|

وفيه أيضاً عن
المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام من مسند ابن حنبل عن
أنس بن مالك قال: "قلنا لسلمان: سل النبي صلى الله عليه وآله وسلم
من وصيه؟ فقال سلمان: يا رسول الله من وصيك فقال: ياسلمان من كان
وصي موسى؟ قال: يوشع بن نون. قال: فقال: وصيي ووارثي ويقضي ديني
وينجز وعدي علي بن أبي طالب ".
ونحوه ذكره شيخنا رحمه الله تعالى في السمط قال: وأخرج محمد بن
سليمان عن سلمان: " هل تدري من كان وصي موسى؟ قلت: الله ورسوله
أعلم. قال: وصي موسى يوشع بن نون وكان أفضل من خلف بعده، وإني
أوصيت إلى علي بن أبي طالب وإنه أفضل من أخلف بعدي ".
وفي أنوار اليقين أيضاً وبالإسناد إلى الحارث بن الخزرج قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي عليه السلام : " ما
يتقدمك بعدي إلا كافر ولا يتأخر عنك بعدي إلا كافر وإن أهل
السماوات يسمونك أمير المؤمنين ". وفيه أيضاً ومن كتاب الكامل
المنير وذكر السند إلى أنس بن مالك: "قال دعا رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم ذات يوم بوضوء فتوضأ وصلى وقال: يدخل عليَّ أمير
المؤمنين وسيد الوصيين وأولى الناس بالنبيين. قال قلت: اللهم اجعله
رجلاً من الأنصار. قال: إذ ضرب الباب فدخل علي بن أبي طالب فقام
النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يمسح عن وجه فيمسح به وجه علي
بن أبي طالب ويمسح وجه علي فيمسح به وجهه صلى الله عليه وآله وسلم
فدمعت عين علي عليه السلام فقال: يا رسول الله هل ترى بي شيئاً؟
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ولما لا أفعل هذا وأنت تُسمع صوتي،
وتُؤدي عني، وتُبين لهم ما اختلفوا فيه من بعدي ".
(1/788)
وأخرج الحسن بن سفيان
والحاكمان والثعلبي عن البراء حين نزول ?وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ
الْأَقْرَبِينَ?{الشعراء:214}، خبراً طويلاً إلى قوله: " ومن
يؤازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي ويقضي ديني إلى قوله: فقام
القوم وهم يقولون لأبي طالب أطع ابنك فقد أمرَّه عليك "، وهو في
تفسير البغوي بلفظ " فأيكم يبايعني على أن يكون وليي ووصيي وخليفتي
من بعدي يردد ذلك ثلاثاً عليهم كلها يقوم علي عليه السلام يقول:
أنا أبايعك يا رسول الله على ذلك ".
وروى ابن المغازلي في مناقبه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"أن الله تبارك وتعالى عهد إلي في علي فقلت يا رب بينه لي فقال
الله عز وجل: اسمع. فقلت: سمعت، فقال: إن علياً راية الهدى وإمام
أوليائي ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين من أحبه
أحبني ومن أطاعه أطاعني، فبشره بذلك" إلى آخر الخبر، وهو في أنوار
اليقين.
(1/789)
وفيه أيضاً عن علي
عليه السلام قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
ورأسه في حجر دِحْيَة الكلبي فسلمت عليه فقال لي: دحية وعليك
السلام يا أمير المؤمنين وفارس المسلمين وقائد الغر المحجلين وقاتل
الناكثين والمارقين والقاسطين وقال: وإمام المتقين. في بعض
الروايات، ثم قال له: تعال خذ رأس نبيك من حجري فأنت أحق بذلك،
فلما دنوت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووضع رأسه في حجري
لم أر دِحْيَة، وفتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عينيه
وقال: يا علي من كنت تكلمه. قلت: دحية وقصصت عليه القصة، فقال: لم
يكن ذلك وإنما كان جبريل عليه السلام ليعرفك أن الله سماك بهذه
الأسماء" ورواه أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه حتى قال: " أنت
أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين، وأنت سيد ولد آدم يوم القيامة
ما خلى النبيين والمرسلين، لواء الحمد بيدك، تزف أنت وشيعتك إلى
الجنة زفاً، أفلح من تولاك وخاب وخسر من قلاك، بحب محمد أحبوك
وببغضك لم تنالهم شفاعة محمد، أدن إلى صفوة الله أخوك وابن عمك
فأنت أحق الناس به إلى قوله: قال فما هذه الهمهمة يا علي؟ فأخبره
علي عليه السلام الحديث، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لم يكن ذلك
دِحْيَة بن خليفة كان ذلك جبريل سماك بأسماء سماك الله بها وهو
الذي ألقى محبتك في صدور المؤمنين وهيبتك في صدور الكافرين، ولك يا
علي عند الله أضعاف كثيرة ".
وأخرج المرشد بالله من طريقين عن بريدة: أمرنا رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم أن نسلم على علي بن أبي طالب بيا أمير المؤمنين".
وأخرج محدث الشام محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في مناقبه عن ابن
عباس قال صلى الله عليه وآله وسلم: " هذا أول من آمن بي وأول من
يصافحني، وهو فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب
المؤمنين والمال يعسوب الظلمة، وهو الصديق الأكبر وهو بابي الذي
أوتى منه، وهو خليفتي من بعدي ".
(1/790)
وأخرج الديلمي عن
بريدة قال صلى الله عليه وآله وسلم: "يا بريدة إن علياً وليكم من
بعدي فأحب علياً فإنه يفعل ما يؤمر "، وأخرج أبو نعيم وأحمد بن
حنبل قال صلى الله عليه وآله وسلم: " يا علي إن الله قد زينك بزينة
لم يزين العباد بزينة أحب إليه منها وهي زينة الأبرار الزاهدين في
الدنيا "، وفي لفظ: " الزهد في الدنيا جعلك الله تعالى لا ترزأ من
الدنيا شيئاً ولا ترزأ الدنيا منك شيئاً ووهب لك حب المساكين فجعلك
ترضى بهم أتباعاً ويرضون بك إماماً "، وفي رواية أحمد: " وطوبى لمن
أحبك وصدق فيك وويل لمن أبغضك وكذب فيك " ذكره في تفريج الكروب
بثلاث روايات ولم يذكر صحابيه إلا في أحدها، فذكر عن ابن المغازلي
عن عمار رضي الله عنه لكن ليس فيها: ووهب لك حب المساكين إلى آخره.
وأخرج أبو نعيم قال صلى الله عليه وآله وسلم: " مرحباً بسيد
المؤمنين وإمام المتقين " فقيل لعلي عليه السلام : كيف شُكرك قال:
أحمد الله على ما آتاني وأسأله الشكر على ما أولاني وأن يزيدني مما
أعطاني.
وأخرج ابن المغازلي عن أبي أيوب خبراً طويلاً فيه: " يا فاطمة إن
الله عز وجل اطلع إلى أهل الأرض اطلاعةً فاختار منها أباك فبعثه
نبياً، ثم اطلع إليها ثانيةً فاختار منها بعلك فأوحى إلي فأنكحته
واتخذته وصياً، أما علمت يا فاطمة أن لكرامة الله إياك زوجك أعظمهم
حلماً وأقدمهم سلماً وأعلمهم، فسرت بذلك واستبشرت عليها السلام إلى
قوله صلى الله عليه وآله وسلم: نبينا أفضل الأنبياء، ووصينا خير
الأوصياء" إلى آخر الخبر، وروى صدره إلى قوله: واتخذه وصياً،
الخوارزمي في فصوله عن أبي أيوب أيضاً.
(1/791)
وفي أنوار اليقين وعن
معاوية بن قرة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم: " إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من قبل الله عز وجل
فيقول الله عز وجل: أين محمد بن عبد الله؟ فأخرق الصفوف مثل العروس
تزف إلى كريمها فأوقف بين يدي الله عز وجل، فيقول الله: يا محمد
إني اتخذتك حبيباً وأيدتك بعلي بن أبي طالب إلى قوله: ثم ينادي
مناد هذا وصي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. إلى آخر الخبر.
وفيه أيضاً وعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم لعلي عليه السلام : "أعطيت تسع خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في
الآخرة واثنتان لك وواحدة أخافها عليك، فأما الثلاث التي في
الدنيا: فإنك وصيي وخليفتي في أهلي، وقاضي ديني" إلى آخر الخبر.
وأخرج أحمد والديلمي وابن المغازلي عن سلمان وابن المغازلي عن أبي
ذر، وابن المغازلي عن جابر واللفظ لسلمان: سمعت حبيبي صلى الله
عليه وآله وسلم يقول: " كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله عز وجل
يسبح الله ذلك النور ويقدسه قبل أن يخلق الله آدم فلما خلق آدم
ركّب ذلك النور في صلبه فلم نزل في صلبٍ واحد حتى افترقنا في صلب
عبد المطلب ففيّ النبوة وفي علي الخلافة ".
وأخرج الحسكاني عن علي عليه السلام مرفوعاً: " شركائي الذين قرنهم
الله بذكره وبي وأنزل فيهم ?أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ? قلت: يا رسول الله من
هم؟ قال: أنت أولهم "، وأخرج عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " من
أراد أن يسلك سبيل النجاة ويعتصم بحبل الله المتين فليأتم علياً،
ثم بالهداة من ولده فوعزة ربي إنه لباب الله الذي لا يؤتى إلا منه
".
وأخرج ابن المغازلي الشافعي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " تختموا
بالعقيق الأحمر فإنه أول حجر شهد لله بالوحدانية ولي بالنبوة ولعلي
بالوصاية ولولده بالإمامة ولشيعته بالجنة ".
(1/792)
فهذه خمسون حديثاً
وقد علمت أن رواتها بين موالف ومخالف، وأنه لم ينفرد الشيعة
بروايتها فيتطرق إليها القدح ممن أراد العناد، وكم غيرها في السنة
النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وعلى آله الكرام مما يدل
على ثبوت إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم بلا فاصل، وهذا الضرب في التحقيق هو أقوى الأدلة
على ذلك لأن ما تواتر معناه لا تتطرق إليه تآويل متأول ولا إنكار
مجادل، فهو كجود حاتم وشجاعة علي عليه السلام ونحو ذلك من
المنقولات التي تفيد القطع بثبوتها في ذاتها ونحوها في المسائل
الفرعية ثبوت الأذان عنه صلى الله عليه وآله وسلم ووجوب الفطرة بل
دونها بمراحل، إذ لا تجد مسألة قطعية ولا ظنية أصولية ولا فروعية
ورد فيها من السنة على الجملة ما ورد في هذه المسألة التي نحن
بصددها، ولهذا قال المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام:
وكل واحد منها أي من نصوص إمرة المؤمنين ونصوص لفظ الإمامة
والخلافة موصلاً إلى العلم، لأنها وإن كانت أدلة شرعية فقد لحقت
بالعقليات في القوة انتهى كلامه والمسك ختامه.
فيلتق الله امرء عرف أن المنقلب إلى الله يوم يُدعى كل أناس
بإمامهم وأن الخصومة بين يديه حين يعلم الظالمون ذل مقامهم.
(1/793)
والعجب كل العجب من
مشائخ الاعتزال حيث دانوا أن الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
لم ينص على إمام بعده قط دع عنك مشائخ الأشعرية وغيرهم من فرق
الجبرية مع قولهم: بخلق الأفعال، وإن كل شيء بقضاء الله وقدره
وإرادته ومشيئته، فقد حكموا للكفار بإصابة ما أراده الله منهم
واختار فلينتظروا لهم جنات تجري من تحتها الأنهار إنما تفوق سهام
الجدال في هذه المسألة ونحقق أقسام الاستدلال والمجادلة إلى أهل
التحقيق والتدقيق في الأصولين أعني المعتزلة كيف أنكروا معنى هذه
الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، وقد رأيت أيها المسترشد أن
كلها دائرة بين صريح أو ظاهر في الإمامة أو في الوصاية أو في
الولاية أو في الخلافة أو وليكم بعدي أو الأعلمية أو الأفضلية
فأنكر مشايخ الاعتزال دلالة جميع ذلك وأصروا على إنكار النص فيما
هنالك ? فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ?وبأي آيات الله
يمترون، وقد قال شيخنا رحمه الله تعالى في معنى هذا ولله دره:
واخصص بتعنيفك كل مسأله .... انفردت بخلفنا المعتزله
إذ أنكروا من أحمد ما فعله .... يوم الغدير شاله وفضله
على أولي الأحلام والأخلاف .... قل يا شيوخ العلم والتحقيق
ما بالكم حدتم عن الطريق .... إلى محل السحق والمضيق؟
وردتم الهوى في عتيق .... لما تركتم منهج الإنصاف
(1/794)
على أنهم قد قرروا في
أصول الفقه أنه لا يصح الاجتهاد والاستحسان إلا بعد فقد الدليل
السمعي صريحه وظاهره ومنطوقه ومفهومه ومقيده ومطلقه، ثم أنه يجب أن
يراعى في الاستحسان قضية العقل في تلك الحادثة ثم الأنسب ثم
الأحوط، فكيف عاملوا هذه المسألة من بِدَّة مسائل الشريعة بمعاملة
خلاف الأصول، وكيف حكموا فيها بصحة ما صادم تلك الأقسام أجمع من
المنقول والمعقول، ولا غرو إذا أنكروا أدنى دليل على إمامة الوصي
فأكثر منهم من أنكر نبؤة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى بالغوا
في نفيها وعدم ثبوتها أكثر مما بالغ هؤلاء في نفي أختها، فقالوا
مظهرين الإنصاف وإمعان النظر والانقياد للحق لو ظهرت لهم آية ما
حكاه الله بقوله: ?وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ
رَبِّهِ?{الأنعام:37}، فانظروا في هذه المبالغة في نفي وإنكار وجحد
جميع معجزات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى بالغوا في ذلك
بأنه لو كان معه آية واحدة يسيرة تدل على صدقة لما خالفناه،
فأكذبهم الله سبحانه وتعالى على جهة الاستفهام التوبيخي ولاستنكار
الضروري الذي لا يوجه إلا إلى من جحد الضرورات وحاول دفع المعلومات
فقال عز قائلاً: ?أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ
الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً
وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ?{العنكبوت:51}.
هذا وغير خاف على الناظر بعين البصيرة أنه لا حامل لمنكر أدلة نبوة
سيد المرسلين ومنكر أدلة إمامة أخيه سيد الوصيين إلا حسدهما على
الأمر والرئاسة والطمع في التولي على الخلق والسياسة كما قال السيد
الإمام صارم الدين إبراهيم بن محمد عليه السلام في البسامة:
فقل لمن رام للأسبابِ معرفةً .... وربما تُعرفُ الأسبابُ بالخبرِ
حب الرياسة أطغى الناسَ فافترقوا .... حرصاً عليها وهم منا على
صَدَرِ
لا يقال: وأين مشائخ الاعتزال من هذا الشأن وبينهم وبين الوصي
مئتين من السنين والأزمان؟
(1/795)
لأنا نقول: المعتزلة
وإن لم يعاصروا الوصي حتى يحملهم جحهدهم النصوص على ما ذكرنا فهم
معاصرون للأئمة الهادين من نسله عليهم السلام أجمعين، وكانوا آخذين
الولايات والرئاسات من طرف الدولتين الأمويين والعباسيين وغيرهم
ممن عارض العترة المطهرة، ولا يتم لهم طيب العيش والانتفاع بتلك
الولايات والرئاسات إلاَّ بدعواهم صحة الأمر في قريش أو في كل
العرب أو في كل الناس على حسب ما يتم لكلٍ مطلبه ويحصل مأربه، ولا
يستقيم ذلك إلا بإنكار النص على علي عليه السلام وذريته المطهرين
الكرام، ومن ثمة ترى ابن أبي الحديد قال في إمامة الناصر للحق
الحسن بن علي الأطروش وترجمته له في شرح النهج ما لفظه: وتولى
نقابة العلويين في جهة كذا وسنة كذا. فجعل إمامته العظمى نقابة على
السادة العلويين ليس إلاَّ! فأنكر ما هو المعلوم من حاله عليه
السلام من القيام بفرض الإمامة وتقلد صارم الزعامة وجهاده للظالمين
ودعائه الخلق إلى طاعة رب العالمين حتى أسلم على يده من عباد الشجر
والحجر ألف ألف مسلم، وقد كان ابن أبي الحديد متولياً من طرف بني
العباس، وسمعت من بعض علماء عصرنا الذين تولوا من طرف العثمانيين
الأتراك يقول: أما أنا فمذهبي، أو قال: فعندي أنه يصح أن يتولى
الأمر والخلافة من قام به من عربي أو عجمي أو سيد أو غيره، وحتى أن
في زمننا من لم يتمكن من التولي والرئاسة إلا بأخذها عن الكفار
الصِّرْف والقول بصحة ولايتهم ورئاستهم لَفَعَل، بل قد فعل كثير
منهم ذلك وتوصلوا إلى الرئاسة وأخذها من هنالك، فاعجب ومهما عشت
عاينت العجب، فالحكم لله العلي الكبير وهو نعم المولى ونعم النصير
وإليه المنقلب والمصير.
قال عليه السلام [ وأما الإجماع ]
(1/796)
[ فإجماع العترة
منعقد على ذلك ] أي على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل، وأن إمامة من تقدمه باطلة
لا صحة لها في الشرع الشريف ولا ثبوت لها في الدين الحنيف، وهذا
أحد الأدلة القطعية على ثبوت إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بلا
فاصل وهو مبني على أصلين أحدهما: أن العترة عليهم السلام مجمعون
على ذلك. ثانيهما: أن إجماعهم عليهم السلام حجة قطعية.
أما الأصل الأول:
فتقريره ما ذكره صنو المؤلف عليه السلام في أنوار اليقين بما لفظه:
يبين ذلك أن المعلوم أن علياً عليه السلام كان يقول ويظهر ويعلم
منه أنه أحق الخلق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك
فاطمة الزهراء عليها السلام تعتقد ذلك وتدين به، وكذلك الحسنان
عليهما السلام وهو قول الحسن بن الحسن وعلي بن الحسين وزيد بن علي
ومحمد بن علي الباقر، وهو قول يحيى بن زيد، وقول جعفر بن محمد
الصادق، ثم كذلك أئمة الهدى وسائر أهل البيت عليهم السلام إلى
يومنا هذا يعلم ذلك من دينهم ضرورة، كما يعلم أن من دينهم اعتقاد
نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا حجة قطعية كافية في ذلك،
وكذلك فإجماع أهل البيت عليهم السلام منعقد على: أن كل مكلف يجب
عليه العلم بإمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام وأنها واجبة على
الأعيان انتهى.
ثم ذكر كلام هؤلاء الأئمة ومن بعدهم إماماً إماماً إلى إمام زمنه
المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام نقله من كتبهم كلهم
مصرح ومقرر لإمامة أمير المؤمنين عقيب وفاة رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم بلا فاصل، فمن أراد الاطلاع على أقاويلهم عليهم
السلام في هذه المسألة فعليه بذلك الكتاب المذكور أو الشافي
للمنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام أو مجموع السيد
حميدان عليه السلام أو غير ذلك في الكتب المبسوطة لهذا الشأن.
(1/797)
وقال القرشي رحمه
الله تعالى في المنهاج: والذي يدل على ذلك -أي أن الإمام عند أهل
البيت عليهم السلام هو علي عليه السلام بلا فاصل-: أنه هو الظاهر
من مذهبهم، والمذكور في كتبهم والمتفقة عليه مصنفاتهم والمشهور من
عقيدتهم، فلا يعلم أن أحداً منهم قال بخلاف هذه المقالة، وليس
علينا في دعوى الإجماع أكثر من هذا لأن بمثل هذه الطريقة تعرف نسبة
المذاهب إلى أهلها، وبمثل هذا يستدل على أن المعتزلة مجمعون على
القول بالعدل والتوحيد وأما الضرورة في هذا الإجماع فمن ادعاها من
أئمتنا وعلمائنا صدقناه، ومن لا يحصل له منا العلم فليس له نفي
التواتر لجواز أن يكون فقد الضرورة في حقه لتقصير في البحث أو
لتعذر الطرق التي حصلت لمدعي الضرورة أو لجواز حصول الضرورة
بالإخبار لبعض المكلفين دون بعض، فإن ذلك غير ممتنع لأن العلم
الضروري من فعل الله تعالى فجائز أن يفعله للبعض دون البعض انتهى.
وقال شيخنا رحمه الله تعالى في حاشيته على العقد ما لفظه: قوله:
وأما الإجماع فإجماع العترة عليهم السلام الخ، فلا يختلف منهم
اثنان، وإذا روي عن أحد منهم كعبد الله بن الإمام شرف الدين عليهما
السلام فليس منهم وإجماعهم هنا مقطوع، ولا يلتفت إلى ما في البدر
الساري فله مغالطة كثيرة وقد تقدم رواية القاسم بن إبراهيم عليه
السلام ، وهلم جرا إلى خاتمة الأئمة القاسم بن محمد عليهما السلام
كل يروي عن أهله الإجماع انتهى كلامه.
(1/798)
قلت: أما عبد الله بن
الإمام شرف الدين عليهما السلام فقد ذكر في آخر شرحه لمقدمة
الأثمار ذلك وصحح إمامة المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام ،
واعترض على أئمة أهل البيت عليهم السلام في إثباتهم إمامة أمير
المؤمنين عليه السلام بالنص الخفي وقال: إنه لا معنى للنص الخفي،
ثم إنه لم يقدر على إنكار إجماعهم على نفس المسألة ولا روى عن أحد
من أهل البيت عليهم السلام القول بتقديم المشائخ، بل قال ذلك
ترجيحاً واجتهاداً لنفسه، فهو محجوج بالإجماع قبله، فلا يعتد بما
هذا حاله، فلا يقدح ذلك في الإجماع السابق قبله وإلا لزم إبطال
جميع الإجماعات من السلف الصالح رحمهم الله تعالى ومن جميع الأمة
مهما حدث قول يخالفه فيؤديه إلى إبطال حجية الإجماع وهو معلوم
البطلان.
هذا وغير خاف أن ثمة كثيراً في زمننا ممن ينتمي بنسبه إلى أهل
البيت عليهم السلام وهو يخالف في العقائد في هذه المسألة وغيرها،
فلا يعتد بخلافه أيضاً لأنه قد وجد في المتأخرين من يخالف في قواعد
العدل والتوحيد والوعد والوعيد فكيف يجعل خلافه قادحاً في
الإجماعات السابقة له، فلا يصح الالتفات إليه للوجه الذي ذكرناه
وهو لزوم بطلان حجية الإجماع من حيث هي.
(1/799)
نعم قد ذكر المخالفون
في كتبهم نقلاً عن قدماء أئمتنا عليهم السلام كعبد الله الكامل
وولده النفس الزكية وكزين العابدين وولديه الإمام زيد بن علي
والباقر وكجعفر الصادق ومن في طبقته من أهل البيت عليهم السلام مما
يقتضي بعضه مجرد الثناء على المتقدمين وبعضه تصحيح إمامة المتقدمين
وبعضه تفضيلهم على أمير المؤمنين، كما فعل ابن حجر الهيثمي في
كتابه الصواعق المحرقة ورد عليه السيد العلامة أحمد بن محمد لقمان
شارح الكافل رحمه الله تعالى بالبحار المغرقة بما فيه كفاية، غير
أنا نقول إنما ذكره ابن حجر لم يكن نقلاً من كتاب مشهور أو منسوب
أدنى نسبة إلى من ذكره من أولئك الأئمة عليهم السلام بل أوله بلفظ:
وأخرج الدار قطني، ثم عطف عليه بقوله: وأخرج أيضاً إلى آخر ما
ذكره، وهذا إذا تأملته لا يقاوم رواية الآل عليهم السلام بالسند
إما سماعاً وإما إجازة أو نحوهما من طرق الرواية بعضهم عن بعض
وروايات شيعتهم وأتباعهم في كل عصر، كذلك ولأن الدار قطني من
المخالفين لنا في هذه المسألة ولأنه تفرد بهذه الروايات ولم ينسبها
إلى أي كتاب لهم، فأما روايات أئمتنا عليهم السلام عن سلفهم
فينقلونها عن مؤلفات قدمائهم وهي في أيديهم يروونها سماعاً أباً عن
أب وكابراً عن كابر وصاحب البيت أدرى بالذي فيه، ولله در شيخنا صفي
الإسلام حيث يقول رحمه الله تعالى:
خذ كلَّ قولٍ من كتابِ صاحبِهْ .... أما الذي رُوي فلا تغتَّرَ
بِهْ
فكلُّ من قال بشيءٍ قال بِهْ .... يقول هذا مذهبُ الآلِ انتبهْ
وكتبهم كثيرةُ الأطرافِ .... كذلك المنصور وسط الشافي
محققٌ والله ذا لم يوجد .... ولا خلاف بين آل أحمد
حسبي به للمقتدي والمهتدي .... وسل بذلك قاسماً ثم اقتد
وأما الأصل الثاني:
(1/800)
وهو أن إجماعهم حجة
فهو مذهب الزيدية أجمع وبه قال أبو عبد الله البصري من المعتزلة
ويحكى عن أبي علي وقاضي القاضاة، ويدل عليه قوله تعالى: ?إِنَّمَا
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا?{الأحزاب:33}، وما أراده الله تعالى من
أفعاله وقع لا محالة، والمراد بالرجس في الآية رجس المعاصي، فإذا
أراد الله تطهيرهم أي تنزيههم كانوا إذاً مطهرين، فلا يتطرق إليهم
ما يوجب هلكتهم من اعتقاد فاسد أو عمل عن نهج الحق حائد، فيجب أن
يكونوا معصومين عن الخطأ والزلل في القول والعمل.
وأيضاً فقد تواتر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه جمع علياً
وفاطمة والحسنين مع نفسه الشريفة ولف عليهم كساءً ثم أخرج يده من
تحت الكساء وقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم
تطهيراً "، ومن المعلوم أن دعاءه صلى الله عليه وآله وسلم مستجاب،
فيجب القطع بحصول مضمون ذلك الدعاء في كل واحد ممن شمله ذلك الكساء
والحكم بطهارته ونزاهته عن دنس المعاصي المقتضية للفسق من الأفعال
والعقائد الردية المستوجبة الزيغ عن الحق والتورط في الضلال، فيجب
أن يكون ما قالوه واعتقدوه حق لا باطل فيه.
لا يقال: إن ظاهر الآية يقتضي تشريك نسائه صلى الله عليه وآله وسلم
في جملة أهل البيت لأن أولها في شأنهن رضي الله عنهن، بل تناولهن
هو الظاهر وحمل الآية على من ذكرتم خلافه.
(1/801)
لأنا نقول: قد تواترت
الأخبار من رواية الموالف والمخالف بما يفيد العلم الضروري لمن بحث
وأنصف دون من تعامى وتعسف أنه صلى الله عليه وآله وسلم جمع علياً
وفاطمة والحسنين عليهم السلام مع نفسه الشريفة، ولف عليهم ذلك
الكساء ودعا بذلك الدعاء المقتضي للحصر والقصر بأن أهل بيته إذ ذاك
ليس إلا من شملهم الكساء لذلك رد على أم سلمة رضي الله عنها لما
قالت: وأنا من أهل بيتك يا رسول. قال: بلى إنَّكَ على خير. قالت:
فلو قال نعم لكان أحب إلي، وقد ذكر الحاكم رحمه الله تعالى،
والإمام القاسم بن محمد عليهما السلام في مقدمة الاعتصام، والإمام
المهدي عليه السلام في الغايات، والمنصور بالله عبد الله بن حمزة،
والمنصور بالله الحسن عليهم السلام وغيرهم من أئمتنا عليهم السلام
كثيراً من روايات هذا الحديث وطرقه، وذكره من المخالفين ابن حجر في
الصواعق المحرقة وغيره من المخالفين بحيث يعلم من بحث تواتر هذا
الحديث، فكان فعله صلى الله عليه وآله وسلم صارفاً للآية عن ظاهرها
ومبيناً لمراد الله عز وجل منها وقد قال تعالى: ?لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ?{النحل:44}.
ومما يدل على ذلك من السنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إني
تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن
تضلوا بعدي أبداً فإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى
يردا عليّ الحوض "، فجعلهم صلى الله عليه وآله وسلم قرناء الكتاب
وأَمَّننَا مع التمسك بهما من الضلال وأخبر أنهما لن يفترقا، فيجب
أن يكون كلما قاله آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقاً لموافقته
الكتاب وعدم مفارقته إياه فثبت بذلك أن قولهم حجة، وهذا الحديث
أيضاً متواتر ورواياته وطرقه مذكورة في بسائط الفن منقولة عن
الموالف والمخالف.
(1/802)
وقوله صلى الله عليه
وآله وسلم: " أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق
وهوى "، وفي رواية: هلك، ورواية: زخ في النار، ولا تمثيل يفيد وجوب
اتباعهم والحكم على من خالفهم بالهلاك أبلغ من هذه العبارة النبوية
ولا دلالة أجلى منها قوية.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أهل بيتي أمان لأمتي من نزول
العذاب، أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء،
أهل بيتي كباب حطة من دخله غفر له " إلى غير ذلك مما تواتر معناه
واتضحت دلالته ومبناه.
(1/803)
الاستدلال على إمامة
أمير المؤمنين عليه السلام بالوصاية والعصمة والأفضلية
وأما الاستدلال على إمامته عليه السلام بالوصاية والعصمة والأفضلية
فقد ثبت له عليه السلام هذه الأوصاف الجليلة بما ذكره في تفسير
الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وبلغ الجميع مبلغ التواتر
اللفظي لبعضها والمعنوي لسائرها، فلا نحتاج هنا إلى مزيد عناية
لإثباتها ودلالتها على المقصود ظاهرة لأن ما كان أمره إلى الموصي
انتقل إلى الوصي بلا خلاف بين أهل العلم، والمعصوم عن الضلال بنفسه
أو بمن تابعه أولى بالاتباع بضرورة العقل، والأفضل أولى من غيره
بضرورة العقل أيضاً ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من ولىَّ
رجلاً وهو يعلم أن غيره أفضل منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين "،
وفي رواية: والمسلمين. ذكر هذا الحديث أبو داود في سننه وغيره من
المحدثين ولا تناكر فيه.
لا يقال: فالإمام إذا مات وأوصى إلى رجل معين ما تقولون فيه هل
يصير إماماً أم لا؟ إن قلتم: نعم. فليس من مذهبكم، وإن قلتم: لا.
نقضتم مذهبكم.
(1/804)
لأنا نقول: إنما صار
وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إماماً لأن الله تعالى جعل
له ولاية على جميع المؤمنين إلى منقطع التكليف لقوله تعالى:
?النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ
أَنْفُسِهِمْ?{الأحزاب:6}، فاقتضى عموم المؤمنين الموجودين في
حياته ومن سيوجد بعدهم إلى يوم القيامة، وأجمع أهل العلم أن ما كان
أمره إلى الوصي انتقل إلى وصيه، وقد ثبت بالأحاديث المتواترة أن
علياً عليه السلام وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب أن
تكون له هذه المرتبة وهو أنه أولى بالمؤمنين بعد وفاة الرسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن استشهد عليه السلام ، وفي ذلك ثبوت
إمامته بلا فاصل ولا ريب بخلاف ولاية الإمام على الأمة فليست ثابتة
له بعد وفاته على أحد من الناس، فلو أوصى إلى رجل معين، فإن أوصى
إليه بنفس الإمامة لم تصح وصيته هذه إذ لا ولاية له على الأمة بعد
وفاته، وإن أوصى إليه بما عدا الإمامة مما أمره إليه ويخصه بنفسه
من دون نظر إلى كونه إماماً كما وقفه بنفسه من خالص ملكه أو ما
تسلسل إليه ولايته بالوصاية من الواقف صحت وصيته بذلك كسائر الناس،
لأن للواقف حق الولاية فيما وقفه مدة حياته وحق النصب عليها من
يقوم بها بعد مماته، وبهذا صار وصي الوصي ما تسلسل مقدماً على
الإمام والحاكم إلاَّ لخيانة توجب بطلان ولايته كما ذلك مقرر عند
أهل الفقه ثبت كون علي عليه السلام وصي رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم بمجرد الإيصاء إليه دون أوصياء الأئمة حتى أن الحسنين
عليهما السلام لم تثبت إمامتهما عندنا بكون أمير المؤمنين عليه
السلام أوصى إلى الحسن وهو إلى أخيه الحسين، بل ثبتت لهما بعده
عليه السلام بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الحسن والحسين
إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما ".
(1/805)
فإن قيل: فبعد انقراض
الحسنين عليهما السلام لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم
منصوباً معيناً، بل حكمتم بإمامة من قام بعدهما من أولادهما دون
سائر المسلمين.
قلنا: إنما حكمنا بثبوت إمامة من قام ودعا مع كمال الشروط المعتبرة
لمن هو من أولادهما عليهما السلام لقوله تعالى: ?وَأُوْلُوا
الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ?{الأنفال:75}، فجعل عز
وجل ذي رحم الرجل أولى بما أمره إليه من الأجنبي وليس للأجنبي حق
في هذا الشأن أصلاً، فلا موجب لتشريكه مع ذي الرحم في ذلك، وهذا
واضح لكل من زهد في الأمر وأنصف دون من طمع فيه وتعسف، ولقوله
تعالى: ?قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى
بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي?{يوسف:108}، فجعل من اتبعه
داعياً إلى الله مثله، ولا يعلم على القطع فيمن قام من غير العترة
أنه ممن تبعه بل ذلك فيمن اشتهر بالعلم والعدالة كعمر بن عبد
العزيز استناداً إلى الظاهر فقط، وهو لا يكفي مع إمكان ما هو أقوى
منه وأوصل إلى العلم اليقين معصوماً كان كعلي وولديه عليهم السلام،
أم لا كمن قام ودعا من نسلهما مع كمال الشروط الآتية عند الكلام
عليها إنشاء الله تعالى.
وبتمام هذه الجملة تم الكلام على الاستدلال على إمامة أمير
المؤمنين عليه السلام .
(1/806)
فضائل الإمام علي
عليه السلام
فأما ذكر مناقبه عليه السلام وفضائله ومكارمه وسائر خصاله الشريفة.
فتحتاج إلى مؤلفات ومجلدات منفردات، وقد ذكر الموالف والمخالف لذلك
مؤلفات عديدة ومصنفات مفيدة، ولا يسع هذا الموضع الإطالة بذكر ذلك
فلتؤخذ مما هنالك.
(1/807)
شبه المخالفين في
إمامة أمير المؤمنين عليه السلام
لكن جرت عادة الأصحاب وغيرهم ذكر ما يتعلق بالمسألة من حكاية شُبَه
المخالف وحلها والأسئلة، الواردة على نفس المسألة أو دليلها وجواب
ذلك السؤال، والكلام في حكم من خالف أمير المؤمنين عليه السلام
وحكم فدك وغير ذلك مما هو من فروع المسألة، وحينئذ فنقول:
(1/808)
الفرع الأول: في شبه
المخالفين في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بلا فاصل
الفرع الأول: في شبه المخالفين في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام
بلا فاصل، وقد مر أنهم على ثلاثة أقوال:
فالجمهور يزعمون أن إمامة أبي بكر ثبتت بإجماع الأمة والعقد له يوم
السقيفة، وكان الناس بين مبايع ومختار وساكت راض بلا إنكار.
القول الثاني: قول البكرية: إنها ثبتت إمامته بنص جلي من رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم.
القول الثالث: قول الحسن البصري على رواية الأساس: إنها ثبتت بنص
خفي وهو تقديمه للصلاة في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فأما إبطال دعوى النص الجلي والنص الخفي فمما لا يحتاج إلى تطويل
لأن النص الجلي لو كان لاشتهر وظهر في الآفاق كظهور خبر الغدير،
والمنزلة، وإني تارك فيكم ونحوها من الأحاديث المتعلقة بأصول الدين
لعموم البلوى بها علماً وعملاً، وكذلك دعوى النص الخفي كان يجب
ظهور ذلك النص وإن كان خفياً كظهور خبر المنزلة على أن التقديم
للصلاة لو سلمناه هو من قبيل الأفعال وليست توصف بالنص لا الجلي
ولا الخفي وإنما توصف بذلك الأقوال فقط.
وبعد فلا يسلم لهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أبا
بكر أن يصلي بالناس، قال في الأساس: ففي الرواية الصحيحة أن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره وإنما أمرته عائشة، روى العنسي
في المحجة البيضاء عن زيد بن علي عليهما السلام أنه سئل عن صلاة
أبي بكر بالناس في مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ما أمر
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس. وقد بسط
الكلام على ذلك في شرح الأساس، وفي كتاب الكاشف للناس للشيخ أحمد
بن محمد بن الحسن الرصاص بما فيه كفاية، وذكره الإمام المهدي عليه
السلام في غرر الفرائد وقال: إن الآمر بذلك عائشة.
(1/809)
قلت: قد اتفقت روايات
أئمتنا عليهم السلام كما ذكره في شرح الأساس عن صاحب المحيط
بإسناده إلى عبد الله الكامل بن الحسن بن الحسن بن علي عليهم
السلام في خبر الوفاة بطوله، ورواية البخاري ومسلم بإسنادهما إلى
عائشة: أنه لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه جاء
بلال يؤذنه بالصلاة، ثم اختلفت الرواية ماذا قاله صلى الله عليه
وآله وسلم عند أن آذنه بلال بالصلاة؟ ففي رواية أئمتنا عليهم
السلام أنه قال: قد بلغت يا بلال فمن شاء فليصل. فخرج بلال ثم عاد
الثانية والثالثة كذلك، وكان رأس رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم في حجر علي عليه السلام والفضل بن العباس بين يديه يروحه،
وأسامة بن زيد بالباب يحجب عنه زحمة الناس، ونساء النبي صلى الله
عليه وآله وسلم في ناحية من البيت يبكين،فقال صلى الله عليه وآله
وسلم: أعزبن عني يا صويحبات يوسف، فلما رجع بلال ولم يقم رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم تبعته عائشة بنت أبي بكر وقالت: يا بلال
مر أبا بكر فليصل بالناس، وفي رواية البخاري ومسلم أنه قال: مروا
أبا بكر فليصل بالناس. قالت عائشة: فقلت يا رسول الله إن أبا بكر
رجل أسيف وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمِع الناس فلو أمرت عمر فقال:
مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت: فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر
رجل أسيف وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمِع الناس فلو أمرت عمر، فقالت
له، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنكن لأنتن صواحبات
يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس، زاد مسلم: فأمروا أبا بكر يصلي
بالناس، ثم اتفقت رواية الجميع على قوله ووجد النبي خفة. زاد
الشيخان: في نفسه. وزاد أئمتنا عليهم السلام فتمسح وتوضأ. ثم
اتفقوا على قوله: فخرج وخرج معه علي والفضل بن العباس ورجلاه يخطان
الأرض. إلاَّ أن رواية الشيخين: فقام يهادى بين رجلين. فسرهما
القسطلاني بقوله: العباس وعلي أو بين أسامة بن زيد والفضل بن
العباس معتمداً عليهما. ثم
(1/810)
اتفقوا على قوله:
فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالناس قاعداً والمسلمون
قيام. زاد الشيخان: يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وآله
وسلم ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر. ثم اختلفت الرواية فيما زاد على
هذه الجملة كل يروي ما يوافق مذهبه، ففي رواية أئمتنا عليهم
السلام: وكان جبريل عليه السلام أمره بالخروج ونبهه على ما يقع من
الفتنة إن صلى أبو بكر، وأنه لما فرغ صلى الله عليه وآله وسلم من
الصلاة أقبل على الناس فكلمهم رافعاً صوته حتى خرج صوته من باب
المسجد يقول: أيها الناس سُعِّرَت النار وأقبلت الفتن إلى آخر
كلامه عليه السلام ، وفي رواية للشيخين عن أنس قال: لم يخرج النبي
صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم
فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحجاب فرفعه، فلما وضح
لنا، وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما رأينا منظراً قط كان
أعجب إلينا من وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين وضح لنا قال:
فأومى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم
وأرخى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم الحجاب فلم يقدر عليه حتى
مات. وكذلك رووا أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: أبى الله ورسوله
أن يصلي بالناس إلا أبو بكر، ورووا أيضاً عن عائشة أنها قالت: أول
مرضه صلى الله عليه وآله وسلم كان في بيت ميمونة زوج النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، فاستأذن نساءه أن يُمَرَّض في بيتها أي عائشة
فأذِنَّ له، فخرج بين عباس بن عبد المطلب ورجل آخر، وفي رواية:
فخرج ويد له على الفضل بن عباس ويد له على رجل آخر، قال عبيد الله
الراوي عن عائشة: فحدثت به ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أتدري؟
وفي رواية: هل سمّت لك من الرجل الآخر؟ قال قلت: لا. قال ابن عباس:
هو علي بن أبي طالب عليه السلام . قال القسطلاني في شرحه على
البخاري زاد الإسماعيلي من رواية عبد الرزاق عن مَعْمَر: ولكن
عائشة لا تطيب
(1/811)
نفساً له بخير، ولابن
إسحاق في المغازي عن الزهري: ولكنها لا تقدر أن تذكره بخير. انتهى.
فظهر لك أيها الطالب أن القدر المتفق عليه هو أن أبا بكر تقدم يصلي
بالناس وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج من بيته عند ذلك
فصلى بالمسلمين، ومحل الخلاف هو الأمر لأبي بكر بالصلاة وعزله
عنها، أما الأمر فلم يثبت إلا من رواية المخالف ولا احتجاج بما
يتفرد بروايته من يجر إلى مذهبه، وأما العزل فلم يثبت بقول صريح أو
ظاهر لكن أخذه أئمتنا عليهم السلام من باب دلالة الاقتضاء، وهو أحد
الوجوه الصحيحة في الاستدلال بلا تناكر بين الأصوليين، لأن المعلوم
شرعاً أن الصلاة لا تصح بإمامين فأكثر أو مؤتم هو مؤتم في عين ما
أمر به غيره بإمام آخر فاقتضى أن لا بد أن أبا بكر عزل عن الإمامة
وصار مؤتماً فقط، وقد أشار إلى هذا القسطلاني في شرحه لقول
البخاري: والناس يقتدون بصلاة أبي بكر بقوله: أي يستدلون على صلاة
النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصلاة أبي بكر حيث أن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم كان قاعداً والناس قياماً، ونظير هذه الدلالة
في الاقتضاء دخول العبد في ملك الطالب إذ لا عتق إلا عن ملك وقوله
تعالى: ?لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ
دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ?{الحشر:8}، فاقتضى أن ما صار بأيدي
الكفار من أموال المهاجرين فقد خرج عن ملكهم لتسميتهم فقراء،
وحينئذ فقد ثبت العزل وتقرر بدلالة صحيحة شرعية لا تناكر في
اعتبارها، ولم يبق وجه لما يدعيه الخصم من الأمر إلا ما ذكره
الشيخان في الرواية الأخيرة عن أنس قال: لم يخرج النبي صلى الله
عليه وآله وسلم ثلاثاً إلى قوله: فأومى النبي صلى الله عليه وآله
وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى النبي صلى الله عليه وآله
وسلم الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات، فإن كان هذا محمولاً على أنها
قصة واحدة كما هو الظاهر لم يصح هذا الخبر لمنافاته لما اتفقت عليه
رواية الجميع
(1/812)
السابق ذكرها وإن حمل
على أنها قصة أخرى فإما متقدمة فالثانية المتفق عليها ناسخة مع أنه
لا يصح ذلك لقوله: فلم يقدر عليه -أي على الخروج أو على رفع
الحجاب- حتى مات، وإما متأخرة فالله أعلم بالصحة إذ لو ثبت لاشتهرت
وظهرت ونقلت برواية الموالف والمخالف كما كان من شأن الأُولى
المتفق على نقلها، ثم فرض أئمتنا عليهم السلام فرضاً على سبيل
الجدل والتنزل لو صحت هذه الرواية بأن قالوا: لو سلمنا أن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ولم
يعزله فالإمامة الصغرى بمعزل عن الإمامة الكبرى، فلا دلالة فيمن
أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يصلي بالناس على أنه إمام
أعظم وخليفة للمسلمين بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، بدليل أن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أمَّر على الصلاة جماعة كابن أم
مكتوم وهو أعمى لما خرج صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحد، وأمر
عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل على الصلاة وغيرها وكان أبو بكر
وعمر من جنده يصليان بصلاته، وصلى صلى الله عليه وآله وسلم خلف عبد
الرحمان بن عوف في بعض أسفاره أدرك معه ركعة من صلاة الصبح، وصلى
خلف عتاب بن أسيد وهو آمره على مكة بعد الفتح، وأيضاً فإن الصلاة
تصح خلف العبد وولد الزنا والأعمى بخلاف الإمامة الكبرى فلا تلازم
بينهما، قال في الإرشاد الهادي: وإنما حملهم على ذلك الميل عن
واضحات الأدلة واتباع الشبه المضلة حكاه عن الأمير المؤلف عليه
السلام .
(1/813)
فظهر لك أيها الطالب
الرشاد أن هذه الشبهة أوهى من نسج العنكبوت وهو بنص الكتاب لأهون
البيوت، وقد ادعى المخالفون شبهة أخرى من قبيل النص الخفي وهي قوله
تعالى: ?قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ
إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ
يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ
يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا?{الفتح:16}، قالوا: والداعي لهم
أبو بكر إلى قتال بني حنيفة وعمر إلى قتال فارس والروم، فيلزم صحة
إمامتهما لما في الآية من الوعد بالثواب على الطاعة لهما والوعيد
بالعذاب على عدمها، وبنوا استدلالهم بهذه الآية على أن المراد
بالمخلفين هم الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، قالوا: ولم يخرج بعدها
صلى الله عليه وآله وسلم إلى غزوة بنفسه، فكان المراد بها أبو بكر
وعمر لا غيرهما.
والجواب: أنه لا يسلم لهم أن هذه الآية نزلت بعد غزوة تبوك وقد صحح
الرازي في تفسيره أنها نزلت عام الحديبية تبشير بفتح خيبر وفتح مكة
والنصر العزيز له صلى الله عليه وآله وسلم العام على كافة الأنام،
وإذا كان كذلك فالداعي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى
فتح مكة أو إلى الطائف وهوازن فما بعدهما إلى غزوة تبوك إلى تجهيز
أسامة بن زيد في مرضه صلى الله عليه وآله وسلم.
لا يقال: هذا لا يصح لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمره الله
تعالى أن يقول للمخلفين ?لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ
تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا? وقد خرج معه صلى الله عليه وآله وسلم
في عام الفتح وهوازن طائفة بل طوائف من المتخلفين عام الحديبية،
فإذاً ليس المراد إلا المتخلفين في غزوة تبوك ولا داعي بعدها إلا
أبو بكر وعمر.
(1/814)
لأنا نقول: أنه ?لَنْ
تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا?متأخر
نزولها في سورة براءة وهي نازلة بعد عام الفتح في السنة التي تليها
بلا تناكر، وقد كان أبو بكر أمره صلى الله عليه وآله وسلم أن
يبلغها إلى أهل مكة حيث أَمَّره على الحج في ذلك العام، فلما وصل
ذا الحليفة أتبعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمير
المؤمنين ليأخذها منه ويبلغها وقال: "لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل
مني" فحملها على المتخلفين عن عام الحديبية هو الواجب لأنه الظاهر
والموافق للتواريخ وحكاية السير وسائر ما ذكر في سورة الفتح من
الوعد بالمغانم الكبيرة ودخول المسجد الحرام محلقين ومقصرين، بخلاف
حملها على أن المراد المتخلفين في غزوة تبوك، فلا يصح لما فيه من
مخالفة الظاهر ومناقضة التواريخ وعدم المناسبة لسائر ما ذكر في
سورة الفتح، وليس العجب من استدلال أهل البلاهة وعدم الاطلاع على
السيرة والتواريخ وتفاسير القرآن إنما العجب من أهل الذكاء والعلم
بكيفية الأحوال والتواريخ والسيرة النبوية وتفاسير الآيات القرآنية
كالزمخشري وأمثاله، فانظر إلى شدة تعصبه وخدمة مذهبه كيف ساق
الآيات من أول سورة الفتح إلى هذه الآية وفسرها جميعها من أول آية
وهي قوله تعالى: ?إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا
مُبِينًا?{الفتح:1}، قال: هو فتح مكة وقد نزلت مرجع رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم عن مكة عام الحديبية عِدَةً له بالفتح، ثم قال
في تفسير قوله تعالى: ?سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ
الأعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ
لَنَا?{الفتح:11}،: هم الذين تخلفوا عن الحديبية، ثم قال في
تفسير:?سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى
مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ? {الفتح:15}،: هم
الذين تخلفوا عن الحديبية، ثم قال في تفسير:?قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ
مِنْ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ
(1/815)
إِلَى قَوْمٍ?
الآية،: هم الذين تخلفوا عن الحديبية، فسلم نزولها في عام الحديبية
كسائر السورة، ثم عند إرادته الاستدلال بها على إمامة أبي بكر ركب
متن العماد وحرر الدلالة على أقبح وجه من الفساد وهو أن فسر القوم
أولي البأس الشديد ببني حنيفة إلى أن قال: وهذا دليل على إمامة أبي
بكر الصديق فإنهم لم يُدْعَوا إلى حربٍ في أيام رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم، ولكن بعد وفاته قال: وكيف يدعوهم رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم مع قوله تعالى: ?فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي
أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا?{التوبة:83}، وقيل هم
فارس والروم انتهى.
فانظر إلى مغالطته كيف جعل آية براءة حاكمة على سورة الفتح وسورة
الفتح سابقة قبل براءة بسنين وأعوام لأن الحديبية سنة ست وبراءة
سنة تسع من الهجرة،فيقال ومن أين لك أنهم لم يُدْعَوا إلى حرب في
أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عقيب الحديبية إلى بعد
وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تتكلف وتتمحل للتفسير
الباطل والقول العاطل من أن المراد بالقوم بني حنيفة، وأن المراد
بالداعي هو أبو بكر مع أنه قد وقع بعد الحديبية الدعا منه صلى الله
عليه وآله وسلم إلى مواطن كثيرة كالفتح والطائف وهوازن وغطفان
وتجهيز أسامة بن زيد؟
فإن قلت: من قوله تعالى: ?فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ
مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا
مَعِي أَبَدًا?{التوبة:83}.
(1/816)
قلنا: غاية ما فيها
أن يتناول قوله: ?لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي?في المستقبل منذ نزلت
براءة لا الماضي فلا يصح حملها عليه البتة، فلا يتم لك هذا الدليل
العليل الخارج عن واضح السبيل مع كون رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم قد دعا بعد الحديبية إلى تلك المواطن الكثيرة والوقائع
الشهيرة، هذا إن سلمنا تسليم جدل وتنزل أن المتخلفين من الأعراب هم
المرادون بقوله تعالى في التوبة:?رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ
مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا
مَعِي أَبَدًا?، وإلا فلا يسلم لأن هذه الطائفة يسيرة منكر وصفها
بأنها بعض من كان يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في
غزواته ووقائعه لقوله: ?مِنْهُمْ? بخلاف المتخلفين من الأعراب،
فإنهم طوائف كثيرة كما حكيته في تفسيرك: هم الذين تخلفوا عن
الحديبية وهم أعراب غِفَار ومُزَينَة وجُهَينَة وأَشجَع وأسلم
والدَّيْل إلى آخر كلامك، وحينئذ فغاية ما في الأمر أن تكون هذه
الطائفة المذكورة في براءة بعضاً من تلك الطوائف العديدة، فلا
يتناول الخطاب لها سائر تلك الطوائف فلا يدخلون في قوله:?لَنْ
تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا?.
فإن قيل: فيكفي في الاستدلال على المطلوب من إثبات إمامة أبي بكر
وعد هذه الطائفة والوعيد لها بالثواب والعقاب إن لم يطيعوا الداعي
وعصوه وهو أبو بكر، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج بنفسه
الشريفة بعد تبوك أي مخرج، فلا يصح أن يكون الداعي غير أبي بكر
وغير عمر إلى فارس والروم.
(1/817)
قلنا: هذا باطل بما
هو معلوم مما مر ذكره أن الوعيد والخطاب في سورة الفتح لكافة
المتخلفين وقد دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى تلك
الوقائع العديدة والمواطن المفيدة، فقصره على الطائفة المخصوصة أو
دخولها في عدادهم خلاف الأصل فلا يصح عوده إليهم بعد التعميم
السابق لزم أن هذه الطائفة داخلة في المدعيين منذ عام الحديبية إلى
عام تبوك سنة عشر من الهجرة، ثم إنه لا يتم استدلال الخصم حتى يقيم
الدليل أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يدع هذه الطائفة، لأن
الآية إنما منعت أن يخرجوا معه من دون أن يدعوهم، فأما إذا دعاهم
فلا دلالة في الآية على كونهم لا يجوز لهم أن يخرجوا أو لا يجوز
لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعوهم.
وبعد فما المانع أن المراد في الآية ?لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي?ما
دمتم مصرين على العصيان والتخاذل دون ما إذا كنتم قد تبتم وأصلحتم
فاخرجوا، يدل عليه قوله تعالى:?فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ
اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا? الآية{الفتح:16}، ولأن المعلوم من الدين
ضرورة أنهم إذا تابوا وأصلحوا كانوا من جملة سائر المؤمنين، فلا
وجه لمنعهم من الخروج مع التوبة والإصلاح.
وبعد فالاستدلال على مذهب الخصم مبني على طائفة غير معينة توعدها
الله ونهى عن خروجها، فاللازم تبيين تلك الطائفة والبرهان أن أبا
بكر دعاها بنفسه، وهذا لا وجود له في الأخبار المشهورة، وإنما دعا
أبو بكر عموم الناس إلى قتال بني حنيفة وكذلك عمر فيما بعده من
قتال فارس والروم.
وبعد فقول الخصم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج
بنفسه بعد تبوك لا يقدح فيما قلناه من دعائه صلى الله عليه وآله
وسلم إلى الخروج مع أسامة بن زيد وغيرها من سائر سراياه إلى أن
توفاه الله تعالى، لأن أبا بكر وعمر لم يخرجا فيما ذكروه من قتال
بني حنيفة وفارس والروم.
(1/818)
وبعد فلو فرض أن أبا
بكر دعا طائفة مخصوصة نهى الله رسوله أن يدعوهم وأن يخرجوا معه
لكان أبو بكر عاصياً بدعائه هذه الطائفة.
فإن قيل: المراد دعاء أبي بكر لهم مع توبتهم وإصلاحهم كما تأوله
الرازي.
قلنا: فارضوا منا بمثل ذلك في دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم إياهم وتبطل الشبهة بأسرها.
وبعد فقوله تعالى: ?سَتُدْعَوْنَ?، فعل مغير صيغة مجهول فاعله، فإن
فسر بكل داع لزم تصحيح معاوية اللعين وولده الفاجر المهين وسائر
جبابرة خلفاء الأمويين والعباسيين الذين لا تحكم المعتزلة بصحة
إمامتهم، وإن فسر بالداعي المحق في إمامته أو المحق في دعائه
للقتال كالمحتسب العادل فكلاهما لا يسلم دخول أبي بكر وعمر فيمن
شملته الآية لأن الأول محل النزاع، والثاني شرطه صحة الحسبة عدم
وجود الإمام في ناحية المحتسب، فكيف تقرير كون أبي بكر وعمر محقين
مع وجود الإمام المنصوص عليه بين أظهرهما؟ فلا بد أن الداعي المحق
هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، وأمير المؤمنين
وأولاده الأئمة الطاهرين إلى يوم الدين، والداعي من جهة الحسبة مع
كمال شروطها إن لم يكن في الزمان قائم بعد وفاته، وهذا محمول على
أن القتال مع المحتسب مدافعة أو على الخلاف في جواز غزو الكفار إلى
ديارهم مع غير الإمام كما هو مذهب بعض العلماء، على أنه لو كان
مُحقيه أبي بكر وعمر من باب الحسبة لا غير كان في ذلك تسليم بطلان
إمامتهما الذي هو محل النزاع، ونص على أن المراد بالداعي بعد وفاة
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو علي عليه السلام حين دعا
الناس إلى قتال الناكثين والقاسطين والمارقين وهو قوي لأنه إن قصر
على الداعي في حياته صلى الله عليه وآله وسلم لم يدخل من بعده
فيبطل استدلال الخصم، وإن حمل عليه صلى الله عليه وآله وسلم ومن
سيدعو بعد وفاته فلم نجد داعياً متفقاً على صحة إمامته حال الدعاء
إلى القتال غيره عليه السلام وأولاده الأئمة الأعلام أو
(1/819)
المحتسب المحق الإمام
العادل من سائر الأنام.
لا يقال: إن قوله تعالى: ?تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ?، يدل
على أن المراد الدعاء إلى قتال الكفار دون الناكثين والقاسطين
والمارقين فهم أهل إسلام، فلا يصح حمل الآية عليهم.
لأنا نقول: المراد بالإسلام في الآية هو الإسلام اللغوي وهو
الانقياد والاستسلام بالسمع والطاعة أعم من أن يكون المدعو كافراً
أو فاسقاً باغياً من أهل الصلاة، فيقاتل الجميع حتى يسلموا -أي
ينقادون ويستسلمون الأول بالدخول في دين الإسلام وطاعة الإمام،
والثاني بترك البغي والانقياد بالسمع والطاعة للإمام- بخلاف الآية
الأخيرة فالمراد بها قتال البغاة من المسلمين لا غير، لأن أول
الآية ?وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا? إلى قوله ?فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي
حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ?{الحجرات:9}، وهذا واضح لمن
أنصف دون من عاند وتعسف.
شبهة: قالوا: ورد في الأحاديث النبوية والأخبار المروية ما يدل على
صحة إمامة المتقدمين نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الخلافة
بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عظوظاً "، وقوله صلى الله عليه
وآله وسلم: " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "، وقوله صلى
الله عليه وآله وسلم: " إن لي وزيرين في السماء، ووزيرين في الأرض
أما اللذين في السماء فجبريل ومكيائيل، وأما اللذين في الأرض فأبو
بكر وعمر "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن استخلفتم أبا بكر
وجدتموه ضعيفاً في بدنه قوياً في دينه، وإن استخلفتم عمر وجدتموه
قوياً في بدنه قوياً في دينه، وإن وليتم علياً ولا أراكم فاعلين
وجدتموه هادياً مهدياً يسلك بكم الصراط المستقيم ويحملكم على
المحجة البيضاء ".
(1/820)
والجواب: عن هذه
الأحاديث وغيرها من سائر ما يروونه من الأحاديث التي يتمسكون بها
على إمامة الشيخين أوالثلاثة أو تفضيلهم على الوصي من وجوه إجمالية
وتفصيلية، فالإجمالية تعم كلما يرويه الخصم ويتمسك به على إمامة
المتقدمين أو تفضيلهم على سائر الصحابة فضلاً عن صنو رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم وأخوه ونفسه ومن هو بمنزلة الرأس من الجسد
وخليفته ووصيه بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، والتفصيلية تخص
الكلام على كل حديث من الأحاديث المذكورة وإبطال الاستدلال به
بخصوصه.
أما الإجمالية:
فالوجه الأول: أن هذه الأحاديث آحادية ولا يمكن الخصم دعوى التواتر
فيها، إذ لو تواترت لاشتهرت وظهرت في الآفاق كظهور خبر الغدير
والمنزلة وغيرهما من المتواتر، فلا يمكن الاستدلال والاحتجاج بها
على إمامة المتقدمين لأن أخبار الآحاد لا يحصل بها إلا مجرد الظن
في بعض الأحوال مع الشروط المعتبرة في قبول الخبر الآحادي من عدم
مصادمة القطعي، وأن تكون المسألة من المسائل الفروعية والاجتهاد
دون المسائل الأصولية والاعتقاد، فلا بد فيها من العلم وأن لا يجر
الراوي إلى بدعته ومذهبه، فكيف وهذه الأحاديث لم يسلم منها حديث عن
هذه القوادح ولم يحصل في أيها شرط صحة العمل بالآحاد.
(1/821)
الوجه الثاني: أن هذه
الأحاديث لو كانت صحيحة معلومة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
لكان أعلم الناس بها أبو بكر وعمر، ولو علماها لاحتجا بها يوم
السقيفة، والمعلوم أنه لم يجر لها ذكر من أبي بكر وعمر ولا من
عثمان لا في يوم السقيفة ولا فيما عداه من مواقف الجدال والتنازع
بين الصحابة في الأمر حتى أن أبا بكر وعمر لما لم يتم لهما
الاحتجاج على الأنصار إلا بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم حيث قال أبو بكر: نحن عترة رسول الله والبيضة التي تفقأت عنه،
وقال نحن شجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمن ذا ينازعنا
هذا الأمر إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم، وفي بعض الأخبار أنهما
احتجا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الأئمة من
قريش" وهذه الاحتجاجات كما ترى لا يسلكها إلا من فقد النص والدليل
الخاص به دون غيره وهي احتجاجات داحضة، لأن قوله: نحن عترة رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم والبيضة التي تفقأت عنه، وقوله: نحن
شجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا آخره. هي حجة أمير
المؤمنين عليه السلام وأهل بيته على أبي بكر وعمر، لأن الأقارب
للرجل هم شجرته وعترته والبيضة التي تفقأت عنه دون الأباعد، ولهذا
قال أمير المؤمنين عليه السلام : احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة،
وقال في محاججته لأبي بكر وعمر: احتججتم على الأنصار بالقرب من
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنحن نحتج عليكم بمثل ما
احتججتم به، نحن أولى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حياً
وميتاً إلى آخر كلامه عليه السلام . وكذلك ما احتجا به: بأن الأئمة
من قريش. حجة لا تختص أبا بكر وعمر بل جميع قريش فيها على سواء،
والمعلوم أنه ليس المزية والفضيلة لقريش على سائر العرب إلا لقربهم
من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب أن يكون الأقرب إليه
صلى الله عليه وآله وسلم أحق بمقامه وميراثه ممن هو أبعد، فلو كان
ما رواه المخالفون
(1/822)
من تلك الأحاديث
صحيحاً لما عدل عنه أبو بكر وعمر في الاحتجاج مع كونه خاصاً
وناصَّاً في مطلبهما إلى حجة الغير والحجة الأعم البعيدة، لأن
العاقل لا يعدل عن الاحتجاج بالأمر الصحيح الذي بيده الخاص به إلى
الاحتجاج بالأمر الذي هو بيد غيره أو العام له ولغيره، وبهذا الوجه
يعلم أن لا صحة لشيء من تلك الأحاديث.
الوجه الثالث: ما روي عن محمد بن علي الباقر عليه السلام أنه قال
لبعض أصحابه: يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا،
وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس إلى قوله: ووجد الكاذبون
والجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم، وقضاة
السوء، وعمال السوء في كل بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة
المكذوبة، ورووا عنا ما لم نقله ولم نفعله إلى أن قال: وحتى صار
الرجل الذي يذكر بالخير ولعله يكون ورعاً صدوقاً يحدث بأحاديث
عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من سلف من الولاة ولم يخلق الله شيئاً
منها ولا كانت ولا وقعت، ويرون أنها حق لكثرة من رواها إلى آخر
كلامه عليه السلام . وهذا كما ترى يدل على أن الأحاديث المروية في
فضائل أبي بكر وعمر لا صحة لها، وإنما افتعلها علماء السوء تقرباً
إلى الظلمة وإغاضة لأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم رضي الله عنهم.
(1/823)
الوجه الرابع: ما
رواه علي بن محمد المديني في كتاب الأحداث أن معاوية لعنه الله
تعالى كتب إلى عماله في الآفاق: انظروا إلى من قبلكم من شيعة عثمان
ومحبيه وأهل ولايته الذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم
وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا إلي بكل ما يروي رجل منهم واسمه واسم
أبيه وعشيرته، ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما
كان يفعله معاوية من الصلات والكساء والحبا ويفيضه في العرب منهم
والموالي، فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا، إلى
قوله: ثم كتب إلى عماله: أن الحديث في عثمان قد كثر وفشى في كل مصر
وفي كل جهة وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية
في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، فإن هذا أحب إليَّ وأقر لعيني
وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله.
فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة من مناقب الصحابة مفتعلة
لا حقيقة لها، وجَدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى شادوا
بذكر ذلك على المنابر وألقي إلى معلمي الكتاب فعلموا صبيانهم
وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، وتعلموه كما يتعلمون القرآن وحتى
علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم إلى آخر كلامه.
فتأمل أيها الطالب الرشاد وفقك الله تعالى وإيانا هذا الكلام كيف
يصح معه أي حديث من تلك الأحاديث، وما ظنك بالعامة وعلماء السوء
المائلين إلى التقرب إلى الظلمة لينالوا من صِلاتهم وحباتهم هل
يتركون مجهوداً فيما يفتعلونه من الأحاديث الكاذبة، فإن هذا مما
يدل على عدم صحتها، وأقل الأحوال أن لا يظن صدقها وذلك كاف في
إبطال الاحتجاج بها.
(1/824)
وانظر أرشدك الله إلى
مناقب أمير المؤمنين عليه السلام ومناقب أهل بيته المطهرين عليهم
السلام هل احتيج في نشرها وروايتها وحفظها إلى مثل هذا العمل أم
الأمر بالعكس، فإنهم اجتهدوا معاوية اللعين والحجاج لعنه الله
تعالى وغيرهما من الظلمة في طمسها وقتل الشيعة تحت كل حجر ومدر حتى
كتم أولياؤه مناقبه خوفاً وكتم أعداؤه ذلك غيظاً وبغضاً، فظهر من
بين الكتمين ما ملأ الخافقين.
الوجه الخامس: ما ذكره سيدي العلامة أحمد بن محمد لقمان عليه
السلام في رده على ابن حجر الهيثمي في البحار المغرقة للصواعق
المحرقة قال ما معناه: إن قول ابن حجر المصري في شرحه فتح الباري
على البخاري: إنما قال المؤلف يحيى البخاري باب ما جاء في معاوية
رغماً للشيعة، وإلا فلا تثبت في معاوية فضيلة ولا منقبة، ثم رد
سيدي الصفي على ابن حجر الهيثمي فيما رواه من الأحاديث الكثيرة في
فضائل المتقدمين منقولة عن البخاري وغيره بما معناه: إذا كان
البخاري هو أصدق وأوثق أئمة الحديث لديهم إنما وضع: باب ما جاء في
معاوية وروى ما رواه في شأنه رغماً للشيعة، فلا يؤمن أن الأمر فيما
رواه ووضعه من الأبواب السابقة في شأن المتقدمين على أمير المؤمنين
وهو كالأمر فيما فعله في شأن معاوية، وأنه لا صحة لشيء من تلك
الأحاديث، وإنما فعلها البخاري وغير البخاري رغماً للشيعة لأنهم
يتألمون لما يروى في المشائخ كما يتألمون لما يروى في معاوية إلى
آخر ما ذكره رحمه الله تعالى.
الوجه السادس: أنها معارضة للأدلة القطعية الدالة على إمامة أمير
المؤمنين في الآيات والأحاديث التي مر ذكرها.
الوجه السابع: أنها معارضة بما هو أقوى منها وأشهر وأظهر، وأثبت
رواية وأوثق سنداً وأكثر عدداً من الأحاديث الآحادية الواردة في
أمير المؤمنين عليه السلام الدالة على إمامته ووصايته، وعدم جواز
التقدم عليه كما مر نقل بعضها مع أنها قد تواترت معنىً، ونقلها
الموالف والمخالف.
(1/825)
الوجه الثامن: أنها
مصادمة ومخالفة لما انعقد عليه إجماع العترة الطاهرة شموس الدنيا
وشفعاء الآخرة من أن علياً عليه السلام هو الإمام عقيب الرسول صلى
الله عليه وآله وسلم بلا فاصل كما مر تقريره.
وأما الوجوه التفصيلية الواردة على كل حديث بخصوصه:
فالحديث الأول: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكاً عظوظاً"
يقدح فيه من وجوه:
أحدها: أن ثم نقص عن الثلاثين إذا أريد بها مدة الثلاثة ومدة قيام
أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن استشهد، وذلك النقص من مفتح محرم
سنة أحد عشر من الهجرة إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ليلة اثني عشر شهر ربيع الأول من تلك السنة، فذلك شهران واثني
عشر ليلة وبقية سنة الأربعين التي استشهد فيها أمير المؤمنين من
ثالث وعشرين شهر رمضان ثلاثة أشهر وثمانية أيام، فجملة النقص خمسة
أشهر وعشرون ليلة.
ثانيها: أن المعتزلة يصححون إمامة الحسنين عليهما السلام ويحكمون
ببغي معاوية والبراءة منه، فيلزم الزيادة على الثلاثين وكلام
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا تجوز فيه الزيادة ولا النقص.
لا يقال: إن وفاء الثلاثين بمدة خلافة الحسن عليه السلام إلى أن
انعزل منها وصار الأمر بيد معاوية.
لأنا نقول: كلامنا وكلام الشارع صلوات الله عليه هو في الخلافة
الصحيحة الشرعية وقد ثبتت للحسنين عليهما السلام بالاتفاق، وإن
اختلفنا نحن والمخالف بماذا ثبتت؟ فعندنا بالنص: " الحسن والحسين
إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خيرٌ منهما "، وعند المخالف بالعقد
والاختيار.
ثالثها: أن عند الأشعرية والمحدثين وسائر من يتسم بأهل السنة صحة
خلافة معاوية منذ نزل عنها الحسن عليه السلام وكذلك سائر خلفاء
الدولتين الأمويين والعباسيين.
(1/826)
لا يقال: المراد من
الحديث الخلافة التي هي على النهج النبوي بالعدل وإقامة الشريعة
بخلاف ما كان من سيرة معاوية وسائر خلفاء الدولتين، ولذلك قال صلى
الله عليه وآله وسلم: "ثم تكون ملكاً عظوظاً،"
لانا نقول: إن أريد بقولهم الخلافة التي هي على النهج النبوي من
العدل وإقامة الشريعة مع كونها ثبتت لصاحبها بدليل شرعي فهلم
الدلالة على ثبوته لمن تقدم الوصي؟ وإن أريد بذلك مجرد الخبر عن
وقوعها ولم يكن عن دليل شرعي سقط الاستدلال بذلك الحديث.
رابعها: أن هذا الحديث معارض بما هو أقوى منه وأكثر نقلاً وأشهر
رواية وهو ما رواه جماعة من أهل الحديث الموالف والمخالف من قوله
صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزال هذا الدين قائماً ما ولي في
أمتي اثنى عشر خليفة "، فالأشعرية ونحوهم يحملونه على الأربعة
الخلفاء والحسن عليه السلام إلى أن سلم الأمر إلى معاوية، ثم
معاوية ثم يعدون تمام الاثني عشر من تخيروه من خلفاء الأمويين
والعباسيين على حسب خلاف بينهم في التعيين، كما ذكر ذلك ابن حجر في
صواعقه والسيوطي في تاريخ الخلفاء، والإمامية يحملونه على الاثني
عشر الإمام الذين حصروا الإمامة فيهم، وأصحابنا قالوا: إن صح الخبر
فمحمول على أنه سيقع اثنا عشر إماماً يكون الدين في أيامهم أقوى
ظهوراً وأقوم سبيلاً من ظهوره وقيامه فيما عداهم من إمام من سائر
العترة عليهم السلام.
(1/827)
"اقتدوا باللذين من
بعدي أبي بكر وعمر" لا يسلم صحته لمعارضته بأكثر منه، ولأنه ليس
إلا من رواية المخالف الجار إلى بدعته، وإن سلمنا صحته على الفرض
فالمراد الاقتداء بهما فيما يفعلانه أو يفتيان به العوام من
المسائل الفرعية الموافقة للحق، وقوله: "من بعدي". إخباراً بأنهما
سيكونان بعده ولا يلزم أنهما خليفتا حق وإماما صدق، إذ ليس في
اللفظ ما يدل على ذلك كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم في علي
عليه السلام : " وهو ولي كل مؤمن بعدي "، وقوله صلى الله عليه وآله
وسلم: " وهو وليكم بعدي "، ولأنا قد بينا أن مجرد الوقوع لا يدل
على الصحة الشرعية.
والحديث الثالث: "أن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض" الخ.
مما تفرد بروايته المخالف، وأيضاً فلا حجة فيه لثبوت خلافة الشيخين
إذ ليس فيه إلا الخبر بأنهم سيجدونهما على تلك الأوصاف ولا أمر منه
صلى الله عليه وآله وسلم لاستخلافهم إياهما ولا تقرير، بل فيه ما
يدل على الإنكار وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم في علي عليه
السلام : "ولا أراكم فاعلين" مع الخبر بأنه عليه السلام يسلك بهم
الصراط المستقيم ويحملهم على تلك المحجة البيضاء لأنه إذا كان عليه
السلام يسلك بهم الصراط المستقيم ويحملهم على تلك المحجة البيضاء
فقوله: "ولا أراكم فاعلين" إنكار للعدول عنه إلى غيره، فهذا الحديث
دليل لنا وشاهد عليهم ببطلان خلافة المتقدم، ولأنه صلى الله عليه
وآله وسلم لم يصفهما بما هو المعتبر من خصال الإمامة كما وصف أمير
المؤمنين عليه السلام بكونه يسلك بهم الصراط المستقيم ويحملهم على
المحجة البيضاء، وبتعليق هذا الوصف عليه والاقتصار على الخبر
بوجوده فيه عليه السلام دونهما يلزم انتفاؤه عنهما فلا تصح
إمامتهما بدلالة هذا الحديث.
