تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

كتاب أصول الدين

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
المقدمة

(1/2)


البحث الذي بين أيدينا يمثل الجزء الأول من عرض لأصول دين الإسلام(1). هذا الجزء سيضم مبحث معرفة صفات الله تبارك وتعالى بالقدر الممكن. وهذا الجزء يُعد الأساس للجزء الثاني، الذي سيتعرض للمباحث المتعلقة بالنبوة والإمامة، والأسماء والأحكام، واليوم الآخر وما يتعلق بها من فروع؛ كما إنه الأهم لأنه يتناول معرفة صفات الله تعالى وهو أهم موضوع معرفي على الاطلاق.
والعرض الذي سأقدمه ـ بحول الله تعالى ـ في الجزأين يُعد عرضاً أولياً لأصول الدين، ولكنه ليس أولياً بمعنى أنه يعرض بعض المسائل الأصولية فحسب دون غيرها(2)
__________
(1) أغلب المسائل الواردة في هذا البحث يندر أن يساء فهمها؛ إلا أن فيها من المسائل التي يكثر فيها سوء الفهْم أو التفهيم، لذا وجب الرجوع إلى ذي علم للإستعانة على ذلك.
(2) تختلف مسائل أصول الدين في درجة أهميتها. وهناك ثلاث مقاييس لتحديد ذلك:
الأول: موضوع المسألة؛ فعلى سبيل المثال ما يبحث في تنزيه الله تعالى أهم مما يبحث في تنزيه الأنبياء.
الثاني: دور المسألة في حياة المسلم الروحية والاجتماعية؛ فأثر مسألة الخلود في النار للفساق من أهل القبلة أهم ـ من هذا الجانب ـ من مسألة الخلاف حول بعض صفات الله.

الثالث: الجهل أو العلم بالمسألة؛ فإبراز موضوع العدل في مجتمع مسلم أهم من إبراز الأدلة المتعددة والمتنوعة في إثبات أن الله تعالى هو الخالق.

(1/3)


، إنما هو أولي بمعنى أنه يهدف إلى عرض جميع المسائل الأصولية التي يجب معرفتها، مِن دون الخوض المفصل في الأدلة والبراهين، وفي الأقوال والردود عليها. فلم أسعَ إلى التمييز بين المسائل نفسها بجعل بعضها للمستوى الأول من عرض الأصول، والبعض الآخر للمستوى الثاني والآخر للمستوى الثالث ونحو ذلك، بل سعيت إلى عرضها جميعاً بحيث تكون عناصر المستوى الأول هي عينها عناصر المستوى الثاني(1)، ويكون الفرق بين المستويين هو فقط في نوع وكم الأدلة المذكورة من جهة، ومن جهة أخرى في ذكر الأقوال المخالفة من شبهات أو اختلافات، والرد عليها أو التعليق بما هو مناسب.
ذلك أن الهدف من هذا العرض هو تعريف المسلم المثقف بالقضايا الأصولية، وبيان الرأي المختار فيها، مع الدليل المختصر ليكون على بينة من أمره فيما يخص علاقته بالله جل جلاله، وليس مناسباً، والهدف هذا، أن تختصر القضايا التي يتم عرضها، بل ينبغي لذلك وضع مرجع صغير في حجمه، شامل في موضوعاته، وافياً في بيانه. وهذا ما سعيت إليه؛ فأسأله تعالى أن أكون قد حققت بعض هذا الهدف في هذه الصفحات. فإن كان ذلك، فهو بما سهل الله وأيد بألطافه التي لا تُحصى، وإن لم يكن ذلك فهو بما فرَّطت في حقه تعالى، وبما قصرت في البحث والتدقيق، والله هو المرجو أولاً وآخراً لقبول هذا العمل.
__________
(1) هناك من المسائل ما لا تخطر ببال لولا إثارة الشبهة حولها. فهذه لن تعتبر من مسائل المستوى الأول مع اعتبار أهميتها في نفسها. وذلك نحو مسألة نفي الصفات، فلا يخطر ببال أحد إثبات صفات زائدة على الذات، لولا الاطلاع على شبهة الأشعرية في هذه المسألة.

(1/4)


وقد تعمدت ـ كما سيلاحظ القارئ ـ إلى أن أتوسع في إيراد الآيات المتشابهة(1)، وبيان التفسير الصحيح لها، ولم اكتفِ بذكر بعضها فحسب، تاركاً البعض الآخر لنباهة القارئ وفهمه، أو لهمته في تحصيل معاني ما بقي، أو لإعماله ما قيل فيما لم يُقل. فكثير من الكتب ربما لم تتوسع في إيراد الآيات المتشابهة من باب أن الاعتقاد الصحيح قد وضح؛ وأن بيان بعض الآيات المتشابهة التي يجب أن لا يساء فهمها قد تم؛ وأن كاتبها قد أمِن على القارئ من فهم بعض الآيات الأخرى فهماً خاطئاً؛ من حيث أنه أمن عليه من العقائد الخاطئة كعقيدة الجبر والتشبيه؛ فإذا رأى القارئ آية تُوهِم أحد هذين المعنيين وقد علم أنهما لا يليقان بالله تعالى، وقد علم أن في القرآن متشابهاً فلن يسيء فهم الآية، حتى وإن لم يعرف التأويل الصحيح لها. فإذا أراد القارئ معرفة التأويل الصحيح فعليه البحث بنفسه في كتب التفسير. ولكن بما أن الغرض هنا هو طرح جميع المسائل الأصولية، فلا بد من ذكر جميع الآيات المرتبطة بالعقيدة ارتباطاً مباشراً؛ والله حسبي ونعم الوكيل.
وقد كان أمامي في بيان الآيات طريقان:
الطريق الأوَّل: أن أذكر الآية المتشابهة مع المسألة التي تتعلق بها؛ فأذكر آيات الرؤية في باب نفي الرؤية، وآيات الضلال في باب نفي فعل الله للقبيح ونحو ذلك.
الطريق الثاني: أن اكتفي في الباب بعرض المسألة، وأترك الآيات المتشابهة في قسم خاص أرتبها بحسب موضوعاتها. وهذا ما آثرته لأمور ثلاثة:
كثرة الآيات المتشابهة.
ثم إن الغرض من وضعها رفع شبهة تنشأ من سوء فهمها.
وأخيرا ليكون ذلك القسم مرجعاً صغيراً وسهلاً، يصل القارئ من خلاله إلى أكثر الآيات التي أسيء تفسيرها.
المراد بأصول الدين
__________
(1) تعريف الآية المتشابهة الدقيق سيأتي، وهنا نكتفي بالقول بأنها الآيات القرآنية العقائدية التي يُساء فهمها من قبل عامة من الناس.

(1/5)


ويحسن هنا تبيين المراد بـ " أصول دين الإسلام" ـ أو "أصول الدين" اختصاراً ـ والفرق الأساسي بين ما هي أصول الدين من جهة؛ وبين ما هي فروع الدين من جهة أخرى.
أصول الدين تمثل مجموعة من العلوم التي تعطي الفرد تفسيراً للواقع الموجود، ومن ثم تحدد له هدفاً من الحياة، مستخلصاً من هذا الواقع، ومبنياً عليه. ولذلك ممكن أن نقسمها إلى نوعين من المسائل:
1. مسائل تكشف الواقع الذي نعيشه كما هو؛ فنعرف أننا من الله وإلى الله: فنعرف أن الله تعالى هو خالقنا وبارئنا، ومصيرنا إليه؛ ونعرف أن هذه الحياة ما هي إلا مرحلة قصيرة جداً من مراحل حياتنا، بعدها سننتقل إلى دار أخرى، لنحيا في نعيم مقيم، أو في عذاب دائم؛ نسأله الرحمة والسلامة. نعرف أنه تعالى لم يترك خلقه هملاً، فهو يرسل الرسل، ويوظف الملائكة، ويدبر الأمور في هذا الكون. نعرف ما هي صفات هذا الخالق؛ فنعرف أنه تعالى قادر عالم حي، واحد أحد، عدل حكيم، ليس كمثله شيء.
نعرف موقعنا من الله تعالى؛ فنعرف أننا متعلقون به وجوداً وبقاءً، وأننا ضمن قدرته وعلمه، لا نعجزه، ولا نفوته، ولا نهرب من ملكه، ولا يخفى عليه أمر من أمورنا.
2. فإذا عرفنا ذلك فإننا سنخرج بنتيجة مفادها أن الواجب علينا هو الإقرار بذلك، والخضوع له تعالى لقدرته علينا، وشكره لنعمه علينا. كما إن علينا أن نعرفه جل جلاله معرفة تسبيح وتقديس وتحميد.
فالمسائل الأولى بينت لنا الواقع كما هو، والمسائل الثانية حددت لنا الهدف من مسيرنا في هذه الحياة.

أما مسائل فروع الدين، فهي تبين لنا الطريق الذي علينا سلوكه لكي نصل إلى أهدافنا التي حددتها أصول الدين، بحيث ننسجم مع رؤيتنا للحياة. ذلك لأن سلوكنا اليومي يختلف باختلاف الهدف الذي نعيش من أجله. أيضاً تبين لنا فروع الدين بعض الضوابط التي علينا الالتزام بها للوصول إلى الهدف المطلوب.
وهذه المسائل الفرعية نعلمها من طريقين:

(1/6)


الطريق الأول: العقل؛ فمنه نعرف أن الله تعالى لا يريد منا أن نعمل القبائح، نحو: الظلم، والكذب، والعبث، والجهل، وجحد المعروف(1).
الطريق الثاني: الشرع؛ ومنه نعلم التفاصيل الواردة من طريق الشرع.
هذا عن معنى أصول الدين والفرق بينها وبين فروع الدين.

مسائل أصول الدين ومسائل فروع الدين
أما عن مسائل أصول الدين الكبرى فهي على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: المسائل المتعلقة بمعرفة الله تعالى.
النوع الثاني: المتعلقة بمعرفة الوسائط بيننا وبينه تعالى، أي معرفة الرسل والأنبياء.
النوع الثالث: المسائل المتعلقة بمعرفة مصيرنا، وهي مسائل اليوم الآخر.
ثم هناك مسائل مهمة جداً تندرج تحت هذه المسائل الكبرى؛ وذلك نحو الإمامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يمكن أن تندرج تحت النبوة. ومسألة المنْزلة بين المنْزلتين، والشفاعة، والوعد والوعيد، التي يمكن أن تندرج ضمن مباحث اليوم الآخر.
أما مسائل فروع الدين فهي المسائل الفقهية. وتنقسم إلى قسمين:
أحكام العبادات: من طهارة، وصلاة، وصيام، وزكاة، وحج.
أحكام المعاملات: نحو أحكام الزواج، وأحكام التجارة بكل أنواعها، وأحكام الحدود، وأحكام الجهاد، وأحكام المواريث…إلخ.

معنى معرفة الله
هذا الجزء كما ذكرت يتعلق بمعرفة الله تعالى، والغرض منه الوصول إلى معرفة صحيحة عنه جل وعلا.
__________
(1) يعتبر بعض العلماء أن المسائل الأصولية هي المسائل التي تدرك بالعقل، أو من ضرورة الدين؛ والمسائل الفرعية هي المسائل التي تدرك بالدليل الشرعي. فعلى هذا الاصطلاح تكون هذه المسائل من المسائل الأصولية.

(1/7)


وقولنا نريد معرفة الله تبارك وتعالى معناه تحديداً(1):
1. نريد معرفة صفات الكمال التي تليق به وبأفعاله؛ ونريد معرفة صفات النقص التي لا تليق به ولا بأفعاله؛ ونريد أن تكون هذه معرفة إقرار، وتصديق، واطمئنان: أي نريد أن نعلم " أن لا إله إلا الله". ذلك أن معنى الألوهية ـ على الراجح ـ في كلمة التوحيد هو " الذات المستجمع لصفات الكمال، المُنَزه عن كل نقص ". فمعرفة "أن لا إله إلا الله" معناها معرفة أن الله تعالى ذات له كل صفات الكمال، ومُنَزه عن كل صفات النقص؛ ومعرفة أنه لا يوجد ذات أخرى له صفات الألوهية.
2. ثم مِن بعد ذلك نرى موقعنا مِن صفات الله تعالى. فإذا عرفناه عالماً لا يخفى عليه شيء، وقادراً لا يعجزه شيء، فإننا سنعرف أننا محاطون به لا مفر لنا، ولا مخرج لنا من ملكه. وإذا عرفنا أفعاله تعالى فينا، نحو: كونه رازقنا، وراحمنا، ومصلح أمورنا، وغيرها فسنعلم حقه تعالى علينا، ووظيفتنا نحوه.

وسيقسم هذا الجزء إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يبحث فيه وجوب معرفة الله جل جلاله. مع إشارة إلى مراتبها وإلى الطريق إليها.
القسم الثاني: يتم فيه البحث في معرفة الله تعالى، وهو بدوره سيقسم إلى بابين:
باب يتم فيه البحث في صفات ذات الله سبحانه وتعالى.
وباب يتم فيه البحث في أفعاله تعالى.
القسم الثالث: وهو قسم الآيات المتشابهة.
ومن الله نستمد العصمة.
__________
(1) قضية معرفة الله تعالى تعرض في أمهات الكتب الأصولية ضمن مبحثين رئيسين هما: مبحث التوحيد ومبحث العدل. مبحث التوحيد يبحث في ما يليق أن ينسب إلى ذات الله من صفات وما لا يليق؛ ومبحث العدل يبحث في ما يليق أن ينسب إلى الله من أعمال وما لا يليق. وقد وضعا ضمن اطاري التوحيد والعدل ـ مع ان المبحوث في كليهما أعم منهما ـ باعتبار أن الخلاف الأكبر بين طوائف المسلمين كان في التشبيه والجبر؛ فكان إبراز التوحيد كعنوان نقضاً للتشبيه، وكان إبراز العدل كعنوان نقضاً للجبر.

(1/8)


ملاحظتان مهمتان
وأحب أن أختم هذه المقدمة بملاحظتين مهمتين:
الملاحظة الأولى: إن تمسكنا بالإسلام وتعلمنا له ومحافظتنا عليه، ليست من حيث كونه "ديننا"، فالدين لا ننظر إليه كموقف سياسي أو اجتماعي. الدين ليس هوية قومية تميزنا عن غيرنا من الأقوام، وليس تراثاً نعتز ونفتخر به في المكتبات والجامعات، بل هو موقف أمام الله تعالى. نعم، لا شك أن الدين بعد الاعتقاد به يؤثر في هويتنا، بل قد يشكل هويتنا في كل مجالات الحياة، إلا أن اهتمامنا به، أساساً، ينبغي أن يكون لأنه موقف نُسأل عنه أمام الله تعالى يوم الحساب. فعندما يتعلم أحدنا لغته القومية، أو يحافظ عليها، أو يتمسك بها، فهو يقوم بكل ذلك لأنها جزء من كيانه القومي والسياسي والاجتماعي، من حيث أنها تشكل هوية مميزة له؛ فيحافظ عليها ويتمسك بها، خوفاً من ضياع هويته المميزة، وبالتالي فقدان قيمته السياسية أو الاجتماعية. ومثل ذلك التاريخ القومي لأمة ما. أما الدين فهو ليس لغة وليس تاريخاً؛ ولا نحافظ ولا نتمسك به خوفاً من فوات مصلحة في هذه الحياة الدنيا، بل خوفاً من فوات مصلحة اليوم الآخر. إن كوننا مسلمين في النسب والانتماء الحضاري ليس دافعنا لتعلم أمور هذا الدين ، بل كوننا نبحث عن ما يُصلح وقوفنا أمام الله تعالى هو الدافع. وبنحو هذا المنطق، ننظر إلى دفاعنا وجهادنا في سبيل الإسلام؛ فنحن لا ندافع عن الإسلام لأنه فكرة "نحن" نعتقد صحتها، بل ندافع عنه لأنه دين الله تعالى، والله تعالى هو كل شيء في حياتنا.

(1/9)


أقول هذا تأكيداً لأهمية النظر في قضايا هذا الدين بتمعن وإخلاص؛ ذلك أن الآراء تباينت في حقيقة الإسلام، وأمام هذا التباين على المسلم أن يبحث عن ما يَحتج به أمام الله تعالى، ولا ينبغي أن يكون البحث نحو ما يرضي شعور الفرد بالتعصب، أو عما يوافق هواه ومزاجه الاجتماعي والسياسي. وللأسف نجد أن الكثير من المتحمسين للإسلام يهملون هذه القضايا. وسبب إهمالهم لها ليس عدم أهميتها عند الله تعالى، بل لأنهم مسلموا الهوية، ينتمون وينافحون من أجل الإسلام لأنه هوية، أكثر من محاربتهم له لأن الله تعالى يرضى بهذا الموقف، ويثيب عليه الجنة.
نعم النوايا عند أولئك مختلطة ومن حب أن يتأكد من صحة الكلام هذا فيلق نظرة سريعة إلى الناشطين في سبيل الإسلام.
الملاحظة الثانية: إننا نجد الكثير من المتقين يعرضون عن هذه القضايا بدعاوي متعددة؛ ولست في معرض التعليق على ذلك، وإنما أؤكد على أن الموقف الذي يتخذه أي فرد نحو هذه القضايا، يجب أن يكون مصدره الشرع الصحيح وليس الهوى. فالكثير ينصح بالإعراض عنها لكونه لا يستطيع أن يتعامل معها، وليس لأنها ليست ذي شأن عند الله، وذلك كقصة الثعلب الذي حاول قطف العنب، فلما عجز أعرض عنها بدعوى أن طعمها مر. ومنهم من يعرض عنها لقناعته بأنها لا تنفعه يوم القيامة. وعلى كل مسلم التأكد من نواياه، فهي وإن كانت خافية علينا، فإنها لا تخفى على من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
إننا سنلقى الله تعالى، وسنُسأل عن مواقفنا وعن تأييدنا وعن رفضنا { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } (الإسراء: 36) فلا بد لنا من حجة نحتج بها أمام الله تعالى، راجين منه الرحمة والمغفرة.
بعد هذه المقدمة القصيرة ندخل في متن البحث، ومن الله تعالى نستمد التوفيق، والتأييد، والعصمة، إنه سميع مجيب.

القسم الأول: وجوب معرفة الله تعالى

(1/10)


سبق وأن بينت في مقدمة البحث أن المراد بمعرفة الله تعالى هو معرفة أن لا إله إلا الله؛ أو معرفة: صفات الكمال التي تليق به وبأفعاله؛ ومعرفة صفات النقص التي لا تليق به ولا بأفعاله. كما بينت أننا نريد أن تكون هذه المعرفةُ معرفةَ إقرار وتصديق واطمئنان.
وفي هذا القسم سيتم توضيح ما يلي:
معنى "المعرفة" ومراتبها.
وجوب معرفته تعالى، وأنها أهم الواجبات.
الطريق إلى معرفته تعالى.

والنتيجة التي سيتم استخلاصها من هذا القسم هي: إن معرفة الله تعالى، معرفة إقرار وتصديق واطمئنان، أهم الواجبات؛ وإنها لا تكون إلا بالعقل، بالاستعانة بالنص.

معنى المعرفة ومراتبها
"المعرفة"، في أبسط معانيها، تطلق على ما يقابل الجهل. وهي مراتب بأكثر من اعتبار. وسأشير إلى مراتبها باعتبار كميتها، وإلى مراتبها باعتبار شدتها.

مراتبها باعتبار كميتها
تنقسم المعرفة إلى مراتب بحسب قدر ما يُعرف عن الموضوع، فتختلف باختلاف كمية ما يعرف عن الموضوع الواحد. فقد أعرف أنَّ محمداً شخص موجود؛ وقد أعرف عنه أنه أخو علي، وأنه أبو زيد، وأنه ولد في سنة 1970، وعمل في سنة 1997، وعاش في مدينة صعدة. فمعرفتي الأولى بمحمد معرفة إجمالية، لا تتعدى معرفة وجوده؛ أما المعرفة الثانية فهي معرفة تفصيلية، والمعرفة التفصيلية تتوسع حتى تصل إلى حدود لا يمكن استيعابها من الإنسان عادة.

مراتبها باعتبار شدتها
أيضاً تختلف مراتب المعرفة شدةً باختلاف شدة تصديق واطمئنان العارف إلى أن ما يعرفه صحيح. والشدة من الأمور التي لا يمكن أن تُجزَّأ، نحو الضوء الذي يتفاوت في شدته؛ فلا يمكن أن نضع حدوداً لهذا التفاوت، ولكن يمكن أن نقول إن هناك ثلاث معالم أساسية لهذا التفاوت. وسأمثل على ذلك بمعرفة الشخص وجود حرارة في قطعة حديد:
المرتبة الأولى: مرتبة الإقرار بذلك؛ ويكون من خلال النظر إلى كون قطعة الحديد موضوعة بالقرب من نار ملتهبة.

(1/11)


المرتبة الثانية: مرتبة التصديق بذلك واليقين؛ وذلك بالنظر إلى ظهور أثر على هذه الحديدة نحو احمرارها.
المرتبة الثالثة: مرتبة اليقين؛ وذلك عندما أقرِّب إليها يدي فأشعر بحرارتها.
وشدة الاطمئنان وضعفه في هذه المعالم الثلاث يعود إلى أحد الأمور الثلاث:
الادراك المباشر بالأمر المعروف؛ كمعرفة أن محمداً في الدار لأنني رأيته في الدار، أو معرفة حرارة النار لأني لمستها أو اقتربت منها.
قوة الدليل على صحة المعروف؛ نحو الدليل المذكور في المثال فإن ظهور تغير على الحديدة، يدل على حرارتها أكثر من وجودها بقرب النار.
العلم أو الجهل بما يهدم أساس المعرفة: نحو الذي يرى النار بالقرب من النار، ولكنه لا يعلم أنها موضوعة فوق صندوق للثلج. فالعلم بحرارة الحديدة، سيختلف بين مَن يعلم وجود الثلج، وبين من لا يعلم وجوده.
فمن بنى اطمئنانه على أساس دليل قوي ومتين، عارفاً بكل الإشكالات الواردة على صحة معرفته، وعارفاً بما يُنقض تلك الإشكالات، يكون اطمئنانه شديداً تزول الجبال ولا يزول(1).
ومن يبنيها عارفاً بالدليل، جاهلاً بالإشكالات، فهذا اطمئنانه قد يكون في ظاهر الأمر كاطمئنان الأول، إلا إنه ـ في الواقع ـ ليس كذلك؛ لأن أدنى إشكال قد يزعزع اطمئنانه، لولا معرفته بالدليل التي تُثبت قدمه.
ومن يبنيها بغير دليلٍ، جاهلاً بما يُشكل، يتزعزع مع أول إشكال، ولا يثبته إلا التعصب لما هو عليه.
وهناك من يبنيها بغير دليل معتبر، عالماً بالإشكالات؛ فهو المتعصب الذي يتبع هواه، ولا يريد معرفة الحقيقة كما هي.
__________
(1) المعرفة بالدليل والإشكال أيضاً مراتب تختلف بحسب توسع المرء في هذين.

(1/12)


وبقدر مرتبة المعرفة يكون تأثيرها على العارف. فهناك عارف يتأثر بما يعرفه تأثراً شديداً، وهناك عارف لا يتأثر إلا قليلاً. ولعل أبرز مثال لهذا في حياة المسلم هو اختلاف تأثرنا بمعرفتنا أن هناك جنة ونار. فالكل يعرف أن هناك جنة، والكل يعرف أن هناك نار، ولكن التفاوت في التأثر بهذه المعرفة من شخص لآخر كبير. فهناك من يتأثر تأثراً يمنعه من التفكير في ما سواهما. وهناك من يتأثر بحيث يتجنب ما يدخله النار فحسب، ولا يسعى سعياً حثيثاً لرفع منْزلته في الجنة. وهناك من يتأثر تأثراً ضعيفاً بحيث يعمل ما يدخله النار، ويبعده من الجنة كما لو أنه لا يؤمن بهما أصلاً.
وشدة التأثر تعود إلى مرتبة المعرفة من حيث الكم، ومرتبة المعرفة من حيث الشدة. ولكن هناك عاملاً آخراً يؤثر تأثيراً أساسياً على شدة التأثر بالمعرفة، وهو التفات الإنسان إلى هذه المعرفة. والالتفات لهذه المعرفة له ثلاث جهات:
الجهة أولى: بأن يكثر من استحضار هذه المعارف في عقله ووجدانه.
الجهة ثانية: الالتفات إلى ما يلزم عن هذه المعرفة في حياته اليومية، فمن عرف أن الله يعلم السر وأخفى، أدرك أن نواياه مكشوفة أمامه تعالى.
الجهة ثالثة: العمل وفق ما يلزم عن هذه المعرفة، فمن أدرك أن نواياه مكشوفة أمامه تعالى، فلا يخالف الله في أمر من الأمور.
ولأن المعرفة مراتب، فلا بد أن يكون للباحث من مرتبة يريد الحصول عليها كنتيجة لبحثه. وقد جعلت المرتبة المطلوب تحقيقها من هذا البحث هي:
تحقيق الحد الأدنى من الاطمئنان إلى صدق ما نعرفه، وذلك بأن نعرف ما نعرفه بالدليل مع الإشارة إلى بعض الاشكالات(1)
__________
(1) الاشكالات التي يمكن أن ترد في أصول الدين على نوعين:
إشكالات عقلية: أي تثار شبهة مصدرها التأمل والفكر.

وإشكالات نقلية: أي تثار شبهة مصدرها نص. وهنا الشبهة تكون من خلال سوء فهم معنى النص، أو من خلال خلق النص لا وجود له. فمن الأول؛ نجد أمامنا كماً من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة التي يُساء فهمها. ومن النوع الثاني نجد كما هائل من الأحاديث المكذوبة على النبي عليه وآله السلام.
وفي هذه المرحلة أرى أنه يكفي النظر إلى الاشكالات التي تثار من قبل سوء فهم النص القرآني. تاركاً سوء فهم الأحاديث أو خلقها لموضع آخر، وكذلك تاركاً الاشكالات العقلية.

(1/13)


.
تحقيق حد معقول من التفصيل فيها، وذلك بمعرفة أغلب ما أشار إليه القرآن الكريم عن الله تعالى.
أما تأثيرها فهذا يعود على الفرد. نعم هناك طرق وقواعد تساعد الفرد على تحويل معرفته من معرفة جامدة إلى معرفة فاعلة، ولكن ليس هذا موضعها.

التقليد
وبما أننا نسعى إلى تحقيق معرفة تقوم على الدليل، فلا بد من الإشارة إلى المعرفة القائمة بلا دليل، نحو المعرفة بالتقليد التي هي بناء المعرفة على أساس قول الغير.
التقليد: هو اعتقاد صحة قول الغير، بغير اعتماد على حجة ولا بصيرة.
أي أن نؤمن بفكرة ونصدقها لأن فلاناً قالها فحسب، بغير نظر إلى الدليل أصلاً. أما النظر في أقوال العلماء السابقين وفي أدلتهم، واختيار القول الذي يوافق الدليل، فلا يُعد تقليداً؛ لأن الباحث هنا، يتبع الدليل، ويستعين بأقوال العلماء السابقين في تبيين المسألة وشرحها.
وقد اختلف المسلمون في صحة التقليد في معرفته تعالى إلى فريقين أساسيين:
فريق قال بأنه يجوز تقليد المحق في معرفة الله تعالى، لأنه يتعذر على الجميع البحث لنفسه في أصول الدين.
وفريق منع من ذلك لعدم وجود سبب يرجح تقليد أحد دون آخر. فالمقلد عندما يختار بين مختلف الأقوال بغير نظر إلى دليل، يكون متبعاً لهواه ومزاجه الشخصي وذوقه في اختيار قول دون قول. ومثل هذا الأمر لا يستحسنه أي عاقل. وهذا الرأي هو الراجح.
ثم إننا إذ نرجح عدم جواز التقليد في معرفة الله؛ فليس مرادنا أن على المكلَّف أن يبحث في تفاصيل أصول الدين، وفي الشبه المثارة، وفي جميع الأدلة؛ فهذه لا يمكن للكل القيام بها قطعاً، لاختلاف الإمكانات الذهنية للأفراد، واختلاف ظروفهم الزمنية والمكانية، إنما مرادنا أمران:
أولاً: تحقيق الحد الأدنى من معرفة الله القائمة على الدليل، مع شيء من الاشكالات والرد عليها.

(1/14)


ثانياً: وهذا الأهم، أن يكون في نيته اتّباع الدليل وليس اتّباع قول من قال. وفقدان هذه النية تجعل كثير من الناس ـ حتى بعض العلماء ـ مقلدين؛ حتى وإن كانوا يحررون المسألة تحريراً دقيقاً، ويبينون ما قيل فيها بشكل موسع ومفصل. فالعمدة في التقليد ليس مجرد عدم إظهار الدليل، بل هو عدم اعتماد الدليل، وبينهما فرق. فالأولى حالة عملية، والأخرى حالة نفسية. التقليد أخذ قول الغير أولاً، ثم البحث عن ما يَصلُح للاستدلال عليه؛ والعمدة في عدم التقليد هو النظر في الأقوال، ثم اختيار القول الموافق للدليل. وحيث إن الحالين يبدآ من أخذ الأقوال، فإن ـ في كثير من الحالات ـ الفرق بين المقلد وغير المقلد غير ظاهر للعيان، ويكون في القلب، ولا يظهر إلا في النوايا، فلا يعلمها إلا الله تعالى.

وجوب معرفته تعالى وأنها أهم الواجبات
قلنا إن معرفة الله أهم الواجبات، وتم بيان موجز لمعنى المعرفة، والآن نأتي لمعنى وجوبها، ثم لمعنى كونها الأهم من بين الواجبات.

معنى الواجب
الواجب من الأفعال هو الفعل الذي تدعو الحكمة إلى فعله دعوة جازمة. وذلك بأن يكون في الفعل مصلحة قطعيٌّ وقوعها، مع كون ترك الفعل فيه مفسدة.
ويطلق الواجب على أفعال الله جل جلاله، كما إنه يطلق على أفعال العباد؛ إلا أنه قد كره الكثير من العلماء إطلاقه على أفعال الله تعالى، بسبب ربط العامة من الناس بين لفظ الواجب وبين وجود من يُوجب. فأولئك العلماء يُجوِّزون إطلاق المعنى، ولكنهم يكرهون استعمال اللفظ.
أما معنى الواجب في حقه تعالى فهو ما قاله عن نفسه جل جلاله: { كتب ربكم على نفسه الرحمة } (الأنعام:54)
فإذا أطلق الواجب على أفعال الله جل جلاله، فالمعنى أن هذا الفعل سيقع حتماً، لأن حكمته تعالى اقتضت ذلك من حيث أن فيه مصلحة(1).
__________
(1) المصلحة في أفعال الله جل جلاله عائدة إلى خلقه.

(1/15)


وإذا أطلق الواجب على أفعال العباد، فالمعنى أنه ينبغي عليهم القيام به. أو المعنى يكون أن فاعل ذلك الفعل يستحق المدح والثواب، وأن تارك ذلك الفعل يستحق الذم وحده، أو الذم والعقاب معاً.
فمثلاً الصدق فعل واجب، لأن الحكمة تدعو إليه دعوة جازمة.
وطلب العلم فعل واجب، لأن الحكمة تدعو إليه دعوة جازمة.
وإقامة العدل بين الناس فعل واجب، لأن الحكمة تدعو إليه دعوة جازمة.
والاقرار بإحسان المحسن فعل واجب، لأن الحكمة تدعو إليه دعوة جازمة.
فهذه واجبات لأن الحكمة تدعو إليها جميعاً. فمن قصر في أي منها استحق ذماً، ومن قام بها استحق مدحاً.
ومعرفة الله تعالى واجبة بهذا الاعتبار. فالحكمة تدعو إلى معرفة الله تعالى، وتحكم بقبح تركها.
وغالب الناس من ينظر إلى الواجب من حيث أنه الفعل الذي تركه فيه ضرر، بغير أن ينظر إلى المصالح الراجعة إلى الفاعل بسبب القيام بالفعل، أو المفاسد المترتبة بسبب ترك الفعل. فتصبح قيمة الصدق أنه جالب للمدح والثواب، وقيمة العلم كذلك ومثله بقية الواجبات. كذلك يصبح المانع من الكذب هو خوف العقاب، والمانع من الجهل هو ذم الناس ونحوه.
ومثلها معرفة الله تعالى، فالكثير ينظر إليها من خلال الخلاص من العقاب والحصول على الثواب. وهذا أمر جيد في نفسه، لا إنكار عليه على الاطلاق، ولكن نريد هنا لفت الانتباه إلى قيمة معرفة الله، بدون النظر إلى ثواب معرفة الله، أو عقاب الجهل بالله. نريد لفت الانتباه إليه من حيث أنه يوصل إلى مطلوبنا الرئيس، وهو: تحقيق العبودية الصحيحة فينا.
فإن من لم يسع إلى معرفة الله إلا لكونه يعاقب على تركها، ويثاب على فعلها، لن يحصل من مراتبها إلا على ما يقيه العقاب ويمنحه الثواب.

