|

العِقْدُ الثَّمِيْنُ
في معرفة رب العالمين
للأمير الحسين بن بدر الدين محمد
العقد الثمين
[ مقدمة المؤلف ] ... 3
[الدلالة على أن اللّه تعالى خالق العالم] ... 4
فصل [في أن اللّه تعالى قادر] ... 8
فصل [في أن اللّه تعالى عالم] ... 8
فصل [في أن اللّه تعالى حي] ... 9
فصل [في أن اللّه تعالى قديم] ... 9
فصل [في أن اللّه تعالى سميع بصير] ... 10
فصل [في أن اللّه تعالى لايشبه الأشياء] ... 10
فصل [في آيات الصفات] ... 12
فصل [في أن اللّه تعالى غني] ... 13
فصل [في أن اللّه لايرى بالأبصار] ... 14
فصل [في أن اللّه تعالى واحد] ... 15
فصل [في أن اللّه تعالى عدل حكيم] ... 18
فصل [في ان أفعال العباد منهم] ... 19
فصل [في أن اللّه لايعذب أحدا إلا بذنبه] ... 20
فصل [في أن اللّه لايقضي إلا بالحق] ... 20
فصل[في أن اللّه لايكلف أحداً فوق طاقته] ... 21
فصل[في أن اللّه لايريد شيأً من القبائح] ... 22
فصل [في أن اللّه لايفعل ما هو مَفْسَدة] ... 23
فصل [في معرفة النبي (ص)] ... 24
فصل[في معرفة القرآن] ... 26
فصل [في إمامة الإمام علي (ع)] ... 29
فصل [في إمامة الحسنين] ... 33
فصل [في الإمامة بعد الحسنين] ... 34
فرع [في طريق معرفة مواصفات الإمام] ... 37
فصل [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] ... 38
فصل [في الوعد والوعيد] ... 39
فصل [في أهل الكبائر] ... 40
فصل [في صفة المؤمن وما يجب في حَقِّه] ... 41
فصل[في صفة الكافر] ... 41
فصل [في صفة الفاسق] ... 42
فرع [في الفرق بين فعل اللّه وفعل العبد] ... 44
فصل [في أنه لابد من الموت والفناء] ... 44
فصل [في الشفاعة] ... 45
بسم اللّه الرحمن الرحيم
[ مقدمة المؤلف ]
(1/1)
الحمدلله المخْتَصّ
بصفات الإلهية والقِدَم (1)، المتعالي عن الحدوث والعدم، الذي لم
يسبقه وقت ولازمان، ولاتحويه جِهَةٌ ولامكان، جَلَّ سبحانه. دَلَّ
على ذاته بما ابتدعه من غرائب مصنوعاته (2)، وعجائب مخلوقاته، حتى
نطق صامتها بالإقرار بربوبيته بغير مَذْوَد (3)، وبَرَزَ مجادلاً
لكل من عَطَّل وألحد (4).
وصلواته وسلامه على سيدنا محمد الذي هو بالمعجزات مؤيد، وفي
المرسلين مُرَجَّب (5) ومسوّد (6)، وعلى آله الغُرِّ الهداة،
والولاة على جميع الولاه، وعلى صحابته المكرَّمين المؤيدين،
والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد .
[التوحيد]
[الدلالة على أن اللّه تعالى خالق العالم]
أيها الطالب للرشاد، والهارب بنفسه عن هُوَّة الإلحاد. فإذا قيل لك:
من ربك؟
فقل: ربي اللّه.
فإن قيل لك: بم عرفت ذلك؟
فقل: لأنه خلقني، ومن خلق شيئاً فهو ربه.
فإن قيل لك: بِمَ عَرَفْتَ أنه خلقك؟
__________
(1) ـ صفات الإلهية هي صفات اللّه الذاتية وهي: عالم ، حي ، قادر،
موجود . والقِدَم صفة من صفاته أيضاً عطفها على مجموع الصفات، من
باب عطف الخاص على العام .
(2) ـ يعني أنه فَعَلَ وخَلَقَ أشياء تدل على ذاته وصفاته . وفي
(ط): دل على ذاته ما ابتدع.. الخ. وما أثبته من (س).
(3) ـ مَذْوَد ـ بالفتح ـ كمرقد: اللسان.
(4) ـ في (س): وبرز مجادلاً على ذلك لكل من عَطَّل وألحد.
(5) ـ مُرَجَّب بالجيم: معظم، ومنه سمي شهر رجب لكونه معظماً. ووقع
في (ط): مرغب.
(6) ـ مسود: يعني معظم من سوده جعله سيداً.
(1/2)
قل: لأني لم أكن
شيئاً ثم صرتُ شيئاً، ولم أكن قادراً ثم صِرْتُ قادراً، و[كنت]
صغيراً ثم صرت كبيراً، ولم أكن عاقلاً ثم صرت عاقلاً، وشاهدت
الأشياء تَحْدُث بعد أن لم تكن؛ فرأيت الوَلَدَ يخرج ولايعلم
شيئاً، ثم يصير رضيعاً، ثم طِفلاً، ثم غُلاماً، ثم بالغاً، ثم
شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً. ثم رأيت نحو ذلك من هُبُوب الرياح بعد
أن لم تكن، وسكونها بعد هبوبها، وطلوع الكواكب بعد أُفُوْلِها،
وأفولها بعد طلوعها، وظهور السحاب وزواله (1)، وكذلك المطر
والنَّبات والثمار المختلفات . وكل ذلك (2) دلائل الحُدُوث.
وإذا كانت مُحْدَثَةً فلا بد لها من مُحْدِث، لأنها قد اشتركت في
الجِسْمِيَّة، ثم افترقت هيئاتها وصورها؛ فننظر سماءاً، وأرضاً،
وثماراً، وأشجاراً، وآباراً، وبحوراً، وأنهاراً، وإناثاً، وذكوراً،
وأحياءً، وأمواتاً، وجمعاً، وأشتاتاً.
وكذلك ننظر إلى الأعْرَاض الضَّروريات المعلومات (3)، فإنها اشتركت
في كونها أعراضاً، ثم افترقت وانقسمت بين شَهْوةٍ ونَفْرَةٍ،
وحياةٍ وقُدْرَةٍ، ويُبُوسَةٍ ورطوبةٍ، وطُعُومٍ مكروهةٍ ومحبوبةٍ،
وروائحَ شتَّى، وحَرٍّ وبردٍ، ووِجَاءٍ (4) وفناءٍ، وألوانٍ
متَضَادَّةٍ على المحل (5)، وموتٍ يقطعُ الرزقَ والأمل.
__________
(1) ـ في (ط): وزوالها. وما أثبته من (س)، وهو الصواب.
(2) ـ في (ط): وكذلك. وما أثبته من (س)، وهو الصواب.
(3) ـ في (ط): الأعراض ثم الضروريات والمعلومات. وما أثبته من (س).
وهو الصواب.
(4) ـ وجاء : الألم، وهو من الأعراض الضروريات، وفي التعليق على
المطبوعة فسره بالإثم ثم قال: ينظر في أنه من الأعراض الضروريات.
وذلك سهو.
(5) ـ يعني وألوان مختلفة متضادة، لاتجتمع على محل واحد في آن
واحد.
(1/3)
فنعرف أنه لابد من
مخالف خالف بينها، وأحدث ماشاهدنا حُدُوثَه منها، وأنه غيرٌ لها،
لأنها لاتُحْدِثُ نفسَها، إذ الشيء لايُحْدِثُ نفسه، لأنه(1)
يُؤَدِّي إلى أن يكون (2) قَبْلَ نفسه، وغيراً لها، وكذلك
لاتُصَوِّر أنفسها، ولاتُخَالِفْ بين هيئتها، ولايَقَعُ ذلك بشيء
مما يقوله الجاهلون، من طَبْعٍ أومادَّةٍ، أو فَلَكٍ، أو نَجْمٍ،
أو عِلَّةٍ، أو عَقْلٍ، أو رُوحٍ، أو نَفْسٍ، أو غيرِ ذلك مما
يقولونه؛ لأن ذلك إن كان من قَبِيْل المُوجَبَات (3)لم تَخْلُ: أن
تكون موجودة، أو معدومة. والموجودة لاتخل: أن تكون قديمة، أو
محدثة. ولايجوز ثبوت ذلك لِعِلَّةٍ قديمةٍ ولامعدومةٍ، لأنه لو كان
كما زعموا لكان يلزم وُجُودُ العالم بما فيه في الأزل (4)،
واستغناؤه عن تلك العلل (5).
ولايجوز أن يكون ثبوت ذلك لِعِلَّة محدثة، لأنها لاتخلو: إما أن
تكون مماثلة لما تقدم [منها]، أو مخالفة [له]، إن كانت مماثلةً
وَجَب أن يكون معْلُولُها متماثلاً، وفي علمنا باختلاف ذلك العالم
دَلاَلَةٌ على بطلان القول بأنه عن علة مماثلة أو علل متماثلات.
__________
(1) ـ أي القول بأن الشيء أحدث نفسه.
(2) ـ أي المُحْدَث.
(3) ـ العلة الموجبة:هي العلة التي يكون معلولها ملازما لها إن
وجدت وجد وإن عدمت عدم، مثل: كون النار علة الحرارة، فمتى وجدت
النار وجدت الحرارة، ومتى عدمت النار عدمت الحرارة.
(4) ـ يعني أنه لو قيل: إن المؤثر في العالم علة قديمة لكان ذلك
باطلاً، لأنه يلزم من ذلك وجود العالم بما فيه من الاختلاف في
القدم، وذلك غير الواقع لأننا نرى كثيراً من المخلوقات تحدث بعد أن
لم تكن.
