|

الكاشف
الأمين عن جواهر العقد الثمين
تأليف العلامة
الفقيه العزي محمد بن يحيى مداعس
رضي الله عنه
من إصدارات
مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية
ص.ب. 1135، عمان 11821
المملكة الأردنية الهاشمية
www.izbacf.org
(1/1)
خطبة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وهو حسبنا ونعم الوكيل
الحمد لله الذي أنشأ أصناف الموجودات، وجعلها دليلا على ربوبيته
وانفراده بأزليته، وألزمها إمكان الزيادة والنقصان لإقامة الحجة
على إحداثه لها، وجواز فنائها باقتداره ومشيئته، ووسمها بالأعراض
المختلفات والمتشابهات ليرشد قلوب العارفين أنه لا يشبه شيئاً من
بريته، الحي الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وكل
شيء عنده بمقدار، السميع البصير الذي يدرك خفيات الأصوات، ويشاهد
ما في قعور البحار وما تحت كثيفات الأستار، المتعالي عن إداركه
بالأبصار، والمتقدس عن توهمه بالأفكار، القريب إلى خلقه بتدبيره
إياه حسبما يريد، والرقيب على ضمائر الصدور وهو أقرب إلى الإنسان
من حبل الوريد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة
صادرة عن محض الإيقان، ناطقة بأفصح البيان، مقرونة بأعظم البرهان
الواحد الأحد في قِدمه بلا ثاني، والفرد المتفرد بوجوب بقائه بلا
حاجة له إلى شيء من المعاني، سبحانه هو الغني عما سواه على
الإطلاق، وهو الذي خلق الموت والحياة، وقدر القدرة والدراية في
خلقه على وَفْق الحكمة والاتساق، فكيف يقال بقدم شيء من هذه
الأوصاف المختلفة الماهِيَّات، والمتشابهة الكيفِيَّات، والمخلوقة
الآنيات، وتجعل قائمة بذات باري البريات، تعالى عما يقوله الجاهلون
وإن توهم ذلك وزخرفه المبطلون، وأشهد أنه العدل الحكيم الذي لا
يقضي بالفساد، ولا يريد شيئاً من معاصي العباد الذي أمر بالطاعات
ليثيب عليها، ونهى عن المعاصي وزجر عنها، ولم يأمر العباد إلا بما
يطيقون، ولم يزجرهم عما هم به مطوقون، وأشهد أن محمداً عبده ونبيه
الذي أرسله بالحق بشيراً ونذيراً، وجعله داعياً إليه بإذنه وسراجاً
منيرا، وأنزل عليه كتاباً عربياً أحدث كلماته وفصلها تفصيلاً،
وجعل? مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ
مُتَشَابِهَاتٌ?{آل عمران:7}،
(1/2)
ليبلوهم أيهم أحسن
عملاً وأصدق تأويلاً، وجعله المعجزة الباقية ببقاء شرعه إلى منقطع
التكليف. وقرنه بالعترة النبوية إلى أن يردا عليه الحوض يوم العرض
على الخبير اللطيف، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الذين أذهب عنهم
الرجس وطهرهم تطهيراً وعلى أصحابه الذين اتبعوهم بإحسان أولاً
وأخيراً.
وبعد: فلما كان المختصر الموسوم بالعقد الثمين في معرفة رب
العالمين وعدله في المخلوقين، ونبوة النبيين، وحصر الإمامة في الآل
الطاهرين وغير ذلك من سائر مسائل أصول الدين مؤلف مولانا الإمام
الناقد البصير الأمير الكبير شرف الإسلام ناشر علوم عترة سيد
الأنام الحسين بن محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى بن الناصر بن الحسن
بن عبد الله بن الإمام المنتصر بالله محمد بن الإمام المختار لدين
الله القاسم بن الإمام الناصر لدين الله أحمد بن الإمام الهادي إلى
الحق القويم يحيى بن الحسين عليهم السلام، من أجل الكتب التي
أُلِّفت بهذا الفن على معتقد أئمتنا عليهم السلام في المعارف
الإلهية، وسائر مسائل الأصول الدينية التي يلزم المكلف معرفتها ولا
ينبغي لمسلم أن يجهل مقالهم فيها وأدلتها.
(1/3)
سبب التأليف
ولم أكن قد وقفت على شرح له ينشر طوياته، ويظهر خفياته، ويبرز ما
لمح إليه ذلك الإمام من غوامض الكلام، ويحرز ما جمعه ذلك الهمام من
درر غوص أولئك الأعلام الذين هم حجج الله على كافة الأنام، إلا ما
كان وضعه شيخنا صفي الإسلام وخاتمة المحققين في الكلام تغشاه الله
بواسع الرحمة والإكرام من التحشية بهامشه، وهي لعمري مفيدة أي
إفادة، ولكنها لما وضعت بالهامش على سبيل التعليق، والزيادة صارت
بالنسبة إلى من لم يعرف قدرها بمنزلة الدُّر الموضوع في باطن
القلادة، ومن ثمة لم يحفل بنقلها إلا الخواص الراغبون في التحقيق
والإجادة، فاستخرت الله سبحانه في استخراج ما خبي عن خِدرها المصون
وإدماج ما زوي من درها المكنون في ما سنح من لآلئ مغاصات أفكار
أئمة الهدى وحجج الله على خلقه إلى يوم الندا، وأجعل الجميع شرحا
لذلك الكتاب الذي يحق أن تشد إليه الرحال، وأن يعول عليه بجميع
الإقبال في البكور والآصال، وذلك مع قِصَر الباع ونزر الإطلاع غير
أني أتمثل ببعض قول سلفنا الصالح رحمه الله تعالى:
لك الحمد من حزب الوصي جعلتني .... ومن تابعي آل الرسول لك الحمد
لك الحمد إذ دليتني وهديتني .... إلى مذهب الآل الشريف لك الحمد
لك الحمد لم أختر سواهم ولم أقل .... بغير مقال جاء عنهم لك الحمد
لك الحمد إذ جنبتني وحميتني .... عن الميل عن آل النبي لك الحمد
لك الحمد إذ صيرتهم مأمن الورى .... وسفن نجاة للعباد لك الحمد
لك الحمد إذ نزهتهم عن مُدَنِّسٍ .... وأذهبت كل الرجس عنهم لك
الحمد
لك الحمد هذا يا إلهي وسيلتي .... أريد به غفران ذنبي لك الحمد
لك الحمد وأختم بالصلاة مُسَلِّماً .... على أحمدٍ والآل يا من لك
الحمد
وسميته الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين، والله المسئول أن
يجعله ذخيرة ليوم الدين نافعاً للمسترشدين، دامغاً لأناف أهل
الإلحاد وسائر المعاندين.
(1/4)
مقدمة: في علم الكلام
اعلم وفقك الله أن الخلق المصدقين بالله تعالى ورسله واليوم الآخر
على اختلاف شرائعهم ومذاهبهم الفروعية فيما اختلفوا فيه واتفاق
معتقداتهم الأصولية فيما اتفقوا فيه تتفاضل درجاتهم عند الله عز
وجل، وتتفاوت مراتبهم في الثواب بين الجزيل والأجزل فأرفعهم درجة
عنده تعالى أعرفهم به، وأشدهم خوفاً وحياءً منه وأقواهم إيماناً
وإيقاناً وأثبتهم استدلالاً وإمعاناً، وأمكنهم طمأنينةً وإذعاناً،
وأنهضهم برهاناً وسلطاناً على من جحده تعالى أو ألحد في توحيده أو
اغتاب في عدله وصدق وعده ووعيده، وأغرقهم معرفةً بكيفية إبطال شبه
الإلحاد والتعطيل، وأكثرهم بحثاً ونظراً في معرفة معاني المتشابه
الذي يجهله أهل الزيغ والضلال حججاً على أهل التوحيد والتعديل وما
يتبعهما من مسائل النبؤات والإمامة والتفضيل والشفاعة، وسائر أحوال
المعاد بالإجمال أو التفصيل فمن هنا كانت الملائكة والأنبياء صلوات
الله وسلامه عليهم أفضل الخلق عند الله وأقربهم إليه وأرفعهم درجة
إليه، ثم أوصياء الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم سائر
المؤمنين، على حسب تفاوت مراتبهم في العلم بالله تعالى والخشية له
والفرار من موجب عقابه، والمبادرة إلى ما يوجب زيادة معرفته تعالى
ونيل ثوابه ما ذاك إلا لتفاوتهم في السبب المقتضي لتلك المفاضلة
والأمر المفضي بصاحبه إلى أي مرتبة من المراتب العالية أو النازلة،
ومن ثمة قال تعالى ?هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ
بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ?{آل عمران:163}، وقال تعالى: ?وَلِكُلٍّ
دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا? {الأحقاف:19}، وقال: ?اللَّهُ أَعْلَمُ
حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ? {الأنعام:124}وقال تعالى: ?تِلْكَ
الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ?{البقرة:253}، وقال
تعالى: ?شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ
وَالْمَلآَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ ?{آل عمران:18}، فلم
يَعتدَّ سبحانه
(1/5)
وتعالى بشهادة غير
أولي العلم، والمراد بأولي العلم به لصحة تلك الشهادة، لأن
العاَلِم وإن تبحر في سائر فنون العلم مع تقصيره في هذا الفن
الشريف فليست شهادته إلا كشهادة غيره من العوام بل قد يكون العامي
أسلم منه لعدم إطلاعه على ما يقدح في الاعتقاد الصحيح من المذاهب
المتعارضات، والتمسكات التي اعتمدها أهل الضلال، والآيات
المتشابهات والأحاديث المضطربات والموضوعات وقال تعالى: ?إِنَّمَا
يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ? {فاطر:28}، وهذه
الآية كالتي قبلها في أن المراد العلم بالله وما يحق له من الصفات
الإثباتية والنفيية التي تنتج معها الخشية كل الخشية من الله
تعالى، من أنه تعالى قادر على كل شيء، وعالم بكل شيء مع تحرير
الأدلة القطعية على ذلك، ومنه ينتج العلم بالله أنه قادر على إعادة
المكلَّف إلى عرصة المحشر، وعالم بجميع أعماله، وأنه صادق فيما
أخبر به على ألسنة رسله وأنبيائه وسائر حججه على خلقه من الثواب
لمن أطاع والعقاب لمن عصى، وأنه عدل لا يكذب ولا يعذب أحداً إلا
بذنبه، ولا يثيبه إلا بعمله، وأنه حكيم لا يخلق الفساد ولا يريده
من العباد، وأنه لا شفاعة ولا ناصر ولا مفر لأعداء الله منه، فعند
العلم بجميع ذلك تحصل الخشية من الله تعالى، وتتفاوت الخشية على
قدر تفاوت العلم وقوته وضعفه بتلك المعارف وما يدل عليها، وقد أشار
صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا المعنى بل صرح فيما أخرجه الإمام
الموفق بالله عليه السلام عن أنس قال صلى الله عليه وآله وسلم لما
جاءه سائل قال: يا نبي الله علمني غرائب العلم قال: " أعلمك رأس
العلم خير لك، تعرف الله حق معرفته، وتستعد للموت قبل نزوله، فقال
زدني؛ فقال: حسبك إن عرفت الله حق معرفته لم تعصه "، وأخرج ولده
الإمام المرشد بالله عليهما السلام والحافظ بن عقدة رحمه الله
تعالى عن علي عليه السلام في قوله تعالى: ?إِنَّمَا يَخْشَى
اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ
(1/6)
?، قال أعلم الناس
بالله أشدهم خشية، وأخرجا أيضاً عن زيد بن علي عليهما السلام في
قوله تعالى: ?إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَاءُ ?، قال: على قدر منازلهم في العلم بالله شدة خشيتهم،
وأخرج الدارمي في مسنده عن عطاء قال: " قال موسى يا رب أي عبادك
أغنى؟ قال: أرضاهم بما قسمت له ؛ قال: يا رب أي عبادك أحكم ؟ قال:
الذي يحكم للناس كما يحكم لنفسه ؛ قال أي عبادك أخشى لك؟ قال:
أعلمهم بي ".
(1/7)
فصل في فضل علم
الكلام
دل ذلك على فضل هذا العلم وشرفه على سائر العلوم، وقد استدل على
فضله بوجوه أخرى:
أحدها: أن العلم يشرف بشرف معلومه، ولا أشرف من معلوم هذا العلم
لأن معلومه هو الله تعالى وعدله، وحكمته، وأنبيائه، ووعده، ووعيده.
ثانيها: عظم نفعه، ولا نفع أعظم من نفع هذا العلم.
ثالثها: عظم الخطر في الجهل به، ولا أعظم خطراً من الجهل بالله
تعالى وأنبيائه ونحو ذلك.
ورابعها: خساسة ضده، ولا أخس من الجهل بالله تعالى ونحو ذلك.
خامسها: استغنائه عن سائر العلوم وافتقار سائر العلوم إليه.
ولا شك أن هذا العلم لا يحتاج إلى غيره من سائر العلوم، فأما هي
فإنها تحتاج إلى هذا العلم احتياج الفرع إلى ثبوت أصله، لأنها إنما
احتيج إلى معرفتها ليتمكن المكلَّف بمعرفتها من معرفة الأحكام
الشرعية، ولا يحسن الكلام في الأحكام الشرعية إلا بعد معرفة الشارع
وصدق المبلغ، دليله إجماع الأمة على عدم صحة عبادة الكافر حتى يسلم
لأنه مخاطب بما هو أهم وهو الإسلام المتضمن للإيمان بالله وملائكته
وكتبه ورسله وصدق المعاد وما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم ضرورة كالواجبات والمحرمات القطعية، قال السيد الهادي عليه
السلام : فصارت منزلة هذا العلم من سائر العلوم بمنزلة الإمام من
المؤتمين من حيث أنه حاكم على جميعهم ولا يحكم عليه أحد منهم.
قلت: ولله در السيد يحيى بن منصور العفيف رحمه الله تعالى حيث
يقول:
(1/8)
إذا كان تقديم الأصول
فريضة .... وكان بها التفضيل أقرب للحصول
فتقديمها في العقل أول واجبٍ .... وتقديمنا للفرع من سفه العقول
فدونك إثرها لتنجو بها غداً .... وتعرف ذا العلم الصحيح من الجهول
ولا تؤثرن الفرع قبل أصوله .... فيشغلك تطويل الفروع عن الوصول
وتصبح في بحر من اللبس واسع .... تود زوال الشك يوماً فلا يزول
وحسبك فيما قلت أحمد قدوة .... فلم يؤثر المختار شيئاً سوى الأصول
ولم يك بالإجماع للخلق داعياً .... إلى غيره مما تفرع من مقول
وحسبك هذا إن جهلت سبيله .... عدول بنيه الطيبين بني البتول
هُمُ معدن الفتوى وهم معدن الهدى .... وهم باب سلم في الحديث عن
الرسول
وهم وارث علم الكتاب وأهله .... بنص كتاب الله فاسمع لما نقول
ولا تَيْقَنَن مهما يَقِنْت بغيرهم .... فكل امرء يوم الحساب لهم
سئول
ومن مال منهم فالخليفة غيره .... فما قال خير الناس كلهم عدول
وهذا على وجه النصيحة ما أرى .... وأنت على التخيير في الترك
والقبول
تنبيه: لا بد لطالب كل فن من معرفة حدِّه، وموضوعه، وغايته، فلنذكر
هذه الأمور الثلاثة لهذا العلم الشريف المسمى: علم الكلام، ولِمَ
سمي علم الكلام ؟
(1/9)
حد علم الكلام
أما حدُّه: فهو علم بأصول يتوصل بها إلى معرفة الله تعالى وتوحيده
وعدله، وما يترتب عليهما، فقولنا: علم، جنس الحد ؛ وقولنا: بأصول،
خرج به علم الفروع وعلم العربية ونحوهما ؛ وقولنا: يتوصل بها إلى
آخره، خرج بذلك علم أصول الفقه وأصول الشرائع ؛ ونعني بالأصول
هاهنا القواعد الكلية والقوانين العقلية، كقولنا: القديم قديم
بذاته بمعنى أنه لا يحتاج إلى غيره يجعله قديماً، والمحدَث يحتاج
إلى مُحدِث والشيء لا يُحدِث نفسه، والضدان لا يجتمعان، والنقيضان
لا يجتمعان ولا يرتفعان، والمختلفان يصح فيهما الاجتماع والارتفاع،
والمثلان يسد كل واحد منهما مسد الآخر، والجسم يقوم بنفسه لا يخلو
عن العرض ولا بد له من حيز يكون فيه ويجوز عليه التجزيء والانقسام
ويستحيل عليه الكون في جهتين في وقت واحد، والعرض لا يقوم بنفسه
فلا بد له من جسم يقوم به، وما حله المحدَث فهو محدَث مثله، إلى
غير ذلك من القواعد الكلية التي لا تنتقض أصلاً، والقوانين العقلية
التي تعرف صحة كل شيء أو فساده برده إليها، وقولنا: وما يترتب
عليهما، نريد به إدخال مسائل النبوة والإمامة والوعد والوعيد
والمنزلة بين المنزلتين والشفاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وأحوال المعاد إلى غير ذلك مما يذكر في هذا الفن ؛ قال القاضي
العلامة أحمد بن يحيى حابس رحمه الله تعالى: ونعني بالترتيب
الترتيب الأخص بحيث لا يصير أحدهما أصلا والثاني فرعاً، فلا يرد
دخول مسائل الشرع الفرعية في قيد الترتيب.
قلت: وفي تفسيره الترتيب الأخص بقوله: بحيث لا يصير أحدهما أصلاً
والثاني فرعاً، نظر، إذ من المعلوم أن العدل والتوحيد أصلان يتفرع
عليهما جميع ما ذكر، فالقياس تفسير الترتيب الأخص اللازم باللزوم
عنهما لزوماً أولياً بحيث يشاركهما في وجوب الاعتقاد والتصديق،
ويصير الجميع أصولاً يجب معرفة كل واحد منها على حدته.
(1/10)
موضوع علم الكلام
وأما موضوعه الذي يستمد منه: فهو المشاهدات والمعقولات بإجالة
الفكر فيها لإعمال تلك القواعد، وإجراء تلك القوانين المذكورة،
وبعضه يستمد مع ذلك من السمع وذلك ما لا يتوقف صحة السمع عليه كنفي
الرؤية ونفي الثاني ومسألة المجازاة، وبعضه من السمع فقط كالأحكام
والأسماء الجارية على المكلفين باعتبار حصولهم على تلك العقائد
وفعل الطاعات وترك المعاصي أو عدمه، فالأحكام:كالإيمان، والإسلام،
والكفر، والنفاق، والفسق، والموالاة، والمعاداة، والأسماء، كقولنا:
مؤمناً، ومسلماً، وباراً، وتقياً، وعدلاً، وكقولنا: كافراً،
ومنافقاً، وفاسقاً، وفاجراً، وطاغياً، وكثبوت الشفاعة، واعتقاد
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك مما طريق ثبوته
السمع فقط من مسائل الاعتقاد.
(1/11)
ثمرة علم الكلام
وأما غايته: وهي ثمرته وهي معرفة الله تعالى وتوحيده وعدله وما يحق
له من الصفات والأسماء والأفعال وما يجب نفيه من ذلك، ومعرفة نبوءة
أنبيائه وما يترتب على ذلك حسبما ذكر.
(1/12)
لم سمي علم الكلام
وأما لِمَ سمي علم الكلام؟ فقيل: لكثرة الكلام فيه، لأنه يتكلم فيه
على جميع الأشياء من الجائز والواجب والمستحيل والموجود والمعدوم
والقديم والمحدث والجسم والعرض والجوهر والحي والميت والجماد
والحيوان والقادر والعاجز والعالم والجاهل إلى غير ذلك من الأقسام
والأوصاف، وقيل:اسم غلب عليه كما غلب علم النحو على علم الإعراب
والبناء،وعلم الفقه على الفروع ونحو ذلك، وقيل: لأن أول مسألة حدثت
فيه في الكلام الذي هو القرآن هل هو كلام الله ؟ وهل هو مُحدَث أم
لا ؟
وهذا أوان الشروع في المقصود، والإعانة والتمام على الملك المعبود.
(1/13)
سند الكتاب
فأقول وبالله أصول: هذا الكتاب المبارك المسمى العقد الثمين في
معرفة رب العالمين أرويه سماعاً على شيخنا العلامة عز الإسلام محمد
بن علي زايد تغشاه الله بواسع الرحمة والإكرام، وأرويه إجازة
ومناولة عن الصنو العلامة عز الإسلام محمد بن عبد الله الجنداري
أطال الله بقاه، وكلاهما يرويانه عن شيخهما السيد العلامة عز
الإسلام محمد بن علي الجديري رحمه الله تعالى، وهو يرويه سماعاً عن
شيخه العلامة عز الإسلام محمد بن علي كُباس رحمه الله، وهو عن
السيد عز الإسلام محمد بن إسماعيل الكبسي رحمه الله، عن والده
السيد العلامة إسماعيل بن محمد الكبسي رحمه الله تعالى، وهو عن
والده السيد العلامة محمد بن يحيى الكبسي، وهو عن السيد العلامة
شرف الإسلام الحسين بن يوسف زبارة رحمه الله، وهو عن والده السيد
العلامة يوسف بن أحمد زبارة رحمه الله، وهو عن السيد العلامة أحمد
بن عبد الرحمن الشامي، وهو عن السيد العلامة الحسين بن أحمد بن
صلاح، عن السيد عامر بن عبد الله بن عامر بن علي، وهو عن الإمام
المتوكل على الله إسماعيل رضوان الله عليه، وهو عن والده الإمام
المنصور بالله القاسم بن محمد عليهم السلام، عن السيد العلامة أمير
الدين بن عبد الله بن نهشل رحمه الله، عن السيد العلامة أحمد بن
عبد الله الوزير، وهو عن الإمام المتوكل يحيى شرف الدين عليهم
السلام، عن الإمام صارم الدين إبراهيم بن محمد الوزير عليهم
السلام، عن السيد أبي العطايا عبد الله بن يحيى بن المهدي الزيدي
نسباً ومذهباً، عن والده يحيى بن المهدي، وهو عن الإمام الواثق
بالله المطهر بن محمد بن المطهر، عن والده الإمام المهدي لدين الله
محمد بن المطهر، وهو عن الإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى،
وعن المؤيد بن أحمد، وهما عن المؤلف الناصر للحق الأمير الحسين بن
الأمير الأجل بدر الدين محمد بن أحمد سلام الله عليهم أجمعين.
(1/14)
وأيضاً وسيدي العلامة
محمد بن علي الجديري رحمه الله يرويه سماعاً عن سيدي محمد بن
إسماعيل الكبسي، وبالسند المتقدم ؛ ويرويه أيضاً من طريق آخره
بالإجازة بسند آخر متصلٌ بالمؤلف عليه السلام .
وأيضاً أرويه مناولة وإجازة عن شيخي السيد العلامة علم الإسلام
والمسلمين قاسم بن حسين أبو طالب أطال الله بقاه.
(1/15)
الباب الأول في
التوحيد وما يتصل به
[ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله المختصِّ بصفات الإلهية
والقِدم، المتعالي عن الحدوث والعَدَم ].
ابتدأ عليه السلام بالبسملة، وأتبعها بالحمدلة اقتداء بكتاب الله
العزيز وعملاً بأحاديث الابتداء كلها، وقد ذكر منها شيخنا صفي
الإسلام بعضاً في سمط الجمان، وذكرها غيره فلا نطيل الكلام بذكرها.
(1/16)
وجوب شكر المنعم
ولأنه قد تقرر في العقول وجوب شكر المنعم فيكون ذكر الله والبداية
بالبسملة والحمدلة بعض ما يجب من أداء ذلك الشكر، وقد خالف أهل
الجبر في وجوب شكر المنعم عقلاً، وإنما وجب عندهم بالسمع فقط، قال
صاحب جمع الجوامع: وشكر المنعم واجب بالشرع لا بالعقل ولا حكم قبل
الشرع بل الأمر موقوف إلى وروده، وحكَّمَت المعتزلة العقل إلى آخر
كلامه، وهذه إحدى فواقرهم المتفرعة على القول بالجبر، ويقال لهم:
إذا كان العقل عندكم لا يحكم باستحقاق المنعم الشكر كان طلب الباري
تعالى من الخلق أن يشكروه طلبا لما ليس له ولا يستحقه فيلزم تصويب
الكفار في عدم شكرهم نعم الله تعالى، ولو كان كذلك لما ورد الشرع
بذمهم على ذلك على أن العقلاء قاطبة يتفقون على مدح من أحسن إليهم
وذم من أساء إليهم بل ذلك جِبِلَّة في سائر الحيوانات تميل إلى من
أحسن إليها وتنفر عمن أساء إليها، وبعضها يرجع إلى الإضرار به ومن
ثمة يقال: جُبِلَت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء
إليها.
وأما قوله: وحَكَّمت المعتزلة العقل، فإنما أتى بهذه العبارة وقصر
القول بشكر المنعم عقلاً على المعتزلة لقصد التحقير والتنفير عن
ذلك القول، وإلا فهو قول قرناء الكتاب العترة النبوية والسلالة
العلوية عليهم السلام، وهو معلوم من حال جميع العقلاء، وكافة فرق
الإسلام لا يخالف في ذلك سوى أهل الجبر، وهذه قاعدة لهم فاحفظها
إذا تكلموا في مسألة من مسائل الجبر لم يحكوا فيها الخلاف ولم
ينسبوه إلا إلى المعتزلة، ويعرضون عن الالتفات إلى مذاهب العترة
الطاهرة شموس الدنيا وشفعاء الآخرة سلام الله عليهم.
(1/17)
معنى الاسم
والاسم: هو اللفظ الدال على ذات مسماه الذي وضع لتعيينها عن غيرها،
قيل: هو مشتق من السمة وهي العلامة، وقيل: من السمو وهو العلو،
لأنه على الأول صار علامة لتلك الذات عند الخبر عنها والإسناد
إليها، وعلى الثاني لأنه يسمو بتلك الذات ويرفعها إلى الأذهان عند
الخبر عنها.
(1/18)
لفظ الجلالة
والله: اسم للباري تعالى بإزاء صفات مدح وهي: أنه قادر على كل
المقدورات، عالم بجميع أعيان المعلومات وأحوالها، وأنه حي دائم بما
ليس له ابتداء ولا انتهاء، ومعنى كونه بإزائها: أنه متى أطلق هذا
الاسم الشريف وفُهمت تلك الصفات، فلهذا لا يجوز إطلاقه على غير
الباري تعالى، واختُلِف هل هو مشتق أم لا؟ وهل هو منقول أم لا؟ وهل
هو عَلَم أم لا؟ فقيل: مشتق من الوله: وهو الفزع، لأنه يُفزع إليه
تعالى عند المهمات، وهي رواية شيخنا صفي الإسلام في سمط الجمان عن
القاسم يعني - ابن إبراهيم عليهما السلام - وحكى في هامشه عن
الناصر للحق الحسن بن علي في البساط، والناصر أبي الفتح الديلمي في
تفسيره، والمنصور بالله في شرح الرسالة، وحكي أيضا عن أبي القاسم
البلخي، وقيل: من التأله وهو التعبد، وحكاه أيضاً عن القاسم عليه
السلام، وقيل: من الوله وهو التحير لأن العقول تتحير في كُنْه ذاته
تعالى، قال مولانا الحسين بن القاسم عليهما السلام، وأصله الإلاه
حذفت الهمزة وعوض عنها حرف التعريف تخفيفاً ولذلك لزمت، وذهب والده
الإمام القاسم بن محمد قدس الله روحه في الأساس، وحكاه الشارح عن
الجمهور إلى أنه غير مشتق ولا منقول، قال سيدي العلامة الوجيه عبد
الكريم بن عبد الله رحمه الله تعالى وهو المختار إذ ما سواه يحتاج
إلى وحي، وقال النحاة: بل هو عَلَم، قال في الأساس: قلنا العلم
وُضِعَ لتمييز الذات عن جنسها والله تعالى لا جنس له إلى آخر كلامه
عليه السلام .
قلت: وأيضاً فإن الأعلام لا تدل على زيادة على تمييز الذات عما
سواها، ولهذا إذا كان الاسم مشتقاً من معنى يدل عليه كصالح وهادي
ثم وضع عَلَماً لذات صار كأنه قد تُنوسي فيه ذلك المعنى ونُزِّل
منزلة الأسماء الجامدة كبكر وهند ونحوهما، وقد علمنا أن هذا الاسم
الشريف متى أطلق فهمت منه تلك الصفات الحميدة.
قالوا: هو من الأعلام الغالبة التي بقي ملحوظاً فيها معنى ما اشتقت
منه كالحارث والصعق.
قلنا: كان يلزم جواز إطلاقه على غير الله قبل الغلبة ولا قائل به.
(1/19)
صفة الرحمن الرحيم
والرحمن الرحيم: صفتان مشتقتان من الرحمة وإطلاقهما على الله تعالى
مجاز لأن معناهما الحقيقي الحنو والرأفة، ويلزم منهما فعل جلب
النفع ودفع المضار ممن قاما به وإيصال ذلك إلى الشخص الذي جلب له
النفع ودفع عنه الضرر، فاستعمل اللفظ في حق الباري تعالى، والمراد
لازمه تَجَوُّزاً هذا قول المهدي عليه السلام والجمهور، وقال
القاسم بن محمد عليهما السلام: بل صارا حقيقتين دينيتين منقولتين
عن المعنى اللغوي إلى المعنى الآخر وهو جلب النفع ودفع الضرر بنقل
الشارع إلى الحقيقة الدينية كنقل الإمام ونحوه، والأظهر الأول
والله أعلم.
والحمد: هو الثناء بالجميل على الجميل الاختياري، قال سيدي الحسين
بن القاسم عليهما السلام: وأطلق الجميل الأول لأن وصفه تعالى
بصفاته الذاتية حمد له، وقيد الثاني بالاختياري لأنه لم يسمع:
حَمِدْتُ اللؤلؤة على صفائها، بل مدحتها والمدح أعم مطلقاً من
الحمد.
فإن قلت: يستلزم أن لا يكون ثناء الله تعالى على صفاته الذاتية
حمداً وهو خلاف ما عليه الاتفاق.
قلت: قد أجيب عنه بجوابات أمثلها الحمل على المجاز لكون تلك الصفات
مبادئ أفعال اختيارية، انتهى كلامه والمسك ختامه، وقوله: الحمل على
المجاز - يعني أن الحمد مجاز عن المدح -.
(1/20)
صفات الذات الإلهية
قوله عليه السلام [ المختص بصفات الإلهية ]، قال شيخنا رحمه الله
في حاشيته: هي قادر، عالم، حي، موجود، وما يرجع إليها كسميع وبصير،
وقديم، وتسمى صفات الذات والذاتية.
قلت: وفي تفسير صفات الإلهية بذلك نظر فإن مجرد الاتصاف بما ذكر لا
يسلم أنه صفات الإلهية لأنها صفات شائعة في غيره تعالى حتى يقال:
قادر على كل المقدورات عالم بكل المعلومات، حي دائم لم يزل ولا
يزول، ولعله رحمه الله تعالى وضع المطلق موضع المقيد ففي ذلك
تسامح، وقوله وما يرجع إليها كسميع وبصير وقديم يعني، أن سميعاً
بصيراً ليسا صفتين مستقلتين، بل مرجعهما إلى عالم عند القاسم
والبغدادية بمعنى عالم بالمسموع وعالم بالمبصر أو إلى حي لا آفة به
تمنعه عن إدراك المسموع والمبصر عند الأمير عليه السلام وغيره من
أئمتنا والبصرية، وقديم راجعة إلى موجود بمعنى أن وجوده تعالى لا
أول له.
قوله عليه السلام [ والقِدَم ] من باب عطف الخاص على العام لأن
القدم من صفات الإلهية ولعله أراد بالتنصيص عليه الإشارة إلى بطلان
قول من أثبت معانٍ قديمة كالأشعرية ونحوهم لموافقة الفاصلة في قوله
[ المتعالي عن الحدوث والعدَم ]، والحدوث: هو وجود الشيء بعد أن
كان معدوماً، والعدم على ضربين:
عدم أصلي: وهو ما لم يوجد أصلاً.
وعدم فرعي: وهو ما كان موجوداً ثم عدم.
وكل ذلك يتعالى الله عنه لأنه مناف لصفات الإلهية، فموقع هذه
الفقرة من الأولى موقع المؤكدة، ولهذا لم يأتي بحرف العطف المؤذن
بالمغايرة.
وكذلك قوله عليه السلام [ الذي لم يسبقه وقت ولا زمان ولا تحويه
جهة ولا مكان ] فإن الجميع نازل من الجملة الأولى بمنزلة البيان
والتأكيد، لأنه لو سبقه زمان أو حواه مكان لكان محدثاً فينافي صفات
الإلهية، لأن ما سبقه غيره فهو محدث بالضرورة، وما حواه المكان فهو
محدود بالضرورة، وكل محدود يفتقر إلى فاعل يفعله على ذلك الحد
والمقدار.
(1/21)
فإن قلت: وما تريد
بقولك: ولهذا لم يأتي بحرف العطف المؤذن بالمغايرة ؟
قلت: لأن المفردات والجُمل المتعاقبات إن كانت التالية في معنى
المتلوة لزم عند علماء البيان أن تجرد عن حرف العطف،وإن كانت في
معنى آخر لزم الإتيان به ومثال الجميع قوله تعالى: ?حم o تَنزِيلُ
الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ o غَافِرِ
الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ
لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ?{غافر:1-3}، فإن الثلاث
الصفات الأُول لما فهم معناها من لفظ الاسم الشريف جردت عن حرف
العطف، إذ لا يصح أن يقال من الله والعزيز والعليم وغافر الذنب لأن
العطف يقتضي التغاير، ولما كانت الرابعة وهي قوله تعالى:
?وَقَابِلِ التَّوْبِ?، مُنَزَّلة من متلوتها بمنزلة الشرط من
المشروط وهما متغايران بالحقيقة وإن كان بينهما تلازم قرنت بالواو،
ثم قوله: ?شَدِيدِ الْعِقَاِب?، وقوله: ?ذِي الطَّوْلِ?، وقوله:
?لا إِلَهَ إِلا هُوَ?، الثلاث الجمل لما كان يعود معناها إلى معنى
العزيز الحكيم جردت عن حرف العطف لتؤذن بالتوكيد وتصير ماسكة بما
قبلها كإمساك التابع بمتبوعه، وكذلك كلام المؤلف عليه السلام فإن
جملة هذه الفقرة جميعها مما قبلها مبينة ومؤكدة فجردت عن العاطف في
قوله الذي لم يسبقه الخ، ولما كانت مفردات الفقرة فيما بينها
متغايرة في قوله: وقت ولا زمان ولا تحويه جهة ولا مكان قرنت
بالواو.
إن قيل: فالوقت والزمان متحدان في المعنى وكذلك الجهة والمكان،
فكيف قلت بتغايرها وأدخلت الواو بينهما ؟
قلنا: لا يسلم الاتحاد فإن الوقت بعض الزمان والجهة: هي الفراغ
الفاضي وذلك كالجهات الست فإنها فراغ فاضي في جهة اليمين وجهة
الشمال وسائرها، والمكان: هو المحل الذي يقبل الثقيل ويمنعه
الهُوِي.
(1/22)
[ دل سبحانه على ذاته
بما ابتدعه من غرائب مصنوعاته وعجائب مخلوقاته ] هذه الفقرة
بالنسبة لما قبلها مستأنفة فلهذا جردت عن الواو في أولها وأتى
بالواو في قوله: وعجائب مخلوقاته، للعطف وهو من عطف المفرد على
المفرد المغاير فلا يصح أن يجرد عن الواو، ومعنى دل على ذاته - أي
فعل ما به الدلالة على ذاته - وهو الفعل الحكيم الدال على ذاته
تعالى وحكمته فهو من إطلاق المسبب على السبب، والدلالة الهداية إلى
المطلوب، ومنه سمي متقدم القوم في الطريق لهديهم إليها ويرشدهم:
دليلاً، قال الشاعر:
ومن جعل الغراب دليل قوم .... أَمرَّ بهم على جيف الكلاب
وسبحان: اسم مصدر التسبيح وإضافته من باب إضافة المصدر إلى مفعوله
وناصبه فعل من جنسه حذف لزوماً، وقوله: على ذاته، متعلق بدل.
(1/23)
حقيقة الذات
وحقيقة الذات: ما يصح العلم به على انفراده، وقولنا: على انفراده،
لتخرج الأحكام والصفات كالمماثلة والمخالفة والقَبْلِية
والبَعْدِيَّة والقادِرِيَّة والعالِمِيَّة فإن هذه يصح العلم بها
لكن لا على انفرادها بل على جهة التبعية للذوات المتعلقة بها، فلا
يقال لها ذوات بل يقال لها أشياء خلافاً لمن يجعل الذات والشيء
مترادفين.
قلنا: الشيء ما يصح العلم به أعم من أن يكون على انفراده أم لا فهو
أعم، قال شيخنا صفي الإسلام رحمه الله تعالى: يجوز تسمية الله
ذاتاً بالإجماع، ولا يجوز تسميته عيناً، لأن العين مختصة بالجرم.
قلت: وكان مقتضى أصول قدماء أئمتنا عليهم السلام أن يقال: ذات لا
كالذوات، كما قالوا في شيء: إنه لا يجوز إجراؤه على الله تعالى إلا
مع قيد لا كالأشياء ليفيد المدح فكذلك لفظة ذات، وقوله: بما ابتدع
الابتداع والابتداء والإنشاء والاختراع بمعنى واحد، وهو الإيجاد
على غير مثال.
والعجائب: جمع عجيبة وهي ما يقضي منها العجب، ولا يتعجب إلا من فعل
يعجز العباد عن مثله.
والمصنوعات: جمع مصنوع، والإحداث والإيجاد بمعنى واحد، وقد يراد
بالصنع الإيجاد على كيفية مخصوصة كما يقال لمن له مَلكة في كيفية
مخصوصة صانع.
والغرائب: جمع غريبة وهي فعل ما لا يعتاد وجوده في الناس، وهذا
إنما يكون في أفعاله تعالى.
والمخلوقات: جمع مخلوق وهو الموجود بتقدير وتدبير.
(1/24)
[ حتى نطق صامتها
بالإقرار بربوبيته بغير مِذْوَد وبرز مجادلاً على ذلك لكل من عطَّل
وألحد ]، ولما كانت هذه الجملة متصلة بما قبلها اتصال الغاية
بالمُغَيَّا أتى فيها بحتى المؤذنة بذلك المعنى، وقد شبه دلالة
المصنوعات الغريبة والمخلوقات العجيبة على الله تعالى بالنطق، ثم
اشتق منه نطق فهي استعارة مصرحة تبعية أو شبه الغرائب والعجائب
بناطق، ثم حذف المشبه به وهو الناطق، وأتى بما هو من لازمه وهو
النطق، فهي استعارة مكنية وتسمى مكنياً عنها، وإثبات نطق يسمى
استعارة تخييلية تبعية أيضاً لأنها في الفعل، ثم في إيقاع النطق
على الصامت من البلاغة وحسن الكلام مالا يخفى، إذ لا أبلغ وأبدع من
نطق الجمادات، ثم في كون هذا النطق من الصامتات بالإقرار على
نفسها، بأن الله تعالى هو ربها وخالقها ومقدرها مالا مزيد عليه في
البلاغة، إذ لا أبلغ في ثبوت الحق من الإقرار به على النفس قال
الله تعالى: ?بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ
بَصِيرَةٌ?{القيامة:14}، وقوله: بغير مَذْود: أي بغير لسان،
والمذود: اللسان قال حسان بن ثابت رحمه الله:
ويبلغ مالا يبلغ السيف مِذْوَد: أي يبلغ لسانه في الأعداء ما لا
يبلغه السيف، وقوله: وبرز مجادلاً على ذلك لكل من عطل وألحد، هو
كالكلام الذي قبله في بلاغته وحسن بداعته، فإنه شبه الغرائب
والعجائب بعالم يحاجج عن الله تعالى بالأدلة والبراهين على
ربوبيته، ثم حذف المشبه به وهو العالم المحاجج، وأتى بما يلائمه
وهو البروز للجدال والمحاججة، فهي استعارة مكنية تبعية، وقوله:
مجادلاً فيه استعارة تخييلية لأنها في الاسم، ثم في كون الجدال
إنما هو لكل معطل وكل ملحد من حسن الكلام ولطافته مالا يخفى، لأنه
لا ينبغي أن يُناظر ويُحاجج ويُجادل بالأدلة وإقامة البراهين إلا
المنكِر والمعطِّل والملحد دون المقر والموحد، فقد نظر لنفسه ومهد
لرمسه فمجادلته شقاق، ومحاججته من سيما ذوي النفاق.
(1/25)
معنى المعطل والملحد
والمعطل: هو القائل بالتعطيل ونفي ذات الصانع تعالى.
والملحد في اللغة: المائل ومنه سمي اللحد لميله إلى شِق القبر،
وقوله تعالى: ?وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ
?{الأعراف:180}، أي يميلون، وفي الاصطلاح: هو كل من نفى الصانع
كالسوفسطائية أو نفى اختياره كالفلاسفة والباطنية وغيرهم أو أضاف
الخلق إلى غير الله تعالى كالمنجمة والدهرية والطبائعية والمطرفية
والثنوية والمجوس وغيرهم، فتأمل ما في هذه الفقر والجمل من فصيح
الكلام وبليغ ما نفثت به لسان ذلك الهمام عليه السلام .
(1/26)
حكم الصلاة على النبي
وآله عليهم السلام
[ وصلاته وسلامه على جدنا النبي محمد ]، لما بدأ بالثناء على الله
تعالى أتبعه بالثناء على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم كما هو
اللائق بجنابه الشريف أن يجعل ذكره صلى الله عليه وآله وسلم عقيب
ذكر الله تعالى، وقد قال تعالى: ?وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ?
{الشرح:4}، قيل أن معناه: أي لا أذكر إلا وأنت معي، واختلف في حكم
الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعند أئمتنا عليهم
السلام أنها واجبة في الصلاة، مندوبة فيما عداها، وقيل: إنها تجب
في العمر مرة، وقيل: عند جري ذكره صلى الله عليه وآله وسلم، وهي في
أصل اللغة: الدعاء، وفي عرف الشرع: العبادة ذات الأذكار والأركان،
وأما إذا قلنا: اللهم صلِّ على فلان فلا يستقيم تفسير الصلاة
بالدعاء، ولهذا قيل: إن الصلاة من الله الرحمة المقرونة بالتعظيم،
ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين والجن الدعاء والتضرع، قال
الإمام شرف الدين عليه السلام بعد أن ذكر معاني الصلاة: فأما
الصلاة على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد صارت حقيقة
شرعية في معان أُخر، وهو الإجلال والتعظيم وطلب ذلك من الباري عز
وجل على غاية ما يمكن طلبه من المعبود لأحب عباده إليه وأجلهم
لديه، وهذا الطلب تعظيم أيضاً من الطالب للمطلوب له، وبهذا فارقت
ما ورد من الصلاة على غيره صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى:
?وصلِ عليهم ?{التوبة:103}، وقوله تعالى: ?هُوَ الَّذِي يُصَلِّي
عَلَيْكُمْ ?{الأحزاب:43}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " اللهم
صل على آل أَبي أَوفى "، وقوله: " وصلت عليكم الملائكة "، فإنها في
ذلك دعاء بالرحمة من الله سبحانه وتعالى، وسؤال للدعاء بها من
غيره، ولهذا نص المحققون على أنه لا يجوز إطلاق الصلاة على غير
نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، هذا حاصل ما ذكره عليه السلام
انتهى من الإرشاد الهادي.
(1/27)
وقال القاضي العلامة
أحمد بن يحيى حابس رحمه الله: قد صارت الصلاة بمعنى الثناء.
قلت: وبهذا يظهر معنى الصلاة من الله ومن الملائكة ومن الآدميين،
فإن الكل فيه ثناء وتعظيم والله أعلم.
والسلام: التسليم، ولعل عطفه على الصلاة من باب عطف الخاص على
العام، والجد أب الأب وإن علا وأب الأم كذلك، وقد قال صلى الله
عليه وآله وسلم: " جعل الله ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب
علي "، وأراد عليه السلام في الإتيان به الاحتجاج على علماء الفرق
المخالفة للعترة المطهرة في العقائد، بأن الرسول صلى الله عليه
وآله وسلم هو جدنا فنحن أعرف وأعلم بما جاء به أصولاً وفروعاً
ومعقولاً ومسموعاً، وفي معنى ذلك بل أصرح منه ما ذكره صنو المؤلف
عليه السلام وهو الإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين عليه
السلام في منظومته المسماة أنوار اليقين في إمامة أمير المؤمنين
صلوات الله عليه:
أنحن أم هم شجر النبوة .... أم هل لهم من جدنا النبوه
لقد أبان فضلهم ذو القوة .... على جميع ساكني المَدْحُوَّه
والنبي: فعيل، وهو ما اشتق من الإنباء وهو الإخبار، لأنه مخبر عن
الله تعالى بالشرائع والمغيبات من الأخبار وأحوال المعاد، فهو اسم
فاعل كنذير وسميع، أو اسم مفعول لأن الله أخبره كحكيم بمعنى محكم،
وما اشتق من النباوة وهي الارتفاع فهو نبي بمعنى رفيع المكان
والجاه صلى الله عليه وآله وسلم.
ومحمد: اسم مفعول من حَمَّدَ المشدد يُحَمِّدُ فهو مُحَمَّد - بكسر
الميم - اسم فاعل، ومحمَّد بفتحها اسم مفعول، وقد طابق الاسم
المسمى صلى الله عليه وآله وسلم فسبحان الله كم له حميدات، وكم
كررت عليه من صلوات:
وشق له من اسمه ليجله .... فذو العرش محمود وهذا محمد
[ الذي هو بالمعجزات مؤيد، وفي المرسلين مُرَجَّب ومُسَوَّد ].
(1/28)
المعجزات: جمع معجزة،
والمعجز اسم جنس مما يميز واحده بالتاء كشجر وبقر، وسيأتي الكلام
في حقيقة المعجز وشروطه وأحكامه في النبوة إن شاء الله تعالى.
ومؤيد: بمعنى مُقوَّى لأن التأييد التقوية.
والمرسلين: جمع مرسل، وسيأتي الكلام عليه وهل فرق بينه وبين النبي
أم هما مترادفان في النبوة أيضاً إن شاء الله تعالى.
ومُرَجَّب: بمعنى معظم ومنه سمي رجب لكونه معظم.
ومُسَوَّد: اسم مفعول من سوده جعله سيداً على قومه إذا جعله أشرفهم
وأفضلهم وَوَلِيُّ أمرهم.
[ وعلى آله الغر الهداة والولاة على جميع الولاة ]، عطف الآل عليهم
السلام في الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عملاً
بالحديث المروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا تصلوا علي
الصلاة البتراء، قيل: يا رسول الله وما الصلاة البتراء ؟ قال: أن
تصلوا علي من دون آلي "، وفي بعض الروايات: " أن تصلوا علي من دون
أن تسلموا على آلي "، وآله: هم الأربعة الذين أدخلهم في الكساء معه
صلى الله عليه وآله وسلم وقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم
الرجس وطهرهم تطهيراً "، ومن تناسل من ذرية الحسنين إلى يوم الدين
ممن لم يخرج عن هديهم وطريقهم وسيأتي الكلام في أدلة ذلك، وحكاية
مذهب المخالف والرد عليه في الإمامة إن شاء الله تعالى.
والغر: جمع أغر وأصله بياض في جبهة الفرس، ثم استعير لكل ذي نجابة.
والهداة: الدعاة إلى الحق.
(1/29)
والولاة: مالكوا
الأمر في الأمور التي مرجعها إلى الأئمة، أشار بذلك إلى أن آل محمد
صلى الله عليه وآله وسلم هم ولاة الأمر في أمته صلى الله عليه وآله
وسلم، وأنه لا حَقّ لغيرهم في ذلك لأن ذلك الغير من حاكم أو عامل
أما مُوَلىَّ من جهتهم فلا إشكال، وأما من جهة الصلاحية والحسبة
فشرط صحة ولايته أن لا يكون موجوداً من يصلح للإمامة داعياً يُتمكن
من إجابته، وما عدا ذلك فليس إلا مدعٍ ما ليس له بل هو متعد حيث
يتولى على غيره بغير إذن شرعي كما سيأتي تقرير ذلك في محله إن شاء
الله تعالى.
(1/30)
حكم صحابة رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم وأقوال العلماء
[ وعلى صحابته المكرمين المؤيدين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى
يوم الدين ].
الصحابة: جمع صاحب، وهو في اللغة من صحب الإنسان في سفر أو غيره
ولو مرة، ثم صار في العرف مستعملاً فيمن أكثر الملازمة والمحبة
للمصحوب، والصحابي منسوب إلى الصحبة، وهو في الاصطلاح عند أئمتنا
عليهم السلام ومن وافقهم: من طالت مجالسته للرسول صلى الله عليه
وآله وسلم متبعاً له ومات على ذلك، وعند الأشاعرة ومن وافقهم: مَن
رأى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مؤمناً به، واختلف في حكم
الصحابة على خمسة أقول:
الأول: قول أئمتنا عليهم السلام: إن جميع الصحابة عدول إلا من أبى
منهم عن الحق وخالف أمير المؤمنين عليه السلام .
الثاني: قول الأشعرية ومن وافقهم: إنهم كلهم عدول من دون استثناء،
فثمرة الخلاف بيننا وبينهم فيمن خالف أمير المؤمنين عليه السلام .
الثالث: قول عمرو بن عبيد من المعتزلة ومن وافقه: إنهم كلهم عدول
إلى وقت الفتن بينهم والحروب فصاروا بعد ذلك كلهم مجروحين، فأهل
وقعة الجمل ووقائع صفين كلهم لديه مجروحين أصحاب أمير المؤمنين
والمحاربين له.
الرابع: قول الخطابية: إنهم كلهم غير عدول قبل حدوث الفتن وبعدها،
فالمتقدمون على أمير المؤمنين عليه السلام مجروحون بالتقدم، وأمير
المؤمنين عليه السلام بسكوته عن حقه، وسائر الصحابة لعدم النكير.
الخامس: قول القاضي أبي بكر الباقلاَّني من الأشعرية هم مثل غيرهم
من أهل الأعصار كالتابعين ومن بعدهم لا يحكم لأحدهم بعدالة إلا
بمعدل ولا يجرح إلا بجارح، وتظهر ثمرة الخلاف بين هذا القول وبين
قول أئمتنا عليهم السلام في المجهول من الصحابة، فعندنا: أنه يحكم
بعدالته لمكان الصحبة، وعنده: بل حكمه الوقف.
إذا عرفت ذلك علمت أنه قد اشتمل قول أئمتنا عليهم السلام على طرفين
من مواضع الخلاف:
(1/31)
الأول: الحكم
بالعدالة لكل من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يحدث عهده
أو بعده حدثاً.
الثاني: الحكم بجرح العدالة بكل من أحدث عهده أو بعده صلى الله
عليه وآله وسلم.
وبعد إقامة الأدلة على كلا الطرفين يعلم بطلان ما عداه من جميع
الأقوال المذكورة.
أما الطرف الأول: وهو الحكم بالعدالة وأنها الأصل فيهم فلأن
المعلوم من دين كل نبي ضرورة أن من صحبه واقتدى به فلا شك في
عدالته ونجاته، والقرآن ناطق بذلك قال تعالى: ? لَقَدْ تَابَ
اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ? الآية{التوبة:117 }، وقال تعالى: ?
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ o أُوْلَئِكَ
الْمُقَرَّبُونَ?{الواقعة:10،11}، وقال تعالى: ? لا يَسْتَوِي
مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ
أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ
بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى?{الحديد:10}،
وقال تعالى: ? مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ
رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا
سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ
مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى
عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا? {الفتح:29}، ولقوله صلى
الله عليه وآله وسلم: " طوبى لمن رآني "، وغير ذلك من الآيات
والأحاديث الدالة على عدالتهم وأنها الأصل فيهم، وبذلك يبطل قول
الخطابية الذين حكموا بجرحهم جميعاً قبل الفتن وبعدها، ويبطل قول
عمرو بن عبيد حيث حكم بجرح جميعهم بعد وقوع الفتن،
(1/32)
ويبطل قول
الباقلاَّني حيث حكم في المستور منهم وهو الذي لم ينقل عنه ما
يجرحه ولا ما يقضي بعدالته بالوقف في شأنه لأن الآيات والأحاديث قد
حكمت بعدالة من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو لم يجعل
للصحبة أخصية تثبت العدالة لمجردها بل جعل الصحبة وجودها كعدمها
حتى ينقل عن ذلك في الصحابي ما يقتضي تعديله من ملازمته للواجبات
واجتنابه المحرمات فيحكم له بعد ذلك بالعدالة، وعندنا أن الحكم
بعدالته لا يتوقف على ذلك بل نفس الصحبة مستلزِمة لذلك حتى ينقل
عنه ما يجرحه ويخرجه عن حد العدالة.
(1/33)
وأما الطرف الثاني:
وهو الحكم على من أبى منهم وخالف الحق بعدم العدالة، فالذي يدل على
ذلك أنهم داخلون في عموم خطابات القرآن القاضية بالوعيد والذم لأهل
الكبائر بل هم أول من خوطب وكلف بها، وقد قال تعالى في شأنهم: ?
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا
يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ
اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا?{الفتح:10}، وقال مخاطباً
لهم ومن بعدهم: ? وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا
كَبِيراً?{الفرقان19}، وقال مخاطباً لهم خاصة: ? يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ
النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ
لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا
تَشْعُرُونَ?{الحجرات:2}، وقال ? وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا
مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ
لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً? {الأحزاب:36}، ولم
يفصل بين صحابي ولا غيره، وقال: ? إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ
الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي
الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ?{النور:23}، وقال: ? وَالَّذِينَ يَرْمُونَ
الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ
شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ?{النور:4}، ولم
يفصل بين صحابي ولا غيره، وأحاديث الذين يُحْلَوْن عن الحوض ممن
صحبه صلى الله عليه وآله وسلم وأحدثوا بعده قد رواها الموالف
والمخالف، وحديث: " تقتل عماراً الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة
ويدعونه إلى النار "، رواه أيضاً الموالف والمخالف بل قد عده كثير
(1/34)
من العلماء من
المتواتر، فبطل قول الأشعرية ومن وافقهم في الحكم بالعدالة لكل فرد
من الصحابة من دون استثناء من أبى وخالف الحق، حتى حكموا بنجاة من
حارب أمير المؤمنين عليه السلام وعدالته ووجوب موالاته، وقد جعل
الله سبحانه وتعالى أمير المؤمنين عليه السلام علم الإيمان ومنار
الهدى والحجة على هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وآله وسلم،
وجعل محبته إيمان وبعضه نفاق، ومحبته محبةً لرسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم، وبغضه بغضاً له، وسبه سباً له، وحربه حرباً له،
وجعله بمنزلة رأسه من جسده، ووردت التفاسير بأنه نفس رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم في آية المباهلة، فما حكم من حارب رسول الله
وبغضه وسبه ؟ وكذلك جعله منه بمنزلة هارون من موسى عليهما السلام،
فما حكم من حارب موسى وهارون أو سبهما أو بغضهما ؟ وجعل صلى الله
عليه وآله وسلم الحق مع علي وعلياً مع الحق حيثما دار دار معه،
وجعله مع القرآن والقرآن معه، فما حكم من خالف الحق وخالف القرآن ؟
فماذا بعد الحق إلا الضلال، وما في مخالفة القرآن إلا الكفر
والخبال، وهذا مع ما لأمير المؤمنين عليه السلام من الدخول في عموم
الآيات والأحاديث القاضية بوجوب متابعة أهل البيت عليهم السلام
والثناء عليهم وتطهيرهم من الرجس، ونجاة من تابعهم، وهلاك من
خالفهم، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أهل بيتي كسفينة نوح من
ركبها نجا ومن تخلف عنها غرف وهوى "، وفي رواية: هلك، وفي رواية:
زج في النار، وأحاديث: إني تارك فيكم الثِّقْلَين، فإن أنكر
المخالف التلازم واستواء الحكم بين محاربة رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم وسبه وبغضه، وبين محاربة أمير المؤمنين عليه السلام وسبه
وبغضه، وأنكر أن محبته إيمان وبغضه نفاق، وأنه من رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم بمنزلة هارون من موسى، وبمنزلة رأسه من جسده،
وبمنزلة نفسه، وأنكر أن الحق والقرآن معه مع علمه ونقله وروايته
لهذه الأحاديث
(1/35)
كان مشاققاً لله
تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث صار يحكم لمن حاربه
وسبه وبغضه بنقيض ما قضت به الآيات والأحاديث المذكورة، وإن أنكر
صحتها وورودها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد باهت في
رده المتواتر الذي أطبق على روايته الموالف والمخالف، وإن أنكر
دلالتها على ما ذكرنا من الأحكام التي ثبتت لأمير المؤمنين عليه
السلام من أن حربه حرباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسبه
سبه، وبغضه بغضه، وأن مخالفه مخالف للحق والقرآن، فهو جهالة مفرطة
وتعامي عن الحق بعد وضوحه، لأن تلك الأحاديث صريحة في تلك المعاني
بحيث لا تحتمل غيرها، وإن تأولها وأخرجها عن معانيها المصرحة بها
بغير دلالة ولا موجب سوى تحسين الظن بمن عدوه في الصحابة وهو عنهم
بمكان بعيد، فليس ذلك إلا من باب اتباع الهوى والمجادلة بغير علم
ولا هدى ولا كتاب منير ? وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ
بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ ? {القصص:50}.
(1/36)
فهذه مسألة حكم
الصحابة قد تعجلنا الكلام فيها، وإن كان الأليق بها أن تذكر عند
الكلام على مسائل الإمامة لكن لما كان المقصود شرح ألفاظ المختصر
وبيان إشارات المؤلف عليه السلام بقوله: وعلى صحابته المكرمين
المؤيدين، إلى حكمهم وهو العدالة والتزكية لمن استقام منهم على
الحق عهده وبعده صلى الله عليه وآله وسلم، والحكم بخلاف ذلك لمن
خالف الحق منهم عهده وبعده صلى الله عليه وآله وسلم لزم بسط الكلام
بما ذكر، ولأنه يسمو بك أيها المطلع من الكلام لأمير المؤمنين عليه
السلام في مسائل التوحيد والعدل وغيرهما من مسائل الكتاب ما فيه
الاستنارة والهداية لمعرفة الحق في تلك المسائل، فحسن تقديم ما يدل
على علو شأوه وارتفاع شأنه عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله
عليه وآله وسلم، وأن قوله حجة ومعيار للحق ومدار للصدق سيما في
العقائد الدينية والمسائل الأصولية التي الحق فيها مع واحد، فهو
عليه السلام إمام المتكلمين، وسابق العارفين، وأول من قرر قواعد
هذا العلم، وأسبق من اعتقل شوارد هذا الفن، ودخله من باب السلم
صلوات الله وسلامه عليه بعد أخيه سيد المرسلين وعلى جميع آلهم
الطاهرين، وحشرنا في زمرتهم وتحت لوائهم آمين.
(1/37)
قال عليه السلام : [
أما بعد ]: هو من ظروف الغايات يبنى على الضم إذا حذف ما أضيف إليه
ونوي معناه كما في هذا الكتاب وغيره أي بعدما ذكر من الحمد وغيره،
وقد قيل: إن أول من قال هذه الكلمة داود عليه السلام ، وأنه المراد
بقوله تعالى: ? وَفَصْلَ الْخِطَابِ ? {ص:20}، وقيل: قس بن ساعدة،
وقيل: علي عليه السلام ، [ أيها الطالب للرشاد ]، وهو الاهتداء إلى
سبيل الحق المبين، [ والهارب بنفسه عن هوة الإلحاد ]، شبه الإلحاد
وقد عرفت معناه وهو الميل عن الحق فيما يجب من إثبات الصانع تعالى،
وصفاته من كونه قادراً على كل المقدورات عالماً بجميع أعيان وأحوال
المعلومات حياداً بما ليس له ابتداء وليس له انتهاء بالمكان القعير
المنخفض، ثم حذف المشبه به وهو المكان المنخفض، وأتى بما هو من
خواصاته وهو الهُوِي إلى قعره فهي استعارة مكنية، والهوة: فعلة من
الهُوِي وهو السقوط بشدة.
(1/38)
معنى الرب
[ فإذا قيل لك: من ربك ؟ فقل: الله ربي ]، الرب بمعنى: المالك، كما
يقال رب الدار، رب الفرس، ومنه قوله تعالى: ?اذْكُرْنِي عِنْدَ
رَبِّكَ? { يوسف: 42}، أي مالك أمرك، واختلف فيه هل هو صفة ذات أو
صفة فعل ؟ فقال الإمام المهدي عليه السلام وغيره: إنه صفة ذات لأنه
بمعنى المالك، والمالك هو من يقدر على التصرف التام، وقادر صفة ذات
فكذلك رب، وقال أبو القاسم البلخي: بل صفة فعل لأنه مأخوذ من
التربية ولا يكون إلا بعد وجود المربي، قال الإمام القاسم عليه
السلام : والحق أنهما أي مالك ورب صفتا ذات لا بمعنى قادر، إذ لا
يدلان على معنى قادر مطابقة بل التزاماً كعالم، ولا قائل بأن
عالماً بمعنى قادر، وليستا بصفتي فعل لثبوتهما لغة لمن لم يفعل ما
وضعا له حيث يقال: فلان رب هذه الدار وإن لم يصنعها أو يزد فيها،
ويقال: فلان مالك ما خلف أبوه وإن لم يحدث فعلاً، فهما صفتان له
تعالى باعتبار أن المملوك له تعالى فقط، وهما حقيقتان قبل وجود
المملوك.
قلت: هذا صحيح إلاَّ قوله: وهما حقيقتان قبل وجود المملوك، ففيه
نظر إذ لا يتحقق الملك إلا بعد وجود المملوك، فأما قبله فليس إلا
مجازاً لما كان قادراً على الملك أو تنزيل ما سيقع منزلة الواقع،
وما ذهب إليه البلخي هو قول المرتضى عليه السلام وغيره من العلماء
والله أعلم.
(1/39)
المطرفية: الله لا
يؤثر إلا في الأصول الأربعة
قوله: فقل الله ربي، هذا قول جميع فرق الإسلام إلا أن المطرفية
زعموا أنه تعالى لا يؤثر إلا في الأصول الأربعة التي هي: الماء
والنار والتراب والهواء، وما عدا ذلك متوالد منها بواسطة طبائعها
الأربع التي هي: الحرارة والبرودة والرطوبة واليوبسة، وهذا زيغ
شديد وضلال بعيد، وقد كُفِّروا بذلك إذ يكون الباري تعالى غير صانع
مختار بالنظر إلى ما عدا ذلك من الحيوانات والنباتات، وهو أيضاً
قول جميع أتباع الرسل عليهم السلام وأهل الكتابين، والبراهمة: وهم
فرقة من الكفار يقرون بالصانع المختار وينكرون حسن النبوة، وهو
أيضا قول بعض عباد الأصنام كما حكى الله عنهم: ?مَا نَعْبُدُهُمْ
إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى? {الزمر:3}، والخلاف
في ذلك لأهل الإلحاد كالسوفسطائية القائلين بالتعطيل وإنكار حقائق
الأشياء، وهؤلاء أحقر من أن يلتفت إليهم بالمناظرة والمجادلة
لإنكارهم وجود الأشياء المشاهدات فضلاً عن أن تكون محدثة وأن لها
فاعلاً مختاراً، وكالفلاسفة والباطنية القائلين بأن أصل العالم
المُؤَثِّر فيه علة قديمة.
(1/40)
الفلاسفة: المؤثر في
العالم علة قديمة
فالفلاسفة يقولون: صدر عنها عقل وعن العقل عقل والفلك الأعلى، ونفس
فلك وهو الذي يعبر عنه المسلمون بالعرش، ثم صدر عقل ثالث عن العقل
الثاني، والفلك الذي دون الفلك الأعلى، ونفس فلك الذي يعبر عنه
المسلمون بالكرسي، ثم صدر عقل وفلك ونفس فلك وهو السماء الرابعة،
ثم كذلك إلى السماء الدنيا فصارت العقول عشرة والأفلاك تسعة
وأنفسها تسعة والعقل العاشر الذي في السماء الدنيا عندهم هو
المتولي عالم الكون والفساد وما يقع في الأرض من الإحياء والإماتة
والنباتات وسائر التأثيرات بواسطة حركات الأفلاك وطبائعها.
(1/41)
الباطنية: صدر عن
العلة القديمة السابق وعن السابق التالي
والباطنية قالوا: صدر عن العلة القديمة السابق، وعن السابق التالي،
ثم صدر عن التالي النفس الكلية، ثم تحركت فحصلت الحرارة، وسكنت
فحصلت البرودة، وتولد من الحرارة يبوسة، ومن البرودة رطوبة، وتولدت
الأصول الأربعة التي هي: الماء والهواء والنار والتراب، وحصلت منها
سائر الأشياء بالتوالد بواسطة امتزاج الطبائع الأربع واعتدالها،
وسَمعتُ مَن ينتسب إليهم ويتدين بالإسلام يقول معتذراً لهم إنما
أرادوا بالسابق والتالي اللوح والقلم، وبالعلة القديمة الله تعالى،
والمسلمون يقولون أول ما خلق الله اللوح والقلم، فالخلاف في
العبارة، فقلت له: هذا تلبيس إذ لا يجوز أن يقال للباري تعالى علة،
ولأن اللوح والقلم على قول من يقول بهما من المسلمين لا قدرة لهما
ولا تأثير لهما في وجود شيء، والباطنية يسندون التأثير إلى السابق
والتالي ولا يصفون الله تعالى بأنه قادر عالم حي، قالوا: لأنه
تشبيه، ولا أنه غير قادر عالم حي لأنه تعطيل، فأين مقالتهم من مقال
المسلمين فأُنكر عنهم ذلك ولا شك في شهرة ذلك عنهم، ومن ثمة لم
ينازع في كفرهم أحد من الفرق الإسلامية.
الطبائعية: التأثير للطبائع الأربع
وكالطبائعية قالوا: التأثير للطبائع الأربع المذكورة، ومنهم من
يقول التأثير للأصول الأربعة القائم بها تلك الطبائع فطبع الماء
البرودة، وطبع النار الحرارة، وطبع التراب الرطوبة، وطبع الهواء
اليبوسة.
(1/42)
الموحدين: أن الله
تعالى خلق الأصول الأربعة
وعند الموحدين: أن الله تعالى خلق هذه الأصول الأربعة وألزمها تلك
الطبائع ولا تأثير لها في شيء، إذ يُشترط في المؤثر أن يكون قادراً
عالماً حياً ضرورة، وبالضرورة أنها ليست بقادرة ولا عالمة ولا حية
وإنما يُحدث الله سبحانه تلك التأثيرات والانفعالات عند وجود شيء
من تلك الأجسام وما فيها من الطبائع والخصائص بتأثيره وتدبيره
وحكمته بمجرى العادة بمشيئته وإرادته على وجه إن شاء فعل وإن شاء
ترك.
دليله: أنه قد يختلف ذلك الأثر في بعض الأحوال مع وجود شيء من تلك
الأصول، ألا ترى أن كثيراً من الأراضي يحصل فيها من النباتات
والثمار المختلفات ما لا يحصل في الأخرى، وفي بعض فصول السنة ما لا
يحصل في الأُخر، وبعض النباتات تحصل في فصول السنة على سواء
كالكراث ونحوه، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير.
المنجمة: التأثير للنجوم
وكالمنجمة: يضيفون التأثيرات إلى النجوم السبعة قالوا: وفي كل سماء
منها نجم أعلاها زحل وأدناها القمر كما قال الشاعر:
زَحَلٌ شَرَى مريخَه من شمسِه .... فتزهَّرَت بعَطَاردٍ أقمارُ
(1/43)
الثنوية: التأثير
للنور والظلمة
وكالثنوية: ينسبون التأثيرات ويضيفونها إلى اثنين وهما النور
والظلمة، وكل خير فمن النور بطبعه ولا يقدر على خلافه، وكل شر فمن
الظلمة بطبعها ولا تقدر على خلافه، وكذلك قالت المجوس في يزدان
ويعنون به الباري تعالى وإهرمن ويعنون به الشيطان.
فهذه تفاصيل مقال أهل الإلحاد، وإنما تعرضنا لذكرها ليتضح للناظر
ويظهر له معنى كلام المؤلف عليه السلام في الاستدلال على إثبات
الصانع تعالى، وبطلان تلك التخيلات الفاسدة، والأوهام الشاردة عن
واضح الدليل، والله يهدي إلى سواء السبيل ولله القائل:
ونذيمهم وبهم عرفنا فضلهم .... وبضدها تتبين الأشياءُ
قال عليه السلام :[ فإن قيل لك: بم ]، أصلها ما الاسمية وترد في
الخطاب تارة للاستفهام والسؤال عن ماهية الشيء أو سببه، وتارة
للإخبار عن عظم الشيء وكثرة كميته، ثم أدخل عليها حرف الجر فإن
كانت استفهامية حذفت ألفها نحو: ?فِيمَ أَنْتَ مِنْ
ذِكْرَاهَا?{النازعات:43}، ?فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ
لَهُمْ?{آل عمران:159}، ?عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ? {النبأ:1}، وكما
ذكر في المختصر، وإن كانت خبرية أبقيت الألف على حالها نحو ?مِمَّا
خَطِيئَاتِهِمْ?{نوح:25}، ?بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ?{الحج:10}،
?جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا ?{سبأ:17}.
(1/44)
حكم معرفة الله
[ عرفت ذلك ؟ ]، والمعرفة: الاعتقاد الذي يكون معتقده على ما
تناوله مع سكون النفس، فالاعتقاد جنس الحد يدخل تحته سائر
الاعتقادات، وقولنا: الذي يكون معتقده على ما تناوله خرج به الظن
الفاسد وهو الجهل المركب، وقلنا: مع سكون النفس، خرج به الظن
الصحيح، فإنه وإن كان معتقده على ما تناوله لكنه لا يسمى معرفة
لأجل عدم سكون النفس إليه، قيل: وتسمى علماً، ودراية، وفهماً،
وفقهاً، وأنها مترادفة، والأظهر خلافه إلا أن بينها تلازماً من جهة
العموم والخصوص، فالعلم أعمها لأنه تجلي الشيء ووضوحه وعدم خفائه
سواء كان عن اعتقاد كعلم أحدنا أم لا كعلم الباري تعالى، والمعرفة:
العلم الاعتقادي فكانت أخص، والدراية: العلم بالشيء ممن شأنه أن
يجهل، والفهم: سرعة إدراك الشيء بعد جهله، والفقه: إدراك ما فيه
غموض، وبهذا لا يصح أن يطلق شيء منها على الله تعالى إلا العلم،
فإن أطلق شيء منها عليه فمجاز عن العلم من باب استعمال المقيد في
المطلق، هذا ولا خلاف أن معرفة الله تعالى واجبة على كل مكلف ذكرٍ
أو أنثى حرٍ أو عبدٍ، وإنما الخلاف هل وجبت شكراً أو لطفاً، وهل
واجبة على التفصيل في كل مكلف أم على الإجمال في كل مكلف، أم يفصل
بين العلماء والعوام، فحكي في شرح الأساس عن قدماء أئمتنا عليهم
السلام وأبي علي من المعتزلة: أنها وجبت شكراً بمعنى أنها شكر
للباري تعالى في مقابل النعم، لأن شكر المنعم واجب عقلاً، والمعرفة
شرط وشطر في صحة أدائه لأنه لا يتم توجيه شكر المنعم، ولا يتأتى
إلا بعد معرفة المشكور، ولم يحك أنها وجبت لأجل اللطف بمعنى أنها
وجبت لما فيها من اللطف للمكلف في القيام بما كلف لأدائه من
الواجبات وتركه من المحرمات إلا عن سائر المعتزلة، لكن يفهم من
حكايته القول الأول عن القدماء فقط أن في المتأخرين من أئمتنا
عليهم السلام من يوافقهم على ذلك بمعنى أنها لطف للمكلف في القيام
بما كلفه من سائر الواجبات، وأما القرشي
(1/45)
في المنهاج فلم يحك
القول بوجوبها شكراً إلا عن أبي علي في أحد قوليه وقال: إنه باطل،
والقول الآخر عنه أنها وجبت لأن وجه وجوبها قبح تركها، وهو الجهل
بالله تعالى والظن ونحوهما، وحكى شيخنا صفي الإسلام رحمه الله
تعالى القول بوجوبها شكراً عن بعض أئمتنا عليهم السلام، ولم يبينه
ولعله أراد القدماء منهم كما حكاه شارح الأساس، ثم حكى رحمه الله
عن المؤيد بالله، وأخيه الناطق بالحق أبي طالب، والمنصور بالله،
والأمير المؤلف، والإمام يحيى، والمهدي عليهم السلام وأكثر
المتأخرين وجمهور المعتزلة أن الشرائع ألطاف في الواجبات العقلية،
والشكر يعني العقلي هو الاعتراف فقط، ثم قال: فمعرفة الله وجبت
لأنها لطف للمكلفين في القيام بما كلفوه، ثم قال: ولا يخفى أن كون
الطاعات شكراً لا ينافي أن الشرائع ألطاف، فإن الهادي عليه السلام
والقاضي وابن متويه مصرحون بأنها شكر مع أن الشرائع ألطاف، وحكى
ابن حابس رحمه الله تعالى القول بأن معرفة الله وجبت للشكر لا
لغيره - يعني لا لأجل اللطف و لا لغيره - وأن الطاعات شكر عن
الهادي وقدماء العترة عليهم السلام،وحكي عن المهدي وكثير من
المعتزلة وبعض صفوة الشيعة أن الشرائع ألطاف في العقليات، وأن
الشكر الاعتراف فقط إلى أن قال: وكلامهم باطل من أصله لقوله تعالى:
?اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا? {سبأ:13}، وإجماع أهل العربية
على أن الشكر قول باللسان واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان في
مقابلة النعمة.
(1/46)
قلت: فهذه حكاية
الأقوال عن العدلية القائلين بوجوب معرفة الله تعالى عقلاً،
وظاهرها الخلاف بين الأئمة عليهم السلام، هل وجبت لأجل الشكر فقط
أم لأجل اللطف فقط؟ ولا يُسلم أن بينهم خلافاً متحققاً، وإن كان في
كلام القرشي ما يدل على أنها وجبت عندهم لأجل اللطف فقط، حيث لم
يجعلها شكراً إلا عن أبي علي، وفي كلام ابن حابس التصريح بعكس كلام
القرشي عن القدماء منهم، وهو ظاهر حكاية شارح الأساس عنهم، ولا
يُسلم أن بين المسألتين تنافي فإنه لا مانع من القول بوجوب المعرفة
لما فيها من الشكر واللطف معاً، ولا تصريح في كلام الأئمة عليهم
السلام بالتنافي ومنع أحدهما والاقتصار على الآخر، لأن القدماء
منهم على ما حكاه شارح الأساس وغيره مصرحون بأنها شكر ولم يعترضوا
لنفي كونها لطفاً، والمتأخرين على حسب ما حكي يقولون بأنها لطف ولم
يتعرضوا لنفي كونها شكراً، والأدلة حسبما ذكرها شيخنا صفي الإسلام
رحمه الله في سمط الجمان عقليها ونقليها قد دلت على صحة القولين
معاً، وتعليل الحكم بعلتين أقوى في ثبوته من الاقتصار على إثباته
بعلة واحدة، لأن العلة الواحدة ربما يتطرق إليها النقض فيبطل الحكم
المقتصر في تعليله عليها، وهذا واضح لمن تأمله، فإذا كان الحق وجب
حمل كلام الأئمة عليهم السلام عليه لأنهم أهل الحق وخلفاء الصدق
وقرناء الكتاب وأمان الأمة من نزول العذاب، وقد تركت ذكر الأدلة
على كل من القولين خشية التطويل، واستكفاء بما ذكره شيخنا رحمه
الله تعالى، لكني أزيد المقام إيضاحاً بذكر تفصيل لم أقف عليه لأحد
منهم صراحة، وإنما لاح من أقوالهم الجميع من مجموعه لا من جميعه،
وهو في هذا المبحث وغيره.
(1/47)
فأقول وبالله أصول:
اعلم وفقك الله تعالى وإيانا أن نعم الله سبحانه وتعالى لا يقادر
قدرها، ولا يعلم حصرها إلا الله تعالى وقد قسمها أهل المعقول إلى
قسمين، وعبروا عنها بقولهم: أصول النعم وفروعها، ثم قالوا: فأصول
النعم ست: خلق الحي، وخلق حياته، وخلق قدرته، وخلق شهوته، وتمكينه
من المشتهيات، والسادسة وهي خاصة بالمكلف وهي: خلق عقله كاملاً، ثم
قالوا في فروعها: وأما فروعها فلا تعد لقوله تعالى: ?وَإِنْ
تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا?{إبراهيم:34}، وإنما
جعلت الست المذكورة أصولاً لأنه لا يتحقق الإنعام بما عداها إلا
بعد حصولها فكانت أصولاً، وإليها يرجع كل ما عداها من النعم فكانت
فروعاً، ومرادهم بقولهم خلق الحي وخلق حياته، يعنون إيجاده من
العدم على صفة الحياة المقتضية لصحة الإدراك ليتحقق الإنعام بإدراك
وتناول المنعم به فيدخل في ذلك خلق الحواس الخمس التي هي: السمع
والبصر والشم واللمس والطعم، فكان صواب العبارة خلق الحي وخلق
حواسه، لأنه قد أغنى عن ذكر الحياة قولهم خلق الحي، ولعله تصحيف في
نقل المتأخرين عن واضعي البحث في المسألة، ويلحق بذلك الإلهام لما
فيه نفع البدن فتميل إليه الطباع والنفوس، وما فيه مضرته فتنفر عنه
ليكون بذلك سلامة الحي واستمرار وجوده ما شاءه الله من البقاء، وهو
مشترك بين الإنسان وغيره من سائر الحيوانات إلا أنه يعبر عنه في
الإنسان بأن يسمى مع ذلك دراية وعلماً، وفي سائر الحيوانات إلهاماً
وإدراكاً، وإنما جعلت الفروع لا تحصى لأن الست المذكورة يدخل فيها
أو في أغلبها مالا عَدَّ له من الفروع، فإن القدرة جنس يدخل تحتها
القدرة على القيام، والقدرة على القعود، والقدرة على الذهاب،
والقدرة على المجيء، والقدرة على كثير من الأعمال كالبناءات
والحراثات والصناعات المختلفة والمؤتلفة العجيبة والاستخراقات
الغريبة مع تكرر ذلك في الأوقات والأمكنة مع تمكين المكلف من
اختيار ما فيه النفع
(1/48)
فيفعله أو الضرر
فيتركه،وكذلك الشهوة مع تفنن المشتهيات واختلافها مأكلاً ومشرباً
ومطعماً وملموساً ومشموماً وكثرة أصناف المعقولات وأفرادها، فإنه
إذا تفكر الإنسان في ذلك عجز عن حصر بعضها وأدناها فضلاً عن كلها
وأقصاها، فوجب شكره تعالى على ذلك وجوباً عقلياً ضرورياً، وقد
عُدَّ من علوم العقل الضرورية فلا ينكره إلا جاحد مكابر أو ناقص
عقل أو قاصر، ومن ثمة ورد القرآن بذكر تارك الشكر وبالإخبار بوجوبه
ولزومه لأنه قد علم عقلاً، ولو كان شرعياً فقط كما يزعمه أهل الجبر
لجاز عليه النسخ كما شأن الشرعيات.
