلب السادس في وجوب الرضا بقضاء الله تعالى

(1/50)


اتفقت الإمامية و المعتزلة و غيرهم من الأشاعرة و جميع طوائف الإسلام على وجوب الرضا بقضاء الله تعالى و قدره. نهج الحق ص : 97ثم إن الأشاعرة قالوا قولا لزمهم منه خرق الإجماع و النصوص الدالة على وجوب الرضا بالقضاء هو إن الله تعالى يفعل القبائح بأسرها و لا مؤثرفي الوجود غير الله تعالى من الطاعات و القبائح فتكون القبائح من قضاء الله تعالى على العبد و قدره و الرضا بالقبح حرام بالإجماع فيجب أن لا يرضى بالقبح و لو كان من قضاء الله تعالى لزم إبطال إحدى المقدمتين و هي إما عدم وجوب الرضا بقضائه تعالى و قدره أو وجوب الرضا بالقبح و كلاهما خلاف الإجماع. نهج الحق ص : 98أما قول الإمامية من أن الله تعالى منزه من فعل القبائح و الفواحش و أنه لا يفعل إلا ما هو حكمة و عدل و صواب و لا شك في وجوب الرضا بهذه الأشياء فلا جرم كان الرضا بقضائه و قدره على قواعد الإمامية و المعتزلة واجب و لم يلزم منه خرق الإجماع في ترك الرضا بقضاء الله تعالى و لا في الرضا بالقبائح
المطلب السابع في أن الله تعالى لا يعاقب الغير على فعله تعالى

(1/51)


ذهبت الإمامية و المعتزلة إلى أن الله تعالى لا يعذب العبيد على فعل يفعله فيهم و لا يلومهم عليه. و قالت الأشاعرة إن الله تعالى لا يعذب العبد على فعل العبد بل يفعل الله تعالى فيه الكفر ثم يعاقبه عليه و يفعل فيه الشتم لله تعالى و السب له و لأنبيائه ع و يعاقبه عليها و يخلق فيهم الإعراض عن الطاعات و عن ذكره و ذكر أحوال المعاد ثم يقول فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ. و هذا أشد أنواع الظلم و أبلغ أصناف الجور تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا و قد قال تعالى وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى و أي ظلم أعظم من أن يخلق في العبد شيئا و يعاقبه عليه بل يخلقه أسود ثم يعذبه على سواده و يخلقه طويلا نهج الحق ص : 99ثم يعاقبه على طولهو يخلقه أكمه و يعذبه على ذلك و لا يخلق له قدرة على الطيران إلى السماء ثم يعذبه بأنواع العذاب بأنه لم يطر. فلينظر العاقل المنصف من نفسه التارك للهوى هل يجوز أن ينسب ربه عز و جل إلى هذه الأفعال مع أن الواحد منا لو قال إنك تحبس عبدك و تعذبه على عدم خروجه في حوائجك لقابل بالتكذيب و تبرأ من هذا الفعل فكيف يجوز أن ينسب إلى ربه ما يتنزه هو عنه
المطلب الثامن في امتناع تكليف ما لا يطاق

(1/52)


قالت الإمامية إن الله تعالى يستحيل عليه من حيث الحكمة أن يكلف العبد ما لا قدرة له عليه و لا طاقة له به و أن يطلب منه فعل ما يعجز عنه و يمتنع منه فلا يجوز له أن يكلف الزمن الطيران إلى السماء و لا الجمع بين الضدين و لا كونه في المشرق حال كونه في المغرب و لا إحياء الموتى و لا إعادة آدم و نوحا ع و لا إعادة أمس الماضي و لا إدخال جبل قاف في خرم الإبرة و لا شرب ماء دجلة في جرعة واحدة و لا إنزال الشمس و القمر إلى الأرض إلى غير ذلك من المحالات الممتنعة لذاتها. و ذهبت الأشاعرة إلى أن الله تعالى لم يكلف العبد إلا ما لا يطاق و لا يتمكن من فعله. فخالفوا المعقول الدال على قبح ذلك و المنقول و هو المتواتر من الكتاب العزيز قال الله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها نهج الحق ص : 100 وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ و لا ظُلْمَ الْيَوْمَ و لا يَظْلِمُ رَبُكَ أَحَداً. و الظلم هو إضرار غير المستحق و أي إضرار أعظم من هذا مع أنه غير مستحق تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
المطلب التاسع في أن إرادة النبي ص موافقة لإرادة الله تعالى

(1/53)


ذهبت الإمامية إلى أن النبي ع يريد ما يريده الله تعالى و يكره ما يكرهه و أنه لا يخالفه في الإرادة و الكراهة. و ذهبت الأشاعرة إلى خلاف ذلك و أن النبي ص يريد ما يكرهه الله تعالى و يكره ما يريده لأن الله تعالى أراد من الكافر الكفر و من العاصي العصيان و من الفاسق الفسوق و من الفاجر الفجور و النبي ص أراد منهم الطاعات فخالفوا بين مراد الله تعالى و بين مراد النبي ص و أن الله كره من الفاسق الطاعة و من الكافر الإيمان و النبي أرادهما منهما فخالفوا بين كراهته تعالى و كراهة النبي نعوذ بالله تعالى من مذهب يؤدي إلى القول بأن مراد النبي يخالف مراد الله تعالى و أن الله تعالى لا يريد من الطاعات ما يريده أنبياؤه بل يريد ما أرادته الشياطين من المعاصي و أنواع الفواحش و الفساد
المطلب العاشر في أنا فاعلون
اتفقت الإمامية و المعتزلة على أنا فاعلون و ادعوا الضرورة في ذلك فإن كل عاقل لا يشك في الفرق بين الحركات الاختيارية و الاضطرارية و أن هذا الحكم مركوز في عقل كل عاقل بل في قلوب الأطفال و المجانين فإن الطفل لو ضربه غيره بآجرة تؤلمه فإنه يذم الرامي دون تلك الآجرة و لو لا علمه الضروري بكون الرامي فاعلا دون الآجرة لما استحسن ذم الرامي دون الآجرة بل هو حاصل في البهائم. قال أبو الهذيل حمار بشر أعقل من بشر لأن الحمار إذا أتيت به إلى جدول كبير فضربته لم يطاوع على العبور و إن أتيت به إلى جدول صغير جاز لأنه فرق بين ما يقدر عليه و ما لا يقدر عليه و بشر لا يفرق بينهما فحماره أعقل منه. و خالفت الأشاعرة في ذلك و ذهبوا إلى أنه لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى. نهج الحق ص : 102فلزمهم من ذلك محالات مكابرة الجبرية بضرورة العقل

(1/54)


منها مكابرة الضرورة فإن العاقل يفرق بالضرورة بين ما يقدر عليه كالحركة يمنة و يسرة و البطش باليد و بين الحركة الاضطرارية كالوقوع من شاهق و حركة المرتعش و حركة النبض. و يفرق بين حركات الحيوان الاختيارية و حركات الجماد و من شك في ذلك فهو سوفسطائي إذ لا شي ء ظهر عند العاقل من ذلك و لا أجلى منه.
يلزم الجبرية إنكار الأحكام الضرورية
و منها إنكار الحكم الضروري من حسن مدح المحسن و قبح ذمه و حسن ذم المسي ء و قبح مدحه. فإن كل عاقل يحكم بحسن مدح من يفعل الطاعات دائما و لا يفعل شيئا من المعاصي و يبالغ بالإحسان إلى الناس و يبذل الخير لكل أحد و يعين الملهوف و يساعد الضعيف و أنه يقبح ذمه و لوشرع أحد في ذمه باعتبار إحسانه عده العقلاء سفيها و لامه كل أحد و يحكمون حكما ضروريا بقبح مدح من يبالغ في الظلم و الجور و التعدي و الغضب و نهب الأموال و قتل الأنفس و يمتنع من فعل الخير و إن قل و أن من مدحه على هذه الأفعال عد سفيها و لامه كل عاقل. و نعلم ضرورة قبح الذم على كونه طويلا أو قصيرا أو كون السماء فوقه و الأرض تحته و إنما يحسن هذا المدح و الذم لو كان الفعلان نهج الحق ص : 103صادرين عن العبد فإنه لو لم يصدر عنه لم يحسن توجه المدح و الذم إليه. و الأشاعرة لم يحكموا بحسن هذا المدح و الذم فلم يحكموا بحسن مح الله تعالى على إنعامه و لا الثناء عليه و لا الشكر له و لا بحسن ذم إبليس و سائر الكفار و الظلمة المبالغين في الظلم بل جعلوهما متساويين في استحقاق المدح و الذم. فليعرض العاقل المنصف من نفسه هذه القضية على عقله و يتبع ما يقوده عقله إليه و يرفض تقليد من يخطئ في ذلك و يعتقد ضد الصواب فإنه لا يقبل منه غدا يوم الحساب و ليحذر من إدخال نفسه في زمرة الذين قال الله تعالى عنهم وَ إِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ

(1/55)


مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ. منها أنه يقبح منه تعالى حينئذ تكليفنا فعل الطاعات و اجتناب المعاصي لأنا غير قادرين على ممانعة القديم فإذا كان الفاعل للمعصية فينا هو الله تعالى لم نقدر على الطاعة لأن الله تعالى إن خلق فينا فعل الطاعة كان واجب الحصول و إن لم يخلقه كان ممتنع الحصول. و لو لم يكن العبد متمكنا من الفعل و الترك كانت أفعاله جارية مجرى نهج الحق ص : 104حركات الجمادات و كما أن البديهة حاكمة بأنه لا يجوز أمر الجماد و نهيه و مدحه و ذمه وجب أن يكون الأمر كذلك في أفعال العباد و لأنه تعالى يريد منا فعل المعصية ويخلقها فينا فكيف نقدر على ممانعته و لأنه إذا طلب منا أن نفعل فعلا و لا يمكن صدوره عنا بل إنما يفعله هو كان عابثا في الطلب مكلفا لما لا يطاق تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
يلزم الجبرية قبح التكليف
و منها أنه يلزم أن يكون الله سبحانه أظلم الظالمين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لأنه إذا خلق فينا المعصية و لم يكن لنا فيها أثر البتة ثم عذبنا عليها و عاقبنا على صدورها منه تعالى فينا كان ذلك نهاية الجور و العدوان نعوذ بالله من مذهب يؤدي إلى وصف الله تعالى بالظلم و العدوان فأي عادل يبقى بعد الله تعالى و أي منصف سواه و أي راحم للعبد غيره و أي مجمع للكرم و الرحمة و الإنصاف عداه مع أنه يعذبنا على فعل صدر عنه و معصية لم تصدر عنا بل منه.
يلزم الجبرية كونه تعالى ظالما

(1/56)


و منها أنه يلزم منه تجويز انتفاء ما علم بالضرورة ثبوته. و بيانه أنا نعلم بالضرورة أن أفعالنا إنما تقع بحسب قصودنا و دواعينا و تنتفي بحسب انتفاء الدواعي و ثبوت الصوارف. فإنا نعلم بالضرورة أنا متى أردنا الفعل و خلص الداعي إلى إيجاده و انتفى الصارف فإنه يقع و متى كرهناه لم يقع فإن الإنسان متى اشتد به الجوع و كان تناول الطعام ممكنا فإنه يصدر منه تناول الطعام و متى اعتقد أن في الطعام سما انصرف عنه و كذا يعلم من حال غيره ذلك فإنا نعلم بالضرورة أن شخصا لو اشتد به العطش و لا مانع له من نهج الحق ص : 105شرب الماء فإه يشربه بالضرورة و متى علم مضرة دخول النار لم يدخلها و لو كانت الأفعال صادرة من الله تعالى جاز أن يقع الفعل و إن كرهناه و انتفى الداعي إليه و يمتنع صدوره عنا و إن أردناه و خلص الداعي إلى إيجاده على تقدير أن لا يفعله الله تعالى و ذلك معلوم البطلان فكيف يرتضي العاقل لنفسه مذهبا يقوده إلى بطلان ما علم بالضرورة ثبوته.
يلزم الجبرية نفي ما علم ثبوته و إثبات ما علم نفيه بالضرورة
و منها أنه يلزم تجويز ما قضت الضرورة بنفيه و ذلك لأن أفعالنا إنما تقع على الوجه الذي نريده و نقصده و لا يقع منا على الوجه الذي نكرهه فإنا نعلم بالضرورة أنا إذا أردنا الحركة يمنة لم تقع يسرة و لو أردنا الحركة يسرة لم تقع يمنة و الحكم بذلك ضروري فلو كانت الأفعال صادرة من الله تعالى جاز أن تقع الحركة يمنة و نحن نريد الحركة يسرة و بالعكس و ذلك ضروري البطلان.
الجبرية يخالفون القرآن

(1/57)


و منها يلزم مخالفة الكتاب العزيز و نصوصه و الآيات المتضافرة فيه الدالة على استناد الأفعال إلينا و قد بينت في كتاب الإيضاح مخالفة أهل السنة لنص الكتاب و السنة بالوجوه التي خالفوا فيها آيات الكتاب العزيز حتى أنه لا تمضي آية من الآيات إلا و قد خالفوا فيها من عدة أوجه فبعضها يزيد على عشرين و لا ينقص شي ء منها عن أربعة و لنقتصر في هذا المختصر على وجوه قليلة دالة على أنهم خالفوا صريح القرآن ذكرها أفضل متأخريهم و أكبر علمائهم فخر الدين الرازي و هي عشرة الأول الآيات الدالة على إضافة الفعل إلى العبد فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ بَلْ سََّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ.
الآيات التي مدح فيها المؤمن أو ذم فيها الكافر

(1/58)


الثاني ما ورد في القرآن من مدح المؤمن على إيمانه و ذم الكافر على كفره و وعده بالثواب على الطاعة و توعده بالعقاب على المعصية كقوله تعالى الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ.
نهج الحق ص : 107الآيات التي تنزه فعله تعالى عن شبه أفعال العباد الثالث الآيات الدالة على أن أفعال الله تعالى منزهة عن أن تكون مثل أفعال المخلوقين في التفاوت و الاختلاف و الظلم قال الله تعالى ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ ءٍ خَلَقَهُ و الكفر و الظلم ليس بحسن و قال تعالى وَ ما خلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ و الكفر ليس بحق و قد قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَ ما ظَلَمْناهُمْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا.
الآيات التي توبخ العباد على كفرهم و عصيانهم

(1/59)


الرابع الآيات الدالة على ذم العباد على الكفر و المعاصي كقوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ و الإنكار و التوبيخ مع العجز عنه محال. و من مذهبهم أن الله خلق الكفر في الكافر و أراده منه و هو لا يقدر على غيره فكيف يوبخه عليه و قال وَ ما مَنَعَ نهج الحق ص 108النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى و هو إنكار بلفظ الاستفهام و من المعلوم أن رجلا لو حبس آخر في بيت بحيث لا يمكنه الخروج عنه ثم يقول ما منعك من التصرف في حوائجي قبح منه ذلك و كذا قوله تعالى وَ ما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ و قوله تعالى ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ و كيف يجوز أن يقول لم تفعل مع أنه ما فعله و قوله تعالى لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. قال الصاحب بن عباد كيف يأمر بالإيمان و لم يرده و ينهى عن المنكر و قد أراده و يعاقب على الباطل و قدره و كيف يصرفه عن الإيمان و يقول فَأَنَّى تُصْرَفُونَ و يخلق فيهم الكفر ثم يقول كَيْفَ تَكْفُرُونَ و يخلق فيهم لبس الباطل ثم يقول لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ و صدهم عن سواء السبيل ثم يقول لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ و حال بينهم و بين الإيمان ثم قال وَ ما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ و ذهب بهم عن الرشد ثم قال فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ و أضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ.
الآيات الدالة على التخيير في الأفعال التكليفية

(1/60)


الخامس الآيات التي ذكر الله تعالى فيها تخيير العباد في أفعالهم و تعلقها بمشيئتهم قال تعالى فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً. و قد أنكر الله تعالى على من نفى المشيئة عن نفسه و أضافها إلى الله تعالى بقوله سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ قالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ.
الآيات التي فيها أمر العباد بالأفعال
السادس الآيات التي فيها أمر العباد بالأفعال و المسارعة إليها قبل فواتها كقوله تعالى وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَ آمِنُوا بِهِ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ. نهج الحق ص : 110فكيف يصح الأمر بالطاعة و للمسارعة إليها مع كون المأمور ممنوعا عاجزا عن الإتيان به و كما يستحيل أن يقال فيها للمقعد لزمن قم و لمن يرمى من شاهق جبل احفظ نفسك فكذا هاهنا.
الآيات التي حث الله تعالى فيها على الاستعانة به

(1/61)


السابع الآيات التي حث الله تعالى فيها على الاستعانة به كقوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ. فإذا كان الله تعالى خلق الكفر و المعاصي كيف يستعان و يستعاذ به. و أيضا يلزم بطلان الألطاف و الدواعي لأنه تعالى إذا كان هو الخالق لأفعال العباد فأي نفع يحصل للعبد من اللطف الذي يفعله الله تعالى. و لكن الألطاف حاصلة كقوله تعالى أَ وَ لا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً وَ لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ.
الآيات الدالة على اعتراف الأنبياء بأعمالهم
الثامن الآيات الدالة على اعتراف الأنبياء بذنوبهم و إضافتها إلى نهج الحق ص : 111أنفسهم كقوله تعالى حكاية عن آدم ع رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا و عن يونس ع سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ و عن موسى ع رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي و قال يعقوب لأولده بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً و قال يوسف ع مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي و قال نوح ع رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ. فهذه الآيات تدل على اعتراف الأنبياء بكونهم فاعلين لأفعالهم.
الآيات الدالة على اعتراف الكفار و العصاة

(1/62)


التاسع الآيات الدالة على اعتراف الكفار و العصاة بأن كفرهم و معاصيهم كانت منهم كقوله تعالى وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ إلى قوله أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ و قوله تعالى ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ إلى قوله تعالى فَكَذَّبْنا و قوله تعالى أُولئِكَ يَنالُهُمْ نهج الحق ص : 112نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ فَذُوقُوا اْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ.
الآيات الدالة على تحسر الكفار في الآخرة

(1/63)


العاشر الآيات التي ذكر الله تعالى فيها ما يحصل منهم من التحسر في الآخرة على الكفر و طلب الرجعة قال تعالى وَ هُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً وَ لَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. فهذه الآيات و أمثالها من نصوص الكتاب العزيز الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فما عذر فضلائهم و هل يمكنهم الجواب عن هذا السؤال كيف تركتم هذه النصوص و نبذتموها وراءكم ظهريا إلا بأنا طلبنا الحياة الدنيا و آثرناها على الآخرة و ما عذر عوامهم في الانقياد إلى فتوى علمائهم و اتباعهم في عقائدهم و هل يمكنهم الجواب عند السؤال كيف تركتم هذه الآيات و قد جاءكم بها نذير و عمرناكم ما يتذكر فيه من تذكر إلا بأنا قلدنا آباءنا و علماءنا من غير فحص و بحث نهج الحق ص : 113و لا نظر مع كثرة الخلاف و بلوغ الحج إلينا فهل يقبل عذر هذين القبيلين و هل يسمع كلام الفريقين.
مخالفة الجبرية للحكم الضروري

(1/64)


و منها مخالفة الحكم الضروري الحاصل لكل أحد عند ما يطلب من غيره أن يفعل فعلا فإنه يعلم بالضرورة أن ذلك الفعل يصدر عنه و لهذا يتلطف في استدعاء الفعل منه بكل لطيفة و يعظه و يزجره عن تركه و يحتال عليه بكل حيلة و يعده و يتوعده على تركه و ينهاه عن فعل ما يكرهه و يعنفه على فعله و يتعجب من فعله ذلك و يستطرفه و يتعجب العقلاء من فعله و هذا كله دليل على فعله. و يعلم بالضرورة الفرق بين أمره بالقيام و بين أمره بإيجاد السماوات و الكواكب و لو لا أن العلم الضروري حاصل بكوننا موجدين لأفعالنا لما صح ذلك.
مخالفة الجبرية لإجماع الأنبياء
و منها مخالفة إجماع الأنبياء و الرسل فإنه لا خلاف في أن الأنبياء أجمعوا على أن الله تعالى أمر عباده ببعض الأفعال كالصلاة و الصوم نهج الحق ص : 114و نهى عن بعضها كالظلم و الجور و لا يصح ذلك إذا لم يكن العبد موجدا إذ كيف يصح أن يقال له ائت بفعل الإيمان و الصاة و لا تأت بالكفر و الزناء مع أن الفاعل لهذه الأفعال و التارك لها هو غيره فإن الأمر بالفعل يتضمن الإخبار عن كون المأمور قادرا عليه حتى لو لم يكن المأمور قادرا على المأمور به لمرض أو سبب آخر ثم أمره فإن العقلاء يتعجبون منه و ينسبونه إلى الحمق و الجهل و الجنون و يقولون إنك لتعلم أنه لا يقدر على ذلك ثم تأمره به و لو صح هذا لصح أن يبعث الله رسولا إلى الجمادات مع الكتاب فيبلغ إليها ما ذكرناه ثم إنه تعالى يخلق الحياة في تلك الجمادات و يعاقبها لأجل أنها لم تمتثل أمر الرسول و ذلك معلوم البطلان ببديهة العقل.
مخالفة الجبرية لإجماع الأمة

(1/65)


و منها أنه يلزم منه سد باب الاستدلال على وجود الصانع على كونه تعالى صادقا و الاستدلال على صحة النبوة و الاستدلال على صحة الشريعة يفضي إلى القول بخرق إجماع الأمة لأنه لا يمكن إثبات الصانع إلا بأن يقال العالم حادث فيكون محتاجا إلى المحدث قياسا على أفعالنا المحتاجة إلينا فمع منع حكم الأصل في القياس و هو كون العبد موجدا لا يمكنه استعمال هذه الطريقة فينسد عليه باب إثبات الصانع. نهج الحق ص : 115و أيضا إذا كان تعالى خالقا للجميع من القبائح و غيرها لا يمتنع منه إظهار المعجز على يد الكاذب و متى لم يقطع بامتناع ذلك نسد علينا باب إثبات الفرق بين النبي و المتنبئ. و أيضا إذا جاز أن يخلق الله تعالى القبائح جاز أن يكذب في إخباره فلا يوثق بوعده و وعيده و إخباره عن أحكام الآخرة و الأحوال الماضية و القرون الخالية. و أيضا يلزم من خلقه القبائح جواز أن يدعو إليها و أن يبعث عليها و يحث و يرغب فيها و لو جاز ذلك جاز أن يكون ما رغب الله تعالى فيه من القبائح فتزول الثقة بالشرائع و يقبح التشاغل بها. و أيضا لو جاز منه تعالى أن يخلق في العبد الكفر و الإضلال و يزينه له و يصده عن الحق و يستدرجه بذلك إلى عقابه للزم في دين الإسلام جواز أن يكون هو الكفر و الضلال و أنه تعالى زينه في قلوبنا و أن يكون بعض الملل المخالفة للإسلام هو الحق و لكن الله تعالى صدنا عنه و زين خلافه في أعيننا فإذا جوزوا ذلك لزمهم تجويز ما هم عليه هو الضلال و الكفر و كون ما خصومهم عليه هو الحق و إذا لم يمكنهم القطع بأن ما هم عليه هو الحق و ما خصومهم عليه هو الباطل لم يكونوا مستحقين للجواب.
يلزم الجبرية الظلم و العبث في أفعاله تعالى

(1/66)


منها تجويز أن يكون الله تعالى ظالما عابثا لأنه لو كان الله تعالى هو الخالق لأفعال العباد و منها القبائح كالظلم و العبث لجاز أن يخلقها لا غير حتى تكون كلها ظلما و عبثا فيكون الله تعالى ظالما عابثا لاعبا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
يلزم الجبرية السفه و الجهل في أفعاله تعالى
منها أنه يلزم إلحاق الله تعالى بالسفهاء و الجهال تعالى الله عن ذلك لأن من جملة أفعال العباد الشرك بالله تعالى و وصفه بالأضداد و الأنداد و الأولاد و شتمه و سبه فلو كان الله تعالى فاعلا لأفعال العباد لكان فاعلا للأفعال كلها و لكل هذه الأمور و ذلك يبطل حكمته لأن الحكيم لا يشتم نفسه و في نفي الحكمة إلحاقه بالسفهاء نعوذ بالله من هذه المقالات الردية.
يلزم مخالفة الضرورة
منها أنه يلزم مخالفة الضرورة لأنه لو جاز أن يخلق الزناء و اللواط لجاز أن يبعث رسولا هذا دينه و لو جاز ذلك لجوزنا أن يكون فيما سلف من الأنبياء من لم يبعث إلا للدعوة إلى السرقة و الزناء و اللواط و كل القبائح و مدح الشيطان و عبادته و الاستخفاف بالله تعالى و الشتم له و سب رسوله و عقوق الوالدين و ذم المحسن و مدح المسي ء.
يلزم الجبرية كونه تعالى أضر من الشيطان
منها أنه يلزم أن يكون الله سبحانه أشد ضررا من الشيطان لأن الله تعالى لو خلق الكفر في العبد ثم يعذبه عليه لكان أضر من الشيطان لأن الشيطان لا يمكن أن يلجئه إلى القبائح بل يدعوهم إليها كما قال الله تعالى وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي. و لأن دعاء الشيطان هو أيضا من فعل الله تعالى. و أما الله سبحانه فإنه يضطرهم إلى القبائح و لو كان كذلك لحسن نهج الحق ص : 117من الكافر أن يمدح الشيطان و أن يذم الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
يلزم الجبرية مخالفة العقل و النقل

(1/67)


و منها أنه يلزم مخالفة العقل و النقل لأن العبد لو لم يكن موجدا لأفعاله لم يستحق ثوابا و لا عقابا بل يكون الله تعالى مبتدئا بالثواب و العقاب من غير استحقاق منهم و لو جاز ذلك لجاز منه تعذيب الأنبياء ع و إثابة الفراعنة و الأبالسة فيكون الله تعالى أسفه السفهاء و قد نزه الله تعالى نفسه عن ذلك فقال أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ.
يلزم الجبرية كونه تعالى ظالما جائرا
و منها يلزم مخالفة الكتاب العزيز من انتفاء النعمة عن الكافر لأنه تعالى إذ خلق الكفر في الكافر لزم أن يكون قد خلقه للعذاب في نار جهنم و لو كان كذلك لم يكن له عليه نعمة أصلا فإن نعمة الدنيا مع عقاب الآخرة لا تعد نعمة كمن جعل لغيره سما في حلواء و أطعمه فإنه لا تعد اللذة الحاصلة من تناوله نعمة و القرآن قد دل على أنه تعالى منعم على الكفار قال الله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ. و أيضا قد علم بالضرورة من دين محمد ص أنه ما من عبد إلا و لله عليه نعمة كافرا كان أو مسلما. و منها صحة وصف الله تعالى بأنه ظالم و جائر لأنه لا معنى للظالم نهج الحق ص : 118إلا فاعل الظلم و لا الجائر إلا فاعل الجور و لا المفسد إلا فاعل الفساد و لهذا لا يصح إثبات أحدها إلا حال نفي الآخر. و لأنه لما فعل العدل سمي عادلا كذا لو فعل الظلم سمي ظالما و يلزم أن لا يسمى العبد ظالما و لا سفيها لأنه لم يصدر عنه شي ء من هذه.
إلزام الجبرية بالالتزام بالمحال

(1/68)


منها أنه يلزم المحال لأنه لو كان هو الخالق للأفعال فإما أن يتوقف خلقه لها على قدرتنا و دواعينا أو لا و القسمان باطلان. أما الأول فلأنه يلزم منه عجزه سبحانه عما يقدر عليه العبد. و لأنه يستلزم خلاف المذهب و هو وقوع الفعل منه و الداعي من العبد إذ لو كان من الله تعالى لكان الجميع من عنده و لأن القدرة و الداعي إن أثرا فهو المطلوب و إلا كان وجودهما كوجود لون الإنسان و طوله و قصره و من المعلوم بالضرورة أنه لا مدخل للون و الطول و القصر في الأفعال و إذا كان هذا الفعل صادرا عنه جاز وقوع جميع الأفعال المنسوبة إلينا منا. و أما الثاني فلأنه يلزم منه أن يكون الله تعالى أوجد أي خلق تلك الأفعال من دون قدرتهم و دواعيهم حتى توجد الكتابة و النساجة المحكمتان ممن لا يكون عالما بهما و وقوع الكتابة ممن لا يد له و لا قلم و وقوع شرب الماء من الجائع في الغاية الريان في الغاية مع تمكنه من الأكل و يلزم تجويز أن تنقل النملة الجبال و أن لا يقوى الرجل الشديد القوة على رفع تبنة و أن يجوز من الممنوع المقيد العدو و أن يعجز القادر الصحيح عن تحريك الأنملة و في هذا زوال الفرق بين القوي و الضعيف و من المعلوم بالضرورة الفرق بين الزمن و الصحيح.
يلزم الجبرية كونه تعالى جاهلا أو محتاجا
و منها تجويز أن يكون الله تعالى جاهلا أو محتاجا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لأن في الشاهد فاعل القبيح إما جاهل أو محتاج مع أنه ليس عندهم فاعلا في الحقيقة فلأن يكون كذلك في الغائب الذي هو الفاعل في الحقيقة أولى.
يلزمهم نسبة الظلم إليه تعالى

(1/69)


و منها أنه يلزم منه الظلم لأن الفعل إما أن يقع من العبد لا غير أو من الله تعالى أو منهما بالشركة بحيث لا يمكن تفرد كل منهما بالفعل أو لا من واحد منهما و الأول هو المطلوب. و الثاني يلزم منه الظلم حيث فعل الكفر و عذب من لا أثر له فيه البتة و لا قدرة موجدة له و لا مدخل له في الإيجاد و هو أبلغ أنواع الظلم. و الثالث يلزم منه الظلم لأنه شريك في الفعل و كيف يعذب شريكه على فعل فعله هو و إياه و كيف يبرئ نفسه من المؤاخذة مع قدرته و سلطنته و يؤاخذ عبده الضعيف على فعل فعله هو مثله. و أيضا يلزم منه تعجيز الله تعالى إذ لا يتمكن من الفعل بتمامه بل يحتاج إلى الاستعانة بالعبد. و أيضا يلزم المطلوب و هو أن يكون للعبد تأثير في الفعل و إذ جاز استناد أثر ما إليه جاز استناد الجميع إليه فأي ضرورة تحوج إلى التزام هذه المحالات فما ترى لهم ضرورة إلى ذلك سوى أن ينسبوا ربهم إلى هذه النقائص التي نزه الله تعالى نفسه عنها و تبرأ منها.

(1/70)


نهج الحق ص : 120يلزم الجبرية المخالفة للقرآن و السنة المتواترة و الإجماع و العقل و منها أنه يلزم مخالفة القرآن العظيم و السنة المتواترة و الإجماع و أدلة العقل. أما الكتاب فإنه مملوء من إسناد الأفعال إلى العبيد و قد تقدم بعضها و كيف يقول الله تعالى فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ و لا خالق سواه و قوله إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى و لا تحقق لهذا الشخص البتة و يقول مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها و لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ و لا وجود لهؤلاء. ثم كيف يأمر و ينهى و لا فاعل و هل هو إلا كأمر الجماد و نهيه.
و قال النبي ص اعلموا فكل ميسر لما خلق له
نية المؤمن خير من عمله
إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى
و الإجماع دل على وجوب الرضا بقضاء الله تعالى فلو كان الكفر نهج الحق ص : 121بقضاء الله تعالى لوجب الرضا به و الرضا بالكفر حرام بالإجماع فعلمنا أن الكفر ليس من فعله تعالى فلا يكون من خلقه
المطلب الحادي عشر في نسخ شبههم
شبهه الأشاعرة في الجبر

(1/71)


اعلم أن الأشاعرة احتجوا على مقالتهم بوجهين هما أقوى الوجوه عندهم يلزم منهما الخروج عن العقيدة و نحن نذكر ما قالوا و نبين دلالتهما على ما هو معلوم البطلان بالضرورة من دين النبي ص. الأول قالوا لو كان العبد فاعلا لشي ء ما بالقدرة و الاختيار فإما أن يتمكن من ركه أو لا. و الثاني يلزم منه الجبر لأن الفاعل الذي لا يتمكن من ترك ما يفعله موجب لا مختار كما يصدر عن النار الإحراق و لا تتمكن من تركه و الأول إما أن يترجح الفعل حالة الإيجاد أو لا. و الثاني أيضا أنه يلزم ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح لأنهما لما استويا من كل وجه بالنسبة إلى ما في نفس الأمر و بالنسبة إلى القادر الموجد كان ترجيح القادر للفعل على الترك ترجيحا للمساوي بغير مرجح و إن ترجح فإن لم ينته إلى حد الوجوب أمكن حصول المرجوح مع تحقق الرجحان و هو محال. أما أولا فلامتناع وقوعه حالة التساوي فحالة المرجوحية أولى. و أما ثانيا فلأنه مع قيد الرجحان يمكن وقوع المرجوح فلنفرضه واقعا في وقت و الراجح في آخر فترجيح أحد الوقتين بأحد الأمرين لا بد له من مرجح غير المرجح الأول و إلا لزم ترجيح أحد المتساويين نهج الحق ص : 122بغير مرجح فينتهي إلى حد الوجوب و إلا تلسل و إذا امتنع وقوع الأثر إلا مع الوجوب و الواجب غير مقدور و نقيضه ممتنع غير مقدور أيضا فيلزم الجبر و الإيجاب فلا يكون العبد مختارا. الثاني أن كل ما يقع فإن الله تعالى قد علم وقوعه قبل وقوعه و كل ما لم يقع فإن الله قد علم في الأزل عدم وقوعه و ما علم الله وقوعه فهو واجب الوقوع و إلا لزم انقلاب علم الله تعالى جهلا و هو محال و ما علم عدم وقوعه فهو ممتنع إذ لو وقع انقلب علم الله تعالى جهلا و هو محال أيضا و الواجب و الممتنع غير مقدورين للعبد فيلزم الجبر.
الجواب عن شبهه الأشاعرة
و الجواب عن الوجهين من حيث النقض و من حيث المعارضة.
أما النقض ففي الأول من وجوه الأول

(1/72)


و هو الحق أن الوجوب من حيث الداعي و الإرادة لا ينافي الإمكان في نفس الأمر و لا يستلزم الإيجاب و خروج القادر عن قدرته و عدم وقوع الفعل بها فإنا نقول الفعل المقدر للعبد يمكن وجوده منه و يمكن عدمه فإذا خلص الداعي إلى إيجاده و حصلت الشرائط و ارتفعت الموانع و علم القادر خلوص المصالح الحاصلة من الفعل عن شوائب المفسدة البتة وجب من هذه الحيثية إيجاد الفعل و لا يكون ذلك جبرا و لا إيجابا بالنسبة إلى القدرة و الفعل لا غير.
الثاني
يجوز أن يترجح الفعل فيوجده المؤثر و العدم فيعدمه و لا ينتهي الرجحان إلى الوجوب على ما ذهب إليه جماعة من المتكلمين فلا يلزم الجبر و لا الترجيح من غير مرجح. قوله مع ذلك الرجحان لا يمتنع النقيض فليفرض واقعا في وقت نهج الحق ص : 123فترجيح الفعل وقت وجوده يفتقرإلى مرجح آخر قلنا ممنوع بل الرجحان الأول كاف فلا يفتقر إلى رجحان آخر.
الثالث
لم لا يوقعه القادر مع التساوي فإن القادر يرجح أحد مقدرويه على الآخر من غير مرجح و قد ذهب إلى هذا جماعة من المتكلمين و تمثلوا في ذلك بصورة وجدانية كالجائع يحضره رغيفان متساويان من جميع الوجوه فإنه يتناول أحدهما من غير مرجح و لا يمتنع من الأكل حتى يترجح لمرجح و العطشان يحضره إناءان متساويان من جميع الوجوه و الهارب من السبع إذا عن له طريقان متساويان فإنه يسلك أحدهما و لا ينتظر المرجح و إذا كان هذا الحكم وجدانيا كيف يمكن الاستدلال على نقيضه.
الرابع
أن هذا الدليل ينافي مذهبهم فلا يصح لهم الاحتجاج به لأن مذهبهم أن القدرة لا تصلح للضدين فالمتمكن من الفعل يخرج عن القدرة لعدم التمكن من الترك و إن خالفوا مذهبهم أن القدرة لا تتقدم على المقدور عندهم و إن فرضوا للعبد قدرة موجودة حال وجود قدرة الفعل لزمهم إما اجتماع الضدين أو تقدم القدرة على الفعل فانظر إلى هؤلاء القوم الذين لا يبالون في تضاد أقوالهم و تعاندها.
و في الثاني من وجهين الأول

(1/73)


العلم بالوقوع تبع الوقوع فلا يؤثر فيه فإن التابع إنما يتبع متبوعه و يتأخر عنه بالذات و المؤثر متقدم.
الثاني
أن الوجوب اللاحق لا يؤثر في الإمكان الذاتي و يحصل الوجوب باعتبار فرض وقوع الممكن فإن كل ممكن على الإطلاق إذا نهج الحق ص : 124فرض موجودا فإنه حالة وجوده يمتنع عدمه لامتناع اجتماع النقيضين و إذا كان ممتنع العدم كان واجبا مع أنه ممكن بالنظر إلى ذاته. و العلمحكاية عن المعلوم و مطابق له إذ لا بد في العلم من المطابقة فالعلم و المعلوم متطابقان و الأصل في هيئة التطابق هو المعلوم فإنه لولاه لم يكن علما به و لا فرق بين فرض الشي ء و فرض ما يطابقه بما هو حكاية عنه و فرض العلم هو بعينه فرض المعلوم و قد عرفت أن مع فرض لمعلوم يجب فكذا مع فرض العلم به و كما أن ذلك الوجوب لا يؤثر في الإمكان الذاتي كذا هو الوجوب و لا يلزم من تعلق علم الله تعالى به وجوبه بالنسبة إلى ذاته بل بالنسبة إلى العلم.
و أما المعارضة في الوجهين فإنهما آتيان في حق واجب الوجود تعالى. فإنا نقول في الأول
لو كان الله تعالى قادرا مختارا فإما أن يتمكن من الترك أو لا فإن لم يتمكن من الترك كان موجبا مجبورا على الفعل لا قادرا مختارا و إن تمكن فإما أن يترجح أحد الطرفين على الآخر أو لا فإن لم يترجح لزم وجود الممكن المتساوي من غير مرجح فإن كان محالا في حق العبد كان محالا في حق الله تعالى لعدم الفرق و إن ترجح فإن انتهى إلى الوجوب لزم الجبر و إلا تسلسل أو وقع المتساوي من غير مرجح فكل ما تقولونه هاهنا نقوله نحن في حق العبد.
و نقول في الثاني

(1/74)


إن ما علمه الله تعالى إن وجب و لزم بسبب هذا الوجوب خروج القادر منا عن قدرته و إدخاله في الموجب لزم في حق الله تعالى ذلك بعينه و إن لم يقتض سقط الاستدلال. فقد ظهر من هذا أن هذين الدليلين آتيان في حق الله تعالى و هما إن صحا نهج الحق ص : 125لزم خروج الواجب ع كونه قادرا و يكون موجبا و هذا هو الكفر الصريح إذ الفارق بين الإسلام و الفلسفة هو هذه المسألة. و الحاصل إن هؤلاء إن اعترفوا بصحة هذين الدليلين لزمهم الكفر و إن اعترفوا ببطلانهما سقط احتجاجهم بهما. فلينظر العاقل من نفسه هل يجوز له أن يقلد من يستدل بدليل يعتقد صحته و يحتج به غدا يوم القيامة و هو يوجب الكفر و الإلحاد. و أي عذر لهم عن ذلك و عن الكفر و الإلحاد فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا هذه حجتهم تنطق بصريح الكفر على ما ترى و تلك الأقاويل التي لهم قد عرفت أنه يلزم منها نسبة الله سبحانه إلى كل خسيسة و رذيلة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. و ليحذر المقلدون و ينظروا كيف هؤلاء القوم الذين يقلدونهم فإن استحسنوا لأنفسهم بعد البيان و الإيضاح اتباعهم كفاهم بذلك ضلالا و إن راجعوا عقولهم و تركوا اتباع الأهواء عرفوا الحق بعين الإنصاف وفقهم الله لإصابة الثواب
المطلب الثاني عشر في إبطال الكسب

(1/75)


اعلم أن أبا الحسن الأشعري و أتباعه لما لزمتهم هذه الأمور الشنيعة و الإلزامات الفظيعة و الأقوال الهائلة من إنكار ما علم بالضرورة ثبوته و هو الفرق بين الحركات الاختيارية و الحركات الجمادية و ما شابه ذلك التجأ إلى ارتكاب قول توهم هو و أتباعه الخلاص من هذه الشناعات و لات حين مناص فقال مذهبا غريبا عجيبا لزمه بسببه نهج الحق ص : 126إنكار العلوم الضرورية كما هو دأبه و عادته فيما تقدم من إنكار الضروريات فذهب إلى إثبات الكسب للعبد فقال الله تعالى موجد للفعل و العبد مكتسب له. فإذ طولب بتحقيق الكسب و ما هو و أي وجه يقضيه و أي حاجة تدعو إليه اضطرب أصحابه في الجواب عنه. فقال بعضهم معنى الكسب خلق الله تعالى الفعل عقيب اختيار العبد الفعل و عدمه عقيب اختيار العدم فمعنى الكسب إجراء العادة بخلق الله الفعل عند اختيار العبد. و قال بعضهم معنى الكسب أن الله تعالى يخلق الفعل من غير أن يكون للعبد فيه أثر البتة لكن العبد يؤثر في وصف كون الفعل طاعة أو معصية فأصل الفعل من الله تعالى و وصف كونه طاعة أو معصية من العبد. و قال بعضهم إن هذا الكسب غير معلوم و لا معقول مع أنه صادر عن العبد. و هذه الأجوبة فاسدة أما الأول فلأن الاختيار و الإرادة من جملة الأفعال فإذا جاز صدورهما عن العبد فليجز صدور أصل الفعل عنه و أي فرق بينهما و أي حاجة و ضرورة إلى التمحل بهذا و هو أن ينسب القبائح بأسرها إلى الله تعالى و أن ينسب الله تعالى إلى الظلم و الجور و العدوان و غير ذلك و ليس بمعلوم. نهج الحق ص : 127و أيا دليلهم آت في نفس هذا الاختيار فإن كان صحيحا امتنع إسناده إلى العبد و كان صادرا عن الله تعالى و إن لم يكن صحيحا امتنع الاحتجاج به. و أيضا إذا كان الاختيار الصادر عن العبد موجبا لوقوع الفعل كان الفعل مستندا إلى فاعل الاختيار إما العبد أو الله تعالى فلا وجه للمخلص بهذه الواسطة. و إن لم يكن موجبا لم يبق فرق بين الاختبار و

(1/76)


الأكل مثلا في نسبتهما إلى إيقاع الفعل و عدمه فيكون الفعل من الله تعالى لا غير من غير شركة للعبد فيه. و أيضا العادة غير واجبة الاستمرار فجاز أن يوجد الاختيار و لا يخلق الله تعالى عقيبه و يخلق الله تعالى الفعل ابتداء من غير تقدم اختيار فحينئذ ينتفي المخلص بهذا العذر. و أما الثاني فلأن كون الفعل طاعة أو معصية إما أن يكون نفس الفعل في الخارج أو أمرا زائدا عليه فإن كان الأول كان أيضا من الله تعالى فلا يصدر عن العبد شي ء فيبطل العذر. و إن كان الثاي كان العبد مستقلا بفعل هذا الزائد و إذا جاز إسناد هذا الفعل فليجز إسناد أصل الفعل و أي ضرورة للتمحل بمثل هذه المحاذير الفاسدة التي لا تنهض بالاعتذار و أي فارق بين الفعلين و لم يكن أحدهما صادرا عن الله تعالى و الآخر صادرا عن العبد. و أيضا دليلهم آت في هذا الوصف فإن كان حقا عندهم امتنع استناد هذا الوصف إلى العبد و إن كان باطلا امتنع الاحتجاج به. و أيضا كون الفعل طاعة هو كون الفعل موافقا لأمر الشريعة و كونه موافقا لأمر الشريعة إنما هو شي ء يرجع إلى ذات الفعل إن طابق الأمر نهج الحق ص : 128كان طاعة و إلا فلا و حينئذ لا يكون الفعل مستندا إلى العبد لا في ذاته و لا في شي ء من صفاته فينتفي هذا العذر أيضا كما انتفى عذرهم الأول. و أيضا الطاعة حسنة و المعصية قبيحة و لهذا ذم الله تعالى إبليس و فرعون على مخالفتهما أمر الله و كل فعلفعله الله تعالى فهو حسن عندهم إذ لا معنى للحسن عندهم سوى صدوره من الله فلو كان أصل الفعل صادرا من الله امتنع وصفه بالقبح و كان موصوفا بالحسن فالمعصية التي تصدر من العبد إذا كانت صادرة من الله امتنع وصفها بالقبح فلا تكون معصية فلا يستحق فاعلها الذم و العقاب فلا يحسن من الله تعالى ذم إبليس و أبي لهب و غيرهما حيث لم يصدر عنهم قبيح و لا معصية فلا تتحقق معصية من العبد البتة. و أيضا المعصية قد نهى الله تعالى عنها إجماعا و

(1/77)


القرآن مملوء من المناهي و التوعد عليها و كل ما نهى الله تعالى عنه فهو قبيح إذ لا معنى للقبيح عندهم إلا ما نهى الله عنه مع أنها قد صدرت عن إبليس و فرعون و غيرهما من البشر و كل ما صدر من العبد فهو مستند إلى الله تعالى و الفاعل له هو الله تعالى لا غير عندهم فيكون حسنا حينئذ و قد فرضناه قبيحا و هذا خلف. و أما الثالث فهو باطل بالضرورة إذ إثبات ما لا يعقل غير معقول و كفاهم عن الاعتذار الفاسد اعتذارهم بما لا يعلمون و هل يجوز للعاقل المنصف من نفسه المصير إلى هذه الجهالات و الدخول في هذه الظلمات و الإعراض عن الحق الواضح و الدليل اللائح و المصير إلى ما لا يفهمه القائل و لا السامع و لا يدري هل يدفع عنهم ما التزموا به أو لا فإن هذا الدفع وصف من صفاته و الوصف إنما يعلم بعد العلم بالذات فإذا لم يفهموه كيف يجوز لهم الاعتذار به. نهج الحق ص : 129فلينظر العاقل في نفسه قبل دخوله في رمسه و لا يبقى للقول مجال و لا يمكن الاعتذار بها المحال
المطلب الثالث عشر في أن القدرة متقدمة على الفعل

(1/78)


ذهبت الإمامية و المعتزلة كافة إلى أن القدرة التي للعبد متقدمة على الفعل. و قالت الأشاعرة هنا قولا غريبا عجيبا و هو أن القدرة لا توجد قبل الفعل بل مع الفعل غير متقدمة عليه لا بزمان و لا بآن فلزمهم من ذلك محالات منها تكليف ما لا يطاق لأن الكافر مكلف بالإيمان إجماعا منا و منهم فإن كان قادرا عليه حال كفره ناقضوا مذهبهم من أن القدرة مع الفعل غير متقدمة عليه و إن لم يكن قادرا عليه لزمهم تكليف ما لا يطاق و نص الله تعالى على امتناعه فقال لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و العقل دل عليه و قد تقدم. و إن قالوا إنه غير مكلف حال كفره لزم خرق الإجماع لأن الله تعالى أمره بالإيمان بل عندهم أنه أمره في الأزل و نهاهم فكيف لا يكون مكلفا. و منها الاستغناء عن القدرة لأن الحاجة إلى القدرة إنما هي لإخراج الفعل من العدم إلى الوجود و هذا إنما يتحقق حال العدم لأن حال الوجود نهج الحق ص : 130هي حال الاستغناء عن القدرة لأن الفعل حال الوجود يكون واجبا فلا حاجة به إلى القدرة. على أن مذهبهم أن القدرة غير مؤثرة البتة لأن في الموجودات كلها هو الله تعالى فبحثهم عن القدرة حينئذ يكون من باب الفضول لأنه خلاف مذهبهم. و منها إلزام حدوث قرة الله تعالى أو قدم العالم لأن القدرة مقارنة للفعل و حينئذ يلزم أحد الأمرين و كلاهما محال لأن قدرة الله تعالى يستحيل أن تكون حادثة و العالم يمتنع أن يكون قديما و لأن القدم مناف للقدرة لأن القدرة إنما تتوجه إلى إيجاد المعدوم فإذا كان الفعل قديما امتنع استناده إلى القادر و من أعجب الأشياء بحث هؤلاء القوم عن القدرة للعبد و الكلام في أحكامها مع أن القدرة غير مؤثرة في الفعل البتة و أنه لا مؤثر غير الله تعالى فأي فرق بين القدرة و اللون و غيرهما بالنسبة إلى الفعل إذا كانت غير مؤثرة و لا مصححة للتأثير و قال أبو علي بن سينا ردا عليهم لعل القائم لا يقدر على القعود

(1/79)


المطلب الرابع عشر في أن القدرة صالحة للضدين
ذهب جميع العقلاء إلى ذلك عدا الأشاعرة فإنهم قالوا القدرة غير نهج الحق ص : 131صالحة للضدين و هو مناف لمفهوم القدرة فإن القادر هو الذي إذا شاء أن يفعل فعل و إذا شاء أن يترك ترك فلو فرضنا القدرة على أحد الضدين لا غير لم يكن الآخر مقدورا فلم يلزم من مفهوم القدر أنه إذا شاء أن يترك ترك
المطلب الخامس عشر في الإرادة
ذهبت الإمامية و جميع المعتزلة إلى أن الإنسان مريد لأفعاله بل كل قادر فإنه مريد لأنها صفة تقتضي التخصيص و أنها نفس الداعي. و خالفت الأشاعرة في ذلك فأثبتوا صفة زائدة عليه. و هذا من أغرب الأشياء و أعجبها لأن الفعل إذا كان صادرا عن الله تعالى و مستندا إليه و كان لا مؤثر إلا الله تعالى فأي دليل حينئذ يدل على ثبوت الإرادة و كيف يمكن ثبوتها لنا لأن طريق الإثبات هو أن القادر كما يقدر على الفعل كذا يقدر على الترك. فالقدرة صالحة للإيجاد و الترك و إنما يتخصص أحد المقدورين بالوقوع دون الآخر بأمر غير القدرة الموجودة و غير العلم التابع فالمذهب الذي اختاروه لأنفسهم سد عليهم ما علم وجوده بالضرورة و هو القدرة و الإرادة. فلينظر العاقل المنصف من نفسه هل يجوز له اتباع من ينكر الضروريات و يجحد الوجدانيات و هل يشك عاقل في أنه قادر مريد و أنه فرق بين حركاته الإرادية و حركة الجماد و هل يسوق لعاقل أن نهج الحق ص : 132يجعل مثل هؤلاء وسائط بينه و بين ربه و هل تتم له المحاجة عند الله تعالى بأني اتبعت هؤلاء و لا يسأل يومئذ كيف قلدت من تعلم بالضرورة بطلان قوله و هل سمعت تحريم التقليد في الكتاب العزيز مطلقا فكيف لأمثال هؤلاء فما يكون جوابهغدا لربه وَ ما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ و قد طولنا في هذا الكتاب ليرجع الضال عن زلله و يستمر المستقيم على معتقده
المطلب السادس عشر في التولد

(1/80)


ذهبت الإمامية إلى أن المتولد من أفعالنا مستند إلينا. و خالفت أهل السنة في ذلك و تشعبوا في ذلك و ذهبوا كل مذهب فزعم معمر أنه لا فعل للعبد إلا الإرادة و ما يحصل بعدها فهو من طبع المحل و قال بعض المعتزلة لا فعل للعبد إلا الفكر و قال النظام لا فعل للعبد إلا ما يوجد في محل قدرته و ما يجاورها فهو واقع بطبع المحل. و ذهبت الأشاعرة إلى أن المتولد من فعل الله تعالى. و قد خالف الكل ما هو معلوم بالضرورة عند كل عاقل فإنا نستحسن المدح و الذم على المتولد كالمباشر كالكتابة و البناء و القتل و غيرها. و حسن المدح و الذم فرع على العلم بالصدور عنا و من كابر في حسن نهج الحق ص : 133مدح الكاتب و البناء المجيدين في صنعتهما البارعين فيها فقد كابر مقتضى عقله
المطلب السابع عشر في التكليف

(1/81)


لا خلاف بين المسلمين في أن الله تعالى كلف عباده فعل الطاعات و اجتناب المعاصي و أن التكليف سابق على الفعل. و قالت الأشاعرة هاهنا مذهبا غريبا عجيبا و هو أن التكليف بالفعل حالة الفعل لا قبله و هذا يلزم منه محالات الأول أن يكون التكليف بغير المقدور لأن الفعل حال وقوعه يكون واجبا و الواجب غير مقدور. الثاني يلزم أن لا يكون أحد عاصيا البتة لأن العصيان مخالفة الأمر فإذا لم يكن الأمر ثابتا إلا حالة الفعل و حال العصيان هو حال عدم الفعل فلا يكون مكلفا حينئذ و إلا لزم تقدم التكليف على الفعل و هو خلاف مذهبهم لكن العصيان ثابت بالإجماع و نص القرآن قال الله تعالى أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ. و يلزم انتفاء الفسق الذي هو الخروج من الطاعة أيضا. فلينظر العاقل لنفسه هل يجوز لأحد تقليد هؤلاء الذين طعنوا في الضروريات فإن كل عاقل يعلم بالضرورة من دين محمد نهج الحق ص : 134ص أن الكافر عاص و كذا الفاسق يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ فأي سداد في هذا القول المخالف لنصوص القرآن. الثال لو كان التكليف حالة الفعل خاصة لا قبله لزم أما تحصيل الحاصل أو مخالفة التقدير. و التالي باطل بقسميه بالضرورة فالمقدم مثله. بيان الشرطية أن التكليف إما أن يكون بالفعل الثابت حالة التكليف أو بغيره و الأول يستلزم تحصيل الحاصل. و الثاني يستلزم تقدم التكليف على الفعل و هو خلاف الفرض و أيضا هو المطلوب و أيضا يستلزم التكرار
المطلب الثامن عشر في شرائط التكليف

(1/82)


ذهبت الإمامية إلى أن شرائط التكليف ستة الأول وجود المكلف لامتناع تكليف المعدوم فإن الضرورة قاضية بقبح أمر الجماد و هو إلى الإنسان أقرب من المعدوم و قبح أمر الرجل عبيدا يريد أن يشتريهم و هو في منزله وحده و يقول يا سالم قم و يا غانم كل يعده كل عاقل سفيها و هو إلى الإنسان الموجود أقرب. و خالفت الأشاعرة في ذلك فجوزوا تكليف المعدوم و مخاطبته نهج الحق ص : 135و الإخبار عنه فيقول الله تعالى في الأزل يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ و لا شخص هناك و يقول إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً و لا نوح هناك و هذه مكابرة فيالضرورة. الثاني كون المكلف عاقلا فلا يصح تكليف الرضيع و لا المجنون المطلق. و خالفت الأشاعرة في ذلك و جوزوا تكليف هؤلاء. فلينظر العاقل هل يحكم عقله بأن يؤاخذ المولود حال ولادته بالصلاة و تركها و ترك الصوم و الحج و الزكاة و هل يصح مؤاخذة المجنون المطبق على ذلك. الثالث فهم المكلف فلا يصح تكليف من لا يفهم الخطاب قبل فهمه. و خالفت الأشاعرة في ذلك فلزمهم التكليف بالمهمل و إلزام المكلف معرفته و معرفة المراد منه مع أنه لم يوضع لشي ء البتة و لا يراد منه شي ء أصلا فهل يجوز للعاقل أن يرضى لنفسه المصير إلى هذه الأقاو. الرابع إمكان الفعل إلى المكلف فلا يصح التكليف بالمحال. و خالفت الأشاعرة فيه فجوزوا تكليف الزمن الطيران إلى السماء نهج الحق ص : 136و تكليف العاجز خلق مثل الله تعالى و ضده و شريكه و ولد له و أن يعاقبه على ذلك و تكليفه الصعود إلى السطح العالي بأن يضع رجلا ي الأرض و رجلا على السطح. و كفى من ذهب إلى هذا نقصا في عقله و قلة في دينه و جرما عند الله تعالى حيث نسبه إلى إيجاد ذلك بل مذهبهم أنه تعالى لم يكلف أحدا إلا بما لا يطاق أو ترى ما يكون جواب هذا القائل إذا وقف بين يدي الله تعالى و سأله كيف ذهبت إلى هذا القول و كذبت القرآن العزيز و أن فيه لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا

(1/83)


