|

كتاب
الإصباح على المصباح في معرفة الملك الفتاح
تأليف: الإمام
عالم العترة الكرام صارم الملة والدين محيي علوم آبائه الكرام أمير
المؤمنين الناصر لدين الله رب العالمين إبراهيم بن محمد بن أحمد بن
عز الدين بن علي بن الحسين بن الإمام عز الدين بن الحسن بن الإمام
علي بن المؤيد بن جبريل
(1/1)
بسم الله الرحمن
الرحيم
الحمد لله الذي فلق إصباح العقول في قلوب أعلام بريته(1)، فأشعلها
سبحانه بمصابيح الأنوار القاشعة لسدول الحنادس عن نهج حق
معرفته(2)، فسلكته خواطر الأفكار تؤم إشراق شموس البديع من عجيب
صنعته(3)، فوافتها ناطقة بلسان تطريزها المحكم. أنه تعالى المشيء
لها سبحانه بتقدير قدرته.
والصلاة والسلام على محمد النبي المختار لتبليغ الرسالة إلى
الثقلين لاستيداء شكر نعمته، وعلى أخيه ووصيه وباب مدينة علمه،
المنزل منزلة هارون من موسى إلا النبوة، عهده وبعده في أمته، وعلى
سيدة النساء وخامسة أصحاب الكساء، وعلى ولديهما السيدين الإمامين
الشهيدين، وعلى سائر الطيبين من عترته، وعلى أتباعهم الراشدين من
الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى يوم الدين من أهل ملته.
وبعد
فإنه لما كان علم الكلام هو أجل العلوم قدراً، وأعظمها حظاً،
وأكبرها خطراً، وأعمها وجوباً، وأولاها إيثاراً، وأولها صدراً،
لكونه لبيان معرفة المليك البديع، وتقديساً للعليم السميع؛ من
مشابهة الخلق الضعيف، والجور القبيح السخيف، وكثر في ذلك الخلاف
والشِّقاق، وقل فيه الإئتلاف والإتفاق، قال الله تعالى: {وَمِنَ
النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِيْ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى
وَلاَ كِتَابٍ مُنِيْرَ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيْلِ
اللَّهِ لَهُ فِيْ الْدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيْقُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ عَذَابُ الْحَرِيْقِ}.
(1/3)
أحببت أن أكشف المسوح
عن ضئيل الأقوال في غيابات الظلم(1)، لإزاحته بإشراق ما حضرني من
بدور أقوال أعلام خير الأمم، وشموس احتجاج الذين وفقوا لإصابة الحق
الأقوم من عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشهادة {إِنَّمَا
يُرِيْدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الْرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْراً}، وخبري السفينة(2)، وإني تارك
فيكم(3). طالباً بذلك مرضاة الرحمن، ومدحرة الشيطان، ومنفعة
الإخوان، بريا من العصبية والعجب والرياء، مستمسكاً بعروة ممسك
الأرض والسماء، به ثقتي، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.
هذا الأساس كرامة فتلقه
وأحرز نفيساً من نفائس نثره
جمع المهيمن بيننا في دينه
يا صاحبي بكرامة الإنصاف
جمعت بغوص في فرات صاف
جمعاً يفي بإصابة وتصاف
مقدمة
علم الكلام
* هو: بيان كيفية الاستدلال على تحصيل عقائد صحيحة، جازمة تترتب
صحة الشرائع عليها.
أو: الإستدلال على شرائع وعقائد مخصوصة.
وجزؤه الكلام، لغة: القول. واصطلاحاً: ما مر؛ إذ يسمى هذا العلم
كلاماً.
* والعلم .. السيد حميدان، وروايته عن أئمتنا والبغدادية، والجويني،
والرازي، والغزالي: لا يحد .. لاختلاف المعلومات ذاتاً وماهية، عند
السيد حميدان، نظراً منه إلى أنه يطلق عليها وجمعها متعذر.
ولجلائه، عند البغدادية والرازي.
ولخفاء جنسه وفصله، عند الجويني، والغزالي.
صاحب (الفصول) عن أئمتنا عليهم السلام، والبصرية: بل يحد العلم،
فهو: اعتقاد جازم مطابق.
قلت: وليس بجامع؛ لأن علم الله سبحانه وتعالى ليس باعتقاد.
ويمكن أن يقال: هو إدراك تمييز مطابق بغير الحواس، سواء توصل إليه
بها أم لا.
* وثمرته: بيان معرفة الله سبحانه، وعدله، ومايترتب عليهما.
* واستمداد بعضه من صنع الله تعالى باستعمال الفكر فيه و[بعضه] من
السمع المثير لدفائن العقول وبعضه من السمع فقط.
فصل [في ذكر العقل]
(1/4)
* أئمتنا عليهم
السلام والمعتزلة: والعقل عرض.
المطرفية: بل هو القلب.
بعض الفلاسفة: بل جوهر بسيط.
بعضهم: بل جوهر لطيف.
بعض الطبايعية: بل طبيعة مخصوصة.
لنا: زواله عند نحو النوم وعوده عند النقيض، فلو كان العقل القلب
أو جوهراً لم يزل.
والطبيعة إن أرادوا بها العرض، فكقولنا، وإلا فلا تحقق لها.
* أئمتنا عليهم السلام، والمعتزلة: ومحله القلب.
الفلاسفة: بل محله الدماغ.
قلنا: لا دليل عليه إلاقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيْرُوْا فِيْ
الأَرْضِ فَتَكُوْنَ لَهُمْ قُلُوْبٌ يَعْقِلُوْنَ بِهَا}، وقد صح
بما يأتي إن شاء الله تعالى.
قالوا: كيّ دماغ متغير العقل وصلاحه به دليل كونه فيه.