(1/16)


أما غيرها من مراتب المعرفة، فلا يحصل عليها إلا من أراد منها أن تحقق عبوديته لله تعالى؛ فليس المراد من المعرفة هنا مجرد حفظ المصطلحات، بل هي استقرار هذه المعاني في القلب بحيث نبدأ في معرفة الله معرفة يقينية. وإقرار هذه المعاني في القلب خوفاً من العقوبة غير إقرارها فيه طلباً للعبودية. وهذه القضية تعود في الأصل إلى خلاف خلاصته هو:
هل نعبد الله تعالى شكراً له على ما أنعم ولأنه المستحق للعبودية(1)؟
أم نعبده تعالى خوفاً من النار وطمعاً في الجنة فحسب؟
نحن نقول إن الإنسان ينبغي أن يُربَّي نفسه بحيث يعبد الله تعالى شكراً على ما أنعم، ثم لأنه مستحق للعبودية. ولذا فأكثر ما سأذكر من أدلة على وجوب معرفة الله تعالى منطلقة من كون الحكمة تدعو إلى معرفته تعالى.

الأدلة على وجوب معرفة الله تعالى
الدليل الأول: إن التقصير في معرفة الله تعالى يوجب العقوبة.
أما الدليل على ذلك فهو قوله تعالى { فاعلم أنه لا إله إلا الله } (محمد:19)، فدلت هذه الآية على وجوب معرفة الله تعالى بناءاً على الآتي:
أوجب الله تعالى العلم بأن لا إله إلا هو. فمن قصر في هذه المعرفة فهو مقصر، آثم، عاص، مستحق للذم والعقاب. ولفظ الإله له أحد معنيين هما:
المعبود.
أو الذات المستجمع لصفات الكمال المُنَزه عن صفات النقص بأجمعها.
على المعنى الثاني للإله، فالآية صريحة في وجوب معرفة الله. أما على المعنى الأول، فنفي الألوهية عن سوى الله ليس بمعنى أنه لا توجد آلهة غير الله تُعبد من قبل الناس، لأننا نعلم يقيناً أن هناك من يعبد غير الله تعالى، بل المعنى هو نفي استحقاق أي آلهة سوى الله العبودية، وتثبيت أن المعبود بحق إنما هو الله.
__________
(1) طبعاً مع الخوف من النار والطمع في الجنة.

(1/17)


وعلى كلا المرادين، فالمعرفة بالله واجبة؛ لأننا لا نستطيع أن ننفي استحقاق ما سوى الله للعبادة إلا بمعرفة معنى العبادة، وتحديد من يستحقها على الجملة، أي تحديد أنه لا يستحقها إلا من استجمع صفات الكمال، وتنَزه عن صفات النقص، ثم نفي أن يكون شيء من المخلوقات مستحقاً لها، ثم إثبات وجود من يستحقها، ثم معرفة أن لا يوجد إلا ذات واحد يستحقها، لا ينبغي ـ بل يستحيل ـ وجود ذات ثاني. هذا الذات هو الله تبارك وتعالى.

الدليل الثاني: إن العبادة لا تقوم الا بمعرفة الله
هذا الدليل يقوم على أساس الربط بين معرفة الله تعالى وبين الغاية الوحيدة التي تبررها العقول في هذه الحياة وهي: عبادة الواحد الأحد.
معنى العبودية لله عز وجل
ما هي علاقتنا بالله تعالى؟
إن حقيقة علاقتنا بالله تعالى هي علاقة العبودية { وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون(1) } (الذاريات:56). والعبودية هي مجموع من التحميد والتسبيح والتعظيم، والخضوع والذل والمحبة، والوله والشكر والخشية، والفقر والحاجة والتوكل، والاستسلام والرضا والدعاء.
وهذه العلاقة بالله تعالى ليس دليلها الآية فحسب، بل العقول شاهدة على ذلك.
1. فمن نظر في نفسه، وعجزه، ومحدودية وجوده؛ ثم علم بصفات الجلال والكمال لله سبحانه وتعالى، وعلم قدرالله عليه وعلمه به؛ وعلم عجزنا الكامل أمام إرداته تعالى فينا؛ وعلم انكشاف أمورنا بالكلية له جل جلاله؛ فلن يكون أمامه إلا طريق الخضوع، والذل، والاستسلام لله جل جلاله.
__________
(1) لا شك في هذا الأمر، ولكنه ابتعد عن أذهان الغالبية العظمى من المسلمين، مما أدى إلى تقصير بالغ في العمل لله تعالى. أيضاً أدى غياب هذا المفهوم إلى انقلاب الكثير من قيم الناس ومعايير النجاح والفشل والصواب والخطاء...
والأدهى من هذا أن مفهوم العبودية قد حُرِّف وبُدل ومُسخ واختزلت منه قضايا متعددة، وسيتم التفصيل في هذا في الجزء الثاني بحول الله.

(1/18)


بل إن الإنسان لا يجد نفسه حقيقةً إلا إذا خضع واستسلم لله تعالى؛ لأن حقيقة الإنسان هي المملوكية الكاملة لله تعالى، ولا يمكن أن ننفك عنها مهما كان. وليست مملوكيتنا له تعالى كمملوكيتنا لغيره، أو مملوكية غيرنا لنا، فتلك تنفك وتتغير وتتبدل. فقد يملك الإنسان بيتاً يوماً من الأيام، ثم تزول عنه ملكيته يوماً آخر. وقد يكون عبداً عند فلان، ثم يموت سيده، فيكون عبداً عند غيره. وهكذا كل أشكال المملوكية بين الخلق لا ثبات لها ولا استقرار. أما مملوكيتنا لله تعالى، فهذه لا تنفك عن وجودنا. وأقرب مثل لها هو الزوجية والفردية في الأعداد. فالرقم اثنين عدد زوجي، ومفهوم الرقم اثنين غير مفهوم الزوجية؛ ولكن يستحيل أن تُتصور الإثنين بغير كونها زوجاً. ومثله أي عدد مفرد. وهكذا وجودنا لا ينفك عن مملوكيتنا الشاملة لله جل جلاله.

2. ثم لَمَّا يرى أن لا طريق إلا إلى الله في رفع الحاجات، وإجابة الطلبات، فسيكون هناك الشعور بالفقر إليه، وإنزال الحاجة لديه، والتوكل عليه، والدعاء له.
3. فإذا رأى بعد ذلك رعاية الله تعالى لنا، المتجلية في ما خلق لنا من نعمٍ نتقلب فيها، ومن عقول نتميز بها عن ما سوانا؛ ثم بعد ذلك حرصه تعالى على نفعنا، وإرساله الرسل بعد الرسل ليدعونا إلى رحمته؛ ثم ما وعدنا من جنَّات أبدية، عرضها السموات والأرض، مقابل القليل من طاعته؛ وكل ذلك وهو غني عنَّا، ولا نفع له منَّا؛ لا شك أنه سيحب الله جل جلاله ويشكره.

(1/19)


4. ثم إذا رأى بعد ذلك المصائب النازلة من الله تعالى، وقد رأى حول كل مصيبة واحدة ألاف وألاف النعم العظام؛ فسيعلم أن مُنْزِل هذه المصائب إنما أنزلها لمصلحتنا، وليس لتعذيبنا، فيرضى بذلك. وكيف يُنْزِلها الله لضرنا وقد أحاطنا بنعمه. ولو أراد الله تعالى منها الضرر، لما عجز عن رفع ما بنا من نعم. ولكن القلوب المريضة، الكافرة بالنعمة، والجاحدة للمعروف لا ترى إلا بعين السخط؛ سخط الله عليها، وأعد لها ما تستحقه من غضبه؛ وجعلنا مِنْ مَنْ يشكر نعمته، ويرضى بقضائه.
فعلى الجملة لا ينكر عاقل منصف، أن العبودية هي السبيل الذي يجب أن يسلكه الإنسان في هذه الحياة، والأدلة على ذلك أوسع مما يحاط. والعبودية لا يمكن أن تتحقق إلا بأن نعرف الله تعالى. ويظهر هذا بجلاء بالتأمل فيما سبق.
فالخضوع والاستسلام لله تعالى، لا يتحقق إلا بمعرفة أنه قادر على كل شيء، عالم بكل أمر.
ومحبة الله كذلك، فبقدر ما يعرف الإنسان نعم الله عليه، واستغناء الله تعالى عنه، بقدر ما سيحبه.
وكذلك التسبيح والحمد، لا يمكن أن يكونا ذا معنى إلا بالمعرفة. ذلك أن التسبيح تنْزيه لله تعالى عن ما لا يليق به. وهذا يقتضي أن يعرف المسبح ما لا يليق بالله تعالى، وما يليق به جل جلاله. فكيف يُنَزه الله تعالى من لم يميز بين ما هو لائق بالله، وبين ما هو غير لائق به. أما الحمد لله، فهو نسبة الكمال إلى الله؛ وكيف ينسب إليه الكمال من لم يعرف وجوه الكمال، وما يصح نسبته إلى الله، وما لا يصح نسبته إلى الله.
والدعاء الذي هو مخ العبادة ـ من حيث أنه تتجسد فيه حاجة الداعي إلى المدعو إليه، وخضوعه أمامه ـ لا يمكن أن يتحقق إلا بمعرفة الله تعالى. فهل يمكن أن ندعو من لا نوقن بإجابته؟ وهل ندعو الله ونحن لا نعلم أنه تعالى ولي حاجاتنا؟ وهل نعرف هذه الأمور بغير أن نعلم أنه القادر على كل شيء؟ العالم بكل شيء؟

(1/20)


وفي قول الله تعالى { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } (الأعراف:180). هل المراد بدعاء الله تعالى بها التلفظ بألفاظها بغير تعقل للمعنى؟ كلا!! بل الدعاء إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى لا يكون إلا بعد معرفتها، ومعرفة معانيها معرفة صحيحة بحسب ما يمكن للإنسان أن يعرف منها.
والخشية لله جل جلاله، لا تتحقق كذلك إلا بمعرفة الله تعالى ومعرفة قدرته علينا، وعظيم صفاته تعالى. وقد أكد الله تعالى هذا المعنى بالخصوص إذ قال { إنما يخشى الله من عباده العلماء } (فاطر:28)، فدل على أن خشية الله لا تنال إلا بالعلم.
والشهادة لله في قوله تعالى { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط } (آل عمران:18)، لا تتحقق بغير علم. فكيف يشهد أولوا العلم بهذه الشهادة العظمى إذا لم يكن لديهم معرفة بالله؟ بل أي مقام لهم وأي شرف هو إذا شهدوا بهذه الشهادة العظيمة التي من عظمتها شهد الله لهم أنهم يقومون بها؟!
وقال تعالى { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } (سورة الأخلاص) فكيف يشهد العبد لله بهذه الصفات، إذا لم يكن لديه معرفة حقيقية بالله؟ بل إن كل آية ذكر فيها وصف لله تعالى لأعظم دليل على أن معرفته تعالى واجبة، ولا ينكر هذا إلا مكابر!!
وشكر الله تعالى لا يتحقق إلا بمعرفته جل جلاله. ولكي يظهر هذا لا بد من معرفة معنى الشكر تحديداً.
الشكر: هو الإقرار بنعمة المنعم مع تعظيمه.
فلكي نشكر الله تعالى علينا أن نعرف أنه هو المنعم، وعلينا أن نقر بنعمه علينا، وعلينا أن نعظمه تعالى.
والنعمة هي المنفعة الحسنة الواصلة إلى الغير إذا قصد بها وجه الإحسان(1).
ولا يمكن معرفة أنه تعالى هو المنعم على الحقيقة، إلا إذا عرفنا مجموع ما يلي:
أن النعم التي لدينا لا يمكن أن يخلقها غير إلهٍ قادر على كل شيء.
__________
(1) أما إذا لم يقصد بها إحسان فلا تعد نعمة حقيقية.

(1/21)


وأنه لا يوجد إله قادر على كل شيء إلا الله.
وأن الله تعالى لا يحتاج إلينا، ولا يحتاج إلى أن يُنعم علينا.
وبعد معرفة أنه هو المنعم، فلا بد من الاقرار بذلك، وتعظيمه تعالى ليتحقق شكرنا. ولا يمكن تعظيمه كما يستحق إلا بعد معرفته؛ إذ إن الله تعالى يستحق أعلى مراتب التعظيم، ولا يُدرك أحد أن الله تعالى يستحق أعلى مراتب التعظيم، إلا إذا عرفه، وعرف أن كل ما بنا من نعم فهي منه وحده. ثم لا يمكن لأحد أن يعظمه بعد معرفة استحقاقه للتعظيم إلا من عرفه تفصيلاً.
فمعنى تعظيم الله فهو أن نُشْعِر قلوبنا بأن الله تعالى أعظم من كل شيء، ونبقى نُشعر قلوبنا بهذا حتى يمتلئ القلب بهذا الاعتقاد. ونحن إذ نُشعر قلوبنا بهذا، إنما نقوم بذلك لأن موجبات التعظيم فيه تعالى أعظم من كل شيء. وموجبات التعظيم لله تعالى عدة منها:
كل ما بنا من نعم منه تعالى.
كون لله الصفات العظمى، مثل كونه تعالى الأول لا أول لوجوده؛ وكل موجود مفتقر إلى قدرته، ولولا قدرته لم يوجد موجود؛ لأن كل موجود إما أن يكون من فعله تعالى، أو من فعل عبيده. وكذلك كونه قادراً لذاته، مما يعني استغناؤه عن كل شيء، وقدرته على كل شيء.
ومن الأمور الموجبة للتعظيم، التفكر في أفعاله، ومعرفة أنه تعالى مُنَزه، عن كل قبيح مع كمال القدرة على كل شيء.
وهذه كلها موجبات لتعظيمه تعالى، وهي كلها لا تعلم إلا بمعرفته تعالى.

إشكال على علاقة معرفة الله تعالى بعبادته
فلو قيل: إن هناك الكثير من الناس مَنْ يعرف الله تعالى ولكنه لا يعبده كما ينبغي؟ فما كان دور المعرفة هنا؟
نقول: إن المعرفة الحقيقية هي شرط في حصول العبادة، ولكن هناك شرطاً آخراً قد أشرنا إليه، وهو الالتفات من العبد إلى هذه المعرفة. فالمعرفة على عظم قدرها تحتاج إلى إرادة من العبد لينتفع بها، وإلا كانت وبالاً عليه، وحجة يوم القيامة.

(1/22)


ثم لو قيل: إن لكثير من العامة أو الخاصة، من المجسمة والمشبهة والمجبرة خشوعاً وبكاءاً مع أنهم لا يعرفون الله معرفة حقيقية؟
فنقول:
إن عبادة هؤلاء لا تُعد عبادة كاملة. لأن هؤلاء لا يُسبِّحون الله، ولا يحمدونه، بل ينسبون إليه أقبح القبائح. ثم هم لا يشكرونه حقاً، إنما يقرون بأن النعمة منه، ثم يُتبعون ذلك بنسبة القبيح إليه، ليتم بذلك شكرهم!!
أما الخوف والبكاء الحاصل منهم، فهذا أمر مصدره العلم الإجمالي بقدرة الله تعالى علينا، وبوجود النار، وهذه المعرفة تحصل لبعض اليهود والنصارى، ولا تختص بها طائفة دون طائفة.
ولهذا قلت إن عبادتهم ناقصة؛ فهم قد عرفوا الله من وجوه، وجهلوه من وجوه. وقد قال أمير المؤمنين: (( نوم على يقين خير من عبادة على شك.))

شيء من نصوص أئمة أهل البيت في أهمية معرفة الله
وقد أشار إلى دور قيمة العلم في عبادة الله، أئمة أهل البيت سلام الله تعالى عليهم؛ فقال الإمام علي صلوات الله عليه:
(( أول الدين معرفته…))
فالدين أوله معرفة؛ بل إن الإمام علي عليه السلام قد جعل الدين أوله معرفة، وآخره معرفة عندما جعل (( كمال الإخلاص لله تعالى نفي الصفات عنه ))، ومسألة نفي الصفات قضية معرفية، وليست قضية سلوكية.
وقال الإمام زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين السبط عليهم السلام:
(( ...اعلم أن أول عبادة الله معرفته...))
وقال الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي(1):
(( العبادة على ثلاثة وجوه:
معرفة الله.
معرفة ما يرضيه وما يسخطه.
اتباع ما يرضيه واجتناب ما يسخطه.))
فالعبادة أولها معرفة الله.
__________
(1) هو الإمام القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. دعا إلى الله تعالى عام 199هـ وبايعه أعلام أهل البيت جميعاً. توفى عام 247هـ.

(1/23)


وقال الإمام الناصر الحسن بن علي الأطروش(1):
(( أول العبادة المعرفة بالله تعالى، بأنه خالق لطيف رحيم رازق. وأصل معرفتك بخالقك توحيده، وتسبيحه، وتبعيده عن أن يكون له شبيه أو ضد أو ند. وتمام توحيده نفي الصفات والتشبيه لخلقه عنه…))
وقد نسب إلى ابن عباس تفسير "ليعبدون" في قوله تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } (الذاريات:56) بـ ليعرفون.
فالعبادة لم تكن عندهم الأعمال الظاهرية من صلاة وصيام وجهاد…إلخ فحسب؛ بل إن معرفة الله تعالى تشكل جزءا لا يتجزأ من العبادة، بل إنها أهم أقسام العبادة.

الدليل الثالث: إن معرفة الله تعالى لطف في فعل الواجب
ومن أدلة وجوب معرفته تعالى هي: إن معرفته تعالى لطف في فعل الواجب، وفي الكف عن القبيح.
واللطف، كما سنعرف، هو: شيء يكون الإنسان المُكلَّف بسبب ذلك الشيء أقرب إلى فعل الطاعة، وأبعد عن فعل القبيح. وتحصيل ما هذا شأنه واجب على الإنسان؛ لأنَّ العقلاء يوجبون على المرء اجتناب المضار التي لا نفع فيها، كما يوجبون عليه تحصيل المنافع. ولا مضرة أكبر من المعصية، كما لا منفعة أعظم من الطاعة. وكل ما كان عاملاً في تحصيل المنافع واجتناب المضار يجب تحصيله.
__________
(1) هو الإمام أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب سلام الله عليهم أجمعين. ولد عام 230 هـ ودعا إلى عبادة الله عام 280هـ في بلاد الجيل والديلم، ففتح الله على يديه وأسلم ببركته أهل تلك البلاد وهم ألف ألف مشرك. ذكره الطبري في تاريخه 8\357 فقال : ولم ير الناس مثل عدل الأطروش وحسن سيرته وإقامته الحق. وقال عنه ابن حزم في جمهرة أنساب العرب: أسلم على يديه الديلم… وكان حسن المذهب عدلا في أحكامه…توفي ساجداً لله في عام 304هـ. فسلام الله عليه يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث حياً. (عن كتاب "التحف شرح الزلف" بتصرف واختصار)

(1/24)


ومعرفة الله أكبر سبب يدعو إلى فعل الطاعة وترك المعصية. ولذا قلنا إن معرفته تعالى واجبة من هذا الوجه. فإن من عرفه بقدرته على كل شيء، وعرف حكمته وعدله، وعرف صدقه في وعده ووعيده، وعرف شدة بطشه وعظمة رحمته؛ فإنه سيكون أقرب إلى طاعته، وأبعد عن معصيته ممن لم يعرف ذلك.

بيان أن معرفة الله أهم الواجبات
ما سبق ذكره بيان لوجوب معرفة الله جل وعلا؛ أما كون هذا الواجب مُقدَّم على بقية الواجبات، فيُعرف بالتأمل في أدلة الوجوب.
فكيف يُقدم عليها واجب من الواجبات، وكل الواجبات تَجَسُّدٌ لعبادة الله، التي هي بنفسها تقوم على معرفة الله تعالى. بل الغرض الأصيل من الصلاة ـ التي هي عمود الدين والمقدم على كل عمل ـ هو ذكر الله سبحانه وتعالى { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر } (العنكبوت:45). وذكر الله الصحيح ليس مجرد لقلقة ألفاظ، بل هو استحضار معانيها، فكيف يكون الذاكر ذاكراً إذا لم يعرف الله تعالى؟!
وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا الأمر عندما سأله أعرابي فقال لرسول الله صلى الله عليه وآله:
(( يا رسول الله، علمني من غرائب العلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله:
وماذا صنعت في رأس العلم حتى تسألني عن غرائبه؟
فقال الرجل وما رأس العلم يا رسول الله؟
فقال:
أن تعرف الله حق معرفته بلا ند ولا شبيهٍ، ولا مثل واحداً ظاهراً باطناً أولاً أخرا لا كفؤ له ولا نظير له، فذلك معرفته حق معرفته.(1) ))
والمراد من الحديث ظاهر لا يحتاج إلى تعليق.

المنع من تحصيل معرفة الله
__________
(1) رواه الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين عليه السلام في أماليه.

(1/25)


ومؤدى كونها أهم الواجبات هو أن الواجب علينا قبل أن نسعى للحصول على معارف سلوكية، السعي نحو الحصول على المعرفة بالله تعالى. وهذه قضية يغفل الناس عنها، فيجعلون معرفة الله تعالى من الأمور الكمالية، أو حتى من الأمور التي لا طائل من ورائها؛ بل يصل بعضهم إلى الحد الذي يقول: بأن البحث في أصول الدين يورث الظلمة في القلب.
ولعل السبب من وراء مثل هذه المواقف هو مناهج التأليف في أصول الدين؛ فكثير منها يبحث في الله جل جلاله بأسلوب لا يليق بعظمته وكبريائه؛ ثم الكثير منها يبجث فيها بأسلوب علمي محض يخلو من أي روحانية.
ولكن يجب أن ندرك بأن طبيعة أي علمٍ يبحث عن الدقة في التعبير، هو كونه موضوعياً، وخلوه من أي عناصر ذاتية إلى أقصى حد ممكن. وكتب أصول الدين إنما وضعت لتُعرِّف الإنسان بربِّه معرفة حقة. وهذه معرفة خطيرة تعجز اللغة العلمية الصارمة عنها، فكيف نطالب علماء الأصول بوضعها في قوالب لغوية أخرى فيها ليونة ونعومة. ثم كون مناهجها فيه قصور بالنسبة لبعض الأشخاص، لا يعني عدم جدوى كل ما فيها.
أما العلاقة الروحية بالله تعالى، فلا تتعلق بأسلوب هذا العلم، إنما تتعلق بالمتلقي له. فهناك من يتلقى هذه المعرفة كعلوم عن الواقع، يريد منها معرفة الصواب فيها، أو معرفة رأي طائفته فيها. وهناك من يتلقاها كعلومٍ يريد من خلالها أن يُنَزه الله جل جلاله عما لا يليق به. فالأول لن ينتفع بها، والثاني فسينتفع، لأنه يريد ذلك.
نعم قد تناولت بعض الكتب، موضوعَ الله تناولاً فلسفياً، أو اجتماعياً، أو سياسياً، وليس تناولاً دينياً؛ وهؤلاء أخطأوا، وهم قد يكونوا المشار إليهم من اعتراض المعترض، وسأُفصِّل المراد بذلك في أول الحديث عن صفاته تعالى.
أيضاً هناك من يمنع من معرفة الله بدعوى قصور العقل البشري عن معرفته تعالى.

(1/26)


وإنصافاً لهم، نقول: إنهم لا يدعون إلى الجهل بالله، ولكن المعرفة عندهم هي أن نقف على نصوص التشبيه والتجسيم، من الأحاديث المكذوبة؛ أو أن نقف على تفسير المجسمة والجبرية للآيات، والأحاديث الصحيحة التي ذكرت صفاته عز وجل. فهذه هي المعرفة، أما أن نستعمل عقولنا في تأسيس معرفة بالله، نُنَزهه فيها عن صفات المخلوقين، فلا وألف لا!!

إن ذات الله تعالى لا يمكن أن يُعرف
نعم إن حقيقة الله جل جلاله لا يعرفها الا الله تعالى { ولا يحيطون به علماً } (طه:110)، أي الذات المقدس غير معلوم لنا، بل العلم بها مستحيل. فالمعلوم لنا منه تعالى هو إنه: ذات موصوف بصفات نفي وصفات إثبات. وليس ذلك نفس حقيقة ذاته، ولا خصوصياته. نعرف إن الله تعالى قادر وعالم وحي؛ ونعلم إنه ليس جسماً ولا عَرَضَاً، ولا يجوز عليه أي شيء من خصائص الأجسام والأعراض؛ ولكننا لا نعلم الله.

الفرق بين معرفة ذات الله ومعرفة صفات الله
واعترافنا بالجهل بذات الإله، يدفعنا دائماً إلى أن نؤكد الفرق بين معرفتنا بالله وبين معرفنا بصفات الله. فنحن وإن كنا نستعمل تعبير " معرفة الله " أحياناً، فالمقصود به "معرفة صفات الله تعالى"، لأن ذات الله تعالى لا تُعرف، ولا تُعلم.
ويتفرع عن هذا موضوع مهم، هو تأكيد التفريق بين أن نعبد الله أو نعبد الصفات. أن نعبد الله تعالى كما هو، أو أن نعبد المعلوم منه تعالى.
ذلك إن ما نعرفه إنما هي صفاته تعالى، أما ذاته تعالى فلا نعرفها ولا ندركها؛ ثم إن ما ندركه من صفاته تعالى لا شك وأنه سَيُحد لمحدودية عقولنا؛ فإذا عبدنا الله تعالى فعلينا أن نعرف أن ما نعبده هو الذات، الذي هو أعظم، وأكمل، وأجمل، من ما أحاطت به عقولنا من صفات الذات. وعلينا توجيه نِيَّاتِنا في العبادة إلى الذات، وليس إلى ما علمناه من الذات.
وقد عبر أحد أئمة أهل البيت عليهم السلام عن قضية التمييز بين معرفة الذات ومعرفة الصفات أجمل تعبير حيث يقول:

(1/27)


(( إن صفات الله تعالى دلائل عليه، يدرك علمهن، ولا يدرك الموصوف بهن. فليس ما نطقت به الألسن من صفاته هو هو؛ بل هو سبحانه الموصوف لا الصفات، وهو المعروف بما تعرف به إلى خلقه من الآيات.))
ذلك أننا إذا علمنا الله؛ فإنما نعلم أنه هو قادر، وأنه هو حي، وأنه هو عالم وأنه هو غني؛ وعِلْمنا بهذه جميعاً ليس عِلماً بالله. ولكن قد نعبر عن ذلك بأن هذا علم بالله، لأن هذا قصارى ما يمكن للبشر أن يعلموه من الله جل جلاله.
توضيح ذلك؛ إننا إذا علمنا أن الله تعالى عالم، فإننا علمنا أنه تعالى عالم، ولم نعلمه تعالى. وإذا علمنا أنه تعالى قادر، فإنما علمنا أنه جل جلاله قادر ولم نعلمه تعالى. وإذا علمنا أنه تعالى حي، فإنما علمنا أنه تعالى حي ولم نعلمه تعالى…
وفرق كبير بين الأمرين للمتأمل.
ثم نحن لا ندرك إلا أفعال الله جل جلاله، وأفعاله جل جلاله هي خلقه، وخلقه ليس هو. ومن هذه الأفعال آمنا أنه قادر، وآمنا أنه عالم، وآمنا أنه حي، وآمنا أنه غني، وآمنا أنه عدل. ولكن لم ندرك الله جل جلاله، ولا يُدرَك سبحانه وتعالى.
كمثال، ولله المثل الأعلى: نحن نرى الأنوار القادمة من النجوم البعيدة، ولكن لا نرى النجم نفسه. ندرك أثر النجم، ولكن لا ندرك المصدر لهذا الأثر. ولكن يمكننا من هذا الأثر أن نعلم بعض صفات هذا النجم.
كذلك لما نرى كتاباً موسعاً محكماً؛ نعلم أن لهذا الكتاب كاتب، ونعلم أن لديه علماً، وأن لديه قدرة، وأنه حي، ولكن لا نعلم عن هذا الذات ما وراء هذا.
فالنتيجة أننا لا نعلم الله تعالى، إنما نعلم بعض صفاته، وبعض أفعاله.
عبادة الله وعبادة الصفة

(1/28)


وبناء على هذه النتيجة فعلى العبد أن يعلم، أن فهمه عن صفات الله تعالى ليس هو صفات الله، وليس هو الله. فيجب أن تكون عبادته لله تعالى بقدر الله، وليس بقدر ما عرفناه عن الله. ولكن لما كانت العقول عاجزة، والأبصار حاسرة، فإننا نقف أمامه جل جلاله ونقول: عرفناك بقدرنا لا بقدرك؛ فسبحانك ما عرفناك حق معرفتك، فسبحانك ما عبدناك حق عبادتك، لا نثني ثناءاً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. فكيف نثني عليك ونحن لا نعرفك؟!
وهذه المعرفة التي لدينا، هي الكافية في علاقتنا به، وفي إقامة التكليف علينا؛ فالله (( لم يطلع العقول على تحديد صفته ولم يحجبها عن واجب معرفته)) كما قال الإمام علي صلوات الله عليه.

ومما احتج به مانعي البحث في هذه العلوم هو الحديث: ((من تفكر في المخلوقات وحَّد، ومن تفكر في الخالق ألحد.))
وهذا الاحتجاج غير دقيق، لأن الإلحاد هو التفكر في الذات، أي فيه تعالى؛ وهذا خطأ لا شك فيه، وقد يؤدي إلى الإلحاد. أما التفكر في عظمة قدرته، وسعة علمه، فهل يؤدي إلى الإلحاد؟ وهل تنْزيه الله تعالى عن النقص مؤد إلى إلحاد؟ وهل نفي التجسيم عن الله تعالى، والأيدي، والأعين، والجنب، والفوقية…إلخ، هل نفي هذه مؤد إلى الإلحاد؟ بل هل إثبات هذه مما يؤدي إلى ثبات الإيمان؟!!
إن تجسيمهم وتشبيهم هو التوحيد الذي أراده الله منهم!! أما تنْزيه الله عن صفات المخلوقات، وعن التشبيه فهذا من الإلحاد الذي لا يجوز!!
ولو كان الأمر يتسع لذكرنا من نصوصهم التي يقشعر منها البدن لما فيها من نسبة أقبح القبيح إليه جل جلاله { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } (الصافات:180)(1)
مشكلة أولئك أنهم لم يفرقوا بين الله والصفة، فظنوا أن البحث في الصفة هو البحث في الله؛ والأمر ليس كذلك كما بينا.
__________
(1) لمعرفة بعضها انظر في كتاب التوحيد لابن خزيمة، وكذلك كتاب السنة للخلال.

(1/29)


إذن، نحن إنما نثبت لله تعالى صفات، نحو: إنه تعالى قادر، وعالم، وحي…وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } (الشورى:11) فبين لنا أن الله ليس كمثله شيء، فلا يمكن التفكر فيه، لأن العقل إنما يتصور وينال ما يقع تحت مداركه؛ ولكن يمكن لنا أن نثبت له الصفة، وذلك قوله { السميع البصير } .
والحقيقة التي تظهر من كتبهم أن ليس لهم غرض من هذا الكلام إلا منع الكلام في ما يُنفى عنه تعالى. ذلك أننا قلنا إن معرفة الله نسبة الكمال لله، وتنْزيهه عن النقص. فدعواهم الرئيسية أن لا يمكن لنا أن نُنَزه الله عن النقص بعقولنا، فلا يجوز ـ حسب دعواهم ـ أن نقول: إن الله تعالى لا يمكن أن يكون له عينان، ولا يمكن أن يكون له جنب، ولا يمكن أن يكون له يدان، ولا يمكن أن يكون له ساق واحدة. كما لا يجوز ـ حسب دعواهم ـ أن ننفي عن الله إنه جسم، أو أن ننفي أنه تعالى يتمثل في شكل معبودات خلقه…
ففتلك هي الأمور التي ننفيها عن الله جل جلاله؛ وتلك هي التي يثبتونها، ويحاربون، ويضللون، من نفاها ونزَّه الله عنها.
دعوى كون علوم التوحيد غير معلومة أيام الصحابة
أيضاً من دعاويهم: إن ما هو موجود في كتب التوحيد لم يعرفه الصحابة.
وهذه دعوى غير صحيحة، لأن ما لم يكن موجوداً هو المصطلحات. أما المعاني التي تبينه تلك المصطلحات، فهو موجود في القرآن. ولا ضرر على المسلمين أن يُفصلِّوا ما يعرفونه، أو يصطلحوا اصطلاحات مبتدعة من عندهم(1).
__________
(1) هذا الكلام على افتراض أن علينا الالتزام في أمور ديننا بما يوافق الحال التي علمناها عن أحوال الصحابة. والمسألة ذاتها موضوع خلاف كبير. ولعل الله ييسر بيانها في الجزء الثاني من البحث.