(1/828)
فهذه الشُّبَه التي
مر ذكرها معظم ما يتمسك به مدعوا النص على خلافة أبي بكر وعمر،
وبما قد رأيت من إبطالها يعلم بطلان ما عداها مما يروونه من
الأحاديث الآحادية والترهات المروية التي تمسكوا بها على خلافة
الثلاثة والفضيلة لهم ولضعفها وعدم ثبوتها عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، عدل عن الاستدلال بها سائر مشائخ المعتزلة ومحققوا
الأشعرية وادعوا الإجماع على خلافة أبي بكر والعقد له والاختيار
يوم السقيفة، ثم هو أوصى إلى عمر، ثم هو جعلها شورى بين ستة نصبوا
أحدهم وهو عثمان، فكان ذلك دليلاً على صحة خلافة المتقدمين على علي
عليه السلام ، وإذا أردنا التكلم على هذه الشبهة التي يعدونها
الحجة القاطعة والبينة الصادعة جعلنا الكلام فيها في طرفين:
(1/829)
أحدهما: المطالبة
بالنقل المتواتر على أنه وقع عقد صحيح بأن حضره كافة الموجودين من
كافة الأمة والصحابة منهم وأهل العلم والعقد والحل وصوبهم الباقون،
ولم يوجد من أحد منهم إنكار أصلاً حتى يكون إجماعاً صحيحاً شرعياً
يمكن أنا نخصص به الدلالة القطعية الدالة على ثبوت إمامة أمير
المؤمنين ونخرج منها مدة من وقع له ذلك العقد على تلك الصفة لا كما
ذكره المخالف من قوله: ثم أوصى أبو بكر إلى عمر وعمر جعلها شورى
فليس ذلك من الدلالة الشرعية في شيء، لأنا قد بينا أنه ليس للإمام
أن يوصي بالإمامة لأحد بعده، وإنما ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه
وآله وسلم لثبوت ولايته صلى الله عليه وآله وسلم على كل الأمة إلى
يوم القيامة، بخلاف الإمام فليست ولايته إلا على أهل عصره لا من
بعدهم، ويصير الحال في هذه المسألة كتخصيص قوله صلى الله عليه وآله
وسلم: " الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا "، بزمن أمير المؤمنين
عليه السلام وإثبات إمامتهما لبعد وفاته عليه السلام ، ونقل عقد
على الصفة المذكورة لأحد المتقدمين لا وجود له في الخارج، وإلا
لنقل نقلاً متواتراً ومستفيضاً لوجوب اشتهار ما شأنه كذلك، ولأن
المعلوم بلا تناكر بين أهل النقل والأخبار وقوع الشقاق والنزاع
والاختلاف يوم السقيفة بين أبي بكر ومن معه وبين سعد بن عبادة
الخزرجي ومن معه، وبقي الخلاف بينهما وانعزال سعد ومن معه إلى أن
هلك أبو بكر، ثم إلى أن قتل سعد في الشام أيام عمر، وكذلك وقع
النزاع والشقاق بين القوم وبين أمير المؤمنين عليه السلام ومن معه
من سائر بني هاشم وطلحة والزبير حتى بايع الزبير كرهاً وكسر سيفه
ووقع الوعيد الشديد الذي ما عليه من مزيد على أمير المؤمنين عليه
السلام إن لم يبايع كما سيأتي قريباً نقل ذلك عن الموالف والمخالف،
وكذلك وقع الإنكار لذلك العقد وتأخير الوصي من خيار الصحابة
وعلمائهم كعمار وسلمان وأبي ذر كما في قصة الاثني عشر الذين قاموا
على أبي بكر
(1/830)
لما صعد المنبر ستة
من المهاجرين وستة من الأنصار، ونقموا على أبي بكر تعرضه لهذا
الأمر المنيف والمنصب الشريف وتقدمه على أمير المؤمنين عليه السلام
القصة بكمالها وهي مذكورة في كتب أئمتنا عليهم السلام وشيعتهم فلا
نطيل الكلام بذكرها.
ويرد على هذا سؤال وهو أن يقال: ولم شرطتم في العقد لأبي بكر
وتالييه أن يصدر على الصفة المذكورة بأن يحضره كل الموجودين من
الأمة أو الصلحاء منهم وأهل الحل والعقد مع تصويب الباقين؟ وأي
إمام وقع العقد له على هذه الصفة وهؤلاء أئمتكم من لدن علي بن أبي
طالب عليه السلام إلى هذا التاريخ لم يقع لأحدهم عقد على تلك
الصفة، فما شأن هذا التحكم في العقد لأبي بكر وتالييه مع أنكم لا
تعتبرون العقد والاختيار في ثبوت إمامة الإمام، بل تجعلون طريقها
في من عدا المنصوص عليه القيام والدعوة وتقلد أعباء الإمامة
والانتصاب لأمور السياسة والزعامة، فهلا جعلتم إمامة الثلاثة من
هذا القبيل وهو أن كلاً منهم قد قام ودعا وتقلد الأمر وأجرى الأمور
المتعلقة بالأئمة كما يجريها سائر أئمتكم، فأثبتوا إمامة المتقدمين
بالقيام والدعوة دون العقد والاختيار فلا يضرنا مع اعتبار هذه
الطريق إلى إثبات إمامتهم عدم وقوعه، وكذلك لا يضر على أصلكم
مخالفة من خالف بعد القيام والدعوة مع كمال الشروط، فما وجه
الاحتجاج بخلاف من خالف يوم السقيفة أو بعده؟
(1/831)
والجواب عن هذا
السؤال وإن كان ظاهره الجودة والقوة والقدح فيما ذهبنا إليه في هذه
المسألة يؤخذ مما مر من المباحث والأصول المقررة في كتب أئمتنا
عليهم السلام: وهو أن القيام والدعوة إنما يكونان طريقة إلى إثبات
الإمامة فيما إذا لم يكن ثم إمام منصوص عليه فأما مع وجود المنصوص
عليه، فليس لأحد أن يقوم أو يدعو، وكذلك ليس لأحد أن يعقد لغيره
لما فيه من العدول عن المختار من الشارع والله تعالى يقول: ?وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلَالًا مُبِينًا?{الأحزاب:36}، لكن لما كان الإجماع حجة قطعية
جاز التخصيص به كما ذكرنا إن ثبت، ولا يمكن القطع بثبوته إلا لو
نقل متواتراً على تلك الصفة المذكورة فاندفع هذا السؤال وزال عن
المسألة ما يعتريها من هذا الإشكال، ومن ثم ترى المعتزلة ونحوهم
ممن يرى إمامة المتقدمين ينكرون النص على إمامة أمير المؤمنين لئلا
يلزمهم نقل الإجماع على العقد لكل واحد من المتقدمين على الصفة
المذكورة لعلمهم عدم وقوع إجماع على هذه الصفة، لذلك استنكفوا في
إثبات إمامتهم بمجرد العقد والاختيار ممن حضر يوم السقيفة وممن
بايع بعده، ولم يعبئوا بما وقع من الشقاق والنزاع لعلمهم أنه لا
يلزمهم إثبات الإجماع الصحيح القطعي إلا لو ثبتت النصوص على أمير
المؤمنين والحسنين عليهم السلام، فأنكروا النص على الجميع وتأولوا
ما ورد من ذلك على حسب ما يطابق أهواءهم، ولم يجعلوا ما وقع من
التهديد من أبي بكر وعمر قادحاً في ذلك العقد حتى قال قاضي القضاة
فيما نقله عنه ابن أبي الحديد في جمع عمر حزم الحطب إلى باب دار
الزهراء عليها السلام ليحرقها إن لم يخرج علي عليه السلام ومن معه
للبيعة، فقال قاضي القضاة: ولعله حَاكٍ له عن شيخه أبي علي أن حديث
الإحراق ولم يصح ولو صح لساغ
(1/832)
لعمر مثل ذلك.
فانظر إلى هذه العصبية لعمر ومخدومه حيث يُسَّوِّغ لهما إحراق آل
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع قوله صلى الله عليه وآله
وسلم فيهم: " أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم " فالله
المستعان.
وبمعرفة هذا السؤال وتقرير جوابه يثبت ما مر ذكره في هذا المطلب من
لزوم نقلٍ متواتر على إجماعٍ من جميع الموجودين من الأمة أو من
الصلحاء والعلماء وأهل الحل والعقد مع تصويب الباقين بلا تناكر في
العقد لكل واحد من الثلاثة، وإن لم يشترط ذلك في إمامة غيرهم، ولن
يجد المخالف لنقل ذلك سبيل ولا إلى العلم به دليل.
الطرف الثاني: وهو أنا نتتبع الأخبار ونستقري الآثار وننقل شيئاً
يسيراً مما رواه المؤرخون وأهل السير من النزاع والشجار، وشيئاً
يسيراً مما حكاه ونقله المخالفون في صفة العقد الذي جعلوه أصل
دينهم وعصمة أمرهم، ليعلم بذلك أنه لا صحة لدعوى الإجماع على أي
صفة كان، ولكون الشيئين يتعلقان بمطلب واحد ويؤخذان من نقل متحد
جمعناهما في هذه الجملة، ونقلناها من طريق المخالف لصدورها منه
بمنزلة الإقرار، ومن طريق الموالف زيادة في البصيرة والاستظهار.
ذكر السقيفة وما جرى فيها من القول
(1/833)
أما المخالف: فذكر
ابن قتيبة في تاريخه المسمى بالإمامة والسياسة ما ترجمه بقوله: ذكر
السقيفة وما جرى فيها من القول، قال: حدثنا ابن عفير عن أبي عون عن
عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم لما قبض احتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة فقالوا: إن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قبض، فقال سعد لابنه قيس: إني لا
أستطيع أن أُسمع الناس كلاماً لمرضي ولكن تلقى مني قولي فأسمعهم،
فكان سعد يتكلم ويحفظ إبنه قوله فيرفع صوته لكي يسمع قومه، فكان
مما قال بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه: يا معشر الأنصار إن لكم
سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب أن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى
عبادة الرحمن وخلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما
كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا
يعرفوا دينه ولا يدفعوا عن أنفسهم حتى أراد الله لكم الفضيلة وساق
إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة ورزقكم الإيمان به وبرسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم والمنع له ولأصحابه والإعزاز لدينه والجهاد
لأعدائه، فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم وأثقله على عدوكم
من غيركم حتى استقاموا لأمر الله طوعاً وكرهاً، وأعطى البعيد
المقادة صاغراً داحراً حتى أثخن الله لنبيه بكم الأرض ودانت
بأسيافكم له العرب، توفاه الله وهو راض عنكم قرير العين فشدوا
أيديكم بهذا الأمر فإنكم أحق الناس وأولاهم به، فأجابوه جميعاً أن
قد وفقت الرأي وأصبت القول وكفى بعد ذلك ما رأيت بتوليتك لهذا
الأمر فأنت مَقْنَع لصالح المؤمنين، قال: فأتى الخبر إلى أبي بكر
ففزع أشد الفزع وقام ومعه عمر فخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة
فلقيا أبا عبيدة بن الجراح فانطلقوا حتى دخلوا سقيفة بني ساعدة،
وفيها رجال من الأشراف معهم سعد بن عبادة،فأراد عمر أن يبدأهم
بالكلام وقال خشيت أن
(1/834)
يقصر أبو بكر عن بعض
الكلام، فلما تيسر عمر للكلام تجهز أبو بكر وقال له: على رَسْلِك
فستكفى الكلام، فتشهد أبو بكر وانتصب له الناس وقال: إن الله جل
ثناؤه بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالهدى ودين الحق فدعا
إلى الإسلام فأخذ الله تعالى بقلوبنا ونواصينا إلى ما دعا إليه،
فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاماً والناس تبعاً لنا فيه، ونحن
عشيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن مع ذلك أوسط العرب
أنساباً ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة، وأنتم
أنصار الله الذين آووا ونصروا، وأنتم وزراؤنا في الدين ووزراء رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنتم إخواننا في كتاب الله
وشركاؤنا في دين الله عز وجل وفيما كنا فيه من سراء أو ضراء، والله
ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه فأنتم أحب الناس إلينا وأكرمهم
علينا وأحق الناس، بالرضا لقضاء الله والتسليم لأمر الله عز وجل
لما ساق لكم ولإخوانكم المهاجرين وأحق الناس فلا تحسدوهم وأنتم
المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، والله ما زلتم تؤثرون إخوانكم من
المهاجرين وأنتم أحق الناس أن لا يكون هذا الأمر واختلافه على
أيديكم وأبعد أن لا تحسدوا إخوانكم المهاجرين على أمر ساقه الله
إليهم وإنما أدعوكم إلى أبي عبيدة وعمر وكلاهما قد رضيت لكم، ولهذا
الأمر وكلاهما له أهل، فقال عمر وأبو عبيدة: ما ينبغي لأحد من
الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر، أنت صاحب الغار وثاني اثنين وأَمرك
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا
الأمر.
ثم حكى مقالة الأنصار للمهاجرين ولكنا نشفق مما بعد اليوم ونحذر أن
يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم رجلاً منا
ورجلاً منكم بايعنا ورضينا على أنه إذا هلك اخترنا آخراً من
الأنصار، فإذا هلك اخترنا آخراً من المهاجرين أبداً ما بقيت هذه
الأمة.
(1/835)
ثم حكى مقالاً لأبي
بكر نحو ما مر إلى قوله: فقام الحباب بن المنذر بن زيد بن حرام
فقال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم، فإنما الناس في فيئكم
وظلالكم ولن نجير على خلافكم ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم أنتم أهل
العز والثروة وأولوا العدد والنجدة، وإنما ينظر الناس ما تصنعون
فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وتقطعوا أموركم أنتم أهل الإيواء
وإليكم كانت الهجرة ولكم في السابقين الأولين مثل ما لهم، وأنتم
أصحاب الدار والإيمان من قبلهم والله ما عبد الله علانية إلا في
بلادكم، ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم، ولا دانت العرب للإسلام
إلا بأسيافكم فأنتم أعظم الناس نصيباً، وإن أبى القوم فمنا أمير
ومنهم أمير.
فقام عمر فقال: هيهات سَيْفَان في غمد واحد لا يصلحان والله لا
ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن
تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم وأولوا الأمر منهم لنا
بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين من ذا
ينازعها سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مُدل بباطل
أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة.
فقام الحباب بن المنذر فقال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم
ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن
أبوا عليكم فاجلوهم عن بلادكم وولوا عليهم وعليكم من أردتم فأنتم
والله أولى بهذا الأمر منهم، فإنه دان لهذا الأمر من لم يكن يدين
له بأسيافنا أما والله إن شئتم لنعيدنها جَذَعة، والله لا يرد علي
أحد ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف.
قال عمر: فلما كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام، لأنه
كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فنهاني عنه فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوؤه أبداً.
(1/836)
ثم قام أبو عبيدة
فقال: يا معشر الأنصار أنتم أول من نصر وآوى، فلا تكونوا أول من
يبدل ويغير، ثم حكى مقالة لقيس بن سعد الأنصاري تتضمن تزهيد
الأنصار عن طلب هذا الأمر وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رجل
من قريش وقومه أحق بميراثه وتولي سلطانه، وذكر أنه قال ذلك لما رأى
ما اتفق عليه الأنصار من تأمير سعد بن عبادة حسداً لسعد وكان قيس
من سادات الخزرج.
ثم حكى مقالة لأبي بكر: إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين أبي
عبيدة بن الجراح وعمر فبايعوا من شئتم منهما، فقال عمر: معاذ الله
أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا إلى قوله: ابسط يدك أبايعك، فلما ذهبا
يبايعانه سبقهما إليه قيس الأنصاري فبايعه، فناداه الحباب بن
المنذر يا بشير بن سعد عاقك عائق ما اضطرك إلى ما صنعت حسدت ابن
عمك على الإمارة، قال: لا والله ولكني كرهت أن أحسد قوماً حقاً
لهم، فلما رأت الأوس ما صنع قيس بن سعد وهو من سادات الخزرج وما
دعوا إليه المهاجرين من قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن
عبادة، قال بعضهم لبعض وفيهم أسد بن حضير: لئن وليتموها عليكم
سعداً مرة واحدةً لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة ولا جعلوا لكم
نصيباً فيها فقوموا إليه فبايعوه، فقام الحباب بن المنذر إلى سيفه
فأخذه فبادروا إليه فأخذوا سيفه منه فجعل يضرب بثوبه وجوههم حتى
فرغوا من البيعة، فقال: فعلتموها يا معشر الأنصار أما والله لكأني
بأبنائكم على أبواب أبنائهم قد وقفوا يسألونهم بأكفهم ولا يسقون
الماء، قال أبو بكر: أمنا تخاف يا حباب ؟ قال: ليس منك أخاف ولكن
ممن يجيء بعدك، قال أبو بكر: فإذا كان ذلك كذلك فالأمر إليك وإلى
أصحابك ليس عليكم طاعة، قال الحباب: هيهات يا أبا بكر إذا ذهبت أنا
وأنت جاءنا بعدك من يسومنا الضيم.
قلت وبالله التوفيق: ينبغي هاهنا أن نوقف مطية السير في نقل الكلام
ويعمل محك النظر فيما قد برز من هذا الخصام:
(1/837)
أولاً: حضور الأنصار
إلى سقيفة بني ساعدة هم وسعد بن عبادة الخزرجي وإرادتهم توليته
الأمر هل ذلك جائز لهم عقلاً أو شرعاً أو لا ؟ وهل مرادهم أن يولوه
تولية عامة في جميع ما أمره إلى الأئمة من الحدود وأخذ الزكوات
والجهاد والفيء ونصب الحكام وغير ذلك، أو مجرد نصبه رئيساً عليهم
فيما يتعلق بمصالحهم الدنيوية فينتصب عنهم في الحضور لدى الأئمة
وفي المواقف المهمة ينظر ما يجلب لهم المصالح ويدفع عنهم النقائص
والمفاسد ؟ سل فلعل هذا المبحث مما يتفرع على معرفته معرفة المحق
من المبطل من الطالب أو المطلوب.
ثانياً: وصول أبي بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح هؤلاء الثلاثة لا
خلاف ولا ريب في حضورهم من المهاجرين ولم يشتهر حضور غيرهم من
المهاجرين، وقد ذكر في بعض كتب بعض أصحابنا أن لا غيرهم ولكن سواء
فرضنا حضور غيرهم أم لا مع العلم بعدم حضور أمير المؤمنين عليه
السلام وسائر بني هاشم ومن انضاف إليهم في ابتداء الأمر كطلحة
والزبير وغيرهما من المهاجرين.
فيقال: حضور هؤلاء الثلاثة إلى السقيفة بعدما بلغهم ما بلغ من
اجتماع الأنصار لتولية سعد أو غيره هل لأمر بمعروف أو نهي عن منكر،
أو لمجرد أمر دنيوي من دفع مضرة في تولي غيرهم عليهم أوجلب منفعة
في توليهم الأمر بنفوسهم ؟ سل ولعل جواب هذا السؤال متوقف على
معرفة جواب ما قبله.
ثالثاً: قد وقع العقد والاختيار لأبي بكر في السقيفة من عمر بن
الخطاب وأبي عبيدة وسبقهما به من الأنصار بشير بن سعد على المشهور
أو قيس بن سعد على الرواية التي مرت عن ابن قتيبة وهي أول بيعة،
وذلك على حسب ما اتفقت عليه الروايات من إنكار الحباب بن المنذر بن
الحباب كما في سائر الروايات، ومع امتناع سعد بن عبادة وولده قيس
بن سعد ومن معهما من الخزرج.
(1/838)
فيقال: هل قد ثبت
لهذا العقد حكم شرعي وثبتت به إمامة أبي بكر أم لا حتى يبايع سائر
المسلمين أو يرضونه بلا إنكار أم لا يثبت له حكم البتة، ولو فرض
مبايعة سائر المسلمين أو رضاهم به أجمع أكتع؟ سل ولعل الجواب على
هذا السؤال متوقف على معرفة جواب ما قبله.
إذا عرفت ذلك وتأملته علمت لزوم هذه الثلاثة الأسئلة لهذه الحادثة
لزوم السؤال عن المولود أذكر أم أثنى وعن ورثة الميت في حق من
يتعلق بمعرفة الجواب عن ذلك به فعل أو ترك ليمكنه اجراء العمل في
ذلك طبق اللازم شرعاً دون من لا يتعلق به فعل أو ترك فلا يلزم
السؤال ولا معرفة الجواب إذ لا وجه للزومه عليه، وإلا لزم في كل
مولود وكل ميت على كل مكلف وهذا باطل، بل مستحيل ما لم يبلغ
التكليف أن فلاناً المتولي على المولود أو فلاناً المتولي على تركة
الميت أو لقسمتها بين الورثة عمل في ذلك بخلاف ما أنزل الله وجب
عليه البحث على صحة ما قيل حتى يثبت له أخذ الأمرين إما الثبوت لما
قيل، فيجب عليه النهي عن ذلك المنكر والأمر بضده وهو المعروف
الواجب اللازم في المعاملة والموالاة لمن ثبتت له براءته عما قيل
فيه أو توبته إن صحا عنه، والمعاداة لمن ثبت له العكس وإلا لزمه
الوقف مع بقاء اللبس بعد استيفاء البحث أو تعذره لأي مانع وهذا في
حق من عاصر ذلك المتولي على المولود أو التركة، فأما الأمر بذلك
المعروف والنهي عن ذلك المنكر فيجبان مع كمال شروطهما الآتية في
بابهما إن شاء الله تعالى في حق من كملا له على الكفاية لا غير،
وأما الموالاة والمعاداة فيجبان عيناً على كل من ثبتت له المخالفة
من معاصر أو متأخر.
(1/839)
وفيه سؤال وهو أن
يقال: قد قرر أهل العلم أن تحصيل شرط الواجب ليجب لا يجب، فلم قلت
في هذا الكلام بوجوب البحث عن صحة ما قيل، والمعلوم أن الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر والموالاة والمعاداة لا يجبان إلا بعد
الصحة المتوقفة على البحث، فيلزم على تلك القاعدة المقررة أن لا
يجب البحث؟
والجواب: أن هذا ليس من باب تحصيل شرط الواجب ليجب لا يجب، وإنما
هو من باب توقف واجب على المكلف على حصول سبب قد حصل معه بغير
اختياره، وهو أن بلغه أن المتولي على المولود أو التركة عملا بخلاف
ما أنزل الله، وهذا بخلاف صورة تحصيل شرط الواجب ليجب، فصورته في
المثال من بلغه أن فلاناً تولى على المولود أو على التركة فلا يجب
عليه البحث كيف عملا حتى يعلم بكيفية عملهما فيفعل ما يجب من أمر
أو نهي أو نحوهما، كما لا يجب قبول المال ليصير به غنياً فتجب
الزكاة، أو مستطيعاً فيجب الحج ونحو ذلك وهذا واضح.
ولنعد إلى تمام الكلام على الأسئلة الثلاثة السابقة فنقول: قد عرف
من المثال المذكور بعدها أن المعاصر للصحابة رضي الله عن الراشدين
منهم يتعلق به العمل من السمع والطاعة والنصرة والموالاة في حق
المحق والعكس في حق المبطل، إذ لا يمكن إصابة ولا إجابة المتداعيين
ولا من غلب منهما لو فرض أنه مبطل لاستحالة الأول عقلاً وتحريم
الثاني شرعاً فقط إن عري عن الظلم ونحوه أو عقلاً وشرعاً إن لم يعر
عنه، فأما من لم يعاصر الصحابة فلا يلزمه إلا الموالاة للمحق منهم
والمعاداة للمبطل منهم.
(1/840)
إذا تقرر هذا فنقول:
لا يخلو الأنصار الذين حضروا السقيفة مع سعد بن عبادة والثلاثة
المهاجرين أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ومن فرض حضوره معهم من
المهاجرين، إما أن يكونوا قد عرفوا جميعهم لزوم تلك الأسئلة
للحادثة المذكورة وأجوبتها الصحيحة الشرعية فكيف اختلفوا؟ وإما أن
يكونوا غير عارفين بها ولا بأجوبتها أو البعض عارف والبعض جاهل
ففرض العارف الرد إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم، وفرض الجاهل سؤال أهل الذكر فأيهم عمل بذلك، فلا بد أن الله
تعالى قد بين لأهل الذكر حكم هذه الحادثة فيما يتعلق بها من تلك
الأسئلة وغيرها لقوله تعالى: ?أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي?، ولا بد أن الله تعالى قد نصب
لهم ما يرجعون إليه عند اختلافهم في ذلك لقوله تعالى: ?وَمَا
اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى
اللَّهِ?{الشورى:10}، - أي إلى كتاب الله، ولا بد أن الرسول صلى
الله عليه وآله وسلم بين لهم حكم تلك الحادثة، ولا بد أيضاً أن
الله تعالى ورسوله قد بين لهم ونصب ولاة أمر يرجعون إليهم في تلك
الحادثة وغيرها لقوله تعالى: ?وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ
وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ?{النساء:83}، ولقوله صلى الله عليه
وآله وسلم: " ما تركت شيئاً يقربكم إلى الجنة إلا دللتكم عليه، ولا
تركت شيئاً يبعدكم عن النار إلا دللتكم عليه ".
فانظر رحمك الله وإيانا ووفقك وإيانا أي مركز تضع أهل السقيفة فيه
ليظهر لك ما تفرع عليه.
(1/841)
غير أنا نقول وبالله
التوفيق: قد مر أن من جملة تلك السؤالات أن ذلك العقد الواقع في
السقيفة هل قد لزم صحة إمامة أبي بكر بمجرد وقوعه فلزم سائر الأمة
طاعته وحل له قتال من خالفه ولو أخو رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم أو ابنته أو ولديه وسائر أقارب رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم أم لا حكم له حتى يبايع سائر الأمة طوعاً أو كرهاً ؟
فإن قيل: نعم قد لزم.
قلنا: فهلم الدلالة؟
وإن قيل: هو متوقف على حصول عقد سائر الأمة الموجودين في ذلك العصر
طوعاً أو كرهاً.
قلنا: فهلم الدلالة وبين الوقوع على أيهما أردت؟
وإن قيل: لا يلزم إلا إذا بايع سائر الأمة من أهل البيت عليهم
السلام وغيرهم أو أجازوا عقد السقيفة ورضوا به مختارين غير مكرهين
ولا ملجئين بلا تهديد ولا وعيد لمن تخلف عنه.
قلنا: فلنعد إلى النظر معاً ونتأمل جميعاً كيف كان الحال وما تعقب
بعد يوم السقيفة وبالله التوفيق.
وقد استغنينا في النقل عما وقع في السقيفة بما ذكرناه عن ابن قتيبة
إذ لم يختلف الناس أن الواقع فيها هو ما ذكر أو نحوه، وإن فرضنا أن
في روايات أخر زيادة مبايع فيها سوى من مر ذكره أو زيادة على ما مر
من ذلك القول، فأمر لا يتعلق به مزيد فائدة بعد توقف النتيجة على
العلم بما آل الأمر إليه بعد يوم السقيفة.
(1/842)
قال ابن قتيبة بعد أن
حكى امتناع سعد بن عبادة ومن معه من الخزرج عن البيعة وازدحام
الناس عليها حتى كادوا يطؤون سعداً: فقال سعد: قتلتموني، فقيل:
اقتلوه قتله الله! فقال سعد: احملوني من هذا المكان، فحملوه
فأدخلوه داره وتُرك أياماً، ما لفظه ثم بعث إليه أبو بكر أن أقبل
فبايع فقد بايع الناس وبَايَع قومك. فقال: أما والله حتى أرميكم
بكل سهم في كنانتي من نبل، وأخضب منكم سناني ورمحي وأضربكم بسيفي
ما ملكته يدي، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي ولا والله لو أن
الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما
حسابي. فلما أتي بذلك أبو بكر من قوله قال عمر: لا تدعه حتى
يبايعك، فقال لهم قيسبن سعد أنه قد أبى ولح وليس يبايعك حتى يقتل
وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وعشيرته، ولا تقتلوهم حتى
تقتل الخزرج ولا تقتل الخزرج حتى تقتل الأوس، فلا تفسدوا على
أنفسكم أمراً قد استقام لكم، فاتركوه فليس تركه بضاركم وإنما هو
رجل واحد، فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد، واستنصحوه لما بدا لهم
منه، فكان سعد لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع بجمعتهم، ولا يفيض
بإفاضتهم، ولو يجد عليهم أعواناً لصال بهم ولو يبايعه أحد على
قتالهم لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر بن
الخطاب، فخرج إلى الشام ومات بها ولم يبايع لأحد.
قلت: فقد رأيت أيها المنصف أنها انقضت خلافة أبي بكر ومات ولم يحصل
الإجماع على بيعته فيما عدا هذه الرواية أنه قتل في الشام غيلة وأن
سبب ذلك عدم المبايعة منه لأبي بكر وعمر كما هو المشهور، وكما قال
بعض الأنصار مجيباً على قولهم: إن سبب قتله أنه بال قائماً فقتله
الجن:
يقولون سعداً شقت الجنُّ بطنَه .... ألا ربما حققت أمرَك بالعذرِ
فما ذنب سعد أنه بالَ قائماً .... ولكن سعداً لم يبايع أبا بكرِ
لئن زَهِدَتْ عن فتنةِ المالِ أَنفسٌ .... لما زَهِدَتْ عن فتنة
النهي والأمرِ
(1/843)
قال وإن بني هاشم
اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ومعهم
الزبير بن العوام وكانت أمه صفية بنت عبد المطلب وإنما كان يعد
نفسه من بني هاشم، وكان علي كرم الله وجه يقول: ما زال الزبير منا
حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا، واجتمعت بنو أمية إلى عثمان ومن معه من
بني أمية فبايعوه، وقام سعد وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني
زهرة فبايعوا، وأما علي عليه السلام والعباس بن عبد المطلب ومن
معهما من بني هاشم فانصرفوا ومعهم الزبير بن العوام إلى رحالهم،
فذهب إليهم عمر في عصابة فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن أَشْيَم
فقالوا: انطلقوا فبايعوا أبا بكر فأبوا فخرج الزبير بن العوام
بالسيف، فقال عمر: عليكم بالرجل فخذوه، فوثب عليه سلمة بن أشيم
فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، فانطلقوا به فبايع وذهب بنو
هاشم أيضاً فبايعوا.
(1/844)
قلت: فقد رأيت أيها
المنصف كيف كانت بيعة الزبير وأنها على سبيل الإكراه بعد أخذ سيفه
كرهاً وضرب به الجدار حتى انكسر كما في كثير من الروايات الصحيحة،
وقوله: وذهب بنو هاشم أيضاً فبايعوا. على فرض وقوع البيعة منهم فهي
على الصفة المذكورة من ذهاب عمر بتلك العصابة إليهم وإخراجهم
وسوقهم للبيعة بعد ما رأوا ما فعل بالزبير، فأين الرضا والاختيار
منهم للبيعة كما هو المشروط في المسألة؟ ثم قال ابن قتيبة مترجماً
للبحث ما لفظه: إباية علي كرم الله وجهه بيعة أبي بكر، ثم أن علياً
عليه السلام وكرم الله وجهه أُتي به إلى أبي بكر وهو يقول: أنا عبد
الله وأخو رسول الله، فقيل له: بايع أبا بكر، فقال: أنا أحق بهذا
الأمر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي أخذتم هذا الأمر من
الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وتأخذوه منا أهل البيت غصباً! ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا
الأمر منهم لما كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم منكم فأعطوكم
المقادة وسلموا إليكم الأمارة، فإذاً احتج عليكم بمثل ما احتججتم
على الأنصار نحن أولى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حياً
وميتاً، فأنصوفنا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون،
فقال عمر: إنك لست متروكاً حتى تبايع، فقال له علي عليه السلام :
إحلب حلباً لك شطره وشد له اليوم ليرده عليك غداً، ثم قال: والله
يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه، فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع
فلا أكرهك، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: يا ابن عم إنك حديث السن
وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ولا أرى
أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك وأشد احتمالاً واستطلاعاً له،
فسلم لأبي بكر هذا الأمر، فإنك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا
الأمر خليق وحقيق في فضلك وعلمك ودينك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك،
فقال علي كرم الله وجه: الله الله يا معشر المهاجرين لا تخرجوا
(1/845)
سلطان محمد في العرب
من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم وتدفعون أهله عن مقامه
في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا
أهل البيت وأحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله،
الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المتطلع لأمر الرعية،
الدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا
فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعداً،
فقال بشير بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك
يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلفت عليك.
قال: وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة
فكانوا يقولون: يا ابنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد مضت
بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما
عدلنا به، فيقول علي كرم الله وجهه: فكنت أدع رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه، فقالت
فاطمة عليها السلام: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد
صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم.
(1/846)
قلت: تأمل أيها
المنصف، وتنكر أيها المستوصف، وتدبر أيها العارف أكان للقوم حجة
على أمير المؤمنين بها يستوجبون عليه البيعة لهم ؟ أم الأمر بالعكس
حيث أنهم إنما أخذوا الأمر بالأمس في السقيفة على الأنصار بكون
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس من الأنصار وإنما هو من
المهاجرين حيث قال عمر: ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا
من كانت النبوة فيهم وأولوا الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من
العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين من ينازعنا سلطان محمد
وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو
متورط في هلكة، وكذلك قول أبي بكر: إن المهاجرين أولى بالأمر من
الأنصار لكونهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بالأمر من بعده لا
ينازعهم فيه إلا ظالم.
(1/847)
وبهذا يعلم أنه لا
حجة لأبي بكر وعمر على الأنصار سوى القرب من رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم فيقال لهما: فهل أنتما أقرب إلى رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم من علي عليه السلام وسائر بني هاشم حتى يسوغ لكم أن
تطلبوهم البيعة لكم وتحملوا الناس عليها طوعاً أو كرهاً أم هو أقرب
إليه صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فالأمر بالعكس ولا ينازعه ذلك إلا
مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة ولا ينازعهم فيه إلا
ظالم، ثم أن أمير المؤمنين عليه السلام قد صرح في كلامه هذا بقوله:
أنا أحق بهذا الأمر منكم. وقوله: لأنا أهل البيت وأحق بهذا الأمر
منكم لكونه أقرب منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن
أخذهم الأمر لنفوسهم من أهل البيت عليهم السلام غصباً وإن آله أولى
به صلى الله عليه وآله وسلم حياً وميتاً، وطلب منهم النصفة إن
كانوا مؤمنين، وقال: وإن لا وهو يحتمل أن يكون المعنى وأن لا
تكونوا مؤمنين، ويحتمل أن يكون المعنى وإن لا تنصفونا فبوؤوا
بالظلم وأنتم تعلمون، وهذا لا يجوز ولا ينبغي صدوره من أمير
المؤمنين عليه السلام ولا من غيره من سائر المسلمين أن يقوله إن
كان مطلب أبي بكر وعمر حقاً ومسعاهما خيراً.
لا يقال: إن الأمر في شأن قيامه هو خشية أن يبايع الأنصار أو
ارتداد الناس لو بويع لعلي عليه السلام كما هو من أجوبة من ذهب إلى
تصحيح إمامة المتقدمين.
(1/848)
لأنا نقول: إن
الأنصار قد أزيحوا عنها وأزلجوا يوم السقيفة فأمن ضرهم بمبايعة من
بايع منهم وانكسار أمر من لم يبايع منهم بسبب الاختلاف بينهم، فلو
كان مسعى أبي بكر وعمر خيراً لكان الواجب عليهما بعد ذلك الرجوع
إلى إنصاف أمير المؤمنين عليه السلام بتسليم الأمر له بالحجة التي
احتجا بها على الأنصار وبما قد سمعا فيه من النصوص من الله ورسوله
القاضية بوجوب تقديمه وتفضيله عليهما وعلى كل مؤمن ومؤمنة، فأما
ارتداد الناس لو بويع لعلي عليه السلام فأمر يحتاج إلى وحي، ولأنه
إن أريد ارتداد الناس أجمعهم ولم يبق مبايع يفرض تعلق ردتهم
ببيعته، وإن أريد بعضهم فكان الواجب على البعض الآخرين التشاور
فيما بينهم كما أمرهم الله بقوله: ?وَأَمْرُهُمْ شُورَى
بَيْنَهُمْ?{الشورى:38}، وعدم الاختلاف والتنازع والمبادرة إلى أخذ
الأمر فلتة وخلسة والنظر والبحث واجتماعهم على الكلمة، وأن يقول
أبو بكر وعمر لو كان مسعاهما خيراً أو صلاحاً للإسلام والمسلمين
أنا قد كفانا الله شر البيعة للأنصار بما احتججنا عليهم بالقرب من
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذنا عليهم البيعة فصاروا في
أيدينا ونحن في دين الله إخوانا وعلى من ناوء الإسلام أعواناً ولن
تجتمع كلمة المسلمين إلا بإمام اختاره الله ورسوله ونص عليه، أو
يختاره الصلحاء والعلماء وأهل الحل والعقد بلا تناكر لكن إذا
اخترنا علياً وبايعناه عن أمر الله ورسوله وعن اختيار من المسلمين
سينفر عنه بعض المسلمين ويرتدوا على أعقابهم، فماذا ترون أيها
الإخوان في الله، فإنا لا نريد الأمر لنفوسنا من دون مشورة وإنما
أخذنا الأمر من الأنصار لئلا لا تنشق العصا وقد كفانا الله أمرهم
وصارت كلمتنا وكلمتهم واحدة، ثم إن هذه الجملة التي سيقت آنفاً قد
أفادت أن عمر قال لعلي عليه السلام : إنك لست متروكاً حتى تبايع.
وهذا نوع من التهديد والتوعد إن لم يبايعه عليه السلام ، فأجابه
علي عليه السلام مقسماً
(1/849)
بالله أنه لا يقبل
قوله ولا يبايع لأبي بكر وكانت منه عليه السلام تلك المحاججة وفيها
بلاغ وهدى لقوم يوقنون، ثم انصرف عليه السلام من ذلك الموقف ولم
يبايع، وذهب إلى مجالس الأنصار يطلبهم النصرة هو والزهراء عليهما
السلام كما ذكر في هذه الرواية والله أعلم بالحقيقة، وسواء فرضنا
وقوعها أم لا فلم يكن قد وقع منه بيعة بمقتضى هذا، ولكن ليتأمل
المتأمل ويتوسم المتوسم ويتفهم المتفهم كيف أن آل الرسول صلى الله
عليه وآله وسلم مصابون ومشغولون بأشرف ميت وأفضل مجهز إلى حفرته،
والقوم همهم ونهمتهم المبادرة إلى سلبهم ما هو حق ميتهم، وكيف وموت
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصاب كل مؤمن وحزن كل موقن، أما
كان الواجب على أبي بكر وعمر وغيرهما من سائر المؤمنين الحضور إلى
آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم لموانستهم وتعزيتهم ومعاونتهم على
تجهيز ميتهم وتسكين روعتهم ؟ فإن لم يكن واجباً فمن باب الأولى
والتعرض للثواب الجزيل بتجهيز الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
وموانسة أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن لكل نفس مأرب
ومطلب وإلى الله المصير والمنقلب.
كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب عليه السلام لأبي بكر
(1/850)
ثم قال ابن قتيبة
مترجماً للبحث الآتي ما لفظه: كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب كرم
الله وجهه قال: وإن أبا بكر تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي
كرم الله وجهه فبعث إليه عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا
أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو
لأحرقنها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة، فقال:
وإن! فخرجوا فبايعوا إلا علياً عليه السلام فإنه قال: حلفت أن لا
أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن، فوقفت فاطمة رضي
الله عنها على بابها وقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم،
تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا
ولم تردوا لنا حقاً، فأتى عمر أبا بكر فقال: ألا تأخذ هذا المتخلف
عنك بالبيعة، فقال أبو بكر: لقنفذ - وهو مولى له - اذهب فادع لي
علياً، قال: فذهب إلى علي عليه السلام فقال: ما حاجتك؟ قال: يدعوك
خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال علي عليه السلام :
لسريع ما كذبتم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرجع فأبلغ
الرسالة، قال فبكى أبو بكر طويلاً، فقال عمر الثانية: أن لا تمهل
هذا المتخلف عنك بالبيعة، فقال أبو بكر لقنفذ: عد إليه فقل له أمير
المؤمنين يدعوك لتبايع، فجاءه قنفذ فأدى ما أمر به، فرفع علي صوته
وقال: سبحان الله لقد ادعى ما ليس له، فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة
فبكى أبو بكر طويلاً، ثم قام عمر فمشى معه حتى أتوا باب فاطمة
عليها السلام فدقوا الباب، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا
أبت يا رسول الله ما لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة،
فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين وقلوبهم تتصدع
وأكبادهم تتفطر، وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا علياً فمضوا به إلى أبي
بكر، فقالوا له: بايع، فقال: إن لم أفعل فمه؟ قالوا: إذاً والله
الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك، فقال عليه السلام : إذاً تقتلون عبد
الله وأخا
(1/851)
رسول الله، فقال عمر:
أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك،
فقال: لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق علي عليه
السلام بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصيح ويبكي وينادي
ويقول: يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني، فقال عمر
لأبي بكر: انطلق بنا إلى فاطمة فإنا قد أغضبناها فانطلاقا جميعاً
فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما، فأتيا علياً فكلماه فأدخلهما
عليها، فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط فسلما عليها فلم ترد
عليهما السلام، فتكلم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي وإنك لأحب
إلي من عائشة ابنتي ولوددت يوم مات أبوك أني مت ولا أبقى بعده
أفتريني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أني سمعت أباك رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم يقول: "لا نُوْرَثْ ما تركناه فهو صدقة". فقالت:
أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
تعرفانه وتفعلان به، قالا: نعم. قالت: نشدتكما الله تعالى ألم
تسمعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " رضا فاطمة من
رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن
أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن اسخط فاطمة فقد أسخطني "، قالا: نعم.
سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت: فإني أشهد الله
وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي صلى الله
عليه وآله وسلم لأشكونكما إليه، قال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى
من سخطه وسخطك يا فاطمة، ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن
تزهق وهي تقول: والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها، ثم خرج
باكياً فاجتمع إليه الناس، فقال لهم: يبيت كل رجل منكم معانقاً
حليلته مسروراً
(1/852)
بأهله وتركتموني وما
أنا فيه لاحاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي، قالوا: يا خليفة رسول
الله لا يستقيم وأنت أعلمنا بذلك أنه إن كان هذا لم يقم لله دين،
فقال: والله لولا ذلك وما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة
ولي في عنق مسلم بيعة بعدما سمعت ورأيت من فاطمة، قال: فلم يبايع
علي كرم الله وجهه حتى ماتت فاطمة رضي الله عنها ولم تمكث بعد
أبيها إلا خمساً وسبعين ليلة إلى أن قال: ثم خرج فأتى المغيرة بن
شعبة فقال: أترى يا أبا بكر أن تلقوا العباس وتجعلوا له نصيباً في
هذا الأمر يكون له ولعقبه وتكون لكما الحجة على علي عليه السلام
وبني هاشم إذا كان العباس معكم، قال: فانطلق أبو بكر وعمر وأبو
عبيدة حتى دخلوا على العباس رضي الله عنه فحمد الله أبو بكر وأثنى
عليه ثم قال: إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبياً
وللمؤمنين ولياً، فَمَنَّ الله بمقامه بين أظهرنا حتى اختار له ما
عنده، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم متفقين لا
مختلفين، فاختاروني عليهم والياً ولأمورهم راعياً وما أخاف بحمد
الله وهناً ولا حيرة ولا جبناً وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم
عليه توكلت وإليه أنيب، وما زال يبلغني عن طاعن يطعن بخلاف ما
اجتمعت عليه عامة المسلمين ويتخذونكم لحافاً، فاحذروا أن تكونوا
جهد المنيع، فإما دخلتم فيما دخل فيه العامة أو دفعتموه عما مالوا
إليه، وقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً يكون لك
ولعقبك من بعدك إذ كنت عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن
كان الناس قد رأوا مكانك ومكان أصحابك فعدلوا الأمر عنكم على رسلكم
بني عبد المطلب فإن رسول الله منا ومنكم. ثم قال عمر: أي والله
وأخرى أنا لم نأتكم حاجة منا إليكم ولكنا كرهنا أن يكون الطعن منكم
فيما اجتمع عليه العامة فيتفاقم الخطب بكم وبهم فانظروا لأنفسكم
ولعامتكم.
(1/853)
فتكلم العباس فحمد
الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وآله
وسلم كما زعمت نبياً وللمؤمنين ولياً فَمَنَّ الله بمقامه بين
أظهرنا حتى اختار له ما عنده فخلى على الناس أمرهم ليختاروا
لأنفسهم مصيبين للحق لا ما ئلين عنه بزيغ الهوى، فإن كنت برسول
الله طلبت فحقنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم متقدمون
فيهم، وإن كان هذا الأمر إنما يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا
كارهين، فأما ما بذلت لنا فإن يكن حقاً لك فلا حاجة لنا فيه، وإن
يكن حقاً للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم، وإن كان لنا لم نرض عنك
ببعض دون بعض، وأما قولك: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
منا ومنكم، فإنه كان من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها.
(1/854)
قلت وبالله التوفيق:
فهذا ما تعقب بعد يوم السقيفة في حياة فاطمة عليها السلام برواية
هذا المؤرخ مع فرط محبته لأبي بكر وعمر وشدة تعصبه في مذهبه لهما،
ولما فيه مما يقدح في أبي بكر وعمر من التهديد والوعيد بالقتل
للوصي عليه السلام وجمع حزم الحطب إلى باب دار فاطمة عليها السلام
لتحرق بمن فيها إن لم يخرجوا للبيعة، سَبَّقَ هذا المؤرخ جملة من
الأحاديث في فضائل أبي بكر وعمر ليسبق إلى فهم المطلع حسن الظن
بهما، ولعل مرامه كما حكيناه عن قاضي القضاة أنه سائغ لهما ذلك
توصلاً إلى مطلبهما من الحق يعني -على زعم القاضي ومن وافقه وهو
البيعة لأبي بكرت، وقد أريناك أيها الطالب الرشاد أن العقد في
السقيفة لأبي بكر لا يكون له حكم ولا صحة شرعية إلا إذا اتبعه
الرضا أو البيعة من سائر المسلمين غير مكرهين ولا ملجئين، فكيف
يجوز نحو هذه الأفاعيل المنكرة لفعل ما هو تتميم له وشرط فيه بأحد
من المسلمين فضلاً عن آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين
فرض الله مودتهم واحترامهم على أبي بكر وعمر من سائر الأنام، وقد
أفاد هذا الكلام أن علياً عليه السلام لم يبايع حتى ماتت الزهراء
ونقلت إلى جوار أبيها صلوات الله وسلامه عليهما وعلى سائر آلهما
إلى يوم الدين.
ولعل أن مستبعداً يستبعد صدور ما ذكر من الوعيد بالقتل وجمع حزم
الحطب إلى باب فاطمة عليها السلام.
فيقال له: وما وجه ذلك الاستبعاد وقد رواه هذا المؤرخ المفرط في
محبة أبي بكر وعمر، ورواه جماعة من أهل التواريخ والنقل وانتشر
وذاع كما ذكره ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد مع أنه قد بلغ به
التعصب إلى ذكر فضائل معاوية اللعين، وحكاه أئمتنا عليهم السلام في
كتبهم عن موالف ومخالف، وذكره ابن أبي الحديد في مواضع عديدة في
شرح النهج كما سننقل بعضاً من ذلك قريباً إن شاء تعالى.
(1/855)
وبعد فكيف يستبعد
صدور ذلك عن أبي بكر وعمر ومن أعانهما على أمرهما مع أنهم قد
اعتقدوا صحة إمامتهم ووجوب طاعتهم وقد صدر ما هو أعظم منه وأجل
خطباً وأكبر إثماً ممن هو أولى بأن يستبعد ذلك منه، وهو خروج عائشة
وطلحة والزبير إلى البصرة بعد البيعة والعهود الشديدة، فقدَّموها
في جم غفير من الأجناد التي جمعوها من الغوغاء وأهل العمى في
البصيرة فقتلوا نيفاً وثلاثين رجلاً من أهل البصرة، ومن الجند
الذين فيها مع عاملها من طرف أمير المؤمنين غدراً في الليل إلى
مضاجعهم فقتلوهم وأسروا العامل عثمان بن حنيف رضي الله عنه وحلقوا
لحيته بعد العهود والمواثيق بينهم على دخولهم البصرة في مواضع
ومنازل مخصوصة إلى عند أن يعود جواب أمير المؤمنين عليه السلام من
المدينة المنورة ثم أحدثوا ما أحدثوا من الغدر، واستولوا على
البصرة وما حولها وجمعوا الجموع العظيمة لقتال الوصي عليه السلام ،
وكان ما كان من وقعة الجمل التي ليس فيها مناكر ولا مدافع، وأفضى
الأمر إلى أن قتل من الفريقين ما ينيف على ثلاثين ألفاً، مع أن
عائشة بمكان أعظم من مكان أبي بكر وعمر في العلم والفضل والمعرفة
بما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تحذير الفتن، وما قاله
صلى الله عليه وآله وسلم في علي عليه السلام وأهل بيته صلوات الله
وسلامه عليهم أجمعين، ومع أن طلحة والزبير كانا من أشد الناس ميلاً
إلى علي عليه السلام يوم السقيفة ومع ذلك فلم يكونوا يدعون إمامة
عظمى يستحلون دم من خالفهم فيها، وإنما مرامهم التولي والترؤس
فتوصلوا إلى ذلك بأن مرامهم الطلب بدم عثمان على أنهم أعني هؤلاء
الثلاثة عائشة وطلحة والزبير من أشد الناس تأليباً على عثمان
ومحاصرته حتى قتل، ولما وصلوا إلى البصرة قالوا لهم: ما أتى بكم
إلينا؟ قالوا: للطلب بدم عثمان لديكم فاطلبوه، فلا نعلم من قتلته
أو كما قال، ثم صار بينهم الصلح على النزول في البصرة الكُلُّ آمن
بأمان الله تعالى بعد العهود
(1/856)
على ذلك، وكتبوا
لأمير المؤمنين عليه السلام كتاباً بصفة ما قد وقع، فبينما هم
منتظرون الجواب إذ فعلوا ما فعلوا من تلك الحوادث العظيمة
والأفاعيل الكبيرة الأثيمة، فلا يستبعد صدور ذلك من أبي بكر وعمر،
وليس الاستبعاد بمعتبر في المدافعة عنهما، وإنما الذي ينبغي أن
يقوله أُولوا العلم الذين ائتمنهم الله على دينه أن هذه أخبار
آحادية، فإن كان المراد منها القدح في دعوى الإجماع وصدور رضا من
تأخر ولم يحضر السقيفة فهي كافية في القدح إذ يصير الإجماع والرضا
غير معلومين مع روايتها، وإن كان المراد منها تفريع المعاداة
والبراءة منهما عليها فلا يصح إذ لا يجوز ذلك إلا مع العلم بصدور
كبيرة منهما والآحاد لا تفيد العلم، فإن فرض تواترها قيل: فلا قاطع
بالوعيد بالقتل كبيرة وإنما دل الدليل القاطع على أن قتل المؤمن
كبيرة وبغي عليه وإن لم يقع قتل معه، وخروج عمر ومن معه متوجهين
إلى دار علي عليه السلام لتحرق بمن فيها إن لم يخرج للبيعة بغي
عليه وخروج كالخروج على سائر الأئمة الهادين، قيل فيه: لم يتواتر
ذلك لأنه آحادي في حق من قصر في البحث أو بحث ولم يبلغ النقل عنده
حد التواتر.
(1/857)
هذا وقد ذكر الإمام
المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام جميع ما نقلناه عن ابن
قتيبة في كتابه الشافي عن أبي جعفر الطبري عن هشام بن محمد عن أبي
مخنف قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي عمرة الأنصاري ولم
يختلفا إلا في بعض العبارات، وذكر المنصور بالله الحسن بن بدر
الدين عليه السلام عن ابن جرير قال على اجتهاده في تحسين الظن
بالقوم قصة التنازع في السقيفة وامتناع سعد بن عبادة عن البيعة
بعدها على نحو ما نقلناه عن ابن قتيبة، فلا حاجة لنا إلى إعادة
ذلك، وذكر المنصور بالله عليه السلام عن تاريخ الطبري وعن الواقدي
والمسعودي وابن واضح والقضاعي والأصفهاني، وذكر ذلك ابن هشام عن
ابن إسحاق في آخر السيرة، وذكره المنصور بالله الحسن بن بدر الدين
عليه السلام وابن أبي الحديد عن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري،
وذكره ابن حجر الهيثمي في صواعقه عن البخاري عن عمر بن الخطاب لما
رجع من حجة أيام خلافته رقى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم بعد أن بلغه أن قائلاً قال: لو قد مات عمر لبايعت فلاناً
فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر لذلك وكان
ذلك بمنى في حجه ذلك العام، فأراد أن يقوم في الناس خطيباً يحذرهم
عن صدور بيعة رجل لرجل من دون رضا سائر الناس وإن كانت بيعة أبي
بكر كذلك فليس في الناس من هو مثل أبي بكر. فقال عمر: إني قائم
العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم،
فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم
يجمع رعاع الناس وغوغاءهم الذين يغربون من مجلسك ويغلبون عليه،
وإني أخاف أن تقوم فتقول مقالة يطار عنك بها كل مطير وأن لا يعوها
ولا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة
والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكناً فيعي
أهل العلم مقالتك ويضعوها على مواضعها، فقال: أما والله إن شاء
الله لأقومن بذلك أول
(1/858)
مقام أقومه بالمدينة.
فلما قدم المدينة رقى المنبر وخطب إلى أن قال: ثم إنه بلغني أن
قائلاً منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلاناً، قال ابن أبي
الحديد: القائل هو عمار يقول: لو قد مات عمر بايعت علياً عليه
السلام ذكر ذلك عن الجاحظ، فلا يغرن امرء أن يقول كانت بيعة أبي
بكر فلتة، فلقد كانت كذلك ولكن وقى الله شرها، وليس فيكم من تقطع
إليه الأعناق مثل أبي بكر، وأنه كان من خيرنا يوم توفي رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم، من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين
ولا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا أن علياً والزبير ومن
معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة عليها السلام، وتخلف عنا الأنصار
واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى
إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نحوهم فلفينا رجلان من الأنصار قد
شهدا بدراً أحدهما عويم بن ساعدة والثاني معن بن عدي فقالا لنا:
ارجعوا فاقضوا أمر نبيكم، وفي أنوار اليقين عن ابن جرير فاقضوا أمر
نبيكم، فقلت: والله لنأتينهم فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني
ساعدة وبين أظهرهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة،
قلت: ما له؟ قالوا: به وعك، فقام رجل منهم فحمد الله وأثنى عليه ثم
قال: أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر قريش رهط
نبينا قد دفت إلينا دافة من قومكم فإذا أنتم تريدون تغصبونا الأمر
فلما سكت وكنت قد زورت في نفسي مقالة أقولها بين يدي أبي بكر فلما
ذهبت أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فقام فحمد الله وأثنى عليه فما
ترك شيئاً كنت زورت في نفسي إلا جاء به أو بأحسن منه إلى قوله: وقد
رضيت لكم أحد هذين الرجلين وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح
والله ما كرهت من كلامه غيرها إن كنت أقدم فتضرب عنقي لا تقلبني
إلى إثم أحب إلي من أن أُأَمَّر على قوم فيهم أبو بكر، فلما قضى
أبو بكر كلامه قام رجل من الأنصار قال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها
المرحب
(1/859)
منا أمير ومنكم أمير،
وارتفعت الأصوات واللغط، فلما خفت الاختلاف قلت لأبي بكر: أبسط يدك
لأبايعك فبسط يده فبايعته وبايعه الناس، ثم نزونا على سعد بن عبادة
فقال قائلهم: قتلتم سعداً، فقلت: اقتلوه قتله الله وإنا والله ما
وجدنا أمراً هو أقوى من بيعة أبي بكر خشيت إن فارقنا القوم ولم تكن
بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى أو
نخالفهم فيكون فساد، قال ابن أبي الحديد: هذا حديث متفق عليه بين
أهل السيرة، وقد وردت الروايات فيه بزيادات ذكرها لا حاجة بنا
إليها.
قلت وبالله التوفيق: تأمل أيها الطالب الرشاد وفقك الله تعالى
وإيانا هذا الكلام الذي جعله أهل الاعتزال وغيرهم من فرق الضلال
أصلاً من أصول دينهم، وحجة على ثبوت يقينهم التي يجب المصير فيها
إلى العلم القطعي والدليل الصحيح السمعي لأن مسألة الإمامة من
مسائل أصول الدين التي يجب المصير فيها إلى العلم ولا يكفي فيها
الظن، لأن الظن في باب الاعتقادات الدينية والمسائل الأصولية لا
يجدي نفعاً ولا يزيد المكلف من الله إلا قطعاً وقد قال تعالى:
?وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًاoفَأَعْرِضْ
عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا
الْحَيَاةَ الدُّنْيَاoذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّ
رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ
أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى?{النجم:30،29،28}.
كيف تم صرف الأمر عن أهل البيت عليهم السلام وبطلان إمامة
المتقدمين عليهم
(1/860)
ولنبين ما يتعلق بهذا
الكلام من النكت، وما فرع عليه المعتزلة وغيرهم من الأقوال
الأصولية والمسائل الاعتقادية، ونوضح إنما يدل على صحة ما يذهب
إليه أئمتنا عليهم السلام وشيعتهم الأعلام من بطلان إمامة
المتقدمين وأن ليس مرامهم إلا طلب الرئاسة وصرف الأمر عن آل محمد
صلى الله عليه وآله وسلم في حياتهم وبعد مماتهم ?ساء ما يحكمون?
?وإن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما هم فيه يختلفون?.
فنقول وبالله التوفيق وبه نصول:
أولاً: ما بلغ عمر في مكة حيث أخبره من يسعى بالنميمة أن عمار بن
ياسر رضي الله عنه قال: لو قد مات عمر بايعت علياً لقد كانت بيعة
أبي بكر فلتة. فغضب عمر لذلك وانزعج لما هنالك، وأقسم ليقومن هذا
المقام عشيته تلك، فأشار عليه عبد الرحمن بن عوف بالتأخير إلى
المدينة.
لا وجه لهذا الغضب وقيامه هذا الموقف إلا حرصه على أن لا يصير
الأمر بعده إلى أمير المؤمنين عليه السلام كما هو مقتضى قوله:
فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم، ولأن قول عمار رضي
الله عنه كانت بيعة أبي بكر فلتة قد سلمه عمر، ولكن ادعى أن لا بأس
أن تكون بيعة أبي بكر فلتة دون غيره من سائر الأنام كما هو مقتضى
قوله: ولقد كانت كذلك ولكن وقى الله شرها وليس فيكم من تقطع إليه
الأعناق مثل أبي بكر، فلم يبق وجه لذلك الغضب والحتم على القيام
بهذا الموقف إلا ما ذكرناه.
ثانياً: قوله: من بايع من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا
الذي بايعه تغرة أن يُقتلا.
هو عين ما فعله في بيعته لأبي بكر كما قد حكى ذلك في هذا الخبر عن
نفسه لكن بزعمه يخصص نفسه هو وأبا بكر بجواز ذلك لهما دون سائر
المسلمين.
ثم قوله: فلا يبايع هو ولا الذي بايعه.
(1/861)
تحذيراً مما إذا بايع
عمار علياً عليه السلام كما قد ذكر عمار رضي الله عنه فلا أحد
يبايع علياً عليه السلام ولا يبايع عمار لو طلب البيعة لنفسه، فكلا
منهما قد صار عند عمر لا تصح له بيعة بحال، ولا يصح من المسلمين أن
يتابعوا عمار على بيعته لعلي عليه السلام بحال من الأحوال على أنه
صلى الله عليه وآله وسلم قال: " علي مع الحق والحق مع علي "، وروي
عنه صلى الله عليه وآله وسلم مثل ذلك في عمار، فكيف يسوغ لعمر أن
يلزم الناس العمل في شأنهما رضي الله عنهما بخلاف ما ألزم به
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟
ثالثاً: قوله: تغرة أن يقتلا.
كأنه يريد حقيقة أن يقتلا كما في كثير من الروايات ذكر بعضها ابن
أبي الحديد: من عاد إلى مثلها فاقتلوه. وهذا أمر لا وجه له في
الشرع وإنما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا بويع
لخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما" فأما إذا بايع رجل كملت له شروط
الإمامة فهو مصيب فاعل ما يجب عليه سواء أجابه سائر الناس أو لا،
وسواء بسط يده على سائر الناس أو لا، لأن إمامته قد ثبتت بالقيام
والدعوة مع كمال الشروط التي من جملته أن لا يكون من جملتها قد
سبقه كامل الدعوة، فما قتل من بايع هذا الإمام إلا من تشريعات عمر
التي ما أنزل الله بها من سلطان، فكيف بقتل إمام اختاره الله تعالى
ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم؟!
(1/862)
رابعاً: أن عمر حكى
الاختلاف في السقيفة، ثم تخلف علي عليه السلام وطلحة والزبير ومن
مال معهم من بني هاشم في بيت فاطمة عليها السلام، وقال: وتخلف عنا
الأنصار. ولم يحك بعده أو في موقف آخر ما تقوم له به الحجة عليهم
ليعلم الكافة إصابته هو وأبو بكر ومن بايعه وخطأ هؤلاء المتخلفين
عنهم أو يستطرد في كلامه ما يدل على أنهم بعد ذلك بايعوا طائعين
مختارين غير مكرهين، لأنه لو ذكر ذلك لكذبوه حيث أنهم يعلمون من
نفوسهم ما قد وقع من حمل عمر الناس على البيعة طوعاً أو كرهاً، فإن
قدر أنهم يهابون مجاهرته بالتكذيب فهو يخش أن يتحدثوا به فيما عدا
ذلك الموقف أو لعلمه بطلان هذه الدعوى أو لاستغنائه عنها واستكفائه
بعقد السقيفة وعدم مبالاته بتخلف من حكى تخلفه، وقد تقدم أن شرط
المسألة رضا الباقين بذلك العقد أو وقوع البيعة منهم مختارين غير
مكرهين.
خامساً: قول عمر: ثم نزونا على سعد بن عبادة - أي وطيناه - كما في
الروايات السابقات ووطئوا سعداً فقال قائلهم: قتلتم سعداً، فقلت:
اقتلوا سعداً قتله الله. وفي بعض الروايات: قتله الله إنه منافق.
كل هذا من المحرم لأن قوله: نزونا على سعد يفيد تعمدهم وقصدهم
وطيه، وقوله: اقتلوا سعداً. أمر بمنكر، وقوله: قتله الله إنه
منافق. سب لصحابي، وقد ذهب الخصوم إلى: أن من سب صحابياً فقد كفر،
فإن قيدوا هذا المذهب بان يقولوا: إلا بالحق قلنا: فكذلك مذهبنا
فلا تعيبوه، وإن قالوا: هو على إطلاقه. قلنا: فاحكموا بكفر عمر.
(1/863)
سادسها: أنه لا ثمرة
لقيامه بهذا الموقف والخطب الجسيم لخلوه عن إفادة دينية كما تراه،
بل تضمن جملة مفاسد كما ذكرناه، وقد كان يكفيه عند أن بلغته تلك
الكلمة عن عمار رضي الله عنه أن يعرض عن الالتفات والتعويل عليها
لأنه لا يضره مبايعة عمار علياً رضي الله عنهما بعد وفاته إذ لا
ضرر عليه في ذلك ولا كان يريدها لأحد أولاده بعده كما هو المشهور
عنه إنكاره من أشار عليه باستخلاف ولده عبد الله، ولأن تلك الكلمة
إن كانت حقاً لم يجز له أن يقوم ويسعى في إدحاضها، وإن كانت باطلاً
كان الواجب أن يبين وجه بطلانها.
وأما ما فرعه المعتزلة وغيرهم على ما وقع في السقيفة مما حكاه عمر
في كلامه هذا وما حكاه غيره كما هو مذكور فيما مر وغيره، فقال
النجري رحمه الله تعالى ما لفظه: واعلم أن المعتزلة لما ادعوا
الإجماع على أبي بكر وعمر وعثمان قالوا بثلاث مسائل: أحدها: كونهم
أئمة. وثانيها: كون الإمامة في قريش. وثالثها: أن طريقها العقد
والاختيار. ولما أبطل أصحابنا هذا الإجماع بطلت هذه المسائل انتهى.
(1/864)
قلت: وليس للمعتزلة
طريق إلى إثبات الإجماع على من ذكروا سوى اعتمادهم على ما وقع من
عقد عمر لأبي بكر أو عقده هو وأبو عبيدة أو عقدهما وعقد بشير بن
سعد أو عقد هؤلاء الثلاثة وأسيد بن خضير أو عقد هؤلاء الأربعة
وسالم مولى أبي حذيفة، وقد ذهب إلى كل من هذه الصور قائل من
المعتزلة فمنهم من قال: يكفي بيعة واحد لآخر وإن لم يرض غيره.
ومنهم من قال: بيعة اثنين لثالث. ومنهم من قال: ثلاثة لرابع. ومنهم
من قال: أربعة لخامس. ومنهم من قال: خمسة لسادس. وهو أكثر ما قيل
أخذاً بالأكثر مما حكي في السقيفة ومن كون عمر جعلها شورى بين ستة،
ولعل أنه لا يشترط عندهم رضا سائر الناس من أهل الحل والعقد
والعلماء وأهل الفضل مهما قد كان العاقدون كذلك، وقد جعلوا ذلك
أصلاً من أصول الدين وقاعدة تنبني عليها صحة إمامة الإمام في
الطريق إلى ثبوت الإمامة وجعلوا منصب الإمامة قريش وأنكروا حصرها
في آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وجعلوا فعل السقيفة أصلاً
ودليلاً على أنه لا نص من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أحد
لا على الوصي ولا على الحسنين ولا غيرهم من النص الجلي على من قام
ودعا من أئمة العترة عليهم السلام كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:
" من بلغه داعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه الله على منخريه في قعر
جهنم "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من أمر بالمعروف ونهى عن
المنكر من ذريتي فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله
" رواه الهادي عليه السلام ذكره عنه في شرح الأساس، وليس على شيء
مما ذكروه دليل أصلاً سوى الاعتماد على فعل السقيفة ولله القائل:
وما يستوي الممشى وما ثَمَّ منهجٌ .... وكيف يقوم الظِّلُ والعُودُ
أعوجُ
(1/865)
بل كلها مصادمة
للأدلة القطعية من النصوص على إمامة أمير المؤمنين وحصر الإمامة في
أولاده الطاهرين عليهم السلام، وأن طريق الإمامة القيام والدعوة
كما سبق تقرير ذلك في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وكما سيأتي
تقرير المسألتين الآخرتين.
ولنعد إلى تمام ما وعدنا به، قال في أنوار اليقين ما لفظه:
وبلغنا أن علياً عليه السلام لما امتنع من بيعة أبي بكر هموا بقتله
حتى روي أن أبا بكر قال في الصلاة: لا يفعلن خالد ما أمرته به وقد
كان أمره بقتل أمير المؤمنين عليه السلام حتى التفت أمير المؤمنين
عليه السلام وقال لخالد: أكنت تفعل ذلك؟ قال: نعم، قال عمر لأبي
بكر: خفت بني هاشم على نفسك قبل الفراغ من صلاتك قلتَ: يا خالد لا
تفعل ما أمرتك، وروي: لا يفعل خالد ما أمرته. وهذا في كتاب المعتمد
في الإمامة لأبي القاسم البستي ونحن نرويه عنه.
وروى صاحب المحيط بالإمامة ونحن نرويه عنه بإسناده إلى علي بن
الحسين عليهما السلام قال: قال أبو بكر لخالد بن الوليد: إذا صليت
الصبح وسلمت فاقتل علياً. فلما فرغ من صلاته سلم في نفسه وصاح: لا
تفعل يا خالد ما أمرتك. فقال علي عليه السلام : هو والله أضيق خلقة
من أن يفعل ما أمرتَه به، والله لو فعل ما خرجت أنت وصاحبك إلا
مقتولين.
وروى أيضاً بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر أبو بكر
خالد بن الوليد أن يشتمل على سيفه ويصلي إلى جنب علي بن أبي طالب
عليه السلام فإذا سلم فإن هو بايع وإلا علاه بالسيف، ثم أنه بدا
لأبي بكر في ذلك فقال قبل أن يسلم: لا يفعل خالد ما أمرته. قال
وبإسناده إلى محمد بن سالم الخياط قال: سمعت زيد بن علي عليهما
السلام يقول: إن أبا بكر أمر خالد بن الوليد الحديث.
وروى الجاحظ هذا الخبر في الزيدية الكبرى عن جماعة من أصحاب الحديث
فيهم الزهري تمت رواية صاحب المحيط.
(1/866)
وروى السيد أبو
العباس في ذلك ما رويناه عنه عن جعفر الصادق عليه السلام عن جده
الحسين بن علي عليهم السلام قال: قال أبو بكر لخالد بن الوليد: إذا
صليت الصبح وسلمت فاقتل علياً. فلما فرغ من صلاته سلم في نفسه
وصاح: لا تفعل ما أمرتك، قال هو والله أضيق خلقة من أن يفعل ما
أمرته، والله لو فعل ما خرجت أنت وصاحبك إلا مقتولين، وعنه عليه
السلام قال: أخبرنا الرواة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر
أبو بكر خالد بن الوليد أن يشتمل على سيفه ويصلي إلى جنب علي بن
أبي طالب فإذا سلم فإن هو بايع وإلا ضربته بالسيف، ثم إنه بدا لأبي
بكر في ذلك، فقال قبل أن يسلم: لا يفعل خالد ما أمرته، انتهى من
أنوار اليقين.
قال عليه السلام بعد ذكره لهذه الروايات: وربما استبعد كثير من
الناس مثل هذه الروايات إلا أنَّا موردون في كتابنا هذا إن شاء
الله تعالى من أقوال أهل البيت عليهم السلام ورواياتهم، وكذلك في
أجوبة شبه المخالفين في آخر الكتاب بمشيئة الله تعالى ما لا يستبعد
ذلك معه، وإن لم يقع القطع على صحته عند بعض دون بعض وهو من لم
يبلغ ذلك عنده حد التواتر انتهى كلامه والمسك ختامه.
وروى عليه السلام في موضع قبل هذا ما لفظه: وروينا عن أبي القاسم
في كتابه المعتمد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب
يقول: خرجت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على علي في بيت فاطمة عليهما
السلام وعندهما المهاجرون، قلت: ما تقول يا علي، قال: أقول خيراً
نحن أولى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما ترك، قلت: والذي
يجيء، قال: نعم، قلت: والذي بعدك، قال: نعم، قلت: كلا والذي نفسي
بيده حتى تجزوا رقابنا بالمناشير.
(1/867)
وروى عن زيد بن أسلم
أيضاً أنه بويع أبو بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فكان علي والزبير والمقداد يدخلون على فاطمة بنت رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم يتشاورون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر خرج حتى
دخل عليها فقال: يا ابنة رسول الله صلى الله عليه وعليك ما من
الخلق أحب إلينا منك، وأيم الله ما ذلك بمانعي إن اجتمع هؤلاء
النفر عندك أن آمرهم أن يحرق عليك البيت الخبر، وفي بعض الأخبار أن
أهدم، فلما خرج جاؤوها فقالت: ما تعلمون أن عمر قد جاءني وحلف
بالله إن عدتم ليحرقن عليكم البيت وأيم الله ليمضين على ما حلف
فانصرفوا وراءكم.
(1/868)
وروى عن السيد أبي
العباس أحمد بن إبراهيم عليهم السلام في كتاب المصابيح ما رويناه
عنه قال: أخبرنا الرواة عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: لما
بويع أبو بكر قعد عنه علي عليه السلام فلم يبايعه وفر إليه طلحة
والزبير فصارا معه في بيت فاطمة عليها السلام وأبيا البيعة لأبي
بكر، وقال كثير من المهاجرين إن هذا الأمر لا يصلح إلا لبني هاشم
وأولاهم به بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب
عليه السلام لسابقته وعلمه وقرابته إلا الطلقاء وأشباههم فإنهم
كرهوا لما في صدورهم، فجاء عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعياش بن
أبي ربيعة إلى باب فاطمة عليها السلام فقالوا: والله لتخرجن إلى
البيعة أو لنحرقن عليكم البيت، فصاحت فاطمة: يا رسول الله ما لقينا
بعدك، فخرج عليهم الزبير بالسيف مصلتاً فحمل عليهم فلما بصر به
عياش بن ربيعة قال لعمر اتق الكلب وألقى عليه عياش كساءً له حتى
احتضنه وانتزع السيف من يده فضرب به حجراً فكسره، قال أبو العباس
عليه السلام عن أخبار الرواة: قالوا لأبي بكر: قد بايعك الناس كلهم
إلا هذان الرجلان علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فأرسل إليهم.
فأُتي بهما وعليهما سيفاهما فأمر بسيفيهما فأُخذا، ثم قيل للزبير:
بايع. فقال: لا أبايع حتى يبايع علي. فقيل لعلي عليه السلام :
بايع. قال: فإن لم أفعل فمه؟ فقيل: يضرب الذي فيه عيناك. ومدوا يده
فقبض أصابعه ثم رفع يده إلى السماء فقال: اللهم اشهد فمسح يده على
يد أبي بكر، فأما سيف الزبير فكسروه وأما سيف علي بن أبي طالب
فردوه عليه.
وروى السيد أبو العباس رحمه الله تعالى ما رويناه عنه قال: أخبرنا
الرواة عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كنت فيمن حمل الحطب إلى باب
علي عليه السلام فقال عمر: والله لئن لم تخرج يا علي بن أبي طالب
لأحرقن البيت بمن فيه.