قلنا: له من الدماغ مادة، فالكيُّ لإصلاحها ككيِّ باطن العقب لبعض
أوجاع البطن وكاللحية لها مادة من الذكر.
* جمهور أئمتنا عليهم السلام والمعتزلة: والعقل معنى غير الضرورية.
المهدي عليه السلام، والمعتزلة: بل هو الضرورية.
قلنا: لو كان هو الضرورية لكان من لم يحضرها دفعة في قلبه، أو لم
يحضرها بباله كذلك عند اشتغاله بنحو نظر أو بنحو تصور بعضها غير
عاقل، وذلك معلوم البطلان.
قالوا: لو كان غيرها لصح وجودها مع عدمه، وعدمها مع وجوده.
قلنا: لا يلزم صحة وجودها مع عدمه إذ هي إدراك مخصوص لا يحصل إلا
به، كالمشاهدة إدراك مخصوص لا يحصل إلابمعنى ركبه الله في الحدق
كما يأتي إنشاء الله تعالى.
وأما ذهابها غالباً عند نحو التفكر مع بقائه فملتزم غير قادح كذهاب
المشاهدة عند غيبوبة المشاهد مع بقاء المعنى في الحدق.
فصل [في التحسين والتقبيح العقليين]
* ويستقل العقل بإدراك الحسن والقبح باعتبارين اتفاقاً.
[الأول]: بمعنى ملاءمته للطبع كالملاذّ، ومنافرته له
كالآلام.[والثاني]: بمعنى كونه صفة كمال كالعلم، وكونه صفة نقص
كالجهل.
(1/5)
* ائمتنا عليهم
السلام وصفوة الشيعة رضي الله عنهم والمعتزلة، والحنفية،
والحنابلة، وبعض الأشعرية، باعتبار كونه متعلقاً للمدح والثواب
عاجلين، والذم والعقاب كذلك.
أئمتنا عليهم السلام، وصفة الشيعة، والمعتزلة وغيرهم: وباعتبار
كونه متعلقاً للمدح عاجلاً، والثواب آجلاً، والذم عاجلاً، والعقاب
آجلاً.
جمهور الأشعرية: لا مجال للعقل في الآخيرين، ووافقهم أقلهم،
والحنفية والحنابلة في آخرهما.
أئمتنا عليهم السلام والمعتزلة وغيرهم: وباعتبار كونه غير متعلق
لأي الأربعة فهو من الحسن خلافاً للأشعرية.
لنا في جميع ذلك: تصويب العقلاء من مدح أو أحسن إلى المحسن ولو
تراخى، ومن ذم أو عاقب المسيء ولو تراخى، ولنا عدم حكمهم بأيها في
حق من استظل تحت شجرة لا مالك لها، أو تناول شربة من ماء غير محاز.
قالوا: لو سلم على التنزل لم يسلم في مسألتين.
الأولى: وجوب شكر المنعم؛ لأن النعم عند الله حقيرة لسعة ملكه،
فيكون كمن تصدق عليه الملك بلقمة، فإذا تحدث المنعم بالشكر لأجلها
عد ساخراً لا شاكراً.
الثانية: حكم الأشياء قبل ورود الشرع، فلا يدرك العقل فيها جهة حسن
ولا قبح، إذ هو تصرف في ملك الغير بغير إذنه.
(1/6)
والجواب عن الأولى:
أن اللقمة حقيرة عندهما والسامع فيكون ساخراً، بخلاف نعم الله
سبحانه وتعالى فإنها وإن كانت حقيرة عند الله سبحانه وتعالى لسعة
ملكه، فهي جليلة عند الشاكر والسامع، فالمتحدث بالشكر عليها لا يعد
ساخراً، كمن أعطاه ملك قد ملك الأرض وجبالاً من الذهب بدرة عين،
فإن البدرة عنده حقيرة، وعندهما جليلة، ولو سلمنا لزم أن يجعلوا
لله تعالى علواً كبيراً صفة نقص، حيث أمر أن يسخر به في قوله
تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} إذ ذلك صفة نقص
عند العقلاء، مع أن استحقارهم لنعم الله تعالى رد منهم لقوله
تعالى: {أَمْ يَحْسُدُوْنَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ
مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيْمَ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيْماً}، وقوله تعالى:
{وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيْماً} ومن رد آية كفر
بإجماع الأمة المعلوم، بل ذلك معلوم من الدين ضرورة.
و[الجواب] عن الثانية: التمكين من أملاكه مع خلق العقل المميز إذن
كالممكن من أملاكه الناصب للعلامة فيما يؤخذ منها وما يترك، قال
الله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُوْرَهَا وَتَقْوَاهَا} أي بما ركب
الله فيها من العقول ولم يفصل.
(1/7)
قالوا: قال الله
تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِيْنَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُوْلاً}،
فَدلت أن لا إستحقاق للعقاب قبل ورود الشرع، والجواب (والله
الموفق) أن الآية لا تنافي ما ذهبنا إليه؛ لأن المعنى {وَمَا
كُنَّا مُعَذِّبِيْنَ} بعد استحقاق العذاب بارتكاب القبائح
العقلية، بدليل قوله تعالى: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ
مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلمٍ وَأَهْلَهَا غَافِلُوْنَ}، فأخبر الله
سبحنه أنهم قد ارتكبوا القبح الذي هو الظلم، وهم غافلون عن السمع،
حيث لم تبلغهم الرسل، فقال تعالى: {حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}
{لِئَلاَّ يَكُوْنَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةً بَعْدَ
الرُّسُلِ} بأن يقولوا: حصل العلم بالإستحقاق، ولم نجزم بالوقوع
لعدم معرفتهم لربهم، كمن يقتل نفساً على غفلة فإنه يعلم أن القصاص
مستحق عليه، ولا يجزم بوقوعه لتجويز أن لا يطلع عليه أحد، فيقولون:
لو أنذرنا منذر لأصلحنا، بدليل قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا
أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا
لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُوْلاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ
قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} ونظيره في الشرعيات عدم جواز حد
المرتد حتى يدعى إلى التوبة.