(1/30)


فالغرض من كل ما سبق من الاعتراضات، هو منع البحث في تنْزيهه تعالى بالعقل؛ وحصر التنْزيه ـ تنْزيههم ـ على ظواهر الأحاديث الضعيفة، وإن خالف متونها مقتضى العقل، لما في بعضها من الكفر، فضلاً عن التشبيه؛ مما يُقطع به أن النبي صلى الله عليه وآله لم يسمع بها. وانظر ـ لتعلم ما أقول ـ في حديث البخاري الذي فيه:
(( يجمع الله الناس، فيقول:
من كان يعبد شيئاً فليتبعه. فيتبعون ما كانوا يعبدون. وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله عز وجل في غير الصورة التي كانوا يعرفونها فيقول:
أنا ربكم.
فيقولون: نعوذ بالله منك!! هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا!! فإذا جاء ربنا عرفناه.
فيأتيهم في الصورة التي يعرفون...
فيقول: أنا ربكم.
فيقولون: أنت ربنا…))(1)
فهل هذا من الله تعالى أم من كعب الأحبار؟!!
ولو أعمل أولئك القرآن الكريم لعرفوا الحق؛ ولكنهم قدموا الهوى، والنَزعة التجسيمية أولاً؛ ثم أخذوا بالنصوص المكذوبة على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثانياً؛ ثم فسروا القرآن الكريم وفق ذلك ثالثاً؛ ثم أرهبوا من خالفهم بالابتداع والكفر رابعاً.
{ لقد جئتم شيئاً إداً تكاد السموات والأرض يتفطرن منه } (مريم:89)

وسيلة معرفته تعالى
والحق هو إن معرفة الله تعالى لا تكون الا بالعقل فقط. وأما النص، فيعد مرشداً للعقل في الوصول إلى المعارف الدقيقة التي قد يَزِل العقل عندها؛ بل ضرورة الاستعانة بالنص في إرشاد العقل إلى تأسيس معرفة سليمة قد بلغت حداً اعتبر معها النص وسيلة رديفة لمعرفة الله تعالى، مع أنه ليس كذلك. فمنع البحث في قضايا الإلهيات بدعوى قصور العقل، يتناقض مع كون العقل هو المصدر لهذه المعرفة أصلاً.
__________
(1) نقلته من كتاب "دفع شبه التشبيه" للحافظ ابن الجوزي بتعليقات السيد العلامة الحسن بن علي السقاف. ولمزيد تفصيل حول المسألة انظر الكتاب المذكور إضافة إلى "صحيح شرح العقيدة الطحاوية" لنفس المؤلف.

(1/31)


أما أفعاله تعالى، فمنها ما يعلم بالعقل، ويكون الشرع مقرراً له نحو: كونه تعالى خالقنا وخالق الأجسام والأعراض؛ ومنها ما يبينه الشرع نحو: كون الله تعالى قد أمرنا بأمور ونهانا عن أخرى، وغير ذلك مما يختص بعلمه الشرع.
معنى قولنا إن العقل مصدر معرفة الله تعالى
قد سبق أن بينت أن خلاصة المراد من معرفة الله تعالى هي: معرفة ما يليق بالله جل وعلا من صفات الكمال، ومعرفة ما لا يليق به تعالى من صفات النقص. فهنا عندما نقول إن العقل هو الوسيلة إلى معرفته تعالى إنما نقول إنه يستطيع أن يدرك وجوده تعالى، ويدرك صفاته، ويدرك ما يليق به، وما لا يليق به. والعقل يدرك هذا بما آتاه الله تعالى من قوة على ذلك.
ولكن لأن غرض أغلب المانعين من التفكر في معرفة الله، هو تجسيم الله سبحانه وتعالى، ولأن العقل السليم يأبى وصف الله بالجسم، فهم يدأبون على إسقاط قيمة العقل ليتم لهم مرامهم؛ والله حسبهم.

العقل
والعقل هو أداة خلقها الله لنا، يمكنها أن تدرك صحة مجموعة من القضايا. تلك القضايا تسمى بالقضايا العقلية، لأنها تستمد صحتها من العقل. ثم إن تلك القضايا على نوعين: قضايا بديهية، وقضايا استدلالية.
وقبل بيان المراد منهما أود الاشارة سريعاً إلى المراد من القضية.
القضية: هي أي عبارة فيها نسبة بين شيئين؛ أو أي عبارة فيها حكم على شيء بأنه موجود. وذلك نحو: محمد صادق؛ فهنا نسبت الصدق إلى محمد. ونحو: الكتاب كبير؛ فهنا نسبت الكتاب إلى الكِبَر. ونحو: الكافر مخلد في النار. ونحو القرآن كلام الله. فهذه كلها قضايا لأن فيها نسبة أمر إلى أمر آخر.
أيضاً قولي الله موجود، أو محمد بن عبد الله موجود، أو القرآن موجود؛ فهذه كلها قضايا فيها نسبة الوجود إلى أمر، بمعنى أن ذلك الأمر ليس عدماً، وأنه وجود محدد.
وتسمى النسبة بين الأمرين حكم. وقد تكون هذه النسبة صادقة، كما قد تكون كاذبة.

(1/32)


فعندما نقول: "هذه قضية بديهية"، فالمراد أن العقل يجزم بأنها صادقة، ومطابقة للواقع، بغير أن يحتاج إلى أي دليل على ذلك. بل يكفيه أن يفهم القضية فهما دقيقاً، ليجزم جزماً لا ظن فيه، أن هذه القضية صادقة. وذلك نحو معرفة صدق القضايا التالية:
الشيء لا يكون غيره.
لا يجتمع النقيضان ولا يرتفعان.
البعض أصغر من الكل.
الترجيح بلا مرجح باطل.
الظلم قبيح.
الكذب قبيح.
فتلك بعض القضايا التي يكفي في التحقق من صدقها فهمها فهماً سليماً مِن قِبَل العاقل.
أما القضية الاستدلالية، فهي القضية التي يحكم العقل بصدقها معتمداً على دليل. ولا بد من أن يكون الدليل راجعاً في آخر الأمر إلى القضايا البديهية. فعندما نقول: "محمد رسول الله"، فإننا نضع قضية صادقة، ولكنها تحتاج إلى أدلة لثبوت صدقها. والقضايا الاستدلالية نحو:
لا يوجد شيء بعد أن كان عدماً إلا بفعل فاعل.
كل جسم مسبوق بعدم.
الاشتراك بين ذاتين في صفة ذاتية يوجب الاشتراك في جميع الصفات.
يقبح فعل القبيح بغير النظر إلى فاعله.
فهذه قضايا صحيحة، ولكن صحتها يحتاج إلى وضع أدلة لذلك.
فعندما نقول إن العقل يمكنه أن يعرف الله، إنما نعني بالتحديد: إنه بإمكان العقل من خلال القضايا البديهية التي لديه، والقضايا الاستدلالية الصحيحة، أن ينسب إلى الله تعالى الصفات اللائقة به، وأن ينفي عنه تعالى الصفات غير اللائقة به. وصحة هذا الأمر واضحة للناظر المحقق المنصف، ويُقر بذلك كل تقي يريد الله حقاً.
وأود أن أقف على آخر قضيتين من القضايا البديهية، لأنهما أساسيتان في تنْزيه الله عن القبائح، ويساء فهمهما لدى كثير من الناس.
مسألة الحسن والقبح العقليين
هاتان القضيتان عولجتا في كتب أصول الدين ضمن باب بعنوان "الحسن والقبح العقليين".
وقد وقع خلاف حوله؛ فهناك من قال به، وصححه، وعمل به؛ وهناك من رده، وأنكره، ولم يعمل به.
خلاصة هذه المسألة التي لها تفاصيل في الكتب الموسعة هي ما يلي:

(1/33)


إن العقل يدرك بأن القضايا التالية قضايا صادقة:
إن الظلم قبيح ويستحق فاعله الذم والعقاب.
وإن الكذب الضار قبيح ويستحق فاعله الذم والعقاب.
وإن العبث قبيح ويستحق فاعله الذم والعقاب.
وإن الكفر قبيح ويستحق فاعله الذم والعقاب.
وإن العدل حسن ويستحق فاعله المدح والثواب.
وإن الصدق حسن ويستحق فاعله المدح والثواب.
وإن العلم حسن ويستحق صاحبه المدح والثواب.
وإن الشكر حسن ويستحق فاعله المدح والثواب.
ولتوضيح السابق لا بد من تعريف كل من الظلم و الكذب والعبث والجهل والكفر. أما العدل والصدق والعلم والشكر، فستتضح بوضوح أضدادها.

الظلم
الظلم: هو الضرر الذي يوصله الفاعل إلى غيره؛ لا لنفع يصل إلى ذلك الغير، ولا لدفع ضرر عنه، ولا لاستحقاق، ولا لظن أحد الوجوه المتقدمة.
فقوام الظلم هو إيصال الضرر إلى الغير، ولكن ليس كل إيصال ضرر نعده ظلماً، بل الظلم هو الذي فيه القيود التالية:
أن لا يكون في إيصال هذا الضرر قصد نفع للمتضرر؛ فإن كان فيه نفع، لم يكن هذا ظلماً. وذلك نحو تأديب الأب لابنه بالضرب أو بالحبس، أو نحوه؛ فإن فيه ضرراً، لكن لما كان غرض هذا الضرر هو نفع المتضرر، لم يكن ظلماً.
أن لا يكون في هذا الضرر دفع ضرر آخر عن المتضرر؛ فإن كان فيه دفع ضرر آخر لم يكن ظلماً. وذلك نحو الضرر الذي يوصله الطبيب إلى مريضه بقصد علاجه، ورفع عنه أضرار أكبر؛ فإن تلك الأضرار لما كان القصد بها دفع أضرار أكبر لم تكن ظلماً.
أن لا يكون فيه استحقاق؛ فإن كان الضرر الموصل إلى الغير كان بغرض الاستحقاق، نحو العقاب النازل على من ارتكب جريمة فإن ذلك الضرر ليس بظلم.
أخيراً، فإن من أوصل إلى الغير ضرراً ظاناً أنه ينفعه أو أنه يدفع عنه ضرراً أكبر، أو ظاناً استحقاقه لم يعد ظالماً من هذا الوجه، وإن كان مُخطئاً.

(1/34)


يتضح بالتأمل مما سبق أن الفعل الواحد قد يكون ظلماً في حالةٍ ما، ولا يكون ظلماً في حالة أخرى، وذلك بحسب وجود القيود السابقة في ذلك الفعل.
الكذب
الكذب: الكذب معروف، والقبيح منه قطعاً هو الكذب الضار.أما الكذب الذي ليس فيه ضرر، فهو قبيح أيضاً، ولكن درجة قبحه أقلّ. أما الكذب الذي يؤدي إلى خير، وذلك بأن يكون وسيلةً لدفع قبائح أكبر، وذلك كأن يكون العاقل ملجئاً إلى أن يختار بين أن يكذب، وبين أن يُعرِّض حياة فرد إلى خطر القتل ظلماً؛ ففيه قولان:
القول الأول: يرى أنه قبيح؛ إلا أنه إذا أدّى إلى خير يغلب على قبحه، فيصح أن يعمله العاقل. وهذا الرأي يقوم على اعتبار أن الكذب يقبح لذاته.
القول الثاني: يرى أنه ليس قبيحاً على الإطلاق. وهذا الرأي يقوم على اعتبار أن الكذب إنما يقبح بالنظر إلى الضرر المترتب عليه في المدى القريب، أو البعيد.
والأرجح هو القول الأول، والله أعلم.

العبث، واعتقاد جهل، والكفر
العبث: هو الفعل الخالي عن غرض فيه نفع وصلاح. والفعل الذي يتصف بالعبث قبيح.
اعتقاد جهل: هذا واضح. فمن اعتقد اعتقاداً يخالف الواقع، فقد أقدم على قبيح.
الكفر: المراد بالكفر هنا هو إنكار النعمة، وعدم الاعتراف بها، وعدم مقابلتها بالشكر. وقبح هذا الأمر مما لا يمتري فيه أحد.
فتلك القبائح العقلية. وهي خمسة كما هو واضح. ويضاف عليها: محبتها، أو إرادتها، أو الأمر بها، أو الرضا بها، أو الإكراه عليها. وقبح هذه الأمور واضحة لكل عاقل.
تلك خلاصة مسألة الحسن والقبح العقليين. ولكن يبقى لنا ملاحظات للتوضيح:

(1/35)


الأولى: إن الفعل بذاته لا يحكم عليه بقبح ولا بحسن. فالضرب والقتل والعطاء مثلا لا يحكم عليهم بحسن أو قبح، إلا إذا علمنا الصفة التي وقع عليها الفعل. فالضرب إذا وقع على جهة التعدي فهو قبيح، وإذا وقع للتربية فهو حسن. والقتل إذا كان تعدياً فهو قبيح، وإذا كان قصاصاً فهو حسن. والعطاء إذا كان للخير كان حسناً، وإذا كان لِلمَنِّ فهو قبيح.
الثانية: إن اتصاف الفعل بكونه قبيحاً، أو حسناً لا علاقة له بالفاعل. فالظلم قبيح من غير نظر إلى مَن فعل الظلم. والكذب قبيح من غير نظر إلى مَن فعل الكذب. ومؤدى هذا، أن الظلم يقبح مِن العبد، ويقبح مِن الله. والكذب يقبح من العبد، ويقبح من الله. والعبث يقبح من العبد، ويقبح من الله.
وسيأتي أن هذه الأفعال يقدر الله سبحانه عليها، ولكنه لا يفعلها أبداً.
أما الجهل، فلا يتصور من الله أصلاً لأنه يستحيل عليه الجهل. وكذلك الكفر يستحيل عليه، لأن الكفر هو حجود النعمة، والله تعالى لا مُنعم عليه.
الثالثة: إن العقل يدرك ويجزم بما سبق قبل ورود الشرع. وهذا أهم خلاف في هذه المسألة.
ذلك إن بعض المسلمين قالوا :إن تلك القضايا لا تعلم إلا بالشرع، فلا قيمة لها ولا مصداقية لها قبل وروده.
فقالوا: الظلم قبيح، لأن الله حرمه. والكذب الضار قبيح لأن الله حرمه. والشكر حسن لأن الله ندب إليه. والعدل حسن لأن الله أمر به.
كما قالوا: لو صح لنا من الشرع أن الظلم حسن، لقلنا إنه حسن. ولو صح لنا أن الكذب حسن، لقلنا إنه حسن. وقالوا أيضاً: لو صح لنا من الشرع أن الشكر قبيح لقبَّحناه؛ ولو صح لنا من الشرع أن العدل قبيح، لقبَّحناه.
فريق آخر من المسلمين قال: إن صحة تلك القضايا تُعلم قبل الشرع. وإن الشرع لا يمكن أن يأتي بحكم يخالف هذه الأحكام. فلا يمكن أن يرِدَ من الشرع حكم فيه تحسين الجهل أو العبث أو الظلم. كما لا يمكن أن يرِد من الشرع حكم فيه تقبيح العدل او العلم أو الشكر.

(1/36)


ولقد أخطأ من قال بأن تلك القضايا لا تعلم إلا من الشرع؛ لأن الشرع لا يَثْبُت إلا إذا ثبتت تلك القضايا، وإنكارها يؤدي إلى إنكار الشرع من أصله.
فلا يمكن أن نُثبت، حقاً، صدق نبوة الأنبياء إلا إذا أثبتنا أن الله تعالى لا يفعل القبيح. ولا يمكن أن نثبت أن الله تعالى لا يفعل القبيح، إلا إذا كنا قادرين على إدراك القبيح. وتفصيل المسألة سيأتي عند الكلام على أفعال الله جل جلاله.
الرابعة: تسمى تلك القبائح بالقبائح العقلية، كما تسمى تلك الأفعال الحسنة بالواجبات العقلية.
الخامسة: كل ما حرمه الشرع من الأمور، يعود بوجه أو بآخر إلى واحد أو أكثر من هذه القبائح الخمسة.
توضيحه: إن كل ما حرمه الله تعالى يمكن لنا أن نصنفه كما يلي:
ترك طاعة نحو ترك الصلاة.
فعل منهي عنه، نحو: أكل الربا، وشرب الخمر.
نسبة القبيح إلى الله، أو إلى أحد أوليائه، نحو: التجسيم، والجبر، والشرك.
الكذب على الله، أو على أنبيائه، أو على خلقه.
وإذا تأمل الفرد يمكنه أن يجد في أي صنف من هذه الأصناف وجه أو أكثر من القبائح العقلية.
فالمعصية ـ بفعل المنهي عنه، وترك الطاعة، ونسبة القبيح إلى الله، والكذب على الله، ورسله ـ تَقبُح لأنها كفران للنعمة. فالله تعالى قد أحسن إلينا كثيراً، وأقل ما يتوقع منا هو مقابلة نعمه بالالتزام بما أراد منا.
ونسبة القبيح إلى الله أيضاً تقبح من حيث إنها اعتقاد جهل.
والكذب على الله يقبح من حيث إنه كذب.
آخيراً، إن المعاصي جميعاً ليس من ورائها إلا الفساد؛ فهي، إذن، عبث، لا مصلحة من ورائها.
أيضاً فإن كل ما أمرنا به الشرع، يعود إلى الواجبات العقلية الخمسة: التي هي العدل، والصدق، والعلم، والشكر، وفعل ما فيه الصلاح.

(1/37)


ولكن يجب أن نتنبه إلى أن هذا لا يعني أننا نستطيع أن نعلم القبح الموجود في كل ما حرمه الله تعالى. كما لا نستطيع أن ندرك دائماً الحسن الموجود في كل ما دعا الله إليه. لأن الفعل قد يتصف بصفة لا ندركها، تكون هذه الصفة هي المؤثرة في حسن أو قبح هذا الفعل. ومثل ذلك إذا رأينا رجلاً يضرب طفلاً: فقد يكون الرجل يتعدى على الطفل، وقد يكون والده ويضربه للتأديب. فعدم علمنا بتفاصيل الفعل، يحول بيننا وبين الحكم عليه بحسن أو قبح.
وحيث إننا نعلم أن الله تعالى لا يفعل إلا ما حَسُن، ولا يفعل القبيح؛ فإننا نحكم على أي فعل منه بالحسن، وننفي عنه القبح بالكلية. وإن شاء الله نزيد في هذه المسألة في القسم الثاني.

وأخيراً أقول إن أي فعل ينسب إلى لله تعالى يجب أن ينظر إليه من خلال هاتين القاعدتين:
الله لا يفعل القبيح.
العقل يمكنه أن يدرك القبيح الذي لا يفعله الله.
فإذا نَسب نصٌ إلى الله فعلاً قبيحاً، فعلينا أن نرُدَّ النص ولا نقبله، ونُكذِّب من رواه عن الشرع. وإذا فسَّر أحد العلماء نصاً صحيحاً من القرآن بتفسيرٍ ينسب الفعل القبيح إلى الله تعالى، فعلينا أن نرد تفسيره، ونفسر ذلك النص التفسير الصحيح الذي يليق بالله جل جلاله. ولهذه المسألة ذيول إن شاء الله أوضحها في الكلام عن أفعاله تعالى.

فالخلاصة: إن العقل هو الوسيلة إلى معرفة الله تعالى. ومؤدى هذا أنه حجة متقدمة على النص من حيث أن أحكام العقل لا احتمال فيها، والنصوص يدخلها الاحتمالات. فإذا حكم العقل بحكم قاطع، فإن هذا الحكم يكون هو معيارٌ لنظرتنا في أي نصٍ وصف الله تعالى، سواء كان قرآني، أو نبوي. وفي قسم الآيات المتشابهة سيأتي مزيد توضيح لهذا الكلام بحول الله وقوته.
الخلاف بين العقل والنص

(1/38)


والخلاف حول هذه القضية: "العقل أو النص" متشعب. وقد ظُلِم العقل فيها، إذ صِيْغ الخلاف بعبارة "التعارض بين العقل والنقل". والظلم ظاهر؛ إذ أي مسلم بسيط التفكير يميل إلى جانب النقل عندما يسمع الخلاف مصاغاً بهذه الكيفية. أما مِحْور الخلاف فلم يكن في الواقع تعارض العقل والنقل؛ وإنما كان في : مصدر معرفة الله تعالى أهو العقل أم هو النص؟
ففي الواقع الإسلامي وجد منهجان أساسيان، ومختلفان لفهم تلك القضايا. المنهج الأول يستند إلى العقل ليفهم به النص؛ والآخر يستند إلى النص ليُكيِّف به العقل.
المنهج الأول: يرى أن النص حمَّال ذو وجوه، وأنه يحتمل معانٍ متعددة وأحياناً متباينة. ولذلك فإن النص، أياً كان أصله، لا يُفهم فهماً سليماً إلا من خلال الاستناد إلى أمرٍ خارجٍ عنه، هذا الأمر هو الواقع، وهذا الواقع لا يستكشف إلا من طريقين:
الطريقة الأولى هي الحس والمشاهدة.
والطريقة الثانية هي الاستدلال بالعقل.
وفيما يتعلق بمعرفة الله؛ فنحن نعلم أنه تعالى لا يعلم بالحس ولا بالمشاهدة، فليس لنا وسيلة إلى معرفته إلا الاستدلال بالعقل.
والنص وفق هذا التصور لا يُملي على العقل معلوماته عن الله تعالى، بل يثير انتباهه إلى ما كان غفل عنه العقل، ولربما ظل كذلك لدقة بعض تلك الحقائق. إلا إن هذه الحقائق التي كان غافلاً عنها، والتي آثار النص انتباهه إليها، من شأن العقل أن يصل إليها بمفرده، لو قدَّرنا وافترضنا أن العقل وُجِّه توجيهاً سليماً. النص يثير دفائن العقول بحيث يصل العقل بنفسه إلى معرفة الله تعالى.
هذا التصور يعني أننا عندما ننسب إلى الله تعالى الحكمة، فإننا ننسب إليه المعنى لا اللفظ. ونحن قادرون على فهم المراد بالحكمة في هذا السياق، بل وقادرون على إثبات الحكمة لله، وإن لم يأتِ بذلك نص. نحن نعقل هذه المعاني، ولا نكرر ألفاظها كلما ذكرناها. النص في هذا المنهج يرشد العقل إلى إدراك الواقع.

(1/39)


المنهج الثاني: يرى أن في مجال معرفة الله تعالى فالعقل يتنحى للنص تماماً، ويتلقى منه الألفاظ التي يوردها، بغير أن يكون له دور سوى دور المستمع. النص يملي على العقل تلك الالفاظ(1)، وهو ليس إلا وعاءاً خالياً تماماً، يستلم ألفاظاً يجب عليه فهم المعنى اللفظي من أفراد الكلمات؛ لأن العقل وفق هذا التصور لا يستطيع أن يدرك من الواقع الخارجي ما له علاقة بالله تعالى. فالله قادر، لأن القرآن قال إنه قادر. والله تعالى عالم، لأن القرآن قال إنه عالم. أردد هذه الألفاظ دون أن يكون لي الحق أو القدرة على تعَقُّل المراد منها، ومع ذلك فعلي أن أفهمها. بل الأمر أكثر من هذا؛ فالنص هنا يَفرض على العقل معلومات لا يقبلها العقل، ولكن أصحاب هذا المنهج يقسرون العقل على قبولها مهما كان الأمر.
لمزيد من التوضيح أضرب مثالاً على الفرق بين المنهجين فأقول:
حسب المنهج الأول؛ فإن النص عندما ينفي الشريك عنه تعالى، فإن النص يقرر، ويؤكد، معنى يمكن للعقل أن يقبله، ويدرك أنه يتوافق وكمال الله؛ لأن العقل يستطيع إدراك ما هو كمال لله. أما حسب المنهج الثاني فإن النص يُملي على العقل هذا المعنى، فلا يمكنه أن يحكم عليه ببطلان أو صحة، إلا من حيث صدق المصدر أو كذبه؛ بمعنى أن العقل لا يمكنه أن يحلل هذه القضية، فيحكم من خلال تحليله إياها أنها صحيحة، بل ما يعمله العقل هنا هو أنه يؤمن بصدق مصدر هذا الخبر فيصدقه، فلا يمكن أن يقول إنه يتوافق وإياه، أو يختلف معه.
__________
(1) النص لا يملي إلا اللفظ، أما المعنى من وراء هذا اللفظ فهو من ما يختاره العقل شئنا أم أبينا. وهذا الاختيار مبني على مفاهيم سابقة لدينا نفرضها على النص. ولا شك أن من يعمل بالمنهج الثاني يدعي أنه نصوصي صرف، ولكنه يكذب على نفسه وعلى الآخرين، وإلا فكيف نراه في الواقع يرجح معانٍ على أخرى.

(1/40)


حسب المنهج الثاني؛ لو أثبت النص شريكاً لله تعالى فإنه سيقبله لأن دوره دور المتلقي لا غير. حسب المنهج الأول لو أثبت النص شريكاً لله تعالى لنفى صحته، لأن دوره دور المثار المتفكر.
في المنهج الأول يكون العقل مستكشفاً لكمالات الله، ويكون النص كاشفاً لتلك الكمالات، ويتعاونا معاً من خلال عملية الكشف والاستكشاف. في المنهج الثاني يكون النص هو الكاشف عن الواقع، ويكون العقل متلقياً لهذا الواقع، بغير أن يكون له دور في استكشافه.
صفات الله تعالى في المنهج الثاني تؤخذ من النص(1)، وصفات الله تعالى في المنهج الأول يكون مصدرها ما ندركه من كمالات الله تعالى، والكاشف عنه النص والعقل معاً؛ إلا أن السابق في ذلك هو العقل: زمنياً لأن العقل قبل النص، ورتبةً(2) لأن النص ـ أيُّ نص ـ لا يُفهم إلا من خلال الإستناد إلى فهم مسبق للواقع. وفيما يتعلق بالعلم بالله فهذا الفهم المسبق ليس مصدره إلا العقل كما ذكرت.
والحق هو المنهج الأول وذلك لاعتبارين أحدهما يعتمد على الحجة العقلية، والآخر على الحجة الشرعية.
الاعتبار الأول يقوم على أمور؛ أهمها وأوضحها أنه تعالى احتج علينا بحجج لو لم يكن للعقل قدرة على فهمها لم يكن لإيرادها معنى. فجميع الآيات التي احتج الله تعالى بها على الكفار دليل على أن الانسان يمكنه أن يصل إلى معرفة الله تعالى بنفسه؛ لأن الحجة لا تتم عليهم إلا إذا كان في مقدورهم معرفة صدق ما يدعيه الرسول بعقولهم، ولا يمكن معرفة صدق ما يدعيه الرسول بعقولهم، إلا إذا كان بمقدورهم معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته.
__________
(1) هذا الكلام حسب دعواهم هم؛ وإلا فالحق إن مصدر معرفة الله عندهم هي النزعة التجسيمية السابقة لديهم.
(2) المراد بالسبق رتبة، أنه إذا فرضنا حصل تعارض بين العقل والنص، فإن ما قرره العقل هو المعتمد. وسيوضح كيفية ذلك في قسم الآيات المتشابهة.

(1/41)


أيضاً لو نظرنا إلى قوله تعالى { وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إداً تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولداً وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً } (مريم: 87-92) ففي هذه الآية أوضح دلالة على قدرة العقل على أن يدرك صفات الله تعالى. فالله تعالى إذ لامهم على القول بالولد لله تعالى، هل أنكر عليهم تكذيبهم للنبي؟ أم أنه أنكر عليهم القول بأمر لا تقره عقولهم؟ والله تعالى إذ قال وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا؛ هل معناها أنه لم يصح بالخبر الصحيح أن لله ولد؟ أم أن معناها أن الله تعالى يستحيل عليه أن يكون له ولد؟ وإذا كان معناها كذلك؛ فهل يعقل أن يلومهم الله على قولهم بالولد، بهذا اللوم والحال أنهم لا يدركون بعقولهم استحالة الولد لله؟
أما الاعتبار الثاني فسأرجئه إلى الجزء الثاني، حيث أتناول مسألة تعيين الحجة الدينية بعد النبي صلوات الله عليه وعلى آله.
وقد سعى بعض أصحاب المنهج الثاني، وهم الأشاعرة والماتريدية، إلى التأكيد على أن معرفة الله تعالى ممكنة عقلاً؛ ولكن الحقيقة هي أنهم كيَّفوا العقل مع النص، ولم يَصْدقوا أنفسهم ولا الآخرين بدعوى حجية العقل، فكان خطأهم أشد مِن خطأ مَن رفض العقل أصلاً.
أما منهج هذا البحث، فهو المنهج الأول بلا شك، واعتماده سيكون من خلال كل من ما يلي:
1. ستبنى القضايا الأساسية في بحوث معرفة الله تعالى على أدلة عقلية.

(1/42)


2. سيكون العقل المعيار في فهم النصوص، وذلك من حيث أن العقل يصل إلى معرفة صححية لله قبل النص، وبالتالي يمكن له أن يحدد المعنى المراد من النص إذا كان للنص معانٍ متعددة. فكل صفة نقرأها في القرآن الكريم من صفات الله تعالى يجب أن يُنظر إليها من خلال الأصول العقلية لمعرفة الله تعالى. وهذا الأمر من أهم ما نريده من اعتمادنا العقل، نريد أن يتناول المسلم الآيات عن الله، بل المفاهيم العقائدية كلها، تناول الناقد المتأمل المتفكر، لا تناول الببغاء التي لا تعي ما تسمعه، ولا تعقل ما تردده.

القضايا الأصولية التي تُبنى على العقل
قلت إن القضايا الأساسية في بحوث معرفة الله تعالى ستبنى على العقل؛ وهذه عبارة تحتاج إلى توضيح المقصود من القضايا الأساسية.
إن قضايا أصول الدين على ثلاث أنواع:
منها ما لا يمكن معرفته إلا بالعقل ولا يصح اعتماد النص فيها.
منها ما يمكن معرفته بالعقل ويصح اعتماد النص فيه.
منها ما لا يمكن معرفته إلا بالنص.
فالقضايا الأولى: نحو معرفة أن الله تعالى موجود، وأنه خالقنا، وأنه قادر عالم حي، وأنه تعالى غني، وأنه لا أول لوجوده، وأنه تعالى ليس بجسم؛ وأنه تعالى لا يكذب، ولا يظلم، ولا يعبث.
فهذه لا يمكن معرفتها إلا بالعقل. ولا يصح معرفتها بالنص، لأن ثبوت النص، وصدقه يعتمد على معرفةٍ سابقة بهذه القضايا.
والقضايا الثانية: نحو قولنا: إنه تعالى لا يُرى، وإنه تعالى واحد، ونحو الإيمان بضرورة البعث، فهذه يمكن لنا أن نعتمد على النص في معرفتها، لأن بعد الاقرار بقدرة الله، وعلمه، وصدقه، يمكن لنا أن نصدق القرآن في أنه تعالى واحدٌ، وفي أنه تعالى لا يُرى، وفي أنه تعالى سيبعث الناس بعد الموت للحساب.

(1/43)


القضايا الثالثة: نحو تفاصيل ما بعد الموت، وخلق الجن والإنس، وأخبار الأولين وغير ذلك فهذه لا تعلم إلا بالنص الصادق(1).
فالقضايا الأولى هي التي سيتم بيانها بالدليل العقلي المختصر، أما الثانية والثالثة فسيكتفى معها ببيان الدليل النقلي.
ثم إن القضايا من النوع الأول على صنفين:
صنف يحتاج إلى مجرد لفت نظر لكي يعلم بها الفرد؛ كقولنا بأنه تعالى موجود، وبأنه عالم وقادر وحي. فهذه لا تحتاج إلا إلى تأمل بسيط لمعرفتها.
وصنف يحتاج إلى قليل من النظر والتفكر؛ كقولنا إنه تعالى واحد، أو إنه تعالى غني، أو إنه تعالى عدل.
وسيجد القارئ أن الكثير مما هو في البحث مما يعرفه سابقاً، أو مما يصدقه بغير صعوبة؛ والقليل جداً من مسائل أصول الدين تصعب على الفهم العام؛ ومن جدَّ وجد.

وأخيرا أقول إن التأمل في هذه القضية " وجوب وأهمية معرفته تعالى " مهمة جداً، لأن القناعة المطلوب تحصيلها غالية. وإذا تحصل لفرد القناعة بهذا، فعليه السعي إلى تحصيلها بنية مخلصة، وبتوجه إلى الله تعالى، ليعينه في الطريق ويُنَوِّر له البصيرة { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } (العنكبوت:69). ويمكن للباحث الاستئناس بما قالوه أئمة الهدى وورثة الكتاب، أئمة أهل البيت عليهم السلام؛ خصوصاً في القضايا المشكلة، لأن الله تعالى قد جعلهم علَماً على الطريق، ومناراً للهدى.
والآن، لندخل في أول مسائل معرفة الله تعالى، ومن الله نستمد التوفيق.

القسم الثاني: معرفة الله تعالى
__________
(1) المتبع لشيوخ أئمة أهل البيت في النوع الثاني والثالث من قضايا أصول الدين مصيب، ولا يسمى مقلداً، إذ كان متبعاً في المسائل التي يمكن الاستدلال عليها بالشرع. وقد بين الدليل الشرعي القطعي أن إجماعهم صحيح. فيمكن للمتبع أن يكتفي بمعرفة الدليل على أن قولهم صحيح، وهي قضية سهلة لمن كان له قلب يراقب الله. وهذه قضية سيتم التفصيل فيها إن شاء الله تعالى في الجزء الثاني من الكتاب.

(1/44)


سبق أن أشير إلى أن بحث معرفة الله تعالى سيقسم إلى بابين:
باب معرفة صفات ذات الله جل جلاله.
باب معرفة أفعال الله جل جلاله.