(1/869)
قال رحمه الله تعالى:
وعن ابن عباس عن أبيه قال: شهدت عمر بن الخطاب يوم أراد أن يحرق
على علي وفاطمة بيتهما فقال: إن أبوا أن يخرجوا فيبايعوا أبا بكر
أحرق عليهم البيوت، فقلت لعمر: إن في البيت فاطمة أفتحرقها؟ قال:
سألتقي أنا وفاطمة، تمت رواية أبي العباس رحمه الله تعالى انتهى من
أنوار اليقين بحروفه.
وفي شرح ابن أبي الحديد: قال أبو بكر يعني ابن عبد العزيز: وحدثني
أبو زيد عمر بن شيبة عن رجاله قال: جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال
من الأنصار ونفر قليل من المهاجرين فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن
إلى البيعة أو لأحرقن عليكم البيت. فخرج إليه الزبير مصلتاً بالسيف
فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ورجل آخر فندر السيف من يده فضرب به
عمر الحجر فكسره، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقاً عنيفاً حتى
بايعوا أبا بكر.
وفيه أيضاً بسند أبي بكر بن عبد العزيز قال: لما جلس أبو بكر على
المنبر كان علي عليه السلام والزبير وناس من بني هاشم في بيت فاطمة
فجاء عمر إليهم فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن
عليكم البيت، فخرج الزبير مصلتاً سيفه فاعتنقه رجل من الأنصار
وزياد بن لبيد فدقا به فبدر السيف فصاح أبو بكر وهو على المنبر أن:
اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك
الضربة ويقال: هذه ضربة سيف الزبير، ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي
الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه، قال وفي رواية أخرى
إن سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام والمقداد
بن الأسود وأنهم اجتمعوا على أن يبايعوا علياً، فأتاهم عمر ليحرق
عليهم البيت فخرج إليه الزبير بالسيف وخرجت فاطمة عليها السلام
تبكي وتصيح فنهنهت من الناس.
(1/870)
وفيه أيضاً: بإسناده
إلى الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير ؟ قيل: عند علي عليه
السلام وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر قم يا خالد انطلقا حتى
تأتياني بهما، فانطلقا فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج
فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع علياً. فاخترطه عمر
فضرب به حجراً فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه فدفعه، ثم قال: يا
خالد دونكه، فأمسكه، ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر فتلكأ واحتبس
فأخذ بيده وقال: قم. فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير
وأخرجه ورأت فاطمة عليها السلام ما صنع بهما فقامت على باب الحجرة
وقالت: يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله.
وفيه أيضاً: عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري المكنى أبو بكر الراوي
لما قبل هذا بإسناده إلى أبي الأسود قال: غضب رجال من المهاجرين في
بيعة أبي بكر بغير مشورة وغضب علي والزبير فدخلا بيت فاطمة عليها
السلام معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة منهم: أُسَيد بن حضير،
وسلمة بن سلامة بن وخش وهما من بني عبد الأشهل فصاحت فاطمة عليها
السلام وناشدتهم الله، فأخذوا سيفي علي والزبير فضربوا بهما الجدار
حتى كسروهما، ثم أخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا، وفيه أيضاً بإسناد
المذكور إلى عاصم بن عمر بن قتادة قال: لقي علي عليه السلام عمر
فقال له علي عليه السلام : أنشدك الله هل استخلفك رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم ؟ فقال: لا. قال: فكيف تصنع أنت وصاحبك؟ فقال:
أَمَّا صاحبي فقد مضى لسبيله، وأما أنا فسأخلعها من عنقي إلى عنقك،
فقال: جدع الله أنف من ينقذك منها، لا ولكن جعلني الله عَلَماً،
فإذا قمت فمن خالفني ضل.
(1/871)
وفيه أيضاً: عن
البراء بن عازب رضي الله عنه لم أزل لبني هاشم محباً فلما قبض رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم خفت أن تتمالى قريش عن إخراج هذا
الأمر عنهم فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول مع ما في نفسي من الحزن
لوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكنت أتردد إلى بني هاشم
وهم عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحجرة وأتفقد وجوه قريش
فإني كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر، وإذا قائل يقول القوم في سقيفة
بني ساعدة، وإذا قائل آخر يقول قد بويع أبو بكر فلم ألبث، وإذا أنا
بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم
محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدموه فمدوا
يده على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى فأنكرت عقلي، وخرجت أشتد
حتى انتهيت إلى بني هاشم والباب مغلق، فضربت عليهم الباب ضرباً
عنيفاً وقلت: قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة، فقال العباس:
تربت أيديكم إلى آخر الدهر أما إني قد أمرتكم فعصيتموني، فمكثت
أكابد ما في نفسي ورأيت في الليل المقداد، وسلمان، وأبا ذر، وعبادة
بن الصامت، وأبا الهيثم بن التيهان، وحذيفة، وعماراً وهم يريدون أن
يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين والأنصار، وبلغ ذلك أبا بكر وعمر
فأرسلا إلى أبي عبيدة والمغيرة بن شعبة فسألاهما عن الرأي فقال
المغيرة: إن تلقوا العباس فتجعلوا له ولولده في هذا الأمر نصيباً
فيقطعون بذلك ناحية علي بن أبي طالب، فانطلق أبو بكر وعمر وأبو
عبيدة والمغيرة حتى دخلوا على العباس، ثم ذكر مقالتهم للعباس
وجوابه عليهم حسبما مر في نقل ذلك عن ابن قتيبة.
(1/872)
وفيه أيضاً: وروى
أحمد بن عبد العزيز قال: لما بويع لأبي بكر كان الزبير والمقداد
يختلفان في جماعة من الناس إلى علي وهو في بيت فاطمة عليهما السلام
فيتشاورون ويتراجعون أمورهم، فخرج عمر حتى دخل على فاطمة وقال: يا
بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما من أحد أحب إلينا منك
بعد أبيك، وأيم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن
آمر بتحريق البيت. فلما خرج عمر جاؤوها فقالت: تعلمون أن عمر جاءني
وحلف لي بالله إن عدتم ليحرقن عليكم البيت وأيم الله ليمضين لما
حلف له، فانصرفوا عنا راشدين، فلم يرجعوا إلى بيتها وذهبوا فبايعوا
لأبي بكر.
وفي أنوار اليقين ما لفظه: وروى أبو الحسن أحمد بن يحيى البلاذري
وهو ثقة عند العامة وأصحاب الحديث بإسناده إلى ابن عباس قال: بعث
أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب عليه السلام حين قعد عن
بيعته وقال: إئتني به بأعنف العنف فلما أتاه جرى بينهما كلام، فقال
له علي عليه السلام : إحلب حلباً لك شطره والله ما حرصك على إمارته
اليوم إلا ليؤمرك غداً، وما ننفس على أبي بكر هذا ولكنا أنكرنا
ترككم مشاورتنا وقلنا إن لنا حقاً لا تجهلونه ثم أتاه فبايعه.
وفيه أيضاً: وروينا بالإسناد الموثوق به إلى عدي بن حاتم قال: ما
رحمت أحداً رحمتي علياً حين أتي به ملبباً، فقيل له: بايع، قال:
فإن لم أفعل؟ قالوا: إذاً نقتلك. قال: إذاً تقتلون عبد الله وأخا
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم بايع كذا وضم إليه اليمين.
وفيه أيضاً: وعن عدي بن حاتم قال: إني عند أبي بكر إذ جيء بعلي
عليه السلام ، فقال له أبو بكر: بايع، قال: فإن لم أبايع؟ قال:
أضرب الذي فيه عيناك. فرفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم اشهد، ومد
يده فبايعه.
وفيه أيضاً: ولا خلاف أن خالد بن سعيد بن العاص لما جاء من اليمن
أظهر الخلاف حتى قال: أرضيتم أن يلي عليكم تيم، وأنكر عمار بن ياسر
رضي الله عنه فضربوه.
(1/873)
وفيه أيضاً: عن سلمان
الفارسي رضي عنه أنه قال: أنسيتم أو تناسيتم! أو جهلتم أو تجاهلتم!
والله لو أعلم أني لو أعز لله ديناً أو أمنع له ضيماً لضربت بسيفي
قدُماً قدُماً فوجيت عنقه حتى خفض إلى الأرض.
وفي شرح الأساس عن القاسم بن إبراهيم، وسبطه الهادي إلى الحق
القويم، والمتوكل على الله عليهم السلام أنهم رووا خبراً عن اثني
عشر رجلاً ستة من المهاجرين وستة من الأنصار، وقد ذكر هذا الخبر
بطوله وما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في كيفية إبلاغ الحجة
وما تكلم به كل واحد منهم عند قيامه في حقائق المعرفة وفي أنوار
اليقين وغيرهما من كتب الأصحاب فلا نطيل بذكر ذلك، ولكن نذكر معنى
ذلك على الجملة، وهو أن كلاً منهم لما صعد أبو بكر منبر رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم قام: فأنكر على أبي بكر تقدمه على أمير
المؤمنين عليه السلام وذكر ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم من نص أو فضيلة لأمير المؤمنين عليه السلام قاضية باستحقاقه
التقديم حتى نزل عن المنبر واختفى في داره ثلاثة أيام لا يخرج إلى
الناس، فلما كان اليوم الرابع أتاه عمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن
عوف، وسالم مولى أبي حذيفة، والأشعث بن قيس، وأبو موسى الأشعري،
وقنفذ مولى عمر مع كل رجل منهم عشرة رجال شاهرين أسيافهم حتى
أخرجوه من منزله وعلا المنبر، فخطب وجعلوا يدورون في المدينة وهم
يقولون: والله لئن عاد أحد إلى مثل ما تكلم به بالأمس لنعلونه
بأسيافنا. فأمسك القوم عند ذلك ولم يردوا جواباً، وما فعلوا ذلك
إلا بعد أن استأذنوا أمير المؤمنين وقال لهم: أخبروه بما سمعتم من
نبيكم ولا تتركوه في شبهة من أمره ليكون أوكد عليه في الحجة وأبلغ
في العقوبة إذا لقي الله وقد عصاه وخالف أمر نبيه صلى الله عليه
وآله وسلم، وقد جمع هؤلاء الاثنى عشر بعض المتأخرين رحمه الله في
قوله:
(1/874)
مهاجرهم سلمان عمار
خالد .... أُبيٌّ أبو ذرٍ ومقدادهم كندي
وأنصارهم قيسٌ وسهلٌ خزيمةٌ .... أبو هيثمٍ وأبو بريدة ذوا
الرَّشدِ
كذا أبو أيوب فهو ختامهم .... قياماً لإنكار المخالف في العهدِ
وفي بعض الرواة أنهم أربعة عشر أشار إلى بقيتهم بقوله ولله دره:
وزِيد على الأنصارِ عثمان ذو التقى .... وعمروٌ على أهل المهاجرة
المجدِ
وهما: عثمان بن حنيف الأنصاري، وعمر بن سعيد بن العاص بن أمية
المذكور في البيت الأول وكان لهما سابقة وعناية في الإسلام وإن
كانا أُمويين رحمهما الله تعالى ورضي عنهم أجمعين.
(1/875)
وفي كتاب تثبيت
الإمامة للهادي عليه السلام : أن أبا بكر كتب إلى أسامة بن زيد
أمير الجيش الذي جهزه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه،
وكان أبو بكر وعمر من جملة جيشه، فلما دنت وفاة رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم أرسلت بعض نسائه تعلمهم ذلك فرجعا وكان ما كان في
السقيفة، فكتب أبو بكر: من عبد الله أبي بكر بن أبي قحافة خليفة
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أسامة بن زيد أما بعد فانظر
إذا أتاك كتابي هذا فأقبل إلي أنت ومن معك، فإن المسلمين قد
اجتمعوا علَيّ وولوني أمورهم فلا تتخلفن فتعصيني ويأتيك ما تكره
والسلام. فأجابه أسامه بن زيد وكتب: من عبد الله أسامة بن زيد عامل
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على غزوة الشام إلى أبي بكر بن
أبي قحافة. أما بعد: فقد أتاني كتابك ينقض أوله آخره، ذكرت في أوله
أنك خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي آخره أن الناس
قد اجتمعوا عليك وولوك أمورهم ورضوا بك، واعلم أني ومن معي من
المهاجرين والأنصار وجميع المسلمين ما رضيناك ولا وليناك أمرنا،
فاتق الله ربك إذا قرأت كتابي هذا واقدم إلى ديوانك الذي بعثك فيه
النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا تعصه، وانظر أن تدفع الحق إلى
أهله فإنهم أحق به منك وقد علمت ما قال رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم في علي يوم الغدير، وما طال العهد فينسى إلى آخره، فلما
وصل الكتاب إلى أبي بكر هم أن يخلعها عن عنقه، فقال له عمر: لا
تفعل قميص قمصك الله لا تخلعه فتندم، فقال له: يا عمر أكفر بعد
إسلام. فألح عليه عمر إلخ ما ذكره عليه السلام وهو في أنوار
اليقين.
(1/876)
وروى ابن حجر الهيثمي
في صواعقه عن الدار قطني أن الحسن عليه السلام جاء إلى أبي بكر وهو
على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: انزل عن مجلس
أبي، فقال: صدقت والله إنه لمجلس أبيك، قال: ووقع للحسين عليه
السلام مثل ذلك مع عمر، وأن علياً عليه السلام قال في الأول: والله
ما كان ذلك عن رأيي، وفي الثانية: والله ما أمرت بذلك فصدقه أبو
بكر وعمر إلى ما ذكره هناك.
وفي أنوار اليقين: وعن الأعمش قال: خطب عمر بن الخطاب فقال: أيها
الناس ألست أولى بكم من أنفسكم، فقام الحسين من جانب المسجد فقال:
أنصت أيها المتكلم انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك، قال:
منبر أبيك والله منبري، أبوك أمرك بهذا؟ قال: وإن كان أمرني بهذا
إنه لهادٍ مهتدٍ، تخطأت رقاب بني عبد المطلب ترقى على منبرهم وتقر
بالحكم فيهم بكتاب أنزل عليهم لا تحفظ تنزيله ولا تعرف تأويله بِلا
بَلاَءٍ كان منك في ديننا ولا من آبائك بل أجلبتم لدين الله
الغوائل، فسائلك الله عما أخذت وعما أعطيت، فقال عمر: أمَّرَنا
الناس عليهم ولو أمروا غيرنا لأطعنا، فقال له الحسين عليه السلام :
من أمرك على نفسك من قبل أن تؤمر أبا بكر على نفسك، إنما أَمَّرت
أبا بكر على نفسك ليؤمِّرك على الناس، فسائلك الله عما أخذت وعما
أعطيت، فنزل عمر مغضباً ومعه الناس ودخل على علي وعنده الحسن
عليهما السلام، فقال له: يا أبا الحسن أدب الحسين فإنه يجهر بالقول
في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويحضض طغام أهل
المدينة، فقال الحسن بن علي: الحسين يخصص طعام أهل المدينة على من
حضض طغام أهل المدينة لعنة الله، أما والراقصات يوم جمع لولاه ما
نلت ما نلت، فقال علي عليه السلام : مهلاً يا أبا محمد ما أنت
بسريع الغضب ولا بمشوب الحسب ولا فيك عرق من السودان تعجل بالكلام
قبلي، وسكت فقال عمر: يا أبا الحسن أدبهما فإن أدبهما منك شرف
لهما، فقال علي عليه السلام : إنما يؤدب أهل الذلة
(1/877)
وأهل المعصية، أما من
أدبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأدبه فضل فما يؤدب، قال:
إنهما أيْهمَان وفي قلوبهما ما لا علم لك به، قال: أدبهما أَدِّ
إليهما حقهما يرضى عنك خالقهما، قال: وما حقهما ؟ قال: الرجوع إلى
التوبة بعد المعصية، فقام ومعه الناس خارجين من عند علي عليه
السلام فلقيه عثمان وعبد الرحمن بن عوف، فقال عثمان: لقد طالت بكما
الحجة، فقال عمر: وهل مع علي وشبليه من حجة، فقال له عثمان: هم بنو
عبد مناف يسمنون والناس عجاف ولقد رأيتهم في المواقف ظن المكروهات
حيث تزهق نفوس الناس يكونون إلى الموت سراعاً، قال عمر: كأنه سرك
ما كان!، قال عثمان: كأنك تنكر ما أقول! فقال عبد الرحمن بن عوف:
أشربتما قلبي الفتنة لا تقعن بينكما كلمة فانصرفا.
وفيه أيضاً: وعن الربيع بن المنذر الثوري عن أبيه قال: سمعت الحسين
بن علي عليهما السلام يقول: إن أبا بكر وعمر عمدا إلى هذا الأمر
وهو لنا كله، فجعلا لنا فيه نصيب الجدة والله لتَهُمُّهُمَا
أنفسهما في يوم يطلب الناس فيه شفاعتنا.
وذكر الحسن عليه السلام في خطبته التي خطبها بعد مهادنته لمعاوية
لعنه الله: إن الذي ألجأه إلى المهادنة هو الذي ألجأ النبي صلى
الله عليه وآله وسلم حين فر من فراعنة قريش إلى دخول الغار وألجأ
أمير المؤمنين إلى مبايعة أبي بكر وعمر حيث جمعت حزم الحطب إلى
داره لتحرق بمن فيها من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إن لم
يخرج يبايع.
فهذه نبذة من الأخبار والآثار الدالة لمن أراد معرفة الحق وكيفية
الاختلاف والشجار والتنازع حين ابتز هذا الأمر عن بيت النبوة ومعدن
الرسالة، وأولي الأمر الذين أمر الله تعالى بسؤالهم وإرجاع ما وقع
فيه الاختلاف إليهم والرد فيما اسْتُبْهِم من جميع الأمور عليهم،
وجعلهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قرناء الكتاب وأمان هذه
الأمة من نزول العذاب.
(1/878)
وقد علمت أيها الطالب
الرشاد أن ما وقع في السقيفة من العقد لأبي بكر على تلك الفلتة
متوقف صحته الشرعية وثبوت إمامة أبي بكر به على رضا سائر الأمة به،
فأين الرضا؟ وأين التسليم اختياراً؟ وقد رأيت هذه الأخبار كلها
قاضية بحمل الناس على البيعة كرهاً وإلجائهم إلى السكوت والتسليم
اضطراراً، وإنما أكثرت النقل في ذلك لئلا يغتر مغتر بكثرة ما
يفتريه من أراد الانتصار للمتقدمين من اتفاق الأمة على إمامة أبي
بكر، وأنهم ما بين مبايع مختار أو مجيز، وساكت عن النكير بلا
اضطرار، ولأن ابن حجر الهيثمي (ذكر) في صواعقه: أن أبا بكر بعد
بيعة السقيفة صعد المنبر، ونظر في وجوه القوم فلم ير الزبير فدعا
به فقال: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أردت أن تشق
عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فقام فبايعه، ثم
نظر في وجوه القوم فلم ير علياً فدعا به فقال: ابن عم الرسول صلى
الله عليه وآله وسلم وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين
فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فبايعه، مع أنه لم يسند هذه الرواية ولا أرسلها عن أحد من الصحابة
وإنما أوصلها بما ذكره عن ابن سعد والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه من صفة الاختلاف والتنازع في السقيفة، فيحتمل
إرادة إدراجها في تلك الرواية، ويحتمل عدم إرادة إدراجها، وعلى كلا
الحالين فلا ثبوت لها مع أنها مشعرة بمخالفة الزبير وعلي عليه
السلام حيث عاتبهما أبو بكر ونسب إليهما إرادة شق العصا مع أن ابن
حجر نفسه قد نقض هذه الرواية بما رواه بعدها عن البخاري، وقد نقله
غيره عنه وعن مسلم عن عائشة أن فاطمة عليها السلام أرسلت إلى أبي
بكر تسأله عن ميراثها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوله
فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى
عليها، وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة عليها السلام فلما توفيت
استنكر على وجوه الناس
(1/879)
فالتمس مصالحة أبي
بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الأشهر الخ ما ذكره، إلى أن قال: ثم
هذا الحديث فيه التصريح بتأخر بيعة علي عليه السلام إلى موت فاطمة،
فينافي ما تقدم عن أبي سعيد أن علياً والزبير بايعا من أول الأمر،
لكن قد جمع بعضهم بأن علياً قد بايع أولاً، ثم انقطع عن أبي بكر
لما وقع بينه وبين فاطمة عليها السلام ما وقع في مخلفه صلى الله
عليه وآله وسلم، ثم بعد موتها بايعه مبايعة أخرى، وهذا احتمال باطل
وتأويل عاطل فإن رواية الشيخين مصرحة بأنه لا بيعة منه عليه السلام
مدة الستة الأشهر أصلاً، ثم وإن سلمناها فهي على ما قد استفاض نقله
في الأخبار التي مر نقلها وغيرها أن ذلك بعد ذلك الوعيد والتهديد
بالإحراق والقتل فمُدَت يده عليه السلام ومسح بها على يد أبي بكر
وهو يقول: اللهم اشهد -أي اللهم اشهد على صنيعهم أو اللهم اشهد أني
لم أبايع مختاراً- ومثل هذا لا حكم له في الشرع ولا يثبت به رضاً
واختياراً.
فأما ما ذكروه من البيعة من أمير المؤمنين عليه السلام بعد موت
فاطمة عليها السلام فإن سلم فهو مدافعة لأن يقع منهم إليه وإلى أهل
بيته عليهم السلام من الأذية والتهديد والأمور المنكرة مثل ما قد
وقع في حياتها عليها السلام فلا حكم له، والأمر في ذلك كما قال
المنصور بالله عليه السلام صنو المؤلف الحسن بن بدر الدين عليهم
السلام في منظومته أنوار اليقين بعد أن ذكر من جملة شبه المخالفين
أنهم قالوا: سلمنا وقوع الاختلاف في ابتداء الأمر فقد وقع بعده
الائتلاف والاتفاق على بيعة أبي بكر ولم يتخلف عنه أحد فقال عليه
السلام ولله دره:
هيهات ما أبعدَها مقالَه .... تَعدُّها بأسرها ضلاله
ولا أتى الإجماعُ عن تراضي .... منتقضٌ وأَيَّمَا انتقاض
من دون عهد اشهدوه الرَّبَّا .... أَعظِم به يومَ التنادِ ذنبَا
(1/880)
فهات بَيَّن هاهنا
الدلالة .... وعترة الحق أُولوا الجلالة
لم يرض من آل النبي راضي .... فقولهم مُهَدِّمُ الأَرْباضِ
ومن روى البيعة مسحاً غصبا .... فقد روي إذاً فحسباً حسبا
فثبت وتقرر أنه لا صحة للإجماع المدعى بل المفترى وببطلانه تبطل
إمامة أبي بكر، وببطلانها تبطل إمامة عمر وعثمان لأنه لا قائل بصحة
إمامتهما مع بطلان إمامة أبي بكر.
والعجب كل العجب ممن يرى تطافح الروايات وينقل تلك الحكايات من
أفعال أبي بكر وعمر المنكرة ووعيدهما وتهديدهما الوصي وأهل بيته
وسائر المحبين له والقائلين بإمامته بالتحريق والقتل وإنكارهم
أخوته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصايته مع تواترهما عن
الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله الغر الميامين، ويعلم ما
فعلاه معه من الأذية والإغضاب وتناول مكانه من رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم والاغتصاب، ثم يذهب مع ذلك إلى صحة إمامتهما ووجوب
موالاتهما كابن أبي الحديد وابن قتيبة وغيرهما من المعتزلة
والأشعرية فالله المستعان، والذي لأجله اغتفروا جميع ذلك لهما هو
إنكارهم النص جلياً أو خفياً على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام
فصار العقد لأبي بكر الواقع في السقيفة عندهم صحيحاً وثبتت إمامته
لذلك، فلا ضير فيما فعلاه بعده من الأمور الشنيعة والأهوال الفضيعة
بآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومتابعيهم ممن أبى البيعة لأبي
بكر كما قال قاضي القضاة في حديث التحريف: إن سلم فهو سائغ لعمر
فعل ذلك.
فقد أريناك أيها الطالب الرشاد النصوص الواردة في أمير المؤمنين
عليه السلام المتواترة لفظاً أو معنىً من الآيات القرآنية
والأحاديث النبوية، وبينا كيفية دلالتهما القطعية وإشارتهما
اللفظية والمعنوية، فماذا بعدها من نصوص تطلب وماذا غيرها لمنصفٍ
من مأرب ؟
(1/881)
وقد رووا عن عمر أنه
لما أدركته الوفاة قالوا له: استخلف لا تدع الناس هملاً، فقال: لو
أدركت أبا عبيدة بن الجراح لاستخلفته فإذا قدمت على ربي فسألني
قلت: أي رب سمعت عبدك ونبيك يقول: أبو عبيدة أمين هذه الأمة، ولو
أدركت معاذ بن جبل استخلفته فإذا قدمت على ربي فسألني قلت: أي ربي
سمعت عبدك ونبيك يقول: إن معاذ بن جبل يأتي يوم القيامة بين يدي
العلماء، ولو أدركت خالد بن الوليد لوليته فإذا قدمت على ربي
فسألني قلت: أي رب سمعت عبدك ونبيك يقول: خالد بن الوليد سيف من
سيوف الله سله على المشركين، هكذا رواه ابن قتيبة وغيره، وفي بعض
الروايات: ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً استخلفته، وفي رواية:
ما خالجتني فيه الشكوك - أي في صلاحيته للإمامة - فإذا سألني ربي
قلت: أي رب سمعت نبيك يقول: إن سالماً شديد الحب لي.
فانظر رحمك الله تعالى وإيانا كيف جعل عمر هذه الأحاديث التي زعم
أنه سمعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دالة على إمامة
هؤلاء المعدودين أو صلاحيتهم، وصوبه أشياعه وأتباعه ولم يعترضوا
استدلاله بها، ولم يجعل هو ولا أحد من أتباعه وأشياعه من المعتزلة
وغيرهم شيئاً مما ورد في أمير المؤمنين عليه السلام دالاًّ على
إمامته مع أن الوارد فيه عليه السلام مثل هذه الألفاظ وأصرح منها
في الدلالة، وكيف سوغوا أن يموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
من دون استخلاف ويترك الأمة هملاً، ولم يسوغوا ذلك في أبي بكر وعمر
وجعلوا نص أبي بكر على عمر وجعل عمر الأمر شورى بين ستة دليلاً على
فراستهما وحسن تدبيرهما ونظرهما للأمة، وكأن الرسول عندهم صلى الله
عليه وآله وسلم ليس معه ما معهما من الفراسة وحسن التدبير والسياسة
من النظر للأمة فيما هو صلاح لها في أمر دينها ولا دنياها، ولله
القائل رحمه الله تعالى:
(1/882)
يقولون ما أوصى النبي
إلى امْرءٍ .... إليه أمور المسلمين تَؤُولُ
أيا عجباً أبقى الرسولُ عظيمةً .... .... وعلَّمَنَا المختارُ كيف
نبولُ
وأين دلالة هذه الألفاظ التي هي: أبو عبيدة أمين هذه الأمة، خالد
سيف من سيوف الله، يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء، إن
سالماً شديد الحب لي، من دلالة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ألست
أولى بكم من أنفسكم الخ ما ذكره في خبر الغدير؟! وقوله صلى الله
عليه وآله وسلم: " سلموا على علي بإمرة المؤمنين "، وقوله صلى الله
عليه وآله وسلم: " وهو وليكم بعدي وهو ولي كل مؤمن بعدي "، وآية:
?إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُه?، وآية المباهلة، وآية
المودة، وآية ?إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ
الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ?{الأحزاب:33}، وخبر المنزلة، وأخبار
الوصاية، وأخبار المحبة والبغاضة وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر
من رواية الموالف والمخالف، مع أن هذه الأحاديث التي ذكرها عمر في
هؤلاء لا تكاد تعرف عند أحد من أهل العلم سوى من طريقته لولا رفضهم
للدليل القطعي الصحيح وشغفهم بالقول الباطل الفضيح وربنا الرحمان
المستعان على ما يصفون، ?وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ
مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ? {الشعراء:277}.
(1/883)
وأعجب من ذلك وأغرب
ما يذكره بعض من يحسن بالمتقدمين على الوصي من المعتزلة وبعض
الزيدية كما ذكره ابن أبي الحديد في الشرح عن النقيب أبي جعفر
العلوي نقيب العلوية بالبصرية، ونقله عنه صاحب المنشورات فذكره
الإمام عز الدين بن الحسن في المعراج شرح المنهاج للقرشي، وذكره
السيد هاشم بن أحمد الشامي وفي تعليقه على حاشية الجلال على شرح
النجري للقلائد، وهو أنهم كانوا يعني الخلفاء يعملون بآرائهم فيما
يجري مجرى الولايات والتأمير والتدبير وتقرير قواعد الدولة وما
كانوا يقفون على نصوص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتدبيراته إذ
رأوا المصلحة في خلافها كأنهم كانوا يقيدون نصوصه المطلقة بتقييد
غير مذكور لفظاً وكأنهم كانوا يفهمونه من قرائن أحواله وتقدير ذلك
القيد افعلوا كذا إن رأيتموه صلاحاً، قال: فأما مخالفتهم له فيما
هو محض الشرع والدين وليس متعلقاً بأمور الدنيا وتدبيراتها فإنه
يقل نحو أن الوضوء شرط في الصلاة فإنه يقل مخالفتهم في ذلك فيجمعون
على رد ذلك ويجيزون الصلاة من غير وضوء، إذ لا غرض لهم فيه ولا
يقدرون على إظهار معصية وقفوا عليها خفيت عنه صلى الله عليه وآله
وسلم فيما هو شرع محض، وإنما كانوا يفعلون ذلك أي مخالفتهم له صلى
الله عليه وآله وسلم فيما هو من باب الولايات وتدبير الحروب ومصالح
الدنيا، واحتجوا على وقوع ذلك منهم مع ظهور مصلحته بما قد كان فعله
صلى الله عليه وآله وسلم يوم الأحزاب من مصالحة قريش على ثلث غلة
المدينة، فاعترضه السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة قالا: يا رسول
الله إن كان ذلك عن وحي فلا بأس، وإن كان عن رأي رأيته فلا نعطيهم
ذلك، وكنا لا نعطيهم اليسير إلا عن مسألة ومنة وقد أعزنا الله بك
وبالإسلام، فترك ذلك وكان صواباً وصلاحاً، وكذلك فيما أخذه صلى
الله عليه وآله وسلم من الفداء من أسارى بدر، فاعترض عمر وأشار
عليه أن الأولى عدم أخذ الفداء منهم فكان صواباً، وأنزل الله تعالى
عتابه صلى
(1/884)
الله عليه وآله وسلم
في ذلك وتصويب رأي عمر، وكذلك في شأن تأبير النخل قال لهم صلى الله
عليه وآله وسلم: "لا تفعلوا. فلم يؤبروا النخل تلك السنة فأخلف
ثمره، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أنتم أعرف بدنياكم وأنا أعرف
بدينكم. فأبروها فصلحت" وكذلك لما أمر صلى الله عليه وآله وسلم أبا
هريرة ينادي في الناس: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فلقيه
عمر فوكسه فألقاه على ظهره وقال: إذاً يتكلمون ويتركون العمل، فرجع
أبو هريرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشكو ما صنع به
عمر وهو يبكي كما أخرجه البخاري في صحيحه، وغير ذلك من نظائر هذه
المذكورة، قالوا: فكذلك رأوا فيما ذكره صلى الله عليه وآله وسلم من
النصوص الدالة على إمامة أمير المؤمنين وفضائله الموجبة تقديمه أن
الصلاح في تقديم غيره، لأنه لما كان قد وتر قبائل العرب وما من
قبيلة إلا ولقريش والمهاجرين منهم وغيرهم له فيها رحم قد فعل فيها
الوصي عليه السلام النكاية البالغة وكانت العرب لا تترك ولا ترضى
عمن وترها، فالقلوب عنه نافرة والطباع عن تأمره عليهم وطاعتهم له
مستكبرة، فالمصلحة في تأمير غيره ممن لم يصدر منه إلى العرب شيء من
ذلك فالقلوب والطباع أطوع وأميل إليه، فعدلوا عن الوصي عليه السلام
وإن ثبتت النصوص على إمامته ووصايته إلى أبي بكر فكان هو الصواب
والصلاح لأنه لو سلم الأمر إلى أمير المؤمنين لارتدت العرب عن
دينها، قالوا: فأي الأمرين أصلح وأولى تأمير الوصي مع ارتداد العرب
عن دينها، أو تأمير أبي بكر مع بقاء العرب على دينها وكفرها بعد
إيمانها؟ لا جرم كان تأمير أبي بكر هو الأصلح والأولى واستظهروا
على ذلك، وصحة ما اعتذروا به لأبي بكر ومن أعانه فيما فعله من
التقدم على أمير المؤمنين بما روي عن عثمان بن عفان لما جرى بينه
وبين أمير المؤمنين عليه السلام عتاب، فقال له عثمان: ما ذنبي إذا
كانت العرب لا تريد تأمركم عليها أو معناه وقد قتلتم منهم سبعين
(1/885)
رجلاً من أشرافهم
تشرب أنافهم قبل شفاههم، قال صاحب المنشورات: وهذه هي الشبهة لأبي
بكر وعمر وعثمان في تقدمهم، والشبهة لنا في عدم الإقدام إلى
تهليكهم وتفسيقهم وإن كانت عندنا غير مبطلة لإمامته، ولا يجوز
لأجلها ترك النصوص في وجوب تقديمه واستحقاقه الإمامة بعده صلى الله
عليه وآله وسلم، فأقل أحوال هذه الشبهة عدم القطع بهلاكهم وفسقهم،
هذا معنى ما ذكروه مع كلام طويل ذكره ابن أبي الحديد عن النقيب أبي
جعفر العلوي مع قوله بثبوت النصوص على إمامة أمير المؤمنين عليه
السلام وتخطية القوم وتأثيمهم وجعله شبهة بل حجة في وجوب موالاتهم
والترضية عنهم كما هو قول بعض الزيدية وإطباق المعتزلة العالمين
بورود النصوص فيه القاضية بتفضيله على من تقدمه، ومذهبهم أنه لا
يصح تقدم المفضول على الفاضل إلا لعذر، فهذا عذر واضح لأجله قالوا
بصحة إمامة المتقدمين على علي عليه السلام وتفضيل علي عليه السلام
عليهم.
(1/886)
والجواب عليهم وبالله
التوفيق: إنما كان يصح لهم هذا الاعتذار للمتقدمين لو لم ترد
النصوص على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام عن الله تعالى وكان
ذلك عن رأي رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من دون وحي وأمر
من الله تعالى حتى يصح لهم قياس ذلك على ما ذكروه من قول السعدين
للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في نخل المدينة وتأبير النخل وأخذ
الفداء من أسارى بدر ونحوها، فقد ظهر لك في تلك الأمور أنها رأي من
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك عاتبه الله تعالى في أسارى
بدر، وليست هذه التي نحن بصددها من هذا القبيل بل هي من أصول الدين
التي أوجبها الله تعالى وافترضها خالفة عن النبوة إذ بها حفظ ما
جاءت به النبوة وتنفيذه بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم وحفظ
بيضة الإسلام على الدوام، ولا يمكن حفظها على الوجه الذي أتى به
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعده إلا من الإمام العالم بجميع
أحكام الشرع الشريف الجارية على محض الدين الحنيف وهم الأئمة
المجتهدون من ذريته صلى الله عليه وآله وسلم إلى منقطع التكليف،
ولهذا نص الله سبحانه وتعالى بصيغة الحصر بأن أثبت الولاية المرادة
لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بمعنى ملك الأمر والتصرف بلا
خلاف بين المسلمين، ومن أنكره كفر بلا ريب بأن قال سبحانه:
?إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ?، ثم عطف عليه وعلى
رسوله بالمؤمنين الموصوفين بتلك الصفة التي لا توجد إلا في علي
عليه السلام وحده، وبَيَّنَّا فيما مر أنه لا يمتنع أن وجه العدول
إلى صيغة الجمع الإشارة إلى أن حكم أولاده الأئمة الكاملين حكمه في
ثبوت ذلك ما بقي التكليف، وأن الإسناد إليهم عليهم السلام مجاز لما
كان فعل أبيهم وعادة العرب نسبة ما فعله الآباء إلى الأبناء ومنه
قوله تعالى: ?فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ
قَبْلَُ?{البقرة:91}، مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب بذلك
المعاصرين له من
(1/887)
اليهود ولم يقتل
الأنبياء إلا آباؤهم، وقد أجمع المفسرون وعلماء الأمة أن علياً
عليه السلام مرادٌ في الآية، ودع عنك التأويل الباطل بصرف الكلام
عن ظاهره وحقيقته لأجل التمذهب العاطل، لأنه لو تم لهم ذلك التأويل
وإنكار أن يكون المراد به ملك الأمر والتصرف بالنظر إلى أمير
المؤمنين عليه السلام ما تم بالنظر إلى الله ورسوله صلى الله عليه
وآله وسلم، وأيضاً فإنه صلى الله عليه وآله وسلم قام خطيباً يوم
الغدير بعد أن أمره الله تعالى بقوله: ?يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ
بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ?{المائدة:67}، كما ذكره
كثير من المفسرين وأهل التواريخ والأخبار أن المراد بلغ ما أنزل
إليك في شأن علي بن أبي طالب وأنها نزلت يوم الغدير أو قبيله،
ولأجلها قام فابتدأ بتقرير ولايته صلى الله عليه وآله وسلم، ولا
خلاف أنها ثابتة له بمعنى الأمر وملك التصرف، ثم قال: "من كنت
مولاه فعلي مولاه". وأكده بالقرائن اللفظية المانعة من التأويل
الباطل من قوله أول الكلام: "ألست أولى بكم من أنفسكم". ومن آخره:
"اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه" إلى آخره، وغير ذلك من الآيات
القرآنية والأحاديث النبوية التي من جملتها أمر الأمة بتسميته أمير
المؤمنين قال: "جبريل أمرني بالذي قلت لكم" بخلاف ما ذكروه من تلك
الحوادث فليست من أصول الدين المستمرة التكليف، وإنما هي حادثة بنت
يومها يجوز فيها اختلاف المصلحة وعدم النص من الشارع عليها إحالة
إلى رأيه صلى الله عليه وآله وسلم فإن أصاب فيها أقره الله تعالى
على ذلك بعد النكير عليه والعتاب له صلى الله عليه وآله وسلم، وإن
أخطأ نبهه الله تعالى على الخطأ بالعتاب اللطيف من الإبهام وعدم
الإجباه في وجهه بأن يذكر ذلك على وجه الإبهام أو ضمير الغيبة مع
علمه صلى الله عليه وآله وسلم أنه المراد بها في قوله تعالى: ?مَا
كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي
الْأَرْضِ? الآية
(1/888)
{الأنفال:67}، وكما
في قوله تعالى: ?عَبَسَ وَتَوَلَّىoأَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى?
الآيات، فأما مسألة الإمامة فهي ركن من أعظم أركان الدين، وأصل من
أصوله لا يصح فيها إحالتها على أراء الناس وتفويضهم فيها لما في
ذلك من تهاتر الناس عليها وتواثبهم على الطمع فيها كما قد كان من
تواثب جبابرة الدولتين الأمويين والعباسيين وغيرهم ممن حارب العترة
وقتلهم تحت كل حجر ومدر، وكل يفتي نفسه بجواز ذلك له كما جاز لأبي
بكر وعمر تقدمهما على الوصي ويقول لو كان هذا الأمر خاصاً بأهل بيت
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما تقدم فيه أبو بكر وعمر
وعثمان، على أنا لا نسلم لهم أن العرب كانت سترتد على أعقابها
جميعاً لو ولي الوصي عليه السلام بل كان يمكن ارتداد البعض منهم
وبقاء البعض وهذا قد وقع مع تقدم أبي بكر، فلم يكن تقدمه عاصماً
للدين عن أن يرتد عنه أحد، ولا معلومية أنه كان سيقع مثل ذلك لو
بقي الأمر بيد الوصي عليه السلام فضلاً عن أن يدعي أنه سيقع ارتداد
جميع العرب، بل لا طريق إلى علم أحد أنه لو ولي عليه السلام أنه
سيرتد الجماعة الفلانية أو أنه سيرتد فلان ابن فلان لمعين إلا بوحي
ولا وحي بأنه سيرتد لو تولى الوصي عليه السلام أحد، اللهم إلا أن
يكون الشخص يخبر بحال نفسه أنه عازم ومنطوية نيته الخبيثة على
الردة لو تولى الأمر بعده صلى الله عليه وآله وسلم علي عليه السلام
، فذلك ممكن العلم به في حق ذلك الإنسان وردته لنفسه دون غيره، فلا
طريق إلى العلم بذلك إلا التوهم والتجويز وتنزيل ذلك منزلة ما علم
الله أنه سيقع من دون علم لأن ذلك من المستقبلات التي لا يعلمها
غير الله إلا بوحي، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض
ما سيقع من المغيبات، ولم يخبر أنه إن ولي عقيب موته ارتدت العرب
بأسرها، بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الأمة ستغدر به وأن
ليس بينه عليه السلام وبين ذلك إلا مغيب شخصه،وأن الأمة ستقتل
ذريته
(1/889)
بعده صلى الله عليه
وآله وسلم، وقال: " أما والله لتقتلنهم أمتي لا أنالهم الله شفاعتي
ولا رأوا جنة ربي "، فكان الأمر في ذلك كما ذكره صلى الله عليه
وآله وسلم.
يزيده وضوحاً ما ذكره الإمام نجم آل الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم القاسم بن إبراهيم عليهما السلام في كتاب تثبيت الإمامة في
صفة علي عليه السلام بعد ذكره لجملة من فضائله إلى أن قال: مع ما
يكون عند الأوصياء من علم حوادث الأشياء وما يلقون بعد الأنبياء
عليهم السلام من شدائد الأمور وتعدي كل كفور ودول كل جبار عنيد،
ولو كان الأمر في الإمامة كما قال المبطلون فيها ما اختاروا والرأي
فيها وبها ما رأوا لكان في ذلك من طول مدة الالتماس ما قد قضوا
بقبحه وفساده من إهمال الناس كما لا يخفى على نظرة عين ولا يُسلم
معه عصمة دين، والله ما جعل لهم الخيرة فيما خولهم ولا فيما جعل
لهم من أموالهم، فكيف لهم الخيرة في أعظم الدين عظماً وأكبره عند
علماء المؤمنين حكماً انتهى كلامه والمسك ختامه.
(1/890)
ويؤيد ذلك قوله
تعالى: ?وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ?،?وَمَا كَانَ
لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ
يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا
مُبِينًا?{الأحزاب:36}، فثبت وتقرر أنه لا يجوز الاجتهاد أو القياس
فيما قد أمر الله تعالى أو أمر به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم،
لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهواء إن هو إلا وحي
يوحى ولقوله تعالى: ?وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ?{الحشر:7}، وقوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ?{الحجرات:1}، ولأنه أجمع أهل الأصول أنه لا قياس ولا
اجتهاد مع نص، وتلك الأمور التي قاسوا عليها لا يعلم فيها علة تجمع
بينها وبين هذه المسألة في جواز الاجتهاد أو تخصيص زمن الثلاثة
بالقياس عليها إلا مجرد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخطأ
النظر والرأي فيها فيقاس عليها هذه، فيقال لهم وما يدريكم أن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم أخطأ في هذه حتى تلحقوا هذه بتلك المسائل
من دون علة جامعة مع ما بينهما من الفرق الذي قد أوضحناها والنص في
هذه من الله دون تلك المسائل كما أسلفناه.
ثم نقول بعد هذا: إن في تقديم أبي بكر وعمر وعثمان من المفسدة
والإضرار ما هو معلوم الإضرار به على الدين وعلى أهل البيت
المطهرين وعلى سائر المسلمين.
أما على الدين: فسبب تناولهم الأمر تناول الظلمة له، فغيروا أحكامه
وطمسوا رسومه، وشربت الخمور وارتكبت في دولهم جميع أنواع الفجور.
(1/891)
وأما على العترة
عليهم السلام: فسفكت دماؤهم وانتهكت حرمهم، وأخرجوا من ديارهم
وأموالهم وتغربوا وتشردوا وهربوا من الظلمة في مشارق الأرض
ومغاربها يأمن الناس ولا يأمنون ويطمئن الكفار والفجار في بيوتهم
وهم خائفون.
وأما سائر المسلمين: فافتراقهم وتباغضهم بعضهم مع الأئمة وبعضهم مع
الظلمة ولم يزل القتل فيهم إلى يوم القيامة، والأمر في ذلك كما قال
بعض السادة المتأخرين رحمه الله تعالى وزاد فيها الحقير غفر الله
زلته الثلاثة الأبيات الأخيرة وخمسها كلها واستغفر الله فيما لم
يطابق مراد الله:
(1/892)
نَظَمَتْه أفكارُ
الهمامِ السيدِ
سَنَّ الثلاثةُ ظلمَ آلَ محمدِ
واعجب فكم في الدهرِ رزءٌ قد بدا
جلبت خسارَ من ابتدى ومن اقتدى
لكنهم رفضوه واختاروا العمى
أن الوصِيَّ هو الإمامُ الحاكمُ
لولاهمُ ما سَلَّ سيفاً ظالم
فأخو عدي وشيخُ تيمٍ أسرعا
فتقدموا مولى الأنام الأنزاعا
لولاه ما سُفكت بصفين الدما
ضة والعداوةِ للإمامِ المرتضى
كم من قتيلٍ مثل عمارٍ مضى
وكذاك حجرٌ صار قتلا بينهم
في وقعت الجملِ الذي قد شانهم
عددٌ كثيرٌ ما أجلَّ وأعظما
أعظم به من حادثٍ وضعوا له
ويزيدُ قد قتلَ الحسينَ وأهلَه
ما قتل حرة واقم بأحدِه
ما حرمة القبرِ الشريفِ تصدُه
قتلوا إمامَ السابقين فبئس ما
لقتاله قوماً بغاةً ذو شقى
فَعَلُوا بزيدٍ ذي المناقبِ والتقى
تالله أحلفُ ما وجدت مثيلَه
وانظر فكم ظلم لديهم ناله
صلى الإله على الشهيد وسلما
يهديهمُ الحق المنيرُ الأرشدا
نال السعادةَ بالشهادةِ موعدا
ولبئس مثوى خصمه يا ويله
والطالب الله وأحمد أصله
من قام للهِ العلي مُصَمِّمَا
لجهادِ كلِ منازعٍ ومموه
ما زال يدأب في جهادِ عدوه
قاد الجنودَ إلى العنودِ معسكرا
يسلك بهم نهجِ الخليفةِ حيدرا
ويرى الشهادةَ في المعاركِ مغنما
نزلت بآل محمدٍ من أمة
وأتى بنو عباس بعد أمية
سفكوا دماءَ آل النبي وتفوهوا
كم ظالمٍ يقفوا ظلوماً حذوه
وهما الإمامان اللذان هُمَا هُمَا
ق الموتَ في ضربٍ وفي حبسٍ أذي
لعن الإلهُ أبا الدوانيق الذي
ثم الإمام إدريس والفخي أَتى
من ظلم هارون الغوي غوى العتي
قد سنها لهمُ الشقيُّ وأبرما
أيامَه والليلَ ليس بنائمِ
في قتل كلِّ إمامِ حقٍ قائم
وكذاك في من بعدهم ممن غدا
وإلى متى ذا الاقتدى بمن ابتدا
تُعساً لمن آذى النبيَّ وأرغما
ما فيه من خطرٍ علمتمُ أنكم
ما كان هذا أجر طه نصحكم
صبراً أمير المؤمنين إمامنا
صبراً فيوم الحشر يكشف غمنا
وهناك تبلو كل نفس كلما
يا ويل من هو خصمه بدمائكم
.............................
من بعد جدكُمُ
(1/893)
كثيراً دائما
سمعاً خليلي نظم در مُنَضَّد
في سلكِ قولِ الحقِ فانصف وانقد
صاروا لأرباب الضلالةِ سلماً
ولكم بليةٍ أوبقتْ أهلُ الردى
أما النبيُّ فقد دعاهم للهدى
لولا السقيفةُ ما ترددَ حالمٌ
لولا الثلاثةُ ما ترأسَ غاشمٌ
كلا ولا قُتل الحسينُ من الظما
نحو الخلافة وابن عفان سعى
وبدى معاوية اللعين منازعا
كم من مُوالٍ هانه أهلَ الغضا
ولكم حوادثٌ أوجبت جمرَ الغضا
قدماً شهيداً في الجنانِ مكرما
وابن الحمق وابن الارت ودونهم
وكذا خزيمة كم أَعُدُّ فإنهم
والنهروان أذكره واذكر هولَه
شبهاً لتكفيرِ الوصي وشبلِه
ومصابهُ أبكى ملائكةَ السما
حرم المدينة جيشهم قد هده
وهشامٌ الرجلُ اللعينُ وجندَه
وانظر فكم في يوم مشهده التقى
يوم التقى الجمعان ذاك الملتقى
فِعْلاً فأوردَهُم بذاك جهنما
في عصره شخصاً يداني فضله
قتلاً وصلباً ثم تحريقاً له
قد قام داعٍ للأنامِ إلى الهدى
حتى مضى لسبيلِه مستشهدا
حيّاً بجنات الخلودِ منعماً
ماذا يجيب مطالباً دحلاله
وكذا الإمامُ البَّر يحيى نجلُهُ
قد قام بعد أبيه تابع صنوه
في عِفَّةٍ وزهادةٍ وتأوهٍ
يبغي كوالده السبيلَ الأقوما
في عصبةٍ زيديةٍ أُسدُ الشَّرى
فمضى شهيداً في المَكَّرِّ مشمراً
سل كل تاريخٍ فكم من محنةٍ
ظلمتهموا تبعاً لأول عصبة
لُعنوا فهم كانوا أعقُ وأظلما
بالسب عن سب المنابر نوهوا
قتلوا محمدَ الإمامَ وصنوَه
وأبوهما فخرُ الأنام فقد أذيـ
في عصبة من أهله كُلٌّ أُذِي
قتل الأئمةَ واستباح محرما
قتلا ويحيى نالَ كل بليةٍ
ومشى بنوه على طريقيهِ التي
كم سيدٌ من آل أحمدَ صائمٍ
وبنو بني العباس كم من هائم
أو أسره فغدا له مستسلماً
يهوى الخلافةَ من طواغِيت العِدى
بعداً لمن وتر النبيَّ محمداً
قل للثلاثة لو علمتمُ صنعكم
أصلٌ لهذا كله تُبَّاً لكمْ
أين المودة فهي فرض حُتِّما
صبراً بني الزهرا إن أَمَامَنا
والحاكم العدل الحكيم إلهنا
ومحمد هو قائم لخصيمكم
قد قال إني سائل فاحفكم
ثم
(1/894)
الصلاة مع السلام
تعمكم
(1/895)
الفرع الثاني: حكم
فدك والعوالي
اعلم أن هذه المسألة يذكرها المتكلمون في علم الكلام ويلحقونها
بمباحثه وليست من مسائل الأصول اللازم معرفتها على كل مكلف لكن
اتصلت بهذا الفن من حيث أنه لما اختلف الناس في إمامة أبي بكر
حسبما مر أن الأمة في ذلك بين معتقد صحة إمامته وبين معتقد
بطلانها، وكان من أبي بكر قبضه فدكاً وسائر مخلف رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم فجاءته فاطمة عليها السلام تقول: فدك بيدي
أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتطلبه ميراثها من
مخلفه وسهم ذوي القربى فأبى أن يدفع إليها شيئاً من ذلك، واحتج بما
رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " نحن معاشر الأنبياء لا
نُوْرَث ما تركناه صدقة "، فجرى بينهما من الاحتجاج واللجاج
والاختلاف ما أفضى إلى أن غضبت الزهراء عليها السلام وانصرفت باكية
إلى قبر أبيها صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله تشكو إليه صلى الله
عليه وآله وسلم ما فعل أبو بكر وتنشده:
لو كنت شاهدتها لم تكثر الخُطََبُ
واختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا
فغبت عنا فنحن اليوم نُغْتَصَبُ
عليك تنزل من ذي العزة الكتبُ
مذ غبت عنا فكل الخير مُحْتَجَبُ
من البرية لا عُجْمٌ ولا عربُ
منا العيون بهتانهما سربُ
قد كان بعدك أنباءٌ وهينمة
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها
وكان جبريل بالآيات يونسنا
وكنت بدراً ونوراً يستضاء به
تهضّمتنا رجال واستخف بنا
وقد رزينا الذي لم يرزه أحد
فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيتْ
(1/896)
فلما كان ذلك كذلك مع
ما تواتر من الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغضب
لغضبها عليها السلام، فقد وردت أحاديث بلفظ: "يا فاطمة إن الله
يغضب لغضبك ويرضى لرضاك "، وقع الاختلاف بين المسلمين هل أصاب أبو
بكر بهذا الذي فعله عين الصواب بحسب دلالة الكتاب والسنة، فلا بد
أن هذه الأحاديث مقيدة بمن أغضبها عليها السلام تعدياً من دون حق
ثابت في حكم الشرع، أم أخطأ بهذا الذي فعل عين الصواب والحكم
الثابت في حكم الشرع، فيصدق عليه هذه الأحاديث وما في معناها من
الأحاديث الدالة على تحريم أذية أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم
وأذية كل مؤمن أو مؤمنة، وتفرع على هذا افتراق الناس في شأن أبي
بكر وعمر وعثمان لسيرتهما في ذلك بسيرته وعمر وعثمان لسيرتهما في
ذلك بسيرته إلى مصوب له فيوالي، ومخط له يعد ذلك كبيرة فيعادي أو
صغيرة أو ملتبسة فيتولى أو يتوقف، فصار لهذه المسألة ارتباط وتعلق
بعلم العقائد وأدرجت في مسائل علم الكلام الذي الحق فيها مع واحد.
إذا عرفت ذلك فالكلام في هذه المسألة يقع في مطلبين: المطلب الأول:
في حكم فدك في حياته صلى الله عليه وآله وسلم وكيف كان فعله فيها
وكيفية مصيرها بيده صلى الله عليه وآله وسلم. والمطلب الثاني: كيف
كان النزاع والاحتجاج بين أبي بكر وفاطمة عليها السلام ؟ وبمعرفة
هذين المطلبين تحصل النتيجة الصحيحة الشرعية لمن أنصف وبالله
التوفيق.
(1/897)
أما المطلب الأول:
فاعلم أنه لا خلاف أن فدكاً من أراضي الكفار أجلي عنها أهلها بلا
إيجاف عليهم من المسلمين، قال ابن هشام وقال ابن إسحاق: فلما فرغ
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خيبر، قذف الله الرعب في
قلوب أهل فدك حين بلغهم ما أوقع الله بأهل خيبر إلى قوله: فكانت
فدك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالصة لأنه لم يوجف عليها
بخيل ولا ركاب. وقال ابن أبي الحديد: عن أبي بكر أحمد بن عبد
العزيز الجوهري بإسناده إلى محمد بن إسحاق صحاب السيرة عن الزهري
قال: بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم أن يحقن دماءهم ويسيرهم ففعل، فسمع ذلك أهل فدك فنزلوا
على مثل ذلك، وكانت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خالصة لأنه لم
يوجف عليها بخيل ولا ركاب.
وقد اختلف فيما هذا شأنه فقال أئمتنا عليهم السلام وكثير من علماء
غيرهم وهو قول ابن هشام وابن إسحاق من أهل السيرة: إن ما هذا حاله
بأن فر عنه الكفار أو صالحوه لمجرد الخوف والرعب منه صلى الله عليه
وآله وسلم من دون ايجاف عليهم من المسلمين وتوجه وتجمع لقتالهم،
فإنه يكون ملكاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك الإمام
بعده، وعليه بنى أبو بكر الاحتجاج لكن زعم أنه لا يورث عنه للخبر
الذي رواه.
وقال أئمتنا عليهم السلام وأتباعهم: بل يورث عنه صلى الله عليه
وآله وسلم، وكذلك الإمام يورث عنه ما صار إليه بمجرد الرعب والخوف
منه من دون توجيه الجند وتجميعهم على الكفار، وقال الفريقان: بل
يصير للمصالح العامة لجميع المسلمين وليس للنبي صلى الله عليه وآله
وسلم إلا سهمه من الخمس، وعند أئمتنا عليهم السلام لا خمس فيه لأنه
ليس بغنيمة للمسلمين لما لم يكن لهم فيه سعي.
حجة أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم:
(1/898)
قول الله تعالى:
?وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا
أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ
اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ? {الحشر:6}، فنص الله سبحانه وتعالى أنه
أفاءه على رسوله ولم يشرك معه غيره بل أشار أنه لا حق لسائر
المسلمين فيه بقوله: ?فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ
وَلا رِكَابٍ ?، وبين العلة في عدم استحقاقهم وهي أنه لم يكن منهم
إيجاف على الكفار ثم أكده بقوله: ?وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ
رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ?.
وحجة الفريقين الحنفية والشافعية:
الآية التي بعدها: ?مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ
أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ?{الحشر:7}،
وجعلوا هذه الآية بياناً للأولى وأن المعنى: ولله ولرسوله ولسائر
من ذكر خمسه والأربعة الأخماس لسائر المسلمين تصرف في مصالحهم بنظر
الإمام.
(1/899)
قلنا: هذا مال آخر
غير ما ذكر في الآية الأولى، وهو ما أخذ من الكفار بعد تجمع
المسلمين عليهم وإيجافهم بالخيل والركاب فله حكم آخر خلاف ما ذكر
في الآية السابقة وهو أنه يخمس ويقسم بين المجاهدين الموجفين ولا
يشاركهم غيرهم فيه ممن قعد عن النصرة لهم ولم يكن منه إيجاف معهم
يدل عليه ما ذكر في آخر الآية: ? لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ
فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ?{الحشر:8}، هم المهاجرون المجاهدون لقوله:
?وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ?، ثم شرك معهم الأنصار بقوله:
?وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ?{الحشر:9}، ثم يبين حكمهم هذين
الضربين مما يؤخذ من الكفار فيما بعد عصر الرسول صلى الله عليه
وآله وسلم والصحابة وهو زمن التابعين فمن بعدهم إلى منقطع التكليف
أن حكمهما كذلك بقوله: ?وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ
يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ
سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ?{الحشر:10}، يعني والذين جاؤوا من بعدهم
وهم على منهجهم من الإيمان ونصرة الدين حكمهم كذلك.
ويدل عليه أيضاً:ما ذكره ابن هشام في سيرته ?مَا أَفَاءَ اللَّهُ
عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ?
قال ابن إسحاق: ما يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب وفتح بالحرب
عنوة ?فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى
وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً
بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا?{الحشر:7}، يقول هذا
قسم آخر فيما أصيب بالحرب بين المسلمين على ما وضعه الله عليه
انتهى.
(1/900)
ويدل عليه أيضاً: ما
ثبت من الأخبار الصحيحة برواية الموالف والمخالف.
أما الموالف: فما ذكره في شرح الأساس وهو في كتاب الاعتصام للإمام
القاسم بن محمد عليهما السلام بروايات متعددة، وذكره صاحب
المنشورات عن الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما
السلام، قال ما لفظه: قال عليه السلام وبالإسناد المتقدم إلى أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه: " لما أنزل قوله تعالى: ?وَآتِ ذَا
الْقُرْبَى حَقَّهُ?{الإسراء:26}، دعا رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم فاطمة عليها السلام فأعطاها فدكاً "، قال: ونحن نرويه عن
أبي سعيد بغير هذه الطريق، وفي شرح الأساس ما لفظه: وروى أبو
العباس الحسني رضي الله عنه بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه:لما نزل قوله تعالى: ?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ?، دعا
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام وأعطاها
فدكاً، وروى أيضاً بإسناده إلى جعفر بن محمد عليهما السلام عن أبيه
أن فدكاً سبع قريات متصلات حد منها مما يلي وادي القرى غلتها في كل
سنة ثلاث مائة ألف دينار أعطاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم
فاطمة عليها السلام قبل أن يقبض بأربع سنين إلى آخر ما ذكره، وهو
في غير ذلك من كتب الأصحاب.
(1/901)
وأما المخالف: فذكر
السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور ما لفظه: وأخرج
البزار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه قال:لما نزلت هذه الآية ?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى
حَقَّهُ? دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة فأعطاها
فدكاً، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت
?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ? أقطع رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم فدكاً، إلى غير ذلك من الروايات المفيدة أن ذلك ملكاً للنبي
صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه لو كان ملكاً للمجاهدين جميعاً لم
يجز للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يصرفه إلى الزهراء صلوات
الله وسلامه عليها، وإن كان للمصالح عموماً فلا يمتنع أن يرى رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم أن من جملتها أن يعطي الزهراء ما
يكفيها وبنيها وبعلها بعد مفارقته لهم، حيث قد علم صلى الله عليه
وآله وسلم أن الأمة ستغدر بهم ولا يصير الأمر بأيديهم بل سينزع
منهم قسرا،ً غير أن هذا الوجه بعيد حيث قد ثبت بدلالة الآية
السابقة أن ذلك ملك للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وبنى عليه أبو
بكر احتجاجه وهو قول أكثر العلماء، وإن اختلفوا هل تورث عنه أم
لا؟.
فإن قيل: كيف قلتم: إنه ملك للرسول صلى الله عليه وآله وسلم،
والحال أنه لم يحصل جلاء الكفار عنه ورعبهم وخوفهم من الرسول صلى
الله عليه وآله وسلم إلا لاجتماع من معه من المسلمين، وإلا فما كان
الكفار يهابونه لو كان وحده صلى الله عليه وآله وسلم أو في قلة من
قومه كما كان قبل الهجرة وبعدها قبل أن يكثر المسلمون ويتقوى أمره
صلى الله عليه وآله وسلم، وحينئذ فالجلاء والرعب والخوف ليس حاصلاً
منه صلى الله عليه وآله وسلم وحده بل هو منه وممن معه من المسمين
جميعاً أو المجاهدين منهم، فلا يختص به الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم.
(1/902)
قلنا: إن الرعب
والخوف إنما حصل من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بدليل قوله
تعالى: ?وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ
يَشَاءُ?، ولا يمتنع أن اجتماع من اجتمع معه إذ ذاك من المسلمين
كالشرط في حصول ذلك الرعب والخوف من الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم الموجبان للجلاء، والشروط لا تأثير لها في إيجاب الأحكام
وإنما توجبها الأسباب المقتضية لها، فأما الشروط فإنما أثرها في
اختلال الأحكام وعدمها عند عدم الشرط لا في إيجابها للحكم عند وجود
الشرط وذلك كالوضوء في الصلاة فليس بموجب لها وإنما هو شرط في
صحتها تختل الصلاة وتعدم بعدمه، فكذلك ما نحن فيه الخوف والرعب سبب
الجلاء الموجبان له، وإنما حصلا بتسليط الله تعالى رسوله على
الكفار فهما مسببان عن التسليط لا غير فهو سبب السبب، والاجتماع
شرط في حصول الرعب والخوف ولا أثر له في وجود الخوف والرعب أو في
وجود التسليط وإنما أثره في تخلف الرعب والخوف عند تخلفه وهذا لا
إشكال فيه.
فإن قيل: قولكم: إنه يصير ملكاً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم
ينافيه ما رويتم من الأخبار ورواه غيركم أنه لما نزل عليه قوله
تعالى:?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ?، دعا فاطمة وأعطاها فدكاً
لأنه إذا كان ملكاً له فكيف يكون حقاً لذوي القربى يأمره الله
تعالى بتسليمه إليهم ؟
(1/903)
قلنا: إنما أمره الله
تعالى بإعطاء ذوي القربى من باب صلة الرحم، وذلك صحيح فيما هو ملك
للإنسان سواء كان على سبيل الوجوب كما عند ضرورة الرحم ووجوب نفقته
عليه أو على جهة الندب فيما عدا ذلك، ومما يؤيد كونه أعني ما أجلى
عنه أهله بلا إيجاف يصير ملكاً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما
نقله ابن أبي الحديد عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري
بإسناده إلى مالك بن أوس الحدثان: أن عمر بن الخطاب دعاه يوماً
بعدما ارتفع النهار وساق خبراً طويلاً إلى قوله: فأقبل على العباس
وعلي عليه السلام فقال: أنشدكما الله تعالى هل تعلمان ذلك ؟ قالا:
نعم، قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر أن الله تبارك وتعالى خص
رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره قال
تعالى: ?وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا
أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ
اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ?{الحشر:6}، وكانت هذه خاصة لرسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم فما اختارها دونكم ولا استأثر بها عليكم لقد
أعطاكموها، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال وكان ينفق منه على
أهله سنتهم، ثم يأخذ ما بقي فيجعله فيما يجعل مال الله عز وجل إلى
آخر ما ذكره.
(1/904)
فصرح عمر أنه صار
خاصاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحتج على ذلك بالآية،
وذكر أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان ينفق منه على نفسه وأهل
بيته، وظاهره إدخال علي والعباس عليهما السلام معهم ينفق على نفسه
صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم كفاية السنة، وما فضل عليها أنفقه
في سبيل الله تعال،ى وهذا لا ينافي كونه صلى الله عليه وآله وسلم
قد كان أعطاه فاطمة عليها السلام لأن من الجائز أن يفعل ذلك عن
إذنها ورضاها أو عن أمرها بذلك قصداً منها التقرب بذلك إلى الله
تعالى أو أنه ملكها الرقبة لما بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم
واستثناء الغلة مدة حياته صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ينافي
أيضاً ما رواه أئمتنا عليهم السلام أن عبداً لها جبيراً كان يقبض
غلتها وكيلاً لها عليها السلام بعد أن ملكها الرسول صلى الله عليه
وآله وسلم قبل موته بأربع سنين، إذ من الجائز أن يقبض الغلة ويأتي
بها إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيعمل بها كذلك حسبما ذكر
عمر، وهذا هو الظاهر من حال فدك في حياته صلى الله عليه وآله وسلم،
والله أعلم.
وأما المطلب الثاني: وهو في كيفية وقوع النزاع بين أبي بكر وفاطمة
عليها السلام، فقال في شرح الأساس: اعلم أنه لا خلاف بين الناس أن
فاطمة عليها السلام نازعت أبا بكر في فدك، وأنها جاءت بعلي عليه
السلام وأم أيمن رضي الله عنهما شاهدين، وأنها رجعت بغير شيء وأنها
دفنت ليلاً ولم يحضرها أبو بكر ولا عمر فهذا مما لا يخالف فيه أحد،
وروى أهل البيت عليهم السلام كافة أنها ماتت غضبانة على أبي بكر
وعمر، وأنها أوصت أن لا يحضرا جنازتها.
(1/905)
وقال في محاسن
الأزهار للفقيه حميد رحمه الله تعالى: روى البخاري بسنده عن عائشة
أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس
خيبر، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة عليها السلام منه شيء،
فوجِدَتْ فاطمة على أبي بكر وهجرته ولم تكلمه حتى توفيت، وقد عاشت
بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر، فلما توفيت دفنها
الإمام علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر.
(1/906)
وقال ابن أبي الحديد:
نازعت فاطمة أبا بكر في ثلاثة أشياء: الأول: الإرث، الثاني: النحلة
في فدك، الثالث: في سهم ذوي القربى، ومنعها أبو بكر ذلك جميعاً
انتهى. وقوله عليه السلام : وروى أهل البيت عليهم السلام كافة لا
يؤخذ بمفهومه أن غير أهل البيت عليهم السلام لم يرو ذلك بل هو مما
يوافق عليه كثير من المخالفين كما تراه في رواية البخاري، وذكره في
تفريج الكروب عن البخاري ومسلم، وهو في تاريخ ابن قتيبة وفي شرح
ابن أبي الحديد عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري من طرق
بسنده بعضها عن عروة بن الزبير عن عائشة قال ابن أبي الحديد ما
معناه: وإنما ننقل من أفواه أهل الحديث وكتبهم لا من كتب الشيعة
ورجالهم لأنا مشترطون على أنفسنا أن لا نحفل بذلك، وجميع ما نورده
في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في
السقيفة وفدك وما وقع من الاختلاف والاضطراب عقيب وفاة النبي صلى
الله عليه وآله وسلم قال: وأبو بكر هذا عالم محدث كثير الأدب ثقة
ورع أثنى عليه المحدثون ورووا عنه مصنفاته، وذكر ابن أبي الحديد في
آخر الكلام على فدك ما لفظه: وأما إخفاء القبر وكتمان الموت وعدم
الصلاة وكلما ذكره المرتضى يعني - في رده على قاضي القضاة - لما
أنكر القاضي ذلك وزعم أن أبا بكر هو الذي صلى عليها عليها السلام
هو الذي يظهر ويقوى عندي لأن الروايات به أكثر وأصح من غيرها،
وكذلك القول في مَوْجِدَتِها وغضبها انتهى.
(1/907)
قلت: لا خلاف في وقوع
النزاع بين الزهراء عليها السلام وبين أبي بكر على الجملة، وإنما
اختلفت الروايات هل طلبته عليها السلام أولاً بالنحلة، فلما لم
يعمل بدعواها مع شهادة أمير المؤمنين عليه السلام وأم أيمن انتقلت
إلى الطلب بالميراث أم طلبته أولاً بالميراث، فلما احتج بالخبر
الذي رواه " نحن معاشر الأنبياء لا نُوْرَث "، انتقلت إلى الطلب
بالنحلة المذكورة، وقد حكى ابن أبي الحديد وقوع المشاححة بين أبي
علي والقاضي وبين المرتضى رحمه الله تعالى فأنكر أبو علي تقدم
الطلب في النحلة ورد عليه المرتضى بأن أحد الأمرين قبل الآخر لا
يصحح له مذهباً فلا يفسد لمخالفه مذهباً، ثم أن الأمر في أن الكلام
في النحل كان المتقدم ظاهر والروايات كلها به واردة.
(1/908)
وأقول: بل مرام أبي
علي بإنكار تقدم الطلب بالنحلة، وقوله: إنها إنما ادعته بالميراث
أولاً، التوصل بذلك إلى أنه لا يصح منها عليها السلام دعوى النحلة
بعد أن ادعته بالميراث، فلا يصير لها المطالبة بكلي الوجهين معاً
بل لما تقدم منها الطلب بالميراث دل على عدم وقوع النحلة، وقد روى
الأمير المؤلف في الشفاء أنها عليها السلام ادعت الهبة لها من رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنكر أبو بكر فجاءت بأم أيمن فشهدت
لها بالهبة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أم أيمن من
أهل الجنة "، وجاءت بعلي عليه السلام فشهد لها بالهبة ولم يفعل أبو
بكر وعلي وفاطمة عليهما السلام معصومان فلما لم يقبل رجعت إلى دعوى
الميراث فروى: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" فقالت: إن الله تعالى
يقول: ?وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُود?{النمل:16}، وقال في زكريا:
?يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ?{مريم:6}، فسلم لها فدك
وصك بها لها فلقيها عمر خارجة فسألها ما فعل أبو بكر فأعلمته فقال:
أريني الكتاب فأرته إياه فأخذه ومزقه ولم يسلم إليها منه شيئاً،
واستمروا على ذلك إلى وقت عمر بن عبد العزيز، فلما ولي عمر بن عبد
العزيز ردها على أولاد فاطمة عليها السلام، وقطع لعن علي عليه
السلام على المنابر انتهى. ومثله ذكر ابن أبي الحديد عن عبد العزيز
بن أحمد الجوهري بإسناده إلى زيد بن علي عليهما السلام إلا أنه لم
يذكر قوله: وعلي وفاطمة عليهما السلام معصومان الخ، بل ذكر أنه بعد
أن شهد علي عليه السلام وأم أيمن لها بالهبة قال لها أبو بكر: فرجل
آخر أو امرأة أخرى لتستحقي بها القضية، ثم قال زيد: وأيم الله لو
رجع الأمر إلي لقضيت فيه بقضاء أبي بكر، وهذا لا يعرف عند آل محمد
صلى الله عليه وآله وسلم أعني أن زيداً عليه السلام قال: وأيم الله
لو رجع إلي لقضيت فيه بما قضى أبو بكر، وإنما هو من حكايات
المحدثين والمخالفين لهم والله أعلم، فإن صح فلعله محمول
(1/909)
على قضائه الذي قضى
به في الصحيفة التي مزقها عمر لما ذكرها الإمام القاسم بن محمد
عليه السلام في الاعتصام من قوله عليه السلام : قلت: وأجمع آل محمد
صلى الله عليه وآله وسلم أن الأنبياء يورثون إلى آخر ما ذكره عليه
السلام ، ولما رواه القاضي العلامة عبد الله بن زيد العنسي رحمه
الله تعالى في المحجة البيضاء من قوله: وأجمع أهل البيت عليهم
السلام، أنه ظلمها ذلك ونقله منها إلى آخر كلامه ذكره صاحب
المنشورات رحمه الله تعالى عن القاضي أحمد بن سعد الدين المسوري
رحمه الله تعالى عن العنسي من المحجة البيضاء، ولما رواه صاحب
أنوار اليقين عليه السلام عن زيد بن علي عليهما السلام، أنه نسب ما
أصابه من ظلم هشام إلى الشيخين لأجل كونهما أول من سن ظلم العترة
عليهم السلام والتقدم على الأئمة إلى آخر ما نقله عنه في هذا
المعنى.
قلت: ولعل ما ذكر من إجماع العترة عليهم السلام، والمراد به إجماع
القدماء لأنه قد ذكر في القلائد وحكاه الإمام في الأساس عن الإمام
يحيى بن حمزة والمهدي عليهم السلام تصحيح حكم أبي بكر حيث أنه حكم
باجتهاده وكل مجتهد مصيب، لكن التعليل بهذا لا يفيد أن أبا بكر
أصاب نفس الحق باعتبار موافقة الكتاب والسنة بل باعتبار أنه أداه
اجتهاده إلى ذلك، وإن كان الإمام المهدي عليه السلام قد ذكر في
شرحه على القلائد ما معناه: إن خبر أبي بكر مخصص لآيات المواريث،
فإنما ساق ذلك الاحتجاج على مساق احتجاج المعتزلة كما فعل ذلك في
كثير من المسائل التي لا يوافقهم فيها والله أعلم.