فصل [ما يدرك بالعقل]
* وما يدرك بالعقل: قد يكون بلا واسطة نظر، كالضروريات. وبواسطة
نظر، كالإستدلاليات.
* والإدراك به إن عري عن حكم فتصرر، وإن لم يعر فتصديق.
والتصديق: جازم وغير جازم، فالجازم مع المطابقة وسكون الخاطر علم،
ومع عدمهما، أو الأول اعتقاد فاسد وجهل مركب، ومع عدم الثاني
اعتقاد صحيح.
وغير الجازم إن كان راجحاً فظن، وإن كان مرجوحاً فوهم، وإن استوى
الحال فشك. والأول إن طابق فصحيح، وإلا ففاسد.
وقد يطلق الوهم على الغلط وعلى الشك.
* والتوهم: التصور صواباً كان أم خطأ.
قال الشاعر:
بأضيع من عينيك للدمع كلما
تذكرت ربعا أو توهمت منزلا
وقل يطلق على الظن.
(1/8)
* والجهل: مفرد،
ومركب، فالمفرد: انتفاء العلم بالشيء.
والمركب: تصور المعلوم أو تصديقه على خلاف ماهو عليه.
* والسهو: الذهول عن المعلوم.
فصل [في حقيقة النظر وما يجب منه وأقسامه]
* والنظر مشترك، والمراد به إجالة الخاطر في شيء لتحصيل اعتقاد
ويرادفه التفكر المطلوب به ذلك.
وهو ينقسم إلى قمسين صحيح وفاسد.
والأول: ما يتبع به أثر، نحو التفكر في المصنوع ليعرف الصانع.
والثاني: ما كان رجماً بغيب، نحو التفكر في ذات الله تعالى وفي
ماهية الروح.
* أئمتنا عليهم السلام وصفوة الشيعة والمعتزلة وغيرهم: والصحيح منه
واجب عقلاً وسمعاً خلافاً للتعلمية.
قلنا: جهل المنعم مستلزم للإخلال بشكره على النعم؛ لأن توجيه الشكر
إلى المنعم مترتب على معرفته ضرورة، والعقل يقضي ضرورة بـ [وجوب]
شكر المنعم، وبقبح الإخلال به، فوجبت معرفته سبحانه لذلك.
ومعرفته لا تكون إلا بالنظر لامتناع مشاهدته تعالى، كما يأتي بيانه
إن شاء الله تعالى، ومالا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه، وإلا وقع
الخلل في الواجب، وقد قضى العقل بقبحه فتأمله، وقوله تعالى:
{أَفَلاَ يَنْظُرُوْنَ إِلَىْ الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} الآية،
ونحوها.
قالوا: لا يدرك بالعقل إلا الضروريات فقط، فيدرك الإمام أو الشيخ
ما يناسب حروف القرآن وغيره من سائر المغيبات ضرورة، ثم يعلمانه.
قلنا: العلم بأنا ندرك بالنظر ضروري، كالعلم بأنا نروي بالماء،
ونشبع بالطعام.
وقولكم: يدرك الإمام أو الشيخ ما يناسب حروف القرآن وغيره من
المغيبات ضرورة ـ مجرد دعوى منهما عليكم بلا دليل حيث لم تدركوا
أنتم ذلك ضرورة مثلهما، ولم تنظروا في صحة دعواهما لبطلانه عندكم،
وكل دعوى بلا دليل لا شك في بطلانها، وإلا فما الفرق يبن دعواهما،
ودعوى من يقول: المناسب والغائب خلاف ذلك.
المجبرة: لا يجب إلا سمعاً.
(1/9)
لنا ما مر، وإن سلم
لزم بطلانه بالدور، أو الكفر؛ لأن المكلفين إما أن يجب عليهم النظر
في صحة دعوة الأنبياء عليهم السلام أولا. الأول دور؛ لأنه لا يجب
النظر إلا بالسمع، والسمع لا يثبت إلا بالنظر. والثاني: تصويب لمن
أعرض عن دعوة الأنبياء عليهم السلام؛ إذ لا واجب عليه، وذلك كفر؛
لأنه رد لما جاءت به الرسل، وما علم من دين كل نبيء ضرورة.
أئمتنا عليهم السلام والجمهور: وهو فرض عين.
ابن عياش، والبلخي، والعنبري، ورواية عن القاسم عليه السلام،
ورواية عن المؤيد بالله عليه السلام: بل النظر فرض كفاية.
ثم افترقوا في التقليد، فابن عياش والعنبري وغيرهما، ورواية عن
المؤيد بالله: يجوز مطلقاً.
البلخي، ورواية عن القاسم عليه السلام: يجوز تقليد المحق.
قلنا: لم يكن الله تعالى مطابقاً لكل اعتقاد، فالمخطئ جاهل به،
والجاهل به كافر إجماعاً، وتقليد الكافر في كفره كفر إجماعاً، ولا
يحصل العلم بالمحق إلا بعد معرفة الحق، ولا يعرف الحق إلا بالنظر [والإستدلال]،
فيمتنع التقليد حينئذٍ.
فصل [في معرفة الدليل]
* والدليل، لغة: المرشد، والعلامة الهادية. واصطلاحاً: ما به
الإرشاد النظري.