فما يلي هو تفصيل للبابين ومن الله تعالى أستمد التوفيق.

الباب الأول: معرفة صفات ذات الله تعالى(1)

البحث في معرفة صفات ذات الله جل جلاله يتناول القضيتين التاليتين:
المعرفة بصفات الكمال لله جل وعلا وهي كونه: موجوداً، عالماً، قادراً، حياً، غنياً، حكيماً.
المعرفة بأن الله لا بد أن يكون واحداً؛ لا ثاني له يشاركه في صفاته، ولا يشترك هو مع صفات خلقه.

خطورة البحث في صفات الله جل وعلا
قبل البحث في صفات ذات الله تعالى لا بد من الإشارة إلى أمور مهمة جداً.
إن البحث في صفات الباري جل وعلا أمر خطير جداً، ويجب الخوض فيه بحذرٍ شديدٍ، وأدبٍ بالغٍ. كما يجب الخوض فيه بملاحظةٍ مستمرة لمن نتفكر في صفاته، وبملاحظة مستمرة لقوله تعالى { سبحان الله عما يصفون } (الصافات:159) ولقوله تعالى { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } (الصافات:180).
أيضاً يجب أن يكون هدفنا من هذه المعرفة هو تنْزيه الله جل جلاله، وليس إثبات مذهب أو رأي، فالله أعظم من أي رأي نحن نؤمن به، فلا ننسب ما ننسبه إلى الله تعالى لمجرد الهوى.
أيضاً يجب أن نعلم أن هذا موضوعاً لخلافات كثيرة بين المسلمين؛ فإذا بحثنا فيه فيجب أن نبحث فيه بروح دينية، وليس بروح فلسفية أو سياسية أو اجتماعية.
__________
(1) هذا الفصل يُعنوَن في كتب الأصول بكتاب التوحيد. والتوحيد ــ بالمعنى اللغوي: الذي هو نفي الثاني؛ أو بالمعنى الذي أشار إليه الإمام على عليه السلام: ((التوحيد أن لا تتوهمه)) ـ هو جزء من مباحث معرفة صفات الله تعالى. إلا أن كتب أصول الدين الأولى لما كانت تتمحور حول القضايا الخلافية، والذي كان على رأسها التوحيد والعدل، كان إبرازه بهذا الشكل بمثابة التأكيد على العَلَم بين أهل التوحيد وغيرهم.

(1/45)


ذلك إن البحث في صفات الله وفي أفعال الله، قد يكون عند الباحث كالبحث في أي موجود من الموجودات. الغرض الأول والأخير منه هو تحصيل معرفة مطابقة للواقع. فيكون الخلاف حول ما ينسب إلى الله تعالى، كالخلاف في موضوع علمي بعيد عن منال أحاسيسنا؛ نحو الخلاف في تفسير بعض الموجودات الفلكية التي لا يُرى منها إلا آثارها. فيكون الخلاف بعيداً عن كل روحانية، وعن الأدب مع الله جل جلاله.
وقد يكون الباحث ذا توجه سياسي أو اجتماعي؛ فلا يرى في الايمان بالله وصفاته إلا قضية سياسية أو قضية اجتماعية، فيختار منها ما يلائم دعوته السياسية أو الاجتماعية دون النظر إلى حقيقة الأمر؛ أهو هكذا أم لا. هذا الباحث يريد أن " يُفَصِّل" إلهاً ـ إن صح التعبير ـ يخدم أو يوافق هواه، ومزاجه السياسي والاجتماعي. وهذا يؤول به، في بعض الحالات، إلى التقليل من شأن الخلافات في صفات الله من باب أن ليس لها قيمة سياسية ولا قيمة اجتماعية؛ ونراه في هذه الأيام كثيراً.
وقد يكون الباحث غرضه معرفة الخالق المنعم، ومعرفة صفاته وأفعاله ليحمده عليها، ومعرفة ما لا يليق به ليُنَزهه عنها، إيماناً منه أن هذا أقل ما يمكن أن يقدمه لهذا الخالق الرحيم الكريم العظيم. ثم هذا الباحث ينظر إلى الموضوع بنظرة الثواب والعقاب، والحصول على البراءة يوم القيامة؛ وذلك من حيث أنه يؤمن أنه إذا وصف الله تعالى كما هي صفاته، فإنه سينال من الله مدحاً وثواباً؛ أما إذا لم يصف الله تعالى كما هي صفاته فقد ينال ذماً وعقاباً منه جل جلاله. بهذه الروح أؤمن أن علينا البحث في صفاته تعالى.

(1/46)


أيضاً علينا أن نعمل وفق قوله تعالى { ولا تقف ما ليس لك به علم } (الإسراء:36). فكل صفة نصف الله تعالى بها يجب أن تكون مبنية على علم. فإذا لم يكن لدينا فيها علم، فلا نصف الله بها حتى ولو قال بها أرباب مذهبنا وطائفتنا. فمثلاً لو كنا نؤمن بأن لله تعالى صفة " أ " ، من حيث أننا أخذناه من أفواه المشايخ، ثم جاء من شكَّكنا في اتصاف الله بها بحجة قوية، وقال لنا إنه يتصف بخلافها التي هي الصفة " ب "؛ فما هو الموقف الذي تفرضه التقوى؟
أنا أرى أن الموقف هو أن انتقل من الايمان بالصفة " أ " إلى حالة من الحياد التام بين الصفتين، حتى يحصل لنا علمٌ بصحة أحدهما. وهذا التحصيل يكون بالعودة إلى أهل العلم في مذهبنا، أو إلى العلماء من غير مذهبنا. والمهم أن لا ننسب لله تعالى صفةً بغير علم. وللأسف فالذي نشاهده أن العالِم يُشَكَّك بما لديه من علم حول صفات الله تعالى، فبدلاً من أن يتوقف عن نسبة هذه الصفة، يصر على ذلك، ويذهب إلى البحث عن أدنى عبارة تؤيد دعواه. إنَّ التقوى تفرض علينا أن نحرص على كل كلمة نقولها عن الله جل جلاله. وأسأل الله لي، ولكل مؤمن ومؤمنة، المغفرة، والرحمة، والهداية والاستقامة، إنه تعالى عصمة المستجيرين.
وذلك السبب لا يُستحسن للمرء أن يناظر الآخرين في صفات الله جل جلاله، بل يباحثهم. لأن هدف المناظرة هو كسب النقاط أمام الجمهور المستمع، الذي لا يدرك من المناظرة إلا "نقطة لفلان، ونقطة على فلان". ومثل هذا الموقف قد يفرض على المناظر أن يتعصب لرأيه خوفاً من استخفاف الجمهور بما يؤمن به. أما المباحثة، فليس غرضها كسب النقاط بل الوصول إلى الحقيقة؛ وفي مثل هذه الأجواء يكون الصدر أرحب، والقلب أقرب إلى القبول، أو التسليم، أو حتى الشك، أو التفهَّم لرأي المخالف.

(1/47)


أيضاً علينا ملاحظة كون وصفنا لله تعالى إنما هو بقدرنا لا بقدره، وبلغةٍ وضعت للمدركات الإنسانية؛ مما يعني صعوبة التعبير عن صفات الله عز وجل في الكثير من الحالات.
أيضاً، علينا أن لا ننسى أبداً أنَّ هذه الصفات ليست إياه، بل تشير إليه فقط، بمعنى:
أن مجموع ما نصف الله تعالى به فالله اعظم منه.
وبمعنى أن الله غير ما نصفه به؛ فإذا عبدناه فلا نعبد ما أدركنا منه تعالى، بل نعبده هو تعالى. وقد سبقت الإشارة إلى ذلك من القول:
(( إن صفات الله تعالى دلائل عليه يدرك علمهن، ولا يدرك الموصوف بهن. فليس ما نطقت به الالسن من صفاته هو هو؛ بل هو سبحانه الموصوف لا الصفات، وهو المعروف بما تعرف به إلى خلقه من الآيات.))
وهي كلمة يحسن الوقوف عندها كثيراً.
وحيث إننا لا ندرك إلا أثار الله تعالى وأفعاله، فلا يجوز لنا أن نصف الله تعالى بوصفٍ، إلا إذا كان عليه دليل من أفعاله، أو إذا ورد بذلك نص صحيح. ولا يجوز لنا أن نصف الله بغير هذين الطريقين لأن غير هذين الطريقين لا دليل عليهما أبداً، وما لا دليل عليه لا يجوز إثباته.
وإذا وصفناه بفعل من أفعاله، فلا نصفه إلا بما يتضمن مدحاً من الأفعال، ولا يجوز أن نصفه بما قد يُفهم منه ذم، وإن لم يكن كذلك، وذلك تأدباً معه تعالى.
ثم إنه يقبح التفكر في ذاته جل وعلا؛ وذلك لأن العاقل يعمل ما يظن أن من ورائه ثمرة؛ فما لا ثمرة من ورائه لا يعمله العاقل، لأنه عبث، والعبث قبيح. وحيث إنه لا يمكن للفكر أن ينال الله جل جلاله؛ فلا ثمرة من التفكر في الله جل جلاله.

صفات ذات الله الواجب معرفتها
على ضوء الملاحظات السابقة نذكر ـ مستعينين بالله ـ صفات ذات الله تعالى، التي دلَّت عليها الأدلة العقلية، وقررتها الأدلة النقلية؛ والتي يجب علينا معرفتها وعدم التقصير في تحصيل العلم بها، والإقرار بها، والنظر في معانيها ولوازمها علينا بالقدر الذي يمكن لنا، ومن الله نستمد التوفيق.

(1/48)


1. إن الله تعالى واجب الوجود.
ومعنى قولنا إنه تعالى واجب الوجود مجموع ما يلي:
إنه تعالى موجود.
إنه تعالى موجود على الحقيقة وغيره موجود على المجاز.
إنه تعالى قديم.
إنه تعالى لا آخر له.

وما يلي توضيح لكل منها.
مرادنا من قولنا: إن الله موجود هو:
أن لهذا الكون ذات أخرجه من العدم إلى الوجود.
أن هذا الذات غير الكون.
وهذا الإثبات في مقابل من أنكر، وقال بأن الكون:
إما أوجد نفسه.
أو وجد بغير تأثير من ذات أخرى.
أو من قال بأن الكون لم يكن عدماً أبداً.
وقضية إثبات وجود الله تعالى من القضايا التي أشبعت بحثاً، ولله الحمد، من قِبَل المسلمين وغير المسلمين. وقد وُضِعت لها عبر الدهور أدلة متعددة، لعل أكثرها شيوعاً وأقربها إلى أذهان الجميع هو ما يلي:
إن العالم مُحدَث.
المُحدَث يحتاج إلى مُحدِث.
هذا المحدِث هو الله سبحانه وتعالى.

ولا بد من توضيح مصطلح المُحدَث، والمُحدِث ليتضح الدليل:
المُحدَث: مصطلح يطلقه علماء أصول الدين على الشيء الذي كان عدماً ثم صار موجوداً.
ويقابله مصطلح آخر هو القديم: ويطلقه علماء أصول الدين على الشيء الذي لم يكن عدماً.
والمحدِث هو الذي أخرج، المحدَث من العدم إلى الوجود؛ سواء كان هذا المحدَث جسماً، نحو خلق الله للأجسام، أو كان هذا المحدَث هيئةً، نحو إحداث الشخص لهيئة، وذلك نحو تشكيل الطين؛ فالطين مخلوق لله تعالى، أما شكل الطين فهو إحداث للإنسان. وهذا قوله تعالى { إذ تخلق من الطين كهيئة الطير } (المائدة: 110)، فالذي خلقه ـ أي أحدثه ـ عيسى عليه السلام هو الهيئة التي في الطين، وليس الطين.
فعندما نقول: إن العالم مُحدَث؛ نعني إن هذا العالم كان عدماً، ثم ظهر إلى الوجود. وهذه قضية يتفق عليها جميع العقلاء، ولا يقول أحد منهم بأنه قديم غير مسبوق بالعدم؛ فلا نطيل بذكر الدليل على ذلك، في هذه المرحلة من البحث.

(1/49)


ومن القضايا البديهية التي لا يحتاج عليها برهان، إلا من كابر، أن الشيء المعدوم لا يوجد بغير مؤثر. فإذا كان الكون عدماً، فلا بد من مؤثر أخرجه إلى الوجود.
هذا المؤثر هو الله جل وعلا.
ويكاد يكون وجود الله جل وعلا، بمعنى المؤثر الذي أظهر الكون إلى الوجود، مورد اتفاق بين جميع العقلاء؛ وإنما الخلاف بينهم في ثلاثة أمور ذي أهمية كبرى، دارت حولها الأديان:
صفات الله جل وعلا : فقال بعضهم إن الله تعالى خلق الكون، ولكنه كان مجبوراً في هذا الخلق؛ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. ومثلَّوه سبحانه بالنار التي يصدر عنها النور والحرارة باضطرار منها، لا باختيار. ثم إن من أنكر هذا القول، وأثبت أن الله تعالى مختار اختلف؛ فمنهم من قال إن الخالق ليس واحداً لا مثيل له، بل له نظراء. ثم إن من أنكر هذا وأثبت وحدانية الله اختلف؛ فمنهم من قال بأنه تعالى واحد، ولكنه مركب من أكثر من شيء واحد…إلخ. وهكذا توالت الخلافات بسبب اتباع المشايخ والآباء دون النظر إلى الله سبحانه وتعالى.
علاقة الله تعالى بخلقه: فقال بعض الناس إن الله تعالى خلق الكون، ولكنه انصرف عنه وتركه لشأنه. ومنهم من قال إنه تعالى وكَّل خلْقاً من مخلوقاته يدبرون الأمر وفق ما يرونه هم من المصالح. وقال المسلمون إنه تعالى يدبر الكون بنفسه، وقد يكون ذلك بواسطة أو بغير واسطة، ولكن التدبير منه يبدأ، وإليه يعود.
علاقتنا بالله سبحانه: أما عن علاقتنا بالله تعالى؛ فهذه أيضاً وقع فيها خلاف بين قائل بأن علينا أن نعبد الله مباشرة، وبين قائل بأن الله تعالى أسمى من يُعبد، فلا بد من أن نعبد مِن دونه بعض خلقه المقربين. وقد رفض المسلمون هذا، ولكنهم كانوا قسمين:
قسم قال بأن عبادته هدف أصيل من حياتنا.
وقسم قال إنها وسيلة لتحقيق أمور أخرى هي التي لديها الأصالة.
هذه لمحة خاطفة عن الخلاف في هذه القضايا، وهي تحتاج إلى مجلدات لاستقصائها.

(1/50)


أما قضية شيوع إنكار الخالق جل وعلا، فقضية حديثة، ومع حدوثها وشيوعها فهي لا زالت محدودة جداً بالنسبة لمن يقر بوجوده(1).
فلم يكن موضوع " وجود ذات أبرزت الكون إلى الوجود " موضوعاً لخلاف كبير في تاريخ الفلسفة والأديان قديماً وحديثاً، بل لا يكاد يوجد دين، ولا يكاد يوجد فيلسوف ينكر وجوده جل وعلا؛ وإنما اختلف الناس كثيراً حول صفاته تبارك وتعالى، وحول دوره جل وعلا في هذا الكون، ومسؤوليتنا نحوه تبارك وتعالى. ولا أعني بقولي: " إن الناس اختلفوا حوله" إنه كان موضوعاً للبحث، بل ـ وكما سبق ذكره ـ الكثير من الناس لم يعطِ المسألة أكثر من كونها قضية لا بد منها من الناحية العقلية، أو الأخلاقية؛ إنما أعني بذلك أننا لو تتبعنا البحوث التي أشارت إلى مسألة الله تعالى، لوجدنا أن الاختلاف بينها هو في صفاته بالدرجة الأولى. وهذا مما يدعوا للعجب: أن يكون أصل الوجود، مهملاً من البشر هكذا، فـ { قتل الإنسان ما أكفره } (عبس:17)، وأعجب منه حلم الله تعالى علينا { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة } (فاطر:45).
__________
(1) كون أكثر الناس يهمل هذه المسألة، ليس ناشئاً ضرورة من إنكارهم للخالق جل وعلا، إنما هو بسبب الغريزية الحيوانية عند الإنسان، التي قد تتغلب على نزعته العقلية فتصرفه عن التفكير في هذه القضايا أصلاً. فهو لا يثبت، ولا ينفي، لأنه مشغول ببطنه وفرجه.

(1/51)


ثم إننا نسمع قعقعة المنكرين أكثر من غيرهم، لأن كثيراً من المثبتين يثبتونه لأنه يصعب على بعضهم من الناحية العقلية والفلسفية تصور الكون بغيره؛ ويصعب على غيرهم تأسيس نظام أخلاقي متين بغير تصورٍ لوجوده تعالى. هؤلاء يثبتونه كضرورة لا بد منها، كعنصر مهم ليتكامل بنائهم الفكري أو الأخلاقي، ولكن لا يرون نحوه أي مسؤولية، ولا يرون له أي دور في الوجود سوى أنه خَلَقه. لذا لا نجد منهم حرصاً على الرد على من ينكر وجوده، بل يعتبرونها قضية شخصية، قضية تتعلق بدور إثبات وجوده على فكر الشخص وقِيَمه الأخلاقية؛ فمن لم يجد في إنكاره صعوبة فلا ضير عليه في ذلك، حسب زعمهم.
على كل الأحوال، فأول خطوة نحو معرفة الله تعالى تبدأ من معرفة أنه أصل الوجود؛ فإذا آمنا بأننا كنا عدماً، ثم وُجدنا بفعل فاعل، فسيبدأ عند كل عاقل البحث عن صفات هذا الفاعل، وعن مراده من خلقنا.

ومعنى قولنا: إنه تعالى الموجود حقيقة، وغيره موجود مجاز؛ إن الله تعالى لا يحتاج في أصل، وديمومة وجوده إلى أحد. أما غيره فموجود بإيجاد فاعل، ويحتاج ـ أبداً ـ في أصل، وفي ديمومة وجوده إلى الله عز وجل. فغير الله تعالى أشبه بالظل الذي يعتمد في وجوده على الجسم. { إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا } (فاطر:41)
وعلينا الالتفات إلى هذا الأمر دائماً؛ ليرتكز، ويتثبت في أنفسنا أننا موجودات هشة، بيننا وبين العدم فاصل صغير، وأننا قائمون في أصل وجودنا، وفي دوامه على رحمة الله تعالى. فله الحمد حمداً يوازي نعمه، ولعنة الله تعالى على من جحد به، ورد نعمته.
ومعنى قولنا إنه تعالى قديم؛ إنه لا أول لوجوده، وإنه تعالى لم يكن أبداً عدماً. وهذه الصفة تُلازم إثبات وجوده تعالى. إذ إن إثبات وجوده تعالى، يقوم على أساس أنه لا بد للكون من ذات أخرجه من العدم إلى الوجود؛ فلا بد إذن من كون هذا الذات غير مسبوق بالعدم.

(1/52)


ومعنى إنه تعالى لا آخر له: إنه تعالى لا يفنى أبداً؛ ذلك إن الذي يفنى هو الذي وجوده مستمداً من غيره. أما الله تعالى، الذي وجوده بنفسه، فلا يمكن أن يعتريه الفناء أبداً.

2. الله تعالى قادر:
القادر هو الذي جمع بين الأمرين التاليين:
من يصح منه الفعل.
من يفعل إذا شاء، ويترك إذا شاء أي إنه مختار.
والله تعالى فاعل قطعاً، لأنه فاعل الكون ثم إنه تعالى مختار في الفعل والترك، بدليل التنوع الموجود في هذا الكون الواسع؛ لأن المعلوم أن الفاعل المضطر لا يصدر منه الفعل إلا على وتيرة واحدة، ولا يمكن أن تتنوع الصادرات عنه.
والله جل وعلا قادر على كل شيء، قال تعالى { إن الله على كل شيء قدير } (البقرة:20). وقد عبر الله تعالى عن كونه قادراً بعبارات مختلفة نحو: المقيت(1)، والقوي، والقدير.
كما عبر عن أنه قادر على كل شيء، بأنه المحيط، لأن كل الأشياء تحت قدرته لا يمكن لشيء الخروج منها، ولا يمتنع شيء عنها.
كما يعبر عن أنه قادر بأنه السريع؛ وذلك لأنه لكمال قدرته، فأمره نافذ بلا مانع { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } (يس:82).
وقدرة الله تعالى قدرة حقيقية، فهو قادر لا بقدرة ممنوحة له، وغير الله قادرين مجازاً، لأنهم قادرين بقدرة ممنوحة لهم؛ فهم في الواقع مُقدرين. فكل ما سوى الله قادر بما جعل الله له من القدرة، وقادر على ما أقدره الله فقط.

3. الله تعالى عالم:
__________
(1) المقيت هو المقتدر.

(1/53)


ومعنى أنه جل جلاله عالم، هو إنه تعالى لا يخفى عليه شيء مما كان أو مما سيكون، من الأمور. فكل شيء، وكل مخلوقاته حاضرة لديه، لا يعزب منها شيء. { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } (الأنعام:59). وقال تعالى { وما تكون في شأن وما تتلو منه قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } (يونس:61)
أما دليل علمه تعالى فهو ما نشاهده ونعرفه من إحكام الخلق، وهذا يدل على أن كل شيء حاضر لديه. وقد قال تعالى { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } (الملك: 14)، { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } (الأنعام:59)، { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } (سبأ: 3).
والقرآن قد عبر عن علم الله بخلقه بأكثر من عبارة؛ منها بكونه حكيماً وسميعاً وبصيراً، وحفيظاً، وشهيداً، وخبيراً، ومحيطاً، ومهيمناً.
فمعنى إنه تعالى حكيم أنه عالم؛ إلا أنه قد يراد به معنى آخر وهو أن أفعاله كلها واقعة على وجه الإحكام، والنظام، ومطابقة المنافع.
ومعنى إنه تعالى السميع البصير هو إنه العالم. قال تعالى: { والله بصير بالعباد } (آل عمران:5) أي عالم بهم، محيط بكل أمرهم، مطلع على خفي سرهم. وقال تعالى: { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم } (الزخرف:80)، أي يعلم ما في سرهم وما في نجواهم.

فائدة:
السميع قد يكون بمعنى العليم؛ كقوله تعالى { نسمع سرهم ونجواهم } (الزخرف:80).

(1/54)


وقد يكون السميع بمعنى مجيب الدعوات؛ وذلك في مثل قوله تعالى { إنك سميع الدعاء } (آل عمران:38)، أي إنك مجيب الدعاء. فلم يرد الداعي هنا أن يقرر إن الله تعالى سمع دعاءه، فحسب وإنما أراد إنه يستجيب له.
كما يكون السميع بمعنى الذي يقبل؛ ومنه قول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي قبل الله ممن حمده. وقوله تعالى { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } (المجادلة:1).

ومعنى إنه تعالى حفيظ هو إنه العالم بأفعال وأمور الخلق والعباد، فلا يضيع منها شيء.
ومعنى إنه تعالى شهيد هو إنه تعالى غير غائب عن أحوال خلقه، بل هو عالماً بها وبحقائقها عِلْم المشاهد لها.
وكذلك معنى إنه تعالى خبير هو إنه عالم بالأمور.
ومعنى إنه تعالى محيط هو إنه تعالى عالم بها، وبكل تفاصيلها، لا يخرج عن علمه شيء منها. وهذه العبارة أيضاً تستعمل في معنى إنه تعالى قادر.
ومعنى أنه تعالى مهيمن أنه رقيب على كل شيء، حافظ له.
4. الله تعالى حي:
ومعنى الحي في حقه تبارك وتعالى هو الذي يجوز منه الفعل والتدبير بأكمل ما يكون، والذي لا يعتريه موت ولا فناء. ودليل حياته هو كونه قادراً، فاعلاً، عالماً، وهذه لا تصح إلا من حي، فالميت لا فعل له، بل العلم والقدرة فرع على كمال الحياة. { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } (البقرة:255) والقيوم: هو الدائم الذي لا يزول، أو الباقي.
وهو تعالى الحي حقيقة، وغيره الحي مجازاً لأن غيره مُحيا، أما هو فحي بذاته.

5. الله تعالى واحد.
ومعنى الواحد في حقه عز وجل مجموع ما يلي:
الذي لا مثيل له ولا نظير ولا كفؤ.
الذي لا يصح فيه التركيب.
الذي لا يصح أن يكون له ثاني.
الذي لا يشبه شيئاً من خلقه(1).
فهذه الأربعة هي أركان التوحيد، وبدون أحدها يختل ميزانه. وما يلي تفصيل كل واحدة منها، ومن الله تعالى العصمة والتأييد.
__________
(1) يلاحظ المتأمل التداخل بين هذه الأربعة أمور، وتم فصلها للإيضاح لا غير.

(1/55)


أ. الذي لا مثيل له ولا نظير ولا كفؤ.
فكل صفة نصف الله تعالى بها، لا يوصف بها سواه إلا بملاحظة فرق بين الوصفين:
فالله هو الواحد في الألوهية؛ وكل إله سواه مخلوق.
وهو الواحد في القدم وكل ما سواه محدث.
وهو الواحد في الربوبية وكل رب سواه مربوب.
وهو الواحد في القدرة وكل قادر سواه عاجز.
وهو الواحد في العزة وكل عزيز سواه ذليل.
وهو الواحد في مُلكه وكل ملك مسلوب مُلكه.
وهو الواحد في مِلكه وكل مالك سواه مملوك.
وهو الواحد في علمه وكل عالم سواه يجهل.
وهو الواحد في حياته وكل حي سواه يموت.
وهو الواحد في كبريائه وكل كبير سواه صغير.
وهو الواحد في فعله الذي لم يصنع أحد كصنعه.
وهو الخالق على الاستقلال أما خلقه فلا يخلقون(1) إلا بما أقدرهم الله تعالى من القدرة المحدودة التي منحهم إياها.
قال الله تعالى { ولم يكن له كفؤاً أحد } (الأخلاص:4).

ب. الذي لا يصح فيه التركيب.
الله تعالى ليس كخلقه فيهم الأعضاء والخلايا والذرات التي يتكامل بعضها ببعض، بل هو أحد لا تركيب فيه جل وعلا.
والتركيب لا يجوز على الله تعالى وذلك من حيث أن التركيب من صفات الأجسام، والله ليس بجسم.
ثم إن التركيب يتنافى مع الغِنى، لأن المركب يحتاج إلى ما تركب منه، وقد قال الله تعالى { قل هو الله أحد } (الإخلاص:1).
وقد ذهب جمع من المسلمين إلى أن له تعالى أعضاء؛ مثل اليد، والوجه، والجنب، والساق، والعين، والأذن، وغيرها. ولأن هؤلاء يدركون أن القول بأن لله تعالى أعضاءاً ينافي الإيمان بتوحيده وتنْزيهه، فهم يقولون هذه ليست أعضاءاً، وإنما صفات له نؤمن بها كما وردت بلا تكييف.
وقوم قد شبهوه بخلقه وتستروا من شنع الورى بالبلكفة(2)
__________
(1) نسبة الخلق إلى الإنسان مما يستشكله بعض الناس، وسيأتي توضيح للمسألة لاحقاً.
(2) البيت للزمخشري رحمه الله تعالى.

(1/56)


وقد ذهبوا هذا المذهب متأثرين بنوازع موجودة عند البشر منذ الأزل وهي تقريب المعبود، وتنْزيله من مقامه السامي إلى مقام الأجسام التي يألفها الناس. ثم إنهم احتجوا بآيات، حرَّفوا ظاهرها وفسروها بغير ما أراد الله تعالى منها. وسنأتي عليها جميعاً في قسم الآيات المتشابهة إن شاء الله تعالى.
ج. الذي لا يصح أن يكون له ثانٍ.
ويلاحظ هنا قولنا "لا يصح"، فلا ننفي عنه تعالى النظير أو المماثل فحسب، بل ننفي الصحة العقلية لذلك، بخلاف قولنا عن أي شيء آخر: هذا واحد؛ لأن كل ما هو واحد في نفسه يمكن أن يكون له ثانياً. مثال ذلك قولنا: الكوكب المأهول واحد؛ فإنه واحد في نفسه، ولكن لا يمتنع عقلاً تكراره. فلا نقول الكوكب المأهول واحد، بمعنى أنه لا يصح أن يكون له ثانٍ، بل بمعنى أن ليس هناك في الواقع المعلوم إلا كوكب مأهول واحد. قال الله تعالى { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء:22)

د. الذي لا يشبه شيئاً من خلقه.
التشبيه يدور مدار إثبات أن الله تعالى جسم، أو أنه عرض(1)، أو أنه متصف بصفة من الصفات التي تلازم الأجسام. ونفي التشبيه يتلخص في نفي هذه الأمور الثلاث.
وقضية نفي أن يكون الله جسماً أو متصفاً بلوازم الأجسام، قضية مهمة جداً؛ لأنَّ فيها وقع الخطأ من كثير من المسلمين، فشبهوا الله وجسموه. وكان لهم في ذلك اتجاهات وتيارات متعددة، التقت جميعاً عند وصفه تعالى بصفات تلازم الأجسام، ولم يدركوا الفرق بين الخالق والمخلوق؛ كما لم يدركوا أن إثبات التجسيم ينسف نسفاً كاملاً جميع الأدلة التي أقيمت لإثبات وجود الباري جل جلاله.
__________
(1) الجسم هو ما ذهب في جهات؛ والاعراض هي ما يقع على الجسم من الألوان، والطعوم، والروائح، والاعتمادات، والتأليفات، والأصوات، والآلام، والاعتقادات، والإرادات، والكراهات، والظنون، والأفكار.

(1/57)


ونفي التشبيه والتجسيم، واضح وقريب إلى ذهن من أخلص لله تعالى. ذلك أننا نعلم أنه ليس في الوجود إلا أجسام وأعراض. ومن شبه الله تعالى إنما يشبهه بالجسم، أو ينسب إليه بعض الأعراض.
وكل جسم وكل عرض مُحدثان.
والله تعالى ليس مُحدث.
فهو لا يمكن أن يكون جسماً ولا عرضاً.
فهو إذن لا يشبه شيئاً من خلقه.
وقد قال جل جلاله { ليس كمثله شيء } (الشورى::11). فنفت نفياً مؤكَّداً المثل له.
إذن هو تعالى ليس بجسم ولا عرض، ولا يجوز عليه شيء من لوازم الأجسام والأعراض، التي هي الحركة والسكون والمكان والانتقال والحلولية والتركيب.
ولكن المجسمة قالوا: إنه تعالى جسم ولكن لا كالأجسام؛ ثم أضافوا إليه الأعضاء من وجه، ويد، ورجل، وعين، وجنب، وغيرها من الأعضاء. ثم أضافوا إليه توابع الأجسام، فقالوا: إن له مكاناً، وذلك المكان في السماء فوق العرش. وإنه يجلس عليه، ويُبقى قليلاً من المسافة ليجلس بقربه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقالوا إنه سبحانه وتعالى يُرى في الآخرة، وقالوا إنه تعالى يتحرك فيَنْزل من فوق عرشه إلى السماء الدنيا، وإنه ينْزل وسط غمام، وإن الملائكة تحمله على عرشه. ثم قالوا: إنه تعالى يضحك، ويعجب، ويحب، ويسخط، كما نضحك ونعجب، وكما نحب ونسخط(1)…فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
__________
(1) نعم يقولون يليق بجلاله، ولكن هذا لعب بالألفاظ فإما نثبت الأمر أو ننفيه ولا واسطة لأن النبي والصحابة لم تكن تقول ضحكاً يليق بجلاله.

(1/58)


وقد احتجوا لمذهبهم هذا ببعض الآيات التي لا تدل على تلك المعاني الفاسدة، إلا لمن عمي قلبه عن الحق، وكابر ربه واتبع هواه، فحرفها عن ما أراد الله تعالى منها. أيضاً اعتمدوا على أحاديث لم يسمع بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم تخلق إلا من عهد معوية وأصحاب معوية. وسأشير إلى هذه الآيات في قسم الآيات المتشابهة، إن شاء الله تعالى، دون الأحاديث النبوية لأن ضعف أسانيد رواياتهم يغني عن البحث في معانيها.
وقد قالت المجسمة: إن المسلمين اتفقوا على أن الله تعالى شيء لا كالأشياء؛ فلم لا يصح أن نقول: إنه تعالى جسم لا كالأجسام.
وقد ذهبوا إلى هذا القول، لعلمهم بأنه لا يمكن أن ننسب إلى الله تعالى الأعضاء والحركة، إلا إذا جوَّزنا عليه سبحانه أن يكون جسماً. فقَبِل أولئك المشبهة هذا، وجوَّزا عليه الجسمية. ولكنهم يدركون شناعة وقبح هذا القول، فسعوا إلى أن يخففوا من ذلك بأن قالوا: الله جسم، ولكن لا كالأجسام؛ ووضعوا مشابهة بين هذه العبارة، وبين قولنا: الله شيء لا كالأشياء.
ويتضح خطأهم بالتأمل فيما يلي:
الجسم هو ما ذهب في الجهات.
فقولهم عن الله إنه جسم إثبات لحقيقة الذهاب في الجهات لله.
فإذا قالوا عن الله بعد ذلك: إنه جسم لا كالأجسام، فيكون قولهم " لا كالأجسام" على معنى من المعاني التالية:
إما أن يكون نفياً لحقيقة الذهاب في الجهات؛ فتكون عبارة (( جسم لا كالأجسام )) متناقضة، لأنها أثبتت الذهاب في الجهات، في أولها، ونفته في آخرها.
إما أن يقصدوا بلفظ "جسم"، معنى غير الذهاب في الجهات، فتكون العبارة على هذا لا معنى لها.
وإما أن يقصدوا من قولهم "لا كالأجسام" نفياً لمشابهة الله تعالى للأجسام من حيثيات غير الذهاب في الجهات. أي يقصدوا إثبات أن الله تعالى جسم يذهب في الجهات، ولكنه يتميز عن بقية الأشياء التي تذهب في الجهات بأمور أخرى. فتكون هذه العبارة تشبيهاً محضاً .