وُسْعَها. الخامس أن يكون الفعل ما يستحق به الثواب و إلا لزم العبث و الظلم على الله تعالى. و خالفت الأشاعرة فيه فلم يجعلوا الثواب مستحقا على شي ء من الأفعال بل جوزوا التكليف بما يستحق عليه اعقاب و أن يرسل رسولا يكلف الخلق فعل جميع القبائح و ترك جميع الطاعات. فلزمهم من هذا أن يكون المطيع المبالغ في الطاعة من أسفلة الناس و أجهل الجهلاء من حيث يتعب بماله و بدنه في فعله دون أن ينال شيئا و ربما يكون هلاكه فيه و أن يكون المبالغ في المعصية و الفسوق أعقل العقلاء حيث يتعجل اللذة و ربما يكون تركها سبب الهلاك و فعلها سبب النجاة فكان وضع المدارس و الربط و المساجد من نقص التدبيرات البشرية حيث تخسير الأموال فيما لا نفع فيه و لا فائدة عاجلة و لا آجلة. السادس أن لا يكون حراما لامتناع كون الشي ء الواحد من الجة الواحدة مأمورا به منهيا عنه لاستحالة التكليف بما لا يطاق و أيضا نهج الحق ص : 137يكون مرادا و مكروها في وقت واحد من جهة واحدة و هذا مستحيل عقلا. و خالفت الأشاعرة في ذلك فجوزوا أن يكون الشي ء الواحد مأمورا به و منهيا عنه لإمكان تكليف ما لا يطاق عندهم. و أعجب العجائب أنهم حرموا الصلاة في الدار المغصوبة و مع ذلك لم يوجبوا القضاء و قالوا إنها صحيحة مع أن الصحيح ما هو المعتبر عند الشارع و إنما يطلق على المطلوب شرعا و الحرام غير معتبر في نظر الشارع مطلوب الترك شرعا و هل هذا إلا محض التناقض
المطلب التاسع عشر في الأعواض

(1/84)


ذهبت الإمامية إلى أن الألم الذي يفعله الله تعالى بالعبد إما أن يكون على وجه الانتقام و العقوبة و هو المستحق لقوله تعالى وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ و قوله تعالى أَ وَ لا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَ لا هُمْ يَذَّكَّرُونَ و لا عوض فيه فإما أن يكون على وجه الابتداء و إنما يحسن فعله من الله تعالى بشرطين أحدهما أن يشتمل على مصلحة ما للمتألم أو لغيره و هو نوع من اللطف لأنه لو لا ذلك لكان عبثا و الله تعالى منزه عنه و الثاني أن يكون في مقابلته عوض للمتألم يزيد على الألم و إلا لزم الظلم و الجور من الله سبحانه على عبيده لأن إيلام نهج الحق ص : 138الحيوان و تعذيبه على غير ذنب و لا لفائدة تصل إليه ظلم و جور و هو على الله تعالىمحال. و خالفت الأشاعرة في ذلك فجوزوا أن يؤلم الله عبده بأنواع الألم من غير جرم و لا ذنب و لا لغرض و غاية و لا يوصل إليه العوض و يعذب الأطفال و الأنبياء و الأولياء من غير فائدة و لا يعوضهم على ذلك بشي ء البتة. مع أن العلم الضروري حاصل لنا بأن من فعل من البر مثل هذا عده العقلاء ظالما جائرا سفيها فكيف يجوز للإنسان نسبة الله تعالى إلى مثل هذه النقائص و لا يخشى ربه و كيف لا يخجل منه غدا يوم القيامة إذا سألته الملائكة يوم الحساب هل كنت تعذب أحدا من غير استحقاق و لا تعوضه عن ألمه عوضا يرضى به فيقول كلا ما كنت أفعل ذلك فيقال له و كيف نسبت ربك عز و جل إلى هذا الفعل الذي لا ترضاه لنفسك
المسألة الرابعة مباحث في النبوة و فيها مباحث الأول في نبوة محمد ص

(1/85)


اعلم أن هذا أصل عظيم من الدين و به يقع الفرق بين المسلم و الكافر فيجب الاعتناء به و إقامة البرهان عليه و لا طريق في إثبات النبوة على العموم و لا على الخصوص إلا بمقدمتين إحداهما أن النبي ادعى رسالة رب العالمين له إلى الخلق و أظهر المعجزة على وفق دعواه لغرض التصديق له. و الثانية أن كل من صدقه الله تعالى فهو صادق. و هاتان المقدمتان لا يقول بهما الأشاعرة. أما الأولى فلأنه يمتنع أن يفعل الله لغرض من الأغراض أو لغاية من الغايات فلا يجوز أن يقال إنه تعالى فعل المعجزة على يد مدعي الرسالة لغرض تصديقه و لا لأجل تصحيح دعواه بل فعلها مجانا و مثل هذا لا يمكن أن يكون حجة للنبي لأنا لو شككنا في أن الله فعله لغرض 140التصديق أو لغيره لم يمكن الاستدلال على صدق مدعي النبوة مع هذا الشك فكيف يحصل الجزم بصدقه مع الجزم بأنه لم يفعله لغرض التصديق. و أما الثانية فلأنهالا تتم على مذهبهم لأنهم يسندون القبائح كلها إلى الله تعالى و يقولون كل من ادعى النبوة سواء كان محقا أم مبطلا فإن دعواه من فعل الله و أثره و جميع أنواع الشرك و المعاصي و الضلال في العالم من عند الله تعالى فكيف يصح مع هذا أن يعرف أن هذا الذي صدقه صادق في دعواه فجاز أن يكذب في دعواه و يكون هذا الإضلال من الله سبحانه كغيره من الأضاليل التي فعلها نهج الحق ص : 141فلينظر العاقل هل يجوز له أن يصير إلى مذهب لا يمكن إثبات نبوة الأنبياء به البتة و لا يمكن الجزم بشريعة من الشرائع و الله تعالى قد قطع أعذار المكلفين بإرال الرسل فقال لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. و أي حجة أعظم من هذه الحجة عليه تعالى و أي عذر أعظم من أن يقول العبد لربه إنك أضللت العالم و خلقت فيهم الشرور و القبائح و ظهر جماعة خلقت فيهم كذب و ادعاء النبوة و آخرون ادعوا النبوة و لم تجعل لنا طريقا إلى العلم بصدقهم و لا سبيل لنا إلى معرفة صحة

(1/86)


الشرائع التي أتوا بها فيلزم انقطاع حجة الله تعالى. نهج الحق ص : 142و هل يجوز لمسلم يخشى الله و عقابه أو يطلب الخلاص من العذاب المصير إلى هذا القول نعوذ بالله من الدخول في الشبهات
المبحث الثاني أن الأنبياء معصومون
ذهبت الإمامية كافة إلى أن الأنبياء معصومون عن الصغائر و الكبائر و منزهون عن المعاصي قبل النبوة و بعدها على سبيل العمد و النسيان و عن كل رذيلة و منقصة و ما يدل على الخسة و الضعة. و خالفت الأشاعرة في ذلك و جوزوا عليهم المعاصي و بعضهم جوزوا الكفر عليهم قبل النبوة و بعدها و جوزوا عليهم السهو و الغلط و نسبوا رسول الله ص إلى السهو في القرآن بما يوجب الكفر نهج الحق ص : 143فقالوا إنه صلى يوما و قرأ في سورة النجم عند قوله تعالى أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى تلك الغرانيق العل منها الشفاعة ترتجى و هذا اعتراف منه ص بأن تلك الأصنام نهج الحق ص : 144ترتجى الشفاعة منها نعوذ بالله من هذه المقالة التي نسب النبي ص إليها و هي توجب الشرك فما عذرهم عند رسول الله ص و قد نهج الحق ص : 145قتل جماعة كثيرة من أهله و أقاربه على عبادة الأصنام وم تأخذه في الله نهج الحق ص : 146لومة لائم و ينسب إليه هذا القول الموجب للكفر و الشرك و هو مقام إرشاد العالم و هل هذا إلا أبلغ أنواع الضلالة و كيف يجامع هذا قوله تعالى لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ و هل أبلغ من هذه الحجةو هي أن يقول العبد إنك أرسلت رسولا يدعو إلى الشرك و الكفر و تعظيم الأصنام و عبادتها و لا ريب أن القائلين بهذه المقالة صدق عليهم قوله تعالى وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ

(1/87)


و رووا عنه ص أنه صلى الظهر ركعتين فقال له ذو اليد أ قصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله فقال أ صدق ذو اليد فقال الناس نعم نهج الحق ص : 147فقام رسول الله ص فصلى اثنتين أخريين ثم سلم الحديث و رووا في الصحيحين أنه ص صلى بالناس صلاة العصر ركعتين و دخل حجرته ثم خرج لبعض حوائجه فذكره بعض فأتمها
و أي نسبة أنقص من هذا و أبلغ في الدناءة فإنها تدل على إعراض النبي عن عبادة ربه و إهمالها و الاشتغال عنها بغيرها و التكلم في الصلاة و عدم تدارك السهو من نفسه لو كان نعوذ بالله من هذا الآراء الفاسدة و نسبوا إلى النبي ص كثيرا من النقص
روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن عائشة قالت كنت ألعب بالبنات عند النبي ص و كانت لي صواحب يلعبن معي و كان رسول الله ص إذا دخل تقبعن منه فيشير إليهن فيلعبن معي
نهج الحق ص : 148و حديث الحميدي أيضا كنت ألعب بالبنات في بيته و هن اللعب. مع أنهم رووا في صحاح الأحاديث أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صور مجسمة أو تماثيل
و تواتر النقل عنه بإنكار عمل الصور و التماثيل فكيف يجوز لهم نسبة هذا إلى النبي ص و إلى زوجته من عمل الصور في بيته الذي أسس للعبادة و هو محل هبوط الملائكة و الروح الأمين في كل وقت. و لما رأى النبي ص الصور في الكعبة لم يدخلها حتى محيت مع أن الكعبة بيت الله تعالى فإذا امتنع من دخوله مع شرفه و علو نهج الحق ص : 149مرتبته فكيف يتخذ في بيته و هو أدون من الكعبة صورا و يجعله محلا له. و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين قالت عائشة رأيت النبي يسترني بردائه و أنا أنظر إلى الحبشة و هم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر
و روى الحميدي عن عائشة قالت دخل علي رسول الله ص و عندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش و حول وجهه و دخل أبو بكر فانتهرني و قال مزمارة الشيطان عند النبي ص فأقبل عليه رسول الله و قال دعها فلما غفل غمزتهما فخرجتا

(1/88)


و كيف يجوز للنبي ص الصبر على هذا مع أنه نص على تحريم اللعب و اللهو و القرآن مملوء به و بالخصوص مع زوجته و هلا نهج الحق ص : 150دخلته الحمية و الغيرة مع أنه ص أغير الناس و كيف أنكر أبو بكر و عمر و منعهما فهل كانا أفضل منه و قد رووا عنه ص أنه لما قدم المدينةمن سفر خرجت إليه نساء المدينة يلعبن بالدف فرحا بقدومه و هو يرقص بأكمامه نهج الحق ص : 151و هل يصدر مثل هذا عن رئيس أو من له أدنى وقار نعوذ بالله من هذه السقطات. نهج الحق ص : 152مع أنه لو نسب أحدهم إلى مثل هذا قابله بالسب و الشتم و تبرأ منه فكيف يجوز نسبة نبي ص إلى مثل هذه الأشياء التي يتبرأ منها.
و في الصحيحين أن ملك الموت لما جاء لقبض روح موسى لطمه موسى ففقأ عينه
فكيف يجوز لعاقل أن ينسب موسى ع مع عظمته و شرف منزلته و طلب قربه من الله تعالى و الفوز بمجاورة عالم القدس إلى هذه الكراهة و كيف يجوز منه أن يوقع بملك الموت ذلك و هو مأمور من قبل الله تعالى.
و في الجمع بين الصحيحين أن رسول الله ص قال في صفة الخلق يوم القيامة و إنهم يأتون آدم و يسألونه الشفاعة فيعتذر إليهم فيأتون نوحا فيعتذر إليهم فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت نبي الله و خليله اشفع لنا إلى ربك أ ما ترى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي نهج لحق ص : 153قد غضب غضبا لم يغضب قبله مثله و لم يغضب بعده مثله و إني قد كذبت ثلاث كذبات نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري
و في الجمع بين الصحيحين أن رسول الله ص قال لم يكذب إبراهيم النبي إلا ثلاث كذبات
كيف يحل لهؤلاء نسبة الكذب إلى الأنبياء و كيف الوثوق بشريعتهم مع الاعتراف بتعمد كذبهم.

(1/89)


و في الجمع بين الصحيحين أن النبي ص قال نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي و يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد و لو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي
كيف يجوز لهؤلاء الاجتراء على النبي بالشك في العقيدة.
و في الصحيحين قال بينما الحبشة يلعبون عند النبي ص بحرابهم دخل عمر فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها فقال له رسول الله ص دعهم يا عمر
و روى الغزالي في إحياء علوم الدين أن النبي ص كان جالسا و عنده جوار يغنين و يلعبن فجاء عمر فاستأذن فقال النبي للجواري نهج الحق ص : 154اسكتن فسكتن فدخل عمر و قضى حاجته ثم خرج فقال لهن عدن فعدن إلى الغناء فقلن يا رسول الله من هذا الذي كلما دخل قلت اسكتن و كما خرج قلت عدن إلى الغناء قال هذا رجل لا يؤثر سماع الباطل
كيف يحل لهؤلاء القوم رواية مثل ذلك عن النبي ص أ يرى عمر أشرف من النبي ص حيث لا يؤثر سماع الباطل و النبي يؤثره.
و في الجمع بين الصحيحين عن أبي هريرة قال أقيمت الصلاة و عدلت الصفوف قياما قبل أن يخرج إلينا رسول الله ص فخرج إلينا رسول الله ص فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب فقال لنا مكانكم فلبثنا على هيئتنا قياما فاغتسل ثم خرج إلينا و رأسه يقطر فكبر و صلينا

(1/90)


فلينظر العاقل هل يحسن منه وصف أدنى الناس بأنه يحضر الصلاة و يقوم في الصف و هو جنب و هل هذا إلا من التقصير في عبادة ربه و عدم المسارعة إليها و قد قال تعالى وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ فأي مكلف أجدر بقبول هذا الأمر من النبي ص. نهج الحق ص : 155 و في الجمع بين الصحيحين عن أبي هريرة قال صلى النبي ص إحدى صلاتي العشي قال و أكثر ظني العصر ركعتين ثم سلم ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها و فيهم أبو بكر و عمر فهاباه أن يكلماه و خرج سرعان الناس فقالوا أ قصرت الصلاة و رجل يدعوه النبي ص ذا اليدين فقال لم أنس و لم أقصر قال بل قد نسيت فصلى ركعتين ثم سلم
فلينظر العاقل هل يجوز نسبة هذا الفعل إلى رسول الله ص و كيف يجوز منه أن يقول ما نسيت فإن هذا سهو في سهو و من يعلم أن أبا بكر و عمر حفظا ما نسي رسول الله ص مع أنهما لم يذكرا ذلك للنبي ص.
و في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أنه كان يحدث عن رسول الله ص أنه دعا زيد بن عمرو بن نفيل و ذلك قبل أن ينزل الوحي على رسول الله ص فقدم إليه رسول الله ص سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها ثم قال إني لا آكل ما تذبحون على أنصابكم و لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه
فلينظر العاقل هل يجوز له أن ينسب نبيه إلى عبادة الأصنام و الذبح نهج الحق ص : 156على الأنصاب و يأكل منه و أن زيد بن عمرو بن نفيل كان أعرف بالله منه و أتم حفظا و رعاية لجانب الله تعالى نعوذ بالله من هذه الاعتقادات الفاسدة. و في الصحيحين عن حذيفة بن اليمان قال كنت مع النبي ص فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائما فتنحيت فقال ادنه فدنوت حتى قمت عند عقبيه فتوضأ فمسح على خفيه

(1/91)


فكيف يجوز أن ينسب إلى رسول الله ص البول قائما مع أن أرذل الناس لو نسب هذا إليه تبرأ منه. ثم المسح على الخفين و الله تعالى يقول وَ أَرْجُلَكُمْ فانظروا إلى هؤلاء القوم كيف يجوزون الخطأ و الغلط على الأنبياء و أن النبي نهج الحق ص : 157يجوز أن يسرق درهما و يكب في أخس الأشياء و أحقرها. و قد لزمهم من ذلك محالات منها جواز الطعن على الشرائع و عدم الوثوق بها فإن المبلغ إذا جوزوا عليه الكذب و سائر المعاصي جاز أن يكذب عمدا أو نسيانا أو يترك شيئا مما أوحى إليه أو يأمر من عنده فكيف يبقى اعتماد على أقواله. و منها أنه إذا فعل المعصية فإما أن يجب علينا اتباعه فيها فيكون قد وجب علينا فعل ما وجب تركه و اجتمع الضدان و إن لم يجب انتفت فائدة البعثة. و منها أنه لو جاز أن يعصى لوجب إيذاؤه و التبري منه لأنه من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لكن الله تعالى قد نص على تحريم إيذاء النبي ص فقال إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ. و منها سقوط محله و رتبته عند العوام فلا ينقادون إلى طاعته فتنتفي فائدة البعثة. و منها أنه يلزم أن يكونوا أدون حالا من آحاد الأمة لأن درجات الأنبياء في غاية الشرف و كل من كان كذلك كان صدور الذنب عنه أفحش كما قال تعالى يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ و المحصن يرجم و غيره يحد و حد العبد نصف حد الحر. نهج الحق ص : 158و الأصل فيه أن عمهم بالله تعالى أكثر و أتم و هم مهبط وحيه و منازل ملائكته. و من المعلوم أن كمال العلم يستلزم كثرة معرفته و الخضوع و الخشوع فينا في صدور الذنب لكن الإجماع دل على أن النبي ص لا يجوز أن يكون أقل حالا من آحاد الأمة. و منها أنه يلزم أن يكون مردود الشهادة لقوله تعالى إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا فكيف تقبل

(1/92)


شهادته في الوحي و يلزم أن يكون أدنى حالا من عدول الأمة و هو باطل بالإجماع. و منها أنه لو صدر عنه الذنب لوجب الاقتداء به لقوله تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَاتَّبِعُونِي و التالي باطل بالإجماع و إلا اجتمع الوجوب و الحرمة
المبحث الثالث في أنه يجب أن يكون منزها عن دناءة الآباء
و عهر الأمهات
نهج الحق ص : 159ذهبت الإمامية إلى أن النبي ص يجب أن يكون منزها عن دناءة الآباء و عهر الأمهات بريئا من الرذائل و الأفعال الدالة على الخسة نهج الحق ص : 160كالاستهزاء به و السخرية و الضحك عليه لأن ذلك يسقط محله من القلوب و ينفر الناس عن الانقياد إليه فإنه المعلوم بالضرورة الذي لا يقبل الشك و الارتياب. نهج الحق ص : 161و خالفت السنة فيه أما الأشاعرة فباعتبار نفي الحسن و القبح فلزمهم أن يذهبوا إلى جواز بعثة ولد الزناء المعلوم لكل أحد. و أن يكون أبوه فاعلا لجميع أنواع الفواحش و أبلغ أصناف الشرك و هو ممن يسخر ه و يضحك عليه و يصفع في الأسواق و يستهزأ به و يكون قد ليط به دائما لأبنة فيه قوادا و تكون أمه في غاية الزناء و القيادة و الافتضاح بذلك لا ترد يد لامس. نهج الحق ص : 162و يكون هو في غاية الدناءة و السفالة ممن قد ليط به طول عمره حال النبوة و قبلها و يصفع في لأسواق و يعتمد المناكير و يكون قوادا بصاصا. فهؤلاء يلزمهم القول بذلك حيث نفوا التحسين و التقبيح العقليين و أن ذلك ممكن فيجوز من الله وقوعه و ليس هذا بأبلغ من تعذيب الله من لا يستحق العذاب بل يستحق الثواب طول الأبد. و أما المعتزلة فلأنهم جوزوا صدور الذنب عنهم لزمهم القول بجواز ذلك أيضا و اتفقوا على وقوع الكبائر منهم كما في قصة إخوة يوسف. فلينظر العاقل بعين الإنصاف هل يجوز المصير إلى هذه الأقاويل الفاسدة و الآراء الردية و هل يبقى مكلف ينقاد إلى قبول قول من كان

(1/93)


يفعل به الفاحشة طول عمره إلى وقت نبوته و أنه يصفع و يستهزأ به حال النبوة و هل يثبت بقول هذا حجة على الخلق. و اعلم أن البحث مع الأشاعرة في هذا الباب ساقط و أنهم إن بحثوا في ذلك استعملوا الفضول لأنهم يجوزون تعذيب المكلف على أنه لم يفعل ما أمره الله تعالى به من غير أن يعلم ما أمره به و لا أرسل إليه رسولا البتة بل و على امتثال أمره به. و أن جميع القبائح من عنده تعالى و أن كل ما وقع في الوجود فإنه فعله تعالى و هو حسن لأن الحسن هو الواقع و القبيح هو الذي لم يقع. فهذه الصفات الخسيسة في النبي و أبويه تكون حسنة لوقوعها من الله تعالى فأي مانع حينئذ من البعثة باعتبارها فكيف يمكن للأشاعرة منع كفر النبي و هو من الله و كل ما يفعله تعالى فهو حسن و كذا أنواع المعاصي و كيف يمكنهم مع هذا المذهب التنزيه للأنبياء. نهج الحق ص : 163نعوذ بالله من مذهب يؤدي إلى تحسين الكفر و تقبيح الإيمان و جواز بعثة من اجتمع فيه كل الرذائل و القطات. و قد عرفت من هذا أن الأشاعرة في هذا الباب قد أنكروا الضروريات
المسألة الخامسة في الإمامة
و فيها مباحث المبحث الأول في أن الإمام يجب أن يكون معصوما

(1/94)


ذهبت الإمامية إلى أن الأئمة كالأنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح و الفواحش من الصغر إلى الموت عمدا و سهوا لأنهم حفظة الشرع و القوامون به حالهم في ذلك كحال النبي و لأن الحاجة إلى الإمام إنما هي للانتصاف من المظلوم عن الظالم و رفع الفساد و حسم مادة الفتن و أن الإمام لطف يمنع القاهر من التعدي و يحمل الناس على فعل الطاعات و اجتناب المحرمات و يقيم الحدود و الفرائض و يؤاخذ الفساق و يعزر من يستحق التعزير فلو جازت عليه المعصية و صدرت عنه انتفت هذه الفوائد و افتقر إلى إمام آخر و تسلسل. و خالفت السنة في ذلك و ذهبوا إلى جواز إمامة الفساق و العصاة و السراق كما قال الزمخشري و هو أفضل علمائهم لا كالدوانيقي المتلصص يشير به إلى المنصور. نهج الحق ص : 165فأي عاقل يرضى لنفسه الانقياد الديني و التقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامر من كان يفسق طول وقته و هو غائص في القيادة و نواع الفواحش و يعرض عن المطيعين المبالغين في الزهد و العبادة و قد أنكر الله تعالى ذلك بقوله أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ. نهج الحق ص : 166فالأشاعرة لا يتمشى هذا على قواعدهم حيث جوزوا صدور القبائح عنه تعالى و من جملتها الكذب فجاز الكذب في هذا القول تعالى عن ذلك علوا كبيرا. نهج الحق ص : 167و أما الباقون فإنهم جوزوا تقديم المفل على الفاضل و لا يتمشى هذا الإنكار على قوله أيضا فقد ظهر أن الفريقين خالفوا الكتاب العزيز
نهج الحق ص :
168المبحث الثاني في أن الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته

(1/95)


اتفقت الإمامية على ذلك و خالف فيه الجمهور فجوزوا تقديم المفضول على الفاضل. و خالفوا مقتضى العقل و نص الكتاب فإن العقل يقبح تقديم المفضول و إهانة الفاضل و رفع مرتبة المفضول و خفض مرتبة الفاضل و القرآن نص على إنكار ذلك فقال تعالى أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. و قال تعالى هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ. و كيف ينقاد الأعلم الأزهد الأشرف حسبا و نسبا للأدون في ذلك كله
المبحث الثالث في طريق تعيين الإمام

(1/96)


ذهبت الإمامية كافة إلى أن الطريق إلى تعيين الإمام أمران النص من الله تعالى أو نبيه أو إمام ثبتت إمامته بالنص عليه أو ظهور المعجزات على يده لأن شرط الإمامة العصمة و هي من الأمور الخفية الباطنة التي لا يعلمها إلا الله تعالى. نهج الحق ص : 169و خالفت السنة فيذلك و أوجبوا إطاعة أبي بكر على جميع الخلق في شرق الأرض و غربها باعتبار مبايعة عمر بن الخطاب له برضاء نهج الحق ص : 170أربعة أبي عبيدة و سالم مولى حذيفة و بشير بن سعد و أسيد بن حضير لا غير. فكيف يحل لمن يؤمن بالله و اليوم الآخر إيجاب اتباع من لم ينص الله تعلى عليه و لا رسوله و لا اجتمعت الأمة عليه على جميع الخلق لأجل مبايعة أربعة أنفار. بل قد ذهب الجويني و كان من أكثرهم علما و أشدهم عنادا لأهل البيت ع إلى أن البيعة تنعقد لشخص واحد من بني هاشم إذا بايعه رجل واحد لا غير. فهل يرضى العاقل لنفسه الانقياد إلى هذا المذهب و أن يوجب على نفسه الانقياد و بذل الطاعة لمن لا يعرف عدالته أيضا و لا يدري حاله من الإيمان و عدمه و لا عاشره ليعرف جيده من رديه و حقه من باطله لأجل أن شخصا لا يعرف عدالته بايعه و هل هذا إلا محض الجهل و الحمق و الضلال عن سبيل الرشاد نعوذ بالله من اتباع الهوى و غلبة حب الدنيا. و من أغرب الأشياء و أعجبها بحث الأشاعرة عن الإمامة و فروعها و عن الفقه و تفاصيله مع تجويز أن يكون جميع الخلائق على الخطإ و الزلل و أن يكون الله تعالى قد قصد إضلال العبيد بهذه الشرائع و الأديان فإنهم غير جازمين بصدقها و لا ظانين فإنه مع غلبة الضلال و الكفر و أنواع العصيان الصادرة منه تعالى كيف يظن العاقل أو يشك في صحة الشرائع بل يظن بطلانها عندهم حملا على الغالب إذ الصلاح في العالم أقل القليل. ثم مع تجويزهم أن يحرم الله علينا التنفس في الهواء مع الضرورة و الحاجة إليه و عدم الغناء عنه من كل وجه و يحرم علينا شرب الماء السائغ مع شدة العطش و

(1/97)


الانتفاع بذلك الماء و عدم التضرر به و انتفاء نهج الحق ص : 171المفاسد كلها كيف يحصل الجزم بأنه يفعل اللطف بالعبد و المصلحة في إيجاب اتباع هذا الإمام المبحث الرابع في تعيين الإمام
ذهبت الإمامية كافة إلى أن الإمام بعد رسول الله ص هو علي بن أبي طالب ع. و قالت السنة إنه أبو بكر بن أبي قحافة ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب. و خالفوا المعقول و المنقول.
أما المعقول
فهي الأدلة الدالة على إمامة أمير المؤمنين ع من حيث العقل و هي من وجوه
الأول الإمام يجب أن يكون معصوما و غير علي لم يكن معصوما بالإجماع فتعين أن يكون هو الإمام.
الثاني شرط الإمام أن لا يسبق منه معصية على ما تقدم و المشايخ قبل الإسلام كانوا يعبدون الأصنام فلا يكونوا أئمة فتعين علي ع لعدم الفارق.
الثالث الإمام يجب أن يكون منصوصا عليه و غير علي من الثلاثة ليس منصوصا عليه فلا يكون إماما.
الرابع الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته و غير علي لم يكن كذلك فتعين ع.
الخامس الإمامة رئاسة عامة و إنما تستحق بالزهد و العلم نهج الحق ص : 172و العبادة و الشجاعة و الإيمان و سيأتي أن عليا هو الجامع لهذه الصفات على الوجه الأكمل الذي لم يلحقه غيره فيكون إماما.
و أما المنقول
فالقرآن و السنة المتواترة.
أما القرآن فآيات
آية الولاية
الأولى إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ أجمعوا على نزولها في علي ع و هو مذكور في الصحاح الستة لما تصدق بخاتمه على المسكين في الصلاة بمحضر من الصحابة و الولي هو المتصرف و قد أثبت الله تعالى الولاية لذاته و شرك معه الرسول و أمير المؤمنين و ولاية الله عامة فكذا النبي و الولي.
نزول آية التبليغ في علي ع

(1/98)


الثانية قوله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ نهج الحق ص : 173 نقل الجمهور أنها نزلت في بيان فضل علي ع يوم الغدير فأخذ رسول الله ص بيد علي ع و قال أيها الناس أ لست أولى منكم بأنفسكم قالوا بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله و أدر الحق معه كيف ما دار
المولى يراد به الأولى بالتصرف لتقدم أ لست و لعدم صلاحية غيره هاهنا.
آية التطهير
الثالث قوله تعالى إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. أجمع المفسرون و روى الجمهور كأحمد بن حنبل و غيره نهج الحق ص : 174أنها نزلت في رسول الله و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و روى أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني عن أبي الحمراء قال خدمت النبي ص تسعة أشهر أو عشرة و كان عند كل فجر لا يخرج من بيته حتى يأخذ بعضادتي باب علي فيقول السلام عليكم و رحمة الله نهج الحق ص : 175و بركاته فيقول علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليك السلام ا نبي الله و رحمة الله و بركاته ثم يقول الصلاة رحمكم الله إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ثم انصرف إلى مصلاه
و الكذب من الرجس و لا خلاف في أن أمير المؤمنين ع ادعى الخلافة لنفسه فيكون صادقا.
آية المودة
الرابعة قوله تعالى قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
روى الجمهور في الصحيحين و أحمد بن حنبل في مسنده و الثعلبي في تفسيره عن ابن عباس قال لما نزل قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قالوا يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم قال علي و فاطمة و الحسن و الحسين
و وجوب المودة يستلزم وجوب الطاعة.

(1/99)


نهج الحق ص : 176
آية من اشترى نفسه
الخامسة قوله تعالى وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
قال الثعلبي و رواه ابن عباس أنها نزلت في علي ع لما هرب النبي ص من المشركين إلى الغار خلفه لقضاء دينه و رد ودايعه فبات على فراشه و أحاط المشركون بالدار فأوحى الله إلى جبرئيل و ميكائيل أني قد آخيت بينكما و جعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كل منهما الحياة فأوحى الله إليهما أ لا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه و بين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه و يؤثره بالحياة اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه و ميكائيل عند رجليه فقال جبرئيل بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة
نهج الحق ص : 177آية المباهلة السادسة أجمع المفسرون على أن أَبْناءَنا إشارة إلى الحسن و الحسين وَ أَنْفُسَنا إشارة إلى علي ع فجعله الله نفس محمد نهج الحق ص : 178ص و المراد المساواة و مساوي الأكمل الأولى بالتصرف أكمل و أولى بالتصرف و هذه الآية أدل دليل على علو رتبة مولانا أمير المؤمنيننهج الحق ص : 179ع لأنه تعالى حكم بالمساواة لنفس رسول الله ص و أنه تعالى عينه في استعانة النبي ص في الدعاء و أي فضيلة أعظم من أن يأمر الله نبيه بأن يستعين به على الدعاء إليه و التوسل به و لمن حصلت هذه المرتبة. آية فتلقى آدم
السابعة قوله تعالى فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ
روى الجمهور عن ابن عباس قال سئل رسول الله ص عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه قال سأله بحق محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين إلا تبت علي فتاب عليه
آية إني جاعلك
الثامنة قال تعالى إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي

(1/100)


روى الجمهور عن ابن عباس قال قال رسول الله ص نهج الحق ص : 180انتهت الدعوة إلي و إلى علي لم يسجد أحدنا قط لصنم فاتخذني نبيا و اتخذ عليا وصيا آية الود
التاسعة قوله تعالى
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا
روى الجمهور عن ابن عباس قال نزلت في أمير المؤمنين ع قال الود المحبة في قلوب المؤمنين
آية الهادي
العاشرة قوله تعالى إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ
روى الجمهور عن ابن عباس قال قال رسول الله ص أنا نهج الحق ص : 181المنذر و علي الهادي و بك يا علي يهتدي المهتدون آية السؤال
الحادية عشرة قوله تعالى وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ
روى الجمهور عن ابن عباس و عن أبي سعيد الخدري عن النبي ص قال عن ولاية علي بن أبي طالب
آية لحن القول
الثانية عشرة قوله تعالى وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
روى الجمهور عن أبي سعيد الخدري قال ببغضهم عليا ع
آية المسابقة
الثالثة عشرة قوله تعالى وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
روى الجمهور عن ابن عباس قال سابق هذه الأمة علي بن أبي طالب
نهج الحق ص : 182
آية سقاية الحاج
الرابعة عشرة قوله تعالى أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إلى قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
روى الجمهور في الجمع بين الصحاح الستة أنها نزلت في علي بن أبي طالب ع لما افتخر طلحة بن شيبة و العباس فقال طلحة أنا أولى بالبيت لأن المفتاح بيدي و قال العباس أنا أولى أنا صاحب السقاية و القائم عليها فقال علي ع أنا أول الناس إيمانا و أكثرهم جهادا فأنزل الله هذه الآية لبيان أفضليته ع
آية المناجاة

(1/101)


الخامسة عشرة آية المناجاة لم يفعلها غير علي ع. قال ابن عمر كان لعلي ثلاثة لو كان لي واحدة منها كانت نهج الحق ص : 183أحب إلي من حمر النعم تزويجه بفاطمة و إعطاء الراية يوم خيبر و آية النجوى. آية على ما ذا بعث الأنبياء
السادسة عشرة روى ابن عبد البر و غيره من السنة في قوله تعالى وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا قال إن النبي ص ليلة أسري به جمع الله بينه و بين الأنبياء ثم قال له سلهم يا محمد على ما ذا بعثتم قالوا بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله و على الإقرار بنبوتك و الولاية لعلي بن أبي طالب
آية الأذن الواعية
السابعة عشرة قوله تعالى وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ روى الجمهور أنها نزلت في علي ع.
نهج الحق ص : 184سورة هل أتى الثامنة عشرة سورة هل أتى
روى الجمهور أن الحسن و الحسين مرضا فعادهما رسول الله ص و عامة العرب فنذر علي صوم ثلاثة أيام و كذا أمهما فاطمة ع و خادمتهم فضة لئن برءا فبرءا و ليس عند آل محمد ص قليل و لا كثير فاستقرض أمير المؤمنين ع ثلاثة أصوع من شعير و طحنت فاطمة منها صاعا فخبزته أقراصا لكل واحد قرص و صلى علي المغرب ثم أتى المنزل فوضع بين يديه للإفطار فأتاهم مسكين و سألهم فأعطاه كل منهم قوته و مكثوا يومهم و ليلهم لم يذوقوا شيئا ثم صاموا اليوم الثاني فخبزت فاطمة صاعا آخر فلما قدمته بين أيديهم للإفطار أتاهم يتيم و سألهم القوت فتصدق كل منهم بقوته فلما كان اليوم الثالث من صومهم و قدم الطعام للإفطار أتاهم أسير و سألهم القوت فأعطاه كل منهم قوته و لم يذوقوا في الأيام الثلاثة سوى الماء فرآهم النبي ص في اليوم الرابع و هم يرتعشون من الجوع و فاطمة ع قد التصق بطنها بظهرها من شدة الجوع و غارت عينها فقال ص وا غوثاه يا الله أهل محمد يموتون جوعا فهبط جبرائيل فقال خذ ما هنأك الله تعالى به في أهل بيتك فقال و ما آخذ يا جبرائيل فأقرأه هل أتى

(1/102)


نهج الحق ص : 185آية الصدق التاسعة عشرة قوله تعالى وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ
روى الجمهور عن مجاهد قال هو علي بن أبي طالب ع
آية النصر
العشرون قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ
عن أبي هريرة قال مكتوب على العرش لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد عبدي و رسولي و أيدته بعلي بن أبي طالب
آية من اتبعك
الحادية و العشرون قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ. روى الجمهور أنها نزلت في علي ع.
نهج الحق ص : 186آية المحبة الثانية و العشرون قوله تعالى فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ. قال الثعلبي نزلت في علي بن أبي طالب ع.
آية الصديقون
الثالثة و العشرون وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ روى أحمد بن حنبل أنها نزلت في علي ع.
نهج الحق ص :
187آية الذين ينفقون الرابعة و العشرون قوله تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً روى الجمهور أنها نزلت في علي ع كانت معه أربعة دراهم أنفق في الليل درهما و بالنهار درهما و في السر درهما و في العلانية درهما.
آية الصلاة على النبي ص
الخامسة و العشرون قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً
في صحيح مسلم قلت يا رسول الله أما السلام عليك فقد نهج الحق ص : 188عرفناه و أما الصلاة عليك فكيف هي فقال قولوا اللهم صل على محمد و آل محمد كما صليت على إبراهيم و آل إبراهيم آية مرج البحرين
السادسة و العشرون قوله تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ

(1/103)


روى الجمهور قال ابن عباس علي و فاطمة بينهما برزخ لا يبغيان النبي ص يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان الحسن و الحسين و لم يحصل لغيره من الصحابة هذه الفضيلة
آية علم الكتاب
السابعة و العشرون قوله تعالى وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ. نهج الحق ص : 189روى الجمهور هو علي ع. آية يوم لا يخري
الثامنة و العشرون قوله تعالى يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
قال ابن عباس علي و أصحابه
آية خير البرية
التاسعة و العشرون قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ
روى الجمهور عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية قال نهج الحق ص : 190رسول الله ص هم أنت يا علي و شيعتك تأتي أنت و شيعتك راضين مرضيين و يأتي أعداؤك غضابا مقمحين آية هو الذي خلق
الثلاثون قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً قال ابن سيرين نزلت في النبي و علي زوج فاطمة عليا.
آية الصادقين و الراكعين
الحادية و الثلاثون قوله تعالى وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ روى الجمهور أنها نزلت في علي و كذا قوله تعالى وَ ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أنها نزلت في رسول الله و علي.
نهج الحق ص : 191آية إخوانا على سرر الثانية و الثلاثون قوله تعالى إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في مسند أحمد بن حنبل أنها نزلت في علي.
آية الميثاق
الثالثة و الثلاثون قوله تعالى وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ

(1/104)


روى الجمهور قال رسول الله ص لو يعلم الناس متى سمي علي أمير المؤمنين ما أنكروا فضله سمي أمير المؤمنين و آدم بين الروح و الجسد قال الله عز و جل وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالت الملائكة بلى فقال تعالى أنا ربكم و محمد نبيكم و علي أميركم
آية صالح المؤمنين
الرابعة و الثلاثون قوله تعالى وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ نهج الحق ص : 192أجمع المفسرون و روى الجمهور أنه علي ع. آية الإكمال
الخامسة و الثلاثون قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي الآية.
روى الجمهور عن أبي سعيد الخدري أن النبي ص دعا الناس إلى علي ع في يوم غدير خم و أمر بما تحت الشجرة من الشوك فقم فدعا عليا فأخذ بضبعيه فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله ص و علي ع ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فقال رسول الله ص الله أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضى الرب برسالتي و الولاية لعلي بن أبي طالب من بعدي ثم قال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله
آية النجم
السادسة و الثلاثون قوله تعالى وَ النَّجْمِ إِذا هَوى. نهج الحق ص : 193 روى الجمهور عن ابن عباس قال كنت جالسا مع فئة من بني هاشم عند النبي ص إذ انقض كوكب فقال رسول الله ص من انقض هذا النجم في منزله فهو الوصي من بعدي فقام فئة من بني هاشم فنظروا فإذا الكوكب قد انقض في منزل علي بن أبي طالب فقالوا يا رسول الله لقد غويت في حب علي فأنزل الله وَ النَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى
سورة العاديات

(1/105)


السابعة و الثلاثون أقسم الله تعالى بخيل جهاده في غزوة السلسلة لما جاء جماعة من العرب و اجتمعوا على وادي الرملة ليبيتوا النبي ص بالمدينة فقال النبي ص لأصحابه من لهؤلاء فقام جماعة من أهل الصفة فقالوا نحن فول علينا من شئت فأقرع بينهم فخرجت القرعة على ثمانين رجلا منهم و من غيرهم فأمر أبا بكر بأخذ اللواء و المضي إلى بني سليم و هم ببطن الوادي فهزموهم و قتلوا جمعا من المسلمين و انهزم أبو بكر و عقد لعمر و بعثه فهزموه فساء النبي ص فقال عمرو بن العاص ابعثني يا رسول الله فأنفذه فهزموه و قتلوا جماعة من أصحابه و بقي النبي ص أياما يدعو عليهم ثم طلب أمير المؤمنين ع و بعثه إليهم و دعا له و شيعه إلى مسجد الأحزاب و أنفذ معه جماعة نهج الحق ص : 194منهم أبو بكر و عمر و عمرو بن العاص فسار الليل و كمن النهار حتى استقبل الوادي من فمه فلم يشك عمرو بن العاص أنه يأخذهم فقال لأبي بكر ذه أرض سباع و ذئاب و هي أشد علينا من بني سليم و المصلحة أن نعلو الوادي و أراد إفساد الحال و قال قل ذلك لأمير المؤمنين فقال له أبو بكر فلم يلتفت إليه ثم قال لعمر فلم يجبه أمير المؤمنين ع و كبس على القوم الفجر فأخذهم فأنزل الله تعالى وَ الْعادِياتِ ضَبْحاً السورة و استقبله النبي ص فنزل أمير المؤمنين و قال له النبي ص لو لا أن أشفق أن يقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في المسيح لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بملإ منهم إلا أخذوا التراب من تحت قدميك اركب فإن الله و رسوله عنك راضيان
آية أ فمن كان مؤمنا
الثامنة و الثلاثون قوله تعالى أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ المؤمن علي ع و الفاسق الوليد نقله الجمهور.

(1/106)


نهج الحق ص : 195آية الشاهد التاسعة و الثلاثون قوله تعالى أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ روى الجمهور أن من كان على بينة من ربه رسول الله ص و الشاهد علي ع.
آية الاستواء على السوق
الأربعون قوله تعالى فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ قال الحسن البصري استوى الإسلام بسيف علي.
آية بماء واحد
الحادية و الأربعون قوله تعالى يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ
قال جابر الأنصاري سمعت رسول الله ص يقول الناس من نهج الحق ص : 196شجر شتى و أنا و أنت يا علي من شجرة واحدة آية من المؤمنين رجال
الثانية و الأربعون قوله تعالى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ نزلت في علي ع.
آية ثم أورثنا الكتاب
الثالثة و الأربعون قوله تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا و هو علي ع.
آية الإتباع
الرابعة و الأربعون قوله تعالى أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي هو علي ع.
نهج الحق ص : 197آية من العالم الخامسة و الأربعون قوله تعالى أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ هو علي ع
آية أحسب الناس
السادسة و الأربعون قوله تعالى الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ قال علي يا رسول الله ما هذه الفتنة قال يا علي بك و أنت مخاصم فاعتد للخصومة
آية مشاقة النبي ص
السابعة و الأربعون قوله تعالى وَ شَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى نهج الحق ص : 198قال ص في أمر علي ع آية صاحب الفضيلة
الثامنة و الأربعون قوله تعالى وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ هو علي ع.
آية ذم من كذب النبي في علي
التاسعة و الأربعون قوله تعالى فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ كَذَّبَ بِالصِّدْقِ هو من رد قول رسول الله ص في علي ع.
آية التوكل عليه تعالى

(1/107)


الخمسون قوله تعالى وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ
قال أبو رافع وجه النبي ص عليا في طلب أبي سفيان فلقيهم أعرابي من خزاعة فقال إن القوم قد جمعوا لكم فاخشوهم نهج الحق ص : 199فزادهم إيمانا فقالوا حسبنا الله و نعم الوكيل آية كفايته تعالى
الحادية و الخمسون قوله تعالى وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ في قراءة ابن مسعود بعلي بن أبي طالب. آية لسان الصدق
الثانية و الخمسون قوله تعالى وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ هو علي ع عرضت ولايته على إبراهيم ع فقال اللهم اجعله من ذريتي ففعل الله ذلك.
سورة العصر
الثالثة و الخمسون قوله تعالى وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ يعني أبا جهل إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا علي و سلمان.
آية التواصي بالصبر
الرابعة و الخمسون قوله تعالى وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ نهج الحق ص : 200قال ابن عباس هو علي ع. آية السابقون
الخامسة و الخمسون قوله تعالى وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ علي و سلمان.
آية البشارة
السادسة و الخمسون قوله تعالى وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ إلى قوله تعالى وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ علي منهم.
آية من سبق لهم الحسنى
السابعة و الخمسون قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى علي منهم.
آية من جاء بالحسنة
الثامنة و الخمسون قوله تعالى مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ نهج الحق ص : 201 قال علي ع الحسنة حبنا أهل البيت و السيئة بغضنا من جاء بها أكبه الله على وجهه في النار
آية التأذين
التاسعة و الخمسون قال تعالى فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ هو علي ع.
آية الدعوة للولاية
الستون قال تعالى إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ دعاكم لولاية علي بن أبي طالب.
آية في مقعد صدق
الحادية و الستون قوله تعالى فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ علي ع.

(1/108)


نهج الحق ص : 202آية كون علي شبيها بعيسى الثانية و الستون قوله تعالى وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قال رسول الله ص لعلي عليه آلاف التحية و الثناء إن فيك مثلا من عيسى أحبه قوم فهلكوا فيه و أبغضه قوم فهلكوا فيه فقال المنافقون أ ما يرى له مثلا إلا عيسى فنزلت هذه الآية
آية الأمة الهادية
الثالثة و الستون قوله تعالى وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ قال علي ع هم أنا و شيعتي
آية تراهم ركعا
الرابعة و الستون تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً نزلت في علي ع.
نهج الحق ص : 203آية إيذاء المؤمنين الخامسة و الستون وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا نزلت في علي ع لأن نفرا من المنافقين كانوا يؤذونه و يكذبون عليه.
آية أولو الأرحام
السادسة و الستون وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ. هو علي لأنه كان مؤمنا مهاجرا ذا رحم.
آية البشارة
السابعة و الستون وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ نزلت في ولاية علي ع.
آية الإطاعة
الثامنة و الستون أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ نهج الحق ص : 204كان علي منهم. آية الأذان في يوم الحج الأكبر
التاسعة و الستون وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ
في مسند أحمد هو علي حين أذن بالآيات من سورة البراءة حين أنفذها النبي ص مع أبي بكر و أتبعه بعلي ع فرده و مضى علي و قال النبي ص قد أمرت أن لا يبلغها إلا أنا أو واحد مني
آية حسن المآب
السبعون طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ قال ابن سيرين هي شجرة في الجنة أصلها في حجرة علي و ليس في الجنة حجرة إلا و فيها غصن من أغصانها.

(1/109)


نهج الحق ص : 205آية الانتقام الحادية و السبعون فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ قال ابن عباس بعلي ع.
آية الأمر بالعدل
الثانية و السبعون هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عن ابن عباس أنه علي ع.
آية سلام على آل ياسين
الثالثة و السبعون سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ عن ابن عباس آل محمد ص. نهج الحق ص : 206آية من أوتي كتابه الرابعة و السبعون وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ هو علي ع. فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ قال ابن عباس هو علي ع.
آية الأخوة
الخامسة و السبعون وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
عن أبي هريرة قال قال علي بن أبي طالب يا رسول الله أيما أحب إليك أنا أم فاطمة قال فاطمة أحب إلي منك و أنت أعز علي منها و كأني بك و أنت يا علي على حوضي تذود عنه الناس و إن عليه أباريق من عدد نجوم السماء و أنت و الحسن و الحسين و فاطمة و عقيل و جعفر في الجنة إخوانا على سرر متقابلين و أنت معي و شيعتك في الجنة ثم قرأ رسول الله ص إِخْواناً عَلى سُرُرٍ نهج الحق ص : 207مُتَقابِلِينَ لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه آية ليغظ بهم الكفار
السادسة و السبعون يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ هو علي ع.
آية أم يحسدون
السابعة و السبعون أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال الباقر ع نحن الناس
آية النور
الثامنة و السبعون كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ

(1/110)


عن الحسن البصري قال المشكاة فاطمة و المصباح الحسن و الحسين و الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ قال كانت فاطمة كوكبا دريا بين نساء العالمين يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ قال الشجرة المباركة إبراهيم لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ لا يهودية و لا نصرانية يَكادُ زَيْتُها يُضِي ءُ قال يكاد العلم ينطف منها وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ نهج الحق ص : 208قال فيها إمام بعد إمام يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ قال يهدي الله لولائهم من يشاءآية و لا تقتلوا
التاسعة و السبعون وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً قال ابن عباس لا تقتلوا أهل بيت نبيكم ص.
آية وعد الله للمؤمنين

(1/111)


الثمانون وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً عن ابن عباس قال سأل قوم النبي ص فيمن نزلت هذه الآية قال إذا كان يوم القيامة عقد لواء من نور أبيض و نادى مناد ليقم سيد المؤمنين و معه الذين آمنوا ببعث محمد ص فيقوم علي بن أبي طالب فيعطى اللواء من النور الأبيض و تحته جميع السالفين الأولين من المهاجرين و الأنصار لا يخالطهم غيرهم حتى يجلس على منبر من نور رب العزة و يعرض الجميع عليه رجلا رجلا فيعطى أجره و نوره فإذا أتى على آخرهم قيل لهم قد عرفتكم صفتكم و منازلكم في الجنة إن ربكم يقول لكم إن لكم عندي مغفرة و أجرا عظيما يعني الجنة فيقوم علي و القوم تحت لوائه معهم حتى يدخل بهم الجنة ثم يرجع إلى منبره و لا يزال يعرض عليه جميع نهج الحق ص : 209المؤمنين فيأخذ نصيبه منهم ]بنصيبهم منه[ إلى الجنة و يترك أقواما على الار فذلك قوله وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ يعني السالفين الأولين و أهل الولاية و قوله وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني بالولاية بحق علي و حق علي واجب على العالمين أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ و هم الذين قاسم علي عليهم النار فاستحقوا الجحيم
آية الاسترجاع
الحادية و الثمانون الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ نزلت في علي ع لما وصل إليه قتل حمزة رضي الله عنه فقال إنا لله و إنا إليه راجعون فنزلت هذه الآية.
نزول كرائم القرآن في علي ع

(1/112)


الثانية و الثمانون في مسند أحمد بن حنبل قال ابن عباس ما في القرآن آية إلا و علي رأسها و قائدها و شريفها و أميرها و لقد نهج الحق ص : 210عاتب الله أصحاب محمد ص في القرآن و ما ذكر عليا إلا بخير و عنه ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في علي ع
و عن مجاهد نزل في علي سبعون آية
و عن ابن عباس ما نزل آية و فيها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلا و علي رأسها و أميرها عليه آلاف التحية و الثناء
آية سؤال أهل الذكر
الثالثة و الثمانون روى الحافظ محمد بن موسى الشيرازي من علماء الجمهور و استخرجه من التفاسير الاثني عشر عن ابن عباس في قوله تعالى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ قال هم محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين هم أهل الذكر و العلم و العقل و البيان و هم أهل بيت النبوة و معدن الرسالة و مختلف الملائكة و الله ما سمي المؤمن مؤمنا إلا كرامة لأمير المؤمنين نهج الحق ص : 211و رواه سفيان الثوري عن السدي عن الحارث آية عم يتساءلون
الرابعة و الثمانون و عن الحافظ في قوله تعالى عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ بإسناده عن السدي عن رسول الله ص أنه قال ولاية علي يتساءلون عنها في قبورهم فلا يبقى ميت في شرق و لا في غرب و لا في بر و لا في بحر إلا و منكر و نكير يسألانه عن ولاية أمير المؤمنين بعد الموت يقولون من ربك و ما دينك و من نبيك و من إمامك

(1/113)


و عنه عن ابن مسعود قال وقعت الخلافة من الله تعالى لثلاثة نفر لآدم في قوله تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً و الخليفة الثاني داود ص لقوله تعالى يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ و الخليفة الثالث علي بن أبي طالب لقوله تعالى لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني نهج الحق ص : 212آدم و داود وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ يعني الإسلام وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ يعني من أهل مكة أَمْناً يعني منأهل المدينة يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً يعني يوحدونني وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ بولاية علي فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني العاصين لله و لرسوله...
هذا كله ما نقله الجمهور و اشتهر عنهم و تواتر.
و أما السنة
فالأخبار المتواترة عن النبي ص الدالة على إمامته هي أكثر من أن تحصى و قد صنف الجمهور و أصحابنا في ذلك و أكثروا و لنقتصر هاهنا على القليل فإن الكثير غير متناه و هي أخبار.
كون علي ع نورا بين يدي الله تعالى
الأول ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده قال قال رسول الله ص كنت أنا و علي بن أبي طالب نورا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزءين فجزء أنا و جزء علي نهج الحق ص : 213و في حديث آخر رواه ابن المغازلي الشافعي فلما خل الله آدم ركب ذلك النور في صلبه فلم يزل في شي ء واحد حتى افترقا في صلب عبد المطلب ففي النبوة و في علي الخلافة و في خبر آخر رواه ابن المغازلي عن جابر في آخره حتى قسمه جزءين فجعل جزءا في صلب عبد الله و جزءا في صلب أبي طالب فأخرجني نبيا و أخرج عليا وليا حديث الخلافة

(1/114)


الثاني من مسند أحمد لما نزل وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ جمع النبي ص من أهل بيته ثلاثين فأكلوا و شربوا ثلاثا ثم قال لهم من يضمن عني ديني و مواعيدي و يكون خليفتي و يكون معي في الجنة فقال علي أنا فقال أنت و رواه الثعلبي في تفسيره بعد ثلاث مرات في كل مرة سكت القوم غير علي ع
حديث الوصية
الثالث من المسند عن سلمان قال يا رسول الله من وصيك نهج الحق ص : 214قال يا سلمان من كان وصي أخي موسى قال يوشع بن نون قال فإن وصيي و وارثي يقضي ديني و ينجز موعدي علي بن أبي طالب حديث من أحب أصحابك
الرابع من كتاب المناقب لأبي بكر أحمد بن مردويه و هو حجة عند المذاهب الأربعة رواه بإسناده إلى أبي ذر قال دخلنا على رسول الله ص فقلنا من أحب أصحابك إليك و إن كان أمر كنا معه و إن كانت نائبة كنا من دونه قال هذا علي أقدمكم سلما و إسلاما
حديث لكل نبي وصي و وارث
الخامس من كتاب ابن المغازلي الشافعي بإسناده عن رسول الله ص أنه قال لكل نبي وصي و وارث و إن وصيي و وارثي علي بن أبي طالب
حديث قراءة سورة براءة
السادس في مسند أحمد و في الجمع بين الصحاح الستة ما معناه نهج الحق ص : 215أن رسول الله ص بعث براءة مع أبي بكر إلى أهل مكة فلما بلغ ذا الحليفة بعث إليه عليا فرده فرجع أبو بكر إلى النبي ص فقال يا رسول الله أ نزل في شي ء قال لا و لكن جبرائيل جاءني و قال لا يي عنك إلا أنت أو رجل منك
حديث المناجاة
السابع في الجمع بين الصحاح الستة و تفسير الثعلبي و رواية ابن المغازلي الشافعي آية المناجاة و اختصاص أمير المؤمنين ع بها تصدق بدينار حال المناجاة و لم يتصدق أحد قبله و لا بعده ثم قال علي ع إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي و لا يعمل بها أحد بعدي و هي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ الآية و بي خفف الله تعالى عن هذه الأمة فلم تنزل في أحد من بعدي
حديث المباهلة

(1/115)


الثامن آية المباهلة في الجمع بين الصحيحين أنه لما أراد المباهلة لنصارى نجران احتضن الحسين و أخذ بيد الحسن و فاطمة تمشي نهج الحق ص : 216خلفه و علي يمشي خلفها و هو يقول لهم إذا دعوت فأمنوا فأي فضل أعظم من هذا و النبي يستسعد بدعائه و يجعله واسطة بينه و بين ربه تعالى.
حديث المنزلة
التاسع في مسند أحمد من عدة طرق و في صحيح البخاري و مسلم من عدة طرق أن النبي ص لما خرج إلى تبوك استخلف عليا في المدينة و على أهله فقال علي ما كنت أؤثر أن تخرج في وجه إلا و أنا معك فقال أ ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون أنه لا نبي بعدي
حديث إني دافع الراية غدا
العاشر في مسند من موسى أحمد من عدة طرق و صحيحي مسلم و البخاري من طرق متعددة و في الجمع بين الصحاح الستة أيضا عن عبد الله بن بريدة قال سمعت أبي يقول حاصرنا خيبر و أخذ اللواء أبو بكر فانصرف و لم يفتح له ثم أخذه عمر من الغد فرجع و لم يفتح له و أصاب الناس يومئذ شدة و جهد فقال رسول الله ص نهج الحق ص : 217إني دافع الراية غدا إلى رجل يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله كرار غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله له فبات الناس يتداولون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا إلى رسول الله ص كلهم يرجو أن يعطاها فقال أين عي بن أبي طالب فقالوا إنه أرمد العين فأرسل إليه فأتى فبصق رسول الله ص في عينيه و دعا له فبرأ فأعطاه الراية و مضى علي فلم يرجع حتى فتح الله على يديه
حديث برز الإيمان
الحادي عشر روى الجمهور أنه لما برز إلى عمرو بن عبد ود العامري في غزاة الخندق و قد عجز عنه المسلمون قال النبي ص برز الإيمان كله إلى الشرك كله
حديث سد الأباب إلا بابه