(1/49)
الواجبات التي كلف
الله المكلفين بها
ثم أن الواجبات التي كلف الله المكلفين بها على ثلاثة أضرب بالنسبة
إلى حكم العقل فيها وإدراكه إياها وعدم ذلك:
الضرب الأول: يحكم العقل بلزومه وتحتمه على المكلف المنعم عليه بكل
حال ولا يبيح إسقاطه عنه في حال من الأحوال، وذلك ما يتعلق بفعل
القلب فقط، وهو معرفة المنعم تعالى والاعتراف له بأنه منعم، فيحكم
العقل بلزوم اعتقاد حصول النعمة وعظمها، وعدم جواز جحد القلب لها.
الضرب الثاني: يحكم العقل بوجوبه، ولزوم فعله أو تركه، واعتقاد
ثبوته في نفسه وعدم جواز جحده بالقلب، وذلك ما يتعلق بفعل الجارحة
كرد الوديعة وقضاء الدين والشكر باللسان والأركان وترك الظلم
والكذب والعبث والسفه، فهذه يحكم العقل بوجوبها ولزومها، ولكن ليس
كالضرب الأول لأنه قد يعرض له ما يبيح ترك رد الوديعة وقضاء الدين
والشكر باللسان والأركان، ويبيح فعل الكذب والعبث والسفه وبعض
الظلم من إكراه ظالم أو معارضة مفسدة كأن تكون الوديعة أو الدين
لعاقل ثم جن، فإنه لا يجوز ردهما إليه إذا خشي ضياعهما لديه بل إلى
ولي ملكه، وقيد الظلم بإضافة البعض إليه للاحتراز عن صورة فلا
يبحيها الإكراه من الظالم وذلك كأن يتوعد بالقتل إن لم يقتل آدمي
محترماً كالمسلم والذمي، فإن ذلك لا يجوز ولو خشي على نفسه القتل
لأن حرمة قتلهما على سواء، فلا يجوز له دفع البلوى النازلة به إلى
غيره بل يصبر ولعل الله سبحانه سيجعل له مخرجاً وينجيه منه، فهذا
الضرب يجوز عند الإكراه أو الضرورة الملجئة أو معارضة المفسدة
المخالفة فيه بالفعل أو الترك دون القلب حيث لا يمكن في أفعال
القلب شيء من ذلك، ويعبر عن الضربين جميعاً بالواجبات العقلية
لقضاء العقل بهما كما ترى.
(1/50)
الضرب الثالث: ما لا
يحكم العقل فيه بلزوم فعل ولا ترك، وإنما يحكم فيه حكماً عاماً
لجميع مفرداته، وهو لزوم امتثال ما أمر به أو نهى عنه المالك
المنعم، وإباحة ما سكت عنه وهو جميع الأفعال الخارجة عن الضربين
الأولين، وعما لا يتما إلاَّ به، وهذا الضرب هو الذي ينقسم إلى
الأحكام الشرعية ويصح طُرُوُّ النسخ عليه بحسب المصالح ولا يهتدي
العقل فيه إلى حكم معين أو مصلحة أو مفسدة معينة إلا بواسطة الرسل
صلوات الله عليهم، فما أمروا به علم وجوبه وإن المصلحة في فعله
والمفسدة في تركه، وما أرشدوا إلى فعله من دون وعيد في تركه علم
ندبيته وأن المصلحة في ندبيته والمفسدة في خلافها، وما نهوا عنه
علم تحريمه وأن المصلحة في تركه والمفسدة في فعله، وما أرشدوا إلى
تركه من دون وعيد على فعله علم كراهته وأن المصلحة في كراهيته
والمفسدة في خلافها، وما سكتوا عنه علم أن المصلحة في إباحته
والمفسدة في خلافها، وقلنا في الواجب والمحرم، إن المصلحة والمفسدة
متعلقان بالفعل والترك حسبما ذكر، وفي الثلاثة الآخرة أنهما
متعلقان بنفس الندبية والكراهية والإباحة ومخالفتها لأن المصلحة
وإن تعلقت بفعل المندوب وترك المكروه، فلا تتعلق المفسدة بترك
المندوب وفعل المكروه وإلا لما افترقا عن الواجب والمحرم، وإنما
المفسدة في مخالفة الندبية والكراهة، وهو أن يحكم للفعل المندوب
بخلاف الندبية بل بغيره من الأحكام الأربعة أو يحكم للفعل المكروه
بخلاف الكراهة، بل بغيره من الأحكام الأربعة، وكذلك المباح فإن
المصلحة متعلقة بإباحته والمفسدة متعلقة بخلافها، وهو أن يحكم له
بأحد الأحكام الأربعة، فإن المصلحة والمفسدة في هذه الثلاثة
الأخيرة يتعلقان بالحكم الشرعي في المصلحة أو تغييره في المفسدة
كما عرفت، وبهذا يندفع ما استشكله بعض الأصوليين من تعلق الثواب
والعقاب بمعرفة المباح مع أنه لا ثواب ولا عقاب في فعله ولا تركه،
فإن الثواب متعلق بمعرفة حكمه وتقريره
(1/51)
على الإباحة، والعقاب
يتعلق بمخالفة حكمه وهو الإباحة، وإبدالها بحكم آخر من الأحكام
الأربعة فتأمل.
إذا عرفت ذلك فجميع ما ذكر من الضروب الثلاثة والانقسامات المذكورة
في الثاني والثالث يكون معرفة الجميع، وفعل ما وجب أو ندب لأجل أمر
الشارع به وترك ما نهى عنه أو أرشد إلى تركه لأجل نهي الشارع عنه
شكراً لله تعالى، والمخالفة له تعالى بتغيير أي حكم منها أو ترك ما
وجب من الشرعيات قطعاً أو فعل ما حرم منها قطعاً يكون كفراً لكنه
يُقيَّد في ترك الواجب وفعل المحرم بكفر النعمة، وكذلك الواجب
والمحرم في الضرب الثاني ما لم يكن عن استحلال فيكون كفراً بلا قيد
أو عن إكراه و نحوه، فلا أيهما ولا إثم، ومن هذا التفصيل يظهر مراد
من قال أن الشكر العقلي ليس إلا الاعتراف بالمنعم والنعمة، فمرادهم
قبل ورود الشرائع لأن العقل لا يهتدي إلى شيء منها، فلو قيل: إنها
شكر واجب لزم تكليف ما لا يعلم، فاقتصروا على قولهم الشكر يعنون
العقلي الاعتراف فقط ويظهر مراد من قال: إن الطاعات شكر، فمرادهم
أن فعلها بعد الأمر بها شكر وقبل الأمر بها يحكم العقل فيها أنه
متى صدر الأمر بها وجب الفعل شكراً، وإنما قلنا: إن الجميع شكر،
لأن مجرد الاعتراف لو وقع الاقتصار عليه بعد ورود الشرائع لكان
كافياً، ومن المعلوم أن من اقتصر عليه ولم يمتثل الأوامر والنواهي
لم يعد شاكراً بل كافرٌ سيما مع الاستحلال، وقد قال تعالى:
?اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ?، وقال تعالى: ?وَاللَّهُ جَعَلَ
لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ
أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ
أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ
يَكْفُرُونَ?{النحل:72}، فلو كان الاعتراف كافياً لما وصفهم بالكفر
مع قوله تعالى: ?وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ
لَيَقُولُنَّ اللَّه?{الزخرف:87}، وقوله تعالى: ?قَالَ الَّذِينَ
كَفَرُوا
(1/52)
لِلَّذِينَ آمَنُوا
أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ?{يس:47}، فهم
معترفون أن الإطعام من الله، لا يقال إنما كفرهم الله تعالى
بأفعالهم القبيحة الآخرة من تكذيب الأنبياء عليهم السلام وعبادة
الأصنام وعدم تصديق المعاد، لأنا نقول هب أن الأمر كما ذكرت في
قوله تعالى: ?قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا? الآية،
لكن في تعليق الكفر بالنعمة في قوله تعالى: ?وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ
هُمْ يَكْفُرُونَ?، مع قوله: ?وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ
خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّه? دلالة على أن الاعتراف بالنعمة لا
يكفي في الخروج عن شكرها حتى يمتثل جميع ما أمر به ونهى عنه، وإلا
لقال: أفبالله أو بالأنبياء أو بالمعاد هم يكفرون، ولَمَا تعرض
لذكر النعمة لأنهم قد اعترفوا بها واعترفوا بفاعلها، ويدل عليه
أيضاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم: [ يا أبا ذر إن حقوق الله
أعظم من أن يقوم بها العباد ولكن أمسوا تائبين وأصبحوا تائبين ]
أخرجه المؤيد بالله عليه السلام في سياسة المريدين، وقام صلى الله
عليه وآله وسلم حتى ورمت قدماه فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما
تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: " أفلا أكون عبداً شكوراً "،وقال أمير
المؤمنين عليه السلام : الإيمان قول مقولٌ وعمل معمول وعرفان
بالعقول، وقال الشاعر:
أفادتكم النعما مني ثلاثة .... يدي ولساني والضميرَ المحجبا
وقد سبق في صدر الكتاب ما يفيد أن الخشية والطاعة تكون على قدر
المعرفة بالله تعالى.
فثبت بجميع ذلك أن معرفة الله شكر ولطف، ولا وجه لقصرها على أحدهما
على أنه يقال لمن قصر وجوب المعرفة على كونها لطفاً فقط، فيقال له:
لطفاً في ماذا ؟
فإن قلتم: في الواجبات العقلية التي هي رد الوديعة وقضاء الدين
وترك الظلم والكذب.
(1/53)
قلنا: فقد يمكن أن
يفعل هذه الملحد ومن لا يعرف الصانع لا تديناً بل لأجل الاعتبار
ومعاشرة الناس واستصلاح المعيشة، وقد يمكن أن يقوم التقليد مقام
المعرفة في اللطف فيها، وكثير من الخلق ليس عنده وديعة ولا دين ولا
يكون من جهة ظلم ولا كذب إلا نحو ما يصدر مثله من بعض المسلمين،
فلا تجب المعرفة حينئذ.
وإن قلتم: لطفاً في أداء الواجبات الشريعة.
قلنا: الواجبات الشرعية لا تجب إلا بعد معرفة الرسل وصدق المبلغ،
فكيف يعلل إيجاب الأصل بالمحافظة على الفرع الذي لا يجب إلا بعد
ثبوت أصله،وقد علل أبو علي وجوب معرفة الله في أحد قوليه بأن في
تركها جهل به تعالى والجهل به قبيح، وهذا لا يكفي في الدلالة حتى
يعرف الوجه الذي لأجله قبح الجهل به تعالى لأن ليس كل جهل قبيح
لذاته، فإن العلماء بل الأنبياء يجهلون كثيراً مما يعلمه الله
تعالى قال الله تعالى: ?وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا
قَلِيلاً?{الإسراء:85}، فيقال: وجه قبح الجهل بالله تعالى، أنه
يستلزم الإخلال بشكره أو عدم الإلتطاف في أداء الطاعات واجتناب
المحرمات فيعود الكلام إلى ما ذكرناه، واعترضه صاحب شرح الأصول وهو
السيد مانَكْدِيْم باعتراض آخر وهو أن قال: إن ذلك لا يستقيم، يعني
إيجاب الله المعرفة بالله تعالى لقبح الجهل به تعالى إلا لو لم
يمكن الانفكاك عن القبيح إلا إلى المعرفة، فأما ومن الممكن أن ينفك
المرء عن القبيح لا إلى المعرفة بأن لا يفعلها ولا ما يضاددها
فإنما ذكره لا يستقيم.
(1/54)
قلت: وهذا الاعتراض
لا يرد إلا إذا كان مراد أبي علي بالجهل الجهل المركب: وهو اعتقاد
المعلوم على خلاف ما هو عليه، فيمكن الانفكاك عنه لا إلى المعرفة،
فأما ومراده نوعي الجهل معاً المركب: كاعتقاد المشبه، والبسيط: كمن
لم يثبته تعالى بتجسيم ولا تنزيه، ولا تعرض للكلام فيه تعالى بنفي
ولا إثبات كالغافل، فإنه لا يمكن الانفكاك عن كلا نوعي الجهل إلا
إلى المعرفة لاستحالة رفع النقيضين سيما إذا كان مرام أبي علي كما
ذكره عنه القرشي في قوله: قبح تركها - أي المعرفة - وهو الجهل
والظن ونحوهما، فإنه مفيد أنه يريد الجهل البسيط والمركب.
(1/55)
كيفية معرفة الله
نعم [ فإذا قيل لك أيها الطالب للنجاة بم عرفت الله تعالى أنه ربك؟
فقل: لأنه خلقني، ومن خلق شيئاً فهو ربه ].
الخلق: هو إيجاد الشيء مقدراً على وفق الحكمة والمصلحة، ولا شك أن
إيجاد الإنسان قد وقع كذلك.
والشيء: ما يصح العلم به والخبر عنه، واختلف في إطلاقه على المعدوم
فقال بعض أئمتنا عليهم السلام وبعض شيعتهم وبعض المعتزلة
والأشعرية: إنه ليس بشيء وأن الشيء لا يطلق إلا على الموجود،
واستدلوا بقوله تعالى: ? أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا
خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئاً?{مريم:67}، ?هَلْ
أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا
مَذْكُورًا? {الإنسان:1}، وفي الحديث: " كان الله ولا شيء "، وقال
بعض أئمتنا عليهم السلام وبعض شيعتهم والبهشمية: المعدوم شيء لقوله
تعالى: ?إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ?{الحج:1}،
وأيضاً فإن الله قد سمى آدم قبل خلقه خليفة فبالأولى أن يسمى
شيئاً، ولا خلاف أن المعدوم يسمى شيئاً، ولكن الخلاف هل يطلق عليه
ذلك حقيقة أو مجاز الأظهر أن ذلك مجاز، وبذلك يجمع بين الآيات على
أن المبحث لغوي، فالمرجع بذلك إلى ما دلت عليه لغة العرب وأعظمها
القرآن، فقد رأيتَ صرائح الآيات ناطقة تارة بتسمية المعدوم شيئاً،
وتارة بنفي تسميته شيئاً، فلا بد من التأويل في أحدهما، فتأول
الآيات التي ظاهرها أنه يسمى شيئاً بأنه نزَّل ما سيحصل منزلة
الحاصل، فأطلق عليه اسم الشيء تجوزاً.
[ فإن قيل لك: بم عرفت أنه خلقك؟ قلت: ] أما كوني مخلوقاً أي
موجوداً مقدراً بعد العدم المحض فمعلوم [ لأني لم أكن شيئاً، ثم
صرت شيئاً ] لأن الشيء كما سبق هو الموجود، [ ولم أكن ] موجوداً
ضرورة ثم صرت بعد ذلك حياً [ قادراً ].
والحي: هو من يصح منه أن يقدر ويعلم سواء كانت تلك الصحة لذاته
كالباري تعالى أم لأجل الحياة المخلوقة فيه كغيره من الأحياء.
(1/56)
والقادر: من يصح منه
الفعل مع سلامة الأحوال سواء كان يصح من الفعل لذاته كالباري تعالى
أو لأجل القدرة المخلوقة فيه كما في غيره من القادرين، [ وكنت ]
حال الولادة طفلاً [ صغيراً، ثم صرت كبيراً، ولم أكن عاقلاً، ثم
صرت عاقلاً ].
والعاقل: هو من حصلت له علوم العقل العشرة، والعقل في أصل اللغة
مأخوذ من عقال البعير لما كان يمنعه الذهاب فشبه به العقل لما كان
يمنع صاحبه الذهاب في المهالك، وهو ارتكاب القبائح وترك الواجبات،
واختلف في العقل فعند أهل الإسلام ما عدا المطرفية: أنه عرض في
القلب، وعند المطرفية: أنه نفس القلب، وعند الفلاسفة: أنه جوهر
بسيط في الدماغ، وعند الطبائعة: أنه طبيعة مخصوصة، والحجة لنا على
أنه عرض، أنه يزول عند النوم ونحوه ويعود عند اليقظة، فلو كان
القلب أو جوهراً لما زال ثم عاد، وأما أن محله القلب فلا دلالة على
محله إلا السمع وقد قال تعالى: ? لهم قلوب لا يعقلون بها ?، وفي
آية: ? لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا?{الحج:46}، ففيها دلالة
على أن العقل غير القلب وإنما هو عرض في القلب، لأنه لما نفى
الإعقال عنه تارة وأثبته أخرى دل على أنه غيره قائم به، فليس إلا
عرضٌ فيه، واحتجاج المطرفية بقوله تعالى: ?لِمَنْ كَانَ لَهُ
قَلْبٌ? باطل، لأن معنى الآية قلب يعقل به كما يقال: هذا ظاهر لمن
له عين - أي عين يبصر بها -.
وعلوم العقل العشرة:
أولها: العلم بحال نفس الإنسان من كونه ابن فلان وبيته في المحل
الفلاني،ومن كونه جائعاً وشابعاً وماذا فعل في ما لم يتقادم عهده
وما يريد من الأفعال المستقبل لها ؟
وثانيها: العلم بالمشاهدات هذا رجل وهذا فرس وهذا كذا وهذا كذا.
وثالثها: العلم بالبديهيات من كون العشرة أكثر من الخمسة، والكل
أكثر من الجزء،والآمر فوق المأمور ونحو ذلك.
(1/57)
ورابعها: العلم
بالقسمة الدائرة بين النفي والإثبات نحو زيدٌ إما في الدار وإما
خارج عنها، وإما حي وإما ميت، فلا يُجَوَّز اجتماع الأمرين ولا
ارتفاعهما.
وخامسها: العلم بتعلق الفعل بفاعله وإسناده إليه، فلا يجوز عمارة
ولا كتابة ولا نجارة من دون عمارٍ وكاتب ونجار، ومتى صدر الفعل من
فاعله أسند إليه ونحو ذلك.
وسادسها: العلم بمقاصد من يخاطبه فإذا قال له: قم، عَلِمَ أن
المطلوب منه القيام، وإذا سأله عن شيء، علم أن المراد السؤال عنه
ونحو ذلك.
وسابعها: العلم بالأمور الجلية قريبة العهد نحو حصول المطر وإطباق
الغيم وموت سلطان البلد ونحو ذلك.
وثامنها: العلم بالأمور الخِبْرِيَّة والمستفادة من جهة التجربة
والعادة نحو أن النار تحرق القطن، والحجر تكسر الزجاج، والسم قاتل،
وهذا لا يكون عدم العلم به قادحاً في العقل إلا بعد الخبرة لا إذا
جهلها في أول الأمر ثم علمها ولهذا قيل لها: الجِبْرِيَّة.
وتاسعا: العلم بوجوب بعض الأفعال كرد الوديعة، وقضاء الدين، وشكر
المنعم، وقبح بعضها كالظلم، والعبث، والكذب، والسفه، وحسن بعضها
كإرشاد الضال، وخساسة بعضها كشكاسة الأخلاق، ونحو ذلك.
وعاشرها: العلم بمخبر الأخبار المتواترة كالعلم بوجود مكة والمدينة
ومصر والكوفة ونحو ذلك، ويدخل في ذلك العلم ببعثة الأنبياء عليهم
السلام، كالعلم ببعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال أبو هاشم:
وإنما يكون هذا من علوم العقل بعد البعثة بالشرائع لأن في العلم به
للمكلف لطف فأما قبلها فعدم العلم بمخبر الخبر المتواتر غير قادح
في العقل والجمهور على خلافه، فإنا نعلم إذا تواتر خبر لشخص ثم
أنكره إما ناقص عقل، وإما مكابر جاحد لما يعلمه ضرورة وهي مترتبة
في قوتها وحصولها للمكلف على هذا الترتيب، وقد نظمها على هذا
الترتيب القاضي العلامة صارم الدين إبراهيم بن يحيى السحولي رحمه
الله تعالى فقال:
(1/58)
إليك علوم العقل
منظومة على .... تراتيبها فاتبع بها الرَّسْمَ بالقلمِ
فعلم بحال النفس ثم مشاهد .... بديهتها والحصر في سائر القِسَمِ
تعلق فعل ثم قصد مخاطب .... جَليُّ أمور فاستمع نَظْمَ من نَظَمْ
وثامنها علم اختبار وتاسع .... به ميز الإحسان عن ظلم من ظلمْ
وآخرها علم التواتر رتبة .... بها كمل المقصود في حصرها وتمْ
ثم اختلف المتكلمون هل العلم بهذه العشرة هو نفس العقل، أم هو معنى
آخر تدرك به قائم بالقلب، فالذي عليه صاحب الأساس قدس الله روحه
ورواه عن جمهور أئمتنا عليهم السلام أنه معنى غيرها تُدْرَك به فهو
بمنزلة البصر في العين تدرك به المشاهدات، فكذلك العقل معنى في
القلب تدرك به المعقولات، وحكي عن الإمام المهدي عليه السلام
والمعتزلة: أنه نفس العلم بهذه العشر الضروريات، والأظهر الأول،
لأنه يلزم على الثاني أن الإدراك بنفس القلب لا بالمعنى القائم
بالقلب، فيكون بمثابة أن يكون الإدراك بنفس العين لا بالمعنى
القائم بها، وهو خلاف المعلوم ولا طائل تحت الخلاف واستيفاء الحجج
مذكور في المطولات.
(1/59)
العالم مُحْدَث
ولما فرغ عليه السلام من استدلال الإنسان بأحوال نفسه على حدوثه
المستلزم أنه لا بد له من محدث حكيم أخذ في إرشاد طالب النجاة إلى
الاستدلال بأحوال غيره من أصناف العالم، فقال: [ وشاهدت الأشياء
تحدث ] كالحيوانات والأشجار والثمار والأنهار ونحوها [ بعد أن لم
تكن ] وهذا أمر ضروري لا يمكن دفع العلم به عن النفس بشك ولا شبهة،
فإنه إذا كان فصل الشتاء وانصرمت ثمار السنة الماضية كانت الأرض
حينئذ خلية عن الثمار والزرائع حق السنة المستقبلة وما بعدها من
السنين، وكذلك الأشجار تنبت منها ما نبت بنفسه ومنها ما يغرس ثم
يحصل النمو فيها والتزايد والثمر فيما يثمر منها، وكذلك الحيوانات
تتوالد وتتكاثر والكل كما ذكر عليه السلام من قوله: بعد أن لم تكن،
ثم أخذ عليه السلام في تفصيل الاستدلال بكل صنف من أصناف العالم
على حدته فقال: [ فرأيت الولد ] وهو يعم الذكر والأنثى مأخوذ من
الولادة فيعم جميع الحيوانات إلا أن لفظ الولد قد يراد به الإنسان
فقط ويقال في سائر الحيوانات نتاج [ يخرج ] من بطن أمه [ ولا يعلم
شيئاً ] كما قال تعالى: ?وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ
أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ
وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ?
{النحل:78}، [ ثم يصير رضيعاً ] فعيل بمعنى مفعَل كنبي بمعنى منبي
مع ما في ذلك من الآية الباهرة والحكمة الظاهرة لما كان في تلك
الحال لا تصلح له المآكل الجسيمة ولا يقدر على تناولها، وتناول شرب
الماء جعل الله له رزقاً في ثديي أمه وألهمه المص عند أن يوضع
الثدي على فمه، وألهم الدواب مع كونها بلا عقل ولا دراية أن لا
يتصرف ولا يتطلب ذلك في غير ذلك الموضع والأم أن تمكنه من ذلك،
فسبحان المدبر لكل شيء والملهم لكل حي بما فيه صلاحه واستمرار
حياته ونمو ذاته، [ ثم ] يصير الولد من الآدميين بعد ذلك [ طفلاً ]
والطفل يطلق على الإنسان
(1/60)
إلى حين التمييز، [
ثم ] يصير [ غلاماً ] إلى حين البلوغ، [ ثم بالغاً، ثم شاباً، ثم
كهلاً ] وهو ما بين الشباب والشيخوخة أو من بلغ الأربعين، [ ثم
شيخاً ] وهو من طعن في السن وجاوز الستين السنة، ثم إذا بقي بعد
ذلك وبلغ الثمانين صار هِمَّاً ضعيفاً قد سلب أكثر الحواس وقلَّت
معه لذة المأكل والمشرب وسائر المشتهيات اللذيذة وربما ذهب سمعه
وبصره وإعقاله المعقولات ورُدَّ إلى أرذل العمر كما قال تعالى:
?وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ
يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ
عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ?{النحل:70}، [ ونحو
ذلك ] أي نحو خلق الإنسان وسائر المخلوقات [ من هبوب الرياح ]
والهبوب - بالضم - مصدر هب يهب يقال هبت الريح تهب هبوباً والرياح
جمع ريح وتجمع على أرواح لأن الأصل رِوْحٌ فقلبت الواو إلى ياء على
القاعدة، وحقيقة الرياح حركات متداركة على الهواء وهي أربع: شمال:
وهي الآتية من جهة الشام إلى جهة اليمن، وجنوب: وهي بالعكس من ذلك،
وصبا: وهي الآتية من جهة المشرق إلى جهة المغرب، ودبور: وهي بالعكس
من ذلك، يجمعها قول الشاعر:
شملت بشام والجنوب تيامنت .... وصبت بنجد والدبور بمغرب
وكل ريح اعترضت بين ريحين كالآتية مما بين المشرق والشام يقال لها
نكبا، قال شيخنا صفي الإسلام رحمه الله تعالى ودلالتها على الله
ظاهرة لأن هبوها حال [ وسكونها ] حال [ بعد ] الأول، فلابد من فاعل
لذلك.
(1/61)
قلت: وكذلك اختلافها
في جهاتها وشدتها وخفتها وسرعة [ هبوبها ] وبطئه، وتارة بالرحمة
وتارة بالنقمة، وعاصفة ورخاء كل ذلك أحوال تفتقر إلى فاعل يفعلها
على ذلك الحال دون الأخر، وكذلك اختصاصها بجهة دون جهة وببلد دون
بلد ووقت دون وقت، وما فيها من المنافع من تلقيح الأشجار وتنسيف
الزرع بعد دياسه لاستخراج الحبوب وفصلها عن القشر ونحوه، وتسخيرها
في البحر لتجري الفلك بأمره، فسبحان من تنزه عن فعل العبث وأحاط
بكل شيء حكمة وتدبيراً، واستغرق كل شيء إحكاماً وتقديراً، واستوعب
كل مخلوق مشيئة وتأثيراً، [ و ]كذلك [ طلوع الكواكب ] وهي النجوم [
بعد أفولها ] بعد أن غربت [ وأفولها بعد طلوعها ] وتسييرها في
الأفلاك مع اختلافها في سرعة السير وبطئه وبعضها باهٍ منير، وبعضها
واهٍ يسير، والبعض بتفاوت كثير وجهاتها في مشارقها ومغاربها،
فبعضها في جهة اليمن كسهيل ونحوه، وبعضها في جهة الشام كالقطب
ونحوه، وبعضها فيما بين ذلك، وكذلك اختلاف أوقات طلوعها وغروبها في
فصول السنة الأربعة، واختصاص كل فصل منها بسبعة نجوم يختص كل نجم
بمنزلة تحلها الشمس ثلاثة عشر يوماً إلا الذراع فأربعة عشر يوماً
كل يوم تطلع الشمس وتغرب في درجة متوسطة بين ما قبله وما بعده في
القرب إلى الجهة التي تدخل فيها أو ترجع منها من جهتي اليمن والشام
حتى تصل إلى الموقف فيها، ثم ترجع كل يوم في درجة حتى تخرج من تلك
الجهة وتدخل في الجهة الأخرى حتى تصل الموقف فيها ثم كذلك مدى
الدهور والأعوام إلى ما شاء الله، والقمر تحل في كل منزلة ليلة
واحدة ويتزايد جرمه ونوره في كل منزلة بعضاً من الزيادة حتى يصير
بدراً كاملاً، ثم يتناقص في كل منزلة بعضاً من النقص في جرمه ونوره
? حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ?{يس:39} ?ذَلِكَ
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ?{يس:38}، [ و ]كذلك [ ظهور السحاب
] المسخر بين السماء والأرض، فإنا نراه يحدث ويوجد بعد أن لم يكن
له وجود
(1/62)
عين ولا أثر، فظهوره
بعد العدم لمحض آية دالة على فاعل حكيم، [ وزواله ] آية أخرى دالة
على قادر عليم، وكذلك اختلافه في القلة والكثرة، وتصريفه في
الجهات، واختصاصه ببعض الجهات دون بعض، وسيره من جهة إلى جهة على
اختلاف ذلك السير في السرعة والبطء، وزيادة تطبق جميع الأفق، وتارة
أسود مظلم، وتارة أبيض يَقِق، وتارات فيما بينهما، وقد يكون إلى
حمرة أو صفرة، وقد يكون مصحوباً بالمطر، وقد يكون من دونه، وقد
يكون متراكماً غليظاً، وقد يكون متفرقاً رقيقا، ومع ذلك فله أشكال
وهيئات لا تضبط بوصف ولا عبارة، قيل: إن أصله غبار تثيره الرياح من
تراب الأرض قال تعالى: ?اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ
فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ
وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ
خِلالِهِ?{الروم:48} وليس في الآية تصريح بأن الرياح تثيره من نفس
التراب ولا مانع فالقدرة صالحة لذلك ولإيجاده من العدم المحض، ثم
تثيره الرياح أي تنشره في الأفق. [ وكذلك المطر ] فإن فيه آيات
عديدات ودلائل مفيدات على إثبات الصانع المختار ففي اختلاف ذاته من
الكثرة والقلة ووفارة القطرة وحُقْرِها آية دالة على اختيار الفاعل
لها، وكذلك اختلافه في الأمكنة والأزمنة، وتردده وانقطاعه على حسب
مصالح العباد والاحتياج والاستغناء، وتارة غيثاً هنيئاً، وتارة
مصحوبا بالعواصف والصواعق وصوت الرعد المختلف بين شدة وخفه وتوسط
وجهة دون جهة فسبحان من ?وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ
وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ
فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي
اللَّهِ?{الرعد:13}، يريد أن الكفار يجادلون في جحد الله تعالى
وإنكارهم إياه واقتداره وتدبيره مع ما أراهم من هذه الآيات
الباهرات التي لا يقدرون على إنكار وجودها ولا تقبل العقول فاعلاً
لها غيره، فما سولت لهم أنفسهم وزخرفته لهم
(1/63)
الشياطين من نسبة ذلك
إلى غيره تعالى من العلل والطبائع وسائر المؤثرات التي زعموها
مُمَاكَرَةٌ منهم ومماحلة: وهي شدة المكايدة والمجادلة، والله شديد
المحال بالحجج وإتيانهم بالنقمة من حيث لا يحتسبون، وشبه المماكرة
والمكايدة بجامع الإتيان من خلاف ظاهر الأمر، فإطلاق ذلك على الله
تعالى مجاز كقوله تعالى: ?وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ
مِثْلُهَا?{الشورى:40}، واختلف في المطر فقال الهادي والحسين بن
القاسم العياني عليهما السلام: أنه يخلقه الله تعالى ويُكَوِّنه
فيما بين السماء والأرض وقالا: السماء ما ارتفع، ويدل على هذا ظاهر
قوله تعالى: ?اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ
سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ
كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ?، وقال زيد بن
علي عليهما السلام والجمهور: بل من السماء لقوله تعالى:
?وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا?{الفرقان:48}،
والآيات في ذلك كثيرة، وقال محمد بن القاسم بن إبراهيم: قال شيخنا
رحمه الله تعالى وقيل إنه روي عن القاسم عليه السلام : أنه تأخذه
السحاب من البحر وقال رحمه الله تعالى واعلم أن في القرآن التصريح
بأن الماء ينزل من السماء إلى السحاب ثم تمطر - يعنى كما يقوله زيد
بن علي عليهما السلام - ثم قال: ويدل عليه ما أخرجه ابن جرير وابن
أبي حاتم وأبو الشيخ عن السُّدِّي قال: إن الله يرسل الريح فتأتي
بالسحاب من بين الخافقين - طرفي السماء والأرض - من حيث يلتقيا
فيخرجه من ثمة، ثم تنشره فتبسطه في السماء كيف يشاء، ثم تفتح له
أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب، ثم تمطر السحاب بعد ذلك قال:
ويدل عليه قول أمير المؤمنين عليه السلام : أما بعد: فإن الأمر
ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر، والله أعلم بالحقيقة انتهى
كلامه والمسك ختامه.
(1/64)
قلت: لا مانع والله
أعلم من صحة كل واحد من هذه الأقوال، فليس فيما يدل على أحدها
دلالة على نفي ما عداه، والله أعلم.
[ و ]كذلك [ النبات ]: ما ينبت ويخرج من الأرض من المرعى وغيره، [
و ]كذلك [ الثمار المختلفات ]: زرعاً ونخيلاً وأعناباً وقضباً
وزيتوناً ونحو ذلك من الاختلاف الذي يتعذر أو يتعسر حصره، [ وكل
ذلك ] أي وجودها مع اختلافها [ دلائل الحدوث ] وهو أن وجودها بعد
عدم.
(1/65)
أدلة حدوث الأجسام
وأن لها محدِث
[ وإذا كانت محدَثه فلا بد لها من مُحدِث ] واعلم أرشدك الله تعالى
أنه لا خلاف في حدوث كثير من أصناف العالم كالحوادث اليومية، وإنما
الاختلاف والنزاع في الأجسام، وقد استدل أصحابنا على حدوثها بأدلة
كثيرة منها هذا الدليل الذي ذكره الأمير عليه السلام ويسمى دليل
الاختلاف وتحريره على أربعة أصول:
الأول: أن هذه الأجسام مختلفة. الثاني: أن اختلافها دليل على
حدوثها. الثالث: أن المحدَث لابد له من محدِث غيره. الرابع: أن
المحدِث ليس إلا الفاعل المختار وهو الله تعالى لا غيره.
(1/66)
أما الأصل الأول: فهو
معلوم بالضرورة [ لأنها قد اشتركت في الجسمية ] وهو أنها أجسام ذات
طول وعرض وعمق، فهذا حاصل في جميع أجسام الحيوانات وغيرها، [ ثم
افترقت هيئاتها وصورها فتنظر سماء، وأرضاً، وأثماراً، وأشجاراً،
وحجارةً، وناراً وبحوراً، وأنهاراً، وإناثاً وذكوراً، وأحياءً،
وأمواتاً، وجمعاً، وأشتاتاً ] وكذلك محتركاً وساكناً، والمراد
بقوله: وجمعاً وأشتاتاً: الاجتماع والافتراق، وكذلك الحركة والسكون
وهي المسماة في لسان المتكلمين بالأكوان الأربعة، فلا يخلو كل جسم
عن الاتصاف باثنين منها لأنه إما متحرك أو ساكن، وإما مجتمع مع
غيره أو مفترق عنه، فإن كان محتركاً دل على الحدوث وإن كان ساكناً
فكذلك لأن الحركة والسكون عرضان محدثان بلا شك لأن كل حركة يصح
عدمها وإبدالها بالسكون والعكس، وما صح إبداله بغيره علم حدوثه لأن
القديم لا يصح عدمه لأنه موجود بذاته، فلا يصح دخوله تحت قدرة قادر
لإيجاده ولا لإعدامه، فعلم بهذا حدوث الحركة وحدوث السكون، وكذلك
الاجتماع والافتراق، فما من اجتماع إلا ويصح إبداله بالافتراق،
فالافتراق محدث لوجوده بعد العدم، والاجتماع محدث لعدمه وإبداله
بالافتراق، وكذلك سائر ما ذكره عليه السلام من اختلاف الهيئات
والصور وكون بعض الأجسام سماء وبعضها أرضاً واختلاف الأثمار
والأشجار تتنقل وتتناسخ من حالة إلى حالة حتى يبلغ حد اليناع
والكمال، وكل حالة من أحواله يصح في العقل أن تكون تلك الثمرة أو
الشجرة على حالة مخالفة لها، فإنك ترى شجرة العنب الأبيض مثلاً يصح
أن يكون ثمرها أسود أو أحمر، فيدل ذلك على الفاعل المختار الذي فعل
هذا كذا وهذا كذا، وكذلك الذكورة والأنوثة والإحياء والإماتة في
الحيوانات، فإن المرأة إذا حملت صح في الحمل أن يكون ذكراً وأن
يكون أنثى وبعد ولادته يصح عليه أن يبقى حياً وأن يخلف حياته
الموت، وأيَّمَّا كان من ذكورة أو أنوثة أو حياة أو موت دل على
فاعل مختار فعل هذا الحمل المولود على هذه الحال دون ضدها.
(1/67)
بحث في الأعراض
[ وكذلك تنظر إلى الأعراض الضروريات ] أي [ المعلومات، ] وجودها
بالضرورة [ فإنها قد اشتركت في كونها أعراضاً ] وهي أنها لا تشغل
الحيز عند حدوثها وأنها لا تستقل في وجودها بنفسها وإنما تقوم
بالجسم المتحيز، والأعراض: جمع عرض، وهو في اللغة: كلما يعرض ويزول
ومنه قوله تعالى: ?فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ
أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا?{الأحقاف:24}،
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " الدنيا عرض حاضر يأكل منه البَر
والفاجر "، وفي اصطلاح المتكلمين: ما يقوم في الجسم ولا يبقى
كبقائه، وإن شئت قلت: ما لا يشغل عند حدوثه ولا يقوم بنفسه، [ ثم
افترقت ] هذه الأعراض [ وانقسمت بين شهوة ]: وهي المعنى القائم
بالحيوان المتعلق بتناول ما يلذ به، [ ونفرة، ]: ضد الشهوة وهي
المعنى القائم بالحيوان المتعلق بتناول ما يؤلمه، [ وحياة، ]: وهي
المعنى القائم بالجسم الذي يصح معه أن يقدر ويعلم ويدرك المدركات،
[ وقدرة، ]: وهي المعنى القائم بالحيوان الذي يصح منه الفعل، [
ويبوسة، ]: وهي المعنى القائم بالجسم الموجب صلابته وشدته [
ورطوبة، ]: وهو المعنى القائم بالجسم الموجب لينه ضد اليبوسة، [
وطعوم مكروهة ] كطعم المر ونحوه من المطعومات المنفور عنها [
ومحبوبة، ] كطعم العسل ونحوه من المطعومات المشتهيات، [ وروائح ]
جمع رائحة ويقال فيها ريح، [ شتى ] يعني لا تنحصر، ولما كانت لا
تنحصر لم يقسمها أهل اللغة إلى أقسام وأنواع مخصوصة كما قالوا في
الألوان بياض وسواد وحمرة وصفرة وخضرة، بل تضاف كل من الروائح إلى
محله إذا أريد تعينه والخبر عنه، فيقال ريح المسك وريح الورد ونحو
ذلك، [ وحرٍ وبردٍ، ] وهما ظاهران واختلافهما في القلة والكثرة من
أدل الدلائل على الفاعل المختار، وكذلك اختصاصها ببعض الأمكنه دون
بعض والأزمنة وما فيهما واعتوارهما على الحيوانات من المصالح كما
لا يخفى، [ وَوِجاءٍ ] ككتاب:
(1/68)
وهو الألم قال شيخنا
صفي الإسلام رحمه الله تعالى: وينظر في عده من الضروريات لأنه
مقدور لنا إلا أن يراد بالضروريات مالا يقف على اختيارنا.
قلت: مراده رحمه الله تعالى في تفسير الضروريات ما يختص بها الباري
تعالى لذلك نظر على عد الألم منها لدخوله تحت مقدورنا متولداً عن
الضرب ونحوه، وأما إذا فسرناها بما يعلم وجوده ضرورة فلا تنظير،
لأن مراد المؤلف عليه السلام الألم الذي فيه الدلالة على الله
تعالى وهو ما لم يكن من أفعالنا كالمرض ونحوه، [ وفناءٍ ]: وهو إن
أُريدَ به التمزيق والتبديد وتخربة أي تغيير البنية فهي عرض، وإن
أريد به إعدام الجسم عدماً محضاً بالكلية فهي جنس مستقل خارج عن
الأعراض، والخلاف بين العلماء في كيفية فناء العالم على حسب ما
ذكر، فذهب الإمام القاسم بن محمد عليهما السلام إلى الثاني، وذهب
غيره إلى الأول، والأدلة مذكورة مبسوطة في غير هذا الموضع، [
وألوانٍ متضادة ] أي معتورة ومختلفة، [ على المحل ]، والضدان: ما
لا يجتمعان ويصح ارتفاعهما بثالث كالألوان، والنقيضان: مالا
يجتمعان ولا يرتفعان بثالث كالوجود والعدم والليل والنهار.
(1/69)
الموت
[ وموت ] واختلف فيه فقيل: إنه معنى وجودي وهو قول المنصور بالله
عبد الله بن حمزة عليه السلام وغيره مستدلين بقوله تعالى: ?الَّذِي
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ?{الملك:2}، وقيل: بل هو أمر عَدَمِي
لأن المرجع به إلى إزالة الحياة الموجودة في الجسم وهو قول المهدي
عليه السلام وغيره وحجتهم أنه لم يعقل من معناه غير ذلك، فإطلاق
الخَلْق عليه تجوزاً لما كان تعالى هو المزيل للحياة سمى الإزالة
خَلْقاً تجوزاً، والأظهر الأول لأنه يمكن أن يكون إزالة المعنى
بإيجاد ضده كما في سائر الأضداد.
(1/70)
الرزق
[ يقطع الرزق ] وهو ما يصح الانتفاع به من دون حصر كالمآكل
والمشارب والمشمومات والملبوسات وكالعبيد والأولاد والأزواج يقال:
رزقه الله ولداً صالحاً وزوجة صالحة، وقلنا: من دون حصر، إشارة إلى
خلاف المجبرة فإنهم يطلقون الرزق على ما وقع به الانتفاع ولو كان
الانتفاع بالمال الحرام فإنه رزق عندهم قلنا: يلزم أن لا يلام من
تناوله ولا يذم على ذلك فيلزم رفع العقاب، وحد السارق لأن استحقاق
العقاب متفرعاً على صحة الذم، وأيضاً نهى الله تعالى عن تناوله،
والحكيم لا ينهى عما رزق خلقه أن يتناولوه، ولا يخفى أن الاحتجاج
عليهم بما ذكر مع قولهم بالجبر وأنه تعالى لا يقبح منه قبيح مما لا
يسلموا صحته لكن ذلك الاحتجاج معلوم بلا شك:
الأول: وهو استحقاق متناول الحرام الذم وملازمته استحقاق العقاب
عقلي.
والثاني: مركب من قضيتين:
إحداهما: معلوم من الدين ضرورة، وهي أن الله تعالى نهى عن تناول
الحرام.
والثانية: وهي أن الحكيم لا ينهى عن تناول عباده ما رزقهم معلومة
عقلاً.
فإذا كان هذان الدليلين معلومين يقينيين لزم منهما بطلان الجبر من
أصله، وهذه إحدى مفاسد الجبر وفواقره التي أضرت بالدين والدنيا،
وكان موضع هذه المسألة عند الكلام على مسائل العدل لكنا ذكرنا ذلك
استطراداً ملاحظة لخدمة ألفاظ المختصر، وفيما ذكره عليه السلام
إشارة إلى قول أمير المؤمنين عليه السلام : الروح شيء من ملكه
أودعه في مِلكه وجعل له أجلاً معلوماً ورزقاً مقسوماً، فإذا فرَغ
ما لَك عنده أَخَذَ ما لَه عندك: ذريَّة بعضها من بعض، سلام الله
عليهم جميعاً.
(1/71)
الأمل
[ والأمل ]: وهو تحديث النفس وتوطينها على الأعمال الدنيوية
المستقبلة، ولما كان بعضها لابد منه في تدبير معيشة الإنسان ومن
يعوله لم يرد الذم من الحكيم تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه
وآله وسلم إلا على تطويل الأمل دون تقصيره، وهو ما يتعلق بإصلاح
المعيشة في يومه والأيام القريبة منه كأن يؤمل غداً أنه سيشتري
طعاماً أو نحوه لعائلته أو سيحرث الجربة الفلانية أو نحو ذلك،
وإنما المذموم التطويل بما وراء ذلك من طلب الزيادة على الحاجة
وللأيام البعيدة لأن ذلك فضول يكسب القلب هماً واشتغالا بما لا
يعني ولعله لا يصل إليه، وفي الحديث أنه قال صلى الله عليه وآله
وسلم: " إن شر ما أتخوف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فاتباع
الهوى يصرف قلوبكم عن الحق، وطول الأمل يصرف هممكم إلى الدنيا وما
بعدهما خير لأحد في دنيا ولا آخرة "، وقال - صلى الله عليه وآله
وسلم ـ: " مثل الإنسان والأجل والأمل، فمثل الأجل خلفه والأمل
أمامه، فبينما هو يؤمل أمامه إذ أتاه أجله فاجتاحه "، وفي السنة
كثير من ذلك.
فثبت الأصل الأول وهو اختلاف الأجسام والأعراض على أنه معلوم ضرورة
لكن حَسُنَ بسط الكلام في ذلك لما يتفرع عليه مما بعده من
الاستدلال على إثبات الصانع المختار وإبطال غيره تعالى من المؤثرات
التي زعمها أهل الإلحاد.
وأما الأصل الثاني: وهو أن اختلاف الأجسام والأعراض دليل على
حدوثها.
فقد أشار عليه السلام بقوله: [ فتعرف ] بهذا الاختلاف [ أنه لا بد
من مخالف خالف بينها وأحدث ما شاهدتَ حدوثه منها ]، وقد شملت هذه
الجملة من كلامه عليه السلام طرفين: أحدهما: أن الاختلاف دليل
الحدوث. والثاني: أن المُحدَث لا بد له من مُحدِث. فلنتكلم على كل
واحد منهما بما يليق به حسب المقام.
(1/72)
الاختلاف دليل الحدوث
أما الطرف الأول: وهو أن الاختلاف دليل الحدوث، فتقريره بما ذكره
الأصحاب في كتبهم الكلامية وهو أن يقال: لا بد أن يكون بين الدليل
والمدلول من تعلق على وجه لولاه لما وجب أو لما صح أو لما اختير أو
لما حسن، وإلا لم يكن بأن يدل أولى من أن لا يدل، ولا بأن يدل عليه
أولى من أن يدل على غيره.
أما الأول: فمثاله في حصول المسببات عن أسبابها الموجبة لها وذلك
كانكسار الزجاج عن وقوع الحجر عليه بشدة، فإنه لولا وقوع الحجر
عليه بشدة لما وجب انكساره.
ومثال الثاني: ما يصدر عن الفاعل المختار من الأفعال المختلفة في
دلالتها على الفاعل وعلى أنه قادر عالم حي بأن يقال: لولا أنها
لفاعل لما صح وجودها بعد عدمها، ولولا أنه قادر لما صح وجودها تارة
وعدمها تارة أخرى، ولولا أنه عالم لما صح إحكامها، ولولا أنه مختار
لما صح اختلافها، ولولا أنه حي لما صح جميع ذلك.
ومثال الثالث: ما نقوله في الاستدلال على عدل الله تعالى وحكمته
وتنزيهه عن فعل القبيح بأن يقال: لو فرض منه تعالى فعل القبيح من
تعذيب من لا يستحق العقاب كما يقوله أهل الجبر من خلق الأفعال
والتعذيب عليها وإرادة القبيح وتكليف ما لا يطاق لما يلزم في فعل
القبيح من الحاجة إليه أو الجهل بقبحه لولا أنه محتاج أو لولا أنه
جاهل لقبح القبيح لَمَا اختاره، لكنه قد ثبت أنه تعالى عني وعالم
بقبح القبيح فيتعذر صدوره منه.
ومثال الرابع: ما نقوله في الاستدلال على ثبوت نبوة من ظهرت
المعجزات على يديه بعد ادعائه النبوة بأن يقال: لولا أنه نبي صادق
لما حسن من الله تعالى إظهار المعجز على يديه لأن إظهار المعجز على
يد الكاذب بمثابة تصديقه، وتصديق الكاذب في كذبه كذب قبيح والله
تعالى لا يفعل القبيح.
(1/73)
إذا عرفت ذلك فالذي
ترجع إليه المسألة التي نحن بصددها هو الثاني من هذه الوجوه
الأربعة وهو قولنا: لولاه لما صح لأن الأول باطل بلزوم اتحاد
العالم كما سيأتي تقرير ذلك، والأخيرين هما في ثبوت عدل الصانع
المختار وصحة نبوة أنبيائه عليهم السلام، ونحن الآن في إثبات
الصانع نفسه لا في إثبات عدله ونبوة أنبيائه، فنقول: لولا أن هذه
الأجسام محدثة ولولا أن لها محدثاً مختاراً لما صح اختلافها، لأنها
لم تكن بأن تختلف أولى من أن لا تختلف بل كان عدم اختلافها هو
الأولى لأنها لو لم تكن محدثة لكانت قديمة، ولو كانت قديمة لما
اختلفت، لأن القديم لا يختلف لاستلزام حدوث المختلف.
فثبت الطرف الأول وهو أن الاختلاف دليل الحدوث كما ترى من تقرير
الدلالة على ذلك، وعلى ذلك يكمل هذا الطرف بمعرفة سؤال وجوابه،
لأنه مهما لم يعرف المستدل جواب ما يرد على المسألة أو دليلها من
السؤالات والاشكالات الواردة على ذلك كان المستدَل عليه غير ثابت
عند المستدِل لعدم تأتي الجزم وسكون النفس عند عروض ذلك السؤال
والاشكال حتى يعرف جوابه ويظهر عدم قدحه في المسألة ولا في دليلها.
(1/74)
العلم ليس قديم
وهو أن يقال: قد جعلتم الاختلاف دليلا على الحدوث، وجعلتموه دالاًّ
على حدوث كلي الشيئين المختلفين حسبما مر من تعداد الأجسام
والأعراض المختلفة، وعندكم: أن الباري تعالى ليس مماثل لخلقه بل
مخالف لخلقه فيلزم حدوثه تعالى لحصول الاختلاف بينه وبين غيره أو
نقض الدلالة، فيصح القول بقدم العالم، لأن الاختلاف لا يقدح في
قدمه كما قلتم في الباري تعالى.
والجواب والله والموفق للصواب: أن الاختلاف لا يكون دليلاً على
الحدوث إلا إذا كان في شيء واحد كاختلاف أعضاء الإنسان وجوارحه
وحواسه أو في شيئين قد جمعتهما صفة ذاتية لهما كالجسمية في
الأجسام، والعرضية في الأعراض، والحيوانية في الحيوانات،
والإنسانية وهي الناطقية مع الحيوانية، وهذا المعنى يؤخذ من كلام
المؤلف عليه السلام في الأجسام، لأنها قد اشتركت في الجسمية، ثم
افترقت هيئاتها وصورها إلخ، ومن قوله في الأعراض فقد اشتركت في
كونها أعراضاً ثم افترقت وانقسمت بين شهوة ونفرة إلخ، وإذا حققت
هذا المعنى وظهرت لك النكتة التي تحت الجمع بين الشيئين بصفة ذاتية
ثم الفرق بينهما بصفة أو صفات قائمة بهما على سبيل الاختلاف
والتضاد، علمتَ سقوط هذا السؤال وعدم قدحه في الدلالة على حدوث
العالم دون الباري تعالى، لأنه لا صفة ذاتية جامعة بين الله تعالى
وبين العالم، لأن العالم أجسام وهو تعالى ليس بجسم وأعراض وهو
تعالى ليس بعرض، فلا مشابهة بينها وبينه تعالى ولا جامع في شيء من
الصفات الراجعة إلى ذوات العالم كالجسمية والحيوانية والناطقية
والعرضية، ولو شابه شيئاً من هذه الذوات لجاز عليه ما جاز عليها من
الزيادة والنقصان والعدم والبطلان، ولوجب له ما يجب لها من التحيز
للجسم وافتقار العرض والناطقية والحيوانية إلى الجسم القائمة
به،واستحال عليه ما يستحيل عليها وهو وجودها من دون محل ولا فاعل،
فالله سبحانه وتعالى لا جامع بينه وبين الأشياء، قال القاسم بن
إبراهيم عليهما
(1/75)
السلام في كتاب
الدليل الكبير ما لفظه: وهذا الباب من خلافه سبحانه أي مخالفته
لأجزاء الأشياء كلها فيما يدرك من فروع الأشياء جميعاً وأصولها مما
لا يوجد أبداً إلا بين الأشياء وبينه ولا يوصف بها أبداً غيره يعني
عليه السلام أن الاختلاف العام من كل وجوهه لا يوجد إلا فيما بين
الله تعالى وبين جميع الأشياء، قال عليه السلام : وهي الصفة التي
لا يشاركه فيها مشارك، ولا يملكها عليه مالك، ولا يعم الأشياء
اختلاف عمومه، ولا يصحح الألباب إلا الله معلومه لأنه وإن وقع بين
الأشياء ما يقع من الاختلاف فليس يوجد واقعاً إلا بين ذوات
الأوصاف، وكل واحد منها وإن خالف غيره في صفة فقد يوافقه في صفة
أخرى سواء كان مما يعقل أو كان مما يلمس، ويرى انتهى كلامه والمسك
ختامه.
فثبت بطلان هذا السؤال وعدم قدحه في الاستدلال وبقي أن يقال:
فقولكم: إنه تعالى شيء، يوجب الاشتراك بينه وبين سائر الأشياء في
الشيئية.
(1/76)
هل يجوز اطلاق شيء
على الله تعالى؟
فجوابه: أن الشيئية ليست إلا وضع لغوي يعبر به عن كون من أطلقت
عليه معلوماً ثابتاً ولذلك اختلف في إطلاقه على المعدوم المعلوم،
وليس ذلك وصفاً ولا معنى يقوم بمن أطلق عليه حتى يلزم الاشتراك في
الذوات التي أطلق عليها لفظ الشيء، ولا في شيء من صفاتها فتأمل،
على أن كثيراً من أئمتنا عليهم السلام لا يجوزون إطلاق لفظ شيء على
الله تعالى إلا مع قيد لا كالأشياء تحاشياً وفراراً من لزوم
المشابهة بينه تعالى وبين سائر الأشياء، واعلم أن التماثل والتشابه
يستلزمان حدوث كلي المتماثلين والمتشابهين، وأما الاختلاف فلا
يستلزم إلا حدوث أحد المختلفين كالقديم والمحدث ما لم يكن قد
جمعتهما صفة ذاتية كالجسمية والحيوانية والإنسانية والعرضية، لأنه
يكفي في حصول حقيقة الاختلاف وقوع التأثر في إحدى الجنبتين دون
الأخرى كالمحدث والقديم، وأما التماثل والتشابه فلا بد من وقوع
التأثر في كلي الجنبتين جميعاً، فمن ثمة يقال: ليس لله مثيل وليس
لله شبيه، ولا يقال: ليس لله مخالف، وأما التناقض والتضاد، فتارة
يستلزمان حدوث الجنبتين معاً كمقابلة الصفات المتنافية الجائزة
بعضها ببعض كالحرارة والبرودة والحياة والموت وكالألوان والطعوم،
وتارة يستلزمان حدوث إحدى الجنبتين فقط كمقابلة المحدث بالقديم،
وتارة لا يستلزمان حدوث أحدهما كمقابلة القديم بالمعدوم.
(1/77)
أن المُحْدَثْ لا بد
له من مُحْدِثْ
وأما الطرف الثاني: وهو أن المحدَث لا بد له من محدِث.
فقد اختلف علماؤنا رحمهم الله تعالى في العلم بذلك، فقيل: إن العلم
بذلك ضروري لا يحتاج إلى نظر واستدلال وهو قول بعض أئمتنا عليهم
السلام وأبي القاسم البلخي وأبي الحسين والشيخ محمود وغيرهم، وقيل:
بل العلم بذلك استدلالي وهو قول الإمام المهدي عليه السلام وبعض
المعتزلة، والأول هو الصحيح لأنه قد عد من علوم العقل العشرة
الضرورية، قال الإمام يحيى عليه السلام : من وجد بناءً في فلاة
فإنه يعلم أن له بانٍ ضرورة.
قلت: والأظهر والله أعلم أن أهل القول الثاني إنما أرادوا بذلك في
الغائب فقط، فأما الشاهد فلا نتصور مخالفتهم فيه لأنهم يقيسون
احتياج فعل الغائب إليه على احتياج فعل الشاهد إليه وإلا لجاز
عندهم وجود دار مبنية على أكمل البناء ووجود سفينة بجميع آلاتها،
وصيغ حلية من الذهب والفضة بلا فاعل، وهذا هَوَسٌ ونوع من الجنون:
بناء بلا بانٍ له وكتابة .... بلا كاتبٍ أين العقول التي تدري؟
قال النجري رحمه الله تعالى ناقلاً عن بعض الأصحاب: ينبغي أن
يُفَصَّل، فيقال: إن علم أن المحدث حدث مع الجواز بالضرورة
كأفعالنا فالعلم بأن له محدثاً ضروري كما يقول أبو القاسم، وإن لم
يعلم حدوثه مع الجواز بالضرورة فالعلم به استدلالي كحدوث العالم
وكحدوث المسببات ومن ثمة أمكن فيها الخلاف قال: وهذا التفصيل هو
الأقرب إلى أصول أصحابنا وهو المأخوذ من قواعدهم وهو مختار الإمام
عليه السلام .
قلت: وهذا يفهم مما سيأتي من استدلال المؤلف عليه السلام في إثبات
صانع العالم تعالى، وإبطال المؤثرات التي زعمها أهل الإلحاد فتأمل
والله أعلم، فهذا الكلام في الأصل الثاني.
(1/78)
أن المحدِث غير
المحدَث
وأما الأصل الثالث: وهو أن محدثها غيرها.
فقد أشار إليه عليه السلام بقوله [ وأنه غَيرٌ لها ]، وحقيقة
الغيرين: هما كل معلومين ليس أحدهما هو الآخر ولا بعضه، قلنا: كل
معلومين، جنس الحد، وقلنا: ليس أحدهما هو الآخر، تخرج به الألفاظ
المترادفة، فإن اللفظين المترادفين معلومان ولكن أحدهما هو الآخر
فليسا غيرين، وقلنا: ولا بعضه، يخرج الخاص الداخل تحت العام
كالإنسان بالنسبة إلى الحيوان فلا يقال هو هو لتناول الحيوان ما لا
يتناوله الإنسان كالفرس، ولا يقال: هو غيره للزوم أن الإنسان ليس
بحيوان، وقالت المجبرة: بل حقيقة الغيرين ما يصح وجود أحدهما دون
الآخر، وهذا باطل منقوض بالجسم والعرض وبالجسم والتحيز، وبمذهبهم
في خلق الله تعالى أفعال العباد والكسب الذي يزعموه ويسندوه إلى
الإنسان، فإن كل ذلك لا يصح وجوده دون الآخر، فيلزمهم أن لا تغاير
بين الجسم والعرض وبين الجسم والتحيز وبين خلق الله تعالى فعل
العبد وكسبه، وهذه إحدى مغالطاتهم في الأوضاع اللغوية وتحريف الكلم
عن مواضعه قاتلهم الله، ومرامهم التوصل بذلك إلى دفع ما ألزمهم
أئمتنا عليهم السلام وأتباعهم في إثباتهم المعاني القديمة أن يكون
أغيار الله تعالى ولا قديم غير الله تعالى فاحتالوا في دفع ذلك
الإلزام بأن قالوا: ليست أغيار الله تعالى لأن الغيرين ما يصح وجود
أحدهما دون الآخر ولا يصح وجود هذه المعاني من دون وجود الباري
تعالى ولا وجوده من دونها، وهو باطل بما عرفت من نقض هذا الحد،
وإنما قلنا: إن مُحدث هذه الأجسام والأعراض غيرها [ لأنها لا
تُحْدِثُ نفسَها، إذ الشيء لا يُحْدِثُ نفسَه، لأنه يؤدي ] هذا
القول، وهو أن الشيء يصح أن يحدث نفسه أو يعدم نفسه عدماً محضاً
إلى القول بالمحال وهو باطل ضرورة، وما أدى إلى الباطل فهو
بالإبطال أولى، وهذا القول يؤدي إلى المحال من جهتين:
(1/79)
إحداهما: [ أن يكون ]
ذلك الشيء موجوداً [ قبل ] وجود [ نفسه ] وذلك محال لا يعقل، لأنه
يؤدي إلى أن تكون نفسه معدومة ليصح إيجادها، لأن تحصيل الحاصل
محال، وأن تكون موجودة لأن الفعل من غير الموجود محال أيضاً، فلو
قيل: إنها أحدثت نفسها، للزم أنها قبل أن تُحدث نفسها موجودة
معدومة في حالة واحدة وهو محال.
وثانيهما: أي ثاني وجهي الإحالة أنه يلزم إذا كان الشيء هو الذي
أحدث نفسه أن يكون غَيراً لها لما يعلم ضرورة أن المصنوع غير
الصانع، والمحدَث غير المحدِث، فيؤدي القول بأنها أحدثت نفسها لو
قيل به وإلا فلا قائل به إلى القول بأن الشيء غير نفسه وذاته
وبطلان ذلك ضروري فلم يبق إلا القول بأن محدثها غيرها، ولم يكن هو
إياها ولا بعضها، وكما أنه لا يصح أن تُحدث هذه الأجسام والأعراض
أنفسها، فكذلك لا يصح أن تصور نفسها وتخالف بين هيئاتها، بل ذلك من
أمحل المحال وأقبح المقال لتأديته إلى أحد باطلين، إما وجودها
أولاً قبل صورها وهيئاتها وألوانها وذلك محال، لأنا قد علمنا أنه
لا يصح انفكاك الجسم وخروجه عن الصور والهيئات والألوان، وأما
وجودها مُقارِن لوجود الأعراض التي هي الصور ونحوها، فليس دعوى
تأثير أحدهما في الآخر بأولى من العكس، وأيَّما ادُّعِيَ تأثيره في
الآخر فهو محال، لأنه تحصيل حاصل أو يكون وجود الأجسام متأخر عن
وجود الصور والألوان والهيئات فهو أدخل في الإحالة، لأن وجود الصفة
قبل الموصوف بها محال ضرورة، فثبت الأصل الثالث وهو أن محدثها
غيرها.
(1/80)
أن المحدِث هو الفاعل
المختار سبحانه وتعالى
وأما الأصل الرابع: وهو أن محدثها ليس إلا الفاعل المختار.
فالكلام فيه يقع في طرفين: إحداهما: في إبطال ما يزعمه أهل الإلحاد
من التأثير لغير الفاعل المختار. وثانيهما: أنه إذا بطل القول بها
جميعها لزم صحة القول بأن المحدث لها ليس إلا الفاعل المختار.
أما الطرف الأول: فقد أشار إليه عليه السلام بقوله [ ولا يقع ذلك ]
الإيجاد لأصناف العالم واختلاف صوره وهيئاته [ بشيء مما ] يزعمه [
و ] يقوله [ الجاهلون ] بالله تعالى وصفاته وعدله وحكمته [ من
طَبْعٍ ] كما تقوله الطبائعية [ أو مادة ] كقول بعض الفلاسفة،
فإنهم يقولون: إن بين الماء والتراب مادة تتولد منها النباتات
والأشجار والأثمار [ أو فلك ] وهو مدار الكواكب وهو جسم لطيف وهو
الدائرة بين الدائرتين في محلات السماوات وما بين بعضها بعضاً من
الفضاء [ أو نجم ] كما تقوله المنجمة [ أو علة ] وهي المؤثر لا على
سبيل الإرادة والاختيار بل على سبيل الإيجاب والاضطراب وهو قول
جمهور الفلاسفة [ أو عقل ] وهو العقل الفعال بزعمهم كما مر حكاية
ذلك عنهم [ أو روح ] يعنون به روح الفلك [ أو نفس ] يعنون نفس
الفلك، والظاهر أن هذه الأقوال واحدة لأن مرجعها إلى القول بالعلة
القديمة وإنما يرجع ذلك إلى التفصيل عندهم هل حدث التأثير عنها أو
عما ذكر بعدها، وقد مر حكاية هذه الأقوال مفصلة في أول الكلام على
هذه المسألة، وإنما المراد ههنا معرفة إبطال جميع تلك الأقوال
المنهارة والزعم المتكاذبة المتنافرة.
(1/81)
وقوله عليه السلام: [
أو غير ذلك مما يقولونه ] إشارة إلى سائر الأقوال الباطلة والملل
العاطلة كقول الثنوية والمجوس كما مر في حكاية أقوالهم، وكذلك كل
من لم يقل بأن التأثير في العالم هو فعل الصانع المختار وأسند
التأثير إلى غيره تعالى، فإن جميع ما عداه باطل لما أشار إليه عليه
السلام بقوله: [ لأن ذلك ] الذي زعموه مؤثراً كله لا يخلو إما أن
يكون من قبيل تأثير الإيجاب والاضطرار وهو حصول المؤثَّر بالفتح عن
المؤَثِّر بالكسر بلا إرادة ولا اختيار ولا إمكان للانفكاك عنه كما
في كسر الحجر الزجاج، وتأثير النار في الإحراق، وسقوط الجسم الكثيف
من أعلى إلى أسفل أو من قبيل تأثير الاختيار والاقتدار وإمكان
الانفكاك بأن كان على وجه إن شاء فعل وإن شاء ترك [ إن كان من قبيل
المُوجَبَات ] فهو باطل، لأنها [ لم تخل ] تلك المؤثرات التي
زعموها من [ أن تكون موجودة أو معدومة ] ولا واسطة بينها يمكن أن
ينصرفوا إليها، والأول [ و ] هو [ الموجودة ] يقال فيها: [ لا تخلو
] إما [ أن تكون قديمة ] لا أول لوجودها [ أو ] تكون [ مُحْدَثَة ]
بأن كان لوجودها أول، فقد خرج من هذا التقسيم ثلاثة أقسام وهي
الأول بأن تلك المؤثرات معدومة، والثاني: القول بأنها موجودة
قديمة، والثالث: القول بأنها موجودة محدثة، فإن قيل بأحد القولين
الأولين فهو باطل بما ذكره عليه السلام بقوله: [ ولا يجوز ثبوت ذلك
] الإحداث والاختلاف [ لِعِلَّةٍ متقدمة ولا ] لعلة [ معدومة، لأنه
لو كان ] لعلة قديمة [ كما زعموا ] أو كان لعلة معدومة على الفرض
لو قال به قائل وإلا فلا قائل به، فكلا القولين باطل، لأنه [ كان
يلزم ] من كل واحد منهما [ وجود العالم بما فيه ] من الاختلافات
والمتولدات، والحيوانات، والأموات، والجمادات وجميع الأثمار
والأشجار، وجميع الحوادث اليومية من نزول الأمطار، وكل ما أتى به
الليل والنهار كل ذلك كان يلزم وجوده [ في الأزل ] وهو ما لا أول
له،
(1/82)
فتكون هذه الأشياء
كلها موجودة بما لا أول له وهو معلوم البطلان، لأنا نرى كثيراً
منها تحدث بعد أن لم تكن كنزول الأمطار والثمار ونبات الأشجار
وجميع الحيوانات، [ و ] أيضاً فهو باطل من وجه آخر وهو أن [ في ذلك
] القول بأنه لعلة قديمة أو لعلة معدومة [ استغناؤه عن ] تلك العلة
وغيرها عن [ تلك العلل. ]
قال شيخنا صفي الإسلام رحمه الله تعالى: يعني إن كانت معدومة فهي
كلا علة فقد وجد في الأزل بلا شيء، وإن كانت قديمة فمعلولها قديم
والقديم مستغن عن العلة، فلزم وجود العالم وجميع الحوادث في الأزل،
واستغناؤه عن جميع المؤثرات والعلل إذا كان لعلة أو لعلل قديمة أو
معدومة، وإن قيل بالثالث وهو أنه لعلة أو لعلل محدثة فقد أشار عليه
السلام إلى ذلك بقوله: [ ولا يجوز أن يكون ثبوت ذلك ] العالم بما
فيه من الاختلاف [ لِعِلَّة ] واحدة أو لعلل [ محدثة ] لأنها تكون
كلها مفتقرة إلى محدِث، و [ لأنها لا تخلو ] في نفسها [ إما أن
يكون ] واقعاً حدوثها دفعة واحدة لزم وجود العالم بما فيه، كذلك
وقد علمنا في كثير منه أنه يحدث شيئاً بعد شيء كنزول الأمطار وحصول
الثمار والحيوانات، وإما أن يكون واقعاً حدوثها شيئاً بعد شيء، فلا
يخلو إما تأخر حدوثه من تلك العلة أو العلل إما أن تكون في ذاتها [
مماثلة لما تقدم ] منها [ أو مخالفة ] له، [ إن كانت مماثلة ] لما
تقدم منها [ وجب وجود مَعْلُولِها ] وهو العالَم بما فيه من جميع
أصناف العالم[ متماثلاً ] ولا يصح اختلافه في شيء أصلاً، لأن شأن
المثلين المؤثرين على سبيل الإيجاب أن لا يختلف أثرهما لما كان
مثلين كالنارين والحجرين كل منهما يؤثر الإحراق لا غيره، والكسر
للزجاج لا غيره، وكذلك جميع المقتضيات عن المتماثلات كالتحيز وجواز
التجزي والانقسام في جميع الأقسام، فلو قيل: إن المؤثر في العالم
وجميع ما فيه من الاختلاف هو علة أو علل متماثلة لزم عدم اختلافه،
[ وفي علمنا باختلاف ذلك العالم
(1/83)
دَلاَلَةٌ على بطلان
القول بأنه ] حاصل [ عن علة ] مماثلة لما تقدم منها [ أو عن علل
متماثلة ] فيما بينها أي فيما بين المتقدمات والمتأخرات والحاصلات
دفعة، فكان يلزم أن لا يوجد اختلاف بين اثنين رأساً، فلا تتميز بعض
الأشياء عن بعض، ولا يختص بعضها بجهة دون جهة، ولا بزمن دون زمن،
ولا الكبير منها بأن يكون كبيراً أو أكبر، ولا الصغير منها بأن
يكون صغيراً أو أصغر بأولى من العكس، ولا الأبيض أبيضاً ولا الأسود
أسوداً بأولى من العكس، وكذلك جميع الصفات الجائزة على الأجسام
والأعراض كالحياة والموت والذكورة والأنوثة والحرارة والبرودة
والرطوبة واليبوسة والزيادة والنقصان والعدم والبطلان، هذا إذا
قيل: إن العالم حاصل عن علة أوعلل متماثلة، [ و ] إن قيل: إن حصوله
واختلافه لعلة أو لعلل مختلفة، فكذلك [ لا يصح أن يكون ] ذلك [
لعلة مخالفة ] لما تقدم منها [ ولا لعلل مخالفة ] بعضها لبعض، [
لأنها حينئذ ] أي حين حصولها مختلفة [ تكون قد شاركت العالم في
الاختلاف الذي لأجله احتاج إليها ] لأن العالم إنما احتاج إلى هذه
العلل عند القائلين بها لأجل اختلافه، فإذا كانت هذه العلل مختلفة
في نفسها، فلا شك أن تحتاج هي إلى مخالف، فأما نفسها وهو محال لما
تقدم، وإما غيرها فإما علل متماثلة لزم تماثل العالم فيما بينه وهو
معلوم البطلان، وإما متخالفة احتاجت إلى علل أُخر [ فيدور الكلام ]
أو يتسلسل [ إلى ما لا يعقل ولا يَنْحَصِر من العِلَل ] إما لزوم
الدور، فحيث يقال المؤثر في العلل المذكورة في المرتبة الثانية فما
بعدها هي العلل المذكورة في المرتبة الأولى، وإما لزوم التسلسل
فحيث يقال المؤثر في العلل المذكورة في المرتبة الثانية هي العلل
المذكورة في المرتبة الثالثة، والعلل المذكورة في المرتبة الثالثة
هي علل في مرتبة رابعة ثم خامسة ثم كذلك إلى ما لا نهاية له،
فيتوقف وجود العالم على وجود ما لا نهاية له في جانب الدور أو جانب
(1/84)
التسلسل،وإنما لم
يذكر المؤلف عليه السلام التسلسل صراحة لدخوله ضمناً في قوله: ولا
ينحصر من العلل، فإذا كان يلزم توقف وجود العالم على وجود ما لا
يعقل ولا ينحصر من العلل لزم الحكم بعدم وجوده حتى يوجد ما تعلق
وجوده عليه، وتوقف على وجوده وهي العلل الموصوفة بالوصف المذكور من
الدور أو التسلسل، ووجودها على ذلك الوصف مستحيل، وما توقف وجوده
على المستحيل استحال وجوده فصار وجود العالم على هذه الكيفية
مستحيل، وقد علمنا وجوده فيلزم أن وجوده كان لا على هذه الكيفية،
فإما أن يخرج عن هذه الكيفية إلى كيفية مثلها في كونها مستحيلة بأن
يقال بقطع لزوم الدور والتسلسل بفرض أنه -أي العالم- وما فيه من
الاختلاف موجود لعلة موجودة من ذاتها لا من غيرها بأن تكون قديمة
كما يقوله الخصم، فلا ثمرة في الخروج عن المستحيل إلى القول
بمستحيل آخر لأنه كما يستحيل ما أدى إلى الدور والتسلسل، كذلك
يستحيل اختلاف الأثر عن العلة المتحدة، فإن كانت مختلفة رجعنا إلى
ما خرجنا عنه وهو لزوم الدور أو التسلسل، وإما أن يخرج من هذه
الكيفية إلى كيفية ممكنة بأن يُقَدَّر في هذه العلة وقوع الاختيار
والمشيئة ويسلب عنها الإيجاب والاضطرار قلنا: فيلزم رفع تلك
التسمية وهو قولهم العلة لارتفاع المعنى الذي وضعت له وهو الإيجاب
والاضطرار وتبدل عنها التسمية الموضوعة للمعنى المقابل للإيجاب
والاضطرار وهو الإرادة والاختيار فيقال فاعل مختار، [ فيجب
الاقتصار على ] ذلك لأنه [ المُحَقَّقِ المعلوم. ].
(1/85)
بحث في تحرير دليل
الاختلاف
قال شيخنا صفي الإسلام رحمه الله تعالى في حاشيته مشيراً إلى
اختصار هذا الدليل وإيضاحه ما لفظه: وحاصل هذا الدليل الذي يسمى
دليل الاختلاف أن يقال: إنا وجدنا الأجسام مشتركة في الجسمية
مختلفة في الصور والهيئات وكذلك الأعراض، فاختلافها لا يخلو إما أن
يكون لذواتها أو لغيرها، الأول باطل لأن الشيء لا يوجد نفسه حتى
يوجد ولا يوجد حتى توجد نفسه فيقف وجوده على إيجاد نفسه على
الاختلاف، بقي أن يكون لغيرها والغير لا يخلو إما أن يكون موجباً
أو مختاراً، الأول باطل لأنه لا يخلو إما أن يكون معدوماً أو
موجوداً، باطل أن يكون معدوماً لأن العدم لا تأثير له فيبقى العالم
لا مؤثر فيه، وإن كان موجوداً فلا يخلو إما أن يكون علة قديمة أو
محدثة، إن كانت قديمة فمعلولها مقارن لها فيستغني عنها لقدمه لأن
القديم لا يحتاج إلى مؤثر، وإن كانت محدثة فلا يخلو إما أن تكون
مماثلة أو مخالفة، الأول يلزم أن يكون معلولها مماثلاً وفي علمنا
باختلافه بطلانه، والثاني يلزم أنها قد شاركت العالم في العلة إلى
احتياج مخالف سببها فيتسلسل، وإن كان لفاعل مختار فهو الذي نقول
انتهى.
وقال المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام في معنى هذا ما
لفظه: وإن قالوا: إن العلل مختلفة قلنا: لم اختلفت العلل الأخرى
أدى إلى ما لا يتناها من العلل أم لفاعل فيجب الاقتصار هنا قال:
وإن قيل: لم خالف بينها أي بين أصناف العالم. قلنا: لما يعلم من
المصلحة هو بمصالح عباده أعلم. انتهى كلامه عليه السلام .
(1/86)
دليل الدعاوى على
حدوث العالم عند الزيدية
واعلم أن كثيراً من أصحابنا يعتمدون في الاستدلال على حدوث العالم
على دليل الدعاوى، وهو مبني على أربع دعاوى متى ثبتت كل واحدة منها
بالبرهان اليقين أوالعلم الضروري نتج من الجميع العلم بحدوث
العَالَم، والكلام فيها مبسوط في المطولات كغايات الأفكار للإمام
المهدي عليه السلام ، ومنهاج القرشي من الزيدية رحمه الله تعالى،
وغيرهما من البسائط، ولكن لعظم فائدته وخشية التطويل نذكره على
سبيل الاختصار، وبعض المؤلفين يعبر عن تلك الدعاوى بأصول فيقول:
الأصل الأول الأصل الثاني، وبعضهم بلفظ الدعاوى فيقول الدعوى
الأولى الدعوى الثانية، والكل مستقيم لأن الكلام في المسألة من حيث
أنه خبر عن معتقد المؤلف ومن هو على معتقده دعوى حتى يقام برهانها،
ثم إذا أقيم برهانها صارت أصلاً إذا كان يتوصل بذلك القول إلى
العلم بالمسألة المطلوبة بالأصالة.
الدعوى الأولى: أن في الأجسام أعراضاً هي غيرها.
وقد عرفت حقيقة الجسم، وحقيقة العرض بما مر، وهذا أمر معلوم بأدنى
تأمل إن لم يكن معلوماً ضرورة، فإنا نفرق بين الجسم المتحرك والجسم
الساكن، ونعلم ضرورة أن في أحدهما وصف خلاف وصف الآخر، وهو العرض
الذي هو الحركة في أحدهما والسكون في الآخر وإلا لما علم بينهما
فرق وذلك سفسطة وجهالة وإنكار لما تعلمه النفس ضرورة، فثبتت الدعوى
الأولى وصارت أصلاً ينبني عليها ما بعدها كما ترى.
الدعوى الثانية: أن تلك الأعراض محدثة.
وهذا أيضاً معلوم لأن الحركة تحدث في الجسم بعد أن لم تكن فيه
وتعدَم، ثم يحدث السكون وتعدم الحركة، وما صح عليه الوجود بعد
العدم والعدم بعد الوجود فهو المحدث.
الدعوى الثالثة: أن الجسم لم يخل من الأعراض ولم يتقدمها.
