تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

كتاب تحفة الأعلام على تذكرة الأفهام


تأليف
السيد العلامة العلم والطود الشامخ الأشم
أحمد بن الإمام الهادي الحسن بن يحيى القاسمي
رحمه الله آمين
الطبعة الأولى
1417هـ ـ 1996م
حقوق الطبع محفوظة للناشر
تم الصف والإخراج بمركز النور للدراسات والبحوث
اليمن ـ صعدة ص. ب (90238)
بسم اللّه الرحمن الرحيم
ترجمة موجزة للمؤلف رحمه اللّه تعالى
الحمد لله الذي علم القلم علم الإنسان مالم يعلم وصلى اللّه وسلم على القائل: <رأس العلم معرفة اللّه> وعلى آله سفن النجاة.
لِيَ الشرف أن أرسل إليَّ الأستاذ الكبير والكاتب الكامل عز الإسلام محمد يحيى عزان حفظه اللّه صورة من (كتاب تحفة الأعلام على تذكرة الأفهام) للعلامة المجتهد أحمد بن الإمام الهادي الحسن بن يحيى القاسمي رحمهم اللّه تعالى لأقابلها على أصل نسخة المؤلف رحمه اللّه، وقد تم بحمد اللّه المقابلة على الأصل وإصلاح بعض الأخطاء المطبعية بقدر الإمكان وقد طلب مني بعض الإخوان ترجمة للمؤلف رحمه الله، ولقلة عتادي وقصر باعي ولكونه كالشمس رابعة النهار والقضية المسلمة التي لا يتسرب إليها إنكار فسأسلك مسلك الإختصار. وكيف لي بالإجادة والإحاطة في صفات قدسية وحيد عصره وفريد دهره حامي الشريعة المطهرة المفتي الأكبر والطود الشامخ الأشم المجتهد المطلق صفي الإسلام والدنا أحمد بن الإمام الهادي رحمه اللّه رحمة الأبرار وألحقه بجده المصطفى في أعلى عليين آمين.
نسبه: أحمد بن الإمام الهادي الحسن بن يحيى بن علي بن أحمد بن علي بن أحمد بن القاسم بن حسن بن علي بن محمد بن أحمد بن الحسن بن زيد بن محمد بن أبي القاسم بن الإمام الهادي على بن المؤيد بن جبريل المؤيد بن أحمد بن يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى الناصر بن الحسن بن عبد اللّه بن المنتصر محمد بن الإمام المختار القاسم بن الإمام الناصر أحمد بن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم رضي اللّه عنهم.

(1/1)


مولده: بهجرت ضحيان جماعة لواء صعدة في شهر ربيع الأول سنة (1310 هـ) عشر وثلاثمائة وألف للهجرة.
تربيته:
تربا في حجر والده الإمام الأواه المجاهد الصابر في مدرسة النور والهداية حتى بلغ السابعة من عمره فقرأ القرآن الكريم حتى أتقنه ثم اللغة العربية حتى بلغ سبويه زمانه وفاق على أقرانه، ثم اللأصولين مع المعاني والبيان والحديث والتفسير وعلم الرجال حتى صار مجتهداً متفنناً مرجعاً ماهراً محققاً إمام كل فضيلة ومرجع كل مشكلة عويصة له التصانيف الفائقة والعلوم الزاخرة والأنظار الدقيعة والأقوال الراجحة السديدية إمام معقولها والمنقول.
مصنفاته:
في الفروع كتاب مشارق الأنوار المنتزع من البحر الزخار من أول باب الطهارة إلى كتاب السير فيما اختاره لنفسه من مسائل الفروع ورجح عنده دليله.
وله المنهل السمعي فيما ورد من الأدلة على الطلاق البدعي فيما جرى بينه وبين أخيه حجة عصره عبد اللّه بن الإمام الهادي رحمهم اللّه تعالى.
وله في علم الرجال الروضة الندية في تراجم بعض رجال الزيدية.
وله العلم الواصم في الرد على هفوات الروض الباسم ردَّ به على بن الوزير رحمهما الله.
وله كتاب كبير في الرد على منهاج السنة لابن تيمية الحراني.
وله شرح على قصيدة العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في خصائص أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه في الجنة.
وله مباحث كثيرة في الصفات والرؤية وغير ذلك قد ألحقناها مع ترجمة له في العلم الواصم.
وله مباحث أخرى فقهية في الفاتحة وهل الإمام حاكم أم لا وفي صلاة الجماعة وفي بيع الرجاء وغير ذلك.
وله نحواً من ثلاثمائة جواب على أهم الأسئلة الواردة إليه.
وله قصيدة في أصول الدين لم يكمل شرحها.
وله ديوان في الشعر أخذته الأيدي الحاسدة اللئام الغزى.

(1/2)


وله هذا الكتاب (تحفة الأعلام على تذكرة الأفهام) الشرح والمتن في أصول الدين أتى فيه بالمختار ودليله، وأجاب على المخالف ودليله، بصير بالإيراد والإصطار يحترم آراء العلماء واجتهاداتهم، يميل إلى الإئتلاف ويكره التفرق والتعنيف هذا وقد تخرج من على يديه علماء فطاحلة مجتهدون.
أما من قرأ عليه فجم غفير. كان رحمه اللّه غيوراً على الإسلام والمسلمين آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر لا يخاف في اللّه لومة لائم. شارك مع والده في الجهاد وأبلي بلاءً حسناً كان رحمه اللّه حليماً دمث الأخلاق زاهداً ورعاً عوناً للضعفاء والمساكين. حنوناً على أرحامه وأقاربه فسلام اللّه عليه حين ولد وحين مات وحين يبعث حياً وجزاه عنا وعن الإسلام خير الجزاء. انتقل إلى رحمه اللّه يوم 29 من شهر رمضان الكريم من عام (1375 هـ) خمسة وسبعين وثلاث مائة وألف للهجرة على صاحبها وآله أفضل الصلاة والتسليم.
حرر في 25 شهر جمادي الأولى سنة (1417) هـ.
كتبه الفقير إلى اللّه محمد بن أحمد بن الإمام الهادي بن الحسن بن يحيى بن علي القاسمي غفر اللّه له ولوالديه آمين.

(1/3)


بسم الله الرحمن الرحيم
(مسئلة النظر واجب عقلاً) ولفظة النظر مشتركة بين الفكر والعين والمقابلة والانتظار والرحمة.
البهاشمة: هو جنس مغاير للعلم والاعتقاد فإنه هو المولد للعلم.
الأشاعرة: تردد أنحاء العلوم الضرورية وزعموا أن حصول العلم عقيبها بمجرى العادة.
الفلاسفة: استعداد النفس لإفاضة العلم من جهة العقل، أبو الهذيل وأبو الحسين استحضار العلوم الضرورية فإنها هي الموجبة للعلم(1)، أما وجوبه (فلتوقف معرفة الصانع) للمصنوعات (عليه) أي: على النظر إذ معرفته واجبة لكونها لطفاً وتحصيلها لا يكون إلاَّ بالنظر لتعذر سائر الطرق الموصلة إليها فيجب أن يكون واجباً لوجوبها أو لكون شكر المنعم واجب والإخلال به قبيح عقلاً وهو لا يتم إلاَّ بالمعرفة التي لا يصح أن تتولد بدون نظر عقلاً (عند من لم يجعلها) أي المعرفة (ضرورية) وهو المؤيد بالله والإمام عز الدين والهادي بن إبراهيم والإمام محمد بن القاسم والقاسم بن علي العياني والفقيه حميد الشهيد وغيرهم أنَّه يجوز حصولها ضرورة لبعض الأنبياء ونحوهم، وقيل مطلقاً، ويشهد لقولهم {أفي الله شك فاطر السموات والأرض}، وأن (المولود يولد على الفطرة) الخبر.
ثُمَّ قال: (ولما فيه) أي النظر (من نجاة الناظر عن الهلكات) وذلك أن النظر يندفع به الضرر ودفع الظرر واجب، فهو واجب بيان أنَّه يندفع به الضرر لأن المكلف إذا كمل عقله فلا بد أن يخاف من ترك النظر لما فيه من الخطر فيطلب جهة الأمن ولا يبلغها إلاَّ بالنظر لينجو من العطب وإنكار تقرره في العقول مكابرة.
__________
(1) ـ وفي عدة الأكياس صفحة (261)، والمراد به هنا إجالة الخاطر في شيء لتحصيل اعتقاد.

(1/4)


مسألة: (ومعرفة الله الاجمالية) المستفادة من النظر في المخلوقات على وجه الحقيقة لامتناع ما سوى ذلك (واجبة عقلاً) وذلك (لأجل القيام بواجب شكره على ما أنعم) كما هو رأي القاسم والهادي وغيرهما (وشكر المنعم واجب عقلاً) لتوجه ذم المخل عند المتشرع وغيره ( وشكر النعمة لا يتم إلاَّ بمعرفة المنعم) بكسر المهمله (فما لا يتم الواجب) وهو الشكر (الاَّبه) وهي المعرفة (يجب كوجوبه) ليؤدي الواجب على نهج القبول لامتناع شكر المجهول (وفي النهج) أي نهج البلاغه للرضي، قال أمير المؤمنين عليه السلام: (أول الدين معرفته ولعله حيث ترتب صحة الشكر على المعرفة جعلت أولية) للشكر (لا من حيث الاستدلال) يعني: من طريقة تنزيل الدليل وتحريره ليتم الوجوب لأنها قد تحصل المعرفة من جهة النظر إلى حدوث العالم بدون جولان للشكر على الخاطر وقيل: وجب النظر بالعرض لا بالذات إذ هو وصلة إلى المعرفة، والمعرفة هي المقصودة بالوجوب.
مسألة: (وصفاته) أي الله (واجبة له تعالى وإلا لزم نفيه عند من يقول صفاته ذاته) وهم جمهور أئمتنا عليهم السلام، قال أمير المؤمنين عليه السلام: ومن لم يصفه فقد نفاه (أو عجزه عند من لم يجعلها الذات) كأهل المعاني والأحوال.
مسألة: (والذي عليه عامة الآل عليهم السلام أن صفاته تعبير عنه وليست غيره) وذلك ( لئلا يلزم التعدد في القدماء أو التكثر في الذات، أو التلاشي إن قالوا : لا شيء وكلامهم مسطور في المطولات وكفى بالقرآن دليلاً حيث عبر سبحانه عن الذات بصفته، قال سبحانه حاكياً عن فرعون:{قال وما ربُّ العالمين(1) قال رب السمواتِ والأرض وما بينهما}، إلى قوله: {ربُّ المشرق والمغرب...الآيات}، وقال أمير المؤمنين عليه السلام: فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزاه، ومن جزاه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده...إلخ.
__________
(1) ـ 24 الشعراء.

(1/5)


لأنا نقول لهم هذه المعاني والمزايا والأحوال: لا تخلو إما أن تكون هي الذات أو غيرها، الثاني : باطل، لأنها لا تخلو إما أن تكون شيئاً أولاشيء، إن كان الأول لزم التعدد في القدماء أو الحدوث أو لا شيء ولزم التعطيل ولا يلتزمون ذلك، قال مثبتوا المعاني: ليست بعرض ولا هي هو ولا غيره، وقال أهل المزايا: لا توصف بوجود ولا عدم ولا حدوث ولا قدم ولا هي شيء ولا لا شيء وحيث فروا من التعطيل والتعدد والتكثير، قال: (والصحيح أن الخلاف لفظي، لأن قولهم لا هي) أي المزايا والمعاني (الله ولا غيره ولا شيء ولا لاشيء متناقض) إذ قد أثبتوا شيئاً غير خارج أعني(1) مباين للذات ( فيعود إلى قولنا) إنها تعبير عن الذات لفرارهم من التعطيل (وكذا أهل المعاني مع الفرار من التعدد) في القدم والحدوث ( حيث لم يعددوا ولم يعطلوا) فلم يبق إلاَّ قولنا بخلاف من أثبتها أي الصفات مباينة (وقدوهم بعضهم) أي بعض العلماء كالمحقق المفتي محمد بن عز الدين رحمه الله، فقال: ( إن قوله صلى الله عليه وآله وسلم تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لن تقدروا قدره) (وقول علي عليه السلام من تفكر في غير الذات وحّد، ومن تفكر في الذات ألحد، نهي عن النظر في الصفات كالذات لا تحادهما) أي الذات والصفات، (والجواب أن الإثبات) للصفات (والتعبير) بالصفة عن الذات (ليس من التفكر في الحقيقة) أي في كنه الذات (على الحقيق كيف وقد ورد بالتعبير القرآن) في جواب موسى عليه السلام على فرعون وجواب إبراهيم عليه السلام على النمرود وغير ذلك، (والسنة) النبوية صلى الله وسلم على صاحبها وآله في كلام كثير بسند صحيح شهير (وكلام السلف وهو عنوان التصديق)، أي الكاشف لصحة التصديق، لأن من لا يعلم الصفة لم تتم له معرفته كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في النهج أول الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده
__________
(1) ـ لعل هنا سقط وهو لفظ (غير).