(1/59)


أما "شيء" فكلمة يُشار بها إلى ما يصح الإخبار عنه والعلم به؛ فكل ما يصح الاخبار عنه أو العلم به يصح أن نقول إنه شيء. والله تعالى يصح أن نقول إنه شيء بذلك المعنى.
أما في قولنا: شيء لا كالأشياء؛ فنحن نثبت أولاً أن الله تعالى يُعلم، وأنه تعالى يُخبر عنه؛ ثم ننفي كونه تعالى كالأشياء الأخرى التي تعلم والتي يخبر عنها.
ولا بد من التمييز بين الجواز العقلي أو اللغوي من جهة، وبين الجواز الاجتماعي من جهة أخرى. فكلمة شيء من الناحية اللغوية لا تمنع إطلاقها عليه تعالى فيصح عقلاً إطلاق شيء عليه؛ أما من الناحية الاجتماعية فكلمة "شيء" قد تستعمل في ما هو مستحقر أو صغير الشأن؛ فقد لا يصح في مثل هذا المجتمع القول بأن الله تعالى شيء، لأنها عند مستعمليها تفيد معنى لا يجوز نبسته إليه تعالى. أما القرآن الكريم فقد أطلق لفظ شيء عليه تعالى وذلك في قوله { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم } (الأنعام:19).

أيضاً قالوا: لما جاز أن تقولوا: الله قادر لا كالقادرين، وحي لا كالأحياء، وعالم لا كالعالمين؟
والواقع إن من لم يراقب الله تعالى في أعماله، ولم يدقق فيما يتَقوَّله على الله تعالى، يقول مثل هذا القول الصادر عن عدم تأمل فيما يليق بالله تعالى.
إن قولنا: الله قادر لا كالقادرين؛ إثبات أن الفعل يصح منه تعالى، ثم بقولنا: لا كالقادرين أثبتنا أن ذاته تعالى غير ذوات بقية القادرين. فليس في قولنا الله تعالى قادر كلام في الذات، إنما هو في ما يصح من الذات، وبين الأمرين فرق كبير، كبير، كبير. ومثل ذلك قولنا الله عالم لا كالعالمين، فليست هذه إلا إثبات أن كل أمر ظاهر له تعالى لا تخفى عليخ خافية. وليس هذا كلام في ذات الله تعالى، وهكذا في بقية الصفات. أما قولهم جسم، فإثبات لحقيقة الذات أنها جسم. وعسى أن يتضح بهذا الفرق بين العبارتين، والحمد لله رب العالمين.

(1/60)


ويتفرع عن نفي الجسمية مجموعة من الأمور المهمة وهي ما يلي:
1. إن الله تعالى لا يحتاج؛ أي هو الغني. فالله سبحانه وتعالى مُنَزه عن الحاجة تنْزيها كاملاً ومطلقاً. فلا يحتاج إلى أي أحد، ولا إلى شيء. وذلك لأن الحاجة من لوازم الأجسام، والله تعالى ليس بجسم، فهو لا يحتاج. وقد قال الله تعالى { إن الله لهو الغني الحميد } (الحج:64).
2. والله تعالى لا مكان له. لأن المكان من ملازِمات الجسمية، والله تعالى ليس بجسم. ثم إنه تعالى خالق المكان، فكيف يكون له المكان؟ وقد كان الله تعالى ولا مكان، فكيف نقول إنه قد صار له مكان.
أ . وعلى هذا فليس الله في السماء. وكوننا نرفع أيدينا إلى السماء لا يدل على أنه تعالى في السماء، بل إن السماء قبلة الدعاء، كما كانت الكعبة قبلة الصلاة؛ فهل يقول مسلم بأنه تعالى في الكعبة؟!!
ب. كما إن الله ليس على العرش، بمعنى أنه جالس عليه، أو أنه فوقه، بل لا يجوز أن ينسب إليه أي مكان على الاطلاق.
ج . والله تعالى لا يشار إليه بفوق، ولا تحت، ولا جهة له على الإطلاق، ولا نقول إنه خارج العالم، كما لا نقول إنه فيه؛ لأن هذا كله من صفة الجسم المخلوق.
وعندما ننفي الجهة والمكان عليه تعالى قد يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: كيف لا يكون لله تعالى أي مكان؟ وكيف لا يكون له جهة؟ وكيف تكون ذاته تعالى ليست خارجة عن العالم؟ ولا داخله فيه؟

(1/61)


نعم، إن هذا الأمر غير متصور لنا، ولكنه معقول. وبين الأمرين فرق. فالذي لا يُتصور هو الذي يستحيل أو يصعب توهمه وتخيله في الذهن؛ أما الذي لا يُعقل فهو الذي ترفضه الأدلة العقلية. نحن لا نتصور شيئاً خارج المكان، ولكن القول هذا لا يعارض دليلاً عقلياً، بل الدليل العقلي يؤيد أنه تعالى ليس في مكان. فإننا نعلم أنا لو أثبتنا أنه تعالى خارج العالم ـ بمعنى الجهة ـ لأثبتنا له تعالى الجهة وهذا مستحيل؛ ولو أثبتنا أنه تعالى داخل العالم لأثبتنا عليه ما هو مستحيل؛ فكان الصواب نفي الأمرين، إذ هو تعالى ليس كمخلوقاته ليجب علينا أن نثبت له الجهة والمكان.
3. ويستحيل عليه تعالى التغير، فذات الله تعالى هو هو لا يتغير، لأنه ليس مما شأنه أن يتغير، إذ التغير من خصائص الأجسام، والله تعالى ليس بجسم. فلا يصح أن نقول إن الله تعالى يصيبه الألم ولا اللذة، ولا الشهوة ولا النفار، لأن هذه كلها تغيرات تصيب الذات، والله يتعالى ويتنَزه عنها.
أما قولنا: الله تعالى يخلق، والله تعالى لا يخلق، ونحوها من الصفات الفعلية فهذا ليس من قبيل التغير في الذات؛ إذ الكلام فيها عن فعله جل جلاله وليس عن ذاته. والذات لا يتغير بمجرد صدور الفعل عنه.
4. والله تعالى لا يصح أن يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، لأن الرؤية لا تجوز إلا على الأجسام؛ ثم لقوله تعالى { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } (الانعام:103)، ولإجماع أئمة أهل البيت على هذا الأمر، وإجماعهم حجة شرعية كما سنبين.
ومن أثبت الرؤية سعى إلى صرف الآية عن ظاهرها، وسيأتي التفصيل على هذا الأمر في قسم الآيات المتشابهة إن شاء الله تعالى.
5. والله سبحانه وتعالى لا تجوز عليه الحركة ولا السكون. فلا يقال: إنه يتحرك، كما لا يقال: إنه ساكن؛ لأن الحركة والسكون من خصائص الأجسام، والله تعالى ليس بجسم، فلا يجوز أن يطلقان عليه.

(1/62)


وقول المجسمة إن النصوص قد دلت على أنه تعالى يتحرك مبني على أصلهم من جواز كون الله جسماً، لذا لم يسعوا إلى التأمل في تلك النصوص، وإدراك المعاني الواضحة فيها.
6. والله تعالى لم يلد ولم يولد، لأنه يستوجب الانفصال وهذا من ملازمات الأجسام وقد قال تعالى : { لم يلد ولد يولد } .

ما سبق الصفات التي يجب أن نثبتها لذات الله تعالى؛ وهي أنه تعالى: موجود، قديم، لا يفنى؛ عالم، قادر، حي؛ واحد. وقد وصف الله تعالى نفسه في كتابه العزيز بجملة من الصفات، تعود كلها عند تحليل معناها إلى هذه الصفات. وقد ذكرت بعضها في ما سبق، وما يلي بعض منها:
الله هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، ذو الجلال والإكرام، العلي، العظيم، العزيز، الحميد(1)، الصمد(2)، الجبار، القدوس(3)، السلام(4)، المتكبر، الحق(5).
وبمعرفتها وإثباتها، نكون قد حققنا قسماً كبيراً من إيماننا بأن لا إله إلا الله. ولتحقيق القسم الباقي من إيماننا بألوهية الله تعالى، فلا بد من أن نثبت أن الله تعالى حكيم؛ بمعنى أنه تعالى: لا يفعل الظلم، ولا يفعل الكذب، ولا يفعل العبث؛ ولا يكتمل إيماننا إلا بها. وهذه المسألة الأخيرة، هي ضمن ما يبحث عن الكلام في أفعاله جل جلاله، لذا سيتم التفصيل فيها هناك، والله الهادي إلى صراطٍ مستقيم.
نسأل الله أن نكون قد وفقنا للعلم بالصفات السابق ذكرها كما يريد الله منا، كما نسأله أن يوفقنا إلى العمل بمقتضاها.

الباب الثاني: الكلام في أفعاله جل وعلا.

ما سبق كان الكلام حول صفات ذات الله جل وعلا. وننتقل الآن إلى الكلام في أفعاله سبحانه وتعالى.
والكلام فيها يكون من جهتين:
__________
(1) ذو الحمد المستحق له.
(2) السيد الذي قد انتهى سؤدده فالناس يقصدونه ويعتمدونه.
(3) المطهر والمنزه عن كل نقص.
(4) والسلام من الآفات التي تلحق بخلقه.
(5) الله حق وكل معبود دونه باطل؛ وهو الحق وكل ما سواه زائل.

(1/63)


الجهة الأولى: بيان ما تشترك به جميع أفعاله. وفيه يتم بيان كل مما يلي:
إن أفعال الله تعالى هي مخلوقاته.
إن أفعال الله تعالى مُحدثة.
في وصفنا لله تعالى باعتبار أفعاله.
إن الله تعالى يفعل بعض أفعاله بواسطة بعض خلقه.
إن أفعال الله تعالى ليست كأفعال خلقه.
إن أفعال الله تعالى لا تحصى ولا تحصر أجناسها ولا أعيانها.
إن أفعال الله تعالى حسنة لا قبح فيها.
إن أفعاله تعالى فينا كلها لصلاحنا.
الجهة الثانية: بيان ما نعلمه من أفعاله تعالى فينا. وفيه ما يلي:
بيان مصدر معرفة أفعال الله تعالى فينا.
تعيين بعض أفعال الله فينا.
أ. تعيين بعضها على وجه الإجمال.
ب. تعيين بعضها على وجه التفصيل.
ج. بيان ما لم يفعله الله مما يظن الناس أنه فعله.
بيان معنى إرادة الله.

وسنبدأ بالكلام على قضايا الجهة الأولى.
أولاً: إن أفعاله تعالى هي نفس مخلوقاته.
مؤدى هذه العبارة هي أننا، والسموات والأرض، وما بينهما، أفعالٌ لله جل جلاله.
فأفعال الله تعالى هي ذاتها الآثار التي نراها وندركها، وليس الفعل منه تعالى شيء والمفعول شيء آخر.
ثانياً: إن أفعاله تعالى مُحدثة غير قديمة.
يتضح هذا الأمر مما سبق، فنحن أفعال الله تعالى، ونحن محدثون بلا ريب. فكل فعل من أفعاله تعالى غير قديم.
فأفعاله كانت عدماً ثم أحدثها الله تعالى. إذ إنه تعالى لم يخلق، ثم إنه خلق. ولم يرزق ثم رزق. ولم يغفر ثم غفر وهكذا.
ثالثاً: في وصفنا لله باعتبار أفعاله.
لإيضاح هذا لا بد من توضيح ما يلي:
إن الله تعالى يوصف باعتبار صفات ذاته، ويوصف باعتبار أفعاله. فوصفنا له باعتبار صفات ذاته هو نحو وصفنا إيَّاه بأنه عالم، وقادر، وحي. أما وصفنا له باعتبار أفعاله فهو نحو وصفنا إيَّاه بأنه خالق، وراحم، ورازق، ومنتقم.

(1/64)


وقولنا إنه تعالى عالم يفيد أن الذات عالم؛ وقولنا إنه تعالى قادر يفيد أن الذات قادر؛ وقولنا إنه تعالى حي يفيد أن الذات حي. أما قولنا إنه تعالى خالق، فهو يفيد أنه تعالى خلق، كما قد يفيد إنه تعالى قادر على الخلق؛ وقولنا إنه تعالى رازق فهو يفيد أنه تعالى رزق، أو إنه تعالى قادر على الرزق؛ وقولنا إنه تعالى رحيم يفيد أنه تعالى رَحِم، أو إنه تعالى قادر على الرحمة. وقولنا يا قادر هو دعاء لله باعتبار أن ذات الله قادر، وقولنا يا حي هو دعاء لله باعتبار أن ذات الله حي. أما قولنا يا رازق فهو دعاء لله باعتبار أنه يفعل الرزق أو أنه قد فعل الرزق؛ وقولنا يا رحيم هو دعاء لله باعتبار أنه قد رحم، أو أنه قد يرحم.
ولا يمكن بأي حال من الأحول أن نقول إن الله تعالى لم يكن قادراً، ولم يكن عالماً، ولم يكن حياً، لأن هذه صفات للذات، والذات هي هي لم تتغير.
ولكن يصح أن نقول إنه تعالى لم يكن خالقاً، ولم يكن رازقاً، ولم يكن غافراً؛ لأنه تعالى لم يخلق ثم خلق، ولم يرزق الخلق إلا بعد أن خلقهم، ولم يغفر لهم إلا بعد أن كلَّفهم وعصوه، أو قصَّروا في حقه ثم استغفروا.
فالصفات التي نصف الله بها باعتبار أفعاله إنما تطلق على الله تعالى بعد صدور الفعل منه. فلمَّا يفعل الله فعلاً، يُسمَّى الله باعتبار صدور ذلك الفعل منه بإسم لم يكن يطلق عليه. فالله عندما خلق الخلق سمي باعتبار هذا الفعل خالقاً. والله عندما أنزل الخير والنعم على خلقه سمي الله تعالى باعتبار هذا الفعل منعماً أو راحماً، أو رازقاً.
ويصح أن يوصف الله تعالى باعتبار فعل، وإن لم يصدر عنه؛ ولكن بمعنى أنه تعالى قادر على إحداث ذلك الفعل.

(1/65)


والمشكلة هي أن بعض المسلمين ظن أن هذا القول يعني أن صفات الله تعالى تتجدد؛ فصار الله خالقاً بعد أن لم يكن خالقاً، وصار راحماً بعد أن لم يكن راحماً. والحق هو إن لديهم شبهةً نشأت من عدم التمييز بين ذات الله تعالى، وبين أفعال الله تعالى؛ وبين وصْف الله باعتبار فعله، وبين وصْف الله باعتبار ذاته. فوصْف الله باعتبار ذاته يفيد صفة ذات الله؛ ولكن وصف الله باعتبار فعله يفيد أن الله قد فعل، ولا شك أن أفعال الله متجددة، فلا مشكلة في القول بأن صفات الله الفعلية تتجدد، لأن تجددها يفيد التجدد في أفعال الله، وليس التجدد في ذات الله. وأرجو بعد هذا التكرار أن تكون القضية قد اتضحت، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
رابعاً: إن الله يفعل بعض أفعاله بواسطة بعض خلقه.
إذا أراد الله شيئاً فذلك الشيء واقع لا محالة، لأن قدرة الله تعالى لا يقف أمامها أي شيء. ولكن الله تعالى قد يفعل الفعل مباشرة، وقد يفعل الفعل بواسطة أحد خلقه.
فمما فعله الله تعالى مباشرة هو خلق أصل هذا العالم، وخلق آدم وغيرها من الأفعال التي لا نحيط بأقل أقلها علماً.
ومما يفعله الله بواسطة خلقه هو نحو إنبات النبات { ينبت لكم به الزرع } (النحل:11) فالله ينبت النبات ولكن بواسطة الماء. ونحو حركة السفن بالرياح { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة } (يوتس:22)، وقوله تعالى { إن يشأ يسكن الرياح فيظللن رواكد على ظهره } (الشورى:33) فبينت الآيتان أن الرياح هي السبب في حركة السفن.
خامساً: إن أفعال الله تعالى ليست كأفعال خلقه.
بين أفعال الله وأفعال العباد اختلافات، أبرزها ما يلي:
أفعال الله تعالى لا تحتاج إلى هَمٍ، ولا إلى حركة، ولا إلى تفكير، ولا إلى تخطيط { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } (يس:82).
وقال الإمام علي عليه السلام:
(( فاعل لا بمعنى الحركات والآلة ))
وقال سلام الله عليه:

(1/66)


((أنشأ الخلق إنشاءاً وابتدأه ابتداءاً، بلا رويِّة أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها…))
أما الأفعال الاختيارية لمخلوقات الله تعالى؛ فلا تقع منهم إلا بعد تفكير، وهمٍّ، ثم حركة، واستعمال آلة…
أيضاً أفعال الله تعالى أجسام نحو الجبال، والأرض، والماء، والنجوم...؛ وأعراض نحو الحرارة، والهيئات. وأما الإنسان فلا يستطيع أن يفعل أي جسم، ثم لا يستطيع أن يحدث إلا الحركة، وبعض الهيئات، وبعض الخواطر.
سادساً: إن أفعال الله تعالى لا تحصى ولا تحصر أجناسها ولا أعيانها.
قال الله تعالى { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي } (الكهف:109)، وقال تعالى { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } (لقمان:27)، وكلمات الله تعالى هي أفعاله، بدليل قوله تعالى عن عيسى عليه السلام { إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } (النساء: 171). فعيسى كلمة الله تعالى، وهو خلق من مخلوقاته، وفعل من أفعاله.
سابعاً: إن أفعاله تعالى حسنة لا قبح فيها.
هذا هو معنى قولنا إنه تعالى حكيم. وهذا المبحث لهو أهم المباحث المتعلقة بأفعال الله تعالى، وأخطرها أثراً، ولذا يحسن التأمل فيها كثيراً.
قد سبق أن قلنا إن الأفعال القبيحة إنما تقبح للصفة التي وقعت عليها؛ فالقتل قد يكون حسناً، كما قد يكون قبيحاً؛ والفرق إنما يظهر بالنظر إلى سبب القتل. كما قلنا إن فاعل الفعل لا علاقة له بالحكم على فعلٍ بالحسن أو القبح؛ فالفعل القبيح يقبح من العبد، كما يقبح من الله تعالى. كما قد أشرت إلى أن الله تعالى لا يفعل الفعل القبيح لأنه يَقبُح منه. وفيما يلي عرض موجز للمسألة، ولأدلتها، ولأهم ما ينتج عنها من قضايا.

الدليل على أنه تعالى لا يفعل القبيح.
الدليل على أنه تعالى لا يفعل الفعل القبيح هو ما يلي:
إن الله تعالى عالم بأن فعل القبائح قبيح.

(1/67)


وإن الله تعالى غني، غير محتاج إلى فعل القبائح.
وإن الله تعالى عالم بأنه غني غير محتاج لفعل القبيح.
ولا يتصور مِمَّن هو غني عن القبيح، وعالماً بقبحه، وعالماً بغناه عن القبيح؛ لا يتصور ممن شأنه هذا أن يفعل القبيح.
فالنتيجة هي إن الله تعالى لا يفعل القبيح.
وعندما نصف الله تعالى بأنه عدل حكيم، فهذا الوصف لا يتجاوز المعنى السابق، أي إنه لا يفعل القبيح لغناه عنه، ولعلمه بغناه عنه.
ولا ننكر أنه تعالى قادر على فعل القبيح، فهو سبحانه قادر على الظلم، وهو سبحانه قادر على الكذب، وهو سبحانه قادر على العبث؛ ولكننا نجزم جزماً قاطعاً، لا شك فيه، بأنه تعالى لم يفعل، ولن يفعل أي فعل قبيح { فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } (الجاثية: 36-37)

الخلاف بين المسلمين حول عدل الله تعالى وحكمته.
ولقد اتفق المسلمون على أنه جل جلاله عدل؛ ولم يقل أحد إنه ظالم. كما اتفقوا على أنه تعالى حكيم؛ ولم يقل أحد إنه غير حكيم، أو إنه يفعل البعث، أو إنه يكذب. ولكن الخلاف وقع في تفسير معنى عدل الله وحكمته.
فقال أئمة أهل البيت، والمعتزلة، والإثنا عشرية: إن الله تعالى عدل حكيم بمعنى أنه تعالى لا يفعل القبيح لِغناه عنه.
وقال بقية الفرق الإسلامية: إن الله تعالى عدل حكيم بمعنى أن كل ما يفعله هو عدل، وهو حكمة؛ حتى قالوا: لو أنه تعالى أدخل أبا جهل، وأبا لهب، وفرعون، وجميع طواغيت الأمم الجنة، ثم أدخل محمداً، وعيسى، وموسى، وجميع الأنبياء والرسل النار لكان هذا عدلاً وحكمةً(1)!!.
__________
(1) قد لا يُصدق القارئ الكريم أن مِن المسلمين مَن قال بهذا، ولكنه هو الواقع. ومن أراد التحقق فليعد إلى أي كتاب من كتب العقيدة لدى الأشعرية، أو الماتريدية، أو الإباضية، أو أهل الحديث.

(1/68)


أيضاً قالوا: إن الله تعالى ليس له غرض في الخَلْق، ولم يعدوا هذا من العبث المذموم. والأمر الذي لم يمكنهم أن ينسبوه إلى الله تعالى هو الكذب، لأن إثباته هدم الدين والقرآن.
وقد دخلت عليهم الشبهة حين تصوروا أن معيار الظلم هو التصرف في ملك الغير؛ فقالوا نحن ملك لله تعالى، وله التصرف فينا كما يشاء.
كما ظنوا أن الفاعل لا يكون له غرض من فعله إلا إذا كان محتاجاً؛ فقالوا لو خلق الله الخلق لغرض ومصلحةٍ، لكان الله تعالى محتاجاً لهذا الغرض، ولتلك المصلحة.
ونحن نوافقهم في أننا ملك لله تعالى، ونوافقهم في أنه قادر على التصرف فينا كما يشاء، ولكن لا يعني هذا بأي حال من الأحوال أن الله تعالى يصح منه فعل هذه القبائح، أو أن هذه القبائح لا تقبح منه. فالظلم هو إنزال الضرر ـ بالقيود المذكورة في أول الكتاب ـ ولا علاقة للملكية فيها.
كما نوافقهم في أنه تعالى غني لا يحتاج، ولكن الغرض أو المصلحة من الفعل قد تعود إلى الفاعل، وقد تعود على من وقع عليه الفعل؛ وفي حق الله تعالى لا يمكن أن يعود الغرض والمصلحة من الخلق إليه لأنه غني، ولكنه يعود على خلقه.

قبائح الأفعال التي يتنَزه الله تعالى عنها
فالحاصل هو أن كل فعل من أفعاله تعالى مُنَزه عن القبائح العقلية؛ التي هي الظلم، والعبث، والكذب، والكفر، واعتقاد الجهل، والرضا والإرادة لأحدها:
فليس في أفعاله الظلم.
وليس فيها العبث.
وليس فيها الكذب.
وليس فيها دعوة إلى القبح، أو محبةٍ لقبح، أو إرادةٍ له، أو إجبارٍ عليه، أو خلقٍ له.
أما الكفر فلا يتصور في حقه أصلاً، لأن الكفر يكون في مقابل النعمة وليس من أحدٍ له نعمة على رب العالمين. وكذلك اعتقاد الجهل لأنه تعالى العالم الذي لا يخفى عليه شيء.
وفيما يلي تفصيل لهذه القضية:
1. الظلم.

(1/69)


الله تعالى لا يظلم العباد. وعندما نقول إن الله تعالى لا يظلم نعني أنه لا يفعل الضرر بالغير، بالقيود المتقدم ذكرها في تعريف الظلم. هذه القيود هي :
أن لا يكون في هذا الضرر نفع أعظم منه.
أن لا يكون في هذا الضرر دفع ضرر أكبر.
أن لا يكون هذا الضرر واقعاً على جهة الاستحقاق.
فكل ضرر نازل علينا من الله إما يكون لنفع أعظم منه، أو يكون لدفع ضرر أكبر، أو يكون عقوبة للمتضرر، استحقها بقبيح فعله.
ويجب أن نعتقد بذلك عقيدة راسخة لا تتزلزل؛ وهذا هو الرضا بالقضاء والقدر الذي أُمرنا به في الأحاديث المتعددة. فنحن نرضى بما قدر الله علينا من ضعف، ومن عجز، ومن مرض، ومن آفات، ومن نقص، ومن موت؛ حتى وإنْ كنا لا نحبها، حتى وإن كنا نرغب زوالها. نحن نرضى بها لأنها أفعاله تعالى فينا، ولأن فيها صلاحاً لنا. وليس القضاء والقدر كما يظن كثير من العامة خلق المعاصي.
وفيما يلي تعيين لبعض الأفعال التي نقطع أنه تعالى لم ولن يفعلها، لأنها إن وقعت فستكون ظلماً. واخترت الأفعال التي لها علاقة مباشرة بسلوكنا اليومي.
تكليف ما لا يطاق.
من الظلم التي ننفي وقوعه من الله تعالى هي أنه تعالى يُكلِّف ما لا يطاق. فإنه من الظلم أن يكلف الله العباد بأمور فوق طاقتهم، وفوق ما آتاهم من قدرة، ثم يعاقبهم عليها إن أخلُّوا بها. لأن العقاب الذي يأتيهم من جراء هذا التقصير لا يستحقوه، إذ لا يستحق من أخلَّ بالواجب عقاباً إذا كان الواجب فوق قدرته. وقد قال الله تعالى { لا يكلف الله نفساً إلا ما أتاها } (الطلاق:7) وقال { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } (البقرة:286).
تعذيب من لا ذنب له.
أيضاً مما يُنفى عنه جل جلاله هو أنه يعذب من لا ذنب له، لأن من لا ذنب له لا يكون مُستحقاً للضرر النازل عليه.
وهنا لا بد لنا من التمييز بين تعذيب الله تعالى للعبد، وبين إنزال الضرر عليه.

(1/70)


فالعذاب هو الضرر المحض، الذي ليس فيه أي نفع على الاطلاق. وهذا هو الذي نقول إنه تعالى لا يُنْزله على من لا يستحقه. أما لو كان ضرراً غير محض، فيه خير؛ كدفع ما هو أضر، أو جلب نفع أكبر، فلا يُعد عذاباً، وبالتالي قد يَنْزل على من لا يستحقه، وسيأتي الكلام عليه، إن شاء الله، في الكلام على الآلام.

تعذيب أطفال المشركين
ومما يتفرع عن هذه المسألة هو إنه لا يجوز أن يعذب الله سبحانه أطفال المشركين، بذنوب آبائهم، أو بما كانوا سيعملوه لو أنهم عاشوا.
وهذه المسألة لم تكتسب أهميتها إلا لأن فريقاً من المسلمين قال بهذا القول. ونسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحاديثاً تدل على هذا المعنى. ونحن نقطع بأن كل تلك الأحاديث كذبٌ على رسول الله، أو أنها قد حرفت عن أصلها(1) { ولا يظلم ربك أحداً } (الكهف:49).

تعذيب من التزم بأوامر الله
أيضاً يتفرع عنها أنه لا يصح أن يعذب الله من أطاعه والتزم بأمره، لأن ذلك العبد ينال ضرراً بغير استحقاق { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } (النساء:147).

تعذيب أحد بذنب غيره
أيضاً لا يصح أن يعذب الله أحداً بذنب غيره، لأن فيه إنزال ضرر بغير استحقاق. فالعاصي يستحق العقاب على أفعاله، وعلى نتائج أفعاله، ولا يستحق العقاب على أفعال غيره { ولا تزر وازرة وزر أخرى } (الأنعام:164).

تعذيب المُجبر، أو المسير، أو الملجأ نحو المعصية
ومن الظلم الذي ننفيه عن الله تعالى هو تعذيب العبد الذي ألجأه أو أجبره الله سبحانه على المعصية بأي نحو من الإلجاء أو الجبر.
والحق هو أن الإنسان مُخيَّر، لا فعل لله تعالى في اختياره، ولا فعل لله تعالى في عمله، إلا أنه تعالى هداه النجدين، ومكنه من الأمرين: الهدى والضلال.
__________
(1) سيأتي في الجزء الثاني من الكتاب أن أحد الطرق التي نعرف من خلالها أن الحديث مكذوب على النبي هي مخالفته صريح القرآن، أو صريح العقل.

(1/71)


والجبر على المعاصي فيه قبائح عديدة:
فيه إلجاء إلى قبيح؛ وهذا قبيح، لأن الملجأ إلى المعصية يفعل قبيحاً، وكذلك من ألجأه إليها يفعل قبيحاً.
وفيه تكليف بما لا يطاق؛ لأن الله تعالى قد كلفنا بطاعته، فإذا كلفنا بالطاعة ثم ألجأنا إلى المعصية فهل في وسعنا أن نطيع؟!
وفيه نهي عن أمر فيه إلجاء؛ فذلك لأن الله تعالى نهانا عن المعاصي. فهل يعقل أن ينهانا عنها ثم يلجئنا إليها؟!!
وفيه تعذيب من لا ذنب له؛ لأن الملجأ إلى المعصية لا يصح أن يتحمل نتائج هذه المعصية، فهو لم يعملها باختياره.
وجميعها قبائح لا يتصور صدورها عن الله سبحانه وتعالى.
ويُعبَّر عن هذه المسألة بعبارات عديدة منها:
هل الإنسان مسير أم مخير؟
هل خلق الله أفعالنا؟
هل المعاصي بقضاء الله وقدره؟
وجوابنا عليها جميعاً:
إن الإنسان مخير غير مسير.
والله تعالى لم يخلق أفعالنا.
والمعاصي ليست بقضاء الله وقدره؛ أي لم يخلقها الله ولم يدع إليها.

وقد قال أحد الأشاعرة: إن الله تعالى لم يجبر العبد على معصيته أبداً؛ فكل ما عمله الله هو أنه:
خلق الإنسان.
وخلق له القدرة على المعصية.
وخلق له الإرادة التي بها يختار الخير أو الشر.
وخلق له الاختيار للمعصية.
وخلق له المعصية، التي قد خلق الله له اختيارها.
ثم بعد ذلك يعذبه الله تعالى عليها.
فهذا هو فعل الله فحسب؛ وليس في هذا جبر على المعصية، لأن الفعل الذي خلقه الله قد حلَّ بالإنسان؛ وكان الإنسان عندما حلَّ فيه فعل الله تعالى يملك قدرة ويملك إرادة. فلذا لا جبر، ولا ظلم في هذا!!
فتأمل!! ولا أشك في أن قائل هذه المقولة يجد صعوبة بالغة في الاستسلام لها، ولكن هيبة المشايخ كبيرة، واتباع الهوى يعمي ويصم. وسيأتي مزيد على هذا الموضوع في الفصل الذي يتم فيه شرح معنى التكليف.

2. العبث

(1/72)


فالظلم هو النوع الأول من الأفعال التي يتنَزه الله تعالى عنها. والنوع الثاني من الأفعال التي يتنَزه الله سبحانه عنها هو العبث؛ فالله تعالى لا يعبث.
والعبث هو الفعل الخالي من الغرض والمصلحة، فالله تعالى لا يفعل الفعل بغير نفع يعود إلى خلقه. فكل فعل نراه في هذا الوجود له نفع عظيم، سواء أدركنا هذا النفع أم لم ندركه.
وقلنا إن النفع عائد إلى الخلق، لأن الفعل لا بد فيه من نفعٍ؛ فإما يكون لله أو للخلق. وقد علمنا أن الله تعالى غني عن كل نفع؛ فلا بد إذاً من أن يعود النفع إلى الخلق.