ويمتنع معرفة مالا يدرك ضرورة بلا دليل لعدم الطريق إليه، فمن ادعى
شيئاً ولم يذكر الدليل عليه؛ فإن كان دليله مما شأنه لو كان لظهر
لجميع العقلاء، كمن يدعي كون الصنم إلهاً، أو لأهل الملة، كمن يدعي
وجوب صلاة سادسة فهو باطل قطعاً لعدم الدليل، وإلا لظهر لجميع
العقلاء في الأول، أو لأهل الملة في الثاني.
وإن كان دليله مما ليس من شأنه ذلك كالقول بتحريم أجرة الخاتن،
فالوقف حتى يظهر الدليل عليه إن كان لجواز أن يطلع عليه بعض
العلماء، ويعزب عن غيره، أو يظهر عدمه.
(1/10)
* والإستدلال هنا:
التعبير عما اقتفي أثره، وتوصل به إلى المطلوب، ويسمى ذلك التعبير
دليلاً وحجة إن طابق الواقع ما توصل به إليه، وإلا فشبهة، ويعرف
كونه شبهة بإبطاله بقاطع في القطعيات والظنيات معاً، أو ظني
يستلزمه الخصم، أو يدل على صحة كونه دليلاً قاطع في الظنيان لا
بغيرهما.
فإن كان المبطل به مانعاً لكون المبطل حجة، ولم يتضمن الإثبات
لخلاف ما ادعاه الخصم تعين كونه شبهة، لا ثبوت خلاف ما ادعاه
الخصم، إلا أن يكونا في طرفي نقيض، إذا بطل أحدهما ثبت الآخر.
وإن تضمن إثبات خلافه تعين كونه شبهة، وتعين خلافه.
* أئمتنا عليهم السلام والجمهور: ويصح الإستدلال على ثبوت الباري
تعالى بالآيات المثيرة لدفائن العقول، وهي زهاء خمسمائة آية.
أبو رشيد، وبعض متأخري صفوة الشيعة: يصح بالقطعي من السمع مطلقاً.
الإمامية والبكرية، وبعض المحدثين: وبالظني مطلقاً.
أبو هاشم: لا يصح بالجميع مطلقاً.
قلنا: ذلك دليل على أقوى طرق الفكر الموصل إلى العلم بالمطلوب حيث
ذكَّرنا إياها فهو دليل بالتدريج كالدليل على كونه حياً.
والظني إن كان كذلك فصحيح، وغير المثير دور.
* جمهور أئمتنا عليهم السلام، وجمهور المعتزلة، وقدماء الأشعرية
[وغيرهم]: ويصح بالقياس العقلي.
بعض أئمتنا عليهم السلام، وغيرهم: لا يصح.
قلنا: يوصل إلى العلم، ألا ترى أنه من وجد بناء في فلاة، فإنه يعلم
أن له بانياً، وليس ذلك إلا بالقياس على ما شاهد من المبنيات
المصنعة بحضرته، لعدم المشاهدة لبانيه وعدم المخبر عنه، والجامع
بينهما عدم الفارق، ولوروده في السمع كقوله تعالى: {قُلْ
يُحْيِيْهَا الَّذِيْ أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} ونحوها.
فرع [المستدل نفس الدليل]
(1/11)
ووجود المستدل على
الله سبحانه لازم لوجود الدليل؛ لأن وجوده هو نفس الدليل، فيبطل
تقدير عدم الدليل على الله سبحانه مع وجود المستدل، بخلاف العكس،
لجواز أن يخلق الله تعالى شيئاً لا يعلم، نحو الجماد قبل خلقه
تعالى من يعلم، والجهل بوجه الدليل لا يبطل كونه دليلاً؛ لأن الجهل
لا تأثير له في إبطال الأدلة باتفاق العقلاء.
فصل [في ذكر المؤثر]
ولا مؤثر حقيقة إلا الفاعل.
[بعض] المعتزلة والفلاسفة وغيرهم: بل والعلة والسبب وما يجري
مجراهما، وهو الشرط والداعي.
البهشمية وغيرهم: والمقتضي.
والعلة عندهم: ذات موجبة لصفة أو حكم، وشرطها أن لا يتقدم ما
أوجبته وجوداً بل تتقدم عليه رتبة، وشرط الذي أوجبته أن لا يتخلف
عنها.
والسبب عندهم: ذات موجبة لأخرى، كالنظر الموجب للعلم.
والشرط ما يترتب صحة تأثير غيره عليه، أو ما يجري مجرى الغير، وهو
نحو الوجود في تأثير المؤثرات، وشرطه أن لا يكون مؤثراً (بالكسر)
في وجود المؤثر (بالفتح).
والداعي عندهم ضربان: حاجي وحكمي.
فالأول: العلم أو الظن بحسن الفعل لجلب نفع النفس، أو دفع الضرر
عنها.
والثاني: العلم أو الظن بحسن الفعل من غير نظر إلى نفع النفس، أو
دفع الضرر عنها كمكارم الأخلاق.
والمقتضي: الصفة الأخص المؤثرة تأثير العلة، والمشترط فيها شرطها،
وكذلك شرط ما أوجبته.
قلت: هي إما لا دليل على تأثيرها، بل قام الدليل على بطلانه، وذلك
هو العلة والمقتضي، إذا ما إيجابهما لما ادعي تأثيرهما إياه بأولى
من العكس لعدم تقدمهما (وجوداً على ما أثراه، ولا دعوى تقدمهما)
رتبة عليه بأولى من العكس، لفقد الدليل، وإن سلم فما بعض الذوات
أولى بتلك الصفات والأحكام من بعض؛ لأنه تأثير إيجاب لا تأثير
اختيار.
وإما آلة، وذلك السبب، والتأثير للفاعل ضرورة كالنظر فإنه آلة
للناظر.