(1/6)


الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنَّه غير الصفة إلى آخر كلامه، وقال: الذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن الذي ليس لصفته حدٌ محدود ولا نعت موجود ...إلخ.
فهل هذا إلاَّ التعبير عن الذات المقدسة ومن تتبع خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخطب أصحابه يعلم أنهم يعبرون عن الذات بالصفة وإذ يلزم من المنع إطلاق حمل الصفات على الحقيقة المقتضي للمشابهة والتجسيم.
قلنا: (ولا يلزم من تعدد النعوت تعدد المنعوت) أي الذات، فلذا قال: (لأن مرجع صفات الإدراك من السمع والبصر إلى العلم) لتعذر الآلات على واجب الذات، لأن إحاطة علمه ليست بالحواس الباطنة ولا الظاهرة بل بذاته المقدسة ووافقنا أبو الحسن الأشعري، (كما ترجع صفات التأثير من الإرادة والاختيار إلى القدرة)، فأن الإرادة والاختيار عبارة عن تعلق القدرة بالمقدور والتعليق غير التعلق، فأن تعلق مطاوع التعليق فتعلق بالفتح فعل، والتعليق إرادة واختيار والمتعلق بكسر اللام، قدرة وبفتحها مقدور (وظاهر كلام الهادي عليه السلام، أن صفة الحياة ترجع إلى العلم وهي) أي الحياة (عبارة عما لا يصح الادراك إلاَّ معه فلذلك جعلوها شرطاً للعلم والقدرة)، قال الهادي عليه السلام: معنى الحي في حقه تعالى الذي يجوز منه الفعل والتدبير، (لكن فيه نظر إذ الشرط واجب التقدم) فلهذا (قيل) أبو الحسين وغيره: (هي) أي صفة الحياة جعلوها (جزء من المقتضي إذ لو تقدمت كان العلم والقدرة حادثين فوجب أن تكون صفة الحياة عبارة عن صحة إدراك الذات للمدركات ولم نرجعها) أي صفة الحياة (إلى) صفة (القدرة لظهور أن لها) أي القدرة (تعلقاً مؤثرا بالصور الحسية) لا المعنوية (ولا كذلك الحياة والعلم) لادراكه المعنوي كأفعالنا الماضية ونحو ذلك، إذ تحقق بمجرد الإحاطة وإدراكه الحسي.

(1/7)


مسألة: ولما كثر الاختلاف في معنى الارادة، قال عن بعض الإثبات (قيل والواجب علينا في تعريف الارادة ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام يريد ولا يضمر) أي الإيمان بالارادة مع تنزيهه عن إرادة المخلوقين المستلزمة للإضمار (يحب ويرضى من غير رقة ويبغض ويغضب من غير مشقة) انتهي كلامه عليه السلام، (وذلك لمباينة الخالق المخلوقين) لو أبقيناها على ظواهرها لما باينهم ولكان قد شابههم وماثلهم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (ومن قال هي) أي الإرادة واجبة (للذات) أو واجبة (بها) أي بوجوب الذات (يلزم وجوبها) أي الإرادة لوجوب الذات (ونفي الاختيار) والله يتعالى عن ذلك (مع التعدد إن كانت معنى) غير الذات (أو صفة خارجة) عن الذات (والحدوث إن تأخرت) أي لضرورة تقدم العله على المعلول (فأما من الغير) يعني إرادته من الغير (فيجب إمتثال أوامره) الموصلة إلى دار رحمته (قال سبحانه: {يريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة}، وما روى مسلم) ابن الحجاج في كتابه المسمى بالصحيح ( في حساب العاصي قد أردت منك أيسر من ذلك) يعني الطاعات (وهما نص في محل النزاع) بين من زعم أن الأمر غير الارادة وأنها تتعلق بالمعاصي، ومن زعم أن الارادة: الأمر (وتأويلهما لغير ملجي تعسف)، لأنهم تأولوا الخبر بأن المعنى إرادة طلب ويلزمهم تعدد الإرادة وهذا التأويل غير مطرد في معنى الآية ولو سلمنا ذلك في معنى الخبر (ويكره ما نهي عنه، قال سبحانه: {إنَّه لا يحب الفساد} {ولا يرضى لعباده الكفر} وقوله: {وكان سيئه عند ربك مكروها}، وقول أمير المؤمنين عليه السلام وبين لكم محابه من الأعمال ومكارهه لتتبعوا هذه) أي المحاب وهي الطاعات، (وتجتنبوا هذه) أي تجتنبوا المعاصي، أما المحبة والرضى والكراهة فلا خلاف بين المعتزلة والماتريدية والأشعرية إلاَّ الجويني وإنما الخلاف في حقيقة الإرادة فالذي نص عليه الهادي والمرتضى ونقل عن عامة الآل أن إرادته تعالى في أفعاله فعله وفي

(1/8)


أفعال غيره الأمر بها وكراهته لفعل غيره النهي عنه وأرادته للخبر عما أخبر به هو الخبر به، وكذى كلام القاسم عليه السلام، وقيل: هي الداعي ورجحه الإمام يحيى عليه السلام وهو محل تأمل، لأن الداعي يستلزم الحاجة. وقيل العلم(1).
وروي عن القاسم بن إبراهيم عليه السلام وغير ذلك، حتى قال بعض المتأخرين كالإمام الحسن بن بدر الدين، والإمام أحمد بن الحسين الشهيد ووالدنا الإمام الهادي الحسن بن يحيى بن علي واختاره المفتي: لا تجب معرفة الإرادة ولا لماذا كان مريداً جملة ولا تفصيلاً بالدليل العقلي بل الإيمان الجملي بالسمع في ذلك كاف في الجملة...الخ.
وقد قدمنا إشارة في ذلك في المسألة تقدمت قبل هذه.
وقالت الأشاعرة: الإرادة معنى قديم كسائر المعاني وقيل: محدث لا في محل، قال في الجامع الكافي، قال الحسن: أجمع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه من أحسن فلله عليه المنة ومن أساء فلله عليه الحجه في إسائته وغير معذور في معصيته ولن يخرج الخلق من قدرة الله تعالى وتدبيره وملكه، وقال الحسن بن يحيى ومحمد بن منصور في لفظ آخر للعباد أفعال ومشيآت نسبها الله إليهم وعلم الله إرادته ومشيئته محيطة بإرادتهم فلا يكون منهم إلاَّ ما أراد وعلم أنَّه كائن منهم وقد أراد خلقهم وخلقهم بعد علمه بما هو كائن منهم وأنه لا يكون منهم إلاَّ الذي كان وقد سبق علمه أنَّه يكون منهم مؤمن وكافر ومطيع وعاصٍ وقد أراد أن يتم كون ما علم أنَّه كاين.
__________
(1) ـ وهو الظاهر من كلام القدماء وقد قال في الإيثار: إن مراد أهل السنة أن الإرادة لا تضاد العلم، ولعل الصواب أن يقال أنه لا خلاف في المعنى بين العدلية والسنيه والكسبيه مثبتي الاختيار وإن اختلفت عباراتهم وبعضهم عدد معاني الإرادة إلى محبة ومشيئة وعلم ولا يبعد ذلك والله أعلم تمت منه.

(1/9)


قلت: وهذا هو الجامع لأطراف كلام الآل من أن الله أراد أن يكونوا مختارين وعلى أفعالهم مجازين ممدوحين أو مذمومين ومن خرج منهم عن هذا الجامع فمن غير أهله أخذ.
باب الحكمه والعدل
(مسألة الحكمه مرجح الفعل أو الترك المناسب له) أي للمرجح (عقلاً) وأن خفي علينا فأفعال الله سبحانه وتعالى محكمة كما دلت عليه الآيات القرآنية ومنكر ذلك منكر للضرورة كما أشار إليه في إيثار الحق (والعدل إيقاع ذلك) أي الفعل أو الترك (لأجل ذلك المرجح) فيخرج العبث إذ لا يكون لمرجح رأساً (والجور ضده) لعدم المرجح المناسب للعقل وإن ناسبه في الشهوة لمرجوحيتها (ومنه) أي من الجور (الظلم) كتعذيب من لا يستحق التعذيب وتكليف ما لايطاق والتساوي بين العاصي والمطيع في الدارين ومنه قول المعتزلة: أن الله خلق العاصي على بنية لا تقبل اللطف.
ـ وقول الأشاعرة: إنَّه يضل العاصي قبل عصيانه لمجرد القضاء والقدر والله ينزه نفسه وأحكامه عن الظلم، قال سبحانه: {وما يضل به إلاَّ الفاسقين} {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} والإضلال من جنس العقاب فهؤلاء خصماء القرآن بل خصماء الرحمن أيخلقهم على بنية لا تقبل الهدى ثُمَّ يلزمهم به؟ هذا تكليف ما لا يطاق! قال سبحانه: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}، والمصيبة في الدين أعظم المصايب، وقال: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم...الآيه}.
قالوا: يجوز ذلك ابتلاء لا عقاب.
لنا: ما تقددم ولعدم الدليل على ذلك، لأن ما يؤدي إلى الظلم من غير مرجح مناسب للعقل والفطرة التي فطر الله الناس عليها ظلم وجور، قال تعالى: {إنا هديناه السبيلا إما شاكراً وإما كفورا}، وقال: {ثم السبيل يسره}، {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}.
مسألة: (وللعدل والجور يحسن الفعل والترك)، بمعنى كونهما سبباً للمدح إن كانا عدلاً، (ويقبحان) أي الفعل والترك بمعنى كونهما سبباً للذم والعقاب في حقنا إن كانا جوراً.

(1/10)


قال بعضهم: استحقاق المدح على العدل والإحسان، والذم على الظلم والعدوان ضروري يشهد به الوجدان ويحكم به نفاة الأديان ومن قصر الحسن والقبح على صفة الكمال ونقيضهما وأنكرهما في المذكورين المتنازع فيهما فقد كابر مقتضى عقله، وقال قدماء المعتزلة والبراهمة: يحسنان ويقبحان لذاتيهما، وقد أشار إلى الرد عليهم فقال: (لا لذاتيهما لاداه) أي هذا القول (إلى وجوب النقيضين) الحسن والقبح (من جهة واحدة).
لأن العلة الواحدة وإن ناسبت النقيضين باعتبارين فكذلك من جهتين وهي الحسن والقبح، (وهو ممتنع إتفاقاً) أي من جهة واحدة هي الذات وذات الأفعال كلها هي الكون فقط، لا ذاتي لها غيره، لأنها بسيطة لا تتمايز إلاَّ بعوارض خارجة عن الذات كالمشخصات وذلك كالسجود لله فهو حسن باعتبار كونه سجوداً لله، والسجود للصنم قبيح باعتبار كونه سجوداً للصنم وكتأليم نحو المستحق للتأليم حسن باعتبار كونه مستحقاً وقبيحاً في غير المستحق، قالوا: لو لم تكن هي الذات لما امتنع الكذب ونحوه من الله ورد بمنع اللازم، لأنَّه قبح لعدم المرجح وكونه صفة ذات، فقد يحسن في بعض الأوقات وقد ورد أن في التعريض مندوحه عن الكذب.
وقالت الأشاعرة: إنَّما يتعلق بالفعل والترك المدح والذم، للأمر والنهي فقط.
لنا: لو انحصرت علة الحسن في الطلب لم يتعلق المدح عقلا بفعل الله واللازم باطل بالضرورة فإنه محمود ممدوح بأفعاله بلسان المتشرع وغيره وليس بمأمور.
باب الأفعال
مسألة: (وحسن فعل الله معلل بالحكمة لو لم تكن كذلك)، أي معللة بالحكمة (لزم الإضطرار) لو كانت بالذات لوجوبها (أو العبث وكلاهما باطل).

(1/11)


وقالت الأشاعره: لا (وقولهم) أي الأشاعرة (لوجب إنتهاء الحكمة) الباعثه على الحكم (إلى غاية وهي) أي الغاية (لذة عقلية أو بدنية وإلا تسلسل) مع فقد اللذة (واللذة ممتنعة على الله لنا) عليهم (منع الانحصار فيهما) أي اللذتين العقلية والبدنية (مسنداً إنتهائها) أي الحكمة (إلى صفة كمال لا تعلل بغير ذاتها كالكرم لأنه حسنة) أي الكرم (لذاته) فلهذا قيل في تعريفه: أنَّه إفادة ما ينبغي لا لغرض فحسنه كحسن العلم والقدرة ونحوهما ولا ينافي ذلك الاختيار وإن لم يحتج إلى مرجح كما لا تحتاج صفات الله الذاتية إلى مرجح لها على نقايضها وإلا لزم (التسلسل) في المرجحات (بما لا يجوز على الله ولا يعقل) من توارد المرجحات على النقايض أو يلزم التعطيل وذلك أن الله لا يوصف بوجود ولا علم ولا قدره وقد استوفى في إيثار الحق، الاستدلال على المسألة والرد لقول المخالف بما يشفي اللبيب.
مسألة: (وللعبد قدرة مستقلة بالتأثير)، أما القدرة فمع التحقيق أن الجهمية والأشاعرة لا يخالفون فيها فلذا قال: (ومنع الأشاعرة الاستقلال) وللمعتزلة والمجبرة في هذه المسألة نحو أربعة عشر قولاً استوفاها في الإيثار مع الميل إلى تنزيه الأشاعرة.
(لنا: أن القدرة معدة لتأثير الضدين كالقوة العاقلة المعدة لادراكهما) أي الضدين ولا قايل بأن العقل غير مستقل بادراكهما فالفرق بين القوتين تحكم صرف.
(قالوا): قدرة (موجبة) للفعل من الله بعد اعتبار العبد من كونها طاعة أو معصية.
(قلنا: فلا مشاركة) للعبد (لأن الموجب) وهو الله (مستقل بالتأثير وغيره) أي غير المستقل (طرد) أي تابع (في المؤثر) وبذلك يبطل القول بأن الفعل مقدور بين قادرين.
(قالوا): ثانياً (الكسب غير الفعل الواجب عن القدرة) المؤثرة (لأن الفعل كون وهو ذات كالجوهر ولا يقدر على الذوات غير الله).