(1/910)
هذا وقد ذكر في
المنشورات عن الإمام عبد الله بن حمزة عليهما السلام بإسناده إلى
عروة بن الزبير عن عائشة أن فاطمة والعباس أتيا إلى أبي بكر
يلتمسان ميراثهما من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهما حينئذ
يطلبان أرضه من فدك وسهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث
ما تركناه صدقة "، وذكر ابن أبي الحديد عن أحمد بن عبد العزيز
الجوهري بإسناده إلى عروة عن عائشة بمثله إلا أنه قال: وسهمه
بخيبر، وزاد: إنما يأكل آل محمد من هذا المال، وإني والله لا أغير
أمراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنعه إلا صنعته،
قال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت.
وفي الاعتصام وأخرج البخاري وساق السند إلى عائشة أن فاطمة والعباس
رضي الله عنهما أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما، وساق الحديث بمثل
ما ذكره الجوهري، وفيه أيضاً عن أبي العباس الحسني قال: أخبرنا
أحمد بن سعيد الثقفي بإسناده عن عائشة: أن فاطمة والعباس أتيا أبا
بكر وساق الحديث بمثل ما رواه المنصور بالله عليه السلام قال فيه:
قال أبو العباس الذي طلباه ميراثا سهمه من خيبر، فأما فدك فقد كانت
لفاطمة حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما قدمنا وهو وجه
الحديث.
(1/911)
هذا وقد تقدمت رواية
الفقيه حميد ورواية البخاري ومسلم وأحمد بن عبد العزيز الجوهري
كلهم عن عائشة أن فاطمة عليها السلام أرسلت إلى أبي بكر، وفي هذه
الأحاديث عن عائشة أيضاً أنها جاءت هي والعباس وسبق من رواية زيد
بن علي عليهما السلام: أن فاطمة عليها السلام جاءت إلى أبي بكر ولم
يذكرا معها العباس رضي الله عنه، ولا مانع من الإرسال مرة والمجيء
أخرى، وأن معها العباس، وإن لم يذكر في بعض الروايات أو أن المجيء
مرتين إحداهما مع العباس والأخرى من دونه فلا تنافي في ذلك، وإنما
الذي يظهر ما يقتضي التنافي أجوبة أبي بكر على الزهراء أو عليها هي
والعباس ففي الروايات السابقة الاعتذار بأنه سمع النبي صلى الله
عليه وآله وسلم يقول: " نحن معاشر الأنبياء " الخ، وفي بعض
الروايات الاعتذار بما ينافي نحو ما ذكره أحمد بن عبد العزيز
الجوهري بإسناده إلى أبي صالح عن أم هاني رضي الله عنها أن فاطمة
عليها السلام قالت لأبي بكر: من يرثك إذا مت ؟، قال: ولدي وأهلي،
قالت: فمالك ترث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دوننا ! قال:
يا ابنة رسول الله ما ترك أبوك داراً ولا مالاً ولا ذهباً ولا
فضةً، قالت: بلى سهم الله الذي جعله لنا وصار فيئنا الذي بيدك فقال
لها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إنما هي طعمة
أطعمناها الله فإذا مت كانت بين المسلمين" فهذا يقتضي أن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم لم يتملك ذلك فلا يصح عليه حديث: " لا نُوَرْث
تركناه صدقة" ويقتضي أنه بين المسلمين ملك لا أنه صدقة بالغلة فقط.
(1/912)
قال أحمد بن عبد
العزيز: وأخبرنا أبو زيد وساق السند إلى أبي الطفيل قال: أرسلت
فاطمة إلى أبي بكر أنت ورث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم
أهله ؟ قال: بل أهله، قالت: فما بال سهم رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم، قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
"إن الله أطعم نبيه طعمة ثم قبضه وجعله للذي يقوم بعده" فوليت أنا
بعده أن أرده بين المسلمين، قالت: أنت وما سمعت من رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم، قال ابن أبي الحديد: وفي هذا الحديث عجب
لأنها قالت له: أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم
أهله قال: بل أهله، وهذا تصريح بأنه صلى الله عليه وآله وسلم موروث
يرثه أهله وهو خلاف قوله: لا نورث.
قال أحمد بن عبد العزيز: وأخبرنا أبو زيد وساق السند إلى أبي سلمة
أن فاطمة عليها السلام طلبت فدك من أبي بكر، فقال: إني سمعت رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:" إن النبي لا يورث" من كان
النبي يعوله فأنا أعوله، ومن كان النبي ينفق عليه فأنا أنفق عليه،
فقالت: يا أبا بكر أيرثك بناتك ولا يرث رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم بناته ؟ فقال: هو ذاك !!
قال أحمد بن عبد العزيز: وروى هشام بن محمد عن أبيه قال: قالت
فاطمة لأبي بكر: إن أم أيمن تشهد لي أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أعطاني فدك، فقال لها: يا بنت رسول الله والله ما خلق الله
خلقاً أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوله إن
هذا المال لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما كان
مالاً من أموال المسلمين يحمل له النبي الرجال وينفقه في سبيل
الله، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليته كما كان
يليه إلى آخر ما ذكره.
(1/913)
وهذا كما ترى فيه
إنكار الملك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه عدم
المناكرة لشهادة أم أيمن بتمليك الزهراء عليها السلام لكن زعم أنه
ليس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يملكها ذلك لأنه مال
المسلمين وهو ينافي ما سبق من الأجوبة بطلبه لها إتمام نصاب
الشهادة، وقد اعترض ابن أبي الحديد على أبي بكر بهذا الجواب وناقش
عليه بأكثر مما ذكرنا حتى قال: وهذا ليس بجواب صحيح.
وفي الاعتصام عن الهادي إلى الحق عليه السلام لما ادعت فاطمة عليها
السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنحلها فدكاً ونزع أبو
بكر عاملها وطلبها شهوداً جاءت بعلي والحسن والحسين عليهم السلام
وأم أيمن رضي الله عنها فشهدوا لها، فقال: أبو بكر لا أقبل شهادتهم
لأنهم يجرون بها المال إلى أنفسهم وأم أيمن امرأة لا أقبل شهادتها
وحدها.
(1/914)
وفيه أيضاً نقلاً عن
مصابيح أبي العباس الحسني رضي الله عنه بإسناده إلى عبد الله بن
الحسن عليهما السلام: أنه أخرج وكيل فاطمة من فدك وطلبها بالبينة
بعد شهر من موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما ورد وكيل
فاطمة عليها السلام قال: أخرجني صاحب أبي بكر، سارت فاطمة عليها
السلام ومعها نسوة من قومها إلى أبي بكر فقالت: فدك بيدي أعطاني
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعرض صاحبك لوكيلي، فقال: يا
فاطمة أنت عندنا مصدقة إلا أن عليك البينة، فقالت: يشهد لي علي بن
أبي طالب وأم أيمن، فقال: هاتي، فشهد أمير المؤمنين وأم أيمن، فكتب
لها صحيفة وختمها فأخذتها فاطمة عليها السلام فاستقبلها عمر فقال:
يا ابنة محمد هلمي الصحيفة ونظر فيها وتفل فيها ومزقها، وهو في
الأساس برواية صاحب المحيط رحمه الله تعالى بإسناده إلى عبد الله
بن الحسن عليهما السلام بهذا اللفظ إلا أنه قال: وخرقها وزاد في
روايته واستقبلها علي عليه السلام يا ابنة محمد مالك غضبانة، فذكرت
له ما صنع عمر، فقال: ما ركبوا من أبيك ومني أكبر من هذا، قال
فمرضت فجاءا يعودانها فلم تأذن لهما، فجاء أمير المؤمنين من الغد
وبلغهما أن أمير المؤمنين عليه السلام عندها فتشفعا به عندها،
فأذنت لهما فدخلا فسلما فردت عليهما سلاماً ضعيفاً فقالت: سألتكما
بالله الذي لا إله إلا هو هل سمعتما رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم يقول: " من آذى فاطمة فقد آذانِ " فقالا: نعم، قالت: فأشهد
أنكما قد آذيتماني، وقد روى حديث طلب أبي بكر وعمر عيادة فاطمة
عليها السلام وتشفعهما بعلي عليه السلام ابن قتيبة في تاريخه بأبسط
من هذا.
(1/915)
وفي شرح الأساس أيضاً
عن صاحب المحيط بإسناده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد الباقر
عليهما السلام مثل الحديث الأول المذكور عن عبد الله بن الحسن
عليهما السلام وزاد: فسألته فدك، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم قال: " إنا معاشر الأنبياء لا نورث " فقالت: قد قال
تعالى: ?وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ?، فلما خصمته أمر من يكتب
لها إلى آخره سواء.
وفي شرح الأساس أيضاً: عن ابن بهران رحمه الله تعالى في تخريجه عن
أبي الطفيل قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر تطلب ميراثها من أبيها،
فقال لها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إن الله
إذا أطعم نبيه طعمة فهو للذي يقوم من بعده".
خلاصة حكم فدك والعوالي
(1/916)
قلت وبالله التوفيق:
فهذه الأخبار كما تراها أيها الطالب الرشاد من رواية الموالف
والمخالف، وقد اضطربت أجوبة أبي بكر واحتجاجاته على فاطمة عليها
السلام اضطراباً شديداً، وتخالفت وتناقضت تخالفاً وتناقضاً ما ترى
بعده مزيداً، فتارة يعتذر بحديث:" نحن معاشر الأنبياء لا نورث"
فيقرر ملك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتارة يقول:" إن ذلك
طعمة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم" يعني - ليس بملك له - فإذا
مات فهو بين المسلمين، وتارة يقول: "كانت للذي يقوم بعده"، وتارة
يقول: إن هذا المال ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما
كان مالاً من أموال المسلمين، وآوِنة يطلب في شهادة علي عليه
السلام وأم أيمن رجل مع الرجل أو امرأة مع الامرأة، وأخرى في شهادة
علي والحسنين عليهم السلام يقول: لا أقبل شهادتهم لأنهم يجرون
المال إليهم، ورواية: أنه قبل شهادتهم وشهادة أم أيمن وكتب لهم
كتاباً ففعل به عمر ما فعل، وأخرى: أنه لما حاججته فاطمة عليها
السلام: أيرثك بناتك ولا يرث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
فقال: هو ذاك، والاضطراب عند أهل الحديث من أكبر عيوب الحديث التي
توجب ضعفه واطراحه، والتناقض والاختلاف في كلام المرء من أكبر
الأدلة على بطلان ذلك الكلام.
وحينئذ فقد ظهر لك أيها الطالب الرشاد بطلان فعل أبي بكر وعمر في
أخذهما واستمرارهما على قبض فدك بأقوالهما وأفعالهما. لكنا نزيد
الكلام إيضاحاً على سبيل التفضل وإزاحة شبهة من يحسن الظن بأبي بكر
وعمر فنقول:
لا يقال: قد تعارضت هذه الأخبار والروايات المعارضة لحديث: "نحن
معاشر الأنبياء" تفرد بها من ذكرتموها عنه، وحديث: نحن معاشر
الأنبياء، فيرجع عليها بكثرة رواته.
(1/917)
لأنا نقول: رواية
جميع المحدثين وغيرهم من الأئمة عليهم السلام وشيعتهم ومخالفيهم
كلها قد انتهت في الروايات المذكورة سابقاً في حديث: "نحن معاشر
الأنبياء" قد انتهت إسناداتهم إلى عروة بن الزبير عن عائشة ولم تقل
عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: نحن معاشر
الأنبياء الخ، وإنما حكت ذلك عما أجاب به أبو بكر، فحصل التفرد في
هذا الحديث في ثلاثة من رواته أبو بكر وهو مع ذلك خصم منازع وجار
إلى نفسه حق القبض والاقباض والعزل والتولية وسائر التصرفات،
وعائشة هي أعظم مناصر له في هذه الدعوى، وعروة وهو بعد خالته عائشة
في مناصرة أبي بكر مع أنه مجروح عند أئمتنا عليهم السلام وغيرهم
بأنه كان من أعوان الظلمة، ولا كذلك سائر الأحاديث المعارضة لحديث:
"نحن معاشر الأنبياء" فإنها رواية ثبت غير متهم عن مثله إلى جماعة
وأعداد من الصحابة والتابعين، فبعضها إلى أم هاني بنت أبي طالب رضي
الله عنها وهي أجل من أن تتهم أو تحتاج إلى تعديل، وبعضها إلى أبي
الطفيل رضي الله عنه وهو كذلك، وبعضها إلى أبي سلمة زوج أم سلمة
رضي الله عنها قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعضها إلى
هشام بن محمد الكلبي عن أبيه، وبعضها عن الهادي إلى الحق، وبعضها
عن عبد الله بن الحسن الكامل، وبعضها عن أبي جعفر الباقر، وهؤلاء
الأئمة عليهم السلام لا يروون إلا عن آبائهم الكرام حتى تنتهي
سنداتهم إلى علي وفاطمة عليهما السلام وهما المعصومان عن الكذب
والدعاوي الباطلة وشهادة الزور والتجرم والتظلم ممن هو محق في فعله
ما صنع بهم.
فتدبر إن كنت ممن يتدبر وإلا فأعد جواباً للسؤال في يوم المحشر،
فصار كل واحد من هذه الأحاديث أقوى وأولى بالترجيح على حديث: "نحن
معاشر الأنبياء" فكيف باجتماعها جميعاً واتفاق معناها معاً على
إبطال معنى ذلك الحديث المنكر الذي لم يرو عن غير أبي بكر ولم
يُؤثر ؟
(1/918)
فإن قيل: رواه أبو
بكر بمحضر جماعة من الصحابة وهم عمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن
أبي وقاص فصدقوه ولم ينكر أحد منهم على ما ادعاه قاضي القضاة فيما
نقله عنه ابن أبي الحديد.
قلنا: لم يقل أحد منهم وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم إن سلمنا صحة ذلك عنهم، وإنما صدقوه تحسيناً منهم للظن بأبي
بكر.
وبعد فعمر وعثمان ممن هو خصم في هذه المسألة وطلحة والزبير وسعد لا
مناكرة في خروج الأولين على علي عليه السلام وخذلان سعد له، فإن
استند القاضي أو غيره من المنتصرين لأبي بكر إلى رواية هؤلاء أنهم
حضروا وصدقوا لم يقبل ذلك لاجترائهم الجميع على أمير المؤمنين وأهل
بيته بما هو أعظم من تصديق خصمهم، وإن استند إلى رواية غيرهم من
سائر الصحابة أنه حضر وسمع تصديقهم لأبي بكر، فالواجب تعيين ذلك
الغير وتسميته ليعلم صحة روايته من بطلانه، ثم التهمة باقية بعينها
حيث لم يكن لذلك الغير سماع للحديث من رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم وإنما سمع تصديق أولئك لأبي بكر.
وبعد فهم عدد يسير لا يستحيل على مثلهم التواطؤ على ذلك التصديق من
دون علم لهم أو سماع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد
فلو قال كل واحد منهم وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم لم يقبل منهم مع كون حال كل واحد منهم كما ذكر بلا خلاف.
وبعد فلا يمتنع أن كل واحد منهم خاف على نفسه المعاتبة والمؤاخذة
على انفراده إن لم يصدق أبا بكر بعد أن طلبه التصديق وقد صار أبو
بكر ذو شوكة يقتدر معها على مؤاخذة كل واحد على انفراده بل قد صار
أبو بكر في تلك الحال متمكناً من البطش بأولئك النفر جميعاً لكثرة
من قد بايعه وتابعه من سائر الناس.
(1/919)
ثم نقول على سبيل
التنزل والفرض: سلمنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "نحن
معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"، ويعمل الحديث إنصافاً
للخصم على حسب القواعد الأصولية والأدلة الشرعية والقضايا العقلية
واللوازم الضرورية.
فنقول: هذه المسألة والمعاملة في فدك وخُمُس خيبر وسهم ذوي القربى
لا يخلو أن يكون مما أمره إلى الأئمة، ففعل أبي بكر وإعماله الحديث
فيها واجتهاده في كل ما يتعلق بهذه الثلاثة المذكورة مبنية على صحة
إمامته ودون تصحيحها خَرْط القَتَاد لما مر من الأدلة القاطعة على
إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وبطلان إمامة من تقدمه أو مما
أمره إلى آحاد الناس كإرشاد الضال والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر وكغسل الميت وحفر القبر ودفنه فلا قائل به من الأمة، فلزم
من هذا أنه لا صحة لما فعله ولا ما أعمله أبو بكر من ذلك الحديث
وعمل به واجتهد لو فرضنا أنه وفر الاجتهاد حقه واستوفى النظر فيما
يتعلق بتلك المخاصمة والمحاكمة في الثلاثة الأشياء المذكورة، فكيف
ومعاملته كلها في ذلك مبنية على الحيف والميل والتلوُّن والتلجلج
في الحجة والاختلاف والاضطراب في الأجوبة حسبما مر من روايات ذلك
كله، ولزم أن لا عمل في ذلك كله إلا بما رآه أمير المؤمنين
واستنبطه واجتهد فيه دون سائر الناس فلا عمل على اجتهاداتهم في هذه
المسألة، ألا ترى أن المسألة المتعلقة بفعل الخصومات لا عمل على
اجتهاد أحد فيها سوى الحاكم المولى عليها من طرف الإمام أو حاكم
الصلاحية أو التراضي عند فقده، وكذلك لا عمل على اجتهاد غير ولي
المرأة وولي مال اليتيم فيما يتعلق بهما مما أمره إلى الولي ونحو
ذلك من الأمثلة، ثم إن سلمنا على سبيل التنزل صحة إمامة أبي بكر
فحكمه باطل من وجوه:
أحدها: أن الحديث يحتمل معنيين:
الأول: أن يكون معناه ما تركناه حال كونه صدقة قد قبضناها من
أربابها ومِتنَا عنها قبل تفريقها في مصارفها فلا تورث عنا.
(1/920)
والثاني: أن يكون
معناه ما تركناه من أملاكنا فلا يورث عنا بل يصير صدقة، وليس في
الحديث قرينة لفظية تعين أحد المعنيين إلا ما يزعمه الخصم أن
الحديث ورد برفع صدقة، وأنه لا يستقيم المعنى الأول إلا لو ورد
منصوباً، ولا عمل على هذا ولا يكفي التعويل عليه والاعتماد على
مجرده في تعيين المراد لاحتمال أن الحديث منصوب فرواه أبو بكر أو
من تلقفه عنه مرفوعاً ملاحظة للمراد، وإن سلم أنه مرفوع فهو يحتمل
أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة حالية والتقدير: ما تركناه وهو صدقة.
وحينئذ فلا بد من طلب مُرَجِّح من المرجحات الخارجة عن اللفظ
الراجعة إلى المناسبة وموافقة الكتاب والسنة وتعديل راوي ما عارض
الحديث المذكور من السنة ونحو ذلك من المرجحات المذكورة في علم
الأصول، فيرجح المعنى الأول على الثاني بمرجحات:
أحدها: أنه لا يعارض آيات القرآن الحكيم بخلاف المعنى.
الثاني: فهو معارض لقوله تعالى: ?وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ?،
وقوله تعالى: ?فهب لي من لدنك ولياً يرثني ?.
لا يقال: المراد وراثة العلم والنبوة والحكمة.
(1/921)
لأنا نقول: أصل
الميراث مع الإطلاق لا يستعمل حقيقة إلا في انتقال المال عن ملك
الميت إلى الوارث لأنه لا يفهم من اللفظ عند قولهم لا وارث لفلان
إلا فلان غير ذلك، فإن استعمل في غيره فمجاز لا يصح إلا مع القرينة
نحو قوله تعالى: ?ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ
اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا?{فاطر:32}، ونحو: "العلماء ورثة
الأنبياء"، وأيضاً فإن النبوة والعلم والحكمة لا ينتقل شيء منها
عما هي فيه بالميراث، وإلاَّ لزم تقسيط ذلك على الفرائض للزوجة
الثمن والجدة السدس ونحو ذلك، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
النبوة بالوحي، والعلم والحكمة بالتعلم وتكرر النظر وتنوير
البصيرة، وأيضاً فقد كان سليمان عليه السلام نبياً وعالماً زمن
داود عليهما السلام كما قال تعالى: ?وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ
يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ? الآية{الأنبياء:78}.
ثانيها: أنه الأنسب بمقام التشريع ليقتدي بهديه صلى الله عليه وآله
وسلم ولاة الأمر بعده من الأئمة الهادين والعمال والمحتسبين
والمقتصدين، فلا يورث عنهم ما جمعوه من الصدقات وسائر بيوت الأموال
كما هي عادة بعض سلاطين الجور، فيكون حمل الحديث على هذا المعنى هو
المناسب للتشريع وتكون ثمرة العمل به مستمرة إلى منقطع التكليف،
بخلاف حمله على المعنى الثاني فلا مناسبة فيه لمقام التشريع ولا
ثمرة له يستمر العمل بها سوى مصير أملاك الأنبياء عليهم السلام إلى
أيدي الظلمة يتداولونه ويتوطون به إلى تناول الشهوات والبغي على
أئمة الحق بإنفاقه في قتالهم وإقطاعه من أعانهم على ذلك، كما قد
فعل به جبابرة بني أمية وبني العباس، كما ذلك مذكور في التواريخ
وبسائط هذا الفن.
ثالثها: أنه لم يُسمع ولم يُنقل عن أحد من الأنبياء عليهم السلام
أن ورثته أُحرموا ميراثه وأنه أخذه عليهم من هو محق بعد مورثهم من
نبي أو وصي ولله القائل:
عن مآرِيثِهَا أبوها زَوَاها
أيها الناس أي بنتِ نبيٍ
(1/922)
رابعها: أن رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم أول من خطب بقوله تعالى: ?يُوصِيكُمْ
اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ? إلى آخر آيات المواريث{النساء:11}،
وابنته صلوات الله عليها من أول من يدخل في قوله تعالى: ?وَإِنْ
كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ?، فلا يصح إخراجها عمن
تناولته هذه الآيات إلا بناسخ قطعي ومخصص شرعي غير ما ذكره الخصم،
لأنه محل النزاع، وقد قَفَّا سبحانه وتعالى هذه الآيات بالوعد لمن
أعملها والوعيد لمن تعداها وأهملها فقال تعالى: ?تلْكَ حُدُودُ
اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ
الْفَوْزُ الْعَظِيمُoوَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ
عَذَابٌ مُهِينٌ ? {النساء:13،14}.
خامسها: أن حملها على المعنى الثاني الذي حمله عليه أبو بكر بلا
دلالة معينة له يستلزم إغضاب البتول عليها السلام، وإغضابها مستلزم
إغضاب الله تعالى ورسوله كما قد ثبت بالأحاديث المتواترة والروايات
المتظاهرة، فلو سلم أن المراد من الحديث ما ذكره الخصم، فلا يدخل
فيه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وابنته عليها السلام إلا على
سبيل دلالة العموم فيصح تخصيص العموم بإخراج نبينا صلى الله عليه
وآله وسلم وابنته بهذا المخصص بالتخصيصات المنفصلة وهذا واضح لا
إشكال فيه، أفما كان ينبغي لأبي بكر ومن حذا حذوه إعمال المسألة
على هذه القاعدة ويتقي بذلك ويدفع عن نفسه غضب الله ورسوله لو كان
في الأئمة الهادين والخلفاء الراشدين.
الوجه الثاني:
(1/923)
مما يدل على بطلان
حكم أبي بكر من ذلك: أنه يلزم من صحة حكمه لو فرضت رد الأخبار
الواردة بأنه صلى الله عليه وآله وسلم أنحل فاطمة عليها السلام
فدكاً، وهي روايات متظاهرة متظافرة يرويها الموالف والمخالف، وقد
نقل بعضها عن السيوطي في الدر المنثور وبعضها عمن ذكرنا من أهل
البيت عليهم السلام.
ويؤيدها ما رواه في الاعتصام عن الإمام المحدث أبو القاسم عبيد
الله بن عبد الله النيسابوري المعروف بالحاكم الحسكاني رحمه الله
تعالى في شواهد التنزيل من ست طرق كلها تنتهي إلى أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل عليه
قوله تعالى: ?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ?{الإسراء:26}، دعا
فاطمة عليها السلام وأعطاها فدكاً منها طريق وهي آخرها لما نزل على
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى
حَقَّهُ?، دعا فاطمة عليها السلام فأعطاها فدكاً والعوالي وقال:
"وهذا لي قسم قسمه الله لك ولعقبك".
وما رواه بإسناده في هذه الآية إلى علي عليه السلام لما نزلت
?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ?، دعا فاطمة عليها السلام فأعطاها
فدكاً.
وما رواه أيضاً في قوله تعالى: ?فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ? في
سورة الروم{38}، بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما
أنزل الله ?فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ? دعا رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم فاطمة فأعطاها فدكاً وذلك بصلة القرابة الخ ما ذكره
في تفسير الآية.
وفي مجمع الزوائد عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت: ?وآت ذا
القربى حقه والمسكين وابن السبيل?، دعا رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم فاطمة عليها السلام وأعطاها فدكاً، قال: رواه الطبراني.
فهذه الأخبار على كثرتها وتظاهرها لا ينبغي لعالم ردها ولا يمكن
تأويلها لأنها نص صريح في المراد لا يحتمل التأويل فأهون من ردها
وتكذيب رواتها تخطئة أبي بكر فيما فعل.
الوجه الثالث:
(1/924)
أن فعل أبي بكر هذا
مخالف لما يقوله الوصي والزهراء وسائر أهل البيت عليهم السلام وهم
معصومون عن الزلل في القول والعمل سيما المسائل التي تتعلق بها
العقائد، ونسبة المخالف فيها من الأموال والولايات، ولا يتأتى فيها
تصويب الخصمين على القول بتصويب كل مجتهد، أما الزهراء عليها
السلام فذلك ظاهر، وأما الوصي عليه السلام فمعلوم أنه لا يمكن أن
يشهد لفاطمة عليها السلام بالنحلة ويصوب أبا بكر في انتزاعها من
يدها، ويدل عليه قوله عليه السلام كتبه إلى عامله بالبصرة عثمان بن
حنيف الأنصاري رضي الله عنه: بل قد كانت في أيدينا فدك من كل ما
أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وشحت عنها نفوس آخرين الخ كلامه
عليه السلام في شأن المتقدمين عليه إلى أن قال: فنقضوا عهد رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخالفوا إلى غير فعله في أخذهم
فدكاً من يد ابنته، وتأولوا ما لم يدركوا معرفة حكمه، ذكره في
أنوار اليقين، وأما سائر أهل البيت عليهم السلام فقد مر نقل
إجماعهم عن الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الإعتصام وعن
القاضي عبد الله رحمه الله تعالى في المحجة البيضاء وحمل ذلك على
ما قبل زمن الإمام يحيى بن حمزة والمهدي عليهما السلام فلا نعلم
قبلهما من يصحح حكم أبي بكر من آل محمد عليهم السلام.
طلب زوجات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ميراثهن أبي بكر
الوجه الرابع:
(1/925)
ما رواه ابن أبي
الحديد وذكره الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الاعتصام: أن
أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسلن عثمان بن عفان إلى أبي
بكر يطلبه ميراثهن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا يدل
على أنه صلى الله عليه وآله وسلم موروث، وإن كان في الرواية أن
عائشة ردت عليهن بقولها أوليس قد قال النبي صلى الله عليه وآله
وسلم: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث "، وفيه ما يدل على عدم صحة ما
ذكره قاضي القضاة أن عثمان صدق أبا بكر على صحة الخبر عن رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم، إذ لا يستقيم تحمل عثمان الطلب لنساء
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالميراث وهو يعلم الخبر، ومما
يدل على كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم موروثاً ما أخرجه
البخاري عن عبد الله بن عمر قال: لقد ظهرت ذات يوم على ظهر بيت
حفصة، وفي رواية: على ظهر بيت لنا باعتبار أنه وارثه من أخته حفصة،
ومن المعلوم أنه لا يصير إليها ملكاً يورث عنها إلا إذا ورثته من
النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلا فهو على قول أبي بكر صدقة على
سائر المسلمين، فدل على أن نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
ورثن منه صلى الله عليه وآله وسلم ما ورثن، وإنما خص بتلك المعاملة
ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإلى الله المشتكى وإليه
المصير، هذا وقد روى ابن أبي الحديد عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري
خطبة الزهراء عليها السلام المشهورة من طرق:
أحدها: بالإسناد إلى زينب بنت علي بن أبي طالب عليهما السلام.
والثانية: بالإسناد إلى محمد بن علي الباقر عليهما السلام.
والثالثة: بالإسناد إلى عبد الله بن الحسن الكامل عليهما السلام.
وواحدة: مرسلة عن جعفر الصادق عن أبيه عليهما السلام.
(1/926)
قالوا جميعاً لما بلغ
فاطمة عليها السلام إجماع أبي بكر على منعها فدكاً: لاثت خمارها
وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطافي ذيولها ما تخرم مشيتها
مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخلت على أبي بكر وقد
حشد الناس من المهاجرين والأنصار فضرب بينها وبينهم ريطة بيضاء،
وقال بعضهم قُبيطة وقالوا قَبيطة بالضم والكسر،ثم أَنَّتْ أَنَّةً
أجهش لها القوم بالبكاء ثم أمهلت طويلاً حتى سكتوا من فورتهم، ثم
قالت عليها السلام: ابتدأ بحمد من هو أولى بالحمد والطول والمجد،
الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم إلى آخرها، وذكرها صاحب
المنشورات عن القاسم بن إبراهيم بإسناده إلى زيد بن علي عليهما
السلام عن زينب بنت علي بن أبي طالب عليهم السلام، ورواها الإمام
المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام في الشافي، كما نقل
شطر منها عنه صاحب العسجد المذاب في اعتقاد الآل في الأصحاب،
ورواها أيضاً الإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين في أنوار
اليقين عليهما السلام بالسند المذكور عن القاسم بن إبراهيم عليهما
السلام عند شرح قوله في أرجوزة أنوار اليقين:
حيث أتت إلى عتيقٍ خَاصمَه
خاطبة للقوم وهي كاظِمَه
وغضب السبطين والحليلِ
وغضب المهيمن الجليلِ
واسمع إلى قول البتول فاطمهْ
زاريةٌ في فدكٍ محاكمهْ
فما ترى في غضبِ البتولِ
أليس منه غضب الرسولِ
(1/927)
وذكر ابن أبي الحديد
عن المرتضى بإسناده إلى أحمد بن أبي طاهر قال: قلت لأبي الحسين زيد
بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام: كلام فاطمة
عليها السلام عند منع أبي بكر إياها فدكاً، وقلت له: إن هؤلاء
يزعمون أنه مصنوع وأنه من كلام أبي العيناء لأن الكلام منسوق
البلاغة فقال لي: رأيت مشائخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم
ويعلمونه أبناءهم قبل أن يوجد جد أبي العيناء، وقد حدث الحسين بن
علوان عن عطية العوفي أنه سمع عبد الله بن الحسن بن الحسن يذكر عن
أبيه هذا الكلام، ثم قال أبو الحسين عليه السلام : وكيف ينكرون هذا
من كلام فاطمة عليها السلام وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها
ما هو أعجب من كلام فاطمة عليها السلام ويحققونه لولا عداوتهم لنا
أهل البيت إلى آخر ما ذكره في شرح النهج، وهذه الخطبة طويلة شهيرة
ولذكرها في الكتب المذكورة استغنينا عن ذكرها ههنا خشية التطويل،
فمن أراد الاطلاع عليها فعليه بتلك الكتب، لكن ينبغي ههنا أن نذكر
كلام الزهراء عليها السلام الذي قالته في مرضها عند أن أتى إليها
من نساء المهاجرين والأنصار يَعُدْنَها - وقد ذكره ابن أبي الحديد
في شرح النهج من رواية أحمد بن عبد العزيز الجوهري بإسناده إلى
فاطمة بنت الحسين السبط عليهما السلام، وذكره أبو العباس الحسين
والمنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهم السلام - فقلن لها: كيف
أصبحت يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقالت: أصبحت
والله عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم، لفظتهم بعد أن أعجمتهم،
وشنأتهم بعد أن سبرتهم، فقبحاً لفلول الحد وخور القنا وخطل الرأي،:
?لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ?{المائدة:80}، لا جرم
قد قلدتهم ربقتها وشنت عليهم غارتها فَجَدْعاً وعَقْراً وسُحْقاً
للقوم الظالمين، ويحهم أين زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة
ومهبط الروح
(1/928)
الأمين والطِّبّين
بأمر الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نقموا من
أبي حسن نقموا والله نكير سيفه وشدة وطأته ونكال وقعته وتنمره في
ذات الله، وتالله لو تكافؤوا عن زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم لاعتقله وسار بهم سيراً سجحاً لا يتكلم خشاشة ولا
يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلا ً غير فضفاض تطفح فضفاضه، ولأصدرهم
بطاناً قد تحير بهم الرأي غير متحل بطائل إلا بغمرة الناهل وردعة
سَوْرَة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض، وسيأخذهم
الله بما كانوا يكسبون، ألا هلممن فاستمعن وما عشتن أراكن الدهر
عجباً، وإن تعجب فقد أعجبك الحادث، إلى أي ملجأً استندوا وبأي عروة
تمسكوا، لبئس المولى ولبئس العشير ولبئس للظالمين بدلاً، استبدلوا
والله الذنابا بالقوادم والعجز بالكاهل، فرغماً لمعاطس قوم يحسبون
أنهم يحسنون صنعاً ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، ويحهم
?أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ
لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ
تَحْكُمُونَ?{يونس:35}، أما لعمر الله لقد لفحت قنطرة ريثما تحلب
ثم احتلبوها طلاع القعب دماً عبيطاً وذعاقاً ممقراً هنالك يخسر
المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون، ثم طيبوا عن أنفسهم
نفساً واطمأنوا للفتنة جأشاً وابشروا بسيف صارم وهوج شامل واستبداد
من الظالمين يدع فيئكم زهيداً وجمعكم حصيداً، فيا حسرةً عليكم وأنى
لكم وقد عميت عليكم ?أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا
كَارِهُونَ?{هود:28} والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد خاتم
النبيين وسيد المرسلين، انتهى من شرح النهج.
قال ابن أبي الحديد: هذا الكلام وإن لم يكن فيه ذكر فدك والميراث
إلا أنه من تتمة ذلك، وفيه إيضاح لما كان عندها عليها السلام وبيان
لشدة غيظها وغضبها.
(1/929)
وقال المنصور بالله
عبد الله بن حمزة عليهما السلام: فهذا كلام فاطمة الذي لقيت الله
تعالى عليه ولا نتعدى طريقة من يحب الاقتداء به من الآباء والأمهات
عليهم السلام.
ولنختم هذا الكلام بما ذكره صاحب المنشورات الجليلة، فيما انطوت
عليه الوصية المتوكلية وصية الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن
القاسم عليهما السلام وهو السيد العلامة جمال الإسلام علي بن عبد
الله بن أمير المؤمنين القاسم بن محمد عليهم السلام جميعاً عن
القاضي العلامة جمال الملة وحافظها أحمد بن سعد الدين المسوري رحمه
الله تعالى عن القاضي العلامة فخر الدين عبد الله بن سعد الدين
المسوري رحمه الله وأعاد من بركاته وجزاه خيراً في المحجة البيضاء
بعد كلام له طويل في شأن فدك، ومنع المطهرة البتول حقها ما لفظه:
(1/930)
واعلم أن الله تعالى
عهد إلينا أن نحكم بالحق وبما أنزل الله وقال: ?وَمَنْ لَمْ
يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ?
{المائدة:44}، وفي آية أخرى: ?فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ?،
ونهى أن يحتج للباطل وأهله، فقال: ?وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ
خَصِيمًا?{النساء:105}، ونحن نستحي من الله تعالى ومن رسوله صلى
الله عليه وآله وسلم أن نتولى أبا بكر وعمر بعد أن أخذا مال فاطمة
بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونعضدهم عليها ونجادل عنهم
ونحسن الظن فيهم مع عصمتها وقد علمنا عصمتها ومعصية من أغضبها،
وتحققنا هلاك من يغمها ويضيق عليها وهي بضعة من رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم ونعلم أن الحق معها والباطل مع خصمها، وأن خصمها هو
خصم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد آذوها، والله تعالى يقول:
?إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ
اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا
مُهِينًا? {الأحزاب:57}. وقد تحققنا أمر فدك وقصتها، وقد أجمع أهل
البيت عليهم السلام على ما رويناه أولاً فيها وإجماعهم عليهم
السلام عندنا حجة، فالذي نقول به وندين به أن الحق كان في فدك
وخيبر لها، ومعلوم أنها طالبت أبا بكر ونازعته في هذه المظلمة،
وأجمع أهل البيت عليهم السلام أنه ظلمها ذلك ونقله منها وجعله
صدقة، وكذلك أصحاب التواريخ ومن حكى قصة أبي بكر وقصة فاطمة عليها
السلام ذكر ذلك وذكر مناظرتها، والمنكر لذلك منكر لبيعة أبي بكر
وإمامته التي اختارها لنفسه، فإن العلم بأحدهما كالعلم بالآخر ولا
يدفع ذلك أحد إلا من لا معرفة له بأخبار السير والآثار انتهى كلامه
والمسك ختامه.
(1/931)
الفرع الثالث: في حكم
من خالف أمير المؤمنين عليه السلام
واعلم أن المخالفين له ثلاثة أصناف:
صنف حاربوه وقاتلوه، وهذا الصنف لا شك ولا ريب ولا خلاف في فسقهم
بين أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم وهم جميع الزيدية والإمامية
والمعتزلة وغيرهم، وهؤلاء ثلاث فرق كما أفاده الحديث النبوي:
الناكثون: وهم أصحاب الجمل طلحة والزبير ومن معهما وجميع من في
معسكرهما، وقد رويت توبة عائشة وطلحة والزبير والله أعلم بصحة ذلك،
قال زيد بن علي عليهما السلام: قد ثبت ما أجرموا وإلى الله المصير.
والمارقون: وهم الخوارج الذين أصروا على حرب أمير المؤمنين عليه
السلام حتى أهلكهم الله تعالى على يده صلوات الله عليه، وأبادهم
حتى لم يبق منهم دون عشرة.
والقاسطون: وهم معاوية اللعين ومن معه من الأمراء والأجناد
والمعادين لأمير المؤمنين عليه السلام من تبعته وسائر رعيته، وقد
ذهب بعض العلماء إلى كفره وكفى بجهنم سعيراً سواء قيل بكفره أو
فسقه.
الصنف الثاني: الذين توقفوا عن إمامته عليه السلام ونصرته والجهاد
معه وهم: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن
سلمة الأنصاري، وزيد بن ثابت أخو حسان بن ثابت، وأسامة بن زيد،
وسعيد بن زيد بن عمر بن نفيل، واختلفت الروايات عن هؤلاء هل توقفوا
عن بيعته والدخول تحت إمامته أم عن النصرة والقتال فقط، وعلى كل
حال فاختلف أئمتنا عليهم السلام في حكمهم فمنهم من فسقهم، ومنهم من
تولاهم، ومنهم من توقف في حكمهم، وهو الأولى لعدم الدلالة القاطعة
على صحة أي الأمرين المذكورين، ولكن الإجماع منعقد على خطئهم
وإثمهم ومعصيتهم على الجملة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: "
واخذل من خذله ".
(1/932)
الصنف الثالث: الذين
تقدموا عليه في الإمامة وتواثبوا عليها وهو مشتغل بتجهيز رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم وهم الثلاثة ومن أعانهم على ذلك، وهؤلاء
لا خلاف أيضاً بين أئمتنا عليهم السلام في معصيتهم وظلمهم لأمير
المؤمنين عليه السلام وتعديهم لما ليس لهم من التقدم على أمير
المؤمنين عليه السلام بلا مخالف من أهل البيت عليهم السلام في ذلك
إلا ما مر من الحكاية عن عبد الله بن الإمام شرف الدين عليهما
السلام، وكذلك لا خلاف أيضاً بينهم في معصيتهم وظلمهم بما فعلوه
بالزهراء صلوات الله عليها من الأذية والإغضاب وأخذ فدك إلى زمن
الإمام يحيى بن حمزة عليهما السلام، فنشأ القول منه بتصويب أبي بكر
على رواية الأساس ومن بعض الزيدية كالقرشي صاحب المنهاج، ثم تبعهم
على ذلك المهدي عليه السلام في القلائد وشارحها النجري، وذلك لما
اعتمدوا عليه من استنشاق ريح الاعتزال وعدم الاشتياق إلى مطالعة
كتب الآل حتى يظهر لهم إجماع العترة عليهم السلام قبلهم واتفاق من
سلف من الزيدية على ظلم بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لو لم
يكن إلا اتفاق أمير المؤمنين عليه السلام والزهراء عليها السلام في
عصرها لكفى في انعقاد إجماع العترة عليهم السلام لأنه ليس غيرهما
من يعتد به في إجماع أهل البيت عند تلك الحادثة إلا الحسنين عليهما
السلام وهما صبيان حينئذٍ فمنذ بلغا صارا على منهاج أبويهما
المعصومين، ولم يخالف أحد منهما أن أبويهما كانا مظلومين.
حكم من تقدم الوصي عليه السلام وأخذ فدكاً
وحينئذٍ فقد وقع الاختلاف بين متأخري الزيدية في حكم من تقدم الوصي
عليه السلام وأخذ فدكاً ونحوها من يد فاطمة عليها السلام ومنعها
إرثها من أبيها صلى الله عليه وآله وسلم على ثلاثة أقوال:
(1/933)
الجمهور: على التوقف
في حكم هاتين المعصيتين هل كبيرة فتجب المعاداة والبراءة منهم، أم
صغيرة فتجب الموالاة والترضي عليهم ؟ وذهب بعضهم إلى أنها ملتبسة
فتجب الموالاة استصحاباً بالأصل، قالوا: لأنا من إيمانهم على يقين
فلا ننتقل عنه إلا بيقين، وفي الحقيقة إنما الحكم في حكم هذه
المعصية وماذا تبلغ بصاحبها إلى الله تعالى الذي هو أعلم بكيفية
وقوعها من أولئك الأصحاب وهو العليم بمقادير أجزاء الثواب والعقاب،
لأنا وإن قطعنا أن ذلك معصية على الجملة فالعلم بكبر المعصية أو
صغرها مفتقر إلى دليل آخر قطعي غير الدليل الدال على المعصية
إجمالاً كما هو حكم هذه المسألة في جميع ما وقع من المعاصي التي لم
تعلم من الدين ضرورة كبرها كالشرك بالله تعالى والسرق والزنا وشرب
الخمر وقتل النفس المحرمة والخروج على الإمام أو صغرها كالخطأ
والنسيان وما يصدر من المعصوم وما وقع لشبهة محتمله أو تأويل
محتملة، وحينئذ فقول الجمهور هو الجاري على الأصول والقواعد
المقررة عند علماء الكلام وهو الأحوط والأسلم عند السؤال يوم تزل
الأقدام، فيكون التوقف عن الموالاة وما يدل عليها من ترضية وترحم
ومحبة بالقلب، وعن المعاداة وما يدل عليها من لعن أو شتم هو الواجب
مع التجرم والتظلم والتشكي بهم إلى الله تعالى والبغاضة وعدم
المحبة لهم في القلب لأن ذلك هو لازم المعصية الملتبسة، وموافق لما
ورد من الأحاديث أن من أغضب الزهراء صلوات الله عليها فقد أغضب
الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
لا يقال: إن غضب الله تعالى وغضب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم
يدل على كبر المعصية.
(1/934)
لأنا نقول: إن الله
تعالى يغضب لكل معصية صغيرة أو كبيرة بمعنى يكره وقوعها من فاعلها
باجتنابه الكبائر أو بوقوعها منه على جهة الخطأ والنسيان أو
التأويل وعروض الشبهة عند النظر في تحريمها أمر وراء ذلك، فقد
يتعلق الغضب بما هو صغيرة، وقد يتعلق بما هو كبيرة كالغضب على
الشرك والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك، وقد يتعلق بما هو ملتبس الحال
كسائر المعاصي الملتبس حالها بالنسبة إلينا، فأما الباري عز وجل
فلا ملتبس في حقه لأنه بكل شيء عليم وهو العدل الحكيم، والحاصل أن
وصف المعصية بالكبر أو الصغر أمر نسبي يختلف باختلاف أحوال فاعلها
من العلم بالتحريم أو عدمه والإقدام جُرأة أو بتأويل أو أن الدلالة
عنده قطعية أو ظنية أو أن له من الثواب ما يكفرها أو لا أو أنه
ملجأ إلى الفعل أو مكره عليه أو لا أو نحو ذلك من الأحوال العارضة
للفاعل فيما لم يعلم من الدين ضرورة كبره أو صغره كم مُثِّل، وهذه
الأحوال قد يتعذر أو يتعسر على الغير العلم بها فيمن فعل المعصية
سيما من كان غير معاصر لذلك الفاعل أو غائباً عنه، بل المعلوم في
كثير من الأشخاص الفاعلين لما هذا حاله من المعاصي أن لا يعلم
بحقيقة أمره إلا الله تعالى.
وحينئذ يعلم من هذا أن من أراد السلامة والأحوط له في دينه وأن لا
يكون بينه وبين أحد مخاصمة بين يدي الله عز وجل هو كف اللسان عن
السب واللعن وعن الترضية والترحم مع الغضب والتجرم والتشكي والتوجع
بالقلب، لأن ذلك واجب تأسياً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
واقتداء بأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين والزهراء
والحسنين لما قد علم لنا ذلك منهم بالتواتر، ولا حاجة إلى التكثر
بقول فلان ولا قول فلان بعد أولئك الذين أذهب الله عنهم الرجس
وطهرهم تطهيراً.
النعم التي اختص الله بها الصحابة بوجود الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم
(1/935)
غير أنا نذكر هاهنا
نبذة من الكلام يعرف بها حق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وعظم النعمة على الصحابة التي اختصهم الله تعالى بها، وثبتت المنة
عليهم بها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون سائر الأمة من
المسلمين الذين لم يكونوا عنده صلى الله عليه وآله وسلم في حياته
ممن هو ناءٍ عنه في عصره أو نشأ بعد مماته من التابعين فمن بعدهم
إلى يوم الدين، فما رعى الصحابة تلك النعمة الخاصة بهم حق رعايتها،
ولا أعطوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجره في مقابلتها إلا
الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم، فلينظر الناظر وليعتبر
المعتبر وليتفكر المتفكر وإن ربك هو يحكم بينهم يوم القيامة فيما
هم فيه يختلفون، وعند الساعة يخسر المبطلون، وسيعلم الذين ظلموا أي
منقلب ينقلبون.
(1/936)
فأقول وبالله أصول:
اعلم أن الله سبحانه وتعالى أنعم على كافة العالمين عموماً من سلف
منهم ومن غبر إلى يوم الدين ببعثه سيد المرسلين ورسالة خاتم
النبيين صلى الله عليه وآله وسلم:?رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي
ضَلَالٍ مُبِينٍ? {آل عمران:164}، فمن اتبعه فقد هدي إلى صراط
مستقيم، ومن تركه فقد بدل نعمة الله من بعد ما جاءته واستحق العذاب
الأليم، ثم اختص الصحابة رضي الله عن الراشدين منهم بنعم انفردوا
بها، فكانوا أسعد الناس به صلى الله عليه وآله وسلم، وأوجب عليهم
حقاً له لما ألف الله بين قلوبهم على يده بعد أن كانوا أعداءً،
وأعزهم ببركته بعدما كانوا أذلاء، وأورثهم أرض الكفار وديارهم
وأموالهم بعد إذ كانوا فقراء، وأنكحهم ما ملكهم من بناتهم الحسان،
وأخدمهم الرقيق من أولئك الولدان، وكان صلى الله عليه وآله وسلم
بين أظهرهم نعمة يغدون إليها ويروحون، ويمسون فيها ويصبحون،
وينقلبون عليها ويستريحون، يشاورهم في الأمر وهو عنهم في غُنيَة،
ويفاوضهم عند الحوادث بلا حاجة منه إليهم ضرورة إلا تطييباً
لأنفسهم وتكرماً منه صلى الله عليه وآله وسلم بإدخال السرور عليهم
وإيناساً لهم وتحبيباً إليهم، أنكحهم بناته الطاهرات وهم عنهن في
انحطاط، وخالطهم بنفسه الشريفة وليسوا له بأخلاط يتزوج يتيمتهم،
ويكرم كريمتهم، ويعول أرملتهم، ويخلف من مات منهم أو غاب في أهله
أحسن خلافة، ويبذل لمن نزل منهم بداره موجودة الضيافة، يرحم
صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويجهز أميرهم، ويعين مأمورهم، ويتفقد بنفسه
الرفيعة أمورهم، ويتدارك بأخلاقه المتواضعة ما فسد من تدابيرهم،
يعلم جاهلهم، ويرشد ضالهم، ويوصل من وصلهم، ويقطع من ناواهم،
ونازلهم يحل لهم ما كان محرماً لديهم، ويضع عنهم إصرهم والأغلال
التي كانت عليهم، كل يوم ينظرون إلى جسمه
(1/937)
الشريف، وكل حين
يبصرون طلعة نوره المنيف يتمتعون من خلقه العظيم، ويرتعون حول رياض
تخلقه الكريم يأجرهم الله تعالى على النظر إليه، ويتعبدهم بغض
الصوت لديه، جعل الله مجاورته لهم حماية ومكرمة، وكتب في مساكنته
إياهم أمنهم من العذاب، ومرحمة يشاركهم في المطاعم والمشارب فتنزل
عليهم البركة، ويجيب داعيهم إلى الولائم والمواجب فتحف بهم
الملائكة يستنشقون ريح مسكه المختوم، ويرتشفون من رحيق لفظ دره
المنظوم نفثه على مرضاهم شفاء لهم من كل علة، ومسحته على أبدانهم
دواء له من كل خلة، وتقدم شربته عليهم رواء لهم من كل علة، وتناوله
الطعام قبلهم غذاءً لهم في كل أكله، يشاهدون معجزاته العظيمة
فتكسبهم إيماناً، ويعاينون كراماته الجسيمة فتزيدهم إيقاناً، ويرون
أماكن وحي الله بآي الذكر الحكيم، ويبصرون مهابط أوامر الله بأحكام
التحليل والتحريم، ويشعرون بنزول ملائكة الله ومختلف الروح الأمين،
ويسمعون آيات كتاب الله طرية وقريبة عهد بتنزيل رب العالمين
فيصيرون أول متصف بمعرفتها وحكمتها، ويكونون أول مقتطف لثمرتها
وبركتها يسألونه صلى الله عليه وآله وسلم عما اشتبه عليهم من وجوه
تأويلها، ويستوضحونه ما خفي عليهم من مصالح تنجيمها وتنزيلها،
ويقتبسون بنور علمه صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير مبهمها
ومجملها، ويستعينون بقويم هديه، وما سبق لديهم من سنته في استنباط
أحكامها وتفصيلها، ويستفتحون بأدوات مباشرته العمل بها مقفلها
ويستخرجون بكيفيات سيرته صلى الله عليه وآله وسلم كنوز فروعها عن
أصولها، ويستكشفون ما طوي من الحِكم اللطيفة تحت مفصولها وموصولها،
يسمع أقوالهم فيرد سقيمها إلى الصحيح، ويشاهد أفعالهم فيعلم لديهم
فيما سكت عنه الظفر بالمتجر الربيح، ويبين لهم الصواب فيما جرى
منهم على خلافه بأكمل توضيح، ويعرفهم ما قصرت عنه أفهامهم من وجوه
الترجيح فتماط عنهم شبه الأوهام الكاسدة، ويحط عنهم غب الآثام فيما
سبق إليهم من
(1/938)
الأفهام الكاسدة، لا
يخافون معه زلة في قول ولا عمل، ولا يخشون لوجوده فيهم أي حادثة
توقعهم في هول ولا زلل، ولا يَئِسون لمراعاته مصالحهم عن إصابة كل
أمل، ولا يقنطون لحسن نظره فيهم عن روح الله في كل أمر حصل، أمره
الله بالاستغفار لهم عند أن يأتوا إليه تائبين عن سيئاتهم وألزمه
الصلاة عليهم حين يأتونه بصدقاتهم، يصفح عن مسيئهم فينقلبوا فرحين
مسرورين، وينصح من ضل منهم عن الحق فيئوبوا مصلحين مأجورين، ونهاه
الله أن يكون فظاً غليظ القلب لئلا ينفظوا عنه بغير فائدة، وألزمه
لين الجانب لهم لما في ذلك من اللطف بهم والظفر بكل عائدة، ثم لم
يقبضه صلى الله عليه وآله وسلم إلا وقد أمره أن ينصب لهم من يقوم
فيهم مقامه في إيضاح ما اختلفوا فيه من الحق والمفسدة، فأقام لهم
من هو كنفسه، وكهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعده، ونصب لهم سفينة
نوح، وباب السلم المفتوح، وترك فيهم الثقلين، وألزمهم التمسك بذينك
الحبلين، وأمنهم وقوع الافتراق إلى يوم التلاق، وفتح لهم باب حطة
من دخله غفر له، وجعل الحسنين بعده عليهم السلام إمامين هاديين إلى
الحق عند كل مشكلة، وجعل أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم نجوماً
يستضاءُ بها في كل عصر، وقرنهم بالكتاب، وأمن هذه الأمة بوجودهم من
نزول العذاب في كل دهر، وأفترض مودة أهل بيته صلى الله عليه وآله
وسلم أجراً على التبليغ وقال: ?قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ
فَهُوَ لَكُم?ْ{سبأ:47}، وعلى الجملة فالأمر كما قال صلى الله عليه
وآله وسلم: " ما تركت شيئاً يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار
إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئاً يقربكم من النار ويباعدكم من
الجنة إلا وقد نهيتكم عنه ".
(1/939)
فهذه مائة وخمسة
وعشرون نعمة مما أنعم الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة ببعثة سيد
المرسلين ورسالة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم اختص
الصحابة رضي الله عن الراشدين منهم بمائةٍ وعشرٍ، وشاركوا سائر
الأمة فيما عداها فكان الحق عليهم لرسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم أوجب، ورعاية هذه النعمة عليهم آكد منه على غيرهم من سائر
الأمة، فما كان جزاؤه صلى الله عليه وآله وسلم ما صدر منهم من
التواثب على الأمر بعده صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم
السلام مشغولون بتجهيزه ودفنه، وما كان أجره صلى الله عليه وآله
وسلم التجمع عليهم وطلبهم البيعة لهم مع كونهم مصابين بموته صلى
الله عليه وآله وسلم الذي هو مصاب كل مؤمن، وما كانت مودتهم
المفروضة عليهم التهديد والوعيد الشديد إن لم يسلموا الأمر إليهم،
وما كان إغضاب فاطمة عليها السلام التي هي بضعة من نبيهم صلى الله
عليه وآله وسلم ونزعهم ميراثها ونحلتها وسهم ذوي القربى مناسباً
تجنب غضب الله ورسوله بإغضابها، وما كان التسبب على قتل ريحانتي
رسول الله وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم الدين
رأياً سديداً في العدول عمن اختارهما الله تعالى ورسوله صلى الله
عليه وآله وسلم وجعلهم حججه على الخلق أجمعين:
رويدكُما لن يُعجزَ اللهَ هاربُه
سوى يوم السقيفةِ جَالِبُه
فقل لأخي تيمٍ وصاحبِهِ ألا
فكل مصابٍ نال آل محمدٍ فليس
حكم الكبيرة والصغيرة مع الالتباس
نعم وحيث قد وقع الاستدراك والمناقشة على القول بالقطع بكبر معصية
القوم، فلا بأس بذكر ما يرد على من قطع بصغرها أو ذهب إلى الترضية
مع التباسها لديه.
(1/940)
فنقول: أما القول
بصغر المعصية فلا سبيل إلى العلم به لاتفاق العلماء أن ما عدا
الكبيرة فملتبس، ولا أصل للمعاصي يرجع إليه عند الالتباس إلا أن ما
وقع من المعصوم أو على جهة الخطأ والنسيان فقد دل الدليل على صغره
كما سيأتي تقرير ذلك في بابه إن شاء الله تعالى، وليست معصية القوم
في شيء من ذلك فلا يصح القول بصغرها البتة.
وأما من ذهب إلى الترضية والتولي مع التباس المعصية لديه، فذلك
باطل من حيث أن مقتضى الالتباس هو التوقف كما في غير ذلك من سائر
المسائل دون الترضية والتولي، فلا تصح ولا يجب إلا في حالين: إما
مع العلم بعصمة الفاعل أو أنه صدر منه ذلك على جهة الخطأ والنسيان،
وإما مع سلامة المترضى عنه والموالى عن المعصية في الظاهر، وليست
هذه حال المتقدمين ومن أعانهم لما تقرر من القطع بوقوع المعصية
منهم ولهذا قال في القلائد للإمام المهدي عليه السلام :
مسألة: المحققون من الزيدية خطأوا المتقدمين على علي عليه السلام
في الخلافة قطعي لمخالفتهم الدليل القطعي، قال الشارح: وكذلك من
اعتقدوا إمامتهم وإصابتهم، ولكن لا نقطع عليهم بالفسق وأن ذلك
الخطأ كبيرة، إذ لم يفعلوا ما فعلوه من التقديم في الخلافة ومخالفة
تلك النصوص تمرداً بل الشبهة الخ ما ذكره الشارح.
(1/941)
قلت: وكونهم لم
يفعلوا ما فعلوه تمرداً بل لشبهة تحتاج إلى دليل بل الأظهر حسبما
مر من محاججة الوصي عليه السلام لهم وسائر ما نقل من الأخبار
التمرد والتمسك بما ليس شبهة محتملة كنفرة الناس عن الوصي أو تقديم
أبي بكر للصلاة، ولكون النصوص على إمامة أمير المؤمنين لا تخفى على
من جالس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسمع كثرة ما قاله في أخيه
ووصيه وأولى الناس به، ولكن الموجب لعدم القطع بكبر المعصية هو أنه
اختلف في حد الكبيرة على أقوال فقيل: كل عمد كبيرة، وقيل: ما ورد
الوعيد عليه مع الحد أو لفظ يفيد العظم أو الكبر، وقيل: ما توعد
الله صاحبها النار بعينها دون مجرد الإثم أو المقت أو البغض
للفاعل، وقيل: ما زاد عقاب فاعلها على ثوابه، ثم قال أهل الثلاثة
الأخيرة: وما عدا ذلك فملتبس، ولاختلافهم في حد الكبيرة لم يحصل
القطع بأن ما فعله القوم كبيرة، وإن فرضنا تمرداً أو بدون شبهة إلا
مع الاستحلال والأصل عدمه ولا يكفي في العلم به مجرد الظاهر.
فإن قيل: يلزم على هذا أن لا يفسق الباغي وقد انعقد الإجماع على
فسقه.
قلنا: إنما يتحقق كون الباغي باغياً بعد قيام الإمام بأعباء
الإمامة وتحمله أثقال الزعامة، وهذا لم يكن قد وقع من الوصي عليه
السلام حتى يصدق على المتقدم البغي الشرعي.
فإن قيل: فالنصوص على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام لا تتوقف
صحتها ودلالتها على ذلك على قيامه بأعباء الإمامة وتحمله أثقال
الزعامة، بل قد ثبتت إمامته بتلك النصوص عقيب وفاة الرسول صلى الله
عليه وآله وسلم، فيثبت اسم الباغي لمن منعه واجباً أو فعل ما أمره
إليه مع كراهته أو نحو ذلك مما ذكر في حد الباغي، وإنما اعتبر
القيام وتحمل أعباء الإمامة في بغي من بغى على سائر الأئمة لأنه هو
الطريق إلى إثبات إمامة من لم يكن منصوصاً عليه.
(1/942)
قلنا: إنه وإن كان
الأمر كما ذكرت من الفرق بأن إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ثبتت
بالنصوص فلا يعتبر في صحتها أو نفاذها القيام والتحمل لأعباء
الإمامة بخلاف غيره هو والحسنين عليهما السلام، فلا بد من اعتبار
ذلك غير أنه لا يمتنع أن قيامه عليه السلام بذلك شرط في تحقق كون
من خالفه باغياً عليه، لأن فعل ما أمره إلى الغير لا يعد منازعاً
ولا يتحقق كونه باغياً مما له وجوب في أصل الشرع إلا مع قيام من
أمره إليه به.
فإن قيل: فهم الذين منعوه عليه السلام من القيام لذلك بسبب ما
فعلوه من ثبوتهم على الأمر والعقد لأنفسهم واغتنامهم الفرصة
باشتغاله بشأن أخيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن عدم قيامه إذ
ذاك تفريطاً منه وقعوداً عن الإمامة حتى يكون كما ذكرتم فيمن قام
بما أمره إلى الغير من الواجبات مع عدم قيامه به.
قلنا: نعم إن الأمر كما ذكرت من أنهم هم الذين منعوه القيام
واغتنموا الفرصة باشتغاله بسيد الأنام لكن هذا لا يدفع أن كون
القيام شرطاً في تحقيق البغي الشرعي وفيه ما فيه، ولهذا قطع كثير
من أئمة الزيدية وشيعتهم الزكية على كبر معصية القوم وحكموا بفسقهم
ووجوب البراءة منهم، بل حكاه القاضي العلامة الشهيد إسماعيل بن
حسين هادي جغمان رحمه الله تعالى في العسجد المذاب عن أكثر أهل
البيت عليهم السلام، وقال: إن أهل التوقف هم القليل، وإن أهل
الترضية أقل من القليل، والله أعلم.
ثم احتج من ذهب إلى الترضية ووجوب موالاتهم بأنا من إيمانهم على
يقين فلا ننتقل عنه إلا بيقين، فيجب استصحاب الحكم الأصلي وهو
الإيمان فنحكم فيهم به، ويلزمه وجوب الموالاة والترضية.
(1/943)
قال الإمام القاسم بن
محمد عليهما السلام في الأساس في رد هذا القول: حصول الالتباس - أي
التباس إيمانهم - بسبب تلبسهم بالمعصية نسخ العلم بإيمانهم في
الظاهر ولا يصح التولي إلا مع العلم بالإيمان في الظاهر بإجماع
العترة عليهم السلام، وهذا مع الفرض بأن معصيتهم لم يعلم قدرها وقد
علم تلبسهم بها انتهى من الأساس وشرحه، وقد أطال القرشي في المنهاج
والإمام المهدي عليه السلام في الغايات الاحتجاج على صحة الترضية
ووجوب الموالاة، لكن الإمام المهدي عليه السلام رجع عن القول
بالترضية إلى التوقف وقال: إنه هو الصحيح لأنا وإن قطعنا على خطأهم
فلا نعلم أكبيرة هو أم صغيرة، هذا لفظه في غرر الفوائد شرح نكت
الفرائد، قال شيخنا صفي الإسلام رحمه الله تعالى: وهي آخر ما صنف.
(1/944)
الفرع الرابع: في
التفضيل
الفرع الرابع في التفضيل: قال في شرح الأساس: اعلم أن التفضيل من
جملة الابتلاء والامتحان يمتحن بذلك الفاضل والمفضول، أما الفاضل
فهل يشكر ويعرف قدر النعمة فيتواضع ولا يتطاول أو يُكَفِّر فيتعدى
طوره، وأما المفضول فهل يصبر ويعترف بالفضل لأهله ويعطي الفاضل حقه
أو يتكبر ويحسده على ما أنعم الله به عليه من الفضل والزيادة. ووجه
حسن ذلك التمييز بين المطيعين والعاصين لما يظهر عند البلوى
والامتحان من أسرارهم لأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب على ما يعلم
من معاصي العباد قبل ظهورها قال الله سبحانه: ?ألم o أَحَسِبَ
النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا
يُفْتَنُونَ ? {العنكبوت:ا،2}، واعلم أن الاعتقادات أصول الأديان،
والاعتقاد الصحيح أصل الدين الصحيح، والاعتقاد الفاسد أصل الدين
الفاسد، فمتى صح الأصل ثبت الفرع:
وهل يستوي الممشى وما ثَمَّ منهجٌ .... وكيف يقوم الظِلُّ والعودُ
أعوجُ
(1/945)
فلا تكون الأعمال وإن
كثرت واتعبت من طول القيام وتكرير الصلاة والصيام وإظهار التقشف
والزهد وإدامة التعبد ودرس الكتب في المدارس وكثرة أهل المجالس
والاتباع والأشياع دليلاً على إصابة الحق ولا نافعاً مع بطلان
الاعتقاد، بل ذلك من أبلغ الاغتيال واشبه الأشياء بالداءِ العضال
فإن أردت مثال ذلك، فاعلم أن الخوارج كانوا فرسان الخيل وعباد
الليل وحملة القرآن وأحلاس الإيمان، فخالفوا عليا عليه السلام في
مسائل يجمعها إنكار التفضيل وجهل منزلته عند الله فقتلهم عليه
السلام قتل الكلاب وصب عليهم سوط العذاب، وكذلك غيرهم من فرق
النواصب والروافض ممن نبه الله تعالى على ضلاله بقوله: ? وُجُوهٌ
يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ o عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ o تَصْلَى نَارًا
حَامِيَةً? {الغاشية:1،2،3}، هكذا ذكره الإمام المنصور بالله وغيره
من أئمتنا عليهم السلام قال: وقد أشار الإمام يعني - القاسم عليه
السلام - إلى ذكر التفضيل بألفاظ يسيرة وفيها لمن نظر بنور عقله
ورفض هواه بصيرة وأي بصيرة فقال: قالت العترة عليهم السلام
والشيعة: وأفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي عليه
السلام كرم الله وجهه في الجنة وفاقاً للبغدادية فيه وحده، ثم أفضل
الأمة بعد علي عليه السلام الحسن عليه السلام ، ثم الحسين عليه
السلام ، ثم جماعة العترة عليهم السلام، ثم أفراد فضلائهم أفضل من
أفراد فضلاء غيرهم من سائر الناس، ومعنى الفضل في ذلك كله أن الله
سبحانه زادهم في بصائر العقول وأمدهم بموارد الزيادة في الفضل لما
أطاعوه، وقال جمهور الفرق من المعتزلة والمرجئة والخوارج وغيرهم من
سائر الناس: بل الأفضل بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر
ثم عمر ثم عثمان ثم علي عليه السلام ، وقال بعضهم: بل أبو بكر ثم
عمر ثم علي عليه السلام ثم عثمان، وقال بعض العثمانية: بل الأفضل
أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم معاوية بن أبي سفيان لزعمهم أن علياً
عليه السلام غير
(1/946)
إمام بل هو باغ،
وهؤلاء في الحقيقة خارجون عن الانتساب إلى العلم والإيمان لتفضيلهم
الكفار على وصي النبي المختار صلى الله عليه وآله وسلم، وقال
جميعهم - أي جميع الفرق التي تقدم ذكرها الناكبة عن مركب النجاة ـ:
ثم بعد الأربعة سائر العشرة، لما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أنهم في الجنة وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام
وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن
بن عوف وسعيد بن زيد.
قلت: وقد جمعهم قول الشاعر:
عليٌّ والثلاثةُ وابن عوفِ .... وسعدٌ منهمُ وكذا سعيدُ
كذاكَ أبو عبيدةَ فهو منهمْ .... وطلحةُ والزبيرُ ولا مزيدُ
وجمع الستة الذين تخلفوا عن أمير المؤمنين عليه السلام قول سيدي
العلامة شرف الإسلام الحسين بن أحمد زبارة رحمه الله تعالى:
هاك الذين أبوا عن بيعة سفهاً .... لسيد الآل حَقَّاً بعدَ خير
مُضَرْ
أسامة وسعيدٌ وابن مسلمةٍ .... زيدٌ وسعدٌ وعبدُ اللهِ نجلُ عمرْ
(1/947)
قال عليه السلام :
وهذا الخبر يعني خبر تبشير العشرة المذكورين بالجنة مقطوع بكذبه
عند أئمة أهل البيت عليهم السلام، لأنه لا يجوز أن يخبر الله
ورسوله بأن فلاناً من أهل الجنة إلا أن يكون معصوماً كالأنبياء
عليهم السلام وأهل الكساء عليهم السلام لما في ذلك من الإغراء
بالمعصية في حق غير المعصومين، ولا خلاف أن هؤلاء العشرة غير علي
عليه السلام ليسوا بمعصومين.
قلت: وقد اعترض بأنه قد بشر صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة من ليس
بمعصوم كخديجة أم المؤمنين عليها السلام، وكخبر " اشتاقت الجنة إلى
أربعة علي وعمار وأبو ذر والمقداد "، والخبر الذي ورد في الحسن
والحسين وفيه " وعمهما في الجنة وخالهما في الجنة وخالتهما في
الجنة "،فالأولى أن يقال: ولا يجوز أن يخبر الله ورسوله بأن فلاناً
في الجنة ممن علم أنه سيعصي بعد التبشير لما في ذلك من الإغراء،
ولا أحد من التسعة المذكورين إلا وقد علم الله تعالى منه أنه سيعصي
بعد مفارقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أما الثلاثة فبتقدمهم
على الوصي، وأما عبد الرحمن بن عوف فبتقديمه عثمان على الوصي عليه
السلام يوم الشورى، وأما سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد فلأنهما من
الستة الذين تخلفوا عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام .
(1/948)
قال عليه السلام :
قال أبو مخنف في كتاب وقعة الجمل: إن علياً عليه السلام قال: إن
صاحبة الجمل لتعلم وأولوا العلم من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله
وسلم أن أصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي، فاسألوها عن ذلك وقد
خاب من افترى، فقال له الزبير: يا أبا الحسن كيف ملعون من هو من
أهل الجنة، قال: لو علمت أنكم من أهل الجنة ما قاتلتكم، قال له
الزبير: أما علمت أن سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل روى لعثمان بن
عفان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: عشرة في الجنة،
قال علي عليه السلام : قد سمعته يحدث عثمان في خلافته، قال الزبير:
أفتراه كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال علي عليه
السلام : لا أخبرك حتى تسميهم لي، قال الزبير: هم أبو بكر وعمر
وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وسعيد بن زيد
وسعد بن أبي وقاص، قال له علي عليه السلام : عددت تسعة فمن العاشر؟
قال الزبير: أنت، قال له علي عليه السلام : أما أنت فقد أقررت بأني
من أهل الجنة، وأنا بما ادعيت لنفسك وأصحابك من الجاحدين، قال له
الزبير: أفترى سعيداً كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
قال علي عليه السلام : ما أراه ولكنه اليقين. انتهى من الأساس
وشرحه.
(1/949)
قلت: وفي قول أمير
المؤمنين للزبير: لا أخبرك حتى تسميهم. نكتة تحتها سر عظيم، وذلك
أنه لما لم يكن قد سمى الزبير العشرة وإنما ذكر تبشير عشرة بالجنة
لم يصح من الوصي إنكار تبشير عشرة بالجنة على الجملة لأنه صلى الله
عليه وآله وسلم قد أخبر أن عشرة في الجنة بلا ريب عنده عليه السلام
، فلم يصح منه هذا الإنكار من دون تعيين العشرة فقال عليه السلام :
لا أخبرك حتى تسميهم فلما سماهم صح إنكاره بتبشير عشرة مراداً بهم
من ذكرهم الزبير، وانظر إلى مغالطة الزبير حيث ذكر تسعة وترك
العاشر وهو المبشر بالجنة قطعاً ولكنه يخاطب باب مدينة العلم، فقد
أجابه بما تراه حتى تقرر الحق من تبشير علي عليه السلام بالجنة دون
أولئك التسعة، والحديث الذي فيه تبشير عشرة بالجنة هو ما ذكره في
تفريج الكروب عن، أنه صلى الله عليه وآله وسلم قام خطيباً فقال: "
أيها الناس أتعلمون من خير الناس أباً وأماً؟ قالوا: الله ورسوله
أعلم، قال: الحسن والحسين أبوهما علي بن أبي طالب وأمهما فاطمة بنت
رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم ـ، أيها الناس أتعلمون من خير
الناس جداً وجدة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الحسن والحسين
جدهما رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وجدتهما خديجة بنت
خويلد، أيها الناس أتعلمون من خير الناس عماً وعمة؟ قالوا: الله
ورسوله أعلم، قال: الحسن والحسين عمهما جعفر بن أبي طالب وعمتهما
أم هاني بنت أبي طالب، أيها الناس أتعلمون من خير الناس خالاً
وخالة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الحسن والحسين خالهما
إبراهيم بن رسول الله وخالتهما زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه
وآله وسلم ـ، ثم قال: ألا أخبركم أن أبويهما في الجنة وأمهما في
الجنة وجدهما في الجنة وجدتهما في الجنة وعمهما في الجنة وعمتهما
في الجنة وخالهما في الجنة وخالتهما في الجنة وهما في الجنة ".
(1/950)
فهؤلاء العشرة هم
الذين أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم في الجنة، وفي بعض
الأحاديث: ومن أحبهما في الجنة، وهو في أنوار اليقين بأبسط من هذا،
ثم حكى في شرح الأساس أحاديث قاضية بتفضيل أمير المؤمنين عليه
السلام على جميع الأمة بعده صلى الله عليه وآله وسلم تركنا نقلها
اختصاراً واستغناءً بذكر ما احتج به الإمام عليه السلام في المتن
بقوله: قلنا: لو وزن أعمال الوصي عليه السلام بأعمال من ذكر أو ما
ورد فيه بما ورد فيمن ذكروا مما لا ينكره المخالف مع سابقته، وكذلك
الحسنان، وكذلك ما ورد في العترة عليهم السلام بما ورد في غيرهم
مما لا ينكره المخالف، علم ذلك قطعاً أي أن علياً عليه السلام أفضل
الأمة بعده صلى الله عليه وآله وسلم، ثم الأفضل بعده الحسنان
عليهما السلام، ثم أفراد فضلاء العترة عليهم السلام، وفي القلائد
في الاحتجاج على تفضيل علي عليه السلام مالفطه: لنا خبر المنزلة،
وخبر الغدير، وزيادته عليه السلام في خصال الفضل جميعاً.