(5) ـ يعني أن المؤثر في العالم ليس علة معدومة، لأن العلة
المعدومة كلا علة. وفي (ط): لأنه كان وجود العالم بما فيه في الأزل
وفي ذلك استغناء عن العلل.
(1/4)
ولايجوز أن يكون لعلة
مخالفة، ولاعلل مخالفة، لأنها حينئذ تكون قد شاركت العالم في
الاختلاف؛ الذي لأجله احتاج إليها، فيَدُوْرُ الكلام إلى مالايعقل
ولايَنْحصِر من العِلَل (1).
فيجب الاقتصارُ على المُحَقَّقِ المعلومِ، والقضاءُ بأن الذي
أحدثها وصَوَّرَهَا، وخالف بينها هو الفاعل المختار، وهو الحَيُّ
القيومُ.
فصل [في أن اللّه تعالى قادر]
فإن قيل: ربك قادر، أم غير قادر؟
فقُل: بل هو قادر؛ لأنه أوجد هذه الأفعال التي هي العَالمَ، والفعل
لايصح إلاَّ من قادر.
أوجده تعالى لابمماسَّة، ولا بآلة، {إنمَّاَ أَمْرُهُ إِذَا
أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُوْن}[يس: 82].
فصل [في أن اللّه تعالى عالم]
فإن قيل: أربك عالم، أم غير عالم؟
فقل: بل هو عالم، وبرهان ذلك مانشاهده فيما خلقه من بدائع الحكمة،
وغرائب الصَّنْعَة؛ فإن فيها من الإحكام والترتيب، مايعجز عن وصفه
اللبيب (2)، [وكل ذلك لايصح إلاَّ من عَالِم، كما أن الكتابة
المحكمَة لاتصح إلا من عالم بها، وهو تعالى لايختص بمعلوم دون
معلوم، فيجب أن يعلم جميع المعلومات، على كل الوجوه التي يصح أن
تُعْلَم عليها.
__________
(1) ـ يعني أننا لو قلنا: إن هذا العالم المختلف أثَّرت فيه علل
مختلفة، فإن وجود الاختلاف في العلل شارك العالم في كونه مختلفاً
فتكون العلل مختلفة لأجل العالم المختلف، ويكون العالم مختلفاً لأن
العلل مختلفة، وهذا هو الدور. أو تحتاج العلل المختلفة إلى علل
أخرى مختلفة أثرت فيها وهكذا إلى مالانهاية.
(2) ـ في (ط): مايعجز عن وضعه اللبيب.
(1/5)
وهو سبحانه يعلم ما
أجَنَّه الليل، وأضاء عليه النهار، ويعلم عَدَدَ قَطْرِ الأمطار،
ومثاقيل البحار، ويعلم السِّر ـ وهو مابين اثنين ـ وماهو أخفى ـ
وهو مالم يخرج من بين شفتين ـ {مَايَكُوْنُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ
إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَخَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ
وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ
مَعَهُمْ}[المجادلة: 7] بعلمه لايلاصقهم، وهو شاخص عنهم ولايفارقهم]
(1).
فصل [في أن اللّه تعالى حي]
فإن قيل: أربك حيّ، أم لا؟
فقل: بل حَيٌّ، لأنه تعالى لو لم يكن حَيّاً لم يكن قادراً، ولا
عالماً، لأن الْمَيِّت والجماد لايفعلان فعلاً، ولايُحْدِثَان
صُنْعاً.
فصل [في أن اللّه تعالى قديم]
فإن قيل: أربك قديم، أم غير قديم؟
فقل: هو موجود لا أَوَّلَ لِوُجُودِه؛ لأنه لو كان لوجوده أوَّلٌ
لكان مُحْدَثاً، ولو كان مُحدثاً لاحتاج إلى مُحْدِث، إلى
مالايتناهى، وذلك مُحالٌ، فهو قديم، قادر، حيٌّ، عليم، لم يزل
ولايزال، ولايخرج عن ذلك في حال من الأحوال، لأنه لو لم يكن كذلك
لم يكن له بُدٌّ من فاعلٍ فعله، وجَاعِلٍ ـ على صفات الكمال ـ
جعله، أو يكون لِعِلَّة، وقد ثبت أنه تعالى قديم؛ فلايصح القول
بشيء من ذلك.
فصل [في أن اللّه تعالى سميع بصير]
فإن قيل: أربك سميع بصير؟
فقل: أجَل لأنه حَيٌّ كما تقدم، ولايعتريه شيء من الآفات، لأن
الآفات لاتَجُوزُ إلا على الأجسام، وهو تعالى ليس بجسم، لأن
الأجسام مُحْدَثة كما تقدم، وهو تعالى قَدِيم أيضاً (2) .
فصل [في أن اللّه تعالى لايشبه الأشياء]
فإن قيل: أربك مُشْبِه الأشياء؟
__________
(1) ـ مابين المعكوفين ساقط في (س).
(2) ـ يعني كما تقدم.
(1/6)
فقل: ربي لايشبه
الأشياء؛ لأن الأشياء سواه: جَوْهَرٌ، وعَرَضٌ، وجسم. ولايجوز أن
يكون جوهراً، ولاعرضاً؛ لأنهما غيرُ حَيَّين ولاقادرين، وهو تعالى
حي قادر، ولأنهما مُحْدَثان وهو قديم، ولايجوز أن يكون جسماً، لأنا
قد بينا أنه خالق الأجسام، والشيء لايخلق مِثْلَه، ولأن الجسم
مؤلَّف مصنوع، يفترق ويجتمع، ويَسْكُن ويحترك، ويكون في الجهات،
وتسبقه الأوقات، وكل ذلك شواهدُ الحُدُوثِ، وقد ثبت أنه تعالى
قديم، فلايجوز أن يكون محدثاً بل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
.
وإذا لم يكن جوهراً ولاجِسْماً ولاعَرَضاً لم يوصف بالكيف، ولا
الأين، ولا الحَيْث، ولا البين، ولا الوجه، ولا الجَنْب، ولا
اليدين، لم يقطعه بَعْدٌ، ولم يسبقه قَبْلٌ، ولم يجزِّئه بعضٌ، ولا
جمعه كلٌ، ليس في الأرض ولا في السَّماء، ولا حَلَّ في مُتَحَيِّز
أصلا، ولا حَدَّه فَوْقٌ ولاتحت، ولايمين، ولاشمال، ولاخَلْفٌ، ولا
أمام، ولايجوز عليه المجيء ولا الذَّهاب، ولا الهبوط ولا الصعود .
كان قبل خَلْق العَالَم ولامكان، ويكون بعد فناء العالم ولامكان،
وهو خالق المكان مستغن عن المكان، وخالق الزمان فلم يتقدمه زمان،
ليس بنورٍ ولاظلام، لأن جميع ماذكر فانٍ في القِدَم .
ولأجل ذلك نقول: إنه لايجوز أن يقال: هو طويل، ولاقصير، ولاعريض
ولاعميق، ولا شَوِيه ولامليح، ولا أن يقال: هو يَسْتَرُّ أو
يَغْتَمُّ، أو يَظُنُّ أو يَهْتَمُّ، أو يَعْزِمُ، أو يؤَلَّمُ، أو
يَلْتَذُّ أو يشتهي، أو يَنْفُرُ، لأن ذلك كلَّه شواهدُ الوجودِ
بعد العدم، ومُنَافٍ لما هو عليه من صفات الكمال والعظمة والجلال.
فصل [في آيات الصفات]
فإن قيل: إنه قد ذكر في القرآن: {يَدَاهُ
مَبْسُوْطَتَانِ}[المائدة: 64]، وأن له جنباً، وعيناً، وأعينا،
ونفساً، وأيدٍ، لقوله: { مِمَاعَمِلَتْهُ أَيْدِيْنَا}[يس :71]،
ووجهاً.
(1/7)
فقل: يداه نعمتاه،
ويَدُهُ قُدْرَتُه (1)، والأيدي هي: القدرة، والقوة أيضاً (2) .
وجنباً في قوله تعالى: {يَاحَسْرَتَا عَلَى مَافَرَّطْتُ فِيْ
جَنْبِ اللّه}[الزمر: 56]، أي: في طاعته (3) .
ونفساً في قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَافِيْ نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ
مَافِيْ نَفْسِكَ}[المائدة: 116]، المراد به: تعلم سِرِّي وغيبي،
ولا أعلم سِرَّك وغيبك (4) .
ووجهه: ذاته (5) ونفسه: ذاته، وقوله تعالى: {فَثَمَّ وَجْهُ
اللّه}[البقرة: 115] ، أي الجهة التي وجهكم إليها.
وما ذكر من العين والأعين فالمراد به الحفظ والكَلاَءَةِ والعلم.
وقوله: {اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ}[الأعراف: 54]، استواؤه: استيلاؤه
بالقدرة والسُّلطان (6)، ليس كمثله شيء، ولايشبهه ميت ولاحي.
فصل [في أن اللّه تعالى غني]
فإن قيل: أربك غني أم لا؟
__________
(1) ـ وتقول العرب: مالنا بهذا الأمر من يد. قال تعالى: {والسماء
بنيناها بأيد وإنا لموسعون} [الذاريات: 47] أي بقوة.
(2) ـ قال ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه 115: قوله تعالى: {بل
يداه مبسوطتان} [المائدة: 64]: أي نعمته وقدرته.
(3) ـ إلى هذا ذهب المحققون من أهل العلم من معتزلة وأشاعرة، ومن
الغريب العجيب أن ابن القيم استخرج من هذه الآية أن لله جنبين،
فقال: ((ومن أين يدل ظاهره ـ أي اللفظ في قوله تعالى: {جنب اللّه}
ـ أو باطنه على أنه جنب واحد وشق واحد )). الصواعق المرسلة 1/250.