(1/12)


قلت: وهذا محل النزاع (ورد بمنع كون الفعل ذاتاً بل صفة مقدورة للعبد وإلا لم يتحقق الكسب) إن كان الفعل ذاتاً، قال في الإيثار: فإن قال جاهل حجة الأشعريه على أن أعمالنا مخلوقة أنها ذوات لا صفات، ولا أحوال، ولا يقدر على شيء من الذوات إلاَّ الله، فالجواب من وجوه:
الأول أوضحها: وهو أنهم لا يقولون بذلك بل يقولون أن أفعالنا هي الأحوال والوجوه والاعتبارات المتعلقة بتلك الذوات وذلك هو معنى الكسب كما تقدم، وثانيها أنهم منازعون في أن الأكوان التي هي الحركه والسكون والاجتماع والافتراق ذوات بل هي صفات أو أحوال كما ذهبت إليه الجماهير وأهل التحقيق كابن تيميه وأصحابه منهم وأبو الحسين وأصحابه من المعتزله ومن لا يحصى كثره من سائر طوايف الشيعه والمتكلمين، وثالثها: أنَّه لا نسلم لهم أنَّه لا يقدر على شيء من الذوات إلاَّ الله تعالى بل قد خالفهم في ذلك إمامهم الكبير أبو المعالي الجويني والشيخ أبو إسحاق وأصحابهما.
فقالوا: إنَّه يقدر على ذلك من أقدره الله تعالى عليه ومكنه منه وأراده له. انتهى

(1/13)


وقد تقدم له أنهم يقولون أن الأكوان ذوات حقيقية وبعضهم قال: الأكوان ذوات ثبوتيه هي فعل الله، وفعل العبد كسب يتعلق بها وهي متميزة منه وبعضهم ذهب أنَّه لا فعل للعبد إلاَّ الاختيار فمتى اختار الطاعة خلقها الله عقيب اختياره وكذلك المعصية فتأمل كيف جعل كلامهم موافقاً لأبي الحسين المعتزلي وابن تيميه الظاهري، (لأنه) أي الكسب (إن كان أمراً اعتبره العبد في فعل الرب من طاعة أو معصية أو نحو ذلك) كالمباح (م يصح تعلق الاعتبار بفعل الغير) أي غير المُعتَبِر (وإلا عم الفعل غير الفاعل) أي وإلا لكان فعل الواحد طاعة أو معصية لكثيرين إذا اعتبروهما في فعله فأثيبوا وعوقبوا بفعل غيرهم، وذلك باطل بضرورتي العقل والشرع (وإن كان) أي الكسب (أمراً وجودياً متميزاً فهو كون آخر) والمفروض أن ليس هناك إلاَّ كون واحد أثر في الأثر وأن العبد لا يقدر على الكون (أو غير متميز) بل الكون واحد مقدور بين قادرين لا يتميز مقدور أحدهما عن مقدور الاخر(اجتمع فيه النقيضان الوجوب بإيجاب القدرة والجواز باختيار الكسب وانتفاء المشاركة) بينهما (فيه إن استقل به أحدهما لما تقدم) من أن الموجب مستقل بالتأثير وغيره طرد في المؤثر.
(قالوا: الإلهيات تستلزم الجبر) من كونه لا يقع في ملكه مالا يريد وغير ذلك من التعظيم للباري سبحانه وتعالى (وإثبات الرسل يستلزم الاختيار فيجب أحدهما جمعاً بين الأدلة العقلية والسمعية) صرح بمعنى ذلك الرازي وغيره من الأشاعرة.

(1/14)


(قلنا: الحاجة إلى الجمع) بينهما (فرع ظهور التنافي بينهما) وهو المطلوب ولكن (لاتنافي بعد تسليم الاختيار) كما يستلزمه إثبات الرسل (وكونه ضرورياً) أي الاختيار (بالفرق بين حركة الصاعد والساقط وكون الجبر إستدلالياً) بإثبات الألاهيات (والاستدلال لا يقابل الضرورة البديهية وضرورة إختيار الصاعد بديهية) وربما يقال ضرورة الجبر متعلقة بنحو حركة الساقط واستدلالية بنحو حركة الصاعد فليس الضروري منهما باستدلالي ولا العكس فلا استدلال هنا في مقابل الضرورة فيجاب بأن الاختيار في حركة الصاعد ضروري فلا يصح الاستدلال بها على الجبر كما لا يصح الاستدلال في حركة الساقط على الاختيار لكن لا يخفى أن عدم مقابلة الاستدلال للضرورة إنَّما هو في الضرورة البديهية، أما في الاستدلالية فيقابله والخصم يمنع بداهة الاختيار في حركة الصاعد.
قلت: بل اختيار الصاعد وكل عمل مقرون باللذة عقلية أو بدنية ينافي الجبر الذي بمعنى الإكراه ضرورة بديهية كما في الأصل.
(قالوا): قال تعالى : {لمن شاء منكم أن يستقيم} ({وما تشاؤن إلاَّ أن يشاء اللهْ} فالاستقامه بالمشيتين وهو معنى تركب العلة) في التأثير.
(قلنا): ذلك مبني على أن متعلق المشيتين هو الاستقامة ونحوها وهو ممنوع بل (المعنى وما يحدث لكم مشية إلاَّ أن يشاء الله أن تشاؤوا) أي أن تكون لكم مشيئة واختيار (فمتعلق المشيتين هو مشية العباد واختيارهم لا إكراههم) وهذا صرح به أكابر قدماء أئمتنا عليهم السلام، حيث قالوا أن الله يشاء أن يكون العباد مختارين لتقوم عليهم الحجة، ولم يشاء مختارهم إذا كان معصية، وأما الطاعة فيشاءها منهم مع أن الإرادة لا تتعلق بفعل الغير كما سيأتي.
(قال سبحانه: {لا إكراه في الدين}) {قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر الطاغوت ويؤمن بالله} فنسب الكفر والإيمان إلى العباد، وأما مشية العباد فإنها فعل الله وخلقه كالقدرة والله أعلم.

(1/15)


(قالوا: فيريده أي الفعل وإلا كان مغلوباً) حيث وقع في ملكه ما لا يريده، قال في (الإيثار): هي(1) الأمر الذي يقع به فعل الفاعل المختار على وجوه مختلفه في الحسن والقبح وعلى مقادير مختلفة في الكثرة والقلة وسائر الهيئات والأشكال من السرعة والبطاء وموافقة الغرض ومنافرته وفي أوقات مختلفه في التقديم والتأخير وهذا هو القدر المجمع عليه في معناها وبقية المباحث فيها في علم اللطيف وكلها مما لا تكليف في الخوض فيه ولا حاجة إليه بل هو يؤدي إلى مجارات أو محالات انتهى بحروفه.
__________
(1) ـ يعني الإرادة.

(1/16)


قلت: ومعنى هذا الكلام راجع إلى صفة العلم بعينها. (قلنا: إرادته التخلية في هذه الدار) أي دار الدنيا بخلاف الآخره فأحكامها غير أحكام الدنيا، قال سبحانه: {مالك يوم الدين}، وقال: {والأمر يومئذ لله} (بين العبد وإرادته) مع أفعاله ليخرج الخطا والإكراه (تنفي) أي التخلية (المغالبة) لله سبحانه، لأنها تخيير للعبد فتنافي أيضاً إرادة الله لأحد المخيرين بخصوصه، وإن أراد سببه من لطف أو فتنة كما تقدم في تأويل الآيات الموهمة تعلق مشية الله بطاعة العبد مثل {وما تشاوؤن إلاَّ أن يشاء الله} {وما كانوا ليؤمنوا إلاَّ أن يشاء الله} فهي مثل {وما كان لنا أن نعود فيها إلاَّ أن يشاء الله}والسمع وإن ورد بما شاء الله كان فلم يرد بما كان فقد شاءه الله والموجبة الكلية إنَّما تنعكس جزئية، وأما ما يروى من زيادة ومالم يشاء لم يكن فمع أنه لا صحة له عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينافي تأويل الآيات المذكورة، لأنَّه يكون في قوة ومالا يشاء من أفعاله إذ الأولى في قوة ما شاء الله من أفعاله كان فكذا الثانية لأن الإرادة لا تتعلق بفعل الغير كما سيأتي (وبأن الارادة) هذا مزيد تحقيق لتعريف الآرادة، وقد تقدم طرف من ذلك (لا تتعلق بفعل الغير كسباً كان) المراد (أو غيره) من علم أو نفس المراد على الخلاف (لما قلنا في تعلق الاعتبار بفعل الغير فيما تقدم) في الرد على الكسبية (لأن الاعتبار إرادة) وقد تقدم كلام صاحب الإيثار (ولأنها) أي الإرادة (مؤثرة في جعل الفعل على وجوه واعتبارات) من حسن وقبح وشكل وبطو وسرعة) ويستحيل تخصيص إرادة الغير لفعل غيره) أي غير المريد (بوجوهه واعتباراته) وإن تعلقت بسببه من لطف أوفتنة فإن ارادة السبب لا تستلزم إرادة المسبب كما سيأتي، ولنا على المخالف أنا أجمعنا نحن وهم أن الله لا يوصف بما فيه نقص ولا بالمرجوح بل بالأرجح، وأنه يجب على كل مؤمن الرضى بقضاء الله وإرادته وتقديره فلو كان المعاصي بقضاه

(1/17)


وارادته لوجب علينا الرضا بها ومن جملة ذلك الظلم وهو قبيح عقلاً وكذا عدم رد الوديعة إلى غير ذلك من القبايح وهو يقول: {ولله الأسماء الحسنى}، ويقول: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حآد الله ورسوله} وغير ذلك من الآيات والأخبار ولسنا نمنع زيادة اللطف والهداية والإعانة من الله للمؤمن المطيع المستجب للدعاء من الله في قوله: {والله يدعو إلى دار السلام يريد الله أن يتوب عليكم}، وقوله: {يحب التوابين ويحب المتطهرين}.
قال سبحانه: {والذين اهتدوا زاداهم هدى} وغير ذلك ولا يبعد أن هذه الإرادة هي المقابلهة للمحبة.
ومع أن الصفات الذاتية لا يمكن الوقوف على حقيقتها فما بالنا لا نقتصر عن مدارك الغيوب ولو كان ذلك من غيرنا لجعلنا ذلك الفعل من أشنع العيوب بل قد خفي علينا الاجتماع والافتراق والحركة والسكون من جهتنا هل هي ذات أو صفة أو أحوال وهل حقيقية أو أضافية نسأل الله التوفيق.

(1/18)


(قالوا: يريده عقوبة على الإصرار كما صرحت به الآية، قال سبحانه: {وما يضل به إلاَّ الفاسقين} {والله أركسهم بما كسبوا}، ونحو ذلك ورد بأن ذلك) رافع محل النزاع، لأن ذلك (راجحاً) أي الفعل حينئذ (لرجحان حكمته) وهي العقوبة والسلب بعد العطاء والحرمان بعد الرضى، قال سبحانه: {فلما آسفونا انتقمنا منهم}، وقال: {فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} وإنما النزاع في إرادة المرجوح وكلامنا في الراجح ونفي إرادة المرجوح (إذ الفعل الواحد قد يكون ملزوماً للازمين ظاهر مرجوح وخفي راجح فيفعل ويراد للراجح منهما كقتل الترس) واليمين الفاجرة من منكر الحق والكي لذات الجنب، (وإن استلزم فعله للراجح وقوع المرجوح فغير مراد) لله تعالى (كإرسال الرسل للهداية) هذا الراجح (وإن ضل به من يضل) من المشركين وهو المرجوح (فالله أراد) الراجح وهو (الهداية) بل ما من فعل إلاَّ ومصلحته مقترنة بمفسده، وإنما يحسن ويقبح للراجح منهما في أفعال الله سبحانه كما تقدم، وفي بعض أفعال العقلاء (قالوا، قال صلى الله عليه وآله وسلم لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم كي يذنبوا فيغفر لهم عند مسلم وغيره من حديث أبي هريره وأبي أيوب)، وله شواهد عن جماعة من الصحابة فأراد منهم الذنب لأجل يغفر لهم (قلنا: قال تعالى: {وما خلقت الجن والأنس إلاَّ ليعبدون} فبين سبحانه إرادة الخلق) وقال تعالى: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم}، إلى آخر الآيات(1) (مع ما تقدم) والظاهر أن الأخبار المخالفه لصرايح القرآن لا تقبل ولا سيما في هذا الشأن ولو أخرجه من كان وكيف كان قالوا (القضاء والقدر والعلم لنا ) في تعريفها (القضاء والقدر: الإحاطة بالصور المعنوية فهو) وإن أحاط بالمعنويه فلا يستلزم وجودها في عالم الحس بل في عالم الأمر فلا يتوهم أنهما موجبان للجبر وذلك لأن القضاء والقدر (يتعلقان أيضا بـ) الصور
__________
(1) ـ آية: 26 ـ 27 ـ 28 من سورة النساء.