خصال الفضل وأجَلُّها
قلت: ومعظم خصال الفضل وأجَلُّها خمس:
أحدها: قرب النسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الأقرب
إليه نسباً أفضل من الأبعد بلا خلاف مهما جمعهما الإيمان، ويدل
عليه ما أخرجه الطبراني عن ابن عمر: " أول من أشفع له من أمتي أهل
بيتي، ثم الأقرب فالأقرب من قريش، ثم الأنصار، ثم من آمن بي
واتبعني من أهل اليمن، ثم سائر العرب، ثم الأعاجم ومن أشفع له
أولاً أفضل "، وما أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما عن واثلة أن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن الله اصطفى كنانة من بني
إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشا،ً واصطفى من قريش بني هاشم،
واصطفاني من بني هاشم "، ذكرهما بن حجر في صواعقه، وفي السنة
نحوهما كثير.
(1/951)
وثانيها: السَبْق إلى
الإسلام: ولا خلاف في ذلك أيضاً، ويدل عليه قوله تعالى: ?لَا
يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ
أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ
بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ?
{الحديد:10}.
وثالثها: الجهاد: ولا خلاف فيه أيضاً، ويدل عليه قوله تعالى: ? لا
يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي
الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ
اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى
الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ? {النساء:95}.
ورابعها: العلم: ولا خلاف فيه أيضاً، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى:
?أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا
الْأَلْبَاب?ِ{الرعد:19}، وقوله تعالى: ?هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ
يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ? الآية{الزمر:9}، وقوله
تعالى: ?يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ
أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ? {المجادلة:11}.
وخامسها: الورع وهو يتناول الصبر والزهد والكف عن جميع المحرمات
والمحافظة على جميع الواجبات، ولا خلاف فيه أيضاً، ويدل عليه قوله
تعالى: ?أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ?
{القلم:35}، ?أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ
الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ? {ص:28}.
(1/952)
إذا عرفت ذلك
فالمعلوم من النقل المتواتر أن حظ أمير المؤمنين في هذه الخصال هو
الحظ الوافر، وأن سهمه منها هو السهم القاهر، وأن له فيها اليد
الطولى، ونصيبه منها هو القدح المعلى، وإن نازعت النواصب في شيء
منها فإنما هو محض البهت والافتراء ومتابعة للأهوية والاجتراء،
ولئن أمكنهم المغالطة في السبق إلى الإسلام ما أمكنهم ذلك في سائر
تلك الفضائل الفخام، على أنه قد ورد في السنة كثير من نحو قوله صلى
الله عليه وآله وسلم: " علي أقدمكم سلماً وأكثركم علماً "، وفي بعض
الأحاديث: أسبقكم إسلاماً،وفي حديث: " لقد صليت أنا وعلي سبعاً لا
يعبد الله غيرنا "، وقال عليه السلام لما سمع قائلاً يقول له: إن
أبا بكر وعمر أفضل منك، فقال: كذبتَ عبدت الله قبلهما، وعبدته
بعدهما. وهو إجماع أهل البيت عليهم السلام حكاه في تفريج الكروب.
واعلم أن القول بتفضيل علي عليه السلام هو قول جميع خيار الصحابة
وعلمائهم وفضلائهم كابن عباس، والزبير، والمقداد، وسلمان،وجابر،
وحذيفة، وعمار، وأبي سعيد الخدري، وأبي ذر الغفاري، وخالد بن سعيد
الأُمَوِي، وأُبي بن كعب، وقيس بن سعد بن عبادة الخزرجي، ووالده
سعد بن عبادة، وأبي الهيثم بن التيِّهان، وأبي بريدة الأسلمي،
وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبي أيوب الأنصاري، وسهل بن حنيف،
وعثمان بن حنيف هؤلاء كلهم من الصحابة يفضلون علياً عليه السلام ،
ومن التابعين عطاء، ومجاهد، وسلمة بن كهيل ذكر ذلك في حواشي
القلائد، وذكر بعضهم في تفريج الكروب، وبعضهم ابن حجر الهيثمي في
صواعقه عن ابن عبد البر وإن اعترضه بمذهبه العاطل واعتقاده الباطل.
(1/953)
تتمة: قالت العترة
عليهم السلام: وأفضل أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم خديجة
عليها السلام لسابقتها وعلمها ومواساتها للنبي صلى الله عليه وآله
وسلم بمالها وكثرة عنايتها بشأنه صلى الله عليه وآله وسلم، وأفضل
النساء كافة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحكى في
الأساس عن المنصور بالله عليه السلام : ما خلا مريم ابنت عمران
عليها السلام، ولم يبين هل المراد أنها في الفضل سواء عنده عليه
السلام أم الأفضلية لمريم عليها السلام، ويدل على تفضيل خديجة
وفاطمة عليهما السلام قوله صلى الله عليه وآله وسلم ما رواه أنس
عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " حسبك من نساء العالمين مريم ابنت
عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون "،
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " مريم سيدة نساء عالمها وأنت سيدة
نساء العالمين "، ذكرهما في الأساس وشرحه، وفي السنة كثير والغرض
الاختصار.
$$$
(1/954)
فصل في إمامة الحسنين
بعد أبيهما عليهم السلام
اعلم أنه جعل أئمتنا عليهم السلام وجوب اعتقاد إمامتهما بعد أبيهما
من جملة أصول الدين الواجب على كل مكلف معرفتها، ولابد من معرفة
الوجه الذي لأجله وجب ذلك كما قلنا في إمامة أبيهما عليهم السلام:
إن وجه وجوبها أنها تنبني عليها معرفة إمام العصر في كل دهر إلى
منقطع التكليف، وقد ذاكرت في ذلك بعض علمائنا وساداتنا فلم يبد
لذلك وجهاً في وجوب ذلك الاعتقاد على من لم يعاصرهما عليهما
السلام، إذ غاية ما يلزم فيما ظهر وجوب اعتقاد إمامتهما على من
عاصرهما لما يترتب على ذلك من وجوب طاعتهما والكون معهما على
عدوهما، هذا ولا ريب ولا خلاف بين جميع العترة عليهم السلام وسائر
الزيدية والإمامية والمعتزلة وجمهور الأشعرية أنهما الإمامان بعد
أبيهما، ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج وبعض الأشعرية المصححون
لإمامة معاوية اللعين واليزيدية القائلين بإمامة يزيد الخَمُور
المهين، ولا يلتفت إلى خلاف هؤلاء لمصادمة قولهم قول رب العالمين:
?لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ? {البقرة:124}.
ولكن كلامنا في معرفة وجه وجوب اعتقاد إمامتهما على كل مكلف لم
يذكرهما عليهما السلام، ولم أجد من نص على ذلك مع أنه لابد من وجه
لأجله وجبت معرفته كما في سائر المعارف، فإن معرفة الله وجبت لأنها
يترتب عليها صحة شكره تعالى على ما أنعم أو لأنها لطف كما مر تحقيق
ذلك، ومعرفة النبي وجبت لأنه ينبي عن الله تعالى بيان كيفية الشكر
الواجب عقلاً أو لأنها لطف كما مر أيضاً، ومعرفة حدوث القرآن وكونه
كلام الله تعالى ملاحظة التوحيد القديم وليعلم أنه من عنده تعالى
ولم يكن كلام غيره، ومعرفة إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها أساس كل إمامة بعدها إلى
يوم الدين، ومعرفة إمامة إمام العصر وجبت لترتب وجوب طاعته والكون
معه.
(1/955)
وجه وجوب معرفة إمامة
الحسنين عليهما السلام وأهل البيت عليهم السلام على الجملة
فما وجه وجوب معرفة إمامة الحسنين عليهما السلام على من لم
يعاصرهما سل؟.
ويمكن الجواب على ذلك: بأن الحسنين عليهما السلام ممن وجب على
الأمة من سلف منهم ومن غبر إلى يوم الدين مودتهما ومحبتهما خصوصاً
بذاتيهما على القطع من دون شرط لثبوت عصمتهما كسائر الخمسة صلوات
الله عليهم دون من عداهما فلا يجب ذلك إلا لمن ظاهر حاله السلامة،
ولا دلالة قاطعة على وجوب مودة ومحبة شخص بعينه غير الخمسة، وورد
التحريض والتأكيد على وجوب محبة العترة ومودتهم والانتماء
والإعتزاء والائتمام بهم على الجملة، وأن الخروج عن جملتهم خروج عن
السفينة ومفارقة للكتاب، فصار حال الحسنين عليهما السلام مفارقاً
لحال سائر أهل البيت عليهم السلام بعد أهل الكساء في وجوب مودتهما
ومحبتهما في ذاتيهما على القطع، وذلك لا يتأتى مع إنكار إمامتهما
لأن المنكر لإمامتهما لابد أن يقول: بل الإمام في ذلك العصر معاوية
ثم يزيد لنعهما الله تعالى، وفي ذلك خروج عن موالاة أولياء الله
إلى معاداة أعداء الله فوجبت معرفة إمامتهما من باب ما لا يتم
الواجب إلا به يجب كوجوبه، وفيه إشكال إذ غاية ما ذكر أنه لا يجوز
له الإنكار، فمن أين أنه يجب عليه المعرفة ؟ ألا ترى أنه لا يجوز
لأحد إنكار إمامة مَنْ بعد الحسنين عليهما السلام كإمامة زيد بن
علي عليهما السلام وكإمامة النفس الزكية وأخويه ويحيى بن زيد
والقاسم والهادي عليهم السلام، ولا يجب على كل مكلف لم يعاصرهم
اعتقاد إمامتهم بل الواجب عليه معرفة أن الإمامة في أهل البيت
عليهم السلام على الجملة، وهذا لا خلاف فيه فلم يظهر وجه وجوب
معرفة إمامة الحسنين عليهما السلام، وأيضاً فليس من شرط مودة الشخص
ومحبته وموالاته اعتقاد إمامته، ألا ترى أن كثيراً من الزيدية
يودون الثلاثة ويحبونهم ويوالونهم ولا يقولون بإمامتهم، ويمكن أن
يقال إنما لم تجب
(1/956)
معرفة إمامة من ذكرتم
من أهل البيت عليهم السلام بعد الحسنين عليهما السلام لأنه لا طريق
إلى العلم بها إلا الاستناد إلى الظاهر، ولا يمكن القطع بصحة إمام
بعينه عند الله تعالى لأن القيام والدعوة مع الكمال لا يفيدان
القطع على المغيب لكن يجب معهما على المعاصر الانقياد والطاعة
والقول بصحة إمامة ذلك القائم استناداً إلى ظاهر حاله من دون قطع
على مغيبه، فافترق الحال بين إمامة الحسنين وإمامة من بعدهما فإن
إمامة الحسنين عليهما السلام مقطوع بصحتها في نفس الأمر لثبوت
عصمتهما والقطع على مغيبهما، وفيه أن غاية ما في هذا حصول العلم
اليقين بصحة إمامتهما عليهما السلام وليس كلما حصل لنا العلم
اليقين بصحته يجب علينا معرفته، فإنا نعلم وقوع الهجرة وأنه صلى
الله عليه وآله وسلم كان قبلها غير مقتدر على نشر الإسلام وأنه وقع
بعدها انتشاره والقتال عليه حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً،
ولا تجب معرفة هذه الأمور بلا تناكر بين أهل العلم، ويمكن أن يؤتى
لأصل المسألة بجواب آخر وهو: أن إمامتهما عليهما السلام مما بَلَّغ
به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأمة بقوله: " الحسن
والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما "، فوجب تصديقه صلى
الله عليه وآله وسلم والاعتراف بما قاله، وفي ذلك وجوب المعرفة،
ولهذا أن جميع الأمة يعرفون هذا الخبر ولا يخالف في إمامتهما إلا
أهل البغي والزلل مع عدم إنكارهم متن الحديث، ويصير حال هذه
المسألة كسائر المسائل الاعتقادية التي بلغها الرسول صلى الله عليه
وآله وسلم وأوجب الإيمان بها كمسألة الشفاعة والبعث ونحو ذلك، ولا
يمتنع أن للمكلف في العلم بذلك لطفاً في مودتهما عليهما السلام
ومعاداة عدوهما لعنه الله تعالى، بل وفي فعل سائر الواجبات واجتناب
المحرمات:
فَثَّمَ الوفاءُ وثَمَّ الوقارُ
فمهما رأيتَ محباً لهمْ
(1/957)
قال عليه السلام [
فإن قيل: لمن الإمامة بعد علي عليه السلام ؟ فقل: هي للحسن ولده من
بعده، ثم هي للحسين ولده من بعد أخيه عليهما السلام. ] وقد مر أن
على ذلك إجماع العترة عليهم السلام وجميع أتباعهم الزيدية
والإمامية والمعتزلة وجميع الأشعرية إلى عند أنْ صالح الحسن
معاوية، ثم قال بعض منهم بصحة إمامة معاوية بعد ذلك الصلح، ولم
يعتد هؤلاء بإمامة الحسين عليه السلام لنص معاوية اللعين على يزيد
بعد ثبوت إمامته، أفاد معنى هذا ابن حجر في صواعقه عن ابن الصلاح
وغيره، ومن ثمة دندنوا حول إنكار أن يزيد قاتل الحسين عليه السلام
أو أنه أمر بقتله وعَدُّوا يزيداً أحد الاثني عشر الخليفة التي
وردت بهم الأخبار.
(1/958)
إمامة الحسين عليه
السلام عند ابن حجر الهيثمي في صواعقه المحرقة
فقالوا: هم الخلفاء الأربعة ثم الحسن إلى أن نزل عن الأمر ثم
معاوية ثم يزيد، ثم اختلفوا في تمام الاثني عشر على حسب ما ذكره في
الصواعق المحرقة لابن حجر قال: ولم يعتد بإمامة الحسين لعدم
استقرارها.
قلت: بل لعدم القهر والغلبة عندكم أيها الحشوية المفترية وتحسين
الظن بما فعل معاوية من حمل الناس على البيعة ليزيد في حياته، ولو
أن الحسين عليه السلام قهر وغلب لصار عندكم إمام حق لكن لقبح القول
بأن طريق الإمامة هو القهر والغلبة عدل عن هذه العبارة وأتى بما في
معناها وهو قوله: ولم يعتد بإمامة الحسين عليه السلام لعدم
استقرارها .
(1/959)
الدليل على إمامة
الحسنين عليهما السلام
ولا بد من ذكر كيفية الصلح ومصير الأمر إلى معاوية العنيد وولده
الشيطان المريد بعد تقرير الأدلة على ثبوت إمامة الحسنين عليهما
السلام، ليتضح الأمر لمن أراد معرفة الحق في ذلك وأراد لنفسه سلوك
أوضح المسالك.
قال عليه السلام [ فإن قيل: ] لك أيها الطالب الرشاد [ ما الدليل
على ] ثبوت [ إمامتهما؟ ] عليهما السلام [ فقل: الخبر المعلوم، ]
عند جميع الأمة [ وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الحسن
والحسين إمامان قاما أو قعدا، وأبوهما خير منهما، ].
(1/960)
ثبوت صحة حديث: الحسن
والحسين إمامان قاما أو قعدا
[ و ] الكلام في [ هذا ] الخبر يقع في طرفين: أحدهما في ثبوته
وصحته. والثاني: في دلالته على المطلوب.
أما الطرف الأول: فلأن الأمة تلقته بالقبول ولا يعلم أحد من
العلماء أنكره ورده، قال في شرح الأساس: وهذا الخبر مما اجمعت عليه
الأمة، ذكره المنصور بالله عليه السلام من أهل البيت عليهم السلام
وغيرهم.
وقال في أنوار اليقين: وهذا الخبر مما ظهر بين الأمة واشتهر تلقته
بالقبول ولا ينكره ولا يجحده أحد ممن يعول عليه من علماء الإسلام،
بل هم بين مستدل به ومتأول له، والعترة مجمعة على صحته أيضاً
وإجماعهم حجة واجبة الاتباع كما تقدم.
وقال في الإرشاد الهادي: ولا شبهة في كون هذا الخبر مما تلقته
الأمة بالقبول وبلغ حد التواتر وصح الاحتجاج به.
قلت: أما تلقي الأمة له بالقبول فلا شك في ذلك ولا إشكال، وأما
كونه متواتراً فلم يعلم رواية جماعة له عن جماعة يستحيل تواطؤهم
على الكذب عادة، ثم كذلك إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما
هي حقيقة المتواتر، بل لم يعلم له مخرج لا في كتب الأصحاب ولا في
كتب أهل الحديث لكن أهل كل عصر يحفظونه عمن قبلهم بلا تناكر من دون
إسناد فلان عن فلان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو في
منزلة المتواتر ورتبته في إفادته العلم بثبوته وصحته عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم لتقلي الأمة له بالقبول، والتلقي بالقبول من
كل الأمة أو من كل العترة يدل على صحة ما شأنه كذلك، ولله در السيد
الإمام صارم الدين إبراهيم بن محمد بن السيد الهادي بن إبراهيم
الوزير عليهم السلام حيث يقول:
به يستدلُ المرءُ خير دليلِ
تَلقَّى حديثاً كاذباً بقبولِ
وإن التَّلقِّي بالقبولِ على الذي
وما أمة المختار من آل هاشمٍ
دلالة هذا لحديث على إمامتهما عليهما السلام
(1/961)
وأما الطرف الثاني:
وهو في دلالة هذا الخبر على إمامتهما، فلا يحتاج إلى مزيد عناية
ونظر، بل هو يفيد ثبوت إمامتهما بمجرد لفظه لأنه [ نصٌّ جَلِيٌّ
على إمامتهما، ] عليهما السلام، وحقيقة النص على اصطلاح الأصوليين:
هو اللفظ الموضوع لمعنى معين لا يحتمل غيره، فإن كان يحتمل معنىً
غيره مستبعد إرادته فهو الظاهر، وكذلك إذا كان السابق إلى الفهم
عند الإطلاق أحد تلك المعاني المحتملة فإنه من قسم النص، ثم إذا
منع هذا الظاهر دليل عقلي أو سمعي فعدل عنه إلى غيره من المعاني
فهو المؤوَّل، وأما الجلي فلم يظهر الفرق بينه وبين النص، وقسمة
النص إلى جلي أو خفي لم تعهد عند الأصوليين وإنما ذلك عند بعض
المتكلمين، وقد علم أن مرادهم بالجلي: ما يعلم المراد منه بمجرد
سماع لفظه من دون إعمال نظر في مقدمات وأبحاث في أصل اللغة، والخفي
بخلافه وما يحتاج في العلم بالمراد منه إلى البحث والنظر وإعمال
الفكر في مقدمات وأبحاث يتوقف العلم به بمدلوله على معرفتها، مع
أنه بعد استيفاء النظر والبحث يعلم أن لا مراد في اللفظ غير ما
أنتجته تلك المقدمات والأبحاث فيصير نصاً يفيد العلم والقطع في
الدلالة على المطلوب، فلأجل ذلك سمي خفياً ولاستغناء الأول عن ذلك
سمي جلياً، وهذا لا إشكال فيه بل هو تقسيم واعتبار صحيح، وإن لم
يكن له ذكر في ألسنة الأصوليين لأن الاصطلاحات لا يلزم فيها تساوي
أهل الفنون المختلفة، ثم فرع المتكلمون على ذلك أن الجلي: يفسق
مخالفه بخلاف الخفي لجواز أنه لم يظهر له المراد، والجميع فيما إذا
ما كان اللفظ معلوم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأن سمعه
المكلف أو تواتر له ثم أنكر لفظه صار كافراً، وكذا إذا كان معناه
مما علم من الدين ضرورة بلا ريب ولا شبهة كفر مستحله، ومن ثمة وقع
الاختلاف في شأن من خالف علياً عليه السلام أو خالف الحسنين عليهما
السلام بين مكفر ومفسق، ومتوقف عن تلك السمتين، ومتجرم متظلم وبين
مرضٍّ وموالٍ،
(1/962)
وبين مقدم لمن تقدم
وموال مفضل: ?لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ?
{هود:7}.
ومثال الجلي: ما ذكره الله تعالى عن طالوت عليه السلام : ? وَقَالَ
لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ
مَلِكًا? {البقرة:247}، فهذا نص صريح جلي لا يفتقر إلى نظر ولا
يحتمل معنى غير المراد مما أفاده اللفظ وهو ثبوت التصرف وملك الأمر
لطالوت عليه السلام .
ومثال الخفي: ما حكاه في الكشاف أن نبيهم عليه السلام دعا الله
تعالى حين طلبوا منه مَلِكاً فأتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم
يساوها إلا طالوت، فهذا لا يعلم المراد منه إلا بعد إعمال تلك
المقدمات من إحضار الملأ والنظر فيهم من يساوي تلك العصا في طوله،
ثم بعد إعمال تلك المقدمات يعلم مَنِ المراد المختار مِنْ عند الله
تعالى فإذا أريد من مجيء جبريل عليه السلام أو غيره من الملائكة
بتلك العصا والمقايسة بينهم من ذا يساويها أن المراد إثبات الملك
لطالوت وولاية الأمر إلى غير ذلك من نبوة أو مجرد فضيلة أو أفضلية
لتقدم القرائن الدالة على تعيين الملك دون غيره، وهو قولهم: ابعث
لنا ملكا، فمن صرف المعنى بعد ذلك إلى غيره فقد عاند وجادل بالباطل
إن كان قد ظهر له ذلك بأن كان ممن حضر أو تواترت له تلك القصة
بكمالها مقدمتها وانتهاؤها، وهذا واضح غير أنه ينازع في قولهم: إن
الجلي يفسق مخالفه بمجرد المخالفة، فقد تقدم أنه لا يفسق إلا بعد
قيام دليل قاطع على كبر المعصية لأن وقوع مثل ذلك ممكن في سائر
المعاصي التي لم تدل الدلالة القاطعة على كبرها والله أعلم.
(1/963)
قال عليه السلام [
وفيه ] أي في الخبر المذكور [ إشارة إلى ] إثبات [ إمامة أبيهما، ]
عليهم السلام، وحقيقة دليل الإشارة: هو ما أفاد المراد بغير لفظه
الموضوع له، بل مع انضمامه إلى غيره أفاد المعنى المراد كما إذا
قلت لمضروب: من ضربك؟ فأشار بيده إلى زيد أو يعينه بوصف خاص به
كأطول القامة أو ساكن الدار، فقد علم أن الضارب زيد ولم يجري، له
ذكر بل أفاد المراد بإشارة إليه أو ذكر الجواب مع تقدم السؤال
وسواء زيد مع ذلك بأن قال هذا أو لا، وحينئذ فلا يقال إن دلالة هذا
الخبر على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ظنية بل هي قطعية،
وغايته هل جلية أم خفية؟ الأظهر الأول، وإنما قلنا: إن فيه إشارة
إلى إمامة أمير المؤمنين عليه السلام [ لأنه لا يكون خيراً من
الإمام أحد من الرعية، بل لا يكون خيراً منه إلا إمام شاركه في
خصال الإمامة وزاد عليه فيها، فيكون حينئذ خيراً منه ]، بمعنى أن
ثبوت إمامته من باب الأولى والأحرى، فلا يصح أن يقال بل المعنى أنه
خير منهما في الأفضلية والأعلمية أو الجهاد أو نحو ذلك، لأن سياق
الكلام السابق وهو ذكر إمامة الحسنين عليهما السلام يعني المراد
فبماذا هو خير منهما، وإنما كان يصح حمله على شيء مما ذكر لو قال:
الحسن والحسين فاضلان أو عالمان أو مجاهدان، ثم يقول وأبوهما خير
منهما.
(1/964)
[ وهذا واضح، ] فثبت
بما ذكر من الحديث المذكور إمامة الحسنين عليهما السلام بالنص
الجلي، وإمامة أمير المؤمنين عليه السلام بدلالة الإشارة وليست من
باب النص في شيء، لكن الوصف بالجلاء أو الخفاء لا يختص النص بل
يقال نص جلي، ويقال: دلالة جلية، ونص خفي، ودلالة خفية، قال شيخنا
صفي الإسلام رحمه الله تعالى في حاشية المختصر: وكلاهما قطعي
الدلالة، وأما النص على أمير المؤمنين عليه السلام فذكر المؤيد
بالله في الزيادات والسيد مانِكْدِيْم عن الزيدية، والإمام يحيى عن
الزيدية والقرشي وصاحب الفصول عن جمهور الأئمة وابن زيد العنسي
والنجري وابن حابس وغيرهم: أنه خفي، وحكوه عن الزيدية، وفي هذه
الحكاية نظر لأن المروي عن الناصر وظاهر كلام القاسم والهادي وأبي
العباس صريحاً وأبي الفتح الديلمي والمنصور بالله وقال في الرسالة
يعني الناصحة:
صلى عليه الواحدُ العليُّ
والنصُّ فيه ظاهرٌ جليُّ
ثم الإمام مُذْ مَضَى النبيُّ
من غير فصلٍ فاعلمن عليُّ
يومَ الغديرِ ساعةَ الإجفالِ
وكذا ظاهر كلام المتوكل على الله عليه السلام ، وصرح به أيضاً
الإمام الحسن بن بدر الدين والسيد حميدان وظاهر كلام الإمام
القاسم، وصرح به الإمام الشرفي وغيرهم: أنه جلي، فرأيت أن إطلاقها
أي الحكاية عن جميع الزيدية مخيل - أي تَخَيُّلْ وتوهم - لا صحة له
عن جميعهم، قال: وأما كون الخفي قطعياً، فبإجماع الزيدية ولولا ذلك
لما اتفقوا أن إمامة علي عليه السلام من أصول الدين وليس الفرق إلا
أن الخفي يحتاج إلى نظر، فمن ليس من أهل النظر من الصحابة يجب عليه
البحث والسؤال ولا يسقط فرض الإمامة بالجهل، وأما علماء الصحابة
فقد أخذ منهم بالمخنق وإلى الله المصير انتهى كلامه والمسك ختامه.
(1/965)
أهل البيت عليهم
السلام لا يختلفون في أصول الدين
فإن قلت: كيف اختلف هؤلاء الأئمة في النص هل هو جلي أم خفي ؟ وكيف
اختلفت حكاياتهم عن الزيدية مع أن النصوص في أيديهم الجميع متفقون
على صحتها، ومع أنكم تقولون: إن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم
لا يختلفون فيما يتعلق بالعقائد وأصول الدين ؟
قلت: أما اختلافهم عليهم السلام هل النص جلي أم خفي، فلم يتوارد
على موضع واحد من تلك النصوص، بل من قال: إنه جلي، فذلك نظراً منه
إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " علي إمام البررة قاتل الفجرة
منصور من نصره مخذول من خذله "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "
سلموا على علي بإمرة المؤمنين "، وقوله: " وهو وليكم بعدي "،
وقوله: " وهو الخليفة بعدي "، وقوله: " وأولى الناس بالأمة بعدي "،
والوصاية ونحو ذلك من الأحاديث الآحادية لفظها المتواتر معناها لمن
التفت إليها وتتبعها حتى أفادته العلم بتواتر المعنى، ومن قال: إنه
خفي، نظراً منه إلى خبر المنزلة وخبر الغدير وآية:?إِنَّمَا
وَلِيُّكُمْ الله? {المائدة:55}، فإن دلالة ذلك مما يحتاج إلى نظر
وتأمل وتقديم مقدمات من أن منازل هارون الشركة في الأمر وأنه
خليفته في قومه، ومن أن الآية نازلة في شأن أمير المؤمنين عليه
السلام ، وما المراد بلفظ الولي؟ وكذلك ما المراد بلفظ مولى في خبر
الغدير؟ ثم لم يلتفت أهل هذا القول إلى تلك الأحاديث الآحادية
نظراً منه إلى أن الآحادي لا يفيد القطع فلم يتبعها ويحفل بشأنها
حتى تفيده التواتر المعنوي كما فعله أهل القول الأول، فبقي المعنى
لدى أهل القول الأخير غير متواتر، وصار عند أهل القول الأول
متواترا فوصفه كل منهم بما ثبت لديه، لذلك ترى القرشي والإمام
المهدي وشارح القلائد وغيرهم من أهل القول الثاني لم يذكروا في
احتجاجاتهم على ثبوت إمامة أمير المؤمنين عليه السلام شيئاً من تلك
الأحاديث الآحادية ويقتصروا على الآية وخبر المنزلة وخبر الغدير،
إلا
(1/966)
أن القرشي احتج
بالوصاية والعصمة لتواترهما وهما من قبيل الخفي، وأهل القول الأول
يذكرون الأحاديث ويكثرون من نقلها مع ذكر الآية وخبر الغدير
والمنزلة، ثم يطلقون على مضمون الجميع أنه جلي، فلم يختلفوا في صحة
تلك الأحاديث ولا في حديث معين هل هو جلي أم خفي، وكيف يختلفون في
ذلك وهم أعرف الناس بما روي عن أبيهم صلى الله عليه وآله وسلم
وأعرف بمواضع اللغة وأحكامها.
وأما قول السائل: ومع أنكم تقولون: إن آل محمد صلى الله عليه وآله
وسلم لا يختلفون فيما يتعلق بالعقائد وأصول الدين.
فجوابه: أنهم عليهم السلام لم يختلفوا في أمهات المسائل الواجب
معرفتها كإثبات إمامة أمير المؤمنين بعد الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم بلا فصل وأنها قطعية، وإنما اختلفوا في وصف الدلالة عليها هل
هي جلية أم خفية وذلك مما لا يجب معرفته، وإنما هو من متعلقات
المسألة المذكورة وفروعاتها ومثل ذلك لا يضر الاختلاف فيه ولا يقدح
في دقة نظرهم وسمو درجتهم كما في سائر الفرعيات، هذا [ و ] قد مر
أن القول بإمامة الحسنين عليهما السلام بعد أبيهما هو قول جميع
الزيدية والإمامية والمعتزلة وجمهور الأشعرية بل جميعهم قبل صلح
الحسن عليه السلام ، لكن عند الزيدية والإمامية: ثبوت إمامتهما بنص
الخبر المذكور،وعند المعتزلة والأشعرية: بل بالعقد والاختيار،
وتأولوا الخبر بأن المراد منه أنهما يصلحان للإمامة بعد علي عليه
السلام ، واعترضوا استدلال الأصحاب بأنه لو كان المراد النص على
ثبوت إمامتهما لاقتضى ذلك عقيب النطق به فيصيران إمامين في زمن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزمن علي عليه السلام وهو باطل
إجماعاً، فلم يبق إلا أن المراد به الإخبار بالصلاحية وليس كل من
صلح صار إماماً.
(1/967)
فأشار عليه السلام
إلى هذه الشبهة وجوابها وبطلان ذلك التأويل بأن [ الإجماع ] من
الأمة [ منعقد على أنه لا ولاية لهما في زمن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، ولا في زمن علي عليه السلام إلا عن أمرهما، ] أي عن أمر
النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زمنه وعن أمر علي عليه السلام في
زمنه، فإذا أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أمرهم علي عليه
السلام في شيء مخصوص كان إليهما ولاية ذلك الأمر، [ و ] كذلك انعقد
الإجماع [ أنه لا ولاية لأخيه الحسين في زمن أخيه الحسن إلا عن
أمره، فبقيت ] أي فصارت [ الأوقات ] الثلاثة زمن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم وزمن علي عليه السلام بعده وزمن الحسن عليه السلام
بعد أبيه [ مخصوصة ] أي مخرجة ومستثناة عما يقتضيه ظاهر لفظ الخبر
[ بالإجماع. ] المذكور لأن الإجماع أحد الأدلة الشرعية التي يصح
تخصيص العام بها، وبقي زمن الحسن عليه السلام من عقيب وفاة أبيه
عليه السلام إلى أن قبضه الله إليه مسموماً، وزمن الحسين بعد أخيه
الحسن عليهما السلام من بعد عقيب وفاة أخيه إلى أن قبضه الله إليه
مظلوماً شهيداً بكربلاء داخلة تحت ما تناوله اللفظ الشريف والنص
الجلي المنيف وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الحسن والحسين
إمامان قاما أو قعدا " بلا شبهة ولا ريب.
(1/968)
إذا عرفت هذا فموضع
خلافٍ بيننا وبين المعتزلة في إمامة الحسن عليه السلام لا وجود له،
لأن العقد وقع له عقيب أن استشهد أمير المؤمنين عليه السلام ، ولم
ينعزل عندهم بالصلح بينه وبين معاوية لعنه الله تعالى، فبقي إماماً
إلى أن توفاه الله تعالى، وإنما موقع الخلاف هو بيننا وبين
الأشعرية في زمن الحسن عقيب الصلح إلى أن توفي رحمه الله تعالى،
وموضع الخلاف بيننا وبين المعتزلة في إمامة الحسين عليه السلام هو
منذ توفي الحسن إلى أن خرج الحسين من المدينة متوجهاً إلى مكة،
فكاتبه أهل الكوفة يطلبونه الوصول إليهم، فَقَدَّم قبله ابن عمه
مسلم بن عقيل بن أبي طالب رحمه الله فأخذ عليهم البيعة للحسين عليه
السلام فصار بذلك عندهم إماماً إلى أن استشهد صلوات الله عليه،
فأما قبل ذلك العقد فليس عندهم بإمام بل يصلح لها فقط، وكذلك قول
الأشعرية إلا أن ابن حجر ومن وافقه كالحشوية لم يعتدوا بإمامته
هذه، قال ابن حجر لعدم استقرارها، وأما الحشوية فعلتهم أن طريق
الإمامة القهر والغلبة، وقد مر أن كلام ابن حجر يؤول إليه وإن
تحاشى عنه في تصحيحه إمامة معاوية اللعين بعد الصلح.
(1/969)
وحجتنا عليهم الجميع:
دلالة الخبر، فقد قضت بثبوت إمامة الحسن بعد أبيه ثم الحسين بعد
أخيه من دون فصل وتفريق حسبما ذكره المخالفون، ويؤكده قوله صلى
الله عليه وآله وسلم: " قاما أو قعدا "، فإن هذا منه صلى الله عليه
وآله وسلم إشارة إلى زمن الحسن بن علي عليهما السلام بعد الصلح،
وزمن الحسين بعد الحسن قبل العقد له بالكوفة، فهما في ذينك الزمنين
قاعدين عن القيام بأعباء الإمامة وتقلد أمر الزعامة، فنص صلى الله
عليه وآله وسلم أن إمامتهما في ذينك الزمنين ثابتة كثبوتها حال
قيامهما وجهادهما، وإن كانت ثابتة حال قعودهما فثمرة ثبوتها لهما
أنهما تجب طاعتهما إذا أمرا بما أمره إلى الأئمة وأن ولاية الحدود
إليهما، فإذا أتي إليهما بمن لزمه حد صح إقامتهما عليه ذلك، وأنه
لا يجوز تولي شيء مما أمره إلى الأئمة كالتولي على القضاء وقبض
الزكوات لمن يتولاه من طرف معاوية العنيد وولده يزيد الشيطان
المريد مهما لم يأذن له الموجود منهما عليهما السلام، فإن أذن صحت
ولاية ذلك الشخص فيما تولاه استناداً إلى الأذن لا إلى تلك التولية
التي من جهة معاوية ويزيد، وعلى هذا يحمل ما وقع من خيار الصحابة
رضي الله عنهم من التولي من معاوية ويزيد كخروج أبي أيوب الأنصاري
للجهاد حتى توفي في القسطنطينية من طرف معاوية.
(1/970)
تنبيه: وأما ما يذكره
بعض أصحابنا من الاستدلال على إمامة الحسنين عليهما السلام بعد
فراغهم من الاستدلال بالخبر النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام
من قولهم: وبعد فقد وقع العقد والاختيار لكل واحد منهما ممن يعتد
به، وبعد فكل واحد منهما قام ودعا مع كمال الشروط، أو الاحتجاج
بأنهما أفضل أهل زمانهما، فلا حجة فيه على الخصم لإمكانه المعارضة
بمثل ذلك، ولأن الأفضلية لا تقتضي الإمامة بمجردها وإنما هي شرط
كما سيأتي، فلا بد معها من النص والقيام والدعوة، ولأن العقد أو
القيام أو الدعوة لا يتناولا أزمنة الخلاف المذكور بيننا وبين
المعتزلة، بل في الاحتجاج بذلك على إثبات إمامتهما إخراج تلك
الأزمنة التي ظهر فيها ثمرة الخلاف بيننا وبين المعتزلة والأشعرية
بمفهوم المخالفة فتأمل.
وأثبت دليل يستدل به على ثبوت إمامتهما عليهما السلام بعد
الاستدلال بالخبر المذكور: هو إجماع العترة عليهم السلام على إمامة
الحسن بعد أبيه، ثم الحسين بعد أخيه من دون فصل بين زمني قيامهما
وزمني قعودهما، وإجماع العترة عليهم السلام حجة قطعية كما تقدم
تقريره، فتقرر بذلك ثبوت إمامة الحسنين عليهما السلام على الترتيب
المذكور.
(1/971)
الرد على من زعم صحة
إمامة معاوية وولده يزيد
وبقي الكلام في الرد على من زعم صحة إمامة معاوية العنيد وولده
الشيطان المريد.
فنقول: لقد كان معاوية أحقر من أن يتسم بسمة الإمامة أو يتسنم كاهل
الزعامة، لأنه كما ورد في الخبر النبوي على صاحبه أفضل الصلاة
والسلام: " فرعون هذه الأمة "، ?فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ
فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ? {الزخرف:54}،
ولأنه لا شبهة أنه كان ووالده أبو سفيان اللعين حرباً للرسول صلى
الله عليه وآله وسلم في المواطن كلها، حتى نصره الله تعالى عليهما
وعلى كل كافر من أهل مكة ومن حولها يوم الفتح فاستسلما فيمن استسلم
ليحصنا بذلك دماءهما ويحفظا بذلك أعراضهما وأموالهما، وقد كان أمير
المؤمنين عليه السلام بعد مقتل عثمان إماماً بإجماع الأمة إلا من
دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخذلان، فلا اعتداد
بخروجه عن جماعة الحق وجميع أهل الصدق، وبايع أمير المؤمنين جميع
المهاجرين والأنصار وغيرهم ممن كان بالمدينة وسائر الحجاز والعراق
وجميع أقطار الإسلام ما خلا أهل الشام، فشقوا عصا الإسلام واتبعوا
ذلك الفجور الظلام، ولا قائل بصحة إمامته سواهم من أهل الإسلام مدة
زمن علي عليه السلام ، ومنذ قام ولده الحسن عليه السلام إلى عند أن
وقع الصلح.
وحينئذ فلا نحتاج في إبطال إمامته قبل ذلك الصلح، بل بطلانها معلوم
بلا ريب ضرورة أنه باغ على ذينك الإمامين الأعظمين، ولا صحة لإمامة
الباغي بضرورة الدين وإجماع جميع المسلمين، لكن عقيب ذلك الصلح هو
الذي ناسب فيه أهل الضلال من علماء الأشاعرة وبعض أهل الحديث،
فحسنوا الظن بمعاوية لعنه الله واعتقدوا صحة إمامته، وهو عن
الصلاحية لها بمعزل ومكان بعيد إذ هو جبار عنيد.
(1/972)
وليتأمل طالب الحق
كيفية وقوع الصلح الذي اعتمده أهل الضلال في تصحيح إمامة ذلك
المختال وأول كل مضل دجال، ذكر أهل السير والأخبار والمؤرخين منهم
ابن قتيبة في كتاب السياسة والإمامة، والشيخ أبو الفرج الأصفهاني
في مقاتل الطالبيين، وأبو العباس الحسني في مصابيحه، والحجوري في
روضته، والسيد الإمام أحمد الشرفي في الآلي المضيئة، كما حكى ذلك
صاحب المنشورات عن أبي العباس والحجوري والسيد أحمد، ودخل خبر
بعضهم في بعض، إلا أني أنقل في هذا الموضع حاصل كلام الجميع مع ترك
ما لا حاجة له، وذلك لما قبض الله سبحانه وتعالى سيد الوصيين إليه
شهيداً على يد أشقى الآخِرِين عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله تعالى،
بايع الناس الذين كانوا مع أمير المؤمنين عليه السلام ولده الإمام
أبي محمد الحسن عليه السلام ، فانزعج لذلك معاوية اللعين واستمر
على إصراره على البغي، فكتب إلى رؤساء الشام وجميع من معه من أولئك
الجبابرة الطغام وسار قاصداً للعراق وخارجاً لقتال ذلك الإمام
والبغي عليه عليه السلام ، وكان عساكره في أيام أمير المؤمنين
تحتوي على مائة وأربعة وعشرين ألفاً، وقيل أكثر وكان بعد مشهد أمير
المؤمنين عليه السلام أكثر وطأة وأشد قوة وأكثر أتباعاً، قال أبو
الفرج رحمه الله تعالى في صفة كتاب معاوية إلى عماله بالنواحي لجمع
الأجناد: أنه كتب ما لفظه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله
معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان ومن قبله من المسلمين، سلام
عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فالحمد
لله الذي كفاكم مؤنة عدوكم وقتلة خليفتكم، إن الله بلطفه وحسن
صنعته تيح لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباد الله فاغتاله فقتله فترك
أصحابه متفرقين مختلفين،وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون
الأمان لأنفسهم وعشائرهم فأقبلوا إليَّ حين يأتيكم كتابي بجدكم
وجندكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل،
وأهلك الله
(1/973)
أهل البغي والعدوان
والسلام عليكم ورحمة الله.
قلت وبالله التوفيق: فهذا لفظ كتابه برواية أبي الفرج رحمه الله
تعالى، وكان من الأمويين ينتهي نسبه إلى مروان بن الحكم، إلا أنه
كان من العلماء أهل الخبرة بالسير والأخبار غير متهم عند أهل العلم
والدراية، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه، فتأمله أيها المطلع كم فيه
من تغرير وتزوير وكلام باطل.
أولاً قوله: كفاكم الله مؤنة عدوكم وقتلة خليفتكم. وهذا من الزور
والافتراء حيث يجعل أمير المؤمنين عدو المسلمين وحاشاه عليه السلام
بل هو إمام المسلمين وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم.
ثانياً: نسبته قتل الوصي إلى لطف الله وحسن صنعته، ولا شك أن قتل
أمير المؤمنين عليه السلام هو من أقبح القبائح وأكبر الفضائح ولا
يجعل الله اللطف فيما هو قبيح.
ثالثاً:قوله: وحسن صنعته. حيث ينسب ذلك الفعل القبيح إلى الله
تعالى ويصفه بالحسن.
رابعاً: مدحه أشقى الآخرين قوله: تيح له رجلاً من عباد الله.
خامساً:قوله: فترك أصحابه متفرقين مختلفين. وهذا محض الافتراء لأن
الأخبار والآثار أفادت اتفاق من كان مع أمير المؤمنين عليه السلام
على البيعة والائتمام بالحسن عليه السلام .
سادساً: قوله وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقاداتهم يلتمسون الأمان
لأنفسهم وعشائرهم، إنما أراد به التلبيس بما لا أصل له، كل ذلك
لئلا يتطرق إلى فكر أحد منهم ثبوت إمامة الحسن عليه السلام بعد
أبيه صلوات الله وسلامه عليه.
(1/974)
كتاب الحسن عليه
السلام إلى معاوية
وحكى أبو الفرج وغيره أنه لما بويع الحسن عليه السلام كتب إلى
معاوية: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله الحسن أمير المؤمنين
إلى معاوية بن أبي سفيان سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا
إله إلا هو أما بعد: فإن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله
وسلم رحمة للعالمين ومنة على المؤمنين، وساق كلاماً في شأن بعثة
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوله: فلما توفى صلى الله
عليه وآله وسلم تنازعت سلطانه العرب وسلمت ذلك، ثم حاججنا قريشاً
بمثل ما حاججة به العرب فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم
أخذوا هذا الأمر بالإنصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهل البيت إلى
محاججتهم وطلب النصف منهم باعدونا واستولوا بالإجماع على ظلمنا
ومراغمتنا والعيب منهم لنا، فالموعد الله وهو الولي والنصير، وقد
عجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا، وإن كانوا ذوي
فضيلة وسابقة في الإسلام، فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن
يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزاً يثلمونه به أو يكون لهم بذلك
سبب لما أرادوا من إفساده فلليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا
معاوية على أمر لست من أهله لا بفضل في الدين معروف ولا أثر في
الإسلام محمود وأنت ابن حزب من الأحزاب وابن أعداء قريش لرسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم ولكتابه، والله حسبك فسترد فتعلم لمن عقبى
الدار، وتالله لتلقين عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدمت يداك وما
الله بظلام للعبيد، إن علياً عليه السلام لما مضى لسبيله رحمة الله
عليه يوم قبض ويوم من الله عليه بالإسلام ويوم يبعث حياً، ولاَّني
المسلمون الأمر بعده إلى قوله عليه السلام : فدع التمادي في الباطل
وادخل فيما دخل الناس فيه من بيعتي، فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر
منك عند الله وعند كل أواب حفيظ ومن له قلب منيب، واتق الله ودع
البغي واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك من خير في أن
(1/975)
تلقى الله من دمائهم
بأكثر مما أنت لاقيه به، وأدخل في السلم والطاعة ولا تنازع الأمر
أهله ومن هو أحق به منك ليطفيء الله الثائرة بذلك ويجمع الكلمة
ويصلح ذات البين، فإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك نهدت إليك
بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وأرسل
عليه السلام بهذا الكتاب جندب بن عبد الله الأزدي.
فأجابه معاوية لعنه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية أمير
المؤمنين إلى الحسن بن علي، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي
لا إله إلا هو أما بعد: فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت به رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم من الفضل وهو أحق الأولين والآخرين
بالفضل كله إلى قوله: وذكرت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وتنازع المسلمين من بعده، فرأيتك صرحت بتهمة أبي بكر الصديق وعمر
الفاروق وأبي عبيدة الأمين وحواري الرسول وصلحاء المهاجرين
والأنصار فكرهت ذلك لك، إلى قوله: وقد فهمت الذي دعوتني إليه من
الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال الذي كنتم عليها
وأبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو علمت أنك أضبط
مني للرعية وأحوط على هذه الأمة وأحسن سياسة وأقوى على جمع المال
وأكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلاً، ولكن
قد علمت أني أطول منك ولاية وأقدم منك لهذه الأمة تجربة، وأكثر منك
سياسة، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في
طاعتي ولك الأمر من بعدي ولك ما في العراق من مالٍ بالغاً ما بلغ،
فاحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أي العراق شئت معونة على نفقتها
يجبيها أمينك ويحملها إليك في كل سنة، ولك أن لا نستولي عليك
بالأشياء، ولا نقضي دونك الأمور، ولا نعصي في أمر أردت به طاعة
الله، أعاننا الله وإياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء والسلام.
(1/976)
قال جندب: فلما أتيت
الحسن عليه السلام بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائر إليك فابدأه
بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فأما أن تقدر أن ينقاد
لك فلا والله حتى يرى يوماً أعظم من يوم صفين، فقال عليه السلام :
أفعل. ثم قعد عن مشورتي وتناسى قولي.
قلت وبالله التوفيق: فهذا كتاب الحسن عليه السلام وهذا جواب معاوية
لعنه الله، فانظر أيها الطالب الرشاد إلى الأصل والجواب، وتأملهما
تجد الأصل جارياً على محض الحق والصدق لم يعد وجه الصواب في شيء
ولم يشتمل على كذبة أو تزوير بشيء، وإنما هو دعا لمعاوية إلى
الدخول في طاعة الله والرجوع إلى أمر الله وحقن دماء المسلمين بجمع
الكلمة، واحتجاج عليه بالحجة الصحيحة القاطعة أن أهل البيت عليهم
السلام أولى بسلطان أبيهم، إذ هم أقرب الناس إليه لأن قريشاً إنما
أخذت الأمر من سائر العرب بهذه الحجة، فكان أهل البيت عليهم السلام
بمقتضى هذه الحجة أولى بالإمامة والتولي على الأمة، غير أن قريشاً
ما أنصفتهم بمقتضاها فلم يكن من أهل البيت عليهم السلام إلا النظر
فيما يصلح الأمة المحمدية وهو عدم شق الإسلام ولما تستقر قواعده
وترد شوارده وتعقل عوابده مع كون الناس قد بايعوا أبا بكر، ولم
تحصل لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيعة وليس معهم ناصر سوى
نفر يسير لا يظنون بهم نصرة فرأوا الصلاح في مجاملة المتوثبين
عليهم ممن مضى، ثم قال لمعاوية لعنه الله تعالى: إنا لا نعجب إلا
من ثوثبك الآن مع كونك لست من أهل هذه الأمر إلى آخر ما ذكره عليه
السلام ، ولا موجب لمحاماتك حيث أن الإسلام قد تقررت قواعده واتسع
نطاقه وعلت شوكته وبايعني الناس المسلمون أجمع إلا أنت ومن إليك،
فالواجب عليك السمع والطاعة وعدم شق العصا وحقن دماء المسلمين
بالدخول في طاعتي وعدم البغي علي ومنازعتي، فهذا معنى كلام الحسن
عليه السلام وهو الحق المحض والصدق الخالص مع قوله تعالى: ?يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
(1/977)
اتَّقُوا اللَّهَ
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ? {التوبة:119}، وقوله تعالى:
?أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ
مِنْكُمْ ? {النساء:59}، وقوله تعالى: ? يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا
دَاعِي اللَّهِ? {الأحقاف:31}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "
الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا "، وقوله صلى الله عليه وآله
وسلم: " أهل بيتي كسفينة نوح "، " إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله
وأهل بيتي "، " إني تارك فيكم الثقلين "، إلى غير ذلك من الأدلة
الدالة على وجوب دخول معاوية وحزبه تحت طاعة الحسن إن كانوا
مسلمين، ثم ختم بتهديده معاوية بقوله عليه السلام : وإلا نهدت إليك
بالمسلمين. أي فحاكمتك إلى السيف عملاً بقوله تعالى: ?وَلْيَجِدُوا
فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ?
{التوبة:123}.
(1/978)
وتأمل جواب معاوية
تجده ليس إلا بمحض المغالطة لم يستند في أمره ورئاسته إلى حجة
شرعية ولا دلالة من العقل قطعية، بل مجرد طلب أن يجري مجرى أبي بكر
من عدم منازعته وتسليم الأمر إليه وتعلله بما يراه ويتبع فيه هواه
أنه أضبط للرعية وأحوط لهذه الأمة، ثم المخادعة بقوله: فادخل في
طاعتي ولك الأمر من بعدي. وبذل الأموال للحسن عليه السلام لمقابل
أن يتنحى عن الأمر الواجب عليه القيام به فهو من باب الإرشاء على
إدحاض الحق، وتطميعاً للحسن عليه السلام أن يبيع الدين بالدنيا، مع
أن ما يبذله للحسن عليه السلام هو في يد الحسن، لكن عدو الله يزخرف
قوله الباطل بكل صورة ويتوصل إلى مرامه العاطل بكل حيلة كما في
قوله: ولك الأمر من بعدي. مع أن نيته خلاف ذلك، وحاشا الحسن عليه
السلام أن يكون طامعاً في مال أو أمر لولا ما وجب عليه من القيام
بأمر الأمة، ثم ختم كلامه بما يروم به استخداع الحسن عليه السلام
من قوله: ولك أن لا نستولي عليك بالأشياء ولا نقضي دونك الأمور ولا
نعصي في أمر أردت به طاعة الله، فلما كان ذلك قبل خذلان أصحابه له
مع ظنه عليه السلام أنهم في يده فيقاوم معاوية لعنه الله كما قاوم
الوصي عليه السلام لم يجبه إليها بمجرد هذه المكاتبة كما ذلك هو
الواجب عليه.
قال أبو الفرج رحمه الله تعالى: وكتب معاوية إلى الحسن عليه السلام
وذكر الكتاب إلى قوله متهدداً للحسن عليه السلام بما لفظه: واحذر
أن تكون منيتك على يدي رعاع من الناس وايئس من أن تجد فينا غميرة،
وإن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت وأجزت لك ما
اشترطت إلى آخر ما ذكره تركته اختصاراً.
(1/979)
قال صاحب المنشورات
رحمه الله تعالى: ثم إنه أي الحسن عليه السلام أحسن مدارات أصحاب
أبيه وأصحابه وقضى بالحق وعدل في الرعية وقسم بالسوية، قيل وألف
جماعة من الرؤساء العظماء المتبوعين فزاد لهم ما يؤلف به قلوبهم
فسموا ذلك مال البيعة، وأقبل الناس إليه وأحبوه، فثقل ذلك على
معاوية اللعين فجمع جموعه وحزب أحزابه واستنصر بكل باغ معاند من
القاسطين ونهض من الشام في جموعه وأحزابه، وقلقل ركابه لقصد قتال
ابن سيد الأولين ولهلاك المطهرين في سلطان عظيم وقلب غير رحيم
وأموال حملها طال ما جمعها من حين ولاه عمر بن الخطاب على الشام
إلى أن قتل أمير المؤمنين عليه السلام ، وما قتل علي عليه السلام
إلا وقد عظم سلطان معاوية من بعد قتال صفين، إلى أن قال حاكياً عن
السيد أحمد الشرفي رحمه الله تعالى في اللآلىء المضيئة: واتفقت
روايتهم على ذلك مع رواية أبي الفرج وهو أنه لما أجتمعت العساكر
إلى معاوية وسار قاصداً إلى العراق وبلغ الحسن بن علي عليهما
السلام خبر مسيره وأنه قد بلغ منبج، فتحرك عند ذلك الحسن عليه
السلام وأمر حجر بن عدي رحمه الله يأمر العمال والناس بالتهيء
للمسير إلى أن قالوا: ثم إن الحسن عليه السلام سار في عسكر عظيم
وعدة حسنة حتى أتى دير ابن عبد الرحمن فأقام به ثلاثاً حتى اجتمع
الناس، ثم دعا عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وقال له: يا ابن
عم إني باعث معك اثني عشر ألفاً، زاد أبو العز: من فرسان العرب
وقري المصر الرجل منهم يرد الكتيبة، فسر بهم وألن لهم جانبك وابسط
وجهك وافرش لهم جناحك وادنهم من مجلسك، فإنهم بقية ثقة أمير
المؤمنين صلوات الله عليه، وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم
الفرات ثم إلى مسكن، ثم امض حتى تستقبل معاوية، فإن أنت لقيته
فاحبسه حتى آتيك، فإني في أثرك وشيكاً، وليكن خبرك عندي في كل يوم،
وشاور هذين يعني قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي وسعيد بن قيس
الهمداني رحمهما الله تعالى، فإذا أنت لقيت
(1/980)
معاوية فلا تقاتل حتى
يقاتلك، فإن فعل فقاتله فإن أصبت فقيس على الناس فإن أصيب قيس فسعد
على الناس، فسار عبيد الله بن العباس حتى أتى مسكن إلى قوله: ثم إن
معاوية وافى حتى أتى قرية يقال لها الجنوبية بمسكن وأقبل عبيد الله
بن العباس حتى نزل بإزائه، فلما كان من غد وجه معاوية لعنه الله
بخيله إليه فخرج إليهم عبيد الله فيمن معه فضربهم حتى ردهم إلى
معسكرهم، وفي المنشورات عن الحجوري في روايته عن الحسن بن زيد بن
علي عليهم السلام: فلما أراد الحسن الخروج من الكوفة إلى الشام
أنفذ معقل بن قيس الرباحي وشريح بن هاني الحارثي وعبد الرحمن بن
أبي ليلى الأوسي فاستنفروا له أربعين ألفاً وعقد لقيس بن سعد بن
عبادة وولاه، ثم أنفذ في المقدمة عبيد الله بن العباس في أربعة
آلاف ومعه قيس بن سعد الهمداني في أصحابه.
قلت: ولعلهم كانوا وفاء الاثني عشر الألف جمعاً بين الروايات، قال:
فنزل عبيد الله بن العباس ثَمَّ أرض الجزيرة فكاتبه معاوية وخدعه،
وفي رواية أبي الفرج: فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن
العباس أن الحسن قد رسالني في الصلح وهو مسلم الأمر إلي فإن دخلت
في طاعتي الآن كنت متبوعاً وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن
ألف ألف درهم يعجل لك في هذا الوقت نصفها وإذا دخلت الكوفة النصف
الآخر. فانسل عبيد الله ليلاً فدخل عسكر معاوية فوفى له بما وعد
يعني الخمس المائة الألف المعجلة، وفي المنشورات عن روضة الحجوري
بعد قوله المذكور آنفاً فكاتبه معاوية فخدعه ما لفظه: وبعث إليه
بثلاث مائة ألف، فانسل عن أصحابه ليلاً فصار إلى معاوية.
(1/981)
قلت: ولا تنافي بين
الروايتين لإمكان الجمع بين الخمس المائة الألف المعجلة أرسل منها
إلى عبيد الله ثلاث مائة ألف ثم استوفى مائتي ألف عند أن وصل إلى
معاوية، قالوا: فأصبح الناس ينتظرون خروجه فيصلي بهم فلم يجدوه،
فصلى بهم قيس بن سعد، ثم خطبهم فقال: أيها الناس لا يهولنكم ولا
يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله اليرع - يعني الجبان - ثم ساق
في خطبته كلاماً له ذم عبيد الله وأبيه وأخيه وأنهم لم يأتوا بيوم
خير قط، فلا اعتداد ولا التفات إلى ما صنع الرجل، قال فتنادى الناس
الحمد الله الذي أخرجه من بيننا انهض بنا إلى عدونا.
(1/982)
رجع الكلام إلى خبر
الحسن عليه السلام قالوا: وخرج الحسن عليه السلام في خمسة وعشرين
ألفاً حتى نزل المدائن، فكتب معاوية اللعين إلى رؤوس من مع الحسن
عليه السلام : أن قيس بن سعد قد بايعني وجعل يكتب إلى الرجل منهم:
أن لك أرض كذا وكذا. حتى بايعوه، وثاروا على الحسن عليه السلام ذات
عشية فطعنه رجل - قيل أسدي - في جنبه طعنة، وقيل في فخذه ونهبوا
ثقله فثار إلى القصر الأبيض ليدخله فحصروه في بعض القصر، وكتبوا
إلى معاوية أن اقدم، وقيل أنه عليه السلام سقط عن بغلته وأنه أغمي
عليه وبقي في المدائن عشرة أيام، وقيل أكثر، وتفرق عنه أصحابه وغلب
معاوية على الأمر، وكتب معاوية إلى الحسن عليه السلام : أن قيس بن
سعد قد بايعني وأن أصحابك قد ثاروا عليك فَلِمَ تقتل نفسك، هكذا
رواه صاحب المنشورات عن الحجوري، وذكر أن الحسن عليه السلام خطب
أصحابه بعد أن ظهر له من أمرهم ما ظهر، وقد كاتبهم معاوية وهم
يكتمون منه وينتظرون فرصة يثورون عليه، فقال فيها بعد أن حمد الله
وأثنى عليه فقال: أما بعد، فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد
الله ومنه، وأنا أنصح خلقه لخلقه، وما أصبحت متحملاً على مسلم
معتبة ولا مريداً له بسوء ولا غائلة ألا وأن ما تكرهون خير لكم مما
تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيراً لأنفسكم، قال: فنظر
الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: ما ترونه يريد؟ وقالوا: نظنه والله
يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل،
ثم شدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاة ومطرفة عن عاتقه فبقي
جالساً متقلداً السيف من غير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه وأحدق به
طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده، فقال: ادعوا لي ربيعة
وهمدان، فدعوا له فأطافوا به ومنعوا عنه الناس ومعهم شوب من غيرهم،
فلما مر في مظلم ساباط قام إليه الجراح بن سنان الأسدي فأخذ بلجامه
وبيده مِعول، فقال: الله أكبر يا حسن أشركت كما أشرك أبوك ثم
(1/983)
طعنه فوقعت في فخذه
فشقه حتى خالطت إربيته، فسقط الحسن عليه السلام إلى الأرض بعد أن
ضرب الذي طعنه واعتنقه، فخرا جميعاً إلى الأرض، فوثب عبد الله بن
الخطل الطائي فنزع المعول من يده فخضخضه وأكب طبيان عليه فقطع
أنفه، ثم قتلوه وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن وبها
سعد بن مسعود الثقفي والياً عليها من قبله، وكان علي عليه السلام
ولاه فأقره الحسن عليه السلام ، حكى هذه القصة عن أبي الفرج وهي في
مقاتل الطالبيين باختلاف يسير، ظاهر هذا أن الانتهاب وما ذكر معه
كان قبل وصوله عليه السلام إلى المدائن حتى حمل على سرير إلى
المدائن، وظاهر ما مر عن الحجوري: أن ذلك في المدائن،فيحتمل أن
الأول نظر إلى بلاد المدائن وناحيتها، وأن هذا نظر إلى نفس المدينة
التي بها عامله فلا تنافي والله أعلم.
(1/984)
ثم عاد الكلام إلى
خبر قيس بن سعد الخزرجي رحمه الله تعالى: قالوا وكتب معاوية لعنه
الله تعالى إلى قيس بن سعد يدعو إلى مثل ما دعا إليه عبيد الله بن
العباس ويعطيه ألف ألف درهم، فكتب إليه قيس لا والله لا تلقاني
أبداً إلا بيني وبينك الرمح أو السيف، فكتب إليه معاوية: إنما أنت
يهودي بن يهودي تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك فإن ظهر أحد
الفريقين إليك نبذك وعزلك وإن ظهر أبغضهما إليك نكل بك وقتلك الخ
ما ذكره. فأجابه قيس: إنما أنت وثن من هذه الأوثان دخلت في الإسلام
كرهاً، وأقمت عليه فَرَقاً، وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه
نصيباً،لم يقدم إسلامك إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حرباً لله
ولرسوله، وحزباً من أحزاب المشركين، فأنت عدو الله ورسوله
والمؤمنين من عباده، إلى قوله: وزعمت أني يهودي ابن يهودي وقد علمت
وعلمنا أن أبي من أنصار الدين الذي خرجت منه ومن أعداء الدين الذي
دخلت فيه وصرت إليه والسلام. وفي هذا الكتاب من رواية صاحب
المنشورات رحمه الله تعالى: ولئن سرت إلي شبراً لأسيرن إليك
ذراعاً، ولئن سرت إلي ذراعاً لأسرين إليك باعاً، ولئن سرت إلي
باعاً لأهرولن إليك، قالوا: ثم إن قيس رحمه الله تعالى بعد أن خطب
أصحابه بالخطبة التي مر ذكرها حتى أجابه أصحابه: فانهض بنا إلى
عدونا. نهض بهم وخرج إليهم بسر بن أرطأه في عشرين ألفاً على رواية
أبي الفرج أو اثني عشر على رواية صاحب المنشورات فصاحوا بهم: هذا
أميركم قد بايع - يعنون عبيد الله بن العباس ـ، وهذا الحسن بن علي
قد صالح فعلام تقتلون أنفسكم، فقال قيس بن سعد: اختاروا إحدى
اثنتين إما القتال من غير إمام أو تبايعوا بيعة ضلال، فقالوا:
نقاتل بلا إمام فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم،
قالوا: وإن معاوية لعنه الله أرسل رجلين أحدهما عبد الله بن عامر
والآخر المغيرة بن شعبة كما في المنشورات أو عبد الرحمن بن سمرة
كما في المقاتل إلى الحسن بن علي
(1/985)
عليه السلام للصلح
فدعواه إليه وزهداه في الأمر وأعطياه ما شرط له معاوية وأن لا يتبع
أحداً مضى ولا ينال أحداً من شيعة علي عليه السلام بمكروه ولا
يُذكَر علي عليه السلام إلا بخير وأشياء اشترطها، فأجابه الحسن
عليه السلام إلى ذلك وانصرف قيس فيمن معه إلى الكوفة، وانصرف الحسن
عليه السلام واجتمع إليه وجوه الشيعة وأكابر أصحاب أمير المؤمنين
عليه السلام يلومونه ويبكون إليه جزعاً مما فعله، هكذا ذكره في
المقاتل وفي المنشورات أن سبب اضطراب الحسن عليه السلام أن الرجلين
المرسلين من جهة معاوية لما أتيا الحسن وهو بالقرب من المدائن
فكلماه في الصلح ثم خرجا من عنده هما ومن معهما من الواصلين
بمعيتهما وهم يقولون: إن الله تعالى قد حقن بابن رسول الله الدماء
وسكن به الدهماء والفتنة وأجاب إلى الصلح، فاضطرب العسكر ولم يشك
الناس في صدقهم فوثبوا بالحسن عليه السلام فانتهبوا مضاربه وما
فيها، فركب الحسن فرسه وسار في مظلم ساباط، وقد كمن له الجراح بن
سنان الخ ما ذكره في القصة السابقة ذكرها بعد وقوع خطبته عليه
السلام المذكورة آنفاً، فلعل أن الحسن عليه السلام بعد أن خرج من
لديه الرجلان ومن معهما خرج إلى المسجد فصعد المنبر كما ذكره أبو
الفرج وخطب تلك الخطبة، فخرج بعد ذلك من المسجد وسار على فرسه فكان
ما كان من النهب ونحوه الخ ما ذكر، فلا تنافي بين الروايات، وقد
ظهر من جميع الروايات أن أصحاب الحسن عليه السلام كانوا أخلاطاً
فيهم بقية من الخوارج وهم الذين قالوا له عند أن ظهر لهم السعي
بالصلح قالوا: كفر والله الرجل، ومنهم جراح بن سنان الأسدي لعنه
الله، وفيهم من هو في الظاهر مع الحسن وفي الباطن مع معاوية وهم
الذين كانوا يكاتبونه قبل الصلح ويكتمون أمرهم عن الحسن، وفيهم أهل
ريب وشك ونفاق يميلون مع كل مائل، وفيهم من كان يؤثر الحياة الدنيا
على الآخرة وهم الذين كاتبهم معاوية ويكتب إلى الرئيس عليهم: لك
أرض كذا وأرض كذا،
(1/986)
فيقبلون ذلك ويعدوه
بالخذلان للحسن عليه السلام ويرتقبون الفرصة ليثورون عليه، فلما
فعلوا ذلك كتبوا إلى معاوية لعنه الله: أن أقدم، وفيهم الشيعة
الخلص وهم الذين استمروا على ما هم عليه من المحبة والجهاد حتى لم
يبق لهم إلا الكف عن القتال وحقن دمائهم عند أن جرى الأمر بالصلح
وهم الأقلون في الناس الأعظمون عند الله تعالى.
وعلم من هذا الكلام أن الحسن عليه السلام لم يجب إلى الصلح إلا بعد
أن عرف من أصحابه الخذلان والخذلة له، قال المنصور بالله عبد الله
بن حمزة عليهما السلام لما كان من صلح الحسن عليه السلام لمعاوية
لعنه الله ما كان لقيه أناس من شيعته وشيعة أبيه فقالوا له بلسان
واحد: يا مذل المؤمنين ويا مسود وجوه المسلمين، فلما سمع عليه
السلام الكلام منهم دخل المسجد وارتقى المنبر وكان من كلامه عليه
السلام : أيها الناس والله ما بين جابرس وجابلق ابن بنت نبي غيري
وغير أخي، فليكن استماعكم لكلامي على قدر معرفتكم بي، إنا كنا
نقاتل وفينا الصبر والحمية فقد شيب الصبر بالجزع والحمية بالعداوة،
وإنكم قد أصبحتم بين باكيين باك يبكي لقتلى صفين وباك يبكي لقتلى
النهروان وأنا ثائر وقد دعيتم إلى أمر ليس فيه رضا ولا نصفة، فإن
كنتم تريدون الله واليوم الآخر حاكمناهم إلى ضبا السيوف وأطراف
الرماح، وإن كنتم تريدون البقية أخذنا لكم العافية، فتنادى الناس
من جوانب المسجد: البقية البقية. فلما سمع الحسن عليه السلام ذلك،
وقد كان عرف بواطنهم جرى بينه وبين معاوية مراسلات ومكاتبات حتى
أنفذ الصلح بينهما على شروط دينية ودنيوية، ومن جملة الشروط على أن
الأمر من بعد معاوية للحسن ثم للحسين ذكر ذلك صاحب المنشورات، قال:
وهذه رواية المنصور بالله عليه السلام في الشافي وهي رواية الحجوري
عن أبي العباس الحسني عليه السلام قال: وفي شرح بن أبي الحديد نحو
ذلك.
(1/987)
وعلى كف الأذى
والسباب، ورعاية شيعة علي عليه السلام وشيعة الحسن عليه السلام ،
وعلى أن يجري الأمور مجاريها الشرعية.
قال الحجوري: وروى أبو القاسم الآمدي أن الحسن ومعاوية التقيا
بمنزل بين الكوفة والشام فقال الحسن لمعاوية: ماذا تقاتلني عنه هل
غير الدنيا فإني قد اخترت ما عند الله وحقنت دماء المسلمين، فقام
المغيرة بن شعبة فسكت الناس وأنصتوا لكلامه فقال: أشهد أني سمعت
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إن ابني هذا سيد وسيصلح
الله بين فئتين من المسلمين به "، فجزاك الله خيراً يا ابن رسول
الله انتهى.
وقال ابن قتيبَة في كتاب السياسة والإمامة: إن الحسن عليه السلام
كاتب معاوية فأتاه فخلا به فاصطلح معه على أن لمعاوية الإمامة ما
كان حياً، فإذا مات فالأمر للحسن عليه السلام ، فلما تم صلحهما صعد
الحسن المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الله هدى
أولكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وكانت لي في رقابكم بيعة
تحاربون من حاربت وتسالمون من سالمت وقد سالمت معاوية وبايعته
فبايعوه وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين، وأشار إلى معاوية
انتهى.
(1/988)
قلت: ولا يخفى على من
توسم عبارة ابن قتيبة ما فيها من خدمة مذهبه الباطل واعتقاده
العاطل من تصحيح إمامة معاوية لعنه الله بعد الصلح، وإن كان ما
رواه عن الحسن عليه السلام صحيحاً، وذلك أنه قال: إن الحسن عليه
السلام كتب إلى معاوية وظاهرها أن ذلك ابتداء، لذلك لم يحك ما قد
وقع قبل ذلك من مخادعة معاوية، وخذلان أصحاب الحسن عليه السلام له،
وإرسال الرسولين المذكورين سابقاً من طرف معاوية إلى الحسن عليه
السلام للمصالحة كما حكى ذلك غيره من المؤرخين حسبما قد مر ذكره
عمن ذكرناه منهم، ثم قال: فأتاه فخلا به فاصطلح معه على أن لمعاوية
الإمامة ما كان حياً. وعبارة غيره: على أن الأمر من بعد معاوية
للحسن، كما مر في جواب معاوية على الحسن عليه السلام أو المكاتبة،
ولم يذكر لفظ الإمامة أحد في روايته سوى ابن قتيبة وإن كان يوافق
كلامه كلام الآخرين في أن معاوية يتولى الأمر وأن الحسن يتنحى عنه
ما دام معاوية حياً، لكن في عبارته دسيسة ليست في عبارة غيره وهي
ما ذكرناه من خدمة مذهبه الباطل واعتقاده العاطل، قالوا: ثم إن
معاوية لعنه الله تعالى خطب خطبة قال أبو الفرج: طويلة لم ينقلها
أحد من الرواة تامة وجاءت مقطعة في الحديث وسنذكر ما انتهى إلينا
من ذلك، ثم ذكر ما انتهى إليه منها كل قطعة بإسناداتها التي ذكرها
في المقاتل فلا حاجة إلى ذكرها هنا إذ القصد الاختصار.
فمنها: ما انتهى إلى الشعبي قال: خطب معاوية حين بويع له فقال: ما
اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها ثم انتبه
فندم فقال: إلا أهل هذه الأمة فإنها وإنها.
ومنها: ما انتهى إلى أبي إسحاق قال: سمعت معاوية بالنخيلة يقول:
ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به، قال
أبو إسحاق:وكان والله غدراً.
(1/989)
ومنها: ما انتهى إلى
سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية الجمعة بالنخيلة في الضحى ثم
خطبنا فقال: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا
ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لتأمري عليكم وقد
أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون، قال شريك في حديثه هذا: هو التهتك.
ومنها: ما انتهى إلى حبيب بن أبي ثابت قال خطب معاوية لما بويع
فذكر علياً فنال منه ونال من الحسن فقام الحسين ليرد عليه وأخذ
الحسن بيده فأجلسه ثم قام فقال: أيها الذاكر علياً أنا الحسن وأبي
علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدتي خديجة
وجدتك قبيلة فلعن الله أخملنا ذكراً والأصنا حسباً وشرنا قدساً
وأقدمنا كفراً ونفاقاً، فقال طوائف من أهل المسجد: آمين، قالوا:
فدخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة فبايعه أهل العراق
وبايعه من كان معتزلاً عن علي عليه السلام كسعد بن أبي وقاص وعبد
الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وغيرهم وسموا ذلك العام عام الجماعة
قال: ولما دخل معاوية الكوفة صعد المنبر وخطب فكان مما قاله: ما
أظهرني الله عليكم إلا وهو يريد ذلك، قال ولما بلغ الحسن عليه
السلام أدخل قيساً بن سعد بن عبادة رحمه الله ليبايع فأقبل على
الحسن عليه السلام فقال: أنا في حل من بيعتك؟ قال: نعم، وكان رجلاً
طويلاً يركب الفرس المشرف ورجلاه تخطان الأرض وما في وجهه طاقة
شعر، وكان يسمى خصي الأنصار، ولما أرادوا أن يدخلوه على معاوية وقد
وضعوا له كرسياً وجلس معاوية على سريره قال: إني قد حلفت أني لا
ألقاه إلا وبيني وبينه الرمح أو السيف فأمر معاوية برمح أو سيف
فوضع بينه وبينه ليبر في يمينه فقال له معاوية: أتبايع، قال: نعم،
فوضع يده على يمينه فلم يمدها إلى معاوية فأكب معاوية على قيس حتى
مسح على يده وما رفع قيس إليه يده هكذا حكاه أبو الفرج.