(1/116)


الثاني عشر في مسند أحمد من عدة طرق أن النبي ص أمر بسد الأبواب إلا باب علي فتكلم الناس فخطب رسول الله ص فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي فقال فيه قائلكم و الله ما سددت شيئا و لا فتحته و إنما أمرت بشي ء فاتبعته حديث المؤاخاة
الثالث عشر في مسند أحمد بن حنبل من عدة طرق أن النبي ص نهج الحق ص : 218آخى بين الناس و ترك عليا حتى بقي آخرهم لا يرى له أخا فقال يا رسول الله ص آخيت بين أصحابك و تركتني فقال إنما تركتك لنفسي أنت أخي و أنا أخوك فإن ذكرك أحد فقل أنا عبد الله و أخو رسوله لا يعيها بعدك إلا كذاب و الذي بعثني بالحق ما أخرتك إلا لنفسي و أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي و أنت أخي و وارثي
و في الجمع بين الصحاح الستة عن النبي ص قال مكتوب على باب الجنة محمد رسول الله علي أخو رسول الله قبل أن يخلق الله السماوات بألفي عام
حديث إن عليا مني
الرابع عشر من مسند أحمد بن حنبل و في الصحاح الستة عن النبي ص من عدة طرق أن عليا مني و أنا من علي و هو ولي كل مؤمن بعدي لا يؤدي عني إلا أنا أو علي
و فيه أيضا لما قتل علي أصحاب الألوية يوم أحد قال جبرائيل لرسول الله ص إن هذه المواساة فقال النبي ص إن عليا نهج الحق ص : 219مني و أنا منه فقال جبرائيل و أنا منكما يا رسول الله ص حديث إن فيك مثلا من عيسى
الخامس عشر في مسند أحمد بن حنبل أن رسول الله ص قال لعلي إن فيك مثلا من عيسى أبغضه اليهود حتى اتهموا أمه و أحبه النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس له بأهل
و قد صدق النبي ص لأن الخوارج أبغضوا عليا ع و النصيرية اعتقدوا فيه الربوبية.
حديث لا يحبك إلا مؤمن
السادس عشر في مسند أحمد بن حنبل و هو مذكور في الجمع بين الصحيحين و في الجمع بين الصحاح الستة أن النبي ص قال لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق

(1/117)


نهج الحق ص : 220حديث خاصف النعل السابع عشر في مسند أحمد بن حنبل أن رسول الله ص قال إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فقال أبو بكر أنا هو يا رسول الله قال لا قال عمر أنا هو يا رسول الله قال لا و لكنه خاصف النعل و كان علي يخصف نعل رسول الله ص في الحجرة عند فاطمة
و في الجمع بين الصحاح الستة قال رسول الله ص لتنتهن معشر قريش أو ليبعثن الله عليكم رجلا مني امتحن الله قلبه للإيمان يضرب أعناقكم على الدين قيل يا رسول الله أبو بكر قال لا قيل عمر قال لا و لكن خاصف النعل في الحجرة
حديث الطائر
الثامن عشر في مسند أحمد بن حنبل و الجمع بين الصحاح الستة عن أنس بن مالك قال كان عند النبي ص طائر قد طبخ له فقال اللهم ائتني بأحب الناس إليك يأكل معي فجاء علي فأكل معه
نهج الحق ص : 221 و منه أنه لما حضرت ابن عباس الوفاة قال اللهم إني أتقرب إليك بولاية علي بن أبي طالب حديث أنا مدينة العلم
التاسع عشر في مسند أحمد بن حنبل و صحيح مسلم قال لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ص يقول سلوني إلا علي بن أبي طالب
و قال رسول الله ص أنا مدينة العلم و علي بابها
نهج الحق ص : 222حديث الإيذاء العشرون في مسند أحمد من عدة طرق أن النبي ص قال من آذى عليا فقد آذاني أيها الناس من آذى عليا بعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا
حديث تزويج علي
الحادي و العشرون في مسند أحمد بن حنبل أن أبا بكر و عمر خطبا إلى رسول الله ص فاطمة ع فقال إنها صغيرة فخطبها علي فزوجها منه
حديث اجلس يا أبا تراب
الثاني و العشرون في الجمع بين الصحيحين أن رسول الله ص دخل على ابنته فاطمة فقبل رأسها و نحرها و قال أين ابن عمك قالت في المسجد فوجد رداءه قد سقط عن ظهره و خلص التراب نهج الحق ص : 223إلى ظهره فجعل يمسح عن ظهره التراب و يقول اجلس يا أبا تراب مرتين حديث كسر الأصنام و رد الشمس و غيره

(1/118)


الثالث و العشرون روى الجمهور من عدة طرق أن رسول الله ص حمل عليا حتى كسر الأصنام من فوق الكعبة و أنه لا يجوز على الصراط إلا من كان معه كتاب بولاية علي بن أبي طالب. و أنه ردت له الشمس بعد ما غابت حيث كان النبي ص نائما على حجره و دعا له بردها ليصلي العصر فردت له. و أنه نزل إليه سطل عليه منديل و فيه ماء فتوضأ للصلاة و لحق بصلاة النبي ص. نهج الحق ص : 224و أن مناديا من السماء نادى يوم أحد لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي و روي أنه نادى به يوم بدر أيضا. حديث الحق مع علي
الرابع و العشرون في الجمع بين الصحاح الستة عن النبي ص قال رحم الله عليا اللهم أدر الحق معه حيث دار
و روى الجمهور قال ص لعمار ستكون في أمتي بعدي هناة و اختلاف حتى يختلف السيف بينهم حتى يقتل بعضهم بعضا و يتبرأ بعضهم من بعض يا عمار تقتلك الفئة الباغية و أنت إذ ذاك مع الحق و الحق معك إن عليا لن يدنيك من ردى و لن يخرجك من هدى يا عمار من تقلد سيفا أعان به عليا على عدوه قلده الله يوم القيامة وشاحين من در و من تقلد سيفا أعان به عدوه قلده الله وشاحين من نار فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الذي عن يميني يعني عليا و إن سلك الناس كلهم واديا و سلك علي واديا فاسلك واديا سلكه علي و خل الناس طرا نهج الحق ص : 225يا عمار إن علا لا يزال على هدى يا عمار إن طاعة علي من طاعتي و طاعتي من طاعة الله تعالى
و روى أحمد بن موسى بن مردويه من الجمهور من عدة طرق عن عائشة أن رسول الله ص قال الحق مع علي و علي مع الحق لن يفترقا حتى يردا علي الحوض
حديث الثقلين
الخامس و العشرون روى أحمد بن حنبل في مسنده أن النبي ص أخذ بيد الحسن و الحسين و قال من أحبني و أحب هذين و أباهما و أمهما كان معي في درجتي يوم القيامة

(1/119)


و فيه عن جابر قال قال رسول الله ص ذات يوم بعرفات و علي تجاهه ادن مني يا علي خلقت أنا و أنت من شجرة فأنا أصلها و أنت فرعها و الحسن و الحسين أغصانها فمن تعلق بغصن منها أدخله الله الجنة
نهج الحق ص : 226 و فيه عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ص إني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي الثقلين و أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض و عترتي أهل بيتي ألا و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض و رواه أحمد من عة طرق
و في صحيح مسلم في موضعين عن زيد بن أرقم قال خطبنا رسول الله ص بماء يدعى خما بين مكة و المدينة ثم قال بعد الوعظ أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب و إني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى و النور فخذوا بكتاب الله و استمسكوا به فحث على كتاب الله و رغب فيه ثم قال و أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي
نهج الحق ص : 227 و روى الزمخشري و كان من أشد الناس عنادا لأهل البيت و هو الثقة المأمون عند الجمهور قال بإسناده قال رسول الله ص فاطمة مهجة قلبي و ابناها ثمرة فؤادي و بعلها نور بصري و الأئمة من ولدها أمناء ربي و حبل ممدود بينه و بين خلقه من اعتصم بهم نجا ومن تخلف عنهم هوى
و روى الثعلبي في تفسير قوله تعالى وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا بأسانيد متعددة عن رسول الله ص قال يا أيها نهج الحق ص : 228الناس قد تركت فيكم الثقلين خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدودما بين السماء و الأرض و عترتي أهل بيتي و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض

(1/120)


و في الجمع بين الصحيحين إنما يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب و أنا تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى و النور فخذوا بكتاب الله و استمسكوا به و أهل بيتي أذكركم في أهل بيتي
حديث الكساء
السادس و العشرون في مسند أحمد بن حنبل من عدة طرق و في الجمع بين الصحاح الستة عن أم سلمة قالت كان رسول الله ص في بيتي فأتت فاطمة فقال ادعى زوجك و ابنيك فجاء علي و فاطمة و الحسن و الحسين و كان تحته كساء خيبري فأنزل الله إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً نهج الحق ص : 229فأخذ فضل الكساء و كساهم به ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء و قال هؤلاء أهل بيتي فأدخلت رأسي البيت و قلت و أنا معهم يا رسول الله قال إنك إلى خير و قد روي نحو هذا المعنى من صحيح أي داود و موطإ مالك و صحيح مسلم في عدة مواضع و عدة طرق
حديث الأمان
السابع و العشرون في مسند أحمد بن حنبل قال قال رسول الله ص النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت ذهبوا و أهل بيتي أمان للأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض و رواه صدر الأئمة موفق بن أحمد المكي
و في مسند أحمد قال رسول الله ص اللهم إني أقول كما قال أخي موسى اجعل لي وزيرا من أهلي عليا أخي اشدد به أزري و أشركه في أمري
نهج الحق ص : 230حديث اثنتا عشرة خليفة الثامن و العشرون في صحيح البخاري في موضعين بطريقين عن جابر و ابن عيينة قال رسول الله ص لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش
و في رواية عن النبي ص لا يزال أمر الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش
و في صحيح مسلم أيضا لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة و يكون عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش

(1/121)


و في الجمع بين الصحاح الستة في موضعين قال رسول الله ص هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش و كذا في صحيح أبي داود و الجمع بين الصحاح الستة
و قد ذكر السدي في تفسيره و هو من علماء الجمهور و ثقاتهم قال لما كرهت سارة مكان هاجر أوحى الله إلى إبراهيم فقال انطلق بإسماعيل و أمه حتى تنزله بيت النبي التهامي يعني مكة فإني ناشر ذريتك و جاعلهم ثقلا على من كفر بي و جاعل منهم نبيا عظيما و مظهره على الأديان و جاعل من ذريته اثني عشر عظيما و جاعل ذريته عدد نجوم السماء
نهج الحق ص : 231و قد دلت هذه الأخبار على إمامة اثني عشر إماما من ذرية محمد ص و لا قائل بالحصر إلا الإمامية في المعصومين و الأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى المبحث الخامس في ذكر بعض الفضائل التي تقتضي وجوب إمامة أمير المؤمنين ع
هذا باب لا يحصى كثرة
روى أخطب خوارزم من الجمهور بإسناده إلى ابن عباس قال رسول الله ص لو أن الرياض أقلام و البحر مداد و الجن حساب و الإنس كتاب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب
فمن يقول عنه رسول الله ص مثل هذا كيف يمكن ذكر فضائله لكن لا بد من ذكر بعضها
لما رواه أخطب خوارزم أيضا قال قال رسول الله ص إن الله جعل لأخي علي فضائل لا تحصى كثرة فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرا بها غفر الله ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و من كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم و من استمع إلى فضيلة من فضائله غفر الله الذنوب التي نهج الحق ص : 232اكتسبها بالاستماع و من نظر إلى كتاب من فضائله غفر الله الذنوب التي اكتسبها بالنظر ثم قال النظر إلى علي عبادة و ذكره عبادة و لا يقبل الله إيمان عبد إلا بولايته و البراءة من أعدائه و قد ذكرت في كتاب كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين أن الفضائل أما قبل ولادته

(1/122)


مثل ما روى أخطب خوارزم من علماء الجمهور عن ابن مسعود قال قال رسول الله ص لما خلق الله آدم و نفخ فيه من روحه عطس آدم فقال الحمد لله فأوحى الله تعالى إليه حمدني عبدي و عزتي و جلالي لو لا عبدان أريد أن أخلقهما في دار الدنيا ما خلقتك قال إلهي فيكونان مني قال نعم يا آدم ارفع رأسك و انظر فرفع رأسه فإذا مكتوب على العرش لا إله إلا الله محمد نبي الرحمة و علي مقيم الحجة من عرف حق علي زكا و طاب و من أنكر حقه لعن و خاب أقسمت بعزتي و جلالي أن أدخل الجنة من أطاعه و إن عصاني و أقسمت بعزتي أن أدخل النار من عصاه و إن أطاعني
و الأخبار في ذلك كثيرة. و أما حال ولادته فإنه ولد يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب نهج الحق ص : 233بعد عام الفيل بثلاثين سنة في الكعبة و لم يولد فيها أحد سواه قبله و لا بعده. و لرسول الله ص ثلاثون سنة فأحبه رسول الله ص حبا شديدا. و قال لها فاطمة بنت أسد اعلي مهده قرب فراشي. و كان ص يلي أكثر تربيته و كان يطهر عليا في وقت غسله و يؤجره اللبن عند شربه و يحرك مهده عند نومه و يناغيه في يقظته و يحمله على صدره و رقبته و يقول هذا أخي و وليي و ناصري و وصيي و زوج كريمتي و ذخري و كهفي و صهري و أميني على وصيتي و خليفتي. و كان رسول الله ص يحمله دائما و يطوف به في جبال مكة و شعابها و أوديتها رواه في بشارة المصطفى من الجمهور نهج الحق ص : 234من فضائله النفسانية
و أما بعد ولادته فأقسامها ثلاثة نفسانية و بدنية و خارجية أما النفسانية فينظمها مطالب
الأول الإيمان

(1/123)


و بواسطة سيفه تمهدت قواعده و تشيدت أركانه و بواسطة تعليمه الناس حصل لهم الإيمان أصوله و فروعه و لم يشرك بالله طرفة عين. نهج الحق ص : 235و لم يسجد لصنم بل هو كسر الأصنام لما صعد على كتف النبي ص. روى أحمد بن حنبل أنه أول من أسلم و أول من صلى مع النبي ص. و في مسنده أن النبي ص قال لفاطمة أ ما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلما و أكثرهم علما و أعظمهم حلما
و حديث الدار يدل عليه أيضا
الثاني العلم
و الناس كلهم عيال عليه في المعارف الحقيقة و العلوم اليقينة و الأحكام الشريعة و القضايا النقلية لأنه كان في غاية الذكاء و الحرص على التعلم و ملازمته لرسول الله ص و هو أشفق نهج الحق ص : 236الناس عليه لا ينفك عنه ليلا و لا نهارا فيكون بالضرورة أعلم من غيره.
و قال رسول الله ص في حقه أقضاكم علي
و القضاء يستلزم العلم و الدين.
و روى الترمذي في صحيحه أن رسول الله ص قال أنا مدينة العلم و علي بابها
و ذكر البغوي في الصحاح أن رسول الله ص قال أنا دار الحكمة و علي بابها
و فيه أي في حقه
عن أبي الحمراء قال رسول الله ص من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه و إلى نوح في فهمه و إلى إبراهيم في حلمه و إلى موسى في هيبته و إلى عيسى في هذه فلينظر إلى علي بن أبي طالب

(1/124)


و روى البيهقي بإسناده إلى رسول الله ص قال من أراد أن نهج الحق ص : 237ينظر إلى آدم في علمه و إلى نوح في تقواه و إلى إبراهيم في حلمه و إلى موسى في هيبته و إلى عيسى في عبادته فلينظر إلى علي بن أبي طالب و أيضا جميع العلوم مستندة إليه. أما الكلام و أصول الفقه فظاهر و كلامه في النهج يدل على كمال معرفته في التوحيد و العدل و جميع جزئيات علم الكلام و الأصول. و أما الفقه فالفقهاء كلها يرجعون إليه. أما الإمامية فظاهر و أما الحنفية فإن أصحاب أبي حنيفة أخذوا عن أبي حنيفة و هو تلميذ الصادق ع. و أما الشافعية فأخذوا عن محمد بن إدريس الشافعي و هو قرأ على محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة و على مالك فرجع فقهه إليهما. و أما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي فرجع فقهه إليه. و أما مالك فقرأ على اثنين أحدهما ربيعة الرأي و هو تلميذ عكرمة و هو تلميذ عبد الله بن عباس و هو تلميذ علي ع و الثاني مولانا جعفر بن محمد الصادق و كان الخوارج تلامذة له. نهج الحق ص : 238و أما النجوم فهو واضعه و كذا علم التفسير قال ابن عباس حدثني أمير المؤمنين في باء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ من أول الليل إلى الفجر لم يتم

(1/125)


و علم الفصاحة إليه منسوب حتى قيل في كلامه إنه فوق كلام المخلوق و دون كلام الخالق و من كلامه تعلم الفصاحة و قال ابن نباتة حفظت من كلامه ألف خطبة ففاضت ثم فاضت. و أما المتكلمون فأربعة معتزلة و أشاعرة و شيعة و خوارج و انتساب الشيعة معلوم. و الخوارج كذلك فإن فضلاءهم رجعوا إليه. و أما المعتزلة فإنهم انتسبوا إلى واصل بن عطاء و هو تلميذ أبي هاشم عبد الله و هو تلميذ أبيه محمد بن الحنفية و هو تلميذ أبيه علي. و أما الأشاعرة فإنهم تلاميذ أبي الحسن علي الأشعري و هو تلميذ أبي علي الجبائي و هو من مشايخ المعتزلة. و أما علم الطريقة فإن جميع الصوفية و أرباب الإشارات و الحقيقة يسندون الخرقة إليه. و أصحاب الفتوة يرجعون إليه و هو الذي نزل جبرائيل ينادي عليه يوم بدر لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي. نهج الحق ص : 239 و قال النبي ص أنا الفتى ابن الفتى أخو الفتى
أما أنه الفتى فلأنه سيد العرب و أما أنه ابن الفتى فلأنه ابن إبراهيم الذي قال تعالى فيه قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ و أما أنه أخو الفتى فلأنه أخو علي الذي قال جبرائيل فيه لا فتى إلا علي. و أيضا جميع الصحابة رجعوا إليه في الأحكام و استفادوا منه و لم يرجع هو إلى أحد منهم في شي ء البتة. نهج الحق ص : 240و قال عمر بن الخطاب في عدة مواضع لو لا علي لهلك عمر حيث رده عن خطإ كثير. و في مسند أحمد بن حنبل لم يكن أحد من أصحاب النبي ص يقول سلوني إلا علي بن أبي طالب و في صحيح مسلم أن عليا قال على المنبر سلوني قبل أن تفقدوني سلوني عن كتاب الله عز و جل فما من آية إلا و أعلم حيث نزلت بحضيض جبل أو سهل أرض سلوني عن الفتن فما فتنة إلا و قد علمت كبشها و من يقتل فيها
و كان يقول سلوني عن طرق السماء فإني أعرف بها من طرق الأرض
و قال علي ع علمني رسول الله ص ألف باب من العلم في كل باب ألف باب

(1/126)


و قضاياه العجيبة أكثر من أن تحصى كقسمة الدراهم على صاحبي الأرغفة. نهج الحق ص : 241و بسط الدية على القارضة و القامصة و الواقصة. و إلحاق الولد بالقرعة و صوبه النبي ص. و الأمر بشق الولد نصفين حتى رجعت المتداعيتان إلى الحق. و الأمر بضرب عنق العبد حتى رجع إلى لحق. و حكمه في ذي الرأسين بإيقاظ أحدهما. و استخراج حكم الخنثى. و أحكام البغاة. قال الشافعي عرفنا حكم البغاة من علي. و غير ذلك من الأحكام الغريبة التي يستحيل أن يهتدي إليها من سئل أي عمر عن الكلالة و الأب فلم يعرفهما و حكم في الجد بمائة قضية كلها بعضها بعضا
الثالث الأخبار بالغيب
و قد حصل منه في عدة مواطن فمنها
أنه قال في خطبة سلوني قبل أن تفقدوني فو الله لا تسألونني نهج الحق ص : 242عن فئة تضل مائة و تهدي مائة إلا نبأتكم بناعقها و سائقها إلى يوم القيامة فقام إليه رجل فقال له أخبرني كم في رأسي و لحيتي من طاقة شعر فقال و الله لقد حدثني خليلي رسول الله ص بما سألت إن على كل طاقة شعر من رأسك ملكا يلعنك و إن على كل طاقة شعر من لحيتك شيطانا يستفزك و إن في بيتك لسخلا يقتل ابن رسول الله ص و لو لا أن الذي سألت عنه يعسر برهانه لأخبرت به و لكن آية ذلك ما نبأت به من لعنك و سخلك الملعون

(1/127)


و كان ابنه في ذلك الوقت صغيرا و هو الذي تولى قتل الحسين ع. و أخبر بقتل ذي الثدية من الخوارج و عدم عبور الخوارج النهر بعد أن قيل له قد عبروا. و عن قتل نفسه. و بقطع يدي جويرية بن مسهر و صلبه فوقع في أيام معاوية و بصلب ميثم التمار و طعنه بحربة عاشر عشرة و أراه النخلة التي يصلب على جذعها ففعل به ذلك عبيد الله بن زياد عليهما اللعنة. و بقطع يدي رشيد الهجري و رجليه و صلبه ففعل ذلك به. و قتل قنبر فقتله الحجاج. نهج الحق ص : 243و بأفعال الحجاج التي صدرت عنه و جاء رجل إليه فقال إن خالد بن عرفطة قد مات فقال عليه السلام إنه لم يمت و لا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه حبيب بن جمار فقام رجل من تحت المنبر فقال يا أمير المؤمنين إني لك شيعة و محب فقال من أنت فقال أنا حبيب بن جمار قال و إياك أن تحملها و لتحملنها و تدخل بها من هذا الباب و أومى بيده إلى باب الفيل فلما كان زمان الحسين ع جعل ابن زياد خالد بن عرفطة على مقدمة عمر بن سعد و حبيب بن جمار حتى دخل من باب الفيل
و قال للبراء بن عازب يقتل ابني الحسين و أنت لا تنصره فقتل الحسين ع فلم ينصره
و لما اجتاز بكربلاء في وقعة صفين بكى و قال هذا و الله مناخ ركابهم و موضع قتلهم و أشار إلى ولده الحسين و أصحابه
و أخبر بعمارة بغداد. و ملك بني عباس و أحوالهم. و أخذ المغول الملك منهم. نهج الحق ص : 244و بواسطة هذا الخبر سلمت الحلة و الكوفة و المشهدان من القتل في وقعة هلاكو لأنه لما ورد بغداد كاتبه والدي و السيد بن طاوس و الفقيه ابن أبي المعز و سألوا الأمان قبل فتح بداد فطلبهم فخافوا فمضى والدي إليه خاصة فقال كيف أقدمت قبل الظفر فقال له والدي لأن أمير المؤمنين ع أخبر بك و قال

(1/128)


إنه يرد الترك على الأخير من بني العباس يقدمهم ملك يأتي من حيث بدأ ملكهم جهوري الصوت لا يمر بمدينة إلا فتحها و لا ترفع له راية إلا نكسها الويل الويل لمن ناواه فلا يزال كذلك حتى يظفر
و الأخبار بذلك كثيرة
الرابع في الشجاعة
و قد أجمع الناس كافة على أن عليا ع كان أشجع الناس بعد النبي ص و تعجب الملائكة من حملاته. و فضل النبي ص قتله لعمرو بن عبد ود على عبادة الثقلين
و نادى جبرائيل لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي
و روى الجمهور أن المشركين كانوا إذا أبصروا عليا في الحرب عهد بعضهم بعضا
الخامس في الزهد
لا خلاف في أنه أزهد أهل زمانه طلق الدنيا ثلاثا قال قبيصة بن نهج الحق ص : 245جابر ما رأيت في الدنيا أزهد من علي بن أبي طالب كان قوته الشعير غير المأدوم و لم يشبع من البر ثلاثة أيام. قال عمر بن عبد العزيز ما علمنا أن أحدا كان في هذه الأمة بعد النبي ص أزهد م علي بن أبي طالب.
و روى أخطب خوارزم عن عمار بن ياسر قال سمعت رسول الله ص يقول يا علي إن الله تعالى زينك بزينة لم يزين العباد بزينة هي أحب إليه منها زهدك في الدنيا و بغضها إليك و حبب إليك الفقراء فرضيت بهم أتباعا و رضوا بك إماما يا علي طوبى لمن أحبك و صدق عليك و الويل لمن أبغضك و كذب عليك أما من أحبك و صدق عليك فإخوانك في دينك و شركاؤك في جنتك و أما من أبغضك و كذب عليك فحقيق على الله أن يقيمه يوم القيامة مقام الكاذبين
السادس كرمه ع
لا خلاف في أنه كان أسخى الناس جاد بنفسه فأنزل الله في حقه وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ. و تصدق بجميع ماله في عدة مرات. و جاد بقوته ثلاثة أيام. نهج الحق ص : 246و كان يعمل بيده حديقة و يتصدق بها السابع في استجابة دعائه
كان رسول الله ص قد استسعد به و طلب تأمينه على دعائه يوم المباهلة و لم تحصل هذه المرتبة لأحد من الصحابة.

(1/129)


و دعا على أنس بن مالك لما استشهد به على قول النبي ص من كان كنت مولاه فعلي مولاه فاعتذر بالنسيان فقال اللهم إن كان كاذبا فاضربه ببياض لا تواريه العمامة فبرص
و دعا على البراء بالعمى لأجل نقل أخباره إلى معاوية فعمي. و ردت عليه الشمس مرتين لما دعا به. و دعا في زيادة الماء لأهل الكوفة حتى خافوا الغرق فنقص حتى ظهرت الحيتان فكلمته إلا الجري و المارماهي و الزمار فتعجب الناس من ذلك. و أما حسن الخلق فبلغ فيه الغاية حتى نسبه أعداؤه إلى الدعابة. نهج الحق ص : 247و كذا الحلم قال رسول الله ص لفاطمة ع إني زوجتك من أقدم الناس سلما و أكثرهم علما و أعظمهم حلما
القسم الثاني من فضائله البدنية
و ينظمها مطلبان
الأول في العبادة
لا خلاف أنه ع كان أعبد الناس و منه تعلم الناس صلاة الليل و الأدعية المأثورة و المناجاة في الأوقات الشريفة و الأماكن المقدسة. و بلغ في العبادة إلى أنه كان يؤخذ النشاب من جسده عند الصلاة لانقطاع نظره عن غيره تعالى بالكلية.
و كان مولانا زين العابدين ع يصلي في اليوم و الليلة ألف ركعة و يدعو بصحيفة ثم يرمي بها كالمتضجر و يقول أنى لي بعبادة علي ع
قال الكاظم ع إن قوله تعالى تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ نزلت في أمير المؤمنين
و كان يوما في صفين مشتغلا بالحرب و هو بين الصفين يراقب نهج الحق ص : 248الشمس فقال ابن عباس ليس هذا وقت صلاة إن عندنا لشغلا فقال علي ع فعلام نقاتلهم إنما نقاتلهم على الصلاة و هو الذي عبد الله حق عبادته حيث قال
ما عبدتك خوفا من نارك و لا شوقا إلى جنتك و لكن رأيتك أهلا للعبادة فعبدتك
المطلب الثاني في الجهاد

(1/130)


و إنما تشيدت مباني الدين و تثبتت قواعده و ظهرت معالمه بسيف مولانا أمير المؤمنين و تعجبت الملائكة من شدة بلائه في الحرب. ففي غزاة بدر و هي الداهية العظمى على المسلمين و أول حرب ابتلوا بها قتل صناديد قريش الذين طلبوا المبارزة كالوليد بن عتبة و العاص بن سعيد بن العاص الذي أحجم المسلمون عنه و نوفل بن خويلد الذي قرن أبا بكر و طلحة بمكة قبل الهجرة و أوثقهما بحبل و عذبهما
و قال رسول الله ص لما عرف حضوره في الحرب اللهم اكفني نوفلا و لما قتله علي ع قال رسول الله ص الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه
فلم يزل يقتل في ذلك اليوم واحدا بعد واحد حتى قتل نصف المقتولين و كانوا سبعين و قتل المسلمون كافة نهج الحق ص : 249و ثلاثة آلاف من الملائكة المسومين النصف الآخر. و في غزاة أحد انهزم المسلمون عن النبي ص و رمى رسول الله ص و ضربه المشركون بالسيوف و الرماح و عل يدافع عنه فنظر إليه النبي ص بعد إفاقته من غشيته و قال ما فعل المسلمون فقال نقضوا العهد و ولوا الدبر فقال اكفني هؤلاء فكشفهم عنه و صاح صائح بالمدينة قتل رسول الله ص فانخلعت القلوب
و نزل جبرائيل قائلا لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي و قال للنبي ص يا رسول الله لقد عجبت الملائكة من حسن مواساة علي لك بنفسه فقال النبي ص ما يمنعه من ذلك و هو مني و أنا منه و رجع بعض الناس لثبات علي ع و رجع عثمان بعد ثلاثة أيام فقال النبي ص لقد ذهبت بها عريضا
و في غزاة الخندق أحدق المشركون بالمدينة كما قال الله تعالى إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ و نادى المشركون بالبراز فلم يخرج سوى علي و فيه قتل أمير المؤمنين ع عمرو بن عبد ود.

(1/131)


قال ربيعة السعدي أتيت حذيفة بن اليمان فقلت يا أبا عبد الله إنا لنتحدث عن علي و مناقبه فيقول أهل البصرة إنكم لتفرطون في نهج الحق ص : 250علي فهل تحدثني بحديث فقال حذيفة و الذي نفسي بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد ص في كفة منذ بعث الله محمدا ص إلى يوم القياة و وضع عمل علي في الكفة الأخرى لرجح عمل علي على جميع أعمالهم فقال ربيعة هذا الذي لا يقام له و لا يقعد فقال حذيفة يا لكع و كيف لا يحمل و أين كان أبو بكر و عمر و حذيفة و جميع أصحاب النبي ص يوم عمرو بن عبد ود و قد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلهم ما خلا عليا فإنه نزل إليه فقتله و الذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمد ص إلى يوم القيامة
و في يوم الأحزاب تولى أمير المؤمنين قتل الجماعة. و في غزاة بني المصطلق قتل أمير المؤمنين مالكا و ابنه و سبى جويرية بنت الحارث فاصطفاها النبي ص. و في غزاة خيبر كان الفتح فيها لأمير المؤمنين ع قتل مرحبا و انهزم الجيش بقتله و أغلقوا باب الحصن فعالجه أمير المؤمنين ع و رمى به و جعله جسرا على الخندق للمسلمين و ظفروا بالحصن و أخذوا الغنائم و كان يقله سبعون رجلا
و قال ع و الله ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية بل بقوة ربانية

(1/132)


و في غزاة الفتح قتل أمير المؤمنين ع الحويرث بن نقيذ بن نهج الحق ص : 251وهب بن عبد بن قصي و كان يؤذي النبي ص و قتل جماعة و كان الفتح على يده. و في غزاة حنين حين استظهر النبي ص بالكثرة فخرج بعشرة آلاف من المسلمين فعاينهم أبو بكر و قال لن نغلب اليوم من قلة فنهزموا بأجمعهم و لم يبق مع النبي ص سوى تسعة من بني هاشم فأنزل الله تعالى ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يريد عليا و من ثبت معه و كان يضرب بالسيف بين يديه و العباس عن يمينه و الفضل عن يساره و أبو سفيان بن الحارث يمسك سرجه و نوفل و ربيعة ابنا الحارث و عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب و عتبة و معتب ابنا أبي لهب من وراء ظهره ع فقتل أمير المؤمنين ع رئيس القوم و جمعا كثيرا فانهزم المشركون و حصل الأسر. و ابتلي بجميع الغزوات و قتال الناكثين و القاسطين و المارقين.
و روى أبو بكر الأنباري في أماليه أن عليا ع جلس إلى عمر في المسجد و عنده ناس فلما قام عرض واحد بذكره و نسبه إلى التيه و العجب فقال عمر حق لمثله أن يتيه و الله لو لا سيفه لما قام عمود الإسلام و هو بعد أقضى الأمة و ذو سبقها و ذو شرفها نهج الحق ص : 252فقال ل ذلك القائل فما منعكم يا أمير المؤمنين عنه فقال كرهناه على حداثة السن و حبه بني عبد المطلب

(1/133)


و حمله سورة البراءة إلى مكة و كان النبي ص أنفذ بها أبا بكر فنزل عليه جبرائيل و قال إن ربك يقرئك السلام و يقول لك لا يؤديها إلا أنت أو واحد منك. و في هذه القصة وحده كفاية في شرف علي و علو مرتبته بأضعاف كثيرة على من لا يوثق على أدائها و لم يؤتمن عليها. و هذه الشجاعة مع خشونة مأكله فإنه لم يطعم البر ثلاثة أيام و كان يأكل الشعير بغير إدام و يختم جريشه لئلا يؤدمه الحسنان عليها ع و كان كثير الصوم كثير الصلاة مع شدة قوته حتى قلع باب خيبر و قد عجز عنه المسلمون و فضائله أكثر من أن تحصى
القسم الثالث في الفضائل الخارجية
نسبه و فيه مطالب
الأول في نسبه
نهج الحق ص : 253لم يلحق أحد أمير المؤمنين ع في شرف النسب كما قال ع نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد
قال الجاحظ و هو من أعظم الناس عداوة لأمير المؤمنين ع صدق علي في قوله نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد كيف يقاس بقوم منهم رسول الله ص و الأطيبان علي و فاطمة و السبطان الحسن و الحسين و الشهيدان حمزة و ذو الجناحين جعفر و سيد الوادي عبد المطلب و ساقي الحجيج عباس و حليم البطحاء أبو طالب و النجدة و الخيرة فيهم و الأنصار من نصرهم و المهاجرون من هاجر إليهم و معهم و الصديق من صدقهم و الفاروق من فرق الحق و الباطل فيهم و الحواري حواريهم و ذو الشهادتين لأنه شهد لهم و لا خير إلا فيهم و لهم و منهم و أبان رسول الله ص أهل بيته بقوله
إني تارك فيكم الخليفتين كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى أهل الأرض و عترتي و أهل بيتي نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض
و لو كانوا كغيرهم لما قال عمر لما طلب مصاهرة علي إني سمعت رسول الله ص يقول
كل سبب و نسب منقطع يوم القيامة إلا سببي و نسبي

(1/134)


فأما علي فلو أوردنا لأيامه الشريفة و مقاماته الكريمة و مناقبه السنية لأفنينا في ذلك الطوامير الطوال العرق صحيح و المنشأ كريم و الشأن عظيم و العمل جسيم و العلم كثير و البيان عجيب و اللسان خطيب و الصدر رحيب و أخلاقه وفق أعراقه و حديثه يشهد لقديمه
نهج الحق ص : 254المطلب الثاني في زوجته و أولاده كانت فاطمة سيدة نساء العالمين زوجته
قال ابن عباس لما زف النبي ص فاطمة ع كان قدامها و جبرائيل عن يمينها و ميكائيل عن يسارها و سبعون ألف ملك من ورائها يسبحون الله و يقدسونه حتى طلع الفجر
فانظر أيها العاقل كيف يروي الجمهور هذه الروايات و يظلمونها و يأخذون حقها و يكسرون ضلعها و يجهضون ولدها من نهج الحق ص : 255بطنها فليحذر المقلد من اتباع هؤلاء فإن أخذك منهم باطل قطعا. و كان سبطاه الحسنان أشرف الناس بعده روى أخطب خوارزم بإسناده إلى ابن مسعود قال قال رسول الله ص الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة
و عن البراء قال رأيت النبي ص و الحسن على عاتقه و هو يقول نهج الحق ص : 256اللهم إني أحبه فأحبه و قال أبو هريرة رأيت النبي ص يمص لعاب الحسن و الحسين كما يمص الرجل التمر
و عن أسامة بن زيد قال قلت يا رسول الله ما هذا الذي أنت مشتمل عليه فإذا هو حسن و حسين على ركبتيه فقال هذان ابناي و ابنا بنتي اللهم إنك تعلم أني أحبهما فأحبهما ثلاث مرات
و عن جابر قال دخلت على النبي ص و الحسن و الحسين على ظهره و هو يقول نعم الجمل جملكما و نعم العدلان أنتما

(1/135)


و روى صاحب كتاب الطلب و غاية السؤال الحنبلي بإسناده إلى ابن عباس قال كنت عند النبي ص و على فخذه الأيسر ابنه إبراهيم و على فخذه الأيمن الحسين و هو يقبل هذا تارة و هذا أخرى إذ هبط جبرائيل فقال يا محمد إن الله يقرئك السلام و هو يقول لست أجمعهما لك فأفد أحدهما بصاحبه فنظر إلى ولده إبراهيم و بكى و نظر إلى الحسين و بكى ثم قال إن إبراهيم أمه أمة متى مات لم يحزن غيري و أم الحسين فاطمة و أبوه علي ابن عمي لحمه من لحمي و دمه من دمي و متى مات حزنت عليه ابنتي و حزن ابن عمي و حزنت أنا عليه و أنا أؤثر حزني على حزنهما يا جبرائيل تقبض إبراهيم فديته بإبراهيم قال فقبض بعد ثلاث فكان النبي ص إذا رأى الحسين مقبلا قبله و ضمه إلى صدره و رشف ثناياه و قال نهج الحق ص : 257فديته بابني إبراهيم و في صحيح مسلم في تفسير قوله تعالى فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ قال لما قتل الحسين بن علي بكت السماء و بكاؤها حمرتها
و في مسند أحمد بن حنبل أن من دمعت عيناه لقتل الحسين دمعة أو قطرت قطرة بوأه الله عز و جل الجنة
و في تفسير الثعلبي بإسناده قال مطرنا دما أيام قتل الحسين ع
و كان مولانا زين العابدين علي بن الحسين ع أعبد أهل زمانه و أزهدهم يحج ماشيا و المحامل تساق معه. و ولده الباقر سلم عليه رسول الله ص
قال لجابر أنت تدرك ولدي محمدا الباقر إنه يبقر العلم بقرا فإذا رأيته فأقرئه عني السلام

(1/136)


و الصادق أعلم أهل زمانه و أزهدهم و كان يخبر بالغيب نهج الحق ص : 258و لا أخبر بشي ء إلا وقع فلهذا سموه الصادق. و كان الكاظم أزهد أهل زمانه و أعلمهم. و كذا ولده الرضا و الجواد و الهادي و العسكري و المهدي فهؤلاء الأئمة الاثنا عشر لم يسبقهم سابق و لم يحلقهم حق اشتهر فضلهم و زهدهم بين المخالف و المؤالف و أقروا لهم بالعلم و لم يؤخذ عليهم في شي ء البتة كما أخذ على غيرهم نهج الحق ص : 259فلينظر العاقل بعين البصيرة هل ينسب هؤلاء الزهاد المعصومون العلماء إلى من لا يتوقى المحارم و لا يفعل الطاعاتالمطلب الثالث في محبته
قال رسول الله ص كما في مسند أحمد بن حنبل و قد أخذ بيد الحسن و الحسين من أحبني و أحب هذين و أحب أباهما و أمهما كان معي في درجتي يوم القيامة
و عن حذيفة قال قال رسول الله ص من أحب أن يتمسك بقصبة الياقوت التي خلقها الله قال لها كوني فكانت فليتول علي ابن أبي طالب من بعدي
و قال رسول الله ص لو اجتمع الناس على حب علي لم يخلق الله النار
و قال ص حب علي حسنة لا يضر معها سيئة و بغض علي سيئة لا ينفع معها حسنة
و قال رجل لسلمان ما أشد حبك لعلي قال سمعت رسول الله ص يقول من أحب عليا فقد أحبني و من أبغض عليا فقد نهج الحق ص : 260أبغضني و من المناقب لخطيب خوارزم عن ابن عمر قال رسول الله ص من أحب عليا قبل الله منه صلاته و صيامه و قيامه و استجاب دعاءه ألا و من أحب عليا أعطاه بكل عرق في بدنه مدينة في الجنة ألا و من أحب آل محمد أمن من الحساب و الميزان و الصراط ألا و من مات على حب آل محمد فأنا كفيله بالجنة مع الأنبياء ألا و من أبغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله
و الأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى و آيات القرآن دالة عليه قال الله تعالى قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى جعل مودة علي و آله أجرا لرسالة رسول الله ص

(1/137)


و في الجمع بين الصحاح الستة عن ابن عباس قال إن رسول الله ص قال أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة و لما هو أهله و أحبوني لحب الله تعالى و أحبوا أهل بيتي لحبي
و في مناقب الخوارزمي عن أبي ذر قال قال رسول الله ص من ناصب عليا الخلافة بعدي فهو كافر و قد حارب الله و رسوله
و منه عن معاوية بن وحيد بخط القشيري قال سمعت النبي نهج الحق ص : 261ص يقول لعلي يا علي لا يبالي من مات و هو يبغضك مات يهوديا أو نصرانيا و منه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ص لعلي كذب من زعم أنه يبغضك و يحبني
و عن أبي هريرة قال أبصر النبي ص عليا و حسنا و حسينا و فاطمة فقال أنا حرب لمن حاربكم و سلم لمن سالمكم
و منه عن ابن عباس قال قال النبي ص لعلي أنت سيد في الدنيا و الآخرة من أحبك فقد أحبني و من أحبني أحب الله عز و جل و عدوك عدوي و عدوي عدو الله ويل لمن أبغضك
المطلب الرابع في أنه صاحب الحوض و اللواء و الصراط و الإذن
روى الخوارزمي عن ابن عباس قال قال رسول الله ص إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى جبرائيل أن يجلس على باب الجنة فلا يدخلها إلا من معه براءة من علي ع
و عن جابر بن سمرة قال قيل يا رسول الله من صاحب لوائك نهج الحق ص : 262في الآخرة قال صاحب لوائي في الآخرة صاحب لوائي في الدنيا علي بن أبي طالب و عن عبد الله بن أنس قال قال رسول الله ص إذا كان يوم القيامة و نصب الصراط على شفير جهنم لم يجز عليه إلا من معه كتاب بولاية علي بن أبي طالب
و الأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى. فلينظر العاقل إذا كانت مثل هذه و أضعافها أضعافا مضاعفة يرويها السنة في صحاح الأخبار عندهم و الآيات أيضا موافقة لها ثم يتركونها هل يجوز له تقليدهم و مع ذلك لم ينقلوا عن أئمة الشيعة منقصة و لا رذيلة و لا معصية البتة.
ما جاء في كتب القوم من المطاعن

(1/138)


و التجئوا أهل السنة و الجماعة في التقليد إلى قوم رووا عنهم كل رذيلة و نسبوهم إلى مخالفة الشريعة في قضايا كثيرة و لنذكر هنا بعضها في مطالب
المطلب الأول في المطاعن التي رواها السنة في أبي بكر
تسمية أبي بكر بخليفة رسول الله ص
منها قالوا إنه سمى نفسه خليفة رسول الله ص و كتب إلى الأطراف بذلك. نهج الحق ص : 263و هذا كذب صريح على رسول الله ص لأنه لم يستخلفه و اختلف الناس فيه فالإمامية قالوا إنه مات ص عن وصيه و إنه استخلف أمير المؤمنين ع إماما بعده. و قالت السنة كافة إنه مات بغير وصة و لم يستخلف أحدا و إن إمامة أبي بكر لم تثبت بالنص إجماعا بل ببيعة عمر بن الخطاب و أصحابه و هم أربعة عمر بن الخطاب و أبو عبيدة الجراح و أسيد بن حضير و سالم مولى أبي حذيفة لا غير. و قال عمر إن لم أستخلف فإن رسول الله لم يستخلف و إن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف. و هذا تصريح بعدم استخلاف رسول الله ص أحدا. و قد كان الأولى أن يقال إنه خليفة عمر لأنه هو الذي استخلفه.
أبو بكر في جيش أسامة
و منها أنه تخلف عن جيش أسامة و قد أنفذه رسول الله ص معه و جعل أسامة مولاه أميرا عليه و لم يزل يكرر الأمر بالخروج و يقول
جهزوا جيش أسامة لعن الله المتخلف عن جيش أسامة
نهج الحق ص : 264و إن له شيطانا يعتريه و منها أنه قال إن لي شيطانا يعتريني فإن استقمت فأعينوني و إن زغت فقوموني. و كيف يجوز نصب من يرشده العالم و هو يطلب الرشاد منهم.
بيعة أبي بكر فلتة
و منها قول عمر كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها فمن عاد مثلها فاقتلوه. فيلزم منه خطأ أحد الرجلين لارتكاب أحدهما ما يوجب القتل.
قول أبي بكر أقيلوني
و منها قول أبي بكر أقيلوني فلست بخيركم و زيد في بعض الأخبار و علي فيكم. فإن كان صادقا لم يصلح للإمامة و إلا لم يصلح أيضا

(1/139)


نهج الحق ص : 265كون أبي بكر شاكا في خلافه و منها قوله عند موته ليتني سألت رسول الله ص هل للأنصار في هذا الأمر حق. و هذا شك في صحة ما كان عليه و بطلانه و هو الذي دفع الأنصار لما قالوا منا الأمير بقوله الأئمة في قريش فإن كان الذي رواه حقا فكيف يحصل له الشك و إلا فقد دفع بالباطل.
من تمنياته عند موته
و منها قوله في مرضه ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكشفه و ليتني في ظلة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر فكان هو الأمير و كنت أنا الوزير.
أبو بكر لم يول شيئا من الأعمال
و منها أن النبي ص لم يوله شيئا من الأعمال و ولى غيره. و أنفذه لأداء سورة براءة ثم رده فمن لم يستصلح لأداء آيات كيف يستصلح للرئاسة العامة المتضمنة لأداء جميع الأحكام إلى عموم الرعايا في سائر بلاده.
منعه فاطمة إرثها

(1/140)


و منها أنه منع فاطمة إرثها فقالت يا ابن أبي قحافة أ ترث نهج الحق ص : 266أباك و لا أرث أبي و احتج عليها برواية تفرد هو بها عن جميع نهج الحق ص : 268المسلمين مع قلة رواياته و قلة عمله و كونه الغريم لأن الصدقة تحل عليه فقال لها إن النبي ص قال نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة و القرآن مخالف لذلك فإن صريحه يقتضي دخول النبي ص فيه بقوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ. و قد نص على أن الأنبياء يورثون فقال تعالى وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ و قال عن زكريا إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ. و ناقض فعله أيضا هذه الرواية لأن أمير المؤمنين ع و العباس اختلفا في بغلة رسول الله ص و سيفه و عمامته و حكم بها ميراثا لأمير المؤمنين و لو كانت صدقة لما حلت على علي ع و كان يجب على أبي بكر انتزاعها منه. نهج الحق ص : 269و لكان أهل البيت الذين حكى الله تعالى عنهم بأنه طهرهم تطهيرا مرتكبين ما لا يجوز. نعوذ بالله من هذه المقالات الردية و أخذ الاعتقادات الفاسدة. و أخذ فدكا من فاطمة و قد وهبها إياها رسول الله ص فلم يصدقها. مع أن الله قد طهره و زكاها و استعان بها النبي ص في الدعاء على الكفار على ما حكى الله تعالى و أمره بذلك فقال تعالى فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ فكيف يأمره الله تعالى بالاستعانة و هو سيد المرسلين بابنته و هي كاذبة في دعواها و غاصبة لمال غيرها نعوذ بالله من ذلك. فجاءت بأمير المؤمنين ع فشهد لها فلم يقبل شهادته قال إنه يجر إلى نفسه. و هذا من قلة معرفته بالأحكام و مع أن الله تعالى قد نص في آية المباهلة أنه نفس رسول الله ص فكيف يليق بمن هو بهذه المنزلة و استعان به رسول الله ص بأمر الله في

(1/141)


الدعاء يوم المباهلة أن يشهد نهج الحق ص : 270بالباطل و يكذب و يغصب المسلمين أموالهم نعوذ بالله من هذه المقالة و شهد لها الحسنان ع فرد شهادتهما و قال هذان ابناك لا أقبل شهادتهما لأنهما يجران نفعا بشهادتهما. و هذا من قلة معرفته بالأحكام أيضا مع أن الله قد أمر النبي ص بالاستعانة بدعائها يوم المباهلة فقال أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ و حكم رسول الله ص بأنهما سيدا شباب أهل الجنة فكيف يجامع هذا شهادتهما بالزور و الكذب و غصب المسلمين حقهم نعوذ بالله من ذلك. ثم جاءت بأم أيمن فقال امرأة لا يقبل قولها مع
أن النبي ص قال أم أيمن من أهل الجنة
فعند ذلك غضبت عليه و على صاحبه و حلفت أن لا تكلمه و لا صاحبه حتى تلقى أباها و تشكو إليه فلما حضرتها الوفاة أوصت أن تدفن ليلا و لا يدع أحدا منهم يصلي عليها. و قد رووا جميعا
أن النبي ص قال إن الله يغضب لغضبك و يرضى لرضاك

(1/142)


نهج الحق ص : 271طلب إحراق بيت علي ع و منها أنه طلب هو و عمر إحراق بيت أمير المؤمنين ع و فيه أمير المؤمنين ع و فاطمة و ابناهما و جماعة من بني هاشم لأجل ترك مبايعة أبي بكر. ذكر الطبري في تاريخه قال أتى عمر بن الخطاب منزل علي فقال و الله لأحرقن عليكم أو لتخرجن للبيعة. و ذكر الواقدي أن عمر جاء إلى علي في عصابة فيهم أسيد بن الحضير و سلمة بن أسلم فقال اخرجوا أو لنحرقنها عليكم. و نقل ابن خيزرانة في غرره قال زيد بن أسلم كنت ممن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين امتنع علي و أصحابه عن البيعة أن يبايعوا فقال عمر لفاطمة أخرجي من في البيت و إلا أحرقته و من فيه قال و في البيت علي و فاطمة و الحسن و الحسين و جماعة من أصحاب النبي ص فقالت فاطمة تحرق على ولدي فقال إي و الله أو ليخرجن و ليبايعن. و قال ابن عبد ربه و هو من أعيان السنة فأما علي و العباس فقعدوا في بيت فاطمة و قال له أبو بكر إن أبيا فقاتلهما فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهما الدار فلقيته فاطمة فقالت يا ابن الخطاب أ جئت لتحرق دارنا قال نعم. نهج الحق ص : 272و نحوه روى مصنف كتاب المحاسن و أنفاس الجواهر. فلينظر العاقل من نفسه هل يجوز له تقليد مثل هؤلاء إن كان هذا نقلهم صحيحا و أنهم قصدوا بيت النبي ص لحراق أولاده على شي ء لا يجوز فيه هذه العقوبة مع مشاهدتهم تعظيم النبي ص لهم. و كان ذات يوم يخطب فعبر الحسن و هو طفل صغير فنزل من منبره و قطع الخطبة و حمله على كتفه و أصعده المنبر ثم أكمل الخطبة و بال الحسين يوما في حجره و هو صغير فزعقوا به فقال لا ترزموا عى ولدي بوله. مع أن جماعة لم يبايعوا فهلا أمر بقتلهم. نهج الحق ص : 273و بأي اعتبار وجب الانقياد إلى هذه البيعة و النص غير دال عليها و لا العقل فهذا بعض ما نقله السنة من الطعن على أبي بكر و الذنب فيه على الرواة من السنة المطلب الثاني في المطاعن التي نقلها السنة عن عمر بن الخطاب

(1/143)


نقل الجمهور عن عمر مطاعن كثيرة
طعن عمر النبي الأعظم ص حين وفاته
منها قوله عن النبي ص لما طلب في حال مرضه دواة و كتفا ليكتب فيه كتابا لا يختلفون بعده و أراد أن ينص حال موته على علي بن أبي طالب ع فمنعهم عمر و قال إن رسول الله ليهجر حسبنا كتاب الله فوقعت الغوغاء و ضجر النبي ص نهج الحق ص : 274فقال أهله لا ينبغي عند النبي هذه الغوغاء فاختلفوا فقال بعضهم أحضروا ما طلب و منع آخرون فقال النبي ص ابعدوا هذا الكلام في صحيح مسلم. نهج الحق ص : 275و هل يجوز مواجهة العامي بهذا السفه فكيف بسيد المرسلين ص. إيجابه أبي بكر و قصد بيت النبوة بالإحراق
و منها إيجاب بيعة أبي بكر على جميع الخلق و مخاصمته على ذلك و قصد بيت النبوة و ذرية الرسول ص الذين فرض الله مودتهم و أكد النبي ص عدة مرار موالاتهم و أوجب محبتهم و جعل الحسن و الحسين ودائع الأمة
فقال اللهم هذان وديعتي عند أمتي

(1/144)


بالإحراق بالنار. و كيف يحل إيجاب شي ء على جميع الخلق من غير أن يوجبه الله أو نبيه ص أو يأمران به. أ ترى عمر كان أعلم منهما بمصالح العباد. و كان قد استناباه في نصب أبي بكر إماما. نهج الحق ص : 276أو فوضت الأمة بأسرها إليه ذلك و حكموه على أنفسهم. فليرجع العل المنصف من نفسه و ينظر هل يستجيز لنفسه المصير إلى هذه الاعتقادات الردية مع أن النبي ص كان أشرف الأنبياء ع و شريعته أتم الشرائع و قنع من اليهود بالجزية و لم يوجب عليهم متابعته قهرا و إجبارا و كذا من النصارى و المجوس و لم يعاقبهم بالإحراق. فكيف استجاز هؤلاء الصحابة قصد أهل البيت بذلك. مع أن مسألة الإمامة عندهم ليست من أصول العقائد و لا من أركان الدين بل هي مما يتعلق بمصالح العباد في أمور الدنيا فكيف يعاقب من يمتنع من الدخول فيها. و هلا قصدوا بيوت الأنصار و غيرهم مثل سلمان و أبي ذر و المقداد و أكابر الصحابة لما امتنعوا من البيعة و أسامة بن زيد لم يبايع إلى أن مات و قال إن رسول الله ص أمرني عليكم فمن أمرك علي يا أبا بكر.
إنكار موت النبي ص
و منها أنه قد بلغ من قلة المعرفة أنه لم يعلم أن الموت يجوز على النبي ص بل أنكر ذلك لما قالوا مات رسول الله ص فقال و الله ما مات محمد ص حتى يقطع أيدي رجال و أرجلهم فقال له أبو بكر أ ما سمعت قول الله تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ و قوله وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ نهج الحق ص : 277قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فقال أيقنت بوفاته الآن و كأني لم أسمع هذه الآية. و من لم يسمع هذه الآية و من هذه حاله كيف يجوز أن يكون إماما واجب الطاة على جميع الخلق.
لو لا علي لهلك عمر
و منها أنه أمر برجم امرأة حامل فقال له أمير المؤمنين ع إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل فقال عمر لو لا علي لهلك عمر

(1/145)


و منها أنه أمر برجم مجنونة فنبهه أمير المؤمنين ع و قال القلم مرفوع عن المجنون حتى يفيق فقال لو لا علي لهلك عمر
و هذا يدل على قلة معرفته و عدم تنبهه لظواهر الشريعة.
منعه المغالاة في المهر
و منها أنه منع من المغالاة في المهر و قال من غالى في مهر ابنته جعلته في بيت المال بشبهة أنه رأى النبي ص زوج فاطمة ع نهج الحق ص : 278بخمسمائة درهم فقامت امرأة إليه و نبهته بقوله تعالى وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً على جواز ذلك فقال كل الناس أفقه من عم حتى المخدرات في البيوت. و اعتذار قاضي القضاة بأنه طلب الاستحباب في ترك المغالاة و التواضع في قوله كل الناس أفقه من عمر خطأ فإنه لا يجوز ارتكاب المحرم و هو أخذ المهر و جعله في بيت المال لأجل فعل مستحب و الرواية منافية لأن المروي أنه حرمه و منعه حتى قالت المرأة كيف تمنعنا ما أحل الله لنا في محكم كتابه. و أما التواضع فإنه لو كان الأمر كما قال عمر لاقتضى إظهار القبيح و تصويب الخطإ و لو كان العذر صحيحا لكان هو المصيب و المرأة مخطئة.
قصة تسور عمر على جماعة

(1/146)


و منها أنه تسور على قوم و وجدهم على منكر فقالوا أخطأت من جهات تجسست و قد قال الله تعالى وَ لا تَجَسَّسُوا. و دخلت الدار من غير الباب و الله تعالى يقول وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ نهج الحق ص : 279تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتّقى وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها. و دخلت بغير إذن و قد قال الله تعالى لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا و لم تسلم و قد قال الله تعالى وَ تُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها فلحقه الخجل أجاب قاضي القضاة بأن له إن يجتهد في إزالة المنكر. و لحقه الخجل لأنه لم يصادف الأمر على ما قيل له. و هذا خطأ لأنه لا يجوز للرجل أن يجتهد في محرم و مخالفة الكتاب و السنة خصوصا مع عدم علمه و لا ظنه و لذا ظهر كذب الافتراء على أولئك.
أعطيات الخليفة من بيت المال
و منها أنه كان يعطي من بيت المال ما لا يجوز حتى أنه أعطى عائشة و حفصة في كل سنة عشرة آلاف درهم. و حرم على أهل البيت خمسهم. و كان عليه ثمانون ألف درهم لبيت المال. و منع فاطمة ع إرثها و نحلتها التي وهبها رسول الله ص لها. نهج الحق ص : 280أجاب قاضي القضاة بأن يجوز أن يفضل النساء. و هو خطأ لأن التفضيل إنما يكون لسبب يقتضيه كالجهاد و غيره.
تعطيله الحد عن المغيرة بن شعبة

(1/147)


و منها أنه عطل حد الله في المغيرة بن شعبة لما شهد عليه الزناء و لقن الشاهد الرابع الامتناع من الشهادة و قال له أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلا من المسلمين فلجلج في شهادته اتباعا لهواه فلما فعل ذلك عاد إلى الشهود فحدهم و فضحهم. فتجنب أن يفضح المغيرة و هو واحد قد فعل المنكر و وجب عليه الحد و فضح ثلاثة مع تعطيله حكم الله و وضعه الحد في غير موضعه. أجاب قاضي القضاة بأنه أراد صرف الحد عنه و احتال في دفعه. قال السيد المرتضى كيف يجوز أن يحتال في صرف الحد عن واحد و يوقع ثلاثة فيه و في الفضيحة مع أن عمر كان كلما رأى المغيرة يقول قد خفت أن يرميني الله بحجارة من السماء.
مفارقات عمر في الأحكام
و منها أنه كان يتلون في الأحكام حتى روي أنه قضى في الجد نهج الحق ص : 281بسبعين قضية و روي مائة قضية. و أنه كان يفضل في الغنيمة و العطاء. و قد سوى الله بين الجميع. و أنه قال في الأحكام من جهة الرأي و الحدس و الظن. تحريم عمر متعة النساء
و منها أنه قال متعتان كانتا على عهد رسول الله ص أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما. و هذا يقدح في عدالته حيث حرم ما أباحه الله تعالى و كيف يسوغ له أن يشرع الأحكام و ينسخها و يجعل اتباعه أولى من اتباع الرسول ص الذي لا ينطق عن الهوى فإن حكم هاتين المتعتين إن كان من عند الرسول لا من قبل الله لزم تجويز كون كل الأحكام كذلك نعوذ بالله و إن كان من عند الله فكيف يحكم بخلافه. نهج الحق ص : 282أجاب قاضي القضاة بأنه قال ذلك كراهة للمتعة. و أيضا يجوز أن يكون ذلك برواية عن النبي ص. و اعترضه المرتضى بأنه أضاف النهي إلى نفسه وقال كانتا على عهد رسول الله و هو يدل على أنه كان في جميع زمانه حتى مات عليها و لو كان النهي من الرسول ص كان أبلغ في الانتهاء فلم يقل ذلك على سبيل الرواية. و قد روي عن ابنه عبد الله إباحتها فقيل له إن أباك يحرمها فقال إنما ذلك عن رأي رآه.