(1/19)


(المعنوية كما يتعلق بالصور الحسية وقد صرح به قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} وصح عنه (ص) أن الدعاء يرد القضاء) وغير ذلك كتاباً وسنة (على أن لا تلازم بين الوجودين) المعنوي والحسي (كلياً ) فكلما وجد أحدهما وجد الآخر (وإن كان الحسي ) أي الصور الحسية (يستلزم) وجوده (المعنوي فلا عكس) وهو أن المعنوي يستلزم الحسي فلا يوجد فيه إلاَّ ما وجد في الحسي (وذلك ظاهر بالمقايسة على أفعال القوى النفسانية فليس كلما وجد في النفس وجد في الخارج لا العكس) فكلما وجد في الخارج عمداً فقد وجد في النفس وهذا ظاهر (أوكان التعلق بالصور (مطلقاً) معنوية كانت أو حسية (فعلم) فإذن العلم أعم من القضاء والقدر وهذا تعريف ورد على أنَّه لو كان للعلم تأثير في الخارج لأوجب أثراً في أفعالنا الماضية مع العلم بها وكلما تجدد العلم تجدد الأثر مع أن تحصيل الحاصل محال.

(1/20)


(مسألة: ويدرك العقل بغير شرع حسن بعض الأفعال وقبحه) عند الله (بمعنى كونه موجب مدح فاعله أو ذمه عند الله لا استلزامه الثواب والعقاب) فلا يدركه العقل (إذ لو استلزم الحسن الجزاء لانتقض بأفعال الله) فإنها حسنه بالاتفاق ولا يدرك العقل استحقاق الله عليها ثواباً لغناه، وأما استحقاقه الشكر فهو المدح نفسه المتفق على إدراكه وليس بثواب (وبالأفعال الشرعية) فإنها حسنة بالاتفاق ولا يدرك العقل استحقاق فاعلها جزاء عليها، لأنها شكر (إذ الشاكر لا يستحق عقلاً(1) جزاء على الشكر إذ الشكر نفسه جزاء ولا جزاء للجزاء )وإلا تسلسل وما أدى إليه فهو باطل (وقيل) أصحابنا (يدركهما ) أي المدح المستلزم للثواب والذم المستلزم للعقاب وهذا صحيح، لأن الذم مقتضي الإهانة وذلك نفس العقاب والمدح مقتضي التعظيم (ولا ينتقض بما سبق في حق الله ) لأن الثواب على التكاليف الشآقه، والله غير مكلف ولا يشق عليه شيء ( وعدم إدراك الجزاء بغير المدح) المستلزم للتعظيم أعني مقتضى التعظيم (وأما الأفعال الشرعية فليست جزاء)، لأن الجزاء ما كان على الأعمال الشآقه، وليست بشكر محض أيضا، وإن كان التفصيل من جهة الشرع والعقل لا يدرك إلاَّ وجوب الشكر المطلق فكان الجزاء على امتثال المعين فظاهر، وما ورد عليه بأن امتثال العبد لأمر السيد لا يستحق عليه جزاء، لأن منافعه مستحقه لسيده وإن استحق مدحاً بالطاعة لا يرد، لأنَّه قد سلم استحقاقه المدح وهو مقتضي التعظيم وهو المطلوب ثُمَّ لا يخفى أن هذه التمحلات غير مفيدة، ولا ساترة لادراك العقول استحقاق دوام الإحسان للمحسن يعرف ذلك...(2)خالياً من التعصب، ألا ترى وصايا الملوك والعقلاء الغير المتشرعين برفع منازل المحسن ودوامها وتجددها وعلى هذا مضت القرون ولولاه لما استقامت رعية لملك ولا خدم أحد فتأمل.
__________
(1) ـ هكذا في الأم
(2) ـ لم تظهر اللفظة التي في الأم، ولعلها (من كان).

(1/21)


(مسألة: والجنة والنار جزاء على الأعمال) لتقابلهما أعني الدارين، فكما أنَّه يدخل النار العاصي بعصيانه يدخل الجنة المطيع بطاعته ولما سيأتي (وقيل: هما لازمان طبيعيان فالأولى) أي الجنه (لازم طبيعي لعمل البر، والنار)لازم طبيعي (لعمل الإثم) كما يستلزم الغذاء اللذة والسم الألم فليسا بجزاء (لأن الجزاء ما قابل نفعاً أو ضراً للجازي وهما مستحيلان) أي الضر والنفع ( في حق الله، قلنا) رداً عليهم (مخالفة أمره استخفاف به شبيه بالضر وطاعته تعظيم له شبيه بالنفع قالوا هما) أي الاستخفاف والتعظيم (مبنيان على أن أمره ونهيه طلب والطالب محتاج، قلنا: بل هما ) أي الأمر والنهي ( إرشاد للعباد فهما في المعنى خبر عما يستلزمه العمل من خير أو شر وإن كانا في صورة الطلب) ولهذا قيل في حد الأمر والنهي أنهما خبرا(1) عن الثواب وذلك (لئلا ينافي) الغنى وا(التخيير) الذي صرح به أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: إنَّما أمر تخييراً ونهى تحذيراً، وكقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} ولتنتفي المغالبة لو حملناه على الحقيقة (ولقوله تعالى: {جزاء بما كانوا يعملونْ} من الطاعات التي هي أخص معنى من مطلق الشكر كالطاعة المصحوبة بالتذلل والخضوع ولقضاء العقل أن المطيع يستحق الثواب والعاصي العقاب اللذان هما ثمرة المعرفة، والإخلال.
سواء قيل: إن التكاليف شكر أو جارية مجراه أو أنها لطف أو جارية مجرى اللطف، قال المبين (2) للأمة عليه السلام: ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله عز وجل جعل حقه على العباد أن يطيعوه وجعل جزاهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً منه وتوسعاً مما هو من المزيد أهله. انتهى
__________
(1) ـ خبرا، كذا في الأم.
(2) ـ أي علي رضي اللّه عنه.

(1/22)


وقال تعالى: {ليجزيهم أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله} فقد صرح بجزاء الأعمال وما بقي فمن مزيد فضله كما قال تعالى: {الذي أحلنا دار المقامة من فضله}، وفي أخرى: {في رحمة منه وفضل}، ولذا قال: (ولا يمنع كون العمل) أي البر (سبباً للرحمة) لا ثمناً لها. قال في النهج: حمداً يكون لحقه قضاء ولشكره أداء، وإلى ثوابه مقرباً، ولحسن مزيده موجباً. وقوله: [أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها حق الله عليكم، والموجبة على الله حقكم] وكم آية مصرحة للجزاء في الجهتين بهذا المقال تنحل إشكالات عديدة أعظمها ما ورد على كلام الهادي عليه السلام حيث صرح بوجوب الثواب على الله سبحانه مع قوله إن التكاليف شكر فمن أين أن الشاكر يستحق الجزاء على الشكر، والشكر في نفسه جزاء ولا يخفى أن الإمام الهادي يحيى بن الحسين عليه السلام وكثيراً من الآل يطلقون لفظة الوجوب على الله بمعنى تنزيه الوعد منه تعالى عن الخلف، وهو الظاهر من كلام أمير المؤمنين عليه السلام، وقد روى معاذ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، يا معاذ، هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ألاّ يعذبهم، رواه الشيخان في صحيحيهما، وقد ورد في الحديث: [أني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم حراماً] رواه مسلم في صحيحه.
قال المنصور بالله عليه السلام في الشافي ما معناه: أن معنى الإيجاب على الله، الإخبار بواجب حكمته تعالى بمعنى أن الحكمة تقتضي ذلك لا الإيجاب الذي هو الإلزام، لأنَّه متفرع على علو منزلة الموجب على الموجب عليه. انتهى

(1/23)


وقد ذكر بعض الآل أن الأولى تجنب لفظ الوجوب على الله لإيهام التكليف ومراعاة لحق الأدب في حق ملك الملوك مع الاتفاق على عدم تخلف الوعد وأن الله يحب الأرجح ويرضاه له فعلاً ولعبده ولا يحب المرجوح ولا يرضاه، وقد علم أن مقتضى الحكمة تقتضي الوجوب والذي يظهر أن كلاً من القولين حسن، لا من الجهتين إذ في الثاني: إيهام جواز الخلف في الوعد والوعيد، وأن الحكمة تقضي جوازاً بالمرجوح الممنوع إتفاقاً ولعل الهادي عليه السلام ومن وافقه قابلوا بهذا الإطلاق ما لهج به الخصوم من ألفاظ الأرجاء المذموم، والله أعلم. فأما وجوب اللطف بمعنى التمكين فهو الذي تقتضيه الحكمة وإلا لزم تكليف مالا يطاق، قال تعالى: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون}، وقال : {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}، وقال: {أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين}(1)، فلا يقال إن الاخلال بالتمكين حسن مع بقاء التكليف، وأما بمعنى العصمه والتوفيق فتفضل من الله سبحانه. قال في الجامع الكافي عن محمد بن منصور رحمه الله ولله أن يمن على من يشاء من عباده، ويتفضل عليه بتوفيقه ويهديه، قال تعالى: {يختص برحمته من يشاء}، وقال: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين}، وقوله: {ما زكى منكم من أحد أبداً} هذا وكم لبعض النظار من الأبحاث الدقيقة التي مأخذها أقرب إلى الخفاء في الحظ(2) من عبارة الهادي عليه السلام ولو أمعنوا النظر في معنى كلامه عليه السلام لأراحوا أنظارهم من الاعتراض على ذلك الإمام، ألا ترى كلامه في البالغ المدرك، قال فيه عليه السلام: فلما تصرمت أعمال المطيعين ولم يثابوا وانقطعت آجال العاصين ولم يعاقبوا وجب على قود التوحيد وأطراد الحكمة أن داراً غير هذه الدار يثاب فيها المطيعون ويعاقب فيها المسيئون. انتهى بحروفه.
__________
(1) ـ الأعراف 172.
(2) ـ لعلها اللحظ.

(1/24)


وأما التوبة فهي من الله فضل وعفو وتقتضيها حكمة الحكيم، لأرجحية العفو منه سبحانه وتعالى، قال سبحانه: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم...إلى أن قال: أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء}، وقال: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات}.
(مسألة: واختلف في الموصل إلى النار) من الذنوب (فقيل الشرك لا غير) هذا قول مقاتل ابن سليمان ومن تبعه وهو الإرجاء المذموم (وقيل) الجمهور (بل وغيره من الكباير مع الإتفاق على جواز العفو عقلاً) إلاَّ ما يحكى عن البلخي وأصحابه، فإنهم منعوا من جوازه، ورد عليهم البصرية ولكن كلامهم قوي من وجهين أحدهما: إذا أدّى العفو على الإغراء فهو قبيح وما أدّى إلى القبيح فهو قبيح، والثاني: لا بالنظر إلى المعصية بل بالنظر إلى النعم وكبرها على العبد، قال سبحانه: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}، (وقيل شرعاً) كما صرح به قول إبراهيم عليه السلام، (ومن عصاني فإنك غفور رحيم)، وقول عيسى عليه السلام: {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}، (فاختلفوا فيه سمعاً، فقيل: ثابت بشرط التوبة) وهذا قول الوعيديه من شيوخنا والمعتزله (وقيل مطلقاً للموحد بشفاعة أو توبة أو غيرهما) وهذا قول أهل السنه ومن تبعهم من الأشاعرة وغيرهم (وزاد ابن تيمية) من الحنابلة (غير الموحد بقطع دوام العذاب لا وقوعه) احتج (للأول) وهم المرجيه (بشر من قال لا إله إلاَّ الله بالجنة ورد بأنها مطلقة) أي هذه الأخبار (مقيدة بقوله فإنه من كان آخر كلامه الخبر، وفي رواية مخلصاً) والصحيح أنها غير بالغة أخبارهم بهذا المعنى حد التواتر وعندنا أنَّه لا يؤخذ في المسايل العلميه بالظن (مع الأخبار الواردة في ذم هذا الرأي) يعنى رأي المرجية وهي كثيرة شهيرة ولو لم يكن من الرد على مذهبهم إلاَّ قوله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين}، (للثاني) وهم الوعيدية

(1/25)


(عمومات الوعيد ورد أن تخصيصها بالتايب أبطل قطعية عمومها فجاز تخصيصها مطلقاً) أي سوى كان المخصص قطعياً أو ظنياً ووجهه أن إطلاق اللفظ العام بعد إخراج التايب لغير ما وضع له فصار حينئذ مجازاً ودلالة المجاز ظنية فجاز تخصيصه بالقطعي والظني إتفاقاً، (ورد أن الظاهر بقاء قطعية المخصَّص بقطعي كما كان) قبل التخصيص إذ لا وجه لصرف دلالته إلى الظن، وإنما صرف في العملي لكثرة التخصيص وفي هذا الرد ركة لا تخفى (لهم رداً) واستدلالاً عمومات الوعد (بالشفاعة والرحمة) لا سيما والرحمة سابقة للغضب كما ورد في بعض الأخبار (وأنها) أي الشفاعة والرحمة (عفو وفضل لا خلف وكذب) كتخلف الوعد (قلنا: لو كان) أي لو صح العفو عن صاحب الكبيرة بما ذكرتم (أدى إلى التساوي) بين المؤمن والعاصي (المنفي بالقرآن) قال سبحانه: ({أفمن كان مومناً كمن كان فاسقاً لا يستوون}، وقوله سبحانه: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون}، والعقل يحيل الإستواء من) قود حكمة (العدل الحكيم) قطعاً ولا يخفى أن لهم أن يقولوا لا نحكم لهم بالمساواة الكلية ولا مانع من الاتفاق في البعض ولا يسمى مساواة، ولا سيما إذا كان الإيمان مجرد التصديق فلا حجة علينا من دلالة الآيه.
قلنا: نفي دخل على فعل متضمن المصدر فيفيد العموم كالنكرة في سياق النفي والتجويز في كونه يحتمل الكل أو البعض لحسن السؤال لا يدفع الظهور وغير مسلم أن السؤال حسن لإفادة اللفظ الشمول على أن الأفعال كلها نكرات وإن لم تؤول (للثالث): وهم أهل السنه (عمومات الوعد واجيب بأنها مطلقات تحمل على المقيد بالتوبة قالوا بل من الحكم على الخاص بحكم العام ولا يخصص به العام كما علم في الأصول ولو سلم فتخصيصه بمفهوم الصفة) أي صفة التايب (وعدم العمل به في العلميات متفق عليه).