(4) ـ قال ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه 117: قال المفسرون:
ويحذركم اللّه إياه، وقالوا: تعلم ماعندي ولا أعلم ماعندك، وقال
المحققون: المراد بالنفس هاهنا الذات.
(5) ـ إلى ذلك ذهب المحققون من المفسرين.
(6) ـ بسط القول في هذا الباب ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه 121
وكذلك المعلق عليه السيد حسن السقاف، فراجعه.
(1/8)
فقل: إنه غَنِيٌّ لم
يزل ولايزال، ولاتجوز عليه الحاجة في حال من الأحوال، لأن الحاجة
لاتجوز إلاّ على من جازت عليه المنفعة والمضرة، واللذة والألم،
وهذه الأمور لاتجوز إلا على مَنْ جازت عليه الشهوة والنَّفرة، وهما
لايجوزان إلاَّ على الأجسام؛ فيَسْتَرُّ الجسم بإدراك مايشتهيه
ويلتذ به، وينمو ويزداد بتناوله، ويغتم بإدراك ما يَنْفُر عنه
ويتضرر به، وينقص بتناوله . وقد ثبت أنه تعالى ليس بجسم، بل هو
خالق الجسم، فكيف يخلق مثل ذاته، أو تشاركه الأجسام في صفاته؟! بل
لايجوز عليه شيء من ذلك.
فصل [في أن اللّه لايرى بالأبصار]
فإن قيل: أربك يرى بالأبصار، أم لايرى؟
فقل: هذه مقالة باطلة عند أولي الأبصار، لأنه لو رُئي في مكان لدل
ذلك على حُدُوثه، لأن ماحواه مَحْدُودٌ محدث (1).
__________
(1) ـ يعني المؤلف أنه إذا كان اللّه تعالى سوف يرى فلابد أن يرى
في مكان والأماكن محدودة، وماكان في مكان فهو محدود محدث.
(1/9)
فإن قيل: إنه يُرى في
غير مكان. فهذا لايعقل، بل فيه نفي الرؤية (1)، وقد قال تعالى: {لاَتُدْرِكُهُ
الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ}[الأنعام: 103]، فنفى
نفياً عاماً لجميع المكلفين، و[لجميع] أوقات الدنيا والآخرة (2).
__________
(1) ـ القول بأن اللّه يرى يوم القيامة بحدق العيون يترتب عليه
محاذير كثيرة منها: التجسيم والحدوث والتشبيه، واللّه منزه عن جميع
ذلك، فلذا احتار القائلون بأن اللّه يرى فتارة يلجأون إلى القول
بأنه يرى في غير مكان، وتارة يقولون يرى بغير حدق العيون، وأخرى
يقولون يرى بلاكيف، ولايقول بأنه يرى بحدق العيون أو في جهة من
الجهات إلا شواذ من المجسمة والمشبهة. وماذكر من الأدلة في إثبات
الرؤية لاتعني ذلك في شيء، وقد طول المؤلف في هذا المبحث في كتابه
ينابيع النصيحة.
(2) ـ يشير المؤلف هنا إلى مايتشبث به القائلون بالرؤية من أن
المراد بقوله: {لاتدركه الأبصار} نفي الرؤية في الدنيا فقط
والقرائن لاتساعدهم على ذلك فالنفي عام والجميع متفقون على أن ما
نفى اللّه عن نفسه من صفات النقص منتف عنه في الدنيا والآخرة، ونحن
نعتبر أن إمكانية رؤيته صفة نقص لأنه بذلك يشابه المحدودات
المرئيات وهو يقول: {ليس كمثله شيء}.
واحتجاج المخالفين بقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}
غير صحيح، لأن المراد بالناضرة الجميلة المشرقة، وإلى ربها ناظرة
أي إلى رحمة ربها منتظرة، وذلك وارد بكثرة في كلام العرب، قال
حسان:
... ... وجوه يوم بدر ناظرات ... إلى الرحمن يأتي بالخلاص
وأما احتجاجهم بحديث: (( سترون ربكم يوم القيامة كالقمر ليلة البدر
))، فغير مجد لما في سنده من مقال، ومافي متنه من شذوذ، ليس هذا
موضع ذكرها، وإن صح فهو آحاد لايعمل به في الأصول إضافة إلى أنه قد
يكون المراد بقوله (سترون) : ستعلمون، كما في قوله تعالى: {ألم تر
كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} أي: ألم تعلم.
(1/10)
وقال اللّه تعالى
لموسى ـ لما سأله الرؤية ـ: {لَنْ تَرَانِي}[الأعراف: 143]، ولم
يسأل موسى عليه السلام الرؤية لنفسه، بل عن سؤال قومه، كما حكاه
اللّه في قصص قومه، {فَقَدْ سَأَلُوْا مُوْسَى أَكْبَرَ مِنْ
ذَلِكَ فَقَالُوْا أَرِنَا اللّه جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ
الصَّاعِقَةُ}[النساء: 153]، ولو سألها لنفسه لصعق معهم (1). ولما
لم يقع منه خطيئة إلا سؤاله لهم الرؤية من دون أذن، قال لربه عز
وجل: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا}[الأعراف:
155].
فصل [في أن اللّه تعالى واحد]
فإن قيل: أربك واحدٌ لاثاني له، أم لا؟
__________
(1) ـ يشير المؤلف بهذا الكلام إلى بطلان قول من زعم أن موسى ماسأل
اللّه الرؤية إلا لعلمه بإمكانية ذلك.
(1/11)
فقل: بلى هو واحد
لاثاني له في الجلال، متفرد هو بصفات الكمال؛ لأنه لو كان معه إله
ثان لوجب أن يشاركه في صفات الكمال على الحد الذي اختص بها، ولو
كان كذلك لكان على ما قدر قادراً (1)، ولو كان كذلك لجاز عليهما
التَّشاجر والتنازع، ولصح بينهما التَّعارض والتَّمَانع، ولو
قَدَّرْنَا هذا الجائز (2) لأدى إلى اجتماع الضدين من الأفعال، أو
عجز القديم عن المراد (3)، وكل ذلك محال، تعالى عنه ذو الجلال؛
لقوله: {لَوْ كَانَ فِيْهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّه
لَفَسَدَتَا}[الأنبياء: 22]، ولقوله عز قائلا: {أَمْ جَعَلُوا
لِلَّه شُرَكَاءَ خَلَقُوْا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ
عَلَيْهِمْ قُلِ اللّه خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الوَاحِدُ
القَهَّارُ}[الرعد: 16]، فتبين أن هذا الخلق يشهد بإله واحد، وأنه
ليس هناك خَلْق ثانٍ يشهد بإله ثان، وهذا واضح؛ فإن هذا العالم
دليلٌ على إله واحد وهو الذي أرسل الرسل، وأوضح السُّبُل.
ويَدُل على ذلك قوله عز وجل: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَإِلَهَ إِلاَّ
اللّه}[محمد: 19]، وقوله: {شَهِدَ اللّه أَنَّهُ لاَإِلَهَ إِلاَّ
هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوْا العِلْمِ قَائِماً
بِالقِسْطِ}[آل عمران: 18]، وقوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ
وَاحِدٌ}[البقرة: 163]، وقوله: {قُلْ هُوَ اللّه أَحَدٌ}[الصمد:
1].
[العدل]
فصل [في أن اللّه تعالى عدل حكيم]
فإن قيل: أربك عدل حكيم؟
__________
(1) ـ يعني لوكان هنالك إله ثان لكان على ما قدر الإله الأول قادر
.
(2) ـ أي المفروض جوازه إذ المسألة مبنية على الفرض والتقدير.
(3) ـ وذلك إذا قدر أن كلاً منهما إله قديم قادر، فإما أن يخلقا
الضدين واجتماعه محال، أو يعجز أحدهما وذلك محال أيضاً.
(1/12)
فقل: أجَل، فإنه
لايفعل القبح ولايُخِلُّ بالواجب من جهة الحكمة (1)، وأفعاله كلها
حسنة.
وإنما قلنا: إنه لايفعل القبيح لأنه إنما يقع ممن جَهِلَ قُبْحَه،
أو دعته حاجة إلى فِعْلِه وإن عَلِمَ قبحَه، وهو تعالى عالم بقبح
القبائح؛ لأنها من جملة المعلومات وهو عالم بجميعها كما تقدم، وغني
عن فعلها كما تقدم أيضاً، وعالم باستغنائه عنها، وكل من كان بهذه
الأوصاف فإنه لايفعل القبيح، ألاَ ترى أن مَنْ مُلْكُه ألفي ألفِ
قِنْطارٍ من الذَّهب؛ فإنه لايسرق الدَّانَق (2) ، لعلمه بقبح
السرق، وغناه عن أخذ الدانق، وعلمه باستغنائه عنه، وكذلك لو قيل
للعاقل: إن صدقت أعطيناك درهماً، وإن كذبت أعطيناك درهماً، فإنه
لايختار الكذب ـ في هذه الحال ـ على الصدق، [وهما] على وتيرة واحدة
(3)، وطريقة مستمرة، ولاعِلَّة لذلك إلا ماذكرناه.
فصل [في ان أفعال العباد منهم]
فإن قيل: هل ربك خَلَق أفعال العباد؟
__________
(1) ـ الواجب من جهة الحكمة مثل إثابة المطيع، وإنصاف المظلوم ونحو
ذلك. وقيل له: واجب من جهة الحكمة، لأنه لم يوجبه عليه غيره، وإنما
اقتضته الحكمة. واللّه لامحالة يفعله لامن جهة أنه مكلف به. وفي
(ط): ولايخل بالواجب عليه من جهة الحكمة. وما أثبته من (س).