(1/87)
وهذا أيضاً معلوم
بأدنى تأمل إن لم يكن معلوماً ضرورة لأنا نعلم أنه لا يصح وجود جسم
ليس بمتحرك ولا ساكن، وكذلك لا يصح وجود جسمين ليسا مجتمعين ولا
مفترقين، فإن هذه الأكوان الأربعة التي هي الحركة والسكون
والاجتماع والافتراق لا يصح خلو أي جسم منها لكن الأولين يتعلقان
بكل جسم بالنظر إلى ذاته وحده، والأخيرين يتعلقان بكل جسم بالنظر
إلى جسم آخر، ولا يعقلا في الجسم الواحد إلا باعتبار أجزائه إلى
عند الجوهر الفرد، وأما سائر الأعراض فقد يكون لها هذا الحكم -
أعني عدم خلو الجسم عنها كالألوان - وقد لا يكون لها هذا الحكم
كالطعوم والروائح، وقد يكون بعضها خاص بالحيوان كالحياة والموت
والشهوة والنفرة والألم والأصوات،وقد يكون بعضها خاصاً بالإنسان
كالضحك والبكاء، وبعضها بالعقلاء فقط كالظنون والأفكار وكلها دالة
على حدوث ما قامت به، إلا أنه لما كانت الأربعة الأُول وهي الحركة
والسكون والاجتماع والافتراق تعم كل الأجسام السماوات والأرض وما
فيهما وكان قيامها بالأجسام كلها على سبيل النقيضين الذين يستحيل
ارتفاعهما معاً واجتماعهما معاً كانت هي المتداولة في ألْسِنَةِ
المتكلمين ويعبر عنها بالأكوان الأربعة وإلا فكلها صالحة للاستدلال
على حدوث العالم، لكن الأخص لا يدل على حدوث الأعم لعدم تناوله
إياه كالضحك والبكاء مثلاً، فلا يدلان على حدوث ما سوى الإنسان
ونحو ذلك.
الدعوى الرابعة: أن كل ما لم يخل من المحدث ولم يتقدمه في الوجود
فهو محدث مثله.
(1/88)
وهذا أيضاً معلوم
بأدنى تأمل إن لم يكن معلوما ضرورة، وتحقيقه إنه إذا علمنا ملازمة
شيء لشيء آخر بحيث تَيَقَّنَّاً أنه لم يفارقه في الوجود لحظة
واحدة، فإنا نعلم إنما وقع على أحدهما من إيجاد أو إعدام وقع على
الآخر كذلك، وقد مثله الإمام المهدي عليه السلام بالتوأمين، فإنا
إذا أرَّخْنا ولادة أحدهما وأغفلنا تاريخ الآخر ثم مضت بُرهَةٌ من
الزمان، فإنا إذا أردنا معرفة عمر الآخر نظرنا في تاريخ ولادة
المؤرَّخ ولادَتَه فنعلم يقيناً كمِيّة عمر الآخر ما داما حيين.
(1/89)
رد الفلاسفة على دليل
الدعاوى
وقد خالفت الفلاسفة المدعون قِدَم العَالَم في ذلك وهو القول بحدوث
الأجسام وأرادوا مناقضة الدليل المذكور بما لا يجدي نفعاً بل يعود
إلى المكابرة وإنكار الضرورة، فبعضهم ذهب إلى إنكار الدعوى الأولى
وهي وجود الأعراض وذلك مكابرة، وبعضهم لم يسعه إنكارها لما كانت
معلومة بما يقرب من الضرورة فأقر بوجودها وادعى قِدَمَها وقال: إن
اختلافها على الجسم هو على سبيل الكمون والظهور لا على سبيل الحدوث
والعدم، فمتى سكن الجسم كمنت الحركة واختَبَأَت فيه لا أَنها عدمت
بالمرة، ومتى احترك الجسم كمن السكون فيه لا أنه عدم بالمرة،
فالحركة والسكون قديمان موجودان في كل جسم على سبيل الظهور والخفاء
لا على سبيل الحدوث والعدم.
(1/90)
الرد على الفلاسفة
قلنا: هذه جهالة وإثبات مالا طريق إليه، ودعوى لا يستقيم عليها
برهان بل البرهان قائم بل الضرورة قائمة على خلافها، فإنا نعلم إنه
إذا سكن الجسم لم يكن فيه حركة البتة لا ظاهرة ولا خافية، وكذلك
إذا احترك لم يكن فيه سكون البتة لا ظاهر ولا خافِ، لأن الحركة
والسكون نقيضان يستحيل وجودهما في أي محل مع وجود الآخر كما هو حكم
النقيضين، فدعوى خلاف ذلك باطلة لا تسمع لقدحها في المعلوم
بالضرورة، وبعضهم أنكر الدعوى الثالثة ولم يسعه إنكار الأولى وهي
وجود الأعراض ولا الثانية وهي حدوثها، لكن ادعى خلو الجسم عنها
فيما لم يزل وقال: إن الجسم كان خالياً عن الحركة والسكون وقال: إن
أصل العالم جوهر غير متحيز ولا محسوس ولا محترك ولا ساكن ولا مجتمع
ولا مفترق، ومنهم من قال: إن أصل العالم جوهران أحدهما يقال له:
الهيولى المنزل من العالم بمنزلة التراب من اللبن، والثاني يقال
له: الصورة المنزلة منه بمنزلة التربيع من اللبن[ 1 ] وأنهما قبل
ذلك لم يكونا محسوسين ولا متحيزين ولا محتركين ولا ساكنين ولا
مجتمعين ولا، ثم حلت الصورة في الهيولى فتحيزا واحتملا الأعراض،
وهذا أيضاً جهالة وإثبات مالا طريق إليه مع أن ذلك يفتقر إلى فاعل
يجعل هذا كذا وهذا كذا ثم يجمع بينهما، وبعضهم أنكر الدعوى الرابعة
وقال: إن العرض وإن كان محدثاً ولا يجوز خلو الجسم عنه. فذلك لا
يستلزم حدوث الجسم لأن كل عرض قائم به فهو مسبوق قبله بعرض ثم كذلك
إلى مالا أول له، فجملة الأعراض قديمة وآحادها محدثة، وحيث أن جملة
الأعراض قديمة لم يستلزم حدوث الجسم لأن جُملة مُلازِمة قديم.
والجواب عليهم في ذلك أن نقول: إن هذا مغالطة بخلط الأحكام
المتعلقة بالآحاد بالأحكام المتعلقة بالجملة وذلك لا يصح، لأن
الأحكام بالنسبة إلى الآحاد والجملة على ثلاثة أضرب:
(1/91)
ضرب: لا يفترق الحكم
فيه بين الآحاد والجملة كالأحكام المتعلقة بنفس الذوات من حيث
ذواتها المطلقة، كالجسمية في الأجسام، وكالهيئة في الأعراض،
وكالمقتضاة عنها كجواز التجزىء والانقسام والألوان والأكوان
والتحيز، ومن ذلك الحدوث والقدم لو فرض قُدماء مع الله تعالى.
وضرب: لا يتعلق بها من حيث ذواتها المطلقة بل مع النظر إلى
اجتماعها مع مثلها أو انفرادها عنه، فيصير الاجتماع أو الانفراد
حينئذ شرطاً في حصول الحكم، وهذان ضربان ضرب يشترط فيه الاجتماع
كالحبل الغليظ يصير له من القوة المقتضية لعدم الانقطاع مالا يصير
لكل واحد من أفراد خيوطه، وكذلك الأخبار المتكاثرة البالغة حد
التواتر، وعصمة الأمة ونحو ذلك.
وضرب: يشترط فيه الانفراد كتنجيس الماء القليل بوقوع النجاسة فيه
وإن لم تغيره، فإن هذا الحكم لا يثبت للآحاد إلا بشرط الانفراد،
فلو اجتمعت وصارت كثيرة زال ذلك الحكم عنها، وكالضعف في الخيط
الواحد من مثال الحبل المذكور، والمسألة التي نحن بصددها هي من
الضرب الأول الذي يثبت فيه الحكم للآحاد وللجملة على سواء، فإذا
كانت الآحاد محدثة فالجملة محدثة، قال الإمام المهدي عليه السلام :
كعبيد الزنج فإنه حيث ثبت السواد لكل فرد من دون شرط ثبتت للجملة
كذلك، فظهر لك أن قولهم بحدوث الآحاد وقدم الجملة مغالطة بخلط
الأحكام، وإخراجهم الأكوان عن الضرب الأول وإدخال جملتها في الثاني
وآحادها في الثالث وهي مغالطة ظاهرة، فتقرر بحمد الله تعالى ثبوت
هذا الدليل بقيام براهين دعاويه الأربع وإبطال ما قدح به فيها على
أوضح سبيل، قال السيد الهادي بن إبراهيم: واعلم أن هذه الدعاوى
عظيمة النفع على حدوث العالم، وقد اختلف من أول من استخرجها
واستنبطها فقيل: إنه إبراهيم الخليل صلوات الله عليه كما حكى الله
عنه في آية الأُفول إلى آخر كلامه عليه السلام .
(1/92)
قلت: والمحكي في آية
الأُفول عن إبراهيم عليه السلام وأشار الله إليه بقوله تعالى:
?وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ
نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ?{الإنعام:83}، إنما هو الاستدلال
بمجرد العرض الذي هو طلوع الكوكب والشمس والقمر وأُفولها، فأما
تركيب الدليل على هذا الأسلوب بالدعاوى المذكورة فقيل: إن أول من
حرره أبو الهذيل والله أعلم.
(1/93)
فصل في أن لهذا
العالم صانعاً صنعه ومدبراً دبرَّه
دليل ذكره الإمام المهدي عليه السلام وهو أن يستدل على ثبوت الصانع
تعالى بحدوث الأعراض التي لا يقدر عليها الخلق كالروائح والطعوم
ونحوهما، ثم يستدل على حدوث الأجسام التي هي السماوات والأرض وما
فيهما من الحيوانات والأشجار والأثمار بخبره تعالى على ألْسِنَةِ
رسله إلى الخلق.
قلت: وهذا الدليل جيد لا غبار عليه وثمرته عدم المؤنة في تحرير
أدلة الأعراض على حدوث الأجسام حسبما مَرَّ، ولكنه إنما يفيد العلم
على القول بالعدل دون القول بالجَبر، لأن القول لا يعلم صدقه إلا
إذا علم أن قائله عدل لا يجوز عليه الكذب وأن مبلغه صادق، وكل ذلك
لا يتأتى على قواعد المجبرة من أن الفعل لا يقبح إلا للنهي عنه،
فإذا كان الفعل لا يقبح إلا للنهي والله تعالى غير منهي فلا مانع
أن يَكْذِبَ أو يُرسل من يجوز منه الكذب، فلا يعلم صدق الخبر حينئذ
تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهذه من أعظم فواقر الجبر
فَبُعداً لمذهب يلزم منه عدم تصديق الباري تعالى وكتبه ورسله،
فالدليل الذي ذكره الإمام عليه السلام جيد بعد تقرير أدلة العدل
الآتية في بابها من أنه تعالى لا يفعل القبيح لغنائه عنه وعلمه
بقبحه وعلمه باستغنائه عنه كما سنقرر أدلة كل واحد من هذه الأصول
في بابها إن شاء الله تعالى.
(1/94)
الرد على شارح كتاب
جوهرة التوحيد
ومن أقبح استدلال المجبرة قاتلهم الله تعالى على إثبات الصانع
إدراجهم الإيمان والكفر في الأعراض الدالة على الله تعالى كما قال
شارح جوهرة التوحيد، فاسمع إلى كلامه في ذلك الشرح ما أسمجه
وتنافره وعدم بيانه لوجوه التعلق المقتضية للدلالة والرابطة بين
الدليل والمدلول، وإنما هي مجرد سرد الأشياء وعدها على وجه التخليط
بين الأجسام والأعراض والأفعال، وهذا لفظه: فتستدل بها -أي أحوال
نفسك- على وجوب وجود صانعك وصفاته، فإنها مشتملة على سمع وبصر
وكلام، وطول وعرض وعمق، ورضى وغضب، وبياض وحمرة وسواد، وعلم وجهل،
وإيمان وكفر، ولذة وألم وغير ذلك مما لا يحصى، وكلها متغيرة وخارجة
من العدم إلى الوجود ومن الوجود إلى العدم وذلك دليل الحدوث،
والافتقار إلى صانع حكيم واجب الوجود عام العلم تام القدرة
والإرادة فتكون حادثة وهي قائمة بالذات لازمة لها، وملازم الحادث
حادث أيضاً انتهى بلفظه.
ولنوضح ما فيه الخلل وإن كان فيه ما هو صحيح كما سنشير إليه فنقول:
أما السمع والبصر، فهما عرضان من الأعراض التي لا يقدر على إيجادها
إلا الله تعالى أحدهما محله الصماخ تدرك به الأصوات، والآخر محله
الحدق تدرك به الأشخاص والصور والهيئات، ودلالتها على الله تعالى
ظاهرة من حيث أنه لايقدر على أحدهما سواه، وأما الكلام فإن أراد به
ذات كلام الإنسان نفسه من حيث إيجاده من العدم فلا يصح الاستدلال
به على الله تعالى إلا إذا علم أن الإنسان يعجز عن إيجاده والضرورة
تدفعه، اللهم إلا أن يقال: الدلالة من حيث خلق القدرة عليه
والتمكين في جعل الصوت على وجه دون وجه كما قال تعالى: ?
وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ?{الروم:22}، فكان القياس بيان وجه الدلالة.
(1/95)
وأما الطول والعرض
والعمق، فهي ذات الإنسان وذات جميع الأجسام، فكيف يجعلها من أحوال
الإنسان ويسردها فيما هو خاص به مع أن الأحوال هي الصفات العارضة،
ولا بأس أن في ذلك دلالة على الله تعالى ولكن الكلام السامج
المتنافر أبعد في القبول من البليغ المتناسب.
وأما الرضى والغضب، فيقال فيهما كما قيل في الكلام.
وأما البياض والحمرة والسواد، فكان حقه أن يذكر الخمسة الألوان بأن
يذكر مع ذلك الخضرة والصفرة، فإن قيل: لأجل الاختصار. قلنا: كان
الأنسب بالاختصار أن يقول ولون فيعمها بأحصر لفظ، وفيه من البديع
ما لا يخفى كالموازنة للألفاظ التي قبله وبعده، والإيجاز حيث ينوب
اللفظ الواحد عن الخمسة الألفاظ الموضوعة للخمسة الألوان، وما
يتفرع منها كالفاقع واليقق والحالك ونحوها.
وأما استدلاله بالعلم والجهل، فلا يستقيم أحدهما دليلاً على إثبات
الصانع تعالى إلا إذا أريد بالعلم العلم بالعشر الضروريات التي هي
علوم العقل من حيث خلقها الله في المكلف، فكان يلزم ذكرها بخصوصها
لا ذكر جنسها الأبعد، لأن جميع العلوم الدينية الأصولية والفروعية
والتفسبر والحديث والفرائض والنحو واللغة ونحوها لا يثبت كونها
حقاً وديناً إلا بعد معرفة الصانع تعالى والإقرار بثبوته، فكيف
نجعل دليلاً على ثبوته، والعلوم الدنيوية كالهندسة والمساحة
والصناعات والحراثات والنجارات ونحوها لا دلالة فيها على إثبات
الصانع تعالى لاشتراك الخلق فيها وهم بين مثبت للصانع وناف له.
وأما الجهل، فالاستدلال به أعجب وأغرب، وعن الصواب أعزب لأنه نوعان
بسيط ومركب، فالبسيط: عدم العلم بالشيء والعدم ليس دليلاً على
إثبات شيء، ويلزم منه أن في جهل من جهل الصانع تعالى ونفاه سبحانه
أو لم يخطر بباله نفي ولا إثبات أن في ذلك دلالة على إثبات الصانع،
فيصير كالاستدلال على وجود الغنى بوجود الفقر في شخص واحد.
(1/96)
والمركب: اعتقاد
المعلوم على خلاف ما هو عليه فيصير اعتقاد الفلاسفة: أنه تعالى
علة. وقول المجوس: إنه تعالى فاعل الخير بطبعه ولا يقدر على الشر.
وقول المجسمة: إنه جسم كلها، ونحوها فيها دلالة على إثبات الصانع
المختار، فيصير كالاستدلال بالجهل البسيط، وقد علمت بطلانه وأنه
كالاستدلال على غنى زيد بوجود الفقر فيه.
وأما الإيمان والكفر، فالاستدلال بهما على الله تعالى في نهاية
البطلان واستحالة البرهان، لأن الإيمان هو الغرض المقصود من
الاستدلال لأجل تحصيله، فكيف يجعل ثبوته دليلاً على ثبوته، فإن
الخصم الجاحد لله تعالى النافي له سبحانه يقول لهم أنا منكر ثبوت
ما أنتم مؤمنين به، فكيف يصح أن تجعلوا إيمانكم دليلاً على ثبوته ؟
ولأن الكفر إن أريد به الجهل بالله تعالى البسيط أو المركب فقد مر
إبطاله، وإن أريد به ما سواه من أصناف الكفر كتكذيب الأنبياء
والكتب المنزلة وعبادة الملائكة عليهم السلام وكالتكذيب بالقيامة
والجنة والنار والحشر وتحليل ما حرم الله والعكس، فكل ذلك متفرع
على إثبات الصانع تعالى، فكيف تجعل أدلة على إثباته تعالى ؟
(1/97)
وأما اللذة والألم،
فالاستدلال بهما على الله تعالى مستقيم إلا أن الألم لا يصح
الاستدلال به إلا إذا كان من فعل الله تعالى كالمرض دون المتولد من
فعل العبد كالضرب ونحوه، ثم قوله: وكلها متغيره وخارجة من العدم
إلى الوجود ومن الوجود إلى العدم يشير، به إلى وجه الدلالة ولا
يخلو من خبط، فإن الجهل البسيط ليس خارجاً من عدم إلى وجود لأنه
أمر عدمي لا يتصف بالوجود، وكذلك الكفر إن أريد به الجهل البسيط،
ثم الحكم على جميع المعدودة بالافتقار إلى صانع حكيم خبط ظاهر،
لأنا قد بينا أن كثيراً منها ليس فيه دلالة على الله تعالى ولأن
الكفر والجهل لا دلالة فيها على حكيم بل على ضده وهو الجهول
اللئيم، وأما قوله: واجب الوجود عام العلم تام القدرة والإرادة.
فليس فيما ذكره دلالة إلا على مجرد وجوده تعالى دون الوجوب، فبدليل
آخر وهو أنه لو كان تعالى محدثاً لاحتاج إلى محدث وتسلسل، وكذلك
كونه عام العلم وتام القدرة مأخوذان أيضاً من وجوه أُخَر لا من
مجرد ما ذكره، فإنما ذكره إنما يدل على مطلق القدرة، ومطلق العلم
دون العموم والتمام فمأخوذان من أدلة ذلك كما سيأتي في محله إن شاء
الله تعالى، وكذلك الإرادة لا دلالة فيما ذكره على عمومها لكل
مراد، وإنما يتناول إرادة ما ذكره من تلك المعدودات على أنه لا
يسلم له أن الجهل والكفر مما تتناوله إرادة الله تعالى، وكذلك
الرضى والغضب إنما يفعل الله منهما ما كان صلاحاً كالرضى عن الطائع
والغضب على العاصي لا كل رضىً وكل غضب كما يُفيده إطلاق عبارته
وقوله: فتكون حادثة وقائمة بالذات لازمة لها وملازم الحادث حادث،
إن جعل الفاء تفريعية فإما متفرع على ما ذكره أولاً في قوله: وكلها
متغيرة وخارجة من العدم إلى الوجود ويكون واجب الوجود عام العلم
إلخ، استطراداً فالكلام في بعضها مستقيم، وإما متفرع على ما ذكره
آخراً وهو قوله: واجب الوجود عام العلم الخ. فلا يستقيم لأن حدوثها
متفرع على اختلافها وعلى
(1/98)
كونه قادراً عليها
وعالماً بها لا على كونه واجب الوجود وعام العلم وتام القدرة إلا
بعد إقامة أدلة هذه الأوصاف،وإن كانت من لوازم كونه تعالى إلهاً
خالقاً لكن المراد من الاستدلال ما لزم باللّزوم الأَوَّلي دون ما
كان عن مراتب وأدلة أخرى، فلا يفيد إلا بعد إثبات تلك المراتب
بأدلتها، وجعله العلم والإيمان والجهل والكفر من الصفات اللازمة
للإنسان كما يفهم من قوله أولاً، فتنظر إلى نفسك مع جعلها كلها
قائمة بالإنسان المخاطب يلزم منه المحال وهو اتصاف المخاطب بتلك
الأوصاف المتناقضة في كل حالة وأنها لازمة له لا يقدر على الخروج
منها، فلا ثمرة لدعائه إلى العلم والإيمان بالصانع تعالى لحصوله
عليه وملازمته له، ولا لدعائه إلى الخروج عن الجهل والكفر لكونه
لازماً له يستحيل خروجه عنه وعن العلم والإيمان وهكذا كل إنسان.
فانظر أيها المطلع رحمك الله تعالى إلى ما في كلام هؤلاء المجبرة
من التهافت والتنافر والكلام المستسمج تعلم به صحة ما قيل، ولله در
القائل وهو السيد الإمام المرتضى بن مفضل عليه السلام :
من لم يكن آل النبي هداته .... لم يأتِ فيما قاله بدليلِ
بل شبهُةُ وتوهمٌ وخيالةٌ .... ومقالةٌ تنُبي عن التظليلِ
فأين استدلال هؤلاء القوم من استدلال أئمة العترة الطاهرة شموس
الدنيا وشفعاء الآخرة عليهم السلام كالمؤلف لهذا المختصر المفيد ؟
فتأمل كلامه الذي مر وما سيأتي إلى آخر المختصر من الأكاليم الآخذة
من كل مبحث بأصله، وماسكة من كل معنى بمحجزه ومفصله من دون إخلال
بمراد ولا مناقضة بمزاد مع تناسب الألفاظ، وتطابقها على أبلغ
المعاني، وتواردها على أفصح المباني، وهذا كالخارج عما نحن فيه،
ولكني أردت به تهييج قلب طالب هذا الفن، وإلهابه إلى الفزع إلى
علوم العترة النبوية والسلالة العلوية من أول وهلة، ومن عند الدخول
من أول مسألة من مسائل هذا العلم الشريف الذي لا يعذر بجهله أحد.
(1/99)
تنبيه: اعلم أن
الاستدلال على الله تعالى بالسمع الذي هو الكتاب والسنة والإجماع
متوقف صحته على العلم بهذه المسألة، فمن ثمة لم يعتمد المؤلفون
فيها إلا على الاستدلال بالعقل لاستلزام الاستدلال عليها بالسمع
الدور المحض.
قلت: وهذا إنما يصح ويُسلم لزوم الدور إذا استدل بالآيات الغير
المثيرة نحو قوله تعالى: ?خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ?{غافر:62}، فأما
المثير أي المنبه للفكر والمُيقض له على ما في العالم من الصنع
العجيب والانتظام الغريب، فيصح الاستدلال به كما ذكره الإمام
القاسم عليه السلام في الأساس وقرره سائر أئمتنا عليهم السلام،
وإنما الخلاف في ذلك لأبي هاشم ومن وافقه حيث ينزلون جميع السمع في
هذه المسألة ونحوها مما تتوقف صحة السمع عليه كمسألة عالم وغني
بمنزلة الدعوى لكنه يقال لهم هذا مسلم في غير المثير. فأما المثير
فلا يسلم لأن الاستدلال به ليس من جهة كونه كلام الله تعالى بل من
جهة أنه منبّهٌ ومرشدٌ للفكر على ما ذكر فيه من الإحداث والاختلاف،
ولنذكر من ذلك آيتين في شأن الليل والنهار ففيهما بلاغ وهدى وشفاء،
وإلاَّ فالقرآن مملوء من ذلك وهما قوله تعالى: ?قُلْ أَرَأَيْتُمْ
إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ
أَفَلا تَسْمَعُونَ o قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ
عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ
إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ
أَفَلا تُبْصِرُونَ?{القصص:71،72}، ثم قال: ?وَمِنْ رَحْمَتِهِ
جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ
وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ?{القصص:73}، ففيها من الدلالة على إثبات الصانع تعالى
وتذكيراً للعباد بنعمته الجليلة ومنته الجزيلة عليهم باختلاف الليل
والنهار مالا يحتاج إلى إيضاح،
(1/100)
وآية ثالثة شاملة
لجميع أصناف العَالَم وهي قوله تعالى: ?إِنَّ فِي خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ
وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ
الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ?
{البقرة:164}، فانظر إلى هذه الآية الكريمة وتأمل ما ذكر فيها من
الدلالات المفيدة والآيات العديدة على سبيل الإيجاز غير المخل
والإعراض عن الإسهاب غير الممل على أن كلامه تعالى لا يمل ولا
يَخْلَق على كثرة الرد وبلاغتها في المعنى، فإنه لم يذكر فيها
سبحانه الملائكة والجنة والنار ونحو ذلك مما لم يكن معلوماً عند
المحتج عليه بتلك الآية والمتوجه إليه الخطاب بها وهو الإنسان
المكلف، لأنه لا يصح الاحتجاج إلا بما هو معلوم عند المخاطب ذاتاً
مجهولاً دلالة، فنبه على الدلالة بذكر اختلاف الليل والنهار صراحة
وغيرها ضمناً واقتضاء إن قدرنا المضاف وهو اختلاف في كل ما عطف
وذكر بعد الليل والنهار، ثم ختم الآية بأبلغ ختام وهو قوله: ?إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ?، فحكم لمن نظر وتفكر
وعلم بذلك ثبوت الصانع الحكيم بالعقل الوافر، وأدرج تعظيم
المتفكرين العارفين في الإتيان بصيغة التنكير، وسَجّلَ على من لم
يتفكر ويتدبر في ذلك بعدم العقل ذماً له وإخراجاً له عن دائرة
العقلاء، فسبحان من أحكم كلامه، ووضعه في أرفع درجات البلاغة،
وأوجده ورفعه عن طوق البشر ومشابهة كلام أهل الخلاعة، ولعمر الله
إن وجود القرآن على هذا الوجه الذي يعجز عن الإتيان بمثله جميع
المخلوقين كاف في الدلالة على إثبات الصانع الحكيم سبحانه، فكيف
وما من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا من سكون أو حركة في
(1/101)
البر أو بحور الماء
إلا وفيه أدلة ظاهرة وبراهين قاهرة تدل على وجود القدير العليم:
فيا عجباً كيف يُعصى الإلـ .... ـه أم كيف يجحده الجاحدُ؟
ولله في كل تحريكة .... وتسكينة أبداً شاهدُ
وفي كل شيء له آيةٌ .... تدل على أنه واحدُ
وإذا تقرر من جميع ما مر أن العالم محدَث وأن محدِثه لا يصح أن
يكون شيئاً مما يزعمه أهل الإلحاد كما مر حكايتها عنهم وإبطالها
كما مر أيضاً، وثبت في العقول بأن المحدَث لابد له من محدِث ووجب
عقلاً أنه لا يجوز العدول عن المعلوم إلى الخرص الموهوم، بل يجب
الاقتصار على ذلك المحقق المعلوم وجب علينا القضاء والحكم [ بأن
الذي أحدثها وصورها وخالف بينها ] ليس [ هو ] إلا [ الفاعل المختار
وهو ] الله الذي لا إله إلا هو [ الحي القيوم ] وأنه رب كل شيء
وخالقه وهو على كل شيء قدير.
ولنختم هذه المسألة العظيمة التي هي أساس كل ما عداها من مسائل
أصول الدين وفروعه وعلى مدار الجهل أو العلم بها أُفول الإيمان
وطلوعه بالقصيدة التي أنشأها كاتب الأحرف غفر الله زلته في سنة
1329 هـ، ثم عرضتها على شيخنا صفي الإسلام وخاتمة المحققين في
الكلام أسكنه الله دار السلام، فَهذّبها وقررها فتشرفت بنظره
الثاقب وتجودت بتقريره الصائب على أنها شريفة لشرف موضوعها، وعظيمة
لعظم منفوعها، وعلى المسترشد أن ينظر إلى المقال، ولا ينظر إلى من
قال، فلا غنية عن ذكرها في هذا المقام لتضمنها جميع ما ذكر من
الكلام، فحسن بذكرها في هذه المسألة الختام، وتجود بإدراجها في هذا
الموضع التمام، وأسأل الله أن يجعلها ذخيرة عند القيام:
(1/102)
فليس الوجود له عن
عدمْ
هو الآخر المبتديء للأممْ
ومُحدَثَه صنعه المنتظم
وكل غني فمنه اغتنَم
وليس له مثل يُلتَأَم
ذكاهم عن الكُنْهِ أعمى أصم
له الأمر مولاهمُ المُعْتَصَمْ
ئق بعد الفنا والعدم
مدبرهم في الحِشا والظُلَم
مصورهم كيف ما شاء أتم
على اثنين فافهم صحيح القِسَم
وكلٌ فأفراده تُرتَسَم
إذا كان في اللبس قبح يُضِم
كنحو الغراب فكم ذا الحِكَم
وفي الأرض فانظر بفكر أتم
دلائلُ في الليل إن قد هجم
حثيثاً وبطئاً على ما حكم
دجى الليل حتى أزاح الظُلَم
وحجماً وحراً لقصد النعم
تدل على صانع ذي عظم
وبينهما في اختلاف أتم
منازل للوقت كانت عَلَم
لئلا تميد بتلك الأُمم
خواصاً ولوناً وضخم الجِسَم
على كل صنف وطعم وشَم
وكم حلية فيه كي تُغتنم
وهيئاته وقته ملتزم
إليه ومن بعد جحر ألم
لإحياء زرع لتلك الأمم
وفي تارة مفزعا ذو ألم
لإيناع أثمارنا تصترم
وفي تارة رحمة بالديم
دلائل صدق على ذي القدم
وأنواعها أربعٌ في القِسَم
جَنُوبٌ دَبُورٌ بعكس أتم
وقد تأت بالعكس قصد النقم
وأصنافه ليس تحصى بفم
خلاف أخيه ترى كم وكم
وبعض على واحد منتظم
تطير بأجناحها لا القدم
من الحيوان وتلك الأمم
وأوجدها بعد محض العدم
هلموا إذا كنتم ذو حِكَم
تعامى عن الحق حتى ارتطم
على زعمكم حكماً في الأمم
تخالف ذا الصنع حتى انتظم
قديم الوجود قديم الجِسَم؟
عن الأصل ما كان ثم الخرم
خرجتم إلى قولنا الملتزم
إلى فاعل واحد في القِدَم
وحي مريد بما شا حكم
إذ القصد عنها محال عدم
فَلِمْ كان فيه اختلاف الأمم؟
وضاق الخناق بكم كَالبُكَم
وأفلاكها أثرت ما ارتسم
جذمنا به أنفكم فانجذم
هي الفاعلات فقولوا نعم
ونمنعه اسماً لما لم يسم
فقد مَرَّ إبطاله وانصرم
تخالف أم لا نعيد الكلم
وإلا فغي ما اختلاف الأُمم؟
إلى غير جِدِّيَةٍ تعتصم
طريقة أهل الهدى والظلم
وبطلان برهان هذا الزعم
بخالقنا ثابت ملتزم
فصارمنا باتك إن كَلَم
لنا عاصماً عن مَزَلِّ القَدَم
شفيع الملأ يوم البعث النسم
ذوي الفضل والدين أهل الكرم
(1/103)
تعالى الذي خص باسم
القدم
هو الواجب الدائم الأول
وكل الملوك فملك له
وكل عزيز ذليل له
وليس له في الورى مشبه
تحير أهل النُّهى فانتهى
ولم يدركوا غير أن الذي
هو القادر العالم الحي محيي الخلا
سميع بصير خبير بهم
هو المنشِيء الخلق من نطفة
ونوعهم فاستوى صنعه
فهذا ذكور وذا ضده
بوصف له مانع لبسه
وإلا فقد يتفق وصفهم
وفي ملكوت السما عبرة
فتلك النجوم لها زينة
مُسَيَّرة في بروج لها
وفيها سراج أضاء لنا
على قَدَرٍ مشرقاً مغرباً
وفي القمر انظر فكم آية
فأوله مشبهٌ أخسراً
وتسييره ثم تقديره
وتلك الجبال لها عدة
وفيها اختلاف لأحجارها
وفيها ثمارٌ أعدت لنا
وفي البحر حوت على أصنافه
وماء السما على أنواعه
ففي الصيف مقدار حاجتنا
ومن بعد يأتي على نسقٍ
هنيئاً مريئاً إلى تارة
ومن بعد يقطعه حكمة
وفي تارة بَرَدٌ نازل
وكم في السحاب وهيئاته
وفي الريح كم تلق من عبرة
شمال بشام صبا مُشْرِقاً
وكم نعمة في وجود لها
وفي الطير كم تلق من آية
وفي كل صنف ترى نغمة
وفي بعضها كل لون أتى
وفي فيضها في السما عبرة
وفي نسلها خالفت غيرها
فسبحان من كَوَّن الكائنات
فقل لابن سينا وقل لأرسطا
أيا معشر الفيلسوف الذي
أجبنا على سؤلنا إنكم
أَعِلتكم قصدت أنها
فكيف وذا الصنع في زعمكم
وهل قصدت بعده فاخبروا
وإن قصدت قبل أوحاله
وعدتم على قولكم علة
قدير عليم بلا مرية
ففي قولكم علة فرية
وإن قلتمُ ليس قصد لها
ولما انتهى سُؤّلنا هاهنا
زعمتم عقولاً وأنفاسها
ونحن نعيد السؤال الذي
أتلك العقول وما بعدها
فواحدها كان كافٍ لنا
وإن قلتمُ موجبٌ علةٌ
وأيضاً فهل بينها عندكم
فإن كان قلنا فما شأنه
وعاد الكلام وما بعده
ولما سبرنا بأفكارنا
علمنا الصحيح ببرهانه
وصح لنا أن إيماننا
وإن نازع الفيلسوف الشقي
فحمداً لمن كان تأييده
وصلِّ وسلم ربي على
مع الآل والصحب أتباعهم
(1/104)
تتمة: اعلم وفقك الله
وإيانا أنا إذا علمنا أن للعالم صانعاً مختاراً، فالعلم بكونه
قادراً عالما حيا موجوداً ضروري لا يحتاج إلى استدلال، لأن من
المعلوم البديهي أن الفعل يستحيل ممن ليس كذلك، وقد ذهب بعض
علمائنا رحمهم الله تعالى إلى أن العلم بذلك استدلالي لا ضروري،
فيفردون لكل واحدة من تلك الصفات دليلاً مستقلاً، ومنهم المؤلف
عليه السلام والإمام المهدي والمنصور بالله عليهم السلام والقرشي
صاحب المنهاج والأول هو قول الجمهور وهو الصحيح.
وتحقيق المسألة أن يقال: إن كانت الأدلة الدالة على حدوث العالم
وإثبات صانعه اقتضت أنه فاعل مختار، فلا شك أن العلم بكونه قادراً
عالماً حياً موجوداً ضروري لا يحتاج إلى الاستدلال، وإن كانت إنما
دلت واقتضت ثبوت مؤثر فذلك لا يقتضي العلم الضروري باتصافه بتلك
الصفات فلا بد لكل واحدة منها من دليل مستقل، لكن الاستدلال على
إثبات الصانع وتصدير المسألة بقولهم إثبات الصانع وقولهم في أكثر
مؤلفاتهم في نهاية الكلام عليها، فثبت أن للعالم صانعاً مختا راً
ينافي ذلك ويقضي أن العلم بتلك الصفات ضروري بعد تقرير أدلة إثبات
الصانع المختار.
قالوا: إذا كانت الذات لا تعلم إلا استدلالاً فصفتها بالأَوْلى أن
لا تعلم إلا استدلالاً، لأنه لا يمكن العلم بالذات استدلالاً
والعلم بصفتها ضرورة.
(1/105)
قلنا: لم ندع أن
العلم بالصفات ضروري بكل حال، بل قلنا: إنه بعد العلم بالذات سواء
علمت الذات ضرورة كالمشاهدات أو استدلالاً كالباري تعالى والملائكة
والجن ونحو ذلك، والباري تعالى إنما علم بفعله المحكم والفعل
المحكم، يستلزم العلم لنا ضرورة أنه لا بد أن يكون فاعله قادراً
عالماً حياً موجوداً، وإلا لجوزنا فعلاً محكماً ممن ليس كذلك،
فيؤدي إلى تجويز الفعل ممن هو عاجز جاهل ميت معدوم وهو محال أو
تجويز الفعل بلا فاعل وهو محال أيضاً، وكذلك العلم بصفات الملائكة
والجن فإنا بعد العلم بهم الاستدلالي وهو إخبار الرسل صلوات الله
عليهم بهم وأنهم أحياء مكلفون، فإنا نعلم ضرورة أنهم عند تكليفهم
موجودون أحياء قادرون عالمون بما كُلِّفوه، وكذلك لو علمنا وجود
ملك في أقصى الأرض علماً استدلالياً بما يرسله ويجهزه من الجنود
والآلات الحربية، فإنا نعلم ضرورة أنه عند ذلك قادر عالم حي موجود.
قالوا: يحتمل التشكيك بالطبع ونحوه من المؤثرات على سبيل الإيجاب.
قلنا: محل هذا التشكيك عند الكلام على إثبات الصانع لا بعد إثباته
بالأدلة التي اقتضت أنه فاعل مختار فلا مجال لذلك، فتأمل.
وحيث قد عرفت أن المؤلف عليه السلام من أهل القول الثاني، فقد أفرد
لكل مسألة فصلاً لذكر دليلها وتقرير العلم بها، وفي التحقيق لا
مشاححة في نحو هذا فهو كما في نزول الآيات على المؤمنين فيزدادوا
بها إيماناً إلى إيمانهم ويقيناً إلى يقينهم، فعليه يكون ونبني ما
سيصدر من القلم في أثناء هذا الشرح من الكلام الدال على كمال قدرته
وإحاطة علمه تعالى على كل شيء وبكل شيء.
I
فصل
في الكلام في أن الله تعالى قادر
والفصل في أصل اللغة: هو الفارق بين الشيئين، وفي الاصطلاح: عنوان
طائفة من المسائل سوى ما ذكر قبله.
(1/106)
قال عليه السلام: [
فإن قيل: أربك قادر؟ ]،حقيقة القادر: هو من يصح منه الفعل مع سلامة
الأحوال، قلنا: من يصح منه الفعل، جنس الحد يدخل فيه كل من صح منه
الفعل سواء صح منه ذلك لأجل ذاته كالباري تعالى أو لأجل القدرة
القائمة به كما في غيره تعالى من سائر القادرين على أفعالهم
كالملائكة عليهم السلام والجن وجميع الحيوانات، وخرج بإضافة الصحة
إلى الفعل صدور المسببات إلى أسبابها، فإنه لا يقال فيه صحة الفعل
بل يقال صحة الأثر كانكسار الزجاج عند مصادمة الحجر وسقوط الثقيل
من أعلى إلى أسفل، وقلنا: مع سلامة الأحوال، ليدخل فيه ما إذا منع
من الفعل مانع بعد صحته من القادر عليه كالصحيح القوي على المشي
إذا قُيَّد بِقَيْدٍ منعه المشي فلا يخرج بذلك عن كونه قادراً على
المشي، وكمصاحبة الضد للفعل المقدور كأن يريد أحدنا المشي يمنة حال
مشيه يسرة، فإن حصولهما جميعاً في حالة واحدة ممتنع، والمانع
التضاد بين صفتي المشي، فإن صفة كونه يمنة ضد صفة كونه يسرة، ولكن
ذلك لا يخرج القادر عليه عن كونه قادراً على المشي يمنة ولا عن
كونه قادراً عليه يسرة، ولا يقال فيمن تعذر عليه الفعل لأجل التضاد
عاجزاً لأن العاجز من تعذر عليه الفعل الممكن في ذاته، والمتضادات
يستحيل الجمع بينهما لاستحالة اجتماعهما في ذاتها، فتأمل ذلك فهو
بحث نفيس، ومنه يعلم أنه لا يصح أن يقال: إن الله تعالى عاجز عن
الجمع بين الضدين، ولا أن يقال: إنه قادر على ذلك لأن العجز
والاقتدار على الفعل متفرعان على كون الفعل ممكن في ذاته، فأما وهو
مستحيل في ذاته فلا يتصف بأيهما لأن الوصف بأيهما يستلزم أن الفعل
ممكن في ذاته فهو غلط لعدم صحته وكذب لعدم مطابقته الواقع، ويدخل
فيه أيضاً فاقد الشرط المتمكن من تحصيله كالقيام وفتح الباب وفي رد
الوديعة والمظلمة من الصحيح الحاضر، فإنه إذا ترك رد الوديعة
والمظلمة بإخلاله بالقيام وفتح الباب لا يخرج بذلك عن كونه قادراً،
فأما إذا
(1/107)
تركهما لمرض مدنف
فإنه يخرج عن كونه قادراً، ويدخل فيه أيضاً فاقد الآلة كالدواة
والقلم والرق في الكتابة في حق من يقدر عليها، فإن فقد ذلك لا يخرج
عن كونه قادراً، وهذا واضح.
فإن قيل: فهلا زِيْدَ في الحد من يصح منه الفعل الممكن فَلِمَ
حذفتم لفظة الممكن واستغنيتم عنها ؟
قلنا: لأن المستحيل لا يقال له فعل فلم يتناوله قولنا صحة الفعل
حتى يحتاج إلى إخراجه بما اعترض به السائل، إذ المستحيل ليس بشيء
فلا يتناوله العموم في قوله تعالى: ?على كلي شيء قدير ?.
فإن قيل: فقد حددتم الشيء بقولكم هو ما يصح العلم به والخبر عنه،
والمستحيل يصح العلم به والخبر عنه بأنه لا يمكن وجوده وهذا لا
يسعكم إنكاره، ولئن وسعكم إنكار دخوله في عموم قوله تعالى: ?على كل
شيء قدير ?، ما أمكنكم إنكار دخول عمومه في قوله تعالى: ?بكل شيء
عليم ? ؟
قلنا: أما على أصل بعض أئمتنا عليهم السلام وبعض شيعتهم وبعض
المعتزلة والأشعرية القائلين بأن الشيء خاص بالموجود فقط فلا يرد
السؤال ولا يدخل في عموم الآيتين، وأما على أصل بعض أئمتنا عليهم
السلام وبعض شيعتهم وبعض المعتزلة القائلين بأن الشيء يتناول
الموجود والمعدوم كما مر تحقيق المذهبين، فإنهم يخصون المعدوم
الممكن وجوده بصحة إطلاق الشيء عليه فلا يدخل في ذلك المستحيل فلا
يتناول عموم الآيتين،وأما أنه يصح العلم به والخبر عنه فقد قال
سيدي شرف الإسلام الحسين بن الإمام القاسم عليهما السلام في شرح
الغاية: وقد يعتذر عن هذا بأن المعدوم والمستحيل يسمى شيئاً لغة.
(1/108)
قلت: لكن النظر في
ذلك هل حقيقة أو مجاز ؟ وعلى كل حال فالعقل هو الذي صرف اللفظ عن
عمومه في: ?على كل شي قدير ?، بإخراج ذات الباري تعالى والمستحيل
وأبقاه على ظاهره من: ?بكل شيء عليم ?، لأن ذاته والمستحيل من جملة
المعلومات وليست من جملة المقدورات، وما ذكرناه من الحد هو على رأي
جمهور أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم من القائلين بأن صفات الله
سبحانه ليست زائدة على ذاته.
وقال: بعض أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم: القادر هو المختص بصفة
لكونه عليها يصح منه أن يفعل وأن لا يفعل، وبعضهم يقول لكونه عليها
يصح منه الفعل مع سلامة الأحوال، ثم يفسرون تلك الصفة بكونه
قادراً.
قلت: وهما في الاحتراز بمعنى الأول إلا أن هذين الحدين معترضان
بأنهم فسروا الصفة بكونه قادراً وَهْمٌ في تحديد القادر، وذلك معيب
عند أهل الحدود ومبنيان على أن الصفات أمور زائدة على الذات شاهداً
وغائباً ولا يسلم إلا في الشاهد، فأما في الغائب فسيأتي الكلام على
ذلك وتحقيقه بمحله إن شاء الله تعالى.
واعلم أنه يْشْكِل على قولنا: الله قادر وعالم، وقولنا: زيدٌ قادر
وعالم بالنظر إلى الاشتقاق اللغوي، ذلك أن القادر والعالم مشتقان
من فعل القدرة والعلم كضارب وقاتل، وهذا المعنى في وصفنا الله
تعالى بأنه تعالى قادر وعالم بمعنى أنه خلق لنفسه القدرة والعلم
حتى صار لأجلهما قادراً عالماً باطلٌ قطعاً بل مستحيل، لاستلزامه
الحدوث وأنه قبل ذلك بالضد من ذلك تعالى الله عما هنالك، وفي وصفنا
زيداً بأنه قادر وعالم باطلٌ أيضاً، إذ لم يكن زيد فعل لنفسه
القدرة والعلم حتى يشتق له اسم فاعل منهما بل الله الذي خلق له
القدرة والعلم الضروري ابتداء، والاستدلالي قيل: متولد من فعل
العبد بالنظر الصحيح، وممكن أن يقال يخلقه الله عند النظر الصحيح
كما يخلقه عند تواتر الخبر بالمخبَر.
(1/109)
والجواب والله الموفق
للصواب: أن هذا الإشكال المركب من قواعد الاشتقاقات اللغوية لا
يلتفت إليه مع معارضته للأدلة العقلية القطعية واعتضادها بالأدلة
السمعية، لأن الاشتقاق تارة يكون لمن فعل الفعل كقام وضرب، وتارة
لمن قام به المعنى كمرض ومات، وتارة لمن لم يفعل ولا قام به المعنى
كأنبت الربيع البقل، وتارة يسند الفعل إلى السبب وتارة إلى المسبب،
وتارة إلى المكان وتارة إلى الزمان ونحو ذلك من الاشتقاقات
والاسنادات الواقعة على وجه الحقيقة أو المجاز، وقد علمنا باستقراء
اللغة وصدق ذلك العقل بأن القادر من صح منه الفعل مع قطع النظر هل
تلك الصحة لأجل ذاته بِلاَ قدرة فعلها لنفسه أم بقدرة فعلها له
غيره أم لماذا كانت تلك الصحة، وكذلك في عالم ومع ورود السمع
بتسمية الله تعالى نفسه وغيره قادراً عالماً من دون قرينة تدل على
المجاز في الطرفين، فعلمنا أنهما حقيقة في قول الله تعالى قادر
عالم، وفي قولنا: زيد قادر عالم، ذكر معنى بعض ذلك في شرح الأساس
عن بعضهم وقال: إنه اعترض به على بعض الأئمة عليهم السلام أنه يلزم
منه الجبر لأن زيد في الحقيقة مقَدر ومعلم وليس بقادر وعالم، وأجاب
عليه بأنه يسمى قادراً عالماً مجازاً بإذن الشرع، وأن المجاز إذا
اشتهر لا يحتاج إلى القرينة، وهذا الإلزام والجواب فيه ما فيه كما
ترى، وإنما الإشكال فيه والإلزام الذي يعترض به عليه هو ما صدرناه
في أول البحث وجوابه ما ذكرناه، ولم يجعل البحث في شرح الأساس إلا
في هذا الطرف الأخير وهو وارد في الطرفين، والجواب مشتمل عليهما
والله أعلم.
(1/110)
نعم فإذا قيل لك:
أربك قادر [ أم غير قادر؟ فقل: بل قادر ] على كل شيء، ولا يعجزه
شيء في الأرض ولا في السماء، وهذا مذهب جميع من أقر بالصانع
المختار، إلا أنه يلزم المطرفية أن لا يكون قادراً لأنهم لما
أسندوا الفعل على اختلافه وأنواعه إلى الأصول الأربعة الماء والنار
والهواء والتراب مع أنها عندهم ليست قادرة، لزمهم إبطال الدليل
الدال على أن الله سبحانه وتعالى قادر حيث جوزوا فعلاً من غير
قادر، لا يقال: قد قلتم: إن العلم بأن الفعل لا يصح إلا من قادر
ضرورة ولا يحتاج إلى الاستدلال فلا يرد عليهم هذا الإلزام، لأنا
نقول إن العلم بذلك ضروري، لكنهم نقضوه وباهتوا بإسنادهم التأثير
والإحياء والإماتة إلى تلك الأصول الأربعة، فأجرينا الكلام معهم
على التنزل ليعرف بطلان ما اعتقدوه من التأثير لها وهذا واضح، قال
عليه السلام في الاستدلال على أن الله تعالى قادر جرياً على قاعدة
بعض أئمتنا أن العلم بذلك بعد إثبات الصانع يحتاج إلى استدلال كما
مر في حكاية القولين، [ لأنه أوجد هذه الأفعال التي هي العالم ]،
والعَالَم في اصطلاح المتكلمين: اسم لجميع ما عدا الله سبحانه قيل:
إنه مشتق من العلم، فأما لما يعلُم به الباري تعالى فيتناول كل ما
سواه، وأما لمن يقوم به العلم فيتناول الملائكة والثقلين وعليه جاء
صيغة جمع العقلاء في قوله تعالى: ?الحمد لله رب العالمين ?، [
والفعل لا يصح إلا من قادر له ]، عَدَّاه باللام وهو مما يتعدى
بعلى لأنه ضمنه معنى مالك ليشير إلى نكتة أخرى وهي مع كون الله
تعالى قادراً على كل شيء فهو مالك لكل شيء ?لَهُ مُلْكُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ?{الحديد:2}، دليل آخر لهم أنا وجدنا في الشاهد حيين
كزيد وعمرو، الأول حاول حملاً ثقيلاً فحمله، والآخر حاوله فتعذر
عليه، فيجب أن يمتاز الأول عن الآخر بمزية لولاها لما صح منه ما
تعذر على الآخر، وقد عبر أهل
(1/111)
اللغة عن تلك المزية
بأن سموا الأول قادراً دون الآخر فسموه عاجزاً، والله تعالى قد صح
منه ما تعذر على غيره وهو العالم فيجب أن يكون قادراً، وهذان
الدليلان كما ترى يلحقان بالعلم الضروري، وإنما تحريرهما على هذه
الكيفية زيادة في الإيضاح، فلا ينافي ما مر عن جمهور أئمتنا عليهم
السلام أن العلم بذلك بعد إثبات الصانع تعالى ضروري، ويمكن
المناقشة على هذين الدليلين بأن غاية مفادهما صحة أن يطلق على الله
تعالى لفظة قادر لا أنهما المفيدان ثبوت معنى القادرية له تعالى.
دليله: أن الصغرى في هذين الدليلين هي عين مسألة إثبات الصانع وهي
في الأول قوله: لأنه أوجد هذا العالم، وقولهم في الثاني والله
تعالى قد صح منه ما تعذر على غيره وهو العالم، والكبرى فيهما هي
عين النتيجة وهي قوله في الأول: والفعل لا يصح إلا من قادر، وقولهم
في الثاني ومن صح منه ما تعذر على غيره فهو قادر، فلم يكن في
الاستدلال تأسيس فائدة معنوية بل تأكيد لقضية ضرورية وتمشية لقاعدة
لفظية على مسلك اللغة العربية، فصار حال هذين الدليلين في إفادتهما
التأكيد دون التأسيس كما قولنا العشرة زوج لأنها منقسمة بمُستويْ،
فإن قولنا: لأنها منقسمة بمستوي، ليس دليلاً على صحة قولنا العشرة
زوج، لأن كون العشرة زوج معلوم ضرورة يعلم ذلك جميع العقلاء حتى
النساء والصبيان وبُلْه الرجال، ولو كانت دليلها للزم أن لا يعلم
أحدٌ أن العشرة زوج إلا من علم أنها منقسمة بمستوي مع أن النساء
والصبيان ونحوهم يعلمون ذلك من دون أن يتوقف علمهم بذلك على العلم
بأنها منقسمة بمستوي، بل أكثر أهل النظر يعلمون أنها زوج قبل أن
يخطر لهم انقسامها بمستوي على بال أو يمر لهم ذلك على خيال.
(1/112)
بحوث مفيدة في مسألة
قادر
وإذا ثبت أن الله تعالى قادر على حسب ما مر من الخلاف هل ذلك ضروري
بعد إثبات أنه صانع العالم أم استدلالي؟ فاعلم أنه يتصل بهذه
المسألة أبحاث متفرعة على كونه تعالى قادراً:
الأول: أن الله تعالى قادر على ما يفعله من جميع أفعاله تعالى
اختراعاً بمعنى أن ذلك ليس على سبيل الاحتذاء أو الاقتداء بفعل
غيره، ولا مباشرة ولا تعدية بل متى أراد شيئاً [ أوجده تعالى من
دون مماسة ولا بآلة ] لأن المماسة والآلة من شأن الأجسام المحدثة
المحتاجة إلى الآلة، والله سبحانه قديم غني لا تجوز عليه الحاجة
كما سيأتي تقرير ذلك في محله، وقد مثل سبحانه وتعالى لكيفية إيجاده
واقتداره على إيجاد ما أراد أن يوجده بقوله تعالى: ?إِنَّمَا
أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ?{يس:82}، ومثله قوله تعالى: ?إِنَّمَا قَوْلُنَا
لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
?{النحل:40}، وقال أبو الهذيل: بل هو على حقيقته، قلنا: يلزم
الاحتياج إلى لفظة كن، وأيضاً فلفظة كن، من جملة أفعاله فتحتاج إلى
كن وكن إلى كن فيتسلسل.
(1/113)
الثاني: أن مقدوراته
سبحانه وتعالى لا تنحصر ولا تنتهي إلى حد، لأنه تعالى قادر بذاته
ولا اختصاص لذاته بمقدور دون مقدور، فيجب أن يقدر على المقدورات
ومن كل جنس ونوع منها لا نهاية له بحد ولا عد، فأما ما أوجده فهو
محدود معدود في علمه تعالى لأنه عالم بكل شيء، وعلى هذا المعنى
يعلم مصداق قوله تعالى: ?وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ
شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ
أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ ? {لقمان:27}، حيث أخبر سبحانه أن هذا البحر التي تجري فيه
السفن على سعته وعمقه لو كان مداداً، ثم كتبت به الكلمات المعبر
بها عما يقدر عليه الله تعالى ويعلم لنفد هذا البحر، ثم إذا أتي
ببحر آخر مثله لنفد كذلك، ثم كذلك إلى سبعة أبحر، ولقد وقعت مذاكرة
من الحقير لبعض مشايخ عصرنا وطلبت منه تصوير المسألة وتحقيق
كيفيتها حتى يعلم يقيناً صحة الخبر مع قطع النظر عن قائله، فلم يجد
غير أن اعتمد على مجرد الآية وكونها كلام أصدق القائلين، فقلت له:
لا شك أن ذلك دليل كافٍ حيث أنه تعالى لا يقول إلا الحق وهذا في
الحقيقة دليل سمعي،ولكن كيف الدلالة العقلية المخرجة للمسألة إلى
حيز الظهور الشاهد بمصداق الآية الكريمة؟ فلم يجد سبيلاً إلى ذلك،
فقلت له: ألا تروا أن الله تعالى قد خلق السبع السماوات والأرض وما
بينهما وسيخلق الجنة والنار وغيرهما من مخلوقات الآخرة فقال: نعم،
فقلت له: ثم هو سبحانه قادر على أن يخلق مثله ومثله ومثله إلى مالا
ينتهي، فإذا تكلمنا في أجزاء ذلك كله باعتبار الجوهر الفرد، وقلنا:
في كل جسم من أجسام السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، وكذلك
الجنة والنار وسائر المخلوقات التي ستوجد في الدنيا والآخرة،
وقلنا: في كل جوهر منها وهو الجزء الذي لا ينقسم هو بالنسبة إلى
الآخر إما مجتمع معه أو مفترق وأيَّمَّا كان، فأما من جهة اليمين
أو الفوق أو
(1/114)
الأمام أو أضدادها،
ثم المفترق إما ببعد أو بقرب فيستلزم الكلام في كمية ما بينهما من
الجواهر فيحتاج كل جوهر إلى كلمات يعبر بها عما بينه وبين الآخر من
تلك الأجزاء ومن أي الجهات وكل منها في نفسه محترك أو ساكن، وماذا
طَعْمُهُ؟ وماذا لونه؟ وماذا خواصه ؟ ومدة لبثه في الوجود ؟ ومتى
عَدِم ؟ فيعلم سبب عدمه على أنه لا حصر لتلك الأسباب لتعددها بتعدد
الذوات التي طرأ عليها العدم إلا للعليم بكل شيء سبحانه وتعالى
ونسبة كل جوهر من الآخر باعتبار القَبْلِيَّة والبَعْدِيَّة
والمصاحبة على جهة التلازم أو عدمه، فإذا فرغ من كتب جميع الكلمات
المعبر بها عن جميع الأحوال المذكورة في جميع الجواهر الدنيوية
والأخروية ثم أخذ في كتب أحوال ما هو قادر عليه وهو مثل ذلك كله،
ثم أخذ في كتب أحوال مثل ذلك ثم كذلك، فلا بد قطعاً ينفذ هذا البحر
وتنفذ بعده السبعة البحار وأكثر منها، وجهة الإمكان والقادرية لله
تعالى باقية مفتوحة لا تنسد إلى مالا نهاية، له فقال: صحيح صدقتم،
بهذا يعلم مصداق الآية الكريمة مع قطع النظر عن قائلها الذي هو
أصدق القائلين، هذا معنى ما جرى من المذاكرة وأكثره باللفظ والله
ولي التوفيق.
وأما الاعتماد على مجرد الآية وأنها كلام أصدق القائلين، فإنما
تفيد العلم على القول بالعدل دون القول بالجبر لأنه لا يمتنع على
أصول المجبرة أن يدخل الكذب في خبره، تعالى عن ذلك إذ ليس بمنهي إذ
يخبر عن شيء بخلاف ما هو عليه، فلا تفيد الآية على قولهم: إن الأمر
في شأنه تعالى كما ذكر لاحتمال الصدق والكذب فيها على أصلهم
الباطل.
(1/115)
وأما على أصل العدلية
من أن الكذب قبيح لأجل ذاته لا لأجل النهي عنه وإنما النهي من
لوازمه اللازمة لقبحه، فلا يتأتى تجويز الكذب في خبره تعالى، فهو
أصدق القائلين عند العدلية يقيناً وعند المجبرة تسليماً ظاهراً،
وأما باطناً فهو على مذهبهم الباطل وأصلهم العاطل أكذب الكاذبين،
لأن كل كذب في الواقع من ابتداء التكليف إلى منقطعه فالله عندهم
فاعله وخالقه ومريده ومقدره، وكل كذب مجوز الوقوع مما لم يكن قد
قال به أحد كأن يذهب بعض الكفار إلى القول أن الآلهة التي لها ملك
السماوات والأرض وهي ثلاثون أو أربعون أو نحو ذلك من أنواع الكفر
التي لم يكن قد ذهب إليها قائل، فإن مذهب المجبرة يقضي بجواز أن
يخبر الله سبحانه وتعالى بذلك ويعلم الخلق ويتعبدهم به لأنه غير
منهي عنه، وهذه من أعظم فواقرهم فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون،
وهذا كالخارج عما نحن بصدده إلا أنه أنجز إليه الكلام استطراداً من
الاستدلال بالآية الكريمة.
الثالث: أن الله تعالى قادر على فعل القبيح، ولكن يستحيل حصوله منه
تعالى من جهة كونه عدلاً حكيماً لا من جهة أنه عاجز عنه فلا، بل هو
على كل شي قدير، وهذا قول أئمتنا عليهم السلام والجمهور خلافاً
للنظام والمجبرة.
أما النظام فشبهته أنه لا يمكن أن يفعل القبيح إلا مع الحاجة إليه
أو الجهل بقبحه، وكلاهما محال، وما تفرع على المحال فهو محال.
قلنا: لكن هذا لا يستلزم خروجه عن كونه قادراً عليه، وإنما يستلزم
أن لا يفعله لئلا يكون محتاجاً أو جاهلاً فينزه عن فعل القبيح
كالظلم والكذب لذلك لا لكونه غير قادر عليه، ولأن المعلوم في قوله
تعالى: ?فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ?، أنه تعالى
قادر على حذف إلا فيصير الخبر كذباً، وأن يعذب الطفل والمؤمن بغير
ذنب فيصير التعذيب ظلماً.
(1/116)
وأما المجبرة فبتأمل
أصلهم أن قبح القبيح للنهي عنه فلا يقدر على القبيح لاستحالة
المقتضي لقبحه وهو النهي، وقال أبو الحسين والشيخ محمود: إنه ممكن
منه تعالى بالنظر إلى القادرية مستحيل بالنظر إلى الداعية، وهذا في
المعنى كالأول إلا أنه لا يجوز عندنا إطلاق الداعية على الله
لإيهام الحاجة، ذكره شيخنا رحمه الله تعالى.
الرابع: أن الله تعالى يقدر على عين ما قدر عليه العبد لأنه من
جملة الممكنات، فوجب شمول قادريته تعالى على مقدورات العباد ولأنه
قادر على ذلك قبل وجود خلقه فلا يمنع من ذلك وجودهم، ولأنه يلزم أن
لا يكون قادراً إلا على مقدور لا قادر عليه فيلزم تعجيزه تعالى،
ذكره شيخنا رحمه الله تعالى عن قدماء أئمتنا عليهم السلام قال: كذا
قالوا ولم أجده، وقال القرشي في المنهاج وحكاه عن الجمهور: أنه
محال،وهو ظاهر عبارات أكثر المتأخرين كالنجري والمهدي عليه السلام
وغيرهم.
قلت: هذه المسألة التي يعبر عنها كثير من المتكلمين بقولهم: مقدور
بين قادرين وعبر عنها القرشي بقوله في بعض المواضع: تزايد الوجود،
وربما يتوهم بعضهم أنها مسألة تحصيل الحاصل، فينبغي تفصيل الكلام
في ذلك، وبيان مواضع الخلاف والوفاق من ذلك وبيان ثمرة كل ما
هنالك، فأقول وبالله التوفيق: الذي يظهر والله أعلم أنها ثلاثة
أطراف:
الأول: ما تصدر به البحث وهو أن الله تعالى قادر على عين ما قدر
عليه العبد.
الثاني: مسألة مقدور بين قادرين.
الثالث: مسألة تحصيل الحاصل، فبعض العلماء يجعل الجميع شيئاً
واحداً ويحيلها جميعاً لأنها عنده ترجع إلى تحصيل الحاصل، وبعضهم
يفرق بينها ويصحح الأول دون الأخيرين، وبعضهم يصحح الأولين،
واتفقوا على إحالة الثالث.
(1/117)
أما الطرف الأول: فقد
تقدم الكلام فيه بما هو الحق الذي دلت عليه الأدلة المذكورة، ولأنه
من جملة الأشياء الممكنة في ذاتها فدخل في عموم قولنا: إنه تعالى
قادر على كل شيء، فلا وجه لإحالته وجعلهم له من باب تحصيل الحاصل
غير مسلم لأنا نفرض الكلام مثلاً في كتابة بسم الله الرحمن الرحيم
أو نقل حجرة من مكان إلى غيره فإن كتابة ذلك ونقل تلك الحجرة مقدور
لزيد، ولا شك أن الله تعالى قادر على ذلك فقد قدر تعالى على عين ما
قدر عليه العبد بلا شك، فقد حصل مطلوبنا ولا أظن أحداً يخالف في
ذلك.
وثمرة القول بذلك عدم لزوم تعجيز الله تعالى ووصفه بشمول قادريته
تعالى على كل شيء، فأما تعليلهم إحالة ذلك بأنه إن فعله زيد فهو
فعله، فصدور ذلك الفعل من جهة الله تعالى مستحيل وإن فعله الله
تعالى فهو فعله تعالى، فصدور ذلك الفعل من زيد مستحيل فأمر وراء
ذلك، لأن الفعل بعد صدوره وانقضائه مستحيل بكل حال، فلا وجه
لقولهم: إن الله تعالى لا يقدر عليه وإنما يقدر على جنسه وعلى مثله
لأن ذلك جار فيما فعله زيد، فإنه بعد أن يفعل الفعل يستحيل عليه أن
يفعل عين ذلك الفعل وإنما يقدر على جنسه وعلى مثله، فتبين لك بهذا
أن ذات الفعل الذي يقدر عليه زيد هو مقدور لله تعالى.
(1/118)
مسألة مقدور بين
قادرين فأكثر
وأما الطرف الثاني: وهو مسألة مقدور بين قادرين فأكثر.
فإن عين بذلك وأريد به مقتضى اللفظ والعبارة فلا تسلم إحالته، لأن
كتابة ونقل ما ذكر في المثال مقدور لله ومقدور لزيد مقدور لعمرو
ولغيرهما من سائر القادرين، وإن أريد مفعول بين فاعلين على سبيل
الاشتراك فلا تسلم الإحالة بل ذلك ممكن عقلاً ضرورة بأن يمتلكا قلم
الكتابة معاً ويكتبا ذلك من أول حرف إلى آخر حرف أو يمسكا الحجر
معاً ويرفعاها في حالة واحدة، وإن أريد على سبيل الاستقلال بأن
يوجد ذلك الكَتْب والنقل جميعه من زيد فوجوده من عمرو قبل ذلك ممكن
لأنه مقدور له وحال فعل زيد له مستحيل على عمرو وبعده مستحيل
عليهما جميعاً، فمن قال مقدور بين قادرين ممكن كصاحب الأساس وشارحه
عليهما السلام وغيرهما أراد به الصورة الأولى وهي ما إذا كان على
سبيل الاشتراك، وكذلك إذا أراد عمرو فعل ذلك قبل أن يفعله زيد فإنه
قبل ذلك مقدور لهما ولغيرهما كما عرفت، ومن قال مقدور بين قادرين
محال كالمهدي عليه السلام وغيره فمراده على سبيل الاستقلال فحال
وجود الفعل من زيد أو عمرو، فإنه يستحيل عند ذلك فعله على الآخر
وبعد وجوده مستحيل عليهما معاً وعلى غيرهما كما عرفت لأنه من باب
تحصيل الحاصل.
وثمرة القول الأول: عدم لزوم تعجيز الله تعالى عن فعل شيء ووصفه
تعالى بشمول قادريته على كل شيء.
وثمرة القول الثاني: تنزيه الله تعالى عن تجويز مشارك له في خلقه
الأجسام والأعراض الضروريات التي هي الألوان والروائح والحياة
ونحوها، وإن أفعال العباد المعلوم صدورها لا يصح أن تكون من فعل
الله تعالى، وأما أنها مقدورة له وهو قادر عليها لو أراد أن
يفعلها، فلا يختلف في ذلك اثنان، فعلمت بهذا حسن مقصد الجميع وهي
الملاحظة لتأكيد قواعد التوحيد والعدل وحراستها عن المناقضة، فهم
سلام الله عليهم سفن النجا ومصابيح الدجى.
(1/119)
مسألة تحصيل الحاصل
وأما الطرف الثالث: وهو تحصيل الحاصل.
فقد علم مما مر ولا خلاف في إحالته، ولا يلزم منه تعجيز الباري
تعالى لأن من فعل شيئاً لا يقال له عاجز عنه بل قادر عليه، فيوصف
سبحانه وتعالى بأنه قادر على خلق السماوات والأرض بمعنى أن صدورهما
عنه تعالى على وجه إن شاء فعل وإن شاء ترك، وأنه قادر على إعدامهما
بعد وجودهما لا بمعنى تحصيلهما بعد حصولهما، لأن ذلك تحصيل حاصل
وتحصيل الحاصل محال، فلا يقال فيه قادر ولا عاجز لأن كلا الوصفين
متفرعان على الإمكان وهو غير ممكن.
وثمرة القول بأن تحصيل الحاصل محال: هي إبطال زعم من يُسند بعض
أفعال الله تعالى إلى غيره من الأولياء أو الجن أو الملائكة أو
الأصنام أو العلل أو الطبائع، فعلمت أن الجميع من أهم المسائل
وأنفعها، وأنه لا خلاف متحقق بين الأئمة عليهم السلام يعود إلى
المعنى المخل بقواعد التوحيد والعدل، وكيف يتأتى ذلك في خلد عاقل
وقد جعلهم الله تعالى قرناء الكتاب وأماناً لهذه الأمة من نزول
العذاب!
الخامس: زعمت المجبرة أن الله تعالى هو المؤثر في مقدور العبد ولا
أثر لقدرة العبد فيه، ذكر معنى ذلك شيخنا رحمه الله تعالى في السمط
قال: وهو أصل الجبر وسيأتي في بابه.
السادس: زعم أبو القاسم البلخي من المعتزلة: أن الله تعالى لا يقدر
أن يخلق فينا علماً ضرورياً فيما علمناه استدلالاً، وأن معرفة
الخلق للباري تعالى في الآخرة استدلالية. ذكر بمعنى ذلك شيخنا رحمه
الله تعالى في السمط قال: وهذا بناءٌ على أصله أن المعارف
استدلالية وهو باطل.
(1/120)
السابع: زعم القرشي
صاحب المنهاج من أصحابنا وغيره من الزيدية والمعتزلة: أن للقادر
لكونه قادراً حالاً به فارق العاجز وسووا في ذلك بين الباري تعالى
وغيره من سائر القادرين قالوا: والمرجع بذلك الحال إلى صفة يختص
بها القادر، وقال أبو الحسين: المرجع بذلك إلى مزية يمتاز بها
الباري تعالى عن غيره وإلى صحة البنية وتناسب الأعضاء والطبائع
فيمن عداه تعالى، والجمهور قالوا بمثل قول القرشي في الشاهد، فإن
معنى كونه قادراً أن به صفة يختص بها وهي القدرة المحدثة القائمة
بذات زيد حين أن حاول حملاً ثقيلاً فحمله الخالية عن عمرو حين أن
حاول ذلك الحمل فتعذر عليه، وليست نفس صحة البنية وتناسب الأعضاء
والطبائع كما يقول أبو الحسين، بل أمر وجودي خلاف ذلك قد يكون معه
وقد لا كما في كثير من أهل الرفاهية يعجز عما يفعله غيره مع حصول
ما ذكر، وأما الباري تعالى فهو قادر بذاته لا لأجل حال ولا لمزية
بل ذاته عز وجل متمكنة من كل شيء بمجردها لا لما ذكر ولا لغيره.
وقالت المجبرة: بل القادر شاهداً وغائباً لا يكون قادراً إلا بقدرة
هي معنى قائمة به كما ذكرناه في الشاهد، ولكنها في الباري تعالى
قديمة قائمة بذاته تعالى لا على وجه الحلول.
وهذا هو الزيغ الشديد والضلال البعيد للزوم قيام المعاني بذاته
إثبات قديم سواه، وسيأتي تقرير القول المختار وإبطال جميع ما عداه
في آخر الكلام على صفات الإثبات.
(1/121)
بيان أجناس المقدورات
وأنواعها وتعدادها
الثامن: في بيان أجناس المقدورات وأنواعها وتعدادها.
أما بيانها وتعدادها: فهي ثلاثة وعشرون جنساً: الأجسام والألوان،
والروائح، والطعوم، والحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة،
والحياة، والشهوة، والنفرة، والفناء والقدرة فهذه ثلاثة عشر لا
يقدر عليها إلا الله تعالى، وخالف قوم في بعض الألوان والحرارة،
فادعوا قدرة للعبد على ذلك كتبييض الناظف عند الضرب، وتسويد الحبر
عند خلط العَفْص والزاج، ووجود الحرارة عند حك إحدى الراحتين
بالأخرى.
فقالوا: إن ذلك متولد من فعل العبد والمتولد من فعل مفعول لفاعل
ذلك الفعل.
قلنا: لا نسلم، بل يحدثه الله تعالى عندما ذكر لمصالح عباده وهذا
الجواب أولى من الجواب الذي في القلائد إن ذلك لَوْنٌ كان كامناً
فبرز لما فيه من مشابهة قول أهل الكمون والظهور، والعشرة البقية:
الأكوان، والاعتمادات، والتأليفات، والاعتقادات، والإرادات،
والكراهات، والظنون، والأفكار، والأصوات، والآلام فهذه العشرة
مقدورة لله تعالى وللعباد لتمكينه تعالى إياهم منها، ولا يشكل عليه
عد الظنون منها مع أن الله تعالى متعال عن الظنون لأن المراد
قادريته تعالى على إيجاد ذلك في غيره كالشهوة والنفرة، وتنقسم إلى
مدركة وغير مدركة، فالمدركة: الستة الأول من الثلاثة عشر الأول
والأصوات والآلام من الأخيرة، وغير المدركة باقيها هكذا قاله
الجمهور.
واعترض عليهم الإمام عز الدين بن الحسن في المعراج شرح منهاج
القرشي، فنازعهم بالحصر بالخشونة والنعومة والملامسة.
قلت: وهو اعتراض جيد ولا معنى للحصر إلا باعتبار الوجدان وهو لا
يفيد الحصر.
قلت: وفي عد الرطوبة واليبوسة من غير المدركة نظر، لأنه يمكن
إدراكها بحاسة اللمس فتأمل.
(1/122)
وأما أنواعها: فأنواع
الأجسام لا يتأتى العلم بها إلا لله تعالى، لأن الحيوانات على جميع
أصنافها داخلة فيها ولا معلومية لنا بكمية أنواعها وكذلك الجمادات،
وأما الألوان فباعتبار الوجدان خمسة: البياض، والسواد، والحمرة،
والصفرة، والخضرة وما عداها من الأزرق والأدخن واليقق ونحو ذلك
يرجع إليها، والطعوم خمسة أيضا: الحلاوة، والحموضة، والمرارة،
والنفاحة، والملوحة وما عداها يرجع إليها، وأما الروائح فلا تنحصر
لاختلافها باختلاف الأجسام وهي لا تنحصر بل يضاف كل إلى محله،
فيقال رائحة المسك ورائحة ورد ونحو ذلك، وأما الأكوان فأنواعها
أربعة: الحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق وأما سائرها فمنها
ما يمكن الوقوف على تقسيمه وتنويعه ومعرفة كمية أنواعه
كالاعتقادات، ومنها ما لا يمكن وهو أكثرها والله أعلم.
التاسع: أنه يجب على المكلف أن يعلم أن الله تعالى قادر فيما لم
يزل وفيما لا يزال ولا يصح خروجه عن ذلك بحال من الأحوال.
وهاهنا يرد سؤال ينبغي معرفة جوابه وهو أن يقال: قلتم: إنه تعالى
قادر في الأزل. فهل يصح أن يكون فاعلاً في الأزل؟ إن قلتم: نعم،
صححتم مذهب برقلس ومن معه من الفلاسفة الذين قالوا: إن الله تعالى
صانع العالم والعالم قديم، وإن قلتم: لا، نقضتم قولكم قادر في
الأزل.
والجواب والله الموفق للصواب: أنه لا يلزم من كونه قادراً في الأزل
صحة أن يكون فاعلاً في الأزل، لأن كونه قادراً في الأزل معناه أنه
غير عاجز بل متمكن من فعل أي شيء أراد ومتى فعله خرج عن كونه
أزلياً إلى كونه حادثاً، ومعنى ذلك أن اتصافه تعالى بهذا الوصف وهو
التمكن ثابت له بما ليس له ابتداء، وأما كونه فاعلاً في الأزل ففيه
مناقضة ظاهرة ليس واقفة ولا لازمة من قولنا: قادر في الأزل، لأن
قولنا: فاعل، يستلزم حدوث المفعول، فقولنا: في الأزل، يستلزم قدم
المحدث وهو محال.
(1/123)
إن قيل: إذا لم يلزم
من كونه قادراً في الأزل صحة أن يكون فاعلاً في الأزل فقد نقضتم حد
القادر لأنكم حددتموه بأنه من يصح منه الفعل فإذا كان الله تعالى
لا يصح منه الفعل في الأزل، لزم أن لا يكون قادراً في الأزل، ونقض
الحد حيث أطلقتم القادر على من لا يصح منه الفعل.
قلنا: لم نحد القادر بأنه من يصح منه الفعل على الإطلاق بل قلنا:
مع سلامة الأحوال، ومن سلامتها عدم لزوم التناقض المؤدي إليه،
قولنا: فاعل في الأزل، دون قولنا: قادر في الأزل ؛ والحاصل أن في
قولنا: فاعل في الأزل مناقضة من حيث لزوم اجتماع النقيضين بخلاف
قادر في الأزل فليس فيه ذلك، إذ يلزم من فاعل وجود المفعول ولا
يلزم من قادر وجوده، وإنما يلزم صحة وجوده إن سلم الحال فإن لم
يسلم لم يخرج عن كونه قادراً، بل هو قادر بمعنى إذا أراد أن يفعل
فَعَل وإن أراد أن لا يفعل لم يحصل الفعل، فإن قَدَّرنا أنه فعل لم
يصح وصف ذلك الفعل أو المفعول بأنه في الأزل بل قد بطل دعوى كونه
في الأزل من حيث أنه فعله الفاعل المختار، فتأمل.
وأيضاً فإن قولنا: فاعل في الأزل، يعود على وصفنا له تعالى قادر
بالنقض والإبطال وما عاد على الغرض المقصود بالنقض والإبطال فهو
بالإبطال أولى.
بيانه: أنه إذا كان ذلك الفعل أو المفعول في الأزل فقد كان قديماً
مستغنياً عن الفاعل القديم، ومتى كان الحال كذلك لم يكن أحد
القديمين بأن تدعى له القادرية على الآخر بأولى من العكس فتكون
دعوى ذلك لأحدهما دون الآخر تخصيص بلا مخصص وترجيح بلا مرجح وذلك
باطل بلا ريب، وهذا واضح لمن تأمل كما ترى، فتأمل.
وثمرة هذا البحث التمكن من وصف الله سبحانه بأنه قادر فيما لم يزل
مع التمكن من إبطال قول من يذهب إلى قدم العالم مع قوله إن الله
تعالى فاعله وصانعه، وبالله التوفيق.
(1/124)
ما يجوز إطلاقه من
الاسماء على الله وما لا يجوز
العاشر: في معرفة الأسماء التي تجري على الله تعالى بمعنى قادر،
ومعرفة مالا يجوز منها.
اعلم أولاً أن العلماء اختلفوا هل الأسماء في حق الله سبحانه
وتعالى توقيفية على السمع بمعنى أنه لا يجوز أن يطلق عليه تعالى
منها إلا ما ورد السمع به وما لا فلا، أم ليست كذلك بل ما حصل
معناه في حق الله تعالى حقيقة وكان ذلك اللفظ يطلق في أصل اللغة
على ذلك المعنى بالحقيقة، فإنه يجوز إطلاقه على الله تعالى حقيقة
ولا يفتقر إلى إذن سمعي، فقال أئمتنا عليهم السلام ومن وافقوهم من
الزيدية والمعتزلة بالثاني، وذهبت الأشعرية والمحدثون ومن وافقهم
إلى الأول.
قلنا: يلزم أن من عرفه تعالى قبل مجيء الرسل إليه أن لا يسميه
تعالى بأنه قادر عالم حي موجود قديم وذلك معلوم البطلان، وأيضاً
فإن أُريد بالسمع المتواتر فليس إلا القرآن وليس فيه أنه تعالى
يسمى موجوداً قديماً، وإنما علم ذلك عقلاً لحصول المعنى المطابق
للغة وهو أن الموجود ما ظهر أثره، والقديم هو الموجود الذي لا أول
لوجوده، فكان يلزم المخالف أن لا يطلق هذين الاسمين عليه تعالى مع
أنهما من أَجَلِّ أسمائه الحسنى، وقد تجاهل بعض أهل عصرنا ممن يذهب
إلى أن الأسماء توقيفية لما ألزمته ذلك فقال: لا نسميه تعالى
موجوداً ولو كان موجوداً، وهذه جهالة مفرطة سببها الرغوب عن هذا
الفن الشريف.