تعظيم من لا يستحق التعظيم
ومن العبث الذي ننفيه عنه تعالى تعظيم من لا يستحق التعظيم؛ لأن لا نفع فيه. وهذه المسألة لها ذيول سيتم ذكرها، إن شاء الله تعالى، في الجزء الثاني من البحث، عند الحديث عن الثواب والعقاب.
الأمر بما لا نفع فيه
ومن العبث أيضاً أن يأمرنا الله تعالى بأمر لا نفع فيه. ولهذه المسألة أهمية كبرى في نظرتنا إلى الأوامر والنواهي الصادرة عن الله جل جلاله؛ فعلينا أن نوقن بأنه تعالى لا يأمرنا إلا بما فيه صلاحنا. وعدم علمنا بوجه الصلاح في ما نقطع بأن الله يريده منا، ينبغي أن لا يكون سبباً لنفي الصلاح فيها.
3. الكذب
والله سبحانه وتعالى لا يكذب. فكل ما أخبرنا عن وقوعه في كتابه صدق لا كذب فيه. وذلك نحو أخبار الملائكة، والجن، والمعجزات، والأنبياء السابقين، وأحوال ما بعد الموت، ونحو ذلك.
وكل ما أخبرنا الله تعالى أنه سيقع، فهو سيقع لا ريب في ذلك. وذلك نحو وعد الله تعالى للمؤمنين من نعيم الجنة فهو واقع لا محالة؛ وكل ما أوعده الله تعالى للفجار، والكفار، والفساق، من العذاب الأبدي واقع لا محالة. وقد ظن البعض أنه يجوز على الله تعالى أن يكذب في أمر الوعيد والعذاب؛ فيهدد العصاة بالعذاب وبعدم المغفرة، ثم يثيبهم يوم القيامة، ويغفر لهم. والحق إنه تعالى لا يكذب؛ لا في وعده، ولا في وعيده.

(1/73)


نسأله تعالى أن يصلي على محمد وآله، وأن يُوفقنا، ويُحسن خاتمتنا، ويدخلنا فسيح جناته، ويجيرنا من عذابه، إنه سميع مجيب.

4. إرادة القبيح، ومشيئته، ومحبته ورضاه
وكما لا يفعل الله تعالى القبيح فهو أيضاً لا يريده، ولا يشاؤه، ولا يحبه، ولا يرضاه.
وذلك لأن كلاً من هذه قبيحة، والله تعالى لا يفعل القبيح.
وكيف يريد الله المعاصي وقد قال { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبهون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } (النساء: 26-27)
فهل أراد الله اتباع الشهوات؟!
وقال تعالى { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } (البقرة:185)
فهل يريد الله لنا المعاصي التي تؤدي إلى النار، التي هي أعسر من كل عسر.
وكيف ينهانا الله تعالى عن أفعال هو يريدها منا؟!
وقد دخلت الشبهة على من زعم أن الله يريد أفعال العباد من وجهين:
الوجه الأول: لما زعم أن الله خلق أفعال العباد. وهذا باطل وسنبينه في محله.
الوجه الثاني: قالوا لو كان الله لا يريد المعاصي، لوقع في ملكه ما لا يريد، ولكان الله سبحانه مغلوباً. وسأجيب على هذا فيما يلي.
فنقول وبالله التوفيق: نعم إنه يقع في ملكه ما لا يريد!! والآية السابقة صريحة في ذلك!!
فقد بينت الآية أنه تعالى يريد أن يتوب علينا، ثم ذكرت عقيب ذلك إرادة أخرى مخالفة هي إرادة الذين يتبعون الشهوات. فهل أصرح من هذا في وقوع ما يخالف إرادة الله تعالى؟!
إننا لا يمكن أن نخالف الله تعالى إذا لم يكن مريداً أن يخلقنا مختارين. ولكن الله تعالى قد خلقنا مختارين، ومكننا من الفعل والترك، وأراد أن يقع الفعل منا بحسب دواعينا؛ سواء وافق أمره ونهيه أم لا. وهذا لمدة قصيرة، بعدها ننتقل إليه، لننال جزاء أعمالنا، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

(1/74)


وهذا الجواب نزولاً عند تفسير البسطاء للإرادة الإلهية، التي ترادف الرغبة عند الإنسان؛ وهذا في نفسه باطل. فهم يتصورن مخالفة العبد للإرادة الإلهية مثلما يتصورون مخالفة أحدنا لإرادة ملك من الملوك. فيتصورن الغم والقهر والشدة التي تلحق الملك عندما لا تكون إرادته نافذة، ويقيسون هذا الأمر على الله سبحانه وتعالى.
أما على التفسير الصحيح للإرادة فالإشكال لا يكون موجوداً أصلاً. وسيأتي هذا التفسير في بيان أفعاله تعالى.
وكذلك الله تعالى لا يشاء المعاصي.
قال الله تعالى { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء } (النحل:35). فقد نصت الآية على أن المشركين افتروا على الله وقالوا بأن الله أراد منهم الشرك؛ فكذَّبهم الله تعالى، وذمهم، مبيناً أنه لم يشأ الشرك منهم. وكيف يشاء الله تعالى ما ينهى عنه؟ وهل هذا القول إلا من قلة النظر؟ ولا شك أننا لا نريد ولا نشاء شيئاً، إلا إذا قد خلق الله لنا القدرة والإرادة، ومكننا من أن نريد وأن نشاء. وعلى هذا يُحمل قوله تعالى { وما تشاؤن إلا أن يشاء الله } (الإنسان:30) فليس لنا المشيئة إلا بأن مُكِّنَّا على ذلك.
وكذلك لا يحب الله المعاصي قال الله تعالى { فإن الله لا يحب القوم الكافرين } (آل عمران:32) فلم يحبهم الله لأنهم فعلوا المعاصي.
كذلك لا يرضى الله عن المعاصي قال تعالى { ولا يرضى لعباده الكفر } (الزمر:7).
أخيرا فإن الله تعالى لا يدعو، ولا يزين، ولا يحبب للناس المعاصي. لأن هذا قبيح والله تعالى لا يفعله. قال الله تعالى { وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان } (الحجرات:7) فهل يكرههم الله على فعل، ثم يدعوهم له؟!

(1/75)


وقد ذم الله تعالى تعالى من يزين المعاصي في قوله تعالى { وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركآؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون } (الأنعام:137) فهل يذم الله من يزين المعصية، ويكون هو سبحانه ممن يزين المعاصي؟!

إشكال على أنه تعالى لا يفعل القبيح
ويثير بعض الناس إشكالات على هذا الأمر، وذلك من جهتين:
الجهة الأولى: يقولوا إنه قد ثبت في القرآن الكريم إن الله تعالى يفعل القبيح، نحو قوله تعالى: { وأضله الله } (الجاثية:23) وقوله تعالى { ويمكرون ويمكر الله } (الأنفال:30) وقوله تعالى { إن كان الله يريد ان يغويكم } (هود:34)؛ ونحوها الكثير.
الجهة الثانية: يقولون قد رأينا بالمشاهدة أفعالاً قبيحة قد فعلها الله، نحو الزلازل والآفات، والبلايا، ونحو ذلك.
والجواب عن الجهة الأول: إنه قد ثبت بما لا يُشك فيه أنه تعالى عدل حكيم؛ وهذه قاعدة عقلية ثابتة. وثبت بأن إضلال الله للعبد ونحوه قبيح؛ وهذه قاعدة عقلية ثابتة. أما ما في القرآن الكريم فهي نصوص تحتمل معان متعددة؛ والذين فهموا منها أن الله يفعل القبيح فهموا ذلك لأنهم اختاروا من المعاني المحتمَلة لتلك النصوص، ما يوافق هواهم من نسبة القبيح إلى الباري. لذا سيكون الكلام معهم في توضيح هذه المعاني الصحيحة، وهذا سيؤجل إلى قسم الآيات المتشابهة.

والجواب على الجهة الثانية: إننا نطلب منهم أن يرجعوا إلى تعريف الظلم، وسيعلمون أن الضرر الذي لا يفعله الله تعالى، هو ما كان بغير استحقاق، ولم يكن فيه نفع. فهذه الزلازل والمصائب التي ترونها لا تكون قبيحة إلا إذا عملها الله تعالى، ولم يعطِ أصحابها منافع كبيرة، أو أعواض على ما أصابهم. أما إذا عوَّضهم فهي غير قبيحة، بل تكون أحسن ما قد أوتيه الإنسان عند مَن يعقل الفرق بين الدنيا الفانية، والآخرة الباقية. وللموضوع بقية في الفصل عن الآلام.

(1/76)


ثامناً: في أن أفعاله تعالى فينا هي لصلاحنا
هذه المسألة واضحة من خلال الكلام السابق. فقد قلنا إنه تعالى لا يعبث. أي إنه تعالى لا يفعل إلا ما هو فيه نفع وصلاح. ونحن نعلم أن الله تعالى غني عن كل شيء، فأي نفع أو صلاح لا يعود إليه أبداً. إذن كل ما يفعله الله تعالى سيعود نفعه وصلاحه علينا.
وكل فعل يفعله الله تعالى بنا هو لصلاحنا سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه. والإيمان بهذه المسألة وما قبلها، من أنه لا ينْزل الضرر بغير استحقاق أو عوض مهمة جداً، لأنها تهون علينا كثيراً من مشاق الحياة التي نواجهها.
ولكن علينا أن ننتبه إلى أن كون أفعاله تعالى لصلاحنا لا يعني أنه لن يعاقبنا، لأن الله سبحانه وتعالى خلقنا لينفعنا، فإذا أبَيْنا أن ننتفع، وأصَرَّينا على تعريض أنفسنا لسخطه فاللوم علينا. { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم } (الحجر: 49-50).
والحمد لله رب العالمين.

الجهة الثانية من الكلام في أفعاله تعالى: بيان بعض أفعال الله تعالى فينا
ما سبق كان الكلام في أهم الأمور المشتركة بين أفعال الله تعالى. وعلينا أن نستحضر تلك الأمور دائماً، خصوصاً ما يتعلق بحسن وقبح أفعاله جل جلاله.
أما الجهة الثانية من الكلام في أفعاله جل وعلا، فهي بيان أفعاله تعالى فينا. وفيها بحثان.
أولاً: مصدر معرفتنا لأفعال الله تعالى
لا يجوز لنا أن ننسب فعلاً إلى الله تعالى إلا بدليل. لأن التَقَوُّل على الله تعالى لا يجوز عقلاً كما لا يجوز شرعاً. عقلاً لأنه اعتقاد جهل وهو قبيح؛ وشرعاً لقوله تعالى { آلله أذن لكم أم على الله تفترون } (يونس:59) ونحوها من الآيات. فإذا نسبنا فعلاً إلى الله تعالى فإننا ننسبه بناءاً على دليل من العقل أو من الشرع. ولا سبيل لنا إلى معرفة أفعال الله غير هذين السبيلين، وبهما يمكن أن نعلم ما قد وقع من أفعال الله تعالى، أو ما هو واقع.
الأفعال التي يعلم العقل أن الله فعلها

(1/77)


المصدر الأول لمعرفة أفعال الله تعالى فينا هو العقل. وتوجد كثير من الأمور التي يمكن للعقل أن يجزم أن الله تعالى هو فاعلها، أو أنه تعالى سيفعلها؛ وذلك نحو كل مما يلي:

1. خلق الأجسام والأعراض
مما نعلم عقلاً أن الله قد فعله هو خلقه الأجسام، وأغلب ما نراه من الأعراض. ذلك أننا بالعقل نثبت أن الفعل لا يكون إلا من قادر مختار. فلا يصح الفعل من الجمادات التي لا تعقل، ولا تعي. فإذا علمنا هذا، فإننا سننفي نسبة أي فعل إلى كل المخلوقات غير القادرة المختارة.
وبالعقل نثبت أن ما حولنا هو أجسام وأعراض؛ ونثبت أن الأجسام وأغلب الأعراض لا يقدر عليها إلا الله تعالى. ونثبت أن الإنسان لا يقدر إلا على الحركة، والخواطر، وبعض الهيئات. وعندها سنعلم أن هذه الأجسام والأعراض خلقٌ لله تعالى.
أما الأفعال التي نشارك فيها، نحو الإنبات والعلاج وغير ذلك فدوْرنا فيها هو دور المُعد، والمهيئ لا غير. فنحن في الإنبات نحرك البذرة، ونحرك التراب، ونحرك الماء، وقد نضيف على التربة بعض المواد، وقد نعالج البذرة بأنواع المعالجة… أما نفس الإنبات فلله تعالى. وكذلك في العلاج، فكل ما نعمله هو تركيب الدواء، أما نفس التأثير الذي يكون للدواء فعائد إلى الله تعالى.
ومعنى كون التأثير عائداً لله، هو أن الخصائص في تلك المخلوقات، إنما جعلها الله تعالى. ثم إنه تعالى مكننا من الاستفادة بهذه الخصائص والتصرف بها حسب ما يمكننا.
أيضاً فجميع النعم التي نتنعم بها هي من فعل الله تعالى لأن ليس بمقدور أحد خلقها من العدم سواه. قال الله تعالى { وما بكم من نعمة فمن الله } (النحل:53).

(1/78)


وكذلك الأمراض، والآفات، والمصائب، التي تنْزل علينا من أفعال الله تعالى فينا لأن خلقها خارج عن قدرتنا. وعلى هذا يحمل قوله تعالى { قل كل من عند الله } (النساء:78) فالسيئة هنا هي المصيبة نحو قوله تعالى { ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقال قد مس أبائنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } (الأعراف: 95).
ولا شك في أن كثيراً من النعم والبلايا التي تصيبنا تقع بسببٍ منا، ولكن ذلك على سبيل الإعداد كما ذكرت. فالله تعالى هو الذي خلق الجسم بحيث أنه يتألم، ويمرض؛ وهو الذي خلق الجرثومة التي تسبب المرض؛ أما نفس وقوع المرض فقد يكون بسبب إهمال من الإنسان، أو بأسباب خارجة عن اختياره.

2. البعثة وصفات المبعوث
مما يعلمه العقل كذلك هو أنه تعالى لا بد وأن يبعث لنا من خلقه أكملهم، وأحسنهم ليدلُّونا عليه. وأدلة ذلك متعددة، خلاصتها أن المطلوب منا عبادة الله تعالى، ولا سبيل لنا إلى معرفة كيفية عبادته إلا بإخبارٍ من الله تعالى؛ ونعلم أنه لم يخبرنا فرداً فرداً، فلا بد من أنه تعالى سيبعث أحد خلقه. ولأنه تعالى حكيم فلن يبعث لهذا الأمر إلاّ أكمل خلقه، ليؤدي عن الله أحسن ما يكون. وسيأتي تفصيل المسألة في كتاب النبوة إن شاء الله.

3. البعث بعد الموت
أيضاً مما نعلم عقلاً أن الله سيفعله، هو بعث الخلق بعد موتهم، وذلك ليميز الله بين المحسن والمسيء، وينصف المظلوم من الظالم. أما تفاصيل أمور الآخرة فلا نعلمها إلا بالخبر من الله تعالى.

أفعال الله التي نعلمها عن طريق النص

(1/79)


والمصدر الثاني لمعرفة أفعال الله تعالى فينا، هي النصوص الصحيحة عن الله تعالى أو عن رسوله صلوات الله عليه وعلى آله. فنثبت لله تعالى كلَّ فعل ثبت له بنصٍ صحيحٍ. وحيث إن الكثير من النصوص الصحيحة تحتمل بحسب اللغة معانٍ متعددة، فالواجب التحري والتشدد في تعيين المعنى الذي أراده الله تعالى من ذلك النص. أيضاً لكثرة الكذب على رسول الله، صلى الله عليه وآله، خصوصاً من المجسمة والمجبرة، فعلينا أن نتشدد في قبول رواياتهم في صفات الله تعالى وأفعاله.

ثانيا: تعيين بعض ما نعلمه من أفعال الله تعالى فينا
بعض ما نعلم من أفعال الله تعالى فينا أنه خلقنا، وخلق لنا كل ما نتنعم به { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء } (الأنعام: 102) { وما بكم من نعمة فمن الله } (النحل:53)
فهو المبدئ وهو المصور.
ونعلم إنه تعالى إذ خلقنا، فلم يخلقنا ويتركنا وشأننا، بل هو القائم على أمورنا { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } (الرعد:33)؛ وهو المربي والمصلح لنا { رب العالمين } (الفاتحة:1). وهو تعالى كافي أمورنا، ومغني حوائجنا { الله الصمد } (الأخلاص:2).
ونعلم أنه تعالى كفانا، وزادنا؛ فهو الوهاب دائماً، وهو الجواد الكريم المجيد الذي يعطي بلا حساب.
وأنه فعل ذلك طولاً منه وتفضلاً.
وأنه المنان أعطانا بغير استحقاق منا.
وأنه يضرنا، وأنه ينفعنا كل ذلك بحسب الصلاح لنا.
وأنه يعوض من صبر على ضره.
وأنه تعالى قد بعث لنا الرسل ليبينوا لنا طاعته ومعاصيه.
وأنه رؤوف رحمن رحيم، لا يكلفنا فوق وسعنا، ولا يريد مشقتنا، ولا يمنعنا حاجتنا.
وأنه تعالى قد أباح لنا التصرف في خلقه بالإحسان والعدل.
وأنه سبحانه قد أوعد من عصاه النار، ووعد من أطاعه الجنة.
وأنه تعالى نور، هادٍ إلى الحق لمن أراده.
وأنه تعالى الحليم الذي أمهل من عصاه، التواب الذي سمح لنا بالعودة إليه بعد المعصية، الغفار الذي يستر ويمحي ذنوبنا.

(1/80)


وأنه تعالى قريب منا، لا يُهمل شؤوننا، ولا ينسى حاجاتنا.
وأنه تعالى يسمع دعاء من دعاه ويجيب لمن ناداه.
وأنه تعالى يشكرنا على قليل طاعاتنا بكثير من فضله.
وأنه تعالى حفيظ لا يُهمل ولا يُضيع أعمالنا، ورقيب لا يغفل عن أمورنا.
وأنه تعالى مؤمن يصدق عباده المؤمنين به، فيقبل إيمانهم، ويَصْدق في وعده ووعيده معهم.
وأنه تعالى ذو الإكرام، يكرم عباده المؤمنين.
وأنه تعالى ولي المؤمنين، قريب من حاجاتهم، ينصرهم على عدوهم، ويفتح بينهم.
وأنه تعالى وكيل عباده المؤمنين، يلي أمورهم ويكفيهم.
وأنه تعالى فتَّاح، يزيل الأمور التي أغلقت على عباده الصالحين الخير.
وأنه تعالى لطيف بعباده المؤمنين، يفعل فيهم ما يقربهم إلى طاعته.
وأنه تعالى ودود بعباده المؤمنين، يحبهم ويحبونه.
وأنه المحي، وأنه المميت.
وأنه يرث الارض ومن عليها.
وأنه تعالى معيد الخلق بعد الموت.

فهذه جملة مما نعلمه من أفعاله تعالى فينا. فلله الحمد.
ولا بد، لكي يكتمل البحث، من أن أُفصِّل في التكليف، والآلام والمضار، والرزق، والإماتة. وذلك لأهميتها الكبرى في حياتنا، ولكثرة الخلاف حولها. ومن الله تعالى استمد العون والتيسير.

التكليف
معلوم من الدين ضرورةً أن الله جل جلاله قد كلَّفنا، وذلك بأن أمرنا بفعل أمور ونهانا عن أمور أخرى. ونعلم أنه تعالى سيثيب من أطاعه، وسيعاقب من عصاه وتمرد عليه.

إشكالات حول حكمة التكليف
وأول ما يُثار عند بحث التكليف هو السؤال: ما المصلحة من التكليف؟ خصوصاً لَمّا كانت عاقبة العصاة هي العذاب الأبدي، أجارنا الله منه؟
والسؤال في الواقع يخلط بين التكليف الذي هو فعل لله تعالى، وبين المعصية أو المخالفة التي هي فعل للعبد.

(1/81)


فنحن نقول إن الله تعالى لا يفعل القبيح أبداً، ولا يريد أن ينْزل العذاب على أحد من خلقه { ما يفعل الله بعذابكم } (النساء:147). ونقول إنه تعالى قد أحسن إلينا بالتكليف، من حيث أنه عرَّضنا لثواب عظيم جدًا، مقابل أعمال حقيرة يسيرة لا تساوي أقل القليل من ما سيثيبنا الله تعالى به.
أما العقاب فهو لا يترتب على التكليف ترتباً مباشراً، بل يترتب على معصية الإنسان، وسوء اختياره. فاللَّوم يوجه إلى الإنسان بأن ضيَّع هذه الفرصة الحسنة؛ ولا يُوجَّه إلى الله تعالى، لأنه عرَّضه لهذه الفرصة الحسنة!! نعم؛ لولا التكليف لما كان العقاب، ولكن سبب العقاب المباشر هو معصية الإنسان.
فالتكليف حسن، لأنه خال من وجوه القبح جميعها؛ إذ ليس فيه ظلمٌ، ولا عبثٌ، ولا كذبٌ، بل إن فيه خيراً. ويمكن أن نضيف أنه قد يكون لحكمة التكليف وجوه أخرى، غير التعريض للمنافع، خافية علينا؛ فالأولى أن نردها إلى جهلنا، وأن نعمل بالقاعدة العامة التي تؤكد أنه تعالى لا يفعل القبيح. أما أن نجعل التكليف سبباً يدعو للقدح في حكمة الله تعالى لأننا نجهل الحكمة منه، فهذا منتهى الغرور، والعجب المذموم.
وأخيراً سواء رضينا أم لم نرض فنحن مكلفون!! شئنا أم أبينا!! ولا مفر لنا من الله تعالى!! لذا بدل الإنشغال بهذه الترهات، فلنصلح أعمالنا. ثم إننا نلاحظ أنه لا يَطرح هذه القضايا، في أغلب الأحوال، كإشكالات إلا الفسقة الفجرة، أو من يريد أن يدافع عنهم { بل يريد الانسان ليفجر أمامه } (الإنسان:5)!!

ومن الإشكالات ما يثيره البعض حول تفسير قوله تعالى { ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس } (الأعراف:179) فيقولون إن الآية أثبتت أنه تعالى خلق كثيراً من الجن والإنس للنار؛ فكيف يُدَّعى أنه تعالى خلقنا لينفعنا، أو أنه كلَّفنا ليعرضنا على الخير الكثير؟

(1/82)


والجواب على هذه سيؤجل إلى قسم الآيات المتشابهة مع التنبيه على الاعتماد على الأصول العقلية التي لا تختلف، دون الاعتماد على اللغة التي تحتمل المعاني المتعددة.
أيضاً من الإشكالات على موضوع التكليف قول من قال: كيف كلف الله تعالى العاصي بالطاعة، وقد سبق في علمه أن مصيره إلى النار؟ فأين إرادة الخير له مع علمه بأنه إلى النار؟
والسؤال هذا قريب من السؤال الأول. والجواب هو أن التكليف يكون حسناً، إذا كان فيه تعريضٌ لمنافع عظيمة، وتمكينٌ على الحصول عليها. أما حال المكلَّف، المُعرَّض على الخير، والمُمَكَّن من الحصول عليه، فلا مدخل له في حسن التكليف أصلاً. فالله تعالى كلّفنا، ومكننا على الطاعة؛ أما كون الإنسان يختار المعصية فهذا وباله عليه. فالإحسان يتحقق بالتكليف، أما تصرف العبد إزاء هذا الإحسان، فأمر آخر.
ويبقى علينا أن نعلم إنه لا يشترط أن نعلم وجه حكمة كل فعل من أفعال الله على التفصيل. فإذا ثبت لنا عدل الله تعالى وحكمته، ورأينا أفعالاً لا ندري تفاصيل الحُسن فيها، وتفاصيل خُلوِّها من القبح، فلا نجعل جهلنا بالحكمة قادحاً فيها، ولا نجعل جهلنا سبباً لنسبة فعلٍ قبيحٍ إلى الله تعالى. بل الأولى والأليق بمن خاف مقام ربه، وعرف قدر نفسه، أن يرد الأمر إلى جهله، ويستسلم لما قضاه الله تعالى، وينشغل بطلب القرب منه جل جلاله.
خلو التكليف من وجوه القبح
عرفنا أن الله تعالى حكيم لا يفعل القبيح، وذلك بأدلة قطعية لا شك فيها. والتلكيف فعل من أفعال الله تعالى، فهو إذن خالٍ من وجوه القبح كلها؛ أي إن التلكيف يخلو من الظلم، ومن الكذب، ومن العبث.
أما خلوه من الكذب فظاهر لأن التكليف ليس خبراً؛ إنما هو طلبٌ للقيام بأمور، وترك أخرى.
أيضاً يخلو التلكيف من العبث؛ لأن فيه مصلحة عائدة إلينا. وقد قال تعالى { لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين } (الأنبياء:17).

(1/83)


أيضاً يخلو التلكيف من الظلم، ولكي يتحقق هذا فلا بد من أن تتوفر مجموعة من الأمور في كل من المكلَّف، وفي المُكلَّف به؛ والمُكلِّف.
فشرط المكلَّف هو أن يكون هو الذي يُحدث أعماله، أي هو الفاعل الحقيقي لها؛ ثم يجب أن يكون هو الفاعل لها باختياره الكامل.
وشرط المكلَّف به هو أن يكون في وسع المكلَّف؛ أي يكون في طاقة وقدرة المكلَّف أن يعمل ما كُلِّف به.
وشرط المكلِّف أن لا يمنع المكلَّف من أداء ما كُلِّف به، وأن يُعينه على التكليف، وأن لا يُغريه على مخالفة التكليف.
فإذا تحققت هذه الأمور خلا التكليف من الظلم؛ لأن العقاب المترتب على مخالفة التكليف سيكون سببه الخالص هو فعل العبد، وسوء اختياره.
وما يلي تفصيل كل منها.

شرط المكلَّف
لكي يصح التكليف فلا بد من أن يكون العبد المُكلَّف مُحدِثاً لأفعاله؛ ولا بد من أن يكون العبد المُكلَّف مختاراً في إحداث أفعاله.

أولاً: إن العبد هو مُحدث أفعاله
لا يصح أن يكلف الله عبداً على فعل أمر ما أو ترك أمر ما، ويتوعده بالعقوبة على المخالفة، ثم يكون الله تعالى هو الذي أحدث الفعل في العبد، ثم يعاقب الله تعالى العبد لأن الفعل وقع فيه أو من خلاله؛ بل يجب أن يكون العبد هو الذي يحدث أفعاله بشكل تام وكامل. فلا مدخل لله تعالى فيها، إلا من حيث أنه تعالى منحه القدرة على الفعل، ورفع الموانع. فأفعال العباد مُحدثة من جهتهم، وهم الفاعلون لها، الموجِودون إياها. وهي متعلقة بهم من جميع وجوهها سوى وجه القدرة واستمرارها التي هي من الله.
والله جل ثناؤه بريء من أفعال العباد كلها؛ صغيرها وكبيرها، وهو لم يخلق منها شيئاً قل أو كثر، صغيراً أو كبيراً، حسنها وقبيحها، الطاعة منها والمعصية.
وبعبارة أخرى العبد هو الفاعل لتصرفاته، وليس الله تعالى هو الفاعل لذلك.

(1/84)


والخلاف الذي وقع في هذه المسألة أن قال بعض المسلمين إن الله تعالى خالق أفعال العباد. وقد احتجوا بقول تعالى { والله خلقكم وما تعملون } (الصافات:96) وبقوله تعالى { الله خالق كل شيء } (الزمر:62). فقالوا إن مدلول هذه وغيرها من الآيات أنه تعالى خالق أفعالنا، وأننا لسنا فاعلين على الحقيقة، وإنما الفاعل هو الله. وأنه من أثبت خالقاً للأفعال غير الله فقد أشرك وكفر!! وأن الأفعال لا تنسب إلى العباد إلا من حيث أنها وقعت فيهم، أي أنهم اكتسبوها. ثم فرَّعوا على هذا القول أقوالاً نحو:
إن الله تعالى هو المضل وهو الهادي؛ أي لا يكون مؤمناً إلا من هداه الله للإيمان وأوصله إليه، ولا يكون فاسقاً فاجراً ضالاً إلا من أضله الله تعالى، وأغواه، وزيَّن له المعصية، ومنعه من الهداية!! مستندين بذلك إلى مجموعة من الآيات المتشابهة التي تحتمل معانٍ متعددة.
وسيظهر لنا في قسم الآيات المتشابهة التفسير الصحيح لهذه الآيات، ولكن قبل ذلك يجب أن نعلم إن أغلب آيات القرآن تحتمل معانٍ متعددة، ولا بد من اختيار المعنى الذي يليق بجلال الله تعالى وحكمته. وهذه القاعدة هي معيار فهمنا لأي آية قرآنية أو حديث نبوي صحيح.
فكيف نقول إنه تعالى يخلق أفعالنا وينهانا عنها؟! وكيف يخلقها ويعاقب على فعلها؟! وكيف يخلقها وهو لا يحبها؟!
ثم هل من العدل والحكمة أن يعذب الله عباداً منعهم الهدى؟
وهل من الحكمة أن يرسل الله رسلا ليدعوا من قد منعهم الله الهدى؟!
وهل من العدل والحكمة أن يعذب الله عباداً قد أغواهم وأضلهم؟!
بمثل هذه الأسئلة سيظهر للمتأمل، الذي يسبح الله ويحمده، أن أفعال العباد ليست مقصودة بتلك الآيات؛ حتى وإن لم يعرف معناها الصحيح.
وقد ظنوا أن القول بأن العبد يخلق فعله، أو يُحدث فعله؛ يقتضي وجود شريك لله تعالى في الخلق!!

(1/85)


ولا ندري كيف جائتهم هذه الشبهة الواهية؟ ولو سلمنا ـ جدلاً ـ بأن "القول بأن هناك من يخلق سوى الله" مشكل؛ لو سلمنا بذلك، لقلنا: إن القول بأن الله يعذب عباده على ما خلقه هو فيهم مشكل أكثر!!
بل لا يوجد دليل عقلي أو شرعي يمنع من أن الإنسان يخلق أفعاله؛ ولكن توجد أدلة عقلية وشرعية متعددة تدل على أن الله تعالى لا يخلق أفعال العباد.
ثانياً: إن العبد مختار في ما يُحدثه من أفعاله
موضوع الاختيار من المواضيع التي تُبحث بشكل منفرد بغرض معرفة هل الإنسان مختار أم أنه مجبر؟ إلا أننا هنا نبحث عنه في إطار التكليف من باب بيان أن مسؤوليتنا أمام الله تعالى كاملة الشروط. فلا نبحث عن كوننا مختارين لمجرد المعرفة، بل لإثبات المسؤولية الكاملة علينا أمام الله تعالى يوم الحساب. نعم هناك نتائج للاختيار خارجة عن هذه الغاية إلا إن الأهم هو تنْزيه الله تعالى عن الظلم، وتحميل العبد المسؤولية الكاملة والشاملة لفعله القبيح.
بل إن الاختيار لا يكسب قيمته في باب الحديث عن عدل وحكمته، إلا إذا بُحث ضمن إطار التكليف المستتبع ثواباً وعقاباً. فلا أحد يبحث في اختيار البهائم أو الجمادات لأن لا تكليف عليها، ولا ثواب لها ولا عقاب.
والذي نقوله: إنه ليس على أحد كُره في الدين، ولا قسر، ولا جبر، فمن هيج مشيئته في الطاعة هاجت، ومن هيج مشيئته في الكفر هاجت، هو الذي يختار فعله، وهو الذي يفعل ما اختاره.
والاختيار هو أن يصدر الفعل عن العبد بإرادته وقدرته، بغير أن يكون مُلجئاً إلى ذلك أي نوع من الإلجاء؛ وأن يكون العبد قادراً على الفعل والترك؛ وأن يكون العبد قادراً على فعل خلاف ما صدر عنه.

(1/86)


وقولنا " أنْ يكون الفعل صادراً منه بإرادته وقدرته " نريد منه نفي الإلجاء؛ لأن الإرادة توطين النفس على الفعل؛ أي تشوق النفس وميلها إليه والعزم على فعله، فمتى كان العبد مريداً قادراً، فإن الفعل سيصدر عنه باختياره. أما المكره فالفعل صادر عنه، ولكن ليس باختياره. نعم هو عازم على الفعل، ولكن نفسه لا تميل إليه.
ودليل الاختيار واضح وسهل؛ إذ كيف يُعذبنا الله أو يثيبنا على فعل صدر بغير إرادة مِنَّا؟! فهل يُعقل استحقاقٌ والحال هكذا؟
ثم لو كان لله تعالى في فعلهم مدخل لكان لهم البرهان يوم القيامة عندما يقول { هاتوا برهانكم } (البقرة:111)، فأي برهان لهم أعظم من قولهم: أنت الذي قضيت وأردت وشئت وخلقت أفعالنا، ولولاك ما عصينا. وقال تعالى حاكياً قول رسوله: { إني رسول الله إليكم جميعا } (الأعراف:158)، فما معنى الإرسال إلى جميع الخلق إذا لم يكونوا جميعاً قادرين على الإيمان.وقال تعالى: { لم تقولون ما لا تفعلون } (الصف:2)، فهل يجرؤ مسلم عل أن يدخل الله في هذه الآية.