(1/12)
وإما لا تأثير له
تأثير إيجاب بإقرارهم، ولا اختيار له بإقرارهم أيضاً، ولا يعقل
تأثير ثالث، وذلك الشرط، وإن سلم لزم تأثير بين مؤثرين كمقدور بين
قادرين، وهم يحيلونه.
وإما غرض. والمؤثر الفاعل ضرورة، وذلك نوعا الداعي، وإن سلم لزم أن
لا يحصل الفعل من الفاعل إلا عند وجود ذلك الغرض، وألا يتمكن
الفاعل من ترك الفعل عند وجوده، وإن سلم عدم اللزوم لزم أن يكون
تأثير بين مؤثرين، كمقدور بين قادرين، وهم يحيلونه.
وإما لا دليل عليه رأساً، وذلك المقتضي كما ما مر من بطلان تأثيره،
وأيضاً هو متلاش؛ لأنه إما موجود أو معدوم، أولا موجود ولا معدوم،
ليس الثالث إذ لا واسطة إلا العدم. ولا الثاني إذ لا تأثير للعدم،
والأول إما قديم أو محدث، أو لا قديم ولا محدث، ليس الثالث إذ لا
واسطة إلا العدم ولا تأثير له كما سبق. ولا الثاني؛ لأنه مؤثر في
صفات الله تعالى بزعمهم، فيلزم أن تكون صفات الله محدثة لحدوث
مؤثرها، وسيأتي بطلان ذلك، مع أنهم لا يقولون بذلك وحاشاهم، ولا
الأول؛ لأنه يلزم أن يكون قديم [آخر] مع الله، تعالى الله عن ذلك،
وسيأتي بطلانه، مع أنهم لا يقولون ذلك وحاشاهم.
وقد اصطلح على إثبات أمور لا تعقل غير ما تقدم ذكره، وهي طبع
الطبائعي، وكسب الأشعري، وطفر النظام، ومزايا أبي الحسين البصري،
وعرض لا محل له، وحركة لا هي الله ولا هي غيره، ومعاني لا هي الله
ولا هي غيره، وغير مانع للحيز من ثلاث جهات دون الرابعة، وثابت غير
موجود، وأمور لا توصف بالحدوث ولا القدم، ولا الوجود ولا العدم،
ولله در القائل:
وبعض القول ليس له عناج
كمخض الماء ليس له إتاء
فصل [في ذكر الحد]
والحد لغة: طرف الشيء، وشفرة نحو السيف. والمنع.
واصطلاحاً: قول يشرح به اسم، أو تتصور به ما هية.
(1/13)
فالأول نحو قوله
تعالى: {رَبُّ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا}، أي هو
رب جميع الأجناس التي هي السموات والأرض، وما في جواب فرعون [في
قوله]: وما رب العالمين؟ أيْ: أيُّ جنس رب العالمين.
والثاني: نحو قولهم: الإنسان حيوان ناطق.
ويرادفه لفظ الحقيقة والماهية.
فحد بعض المتكلمين للذات، وحدهم نحو موجود بالمعنى الثاني لا يصح،
لأن الله تعالى لا يصح تصوره، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فليس
بجامع.
وقولهم في حد العالم: من يمكنه إيجاد الفعل المحكم لا يصح
بالمعنيين معاً، لما مر، ولدخول نحو النحلة؛ لأنه يمكنها إيجاد
الفعل المحكم، وهو تقدير ثبوت شمعها، وترصيفها له، فليس حدهم
بمانع.
فإن قيل: فما شرحه؟
قلت [وبالله التوفيق]: هو من يمكنه إحكام الأشياء المتباينة،
وتمييز كل منها بما يميزه.
أو من أدرك الأشياء أدراك تمييز، وإن لم يقدر على فعل محكم.
كتاب التوحيد
التوحيد هو لغة: الإفراد. واصطلاحاً: قال الوصي عليه السلام:
(التوحيد أن لا تتوهمه).
فصل [والعالم محدث]
والعالم محدث، خلافاً لبعض أهل الملل الكفرية.
لنا قوله تعالى: {إِنَّ فِيْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ
وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ وَالفُلْكِ الَّتِي تَجْرِيْ
فِيْ البَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسِ وَمَا أَنْزِلَ اللَّهُ
مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ
مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيْهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيْفِ
الْرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ الْسَّمَاءِ
وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُوْنَ}.
(1/14)
بيان الإستدلال بها:
أما السموات والأرض فإنا نظرنا في خلقهما فوجدناهما لم ينفكا عن
إمكان الزيادة والنقصان والتحويل والتبديل والجمع بينهما، وتفريق
كل منهما، فهما مع ذلك الإمكان إما قديمتان أو محدثتان. ليس الأول؛
لأنا قد علمنا ضرورة أنهما لا يعقلان منفكين عنه، وكل ذي حاله لا
يعقل منفكاً عن حالته يستحيل ثبوته منفكاً عنها، كالعمارة فإنها
يستحيل وجودها منفكة عن إمكانها، وكالمستحيل فإنه يستحيل تخلفه عن
عدم إمكانه، فلو كانتا قديمتين لكانتا قد تخلفتا عن ذلك الإمكان؛
لأن الإمكان لا يكون إلا مع التمكن، والتمكن لا يكون إلا بعد صحة
الفعل، وصحة الفعل لا تكون إلا بعد وجود الفاعل، وما كان بعد وجود
غيره فلا شك في حدوثه، ولزم حدوث ما توقف عليه من جميع ذلك.
ولزم تخلفهما عنه لو كانتا قديمتين، وهو محال لما بينا، فثبت
الثاني وهو حدوثهما.
وأيضاً هما مختلفتان، فاختلافهما لا يخلو إما أن يكون للعدم، أو
لعلة فرضاً، أو لفاعل، ليس الأول؛ لأن العدم لا تأثير له.