إن قيل: ما هي النكتة والسر في عدم ورود ذينك الاسمين الجليين في
القرآن الكريم؟
(1/125)
قلنا: أما موجود
فلأنه لما كان القرآن مملوء من نحو خلق السماوات والأرض، خلقكم ثم
رزقكم، يميتكم ثم يحييكم، ومن نحو القادر، العالم، الحي، فكان
الإخبار مع ذلك بأنه تعالى موجود كالإخبار بأن السماء فوقنا والأرض
تحتنا، وأن العشرة زوج ونحو ذلك من الأمور المعلومة ضرورة، فالخبر
بذلك مستهجن لا يرد في الكلام الفصيح البليغ، فلو ورد لجعله أهل
الزيغ ذريعة إلى القدح في كلام الحكيم فأحال سبحانه العلم بذلك إلى
ما تدركه العقول عند سماع تلك الألفاظ الواردة ونحوها مما ذكر في
القرآن، وما تدركه عند التفكر في صنعه تعالى حيث تعلم بالتفكر أنه
تعالى قادر عالم، فتعلم معه ضرورة أنه تعالى موجود ألا ترى إلى
قوله تعالى: ?اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ
الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ
اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا? {الطلاق:12}، لو قال
بعد ذلك وتعلمون أنه موجود، لكسب الكلام ضعفاً وسماجة تذهب بفصاحة
الآية من أولها وتنقض بلاغتها من موصلها، وأما قديم فقد أورد ما في
معناه فأغنى عن ذكره، ولأنه قد يطلق في اللغة على ما تقادم وجوده
بعد أن كان معدوماً كقوله تعالى: ?حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ
الْقَدِيمِ ? {يس:39}، فلو ورد بهذا اللفظ لكان لأهل الزيغ مجال في
الطعن على القرآن، وإن أريد به المعنى الصحيح فاستغنى بما في معناه
وهو الأول وقرن بالآخر ليدل على أنه لا يصح عليه العدم فيلزم وصفه
تعالى بالقدم، وإن أريد بالسمع غير المتواتر لزم جواز إطلاق كلما
روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولعل فيه ما لم تصح روايته
وذلك خطر لقوله تعالى: ?قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ
? إلى قوله: ?وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ?
{الأعراف:33}، وأما المجاز فلا يجوز إطلاقه على الله تعالى إلا
بإذن
(1/126)
سمعي، فإن أوهم الخطأ
أقر حيث ورد ولا يقاس عليه غيره، ولا يشتق له اسم مما ورد بصيغة
الفعل نحو:?وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ? {الأنفال:30}،? الله
يستهزأ بهم?، فلا يقال له تعالى ماكرٌ ومستهزِئٌ ونحو ذلك، إذا
عرفت ذلك فالذي يجري على الله تعالى من الأسماء بمعنى كونه قادراً:
القدير والمقتدر والقوي والمقيت، وقيل: إن معنى المقيت خالق
الأقوات فيكون صفة فعل لا صفة ذات، إذ يصير بمعنى فاعل لا بمعنى
قادر، والأظهر هو الأول وهو أنه بمعنى قادر على خلق الأقوات،
والقاهر والغالب والظاهر والملك والمليك والمالك عند القاسِمَين
والمهدي والشيخين وقال غيرهم قال شيخنا رحمه الله تعالى: وهو صريح
قول علي عليه السلام صفة فعل لا تفيد الثبوت في الأزل.
قلت: قد مر ما يفيد أن المالك بمعنى كون المملوك له، وأما الملك
والمليك فهما مبالغة في مالك فلا فرق بينهما، لكن لا مانع من دلالة
الثلاثة على معنى قادر بالالتزام لا بالمطابقة كما مر.
والرب: عند القاسمين والمهدي عليهم السلام وقال البلخي: صفة فعل من
التربية، واختاره سيد المحققين.
والسيد والمولى والصمد والعزيز والكريم، قال شيخنا رحمه الله
تعالى: والصحيح أن الكريم صفة فعل.
قلت: الأظهر، والله أعلم أن هذه الأسماء الشريفة الخمسة كلها إنما
تدل على قادر باللزوم لا بأصل الوضع فمعانيها مختلفة كما ترى، لكنه
إذا وصف بها فهو قادر على فعل لازمها وهو التصرف التام والتعزز
والإكرام، والجبار وذو العزة وذو الجبروت وذو الملكوت والكبير
والعظيم والجليل، وقيل: هذه الثلاثة تفيد في حقه تعالى جميع صفات
الإلهية، والمتكبر بمعنى الكبير، وقيل: ولولا السمع لما جاز عليه
تعالى لأنه يفيد نوعاً من التكلف.
(1/127)
قلت: والعزيز إذا كان
من التعزز، ففيه إيهام التكلف فالأحسن أن يقال: إنهما وإن كانا
يوهمان ذلك، فهذا المعنى منتف في حقه تعالى لما علم من اقتداره
تعالى على كل شيء بلا تكلف، وإنما وردا ليدلا على لازمهما وهو
امتناع اهتضامه تعالى ونفاذ أمر قادر عليه سبحانه وتعالى فالعزيز
مأخوذ من قولهم أرض عزاز إذا امتنع تفريقها، وهذا إذا جعلنا العزيز
صفة ذات، وأما إذا جعلناه بمعنى معز أوليائه كحكيم بمعنى محكم فهو
صفة فعل، والكبير والمتكبر مأخوذان من التكبر وهو التعظم، وإنما
قبح ذلك في الشاهد لأنها دعوى يكذبها الواقع من ضعف البشر بخلاف
الباري تعالى فالواقع يصدقها، والعلي والأعلى والعالي والمتعالي
وهذه الأربعة تطلق عليه تعالى لإفادة تنزهه تعالى وتقدسه عن
الرذائل وصفات النقص، فيدخل تنزيهه تعالى عن العجز ووصفه بأنه
تعالى قادر ضمناً، ولا يجوز إطلاقها عليه تعالى بمعنى الارتفاع في
الجهة والمكان لإيهام الجسمية، وكذلك العظيم والكبير والجليل لا
يجوز إطلاقها عليه تعالى بمقابل ما يضاددها في اللغة وهو حقر الجسم
وصغر السن لإيهام التجسيم والحدوث، وإنما المراد بها وصفه تعالى
بالكمال والعظمة والجلال، فلا يغالبه مغالب ولا يعجزه شاهد ولا
غائب، قال القرشي رحمه الله تعالى: ومنها الجبار وهو أبلغ من
العزيز مأخوذ من قولهم نخلة جبارة إذا فاتت اليد وامتنعت من أن
تُنال، وقيل: مأخوذ من الجبر وهو الإصلاح فيكون من صفات الأفعال،
قال شيخنا رحمه الله تعالى: ولا يجوز أن يطلق عليه متجبر بمعنى
جبار.
(1/128)
قلت: لأن معناه
السابق إلى الفهم المتغلب بما لا ينبغي فيوهم القدح في عدله
وحكمته، فأما لو قصد به ما قصد بمعنى متكبر فلعله لا مانع والله
أعلم، إلا أن يفرق بينهما بأن السابق إلى الفهم من متجبر هو ما ذكر
ولا يصير بمعنى متكبر إلا بنقل واستعمال آخر، فيكون مجازاً ويحتاج
إلى القرينة استقام، ولهذا لم يرد في السمع في أسمائه الله تعالى
الحسنى مع كثرتها وهذا هو الظاهر والله أعلم.
قال القرشي رحمه الله تعالى: ومنها الإله معناه القادر على أصول
النعم التي لأجلها تحق له العبادة.
قلت: الأظهر أن الإله يفيد وصفه تعالى بجميع صفات الكمال من أنه
قادر على كل المقدورات عالم بكل المعلومات حي دائم لم يزل ولا يصح
خروجه عن ذلك بحال من الأحوال، فهو أعم من قادر فيدل عليه بالتضمن
لا بالمطابقة / قال رحمه الله تعالى: قيل: ولهذا يعني كونه بمعنى
القادر على أصول النعم لا يوصف بأنه إله إلا لمن تصح عليه النعم
كالأحياء، فلا يقال: إنه إله الجمادات والأعراض، فيحمل قولهم إله
السماوات والأرض على حذف المضاف تقديره إله أهل السماوات والأرض
وهذا غير واضح، قال: ومثله قولنا: الله يعني أنه بمعنى القادر، وقد
مر أنه اسم لله تعالى بإزاء صفات الكمال المذكورة في الإله،
فالأظهر أن لا فرق بينهما، بل قيل: إنهما اسم واحد، وإنما حذفت
همزة الإله وأدغم أحد اللامين في الآخر.
قال: ومنها المستولي والمستطيع في قوله تعالى: ?هَلْ يَسْتَطِيعُ
رَبُّكَ ? {المائدة:112}.
(1/129)
قلت: أما المستولي
والمستطيع فلم يرد في السمع بلفظهما بل أخذ الأول من قوله
تعالى:?اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ? {السجدة:4}، حيث قالوا: إن
الاستواء في اللغة بمعنى الاستيلاء، والثاني من حكايته تعالى عن
حواري عيسى عليه السلام ?هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ
عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ? {المائدة:112}، فرد عليهم
بقوله: ? اتَّقُوا اللَّهَ?، ففي المأخذين نظر، ولكن لا مانع من
الأول دون الثاني لإيهام الخطأ كالمقوي والمطيق والله أعلم.
ويمتنع أن يطلق عليه تعالى الرفيع والشريف ويقر حيث ورد نحو رفيع
الدرجات،والمطيق والمطلق والمخلي والشديد إلا مضافاً نحو شديد
العقاب وهو صفة فعل، وكذا متين لأنهما يفيدان الصلابة ويقر حيث ورد
نحو ذي القوة المتين.
(1/130)
فصل في الكلام في أن
الله تعالى عالِم
حقيقة العالِم: هو من يمكنه إحكام الأشياء المتباينة وتمييز كل
منها بما يميز به أو من أدرك الأشياء إدراك تمييز وإن لم يقدر على
فعل محكم.
وقيل: هو المختص بصفة لكونه عليها يصح منه إيجاد الفعل المحكم، تلك
الصفة هي كونه عالماً ويرد عليه ما ورد في قادر.
قال عليه السلام [ فإن قيل: ] لك أيها الطالب الرشاد [ أربك عالم
أم غير عالم؟ فقل: بل هو عالم ]، وهذا مذهب كل من أقر بالصانع
المختار وهم جميع أهل الإسلام والكتابيين والبراهمة وكثير من عباد
الأصنام، والخلاف في ذلك مع الباطنية فقالوا: لا يوصف بأنه عالم
لأنه تشبيه، ولا بأنه غير عالم لأنه تعطيل. وأُلزِمت المطرفية: أن
لا يكون قادراً لتجويزهم الفعل المحكم من غير العالم حسبما مر في
مسألة قادر، وأما الفلاسفة فلا معنى لحكاية الخلاف عنهم مع قولهم:
إنه علة مؤثرة بالإيجاب لا بالاختيار، لكن حكى عنهم القرشي رحمه
الله تعالى القول بأنه عالم بنفسه فقط ولعلمه بنفسه صدر عنه العقل
الأول فقط، وهذه حكاية عن أوائلهم، وحكي عن أواخرهم كابن سيناء
وابن الراوندي والفارابي: أنه يعلم مع ذاته العلوم الكلية لا
الجزئية، ومثلوا ذلك بالكسوف فإن له ثلاث حالات: حالة عدم قبل
وجوده، وحالة وجود بعد عدمه، وحالة عدم بعد وجوده، قالوا: فلا يعلم
هذه الأحوال وإنما يعلم علماً كلياً، وهو أنها إذا تواسطت الأرض
بين الشمس والقمر كسفت القمر لأن نور القمر مكتسب من نور الشمس،
فأما أن يعلم أنه لم ينكسف وهو الحال الأول أو مكسف وهو الحال
الثاني أو قد كسف وهو الحال الثالث، فلا يعلم شيئاً من هذه الأحوال
تعالى الله من ذلك علواً كبيراً.
(1/131)
نعم وقد عرفت بما مر
أن العلم بالفعل المحكم لا يصح إلا من عالم ضروري لا يحتاج إلى
الاستدلال بل قد أغنى عنه الاستدلال على إثبات الصانع المختار، لكن
لا بأس بتحرير الكلام في ذلك لما يتعلق به من الفوائد، ولأن المؤلف
عليه السلام من أهل القول الثاني فلذا قال: [ وبرهان ذلك ]
البرهان: هو الدليل قال شيخنا رحمه الله تعالى: من قولهم بره الرجل
إذا جاء ببرهانه، والبَرَهُ في الأصل البياض، وأمره برهة بيضاء كما
أن السلطان بمعنى الحجة من السليط لإنارته والإشارة إلى كونه تعالى
عالم [ ما نشاهده ] قصر الاستدلال على ما نشاهده لعلمنا به بضرورة
المشاهدة، وإلا فالدليل يتناول ما غاب عن أبصارنا كما يتناول ما
حضرها [ في ] جميع [ ما خلقه من بدائع الحكمة ] يحتمل أن يراد
بالحكمة الفعل الحسن الذي لفاعله فيه مقصد صحيح فيخرج العبث
والسفه، ويحتمل أن يراد بها الإحكام وهو الإتقان للشيء بحسب ما هو
عليه، فلا يدخله التخليط المفضي إلى الالتباس والاضطراب وعدم
التناسب، وكلا المعنيين مستقيم، وإن قصد الجميع فأبدع وأبلغ [
وغرائب الصَّنْعَة ] أي الخلقة، وقد قيل: بمنع أجراء ذلك على الله
تعالى لإيهامها الاحتراف وليس بوجه وقد قال تعالى: ?صنع الله الذي
أتقن كل شيء ?، [ فإن فيها من الإحكام ] وهو إيجاد الفعل والأفعال
المتقارنة أو المتعاقبة على وجه لا يتأتى من كل قادر ابتداء، [
والترتيب ] وصنع كل شيء في مرتبته [ ما يعجز عن وصفه الفطن ] أي
سريع الفهم والتيقظ للأشياء اللازمة وفهم عدم لزوم ما لا يلزم
منها، والأوصاف الخافية من أوصافها اللبيب: أي ذو اللبّ وهو العقل
الكامل قال تعالى: ?واتقوا الله يا أولي الألباب ?، وهذا أمر واضح
أعني أن في أفعاله تعالى ومخلوقاته من الإحكام والترتيب ما يعجز عن
وصفه الواصفون، وينحسر عن الإحاطة بشرحه العارفون نحو خلق الإنسان
وتركيبه بعد أن كان أصله تراباً ونسله نطفة من ماء مهين فجعله في
قرار مكين وهي
(1/132)
الرحم، فكان أصله
بصفة واحدة غير مختلف الأجزاء، ثم صار لحماً، وعظماً، ودماً،
وعصباً، وعروقاً، وشعراً، وبشراً، فاللحم ليستر العظام ويغذِّيها
وتصونها من الانكسار عند المصادمة، والعظم لإقامة البدن كالأساطين،
وجعل في كل محل على قدر الاحتياج واللزوم في الصغر والكبر
والامتداد والدقة والغلظ، وجعل ذا مفاصل عديدة لئلا يبطل الانتفاع
لو كان عظماً واحداً، وجعل فيه مفصلين عامين لعرضه أحدهما في الحقو
ينعطف حمله ما فوقه من البدن جهة الأمام والآخر بالعكس وهو مفصل
الركبتين ينعطف حمله ما فوق جهة الخلف ليمكن الجلوس والقيام
ونحوهما كالركوع والسجود، ولو كان انعطاف المفصلين إلى جهة واحدة
لما أمكن ذلك ولتعذر الانتصاب والاعتدال، وجعل في المحلات التي لا
تحتمل العظام ولا يقوم بها اللحم الغضاريف: وهو جنس دون العظم
وفوقه اللحم والعصب في الشدة كما في الأذنين والمارن وأطراف
اللوحين، والدم غذاءً سارياً في البدن لاستمرار حياته، والعصب
كالحبال لربط الأعضاء بعضها إلى بعض وجعلت متينة لينة المتانة لئلا
تنقطع، والليانة لئلا تبطل الحركة، وجعلت العروق كالأنهار إلى كل
محل من البدن لتجري فيها الأغذية من محل الطعام والشراب إلى كل محل
من البدن بقدر الاحتياج، وجعل الجلد من خارج الجملة بشراً متصلاً
على مقدار في الغلظ والرهف كل محل بما يناسبه، ففي باطن القدمين
والراحتين هو أغلظ منه في سائر البدن وفي سائر البدن، متوسط بين
وبين كل محل بحسبه في الحاجة والمصلحة، وجعل الشعر من خارجه
كالزينة في مواضع مخصوصة من البدن كاللحية والرأس، وما كان لا زينة
فيه كشعر الإبط والعانة أباح لهم إزالته وحلقه ليتعبدهم بإزالته
فكان إيجاده أولى من عدمه بالكلية، ثم لما كان الرأس أشرف البدن
جعل في أعلاه وأودع فيه الجمال الداعي إلى ملاءمة الطباع وعدم
التنافر والتواحش، وجعل الحواس الخمس قائمة به لكل حاسة جارحة
مخصوصة ليستعمل الإنسان تلك الجارحة
(1/133)
بخصوصيتها عند عروض
المدرك بها كالعينين للبصر والأذنين للسمع، والمنخرين للشم،
واللسان للطعم، إلا الحاسة الخامسة وهي حاسة اللمس وجعلت سارية
منسحبة في جميع البدن لأن من مدركها ما هو مضرة على البدن كشدة
الحر والبرد ولدغ الأفاعي ونحوها، وما هو منفعة للبدن كملامسة
المشتهيات التي ينعم البدن بها كالأدفية وذات النعومة في الملامسة
فيشعر الإنسان بإدراك المضر فيبادر إلى التوقي منه لئلا يهلك،
وبإدراك المنافع فيميل إليه بحسب الحاجة والرغوب فيه، فجعل في
الكفين مزيد إدراك على سائر البدن من الإحساس للملامس ليتمكن من جس
ما يجس مما يخفى على سائر البدن وسائر الحواس ويكون الوقوف على
كنهه وكميته، ثم جعلت الحواس الخمس مؤدية إلى القلب ومبلغة إليه ما
أدركته، فما أدركته أي حاسة من تلك الحواس أدرك العقل القائم
بالقلب فيحكم فيه بما يلزم ويحسن من مقاربة المصلحة وتجنب المفسدة،
واللسان تعبر عما يحتاج إلى التعبير من اجتلاب المصالح وتجنب
المفاسد مما يتعلق بالغير قالوا: فكان العقل كالملك الحاكم،
والحواس كالخدم الحافين المبلغين ما يلزم، واللسان كالترجمان لما
يأمر به الملك من الحقوق اللازمة لهذا البدن فعلاً أو تركاً
والحقوق الثابتة عليه لخالقه كذلك فعلاً أو تركاً والحقوق اللازمة
عليه لسائر المخلوقات المماثلة له في الإنسانية أو المخالفة فيها
كسائر أصناف الحيوانات كلاً بما يليق به ويصلح في حقه فعلاً أو
تركاً، ويحكم العقل بوجوب امتثال ما أمر به الخالق سواء أدرك العقل
حسنه أو لا لكونه يعلم أن الخالق ملك ليس فوقه مالك له ولغيره،
فحكم بلزوم امتثال جميع أوامره ونواهيه، فدخل في ذلك جميع الواجبات
والمحظورات العقلية والشرعية فسبحان من أتقن كل شيء حكمة وصنعا،
وأحاط بكل شيء علماً وبدعا.
(1/134)
قال عليه السلام : [
وكل ذلك لا يصح إلا من عالم ] ضرورة [ كما أن الكتابة المحكمة لا
تصح إلا من عالم بها ] ضرورة للعلم بأنه يتعذر على الجاهل الصِّرْف
نقط المصحف على وجه الإتقان والإحكام، وكذلك الأعمى يتعذر منه ذلك
لعدم العلم بكيفية ذلك وكيفية الحروف ووضع كل حرف ونقطة في محلها،
وهذا ظاهر لا مرية فيه.
فإن قيل: هذا من باب قياس الغائب على الشاهد الذي يسميه الفلاسفة
وغيرهم قياس التمثيل وهو عندهم لا يفيد العلم، فلا يحجهم هذا.
قلنا: لا نسلم أنه من باب القياس، وإنما هو من باب إلحاق الآحاد
بالجملة، لأنا نقول كل من صح منه الفعل المحكم فهو عالم، وهذه جملة
ضرورية وقاعدة كلية يدخل تحتها جميع الأفعال المحكمة بالحكم عليها
أنها لا تصح إلا من عالم، كما إذا قيل الخمر حرام فإنه يدخل تحت
هذه القاعدة الكلية ما إذا كان خمرٌ بحضرتنا مشار إليه من حيث
إلحاق الأفراد بالجملة لا من حيث القياس، وإنما ذلك من أهل الإلحاد
توصل إلى المغالطة ونقض الأدلة بما لا صحة له، ولَئِن سلمنا فرضاً
أن هذا من باب القياس فهو قياس قطعي، والقياس القطعي يفيد العلم
قطعاً وهو ما إذا علمت العلة في الأصل والفرع قطعاً على سواء، وعلم
التعليل بها في الأصل قطعاً ولا فارق بينهما، فإنها تنتج الحكم في
الفرع قطعاً.
دليل آخر للقائلين بأن العلم بذلك استدلالي: وهو أن الله تعالى قد
خلق فينا العلوم الضرورية بخلقها فينا ضرورة، ومكننا من العلوم
الاستدلالية بما ركب من المشاهدات من الدلائل الموصلة لنا إلى
العلوم الاستدلالية فلا بد أن يكون عالماً، وهذا الدليل مبني على
أصلي ن: أحدهما: أنه قد خلق فينا العلوم الضرورية ومكننا من العلوم
الاستدلالية. الثاني: أنه يلزم من ذلك أن يكون تعالى عالماً.
(1/135)
أما الأصل الأول: فهو
معلوم لأن كل عاقل يعلم بعلوم العقل العشرة التي مرَّ تعدادها في
صدر الكتاب ويعلمها بلا استدلال لما كانت حاصلة فيه بخلقه تعالى
لها، وكذلك يعلم العلوم الاستدلالية التي قد أوصله نظره فيها إلى
العلم بتمكينه تعالى من ذلك، فثبت الأصل الأول.
وأما الأصل الثاني: وهو أنه يلزم من ذلك أن يكون تعالى عالماً فهو
معلوم أيضاً، إذ لا يمكن أن يُوجِد العلم لغيره إلا من كان عالماً،
ولهذا استحال على المجانين والصبيان تعليم غيرهم لفقد العالمية
لديهم، وهذا واضح كما ترى، فتقرر بجميع ما سلف أن الله تعالى عالم،
وسواء قلنا: إن العلم بذلك بعد العلم بإثبات الصانع تعالى ضروري
كما هو المختار، أم استدلالي كما هو رأي بعض علمائنا رحمهم الله
تعالى، وبقي الكلام فيما يتصل بهذه المسألة من الأبحاث والفروع،
وقد أشار الأمير عليه السلام إلى بعض منها، وسنشير إن شاء الله إلى
باقيها:
(1/136)
الأول: إن الله تعالى
يعلم جميع المعلومات، وقد ذكره عليه السلام بقوله [ وهو تعالى لا
يختص بمعلوم دون معلوم ] لأنه تعالى عالم لذاته ولا اختصاص لذاته
بمعلوم دون معلوم [ فيجب أن يعلم جميع المعلومات ] كبيرها وصغيرها
ودقيقها وجليلها وموجودها ومعدومها، أما على قول جمهور أئمتنا
عليهم السلام ومن وافقهم من: أن صفات الله تعالى لأجل ذاته، فلا
إشكال، وأما على قول أبي علي ومن وافقه من: أن الصفات مقتضاة عن
ذاته، فكذلك لأن خروج المقتضي عن المقتضى لا يجوز كخروج الجسم عن
التحيز، فإن ذلك لا يصح بحال، وأما على قول أبي هاشم ومن وافقه:
أنها مقتضاة من الصفة الأخص وهي مقتضاة عن الذات، فكذلك أيضاً فلا
يصح على أقوال الجميع اختصاص ذاته تعالى بمعلوم دون معلوم، وأما
على قول المجبرة من: أنه تعالى يتصف بصفاته تعالى من كونه قادراً
وعالماً ونحوهما لأجل المعاني القائمة بذاته فلا يتأتى لهم تعميم
الدليل في كل المعلومات لأن المعنى يصح أن يفارق ما قام به فيخرج
عن كونه تعالى عالماً، لأن ذلك المعنى ليس واجباً عندهم لأجل الذات
حتى يستحيل خروج الذات عنه، لأنه لو صح عندهم أن يكون للذات لكان
يصح أن يقولوا: إن الصفات للذات فيستريحوا عن التكلف لإثبات
المعنى، ولأنه لا يصح تعميم تعلق المعنى بجميع المعلومات إذ شان
المعنى صحة تعلقه بشيء، دون شيء فيصح على ذلك أن يكون تعالى عالماً
بمعلوم دون معلوم، فتأمل ما في قولهم من الزلل والخلل فهو تعالى
يعلم كل المعومات على كل حال و [ على كل الوجوه التي يصح أن تعلم
عليها ]، بمعنى أن ما علمه سبحانه وتعالى فهو الواقع على حسب ما
علمه فيستحيل أن ينكشف خلافه، لأن العلم بالشيء لا على ما هو عليه
في نفسه ليس بعلم، بل جهل مركب وذلك محال في حقه تعالى، لأن ذلك
نوع من الاعتقادات الفاسدة والأعراض الحادثة وصفة نقص لا تجوز إلا
على المحدثات [ فهو سبحانه ] وتعالى عالم في علمه بالأشياء
جميعهاً، كذلك [
(1/137)
يعلم ] كل [ ما أجن
عليه الليل، وأضاء عليه النهار ] لا يخفى عليه شيء في بطن برٍ أو
ظهره ولا في وجه بحر أو قعره، لأن ذلك كله فعله وصنعه فهو عالم به،
ولأنه كما سبق عالم بذاته فيعلم جميع أفعاله وجميع أفعال عباده لا
وجه لتخصيص عالميته بشيء دون شيء، وأجنه الليل: أي ستره، مأخوذ من
الجُنَّة وهي الساترة، ومنه الجن لما كانوا مستورين، والجنة
للبستان الذي سترت أشجاره عرصته [ ويعلم عدد قطر الأمطار و ] عدد
قطر [ البحار ] وهذا من عطف الخاص على العام، لأن ذلك قد دخل في
قوله: ما أجن عليه الليل وأضاء عليه النهار، وكذلك قوله، [ ويعلم
السر - وهو ما بين اثنين - و ] يعلم [ ما هو أخفى ] من السر [ ـ
وهو ] ما يحدث في النفوس من الوسوسة والعزم ونحوهما من [ ما لم
يخرج بين شفتين - ] وهذا قول أكثر المفسرين في معنى السر وما هو
أخفى، وقال الهادي عليه السلام وتبعه الإمام القاسم في الأساس عليه
السلام : السر ما انطوت عليه الضمائر كأنهما يجعلا ما بين اثنين من
قبيل النجوى وهو التناجي - أي التخاطب - سواء كان بين اثنين أو
أكثر، لكن ينظر على كلامهما عليهما السلام في تفسير ما هو أخفى،
ويمكن أن يفسراه بمجرد ما يخطر من الحدس والخيال من دون أن يصحبه
عزم وتصميم وإرادة واعتقاد ونحو ذلك من أفعال القلوب، لأن الأول من
أفعال القلوب غير مؤاخذ به ولا تعلق له بالإنسان وجوداً ولا انتفاء
وعليه الحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما
لم تهم أو تعزم" وقوله تعالى: ?وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ
قُلُوبُكُمْ? {الأحزاب:5}.
واحتج الإمامان عليهما السلام بقوله تعالى: ?فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ
فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ? {يوسف:77}، وحجة الأولين
قوله تعالى: ?وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ
هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ? {الأنبياء:3}.
(1/138)
قلت: الأظهر والله
أعلم أن السر بمقابل الجهر سوى كان الإسرار اثنين أو أكثر أو أقل،
ومنه الصلاة السرية وسواء بلغ به الإسرار إلى أن لا يخرج من بين
الشفتين بل انطوى عليه القلب والضمائر كما قاله الإمامان عليهما
السلام، أم كما بين الاثنين من المخافتة كما ذكره الأمير عليه
السلام وجمهور المفسرين أو أكثر كما تدل عليه الآية: ?وَأَسَرُّوا
النَّجْوَى?، والمبحث لغوي فليراجع به كتب اللغة، ولا مشاححة في
مثل ذلك تقدح في العقائد والله أعلم.
الثاني: قال الهادي والقاسم والمرتضى عليهم السلام والبلخي وقواه
شيخنا رحمه الله تعالى وغيرهم: إنه يجوز أن يقال: إن الله تعالى
بكل مكان ومع كل إنسان بمعنى حافظ مدبر بالقيد المذكور، وقال
الإمام المهدي عليه السلام والجمهور: لا يجوز ولو بالقيد لأن ذلك
يوهم التجسيم واستعماله فيما ذكر مجاز والمجاز لا يجوز إلا بإذن
سمعي ولم يرد السمع بلفظه، وإنما جاء بمعناه وهو قوله تعالى: [
?مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا
خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا
أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا? ] {المجادلة:7}،
وقوله تعالى: ?إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى? {طه:46}،
وقوله تعالى: ?وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ? {الحديد:4}.
قال الأولون: ولا نسلم اشتراط لفظه الخاص، قال شيخنا رحمه الله
تعالى ما لفظه: قلت: بل جاء بالسنة بلفظه، وفي كلام المعصوم عليه
السلام : وإنه لَبِكُلِّ مكان ومع كل إنس وجان، قال: وفي الآحادي
المتلقى بالقبول لفظه انتهى كلامه والمسك ختامه.
قلت: ومما يدل على ذلك ما أخرجه الإمام علي بن موسى الرضا عليهما
السلام عن علي عليه السلام : قال موسى: يا رب أقريب فأناجيك أم
بعيد فأناديك قال: يا موسى إني جليس من ذكرني.
(1/139)
وأخرج القاضي عن
عبادة قال صلى الله عليه وآله وسلم: " إن من أفضل إيمان المرء أن
يعلم أن الله معه حيث كان ".
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : لا يخلو منه مكان ولا يتبدل عنده
زمان إلى غير ذلك، وأشار المؤلف عليه السلام إلى معنى الآية
المذكورة ونحوها مما ذكر وقوله تعالى:?وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ?
{الأعراف:7}، ? وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ
الظَّالِمُونَ? {إبراهيم:42}، إنما ذلك تمثيل لعلمه تعالى وتدبيره
واقتداره بقوله: [ بعلمه لا يلاصقهم وهو ساخط عنهم ولا يفارقهم ]،
لعل أن في ذلك تقديم وتأخير من جهة أحد النسخ وأن الأصل لا يلاصقهم
ولا يفارقهم وهو ساخط عنهم يعني أنهم في حال أن يعملوا ما يسخطه
تعالى من المعاصي لا يكون ذلك سبباً لمفارقتهم، وكذلك العكس وهو ما
إذا عملوا ما يرضيه من الطاعات لا يكون سبباً لملاصقتهم لأن
الملاصقة والمفارقة من صفات الأجسام المحدثة وهو متنزه عن ذلك،
وإنما لم يقل وهو راض عنهم استغناء واستكفاء بما ذكر في الثاني من
قوله: وهو ساخط عنهم، إيثاراً للاختصار واستعمالاً للحذف الذي هو
أحد أنواع البديع ومنه قوله تعالى: ?سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ
الْحَرَّ? {النحل:81}، ولم يذكر البرد لأن ما وقى من الحر وقى من
البرد، فآثر الاختصار والحذف اتكالا على فهم المخاطب ليكسب الكلام
بلاغة وفصاحة وحسناً والله أعلم.
الثالث: أن الله تعالى يعلم الأشياء المعدومة التي ستوجد قبل
وجودها كما يعلم الأشياء الموجودة، وحكي الخلاف في ذلك عن جهم بن
صفوان وهشام بن الحكم فقالا: لا يعلم الله الشيء إلا عند وجوده،
وهؤلاء ومن وافقهم الذين يقولون: إن الأمر أُنُف يعني لم يتعلق به
علم سابق إنما هو كالمستأنف العلم به حال وجوده.
(1/140)
قلنا: هو من جملة
المعلومات وهو تعالى يعلم جميعها كما سبق تقرير ذلك، ولهم شبه
يأخذونها من ظاهر قوله تعالى: ?ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ
أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا? {الكهف:12}، ?وَمَا
جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ
مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ?
{البقرة:143}، ?الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ
فِيكُمْ ضَعْفًا? {الأنفال:66}، ونحو ذلك من الآيات المتشابهات،
ومعناها لنعلم علماً يظهر لكم صحته أو يصح تعلق التكليف بمعلومه أو
بلازمه على أن المتشابه وهو ما يقدح ظاهره في التوحيد والعدل
ونحوهما مما قامت الأدلة القطعية على ثبوته لا يجوز اتباع ظاهره
لقوله تعالى:?فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ? {آل عمران:7}،
?وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ?
{الزمر:55}، ?الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ
أَحْسَنَهُ? {الزمر:18}، وقد أخبر الله سبحانه عما سيكون في كثير
من الآيات الكريمة عموماً وخصوصاً في عدة آيات كقوله تعالى: ?بكل
شيء عليم ?، لكنه مبني على أن المعدوم شيء وقوله تعالى:
?وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ?
{الصف:6}، صلى الله عليه وآله وسلم لأن ذلك وإن كان من أخبار عيسى
عليه السلام فهو بإعلام الله تعالى له، ولأنه تعالى أخبر عن كثير
من الكائنات قبل وقوعها، وهو معلوم من دين جميع الأنبياء والمرسلين
عليهم السلام قبل وجود أولئك المبتدعة.
الرابع: اختلف علماء الكلام فيما علمه تعالى من المعدومات التي
ستوجد، هل علمه تعالى بها يوجب ثبوتها في الأزل وتسميتها ذواتاً
وأشياء ويثبت لها حكم التماثل والتخالف في حالة عدمها أم لا؟
(1/141)
فقال القاسم بن محمد
عليهما السلام ورواه عن جمهور أئمتنا عليهم السلام: إن ذلك لا يوجب
ثبوتها وتسميتها ذواتاً وأشياء في حالة عدمها، وقال بعض أئمتنا
كالمهدي عليه السلام والبهشمية وغيرهم: بل هي ثابتة في حال العدم
وتسمى ذواتاً وأشياء ليصح تعلق العلم بها ووصفها بالتماثل والتخالف
وإلا لزم وجودها خبطاً واتفاقاً.
قال الأولون: لا يسلم لزوم ذلك في العالم بذاته لأن المعلومات
متميزة له في حال عدمها كتمايزها في حال وجودها ولا مانع من وصفها
بالتماثل والتخالف من دون أن يقال لها ثابتة في الأزل أو في حالة
العدم.
قلت: وهذا هو الصحيح ومما يبطل قولهم بثبوت الذوات في الأزل أن
يقال لهم: لا يخلو هذا الثبوت في الأزل إما أن يكون على سبيل
الجواز أو على سبيل الوجوب، الأول باطل لأنه يلزم منه مُرجِّحاً
ومُؤثِّراً أثر ثبوت الذوات وذلك يبطل الثبوت في الأزل، لأن ما
احتاج مؤثراً ومرجحاً ثبت حدوثه واستحال أزله،والثاني باطل أيضاً
لأن العالَم يصير معه إما واجب الوجود وإما جائزه وكلا التقديرين
محال، أما الأول فلأنه يخرج العالَم عن كونه محدثاً لوجوب وجوده
لأن واجب الوجود يجب أن يكون قديماً كالباري تعالى، وأما الثاني
فلأنه إذا كان جائزاً أن يوجد فهو جائز أن لا يوجد أبداً، فيؤدي
إلى صحة أن يكون ثابتا ً في الأزل مع كونه معدوماً أبداً، وهو خلاف
مذهبهم.
فإن قيل: غاية ما فيه الثبوت في حال العدم وهو عين مذهبهم فلا يسلم
بطلانه.
(1/142)
قلنا: بل فيه الخلف
على قود مذهبهم، لأنهم لا يقولون بثبوت الذوات بالأزل إلا في
الذوات التي علم الله تعالى أنها ستوجد لا الذوات التي علم الله
أنها لا توجد،ولهذا لا يقولون إن ثمة سبع سماوات وأرضين معدومة غير
هذه السبع ثابتة في الأزل ولا أن ثمة ثان للقديم تعالى معدوم ثابت
في الأزل، وأيضاً إذا كانت ذوات العالم ثابتة في الأزل فيقال: من
أثبتها؟ إن قيل: أثبتت نفسها، فهو محال لأن الشيء لا يثبت نفسه
وإلا لزم وجود نفسه قبل ثبوت ذاته لاستحالة وجود الأثر قبل وجود
مؤثره، فيلزم من ذلك وجود نفسه في حال عدم ذاته، وفي ذلك الجمع بين
النقضين وهو محال، ولأن فيه إبطال الثبوت في الأزل، وإن قيل:
أثبتها في الأزل غيرها، ففيه مناقضة ظاهرة لأن ما أثبته غيره فليس
بثابت في الأزل، بل من عند أن أثبته ذلك الغير فتأمل، وأيضاً فلا
يخلو قولهم بثبوت ذوات العالم في الأزل إما أن يكون عن دليل أو لا
إن لم يكن فهو باطل وإن كان فإما سمعي فليس في السمع ما يدل عليه،
وإما عقلي فأما وجود العالم واختلافه فذلك دليل على حدوثه دون
ثبوته في الأزل، وأما غير العالم فليس ثم شيء يشار إليه غير كون
الله تعالى عالم به في حالة عدمه، وكونه عالماً به لا يحتاج إلى
إثباته للزوم الحاجة ?وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ
الْفُقَرَاءُ? {محمد:38}، وأيضاً العالم مختلف فثبوته في الأزل أما
كذلك لزم بطلان جعل الاختلاف دليل الحدوث، وإما غير مختلف فما وجد
من الاختلاف عند حدوثه غير ثابت في الأزل، وإنما الباري تعالى يعلم
العالم ويعلم اختلافه قبل حدوثة ووجوده لا أنه ثابت قبل حدوثه
ووجوده.
(1/143)
قالوا: أوليس القيامة
وأحوال المحشر وكذلك الجنة والنار عند من يقول: إنهما ما قد خلقتا
ثابتة لدينا الآن فكذلك هي ثابتة عند الله بما لا ابتداء له، فلزم
ثبوت الذوات في الأزل، وقالوا أيضاً: يقال: ثبت عند الحاكم أول
الشهر كذا أو لا يقال: وجد عند الحاكم أول الشهر كذا، ويقال: ثبت
عنده دين فلان على فلان، ولا يقال: وجد عنده دين فلان على فلان.
قلنا: ما تريدون بقولكم القيامة ونحوها ثابتة لدينا الآن؟ وما
تريدون بقولكم ثبت عند الحاكم كذا؟ فإن تريدون العلم بذلك فلا
تناكر ولا يلزم منه المدعى الذي هو محل النزاع وهو ثبوت الذوات في
حالة العدم، وإن تريدون ما هو المفهوم من لفظ الثبوت وهو الوجود
فنسبته إلى الآن في القيامة ونحوها باطل اتفاقاً وإلى الأزل
بالأولى، فيجب تأويله بأن المراد ثبت لدينا العلم بالقيامة وأحوال
المحشر والجنة والنار، وثبت العلم عند الحاكم بأول الشهر ونحوه وهو
بمعنى واحد العلم بذلك، فلا فرق بين الثبوت والوجود، فلم يصح القول
بثبوت الذوات في العدم أو في الأزل سيما إذا قيل العالم ثابت في
الأزل ففيه من الخطأ إيهام وجوده في الأزل، وإن كانوا لا يقولون
بذلك وحاشاهم لكن الإرادة لا تدفع الإيراد.
(1/144)
ما علم الله أنه سيقع
من أفعاله أو أفعال غيره
الخامس: أن ما علم الله سبحانه أنه سيقع من أفعاله أو أفعال غيره،
فالعلم بذلك لا أثر له في تحصيل المعلوم وإخراجه من حيز العدم إلى
حيز الوجود، وإلا لكان الفاعل غير الله وغير العبد وهو العلم سيما
على قول من يجعل الصفات أموراً زائدة على الذات كالأشاعرة وغيرهم
من أهل المعاني، وكالمعتزلة ونحوهم ممن يقول بالأحوال والمزايا
والأمور الزائدة شاهداً وغائباً، لأن خاصية العلم هي مجرد وضوح
المعلوم للعالِم وعدم خفائه عليه سواء كان من فعله أو فعل غيره
والدراية بكيفية فعل محكم فيما كان من فعله، فأما وجود الفعل
وإخراجه من العدم إلى الوجود فذلك من خاصية الفاعل لا من خاصية
العَالَم، فالعلم بأنه سيوجد لا يوجب وجوده.
قال المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام : وإلا لزم أن
الله تعالى مجبور على فعله تعالى الله عن ذلك، انتهى كلامه عليه
السلام .
يزيده وضوحاً أنا لو جعلنا حصول ما علم الله أنه سيوجد واجب الحصول
وحصول ما علم سبحانه أنه لا يوجد من الممكنات في ذاتها مستحيل
الحصول، لخرج الباري تعالى عن كونه قادراً لانقسام الأشياء بين
واجب الحصول فلا قادرية له تعالى على تركه، ومستحيل الحصول فلا
قادرية له تعالى على فعله، فعُلِم بذلك أن حصول الفعل وعدمه لا أثر
فيه لجهة العالمية إذ لا تأثير لها إلا في وضوح الأشياء وكيفية
إحكامها، ولا لجهة القادرية إذ لا أثر لها إلا التمكن من الفعل
والترك معاً، وإنما الأثر في حصوله لجهة الفاعلية، فلم يلزم حينئذ
جهل ولا جبر ولا عجز في جانبي الفعل والترك لا في أفعاله تعالى ولا
في أفعال عبيده التي يقدرون عليها، فتأمل ذلك فهو بحث نفيس مفيد في
خروج الإشكالات والمحالات التي ترد على مسألتي قادر وعالم، وعلى أن
العبد فاعل لأفعاله التي مكنه الله منها.
(1/145)
ما يعلمه الله من
الأمور المستقبلة
السادس: فيما يعلمه الله من الأمور المستقبلة، فإنه يعلمه أنه
سيقع، وعند وقوعه يعلمه واقعاً، وبعد وقوعه يعلمه قد وقع، فاستشكل
كثير من المتكلمين هل هذه الأحوال الثلاثة علوم متعاقبة متعددة في
ذاتها أم علم واحد اختلفت جهة التعبير عنه ؟
مذهب جمهور أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم الثاني، وذهب قوم إلى
الأول، ثم اختلفوا، فذهب جهْم وهشام بن الحكم ومن وافقهما إلى أن
الله تعالى: يعلم الحالين الأخيرين وهما عند وقوعه يعلمه واقعاً،
وبعد وقوعه يعلمه قد وقع دون الحال الأول، فلا يعلم ذات المعلوم
ولا حاله من أنه سيقع بناءً على أصله الذي مر، ولأن تغيير العلم في
حقه تعالى محال، وذهب جمهور المعتزلة وبعض الزيدية إلى أنه تعالى
يعلم ذات المعلوم الذي سيقع وحاله الأول وهو أنه سيقع في الأزل،
فأما حاله الثاني وهو أنه واقع، والثالث وهو أنه قد وقع فلا يثبتان
له إلا بعد وجود المعلوم، ويعبرون عن ذلك بصفة مدرِك وقالوا: إنها
صفة متجددة له تعالى عند وجود المدرَك قالوا: ولا يلزم من تجددها
تغير العلم، وشبهتهم أنه لو علمه تعالى في الأزل واقعاً أو قد وقع
لكان ذلك العلم جهلاً حيث لم يتناول المعلوم على ما هو عليه، لأنه
ليس واقعاً ولا قد وقع في الأزل.
(1/146)
قلنا: هو يعلمه تعالى
في الأزل واقعاً في المستقبل، فالأول ظرف للعلم به لا لوقوعه حتى
يلزم ما ذكرتم، ثم العلم بأنه واقع والعلم بأنه قد وقع هو العلم
السابق الأزلي، وإنما اختلف التعبير عن المعلوم بأنه سيقع أو واقع
أو قد وقع باختلاف الأزمنة الثلاثة، فالاختلاف إنما هو في التعبير
لا في المُعَّبر عنه وهو العلم به، دليل ذلك أن العبارة تختلف
باختلاف أحوال المعلوم الذي هو الفعل، ولا يمكن ادعاء اختلاف
العالم لاختلاف العبارة لأنه لا قائل به، ولأنه يدور علمنا بصحة
اختلاف العبارة وإيقاعها من المعبِّر بها كذلك أي مختلفة على العلم
باختلاف أحوال المعلوم ثبوتاً وانتفاء، وهذا واضح فتأمل.
السابع: ما أخبر الله سبحانه بوقوعه من الأمور المستقبلة مشروطاً
بفعل أو ترك، هل يصح القول بأنه تعالى عالم به أم لا يصح ؟ وكيف
العبارة اللائقة بمقام الإخبار عن ذلك ؟
مثاله قوله تعالى: ?لَئِن أشركت ليحبطن عملك ?، ?لو اطلعت عليهم
لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً?، وكذلك ما أخبر به صلى الله
عليه وآله وسلم من أن صلة الرحم زيادة في الأعمار.
ذهب جهم ومن وافقه إلى أنه تعالى لا يعلم المشروط.
قلت: ويأتي على أصله ولا الشرط.
(1/147)
وذهب آخرون إلى أنه
تعالى يعلم المشروط، والحق أنه إن علم تعالى أن الشرط سيحصل فهو
يعلم المشروط أنه سيحصل، وإن علم أن الشرط لا يحصل أبداً فهو لا
يعلم أن المشروط سيحصل وإنما يعلم أنه لا يحصل، فالأول: نحو أن
يعلم الله تعالى أن زيداً سيصل رحمه فيزيده في عمره المفروض مع عدم
الصلة كذا سنة فالمعلوم أنه سيزيده ذلك، فإن فرضنا أنه لا يصل رحمه
فرضنا العلم السابق بأنه ما سيصل رحمه، فالمعلوم معه أنه سيميته
على كمال العمر المجرد عن تلك الزيادة المشروطة بوقوع الصلة،
الثاني: نحو الآيتين المذكورتين فهو تعالى يعلم عدم حصول المشروط
وهو الإحباط في الأول، والتولي والامتلاء منهم رعباً في الثانية،
ولا يعلم حصول تلك المشروطات بعدم علمه بحصول شروطها، وأما كيفية
التعبير عند إرادة الإخبار بذلك فما علمناه يقيناً أن الله قد فعله
لحصول شرطه أو سيفعله عند حصول شرطه مما دلنا على أنه لا بد منه
العقل أو السمع أو نحوهما معاً، نحو الثواب والعقاب المشروطين بفعل
أسبابهما من الطاعات والمعاصي وعدم تطرق المحبط والمكفِّر من
المعاصي والتوبة، فيعبر عن الواقع بأن الله يعلم وقوعه،وعن المنتفي
بأن الله يعلم عدم وقوعه، وقد يعبر عن المنتفي بأن الله لا يعلمه
مبالغة في انتفائه فيكون مجازاً يفتقر إلى القرينة وإلى الإذن
السمعي وعدم إيهام الخطأ ومنه قوله تعالى: ?وجعلوا لله شركاء قل
سموهم أم تنبؤُنه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول ?، وقوله
تعالى: ?قل أتنبئُون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ?،
?ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ?، وروي أن
يهودياً قال لأمير المؤمنين عليه السلام : أخبرني عما لا يعلمه
الله؟ وعما ليس لله ؟ وعما ليس عند الله؟، فقال عليه السلام : أما
ما لا يعلمه الله فذلك قولكم يا معشر اليهود: عزير ابن الله، وأنه
لا يعلم له ولداً ؛ وأما ما ليس عند الله فليس عند الله ظلم للعباد
؛ وأما ما
(1/148)
ليس لله فليس لله
شريك، فقال اليهودي: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول
الله، والأولى التفصيل في جواز إطلاق ذلك وعدمه من المتكلم
المخاطِب باعتبار حال المخاطَب، فإن كان خطابه بذلك لا يوقعه في
الخطأ بتجويز الجهل عليه تعالى، وفي اتهام المخاطَب باعتقاد ذلك
جاز لما فيه من المبالغة في نفي ذلك الشيء على وجه البلاغة
والفصاحة التي تزيد الكلام حسناً وطرافة حتى يقع له انفعال وتأثير
في نفس المخاطَب أو السامع كما في الآيات الكريمة، وإجابة أمير
المؤمنين عليه السلام لذلك السائل والقرينة عقلية وورود ذلك دليل
الإذن السمعي، وإن كان يوقعه في الخطأ المذكور أو يظن المتكلم نقل
ذلك عنه إلى من يتهمه بذلك أو يحمله على الوجه الفاسد، فلا يجوز
للقاعدة المقررة: أن ما أدى إلى القبيح فهو قبيح.
الثامن: قال القرشي وغيره من الزيدية وجمهور المعتزلة: المرجع بكون
العالم عالماً شاهداً أو غائباً إلى صفة زائدة على ذات الموصوف
راجعة إلى الجملة في الشاهد وإلى الحي في الغائب.
وقال أبو الحسين ومحمود: المرجع بكون العالم عالماً إلى تبين
المعلوم ووضوحه للعالم شاهداً وغائباً ؛ جعل أبو الحسين ذلك التبين
صفة لقلب العالم في الشاهد ومزية في حق الغائب.
وقال جمهور أئمتنا عليهم السلام على رواية الأساس وموافقوهم: إن
المرجع بكون العالم عالماً إلى ثبوت ذات الباري تعالى ونفي الجهل
عنه من دون ثبوت صفة زائدة على ذاته ولا حالة ولا مزية، وأما في
الشاهد فمثل قول القرشي ومن وافقه: إن المرجع بكونه عالماً إلى صفة
راجعة إلى جملة الحي قائمة بالحي وهي الاعتقاد الجازم المطابق.
وقالت الأشعرية وغيرهم من سائر المجبرة: المرجع بذلك إلى مثل ما
قلناه في الشاهد والغائب معاً، فيجعلونها صفة معنوية شاهداً
وغائباً، محدثة في الشاهد قديمة في الغائب، وسيأتي الاحتجاج للقول
المختار وإبطال ما عداه بعد هذا قريباً إن شاء الله تعالى.
(1/149)
التاسع: الاتصاف بكون
الحي عالماً صفة مدح بكل حال سواء كان معلومه حسناً أو قبيحاً،
والجهل صفة نقص لا بكل حال بل فيما إذا كان في الجهل به مفسدة
كالجهل بالصانع تعالى وما يجب له من الصفات الإثباتية والنفيية
التي لا يتميز عن غيره إلا بها، لأن الجهل بذلك يؤدي إلى كفر نعمته
وأَمنِ نقمته وعدم القيام بطاعاته واجتناب معاصيه، وكذلك الجهل بما
لا يتم ذلك إلا به كالعلم بعدله تعالى وحكمته على الجملة، والعلم
بالنبوات والشرائع، وصدق الوعد والوعيد، وسائر ما جاءت به الرسل من
أحوال المعاد المعلومة من الدين ضرورة، كالبعث والنشور والجنة
والشفاعة ونحوها، وما يتصل بذلك مما هو كالتتمة لذلك كالعلم بوجوب
الإمامة ومعرفة الإمام بعده صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أخبرنا
بثبوت إمامته قطعاً كالحسنين عليهما السلام وإمام العصر بعدهما،
والعلم بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وكذلك الجهل بجميع
أحكام الشريعة من العبادات والمعاملات، وكذلك الجهل بما هو وصلة
إلى ذلك، والأدلة كعلوم التفسير وعلوم العربية من نحو وصرف ولغة
وبيان، وكذلك الجهل بما فيه منفعة الإنسان أو مضرته من أمور معيشته
مما لا بد له في حياته وطيبها وسلامته منه، وما عدا ذلك مما يجهله
الإنسان من العلوم لا قبح في الجهل بها ولا نقص إلا في حق العالم
بذاته تعالى، وإلا لزم اتصاف الملائكة والأنبياء عليهم السلام
والعلماء رحمهم الله تعالى بالقبح وصفة النقص، إذ لا يعلم كل شيء
غير الله عز وجل، ولقوله تعالى مخاطباً لخاتم النبيين وغيره من
المخاطبين: ?وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً?،
وإنما قلنا: إن العلم حسن بكل حال، لأنه إما أن يتعلق به الحكم
الشرعي على وجه ترجيح فعله على تركه لزوماً كالواجبات أو من باب
الأولى كالمندوبات أو على وجه ترجيح الترك على الفعل لزوماً
كالمحرمات أو من باب الأولى كالمكروهات أو على سبيل استواء حالتي
الفعل والترك
(1/150)
كالمباحات، فلزم حسن
جميع العلوم إلا ما كان منها شاغلاً عما هو أهم منه كالهندسة
ومساحة الأرض والكيمياء والقصص الخارجة عما فيه اعتبار المكلف
وكتعلم الفلسفة المفضية إلى الإلحاد، وتعلم السحر إذا كان القصد
العمل به لا لتوقيه، فقبح ذلك لا لذاته بل لما عرض من كونه شاغلاً
أو نحو ذلك، فظهر لك أن العلم في ذاته حسن بكل حال، والجهل به قبيح
في بعض الأحوال، وهذا بالنسبة إلى الجهل البسيط: وهو عدم العلم
بالشيء أعني أن قبحه في بعض الأحوال وليس بقبيح في بعضها، فأما
الجهل المركب فهو قبيح بكل حال: وهو اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو
عليه لأن اعتقاده على خلاف ما هو عليه نوع من الكذب والخرص إن كان
لا عن شبهة وقد قال تعالى: ?وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ
عِلْمٌ? {الإسراء:36}.
فينبغي للمكلف الاشتغال من العلوم بالأهم فالأهم وهو ما كان
متعلقاً بالمصالح الدينية أصولها وفروعها ومعقولها ومسموعها، وتجنب
الجهل حيث يقبح ما استطاع، وعدم الاشتغال بالعلوم التي لا نفع فيها
ولا ضرر في الجهل بها، وقد روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم: مر
بناد في قريش وهم جلوس حول رجل يستمعون منه فقال: "ما هذا؟ فقيل
له: علامة يستمعون منه فقال: ماذا يسمعون منه؟ فقالوا: أشعار العرب
وأنسابها فقال صلى الله عليه وآله وسلم: علم لا ينفع وجهل لا يضر"،
وهذا من جوامع الكلم التي أعطيها صلى الله عليه وآله وسلم، وما
ذكرناه يعود إلى معناه والله أعلم.
العاشر: فيما يجري على الله من الأسماء بمعنى عالم، وفيما لا يجوز
منها وإن أفاد العلم وصفة المدح في الشاهد.
فالذي يجري على الله تعالى بمعنى كونه عالماً عليم وعلام، وداري
وعارف عند البعض، وصححه شيخنا رحمه الله تعالى وحجة من منعه: أن
المعرفة هي العلم المسبوق بالجهل.
(1/151)
قلنا: بله يستعمل في
مطلق العلم وإن لم يسبق بجهل، وفي كلام أمير المؤمنين عليه السلام
في بعض خطب النهج: أَجَّلَ الأشياء لأوقاتها، إلى قوله عليه السلام
: عارفاً بها قبل ابتدائها إلخ.
وسميع وبصير وسامع ومبصر ومدرك كلها عند جمهور أئمتنا عليهم السلام
والبغدادية بمعنى عالم بالمسموع والمبصر وسائر المدركات مما يدرك
شاهداً بحاسة الشم والطعم واللمس، ويَّعبر عن العلم بالثلاثة
الأخيرة بمدرِك بمعنى عالم بها، ولا يعبر عنها بشام وطاعم ولامس
لإيهام التجسيم، وأما المسموع والمبصر فيصح التعبير عن العلم بها
بسميع وبصير وبسامع ومبصر ومدرك لورود السمع بذلك ولا خطأ ولا
إيهام.
وحكيم بمعنى عالم بالحكمة، وأما بمعنى مُحكِم فصفة فعل، فيفيد عالم
باللزوم لا بالوضع والمطابقة.
وواجد عند البعض لقوله تعالى: ?وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى?
{الضحى:7}، أي عَلِمَك، وقيل: يُقَر حيث ورد لإيهامه الخطأ من حيث
لا يكاد يطلق الوجدان إلا بعد الطلب.
والرائي بمعنى: عالم لا بمعنى المشاهدة، لأن الرؤية تارة تستعمل
بمعنى المشاهدة وتتعدى إلى مفعول واحد كرأيت زيداً، وتارة تستعمل
بمعنى العلم وتتعدى إلى مفعولين كرأيت زيداً غنياً بمعنى علمته
غنياً.
والرقيب والحفيظ لا بمعنى المتحفظ ولا يجوز، ولا بمعنى الحافظ فصفة
فعل.
والشهيد والخبير والمطلع كلها تصح بمعنى عالم.
ويستعمل الشهيد في الشاهد بالحق ?فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ
كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا?
{النساء:41}، وفي المقتول في سبيل الله أو في غيره ظلماً، فالأول
صفة فعل لا مانع من إطلاقه على الله تعالى ?وَكَفَى بِاللَّهِ
شَهِيدًا? {الفتح:28}، والثاني مستحيل في حقه تعالى.
ويستعمل الخبير تارة بمعنى العالم بكنه الشيء وهو المراد هنا،وتارة
بمعنى المخبِر كسميع بمعنى المسمع فيكون صفة فعل، فيفيد عالماً
لزوماً كحكيم بمعنى مُحكِم.
(1/152)
ويستعمل المطلع تارة
بمعنى العالم بالسرائر وهو المراد هنا،وتارة بمعنى المشاهد من
المكان المرتفع إلى المكان المنخفض فلا يجوز على الله تعالى بهذا
المعنى، قيل ولأجل ذلك لا يجوز إطلاقه على الله تعالى للإيهام، بل
يُقَر حيث ورد.
قلنا: قد تعورف به بمعنى العالم، فلا مانع ولورود السمع به.
والواسع قيل: معناه العالم، وقيل: معناه الغني، وقيل: معناه المكثر
من العطاء، وقيل: يُقَر حيث ورد لإيهام الخطأ وهو الاتساع في
الجسمية، فلا يطلق إلا مضافاً نحو واسع الرحمة واسع المغفرة، لنا:
قوله تعالى: ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ? {المائدة:55}.
وأما الأسماء التي لا تجوز على الله تعالى فكقولنا: فقيه، وطبيب،
وشاعر، وفطن، ومتبين ومتحقق، ومتبصر، وحاذق، وذكي، ومتيقن، وعاقل،
ولبيب، وساكن النفس، ومطمئن، ومعتقد، ومتعجب، ومحيط إلا مع القيد
نحو ?أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ? {الطلاق:12}، هكذا قاله
شيخنا والقرشي رحمهما الله تعالى،والأظهر في المحيط جوازه من دون
قيد كقولهم لا إله إلا الله الحفيظ المحيط بلا تناكر ولوروده في
السمع، وأما الغم، والندم، والأسف، والحسرة فلا إشكال أنها صفات
نقص ولا تجوز على الله تعالى بحال، وما ورد في القرآن مما يوهم
اتصافه تعالى بشيء منها فمجاز يُقَر حيث ورد ولا يقاس عليه نحو
?فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ? {الزخرف:55}،
?يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ? {يس:30}، قيل معنى الأولى: آسفوا
أولياءنا، والأظهر أنه مبالغة في تفضيع أفعالهم وشناعتها فأطلق
اللفظ مبالغة في ذلك وهجر المعنى الموضوع له في اللفظ في الأصل،
ومعنى الثانية: يا حسرة إن أفعالهم تصير عليهم حسرة، والأظهر أن
معناها يا حسرة هلمي وكوني على العباد تنزيلاً لها منزلة المخاطب،
وهو أبلغ وأفصح في الكلام والله أعلم.
I
فصل
في الكلام في أن الله تعالى حي
(1/153)
قال الهادي عليه
السلام : حقيقة الحي: هو الذي يجوز منه الفعل والتدبير وذلك فهو
الحي الدائم اللطيف الخبير، وقال بعض أئمتنا عليهم السلام كالمهدي
عليه السلام وغيره: هو المختص بصفة لكونه عليها يصح منه أن يقدر
ويعلم تلك الصفة هي كونه حياً، ويرد عليها ما ورد في قادر وعالم.
قال عليه السلام : [ فإن قيل لك: ] أيها الطالب الرشاد [ أربك حي
أم لا ؟ فقل: بل ] هو [ حي تعالى ]، وهذا قول جميع المسلمين
والكتابيين وكل من أقر بالصانع المختار كالبراهمة وبعض عباد
الأصنام، والخلاف في ذلك مع أهل الإلحاد كما مر في مسألة قادر
ومسألة عالم، والعلم بهذه المسألة على حسب ما مر في العلم بأنه
تعالى قادر وعالم أن ذلك بعد العلم بالصانع المختار ضروري لا يحتاج
إلى استدلال عند جمهور أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم، وعند بعضهم
أن العلم بذلك استدلالي، وقد أشار الأمير عليه السلام إلى كيفية
تحرير الاستدلال على ذلك بقوله [ لأنه ] قد ثبت بما مر من الكلام
في الفصلين السابقين أن الله تعالى قادر عالم، والقادر العالم لا
يكون إلا حياً، و [ لو لم يكن حياً لم يكن قادراً ولا عالماً ]
فهذان أصلان ينبني عليهما الاستدلال على أن الله تعالى حي:
أحدهما: أنه قد مر أنه تعالى قادر عالم.
وثانيها: أن القادر العالم لا يكون إلا حياً.
أما الأصل الأول: فلا يحتاج هنا إلى تقرير، إذ قد مر الكلام في
مسألتي قادر وعالم.
وأما الأصل الثاني: وهو أن القادر العالم لا يكون إلا حياً.
(1/154)
فذلك معلوم ضرورة [
لأن المَيَّتَ والجماد لا يفعلان ولا يُحْدِثان صُنْعَاً ]، وبهذا
الكلام تعلم صحة ما ذهب إليه جمهور أئمتنا عليهم السلام من أن
العلم بهذه المسألة ونحوها من أنه تعالى قادر عالم ضروري بعد العلم
بصانع العالم وأنه فاعل مختار، لأن القائلين بأن العلم بذلك
استدلالي لم يجعلوا الدلالة إلا مجرد الفعل والحدوث الذي بهما علم
الصانع المختار، ولأنا إذا جعلنا العلم بكون الصانع المختار حياً
عالماً ضرورياً لم يمكن أهل الإلحاد المناقشة والمنازعة في كونه
تعالى حياً بخلاف ما إذا جعلناه استدلالياً، فقد نازعوا في صحة ذلك
الاستدلال ليتوصلوا بذلك إلى إبطال أصل المسألة في كونه تعالى
حياً، وعُلمتْ طريقتنا لم يبق محال، ووجه الاعتراض على أن الفاعل
المختار بعد إقامة دليله في مسألة إثبات الصانع يجب أن يكون حياً،
ولا يمكن تطرق الخطأ إليه بشك ولا شبهة يلزم منها أنه ليس بحي إلا
لو جوَّزنا وجود فاعل مختار ليس بحي وهو محال، وأما إذا جعلناه
استدلالياً وقلنا دليل كونه تعالى حياً أنه قادر عالم والقادر
العالم يجب أن يكون حياً، فقد نازع فيه أهل الإلحاد بأن قالوا:
القادر العالم لا يكون في الشاهد إلا جسماً ومتحركاً ويلتذ ويشتهي
ويجوز عليه الموت ونحوه من العجز والجهل، فقولوا مثله في الغائب أو
فاخرجوا عن المدعى من أن القادر العالم يجب أن يكون حياً كما
خَرَّجْتم عن أن يجب له سائر ما ذكر.
وقد أجاب القرشي عن هذا بما لا يظهر كونه مخلصاً قال: إن كونه حياً
إنما يصحح القادرية والعالمية دون سائر ما ذكرتم.
(1/155)
وهذا كما ترى احتجاج
بمحل النزاع، وهو معترض بأن صفة حي تصحح سائر صفات الجملة من
الشهوة والنفرة واللذة والألم، فالإلزام باق وفيه قلب المدلول
دليلاً من حيث أن مساق الكلام في أن القادر العالم يصحح كونه حياً
وهو جعل الكلام بالعكس كما ترى، فالأولى في الجواب وإن كان لا يلزم
على طريقتنا إلا لإزاحة الشبهة عمن يمكن القدح بها عليه بأن يقال:
أما ما ألزمتمونا به في لزوم الجسمية في الغائب قياساً على الشاهد،
فهو وارد عليكم في العلة التي تزعمونها مؤثرة في العَالَم بأن
يقال: العلة في الشاهد وهي ما أثر على سبيل الإيجاب يجب أن تكون
جسماً أو عرضاً كالجسم في وجوب التحيز، والعرض في وجوب الهيئة في
الجسم، فكما قلتم في العلة المؤثرة في العَالَم ليست التحيز والعرض
في وجوب الهيئة في الجسم فكما قلتم في العلة المؤثرة في العالم
ليست بجسم ولا عرض قلنا مثل ذلك في الفاعل المختار، وأمّا سائر ما
ذكرتموه فمتفرع على الجسمية فلا يلزم الاعتراض بما هو من شأن الفرع
بعد انتفائه لانتفاء الأصل المتفرع عنه.
والتحقيق: أن ما ذكر من كون الحي في الشاهد يجب أن يكون جسماً
يتحرك ويسكن، وتصح عليه الشهوة والنفرة واللذة والموت والعجز
والجهل ليس متفرعا على مجرد كونه قادرا عالما لا غير، بل على ذلك
مع كونه محدثا، والله تعالى ليس بمحدث والقادر العالم الحي من
خاصية الفاعل المختار أعم من أن يكون محدثاً أو قديماً، فلا يلزم
فيمن اتصف بأنه قادر عالم حي أن يكون جسماً متحركاً أو ساكناً أو
نحو ذلك إلا إذا كان محدثاً، وهذا واضح والله أعلم
(1/156)
إن قيل: كيف ساغ لكم
دعوى أن العلم بكون الفاعل المختار يجب أن يكون حياً ونحوه ضروري،
وهؤلاء أهل الإلحاد ينكرون العلم بذلك فضلاً عن أن يكون ضرورياً،
وهؤلاء إخوانكم المسلمين من المعتزلة وجماعة من الزيدية يقولون:
العلم بذلك استدلالي ولو كان ضرورياً لما أنكره أهل الإلحاد رأساً
ولما جعله هؤلاء المسلمون استدلالياً، بل كان سبيل الجميع أن
يعلموه ضرورة لأن الضروريات يشترك فيها العقلاء جميعهم كما في سائر
الضروريات ؟
قلنا: الضروري مهما توقف العلم به على علم استدلالي لم يحصل إلا
بعد النظر في ذلك العلم الاستدلالي حتى يتقرر ويثبت في النفس، فمتى
حصل ذلك الاستدلالي وثبت في النفس لزم معه حصول العلم الضروري بما
هو من لازم ذلك المعلوم استدلالاً، وليس هو ضروري بكل حال حتى يلزم
ما ذكره السائل، فإن أهل الإلحاد إنما أنكروا العلم بكونه تعالى
حياً لإنكارهم أنه فاعل مختار وهو أمر استدلالي، والمعتزلة ومن
وافقهم إنما قالوا: إنه استدلالي لشبهة سبقت إليهم وهو أنه لا يصح
أن تعلم الذات والصفة ضرورة، وهذا لا يرد علينا إلا إذا قلنا إن
الصفة تُعلم ضرورة بكل حال عُلمت الذات أم لا.
إن قيل: فالضروري مالا ينتفي عن النفس بشك ولا شبهة وهؤلاء قد
انتفى عنهم العلم بكونه ضرورياً لتلك الشبهة المذكورة،وأهل الإلحاد
انتفى عنهم العلم بكون الله تعالى حياً بما حرروه من الشبه التي
أفضت بهم إلى ذلك القول.
(1/157)
قلنا: قد يكون العلم
ضرورياً والعلم بكونه ضرورياً استدلالي، ألا ترى أن العلم بتعلق
الفعل بفاعله من حيث أن العِمَارة لا تصح إلا من عَمَّار معلوم لكل
عاقل علما ضرورياً بحيث لا يختلف في ذلك اثنان، فهاهنا أمران كل
واحد منهما معلوم لنا أحدهما صفة للآخر، فالموصوف العلم والصفة
كونه ضرورياً، فالعلم بكون العمارة لا تصح إلا من عَمَّار حاصل لكل
عاقل، فأما كونه ضرورياً فإنما استدللنا عليه بقولنا: بحيث لا
يختلف في ذلك اثنان، فلما نظرنا أنه لا يختلف في ذلك اثنان علمنا
أن ذلك العلم ضروري، فالذي تطرقت إليه الشبهة وأثرت انتفاءه عند من
ذكر من المعتزلة ومن وافقهم هو كونه ضرورياً لا نفس العلم من ذاته
فهو باق لديهم، وإنما خلافهم في كونه ضرورياً فتأمل.
وأما انتفاء العلم بكونه تعالى حياً عند أهل الإلحاد فلا يقدح في
كونه ضرورياً إلا لو قدرنا موافقتهم لنا في كونه تعالى فاعلاً
مختاراً ثم يخالفون في كونه حياً، فأما وهم مخالفون في نفس إثبات
الصانع فلا يقدح على من أثبته فاعلاً مختاراً في العلم الضروري أنه
حي، لأن مثابة هذا الخلاف مثابة رجلين رَأَيا شبحاً على بعد علمه
أحدهما قطنا وظنه الآخر حجراً، فالعلم الأول أنه قطن وإن كان عن
استدلال لا يقدح عليه إنكار مخالفه في أن النار محرقة ضرورة لما
خالفه في الأصل أنه قطن واعتقد أنه حجر إذ لو سلم أنه قطن لعلم أن
النار تحرقه ضرورة فتأمل.
(1/158)
وإنما أخر هذا المبحث
عن مسألتي قادر وعالم لتعلقه بالثلاث المسائل وبمسألة موجود، فإن
العلم بالأربعة الأوصاف ضروري عند العلم باحتياج العالم إلى فاعل
مختار، وخلاف المعتزلة ومن وافقهم في جعل ذلك استدلالياً هو في
الأربعة أيضاً، فبعد أن يفرغوا من الاستدلال على الثلاث المسائل
الأُول من كونه تعالى قادراً وكونه عالماً وكونه حياً يأخذون في
الاستدلال على كونه موجوداً، ولم يجعلوا نفس وجود العالم وحدوثه
دليلاً على وجودها بل يطلبون له دليلاً آخر يسمونه دليل التعلق،
وإذا لم يجعلوا وجود العالم وحدوثه دليلاً على وجود صانعه تعالى
فماذا بعده من دليل هو أنهض في الدلالة على وجود الصانع؟! فإن دليل
التعلق الذي ذكروه هو كما قال شارح الأساس رحمه الله: لا يدل على
المقصود إلا على سبيل التمحل والتكلف والله أعلم، وصدق عليه السلام
، فإن دليل التعلق الذي جعلوه عمدة الاستدلال على كونه تعالى
موجوداً لا يدل على المقصود إلا على سبيل التمحل والتكلف، وسيأتي
الرد عليهم وإبطال مقالتهم في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى، فإذا
ثبت أن الله تعالى حي على حسب ما مر من القول عند جمهور أئمتنا
عليهم السلام ومن وافقهم: إن العلم بذلك بعد تقرير العلم بإثبات
الصانع هو ضروري أو على قول البعض منهم ومن وافقهم: إنه استدلالي،
فلنتكلم فيما يتصل بهذه المسألة من الفروع والمباحث:
الأول: زعمت البهاشمة ومن وافقهم من الزيدية كالقرشي وغيره: أن
للحي بكونه حياً صفة زائدة على ذاته شاهداً وغائباً على نحو ما
قالوه في مسألتي قادر وعالم، وتلك الصفة راجعة إلى جملة الحي في
الشاهد وإلى ذات الباري تعالى في الغائب، ويجعلونها حالة لها بها
فارقت الميت والجماد.
(1/159)
وذهب أبو الحسين وابن
الملاحمي: المرجع بكونه حياً إلى: أنه لا يستحيل الفعل لأجل البنية
المخصوصة في الشاهد ولأجل نفس الذات في الغائب، ولم يثبتا صفة
زائدة للحي بكونه حياً لا شاهداً ولا غائباً كما مر، بل يثبتا
مَزِيَّة لهما كما مر في قادر وعالم.
وقال جمهور أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم بمثل قول البهاشمة
والقرشي في الشاهد فقط، ومثل قول أبي الحسين وابن الملاحمي في
الغائب إلا في المزية، فأثبتوا الصفة لجملة الحي حالة زائدة على
مجرد البنية التي اكتفى بها أبو الحسين وابن الملاحمي في كون
الشاهد حياً، وجعلوا بكونه الغائب حياً إلى مجرد ذاته من دون ثبوت
حالة أو صفة زائدة على ذاته تعالى.
وقالت المجبرة: المرجع بكون الحي حياً إلى معنى قائم به يعبر عنه
بالحياة لأجله كان حياً، وهذا المعنى في الشاهد محدث حال فيه، وفي
الغائب قديم قائم به، وسيأتي تقرير القول الحق في الفصل الآتي إن
شاء الله.
الثاني: أن لفظة الحي مشتقة من الحياة، والمفهوم من إطلاق لفظها هو
وجود معنى متى قام بالجسم كان حياً، وهذا المعنى هو أمر وجودي محدث
مخلوق في ذاته قال تعالى: ?الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ?
{الملك:2}، فهو أمر مضادد للموت نقيض له، ويلزم من وجوده صحة أن
يقدر ويعلم اللازم منهما التمكن من الفعل والإحداث لا على سبيل
الإيجاب والاضطرار بل على سبيل الإرادة والاختيار بمعنى إن شَاءَ
فعل وإن شاءَ ترك، ولكون وجود هذا المعنى الذي قد ظهر لك ماهيته
وحدوثه وأنه نقيض للموت مستحيل في حق الباري تعالى، لزم أن نطلق
لفظ الحي عليه تعالى ونريد به اللازم من الحياة في الشاهد وهو
التمكن من الفعل والإحداث، فنصفه تعالى بأنه حي لأنه صح منه الفعل
والإحداث، لأن المعنى المذكور قام به أو حل فيه كما تقولوه
الأشعرية والمجسمة.
(1/160)
ثم إذا قيل: ولم
وصفتموه بحي مع أنه لا وجود لتلك الحياة المذكورة فيه تعالى؟ ولما
صح منه تعالى الفعل والإحداث على الوجه المذكور مع فقد تلك الحياة؟
قلنا: أما الجواب عن السؤال الأول: فقد علم مما مر أنا وصفناه بأنه
حي لأجل صحة الفعل والإحداث منه.
وأما الجواب على السؤال الثاني فنقول: إنه صح منه سبحانه الفعل
لأجل ذاته المقدسة عن الحدوث والمشابهة، وتقول البهاشمة ومن وافقهم
في جواب ذلك السؤال: لأجل الصفة الراجعة إلى ذاته تعالى المعلومة
من قولنا: هو حي، وليست تلك الصفة معنى قائماً به تعالى بل حالة
زائدة على ذاته تعالى، وجواب الأشعرية والمجسمة: لأجل المعنى
القديم القائم بذاته أو الحال في ذاته المعبر عنه بالحياة، ثم اتفق
الجميع أنه لا يجوز أن يطلق على الله تعالى لفظ حيوان لأنه خاص
بالجسم بحياة محدثة تزول بطروء ضدها وهو الموت.
إن قيل: فقد استعملتم لفظ الحي في غير ما وضع له في الأصل وهو أنه
مشتق من الحياة، وذلك أنكم أنتم والبهاشمة استعملتم اللفظ فيمن يصح
منه الفعل لأجل ذاته أو لأجل الصفة الزائدة.
قلنا: هذا وارد على الجميع لأن الأشعرية والمجسمة استعملوا الحي في
غير ما وضع له، لأن المعنى القديم لم يريدوا به المعنى المعقول من
لفظ الحياة في الشاهد الذي في ماهيتة وآنيته جائز الوجود وجائز
العدم وتقرر في العقول أنه محدث يضادده الموت عند طروئه عليه بفعل
الفاعل، بل أرادوا به معنى آخر قديماً يعبر عنه بالحياة وإنما عبر
عنه بالحياة لصحة الفعل منه.
(1/161)
فقد ظهر لك أن كلام
الجميع بالنسبة إلى الاشتقاق من الحياة استعمال اللفظ في غير ما
وضع له، فيرد الإشكال على الجميع أن لفظة الحي لا تطلق عليه تعالى
إلا مجازاً من إطلاق الملزوم على اللازم، فلزم الجميع التخلص عن
هذا السؤال، وجوابه الذي لا بد للجميع من الرجوع إليه هو أن يقال:
إن الحي وإن كان بالنظر إلى لفظه مأخوذ من لفظ الحياة، فإنما ذلك
بالنسبة إلى الألفاظ لا بالنسبة إلى معانيها المعقولة منها، فليس
الاعتماد فيها على قواعد الاشتقاق وهو ملاحظة المعنى المشتق منه
للاسم المشتق من مصدره على جهة الفاعلية كضارب أو المفعولية كمضروب
أو الصفة اللازمة كضرّاب وهذا في صفات الأفعال، وكأسود وأبيض وحالي
وحامض في صفات الذات،وإنما المعتمد في المعاني المعقولة فيما نحن
بصدده هو النظر إلى ذواتها وأحكامها من العقلية من الصحة والجواز
والوجوب والاستحالة واللزوم وعدمه، وقد نظرنا الاشتقاق والوضع
اللغوي فوجدناه تارة يكون في أصل اللغة بمعنى من المعاني المتواضع
عليها، ثم قد يستعملُ بالتعارف العام أو الخاص في معنى آخر من
لوازم ذلك المعنى الأصلي ويكثر استعماله فيه من دون قرينة ولا
تناكر ولا مانع عقلي ولا سمعي، فيكون حينئذ حقيقة عرفية عامة أو
خاصة، فإذا انضم إلى ذلك ورود السمع به وإيجاب إثباته واعتقاده
لذات واحدة بالاختصاص كالإله وكالحي القيوم وكالقادر على كل
المقدورات والعالم بكل المعلوم أو بالاشتراك كحي وقادر وعالم، وجب
الانقياد لذلك وصار اللفظ وهو قولنا: حي مستعملاً في ذلك اللازم
وهو صحة الفعل حقيقة بالنقل عن المعنى اللغوي الأصلي وهو أن قولنا:
حي، موضوع لمن حلته الحياة المحدثة اللازم من وجودها صحة الفعل
وهذه صحة الفعل ثابتة لله تعالى لأجل ذاته تعالى، فيصير إثبات
الصفة الزائدة وإثبات المعنى قولاً لا موجب له، يزيده وضوحاً اتفاق
الجميع على منع أن يطلق عليه تعالى لفظ حيوان لما كان تفيده الحياة
المستلزمة التجسيم
(1/162)
والحدوث، والله أعلم.
الثالث: فيما يجري على الله تعالى من الأسماء بمعنى حي، ومالا يجري
عليه منها.
فالذي يجري عليه تعالى سميع بصير عند بعض أئمتنا عليهم السلام،
والبصرية وعند بعضهم والبغدادية هما بمعنى عالم كما مر في مسألة
عالم، وسيأتي تحقيق القول الصحيح إن شاء الله تعالى في مسألة سميع
بصير، ولم يذكر القرشي في المنهاج ولا شيخنا في السمط غيرهما،
والأظهر أن الباقي والدائم يفيدان ذلك في حقه تعالى، يدل عليه
إطباق المسلمين على قولهم عند مشاهدة الموتى: لا يبقى ولا يدوم إلا
الله، فلولا أنهم أرادوا واعتقدوا وصفه تعالى بأنه حي لا يموت لما
كان لذكر ذلك في تلك الحال معنى والله أعلم.