شبهة علم الله بالغيب
والشبهة الأساسية للجبرية ضد الاختيار هي:
إن الله يعلم ما سنعمل، ولا يجوز أن يقع إلا ما علم الله أنه سيقع، فكيف نقول إن العبد مختار، بمعنى أنه يمكنه أن يعمل غير ما عمل؟! أليس يؤدي هذا إلى أن ينقلب علم الله إلى جهل؟ فإذا علم الله أنني سأفعل كذا؛ فهل يُمكن لي أن لا أفعله؟ أي إذا علم الله بأنني سأعمل أمر، فهذا الأمر لا بد من وقوعه فكيف الاختيار إذاً؟
والجواب:

(1/87)


أولاً: قد رود في الأحاديث النهي عن الكلام في القدر، والإمساك عن ذلك. وأكثر من يلهج بهذه الأحاديث هم القائلون بأن الله خلق أفعال العباد، ولكنهم لا يعملون بها، بل لا يفهمون معناها. فهذه الأحاديث تنهى عن الخوض في مثل أسئلتهم. وقد أومأ النبي إلى ذلك عندما قال ((سر الله فلا تلجوه)) ونحو ذلك. ولا يوجد في مباحث القضاء والقدر ما يستحق أن يعتبر سر، وبحر عميق إلا هذه الأسئلة. أما تفسيرهم بأن السر هو أننا لا نعقل كيف يعذب الله عبداً على فعل هو خلقه فيه؛ فهذا غير صحيح. فقبح هذا الأمر واضح، والعلم بأن الله تعالى لا يفعله أوضح.
فالسر، والبحر العميق المشار إليهما في الأحاديث هو التفكر في مثل هذه القضايا، التي تتعلق بعلم الله بالغيب.
والمشكلة الكبرى في موضوع الاختيار، وخلق أفعال العباد، هي أن الناس لا تفرق بين علم الله بالغيب وبين علم الإنسان بالغيب. كما إن بعضهم يسعى لأن يتفهم علم الله تعالى بالغيب، مع أنه أمر لا يحاط بأقل أقله.
أما التفرقة بين علم بالغيب وبين علم الإنسان بالغيب؛ فإن الإنسان لا يستطيع أن يقطع قطعاً جازماً لا مجال للشك فيه، بأن معلومه عن الغد واقع، إلا إذا كان الإنسان مسيطر سيطرة شاملة وكليَّة على كل العوامل المؤثرة بمعلومه. فلمَّا يعلم الإنسان بأن الله يعلم بالغيب، فإنه يتخذ أحد ثلاثة مواقف:
الموقف الأول: موقف الجبرية باختلاف مذاهبهم الذين قاسوا علم الله بالغيب على علمهم بالغيب؛ فذهبوا إلى أن علم الله بالغيب لا يمكن أن يكون صحيحاً، إلا إذا كان الله هو صانع هذا الغيب، أي إنه تعالى خالق أفعال العباد، بل خالق لكل فعل ولكل شيء.

(1/88)


الموقف الثاني: موقف قلة من الناس؛ ذهبت إلى أن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد حتى تقع. فقد علموا أن الجمع بين خلق الله لأفعال العباد، وبين تكليف الله للعباد أمر لا يُعقل؛ ولكنهم لم يتخلصوا من تشبيه علم الله بالغيب بعلم الإنسان بالغيب، فنفوا العلم بالغيب.
الموقف الثالث: هو موقف أئمة أهل البيت عليهم السلام ومن نحا نحوهم من المعتزلة والإمامية؛ حيث قالوا إن الله يعلم الغيب، ولكن لكي يتطابق الواقع بعلم الله بالغيب لا يُشترط أن يكون الله هو فاعل هذا الغيب كما هو الحال معنا؛ ويستحيل أن يكون الله خالق أفعال العباد، لأنه يتناقض مع كون الله كلَّف العباد. أما إدراك طبيعة هذا العلم فمما يخرج عن حدود الفكر الإنساني.

وهذا أعظم أسرار الكلام في أفعال العباد: كيف يعلم الله ما سنعمله، بغير أن يخلقه، أو يؤثر فيه؟
والجواب عليه: هو بالإمساك؛ لأننا لا نحيط بالله ولا بصفاته علماً!! ذلكم هو سر الله، وذلكم هو البحر العميق؛ وليس السر والبحر العميق هو : كيف يظلم الله العباد؟!!

ثانياً: إن المعلوم قطعاً أن الله تعالى كلَّف الخلق جميعاً. وبعض الخلق الذين كلَّفهم لن يطيعوه، وسيموتون على عصيانهم. أي قد علم الله من حالهم أنهم لن يؤمنوا. فهل كلفهم الله تعالى بقلب علمه إلى جهل؟!
ثالثاً: إن العلمَ كاشف للواقع كما هو، ولا يؤثر فيه. فعلم الله تعالى بما سأعمله لا يؤثر على ما سأعمله؛ هذا من جهة.
من جهة أخرى؛ إننا إذ نفعل ما علم أننا سنعمله؛ فإنما نفعله بقدرتنا، ونفعله باختيارنا.

(1/89)


ومن جهة ثالثة ـ وهذا المهم فهمه ـ إن ما علم الله أنه سيقع، فلا شك في وقوعه؛ ولكن لا يعني هذا الجبر. بل الجبر هو أن ننفي أن يكون للعبد القدرة المؤثرة قبل صدور الفعل، وأن ننفي أن يكون له إرادة بها يرجح العبدُ الفعلَ. فإذا علم الله تعالى أنني سأعمل عملاً ما؛ فإنني مع هذا قادر على أن أفعل خلاف ما علمه الله تعالى. ولا شك في أنني لن أعمل خلاف ما علم الله تعالى، ولكن ما سأعمله سيكون صادراً مني عن اختيار، وسأكون حال القيام به قادراً على القيام بضده.
ولكي نفهم هذه الفقرة الأخيرة لا بد لنا من أن نُميِّز بدقة بين قدرتنا على فعل أمر من الأمور، وبين كوننا سنعمل هذا المقدور. فنحن حينما نقوم بأمر من الأمور، فإننا قادرون ـ في نفس ذلك الحين ـ في على فعل أمر آخر. وكوننا لم نعمل أمراً من الأمور، لا يعني بالضرورة أننا عاجزون عن ذلك الأمر. ولا يلزم من كوننا نقدر على أمر من الأمور أننا سنقوم به؛ فنحن نقدر على عشرات من الأمور، ولكن لا نختار إلا أمراً واحداً منها. وهكذا لا منافاة بين كون الله يعلم بما سأقوم به، وبين كوني قادراً على فعل خلاف ما قد علم الله. وليس في هذا أي نفي لعلم الله بالغيب، لأننا نقول إن أعمال الإنسان لا تخالف ما قد علمه الله تعالى.
شبهة ثانية: قالوا إن العبد مختار لأن له إرادة بها يرجح بين فعلين، ولكن هذه الإرادة مخلوقة لله تعالى؛ ثم إن ترجيح الفعل ذاته هو أيضاً مخلوق لله تعالى؟!!
وهذه لا تحتاج إلا إلى تأمل من القارئ اللبيب. وقد أشرت إلى شيء من ذلك فيما سبق.

ثالثاً: إنَّ العبد لديه العقل الكافي للقيام بالتكليف
هذا أيضاً مما يجب توفره في العبد، فيجب أن يكون الله تعالى قد خلق للعبد عقلاً كافياً لأداء التكليف. وهذا واضح لا إشكال حوله.

شرط المكلَّف به
يجب أن يكون المكلف به ضمن طاقة وقدرة الإنسان. فالله تعالى لم يُكلف ما لا يطاق، وإنما كل تكاليفه ممكنة لنا.

(1/90)


وإثبات أن الله لا يكلف ما لا يطاق يشمل من وجهٍ ما إثبات الاختيار؛ إذ إن تكليف المجبر من تكليف ما لا يطاق؛ وتكليف المضطر تكليف ما لا يطاق. إلا أننا هنا نريد أن نقول، بعد أن ثبت أن العبد مختار تماماً في أفعاله؛ فهل كلَّفه الله تعالى بأمر خارج عن قدرته؟ هل كلفه الله تعالى ما هو زائد عن القدرة التي منحها الله تعالى له؟ هل كلفه بما لا يستطيعه؟
الذي نقوله إنه تعالى لم يكلف إلا ما يطاق. وقد بينت ذلك ودليله في نفي الظلم عن الله تعالى.

شرط المكلِّف
وإذا ثبت أننا مُكلَّفون، وأن التكليف لا ينافي عدالة الله تعالى، وأن المكلَّف قادر على ما كلَّفه الله تعالى عليه، ومختار في فعله أو تركه، وأن العبد ليس مُكلفاً ما لا يطاق؛ إذا ثبت كل هذا، يتوجه السؤال إلى ما يجب(1) على الله تعالى نحو المكلف بعد أن مكنه وكلفه بالممكن.
ومورد هذا السؤال هو التالي: إذا كان الله تعالى قد أراد للعبد الوصول إلى الطاعة الممكنة الميسرة؛ فهل سيُخلي عبده بين نفسه وبين أفعاله؟ أم هل سيغريه إلى المعصية وإلى المخالفة؟ أم أنه سيساعده تعالى على الوصول إلى مراده تعالى؟
الذي نقوله، وهو الحق: إنه لا يمكن لله تعالى أن يُغري العبد على المعصية أبداً، ثم إنه تعالى لن يترك عبده بغير عون. فالله تعالى وإن كلفنا، إلا أنه لم يَدَعْنا وشأننا، بل هو معنا يمد يد رحمته إلى كل من يستغيث به طالباً القرب منه، والنجاة من النار.
هذه المساعدة من الله تعالى تسمى اللطف. وهي فعل من أفعال الله تعالى فينا التي علينا أن نعلم بها، ونؤمن بوقوعها.
فاللطف: هو أمر يفعله الله تعالى، هذا الأمر يدعو عبده المكلف إلى فعل ما كُلِّف به، وترك ما كلِّف بتركه، أو إلى أحدهما، مع التمكن في الحالين.
__________
(1) قد سبقت الإشارة إلى أن الكثير قد كره إطلاق لفظ الواجب على أفعال الله تعالى؛ كما سبق أن معنى الواجب في حقه هو الفعل الذي نقطع بأنه تعالى سيفعله (ص19.)

(1/91)


ويمكن أن قول إن اللطف: هو تذكير بقول أو غيره حامل على فعل الطاعة أو ترك المعصية دون إلجاء.
فاللطف أمر يقرب العبد إلى الطاعة وإلى ترك المعصية، ويُسهِّلْهما، ولكن في كل الأحوال ليس اللطف مُلجئاً إلى ذلك؛ أي العبد لا يكون مُجبراً على الطاعة، أو ترك المعصية بسبب اللطف مطلقاً.

وقوع اللطف
وفعل اللطف واقع لا محالة، وإلا كان فيه نقض لغرض المكلِّف الذي هو الله. لأنه تعالى قَصَد بالتكليف تعريض المكلَّف للثواب، فإذا علم الله أن ذلك المكلف سيكون أقرب إلى هذا الثواب بفعلٍ منه تعالى، فليس من الحكمة أن يُؤخِّر الله هذا الفعل.
ثم إذا علم الله من عبد بعيد عن الطاعات أنه سيتوب ويرتدع لو عمل الله له لطفاً، فليس من حكمته أن يترك ذلك.
كيف؟! وهو إنما خلق خلقه ليُعرِّضَّهم للثواب. فكيف يرى فِعلاً يُقربهم من الثواب، ومع ذلك يتركه؟ أليس في ذلك الترك نقضٌ لغرضه أصلا؟!!

صوَر اللطف
أما صور اللطف فهي متعددة. فقد تكون بأن يقذف الله تعالى في قلب العبد خواطر خير؛ وقد تكون بأن ينْزل الله بالعبد بلاءاً يكون داعياً إلى التوبة؛ وقد يكون بأن يُريَ الله عبداً من عبيده آيةً؛ وقد يكون بأن يُوفِّق الله عبداً لحضور مجلس وعظ أو للقاء بواعظ… إلخ.
ونحن لا نعلم ما هو الذي يعمله الله تعالى، كما لا نعلم كيف يفعله الله؛ ولكن نقطع بأنه لا يدَعُنا هملاً. فسبحانه من إلهٍ ما أكرمه: يتودد إلينا كأنه هو المحتاج لنا.
نسأله تعالى المغفرة على التقصير، والثبات على الأمر.

شرط اللطف

(1/92)


ولكن يجب أن نعلم أنه تعالى لا يفعل اللطف إلا بمن علم منه أنه سيستفيد من اللطف. فاللطف غير التمكين على الفعل؛ إذ إن التمكين قائم دائماً، سواء انتفع بها العباد أم لا. وبوجود التمكين يكون العبد مؤاخذاً على أفعاله. ولا يصح أصلاً التكليف بغير اللطف؛ لكي لا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة، وليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة. أما اللطف فهو أمر زائد على التمكين. هو تسهيل العمل بالطاعة، والبعد عن المعصية. لذا فإن الله لا يسهِّل إلا لمن علم الله منه الرغبة في الطاعة وترك المعصية. أي إنه تعالى لا يلطف إلا لمن سبقت منه الرغبة في الطاعة.
ولمَّا كان التكليف فيه اختبار وتمحيص { خلق الموت والحيوة ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ؛ فإن اللطف لا يصل إلى الحد الذي به يذهب معنى الابتلاء والاختبار. فالله حكم علينا بالتكليف، وابتلانا بما نُحب ونهوى، ثم أعان من أراد منا، ما أراده الله له. والنتيجة أن التكليف لا يخلو من الابتلاء، كما لا يخلو من العون، والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى رضاه.

أسماء اللطف
للطف أكثر من اسم؛ فقد يشار إليه بأنه توفيق، وقد يشار إليه بأنه عصمة، وقد يشار إليه بأنه لطف فحسب.
فاللطف الذي فعل عنده المكلف ما كُلِّف يسمى توفيقاً؛ لأن اللطف وافق الفعل.
واللطف الذي يمتنع عنده العبد عن المعصية، على وجه لولاه لواقعها باختياره سمي عصمة.
واللطف الذي يكون عنده العبد أقرب إلى فعل الطاعة وترك المعصية سمي لطفاً ومصلحة.

ملاحظة مهمة:

(1/93)


1. العصمة لا تمنع صاحبها عن ارتكاب المعصية قهراً؛ بل هي تردع النفس عن تعمد فعل المعصية، أو تعمد ترك الطاعة، بشكل مستمر لحصول اللطف عند عروض المعصية مع وجود الاختيار. والعصمة ثابتة للأنبياء، ولأهل الكساء عليهم السلام. أما غيرهم من الناس، فقد يستحقها إذا فعل من الطاعات ما يؤهله لها. ولذا لا ننفي عن أحد العصمة من المعاصي. أيضاً يجب ملاحظة أن العصمة المذكورة هنا هي العصمة من المعصية، أما العصمة من السهو والخطأ فموضوع آخر، وسيأتي مزيد بحث عند الكلام على النبوة.
2. طلب المعونة منه تعالى يرادف طلب اللطف منه تعالى، فليست معونته تعالى هي منحه القدرة على الفعل، إذ إنه تعالى قد فعل ذلك، إنما المعونة هي أمر زائد على القدرة أي اللطف.
3. ذهب بعض العلماء الكبار إلى أن اللطف من الله تفضل محض. أي إن الله يفعله، ولكنه إذا لم يفعله فلا يكون قدحاً في حكمته. وذلك من حيث أن الله قد أعطى العبد القدرة والعقل الكافيين للتكليف، ولا يجب على الله زيادة عن هذا.

إشكالات حول وقوع اللطف
ذهب البعض إلى نفي وقوع اللطف، بل ومنهم ـ وهو قلة ـ من أثبت نقيضه الذي هو الإغراء على المعاصي!! وقال النفاة إن جمعاً من الآيات قد دلت على أنه تعالى يغري عباده للمعاصي، وتلك الآيات تبطل اللطف.
وقالوا أيضاً إنه تعالى خلق إبليس وهو يُغوي العباد، وخلق لنا الشهوات، وهذه تنافي اللطف.
وقالوا أيضاً لا يُشترط أن يكون لأفعال الله أغراض، بل يجوز أن يفعل الفعل بغير أي غرض وأي نفع. وبالتالي فليس للطف معنى.
أما عن اعتراضهم بالآيات فقد أشرت إلى ما في معناها عند نفي خلق الله لأفعال العباد، وسيكون الجواب التفصيلي على ذلك في قسم الآيات المتشابهة. ونكتفي هنا بالتذكير أن آيات القرآن الكريم تحتمل معانٍ متعددة بحسب الوضع اللغوي، لذا يجب أن يختار المرء المعنى اللائق بالله تعالى.

(1/94)


أما الكلام حول إبليس والشهوات فسأتناوله هنا؛ وأما الجواب على الأمر الأخير، فقد بيَّنا إنه تعالى حكيم لا يعبث، فلا وجه للإعادة.
وأعود وأكرر أنه قد قامت الأدلة العقلية على أنه تعالى لا يعبث، وعلى أنه تعالى لا يظلم، وعلى أنه تعالى لا يكذب. فكل آية وكل حادثة نراها يجب أن ننظر إليها من خلال هذه القاعدة.
أما هم فقد قامت عندهم الشبهة على أنه تعالى يجوز منه الظلم، ويجوز منه العبث، واستحوا من تجويز الكذب لأن فيه انكار القرآن من أصله!!

إبليس والشهوات
قالوا كيف تقولون إنه تعالى لا يعين على القبيح، ولا يُغري عليه، ويلطف بالعبد مع أنه خلق إبليس لغوايتنا، وخلق لنا شهوات سببت في معاصينا؟
والجواب هو:
أن الله تعالى لو علم أن لإبليس الدور الرئيس في غواية الإنسان لما خلقه أو لما خلى بينه وبين الخلق، ولما أبقاه إلى الآن. ولكن كما حكى تعالى مخاصمة أهل النار { ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد } (ق: 27). فدور إبليس إنما هو في تقوية الدواعي لا غير. فمن كانت له دواعي الشر، فإن إبليس هنا يقويها من حيث أنه شرير، مثلما يقويها أي إنسان له مثل تلك الدواعي. إلا أن إبليس لما كان لا يُرى كان شأنه أخطر. وقد حكى لنا الله تعالى ما سيقوله إبليس { وما كان لي عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } (إبراهيم: 22). وهذه الدعوة إلى الشر يشترك فيها إبليس مع غيره من أئمة الضلال، ولكنه امتاز عنهم بخفائه.
والدليل العام الذي منه ينطلق هذا التصور هو أن الله تعالى لن يضع أمام المكلف ما يعيقه، عن ما أراده الله تعالى للمكلف. أيعقل أن يدعونا الله إلى الطاعة ثم يضع أمامنا ما هو عائق لها؟

(1/95)


وهذا الفهم لدور إبليس في الضلال، هو اللائق برحمته تعالى وبحكمته، وبما يعمق الشعور بالمسؤولية الإنسانية.ولذا قال تعالى { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } (الحجر:42)، فالعبد هو الذي يتبع إبليس؛ وقال تعالى { إنما سلطانه على الذين يتولونه } (النحل:100)، فالعبد هو الذي تولى إبليس فأضره، قال تعالى { كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير } (الحج:4).
وبهذه النظرة العامة ننظر إلى خلقه تعالى للشهوة. فالله تعالى خلقها للإنسان وفيها منافع عظيمة، وهي لا تؤدي إلى الضلال بنفسها، بل بسوء اختيار الإنسان في تصرفه بها. ومثالها الطعام والشراب فهو أمر لا غنى عنه في بقائنا، ولكن هل نلوم الله على المرض الذي يصيبنا إذا أكلنا بغير توازن؟!
{ قتل الإنسان ما أكفره } (عبس: 17)

الخذلان
ونقيض اللطف هو الخذلان. وهو ليس كما يظنه البعض دفع الله تعالى العبد إلى المعصية، إنما هو أن لا يلطف الله تعالى للعاصي الذي لم يرد أن يلتطف، ولم يفعل ما هو طريق اللطف؛ لأن اللطف كما ذكرت مشروط بكون العبد يقبل اللطف، وبكونه مريداً للطاعة.

افتقارنا إلى رحمة الله تعالى
أخيراً نؤكد أننا مفتقرون إلى رحمة ربنا في جميع أحوالنا، وجميع مصالحنا في دنيانا وآخرتنا. أما في الأولى فنسأله العافية، وصرف المضار، وسعة الانعام، وكفاية الاشرار. وأما في مصالحنا في الدين فبالاقتدار والتمكين، والالطاف، وتقوية الدواعي إلى الخير، وصرف الدواعي إلى القبيح، وتسهيل التكليف، والتوفيق للأعمال الصالحة المؤدية إلى الجنة، والصرف عما يؤدي إلى النار بالالطاف المقوية للصوارف.
والحمد لله رب العالمين وصلوات الله على محمد وآله الطاهرين.

الآلام الحاصلة من الله تعالى

(1/96)


من الأفعال المعلومة بالضرورة تعرضنا للآلام المتنوعة، سواءا من عند أنفسنا بالتظالم، أو من عند الله تعالى بما ينْزله علينا من مصائب. فتَرِد هنا مجموعة من الأسئلة:
لماذا خلقنا الله تعالى بهذه الكيفية الضعيفة التي لا تحتمل الآلام؟
ثم لماذا يخلق الله تعالى الآفات والمصائب؟
ثم لماذا يُخلي الله تعالى بين عباده، فلا يمنع الظالمين من ظلم المستضعفين؟

أمام هذه الأسئلة، وغيرها مما قد يرد، علينا دوما العودة إلى القاعدة الأصلية وهي: أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يفعل إلا ما هو صلاح لنا. لأن تلك القاعدة كلية وشاملة، ومؤسَّسة على أدلة متينة لا يزعزعها جهلنا ببعض خلفيات، وعواقب، وحقيقة الأمور.
بعد ذلك نأتي ونسأل: هل في هذه الأفعال حكمة وصلاح أم أنها عبث؟
نقول: نعم!! فيها حكمة وصلاح وليست عبثاً. لأنه قد ثبت أنه تعالى حكيم لا يعبث، ولا يفعل لخلقه إلا ما فيه صلاحهم.
ثم هل فيها ظلم؟
لا ليس فيها ظلم!! لأنه قد ثبت أن الله تعالى لا يفعل القبيح، والظلم قبيح.
وما دمنا نؤمن بذلك فعلينا البحث عن وجوه الحُسن فيها والاشتغال بذلك، بدلا عن الاشتغال بالسخط، والاعتراض على أفعال الله تعالى.
الرضا بالقضاء والقدر.
ثم إننا أمام هذا ليس لنا إلا الرضا؛ لأن الاعتراض على الله لن يوصلنا إلى أي شيء. وهذا هو الرضا بالقدر في نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره .)) فالمراد به قدره سبحانه من الخلق، والرزق، والإحياء، والموت، والصحة، والسقم، والعافية، والألم، والغِنى، والفقر، مما فعله الله جل وعلا.

(1/97)


وكل ما كان من فعله تعالى فهو بقضائه وقدره. والإيمان به اعتقاد أنه من الله تعالى بحكمةٍ ومصلحةٍ يعلمها. وليس مجرد الإيمان أنه من عند الله. لأن الإيمان بأنها من عند الله حاصل بمجرد الإيمان أن هذه الأمور مما يختص الله تعالى بإيجادها. لكن الإيمان بأن فيها حكمةً ومصلحةً فهو إيمان زائد على الإيمان الأول؛ ولذلك لا يستكمل إيمان عبد حتى يؤمن بذلك. ولا يكتمل إيمان من يعتقد أنه تعالى يعبث أو أنه يظلم.
وقد سُميت هذه الأمور في الأحاديث شراً لأن النفوس تنفر عنه، وإلا ففي الواقع هي ليس بشر لأن عليها تعويضات كبيرة جداً، يتمنى المرء عندما يراها لو حياته كانت كلها بلاء.
وحيث إن الآلام منه جل جلاله فلا بد من أنه تعالى قد أنزلها لأحد الوجوه التالية:
فإما أن فيها نفعاً عظيماً للعبد الذي نزلت عليه. وهذا النفع الذي يلحق العبد بسبب هذه الآلام يُسمى عوضاً.
وإما تكون لِلعِبْرَة.
وإما تكون استحقاقاً على معصية سبقت من العبد.

وما يلي تفصيل هو كل وجه من هذه الوجوه.

الآلام التي فيها نفع للعبد
إننا من حيث آمنا بحكمة الله تعالى وعدله، ورحمته في عباده نقول:
إن كل ألم أصاب العبد بسببٍ ليس للعبد أن يدفعه، ولم يكن عقوبةً منه تعالى، فلا بد أن يُعوِّض الله تعالى عليه بأعواض ومنافع عظيمة وكبيرة، يتمنى معها العبد أن الألم الذي نال عليه العوض كان أعظم لينال عوضاً أعظم.
ونقول أيضاً:
إن كل ألم ـ غير العقوبة ـ فلا بد من أن يكون فيه مصلحة للعبد، تُرجح وقوعه على عدمه.

والأعواض: هي المنافع العظيمة، المستحقة، الخالية عن المدح والتعظيم.
وفي هذا التعريف ثلاثة أركان لا بد من التأمل فيها جميعاً ليُفهم معنى العوض:
فهي أولاً منافع عظيمة.

(1/98)


ثم هي مُستحقة؛ أي أنها واقعة باستحقاق، فليست محض تفضل. وإن كان كل ما يأتي من الله تعالى تفضل، إلا أنه يوجد فرق بين منفعة يهبها الله تعالى للعبد بغير مقابل، أو منفعة يهبها الله تعالى للعبد مقابل ألم أنزله الله عليه.
ثم إنها خالية عن المدح والتعظيم. وهذا ما يميزها عن الثواب الذي فيه مدح وتعظيم.
فالمنافع من الله تعالى قد تكون محض تفضل، وهذه غير مستحقة، ولا يعد الاخلال بها قبيحاً. وقد تكون تعويضاً لما وقع على العبد من آلام، فهو يستحقها ولكن بسبب عمله. وقد تكون منافع مقابل عمل العبد، وهذا هو الثواب؛ ولكن في الثواب زيادة عظيمة، هي اقتران المنفعة بمدح وتعظيم من الله تعالى ومن خلقه لهذا العبد.
والعوض من الله تعالى يبلغ مبلغاً عظيماً يتمنى معه المُبتلى أن الله زاده بلاءاً. فقد روى الإمام زيد بن علي عن أبيه عن جده عن الإمام علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
(( إذا أراد الله أن يصافي عبداً من عبيده صب عليه البلاء صباً، وثج عليه البلاء ثجاً. فإذا دعا قالت الملائكة:
صوت معروف.
وقال جبريل: يا رب هذا عبدك فلان يدعوك فاستجب له.
فيقول الله تبارك وتعالى:
إني أحب أن أسمع صوته.
فإذا قال: يا رب.
قال: لبيك عبدي، لا تدعوني بشيء إلا استجبت لك على إحدى ثلاث خصال:
إما أن أعجل لك ماتسألني.
وإما أن أدخر لك في الآخرة ما هو أفضل منه.
وإما أن أدفع عنك من البلاء مثل ذلك.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم: يؤتى بالمجاهدين يوم القيامة فيجلسون للحساب؛ ويؤتى بالمصلي فيجلس للحساب؛ ويؤتى بالمتصدق فيجلس للحساب؛ ويؤتى بأهل البلاء، فلا يُنصب لهم ميزان، ولا يُنشر لهم ديوان، ثم يُساقون إلى الجنة بغير حساب، حتى يتمنى أهل العافية، أن أجسادهم قُرضَّت بالمقاريض في الدنيا. )).
فيا له من فضل ما أعظمه. نسأله تعالى أن يلهمنا الرضا بقضائه، والصبر على بلائه.

(1/99)


والآلام التي يستحق معها العبد العوض على نوعين:
منها ما هو منه تعالى ابتداءاً.
ومنها ما يحصل من الناس.
وألفت الانتباه إلى أن المقصود بالألم أدنى درجاته، فحتى الحزن داخلٌ فيه، والغم وما أشبههما.

الآلام الحاصلة من الله تعالى ابتداءاً
فما يحصل من الله تعالى ابتداءا وعليها العوض هي نحو ما يلي:
الأمراض والأسقام والمصائب.
ما يلحق الناس من حزن بسبب الأمراض والأسقام والمصائب؛ كالحزن الحاصل عند مرض حبيب؛ فهنا الألم حاصل على المريض، وعلى من يحبه. فهذه كلها تنسب إليه تعالى من حيث كان المسبب لها ابتداءاً.
الآلام الحاصلة بسبب التحريم؛ ذلك أنه تعالى خلقنا وحرَّم علينا أموراً نحبها ونشتهيها؛ وإشتهائنا لها هو بسبب خلقه لنا الشهوة؛ فالامتناع منها فيه ألم وحسرة، وهذا الألم من الله تعالى، فيُستحق عليه العوض.
ويجب ملاحظة أن ترك الحرام فيه أمران:
فعل الترك نفسه، وتوطين النفس على الصبر عنه.
الألم اللاحق للترك.
فالترك نفسه، وتوطين النفس عليه، فيه الثواب العظيم من الله، لأنه صبر عن المعصية، وهو من فعل العبد الذي يستحق عليه الثواب. أما الألم فعليه العوض، لأن الألم اللاحق ليس من فعل العبد.
أيضاً من الآلام ما يكون بطريق الإلجاء. وممكن التمثيل عليه بأمرين:
الأمر الأول: أنه تعالى قد جعل الرزق منوطاً بالسعي والجهد، فسعي وجهد العبد، فقيراً أو غنياً، إلى تحصيل الرزق فيه ألم، فهنا لا بد من أن يعوضنا الله تعالى على ذلك.
الأمر الثاني: أنه تعالى جعل لكل داء دواء؛ وبعض الأدوية مستكرهة، فلو اضطر المريض إلى شرب الدواء المستكره، وحصل له ألم بهذا فلا بد من أنه تعالى يعوضه.
ومن الآلام ما يحصل بسبب أن خلق الله تعالىالإنسان ناقصاً؛ إما بنقصه الذاتي فلا يستطيع تحصيل آماله وطموحاته؛ أو نقص نسبي كأن يخلق الله إنساناً أعمى أو أصم أو أبكم. فهذه فيها آلام والله تعالى يعوض عليها.

(1/100)


أيضاً مِما يحصل من قِبَله تعالى هي الآلام الحاصلة بسبب جعل الله تعالى الناس درجات؛ فمنهم الذكي ومنهم البليد، ومن هذا التفاوت يحصل تفاوت في العلم أو المال أو غير ذلك. فإذا لحق المحروم من المال أو من العلم أو من الجاه ذلةٌ أو مهانة، أو كمد، فإن هذا الألم يُنسب إليه تعالى لما كان هو المسبب له. ولهذا فإن العبد يستحق من الله تعالى على ذلك العوض.

الآلام الحاصلة من غير الله تعالى ابتداءاً
أما ما هو حاصل من غير الله، ويعوض الله عليه، فذلك نحو:
إقامة الحدود على التائبين، وذبح الأنعام في النذر والهدي. فهذه كلها آلام، والله تعالى قد أمر بها أو ندب إليها. فلا بد من أن يعوض الله تعالى من أصابه شيئاً منها.
كونه تعالى خَلَّى بين الظالم والمظلوم، فلم يُعجل نصرة المظلوم في الوقت الذي وقع فيه الظلم. فإنه تعالى ينصف المظلوم مِن مَن ظلمه أولاً، ثم يعوض الله تعالى العبد الذي لم يسخط على حكم الله تعالى. ولا يكون هنا العوض من الله تعالى، إلا إذا لم يكن في وسع العبد أن يدفع عن نفسه الظلم؛ أما إذا أمكنه ذلك ولم يدفعه عن نفسه، بسبب مذلةٍ، أو جبنٍ، فلا يستحق من الله العوض، بل قد يستحق العقوبة على سكوته عن حقه. نسأل الله تعالى أن ينصرنا على من ظلمنا.

ملاحظة مهمة

(1/101)


إن إنصاف الله تعالى المظلوم لا يكون بأن يُعطي الله تعالى الظالم من سيئات المظلوم، ولا بأن يأخذ المظلوم من حسنات الظالم؛ فالله تعالى لا يعاقب أحداً إلا بذنبه، ولا يثيب أحداً إلا بعمله؛ قال تعالى { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } (النجم: 39) { ولا تزر وازرة وزر أخرى } (الأنعام: 164) فلا يستفيد أحد إلا من عمله، أو من آثار عمله. أما الحديث الذي ورد بذلك المعنى؛ فهو على معنى أن أعماله قد ضاعت بما ظلم الناس، ويظهر له ذلك يوم القيامة حيث يرى أعماله الصالحة تحبط بما قد عمله من السيئات. فأخذ فلان وفلان من حسناته بمعنى أن ظُلمه لهذا الفلان قد أدى إلى حبط وذهاب حسناته شيئاً فشيئاً حتى زالت، والله أعلم.

أخيراً فلا ننس أن كل ما سبق، وغير ذلك مما يسبب في اغتمام الإنسان، فيه مصلحة للعبد، وإن جَهِلْنا ما هي هذه المصلحة؛ وأنَّ عليه عوض. أما كوننا لا نعلم وجه المصلحة فهذا يعود إلى جهلنا، وجهلنا لا ينبغي أن يكون سبباً لنفي حكمته تعالى. ذلك أن علمنا القطعي بحكمة الله تعالى، لا يقدح فيها الوهم بفعل غير حكيم.