ولا الثاني؛ لأن تأثير العلة تأثير إيجاب بزعمهم، فلو كان كذلك
لوجب أن تكون السماء أرضاً والعكس، والسفلى من السموات علياً
والعكس، إذ ما جعل إحداهما أرضاً والأخرى سماء [ونحو ذلك] بأولى من
العكس لعدم الاختيار، فثبت أنه لفاعل، ولزم تقدمه ضرورة عدم
اخيتاره، وعدم صحة كونه فاعلاً لو لا تقدمه.
وأيضاً هما كالمبنيات؛ إذ لم تكن [صحة] الزيادة والنقصان، والتحويل
والتبديل، والجمع والتفريق في المبنيات إلا لأجل أنها محدثة،
والفارق معدوم.
وأما غيرهما مما ذكره الله تعالى في سياق الآية فحدوثه مدرك ضرورة.
فحدوث العالم لا يخلوا إما أن يكون لفاعل أو لغيره، أو لا لفاعل
ولا لغيره ليس الثالث؛ لأن تأثيراً لا مؤثر له محال، وبذا يعرف
بطلان قول عوام الملحدة: الدجاجة والبيضة محدثتان ولا محدث لهما.
وقول ثمامة: المتولد محدث لا محدث له، وإلا لزم أن يوجد بناء بلا
بان، وهو محال.
(1/15)
ولا الثاني؛ إذ لا
تأثير لغير الفاعل كما تقدم في فصل المؤثرات، فثبت أنه لفاعل.
قالوا: تعلق القدرة به حال عدمه محال.
قلنا: بل محال أن تتعلق القدرة بالموجود، وإنما تتعلق بالمعدوم
لتحصيله، لأن المعدوم لو كان حاصلاً عند تعلق القدرة لتحصيله لأغنى
ذلك عن تعلق القدرة به.
قالوا: تعلقت القدرة بالحجارة للعمارة، والحجارة موجودة.
قلنا: الحجارة من جملة آلة العمارة، فتعلق القدرة بالعمارة إنما
كان حال عدمها بواسطة الآلة.
قالوا: العمارة هي نفس الحجارة، وإنما كانت كامنة في نفسها.
قلنا: هذا هو المحال؛ لأن كون الشيء كامنا في نفسه لا يعقل.
فرع [في ذكر الصفات]
جمهور أئمتنا عليهم السلام والجمهور: وصفات العالم توصف بأنها
محدثة الأمورية: الصفات لا توصف رأساً لما يلزم من التسلسل، أو
التحكم حيث اقتصر على وصفها دون وصف وصفها.
والجواب [والله الموفق] إنه قد صح حدوثها لكونها لم تتقدم موصوفها
المحدث، فصح وصفها بأنها محدثة؛ إذ ذلك دليل لا ينكر فلا تحكم،
ووصفها: هو القول بأنها محدثة، وكل قول محدث. فإن قيل فيه: بأنه
محدث. فذلك وصف له محدث، وإن لم يقل: إنه محدث، فلا وصف له حينئذ،
فلا يتسلسل.
والتحقيق أن ذلك فرار منهم كي لا يوصف ما ادعوه من الأمور الزائدة
على ذاته تعالى التي هي صفاته بزعمهم. ثم لاذوا بهذا ودفعوا به من
ألزمهم وصفها بالقدم أو الحدوث، وقد تبين لك بحمد الله بطلانه.
فصل [في إثبات صفات الله سبحانه]
ولا بد أن يكون المحدث للعالم موجوداً، إذ لا تأثير للعدم.
قديماً؛ لأن المقارنة تبطل كون المحدَث محدَثاً، لعدم الإختيار من
الفاعل، وعدم صحة إحداثه؛ لأنه ليس إحداث أحدهما الآخر بأولى من
العكس. ولما يلزم من حدوثه لمقارنته المحدث ابتداء، فيحتاج إلى
محدث ويتسلسل، وهو محال.
غير محدث لما يلزم من التسلسل كما مر آنفاً، أو التحكم في الاقتصار
على البعض كما تزعمه المفوضة، وكل منهما معلوم البطلان.
(1/16)
قادراً؛ لأن الفعل لا
يصح إلا من قادر ضرورة.
حياً؛ لأن الجماد لا قدرة له [ضرورة].
عالماً؛ لأنا وجدنا العالم محكماً رصين الإحكام على اختلاف أصنافه
وتباينها؛ مميزاً كل منها على الآخر أكمل تمييز، نحو إحكام خلق
الإنسان، وتمييزه بذلك عن نحو إحكام خلق الأنعام، وذلك لا يكون إلا
من عالم ضرورة، وليس ذلك إلا الله سبحانه تعالى.
وبذلك يعرف بطلان دعوى العلية والطبائعية، والمنجمة؛ إذ لا حياة
للعلة والطبع لو تعقلا، ولا للنجوم فضلاً عن القدرة والعلم.
فصل [في ذكر ما قيل في صفاته تعالى]
جمهور أئمتنا عليهم السلام والملاحمية: وصفات الله هي ذاته، وفاقاً
لأبي الحسين البصري والرازي وغيرهما في صفته تعالى الوجودية.
ومعناه أنه قادر بذاته تعالى لا بأمر غيره، ونحو ذلك.
بعض أئمتنا عليهم السلام وبعض شيعتهم، وأبو علي، والبهشمية: بل هي
أمور زائدة على ذاته.
قلنا: يلزم تلاشيها؛ لأنها إما موجودة أو معدومة، أو لا موجودة ولا
معدومة، ليس الثالث؛ إذ لا واسطة بين الوجود والعدم، ولا الثاني
لما يلزم من كونه تعالى معدوماً لعدم صفته الوجودية ونحو ذلك، وقد
صح بما مر أنه تعالى موجود ونحو ذلك، مع أنهم لا يقولون بذلك
وحاشاهم.