(2) ـ الدَّانَق ـ بفتح النون وكسرها ـ: سدس الدرهم. ووقع في (ط،
ش): الزائف، وهو الدرهم الردي. والأول أنسب.
(3) ـ وتيرة واحدة: أي حالة وصفة واحدة.
(1/13)
فقل: لايقول ذلك إلا
أهل الضلال والعناد، كيف يأمرهم بفعل ماقد خَلَقَ وأمضى، أو ينهاهم
عن فعل ما قَدْ صَوَّر وقضى، ولأن الإنسان يلحقه حكم فعله من المدح
والثَّناء، والذَّم والاستهزاء، والثواب والجزاء، فكيف يكون ذلك من
العلي الأعلى؟! ولأنه يحصل بحسب قَصْدِه ودواعيه، وينتفي بحسب
كراهته وصرفه على طريقة واحدة، ولأن اللّه تعالى قد أضاف أفعال
العباد إليهم، فقال: {يَكْسِبُوْنَ} ، و{يَمْكُرُوْنَ} ،
و{يَفْعَلُوْنَ}، و{يَصْنَعُوْنَ}، و{يَكْفُرُوْنَ}،
و{يَخْلُقُوْنَ إِفْكاً}، ونحو ذلك في القرآن كثير، ولكنه تعالى
أمَرَ تخييراً، ونهى تحذيراً، أَقْدَرَهُم على فعل الضِّدَين،
وهداهم النَّجدين، ومَكَّنهم في الحالين، لم يمنعهم عن فعل المعاصي
جَبْراً، ولاقهرهم على فعل الطاعات قهراً، ولو شاء لفعل كما قال عز
وجل: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِيْ الأَرْضِ
جَمِيْعاً}[يونس: 99] يريد به مشيئة الإجبار لامشيئة الاختيار؛
لأنه لو أكرههم لم يكونوا مكلَّفين، ولَبَطل الغرض ببعثة المرسلين.
فصل [في أن اللّه لايعذب أحدا إلا بذنبه]
فإن قيل: ربك يعذب أحداً بغير ذنبه؟
فقل: لايعذب أحداً إلا بذنبه؛ لأن عقاب من لاذنب له ظلم، والظلم
قبيح، وهو تعالى لايفعل القبيح، وقد قال تعالى: {وَلاَتَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}[الأنعام: 164].
فصل [في أن اللّه لايقضي إلا بالحق]
فإن قيل: أربك يقضي بغير الحق؟
(1/14)
فقل: كلا، بل لايقضي
بالكفر والفساد، لما في ذلك من مخالفة الحكمة والسَّداد (1) ،
لقوله تعالى: {وَاللّه يَقْضِي بِالحَقِّ}[غافر: 20]، فلايجوز
القول بأن المعاصي بقضاء اللّه تعالى وقَدَرِه (2) بمعنى الخَلْق
والأمر، لأنها باطلٌ، ولأن إجماع المسلمين مُنْعَقِدٌ على أن الرضى
بالمعاصي لايجوز، وإجماعهم منعقد على أن الرِّضا بقضاء اللّه واجب،
ولامخلص إذاً من ذلك إلا بالقول بأن المعاصي ليست بقضاء اللّه؛
بمعنى أنه خلقها، ولا أنه أمر بها، وأما أنه تعالى عالم بها فهو
تعالى عالم بها، لأنها من جملة المعلومات، وعِلْمُه (3) بها لم
يَحْمِل العبد على فعلها، ولم يجبره على صنعها كما تقدم (4)
__________
(1) ـ في (ط): بل لايقضي بالكفر والفساد في مخالفة الحكمة والسداد.
وما أثبته هو من (س) وهو الصواب.
(2) ـ سقط من (ط): قدره.
(3) ـ في (ط): ولكن علمه. وما أثبته من (س).
(4) ـ قال الإمام زيد في جواب رسالة جاءته من المدينة: ((وذكرت أن
قوماً قد أقاموا على سخط اللّه تعالى وعصيانه، ومخالفته، وأنهم إذا
نهوا عن ذلك قالوا: اللّه أراد هذا، اللّه قدر هذا. فأرسلوا أنفسهم
في الذنوب، ولجوا في المعاصي، فأحببت أن أكتب إليك ما أرى في ذلك.
والذي أقول في ذلك وأرضاه: أن تقرأ القرآن وتدبره، فتنظر ما أراده
اللّه، وأوجبه فتضيفه إلى اللّه، وماكرهه فتضيفه إلى صانعه.
أرأيت قوله في كتابه: {ولايرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم}
[الزمر: 7].
أرأيت قوله: {يريد اللّه بكم اليسر ولايريد بكم العسر} [البقرة:
185].
أرأيت قوله تعالى: {وقالوا لو شاء اللّه ماعبدناهم مالهم بذلك من
علم إن هم إلا يخرصون} [الزخرف: 20]، هذا كله قول اللّه عز وجل وهو
أصدق من قولهم.
ثم إني أرتضي لك ألا تخرج العاصين من قدرة اللّه تعالى، ولاتعذرهم
في معصية اللّه، ومن قال: إنه قد ملك أعماله مع اللّه فقد أشرك
باللّه، ومن قال: أنه قد ملكها دون اللّه تعالى فقد كفر باللّه،
ولكن القول الذي أرضاه في هذا الباب إتباع [لما في القرآن]، فإذا
أطعت شكرت اللّه تعالى، وإن عصيت استغفرت اللّه تعالى )).
(1/15)
.
فصل[في أن اللّه لايكلف أحداً فوق طاقته]
فإن قيل: هل ربك يُكَلِّف أحداً فوق طاقته؟
فقل: لا، بل لايكلف أحداً إلا مايطيق؛ لأن تكليف مالايطاق قبيحٌ،
وهو تعالى لايفعل القبيح، فقد قال تعالى: {لاَيُكَلِّفُ اللّه
نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}[البقرة: 286]، والوسع: دون الطَّاقة،
وقال: {إِلاَّ مَا آتَاهَا}[الطلاق: 7] (1) .
فصل[في أن اللّه لايريد شيأً من القبائح]
فإن قيل: أربك يريد (2) شيئاً من القبائح؟
فقل: إنه تعالى لايريد شيئاً منها، فلايريد الظلم، ولايرضى الكفر،
ولايحب الفساد، لأن ذلك كله يرجع إلى إرادة القبيح، وإرادة القبيح
هي قبيحة، وهو تعالى لايفعل القبيح.
ألا ترى أنه لو أخبرنا مُخْبِرٌ ظاهرهُ العدالةُ بأنه يريد الزِّنا
والظلم لسقطت عدالته، ونقصت منزلته، عند جميع العقلاء، ولاعِلَّة
لذلك إلاَّ أنه أتى قبيحاً، وهو إرادة القبيح.
وقد قال تعالى: {وَاللّه لاَيُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة: 205]،
وقال: {وَلاَيَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ}[الزمر: 7].
وقال: {وَمَا اللّه يُرِيْدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ}[غافر: 31].
__________
(1) ـ قال الإمام زيد في الرد على المجبرة: ((نفت المجبرة والمشبهة
عن أنفسهم جميع المَذَمَّات، والظلم، والجور، والسَّفَه، ونسبوها
إلى اللّه عزوجل من جميع الجهات. فقالوا: خلقنا اللّه أشقياء، ثم
عَذَّبنا بالنار، ولم يظلمنا. فأي استهزاء أعظم من هذا، وأي ظلم
أوضح، أو جور أبين مما وصفوا به اللّه عزوجل؟! كلا ومالك يوم الدين
ما هذه صفة أرحم الراحمين، من يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن
الفحشاء والمنكر كما قال سبحانه: {لاَ يُكَلِّفُ اللّه نَفْساً
إِلاَّ وُسْعَهَا} ووسعها: طاقتها. بل كلفهم أقل مما يطيقون،
وأعطاهم أكثر مما يَسْتَأهلون، لم يلتمس بذلك منهم عِلَّة، ولم
يغتنم منهم زَلَّة، ولم يخالف قضاءه بقضائه، ولا قَدَرَه بقدره،
ولا حكمَهُ بحكمه )).
(2) ـ في (ط): يفعل. وما أثبته من (س) وهو الصواب.
(1/16)
فصل [في أن اللّه
لايفعل ما هو مَفْسَدة]
فإن قيل: فهل ربك يفعل لعباده (1) ماهو مَفْسَدة؟
فقل: كلا، بل لايفعل إلا الصَّلاح، ولايبلوهم إلا بما يدعوهم إلى
الفلاح، سواء كان ذلك مِحنَة أو نعمة؛ لأنه تعالى لايفعل إلا
الصَّواب والحكمة كما تقدم، فإذا أمرضهم وابتلاهم أو امتحنهم بفوت
ما اعطاهم، فلابُدَّ من اعتبار المكلفين (2) ؛ ليخرج بذلك عن كونه
عَبَثاً، وقد نَبَّه على ذلك بقوله تعالى: {أَوَلاَيَرَوْنَ
أَنَّهُمْ يُفْتَنُوْنَ فِيْ كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ
ثُمَّ لاَهُمْ يَتُوْبُوْنَ وَلاَهُمْ يَذَّكَّرُوْنَ}[التوبة:
126]، ولابُدَّ من العِوَض الموفَّي على ذلك بأضعاف مضاعفة، ليخرج
بذلك عن كونه ظلماً، وقد ورَدَ ذلك في السُّنَّة كثيراً، والغَرَضُ
الاختصار (3) .
[النبوة]
فصل [في معرفة النبي (ص)]
فإن قيل: فقد أكملت معرفة ربك، فمن نبيك؟
فقل: محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم.
فإن قيل: فمابرهانك على ذلك؟
فقل: لأنه جاء بالمعجزة(4) عقيب ادعائه النُّبوة، وكل من كان كذلك
فهو نبي صادق.