ملاحظة:
قد يصيب الإنسان بلاء، فيقف منه موقف الحياد، لا ساخط على الله ولا راضي، فهذا يعوض. وأبرز مثال له هم الأطفال الذين يصابون بالأمراض، والبلاء، والظلم.
وقد يصيبه بلاء، فيرضى فهذا يثاب ويعوض. يثاب على رضاه؛ لأن رضاه من أفعاله. ويُعوض على الألم الذي أصابه؛ لأن وقوع هذا الألم ليس من فعله.
وقد يصيبه بلاء، فيسخط ولا يرضى؛ فهذا يعاقب ولا يعوض. يعاقب على السخط، ويسقط استحقاقه للعوض بسبب معصيته.

ما يقع من الآلام لدفع مضرة أكبر

(1/102)


تقع بعض الآلام ـ أو أكثرها ـ من الله تعالى ليعتبر بها الإنسان. لأن الإنسان اللاهي يحتاج أحياناً إلى مُنبهات شديدة ليصحو من غفلته، فتكون هذه لذلك الغرض. وقد أشار إليه تعالى في قوله تعالى { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون } (السجدة: 21)، { أولا يرون أنهم يفتنون(1) في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون } (التوبة: 126).
ومرادنا من كونها للاعتبار، أن المكلَّف يكون بسببها أقرب إلى فعل الطاعة وترك المعصية أو إلى أحدهما.
والإنسان يعتبر بالآلام من جهات كثيرة منها:
أن العبد يتذكر أمور الآخرة عند البلاء أكثر منه عند الرخاء.
أيضاً فإن تعلق العبد بالدنيا يكون أقل عندما تكثر البلايا عليه؛ إذ إنه يعافها، ويكرهها، ويدرك أنها لا تستحق أن يدخل الانسان من أجلها النار، بل يشعر أنها لا تستحق أن يبذل فيها جهداً، يُمكن أن ينفعه هذا الجهد في بناء دار لا ألم فيها ولا عذاب.

ما يقع من الآلام استحقاقاً
من الآلام ما يكون استحقاقاً لبعض المعاصي، فينْزلها الله تعالى بالعبد ليعجل عقوبته. وقد وردت في ذلك آيات كثيرة نحو قوله تعالى: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } (الشورى: 30)، { انما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا } (التوبة: 55)؛ { سنعذبهم مرتين } (التوبة: 101)؛ { وما اصابك من سيئة فمن نفسك } (النساء: 79)؛ { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا } (الروم: 41).

واجب من أصابه الألم
ختاماً؛ فعلى المؤلَم الصبر، والرضا، وعدم السخط، وله لذلك ما لا يحصى من الثواب { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } (الزمر: 10)؛ وإن سخط فليس له إلا السخط. والرضا بهذه هو الرضا والإيمان بالقضاء والقدر بل هذا هو مورد القضاء والقدر وليس مورده أفعال العباد من طاعات ومعاصي.
زمن العوض
__________
(1) أي يختبرون.

(1/103)


أما الزمن الذي يقع فيه العوض منه تعالى؛ فقد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة؛ وقد يكون العبد مستحقاً عوضاً فيهما معاً والله أعلم بالمصلحة. { خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون } (الأنبياء: 37).

الرزق
ذكرنا في صفات أفعاله تعالى صفة الرزاق. بمعنى أنه تعالى هو الذي يرزق الناس. وهذه الصفة من الصفات التي لم يُحسِن أغلب الناس فهمها. وما يلي توضيح موجز للموضوع.
الرزق هو المنفعة؛ وعندما نقول إن الله تعالى هو الرزاق فإننا نعني بذلك أحد المعاني التالية:
الأول: المعنى الأول أنه تعالى خالق المنافع. وهذا تكرر في القرآن الكريم كثيراً نحو قوله تعالى { هل من خالق غير الله يرزقكم } (فاطر: 3).
الثاني: المعنى الثاني أنه تعالى قد أباح لنا الانتفاع بما خلق لنا من الطيبات. ذلك أن الله تعالى خلق الكون وما فيه. والعقل يحكم بأنه لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك غيره إلا برضاه وإذنه. لذا فإن الانتفاع بكل ما في هذا الكون مرهون برضا الله تعالى.
ومعرفتنا برضا الله تعالى تكون من وجهين: الأول هو العقل، والثاني هو الشرع.
أما العقل؛ فلأننا نعلم أنه تعالى خلقنا ولنا حاجات. ولايتصور في حكمته تعالى أن يخلقنا ذوي حاجات، ويخلق ما يُشبع هذه الحاجات ثم يمنعها عنا. فنعلم أنه تعالى أحل لنا الانتفاع مِما خلَقه. كما نعلم أنه تعالى لا يرضى بالظلم والتعدي، فنعلم أنه تعالى لا يبيح لنا أن ننتفع بما أخذناه عدواناً.
أما الشرع؛ فقد جاء وفصَّل لنا ما أراده الله تعالى، وما لم يرده. ونحن عبيد لله تعالى، نتلق ما يأمرنا به بكل رضاً وخضوع، ونعمل ما يقوله لنا مهما كان صورته { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا } (النساء: 66).

(1/104)


الثالث: المعنى الثالث من معاني أن الله الرزاق، هو تسهيل الحصول على الرزق، أي أنه تعالى يسهل على العبد الحصول على الطيبات التي أباحها الله له تعالى. وذلك نحو قوله تعالى { ومن يتق الله يرزقه من حيث لا يحتسب } (الطلاق: 558)، وهذا التسهيل يكون بالألطاف. ومنه ما يأتي لبعض الأولياء بغير أي سعي منهم نحو ما كان يأتي لمريم عليها السلام { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يامريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } (مريم: 54).

ولدى الناس مفاهيم متعددة حول معنى الرزق، أخطرها وأشدها خطأً أن كل ما لدى الإنسان هو رزق من الله تعالى؛ سواء كان حراماً أم حلالاً. فمن كسب بالحلال يقولون: هذا رِزْقه، ومن كسب بالحرام يقولون: هذا رزقه. وهذا المعنى فاسد، باطل، لا يجوز القول به.
فالحرام ليس رزقاً من الله تعالى؛ لأن الرزق من الله هو هبةً منه، والله تعالى لايهب لنا شيئاً، ثم يأمرنا بالتخلص منه. فمعلوم أن الله تعالى أمرنا بإعادة المظالم إلى أهلها، وأمرنا بأخذ الحقوق من غاصبيها وردها إلى أصحابها؛ فكيف بعد هذا وذاك نقول إنه تعالى هو الذي وهبها لنا.
أيضاً فإن الله لا يهب شيئاً ثم يعاقب على التصرف فيه، والمعلوم أنه تعالى يعاقب من تصرف في ما ليس له فكيف نقول عندها انه تعالى هو واهبها؟!
أما قولنا وقول المسلمين جميعاً إنه لا رازق سوى الله فخارج عن المقصود أصلاً، لأن المراد بهذا المعنى أن لا يخلق هذه المنافع سوى الله تعالى، ولا يحق لأحد أن يُشرع كيفية توزيع هذه المنافع سواه تعالى. وتفسيرها بأن الله هو وحده الذي يُوزع الأرزاق خطأ.
الكسب

(1/105)


ذلك أن من المفاهيم الخاطئة في أذهان الناس عن الرزق، تصورهم أنه تعالى يرزق العبد بمعنى أنه تعالى يوصل المنفعة إلى العبد، بغير أن يكون للعبد فعل ودور حقيقي في الحصول عليها. أي أنه تعالى هو موزع الرزق. فمن عاش فقيراً فالله تعالى لم يمنحه مالاً وفيراً، ومن عاش غنياً فالله تعالى هو الذي أعطاه تلك الأموال.
وهذا أيضاً خطأ؛ فقد قال تعالى { وامشوا في مناكبها } (الملك: 15) وقال تعالى { إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون } (العنكبوت:56). فالله تعالى خلق المنافع، وأباحها لخلقه، أي رزقهم، ثم أرشدهم للسعي للحصول عليها.
فالحصول على المنافع هذه منوط بالعمل إناطة شبه كاملة. فمن سعى للمال، وتوفرت له الشروط الموضوعية المناسبة فإنه سيحصل على المال. نعم قد يتدخل الله تعالى بألطافه ليمنع عبداً من الحصول على رزق مصلحةً له، ولكن الأصل هو أن الحصول على الرزق وعدم الحصول عليه منوط بعمل العبد، مع توفر الشروط المناسبة لذلك.
ولذلك يظهر الفرق بين الزاهد وبين طالب الدنيا. فالزاهد لا يطلب من الدنيا إلا حاجته ويُضَحِّي ويُفوِّت على نفسه فرصة الحصول على دنيا أكثر، ولذات أكبر، ولكنه يؤثر الآخرة على الدنيا.
أما طالب الدنيا المؤمن، فهو يلتزم بشرع الله ولكنه لا يفوت لنفسه الفرص في الحصول على الحلال من ما أباحه الله والتمتع به، وإن كان ذلك على حساب التقرب إلى الله أكثر، من خلال طلب علم أو جهاد أو عبادة أو نحو ذلك. وهذا قد ينجح وقد يفشل، كل ذلك حسب مجموعة كبيرة من الشروط: نحو مستوى الذكاء والنشاط لديه، قوانين الدولة التي يحيا فيها، عدم وجود سرقة ولصوص وظلمة يأكلوا ما حصله من مال ...إلخ.
أما طالب الدنيا الفاسق، فهو لا يهمه إلا الحصول على أكبر قدر من المال، وكذلك قد ينجح وقد يفشل بحسب توفر الشروط الموضوعية للحصول على الرزق.

(1/106)


فحصول الرزق مربوط أصلاً بالعمل. وأكرر أن لا شك في أن هناك الكثير ممن يسعى إلى الرزق فلا يحصل عليه رغم ذكائه الشديد، وحرصه البالغ. كما إن هناك ممن لا يسعى مثل ذلك السعي، أو لا يكون ذكاؤه كذكاء ذلك، ولكنه يحصل من الدنيا ما لا يحصر بحصر. وذلك يعود إما إلى اللطف، والتسهيل من الله تعالى، أو المنع، وإما يعود إلى تحيُّن الفرص واغتنامها التي قلما تأتي. { ولكن نُنَزل بقدر ما نشاء } (الشورى: 27).
أيضاً ما يأتي لبعض الأولياء من رزق وهم في مكانهم فعائد إلى الكرامات من الله تعالى لهم يختص به الله من يشاء من عباده.
التوكل
ويتلق بقضية الكسب موضوع التوكل على الله في ما يرزقه. فالذي يشيع أن التوكل هو أن أجعل الله الوكيل في تحصيل الرزق عني، فبدل من أن أسعى أنا يسعى عني الله الذي قد وكلته. وقد يكون بمعنى أن الله وكيلي في الرزق ولكن علي السعي، بغير أن يكون للسعي أي دور في الحصول على الرزق. إنما الذي يُحصِّل لي الرزق هو الله تعالى. وهذا المعنى خاطئ وإن كان لا يُصرَّح به هكذا، ولكن هذا لُبُّه عند التحقيق لدى العامة.
ولكن المعنى الصحيح للتوكل على الله تعالى هو أن يكون الله وكيلي في الحصول على الرزق، بمعنى أني لا أحصل على الرزق إلا من خلال الطرق التي يرضاها الله تعالى، فهذا هو التوكل حق التوكل. أن أكون واثقاً بأن الله تعالى ما حرَّم علي شيئاً إلا وقد جعل في حلاله غناي وكفايتي. وأكون واثقاً بأنه تعالى ما خلق خلقاً من خلقه، إلا وقد خلق له في أرضه الواسعة من الخيرات ما يكفيه وزيادة.

(1/107)


أيضاً يكون التوكل بمعنى أن يلجأ العبد إلى معونة الله تعالى في الحصول على المباح من نعمه. ذلك أن الانسان مهما بلغ من الذكاء، لا يمكنه الإحاطة بكل شيء، والله تعالى عالم بخفايا الأمور، ومواضع النفع والضرر؛ فالتوكل عليه بهذا المعنى يكون بأن نطلب منه التيسير، وخلق الخواطر المفيدة التي ترشدنا إلى ما خير لنا. وهذا المعنى الآخير من التوكل هو عام في الرزق وفي غيره نحو الهداية، وطلب العلم ومثلها.

أما ما نجده من مجاعات، وفقر وما أشبه فهذا يعود إلى أحد الأمور التالية:
إما يكون بسبب ابتلاء من الله تعالى نحو قحط أو زلزال وما أشبه.
وإما يكون بسسب غصب الغاصبين، ونهب الناهبين. فالخير الذي خلقه الله تعالى يكفي الجميع، والتشريع الذي شرعه الله تعالى قد كفل للجميع ما يكفيهم ويُغنيهم؛ ولكن هناك من الخلق من يستأثرون بحقوق الناس، فيأكلون منها ويمنعونها مَن قد رزقه الله إياها. ومثال على ذلك الورث. فلو ورثت مالاً من أحد فهذا المال رزق من الله تعالى، لأن الله أباح لي الانتفاع به. فإذا جاء غاصب وغصبه فهذا الرزق الذي هو لي، قد نهبه فلان، وأكل منه، وحرمني منه. فما لحقني من شِدَّة بسبب ذهاب ورثي يعود إلى ذلك الغاصب، وليس إلى الله تعالى.
أيضاً منه ما يعود إلى إهمال الإنسان، وعدم أخذه بما هيأه الله تعالى من الأسباب. فالزلازل في بلدٍ مثل اليابان، لا تحدث الأضرار نفسها إذا حصلت في بلدٍ مثل الهند. وذلك لأن اليابانيين تعلموا، وعملوا، فتمكنوا من تجنب جزء كبير من أضرار الزلازل. أما غيرهم من الشعوب، فقد انشغلت بالصراعات الداخلية، والفساد الأخلاقي؛ وبالتالي يمكن أن نقول إن جزءا كبيراً مما يصيبهم من البلاء بسبب آيات الله يعود إليهم ولا يعود إلى الله تعالى.

(1/108)


وأما ما نجده من بعض الأحاديث حول موضوع تقسيم الأرزاق والرضى بما قسمه الله؛ فهو الرضا بتشريع الله تعالى في قضية الرزق، والثقة بأن الله تعالى قد جعل هذا التشريع لصالح الإنسان، وأن للإنسان الغنى الكامل من سبُل الحلال.
وأما الحديث الذي فيه (( لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب )) فبمعنى أنه لكل نفس ما يكفيها من الرزق، فلا يتعدى أحد على مالٍ لغيره طلباً للكفاية، ولذلك ختم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله هذا الحديث بقوله (( فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ))، ولا معنى للتقوى إلا في دائرة أفعال الإنسان الاختيارية. والله الهادي إلى سواء السبيل.
الأسعار.
أيضاً مما يتعلق بالرزق هو موضوع الأسعار:
فأسعار السلع من غلاء، ورخص، قد يكون من الله تعالى، وقد يكون من الإنسان.
فما هو من الله تعالى هو ما كان بسبب الأمطار، أو الجفاف أو الزلازل وغيرها من الأمور الكونية التي لا مدخل للإنسان فيها. وعند حدوث هذه فإن الله تعالى يُعوِّض عباده المتضررين.
وما كان من الإنسان، فهو ما يقع بسبب فعل من أفعاله نحو الاحتكار، والتدبير وغير ذلك من الأمور التي يعملها الإنسان ليخفض أو ليرفع الأسعار.
الموت
نحن نعلم إن الله تعالى هو المحيي وهو المميت؛ وهذا المعنى من ضروريات الدين ولا شك فيه على الإطلاق.
ولكن يشيع بيننا مثال غير دقيق وهو: إن الأعمار بيد الله تعالى.
وهو غير دقيق من حيث أن العامة، بل وكثير من الخاصة، تفهم منه أنه لا يوجد للمخلوق تصرف في عمره على الإطلاق. وهذا خطأ؛ فإن للإنسان تصرفاً في عمره وعمر غيره؛ ويمكنه أن ينقص من عمره أو عمر غيره، كما يمكنه أن يزيد من عمره. وكون الله تعالى هو المحيي والمميت، وكون الحياة والموت بيد الله تعالى، لا علاقة لها بهذا الموضوع أصلاً.

(1/109)


فنفس وهب الحياة هو لله تعالى، لا أحد يفعله سواه؛ ولكن قد وردت الأخبار الصحيحة في أن من يعمل أعمالاً معينة فإن ذلك يطيل عمره. فإطالة العمر هي من الله تعالى، ولكن الإنسان هو الذي عمل العمل الذي به استحق أن يطول عمره، فإذن له تصرفاً في ذلك.
ونفس أخذ الحياة هو لله تعالى، ولكن نعلم أنه تعالى قال { أفإن مات أو قتل } (آل عمران: 144) فبينت الآية أن الموت غير القتل. أيضاً، لو لم يكن للإنسان تصرفاً في عمره لكان كل أمر بالحفاظ على الحياة الإنسانية لغواً لا فائدة فيه، لأنه خارج عن مقدورنا أصلاً.
فنفس أخذ الروح فعل للملائكة بأمر الله أو فعل لله، ولكن السبب الذي أدى إلى خروج الروح من فعلنا، ولو لم نعمله لما أخرج الله تعالى تلك الروح في تلك اللحظة.
فالخلاصة هي إن الله جعل الحياة والموت مُعلَّقين بمجموعة من الأمور، بعض هذه الأمور هي مِما يقدر عليها الإنسان: من قتل، أو صلة رحم، أو صدقة، أو قطع رحم …
وعلى هذا من مات بسبب من الأسباب التي يقدر عليها الإنسان، فإنه كان يمكن له أن يعيش لو فرضنا ارتفاع ذلك السبب؛ وإنَّ محاولات إطالة العمر يمكن أن تثمر، وإن الحفاظ على الصحة وعلى العافية لها دور في البقاء، وإن المخطيء في الطب، أو الحادث، أو ما أشبه من الأسباب، يتحمل مسؤولية حرمان الميت من فرصة للحياة. ولا شك في نمو الشعور بالمسئولية على هذه العقيدة.
أما على عقيدة "الأعمار بيد الله" فإن من مات بحادث، أو مرضٍ أُهمل علاجه، أو خطأ طبي، أو من مات قتلاً فإنه كان لا بد له من أن يموت في اللحظة التي وقع له الموت فيها؛ حتى ولو لم يقع له حادث، وحتى لو لم يكن مريضاً، وحتى لو لم يكن هناك قتل. بمعنى أن الموت واقع لا محالة في تلك الساعة، وفي تلك اللحظة؛ وإنما الخلاف في الأسباب. والنتيجة الطبيعية لهذه العقيدة عدم الاقتناع بجدوى محاولات إطالة العمر باختلاف ألوانها وأشكالها.

(1/110)


والملاحظ أن الناس في سلوكهم اليومي يسلكون مسلك من يؤمن بأن للإنسان تصرفاً في عمره؛ ولكنهم ينفونه بعقولهم، خصوصاً عند المصائب التي لا يرغبون أن يتحملوا مسؤليتها.
والأدلة على أن للإنسان تصرفاً في عمره كثيرة منها ما يلي:
قوله تعالى { وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً } (الكهف: 88) فالآية صريحة جداً في أن الغلام لو لم يُقتل لكان سيعيش.
قوله تعالى { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } (الإسراء: 33) فأخبر الله تعالى أن للمقتول قاتلاً ظالماً. فهذا الظلم إما وقع لأن القاتل جرح المقتول، وإما لأن القاتل حرم المقتول من أن يعيش أكثر. إنْ كان الظلم على الجرح، فالقصاص يجب أن يكون على الجرح، لأن القاتل لا مدخل له في الموت؛ ولكن لما كان الظلم على الموت كان القصاص بالقتل.
ثم ما هو السلطان الذي جعله الله لولي دم المقتول؟ أليس هو القتل للقاتل أو العفو؟ أليس في هذا السلطان ـ الذي منحه الله تعالى للعبد ـ إبقاء على حياة القاتل، كما فيها سُلطةٌ على إزهاقها؟ فهل يمنح الله عبداً سلطاناً، ليس فيه سلطان؟
ومنها قوله تعالى { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله } (الأنعام: 151)، ودلالة هذه الآية من حيث أنه تعالى نهى عن القتل، والله تعالى لا ينهى عن ما هو مستحيل للإنسان. ومثلها قوله تعالى { ولا تقتلوا أولادكم } (الأنعام: 151) وقوله تعالى { ولا تقتلوا أنفسكم } (النساء: 29)، فإلى أي شيء يتوجه النهي في هذه الآيات؟ فلو كانت الأعمار محتومة وممنوعة لما قدر أهل السموات والأرض على أن يقتلوا رجلاً واحداً، ولا نالوه أبداً، لأن الموت الذي سيقع إنما سيقع حال الأجل المحتوم. فهلاَّ كان نهيه تعالى متوجهاً إلى أن لا نجرح بعضنا، بدلاً من توجهه إلى عدم قتل بعضنا البعض؟

(1/111)


وقوله تعالى { ود الذين كفروا لو تغفلون } (الأنفال: 67) فما فائدة الحذر من العدو إذا كان الأجل آت لا محالة؟ وهل يأمر الله بأمرٍ لغو؟
وقوله تعالى { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض } (الأنفال: 67) فعلى ماذا عاتب الله النبي؟ أليس العتاب وارداً على كونه صلى الله عليه وآله لم يقتل الأسرى في بدر؟ فهل لام الله تعالى نبيه على فعل غير مقدور؟ ألم يرد الله من رسوله أن يقطع أعمارهم؟
وقال تعالى { يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى } (نوح: 4) فقد أوجب الله التأخير إلى أجل مسمى إذا تابوا، ومع ذلك فقد هلكوا قبل هذا الأجل الذي وعدهم إياه نبيهم عليه السلام. فهل طمعهم نوح عليه السلام بتأخير الموت الذي قال فيه تعالى { ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها } (المنافقون: 11). أم طمَّعهم بأمر ممكن وقوعه؟
ثم إن هناك أحاديثاً كثيرة في هذا الباب، ذكرت بعض الطاعات المطيلة للعمر وبعض المعاصي المقصرة للعمر.
فهذه آيات تدل دلالة صريحة على أن الطاعة لها دور في طول العمر، وأن المعصية لها دور في نقصان الأعمار، وأن فعل الإنسان للقتل أيضاً يؤثر في العمر.
فبهذا كله يتبين لنا أن عمر الإنسان داخل ضمن مجال تصرفاتنا، بعلم الله تعالى وبمشيئته. وعلى هذا أيضاً يكون المجاهد في سبيل الله بائعاً روحه حقاً لله مقابل الجنة ومحققاً قول الله تعالى { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } (التوبة: 111) فالمجاهد والمستشهد يهب عمره في سبيل الله؛ هذا العمر الغالي الذي كان يمكن له أن يتمتع به بين أهله؛ ولكنه آثر الله واليوم الآخر فاستحق أعلى درجات الكرامة، لأنه قدم لله أغلى ما يملك. وبهذا يكون لقول سحرة فرعون معنىً وذلك في قولهم { فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحيوة الدنيا } (طه: 72)، فهُم قد علموا أن حياتهم في يد فرعون؛ ولذا قالوا له { إنما تقضي هذه الحيوة الدنيا } (طه: 72).

(1/112)


وقد يقول قائل إن هناك آيات قد بينت أن الموت متى نزل فلا راد له، نحو قوله تعالى { نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين } (الواقعة: 60) ، وقوله تعالى { وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله كتابا مؤجلا } (آل عمران: 145) وقوله تعالى { إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } (النحل: 61). فكيف نجمع بينهما.
والجواب: قد دلت الآيات السابقة على أن للإنسان تصرفاً في عمره؛ ودلالة تلك الآيات صريحة جداً لا يمكن مخالفتها. أما هذه الآيات فدلالتها على أنه لا يوجد للإنسان تصرفاً في عمره ضعيفة. غاية ما تدل هذه الآيات هي أن الموت متى وقع فى راد له، وأن الأجل إذا حل فالموت واقع. وإذا فسرنا هذه الآيات وفق الآيات السابق ذكرها فيمكن أن نفهم ما يلي:
إن الأجل ـ مثل أي سُنَّة أخرى من سنن الله ـ مقيد بأسباب متعددة. بعض هذه الأسباب داخلة ضمن قدرات الإنسان، وبعض آخر خارج عن قدرته.
فمما هو خارج عن قدرتنا صرف الموت بشكل مستمر؛ فالله تعالى قد قدره علينا حتماً، فلا يمكن لنا الفرار منه { نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين } (الواقعة: 60)، { إنك ميت وإنهم ميتون } (الزمر: 30).
ومما لا يمكن لنا التأثير فيه هو تأخير الموت إذا اجتمعت أسبابه، أو تقديمه قبل حصول أسبابه { ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها } (المنافقون: 11)، { إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } (النحل: 61).
أيضاً فإنه تعالى قد علَّق الموت بأسباب مقدرة من عنده، فهذا لا تصُّرف لنا فيه. فلا نستطيع أن نغير ما جعله الله أسباباً للموت. { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } (آل عمران: 145).

(1/113)


ثم إنه تعالى جعل بعض تلك الأسباب داخلة في مقدورنا، وبين لنا أنها أسباب للموت والحيوة. فجعل الله القصاص سببا للحياة { ولكم في القصاص حيوة } (البقرة: 179). وبينت الأحاديث أن بعض الطاعات تزيد في العمر، وبعض المعاصي تنقص في العمر. وجعل الله حياة الإنسان معلقة بسلامة بعض أعضاء الجسد الرئيسية، كما جعل تلف تلك الأعضاء سبباً للموت. ويمكن لنا أن نصنف ما نعرفه من أسباب للأجل ضمن القسمين التاليين:
الطاعات أو المعاصي.
سلامة البدن من الأمراض والمتلفات.
فإذا عمل الإنسان أحد الطاعات المطيلة لعمره فإن عمره سيطول حتماً، وإذا عمل من المعاصي المقصرة لعمره فإن عمره سيقصر حتماً.
وكذلك لو أهمل الانسان جسده حتى أصابته البلايا، والأمراض فمات بسببها فهو المسؤول. ومثله لو تعدى أحد على أحد فأتلف جسمه، بأن أتلف قلبه، أو دماغه، أو نحو ذلك فإن ذلك الانسان سيموت، وسبب موته هو فعل ذلك المتعدي.
ففي هذه الدائرتان لنا تصرف في أعمارنا، ولكن هناك أسباب لا نعلمها وليست ضمن مقدورنا. ولذلك فقد نجد شخصاً يصاب بَدَنه بما يموت معه المرء عادة، ولكن مع ذلك يعيش، فذلك لأن تمام أسباب الموت ليست راجعة لنا.
ولا نشك في أن الله تعالى عالم بما سنعمله من قبل أن يخلقنا، وعالم بما سنختار من أسباب، وعالم بالأجل الذي سنموت عنده. وأرجو من الله أن ييسر لي التفصيل في الآيات الكريمة المتعقلة بالأجل في قسم الآيات المتشابهة
والحمد لله.

الإرادة
البحث الذي أود أن أختم به هذا الجزء هو بحث الإرادة.
فمعلوم أن الله تعالى مريد. ومعلوم أنه يصح أن أقول: أراد الله أمراً، ولم يرد الله أمراً، وكره الله أمراً.
وإرادة الله مِما يفهمه الناس فهماً خاطئاً، وذلك لأنهم يقيسون إرادته على إرادتنا.
فالإرادة عند الإنسان هي: النية، والعزم، والداعي إلى فعل أمر من الأمور. وهذا المعنى لا يصح أن ننسبه إلى الله تعالى، لأن فيها تشبيه الله بالإنسان.

(1/114)


وقد فسر علماء أهل البيت عليهم السلام إرادة الله تعالى بنفس فعله، أو بأمره تعالى وندبه، أو بعلمه تعالى اشتمال الفعل على المصلحة، لا غير. بخلاف إرادتنا التي هي أمر غير الفعل. وما يلي تبيين مختصر للمسألة.

الإرادة بمعنى الفعل
المعنى الأول من معاني الإرادة في حق الله عز وجل هو الفعل. فعلى هذا، عندما نقول إن الله أراد هذا الأمر فهذا يعني أنه تعالى فعل هذا الأمر، أو أنه تعالى قد أمر به، أو أنه تعالى قد علم أن الصلاح فيه.
وسبب تسمية أفعال الله بـ"إرادة" يظهر بالتأمل في دور الإرادة عند الإنسان. فالفعل الإرادي منَّا هو الفعل الذي يصدر عن الفاعل وهو عالم به، ولا يكون بإكراه، ولا يكون سهواً. فلما كانت أفعال الله تعالى كلها صادرة عنه عن علم، ولا سهو فيها، ولم يكن مكرهاً عليها، سُميت إرادة.
فإذا عبر الله عن فعل من أفعاله بأنه أراده نحو { والله يريد ان يتوب عليكم } (النساء: 27) فالمعنى أنه قد تاب عليكم، وهذه التوبة وقعت منه باختيار، وعلم، وليس فيها سهو. ونحو قوله تعالى { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } (الأحزاب: 33) فالمراد انه تعالى قد فعل هذا الفعل عن علم واختيار.

الإرادة بمعنى الأمر والنهي
وقد يكون المراد بإرادة الله تعالى أمره ونهيه؛ وذلك عندما تكون الإرادة معلقة بفعل خلق من خلق الله تعالى. وذلك نحو قولنا: الله يريد منا الصلاة؛ أي أنه تعالى أمرنا بها. أو نحو أن نقول: الله يكره منا الظلم؛ أي إنه تعالى نهى عنه.

الإرادة بمعنى العلم باشتمال الفعل على المصلحة
وقد يكون بمعنى أنه تعالى علم أن الصلاح فيه؛ نحو قولنا: الله يريد أن يبعث الناس يوم القيامة؛ أي إنه تعالى قد علم أن الصلاح في هذا الفعل.

(1/115)


فمما سبق يتضح قول أهل العدل بأن إرادة الله من عباده ممكن أن تُخالف. لأن إرادته من عباده هي الطاعة، وهو قد أراد الطاعة منهم، أي: أمرهم وندبهم إليها؛ ومنهم من خالف، وهذا معلوم قطعاً. ويسمي العلماء هذه الإرادة: إرادة أمر ونهي.
أيضاً يتضح الفرق بين أن يريد الله أن يفعل فعلاً، وبين أن يريد من عباده أن يفعلوا فعلاً. فما أراد الله أن يفعله فهو واقع لا محالة لأن لا راد له. أما ما أراد من خلقه المكلفين فحصوله مشروط باختيارهم. أيضاً يظهر الفرق بين أن يريد الله أمراً لم يفعله، وبين كونه يريد أمراً قد فعله. فالأول عبارة عن علمه بأن المصلحة في هذا الفعل. وهو واقع قطعاً. أما الثاني فهو عبارة عن أن ذلك الفعل قد وقع، وقد وقع عن علم واختيار.
ومعنى قوله تعالى { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } (يس: 82) هو أنه تعالى إذ فعل فعلاً عن علم منه واختيار، فإن هذا الفعل يقع على الفور. ومعنى قوله تعالى { فعال لما يريد } (البروج: 16) هو أنه تعالى إذ يفعل، فإنما يفعل أفعالاً إرادية، أي أفعالاً ليس مكرهاً عليها، وعالماً بها، وغير ساهٍ عند فعلها. فلا يفعل الله أفعالاً غير إرادية. وليس المعنى أن لديه ضمير ونية وأنه إذا أضمر أمراً فإنه يفعله، كما يظنه بسطاء الناس.
ولا يجوز أن يقال إنه تعالى يريد المعاصي، لأن إرادته لها إما أمره بها، أو فعله لها. والله تعالى لا يأمر بالقبيح، كما إنه لا يفعل القبيح.
ولهذا أشرت فيما سبق إن مشكلة الناس في تصورهم تعارض إرادة الله، وإرادة الخلق هي أنهم يقيسون هذا التعارض على التعارض الحاصل بين إرادة الخلق. أما إذا اتضح معنى الإرادة عند الله، فإن الإشكال من أصله يزول، والله الهادي إلى سواء السبيل.

(1/116)


إلى هنا أكون قد أتيت على نهاية بعض مسائل معرفة الله تبارك وتعالى. أرجو أن أكون قد وفقت في عرضها بأسلوب مفهوم ومقبول؛ كما أرجو أن أكون قد أصبت في ما وصفت الله تعالى طلب تعقيب(1).
وأسأله تعالى أن يجعل الله هذا العمل شفيعاً لي يوم لا ينفع ما ولا بنون.
والحمد لله رب وصلوات الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى ابن عمه الوصي، وعلى فاطمة الزهراء، وعلى الحسن والحسين، وعلى الطيبين من آلهما، سيما الأئمة الهادين من عند إمام الأئمة بعد الحسنين زيد بن علي.
حشرنا الله تعالى في زمرتهم، ونفعنا بولايتهم ومودتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون.
وسلام على المرسلين.
والحمد لله رب العالمين.
__________
(1) أرجو من القارئ الكريم أن يتفضل علي بأي ملاحظات تغني البحث؛ سواء أكانت نقداً، أم تصويباً لخطأ، أم اختلاف في وجهة نظر. وعنواني موجود في أول الكتاب. والله هو المقصود أولاً وآخراً.

(1/117)