والأول: إما أن تكون قديمة أو محدثة، أو لا قديمة ولا محدثة، ليس
الثالث؛ إذ لا واسطة بين القديم والمحدث إلا العدم، وقد مر وجه
بطلانه. ولا الثاني؛ لأنه يلزم من ذلك كونه تعالى محدثاً لحدوث
صفته الوجودية ونحو ذلك، وقد مر بطلانه، مع أنهم لا يقولون بذلك
وحاشاهم. ولا الأول؛ لأنه يلزم قدماء مع الله تعالى عن ذلك علواً
كبيراً عن ذلك، وذلك باطل لما يأتي إن شاء الله تعالى، مع أنهم لا
يقولون بذلك وحاشاهم، وقد ثبتت لنا بما مر من الأدلة، فما بقي إلا
أن تكون ذاته.
قالوا: الصفات لا توصف كما مر لهم.
لنا ما مر [عليهم].
أبو الحسين البصري: بل هي مزايا لا هي الله تعالى ولا غيره.
(1/17)
قلنا: لا واسطة إلا
العدم، وقد مر بطلان كونها معدومة.
الرافضة، والجهمية: بل هي غير الله، وهي محدثة بعلم محدث.
قلنا: يلزم الدور، وإن سلم عدم لزومه لزم أن يكون الله تعالى
محدثاً لحدوث صفته الوجودية، ونحو ذلك، وقد مر بطلان كونه تعالى
محدثاً، ونحو ذلك.
الأشعرية: بل معان [قديمة] قائمة بذاته، ليست إياه ولا غيره.
قلنا: لا واسطة إلا العدم، وقد مر وجه بطلان كونها معدومة.
الكرامية: بل معان قديمة.
قلنا: يلزم آلهة، ولا إله إلا الله، لما يأتي إن شاء الله تعالى.
قالوا: لو كانت هي ذات الله لما وجب تكرير النظر بعد معرفتها كما
سبق ذكره.
قلنا: ذات الله هي الله، ولم يعرف الله من لم يكرر النظر، فتكرير
النظر لم يكن بعد معرفة ذات الله حينئذٍ.
فصل والله سميع بصير
جمهور أئمتنا عليهم السلام والبغدادية: وهما بمعنى عالم.
بعض أئمتنا عليهم السلام وبعض شيعتهم والبصرية: بل بمعنى حي لا آفة
به.
قلنا: السميع حقيقة لغوية مستعملة لمن يصح أن يدرك المسموع بمعنى
محله الصماخ.
والبصير حقيقة كذلك لمن يصح أن يدرك المبصر بمعنى محله الحدق.
والله سبحانه ليس كذلك، فلم يبق إلا أنهما بمعنى عالم، وقد قال
تعالى: {أَمْ يَحْسَبُوْنَ إِنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ
وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُوْنَ}، والسر
إضمار في القلب غير صوت قال الله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوْسُفُ
فِيْ نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ}.
قالوا: بل هما حقيقة كذلك لمن يصح أن يدرك المسموع والمبصر
بالحياة.
قلنا: الأعمى والأصم حيان، ولا يدركان المسموع والمبصر.
قالوا: إنما لم يدركا لمانع وهو الآفة.
قلنا: تلك الآفة هي سلب ذلك المعنى، وإلا لزم أن لا يدرك المأيوف
بغير سلبه، كالأرمد، وإن سلم لزم أن يرى الأعمى ويسمع الأصم بأي
عضو من جسديهما لوجود الحياة في ذلك العضو، وسلامته من الآفة.
(1/18)
قالوا: يلزم شيئان
الأول: أن يوجد المعنى ويعدم المدرك، ويدرك في حال عدمه لوجود
المعنى.
والثاني: أن يعدم المعنى ويوجد المدرك، ولا يدرك لعدم المعنى.
قلنا: لم جعلتم الأول لا زماً لنا؟ فيلزمكم أن يعدم المدرك، ويدرك
في حال عدمه لوجود الحياة والسلامة من الآفة [إذ لا فرق] ولا
نلتزمه لعدم تعلقه بالمدرك في حال عدمه.
و[أَما] الثاني فملتزم لا يقدح، نحو وجود المدرك عند الأعمى والأصم
[وعدم إدراكهما] لعدم المعنى، وأنتم إذ جعلتموه قادحاً، فيلزمكم أن
يدرك لوجوده في حال عدم الحياة [إذ لا فرق] فالجماد عندكم سميع
بصير.
قالوا: [قد] وجدنا الفرق بين العلم والإدراك بالسمع والبصر، فلو
فتح أحدنا عينه، وأمامه مرئي ثم غمض، وأجلى الأمور ما وجدنا من
النفس.
قلنا: إنا لا ننفي إدراكه تعالى للمدركات، لكن [يدركها] بذاته، كما
يأتي إنشاء الله تعالى.
وأما قياسكم له تعالى ففاسد؛ لأنه ليس لله من جارحة عينين يفتحهما،
ثم يغمضهما تعالى الله عن ذلك، فالفرق بينكم وبينه جلي، إذ لا يدرك
بالحواس، ولا يقاس بالناس {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، {وَلَمْ
يَكُنْ لَهُ كُفُؤاً أَحَدٍ}.
فرع والله سامع مبصر.
جمهور أئمتنا عليهم السلام والبغدادية: وهما بمعنى عالم كما مر.
بعض أئمتنا عليهم السلام، وبعض شيعتهم، والبصرية: بل هما صفتان له
حين يدرك المسموع والمبصر بالحياة كما مر.
لنا ما مر.
فإن قيل: فبم يدرك المدركات.