(1/990)
ثم روى بإسناده إلى
إسماعيل بن عبد الرحمن أن معاوية أمر الحسن عليه السلام أن يخطب
لما سلم إليه الأمر وظن أنه عليه السلام سيحصر فقال في خطبته: إنما
الخليفة من سئل بكتاب الله وسنة نبيه وليس الخليفة من سار بالجور
ذاك مَلِكٌ مَلَك مُلْكاً تمتع فيه قليلاً ثم تنقطع لذته وتبقى
تبعته وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين، قال: وانصرف الحسن
إلى المدينة فأقام بها، وانصرف معاوية إلى الشام بعد أن جعل على
الكوفة عاملاً من طرفه وكان الحسين بن علي عليهما السلام مع صنوه
عليه السلام يشاوره الأمر ويفضي إليه الأسرار قال صاحب المنشورات
رحمه الله تعالى: إن الحسين بن علي صلوات الله عليه لما رأى أخاه
الحسن عليه السلام مجمعاً على الصلح عند ذلك خاض مع أخيه خوضاً
طويلاً فبين له الحسن حقيقة الأمر وخيانة أصحابه حتى بني عمه وأنه
لم يبق على النصح إلا أعيان صالحين وزهاد متقين، وفي ذلك ما رواه
السيد أحمد عن الحاكم من كتاب السفينة عن عمارة بن ربيعة قال: قال
الحسين للحسن عليهما السلام: أجاد أنت فيما أرى من موادعة معاوية؟
قال: نعم، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ثلاثاً، قال: لو لم نكن
يا أخي إلا في ألف رجل لكان ينبغي لنا أن نقاتل على حقنا حتى ندركه
أو نموت وقد أعذرنا، فقال الحسن عليه السلام : وكيف لنا يا أخي
بألف رجل من المسلمين، إني أذكرك الله أن تفسد علي ما أريد أو ترد
علي أمري، فوالله ما ألوك نفسي وأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم
خيراً، إنك ترى ما نقاسي من الناس وما كان يقاسي منهم أبوك من
قبلنا حتى كان يرغب إلى الله سبحانه وتعالى في فراقهم في كل صباح
ومساءٍ، ثم قد رأيت ما صنعوا بي أفبهؤلاء نرجوا أن ندرك حقنا، إنا
يا أخي اليوم في سعة وعذر كما وسعنا العذر حين قبض نبينا محمد صلى
الله عليه وآله وسلم، فكف الحسين عليه السلام وسكت، وذكر ابن قتيبة
في ابتداء الأمر والمبايعة للحسن عليه السلام أن الناس أتوا الحسن
بن
(1/991)
علي عليهما السلام
فقال لهم: تبايعوا لي على السمع والطاعة وتحاربون من حاربت
وتسالمون من سالمت. فلما سمعوا ذلك ارتابوا وأمسكوا أيديهم وقبض هو
يده، فأتوا الحسين عليه السلام فقالوا له: أبسط يدك نبايعك على ما
بايعنا عليه أباك وعلى حرب المحلين الظالمين أهل الشام فقال الحسين
عليه السلام : معاذ الله أن أبايعكم ما كان الحسن حياً. قال:
فانصرفوا إلى الحسن فلم يجدوا بداً من مبايعته على ما شرط عليهم،
وذكر أن سليمان بن صرد وكان سيد أهل العراق ورئيسهم دخل على الحسن
عليه السلام وقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال الحسن عليه
السلام : وعليك السلام اجلس لله أبوك فجلس سليمان فتكلم هو ومن معه
بكلام طويل حاصله لوم الحسن عليه السلام على الصلح وأن معاوية قد
نقضه بقوله: ألا إن كلما أعطيته الحسن فقد جعلته تحت قدمي هذا
فليأذن لهم أن يشخصوا إلى الكوفة فيخرجوا عامل معاوية منها ويعود
إلى الحرب وينبذ إلي الظالمين على سواء إن الله لا يهدي كيد
الخائنين، فحمد الله الحسن عليه السلام وأثنى عليه ثم قال: أما بعد
فإنكم شيعتنا وأهل مودتنا وقد فهمت ما ذكرتم، ولو كنت بالحزم في
أمر الدنيا أعمل ما كان معاوية بِأَبْأس مني بأساً وأشدّ شكيمة
ولكان رأيي غير ما رأيتم ولكني أشهد الله وإياكم أني لم أرد بما
رأيتم، إلا حقن دمائكم وإصلاح ذات بينكم إلى قوله عليه السلام :
وأما قولك يا مذل المؤمنين والله لئن تذلوا وتعافوا أحب إلي من أن
تعزوا وتقتلوا، فإن رد الله علينا حقنا في عافية قبلنا وسألنا الله
العون على أمره، وإن صرفه عنا رضينا وسألنا الله أن يبارك لنا في
صرفه فليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته مادام معاوية حياً إلى
آخر كلامه، قال: ثم خرج سليمان بن صرد فدخل على الحسين عليه السلام
، فعرض عليه ما عرض على الحسن عليه السلام وأخبره بما رد عليه
الحسن فقال الحسين: ليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته حتى ما
دام معاوية حياً
(1/992)
فإنها بيعة كنت والله
كارهاً لها فإن هلك معاوية نظرنا ونظرتم ورأينا ورأيتم.
وروى أبو الفرج رحمه الله تعالى بأسانيد عن سفيان بن الليل قال:
أتيت الحسن حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره وعنده رهط فقلت:
السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال: وعليك السلام يا سفيان انزل
فنزلت فعقلت راحلتي ثم أتيت فجلست إليه فقال: كيف قلت يا سفيان بن
الليل، فقلت: السلام عليك يا مذل رقاب المؤمنين، قال: فأخر هذا منك
إلينا، فقلت: أنت والله بأبي وأمي أذللت رقابنا حين أعطيت هذا
الطاغية البيعة وسلمت الأمر إليه اللعين بن اللعين بن آكِلَة
الأكباد ومعك مائة ألف كلهم يموت دونك، وقد جمع الله لك أمر الناس
قال: يا سفيان إنا أهل البيت إذا علمنا الحق تمسكنا به وإني سمعت
علياً عليه السلام يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
يقول: " لا تذهب الليالي والأيام حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل
واسع الشؤم ضخم البلعوم يأكل ولا يشبع لا ينظر الله إليه ولا يموت
حتى لا يكون له في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر"، وإنه معاوية
وإني عرفت أن الله بالغ أمره، ثم أذن المؤذن فقمنا على حالب يحلب
ناقة فتناول الإناء فشرب قائماً، فخرجنا نمشي إلى المسجد فقال: ما
جاء بك يا سفيان فقلت: حبكم والذي بعث محمداً بالهدى ودين الحق
قال: فأبشر يا سفيان فإني سمعت علياً عليه السلام يقول: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " يرد علي الحوض مع أهل بيتي
من أحبني من أمتي كهاتين " يعني السبابتين واليمنى ولو شئت قلت
هاتين يعني - السبابتين والوسطىـ أحدهما تفضل على الأخرى، أبشر يا
سفيان فإن الدنيا تشبع البر والفاجر حتى يبعث الله إمام الحق من آل
محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال هذا لفظ أبي عبيد، وفي حديث
محمد بن الحسين وعلي بن العباس بعض هذا الكلام موقوفاً على الحسن
عليه السلام غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا في
ذكر معاوية فقط
(1/993)
انتهى قوله إلا في
ذكر معاوية فقط يعني فإنه مرفوع.
قلت وبالله التوفيق: فهذا ما تراه أيها لطالب الرشاد من الأخبار
والآثار والمكاتبات والمراسلات والجوابات المتعلقة بذلك الصلح، وقد
طال بها الكلام، لكن إنما حرصت على نقلها لأنها لا تخلو كلها من
فوائد ونكت ومسائل اعتقادية ودلائل على بطلان نقلها ما تنقله
الأشعرية وغيرهم من فرق الجبرية وأهل الحديث وسائر من يزعم أن ذلك
الطاغية صار بهذا الصلح إمام حق وقائد صدق.
(1/994)
هل صلح الحسن عليه
السلام مع معاوية صواب أم خطأ
ولابد من تنبيه المسترشد على ما ظهر للعبد الحقير ذي الفهم اليسير
أجاره الله وسائر المؤمنين من عذاب السعير من تلك الفوائد المفيدة
والنكت المتعلقة بالمسائل الدينية وحسن العقيدة وبالله التوفيق:
فمنها: أن صلح الحسن عليه السلام كان صواباً عند أكثر الأمة بل لم
يخالف فيه إلا الخوارج نص عليه في القلائد، فأما ما مر من الحكاية
عن بعض المحبين والشيعة من اللوم للحسن عليه السلام ومراجعته في
ذلك كما مر عن سليمان بن صرد وسفيان الليل فليس منهم حكما ولا
اعتقاداً للخطأ، وإنما ذلك مراجعة معه عليه السلام إذا رأى صلحاً
في عدم المضي على موجب الصلح، حيث أن معاوية لعنه الله قد فعل ما
أوجب نقضه، دليله أنهم لا يعتقدون تأثيمه عليه السلام في ذلك ولا
خرجوا عن موالاته أو محبته بما فعله من الصلح وعدم مساعدتهم إلى ما
طلبوه منه عليه السلام وهذا واضح.
ومنها: أن الحسن عليه السلام لم ينعزل عن الإمامة بذلك الصلح
خلافاً للحشوية نص عليه في القلائد أيضاً، قال الشارح: وهو قول
عامة المجبرة ويسمون سنة الصلح: سنة الجماعة، إذ فيه اجتماع الشوكة
لمعاوية، وإجماع الناس عليه، قال عليه السلام : لنا: يعني في
الاستدلال على أنه لم ينعزل الحسن عليه السلام عن الإمامة، لأنها
لا تبطل الإمامة بعد ثبوتها إلا بحدث من الإمام يوجب الفسق أو
اختلال شرط من شروطها، وقد ثبتت إمامة الحسن عليه السلام قبل
الصلح، ولم يحدث بذلك الصلح ما يبطل الإمامة لأنه لم يكن معصية على
ما سيأتي فضلاً عن أن يكون فسقاً، فبطل ما زعموه.
(1/995)
قلت: ولأن إمامته
عليه السلام ثبتت بالنص سواء قام أو قعد، وإبطال ما قضت به النصوص
لا يجوز ولا يمكن تقدير حصول ما يبطلها من فسق أو اختلال شرط
لعصمته عليه السلام وعدم نقل شيء مما يدل على اختلاف شرط كطرو فساد
إحدى الحواس أو نحو ذلك، وأما استدلال الحشوية على ذلك بإجماع
الشوكة لمعاوية وإجماع الناس عليه، فلم يكن ذلك عن رضاً واختيار،
كيف ولم يتم ذلك إلا بعد جمع عدو الله لأجله الجموع العظيمة
والآلاف الجسيمة لقتال من لم يبايعه ومن لم يدخل تحت طاعته.
ومنها: أن معاوية لعنه الله تعالى كان غداراً كذاباً من الذين
ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه.
أما الغدر والكذب: فلما كتب إلى الحسن عليه السلام أن قيس بن سعد
ومن معه قد بايعني ودخل تحت طاعتي ولم يكن قد بايعه وصالحه إذ ذاك
كما مر نقلاً مفصلاً، وكتب إلى قيس بن سعد: أن الحسن قد صالحني
وسلم إلي الأمر. ولم يكن ذلك إلا في النهاية لا حين الحرب قائمة
بينه وبين قيس حتى انخدع كل من الحسن عليه السلام وقيس رحمه الله
وظن أن الآخر قد فارقه وبقي منفرداً عنه، فاضطر الحسن عليه السلام
إلى المصالحة، واضطر قيس أولاً إلى القتال بغير إمام بل قتال
مدافعة عن النفس هو ومن معه حتى حفظوا نفوسهم، ثم اضطروا إلى
الانصراف إلى الكوفة.
(1/996)
وأما نقض العهد: فلما
مر من رواية أبي الفرج لخطبة معاوية لعنه الله تعالى من قوله: ألا
إن كل شرط أعطيته الحسن تحت قدمي هذا. وهذه خطبة مشهورة ويؤيدها ما
رواه ابن قتيبة في مخاطبة سليمان بن صرد للحسن عليه السلام ما
لفظه: وزعم على رؤوس الناس ما قد سمعت أني كنت شرطت لقوم شروطاً
ووعدتهم عدات ومنيتهم أماني إرادة إطفاء نار الحرب ومداراةٍ لهذه
الفتنة إذا جمع الله لنا كلمتنا وألفتنا فإن كلما هنالك ألا كلما
هنالك تحت قدمي هاتين الخ ما ذكره، ومقالة معاوية كلما أعطيته
الحسن تحت قدمي لا يعلم خلاف بين آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم
فيه، قال صاحب المنشورات رحمه الله تعالى: وإنما أراد بذلك
المقاصصة لما فعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: "كل
أمر كان من أمور الجاهلية تحت قدمي هذه".
(1/997)
قلت وبالله التوفيق:
إن كان مراده المقاصصة بما فعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
فذلك كفر صريح ودلالة على أنه لم يسلم إلا نفاقاً وحقناً لدمه على
أنه لا سواء بين المسألتين، فلا فرج للنواصب في احتمال جواز ذلك
لمعاوية تأسياً بفعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لأن مرام
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كل أمر كان من أمور الجاهلية
فيما لم يجر منه صلى الله عليه وآله وسلم مصالحة بينه وبينهم،
كتسبيب السائبة، وتحريم الواصلة، والحام، وما في بطون الأرحام وغير
ذلك دون ما كان صالحهم عليه، وحدت عليه مهادنته كرد من جاءه مسلماً
في صلح الحديبية ونحوه، فلم يكن منه صلى الله عليه وآله وسلم في
شيء من ذلك نقض ولا عذر حتى تنقضوا ذلك الصلح بما فعلوه بخزاعة
حلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ذلك معروف في كتب
السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فتأسى عدو الله
بسنة أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخالف سنة رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم، وخالف كتاب الله تعالى بنقضه ذلك العهد،
وقطعه ما أمر الله به أن يوصل، والفساد منه في الأرض، وقد قال
تعالى: ?وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ
مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ
وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ?{الرعد:25}، فقد نقض العهد وقطع ما أمر
الله أن يوصل من مودة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وطاعة أولي
الأمر منهم وسعى في الأرض الفساد ببغيه وسفكه الدماء بغير حق، وقال
تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ
فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ
إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ ? {آل عمران:77}. فكيف
(1/998)
يصح للنواصب ومن يدعي
أنه من أهل السنة النبوية دعوى صحة إمامة من هذا حاله مع قوله
تعالى: ?لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ?{البقرة:124}؟ وإنما
جواب من ادعى صحة إمامته لعنه الله مع قوله أنه من أهل السنة، أن
يقال له: نعم إنك من أهل السنة الأموية، ثم الكفرية لا من أهل
السنة النبوية، فليس من أهلها إلا من وَدَّ آل محمد صلى الله عليه
وآله وسلم وعادى عدوهم واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، على أنها قد
تواترت الأخبار عن النبي المصطفى المختار صلى الله عليه وآله وسلم
أنه قال في علي: " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق "،
وتواترت أيضاً عن ذلك الطاغية إمام الفجار أنه باغض له عليه السلام
وعدو له ولأولاده الأطهار بما لا تقدر النواصب وأهل تلك السنة على
إنكاره، ولئن أنكر ذلك منهم منكر أو كابر فيه مكابر ما أمكنه إنكار
اللعن على رؤوس تلك المنابر، فتدبر إن كنت ممن يتدبر، وإلا فأعد
جواباً للسؤال في يوم المحشر فإلى الله المآب والمفر
(1/999)
ومنها: أنه لم يكن
بين الحسن وبين الحسين عليهما السلام اختلاف فيما يعامل به الظلمة،
وما يتعلق بسياسة الأمة وسير الأئمة في الرعية، وتدبير أمور الأمة
المحمدية، فلا يتوهم متوهم من مصالحة الحسن عليه السلام لمعاوية
اللعين وعدم ذلك من الحسين عليه السلام في يزيد المريد المهين أن
بينهما اختلاف في العقائد الدينية والسيرة مع الظلمة وسائر الرعية،
لأن الحال اقتضى مع كل واحد منهما عليهما السلام حسن ما فعل ولو
اتفق لأحدهما مثل ما اتفق للآخر أو وقع أحدهما في عين ما وقع في
الآخر لما فعل خلاف ما فعله أخيه صلوات الله وسلامه عليهما معاً
وعلى سائر الآل جميعاً، لأن الحسن عليه السلام في ابتداء الأمر جمع
الأجناد والعساكر لقتال العدو فلما خذل وظن استيصاله هو وأخيه
وشيعته حسنت منه المصالحة على تلك الشروط التي منها: إجراء الأمور
مجاريها الشرعية، ومراجعة الحسين عليه السلام له في أوائل الصلح
إنما هي لظنه الانتصار وعدم غلبة العدو حتى وَضَّحَ له الحسن عليه
السلام حقيقة الأمر من خيانة من ظن الحسين بهم النصرة فوافقه على
حسن المصالحة كما مر حكاية ذلك عن رواية الحاكم في السفينة، وعن
رواية ابن قتيبة لما أجاب به الحسين عليه السلام على سليمان بن صرد
ومن معه فليراجع، ولأن الحسين عليه السلام إنما خرج من مكة إلى
العراق لما كاتبوه أنهم في يده ويطلبونه القدوم إليهم للبيعة
والائتمام به، فأرسل مسلم بن عقيل رحمه الله تعالى يأخذ له البيعة
عليهم، وظن أنهم سينصروه، ثم تقدم عليه السلام إليهم ولم يعلم ما
قد تعقب ذلك من قتل عبيد الله بن زياد لعنه الله تعالى لمسلم بن
عقيل وغلبته على الشيعة وسائر من بايع وخذلان من خذل مسلماً كما
حكته الأخبار في ذلك، فلما لم يتحقق له الأمر إلا وقد توجهت إليه
الأجناد الكثيفة مع قلة عدد من معه من المقاتلة طلب من أمير ذلك
الجند أن يتركه ويرجع من حيث أتى عليه السلام ، فلم يجبه إلى ذلك،
ثم طلب منه
(1/1000)
أن يسير الحسين عليه
السلام إلى أي ثغر أرادوا من ثغور المسلمين التي بازاء الكفار
فيكفيهم مؤنة من هنالك، فلم يجبه إلى ذلك ثم طلب منه النزول على
حكم يزيد اللعين فعرض أمير ذلك الجند على آمره عبيد الله بن زياد
لعنه الله، فأبى إلا أن ينزل على حكمه، فلعل أنه ظن أنه إذا وصل
الحسين عليه السلام إلى يزيد تصالح معه على مثل ما وقع بين الحسن
عليه السلام ومعاوية لعنه الله تعالى، وخشي أن يحظى الحسين عند
يزيد ويسبب لإبداله عن ولاية الكوفة بغيره، وامتنع عدو الله أن
يقبل من ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحدى تلك الثلاث
الخصال مع ما ورد في الحديث: ما عرض على مؤمن ثلاث خصال إلا اختار
أحدها، ولعلم الحسين عليه السلام أو ظنه أو تجويزه أنه لا يصل إلى
ابن زياد لعنه الله إلا ويقتله اضطر إلى المقاتلة حتى استشهد صلوات
الله وسلامه على روحه الطاهرة فيمن معه من أولئك الشهداء، وجُرَّت
حريمه وبنات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما تجر سبايا الكفار
وبنات كسرى وقيصر فالحكم لله العلي الكبير، فلو قدر أن هذه المتفقة
واقعة مع الحسن عليه السلام لما وسعه غير ما فعله الحسين عليه
السلام .
ويدل على اتفاق رأي الحسنين عليهما السلام في شأن قتال الظلمة وأنه
لا خلاف بينهما فيما يتعلق بالعقائد المبرمة ما خاطب به الحسن عليه
السلام أصحابه في أوائل الصلح حسبما مر من رواية المنصور بالله عبد
الله بن حمزة عليهما السلام في الشافي من قوله: فإن كنتم تريدون
الله واليوم الآخر حاكمناهم إلى ظبا السيوف وأطراف الرماح، وإن
كنتم تريدون البقية أخذنا لكم العافية، فتنادى الناس من جوانب
المسجد: البقية البقية. وكيف يصح اختلاف الحسنين عليهما السلام
فيما يتعلق بالعقائد الدينية والمسائل الأصولية وهما الإمامان
بالنص النبوي، والمعصومان عن الخطأ والتفرقة في كل أمر مدرك عقلي
أو واجب شرعي.
(1/1001)
ومنها: صحة ما ذهب
إليه أئمة الزيدية عليهم السلام وشيعتهم الزكية من وجوب الخروج على
الظلمة مع إمام الحق وعدم جواز ذلك من دونه مع وجوده، لأن ولاية
ذلك إليه، وفي المحتسب مع عدم وجوده خلاف بين الفروعيين مذكور في
محله، وعلى أنه يجوز للإمام عقد الصلح مع الظلمة وسلاطين الجور من
دون وجوب عليه، لا كما يذهب إليه الحشوية ونحوهم من تعكيس هذه
الأحكام كلها حتى قال الذهبي فيما روي عنه والله أعلم في قتل
الحسين عليه السلام : إنما قتله سيف جده، ومآخذ هذه الأحكام
والأطراف كلها طاهرة من فعل الحسنين عليهما السلام وأقوالهما
ومحاورتهما لأصحابهما كما يعلم من تأمل جميع ما مر نقله برواية
الموالف والمخالف، فلا نطيل الكلام بذكر كيفية الاستنباط
والاستدلال على ذلك.
ويؤيده ما عرف من سيرة الوصي عليه السلام قبلهما من قتال الظلمة
ومهادنتهم مضافاً إلى ما في الكتاب والسنة مما يدل على ذلك، فلا
يغتر من لا خبرة له بتدليس من ينتمون إلى السنة في اعتقاد أن
الخروج على الظلمة بدعة، ويتشبثون على ذلك بما فعله الحسن عليه
السلام واتهام ما فعله الحسين عليه السلام ، والمفرق بين الأئمة
الهادين كالمفرق بين الأنبياء والمرسلين، وكثيراً ما ينشدون قول
القائل ويروونه إلى السيد العلامة محمد بن عبد الله الوزير رحمه
الله والله اعلم بالصحة عنه:
فلي قدوةٌ بأخيهِ الحسنْ
فإن كنتُ مقتدياً بالحسينِ
وقد أجاد في الرد عليه شيخنا صفي الإسلام رحمه الله تعالى بقوله:
نضا سيفَه ولها ما حَقَنْ
بنَصِّ من المصطفى المؤتَمَنْ
على الظالمين وأهل الفتَنْ
ونَجْلُ البتولِ الإمامُ الحسنْ
من القوم ألف فلا تمرجنْ
فما بالُ خيرِ الورى المرتضى
وما بال عمار كان الشهيد
وما بال أهلك قد جمعوا
فوالله ما صالح ابنُ الرسولِ
يهود الشآم وما أن له
(1/1002)
وبتمام هذا تم الكلام
على إمامة الحسنين عليهما السلام، ووجب على كل مكلف اعتقادها، ولعل
أن مودتهما ومحبتهما الحاصلة عند العامة من دون معرفة منهم
بإمامتهما قد تضمنت ذلك أو قامت مقامه، فلا يلزم من عدم علمهم بها
مع مودتهم ومحبتهم للحسنين عليهما السلام تهليكهم، فلا تلتفت أيها
الطالب الرشاد إلى تدليس النواصب، وتشكيك من أعرض عن معرفة أصول
الدين النبوي وعقائد النِصَاب الفاطمي العلوي صلوات الله وسلامه
عليهم أجمعين.
(1/1003)
سبب موت الحسن عليه
السلام شهيداً بالسم ومصير الأمر ليزيد بن معاوية
تتمة تشتمل على كيفية مصير الأمر إلى يزيد الشيطان المريد وموت
الحسن عليه السلام شهيداً بالسم لأجل مصير الأمر بعد معاوية لعنه
الله تعالى إلى ولده لعنه الله ليزداد المؤمن إيماناً أن ذينك
الرجلين الملعونين مستويان في قبح السيرة وخبث السريرة، وذكر ما
سنح من مساوئهما القبيحة وأفعالهما الفضيحة، وأنهما ممن قال الله
تعالى فيهم: ? وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ o وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي
هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ
الْمَقْبُوحِينَ ? {القصص:41،42}.
ذكر أبو الفرج الأصفهاني رحمه الله في مقاتل الطالبيين أن الحسن
عليه السلام لما رجع إلى المدينة أقام بها، وأراد معاوية البيعة
لابنه يزيد، فلم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي عليهما
السلام وسعد بن أبي وقاص فدس لهما سماً فماتا منه.
ثم روى بإسناده إلى معتب قال: أرسل إلى بنت الأشعث أني مزوجك يزيد
ابني على أن تَسُمِّي الحسن وبعث إليها بمائة ألف ففعلت وسَمَّت
الحسن عليه السلام ، فسوغها المال ولم يزوجها ولده، فخلف عليها رجل
من آل طلحة فأولدها فكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيروهم
وقالوا يا بني مسمة الأزواج.
وروى أيضاً بإسناده إلى أبي بكر بن حفص قال: توفي الحسن بن علي
عليهما السلام وسعد بن أبي وقاص في أيام بعد ما مضت من إمارة
معاوية عشر سنين فكانوا يرون أنه سقاهم السم.
(1/1004)
وروى أيضاً بإسناده
إلى مولى للحسن بن علي عليهما السلام وإسناد آخر إلى عمير بن إسحاق
واللفظ له قال: كنت مع الحسن والحسين عليهما السلام في الدار فدخل
الحسن عليه السلام المخرج ثم خرج فقال: لقد سقيت السم مراراً ما
سقيته مثل هذه ولقد قطعت قطعة من كبدي فجعلت أقلبها بعود معي، قال
الحسين: ومن سقاك هو؟ قال: وما تريد منه تريد قتله إن يكن هو هو
فالله أشد نقمة منك، وإن لم يكن هو فما أحب أن يؤخذ بي بريء.
وقال صاحب المنشورات عن رواية السيد أحمد في اللآلىء: أنه لما وقع
الصلح بينه عليه السلام وبين معاوية على شروط لم يف له بها معاوية،
ومن جملتها: أن الأمر يصير إلى الحسن بعد وفاة معاوية، ثم إلى
الحسين بعد الحسن صلوات الله عليهما، فطالت بالحسن المدة بعد الصلح
عشر سنين وهو بالمدينة المشرفة، فاستثقل معاوية حياته عليه السلام
، فاحتال في سمه على يد زوجته جعدة بنت الأشعث وبذل لها مائة ألف
وتزويج يزيد ابنه، فوفى لها بالمال دون التزويج، فتزوجت في آل طلحة
فكان أولادها يعيرون فيقال لهم: يا بني مسممة الأزواج، قالوا: ولما
احتضر قال: لقد سقيت السم ثلاث مرات ما واحدة بلغت مني مبلغ هذه.
ثم روي عن الحجوري عن أبي العباس الحسني عليه السلام قال: دس
معاوية السم إلى امرأة الحسن أسماء بنت الأشعث بن قيس ووعدها مائة
ألف وتزويج يزيد، فسقت الحسن عليه السلام سماً في لبن فمات بعد
شهر، فوفى لها معاوية بالمال ولم يف بالتزويج، وقيل: إنه سقاه ثلاث
مرات، ثم حكي عن الحجوري عن أبي العباس عليه السلام قال: وفي
الإسناد عن عمير بن إسحاق نحو مما مر عن عمير برواية أبي الفرج إلى
أن قال: لئن كان الذي أظن فالله أشد نقمة له، وإن يكن برياً ما أحب
أن يقتل بي بريء.
(1/1005)
وقد ذكر ذلك جماعة من
أهل الأخبار والتاريخ، ولم نرد بالإكثار من هذه الأخبار إلا الرد
على ابن حجر في صواعقه أن الذي دس السم هو يزيد، مريداً بذلك تنزيه
معاوية اللعين، وما ذكره من قوله: وبموته شهيداً جزم غير واحد
كقتادة وفلان وفلان، يريد أن يجعل موته مسموماً غير متفق عليه
ملاحظة لما يدندن حوله من تنزيه معاوية عن تلك الحادثة والفاقرة
العظمى بما معناه: أن سم الحسن عليه السلام ليس معلوماً ولا متفق
عليه، فإن صح فالفاعل يزيد وحاشا معاوية.
فاحذر أيها الطالب تدليسهم قاتلهم الله، على أنه في موضع آخر دندن
حول تزكية يزيد وعده أحد الاثني عشر الخليفة التي وردت فيهم
الأحاديث فذرهم وما يفترون، وقد اختلف في اسم زوجة الحسن التي سمته
فقيل: أسماء، وقيل، وقيل: جعدة وهو الأكثر على الاتفاق أنها بنت
الأشعث بن قيس، وكان ذلك في سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين من
الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
قالوا: ولما توفي الحسن عليه السلام استبشر عدو الله معاوية وفرح
بموته، وكان إذ ذاك ابن عباس رضي الله عنه في المسجد الأعظم بدمشق
فأرسل إليه وقال له: يا ابن عباس أتدري ما حدث في أهلك؟ قال: لا.
قال: إنه مات الحسن بن علي، فاسترجع ابن عباس وقال: والله ما موته
مغن عن موتك، ولا يومه يقوم مقام يومك، ولا جثته سادة حفرتك، هذا
لفظه أو معناه، وخرج ابن العباس من لديه وهو يقول:
ظاهر النخوة أن ماتَ الحسنْ
طال ما أَشجى ابن هندٍ وأرنْ
مثل رَضوى وثَبير وحَضَنْ
أصبح اليوم ابن هند شامتا
رحمةُ الله عليه إنه
ولقد كان عليه عمره
قال المنصور بالله عليه السلام : استر معاوية بموت الحسن عليه
السلام سروراً لم يستر به إلا المشركون، لأن المعلوم ضرورة أن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يغتم لموت الحسن غماً شديدا،ً
فما يكون حكم من سره ما يغم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
(1/1006)
وقال السيد الهادي بن
إبراهيم الوزير عليه السلام في أدلة من أثبت نفاق معاوية لعنه الله
ما لفظه: ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من فرح بموت عالم
فهو منافق "، وهذا في العالم مطلقاً، فكيف بأعلم الأئمة الطاهرين؟
قال المنصور بالله عليه السلام : لو علم معاوية لعنه الله أن الأمر
ينتظم له برفض أمور الإسلام جملة والرجوع إلى عبادة الأوثان لفعل
ذلك، ثم بعد أن قبض الله سبحانه وتعالى الحسن عليه السلام إلى
رحمته شهيداً سعى معاوية لعنه الله في عقد البيعة لولده يزيد وهو
حي بمشورة المغيرة بن شعبة كما ذكره ابن قتيبة، فلننقل ذلك من
كلامه على سبيل الاختصار وقال: لماَّ هَمَّ معاوية بعزل المغيرة عن
الكوفة، قدم الشام فدخل على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين ما لقيت
هذه الأمة من الفتنة والاختلاف وفي عنقك الموت وأنا أخاف إن حدث بك
حدث أن يقع الناس في مثل ما وقعوا فيه بعد قتل عثمان، فاجعل للناس
بعدك علماً يفزعون إليه واجعل ذلك ابنك يزيد، فكانت المبايعة لولده
بالشام، وكتب بيعته إلى الآفاق، وكان عامله على المدينة مروان بن
الحكم، فكتب إليه معاوية يأمره بجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل
المدينة، ثم يبايعوا ليزيد، فلما قرأ مروان كتابه أبى من ذلك وأبته
قريش، فكتب إلى معاوية: أن قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك لابنك
يزيد فأرني رأيك. فعرف معاوية أن ذلك من قبله فأبدله بسعيد بن
العاص وأمره بذلك، وأن يكتب إليه بمن سارع إلى البيعة ممن أبطأ
عنها، فكتب إليه: أن الناس بطأً لا سيما من بني هاشم ولست أقوى
عليهم إلا بالخيل والرجال أو تقدم بنفسك فترى رأيك في ذلك.
فكتب معاوية إلى عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله
بن جعفر والحسين بن علي عليهما السلام يأمرهم بالمبايعة لولده يزيد
على يد عامله بالمدينة وتهدد كلاً منهم بما تهدد، وأَلاَنَ في
كلامه للحسين عليه السلام.
(1/1007)
فأجابه كل منهم
بكتاب، فأول كتاب ما أجابه ابن عباس وقد تهدده معاوية بالقتل، وأنه
ليس معه من أمان، فأجابه: والله ما منك يطلب الأمان يا معاوية
وإنما يطلب الأمان من الله رب العالمين، وما ذكرت من قتلي فوالله
لو فعلت للقيت الله ومحمداً صلى الله عليه وآله وسلم خصمك، فما
أخاله أفلح ولا أنجح من كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
خصمه.
وكتب إليه عبد الله بن جعفر بجواب إلى أن قال: وما ذكرت من جبرك
إياي على البيعة فلعمري لئن أجبرتني لقد أجبرناك وأباك على الإسلام
حتى أدخلناكما كارهين غير طائعين والسلام.
وكتب إليه عبد الله بن الزبير:
فأخزى إله الناس من كان أظلما
وأسرعهم في الموبقات تقحما
وليس بذي حلم ولكن تحلما
هزبراً عريناً يترك القِرْن أكتما
لأنقضها لم تنج مني مُسْلَماً
ألا أسمع الله الذي أنا عبده
وأجرى على الله العظيم بحلمه
أغرك أن قالوا حليم بعزة
ولورمت ما إن قد عزمت وجدتني
وأقسم لو لا بيعة لك لم أكن
(1/1008)
وأجابهُ الحسين بن
علي عليهما السلام بجواب نذكره بلفظه على التمام لما فيه من ذكر
بعض مساويء عدو الإسلام ويسيراً من بوائق ذلك الفجور الظلام: أما
بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنه انتهت إليك عني أمور لم تكن
تظنني بها رغبة عنها، وأن الحسنات لا يهدي إليها ولا يسدد لها إلا
الله تعالى، وأما ما ذكرت أنه رقي إليك عني فإنما رقاه إليك
المشاؤون بالنميمة المفرقون الكلمة بين الجمع، وكذب الغاوون
المارقون ما أردت حرباً ولا خلافاً وإني لأخشى الله في ترك ذلك منك
ومن حزبك القاسطين المحلين حزب الظالم وأعوان الشيطان الرجيم، ألست
قاتل حجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفضعون البدع
ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد
ما أعطيتهم المواثيق الغليظة وأعطيتهم المواثيق الأكيدة جرأة على
الله واستخفاف بعهده، أولست بقاتل عمرو ابن الذي أَخْلَقَت
وأَبْلَتْ وجهه العبادة فقتلته من بعدما أعطيته من العهود ما لو
فَهِمَتْهُ العِصَم نزلت من سقف الجهد، أولست المدعي زياداً في
الإسلام فزعمت أنه ابن أبي سفيان وقد قضى رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم: أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، ثم سلطته على أهل
الإسلام يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم على جذوع النخل،
سبحان الله يا معاوية كأنك لست من أهل الأمة وليسوا منك، أولست
قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد أنه على دين علي كرم الله
وجهه ودين علي هو دين ابن عمه صلى الله عليه وآله وسلم الذي أجلسك
مجلسك الذي أنت فيه ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم
الرحلتين رحلة الشتاء والصيف فوضعها الله عنكم بنا منةً عليكم،
وقلت فيما قلت: لا يرد هذه الأمة في فتنة، وإني لا أعلم فتنة أعظم
من أمارتك عليها، وقلت فيما قلت: أنظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد صلى
الله عليه وآله وسلم. وأني والله ما أعرف أفضل من جهادك فإن أفعل
فإنه قربة إلى ربي، وإن لم أفعله
(1/1009)
فأستغفر الله لديني
وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى، وقلت فيما قلت: متى تكدني أكدك.
فكدني يا معاوية فيما بدا لك فلعمري لقديماً يكاد الصالحون وإني
لأرجو أن لا تضر إلا نفسك ولا تمحق إلا عملك فكدني ما بدا لك واتق
الله يا معاوية، واعلم أن لله كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا
أحصاها، واعلم أن الله ليس بناس لك قتلك بالظنة وأخذك بالتهمة
وإمارتك صبياً يشرب الشراب ويلعب بالكلاب. ما أراك إلا قد أوبقت
نفسك وأهلكت دينك وأضعت الرعية والسلام.
(1/1010)
ولما أجابه المذكورون
بذلك كتب إلى سعيد بن العاص: أن لا يحركهم ويدعهم، ويأخذ أهل
المدينة بالبيعة ليزيد بغلظة وشدة، ولا يدع أحداً من المهاجرين
والأنصار وأبنائهم حتى يبايعوا، فأخذهم زياد بالبيعة أعنف ما يكون
من الأخذ وأغلظه، فلم يبايعه أحد منهم، فكتب إلى معاوية: أنه لم
يبايعني أحد وإنما الناس تبعاً لهؤلاء النفر فلو بايعوك بايعك
الناس جميعاً ولم يتخلف عنك أحد. فخرج معاوية وتوجه المدينة بنفسه،
فلما دنى منها تلقاه الناس بين راكب وماش وخرج النساء والصبيان
فَلاَنَ لمن صافحه وتلطف في محادثته ومفاكهته للعامة والخاصة
ليستميلهم إلى ما طلبه منهم، فمن جملة ما قال لهم: ما زلت أطوي
الحُزُنْ اشتياقاً وحقاً لجار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
أن يشتاق إليه هذا معنى كلامه، فلما استقر في مقامه المعد له أرسل
أولاً إلى الحسين بن علي عليهما السلام وابن عباس رضي الله عنه
فخاطبهما باللين والرفق وطلب منهما البيعة ليزيد، فلم يسعداه على
ذلك بعد كلام طويل جرى بينهم وكلام له من الحسين عليه السلام في
عتابه على أفعاله القبيحة نحو ما مر من جواب كتابه إليه فأذن لهما
بالخروج، ثم طلب ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر،
وكذلك ثم أمر المنادي واجتمع الناس إلى المسجد فخطبهم فحمد الله
وأثنى الله إلى أن ذكر يزيد فأثنى عليه وذكره بالفضل وقراءة القرآن
حتى قال: والله لو علمت مكان أحد هو خير للمسلمين من يزيد لما
بايعت له، فقام إليه الحسين بن علي عليهما السلام فقال: والله لقد
تركت من هو خير منه أباً وأماً ونفساً، فقال معاوية: كأنك تريد
نفسك، فقال الحسين عليه السلام : نعم أصلحك الله، فقال معاوية
كلاما في شأن أُمَّي الرجلين إلى قوله: فأمك لعمر الله خير من أمه،
وأما أبوك فقد حاكم أباه إلى الله فقضى لأبيه على أبيك، فقال
الحسين عليه السلام : حسبُك جهلك آثرت العاجل على الآجل، فقال
معاوية: وأما ما ذكرت من أنك خير
(1/1011)
من يزيد فيزيد والله
خير لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم منك، فقال الحسين عليه
السلام : هذا هو الإفك والزور يزيد شارب الخمر ومشتري اللهو خير
مني، فقال معاوية: مهلاً عن شتم ابن عمك فإنك لو ذكرت عنده بسوءٍ
لم يشتمك، ثم قال: أيها الناس قد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم قبض ولم يستخلف، ثم استخلف أبو بكر عمر ثم جعلها عمر
شورى فصنع أبو بكر وصنع عمر ما لم يصنعه أبو بكر كل ذلك يصنعونه
نظراً للمسلمين، فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد لما وقع الناس فيه من
الاختلاف ونظراً لهم بعين الإنصاف، فقام إليه ابن الزبير فأجابه
حتى قال: فإن شئت أن تدع الناس على ما تركهم رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم فيختارون لأنفسهم، وإن شئت أن تستخلف كما استخلف
أبو بكر خير من يعلم من قريش، وإن شئت أن تصنع مثل ما صنع عمر
تختار رهطاً من المسلمين وتزويها عن ابنك فافعل، فنزل معاوية عن
المنبر وانصرف ذاهباً إلى منزله ولم يجبه أحد إلى ما دعا إليه،
ولما أَيِس عن مبايعة أهل المدينة وخشي إن انصرف من المدينة على
ذلك انتقص عند أهل الشام، ويخشى مع ذلك عدم حسن ظنهم به وبابنه
لعنهما الله تعالى أمر من حرسه وشرطته قوماً يحضرون هؤلاء النفر
الذين بسببهم لم يبايعه أحد،وهم: الحسين بن علي عليهما السلام،
وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر،
وأوصاهم معاوية وقال: إني خارج العشية إلى أهل الشام فأخبرهم أن
هؤلاء النفر قد بايعوا وأسلموا، فإن تكلم أحد منكم بكلام يصدقني أو
يكذبني فلا ينقضي كلامه حتى يطير رأسه يحذر القوم ذلك، وقد كان
لعنه الله تعالى أتى في جيش عظيم من أهل الشام والحرس والشرط فحذر
القوم ذلك، فلما كان العشي خرج معاوية وخرج معه هؤلاء النفر وقد
كسا كل واحد منهم حلة وهو يضاحكهم ويحدثهم فأظهر لأهل الشام الرضا
عن هؤلاء النفر، وقال لأهل الشام: إن هؤلاء النفر دعاهم أمير
المؤمنين فوجدهم واصلين
(1/1012)
مطيعين وقد بايعوا
وسلموا قال والقوم سكوت لم يتكلموا شيئاً حذر القتل، فوثب أناس من
أهل الشام فقالوا: يا أمير المؤمنين إن كان رأيك منهم ريب فخل
بيننا وبينهم حتى نضرب أعناقهم، فقال معاوية: سبحان الله ما أحل
دماء قريش عندكم يا أهل الشام لا أسمع لهم ذكراً بسوءٍ، فإنهم قد
بايعوا وسلموا وارتضوا فرضيت عنهم رضي الله عنهم، ثم ارتحل وقد
أعطى الناس عطياتهم وأجزل لهم العطاء انتهى ما أردت نقله في هذا
الموضع من كتاب ابن قتيبة كله باللفظ إلا اليسير فبالمعنى مع
الاختصار، إلا ما ذكرته عقيب قوله: وانصرف ذاهباً إلى منزله ولم
يجبه أحد إلى ما دعا إليه، إلى قوله: أمر من حرسه وشرطته قوماً الخ
فليس من كلام الراوي بل هو مقتضاه ومفهومه فتأمل.
(1/1013)
وقد ذكر نحوه في كتب
أئمتنا عليهم السلام إلا أن الحجة على الخصم بروايته أقطع لشبهته.
فلينظر الناظر، ويتدبر المتدبر، ويتفكر المتفكر، ويعتبر المعتبر،
كم احتوت هذه الجملة على مساوىء ومآثم ومظالم لذلك الطاغية من
إرادة حمل الناس على البيعة لسفيه شراب الخمور مرتكب أنواع الخلاعة
والفجور، ومن الزور والكذب الذي في أثناء كلامه، ومن النفاق
والرياء بإظهار المحبة والرضا من أولئك النفر الذين أحدهم ابن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإظهاره الاشتياق والمحبة لأهل
المدينة وهو يستحل دماء الجميع، ولو أمكنته الفرصة أن عارضوه في
دنياه الفانية، ومن الظلم الواقع على من ذكر في جواب الحسين عليه
السلام عليه بقتل حجر بن عدي وعمرو بن الحمق وعبد الله بن الحضرمي
ومن معهم ممن أخلقت العبادة وجهه ولا ذنب لهم إلا محبتهم أمير
المؤمنين عليه السلام وعدم التبري منه، ومن استلحاقه لزياد بأبي
سفيان وهو ابنه من الزنا وولد الزنا لا يلحق بأبيه شرعاً لقوله صلى
الله عليه وآله وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر "، ومن توليته
زياداً على الكوفة والبصرة فقتل المسلمين وأولاد المسلمين، روى ابن
أبي الحديد في الشرح: أنه كان من بعد صلاة العشاء الأخيرة يقع فساد
بالبصرة فخطب خطبة يقول فيها ما معناه: ومن ظهر بعد صلاة العشاء
بريت منه الذمة ودمه حلال،وأجل الناس شهراً ليعلم الحاضر الغائب،
فلما مضى الشهر دعا أمير الشرطة وأمره يبث العسكر في السوق وفي سكك
المدينة وقال: من وجدتموه فلا تأتوني إلا برأسه ولو عبيد الله بن
زياد، فأتوه الليلة الأولى بسبع مائة رأس، وفي الثانية بخمسين
رأساً، وفي الثالثة برأس واحد، إلى ما تضمنه كتاب الحسين عليه
السلام بقوله: يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم على جذوع
النخل، ثم ليعرض جميع ذلك على قول الله سبحانه وتعالى: ?مَنْ كَانَ
يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ
أَعْمَالَهُمْ
(1/1014)
فِيهَا وَهُمْ فِيهَا
لَا يُبْخَسُونَ o أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي
الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا
وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ? {هود:15،16} وقوله تعالى:
?إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ
اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ?{النحل:105}، وقوله
تعالى: ?وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ
جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ
وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ? {النساء:93}، وقوله تعالى:
?إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ
وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ ? {الشورى:42}.
(1/1015)
ثم لينظر في حكمه أن
يزيد خير للأمة من ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي نص
على إمامته عليه السلام نصاً جلياً مع علمه من حال يزيد أنه صاحب
شراب ولهو، وعلمه أن الحسين عليه السلام مطهر عن أي رذيلة فضلاً عن
الكبائر الموبقة، فهو في هذا حاكم بخلاف ما أنزل الله ومشاقق لله
ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى: ?لاَ يَنَالُ
عَهْدِي الظَّالِمِينَ ? {البقرة:124}، ومخالفته النص الصريح:
"الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا"، ثم يعرض ذلك على قوله تعالى:
?وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ
الْكَافِرُونَ ? {المائدة:44}، و ?الظالمون?،و ?الفاسقون?، وقوله
تعالى: ?وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ
لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ
نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ?
{النساء:115}، هذا مع ما ينضم إليه مما مرَّ ذكره من نقض العهد
وسائر الكذب والمكر والخداع حسبما ذكرناه في حكاية الصلح بينه وبين
الحسن عليه السلام إلى ما قبل ذلك من البغي، وقتاله الوصي بل
وقتاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعبادته الأصنام وعكوفه على
الآثام، فقد أخرج مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم عدة أحاديث في
كتاب الإيمان من صحيحه: "أن من أحسن في الإسلام غفر له ما تقدم في
الجاهلية ومن أساء في الإسلام عوقب بما فعله في الإسلام وما فعله
في الجاهلية"، وهو ظاهر قول الله سبحانه: ?إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ? الآية {فصلت:30}، أي
استقاموا حسب أوامره تعالى ونواهيه، وقوله تعالى: ?قُلْ لِلَّذِينَ
كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ
سَلَفَ?{الأنفال:38}، أي ينتهوا عن جميع ما نهى الله عنه لأن حذف
المعمول يقتضي العموم، ثم لما دنت وفاة عدو الله تعالى كان الأمر
فيها كما ورد في الحديث
(1/1016)
السابق برواية أبي
الفرج رحمه الله تعالى: "ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر
ولا في الأرض ناصر" لما رواه المنصور بالله عليه السلام في الجزء
الرابع من الشافي قال: ولما دخلت سنة عشرين يعني منذ استولى على
الأمر وهي سنة ستين شهر رجب من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل
الصلاة والتسليم وعلى آله أهل الفضيلة والتكريم مرض مرضه الذي مات
فيه، فكان يرى أشياء ويهذي منها هذياناً كثيراً ويقول: ويحكم
اسقوني اسقوني، فيشرب فلا يروى، وربما غشي عليه اليوم واليومين،
فإذا أفاق نادى بأعلى صوته مالي ولك يا حجر بن عدي مالي ولك يا ابن
أبي طالب.
(1/1017)
قلت: وفي رواية أخرى
أن يومي منك يا حجر لطويل، قال: فلم يزل كذلك ويزيد ابنه معه يقول:
يا أبه إلى من تكلني عجل بالبيعة لي وإلا والله أُكِلْتُ ألم تعلم
ما لقيت من أبي تراب وآله؟ قال الرواة: ومعاوية يتململ في الفراش
ويفكر فيما عقده للحسن والحسين عليهما السلام الذي كان عند مهادنة
الحسن، وذلك أنه عقد أن يكون الأمر من بعده للحسن ثم للحسين عليهما
السلام، فلما كان اليوم الخامس دخل عليه أهل الشام فرأوه ثقيلاً
فبادروا إلى الضحاك بن قيس وكان صاحب شرطة معاوية ومسلم بن عقبة
فقالوا: ماذا تنتظران ذهب والله الرجل فاذهبا إليه وبادراه ليوصي
إلى ولده يزيد فإنه رضا ولا نأمن من أن يخرج هذا الأمر إلى آل أبي
تراب، فدخلا عليه وقد أفاق وهو يقول: أصبحت والله ثقيل الوزر عظيم
الجرم فقالا له: إن الناس قد اضطربوا وأنت حي فكيف إذا حدث بك حدث
وقد رضوا بيزيد، فقال معاوية: لم يزل هذا رأيي وهل يستقيم لهم غير
يزيد وإني إنما أطلبها لتبقى في ولدي إلى يوم القيامة ولا ينالها
ذرية آل أبي تراب، قال: وأدخل عليه الناس فقال: يا أهل الشام كيف
رضاكم على أمير المؤمنين، فقالوا: خير الرضا كنت وكنت ثم شتموا علي
بن أبي طالب والحسن والحسين صلوات الله عليهم، وقرضوا يزيد ومدحوه
فقال لهم: قوموا فبايعوه، فأول من بايعه الضحاك بن قيس ومسلم بن
عقبة ثم الناس، قال الرواة: وخرج يزيد من فوره وقد تعمم بعمامة
معاوية وتختم بخاتمه وعليه قميص عثمان الملطخ بالدم في عنقه، وهكذا
كان يفعل معاوية عند إغراء أهل الشام بعلي وأهل بيته عليهم السلام
فحمد الله وأثنى عليه وخطب فبايعه بقية الناس، فلما كان من الغد
دخل على معاوية الناس ويزيد بين يديه فأخرج كتاباً من تحت وسادته
نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد معاوية بن أبي سفيان
أمير المؤمنين إلى ابنه يزيد أنه قد بايعه وعهد إليه وجعل الأمر من
بعده إليه وسماه أمير المؤمنين على أن يحفظ هذا الأمر من
(1/1018)
قريش ويبعد قاتل
الأحبة هذا الحي من الأنصار، وأن يقدم بني أمية وبني عبد شمس على
بني هاشم وغيرهم، ويطلب بدم المظلوم المذبوح أمير المؤمنين عثمان
قِبَلَ آل أبي تراب، فمن قرأ عليه هذا الكتاب فقبله وبادر إلى طاعة
أميره أُكرم وقُرب، ومن تلكأ عنه وامتنع فضرب الرِّقاب، فلما خرجوا
من عنده أقبل على يزيد فقال له: يا بني إني قد وطأت لك البلاد
وذللت لك الرقاب وتقررت الأوتاد، ولست أخاف عليك من هذه الأمة إلا
أربعة: فرخ أبي تراب شبيه أبيه وقد عرفت عداوته لنا، وعبد الله بن
عمر، وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأما عبد الرحمن
بن أبي بكر فمغرى بالنساء فإن بايعك الناس بايعك، وأما ابن عمر فما
أظنه يقاتلك ولا يصلح لها فإن أباه كان أعرف به، وقد قال: كيف
استخلف من لا يحسن طلاق امرأته، وأما الحسين بن علي فإن أهل العراق
لا يدعوه حتى يخرجوه عليك ويكفيكه من قتل أباه، وأما ابن الزبير
فإن أمكنتك الفرصة فقطعه إرباً إربا فإن يجثم جثوم الأسد ويراوغ
رواغ الثعلب، ثم توفي إلى لعنة الله تعالى في يوم الخميس لخمس بقين
من رجب سنة ستين.
فتأمل أيها المطلع كم مساوىء ومخازي ومثالب لعدو الله تعالى ذلك
الطاغية المسمى عند أبي حجر الهيثمي سيده معاوية، فإن في هذا
الكلام المقول منه عند وفاته والمحرر في عهده المذكور من الأوزار
وأنواع الإفك ما لا يكون إلا من أهل الشقاء لله ولرسوله صلى الله
عليه وآله وسلم ذوي النفاق وأهل الشرك.
(1/1019)
أولاً: قوله في تولية
يزيد بعده: فلم يزل هذا رأيي وهل يستقيم لهم غير يزيد وإنما أطلبها
لتبقى في ولدي إلى يوم القيامة ولا ينالها آل أبي تراب، فإنه بذلك
مشاقق لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم لأن الله تعالى يقول:
?لا ينال عهدي الظالمين ?، وقد علم عدو الله أن ولده صاحب شراب
ولهو وخلاعة وسفاهة، فهو ظالم لنفسه قبل أن يظلم غيره، وقد وصى
الله تعالى بأهل البيت وأمر بمودتهم وطاعتهم، وكذلك رسوله صلى الله
عليه وآله وسلم بما لا مزيد عليه.
ثانيا: إغراؤه ولده يزيد المريد يتتبع ما بقي من آل محمد صلى الله
عليه وآله وسلم وقتلهم بقوله: ويطلب بدم المذبوح المظلوم عثمان
قِبَل آل أبي تراب. فلم يعين لعثمان قتلة سواهم على أن قتلة عثمان
هم أهل مصر ومن عضدهم من سائر الناس وفيهم من فيهم من المهاجرين
والأنصار والصحابة الأخيار.
ثالثاً: أمره بتبعيد الأنصار وقد أمر الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم بتقريبهم والإحسان إليهم والعفو عن مسيئهم.
رابعاً: أمره بتقديم أعداء الله تعالى من بني أمية وبني عبد شمس
وفيهم الطريد وابن الطريد ومن لعنه رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم.
(1/1020)
هذا مع ما يضم إليه
مما سبق ذكره وما لم يذكره من مخازيه ومساويه الموجبة له أسفل
دركات النفاق وأعلى مقتضيات الفسق بل الكفر والشقاق، كَسَبِّه أخا
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأولاده ومحبيهم على ثمانين ألف
منبر واستشفائه بالصليب عند موته، وشرائه سبائك الذهب والفضة
بالدنانير والدراهم غير معلومة التساوي في الوزن وذلك رباً مجمع
عليه، فقد روي أنه كان يغنم المجاهدون من الكفار السبائك ويشتريها
منهم معاوية مجازفة، فقال له أبو بردة الأسلمي رحمه الله تعالى:
هذا لا يصلح لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: بيعوا
الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة يداً بيد ووزناً بوزن، وروي أنه قال
له: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الذهب بالذهب
والفضة بالفضة متفاضلين أو معناه، فقال لعنه الله: لكني لا أرى
بذلك بأساً، فقال له أبو برزة أو بريدة: الشك من جهتي أقول لك: نهى
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبرك عن سنته وأنت تقول: لكني
لا أرى بذلك بأساً.
(1/1021)
ومن مخازيه الجسيمة
ومآثمه العظيمة تحيله في إخراج زوجة عبد الله بن سلام من قريش وكان
عند معاوية بمكان في الفضل والمنزلة الرفيعة، وكان قد استعمله على
العراق وزوجته من بني عمه أرينب بنت إسحاق، فاحتال لإخراجها من
عقدة نكاحه في قصة طويلة ذكرها ابن قتيبة حتى طلقها زوجها ومضت
عدتها، فأرسل أبا الدرداء يخطبها لولده يزيد لما بها من الحسب
والنسب والجمال والمال، وقد شغف بها يزيد اللعين لشهرتها بذلك،
فلما وصل أبو الدرداء العراق قال: ما ينبغي أن أُقَدِّم على زيارة
ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً، فدخل على الحسين بن
علي عليهما السلام، فقام الحسين عليه السلام فرحب به وقال: أهلاً
بصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقد أذكرتني رؤيتك
ومصاحبتك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شوقاً إليه وأطلقت
أحزاني عليه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم سأله عن شأن قدومه العراق
فأخبره بما قدم له، فقال له الحسين عليه السلام : أخطب عَلَيَّ
وعلى يزيد وهي أمانة في عنقك، فتختر من أرادت، وقد كنت أردت
الإرسال إليها بعد انقضاء أقرائها، فلما دخل عليها أبو الدرداء
كلمها في ذلك خيرها بين ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وبين يزيد، فردت الأمر إليه فقال: إنما عليَّ إعلامك وعليك
الاختيار لنفسك، فقالت: إنما أنا بنت أخيك ومن لا غنى بها عنك لو
أن هذا الأمر جاءني وأنت غائب عني أشخصت إليك فيه الرسل، واتبعت
فيه رأيك ولم أقطعه دونك، فقال لها: أي بنيه ابن بنت رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم أحب إلي وأرضاهما عندي، وقد كنت رأيت رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم واضعاً شفتيه على شفتي الحسين فضعي
شفتيك على موضع شفتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما
تزوجها الحسين قدم عبد الله بن سلام فاتفق به الحسين وتلاطفا في
الكلام، وظهر للحسين شدة حزنه على مفارقته زوجته وخديعته حتى طلقها
وقال: إن لي عندها ودائع بدر
(1/1022)
لؤلؤاً مصرورات، فذكر
ذلك الحسين عليه السلام لزوجته وقال لها: إنه يحسن الثناء عليك
فأدي إليه أمانته وردي عليه ماله، فقالت: صدق وإنه لمطبوع عليه
بطابعه ما أخذ منه شيء، فلما بلغه مقالها فقال له: مرها ترسل به،
فقال عليه السلام : لا يقبضه إلا أنت، وأمره المضي إلى داره عليه
السلام وأمرها إخراج المال إليه بنفسها، فلما ناولته وجده كما وضعه
لم يفك ختم صرة منها ففتح أحدها وحثى لها من الدر حثيات، وقال لها
خذي هذا فهو قليل مني إليك. وشكر سعيها واستعبرا جميعاً حتى استعلت
أصواتهما بالبكاء أسفاً على مابتليا به، فقال الحسين عليه السلام :
اللهم إنك تعلم أني لم استنكحها رغبة في مالها ولا جمالها ولكن
أردت إحلالها لبعلها، اللهم اشهد أنها طالق ثلاثاً فأوجب لي بذلك
الأجر وأجزل لي عليه الذخر إنك على كل شيء قدير، وكان قد أمهرها
مثل ما بذله معاوية مهراً عظيماً فأمر عبد الله بن سلام أرينب
إرجاعه إلى الحسين عليه السلام مكافأة له فأجابته إلى ذلك، فأبى
الحسين عليه السلام أن يقبله وقال: الذي أرجوه من الثواب على ذلك
خير لي منه، وتزوجها عبد الله بن سلام وبلغ الخبر إلى معاوية وما
فعله أبو الدرداء فتعاظمه جداً ولامه لوماً شديداً وقال: من يرسل
ذا بلاهة وعمى يركب في أمره خلاف ما يهوى، ولام الناس معاوية على
فعله تلك الحيلة التي هي إحدى موجبات النار الهاوية، قال وذاع أمره
في الناس وشاع ونقلوه في الأمصار وتحدثوا به في الأسمار وفي الليل
والنهار، وقالوا: خدعه حتى طلق امرأته فبئس ما استرعاه الله أمر
عباده ومكنه في بلاده وأشركه سلطانه، فلما بلغ ذلك معاوية لعنه
الله قال: لعمري ما خدعته انتهى باختصار، وهذا كالخارج عما نحن
بصدده لكن إنما ذكرته إلا ليعلم المطلع مخازي ومساوىء ذلك الطاغية
الفاجر اللئيم، ومحاسن السيد الشريف الكريم حبيب رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم وابنه، ويعلم منه إفك معاوية في قوله: إن يزيد
خير لهذه
(1/1023)
الأمة من ابن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم.
(1/1024)
مساوىء يزيد بن
معاوية
وأما مساوىء يزيد العنيد فهي تجل عن التعديد، وإنها لم تزل أيامه
أواخرها تفوق أوائلها في ذلك وتزيد:
فمنها: ما قد مرت الإشارة إليه من شرب الخمور وكان مدمناً عليها،
وملاعبة الكلاب والقردة والحمام وغير ذلك مما لا يستعمله إلا أهل
الخلاعة والسفاهة كما ذلك مذكور مبسوط في المطولات والتواريخ
والسير.
ومنها: الفعلة العظمى التي بكت لها السماء وأمطرت الدماء وفاقت كل
فاقرة دهماء، وهي قتل الحسين بن علي عليهما السلام ومن معه من أهل
بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشيعتهم وقد مر حكاية ذلك
على بعض من التفصيل ولا حاجة إلى تكرير الأمر المفضع المهيل.
(1/1025)
ومنها: وقعة يوم
الحرة وما أدراك ما يوم الحرة، ذكر أهل السير والأخبار منهم ابن
قتيبة واللفظ له على اختصار: أنه لما ولي يزيد الأمر بعد أبيه كتب
إلى عامله بالمدينة خالد بن الحكم: أن يأخذ على أهل المدينة البيعة
وليكن أول من يبايع الحسين بن علي عليهما السلام والعبادلة الأربعة
ويحلفون على ذلك بصدقة أموالهم وحرية رقيقهم وطلاق نسائهم فامتنعوا
من البيعة، فعزل يزيد خالداً عن المدينة وولاها عثمان بن محمد بن
أبي سفيان الثقفي وضم إليها ولاية الموسم بمكة، فرقى منبر مكة ورعف
فقال رجل مستقبله جئت والله بالدم وكان بها الحسين بن علي عليهما
السلام، ثم خرج عليه السلام وتوجه إلى مكة، فأمر عثمان بن محمد كل
بعير بين السماء والأرض ليطلبوه ففعلوا ولم يدركوه، ثم قدم عثمان
المدينة وكانت لمعاوية أموال من أرض المدينة فأقبل ابن ميثا يريد
الأموال فمنع منها وأزاحه أهل المدينة عليها وكانت غلتها مائة ألف
وسق وستين ألفاً، ودخل نفر من قريش والأنصار على عثمان بن محمد
وقالوا: قد علمت أن هذه الأموال كلها لنا وأن معاوية آثر علينا في
عطائنا ولم يعطنا قط درهماً فما فوقه حتى مضى الزمان ونالتنا
المجاعة فاشتراها منا بجزء من مائة من ثمنها، فأغلظ لهم عثمان في
القول وأغلظوا له، فقال لهم: لأكتبن إلى أمير المؤمنين بسوء رأيكم
وما أنتم عليه من كمون الأضغان القديمة والأحقاد التي لم تزل في
صدوركم، فأجمع رأيهم على منع ابن ميثا القيم عليها، فكف عثمان بن
محمد عنهم وكتب إلى يزيد كتاباً قبيحاً، فلما وصل الكتاب إلى يزيد
غضب غضباً شديداً وكان عبد الله بن جعفر بدمشق، فأرسل إليه فدفع
إليه الكتاب وقال:والله لأطأنهم وطأة آتي منها على أنفسهم، قال ابن
جعفر فقلت له: إن الله لم يزل يعرف أباك في الرفق فإن رأيت أن ترفق
بهم وتتجاوز عنهم فعلت فإنما هم أهلك وعشيرتك وإنما تقتل بهم نفسك
إذا قتلتهم فلم أزل ألح عليه، فقال لي: إن ابن الزبير حيث قد
(1/1026)
علمت من مكة قد نصب
الحرب وإني موجه إليه الجيوش وأمر صاحب أول جيش يتقدم أن يتخذ
المدينة طريقاً وأن لا يقاتل فإن أقروا بالطاعة ونزعوا من غيهم
وضلالهم فلهم علي عهد الله وميثاقه أن لهم عطائين في كل عام لا
أفعله لأحد من الناس طول حياتي عطاء في الشتاء وعطاء في الصيف،
ولهم علي عهد أن أجعل الحنطة عندهم كسعر الحنطة عندنا، والعطاء
الذي يذكرون أنه احتبس عنهم في زمن معاوية فهو علي أن أخرجه لهم
وافراً كاملاً، فإن لبوا وقبلوا ذلك جازوا إلى ابن الزبير، وإن
أبوا قاتلهم ثم إن ظفر بها انهبها ثلاثاً هذا عهدي إلى صاحب الجيش
لمكانك ولطلبتك فيهم، ولما زعمت أنهم قومي وعشيرتي، قال عبد الله
بن جعفر: فرأيت هذا لهم فرجاً فكتبت إليهم من ليلتي كتاباً أعلمهم
فيه بقول يزيد وأحضهم على الطاعة والتسليم والرضا والقبول لما بذل
لهم وأنهاهم أن يتعرضوا لجيوشه، وقلت لرسولي: أجهد السير، فدخلها
في عشر فوالله ما أرادوا ذلك ولا قبلوه، وقالوا: والله لا يدخلها
عنوة أبداً، وكتب يزيد إلى أهل المدينة: بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد: فإني قد نفستكم حتى أخلفتكم، ورفعتكم على رأسي ثم وضعتكم،
وأيم الله لئن آثرت أن أضعكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة أقل منها عددكم
وأترككم أحاديث تتناسخ كأحاديث عاد وثمود، فلا أفلح من ندم.
(1/1027)
فلما قرأ الكتاب
عليهم أجمع رأيهم على الامتناع وعدم القبول، وأيقنوا أن جيوش يزيد
واصلة إليهم جمعوا من بالمدينة من بني أمية وفيهم مروان بن الحكم
وولده عبد الملك فطلبوهم أن يخرجوا عنهم، فقالوا: الشقة بعيدة،
ولنا عيال وصبية ولابد لنا مما يصلحنا، ونحن نريد الشام فأنظرونا
عشرة أيام. فأنظروهم إياها وطلبوا منهم العهود والمواثيق لئن لقوا
جيوش يزيد ليردونهم عنهم إن استطاعوا فإن لم يستطيعوا مضوا إلى
الشام، فحلفوا لهم على ذلك عند المنبر، ثم ارتحلوا عن المدينة وهرب
عثمان بن محمد فجمع الناس عبد الله بن حنظلة رحمه الله وكان يلازم
المسجد الشريف لا يبيت إلا فيه وكان لا يزيد على شَرْبة من سَوِيق
يفطر عليها إلى مثلها، فاجتمع إليه الناس فصعد المنبر فحمد الله
وأثنى عليه وقال: أيها الناس إنما خرجتم غضباً لدينكم فأبلوا إلى
الله بلاءً حسناً ليوجب لكم به الجنة ومغفرته ويحل بكم رضوانه
واستعدوا بأحسن عدتكم وتأهبوا بأحسن أهبتكم، فقد أخبرت أن القوم
نزلوا بذي خشب ومعهم مروان بن الحكم وأن الله مهلكه بنقضه العهد
والميثاق عند منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتصايح
الناس يسبون مروان ويشتمونه، فقال لهم: إن الشتم ليس بشيء ولكن
نصدقهم اللقاء والله ما صدق قوم قط إلا نصروا، فبايعوه على الموت،
ثم رفع يده إلى السماء وقال: إنا بك واثقون وعليك متوكلون وإليك
ألجأنا ظهورنا، ثم نزل فخندقوا على المدينة من كل نواحيها، فلما
توجهت جيوش يزيد واتفق بهم الأمويون في ذي خشب وذكروا لهم ما فعله
أهل المدينة من إخراجهم منها وعدم قبولهم طاعة يزيد وبيعته أمروهم
أن يرجعوا معهم لقتالهم فامتنعوا عن الرجوع معهم وقالوا: قد
أعطيناهم العهود والمواثيق تحت المنبر لئن استطعنا لنردن الجيش
عنهم فكيف بالرجوع إليهم ! فقال مروان: أما أنا فراجع والله إني
ماض مع مسلم فمدرك ثأري من عدوي وممن أخرجني من بيتي، وكان معاوية
أوصى يزيد وقال له: إن
(1/1028)
رابك منهم - يعني أهل
المدينة - ريب أو انتقض عليك منهم أحد فعليك بأعور بني مرَّةمسلم
بن عقبة، فدعا به فقال: سر إلى أهل هذه المدينة بهذه الجيوش وإن
شئت أعفيتك فإني أراك مدنفاً، فقال مسلم بن عقبة لعنه الله: أنشدك
الله أن لا تحرمني أجراً ساقه الله إلي وتبعث غيري، فإني رأيت في
النوم أن شجرة غرقد تصيح تقول أغصانها يا ثارات عثمان، فأقبلت
إليها وجعلت الشجرة تقول لي يا مسلم بن عقبة فأخذتها فعبرت ذلك أن
أكون أنا القائم بأمر عثمان، والله ما صنعوا الذي صنعوا إلا أن
الله أراد بهم الهلاك، فقال يزيد: فسر على بركة الله، فلما كان
توجه مسلم ومن معه من الجيوش من ذي خشب ومعه مروان بن الحكم وولده
عبد الملك لعنهما الله تعالى سأل مسلم مروان عن عدد أهل المدينة
وما صنعوا، فقال: عددهم كثير ولكن لا بقاء لهم مع السيف، وليس لهم
كراع ولا سلاح وقد خندقوا عليهم وحصنوا، فقال مسلم هذه أشدها علينا
ولكنا نقطع عليهم مشربهم ونرد عليهم خندقهم، فقال مروان: عليه رجال
لا يسلمونه ولكن عندي وجه سأخبرك به، قال: فهاته، فقال: أطوه ودعه
حتى يحضر، قال:وذكروا أن أهل الشام لما أحاطوا بالمدينة من كل
ناحية لم يجدوا مدخلاً والناس يتلبسون بالسلاح قد قاموا على أفواه
الخنادق وقد حرصوا أن لا يتكلم منهم متكلم، وجعل أهل الشام يطوفون
بها والناس يرضونهم بالحجارة والنبل من فوق الأكام والبيوت حتى
جرحوا فيهم وفي خيلهم، فقال مسلم لمروان: أينما قلت لي ؟ فخرج
مروان حتى جاء بني حارثة فكلم رجل منهم ورغبه في الضيعة وقال: افتح
لنا طريقاً فأنا أكتب بذلك إلى أمير المؤمنين ومتضمن لك عنه شطر ما
كان بذل لأهل المدينة من العطاء وتضعيفه، ففتح لهم طريقاً ورغب
فيما بذل له فاقتحمت الخيل ودخلوا المدينة، فاقتتلوا فيها قتالاً
شديداً حتى عاينوا الموت، ثم تفرقوا وغلب أهل الشام أهل المدينة
حيث جاؤوهم بما لا قبل لهم به، وجعل مسلم يقول: من جاء برأسٍ فله
كذا وكذا
(1/1029)
وجعل يغري قوماً لا
دين لهم، فلما استشهد عبد الله بن حنظلة صار أهل المدينة كالغنم
بلا راع شرود يقتلونهم أهل الشام من كل وجه، وكان بنو حارثة آمنون
لم يقتل منهم أحد لمكان الذي فتح الطريق منهم فجعل قصرهم أماناً
لمن أراد أهل الشام أن يؤمنوه، وأبيحت المدينة وانتهبت ثلاثة أيام،
فدخلوا دار محمد بن مسلمة الأنصاري عشرة من أهل الشام فصاح النساء،
فأقبل ابن محمد بن مسلمة إلى الصوت فوجدهم ينهبون ومعه رجلان
فقاتلوهم حتى قتلوا العشرة الشاميين وخلفوا ما أخذوه عليهم فألقوه
في بئر لا ماء فيها وألقي عليها التراب، ثم أقبل نفر من أهل الشام
فقاتلوهم حتى قتل زيد بن محمد أربعة عشر رجلاً، وقيل لعبد الله بن
زيد بن عاصم صاحب أذان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلو
أعلنْت القوم باسمك لم يقصدوك، فقال: والله لا أقبل لهم أماناً
فخرج والخيل تسرع في كل وجه قتلاً ونهباً، فقاتل وقال: لا أبرح حتى
أقتل لا أفلح من ندم، فضربه رجل بفأس بيده، قال الراوي: فرأيت
نوراً صادعاً وسقط رحمه الله تعالى ميتاً وكان يومه ذلك صائماً،
ولزم أبو سعيد الخدري رضي الله عنه بيته، فدخل عليه نفر من أهل
الشام فقالوا: أيها الشيخ من أنت ؟ قال: أنا أبو سعيد الخدري صاحب
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: ما زلنا نسمع عنك
فبحضك أخذت في تركك قتالنا وكفك عنا لزوم بيتك ولكن أخرج إلينا ما
في بيتك فقال: والله ما عندي مال فنتفوا ليحته وضربوه ضربات ثم
أخذوا ما وجدوا في بيته حتى زوج حمام، وكان جابر بن عبد الله
الأنصاري رضي الله عنه يومئذ قد ذهب بصره فجعل يمشي في بعض أزقة
المدينة وهو يقول تَعِسَ من أخاف الله ورسوله، فقال له رجل: ومن
أخاف الله ورسوله ؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
يقول: " من أخاف المدينة فقد أخاف ما بين جنبي "، فحمل عليه رجل
بسيف ليقتله فترامى عليه مروان فأجاره وأمر أن يدخله منزله ويغلق
عليه بابه.