(1/26)


قلت: وهذا الاحتجاج من معرق في الجدل بصير بالإيراد والإصدار لا ينتقض إلاَّ بعدم الموافقة في العمل بمفهوم الصفة ( ولا يصح التقييد بالتوبة في إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء لإطلاق السلب) وهو لا يغفر (والإيجاب) وهو ويغفر (فإن قيدا) أي السلب والإيجاب (بها) أي بالتوبة (بطل السلب إتفاقاً) للإجماع على أن توبة المشرك توجب المغفرة له (وبطل تقييد الإيجاب بالمشية) للإجماع على تساوي التايبين (وإن قيد الإيجاب بها فقط) أي والسلب بعدمها (كان تحكماً مع فساد تقييده) أي الإيجاب (بالمشية أيضا وإن قيدا ) أي السلب والإيجاب (بعدمها) أي بعدم التوبة (كان ذلك هو المطلوب) وهو عموم العفو للموحد بشفاعة أو توبة أو تعذيبه بالنار لتطهره ثُمَّ يصير إلى الجنة أو الإستيفاء في الدنيا أو في البرزخ (وبه يصح تقييد الإيجاب بالمشيه تبقية لحكمة الخوف) فيجب حمل القرآن على ما به يصح دون ما به يفسد (ورد بعموم المغفور) والمغفرة هي الستر والحلم فيحتمل على هذا بستر أصحاب الكباير في الدنيا أعني عدم تعجيل العذاب فيها أو في الآخرة والمحتمل ظني فلا يعارض القطعي ثُمَّ إنكم قد قطعتم بالمغفرة فأين البقاء لحكمة الخوف؟ (وتخصيصه بالمشية المجمل لمن هي له) وما خص بمجمل تطرق إليه الإجمال أيضاً (والآية أيضاً تقضي بالغفران لمن يشاء تفضلاً وعفواً فمن أين أنَّه قد شاء غفران الكباير تفضلاً وهو محل النزاع وعدم تعجيل العقوبة والتوبة المنصوص عليها من العفو والتفضل وحملها) أي المشية (على المنصوص) وهو التوبة (أولى لئلا يتناقض القرآن) إذ هو كالكلمة الواحدة (والمجمل) من القرآن (يحمل على المبين ) وهي أن تجتنبوا كباير ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وتقييد المطلقات بالتوبة (والقرأن يفسر بعضه بعضاً) ومثل المجمل لا يؤخذ به في العلميات ( مع أن في استدلالهم بها نظر لا يخفى على اللبيب) وذلك ان يقال لو سلمنا دلالة الآية على غفران

(1/27)


الكباير فإن الله لو قال إن الله لا يغفر أن يشرك به ولا أكل أموال اليتامى ولا الفرار من الزحف ولا قتل المؤمن بغير حق ويغفر ما دون ذلك لكنا نقطع بعدم غفران شيء من هذه الكباير وقد توعد سبحانه على هذه الكباير في غير هذه الآية فوجب أن لا يختلف الحكم المذكور لأن القرآن كله كالكلمة الواحدة في البعد عن التناقض والاختلاف فلا تعلق لأحد من فرق المرجية بدلالة الآية أما من قال: لا وعيد على مرتكبي الكباير من الموحدين فيرد عليه أنَّه لا غفران لمن لا ذنب عليه لسقوط ذلك بشهادة التوحيد فلا معنى لهذا الغفران المسوق للتمدح به وأما من يقول يستحق مرتكب الكباير عذاباً منقطعاً فيقال له قد قطعت بالعذاب وقطعت أن الآية تقضي بالغفران فأين الغفران فإن قال بعده، قلنا: الآية مطلقة، فإن قيدت بأخبار دخول النار لتطهرهم ثُمَّ يخرجون إلى الجنة فتقييدها بالقرأن وهي قوله تعالى: {إن تجتنبوا}، والتقييدات بالتوبة أولى لما قدمنا ولتقديم القطعي على الظني، والمسألة علمية لا يؤخذ فيها بالمظنون وأما من قال بالوقف وهم جمهور المرجية فيقال لهم إن ظاهر الآية عندكم يقتضي القطع بالمغفرة لمن عدى المشرك وأنتم تتوقفون وقوله لمن يشاء لا يقتضي الوقف لأن الذي علق بالمشية هو تعيين المغفور له لا المغفور فمطلق فإذا كان ظاهر الآية لا يقتضي مالا يقول به أحد من الأمة وجب صرفها إلى الكباير والصغاير مع التوبة وأيضاً فإن الآية مجملة كما عرفت لم يبين الله فيها من يشاء له المغفرة وبيانه في قوله: {إن تجتنبوا كباير...الآية}، إلى غير ذلك مما تحتمله الآية ولَئِن سلمنا فبهذه الإحتمالات التي قد عرفناك تكون ظاهرة ولا تقاوم القاطع من آيات الوعيد وأقول إن الاية تحتمل وجهاً غير ما ذكر وقد أشرنا إليه فيما قدمنا وهو ما ذكره الإمام صارم الإسلام إبراهيم بن محمد المؤيدي اليحيوي قدس الله روحه في الجنة ما لفظه: وهو أنَّه تعالى توعد أهل الكتاب في الآية التي

(1/28)


قبلها بتعجيل العقوبة أيضاً إن لم يؤمنوا، فقال سبحانه: {يا آيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت} أي يمسخهم قردة وخنازير وكان أمر الله مفعولا ثُمَّ حذرهم بأنه سبحانه وتعالى لا يقع منه غفران للمشرك في حالة من الحالات بل يستحق من أشرك تعجيل العقوبة أيضاً كما استحقها من تقدم ذكره فأتى بالنفي الداخل على المضارع الذي هو في معنى النكرة فلم يعجل عقوبة الشرك لكان(1) تأخيرها غفراناً كما قال تعالى حاكياً: {ويا قوم استغفروا ربكم ثُمَّ توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى} فجعل المتاع الحسن إلى الموت من موجبات المغفرة، ثُمَّ قال سبحانه: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فلا يعاجل بعض المشركين للكباير بالعقوبة بل يغفرها بتأخير العقوبة في الدنيا كما قال تعالى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم}، وبهذا يندفع الإشكال ولله الحمد. انتهى بحروفه.
(و) احتج (للرابع) وهو ابن تيمية (بأن النار تفنى لأنها من عالم الفساد) وهو ما لا صلاح فيه (ورد أنَّه إن كان خلقها راجحاً) على مقتضى حكمة الله (فلا) فساد بها كيف وهي محل نقمة الله من العاصي ومحل غضب الحكيم وعقابه كما أن الجنة محل رحمته (والله يتعالى عن خلق ما لاحكمة فيه) فثبت أنها مصلحة، وقد تقدم أن العبرة برجحان الفعل على تركه (ومنكر الحكمة منكر ما ثبت بالضرورة) الدينيه، لأن قولهم إنها من عالم الفساد يؤدي بأن في أفعال الله ما ليس بمحكم وقد ذكر في الإيثار أن منكر الحكمة في أفعال الله منكر لضرورة من الدين (قالوا) أي ابن تيميه وأصحابه: (دوام العذاب ينافي التمدح بأسمي الرحمن الرحيم ونحوهما) العفو والغفور من صيغ المبالغة المقتضية للنهاية في الرحمة.
__________
(1) ـ لعلها فكان

(1/29)


(قلنا: اجتهاد في مقابلة النصوص) وهي آيات الخلود والتأبيد ورد بأنهما اللبث الطويل ورد أن معناها الدوام بالإستقراء.
ولنا: قوله سبحانه وتعالى: {وما هم بخارجين من النار} وعدم الخروج يقضي ببقاء المحل وقوله تعالى: {أأنت تنقذ من في النار} بمعنى الإنكار، وقوله تعالى: {لا يقضى عليهم فيموتوا} {وماهم منها بمخرجين}، وغير ذلك، (وجهل للنعم) في الدنيا والآخرة التي هي من الرحمة والعفو والمغفرة فهو سبحانه لم يزل رحيماً في الدنيا رحيماً في الآخرة لأهل رحمته، وقوله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون}، (قال سبحانه: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}) فإن قبول التوبة إلى الممات من جميع الذنوب والستر في الدنيا لعدم المؤاخذة فيها والأرزاق والأمراض وخلق الإنسان في أحسن تقويم وزينته بالعقل الذي يميز به بين المضار والمنافع وغير ذلك من النعم التي لا تحصى (وما ورد عن بعض الآل) روى عن أمير المؤمنين عليه السلام (من نحو اللهم احملني على عفوك ولا تحملني على عدلك وما شابه ذلك) من الأدعيات المأثورة والمحامد المصدورة (فبالنظر إلى قدر النعم وكون منتهى الأعمال لا توازي البعض من نعم ذي الجلال) كما قدمنا فإن الجنة لا تكون ثمناً لعمل العاملين ومن التجاوز تفضل الله بكتب الحسنة عشراً وغير ذلك (وطلب الضروري من هذه العمومات) أي عمومات الوعد والوعيد (مفقود) أي غير حاصل وذلك ان آيات الوعيد مخصوصة باستثناء التايب والصغاير وقد ذهب بعض الأصوليين إلى أنَّه يصير العام بعد ذلك مجملاً ونص في المعيار والمنهاج على كونه مجازاً بعد التخصيص والمجاز دلالته ظنية، وقال الإمام المهدي في شرح المقدمة الكلامية وكل لفظ دل على الحكم بمجازه لا بحقيقته فهو ظني إذ لا يوجب القطع وقيل لا نسلم أن دلالة المجاز ظنية على الإطلاق بل إذا كانت قرينته ضرورية أو جلية كانت دلالته قطعية فليتأمل وقد صرح به

(1/30)


غير واحد من المحققين اللهم إلاَّ أن يكون الوعيد غير دال على العموم كقتل المؤمن بغير حق فإنه لا سبيل إلى تظنينيته ببقاء دلالته الحقيقية وكذا ما كان فيه حق لآدمي فليس بمتروك ولذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: الظلم ثلاثة ظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، قال سبحانه وتعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات، وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضاً القصاص هناك شديد ليس هو جرح بالمدى ولا ضرباً بالسياط ولكنه ما استصغر ذلك معه.

(1/31)


ولا يقال هذا الكلام أحادي فإن الآيات القرآنيه دالة على معناه، قال تعالى: {يا آيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}، إلى قوله: {ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً}، وقوله في آخر آية المواريث {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده} أي فيما فرض ندخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين، ثُمَّ إنهم ذكروا أن نهج البلاغة متلقى عند الآل بالقبول ولا يخفى أن الأخبار في الوعد والوعيد بلغت حد التواتر المعنوي في جميع دواوين الإسلام ولا يشترط العدالة في رجال المتواتر وقوله في الأصل: وطلب الضروري من هذه العمومات مفقود يعني فأما القطعي الغير الضروري فحاصل في بعض آيات الوعيد إذ عمومها أقل من عموم آيات الوعد والأقل عموماً مقدم على الأكثر أما بمعنى الترجيح أو التخصيص لا يجهل ذلك إلاَّ جهول فأما مفاهيم عموم الوعيد وما الحق بها من جهة القياس فالظاهر أن ذلك لا يعارض المنطوق من عموم الوعد وللناظر نظره وأما أنَّه يلزم التعارض بين القطعيات في هذه المسألة فغير مسلم لأن آيات الوعد والوعيد لم تناول شيئاً واحداً، بمعنى الخصوص فأما بمعنى العموم والمفاهيم فلأضعف منتف مع وجود الأقوى فلا تعارض، وأما العفو من الله فحسن عقلاً وسمعاً ما لم يؤد إلى الأغراء، لأنَّه قبيح والله يتعالى عن الرضى بالقبيح أو الأمر به والتأويل مفتوح في كل الأدلة على أن الأولى هو الوقف فيما لم يرد فيه دليل خاص لا سيما والأخبار في معنى الترغيب والترهيب لا تخلو من المطاعن النافذة والسهام القاسطة والكيس من عمل لنفسه ولم يتكل على ترغيب الحشوية والمرجية وعند الصباح يحمد القوم السرى، وأما مجرد الرجاء من غير عمل فمن بضايع النوكا، قال سبحانه وتعالى: {يا آيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون}، وقال سبحانه: {وادعوه خوفاً

(1/32)


وطمعاً إن رحمة الله قريب من المحسنين}، وقال: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بأياتنا يؤمنون}.
(باب الإيمان والإسلام والكفر
مسألة: الإيمان تصديق قلبي) وهو الذي (يستلزم عمل المصدق بما علم مجيء الشرع به) لأن ما لا يستلزم العمل ليس بتصديق لأنَّه عبارة عن اليقين العلمي، ولهذا اتحد مأخذ إشتقاقي العلم والعمل فهما من الاشتقاق الكبير ضرورة كون العاقل لا يعمل على غير ما يعلم، وإنما يعمل على ذلك الجاهل فقوله: يستلزم إلى آخره وصف كاشف لا مخصص وبذلك يبطل ما يقال إن الفاسق مصدق (وقيل) في حقيقة الإيمان (هو تأمين النفس من عذاب الله) بالأعمال الصالحات وترك المنهيات وهو قول من يثبت الحقايق الدينية(والمعنى واحد) أي معنى القولين لاستلزام العمل لا من جهة الاشتقاق وهل يدخل من استوت حسناته وسيآته في الحد الظاهر دخوله على القول الأول لحصول العمل قطعاً، وعلى الثاني لأمانه من العذاب بعدم الذنب.