فإن قيل: فما برهانك على أنه جاء بالمعجز عقيب ادعائه النبوءة؟
__________
(1) ـ في (س): بعباده.
(2) ـ يعني فلابد من حكمة ومصلحة راجعة إلى ذلك الفعل، ومن
المصلحة: الاعتبار وتذكير المكلفين. تمت من: الصراط المستقيم.
(3) ـ من ذلك: ما أخرج الإمام المرشد باللّه والبخاري ومالك عن أبي
هريرة مرفوعاً: ((من يرد اللّه به خيراً يصب منه )). وأخرج أبو
طالب وأبو داود عنه (ص): (( إن المؤمن إذا مرض ثم عوفي كان كفارة
لمامضى من ذنبه)). تمت من: الصراط المستقيم.
(4) ـ المعجزة هي الخارجة عن قدرة البشر ولايمكن التعلم لإحضارها.
(1/17)
فقل: المعلوم ضرورةً
أنه كان في الدنيا قبيلةٌ تُسَمَّى قريشٌ، وأن فيهم قبيلةً
تُسَمَّى: بنو هاشم، وأنه كان فيهم رجلٌ اسمه: محمدُ بنُ عبداللّه،
والمعلوم ضرورةً أنه ادَّعى النبوة، وأنه جاء بالقرآن بعد ادعاء
النُّبوة، وأنه مشتمل على آيات التَّحَدي، وأنه كان يتلوها على
المشركين ويسمعونها وهم النِّهاية في الفَصَاحة، والمعلومُ ضرورةً
شِدَّةُ عداوتهم له.
وإنما قلنا: بأنه معجز لأنه تحداهم على أن يأتوا بمثله فعجزوا (1)،
ثم تحداهم على أن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا (2)، ثم تحداهم بأن
يأتوا بسورة من مثله (3) فلم يقدروا على ذلك؛ لأنهم لو قدروا على
معارضته ـ مع شدة عداوتهم له وعلمهم بأن معارضتهِ بِمِثْلِ ما جاء
به (4) تُبْطِلُ دعواه ـ لما عدلوا عنها إلى الشَّاقِّ من محاربته،
التي لاتدل على بطلان دعواه، فدَلَّ ذلك على كونه معجزاً.
__________
(1) ـ يريد قوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا
بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}
[الإسراء: 88].
(2) ـ يريد قوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله
مفتريات وادعوا من استطعتم من دون اللّه إن كنتم صادقين} [هود:
13].
(3) ـ يريد قوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة من مثله
وادعوا من استطعتم من دون اللّه إن كنتم صادقين} [يونس: 38].
(4) ـ في (ط): بمثل جاء به. وما أثبته من (س) وهو الصواب.
(1/18)
ولأن القرآن مشتمل
على الإخْبَار بالغيوب المستقبلة (1)، وعلى الإخْبَار عن الأمور
الماضية (2) ، فكان الأمر على ما أخبر في الماضي والمستقبل، فدَلَّ
ذلك على كونه معجزاً، لايقدر عليه أحد من البشر.
وله معجزات كثيرة تقارب ألف معجزة، نحو: مجيء الشجرة إليه، وجريها
على الماء كالسفينة (3)، وسير
الشَّجَرة (4)، وإحيائه الموتى (5)، وتسبيح الحصى في يده (6)، ونحو
ذلك كثير، وإنما قلنا بأن من كان كذلك فهو نبي صادق؛ لأن إظهار
المعجز على أيدي الكَذَّابين قبيح، وهو تعالى لايفعله، وإذا ثبت
صِدْقُهُ وصَحَّت نبوتُه، وجب تصديقه فيما أخبرنا به عن الأنبياء
والمرسلين قَبْلَه، ووجَبَ القضاءُ بصحة نبوتهم وتصديق رسالتهم،
وهذا واضح.
فصل[في معرفة القرآن]
فإن قيل: فما اعتقادك في القرآن؟
__________
(1) ـ كقوله عام الحديبية: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللّه
آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين} [الفتح: 27]، ثم وقع ذلك عام الفتح،
أو في عمرة القضاء. وفي إخباره بالغيوب روايات كثيرة انظر عنها :
(ينابيع النصيحة) للمؤلف، ودلائل النبوة لأبي نعيم 2/538 ـ 556.
(2) ـ كما أخبر عن قصص وأخبار الأنبياء السابقين، وهلاك مكذبيهم،
ونحو ذلك.
(3) ـ في (س): نحو جري الصخرة إليه وجريها على الماء كالسفينة.
وبيض له في الشرح.
(4) ـ ورد في سير الشجر إليه أحاديث كثيرة عن عدة من الصحابة. انظر
عنها دلائل النبوة لأبي نعيم 2/397 ـ 398.
(5) ـ روى المؤلف في (ينابيع النصيحة): أن رسول اللّه ذهب إلى قبر
يوسف بن كعب صاحب الأخدود ثم تكلم بكلمات فتصدع القبر وخرج منه
صاحبه فكلمهم، ثم عاد. وفي (ط): وأحياء من الموتى، وما أثبته من
(س) وهو الصواب.
(6) ـ روي عن أبي ذر أنه قال: كنا جلوساً مع النبي (ص) فأخذ
الحصيات في كفه فسبحن، ثم وضعهن في الأرض فسكتن، ثم أخذهن فسبحن.
أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة 2/432 (339)، وأورده الهيثمي في
المجمع 8/299، وقال: رواه البزار.
(1/19)
فقل: اعتقادي أنه
كلام اللّه تعالى، وأنه كلام مَسْمُوع مُحْدَثٌ مخلوق.
فإن قيل: فما دليلك على ذلك؟
فقل، أما قولي: إنه كلامُ اللّه تعالى، فلقوله تعالى: {وَإِنْ
أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِيْنَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى
يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّه}[التوبة: 6]، والمعلوم أن الكلام الذي سمعه
المشركون ليس بشيء غير هذا القرآن، ولأن المعلوم ضرورة أن النبي
صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يَدِين ويخبر بذلك، وهو لايدين إلا
بالحق، ولايخبر إلا بالصدق، لأن ظهور المعجز على يديه قد استأمن
وقوع الخطأ فيما يدين به، وظهور الكذب فيما يخبر به.
وأما قولي: إنه مسموعٌ فذلك معلوم بالحِسِّ ولقوله تعالى: {إِنَّا
سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً}[الجن: 1]، والمعلوم ضرورة أن ذلك
المسموع هذا القرآن.
وأما قولي: إنه مُحْدَثٌ؛ فلأنه فعل من أفعاله تعالى، والفاعل
متقدم على فعله بالضَّرورة، ومايتقدمه غيرُه فهو مُحْدَث، ولأن
بعضه متقدم على بعض، وذلك يدل على أنه مُحْدَث، ولقوله تعالى: {مَا
يَأْتِيْهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ}[الأنبياء: 2].
والذكر هو القرآن، لقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ
وَلِقَوْمِكَ}[الزخرف: 44]، أيْ شَرَفٌ لك ولقومك.
(1/20)
وأما قولي: إنه
مخلوقٌ؛ فلأنه مُرَتَّبٌ منظومٌ على مقدارٍ معلومٍ موافقٍ للمصلحة.
بهذه الصِّفةِ المنَزَّلة جَازَ وَصْفُهُ بأنه مخلوقٌ (1) ، ولِما
رواه عمر بن الخطاب، عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال:
(( كان اللّه ولاشيء ثم خلق
الذكر ))، والذكر هو القرآن كما تقدم (2).
ثم قل: وأعتقد أنه حق لاباطل فيه، لقوله تعالى: {وَإِنَّهُ
لَكِتَابٌ عَزِيْزٌ لاَيَأْتِيْهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
وَلاَمِنْ خَلْفِهِ}[فصلت: 42].
ثم قل: وأعتقد أنه لاتناقض فيه ولاتعارض ولااختلاف، {وَلَوْ كَانَ
مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّه لَوَجَدُوْا فِيْهِ اخْتِلاَفاً
كَثِيْراً}[النساء: 82].
[الإمامة]
فصل [في إمامة الإمام علي (ع)]
فإن قيل: من أوِّلُ الأئمة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
وسلم، وأولى الأمَّة بالخلافة بعده بلا فَصْل؟
فقل: ذلك أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب.
فإن قيل: هذه دعوى، فمابرهانك؟
فقل: الكتاب، والسنة، وإجماع العِتْرَة (3).
__________
(1) ـ في (ط): موافق للمصلحة وهو بهذه المنزلة فجاز وصفه بأنه
مخلوق. وما أثبته من (س)، وهو الصواب.
(2) ـ وقع شغب كبير بين المتكلمين حول مسألة خلق القرآن وكل يذكر
مبررات كثيرة لما يذهب إليه، ولاحرج أن يقول أحد إن القرآن مخلوق
إذا أراد بذلك أنه مفعول لله تعالى، وكذلك لاحرج أن يقول أن القرآن
غير مخلوق بمعنى أنه غير مختلق مكذوب، أما إذا أراد بقوله : إن
القرآن غير مخلوق؛ أنه قديم أو نحو ذلك فذلك كلام خطير يترتب عليه
أشياء خطيرة كالقول بقديم مع اللّه، واللّه متعال عن أن يكون له
مشابه أو مشارك في صفاته الذاتية.
(3) ـ العترة: هم أهل البيت عليهم السلام، وعترة الرجل: أهل بيته.