(1/1030)
قلت: وفي رواية أن
جابر رضي الله عنه كان ينادي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم يقول: " إن إبراهيم عليه السلام حرم مكة "، وفي رواية: " إن
لكل نبي حرماً وإني حرمت المدينة من عير إلى ثور فمن أحدث فيه
حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين "، قال: ودخل رجل
من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الأنصار ومعها صبي لها، فقال
لها: هل من مال ؟ فقالت: لا والله ما تركوا لي شيئاً، قال: أو
لأقتلنك وصبيك هذا فقالت له: ويحك إنه ولد أبي كبشة الأنصاري صاحب
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ برجل الصبي والثدي في فمه،
فقالت: يا بني والله لو كان لي شيء لافتديتك فجذبه من حجرها وضرب
به الحائط فانتثر دماغه في الأرض، ولم يخرج حتى أسود نصف وجهه وصار
مثلاً، قال: فبلغ قتلى الحرة يومئذ من قريش والأنصار والمهاجرين
ووجوه الناس ألف وسبعمائة، ومن سائر الناس عشرة آلاف سوى النساء
والصبيان، وذكر في موضع آخر أن القتلى من أصحاب النبي صلى الله
عليه وآله وسلم ثمانون رجلاً ولم يبق بدري بعد ذلك، ومن قريش
والأنصار سبعمائة، ومن سائر الناس من الموالي والعرب والتابعين
عشرة آلاف،وأمر مسلم بن عقبة لعنه الله تعالى بالأسارى فغلوا
بالحديد، وساق ابن قتيبة شيئاً من نحو تلك الأفاعيل الفضيعة، وقُتل
جماعة بين يديه صبراً من الأفاضل والزهاد والعباد، ثم طلب ليزيد
البيعة إلى آخر ما ذكره.
(1/1031)
قال المنصور بالله
عبد الله بن حمزة عليهما السلام فيما رواه عنه صاحب المنشورات: أن
أول من أتى مسلم بن عقبة، فقال: أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه،
قال: اضربوا عنقه، قال الآخر: وعلى سنة أبي بكر، قال: اضربوا عنقه،
قال الآخر: وسنة عمر، قال: اضربوا عنقه، قال آخر: وسنة عثمان، قال:
اضربوا عنقه، قالوا: فعلى ما نبايعك، قال: على أنكم عبيد خول ليزيد
بن معاوية، فبايعوا على ذلك، ومن أبى عرضه مسلم على السيف غير علي
بن الحسين زين العابدين عليهما السلام، وعلي بن عبد الله بن العباس
بن عبد المطلب، أما علي بن الحسين فأتي به إلى مسلم بن عقبة وهو
مغتاظ عليه يتبرأ منه ومن آبائه، فلما رآه ارتعد وقام له وأقعده
إلى جنبه وقال له سلني حوائجك فلم يسأله فيمن قدم إلى القتل إلا
وشفعه فيه حتى انصرف، فقيل لمسلم بن عقبة رأيناك تسب هذا الغلام
وسلفه فلما أُتي به رفعت منزلته ! فقال: ما كان ذلك الرأي مني لقد
مُلِيء قلبي منه رعباً، قال صاحب المنشورات: وما ذاك إلا صرفة من
الله لسر علمه فإن نسل الحسين عليه السلام كان في صلبه حينئذ ولم
يكن للحسين عليه السلام عقب إلا من علي بن الحسين السجاد عليهما
السلام، وأما علي بن عبد الله بن العباس فإن أخواله بني كندة منعوه
منه، وقد روي من الأفاعيل الفضيعة والأقوال الشنيعة في هذه الوقعة
المسماة: وقعة يوم الحرة ما لا حاجة إلى ذكره في هذا المقام وإلى
الله التحاكم فيها يوم الخصام، وسميت بوقعة يوم الحرة لأنه وقع
القتل الشديد فيها، وقد روى ابن قتيبة أحاديث في فضل قتلى يوم
الحرة، وكانت في ذي الحجة لثلاث بقين منها سنة ثلاث وستين من
الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وعلى آله الذين
أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم من الآثام، وفيها جملة من المساوىء
والمثالب والمآثم على يزيد الآمر بذلك وعلى أبيه المؤسس بكل ما وقع
هنالك بوصيته ليزيد بتوليته أعور بني مرة مسلم بن عقبة على أهل
المدينة
(1/1032)
إن لم يدخلوا في
طاعته ويسلموا لبيعته.
فما يكون اعتذار النواصب ومن ظاهاهم من المحدثين المتسمين بأهل
السنة في مجاملتهم وموالاتهم لذلك الطاغية سيدهم معاوية، فبعداً
وسحقاً لقوم ?يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون?،
?اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ
أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ
هُمْ الْخَاسِرُونَ?{المجادلة:19}، أما علموا أن المرء مع من أحب
وله ما كسب، وأن من والى عدواً لله فهو عدو له وإليه المصير.
(1/1033)
فصل في الكلام في أن
الإمامة محصورة في أهل البيت عليهم السلام
من بعد الحسنين صلوات الله وسلامه عليهما
قال عليه السلام [ فإن قيل: لمن الإمامة بعدهما ؟ فقل: هي محصورة
في ] ذرية [ البطنين ] بطن الحسن وبطن الحسين عليهما السلام [
محظورة على من عدا أولاد السبطين، ].
والسبط: هو ولد الولد، فقيل للحسنين سبطا رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم لأنهما ولدا ولده فاطمة الزهراء عليها السلام، ومعنى
كونها محظورة على من عدا أولاد السبطي: أنه لا يجوز لأحد من سائر
الناس التصدر لها وطلب عقدها لغير السبطين، والقيام والدعوة إلى
نفسه من سائر الأنام، وهذا مذهب العترة عليهم السلام وجميع الزيدية
كذلك، والإمامية وإن حصروها في أناس منهم معينين فهم لا يجوزونها
في سائر الأنام.
والخلاف في ذلك للمعتزلة والأشعرية: فأجازوها في سائر قريش.
وللخوارج والحشوية فأجازوها في سائر الأنام من أهل الإسلام.
ويروى عن أبي علي أنها محصورة في سائر العرب مهما عدم القرشي.
وعن ابن الراوندي والعباسيين أنها محصورة في ولد العباس بن عبد
المطلب بن هاشم، وروى القرشي عن بعضهم: أنها محصورة في جميع ذرية
أمير المؤمنين عليه السلام ، فيدخل في ذلك سائر ذريته عليه السلام
من غير الزهراء.
وهذه الأقوال كلها لا دلالة عليها بل قام الدليل على بطلانها كما
سيأتي تقريره، وإذا تقرر بطلان هذه الأقوال ما عدا القول الأول وهو
حصرها في أولاد البطنين، تعين الحق فيه ووجب المصير إليه وإلا خرج
الحق عن أيدي الأمة وهو غير جائز.
(1/1034)
شروط الإمامة
[ فهي ] أي الإمامة ثابتة [ لمن قام ودعا من أولادهما ممن ينتمي
بنسبه من قبل أبيه إلى أحدهما، ] إما إلى الحسن أو إلى الحسين
عليهما السلام، وقد أشار الإمام عليه السلام إلى أن طريق الإمامة
عند العترة عليهم السلام وشيعتهم الأعلام القيام والدعوة [ متى كان
] القائم بها والداعي لنفسه إليها [ جامعاً لخصال الإمامة، ] وهي
أربعة عشر خصلة دلت عليها الأدلة القطعية على وجوبها، وأنها شروط
في صحة إمامة من قام ودعا، وقد جمعها الشاعر في قوله:
مُكَلَّفٌ ذَكَرٌ حُرٌّ لفاطمةٍ ....مُدَبِّرٌ سَالِمٌ عَنْ أَسوءِ
العِلَلِ
سَمْحٌ شُجَاعٌ وسَبّاقٌ بدعوتِهِ .... مُحقِّقٌ كامِلٌ في العلمِ
والعملِ
هذي شروطُ إمامِ الحقِ قاطبة .... فاحذر هُديتَ عن الطغيانِ
والزَّلَلِ
وبيانها:
(1/1035)
الشرط الأول: العلم
الشرط الأول: ما ذكره عليه السلام بقوله: [ من: العِلْمِ الباهر، ]
وهو أن يكون بالغاً درجة الاجتهاد بمعنى التمكن من استنباط حكم
الحادثة عند وقوعها وتطبيقه على الوجه الشرعي غير مقلد فيه على
الصحيح أو مقلد فيه لأحد الأئمة، كما ذهب إليه الإمام يحيى عليه
السلام وغيره من المتأخرين عند عدم المجتهد من آل محمد صلى الله
عليه وآله وسلم، وتصح عندهم حينئذ -أي حين أن يعدم الإمام المجتهد
من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم- إمامة المقلد منهم عليهم
السلام، وحكى الإمام الشرفي في شرحه على الأزهار المسمى ضياء ذوي
الأبصار عن شرح الفتح: أن اشتراط الاجتهاد مما لا يدل عليه كتاب
ولا سنة ولا إجماع، وروى ذلك - أي عدم اشتراط الاجتهاد - عن جماعة
قال: وممن روي عنه جواز إمامة المقلد لضرورة الإمام علي بن محمد
عليهما السلام وولده الناصر عليه السلام إمامين مع قصورهما عن
الاجتهاد لا سيما الناصر ونفع الله بهما نفعاً لا يتفق مثله في
مقام غيرهما من المتأخرين، قال شيخنا صفي الإسلام رحمه الله تعالى:
قلنا: لا نسلم إلا أنا كلاً مجتهد وخلافهم في كتب المقالات ظاهر.
(1/1036)
قلت: وكلام صاحب شرح
الفتح مما يقضى منه العجب فإن قول الله تعالى: ?أَفَمَنْ يَهْدِي
إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا
أَنْ يُهْدَى ? {يونس:35}، يدل بظاهره على أن من هَدَى إلى الحق
الذي هو أحق أن يُتبع هو من يَهدي إليه دون من يُهدى إليه، فكيف
ساغ له القول بأن اشتراط الاجتهاد مما لا دليل عليه من كتاب الخ ؟
وأيضاً ففي السنة وصف الأئمة الهادين بقوله صلى الله عليه وآله
وسلم: " أعطاهم الله علمي وفهمي " أخرجه المرشد بالله، وليس المقلد
ممن أعطاه الله علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفهمه، فاقتضى
أن الإمام لابد وأن يكون مجتهداً، وأيضاً فقد حكى الإجماع في البحر
وغيره على اشتراطه قبل الغزالي وغيره ممن يصحح إمامة المقلد فقد
قام الدليل من الكتاب والسنة والإجماع، اللهم إلا أن يقال مسلم ذلك
- أي اشتراط الإجتهاد - مع وجود المجتهد وكلامنا فيما إذا عدم
المجتهد استقام قوله إن اشتراط الاجتهاد الخ، على أنه قد نقض كلامه
بأن قال: إن الإمام المطهر بن يحيى وولده محمد المهدي عليهما
السلام لم يكونا مجتهدين، واحتج للمسألة بأنهما ممن روي عنه جواز
إمامة المقلد، فكيف ساغ له الاحتجاج بكلامهما ونقل خلافهما في
المسألة مع كونهما مقلدين على زعمه ! فإن المقلد لا يحتج بقوله ولا
ينقل خلافه، ولعل خلاف من خالف في اشتراط الاجتهاد لا يخالف في أنه
لا بد في الإمام أن يكون عارفاً بما يحتاج إليه من المسائل الفقهية
وإن أخذها تقليداً في ثبوت أدلتها لمن مضى من السلف الصالح من
المجتهدين والعلماء والمفتين، إذ من البعيد أن يقول الإمام يحيى
عليه السلام وغيره من العلماء المحققين بصحة إمامة الجاهل الصرف،
إذ لا قائل أنه لا يشترط العلم رأساً إلا الحشوية ذكره عنهم في
الأساس، وسيأتي تحقيق ما يحتاج إليه المجتهد من العلوم الدينية
وطريقة العلم للمكلف بحصول ذلك فيه.
الشرط الثاني: الفضل
(1/1037)
[ و ] الشرط الثاني:
ما أشار إليه عليه السلام بقوله و [ الفضل الظاهر، ] يعني بأن يكون
بمكان من الفضل بأن يكون أفضل أهل زمانه أو كأفضلهم، واحتج لذلك في
الأساس بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من ولى رجلاً وهو يعلم أن
غيره أفضل منه فقد خان الله في أرضه "، قال الشارح: فإذا كان هذا
في حق الإمام إذا ولى غيره في الأعمال فكذلك في الإمام نفسه، قال:
وهذا قول جمهور أئمة الزيدية وبعض المعتزلة، قال في المحيط: أجمعت
الزيدية والإمامية على أن إمامة المفضول لا تجوز وأن الإمام يجب أن
يكون أفضلهم، وأنه لا يجوز أن يعدل إلى غيره بوجه من الوجوه، وإليه
ذهب أكثر المرجئة وقوم من المعتزلة منهم الجاحظ، وقالت المعتزلة:
إن الإمامة يستحقها الفاضل الذي يعرف فضله بأكثر الرأي إلا أن يحدث
أمر يكون عنده نصب المفضول أصلح وجب نصبه في هذه الحال الخ ما ذكره
عن صاحب المحيط في شرح الأساس.
وقال شيخنا رحمه الله تعالى في حاشيته على المختصر: واختلف في
إمامة المفضول على إطلاقين وتفصيل: لا تجوز مطلقاً وهو قول الناصر
وأكثر الجارودية، وتجوز مطلقاً وهو قول البغدادية وبعض الزيدية،
والتفصيل وهو قول الأخوين والمهدي وغيرهم، وقد اختلف في معنى
الأفضلية هاهنا فقال الإمام يحيى عليه السلام : هي أن تكون الشرائط
المعتبرة فيه أكمل وأتم لا على معنى ثوابه أكثر إذ لا يعلم مقادير
الثواب إلاّ الله، وفي كلام المهدي عليه السلام ما يدل على أن
المراد بالأفضلية الأكثر ثواباً.
(1/1038)
قلت: ولا طريق إلى
العلم بذلك إلا مجرد الظاهر من أنا إذا علمنا رجلين كاملين في
العلم والورع وحسن التدبير والانتساب إلى الرسول صلى الله عليه
وآله وسلم، ثم كان لأحدهما من الزهادة والعبادة وجودة الرأي أكثر
من الآخر أفادنا ذلك الظاهر أنه أكثر ثواباً من الآخر، قال عليه
السلام : فيجب أن تثبت الإمامة للأفضل إلا أن يمنع منه مانع يكون
عذراً في نصب المفضول صحت إمامته، كأن يكون بالفاضل آفة كالبرص
والجذام ونحوهما، وهذا خلاف مراد الإمام يحيى عليه السلام ولا خلاف
بينهما في هذه الصورة. وإنما تظهر ثمرة الخلاف إذا كان كلاهما
صالحين كاملي الشرائط والسلامة من المنفرات لكن أحدهما زاد على
الآخر بما ذكر من الزهادة ونحوها، فعند المهدي: لا تصح إمامة
المفضول مع وجود ذلك الفاضل، وعند الإمام يحيى عليه السلام : تصح
مع وجود ذلك الفاضل، قال: ولا دليل على اشتراط الأفضلية - يعني
بكونه أكثر ثواباً - وقال بعضهم إذا كان المفضول قد سبق بالدعوة
وهو أنهض وأثبت من الفاضل لأمور المسلمين صحت إمامته وإلا وجب على
الفاضل القيام وكان هو الإمام، فإن لم يقم ويدعو كانت إمامة ذلك
المفضول بعد أن قام ودعا صحيحة، وهذا الأظهر والله أعلم.
وحينئذ فالحق لمن سبق بالدعوة مع الكمال وبالسبق يكون أفضل، وبقي
الكلام لو استويا وادعيا في وقت واحد، المهدي يقول: يجب تقديم
الفاضل، والإمام يحيى لا أدري ما يقول بناء على أصله ولعله لا يسعه
المخالفة في مثل هذه الصورة، وبهذا يعلم عدم تحقق الخلاف بين أئمة
الآل صلوات الله وسلامه عليهم بعد أبيهم في البكور والآصال.
الشرط الثالث: الشجاعة
[ و ] الشرط الثالث: ما ذكره عليه السلام بقوله و [ الشجاعة، ]
وسيأتي في كلام المؤلف عليه السلام بيان القدر المحتاج إليه منها.
(1/1039)
ووجه اشتراطها: أنه
إذا لم يكن شجاعاً لم تقوَ عزيمتُهُ على الجهاد الذي به إعزاز
الدين وإخافة الظالمين ونصرة المظلومين، فيؤدي إلى تعطيل ما لأجله
وجب قيامه، فلا تصح إمامة من شأنه كذلك.
الشرط الرابع: السخاء
[ و ] الشرط الرابع: ما ذكره عليه السلام بقوله و [ السخاء، ]،
وسيأتي بيان القدر اللازم منه في كلام المؤلف أيضاً.
ووجه اشتراطه: أنه إذا لم يكن سخياً بوضع الحقوق في مواضعها، فإما
أن يمسكها ولا ينفقها البتة أو ينفق شيئاً منها في مواضعه على
تقصير فيما يجب عند أولي الرأي والعلم والاختبار أو ينفقها في غير
مواضعها، وَأَيَّمَّا كان ذلك نقصاً وجرحاً في عدالته مع ما يؤدي
إليه من تعطيل الجهاد الذي لا يقوم إلا به.
إن قيل: لا وجه لجعل هذا شرطاً مستقلاً، إذ قد أغنى عنه اشتراط
العدالة.
قلنا: إنما جعل شرطاً مستقلاً لأهميته وعظيم نفعه فذكر بخصوصية،
ولو استغني عن ذكره بدخوله في اشتراط العدالة لما دخل تحتها إلا
ظناً، لأن دلالة العموم ظنية فتطرق الشبهة إلى من أمسك ومن تابعه،
فاحترس بذلك عن جعله شرطاً مستقلاً.
الشرط الخامس: جودة الرأي والقوة والورع
والشرط الخامس: فما بعده إلى آخر الشروط المعتبرة أشار إليه عليه
السلام في هذه الجملة المذكورة بقوله [ وجودة الرأي بلا امتراء،
والقوة على تدبير الأمور، والورع المشهور. ]، وبيانها: أما قوله
عليه السلام : وجودة الرأي بلا امتراء. فيدخل تحته:
الشرط السادس: أن يكون بالغاً
الشرط السادس: أن يكون الإمام بالغاً فلا تصح إمامة الصبي.
الشرط السابع: أن يكون مكلفاً
والشرط السابع: أن يكون مكلفاً، فلا تصح إمامة المجنون.
الشرط الثامن: أن يكون ذكراً
والشرط الثامن: أن يكون ذكراً، فلا تصح إمامة المرأة.
(1/1040)
لأن هؤلاء ليس لهم من
الرأي ما يستقيم معه تدبير أمر الأمة وسياسة الرعية، وقد خالف بعض
الأشعرية في حق الصبي والمرأة فقالوا: إن ثبتت لهم الإمامة بالعقد
والاختيار فلا تصح ولا يصح العقد والاختيار إلا للذكر البالغ
العاقل، وإن ثبتت لهما بالقهر والغلبة صحت إمامتهما،وهذا قول لا
يلتفت إليه ولا يعول عليه لأن الإجماع منعقد على أنه لا يصح من
الصبي التصرف في مال نفسه فكيف يصح منه التصرف في أموال المسلمين
ودمائهم ؟ ولأن المرأة لا يصح توليتها إنكاح نفسها فكيف يجعل إليها
ولاية نكاح كل من لا ولي لها من جميع نساء المسلمين، ولقوله صلى
الله عليه وآله وسلم: " لا أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " الخبر ؟
وأما قوله عليه السلام : والقوة على تدبير الأمور، فيدخل تحته:
الشرط التاسع: أن يكون حراً
الشرط التاسع: وهو أن يكون الإمام حراً، فلا تصح إمامة العبد لأنه
مشغول بما هو في حقه فرض عين وهو خدمة سيده، فلا يقدر على تدبير
الأمة وسياسة الرعية مع ذلك على أن إجماع الأمة منعقد على ذلك فلا
يصح تقدير ما لو أسقط عنه سيده الخدمة، وقد حكي الإجماع على ذلك في
الانتصار وغيره، ولعله محمول على إجماع المتقدمين لما ذكره في
الغيث من قوله: وذهب الجويني والأصم إلى جواز إمامة العبد لما روي
عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " أطيعوا السلطان ولو عبداً حبشياً
"، قال عليه السلام : قلنا: الإمامة من المسائل القطعية فلا يؤخذ
فيها بخبر الآحاد.
قلت: إن صح الخبر، فيمكن حمله على ما إذا عتق وكان فاطمياً ولو كان
مولده أو منشأه بالحبشة أو أن المراد أمير السرية، إلا أن التأويل
بما ذكرناه أولى لعمومه ولأن أمير السرية ليس بسلطان حقيقة بل
متولي من طرفه، والله أعلم.
الشرط العاشر: أن يكون سليم الحواس
(1/1041)
الشرط العاشر: أن
يكون سليم الحواس فلا يكون أعمى ولا أصم ولا به آفة تمنعه من إدراك
ما نصب لأجله، لكن ينظر فيما إذا سلب حاسة الشم والطعم واللمس فإن
هذه في الحقيقة قد يحتاج إليها وقد لا يحتاج إليها، وقد أطلق
علماؤنا رحمهم الله اشتراط سلامة الحواس جميعها، فلعل أنها شرط
لجواز أن يحتاج إليها، وطرد اللباب والله أعلم.
الشرط الحادي عشر: أن يكون سليم الأطراف
الشرط الحادي عشر: أن يكون سليم الأطراف من الجذام والبرص ونحوهما
من الأمراض والعاهات المنفرات عن مخالطة الناس له، لأن ذلك يتعذر
أو يتعسر قضاؤه حوائج المسلمين والقيام بما يحتاج إليه الجهاد من
المخاطبات السرية والمجالس الخاصية.
الشرط الثاني عشر: أن يكون قادراً على أن يدير الأمور
الشرط الثاني عشر: أن يكون قادراً على تدبير الأمور بأن يكون ذا
أهلية وهمة وحسن تدبير بحيث يكون أكثر رأيه الإصابة، لأنه إذا لم
يكن كذلك لم يحصل الغرض الذي لأجله نصب، وسيأتي مزيد تحقيق للمؤلف
عليه السلام في ذلك.
الشرط الثالث عشر: أن يكون عدلاً
(1/1042)
الشرط الثالث عشر:
وهو من أهم الشروط وأعظمها وأولها وأحقها بالتقديم وهو أن يكون
عدلاً آتياً بالواجبات مجتنباً للمحرمات كبائرها وصغائرها المنفرة
إلا ما كان على جهة الندرة أو الخطأ أو النسيان أو التأويل أو لم
يثبت عنده تحريمها، ولكن لا ينبغي أن يجعل اجتناب الصغائر شرطاً
بحيث تبطل به إمامته بعد صحتها، وإنما ذلك من باب الأولى، وإنما
الشرط المحقق هو اجتناب الكبائر، وقد اختلف فيما إذا حدثت منه
الكبيرة بعد انعقاد إمامته، فعند أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم
تبطل وتعود بالتوبة، وهل يحتاج إلى تجديد دعوة على خلاف في ذلك،
الأظهر عدم الاحتياج لما فيه من الإشاعة، وقال بعض الأشعرية: لا
تبطل إمامته بالفسق الطاري بعد عقدها له مع كونه غير فاسق، وعن
بعضهم: يصح العقد للفاسق فلا تبطل إمامة الفاسق بأي حال، وهذا باطل
قطعاً لقوله تعالى: ?لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ?، وقد جود
الرازي في تفسيره والزمخشري الاستدلال بهذه الآية على بطلان إمامة
الفاسق قال: وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته ولا تجب طاعته
ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة، وعن ابن عيينة: لا يكون الظالم
إماماً قط، وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف
الظلمة، فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل: من استرعى
الذئب ظلم.
قلت: ولله در المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام حيث
يقول في معنى ما ذكره الزمخشري :
قامَ المريضُ على المرضَى يُداويها
صَعبٌ مسالكها صَعبٌ مراقِيها
تجري شهادتُهُ في دانقٍ فيها
إن الخلافةَ أمرٌ هائلٌ خَطِرٌ
وفي معنى ما قاله ابن عيينة قول لآخر:
وكيف يقوم الظلُّ والعودُ أَعوجُ
وما يستوي الممشى وما ثَمَّ منهجٌ
الشرط الرابع عشر: أن يكون الإمام فاطمياً
الشرط الرابع عشر: أن يكون الإمام فاطمياً، وهو أصل مسألة الفصل
الذي عقد لأجلها.
(1/1043)
قال عليه السلام [
فإن قيل: ما الذي يدل على ذلك ؟ ] أي على أن الإمامة محصورة في
البطنين محظورة على من عدا أولاد السبطين، وعلى سائر ما ذكرتم من
تلك الشروط [ فقل: أما الذي يدل على الحصر ] في البطنين دون من
عداهم من سائر الناس، فأدلة كثيرة ذكر منها عليه السلام دليلين
وسنذكر بعد ذلك ما سنح من غيرهما:
(1/1044)
الأدلة على أن
الإمامة محصورة في البطنين
الدليل الأول:
قوله عليه السلام [ فهو أن العقل يقضي بقبح الإمامة لأنها تقتضي
التصرف في أمور ضارة من القتل والصلب ونحوهما، ] هذا الدليل مبني
على أن الإمامة لا تجب عقلاً وإنما وجبت سمعاً فقط، بل هو مبني على
أنها قبيحة عقلاً كما ترى تحريره، فأما وجوبها عقلاً وسمعاً أو
سمعاً فقط فقد مر تحقيق الكلام فيه، وأما أنها قبيحة عقلاً فإنما
ذلك باعتبار بادي الرأي وظاهر الأمر، لأن ما ذكره من القتل والصلب
ونحوهما إنما يقبح في العقل إذا عري عن السبب المقتضي لذلك، أما
إذا كان عن استحقاق القتل قصاصاً أو للسعي في الأرض فساداً والصلب
والخلف لذلك والقطع للسرقة والجلد للزنا والقذف، فلا يسلم أن العقل
يحكم بقبح ذلك حتى يقال نسخه الشرع، وإنما يحكم العقل بقبح ما ذكر
لو عري عن تلك الأسباب المقتضية للجواز أو الوجوب بحسب الحال، أما
الجواز فحيث لا يخشى من ترك الساعي ونحوه زيادة في الفساد تؤدي إلى
الإضرار بالخلق، وأما الوجوب فحيث يخشى ذلك، لكنه عليه السلام نظر
إلى أن نفس القتل قصاصاً متعلق بولي الدم فليس مما تقتضي الإمامة
والقتل للسعي في الأرض فساداً وللباغي أو المشرك شرعي محض، وليس في
العقل ما يقتضي حسنه أو وجوبه إلا إذا كان مدافعةً عن النفس لا
غيرها من سائر الخلق، وإذا كان كذلك فلا يجوز عقلاً لأحد فعله إلا
لمن أذن له الشرع بدلالة قطعية [ و ] لم تحصل إلا للفاطمي لأنه [
قد انعقد إجماع المسلمين على جوازها في أولاد فاطمة عليها السلام،
ولا دليل على جوازها في غيرهم، ] من سائر الأمة إذ لم ينعقد على
جوازها في سائر المسلمين إجماع لأجله يجوز لغير الفاطمي أن يتصدر
لفعل ذلك وهو قتل الساعي في الأرض فساداً أو صلبه أو خلفه،وقتال من
بغى على ذلك الداعي وقتال المشرك [ فيبقى ] قتل من ذكر إذا صدر من
[ من عداهم ] أي من عدا الفاطميين عليهم السلام [ على القبح ]
العقلي.
(1/1045)
وهذا دليل جيد قوي
الدلالة لكنه مبني على القول بعدم وجوب الإمامة عقلاً فيفيد حصرها
في الفاطميين قطعاً، لأن مقدمتيه يقينيتين اللتان هما: قبح الإمامة
عقلاً، وجوازها في الفاطميين شرعاً، ودليل الأولى: أنها تصرف في
أمور ضارة من القتل والصلب ونحوهما، ودليل الثانية: الإجماع على
جوازها في الفاطميين مع عدمه فيمن عداهم، فلزمت النتيجة وهي حصرها
فيهم دون غيرهم، وفيه سؤال للقائلين بوجوب الإمامة عقلاً وهو أن
يقال: ولم قلتم بقبح الإمامة نفسها مع أن ليس في ذاتها ما يقتضي
القبح لأنها ولاية عامة الخ ما ذكر في حدها؟ فلا قبح في جنس الحد
ولا فيما ذكر من الفصول بعده، وما عللتم به من القتل والصلب
ونحوهما وإن حكم العقل بقبحه، فليس يحكم العقل بذلك على الإطلاق بل
مع خلوه عن السبب المقتضي، وإن سلم على التنزل، فإنما يحكم العقل
بقبح نفس القتل والصلب ونحوهما لا قبح الإمامة نفسها ؟
والجواب: لمن يقول لا تجب إلا سمعاً من وجهين:
أحدهما: أن يقال: إن الإمامة تقتضي ما أصله القُبح وهو القتل
والصلب، وما اقتضى القبيح قَبُح بلا إشكال والقتل والصلب قد قضى
العقل بقبحهما نظراً إلى أن أصلهما إضرار للغير ولا إشكال أيضاً أن
الضرر بالغير قبيح، وإنما حسن بعد ورود الشرع به، وذلك أمر شرعي لا
نزاع فيه، وهذا الوجه مقتضى كلام المؤلف عليه السلام .
الوجه الثاني: أن يقال: إن أصل الإمامة وجنسها المذكور في الحد هو
التولي على الغير والترأس والتصرف في ماله ودمه، وهذا لا يجوز
عقلاً إلا بدليل ناقل وهو الشرع، فصح ما قلناه إن أصل الإمامة
القبح وإنما حسنت شرعاً لا غير.
(1/1046)
ويمكن أن يجاب عن
الوجهين جميعاً بأن يقال: لا يسلم أن أصل الإمامة القبح وإن كانت
تولياً على الغير وترأساً عليه وتصرفاً في ماله ودمه مهما كان فيها
من دفع الضرر والظلم وجلب النفع بحفظ الأموال والنفوس والفروج،
وحفظ الدين وقيامه ما هو أكثر وأعظم من ضرر التولي والترأس والتصرف
في مال الغير ودمه سيما إذا كان التصرف في المال ونحوه كالقتل
والصلب عن استحقاق، لأن العقل يقضي بحسن ما فيه ضرر لدفع ضرر أعظم
منه كالفصد أو لجلب ما فيه نفع يحسن لأجله تحمل الضرر كتحمل مشقة
الأسفار لطلب ربح التجارة وتعب عمل الحراثة لحصول الزرائع والثمار،
وهذا لا شك في حسنه عقلاً غير أنه يقتضي حسن الإمامة على الإطلاق
في أي قائم قام بها فيسقط الدليل على دعوى الحصر في منصب مخصوص من
أصله فيحتاج إلى استدراك، بأن يقال: إن الإمامة تصرف في أمور عقلية
كدفع الضرر وجلب النفع، وأمور شرعية كصرف الزكوات والأخماس في
المصارف الشرعية، وإقامة الجمعات، وإقامة الحدود، وصرف غلات
الأوقاف المنقطعة الولاية، وحفظ مال اليتيم والإنفاق عليه المنقطع
وصاية أبيه، ونصب الحكام وولاة المصالح، وهذه أمور شرعية ولاية
أمرها إلى من أذن له الشارع في القيام بأمرها، ولا إذن شرعي معلوم
حصوله لمن أراد القيام بأمرها إلا للفاطمي، وهو ما دل عليه الإجماع
من جوازها فيه دون من عداه، فبقي على المنع المقتضى عن عدم الإذن
إلى ما انضم إلى هذا الكلام من الإجماع أن ولاية تلك العقلية إلى
من إليه ولاية هذه الشرعية، إذ لا يمكن نصب إمام للعقلية من سائر
الناس وإمام للشريعة من المنصب المخصوص لتأديته إلى الاختلاف
والشجار والقتال، ولأنه لا قائل بذلك فتأمل.
(1/1047)
وحينئذ فقد تم هذا
الدليل العقلي وانبرم على وجه الصحة على كلا المذهبين بين أئمتنا
عليهم السلام ومن وافقهم القائلين بوجوب الإمامة عقلاً وسمعاً كما
هو الصحيح، والقائلين بوجوبها سمعاً فقط كما هو اختيار المؤلف
والمهدي وغيرهما عليهم السلام جميعاً، ويؤيد كون الإمامة وجبت
لأمور عقلية وأمور شرعية: أنها لو كانت الأمور شرعية فقط لما اتفق
عليها إلا أهل الشرع، والمعلوم أن جميع الملل الموحدة والملحدة لا
يخلون نفوسهم من رئيس يقوم بدفع الضرر والذب عنهم وجلب المنافع
والمصالح لهم، ولو كانت أيضاً شرعية فقط لصح عليها طرو النسخ إذ
ذلك شأن الشرعيات، والمعلوم أنه لم تزل الخلفاء تعقب الأنبياء
والأوصياء منذ أولهم أبي البشر عليه السلام إلى خاتمهم صلى الله
عليه وآله وسلم بلا تناكر ولم يأت نبي بنسخها، ولو كانت لأمور
عقلية فقط لما علقها الشارع وأناطها بالأئمة فقط، بل كان سيسكت
عنها ليجوز فعلها لمن قام بها، ولو من سائر أفناء الناس الذين
ليسوا بأئمة، ولكان سبيلها سبيل الفصد والحجامة والتجارة والزراعة
ونحو ذلك مما ليس فيه إلا دفع الضرر أو جلب النفع.
فعلمنا بهذا أنها -أي الإمامة- آخذة بشطر وشق من العقليات، لذلك
وجبت عقلاً وبشطر وشق من الشرعيات، لذلك لا تجوز لغير من أذن له
الشارع في القيام بها لا لقبحها بل لعدم الإذن له بها، وفعل ما لم
يكن مأذوناً فيه يكون إثماً وعصياناً، دليله: أن من تولى على مال
الأوقاف وأموال اليتامى مع وجود الواقف أو نائبه أو ولي مال
اليتيم، فإنه غاصب وظالم وآثم ما لم يكن عن إذنهما، فتقررت صحة هذا
الدليل والله الهادي إلى واضح السبيل.
والدليل الثاني:
(1/1048)
ما ذكره عليه السلام
بقوله [ ولأن العترة عليهم السلام أجمعت أنها ] أي الإمامة [ لا
تجوز في غيرهم، وإجماعهم ] عليهم السلام [ حجة ] قطعية كما مر
تقريره، وهذا الدليل مبني على أصلين: أحدهما: أنهم أجمعوا على أن
الإمامة لا تجوز في غيرهم. والثاني: أن إجماعهم حجة قطعية واجبة
الاتباع.
أما الأصل الأول: وهو أنهم أجمعوا على ذلك.
فهو أن المعلوم بالاضطرار أنهم يدينون ويعتقدون أن الإمامة لا تصح
ولا تجوز إلا فيهم، مضى على ذلك سلفهم، وتبعهم فيما هنالك خلفهم
وكتبهم ورسائلهم،ودعوة كل إمام قائم منهم لا تخلو عن ادعاء ذلك،
والاحتجاج عليه على أن المخالف لا يناكر ولا ينازع أن ذلك هو
مذهبهم ودينهم واعتقادهم، وغايته: دعوى أن فيهم من يقول بذلك
ويسوغها في غيرهم، فمتى ادعا مدع ذلك، قلنا له: فعين لنا هذا
القائل وأقم التواتر عن ذلك المعين بهذه المقالة، فمتى كان من
الصدرين الأولين صدر الصحابة كأمير المؤمنين والحسنين عليهم
السلام، وصدر التابعين كزين العابدين والحسن بن الحسن والباقر ومن
في طبقتهم من الفاطميين عليهم السلام لم يمكن المدعي تصحيح الدعوى
لأن المعلوم من هؤلاء بضرورة التواتر عنهم خلاف دعوى المدعي،وإن
فرض عدم التواتر عنهم أنهم يدينون ويعتقدون ما ذكرناه في عدم
جوازها في غيرهم فلا أقل من أن يكون مستفيضاً أو مشهوراً عنهم، فلا
يعارضه غيره من الآحادي، وإن كان المعين المنسوبة إليه هذه المقالة
ممن بعد التابعين فاللازم النقل المتواتر، ثم لا عبرة بخلافه
لانعقاد إجماع سلفه عليهم السلام على ذلك قبل حدوثه.
أما الأصل الثاني: وهو أن إجماعهم عليهم السلام حجة قطعية.
فقد تقدم فيما مر تقريره وهو مقرر في موضعه من أصول الفقه في كتب
أئمتنا عليهم السلام وشيعتهم الأعلام وكتبهم الكلامية.
دليل ثالث عقلي:
(1/1049)
ذكره القرشي رحمه
الله تعالى في المنهاج قال مالفظه: أما العقل فالمعلوم الظاهر عند
جميع العقلاء أن أهل بيت الرجل أحق الناس بمكانه وأولاهم بالرئاسة
بعده، وعلى هذا كان جميع العرب من الجاهلية، بل كان عليه العجم وهم
عليه إلى الآن حتى كانوا ينتظرون بالملك الجنين في بطن أمه، وقد
يملكون النساء ويعقدون الملك للأطفال محافظة على أن يكون الملك في
أهل بيت الرجل، وذلك مشهور ظاهر من حال جميع العقلاء، قال: ولسنا
ندعي أن العقل يحيل خلاف هذا، ولكن ندعي أن العقل يقضي بأن هذا هو
الأولى، هذا ولم يكن يمنعهم من العقد لأبناء ملوكهم الحمق والجهالة
والظلم ونحو ذلك، بل يجعلون الملك في أولاد الملك وإن كانوا على
خلاف ما ينبغي من الصفات، فكيف بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم الذين هم أشبه الناس به خلقاً وخُلقاً وهدياً وكرماً
وعدلاً وسياسةً ورأفةً وورعاً، لا سيما مع تظاهر الأدلة انتهى
كلامه والمسك ختامه.
قلت: ولهذه القضية احتج المهاجرون على الأنصار بأنهم أقرب منهم إلى
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال عمر: إن العرب لا ترتضي
بهذا الأمر في غيرهم ونبيها منهم أو معناه كما مر نقل ذلك في خبر
السقيفة، واحتج أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده الكرام على من
عارضهم وناصبهم الأمر بهذه الحجة فلم ينصفوا بل قلبوها وقالوا: إن
الله يكره أن تجتمع الخلافة والنبوة في بيت واحد، فكذبوا على الله
تعالى، وقد جمع الله الخلافة والنبوة في شخص واحد، فكيف يجوز القول
بأنه يكرهها في بيت واحد قال تعالى: ?يَا دَاوُودُ إِنَّا
جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ
بِالْحَقِّ? {ص:26}، وقوله تعالى عن سليمان عليه السلام : ?وَهَبْ
لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ
الْوَهَّابُ ? {ص:35}.
دليل رابع عقلي:
(1/1050)
ذكره القرشي أيضاً:
وهو ما حكاه عن صاحب المحيط في التعليل لاعتبار المنصب المخصوص
للإمامة بأن مع المنصب يكون أقرب إلى التمكن من القيام بالأمر.
قلت: وتحقيقه: أنا إذا جعلنا الإمامة محصورة في منصب مخصوص معين
كان ذلك أيسر وأقرب لاجتماع المسلمين على إمام معين، بخلاف ما إذا
جعلناها شركة بين الأمة عجميها وعربيها وقرشيها وفاطميها، والأراذل
والأخدام وسائر أفناء الناس صارت عرضة وطلبة لكل من أراد الحياة
الدنيا وزينتها فلا بد من اعتبار منصب لها مخصوص، ولهذا أجمعت
الأمة على اعتباره ما عدا الخوارج فإنهم يقولون: تصح في جميع
الناس. فأما من عداهم من فرق الإسلام فكل يعتبر المنصب، فقال بعض
المعتزلة: يكفي أن يكون عربياً. وقال سائر المعتزلة والأشعرية
والمحدثون: يجب أن يكون قرشياً. وقيل: يجب أن يكون عباسياً. وقيل:
يجب أن يكون علوياً. وقالت الزيدية والإمامية: يجب أن يكون
فاطمياً.
(1/1051)
وإذا نظرنا إلى العلة
المقتضية لاعتبار المنصب وأعملنا فيها طريقة الإنصاف والأحوط بطلت
هذه الأقوال كلها ما عدا كونه فاطمياً، لأنا إن عللنا بكون الناس
أقرب إلى التمكن من نصب إمام محق عند موت الأول وبطلان إمامته لأمر
ميؤوس أو علة مخلة، فلا شك أن المنصب الذي يقل فيه الاشتراك والأخص
أنسب بالتعليل من الأعم لأنه يحصل فيه مرام الجميع من شرطه الذي
يعتبره، فإن من اشترط العربية أو القرشية أو ما هو أخص منهما من
كونه هاشمياً أو علوياً قد حصل في الفاطمي، فإذا قصرناها عليه كان
الحكم بالقصر عليه أنسب بالعلة المطلوبة للجميع، وهو عدم مشاركة من
خرج عن شرط كل لمن حصل فيه شرطه، وهذا واضح لا ينكره إلا مكابر أو
حاسد، وإن عللنا ذلك بكون العربي أثبت في الديانة واستنباط الأحكام
الشرعية من العجمي، حيث أن الكتاب والسنة على لغته أو بكون القرشي
أثبت في ذلك من سائر العرب والموالي وأخلاط الناس وأراذلهم أو بكون
العلوي أثبت من القرشي في ذلك كان الفاطمي حينئذ هو الأنسب والأولى
والأحق بكونه منصب الإمامة، لأن حظه مما علل به كل من أهل هذه
الأقوال الحظ الوافر ونصيبه من ذلك السهم القاهر، هذا مما يكاد
يعلم ضرورة، سيما مع اشتراط الأفضلية والعلم والورع، وإن عللنا
بالقرب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث أن العربي أقرب من
العجمي، والقرشي أقرب من العربي والموالي ونحوهم، والهاشمي ثم
العلوي أقرب من القرشي، فلا شك أن الفاطمي أقرب من الجميع، ولهذا
قال الوصي عليه السلام : فيا عجباه أتكون الخلافة بالصحابة ولا
تكون بالصحابة والقرابة، وقال عليه السلام في رداً على أبي بكر:
فكيف تليها والمشيرون غُيَّبُ
فغيرك أولى بالنبي وأَقْرَبُ
فإن كنت بالشورى ملكت أمورَهم
وإن كنت بالقربى حَجَجْتَ خصيمَهم
دليل خامس سمعي:
(1/1052)
واعلم أن الآيات
الدالة على ذلك من القرآن كثيرة قد ذكر منها العلماء رحمهم الله
تعالى جماً غفيراً ومنهم: الحاكم رحمه الله تعالى في شواهد التنزيل
وغيره، وهي في شأنهم عليهم السلام على ثلاثة أضرب:
منها: ما يدل على حصر الإمامة فيهم.
ومنها: ما يدل على كون الحق بأيديهم وأن مخالفهم ضال لا محالة.
ومنها: ما يدل على وجوب مودتهم وطاعتهم والانتماء إليهم، وتقليد
أئمتهم في الفروع والاعتزاء إليهم في الأصول لا على سبيل التقليد،
بل متى أجمعوا على شيء جعل إجماعهم دليلاً وحجة لا تجوز مخالفتها.
إذا عرفت ذلك فقد جعلت الاستدلال في هذه الجملة على الثلاثة الأضرب
لتلازمها ووجوب اعتقادها جميعاً والعمل بها معاً.
فأقول وبالله التوفيق والهداية إلى خير طريق: قال الله تعالى:
?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ
عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ?
الآية{البقرة:143}، قال شيخنا صفي الإسلام رحمه الله تعالى في
السمط: المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إن الله
تعالى إيَّانَا عنى بقوله: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً
وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ?، فرسول الله شاهد علينا ونحن
شهداء على خلقه وحجته في أرضه قال: أخرجه الحُسْكَاني.
قال: وأخرج المرشد بالله والحافظ بن عقدة عن علي عليه السلام في
قوله تعالى: ?ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ? {البقرة:208}،
قال: ولايتنا أهل البيت.
وأخرج المرشد بالله وابن عقدة عن الباقر عليه السلام : ?ادْخُلُوا
فِي السِّلْمِ كَافَّةً?، قال: ولاية آل محمد صلى الله عليه وآله
وسلم.
(1/1053)
وأخرج الحاكم أبو
سعيد والحاكم الحسكاني وغيرهما عنه صلى الله عليه وآله وسلم في
قوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ? {النساء:59}،
هم آل محمد، عن علي والباقر وعكرمة وغيرهم، واتفق أئمتنا على
الاحتجاج بها خلفاً عن سلف على وجوب طاعتهم، ولا يخلو من الاحتجاج
بها مؤلف أو دعوة إمام.
وأخرج الثعلبي والحاكم الحسكاني عن الصادق في قوله تعالى: ?أَمْ
يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ? {النساء:54}، قال: الملك أن جعل
فينا أئمة من أطاعهم فقد أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله، فهذا
ملك عظيم. وعن ابن عباس: نحن الناس وفضلة النبوة، وعن الباقر عليه
السلام : نحن المحسودون.
وأخرج الحاكم أبو سعيد أثراً في قوله تعالى: ?وَلَوْ رَدُّوهُ
إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ ?
{النساء:83}، أنهم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وأخرج المرشد بالله وأبو الشيخ والحسكاني عن الباقر عليه السلام :
?وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا
ثُمَّ اهْتَدَى? {طه:82}، قال: إلى ولايتنا أهل البيت.
وأخرج ابن السَّرِي ومحمد بن سليمان عن زين العابدين عليه السلام
قال: ? ثُمَّ اهْتَدَى?، قال: إلى ولايتنا أهل البيت.
وأخرج المرشد بالله والحسكاني عن ثابت البناني في قوله تعالى:
?ثُمَّ اهْتَدَى? قال: إلى ولاية أهل بيته، وأخرجه ابن عقدة وابن
المغازلي والمنصور بالله وأبو الفتح الديلمي.
وأخرج الحسكاني وغيره عن أبي ذر رضي الله عنه قال صلى الله عليه
وآله وسلم: " ? ثُمَّ اهْتَدَى? قال: إلى ولايتنا أهل البيت ".
(1/1054)
وأخرج الحاكمان أبو
القاسم وأبو سعيد وابن المغازلي في قوله تعالى: ?فَمَا لَنَا مِنْ
شَافِعِينَ o وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ? {الشعراء:100،101}، يقولون
ذلك إذا رأوا شيعتنا نشفع لهم قالوا: مالنا من شافعين الخ أو كما
قال.
وأخرج الحسكاني عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى:
?وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي
الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ
الْوَارِثِينَ?{القصص:5}، والذي نفسي بيده لتعطفن عليكم هذه الآية
عطف الضروس على ولدها، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " يا
بني هاشم أنتم المقهورون المستضعفون بعدي " أخرجه الحسكاني،
والمرشد بالله نحوه.
وأخرج المرشد بالله وابن المغازلي والحاكمان أبو سعيد وأبو القاسم
في قوله تعالى: ?مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا
وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ o وَمَنْ جَاءَ
بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ?
{النمل:89،90}، عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم: الحسنة حب آل
محمد والسيئة بغضهم،وأكثر الحسكاني طرقه.
وأخرج المرشد بالله وابن عقدة عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم
السلام: ?فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ?
{البقرة:256}، العروة الوثقى مودتنا أهل البيت،وأخرجا أيضاً عن
الباقر عليه السلام مثله، وأخرجا أيضاً عن زيد بن علي عليهما
السلام مثله، وأخرج محمد بن سليمان نحوه.
وأخرج الإمام المرشد بالله وأبو الشيخ والحاكمان أبو سعيد وأبو
القاسم وابن المغازلي عن ابن عباس في قوله تعالى: ?سَلامٌ عَلَى
إِلْ يَاسِينَ ? {الصافات:130}، قال: على آل محمد،وأخرجه الحسكاني
عن غيره من طرق.
وأما قوله تعالى: ?إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ
الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ? {الأحزاب:33}، فنزولها فيهم متواتر
فلا نطيل بذكره.
(1/1055)
وعن ابن عباس في قوله
تعالى: ?قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ
فِي الْقُرْبَى ? {الشورى:23}، قالوا: يا رسول الله من قرابتك
الذين افترض الله مودتهم ؟ قال: " علي وفاطمة وولدهم " يقولها ثلاث
مرات،وهذا خبر مشهود عن جماعة من الصحابة، خرجه الحسكاني من طرق،
وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن، وإسحاق، وعبد بن حميد، والحسن بن
سفيان، والبغوي، وأبو الشيخ، وابن عقدة، وابن جرير، والثعلبي،
والمرشد بالله من طريقين، وابن أبي الدنيا، وابن شاهين، وابن عدي،
والحاكم أبو عبد الله، والحاكم أبو سعيد، وأحمد بن حنبل، وابن
المغازلي، ومحمد بن سليمان من طرق، وأخرج المرشد بالله وأبو الشيخ
ومحمد والحاكم من طرق وغيرهم عن السدي وابن عباس وغيرهما في قوله
تعالى: ?وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ?
{الشورى:23}، قالوا: الموالاة لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو عبد الله الجبري والحسكاني من طرق عن
أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى: ?ثُمَّ أَوْرَثْنَا
الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ?
الخ{فاطر:32}، قال: هم ذريتك وولدك إذا كان يوم القيامة خرجوا من
قبورهم على ثلاثة أصناف ظالم لنفسه وهو الميت بغير توبة، ومقتصد من
استوت حسناته وسيئاته، وسابق بالخيرات من زادت حسناته على سيئاته،
وعن زيد بن علي عليهما السلام نحوه، وفسر السابق بالشاهر سيفه،وكذا
عن الباقر وهو تفسير الهادي وغيره.
وأخرج الثعلبي ومحمد بن سليمان وابن عقدة والحسكاني وكثر طرقه عن
جماعة وغيرهم في قوله تعالى: ?فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ?
{النحل:43}، قال: هم آل محمد، وفي لفظ:نحن أهل الذكر عن
الباقر،واحتج بها كل الأئمة انتهى من سمط الجمان.
(1/1056)
وقد ذكر ابن حجر في
صواعقه في قوله تعالى: ?إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ
عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ?، ما يفيد نزولها في علي
وفاطمة والحسنين عليهم السلام دون غيرهم بروايات عديدة، وذكر في
قوله تعالى: ?سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ?{الصافات:130}، وقوله
تعالى: ?وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا
تَفَرَّقُوا?{آل عمران:103}، وقوله تعالى: ?أَمْ يَحْسُدُونَ
النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ?{النساء:54}
الآية، وقوله تعالى: ?وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ?{طه:82}
الآية، وقوله تعالى: ?قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا
الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى?، وقوله تعالى: ?وَمَنْ يَقْتَرِفْ
حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ?، جميع هذه الآيات نقل فيها
نقلاً كثيراً وأحاديث وآثاراً عن السلف نحو ما مر من رواية شيخنا
رحمه الله تعالى في السمط فلا نطيل بذكرها، ونقل في قوله تعالى:
?إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي?
الآية{الأحزاب:56}، ما يفيد وجوب الصلاة على آله كوجوب الصلاة عليه
صلى الله عليه وآله وسلم، وفي قوله تعالى:?وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ?{الأنفال:33}، أحاديث مفيدة أن
وجود آله في هذه الأمة كوجوده صلى الله عليه وآله وسلم فيهم في
أمان الأمة من العذاب، وفي قوله تعالى: ?وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ
رَبُّكَ فَتَرْضَى?{الضحى:5}، جملة أحاديث أفادت عصمة ذرية فاطمة
وتحريمهم على النار ونجاة شيعتهم المتمسكين بهم والمتابعين لهم وإن
ضعف بعضها أو ناكر أن المراد بها هم الزيدية فأَمْرٌ يخدم به
اعتقاده الباطل ومذهبه العاطل،وذكر أيضاً في قوله تعالى:
?وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ?{الصافات:24}، عن الواحدي
?وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ? عن ولاية علي وأهل
البيت،والمعنى أنهم يسألون هل والوهم حق الموالاة كما وصاهم
(1/1057)
النبي صلى الله عليه
وآله وسلم أم أضاعوها وأهملوها فتكون عليهم المطالبة والتبعة
انتهى.
هذا وقد ذكر في كتب أئمتنا عليهم السلام وشيعتهم الأعلام وكتب
المخالفين كثيراً من الآيات الدالة على حصر الإمامة في الذرية
عليهم السلام، باعتبار ما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
والصحابة والتابعين والمفسرين من معانيها وتفاسيرها، فلا نطيل
الكلام في ذلك ففي ما ذكر كفاية وافية لكل من له بصيرة صافية.
دليل سادس سمعي أيضاً:
وهو ما أفادته الأحاديث المتواترة عن الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم من رواية الموالف والمخالف.
واعلم أن الأحاديث على ضربين:
منها: ما تواتر لفظه ومعناه جلي واضح.
ومنها: ما لم يتواتر لفظه لكن بانضمامه إلى متواتر اللفظ وانضمامه
على أمثاله من الأخبار والأحاديث تواتر المعنى الذي هو المراد
والمطلوب.
أما الضرب الأول:
فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله
وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا
علي الحوض"، وفي بعض الروايات: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن
تضلوا من بعدي أبداً كتاب الله وأهل بيتي إن اللطيف الخبير " الخ،
وفي بعض الروايات: " إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله وأهل بيتي
فانظروا كيف تخلفوني فيهم "،،وقد ذكر في تفريج الكروب والاعتصام
والشافي وغيرها من كتب أئمتنا عليهم السلام كثيراً من طرقه
وألفاظه، وذكره أيضاً ابن حجر في صواعقه بروايات وألفاظ عديدة،
وذكره في الأساس وذكر أنه متواتر مجمع على صحته عند الموالف
والمخالف، قال الشارح رحمه الله تعالى: ولو كانت الإمامة جائزة في
غير العترة عليهم السلام لبطل معنى الخبر.
(1/1058)
وقوله صلى الله عليه
وآله وسلم: " مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن
تخلف عنها هلك " ، وفي رواية: " ومن تخلف عنها زج في النار "، وفي
رواية: " ومن تخلف عنها غرق وهوى "،وهو مثل الأول، ورواه الموالف
والمخالف، وذكره ابن حجر أيضاً بطرق وألفاظ عديدة من رواية
المحدثين، قال في الأساس: وهما أي هذا الحديث والذي قبله نص في
وجوب تقدم العترة عليهم السلام في جميع أمور الدين ومن جملتها
الإمامة.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أهل بيتي كالنجوم كلما أفل نجم
طلع نجم آخر "، وهذا الحديث أخرجه المرشد بالله في أماليه عن علي
عليه السلام من طريقين، وعن سلمة بن الأكوع من طريق ابن حجر عن
الحاكم قال: وصححه على شرط الشيخين، وحكاه أيضاً أحمد بن حنبل قال:
ومنها: " النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي " قال:
أخرجه الجماعة إلى آخر ما ذكره وذكره مولانا الحسين بن القاسم
عليهما السلام في الغاية وشرحها عن الهادي في الأحكام بلفظ: " أهل
بيتي أمان لأهل الأرض والنجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهب أهل بيتي
أتى أهل الأرض ما يوعدون وإذا ذهبت النجوم من السماء أتى أهل
السماء ما يوعدون "، وذكره أيضاً عن صحيفة الإمام علي بن موسى
الرضا عليهم السلام، وعن المرشد بالله في الأمالي، وعن السمهودي في
جواهر العقدين، وعن المحب الطبري في ذخائر العقبى، وفي رواية
المرشد بالله: " فويل لمن خذلهم وعاندهم "، وفي رواية السمهودي طرق
عديدة عن علي عليه السلام وعن سلمة بن الأكوع وعن أنس بن مالك،
قال: وأخرجه ابن المظفر من حديث عبد الله بن إبراهيم الغفاري،
وقال: أخرجه أحمد بن حنبل في المناقب، قال: وعن قتادة عن عطاء عن
ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: " النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من
الاختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب الشيطان
"، وذكره عن
(1/1059)
الأسيوطي في جامعه عن
أبي يعلى في مسنده عن سلمة بن الأكوع وعن ابن أبي شيبة ومسدد
والطبراني في الكبير وأبي يعلى في مسنده وابن عساكر عن إياس بن
سلمة بن الأكوع عن أبيه، وذكره أيضاً عن الحاكم عن ابن عباس رضي
الله عنهما وفيه " فإذا خالفتها قبيلة اختلفوا فصاروا حزب إبليس "،
وفي كتاب الاعتصام لأمير المؤمنين القاسم بن محمد قدس الله روحه
نحو ما ذكره مؤلف الغاية، فلعله نقله عن والده عليهما السلام فلا
نطيل الكلام بإعادته، وقد ذكره في أنوار اليقين، وفي تفريج الكروب،
وفي الإرشاد الهادي وغيرها من كتب الموالف والمخالف، ولا يعلم
مناكر له في الأمة، فالظاهر والله أعلم أنه متواتر أو متلقى
بالقبول، وقد ذكره شيخنا رحمه الله تعالى في السمط قال ما لفظه:
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن
النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهب أهل بيتي من الأرض أتى أهل الأرض
ما يوعدون وإذا ذهبت النجوم من السماء أتى أهل السماء ما يوعدون "،
وهذا خبر مستفيض في كتب المحدثين والأصحاب واستيفاء طرقه يطول،
أخرجه الإمام الرضا، والهادي إلى الحق، والناصر للحق، والناطق
بالحق، والموفق بالله، والمرشد بالله، والمنصور بالله، ولفظ المرشد
بالله: " أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء
فويل لمن خذلهم وعاندهم "، وأخرج الناطق بالحق والمرشد بالله
والمنصور بالله ومحمد بن سليمان وابن عقدة وابن حنبل وغيرهم عن علي
عليه السلام وغيره قال صلى الله عليه وآله وسلم: " مثل أهل بيتي
كمثل النجوم كلما أفل نجم طلع نجم "، وهو مشهور، انتهى كلامه رحمه
الله تعالى.
(1/1060)
قلت: قد علمت أيها
المطلع أن هذا الحديث روي بألفاظ وطرق مختلفة فما ذكره رحمه الله
أولاً من أنه مستفيض وفي آخر الكلام من أنه مشهور لا تنافي بين ذلك
ولا ينافي في دعوى تواتره أو تلقيه بالقبول، لأن كونه مستفيضاً
يعود إلى ما ذكره أولاً بلفظ: " أهل بيتي كمثل النجوم " إلى آخره،
ومن نظر وفتش في جميع الألفاظ والطرق والروايات ودوران هذا الحديث
في السنة كثير من العلماء موالفيهم ومخالفيهم علم تواتره، لذلك
أدخلناه في الضرب الأول وهو المتواتر والله أعلم، ولكل أحد نظره،
فليس من شأن المتواتر أن يتواتر عند جميع العلماء بل قد يتواتر
للبعض دون البعض كما هو مقرر في أصول الفقه.
وأما الضرب الثاني: وهو الآحاد التي بلغت حد التواتر المعنوي في
المطلوب، فأخرج الهادي إلى الحق عليه السلام ، والمؤيد بالله في
الزيادات، والمنصور بالله عليهم السلام في الشافي عن علي عليه
السلام قال صلى الله عليه وآله وسلم: " من سمع واعيتنا أهل البيت
فلم يجبها كبه الله على منخريه في قعر جهنم "، ولفظ المؤيد بالله
داعينا، والواعية: الصوت المؤذن بالقتال.
وأخرج الإمام زيد بن علي،والناطق بالحق، والمنصور بالله عن علي
عليهم السلام: " إن عند كل بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإسلام
ولياً من أهل بيتي مُوَكَّلاً يعلن الحق وينوره ويرد كيد الكائدين
فاعتبروا يا أولي الأبصار وتوكلوا على الله ".
وأخرج أبو عبد الله العلوي والموفق بالله والمرشد بالله عن أبي
سعيد الخدري: " إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة من دخله غفر له
"، ذكره شيخنا رحمه الله تعالى في السمط، وذكر أحاديث كثيرة تدل
على ذلك، فلا نطيل بذكرها فلتؤخذ منه.
(1/1061)
وذكر ابن حجر في
صواعقه بعد روايته لحديث: " إني تارك فيكم " ما لفظه: وفي رواية
صحيحة: " إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما وهما كتاب
الله وأهل بيتي عترتي " زاد الطبراني: إني سألت ذلك لهما فلا
تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم
منكم، إلى أن قال: وفي رواية عند الطبراني عن ابن عمر: آخر ما تكلم
به النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " اخلفوني في أهل بيتي "، وفي
أخرى عند الطبراني وأبي الشيخ: " إن لله عز وجل ثلاث حرمات فمن
حفظهن حفظ الله دينه ودنياه ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله دنياه ولا
آخرته. قال: حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي " وفي رواية للبخاري
عن أبي بكر: يا أيها الناس أرقبوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم
في أهل بيته - أي احفظوه فيهم فلا تؤذوهم، وأخرج ابن سعد والملا في
سيرته أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: " استوصوا بأهل بيتي خيراً
فإني أخاصمكم عنهم غداً ومن أكن خصمه أخصمه ومن أخصمه دخل النار "،
وأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من حفظني في أهل بيتي فقد
أتخذ عند الله عهداً "، وأخرج الأول: يعني ابن سعد: " أنا وأهل
بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا فمن شاء اتخذ إلى ربه
سبيلاً " والثاني: يعني الملا حديث: " في كل خلف من أمتي عدول من
أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين
وتأويل الجاهلين ألا وإن أئمتكم وفدكم على الله تعالى فانظروا من
توفدون " وأخرج أحمد خبراً: " الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل
البيت " وفي خبر حسن: " ألا إن عيبني وكرشي أهل بيتي والأنصار،
فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم"، وقال: في موضع آخر وأخرج
الطبراني: إن الله عز وجل جعل ذرية كل نبي في صلبه وأن الله جعل
ذريتي في صلب علي بن أبي طالب، وقال في موضع آخر، أخرج الديلمي عن
أبي سعيد: " اشتد غضب الله على من آذاني في عترتي " وورد أنه صلى
الله عليه وآله
(1/1062)
وسلم قال: " من أحب
أن يُنَسَّى - أي يؤخر في أجله - وأن يمتع بما خوله الله فليخلفني
في أهل بيتي خلافة حسنة فمن لم يخلفني فيهم بتر عمره وورد علي يوم
القيامة مسوداً وجهه "، وحكى عن الحاكم والترمذي عن ابن عباس رضي
الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أحبوا الله
لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي "،
وحكى عن ابن ماجه عن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم أنه قال: " ما بال أقوام إذا جلس إليهم أحد من أهل بيتي
قطعوا حديثهم والذي نفسي بيده لا يدخل قلب امرء الإيمان حتى يحبهم
لله ولقرابتي ".
قلت وبالله التوفيق: فهذه الجملة مما نقله ابن حجر عن علماء
المخالفين وروايتهم تدل على ما ذهبنا إليه من حصر الإمامة في الآل
الطاهرين لنهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن التقدم عليهم، والتأخر
عنهم وهو عدم إجابة داعيهم، فكيف بتقديم غيرهم عليهم!، ولأن من
تقدم عليهم أو قدم غيرهم عليهم لم يحفظ حرمته صلى الله عليه وآله
وسلم فيهم، وقد آذاه فيهم ولم يخلفه في أهله بخير وصار خصماً لرسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يتخذ عند الله عهداً ولا
سبيلاً، ولم يرقب محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته،
ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أنهم العدول من كل خلف وفي كل
عصر، وأنهم الحافظون للدين عن التحريف والانتحال والتأويل الباطل،
فتجب متابعتهم وتأخير من عارضهم، ولأنهم موضع عيبته وسره وذريته
وعترته الذين اشتد غضب الله تعالى على من آذاهم.
(1/1063)
ولاشك أن من نازعهم
الأمر بعده صلى الله عليه وآله وسلم ومن فضل عليهم غيرهم وترحم على
من قاتلهم وسبهم ولم يترك مجهوداً في عداوتهم أنه قد آذاهم واستحق
أن يبتره الله عمره، وأن يرد يوم القيامة مسوداً وجهه، وأنه لم يحب
الله لما يغذوه من نعمه، ولم يحب رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ولا أهل بيته عليهم السلام، وإن زعم ذلك فهي دعوى يكذبها
الواقع من الأذية للآل عليهم السلام بتقديم غيرهم وتفضيله عليهم
وموالاة أعدائهم، غير أن هؤلاء القوم يروون الأحاديث النبوية
والآثار المروية عن السلف الصالح كما روى ابن حجر عن زين العابدين
خبراً طويلاً إلى أن قال: فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة وتأويل
الحكم إلاّ أهل الكتاب وأبناء أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين احتج
الله بهم على عباده ولم يدع الله الخلق سدىً من غير حجة، هل
تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة
الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وأبرأهم من الآفات
وافترض مودتهم في الكتاب؟ وكذلك روي عن ولده الباقر وولده الصادق
عليهما السلام من قول الأول: نحن الناس المحسودون، وقول الثاني:
نحن حبل الله الذي قال: ?وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعاً?، {آل عمران:103}، ثم لا يعلمون بشيء من ذلك ?فَمَالِ
هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا?
{النساء:78}، وكذلك فقد وردت الأحاديث الثلاثة المتواترة التي مر
ذكرها: إني تارك فيكم الثقلين، وأهل بيتي كسفينة نوح، وأهل بيتي
أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء.
(1/1064)
ثم لا تجد أيها
المتأمل لها عند هؤلاء القوم أدنى نتيجة، ولا أقل ثمرة حيث قدموا
غيرهم عليهم في الإمامة والتفضيل، وحكموا على من خالفهم في ذلك
بالرفض والتضليل، وتركوا مذهب الآل الطاهرين أصولاً وفروعاً،
ووالوا أعداءهم الفاجرين محبة وولوعاً، ولله القائل فلقد أجاد
وأفاد رحمه الله تعالى وهو القاضي العلامة أحمد بن سعد الدين
المسوري رحمه الله تعالى:
لهم فرض المودة والولايه
وهل من بعد آي الله آيه
معالمها لكل أخي هدايه
عُلِمَت بهم أسانيد الروايه
أما فيهم لذي عقلٍ كفايه
يراد سواه حَكَّمَ فيه رايه
وأظهر ميلَه عنها ونأَيه
ضلالاً فهو يركض في العمايه
لهم أبدا التوجعَ والشِّكَايه
ـباعهمُ سلامةُ والوقايه
يدين بما استبان من الغوايه
عجبت لمن يدين بحب قومٍ
ويتلو فيهمُ آيات ربي
ويروي فيهمُ سنناً أنارت
إذا ما أُسنِدَت فإلى رجالٍ
تناقلها أئمة ذو هُدَاءٍ
فلما استُنتِجَت فيهم بما لا
إذا ذُكرت خلافتُهم أَبَاهَا
وإن ذكرت روايتُهم رواها
وإن سمع القراءةَ في كتابٍ
ونَقَّصَ أئمةَ الحقِ الذي في اتـ
ودعوى الحق والتحقيق فيما
دليل سابع مركب من العقل والسمع:
(1/1065)
وهو أن الأمة أجمعت
على صحتها في الآل الطاهرين واختلفت في صحتها وجوازها فيمن عداهم
من الناس الآخرين، وما أجمعت عليه الأمة فهو الحق والأحوط، وما
اختلفت فيه تطرق إليه الخطأ والخوف والشطط،وسلوك ما لا يؤمن خطأه
مع وجود مأمون الخطأ قبيح عقلاً سيما فيما يتعلق بالنفوس والأموال
والفروج، فإن هذه الأمور خطرة الإقدام والتصرف فيها فلا ينبغي ولا
يحل لعاقل الإقدام إليها والتصرف فيها إلا مع العلم اليقين أن
ولايتها إليه، ولا يحل لمسلم إجابة ولا إعانة من حاول التولي عليها
إلا مع العلم بصحة إمامة الداعي والقائم بأمرها، ولا معلومية
ضرورية ولا دلالة قطعية على إمامة أحد إلا الإمام الكامل الشروط من
آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا واضح لكل من تبصر الحق
وأنصف دون من تعامى عنه وتعسف، وقد قال تعالى: ?وَلا تَقْفُ مَا
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً? {الإسراء:36}، وقال
تعالى: ?فَبَشِّرْ عِبَادِ o الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ
فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ
وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ? {الزمر: 17،18}، وفي
الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " دع ما يريبك إلى ما لا
يبك".
(1/1066)
دليل ثامن: وهو أيضاً
مركب من العقل والسمع:
وهو أنا لو جوزنا الإمامة في غيرهم لجوزنا سفك دمائهم وأخذ أموالهم
وخراب ديارهم وذمهم ومعاداتهم وإفزاع أولادهم وحريمهم، وكل هذا
خلاف ما ورد به الشرع الشريف من وجوب مودتهم وموالاتهم وحفظ حرمة
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، فيجب أن يكون ما أدى إليه
باطلا، لأن ما أدى إلى القبيح فهو قبيح عقلاً، وما لا يمكن ترك
القبيح وفعل الواجب إلا بفعله وجب فعله، وما لا يتم تركه أو فعل
الواجب إلا بتركه وجب تركه، وإنما قلنا لوجوزنا الإمامة في غيرهم
لجوزنا سفك دمائهم الخ، لأنا إذا صححنا إمامة من قام أو بويع له من
غيرهم ثم تخلف عنه السادة الفاطميون أو بعضهم كانوا مبطلين عاصين
لله ولرسوله بعدم طاعتهم خليفته وجاز بل وجب نصرة ذلك القائم عليهم
وقتالهم وأخذ أموالهم وخراب ديارهم وإفزاع أولادهم وحريمهم، ووجبت
معاداتهم حتى يفيئوا إلى أمر الله فيعودوا على الغرض المقصود من
افتراض مودتهم وموالاتهم وحفظ حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم فيهم بالنقض والإبطال، وما عاد على الغرض المقصود بالنقض
والإبطال فهو بالإبطال أولى، فلزم إبطال القول بصحة إمامة غيرهم
وعدم جوازها في ذلك الغير، ولزم حصرها فيهم لأنه لا يتم ترك ذلك
القبيح وهو قتالهم ومعاداتهم، ولا يتم فعل ذلك الواجب وهو مودتهم
وحفظ حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم إلا بأمرين:
القول بحصر الإمامة فيهم، وترك القول بصحة إمامة غيرهم.
لا يقال: بل يمكن فعل هذا الواجب الذي هو مودتهم وحفظ حرمة رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم وترك هذا القبيح وهو قتالهم
ومعاداتهم بأن نوجب عليهم التسليم والطاعة لذلك القائم والمبايع من
غيرهم، فيحقن بذلك دماءهم وتجب حينئذ مودتهم وموالاتهم وحفظ حرمة
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم.
(1/1067)
لأنا نقول: هذا باطل
من وجوه:
أحدها: أن هذا عمل بالفرع قبل تقرير أصله المتنازع فيه، وذلك لا
يصح.
ثانيها: أن هذا تقييد للأمر المطلق من الله تعالى ومن رسوله صلى
الله عليه وآله وسلم بلا دليل، وتقييد الأوامر المطلقة من الله
ورسوله بلا دليل لا يجوز، وذلك أن الأوامر من الله ومن رسوله صلى
الله عليه وآله وسلم بمودتهم ووجوب موالاتهم حفظ حرمة رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم فيهم وردت غير مفروطة ولا مقيدة بطاعة من
قام أو بويع من غيرهم، فاشتراط ذلك وتقييده بناء على المذهب
المتنازع فيه لا يجوز.
ثالثها: أنا نقول: هب أن الأمر كما ذكرت من أنا نوجب عليهم التسليم
والطاعة لذلك القائم أو المبايع من غيرهم، فما جوابك لو لم يسلموا
بناء على معتقدهم ومذهبهم أنهم أحق وأولى بالأمر من ذلك القائم أو
المبايع من غيرهم، أيجب التسليم إليهم وطاعتهم دون ذلك المعارض ؟
فهو الذي نقول وهو مقتضى مذهبك في جواز الإمامة وصحتها في كل قريش
أو في كل العرب والناس، أم تجب نصرة ذلك القائم أو المبايع من
غيرهم ولو أدت إلى قتالهم ومعاداتهم ؟ عاد آخر الأمر إلى أوله من
الإخلال بمودتهم وطاعتهم وارتكاب معاداتهم وقتالهم وهو خلاف ما علم
من الدين ضرورة، فلم يبق إلا القول بحصرها فيهم دون غيرهم وهذا
واضح.
فإن قيل: هذا الدليل يلزم عليه جواز قتل بعض العترة حيث يقوم أحدهم
ويتخلف عنه الآخرون أو بعضهم ؟ فما أجبتم به فهو جوابنا.
(1/1068)
قلنا: لا سواء، فإنه
إذا قام إمام من العترة كامل الشروط صار غيره من الفاطميين مكلفاً
بطاعته، فإذا تخلف عصى، فإذا أدى عصيانه إلى إنزال ضرر به فقد أتي
من جهة نفسه بخلاف ما إذا كان القائم من غير العترة، فلا يلزم
الفاطمي طاعته، فإذا وقع به شيء من الضرر لم يكن أُتي من جهة نفسه
بل التعدي عليه وقع من جهة المُدَّعِيْ عليه ما لا يلزمه له كما قد
جرت به عادة الظلمة والفجار والفساق دعواهم الخلافة والرئاسة
وعضدهم على ذلك علماء السوء في الفتوى بصحة إمامتهم وبغي من عارضوه
من أئمة العترة عليهم السلام من لدن أمير المؤمنين عليه السلام إلى
يومنا هذا، فقتلوا العترة النبوية تحت كل حجر ومدر، وحصدوا الشجرة
الفاطمية في كل بدو وحضر، وأخافوا السلالة العلوية وأتباعهم من بين
سائر الخلق والبشر، حتى أن عباد الأصنام والعكاف على الأوثان
والآثام يأمنون في أوكارهم، والفاطميون ومن تبعهم مشردون في جميع
أقطارهم ولله القائل:
وكم قتلوا من آل أحمد سيداً .... تُزَاحم هامات النجوم مناكبه
ولله الآخر:
أمةُ الغي أَيُّ نُكْرٍ أتيتي .... بعد طه وأيُّ أمرٍ أََبيتي
وعن الرشد أي نَأيٍ نأيتي .... أَوَمَا قال: عترتي أهل بيتي؟
فاحفظوني في بِرِّها وَوَلاَهَا
(1/1069)
الفرق التي خالفت
الزيدية في مسألة الإمامة
تنبيه: قد علم مما مر أن طريق الإمامة عند أئمة الزيدية عليهم
السلام وشيعتهم الأعلام هو القيام والدعوة مع الكمال، وأن الخلاف
في ذلك مع:
المعتزلة والأشعرية فقالوا: بل طريقها العقد والاختيار، ومنصبها كل
قريش. ومع الحشوية والخوارج فقالوا: طريقها القهر والغلبة،ومنصبها
كل الناس.