(1/148)


و قد روى السنة في الجمع بين الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال تمتعنا مع رسول الله ص فلما قام عمر قال إن الله كان يحل لرسوله ما يشاء بما يشاء و إن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج و العمرة كما أمركم الله و إياكم و نكاح هذه النساء فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة
و هذا نص في مخالفة كتاب الله و الشريعة المحمدية لأنا لو فرضنا تحريمها لكان فاعلها على شبهة
و النبي ص قال ادرءوا الحدود بالشبهات
فهذه رواياتهم الصحيحة عندهم تدل على ما دلت عليه فلينظر العاقل و ليخف الجاهل. نهج الحق ص : 283 و في الصحيحين عن جابر من طريق قال كنا نستمتع بالقبضة من التمر و الدقيق الأيام على عهد رسول الله ص و أبي بكر حتى نهى عمر بن الخطاب لأجل عمرو بن حريث لما استمتع
و في الجمع بين الصحيحين من عدة طرق إباحتها أيام رسول الله ص و أبي بكر و بعض أيام عمر
روى أحمد في مسنده عن عمران بن حصين قال نزلت متعة النساء في كتاب الله تعالى و عملنا مع النبي ص و لم ينزل القرآن بحرمتها و لم ينه عنها حتى مات
و في صحيح الترمذي قال سئل ابن عمر عن متعة النساء فقال هي حلال و كان السائل من أهل الشام فقال له إن أباك قد نهى عنها فقال ابن عمر إن كان أبي قد نهى عنها وضعها رسول الله ص نترك السنة و نتبع قول أبي
قال محمد بن حبيب البختري كان ستة من الصحابة و ستة من التابعين يفتون بإباحة المتعة للنساء
و قد روى الحميدي و مسلم في صحيحيهما و البخاري أيضا من عدة طرق جواز متعة النساء و أن عمر هو الذي أبطلها بعد أن فعلها جميع المسلمين بأمر النبي ص إلى حين وفاته و أيام أبي بكر
نهج الحق ص : 284تحريم عمر متعة الحج و منها أنه منع عن متعة الحج. مع أن الله تعالى أوجبها في كتابه.

(1/149)


نهج الحق ص : 285قصة الشورى و منها قصة الشورى و قد أبدع فيها أمورا فإنه خرج بها عن الاختيار و النص جميعا. و حصرها في ستة. و ذم كل واحد منهم بأن ذكر فيه طعنا لا يصلح معه للإمامة ثم أهله بعد أن طعن فيه. و جعل الأمر إلى ستة ثم إلى أربعة ثم إلى واحد وصفه بالضعف و القصور. و قال إن اجتمع علي و عثمان فالقول ما قالاه و إن صاروا ثلاثة و ثلاثة فالقول للذين فيهم عبد الرحمن بن عوف و ذلك لعلمه بأن نهج الحق ص : 286عليا و عثمان لا يجتمعان و أن عبد الرحمن بن عوف لا يكاد يعدل بالأمر عن ختنه و ابن عمه. و أنه أمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن البيعة فوق ثلثة أيام. و أنه أمر بقتل من يخالف الأربعة منهم أو الذين ليس فيهم عبد الرحمن. و روى الجمهور أن عمر لما نظر إليهم قال قد جاءني كل واحد منهم يهز عفريته يرجو أن يكون خليفة أما أنت يا طلحة أ فلست القائل إن قبض النبي ص لننكحن أزواجه من بعده فما جعل الله محمدا أحق ببنات عمنا منا فأنزل الله فيك وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً نهج الحق ص : 287و أما أنت يا زبير فو الله ما لان قبلك يوما و لا ليلة و ما زلت جلفا جافيا مؤمن الرضا كافر الغضب يوما شيطانو يوما رحمان شحيح. و أما أنت يا عثمان لروثة خير منك و لئن وليتها لتحملن بني أبي معيط على رقاب الناس و لئن فعلتها لتقتلن ثلاث مرات. و أما أنت يا عبد الرحمن فإنك رجل عاجز تحب قومك جميعا. و أما أنت يا سعد فصاحب عصبية و فتنة و مقنب و قتال لا تقوم بقرية لو حملت أمرها. و أما أنت يا علي فو الله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم. فقام علي موليا يخرج فقال عمر و الله إني لأعلم مكان الرجل لو وليتموه أمركم حملكم على المحجة البيضاء قالوا من هو قال هذا المولي عنكم إن ولوها الأجلح سلك الطريق المستقيم قالوا فما يمنعك من ذلك قال ليس إلى ذلك سبيل قال له

(1/150)


ابنه عبد الله فما يمنعك منه قال أكره أن أتحملها حيا و ميتا و في رواية لا أجمع لبني هاشم بين النبوة و الخلافة. و كيف وصف كل واحد بوصف قبيح كما ترى زعم أنه يمنع من الإمامة ثم جعل الأمر فيمن له تلك الأوصاف و أي تقليد أعظم من الحصر في ستة ثم تعيين من اختاره عبد الرحمن و الأمر بضرب رقاب من يخالف منهم. نهج الحق ص : 288و كيف أمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن البيعة أكثر من ثلاثة أيام و من المعلوم أنهم لا يستحقون ذلك لأنهم إن كلفوا أن يجتهدوا آراءهم في اختيار الإمام فربما طال زمان الاتهاد و ربما نقص بحسب ما يعرض فيه من العوارض فكيف يسوغ الأمر بالقتل إذا تجاوزت الثلاثة. ثم أمر بقتل من يخالف الأربعة و من يخالف العدد الذي فيه عبد الرحمن و كل ذلك مما لا يستحق به القتل. و من العجب اعتذار قاضي القضاة بأن المراد القتل إذا تأخروا على طريق شق العصا و طلبوا الأمر من غير وجهه فإن هذا مناف لظاهر الخبر لأنهم إذا شقوا العصا و طلبوا الأمر من غير وجهه فمن أول الأمر وجب قتالهم.
مخترعات عمر
و منها أنه أبدع في الدين ما لا يجوز مثل التراويح و وضع الخراج على السواد و ترتيب الجزية. و كل هذا مخالف للقرآن و السنة لأنه جعل الغنيمة للغانمين و الخمس لأهل الخمس. نهج الحق ص : 289و السنة تنطق بأن الجزية على كل حال دينار. و أن الجماعة إنما تجوز في الفريض. أجاب قاضي القضاة بأن قيام رمضان جاز أن يفعله النبي و يتركه. و اعترضه المرتضى بأنه لا شبهة في أن التراويح بدعة
لأن رسول الله ص قال أيها الناس إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة بدعة ألا فلا تجمعوا في شهر رمضان في النافلة و لا تصلوا صلاة الضحى فإن قليلا من سنة خير من كثير بدعة ألا و إن كل بدعة ضلالة و كل ضلاله سبيلها إلى النار

(1/151)


و خرج عمر في شهر رمضان ليلا فرأى المصابيح في المسجد فقال ما هذا فقيل له إن الناس قد اجتمعوا لصلاة التطوع فقال بدعة و نعمت البدعة. و اعترف كما ترى بأنها بدعة و قد شهد الرسول ص بأن كل بدعة ضلالة. و سأل أهل الكوفة أمير المؤمنين ع أن ينصب لهم إماما يصلي بهم نافلة شهر رمضان فزجرهم و عرفهم أن ذلك خلاف السنة فتركوه و اجتمعوا لأنفسهم و قدموا بعضهم فبعث إليهم ابنه الحسن ع نهج الحق ص : 290فدخل المسجد و معه الدرة فلما رأوه تبادروا الأبواب و صاحوا وا عمراه. و قيام شهر رمضان أيام الرسول ص ثابت عندنا لكن على سبيل الانفرد و إنما أنكرنا الاجتماع على ذلك و مدعيه مكابر لم يقل به أحد و لو كان كذلك لم يقل عمر إنها بدعة. و هذه البدع بعض ما رواه الجمهور فإن كانوا صادقين في هذه الروايات كيف يجوز الاقتداء بمن طعن فيه بهذه المطاعن و إن كانوا كاذبين فالذنب لهم و الوزر عليهم و على من يقلدهم حيث عرفوا كذبهم و نسب رواياتهم إلى الصحة و جعلوها واسطة بينهم و بين الله تعالى
المطلب الثالث في المطاعن التي رواها الجمهور عن عثمان
منها أن ولي أمر المسلمين من لا يصلح لذلك

(1/152)


و لا يؤتمن عليه و ظهر منه الفسق و الفساد و من لا علم له البتة مراعاة لحرمة القرابة و عدولا عن مراعاة حرمة الدين و قد كان عمر حذره من ذلك. فاستعمل الوليد بن عقبة حتى ظهر منه شرب الخمر و فيه نزل قوله تعالى أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ المؤمن علي و الفاسق الوليد بن عقبة على ما قاله المفسرون و فيه نزل إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا و كان يصلي حال إمارته و هو سكران حتى نهج الحق ص : 291تكلم فيها و التفت إلى من خلفه و قال أزيدكم في الصلاة فقالوا لا قد قضينا صلاتنا. و اسعمل سعيد بن العاص على الكوفة و ظهرت منه أشياء منكرة و قال إنما السواد بستان لقريش تأخذ منه ما شاءت و تترك منه ما شاءت حتى قالوا له أ تجعل ما أفاء الله علينا بستانا لك و لقومك و أفضى الأمر إلى أن منعوه من دخولها و تكلموا فيه و في عثمان كلاما ظاهرا حتى كادوا يخلعون عثمان فاضطروا حينئذ إلى إجابتهم و عزله قهرا لا باختيار عثمان. و ولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر و تكلم فيه أهل مصر فصرفه عنهم بمحمد بن أبي بكر ثم كاتبه بأن يستمر على الولاية فأبطن خلاف ما أظهر فأمره بقتل محمد بن أبي بكر و غيره ممن يرد عليه فلما ظفر محمد بذلك الكتاب كان سبب حصره و قتله.
إيواؤه الحكم بن العاص

(1/153)


و منها أنه رد الحكم بن أبي العاص إلى المدينة و هو طريد رسول الله ص كان قد طرده و أبعده عن المدينة و امتنع أبو بكر من رده نهج الحق ص : 292فصار عثمان بذلك مخالفا للسنة و لسيرة من تقدم مدعيا على رسول الله ص عاملا بدعواه من غير بينة. أجاب قاضي القضاة بأنه قد قل أن عثمان لما عوتب على ذلك ذكر أنه استأذن رسول الله ص. اعترضه المرتضى بأن هذا قول قاضي القضاة لم يسمع من أحد و لا نقل في كتاب و لا يعلم من أين نقله القاضي أو في أي كتاب وجده فإن الناس كلهم رووا خلافه قال الواقدي من طرق مختلفة و غيره إن الحكم بن أبي العاص لما قدم المدينة بعد الفتح أخرجه النبي ص إلى الطائف و قال لا يساكنني في بلد أبدا لأنه كان يتظاهر بعداوة رسول الله ص و الوقيعة فيه حتى بلغ به الأمر إلى أنه كان يعيب النبي ص في مشيه فطرده النبي ص و أبعده و لعنه و لم يبق أحد يعرفه إلا بأنه طريد رسول الله ص فجاء عثمان إلى النبي ص و كلمه فيه فأبى ثم جاء إلى أبي بكر و عمر زمن ولايتهما فكلمهما فيه فأغلظا عليه القول و زبراه و قال له عمر يخرجه رسول الله ص و تأمرني أن أدخله و الله لو أدخلته لم آمن من قول قائل غير عهد رسول الله ص و كيف أخالف رسول الله ص فإياك يا ابن عفان أن تعاودني فيه بعد اليوم. فكيف يحسن من القاضي هذا العذر و هلا اعتذر به عثمان عند أبي بكر و عمر و سلم من تهجينهما إياه و خلص من عتابهما عليه مع أنه لما رده جاءه علي ع و طلحة و الزبير و سعد و عبد الرحمن بن عوف و عمار بن ياسر فقالوا إنك أدخلت الحكم و من معه و قد كان النبي ص أخرجهم و إنا نذكرك الله و الإسلام و معادك فإن لك معادا و منقلبا و قد أبت ذلك الولاة قبلك و لم يطمع أحد أن يكلمهما فيهم و هذا شي ء نخاف الله فيه عليك. نهج الحق ص : 293فقال عثمان إن قرابتهم مني ما تعلمون و قد كان رسول الله ص أخرجه لكلمة بلغته عن الحكم و لن يضركم مكانهم شيئا و في الناس من هو شر منهم

(1/154)


فقال أمير المؤمنين ع لا أحد شر منه و لا منهم ثم قال هل تعلم عمر يقول و الله ليحملن بني أبي معيط على رقاب اناس و الله لئن فعل ليقتلنه فقال عثمان ما كان منكم أحدا يكون بينه و بينه من القرابة ما بيني و بينه و ينال في المقدرة ما نلت إلا كان سيدخله و في الناس هو شر منه فغضب علي و قال و الله لتأتينا بشر من هذا إن سلمت و سترى يا عثمان غب ما تفعل. فهلا اعتذر عند علي و من معه بما اعتذر به القاضي.
عطية عثمان لأقربائه
و منها أنه كان يؤثر أهل بيته بالأموال العظيمة التي اعتدت للمسلمين. دفع إلى أربعة من قريش و زوجهم ببناته أربع مائة ألف دينار. و أعطى مروان مائة ألف دينار. أجاب قاضي القضاة بأنه ربما كان من ماله. اعترضه المرتضى بأن المنقول خلاف ذلك فقد روى الواقدي أن عثمان قال إن أبا بكر و عمر كانا يناولان من هذا المال ذوي أرحامهما و إني ناولت منه صلة رحمي. نهج الحق ص : 294و روى الواقدي أنه بعث إليه أبو موسى الأشعري بمال عظيم من البصرة فقسمه عثمان بين ولده و أهله بالصحاف. و روى الواقدي أيضا قال قدمت إبل من إبل البصرة فوهبها لحارث بن الحكم بن العاص. و ولى الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة فبلغت ثلاثمائة ألف فوهبها له. و أنكر الناس على عثمان إعطاءه سعيد بن العاص مائة ألف.
ما حماه عن المسلمين و صرف الصدقة في غير وجهها
و منها أنه حمى الحمى عن المسلمين. مع أن رسول الله ص جعلهم سواء في الماء و الكلإ. نهج الحق ص : 295و منها أنه أعطى من بيت مال الصدقة المقاتلة و غيرهم. و هذا مما لا يجوز في الدين. أجاب القاضي يجوز أن يكون قد اجتهد. و اعترضه المرتضى بأن المال الذي جعل الله لهجهة مخصوصة لا يجوز أن يعدل به عن جهة بالاجتهاد و لو جاز لبينه الله تعالى لنبيه ص لأنه أعلم بمصالح العباد.
موقف عثمان مع ابن مسعود

(1/155)


و منها أنه ضرب عبد الله بن مسعود حتى كسر بعض أضلاعه و عهد عبد الله بن مسعود إلى عمار أن لا يصلي عثمان عليه و عاده عثمان في مرض الموت فقال له ما تشتكي فقال ذنوبي فقال فما تشتهي قال رحمة ربي قال أدعو لك طبيبا قال الطبيب أمرضني قال أ فلا آمر لك بعطائك قال منعتنيه و أنا محتاج إليه و تعطينيه و أنا مستغن عنه قال يكون لولدك قال رزقهم على الله تعالى قال استغفر لي يا أبا عبد الرحمن قال أسأل الله أن يأخذ لي منك حقي.
و له موقف آخر مع ابن مسعود
و منها أنه ضرب ابن مسعود أيضا على دفن أبي ذر أربعين سوطا لأن أبا ذر لما مات بالربذة و ليس معه إلا امرأته و غلامه و عهد إليهما نهج الحق ص : 296أن غسلاني و كفناني ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم قولوا هذا أبو ذر صاحب رسول الله ص فأعينونا على دفه فلما مات فعلوا ذلك و أقبل ابن مسعود في ركب من العراق معتمرين فلم يرعهم إلا الجنازة على قارعة الطريق و قد كادت الإبل أن تطأها فقام إليهم العبد فقال هذا أبو ذر صاحب رسول الله ص فأعينونا على دفنه
فقال ابن مسعود صدق رسول الله ص قال له تعيش وحدك و تموت وحدك و تبعث وحدك
ثم نزل هو و أصحابه و واروه.
نظرة في مواقف عثمان مع عمار

(1/156)


و منها أنه أقدم على عمار بن ياسر بالضرب حتى حدث به فتق و كان أحد من ظاهر المتظلمين من أهل الأمصار على قتله و كان يقول قتلناه كافرا. و سبب قتله أنه كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي و جواهر فأخذ منه عثمان ما حلي به أهله فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك و كلموه بالردى حتى أغضبوه فقال لنأخذن حاجتنا من هذا الفي ء و إن رغمت أنوف أقوام فقال أمير المؤمنين ع إذن تمنع من ذلك و يحال بينك و بينه فقال عمار أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك فقال عثمان أ علي يا ابن سمية تجترئ خذوه و دخل عثمان فدعا به و ضربه حتى غشي علي ثم أخرج فحمل حتى أدخل بيت أم سلمة فلم يصل الظهر و العصر و المغرب فلما أفاق توضأ و صلى. نهج الحق ص : 297و كان المقداد و عمار و طلحة و الزبير و جماعة من أصحاب رسول الله ص كتبوا كتابا عددوا فيه أحداث عثمان و خوفوه و أعلموه أنهم مواثبوه إن لم يقلع فجاء عمار ه فقرأ منه صدرا و قال أ علي تقدم من بينهم ثم أمر غلمانه فمدوا يديه و رجليه ثم ضربه عثمان على مذاكيره فأصابه فتق و كان ضعيفا كبيرا فغشي عليه.
و كان عمار يقول ثلاثة يشهدون على عثمان بالكفر و أنا الرابع وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
و قيل لزيد بن أرقم بأي شي ء أكفرتم عثمان فقال بثلاث جعل المال دولة بين الأغنياء و جعل المهاجرين من أصحاب رسول الله ص بمنزلة من حارب الله و رسوله و عمل بغير كتاب الله. و كان حذيفة يقول ما في عثمان بحمد الله أشك لكني أشك في قاتله لا أدري أ كان قتل كافرا أو مؤمن خلص إليه النية حتى قتله أفضل المؤمنين إيمانا
مع أن النبي ص كان يقول عمار جلدة ما بين العين و الأنف
و قال ما لهم و لعمار يدعوهم إلى الجنة و يدعونه إلى النار
و قال من عادى عمارا عاداه الله و من أبغض عمارا أبغضه الله

(1/157)


و أي ذنب صدر من عمار و أي كلام غليظ وقع منه استوجب به نهج الحق ص : 298هذا الفعل و قد كان الواجب إقلاع عثمان عما كان يؤخذ عليه فيه أو يعتذر بما يزيل الشبهة عنه. نفي عثمان أبا ذر إلى الربذة
و منها أنه أقدم على أبي ذر رحمة الله تعالى مع تقدمه في الإسلام حتى ضربه و نفاه إلى الربذة. أجاب قاضي القضاة باحتمال أنه اختار لنفسه ذلك. اعترضه المرتضى بأن المتواتر من الأخبار خلاف ذلك لأن المشهور أنه نفاه أولا إلى الشام فلما اشتكى معاوية منه استقدمه إلى المدينة ثم نفاه منها إلى ربذة. و روي أن عثمان قال يوما أ يجوز للإمام أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضى فقال كعب الأحبار لا بأس بذلك فقال أبو ذر يا ابن اليهودية أ تعلمنا ديننا فقال عثمان قد كثر أذاك لي و تولعك بأصحابي الحق بالشام فأخرجه إليها فكان أبو ذر ينكر على نهج الحق ص : 299معاوية أشياء يفعلها فبعث إليه معاوية بثلاثمائة دينار فردها عليه. و كان أبو ذر يقول و الله حدثت أعمال ما أعرفها و الله ما هي في كتاب الله و لا سنة نبيه و الله إني لأرى حقا يطفى و باطلا يحيا و صادقا مكذبا و أثرة بغير تقى و صالحا مستأثرا عليه
فقال حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة فكتب معاوية إلى عثمان فيه فكتب عثمان إلى معاوية أما بعد فاحمل جندبا إلي على أغلظ مركب و أوعره فوجهه مع من سار به ليلا و نهارا و حمله على بعير ليس عليه إلا قتب حتى قدم المدينة و قد سقط لحم فخذيه من الجهد فبعث إليه عثمان و قال له الحق بأي أرض شئت فقال أبو ذر بمكة قال لا قال بيت المقدس قال لا قال بأحد المصرين قال لا و لكن سر إلى ربذة فلم يزل بها حتى مات.

(1/158)


و روى الواقدي أن أبا ذر لما دخل على عثمان قال له لا أنعم الله بك عينا يا جنيدب فقال أبو ذر أنا جنيدب و سماني رسول الله ص عبد الله فاخترت اسم رسول الله ص الذي سماني به على اسمي فقال عثمان أنت الذي تزعم أنا نقول إن يد الله مغلولة و إن الله فقير و نحن الأغنياء فقال أبو ذر لو كنتم لا تزعمون لأنفقتم مال الله في عباده و لكني أشهد لسمعت رسول الله ص يقول إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا و عباده خولا نهج الحق ص : 300و دين الله دخلا فقال هل سمعتم من رسول الله فقال علي و الحاضرون سمعنا رسول اللهص يقول ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر فنفاه إلى ربذة
و روى الواقدي أن أبا الأسود الدؤلي قال كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه فنزلت الربذة فقلت له أ لا تخبرني خرجت من المدينة طائعا أم أخرجت فقال كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغني عنهم فأخرجت إلى المدينة فقلت أصحابي و دار هجرتي فأخرجت منها إلى ما ترى ثم قال بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد إذ مر بي رسول الله ص فضربني برجله و قال لا أراك نائما في المسجد قلت بأبي أنت و أمي غلبتني عيني فنمت فيه فقال كيف تصنع إذا أخرجوك منه قلت إذن ألحق بالشام فإنها أرض مقدسة و أرض بقية الإسلام و أرض الجهاد فقال كيف تصنع إذا أخرجوك منها قلت أرجع إلى المسجد فقال كيف إذا أخرجوك منه قلت آخذ سيفي فأضربه فقال ص أ لا أدلك على خير من ذلك انسق معهم حيث ساقوك و تسمع و تطيع فسمعت و أطعت و أنا أسمع و أطيع و الله ليقتلن الله عثمان و هو آثم في جنبي
نهج الحق ص : 301فكيف يجوز مع هذه الروايات الاعتبار بما قال القاضي. تعطيل عثمان الحد على ابن عمر

(1/159)


و منها أنه عطل الحد الواجب على عبيد الله بن عمر بن الخطاب حيث قتل الهرمزان مسلما فلم يقده به و كان أمير المؤمنين ع يطلبه لذلك. قال القاضي إن للإمام أن يعفو و لم يثبت أن أمير المؤمنين ع كان يطلبه ليقتله بل ليضع من قدره. أجاب المرتضى بأنه ليس له أن يعفو و له جماعة من فارس لم يقدموا خوفا و كان الواجب أن يؤمنهم عثمان حتى يقدموا و يطلبوا بدمه ثم لو لم يكن له ولي لم يكن لعثمان العفو. أما أولا فلأنه قتل في أيام عمر و كان هو ولي الدم و قد أوصى عمر بأن يقتل عبيد الله إن لم تقم البينة العادلة على الهرمزان و جفينة أنهما أمرا أبا لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة بقتله و كانت وصيته إلى أهل الشورى فلما مات عمر طلب المسلمون قتل عبيد الله كما أوصى عمر فدافع و عللهم و حمله إلى الكوفة و أقطعه بها دارا و أرضا فنقم المسلمون منه ذلك و أكثروا الكلام فيه. و أما ثانيا فلأنه حق لجميع المسلمين فلا يكون للإمام العفو عنه و أمير المؤمنين ع إنما طلبه ليقتله لأنه مر عليه يوما فقال له أمير المؤمنين أما و الله لئن ظفرت بك يوما من الدهر لأضربن عنقك فلهذا خرج مع معاوية.
نهج الحق ص : 302براءة الصحابة من عثمان يوم الدار و منها أن الصحابة تبرءوا منه فإنهم تركوه بعد قتله ثلاثة أيام لم يدفنوه و لا أنكروا على من أجلب عليه من أهل الأمصار بل أسلموه و لم يدافعوا عنه بل أعانوا عليه و لم يمنعوا من حصره و لا من منع الماء عنه و لا من قتله مع تمكنهم من ذلك كله. و روى الواقدي أن أهل المدينة منعوا من الصلاة عليه حتى حمل بين المغرب و العتمة و لم يشهد جنازته غير مروان و ثلاثة من مواليه و لما أحسوا بذلك رموه بالحجارة و ذكروه بأسوإ الذكر و لم يقع التمكن من دفنه إلا بعد أن أنكر أمير المؤمنين المنع من دفنه.
عثمان يستهزئ بالشريعة
و منها أنه كان يستهزئ بالشرائع و يجترئ على المخالفة لها

(1/160)


في صحيح مسلم أن امرأة دخلت على زوجها فولدت لستة أشهر فذكر ذلك لعثمان بن عفان فأمر بها أن ترجم فدخل عليه علي فقال نهج الحق ص : 303إن الله عز و جل يقول وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً و قال أيضا وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ قال فو الله ما كان عند عثمن إلا أن بعث إليها فرجمت
كيف استجاز أن يقول هذا القول و يقدم على قتل امرأة مسلمة عمدا من غير ذنب و قد قال الله تعالى وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً و قال تعالى وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
و في الجمع بين الصحيحين أن عثمان و عليا حجا و نهى عثمان عن المتعة و فعلها أمير المؤمنين و أتى بعمرة التمتع فقال عثمان أنهى الناس و أنت تفعل فقال أمير المؤمنين ما كنت لأدع سنة رسول الله ص بقول أحد
و في الجمع بين الصحيحين أن النبي ص صلى صلاة المسافر بمنى و غيرها ركعتين و كذا أبو بكر و عمر و عثمان في صدر خلافته ثم أتمها أربعا. و فيه عن عبد الله بن عمر قال صلى بنا رسول الله بمنى ركعتين و أبو بكر و عمر و عثمان صدرا من خلافته ثم إن عثمان صلى بعد أربعا. نهج الحق ص : 304 و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين من عدة طرق أن النبي ص صلى في السفر دائما ركعتين
فكيف جاز لعثمان تغيير الشرع و تبديله. و في تفسير الثعلبي في قوله تعالى إِنْ هذانِ لَساحِرانِ قال عثمان إن في المصحف لحنا و ستقومه العرب بألسنتهم فقيل له أ لا تغيره فقال دعوه لا يحلل حراما و لا يحرم حلالا.

(1/161)


و في صحيح مسلم أن رجلا مدح عثمان فعمد المقداد فجثا على ركبتيه و كان رجلا ضخما فجعل يحثو في وجهه الحصباء فقال عثمان ما شأنك فقال إن رسول الله ص قال إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب
مع أن المقداد كان عظيم الشأن كبير المنزلة حسن الرأي قال رسول الله ص قد مني قدا و هذا يدل على سقوط مرتبة عثمان عنده و أنه لا يستحق المدح مع أن الصحابة قد كان يمدح بعضهم بعضا من غير نكير.
و منها جرأته على رسول الله ص
روى الحميدي في تفسير قوله تعالى وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً قال السدي لما توفي أبو سلمة و خنيس بن حذافة و تزوج النبي امرأتيهما أم سلمة و حفصة قال طلحة و عثمان أ ينكح محمد نساءنا إذا متنا و لا ننكح نساءه إذا مات و الله لو قد مات لقد أجلبنا على نهج الحق ص : 305نسائه بالسهام و كان طلحة يريد عائشة و عثمان يريد أم سلمة فأنزل الله تعالى وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً و أنز إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ و أنزل إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً.
إن عثمان مطعون في القرآن

(1/162)


و منها ما رواه السدي من الجمهور في تفسير قوله تعالى وَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرَّسُولِ وَ أَطَعْنا الآيات قال السدي نزلت هذه في عثمان بن عفان قال لما فتح رسول الله ص بني النضير فغنم أموالهم قال عثمان لعلي ائت رسول الله فسله أرض كذا و كذا فإن أعطاكها فأنا شريكك فيها و آتيه أنا فأسأله فإن أعطانيها فأنت شريكي فسأله عثمان أولا فأعطاه إياها فقال له علي أشركني فأبى عثمان فقال بيني و بينك رسول الله ص فأبى أن يخاصمه إلى النبي ص فقيل له لم لا تنطلق معه إلى النبي فقال هو ابن عمه فأخاف أن يقضي له فنزل قوله تعالى وَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إلى قوله تعالى أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فلما بلغ عثمان ما أنزل الله فيه أتى النبي ص فأقر لعلي بالحق.
أراد عثمان أن يتهود
و منها ما رواه السدي في تفسير قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ الآية.

(1/163)


قال السدي لما أصيب النبي ص بأحد قال عثمان لألحقن بالشام نهج الحق ص : 306فإن لي به صديقا من اليهود فلآخذن منه أمانا فإني أخاف أن يدال علينا اليهود و قال طلحة بن عبيد الله لأخرجن إلى الشام فإن لي به صديقا من النصارى فلآخذن منه أمانا فإني أخاف أن يدال عليناالنصارى قال السدي فأراد أحدهما أن يتهود و الآخر أن يتنصر قال فأقبل طلحة إلى النبي ص و عنده علي فاستأذنه طلحة في المصير إلى الشام و قال إن لي بها مالا آخذه ثم أنصرف فقال النبي ص عن مثلها من حال تخذلنا و تخرج و تدعنا فأكثر على النبي ص من الاستئذان فغضب علي ع و قال يا رسول الله ائذن لابن الحضرمية فو الله لا عز من نصره و لا ذل من خذله فكف طلحة عن الاستئذان عند ذلك فأنزل الله تعالى فيهم وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ يعني أولئك يقول إنه يحلف لكم أنه مؤمن معكم فقد حبط عمله بما دخل فيه من أمر الإسلام حتى نافق فيه
المطلب الرابع في مطاعن معاوية
و هي أكثر من أن تحصى و قد روى الجمهور منها أشياء كثيرة.
معاوية و أصحابه هم الفئة الباغية
منها ما روى الحميدي قال قال رسول الله ص ويح عمار تقتله الفئة الباغية بصفين يدعوهم إلى الجنة و يدعونه إلى النار
فقتله معاوية نهج الحق ص : 307و لما سمع معاوية اعتذر فقال قتله من جاء به فقال ابن عباس فقد قتل رسول الله ص حمزة لأنه جاء به. نسب معاوية و استلحاقه لزياد

(1/164)


و منها ما رواه أبو المنذر هشام بن محمد السائب في كتاب مثالب قال كان معاوية لأربعة لعمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي و لمسافر ابن عمرو و لأبي سفيان و لرجل آخر سماه. و كانت هند أمه من المعلمات و كان أحب الرجال إليها السودان و كانت إذا ولدت أسود قتلته. و أما حمامة فهي بعض جدات معاوية كان لها راية بذي المجاز يعني من ذوات الغايات في الزناء. و ادعى معاوية أخوة زياد و كان له مدع يقال له أبو عبيد عبد بني علاج من ثقيف فأقدم معاوية على تكذيب ذلك الرجل مع أن زيادا ولد على فراشه. و ادعى معاوية أن أبا سفيان زنى بوالدة زياد و هي عند زوجها المذكور و أن زيادا من أبي سفيان. فانظر إلى هذا الرجل بل إلى القوم الذين يعتقدون فيه الخلافة و أنه حجة الله في أرضه و الواسطة بينهم و بين ربهم و ينقلون عنه أنه ولد الزناء و أن أباه زنى بأخته هل يقاس بمن قال الله في حقه إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.
نهج الحق ص : 308دعا النبي ص على معاوية منها أن رسول الله ص دعا عليه.
و روى مسلم في الصحيح عن ابن عباس قال كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله ص فتواريت خلف باب قال فحطأني حطأة و قال اذهب فادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل فقال لا أشبع الله بطنه قال ابن المثنى قلت لأمية ما حطأني قال فقدني فقدة
فلو لم يكن عنده معاوية من أشد المنافقين لما دعا عليه لأنه كما وصفه الله تعالى وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ و قال في حقه فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ و من يقارب قتل نفسه على الكفار كيف يدعو على مسلم عنده
و قال الله تعالى إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فقال ص و الله لأزيدن على السبعين

(1/165)


و قد ورد في تفسير إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ أن النبي ص كلما آذاه الكفار من قومه قال اللهم اغفر لقومي إنهم لا يعلمون
فلو لم يكن عنده منافقا لكان يدعو له و لا يدعو عليه. و كيف جاز لمعاوية أن يعتذر بالأكل مع
أنه ص قال لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه و أهله و ماله و ولده
حتى نهج الحق ص : 309دعا النبي ص عليه مع أنه لا ينطق عن الهوى فيكون الدعاء بإذن الله تعالى. إن معاوية طعن في خلافة عمر
و منها أنه قال أنا أحق بالخلافة من عمر بن الخطاب. روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين قال قال عبد الله بن عمر دخلت على حفصة و نسواتها ]و نسوانها[ تنظف قلت قد كان من أمر الناس ما تبين ما ترين فلم يحصل لي من الأمر شي ء فقالت الحق بهم فإنهم ينتظرونك و أخشى أن كون في احتباسك عنهم فرقة فلم تدعه حتى ذهب فلما تفرق الناس خطب معاوية فقال من أراد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق منه و من أبيه. قال الحميدي و أراد عبد الله أن يجيب معاوية فأمسك عن الجواب. فإن كان ما يقوله معاوية حقا فقد ارتكب عمر الخطأ في أخذه الخلافة و إن كان باطلا فكيف يجوز تقديمه على طوائف المسلمين.
لعن النبي ص معاوية
و منها أن النبي ص كان يلعنه دائما و يقول الطليق بن الطليق اللعين بن اللعين و قال إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه

(1/166)


و كان من المؤلفة قلوبهم و لم يزل مشركا مدة كون النبي ص مبعوثا يكذب بالوحي و يهزأ بالشرع. و كان يوم الفتح باليمن يطعن على رسول الله ص و يكتب إلى أبيه نهج الحق ص : 310صخر بن حرب يعيره بالإسلام و يقول له أ صبوت إلى دين محمد و فضحتنا حيث يقول الناس إن ابن هندتخلى عن العزى. و كان الفتح في شهر رمضان لثمان سنين من قدوم النبي ص المدينة و معاوية يومئذ مقيم على الشرك هارب من رسول الله ص لأنه قد هدر دمه فهرب إلى مكة فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي ص مضطرا فأظهر الإسلام و كان إسلامه قبل موت النبي ص بخمسة أشهر و طرح نفسه على العباس حتى شفع إلى رسول الله ص فعفا عنه ثم شفع إليه ليكون من جملة خمسة عشر ليكتب له الرسائل.
و منها أنه روى عبد الله بن عمر قال أتيت النبي ص فسمعته يقول يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي فطلع معاوية
و منها أن النبي ص كان ذات يوم يخطب فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد و خرج و لم يسمع الخطبة فقال النبي ص لعن الله القائد و المقود أي يوم يكون لهذه الأمة من معاوية ذي الأستاه
سب معاوية عليا ع
و منها أنه سب أمير المؤمنين ع مع الآيات التي نزلت في تعظيمه و أمر الله تعالى النبي ص بالاستعانة به على الدعاء يوم المباهلة نهج الحق ص : 311و مواخاة النبي ص و استمر سبه ثمانين سنة إلى أن قطعه عمر بن عبد العزيز و فيه قال ابن سنان الخفاجي شعرا أ على المنابر تعلنون بسبه و بسيفه نصبت لكم أعوادها
نماذج أخرى من نسب معاوية و أنسابه و هم الشجرة الملعونة

(1/167)


و منها سم مولانا الحسن ع. و قتل ابنه يزيد مولانا الحسين ع و سلب نساءه. و هدم الكعبة و نهب المدينة و أخافهم. و كسر أبوه ثنية النبي ص و أكلت أمه كبد الحمزة. فما أدري كيف يكون العقل الذي قاد إلى من أحاطت به هذه الرذائل و إلى متابعته. نهج الحق ص : 312و منها أه نزل في حقه و حق أنسابه وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ و منها أن الحافظ أبا سعيد إسماعيل بن علي السمان الحنفي ذكر في كتاب مثالب بني أمية و الشيخ أبا الفتوح محمد بن جعفر بن محمد الهمداني في كتاب بهجة المستفيد أن مسافر بن عمرو بن أمية بن عبد شمس كان ذا جمال و سخاء عشق هندا و جامعها سفاحا فاشتهر ذلك في قريش و حملت هند فلما ظهر السفاح هرب مسافر من أبيها عتبة إلى الحيرة و كان فيها سلطان العرب عمرو بن هند و طلب عتبة أبو هند أبا سفيان و وعده بمال كثير و زوجه ابنته هند فوضعت بعد ثلاثة أشهر معاوية ثم ورد أبو سفيان على عمرو بن هند أمير العرب فسأله مسافر عن حال هند فقال إني تزوجتها فمرض و مات. و منها ما رواه كتاب الهاوية فيه أن معاوية قتل أربعين ألفا من المهاجرين و الأنصار و أولادهم.
و قد قال النبي ص من أعان على قتل امرئ مسلم و لو بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوبا على جبهته آيس من رحمة الله

(1/168)


و فيه عن ابن مسعود لكل شي ء آفة و آفة هذا الدين بنو أمية و الأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى. فلينظر العاقل المنصف هل يجوز له أن يجعل مثل هذا الرجل واسطة بينه و بين الله عز و جل و أنه تجب طاعته على جميع الخلق و قد نقل الجمهور أضعاف ما قلناه و قد كان ظلم معاوية معروفا عند كل أحد حتى النساء. روى الجمهور أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب دخلت على معاوية في خلافته بالشام و هي يومئذ عجوز كبيرة فلما رآها معاوية نهج الحق ص : 313قال مرحبا بك يا خالة قالت كيف أنت يا ابن أخي لقد كفرت النعمة و أسأت لابن عمك الصحبة و تسميت بغير اسمك و أخذت غير حقك بلا بلاء كان منك و لا من أبيك عد أن كفرتم بما جاء به محمد ص فأتعس الله منكم الجدود و أضرع منكم الخدود حتى رد الله الحق إلى أهله و كانت كلمة الله هي العليا و نبينا هو المنصور على كل من ناواه و لو كره المشركون فكنا أهل البيت أعظم الناس في هذا الدين بلاء و عن أهله غناء و قدرا حتى قبض الله نبيه ص مغفورا ذنبه مرفوعة منزلته شريفا عند الله مرضيا فوثب علينا بعده تيم و عدي و بنو أمية فأنت منهم تهدى بهداهم و تقصد بقصدهم فصرنا فيكم بحمد الله أهل البيت بمنزلة قوم موسى و آل فرعون يذبحون أبناءهم و يستحيون نساءهم و صار سيدنا فيكم بعد نبينا ص بمنزلة هارون من موسى حيث يقول ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فلم يجمع بعد رسول الله ص شمل و لم يسهل وعث و غايتنا الجنة و غايتكم النار فقال لها عمرو بن العاص أيتها العجوز الضالة أقصري من قولك و غضي من طرفك قالت من أنت قال أنا عمرو بن العاص قالت يا ابن النابغة اربع على ظلعك و أهن بشأن نفسك ما أنت من قريش في لباب حسبها و لا صحيح نسبها و لقد ادعاك خمسة من قريش كلهم يزعم أنك ابنه و لطالما رأيت أمك أيام منى بمكة تكسب الخطيئة و تتزن الدراهم من كل عبد عاهر هائج و تسافح عبيدنا فأنت بهم أليق و

(1/169)


هم بك أشبه منك بفرع سهم. و الأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى و وقائعه الردية أشهر من أن تذكر
نهج الحق ص : 314المطلب الخامس فيما رواه الجمهور في حق الصحابة روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند سهل بن سعد في الحديث الثامن و العشرين من المتفق عليه قال سمعت رسول الله ص يقول أنا فرطكم على الحوض من ورد شرب و من شرب لم يظمأ و ليردن على أقوام أعرفهم و يعرفونني ثم يحال بيني و بينهم قال أبو حازم فسمع النعمان بن أبي عياش و أنا أحدثهم هذا الحديث فقال هكذا سمعت سهلا يقول قال فقلت نعم قال أنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد على اللفظ المذكور فيقول إنهم من أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا سحقا لمن بدل بعدي
و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين من المتفق عليه في الحديث الستين من مسند عبد الله بن عباس عنه قال ألا إنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم و أنت على كل شي ء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك قال فيقال لي إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم و في الجمع بين الصحيحين للحميدي في الحديث الحادي و الثلاثين بعد المائة من المتفق عليه من مسند أنس بن مالك قال إن النبي ص قال ليردن علي الحوض رجال ممن صحبني حتى إذا رأيتهم و رفعوا إلي رءوسهم اختلجوا فلأقولن أي رب أصحابي فليقالن لي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك

(1/170)


نهج الحق ص : 315 و في الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث السابع و الستين بعد المائتين من المتفق عليه من مسند أبي هريرة من عدة طرق قال قال النبي ص بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل بيني و بينهم فقال هلموا فقلت إلى أين قال إلى النار و الله قلت م شأنهم قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم و رووا نحو ذلك من عدة طرق في مسند أسماء بنت أبي بكر و من عدة طرق في مسند أم سلمة و من عدة طرق في مسند سعيد بن المسيب كل ذلك في الجمع بين الصحيحين
و في الجمع بين الصحيحين أيضا في مسند عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ص أنا فرطكم على الحوض و ليرفعن إلي رجال منكم حتى إذا هويت لأناولهم اختلجوا دوني فأقول أي رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك و روي نحو ذلك في مسند حذيفة بن اليمان في الحديث السابع من المتفق عليه
و في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند أبي الدرداء في الحديث الأول من صحيح البخاري قالت أم الدرداء دخل علي أبو الدرداء و هو مغضب فقلت ما أغضبك فقال و الله ما أعرف من أمة محمد ص شيئا إلا أنهم يصلون جميعا
نهج الحق ص : 316 و في الجمع بين الصحيحين في الحديث الأول من صحيح البخاري من مسند أنس بن مالك عن الزهري قال دخلت على أنس بن مالك بدمشق و هو يبكي فقلت ما يبكيك قال لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة و هذه الصلاة قد ضيعت و في حديث آخر ما أعرف شيئا مما كا على عهد رسول الله ص قيل الصلاة قال أ ليس قد ضيعتم ما ضيعتم فيها
و في الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن مالك و أبي عامر أن النبي ص قال أول دينكم نبوة و رحمة ثم ملك و رحمة ثم ملك جبرية ثم ملك عض يستحل فيه الحر و الحرة

(1/171)


و في الجمع بين الصحيحين في الحديث السادس بعد الثلاث مائة من المتفق عليه من مسند أبي هريرة عن النبي ص قال مثلي كمثل رجل قد استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جاء متهافت الفراش من الدواب إلى النار يقعن فيها و جعل يحجزهن و يغلبنه فيقحمن فيها قال و ذلك مثلي و مثلكم أنا آخذ بحجزكم هلموا عن النار فتغلبونني فتقحمون فيها
و في الجمع بين الصحيحين في الحديث العاشر من مسند ثوبان مولى رسول الله ص و إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين و إذا وقع عليهم السيف لا يرفع عنهم إلى يوم القيامة فلا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين و حتى يعبد الفئام من أمتي الأوثان
نهج الحق ص : 317 و في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع و الأربعين من أفراد البخاري من مسند أبي هريرة أنه قال قال رسول الله ص لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي ما أخذ الدول شبرا بشبر و ذراعا بذراع فقيل يا رسول الله كفارس و الروم قال و من الناس إلا أولئك و في الجمع بين الصحيحين في الحديث الحادي و العشرين من المتفق عليه من مسند أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ص لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر و ذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود و النصارى قال فمن
و روى البغوي في كتاب المصابيح في حديث طويل في صفة الحوض قال قال رسول الله أنا فرطكم على الحوض من مر علي شرب و من شرب لم يظمأ أبدا و ليردن علي أقوام أعرفهم و يعرفونني ثم يحال بيني و بينهم فأقول إنهم أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا سحقا لمن غير بعدي
الصحابة في القرآن و مثالب أخرى

(1/172)


و قد تضمن الكتاب العزيز وقوع أكبر الكبائر منهم و هو الفرار من الزحف فقال تعالى وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. و كانوا أكثر من عشرة آلاف نفر فلم يتخلف معه إلا سبعة أنفس علي بن أبي طالب و العباس و الفضل ابنه و ربيعة و أبو سفيان ابنا نهج الحق ص : 318الحارث بن عبد المطلب و أسامة بن زيد و عبيدة ابن أم أيمن و أسلمه الباقون إلى الأعداء للقتل و لم يخشوا النار و لا العار و آثروا الحياة الديا الفانية على دار البقاء و لم يستحيوا من الله تعالى و لا من نبيهم ص و هو يشاهدهم عيانا. و قال تعالى وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائِماً. رووا أنهم كانوا إذا سمعوا بوصول تجارة تركوا الصلاة معه و الحياء منه و مراقبة الله تعالى و كذا في اللهو. و من كان في زمانه معه بهذه المثابة كيف يستبعد منه مخالفته بعد موته و غيبته عنهم بالكلية. و قال تعالى وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ اتهموا رسول الله ص و هم من أصحابه.

(1/173)


و قال الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن مالك في الحديث الحادي عشر من المتفق عليه أن أناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حيث أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء و طفق رسول الله ص يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل فقالوا يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا و يتركنا و سيوفنا تقطر من دمائهم. و قال الحميدي في هذا الحديث عن أنس أن الأنصار قالت إذا كانت شدة فنحن ندعى و تعطى الغنائم غيرنا. نهج الحق ص : 319قال ابن شهاب فحدث رسول الله ص بذلك فعرفهم في حديث أنه فعل ذلك تأليفا لمن أعطاه. ثم يقول في رواية ازهري عن أنس أن النبي ص قال للأنصار إنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله و رسوله على الحوض قال أنس فلم نصبر
قضية الإفك
و روى مسلم في الصحيح في حديث عائشة عن قضية الإفك قالت قام رسول الله ص على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قالت قال رسول الله ص على المنبر يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا و لقد ذكر رجلا ما علمت عليه إلا خيرا و ما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ فقال أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه و إن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا فقبلنا أمرك قالت فقام سعد بن عبادة و هو سيد الخزرج و كان رجلا صالحا و لكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ كذبت لعمر الله لا تقتله و لا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير و هو ابن عم سعد بن معاذ فقال كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان الأوس و الخزرج حتى هموا أن يقتتلوا و رسول الله ص قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ص يعظهم حتى سكتوا و سكت

(1/174)


فلينظر العاقل المقلد في هذه الأحاديث المتفق على صحتها عندهم كيف بلغوا الغاية في تقبيح ذكر الأنصار و فضائحهم و رداءة صحبتهم لنبيهم في حياته و قلة احترامهم له و ترك الموافقة و كيف أحوجه الأمر إلى قطع الخطبة و منعوه من التألم من المنافق عبد الله بن أبي بن سلول نهج الحق ص : 320و لم يتمكن من الانتصاف من رجل واحد حيث كان لهم غرض فاسد في منعه و خالفوه و اختلفوا عليه و اقتصر على الإمساك فكيف يكون حال أهله بعده مع هؤلاء القوم. و روى الحميدي في مسند أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي ص لما فتح مكة و قتل جماعة من أهلها فجاء أبو سفيان بن الحارث بن هاشم فقال يا رسول الله أبيدت خضراء قريش فلا قريش بعد اليوم فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن و من ألقى سلاحه فهو آمن و من أغلق بابه فهو آمن فقالت الأنصار بعضهم لبعض أما الرجل فأدركته رغبة في تربته و رأفة بعشيرته و في رواية أخرى فقد أخذته رأفة بعشيرته و رغبة في قريته
فلينظر العاقل هل يجوز أو يحسن من الأنصار مثل هذا القول في حق النبي ص.
و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عائشة من المتفق عليه أن النبي ص قال لها يا عائشة لو لا أن قومك حديثو عهد بجاهلية و في رواية حديثو عهد بكفر و في رواية حديثو عهد بشرك و أخاف أن تنكر قلوبهم لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه و لزقته بالأرض و جعلت له بابا شرقيا و بابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم

(1/175)


فانظر أيها المنصف كيف يروون في صحاح أحاديثهم أن النبي ص كان يتقي قوم عائشة و هم من أعيان المهاجرين و الصحابة من أن يواطئهم في هدم الكعبة و إصلاح بنائها فكيف لا يحصل الاختلال بعده في أهل بيته الذين قتلوا آباءهم و أقاربهم. نهج الحق ص : 321 و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عائشة عن عبد الله بن عمرو بن العاص في الحديث الحادي عشر من أفراد مسلم قال إن رسول الله ص قال إذا فتحت عليكم خزائن فارس و الروم أي قوم أنتم قال عبد الرحمن بن عوف نكن كما أمرنا الله فقال رسول الله ص أو غير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون و في رواية ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض و هذا ذم منه ص لأصحابه
و في الجمع بين الصحيحين في مسند المسيب بن حزن بن أبي وهب من أفراد البخاري أن سعيد بن المسيب حدث أن جده حزن قدم على النبي ص فقال ما اسمك قال اسمي حزن قال بل أنت سهل قال ما أنا بمغير اسما سمانيه أبي و في رواية قلت لا أغير اسما سمانيه أبي قال ابن المسيب فما زالت فينا الحزونة بعد
و هذه مخالفة ظاهرة من الصحابي للنبي ص فيما لا يضره بل فيما ينفعه فكيف لا يخالفونه بعد فيما ينفعهم.
و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين من المتفق عليه من مسند أبي هريرة أن رسول الله ص قال و الذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال و أحرق عليهم بيوتهم و الذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا و خبزا برا لشهد العشاء

(1/176)


و هذا ذم من النبي ص لجماعة من أصحابه حيث لم يحضروا الصلاة جماعة معه. نهج الحق ص : 322 و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند حذيفة بن اليمان عن زيد بن زيد قال كنا عند حذيفة فقال رجل لو أدركت رسول الله ص قاتلت معه فأبليت فقال حذيفة أنت كنت تفعل ذلك لقد رأيتنا مع رسول الله ص ليلة الأحزاب و أخذتنا ريح شديدة وقر فقال رسول الله ص ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا فلم يجبه منا أحد ثم قال ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا فلم يجب منا أحد ثم قال ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا فلم يجبه منا أحد فقال قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم قال اذهب فأتني بخبر القوم و لا تذعرهم فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله ص لا تذعرهم و لو رميته لأصبته فرجعت و أنا أمشي في مثل حمام فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم و فرغت قررت فألبسني رسول الله ص من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أزل نائما حتى أصبحت قال قم يا نومان
و هذا يدل على التهاون في أمره و الإعراض عن مطالبه و قلة القبول منه و ترك المراقبة لله تعالى و إيثارهم الحياة على لقاء الله تعالى فكيف يستبعد منهم المخالفة بعد موته.