ويمتنع عليه تعالى حيوان وروحاني ونفساني لإفادتها التجسيم
والحدوث.
(1/163)
فصل في الكلام في أن
الله قديم
وأن ما ثبت له من الصفات الأربع من أنه تعالى موجود، وقادر، وعالم،
وحي ليست لفاعل، ولا لسبب، ولا لعلة، ولا لمعنى، ولا لمقتضي، ولا
لشيء غير ذاته تعالى، لأن إثبات شيء سوى ذاته تعالى ينافي توحيده.
قال عليه السلام : [ فإن قيل لك: ] أيها الطالب الرشاد [ أربك
قديم؟ ] وحقيقة القديم في أصل اللغة: ما تقادم وجوده كقولهم بناءٌ
قديم ورسم قديم ومنه قوله تعالى: ?حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ
الْقَدِيمِ?.
وفي الاصطلاح ما ذكره عليه السلام بقوله: [ فقل: هو موجود لا
أَوَّلَ لوجُودِه ] وإنما لم يقل: فقل: نعم، أو فقل: هو قديم كما
في غير ذلك مما مر لأن الغالب في استعمال لفظة قديم هو الحقيقة
اللغوية فلا يفيد المراد مما عقد له هذا الفصل وهو أنه تعالى غير
محدث فقال: هو موجود لا أول لوجوده، يفيد أنه إن وقع السؤال عن
اتصافه بقديم لغة فلا، وإن وقع السؤال عن اتصافه تعالى بقديم
اصطلاحاً فنعم، وهذا الدليل مبني على أصلين: أحدهما: أنه تعالى
موجود، والثاني: أنه تعالى لا أول لوجوده. فيلزم منهما أنه تعالى
قديم.
أما الأصل الأول: وهو أنه تعالى موجود.
(1/164)
فاستغنى المؤلف عليه
السلام عن ذكر دليله إما موافقة للجمهور من أئمتنا عليهم السلام
ومن وافقهم أن ذلك معلوم ضرورة بعد إثبات أنه الصانع المختار، وإما
تفخيماً لشأنه تعالى عن الاشتغال بأدلة ذلك في حقه تعالى، والموجود
لا حد له لأنه من البديهيات الجلية، ولا نجد إلا الأمور
الاكتسابيات الخفية خلافاً للبهاشمة ومن وافقهم في إثبات الذوات في
حالة العدم وجعل الموجود أمراً زائداً على ذات الموجود، فإنهم لما
ذهبوا إلى ذلك احتاجوا إلى تحديد الموجود وإثبات الدلالة على وجوده
تعالى، فقالوا: حقيقة الموجود هو المختص بصفة لكونه عليها تظهر
عندها الصفات والأحكام المقتضاة عن الذات، ثم يقولون: تلك الصفة هي
كونه موجوداً ويرد عليه ما ورد على ما قبله في حد القادر والعالم
من توقف معرفة الحد على توفر معرفة المحدود، ويختص هذا الموضع بأن
يقال: الصفة المقتضاة عن الذات ثابتة عندكم لكل ذات موجودة كانت أو
معدومة كما قال الإمام المهدي عليه السلام في غرر الفوائد عنهم ما
لفظه: كما أن الذات لا تخرج عن كونها ذات لا تخرج عن كونها مقتضية،
وهم يقولون: هي ذات في حال عدمها فيلزمهم أن تكون مقتضية في حال
عدمها، فتشبه القول بحصول الأثر في حال عدم حصول المؤثر، وهو محال
وما أدى إليه فهو باطل، لكنهم يدفعون هذا الإيراد بأن يقولوا: بشرط
الوجود وهذا كما ترى فراراً من الإلزام وهو لا يصح على ظاهر عبارة
الإمام عليه السلام ، ويقال أيضاً: ما تريدونه بقولكم تظهر عندها
الصفات ؟ هل المراد توجد ؟ فأنتم في تحديد الموجود أو تثبت فالثبوت
يصح عندكم في حالة العدم أو تعلم فالعلم يصح أن يتعلق بالمعدوم أو
تبرز فمن أين وإلى أين ؟ وقالوا في إثبات الدلالة على وجوده تعالى:
قد ثبت أنه تعالى قادر عالم، والقادر العالم له تعلق بمقدوره
ومعلومه والعدم يحيل التعلق، وهذا هو الدليل المعتمد عندهم المسمى
دليل التعلق وتحريره على ثلاثة أصول: الأول: أنه قد ثبت أنه
(1/165)
تعالى قادر عالم.
الثاني: أن القادر العالم له تعلق بمقدوره ومعلومه، الثالث: أن
العدم يحيل التعلق.
ثم يصححون كل واحد من هذه الثلاثة الأصول بأن يقولوا: أما أنه قادر
عالم فقد مر الكلام عليه في مسألة قادر ومسألة عالم، وأما أن
للقادر تعلق بمقدوره ومعلومه، فمعناه أنه يصح منه إيجاده وإحكامه،
وأما أن العدم يحيل التعلق، فلأنا وجدنا معاني متى عدمت وجدت تعلقت
ومتى عدمت عدم تعلقها وذلك كالإرادة والكراهة والاعتقاد والقدرة.
قال النجري: ونحوها، قال المحشي: كالشهوة والنفرة، قالوا: فيقاس
عليها كلما شاركها في هذا المعنى. فإذا كان الباري قد شاركها في
وجود التعلق حيث أن له تعلق بمقدوره ومعلومه وجب أن يشاركها في
الحكم وهو الوجود فيجب أن يكون تعالى موجوداً، وإذا تأملت هذا
الدليل الذي جعلوه عمدتهم في وجود الباري تعالى وجدته كما قال شارح
الأساس رحمه الله: لا يدل المقصود إلا على سبيل التمحل والتكلف،
ولنورد على كل واحد من هذه الأصول ما يدل على ذلك فنقول:
(1/166)
أنه تعالى قادر
أما الأول: وهو أنه تعالى قادر عالم.
فنقول: لِمَ جعلتموها أصلاً لكونه موجوداً وهما لم يعلما إلا بعد
أن عرف الصانع اللذان هما من صفاته ؟ لأنه إن علم الصانع عندهم مع
العلم لهم بوجوده أغناهم ذلك عن الاستدلال لكونه قادراً عالماً على
وجوده، وإن علم الصانع عندهم من دون أن يعلم لهم وجوده كابروا ما
يعلم بالبديهة والوجدان من حال النفس أن العلم بوجود الفاعل سابق
على العلم بكونه قادراً عالماً، ولأن العلم بوجود المؤثر متوقف على
العلم بوجود الأثر فقط، والعلم بكونه قادراً عالماً متوقف على ذلك
وعلى العلم بأن ذلك الأثر صدر عن مؤثره على سبيل الجواز في قادر،
وعليهما مع العلم بالإحكام في عالم فقد توقف العلم بوجوده على
العلم بحدوث العالم بأول مرتبة بكونه قادراً ثابتاً في مزيته ومثله
حي، وبكونه عالماً بثالث مرتبة، وأيضاً فإنه لا خلاف بين أهل
التوحيد وأهل الإلحاد في أن المؤثر في العالم موجود، وإنما اختلفوا
في أنه قادر عالم ونحوهما، فكيف يجعل المختلف فيه أصلاً لإثبات
المجمع عليه ؟ وأيضاً فإن اتفاق العقلاء قاطبة على أمر من الأمور
يلحقه بالضروريات، فكيف يسع أحداً بعد ذلك أن يسعى لإثباته بأمر هو
من متفرعاته المختلف فيها ؟
وأما الأصل الثاني: فقالوا فيه والقادر العالم لا يكون إلا موجوداً
كما قالوا في حي، والقادر العالم لا يكون إلا حياً، ويكمل
الاستدلال بذلك ويستغنى به عن الأصل الثالث، وعن التكلف والتمحل
لإثباته بذكر التعلق مع بعد مسافة تصحيحه الذي دونه خرط القتاد.
(1/167)
وأما الأصل الثالث:
فهو مع كونه صار عبثاً مع إمكان أن يقال في الأصل الثاني والقادر
العالم لا يكون إلا موجوداً، يرد عليه أن قياس الباري تعالى على
الإرادة والشهوة ونحوهما من سائر المعاني بجامع التعلق فلما تعلقت
حُكِمَ لها بالوجود، غير أن قياس الباري لا يصح أن يقال فيه تعالى
لما تعلق حُكِمَ له بالوجود، لأنه تعالى لا يصح تعلقه بشيء ولأنه
تعالى موجود. قبل ذلك التعلق لو سلمناه، وقولهم: وأيضاً فتعلق هذه
المعاني بما تعلقت به، مختلف من حيث أن الإرادة والكراهة عندهم
معنىً شاهداً وغائباً يتعلقان بالمراد والمكروه في الشاهد قبل
وجودهما وبعده وحاله، وفي الغائب حاله فقط، والقدرة في الشاهد
معنى، وفي الغائب عندهم صفة ذاتية ومقتضاة عن الذاتية وتتعلق
بالمقدور حال عدمه شاهداً وغائباً ولا تتعلق بالموجود شاهداً ولا
غائباً، وأما الاعتقاد والشهوة والنفرة فمما لا يجوز على الله
تعالى، فكيف تُجعل محلاً لقياسه تعالى عليها ؟ وأيضاً فقولهم:
والعدم يحيل التعلق، إن أريد به عدم المقدور والمعلوم فلا يُسلم
إلا حاله لأن القدرة والعلم يتعلقان بالمعدوم ليصح إيجاده محكماً،
وإن أريد به عدم القادر والعالم لم يصح أن يقاسا بعدم الإرادة
والكراهة، بل بعدم المريد والكاره وهو مسلم ويعود إلى قولنا، لأن
الحكم باستحالة تعلق الإرادة والكراهة بالمريد والكاره حال عدمهما
داخل تحت الحكم باستحالة تعلق الفعل بالفاعل حال عدمه دخول الأخص
تحت الأعم، فبطل ما قالوه وظهر صحة ما قاله سيد المحققين: إن دليل
التعلق لا يدل على المقصود إلا على سبيل التمحل والتكلف.
(1/168)
وقد شنع عليهم القاضي
العلامة فخر الإسلام عبد الله بن زيد العنسي رحمه الله تعالى حيث
جعلوا العلم بوجوده تعالى استدلالياً، وجعلوا الصفات الأربع من
كونه تعالى قادراً وعالماً وحياً وموجوداً مقتضاة عن ذاته تعالى أو
عن الصفة الأخص وهي مقتضاة عن ذاته تعالى، قال: ونحن لا نعتقد
الصفة الذاتية ولا المقتضاة ولا أن بعض الصفات تؤثر في بعض على جهة
الاقتضاء ولا أن ذلك من مذاهب الأنبياء ولا من دين محمد المصطفى
ولا علي المرتضى ولا المتقدمين من أهل البيت النجباء صلوات الله
عليهم جميعاً، قال: ومن سمع بمقالتهم هذه وهي تجويز حصول العالم
وحدوثه ممن ليس بموجود قادر عالم سخر بها غاية السخرية إلى قوله:
وهذه ضحكة لا ينبغي ذكرها إلا على وجه التحذير منها، لأنه لازم لهم
على ذلك المذهب الذي ذهبوا إليه، فهم أَلزموا ما يلزمهم من ذلك وإن
كان شنيعاًجداً.
وشنع عليهم أيضاً بذلك الشيخ محمود الملاحمي من المعتزلة، قال
القرشي رحمه الله تعالى في المنهاج منتصراً للبهاشمة ما لفظه: وأما
ما شنع به الشيخ محمود على أصحاب أبي هاشم من أنهم يجوزون بعد
إقامة الدلالة على أن الله تعالى قادر عالم حكيم مرسل مثيب معاقب
أن يكون مع ذلك معدوماً حتى تقوم الدلالة على وجوده، وأنه متعجب من
هذا ومستظرف له.
فيمكن الجواب عليه بأن يقال: من أين لك أن أصحاب أبي هاشم يجوزون
كونه معدوماً بعد إقامة الدلالة على كونه قادراً عالماً أو ليس
كونه قادراً عالماً هو الدليل على كونه موجوداً، فكيف يجوزون كونه
معدوماً مع قيام الدليل على وجوده، بل لا يجوزون ذلك ولا يجوزه
المميز من العوام، لأن من علم كونه قادراً عالماً علم كونه موجوداً
على الجملة، وإنما يستدلون على تفصيل ذلك وكيفية دلالة كونه قادراً
عليه.
(1/169)
قلت: ويمكن الجواب
على القرشي: بأنه عَلِمَ الشيخ محمود وغيره ذلك من قول أصحاب أبي
هاشم: إن العلم بأن الفعل لا يصح إلا من فاعل استدلالي لا ضروري
ولا يعلم إلا بعد إقامة دليله لأن الفاعل أخص والموجود أعم، فإذا
قالوا: بعد وجود الفعل لا يعلم الفاعل وهو الأخص إلا بدليل، فقد
قالوا: لا يعلم الموجود الفاعل بعد فعله إلا بدليل، ومن حيث أن من
المعلوم أنه لا يأخذ في الاستدلال على ثبوت الشيء إلا من يُجَوِّز
خلافه، إذ لو كان قاطعاً به قبل الاستدلال عليه لم يصح له
الاستدلال عليه، ومن ثمة شرطوا في إيصال النظر إلى العلم أن لا
يكون الناظر قبله قاطعاً بأحد طرفي المنظور فيه، وقوله: أوليس كونه
قادراً عالماً هو الدليل على كونه موجوداً، يقال له: نعم ليس هو
الدليل على كونه موجوداً، بل الدليل على كونه موجوداً نفس الفعل
كما سلف تقريره، وأن العلم بوجود فاعل الفعل سابق على العلم بأن
فاعله قادر حي عالم، وقوله: ولا يجوزه المميز من العوام، إقرار منه
بأنه ضروري فلا حاجة إلى ما ذكروه من الاستدلال على ذلك، وقوله:
لأن مَنْ عَلِمَه قادراً عالماً عَلِمَه موجوداً على الجملة الخ،
إن أرادوا بما ذكروه من الجملة والتفصيل عودهما إلى موجود فليس
الوجود يوصف بذلك إذ لا يختلف الوجود ولا يدخله الإيهام ولا
التزايد حتى يدخله الإجمال والتفصيل، وإن أراد عودهما إلى العلم
فملاحظة الإنكار كونه ضرورياً، فيتناقض قوله: ولا يُجَوِّزه المميز
من العوام، فهذا الكلام على الأصل الأول.
(1/170)
أنه تعالى لا أول
لوجوده
وأما الأصل الثاني: وهو أنه تعالى لا أول لوجوده.
فقد ذكر دليله بقوله [ لأنه لو كان لوجوده أَوَّلٌ لكان مُحْدَثاً
] لأن ذلك حقيقة المحدَث وهو الموجود الذي لوجوده أول، وإن شئت
قلت: هو الموجود بعد العدم، وإن شئت قلت هو الموجود بفعل فاعل، وإن
شئت قلت هو الموجود مع الجواز، وإنما قلنا: لأنه لو كان لوجوده أول
لكان محدثاً، للعلم الضروري من أن الموجود إما أن يكون لوجوده أول
أم لا، الأول المحدث والثاني القديم، ولا يصح أن يكون لوجوده تعالى
أول، إذ يكون بذلك محدثاً [ ولو كان ] تعالى [ مُحْدَثاً لاحتاج
إلى مُحْدِث، ] للعلم الضروري أيضاً أن المحدَث لا بد له من محدِث،
وهذا المحدث الذي لزم من فرض كونه تعالى محدثاً ننقل الكلام في
شأنه بأن نقول: لا يخلو إما أن يكون محدثاً فيحتاج إلى محدث، ثم
كذلك [ فيؤدي إلى ] فرض [ ما لا يتناهى، ] ولا ينحصر من المحدثين [
وذلك مُحالٌ، ] لأنه يؤدي إلى أن لا يوجد العالم حتى يوجد ما لا
ينحصر من المحدِثين في جهة القَبْلِيَّة وهو محال، لأنا إذا فرضنا
إلى ألف محدِث وأولهم محدَثاً توقف وجود هذا الألف على ألف قبله،
ثم كذلك ما لم تقطع جهة التسلسل بفرض أحدهم قديماً، فإن فرضناه
انقطع التسلسل وصح الحكم بوجود العالم، لكن إن فرضنا ذلك لأول
محدِث وهو محدِث العالم كان ذلك القول صحيحاً لا يرد عليه اعتراض
أصلاً فيجب الاقتصار عليه من أول وهلة، وإن فرضناه فيما بعده من
سائر المحدثين صار إثبات الوسائط عبثاً قبيحاً وفتحاً لباب الجهالة
وإثبات مالا طريق إليه فيعلم كونه باطلاً، وإن لم تقطع جهة التسلسل
وبقيت مفتوحة لزم الحكم على العالم بالعدم حتى ينتهي التسلسل
والمفروض عدم تناهيه، فيؤدي الحكم عليه بعدم الوجود وقد علمنا
وجوده فنحكم عليه بالعدم في حال الوجود، وذلك جمع بين النقيضين وهو
مستحيل فما أدى إليه فهو مستحيل، فلا يصح القول بحدوثه تعالى لما
يؤدي إليه من
(1/171)
المحال فيجب الحكم
والقضاء البات أنه تعالى قديم لا أول لوجوده، وهذا واضح، فثبت أن
الله تعالى قديم لا أول لوجوده، وبقي الكلام فيما يتصل بهذه
المسألة من الفروع والأبحاث.
الأول: أنه لا يأتي في هذه المسألة من الاختلاف ما أتى فيما قبلها
بين البهاشمة وبين أبي الحسين ومحمود وجمهور أئمتنا عليهم السلام
هل هذه الصفة أمر زائد على ذات الموصوف بها أم لا، ولا بينهم وبين
المجبرة أن القدم ليس معنى زائداً على ذاته، بل اتفق الجميع على أن
القدم ليس صفة ولا معنىً زائداً على كونه موجوداً لا أول لوجوده،
لأن مرجع ذلك إلى السلب، وهو أنه غير محدث، والسوالب كلها لا يفتقر
المتصف بها إلى صفة وجودية ولا إلى معنى يصحح له ذلك، وكذلك كونه
تعالى باقياً بما لا انتهاء له فإن ذلك راجع إلى السلب وهو نفي
انتهاء وجوده، إلا أن القرشي رحمه الله روى عن الأشعرية
والكُلاَّبِية: أن الباقي باق ببقاء زائد على ذاته. وكذلك قال
الكعبي: شاهداً فقط.
شبهتهم: أن الذات تكون ذاتاً وإن تعقب عدمها فبقاؤها إذا لم تعدم
معنى زائداً على ذاتها.
قلنا: ليس في بقاء الباقي شيء يشار إليه سوى وجود ذاته مستمرة، ولو
كان معنى زائداً على ذلك لأمكن طروء ضده عليه إن كان بالفاعل مع
استمرار وجود الذات وقتين فصاعداً كالعلم والجهل والقدرة والعجز
والسواد والبياض ونحو ذلك من المعاني المتضادة على محلاتها مع بقاء
المحل، وأيضاً فلو كان البقاء معنى زائداً على ذات الموجود الباقي،
لصح مقارنته لأول أوقات وجود الموجود كالسواد والبياض والحركة
والسكون وهو ما لا يعقل إلا في الوقت الثاني فما بعده، ولما كان
فرق بين ما يبقى كالجسم والألوان ونحوها وما لا يبقى كالصوت ونحوه.
(1/172)
الثاني: أن القديم
قديم بذاته لا بفاعل لاستلزامه الحدوث فيناقض قدمه، ولا لعلة إن
كانت محدثة فكذلك وإن كانت قديمة، فما قيل في قدمه قيل في قدمها
وللزوم استغنائه عنها إذ كان قديماً مثلها، ولأنه ليس دعوى أن
أحدهما هو المؤثر في قدم الآخر بأولى من العكس، فثبت أن القديم
قديم بذاته، وأما كون الباقي باق بذاته، فإن كان قديماً كالباري
فكذلك، ولعل أن الأشعرية ونحوهم ممن أثبت المعاني القديمة لله
تعالى والكلام القديم يقولون: إنها باقية بذاتها ولذا يسمونها
الدائمة، وسيأتي إبطال هذه المعاني من حيث هي فضلاً عن وصفها بقدم
أو بقاء فضلاً عن كون ذلك القدم والبقاء فيها هو بالذات أم لا، وإن
كان الباقي محدثاً فمحل نظر هل بقاؤه بذاته أم بفاعل تلك الذوات ؟
إن قيل: بالأول. فيشكل عليه الإجماع أنه لا باقي إلا الله وأن كل
شيء سواه تعالى هالك ولزوم استغناء الوجود عن الله تعالى في وجوده
فيكون موجوداً بذاته وهو محال لأنه يصير بذلك قديماً. وإن قيل:
بالثاني. فيشكل عليه ما تقدم في الفرع الأول أن البقاء ليس معنى
زائداً على ذات الباقي وأن تحصيل الحاصل محال.
(1/173)
ويمكن الجواب على ما
يرد على الأول بأن الإجماع محله غير محل البحث الذي نحن بصدده،
لأنهم إنما أجمعوا على ذلك بمعنى أن الله تعالى يفني كل شيء ويهلكه
لقيام الدليل السمعي بذلك ودلالة العقل على إمكانه وكلامنا في
بقائه حتى يفنيه، وفي بقاء الأجسام والأعراض الباقية في الآخرة هل
هو بالذات أم بفاعل تلك الذوات ؟ ولم يُجمعوا على أنه لا باقي
بذاته لو لم يفنه الله تعالى ويهلكه إلا الله تعالى، وأما لزوم
الاستغناء عن الله تعالى في وجود الباقي، فإن أريد بذلك إلزام
الاستغناء في إيجاد ذلك الموجود فلا يُسلم اللزوم، وإن أريد في
استمراره وجوده فهو محل البحث وللخصم أن يلتزمه بشرط أن لا يفنيه
فاعل الذات، ولا يسبب عليه ما يستلزم إعدامه من طروء ضد ونحوه نحو
ما يذهب منها بشدة الحر والبرد وسائر العاهات كالحيوانات والمياه
والثمار وسائر الخضراوات.
ويمكن الجواب على ما يرد على الثاني بأن ما ذكر في الفرع الأول هو
في هل البقاء صفة زائدة على ذات الباقي، وكلامنا هاهنا هل استمرار
البقا هو بالفاعل أم بنفس الذات ؟ وهو يمكن القول بأن ذلك بالفاعل
من دون أن يكون ثمة صفة زائدة على ذات الباقي إذ لا تنافي بين
القولين، وأما لزوم تحصيل الحاصل فلا يُسلم أن هذا منه لأن تحصيل
الحاصل المحال هو إيجاد الموجود بإعادة إيجاده الأول لا جعله مستمر
الوجود فليس من ذلك.
فقد اندفع ما يرد على كلا القولين، وبقية المسألة محل نظر واحتمال،
فيطلب الترجيح بالدليل الراجح، والأظهر هو القول الثاني لأن
استمرار وجود الشيء هو من جنس إيجاد الشيء وفاعل الجنس هو فاعل ما
هو من جنسه وإلا لزم أن الاستمرار إما مقتضى عن الذات أو مفعول
للذات أو لا فاعل له، الأول باطل للزوم ذلك في كل ذات، وقد علمنا
أن فيها ما لا يبقى كالصوت ونحوه والأخيرين محال، فثبت القول
الثاني، ولزم بطلان الأول لأنه بمقابله.
(1/174)
الثالث: فيما يجري
على الله تعالى من الأسماء بمعنى موجود، ومعنى قديم، ومالا يجري
عليه منها وإن أفاد الوجود، فالذي يجري عليه بمعنى قديم ثابت في
الأزل عند أئمتنا عليهم السلام على رواية الأساس، ولا نعلم فيه
خلاف إلا في إطلاقه على غيره تعالى عند مثبت الذوات في القدم، فأما
الأزلي فينظر فيه هل ورد السمع به أم لا ولم يرد في القرآن، والسنة
شرطها التواتر فيما يرجع إلى مسائل الأصول، فينظر في معناه إذا كان
يطلق عليه تعالى حقيقة بأن حصل معناه في حق الله تعالى على جهة
الحقيقة ولا يستلزم إيهام خطأ، فأصول أئمتنا عليهم السلام
وموافقيهم لا تمنع منه، ويأتي على أصول القائلين بأن الأسماء
توقيفية المنع إلا أن يرد في سنة أو إجماع فهذا هو مقتضى أصولهم.
فعلى أصل أئمتنا عليهم السلام ينظر أولاً معناه في اللغة قال السيد
هاشم بن يحيى رحمه الله تعالى في تعليقه على شرح القلائد للنجري
وحاشيته للعلامة سيدي الحسن بن أحمد الجلال رحمهما الله ما لفظه:
الأزل على ما في التعريفات: استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير
متناهية في جانب الماضي.
كما أن الأبد: استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب
المستقبل.
والأزلي: مالا يكون مسبوقاً بالعدم كذا في التعريفات انتهى.
وإذا كان هذا معناه الحقيقي فقد حصل هذا المعنى في حقه تعالى فلا
مانع من إجرائه على الله تعالى، والله أعلم.
والأول معناه: الوجود قبل وجود كل شيء وكذلك أول الأولين ولا بد أن
يزاد بما ليس له ابتداء.
والآخِر معناه الموجود بعد فناء كل شيء، وكذلك آخر الآخرين ولا بد
أن يزاد بما ليس انتهاء.
(1/175)
والدائم والباقي وقد
مر في مسألة حي: أنهما يفيدان كونه تعالى حياً على سبيل الدوام ولا
منافاة في تعدادهما في البابين، وبعض المتكلمين يقول: باقي ولا ضد
له. ولعله عنده لا يفيد المدح إلا بذلك لمشاركة أهل الآخرة في دوام
البقاء ولأن ما في الدنيا ما يبقى وقتين فصاعداً أو ذات لا
كالذوات، وشيء لا كالأشياء عند القاسمين وظاهر قول الهادي عليه
السلام ، وقال السادة المؤيد بالله وأبو طالب والمهدي عليهم السلام
والجمهور: يجوز بلا قيد لإفادة كونه معلوماً. قال في الأساس: يمتنع
لأنه لا يفيد كونه معلوماً ولا يتضمن مدحاً من دون قيد، وسُبُّوحٌ
قُدُّوس لأنه يفيد تنزيهه في ذاته وصفاته عما لا يليق به. قال
الهادي عليه السلام : القدوس: الذي يستحق من عباده التقديس وهو
التنزيه،وحق لأنه يفيد في اللغة الثبوت، والأبدي والسرمدي لأن
معناهما البقاء الذي لا نهاية له.
وأما مالا يجوز على الله تعالى فقولنا: عين. لأنه يختص الجرم، ونفس
لأنه كذلك، ويفيد الحيوانية ويطلق على الدم وفي الحديث: " ما ليس
له نفس سائل فميته طاهرة " - أي دم ـ،وقوله تعالى:
?وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ? {آل عمران:28}، - أي عقابه -
?تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ?
{المائدة:116}، أي: سري وغيبي ولا أعلم سرك وغيبك.
وأما قولنا: معنى. فلا شبهة في امتناعه لأنه من قبيل الأعراض،
وأبعد من ذلك علة لأنه في الأصل لما يتغير به المحل والحيوان
الصحيح، وفي الاصطلاح ما يؤثر على سبيل الإيجاب والاضطرار بمقابل
الفاعل المختار والكل ممتنع عليه تعالى، وكذلك جسم وجوهر وعرض
لأنها أنواع المحدث وهو تعالى قديم عزيز حكيم.
(1/176)
ولما فرغ عليه السلام
من الكلام فيما يجب لله تعالى من صفات الإثبات تكلم في كيفية
اتصافه تعالى بها وثبوتها له، وجعل الكلام في ذلك راجعاً إلى
الجميع، فذكرها كلها في هذه الجملة لما كان الواجب اعتقاد ثبوتها
له واتصافه بها بكل حال من الأحوال، فذكرها على الوجه الذي يجب على
المكلف، فقال: [ وهو تعالى قديم، قادر، حي، عليم، لم يزل ولا يزال،
ولا يجوز خروجه عن ذلك بحال من الأحوال ]، وهذا لا خلاف فيه بين
المسلمين، وإن خالف جهم وهشام بن الحكم وقالا:إنه لا يعلم المحدثات
إلا عند حدوثها. فلم يخالفا في كونه عالماً في الأزل على الجملة
كعلمه عز وجل بذاته وصفاته وعدم المعدومات ونحو ذلك، وإنما الخلاف
بينهم في كيفية اتصافه تعالى بهذه الصفات، وهل ثمة في الوجود شيء
زائد على ذاته تعالى لأجله كان قادراً عالماً حياً موجوداً من مزية
أو أمر أو حال أو معنى، أم ليس في الوجود شيء من ذلك بل ليس إلا
ذاته المقدسة لأجلها كان قادراً عالماً حياً موجوداً ؟
ولا بد قبل حكاية المذاهب في ذلك وتقرير القول الحق في ذلك من
تقديم تمهيد لذكر حقيقة الصفة والفرق بينها وبين الحكم، وتقسيم
الصفات، وكيفية اتصاف الموصوفات بها على سبيل الاختصار، وقد أفردت
لهذه المسألة مؤلفاً مستقلاً لعظم شأنها ونفعها وعظم الخطر في
الخطأ فيها وسميته: بالبحث المفيد الجاري على محض التوحيد في صفات
الحميد المجيد، فمن أراد الاستيفاء فعليه به أو غيره من مطولات
الفن.
(1/177)
اعلم أن الصفة والوصف
يُستعملان في اللغة بمعنى واحد، وهما مصدران عبارة عن قول الواصف
المتضمن نسبة ما أفاده اللفظ إلى الموصوف يقال: وصفهُ يصفه وصفا،
وصَفَه كوَعَدَه يعده وعداً وعِدَة، وكوزنه يزنه وزناً وزِنَة،
وسواء كان ذلك القول صادقاً في الموصوف بأن كان ذلك المعنى ثابتاً
له، كقولك: زيد كريم. مع حصول الكرم منه، أم كان كاذباً. كقولك:
زيد كريم. مع عدم حصول الكرم منه، فإن الكل يقال له وصف في أصل
اللغة، وقوله تعالى: ?مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا
كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا
خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ
عَمَّا يَصِفُونَ? {المؤمنون:91}، وفي عرف اللغة: ما أفاده قول
الواصف كالكرم مثلاً الذي أفاده قولك زيد كريم، وكالشجاعة والعلم
في قولك: زيد شجاع عالم، وأما في اصطلاح المتكلمين فقد اختلفوا في
ذلك، فمن ذهب منهم إلى أن صفات الباري سبحانه وتعالى ذاته. فَرَّق
بين الصفة شاهداً أو غائباً، ففي الشاهد هي ما أفاده قول الواصف
وهو المعنى القائم بالموصوف كالكرم والشجاعة والعلم فلا فرق عندهم
بين الحقيقة العرفية والاصطلاحية شاهداً، وأما غائباً فلا تحد
عندهم بحد ولا تحقق بماهية إذ هي ذاته عز وجل وذاته تعالى لا تحد
إذ لا تدخل تحت جنس فتفصلها عن غيرها بالنوع، ذكر معنى ذلك سيد
المحققين قدس الله روحه.
(1/178)
قلتُ: ومراده عليه
السلام أنها لا تحد بالحد الذاتي وهو الذي يتصور به ماهية الشيء
وهُوِّيتِه كما إذا قيل ما الخمر ؟ فيقال: الشراب المسكر أو
الرسمي، وهو الذي يتألف من لوازم الشيء العارضة لذاته اللازمة لها،
كما إذا قيل: ما الإنسان ؟ فيقال الطويل القامة الماشي على الرجلين
البادي البشرة العريض الأظفار، فأما بالمعنى الثالث من معاني الحد
وهو شرح الاسم بلفظ مرادف له أو أجلى منه، كما إذا قيل: ما العقار
؟ فيقال الخمر، وما الغضنفر ؟ فيقال: الأسد، وما القادر ؟ فيقال:
من يصح منه الفعل، فهذا لا يمنع حد الصفة أي شرحها به سواء أردنا
الصفة شاهداً أو غائباً.
(1/179)
ومن ذهب منهم إلى: أن
صفات الباري تعالى أموراً زائدة على ذاته. لم يفرق بين حد الصفة
شاهداً وغائباً وجعلها تأتي لمعنيين أعم: وهو كل أمر يعلم للذات
زائداً عليها تعلم الذات من دونه، وإنما جعلوا هذا أعم لأنه يدخل
تحت صفات الإثبات كقادر وعالم وحي ونحو ذلك، وصفات النفي كليس
بضاحك وليس بجسم وليس له ثان ونحو ذلك، ويدخل تحته الحكم: وهو ما
يعلم للذات باعتبار غيرها أو ما يجري مجرى غيرها كالمماثلة
والمخالفة والزوجية والأبوة والبنوة، فلا يعلم هذا الوصف للذات إلا
باعتبار غيرها فيسمونه حكماً لما كان لا يعلم للذات إلا باعتبار
غيرها، والذي يجري مجرى الغير وجود الذات فإنه عندهم يجري مجرى غير
الذات لما كان زائداً عليها، فيتعلق الحكم وهو صحة الفعل لإيجاد
المقدور بين ذات المقدور وبين وجودها الذي يجري مجرى غيرها. وأخص:
وهو أمر يعلم للذات زائداً عليها راجع إلى الإثبات تعلم الذات من
دونه من دون اعتبار غيرها أو ما يجري مجرى غيرها ولا يعلم على
انفراده من دونها، فأرادوا بقولهم راجعاً إلى الإثبات إخراج صفات
النفي فليست بصفات بالمعنى الأخص، وأرادوا بقولهم: من دون اعتبار
غيرها الخ. إخراج الأحكام فليست بصفات بالمعنى الأخص، وأرادوا
بقولهم: ولا يعلم على انفراده من دونها. إخراج المعاني كالحلاوة
والحموضة والحمرة والصفرة والقدرة والعلم والحياة، فإن هذه معاني
تعلم على انفرادها من دون تصور الذوات القائمة بها، فإن الحلاوة
تعلم على انفرادها من دون أن يعلم هل حلاوة عسل أم سكر أم عنب، وإن
كان في الخارج لا توجد إلا في تلك الذوات أو نحوها وكذلك سائرها،
فإنها عندهم ليست بصفات بالمعنى الأخص بل بالمعنى الأعم.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنهم بعد ذلك فاعلم يقسمون الصفات إلى خمس:
ذاتية،ومقتضاة، ومعنوية، وبالفاعل، وصفة الفعل، وعند جمهور أئمتنا
عليهم السلام ومن وافقهم إلى اثنتين فقط: صفات ذات، وصفات فعل.
(1/180)
فصفات الذات: ما قد
عرفت بما حكيناه عنهم أنها شاهداً عبارة عن المعنى الذي أفاده قول
الواصف،وغائباً لا تحد بالماهية أو بالرسم بل بالشرح لمعنى اللفظ
فقط.
وصفات الفعل: ما نثبت للمتصف بها باعتبار أنه فعل الحدث المشتق منه
ذلك الوصف كخالق لفعله الخلق، ورازق لفعله الرزق، وقابض، وباسط،
ومحيي، ومميت ونحو ذلك، ولا يثبتون صفة ذاتية في حقه تعالى ولا
مقتضاة بل يقال: لها صفات ذات. ويجعلون المعنوية والتي بالفاعل
وصفة الفعل داخلة في صفات الفعل، وكذلك الذاتية والمقتضاة في
الشاهد جعلوها كلها من قسم الصفات التي لا تكون إلا بالفاعل كالجسم
مثلاً فإن فيه صفة ذاتية، وهي ما يألف الجسم وحصل منها وهو الطول
والعرض والعمق، ومقتضاة وهو التحيز وجواز التجزي والانقسام،
ومعنوية وهو اللون والطعم ونحوهما، فعند جمهور أئمتنا عليهم السلام
ومن وافقهم: أن جميع ذلك بفعل فاعل الجسم، وعند البهاشمة ومن
وافقهم: أن ليس بفعل فاعل الجسم إلا صفته الوجودية أي إيجاد الجسم
دون ذاته فهي ثابتة في الأزل ودون المقتضاة فهي مقتضاة عن ذاته متى
وجدت، وقالوا في العَرَض: إنما هو تعالى فاعل صفة العرض الوجودية
وهي إيجاد اللون ونحوه دون ذاته، فهي ثابتة في الأزل ودون كونه
هيئة للمحل فهي مقتضاة عن ذاته متى وجدت، فالصفة المقتضاة عندهم
وكون الذات ذاتاً ليست بفعل فاعل الجسم والعرض بل كونهما ذواتاً
ثابتة في الأزل، والمقتضاة هي حاصلة على سبيل الإيجاب بالاقتضاء
عند وجودهما.
(1/181)
وإنما قسم جمهور
أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم الصفات إلى قسمين فقط، صفات ذات
وصفات فعل، اعتماداً على القسمة الدائرة بين النفي والإثبات وهي أن
يقال: الصفة المنسوبة إلى المتصف بها لا تخلو إما أن تكون باعتبار
نسبة شيء يرجع إلى ذاته ويقوم بها أو لا، الأول صفات الذات،
والثاني الذات، فعلت الحدث المشتق صيغة الوصف من مصدره أو لا،
الأول صفات الفعل، والثاني ليس بصفة اصطلاحية بل هو قول كاذب يسمى
وصفا لغة كوصف المثلثة الله تعالى بالتثليث، والمجسمة بالتجسيم،
والمجبرة بأنه خلق أفعال العباد، وهذا واضح.
والبهاشمة ومن وافقهم يقال في تقسيمها إلى خمس، الصفة إما أن تثبت
للمتصف بها باعتبار أنه فعل ما اشتقت منه أو لا، الأول صفات
الأفعال، والثاني إما أن يكون لذات الموصوف بها أو لا، الأول
الذاتية، والثاني إما أن تثبت للمتصف بها لأجل صفته الذاتية أو لا،
الأول المقتضاة، والثاني إما أن تثبت للمتصف بها الوجود معنىً فيه
أو لحدوث ذاته أو لا، الأول المعنوية، والثاني التي بالفاعل، وقد
عرف ذلك التقسيم حدودها قالوا: والذوات المتصفة بها تكون هذه
الصفات الخمس صفات لها ثلاث لا رابع لها: ذات جسم، وذات عرض، وذات
الباري تعالى.
فالجسم يستحق من جهة الذات الذاتية كالطول والعرض ونحوهما، ومن
الاقتضاء المقتضاة كالتحيز وجواز التجزي والانقسام ونحوهما، ومن
جهة المعنى المعنوية كحالي وحامض وأسود وأبيض ونحوهما، ومن جهة
التي بالفاعل والأربع الأُول فقط إن لم يفعل شيئاً.
والعرض يستحق من جهة الذات الذاتية وهي كونه يقوم بالجسم ولا يشغل
الحيز عند حدوثه، ومن جهة الاقتضاء المقتضاة وهي كونه هيئة للمحل
ولا يقوم بنفسه،ومن جهة التي بالفاعل كونه موجوداً فاستحق منها
ثلاثاً ولا يستحق المعنوية، لأن المعنى لا يقوم بالمعنى ولا صفة
الفعل لأنه لا يصح من العرض أن يفعل فعلاً.
(1/182)
والباري تعالى يستحق
من جهة الذات الذاتية وهي الصفة الأخص عند أبي هاشم وموافقيه أو
نفس الذات المقدسة عند أبي علي ومن وافقه في نفي الصفة الأخص، ثم
اتفقا في وصفه تعالى بقادر وعالم وحي وموجود أنها مقتضاة عن نفس
الذات عن أبي علي أو عند الصفة الأخص عن أبي هاشم، فاستحق سبحانه
وتعالى من جهة الذات الذاتية، ومن جهة الاقتضاء المقتضاة، ويستحق
من جهة المعنى المعنوية كمريد وكاره، ومن جهة أنه فعل الخلق صفة
الفعل فاستحق أربعاً من الصفات الخمس، ولا يستحق الخامسة وهي التي
بالفاعل لأنه لا فاعل له تعالى لأنه قديم، وجعلوا الذوات الثلاث
ثابتة كلها في الأزل، وليست كلها موجودة في الأزل إنما الموجود
منها في الأزل ذات واحدة وهي ذات الباري تعالى، وجعلوا الصفات كلها
أموراً زائدة على الذوات لا توصف بوجود ولا عدم، وليست بأشياء
مستقلة يصح تعلق العلم بها على انفرادها بل تعلم تبعاً للذات،
وليست لا شيئاً أصلاً لأنها معلومة بالتبعية للعلم بالذوات القائمة
بها، وفرعوا من ذلك من قولهم: الصفات لا توصف. وجعلوا صفة مدرك
مقتضاة عن صفة حي بشرط وجود المدرَك ولا يوصف بها في الأزل بل عند
وجود المدرَك بخلاف الأربع الأول فيوصف بها في الأزل لأنها مقتضاة
عن الذات أو عن الصفة الأخص، وهي مقتضاة عن الذات والذات موجودة في
الأزل، ويجعلون صفة مدرِك متحددة عند وجود المدرَك وليس بحادثة عند
وجود المدرَك، وصفة سميع بصير بمعنى حي لا آفة به يوصف بهما في
الأزل، وسامع مبصر متجددة كمدرِك، وصفة مريد وكاره جعلوهما في حق
الله تعالى لأجل معنيين هما: نفس الإرادة والكراهة حادثين عند وجود
المراد، والمكروه يحدثهما الله تعالى في غير محل لكن يختصا به على
أبلغ الوجوه بمعنى لو كان تعالى كُلاًّ للمعاني لخلافيه كالشاهد،
ويخلقهما الله تعالى وهو غير مريد لهما إذ لو أرادهما لاحتاجا إلى
الإرادة وتسلسل، وهذا مع كونه مبنياً على القول بثبوت الذوات في
العدم،
(1/183)
وقد مر إبطاله بما لا
مزيد عليه فهو باطل من وجوه:
منها: أنهم جعلوا صفات الذات في الباري تعالى ما بين مقتضي ومقتضى،
وهما كالعلة والمعلول لا فرق بينهما إلا أنهم فروا عن العلة
والمعلول لشناعتهما، وأتوا بما في معناهما لأن العلة هي ما يؤثر
على سبيل الإيجاب ويستحيل تخلف المعلول عنها، والمقتضي: هو يؤثر
على سبيل الإيجاب ويستحيل تخلف المقتضى عنه.
فإن قالوا: الفرق أن العلة مؤثرة في المعلول وليس المقتضي مؤثراً
في المقتضى.
قلنا: ففسروا لنا ما معنى يقتضي ؟
فإن كان بمعنى يُوجد مقتضاة عند وجوده. قلنا لهم: فهل كان ذلك على
سبيل الإيجاب فهو العلة فلا فرق حينئذ بين أن يقال يؤثر أو يقتضي،
أم كان لا على سبيل الإيجاب بل على سبيل الاختيار فهو باطل بلا
تناكر لخروجه إلى الفاعل والمفعول، فيلزم حدوث الصفات المقتضاة
وكون المقتضية قادرة عالمة حية موجودة، فإما لذاتها فكان يجب ذلك
لذات الباري تعالى من أول وهلة واسترحتم عن هذه المحالات بأصلها،
وإما لأجل صفات أُخر أخص مقتضيات لها قيل فيها ما قيل فيما قبلها
وتَسَلْسَل.
ومنها: تقسيماتهم صفات الباري تعالى إلى تقسيمات ما أنزل الله بها
من سلطان، فجعلوا بعضها مقتضىً عن الذات المقدسة عن أن تنالها
الأوهام أو يتطرق إليها الانقسام كالصفة الأخص،وبعضها مقتضىً عن
المقتضى كالصفات الأربع قادر وعالم وحي وموجود، وبعضها مقتضي عن
المقتضى عن المقتضى كصفة مدرِك وسامع مبصرة، مقتضاة عن حي، وبعضها
مقتضي بشرط غير مشروط في سائرها كالثلاثة الأخيرة مقتضاة عن حي
بشرط وجود المسموع والمبصَر وسائر المدرَكات، وبعضها بشرط خلاف
الشرط المذكور كقادر وعالم وحي وموجود مقتضاة عن الصفة الأخص بشرط
وجود الذات عند أبي هاشم، وبعضها عن نفس الذات بشرط وجود الذات
كالصفات الأربع عند أبي علي، والصفة الأخص عند أبي هاشم.
(1/184)
ومن المعلوم ضرورة أو
استدلالاً أن هذا التقسيم المختلف الأطراف والمتعدد الأوصاف إن كان
مطابقاً لما في الخارج لزم التعدد في الأزل، فما اعترضوا به على
الأشاعرة في إثبات المعاني القديمة من أنه يلزم أنها آلهة فهو وارد
عليهم،وإن لم يكن مطابقاً لما في الخارج فهو حقيقة الكذب.
ومنها: ما قالوه في غير صفة مريد وكاره من هذه الصفات من الأقوال
المعلومة التناقض نحو قولهم لا هي الله ولا هي غيره، ولا موجودة
ولا معدومة، ولا قديمة ولا محدثة، ولا شيء ولا لا شيء مع أنهم
يعيبون ذلك على الأشاعرة في قولهم في المعاني: لا هي الله ولا
غيره، ولا شيء ولا لا شيء. ثم فارقوا الأشاعرة بقولهم: لا موجودة
ولا معدومة، ولا قديمة ولا محدثة، والأشاعرة: فهي موجودة قديمة.
ومنها: ما قالوه في صفة مريد وكاره من المحالات الظاهرة كما سبق
حكاية مذهبهم في هاتين الصفتين، وسيأتي الكلام فيهما في العدل
إنشاء الله تعالى.
نعم وقد ظهر لك أيها المطلع من جميع ما مر مذاهب بعض المتكلمين في
هذه المسألة إجمالاً، فلنورد الجميع تفصيلاً، ثم نردد كل قول منها
إلى أصول التوحيد المجمع عليها، فما عاد عليها بالتقوية والتأييد
فهو الحق الذي لا ريب فيه، وما عاد عليها بالمناقضة والتبعيد فهو
الباطل الذي لا يجوز المصير إليه.
(1/185)
فنقول: قال في الأساس
وشرحه: قال جمهور أئمتنا عليهم السلام والملاحمية أصحاب الشيخ
محمود الملاحمي من المعتزلة: وصفات الله تعالى ذاته وفاقاً لأبي
الحسين البصري والرازي وغيرهما قال في الشرح: كأبي القاسم البلخي
وابن الإخشيد وسائر شيوخ البغداديين، فإن هؤلاء جميعاً يوافقون في
صفته تعالى الوجودية: أنها ذاته تعالى، قال عليه السلام : ومعناه
أي معنى أن صفات الله هي ذاته: أنه تعالى قادر بذاته لا بأمر غيره
زائد على ذاته ونحو ذلك أي عالم بذاته، وحي بذاته، وسميع بصير
بذاته، والمعنى ليس إلا ذاته كما ذكرناه من قبل الخ، وقوله عليه
السلام : وفاقاً لأبي الحسين ومن ذكر، من صفته الوجودية يعنى أنهم
يوافقونا في صفة موجود أنها ذاته تعالى وليست أمراً زائداً على
ذاته كما تقوله البهاشمة وسائر من أثبت الذوات في العدم، وأما ما
عداها من كونه تعالى قادراً وعالماً وحياً وسميعاً وبصيراً فإنهم
يخالفونا فيها، فأبو الحسين يقول هي مزايا. والرازي يقول: هي معان.
كما نص عليه في تفسيره مفاتيح الغيب في سورة البقرة فقال: إن العلم
معنى قائم بذات الله تعالى. واستشكله بأنه يلزم التركيب في ذات
الله تعالى، وقال: لا نعلم كيف هذا العلم هذا معنى كلامه، ولعل
مراده بقوله: لا نعلم كيف هذا العلم. هل هو من قبيل الاعتقاد
الجازم أو مجرد التجلي والوضوح أم لا بل هو أمرٌ زائد صفة لله
تعالى كما تقوله الأمورية ؟ وأما أبو هاشم وابن الإخشيد وسائر شيوخ
البغداديين فلعلهم موافقون للبهاشمة فيها وسيأتي حكاية مذهبهم، قال
عليه السلام : قال بعض أئمتنا عليهم السلام وهو الإمام المهدي أحمد
بن يحيى عليهما السلام ومن تبعه على ذلك وبعض شيعتهم كالشيخ الحسن
الرصاص والفقيه يحيى بن حسن القرشي وأبو علي في بعض الروايات
والبهشمية وهم أبو هاشم وأتباعه: بل هي أي صفاته تعالى أمور زائدة
على ذاته تعالى، قال الشارح حكاية عنهم:لا هي الموصوف ولا غيره،
ولا شيء ولا لا
(1/186)
شيء، ووافقهم أبو
الحسين على رواية المتن في المزايا في قولهم: لا هي الله ولا غيره
ولعله يوافقهم في قولهم: لا شيء ولا لا شيء.
وقال القرشي في المنهاج: اتفق أهل العدل على: أن الله تعالى
يستحقها لذاته أو لما هو عليه من ذاته ولا يحتاج في ثبوتها إلى
مؤثر.
واتفق أهل الجبر على: أنه يستحقها لمعان. ثم اختلفوا، فقالت
الصفاتية: لا توصف بقدم ولا غيره لأنها صفات، وقال ابن كَلاَّب:
أزلية. وقال الأشعري: قديمة. واتفقا على: أنها لا هي الله ولا غيره
ولا بعضها هو البعض الآخر ولا غيره، وقالت الكرامية: أغيار لله
تعالى قديمة، أعراض له في ذاته انتهى.
قوله: اتفق أهل العدل أنه يستحقها لذاته، يعني بذلك قول أبي هاشم
ومن وافقه في إثبات الصفة الأخص، وقول أبي علي ومن وافقه في نفي
الصفة الأخص، ولعله أراد إدخال قول الملاحمية وأبي الحسين معهم
ليصح له قوله: اتفق أهل العدل، وقد رأيت على رواية الأساس أن
الملاحمية وجمهور أئمتنا عليهم السلام يقولون: إنها هي الذات. ولم
يتعرض لذكر هذا القول مع أنه هو الصحيح. ولعله لما كان يشترك هو
وقول سائر أهل العدل في نفي المعاني جعلهما قولاً واحداً بالنظر
إلى ذلك وإلا فهما قولان، لأن البهشمية والبعلوية يجعلونها أموراً
زائدة على الذات مقتضاة عنها بواسطة الصفة الأخص أولاً حسبما مر
تحقيق الخلاف بينهم.
قلت: فهذه حكايات المذاهب المشهورة في هذه المسألة، وقد حكى الجلال
رحمه الله تعالى في حاشيته على القلائد أقوالاً غيرها حتى أنهاها
إلى تسعة أقوال، وانتصر للقول الأول الذي هو قول جمهور أئمتنا
عليهم السلام، ولا حاجة بنا إلى ذكر سائر الأقوال التي حكاها لأنها
إما راجع إلى ما ذكر أو غير مشهور عن من نسب إليه، فترك حكاية ذلك
عنه أسلم.
(1/187)
وحينئذ فنقول: إذا
عرفت أيها الطالب هذه المذاهب جميعها وأمعنت النظر فيها وجدت القول
الأول ليس فيه ما يقدح في شيء من أصول التوحيد ومسائله المتقررة
المجمع عليها بين أهل الإسلام، ولا مناقضة للقضايا العقلية كقول
بعضهم: لا هي لله ولا غيره، ولا شيء ولا لا شيء ونحو ذلك من
الأقوال المتناقضة المتنافية.
ولنقرره بمثال في الشاهد يعلم به أنه هو الحق بلا مرية، وهو: أنا
إذا رأينا بناءً أو نجارة أو غير ذلك من الأفعال المشاهدة، فإنا
نعلم أنه لا يصح وجودها وإحكامها إلا من ذات متصفة بثلاث صفات،
فالذات ذات زيد الفاعل وهي الجسم المشاهد، والصفات الحياة والعلم
والقدرة، لكن لما علمنا بالأدلة القاطعة أن هذه الحياة والقدرة
والعلم هي من جملة الأعراض والمعاني الداخلة في جملة مخلوقات الله
عز وجل كما مر في مسألة إثبات الصانع وأكد ذلك السمع القطعي في
قوله تعالى: ?خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ?{الملك:2}،
?خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً?
{الروم:54}، ?وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ
لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ? {النحل:78}، ?وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ
?{البقرة:282}، ?لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا?
{الحج:5}، علمنا أنها مستحيلة على الله تعالى. وقد تقرر أن الله
تعالى قادر عالم حي، فلم يبق إلا القول بأن ذاته تعالى سادة مسد
الجميع، وأنه يصح منه الفعل لمجرد ذاته تعالى من دون احتياج إلى
تلك المعاني التي هي القدرة والعلم والحياة لاستلزام الحاجة إليها
والله الغني إجماعاً كما سيأتي أيضاً، وهو قديم إجماعاً كما سبق
واستلزام التعدد وهو تعالى واحد في ذاته فلا يجوز على ذاته تعالى
التعدد والتركيب من الماهيات المختلفات إجماعاً لاستلزام الحدوث
وهو تعالى قديم، فلم يبق إلا القول بنفي تلك المذكورة سواء سميناها
مزايا أو صفاتاً أو أموراً أو أحوالاً أو معانٍ فالكل اختلاف في
(1/188)
اللفظ واتفاق على ما
قضى العقل بنفيه وتنزيه الله تعالى عنه والحكم بأن القدرة والعلم
والحياة في حقه تعالى لا وجود لها البتة، وذاته تعالى في صحة الفعل
وتدبيره وإحكامه مستغنية عنها.
لا يقال: فيلزمكم إذ قد نفيتموها أن تنفوا ما اشتق منها فلا يقال
له: قادر عالم حي.
لأنا نقول: قد تقدم أن القادر هو من صح منه الفعل أعم من أن يكون
لأجل قدرة فيه كالشاهد ولأجل ذاته كالباري تعالى، والعالم: من يصح
منه الفعل المحكم أعم من أن يكون لأجل علم فيه كالشاهد أو لأجل
ذاته تعالى، والحي: من يصح منه الفعل والتدبير أعم لا كل من أن
يكون لأجل حياة فيه كالشاهد أو لأجل ذاته كالباري تعالى.
لا يقال: إذا جعلتم الصفات هي الذات لزم اختلاف الذات لاختلاف تلك
الصفات.
لأنا نقول: لا نسلم لزوم الاختلاف بعد نفي حقائق تلك الصفات وإثبات
السَّادَّةِ سَادَّةٌ مَسَّدَ الجميع.
دليله أنها صارت كلها عبارة عن كونه تعالى يصح منه الفعل، وليس في
زيادة الإحكام نفي الاقتدار على غير الحكم.
وبعد فهذا لازم للجميع لأن من جعلها صفاتاً أو معانياً قائمة بذاته
أو أموراً مقتضاة عن ذاته، لزمه اختلاف الذات باختلاف ما قام بها
أو بحسب اختلاف ما اقتضته، بل الإلزام مع إثبات الأمور والمعاني
والصفات المتعددات أدخل وأظهر في لزوم اختلاف الذات، بل لا يسلم
لزومه إلا في هذه الأقوال دون الأَول.
لا يقال: اختلاف المفاهيم في قادر وعالم وحي يدل على اختلاف الذات
باختلاف مفاهيم هذه الصفات، فمفهوم قادر ليس بعاجز، ومفهوم عالم
ليس بجاهل، ومفهوم حي ليس بميت ولا جماد، فاختلفت هذه المفاهيم
فيلزم اختلاف الذات باختلافها.
(1/189)
لأنا نقول: ما ثبت
اختلاف الذات باعتبار المنطوقات، فكيف يثبت باعتبار المفهومات على
أن جميع هذه المفاهيم راجعة إلى السلب، والسلب لا يقع به تماثل ولا
اختلاف لأن التماثل والاختلاف لا يكونان إلا بعد وجود المختلفين أو
المتماثلين ثم يختلفان أو يتماثلان في صفة تخص أحدهما أو تعمهما
مهما لم يكن الاختلاف بنفس الذات وأنتم لا تسلمونه، وبعد فالإلزام
لازم للجميع بل هو ألزم لقولهم، فما أجابوا به فهو جوابنا.
يزيده وضوحاً أنها قد تختلف المفاهيم ولا يختلف الشيء باختلافها
كما نقول هذا الشيء مشيراً إلى جسم معين هو يمنة المسجد، ويسرة
الحانوت، وأمام البيت، وخلف الاصطبل، ولا تختلف ذات ذلك باختلاف
هذه الألفاظ المذكورة لا بمنطوقها ولا بمفهومها، ويؤكد ذلك كون
السلب لا يقع به تماثل ولا اختلاف أن المعدومات لا يقع فيها تماثل
ولا اختلاف إلا بعد وجودها ووجود صفة قامت بأحدهما دون الآخر في
الاختلاف أو قامت بهما معاً في التماثل، فأما والذات واحدة قد نفي
عنها كل أمر زائد عليها فبينها وبين الاختلاف بون بعيد، ومقارنة
الأمور الزائدة عليها أو قيام المعاني المتعددة بها يستلزم
الاختلاف الذي ليس عليه من مزيد، فثبت بما ذكرناه أن الصفات هي
الذات في حقه تعالى، وأن هذا القول لا ينافي شيئاً من الأصول
والمسائل المجمع عليها في التوحيد ولا مناقضة فيه لشيء من القضايا
العقلية، وأن ما عداه سيما القول بالمعاني قول يعود على الأصول
والمسائل المجمع عليها بالمناقضة والإبطال، وما عاد على الغرض
المقصود وهو التوحيد بالمناقضة والإبطال فهو بالإبطال أولى، فلم
يبق إلا القول بأنه تعالى قادر، وعالم، وحي، وعالم، وموجود بذاته
فيما لم يزل وفيما لا يزال، ولا يخرج عن ذلك بحال من الأحوال من
دون أمر أو صفة أو حال أو معنى يوجب له لذلك أو يصححه له، [ لأنه ]
تعالى [ لو لم يكن كذلك ]، أي قادر وعالم وحي وقديم بذاته، بل كان
لأمر غير ذاته أو كان يجوز
(1/190)
خروجه عن ذلك في أي
حال من الأحوال [ لم يكن له بُدٌّ من ] أحد أمرين كلاهما باطل
محال، إما [ فاعلٍ فعله، وجاعلٍ على صفات الكمال ]، وهي كونه تعالى
قادراً على كل المقدورات عالماً بجميع كل المعلومات حياً دائماً لم
يزل ولا يزول [ جعله، ] وهذا مع كونه باطلاً من جهة لزوم حدوثه
تعالى فهو باطل من جهة لزوم النقيضين، وهو أن من صفات الكمال أن
يكون تعالى قادراً على كل شيء، فيكون قادراً على ذلك الفاعل له
تعالى، فيلزم في كل واحد منهما أن يكون قادراً مقدوراً للآخر وهو
مستحيل، وذلك لأن كل واحد منهما من حيث أنه قادر يجب أن يكون
موجوداً ليصح منه الفعل، ومن حيث أنه مقدور يجب أن يكون معدوماً
ليصح من الآخر إيجاده، والجمع بين الوجود والعدم في ذات واحدة
محال، وأيضاً فإن من صفات الكمال أنه حي دائم لم يزل - أي فيما ليس
له ابتداء - وفيما لا يزال - أي فيما ليس له انتهاء - فهو قديم،
فإذا فرض مع ذلك فاعل فعله لزم اجتماع الحدوث والقدم، وهو جمع بين
النقيضين محال بكل حال.
(1/191)
الأمر الثاني من
الآخرين الباطلين: فيما إذا لم نقل أنه تعالى قادر عالم حي لم يزل
ولا يزال بذاته أشار إليه عليه السلام بقوله [ أو يكون ] ذلك
المذكور من كونه قادراً وعالماً وحياً ليس ثابتاً له تعالى لذاته
بل [ لِعِلَّةٍ، ] أوجبت له تعالى تلك الصفات فإما موجودة أو
معدومة، الثاني باطل إذ لا تأثير للمعدوم، والأول إما قديمة فلا
قديم سوى الله تعالى، وإما محدثة لزم حدوثه تعالى من فرض العلة
المحدثة ومن فرض أن ذلك لفاعل فعله تعالى، فأشار عليه السلام إلى
بطلان الطرفين بقوله [ وقد ثبت أنه تعالى قديم، ] ثم أشار إلى
بطلان هذه التقادير اللازمة من القول بأن الصفات ليست لله أتت في
حقه تعالى من لزوم خروجه عن كونه تعالى قادراً أو نحوه أو فاعلاً
له أو علة قديمة أو محدثة بقوله عليه السلام [ فلا يصح القول بشيء
من ذلك. ]، ويريد عليه السلام بالعلة مؤثراً فيه تعالى على سبيل
الإيجاب لغيره بمقابل الفاعل فلا يرد عليه قول مثبتي الصفة الأخص
التي اقتضتها ذاته وهي اقتضت الصفات الأربع ولا قول من قال إن
الصفات الأربع، مقتضاة عن الذات. وإن كان قد تقدم عليه من المناقشة
ما يلزمهم القول بذلك، لأن المؤلف عليه السلام حكاه شيخنا صفي
الإسلام مع من يقول: إن الصفات ليست هي الذات، ولم ينقل عنه القول
بالصفة الأخص كالإمام المهدي أحمد بن يحيى عليهما السلام والنجري
والقرشي، فلعله عليه السلام ممن يقول بقول البعلوية: إن الصفات
واجبة لأجل الذات وليست هي الذات. وقد حكى شيخنا رحمه الله تعالى
القول الأول عن الهادي، والحسين بن القاسم العياني، والواثق،
والسيد حميدان، والإمام يحيى والمهدي أحمد بن الحسين، ومحمد بن
يحيى القاسمي، والمرتضى بن المفضل، والإمام محمد بن المطهر، والسيد
الهادي ابن يحيى، والإمام القاسم بن محمد، والإمام الشرفي عليهم
السلام، ثم قال: وغيرهم. فحكى عنهم جميعاً: أنها نفس الذات ونسبتها
إلى الذات كإضافة الوجه والنفس
(1/192)
لأنها قديمة ولا قديم
إلا هو، وذاته تعالى مؤثرة في المقدور لا بصفة فذاته حقيقة القدرة
ونحو ذلك، ومآله إلى نفي الصفات مع حصول نتائجها من الذات. فهذا
لفظه رحمه الله تعالى في السمط، وينبغي تأمله والاستدراك عليه
ليظهر المراد منه وذلك من وجوه:
أحدها: قوله: إنها هي نفس الذات، ليس على ظاهره إن ثمة متعددات
يقال لها نفس الذات كما توهمه العبارة، وإنما المراد أن المتعددات
في الفاعل غيره كما مثلنا أن الفعل لا يصح إلا بعد وجود ذات زيد
والعلم والقدرة والحياة فيه، فهذه الأربع المتعددات في الشاهد هي
في حق الباري لا وجود لشيء منها إلا الأول فقط وهو الذات، لكن لما
سدت الذات مسد الثلاث الصفات أطلق على الصفات أنها نفس الذات لما
حصل عن الذات ونتج منها ما نتج ويحصل من تلك الصفات في الخارج، وهو
صحة الفعل وإحكامه وتدبيره.
وثانيها: قوله رحمه الله تعالى: وذاته تعالى مؤثرة في المقدور.
يعني لا على سبيل الوجوب بل على سبيل الصحة والاختيار وإلا كان
كقول الفلاسفة.
(1/193)
وثالثها: قوله رحمه
الله تعالى: فذاته حقيقة القدرة، في العبارة قلق وليس على ظاهره
لأنا قد نفينا القدرة ونحوها عنه تعالى من سائر المعاني، ومراده
رحمه الله تعالى فذاته تعالى قائمة ونائبة مناب القدرة وسادة مسدها
وكذلك سائرها، ثم حكى القول الآخر عن أئمتنا عليهم السلام بما
لفظه: الثاني نفي حقائق الصفات وإثبات أحكامها من الذات، فيقال
عالم لذاته لا لعلم وكذا في الباقي ويثبتون القادرية والعالمية،
ويقولون: هي نسب وإضافات لا وجود لها في الخارج بخلاف العلم
والقدرة فهي معان فيجب نفيها، وهذه العالمية ونحوها زائدة على
العلم بالذات تحتاج إلى نظر بعد معرفة الذات وأنه يستحقها لذاته
ولما هو عليه في ذاته. وهذا قول الإمام محمد بن القاسم، والمؤيد
بالله وأبي طالب، والسيد مانِكْدِيْم، والدَّيلمي، والإمام المتوكل
على الله، والمنصور بالله، والأمير الحسين، والإمام المهدي
ومعاصريهما، والسيد الهادي بن إبراهيم،والإمام شرف الدين عليهم
السلام قالوا: ولا توصف لأنها اعتبارية، وغلط من روى أنها وجودية
عندهم.
(1/194)
ثم قال رحمه الله
تعالى: هذا ولم أضع قائلاً إلا وقد رأيت له ذلك في كتابه. وأما
الدعاوي فكل من مال إلى مذهب ادعى أنهم معه فرواية السيد حميدان عن
أهل البيت كلهم الأَول ورواية المنصور بالله والمتوكل على الله
وغيرهما الثاني قال: واختلفت الأقوال عن القاسم بن إبراهيم عليهما
السلام فكل يدعيه إلى قوله،وأهل القول الثاني اختلفوا، فمنهم من
قال: يستحقها لذاته. ومنهم من قال: يستحقها للصفة الأخص، قال: وهي
الإلهية المستلزمة للصفات الأربع، وكذلك الخلاف بما خالف الله
خلقه، فقال الهادي عليه السلام ومن معه: بذاته. وقال المنصور بالله
والمهدي وحكوه عن القاسم: بصفته الأخص. وقال باقوهم: بصفاته
الأربع. قال رحمه الله تعالى وأقول: لم يظهر لي فرق بين القولين
لأن مقصود الكل نفي المعاني التي هي العلم ونحوه وكلهم مصرح به،
فمن ثمة ترى الأشاعرة وغيرهم يروون عن العدلية كلهم أن صفات الله
ذاته، قال: وقد حققه جماعة بل حققه إمام الزمان المتوكل على الله
المُحَسِّن بن أحمد عليهما السلام، والمفرق بين الأئمة الهادين
كالمفرق بين النبيين والهادي، والمختار قول الهادي ومن معه إن صح
الخلاف الخ كلامه رحمه الله تعالى.
(1/195)
شبهة القائلين بأن
الصفات ليست هي الذات والجواب عليها
وقد أورد القائلون أن الصفات ليست هي الذات شُبهاً ينبغي معرفة شيء
منها ومعرفة الجواب عليه ليعرف به بطلان سائر ما تمسكوا به ويتقرر
الحق في القول الأول.
فمنها: شبهة القائلين بأن الصفات أمور زائدة على الذات.
قالوا: لو كانت هي الذات لدل عليها ما يدل على الذات.
قلنا: كذلك نقول ولو سلمتم ما اختلفنا.
قالوا: لو كانت هي الذات لما وجب تكرار النظر لأجل معرفتها لأنها
تعلم ضرورة بعد العلم بأنه تعالى فاعل مختار.
الذي ثبت عند الجميع بمجرد العلم بأنه تعالى غير مؤثر على سبيل
الإيجاب بل على سبيل الإرادة والاختيار.
قالوا: لو كان تعالى قادراً بمجرد ذاته لكان كل ذات قادرة بمجرد
ذاتها، فلم يبق إلا القول بأن كل قادر قادر بصفة زائدة على ذاته.
قلنا: من سلم لكم لزوم ذلك في كل ذات سواه سبحانه لأن غيره من
الذوات إما عرض فيستحيل أن يكون قادراً، وإما جسم فإنما استحال أن
يكون قادراً بذاته لأن ذاته جسم، فلا بد لها من معنى يقوم بها وهو
القدرة الحادثة، وأنتم لا تقولون بذلك في حقه تعالى فكذلك يلزمكم
أن لا تقولوا بذلك القياس في إثبات الصفة الزائدة.
وتحقيقه: أنهم قد خرجوا عن مقتضى القياس في إثبات المعنى الذي هو
القدرة ونحوها فليخرجوا عن مقتضاة في إثبات الصفة الزائدة والذات
كافية في إثبات أنه تعالى قادر عالم ونحوهما.
قالوا: قد ثبت أن الله تعالى مخالف لخلقه إجماعاً، ولا يكفي في
المخالفة مجرد الذات لأن الكل ذوات ولا نفس الاتصاف بأنه قادر
وعالم وحي لأن غيره قد شاركه في ذلك، فلم يبق إلا القول بأنه مخالف
لخلقه بصفته الأخص.
(1/196)
قلنا: لا يشترط في
حصول المخالفة وجود أمر مختلف في كل من المختلفين، بل يكفي في
حصوله وجوده في أحد المختلفين دون الآخر، وحينئذ فيكون الاختلاف
بينه تعالى وبين خلقه بأن ذواتهم أجسام وأعراض دون ذاته تعالى
فليست بجسم ولا عرض، فحصل الاختلاف بذلك من دون أن يثبت في ذاته
تعالى أمراً زائداً على ذاته كما ترى، وهذا واضح.
ومنها: شبه القائلين بالمعاني، قالوا: العالم في الشاهد من له علم
محدث عرض يحل القلب تارة يكون ضرورياً، وتارة يكون استدلالياً،
وتارة يكون تصورياً، وتارة يكون تصديقاً، وتارة موجوداً، وتارة
معدوماً، ويتعلق ببعض المعلومات دون بعضها، وكذلك القدرة والحياة
أعراض محدثة حالة في جملة الشاهد وتتعلق القدرة ببعض المقدورات دون
بعض، وتارة تزداد، وتارة تنقص، ويوجد في بعض الشاهد منها مالا يوجد
في الآخر كقدرة الطير على الطيران، والخيل الجياد على الجري الشديد
السرعة المعتذرة على غيرها من نحو الإنسان، والحياة تزول بطروءِ
الضد وهو الموت، فإن أجروا القياس على الشاهد وجوزوا هذه الأوصاف
والأحكام في الباري تعالى فهو كفر إجماعاً، وإن خرجوا عنه فما هم
بأولى بالخروج عنه منا.
وبعد فيقال لهم: ما نتيجة هذه الثلاثة التي هي القدرة والعلم
والحياة في الشاهد ؟
فإن قالوا: نتيجتها صحة الفعل المحكم، وعدم خفا المعلوم عليه.
قلنا: فلتكن هذه الثلاثة عبارة في حقه تعالى من تلك النتيجة بنفس
ذاته لاستحالة تلك الأمور الثلاثة التي هي القدرة والعلم والحياة
في حقه تعالى، وتكون تلك النتيجة ثابتة له تعالى لأجل ذاته تعالى
لا لأجل شيء سواها.
(1/197)
والتحقيق: أن الشاهد
لما كان جسماً والجسم من ذاته لا يصح أن يكون قادراً عالماً حياً
لا بقدرة وعلم وحياة احتاج إلى هذه المعاني ليصح منه الفعل المحكم
ويكون المعلوم معلوماً له،والباري تعالى لما خالف الجسم من حيث أنه
تعالى ليس بجسم استغنى عن هذه الثلاثة المعاني تعالى إذ لا تقوم
إلا بالأجسام وليس بجسم كما تقرر، وهذه الشبهة هي أعظم شبههم،
واحتج لصحتها السعد في شرح العقائد النسفي بأن قال: إن المعتزلة في
نفيهم المعاني المذكورة بمثابة من يقول: أَسود من دون سواد.
والجواب عليه: يقال له من أين لك صحة هذا القياس ؟ أوليس أن السواد
من صفات الأجسام وليس من صفاته تعالى، فأين المصحح للقياس في حقه
تعالى ؟ وقد استحال الأصل المقيس عليه في حقه تعالى وهو السواد بلا
تناكر.
والتحقيق في الجواب: أن السواد لما كان من صفات الأجسام وكون الجسم
أسود وصفاً زائداً على ذات الجسم كان لابد في وصفه بأسود من ثبوت
السواد فيه، وكذلك وصف الجسم بأنه قادر عالم حي لما لم يكن لذاته
كان لابد في وصفه بأنه قادر عالم حي من وجود القدرة والعلم والحياة
فيه، ولا كذلك الباري تعالى في الأصل المقيس عليه وهو السواد حيث
لا يقال تعالى أسود من دون سواد، فلا يصح لك حينئذ القياس إلا لو
ثبت أنه تعالى أسود واستحال أنه أسود بلا سواد، وهذه القضية منتفية
عن الباري تعالى بالإجماع فكيف يصح القياس عليها في وجوب أن يكون
قادراً بقدرة ونحو ذلك، واستحالة أن يكون قادراً بلا قدرة ونحو
ذلك.
فإن قال: قياساً على الشاهد ؟.
(1/198)
قلنا: لا يصح هذا
القياس إلا بعد الجامع بين الأصل والفرع، وهذا الجامع بين الأصل
وهو السواد والفرع وهو القدرة ونحوها هو نفس الجسمية وهو حاصل في
الشاهد دون الغائب، فلم يصح القياس أصلاً، ولما ثبت بالأدلة
العقلية والنقلية واتفق الجميع على أن الله تعالى قادر عالم حي،
وكانت القدرة والعلم والحياة أعراض محدثة الماهية والآنية لم يبق
إلا القول بأنه تعالى قادر عالم حي بلا قدرة ولا علم ولا حياة،
ويكون المراد من وصفنا له تعالى بأنه قادر عالم حي ثبوت نتائج ذلك
وهو صحة الأفعال المحكمة منه تعالى وعدم خفا شيء عليه لذاته لا
لشيء زائد على ذاته، وهذا واضح كما ترى.
وبعد فيقال له: والأشعرية في قولهم: إن القدرة والعلم والحياة
قديمة قائمة بذاته تعالى غير حالة فيه لا هي هو ولا غيره، بمثابة
من يقول أن السواد قديم قائم في الأسود وليس حال فيه ولا هو الأسود
ولا غيره، فإذا كان هذا محالاً، فلنحل ما أقاسه عليه والفرق تحكم
وإلزام ذلك جهالة مفرطة، وهذا واضح.
قالوا: لو كان قادراً بذاته عالماً بذاته لكان ما قدر عليه هو عين
ما علمه، فيجب أن يكون قادراً على ذلك لأنه عالم لذاته.
قلنا: ومن أين يلزم هذا ؟ أوليس أن ذاته من جملة المعلومات وليست
من جملة المقدورات، لأن صفة عالم تتعلق بالمقدورات وغيرها، ولا
تتعلق صفة قادر إلا بالمقدورات فلا يلزم ما ذكروه، وبعد فهذا وارد
عليهم لأنهم موافقون أن الله تعالى عالم بنفسه، فيجب أن يكون
قادراً على نفسه كما أنه عالم بنفسه، ولا فرق بين أن يكون ذلك
لمعانٍ كما يقولون أم لا، فما أجابوا به فهو جوابنا.
قالوا: يصح الأمر بتحصيل العلم وذلك لا يستقيم إلا على القول بأنه
معنى.
قلنا: يصح الأمر ممن وعلى من ؟ فإن الاحتجاج بذلك ما قد كمل حتى
تبينوا ممن وعلى من.
(1/199)
فإن قالوا: من الله
علينا. فمسلم وليس هو أمر بتحصيل نفس العلم لأنه غير مقدور لنا
ابتداء، وإنما هو مسبب عن النظر الموصل إليه فالأمر به أمر بسببه
وهو النظر.
وإن قالوا: من غير الله على الله تعالى. فهو باطل، فلا وجه للتمسك
في هذه المسألة بالمقدمة الأولى مع استحالة الأخرى.
قالوا: قول أهل اللغة: زيد عالم، وزيد قادر، إخبار عن حصول معنى
قائم به، فيجب أن يكون قول الله تعالى في كتابه وعلى ألْسِنَة رسله
وقول الموحدين الله أعلم، والله إخبار عن حصول ذلك المعنى له قائم
به تعالى.
قلنا: هذا من جنس الشبهة الأولى وقد مر جوابها مستوفى فليؤخذ
جوابها منه، ويختص هذا المكان بأن يقال: ومن أين لكم أن أهل اللغة
إنما أرادوا الإخبار بأن لزيد قدرة وعلم ؟ وإن سلم فمن أين لكم أن
الله تعالى ورسله وكل واحد من الموحدين أراد في قوله: الله عالم،
والله قادر الإخبار بأن له قدرة وعلم، وإن سلم فمن أين لكم أن
المراد تلك القدرة والعلم ونحوها هي المعاني التي زعمتموها لأن
الظاهر من اللفظ والمتبادر إلى الفهم منه عنه أن يقال الله قادر
والله عالم، الإخبار بأنه يقدر على الأشياء وأنه يعلمها لا أن
المراد له قدرة وعلماً قديمين قائمين به لا على وجه الحلول فلم
يتطرق إلى فهم أحد سواكم.
(1/200)
دليله: أن جميع
العوام وجميع علماء الإسلام لا يقول بذلك أحد منهم غيركم، وبعد فقد
تتبعنا لغة العرب والمواضع التي ورد فيها لفظ العلم والقدرة في
القرآن، فوجدنا ذلك تارة تطلق على نفس المعلوم كقولهم: هذا علم أهل
البيت، وعلم أبي حنيفة، وعلم الشافعي - أي معلوماتهم - ومنه قوله
تعالى: ?وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ
? {البقرة:255}، أي من معلوماته، ولو أراد به ما زعموه لما كان
للاستثناء معنى، وتارة تطلق على نفس القادر والعالم والحي كقوله في
البلد الفلاني حياة وعلم وقوة أي أحياء وعلماء وخلق مقتدرون ومنه
قوله تعالى: ?أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ?، أي وهو عالم به، ومنه قولهم:
كان حياة فلان يفعل كذا وكذا - أي كان فلان - وإذا كان الأمر كذلك
فلا يلزم من إطلاق هذه الألفاظ حصول تلك المعاني، وإن لزم حصولها
شاهداً فلا يلزم في الباري كذلك لاستحالة قيام شيء من الأشياء به،
تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
إلزامات:
منها: أن يقال لهم:لم تكفرون الفلاسفة إن قلتم بإثباتهم العقول
القديمة مع العلة القديمة وهي الباري بزعمهم، فما جوابكم عليهم لو
أجابوا عليكم إنما عنينا بالعقول القديمة ما عنيتم بالمعاني
القديمة، وبقولنا العلة ما عنيتم بقولكم الله، فماذا تجيبون وقد
اتفقتم أنتم وهم في المعنى، وإنما اختلفتم في اللفظ والتعبير فقط،
وهل ينفعكم الفرار من الموافقة في اللفظ بعد الموافقة في المعنى ؟
وإن قلتم: إنما كفرتموهم في إنكارهم أن الله مريد لأنهم لا يصفون
العلة القديمة بأنها مريدة.
قيل لكم: فما جوابكم لو قالوا بل هي مريدة بإرادة قديمة وهي أحد
العقول القديمة، وأنتم تقولون الإرادة قديمة وهي أحد المعاني
القديمة وإنما الخلاف في العبارة ؟
وإن قلتم: لإنكارهم كونه فعل العالم.