(1/33)


(و الكفر: نقيضه) (1) أي نقيض الإيمان المستلزم للعمل بأن لا يكون هناك تصديق ولا عمل مجزي أو لا يكون تصديق بل مجرد العمل فمنافق (فبين الإيمان نفسه) أي عينه (والكفر تباين كلي) كلما ارتفع أحدهما وجد الآخر فهما نقيضان (والمسلم أعم مطلقاً من المؤمن لعدم وجوب التصديق) القلبي (في المسلم) الذي هو بمعنى الإنقياد فكل مؤمن مسلم ولا ينعكس كليه فيكون كل مسلم مؤمن لقوله تعالى: ({قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} ثُمَّ قال: {الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله}) فعلل ذلك بعدم العلم اليقيني (وهو المطلوب) من نفي تلازم الإيمان والإسلام بمعنى الكل (وأعم) أي الإسلام (من وجه من الكافر لصحة دخول المؤمن تحته أي تحت الإسلام إذا وجد التصديق (ودخول المنكر) قلبياً (في الكفر واجتماعهما) أي الكفر والإسلام (في المنافق) المنقاد ظاهراً المنكر باطناً لحديث لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ونحوه، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، إلا إن الكفر في مادة الاجتماع بالانقياد من وجه الإنكار للتصديق دون وجه الانقياد لا كالكفر في في مادة الافتراق أعني المباين فهو من كل الوجوه التصديق والانقياد لكن لم تجر أحكام المباين على مادة الاجتماع تغليباً لما يصحبه من لوازم الإيمان في المنافق وهذه علة لعدم جري أحكام الكفر في مادة اجتماعه مع الإسلام وحاصله أنَّه قد اجتمع في المنافق جهة كفر وهي عدم إعتقاد الإيمان وجهة إسلام وهي العمل بالشرعيات الذي هو من لوازم الإيمان فغلب جانب الإسلام على جانب
__________
(1) ـ فائدة الفرق بين الضدين والنقيضين أن الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، مثال الضدين كالأسود والأبيض والعكس، ومثال النقيضين الذين لا يجتمعان ولا يرتفعان: الموت والحياة، فلا يمكن أن يقال: هذا الشيء حي وميت، ولا لا حي ولا ميت. تمت

(1/34)


الكفر للحديث وهو قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم الإسلام يعلو ولا يعلى عليه (والفاسق أخص مطلقاً من الكافر فكل فاسق كافر) لإجتماعه معه في بعض الخصال الكفريه (لا العكس) كلياً وذلك لأن الفسق موضوع لغوي للفعل الخسيس فقط كالكذب والغدر والخيانة والزنى بحليلة الجار ونحو ذلك، لا مثل القتل والنهب والشرب ونحو ذلك، فإنهم كانوا لا يسمونه فسقاً في اللغة، نعم المسلم الذي يفعل الكبيرة ناكث عهد ونكث العهد فسق في اللغة كالخيانة كلاهما من الأفعال الخسيسة فالفسق اللغوي والشرعي يجتمعان في الغدر والخيانة ونحوهما، ويوجد الشرعي بدون اللغوي في النهب والقتل بغياً، واللغوي بدون الشرعي لا يوجد، فبينهما عموم مطلق من جانب الشرعي (وقيل إطلاق الكفر على الفاسق مجاز ورد أن ذلك) ينبنى (إن كان الإيمان قول بلى عمل) وقد مر بطلانه عند حقيقة الإيمان يزيده وضوحاً قول أمير المؤمنين عليه السلام وقد رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الإيمان قول مقول وعمل معمول، واعتقاد بالعقول. ومن حديثه عليه السلام مرفوعاً: الإيمان إعتقاد بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالأركان. رواه المرتضى عليه السلام، عند قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا} ومما يدل على أن الأعمال من الإيمان، قوله تعالى في شأن صلاتهم إلى بيت المقدس: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} على أنَّه لو كان الإيمان مجرد التصديق القلبي لأنعكس دلالة الآيه، وهي قوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه}، والإيمان مقبول قطعاً فيكون الإسلام وهو الانقياد والإيمان هو الدين المقبول لا التصديق القلبي بغير عمل فلك أن تقول إن الإيمان دين مقبول إجماعاً فلو كان غير الإسلام الذي هو عمل لم يكن مقبولاً ديناً للآية والمعلوم خلافه فثبت المطلوب بأن العمل من الإيمان (وإلا فانتفى جزء) أي من أجزاء (الإيمان موجب لانتفايه) من أصله (ووجوب نقيضه) ونقيض الإيمان هو (الكفر) فقط لما عرفت من

(1/35)


أن بين عينيهما وبين نقيضهما تبايناً كلياً فهما نقيضان لا ضدان (وما ورد من النهي عن تكفير المتشهد) فهو (مخصص) بأحاديث تكفير الخوارج والروافض وتكفير المكفر مع كونهم قائلين لا إله إلاَّ الله (ومتأول) بأن النهي متوجه إلى إجراء أحكام الكفر عليه تغليباً للإسلام جمعاً بين الأدلة (أو) يبني على (أن الكفر ليس كالإيمان يدخله الزيادة والنقصان وذلك باطل) لأنهما ونقيضيهما في طرفي نقيض فزيادة أحدهما نقص من الآخر والعكس (فإن ترك التصديق) المستلزم للعمل (لا عمداً) بل جهلاً أو لشبهه (أثم التارك إن قصر في تحصيل المقتضى) لوجوب المتروك أو نفيه (ونفي العذر) من قصور أو عدم إمكان العمل (وتحصيلهما) أي المقتضي ونفي العذر (إنما يكون بالنظر الصحيح) العاري عن القصور في تحصيل المقتضي وإطراح العصبية بالإنصاف واتباع مقتضى الأدلة و إن جانب الأسلاف (مع إمكانهما أي إمكان المقتضي ونفي العذر وإلا أدى إلى تكليف غير المعلوم، وقد قال تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وغير ذلك (ولا يطلق التكفير والتفسيق على غير المتعمد لما يوجبهما من دون تقصير) كالأشاعرة ومن يلزمه من اجتهاده الكفر لأن قوله بالملزوم جاهلاً للزوم اللازم بل منكراً له متبرى منه كتبري الأشاعرة من الجبر وهو لازم من قولهم بنفي القدرة المؤثره للعبد فغايتهم الخطأ وقد علم افتراق أحكام العمد والخطأ بضرورة الشرع فلا يقاس أحدهما على الآخر (ولتعريف أمير المؤمنين عليه السلام المقسم بالذي احتجب بسبع سموات) لا غير يعني فإنه لم يكفره بل أقامه على طريقة الحق وهو المبين للأمة بعد نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم (ولأداه) أي التكفير من قياس اللازوم على الملزوم والخطأ على العمد( إلى تكليف ما لا يطاق) وهو الإحتراز عن غير المعلوم لعدم جري اللازم على عقلك بعد الطلب، قال سبحانه: {لا يكلف الله نفساً إلاَّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}، وما ورد في تكفير

(1/36)


الخوارج والروافض فلمخالفتهم الأدلة عمداً اتباعاً للهوى وهذا رأي المؤيد بالله عليه السلام وغيره (1) من علمائنا رحمهم الله.
__________
(1) ـ أقول: قال العلامة يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد رحمهم اللّه في مبحث التكفير والتفسيق باللازم في كتابه الطبقات بناء على رأي من لم يكفر باللازم والتأويل من أهل البيت كالمؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني ورواه عن كافة أهل البيت، وقال في الزيادات: لا أرى أحداً يكفر باللازم. وقال مثل ذلك القاضي عبد اللّه الدواري في شرح الزيادات، وقال: وهذا هو الذي صححه أصحابنا وهو المعول عليه ثم ساق الكلام في المبحث حتى قال: وقال الإمام يحيى بن حمزة وهو ظني لا يكفر به، وقال: وَنَقْلُ أصحابنا عن الهادي والقاسم القول بكفر المتأول فلم أجده لهما نصاً ولا وجدت ما يخرج عليه ذلك من مذهبهما، ثم قال: قال في الفضائل والإلزام: هو أن يلزم الغير على ما يقول به ما لا يقول به واعلم أن التكفير باللازم الجمهور على أنه لا يكفر به ولا يفسق إلا أن يلتزمه وقد قال بعدم التكفير من المتأخرين الإمام شرف الدين وفقهاؤه، والإمام عز الدين بن الحسن، وولده الإمام الحسن، والسيد محمد بن إبرهيم الوزير، وصنوه الهادي، وهو قول السيد إبراهيم بن محمد صاحب الفصول، وصرح السيد إبراهيم بن محمد المذكور بعدم كفر المطرفية، وهو قول السيد الهادي بن يحيى صنو المهدي والسيد محمد بن عز الدين المفتي، ووالدنا العلامة الحسين بن أمير المؤمنين وخلائق آخرون. انتهى باختصار وإلا فالمبحث كبير ومفيد وتطرق إلى تكفير المطرفية وغيرها والقائل بذلك والمانع فتأمل في الطبقات المذكورة ترشد. كتبه محمد بن أحمد الهادي

(1/37)


(مسألة: والموالاة إتصال) بالغير (قلبي وإن تفارقت الأجسام لمشاركته في دينه والمعاداة نقيضها) أي نقيض الموالاة (فيتنافيان) أي الموالاة والمعاداة (في الفعل الواحد لا في الفاعل) من حيث الفعل (لقوله تعالى: {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون}) فأمر بالتبري من العمل لا من العامل مفهوماً ويعضده نهي أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه من التبري من أهل الشام ذكره في النهج (وبراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عمل خالد لا منه) والقصة مشهوره يعني لم يزد على البراءة وإنقاذ علي عليه السلام ليدي المقتولين ويستحلهم (وقيل) بل (يتنافيان فيهما) في الفعل والفاعل فالولي لايصح أن يكون عدواً قط والعكس (لنا: أنَّه يصح اجتماع خصال الخير والشر في رجل فيكون ولياً من جهة ) الأعمال (الخيرية) (عدواً من جهة) الأعمال (الشرية كالمنافق) حيث صح توليه من جهة إظهار الإسلام ومعاداته من جهة خبث اعتقاده وهذا الأمر ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وبهذا يسقط التكلف لوجه مواصلة بعض المتقين للظالم والكافر، وأما قوله تعالى: {إنا برآء منكم}، فالمراد من فعلكم إذ لا يصح التبري إلاَّ من الفعل وعليه يحمل كل ما شابهه، وأما وجوب الهجرة قبل الفتح فليمتاز حزب المؤمنين عن حزب الكافرين وعلى ذلك ورد حديث: من كثر سواد قوم فهو منهم. أي في الظاهر كما قال تعالى: {فإن كان من قوم عدوٍّ لكم وهو مؤمن...الآية} وإلا لما وجبت الكفارة على قاتله ولا سمي مؤمناً، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم لمن سب المحدود في الخمر: لا تعينوا الشيطان على أخيكم. فأبقى له اسم الأخوة في الدين لبقاء بعض خصال الدين فيه، وقول أمير المؤمنين عليه السلام إخواننا بغوا علينا كما قلنا في صحة اجتماع اسم المسلم والكافر في الفاسق تقدم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن علي عليه السلام الدعاء لأصحابهما والانتقام لهما والتولي، وفيهما من قد ظهر نفاقه

(1/38)