(1/177)


و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين من أفراد البخاري من مسند ابن عمر قال بعث رسول الله ص خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتل و يأسر و دفع إلى كل رجل منا أسيره نهج الحق ص : 33حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل واحد منا أسيره فقلت و الله لا أقتل أسيري و لا يقتل واحد من أصحابي أسيره حتى قدمنا على رسول الله ص فذكرنا له ذلك فرفع يديه و قال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين
و لو كان ما فعله خالد صوابا لم يتبرأ الرسول ص منه و إذا كان خالد قد خالفه في حياته و خانه في أمره فكيف به و بغيره بعده.
و روى أحمد بن حنبل في مسنده من عدة طرق أن رسول الله ص بعث ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكة فلما بلغ ذا الحليفة دعا عليا ع فقال أدرك أبا بكر فحيث لحقته فخذ الكتاب منه و اذهب به إلى أهل مكة و اقرأ عليهم قال فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه نهج الحق ص : 324فرجعأبو بكر إلى النبي ص فقال يا رسول الله نزل في شي ء قال لا و لكن جبرئيل جاءني فقال لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك و نحوه روى البخاري في صحيحه و في الجمع بين الصحاح الستة عن أبي داود و الترمذي عن عبد الله بن عباس أن النبي ص دعا أبا بكر و أمره أن ينادي في الموسم ببراءة ثم أردفه عليا فبينا أبو بكر في بعض الطريق إذ سمع رغاء ناقة رسول الله ص العضباء فقام أبو بكر فزعا و ظن أنه حدث أمر فدفع إليه علي كتاب رسول الله ص فيه أن عليا ينادي بهؤلاء الكلمات فإنه لا يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي فانطلقا فقام علي أيام التشريق ينادي ذمة الله و رسوله برية من كل مشرك فسيحوا في الأرض أربعة أشهر و لا يحجن بعد العام مشرك و لا يطوف بالبيت بعد اليوم عريان و لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة

(1/178)


و رواه الثعلبي في تفسير براءة و روى أن أبا بكر رجع إلى رسول الله ص فقال نزل في شي ء قال لا و لكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني فمن لا يصلح لأداء آيات يسيرة يبلغها كيف يستحق التعظيم المفرط في الغاية و تقديمه على من عزله و كان هو المؤدي و لكن صدق الله العظيم فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ. فلينظر العاقل في هذه القصة و يعلم أن الله تعالى لو لم يرد إظهار فضيلة نهج الحق ص : 325مولانا أمير المؤمنين ع و أن أبا بكر ينبغي أن يتابعه لما رده عن طريقه بعد خروجه من المدينة على أعين الخلائق و كان يمنعه من الخروج في أول الحال بحيث لا يعلم أحد انحطاط مرتبته لكن لم يأمره بالرد إلا بعد تورطه في امسير أياما لأنه سبق في علمه تعالى تقصير أكثر الأمة بعد النبي ص ففعل في هذه القضية ما فعل ليكون حجة له تعالى عليهم يوم العرض بين يديه. و كذلك في قصة خيبر
فإنهم رووا في صحيح أخبارهم أن النبي ص أعطى أبا بكر الراية فرجع منهزما ثم أعطاها لعمر فرجع منهزما فقال ص لأعطين الراية رجلا يحبه الله و رسوله و يحب الله و رسوله كرار غير فرار ثم أعطاها لعلي ع
و قصد بذلك إظهار فضله و حط منزلة الآخرين لأنه قد ثبت بنص القرآن العظيم أنه ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى فوجب أن يكون دفع الراية إليهما بقول الله تعالى و لا شك في أنه تعالى عالم بالأشياء في الأزل فيكون عالما بهرب هذين فلو لا إرادة إظهار فضل علي ع لكان في ابتداء الأمر أوحى بتسليم الراية إليه. ثم إن النبي ص وصفه بما وصفه و هو يشعر باختصاصه بتلك الأوصاف و كيف لا يكون و محبة الله تعالى تدل على إرادة لقائه و أمير المؤمنين ع لم يفر قاصدا بذلك لقاء ربه تعالى فيكون محبا له تعالى.
تألم علي ع من الصحابة

(1/179)


و قد روى ابن عبد ربه من الجمهور أن أمير المؤمنين كان يتألم من الصحابة كثيرا في عدة مواطن و على رءوس المنابر و قال في بعض خطبته نهج الحق ص : 326عفا الله عما سلف سبق الرجلان و قام الثالث كالغراب همه بطنه ويله لو قص جناحه و قطع رأسه لكان خيرا له انظروا فإن نكرتم فأنكروا و إن عرفتم فاعرفوا ألا إن أبرار عترتي و أطائب أرومتي أحلم الناس صغارا و أعلمهم كبارا ألا و إنا نحن أهل البيت من علم الله علمنا و بحكم الله حكمنا من قول صادق سمعنا فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا معنا راية الحق من تبعها لحق و من تأخر عنها غرق ألا و بنا عزة كل مؤمن و بنا تخلع ربقة الذل من أعناقهم و بنا فتح الله و بنا ختم
و نقل الحسن بن عبد الله بن مسعود بن العسكري من أهل السنة في كتاب معاني الأخبار بإسناده إلى ابن عباس قال ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين ع فقال و الله لقد تقمصها فلان ابن أبي قحافة و إنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل و لا يرقى إلي الطير فسدلت دونها ثوبا و طويت عنها كشحا و طفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء يشيب فيها الصغير و يهرم فيها الكبير و يكدح فيها قلب المؤمن حتى يلقى ربه فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى فصبرت و في العين قذى و في الحلق شجى أرى تراثي نهبا حتى مضى الأول لسبيله فأدلى إلى فلان ابن الخطاب بعده ثم تمثل بقول الأعشى
شتان ما يومي على كورها و يوم حيان أخي جابر

(1/180)


فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشد ما تشطر ضرعيها فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها و يخشن مسها و يكثر العثار فيها و الاعتذار منها فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحم فمني الناس لعمر الله نهج الحق ص : 327بخبط شماس و تلون و اعتراض فصبرت على طول المدة و شدة المحنة. حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم فيا لله و للشورى متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر لكني أسففت إذ أسفوا و طرت إذ طاروا فصفى رجل منهم لضغنه و مال الآخر لصهره مع هن و هن إلى أن قام ثالث القوم نافخا حضنيه بين نثيله و معتلفه و قام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبته الربيع إلى أن انتكث فتله و أجهز عليه عمله و كبت به بطنته فما راعني إلا و الناس كعرف الضبع إلي ينثالون علي من كل جانب حتى لقد وطئ الحسنان و شق عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة و مرقت أخرى و قسط آخرون كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بلى و الله لقد سمعوها و وعوها و لكنهم حليت الدنيا في أعينهم و راقهم زبرجها أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لو لا حضور الحاضر و قيام الحجة بوجود الناصر و ما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم و لا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها و لسقيت آخرها بكأس أولها و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز

(1/181)


نهج الحق ص : 328و هذا يدل بصريحه على تألم أمير المؤمنين و تظلمه من هؤلاء الصحابة و أن المستحق للخلافة هو و أنهم منعوه عنها و من الممتنع ادعاؤه الكذب و قد شهد الله له بالطهارة و إذهاب الرجس عنه و جعله وليا لنا في قوله تعالى إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ َسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الآية و أمر النبي ص بالاستعانة به في الدعاء المباهلة فوجب أن يكون محقا في أقواله.
و روي أنه اتصل به أن الناس قالوا ما باله لم ينازع أبا بكر و عمر و عثمان كما نازع طلحة و الزبير فخرج مرتديا ثم نادى بالصلاة جامعة فلما اجتمع أصحابه قام خطيبا فحمد الله و أثنى عليه ثم قال يا معشر الناس بلغني أن قوما قالوا ما باله لم ينازع أبا بكر و عمر و عثمان كما نازع طلحة و الزبير و عائشة و إن لي في سبعة من الأنبياء أسوة فأولهم نوح قال الله تعالى أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فإن قلتم ما كان مغلوبا كذبتم القرآن و إن كان ذلك كذلك فعلي أعذر و الثاني إبراهيم خليل الرحمن حيث يقول وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ نهج الحق ص : 329فإن قلتم إنه اعتزلهم من غير مكروه فقد كفرتم و إن قلتم رأى مكروها منهم فاعتزلهم فالوصي أعذر و الثالث ابن خالته لوط إذ قال لقومه لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً فإن قلتم إنه لم يكن بهم قوة فاعتزلهم فالوصي أعذر و يوسف إذ قل رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ فإن قلتم إنه دعي إلى ما يسخط الله عز و جل فاختار السجن فالوصي أعذر و موسى بن عمران إذ يقول فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ فإن قلتم إنه فر منهم خوفا فالوصي أعذر و هارون إذ قال يا ابن أم إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فإن قلتم إنهم

(1/182)


استضعفوه و أشرفوا على قتله فالوصي أعذر و محمد ص لما هرب إلى الغار فإن قلتم إنه هرب من غير خوف أخافوه فقد كذبتم و إن قلتم إنهم أخافوه فلم يسعه إلا الهرب فالوصي أعذر فقال الناس جميعا صدق أمير المؤمنين
و روى ابن المغازلي الشافعي في كتاب المناقب بإسناده قال نهج الحق ص : 330قال رسول الله ص لعلي بن أبي طالب إن الأمة ستغدر بك بعدي و من كتاب المناقب لأبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ من الجمهور بإسناده إلى ابن عباس قال خرجت أنا و النبي ص و علي فرأيت حديقة فقلت ما أحسن هذه يا رسول الله ص فقال حديقتك في الجنة أحسن منها ثم مررنا بحديقة فقال علي ما أحسن هذه يا رسول الله قال حتى مررنا بسبع حدائق فقال حدائقك في الجنة أحسن منها ثم ضرب بيده على رأسه و لحيته و بكى حتى علا بكاؤه قال علي ع ما يبكيك يا رسول الله قال ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني

(1/183)


فإذا كان علماؤهم قد رووا هذه الروايات لم يخل إما أن يصدقوا فيجب العدول عنهم و إما أن يكذبوا فلا يجوز التعويل على شي ء من رواياتهم البتة. و قد روى الحافظ محمد بن موسى الشيرازي في كتابه الذي استخرجه من التفاسير الاثني عشر تفسير أبي يوسف يعقوب بن سفيان و تفسير ابن جريح و تفسير مقاتل بن سليمان و تفسير وكيع بن جراح و تفسير يوسف بن موسى القطان و تفسير قتادة و تفسير سليمان و تفسير أبي عبد الله القاسم بن سلام و تفسير علي بن حرب الطائي و تفسير السدي و تفسير مجاهد و تفسير مقاتل بن حيان و تفسير أبي صالح و كلهم من الجماهر عن أنس بن مالك قال كنا جلوسا عند رسول الله ص نهج الحق ص : 331فتذاكرنا رجلا يصلي و يصوم و يزكي فقال لنا رسول الله ص لا أعرفه فقلنا ي رسول الله إنه يعبد الله و يسبحه و يقدسه و يوحده فقال رسول الله ص لا أعرفه فبينا نحن في ذكر الرجل إذ طلع علينا فقلنا هو ذا فنظر إليه رسول الله ص و قال لأبي بكر خذ سيفي هذا و امض إلى هذا الرجل و اضرب عنقه فإنه أول من يأتيه من حزب الشيطان فدخل أبو بكر المسجد فرآه راكعا فقال و الله لا أقتله فإن رسول الله ص نهانا عن قتال المصلين فرجع إلى رسول الله ص فقال يا رسول الله إني رأيته يصلي فقال رسول الله ص اجلس فلست بصاحبه قم يا عمر و خذ سيفي من أبي بكر و ادخل المسجد و اضرب عنقه قال عمر فأخذت السيف من أبي بكر و دخلت المسجد فرأيت الرجل ساجدا فقلت و الله لا أقتله فقد استأمنه من هو خير مني فرجعت إلى رسول الله ص فقلت يا رسول الله إني رأيت الرجل ساجدا فقال يا عمر اجلس فلست بصاحبه قم يا علي فإنك أنت قاتله إن وجدته فاقتله فإنك إن قتلته لم يقع بين أمتي اختلاف أبدا قال علي فأخذت السيف و دخلت المسجد فلم أره فرجعت إلى رسول الله ص فقلت يا رسول الله ما رأيته فقال يا أبا الحسن إن أمة موسى افترقت إحدى و سبعين فرقة فرقة ناجية و الباقون في النار و إن أمة عيسى افترقت

(1/184)


اثنتين و سبعين فرقة فرقة ناجية و الباقون في النار و إن أمتي ستفترق على ثلاث و سبعين فرقة فرقة ناجية و الباقون في النار فقلت يا رسول الله و ما الناجية فقال المتمسك بما أنت و أصحابك عليه فأنزل الله في ذلك ثانِيَ عِطْفِهِ يقول هذا أول من يظهر من أصحابك البدع و الضلالات نهج الحق ص : 332قال ابن عباس و الله ما قتل ذلك الرجل إلا أمي المؤمنين ع يوم صفين ثم قال له في الدنيا خزي القتل و يذيقه يوم القيامة عذاب الحريق بقتاله علي بن أبي طالب ع
فلينظر العاقل إلى ما تضمنه هذا الحديث المشهور المنقول من أن أبا بكر و عمر و لم يقبلا أمر النبي ص و لم يقبلا قوله و اعتذر بأنه يصلي و يسجد و لم يعلما أن النبي ص أعرف بما هو عليه منهما و لو لم يكن مستحقا للقتل لم يأمر الله نبيه بذلك و كيف ظهر إنكار النبي ص على أبي بكر بقوله لست بصاحبه و امتنع عمر من قتله و مع ذلك فإن النبي ص حكم بأنه لو قتل لم يقع بين أمته اختلاف أبدا و كرر الأمر بقتله ثلاث مرات عقيب الإنكار على الشيخين و حكم ص بأن أمته ستفترق ثلاثا و سبعين فرقة اثنتان و سبعون منها في النار و أصل هذا بقاء ذلك الرجل الذي أمر النبي ص الشيخين بقتله فلم يقتلاه فكيف يجوز للعامي تقليد من يخالف أمر رسول الله ص.
قول عمر إن النبي ليهجر
و هذا كما روى مسلم في صحيحه و الحميدي في مسند عبد الله بن نهج الحق ص : 333عباس قال لما احتضر النبي ص و في بيته رجال منهم عمر بن الخطاب فقال النبي ص هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده فقال عمر بن الخطاب قد غلب عليه الوجع و إن الرجل ليهجر حسبكم كتاب الله وفي رواية ابن عمر أن النبي ليهجر قال الحميدي في الجمع بين الصحيحين فاختلف الحاضرون عند النبي ص فبعضهم يقول القول ما قاله النبي ص و بعضهم يقول القول ما قاله عمر فلما أكثروا اللغط و الاختلاف قال النبي ص قوموا عني و لا ينبغي عندي التنازع

(1/185)


و كان عبد الله بن عباس يبكي حتى تبل دموعه الحصى و يقول يوم الخميس و ما يوم الخميس و كان يقول الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ص و بين كتابه
فلينظر العاقل إلى ما تضمنه هذا الحديث من سوء أدب الجماعة في حق نبيهم و قد قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ الآية ثم إنه ص لما أراد إرشادهم و حصول الألفة بينهم بحيث لا تقع بينهم العداوة و البغضاء منعه عمر من ذلك و صده عنه و مع هذا لم يقتصر على مخالفته حتى شتمه و قال إنه يهذي و الله يقول وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى و بالخصوص مثل هذا الكتاب النافي للضلال. و كيف يحسن مع عظمة رسول الله ص و أمر الله تعالى الخلق بتوقيره و تعظيمه و إطاعته في أوامره و نواهيه أن يقول له بعض أتباعه إنه يهذي مقابلا في وجهه بذلك. نهج الحق ص : 334 و في الجمع بين الصحيحين من مسند جابر بن عبد الله قال دعا رسول الله ص عند موته فأراد أن يكتب لهم كتابا لا يضلون بعده أبدا فكثر اللغط و تكلم عمر فرفضها رسول الله ص
و كيف يسوغ لعمر منع رسول الله ص من كتبه ما يهتدون به إلى يوم القيامة فإن كان هذا الحديث صحيحا عن عمر وجب ترك القبول منه و إلا لم يجز لهم إسناده إليه و حرم عليهم التعويل على كتبهم هذه.
نوادر الأثر في علم عمر

(1/186)


و في الجمع بين الصحيحين من مسند أبي هريرة من أفراد مسلم قال كنا قعودا حول عند رسول الله ص و معنا أبو بكر و عمر في نفر فقام رسول الله ص من بين أظهرنا فأبطأ علينا حتى خشينا أن يقطع دوننا و فزعنا فقمنا و كنت أول من فزع فخرجت أبتغي رسول الله ص حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النجار فدرت به هل أجد له بابا فلم أجده فإذا ربيع أي جدول يدخل في جوف حائط من بئر خارجة فاحتفرت كما يحتفر الثعلب فدخلت على رسول الله ص فقال أبو هريرة فقلت نعم يا رسول الله فقال ما شأنك قلت كنت بين أظهرنا فقمت و أبطأت علينا فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا فكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفرت كما يحتفر الثعلب و هؤلاء الناس ورائي فقال يا أبا هريرة و أعطاني نعليه فقال اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة فكان أول من لقيت عمر فقال ما هاتان النعلان يا أبا هريرة قلت نعلا رسول الله ص بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشرته بالجنة قال فضرب نهج الحق ص : 335عمر بين ثديي فخررت لاستي فقال ارجع يا أبا هريرة فرجعت إلى رسول الله ص فأجهشت بالبكاء و ركبني عمر فإذا هو على أثريفقال رسول الله ما لك يا أبا هريرة قلت لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي و قال ارجع فقال له رسول الله ص يا عمر ما حملك على ما صنعت فقال يا رسول الله بأبي أنت و أمي أ بعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة قال رسول الله ص نعم قال فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون فقال رسول الله ص خلهم

(1/187)


و هذا رد من عمر على رسول الله ص و إهانة لرسول الله ص حيث ضرب أبا هريرة حتى قعد على استه و رجع إلى رسول الله ص باكيا شاكيا. مع أنه لو كان شريكا له في الرسالة لم يحسن منه وقوع مثل هذا في حق اتباع رسول الله ص. مع أنه كان يمكنه منع أبي هريرة من أداء الرسالة على وجه أليق و ألطف فيبلغ غرضه معظما لرسول الله ص. مع أن رسول الله ص قال له ذلك بوحي من الله تعالى لقوله وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى و لأن هذا جزاء أخروي لا يعلمه إلا الله تعالى. و لأنه ضمان على الله تعالى و لأنه الحاكم في الجنة. مع أن رسول الله ص
فيما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين نهج الحق ص : 336في مسند أبي ذر قال ص أتاني جبرئيل فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة و في رواية لم يدخل النار فهذا صحيح عندهم فكيف استجاز عمر الرد على رسول الله ص.
و فيه في مسند غسان بن مالك متفق عليه قال إن النبي ص قال إن الله تعالى قد حرم النار على من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجهه
و إذا كان النبي ص قال ذلك في عدة مواضع كيف استجاز عمر فعل ما فعله بأبي هريرة.

(1/188)


و قد روى عبد الله بن عباس و جابر و سهل بن حنيف و أبو وائل و القاضي عبد الجبار و أبو علي الجبائي و أبو مسلم الأصفهاني و يوسف و الثعلبي و الطبري و الواقدي و الزهري و البخاري و الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند المسور بن مخرمة في حديث الصلح بين سهيل بن عمرو و بين النبي ص بالحديبية يقول فيه عمر بن الخطاب فأتيت النبي ص فقلت له أ لست نبي الله حقا قال بلى قلت أ لسنا على الحق و عدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطى الدنية في ديننا قال إني رسول الله و لست أعصيه و هو ناصري قلت أ و ليس كنت حدثتنا أنا سنأتي البيت و نطوف به قال بلى أ فأخبرتك أنا نأتيه العام قلت لا قال فإنك آتيه و مطوف به نهج الحق ص : 337قال عمر فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أ ليس هذا نبي الله حقا قال بلى قلت أ لسنا على الحق و عدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطى الدنية في ديننا إذن قال أيها الرجل نه رسول الله و ليس يعصي ربه و هو ناصره فاستمسك بغرزه فو الله إنه على الحق قلت أ ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت و نطوف به قال فأخبرك أنك تأتيه العام قلت لا قال فإنك آتيه و مطوف به و زاد الثعلبي في تفسيره سورة الفتح و غيره من الرواة أن عمر بن الخطاب قال ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ
و هذا الحديث يدل على تشكيك عمر و الإنكار على النبي ص فيما فعله بأمر الله تعالى ثم رجوعه إلى أبي بكر حتى أجابه بالصحيح و كيف استجاز عمر أن يوبخ النبي ص و يقول له عقيب قوله إني رسول الله و لست أعصيه و هو ناصري أ و لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت و نطوف به.
و في الجمع بين الصحيحين في مسند عائشة من المتفق على صحته أن عائشة قالت أعتم رسول الله ص بالعشاء حتى ناداه عمر بالصلاة نام النساء و الصبيان فخرج رسول الله ص و قال و ما كان لكم أن تنذروا رسول الله ص على الصلاة و ذلك حين صاح عمر بن الخطاب

(1/189)


و قد قال الله تعالى لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ نهج الحق ص : 338لا تَشْعُرُونَ فجعل ذلك محبطا للعمل و قال إِنَّ الَّذِينَ يُنادُوَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
و في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ص فسأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ص ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ص فقال يا رسول الله ص أ تصلي عليه و قد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله ص إنما خبرني الله تعالى قال اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً و سأزيد على السبعين قال إنه منافق فصلى عليه رسول الله ص
و هذا رد على النبي ص.
و في الجمع بين الصحيحين من مسند عائشة قالت كان أزواج رسول الله ص يخرجن ليلا إلى ليل قبل المصانع فخرجت سودة بنت زمعة فرآها عمر و هو في المجلس فقال عرفتك يا سودة فنزلت آية الحجاب عقيب ذلك

(1/190)


و هو يدل على سوء أدب عمر حيث كشف سر زوجة النبي ص و دل عليها أعين الناس و أخجلها و ما قصدت بخروجها ليلا إلا الاستتار نهج الحق ص : 339عن أعين الناس و صيانة نفسها و أي ضرورة له إلى تخجيلها حتى أوجب ذلك نزول آية الحجاب. و في الجمع بين الصحيحين في مسند جابر بن عبد الله من المتفق عليه قال جابر إن أباه قتل يوم أحد شهيدا فاشتد الغرماء في حقوقهم فأتيت رسول الله ص و كلمته فسألهم أن يقبلوا ثمرة حائطي و يحلوا أبي فلم يوافقوا فلم يعطهم رسول الله ص ثمرة حائطي و لم يكسره لهم و لكن قال سأغدو عليكم فغدا علينا رسول الله ص حين أصبح فطاف في النخل و دعا في ثمرها بالبركة فجذذتها فقضيتهم حقوقهم و بقي لنا من ثمرها بقية ثم جئت إلى رسول الله ص فأخبرته بذلك فقال رسول الله ص لعمر و هو جالس اسمع يا عمر فقال عمر إن لم نكن قد علمنا أنك رسول الله فو الله إنك لرسول الله ص
و هذا يدل على أن النبي ص سيئ الرأي فيه و لهذا أمره بالسماع و أجاب عمر إن لم نكن علمنا أنك رسول الله فإنك رسول الله ص.
و في الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن مالك قال إن رسول الله ص شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه

(1/191)


و هذا يدل على سقوط منزلتهما عنده و قد ظهر بذلك كذب من اعتذر عنهما في ترك القتال ببدر بأنهما كانا أو أحدهما في العريش يستضي ء نهج الحق ص : 340برأيهما فمن لا يسمع قولهما في ابتداء الحال كيف يستنير بهما حال الحرب. و قد اعترض أبو هاشم الجبائي فقال أ يجوز أن الف النبي ص فيما يأمر به. ثم أجاب فقال أما ما كان على طريق الوحي فليس يجوز مخالفته على وجه من الوجوه و أما ما كان على طريق الرأي فسبيله سبيل الأئمة في أنه لا يجوز أن يخالف ذلك حال حياته و يجوز بعد وفاته و الدليل على ذلك أنه أمر أسامة بن زيد أن يخرج بأصحابه في الوجه الذي بعثه فيه فأقام أسامة و قال لم أكن لأسأل عنك الركبان و كذلك أبو بكر استرجع عمر و كان لأبي بكر استرجاع عمر. و هذا قول بتجويز مخالفة النبي ص و الله تعالى قد أمر بطاعته و حرم مخالفته ثم كيف يجيب بجواز المخالفة بعد الموت لا حال الحياة و يستدل عليه بفعل أسامة و أبي بكر و عمر و مخالفتهم كانت في حياة الرسول ص و لهذا قال أسامة لم أكن لأسأل عنك الركبان و هذا يدل على المخالفة في الحياة و بعد الموت فأي وقت يجب القبول منه و كيف يجوز لهؤلاء القوم أن يستدلوا على جواز مخالفة الرسول ص بفعل أسامة و أبي بكر و عمر. نهج الحق ص : 341 و في الجمع بين الصحيحين قال قال النبي ص رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميضاء امرأة أبي طلحة فسمعت خفقة فقلت من هذا قال هذا بلال فرأيت قصرا بفنائه جارية فقلت لمن هذا فقال لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك فوليت مدبرا فبكى عمر و قال عليك أغار يا رسول الله
و كيف يجوز أن يرووا مثل هذا الخبر و أي عقل يدل على أن الرميضاء و بلالا يدخلان الجنة قبل النبي ص ثم قوله ذكرت غيرتك يعطي أن عمر كان يعتقد جواز وقوع الفاحشة من النبي ص في الجنة.
و في الجمع بين الصحيحين أن عمر قال يوم مات رسول الله ما مات محمد و لا يموت حتى يكون آخرنا

(1/192)


و فيه عن عائشة من أفراد البخاري أن رسول الله ص مات و أبو بكر بالسنح يعني بالعالية فقام عمر يقول و الله ما مات رسول الله قالت و قال عمر ما كان يقع في نفسي إلا ذاك و ليبعثنه الله فليقطعن أيدي قوم و أرجلهم فجاء أبو بكر فكشف عن وجه رسول الله ص و عرفه أنه قد مات
و قد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين اعتذار عمر عن ذلك من أفراد البخاري عن أنس أنه سمع خطبة عمر بن الخطاب الأخيرة حين جلس على منبر رسول الله ص و ذلك في الغد من يوم توفي رسول الله ص فتشهد و أبو بكر صامت لا يتكلم و قال عمر فإني قلت لكم أمس مقالة ما كانت في كتاب أنزله الله و لا في عهد نهج الحق ص : 342عهده إلى رسول الله ص و لكن أرجو أن يعيش حتى يدبرنا و هذا اعتراف منه صريح بأنه تعمد قول ما ليس في كتاب الله و لا في سنة النبي ص و أنه كان مخطئا فيه ثم اعتذر بأنه رجا أن يعيش النبي ص في زمانه و يدبره و كل هذا اضطراب.
و في الجمع بين الصحيحين في مسند أبي هريرة قال كان رسول الله ص يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول من قام رمضان إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر

(1/193)


فتوفي رسول الله ص و الأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر و صدرا من خلافة عمر. ثم روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أبي هريرة من المتفق على صحته عن عبد الرحمن بن عبد الباري قال خرجت مع عمر ليلا في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل نفسه و يصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب. قال ثم خرجت معه ليلة أخرى و الناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر بدعة و نعمت البدعة هذه و التي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل و كان الناس يقومون أوله فلينظر العاقل و ينصف هل يحل لأحد أن يبتدع بدعة و يستحسنها. نهج الحق ص : 343 و قد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ص كل بدعة ضلالة
و يقول عمر إنها بدعة و نعمت البدعة و يأمر بها و يحث عليها. و كيف استجاز لنفسه أن يأمر بما لم يأمر الله و لا نبيه به أ تراه أعلم منهما بمصلحة العباد معاذ الله تعالى أو أن النبي ص كتمه نعوذ بالله منه أو أن المسلمين في زمان النبي ص و أبي بكر أهملوا
و قد قال النبي ص من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد
و رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن مالك قال كان رسول الله ص يصلي في رمضان فجئت و قمت إلى جنبه و جاء رجل آخر فقام أيضا حتى كنا رهطا فلما أحس النبي ص بنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة ثم دخل رحله فجعل يصلي صلاة لا يصليها عندنا فقال فقلنا له حين أصبحنا أ فطنت لنا الليلة فقال نعم و ذلك الذي جعلني على الذي صنعت
فإذا كان النبي ص امتنع أن يكون إماما في نافلة رمضان و منع من الاجتماع فيها فكيف جاز لعمر أن يخالفه و مع هذا يشهد على نفسه أنه بدعة ابتدعه و مع ذلك يستمر أكثر المسلمين عليه و يهملون ما فعله النبي ص و أبو بكر.

(1/194)


و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن سلمة بن الأكوع و جابر قالا كنا في جيش فأتانا رسول الله ص قال قد أذن نهج الحق ص : 344لكم أن تستمتعوا يعني متعة النساء و فيه في مسند عبد الله بن مسعود كنا نغزو مع رسول الله ص ليس معنا نساء فقلنا أ لا نستخصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أبي موسى الأشعري عن إبراهيم بن أبي موسى أن أباه كان يفتي بالمتعة فقال له رجل رويدك ببعض فتياك فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك فلقيه بعد ذلك فسأله فقال عمر قد علمت أن النبي قد فعله و أصحابه و لكن كرهت أن يظلوا معرسين بين الأراك ثم يروحوا في الحج تقطر رءوسهم
و في الجمع بين الصحيحين في مسند عمران بن الحصين في متعة الحج و قد تقدم لعمران بن الحصين حديث في متعة النساء أيضا قال أنزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى و فعلناها مع رسول الله ص و لم ينزل قرآن يحرمها و لم ينه عنها رسول الله ص حتى مات و قال رجل برأيه ما شاء نهج الحق ص : 345قال البخاري و مسلم في صحيحيهما أنه عمر و هذا تصريح بأن عمر قد غير شرع الله و شريعة نبيه في المتعتين و عمل فيهما برأيه و قال الله تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ فإن كانت هذه الروايات صحيحة عندهم فقد ارتكب عمر كبيرة و إن كانت كاذبة فكيف يصححونها و يجعلونها من الصحاح.
و في الجمع بين الصحيحين للحميدي من عدة طرق منها في مسند عبد الله بن عباس قال كان الطلاق على عهد رسول الله ص و أبي بكر و سنتين من خلافة عمر الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم

(1/195)


فلينظر العاقل هل كان يجوز لعمر مخالفة الله و رسوله حيث جعل الثلاث واحدة و يجعلها هو ثلاثا.
و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عمار بن ياسر قال إن رجلا أتى عمر فقال إني أجنبت فلم أجد ماء فقال لا تصل فقال عمار أ لا تذكر يا عمر إذ أنا و أنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء فأما أنت فلم تصل و أما أنا فتمعكت بالتراب و صليت فقال رسول الله ص إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تمسح بهما وجهك و كفيك فقال عمر اتق الله يا عمار فقال إن شئت لم نهج الحق ص : 346أحدث به فقال عمر نوليك ما توليت و هذا يدل على عدم معرفة عمر بظاهر الأحكام و قد ورد به القرآن العزيز في قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً في موضعين. و مع ذلك فإنه عاشر النبي ص و الصحابة مدة حياة النبي ص و مدة أبي بكر أيضا و خفي عنه هذا الحكم الظاهر للعوام. أ فلا يفرق العاقل بين هذا و بين من قال في حقه
رسول الله ص أقضاكم علي
و قال تعالى وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ. و قال هو
سلوني عن طرق السماء فإني أخبر بها من طرق الأرض سلوني قبل أن تفقدوني و الله لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم و بين أهل الزبور بزبورهم و بين أهل الفرقان بفرقانهم
نهج الحق ص : 347 و روى مسلم في صحيحه بإسناده عن سلمان بن ربيعة قال قال عمر بن الخطاب قسم رسول الله ص قسما فقلت و الله يا رسول الله لغير هؤلاء أحق به منهم قال إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني فلست بباخل و هذه معارضة لرسول الله ص و هو العارف بمصالح العباد و من يستحق العطاء و المنع.

(1/196)


و روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي موسى الأشعري قال دخل عمر على حفصة و أسماء عندها فقال حين رأى أسماء من هذه قالت أسماء بنت عميس قال عمر الحبشية هذه البحرية هذه فقالت أسماء نعم فقال عمر سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ص منكم فغضبت و قالت كذبت يا عمر كلا و الله كنتم مع رسول الله ص يطعم جائعكم و يعظ جاهلكم و كنا في دار أرض البعداء البغضاء في الحبشة و ذلك في الله و رسوله و ايم الله لا أطعم طعاما و لا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ص و نحن كنا نؤذى و نخاف و سأذكر ذلك لرسول الله ص و أسأله و الله لا أكذب و لا أزيغ و لا أزيد على ذلك قال فلما جاء النبي ص قالت يا نبي الله ص إن عمر قال كذا و كذا فقال رسول الله ص ليس بأحق بي منكم فله و لأصحابه هجرة واحدة و لكم أنتم أهل السفينة هجرتان

(1/197)


نهج الحق ص : 348و هذا نص من النبي ص في تخطئته و تفضيل هجرة المرأة على هجرته و أنها أحق برسول الله ص منه ليس لهذه المرأة الخلافة فلا تكون له. و روى ابن عبد ربه في كتاب العقد الفريد في حديث استعمال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص في بعض ولايته فقال عمرو بن الاص قبح الله زمانا عمل فيه عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب و الله إني لأعرف الخطاب يحمل على رأسه حزمة من حطب و على رأس ابنه مثلها و ما ثمنها إلا تمرة لا تبلغ مضغة. و هذا يدل على انحطاط مرتبته و منزلة أبيه عند عمرو بن العاص فكيف استجازوا ترك بني هاشم و هم ملوك الجاهلية و الإسلام. و فيه قال خرج عمر بن الخطاب و يده على المعلى بن الجارود فلقيته امرأة من قريش فقالت له يا عمر فوقف لها فقالت له كنا نعرفك مرة عميرا ثم صرت من بعد عمير عمر ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين فاتق الله يا ابن الخطاب و انظر في أمور الناس المسلمين فإنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد و من خاف الموت خشي الفوت و قد روى أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي و هو من رجال السنة في كتاب المثالب قال كانت صهاك أمة حبشية لهاشم بن عبد مناف فوقع عليها نفيل بن هاشم ثم وقع عليها عبد العزى بن رياح فجاءت بنفيل. نهج الحق ص : 349مثل هذا القول و لا تعرضوا له و علماؤهم يروونه و هذا من جملة قلة الإنصاف فإن الشيعة أقصى ما يقولون إنه أخذ الإمامة و هي حق لأمير المؤمنين ع و غصبه ذلك و هذا عالمهم قد نقل عنه ما ترى فأهملوا و اشتغلوا بذم الشيعة. و روى الحميدي في الجمع بي الصحيحين قال إن عمر أمر في المنبر أن لا يزاد في مهور النساء على عدد ذكره فذكرته امرأة من جانب المسجد بقول الله تعالى وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً فقال كل أحد أعلم من عمر حتى النساء. فلينظر العاقل المنصف هل يجوز لمن وصف نفسه بغاية الجهل و قلة المعرفة أن يجعل رئيسا على الجميع و كلهم

(1/198)


أفضل منه على ما شهد به على نفسه.
و في الجمع بين الصحيحين للحميدي أن عمر أمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر فذكره علي ع قول الله تعالى وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً مع قوله تعالى الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ فرجع عمر عن الأمر برجمها
و هذا يدل على إقدامه على قتل النفوس المحترمة و فعل ما يتضمن القذف. نهج الحق ص : 350 و روى أحمد بن حنبل في مسنده أن عمر بن الخطاب أراد أن يرجم مجنونة فقال له علي ما لك ذلك أ ما سمعت رسول الله ص يقول رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ و عن المجنون حتى يبرأ و يعقل و عن الطفل حتى يحتلم فدرأ عمر عنها الرجم
و ذكر ابن حنبل عن سعيد بن المسيب قال كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن يعني عليا
و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين أن عمر لم يدر ما يحد شارب الخمر. و رووا أنه غير سنة نبيه ص فيه. و فيه أنه سأل أبا أوفى ما كان يقرأ رسول الله ص في صلاة العيد و سأل أبا واقد الليثي ما كان يقرأ رسول الله ص في الأضحى و الفطر. و هذا من قلة المعرفة بأظهر الأشياء التي هي الصلاة الجهرية.
و في الجمع بين الصحيحين أن أبا موسى استأذن على عمر بن الخطاب ثلاثا فلم يأذن له فانصرف فقال عمر ما حملك على ما صنعت قال نهج الحق ص : 351كنا نؤمر بهذا قال لتقيمن على هذا بينة أو لأفعلن بك فشهد له أبو سعيد الخدري بذلك عن النبي ص فقال عمر خفي علي هذا من أمر سول الله ص ألهاني عنه الصفق بالأسواق
و هذا أمر ظاهر قد خفي عنه فكيف الخفي.

(1/199)


و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ص إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله قال أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال حي على الصلاة قال لا حول و لا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول و لا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة
فهذه روايته و زاد بعد موت النبي ص الصلاة خير من النوم.
و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في حديث أبي محذورة سمرة بن مغيرة لما علمه الأذان الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمدا رسول الله مرتين حي على الصلاة مرتين حي على الفلاح مرتين الله أكبر لا إله إلا الله
و قال الشافعي في كتاب الأم أكره في الأذان الصلاة خير من النوم لأن أبا محذورة لم يذكره. نهج الحق ص : 352 و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أبي موسى الأشعري قال قال أبو عامر بن أبي موسى قال لي عبد الله بن عمر نهج الحق ص : 353هل تدري ما قال أبي لأبيك قلت لا قال فإن أبي قال لأبيك يا أبا موسى هل يسرك أن إسلامنا مع رسول الله ص و هجرتنا معه و جهادنا معهو عملنا كله معه يرد كل عمل عملناه بعده و نجونا منه كفافا رأسا برأس فقال أبي لا و الله قد جاهدنا بعد رسول الله ص و صلينا و صمنا و عملنا خيرا كثيرا و أسلم على أيدينا بشر كثير و إنا لنرجو ذلك فقال أبي لكني أنا و الذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك يرد لنا كل شي ءعملناه بعد و نجونا منه كفافا رأسا برأس

(1/200)


و من كتاب الجمع بين الصحيحين من مسند عبد الله بن عباس أنه لما طعن عمر بن الخطاب كان يتألم فقال ابن عباس و لا كل ذلك فقال بعد كلام أما ما ترى من جزعي فهو من أجلك و أجل نهج الحق ص : 354أصحابك و الله لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب الله عز و جل بل أن أراه
و هذا اعتراف منه حال الاحتضار بأنه وقع منه ما يستوجب به المؤاخذة في حق بني هاشم و أنه تمنى أن يفتدي بمل ء الأرض ذهبا من عذاب الله لأجل ما جرى منه في حقهم. و في الجمع بين الصحيحين عن ابن عمر في رواية سالم عنه قال دخلت على حفصة فقالت أ علمت أن أباك غير مستخلف فقلت ما كان ليفعل قالت إنه فاعل قال فحلفت أن أكلمه في ذلك فسكت حتى غدوت و لم أكلمه و كنت كأنما أحمل بيميني جبلا حتى رجعت فدخلت عليه فسألني عن حال الناس و أنا أخبره قال ثم قلت سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك زعموا أنك غير مستخلف و أنه لو كان راعي غنم أو راعي إبل ثم جاء و تركها لرأيت أنه قد ضيع فرعاية الناس أشد قال فوافقه قولي فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي فقال إن الله يحفظ دينه و إني لئن لا أستخلف فإن رسول الله ص لم يستخلف و إن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف فقال و الله ما هو إلا أن ذكر رسول الله ص و أبا بكر فقلت لم يكن ليعدل برسول الله ص أحدا و إنه غير مستخلف. و هذا يدل على اعتراف عبد الله بن عمر بما تشهد به العقول من أن المتولي لأمور الناس إذا تركهم بغير وصية يكون قد ضيع أمورهم و قد شهد على رسول الله ص أنه قبض و لم يستخلف و ضيع الناس و أن عمر وافق ابنه ثم عدل عنه. نهج الحق ص : 355و نقل ابن عبد ربه في كتاب العقد الفريد أن معاوية قال لابن حصين أخبرني ما الذي شتت أمر المسلمين و جماعتهم و فرق ملأهم و خاف بينهم فقال قتل عثمان قال ما صنعت شيئا قال فمسير علي إليك قال ما صنعت شيئا قال فمسير طلحة و الزبير و عائشة و قتال علي إياهم قال ما صنعت شيئا قال ما عندي

(1/201)


غير هذا يا أمير المؤمنين قال فأنا أخبرك إنه لم يشتت بين المسلمين و لا فرق أهواءهم إلا الشورى التي جعل عمر في ستة. ثم فسر معاوية ذلك في آخر الحديث فقال لم يكن من الستة رجل إلا رجاها لنفسه و رجا له لقومه و تطلعت إلى ذلك أنفسهم و لو أن عمر استخلف كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف
و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عمر بن الخطاب أن أبا بكر قال ذلك يعني يوم السقيفة و لن يعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ثم قال عمر يوم الشورى بعد ذم كل واحد منهم بما يكرهه لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا ما تخالجني فيه الشكوك. و بالإجماع أن سالما لم يكن قريشا و قد ذكر الجاحظ في كتاب الفتيا
نهج الحق ص : 356نسب طلحة و قد ذكر أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي من علماء الجمهور أن من جملة البغايا و ذوات الرايات صعبة بنت الحضرمي و كانت لها راية بمكة و استصغت بأبي سفيان فوقع عليها أبو سفيان و تزوجها عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم فجاءت بطلحة عبيد الله لستة أشهر فاختصم أبو سفيان و عبيد الله في طلحة فجعلا أمرهما إلى صعبة فألحقته بعبيد الله فقيل لها كيف تركت أبا سفيان فقالت يد عبيد الله طلقة و يد أبي سفيان بكرة و قال و ممن كان يلعب به و يتخنث أبو طلحة. فهل يحل لعاقل المخاصمة مع هؤلاء لعلي ع. و قال أيضا ممن كان يلعب به و ينتحل عفان أبو عثمان فكان يضرب بالدفوف.
رد يزيد على ابن عمر
و روى البلاذري قال لما قتل الحسين كتب عبد الله بن عمر إلى يزيد بن معاوية أما بعد فقد عظمت الرزية و جلت المصيبة و حدث في الإسلام حدث عظيم و لا يوم كيوم قتل الحسين. فكتب إليه يزيد أما بعد يا أحمق فإنا جئنا إلى بيوت مجددة و فرش ممهدة و وسادة منضدة فقاتلنا عنها فإن يكن الحق لنا فعن حقنا قاتلنا و إن كان الحق لغيرنا فأبوك أول من سن هذا و استأثر بالحق على أهله.

(1/202)


نهج الحق ص : 357مناوأة فاطمة و غصب فدك و روى الواقدي و غيره من نقلة الأخبار عندهم و ذكروه في أخبارهم الصحيحة أن النبي ص لما فتح خيبر اصطفى لنفسه قرى من قرى اليهودي فنزل جبرئيل بهذه الآية وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ فقال محمد ص و من ذو القربى و ما حقه قال فاطمة تدفع إليها فدكا و العوالي فاستغلتها حتى توفي أبوها فلما بويع أبو بكر منعها فكلمته في ردها عليها و قالت إنها لي و إن أبي دفعها إلي فقال أبو بكر فلا أمنعك ما دفع إليك أبوك فأراد أن يكتب لها كتابا فاستوقفه عمر بن الخطاب و قال إنها امرأة فطالبها بالبينة على ما ادعت فأمرها أبو بكر فجاءت بأم أيمن و أسماء بنت عميس مع علي ع فشهدوا بذلك فكتب لها أبو بكر فبلغ ذلك عمر فأخذ الصحيفة و مزقها فمحاها فحلفت أن لا تكلمهما و ماتت ساخطة عليهما. و جمع المأمون ألف نفس من الفقهاء و تناظروا و أدى بحثهم إلى رد فدك إلى العلويين من ولدها فردها عليهم. و ذكر أبو هلال العسكري في كتاب أخبار الأوائل أن أول من رد فدك على أولاد فاطمة عمر بن عبد العزيز و كان معاوية أقطعها لمروان بن الحكم و عمر بن عثمان و يزيد ابنه أثلاثا ثم غصبت فردها عليهم السفاح ثم غصبت فردها عليهم المهدي ثم غصبت فردها عليهم المأمون. نهج الحق ص : 358ثم قا أعني أبا هلال ثم غصبت فردها عليهم الواثق ثم غصبت فردها عليهم المعتمد ثم غصبت فردها عليهم المعتضد ثم غصبت فردها عليهم الراضي. مع أن أبا بكر أعطى جابر بن عبد الله عطية ادعاها على رسول الله ص من غير بينة و حضر جابر بن عبد الله و ذكر أن النبي ص وعده أن يحثو له ثلاث حثيات من مال البحرين فأعطاه ذلك و لم يطالبه ببينة. مع أن العدة لا يجب الوفاء بها. و الهبة للولد مع التصرف توجب التمليك فأقل المراتب أنه يجري فاطمة مجراه.

(1/203)


و قد روى سند الحفاظ ابن مردويه بإسناده إلى أبي سعيد الخدري قال لما نزلت وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ دعا رسول الله ص فاطمة فأعطاها فدك
و قد روى صدر الأئمة أخطب خوارزم موفق بن أحمد المكي قال و ما سمعت في المفاريد بإسنادي عن ابن عباس قال قال رسول الله ص يا علي إن الله زوجك فاطمة و جعل صداقها الأرض فمن مشى عليها مبغضا لها مشى حراما
قال محمود الخوارزمي في الفائق قد ثبت أن فاطمة صادقة و أنها من أهل الجنة فكيف يجوز الشك في دعواها فدك و العوالي و كيف يقال إنها أرادت ظلم جميع الخلق و أصرت على ذلك إلى الوفاة. نهج الحق ص : 359فأجاب بأن كون فاطمة صادقة في دعواها و أنها من أهل الجنة لا يوجب لعمل بما تدعيه إلا ببينة قال و أصحابنا يقولون لا يكون حالها أعلى من حال نبيهم محمد ص و لو ادعى محمد ص مالا على ذمي و حكم حاكم ما كان للحاكم أن يحكم له إلا بالبينة و إن كان نبيا و من أهل الجنة. و هذا من أغرب الأشياء بل إنه ليس بمستبعد عندهم حيث جوزوا الكذب على نبيهم نعوذ بالله من هذه الأقوال. و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين أن بني صهيب موالي بني جدعان ادعوا بيتين و حجرة أن رسول الله ص أعطى ذلك صهيبا فقال مروان من يشهد لكم على ذلك قالوا ابن عمر يشهده فقضى لهم مروان بشهادته.

(1/204)


و في صحيح البخاري أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر و سألته ميراثها من رسول الله ص مما أفاء الله عليه بالمدينة من فدك و ما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر إن رسول الله ص قال لا نورث ما تركناه صدقة و إنما يأكل آل محمد من هذا المال و إني و الله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله ص عن حالها التي كانت عليه و أبى أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تتكلم معه حتى نهج الحق ص : 360توفيت و عاشت بعد النبي ص ستة أشهر فلما توفيت دفنها علي ليلا و لم يؤذن بها أبو بكر و صلى عليها علي ع و ذكره أيضا في موضع آخر بعينه و هذا الحديث قد اشتمل على أشياء ردية منها مخالفة النبي ص أمر الله تعالى في قوله وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ فكيف لم ينذر فاطمة و عليا و العباس و الحسن و الحسين بهذا الحكم و لا يسمعه أحد من بني هاشم و لا من أزواجه و لا أحد من خلق الله تعالى.
و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين أن فاطمة و العباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ص و هما حينئذ يطلبان أرضه من فدك و سهم خيبر
و فيه أن أزواج النبي ص حين توفي رسول الله ص أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن. و منها نسبة هؤلاء إلى الجهل و قلة المعرفة بالأحكام مع ملازمتهم لرسول الله ص و نزول الوحي في مساكنهم و يعلمون سره و جهره.
و روى الحافظ بن مردويه بإسناده إلى عائشة و ذكرت كلام فاطمة ع لأبي بكر و قالت في آخره و أنتم تزعمون أن لا إرث لنا أ فحكم الجاهلية تبغون إني لا أرث أبي يا ابن أبي قحافة أ في كتاب الله أن ترث أباك و لا أرث أبي لقد جئت شيئا نهج الحق ص : 361فريا فدونكها مرحول مخطومة تلقاك يوم حشرك و نشرك فنعم الحكم الله و العزيم محمد و الموعد القيامة و عند الساعة يخسر المبطلون

(1/205)


و منها أنه يلزم عدم شفقة النبي ص على أهله و أقاربه و خواصه فلا يعلمهم أنهم لا يستحقون ميراثه و يعرف أبا بكر وحده حتى يطلبوا ما لا يستحقون و يظلموا حقوق جميع المسلمين مع أنه عظيم الشفقة على الأباعد حتى قال الله تعالى في حقه فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا و فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ. و منها أن أبا بكر حلف أن لا يغير ما كان على عهد رسول الله ص. و قد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين كان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم النبي ص غير أنه لم يكن يعطي قرابة رسول الله ص كما كان رسول الله ص يعطيهم. و هذا تغيير مع أنه حلف أن لا يغير فلم لا غير مع فاطمة ع و يقضي فيها بعض حقوق نبينا ص.
و روى في الجمع بين الصحيحين قال كتب عبد الله بن عباس إلى نجدة بن عامر الحروري في جواب كتابه و كتبت تسألني عن الخمس لمن هو و أنا أقول هو لنا و أبى علينا قومك ذلك
و منها أن أبا بكر أغضب فاطمة ع و أنها هجرته و صاحبه ستة نهج الحق ص : 362أشهر حتى ماتت و أوصت أن لا يصليا عليها. و قد روى مسلم في صحيحه قال قال رسول الله ص إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها في موضعين
و روى البخاري في صحيحه أن رسول الله ص قال فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين هذين الحديثين
و روى صاحب الجمع بين الصحاح الستة أن رسول الله ص قال فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني
و أنه قال فاطمة سيدة نساء العالمين أو سيدة نساء هذه الأمة فقالت و أين مريم بنت عمران و آسية امرأة فرعون فقال مريم سيدة نساء عالمها و آسية سيدة نساء عالمها

(1/206)


و في صحيح البخاري عن عائشة أن محمدا ص قال يا فاطمة نهج الحق ص : 363أ لا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين و سيدة نساء هذه الأمة و روى الثعلبي في تفسير إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ أن رسول الله ص قال من آذى فاطمة أو أغضبها فقد آذى أباها و أغضبه
و قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ. ثم يشهدون و يصححون أن أبا بكر أغضبها و آذاها و هجرته إلى أن ماتت. فإما أن تكون هذه الأحاديث عندهم باطلة فيلزم كذبهم في شهادتهم بصحتها. أو يطعنون في القرآن العزيز و هو كفر. أو ينسبون أبا بكر إلى ما لا يحل و لا يجوز. على أن عمر ذكر عن علي و العباس ذلك. نهج الحق ص : 364روى البخاري و مسلم في صحيحيهما و قال عمر للعباس و علي فلما توفي رسول الله ص قال أبو بكر أنا ولي رسول الله ص فجئت تطلب ميراثك من ابن خيك و يطلب هذا ميراث امرأته من أبيها فقال أبو بكر قال رسول الله ص ما نورث ما تركناه صدقة فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا و الله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق ثم توفي أبو بكر فقلت أنا ولي رسول الله ص و ولي أبي بكر فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا و الله يعلم إني لصادق بار راشد تابع للحق فوليتها ثم جئتني أنت و هذا و أنتما جميع و أمركما واحد فقلتما ادفعها إلينا. فلينظر العاقل إلى هذا الحديث الذي في كتبهم الصحيحة كيف يجوز لأبي بكر أن يقول أنا ولي رسول الله ص و كذا لعمر مع أن رسول الله ص مات و قد جعلهما من جملة رعايا أسامة بن زيد. نهج الحق ص : 365و كيف استجاز عمر أن يعبر عن النبي ص بقوله للعباس تطلب ميراثك من ابن أخيك مع أن الله تعالى كان يخاطبه بصفاته مثل يا أَيُّهَا الرَّسُولُ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ و ناد غيره من الأنبياء بأسمائهم و لم يذكره باسمه إلا في أربعة مواطن شهد له فيها

(1/207)


بالرسالة لضرورة تخصيصه و تعيينه بالاسم كقوله تعالى وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ و ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ و مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ ثم إن الله تعالى قال لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً. ثم عبر عمر عن ابنته مع عظم شأنها و شرف منزلتها بقوله لأمير المؤمنين ع و يطلب ميراث امرأته. ثم إنه وصف اعتقاد علي و العباس في حقه و حق أبي بكر بأنهما كاذبان آثمان غادران خائنان. فإن كان اعتقاده فيهما حقا و كان قولهما يعني علي و العباس صدقا لزم تطرق الذم إلى أبي بكر و عمر و أنهما لا يصلحان للخلافة. نهج الحق ص : 366و إن لم يكن كذلك لزم أن يكون قد قال عنهما بهتانا و زورا إن كان اعتقاده مخطئا. و إن كان مصيبا لزم تطرق الذم إلى علي و العباس حيث اعتقدا في أبي بكر و عمر ما ليس فيهما فكيف استصلحوه للإمامة مع أن الله تعالى قد نزهه عن الكذب و قول الزور. مع أ البخاري و مسلما ذكرا في صحيحيهما أن قول عمر هذا لعلي و العباس بمحضر مالك بن أوس و عثمان و عبد الرحمن بن عوف و الزبير و سعد و لم يعتذر أمير المؤمنين و العباس عن هذا الاعتقاد الذي ذكره عمر و لا أحد من الحاضرين اعتذر لأبي بكر و عمر.
دراسات حول عائشة في عهد النبي ص و بعده. ادعاؤها بحجرتها
روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين أن النبي ص أراد أن يشتري موضع المسجد من بني نجار فوهبوه له و كان فيه نخل و قبور المشركين فقلع النخل و خرب القبور

(1/208)


و قد قال الله تعالى لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. و من المعلوم أن عائشة لم يكن لها و لا لأبيها دار بالمدينة و لا أثرها و لا بيت و لا أثره لواحد من أقاربها و ادعت حجرة أسكنها فيها رسول الله ص فسلمها أبوها إليها و لم يفعل كما فعل بفاطمة ع. نهج الحق ص : 367و خرجت عائشة إلى قتال أمير المؤمنين ع و معلوم أنها عاصية بذلك. أما أولا فلأن الله قد نهاها عن الخروج و أمرها بالاستقرار في نهج الحق ص : 368منزلها فهتكت حجاب الله و رسوله ص و تبرجت و سافرت في جحفل عظيم و جم غفير يزيد على سبعةشر ألفا. و أما ثانيا فلأنها ليست ولي الدم حتى تطلب به و لا لها حكم الخلافة فبأي وجه خرجت للطلب. و أما ثالثا فلأنها طلبته من غير من عليه الحق لأن أمير المؤمنين ع لم يحضر قتله و لا أمر به و لا واطأ عليه و قد ذكر ذلك كثيرا. و أما رابعا فلأنها كانت تحرض على قتل عثمان و تقول اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا فلما بلغها قتله فرحت بذلك فلما قام أمير نهج الحق ص : 369المؤمنين ع بالخلافة أسندت القتل إليه و طالبته بدمه لبغضها و عداوتها معه ثم مع ذلك تبعها خلق عظيم و ساعدها عليه جماعة كثيرة ألوفا مضاعفة و فاطمة ع لما جاءت تالب بحق إرثها الذي جعله الله لها في كتابه العزيز و كانت محقة فيه لم يتابعها مخلوق و لم يساعدها بشر. ثم إنها جعلت بيت رسول الله ص مقبرة لأبيها و لعمر و هما أجنبيان عن النبي ص فإن كان هذا البيت ميراثا فمن الواجب استئذان جميع الورثة و إن كان صدقة للمسلمين فيجب استئذان المسلمين كافة و إن كان ملك عائشة كذبهم ما تقدم مع أنه لم يكن لها بيت و لا مسكن و لا دار في المدينة.
و قد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين أن رسول الله ص قال ما بيني و بين منبري روضة من رياض الجنة
و قد روى الطبري في تاريخه أن النبي ص قال إذا غسلتموني و كفنتموني فضعوني على سريري في بيت على شفيرة قبري

(1/209)


و قد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن عائشة قالت ما غرت على أحد من نساء النبي ص ما غرت على خديجة و ما رأيتها قط و لكن كان يكرر ذكرها و ربما ذبح الشاة ثم يقطعها حصصا و يبعثها إلى أصدقاء خديجة فربما قلت له كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول إنها كانت لي و لي منها ولد
نهج الحق ص : 370و أجمع المسلمون على أن خديجة من أهل الجنة و عائشة قاتلت أمير المؤمنين ع بعد الإجماع على إمامته و قتلت بسببها نحوا من ستة عشر ألف صحابي و غيره من المسلمين. و أفشت سر رسول الله ص كما حكاه الله تعالى. و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين أن عر خليفة أبيها شد عليها بذلك
و نقل الغزالي سوء صحبتها لرسول الله ص فقال إن أباها أبا بكر دخل يوما على النبي ص و قد وقع منها في حق النبي ص أمر مكروه فكلفه النبي ص أن يسمع ما جرى و يدخل بينهما فقال لها رسول الله ص تتكلمين أو أتكلم فقالت بل تكلم و لا تقل إلا حقا

(1/210)


فلينظر العاقل إلى هذا الجواب و هل كان عنده إلا الحق و ينظر في الفرق بين خديجة و عائشة. و قد أنكر الجاحظ من أهل الستة في كتاب الإنصاف غاية الإنكار على من يساوي عائشة بخديجة أو يفضلها عليها. و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين أن ابن الزبير دخل على عائشة في مرضها فقالت له إني قاتلت فلانا و سمت المقاتل برجل قاتلته عليه و قالت لوددت أني كنت نسيا منسيا. نهج الحق ص : 371 و منه عن عائشة أن النبي ص كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا فآليت أنا و حفصة أن أيتنا متى دخل عليها رسول الله ص فلتقل إني أجد منك ريح مغافير فدخل على إحداهما فقالت له ذلك فقال بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش و لن أعود له فنزلت يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إلى قوله إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ لعائشة و حفصة فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً لقوله بل شربت عسلا قال البخاري في صحيحه و قال إبراهيم بن موسى عن هشام لن أعود له و قد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا
و هذا يدل على نقصها في الغاية. و فيه أن عائشة حدثت أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته و الله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها و لم ينكر عليه أحد. و هذا يدل على ارتكابها ما ليس بسائغ.
و فيه عن ابن عباس قال لو كنت أقربها أو أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني
و هذا يدل على استحقاقها الهجران.
و فيه عن نافع عن ابن عمر قال قام النبي ص خطيبا فأشار إلى مسكن عائشة و قال هاهنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع نهج الحق ص : 372قرن الشيطان و فيه قال خرج النبي ص من بيت عائشة فقال رأس الكفر من هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان
إيضاح خرافة الجبر

(1/211)