(1/21)
أما الكتاب، فقوله
تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّه وَرَسُوْلُهُ وَالَّذِيْنَ
آمَنُوْا الَّذِيْنَ يُقِيْمُوْنَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوْنَ
الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُوْنَ}[المائدة: 55]، ولم يؤتِ الزكاةَ في
حالِ ركوعه غيرُ علي عليه السلام، وذلك أن سائلاً سأل عَلَى عهد
رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في حال ركوع عَليٍ في الصلاة،
وذلك في مسجد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فلم يعطه أحدٌ
شيئاً، فأشار إليه عليه السلام بخاتمه وهو راكع ونواه زكاة، فأخذه
السائلُ، فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية على رسول اللّه صلى
اللّه عليه وآله وسلم في الحال (1)، فكانت في علي عليه السلام خاصة
دون غيره من الأمَّةِ. وهي تفيد معنى الإمامة لأن الوَلِيَّ هو:
المالكُ للتَّصَرُّفِ، كما يقال هنا: ولي المرأة، وولي اليتيم، أي
المالك للتصرف عليهما.
وأما السنَّة، فخبر الغدير، وهو قوله صلى اللّه عليه آله وسلم: ((
ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يارسول اللّه. قال: فمن كنت
مولاه فعلي مولاه، اللّهم والِ مَنْ والاه وعادِ مَنْ عاداه، وانصر
مَنْ نصره، واخذل مَنْ خَذَلَهُ )) (2)
__________
(1) ـ روى هذه الحادثة غير واحد من المحدثين، والمؤرخين،
والمفسرين، أنظر:تفسير الحبري 258، والدر المنثور 3/104، وجامع
البيان للطبري 4/287 ـ 288، وتفسير فرات الكوفي 123 ـ 129.
(2) ـ حديث الغدير من الأحاديث المشهورة، فقد أخرجه الإمام وأبو
طالب في الأمالي 33، و الإمام المؤيد باللّه في الأمالي 90 رقم
(11)، والنسائي في الخصائص 156، وأحمد في المسند 1/152، والطبري في
ذخائر العقبى 68، والرياض النضرة 2/161 عن الإمام علي عليه السلام.
وأخرجه الحاكم في المستدرك 3/132، وأحمد 1/331، والنسائي في
الخصائص 45 رقم (81 و 82)، والخطيب البغدادي 12/344 عن ابن عباس،
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وأخرجه مسلم 2/317، والحاكم 2/109، والطبري في ذخائر العقبى 155،
وأحمد 4/368 و 370 عن زيد بن أرقم.
وأخرجه ابن ماجة 1/43 برقم (116)، والنسائي في الخصائص 162،
والخطيب البغدادي 14/236، والطبري في الذخائر 67، وأحمد في المسند
4/281 عن البراء بن عازب.
وأخرجه أحمد 1/118، والنسائي في الخصائص 150، والحاكم في المستدرك
3/109 و 110 و533، وابن الأثير في أسد الغابة 3/92 و 5/217،
والهيثمي في المجمع 9/42 عن أبي الطفيل عامر بن واثلة .
وأخرجه ابن ماجة 1/42 برقم (115) وص 45 برقم 121، والنسائي في
الخصائص 176 برقم 94 و 95 وص 177برقم (96)، والحاكم في المستدرك
3/116، والهيثمي في مجمع الزوائد 9/107، عن سعد بن أبي وقاص.
وأخرجه أبو يعلى 1/428 برقم (567)، وأبو نعيم في الحلية 5/26 ـ 27،
وأحمد 1/84 و521 و 5/336 عن عبدالرحمن بن أبي ليلى.
وقال شيخنا العلامة مجد الدين المؤيدي في التحف 325: <قال الإمام
المنصور باللّه عبداللّه بن حمزة: هذا الخبر قد بلغ حَدَّ التواتر،
وليس لخبر من الأخبار ماله من كثرة الطرق، وطرقه مائة وخمس طرق.
وقال السيد الهادي بن إبراهيم الوزير: من أنكر خبر الغدير فقد أنكر
ماعُلم من الدين ضرورة، لأن العلم به كالعلم بمكة وشبهها، فالمنكر
سوفسطائي.
وقال السيد الحافظ: محمد بن إبراهيم الوزير: إن حديث الغدير يروى
بمائة طريق وثلاث وخمسين طريقاً.
وقد أخرجه محمد بن جرير الطبري من خمس وسبعين طريقاً، وأفرد له
كتاباً سماه كتاب (الولاية). وذكره الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد
بن عقدة من مائة وخمس طرق، وقد ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري.
وقال المقبلي في الأبحاث المسددة 244: فإن كان مثل هذا ـ يعني حديث
الغدير ـ معلوماً وإلا فما في الدنيا معلوم .
وقال ابن حجر الهيثمي في الصواعق: رواه ثلاثون من الصحابة وفيه: ((
اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه واخذل من خذله )).
وروى ابن حجر العسقلاني خبر الغدير عن سبعة وعشرين صحابياً. وقال
الذهبي: بهرتني طرقه فقطعت به. اهـ>.
وذكره الزبيدي في لقط اللآلي المتناثرة في الأحاديث المتواترة 205.
وقد اعتنى السيد الأميني النجفي بالتوسع في تخريجه في كتابه الغدير
وهو في إحدى عشر جزءاً.
(1/22)
، فقال له عمر: بخ بخ
لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
وروينا عن المؤيد باللّه بإسناده إلى الصادق جعفر بن محمد الباقر
أنه سُئِلَ عن معنى هذا الخبر، فقال: سئل عنها ـ واللّه ـ رسول
اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: (( اللّه مولاي أولى بي من
نفسي لا أمر لي معه، وأنا ولي (1) المؤمنين أولى بهم من أنفسهم لا
أمر لهم معي، ومن كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معي، فعلي
مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معه )) (2).
وإذا ثبت ذلك فإنه يفيد معنى الإمامة؛ لأنا لانعني بقولنا: فلان
إمام إلا أنه أولى بالتصرف في الأمَّة من أنفسهم، ولأن لفظ المولى
لايفهم منه [إلا] مالك بالتصرف (3)، كما يقال: هذا مولى العبد أي
المالك للتصرف فيه، وهذا يفيد معنى الإمامة كما تقدم.
ومما يدل على ذلك من السنة: (خبر المنزلة)، وهو معلوم كخبر الغدير،
وهو قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم لعلي: (( أنت مِنيِّ بمنزلة
هارون من موسى، إلاّ أنه لانبي بعدي )) (4)
__________
(1) ـ في أمالي المؤيد باللّه: مولى.
(2) ـ أورده المؤيد باللّه هذا النص بلفظة في الأمالي الصغرى 102
(18) محمد بن عثمان النقاش، قال أخبرنا الناصر، عن محمد بن منصور
المرادي، عن علي بن الحسن بن علي الحسيني والد الناصر، عن إبراهيم
بن رجاء الشيباني، عن جعفر الصادق.
(3) ـ في (ط): ولأن المولى يفهم من ملك التعرف. وما أثبته من (س)،
وما بين المعكوفين مني.
(4) ـ خبر المنزلة هذا من الأحاديث المتواترة عند حميع المسلمين،
فقد أخرجه الإمام الأعظم زيد بن علي (ع) في المجموع 407 ـ 408،
والإمام الهادي (ع) في الأحكام 1/38 ، والإمام أبو طالب في ألأمالي
32 عن علي (ع).
وأخرجه محمد بن سليمان الكوفي في المناقب رقم (419)، والمؤيد
باللّه في الأمالي الصغرى 104 (20)، وأبو طالب في الأمالي35
والبخاري 5/99 و 6/18، ومسلم 4/1870 (2404)، والترمذي 5 رقم
(3731)، وابن ماجه 1/42 رقم (175) و 1/45 رقم (121)، والحاكم في
المستدرك 3/109، والبزار 3/276 رقم (1065)، و (1066)، الحميدي في
مسنده 1/38 رقم (71)، وأحمد بن حنبل 1/177 و 1/179، وأبو يعلى في
مسنده 2/86 رقم (739)، و66 رقم (709) و (698)، أبو نعيم في حلية
الأولياء 7/196، والخطيب البغدادي 1/325، والطبراني في الكبير
1/148 رقم (337)، وفي الصغير 2/22، وابن الأثير 4/26 ـ 27، وابن
عساكر في تاريخ دمشق 1/216 رقم (349) (( ترجمة الإمام علي عليه
السلام )).عن سعد بن أبي وقاص.
وأخرجه أحمد 3/32، والبغدادي 4/383 عن أبي سعيد الخدري.
وأخرجه أحمد 6/396 و 438، والطبري في ذخائر العقبى ص 63، والبغدادي
12/323 و 3/406 عن أسماء بنت عميس.
وأخرجه الإمام المرشد باللّه في الأمالي 1/134، والطبراني 2/247
(2035) عن جابر بن عبد اللّه.
وأخرجه ابن عدي 6/2088 و 2222 عن أبي هريرة وعن أم سلمة.
وأخرجه والطبراني في الصغير 2/54 عن حبشي بن جنادة.
(1/23)
، فاستثنى النبوة،
فَدَلَّ ذلك على شموله لخصال الفضل كلها، ومن جملتها مِلْك التصرف
على الأمة، وأنه أولى الخلق بالتصرف منهم، وذلك معنى الإمامة كما
تقدم.
وأما الاجماع فإجماع العترة منعقد على ذلك.
فصل [في إمامة الحسنين]
فإن قيل: لمن الإمامة بعد علي عليه السلام؟
فقل: هي للحسن ولده من بعده، ثم هي للحسين من بعد أخيه عليهما
السلام.