(1/201)
قيل لكم: ليس كلهم
ينكره بل فيهم من يقر به ويجعل التأثير فيه للعلة والعقول في شرط
صحة التأثير، فصار كقولكم التأثير في العالم لله تعالى والمعاني
شرط في صحة التأثير، فالخلاف بينكم وبينهم إنما هو في اللفظ
والعبارة ولا مشاححة في العبارة، وبعد فالإرادة عندكم يستحيل تخلف
المراد عنها وهي أحد المعاني القديمة، وإذا كان كذلك فما استحال
تخلف القديم عنه فهو قديم مثله، فيلزمكم موافقتهم في قدم العالم
فيرتفع الخلاف بينكم وبينهم في تلك الأطراف ويؤول الشقاق إلى
الوفاق ولا مشاححة إلا في العبارة، ولا يلزمنا هذا لأنا لا نقول
إرادة الله تعالى قديمة، ولا نقول بوجوب حصول المراد عند حصولها
واستحالة تخلفه عنها، ذكر هذا الإلزام الإمام المهدي عليه السلام
في الغايات،والقاضي إسحاق العبدي رحمه الله تعالى في الاحتراس، وهو
لعمري إلزام جيد لا محيص لهم عنه.
(1/202)
ومنها: يقال لهم:
ألستم تكفرون النصارى كما كفرهم الله تعالى لما قالوا إن الله ثالث
ثلاثة ؟ فلابد من بلى، فيقال لهم: فما جوابكم عليهم إذا قالوا لكم:
وأنتم تقولون إن الله ثامن ثمانية: القدرة، والعلم، والحياة،
والسمع، والبصر، والإرادة، والكراهة، والكلام، لكن السمع والبصر
هما واحد وهو الإدراك فهذه سبعة، والثامن ذاته تعالى فكانت ثمانية
في الوجود القديم الأزلي ؟ فليس من يثبت معه تعالى التعداد إلى
ثلاثة في الخطأ إلا دون من يثبت معه التعداد إلى ثمانية، والمشهور
عند أئمة النقل عنهم أنهم يقولون: إن الاثنين الآخرين صفتان له
تعالى، ويقولون: إنه تعالى واحد على الحقيقة ثلاثة أقانيم على
الحقيقة: أقنوم الأب وهو ذات الباري بزعمهم، وأقنوم الابن وهو
الكلمة وقيل العلم، وأقنوم روح القدس وهو الحياة،واتفقوا على أنه
لم يزل الأب أباً والابن ابنا وروح القدس قابضة بينهما، وإذا كان
الأمر كذلك فليس بين قولكم وقولهم في إثبات العلم والحياة والكلام
الذي عبروا عنه بالكلمة خلاف إلا أنكم زدتم عليهم بإثبات القدرة
والإرادة والكراهة والإدراك حتى أنهيتم الزيادة عليهم بأن صار
الباري تعالى على قولكم ثامن ثمانية.
فإن قيل: إنما كفر الله تعالى النصارى لجعلهم المسيح وأمه إلهين،
فصار ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار.
قلنا: هذا وجه آخر مما كفرهم الله تعالى به ولا ينافي ما صححه عنهم
أئمة النقل، قال الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام : واعلم أن
الأشبه عند التحقيق أن مراد النصارى من هذه الأقانيم التي زعموها
هو هذه المعاني التي أثبتها هؤلاء الأشعرية، وبيانه أن النصارى
يعتبرون في تقرير مذهبهم شرائط ثلاث:
الأولى: وحدة الذات، فإن عندهم أن الله تعالى واحد بالجوهرية.
الثانية: أن الصحيح من مذهبهم أن هذه الأقانيم ذوات مستقلة بأنفسها
ليست من قبيل الأحوال والصفات بل ذوات على حيالها منفرة.
(1/203)
والثالثة: أن هذه
الأقانيم متعددة في أنفسها وأعدادها ثلاثة كما سبق.
وهذه الشرائط لا توجد على الكمال إلا في مذهب الأشعرية، فإن ذات
الله عندهم هي أصل لهذه المعاني وهي غير متعددة، وزعموا أن هذه
المعاني مستقلة بأنفسها وذوات على انفرادها وهي: القدرة والعلم
والحياة وغيرها، وقالوا أيضاً: إن هذه المعاني متعددة في نفسها.
فبعضهم زعم: أنها سبعة. وزعم بعضهم: أنها ثمانية. فحصل من هذه
الشرائط التي اعتبرتها النصارى في قولهم بالأقانيم لا توجد إلا في
مذهب الأشعرية انتهى كلامه عليه السلام في الشامل ذكره عنه في شرح
الأساس.
وبعد فإذا كان الله تعالى قد كفر النصارى بقولهم إن المسيح وأمه
إلاهَان، وإنه تعالى ثالثهما وأتحد بهما وصار بالاتحاد بهما ذاتاً
واحدة. وهي ثلاثة في المعنى مع كون هذا الاتحاد لم يكن في الأزل بل
عند وجودهما فقول سُدَى من يقول: إنه تعالى في الأزل اتحد بسبعة
أشياء وصار وإياها ذاتاً واحدة وهي ثمانية في المعنى والماهيات،
وأنها امتزجت معه امتزاج الصفات بالذات، أَدخل في الخطأ والضلال
لإثبات الأكثرية في الامتزاج والتركيب وكون ذلك الأزل إذ يلزم من
ذلك إمكانه فيما بعد الأزل من باب الأولى فيكون مصححاً لما قالوه
النصارى، وفاتحاً لمثل أقوالهم كقول بعض الصوفية: إنه تعالى اتحد
بالكواعب الحسان وما أشبههن من المردان. وقول بعضهم: إنه تعالى
اتحد بكل الموجودات حيث قد صح اتحاده تعالى بتلك المعاني في الأزل
حيث لم تكن غيره، فإن كانت غيره فأَدخل في الضلال والخبال لأنها
تكون آلهة معه.
ومنها: أنه قد انعقد إجماع المسلمين على أن الله تعالى غني عما
سواه، فنقضوا هذا الإجماع لأنهم قالوا في هذه المعاني: لولا هي لما
كان الله تعالى قادراً عالماً حياً الخ. فقد أحوجوه إليها أبلغ من
احتياج الحي في الشاهد إلى الطعام والشراب لأن فقدهما في بعض
الأحوال لا يبلغ به إلى هذا الحد.
(1/204)
وانعقد الإجماع على:
أنه تعالى خالق كل شيء إلا ما خصته الدلالة العقلية والسمعية كذاته
المقدسة وأفعال العباد والكسب عند المخالف، فنقضوا هذا الإجماع
بإثباتهم معاني لم يخلقها الله تعالى.
وانعقد الإجماع أيضاً على: أن الله تعالى لا يصح أن يكون محلاً
لمعنى ولا لغيره، فنقضوه بأن قالوا: إنها قائمة بذاته تعالى.
وقولهم: لا على وجه الحلول. غير نافع لأن القيام لا يعقل منه في
قيام المعنى بغيره إلا الحلول.
وانعقد الإجماع أيضاً: أن الله تعالى واحد، فنقضوه بإثباتهم هذه
المتعددة معه إلى ثمانية، فإن صار معها شيئاً كالجملة الواحدة
المركبة من هيئات متعددة فذلك ينافي كونه تعالى واحداً في ذاته،
وإن لم يصر معها كالجملة الواحدة كان كل واحد منها مستقلاً في ذاته
واجب الوجود على حدته فينقضوا كونه مستقلاً بالوحدانية من باب
الأولى.
(1/205)
وانعقد الإجماع
أيضاً: أن الله تعالى لا إله إلا هو وحده لا شريك له في الإلهية،
وهذه المعاني إن كانت قديمة كانت واجبة الوجود لذاتها فتكون
آلِهةً، لأنها قد شاركته تعالى في الوصف الذي لأجله فارق به جميع
المخلوقات وهو أنه قديم واجب الوجود لذاته وهو أخص أوصافه تعالى،
فإذا فرض شيء شاركه فيه وجب أن يشاركه في سائر أو صافه تعالى من
كونه قادراً على كل المقدورات عالماً بكل المعلومات حياً دائماً لم
يزل ولا يزول، لأنه إنما ثبت له تعالى ذلك لكونه قديماً، والاشتراك
في القدم الذي هو أخص أو صافه يوجب الاشتراك في سائر صفات الذات،
ألا ترى أن أخص أوصاف الإنسان كونه ناطقاً فكلما شاركه في كونه
ناطقاً شاركه في كونه إنساناً وحيواناً ويقدر ويعلم ويأكل ويشرب،
وكذلك الفرس أخص أوصافه كونه صاهلاً فكلما شاركه في كونه صاهلاً
شاركه في كونه فرساً يمشي على أربع ويصلح للركوب لمطاردة العدو
ويأكل ويشرب ونحو ذلك من أوصافه، فلو فرضنا شيئاً مشاركاً لله
تعالى في القدم الذي هو أخص أوصافه تعالى لوجب أن يشاركه تعالى في
سائر صفات ذاته التي تثبت له تعالى لأجل قدمه من كونه قادراً على
كل شيء وعالماً بكل شيء وحياً دائماً لم يزل ولا يزول، فتكون تلك
المعاني حينئذ آلهة مع الله، تعالى الله عن ذلك.
(1/206)
وبعد فما جَعْل أحد
القدماء موصوفاً والبقية صفاتاً بأولى من جَعْل أحد الآخران كذلك،
ولا جعل أحدهما قدرة والآخر علماً ونحو ذلك بأولى من العكس، ولا
جعل تلك المعاني قائمة به تعالى بأولى من العكس، و لا من أن يقوم
بعضها ببعض فلا بد من تقدير فاعل فعل هذا قائماً بهذا دون العكس
ودون أن يقوم بغيره فيخرج الكل عن القدم، ويفتقر الجميع إلى فاعل
تاسع قادر عالم حي الخ، ويقال فيه ما قيل فيما قبله ويتسلسل أو
يكون قادراً عالماً حياً لذاته فيجب الاقتصار عليه من أول وهلة،
وقد قلت أبياتاً من قصيدة بعد كلام فيها في العدل راداً على
الأشاعرة في معنى هذه الجملة وهي:
فهذا العدل والتوحيد فيه .... عجيب من عجائب ذى المُشَاققْ
فقد جعلوا قديمات معان .... مع الله وما عنه تُفارقْ
وعدوها صفات الله سبعاً .... وثامنها هو الله المُوافقْ
فما الرحمن حينئذ بواحد .... ولا عنها غني ولا مُفارقْ
فمن رَكَّب وأَلَّف بين هذا .... إلى هذا ويجعله مُناسقْ
أليس الله خالق كل شيء .... وعنه غني سابق لا مُوافقْ
أليسوا أحوجوه إلى المعاني .... فما توحيدهم لفظاً مُطابقْ
(1/207)
الزامات على أهل
المعاني
ويقال لهم: ما تقولون فيمن وجه عبادته إلى كل قديم أيكفر أم لا ؟
إن قلتم: بالأول. قلنا: ما وجهه وهو لم يعبد غير الله تعالى حيث
قلتم: إن هذه المعاني ليست غيره ولا هي هو ؟
وإن قلتم: بالثاني. قلنا: فلم لا يكفر من عبد ثمانية، أليس قد
انعقد الإجماع على كفر من عبد اثنين فكيف بمن عبد ثمانية ؟ ويقال:
هل تستحق هذه المعاني ما يستحقه الله تعالى من المدح والثناء
والتعظيم والعبادة أم لا ؟
إن قلتم: بالأول. قيل: فلم أمطلتموها ما تستحقه عليكم سيما وقد
قلتم: لولا هي لما كان الله تعالى قادراً عالماً ونحوهما، ولما
تمكن من خلقكم ورزقكم ؟
وإن قلتم: بالثاني. قيل: فقد انعقد الإجماع على أن من عظم شيئاً
كتعظيم الله تعالى فهو كافر، ويقال إذا كانت المعاني هذه قديمة مع
الله تعالى والكل ليس بجسم ولا عرض، فبم يمتاز بعضها عن بعض ؟
إن قلتم: بالأسماء الموضوعة لها. قلنا: هي ألقاب طارئة متوقفة على
وضع واضع اللغة ويصح تغيرها وتبديلها.
وإن قلتم: بالجهات والأماكن. قلنا: ذلك من خواص الأجسام. وإن قلتم:
بالهيئات ونحوها. قلنا: ذلك من قبيل الأعراض. وإن قلتم: لا يتمايز
بعضها عن بعض. قلنا: فقد صارت كلها بمنزلة واحد منها فيجب الاقتصار
عليه ويجب نفي ما عداه، وهو الذي نريد وبالله التوفيق.
(1/208)
وقد رأيت أن أختم هذا
الفصل بشيء من كلام الوصي إمام العارفين وسيد المتكلمين، أخو رسول
الله وشبيه أنبياء الله، باب مدينة العلم، وأسبق أهل هذا السلم،
ليستأنس به طالب الحق في هذه المسألة وإلا فالتقليد فيها لا يجوز
كما في غيرها من أصول الدين قال عليه السلام : أول الدين معرفته،
وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكما توحيده
الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه بشهادة كل صفة أنها
غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله فقد
قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزاه، ومن جزاه فقد جهله،
ومن أشار إليه فقد حَدَّه، ومن حده فقد عَدَّه، ومن قال فِيْمَ فقد
ضَمَّنَه، ومن قال عَلاَمَ فقد أخلى منه، كائن لا عن حدث، موجود لا
عن عدم، مع كل شيء لا بمقارنة، وغير لكل شيء لا بمزايلة، فاعل لا
بمعنى الحركات والآلات، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه، وفي نسخة:
إذ لا منطو عنه، متوحد إذ لا سكن يستأنس به ولا يتوحش بفقده الخ،
أخرجه الشريف الرضي رحمه الله تعالى.
وقال عليه السلام : الحمد لله الذي لم يسبق له حال حالاً، فيكون
أولاً قبل أن يكون آخراً، ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً، كل
مسمى بالوحدة غيره دليل، وكل عزيز غيره ذليل، وكل قوي غيره ضعيف،
وكل مالك غيره مملوك، وكل عالم غيره متعلم، وكل قادر غيره مقدور
عليه يقدر ويعجز، وكل سميع غيره يصم من لطيف الأصوات، ويصمه كبيرها
ويذهب عنه ما بعد منها، وكل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان ولطيف
الأجسام، وكل ظاهر غيره غير باطن، وكل باطن غيره غير ظاهر إلى
آخره، أخرجه الشريف الرضي أيضاً.
(1/209)
وقال عليه السلام :
عينه المشاهدة لخلقه ومشاهدته أن لا امتناع منه.
وقال عليه السلام : باينهم بصفته رَبَّاً كما باينوه بحدوثهم خلقاً
- يعني بصفته رباً كونه قديماً لمقابلته بقوله: بحدوثهم خلقاً ـ.
وقال عليه السلام : فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن لم يصفه فقد
نفاه. إلى غير ذلك من كلامه عليه السلام ، ومنه يؤخذ نفي أن تكون
صفاته تعالى أموراً أو معانٍ أو غير ذلك.
(1/210)
فصل في الكلام في أن
الله سميع بصير
وفي معناه سامع مبصر مدرك في حقه تعالى، وإنما أخرت هذه المسألة
لأنها ليست مسألة مستقلة على حِدَتها بل راجعة إلى ما تقدم، أما
على قول جمهور أئمتنا عليهم السلام والبغدادية فهي راجعة إلى:
عالم، وأما على قول بعض أئمتنا عليهم السلام والبصرية فهي راجعة
إلى: حي، وهو اختيار المؤلف عليه السلام .
حقيقة السميع في اللغة: هو من يدرك المسموع بمعنى محله الصِّمَاخ.
وحقيقة البصير: هو من يدرك المبصر، بمعنى محله الحَدَق.
ولما كان هذان المعنيان في حق الله تعالى محالاً لا يجوز عليه
تعالى وورد السمع بأنه تعالى سميع بصير، وكان من لازم من أدرك
شيئاً علم به.
قال جمهور أئمتنا عليهم السلام والبغدادية: إنهما في حق الله تعالى
بمعنى عالم بالمسموع وعالم بالمبصر، ولا فرق بينهما وبين سامع مبصر
مدرك لسائر المدركات كالمشموم والمطعوم والملموس، عبر الله تعالى
عن علمه بالأشخاص والهيئات وما شاكلها مما يدركه المخلوق بحاسة
السمع بكلمة سميع.
قال شيخنا رحمه الله تعالى: على سبيل التوسع والمجاز.
(1/211)
قلت: ولا يبعد أنهما
صارا حقيقة دينية بالنقل عن معناهما اللغوي إلى لازمه وصارا فيه
حقيقة كما قال بعض أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم في رحمن ورحيم:
إذ لو كانا مجازاً لاحتاجا إلى قرينة، وقال بعض أئمتنا عليهم
السلام: بل هما بمعنى حي لا آفة به، ولعلهم يريدون أصلهما في اللغة
كذلك ولا مانع فإن ظاهر قوله تعالى: ?إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ
مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا
بَصِيرًا? {الإنسان:2}، يشهد لذلك أي حياً لا آفة به تمنعه عن
إدراك المسموع والمبصر عند إعمال حاسة السمع وحاسة البصر في
المسموع والمبصر، ولا يمكن حمل الآية على عالم بهما لأنه قد يعلم
المبصر من لا يشاهده كالأعمى والغائب عنه بواسطة الخبر من اختار
أنهما بمعنى عالم ذلك إلا في حق الباري تعالى دون الشاهد، فجعلوهما
حقيقة لمن يدرك المسموع بمعنى محله الصِّمَاخ، ومن يدرك المبصر
بمعنى محلة الحَدَق.
إذا عرفت ذلك معنى السميع البصير، فلا خلاف بين كل من أقر بالصانع
المختار أن الله تعالى سميع بصير، والخلاف في ذلك يحكى عن الباطنية
كما مر لهم في غيرها من الصفات: أنه تعالى لا يوصف بنفي ولا إثبات.
وننظر في إلزام المطرفية ذلك، فإن جعلناهما بمعنى حي لا آفة به،
فيحتمل عدم الإلزام من حيث أنهم لا يخالفون في ذلك، ويحتمل الإلزام
من حيث أنهم ألزموا في حي أن لا يكون حياً، كذلك يأتي هذان
الاحتمالان إن جعلناهما بمعنى عالم، فتأمل.
قال عليه السلام : [ فإن قيل: ] لك أيها الطالب الرشاد [ أربك سميع
بصير ؟ فقل: أَجَل ] - أي نعم - هو سميع بصير.
والدليل على ذلك أما على مذهب أهل القول الأول فلا إشكال، لأنه
تعالى عالم بجميع المعلومات ومن جملتها المسموعات والمبصرات وسائر
المدركات، فيجب أن يكون سميعاً بصيراً مدركاً لجميع المدركات، وهذا
الدليل مبني على أصلين:
(1/212)
أحدهما: أنه تعالى
عالم بجميع المعلومات. والثاني: أن من جملتها المسموعات والمبصرات
وسائر المدركات.
أما الأصل الأول: فقد تقدم تقريره في مسألة عالم حيث قلنا: إنه
تعالى لا يختص بمعلوم دون معلوم.
وأما الأصل الثاني: وهو أن المسموعات والمبصرات وهي من جملة
المعلومات فلا نزاع فيه إذ هو معلوم بالضرورة، فثبت القول: بأنه
تعالى سميع بصير وفي معناهما سامع مبصر لا فرق، وثبت القول بأنه
تعالى مدرك لسائر المدركات لأنها من جملة المعلومات.
وأما على مذهب أهل القول الثاني، فقد أشار إليه عليه السلام بقوله:
[ لأنه ] تعالى [ حَيٌّ كما تقدم، ولا ] يجوز أن [ يعتريه شيء من
الآفات، ] المانعات من إدراك المسموعات والمبصرات وسائر المدركات،
وهذا الدليل مبني على أصلين أيضاً:
أحدهما: أنه تعالى حي. والثاني: أنه تعالى لا يجوز عليه شيء من
الآفات.
أما الأصل الأول: وهو أنه تعالى حي، فقد تقدم في مسألة حي ولا كلام
فيه هنا.
(1/213)
وأما الأصل الثاني:
فظاهر [ لأن الآفات ] هي فساد الآلات التي يكون بها إدراك المسموع
والمبصر ونحوهما كالمشموم والمطعوم والملموس، وهذه المعاني [ لا
تَجُوزُ إلاًّ على الأجسام، والله تعالى ليس بجسم ] كما سيأتي و[
لأن الأجسام ] كلها [ مُحْدَثَةٌ كما تقدم، ] في مسألة إثبات
الصانع [ والله تعالى قديم كما تقدم أيضاً. ] في مسألة قديم، فثبت
بذلك أن الله تعالى سميع بصير، وهذا الدليل مبني على أن إدراك
المدركات مقتضى عن الحَيِّيَّة بشرط وجود المدرك وسلامة الآلات
وارتفاع الموانع المانعة عن إدراكه كالحجاب الكثيف ووجود الضياء
المناسب للعين في حق المرئي، وحيث أن ما عدا الأول مستحيل في حق
الله تعالى لا معنى لاشتراطها في كونه تعالى مدرِكاً فاشْتُرط عند
أهل هذا القول الأول فقط وهو وجود المدرَك وجعلوا ذلك شرطاً في
سامع مبصر مدرِك لا في سميع بصير فالمشترط فيهما صحة أن يدرِك
المسموع والمبصَر عند أن يوجد، وهذه الصحة مقتضاة عن كونه تعالى
حياً مع استحالة الآفة عليه تعالى، فمن ثمة جعلوا سميعاً بصيراً
يوصف بهما الباري تعالى في الأزل دون سامع مبصر مدرك فليس إلا بعد
حصول ذلك الشرط وهو وجود المدرَك، هذا قول جمهور المتأخرين ولا
يُسلم.
أما أولاً: فلأن الإدراك لو كان مقتضى عن الحَيِّيَّة للزم أن
الإنسان يدرك المدركات كلها بجميع أعضائه لأنها حية لا آفة بها
فكان يدرك المسموع والمبصر باليدين ونحوهما، فدل على أن الإدراك
ليس مقتضى عن الحيية بل عن استعمال الحاسة المخصوصة بالمدرك فيه مع
سلامتها وعدم الموانع ووجود الضياء المناسب للعين في حق المرئي
ونحو ذلك.
(1/214)
وأما ثانياً: فلأن
الإدراك لو كان مقتضى عن الحيية مع وجود المدرك للزم أن ندرك
المدركات الكثيرة الحاصلة دفعه لوجود الحياة ووجود المدرك وسلامة
الحاسة، والمعلوم خلاف ذلك فإن الإنسان لا يقدر غالباً أن يدرك
الصوتين أو اللونين في محلين إلا على جهة التعاقب، فكيف بإدراك
الأصوات الكثيرة ولو كانت في الحضرة ما ذاك إلا أن الإدراك ليس
مقتضى عن الحيية، بل عن استعمال الحاسة في المدرك لما كانت الحاسة
كالآلة لا يمكن استعمالها إلا فيما هي آلة فيه في الغالب في أكثر
من واحد، إلا على جهة التعاقب.
وأما ثالثاً: فلأنهم جعلوا الإدراك في الشاهد مقتضى عن الحيية ولم
يجعلوها كافية في اقتضائه، بل شرطوا معها وجود الحاسة في محل
الإدراك وهو وجود البصر مثلاً في الحدق،وشرطوا أيضاً سلامته، وإذا
كان هذا الاقتضاء شاهداً إنما حصل مع وجود الحاسة وسلامتها من
الآفة بحيث لولا وجود الحاسة وسلامتها لما حصل، فلئن ينتفي الإدراك
مع استحالة الحاسة من باب الأولى فيلزمهم أن الله تعالى ليس بمدرك،
هذا ما أورده عليهم الشيخ محمود الملاحمي وهذا ظاهر، ولا ينقلب
علينا. هذا ويقال: فأنتم جعلتم الإدراك مقتضى عن استعمال الحاسة في
المدرك وذلك مستحيل في حق الله تعالى فينتفي حصول الإدراك في حقه
تعالى من باب الأولى، لأنا نقول: لم نجعل الإدراك في حقه تعالى
زائداً على العلم بالمدركات ولا جعلناه مشروطاً بوجودها، ولا قلنا
في السميع والبصير هما بمعنى حي لا آفة به فنوهم بنفي الآفة وجود
الآلة مع سلامتها عن الآفة، ولا قلنا في السامع والمبصر والمدرك هي
بمعنى حي لا آفة به عند وجود المسموع والمبصر وسائر المدركات،
فنزيد في إيهام وجود الحاسة إيهام استعمالها في المدرك، لأنا لما
قلنا: إن الجميع في حقه تعالى بمعنى عالم ويوصف بالجميع في الأزل
لم يرد علينا شيء من ذلك.
(1/215)
فإن قيل: إنا إذا
علمنا شيئاً من المدركات بخبر متواتر أو بوجود أثره كأثر قدمي
الماشي على الطين الرطب ونحو ذلك، ثم إذا وجدنا ذلك المخبر عنه أو
الأثر حصل لنا زيادة على العلم الحاصل أولاً، وليس إلا صفة
الإدراك.
قلنا: لم ننكركم ذلك في الشاهد، ولكن أين الجامع بينه وبين الغائب
؟ فإنه ليس لله تعالى من حاسة تتعلق بالمأثر أأوجودات فتكسب لذلك
الإدراك الزائد على علمه تعالى بها في حال عدمها، بل علمه تعالى
بالموجودات لا يزيد على علمه بالمعدومات، فثبت بما ذكرنا أن الله
تعالى سميع بصير وسامع مبصر ومدرك، وأنها كلها في حقه تعالى بمعنى
عالم بالمسموعات والمبصرات وسائر المدركات، وبقي الكلام فيما يتعلق
بهذه المسألة من الفروع والأبحاث.
(1/216)
إن الله تعالى يعلم
جميع المعلومات
الأول: أن ما ثبت لما مر من الصفات المذكورة موجود وقادر وعالم وحي
يثبت لهذه الصفة من أنها ثابتة لذاته تعالى لا لأمر زائد على ذاته،
وكلٌّ على أصله، إلا أن القرشي في المنهاج ذكر أنه حكى عن أبي
هاشم: أنه يثبت لكونه سميعاً بصيراً حالة زائدة على كونه تعالى
حياً لا آفة به ثبوتاً وانتفاء، ولو كانا غيرين لصح انفصال أحدهما
عن الآخر إلى آخر ما ذكره هناك. وهذا معنى آخر لا ينافي أنه يجعل
سميعاً بصيراً صفة زائدة على الذات كما قاله في سائر الصفات، وكذلك
يثبت لهذه المذكورة في هذه المسألة ما ثبت لما مر من أنه تعالى
سميعاً بصيراً فيما لم يزل وفيما لا يزال ولا يجوز خروجه عن ذلك
بحال من الأحوال،وكذلك سامع مبصر مدرك خلافاً لمن فرق بينها وبين
سميع بصير، فلا يثبت له ذلك فيما لم يزل حقيقة، بل عند وجود المدرك
كما مر من حكاية مذهبهم، وينظر ما يقوله فيها فيما لا يزال إذا علم
المدرك هل تبقى صفة مدرك وسامع مبصر أم تنقضي بانقضاء وجود المدرك،
لم أجد لهم نصاً في ذلك ولا حكى عنهم أحد ذلك، ولعله بنى على
القواعد من أن تخلف الشرط يلزم معه تخلف المشروط أن لا يثبتوا له
ذلك فيما لا يزال إلا مع استمرار وجود المدرك كالأجسام والأعراض
الباقية في الآخرة، والله أعلم.
(1/217)
الثاني: حكي عن أبي
القاسم بن شهلويه أنه قال: إنه تعالى يدرك جميع المدركات ما خلى
الألم واللذة، وهذا إن أريد به أن الإدراك بمعنى العلم فقط، فغير
مسلم له لأنهما من جملة المعلومات، وإن أريد به أن الإدراك هو
المعنى الزائد على العلم الذي أثبته البصرية ومن وافقهم عليه
شاهداً وغائباً، فأراد استثناءه في حقه تعالى بالنظر إلى اللذة
والألم فما ذكره صحيح فيهما لاستحالة اللذة والألم في حقه تعالى،
ولكن ليس ذلك خاصاً باللذة والألم بل وسائر المدركات إنما يعلمها
وإدراكها بمعنى العلم بها لا غيره إلا أنه ربما يقال مراده أنه يصح
إطلاق لفظ مدرك عليه تعالى في سائر المدركات بمعنى العلم أو بمعنى
الأمر الزائد على العلم، فيصح أن يقال يدرك الروائح ويدرك الطعوم
ونحوها إلا الألم واللذة، فلا يصح أن يقال يدركهما لإيهامه الخطأ،
بل يقال: يعلمها فذلك صحيح.
قلت: وكذلك الحرارة والبرودة إذ لا فرق.
الثالث: المدركات ثمانية: الأصوات، والأجسام،
والألوان،والروائح،والطعوم، والحرارة، والبرودة، واللذة، والألم،
فالثلاثة الأُول يعبر عنها بسميع بصير وسامع مبصر ومدرك وعالم،
والرابع والخامس يعبر عنهما بمدرك وعالم، والأربعة الأخيرة لا يصح
فيها غير عالم على الصحيح، وإن أطلقوا العبارة أنه يعبر عن سائر
المدركات بمدرك، فلا يسلم في الأربعة الأخيرة بما فيه من إيهام
الخطأ، فالجسم يدرك بحاستين البصر واللمس، واللون يدرك بحاسة البصر
فقط، والصوت بحاسة السمع فقط، والروائح بحاسة الشم فقط، والطعوم
بحاسة الذوق فقط، والحرارة والبرودة إن كانا في غير جسم المدرك
فبحاسة اللمس، وإن كانا في جسم المدرك فبالوجدان من النفس كالألم
واللذة وما يعود إليهما كالجوع والعطش والشبع والري، وبهذا التفصيل
تعلم أن الإدراك في حقه تعالى ليس إلا بمعنى العلم في جميعها كسائر
المعلومات.
(1/218)
الرابع: فيما يجري
عليه تعالى من الأسماء بمعنى سميع بصير ومالا يجوز، فالذي يجوز
سامع مبصر مدرك كما قدمنا، ويجوز إطلاقها عليه تعالى في الأزل
لأنها في حقه تعالى بمعنى عالم كما تقرر، وقال القرشي: لا يجوز
إطلاقها عليه تعالى في الأزل وظاهره منع ذلك لا حقيقة ولا مجازاً،
و عن بعضهم يجوز مجازاً.
قلت: ولعل شبهة من منعها إيهام الخطأ على أصله أن ثمة في الأزل
مسموعاً ومُبْصَراً ومُدْرَكاً، وهو تفريع على أصل غير مسلم وعالم
بالمسموع وعالم بالمبصر وعالم بسائر المدركات، فالكل عند بعض
أئمتنا بمعنى سميع بصير مدرك كما تقدم، وحي لا آفة به عند البعض
كما تقدم أيضاً، ورائي بمعنى عالم بالمرئي ويدل عليه قوله تعالى:
?الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ? {الشعراء:218}، ?إِنَّنِي
مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى? {طه:46}، وشاهد بمعنى يعلم المشاهدات
المبصرات ويمتنع عليه مشاهد لإيهامه المسامتة والمقابلة هكذا قاله
القرشي، والأكثر أنه مع هجر ذلك وعدم خطوره بالبال وإيهامه السامع،
وأريد به التعبير عن علمه تعالى بالمشاهدَات فلا مانع منه والله
أعلم، ومستمع لأنه لمن أفرغ حاسة السمع طلباً لسماع المسموع سمعه
أم لا، وناظر لأنه لمن قَلب حدقته السليمة في جهة المرئي طلباً
لرؤيته.
ولما فرغ عليه السلام من صفات الإثبات وهي ما يجب اعتقاد ثبوته لله
تعالى في التوحيد أخذ في بيان ما يجب نفيه عن الله تعالى من الصفات
المنافية للتوحيد، بدأ منها بمسألة نفي التشبيه ليفرع ما بعدها
عليها فقال عليه السلام :
(1/219)
فصل في الكلام في أن
الله تعالى لا يشبه الأشياء
ولا يجوز عليه ما جاز عليها من الزيادة والنقصان والعدم والبطلان.
اعلم أولاً أن بين المشابهة والمماثلة عموم وخصوص.
فالمشابهة: اتفاق الذاتين في صفة من صفات الذات مع الاتفاق في
الوجه الذي اشتركا فيها لأجله.
والمماثلة: الاتفاق في كل الصفات.
لذلك قلنا: مع الاتفاق في الوجه الذي اشتركا فيها لأجله، للاحتراز
عن نحو قادر وعالم وحي وغيرها مما يتصف به الباري تعالى ويتصف به
المخلوق، فإن ذلك لا يوجب المشابهة لأنها تثبت للباري تعالى لذاته
كما مر، وفي المخلوق لأجل المعنى القائم به كالقدرة والعالم
والحياة، قلنا: في أول الحد في صفة من صفات الذات، للاحتراز عن
صفات الفعل فلا مشابهة بها، فالمشابهة أعم لأنها تكون بصفة من صفات
الذات أو بكل صفات الذات، والمماثلة أخص لأنها لا تكون إلا بكل
صفات الذات، فمن ثمة يقال في المثلين: هما كل معلومين يسد أحدهما
مسد الآخر، ولا يقال في المتشابهين كذلك، ففي قوله تعالى: ?لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ? {الشورى:11}، نفي الأمرين معاً المشابهة
والمماثلة، ولعل أن ذلك هو السر في الجمع بين الكاف ولفظة المثل
لينتفي الجميع، والله أعلم.
قال عليه السلام : [ فإن قيل: ] لك أيها الطالب الرشاد [ أربك يشبه
الأشياء ؟ فقل: ربي لا يشبه الأشياء، ] فليس بجسم ولا عرض ولا
جوهر، وهذا مذهب جميع العترة الطاهرة ومن وافقهم من الزيدية
والإمامية والمعتزلة والأشعرية والخوارج وكثير من الفرق الداخلة في
الإسلام والخارجة عنه، والخلاف في ذلك مع المجسمة الحشوية
والكرامية والنصارى.
أما الحشوية فقالوا: إنه تعالى جسم كسائر الأجسام له أعضاء وجوارح.
تعالى الله عن ذلك.
وأما الكرامية: فمنهم من يقول: إنه جسم لا كالأجسام - أي ليس بطويل
ولا عريض ولا عميق - فخلافهم في اللفظ دون المعنى.
(1/220)
وأما النصارى فقالوا:
إنه تعالى جوهر اتحد بالمسيح، وذهب قوم إلى: أنه تعالى نور. وبعضهم
زعم: أنه هو الهواء المنبث المتسع لجميع العالم.
وهذه الأقوال كلها باطلة عاطلة،[ لأن ] هذه [ الأشياء ] المذكورة
وغيرها مما يقوله أهل التجسيم، فإنها كلها [ سواه: ] منحصرة في
ثلاثة أقسام لا غير [ جَوْهَرٌ وعرضٌ وجسمٌ ] وإنما أَخر الجسم
لطول الكلام عليه، والدليل على انحصار الأشياء سواه في هذه الثلاثة
المذكورة هو أن يقال:
الشيء لا يخلو إما أن يكون موجوداً أو معدوماً. والأول: إما أن
يكون لوجوده أول أم لا، الثاني: القديم تعالى،والأول إما أن يشغل
الحيز عند حدوثه إن حدث أم لا، الثاني: العرض،والأول إما أن يقبل
التجزىء والانقسام لذاته أم لا، الأول الجسم،والثاني العرض، فكانت
الأشياء بهذا التقسيم سواه تعالى أربعة:
المعدوم على القول بأنه شيء.
والجسم: وهو ما يشغل الحيز ويصح عليه التجزي والانقسام.
والجوهر: وهو مالا يجوز عليه التجزىء والانقسام لحقارته وصغره في
ذاته حتى لا يكاد يُدرك.
والعرض: وهو مالا يشغل الحيز عند حدوثه.
فلما انحصرت الأشياء الموجودة سواه سبحانه وتعالى في هذه الثلاثة
المذكورة الجسم والجوهر والعرض، أخذ عليه السلام في إبطال أن يكون
تعالى من قبيل أحدها، فقال: [ ولا يجوز أن يكون جوهراً، ] وهو
الجزء الذي لا يتجزأ لحقارته، وهو في التحقيق راجع إلى الجسم،
ولهذا نفاه المتوكل على الله والحسين بن القاسم والإمام وغيرهم،
وصححه ابن حابس، وجعلوه من قبيل الأجسام، وأثبته المؤيد بالله
والمنصور بالله والأمير وغيرهم، قال شيخنا: ولا طائل في إثباته.
(1/221)
[ ولا ] يجوز أن يكون
تعالى [ عَرَضاً، ] أيضاً،[ لأنهما ] - أي الجوهر والعرض - [ غير
حيين ولا قادرين، ] أما العرض فلأنه من جملة المعاني المحدثة، فلو
كان حياً قادراً لكان له قدرة وحياة وهما معنيان من جملة المعاني،
فكان يلزم أن يحل المعنى في المعنى ويقوم به وهو محال.
فإن قيل: هذا مسلم لو كانت القدرة والحياة ثابتة لهما لمعنى وهو
يمكن أن تكونا ذاتية لهما كما قلتم في الباري تعالى.
قلنا: الصفة الذاتية للعرض هي كونه هيئة للمحل لا غير، والصفة
الذاتية للجوهر كونه يشغل الحيز مع عدم التجزىء والانقسام لا غير،
وأيضاً فإنا نعلم أنهما ليسا بقادرين ولا حيين ضرورة [ وهو تعالى
قادر حي، ] كما تقدم، [ ولأنهما ] أيضاً [ مُحْدَثان ] كما تقدم [
وهو تعالى قديم، ] كما تقدم أيضاً تقرير ذلك.
فثبت بجميع ذلك أنه لا يجوز أن يكون تعالى جوهراً ولا عرضاً، [ و ]
أما أنه [ لا يجوز أن يكون ] سبحانه وتعالى [ جسماً، ] فـ [ لأنا
قد بينا ] فيما مر في مسألة إثبات الصانع [ أنه ] تعالى [ خالق
الأجسام، ] كلها، فلو كان تعالى جسماً لما كان تعالى خالق الأجسام
[ و ] لا قادراً على خلقها، [ لأن الشيء لا ] يقدر أن [ يخلق
مِثْلَه ] وإلا لأمكن من سائر الأجسام أن تخلق أجساماً مثلها.
فإن قيل: إنما تعذر على الأجسام أن تخلق أجساماً مثلها لأنها لا
تكون قادرة بذاتها ولو خلق الله تعالى لها قدرة على ذلك لأمكن.
(1/222)
قلنا: وكذلك لو كان
تعالى جسماً لما كان قادراً بذاته بل لا يكون حينئذ قادراً إلا
بقدرة يفعلها له غيره، لأن من حق كل مثلين أن يشتركا في وجوب ما
يجب وجواز ما يجوز واستحالة ما يستحيل مما يكون وجوبه وجوازه
واستحالته راجعاً إلى ذاته، ألا ترى أن الجسمين لما اشتركا في نفس
الجسمية اشتركا في كل ما يجب للجسم من شغل الحيز والاحتياج إلى
المحدث وملازمة الأكوان الحركة والسكون ونحوهما، وجواز ما يجوز من
التجزى والانقسام وحلول الحياة والقدرة والعلم ونحوها، واستحالة ما
يستحيل كالكون في جهتين في وقت واحد وإيجاد نفسه أو مثله لما كانت
راجعة هذه الأمور إلى ذات الجسم، ولهذا لا يشاركها العرض فيما يجب
ويجوز، وإن شاركها فيما يستحيل فهو غير قادح فيما نحن بصدده لأنها
قد جمعتهما صفة الحدوث الذي تفرع ذلك عليها، فلو كان الباري تعالى
جسماً لوجب له كما يجب للجسم من الحيز والافتقار إلى المحدِث وحلول
الأعراض اللازمة كالأكوان، وجاز عليه ما يجوز على الجسم كالتجزىء
والانقسام وحلول القدرة والحياة ونحوهما من سائر الأعراض والمعاني
الغير اللازمة للجسم بل جائزة فقط، واستحالة ما يستحيل كإيجاد نفسه
أو جسماً مثله، فعرفت أنه لو كان جسماً لما كان قادراً وعالماً
وحياً بذاته، لأن هذه الأوصاف مما يجوز على الجسم لا مما يجب له
وإلا لكان كل جسم كذلك وهو معلوم البطلان، وقد أشار عليه السلام
إلى معنى هذا كله بقوله [ ولأن الجسم مؤلَّف ] من الأجزاء الصغار
المعبر عنها بالجوهر الفرد، وهو الجوهر الذي لا يتجزأ، فمتى ضُمَّ
إليه جوهر مثله صار خَطّاً، ومتى ضُمَّ إليهما جوهران مثلهما في
جهة العرض صارت الأربعة سطحية ممكنة التجزيء في جهتي الطول والعرض
دون جهة العمق، ومتى ضم إلى تلك الأربعة أربعة فوقها أو تحتها صار
مجموع الكل جسماً ممكن التجزىء في الثلاث الجهات الطول والعرض
والعمق، وهذا معلوم عقلاً ضرورة لكل جسم.
(1/223)
لا يقال: إن القول به
متفرع على القول بالجوهر الفرد وكثير من المتكلمين غير قائل به،
فكيف تقولون أنه معلوم ضرورة لكل جسم ؟
لأنا نقول: إنما خالف من خالف من المتكلمين في تسمية ذلك الجزء
جوهراً لا في ثباته أي ثبوت ذلك الجزء نفسه في الخارج وانقسام
الجسم إلى تلك التقسيمات وتركبه من تلك الأجزاء فلا قائل بخلافه،
فبطل أن يكون الله تعالى جسماً لأنه مؤلف [ مصنوع، ] كذلك ويصح
عليه أن [ يفترق ] في نفسه أو عن غيره [ ويجتمع، ] بعد افتراقه،
ويفترق بعد اجتماعه [ ويسكن ] بعد تحركه [ ويتحرك، ] بعد سكونه،
وهذه الأكوان الأربعة التي لا يخلو كل جسم عن اثنين منها واحد من
الافتراق والاجتماع وواحد من الحركة والسكون، فلو كان تعالى جسماً
لكان محلاً لهذه الأكوان الأربعة وهي التي دلتنا على حدوث العالم
لما علمنا أنها أعراض محدثة كما مر تحقيق ذلك في مسألة إثبات
الصانع، فلو كان تعالى جسماً لشمله دليل حدوث العالم فيلزم حدوثه
لأن ما لازم المحدَث ولم يخلو منه فهو محدَث مثله، وقد مر أن الله
تعالى قديم فلا يصح القول بذلك، [ و ] لأن الجسم [ يكون في ] أحد
الجهات الست التي هي الأمام والخلف والفوق والتحت واليمين والشمال،
ولا اختصاص له بجهة دون جهة إلا بالفاعل عند أول وجوده، ثم إن كان
حياً كان تنقله من جهة إلى جهة بالفاعل أيضاً إما نفسه أو غيره
فحلوله في إحدى [ الجهات، ] متفرع على حدوثه كما عرفت، [ و ] كذلك
من شأن الجسم أن [ تسبقه الأوقات، ] فيكون معدوماً في الزمن الأول
ثم يصير موجوداً فيما بعده ويكون معدوماً بعد أن كان موجوداً [ وكل
ذلك شواهدُ على الحُدُوثِ، وقد ثبت أن الله تعالى قديم، فلا يجوز
أن يكون مُحدَثاً بل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ].
(1/224)
فثبت أن الله تعالى
لا يجوز أن يكون جسماً ولا عرضاً ولا جوهراً، وبطل جميع ما قاله
المخالفون القائلون: بأنه تعالى جسم، والقائلون: بأنه تعالى نور،
لأن ذلك من قبيل الأعراض، والقائلون: بأنه تعالى جوهر، لأنه إن
أُريد بالجوهر المصطلح عليه بين المتكلمين فمعلوم البطلان، وإن
أريد به ما يقوله الفلاسفة والنصارى فإنهم وإن أرادوا به الموجود
بنفسه لا في متحيز فلفظ الجوهر إنما يسبق منه إلى الفهم ما له جرم،
والجوهر في أصل اللغة: أصل الشيء وسنخه الذي أُخذ منه، ولهذا يقال:
جوهر هذا الشيء جيد وجوهر هذا الشيء رديء - أي أصله الذي أُخذ منه
- وهذا المعنى منتفي في حق الله سبحانه وتعالى، فليس له جنس ولا
أصل ولا فصل بل لا يعلم كُنْهه إلا هو، وأما قول الكرامية: إنه
تعالى جسم لا كالأجسام - أي ليس له طول وعرض وعمق - فهو مناقضة
ظاهرة لأن الجسم هو الطويل العريض العميق متى ارتفعت هذه الأوصاف
ارتفعت ماهية الجسم بأصلها، فلا يصح بعد ذلك أن يقال جسم، وإن قيل:
لا كالأجسام. فهو كلام مختل يدل على أن الجسم في اللغة: إنما يطلق
على الطويل العريض العميق قول الشاعر:
وأجسم من عادٍ جسومُ رِجَالِهِم .... وأكثر إن عُدّوا عديداً من
التُّرْبِ
(1/225)
ولو صح أن يقال له
تعالى: جسم لا كالأجسام، لصح أن يقال له: إنسان لا كالناس، وفرس لا
كالأفراس ونحو ذلك، تعالى عما هنالك، [ وإذا لم يكن ] سبحانه
وتعالى [ جوهراً ولا جِسماً ولا عَرَضاً لم يوصف ] بشيء من الصفات
المتفرعة على ذلك، لأن من المعلوم أنه إذا انتفى الأصل المصحح
للوصف انتفى الوصف المتفرع على ثبوت الأصل، ألا ترى أن الوصف بكاتب
وشاعر وضاحك وباك من خصائص الإنسان المتفرعة فيه على الإنسانية،
فمتى انتفت الإنسانية عن حيوان مشار إليه كالفرس والأسد انتفى ذلك
الوصف الذي هو من خصائصه، وكذلك الأكل والشرب ونحوهما والشهوة
والنفرة ونحوهما من سائر خصائص الحيوان لا توصف بها الجمادات بنفي
ولا إثبات لما كانت ليست من خصائصها، ولما كان التحيز وجواز
التجزيء من خصائص الجسم شمل كل جسم من جماد وحيوان وإنسان، وكذلك
الحركة والسكون والاجتماع والافتراق كما مر تحقيق ذلك، وحينئذ - أي
حين - أن تقرر في العقول أن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض
لم يصح أن يوصف سبحانه وتعالى [ بالكيف، ] وهو ما يعبر به عن جواب
السؤال بكيف من الهيئات والتراكيب والانفعالات والحدوثات، لأن ذلك
من خصائص الأجسام والجواهر والأعراض [ ولا الأَيْن، ولا الحَيْث،
ولا البَيْن، ] فلا يسأل عنه بأين ولا يجاب ولا يخبر عنه بحيث كذا
ولا بين كذا، لأن ذلك يستلزم الحلول المتفرع على التجسيم الذي قد
تنزه عنه.
قال أمير المؤمنين عليه السلام : من قال: كيف. فقد استوصفه، ومن
قال: أين. حَيَّزَه، ومن قال: علام. فقد أخلى عنه، ومن قال: فيم.
فقد ضَمَّنه.
(1/226)
والأين والحيث والبين
كلها سمات المكان، [ ولا ] يجوز أن يوصف بشيء من الجوارح والأعضاء
مثل [ الوجه، ] فلا يطلق عليه تعالى بمعنى الجارحة،[ و ]كذلك [ لا
] يجوز عليه تعالى [ الجَنْب، ولا اليدين ] لأن ذلك كله يستلزم
الحدوث، فما ورد في القرآن فالمراد به خلاف ذلك كما سيأتي تحقيقه [
لم تقطعه بَعْدٌ ولم تسبقه قَبْلٌ ] لأن قبل وبعد من ظروف الزمان
المضافة، فقبل تفيد بصريحها حدوث ما أضيفت إليه، وبعد تفيد انقطاع
ما أضيفت إليه، فلا مدخل لهما في القديم الدائم لاستلزامهما خروجه
عن القدم ودوام البقاء تعالى الله عن ذلك [ ولم تُجزِّئه بَعضٌ،
ولا كُلٌّ جمعه، ] لأن التجزئة بالبعضية ونحوها، وكذلك الجمع بكل
ونحوها من توابع الأجسام فلا يصح عليه تعالى شيء من ذلك، ولكونه عز
وجل [ ليس ] بجسم ولا عرض ولا جوهر لا يصح أن يقال هو [ في الأرض
ولا ] هو [ في السماء، ] لأنهما محدثان كما مر وهو تعالى قبل أن
يحدثهما بلا مكان [ ولا حَلَّ في مُتَحَيِّز أصلاً، ] إذ لو فرض
أنه في الأرض أو في السماء أو في أي متحيز من عرش أو كرسي أو غير
ذلك من الأماكن لقيل: أين كان قبل أن يخلق ذلك الحيز والمكان ؟
فيلزم أحد محالين: إما أن يكون في محل غير ذلك فيلزم الانتقال
ويعود السؤال ويتسلسل، وإما أن يكون ذلك المحل قديماً معه تعالى
فهو محال لأنه قد ثبت أن الله تعالى خالق كل شيء، ولأن ما جعل أحد
القديمين ظرفاً وللآخر مظروفاً بأولى من العكس، فيلزم افتقارهما
إلى ثالث جعل هذا ظرفاً وهذا مظروفاً وكل ذلك محال، فلا يصح القول
بشيء من ذلك، وما ورد من نحو قوله تعالى: ?الرَّحْمَانُ عَلَى
الْعَرْشِ اسْتَوَى? {طه:5}، فليس المراد الكون فيه بل له وجه
ومعنى صحيح خلاف ذلك كما سيأتي، ولانتفاء المكان في حقه تعالى
ينتفي كل شيء مما يتفرع عليه من التحديد بالجهات الست، [ ولا ] يصح
أن يقال [ حَدَّه فَوْقٌ ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال، ولا خَلْفٌ،
ولا أمام،
(1/227)
] لأنه لو حد بإحدى
هذه الجهات لزم تناهيه في الجسمية وتحديده وتخصيصه بتلك الجهة
وخلوه عما عداها من سائر الجهات فيلزم فاعلاً فعله كذلك، تعالى
الله عما هنالك، [ و ] كذلك [ لا يجوز عليه ] تعالى [ المجيء ولا
الذَّهاب، ولا الهبوط ولا الصعود. ] لأن ذلك كله متفرع على الجسمية
المعلوم حدوثها وهو تعالى قديم، ولأنه قد ثبت أنه تعالى [ كان قبل
خَلْق العَالَم ولا مكان، ويكون بعد فناء العالم ولا مكان، ] فيلزم
أن يكون حال وجود العالم بلا مكان [ وهو خالق المكان مستغنٍ عن
المكان، وخالق الزمان فلم يتقدمه زمان، ] بل هو سبحانه المتقدم على
الزمان تقدماً لا ابتداء له.
وقد اختلف في ماهية الزمان وهويته فقيل هو حركة الفلك. وليس بسديد
لأن حركة الفلك حدث واقع في الزمان، وقيل: إنه أمر عَدَمِي لا وجود
له في الخارج وإنما هو أمر اعتباري بين وجود الموجودات بالنسبة إلى
القَبْلِيَّة والبَعْدِيِّة. وليس بسديد أيضاً لأنا نعلم مرور
السنين والأعوام وتعددها وانقسامها إلى الفصول والأشهر والأيام
والليالي، ومن البعيد أن تكون هذه أقسام لأمر عَدَمِي، والأظهر أن
يقال: هو نفس الأحيان والأوقات المتجددة بحدوث الكائنات فيها، وفيه
أن الأحيان والأوقات بعض الزمان ومهما لم يُعرَف لم تُعرَف، وفيه
أيضاً أي الزمان نفسه إشكال من حيث أن الذوات محصورة بقولهم: الشيء
لا يخلو أن يكون موجوداً أو معدوماً، والموجود إما قديم أو محدث،
والمحدث إما أن يشغل الحيز عند حدوثه فهو الجسم أو لا يشغله فهو
العرض، والمتحيز إما أن ينقسم أو لا، الثاني الجوهر، فينظر في أي
الأقسام الثلاثة التي هي: الجسم والجوهر والعرض يدخل بل من المعلوم
أنه ليس بأحدها.
(1/228)
ويمكن الجواب عن هذا
بأن التقسيم ناقص بأن يقال: والذي لا يشغل الحيز عند حدوثه إما أن
يستقل بنفسه وهو الزمان، وإما ألا يستقل بنفسه بل يقوم بالجسم وهو
العرض، وهذا قوي ولا يمتنع عليه أن يقال: إن الزمان مما استأثر
الله بعلمه كالروح وغيره مما أعلم الله الخلق بوجوده وحدوثه ولم
يطلعهم على معرفة كنهه، ?وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا
قَلِيلاً? {الإسراء:85}، وحيث أنه عز وجل لا يشبه الأشياء يجب أن
يقال: إنه تعالى [ ليس بنور ولا ظلام، ] لأنهما من جملة المحدثات
يتضادان على المحل القائمين به وهو الهواء الفاضي بين الجسام
الكثيفة قال تعالى: ?وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ?
{الأنعام:1}.
واختلف في المرجع لهما هل إلى الأجسام أم إلى الأعراض ؟
قال القاسم والهادي والمتوكل على الله والمهدي والأمير المؤلف عليه
السلام وأبي الهذيل من المعتزلة وغيرهم: إنهما من قبيل الأعراض.
وقال بعض أئمتنا عليهم السلام على رواية شيخنا رحمه الله ولم
يبينه، وأكثر المعتزلة: هما جسمان.
قال شيخنا: والأول هو الصحيح لأن الجسم الهواء وهما لونان يتعاقبان
عليه.
قال الهادي عليه السلام : هما سواد وبياض والشعاع جسم، ومثله حكى
في الحقائق عن القاسم عليه السلام .
(1/229)
قلت: هذا صحيح، إلا
أن قوله: والشعاع جسم. مشكل إذ لم يظهر لشعاع معنى غير أنه من
النور، قال: وأما أبو الهذيل فمذهبه: أن الهواء ليس بجسم. فيلزمه
إثبات عرض بلا شبح فينظر في ترقيع حرفه،وأما قوله تعالى: ?اللَّهُ
نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ? {النور:35}، فذكر الأمير عليه
السلام في الينابيع أن المعنى الله منور، وحكى عن أمير المؤمنين
عليه السلام : هادي أهل السماوات والأرض، وفي الكشاف: صاحب نور على
حذف مضاف، [ لأن جميع ما ذكرنا ] من الوصف له تعالى بالكيف وما
بعده كله [ ينافي القِدَم. ] الذي قد ثبت وتقرر بالأدلة القاطعة أن
الله تعالى متصف به ولا يشاركه غيره فيه. فلو جوزنا وصفه تعالى
بشيء مما ذكر لناقضنا القول بقدمه تعالى.
(1/230)
قال عليه السلام [
ولأجل ذلك ] أي لأجل القول بأنه تعالى ليس بجسم لكون الجسم محدثاً
وهو تعالى قديم [ نقول: لا يجوز أن يقال: هو ] تعالى [ طويل، ولا
قصير،ولا عريض، ولا عميق، ] لأن هذه الأوصاف خصائص الجسم التي بها
كان جسماً، والطويل تارة يقابل القصير فيكون من باب مقابلة النقيض
بالنقيض وهما أمران نسبيان لأن الجسم قد يكون طويلاً بالنسبة إلى
جسم آخر، وقد يكون قصيراً بالنسبة إلى ثالث، وتارة يقابل بالعريض
فلا يكون من مقابلة النقيض بالنقيض لأن كل نقيضين لا يجتمعان في
محل، وهما - أي الطول والعرض - مجتمعان في الجسم فيكون من مقابلة
اللازم بملزومه كمقابلة الضحك بالسرور ونحو ذلك، فالطول بهذا
المعنى امتداد الجسم في إحدى الجهات أقل منه في الجهة الثانية التي
هي جهة العرض، فيكون العَرْض امتداد الجسم في إحدى الجهتين أقل منه
في الجهة الثانية، والعمق امتداد الجسم علواً و سَفْلاً، وكل ذلك
دال على الحدوث، ولزوم مقدر ومدبر جعل الجسم على هذه التقادير
ودبره على تلك التدابير، [ و ] كذلك [ لا ] يجوز أن يقال في وصفه
تعالى [ شَوِيه ولا مليح، ]، لأن الشواهة سوء المنظر، والملاحة
حسنه، فالكل منتف عن الله تعالى لأن ذلك فرع الجسمية [ و لا أن
يقال: هو يَسْتَرُّ أو يغتم أو يهتم أو يظن أو يَعْزِم أو يلتذ أو
يشتهي أو ينفر أو يُؤْلَم، ]، لأن هذه الصفات كلها من صفات الجسم
الحي، ويعبر عنها بصفات الجملة التي يقابل بها صفات الآحاد
كالألوان ونحوها.
(1/231)
ويستر: من السرور وهو
الفرح، قال شيخنا رحمه الله تعالى: ويمكن أن يقال بل الفرح أخص
لأنه ورد ذمه والنهي عنه بخلاف السرور بحصول ما يحب، فلم يرد فيه
نهي ولا ذم بل رغب الشارع في إدخاله على المؤمن. قال في البحر:
والفرح هو السرور الذي تصدر عنه أفعال طرب وقوله تعالى:
?وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ? {الروم:4}، معناه يستر من
استعمال المقيد في محل المطلق ووزنه يفتعل برائين أولاهما مكسورة
فأدغمت في الأخرى فصار يستر.
ويغتم: من الغم وهو اعتقاد الحي بأن عليه أو على من يحب حصول مضرة
أو فوت منفعة، قال القرشي رحمه الله في المنهاج: ويفارق الخوف
مفارقة العام للخاص في بعض صوره.
قلت: وهذا غير واضح، والأظهر أن الغم يتعلق بما قد وقع أو سيقع،
والخوف يختص بما سيقع في المستقبل.
ويهتم: إن كان بالتاء فهو من الاهتمام وهو التهيؤ للشيء قبل وقوعه
ولا يكون إلا فيمن يخشى الفوات، وإن كان من دونها فهو من الهم وهو
اشتغال النفس بما سيأتي من مكروه طبعاً.
ويظن: من الظن وهو الاعتقاد الراجح لثبوت شيء أو نفيه مع تجويز
المرجوح، وإنما يكون فيمن تعذر عليه العلم، وهو قسم من الاعتقاد
عند بعض المتكلمين وهو الصحيح، وقيل: بل هو جنس برأسه وحكاه شيخنا
رحمه الله عن المؤيد بالله عليه السلام .
ويعزم: من العزم وهو توطين النفس على فعل شيء مع التصميم على ذلك،
فإن لم يصحبه تصميم لم يكن عزماً، قال شيخنا رحمه الله: ويقال: عزم
إذا جد في الأمر والمراد هنا الأول.
قلت: ينظر في الفرق بينهما حتى يصح أن يقال المراد هنا الأول إلا
أن يقال المراد بالجد في قوله: إذا جد في الأمر، نقيض الهزل
استقام.
قال رحمه الله: والعزم والهم والغم ليست بأعراض مستقلة، وإنما هي
من قسم الاعتقاد كما أن المحبة والولاية إرادات واقعة على صفات
مختلفة، وكالسخط والغضب كراهتان واقعتان كذلك.
(1/232)
قلت: لكن في عد الهم
والغم من قبيل الاعتقاد تأمل، بل الظاهر أن الاعتقاد يلازمهما لا
أنهما من أقسامه كما يظهر من حديهما المذكورين، ويجمع الجميع أن
الكل من أفعال القلوب التي يتنزه الله عنها.
ويلتذ: من اللذة، وحقيقتها: المعنى المدرك بمحل الحياة مع الشهوة
وضدها الألم، وحقيقة المعنى المدرك بمحل الحياة مع النفرة.
والشهوة والنفرة: جنسان من الأعراض التي لا تدخل تحت مقدور العباد،
وقد تصحبهما الإرادة والكراهة كما إذا تعلقت الشهوة بمباح نافع
والنفرة بمؤلم غير واجب ولا مندوب، فتصحب الشهوة حينئذ الإرادة
والنفرة الكراهة، وقد توجد الشهوة دون الإرادة كاشتهاء الجائع
الحرام، وتوجد النفرة دون الكراهة كشرب الأدوية المارة والحجامة
ونحوها، والإرادة والكراهة داخلتان تحت مقدور العباد ويوصف بهما
الباري تعالى بخلاف اللذة والألم والشهوة والنفرة، فلا يصح عليه
تعالى شيء منها ولا غيرها من جميع ما ذكر [ لأن ذلك ] المذكور من
جميع ما مر [ كُلَّهُ ] من خصائص الأجسام المحدثات و [ شواهدُ ]
على من اتصف بأي شيء منها بحدوثه وثبوت [ الوجود ] له [ بعد العدم،
و ] قد ثبت بالأدلة القاطعة أن الله تعالى قديم، فتجويز وصفه تعالى
بشيء مما مر ذكره أو ما هو نحوه من سائر صفات الأجسام والجواهر
والأعراض [ مُنَافٍ لما هو عليه ] سبحانه وتعالى [ من صفات الكمال
والعظمة والجلال. ]
(1/233)
فصل في معان بعض آيات
من المتشابه الذي تعلقت المجسمة بظاهره
ولما فرغ عليه السلام من الكلام على أن الله تعالى لا يشبه الأشياء
ولا يجوز عليه تعالى ما يجوز عليها، تكلم في معان بعض آيات من
المتشابه الذي تعلقت المجسمة بظاهره.
اعلم أولاً أن الحكمة في إنزال المتشابه ووروده في الكتاب ووروده
في السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وعلى آله الكرام
من وجوه:
أحدها: الزيادة في البلوى على عباده والمحنة لهم وتعبدهم وتكليفهم
بالنظر والفحص لاستخراج الوجه البليغ الأنسب بجلاله وعظيم كبريائه
عز وجل، فيزدادوا بمعرفته إيماناً إلى إيمانهم، ويقيناً إلى
يقينهم، ويُكتب لهم الثواب الجليل، والأجر الجزيل باستخراج ذلك
الوجه، وبالمباحثة والمراجعة بين العلماء رحمهم الله والمناظرة
بالإنصاف وقول التي هي أحسن، ويتعبدهم جميعاً بتعبدات العارف
بالإيضاح والبيان وإزاحة الإشكال، والجاهل المتمكن من النظر
بالاستيضاح وطلب البرهان والتواضع للاسترشاد والسؤال، ويتعبد من لم
يتمكن من النظر في المتشابهات بالإيمان الجملي وهو الاعتقاد أنها
من عند الله وأنها حق لا باطل فيها وإن لم يعرف معانيها، ولو لم
يكن إلا هذا الوجه لإنزال المتشابه لكفى في حسنه ودخوله في دائرة
الحكمة الربانية والمصالح الدينية.
(1/234)
الوجه الثاني: ما
يجعله الله تعالى من الفتنة التي عندها يتبين ثابت الإيمان والمتصف
به باطناً وظاهراً ممن هو منه على حرف أوفي ظاهر حاله دون باطنه،
فيتميز الخبيث من الطيب عند ورود المتشابه وأمثاله من ضروب الفتنة
كفتنة إبليس اللعين، وإماتة من به إقامة الدين كالأنبياء والأئمة
الهادين وسائر حجج الله في خلقه أجمعين، وكتمكين إبليس من الإلقاء
في أمنية الأنبياء عليهم السلام قال تعالى: ?وَمَا أَرْسَلْنَا
مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلاّ إِذَا تَمَنَّى
أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا
يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ حَكِيمٌ? {الحج:52}، ولما كان مساق هذه الآية كما ذكر
يستلزم سؤالاً وهو أن يقول قائل: ولِمَ مكن الله سبحانه إبليس من
ذلك الإلقاء في حال أمنية النبي، والأمنية: هي الكلام المبلغ من
النبي إلى الملأ في المحافل والمجامع كالخطبة ونحوها مما يقال على
جهة التبليْغ والوعظ برفع الصوت، فيحضر إبليس اللعين نعوذ بالله
منه فيتكلم بصوت يشبه صوت ذلك النبي مما يناقض كلامه ويدعو إلى
خلافه، فينسخ الله ?مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ? بأن يوحي إلى
الرسول أو يسمع الرسول ذلك ?ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ? بأن
يبين على لسن ذلك الرسول أن ذلك المناقض هو من إلقاء ذلك الشيطان
العدو المبين، فكان هذا محل سؤال واستشكال لأن يقول قائل: ولم مكن
الله إبليس من الحضور والكلام المشابه في صوته وهيئته لكلام النبي
وما الحكمة ؟
(1/235)
فأجاب عز وجل عن هذا
السؤال المقدر بقوله تعالى: ?لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ
فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ
قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ o
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ
رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ
اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ?
{الحج:53،54}، ونحو ذلك كقصة العجل ونهر طالوت قال تعالى:
?وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَليَعْلَمَنَّ
اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ?
{العنكبوت:3}، والفتنة مأخوذة من قولهم: فتنت الذهب إذا ألقيته في
النار ليتبين رداءته من جودته، وهذا وجه حسن لا شك فيه.
(1/236)
الوجه الثالث: ما
أشار إليه الشيخ العلامة الشهيد مفحم الخصم المناوي محمد بن صالح
السماوي رحمه الله تعالى في جوابه على أهل مكة، وهو أنه لما كان
أُسُّ الشريعة بعد التوحيد أن يأتمر الكل بأمر الله وأن ينتهوا
بنهيه، وجب في الحكمة الإلهية أن يوصف لهم الواجب تعالى بما يوجب
ذلك أي الائتمار والامتثال، فوصف لهم بأنه الملك الكبير المتعالي
لكون من هذا شأنه حقيقاً بأن يطاع أمره ولا يعصى، وإن لم يكن ملكه
كملك الخلق الذي هو قسر بعض الناس على الطاعة رغبة ورهبة، ولا
الكِبر ضخامة الجسم وسعة امتداده، ولا التعالي رفعه بعد المكان
وطول المسافة إليه، ومن هذا القبيل لما أريد أن يثبت الله تعالى من
التعالي ما هو أرفع غاياته خوطبوا تارة بأنه في السماء، وتارة بأنه
فوقها، وتارة بأنه على العرش الذي هو أرفع منها للتقرير في أذهان
العامة بأنه لا ملك بعد هذا ولا أرفع منه ولا طاعة بحق لأحد سواه،
ثم قال في الكتاب: ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ?، فلو حواه مكان أو
أشير إليه بأين هو ؟ لشارك الأجسام كلها في تمكنه في مكان، وتحيزه
في حيز يشار إليه أين هو ؟ فكان مثل كل شيء، تعالى الله عن ذلك،
فلم يصدق قوله تعالى: ? لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ? انتهى.
هذا وجه وجيه وهو مما يزيد الكلام بلاغة وجودة وتلقياً في فكر
المخاطب ومآله إلى النوع المسمى في علم البديع بالتخييل والاستعارة
التمثيلية، وقد اختاره الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام والزمخشري
على غيره من التأويلات التي يذكرها المتكلمون في آيات المتشابه
المشعر ظاهرها التشبيه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الناس اختلفوا في الآيات والأحاديث
المتشابهة على ثلاثة أقوال:
الأول: للمجسمة حملها على ظاهرها مع اعتقاد التجسيم الحقيقي، وهذا
زيغ شديد وضلال بعيد، وسيأتي حكم قائله في فصل الإكفار إنشاء الله
تعالى.
(1/237)
الثاني: لبعض الحشوية
والمحدثين والمدعين أنهم أهل السنة، وحكاه شيخنا رحمه الله تعالى
عن صاحب العواصم والقواصم تَبْقِيتُها على ظاهرها من دون اعتقاد
تجسيم ولا تشبيه، وهذا إن أرادوا به أنها واردة على طريق التخييل
والاستعارة التمثيلية، فهو يؤول إلى كلام الإمام يحيى والزمخشري
وهو في الحقيقة ضرب من التأويل، فتشنيعهم بعد ذلك على من خاض في
تأويل تلك الآيات على غير هذا الوجه بأن جعل اليد كناية عن القدرة
ونحو ذلك من أنواع المجاز لا وجه له إذ قد صار اتفاق الجميع أنه
تعالى ليس كما يشعر به ظاهر تلك الآيات، إذ لا معنى لقوله تعالى
خطاباً لموسى عليه السلام : ?وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي? {طه:39}،
إن حملنا حرف الجر على ظاهره وهو الاستعلاء وحملنا مدخوله على
العين الجارحة إذ لا شك في بطلان هذا المعنى، وإنما المراد بذلك
المبالغة والتأكيد لكونه تعالى عالماً، وإن لم يريدوا به ذلك فهو
قول لا معنى له مع القطع بنفي التجسيم لأنه يلحق كلام الحكيم
بالهذر وإخراج للفظ وتعطيله عن كلي معنييه الحقيقي والمجازي، اللهم
إلا أن يقولوا: إن له معنى لا نعلمه. فلا يرد ما ذكر، فهذا إن كان
حمل اللفظ على ظاهره وهو التجسيم أحد الوجوه الداخلة تحت قولهم: له
معنى لا نعلمه. فهو باطل لاستلزامه التردد في ثبوت التجسيم ونفيه،
وإن لم يكن أحد الوجوه الداخلة تحت ذلك، فلا وجه للتشنيع على
المؤَوِّل لجواز مصادفة الوجه المراد منها سيما وقد سبق إلى
التأويل جمع من علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم كأمير المؤمنين
وسيد المتكلمين أخو رسول الله وباب مدينة علمه، وابن عباس، وابن
مسعود، وأُبي بن كعب وغيرهم من علماء الصحابة رضي الله عنهم،
وكمجاهد، وقتادة، والسدي، وأبي صالح،والحسن وغيرهم من علماء
التابعين رضي الله عنهم، وما أنزل الله القرآن إلا ليتعبد الخلق
بتعرف معانيه وتفهم مبانيه وجعله على اللغة العربية الواردة على
جميع أنواع البلاغة والمجاز
(1/238)
من الاستعارة
والتخييل وأنواع العلاقة بين المجاز والحقيقة،?وَتِلْكَ
الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا
الْعَالِمُونَ? {العنكبوت:43}.
الثالث: هو التأويل وهو الصحيح لئلا يلزم من عدمه أحد ما ذكرنا في
التجسيم، وإلحاق كلام الحكيم بالهذر أو التردد والتشكك فيما قد علم
انتفاؤه وتنزيه الله عنه، وقد جعل الله القرآن على ضربين:
محكم: وهو ما لا يحتمل التأويل، ولا مانع من حمله على ظاهره وهذا
كقوله تعالى: ?قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ o اللَّهُ الصَّمَدُ o
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ? {الإخلاص:1،2،3}، ?خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ?، ? بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ?، ?عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ?، ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ? مأخوذ من
حَكَمة اللجام لما كان يمنع من الذهاب إلى غير مراد الراكب.
(1/239)
ومتشابه: وهو بخلافه
يعني يحتمل التأويل، ومنع مانع من حمله على ظاهره كقوله تعالى:
?بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ? {المائد:64}، ?وَلِتُصْنَعَ عَلَى
عَيْنِي?، ?لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ? {ص:75}، ومن ذلك آيات الهدى،
والضلال، والمشيئة، والقضاء والقدر وأحاديثها، وأحاديث الشفاعة،
والإمامة المشعر ظاهرها دخول الظلمة والفساق،وقد قسم الله تعالى
الكتاب العزيز إلى هذين القسمين المحكم والمتشابه، وحكم بالزيغ:
وهو الخروج عن الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال على من اتبع
المتشابه ورفض المحكم، فلا يمتنع مع ذلك قسمة السنة النبوية على
صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والسلام إلى هذين القسمين المحكم
والمتشابه، وإن حكم متبع المتشابه منا كحكم متشابه الكتاب قال الله
تعالى: ?هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ
مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ? {آل عمران:7}، أي المرجع
لمعرفة ما أشكل معناه من غيره ? وأخر متشابهات ?، وهي التي اشتبه
المراد منها وقام الدليل القاطع من عقل أو نقل على خلاف ظاهرها،
فيجب طلب محمل لها وتأويل يطابق المحكم عند إرجاعها إليه فلا يصير
بينهما حينئذ تناقض ولا تعارض، ثم قال تعالى: ? فَأَمَّا الَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ
ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ?، فحكم بالزيغ
على من اتبع المتشابه، فدل ذلك على أن حمله على ظاهره محرم لا
يجوز، وقوله ?ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ?،
منصوب على أنه مفعول لأجله وهو يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون الناصب له أنزل، فيكون المعنى أنزل الكتاب على
هذين القسمين إرادة منه عز وجل الفتنة - أي المحنة والبلوى - على
المكلفين وإرادته منهم تأويله، ويحتمل عدم تقريره والمعنى ابتغاء
أن يُؤولوه.
(1/240)
وثانيهما: أن يكون
الناصب له فيتبعون، فيكون المعنى يتبعون المتشابه يريدون الفتنة
للناس عن دين الحق وصدهم عنه، ويريدون تأويله على حسب اعتقاداتهم
الرديئة وضلالاتهم الكفرية، ثم عطف على هذه الجملة بقوله: ?وَمَا
يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي
الْعِلْمِ?، وهو يحتمل تنزيله وتوجيهه إلى المعنيين المذكورين، فإن
كان على الأول كان التقدير أنزل الكتاب على وجهي: الإحكام
والتشابه، ليعرفوا تأويله وما يعرف تأويله الموافق المطابق للحق
منهم إلا الراسخون في العلم، وإن كان على الثاني كان التقدير إن
الذين في قلوبهم زيغ يتبعون تأويله وليسوا من أهله، لأنه ?مَا
يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي
الْعِلْمِ?، وهؤلاء المتبعون المتشابه ليسوا راسخين في العلم إنما
هم راسخون في الجهل الشديد والزيغ البعيد، ثم قوله تعالى:
?يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا?، يحتمل أن
يكون مقولاً من الراسخين، لأنهم لما وقفوا على معنى القسمين وتيقن
لديهم صحة كل من الضربين على وجه لا يناقض الآخر بل يعضده ويقويه
ويبينه صح لهم أن يقولوا: ?آمَنَّا بِهِ كُلٌّ ? أي كل واحد من
المحكم والمتشابه ?مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ?، ويحتمل أن يكون مقولاً
من الذين في قلوبهم زيغ، فتكون كلمة حق أرادوا بها باطلاً وهو
تكميل احتجاجهم على من أرادوا أن يفتنوه عن اعتقاد الحق في العدل
والتوحيد والوعد والوعيد وسائر المسائل القطعية الأصولية أو
فروعيه، فيقولون له: كل من عند الله، فليس الاحتجاج بهذا أولى من
الاحتجاج بهذه، ثم قال: ?وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا
الأَلْبَابِ?، ختم الله الآية وقفلها بهذه الجملة تأكيداً لما سبق
إليه الكلام، فيكون ايقاضاً وإلهاماً لطالب الحق أن يتذكر ويسلك
مسلك أولي الألباب، ويكون ردعاً وزجراً وتسجيلاً على من زاغ وترك
الحق أنه قد فارق التذكر الواجب عليه وهو النظر الصحيح
(1/241)
الذي لم يسلكه ?إِلا
أُوْلُوا الأَلْبَابِ? فتأمل أيها المسترشد رحمك الله وإيانا كم
حوت هذه الآية الكريمة من أسرار لطيفة مفيدة ومعان منيفة غير
بعيدة، وإذ قد فرغنا من المقصود قبل الخوض في شرح ما أورده عليه
السلام بهذا المختصر في المتشابه.
فلنرجع إلى الكلام فيما ذكره عليه السلام بقوله [ فإن قيل: ] لك
أيها الطالب الرشاد [ إنه قد ذكر في القرآن أن يداه ] سبحانه
وتعالى [ مبسوطتان ] فيما قاله عز وجل رداً على اليهود لما قالوا
?يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ? أرادوا بذلك الكناية عن البخل
المتوهمين له من قبض الأرزاق عليهم وتضييقها وتقليلها، فرد عليهم
بقوله: ?بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ? {المائدة:64}، ولا يخفى على
العارف بموارد اللغة العربية ومواقعها من البلاغة والفصاحة أنه لا
يستقيم هاهنا أن المراد باليد والغل والبسط معانيها الحقيقية، وأن
الخبر أصلاً وجواباً مساق للإخبار بذلك، تعالى الله عما هنالك، فلا
بد من تأويله وتنزيله على وجه يصح أن يكون هو المراد من مساق
الإخبار، [ و ] كذلك ما ذكر في القرآن الكريم [ أن له ] تعالى [
جنباً، وعيناً، ونفساً، وأيدياً لقوله ] تعالى: ?أَوَلَمْ يَرَوْا
أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ [ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا ]
أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ? {يس:71}، وغير ذلك من الآيات
التي فيها ذكر ما يوهم التجسيم من أن له تعالى وجهاً أو أنه في جهة
كقوله تعالى: ?أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ? {الملك:16}،
?الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى? {طه:50}، وغير ذلك من
المتشابه في الكتاب.
أو في السنة كما ورد أن العبد إذا أكمل وضوء الصلاة واشراطها وأحسن
أداءها، فإن الله يضحك لذلك حتى تبدوا نواجذه، فإن ذلك إن صح فإنما
هو على جهة المبالغة في قبولها وعدم ردها.
(1/242)
وكما ورد في أحاديث
النزول ليلة عرفة مع الحجيج ومباهاته عز وجل ملائكته بهم، فإنما
ذلك كناية عن رضائه عنهم وانصرافهم مغفوراً لهم، وفي السنة كثير من
ذلك صار شبهة للجاهلين وفتنة للضالين، ومع ورود ذلك في الكتاب
العزيز فلا يمكن رد ما ورد من السنة بالأسانيد المعتبرة والطرق
المتكاثرة إلا ما لا يحتمل التأويل المطابق للحكم وللأصول المقررة.
وكذلك ورد في كلام أمير المؤمنين عليه السلام : الحمد لله العالي
في دنوه والداني في علوه،وقوله: الذي بَعُدَ فَنَاءً، وقَرُبَ
فَدَنَا، وعلا بحوله ودنا بطوله.
وقوله: والسماوات ممسكات بيده مطويات بيمينه سبحانه وتعالى.
وقوله: فاتقوا الله الذي أنتم بنعمته نواصيكم بيده وتقلبكم في
قبضته. إلى غير ذلك.
قال الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام في الطراز ما لفظه: فإذا قام
البرهان العقلي على استحالة هذه الأعضاء على الله تعالى، وأنه منزه
عن جميع أنواع التشبيهات المكونات الجسمية والعرضية وتوابعهما
كالكون في الجهات والأعضاء والجوارح والحلول والمجيء والذهاب وغير
ذلك من توابع الجسمية والعرضية، فلا بد من تأويل هذه الظواهر على
ما تكون موافقة للحق وإعطاء البلاغة حقها لأن مخالفة العقل غير
محتملة، وحمل الكلام على غير ظاهره محتمل، وتأويل المحتمل أحق من
تأويل غير المحتمل، فلهذا وجب تأويلها وللعلماء في تأويلها مجريات:
المجرى الأول: الذي ينتجه علماء الكلام من الزيدية والمعتزلة
وغيرهم من المنزهة، وهو أنهم يتأولون هذه الظواهر على تأويلات وإن
بعدت حذراً من مخالفة العقل، واغتفر بُعْدُها لأجل مخالفة العقل
ويُعَضِّدون تأويلاتهم بأمور لغوية فيقولون: المراد باليد النعمة،
وأن المراد بالعين العلم لا غير ذلك، وحملهم لها على هذه التأويلات
لما لم يأنسوا بشيء من علم البيان ولا ولعوا بشيء من مصطلحاته،
فجاءوا بهذه التأويلات الركيكة التي يأنف منها كل محصل ويزدريها
نظر أهل البلاغة.