أ فلا ينظر العاقل بعين الإنصاف و يجتنب التقليد و اتباع الهوى و الاستناد إلى اتباع الدنيا و يطلب الخلاص من الله تعالى و يعلم أنه محاسب غدا على القليل و الكثير و الفتيل و النقير فكيف يترك اعتقاده و يتوهم أنه يترك سدى أو يعتقد بأن الله تعالى قدر هذه المعصية و قضاها فلا يتمكن من دفعها فيبرئ نفسه قولا لا فعلا فإنه لا ينكر صدور الفعل من الإنسان إلا مكابر جاحد للحق أو مريض العقل بحيث لا يقدر على تحصيل شي ء البتة. و لو كان الأمر كما توهموه لكان الله تعالى قد أرسل الرسل إلى نفسه و أنزل الكتب على نفسه فكل وعد و وعيدجاء به يكون متوجها إلى نفسه لأنه إذا لم يكن فاعل سوى الله تعالى فإلى من أرسل الأنبياء و على من أنزل الكتب و لمن تهدد و وعد و توعد و لمن أمر و نهى. و من أعجب الأشياء و أغربها أنهم يعجزون عن إدراك استناد أفعالهم إليهم مع أنه معلوم للصبيان و المجانين و البهائم و يقدرون على تصديق الأنبياء و العلم بصحة نبوة كل مرسل مع استناد الفساد و الضلال و التلبيس و تصديق الكذابين و إظهار المعجزات على أيدي المبطلين إلى الله تعالى. نهج الحق ص : 373و حينئذ لا يبقى علم و لا ظن بشي ء من الاعتقادات البتة و يرتفع الجزم بالشرائع ولثواب و العقاب و هذا كفر محض. قال الخوارزمي حكى قاضي القضاة عن أبي علي الجبائي أن المجبر كافر و من شك في كفره فهو كافر و من شك في كفر من شك في كفره فهو كافر. و كيف لا يكون كذلك و الحال عندهم ما تقدم و أنه يجوز أن يجمع الله الأنبياء و الرسل و عباده الصالحين في أسفل درك الجحيم يعذبهم دائما و يخلد الكفار و المنافقين و إبليس و جنوده في الجنة و النعيم أبد الآبدين. و قد كان لهم في ذم غير الله متسع و فيمن عداه مقنع و هلا حكى الله اعتذار الكفار في الآخرة بأنك خلقت فينا الكفر و العصيان بل اعترفوا بصدور الذنب عنهم و قالوا رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا

(1/212)


نَعْمَلُ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ. ثم إن الشيطان اعترف بأنه استغواهم و شهد الله تعالى بذلك فحكى عن الشيطان إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي نهج الحق ص : 374وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ و قال تعالى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى لَهُمْ فردوا شهادة الله تعالى و اعتراف الشيطان و نزهوه و أوقعوا الله في اللوم و الذم. و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين قال قدم على رسول الله ص سبي فإذا امرأة من السبي تسعى إذ وجدت صبيا في السبي فأخذته فألزقته ببطنها فأرضعته فقال رسول الله ص أ ترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار قلنا لا و الله قال الله أرحم بعباده من هذه المرأة بولدها
و فيه أن النبي ص قال إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الإنس و الجن و البهائم و الهوام فيها يتعاطفون و بها يتراحمون و بها يعطف الوحش على ولدها فأخر الله تسعا و تسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة

(1/213)


و فيه عن رسول الله ص قال إن الله يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك و أنت رب العالمين قال أ ما علمت أن فلانا مرض فلم تعده أ ما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب كيف أطعمك و أنت رب العالمين قال إنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أ ما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك و أنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أ ما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي
نهج الحق ص : 375 و فيه عن ابن مسعود قال سمعت رسول الله ص يقول الله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة ففقد راحلته فطلبها حتى اشتد عليه الحر و العطش ما شاء الله تعالى قال أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليمو فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده و شرابه فالله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من هذا براحلته و زاده
و قد صرح الله تعالى في كتابه في عدة مواضع برحمته و إحسانه و تفضله و كيف يتحقق ذلك ممن يخلق الكفر في العبد و يعذبه عليه و يخلق الطاعة في العبد و يعاقبه أيضا عليها. فهذه حال أصولهم الدينية التي يدينون الله تعالى بها فيجب على العاقل أن ينظر في نفسه هل يجوز المصير إلى شي ء منها و هل يجوز له القول ببعضها نهج الحق ص : 376المسألة السادسة في المعاد إن الحشر في المعاد هو لهذا البدن المشهود

(1/214)


هذا أصل عظيم و إثباته من أركان الدين و جاحده كافر بالإجماع و من لا يثبت المعاد البدني و لا الثواب و العقاب و أحوال الآخرة فإنه كافر إجماعا. و لا خلاف بين أهل الملل في إمكانه لأن الله تعالى قادر على كل مقدور و لا شك في أن إيجاد الجسم بعد عدمه ممكن و قد نص الله تعالى عليه في قوله أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ و قال تعالى مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. و القرآن مملوء من ذكر المعاد و إن اختلفوا في كيفية الإعادة و الإعدام و تفاصيل ذلك ذكرناها في كتبنا الكلامية لكن البحث هاهنا عن شي ء واحد و هو أن القول بإثبات المعاد البدني الذي هو أصل الدين و ركنه إنما يتم على مذهب الإمامية. نه الحق ص : 377أما على مذهب أهل السنة فلا لأن الطريق إلى إثباته ليس إلا السمع فإن العقل إنما يدل على إمكانه لا على وقوعه و قد بينا أن العلم بصحة السمع و صدقه إنما يتم على قواعد الإمامية القائلين بامتناع وقوع القبيح من الله تعالى لأنه إذا جاز أن يخبرنا بالكذ أو يخبر بما لا يريده و لا يقصده فحينئذ يمتنع الاستدلال بإخباره تعالى على إثبات المعاد البدني و الشك في ذلك كفر فلا يمكنهم حينئذ الجزم بالإسلام البتة. نعوذ بالله من هذه المقالات التي توجب الشك في الإسلام
استحقاق الثواب و العقاب

(1/215)


و منعت الأشاعرة من استحقاق الثواب على الطاعة و العقاب على المعصية و خالفوا في ذلك نص القرآن و هو قوله تعالى ?فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وقال تعالى الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ?و القرآن مملوء من ذلك. و خالفوا أيضا المعقول و هو قبح التكليف المشتمل على المشقة من غير عوض لأن الله تعالى غني عن ذلك و لو لا العقاب لزم الإغراء بالقبيح لأن لنا ميلا إليه فلو لا الزجر بالعقاب لزم الإغراء به و الإغراء بالقبيح قبيح. و لأنه لطف إذ مع العلم يرتدع المكلف من فعل المعصية و قد ثبت وجوب اللطف. نهج الحق ص : 378فلينظر العاقل و ينصف من نفسه و يعتبر هذه المقالات التي هي أصول الدين و عليها تبتني القواعد الإسلاميةهل يجوز المصير إليها و هل يرضى العاقل لقاء الله سبحانه باعتقاد أنه ظالم خالق للشر مكلف بما لا يطاق قاهر للعبد مكذب لما ورد في القرآن العزيز من قوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ إلى غير ذلك من الآيات. و ما وجه اعتذاره عند رسول الله ص و غيره من الأنبياء المتقدمين في اعتقاده أنهم غير معصومين و أنه يجوز عليهم الخطأ و الغلط و السهو و المعصية. و أن النبي ص وقع منه في صلاته حيث قال تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى و أنه بال قائما و أنه قال إن إبراهيم كذب ثلاث مرات فإن ارتضى لنفسه ذلك كفاه خزيا و عارا و الحمد لله أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا
نهج الحق ص :
المسألة السابعة فيما يتعلق بأصول الفقه
و فيه فصول الأول في التكليف و فيه مباحث
الأول في الحكم

(1/216)


مذهب الإمامية فيه هو الوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم المستند إلى صفة يقع الفعل عليها توجب أحدها. و قالت الأشاعرة حكم الله تعالى خطابه المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير. فلزم التناقض و القول بالمحال. أما التناقض فلأن الحكم حادث لتعلقه بالمكلف الحادث. و لأنه يصدق حلت المرأة و الجارية بعد أن لم تكن و حرمت بعد أن لم تكن. و لأنه معلل بأفعال المكلف كالطلاق و البيع و غيرهما. نهج الحق ص : 380و يتعلق بتجدد الأوقات فيقال إذا زالت الشمس أو غربت وجبت الصلاة و قبلها لم تكن واجبة. و الخطاب كلم الله تعالى و كلامه قديم عندهم فيكون الحكم قديما و حادثا و هو تناقض. و أما المحال فلأن الحكم أمر يرجع إلى الفعل و صفاته فيقال هذا واجب أو حرام أو مباح إلى غير ذلك و كلام الله تعالى صفة قائمة بذاته عندهم و عندنا أنه عبارة عن حروف و أصوات قائمة بالأجسام لا مدخل للأفعال في حلولها فيها
الثاني في الواجب الموسع
العقل و النقل متطابقان على وقوعه. أما النقل فقوله تعالى أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ و أما العقل فلأنه ممكن لعدم استحالة أن يوجب الله تعالى فعلا في وقت يفضل عنه و يتخير العبد في إيقاعه في أي جزء شاء من ذلك الوقت ثم إذا لم يفعله إلا في الأخير يضيق عليه حينئذ و لا امتناع في ذلك بل يجب لتعذر ضبط وقت الصلاة فإنه يمتنع أن يفعل العبد الصلاة في وقت لا يفضل عنها إما بالنسبة إليه أو إلى غيره. فالقول باتساع الوقت أمر ضروري في نظر الشارع. و قال بعض الجمهور إنه يجب الفعل في أول الوقت فإن أخر الوقت صار قضاء. و قال بعض الحنفية إنه يجب في آخره فإن قدمه كان نفلا. نهج الحق ص : 381و القرآن يكذب أقوال هؤلاء لأنه تعالى أوجب الصلاة في الزمان المحصور بين الدلوك و الغسق فتخصيص الوجوب بأول الوقت أو بآخره ترجيح من غير مرجح و هو محال الثالث في الواجب على الكفاية

(1/217)


ذهبت الإمامية و من تابعهم من الجمهور إلى أن الواجب على الكفاية واجب على الجميع بمعنى أنه إذا فعله البعض سقط عن الباقين لأن المقصود للشارع تحصيله كالجهاد الذي قصد الشارع به حراسة المسلمين فإن حصل بالبعض سقط الواجب عن الآخرين و إن لم يفعله أحد أثم الجميع. و قال بعض السنة إنه واجب على واحد غير معين. و هذا باطل بالضرورة فإن قضية الواجب و حكمة الله إذا فعل استحق فاعله الثواب و إذا ترك استحق تاركه العقاب و إثابة واحد غير معين و عقاب واحد غير معين غير ممكن فلا يتحقق الوجوب حينئذ و قد فرض ثبوته
الرابع في الواجب المخير

(1/218)


ذهبت الإمامية إلى إمكانه و العقل دل عليه و السمع دال على وقوعه فإنه غير مستبعد في الحكم إيجاب شي ء من ثلاث على معنى أنه إذا فعل واحدا منها خرج عن العهدة و لا يجوز له الإخلال بالجميع و لا يجب عليه فعل الجميع و السمع دل عليه بقوله تعالى فَفِدْيَةٌ مِنْ صِياٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ أوجب أحدها لا بعينه و حرم ترك الجميع و قال تعالى فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ نهج الحق ص : 382أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ و لم يوجب أحدها إلا بعينه. و وافقهم لى ذلك بعض الجمهور. و قال بعضهم الجميع واجب. و قال آخرون منهم الواجب ما يفعله المكلف. و قال آخرون منهم الواجب واحد معين و يسقط به و بالآخر و الكل باطل. أما الأول فالإجماع على خلافه إذ المقتضي للثواب فعل أحدهما فلا يكون الباقي واجبا و أنه ينافي التخيير حينئذ و إيجاب الجميع يستلزم عدم الخروج عن العهدة إلا بفعله فكيف التخيير حينئذ. و أما الثاني فلاستلزامه اختلاف المكلفين فيه مع أن الإجماع واقع على تساوي جميع المكلفين فيه فلا ينافي التكليف و لأن الوجوب سابق على الفعل فلا تتحقق بعده و إلا دار. و أما الثالث فلأن الثلاثة متساوية في أصالة الوجوب و ليس البعض بالتبعية و الآخر بالأصالة أولى بالإجماع و أن المسقط للوجوب مساو للواجب فيكون واجبا
الخامس في وجوب ما لا يتم الواجب إلا به

(1/219)


ذهبت الإمامية و بعض الجمهور إليه و إلا لزم تكليف ما لا يطاق أو خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا لأن المقدمة لو لم تكن واجبة جاز تركها على تقدير الترك إن كان التكليف بالفعل باقيا لزم تكليف ما لا يطاق لامتناع وقوع الفعل حال عدم شرطه و إن لم يجب سقط الوجوب فخرج الواجب المطلق عن كونه واجبا. نهج الحق ص : 383و ذهب جماعة من الجمهور إلى أنه غير واجب فلزمهم ما قدمنا و أن لا يجب التوصل إلى الواجب مع الإجماع على وجوب التوصل إلى الواجب السادس في امتناع الوجوب و الحرمة
ذهبت الإمامية و من تابعهم من الجمهور إلى امتناع أن يكون الشي ء واجبا و حراما من جهة واحدة و إلا لزم التكليف بالنقيضين و هو محال. و خالف في ذلك أبو هاشم حيث حرم القعود على من دخل دار غيره غصبا و حرم الخروج أيضا فلزم الجمع بين الضدين و هو محال بالضرورة. و خلف الكعبي من الجمهور أيضا فجوز أن يكون الشي ء الواحد واجبا و حراما معا كالزناء و اللواط و غيرهما. و هو ضروري البطلان أيضا. و كذلك يمتنع أن يكون الشي ء الواجب واجبا من جهة و حراما من جهة أخرى مع تلازم الجهة فلم تذهب الإمامية إلى صحة الصلاة في الدار المغصو. و خالف فيه الجمهور إلا من شذ و جعلوها واجبة و حراما و لزمهم ما قدمناه من التكليف باجتماع النقيضين
السابع في أن الكفار مخاطبون بالشرائع

(1/220)


ذهبت الإمامية و جماعة من الجمهور إلى أن الكفار مخاطبون بالشرائع أصولها و فروعها و أنهم مخاطبون بالإيمان. نهج الحق ص : 384و ذهب أبو حنيفة إلى أنهم مخاطبون بالإيمان لا غير و أنهم غير مكلفين بشي ء من الشرائع أصولها و فروعها. و قد خالف في ذلك العقل و النقل أ العقل فلأن المقتضي لوجوب التكليف هو الزجر عن فعل القبائح و البعث على فعل الطاعات و اشتماله على اللطف ثابت في حق الكافر كما هو ثابت في حق المسلم فيجب اشتراكهما في المعلول. و أما النقل فقوله تعالى وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ و قوله تعالى فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى و قوله تعالى ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ و قال تعالى وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً و أشار إلى ما تقدم من الشرك و قتل النفس و الزناء. و لأنه لو كان حصول الشرط الشرعي شرطا في التكليف لم يجب الصلاة على المحدث و لا قبل النية و لا أكبر قبل الله و لا اللام قبل الهمزة. و ذلك معلوم البطلان بالإجماع. و لزم أيضا أن لا يعصي أحد و لا يفسق لأن التكليف مشروط بالإرادة و الفاسق و العاصي لا يريدان الطاعة فلا يكونان مكلفين بهما فينتفي الفسق و العصيان و الكفر و هو باطل بالإجماع

(1/221)


نهج الحق ص : 385الثامن في انقطاع التكليف حال الحدوث و تقديمهم عليه ذهبت الإمامية و من وافقها من المعتزلة إلى أن التكليف بالفعل منقطع حال حدوثه لأنه حينئذ يكون واجبا و لأنه حالة الحصول فلو كان مكلفا به حينئذ لزم التكليف بتحصيل الحاصل و هو محال. و أما تقدمه على الفعل فشي ء ذهبت إليه الإمامية و المعتزلة أيضا لأنه إنما يكون كلفا حال القدرة و هي متقدمة على الفعل و إلا لزم القدرة على الواجب و تحصيل الحاصل و الكل محال. و لأنه لو لم يكن مكلفا قبل الفعل لم يتحقق العصيان لأن حال العصيان لا طاعة فلا تكليف بها عندهم و لا عصيان و هو باطل بالإجماع. و الأشاعرة خالفوا جميع العقلاء في المسألتين فقالوا في الأول إن التكليف ينقطع حال الفعل و قالوا في الثاني إن التكليف لا يتقدم على الفعل و لزمهم ما تقدم من المحال
التاسع في امتناع التكليف بالمحال
ذهبت الإمامية و من تابعهم من المعتزلة إلى امتناعه. و يدل عليه العقل و النقل أما العقل فلأنه قبيح و لأنه يؤدي إلى عدم التكليف لأنه إذ جاز التكليف بالمحال جاز أن يكلف العبد الفعل و أن يكلفه الترك فلا يكون مكلفا بالفعل و غير ذلك من الأدلة و قد سبقت. و أما المنقول فقوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة و قد سبق جميع ذلك. نهج الحق ص : 386و خالفت الأشاعرة المعقول و المنقول في ذلك و قالوا إن التكاليف بأجمعها تكليف بالمحال و بما لا يطاق لأن كل ثابت في الواقع سواء كانطاعة أو معصية أو شركا أو ضلالا إلى غير ذلك فإنه من فعله تعالى و لا يمكن اجتماع القادرين على الفعل الواحد مع أنه تعالى كلف العبد فيكون مكلفا بفعل نفسه و هو محال فيكون قد كلف المحال. و هل يرضى عاقل لنفسه اختيار ذلك و المصير إليه فإنه يلزم منه تكذيب الله تعالى و هو كفر و بقايا مباحث التكليف قد سبقت
الفصل الثاني في الأدلة و فيه مباحث

(1/222)


الأول في الكتاب العزيز
إنما يصح التمسك بالكتاب عند الإمامية و من تبعهم من المعتزلة و لا يتأتى على مذهب الأشاعرة لأن الكلام عندهم قائم بذات الله تعالى و هذا الكتاب حكاية عنه و جوزوا وقوع المفاسد منه تعالى فلا يمكنهم الحكم بصدق هذا القرآن. أما على مذهب الإمامية و المعتزلة فإن المفسدة منه محال فلا يتأتى منه ذلك. و عندنا أن الكلام هو الحروف و الأصوات القائمة بالأجسام و يمتنع أن يريد الله تعالى بها ما ليس ظاهرا منها إلا مع قرينة تدل عليه. نهج الحق ص : 387و اتفقت الإمامية و طائفة كثيرة من الجمهور على أن البسملة آية من كل سورة. و خالف ي ذلك أبو حنيفة أنها من القرآن و لا يقرؤها في صلاته و احتج بالشاذ للمنقول آحادا و تمسك به مع أنه خطأ لأن الناقل له ينقله حديثا عن رسول الله ص و إنما يقبله قرآنا و القرآن هو المتواتر فغيره ليس منه
الثاني الإجماع

(1/223)


إجماع أهل المدينة ليس حجة لأن المواضع لا تدخل لها في الصدق و الكذب و إنما المعتبر العدالة و عدمها فيهما. و قال مالك إنه حجة. و هو خطأ للعلم الضروري بأن البقاع لا مدخل لها في تصديق الرجال و قد قال الله تعالى وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ?مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ و قال تعالى فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ عِزِينَ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ? إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وقوع الذنب منهم. و أما إجماع العترة فإنه حق خلافا للجمهور و إن الله تعالى أذهب عنهم الرجس و طهرهم فقال إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فأكد بلفظ إنما و باللام نهج الحق ص : 388و بالاختصاص على صيغة النداء و بقوله يُطَهِّرَكُمْ و بقوله تَطْهِيراً. و ما أغرب هؤلاء يث لم يجعلوا إجماع من نزهه الله تعالى من الخطإ و الزلل و قول الفحش و جعله ردءا للنبي ص في استجابة دعائه يوم المباهلة و خصه بالأخوة و غير ذلك من الفضائل الجمة حجة.
و قد روى صاحب الجمع بين الصحاح الستة أن قوله تعالى كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى قوله إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ نزل في حق علي
و في الجمع بين الصحيحين قوله ص أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي
و لا شك أن قول هارون حجة و كذا قول من ساواه في المنزلة.
و في مسند أحمد بن حنبل قال رسول الله ص إني دافع الراية إلى رجل يحبه الله و رسوله و يحب الله و رسوله لا يرجع حتى يفتح الله عليه
و إنما يصح محبته له مع انتفاء المعصية منه.
و قال النبي ص الصديقون ثلاثة حبيب النجار و هو مؤمن آل ياسين و حزقيل مؤمن آل فرعون و علي بن أبي طالب و هو أفضلهم

(1/224)


نهج الحق ص : 389و كيف يكون صديقا و لا يحتج بقوله هذا من أغرب الأشياء و قوله ص في خبر الطائر اللهم ائتني بأحب الناس إليك يأكل معي فجاء علي ع مروي في الجمع بين الصحاح الستة
و من كتاب الخوارزمي عن عبد الله بن العباس قال كنا مع رسول الله ص فإذا فاطمة ع قد أقبلت تبكي فقال رسول الله ص ما يبكيك قالت يا أبة إن الحسن و الحسين قد عبرا أو ذهبا منذ اليوم و قد طلبتهما و لا أدري أين هما و إن عليا يمشي إلى الدالية منذ خمسة أيام يسقي البستان و إني طلبتهما في منازلك فما أحسست لهما أثرا و إذا أبو بكر فقال قم يا أبا بكر فاطلب قرة عيني ثم قال قم يا عمر فاطلبهما قم يا سلمان و أبا ذر و يا فلان و يا فلان قال فأحصينا على رسول الله ص سبعة بعثهم في طلبهما و حثهم فرجعوا و لم يصيبوهما فاغتم النبي ص غما شديدا و وقف على باب المسجد و هو يقول اللهم بحق إبراهيم خليلك و بحق آدم صفيك إن كانا قرة عيني و ثمرة فؤادي أخذا بحرا أو برا فاحفظهما و سلمهما قال فإذا جبرئيل ع قد هبط فقال يا رسول الله إن الله يقرئك السلام و يقول لك لا تحزن و لا تغتم الصبيان فاضلان في الدنيا فاضلان في الآخرة و هما في الجنة و قد وكلت بهما ملكا يحفظهما إذا ناما و إذا قاما ففرح رسول الله ص و مضى جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن شماله و المسلمون حوله حتى دخل حظيرة بني النجار فسلم على الملك الموكل بهما ثم جثا النبي ص على ركبتيه نهج الحق ص : 390فإذ الحسن معانق للحسين و هما نائمان و ذلك الملك قد جعل جناحه تحتهما و الآخر فوقهما و على كل واحد دراعة من شعر أو صوف و المداد على شفتيهما فما زال النبي ص بينهما حتى استيقظا فحمل النبي ص الحسن و حمل جبرئيل الحسين ع و خرج النبي ص من الحظيرة و قال ابن عباس وجدنا الحسن على يمين النبي ص و الحسين على شماله و هو يقبلهما و يقول من أحبكما فقد أحب الله و رسوله و من أبغضكما فقد أبغض رسول الله فقال أبو بكر يا رسول

(1/225)


الله أعطني أحدهما أحمله فقال النبي ص نعم الحمولة و نعم المطية تحتهما فلما صار إلى باب الحظيرة لقيه عمر بن الخطاب فقال له مثل مقالة أبي بكر فرد عليه رسول الله ص مثل ما رد على أبي بكر فرأينا الحسين متلبسا بثوب رسول الله ص و وجدنا يد النبي ص على رأسه فدخل النبي ص المسجد فقال لأشرفن اليوم ابني هذين كما شرفهما الله تعالى و قال يا بلال هلم على الناس فنادى بهم فاجتمعوا فقال النبي ص لأصحابه معشر أصحابي تلقوا عن نبيكم محمد ص بأنه قال أ لا أدلكم على خير الناس جدا و جدة قالوا بلى يا رسول الله قال عليكم بالحسن و الحسين فإن جدهما رسول الله و جدتهما خديجة بنت خويلد سيدة نساء أهل الجنة يا معشر الناس هل أدلكم على خير الناس أما و أبا قالوا بلى يا رسول الله ص قال عليكم بالحسن و الحسين فإن أباهما علي بن أبي طالب ع و هو خير منهما يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله ذو المنفعة و المنقبة في الإسلام و أمهما فاطمة الزهراء بنت رسول الله ص سيدة نساء أهل الجنة نهج الحق ص : 391معشر الناس أ ا أدلكم على خير الناس عما و عمة قالوا بلى يا رسول الله قال عليكم بالحسن و الحسين فإن عمهما جعفر ذو الجناحين يطير بهما في الجنة مع الملائكة و عمتهما أم هاني بنت أبي طالب معاشر الناس أ لا أدلكم على خير الناس خالا و خالة قالوا بلى يا رسول الله قال عليكم بالحسن و الحسين فإن خالهما القاسم بن محمد و خالتهما زينب بنت رسول الله ص معاشر الناس أعلمكم أن جدهما في الجنة و جدتهما في الجنة و أبوهما و أمهما في الجنة و عمهما و عمتهما في الجنة و خالهما و خالتهما في الجنة و من أحب ابني هذين و أباهما و أمهما فهو معنا غدا في الجنة و من أبغضهما فهو في النار و أن من كرامتهما على الله أن سماهما في التوراة شبرا و شبيرا

(1/226)


روى الخوارزمي و جماعة الجمهور و اشتهر بينهم حديث المناشدة عن عامر بن واثلة قال كنا مع علي ع يوم الشورى و سمعته يقول لأحتجن بما لا يستطيع عربيكم و لا عجميكم بغير ذلك ثم قال فأنشدكم الله أيها النفر جميعا أ فيكم أحد وحد الله قبلي قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له أخ مثل أخي جعفر في الجنة مع الملائكة غيري قالوا اللهم لا نهج الحق ص : 392قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له عم مثل عمي حمزة أسد الله و أسد رسوله سيد الشهداء غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت محد سيدة نساء أهل الجنة غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له سبطان مثل سبطي الحسن و الحسين سيدي شباب أهل الجنة غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد ناجى رسول الله ص عشر مرات يقدم بين يدي نجواه صدقة قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله ص من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه ليبلغ الشاهد منكم الغائب غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله ص اللهم ائتني بأحب الناس إليك و إلي و أشدهم حبا لك و حبا لي يأكل معي من هذا الطائر فأتاه فأكل معه غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله ص لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله لا يرجع حتى يفتح الله على يديه إذ رجع غيري منهزما غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال فيه رسول الله ص لبني وليعة لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلا كنفسي طاعته كطاعتي و معصيته كمعصيتي يغشاكم بالسيف غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله ص كذب من زعم أنه يحبني و يبغض هذا غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد سلم عليه في ساعة واحدة ثلاثة نهج الحق ص : 393آلاف من الملائكة

(1/227)


فيهم جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل حيث جئت بالماء إلى رسول الله من القليب غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له جبرئيل هذه هي المواساة فقال رسول الله ص إنه مني و أنا منه فقال برئيل و أنا منكما غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد نودي فيه من السماء لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد يقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين على لسان النبي ص غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم الله هل فيكم أحد قال له رسول الله ص إني قاتلت على تنزيل القرآن و تقاتل أنت على تأويل القرآن غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد ردت عليه الشمس حتى صلى العصر في وقتها غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد أمره رسول الله ص بأن يأخذ براءة من أبي بكر فقال له أبو بكر يا رسول الله أ نزل في شي ء فقال له إنه لا يؤدي عني إلا علي غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله ص أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هلفيكم أحد قال له رسول الله ص لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا كافر غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله أ تعلمون أنه أمر بسد أبوابكم و فتح بابي

(1/228)


نهج الحق ص : 394فقلتم في ذلك فقال رسول الله ص ما أنا سددت أبوابكم و لا أنا فتحت بابه بل الله سد أبوابكم و فتح بابه غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله أ تعلمون أنه ناجاني يوم الطائف دون الناس فأطال ذلك فقلتم ناجاه دوننا فقال ما أنا انتجيته بل الله انتجه غيري قالوا اللهم نعم قال فأنشدكم بالله أ تعلمون أن رسول الله ص قال الحق مع علي و علي مع الحق يزول الحق مع علي حيث زال قالوا اللهم نعم قال فأنشدكم بالله أ تعلمون أن رسول الله ص قال إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي لن تضلوا ما استمسكتم بهما و لن يفترقا حتى يردا علي الحوض قالوا اللهم نعم قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد وقى رسول الله ص بنفسه من المشركين فاضطجع مضطجعه غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد بارز عمرو بن عبد ود حيث دعاكم إلى البراز غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد أنزل الله فيه آية التطهير حيث يقول إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله ص أنت سيد العرب غيري قالوا اللهم لا قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله ص ما سألت الله شيئا إلا سألت لك مثله غيري قالوا اللهم لا نهج الحق ص : 395 و نقل الثعلبي في تفسير قوله تعالى إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية ضرب رسول الله ص يده على صدره و قال أنا النذير و أومى إلى صدر علي و قال أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون و روى ابن مردويه و هو الثقة عند الجمهور بإسناده إلى حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله ص علي خير البشر فمن أبى فقد كفر

(1/229)


و روى أحمد بن حنبل في مسنده عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ص ذات يوم بعرفات و علي تجاهه فأومأ إلي و إلى علي فأقبلنا نحوه و هو يقول ادن مني يا علي فدنا منه فقال يا علي خلقت أنا و أنت من شجرة أنا أصلها و أنت فرعها و الحسن و الحسين أغصانها فمن تعلق بغصن منها أدخله الله الجنة
نهج الحق ص : 396 و فيه عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ص إني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي الثقلين و أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض و عترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض و نحوه رواه مسلم ف صحيحه و صاحب كتاب الستين و صحيح الترمذي
و روى الزمخشري بإسناده إلى رسول الله ص قال قال النبي ص فاطمة بهجة قلبي و ابناها ثمرة فؤادي و بعلها نور بصري و أئمة من ولدها أمنائي و حبل ممدود بيني و بين خلقه من اعتصم به نجا و من تخلف عنهم هلك
و هذه نصوص صريحة في وجوب التمسك بأقوالهم و المصير إلى فتاويهم.
و في مسند أحمد بن حنبل قال قال رسول الله ص النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت ذهبوا و أهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض
و الأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى و تعد و بلغت مبلغ التواتر فكيف لا يكون إجماع هؤلاء الصادقين حجة
البحث الثالث في الخبر

(1/230)


و هو إما متواتر أو آحاد أما المتواتر فإنه يفيد العلم بالضرورة فإنا نجد العوام يحرمون حراما ضروريا لا يحتاجون فيه إلى الاستدلال بوجود محمد ص و وجود بقراط و غيره. و قد ذهب قوم من الجمهور إلى أن العلم به نظري. و هو خطأ و إلا لزم توقف الجزم على ذلك الدليل و من المعلوم بالضرورة عدمه. و لا يختص المتواتر في عدد لعدم انضباطه معه. و قال بعض الجمهور يحصل المتواتر بقول الخمسة. و قال بعضهم بقول اثني عشر. و قال بعضهم أربعون. و قال آخرون سبعون. و الصحيح خلاف ذلك كله فقد لا يحصل العلم مع الأزيد و قد يحصل مع الأقل. و أما الآحاد فإنه يفيد الظن. و قال بعض الجمهور إنه يفيد العلم لا باعتبار انضمام قرائن إليه و هو مذهب أحمد بن حنبل و قال و يطرد في كل خبر. و الضرورة قاضية ببطلانه لأدائه إلى تناقض المعلومين عند إخبار اثنين. نهج الحق ص : 398و لا تقبل رواية الفاسق لقوله تعالى إِنْ اءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أوجب التبين عند إخبار الفاسق. و إذا كان شرائط القبول انتفاء الفسق و ثبوت العدالة لم يقبل رواية مجهول الحال لأن الجهل بالشرط يستلزم الجهل بالمشروط. و قال أبو حنيفة تقبل روايته و هو خطأ لما تقدم
البحث الرابع في الأمر و النهي

(1/231)


ذهب الإمامية و جماعة ممن وافقهم إلى أن الأمر يقتضي الإجزاء فإذا قال له صل عند الزوال ركعتين فصلاهما خرج عن عهدة التكليف. و قال جماعة من السنة إنه لا يخرج بل يبقى مكلفا. و هو خطأ لأنه إما أن يكون مكلفا بما قد كان قد فعله بعينه فيلزم تحصيل الحاصل. مع أنه لا دليل على إيجاب إعادة غير ما فعله إذ الأمر إنما اقتضى إيقاع الفعل و قد حصل. و إما أن يكون مكلفا بغيره فلا يكون أمر الأول مساويا لصلاة ركعتين بل الأزيد و هو خلاف التقدير. و الأمر بالشي ء يستلزم النهي عن ضده فإذا وجب صلاة ركعتين و حقيقة الوجوب هو الإذن في العل و المنع من الترك فهو حقيقة مركبة يستلزم وجودها وجود جزأيها فلا يتحقق الوجوب إلا مع النهي عن الضد. و قال بعض أهل السنة إنه لا يستلزم و هو خطأ و قال الآخرون منهم إنه نفس الأمر و هو غلط للفرق الضروري بين قولنا نهج الحق ص : 399افعل و قولنا لا تترك. و النهيعن الشي ء لا بد على صحته شرعا لأن النبي ص نهى الحائض عن الصلاة و الصوم
البحث الخامس في التخصيص
ذهبت الإمامية و من وافقهم و جماعة إلى أن الاستثناء لا يجب أن يكون الباقي أكثر من الخارج. و خالف فيه جماعة من السنة. و هو خطأ لأنه مخالف نص القرآن قال الله تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ثم قال تعالى في موضع آخر قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ أكثر من صاحبه و هو محال. و ذهبت الإمامية و من تبعهم إلى أن الاستثناء من النفي إثبات. و قال أبو حنيفة لا تكون إثباتا. و قد خالف في ذلك الإجماع و قول النبي ص. أما الإجماع فلأنه دل على أن قولنا لا إله إلا الله توحيد و كاف فيه. و أما قول النبي ص فلأنه قال

(1/232)


أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم نهج الحق ص : 400و ذراريهم و لو لم يكف هذا القول في التوحيد لم يكن موجبا للعصمة. و ذهبت الإمامية و من تابعهم إلى أن الكتاب قد يخصص بمثله كقوله تعالى وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ مع قوله تعالى وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ قال بعض الجمهور لا يجوز. و القرآن يكذبهم. و ذهبت الإمامية و جماعة تابعوهم إلى أن مذهب الصحابي ليس مخصصا لأن العبرة إنما هي في كلام الله تعالى و كلام الرسول ص و الصحابي ليس من أحدهما و قوله ليس حجة و لو كان حيا و لو قد ذهب إلى شي ء طالبناه بالحجة و لم يجز لنا تقيده فإذا كان قوله حيا خاليا عن المعارض ليس حجة كيف يكون قوله بعد موته مع معارضة كلام الله تعالى حجة. و قالت الحنفية و الحنابلة إنه مخصص و هو خطأ لما تقدم. و ذهبت الإمامية و من تابعهم إلى أن العادة غير مخصصة للعموم كما قالوا حرمت الربا في جميع الطعام و عادتهم تناول البر فإنه لا يخصص عموم التحريم للربا في كل الطعام لأن العبرة إنما هي بلفظ الرسول ص أو بلفظ الكتاب العزيز و هو الحاكم على العادة فلا يجوز أن يكون العادة حاكمة عليه. و خالف الحنفية فيه و قالوا إن العادة حاكمة على الشرع. نهج الحق ص : 401و ذهبت الإماية و من تابعهم إلى أن حكم الخاص إذا وافق حكم العام لم يكن مخصصا كما إذا قال في النعم زكاة ثم قال في الغنم زكاة لأن ثبوت الحكم في الأفراد المعلومة يستلزم ثبوته في هذا الفرد المعين فإذا نص على ثبوته فيه لم يكن منافيا له بالضرورة. و خالف أبو ثور هاهنا و قال إنه يكون مخصصا و هو خطأ لما بيناه
البحث السادس في البيان

(1/233)


ذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة كما إذا قال اعتدي بالقرء بعد الطلاق لا يعرفها ما أراد بالقرء ثم يطلق و لا يعرف المراد لأنه يلزم منه تكليف ما لا يطاق. و خالفت الأشاعرة فيه بناء منهم على جواز التكليف بالمحال بل كل التكاليف عندهم كذلك و قد سلف. ذهبت الإمامية أيضا و من تبعهم إلى أنه لا يجوز تأخيره إلى وقت الحاجة إذا كان ظاهره يدل على خلاف المراد منه و إلا لزم الإغراء بالجهل و الإغراء بالجهل قبيح و خالفت الأشاعرة فيه بناء على نفي الحسن و القبح العقليين و قد سبق البحث فيه
البحث السابع في النسخ
ذهبت الإمامية و من تابعهم من المعتزلة إلى أنه لا يجوز نسخ الشي ء قبل وقته لأن الفعل في ذلك الوقت إن كان مصلحة استحال نسخه و إن كان مفسدة استحال الأمر به أولا و لأنه يلزم البداء. نهج الحق ص : 402و ذهبت الأشاعرة إلى جوازه. و العجب أنهم ينسبون البداء إلى طاة من أهل الحديث و هم القائلون به في الحقيقة لأنه لا معنى للبداء إلا الأمر بالشي ء الواحد في الوقت الواحد على الوجه الواحد و النهي عنه في ذلك الوقت على ذلك الوجه. و ذهبت الإمامية و من وافقهم من المعتزلة إلى أنه يمتنع أن ينسخ الإخبار عن الشي ء بالإخبار بنقه إذا كان مدلول الخبر لا يتغير لأنه يكون كذبا و الكذب قبيح و يمتنع أن يكلف الله تعالى بالقبيح. و خالفت الأشاعرة في ذلك بناء على أصلهم الفاسد من عدم القول بالحسن و القبح العقليين. ذهبت الإمامية إلى امتناع نسخ وجوب معرفته تعالى و امتناع نسخ تحريم الكفر و الظلم و غيره من الواجبات و القبائح العقليين. و خالفت الأشاعرة في ذلك بناء على أصلهم الفاسد من نفي الحسن و القبح العقليين
البحث الثامن في القياس

(1/234)


ذهبت الإمامية و جماعة تابعوهم عليه إلى أنه يمتنع العمل بالقياس لدلالة العقل و السمع أما العقل فإنه ارتكاب لطريق لا يؤمن معه الخطأ فيكون قبيحا. و لأن مبني شرعنا على الفرق بين المتماثلات كإيجاب الغسل بالمني دون نهج الحق ص : 403البول و كلاهما من أحد السبيلينو غسل بول الصبية و نضح بول الصبي و قطع سارق القليل دون غاصب الكثير و حد القذف بالزناء دون الكفر و تحريم صوم أول شوال و إيجاب صوم آخر رمضان و على الجمع بين المختلفات كإيجاب الوضوء من الأحداث المختلفة و إيجاب الكفارة في الظهار و الإفطار و تساوي العمدي و الخطأ في وجوبهما و وجوب القتل بالزناء و الردة. و إذا كان كذلك امتنع العمل بالقياس الذي ينبئ عن اشتراك الشيئين في الحكم لاشتراكهما في الوصف. و لأنه يؤدي إلى الاختلاف فإن كل واحد من المجتهدين قد يستنبط علمه غير علم الآخر فتختلف أحكام الله تعالى و تضطرب و لا يبقى لها ضابط و قد قال الله تعالى وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً. و أما السمع فقوله تعالى إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ ما تَهْوَى الْأَنْفُسُ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. و قد أجمع أهل البيت ع على المنع من العمل بالقياس و ذم العامل به. و ذكره جماعة من الصحابة
قال أمير المؤمنين ع لو كان الدين بالقياس لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره
و قال أبو بكر أي سماء تظلني و أي أرض تقلني إذا قلت برأي و قال عمر بن الخطاب إياكم و أصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا و أضلوا

(1/235)


و قال ابن عباس إن الله تعالى قال لنبيه ص وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ و لم يقل بما رأيت و لو جعل لأحدكم أن يحكم برأيه لجعل ذلك لرسول الله ص
و قال و إياكم و المقاييس فما عبدت الشمس إلا بالمقاييس
و روى الخطيب في تاريخه و ابن شيرويه الديلمي قالا إن النبي ص قال ستفترق أمتي على بضع و سبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور فيحرمون الحلال و يحللون الحرام
و كتب عمر إلى شريح القاضي و هو نائبه احكم بما في كتاب الله فإن لم تجد فاحكم بما أجمع عليه أهل العلم و إن لم تجد فلا عليك لا تقض. و نهى عن العمل بالقياس عبد الرحمن بن عوف و عبد الله بن عمر و مسروق بن سيرين و أبو سلمة بن عبد الله و ابن مسعود و مسروق بن الأجدع. نهج الحق ص : 405و لو كان القياس مشروعا لما خفي على هؤلاء لأنه من الأحوال العظيمة و ما يعم به البلوى البحث التاسع في الاستحسان
ذهبت الإمامية و جماعة تابعوهم إلى المنع من العمل بالاستحسان و خالف فيه الحنفية. و هو خطأ لأن الأحكام خفية على العقلاء و المصالح التي هي عللها خفية أيضا و ربما كان الشي ء مصلحة عند الله و يخفى عنا وجه المصلحة فيه كعدد الركعات و مقادير الحدود و غير ذلك. مع ن القول بذلك تقديم بين يدي الله و رسوله و قد قال الله تعالى لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ. و حكم بغير ما أنزل الله و قد قال الله تعالى وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ و أكد ذلك في آية أخرى بقوله وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ و أكدهما بآية ثالثة فقال وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ كل ذلك لعلمه تعالى بخروج عباده عن طاعته و عدم امتثال أمره
البحث العاشر في الاجتهاد

(1/236)


ذهبت الإمامية و جماعة تابعوهم إلى أن النبي ص لم يكن متعبدا بالاجتهاد في شي ء من الأحكام خلافا للجمهور لقوله نهج الحق ص : 406تعالى فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وَ ما يَطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ. و لأنه لو كان مجتهدا في الأحكام لجاز لنا مخالفته للإجماع على أن حكم الاجتهاد لا يفيد علما قطعيا و مخالفته حرام بالإجماع. و إن الاجتهاد قد يخطئ و الخطأ من النبي ص عندنا محال على ما تقدم من العصمة خلافا لهم. و لأنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لما أخر الأجوبة عن المسائل الواردة عليه حتى يأتيه الوحي لأنه تأخير البيان عن وقت الحاجة و هو محال. و لأنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لزم أن يكون مرتكبا للحرام و التالي باطل فالمقدم مثله. و بيان الملازمة أن الاجتهاد يفيد الظن و الوحي يفيد القطع و القادر على الدليل القطعي يحرم عليه الرجوع إلى الظن بالإجماع. و لأنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لنقل لأنه من أحكام الشريعة و من الأدلة العامة. و لأنه لو كان متعبدا بالاجتهاد ينقل اجتهاده في كثير من المسائل و التالي باطل فالمقدم مثله. و ذهبت الإمامية إلى كون المصيب في الفروع واحدا و أن لله تعالى نهج الحق ص : 407في كل مسألة حكما معينا و له عليه دليل إما قطعي أو ظني و أن المقصر في اجتهاده عن تحصيل ذل الدليل آثم. و خالف فيه جماعة. و اضطرب كلام الفقهاء الأربعة أبو حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد فتارة قالوا بالتصويب لكل مجتهد و تارة قالوا كقولنا إن الأحكام تابعة للمصالح و الوجوه التي تقع عليها و ذلك لا يكون إلا واحدا. و لأنه لو كان كل مجتهد مصيبا لزم اجتماع النقيضين لأن المجتهد إذا غلب على ظنه أن الحكم هو الحل فلو قطع

(1/237)


بأنه مصيب لزم منه القطع بالمظنون. و للإجماع من الصحابة على إطلاق لفظ الخطإ في الاجتهاد. و قال أبو بكر في الكلالة إني سأقول فيها برأي فإن يك صوابا فمن الله و إن يك خطأ فمني و من الشيطان و الله و رسوله بريئان منه. و قال عمر لكاتبه اكتب هذا ما رأى عمر فإن كان خطأ فمنه و إن كان صوابا فمن الله. و ردت عليه امرأة في المغالاة بالمهور إذ قال لا تغالوا في مهور نسائكم فقالت امرأة أ نتبع قولك أم قول الله وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فقال امرأة أصابت و أمير أخطأ. نهج الحق ص : 408و تخطئة ابن عباس جماعة في قولهم بالعول و قال من باهلني باهلته إن الله لم يجعل في مال واحد نصفا و نصفا و ثلثا هذان نصفان بالمال و أين موضع الثلث. و أيضا الدليلان إن تساويا تساقطا و إلا وجب الراجح. و الإجماع على شرعية المناظرة لو لم يكن تبيين الصواب مطلوبا للشارع لم يكن كذلك. و لأن المجتهد طالب فلا بد من مطلوب. و لأنه يلزم اجتماع النقيضين لأن الشافعي إذا اجتهد و قال لزوجته الحنفية المجتهدة أنت بائن ثم لو راجعها فإنها تكون حراما بالنظر إليها و حلالا بالنظر إلى الزوج فإنها حرام بالنظر إلى اجتهادها و حلال بالنظر إلى اجتهاده و كذا لو تزوجها بغير ولي ثم تزوجها آخر بولي
المسألة الثامنة فيما يتعلق بالفقه
و فيه فصول الفصل الأول في الطهارة

(1/238)


ذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر. و قال أبو حنيفة إنه يجوز إذا كان مطبوخا. و هو يخالف ما دل عليه القرآن حيث قال الله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً. ذهبت الإمامية إلى أنه يجوز التطهير بماء مطلق طاهر و إن تغير شي ء من أوصافه بالأجسام الطاهرة كقليل الزعفران و يسير العود. و قال الشافعي إنه لا يجوز. و هو مخالف لعموم القرآن. و للحرج العظيم إذ لا ينفك الماء عن الخلط اليسير بواسطة التراب أو الطحلب و أي فارق بين اللام و غيره. نهج الحق ص : 410ذهبت الإمامية إلى أن جلد الميتة لا يطهر بالدبغ سواء كان مأكول اللحم أو لا و سواء كان طاهر العين أو لا. و قال الشافعي يطهر ما كان طاهرا في حياته و هو ما عدا الكلب و الخنزير. و قال أبو حنيفة يطهر الجميع إلا جلد الخنزير. و قال داود طهر الجميع. و الكل مخالف لعموم قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ و تحريم العين يستلزم تحريم وجوه الانتفاعات بأسرها منها الجلد. و إذا ثبت فلا يجوز بيعها عند الإمامية. و عند الشافعي يجوز بيعها بعد الدباغ. و قال أبو حنيفة و الليث بن سعد يجوز قبل الدباغ و بعده. و كلاهما مخالف لنص القرآن على ما تقدم. ذهبت الإمامية إلى أن الكلب لا يقع عليه الذكاة و أن جلده لا يطهر بالدباغ سواء ذكي أو مات. و قال أبو حنيفة إنه يقع عليه الذكاة و يطهر جلده بالدباغ مذكى و ميتا. ذهبت الإمامية إلى وجوب النية في جميع الطهارات من الحدث و قال أبو حنيفة لا يجب في المائية. نهج الحق ص : 411و قال الأوزاعي لا يجب مطلقا. و قد خالفا القرآن العزيز حيث قال إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا أي لأجل الصلاة و قال تعالى وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّنَ. و خالفا السنة المتواترة و هو

(1/239)


قوله ص إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى
و يلزمهما أن يكون الجنب النائم و المغمى عليه و الغافل إذا رمي في الماء و المحدث كذلك إلا أن يكونا طاهرين و أن يدخلا في الصلاة بمثل هذه الطهارة و هو غير معقول. ذهبت الإمامية إلى استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء من النوم مرة. و أوجبه داود مطلقا. و أوجبه أحمد بن حنبل في نوم الليل دون النهار. و خالفا في ذلك قوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. و قد قال المفسرون إذا قمتم من النوم فلو كان غسل اليدين واجبا لذكره الله تعالى. ذهبت الإمامية إلى وجوب مسح الرأس و عدم إجزاء الغسل عنه و قال الفقهاء الأربعة يجزي الغسل. نهج الحق ص : 412و قد خالفوا في ذلك كتاب الله تعالى حيث فرق بين الأعضاء و جعل الرأس ممسوحا فالتسوية بينهما مخالف لنص القرآن. ذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز المسح على العمامة. و قال الثوري و الأوزاعي و أحمد و إسحاق بأنه يجوز.و خالفوا في ذلك نص القرآن حيث قال وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ أوجب الله تعالى إلصاق المسح بالرأس. ذهبت الإمامية إلى وجوب مسح الرجلين و أنه لا يجزي الغسل فيهما و به قال جماعة من الصحابة و التابعين كابن عباس و عكرمة و أنس و أبي العالية و الشعبي. و قال الفقهاء الأربعة الغرض هو الغسل. و قد خالفوا في ذلك نص القرآن حيث قال وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ. ذهبت الإمامية إلى وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء و به قال علي أمير المؤمنين ع و ابن عباس و قتادة و أبو عبيدة و أحمد بن حنبل و إسحاق. و قال أبو حنيفة إنه غير واجب و به قال مالك. و قد خالفا في ذلك نص القرآن حيث ابتدأ بالغسل و جعل نهايته اليدين و ثم عطف بالمسح و جعل نهايته الكعبين. نهج الحق ص : 413ذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز المسح على الخفين إلا في حال الضرورة. و خالف في ذلك الفقهاء الأربعة و جوزوه. و هو مالف لنص

(1/240)


الكتاب العزيز حيث قال وَ أَرْجُلَكُمْ عطفا على الرءوس فأوجب الله تعالى إلصاق المسح بالرجلين و الماسح على الخفين ليس ماسحا على الرجلين. ذهبت الإمامية إلى وجوب الاستنجاء من البول و الغائط و قال أبو حنيفة إنه ليس بواجب. و قد خالف المتواتر من الأخبار الدالة على أن النبي ص فعله و داوم عليه و لم ينقل بتركه البتة و لا أنه ص صلى قبله و لا أحد من الصحابة قبل أن يغسل مخرج حدث البول أو الغائط مع فعلهما. ذهبت الإمامية إلى أن النوم ناقض للوضوء مطلقا. و قال الشافعي إذا نام مضطجعا أو مستلقيا أو مستندا انتقض وضوؤه. و قال مالك و أوزاعي و أحمد و إسحاق إنه إن كثر نقض الوضوء و إن قل لم ينقض. و قال أبو حنيفة لا وضوء من النوم إلا على من نام مضطجعا أو متوركا فأما من نام قائما أو راكعا أو ساجدا أو قاعدا سواء كان في الصلاة أو غيرها فلا وضوء عليه. و قد خالفوا في ذلك نص الكتاب العزيز حيث قال إِذا قُمْتُمْ إِلَى نهج الحق ص : 414الصَّلاةِ قال المفسرون من النوم و أطلقوا. ذهبت الإمامية إلى أن الرجل إذا أنزل بعد الغسل وجب عليه الغسل سواء كان قبل البول أو بعده و قال مالك لا غسل عليه. و قال أبو حنيفة إن كان قبل البول فعليه الغسل و إنكان بعده فلا غسل عليه. و قد خالفا في ذلك نص القرآن حيث قال وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا. و خالفا المتواتر من قوله ص
إنما الماء من الماء. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا أنزل من غير شهوة وجب عليه الغسل. و قال أبو حنيفة لا يجب. و قد خالف في ذلك عموم الكتاب و السنة. ذهبت الإمامية إلى أنه لا عبرة بوضوء الكافر و لا غسله حالة الكفر. و قال أبو حنيفة إنهما معتبران. نهج الحق ص : 415 قد خالف بذلك نص الكتاب و السنة حيث قال تعالى وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ و هو لا يتحقق في حق الكافر.
و قال ص إنما الأعمال بالنيات

(1/241)


و هو لا يتحقق في طرف الكافر. ذهبت الإمامية إلى أن التيمم إنما يصح بالتراب و لا يجوز بالمعادن و لا بالكحل و لا الملح و الثلج و الشجر. و قال أبو حنيفة يجوز بجميع ذلك و به قال مالك. و قد خالفا في ذلك القرآن حيث قال فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً و الصعيد التراب الصاعد على وجه الأرض. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا أخل بشي ء مما يجب مسحه في التيمم بطل تيممه عمدا كان أو سهوا. و قال أبو حنيفة إن ترك أقل من الدرهم لم يجب شي ء. و خالف في ذلك الكتاب حيث قال فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ. ذهبت الإماميةلى أن طلب الماء واجب. و قال أبو حنيفة لا يجب. و قد خالف في ذلك نص الكتاب حيث قال الله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ثم قال فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا فشرط فيه عدم وجدان الماء و إنما يصح مع الطلب و الفقد. نهج الحق ص : 416ذهبت الإممية إلى أن المتيمم إذا حيل بينه و بين الماء بأن يكون في بئر و لا آلة معه أو حيل بينه و بينه فإن يصلي بالتيمم و لا إعادة عليه. و قال الشافعي يعيد. و هو أحد الروايتين عن أبي حنيفة و الآخر إنه يصبر و لا يتيمم و لا يصلي. و قد خالف في ذلك نص القرآن حيث قال فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا و إذا فعل المأمور به خرج عن العهدة. ذهبت الإمامية إلى أن عادم الماء إذا وجد ثوبا أو لبد سرج و عليهما تراب ينفضه و يتيمم به و لو لم يجد إلا الوحل يضع يديه فيه ثم يفركه و يتيمم به. و قال أبو حنيفة تحرم عليه الصلاة. و قد خالف القرآن العزيز حيث قال فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً و هذا واجد للصعيد. ذهبت الإمامية إلى أن الكلب نجس العين و السؤر و اللعاب و قال مالك الجميع طاهر. نهج الحق ص : 417و خالف في ذلك السنة المتواترة أنه ص امتنع من دخول بيت فيه كلب. ذهبت اإمامية إلى أن الماء الكثير لا ينجس إلا بالتغيير و عنوا بالكثير ما

(1/242)


بلغ كرا و هو ألف و مائتا رطل بالعراقي. و قال أبو حنيفة حد الكثير ما لا يتحرك أحد طرفيه بحركة الآخر. و قد خالف في ذلك مقتضى الشرع و هو كون الأحكام منوطة مضبوطة معروفة متعاهدة. و الحركة قابلة للشدة و الضعف فلا يجوز استناد الأحكام في الطهارة و النجاسة إليها لعدم انطباقها. و يلزم منه التكليف بما لا يطاق إذ معرفة ما ينجس مما لم ينجس غير ممكن بالنظر إلى الحركة المختلفة. و يلزم على ذلك أن يكون الماء الواحد ينجس و لا يقبل التغيير باختلاف وضعه و هو معلوم البطلان. ذهبت الإمامية إلى امتناع التحري في الإناءين إذا كان أحدهما نجسا و اشتبه بصاحبه بل أوجبوا اجتنابهما معا و كذا في الثوبين إذا كان أحدهما نجسا بل يصلي في أحدهما على الانفراد سواء كان عدد الطاهر من الأواني أكثر أو لا و كذا في الثوب. و قال أبو حنيفة يجوز التحري في الثوبين مطلقا و في الأواني إذا كان عدد الطاهر أكثر. نهج الحق ص : 418و جوز الشافعي التحري في الأواني مطلقا و في الثياب. و خالفوا المعقول في ذلك لأن العقل قاض بامتناع ترجيح أحد المتساويين بغير مرجح و الضرورة شاهدة بذلك و على هذه القاعدة تبن أكثر القواعد الإسلامية و التحري ترجيح أحد المتساويين من غير مرجح فيكون باطلا. و من العجب أن الشافعية أطبقوا إلا من شد على التخيير بين استعمال الطاهر بيقين لو كان معه و بين التحري في الإناءين المشتبهين و لم يوجبوا استعمال كل واحد منهما. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا أصاب الأرض بول و جف بالشمس طهرت و جاز التيمم منها و الصلاة عليها. و قال أبو حنيفة إنها تطهر و يجوز الصلاة لا التيمم. و قد خالف في ذلك القرآن فهو قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً و الصعيد التراب و الطيب الطاهر و قد وافق على الطهارة. ذهبت الإمامية إلى أن مباشرة الحائض بما بين السرة إلى الركبة مباح عدا الفرج. و قال الشافعي و أبو حنيفة إنه محرم. و قد خالفا في ذلك كتاب

(1/243)