فإن قيل: فما الدليل على إمامتهما؟
فقل: الخبر المعلوم، وهو قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((
الحسن والحسين إمامان؛ قاما أو قعدا، وأبوهما خير منهما )) (1)،
وهذا نَصٌّ جَلِيّ على إمامتهما، وفيه إشارة إلى إمامة أبيهما،
لأنه لايكون خيراً منه إلا إمام شاركه في خصال الإمامة وزاد عليه
فيها، فيكون حينئذ خيراً منه، وهذا واضح، والإجماع منعقد على أنه
لا ولاية لهما على الأمَّة في زمن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم،
ولافي زمن علي عليه السلام إلا عن أمرهما، وأنه لا ولاية للحسين في
زمن أخيه الحسن إلا عن أمره، فبقيت الإمامة مخصوصة بالاجماع.
فصل [في الإمامة بعد الحسنين]
فإن قيل: لمن الإمامة بعدهما؟
__________
(1) ـ أورده الإمام أبو طالب في شرح البالغ المدرك 150 فقال: وروي:
(( الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا )) اهـ . وهذا الخبر متداول
في كتب أصحابنا، والمعروف في كتب الحديث: (( الحسن والحسين سيدا
شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما )). رواه الإمام الهادي في كتاب
العدل والتوحيد 69 (رسائل العدل والتوحيد) مرسلاً، وابن عساكر في
ترجمة الإمام الحسن 78، والحاكم 3/167 وغيرهم عن ابن عمر.
(1/24)
فقل: هي محصورة في
البطنين (1) ومحظورة على من عدا أولاد السبطين، فهي لمن قام ودعا
من أولاد من ينتمي نسبه من قِبَل أبيه إلى أحدهما، متى كان جامعاً
لخصال الإمامة، من: العِلْمِ الباهر، والفضل الظاهر، والشجاعة،
والسخاء، وجودة الرأي بلا امتراء، والقوة على تدبير الأمور، والورع
المشهور.
فإن قيل: ما الذي يدل على ذلك؟
فقل: أما الذي يدل على الحصر فهو أن العقل يقضي بقبح الإمامة،
لأنها تقتضي التصرف في أمور ضارة من القتل، والصَّلب، ونحوهما، وقد
انعقد إجماع المسلمين على جوازها في أولاد فاطمة عليها السلام،
ولادليل يدل على جوازها في غيرهم، فبقي من عداهم لايصلح، ولأن
العترة أجمعت على أنها لاتجوز في غيرهم، وإجماعهم حجة.
وأما الذي يدل على اعتبار خصال الإمامة التي ذكرنا فهو إجماع
المسلمين.
فإن قيل: فَسِّروا لنا هذه الخصال.
فقل: أما العِلْمُ، فإنه يكون عارفاً بتوحيد اللّه وعدله (2)، وما
يدخل تحت ذلك، وأن يكون عارفاً بأصول الشرائع وكونها الأدلة، وهي
أربعة: الكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس، والمراد بذلك (3) أن
يكون فَهِماً في معرفة أوامر القرآن والسنة ونواهيهما، وعامِّهما،
وخاصِّهما، ومجملهما، ومبينهما، وناسخهما، ومنسوخهما، عارفاً
بمواضع الوِفَاق، وطُرُق الخلاف في فروع الفقه، لئلا يجتهد في
مواضع الاجماع، فيتحرى في معرفة القياس والاجتهاد، ليمكنه رَدُّ
الفرع إلى أصله (4) .
وأما الفضل، فأن يكون أشهر أهل زمانه بالزيادة على غيره في خصال
الإمامة أو كأشهرهم.
__________
(1) ـ يعني أولاد الحسن والحسين.
(2) ـ في (ط): وعبادته، وما أثتبه من (س)، وهو الصواب.
(3) ـ قال في الصراط المستقيم: الإشارة إما إلى اللفظ وهو قوله:
عارف بأصول الشرائع وكونها ادلة، أو إلى المعنى وهو بيان القَدْر
المحتاج إليه من الفقه.
(4) ـ في المطبوع: ليمكنه رد الفعل إلى الأصل، وهو غلط.
(1/25)
وأما الشجاعة، فإنه
يكون بحيث لايَجْبُن عن لقاء أعداء اللّه، وأن يكون رابط الجأش (1)
وإن لم يَكُثُر قَتْلُه وقِتَالُه.
وأما السَّخَاء، فأن يكون سخياً بوضع الحقوق في مواضعها.
وأما جَوْدَة الرأي، فأن يكون بالمنزلة التي يُرْجَعُ إليه عند
التباس الأمور.
وأما القوة على تدبير الأمور، فلايكون منه نقص في
عقله (2)، ولا آفة في جسمه، يضعف لأجل ذلك عن النظر في أمور
الدِّين وإصلاح أحوال المسلمين.
وأما الورع، فأن يكون كافّاً عن المقبحات، قائماً بالواجبات.
فرع [في طريق معرفة مواصفات الإمام]
فإن قيل: فما الطريق إلى إثبات كونه على هذه الخصال؟
فقل: أما كونه عالماً فيحصل العلم به للعلماء بالمباحثة والمناظرة،
ويحصل لغيرهم من الأتْبَاع العلمَ (3) بكونه عالماً بوقوع
الإطْبَاق والاجماع على كونه كذلك.
وأما سائر الخصال فلابد من حصول العلم بكونه عليها، وإن كان
غائباً، فإنه يحصل (4) العلم التواتري بذلك، وكذلك حكم العلم إذا
كان غائباً (5)، فإن طريق العلم به الأخبار المتواترة للعلماء
وغيرهم، وإن كان حاضراً فلابد من حصول العلم بكونه جامعاً لها،
لأنها من أصول الدين، فلايأخذ بالأمارات المقتضية للظن بكونه
جامعاً لها.
فصل [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
فإن قيل: فماذا تدين به في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
__________
(1) ـ الجأش: قلب الإنسان. والمعنى: يربط قلبه عن الفرار بالشجاعة
. تاج العروس 17/93 مادة (جأش).
(2) ـ في (ط): وأما الرأي فأن يكون من المنزلة يقدر على تدبير
الأمور فلايكون منه تقصير في عقله. وما أثبته من (س)، وهو الصواب.
(3) ـ في (ط): بالعلم، وهو غلط.
(4) ـ في (ط): فيحصل، والصواب ما أثبته.
(5) ـ في (ط): وكذلك حكم العلم وإذا كان غائباً. وفي (س)، وكذلك
الحكم وإذا كان غائبا وما أثبته من نسخة مصححةً.
(1/26)
فقل: أدين اللّه
تعالى أنه يجب الأمر بالمعروف الواجب والنهي عن المنكر؛ لقوله
تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُوْنَ إِلَى الخَيْرِ
وَيَأمُرُوْنَ بِالمَعْرُوْفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُوْنَ}[آل عمران: 104]، وإنما قلنا:
إنه يجب الأمر بالمعروف الواجب؛ لإجماع المسلمين أنه لايجب الأمر
بالمعروف المندوب، فلم يبق إلا القضاء بالأمر بالمعروف الواجب مع
الإمكان، وإلا بطلت فائدة الآية، ومعلوم خِلافُ ذلك، وقلنا: يجب
النهي عن كل منكر لإجماع المسلمين على ذلك؛ ولأن المنكرات كلها
قبائحٌ فيجب النهي عنها جميعاً مع الإمكان، كما يلزم الأمر
بالمعروف الواجب مع الإمكان.
[المعاد]
فصل [في الوعد والوعيد]
فإن قيل: فماذا تدين به في الوعد والوعيد؟
فقل: أدين اللّه بأنه لابد من الثواب للمؤمنين إذا ماتوا على
الإيمان مستقيمين، ودخولهم جنات النعيم{لاَيَمَسُّهُمْ فِيْهَا
نَصَبٌ وَمَاهُمْ عَنْهَا بِمُخْرَجِيْنَ}[الحجر: 48] {خَالِدِيْنَ
فِيْهَا أَبَداً}.
وأدين اللّه بصحة ماوعد به من سِعَة الجنة، وطِيْب مساكنها،
وسُرُرها الموضوعة، ومآكلها المُسْتَلَذَّة المُسْتَطَابَةِ،
وفواكهِهَا الكثيرة التي ليست بمقطوعة ولاممنوعة، وأنهارِها
الجاريةِ التي ليست بمستقذرة ولا آسِنَةٍ (1)، ولامتغيرةٍ ولا
آجِنَةٍ (2)، وملابسها الفاخرة، وزوجاتها الحِسَان الطاهرة،
والبهية النَّاضِرة (3)، ونحو ذلك مما بَيَّنه اللّه تعالى في
كتابه المجيد، وهو حق لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه تنزيل
من حكيم حميد.
__________
(1) ـ الآسن: ماتغير ريحه تغيراً منكراً.
(2) ـ الآجنة: المختفية المتقطعة.
(3) ـ الناضرة : المشرقة، المستبشرة.
(1/27)
وأدين اللّه تعالى
أنه لابُدَّ من عقاب الكافرين في جهنم بالعذاب الأليم، وشراب
الحميم، وشجرة الزَّقُّوم طعام الأثيم، وأنهم يُخَلَّدون فيها
أبداً، ويلبسون ثياباً من نار، وسرابيل من القَطِرَان (1)، كُلَّما
نضجت جلودُهم بدلهم اللّه جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، وكل ذلك
معلوم من ضرورة الدِّيْن.
فصل [في أهل الكبائر]
فإن قيل: ماذا تدين به في أهل الكبائر سِوى أهل الكفر؟
فقل: أسميهم: فُسَّاقاً، ومجرمين، وطغاة، وظالمين، لإجماع الأمة
على تسميتهم بذلك، ولا أسميهم كفاراً على الإطلاق، ولامؤمنين؛ لفقد
الدلالة على ذلك.