(1/243)
المجرى الثاني: الذي
عول عليه علماء البلاغة والمحققون من أهل البيان، وهي أنها جارية
على نعت التخييل، فهي في الحقيقة دالة على ما وضعت له في الأصل لكن
معناها غير متحقق وإنما هو أمر خيالي، فاليد مثلاً دالة على
الجارحة، والعين كذلك، لكن تحقق العين واليد في حق الله تعالى غير
معقول، ولكنه جارٍ على نهج التخييل كمن يظن شبحاً من بُعدٍ أنه رجل
فإذا هو حجر، ومن يتخيل سواداً أنه حيوان فإذا هو شجر إلى غير ذلك
من الخيالات.
قلت: وهذا كلام جيد إلا أن التمثيل فيه ما فيه حيث قال: فإذا هو
حجر، فإذا هو شجر لأن انكشاف كونه شجراً أو حجراً ينبي عن الغلط
الذي لا يعد من الفصاحة في ورد ولا صدر، فالأولى في التمثيل كمن
يرى شبحاً من بُعد يعلم أنه ليس بإنسان، لكن لاح عليه شيء من أوصاف
الإنسان نحو امتداد قامته وهيئة رأسه، فأطلق عليه اسم الإنسان
تخييلاً حيث كان خياله كخيال الإنسان، فقال لمن حوله ممن يعلم أنه
ليس بإنسان أنظر إلى ذلك الإنسان، فاستعار تلك الهيئة والخيال
وأراد بها معناها الحقيقي ووضعه لذلك الشبح تجوز أو قد يرشحه بقوله
متى يأت على أن الله ليس له خيال ولا هيئة فيغلط عليه بخلافها،
وإنما المراد من هذا التمثيل إيضاح كيفية التجوز على طريقة أهل
البيان والبلاغة.
قال عليه السلام : فما هذه حالة من التأويلات أسهل على الفؤاد
وأحرى وأدخل في البلاغة من التأويلات البعيدة التي لا يعضدها عقل
ولا يشهدها لصحتها نقل.
قال عليه السلام : ثم أثر عن هذيان الأشعرية أن المراد بهذه
الأعضاء صفات أخبر عنها باليد والعين والجنب وسائر الأعضاء فما هذا
حاله لا دلالة عليه، قال: وأبعد من هذا تهويس المشبهة من أن المراد
بها ظاهرها من الأعضاء والجوارح الخ كلامه عليه السلام .
(1/244)
قال عليه السلام فيه
في أول مبحث التخييل ما لفظه: اعلم أن هذا النوع من علم البديع من
مَرامِي سهام البلاغة المسَدَّدَة وعِقْدٌ من عقود لآلِيه وجُمَانه
المبدَّدَة، كثير التداول في كتاب الله تعالى والسنة الشريفة، لما
فيه من الدقة والرموز، واستيلائه على إثارة المعادن والكنوز، ومن
أجل ذلك ضل من ضل من الجَبْريِّة بسبب آيات الهدى، والضلال وعمل من
أجله على الانسلاخ عن الحكمة والانسلال، وزَلَّ من زَلَّ من
المشبهة باعتقاد التشبيه، وزال عن اعتقاد التوحيد باعتقاد ظاهر
الأعضاء والجوارح في الآي فارتطم في بحر التمويه، فهو أحق علوم
البلاغة بالإتقان، وأولاها بالفحص عن لطائفه والإمعان ولو لم يكن
في الإحاطة به إلا السلامة عما ذكرناه من زيغ الجُهال، والخلاص عن
ورط الزيغ والضلال، لكان ذلك بغية النظَّار والضالَّة التي يطلبها
غَاصَةُ البحار، فضلاً عما وراء ذلك من درر مكنونة، وأسرار فيه
مودعة مخزونة،ومن ثمة قال الشيخ النحرير محمود بن عمر الزمخشري نور
الله حفرته: ولا نرى باباً في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا
الباب ولا أنفع لي عوناً على تعاطي المتشابهات من كلام الله تعالى
وكلام الأنبياء، ولعمري لقد قال حقاً ونطق صدقاً. انتهى كلام
الإمام عليه السلام .
(1/245)
ولنعود إلى تمام
المقصود فيما نحن بصدده فنقول: قد عرفت أيها الطالب الرشاد أن
الآيات المشعر ظاهرها التشبيه لا يحملها على حسب الظاهر ويعتقد
وصفه تعالى بالجوارح والأعضاء والكون في الجهات إلا المجسمة دون
سائر فرق الإسلام، فلم يوافقهم أحد في ذلك، وإن اختلف أهل التنزيه
والتوحيد في كيفية توجهها وتأويلها بين القريب والأقرب والبعيد
والأبعد حتى أن بعض المنزهين لمَاَّ لم يسلك في تأويلها مسلك
المتكلمين وأبقاها على ظاهرها من دون اعتقاد معناها الذي هو
التجسيم ظن أن ذلك ليس بتأويل،وقال في ذلك وقد أحسن وأجاد وأفاد
بالمراد ولله دره حيث سلك مسلك البيانيين في التأويل وإن لم يسلم
أنه تأويل فالقصد من العقائد الاتفاق في المعنى، فإن اختلف في
العبارة والمبنى فقال رحمه الله تعالى مجيباً على من سأله:
وجهت لي مَسائلا .... قد حار فيها الفُطَنا
علم أصول ديننا .... لأجلها قد دُوِّنَا
واختلفت أقوالُهمْ .... فيها اختلافاً بَيِّنا
وكل حزب مِنْهُمُ .... يقصد قصداً حَسَنا
فالقائلون بالمجاز .... قد نزهوا خالقَنا
والآخرون سكتوا .... وآمنوا بما عَنَا
وخيرها أسلمها .... والصمت خير مُقْتَنا
فالله غيب كله .... عن علمنا قد بطنا
لكنه دَلَّ بما .... نعرفه من الثنا
على عظيم شأنه ....تعَرُّفاً منه لنا
وهو تعالى شأنه .... أكبر مما دلنا
فامش على اللفظ الذي .... قال به إِلهُنا
والنفس إما طَمِحَت .... فقل لها إلى هنا
إِنكِ إن أَوَّلتِهِ .... زال البَهاءُ والسَّنا
ولم تجد من بعده .... لفظاً يكون أحسنا
فهذه عقيدتي .... واسلم بقيت الزمنا
(1/246)
وهذا هو معنى ما ذكره
الإمام يحيى عليه السلام ، ويظهر من عبارة الأساس للإمام القاسم بن
محمد قدس الله روحه حيث قال في قوله تعالى: ?لِمَا خَلَقْتُ
بِيَدَيَّ?، وقوله: ?تجري بأعيننا ?، فالعلاقة المشاكلة ليشاكل
كلمة اليد المقدرة الخاطرة بذهن السامع عند سماعه قوله تعالى:
?لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ?، لما كان المخاطب لم يشاهد بناءً ولا
صنعاً إلا باليد، وعبر عن حفظه للسفينة بقوله تعالى: ?تجري بأعيننا
?، مشاكلة لكلمة العين المقدرة الخاطرة بذهن السامع، لما كان لا
يتم حفظ مثله لأحد في الشاهد إلا بمتابعة أبصارها بالعين الخ كلامه
عليه السلام .
(1/247)
ويظهر من كلام الشيخ
محمد بن صالح رحمه الله ما مر من حكايته وهو أن المراد بذلك
التخييل والاستعارة التمثيلية، وهو أفصح وأبلغ من تأويل أهل علم
الكلام الذي اعتمده المؤلف عليه السلام ، ألا ترى أن قوله تعالى:
?إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ?، إذا جعلنا اليد بمعنى القدرة
لما كانت محلاً لها في الشاهد يصير المعنى كذلك في هذه الآية، إذ
يصير تقدير الآية إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله قدرة الله
فوق قدرتهم، وينبني بعد هذا التقرير من المجازات التي لا حاجة
لارتكابها من أن الفوقية إنما تستعمل في المعاني تجوزاً، والقدرة
في حقه تعالى مجاز عن كونه تعالى قادراً، والقدرة في حقهم مجاز عن
الأيدي المصافح بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، هذا إن جعلنا
التقدير قدرة الله فوق قدرتهم، وإن جعلناه قدرة الله فوق أيديهم
فالمعنى أرك والمسلك أضنك بخلاف ما إذا أبقينا اليد على وضعها
اللغوي وهي الجارحة وجعلناها في حقه تخييلاً في ذهن المخاطب
والسامع وقصدنا بذلك التخييل المشاكلة للأيدي الحقيقة المصافحة
للرسول صلى الله عليه وآله وسلم حال المبايعة له، وأردنا ترشيح
الاستعارة التخييلية بإثبات الفوق على أصل وضعه اللغوي بالتخييل
كان ذلك أبلغ من الوجه الأول في إثبات الحجة وتأكد اللزوم بوفاء
تلك البيعة وأفصح في الكلام وأثبت موقعاً في النفس وأقرب في التجور
وأسرع إلى فهم كيفيته وأدخل في النفس قبولاً له ولجريه وصلاحيته في
كثير من المواضع التي لا يراد بها ظاهرها بخلاف الوجه الأول، فإنه
قد يكون بعض المواضع غير صالح ولا مستقيم ولانحصار وجوه العلاقة
وتعذر بعضها في بعض المحلات أو لكونها علاقة بعيدة فلا تستعمل
بخلاف التخييل فلا انحصار له ولا يتعذر في أي موضع.
ولا يقال: إن بهذا الكلام قد أبطلنا تأويل المتكلمين ورددناه
بأصله.
(1/248)
لأنا نقول: إنما
أردنا بهذا أن تأويل البيانيين وأهل المعاني أقرب وأيسر وأظهر، لأن
تأويل المتكلمين باطل من أصله بل يكون في بعض المواضع أرجح وأظهر
كما في قوله:
وما من يد إلا يد الله فوقها .... ولا ظالم إلا سيُبْلَى بظالم
فإنه لو سلك في هذا البيت مسلك التخييل وحملت الفوقية واليد على
معناهما الأصلي لكان المعنى في الفصاحة والبلاغة دون ما إذا جعلنا
اليد بمعنى القدرة فتأمل ولكل مقام وجه من ترجيح أحد المسلكين على
الآخر يظهر بالذوق والفهم عند التقادير المنبني عليها كل واحد من
المسلكين وبالله التوفيق.
I
(1/249)
معاني اليد والجنب
والوجه والعرش وغيرها الواردة في القرآن
قال عليه السلام [ فقل: يداه ] في الآية الأولى [ نعمتاه، ] من
تسمية الشيء باسم آلته لما كانت اليد آلة لإيصال النعمة إلى المنعم
عليه في الشاهد، ويقال لفلان على فلان يد عظيمة أي نعمة، وتصح
تثنيتها على هذا المعنى قال الشاعر:
ويدانِ بَيْضَاوَان عِنْدَ مُحَلَّمٍ .... قَدْ يَمْنَعَانِكَ أنْ
تُضَامَ وتُهْضَمَا
[ وَيَدُهُ ] في قوله تعالى: ?مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا
خَلَقْتُ بِيَدَيَّ?{ص:75}، [ قدرته ] لكنها في الآية بصفة التثنية
لما كانت القدرة في الشاهد محلها اليدين معاً، ويمكن أن يقال أراد
التخييل لما كانت الأعمال والإحداثات في الشاهد باليدين جميعاً،
لأنا إذا جعلنا اليد بمعنى القدرة لزم تثنية القدرة لتثنية اليدين
فيحتاج إلى تكلف للتصحيح والتوضيح كما قالوا في: ? بَلْ يَدَاهُ
مَبْسُوطَتَانِ ?{المائدة:64}، أراد نعمة الدنيا ونعمة الدين أو
نعمة الدنيا والآخرة أو الظاهرة والباطنة بخلاف ما إذا جعل من باب
التخييل فلا كلفة للتصحيحه، [ والأيدي ] في الآية الثانية وهي قوله
تعالى: ?مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا? {يس:71}، [ هي: القدرة،
والقوة أيضا.ً ] عطف تفسيري، لأن القدرة والقوة بمعنى واحد، ومثل
هذه الآية قوله تعالى: ?وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ ?
{الذاريات:47}، قال الناصر للحق عليه السلام : تجمع التي بمعنى
القدرة على أيد والتي بمعنى النعمة على أيادٍ. حكاه شيخنا رحمه
الله، قال وفي كلام: أن الأول جمع قِلَّة والثاني جمع كَثرة ولا
فرق، والإمام أصدق وأحق. قال: وتأتي اليد بمعنى: الملك، يقال الدار
في يد فلان - أي في ملكه-، وتأتي اليد لغير ذلك.
قلت: وذلك كاليد عند علماء الشريعة والحكام في قولهم: من كانت اليد
له فالظاهر معه، يريدون بذلك ثبوت التصرف وكون القول قوله، وعلى
الخصم المنازع في الملك البرهان.
(1/250)
قال رحمه الله: هذا
يعني ما ذكره المؤلف عليه السلام تأويل أكثر التابعين والأئمة،
وأما علماء البيان وهو الذي جنح إليه الإمام يحيى عليه السلام في
الطراز والإيجاز والمهدي والزمخشري أنه لا يتمحل للمفردات فيقال في
نحو: ?يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ? ?بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ?
على اليد كناية عن البخل، وبسطها كناية عن الجود ونحوها. انتهى
كلامه والمسك ختامه.
[ و ] ما ذكر من أن له [ جنباً في قوله تعالى ] حكاية عن من يتحسر
في عرصة المحشر على ما فاته واقترفه في الدنيا من الطاعات والمعاصي
[ ? يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ? ]،
فليس المراد به الجنب على حقيقته وهو العضو المخصوص إذ لا معنى
للتفريط فيه، وإنما المراد في جنب الله [ أي: في طاعته ]، فالجنب
بمعنى الطاعة والحق الثابت للمطاع، وورود الجنب في لغة العرب بهذا
المعنى شائع مستعمل، قال:
أما تَتَّقِيْنَ اللهَ في جَنْبِ عَاشِقٍ .... لَهُ كَبِدٌ حَرَّا
عَلَيْكِ تَقَطَّعُ
أي الحق الذي له.
ويأتي بمعنى: الجانب/ قال:
النَّاسُ جَنْبٌ والأمِيْرُ جَنْبُ
أي الناس في جانب والأمير في جانب، ثم لا يخفى أن التخييل الذي
يعتمده البيانيون في تأويلهم مستبعد في هذه الآية، لاستحالة
التفريط الحقيقي في الجنب الحقيقي الذي هو العضو المخصوص من
الإنسان وغيره من الحيوانات،ولهذا قلنا إن في بعض المواضع يكون
فيها تأويل المتكلمين أولى كما مر.
وقد يستعمل الجنب بمعنى الجهة كقوله:
كأنَّه خَارِجٌ مِنْ جَنْبِ صَفْحَتِهِ .... سَفُّودٍ شَربٍ
نَسَوْةُ عند مُفْتَأَدِ
أي من جهة صفحته.
(1/251)
[ و ] ما ذكر من أن
له تعالى[ نفساً في قوله تعالى ] حكاية عن عيسى عليه السلام [
?تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ]
إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ ]? {المائدة:116}، [ فالمراد به
تعلم سري وغيبي ]، أي ما أضمرته وأسررت به [ ولا أعلم سِرَّك وغيبك
]، أي ما أخفيتَه وغيبته عني، فأتى بلفظ نفس الثانية ليشاكل بها
نفس الأولى، وإن كانت النفس في حق عيسى عليه السلام أريد به النفس
الحقيقية وهي العرض القائم بالقلب الداعي إلى الوسوسة وإضمار بعض
ما خصر عليها وإظهار بعضه ويدعو إلى تناول المشتهيات والمستلذات
والمنافسة للغير والمفاخرة والمكاثرة، وحاصل الكلام فيما بين النفس
والعقل أنهما يتفقان من جهة كون كل منهما عرض محله القلب لا يجوزان
على الله تعالى، وإنما هما من صفات الحيوان المحدث.
قال السيد حميدان رحمه الله تعالى: مثل حلول العقل فيه أي في القلب
كمثل حلول البصر في العين ولذلك قال تعالى: ?أم لهم قلوب يعقلون
بها ?، وقال: ?فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى
الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ? {الحج:46}، ومثل حلول النفس
فيه كمثل حلول الحرارة في النار، ولذلك قيل: إنها تقوى بالوسواس
كما تقوى النار بالحطب.
قال: واعلم أن وجه الحكمة في خلق العقل هو: كونه نعمة من أتم
النعم، وحجة من أبلغ الحجج، وكونه هادياً إلى طريق النجاة.
ووجه الحكمة في خلق النفس هو: ما فطرت عليه من محبة مالا بد من
إصلاحه من أمور الدنيا.
ووجه الحكمة في مقارنة النفس للعقل هو ما أراده الله سبحانه في ذلك
من الاختبار والامتحان.
هذا ما ذكره عليه السلام في حقيقة العقل والنفس عند أئمتنا عليهم
السلام ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم، ثم حكى معناهما عند
الفلاسفة وأهل التناسخ والمطرفية وغيرهم، ثم ذكر الفرق بين النفس
والعقل من وجوه:
أحدها: في التسمية والاشتقاق.
(1/252)
فإن العقل من عقل
نَوَّاد الإبل، والنفس مشتركة بمعنى الذات ? يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ
نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا ? {النحل:111}،وبمعنى الروح
?اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا? {الزمر:42}،
وبمعنى الدم نحو ما في الشرع من طهارة ميتة مالا نفس له سائلة،
وبمعنى النفس المقارنة للعقل وهي هذه التي الغرض الفرق بينها وبين
العقل.
وثانيها: اختلافهما في نفس الوجود.
وذلك لأن الله تعالى جعل وجود النفس مقارناً لأول وقت وجود الحياة
لأجل كون الحي من البشر مشتهياً ونافراً، والشهوة والنفرة من طبائع
النفوس التي فطرها عليها لما علم في البلوى بذلك من المصلحة
والحكمة البالغة.
وثالثها: اختلاف صفاتها.
لأن من صفات العقل كونه هادياً إلى الرشاد ومميزاً بين الأضداد من
التمييز بين الحق والباطل والخير والشر، وداعياً إلى مكارم
الأخلاق، وإدراك الأحكام العقلية من التماثل والتخالف، والوجوب
والاستحالة، واللزوم وعدمه، وحسن تحمل الأحكام الشرعية، ولحسن
مكارم الأخلاق ولغير ذلك من محمود الخصال، ومن صفات النفس كونها
كما قال تعالى أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي وموسوسة ومسوِّلة
وداعية إلى الحرص والجزع والهلع والشح والطيش، ونحو ذلك من مذموم
الأخلاق.
ورابعها: اختلافها في النظر والاستدلال.
وذلك لأن نظر العقل هو التفكر في الصنع من حيث هو حكمته ومفتقر إلى
فاعل قادر عالم حي ونحو ذلك من الاعتبارات الصحيحة، ونظر النفس من
حيث التظنن والتوهم وتتبع مواضع الشبهة والحرص بلا دليل وتتبع
المتشابه ونحو ذلك مما يعتمده أهل الإلحاد كما قال تعالى: ?بَلْ
اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ?
{الروم:29}، وكتلبيس أهل الزندقة على المتعلمين.
وخامسها: اختلافهما في مادتهما.
(1/253)
وذلك لأن العقل مستمد
من توفيق الله تعالى وتسديده ولذلك قال تعالى: ?وَالَّذِينَ
اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى? {محمد:17}، ويستمد من محكم الكتاب
والسنة وعلوم أئمة الهدى،والنفس تستمد من وسواس الشيطان ومن الشبه
والمتشابه ولذلك قال تعالى: ?يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ
زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ? {الأنعام:112}.
وسادسها: اختلاف أحوال أتباعهما.
لأن المتبع لعقله يقف عند حد قدره لئلا يجهل فضلاً من فضل الله
عليه، ويقف عند حد عقله لئلا يغلو في دينه غير الحق، والمتبع لهوى
نفسه يخوض فيما وراء حد عقله ويتكبر على من هو أفضل منه ويحسده
ولذلك قال تعالى: ?أَفَكُلمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى
أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا
تَقْتُلُونَ?{البقرة:87}، وقال تعالى: ? فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا
لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ
أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ? {القصص:50}.
قال واعلم أن هذه الفروق وما أشبهها هي التي يعلم بها ضلال كل معطل
ورافض، وكذب كل مُدَّع أن عقله دله على صحة مخالفته للحق وأهله،
وبه يعلم الفرق بين ما يعلم ولا يُتوهم نحو الباري سبحانه وتعالى
وبين ما يتوهم ولا يعلم نحو ما تقدم ذكره من بدع الفلاسفة وغيرهم،
ويعلم به الفرق بين العالم والمتوهم انتهى كلامه عليه السلام مع
بعض تصرف واختصار.
(1/254)
قلت: ومن الوجوه التي
يجتمع فيها العقل والنفس والتي يفترقان فيها هو أن عند إدراك
الحواس الخمس لما تدركه من المسموع والمبصر والمشموم والمطعوم
والملموس وغيرها يقع تعلق العقل والنفس بتلك المدركات ونحوها كحب
الرئاسة والفخر، والعقل والنفس يتفقان في التعلق وهو الارتباط بتلك
المدركات ونحوها، ثم يفترقان من حيث أن النفس تدعو إلى كل ملائم
للطبع من غير فرق بين حسن وقبح وحل وحرمة وتعلق مدح وذم ونظر في
العواقب، والعقل لا يدعو إلى شيء منها إلا ما كان على صفة الحسن
وعدم مقارنة مضرة أو مفسدة أعظم من نفع المتناول ومصلحته العقلية،
وموافقة أمر الشارع في الحل والحرمة ونحوهما، ومجانبة ما يقع عليه
الذم والعار عرفاً وما عاقبته سوء، ومن ثمة قال أهل الحكمة: إن
العقل والنفس يتنازعان فيما وقع فيه الاختلاف بين العقل والنفس فمن
غلب عقله على نفسه ألحق بالملائكة عليهم السلام، ومن غلبت نفسه على
عقله ألحق بالبهائم، وأُس كل خير الانقياد للعقل والزهد والصبر،
وأُس كل شر الانقياد لهوى النفس والطمع والجزع.
(1/255)
نعم وقد عرفت أيها
الطالب الرشاد أن النفس تأتي على تلك الأربعة المعاني المذكورة عن
السيد المحقق رحمه الله، وأن من معانيها هذه النفس المقارنة للعقل
والمفارقة له فيما ذكر، وبذلك يعلم أن إطلاقها على الله تعالى لا
يصح بهذا المعنى، وإنما المراد بها إلا المشاكلة للنفس الحقيقية في
قول عيسى عليه السلام ?تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ? أو كناية عن
العلم الواجب له تعالى، فالمشاكلة حينئذ مع التركيب لأن علم الله
لا يصح أن يقوم بنفس له تعالى كما قام بنفس الإنسان، والمعنى من
الآية ما ذكره المؤلف عليه السلام من قوله: والمراد تعلم ما في سري
وغيبي ولا أعلم سرك وغيبك، وحكى شيخنا رحمه الله تعالى عن الإمام
قاموس العترة محمد بن القاسم بن إبراهيم عليهم السلام: أنه من مجاز
الزيادة في القول، أي تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم، قال: وقال
الإمام في الأساس: إنه من المشاكلة، وهو الظاهر من كلام الأئمة
ويمكن أن يُرَد إليه جميع التفاسير، [ ووجهه: ] في قوله تعالى:
?وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ? {الرحمن:27}، ?كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ
إِلا وَجْهَهُ ?{القصص:88}، [ ذاته ] تعالى [ ونفسه، ] كما تقول:
هذا وجه الرأي ونفس الصواب - أي ذات الرأي ونفسه-، وعطف النفس على
الذات هنا من باب عطف الترادف، وكما يقول المتوجه في الصلاة: وجهت
وجهيَ -أي ذاتيَ -، وأنشد الهادي عليه السلام :
وأَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِمَنْ أَسْلَمَتْ .... لَهُ الأرضُ تَحْمِلُ
صخراً ثِقَالاَ
ويستعمل الوجه بمعنى: أول الشيء كما قال تعالى: ? وَجْهَ
النَّهَارِ ?{آل عمران:72}، أي أوله، وبمعنى القصد والإرادة كقوله
تعالى: ?وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ?{لقمان:22}،
?فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ?{الروم:30}، وكقول الشاعر:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيَهُ .... رَبُّ العبادِ
إليهِ الوجهُ والعملُ
ويستعمل أيضاً بمعنى: الجهة والحيثية كما في قول الشاعر:
(1/256)
وقد يَهْلَكُ
الإنسانُ مِنْ وَجْهٍ أَمِنَهُ .... ويَنْجو بإذنِ اللهِ من حيث
يَحْذَرُ
[ و ] منه [ قوله تعالى ] ?فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا [ فَثَمَّ وَجْهُ
اللَّهِ ]? {البقرة:115}، [ أي الجهة التي وجهكم الله إليها. ]، أي
أمركم بالتوجه إليها، روي عن عطاء: عميت القبلة فصلوا على أنحاء
مختلفة فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا، ذكره في الكشاف، لأن فرض
من لم يعاين القبلة التحري لجهتها فإذا انكشف الخطأ وقد خرج الوقت
لم تجب الإعادة بل تلك الجهة التي استقبلها المتحري هي الجهة التي
يجب عليه استقبالها في تلك الحال، وذكر في الكشاف معنى آخر في
الآية وهي أن المراد إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في
بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أي بقعة شئتم من
بقاعها وافعلوا التولية فيها، فإن التولية ممكنة في كل مكان لا
يختص إمكانها في مسجد دون مسجد ولا في مكان دون، مكان والأول أظهر
والله أعلم، [ وما ذكر من العين ] في قوله تعالى: ?وَلِتُصْنَعَ
عَلَى عَيْنِي ? {طه:39}،[ والأعين ] في قوله تعالى: ?تَجْرِي
بِأَعْيُنِنَا?{القمر:14}،[ فا ] نما [ المراد به الحفظ
والكَلاَءَة والعلم ] لكن لما كان في الشاهد لا يتوصل إلى المحافظة
على الشيء وحراسته وهو الكلاءة والعلم به إلا بمراقبة العين
والإبصار له بها، عبر سبحانه عن حفظه وكلاءته وعلمه بذلك بذكر
العين والأعين مشاكلة للعين المقدرة الخاطرة بذهن السامع والمخاطب
عند ذكر الحفظ والكلاءة والعلم، وكما يقال ما صدر من فلان فهو
بعيني - أي بعلمي ـ، وقيل: تجري بأعين أوليائنا الموكلين بها وهم
الملائكة عليهم السلام، وقيل تجري بأعيننا الأعين المذكورة في أول
الآية في قوله تعالى:?وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا ?{القمر:12}،
وهذان التأويلان بعيدان والله أعلم، وأما قوله تعالى:
?الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى? {طه:5}،[ وقوله تعالى: ?
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ? ]
(1/257)
{الأعراف:54}، فقد
اختلف في معنى العرش على قولين، فأحد قولي الإمام زيد بن علي
والقاسم والهادي والمرتضى والإمام صاحب الأساس والإمام الشرفي
شارحه وغيرهم: هو عبارة عن الله وملكه وسلطانه، واستواؤه عليه
استيلاؤه بالقدرة والسلطان، واستعمال العرش في اللغة: العز والملك
شائع، قال:
إذا ما بَنُو مَرْوانَ ثُلَّتْ عُرُوشُهُمْ .... وأَودَوا كما
أَوْدَتْ إيَادُ وحِمْيَرُ
وقال آخر:
رأوا عرشي تُثْلَمُ جَانِبَاهُ .... فلما أنْ تَثَلَّمَ
أَفْردُونِي
وقال آخر يرثي قتيلاً:
إن يقتلوكَ فقد ثُلِّلَتْ عُرُوشُهُمْ .... بِقُتَيْبَةَ بن
الحَارثِ بن شِهابِ
أي: هَدَّمْتَ عزهم وملكهم وسلطانهم بقتلك كبيرهم قتيبة بن الحارث،
واستعمال الاستواء بمعنى الاستيلاء شائع أيضاً قال:
قَدِ استوى بِشْرٌ عَلَى العِرَاقِ .... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ
مِهْرَاقِ
وقال آخر:
فلما عَلَوْنَا واسْتَوَيْنَا عَلَيْهِمُ .... تَرَكْنَاهُمُ
صَرْعَى لِنِسْرٍ وَكَاشِرِ
(1/258)
فالعرش عند هؤلاء
مجاز عن عز الله وملكه وسلطانه، وقيل: هو عبارة عن جميع مخلوقاته
تعالى ولا عرش حقيقة عندهم عليهم السلام، وأحد قولي الإمام زيد بن
علي والمؤيد بالله وأبي طالب والسيد مَانِكْدِيْم والأمير المؤلف
والإمام يحيى والإمام محمد بن المطهر والإمام المهدي عليهم السلام
والجمهور: بل هو حقيقة قبلة للملائكة عليهم السلام، فـ [ استواؤه:
] تعالى على العرش إنما هو [ استيلاؤه ] تعالى [ بالقدرة
والسُلطان، ] ولا يصح ما يقوله أهل الحشو والمجسمة من أن العرش
مكان له تعالى كالسرير مستقر عليه لما في ذلك من التجسيم المقتضي
للحدوث والتحديد والاحتواء،وقد ثبت أن الله تعالى [ ليس كمثله شيء،
ولا يشبه ميتاً ولا حياً. ] وما قاله المجسمون ومن وافقهم باطل لما
يؤدي إليه من المحالات، لأنه قد ثبت بالأدلة القاطعة إن العرش إن
جعلناه حقيقة كان من مخلوقاته تعالى والله تعالى قديم، فلا يصح أن
يكون فيه لاستلزامه إما قِدَم العرش، فما أحد القديمين يكون طرفاً
والآخر مطروفاً بأولى من العكس إن كان ذلك وصفاً ذاتياً، وإن كان
لفاعل لزم حدوث الجميع، وإما حدوثه فيلزم الانتقال عليه تعالى إليه
بعد أن خلقه وهو محال ويستلزم الحاجة عليه والله الغني، ويستلزم
تحديده تعالى إن استوعبه العرش أو تبعيضه تعالى إن لم يستوعبه، وكل
ذلك محال لا يقبله عقل عاقل ولا صحة لنقل ناقل، وإنما المراد
بالاستواء هو الاستيلاء ولو جعلناه حقيقة، قال المؤيد بالله عليه
السلام : خص بالاستواء لأنه أعظم المخلوقات، وقد أشار بعضهم إلى
معنى ذلك بقوله ولله دره:
وقولُ إلهي في الكتابِ قد اسْتَوى .... على العرشِ ربٌّ كان للعرشِ
بَانِيَا
فهذا كقولي للأميرِ قد اسْتوَى .... على المدنِ والأمصارِ إذا صار
واليَا
يريدُ به سُلطانَه واعْتِلاءَه .... وذلك شيءٌ ليس في القولِ
خَافِيَا
(1/259)
تتمة تشتمل على ثلاثة
أمور: أحدها: الكرسي، عند من تقدم، والصادق عليهم السلام، والحسن
البصري عبارة عن: علم الله تعالى، وهو شائع قال:
ولا تَكَرَّسَ عِلْمُ الغَيْبِ مَخْلُوقُ
أي: ما تعلم، وقال آخر:
تَحُفُّ بِهِمْ بِيْضُ الوُجُوهِ وعُصْبَةٌ .... كَرَاسِيُّ
بالأحداثِ حيَن تَنوبُ
أي علماء.
وقال الآخرون: بل هو دون العرش قبلة أيضاً. ذكره شيخنا رحمه الله
في السمط قال: وكلام أمير المؤمنين يقضي بأن العرش والكرسي حقيقة،
والله أعلم. ولم يحك الخلاف في الأساس وشرحه إلا للمهدي عليه
السلام والحشوية في العرش والكرسي معاً وأطلق الرواية عن جمهور
أئمتنا عليهم السلام أنها مجاز.
(1/260)
قلت: ولاختلاف الأئمة
عليهم السلام في العرش والكرسي كما مر لم يصر القول فيهما قطعي
الدلالة فلحقت المسألة بالظنيات، غير أنه لا يعمل بالظني إلا في
المسائل العملية دون العلمية، فإذا انتفى الدليل القاطع فيها لم
يجز العمل بالظن لقوله تعالى: ?ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ
عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ
كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً? {الإسراء:36}، وحينئذ فيجب الوقف هل
العرش والكرسي حقيقة أو مجاز، لأن الدليل العقلي إنما دل على بطلان
القول بأنه يجوز عليه تعالى الاستقرار في عرش أو كرسي أو على أي
مكان لا على بطلان القول بخلقهما على الحقيقة قبلة للملائكة أو
لحكمة خفيت علينا، أو لأن في خلقهما والعلم بذلك لطف لبعض المكلفين
فالكل لا مانع منه وقوله تعالى: ?وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ
مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ?
{الزمر:75}، ظاهر الآية يشهد للقول الثاني، وقد جعله الإمام القاسم
قدس الله روحه مجازاً وتعبيراً عن تعظيم الملائكة عليهم السلام لله
تعالى أبلغ تعظيم حيث كان المخاطب لا يعرف التعظيم البالغ في
الشاهد إلا للملوك عند الحفوف بها وهي على أسرتها، وهذا كما ترى
تأويل خلاف الظاهر لكن لما لم يكن في المسألة إجماع على أحد
القولين صارت مترددة بين الاحتمالين ولا مُرَجِّح غير الظنيات من
ظواهر الآيات والروايات الآحاديات، فلزم الوقوف مع القطع بأنه
تعالى ليس بذي مكان لإجماع العترة عليهم السلام على ذلك، وإجماعهم
حجة قطعية كما هو مقرر في موضعه، وسيأتي الاحتجاج عليه إن شاء الله
تعالى، ولقضاء العقل بذلك وعدم تجويز المكان عليه تعالى، وهذا هو
اللازم معرفته على المكلف دون العلم هل العرش والكرسي حقيقة أم
مجاز ؟ فهذا ما ظهر في المسألة، والله أعلم.
(1/261)
ثانيها: اللوح، قال
القاسم بن إبراهيم وولده محمد والحسين بن القاسم العياني والإمام
القاسم صاحب الأساس والإمام الشارح عليهم السلام: هو عبارة عن علم
الله ولا لوح حقيقة.
وقال زيد بن علي والسادة والمتوكل على الله والمنصور بالله والإمام
يحيى والمهدي عليهم السلام وغيرهم والجمهور: بل حقيقة، وجبريل عليه
السلام يأخذ الوحي منه ولتعليم الملائكة ما فيه، واختلفت الروايات
عن الهادي عليه السلام فحكاه شارح الأساس مع أهل القول الأول،
وحكاه شيخنا رحمه الله تعالى ناقلاً عن كتاب الديانة له عليه
السلام مع أهل القول الثاني.
قلت: وسبيل هذه المسألة كالتي قبلها لفقد الدلالة القطعية، وقد
احتج في الأساس وشرحه لأهل القول الأول بأنه لا يحتاج إلى الرصد
إلا ذو الغفلة، وهذا إنما يلزم لو لم يجعل الرصد لتعليم الغير
كالملائكة عليهم السلام، وذكر شيخنا رحمه الله تعالى ما احتج به
أهل القول الثاني وهو قوله تعالى: ?فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ?
{البروج:22}، ?لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ? {الواقعة:79}،
?إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ? {سبأ:3}، وعلم الله: ذاته، ولا يستقيم
تأويله في الكل.
(1/262)
قلت: وهذا معترض
بأنهم لم يريدوا بالعلم هاهنا إلا التعبير عن كونه تعالى عالماً
بأن أثبت اللوح عن كونه تعالى عالماً، فلا يستقيم اعتراضه بقوله:
وعلم الله ذاته. لأن المراد من ذلك أن الأمر الذي لأجله كان تعالى
عالماً هو ذاته لا معنى ولا صفة ولا مزية زائدة كما مر تحقيقه،
وقوله رحمه الله: ولا يستقيم تأويله به في الكل، يقال فيه: أما
قوله?فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ? ونحوها مما ذكر فيه لفظ اللوح أو
الكتابة فلا مانع بل هو مستقيم، وأما قوله: ?لا يَمَسُّهُ إِلا
الْمُطَهَّرُونَ ? فالمذكور قبلها ?إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ o
فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ?{الواقعة:77-78} وهي نظير قوله تعالى: ?إِلا
فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ?، والكلام في اللوح لا في الكتاب إلا إذا
جعلنا الكتاب بمعنى اللوح، فيمكن أن الضمير في:?لا يَمَسُّهُ ?يعود
إلى المصحف لا إلى اللوح، ولذا جعلت الآية أحد أدلة منع الجنب وهو
مس المصحف على أن قوله تعالى: ?لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ
ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ
ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ?{سبأ:3}، لو حمل
الكتاب على اللوح الحقيقي لما لائم ?لا يَعْزُبُ عَنْهُ? لا يغيب
منه - أي عن علمه - لأن الضمير في عنه يعود إلى الباري تعالى، لأن
أول الآية: ?وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ
قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا
يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي
الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي
كِتَابٍ مُبِينٍ ?، لأنا إذا جعلنا قوله: ?إلا في كتاب مبين ?،
تأكيد للعلم وكناية عن عدم غيبوبته أي شيء من علمه تعالى كان أفصح
وأبلغ، سيما لو حمل على اللوح حقيقة لأن تقدير الكلام على الوجه
الأول ?لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ? إلا في علمه تعالى،
فهو في التأكيد كما يقال لا
(1/263)
ملجأ من الله إلا
إليه.
وعلى الوجه الثاني يصير تقدير الكلام?لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ
ذَرَّةٍ ? إلا في لوح مبين، ولا يلزم من كون الشيء مكتوباً في لوح
أو غيره أن يكون معلوماً فضلاً عن التأكيد،وإنما يلزم من كونه
مكتوباً أن يحفظ إلى عند الطلب والاحتياج.
فإن قيل: عليه أن الكَتْبَ هو لتعليم الملائكة عليهم السلام لا لما
ذكرتم من الحفظ إلى عند الطلب والاحتياج.
قيل: هذا الجواب غير مستقيم في هذه الآية لخروج الكلام معه من مبحث
إلى مبحث غير ما سبق الكلام فيها من أجله وهو الإخبار بكمال
عالميته تعالى وإحاطته بكل شيء علماً، وذلك مستهجن، وإنما هذا يصلح
رداً على من يعترض أصل المسألة في أن اللوح حقيقة بما ذكر فتأمل،
والله أعلم.
قال رحمه الله: وروي فيه أنه من زبرجدة خضراء، وأخرج عبد الله بن
أحمد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خلق الله
الدواة ثم خلق اللوح فكتب فيها أمر الدنيا حتى تنقضي، ثم قال:
?وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ?{ الأنعام:
59}.
قيل: وهو أول مخلوق، وقيل: أول مخلوق الهواء، روى الهادي عليه
السلام عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أول ما خلق الله الهواء"،
وقيل: نور نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لِمَا أخرج عبد الرزاق عن
جابر أنه قال: يا رسول الله أخبرني عن أي شيء خلقه الله قبل
الأشياء؟ قال:" يا جابر إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره
فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث يشاء ولم يكن في ذلك الوقت لوح،
ولا قلم، ولا جنة، ولا نار، ولا فلك، ولا سماء، ولا أرض، ولا شمس،
ولا قمر" الخبر.
ثالثها: قالت الحشوية: إن الله تعالى لا داخل في العالم ولا خارج،
نفي له تعالى.
(1/264)
قلنا: لا نسلم أن ذلك
نفي له تعالى، وإنما ذلك نفي لأن يكون له تعالى جهة داخلة في
العالم أو خارجة عنه، لأنه تعالى ليس بمتحيز ولا حال في متحيز كما
مر، وما كان كذلك استحال أن يحصل في جهة، ولأن الدخول والخروج صفة
الجسم ونفي لأن يكون تعالى من جنس العالم، قال إمام العارفين صلوات
الله عليه: ليس في الأشياء بوالج ولا هو عنها بخارج.
وقال عليه السلام : لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن، ولم
ينأ عنها فيقال هو عنها مباين.
وقال عليه السلام : مع كل شيء لا بمقارنة، وغَيْرٌ لكل شيء لا
بمزايلة.
على أنه يقال: قد ثبت بالأدلة القاطعة أن العَالَم مُحدَث، وأن
الله تعالى قديم، فقبل أن يخلق العالم لا يتصف عز وجل بالدخول في
العالم ولا بالخروج عنه، ولا بد لهم من الإقرار بهذا، وإلا كفروا
أو كابروا، فيقال: فكما لا يكون ذلك نفياً له قبل وجود العالم، لا
يكون ذلك نفياً له تعالى بعد وجود العالم وهذا واضح وبالله
التوفيق.
(1/265)
فصل في الكلام في أن
الله عز وجل غني لا تجوز عليه الحاجة إلى شيء أصلاً
والغني له حقيقة في أصل اللغة، وحقيقة في عرف اللغة،وحقيقة في عرف
الشرع، وحقيقة في اصطلاح المتكلمين.
أما في أصل اللغة: فهو من استغنى بما في يده عما في أيدي الناس وإن
قَلَّ.
وأما في عرف اللغة: فذلك يختلف باختلاف الأعراف والجهات، فلا يكاد
يطلق الغني في بعض الأمصار إلا على أهل الثروات الكبيرة.
وأما في عرف الشرع: فهو من ملك نصاباً أو ما قيمته نصاب ولو غير
زكوي.
وإما في اصطلاح المتكلمين: فهو الحي الذي ليس بمحتاج.
قلنا: الحي. لأن الميت والجماد لا يوصفان بالغنى، وقلنا: الذي ليس
بمحتاج خرج به كل من عداه عز وجل، فلا يندرج تحت هذا الحد غيره
تعالى، إذ كل ما سواه محتاج إليه تعالى وهو تعالى، لا يحتاج إلى
غيره أصلاً في ذاته من كونه ذاتاً موجوداً،ولا في صفاته من كونه
تعالى قادراً عالماً حياً سميعاً بصيراً قديماً لا يشبه الأشياء
ولا يفتقر إلى شيء مما يحتاج إليه الجسم من الحيز والجهة والتأليف،
ولا إلى ما تحتاج إليه العرض من وجود شبح يقوم به ولا إلى ما يحتاج
إليه الحيوان من المأكل والمشرب ونحوهما، ولا إلى ما تحتاج إليه
هذه المذكورات كلها وهو الموجد لها الفاعل، فهو تعالى غني على
الإطلاق وكل شيء سواه محتاج إليه تعالى.
(1/266)
قال عليه السلام [
فإن قيل لك ] أيها الطالب الرشاد [ أربك غني؟ فقل: ] نعم هو تعالى
[ غني لم يزل ولا يزال، ] غنياً [ ولا تجوز عليه ] سبحانه وتعالى [
الحاجة في ] أي [ حال من ] جميع [ الأحوال، ] قال الإمام يحيى بن
حمزة عليه السلام : اعلم أن الكلام في تنزيه الله تعالى عن الحاجة
إلى المنافع وتوابعها، ومن المضار وتوابعها مما لم يقع فيه خلاف
بين أهل القبلة على اختلاف أهوائهم وتباين طرقهم ولا حكي الخلاف في
احتياج ذاته تعالى عن غيرهم من الفرق، وقال الإمام القاسم عليه
السلام : خلافاً لبعض أهل الملل الكفرية ولعله يعني به ما روي عن
فنحاص اليهودي لعنه الله تعالى ومن وافقه فإنه لما نزل قوله تعالى:
?مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ? الآية
{البقرة:245}، قال: ما طلب القرض إلا لأنه محتاج، وهو تحامل منه
وتجار، وإلا فالآية واردة على سبيل التمثيل والمجاز، وفي تكذيبه
نزل قوله تعالى: ?لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا
إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا
قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ
ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ o ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ
? {آل عمران:181، 182}، وقيل إن هذا القول إنما صدر عن قائله على
جهة التهكم بالقرآن والتوصل إلى إبطاله بإلزام الحاجة على الله
تعالى من دون اعتقاد قائله أن الله تعالى ذو حاجة.
(1/267)
قلت: وبهذا الكلام
يجمع بين كلامي الإمامين عليهما السلام، نعم وقد علم أنه لا مخالف
من أهل القبلة في كونه تعالى غنيا،ً لكنه يلزم أهل الجبر القائلين
بالمعاني أن الله تعالى محتاج إليها، لأن عندهم أن لولا هي لما كان
تعالى قادراً عالماً حياً سميعاً بصيراً مريداً كارهاً متكلماً
لَمَّا جعلوا صفاته سبحانه وتعالى المذكورة ثابتة لأجل المعاني
التي زعموها، وقالوا: إنها قديمة قائمة بذاته تعالى فلا يكون على
قولهم غنياً إذ قد احتاج إليها أبلغ الاحتياج، قال القرشي: وذلك
أبلغ من احتياج الحي إلى الطعام والشراب ونحوه،وقد مر إبطال كلامهم
بما فيه كفاية.
واعلم أن هذه المسألة من أهم المسائل وأعظمها نفعاً، لأن صحة السمع
وجميع مسائل العدل والنبوة والوعد والوعيد متوقف على العلم بها
وعلى العلم بمسألة عالم، ولذلك كان حكمهما حكم مسألة إثبات الصانع
في أنه لا يصح الاستكفاء في الاستدلال عليهما بالسمع اتفاقاً،
لتوقف العلم بصحته على العلم بكونه تعالى عالماً بقبح القبيح وكونه
غنياً عن فعله، فيعلم بعد ذلك أنه تعالى لا يكذب، فينتج العلم بصحة
السمع وجميع الكتب والنبوات وما يترتب عليها من الوعد والوعيد
والشرائع، فينبغي حينئذ تحرير أدلتها العقلية وتقرير براهينها
النقلية وفي المسألة أدلة اعتمد المؤلف عليه السلام أحدها، وسنذكر
بعد حكاية كلامه ما سنح منها، وينسب تحرير هذا الدليل إلى أبي علي
الجبائي، والله أعلم، وتحريره على ثلاثة أصول:
الأصل الأول:
أشار إليه عليه السلام بقوله [ لأن الحاجة لا تجوز ] بمعنى لا يصح
فرضها وتقديرها [ إلا على من جازت عليه المنفعة والمضرة، واللذة
والألم، ].
وحقيقة المنفعة: هي اللذة والسرور وما أدى إليهما أو إلى أحدهما.
وحقيقة المضرة: هي الألم والغم أو ما أدى إليهما أو إلى أحدهما.
وحقيقة اللذة: هي المعنى المدرك بمحل الحياة فيه مع الشهوة.
(1/268)
وحقيقة الألم: هي
المعنى المدرك بمحل الحياة فيه مع النفرة.
[ و ] بهذه الحدود والحقائق علم أن [ هذه الأمور لا تجوز إلا على
من جازت عليه الشَّهوة والنَّفرة، ].
وحقيقة الشَّهوة: حركة النفس طلباً للملائم.
وحقيقة النَّفرة: هي حركة النفس دفعاً للمضرة.
فثبت الأصل الأول، وهو أن الحاجة لا تجوز إلا على من جازت عليه
المنفعة الخ.
وأما الأصل الثاني:
فقد أشار إليه المؤلف عليه السلام بقوله [ وهما ] يعنى الشهوة
والنفرة [ لا يجوزان ] وكان الأولى في العبارة أن يقال: وهذه
الأوصاف لا تجوز [ إلا على الأجسام، ] الحيوانات، ثم أخذ عليه
السلام في تحقيق هذا الأصل وتقريره بقوله [ فَيَستر الجسم بإدراك
ما يشتهيه ويلتذ به وينمو ويزداد ] في أغلب الأحوال [ بتناوله، ]
وإنما قلنا: في أغلب الأحوال، ليخرج الجِمَاعُ ونحوه مما يلتذ به
مع أنه ينقص بتناوله [ ويغتم بإدراك ما يَنْفُر عنه ويتضرر به،
وينقص ] في أغلب الأحوال، [ بتناوله. ] ويخرج بقولنا: في أغلب
الأحوال تناول الأدوية المنافرة ونحوها مما ينفر الطبع عنه ويزداد
الجسم بتناوله.
فثبت الأصل الثاني وهو أن هذه الأمور لا تجوز إلا على الأجسام.
وأما الأصل الثالث:
فقد أشار إليه المؤلف عليه السلام بقوله [ وقد ثبت ] بما مر من
الكلام في الفصل السابق [ أنه تعالى ليس بجسم، بل هو خالق الجسم، ]
فلو فُرض عليه تعالى جواز الحاجة والمنفعة والمضرة لكان جسماً [
فكيف ] يكون جسماً و [ يخلق ] جسماً [ مثل ذاته، أو تشاركه الأجسام
] إن قدرنا عليه الحاجة، فتشاركه الأجسام حينئذ [ في ] شيء من [
صفاته ] وهو الاحتياج بل يلزم من ذلك الاشتراك في جميع الصفات، لأن
الاشتراك في شيء من صفات الذات يوجب الاشتراك في سائر صفات الذات
كما تقدم تقريره مراراً.
(1/269)
فثبت الأصل الثالث
وهو أنه تعالى ليس بجسم، وبثبوته مع الأصلين الأولين، ثبت أنه
تعالى غني عن غيره ليوجده تعالى أو ليجعله على صفات الكمال أو
ليتناول منه ما يتناوله الجسم الحي من المنافع ودفع المضار [ بل لا
يجوز عليه تعالى شيء من ذلك ].
ولا يخفى أن هذا الدليل المذكور إنما يتناول استغناءه تعالى عما
يتناوله الحي من جلب نفع أو دفع مضرة دون استغنائه تعالى في وجود
ذاته وكمال صفاته، فالدليل غير متناول لذلك بالصراحة بل باللزوم من
كونه تعالى ليس بجسم فتأمل، ولكن يمكن الاعتذار بأن ما ذكر قد علم
مما مر أنه تعالى قديم، وأن صفاته تعالى ثابتة له لذاته، لا لأمر
زائد على ذاته فلو ذكرها هنا لكان غير لائق بالاختصار، والدليل
الذي يشمل استغناءه تعالى في جميع ما ذكر هو ما ذكره شيخنا رحمه
الله تعالى في السمط بقوله: دليل: من صح وجوده ولا شيء معه فهو
غني.
فهذا كما ترى من أفصح الكلام وأبلغه وأوجزه مع شموله وإيجابه غناه
سبحانه وتعالى عن كل شيء، وتقريره على أصلين:
أحدهما: أن الله تعالى قد صح وجوده ولا شيء معه.
فهذا الأصل هو المسمى عند المناطقة بالمقدمة الصغرى، وقد تحذف
كثيراً إذا كانت معلومة ولذلك لم يذكره.
والأصل الثاني: قوله: ومن صح وجوده ولا شيء معه فهو غني.
وهذا معلوم بأدنى تأمل إن لم يكن ضرورياً، دليل اعتمده مع الدليل
السابق المؤيد بالله وحكاه شيخنا رحمه الله في الحاشية عن الإمام
المهدي والقاسم عليهما السلام وغيرهم قال: ونسبوه - يعني تحريره-
إلى ابن عباس وهو: أنه لو كان تعالى مشتهياً لكان مشتهياً بذاته
فيكون مشتهياً لكل المشتهيات، كما أنه لما كان عالماً وقادراً
بذاته كان عالماً وقادراً بكل المعلومات والمقدورات، فكان يلزم
وجود المشتهيات كلها دفعة واحدة لاشتهى بها كلها مع قدرته عليها،
وقد علمنا بعدم وجودها دفعة دلالة على كونه مستغن عنها.
(1/270)
دليل ذكره الإمام
القاسم عليه السلام في الأساس وهو: أن الله تعالى لم يجبر العصاة
على فعل الإيمان والطاعات مع قدرته على ذلك ما ذاك إلا لغنائه
تعالى.
وهذا الدليل لا يتناول إلا غناءه تعالى عن إيمان الخلق وطاعتهم وهو
في معنى قوله تعالى: ?وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي
الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى
يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ? {يونس:99}،: ?إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ
حَمِيدٌ?{إبراهيم: 8 }.
دليل ذكره الشيخ محمود الملاحمي وهو: أن يقال: إن إثبات كونه تعالى
مشتهياً إثبات مالا طريق إليه، وإثبات مالا طريق إليه لا يجوز.
فثبت أن الله تعالى غني لم يزل ولا يزال، ولا تجوز عليه الحاجة إلى
شيء بحال من الأحوال.
(1/271)
فصل في الكلام في أن
الله سبحانه وتعالى لا تجوز عليه الرؤية بحال من الأحوال
تقدم فيما مر أن الله ليس بجسم ولا عرض ولا يجوز عليه ما جاز
عليهما، ومن المعلوم بالدلالة العقلية أن الرؤية لا تصح إلا على
الأجسام والأعراض، فصار العلم بكونه تعالى لا تصح رؤيته داخلاً
فيما مر، لكن اشتهرت المسألة وكثر الخلاف والشقاق فيها من الخصوم
الأشعرية، والمجسمة، والحشوية وغيرهم، لما كان ديدنهم إيثار اتباع
المتشابه ورفض المحكم ودلالة العقول الهادية إلى الرشاد، وتقليد
الأسلاف وارتكاب متن الخلاف والشقاق لقرناء الكتاب وحجج الله على
خلقه إلى يوم الحساب أولهم إمام خير القرون وآخرهم طائفة الحق
الذين لم يزالوا عليه يقاتلون، وهذا المؤلف لهذا المختصر أحد
أمرائهم العادلين فكيف بمجموع كبرائهم الفاضلين؟ فاسمع كلامه ما
أبلغه في الاحتجاج وما أفصحه وأقطعه لألسنة أهل اللجاج.
(1/272)
قال عليه السلام [
فإن قيل ] لك [ أربك يُرى بالأبصار ؟ فقل: هذه مقالة الفجار وهي
باطلة عند أولي الأبصار، ] فانظر إلى ما حوته هذه الفقرة من
البلاغة في رد تلك العقيدة الردية والمقالة الفرية حيث سجل على
القائلين بجواز الرؤية بأنهم فجار ?وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي
جَحِيمٍ ?{الإنفطار:14}،وإن مقالتهم باطلة والباطل نقيض الحق، وحيث
جعل بطلانها ثابت عند أُولي الأبصار، لأن أُولي الأبصار هم الذين
يدور الحق معهم حيث داروا، وليس المراد بهم إلا من جعلهم الله
ورسوله قرناء كتابه على الإطلاق ونصبهم سفينة عاصمة لمن اتبعهم عن
الإغراق، وترك الجواب في هذا الموضع الخارج على مقتضى السؤال عن
كونه يُرى أولا يُرى كما مر، فلم يقل لا يرى الذي هو جواب طبق
السؤال فتركه وعدل عنه إلى قوله: فقل: هذه مقالة الفجار وهي باطلة
عند أولي الأبصار، إيذاناً وإعلاماً بأن هذا أمر قد فرغ من العلم
به، إذ المعلوم بدلالة العقول أن الرؤية لا تصح على غير الجسم أو
العرض، وقد قدمنا ما يفيد العلم أنه تعالى ليس بجسم ولا عرض فلا
تصح رؤيته بحال، فتجويز رؤيته إما مع التجسيم والتكييف فذلك من
أكفر الكفور، وإما مع عدم ذلك فالقول في نفسه غير معقول لما يشتمل
عليه من التناقض المحال، فيكون هذا القول نوع من الفجور لأن الفجور
نقيض الصدق وليس بصدق لتناقضه، ثم اختصر الرد على الفريقين المجسمة
والأشعرية وغيرهم ممن يثبت الرؤية كضرار بن عمرو في قوله: إنه يُرى
في الآخرة بحاسة سادسة، بقوله: هذه مقالة الفجار الخ.
(1/273)
فهذا ما يتعلق بكلامه
عليه السلام في هذه الفقرة اليسيرة من البلاغة والفصاحة الراجعة
إلى المعين، فأما ما يرجع إلى اللفظ، فذلك ظاهر لمن له ذوق سليم
ولب مستقيم وعقل غير منحرف عن الآل سقيم، وذلك في جزالة اللفظ وحسن
الألفاظ لسلامتها عن التعقيد والتنافر، واشتمالها على الجِنَاس
التام، والمطرَّف الذي هو من أجل أنواع البديع، وعلى السجع الكامل
الذي هو كذلك من أجل أنواع البديع، وعلى التقابل بين الفجار وأولي
الأبصار وهو من مقابلة النقيض بما هو شبه النقيض ولازمه، وكون
فِقَر السجع وفواصله في ذاته واقعة على جهة التوسط بين القصر
والتطويل اللذين ربما يصير السجع معهما غير مدرك إلاَّ مع التأمل،
وإسناد الرؤية إلى الأبصار لنكتتين:
أحدهما: التلميح إلى الآية الكريمة التي هي عمدة الدلالة السمعية
في المسألة وهي قوله تعالى: ?لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ
يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ? {الأنعام:103}.
وثانيهما: الإيماء والإشارة إلى أنه تعالى يُرى بالقلوب الرؤية
العلمية اليقينية كما قال أمير المؤمنين: لا تدركه العيون بمشاهدة
العيان، بل تدركه القلوب بحقائق الإيمان. إلى غير ذلك من المعاني
واللطائف التي لو اشتغلنا باستخراجها من هذه الجملة اليسيرة لطال
الكلام، ولله سر في أئمتك الأعلام.
نعم والقول: بأنه عز وجل لا تصح رؤيته بالأبصار وهو مذهب جميع
العترة الطاهرة شموس الدنيا وشفعاء الآخرة، وهو قول سائر الزيدية
والمعتزلة وجميع أهل العدل من الإمامية وغيرهم، وهو قول النَّجارية
من المجبرة والخوارج وأكثر الفرق الداخلة في الإسلام والخارجة عنه،
وحكاه الإمام المهدي عليه السلام في القلائد وابن حابس في الإيضاح
عن المرجئة، وفي هذه الحكاية عنهم نظر لأن أكثرهم أشاعرة وكل أشعري
مرجي ولا عكس، ويمكن أن ذلك قول بعض المرجئة، فحق العبارة: وهو قول
بعض المرجئة.
والخلاف في هذه المسألة مع المجسمة والأشعرية وضرار بن عمرو.
(1/274)
وأما المجسمة: فبناءً
على أصلهم من: أنه تعالى جسم. والجسم يُرى بلا نزاع، فلذلك نص
أئمتنا عليهم السلام لأنه لا كلام لنا معهم في هذه المسألة.
وأما الأشعرية: فلما وافقونا في أنه تعالى ليس بجسم ولا عرض كان من
حق الكلام أن لا يخالفوا في عدم صحة رؤيته تعالى، لكنهم تركوا هذا
الأصل المعلوم إلى أن قالوا: يُرى بلا كيف فراراً منهم من لزوم
التجسيم، ومثل مقالهم مقال ضرار بن عمرو لما لم يكن المعلوم إلا
المدرَك بإحدى الحواس الخمس ليس إلا جسماً أو عرضاً وليس ذلك من
مذهبه، ذهب إلى القول: بأنه تعالى يُرى في الآخرة بحاسة سادسة
والكل فروا إلى فئة غير منيعة واغترار بسراب بقيعة، واتفقوا على أن
الرؤية بلا كيف إنما هي في الآخرة وإنما للمؤمنين ثواباً لهم دون
الكافرين فيُحرَمونها عقاباً لهم، وخالفهم المجسمة فاثبتوها
بالتكييف وفي الدارين وللمؤمنين والكافرين كسائر الأجسام لا تخصيص
في رؤيتها بوقت دون وقت ولا شخص دون شخص.
(1/275)
هذا وقد علم مما مر
أن المسألة لا تحتاج إلى استدلال بعد تحقيق الكلام على: أن الله
تعالى ليس بجسم ولا عرض وأن الرؤية لنا تصح عليهما، لكن لعظم
الخلاف والتعسف في تلك الأطراف من أولئك الأجلاف أخذ عليه السلام
في الاستدلال على القول الحق بقوله [ لأنه ] تعالى [ لو رُئي في
مكان ] كما تقوله المجسمة [ دل ذلك على حدوثه، ] سبحانه وتعالى عن
ذلك [ لأن ما حواه المكان ] لا شك ولا ريب أنه [ محدود مُحدَث،
]،وقد ثبت أن الله تعالى قديم فلا يصح القول بذلك [ فإن قيل: إنه ]
تعالى [ يُرى في غير مكان. ] كما تقوله الأشعرية حيث قالوا: يُرى
بلا كيف. ومن جملة الكيف المكان، فنفوا الرؤية في المكان تبعاً
لنفي الرؤية التي بالكيف واثبتوا رؤية بلا كيف ولا مكان، [ فهذا ]
قول [ لا يعقل، ] وكل قول لا يعقل يجب رده، ولا يجوز القول به لأنه
يفتح باب الجهالات وتجويز المحالات، ولما كان المعلوم أن لا رؤية
إلا بكيف كما أشار الإمام شرف الدين عليه السلام بقوله:
وتَكَيُّفُ المرئِي أمرٌ لازمٌ .... فتبين القولَ الصحيحَ من
السَّفَهْ
علم أنه إذا انتفى الكيف انتفت الرؤية، أشار إلى ذلك عليه السلام
بقوله [ بل فيه ] أي في القول بنفي الكيف [ نفي الرؤية، ] فادعاء
الرؤية مع نفيه كإثبات الفرع مع نفي الأصل المصحح لوجوده فيصير
كتحيز بلا جسم وتناسل لدى عقم، وذلك ضرب من الهذيان وشطر من
البهتان، وفي معنى ما ذكره المؤلف عليه السلام قول السيد الهادي
عليه السلام في منظومته الميمية للخلاصة حيث يقول:
وإنْ يقولوا بلا كيفٍ فقد رَجَعوا .... إلى مَقالتِنا يا
مَرْحَبَاً بهمُ
(1/276)
ومن ثمة قال الرازي
فيما حكاه عنه الإمام القاسم عليه السلام في الأساس: أن معناه
معرفة ضرورية وعلم يقين بحيث لا ينتفي عن النفس بشك ولا شبهة. قال
عليه السلام : قلت وبالله التوفيق: فالخلاف حينئذ لفظي، وكذلك في
رده عليه السلام على ضرار أنه إن أراد بالحاسة السادسة ما قاله
الرازي فالخلاف لفظي أيضاً. وهذا الذي قاله الرازي وجه وجيه، ولكن
نصوص الأشاعرة وعباراتهم واستدلالاتهم لا تساعده، فإنه لو كان
الأمر كما ذكر لما أختص بالرؤية المؤمن دون الكافر لأن الكافر
يعلمه سبحانه وتعالى في الآخرة علماً ضرورياً بلا خلاف، وأيضاً
فمما استدل به المخالفون على إثبات الرؤية وأنها ثواب ما يروونه
أنه صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن رؤية العباد ربهم يوم القيامة
فقال: "منهم من ينظر إلى ربه في السنة مرة، ومنهم من ينظر إلى ربه
في الشهر مرة، ومنهم من ينظر إلى ربه في الجمعة مرة، ومنهم من ينظر
إلى ربه بكرة وعشياً" ذكره في شرح شواهد الكشاف، وهذا الدليل الذي
ذكره المؤلف عليه السلام هو أحد الأدلة العقلية، قال شيخنا رحمه
الله تعالى: وهو المسمى دليل المقابلة عند الأصحاب.
(1/277)
دليل الموانع ودليل
المقابلة
قلت: وفي جعله إياه نظر، فإن الأظهر أن دليل المقابلة غير هذا
الدليل وتحرير دليل المقابلة مبني على أصلين:
أحدهما: أن الأبصار لا تَرى إلا ما كان مقابلاً كالجسم أو حالاًّ
في المقابل كاللون، أو في حكم المقابل كالوجه في المِرآة، فإنه ليس
مقابلاً ولا حالاًّ في المقابل ولا في حكم المقابل.
وثانيهما: أن الله تعالى لا يصح أن يكون مقابلاً ولا حالاًّ في
المقابل ولا في حكم المقابل لأن ذلك كله جسم أو عرض، وقد مَرَّ أنه
تعالى ليس بجسم ولا عرض، فلا تصح رؤيته بحال.
دليل: وهو المسمى في لسان الأصحاب بدليل الموانع، ورجحه على الدليل
السابق السيد مَانِكْدِيْم والمهدي عليهما السلام وأبو هاشم
وغيرهم، ورجح أبو طالب عليه السلام وحكاه عن شيخه أبي عبد الله
الدليل السابق وهو قول أبي علي، واختلفت الروايات عن المؤيد بالله
فإحدى روايتي شيخنا وابن حابس عنه أنه يُرَجِّح دليل المقابلة، وبه
استدل غالب الأئمة كالقاسم والهادي عليهما السلام وغيرهما، وإحدى
روايتي شيخنا عن المؤيد بالله ترجيح دليل الموانع، وقال القاضي
وغيره: هما مستويان في إفادة المطلوب.
قلت: دليل المقابلة يُرَجَّح على دليل الموانع بقرب تركيبه وعدم
توقفه على اجتماع شروط اعتبرت في دليل الموانع وإفادته المطلوب من
حيث اللفظ بخلاف دليل الموانع، فإنما يتناول المراد من محل النزاع
وهو انتفاء الرؤية في الآخرة من حيث القياس على انتفائها الآن،
وتحرير دليل الموانع مبني على أصلين:
أحدهما: لو كان الباري تعالى يُرى في حال من الأحوال لرأيناه الآن.
الثاني: أنَّا لا نراه الآن.
أما الأصل الأول: وهو أنه لو رُئي في حال من الأحوال.
(1/278)
فتصحيحه مبني على
ثلاثة شروط قد حصلت وهي: أن الحواس سلمية، والموانع مرتفعة،
والباري موجودٌ، أما أن الحواس سليمة، فمعلوم أن أحدنا على الصفة
التي معها يرى المرئيات وهي سلامة حاسة البصر، وأما أن الموانع
مرتفعة، فلأن الموانع ثمانية تجمعها قول الإمام المهدي عليه السلام
:
حجابٌ وبُعدُ رِقَّةٍ ولَطَافَةٍ .... وفقدُ محاذاتٍ حلولٍ ببعضِها
وسابِعُها قُربُ كميلٍ بِمُقْلَةٍ .... وفقدُ الضياءِ كالليلِ
فاعْنَ بِحفظِها
الحجاب الكثيف،والقرب المفرط كالميل في العين،والبعد المفرط، وكون
المرئي لطيف الجسم كالجوهر الفرد أو رقيقة كالملائكة عليهم السلام،
وكونه غير مقابل للرآئي، وكونه حالاً في أحد هذه المذكورات كاللون
فيما قرب أو بعد أو نحوهما،والثامن فقد الضياء المناسب للعين
كالظلمة، والذي يدل على ارتفاعها أنها لا تصح إلا في الأجسام والله
ليس بجسم، وأما أن الباري موجود فمعلوم.
فكملت الثلاثة الشروط وبكمالها صح الأصل الأول.
وأما الأصل الثاني: وهو أنا لا نراه الآن.
فذلك معلوم ولا منازع فيه، فثبت أنه تعالى لا يُرى في الآخرة لعدم
رؤيته الآن، فهذا دليل الموانع، فكان دليل المقابلة أرجح لاستغنائه
عن دليل الموانع ولا عكس فتأمل، والله أعلم.
(1/279)
مسألة: أن الله تعالى
لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة
[ وقد قال تعالى: ?لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ
الأَبْصَارَ ] وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ?{الأنعام:103}.
اعلم أولاً أنه يصح الاستدلال على هذه المسألة بالسمع اتفاقاً،
لأنه لا يتوقف صحته على كونه غير مرئي فلا وجه له فتأمل، والله
أعلم.
ووجه الاستدلال بالآية المذكورة من وجهين:
الوجه الأول: ما ذكره عليه السلام بقوله [ فنفى ] بذلك أن تدركه
الأبصار [ نفياً عاماً لجميع المكلفين، ولـ ] جميع [ أوقات الدنيا
والآخرة. ] فاقتضى ذلك العموم والشمول لجميع الأفراد في الطرفين
الأشخاص والأوقات من حيث أن حرف النفي إذا دخل على الفعل المضارع
نفاه على سبيل الإطلاق من دون تقييد بوقت دون وقت، وكذلك آلة
التعريف إذا دخلت على اسم الجمع أفادت العموم لجميع أفراده وهذا لا
ينكره الخصوم، ولكنهم أرادوا أن يتخلصوا عن هذا بما ليس بمخلص
فقالوا: وإنه وإن كان عاماً فقد خصص بأدلة أُخر دلت على أنه تعالى
يراه المؤمنون في الآخرة ثواباً لهم. قالوا: وكل عام إذا ورد ما
يخصصه وجب العمل بالخاص فيما يتناوله، وفي العام فيما بقي بلا
خلاف.
والجواب: أنَّا وإن سلمنا هذه القاعدة فلا نسلم ورود ما فيه تخصيص
العموم المذكور في الآية الكريمة، لأن ما تمسكوا به أحاديث آحاد
منازع في صحتها ومحتملة للتأويل ومعارضة بما هو أقوى منها وأصح
إسناداً كما سيأتي بعض من ذلك، وكذلك ما تمسكوا به من قوله تعالى:
?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌoإِلَى رَبِّهَا
نَاظِرَةٌ?{القيامة:22،23}، إنما هو مجرد ظاهر لا يفيد العلم
لاحتماله للتأويل المطابق للآية المحكمة التي لا يجوز تركها
والتمسك بالمتشابه، فبقيت الآية على عمومها من نفي الرؤية لجميع
المكلفين ولأوقات الدنيا والآخرة.
فإن قيل عليه: إنه استدلال بالعموم ودلالة العموم ظنية كما هو مقرر
في موضعه من أصول الفقه.
(1/280)
فالجواب: أنَّا وإن
سلمنا هذه القاعدة فلا نسلم أنها مطردة في كل عموم، بل ذلك خاص
بالأحكام الشرعية والأخبار بالمخبرات عن الحوادث والتاريخ المتعلقة
بمفردات يمكن اختلافها في تعلق المصالح بها، وفي الصدق والكذب
بنسبة تلك الحوادث إلى بعض دون بعض، فأما ما يتعلق بالمعارف
الإلهية والمسائل الدينية كالنبوة ونحوها فلا يسلم أن دلالة العموم
فيه ظنية بل قطعية تتناول كل فرد من أفراد ذلك العموم قطعاً
كقولنا: ?لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ?{محمد:19}، ?لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ
وَلا نَوْمٌ?{البقرة:255}، ?وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ
أَحَدًا?{الكهف:49}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا نبي
بعدي"، ومن ثمة نص أئمة الأصول أن دلالة العموم ظنية إلا في
الوعيد، لأنا لو لم نقل بذلك أدى إلى الشك وعدم القطع في كل فرد من
أفراد هذه المنفية ودخول كل فرد من أفراد الأنبياء والمؤمنين
الجنة، ودخول كل فرد من أفراد الكفار النار،وفي ذلك هدم للدين
ولحوق بزمرة الكفرة الملحدين.
فتقرر بهذا أن دلالة العموم فيما يتعلق بالمعارف الإلهية ونحوها
قطعي، وثبت الاستدلال بالآية المذكورة على نفي رؤيته تعالى لجميع
المكلفين ولجميع أوقات الدنيا والآخرة.
الوجه الثاني: ما ذكره المؤلف عليه السلام في كتابه المعروف
بينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة، وذكره القرشي في المنهاج
وغيره من علماء العدلية وهو: أنه تعالى تمدح بنفي إدراك الأبصار له
وأنه تمدح راجع إلى ذاته، وكل مدح راجع إلى الذات فإثبات نقيضه نقض
والله تعالى لا يجوز عليه النقص، وهذا الدليل مبني على أربعة أصول:
أحدها: أنه تمدح بنفي إدراك الأبصار له تعالى. ثانيها: أنه تمدح
راجع إلى ذاته.ثالثها: أن كل مدح راجع إلى الذات فإثبات نقيضه
نقص.رابعها: أن النقيض على الله تعالى لا يجوز.
أما الأصل الأول:
(1/281)
فلا خلاف أن الآية
واردة مورد المدح له تعالى ولأن أول الكلام مدح وهو قوله تعالى:
?بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ? الآية{الأنعام:101}، وآخره مدح
أيضاً وهو قوله تعالى: ?وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ?، فيجب أن
يكون المتوسط مدحاً وهو قوله تعالى: ?لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ
وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ?، وإلا لزم أن يتوسط ما ليس بمدح بين
أوصاف المدح وهو مستهجن عند أهل العربية فلا يصح في كلام الحكيم،
وهذا لا ينكره الخصوم ولكنهم زعموا: أن وجه التمدح في ذلك من حيث
أنه تعالى لا تحيط به الأبصار لا من حيث أنها لا تدركه وتراه.
(1/282)
قلنا: هذا كلام ساقط
وخلاف لما يسبق إلى الفهم من معنى الآية فلا يجوز العدول إليه،
وبعد فمن شأن التمدح أن يكون وصفاً لا يشاركه غيره فيه إلا ويكون
ممدوحاً بما مدح به، وهذا المعنى الذي حملوا المدح عليه وهو أن
الأبصار لا تحيط به تعالى مع إدراكها له بزعمهم لا يختص به الباري
تعالى، لأن السماوات والأرض والبحار والقفار الواسعة تدركها
الأبصار ولا تحيط بها بل هذا معلوم في أكثر المرئيات، فإنا نرى
الجبال والأشجار والأحجار والحيوانات لا تحيط أبصارنا منها إلا بما
قابل الرائي منا لها دون سائر الجوانب الاخَرة وبطونها وقعورها
فبطل ما زعموه بلا ريب، وإنما وجه التمدح في ذلك من حيث أنه تعالى
يرى المرئيات جميعاً ولا هي تراه ولا يرد عليه أن القدرة والعلم
والحياة ونحوها من سائر المعاني، وكذلك المعدوم على القول بأنه شيء
قد شاركته تعالى في أنها لا ترى بالأبصار فيبطل التمدح، لأنا نقول:
وجه التمدح مركب من الوصفين كونه تعالى يرى الأشياء كلها ولا يراه
شيء منها، وهذه المذكورة وإن شاركته عز وجل في الوصف الأخير وهو
كونها لا يراها أحد فهي لا تشاركه في الوصف الأول وهو كونه يراها
كلها، فصار ذلك كقوله تعالى: ?لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ?،
فإن هذا الوصف وحده غير كاف حتى ينضم إليه الوصف بكونه تعالى حياً،
كالوصف بكونه تعالى لا يطعم حتى ينضم إليه الوصف بكونه يُطعِم، لأن
الجمادات والأعراض تشاركه في كونها لا تأخذها سنة ولا نوم وكونها
لا تَطعَم، ولكن لم يضر ذلك مدحاً في حقها لاختلال المصحح
والمقتضِي لذلك الوصف وهو الحياة فيصير وجه التمدح وعدم حصول
المقتضى وهو السِنَة والنوم، وأن لا يطعم مع حصول المصحح وهو كونه
تعالى حياً، وهو وصف خاص بالله تعالى لا يشاركه غيره فيه، فكذلك
كونه تعالى يرى كل الأشياء ولا يراه شيء منها، ويصير الجميع
كالشاهد والكاشف على أنه تعالى لا يشبه الأشياء ولا تشبهه ولا يجوز
عليه ما جاز عليها.
(1/283)
واعترض هذا الرازي
بأن قال: إنما يحصل المدح بنفي الرؤية إذا كانت جائزة وكان تعالى
قادراً على منع الإبصار عن ذلك، وجعل هذا وجهاً مستقلاً في جوازها.
قال القرشي رحمه الله تعالى: والجواب: يقال له: وكذلك السِّنَة
والنَّوم والصاحبة والولد وجوابه جوابنا، وأما قياسه لذلك على
التمدح بنفي الظلم والعبث فغير صحيح، لأن التمدح هنا راجع إلى
الفعل وما كان كذلك فلا يتم المدح فيه إلا مع القدرة عليه، ولهذا
لا يصح التمدح بنفي الجمع بين الضدين ونحو ذلك بخلاف ما كان راجعاً
إلى الذات، فإنه غير مقدور على أنا ننفي ما تمدح الله بنفيه وإن
رجع إلى الفعل فنقول لا يظلم لا في الدنيا ولا في الآخرة، فهلا قال
بمثله في نفي الإدراك؟ انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وهو كلام جيد
في رد ذلك الاعتراض فتأمله.
قلت: ويزاد في الرد على الرازي بأن يقال له: وما تريد بقياسك لنفي
الرؤية أنه لا يصير مدحاً إلا إذا كانت جائزة وكان تعالى قادراً
على منع الإبصار لكن ذلك على نفي الظلم والعبث؟ فإن أردت به
الاستدلال على صحة مذهبك لإمكان الرؤية وجوازها فالأصل المقيس عليه
وهو نفي الظلم هو مستحيل الوقوع على أصلكم: أن حقيقة الظلم هو
التصرف في ملك الغير إذ لا ملك لغير الله تعالى، فكيف تستدل لإمكان
شيء وجوازه بالقياس على شيء مستحيل في نفسه؟! وإن أردت به إبطال
استدلالنا وإلزامنا الخروج عنه بالقياس على التمدح بنفي الظلم
والعبث، فلسنا نحد الظلم بما ذكرتم فيلزمنا التمدح بنفي المحال ولا
نُجَوِّز صدوره من الله تعالى لقبحه، لا لكونه تعالى غير قادر عليه
بل هو قادر عليه، ولكن لا يفعله لكونه تعالى عدلاً حكيماً وليس ذلك
من شأن العدل الحكيم.
(1/284)
وتحقيق المسألة: أن
المدح والتمدح بالنفي إن كان راجعاً إلى نفي وصف عن الذات كان
إثبات نقيضه نقصاً، ولا يلاحظ في ذلك هل يقدر على الاتصاف بذلك أو
لا يقدر عليه كالتمدح بنفي الولد والصاحبة والسِّنَة والنوم ونحو
ذلك، وإن كان بنفي فعل فلا يكون نفيه مدحاً إلا إذا كان الممدوح
قادراً على فعله كالمدح بنفي الظلم والعبث والكذب ونحوه، فما ذكره
الرازي من الاعتراض مغالطة والأمر كما قيل:
من لم يكن آل النبي هُدَاتُه .... لم يأت فيما قَالَه بدليلِ
بل شُبْهَةٌ وتَوهمٌ وخَيَالَةٌ .... ومَقَالَهٌ تُنْبِي عن
التضليلِ
وأما الأصل الثاني: وهو أن ذلك تمدحٌ راجعٌ إلى ذاته.