الله تعالى حيث قال فَأْتُوا حَرْثَكُمْ نهج الحق ص : 419أَنَّى شِئْتُمْ و خصص التحريم بالفرج فقال فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ أي موضع الحيض. ذهبت الإمامية إلى أنه يجب في الصلاة طهارة البدن و الثوب إلا من الدم غير الدماء الثلاثة الحيض و الاستحاضة و النفاس فإنه يجوز أن يصلي و عليه أقل من الدرهم البغلي و أما غيره من النجاسات فإنه غير معفو عنه. و قال أبو حنيفة سواء في اعتبار الدرهم. و قد خالف عموم قوله تعالى وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ. ذهبت الإمامية إلى نجاسة المني و أنه لا يجزي فيه الفرك يابسا. و قال أبو حنيفة يجزي فيه الفرك. و قال الشافعي إنه طاهر. و خالف في ذلك أمر النبي ص بغسله و إيجاب غسل جميع البدن. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا صلى على بساط أحد طرفيه نجس و الآخر طاهر و صلاته على الطاهر تصح صلاته. و قال أبو حنيفة إذا كان البساط على سرير يتحرك البساط بحركة نهج الحق ص : 420المصلي لم تصح صلاته. و قد خالف في ذلك مقتضى العقل و انقل. أما النقل فلأنه مأمور بأن يصلي في ثوب طاهر على موضع طاهر و قد امتثل فيخرج عن العهدة. و أما العقل فلأنه أي تعلق للصلاة بذلك المكان الذي لا يحل فيه النجاسة و أي فرق في الفعل بين أن يتحرك بحركته أو لا. و كذا إذا صلى و على رأسه طرف عمامة طاهر و الطرف الآخر نجس و هو موضوع على الأرض فإن صلاته صحيحة. و قال أبو حنيفة إن تحرك بحركته بطلت. و قال الشافعي تبطل بكل حال. و كذا إذا شد كلبا بحبل و طرف الحبل معه صحت صلاته. و كذا إذا شد الحبل في سفينة فيها نجاسة. و قال الشافعي في الكلب إن كان واقفا على الحبل صحت صلاته و إن كان حاملا بطرفه بطلت صلاته. و منهم من فرق بين أن يكون الكلب صغيرا أو كبيرا فقال إن كان كبيرا صحت صلاته و إن كان صغيرا بطلت. و كل هذه أدل على أنه لا دليل عليها من عقل و لا نقل
الثاني في الصلاة و فيه مسائل

(1/244)


ذهبت الإمامية إلى أن الإغماء إذا استوعب الوقت سقطت الصلاة أداء و قضاء. نهج الحق ص : 421و قال أحمد بن حنبل يجب القضاء مطلقا. و قال أبو حنيفة إن أغمي عليه في خمس صلوات وجب قضاؤها و إن أغمي عليه في ست لم يجب. و قد خالفا في ذلك المعقول و المنقول. أما المنقول هو خبر المتواتر بين الإمامية و أهل السنة رفع القلم عن ثلاثة. و أما المعقول فما تقدم من أن من شرائط التكليف الفهم و المغمى عليه غير فاهم. و أن القضاء تابع للأداء فإن سقط الأداء كان القضاء ساقطا. ذهبت الإمامية إلى أن تقديم الصلاة في أول وقتها أفضل إلا المتنفل و مريد انتظار الإمام و المغرب في المزدلفة. و قال أبو حنيفة يستحب الإسفار في الصبح و تأخير الظهر و الجمعة. و قد خالف في ذلك أمر الله تعالى في قوله سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
و قول النبي ص الصلاة في أول الوقت رضوان الله و في آخره عفو الله

(1/245)


و المعقول فإن المكلف في معرض الحدثان فتقديم الفريضة أولى لما يحدث من تطرق الحوادث. و لأنه مأمور في أول الوقت إجماعا و الاحتياط التقديم لأن جماعة نهج الحق ص : 422ذهبوا إلى أن الأمر للفور فيخرج به عن العهدة بيقين بخلاف التأخير. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا انتل على الراحلة لم يلزمه أن يتوجه إلى جهة سيرها. و قال الشافعي إن لم يستقبل القبلة و لا جهة سيرها بطلت صلاته. و قد خالف بذلك كتاب الله تعالى حيث يقول فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ. و قد نص الصادق ع في النوافل خاصة. و خالف المعقول أيضا لأن جهة السير غير مقصودة في الاستيصال لمساواته غيره بل ربما يكون غيره أولى بأن يكون ميامنا و يكون جهة السير مستدبرا. ذهبت الإمامية إلى أنه يجوز صلاة الفريضة على الراحلة مع الضرورة و قد خالف في ذلك الفقهاء الأربعة. و قد خالفوا في ذلك كتاب الله تعالى حيث يقول ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ و قال يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ و قال لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها. نهج الحق ص : 423و خالفوا بذلك العقل حيث دل على أنالتكليف بما لا يطاق محال و ترك الصلاة مع القدرة عليها محال. و خالفوا فعل رسول الله ص فإنه صلى الفريضة على الراحلة في يوم مطر. ذهبت الإمامية إلى أنه يجب تكبيرة الافتتاح بصيغة الله أكبر. و قال أبو حنيفة ينعقد بكل اسم من أسماء الله تعالى على وجه التعظيم مثل الله عظيم و مثل الله جليل و شبهه. و قد خالف في ذلك فعل النبي ص
فإنه كبر كذلك و قال صلوا كما رأيتموني أصلي

(1/246)


و خالف في ذلك قوله المشهور تحريمها التكبير. ذهبت الإمامية إلى أنه يجب التكبير بالعربية فإن لم يحسن وجب عليه التعليم إلى أن يضيق الوقت ثم يكبر كما يحسن. و قال أبو حنيفة يجوز التكبير بغير العربية. و قد خالف في ذلك فعل النبي ص
فإنه كبر بالعربية و قال صلوا كما رأيتموني أصلي
و قوله تحريمها التكبير و غير العربية لا يسمى تكبيرا. ذهبت الإمامية إلى استحباب التعوذ قبل القراءة في الركعة الأولى و قال مالك لا يستحب و لا يتعوذ في المكتوبة. نهج الحق ص : 424و خالف في ذلك قوله تعالى فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ اشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. و فعل رسول الله ص فإنه كان يقول قبل القراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ذهبت الإمامية إلى وجوب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة. و قال أبو حنيفة تجزي آية واحدة و بعض آية من غيرها. و قد خالف بذلك قوله ص المتواتر عند الجميع
لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب
و قال لا صلاة لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب
ذهبت الإمامية إلى أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آية من كل سورة. و خالف في ذلك أبو حنيفة و مالك حتى أن مالكا كره قراءتها في الصلاة. و خالفا في ذلك العلم الضروري المتواتر أنها آية و أيضا
عن رسول الله ص إلى قوله نَسْتَعِينُ خمس آيات

(1/247)


ذهبت الإمامية إلى أن قول آمين يبطل الصلاة. و خالف في ذلك الفقهاء الأربعة. نهج الحق ص : 425و قد خالفوا بذلك قول النبي ص المشهور بين الناس إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شي ء من كلام الناس و قول آمين من كلامهم. ذهبت الإمامية إلى وجوب القراءة في الركعتين الأخيرتين أو التسبيح بالمأثور و هو سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر. و لم يوجب أبو حنيفة القراءة و لا التسبيح بل جوز السكوت فيهما و في ثالثة المغرب. و هو مخالف لفعل النبي ص لأنه قرأ في الأخيرتين الحمد وحدها. ذهبت الإمامية إلى وجوب القراءة بالعربية. و قال أبو حنيفة يجوز أن يقرأ بعض آية من أي موضع شاء من القرآن بالعربية و غيرها بأي لغة شاء و قد خالف بذلك قوله تعالى بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا فالقارئ بغيرها لا يكون قارئا بالقرآن. ذهبت الإمامية إلى وجوب الطمأنينة في الركوع و الانحناء بحيث تصل يداه إلى ركبتيه. و قال أبو حنيفة لا تجب الطمأنينة. نهج الحق ص : 426و قد خالف في ذلك فعل النبي ص فإنه ركع و اطمأن كما قلناه و قال صلوا كما رأيتموني أصلي
ذهبت الإمامية إلى وجوب الذكر في الركوع و السجود. و قال أبو حنيفة و مالك و الشافعي لا تجب حتى قال مالك لا أعرف الذكر في السجود. و قد خالفوا في ذلك فعل النبي ص و قوله
فإنه فعل و قال لما نزل فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ اجعلوها في ركوعكم و لما نزل سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال اجعلوها في سجودكم

(1/248)


ذهبت الإمامية إلى أنه يجب رفع الرأس من الركوع و الطمأنينة في الانتصاب و خالف أبو حنيفة فيهما. و قد خالف في ذلك فعل النبي ص و قد فعله ص. ذهبت الإمامية إلى وجوب وضع الجبهة على الأرض في السجود. و قال أبو حنيفة إن شاء وضع جبهته و إن شاء وضع أنفه. و قد خالف فيه قول النبي ص فإنه أمر أن يسجد على سبع يديه و ركبتيه و أطراف أصابعه و جبهته. نهج الحق ص : 427ذهبت الإمامية إلى وجوب وضع اليدين و الركبتين و إبهامي القدمين في السجود على الأرض. و قال أبو حنيفة و الشافعي إنه يستحب. و قد خالفا بذلك فعل النبي ص و قوله و قد سبق و قال أيضا إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب وجهه و كفاه و ركبتاه و قدماه. ذهبت الإمامية إلى منع السجود على بعضه. و قال أبو حنيفة يجوز أن يسجد على كفه. و قد خالف في ذلك فعل النبي ص و قوله و هو
لا تتم صلاة أحدكم إلى أن قال ثم يسجد ممكنا جبهته إلى الأرض حتى يطمئن مفاصله
ذهبت الإمامية إلى وجوب الطمأنينة في السجود و الاعتدال منه و الطمأنينة فيه. و قال أبو حنيفة لا تجب الطمأنينة في السجود و لا يجب رفع الرأس منه إلا بقدر ما يدخل السيف بين جبهته و الأرض و في رواية لا يجب الرفع مطلقا بل لو حفر تحت جبهته حفيرة فحط جبهته إليها أجزأ عن السجود الثاني و إن لم يرفع رأسه. و قد خالف في ذلك فعل النبي ص
و قوله لمن علمه الصلاة ثم ارفع رأسك حتى تطمئن جالسا
نهج الحق ص : 428ذهبت الإمامية إلى استحباب الجلسة بعد الرفع من السجدة الثانية في الأولى و الثالثة. و منع أبو حنيفة من استحبابها. و قد خالف في ذلك فعل رسول الله ص روى أبو قلابة قال جاء مالك بن الحويرث إلى مسجدنا فقال و الله إني لأصلي و ما أريد الصلاة و لكني أريد أن أريكم كيف رأيت النبي ص يصلي قال فقعد في الركعة الأولى حين رفع رأسه من السجدة الأخيرة ثم قام و اعتمد على الأرض

(1/249)


ذهبت الإمامية إلى وجوب التشهد الأول و الصلاة على النبي ص. خلافا للشافعي و أبي حنيفة فقد خالفا في ذلك فعل النبي ص. ذهبت الإمامية إلى وجوب التشهد الأخير و الصلاة على النبي ص و الجلوس فيه مطمئنا بقدره. و قال مالك لا يجبان. و قال أبو حنيفة لا يجب الجلوس دون التشهد. و قد خالفا فعل النبي ص
و قال ابن مسعود أخذ رسول الله ص بيدي و علمني التشهد و قال إذا قلت هذا و قضيت هذا نهج الحق ص : 429فقد قضيت صلاتك ذهبت الإمامية إلى أن الخروج يحصل بإكمال الصلاة على النبي و آله و التسليم لا غير. و قال أبو حنيفة يخرج بالتسليم أو بالكلام أو بخروج الريح. و ما أقبح المذهب المؤدي إلى الخروج من الصلاة بالريح لكن مثل الصلاة التي شرعها يصلح الخروج منها بمثل ما قاله فإنه ذاهب إلى جواز أن يصلي الإنسان في الدار المغصوبة على جلد كلب لابسا جلد كلب و بيده قطعة من لحم كلب لأنه يقبل الذكاة عنده ثم يتوضأ بنبيذ التمر المغصوب فيغسل رجليه أولا ثم ينتهي إلى غسل الوجه عكس ما ورد به القرآن ثم يقوم و عليه نجاسة ثم يكبر بالفارسية و يقرأ بالفارسية مدهامتان لا غير ثم يطأطئ رأسه يسيرا جدا غير ذاكر ثم يهوي إلى السجود من غير رفع ثم يخفض يسيرا لينزل جبهته و أنفه فيها من غير ذكر و لا طمأنينة و لا رفع منهما ثم ينهض إلى الثانية فيفعل مثل ذلك ثم يقعد من غير تشهد بقدره ثم يخرج بالريح
ه عن الإسلام فقال خمس صلوات في اليوم و الليلة قال هل علي غيرها قال لا إلا أن تتطوع ثم سأله عن الصدقة فقال الزكاة قال هل علي غيرها قال لا إلا أن تتطوع ثم سأله عن الصوم فقال شهر رمضان فقال هل علي غيرها فقال لا إلا أن تتطوع فأدبر الرجل و هو يقول و الله لا أزيد على هذا و لا أنقص منه فقال النبي ص أفلح إن صدق
ذهبت الإمامية إلى أن صلاة الضحى بدعة. و قال جميع الفقهاء الأربعة إنها مستحبة. و قد خالفوا في ذلك سنة رسول الله ص

(1/250)


روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن مروان العجلي قال قلت لابن عمر تصلي الضحى قال لا قلت فأبو بكر قال لا قلت فالنبي ص قال لا إخاله
و روى الحميدي في مسند عائشة قالت إن النبي ص ما صلى صلاة الضحى
و فيه عن عبد الله بن عمر أنه قال في صلاة الضحى بدعة نهج الحق ص : 439بدعة و روى أحمد بن حنبل في مسنده أن أبا بشير الأنصاري و أبا سعيد بن نافع رأيا رجلا يصلي صلاة الضحى فعابا ذلك عليه و نهياه عنها
ذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز أن يأتم قائم بقاعد. و جوز الشافعي و أبو حنيفة. و قال أحمد إذا صلى الإمام قاعدا صلوا خلفه قعودا مع القدرة على القيام. و خالفوا في ذلك المعقول و المنقول فأما المعقول فلأن القاعد أنقص و مخل بركن بالعقود. و أما المنقول
فقول النبي ص لا يؤمن أحد بعدي قاعدا بقيام

(1/251)


و من العجيب أن أحمد أسقط فرض القيام و هو ركن واجب بالمتابعة في القعود مع القدرة على القيام. و كيف يترك فرض لأجل النفل. ذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز إمامة الفاسق و لا المخالف في الاعتقاد و لا المبدع سواء كفر ببدعته أو لا و قال الشافعي أكره إمامة الفاسق و المظهر للبدع و إن صلى خلفه جاز و قسم أصحابه المختلفون في المذاهب إلى أقسام. نهج الحق ص : 440قسم لا يكفرون و لا يفسقون و هم المختلفون في الفروع كأصحاب أبي حنيفة و مالك و هؤلاء لا يكرهون الائتمام بهم. و قسم يكفرون و هم المعتزلة فلا يجوز الائتمام بهم. و قسم يسقون و لا يكفرون و هم الذين يسبون السلف و حكم هؤلاء حكم من يفسق بالزناء و شرب الخمر و اللواط و غير ذلك و هؤلاء يجوز الائتمام بهم على الكراهة سواء أدمن عليها و لم يتب أو لا و بهذا قال الفقهاء الأربعة إلا مالكا. و قد خالفوا القرآن حيث قال الله تعالى وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ و أي ركون أعظم من الائتمام في الصلاة التي هي عمود الدين و قال الله تعالى إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أوجب التثبت عند إخباره و من جملته الطهارة التي هي شرط الصلاة. ذهبت الإمامية إلى أن الطريق ليس حائلا بين الإمام و المأموم و أن الجدار حائل يمنع من الائتمام إلا للمرأة. و قال أبو حنيفة الطريق حائل يمنع من الائتمام إلا مع اتصال الصفوف و كذا الماء حائل و الجدار ليس بحائل فيجوز أن يأتم الإنسان في داره بإمام في المسجد و بينهما جدار المسجد و الدار. و هذا من أغرب الأشياء و أعجبها و تكذيب الحس. نهج الحق ص : 441ذهبت الإمامية إلى تحريم القصر في الصلاة في سفر المعصية. و قال أبو حنيفة و مالك يجوز. و هو مخالف للمعقول و المعهود من قواعد الشريعة فإن القصر رخصة و الرخص لا تناط بالمعاصي. ذهبت الإمامية إل وجوب القصر في سفر الطاعة. و قال الشافعي هو بالخيار بين القصر

(1/252)


الإتمام. و قد خالف في ذلك قوله تعالى فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أوجب الأيام الأخر فيحرم الصوم الأصل و كل من أوجب القصر في الصوم أوجبه في الصلاة.
و قال عمران بن حصين حججت مع النبي ص و كان يصلي ركعتين حتى ذهب و كذلك أبو بكر و عمر حتى ذهبا
و قال ابن عباس فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في السفر ركعتين
و عن عائشة قالت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر و زيد في صلاة الحضر
و قال عمر صلاة الصبح ركعتان و صلاة الجمعة ركعتان و صلاة الفطر ركعتان و صلاة السفر ركعتان تمام العمر قصر على لسان نبيكم
نهج الحق ص : 442ذهبت الإمامية إلى وجوب القصر في الصوم على المسافر طاعة. و قال الفقهاء الأربعة إن شاء صام و إن شاء أفطر. و قد خالفوا في ذلك النص قال الله تعالى فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ و هو ينافي جواز اصوم إجماعا.
و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين أن النبي ص خرج من المدينة و معه عشرة آلاف و ذلك على رأس ثمان سنين من مقدمه للمدينة فسار و من معه من المسلمين إلى مكة يصوم و يصومون حتى بلغ الكدية أفطر و أفطر الناس و هو ما بين عسفان و قديد
و فيه عن ابن عباس قال خرج النبي ص و الناس مختلفون فصائم و مفطر فلما استوى على راحلته دعا ماء فوضعه على راحلته حتى رآه الناس ثم شرب و شرب الناس معه في رمضان
و فيه عن جابر بن عبد الله أن النبي ص خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس ثم شرب فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال أولئك العصاة أولئك العصاة
و هذا نص في تحريم الصوم. نهج الحق ص : 443 و قال ص ليس من البر الصيام في السفر
و قال ص الصائم في السفر كالمفطر في الحضر

(1/253)


ذهبت الإمامية إلى أن المسافر لا يتغير فرضه بالاقتداء بالمقيم خلافا للفقهاء الأربعة. و قد خالفوا عموم القرآن الدال على وجوب التقصير في المسافر لأن الزيادة كالنقصان في الإبطال و كما لا يتغير فرض الحاضر إذا صلى خلف المسافر و كذا العكس. ذهبت الإمامية إلى أن من فاتته صلاته في السفر فإنه يقضيها في الحضر قصرا و كذا يقضيها في السفر قصرا سواء كان ذلك السفر أو غيره. فقال الشافعي و أحمد عليه الإتمام فيهما. و قد خالفا
قول النبي ص من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها و صلاة الحضر غير صلاة السفر

(1/254)


ذهبت الإمامية إلى أن من صلى في السفينة و تمكن من القيام فيها وجب عليه أن يصلي قائما. و قال أبو حنيفة هو بالخيار بين الصلاة قائما و جالسا. نهج الحق ص : 444و قد خالف في ذلك النصوص الدالة على وجوب القيام و أي سبب يقتضي جواز الجلوس مع القدرة و أي فرق بين السفنة و غيرها. ذهبت الإمامية إلى أن العاصي بسفره كالخارج لقطع الطريق أو للسعاية في قتل مسلم أو لطلب لا يجوز و شبهه لا يجوز له التقصير في الصلاة و لا في الصوم. و قال أبو حنيفة و أصحابه و الثوري و الأوزاعي لا فرق بين سفر الطاعة و المعصية و قد خالفوا المعقول و المنقول. أما المعقول فلأن القصر رخصة فلا يناط بالمعاصي. و أما المنقول فقوله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ حرم على العادي الرخصة و القصر كذلك. ذهبت الإمامية إلى جواز الجمع بين الظهرين و العشاءين سفرا و حضرا من غير عذر في وقت الأولى و الثانية. و قال الشافعي كل من جاز له التقصير جاز له الجمع. و به قال مالك و أحمد و إسحاق. و قال أبو حنيفة لا يجوز الجمع بحال لأجل السفر و لكن يجوز الجمع بينهما في النسك فكل من أحرم بالحج قبل الزوال من يوم عرفة. فإذا زالت جمع الظهرين و جمع بين العشاءين بمزدلفة. و قد خالفوا بذلك قوله تعالى أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ. نهج الحق ص : 445 و ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين قال صلى رسول الله ص الظهر و العصر جمعا و المغرب و العشاء جمعا من غير خوف و لا سفر

(1/255)


و قال ابن عباس أراد أن لا يخرج أمته. و في صحيح مسلم من غير خوف و لا مطر. ذهبت الإمامية إلى وجوب تقديم الظهر على العصر حالة الجمع. و جوز الشافعي البدأة بالعصر. و قد خالف في ذلك الإجماع و فعل النبي ص و أمر الله تعالى من وجوب تقديم الظهر على العصر. ذهبت الإمامية إلى أن المقيم في بلده لتجارة أو طلب علم و غير ذلك إذا نوى مقام عشرة أيام ينعقد به الجمعة. و خالف المالكية و الشافعية فيه و قد خالفوا بوجوب صلاة الجمعة. ذهبت الإمامية إلى وجوب الجمعة على أهل السواد كوجوبها على أهل المدن. و قال أبو حنيفة لا جمعة لأهل السواد. و خالف في ذلك القرآن حيث قال إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ. نهج الحق ص : 446ذهبت الإمامية إلى وجوب الجمعة على من بعد عن البلد على رأس فرسخين و ما دون فإن كان فيهم العدد وجب عليهم الحضور أو الصلاة عندهمو إن كان أقل من العدد وجب عليهم الحضور و كذا إن كانوا على أقل من فرسخ. و قال أبو حنيفة إن كان خارج البلد لا يجب عليه الحضور إذا كانوا أقل من العدد و إن كانوا على قرب قال محمد قلت لأبي حنيفة يجب الجمعة على أهل الزورة الكوفة قال لا و بين الزورة و الكوفة الخندق و هي قرية قرب الكوفة. و قال الشافعي لا يجب الحضور إلا إذا كانوا في مكان يسمعون الأذان. و قد خالفوا في ذلك القرآن و هو قوله فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ. ذهبت الإمامية إلى وجوب الجمعة على خمسة نفر أحدهم الإمام. و قال الشافعي و أحمد و إسحاق لا يجب على أقل من أربعين. و قد خالفوا في ذلك عموم القرآن. ذهبت الإمامية إلى أن العدد شرط في الابتداء لا في الاستدامة فلو انفضوا بعد التكبير أتمها جمعة. و خالفوا فيه الفقهاء الأربعة. و قد خالفوا بذلك نص القرآن
و قول النبي ص الصلاة على ما افتتحت عليه

(1/256)


نهج الحق ص : 447ذهبت الإمامية إلى أن بقاء الوقت ليس شرطا في الجمعة فلو خرج الوقت قبل الفراغ منها أتم الجمعة. و قال أبو حنيفة و الشافعي إنه شرط. و قد خالفا بذلك كلام الله تعالى و كلام رسوله ص. ذهبت الإمامية إلى أن الواجب الجمعة فإن صلى الظهر فلا تصح و وجبعليه فعلها إن أدرك الجمعة و إلا أعاد الظهر. و قال أبو حنيفة و إن صلى الظهر أجزأه. و خالف في ذلك القرآن. ذهبت الإمامية إلى تحريم السفر بعد الزوال قبل صلاة الجمعة. و خالف فيه الحنفية فجوزوا السفر قبلها. و قد خالف في ذلك القرآن. ذهبت الإمامية إلى وجوب القيام حال الخطبة و قال أبو حنيفة لا يجب. و قد خالف قول النبي ص و فعله
لأنه لم يخطب إلا قائما و قال صلوا كما رأيتموني أصلي
نهج الحق ص : 448و لأنها بدل عن الركعة فتساويها عن الحكم. ذهبت الإمامية إلى وجوب أربعة أشياء في الخطبة الحمد لله و الثناء عليه و الصلاة على النبي ص و الوعظ و قراءة شي ء من القرآن. و قال أبو حنيفة يجب في الخطبة كلمة واحدة الحمد لله و الله أكبر و سبحان اللو لا إله إلا الله أو غير ذلك. و قد خالف في ذلك فعل النبي ص و فعل الصحابة بأسرهم. ذهبت الإمامية إلى استحباب أن يقرأ في الأولى مع الحمد الجمعة و في الثانية المنافقين. و قال أبو حنيفة ليس في القرآن شي ء معين يقرأ ما شاء. و قد خالف في ذلك فعل النبي ص فقد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين قال إن النبي ص كان يقرأ في صلاة الجمعة الجمعة و المنافقين و كذا في مسند أحمد
ذهبت الإمامية إلى أن الجمعة يجب إدراك ركعة لا بدونها. و قال عمر بن الخطاب إن لم يدرك الخطبتين و الركعتين معا لم يدرك الجمعة و به قال عطاء و طاوس و مجاهد. و قال أبو حنيفة يدركها بإدراك الميسر و لو بسجود السهو بعد التسليم. نهج الحق ص : 449و قد خالفوا في ذلكنص رسول الله ص
و هو قوله ص من أدرك من الصلاة ركعة مع الإمام فقد أدرك الصلاة

(1/257)


دل على عدم إدراكها بعدم إدراك الركعة و عدم اشتراط الأزيد. ذهبت الإمامية إلى أن من لا يجب عليه الجمعة لا يحرم عليه البيع كالعبد. و قال مالك يحرم و قد خالف بذلك عموم القرآن و هو قوله تعالى أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ و المقتضي للتحريم هو الصلاة كما قال الله تعالى فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ليس ثابتا في حقه. ذهبت الإمامية إلى تسويغ صلاة شدة الخوف بحسب الإمكان ماشيا و راكبا. و قال أبو حنيفة لا يجوز أن يصلي ماشيا بل يؤخر الصلاة حتى ينقضي القتال. و قد خالف قوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً. ذهبت الإمامية إلى أن الجمعة يجوز فعلها في الصحراء مطلقا. و قال أبو حنيفة لا يجوز إلا في نفس المصر أو في موضع يصلى فيه العيد. و قال مالك لا تصح الجمعة إلا في الجامع و قد خالفا عموم نهج الحق ص : 450القرآن. و قد ظهر من هذه المسائل للعاقل النصف أن الإمامية أكثر إيجابا للجمعة من الجمهور و مع ذلك يشنعون عليهم تركها حيث إنهم لم يجوزوا الائتمام بالفاسق و مرتكب الكبائر و المخالف في العقيدة الصحيحة و أنهم لا يجوزون الزيادة في الخطبة التي خطبها النبي ص و أصحابه و التابعون إلى زمن المنصور. ذهبت الإمامية إلى وجوب صلاة العيدين على من يجب عليه صلاة الجمعة. و قال الفقهاء إلا أبا حنيفة إنها مستحبة. و قد خالفوا في ذلك قوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى أراد صلاة العيد و هو يدل على عدم الفلاح بتركها. و خالفوا مداومة النبي ص عليها. ذهبت الإمامية إلى وجوب صلاة الكسوف. و قال الفقهاء الأربعة إنها سنة. و قد خالفوا في ذلك

(1/258)


قول النبي ص لما كسفت الشمس و القمر آيتان من آيات الله لا يكسفان لموت أحد و لا لحياته فإذا رأيتموهما نهج الحق ص : 451فصلوا و ادعوا حتى يكشف ما بكم ذهبت الإمامية إلى استحباب صلاة الاستسقاء. و قال أبو حنيفة لا صلاة لها. و قد خالف بذلك فعل النبي ص.
و روى أبو هريرة قال خرج رسول الله ص يوما يستسقي فصلى بنا ركعتين
و روى ابن عباس أنه صلى ركعتين كما صلى في العيدين
و فعل ذلك أبو بكر و عمر. ذهبت الإمامية إلى أن السنة تسطيح القبور و به قال الشافعي و أصحابه إلا أنهم قالوا المستحب التسطيح لكن لما صار شعار الرافضة عدلنا عنه إلى التسنيم قاله الغزالي. و هل يحل لمن يؤمن بالله و اليوم الآخر أن يغير الشرع لأجل عمل بعض المسلمين به. و هلا تركوا الصلاة لأن الرافضة يفعلونها. ذهبت الإمامية إلى أن الشهيد يصلى عليه. نهج الحق ص : 452و قال الشافعي و مالك و أحمد لا يصلى عليه. و هو مخالف لفعل النبي ص لأنه صلى على حمزة و على شهداء أحد. ذهبت الإمامية إلى أن المشي خلف الجنازة أو عن أحد جانبها أفضل. و قال الشافعي و مالك و أحمد المشي قدامها أفضل. و قد خالفوا في ذلك النص فإن المستحب هو التشييع.
و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين قال أمرنا رسول الله ص باتباع الجنازة
ذهبت الإمامية إلى أن القيام شرط في صلاة الجنازة. و قال أبو حنيفة يجوز الصلاة قاعدا مع القدرة. و قد خالف فعل النبي ص و الصحابة و التابعين من بعدهم فإن أحدا لم يصل قاعدا. ذهبت الإمامية إلى وجوب التكبير خمسا. و خالف فيه الفقهاء الأربعة و قد خالفوا في ذلك فعل النبي ص
روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين قال كان زيد بن أرقم نهج الحق ص : 453يكبر على جنائزنا أربعا و أنه كبر على جنازة خمسا فسألته فقال كان رسول الله ص يكبرها و كبر أمير المؤمنين علي ع على سهل بن حنيف خمسا

(1/259)


و روى الخطيب في تاريخه و ابن شيرويه الديلمي أن النبي ص كان يصلي على الميت بخمس تكبيرات
ذهبت الإمامية إلى استحباب وضع الجريدتين في الكفن و خالف فيه الفقهاء الأربعة.
روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن النبي ص أنه مر بقبرين يعذبان فقال إنهما ليعذبان و ما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يتنزه من البول و أما الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ثم غرز في كل قبر واحدة فقالوا يا رسول الله لم صنعت هذا فقال لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا
و في حديث سفيان الثوري قال إن رسول الله ص قال للأنصار حصروا أصحابكم فما أقل المحصرين يوم القيامة قالوا و ما التحصير قال جريدتان خضراوان يوضعان من أصل اليدين إلى الترقوة
الفصل الثالث في الزكاة

(1/260)


و فيه مسائل ذهبت الإمامية إلى أن الإبل إذا زادت على مائة و عشرين ففي كل أربعين بنت لبون و في كل خمسين حقة. و قال أبو حنيفة يستأنف الفريضة في كل خمسين شاة مع الحقتين إلى مائة و خمس و أربعين ففيها حقتان و بنت مخاض و في مائة و خمسين ثلاث حقان ثم تستأنف الفريضة بالغنم إلى مائة و أربع و سبعين و في مائة و خمس و سبعين ثلاث حقان و بنت مخاض و في مائة و ست و ثمانين حقان و بنت لبون و في مائة و ست و تسعين أربع حقان إلى مائتين ثم يعمل في كل خمسين ما عمل في الخمسين التي بعد المائة و خمسين إلى أن ينتهي إلى الحقان فإذا انتهى إليها انتقل إلى أربع حقان مع بنت مخاض ثم بنت لبون ثم حقة و على هذا ابدأ. و قد خالف نص رسول الله ص في الصحاح عن أنس فإذا زادت على العشرين و مائة ففي كل أربعين بنت لبون و في كل خمسين حقة. ذهبت الإمامية إلى تخيير المالك بين إخراج الحقان و بنات اللبون في مائتين و نحوها. و قال أبو حنيفة يجب الحقان لا غير. و هو مخالف للنقل لأن النبي ص خير بينهما فإيجاب أحدهما عينا مخالفة. ذهبت الإمامية إلى وجوب الأداء مع حولان الحول. نهج الحق ص : 455و قال أبو حنيفة لا يجب إلا بالمطالبة و لا مطالبة عنده في الأموال الباطنة. و قد خالف في ذل قول الله تعالى وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ. ذهبت الإمامية إلى أنه لا يجب على المراض شراء الصحيحة. و قال مالك يجب و قد خالف في ذلك
قول رسول الله ص إياك و كرائم أموالهم
فإذا نهاه عن أخذ الكريمة مع وجودها فالنهي عن أخذ الصحيحة مع عدمها أولى. ذهبت الإمامية إلى أن الزكاة يجب في العين. و قال الشافعي يجب في الذمة و قد خالف
قول النبي ص حيث قال فإذا بلغت خمسا ففيها شاة إلى قوله فإذا بلغت خمسا و عشرين ففيها بنت مخاض و قال في البقر إذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة و قال و في أربعين شاة شاة

(1/261)


ذهبت الإمامية إلى أن من غير ماله أو بعضه نقصه حتى لا يؤخذ منه الزكاة أخذت منه الصدقة لا غير. و قال مالك و أحمد تؤخذ منه الزكاة و يؤخذ نصف ماله. نهج الحق ص : 456و قد خالفا في ذلك قول النبي ص ليس في المال حق سوى الزكاة
ذهبت الإمامية إلى أن الزكاة لا يجب على الطفل و المجنون. و قال الشافعي يجب و قد خالف في ذلك
قول النبي ص رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ و عن النائم حتى يستيقظ و عن المجنون حتى يفيق
ذهبت الإمامية إلى أن الفضة إنما يجب فيها الزكاة إذا بلغ صافيه مائتي درهم. و قال أبو حنيفة لو كانت مغشوشة بأقل من النصف وجبت و لو كانت عليه دينا مائتا درهم خالصة فأعطى ما هي المغشوشة بأقل من النصف و لو حبة برئت ذمته. و قد خالف في ذلك النص
و هو قوله ص على اليد ما أخذت حتى تؤدي
و إنما أخذ دراهم خالصة فكيف يجزي عنها المغشوشة ما دون من النصف.
و قال ص فيما دون خمس أواق من الورق صدقة و المغشوش ليس ورقا
ذهبت الإمامية إلى أن الزيوف لا يجزي عن الخالصة. نهج الحق ص : 457و قال أبو حنيفة يجزي و قد خالف قوله ص في الرقة ربع العشر
ذهبت الإمامية إلى أنه ليس في الزائد عن المائتين شي ء حتى يبلغ أربعين ففيها درهم. و قال الفقهاء إلا أبا حنيفة ما زاد عن المائتين فيه ربع العشر و قد خالف في ذلك قول رسول الله ص هاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهما
ذهبت الإمامية إلى أنه يجب الزكاة في الخيل. و قال أبو حنيفة يجب و خالف في ذلك
قول رسول الله ص عفوت عن الخيل و الرقيق
ذهبت الإمامية إلى أنه لا يضم الذهب إلى الفضة لو نقص كل منهما عن النصاب. و قال أبو حنيفة و مالك يضم و قد خالفا في ذلك
قوله ص ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة و ليس فيما دون عشرين مثقالا من الذهب صدقة

(1/262)


ذهبت الإمامية إلى اعتبار الحول في جميع النصاب. نهج الحق ص : 458و قال أبو حنيفة يكفي وجوده في طرفيه فلو ملك أربعين شاة سائمة ثم هلكت إلا واحدة ثم مضى عليها أحد عشر إلا لحظة ثم ملك تمام النصاب أخرج زكاة الكل. و قد خالف في ذلك قول النبي ص لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول
و هذا لم يحل عليه الحول بل بعضه. ذهبت الإمامية إلى أنه لا زكاة في الحلي محرما كان أو محللا. و قال أبو حنيفة و الشافعي فيهما الزكاة و قد خالفا بذلك
قول النبي ص لا زكاة في الحلي
ذهبت الإمامية إلى وجوب الزكاة على المديون. و قال أبو حنيفة لا يجب و قد خالف عموم القرآن قال الله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً. و عموم
قوله في خمس من الإبل شاة
ذهبت الإمامية إلى أنه يكره للإنسان أن يملك ما يصدق اختيارا و يصح البيع لو وقع. و قال مالك لا يصح. ذهبت الإمامية إلى وجوب الخمس في كل ما يغنم بالحرب و غيره. نهج الحق ص : 459و قال الفقهاء الأربعة لا يجب إلا في غنائم دار الحرب. و قد خالفوا في ذلك قوله تعالى َ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. نهج الحق ص : 460ذهبت الإمامية إلى أنه إذا كان العبد بين شريكين وجب عليهما فطرته بالحصص و لو كان بين ألف نفس عبد بالشركة أو كان بين اثنين ألف عبد بالشركة وجبت الفطرة على الجميع. و قال أ حنيفة تسقط بالشركة و كذا لو كان بعض العبد حرا وجب على مولاه بقدر نصيبه. و قال أبو حنيفة لا فطرة هنا. و قد خالف عموم الأمر بالإخراج عن العبد من غير حجة. ذهبت الإمامية إلى أن الزكاة المالية و البدنية لا يسقط بموت من وجبت عليه قبل أدائها مع تمكنه. و قال أبو حنيفة تسقط و قد خالف العقل و النقل قال الله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها
و قال رسول الله ص فدين الله أحق عن يقضى
و لأنه دين وجب في ذمته فلا يسقط بالموت كالأجنبي

(1/263)


الفصل الرابع في الصوم
و فيه مسائل ذهبت الإمامية إلى أنه إذا خرج من بين أسنانه ما يمكنه التحرز منه و يمكنه أن يرميه فابتلعه عامدا كان عليه القضاء و الكفارة. و قال أبو حنيفة لا شي ء عليه و قد خالف في ذلك النص الدال على وجوب القضاء و الكفارة على الأكل و هذا منه. ذهبت الإمامية إلى أن الغبار اغليظ من الدقيق و النفض و غيرهما إذا وصل إلى الحلق متعمدا وجب عليه القضاء و الكفارة. و قال الفقهاء الأربعة لا يجب و قد خالفوا في ذلك النص الدال على الكفارة بالإفطار. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا شك في الفجر فأكل و بقي عليه شكه لم يلزمه القضاء. و قال مالك يلزمه القضاء و قد خالف في ذلك قوله تعالى كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ و هذا لم يتبين. ذهبت الإمامية إلى أن الكفارة لا تسقط القضاء. نهج الحق ص : 462و قال الشافعي تسقط و الله تعالى د أوجبه مع العذر المباح فكيف مع السبب الفاسد. ذهبت الإمامية إلى أن من أكل أو شرب ناسيا لا يفطر. و قال مالك يفطر و يجب عليه القضاء و قد خالف في ذلك
قوله ص رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه
و قوله ص من صام ثم نسي فأكل أو شرب فليتم صومه و لا قضاء عليه و الله أطعمه و سقاه
ذهبت الإمامية إلى أنه إذا وطئ في كل يوم من رمضان وجب عليه على كل يوم كفارة سواء كفر عن اليوم السابق أو لا. و قال أبو حنيفة لا يجب إلا كفارة واحدة و لو جامع الشهر كله. و قد خالف في ذلك العقل و النقل أما العقل فلأن اليوم السابق و اللاحق متساويان في وجوب صومهما و تحريم الجماع فيهما و الاحترام من كل الوجوه فأي فارق بينهما في إيجاب الكفارة و أي مدخل للسبق في عدم إيجاب الكفارة بل قد كان أولي زيادة التنكيل و العقوبة بالمعاودة إلى العقوبة و هتك الصوم. و أما النقل فعموم
قوله ص من جامع في نهار رمضان فعليه الكفارة

(1/264)


ذهبت الإمامية إلى أن الأكل و الشرب في نهار رمضان لمن وجب عليه الصوم عامدا عالما يوجب القضاء و الكفارة. نهج الحق ص : 463و قال الشافعي لا يوجب الكفارة. و قد خالف في ذلك العقل و النقل أما العقل فلأن أداء الصوم مع الجماع أشق من أدائه مع الأكل و الشرب و التنعمو التلذذ فكان إيجاب الكفارة بهما أولى و لأن الكل مفطر و هاتك للصوم و مناف له فأي فرق بينهما. و أما النقل فأمره ص لمن أفطر في رمضان بالعتق أو الصوم أو الإطعام مع عدم السؤال عن التفصيل. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا نذر صوم يوم بعينه وجب عليه و لا يجوز له تقديمه. و قال أبو حنيفة يجوز و قد خالف في ذلك العقل و النقل أما العقل فلأن ذمته مشغولة بما نذر فلا يخرج عن العهدة إلا به. و أما النقل فالنصوص الدالة على وجوب الإيفاء بالنذر. و لا يصدق على من قدم الصوم أنه قد وفى ما نذره. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا شاهد هلال شوال وجب عليه الإفطار. و قال مالك و أحمد لا يجوز له الإفطار و قد خالفا في ذلك النصوص الدالة على تحريم صوم العيد و إنما يكون العيد عيدا بالهلال و قد ثبت عنه مشاهدة
و قال ص صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته

(1/265)


نهج الحق ص : 464و من العجب إيجاب فطرة عندهما لو ثبت عند حاكم فاسق بشهادة مستورين يعرف هو فسقهما و أنه يحرم صومه يحرم إفطاره و يجب صومه لو شاهده عيانا و علم الهلال بالضرورة. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا وطئ في نهار شاهد هلال رمضان في ليلته وحده وجب عليه الكفرة. و قال أبو حنيفة لا يجب و قد خالف في ذلك النصوص الدالة على إيجاب الكفارة بإفطار رمضان و هذا رمضان عنده بالضرورة و يلزمه ما لزم مالكا و أحمد في الصورة الأولى من ترجيح حكم الفاسق بشهادة فاسقين على الإحساس. ذهبت الإمامية إلى أنه لو نذر صوم يوم العيدين لم ينعقد نذره و لا يجب قضاؤه. و قال أبو حنيفة ينعقد فإن صامه أجزأ و إلا قضاه و قد خالف في ذلك العقل و النقل أما العقل فلأن صومهما محرم بإجماع أهل الإسلام و المحرم لا يصح قربة إلى الله تعالى و لا ينعقد النذر إلا في طاعة لأن المطلوب منه التقرب فكيف يفعل التقرب إليه بما يكرهه و يحرمه. و أما النقل فلأن النبي ص نهى عن صوم هذين اليومين. ذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز لفاقد الهدي صيام أيام التشريق بمنى. و قال الشافعي يجوز و به قال مالك. نهج الحق ص : 465و قد خالفا في ذلك النهي عن النبي ص فإنه نهى عن صيام ستة أيام يوم افطر و يوم الأضحى و أيام التشريق و اليوم الذي يشك فيه.
و روى أنس أن النبي ص نهى عن صيام خمسة أيام في السنة يوم الفطر و يوم النحر و ثلاثة أيام التشريق
ذهبت الإمامية إلى أنه المجنون إذا أفاق بعد فوات شي ء من أيام رمضان لم يجب عليه قضاؤه. و قال أبو حنيفة إذا بقي من الشهر جزء واحد و أفاق فيه وجب عليه قضاء جميع الشهر. و قد خالف في ذلك العقل و النقل أما العقل فإن التكليف منوط بالعقل و هو غير ثابت و القضاء تاع لوجوب الأداء. و أما النقل
فقوله ص رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون حتى يفيق
ذهبت الإمامية إلى أنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم. و قال الشافعي يصح بدونه و قد خالف في ذلك

(1/266)


قوله ص لا اعتكاف إلا بصوم
نهج الحق ص : 466ذهبت الإمامية إلى أنه إذا أذن لزوجته أو أمته في نذر الاعتكاف فنذرتا انعقد و لم يجز له منعهما. و قال أبو حنيفة له منع الأمة دون الزوجة. و قال الشافعي له منعهما و قد خالفا في ذلك العقل و النقل. أما العقل فلأنه دال على تحريم المنع من الإتيانبالواجب. و أما النقل فالنصوص الدالة على وجوب الإيفاء بالنذر الصحيح و قد انعقد نذرهما بإذنه إجماعا. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا نذر أن يعتكف في شهر رمضان ففاته قضاه فإن أخر إلى رمضان آخر فاعتكف فيه أجزأه. و قال أبو حنيفة يجب عليه قضاؤه و لا يجوز في رمضان الثاني. و هو خلاف المعقول لتساوي الشهرين و باقي الشهور بالشهور أيضا مع أن مذهبه القياس و وجوب العمل به و أي تماثل أشد من التماثل هنا. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا نذر أن يعتكف في أحد المساجد الأربعة وجب عليه الإتيان و الوفاء به. و قال الشافعي إن كان في المسجد الحرام فكذلك و إلا جاز أن يعتكف حيث شاء. نهج الحق ص : 467و قد خالف المتواتر من وجوب الوفاء بالنذر في الطاعة. ذهبت الإمامية إلى أن المعتكف إذا ارتد بطل اعتكافه. و قال الشافعي لا يبطل و قد خالف القرآن العزيز و هو قوله تعالى لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
الفصل الخامس في الحج و فيه مسائل
ذهبت الإمامية إلى أن الإسلام ليس شرطا في وجوب الحج و قال الشافعي إنه شرط. و قد خالف عموم قوله تعالى وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ و أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ. ذهبت الإمامية إلى أن القادر على المشي إذا لم يجد الزاد و الراحلة لا يجب عليه الحج. و قال مالك يجب و يكفي في القدرة على الزاد مسألة الناس. و قد خالف في ذلك القرآن العزيز قال الله تعالى وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا

(1/267)


و روى علي أمير المؤمنين ع و ابن عمر و ابن عباس نهج الحق ص : 468و ابن مسعود و عمر بن شعيب عن أبيه عن جده و جابر بن عبد الله و عائشة و أنس عن النبي ص أنه قال الاستطاعة الزاد و الراحلة لما سئل عنهما ذهبت الإمامية إلى أن الأعمى إذا وجد الزاد و الراحلة لنفسه و لمن يقوده وجب عليه الحج. و قال أبو حنيفة لا يجب. و قد خالف في ذلك قوله تعالى وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. ذهبت الإمامية إلى وجوب الحج عن الميت إذا استقر عليه و ترك مالا و كذا الزكاة و الكفارة و جزاء الصيد. و قال أبو حنيفة يسقط الجميع. و قد خالف في ذلك المعقول و المنقول أما المعقول فهو أن ذمته مشغولة بالحج و الدين الذي هو الزكاة و الكفارة و الجزاء فيجب أن يقضى عنه كالدين. و أما المنقول فخبر الخثعمية و هو متواتر. ذهبت الإمامية إلى وجوب العمرة. و قال مالك و أبو حنيفة إنها مستحبة. و قد خالفا في ذلك القرآن و السنة قال الله تعالى وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ. نهج الحق ص : 469 و قال النبي ص الحج و العمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت
و قالت عائشة يا رسول الله على النساء جهاد قال نعم جهاد لا قتال فيه الحج و العمرة
فأخبر أن عليهن جهادا و فسرها بالحج و العمرة فثبت أنها واجبة. ذهبت الإمامية أن التمتع أفضل من القران و الإفراد. و قال مالك الإفراد أفضل و قال أبو حنيفة القران أفضل. و قد خالفا
قول النبي ص لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي و لجعلتها عمرة
تأسفه على فوات العمرة يدل على أفضليته. ذهبت الإمامية إلى أن المفرد إذا دخل مكة جاز له أن يفسخ حجه و يجعلها عمرة و يتمتع. و خالف الفقهاء الأربعة. و قد خالفوا في ذلك
قول النبي ص من لم يسق هديا فليحل و ليجعلها عمرة

(1/268)


و لا يفسخ قول النبي ص بقول عمر. نهج الحق ص : 470ذهبت الإمامية إلى أن نية التمتع شرط فيه. و قال الشافعي ليست شرطا و قد خالف بذلك قول الله تعالى وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ و قول النبي ص إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى
ذهبت الإمامية إلى أن المتمتع إذا أحرم بالحج وجب عليه الدم و استقر. و قال مالك لا يجب حتى يرمي جمرة العقبة. و قد خالف في ذلك قول الله و قول النبي ص قال الله تعالى نهج الحق ص : 471 فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدِْ
و قال النبي ص فإذا أهل بالحج فليهد و لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام في الحج و سبعة إذا رجع إلى أهله
ذهبت الإمامية إلى أن صوم السبعة إنما يجوز إذا رجع إلى أهله أو يصبر بقدر مسير الناس إلى أهله أو يمضي عليه شهر. و قال أبو حنيفة لا يجب بل متى فرغ من أفعال الحج جاز له الصوم. و قد خالف في ذلك قوله تعالى وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ. ذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز الإحرام قبل الميقات. و قال أبو حنيفة و الشافعي الأفضل أن يحرم قبله. و قد خالفا في ذلك فعل النبي ص فإنه أحرم من الميقات و لو كان الإحرام قبله أفضل لما عدل عنه
و قال خذوا عني مناسككم
ذهبت الإمامية إلى أن الطواف من شرطه الطهارة فلو طاف المحدث أو المجنب لم يعتد به. و قال أبو حنيفة إن أقام بمكة أعاد و إن رجع إلى بلده جبره بشاة إن كان محدثا و ببدنة إن كان جنبا. نهج الحق ص : 472و قد خالف فعل رسول الله ص فإنه توضأ لما أراد الطواف و قال خذوا عني مناسككم
و قال ص الطواف بالبيت صلاة إن الله أخذ فيه النطق
ذهبت الإمامية إلى أنه إذا طاف منكوسا و هو أن يجعل البيت على يمينه بطل. و قال أبو حنيفة إن أقام بمكة أعاد و إن رجع إلى أهله جبره بدم. و قد خالف فعل النبي ص
فإنه طاف مستقيما و قال خذوا عني مناسككم

(1/269)


ذهبت الإمامية إلى وجوب ركعتي الطواف. و قال الشافعي إنهما غير واجبتين. و قد خالف قول الله تعالى وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى و الأمر للوجوب و فعل النبي ص فإنه صلاهما
و قد قال خذوا عني مناسككم
ذهبت الإمامية إلى أن الإمام يخطب يوم عرفة قبل الأذان و قال أبو حنيفة بعده و قد خالف في ذلك فعل النبي ص
فإن جابر روى أنه ص خطب الناس ثم أذن بلال
ذهبت الإمامية إلى أن أهل مكة إذا صلوا خلف الإمام المسافر بعرفة لا يقصرون إلا مع بعد المسافة. و قال مالك يقصرون و إن قربت المسافة مع أنه ذهب إلى أن التقصير إنما يجوز في أربعة برد. و قد خالف النصوص الدالة على الإتمام إلا مع السفر. ذهبت الإممية إلى أن بطن عرفة ليس من الموقف. و قال مالك يجزيه و قد خالف
قول النبي ص عرفة كلها موقف و ارتفعوا عن وادي عرفة
ذهبت الإمامية إلى أنه يجوز أن يجمع بين المغرب و العشاء بمزدلفة بأذان واحد و إقامتين. و قال أبو حنيفة بأذان واحد و إقامة واحدة. و قال مالك أذانين و إقامتين. و قد خالفا فعل النبي ص
قال جابر جمع رسول الله ص بين المغرب و العشاء الآخرة بالمزدلفة بأذان و إقامتين لم يسبح بينهما شيئا
ذهبت الإمامية إلى أن المبيت بالمزدلفة ركن من تركه عمدا بطل حجه. نهج الحق ص : 474خلافا للفقهاء الأربعة. و قد خالفوا فعل النبي ص فإنه فعله و قال خذوا عني مناسككم
فتاركه باق على عهدة الأمر.
و قوله ص من ترك المبيت بالمزدلفة فلا حج له
ذهبت الإمامية إلى وجوب الرمي بالحصى و ما كان من جنسه كالبرام و لا يجوز بغيره. و قال أبو حنيفة يجوز بالطين و المدر و الكحل و الزرنيخ. و قال أهل الظاهر يجوز بكل شي ء حتى العصفور الميت. و قد خالفا فعل النبي ص فإنه ص جمع الحصى و قال بأمثال هؤلاء فارموا
و قال ص أيها الناس عليكم بحصى الخذف

(1/270)


ذهبت الإمامية إلى استحباب أن يخطب الإمام يوم النحر بمنى بعد الظهر. و قال أبو حنيفة لا يخطب و خالف في ذلك فعل النبي ص فإنه خطب فيه. ذهبت الإمامية إلى جواز استئجار بحج. و قال أبو حنيفة لا يجوز فإن فعل كانت باطلة و يقع الحج عن نهج الحق ص : 475الأجير و يكون لمستأجر ثواب النفقة و يجب عليه رد ما فضل. و قد خالف في ذلك المعقول و المنقول أما المعقول فإن الحج وجب عليه فلا يسقط بالموت. و أما المنقول
فما روي عن ابن عباس أن النبي ص رأى رجلا يقول لبيك عن شبرمة فقال ويحك من شبرمة قال أخ لي أو صديق فقال ص حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة
و سألت امرأة من خثعم رسول الله ص في فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على راحلته فهل ترى أن أحج عنه فقال ص نعم فقالت فهل ينفعه ذلك فقال نعم أ ما لو كان على أبيك دين أ تقضينه عنه قالت نعم قال فاحججي عن أبيك

(1/271)


فأجاز لها النيابة فبطل منع أبي حنيفة و حكم بأنه ينفعه و عنده منفعة و ثواب المنفعة و شبهه بالدين. ذهبت الإمامية إلى تحريم لحم الصيد على المحرم مطلقا. و قال الشافعي إذا لم يكن فيه أثر من مشاركة أو دلالة أو إعطاء سلاح القتل أو الصيد لأجله فحلال. و قال أبو حنيفة يحرم ما صاده و ما صيد له بغير إعانته و إشارته حل له. و قد خالفا في ذلك قوله تعالى وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً و أجمع المفسرون على إرادة الصيد. نهج الحق ص : 476ذهبت الإمامية إلى أن المحرم إذا قتل صيدا مملوكا لغيره جزاؤه للهتعالى و القيمة لمالكه. و قال مالك لا يجب الجزاء بقتل المملوك. و قد خالف قوله تعالى وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ. ذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز للمحتصر أن يتحلل إلا بالهدي. و قال مالك لا هدي عليه و قد خالف قول الله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
و قول النبي ص في رواية جابر قال نحرنا بالحديبية مع رسول الله ص البدنة عن سبعة و البقرة عن سبعة

(1/272)


ذهبت الإمامية إلى أنه إذا أحصره العدو يجوز أن يذبح هديه مكانه و يستحب بعثه إلى مكة أو منى. و قال أبو حنيفة لا يجوز نحره إلا في الحرم فيبعثه و يقدر مدة يغلب على ظنه وصوله. و قد خالف في ذلك قول النبي ص حيث صده المشركون بالحديبية فنحر و تحلل مكانه و الحديبية من الحل. ذهبت الإمامية إلى أنه يجوز للمتمتع التحلل مع الصد بالعدو. نهج الحق ص : 477و قال مالك لا يجوز. و قد خالف عموم الآية و قول النبي ص بالحديبية. ذهبت الإمامية إلى أن المحصر بالمرض يجوز له التحلل إلا أنه لا تحل له النساء حتى يطوف طوافهن في القابل أو يأر من يطوف عنه. و قال مالك و الشافعي و أحمد ليس له التحلل بل يبقى على إحرامه أبدا فإن فاته الحج تحلل بعمرة. و قد خالفوا في ذلك قوله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ و هو عام في حصر المرض و العدو
و قول النبي ص من كسر أو عرج فقد حل و عليه حجة أخرى
ذهبت الإمامية إلى أنه يجوز للمحرم الاشتراط. و قال مالك و أحمد الشرط لا يفيد شيئا و لا يتعلق به التحلل. و قال أبو حنيفة له التحلل من غير شرط فإن شرط سقط عنه الهدي. و قد خالفوا
قول النبي ص لضباعة بنت الزبير أحرمي و اشرطي أن تحلي حيث حبست لما شكت في مرضها و أنها تريد الحج
ذهبت الإمامية إلى أنه ليس للزوج منع المرأة من حجة الإسلام. نهج الحق ص : 478و قال الشافعي له ذلك و قد خالف قول الله تعالى و قول النبي ص وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ و روى أبو هريرة عن النبي ص لا تمنعوا إماء الله مساجد الله

(1/273)


ذهبت الإمامية إلى أن وجود المحرم ليس شرطا في وجوب الحج على النساء و لا لأدائه بل يكفي الأمن من المكاره. و قال الشافعي المحرم شرط في الأداء أو نساء ثقات أقله واحدة. و قال مالك لا يكفي الواحدة. و قال أبو حنيفة المحرم شرط في الوجوب. و قد خالفوا قول الله تعالى وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ. ذهبت الإمامية إلى استحباب تقليد هدي السياق و إشعاره و إن كان من البدن. و منع أبو حنيفة من الإشعار و قال إنه مثلة. و قد خالف فعل رسول الله ص فإنه ص باشر ذلك بذي الحليفة ثم أهل بالحج. ذهبت الإمامية إلى استحباب تقليد النعم. و منع أبو حنيفة و مالك منه. نهج الحق ص : 479و قد خالفا في ذلك فعل رسول الله ص قالت عائشة إن رسول الله ص أهدى غنما فقلده
ذهبت الإمامية إلى أنه إذا رمى المحل صيدا قوائمه في الحل و رأسه في الحرم من الحل فأصاب رأسه فعليه الجزاء. و قال أبو حنيفة لا جزاء عليه و هو مخالف لعموم الأمر بأداء الجزاء فيما يهلكه في الحرم
الفصل السادس في البيع و فيه مسائل
ذهبت الإمامية إلى أنه يجب ذكر الجنس في الغائب فلو قال بعتك ما في كمي أو الصندوق أو الذي في البصرة من غير ذكر الجنس لم يصح. قال أبو حنيفة يصح ذلك كله. و قد خالف في ذلك نهي النبي ص عن الغرر. ذهبت الإمامية إلى أن المشتري إذا رأى الموصوف المشترط لم يكن له الخيار. و قال الشافعي له الخيار. و قد خالف مقتضى العقل فإن البيع سائغ عنده و الشرط قد حصل فأي معنى لثبوت الخيار هنا و لو ثبت لثبت في البيع الحاضر. نهج الحق ص : 480ذهبت الإمامية إلى ثبوت الخيار للمتبايعين ما دام في المجلس. و قال أبو حنيفة و مالك لا خيار هنا. وقد خالفا
قول النبي ص المتبايعان لكل واحد منهما على صاحبه الخيار ما لم يفترقا