وأدين اللّه تعالى بأنهم متى ماتوا مُصِرِّين على الكبائر فإنهم
يدخلون نار جهنم، ويُخَلَّدون فيها أبدا، ولايخرجون في حال من
الأحوال، لقوله تعالى: {إِنَّ المُجْرِمِيْنَ فِي عَذَابِ
جَهَنَّمَ خَالِدُوْنَ}[الزخرف: 74] (2) ، والفاسق عاصٍ، كما أن
الكافر عاصٍ، فيجب حمل ذلك على عمُومه، إلا ماخَصَّته دَلاَلَةٌ.
وقوله تعالى: {وَالَّذِيْنَ لاَيَقْتُلُوْنَ النَّفْسَ الَّتِيْ
حَرَّمَ اللّه إِلاَّ بِالحَقِّ وَلاَيَزْنُوْنَ وَمَنْ يَفْعَلْ
ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ
القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيْهِ مُهَاناً}[الفرقان: 69]. وإجماع
العترة على ذلك، وإجماعهم حجة.
فصل [في صفة المؤمن وما يجب في حَقِّه]
فإن قيل: فمن المؤمن، ومايجب في حقه؟
__________
(1) ـ السرابيل جمع سربال، والقطران النحاس المذاب.
(2) ـ وفي المطبوعة زيادة: {فيها أبدا} وهي سهو.
(1/28)
فقل: المؤمن من أتى
بالواجبات، واجتنب المُقَبَّحَات، فمن كان كذلك؛ فإنا نسميه:
مؤمناً، ومسلماً، وزكياً، وتقياً، وبراً، وولياً، وصالحاً، وذلك
إجماع، ويجب: إجلاله، وتعظيمه، واحترامه، وتشميته (1) ، وموالاته،
ومودَّته، وتحرم: معاداته، وبُغْضُه، وتَخْطُر نميمته، وغِيْبَتُه،
وهو إجماع أيضاً، ومضمون ذلك أن تُحِبَّ له ماتحب لنفسك، وتكره له
ماتكره لنفسك، وبذلك وردت السُّنَّة (2).
فصل[في صفة الكافر]
فإن قيل: فمن الكافر؟
فقل: من لم يَعْلَمْ له خالقاً، أو لم يَعْلَمْ شيئاً من صفاته
التي يتميز بها عن غيره، من كونه قادراً لذاته، عالماً لذاته، حياً
لذاته، ونحوَ ذلك من صفاته المتقدمة، فمن جحد شيئاً من ذلك أو
شَكَّ أو قَلَّد، أو اعتقد أنه في مكان دون مكان، أو أنه في كل
مكان (3)، أو شَكَّ في ذلك، أو اعتقد له شريكاً أو أنه يفعل
المعاصي أو يُرِيْدُها، أو يَشُكُّ في شيء من ذلك، أو جحد رَسُوْلَ
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، أو رَدَّ ماعُلِم من الدِّين ضرورة
باضطراب أو شك في شيء من ذلك، فهو كافرٌ بالاجماع، ويجوز أن
نسميَه: فاجراً، وفاسقاً وطاغياً، ومارقاً، ومجرماً، وظالماً،
وآثماً، وغاشماً، ونحوَ ذلك من الأسماء المشتقة من أفعاله بلاخلاف.
وإن كان يُظْهِرُ الإيمانَ ويبطنُ الكفرَ، جاز أن نسميه مع ذلك:
منافقاً، بالاجماع.
__________
(1) ـ تشميته: يقال له ـ إذا عطس ـ: يرحمك اللّه.
(2) ـ هذه إشارة إلى الحديث المشهور عن النبي (ص) أنه قال: لايؤمن
أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
(3) ـ يعني أنه جسم في مكان دون مكان أو أنه جسم في كل مكان أما
إذا اعتقد أن اللّه في كل مكان حافظ ومدبر فلا مانع.
(1/29)
ومن كانت هذه حالته ـ
أعني غير المنافق ـ جاز قَتْلُه وقِتَالُه، وحَصْرُه، وأخْذُ ماله،
وتجب معاملته بنقيض ماذكرنا أنَّه يجبُ من حَقِّ المؤمن، وقد ذكرنا
أحكامه مُفَصَّلة في (ثمرات الأفكار في أحكام الكفار) (1).
فصل [في صفة الفاسق]
فإن قيل: فمن الفاسق وماحكمه؟
قلنا: أما الفاسق فهو مُرْتَكِبُ الكبائر سِوَى الكُفْر، نحو
الزَّاني، وشارب الخمرة، والقاذف، ومن فَرَّ من زَحْفِ المسلمين
غير مُتَحَرِّفٍ لقتال ولامتحيز إلى فئة، وتاركُ الجهادِ بَعْدَ
وجوبه عليه، وتاركُ الصَّلاة، والصِّيام، والحج، مع وجوب ذلك عليه،
غَيْرُ مُسْتَحِلٍّ لتركه ولامُسْتَخِفٍّ (2)، والسارق من سرق
عَشَرَةَ دراهمَ ـ أي قفلة (3) ـ فما فوق بغير حق، ونحو ذلك من
الكبائر، فمن فعل ذلك أو شيئاً منه، فإنه يجوز أن نسميه بالأسماء
المتقدمة قبل هذه في الكافر، إلا لفظ: الكافر، والمنافق، فإن
ماعداهما إجماع أنه يجوز تسميته به، وأما المنافق فلابد من دلالة
تدل على جواز إطلاقه عليه، وأما لفظ: الكافر، فمنعه كثير من
العلماء، وأجاز إطلاقَه جماعةٌ مع التَّنْبِيْه، فقالوا: هو كافر
نعمة، وهو الصحيح؛ لأنه مروي عن علي عليه السلام، وهو إجماع
العترة، ولِمُوَافقة الكتاب.
وأما حكمه فحكم الكافر فيما تقدم إلا القتل والقتال، وأخذ الأموال
فلايجوز إلا بالحق، ولايجوز قتله على الإطلاق، وكذلك حصره فلايجوز
بحال من الأحوال.
فرع [في الفرق بين فعل اللّه وفعل العبد]
فإن قيل: ما الفرق بين فعل اللّه وبين فعل العبد؟
__________
(1) ـ ثمرات الأفكار: اسم كتاب للمؤلف رحمه اللّه.
(2) ـ لأنه مع الاستحلال والاستخفاف يصير كافراً.
(3) ـ القفلة: الوزن من الدرهم، وهو في نصاب السرقة وزن ثمان
وأربعين شعيرة فضة خالصة كما هو مقرر للمذهب. أفاد ذلك في الصراط
المستقيم.
(1/30)
فقل: فعل اللّه جواهر
وأعراض وأجسام، يعجز عن فعلها جُمْلَة الأنام، ومضمونه أن كلما وقف
على قصد العبد واختياره تحقيقاً أو تقديراً فهو فعله (1)، ومالم
يكن كذا فليس بفعله.
فصل [في أنه لابد من الموت والفناء]
ثم قل أيها الطالب للنجاة: وأدين اللّه تعالى بأنه لابد من الموت
والفناء، والإعادة بعد ذلك للحساب والجزاء، والنفخ في الصُّور،
وبعثرة القبور، والحشر للعرض المشهور، والإشهاد على الأعمال بغير
زور، ووضع الموازين، وأخذ الكُتُبِ بالشمال واليمين، والبعث
والسؤال للمكلفين، وأن ينقسموا فريق في الجنة وفريق في السَّعير،
وكل ذلك معلوم من ضرورة الدين، وأنه لابد من المناصفة (2) بين
المظلومين والظالمين، لدلالة العدل بيقين.
فصل [في الشفاعة]
فإن قيل: ماتقول في الشفاعة؟
فقل: أدين اللّه تعالى بثبوتها يوم الدين، وإنما تكون خاصة
للمؤمنين ـ دون من مات مُصِرّاً من المجرمين على الكبائر ـ ليزيدهم
نعيماً إلى نعيمهم، وسروراً إلى سرورهم، ولمن ورد العَرْضَ (3) وقد
استوت حسناته وسيئاته، فيشفع له النبي صلى اللّه عليه وسلم؛ ليرقى
درجةً أعلى من درجةِ غيرِ المكلفين من الصبيان والمجانين، وإنما
قلنا: إنه لابد من ثبوتها، لقوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ
رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوْداً}[الإسراء: 79]، قيل: هو الشفاعة (4)،
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( من كذب بالشفاعة لم ينلها يوم
القيامة )) (5).
__________
(1) ـ يعني العبد.
(2) ـ في (س): التناصف.
(3) ـ العرض : يوم القيامة.
(4) ـ روى ذالك غير واحد أن ظر كنز العمال : 14/ 390 وما بعدها.
(5) ـ أورده القرشي في شمس الأخبار 2/388 نقلا عن مسند الشهاب.
(1/31)
وأما أنها تكون لمن
ذكرناها، فلقوله تعالى: {مَالِلظَّالِمِيْنَ مِنْ حَمِيْمٍ
وَلاَشَفِيْعٍ يُطَاعُ}[غافر: 18]، {مَالِلظَّالِمِيْنَ مِنْ
أَنْصَارٍ}[البقرة: 270]، وقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((
ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي )) (1)، وقوله تعالى: {وَلاَيَشْفَعُوْنَ
إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى}[الأنبياء: 28] كل ذلك يدُلُّ على ماقلنا.
وتم بذلك ما أردنا ذكره للمسترشدين، تعرضاً منا لثواب رب العالمين،
ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت
الوهاب. وصل اللّهم وسلم على محمد صفيك وخاتم أنبيائك، وعلى آله
سفن النجاة آمين، وتوفنا مسلمين آمين اللّهم آمين.
__________
(1) ـ قيل: أنه رواه الحسن البصري عن النبي (ص)، ولم أقف عليه
مسندا في كتب الحديث، لاعند أئمتنا ولا عند غيرهم، وقيل إنه من
كلام الحسن البصري.
(1/32)

|