كابن أُبَيّ رأس النفاق والأشعث بن قيس وغيرهما من المنافقين والخوارج والناكثين.
(باب الإمامة
مسألة: والإمامة عقلية) عند أبي الحسين وغيره وذلك (لحفظ الإسلام وسد الثغور وفيه نظر إذ حفظ الإسلام ممكن بحفظ علم الحلال والحرام والجهاد لا يبطله عدم الإمام كما لا يبطله جور الإمام) وقد صرح بذلك أمير المؤمنين عليه السلام وعليه جرى السلف في غزو الكفار في دولة الجورة( وقيل) هي (شرعية) وذلك (للأوامر بطاعته) من كتاب وسنه (ورد) على أهل هذا القول( أن الأمر بالكيفية) وهي الطاعة (ليس أمر بالمكيف) وهي الإمامة كما ثبت في موضعه وإلا أدَّى إلى تكليف ما لا يطاق وذلك أن طلب الممتنع لعينه ممتنع وما كان كذلك لا يتوجه الأمر بطلبه (ولعل الصواب أن العقل يوجب قيام إمام مع عدم انتظام أمر الإسلام إلاَّ بقيامه لوجوب دفع الضرر) عقلاً (والشرع كذلك) موجب لما عند العقل ومقرر له ولا ينهظ بدونه وذلك (لأن مالا يتم الواجب) وهو حفظ الإسلام (إلا به) وهو الإمام (يجب) أي الإمامة (كوجوبه) أي حفظ الإسلام وعليه ما تقدم (ولكن هذا الدليل نظري) أي غير ضروري لأنهم قسموا النظري إلى قطعي وظني فكانت العلوم ثلاثة علم ضروري بديهي، وعلم غير بديهي ضروري وهو المعبر عنه بالقطعي إصطلاحاً وظني (وفي كونه) أي هذا الدليل (قطعياً أو ظنياً تردد) وذلك أن من ذهب إلى قطعيته استدل بفزع الصحابة إلى نصب إمام، ولكن ذلك فعل لا ظاهر له فضلاً عن دلالته على الوجوب مع تخلف بني هاشم عن السقيفة وغيرهم، واحتجوا ثانياً: بأن حفظ الشريعة واجب كما تقدم، وقد سبق ما عليه من المؤاخذة لكن الظاهر عدم حفظ الشريعة بدون إمام يجمع الفيء ويغزو العدو وينصف المظلوم من جهة العادة على أن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قطعي والعادة تقضي بعدم انتظام ذلك الواجب بغير إمام لإلف الناس الخلاف سابقاً ولاحقاً من جهة اختلاف الأهواء وثقل الحق على الطباع البشرية فهي قطعية.

(1/39)


(مسألة: ولها) أي الإمامة (منصب من الناس مخصوص وهم علي عليه السلام وأولاده من فاطمة) رضي الله عنها (لخبري استخلاف الثقلين) بلفظ (إني تارك فيكم ومخلف فيكم) وفي لفظ: خليفتين، من حديث زيد بن ثابت، وفي لفظ: فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا. من حديث زيد بن أرقم وله ألفاظ متقاربة من حديث علي عليه السلام وابن عباس وأبي ذر وسلمة بن الأكوع وابن الزبير وأبي سعيد وأبي رافع وأم هانيء وأم سلمة وجابر وحذيفة والزيدين وضمرة الأسلمي وخزيمة بن ثابت وسهل بن سعد وعدي بن حاتم وعقبة بن عامر وأبي أيوب وأبي شريح الخزاعي وأبي قدامة الأنصاري وأبي ليلى وأبي الهيثم بن التيهان كل ذلك مفرقاً عند أئمة الحديث في دواوينهم وبعضها في صحيح مسلم ولا ينافيه ورود الحديث في بعض الروايات بلفظ كتاب الله وسنتي لوجهين أحدهما أن صاحب ذخاير العقبى ذكر أنَّه تكرر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مواقف متعددة بعضها وقع بلفظ العترة وبعضها بلفظ السنة وثانيهما أنَّه قد صح وقوعه بلفظ العترة فهو سنة فيشمله لفظ وسنتي فيكون التمسك بالعترة ثابتاً بالخصوص وبالعموم لتواتر ذلك عند الموالف والمخالف (والسفينة) بلفظ (أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك، وفي رواية زخ في النار) في جمهور دواوين كتب الحديث من حديث علي عليه السلام وابن عباس وأبي ذر وسلمة بن الأكوع وابن الزبير وأبي سعيد وغيرهم: وفي المستدرك للحاكم، وقال صحيح الإسناد بلفظ: (فإذا خالفتهم قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب الشيطان) (وغيرهما) من الأخبار الواردة في فضايلهم ووجوب محبتهم وموالاتهم مما لا يحصى عند جميع الأمة وما قيل أن رواتها من الشيعة فالجواب من وجهين أنَّه ليس كل من تشيع مجروح العدالة غير مقبول الرواية. والثانية: أن الأخبار بلغت حد التواتر المعنوي في غير كتب الشيعة وما بلغ حد التواتر لا يجب تعديل رواته بل لو كانوا كفاراً ذكر ذلك

(1/40)


السيد محمد بن إبراهيم الوزير، والسيد محمد بن عز الدين المفتي وهو الصَّحيح (وإجماعهم) على حصر الإمامة فيهم وإجماعهم حجة لهذه الأخبار وغيرها كما هو مبسوط في مواضعه فثبوتها فيهم قطعي لاقترانهم بالكتاب وقد ثبت أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم هم أهل خبر الكساء المتواتر نقله إلاَّ أن المرأة خرجت عن الخلافة بالحديث الصَّحيح لن يفلح قوم وليت أمرهم امرأة. واعلم أن الكل من الأحاديث المساقة وغيرها مما يفيد معناها ظاهر في إيجاب اتباعهما الذي هو معنى الإئتمام بهما، لأن فيها النهي عن تقدمهما والأخبار بهلاك المتخلف عنهما وكفى بذلك دليلاً على حصرها في أهل البيت أن روعي ثمرة تلك الأخبار وتلقيت بقلوب ديدنها الإنصاف ومراقبة الحي القيوم عند تلاطم أمواج الاختلاف وكم آيات قرآنية وأخبار نبوية وقياسات عقلية دالة على وجوب الإئتمام بالعترة الزكية لا ينكر ذلك إلاَّ مكابر مال عن الطريق المرضية أقعدته أسقام النفاق ولهج قلبه بنتيجة الشقاق حتى تردى في بحار الهلكات ومطل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أجره عن تبليغه الآيات البينات ولا غرو، فإنهم أهل بيت محسودون، أما سمعت ما حكى الله عن غلف القلوب بقوله: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم. فلما قهرهم الإسلام أظهروا الإستسلام حتى رفعت لهم الرايات بصفين والجمل أبدوا هنالك ما دفنه الفتح من التفصيل والجمل وعدلوا عن معاني الآيات القرآنية واختلقوا أخباراً على لسان سيد البرية ليغتر بها سفهاء الأحلام وضعفاء الإسلام من أهل البصرة وأعوام الشام حتى شاب في فتنتهم الصغير، وهرم فيها الكبير، وذل الصعب وعظم الخطب، والناس مع الدنيا إلاَّ من عصم الله، وقليل ما هم وما قيل بجوازها في ساير بطون قريش لأحاديث الأئمة من قريش.

(1/41)


فالجواب من وجهين: الأول بأنها إخبار بما يكون لا بما يجب ثُمَّ قريش مطلق يحمل على المقيد بأهل البيت لما تقرر في الأصول من حمل المطلق على المقيد إذا كان في حكم واحد كما في مقامنا. فإن قيل: إنَّه من الحكم على الخاص بحكم العام فلا يخصص.
قلنا: لفظ قريش مطلق لا عموم وإلا لزم قيام كل فرد منهم.
والثاني: إن الوعيد في خبري الاستخلاف والسفينة مع النهي عن تقدمهم يفيد تخصيهم بذلك المقام يزيده وضوحاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يؤمر عليهم أحداً في حياته بل أمرهم على منازعهم وكذا قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، فإن فسر بمن تأمر عليهم فقد أمر أهل البيت عليهم السلام في غير موطن كما قدمنا وأن فسر بالعلماء، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه وهو أقعد بتأويل القرآن بالنص النبوي فهم أحق بذلك لكونهم قرناء الكتاب والمطهرون من الأرجاس والمفطومين من النار.
فإن قيل: ما حكم المتقدم لهم من الصحابة؟

(1/42)


قلنا: لا يخلو إما أن يكونوا عقلوا أدلة الاستخلاف أم لا. إن كان الأول فقد صرح بحكمهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله فلا تقدموهما فتهلكوا وإن كان الثاني فخطأٌ معفو عنه، لقوله تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} ولم يفصل بين خطأ وخطأ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان. ومن طالع الأخبار مع صفاء قلبه من مكدرات الهوى واللجاج علم أنهم لم يجهلوا ذلك أصلاً، وقد صرح عمر بأن بيعة أبي بكر كانت فلته، وقد روي عن عمر الإعتراف بالنص في علي عليه السلام ولكن من طريق الآحاد والمتأمل يظهر له أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر علياً عليه السلام بقتال غير الناكثين والقاسطين والمارقين حيث أمسك يده عن قتالهم مع تمكنه من حربهم لما دعاه أبو سفيان والعباس وميل الأنصار إليه (ولما تداعت العرب على عثمان ومن تطلب الأعذار وجد في غير حق ابن آكلت الأكباد مع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)(1). وغير ذلك بل ذكر في التحفه العنبريه لأبي علامة رضوان الله عليه ما لفظه، قال القاضي أبو محمد يحيى بن يوسف الحجوري في كتابه المذكور أولاً وبالإسناد عن عيسى بن قرة، قال أتى رجل زيد بن علي عليه السلام فقال: يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إن تكن الرجل الذي ينتظرك الشيعة خرجت معك فجاهدت بنفسي ومالي وإن لم تكن هو لم أتعجل بالبلى، فإنه لا طاقة لي بالبلى، فقال له زيد: لقد سألتني عن أمر ما سألني عنه أحد قبلك قط أعده عليّ، فأعاده عليه ثلاثاً، ثُمَّ نكس زيد رأسه فنكت في الأرض ثُمَّ رفع رأسه. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أن يلزم بكلكل الأرض حتى يقتل عثمان، فلما قتل عثمان دعا إلى كتاب الله وطلب حقه وأظهر حجته فقتل، ثُمَّ قام الحسن عليه السلام فدعا إلى
__________
(1) ـ لعل فيما بين المحقوفتين نقص.

(1/43)


كتاب الله وطلب حقه وأظهر حجته فسم، ثُمَّ قام الحسين عليه السلام فدعا إلى كتاب الله وطلب حقه وأظهر حجته فقتل، وأخرج غداً فادعو إلى كتاب ربي وأطلب حقي وأظهر حجتي، فأقتل وأنا حجة قائمة لآل محمد عليهم السلام على بني أمية لئلا يقولوا لم يجيء لهذا الأمر منكم أحد يطلبه.
فإن قيل: فحكم أبي بكر في فدك صحيح حيث حكم باجتهاده.
قلنا: إذا ثبت عصمة فاطمة رضي الله عنها لا سيما مع شهادة علي عليه السلام وأم أيمن، فلا وذلك لعدم المنازع فلا حكم سلمنا فمع صحة إمامته فيكون هو المنازع ليس الحكم إليه، وأما خبره المحتج به أنا معاشر الأنبياء لا نورث ففي النفس من صحته شيء على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: أقضاكم علي، وعلي عليه السلام ينكر على أبي بكر هذا القضاء وهذا الخبر، وخبر الأئمة من قريش وخبر إمامة أبي بكر في مرضه صلى الله عليه وآله وسلم مما انفرد بها أهل ذاك البيت، وأنكر الأئمة من قريش الأنصار ومجموع الثلاثة بنو هاشم والله أعلم.

(1/44)


(مسألة: وطريقها العقد) وهو تخصيص جماعة من أمكن حضوره قطرها من أهلها أهلية كلية، أو شخصية إذ لا يصح أن يتصرف في الحق غير أهله فلا يكونوا من غير أهل البيت عليهم السلام ولا من لم يجمع شروطها منهم أيضاً إذ لا يعرف الحق غير أهله وذلك لفعل العلماء من أهل البيت حيث عقدوا للقاسم بن إبراهيم عليه السلام واحتجاج علي عليه السلام على أهل الشام بالعقد له ممن عقد لأبي بكر وعمر وامتناعه من البيعة إلاَّ في المسجد (أو الدعوة من كامل) غير مسبوق لقوله تعالى: {أجيبوا داعي الله} ولكونها خلف النبؤة والنبؤة لا تحتاج إلى عقد ولو اعتبر أدى إلى الدور حيث قيدنا وجوب الطاعة بتقدم العقد وإذا امتنع العقد امتنعت الإمامة وبطل فايدة الآية وغير ذلك كثير وهو الظاهر (وخبر من سمع واعيتنا) أهل البيت الخبر المشهور عند العترة وشيعتهم وبالجمله، فالأدلة لا تساعد على مراقبة العقد ولو اعتبر لما تم عقد صحيح يقطع اللجاج وأدَّى إلى ترك أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك ظاهر البطلان.