(1/274)


ذهبت الإمامية إلى جواز خيار الشرط بحسب ما يتفقان عليه. و قال مالك يجوز بقدر الحاجة فيجوز في الثوب و نحوه يوما أو يومين لا أزيد و إذا كان قرية و ما لا يتلف إلا في مدة جاز الشهر و الشهران و قال أبو حنيفة و الشافعي لا يجوز الزيادة على ثلاثة أيام. و قد خالفوا في ذلك عموم قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
و قوله ص المؤمنون عند شروطهم
ذهبت الإمامية إلى جواز أن يبيع شيئا و يشترط ما هو شائع. و قال أبو حنيفة و الشافعي يبطلان معا. و قد خالفا الآية و الخبر السابقين على هذا الخبر. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا تبايعا نهارا و شرط الخيار إلى الليل انقطع بدخول الليل و إن تعاقدا ليلا و شرطاه إلى النهار انقطع بطلوع الفجر الثاني. و قال أبو حنيفة إن كان البيع نهارا فكما قلنا و إن كان ليلا لم نهج الحق ص : 481ينقطع بوجود النهار و كان الخيار باقيا إلى غروب الشمس و إن قال إلى الزوال و إلى وقت العصر اتصل إلى الليل. و قد خالف في ذلك العقل و النقل فإن الشرط وق إلى النهار فساوى الليل لعدم الفارق.
و النبي ص قال المؤمنون عند شروطهم

(1/275)


ذهبت الإمامية إلى أنه إذا شرط الخيار لأجنبي صح. و قال أبو حنيفة يكون الخيار مشتركا بينه و بين الأجنبي. و قد خالف في ذلك العقل فإن الشرط إنما يتناول الأجنبي فإثبات حق للمشترط لا وجه له و لا دليل عليه البتة. ذهبت الإمامية إلى أن الغبن بما لم يجر العادة بمثله يثبت للمغبون و قال أبو حنيفة و الشافعي لا يثبت و قد خالفا في ذلك قول النبي ص حيث نهى عن تلقي الركبان فمن تلقاها فصاحبها بالخيار إذا دخل السوق و إنما يكون له الخيار له مع الغبن. ذهبت الإمامية إلى أن الأثمان تتعين فإذا باع بدراهم و شرط تعينها تعينت. و قال أبو حنيفة لا يتعين و له أن يدفع غيرها. و قد خالف في ذلك العقل و النقل نهج الحق ص : 482أما العقل فلأن البيع إنما وقع على عين شخصية و الانتقال إلى غيرها يكون تعديا و مبادلة بغير رضا المالك و إنه عين الغصب و العدوان و أي فرق بين الثمن و غيره و لو عاوضه على ثو معين فدفع مساوية لم يكن له الإلزام بالقبول. و أيضا يلزمه كون الثمن هو المثمن بعينه لأنه إذا اشترى دراهم بدراهم كان للمشتري أن يدفع عين الدراهم التي دفعها البائع إليه ثمنا عنها و هو محال. و أما النقل فقوله تعالى لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ و التراضي إنما وقع عن هذه العين فعوضها يكون أكلا بالباطل. ذهبت الإمامية إلى أنه يجوز بيع الحنطة في سنبلها. و قال الشافعي لا يجوز و كذا الجوز و اللوز و الباقلاء في قشره الأخضر. و قد خالف عموم قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا و قول النبي ص و هو أنه نهى عن بيع العنب حتى يسود و عن بيع الحب حتى يشتد و عن بيع السنبل حتى يبيض. ذهبت الإمامية إلى أن التصرية تدليس يثبت له الخيار بين الرد و الإمساك. نهج الحق ص : 483و قال أبو حنيفة لا خير له و هو مخالف

(1/276)


لقوله ص من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار على ثلاثة أيام إن شاء أمسكها و إن شاء ردها و صاعا من سمراء
و قوله ص من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها رد معها مثلها أو مثل لبنها قمحا
ذهبت الإمامية إلى أنه إذا نما المبيع بعد القبض ثم ظهر عيب سابق كان للمشتري رد الأصل دون النماء. و قال مالك يرد الولد مع الأم و لا ترد الثمرة. و قال أبو حنيفة يسقط رد الأصل بالعيب. و قد خالفا في ذلك
قوله ص الخراج بالضمان و لم يفرق بين الكسب و الولد و الثمرة. ذهبت الإمامية إلى أن المشتري للحيوان الحامل إذا وجد به عيب بعد الوضع سابقا على العقد كان له الرد و يرد الولد. و قال الشافعي لا يرد و هو مناف للشرع لأن الرد إنما هو للمبيع كله و الحمل من جملته فيجب رده كجزء المبيع. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا وطئ المشتري الجارية ثم وجد بها عيبا لم يملك ردها بل له الأرش. نهج الحق ص : 484و قال الشافعي يردها و لا شي ء عليه إن كانت ثيبا. و قد خالف في ذلك إجماع الصحابة لأنهم افترقوا قسمين قال بعضهم ليس له الرد و قال البون له الرد مع دفع مهر نسائها فالرد مجانا قول ثالث خارق للإجماع. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا أحدث عيب في يد البائع كان للمشتري الرد و الإمساك فإن تصالحا على دفع الأرش جاز. و قال الشافعي لا يجوز و قد خالف في ذلك
قول النبي ص الصلح جائز بين المسلمين إلا ما حرم حلالا أو حلل حراما

(1/277)


ذهبت الإمامية إلى أن العبد لا يملك شيئا و إن ملكه لمولاه. و قال الشافعي يملك ما يملكه مولاه. و قال مالك يملك و إن لم يملكه مولاه. و قد خالفا في ذلك قوله تعالى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ ءٍ و قال تعالى ضَرَبَ لَكُمْ مَثلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ. ذهبت الإمامية إلى أن الاثنين إذا اشتريا عبدا صفقة ثم غاب نهج الحق ص : 485أحدهما قبل القبض وقبل دفع الثمن كان للحاضر قبض نصيبه خاصة و يعطي ما يخصه من الثمن و له أن يعطي كل الثمن نصفه عنه و نصفه عن شريكه فإذا فعل فليس له قبض نصيب شريكه و ليس له الرجوع على شريكه بما أداه عنه من الثمن. و خالف أبو حنيفة في المسائل الثلاث فقال ليس للحاضر أن ينفرد بقبض نصيبه من المبيع و إذا اجتمع الثمن كان له قبض جميع العبد و إذا حضر الغائب كان للحاضر أن يرجع إليه بما قضى عنه من الثمن. و قد خالف في المسائل الثلاث القواعد الفقهية المشهورة بين الأمة فإن المالك له أن يتصرف في حقه كيف ما شاء و قبضه من يد غيره و إذا تبرع إنسان بدفع نصيب الغائب لم يكن له قبض حق الغائب لأن التسلط في مال الغير بغير إذنه ممنوع منه عقلا فإذا أدى عنه دينه بغير إذنه فقد تبرع بالأداء عنه فكيف يرجع عليه. ذهبت الإمامية إلى أن الشراء الفاسد لا يملك بالقبض و لا ينفذ عتقه لو كان عبدا أو أمة و لا يصح شي ءمن تصرفه ببيع أو هبة أو غيرهما. و قال أبو حنيفة يملك بالقبض و يصح تصرفه فيها. و هو خلاف قوله تعالى لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ فنهى عن الأكل بالباطل و الفاسد فكيف يملك به. ذهبت الإمامية إلى جواز بيع دود القز و النحل المعلوم بالمشاهدة إذا حبس بعد

(1/278)


مشاهدته بحيث لا يمكنه الطيران. نهج الحق ص : 486و قال أبو حنيفة لا يجوز بيعها و قد خالف العقل و النقل أما العقل فلأنها مال منتفع به معلوم مقدور على تسليمه فصحت المعاوضة عليه كغيره. و أما النقل فوله تعالى أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ. ذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز للمسلم بيع الخمر و لا شراؤها مباشرة و لا بوكالة الذمي. و قال أبو حنيفة يجوز أن يوكل ذميا في بيعها و شرائها. و قد خالف قول الله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ
و ما روي عن النبي ص حرم التجارة في الخمر
و قال إن الذي حرم شربها حرم بيعها
و نزل عليه جبرئيل فقال يا محمد ص إن الله لعن الخمر و عاصرها و معتصرها و حاملها و المحمولة إليه و شاربها و بايعها و مبتاعها و ساقيها
ذهبت الإمامية إلى أن الكافر لا يصح أن يشتري مسلما و لا ينعقد البيع. و قال أبو حنيفة ينعقد و قد خالف قوله تعالى وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ نهج الحق ص : 487لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا. ذهبت الإمامية إلى جواز السلف في المعدوم إذا كان عام الوجودوقت الحلول. و قال أبو حنيفة لا يجوز إلا أن يكون جنسه موجودا في حال العقد و المحل و ما بينهما. و قد خالف عموم قوله تعالى أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
و قوله ص من أسلف من تمر فليسلف في كيل معلوم و وزن معلوم و أجل معلوم
و أقرهم على ما كانوا عليه من السلف في الثمر سنين و معلوم انقطاعه في خلال هذه المدة. و لأن الحق لا يتعين في الموجود و لا في المتجدد قبل المدة فلا معنى لاشتراط وجوده. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا شرط أجلا فلا بد أن يكون معلوما فلا يجوز إلى الحصاد و الجذاذ. و قال مالك يجوز و قد خالف في ذلك قول النبي ص و أجل معلوم.
و قال ابن عباس قال رسول الله ص لا تبايعوا إلى الحصاد و لا الدواس و لكن إلى شهر معلوم

(1/279)


نهج الحق ص : 488ذهبت الإمامية إلى أن الإقالة ليست بيعا. و قال مالك هي بيع مطلقا. و قال أبو حنيفة إنها فسخ في حق المتعاقدين بيع في حق غيرهما. و قد خالفا قوله من أقال نادما في بيع أقاله الله نفسه يوم القيامة
و إقالة نفسه هي العفو و الترك فيكون إقالة البيع كذلك. و لأنها لو كانت بيعا لوجب أن تكون إلى المتبايعين من نقصان الثمن و زيادته و التأجيل و التعجيل و ليس في الإقالة ذلك إجماعا. و لأنها لو كانت بيعا لم تصح في السلم لأن البيع فيه لا يجوز قبل القبض. و لأن الإجماع واقع على أنه لو باع عبدين فمات أحدهما صحت الإقالة فلو كانت بيعا بطلت لبطلان بيع الميت. ذهبت الإمامية إلى أنه لو خالف إنسان أهل السوق بزيادة سعر أو نقصانه لم يعترض له. و قال مالك تعين له إما أن تبيع بسعر السوق أو تنعزل و قد خالف المعقول و المنقول لأنه مالك فله البيع كيف شاء. و قال الله تعالى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ و نهى النبي ص عن التسعير
نهج الحق ص :
الفصل السابع في الرهن و توابعه
و فيه مسائل ذهبت الإمامية إلى أن استدامة القبض ليست شرطا في الرهن. و قال أبو حنيفة إنها شرط و قد خالف
قوله ص الرهن محلوب و مركوب
و ليس ذلك للمرتهن إجماعا فيكون للراهن. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا جعل الرهن على يد عدل لم يكن له بيعه إلا بثمن المثل حالا و يكون من نقد البلد إذا أطلق له الإذن. و قال أبو حنيفة يجوز له بيعه بأقل من ثمن مثله و بالنسية حتى قال لو وكله في بيع ضيعة تساوي مائة ألف دينار فباعها بدرهم نسية إلى ثلاثين سنة كان جائزا. و هو خلاف المعقول و المنقول لأن العقل دل على قبح إضرار الغير. و النقل دل عليه
و هو قوله ص لا ضرر و لا ضرار في الإسلام
ذهبت الإمامية إلى أن الرهن غير مضمون في يد المرتهن. و قال أبو حنيفة إنه مضمون و قد خالف
قوله ص لا يغلق الراهن الرهن لصاحبه له غنمه و عليه غرمه

(1/280)


و معنى نهج الحق ص : 490لا يغلق أي لا يملكه المرتهن. و قال ص الخراج بالضمان
و خراجه للراهن إجماعا. ذهبت الإمامية إلى أن منفعة الرهن للراهن مثل سكنى الدار و خدمة العبد و ركوب الدابة و زراعة الأرض و الثمرة و الصوف و الولد و اللبن. و قال أبو حنيفة منفعة الرهن المتصل لا يحصل للراهن و لا المرتهن و النماء المنفصل يدخل في الرهن. و قال مالك يدخل الولد و لا يدخل الثمرة لأن الولد نسبة الأصل بخلاف الثمرة. و قد خالفا في ذلك العقل و النقل أما العقل فإنه يمنع من تعطيل المنافع المباحة. و أما النقل
فقوله ص الرهن مركوب و محلوب
و قوله ص له غنمه و عليه غرمه
ذهبت الإمامية إلى سماع البينة على الإعسار. و قال مالك لا يجوز و إن كان الشهود من أهل الخبرة. و قد خالف مقتضى قوله تعالى وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ و إنما يحكم بالإعسار بالشهادة كغيره من الحقوق. نهج الحق ص : 491ذهبت الإمامية إلى أه إذا ثبت إعساره حكم به الحاكم في الحال و أطلقه. قال أبو حنيفة يجبر شهرين و قد خالف قوله تعالى ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا ثبت إعساره وجب تخليته و لا يجوز للغرماء ملازمته. و قال أبو حنيفة يجوز لهم ملازمته فيمشون معه و لا يمنعونه من التكسب فإذا رجع إلى بيته فإن أذن لهم الدخول معه دخلوا و إن لم يأذن لهم منعوه من دخوله و بيتوه خارجا معهم. و قد خالف قوله تعالى وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ
و قول النبي ص خذوا ما وجدتم و ليس لكم إلا ذلك

(1/281)


ذهبت الإمامية إلى أن الإنبات دليل على البلوغ في حق المسلمين و المشركين. و قال أبو حنيفة ليس دليلا فيهما. و قال الشافعي إنه دليل في المشركين خاصة. و قد خالفا المعقول و المنقول فإن سعد بن معاذ حكم في بني قريظة بقتل مقاتليهم و سبي ذراريهم و أمر بكشف مؤتزرهم فمن أنبت فمن المقاتلة و من لم ينبت فمن الذراري فصوبه النبي. نهج الحق ص : 492ذهبت الإمامية إلى أنه إذا بلغ غير رشيد لم يدفع إليه ماله و إن طعن في السن. قال أبو حنيفة إذا بلغ خمسا و عشرين سنة زال حجره على كل حال و لو تصرف في ماله قبل بلوغ خمس و عشرين سنة صح صرفه بالبيع و الشراء و الإقرار. و قد خالف قوله تعالى فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ و قوله وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ. ثم ما المقتضي للتخصيص بخمس و عشرين سنة. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا بلغت المرأة رشيدة دفع إليها مالها إن لم يكن لها زوج و ليس لزوجها لو كان معها اعتراض. و قال مالك إن لم يكن لها زوج لم يدفع إليها مالها و إن كان لها زوج دفع إليها مالها لكن لا يجوز لها أن تتصرف فيه إلا بإذن زوجها. و قد خالف قوله تعالى فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ. و العجب أنه أعطى السفيه و منع الرشيد. ذهبت الإمامية إلى أن الصبي إذا بلغ رشيدا يدفع إليه ماله ثم إن بذر و ضيع في المعاصي حجر عليه. و قال أبو حنيفة لا يحجر عليه و تصرفه نافذ في ماله. و هو خلاف قوله تعالى فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ نهج الحق ص : 493ضَعِيفاً أي صغيرا أو كبيرا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ أي مغلوبا على عقله و قوله تعالى لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ و قال تعالى إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ ذم المبذر فوجبالمنع منه و إنما يمتنع بالمنع من التصرف.

(1/282)


و قال ص اقبضوا على أيدي سفهائكم
ذهبت الإمامية إلى جواز الصلح على الإقرار و الإنكار. و قال الشافعي لا يجوز على الإنكار. و قد خالف قوله تعالى وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ
و قوله ص الصلح جائز بين المسلمين
و هو عام فيهما. ذهبت الإمامية إلى أن الحائط المشترك بين اثنين ليس لأحدهما إدخال خشبة خفيفة فيها لا يضر فيه إلا بإذن صاحبه. و قال مالك يجوز و هو مخالف
قوله ص لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه
ذهبت الإمامية إلى أنه لا يجب على الشريك إجابة شريكه إلى عمارة المشترك من حائط و دولاب و غير ذلك. و قال الشافعي و مالك يجب و يجبر عليه و قد خالفا العقل و النقل نهج الحق ص : 494فإن الإنسان لا يجب عليه عمارة ملكه و لا ملك غيره فبأي وجه تجب عليه العمارة. و قال ص الناس مسلطون على أموالهم
ذهبت الإمامية إلى أن الضمان ناقل الدين و أن المضمون عنه بري ء. و قال الفقهاء الأربعة لا يبرأ و قد خالفوا قول النبي ص لعلي ع لما ضمن الدرهمين عن الميت جزاك الله عن الإسلام خيرا و فك رهانك كما فككت رهان أخيك
فدل على انتقال الدين من ذمة الميت.
و قال لأبي قتادة لما ضمن الدينارين هما عليك و الميت منهما بري ء قال نعم فدل على ذمة المضمون عنه. ذهبت الإمامية إلى أن ضمان المتبرع لا يرجع به. و قال مالك و أحمد يرجع به عليه و خالفا في ذلك قوله ص و الميت منهما بري ء. و لو كان الدين باقيا لم يبق فائدة في الضمان عن الميت. ذهبت الإمامية إلى جواز ضمان مال الجعالة بعد الفعل. و قالالشافعي لا يجوز و قد خالف في ذلك قوله تعالى وَ لِمَنْ نهج الحق ص : 495جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ و قوله ص الزعيم غارم
و هو عام. ذهبت الإمامية إلى أن الموكل يطالب بثمن ما باعه وكيله. و منع أبو حنيفة منه و هو مخالف للمعقول و المنقول لدلالة العقل على تسلط الإنسان على استخلاص ما يملكه من يد الغير.

(1/283)


و قال ص الناس مسلطون على أموالهم
ذهبت الإمامية إلى أن إطلاق الوكالة بالبيع يقتضي البيع نقدا بنقد البلد بثمن المثبت. و قال أبو حنيفة لا يقتضي ذلك بل للوكيل أن يبيع ما يساوي مائة ألف بدرهم واحد إلى ألف سنة. و قد خالف في ذلك العقل و النقل فإن الإنسان إنما يرضى على نقل ملكه بعوض إذا كان العوض مساويا للملك.
و قال النبي ص لا ضرر و لا ضرار في الإسلام
ذهبت الإمامية إلى أنه لا يصح إبراء الوكيل من دون إذن الموكل. و قال أبو حنيفة إنه يجوز و قد خالف العقل و النقل نهج الحق ص : 496فإن الإبراء تصرف في مال الغير بغير إذنه فيكون قبيحا باطلا. و لأن الإبراء تابع للملك و هو منفي عن الوكيل. و قال الله تعالى لا تَأُْلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا وكله في شراء فاشترى وقع للموكل. و قال أبو حنيفة يقع للوكيل ثم ينتقل إلى الموكل. و قد خالف العقل و النقل فإن العقل يقتضي استصحاب الملك حتى يزيله بسبب ناقل فلو دخل في ملك الوكيل لافتقر إلى ناقل. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا وكل مسلم ذميا في شراء الخمر لم يصح الوكالة فإن ابتاع الذمي له لم يصح البيع. و قال أبو حنيفة يصح التوكيل و يصح البيع و عنده أن المسلم لا يملك الخمر إذا تولى الشراء بنفسه و لا يصح ذلك و يملكه بشراء وكيله الذمي. و قد خالف في ذلك النقل المتواتر من القرآن و السنة قوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ إلى أن قال رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ و هو مستلزم تحريم أنواع التصرفات.
و قال ص إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه

(1/284)


نهج الحق ص : 497و لعن رسول الله ص في الخمر عشرة من جملتها البائع و لا فرق بين الوكيل و الموكل. ذهبت الإمامية إلى أنه لو وكله في بيع فاسد لم يملك البيع الصحيح. و قال أبو حنيفة يملك الصحيح. و قد خالف في ذلك مقتضى العقل و النقل فإن الوكالة إنما تضمنت الفاسدفالصحيح لم يوكله فيه و كما لا يجوز أن يبيع مال الأجنبي كذا ليس لهذا الوكيل بيع هذا المال لأنه أجنبي فيه حيث لم يتناوله عقد الوكالة. و قال الله تعالى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ. ذهبت الإمامية إلى أنه لا يصح توكيل الصبي فلو عقد عن غيره لم يقع. و قال أبو حنيفة يصح أن يكون وكيلا إذا كان يعقل ما تقول. و قد خالف
قوله ص رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم
و رفع القلم يستلزم أن لا يكون لكلامه حكم. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا قال له عندي أكثر من مال فلان ألزم بقدر مال فلان و زيادة ما قال. نهج الحق ص : 498و قال الشافعي لا يجب الزيادة. و قد خالف قوله ص إقرار العقلاء على أنفسهم جائز

(1/285)


فقد أقر بالأكثر فلا يقع لاغيا. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا قال له علي ألف درهم و ألف عبد رجع في تفسير الألف إليه. و قال أبو حنيفة يرجع في تفسير الألف إليه إن كان من المعطوف إليه من غير المكيل و الموزون و إن كان منهما كان المعطوف تفسيرا مثل الدرهم فإنه يقتضي أن يكون الألف دراهم. و قد خالف في ذلك استعمال العقل و العرف و اللغة فإنهم عطفوا المخالف و المماثل و لم يفرقوا بين المكيل و الموزون و غيرهما فبأي وجه خالف هو بينهما. ذهبت الإمامية إلى أنه يصح إقرار المريض للوارث. و قال أبو حنيفة و مالك و أحمد لا يصح. و قد خالفوا قوله تعالى كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ فالشهادة على النفس الإقرار و هو عام. و خالفوا المعقول أيضا فإن الإنسان قد يستدين من وارثه و لا مخلص لبراءة ذمته إلا بالإقرار فلو لم يكن مسموعا لم يكن خلاص ذمته. و لأن الأصل في الإسلام العدالة و في إخبار المسلم الصدق. نهج الحق ص : 499ذهبت الإمامية إلى أن العبد لا يقبل إقراره بما يوجب الحد و لا القصاص. و خالف فيه الفقهاء الأربعة و قد خالفوا في ذلك العقل و النقل فإن إقرار العاقل إنما يقبل في حق نفسه لا في حق غيره. و قال ص إقرار العقلاء على أنفسهم جائز
و هو يدل بمفهومه على أن إقرارهم على غيرهم غير جائز و هذا إقرار العبد إنما هو في حق المولى. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا قال يوم السبت لفلان علي درهم ثم قال يوم الأحد لفلان علي درهم لزمه درهم واحد. و قال أبو حنيفة يلزمه اثنان و هو خلاف المعقول من أصالة البراءة. و المتعارف و المتداول بين الناس من تكرر الإقرار بالشي ء الواحد. و عدم تكليف المقر به جمع الشهود في مجلس واحد
الفصل الثامن في الوديعة و توابعها و فيه مسائل

(1/286)


ذهبت الإمامية إلى أنه إذا أودع الودعي الوديعة من غير عذر كان ضامنا. و قال مالك إن أودع زوجته لم يضمن و إن أودع غيرها ضمن. نهج الحق ص : 500و قال أبو حنيفة إن أودعها عند من يعوله لم يضمن و إن أودعها عند غيره ضمن. و قد خالفا قوله تعالى يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
و قال النبي ص أد الأمانة إلى من ائتمنك
ذهبت الإمامية إلى أنه إذا استودع حيوانا وجب عليه سقيه و علفه و رجع به إلى المالك. و قال أبو حنيفة لا يجب العلف و لا السقي و قد خالف قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
و قوله على اليد ما أخذت حتى تؤدي

(1/287)


ذهبت الإمامية إلى أنه إذا خلط الوديعة بماله خلطا لا يتميز ضمن. و قال مالك إن خلطها بأدون ضمن و بالمثل لا يضمن. و قد خالف في ذلك النصوص الدالة على الضمان مع التعدي و هو هنا متعد قطعا. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا أنفق الدراهم و الدنانير المودعة عنده ثم رد عوضها مكانها لم يزل الضمان. و قال أبو حنيفة يزول و قد خالف النصوص الدالة على الضمان و الاستصحاب. نهج الحق ص : 501ذهبت الإمامية إلى أنه إذا تعدى في الوديعة و أخرجها من الحرز و انتفع بها ثم ردها إلى الحرز لم يزل الضمان و كذا العارية المضمونة مع التعدي. و قال أب حنيفة يبرأ و قد تقدم بيان الغلط. ذهبت الإمامية إلى أن الجناية على حمار القاضي كالجناية على حمار الشوكي. و قال مالك إذا قطع ذنب حمار القاضي ضمن كمال قيمته و إذا قطع ذنب حمار الشوكي ضمن الأرش. و قد خالف المعقول و المنقول قال الله تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها. و لأن القيم تختلف باختلاف الأعيان لا باختلاف الملاك. ذهبت الإمامية إلى أن المنافع تضمن بالغصب كزراعة الأرض و سكنى الدار. نهج الحق ص : 502و قال أبو حنيفة لا يمن فإن غصب أرضا فزرعها بيده فلا أجرة عليه فإن نقصت الأرض فالأرش و إلا فلا و قال أيضا لو أجرها الغاصب ملك الأجرة دون المالك. و قد خالف العقل و النقل فإن العقل قاض بقبح التصرف في مال الغير و عدم إباحته فيجب العوض. و قال تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها. ذهبت الإمامية إلى أن المقبوض بالبيع الفاسد لا يملك بالعقد و لا بالقبض. و قال أبو حنيفة يملك بالقبض و قد خالف العقل و النقل فإن الفاسد وجوده في السببية كالعدم. و قال الله تعالى وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ. ذهبت

(1/288)


الإمامية إلى أنه إذا غصب جارية حاملا ضمن الولد كالأم. و قال أبو حنيفة لا يضمن الولد بل الأم خاصة. و قد خالف العقل و النقل نهج الحق ص : 503فإن العقل قاض بوجوب العوض عن الظلم. و قال تعالى فَمنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
و قال ص على اليد ما أخذت حتى تؤدي
ذهبت الإمامية إلى أن السارق يجب عليه القطع و الغرم. و قال أبو حنيفة لا يجتمعان بل يجب أحدهما فإن غرم لم يقطع و إن قطع لم يغرم. و قد خالف العقل و النقل قال الله تعالى السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
و قال النبي ص على اليد ما أخذت حتى تؤدي
ذهبت الإمامية إلى إمكان غصب العقار و يضمن. و قال أبو حنيفة لا يتحقق و لا يضمن و قد خالف العقل و النقل قال تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ و العقل دل على وجوب الانتصاف و التحقيق يمكن بالاستيلاء و منع المالك منه كغيره. ذهبت الإمامية إلى أن الغاصب إذا صبغ الثوب كان له أجر صبغه و عليه أرش نقص الثوب. و قال أبو حنيفة إن صبغ الأبيض بغير السواد تخير المالك بين دفع نهج الحق ص : 504الثوب إليه و مطالبته بقيمته أبيض و بين أخذ ثوبه و دفع قيمة صبغه إليه و إن كان قد صبه بالسواد تخير المالك بين دفع الثوب و مطالبته بقيمته أبيض و أخذ الثوب مصبوغا و لا شي ء عليه. و قد خالف العقل و النقل فإن العقل قاض بوجوب المقاصة و إنما يتم بما قلناه لا بدفع الثوب و إلزامه بقيمته. و كذا النقل لأن النبي ص قال الناس مسلطون على أموالهم

(1/289)


فكان للغاصب أخذ صبغه و للمالك أخذ ثوبه. و العقل مانع من أخذ كل واحد منهما مال صاحبه. ثم أي فرق بين السواد و غيره من الألوان. ذهبت الإمامية إلى أن الغاصب لا يملك الغصب بتغيير الصفة. و قال أبو حنيفة إذا غيرها تغييرا أزال به الاسم و المنفعة المقصودة بفعله ملكها فلو دخل لص دار رجل فوجد فيها دابة و طعاما و رحى فطحن ذلك الطعام على تلك الرحى بتلك الدابة ملك الدقيق و كان للسارق دفع المالك عن الطحن و قتاله عليه فإن قتل اللص المالك فهو هدر و إن قتل المالك اللص ضمنه. و هو خلاف العقل و النقل قال تعالى لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ نهج الحق ص : 505بِالْباطِلِ و قال ص على اليد ما أخذت حتى تؤدي
و قال ص لا يحل مال امرئ إلا عن طيب نفس منه
ذهبت الإمامية إلى أنه إذا غصب خشبة فبنى عليها وجب عليه ردها على مالكها و إن افتقر إلى تخريب ما بناه على جداره. و قال أبو حنيفة إن كان قد بنى عليها خاصة ردها و إن كان البناء مع طرفها و لا يمكنه ردها إلا رفع هذا لم يلزم الرد. و قد خالف المنقول و المعقول على ما تقدم.
و قال ص و لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا و لا لاعبا من أخذ عينا فليردها

(1/290)


ذهبت الإمامية إلى أنه إذا حل دابة أو فتح قفص الطائر فذهب عقيب ذلك ضمن. و قال أبو حنيفة لا يضمن و قد خالف العقل و النقل لأنه ذهب بسببه فهو متعد. و قال الله تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا جنى الغاصب على الغصب الذي فيه الربا مثل سبك الدراهم و بل الطعام وجب عليه رده على المالك و أرشه. و قال أبو حنيفة يتخير المالك بين رده على الغاصب و المطالبة نهج الحق ص : 506بالبدل و بين الإمساك مجانا بغير أرش. و قد خالف قوله تعالى فَمَنِ اعْتَدى َلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ. و العقل الدال على عدم التسليط على الغير بغير موجب و بأي وجه يتسلط المالك على الغاصب بأخذ البدل. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا غصب جارية فاتت بولد مملوك و نقصت قيمتها بالولادة فعليه ردها و رد ولدها و أرش النقص. و قال أبو حنيفة يجبر الولد نقص الوالدة إن ساواها أو زاد و لو نقص ضمن النقصان. و قد خالف المعقول و المنقول على ما تقدم. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا غصب من كل واحد ألفا و مزجهما فإن ألفين مشتركة بين المالكين و لا ينتقل إلى الغاصب. و قال أبو حنيفة تنتقل و لكل منهما بدل ألفه بناء على أن الغاصب يملك بالتغيير. و قد تقدم بطلانه. ذهبت الإمامية إلى أنه ليس للعامل ما في القراض أن يبيع بالدين. و قال أبو حنيفة له ذلك. و قد خالف
قول النبي ص لا ضرر و لا ضرار في الإسلام
الفصل التاسع في الإجارات

(1/291)


و توابعها و فيه مسائل ذهبت الإمامية إلى أنه إذا استأجر دابة إلى موضع يوصل إليه و تجاوزه إلى آخر فإنه يضمن الأجرة المسماة إلى ذلك الموضع و أجرة المثل في الزيادة التي تعدى فيها. و قال أبو حنيفة لا يلزمه أجرة الزيادة التي تعدى فيها. و قد خالف العقل و النقل قال الله تعالى جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
و قال ص على اليد ما أخذت حتى تؤدي
و العقل أوجب القصاص. ذهبت الإمامية إلى أنه يجوز الاستئجار إلى أي وقت شاء. و قال الشافعي لا يجوز أكثر من سنة و له قول آخر إلى ثلاثين سنة و قد خالف قوله تعالى عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ. و دلالة العقل الدال على الجواز. ذهبت الإمامية إلى أنه يجوز أن يستأجر رجلا ليبيع له شيئا بعينه و يشتريه و إجارة الدفاتر ما لم يكن فيها كفر. و قال أبو حنيفة لا يجوز ذلك. و قد خالف العقل الدال على أصالة الجواز. ذهبت الإمامية إلى أنه يجوز أن يستأجر دارا على أن يتخذها نهج الحق ص : 508مسجدا يصلي فيه و لا يجوز أن يستأجره ليتخذها ماخورا أو يبيع فيها خمرا أو يتخذها كنيسة أو بيت نار. و قال أبو حنيفة لا يجوز في الأول و يجوز في الثاني و لكن يعمل غير ذلك. و قد خالف العقل حيث منع من الاستئجار للطاعة و جوز في صورة الاستئجار للمعصية. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا استأجر رجلا لينقل له الخمر إلى موضع بعينه للشرب لم يجز. و قال أبو حنيفة يجوز و قد خالف النبي ص حيث لعن ناقلها. ذهبت الإمامية إلى جواز المساقاة. و قال أبو حنيفة لا يجوز و قد خالف في ذلك فعل النبي ص فإنه عامل أهل خيبر بشرط ما يخرج من ثمر و زرع. و جماعة الصحابة و التابعين على ذلك. ذهبت الإمامية إلى أنه يجوز اختلاف الحصة بالنسبة إلى الثمار المختلفة. و قال مالك يجب التساوي في الكل. و قد خالف العقل الدال على أصالة الجواز. نهج الحق ص : 509 و قوله ص المؤمنون عند شروطهم

(1/292)


ذهبت الإمامية إلى أنه يجوز أن يشترط العامل أن يعمل معه غلام رب النخل سواء كان الغلام موسوما بعمل هذا الحائط أو لا. و قال مالك لا يجوز إلا إذا كان الغلام موسوما بالعمل فيه. و قد خالف العقل و النقل فإن العقل يدل على أصالة الجواز و عدم الفرق. و النقل
قوله ص المؤمنون عند شروطهم
ذهبت الإمامية إلى أنه يجوز المزارعة بالنصف أو الثلث و غيرهما. و قال أبو حنيفة و مالك لا يجوز. و قد خالفا العقل الدال على أصالة الجواز. و النقل و هو أن النبي ص عامل أهل خيبر بشرط ما يخرج من ثمر أو زرع.
و روى ابن عباس أن النبي ص دفع خيبر زرعها و نخلها إلى أهلها مقاسمة على النصف
ذهبت الإمامية إلى أنه يصح إجارة الأرض بالطعام. و قال مالك لا يجوز و قد خالف العقل الدال على أصالة الجواز. و قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. نهج الحق ص : 510ذهبت الإمامية إلى أنه يجوز إجارة أرضه ليزرع الطعام كالحنطة. و قال الفقهاء الأربعة إذا عين الطعام طل. و قد خالفوا العقل الدال على الجواز. و قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
الفصل العاشر في الهبات و توابعها و فيه مسائل
ذهبت الإمامية إلى أن القبض بدون إذن الواهب يكون فاسدا. و قال أبو حنيفة إن قبضه في المجلس صح. و قد خالف العقل الدال على التسوية. ذهبت الإمامية إلى صحة هبة المشاع. و قال أبو حنيفة لا يجوز إلا أن يحكم الحاكم فيما يقسم. و قد خالف العقل الدال على الجواز و التسوية.
و قال النبي ص للوازن زن و أرجح
و الرجحان هبة مشاع. ذهبت الإمامية إلى لزوم الوقف بالعقد و الإقباض. و قال أبو حنيفة لا يلزم إلا أن يحكم الحاكم. و قد خالف
قوله ص حبس الأصل و سبل الثمرة

(1/293)


و إجماع الصحابة و عملهم عليه. نهج الحق ص : 511ذهبت الإمامية إلى أنه يصح الوقف على بني هاشم و بني تميم. و قال الشافعي لا يجوز لعدم حصرهم. و قد خالف الإجماع الدال على جواز الوقف على الفقراء و المساكين. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا بنى مسجدا أو مقبرة و أذن للنا في الصلاة و الدفن و لم يقل إنه وقف أو وقفته لم يزل ملكه عنه. و قال أبو حنيفة إذا صلوا و دفنوا زال ملكه. و قد خالف العقل الدال على أصالة بقاء الملك.
و قوله ص لا يحل مال امرئ إلا عن طيب نفس منه
الفصل الحادي عشر في المواريث و توابعها و فيه مسائل

(1/294)


ذهبت الإمامية إلى توريث خمسة عشر أولاد البنات و أولاد الأخوات و أولاد الإخوة من الأم و بنات الإخوة من الأب و العمة و أولادها و الخال و أولاده الخالة و أولادها و العم أخو الأب للأم و أولاده و بنات العم و أولادهن و الجد أبو الأم و الجدة أم الأم و أولادها على الترتيب المذكور في تصانيفهم و لا يرث مع نهج الحق ص : 512واحد مولى نعمة و يحجب بعضهم بعضا على ترتيب ذكروه في كتبهم. و عليه جماعة من الصحابة و التابعين. و قال أبو حنيفة إن ذوي الأرحام يرثون إلا أنه يقدم المولى و من يأخذ بالرد عليهم فلو مات و ترك بنتا و عمةفالمال للبنت نصفه بالفرض و الآخر بالرد كما نقول نحن إلا أنهم يقدمون المولى على ذوي الأرحام و يوافقوننا في أن من يأخذ بالرد أولى من أولي الأرحام و يقولون إذا لم يكن هناك مولى و لا يرث بالفرض و لا بالرد كان لذوي الأرحام فخالفونا في توريث المولى معهم و الباقي وفاق. و قال الشافعي إنهم لا يرثون و لا يحجبون و إن كان للميت قرابة فالمال له و إن كان مولى كان له و إن لم يكن مولى و لا قرابة فميراثه لبيت المال. و قد خالفا في ذلك قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ و ولد البنت ولد للإجماع على أن عيسى ولد نهج الحق ص : 513آدم. و قال رسول الله ص ابناي هذان سيدا شباب أهل الجنة
و قال لا تزرموا على ابني فتركه حتى قضى بوله
أي لا تقطعوا عليه و قد كان الحسن ع بال في حجره فأرادوا أخذه فقال ذلك.
و قال ص ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين
عنى به الحسن ع. و قال الله تعالى وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ و قال نهج الحق ص : 514تعالى لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ و لم يفرق بين ارجال و النساء.

(1/295)


و قال ص و الخال وارث من لا وارث له
و روى أبو هريرة أن النبي ص ورث الخال
و الأخبار في ذلك كثيرة. ذهبت الإمامية إلى أن الأم يرد عليها و كذا البنت. و قال الشافعي للبنت النصف و الباقي لبيت المال. و قد خالف قوله تعالى وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ
و قول النبي ص تجوز المرأة ثلاث مواريث عتيقها و لقيطها و ولدها
و جعل ولد الملاعنة لأمه
و قال النبي ص ولد الملاعنة أمه أبوه و أمه
فجعلها كالأبوين. ذهبت الإمامية إلى أن المسلم يرث الكافر خلافا للفقهاء الأربعة. و قد خالفوا في ذلك عموم قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ نهج الحق ص : 515 و قوله ص الإسلام يعلو و لا يعلى عليه
و قوله ص الإسلام يزيد و لا ينقص
ذهبت الإمامية إلى أنه لا ميراث بالتعصيب بل إنما يورثون بالفرض المسمى أو القرابة أو السبب من الزوجية و الولاء. قال الجمهور يرث بالتعصيب. و قد خالفوا قوله تعالى لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً فذكر سبحانه أن للنساء نصيبا مما ترك الوالدان و الأقربون كما للرجال.
و قال جابر عن زيد بن ثابت من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء

(1/296)


و قال الله تعالى أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ و إنما أراد الأقرب فالأقرب إجماعا و البنت أقرب من ابن العم و العم. و أيضا يلزمهم أن يكون ولد الصلب أضعف سببا من ابن ابن ابن العم كما لو ترك ابنا و ثمانية و عشرين بنتا للابن سهمين من ثلثين و لكل بنت سهم و لو ترك عوض الولد ابن ابن عم لكان ابن ابن العم عشرة من ثلثين و الباقي للبنات. ذهبت الإمامية إلى بطلان العول. نهج الحق ص : 516و خالف فيه الفقهاء الأربعة. و قد خالفوا العقل و النقل و قال ابن عباس سبحان الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في المال نصفا و نصفا و ثلثا ذهب النصفان لابن البنت فقيل له من أول من أعال الفرائض فقال عمر بن الخطاب قيل له هلا أشرت إليه قال هبته
ذهبت الإمامية إلى جواز الوصية للوارث. و خالف فيه الفقهاء الأربعة. و قد خالفوا كتاب الله حيث يقول كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ و قد نص في الباب أنه نوع من البر و الأقارب أولى من الأباعد
كما قال ص ابدأ بمن تعول

(1/297)


و فيه صلة الرحم المأمور بها و قال تعالى فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. و لأن الوارث قد يستحق التفضيل إما بسبب شدة فاقته و فقره أو نهج الحق ص : 517بسبب كثرة عياله دون غيره أو بسبب فضله و علمه و قلة سعه في الأمور الدنيوية فناسب العقل التفضيل و لا يمكن إلا بالوصية. و لأنه كما جاز التفضيل حال الحياة كذا يجوز بعد الممات. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا أوصى لأقاربه يدفع إلى من يعرف بين الناس أنه قريبه. و قال أبو حنيفة يعطى ذوي الرحم المحرم خاصة و لا يدخل فيه من ليس بمحرم كبني العم. و قال مالك هذه وصية للوارث من الأقارب لا غير. و قد خالف العرف في ذلك من غير دليل. ذهبت الإمامية إلى أنه لا يصح الوصية للميت. و قال مالك يصح و يكون للورثة. و هو خلاف العقل الدال على امتناع صحة ملكية الميت و أن تمليك واحد بعينه لا يكون تمليكا لغيره. ذهبت الإمامية إلى أن ما تركه النبي ص ينتقل إلى ورثته. و خالف الفقهاء الأربعة و قالوا ينتقل صدقة إلى غير ورثته. نهج الحق ص : 518و قد خالفوا كتاب الله تعالى في قوله يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ و هو عام و قوله لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا ترَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ الآية عام أيضا. و
ما رواه أبو بكر من قوله نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة
غير صحيح لقوله تعالى وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ و قال تعالى حكاية عن زكريا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ و قوله تعالى وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي
و قول فاطمة أ ترث أباك و لا أرث أبي

(1/298)


نهج الحق ص : 519ثم لما تنازع علي و العباس في بغلة لرسول الله ص و لامته و سيفه حكم أبو بكر بذلك لعلي أيضا من جهة الميراث و لو كانت روايته صحيحة لما حكم بذلك بل كانت لجميع المسلمين المستحقين للصدقة و إنما قصد أمير المؤمنين ع بالمرافقة إليه في ذلك مع العباسليظهر خطأ من حكم بهذه الرواية. ذهبت الإمامية إلى أن الأسير إذا أخذ بعد تقضي الحرب يتخير الإمام فيه بين المن و الفداء و الاسترقاق. و قال أبو حنيفة يتخير بين القتل و الاسترقاق لا غير. و قد خالف قوله تعالى فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً
و قال ص في أسارى بدر لو كان مطعم بن عدي حيا و كلمني في هؤلاء السبي لأطلقتهم له
و بعث النبي ص سرية إلى قبل نجد فأسروا رجلا يقال له ثمامة بن نهج الحق ص : 520أثال الحنفي سيد ثمامة فأتوا به و شدوه على سارية من سواري المسجد فمر به النبي ص فقال ما عندك يا ثمامة فقال إن قتلت قتلت ذا دم و إن مننت مننت على شاكر و إن أردت مالا فسل تعط ما شئت تركه و لم يقل شيئا فمر به اليوم الثاني فقال مثل ذلك فمر به اليوم الثالث و قال مثل ذلك و لم يقل شيئا ثم قال أطلقوا ثمامة فأطلقوه فمر و اغتسل و جاء و أسلم و كتب إلى قومه فجاءوا مسلمين و هذا نص في جواز المن.
و وقع أبو غرة الجمحي في الأسر يوم بدر فقال يا محمد إني ذو عيلة فامنن علي فمن عليه على أن لا يعود إلى القتال فمر إلى مكة و قال إني سخرت بمحمد و عاد إلى القتال يوم أحد فدعا رسول الله ص ألا يفلت فوقع في الأسر فقال إني ذو عيلة فامنن علي فقال ص أمن عليك حتى ترجع إلى مكة و تقول في نادى قريش سخرت بمحمد مرتين لا يلسع المؤمن من جحر مرتين فقتله بيده و نادى ص رجلا برجلين و فادى يوم بدر جماعة من قريش على مال

(1/299)


ذهبت الإمامية إلى أنه سهم ذي القربى من الخمس لا يسقط بموت النبي ص. و قال أبو حنيفة يسقط و قد خالف مقتضى قوله تعالى وَ لِذِي الْقُرْبى أضاف بلام التمليك و عطف بواو التشريك. ذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز إعطاء اليهود زكاة الفطرة و الكفارة. نهج الحق ص : 521وقال أبو حنيفة يجوز و قد خالف قوله تعالى لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا دفع الزكاة من ظاهره الإسلام فبان كافرا أو من ظاهره الحرية فبان عبدا و من ظاهره أنه ليس من عبد المطلب فبان أنه منهم لم يجب عليه شي ء. و قال أبو حنيفة عليه الضمان. و وافقنا على أنه إذا دفع إلى من ظاهره الفقر فبان غنيا لم يضمن و لا فرق بين الموضوعين. و لأنه امتثل و خرج عن العهدة
الفصل الثاني عشر في النكاح و فيه مسائل

(1/300)


ذهبت الإمامية إلى أنه إذا توامر ]تآمر[ الزوجان الكتمان لم يبطل النكاح. و قال مالك يبطل و إن حضرت الشهود. و هو مخالف لقوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ. ذهبت الإمامية إلى أنه لا ينعقد النكاح بلفظ البيع و لا التمليك نهج الحق ص : 52و لا الهبة و لا الصدقة و لا العارية و لا الإجارة فلو قال بعتكها أو ملكتكها أو وهبتها لم يصح سواء ذكر المهر أو لا. و قال أبو حنيفة يجوز كل ذلك. و قال مالك إن ذكر المهر فقال بعتكها أو ملكتكها على مهر كذا صح و إلا فلا. و قد خالفا قوله تعالى وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. ذهبت الإمامية إلى أن العمة و الخالة إذا رضيتا بعقد بنت الأخ أو بنت الأخت صح. و خالف الفقهاء الأربعة فيه. و قد خالفوا قوله تعالى وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ و قوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ. ذهبت الإمامية إلى تحريم البنت المخلوقة من الزناء على الأب و الأخ و العم و الخال و كذا باقي المحرمات المؤبد بالنسب. و قال الشافعي يجوز ذلك كله فيجوز أن ينكح الرجل بنته من الزناء و أمه و أخته و عمته و خالته و كل من حرم الله تعالى في كتابه و كذا من يجمع له فيه سبب التحريم أو أسبابه كأم هي أخت أو بنت هي بنت أو عمة هي خالة. نهج الحق ص : 523و هذا بعينه مذهب المجوس نعوذ بالله تعالى من المصير إلى ذلك. و قد قال الله تعالى حُرَِّتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ. و هذه الصفات حقيقية لا تتغير تتغير الشرائع و الأديان. و منع إلحاقهم بالأنساب في الميراث و غيره من الحقوق الشرعية لا يخرجهم عن الصفات الحقيقية و لهذا يضاف إليه فيقال ابنته أو أمه أو أخته من الزناء و ليس هذا التقييد موجبا للمجازية كما في قولنا أخته من النسب ليفصلها عن أخت

(1/301)


الرضاع. و لأن التحريم شامل لمن يصدق عليه هذه الألفاظ حقيقة أو مجازا فإن الجدة داخلة تحت الأم مجازا و كذا بنت البنت و لا خلاف في تحريمهما بهذه الآية. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا صرح للمعتدة بالنكاح فعل محرما و إذا خرجت من العدة جاز له نكاحها. و قال مالك لا يجوز و يفسخ النكاح بينهما. و قد خالف قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ. ذهبت الإمامية إلى أنه إذا أسلم على أكثر من أربع كتابيات اختار منهن أربعا ترتب عقده عليهن أولا و لو كن وثنيات و أسلمن معه فكذلك. و قال أبو حنيفة يبطل نكاح الجميع مع عدم ترتب العقد و معه يصح الأربع الأول خاصة. نهج الحق ص : 524و قد خالف قول النبي ص لفيلان بن سلمة الثقفي لما أسلم على عشرة فقال له النبي ص اختر منهن أربعا و فرق سائرهن

(1/302)


ذهبت الإمامية إلى أن أنكحة الكفار جائزة. و قال مالك إنها باطلة. و قد خالف قوله تعالى وَ امْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. و أقر النبي ص أبا سفيان لما أسلم قبل زوجته هند ثم أسلمت على نكاح و لو كان فاسدا لم يقرهما و كذا غيرهما و لم يأمر أحدا بتجديد النكاح. ذهبت الإمامية إلى إباحة نكاح المتعة. و خالف الفقهاء الأربعة. و قد خالفوا القرآن و الإجماع و السنة النبوية أما القرآن فقوله تعالى فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً و هو حقيقة في المتعة. نهج الحق ص : 525و أيضا قرأ ابن عبس إلى أجل مسمى. و أما الإجماع فلا خلاف في إباحتها و استمرت الإباحة مدة نبوة النبي ص و خلافة أبي بكر و كثيرا من خلافة عمر ثم صعد المنبر و قال أيها الناس متعتان كانتا على عهد رسول الله ص و أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما. نهج الحق ص : 526و أما السنة فإنه ص رو عنه متواترا أنه رخص الصحابة في المتعة و استمتعوا في زمانه. و أيضا أفتى بإباحتها أمير المؤمنين علي ع و ابن مسعود و جابر بن عبد الله و سلمة الأكوع و ابن عباس و المغيرة بن شعبة و معاوية بن أبي سفيان و ابن جريح و سعيد بن جبير و مجاهد و عطاء و ابن عمر و غيرهم. ذهبت الإمامية إلى أن النكاح الفاسد لا يحلل الزوجة المطلقة ثلاثا. و قال الشافعي إنه يحلل. و قد خالف قوله تعالى فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ و النكاح هو المعتبر في نظر الشرع لاستحالة أن يأمر بالباطل. ذهبت الإمامية إلى أن المهر ما تراضى عليه الزوجان قل أو كثر. و قال مالك إنه يقدر فيه القطع و هو ثلاثة دراهم. نهج الحق ص : 527و قال أبو حنيفة يقدره بعشرة دراهم فإن عقد على أقل من عشرة وجبت العشرة. و قد خالفا قول الله تعالى وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما

(1/303)


فَرَضْتُمْ و هو عام. و عند أبي حنيفة لو سمى خمسة وجب لها كمال ما فرض لا نصفه.
و قول النبي ص أدوا العلائق قيل يا رسول الله و ما العلائق قال ما تراضى عليه الأهلون
و قد يحصل التراضي بدرهم.
و قال ص من استحل بدرهمين فقد استحل
و قال ص لا جناح على امرئ أن يصدق امرأة قليلا كان أو كثيرا
و زوج امرأة على تعليم القرآن بعد أن طلب من الزوج خاتما من حديد فلم يقدر عليه. ذهبت الإمامية إلى أن المفوضة إذا طلقها قبل الفرض و الدخول يجب لها المتعة. و قال مالك لا يجب و قد خالف قوله تعالى لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى نهج الحق ص : 528الْمُحْسِنِينَ أمره بالتمتع و هو للوجوب و فصل بين الموسر و المعسر فلو لم يكن واجبا لما فصل ينهما لصدق التطوع و لا فصل بينهما فيها. و قوله حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ و الحق الثابت و على للوجوب و قال تعالى لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. ذهبت الإمامية أنه إذا تزوج امرأة و دخل ثم خالعها فلزوجها نكاحها في العدة فإذا تزوجها بمهر فإن دخل استقر المهر و إن طلق قبل الدخول فلها النصف. و قال أبو حنيفة يجب الجميع. و قد خالف قوله تعالى فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ. ذهبت الإمامية إلى أن الوليمة مستحبة ليست واجبة و إجابة الدعاء إليها مستحب غير واجب و كذا الأكل. و أوجب الشافعي الجميع و قد خالف براءة الذمة.
و قوله ص ليس في المال حق سوى الزكاة
الفصل الثالث عشر في الطلاق و توابعه و فيه مسائل

(1/304)


ذهبت الإمامية إلى أن الطلاق المحرم و هو أن يطلق المدخول بها الحاضر معها الحائل حال حيضها أو في طهر قد جامعها فيه فإنه لا يقع. نهج الحق ص : 529و خالف فيه الفقهاء الأربعة. و قد خالفوا قوله تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أي لقبل عدتهن فهو يدل على تحريمالطلاق في غير الطهر فيكون منهيا عنه و النهي يدل على الفساد. و طلق ابن عمر امرأته ثلاثا و هي حائض فأمر النبي ص أن يراجعها فقال عبد الله فردها علي و لم يرها شيئا.
و في رواية عن ابن عمر طلقت و هي حائض فقال ص ما هكذا أمر ربك إنما السنة أن تستقبل بها الطهر فتطلقها في كل قرء تطليقة
ذهبت الإمامية إلى أنه إذا طلقها ثلاثا بلفظ واحد مثل أن تقول طلقتك ثلاثا فإنه يقع واحدة. و قال الشافعي و أحمد يقع الثلاث و ليس بمحرم. و قال أبو حنيفة و مالك يكون محرما و يقع الثلاث. و قد خالفوا قوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ.
و سأل عمر النبي ص لو طلقها ثلاثا فقال عصيت ربك نهج الحق ص : 530و هو يدل على تحريمه فيكون منهيا عنه. و روى ابن عباس قال كان الطلاق على عهد رسول الله و أبي بكر و صدرا من خلافة عمر الثلاث واحدة فقال عمر إن الناس قد استعجلوا فيما كان لهم فيه أناة فلو أمضينا عليهم فأمضاه عليهم فألزمهم الثلاث
و قال ابن عباس طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله ص كيف طلقتها قال طلقتها ثلاثا في مجلس واحد فقال ص إنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت فراجعها

(1/305)


ذهبت الإمامية إلى أن الإشهاد في الطلاق واجب و شرط فيه. و قال الفقهاء الأربعة ليس شرطا و لا واجبا. و قد خالفوا قوله تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ و لا يجوز حمله على الرجعة لأن الفرق أقرب حيث قال أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ يعني الطلاق. و لأن الإشهاد على الرجعة غير واجب و لا هو شرط في صحتها فهو شرط في إيقاع الطلاق فوجب حمله عليه. نهج الحق ص : 531ذهبت الإمامية إلى أن الطلاق المكره باطل و كذا عتقه و سائر العقود. و قال أبو حنيفة يقع طلاقه و عتقه و كل عقد يلحقه فسخ و ما لا يلحقه فسخ كالبيع و الصلحفإنه يقع موقوفا يصح إن أجازها و إلا بطلت. و قد خالف
قوله ص رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه
و قال ص لا طلاق و لا عتاق في إغلاق
و الإغلاق الإكراه. ذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز استعمال الحيل المحرمة و أن يوصل بها إلى المباح. و قال أبو حنيفة يجوز. قال ابن المبارك شكت امرأة إلى أبي حنيفة زوجها و آثرت فراقه فقال لها ارتدي و يزول النكاح. و قال لزوج امرأة قبل أمها بشهوة فإن نكاح زوجتك ينفسخ. و قال النضر بن شميل في كتاب الحيل ثلاثمائة و عشرون مسألة كلها كفر يعني من استباح ذلك كفر. نهج الحق ص : 532و قد خالفوا النقل فإن الله تعالى عاقب من احتال حيلة محظورة عقوبة شديدة حتى أنه تعالى مسخ من فعله قردة و خنازير حيث إن الله حرم على بني إسرائيل يد السمك فوضعوا الشباك يوم الجمعة فدخل السمك يوم السبت فأخذوا السمك يوم الأحد فقال الله تعالى فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
و قال النبي ص لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا أثمانها

(1/306)


و لما نظر محمد بن الحسن الشيباني إلى هذا قال ينبغي أن لا يتوصل إلى المباح بالمعاصي ثم نقض هذا القول فقال لو أن رجلا حضر عند الحاكم و ادعى أن فلانة زوجتي و هو يعلم أنه كاذب و شهد له بذلك شاهدان زورا و هما يعلمان ذلك فحكم الحاكم له بها حلت له ظاهرا و باطنا. و قالوا أيضا لو أن رجلا تزوج امرأة جميلة فرغب فيها أجنبي قبل دخول زوجها بها فأتى هذا الأجنبي فادعاها زوجته و أن زوجها طلقها قبل الدخول بها و تزوج بها و شهد له بذلك شاهد زور و حكم الحاكم بذلك فقد حكمه و حرمت على الأول ظاهرا و باطنا و حلت للمحتال ظاهرا و باطنا هذا مذهبهم لا يختلف الحنفية فيه. نهج الحق ص : 533ذهبت الإمامية إلى أن اعتبار عدد الطلاق بالزوجة إن كانت حرة فطلاقها ثلاث و