فهو معلوم، ونعني بذلك أن هذا التمدح مرجعه نفي وصف يتعلق بذاته من
حيث أنه لا يُرى، فصار كالوصف بأنه لا يُمثل، ولا يُكيف، ولا
يُطعَم ولا تأخذه سِنة ولا نوم، وليس من باب التمدح بأمر راجع إلى
فعله ككونه تعالى لا يظلم ولا يُظهر على غيبه أحداً، ولا يحب الجهر
بالسوء من القول، والفرق بينهما أن ما كان مرجعه التمدح به إلى
الذات فإنه لا يصح نقيضه بأي حال كان، وما كان مرجع التمدح به إلى
الفعل فإنه قد يصح نقيضه أو ضده، ولذلك صح الاستثناء بقوله تعالى:
?إِلا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ? {الجن:27}، ?إلا من
ظُلِم?{النساء:148}، بخلاف الوصف بأنه لا يمثل ونحوه مما يعود إلى
الذات، فلا يصح فيه استثناء ولا غيره مما يرفع ذلك الوصف نفياً كان
كما في الآية، أو إثباتاً كوصفه بأنه قادر وعالم وحي، وهذا واضح.
وأما الأصل الثالث: وهو أن كل مدح راجع إلى الذات فإثبات نقيضه
نقص.
فذلك معلوم، بدليل أنه إذا تمدح شخص بأنه ليس بشويه المنظر ولا
مختل الحواس علم أن إثبات نقائض هذه الأوصاف نقص، وهذا واضح أيضاً.
وأما الأصل الرابع: وهو أن النقص على الله تعالى لا يجوز.
فذلك معلوم وهو إجماع لا يخالف فيه أحد.
(1/285)
معنى الإدراك في قوله
تعالى:?لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ?
واعلم أن الاستدلال بالآية الكريمة ينبغي معه معرفة مفردات الكلمات
المذكورة فيها باعتبار الحقيقة والمجاز فيستلزم معرفة معنى
الإدراك، ومعرفة معنى الإبصار، ومعرفة معنى إسناد الإدراك إلى
الإبصار وإلى الله تعالى، وقد جمعنا الجميع في هذه الجملة لتقرير
الدلالة على وجه يسقط معه اعتراض الخصوم ويكون منزلة هذه الجملة من
الوجهين الأولين بمنزلة التكميل والتحقيق وبمثابة التفصيل
والتدقيق، لأن الرازي اعترض استدلال أصحابنا بالآية مع أنها دلالة
ظاهرة لا يسبق الفهم عند سماع الآية إلا أن المراد منها هو نفي أن
تراه سبحانه وتعالى أعين الناظرين ويخفى عليه شيء من أحوال
المبصرين، ولكن العلم نقطة كَثَّرَها الجاهلون.
فاعترض الرازي ذلك الاستدلال بأن قال ما معناه: غاية ما في الآية
أن الأبصار لا تدركه.
وهو مسلم لأن الأبصار هي المعاني القائمة بالأحداق وهي لا تراه
وإنما يراه الإنسان المبصر بها، فظاهر الآية متروك إجماعاً فلا بد
من التأويل حيث قد ترك ذلك الظاهر بالاتفاق، فإمَّا أن يجعلوا
الإبصار بمعنى المبصرين بالأبصار فهو تعالى من جملة المبصرين فيدخل
في ما شمله العموم في: ?وهو يدرك الأبصار ?، فيلزم أن يرى نفسه،
فصارت رؤيته تعالى جائزة في نفس الأمر غير مستحيلة، وكل من صح أن
يرى نفسه صح أن يراه غيره، فتنقلب الآية دليلاً لمثبتي الرؤية لا
لمن نفاها.
وكذلك اعترض بأن النفي في الآية موجه إلى كل الأبصار.
وهو مسلم لأن الكفار لا يرونه، لأن هذه سالبة كلية ونقيضها موجبة
جزئية، وإذا نفي أحد النقيضين ثبت الآخر لاستحالة ارتفاع النقيضين
ونحو ذلك من الاعتراضات التي بلي بها أهل التحقيق والتدقيق.
فينبغي معرفة الثلاثة الأبحاث المذكورة ليتم المراد من الاستدلال،
ويعرف بطلان هذين الاعتراضين المذكورين بخصوصهما.
(1/286)
فنقول وبالله نصول:
الإدراك يأتي في اللغة بمعنى: اللحوق، يقال فلان أدرك الصحابة،
وفلان أدرك فلاناً في محل كذا -أي لحق به-، وبمعنى: البلوغ، يقال
قد أدرك الغلام -أي بلغ-، وبمعنى: يناع الفاكهة وصلاحها، يقال: قد
أدرك الثمر إذا صلح وينع، وبمعنى: إدراك المحسوس بإحدى الحواس
الخمس، فيعلق حينئذ بذلك المحسوس ليميز عن غيره كأدركت صوت فلان في
المسموع، أو ريح كذا في المشموم، أو لون كذا أو شبح كذا في المبصر،
أو طعم كذا في المطعوم، أو حرارته أو برودته في الملموس، ويقيد
بذكر المخصوصة به كأدركت ببصري أو سمعي أو نحو ذلك، فإذا ذكر معه
أي الحواس الخمس أو الخمس الجوارح أو الخمس المحسوسات علم أنه
المراد، فإن أسند ذلك الإدراك إلى الإنسان نفسه ثم عَدَّى الفعل
بعد ذلك إلى تلك الحاسة بحرف الجر كأدركت ببصري فالإسناد على
حقيقته،وإن أسند ذلك الإدراك إلى الحاسة أو الجارحة فالإسناد مجازي
وهو نوع من الفصاحة والبلاغة ليفيد التأكيد للإثبات في الإثبات
كقولك: هذا شيء أدركته الأبصار وعقلته الأفكار، وللنفي في النفي
كقولك ما أدركته الأبصار ولا نالته الأفكار، ومنه قوله تعالى: ? لا
تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ? فإن الإسناد إلى الأبصار مجاز، لأنه لا
يخفى على عارف باللغة ووجوه البلاغة والفصاحة أنه لا معنى للإسناد
الحقيقي إلى نفس المعاني القائمة بالجوارح ولا إلى نفس الجوارح
وإنما المراد المبالغة في ذلك، ولأنه لا يشتبه على العارف بالله
تعالى وحكمته أنه لا يصح منه تعالى الإسناد الحقيقي إلى المعاني
التي هي نفس البصر المركب في العين ونفس السمع المركب في الصماخ
اللذين امتن الله على المخلوقين بهما قال تعالى: ?وَجَعَلَ لَكُمْ
السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا
تَشْكُرُونَ?{السجدة:9}، وكذلك لا يصح منه تعالى الإسناد الحقيقي
إلى الجوارح التي هي نفس العين ونفس الأذن.
(1/287)
فبهذا علم أن المراد
بنفي إدراك الأبصار له هو نفي رؤيته تعالى من المبصرين بالأبصار،
وسواء جعلنا الأبصار باقية في معناها الأصلي وهو المعنى القائم
بالحدق، أو أريد بها المبصرين بها إلا أنه يفترق الحال بينهما في
وجه التجوز، فعلى الأول التجوز واقع في الإسناد نفسه والأبصار
باقية على أصلها وحقيقتها، وعلى الثاني التجوز في نفس الأبصار حيث
جعلناها بمعنى المبصرين بها والإسناد باق على أصله وحقيقته، وبهذا
سقط اعتراض الرازي كيفما أراد إيراده وأينما راود انتشاده.
فإن قلت:أي الوجهين أولى وأرجح، وأي المعنيين أبلغ وأفصح، التجوز
في الإسناد وإبقاء الأبصار على حقيقتها، أو العكس حسبما مر
إيضاحهما ؟
(1/288)
قلت: في كل منهما قوة
وضعف لأنا إذا تجوزنا بالإسناد وأبقينا الأبصار على حقيقتها فهو
قوي في ?لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ? لكنه ضعيف في:? وَهُوَ
يُدْرِكُ الأَبْصَارَ? إذ المعلوم أنه ليس المراد من الآية أنه
تعالى يدرك المعنى القائم بالحدق لأنه تعالى يدرك ذلك المعنى وغيره
من سائر المدركات وجميع المعلومات فلا وجه لتخصيصها بالذكر من هذا
الوجه،وإن تجوزنا في الأبصار وجعلناها بمعنى المبصرين وأبقينا
الإسناد على حقيقته فهو قوي بالنظر إلى إفادة المطلوب، لكن بقاء
الإدراك على حقيقته في ?وَهُوَ يُدْرِكُ?لا يتأتى، لأن الإدراك في
حقه تعالى ليس على حقيقته بل عبارة عن العلم بالمدرك، لأنا قد بينا
أنه حقيقة في الإحساس بإحدى الحواس الخمس ويلزم معه العلم بالمدرك،
فاستعماله في حق الله تعالى من استعمال اللازم في الملزوم وذلك نوع
من المجاز، فالأَولى أن يقال: أنه لا مانع من أن يؤخذ من كل من
الوجهين بالطرف الأفصح والأرجح بطريقة الاستخدام بين الحقيقة
والمجاز فيجعل الإدراك المنفي في قوله ?لا تُدْرِكُهُ?ألا تتركه
على حقيقته وهو الإحساس بإحدى الحواس، ويجعل الإدراك المثبت في
قوله:?وَهُوَ يُدْرِكُ?مجازاً عن العلم، ثم بعد هذا تجعل الأبصار
الأَوَّلَة على حقيقتها فيصير التجوز في إسناد الإدراك إليها لا في
نفس الإدراك فلا بد من بقائه على حقيقته بكل حال، أو بمعنى
المبصرين بالأبصار فيصير التجوز فيها لا في الإسناد ولا في
الإدراك، وأيَّمَّا كان من الاعتبارين فالأبصار الثانية إما أن
تجعل تابعة للأولى بأن يجعل الكل على حقيقته أو على مجازه أو نخالف
بينهما بأن نجعل الأولى في حقيقتها والثانية في مجازها على سبيل
الاستخدام أيضاً، فإن جعلناها في الكل حقيقة فلا يحسن إلا مع قصد
المبالغة في الثانية بأنه تعالى يدرك البصر الذي هو المعنى القائم
بالحدق الذي يستحيل عليكم أن تدركوه بأي حاسة من حواسكم، فكيف لا
يدرككم أو يخفى عليه شيء
(1/289)
من حالاتكم ويصير هذا
كقوله تعالى: ? يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي
الصُّدُورُ ? {غافر:19}، ونحو ذلك مما لا يتمكن من العلم به بواسطة
الحاسة ؟ وإن علم لنا وجوده بالدليل كما نعلم وجود البصر في العين
بحصول المقتضىَ عنه وهو الإدراك، فهذا وجه بليغ لا غبار عليه، وإن
لم تقصد معه المبالغة فهو ضعيف كما مر إيضاحه فلا ينبغي حمل الآية
عليه،وإن جعلناها في الكل مجازاً بمعنى المبصِرين فهو ضعيف أيضاً
إلا مع القيد المذكور بأن يقال المبصرين بالأبصار، وإن خالفنا
بينها بأن جعلناها في الأول على حقيقتها وفي الثاني بمعنى المبصرين
فلا يحسن إلا مع القيد المذكور، أو جعلنا الأولى بمعنى المبصرين
والثانية على حقيقتها فمع ذكر، القيد في الأولى وقصد المبالغة في
الثانية يصير وجهاً بليغاً في غاية من البلاغة والإفادة والإجادة،
ولعل أن الاعتبار الأول في منزلته ومنهما يعرف سقوط كلام المعترض
بقوله: فهو تعالى من جملة المبصَرين فيدخل فيما شمله العموم الخ
الاعتراض المذكور، لأنه لم يرد بالأبصار الثانية مطلق المبصرين
فيدخل سبحانه في جملتهم، وكذلك على سائر الاعتبارات المذكورة مهما
قيد المبصرين بقولنا: بالأبصار، وإنما يرد الاعتراض على أحد
الاعتبارات المذكورة وهو حيث أريد بالأبصار بالثانية المبصرين من
دون القيد المذكور، وقد بينا أنه أضعف الوجوه والاعتبارات فلا
ينبغي حمل الآية عليه، لأن كلام الله تعالى يجب حمله على أبلغ
الوجوه والاعتبارات.
فهذا الكلام في تقرير الاستدلال بالآية الكريمة وإبطال الاعتراض
الأول، فلنثني العنان حينئذ إلى إبطال الاعتراض الثاني.
(1/290)
فنقول وبالله نصول:
قد حرر الرازي هذا الاعتراض على طريقة المَنَاطِقَة من أن السالبة
الكُليِة نقيضها موجبة جزئية، فيلزم من نفي السالبة الكُلِيَّة
إثبات الموجبة الجزئية فقوله تعالى: ?لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ?،
بمنزلة لا تدركه كل الأبصار وهذه سالبه كلية، وحيث أنها منفية يلزم
ثبوت نقيضها ونقيض السلب الموضوع له حرف النفي الإيجاب ونقيض الكل
المعلوم من صيغة العموم البعض فيصير التقدير بل تدركه بعض الأبصار،
وهذا الكلام كما تراه غير جار على قواعد الاستدلالات القطعية لأن
مداره على الأخذ بالمفهوم، وهو لا يعمل به في الفروع إلا إذا لم
يعارض المنطوق، فكيف يصح العمل به في الأصول المطلوب فيها القطع مع
أنه معارض لأدلة العقول وجملة صرائح من المنقول، فإذاً لا يلتفت
إلى هذا الاعتراض الساقط الأركان المنهدم البنيان، لكنا نناقش فيه
لنكشف بطلان ما عَوَّل عليه.
فنقول: هذا التأويل العليل والتحرير الذي ما عليه من دليل مبناه
على أن النفي موجه إلى سلب العموم، ولسنا نسلمه بل هو في الآية
موجه إلى عموم السلب لأن لا نافية للجنس والماهية من حيث هي فهو
كقوله تعالى: ?وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ
وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً?{آل عمران:80}، فكما أنه لا يصح أن
يقال تقدير الكلام لا يأمركم أن تتخذوا كل الملائكة وكل النبيين
أرباباً بل يأمركم أن تتخذوا بعض الملائكة وبعض النبيين أرباباً
كذلك لا يصح أن يقال: لا تدركه كل الأبصار بل تدركه بعض الأبصار.
(1/291)
وبعدُ فإنما كان
تستقيم له هذه الدعوى لو كانت لفظة كل مذكورة في الكلام مصرح بها
بأن يكون لفظ الآية: لا تدركه كل الأبصار، فأما مع عدمها ودعوى
تقديرها فلا يسلم له ما يفرعه من أنه يفهم منه بل تدركه بعض
الأبصار، لأنك إذا قلت: زيد لا يتزوج النساء. كذبت هذه القضية
بتزوجه واحدة من النساء لتوجهه إلى الجنس والماهية دون الجملة
والكل المجموع بخلاف ما لو صرحت بلفظة كل بأن قلت: زيد لا يتزوج كل
النساء، لم تكذب هذه القضية بأن تزوج واحدة أو اثنتين أو أكثر
لاحتمال أن المراد لا يتزوج كل النساء بل يتزوج بعض النساء.
فعلمت بهذا الكلام أن سلب العموم الذي بنى عليه المعترض استدلاله
إنما يستقيم على التنزل لو ذُكرت لفظة كل، وهذا واضح لمن أنصف دون
من حاد عن الحق وتعسف.
وبعدُ فالآية واردة مورد المدح إجماعاً، ولا مدح له تعالى في أنه
لا تدركه كل الأبصار، بل تدركه بعض الأبصار لأن كل أحد من البشر
والحجر والشجر وأكثر المرئيات كذلك لا تدركها كل الأبصار بل تدركها
بعض الأبصار، فيبطل المدح له تعالى بذلك لعدم الاختصاص بذلك الوصف،
وهذا أيضاً واضح بلا ريب ولا شبهة.
فثبت استدلال الأصحاب بهذه الآية الكريمة على الوجه الذي لم يبق
للمخالف مطمع ولا موضع للمنازعة إلا مجرد الاعتساف والارتكاب لمتن
الخلاف ولله الحمد.
(1/292)
دليل على أنه تعالى
لا تصح عليه الرؤية بحال من الأحوال
[ و ] مما يدل على أنه تعالى لا تصح عليه الرؤية بحال ما [ قالـ
]ـه تعالى [ لموسى عليه السلام لما سأله الرؤية ] بقوله: ?رَبِّ
أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ [ لَنْ تَرَانِي ] وَلَكِنْ انظُرْ
إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي?
الآية{الأعراف:143}، ووجه الاستدلال بها أن لن موضوعة في لغة العرب
للنفي المؤبد ما لم تقيد بما يرفع التأبيد كما حكى الله تعالى عن
مريم عليها السلام: ?فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا?
{مريم:26}، فلولا أنها قيدت نفي تكليمها عليها السلام بذكر اليوم
لاقتضى النفي المؤبد كما في قوله تعالى: ?لَنْ يَخْلُقُوا
ذُبَابًا? {الحج:73}، ?لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا ?
{الحج:37}، ?لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا
تُحِبُّونَ ? {آل عمران:92}، ?لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ
أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا?
{المجادلة:17}، وقد نفى الله الرؤية عن موسى عليه السلام بلفظة ?لن
? ولم يقيده بوقت فاقتضى التأبيد، ثم أكد نفي الرؤية بأن علقها
بشرط مستحيل حصوله وهو أن يكون الجبل مستقراً حال أن جعله دكاً -
أي مدكوكاً- مصدر بمعنى اسم المفعول، والدَّك: الدَّق، فجعله
سبحانه مدكوكاً مُسَوَّى بالأرض، وجعل الرؤية بأن يراه مستقراً
جبلاً على حالته الأولى في حالة جعله دكَّاً مسوى بالأرض، وقيل: إن
دَكّاً بمعنى: متحركاً:?إِذَا دُكَّتْ الْأَرْضُ دَكًّا
دَكًّا?{الفجر:21}، - أي حُرِّكَت -كما في قوله تعالى: ? إِذَا
زُلْزِلَتْ ?، فيكون أيضاً مما علق بالمحال فهو محال، لأن استقرار
الجبل حال تحركه محال، لأنه جمع بين النقيضين من حيث أن الاستقرار
هو السكون الذي هو نقيض الحركة، فاجتماعهما في حالة واحدة محال،
وما علق بالمحال فهو محال كما في قوله تعالى في حق الكفار: ?وَلا
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
(1/293)
حَتَّى يَلِجَ
الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ? {الأعراف:40}، وكقول الشاعر:
وأقسم المجدُ حقاً لا يُخَالِقَهُمْ .... حتى يُخالقُ بطنُ الراحةِ
الشعرُ
فإن قيل: أليس أن الله تعالى قادر على أن يجعل الجبل مستقراً بعد
أن جعله دكاً أو جعله متحركاً، فكيف جعلتم استقراره بعد ذلك محالاً
وليس بمحال بل هو جائز، وما علق على الجائز فهو جائز، وقد عُلِّقت
الرؤية بذلك فهي إذاً جائزة؟
قلنا: لم يجعل الله الرؤية متعلقة باستقرار الجبل بعد أن صار دكاً
أو متحركاً بل حال أن صار كذلك وفرق بين الأمرين، فإن جَعْلَه
مستقر في حال كونه دكاً أو متحركاً يلزم منه الجمع بين النقيضين
بخلاف جعله مستقراً بعد أن صار مدكوكاً أو متحركاً فلا كلام أنه
ليس بمحال، إذ لا يؤدي إلى الجمع بين النقيضين وأن الله على كل شيء
قدير، لكن لم تكن الرؤية معلقة على ذلك.
دليله: أن الرؤية لم تحصل لموسى عليه السلام وقد استقر الجبل وعاد
إلى حالته التي كان عليها، فعلم أنها لم تعلق باستقراره بعد الدك
بل حاله.
وقد أكثر المخالفون التشبث في هذه المسألة بسؤال موسى عليه السلام
الرؤية، وقالوا: لو كانت مستحيلة في حق الله تعالى لما سألها عليه
السلام سيما وهو أعلم الناس بالله وكليمه وصفيه؟
(1/294)
[ و ] الجواب عليهم
وبالله التوفيق: أنه لما أكثر قوم موسى التعنت عليه وقالوا له:
أرنا الله جهرة، ولم يقنعوا بالأدلة العقلية في إثبات الصانع تعالى
وتوحيده وعدم تجسيمه وتجسيده تعالى، وأنه لا يشبه الأشياء ولا يجوز
عليه تعالى ما يجوز عليها من الرؤية ونحوها حتى علقوا إيمانهم
لموسى عليه السلام بالصانع وما يترتب عليه من نبوة موسى عليه
السلام وسائر ما جاء به على رؤية الله تعالى، وقالوا له: لن نؤمن
لك حتى نرى الله جهرة، فأراد عليه السلام أن ينضم إلى أدلة العقل
دليل سمعي يقطع عنده حجاجهم وينقطع بعده لجاجهم، وسلك في طلب ذلك
الدليل أبلغ مسلك ليكون أبلغ وأقطع لمحاججتهم بأن أسند الرؤية إلى
نفسه ليعلموا أنه إذا مُنِعَها مع كونه كليم الله وحبيبه فهم
بالمنع أولى بخلاف ما لو أسندها إليهم وقال: أرهم ينظرون إليك،
لبقي الشغب معهم ومع غيرهم من أهل الضلال بأنهم إنما مُنِعُوها
لكونهم ليسوا من أهلها، ولو سألها لنفسه لأُجيب إلى ما سأل فظهر
بهذا أنه [ لم يسأل موسى عليه السلام الرؤية لنفسه، بل عن قومه، ]
ولم يقل المؤلف عليه السلام لقومه، لئلا يوهم بذلك أنها تصح لهم أو
له، ولو قال: بل لقومه، لأوهم جوازها لهم وله من باب الأولى، فعدل
عن اللام المفيدة الجواز والصحة إلى عن التي لا تفيد ذلك، وإنما
قلنا: إن موسى عليه السلام لم يسأل الرؤية لنفسه لدليلين:
(1/295)
أحدهما: ما ذكره
المؤلف عليه السلام بقوله [ كما حكى الله عز وجل في قصص قومه ] في
قوله تعالى خطاباً لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى موسى
وعلى سائر الأنبياء وآلهم الطاهرين: ? يَسْأَلُكَ أَهْلُ
الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاءِ
فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ [ فَقَالُوا أَرِنَا
اللَّهَ جَهْرَةً ]? {النساء:153}، فقضت هذه الآية أن سؤال أهل
الكتاب الرؤية أمر فضيع، واعتقادها قبيح شنيع فضيع، وأشنع في القبح
من سؤالهم لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً غير القرآن
مع أن سؤالهم كتاباً غير القرآن كفر بلا ريب فكيف بما هو أكبر منه
إثماً وأغرق ظلماً، لذلك عقب هذه الجملة بقوله عز وجل ?[
فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ ] بِظُلْمِهِمْ ? {النساء:153}،
وقرنها بالفاء المفيدة التعقيب والتسبيب لأخذ الصاعقة إياهم حتى
هلكوا وماتوا من حينهم وسيما ما طلبوه ظلماً وأي ظلم ?إِنَّ
الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ? [ و ] إذا كان اعتقاد وجواز الرؤية
وطلبها أكبر من سؤال كتاب غير القرآن وسبباً لإهلاك من طلبها
واعتقدها وتسميته ظالماً، وجب أن ينزه عنها موسى عليه السلام لأنه
[ لو سألها ] عليه السلام [ لنفسه ] وشاركهم في اعتقاد جوازها على
الله تعالى [ لصعق معهم، ] ولكان ظالماً مثلهم، وذلك مما ينزه عنه
الأنبياء عليهم السلام إجماعاً، وإنما قلنا: لو سألها عليه السلام
لنفسه لصعق معهم ولكان ظالماً مثلهم، لأنه حينئذ يكون قد شاركهم في
السبب والعلة التي لأجلها نزلت بهم الصاعقة وسموا ظالمين، لأن
الاشتراك في السبب والعلة يوجب الاشتراك في الحكم، وهذا واضح كما
ترى.
الدليل الثاني: على أنه عليه السلام إنما سألها عن قومه.
(1/296)
أن المخالف مسلم لنا
أن الرؤية لا تجوز على الله تعالى في الدنيا والسؤال وقع لطلبها في
الدنيا، فأما أن يكون سألها وهو عالم بأنها لا تجوز على الله تعالى
في الدنيا فذلك اقتراح وطلب لما لا يجوز، وأما أن يكون طلبها وهو
غير عالم بأنها لا تجوز على الله تعالى في الدنيا فذلك جهل شديد،
وحاشا نبيه وكليمه وصفيه عن ذلك لقد برأه الله مما قالوا وكان عند
الله وجيهاً، وأما قوله تعالى: ? وخر موسى صعقاً ?، فإنما أُغمي
عليه عليه السلام لشدة ما رأى من حالهم عند أن أخذتهم الصاعقة
بدليل قوله تعالى: ? فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ ? الآية
{الأعراف:143}.
ولما رأى الخصوم تحرير هذا القول الفصل أرادوا الانفصال عنه بما لا
محصول له من الكلام الهزل، فقالوا: إنه لم يكن عقابهم بالصاعقة
ووسمهم بالظلم لمجرد كونهم طلبوا الرؤية فقط بل لأنهم اقترحوها من
بين سائر المعجزات وعلقوا إيمانهم عليها، ولم يعتبروا المعجز من
حيث هو كما هو الواجب في حق المعجز؟
(1/297)
والجواب عليهم: أن
الفاء موضوعة للسببية فيقتضي أن ما ذكر بعدها سبب عما ذكر قبلها،
ولو صح ما ذكروه من التأويل الفاسد والتعليل الكاسد لبطلت الأحكام
الشرعية وغيرها من الأمور المسببة عما قبلها والمقرونة بفاء السبب
نحو زَنَى ماعز فرجم، وسَرَقَ فلان فقطع، ولجاز لقائل أن يقول إن
الرجم ليس مسبباً عن الزنا مع الإحصان، وإن القطع لم يكن مسبباً عن
السرقة، وهذا معلوم البطلان مع أن الرؤية لو كانت جائزة لكان طلبها
مثل طلب سائر المعجزات في الجواز والإباحة ولا حرج في طلب ما يوصل
إلى معرفة الحق كيفما كان، ألا ترى أن الرسل صلوات الله عليهم لم
تزل تطلبهم الأمم الذين أُرسلوا إليهم المعجزات ويقترحونها عليهم
حسبما يريدون، فإن كانت المصلحة في ذلك أظهره الله عليهم وإلا فلا
من دون أن ينزل بهم ما نزل بهؤلاء الذين طلبوا من الله تعالى مالا
يجوز في حقه وما يقتضي الإشراك به تعالى ومشابهته لخلقه، ومن أعظم
خطبهم في هذه القصة وفرط غلطهم ولغطهم في هذه الآية قالوا: إن موسى
عليه السلام لما علم بجواز رؤيته تعالى طلبها في دار الدنيا فأخبره
الله تعالى أنه لا يراه في الدنيا، وصار ذلك أصلاً عنده وعند بني
إسرائيل مقرراً أنه لا يراه في دار الدنيا والخبر واجب الصدق، وبعد
استقرار هذا الأصل المعتقد طلب بنو إسرائيل الرؤية في دار الدنيا
تعنتاً أو شكاً في الخبر فأنزل الله تعالى بهم تلك العقوبة.
قالوا: فكان طلب موسى عليه السلام الرؤية جائزاً لأنه طلبها قبل
العلم أنها لا تجوز على الله تعالى في الدنيا، وطلب قومه الرؤية
غير جائزة لأنه بعد أن قد علموا أنها لا تجوز على الله تعالى، ولو
كان طلبها عليه السلام له لا يجوز لكان حكمه حكمهم، ومعاذ الله لقد
برأه الله من ذلك وكان عند الله وجيهاً، هذا ما قاله أحمد في
حاشيته على الكشاف.
(1/298)
والجواب كما ذكره
القرشي رحمه الله تعالى في المنهاج بقوله: فيقال للخصوم: إما أن
تزعموا أن سؤال الرؤية كان مرتين، وهذا شيء بعيد لأنه كيف يسألها
موسى وقد صعق قومه عند سؤالها وعلم تعذرها أو يسألها قومه وقد صعق
هو عند سؤالها لهم وهو نبي الله وكليمه، وإما أن تعترفوا أن السؤال
كان مرة واحدة، فلا يمكنهم القول بأن سألها لنفسه لأنه لو كان كذلك
لما كان لهم ذنب فصعقوا من أجله، ولبطل ما علمناه من إضافتها إليهم
في قولهم: أرنا الله، وهذا من أوضح دليل على أنه سألها عن قومه.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقد ذكر شيخنا رحمه الله تعالى في حاشيته أن الخصوم يجعلون طلب
الرؤية مرتين وأنها قضيتين لأنه عليه السلام سأل ربه أن يريه نفسه
المرة الأولى ولم يكن معه قومه والصاعقة في المرة الأخرى، وأكثروا
الكلام في هذا، وزعموا أن الزمخشري بنى تفسير هذه الآية على
التلبيس ليتم له مذهب قومه. قال: ولم أجد من أجاب عنه إلا أن
المَقْبَلِي في الإتحاف قال: هو أجل قدراً من أن يكون بنى التفسير
على التلبيس ولكنه سهى فخلط القصتين. قال وأورد مضمون ما قالوا
الأمير الحسين عليه السلام في الينابيع وأفاد في الجواب ومعناه
قالوا: القصة الأولى حين ذهب للمناجاة والصاعقة حين ذهب للألواح،
وأجاب ما معناه: أنا لا نسلم لأن بعد سؤال الرؤية قال تعالى: ?
ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ
الْبَيِّنَاتُ ? {النساء:153}، فلو كانت الصاعقة بعد اتخاذ العجل
ما قدم الآية عليها، قال: قال الديلمي عليه السلام في تفسير ?
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ ? {الأعراف:155}: هو الميقات
الأول الخ ما ذكره رحمه الله تعالى.
(1/299)
قلت: يفهم من هذا
الكلام جميعه أن السؤال على كلام الأمير عليه السلام لم يكن إلا
مرة واحدة وأنها قصة واحدة، وعلى كلام الإمام الناصر أبي الفتح
الديلمي في تفسيره المعروف بالبرهان في تفسير القرآن وصرح به
المقبلي في الإتحاف أنها قصتان، فأما تكرر السؤال ووقوعه فيهما
معاً فلا مأخذ فيما حكاه عنهما له فلتتأمل المسألة لتكمل الإفادة
ويتضح الحق بطلب الإجادة، والأظهر والله أعلم أنه لا يمتنع تكرر
السؤال منهم فقط لا منه عليه السلام كما ذكره أحمد في حاشيته على
الكشاف من أن التكرر كان بوقوعه من موسى عليه السلام أولاً لنفسه
ثم بسؤال قومه ثانياً، ولا كما يفهمه كلام الأمير المؤلف عليه
السلام عنهم أنه عند القصة الأولى حين ذهب للمناجاة وعند الصاعقة
حين ذهب لأخذ الألواح، بل التكرر باعتبار طلبهم له عليه السلام أن
يريهم الله جهرة وقولهم: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فلما لم
يرعووا عن غيهم أراد أن يسمعهم الدليل السمعي فقال: ربي أرني، على
نحو ما سبق أنه عن قومه، بل هذا هو الظاهر أعني أن السؤال متكرر
باعتبار وقوعه منهم لا منه، فأما ذهاب موسى لميقات ربه فليس في
القرآن ما يدل على أن ذلك مرتين ولا ما يدل على أنه مرة فقط، بل من
تأمل آياته وتدبر مدلولاته علم أن الأمر محتمل، ومحتمل لأنه قال
تعالى في سورة البقرة: ? وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ
لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ
ظَالِمُونَ ? {البقرة:51}، ثم ساق الآيات في العفو عنهم وإيتاء
موسى الكتاب والأمر بقتلهم عن اتخاذهم العجل حتى قال: ? وَإِذْ
قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ
جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُون o
ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ? {البقرة:55،56}،وهذا كما ترى يحتمل أنه ذهب إلى
الجبل غير المرة الأولى المذكورة? وَإِذْ
(1/300)
وَاعَدْنَا مُوسَى
أَرْبَعِينَ لَيْلَةً?، إذ لم يذكر فيها ذهاب قومه معه، ولم يذكر
فيها أخذ صاعقة ولا وقوع رجفة، فيكون قولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ
حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً في المرة الثانية، لذلك أُفردت لها
آية أخرى وخطاب متجدد وذكر فيها أخذ الصاعقة لهم وتوسطت بينهما
الآيات المذكورة في شأن العجل وإيتاء الكتاب والأمر بقتل أنفسهم،
ويحتمل أنها قصة واحدة وإنما ذهب إلاّ مرة واحدة وقومه معه والسؤال
وأخذ الصاعقة إياهم كان فيها، إذ لا يمتنع أن ما ذكر في الآية
الأولى وما ذكر في الآية الأخرى إخبار عن قصة واحدة وإن توسطت
بينهما الآيات في شأن العجل وإيتاء الكتاب، فذلك لا ينافي اتحاد
القصة وإنما حسن توسيط الآيات في شأن العجل وإيتاء الكتاب لأن
الذين اتخذوا العجل هم أصحاب السامري وكان ذاك عند أن كان موسى ومن
معه من السبعين الرجل المختارين في الجبل والسامري وأصحابه ممن
استخلف موسى هارون عليهم وإيتاء موسى الكتاب كان عند أن كان موسى
ومن معه في الجبل، فلما كانت الأربعون الليلة ظرفاً للمجموع كان لا
مانع من توسيط ما ذكر بين الآيتين المسوقتين لقصة واحدة، وكذلك
قوله تعالى في سورة الأعراف فإنه قال تعالى: ? وَوَاعَدْنَا مُوسَى
ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ
رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ
اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ
الْمُفْسِدِينَ o وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ
رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي
وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ
فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ
دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ
تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ o قَالَ يَامُوسَى
إِنِّي
(1/301)
اصْطَفَيْتُكَ عَلَى
النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ
مِنْ الشَّاكِرِينَ o وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ? الخ الآيات
{الأعراف: 142-145}، المذكورة في شأن الكتاب.
وهذا أيضاً كما ترى لم يذكر فيها أن قومه كانوا معه ولأن الصاعقة
كانت فيها، ثم ذكر قصة العجل بقوله: ? وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى
مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا ? {الأعراف:148}،
أو المراد بعض قوم موسى وهم أصحاب السامري إذ المعلوم أنه لم يتخذه
إلا السامري ومن تبعه، ثم ساق عدة آيات في شأن العجل ونحوه إلى
قوله: ? وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا
لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ
شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا
فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ? {الأعراف:155}، وهذا كما ترى يحتمل
نحو ما ذكرنا في آيات سورة البقرة أنهما قصتان الأولى ذهب فيها
موسى وحده وفيها وقعت مناجاته لربه وسأل الرؤية لكنه لا يستقيم أن
السؤال لقومه لأنهم على هذا لم يكونوا معه، وهو محمول على أحد
تأويلي الزمخشري والمتوكل على الله وهو تفسير القاسم والهادي
والحسين بن القاسم وغيرهم عليهم السلام فقالوا: لم يسأل موسى
الرؤية نفسها بل سأله تعالى أن يريه آية من عظيم قدرته تعالى ينظر
بها إليه أي يُعلمه تعالى بها علماً ضرورياً كما قال إبراهيم عليه
السلام ? رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ
تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي?
{البقرة:260}، فقال تعالى: ?لَنْ تَرَانِي? أي لن تقدر على أن ترى
آية من عظيم آياتي الباهرة، ولكن انظر إلى الجبل الذي هو أعظم منك
كيف يكون حاله فإن استقر مكانه بعد أن أفعل به ما تراه فسوف تراني-
أي فستعلم - الآية العظيمة، فلما ارتج الجبل وادك
(1/302)
لم يملك موسى نفسه أن
خر مغشياً عليه ? فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ
إِلَيْكَ ? الآية.
قال شيخنا رحمه الله: وهذا عجيب إلا أن المأثور والظاهر خلافه ذكره
في سمط الجمان بأخصر من العبارة المذكورة وذكره في الكشاف أخيراً
بالمعنى وزيادة بعض ونقصان بعض كما يظهر لمن طالع الجميع، لكنا
أخذنا المعنى من الجميع مع بعض تصرف للإيضاح.
قلت: وعلى هذا التأويل يسقط احتجاج الجميع بالآية الكريمة، وحيث أن
القائل به من قد رأيت من العلماء الأعلام والأئمة الكرام فلا يمتنع
صحته، والله أعلم، ولعله يحتمل معه أنهما قصتان: إحداهما: كان منها
ما ذكره وكان وحده عليه السلام . والأخرى: كان فيها قومه معه
وقالوا له: أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم.
(1/303)
ويحتمل أنها قصة
واحدة على نحو ما سلف من توجيه ذلك عند ذكر آيات البقرة، وأما على
ما يقتضيه كلام الإمام الناصر في البرهان في تفسير: ? وَاخْتَارَ
مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً?، أنه الميقات الأول، فالأمر
بالعكس من الترتيب المذكور والآية وإن تأخرت في الذكر في القرآن
فما تضمنته واقع قبل إيتاء الألواح في الميقات الثاني، فيكون على
هذا أنه ذهب في المرة الأولى للمناجاة وقومه معه فقالوا له: ?
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ ?، وفي
الآية السابقة قوله: ? رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ? الخ كان
أيضاً هو الظاهر من قوله: ? فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ
الرَّجْفَةُ?الخ، كان فيها ذهب لأخذ الألواح المعبر عنها بإيتاء
الكتاب، ويستبعد معه أنه قال ? رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ
?على التأويل الثاني، لأن إيتاءه الألواح آية تغني عن طلب غيرها مع
أنه قد تقدم قبل ذلك ما هو من أعظم الآيات كقلب العصا حية وتلقفها
ما يأفكون، وإغراق فرعون ومن معه في اليم، وعلى التأويل الأول أبعد
بل ممتنع لأنه إذا قد كان ذلك في القصة الأولى التي عبر عنها عليه
السلام بقوله هو الميقات الأول وأخذتهم الصاعقة إذ ذاك، فكيف
يستقيم أن يكون مثل ذلك في الميقات الآخِر؟
(1/304)
وأقول والله أعلم: لا
طائل تحت هذا النزاع والاختلاف في أنها قصة أو قصتين لأن عمدة
الاستدلال هو قوله تعالى: ? لَنْ تَرَانِي ?وتسميته الله سبحانه
وتعالى سؤال الرؤية ظلماً وأنه أكبر إثماً من سؤال كتاب غير القرآن
وجعله سبباً لأخذ الصاعقة إياهم، وهذا لا يفترق الحال فيه بين أن
يكون واقعاً في قصة واحدة أو في مجموع قصتين غير أن الواجب تنزيه
موسى عليه السلام أن يسأل الرؤية لا عن قومه لئلا يشاركهم في تلك
المعصية، وأن يكون تكرر منه السؤال لاستلزام العبث والتعنت منه
عليه السلام إن أجيب عليه عند السؤال الأول أو ترك البيان عند
الحاجة منزلته بعد ما جاءته واطراح سؤاله إن لم يجب عليه إلا عند
السؤال الثاني.
قالوا: لو كان السؤال لقومه لما خر صعقاً ما ذاك إلا أنه لنفسه؟.
قلنا: ولو كانت الرؤية جائزة عليه تعالى لما خر صعقاً إذ لا ذنب
لمن طلب ما هو جائز.
قالوا: إنما كان ذلك به لطلبها في الدنيا وهي جائزة في نفسها وإنما
محلها الآخرة؟
قلنا: فيلزم أنه عليه السلام إما جاهلاً لعدم جوازها في الدنيا ففي
ذلك نسبة الجهل إليه، أو عالماً ففي ذلك نسبة التجاري إليه والكل
لا يجوز.
قالوا: لو كان السؤال لقومه لما صحت منه التوبة ما ذاك إلا أنه
لنفسه حين لا تجوز؟.
قلنا: ولو كان لنفسه مع أنها جائزة ما صحت منه التوبة فما أجابوا
به فهو جوابنا، وقولهم: ما ذاك إلا أنه لنفسه حين لا تجوز، يلزم
تجهيله أو نسبة التجاري إليه.
(1/305)
والتحقيق: أنه عليه
السلام لما أكثر قومه السؤال وعلقوا إيمانهم على الرؤية استعجل في
الرد عليهم قبل المؤاذنة، فكانت منه خطيئة كما يصدر من سائر
الأنبياء عليهم السلام نحوها من الصغائر [ فلما لم يقع منه عليه
السلام خطيئة إلا سؤاله لهم الرؤية من دون ] تقدم استئذان ولا
انتظار وحي يقع معه [ إذن، ] من الله أو مَنْع، اعتذر عليه السلام
بالتوبة [ قال لربه عز وجل ] ? رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ
مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ [ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ
مِنَّا ]?، وفي آية أخرى ? أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ
الْمُبْطِلُونَ ? {الأعراف:173}.
وأما السنة: فأخرج أبو القاسم الكعبي في السنة وابن ناجية
الأصفهاني عن أبي الزبير عن جابر قال صلى الله عليه وآله وسلم: "
اعلموا أنكم لن تروا الله في الدنيا والآخرة "، وفي لفظ الفقيه
حميد اعلموا.
وأخرج الرَّامَهُرمزي والحاكم أبو سعيد عن سمرة بن جندب: " أن
رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل نرى ربنا في الآخرة؟
فانتفض ثم سقط فلصق بالأرض وقال: "لا يراه أحد ولا ينبغي لأحد أن
يراه ".
وروى أبو رشيد مرسلاً عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " لن يرَ الله
أحد في الدنيا والآخرة ".
وروى المؤيد بالله عليه السلام مرسلاً عن أبي ذر قلت للنبي صلى
الله عليه وآله وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: " نور هو أنَّا أره " قال
المؤيد بالله عليه السلام معناه: نور هو لا أراه.
وأخرج أبو رشيد في الخلافية: أخبرنا عمران بن أحمد أن النيسابوري
وأبو بكر المقري، قالا أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى بن عيسى بن
هلال الموصلي قال: حدثنا محمد بن المنهال عن عمر بن حبيب عن خالد
الحذاء عن أبي ذر فذكره، وأخرجه أبو يعلى والسيد محمد بن يحيى.
(1/306)
وأخرج البخاري
والترمذي والحاكم وأبو سعيد عن عائشة أنها سُؤِلت هل رأى محمد ربه؟
قالت: يا هذا لقد قُفَّ شعري مما قلت، ثلاثاً من حدثكهن فقد أعظم
على الله الفرية من قال: إن محمداً رأى ربه، والله تعالى يقول: ?لا
تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ?الخ الخبر.
ذكر هذا كله شيخنا صفي الإسلام رحمه الله في السمط، ونقل عن أمير
المؤمنين وفاطمة الزهراء صلوات الله عليهما وابن عباس وزين
العابدين عليه السلام ومجاهد والحسن وغيرهما من التابعين صريح
أقوالهم بنفي الرؤية في الدنيا والآخرة، فلا نطيل الكلام بذكره
فليؤخذ من ذلك الكتاب.
(1/307)
بعض شبه المخالفين
حول الرؤية عليها
تتمة نذكر فيها بعض شبه المخالفين، فمنها: من جهة العقل أنهم
قالوا: هو تعالى موجود فتصح رؤيته.
قلنا: لا نسلم أن كل موجود تصح رؤيته، أوليس أن كثيراً من
الموجودات لا تصح رؤيته كالقدرة والعلم والحياة والعقل والروح
ونحوها؟!.
والتحقيق: أن الوجود ليس هو المصحح لرؤية المرئيات وإلا لزم رؤية
كل موجود، وإنما المصحح لرؤية المرئي صفته الذاتية من كونه جسماً
كثيفاً أو لوناً لا غير، لذلك انقصرت الرؤية عليهما دون سائر
الموجودات، وهذا واضح بلا ريب.
قالوا: القول برؤيته تعالى لا يستلزم حدوثه تعالى، فلا محذور في
ذلك، فيجب القول بصحتها.
قلنا: والقول بنفي صحة رؤيته تعالى لايستلزم حدوثه تعالى، فلا
محذور، فيجب القول بنفي صحتها فيقتضي القولان وقوع التناقض وهو
محال، فلا بد من إبطال أحدهما وبقاء الآخر والجزم بصحته وثبوته،
فنقول قولكم: لا يستلزم حدوثه، غير مسلم لأن الرؤية هي تعلق البصر
بالمبصَر، ومن المعلوم أن ذلك التعلق يستحيل بلا متعلق فلا بد له
من متعلق إما ذاته المقدسة كانت إذاً مُعترضا لحدوث الإبصار
والإدراك، وما كان معترضاً لحدوث الحوادث كان محدثاً لأن هذا هو
الدليل على حدوث الأجسام لما كانت محلاً ومُعترضاً لحدوث الأعراض،
وإن كان المتعلق غير ذاته المقدسة كان المرئي غيره بخلاف ما قلناه
من نفي الرؤية فلا يتطرق إليه شيء يقتضي الحدوث، وإذا كان نقيضه
يقتضي الحدوث كما أوضحناه وجب القول به ولزم الجزم باستحالة رؤيته
تعالى بكل حال، ولا يمكن فيما قالوه لو سلمنا على التنزل أن الرؤية
لا تدل على الحدوث حصول نتيجتهم المطلوبة وهي وقوع الرؤية لأن
غايته صحة الرؤية لا وقوعها، إذ ليس كلما صحت رؤيته وقعت عليه
وإلاَّ لزم في كل مرئي أن تقع عليه رؤية كل راءٍ والمعلوم خلافه،
ولهذا اعترف نقادهم أنه لا دلالة من جهة العقل على وقوع الرؤية
وقصروا الاستدلال على السمع فقط.
(1/308)
وقال الرازي في
مفاتيح الغيب عند تفسير قوله تعالى: ?لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ?
مستدلاً على الرؤية من جهة العقل: إن القول برؤيته تعالى يؤدي إلى
العلم اليقيني بوجوده تعالى وحقيقته، فيجب القول بذلك.
قلنا: وسائر الحواس الخمس توصل إلى العلم بوجود سائر الموجودات،
فيجب القول بأنه تعالى يدرك بالحواس الخمس، إذ ذلك أبلغ من اليقين
بوجوده تعالى فيكون تعالى مطعوماً وملموساً ومشموماً ومسموعاً
ومبصراً، والعجب كل العجب من مثل هذا التحرير يصدر من مثل ذلك
النحرير لولا اتباع الأسلاف، وإلا فالمعلوم بالضرورة اليقينية أن
البعث والإعادة لجميع الخلق إلى عرصة المحشر ومشاهدة الجنة والنار
وجميع أهوال القيامة ملجي إلى العلم الضروري بالله تعالى وبوجوده
سبحانه، فلا حاجة إلا ارتكاب نحو هذه الخرافة، ولكل جواد كبوة ولكل
صارم نَبْوَة، ولقد كان يكفيه الاعتراف كغيره من الأشاعرة أنه لا
دلالة في العقل ويقتصر في دعواه على ذلك المذهب الباطل والاعتقاد
العاطل على السمع.
وأما شبهتهم من جهة السمع:
فقالوا: قال تعالى: ? وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ o إِلَى
رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ?، ?تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ
? {الأحزاب:44}، ?كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
لَمَحْجُوبُونَ ? {المطففين:15}، فدلت الآيات على وقوع الرؤية
للمؤمنين ثواباً لهم.
قلنا: قد دلت الآيتان المذكورتان والأحاديث في استدلالنا على
انتفاء الرؤية وهي صرائح لا تحتمل التأويل، فيستحيل أن تدل هذه
الآيات على الرؤية وإلا لتناقض القرآن في دلالته، ولكذبت الأحاديث
المذكورة، وحينئذ فيجب تأويل ما احتجوا به من أن النظر بمعنى
الانتظار كقوله تعالى: ?فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
? {النمل:35}، وقال الشاعر:
وكنا ناظريك بِكُلِّ فَجٍّ .... كما للغيثِ تُنْتَظَرُ الغمامُ
(1/309)
وهو شائع كثيرٌ أو أن
?إلى? بمعنى النعمة واحدة الآلاء، واللقاء لا يستلزم الرؤية يقال
لقي الضرير الأمير، وقد قصروها على المؤمنين فلو كان يدل على
الرؤية لناقض ذلك قوله تعالى: ?فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي
قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ
مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ? {التوبة:77}.
وحكي أن رجلاً من مشيخة الأشعرية ركب سفينة فقعد وحوله جمع ممن
فيها يحدثهم أن الرؤية ثواب خاص للمؤمنين لقوله تعالى:
?تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ?{ الأحزاب:44}وكان
قائماً في تلك الحال أحد شقاة السفينة يسمع ذلك التحديث، فقال:
أيها الشيخ أتقول إن الرؤية ثواب؟ قال: نعم. قال: وتقول: إن اللقاء
يدل عليها؟ قال:نعم. قال: فما تقول في قوله تعالى: ?فَأَعْقَبَهُمْ
نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا
أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
?الآية، فرفع رأسه فنظر رجلاً لا يتأتى منه هذا الاستنباط البديع
فقال له: من أخبرك بهذا؟ فقال: سمعته من شيخ ببغداد يقال له: أبو
علي الجبائي، فقال: قاتله الله لقد بث الاعتزال في البر والبحر.
فانظر إلى انقطاع حجة هذا المحتج كيف لم يجد سوى هذه المقالة
الدالة على بطلان وانقطاع ما في يده وقوله تعالى: ?كَلا إِنَّهُمْ
عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ?، كناية عن الاستهانة
بهم، ومحجوبون عن رحمته كقوله تعالى: ?مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ
مِنْ خَلاَقٍ?{البقرة:102} ?لا يكلمهم ولا ينظر إليهم ? ونحو ذلك.
قالوا:قال صلى الله عليه وآله وسلم: " سترون ربكم كالقمر ليلة
البدر لا تضاموا في رؤيته ".
(1/310)
قلنا: معارض بأكثر
منه وأصرح دلالة وأعدل رواية كما مر نقل ذلك، ولانعقاد إجماع
العترة الطاهرة شموس الدنيا وشفعاء الآخرة على عدم رؤيته تعالى،
وظاهره يقتضي التجسيم والتشبيه المجمع على بطلانه لاستلزامه أن
يكون تعالى في جهة العلو وفي شكل الاستدارة وعلى صفة الإنارة، وكل
ذلك أوصاف تفتقر إلى محدث يجعلها له تعالى، ثم إن سلمنا الحديث فقد
فرض أئمتنا عليهم السلام وأتباعهم تأويلاً له حذاراً من رد السنة
النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلاة والسلام بأن معناه: ستعلمون
ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر والرؤية بمعنى العلم كثير
?أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ?
{الفيل:1}،?أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل?
{الفرقان:45}، وقال الشاعر:
رأيتُ الَلهَ أكبرَ كُلَّ شَيءٍ .... محاولةً وأكثرُهُم جُنْودَا
ثم يقال لهم في قولهم: يُرى بلا كيف. فهل تميزونه عن غيره أم لا؟
إن قلتم: نعم. قلنا: وبماذا يميز وقد قلتم بلا كيف؟ وإن قلتم: لا.
قلنا: فهو إذاً باق في حيز المجهول الملتبس بكل مرئي، وقد قال
الحقير غفر الله زلته مشيراً إلى هذا المعنى وإلى غيره من ضلالات
القوم:
(1/311)
قل للذين تنكبوا
سُفُنَ النَّجَا .... وأتوا بقولٍ مُشْبِهٍ للفلسفهْ
زعموا بأن اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ .... في الحشر تُدرِكُه العيونُ
المُطْرِفَه
ويُرى بلا كيفٍ وهذا باطلٌ .... يَعرِفُه كلٌّ من صحيحِ المعرفَه
أوما علمتم أن ذا متناقضٌ .... تَبَّاً لكم من معشرٍ كم ذا السفه؟
أوليس أن الطَّرفَ قطعاً لا يَرى .... إلا جَسِيْماً مُحدَثاً فيه
الصِّفَه؟
أوما فهمتمْ ما نفى في قولهِ .... لن ثم لا وحديثُ تلك
القَفْقَفَه؟
أوليس أخبر أن قوماً أُصعقوا .... لسؤالهم موسى وظُلْماً
أَرْدَفَه؟
ولهم من الأقوالِ كم من فريةٍ .... كالجبرِ والإرجاءِ وكم يا
عَجْرَفَه
والقولُ أن الآلَ ليسوا حجةً .... إن أجمعوا أين العقولُ
المُنْصِفَه؟
فاركبْ سفينةَ نوحٍ إن رُمْتَ النَّجَا .... أهلُ البصائرِ
والعقولِ العارِفَه
واثْنِ الصلاةَ مع السلامِ عليهمُ .... من بعدِ طه كي تَفُزْ في
مَوْقِفِه
(1/312)
فصل في الكلام في أن
الله واحد وأنه لا إله إلا هو سبحانه وتعالى
وهذه المسألة آخر مسائل التوحيد، وبها سمي علم التوحيد لكنه أطلق
على سائر مسائل التوحيد التي مر ذكرها لما كان جميع ذلك لا يكمل
الإيمان بالله تعالى ويُعَد الإنسان موحداً إلا بمعرفة الجميع،
فأطلق على الجميع علم التوحيد فهو اصطلاح عرفي خاص.
والتوحيد في أصل اللغة: مصدر وحَدْتُ الشي أُوحِّده إذا جعلته
واحداً بالقول كوحَّدْتُ الله، أو بالفعل كوحدت الشجرة إذا قطعت
جميع أغصانها ولم يبق إلا واحداً، فإن أبقيت الخيار من الأغصان كان
تهذيباً.
وهو في العرف المصطلح عليه بين علماء الكلام: العلم بالله تعالى،
وما يجب له من الصفات والأسماء، وما لا يجوز عليه منها.
والواحد في أصل اللغة: أول مراتب العدد يقال واحد اثنان إلى ما
بعده، وهذا لا يجوز إطلاقه على الله تعالى بهذا المعنى إذ لا مدح
فيه، ولا يجوز على الله تعالى إلا ما تضمن مدحاً، قال أمير
المؤمنين عليه السلام : واحد لا بعدد، قائم لا بعمد، دائم لا بأبد.
ويطلق الواحد على الجوهر الفرد وهو الذي لا يتجزأ، وهذا لا يجوز
إطلاقه على الله تعالى لعدم تضمن المدح ولأنه في نهاية الحقارة،
خلافاً لأبي علي فأجازه على الله تعالى نظراً إلى أن كونه لا يتجزأ
صفة مدح وهي صادقة عليه تعالى.
(1/313)
قلنا: مع مشاركة
الجوهر الفرد له تعالى في ذلك الوصف فلا مدح، ويطلق على المتصف
بصفات الكمال على وجه تقل المشاركة له فيها يقال: فلان واحد عصره
ووحيد دهره، وهذا أيضاً لا يجوز إطلاقه على الله تعالى لإفادته
المشاركة، وإن كانت على وجه القلة فذلك لا يجوز، ويطلق على المتصف
بجميع صفات الكمال على وجه يستحيل أن يشاركه فيها غيره على الحد
الذي اتصف بها، وهذا هو المراد من المسألة ومن الحصر في قولنا في
الدعاء: اللهم أنت الواحد - أي لا غيرك -. قلنا: بجميع صفات
الكمال، يمحترز من الاتصاف ببعض منها، فإنه لو اتصف عز وجل ببعض
منها لم يكن هو الإله ولم يكن من وصفه بذلك موحداً، وقد مر أنه
قادر على كل المقدورات، وعالم بكل المعلومات، وحي دائم لم يزل ولا
يزول، وقلنا: على وجه يستحيل أن يشاركه فيها غيره الخ، ليس القصد
به الاحتراز لمصيره تعالى واحد عن الاتصاف بها على وجه لا يستحيل
معه المشاركة فإنه تعالى يوصف بأنه واحد، ولو انتفى المشارك انتفى
جوازاً كما في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا انتفى أن
يشاركه فيها غيره فهو نبي واحد مع أن نفي نبوة غيره جوازاً بمعنى
لا يستحيل أن يوحي الله إلى غيره فيكون نبياً، فعرفت أن القيد
المذكور ليس للاحتراز في مصيره تعالى واحداً، لكن لما قامت الأدلة
القاطعة على أنه يستحيل وجود مشارك له فيها على الحد الذي اتصف بها
لزم ذكره للتنبيه على وجوب اعتقاد ذلك، وللإفادة أن من لم يعتقد
ذلك فليس بموحد، وقلنا: على الحد الذي اتصف بها. نعني به من كونه
قادراً لذاته لا لفاعل ولا لعلة ولا لمعنى وعالم لذاته وحي وموجود
وسميع وبصير كذلك، فذكر للاحتراز عما لو فرض أنها لشيء مما ذكر لما
يكن واحداً لأن غيره كذلك من سائر القادرين والعالمين فليس هذا
كالقيد الذي قبله في هذا الاعتبار.
(1/314)
هل يكون العَامْيّ
وعلماء المخالفين خارجين عن التوحيد
إذا عرفت ذلك فالقول: بأن الله تعالى واحد. مما لا خلاف فيه بين
طوائف الإسلام، ولا يختلف في العلم بأنه تعالى واحد منهم اثنان،
والعالم والعامي الصرف يعتقد كل منهما أنه تعالى واحد، ولكن إذا
كان حد الواحد هو ما ذكر فمن المعلوم أن العامي لم ينظر في الأدلة
الموصلة إلى العلم بأنه تعالى واحد بالمعنى المذكور في ذلك،وكذلك
من المعلوم أن علماء المخالفين الذين أثبتوا المعاني القديمة لم
يكونوا على الاعتقاد المذكور في ذلك الحد، فهل يكون العامي وعلماء
المخالفين خارجين عن التوحيد أم لم يخرجوا عنه، فكيف تصحيح ذلك وهم
بمعزل عما هنالك؟
والجواب وبالله التوفيق: أن يقال أما العامي فلا يخرج عن كونه
موحداً لأنه قد أتى بما يجب وهو اعتقاد أنه تعالى واحد لا ثاني له
ولم يأتِ باعتقاد ينافيه، وغايته أنه جهل ما هو لذلك الاعتقاد
بمنزلة التتمة والتفصيل في ذلك فلا يمتنع سقوط وجوبه عليه، وإنما
هو فرض العلماء ليدفعوا به شبه أهل الإلحاد والاعتقادات الفاسدة من
بعض فرق الإسلام، وقد نص علماء الكلام أن رد شبهة المخالف ومعرفتها
من فروض الكفايات على العلماء فقط ولا تكليف على العوام فيها ما لم
تقدح عليهم وجب النظر لدفع ما يقدح، وأما علماء المخالفين فالكلام
في شأن بقائهم على التوحيد مع ذلك الاعتقاد أو خروجهم عنه لأجله
مما وقع الخلاف فيه بين أئمتنا عليهم السلام وأتباعهم ممن ينفي
المعاني على نحو ما هو مبسوط في محله في هذه المسألة في المطولات،
فمن أراد الاطلاع على ذلك فعليه بما هنالك، وليس هذا موضع تلك
المسألة فلا نخرج بها عما نحن بصدده.
قال عليه السلام [ فإن قيل: ] لك أيها الطالب الرشاد [ أربك واحد
أم لا؟ فقل: ربي واحد لا ثاني له في الجلال، متفرد بصفات الكمال، ]
والخلاف في ذلك مع الثنوية والنصارى والصابئين، وأُلزمت المجبرة أن
لا يكون تعالى واحد.
(1/315)
أما الثنوية: فهم
الذين يقولون: بأن فاعل العالم وما فيه من الخير والشر اثنان،
كالمجوس يعبرون عن الباري تعالى بيزدان وقالوا: كل خير واقع منه
بالطبع لا بالإرادة والاختيار، ويعنون بالخير الأمور الملائمة
كالفواكه والملاذ والصور المستحسنة والمحبوبة، ويعبرون عن الثاني
بإهرمن وهو الشيطان عندهم وقالوا كل شر واقع منه بالطبع لا
بالإرادة والاختيار، ويعنون بالشر الأمور المنافرة كالسموم والمضار
والصور المستكرهة والقاذورات ونحوها، قالوا: ويزدان ممدوح على ما
فعل ومحمود على ذلك وإن كان بطبعه، وإهرمن مذموم على ما فعل وإن
كان بطبعه، وكل واحد منهما لا يقدر على ترك ما فعله ولا على فعل
العكس منه، ثم اختلفوا فيهما بالنسبة إلى القِدَم والحدوث،
فأكثرهم: أنهما قديمان معاً،وقال بعضهم: بل إهرمن حدث من يزدان
فقيل: من فكرة ردية حدثت معه، وذلك أنه تفكر في نفسه وقال: لو كان
لي منازع كيف كان الحال؟ فحدث الشيطان من تلك الفكرة وقال: ها أنا
منازع، فاقتتلا وجرت بينهما وقائع ثم اصطلحا على المهادنة وشروط
ستنقضي ويَغلِب يزدان، قالوا: ونحن الآن في مدة الهدنة، ومنهم من
قال: حدث من عفونات الأرض، وكأهل النور والظلمة قالوا: كل خير فمن
النور وكل شر فمن الظلمة على نحو قول المجوس في إهرمن ويزدان،
وقيل: إن المجوس يجعلون يزدان هو النور وإهرمن هو الظلمة، وإن
العالم ممتزج من النور والظلمة وإنهما غير متناهيين إلا من جهة
التلاقي، ثم اختلفوا، فقالت المانوية: هما قديمان قادران عالمان
حيان. وقالت الطيسانية بذلك في النور فقط، وأما الظلمة فعاجزة
جاهلة موات. وقالت المزدكية: النور يفعل بالقصد والإرادة والظلمة
بالخبط، وأثبت المرقيونية ثالثاً امتزج العالم منه ومن الظلمة
قالوا: فلما رأى النور تعدى الظلمة إلى هذا المتوسط بعث إلى هذا
العالم الممتزج روحاً وهو ابنه عيسى، ومرقيون هذا لحق بعض أصحاب
عيسى وأخذ عنه.
(1/316)
وأما النصارى:
فأثبتوا ثلاثة كما حكى الله عنهم ذلك بقوله: ?لَقَدْ كَفَرَ
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ?
{ٍالمائدة:73}، قال أهل المقالات في تفصيل قولهم بالتثليث: إنهم
اتفقوا على أن الله جوهر واحد وهو ثلاثة أقانيم، أقنوم الأب: وهو
الذات المقدسة وقيل الوجود، وهو متقارب، لأن الوجود عندهم هو الذات
كما يقوله أصحابنا الذين ينفون كون الوجود صفة زائدة على ذات
الموجود، وقد مر أنه الصحيح من تلك المسألة، وأقنوم الابن: وهو
الكلمة وقيل: العلم، وأقنوم روح القدس: وهو الحياة، واتفقوا على
أنه لم يزل الأب أباً والابن ابناً وروح القدس فائضة بينهما لم تزل
كذلك.
قلت: هذا حكاه أهل المقالات في كيفية تفصيل التثليث، ويعلم منه
أنهم يقولون بقدم الكلمة أو العلم وقدم الحياة حيث قالوا: لم يزل
الابن ابناً الخ، ومنه يعلم صحة ما قاله الإمام يحيى بن حمزة عليه
السلام وغيره من الأصحاب الذي مر في مسألة نفي المعاني القديمة
التي أثبتها الأشعرية وغيرهم من فرق المجبرة أنهم يعنون بتلك
المعاني ما عنته النصارى بتلك الأقانيم، ولعل أن معنى الأقنوم:
الأصل الثابت وجوده في الأزل، ولكن ظاهر الآي القرآنية فيما حكاه
الله عنهم أن التثليث الذي قالت به النصارى هو باعتبار ذات الباري
تعالى وعيسى بن مريم عليهما السلام حيث يقول سبحانه: ?وَقَالَتْ
النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ? {التوبة:30}، وقال ?
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ
ابْنُ مَرْيَمَ ? {المائدة:17}، وقال ?وَإِذْ قَالَ اللَّهُ
يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي
وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ الله? {المائدة:116}، وحينئذ فلا
يتحقق اتحاد القول بين النصارى والمجبرة.
(1/317)
فإن قلت: فكيف تصنع
بنقل أهل المقالات في كيفية التثليث إذا حملته على هذا الوجه
المأخوذ من ظاهر الآي، بل صرائحها قاضية به مع أن ذلك النقل لا
منازع لهم فيه وإجماع أهل كل فن حجة فيما أجمعوا عليه؟
قلت: أما كونهم أجمعوا عليه فلم ينقل في ذلك إجماع وإن لم يوجد
منازع، لكن إذا قدرنا صحة ما نقله أهل المقالات سيما وفيهم من أئمة
الهدى من لا يسعنا رد ما نقله على غير علم منا ببطلانه، فهو لا
يمتنع صحته مع صحة ما قضت به تلك الآيات الكريمة من كيفية التثليث
المقطوع بصحته عن النصارى على الجملة بقوله تعالى: ?لَقَدْ كَفَرَ
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ?، لأنه لا تنافى
بين أن تقول النصارى بالتثليث باعتبار الجهتين المذكورتين فقالوا
به باعتبار إثبات ذات الباري تعالى واثبات الكلمة أو العلم واثبات
الحياة، ثم قالوا به ثانياً باعتبار اثبات الباري تعالى، ثم ادعوا
مع ذلك إلهية عيسى ومريم عليهما السلام.
وأما الصابئون: فزعموا بعد تسليمهم أن للعالم صانعاً واحداً أنه
خلق الأفلاك حية قادرة عالمة وجعلها آلهة فعبدوها وعظموها وسموها
الملائكة، وجعلوا بيوت العبادة بعده السبعة الأفلاك.
(1/318)
إلزام المجبرة أن لا
يكون الله تعالى واحد
وأما إلزام المجبرة: فقد ظهر مما مر حسبما نقله أهل المقالات عن
النصارى، فيلزمهم أن لا يكون تعالى واحداً بل ثالث ثلاثة بل سابع
سبعة أو ثامن ثمانية حيث أثبتوا الكلام المعبر عنه عند النصارى
بالكلمة، وأثبتوا العلم والقدرة والحياة المعبر عنهما عند النصارى
بروح القدس، واثبتوا الإرادة والكراهة فهذه ستة معاني اتفقت عليها
جميع المجبرة، ومنهم من زاد الوجود وجعله صفة زائدة على ذات الباري
تعالى واتفقوا على قدمها مع الله تعالى، فكان بهذه المثابة سابع
سبعة أو ثامن ثمانية سيما مع جعلهم كل واحدة من هذا الستة أو
السبعة معنى ليس هو الأُخر فيتحقق التعداد حينئذ، لكنهم يفرون عن
هذا بأن يقولوا: ولا غيره، ويحكى عن النصارى أنهم يقولون في تلك
الأقانيم: أنها ليست بمستقلة بنفسها ولا يصح انفراد بعضها عن بعض،
وهو بنفسه عين مذهب المجبرة في تلك المعاني، قال القرشي رحمه الله
ما لفظه: يزيده وضوحاً أنه لم يقل أحد من الناس إن لله تعالى
ثانياً يشاركه في جميع المشاركة، وإنما يقولون بالمشاركة في كونهما
واجبي الوجود، والمجبرة إما أن يجعلوا هذه المعاني جائزة الوجود
فيلزم حدوثها لأن هذا هو دليلهم على حدوث العالم، وإما أن يجعلوها
واجبة الوجود من ذاتها وهو مذهب الثنوية، وإما أن يجعلوها واجبة
الوجود من غيرها وهو مذهب الفلاسفة في العقول والأفلاك. قال رحمه
الله تعالى: ومتى قيل: إن الثنوية اعتقدوا استحقاق الثاني للعبادة؟
قلنا: ليس كذلك يعني كلهم، فإن المجوس لا يعبدون إهرمن، وكذلك سائر
الثنوية لا يعبدون الظلمة، وكذلك الفلاسفة لا يقولون باستحقاق
العقول والأفلاك للعبادة، وإنما عيب عليهم القول بقدمها إلى أن قال
رحمه الله تعالى: وبعد، فلم يذمهم الله على مجرد القول باستحقاق
العبادة ألا ترى إلى قوله تعالى: ?قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ
وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ ? {يونس:68}، فبين
(1/319)
أن هذه المقالة تقتضي
جواز الحاجة عليه تعالى وهذا لازم للمجبرة كما سلف انتهى كلامه
والمسك ختامه.
قلت: ويزداد الإلزام للمجبرة في نقض التوحيد اتضاحاً ويكشف وجه
معتقدهم الباطل افتضاحاً، وينشق الحق الذي عليه أئمتنا عليهم
السلام وموافقوهم في نفي المعاني القديمة إصباحاً بأن يقال: هذه
المعاني إما أن تُنْفَى ماهياتها الحقيقية عن ذات الله تعالى وتثبت
له النتيجة المقصودة من إثبات تلك المعاني وهو أنه تعالى قادر لا
يعجزه شيء، وعالم لا يخفى عليه شيء، وحي دائم لا يموت، ولم يزل ولا
يزول عن ذلك الاتصاف، فهذا هو مذهب أئمتنا عليهم السلام وأتباعهم
الزيدية والمعتزلة جميعاً وهو لا يعتريه ريب، غير أن مِنْ أئمتنا
عليهم السلام ومن وافقهم من يجعل الاتصاف بتلك النتيجة أن كونه لا
يعجزه شيء وكونه لا يخفى عليه شيء وحي دائم أموراً ومزايا وصفاتاً،
ثم قالوا: لا توصف. إذ لا توصف عندهم إلا الذوات كما مر تحقيق
أقوالهم وترجيح ما عليه جمهور أئمتنا ومن وافقهم من عدم القول
بذلك، وإما أن تثبت ماهياتها الحقيقية، فإما أن تجعل قائمة بذات
الباري تعالى كما هو مصرح به في أقوال المجبرة، فمع القول بقدمها
كما هو مصرح به في أقوالهم أيضاً يلزم أن تكون ذاته المقدسة مركبة
من متعددات بالذات مختلفة بالماهيات، فيكون حينئذ تعالى عن ذلك
ذاته المقدسة بمنزلة الجسد من الإنسان، وتكون القدرة والعلم
والحياة بمنزلة هذه المعاني في الإنسان وبمنزلة الناطقية والإرادة
والكراهة منه، وهذا عند النظر والتحقيق باطل من وجوه:
أحدها: لزوم التركيب المفتقر إلى فاعل حكيم قدير عليم حي متقدم
عليه تعالى، فأما هو سبحانه وتعالى لزم المحال من حيث أن يلزم أن
يكون تعالى بعض مخلوقاته، وأما غيره فهو أبعد لاستلزام فاعل غيره
قادر عليه عالم حي قديم، ويرد السؤال في كيفية اتصافه بهذه الصفات
ويتسلل ولا ستلزام كونه تعالى مقدوراً لغيره.
(1/320)
وثانيها: لزوم الحاجة
عليه تعالى إلى تلك المعاني، وقد مر أنه تعالى غني عن كل شيء.
وثالثها: لزوم المشابهة بينه وبين غيره من سائر الناس وبين سائر
الحيوانات حيث كان فيه تعالى من المعاني ما فيها.
ورابعها: نقض التوحيد حيث كان تعالى بمنزلة الإنسان وبمنزلة القدرة
والعلم والحياة لأن هذه الأشياء متعددة في نفسها، فمتى أثبتت لله
تعالى لم يكن واحداً في ذاته بل مركباً من أمور متعددات.
لا يقال: إن قيام هذه المعاني بالإنسان لا يقتضي تعداده في نفسه بل
هو إنسان واحد وإن تعددت فيه المعاني وقامت به، فكذلك الباري تعالى
فلا ينتقض التوحيد في حقه تعالى بذلك.
لأنا نقول: إنما كان هذا لا يقتضي التعداد في الإنسان من حيث كونه
إنساناً واحداً فلا يكون إنسانين فأكثر باعتبار تلك المعاني
القائمة فيه، فأما كونه صار في ذاته باعتبارها غير متحد الأوصاف
والماهيات التي قامت به، فليس بمتحد بل متعدد الأوصاف والأجزاء فهو
بمنزلة أن لا يكون الباري تعالى إلهين اثنين فأكثر بل إله واحد،
ولكنه في ذاته متعدد الأوصاف والماهيات القائمة به تعالى فلا يكون
في ذاته واحداً من هذه الحيثية فينتقض التوحيد حينئذ سيما وقد صار
اسم التوحيد أعم من نفي إثبات إله ثان معه تعالى، ونفي أن يتصف
سبحانه بشيء من صفات المحدثات لذلك لا يسمى المشبه موحداً وإن جعله
واحداً ونفى إلهاً ثانياً معه، وإما أن تجعل هذه المعاني مستقلة
بنفسها ليست قائمة بذاته تعالى كانت منه بمنزلة الأجنبي فإن وصفت
بقدم كانت آلهة غيره تعالى، وإن وصفت بحدوث كانت لا ثمرة في القول
بها ولا قائل بذلك، فتأمل.
واعلم أن الكلام في هذا الفصل في طرفين: أحدهما: في أنه تعالى
واحد. وثانيهما: في نفي إله ثان معه تعالى.
أما الطرف الأول: فقد مر تحقيقه فيما ذكر آنفاً.
وأما الطرف الثاني: فسيأتي تحقيقه وتقريره.
(1/321)
قال أبو هاشم:
والكلام في نفي إله ثان علم لا معلوم له وكذلك العلم بنفي الحاجة
والرؤية وتشبيهه تعالى.
قال الإمام المهدي عليه السلام : وهو الحق وإِلاَّ لزم فيمن علم
ذاته تعالى أن يعلم نفي الثاني.
وقال أبو علي: بل العلم بذلك علم بذاته تعالى.
قلت: هذا هو الأظهر، وما أبعد علم لا معلوم له فإنه كاد مما يلحق
بالضروريات استحالة وجود علم لا متعلق له، ولعل حجة أبي هاشم أنا
لو جعلنا العلم بنفي الثاني علماً له معلوم يتعلق به العلم، فأما
ذاته تعالى لزم ما أورده الإمام عليه السلام أن من علم الذات علم
نفي الثاني، وأما ذات ذلك المنفي لزم ثبوتها إذ لا يتعلق العلم إلا
بثابت، ولا قائل بثبوت ذات الثاني، وإلاَّ انتقض المقصود من عقد
المسألة، ولأن القائلين بثبوت الذوات في القدم إنما يقولون به فيما
علم الله به أنه سيوجد وليس هذا منه، وأما أن يتعلق بغيره تعالى من
سائر الموجودات فهو إذاً متعلق بما هو أجنبي عن الباري تعالى وعن
الإله المنفي فيصير كالعلم بأن زيداً مثلا ليس بأعمى ولا أعرج هو
نفس العلم بأن عَمْراً أعمى وأعرج وهذا معلوم البطلان، فإذا بطلت
الثلاثة التقادير ولا رابع لها ثبت أن العلم بنفي التشبيه ونفي
الثاني علم لا معلوم له.
ويمكن الجواب على هذا بأن يقال: ما أنكرتم أن العلم بنفي الثاني
ونفي التشبيه يتعلق بذاته تعالى على الخلق عن المشابهة، وعن جواز
إله ثان، ولا يلزم ما ذكرتم أن من علم ذات الباري علم نفي الثاني
سيما على أصلكم في المسألة التي ذكرتموها قبل هذه أنه يصح أن يعلم
الله من وجه ويجهل من وجه آخر، فهلا قلتم: يصح أن يعلم ذات الباري
تعالى من لم يكن قد نظر في نفي الثاني ونفي المشابهة، ومتى نظر
فيهما وعلمهما كان علماً بالله تعالى من الوجه الآخر فيتعلق العلم
حينئذ بذاته تعالى، وقد صحح هذا النجري رحمه الله تعالى، وحكى رجوع
الإمام عليه السلام إليه.
(1/322)
وبعد فما أنكرتم من
تصحيح الاعتبار الثالث وهو أن يتعلق العلم بنفي المشابهة ونفي
الثاني بغيره تعالى من سائر الموجودات بأن يقال: هو علم يتعلق
بجميع الموجودات من أنه لا يشابهه تعالى شيء منها ولا يصح أن يكون
شيء منها معه إلهاً آخر، وهذا وجه صحيح لا مانع منه ولا بعد فيه
إلا أن الكلام لما كان في مسائل التوحيد مسوقاً للعلم بالله تعالى.
قلنا: إن ما ذكره أبو علي هو الأظهر. إلحاقاً لها بين المسألتين
وهما نفي مشابه له تعالى ونفي إله ثان بمسائل الباب، ولأنه السابق
إلى الفهم عند تحرير الكلام فيهما.
إن قيل: أليس أن العلم باستحالة الجمع بين الضدين والنقيضين علم لا
يتعلق بمعلوم، إذ لا وجود للضدين والنقيضين ولا ثبوت لهما عند
مثبتي الذوات في العدم، وإذا كان كذلك فكذلك فيم ذكرنا من
المسألتين المذكورتين.
قلنا: لا نسلم أنه علم لا معلوم له، فإن العلم باستحالة الجمع بين
الضدين والنقيضين مركب من العلم بوجود أحد النقيضين أو الضدين وعدم
إمكان مجامعة نقيضه أو ضده له، فصار علماً متعلقاً بمعلوم له موجود
أحد شقيه معلوم انتفاء الآخر عنه، وهذا واضح، ولا يقال لا جدوى تحت
هذه المباحث، فإن الكلام لا يخلو عن الإفادة ولا يقوى على استخراج
المقاصد والمسائل إلا من أتعب نفسه في المبادي والوسائل، ولا يظفر
بالدر الخالص إلا من غاص مع كل غائص، ومن زهد عن الاصطياد من الخضم
الصافي كان صيده ماجزره البحر من الميت الطافي.
ماذا على من نالَ أسبابَ العُلَى .... أن أتعبَ الكَفَّينِ في
إمساكِها
حتى ارتقى العَلْيَا وصارت ذاتُه .... فوق الأُوْلَى ظَنُّوه في
إنهاكِها
وغدا وقد نالَ المُنَى من بعدِ أنْ .... زال العنا قد حَلَّ فوقَ
سِماكِها
(1/323)
ثم أخذ عليه السلام
في الاستدلال على أنه تعالى لا ثاني له في الإلهية بدليل العقل،
وأردفه فقال [ لأنه ] والضمير يعود إلى الشان [ لو كان معه ]
سبحانه وتعالى [ إله ثان لوجب ] لهذا الإله الثاني المفروض [ لهذا
الذي اختص بها، ] ولعل صواب العبارة الذي اتصف بها لأنه مع تقدير
وجود الثاني واتصافه بها لا اختصاص، لكنه قد تسومح عند أهل الفن أن
يريدوا بالاختصاص مطلق الاتصاف فلا مشاححة، والحد الذي اتصف بها هو
أنه قادر على جميع المقدورات عالم بجميع أعيان المعلومات، حياً
دائماً لم يزل ولا يزول ويكون ذلك لذاته كما مر تحقيق جميع هذه
الأطراف [ ولو كان كذلك لكان ] الإله الثاني المفروض ثبوته [ على ]
كل [ ما قدر عليه ] الله سبحانه [ قادراً، ] فيكون كل مقدور لله
سبحانه مقدوراً لهذا الإله الثاني لأن كلا منهما والحال ما ذكر قد
صار قادراً لذاته فلا يختص بمقدور دون مقدور.
ويرد هاهنا سؤال تنهد له أركان هذا الاستدلال ويضعف معه التعويل
على مجرد الإجمال حتى يعرف جوابه بالتحقيق والاستقصار وهو أن يقال:
إن من أصولكم أو أكثركم إحالة مقدور بين قادرين، فَلِمَ جعلتم
الاستدلال هاهنا مبنياً على صحته فقلتم: لو كان ثمة إله ثانٍ لكان
قادراً على جميع ما قدر عليه الله، وهلا قلتم: إن هذا التقدير
محال، ومع تقدير
|