(1/45)


(مسألة: ويجوز التعدد مع تفاصل الأقطار) كما كان بين الهادي والناصر عليهم السلام (وعدم قيام الواحد بمصالحها) أي ثمرتها إما لعجز أو لحائل بينه وبين القطر الآخر بحيث يمنع نفوذ أوامره الشرعية (وقيل: لا) يصح لقول عمر سيفان في غمد لا يصلحان (لنا: أنها فرض متعلق بكل صالح لها فلا يمنع منه إلاَّ المانع وليس إلاَّ خوف مفسدة التعدد و لا مفسدة مع التفاصل) بحيث يعجز المنصوب عن تولي مافي المنفصل بنفسه وربما يقال نصبه لوال في المنفصل ينوب منا به وهو مردود بأن استحقاقه التولية فرع استحقاقه التولي بنفسه فإذا عجز عن التولي بنفسه كانت التولية حقاً لأهلها إذ لم يقطع حقهم في ذلك القدر المنفصل لا له لا سيما وقد علم بالاستقراء التام تولية الأئمة للفساق الذين ليسوا بأهل للقيام بثمرة الإمامة، وما يقال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولى العمال فليس لعجز عن النظر لما ولاهم عليه وتنفيذ الأوامر الشرعية وهل تبطل ولاية الإمام باستعمال الفسقه الصَّحيح تبطل لقوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين}، وقوله تعالى: {وما كنت متخذ المضلين عضدا}، ولكراهة أمير المؤمنين وجميع الصحابة استعمالهم وإنكارهم على عثمان لا يخفى وما قيل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولى الوليد بن عقبة فمردود بأنه ولاه قبل ظهور فسقه لا بعده وللخبر المشهور: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وخبر من استعمل عاملاً وهو يرى غيره خيراً منه فقد خان الله ورسوله والمسلمين الخبر أو معناه (فإن بغى) أحدهما على الآخر) أي تعاطى قطر صاحبه الناهض بما فيه (فسق) لما صح أن الباغي فاسق (إلا مع طلب التحكيم والإنصاف فالمانع منهما باغ) يعني أنَّه مع زوال العلة المبيحة للتعدد وبذله لتحكيم العلماء مع الإنصاف منهم ومنه فالمانع من ذلك باغ لوجوب الرد إلى حكم الكتاب الكريم والسنة النبوية كفعل أمير المؤمنين عليه السلام بصفين ومع التحكيم فالفاضل أحق من المفضول ولو كان أنهض

(1/46)


من الفاضل مع كون الفاضل ناهضاً بثمرة الإمامة.
(مسألة: وينقطع حق الصَّالح لها بتقدم صالح عليه ما نهض) أي المتقدم (والناصر شرط في الوجوب لقول عليه عليه السلام أما والله لولا وجود الخبر) فإذا لم يجد السابق انصاراً فليس للاحق معارضته إذ الأول غير قاعد فالحق بيده، وإنما منع النهوض عدم الأنصار وعلى هذا جرى أئمة أهل البيت عليه السلام وكذلك الناصر شرط في الوجوب وإن لم يكن ثم سابق لا في الصحة لما تقدم أن طريقها الدعوة.
(باب الشفاعة
وهي كاينة) أي ثابتة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (على وجوه، الأولى: لأهل المحشر في تعجيل الحساب، وهو المقام المحمود وللمؤمن قطعاً في زيادة الثواب ورفع الدرجات) وردت بذلك النصوص (ولمن استوت حسناته وسيئاته من أمته) وهذا المسألة خلافية أيضاً بين مثبتي الموازنة والإحباط فَرَوى الإمام المهدي عن زين العابدين والقاسم جواز الإستواء ثُمَّ يدخل الله ذلك المكلف الجنة تفضلاً بشفاعة أو غيرها، وذهب جمهور أئمتنا عليهم السلام إلى أن أجزاء الثواب والعقاب لا يجتمعان لتضادهما، ولأنه إنَّما يتقبل الله من المتقين فالكبيرة محبطة للإيمان ومبطلة للثواب لا بالموازنة، وقال الإمام المهدي والبهشمية وادعى القاضي جعفر بن أحمد بن عبدالسلام الإجماع بل فعل الطاعة من المكلف مسقطة بقدرها أي بقدر ثوابها من عقاب عصيانه، لقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}) وهذا عام في كل خير يفعله المكلف لا بد أن يراه ولكن لما كان الجمع بين الثواب والعقاب متعذر.

(1/47)


قلنا: يصل إليه بدله وهو إسقاطه ما يوازيه من العقاب ورد بتخصيص الآية، بقوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين}) والعاصي غير متق فتقبل طاعته ورد بعدم تسليم أن المؤمن العاصي غير متقي بأن الجمع المعرف باللام من المسائل المختلف فيها، فقال الجويني: تحتمل العموم إذا لم تحتمل العهد لترددها بينهما حتى تقوم القرينة على إرادة أحدهما وقال أبو هاشم بل هو للجنس الصادق ببعض الأفراد من الجماعات فلا تفيد العموم مالم تقم قرينة عليه فيصدق على المؤمن لأنَّه اتقى الشرك ولو سلم إطلاق اسم التقوى على معناه الأعم فمفهومها لا يعارض المنطوق ولا يخصصه هذا مع تسليم أن الآي لا تتوقف على الأسباب وإلا ففيها خلاف لا يخفى سلمنا إفادة الألف واللام للعموم فيصير العموم لجميع المتقين، وهو يصدق على المؤمن العامل لبعض الطاعات لإتقاه ترك ذلك وكذلك التارك اتقى فعل المنهي عنه لو لم تحمل الآية على ما ذكرنا لزم وجوب القضاء على فاعل الكبيرة قبل التوبة ولا قائل به قالوا ومخصصة أيضاً بقوله تعالى: {إني لا أضيع عمل عامل منكم} والخطاب للمؤمنين فقط، ورد بتسليم المدعى أن أعمال المشركين غير مكتوبة ولا مقبولة لمكان الشرك، فالآية من أدلة مثبتي الموازنة إذ تمدح الله سبحانه بعدم تضييع أعمال المؤمنين وأطلق، فلا يخرج صاحب الكبيرة إلاَّ بدليل يعارض مطلق الآية ولا يجهل عدم العصمة فيهم، بل الله عالم بأنهم سيذنبون بل أجاب النبي (ص) على من قال له إن فلاناً يسرق ويصلي أن صلاته تنهاه فلو كانت غير مقبولة لما أطلق عليها النبي (ص) أنها تنهاه وهو إذ ذاك فاعل كبيره و تمدح لهم بما ذكر في الآية قالوا ومخصصة أيضاً بقوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً} والآية في سياق المجرمين عموماً ورد بأن سياقها في المشركين سلمنا فمخصصة بقوله تعالى: {إني لا أضيع عمل عامل منكم} قال مثبتوا لاموازنة يفرق العقل بين من أحسن بعد الإساءة وبين

(1/48)


من أساء ولم يحسن ورد أنَّه يحسن في العقل رد إحسان المسيء الغير المقلع عن الإساءة ورد أنَّه لا يحسن الإساءة على الحسنة بل على الإساءة نفسها وهو المطلوب كيف والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأرباب العقول يحثون على التجاوز عن الإساءة من المحسن ومن المسيء.ولنا مفهوم قوله سبحانه وتعالى: {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} ومنطوق قوله سبحانه: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} وقوله: {فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية...الآية} والتمدح في القرآن والسنة بأن الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة كنفسها من أجلّ الأدلة على ثبوت الموازنة التي بمعنى المقابلة والمبادلة وإلا كان العدد عبثاً لا فائدة تحته ولولا الموازنة لما كان لوجدان الأعمال يوم القيامة فايدة وأفعال الله سبحانه معللة بالحكمة، قال سبحانه: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محظراً وما عملت من سوء} الآية، وبالجملة فالكتاب والسنة والقياسات العقلية منادية على ثبوت الموازنة، وأما قوله تعالى: {إن تحبط أعمالكم}...إلخ. فهو تحذير لهم من عاقبة الجهر الذي هو بمعنى الرد عليه كردهم على بعضهم الآخر وردهم عليه خروج من طاعته والتصديق بما جاء به وذلك كفر بالاجماع بمعنى الشرك أو الجحود أو أن تلك المعصية بلغ كبرها مقابلة جميع الأعمال حتى كأنها لم تعمل فأطلق لها لفظ الإحباط على جهة الإستعارة (والمحب(1) لأهل بيته والقاضي لهم حوائجهم والضارب بين أيديهم بسيفه) روي في صحيفة علي بن موسى رضي الله عنه بسنده قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أربعة أنا شفيع لهم يقوم القيامة: المكرم لذريتي والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عندما اضطروا إليها، والمحب لهم بقلبه ولسانه. وروى المنصور بالله في الشافي مسنداً كما في الأصل وهو عند أبي طالب في أماليه وهو من الأخبار المشهورة المتلقاه عند
__________
(1) ـ عطف على ما قبله

(1/49)


العترة بالقبول ومعناه كثير من كتبهم وكتب غيرهم (وفي الفاسق الخلاف) فذهب بعض المرجية إلى إثبات الشفاعة لأهل الكبائر من أمته فيخرجهم الله بها من النار إلى الجنة وبعضهم ذهب إلى أنَّه يشفع لهم قبل دخول النار فلا يدخلونها. قالوا: ورد الإستثناء في قوله تعالى: {إلا ما شاء ربك} وفسروه بخروج أهل الكبائر بالشفاعة ورد بأن الإستثناء هو مقامهم مدة القيامة إلاَّ الوقوف في المحشر فمقطوع به كما في حق أهل الجنة وفي هذا الجواب ركة لأنَّه لا يستثنى إلاَّ من واقع ومدة القيامة غير مقصودة من سياق اللفظ وورد أيضاً بقوله تعالى: {وماهم بخارجين من النار} وذهب جمهور أئمتنا عليهم السلام إلى المنع من الشفاعة للفاسق واحتجوا بقوله تعالى: {ما لهم من الله من عاصم}، وقوله تعالى: {ليس بأمانيِّكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا}، وقوله تعالى: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} وغير ذلك.

(1/50)


قلت: واعلم أن أدلة أصحابنا عمومات والتائب مخرج منها بالاجماع فيجوز تخصيصها بالأخبار، وقد ورد وشفّعه في أمته وهي أخص من الآيات وورد صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي لعنهم الله على لسان سبعين نبياً، الخبر وفي لفظ عن أبي أمامة صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي: إما مظلوم غشوم، وكل غال مارق رواه الطبراني وفي رواية المرجية والقدرية وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لا يدخل الجنة قتات. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يدخل الجنة صاحب مكس، ولا مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر، ولا قاطع رحم، ولا منان. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يدخل الجنة بخيل، وفي المجموع عن زيد، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لعنت سبعة فلعنهم الله تعالى وكل نبيء مجاب الدعوة الزائد في كتاب الله تعالى والمكذب بقدر الله تعالى والمخالف لسنتي والمستحل من عترتي ما حرم الله، والمتسلط بالجبروت ليعز ما أذل الله، ويذل ما أعز الله، والمستحل ما حرم الله، والمستأثر على المسلمين بفيهم مستحلاً له وفيه يا علي لعنتك من لعنتي ولعنتي من لعنة الله، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً. وقال من خبر في الحسين عليه السلام: تقتله الفئة الباغية من بعدي لا أنالهم الله شفاعتي. رواه في الصحيفة وفيها قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وقاتلهم والمعين عليهم ومن سبّهم، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
وكم ورد في قوم بأعيانهم وعموماً(على أن العقول قاصرة عن إدراك ما وعد الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من الرضى والمقام المحمود، والواجب الإيمان بها وذلك منتهى إدراك الإنسان. انتهى والحمدلله).

(1/51)


قال تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}، وقوله: منتهى إدراك الإنسان فيه من مراقبة البلاغة في تعبير الإنتهاء ما لا يخفى على اللبيب مع ملازمة قصر العقول عن الأمر العظيم التي لا تبلغه كنه عقولنا الضعيفة من التحكم على أمر أبهمه الله سبحانه للتعظيم والتهويل، جعلنا الله من أهل الشفاعة الناجين فوق مطايا الطاعة وختم لنا بسلوك مسلك السنة والجماعة بحق كل ذي حق، والظاهر من الأخبار المنع من الشفاعة للمتجاري ومن آذى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم في عترته أو استخف بسنته ومهما جالت فكر الطمع فتذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأخر عن الصلاة على الذي مات وفي ذمته درهمان وامتنع (قال في الأصل: انتهى والحمدلله ما أردنا زبره في تذكرتنا هذه بعد العصر 28/ شهر الحجة الحرام/ من سنة 1342بجامع الإمام الهادي الحسن بن يحيى بن على القاسمي المؤيدي اليحيوي حماه الله في مسايل قطابر المحميه) قطابر من بلد جماعة خولان، انتهى والحمدلله التعليق الوجيز لعله 11شهر ربيع أول/سنة 1343بقلم جامعهما الفقير إلى الله أحمد بن الإمام الهادي الحسن بن يحيى القاسمي لطف الله به آمين.
انتهت كتابة هذه النسخة المباركة والحمدلله رب العالمين وصلى الله وسلم على محمد وآله الطاهرين، وذلك في 25/ شهر ربيع الأول/ سنة 1417.
كتب الفقير إلى الله محمد بن حسن بن علي الهادي غفر الله له ولوالديه والمؤمنين آمين.
الفهارس
ك
ترجمة موجزة للمؤلف رحمه اللّه تعالى…
باب الحكمه والعدل…
باب الأفعال…
(باب الإيمان والإسلام والكفر…
(باب الإمامة…
(باب الشفاعة…

(1/52)