ومع العباسية فقالوا: طريقها الإرث، ومنصبها العباس بن عبد المطلب
رضي الله عنه وذريته.
وقالت الإمامية: هي محصورة في اثني عشر إماماً، وطريقها فيهم النص
والتعيين من الشارع وهم: أمير المؤمنين، والحسنين، ثم زين العابدين
علي بن الحسين، ثم ولده محمد بن علي الباقر، ثم ولده جعفر بن محمد
الصادق، ثم ولده موسى بن جعفر الكاظم، ثم ولده علي بن موسى الرضا،
ثم ولده محمد بن علي الباقر الصغير، ثم ولده علي بن محمد، ثم ولده
الحسن بن علي العسكري، وثم ولده محمد بن الحسن وهو المهدي المنتظر
بزعمهم أنه غاب وسيعود يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.
والذي يدل على بطلان هذه الأقوال المخالفة لمذهب الآل على الجملة
دليلان:
أحدهما: أنها مخالفة لمذهب العترة الطاهرة وإجماعهم، وكلما هذا
شأنه فهو باطل قطعاً لما تقرر من أن الحق بأيديهم وأن إجماعهم حجة
قطعية.
ثانيها: أنها أقوال لا دلالة عليها من عقل ولا نقل، وكلما هذا شأنه
فهو باطل قطعاً سيما في المسائل المتعلقة بمهمات الدين، وما
المطلوب فيه العلم اليقين، ثم نتبع كل واحد من هذه الأقوال
بالإبطال بما نخصه فنقول:
(1/1070)
الرد على المخالفين
في مسألة الإمامة
أما قول المعتزلة والأشعرية: إن طريقها العقد والاختيار، وإن
منصبها كل قريش.
· فلا مأخذ له إلا من فعل أهل السقيفة ولا حجة في فعلهم، لأنهم بعض
الأمة كيف والخارج عنهم خيار الأمة والراشدين من الصحابة وهم عامة
بني هاشم أجمع وعمار وسلمان والمقداد وغيرهم ممن مر ذكرهم رضي الله
عنهم، وأما أنها محصورة في كل قريش، فلئن قُدِّر عدم الدلالة على
حصرها في البطنين فقط حسبما مر من الأدلة الثمانية التي مر ذكرها
وفرضناها على التنزل لم يقم دليل على الحصر في قريش البتة بل تصير
مطلقة وجائزة في جميع الناس، إذ لا عمدة على الحصر المدعى إلا ما
يروونه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الأئمة من قريش "، وأين
ثبوت هذا الحديث ودلالته على مدعاهم من الأحاديث الواردة في العترة
الطاهرة التي انقسمت بين متواتر صريح الدلالة وآحادي تواتر معناه
على الحصر في آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أما ثبوته: فقد
نازع بعض أصحابنا في صحته، بل جزم الإمام القاسم بن محمد في الأساس
بعدم صحته لقول عمر: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لما خالجتني
فيه الشكوك - يعني في صلاحيته للإمامة عند أن عين أهل الشورى -
وإنما عينها فيهم وحصرها شورى بينهم وهم: علي عليه السلام وطلحة،
والزبير،وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وقال: لو
كان سالم حياً لاستخلفته فإن سألني عنه ربي قلت: يا رب سمعت نبيك
يقول: إن سالماً شديد الحب لنا، فلو كان حديث: " الأئمة من قريش "
صحيحاً لما ساغ لعمر هذا القول ولأنكره الحاضرون وغيرهم من
الصحابة، فَلَمَّا قال عمر هذه المقالة ولم ينكر عليه أحد من
الصحابة عُلم أن الحديث لا أصل له،وهذه دلالة قوية على عدم صحته.
ثانيا: إن سلمنا صحته فهو آحادي لا يصح الاعتماد عليه في ما
المطلوب فيه اليقين والعلم.
(1/1071)
ثالثاً: أنه مطلق
وعام و لا يمتنع تقييده وتخصيصه بالأحاديث الدالة على حصر الإمامة
في الآل المطهرين مع الأدلة العقلية التي مر ذكرها على حصرها في
البطنين عليهم السلام.
رابعاً: أنه قد وجد المقيد لهذا الحديث بلفظه وهو ما قاله أمير
المؤمنين عليه السلام في النهج، ولا خلاف بين أولاده في صحة ذلك
عنه: أن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح
الولاية إلا فيهم ولا تصلح الولاة إلا منهم. ويشير بقوله: هذا
البطن. إلى بطن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فصارت محصورة في
أولاده عليهم السلام إلى منقطع التكليف.
لا يقال: هذا آحادي وليس بمرفوع وللاجتهاد في المسألة مسرح فلا
دلالة فيه.
لأنا نقول: بعد ثبوت أدلة عصمة أمير المؤمنين عليه السلام كل هذا
غير قادح في ثبوت الحديث عنه عليه السلام باتفاق العترة عليهم
السلام، لأنه إن قاله حاكياً عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
ثبتت الدلالة، وإن قاله اجتهاداً فهو مع الحق والحق معه كما تظاهرت
بذلك السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
فإن قيل: كيف قلتم إن العقد والاختيار ليس بطريق شرعي لإثبات
الإمامة ودليل عليها مع أن العقد والبيعة مما فعل لرسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم في بيعة الرضوان وذكر ذلك في آي القرآن، ومع
أن أمير المؤمنين وسائر الأئمة خلفاً عن سلف كل أحد منهم يبايع له
وتعقد له الإمامة وتثبت له بعد ذلك الولاية والزعامة، فكيف تنكرون
ما دل عليه الكتاب والسنة وهو فعل أئمتكم من أولهم إلى آخرهم ؟
(1/1072)
قلنا: لأن ولاية
هؤلاء المذكورين عليهم السلام لم تثبت بنفس وقوع العقد والبيعة بل
بالقيام والدعوة مع كمال الشروط، وإنما يفعلون العقد ويطلبونه ممن
أجاب دعوتهم توثقاً وتأكيداً وطلباً لإظهار المجيب من المتخلف،
وإشهاداً على القيام والإجابة، ليكون الأمر بعد ذلك أبعد عن
الانفصام والانفتال، وتكون الحجة أَأكد على من نكث البيعة من شرار
الرجال، وإنما قلنا: إن القيام والدعوة هو المثبت والموجب لإمامة
من قام ودعا مع الكمال لقوله تعالى: ?وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ ? {آل عمران:104}، وقوله تعالى:
?وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ
صَالِحًا ? {فصلت:33}، وقوله تعالى: ?يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا
دَاعِي اللَّهِ?{الأحقاف:31}، وقوله تعالى: ?أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ?{النساء:59}،
فأمر سبحانه بالدعوة والإجابة والطاعة من دون شرط تقدم عقد قبل
ذلك، ثم بعد ذلك أن طلب الإمام العقد والبيعة للاستيثاق ونحوه وجب
ذلك لدخوله فيما يجب طاعة أولي الأمر فيه، وإلا فقد ثبتت إمامته
وتحتمت طاعته بالقيام والدعوة، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وآله
وسلم: " من بلغه داعيتنا أهل البيت فلم يجبْها كبه الله على منخريه
في قعر جهنم " الحديث ونحوه، ولأن المعلوم وجوب طاعة الرسول صلى
الله عليه وآله وسلم وثبوت ولايته على الخلق أجمعين سواء بايعوه
وعقدوا له الأمر أم لا، وإنما كان يأخذ البيعة استيثاقاً وتأكيداً
وطلباً لتمييز المجيب من المتخلف، وإشهاداً على ذلك ليكون الأمر
أثبت وألزم في الحجة وأبعد عن الانفصام وأقرب إلى جمع الكلمة
والالتئام، وهذا واضح ولله الحمد.
(1/1073)
يزيده وضوحاً أنه لو
لم يكن الطريق إلى ثبوت الإمامة إلا العقد والاختيار لما كان على
الممتنع عن العقد والبيعة إثم ولا ملامة ولا حق لأحد يطلبه
بالبيعة، ولا ما يتفرع على ذلك من إلزام الطاعة، والمعلوم من فعل
السلف والخلف خلاف هذا، فإنهم كانوا يكلفون الممتنع أن يبايع ويدخل
تحت الطاعة إلا ما كان من نحو ترك أمير المؤمنين عليه السلام سعد
بن أبي وقاص ومحمد بن مَسلَمة وغيرهما ممن توقف عنه فتركهم عليه
السلام ، لأن العقد عنده مستغنى عنه مع النص أو ما كان من غيره من
الأئمة من عدم إكراه أحد على البيعة لأن القيام والدعوة عندهم كافٍ
في ثبوت الإمامة ولا حاجة إلى الإكراه على البيعة بل هي راجعة إلى
نظر الإمام إن شاء طلبها وإن شاء أجبر وإن شاء ترك، ولهذا قال
أصحابنا: وتجب له البيعة إن طلبها وتسقط عدالة من طلبت منه البيعة
فأباها، وأيضاً فلا تخلو البيعة قبل فعلها إما أن تكون واجبة أم
لا، إن قيل بعدم الوجوب، سقط فرض الإمامة، وإن قيل: واجبة، فكيف
يجب مبايعة من ليس بإمام، فلم يبق إلا القول بأن البيعة واجبة لمن
قام ودعا إن طلبها مع كمال الشروط، وإلا عاد على وجوب الإمامة
بالنقض والإبطال فهو بالإبطال أولى.
لا يقال: هذا وارد عليكم في القيام والدعوة بأن يقال: لا يخلو
القيام والدعوة قبل فعلهما إما أن يكونا واجبين أو لا، إن قيل:
بعدم الوجوب، سقط فرض الإمامة، وإن قيل: بالوجوب، فكيف يجب القيام
والدعوة على من ليس بإمام، فما أجبتم به فهو جوابنا ؟
(1/1074)
لأنا نقول: إن بعد
موت الإمام الأول أو ما هو بمنزلة الموت من الأَسْر المأيوس أو
حدوث علة أو حدث أوجب بطلان إمامته يجب على من صلح للإمامة أن يقوم
ويدعو فرض عين إن لم يصلح غيره أو كفاية إن كان ثمة صُلَحَاء
آخرون، وبعد قيامه ودعوته يلزم الكافة الإجابة والطاعة ولا اختيار
لأحد منهم في العدول عنه إلى غيره، ولا يتوقف وجوب الطاعة على
المكلف على كونه قد بايع بخلاف العقد والاختيار، فإن مقتضى ذلك أن
المكلف مخير بين أن يبايع ذلك الطالب له بالبيعة وبين أنه يبايع
غيره ممن يختاره، ومخير بين أن يبايع شخصاً يدخل تحت طاعته وبين أن
لا يبايع أحداً، فافترق الحال بلا ريب ولا إشكال.
وأما قول الحشوية والخوارج: إن الإمامة جائزة في كل الناس، وإن
طريقها القهر والغلبة.
فهو باطل من حيث أن ذلك يؤدي إلى أن لا تستقر إمامة الإمام، لأن
الإمام تارة غالباً وتارة مغلوباً، وكذلك كان الأنبياء عليهم
السلام، فلو اعتبرنا الغلبة لأدى إلى جواز خذلان الإمام بعد وجوب
نصرته وإلى جواز قتله بعد وجوب احترامه وطاعته، ولما كان على
الناكث والعاصي إثم، وكل ذلك معلوم البطلان، فيلزم بطلان ما يؤدي
إليه وهو القول: بأن الطريق هو القهر والغلبة، ولأنه قول صادر من
أهل البدع وأعوان الظلمة وأعداء العترة المطهرة، فلا يلتفت إليه
إلا على وجه التحذير منه.
وأما قول العباسية: إن منصب الإمامة في العباسيين وطريقها الميراث.
(1/1075)
فهو معلوم البطلان من
حيث أن العباس وأولاده رضي الله عنهم لم يقل بذلك أحد منهم، بل
كانوا يدينون ويعتقدون أن علياً عليه السلام هو الإمام بعد رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فاصل، وقال العباس لأمير
المؤمنين: أمدد يدك أبايعك فيقول الناس بايع العباس ابن أخيه فلا
يختلف عليك اثنان. وأيضاً فإن هذا القول حادث في أيام العباسيين
أحدثه ابن الراوندي يتقرب به إلى ملوكهم الفجار، ولأنه يلزم منه أن
تقسم الإمامة بين جميع الورثة فتعطى الزوجة الثمن والجدة السدس.
وأما قول الإمامية: إن الإمامة محصورة في الإثني عشر الذين مر
ذكرهم أو في أربعة فقط كما هو رأي الكيسانية: أمير المؤمنين،
والحسنان، ومحمد بن الحنفية عليهم السلام.
(1/1076)
فهو باطل بأنه لا نص
يعلم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أحد ممن ذكروه غير
أمير المؤمنين والحسنين عليهم السلام وإلا لنقل وعلمه جميع الأمة،
كما نقلت النصوص في الثلاثة المذكورين لأن الإمامة مما تعم به
البلوى علماً وعملاً، وأيضاً فإن هذا قول حادث بعد الصدر الأول من
الصحابة، وبعد التابعين أحدثه الذين خذلوا الإمام زيد بن علي
عليهما السلام ونكثوا بيعته، وتبعهم الذين خذلوا الإمام محمد بن
عبد الله النفس الزكية عليهما السلام، قال في شرح الأساس: قال
الهادي عليه السلام : وروي عن جعفر الصادق عليه السلام لما جاءه
خبر قتل عمه وأصحابه أنه قال: ذهب والله زيد كما ذهب علي بن أبي
طالب والحسن والحسين وأصحابهم شهداء إلى الجنة، التابع لهم مؤمن،
والشاك فيهم ضال، والراد عليهم كافر، وإنما فرق بين زيد وجعفر قوم
كانوا بايعوا زيد بن علي عليهما السلام، فلما بلغهم أن سلطان
الكوفة يطلب من بايع زيداً ويعاقبهم خافوا على أنفسهم فخرجوا من
بيعة زيد ورفضوه مخافة من هذا السلطان، ثم لم يدروا بما يحتجون على
من لامهم وعاب عليهم فعلهم فقالوا بالوصية حينئذ، فقالوا: كانت
الوصية من علي بن الحسين إلى ابنه محمد ومن محمد إلى جعفر ليموهوا
به على الناس فضلوا وأضلوا كثيراً، وتبعهم على قولهم من أحب البقاء
وكره الجهاد في سبيل الله، ثم جاء قوم من بعد أولئك فوجدوا كلاماً
مرسوماً في كتب ودفاتر فأخذوا بذلك من غير تمييز ولا برهان بل
كابروا عقولهم ونسبوا فعلهم هذا إلى الأخيار منهم من ولد الرسول
صلى الله عليه وآله وسلم، كما نسبت الحشوية ما روت من أباطيلها
وزور أقاويلها إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليثبت لهم
باطلهم على من اتخذوه مأكلة لهم وجعلوهم خدما وخولا إلى قوله عليه
السلام : فلما كان فعلهم على ما ذكرنا سَمَّاهم بعد ذلك زيد بن علي
عليهما السلام روافض، ورفع يديه فقال: اللهم اجعل لعنتك ولعنة
آبائي وأجدادي ولعنتي على
(1/1077)
هؤلاء الذين رفضوني
وخرجوا عن بيعتي كما رفض أهل حرورا علي بن أبي طالب حتى حاربوه،
قال: فهذا خبر من رفض زيد بن علي عليهما السلام وخرج من بيعته، قال
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي عليه
السلام : " يا علي إنه سيخرج قوم في آخر الزمان لهم نبز يعرفون به
يقال لهم الروافض فإن أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون فهم لعمري شر
الخلق والخليقة "، إلى قوله عليه السلام: فمن ثبت الله فيه الإمامة
واختاره واصطفاه وبين فيه صفات الإمامة فهو عندهم يعني آل رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم إمام مستوجب الطاعة لقول رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم: " من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر من
ذريتي فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله ، قال: من
ذريتي. فَوَلَدُ الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وآله
وسلم، ثم قال: عليكم بأهل بيتي فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن
يدخلوكم في باب ردى " انتهى كلام الهادي عليه السلام من شرح الأساس
مع اختصار ما لا حاجة له.
(1/1078)
وروى فيه عن صاحب
المحيط رحمه الله تعالى بإسناده إلى الهادي عليه السلام عن أبيه عن
جده قال: لما ظهر زيد بن علي عليهما السلام ودعا الناس إلى نصرة
الحق فأجابته الشيعة وكثير من غيرهم قعد قوم عنه وقالوا: لست
الإمام، قال: فمن هو ؟ قالوا: ابن أخيك جعفر، فقال لهم: إن قال
جعفر هو الإمام فقد صدق فاكتبوا إليه وسلوه، فقالوا: الطريق مقطوعة
ولا نجد رسولاً إلا بأربعين ديناراً، قال هذه أربعون ديناراً
فاكتبوا إليه وأرسلوا، فلما كان من الغد أتوه فقالوا: إنه يداريك،
قال: ويلكم إمام يداري من غير بأس أو يكتم حقاً أو يخشى في الله
أحداً اختاروا إما أن تقاتلوا وتبايعوني على ما بويع عليه علي
والحسن والحسين عليهم السلام أو تعينوني بسلاحكم وتكفوا عني
ألسنتكم، فقالوا: لا نفعل، فقال: الله أكبر أنتم والله الروافض
الذين ذكرهم جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " سيكون
من بعدي قوم يرفضون الجهاد مع الأخيار من أهل بيتي ويقولون ليس
عليهم أمر بمعروف ولا نهي عن منكر يقلدون دينهم ويتبعون أهواءهم "،
انتهى.
(1/1079)
وقال الدامغاني في
رسالته في شأن الإمامية مالفظه: فمنها أن أهل المقالات اتفقوا أنهم
لم يأخذوا مذهبهم عن أئمتهم ولا عن الثقات، وإنما هو موضوع وضعه
المنصور أبو الدوانيق بعد قتل محمد بن عبد الله النفس الزكية وأخيه
إبراهيم عليهم السلام، وعدة من فضلاء العلوية عليهم السلام، فظن
أبو الدوانيق أنه لا يزال يخرج عليه قائم منهم بالخلافة فأعمل
الحيلة، ورأى جماعة من الشيعة ينكر قيام القائم بالإمامة ويعتقد أن
إمامها منصوص عليه وأنه غائب وهم الكيسانية فلاحت له الحيلة، وبعث
إلى الأقطار التي يظن أن فيها من جهال الشيعة من تطرأ عليه الشبهة
وأمر بثبت هذا المذهب فيهم وصنع له نسخة وجعلها مع بعض أتباعه،
وأمرهم بإظهار التشيع والقائها إلى جهال الشيعة، ومضمون ما في
النسخة: أن بني إسرائيل كان لهم اثني عشر نقيباً وبعد عيسى اثني
عشر في أمته، وأن جبريل أتى بلوح فيه أسماء الخلفاء على الأمة
وأنهم اثني عشر بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد مضى منهم
خمسة إلى جعفر الصادق وهذا جعفر سادسهم لما علم أن جعفر متزهد،
والستة الباقون من ولده. فاعتقد الجهال منهم ذلك المذهب، ولما سمع
به جعفر الصادق أنكر ذلك على الشيعة فأبوا وقالوا: إن جعفراً ينكر
علينا تقية على نفسه، واستمروا على ذلك، وكل من ادعى الخلافة بعد
هذا يكون أعدى الأعداء له وأحرص الناس على إتلافه، وأخذل الناس
لاعتقادهم أن النص في غيره، وحصل بذلك مراد أبي الدوانيق انتهى
كلام الدامغاني من شرح الأساس بلفظه.
وقد ذكر في شرح الأساس عن الحاكم في السفينة كلاماً عن جعفر الصادق
عليه السلام يقتضي تبرأه عن هذه المقالة وتبرأه عمن خذل زيد بن علي
عليهما السلام أو تبرأ منه، وذكر فيها عن جابر يعني الجعفي عن
الباقر عليه السلام أنه قال: ليس منا إمام مفترض طاعته أرخى عليه
ستوره والناس يظلمون خلف بابه، إن الإمام المفترض طاعته منا من شهر
سيفه ودعا إلى سبيل ربه انتهى.
(1/1080)
قلت: وبأكاليم هؤلاء
الأئمة من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أن الإمامية
وكل من لم ينصر العترة النبوية عليهم السلام هم الروافض المرادون
في الأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وعلى آله
الأطهار الكرام، كما صرح به الحديث السابق برواية الإمام زيد بن
علي عليهما السلام برواية الهادي عليه السلام عن أبيه عن جده
القاسم بن إبراهيم نجم آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، قال صلى
الله عليه وآله وسلم: " سيكون من بعدي قوم يرفضون الجهاد مع
الأخيار من أهل بيتي "، ولأن الرفض هو الترك، ثم غلب على من ترك
الحق واتبع الباطل، فيشمل كل من تخلف عن متابعة العترة عليهم
السلام من إمامي وجبري ومرجي، ومن والى أعداءهم وخرج عن مذاهبهم في
العدل والتوحيد والوعد والوعيد وسائر المسائل المتعلقة بأصول الدين
وأصول الفقه والتزم مذهب غيرهم في الفروع وإن خالف إجماعهم، لا كما
يزعمه الحشوية وغيرهم ممن يتسم بالسنية أن الروافض من تبرأ من
إمامة أبي بكر وعمر للزوم أن يصير جميع العترة عليهم السلام
الطاهرة شموس الدنيا وشفعاء الآخرة كلهم روافض، لأن كلهم يتبرؤون
من إمامة أبي بكر وعمر ويرونها باطلة كما مر تقرير ذلك عنهم وقد
مرت الأبيات في هذا المعنى:
ورفضُكُم سابق يا عصبة البُكُمِ
سمَّيتم الآلَ والأتباعَ رافضةً
إلى آخرها، فلا يهولنك ما يزعمه هؤلاء القوم وانخدع لأجله بعض
متأخري الزيدية، فروي عن الأصمعي أنه حكى أن سبب تلقيبهم بالرفض هو
أن زيد بن علي عليهما السلام لما خرج لله تعالى جاءه قوم وسألوه
البراءة عن الشيخين فأبى ذلك فرفضوه وعزلوا إمامته، وقيل: إنهم
سموا بذلك لرفضهم أبا بكر وعمر إلى آخر ما ذكره.
(1/1081)
وكيف يصح مثل هذا
الكلام والحال أن أول من رفض أبا بكر وعمر سيدة النساء بإجماع
الأمة، أنها هجرتهما وماتت وهي غاضبة عليهما، وكذلك أمير المؤمنين
وولده الحسنان بلا خلاف بين عترتهم الأطهار خلفاً عن سلف، فيلزم
عليه أن سيدة النساء وجميع أهل الكساء وجميع من اقتدى بهم وتأسى
روافض، وكيف وقد تواترت الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم يغضب على من أغضب بضعته الشريفة وفُصَّ تاج عترته المنيفة،
ولله القائل رحمه الله تعالى:
ومن يصد إلى العليا من الرُّتَبِ
إلى النجاةِ دليلاً لا إلى العَطَبِ
أرجو النجاةَ غداً إن متَّ في غَيبي
في أمرِ فاطمَ قولاً ليس بالكَذِبِ
يا من أتانا بقولٍ باطلٍ كذب
هلا سلكت طريقاً كنت تعهدُها
أعني بهم آلَ بيتِ المصطفى فبهِم
وأنهم وسواهم صح عندهمُ
إلى قوله:
لمغضبِ فاطماً قد باءَ بالغَضَبِ
من أفضل الخلقِ إقداماً بلا سَبَبِ
فقلت ما كان في إبليس من عَجَبِ
وبعدُ ذاك بغى عن تلكمُ الرُّتَبِ
لعناً وبيلاً كما قد صح عن كُتُبِ
قالوا الرسول يقول الويل أجمعه
ومن به حسدٌ للآل صيره
قلتم: له صحبَتَه في المصطفى سَبَقَتْ
قد كان طاووسُ أهل السبع يقدُمُهُم
بل صار في الناسِ مطروداً وإنَّ له
وبعد فإن ما حكاه الأصمعي بما رواه أبو الجارود رحمه الله تعالى عن
الإمام زيد بن علي عليهما السلام أن المعتزلة قالوا له: سلم لمن
مضى وننصرك فقال: كل لواء عقد في الإسلام لغيرنا فهو لواء ضلالة.
وبما ذكره صاحب أنوار اليقين عليه السلام قال ما لفظه: والمحكي عن
زيد بن علي عليهما السلام أنه نسب ما أصابه من ظلم هشام إلى
الشيخين لكونهما أول من سن ظلم العترة عليهم السلام والتقدم على
الأئمة.
وعن عبد الرحيم البارقي عن زيد بن علي عليهما السلام قال: الإمامة
والشورى لا تصلح إلا فينا، قال: رويناه من كتاب السفينة.
(1/1082)
وقد روي في أنوار
اليقين عن الإمام زيد بن علي عليه السلام نحواً من هذا الكلام في
شأن الشيخين وعثمان كثيراً، وروي له كتاب تثبيت الإمامة وهو
الرسالة التي رواها بالإسناد إلى الإمام زيد بن علي عليهما السلام
قال: هذا قول من خاف ربه واختار لنفسه ودينه وأطاع الله ورسوله صلى
الله عليه وآله وسلم واجتنب الشك، ثم حكى الرسالة إلى آخرها أورد
فيها من الحجج العقلية والسمعية ما يفيد القطع بتثبيت الإمامة
لأمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
بلا فاصل، ثم ساق كلاماً في شأن عثمان أنه مال إلى الطلقاء وأبناء
الطلقاء فاستنزلوه فنكث على نفسه، فاجتمع في أمره المهاجرون
والأنصار فاستعتبوه فأبى إلا تمادياً فيما لا يوافق الكتاب ولا
السنة التي أجمعوا عليها فقتلوه، قال الراوي: فقلت له: أكل
المسلمين قتلوه يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال:
لا ولكن بعض قتل وبعض خذل، والقاتل والخاذل سواء، فمكث ملقى جثته
لا يدفن أياماً ثلاثة، قلت: فما منعهم من دفنه يا ابن رسول الله ؟
فقال: لو أنهم أرادوا دفنه لم يروا قتله، فأقام ثلاثة أيام على
المزبلة فكان الصبيان يمشون على بطنه ويقولون:
رماك الله بالجمرِ
مكاناً ضيق القعرِ
إذا أحدرت في القبرِ
أبا عمرو أبا عمرو
ولقاك من النار
فما تصنع بالمال
(1/1083)
إلى آخر ما ذكره، وقد
ذكر نحو هذا الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهما السلام
في الشافي، وهذا إلى ما مر نقله من الأساس عن الإمام نجم آل الرسول
وترجمان بني البتول وغيره: فأين يتاه بمن يذهب إلى موالاة
المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام ، ويقول: إن منكر إمامتهم
رافضي والساب لهم زنديق ?إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا
أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ
وَلَقَدْ جَاءهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى ? {النجم: 23}.
(1/1084)
الأدلة من الكتاب
والسنة والإجماع والقياس على شروط الإمامة
قال عليه السلام [ وأما الذي يدل على اعتبار سائر خصال الإمامة
التي ذكرنا ] من كونه عالماً سخياً شجاعاً مدبراً إلى آخر الشروط
التي مر ذكرها [ فهو إجماع المسلمين. ] ولعله عليه السلام يعني من
يعتد بهم إذ قد مر الخلاف في بعض تلك الشروط أو قبل حدوث مذهب
المخالف [ فإن قيل: فسروا لنا كم ] القدر المحتاج إليه من [ هذه
الخصال. ] اللازمة في الإمام متى أحرز ذلك القدر فهو إمام حق واجب
الطاعة [ فقل: أما العِلْمُ، فإنه ] لا بد أن [ يكون عارفاً ]
بأصول الدين الواجب معرفتها، فيجب أن يكون عالماً [ بتوحيد الله
تعالى وعدله، ] كما مر تفصيله في بابي التوحيد والعدل [ وما يدخل
تحت ذلك، ] من مسائل النبوة والقرآن والإمامة كما مر، ومسائل الوعد
والوعيد وما يتصل بذلك كما سيأتي [ و ] لا بد أيضاً [ أن يكون
عارفاً بأصول الشرائع ]، أي أدلتها الجملية التي تؤخذ منها الأدلة
التفصيلية على المسائل الفرعية قطعية كانت أو ظنية، فيعرف الأصول [
و ] يعلم [ كونها أدلة ] على الأحكام الشرعية من الوجوب أو الحرمة
أو الندب أو الكراهة أو الإباحة [ وهي ] أي الأصول المعروفة لدى
العلماء بأصول الشرائع [ أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس
].
الأدلة من الكتاب والسنة
أما الكتاب والسنة: فلا خلاف بين الأمة أنهما أصلان ومرجعان لثبوت
الأحكام الشرعية.
الأدلة من الإجماع والقياس
(1/1085)
وأما الإجماع
والقياس: فقد خالف في كونهما كذلك قوم كما ذلك مذكور في كتب أصول
الفقه، وقولهم مردود بما تقرر من الأدلة الدالة على حجية الإجماع،
نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لن تجتمع أمتي على ضلالة "، "
من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه "، وأن أهل
البيت عليهم السلام قرناء الكتاب، وسفينة نوح، وباب حطة، وباب
السلم، وهم حجة الإجماع، فيجب أن يكون ما أجمعوا عليه حقاً وكل حق
حجة واجبة الاتباع، ولما تقرر من أن النصوص على جميع ما يتعلق
بأفعال المكلفين من العبادات والمعاملات لا تفي بجميع حوادث الدهور
والأزمنة إلى منقطع التكليف، كيف وكثير من الحوادث إنما وقعت بعد
مضي الصدر الأول من الصحابة ومن يلونهم من التابعين، فلم يبق إلا
معرفة الحكم الشرعي فيها إلا القياس على ما قد نص عليه الشارع
صلوات الله عليه، وعلم من الكتاب أو السنة باعتبار استنباط
واستخراج العلة المقتضية للحكم المنصوص عليه في الأصل المقيس عليه،
فإذا نظرنا في الفرع وعلمنا أو ظننا وجودها في الفرع الذي لم نجد
عليه نصاً في كتاب ولا سنة ولا إجماع ألحقنا حكمه بحكم الأصل
المنصوص عليه، فهذا الدليل يثبت أن القياس أصل وحجة من أصول
الشرائع وحججها التي تثبت بها الأحكام الشرعية، وهذا فيما كان
يتعلق بالمسائل الشرعية.
(1/1086)
فأما المسائل
الأصولية: كمسائل أصول الدين، فلا خلاف بين المتكلمين أن القياس هو
الأصل المعتمد عليه والمتوصل به إلى معرفة الأحكام العقلية من حدوث
العالم وافتقاره إلى الصانع المختار جل وعلا، وتوحيده وتنزيهه عن
مشابهة الخلق وصفات النقص،وعدله وصدق كلامه، ونبوة أنبيائه، وقد
أرشد الله الخلق إلى استعماله وأكثر من الاحتجاج به على الكفار من
أهل الإلحاد ومنكري المعاد فقال عز من قائل: ?يَاأَيُّهَا النَّاسُ
إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ
مِنْ تُرَابٍ? الآية{الحج:5}، فنبه بهذا سبحانه إلى قياس إمكان
الإعادة والبعث ووقوع ذلك لا محالة على خلق الناس من تراب وتنقيلهم
من النطفة إلى المضغة إلى العظام، وقال: ?وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ
تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ
اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي
الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ? {فصلت:39}، وقال:
?فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ
الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ? {الأعراف:57}، وقال:
?اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ
مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ
بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا? {الطلاق:12}، ?فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ
مِمَّ خُلِقَ?{الطلاق:5}، ليعلم أنه تعالى على رجعه لقادر، وغير
ذلك،وقال: ?فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأَبْصَارِ? {الحشر:2}، وقال:
?وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ
مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ?
{النساء:83}، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن القياس معتبر
وحجة في العقليات والسمعيات أصولها وفروعها فمنكر كونه حجة لا يعول
على خلافه.
(1/1087)
الصفات المعتبرة في
الإمام
قال عليه السلام [ والمراد بذلك ] الإشارة إما إلى اللفظ وهو قوله:
عارفاً بأصول الشرائع وكونها أدلة أو إلى المعنى وهو بيان القدر
المحتاج إليه من العلم، وهذا هو الأنسب بقوله، [ أن يكون فَهِماً
في معرفة أوامر القرآن والسنة ]، وفَهِمْ من أمثلة المبالغة على
فَعِل - أي كثير الفهم أو سريعه - ويحتمل أن المراد حصول الفهم مع
قطع النظر عن كثرة أو سرعة مهما حصل القدر اللازم فهو فَعِل بمعنى
فاعل، وأوامر القرآن والسنة الصيغ الموضوعة لطلب الفعل وما في
معناها نحو: ?كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ ? {البقرة:216}،
?وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ? {آل عمران:97}، ولعل
مراده عليه السلام أن يعرف صيغة الأمر وهل أريد بها إيجاب الفعل
نحو: ?وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ? {البقرة:43} أو
أريد بها الندب نحو: كل مما يليك أو مجرد الإباحة نحو: ?وَإِذَا
حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ? {المائدة:2}.
[ و ] كذلك [ نواهيهما، ] يكون عارفاً وفهماً للمراد من الصيغ
الموضوعة للزجر عن الفعل سواء كان بصيغة النهي نحو: ?وَلا
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ? {البقرة:188}،
أو بما في معناه نحو: ?حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ ?
{المائدة:3}، ?وَمَنْ يَظلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا
? {الفرقان:19}، وسواء أريد به التحريم كما مثل أو الكراهة نحو: "
لا يبولن أحدكم قائماً " وكذلك يعرف ما ورد من الأوامر والنواهي،
وليس المراد به شيئاً من الأحكام الخمسة كالتهديد والتحقير
والتخيير والتسخير والتسوية ونحو ذلك مما يرد بصيغة الأمر والنهي
من سائر المعاني، وكذلك لا بد أن يكون عارفاً بسائر أحكام الأوامر
والنواهي من إفادتهما الفور أو التراخي أو التكرار أو عدمه أو
الصحة أو الفساد إلى غير ذلك مما هو مذكور في أصول الفقه.
(1/1088)
[ وعَامِّهما،
وخَاصِّهما، ] فيكون عارفاً بصيغ العموم، فصيغ العموم: كل لفظة
دالة على متكثر غير منحصر، وقلنا: غير منحصر. تخرج أسماء الأعداد،
فإنها وإن دلت على متكثر لكنها منحصرة فلا عموم فيها، ونحو أسماء
الأعداد مما دل على الكثرة لكنه ينحصر إلى حد كأسماء المدن
والبلدان فإنها تطلق على متكثر لكن ينتهي إلى حد وهو ما شمله ذلك
الاسم من الحارات والأزقة والأسواق فلا عموم فيها، وإنما العموم
فيما يتناول كثرة غير منحصرة نحو: الجمع المعرف بلام الجنس، ومن،
وما وغير ذلك من صيغ العموم وصيغ الخصوص ماعدا ذلك كأسماء الأعلام
والنكرات في غير سياق النفي، وأسماء الأعداد والمدن والبلدان،
وكذلك الأنواع الداخلة تحت الأجناس الشاملة لها ولغيرها، فإنها وإن
كانت عامة بالنسبة إلى ما دخل تحتها فهي خاصة بالنسبة إلى ما دخلت
تحته كالحيوان والإنسان بالنسبة إلى الجسم، ونسبة الإنسان إلى
الحيوان، فلا بد أن يكون عارفاً بصيغ العموم وصيغ الخصوص، وعارفاً
بكيفية العمل بهما مهما تعارضا وتواردا على محل الحكم، فيعمل
بالخاص فيما تناوله وبالعام فيما بقي نحو: ?قَاتِلُوا الَّذِينَ
يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ ? {التوبة:123}، فهذا عام يتناول
الذمي والحربي، ثم ورد النهي عن قتل الذمي فهذا خاص، فيعمل بهذا
الخاص فيما تناوله وهو من أُعطي الذمة فلا يقتل، وبالعام فيما بقي
وهو كل كافر غير ذمي كالمعطلة وعباد الأصنام والكتابيين الذين
أنفوا عن تسليم الجزية والدخول تحت الذمة، وكذلك يعرف سائر الأحكام
المتعلقة بباب العموم والخصوص المذكورة في أصول الفقه.
(1/1089)
[ ومجملهما ومبينهما،
] فالمجمل: ما دلالته غير واضحة، والمبين بخلافه، قال في شرح
الغاية: وإنما لم يقل لفظ ليعم القول والفعل، فلا يبطل عكس الحد
بالفعل، فإنه قد يكون مجملاً كقيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم
من الركعة الثانية من غير جلوس للتشهد الأوسط لتردده بين العمد
الدال على ترك الجلسة الوسطى، وبين السهو الذي لا دلالة له على
الجواز، وقوله: دلالته. ليفيد أن له دلالة فيخرج المهمل إذ لا
دلالة له، وقوله: غير واضحة خرج المبين لوضوح دلالته انتهى.
فعلم أن الإجمال والبيان يقعان في القول والفعل، مثال المجمل من
القول: قوله تعالى: ?وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ
عَلَيْكُمْ ? {آل عمران:50}، ومثال المبين: منه قوله تعالى:
?أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ?، ?وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ
الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ? {المائدة:96}، ومثال المجمل من
الفعل: ما ذكره من القيام من الركعة الثانية، ومثال المبين منه:
ترك التشهد الأوسط مع العمد لتركه بعد أن فعله أو تقرير تاركه فإنه
يكون بياناً لكونه غير واجب، ولا بد أن يعرف سائر أحكام المجمل
المبين المذكورة في كتب الأصول نحو: أن المبين إذا اقترن به ما
يقتضي إجماله صار مجملاً كقوله تعالى: ?وَأُحِلَّتْ لَكُمْ
الأَنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ? {الحج:30}، فإن قوله:
?وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ ? مبين لأن دلالته على حل كل
الأنعام واضحة، فلما اقترن به الاستثناء في قوله تعالى: ? إِلا مَا
يُتْلَى عَلَيْكُمْ? صار مجملاً فلم يعلم بعده ما يحل منها وما
يحرم حتى تبين بما عدا هذه الآية من سائر الأدلة.
(1/1090)
[ وناسخهما،
ومنسوخهما ]، فالناسخ: هو ما دل على حكم شرعي لزم لذاته إزالة حكم
سابق مثله مع تراخ بينهما ممكن معه العمل بالأول، فقوله: ما دل.
يشمل النسخ بالقول والفعل والتقرير، وقوله: لزم لذاته. خرجت
الأحكام المبتداة بالتشريع، فلا يقال فيها ناسخ، وقوله: مثله. أي
في كونه شرعياً فلا دخل للنسخ في الأحكام العقلية، وقوله: مع تراخ
الخ، يخرج البدأ والعبث لو نسخ الفعل قبل مضي وقت يمكن فيه العمل
لكونه تعالى متعال عنهما للزوم الأول القدح في التوحيد، والثاني:
القدح في العدل والحكمة، والمنسوخ: هو الحكم الشرعي المرفوع بمثله
مع تراخ الخ ما ذكر في حد الناسخ، فخرج بالشرعي العقلي فلا ينسخ
ولا ينسخ به، وقوله: بمثله مع تراخ، يخرج رفع الحكم بالغاية نحو:
?وَلا تَعزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ
أَجَلَهُ ? {البقرة:235}، ?ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى
اللَّيْلِ ? {البقرة:187}، ويخرج بآخر الحد لزوم البدأ والعبث،
فلابد أن يكون عارفاً بأحكام النسخ وما الذي لا يصح أن ينسخ، وما
الذي يصح أن ينسخ به، وما لا يصح النسخ به على حسب ما هو مفصل في
موضعه.
(1/1091)
ولابد أيضاً أن يكون
[ عارفاً بمواضع الوفاق، ] فيعرف المسائل التي وقع عليها الإجماع
ممن سبق من العلماء رحمهم الله تعالى [ وطرف من مواضع الخلاف في ]
مسائل [ فروع الفقه، ] من العبادات والمعاملات [ لئلا يجتهد في
مواضع الإجماع، ] فيعرف حكم المسألة المتعلقة بالحادثة هل هي
إجماعية فالإجماع حجة فيها وأكبر دليل على ثبوت حكمها فلا يجوز له
الاجتهاد فيها بخلاف ما وقع عليه الإجماع فيها، بل قد قيل: يفسق
مخالف الإجماع مع العلم به، وإنما قال: عارفاً بمواضع الوفاق، وطرف
من الخلاف. لأن مسائل الإجماع يسيرة يمكن الوقوف عليها، وقد ذكرت
مجموعة في حواشي مقدمة الأزهار بخلاف مسائل الخلاف فلا حصر لها
فاشتراط معرفة جميعها لا يتأتى، فإذا حدثت حادثة نظر هل ثمة إجماع
على حكمها كفاه ذلك عن البحث والنظر على حكمها من الكتاب والسنة
والقياس والاجتهاد، أم لم ينقل فيها إجماع بحث عن دليلها فيطلب
النصوص عليها أو الظواهر من الكتاب أو السنة، فإن لم يجد نظر في
نظائرها مما قد نص عليه فيهما أو في أحدهما أو دلت عليه دلالة
ظاهرة كذلك فيستنبط العلة التي لأجلها ثبت الحكم ويستخرجها من
الأصل المنصوص عليه، وينظر وجودها في الفرع الذي يريد معرفة حكمه
هل هي موجودة فيه على الحد الذي وجدت عليه في الأصل [ فيتحرى في
معرفة القياس ] حتى يعلم أو يظن عدم الفارق بينهما، فالعلم حيث
العلة منصوص عليها في الأصل ووجدت في الفرع قطعاً كما إذا قال
الشارع: حرمت الخمر لإسكاره، ثم علمنا وجود الإسكار في النبيذ
والحشيشة والبنج، والظن حيث العلة مستنبطة كتحريم بيع الجنس بجنسه
متفاضلاً في الكيل والوزن، فإنه بطريق السبر والتقسيم يحصل الظن أن
لا علة للتحريم إلا الاتحاد في الجنس والتقدير دون الطعم والاقتيات
ودون الاتحاد في الجنس وحده أو التقدير وحده، لاطراد وجود الحكم
عند اجتماع الاتحاد في الجنس والتقديم، وانخرامه عند وجود أحدهما
أو غيرهما مما ذكر.
(1/1092)
[ و ] كذلك يتحرى في
معرفة حكم المسألة المأخوذ فيها من دون نص ولا قياس وإنما أخذ من [
الاجتهاد، ] والاستنباط لذلك الحكم من وجود وصف مناسب للحكم كما في
استنباط داود وسليمان عليهما السلام: ?إِذْ يَحْكُمَانِ فِي
الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ? {الأنبياء:78}،
فإن داود عليه السلام اجتهد أن تؤخذ الغنم بما أكلت وأذهبت من ذلك
الزرع، وسليمان عليه السلام اجتهد أن يؤخذ من أصوافها وألبانها بما
أكلت وأذهبت، فقرر الله حكم سليمان عليه السلام كونه أنسب بالعلة
وهو عدم الاضرار بجانبي صاحب الغنم وصاحب الحرث، بخلاف حكم داود
عليه السلام ففيه مراعاة جانب صاحب الحرث دون جانب صاحب الغنم فلم
يكن فيه من المناسبة كما كان في حكم سليمان، وهذا أحد الأدلة
للقائلين بأن الحق في الفرعيات مع واحد والمخالف مخطٍ معذور، قال
تعالى: ?وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ? {الأنبياء:79}،
دفعاً لتوهم قصور داود عن رتبة الاجتهاد في سائر المسائل والأحكام
وإن أخطأ في هذه فليس من شأن العالم المجتهد أن لا يخطي في شيء،
فالإنسان محل الخطأ ولكن الشرط هو الإصابة في أكثر ما يرد عليه،
بحيث لا يحصل الخطأ منه إلا في القليل النادر البعيد المدرك، وكيف
وقد وقع الخطأ في اجتهادات الأنبياء عليهم السلام كما في قصة آدم
ويونس وداود فيما ذكر في امرأة أوريا، وسليمان في شأن ولده حتى
ألفى على كرسيه جسداً ثم أناب وقال رب اغفر لي، وكما في قصة نبينا
محمد صلى الله عليه وآله وسلم في شأن الأعمى وأخذ الفدى من الأسرى
وغير ذلك، فلا ينبغي لرصين عقل أن يجعل ما يصدر من الخطأ في
اجتهادات الأئمة الهادين من عترة سيد المرسلين ذريعة إلى القدح في
إمامتهم ومعذرة عن التخلف عن طاعتهم مع علو درجتهم وسمو مرتبتهم،
ونزاهتهم عن كبائر الإثم والفواحش، وقيامهم بما يجب من نصرة
الشريعة المطهرة، وإقامة الحدود، وحفظ بيضة الإسلام، ولو جعلنا ذلك
قادحاً لما
(1/1093)
انعقدت إمامة إمام،
وإنما ذلك دأب أهل الشقاق والعمى في الدين المقتفين من سبق منهم من
المتمردين الذين تركوا أمير المؤمنين واعتزلوه أو قاتلوه كأهل
الجمل والخوارج ومن حذا حذوهم من سائر المعاندين على أولئك الأئمة
الهادين، نسأل الله اللطف والعصمة والهداية إلى ما فيه النجاة يوم
يقوم الناس لرب العالمين.
وإنما اشترط كونه عارفاً بالقياس والاجتهاد [ ليمكنه رد الفرع إلى
أصله. ] عند الاشتباه أو التعارض، فإذا وقع الاشتباه في حكم الفرع
بأن كان فيه وصفان يمكن التعليل بكل منهما أحدهما يقتضي التحريم
والآخر يقتضي التحليل أمكنه رد الفرع إلى الأصل المقيس عليه،
فيُعلم له الحكم بعد ذلك من تحريم أو تحليل، كما إذا قلنا في تحريم
النبيذ بكونه يزيل العقل كالخمر ولكونه يقذف بالزبد أو رائقاً
كالخمر، فإن هذه الأوصاف الثلاثة محتملة لأن يكون كل واحد منها هو
علة التحريم أو أن مجموعهما هو علة التحريم، فمتى أمكنه بعد ذلك
استنباط العلة المناسبة للتحريم بطريق الإبطال واستعماله في أيها
أو في مجموعها، فما جرى فيه الإبطال علم بطلان كونه العلة المقتضية
للتحريم وما لم يجر فيه الإبطال علم كونه هو العلة، فينظر في علة
تحريم الخمر أن كونه مزيلاً للعقل مناسباً للتحريم لأجل حفظ العقل
الذي بزواله يرتكب الإنسان المقبحات وتفوته المصالح ويقع في
المهالك، بخلاف كونه يقذف بالزبد أو كونه رائقاً فلا مناسبة في
أيهما، إذ لا يترتب على ذلك شيء مما يترتب على زوال العقل، ولأنه
قد حل لنا تناول ماعداه مما يقذف بالزبد أو كونه رائقاً، وبخلاف
كون العلة هو مجموع الثلاثة الأوصاف، إذ قد حرم علينا ما لم يجتمع
فيه الثلاثة الأوصاف كالحشيشة والبنج مع تقدير وجود نص فيهما دون
النبيذ مع تقدير عدم نص فيه، فإنا بعد هذا السبر والتقسيم والإبطال
نعلم أن ليس علة التحريم في الخمر إلا كونه يزيل العقل، فنرد هذا
الفرع الذي هو النبيذ إلى هذا الأصل الذي هو الخمر
(1/1094)
بتلك العلة الجامعة
بينهما، فنحرم بعد ذلك كل مسكر ونحلل ما عداه من سائر ما يقذف
بالزبد والريقان.
هذا وقد اشترط في المجتهد أن يكون معه من علم العربية من النحو
والصرف واللغة ما يتمكن معه من استنباط الأحكام الشرعية، لأن
الكتاب والسنة الذين هما أصل مأخذ الأحكام الشرعية لما كانا
باللسان العربية، وإنما تتم معرفة المراد من الخطاب بمعرفة أحوال
الكلمات من كون الرفع علامة للفاعل ونحوه، والنصب علامة للمفعول
ونحوه، والجر علامة الإفضاء بمعنى الكلمة إلى ما يليها، فاشترط
لذلك معرفة علم النحو، ومن كون حروف الكلمة أصلية أو مزيد فيها أو
محذوف منها شيء لإعلال أو نحوه، فاشترط لذلك معرفة علم الصرف، ومن
كون الكلمة وضعت للدلالة على المعنى المراد وحده أو مع إتيانها
لغيره، فاشترط لذلك معرفة علم اللغة، فلا بد أن يكون مجوداً في هذه
الفنون الثلاثة ليتمكن من استنباط الحكم الشرعي،وزاد بعض العلماء
معرفة علم البلاغة من المعاني والبيان والبديع، وبعضهم علم المنطق،
والجمهور على خلافه، لكن إذا كان له لمسة ومعرفة بهذين العلمين فهو
أثبت وأولى لأن العلم خير من الجهل بكل حال وزين لصاحبه بأشرف
الخصال.
قلت: ولابد أيضاً أن تكون له لمسة ومعرفة بالسيرة النبوية على
صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، وكذلك سيرة الوصي عليه
السلام ،وسير الأئمة الهادين بعده من عترة سيد الأنام صلوات الله
وسلامه عليهم جميعاً إلى يوم الدين، ليكون عارفاً بكيفية تدبير
الحوادث المتعلقة بالجهاد ونحوه، ويتمكن من السيرة في الرعية على
منهجهم القويم وصراطهم المستقيم فهم قرناء القرآن، وحلفاء الإيمان،
وتبصرة الحيران، ومغاث اللهفان، وهم سفينة نوح، وباب السلم
المفتوح.
(1/1095)
[ وأما الفضل، ]:
فلما لم يكن للعلم طريق بكونه أفضل أهل زمانه ثواباً عند الله
وأعظم رفعة بعد الحسنين عليهما السلام فاعتبر في ذلك [ أن يكون
أشهر أهل زمانه بالزيادة على غيره في خصال الإمامة ] فإن فرض
التساوي في جماعة يصلح كل واحد منهم للإمامة [ أو ] كان الأشهر
والأكمل غير مساعد لتحمل أعباء الإمامة لعذر أو زهادة أو لاشتغاله
بتدريس العلوم وغيره يقوم مقامه في الإمامة كفى فيمن يقوم بالإمامة
أن يكون [ كأشهرهم. ] أي أشهر المتساوين أو كأشهر الآخرين ولو لم
يساو ذلك الذي اعتذر ولم يساعد للقيام مهما كان هذا الذي سيقوم
جامعاً لخصال الإمامة.
[ وأما الشجاعة، ]: فلما كانت تتفاوت في الخلق وهي من الصفات
الغريزية وربما تزايد بممارسة الحروب والقتال [ فـ ]اعتبر فيها [
أن يكون بحيث لا يجبن عن لقاء أعداء الله، ] تعالى من الكفار
والبغاة وأهل الشقاق [ وأن يكون ] عند التحام القتال ومنازلة
الأبطال [ ربط الجأش ] أي مستقر الخاطر والبال بحيث لا يندهش ويعمى
عن حسن التدبير ولا يعتريه الفشل فيكون منه الفرار لغير موجب أو
مرجح للانتقال من محل إلى ما هو أحصن وأبعد عن تناول العدو أو أيسر
وأقرب إلى الناس، وقد اختلف في القدر المحتاج إليه من الشجاعة في
الإمام، والصحيح ما ذكره المؤلف وهو الذي ذهب إليه الجمهور من
العلماء [ وإن لم يكثر قتله وقتاله. ] وفي الأزهار مقدام حيث يجوز
السلامة، وحكى شيخنا رحمه الله تعالى عن الناصر عليه السلام : أن
يكون معه من رباط الجأش ما يصون به أن تتحطم جيوش المسلمين عند
لقاء العدو، وهو قريب من الأول، وعن الهادي عليه السلام معنى
الشجاعة: أن يخلط الصفوف ويحمل على الألوف، قال بعضهم: وهذه الصفة
لا توجد إلا في ثلاثة على بن أبي طالب وزيد بن علي والهادي عليهم
السلام.
(1/1096)
[ وأما السخاء، فإنه
] محل نظر للإمام ويختلف باختلاف الأحوال من المصلحة في البذل أو
المنع ووجود المال مع القلة أو الكثرة، وحصول المنفعة من المعطى
والمصلحة الراجعة إلى الدين من تأليف من به النصرة أو تأمين الطرق
أو كف أذاه عن الإمام أو الرعية أو مخاذلة العدو أو نحو ذلك، وعلى
الجملة فالواجب أن [ يكون سخياً بوضع الحقوق في مواضعها. ] التي دل
عليها الشرع واقتضاها نظر الإمام بحيث لا يبخل ولا يبذر في مال
الله تعالى، وأما مال نفسه فلا كلام.
(1/1097)
[ وأما جودة الرأي، ]
وحسن التدبير [ فـ ] الواجب [ أن يكون بالمنزلة التي يُرجع إليه
عند التباس الأمور. ] فيكون عنده من فك المشكلات وقطع علائق
المعضلات ما فيه الصلاح للمسلمين والفلاح يوم الدين، ولم شعث
المؤمنين، وصلاح ذات البين، ورضا رب العالمين، وإن لم يكن أشد
الناس وأحذقهم وأدهاهم رأياً، وقد روي عن أمير المؤمنين عليه
السلام أنه قال: والله ما معاوية بأدها مني، ولكن كل دهاية فجرة،
وكل فجرة غدرة، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة. والدهاية أن
يؤتى إلى الباطل على صورة ظاهرها الحق والصواب، كما في رفع معاوية
لعنه الله المصاحف عند أن ضاق به الخناق لما أحاطت به جنود الوصي
عليه السلام وأنصار الله، فبذل التحاكم إلى الكتاب ورفع المصاحف
على رؤوس الرماح وأمر المنادي ينادي أن هذا كتاب الله حكم بيننا
وبينكم، فانخدع لذلك طائفة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام
فحذرهم الاغترار بما أظهره عدو الله من الإنصاف مع إصراره على
الخلاف، وقال لهم عليه السلام : إنها كلمة حق أرادوا بها باطلاً.
وأمرهم بإتمام منازلة عدو الله، فلم يمتثلوا حتى اختلفت الكلمة
فيما بينهم وانفتل الأمر وكف القتال عن العدو، ثم وقع التحكيم
للحكمين فلم يزل معاوية اللعين يكاتب عمراً ويسارره وأمير المؤمنين
واقف على مقتضى التحكيم للكتاب العزيز وغير مباحث ومتابع بعد ذينك
الحكمين اللذين هما أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص وهما يكتمان
الأمر عنه حتى اتفقا على خلع الرجلين ويختار المسلمون لأنفسهم
غيرهما، فلما كان يوم الميعاد لإظهار الحكم خدع عمرو أبا موسى بأن
يتقدم في الكلام وقد حذره الوصي عليه السلام ذلك فلم يمتثل فتقدم
بالكلام وخلع أمير المؤمنين عليه السلام ومعاوية لعنه الله عن
الإمامة، فقال له عمرو بن العاص لعنه الله: إنما عليك خلع صاحبك
فأما صاحبي فأنا أخلعه. فاغتر بذلك واقتصر على خلع الوصي عليه
السلام ، فلما تكلم عمرو قال: قد
(1/1098)
سمعتم أيها الناس خلع
أبي موسى لصاحبه علياً كما خلع خاتمه من خنصره وأنا قد أثبتها في
صاحبي معاوية كما أثبت خاتمي في خنصري، فتساب أبو موسى وعمرو، فقال
أبو موسى لعمرو: إن مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه
يلهث، فقال عمرو لأبي موسى: إن مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً،
ولام الناس أبا موسى على ما ساعد عليه عمراً حتى خدعه، وصارت هذه
القصة من أدل الدلالة على فجور معاوية وعمرو بن العاص لعنهما الله
تعالى.
[ وأما القوة على تدبير الأمور، ] فيريد بذلك عليه السلام كمال
الخلقة في الإمام [ فلا يكون منه ] أي فيه [ نقص في عقله ولا آفة
في جسمه، ] من جذام أو برص أو عمى أو صمم،والأولى حمل القوة على
الاقتدار، فيكون أعم من أن يكون بجسمه آفة كما ذكر أو كان به عجز
أو كسل أو ملل أو ميل إلى الرفاهية [ يضعف لأجل ذلك عن النظر في
أمور الدِّين وإصلاح أحوال المسلمين. ] والذب عنهم، وجمع كلمتهم،
ولم شعثهم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "
مامن أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم
الجنة "، أخرجه مسلم وأخرج في معناه أحاديث أخر، وأخرج ابن السمان
عن أبي سعيد الخدري قال صلى الله عليه وآله وسلم: " أيما راع لم
يرحم رعيته حرم الله عليه الجنة "، وفي بعض الأحاديث: " أيما أمير
لم يحظ رعيته بالنصيحة حرم الله عليه الجنة "، أخرجه المرشد بالله
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(1/1099)
[ وأما الورع، ]:
فالقصد من ذلك [ أن يكون ] بحقيقة الإيمان الشرعي وهو: أن يكون [
كافَّاً عن القبائح، قائماً بالواجبات. ]، فلا يكون ذو جرأة في
دينه لا صريحاً ولا تأويلاً كالعقائد الردية الموجبة جرفه من باب
التأويل كعقائد المجسمة والمجبرة والخوارج والمرجئة وسائر أهل
البدع دون ما هو محل خلاف بين أئمة العترة عليهم السلام كإثبات
عذاب القبر وتفسير معنى الصراط والميزان ونحوهما من أحوال الآخرة،
ونُدِب كون الإمام من أهل الزهادة، والعفة، وملازمة الذكر، وحسن
الأخلاق، والرفق بالمؤمنين، والإغلاظ والشدة على المجرمين إلا
لمصلحة من تأليف أو مكافأة أو استجلاب ما يعود نفعه لمصلحة
المسلمين دينهم أو دنياهم.
(1/1100)
الطريق إلى معرفة أن
الإمام على تلك الصفات المشروطة
فصل:في الطريق الموصلة للمكلف إلى العلم بكون الإمام على تلك
الصفات المشروطة فيه حسبما مر:
قال عليه السلام [ فإن قيل: ] لك أيها الطالب الرشاد [ فما النظر ]
أي الطريق الموصلة لنا إلى العلم بوجود تلك الصفات المعتبرة في
الإمام ؟ وأصل النظر: الفكر والتأمل فاستعمل فيما يقع فيه الفكر
والتأمل من إطلاق اللازم على الملزوم لما كان النظر طريقاً [ إلى
إثبات كونه ] أي إمام العصر الموجود فيه ذلك المكلف [ على هذه
الخصال ؟ ] التي مر تعدادها، [ فقل: أما كونه عالماً ] فلا يخلو
إما أن يكون المكلف من الحاضرين بلد الإمام الذي قام ودعا فيه أو
من الغائبين النائين عن بلده، فإن كان من الحاضرين [ فيحصل العلم
به ] أي بكونه عالماً [ للعلماء ] الحاضرين [ بالمباحثة والمناظرة،
] للإمام في أبعاض المسائل العلمية من أصول وفروع وحديث وتفسير
ونحو ولغة وصرف، فمتى كان عارفاً بما وقع فيه المباحثة والمناظرة
وأدلتها وترجيحات ما اختلف فيه منها مهما لم يكن من مسائل المعاياة
والمسائل الغريبة والمستغنى عن معرفتها، فقد حصل القدر اللازم من
العلم فيه فتجب إجابته وطاعته، ولو احتاج في بعضها إلى تجديد نظر
وبحث وتفتيش ومذاكرة غيره من العلماء حتى تتقرر المسألة لديه لا عن
تقليد ومجازفة، [ وتحصل لغيرهم ] أي لغير العلماء [ من ] سائر [
الأَتْبَاع ] العوام وأهل الالتماس ببعض المسائل الدينية، ولم يبلغ
درجة من يعد في العلماء، فإن هؤلاء يحصل العلم لهم [ بكونه عالماً
بوقوع الإِطْبَاق ] من الكافة [ والإجماع من العلماء ] المحقين دون
علماء السوء ومخالطي السلاطين، فلا اعتداد بمخالفتهم في كون القائم
عالماً، إذ لو اعتبرناهم في هذا لأدى ذلك إلى القدح في إمامة
الأئمة الهادين، إذ ما من إمام إلا وفي عصره من علماء السوء من
يجحده العلم والصلاحية، ومن يميل إلى من بغى عليه، أو يقعد عن
نصرته لعصبية
(1/1101)
أو عدم عطية، وقد قال
تعالى في شأن الأنبياء عليهم السلام: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ
غُرُورًا?{الأنعام:112}، فما بالك بحال الأئمة عليهم السلام نسأل
الله التوفيق والعصمة، فمتى وقع الإطباق والإجماع حسبما ذكر [ على
كونه كذلك. ] أي عالماً على الجملة عند الكافة، مجتهداً عند
العلماء المحقين، ثبتت إمامته ووجبت طاعته مع كماله في سائر
الخصال، [ وأما سائر الخصال ] المعتبرة في الإمام [ فلا بد من حصول
العلم ] للمكلف [ بكونه ] أي الإمام [ عليها، ]، والطريق الموصلة
إلى العلم بذلك [ إن كان غائباً فإنه يحصل العلم التواتري ] أي
الذي سببه الأخبار المتواترة [ بذلك ] أي بكونه جامعاً لسائر
الخصال لكن مثل النسب إلى أحد البطنين مما لا يتأتى التواتر فيه بل
الشهرة والإطباق على انتسابه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم، [ وكذلك الحكم إذا كان غائباً أن طريق العلم به ] في الإمام
[ الأخبار المتواترة للعلماء وغيره، ] فإذا تواترت الأخبار بكونه
عالماً أو وجدت القرائن المقتضية لذلك كالرجوع إليه فيما استشكل من
المسائل والأحكام فيجيب فيها ويقرر الأحكام ويدرك وجوهها، ويُنكِّت
عليها بالنُّكَت الصحيحة، وينبه على وجوه خلل المختل منها، وما
يلزم من تبيين ما أبهم فيها، وما يلزم استيفاؤه من جميع أطرافها،
فإنه يعلم كونه عالماً ثابتاً، [ وإن كان حاضراً فلا بد من حصول
العلم بكونه جامعاً لها، ] وهو يحصل بما ذكرنا من الممارسة ومشاهدة
أحواله التي يعلم معها كمال ذاته وسلامتها من العليات وأفعاله التي
يعلم ورعه وحسن تدبيره واقتداره والمناظرة والمباحثة والرجوع إليه
حسبما ذكر، وإنما اشترط حصول العلم بها [ لأنها ] أي الإمامة وما
يتعلق بها من الشروط والخصال اللازمة للإمام [ من أصول الدين، فلا
تؤخذ بالأمارات المقتضية للظن كونه
(1/1102)
جامعاً لها ].
(1/1103)
تتمة لمسائل الإمامة
تشتمل على مسائل:
مسألة: إذا قام ودعا إمامان أو أكثر في عصر واحد
الأولى: إذا قام ودعا إمامان أو أكثر في عصر واحد.
فلا يخلو إما أن تتصل البلدان والأقطار والأقاليم التي قاما فيها
بحيث يمكن جمع الجميع على إمام واحد، وجب تقديم الأسبق بالدعوة،
ولا تصح دعوة المتأخر منهما إلا إذا كان أكمل وأنهض ولم يحصل الغرض
بالأول، فإذا كان كذلك وجب تقديمه وتنحي الأول له وانضمامه إليه
بالمعاضدة والنصرة وجمع الكلمة وعدم شق العصا والاختلاف، وإما أن
تتباعد الديار والأقطار والأقاليم ويفصل بينها سلاطين الجور ونحوهم
من أهل الفساد بحيث لا يمكن اتصال الكلمة وجمع الجميع على إمام
واحد استمر كل منهما فيما هو فيه، ووجب على كل من الرعية إجابة من
هو في بلده أو قطره أو إقليمه، فلا مانع من قيام كل منهما مع
الموالاة والمحبة للآخر، وتحرير نية الاجتماع لو أمكن، وهذا لا
ينافي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا تعارض إمامان فاقتلوا
الآخِر منهما "، لأنه لا معارضة على هذه الصفة فيؤخذ بمنطوق الحديث
فيما إذا اتصلت الديار ووقع الاختلاف والتعارض والتشاجر، ويؤخذ
بمفهومه فيما إذا تباعدت الديار ولم يكن اجتماع الناس على كلمة
وإمام واحد، إذ لا تعارض وتشاجر حينئذ، كما كان في زمن الإمامين
الهاديين المهديين: الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليهما السلام
في اليمن، والناصر للحق الحسن بن علي الأطروش عليهما السلام،
وغيرهما ممن بعدهما من أئمة اليمن وأئمة الجيل والديلم، وهذا هو
الموافق للقواعد والأصول والأنسب بما فرضت الإمامة لأجله وهو
القيام بالشريعة المطهرة وإقامة الحدود وحفظ بيضة الإسلام ومعالم
الدين، وحكى وقوع إجماع قدماء العترة عليهم السلام عليه الحسن بن
يحيى بن الحسين بن زيد بن علي عليهم السلام، فأما ما ذهب إليه بعض
المتأخرين من أنه لا يصح إمامان في عصر واحد بكل حال، فلا مأخذ له
إلا اتفاق الصحابة أنه لا يصح
(1/1104)
ذلك، لكنه مبني على
زمنهم ومقتضى حالهم من اتصال بلاد الإسلام على وجه يمكن معه إمام
واحد، ولا خوض لهم ولا كلام يؤخد عنهم فيما ذكرنا وهو إذا تباعدت
الديار على الوجه الذي لا يمكن معه الاتفاق على إمام واحد.
(1/1105)
مسألة: إذا قام قائم
غير كامل الشروط في ديار لم يكن فيها إمام
الثانية: إذا قام قائم غير كامل الشروط في ديار لم يكن فيها إمام
قائم كامل أو كان ولم يقم ولم يدع إلا أنه موجود صالح لها.
فلا يخلو حال ذلك القائم إما أن يكون فاطمياً أو غيره، إن كان
فاطمياً وكان ورعاً مدبراً ومعه من العلماء والصلحاء من بهم تقوم
الشريعة المطهرة وجب على الناس طاعته من باب الحسبة والتعاون على
البر والتقوى، أو من باب الإمامة إن لم يفقد فيه سوى الاجتهاد
ويكون على القول بجواز إمامة المقلد، ولا أظن مخالف يخالف في وجوب
طاعته والحال ما ذكر سيما حيث يخشى تناول الأمر من ليس له بأهل من
الظلمة وسلاطين الجور، فأما القطع بصحة إمامته أو بطلانها فلا ميل
إلى أيهما ولا ثمرة لذلك إلا في الحدود، إن قلنا إنه لا يصح
إقامتها إلا ممن ثبتت إمامته، كمن إذا كان الحال ما ذكر من وجود
العلماء المحقين العارفين بكيفية إقامة الحدود، فلا ينبغي تعطيل
الحدود ونحوها لمجرد اختلال الاجتهاد في ذلك القائم، والتردد في
صحة إمامته، لأن وجوب إقامة الحدود قطعي وإسقاطها لأمر مختلف فيه
يؤدي إلى تعطيلها، ويؤول إلى ترك القطعي لأمر ظني وهو لا يجوز،
وأما إذا كان القائم غير فاطمي أو فاطمي غير ورع بل فاسق ظالم
فيقطع ببطلان إمامته لما تقرر من الأدلة على عدم صحة إمامة غير
الفاطمي، وبطلان إمامة الفاسق والظالم كائناً من كان، ثم إن كان
غير الفاطمي ورعاً مدبراً كان محتسباً ووجبت طاعته وإعانته ونصرته
في تنفيذ كل معروف واجب، وإزالة كل منكر، وليس له ولاية على قبض
الزكوات ونحوها بل ولايتها إلى المالك المرشد وولي غيره يصرفها في
مصارفها، فإن منعها وجب على ذلك المحتسب إجباره على إخراجها، وفي
أخذها منه كرهاً وصرفها في مصرفها إن لم يخرجها بالإجبار خلاف،
فقال الأستاذ والفضل بن شَرْوِين والقاضي جعفر: يجوز، وقال غيرهم
لا يجوز لأن شرطها النية.
(1/1106)
نعم فلو كان المحتسب
غير عدل لكنه مقتدر مدبر حسن السيرة والمعاملة للناس، فالأظهر أن
لا ولاية له من باب الحسبة لقوله تعالى: ?لا يَنَالُ عَهْدِي
الظَّالِمِينَ?، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ليس لعرق ظالم
حق لكن تجب إعانته على إقامة معروف أو إزالة منكر " كما نص عليه
أهل المذهب الشريف، وهو محمول على ما إذا قد كان ثمة معروف أو منكر
معلومان لا نصبه عموماً لكل أمر بمعروف ونهي عن منكر، إذ لا يؤمن
مع فسقه أن يخون ويظلم ويتعدى ما ليس له.
(1/1107)
مسألة: هل للإمام أن
يتنحى عن الإمامة؟
الثالثة: هل للإمام أن يتنحى عن الإمامة بعد أن قام بها وتحمل
أعباءها ؟
قال في شرح الأساس: فالذي نعرفه من مذهب أئمتنا عليهم السلام أنه
لا يجوز له التنحي مهما وجد أعواناً أو كان راجياً لذلك لأنه قد
تعلق به تكليف فلا يسقطه عنه إلا عدم الاستطاعة، فإن وجد من هو
أنهض منه بالأمر وأنفع للمسلمين وجب عليه التنحي والله أعلم انتهى.
قلت: وقوله: فلا يسقطه عنه إلا عدم الاستطاعة، يعني سقوط الجهاد
ونحوه من إقامة الحدود وأخذ الحقوق، فأما خروجه عن كونه إماماً
واجب الطاعة فلا، وإن عجز عن تنفيذ ما أمره إليه لتغلب الظلمة
ومنعه من جهة سلاطين الجور كما في حال الحسن عليه السلام بعد
الصلح، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الحسن والحسين إمامان
قاما أو قعدا "، فكذلك غيرهما ممن قد ثبتت إمامته بالقيام والدعوة
ثم طرى بعد ذلك ما منعه التصرف.
(1/1108)
مسألة: بماذا تبطل
إمامة الإمام بعد انعقادها؟
الرابعة: بماذا تبطل إمامة الإمام بعد انعقادها ؟
قال في شرح الأساس: فهي تبطل بثلاثة أشياء:
الأول: من فعل الله تعالى، وهو ما كان مانعاً لمخالطة الناس
ومباشرتهم ومعرفة أحوالهم كالعمى والجنون المطبق والصمم الشديد
والجذام ونحو ذلك.
الثاني: من فعله كالفسق، وذلك بعيد في حق من كملت فيه شروط الإمامة
والقيام بما يجب عليه من ثمرة الإمامة والتأثير في منابذة الظالمين
والقيام بأمور الدين.
قلت: ولا بد أن يكون فسقاً مجمعاً عليه وإلا فلا لئلا يؤدي إلى
خذلان الإمام لمجرد قول الغير أنه قد فسق، لأنه يؤدي إلى ترك
المعلوم وهو وجوب الطاعة بأمر مختلف فيه، وذلك لا يصح ولا يجوز،
والله أعلم.
الثالث: ما يرجع إلى فعل غيره كالأسر المأيوس، والعبرة في ذلك
بأيأس الرعية والله أعلم.
(1/1109)
مسألة: ما حكم الأمة
والرعية في دولة الظلمة وسلاطين الجور؟
الخامسة: ما حكم الأمة والرعية في دولة الظلمة وسلاطين الجور ؟ وما
الذي يلزمهم وما الذي يجوز من معاملتهم وما الذي لا يجوز ؟
وهذه المسألة طويلة الذيول والأطراف لكنا نشير في هذا المختصر إلى
ما لابد من معرفته:
الطرف الأول: في حكم تولي القضاء من جهتهم وتولي الأوقاف وأموال
اليتامى المنقطعة الولاية الخاصة، والجهاد على حفظ ثغور المسلمين،
ونصب ولاة المصالح الدينية ونحو ذلك مما أمره إلى الأئمة عند
وجودهم وإلى من صلح من المسلمين عند عدمهم، فالذي حكاه في القلائد
عن المعتزلة وبعض الزيدية قال الشارح: وهم الهادي والناصر والسيد
أبو طالب والداعي والمشهور عن المؤيد بالله وغيرهم من أهل البيت
عليهم السلام أنه لا يجوز التولي من جهتهم ولا ينفذ حكم الحاكم
المولى منهم، ولا يعتمد على ما حكاه من مقدمات الحكم من المبررات
من شهادة ونحوها ويؤسس على قواعده بنظر جديد لذي الولاية الصحيحة،
وقيل بل يجوز التولي من جهتهم وتنفيذ أحكامهم ونحو ذلك، وهو قول
بعض الفقهاء وأحمد بن عيسى عليه السلام وأحد قولي المؤيد بالله
قديماً، وروي عن الهادي عليه السلام واحتجوا على ذلك بأن كثيراً من
الفضلاء تولوا القضاء من جهة بني أمية وبني العباس ولم ينكر عليهم،
فكان إجماعاً، واحتج الأولون بقوله تعالى: ?وَلا تَرْكَنُوا إِلَى
الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ ?{هود:113}، قال أبو
علي وأبو هاشم:والتولي من جهتهم فسق.
(1/1110)
قلت وبالله التوفيق:
الاحتجاج بالآية محتمل ويحتمل أن المراد بالركون إليهم الميل إليهم
بالمحبة والمعاونة على ظلمهم فلا دلالة فيها على ما نحن بصدده لأن
ذلك من باب فعل الخير، وقد قال تعالى: ?فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ
الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ
?{الأنبياء:94}، ?وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ
?{آل عمران:115}،
|