قلت وبالله التوفيق: يدركها على حقيقتها بذاته تعالى، لبطلان
الأمور [والمعاني] كما مر، وهذا معنى قول الأئمة عليهم السلام:
يدركها بعلمه؛ لأن علمه ذاته كما تقرر.
فصل والله تعالى غني
خلافاً لبعض أهل الملل الكفرية.
قلنا: لم يجبر الله تعالى من عصاه، ولم يوجد كل الأشياء دفعة مع
القدرة على إجبار من عصاه، وعلى إيجاد كل شيء دفعة، وعدم المانع.
(1/19)
فدل ذلك على غناه،
وأيضاً لا يحتاج إلا ذو شهوة أو نفار؛ وهما عرضان لا يكونان إلا في
جسم، والله تعالى ليس بجسم لما يأتي إنشاء الله تعالى.
فصل في [تنزهيه تعالى عن الشبيه]
العترة عليهم السلام وصفوة الشيعة والمعتزلة وغيرهم: والله تعالى
لا يشبه شيئاً من خلقه.
هشام بن الحكم والجواليقي والحنابلة والحشوية: بل الله تعالى جسم.
قلنا: لو كان تعالى جسماً لكان محدثاُ كسائر الأجسام لحصول دليل
الحدوث فيه مثلها، وقد مر الدليل على أنه تعالى ليس بمحدث، وقال
تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ}.
فرع [والله ليس بذي مكان]
العترة عليهم السلام، وصفوة الشيعة والمعتزلة وغيرهم: وليس بذي
مكان.
المجسمة: بل هو على سرير.
الكلابية: بل [عليه] بلا استقرار.
وبعض الكرامية: بجهة فوق.
الصوفية: بل يحل في الكواعب الحسان ومن أشبههن من المردان.
قلنا: الحال لا يكون ضرورة إلا جسماً أو عرضاً، والله تعالى ليس
بجسم ولا عرض؛ إذ هما محدثان كما مر والله تعالى ليس بمحدث كما مر،
ولقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
الكلام في العرش والكرسي
جمهور أئمتنا عليهم السلام ونشوان: العرش عبارة عن عز الله [تعالى]
وملكه، وذلك ثابت لغة. قال ربيعة بن عبيد:
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم
بعتيبة بن الحارث بن شهاب
وقال زهير:
تداركتما عبسا وقد ثل عرشها
وذبيان قد زلت بأقدامها النعل
وقال رجل من بني كلب:
رأوا عرشي تثلم جانباه
فلما أن تثلم أفردوني
ومعنى قوله تعالى: {وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّيْنَ مِنْ حَوْلِ
الْعَرْشِ} مجاز، عبر الله سبحانه عن تعظيم الملائكة صلوات الله
عليهم له أبلغ تعظيم بقوله تعالى: {حافين} حيث كان لا يعرف المخاطب
التعظيم البالغ في الشاهد إلا للملوك عند الحفوف بها، وهي على
أسرتها، فعبر الله تعالى عنه كذلك.
(1/20)
وقوله تعالى:
{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةً}
معناه: ويتحمل أمر ملكه تعالى من الحساب وغيره ثمانية أصناف من
الملائكة.
والكرسي: عبارة عن علمه تعالى؛ لأن الكرسي في أصل اللغة: العلم
ولوحظ في استعمالها، قال أبو ذؤيب الهذلي: (ولا تكرس علم الغيب
مخلوق) أي ما تعلم. وقال غيره:
يحف بهم بيض الوجوه وعصبة
كراسي بالأحداث حين تنوب
أي أهل كراسي، أي أهل علوم، ومنه قيل للصحيفة التي فيها العلم
كراسة.
وقيل: بل عن ملك الله سبحانه.
وقيل: بل قدرته.
وقيل: بل تدبيره.
الحشوية: بل العرش سرير والكرسي دونه.
قلنا: لا يحتاج إلى ذلك إلا المخلوق لما مر.
المهدي عليه السلام وغيره: يجوز أن يكونا قبلتين للملائكة عليهم
السلام.
قلنا: لا دليل ولا وثوق برواية الحشوية.
فرع [في نفي الحلول]
أكثر العقلاء: والله ليس بعض خلقه.
بعض النصارى: بل اتحد بالمسيح فصار إياه.
الصوفية: بل اتحد بالبغايا والمردان فصار إياهم، تعالى الله عن ذلك
علواً كبيراً.
قلنا: ذلك محدث، والله تعالى ليس بمحدث [لما مر] فصيرورته محدثاً
محال، وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}
الآية.
فرع والله لا تحله الأعراض.
خلافاً لمن قال: حدث أهرمن من فكرة يزدان الردية، ولمن قال: يجوز
عليه البداء، إذ هو فرع الغفلة.
قلنا: الفكرة والغفلة لا تحل إلا في الأجسام، وقد ثبت بما مر أنه
تعالى ليس بجسم.
[معنى اللوح]
جمهور أئمتنا عليهم السلام: واللوح المذكور في القرآن عبارة عن
علمه تعالى.
الحشوية: بل هو على حقيقته، وهو أول مخلوق.
قلنا: لا يحتاج إلى الرصد إلا ذو غفلة، وقد بطل بما ذكرناه آنفاً
أن يكون الله تعالى كذلك.
(1/21)
وقولكم: إنه أول
مخلوق معارض برواية عن بعض أكابر أهل البيت عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم: إن أول ما خلق الله فتق الأجواء، واشتهر ذلك عن الوصي،
صلوات الله عليه، وهو توقيف، فإن سلمنا التعادل، فالعقل يقضي بعدم
صحة حال لا في محل.
المهدي عليه السلام: يجوز أن يكون لتعليم الملائكة عليهم السلام.
قلنا: لا دليل ولا وثوق برواية الحشوية، وإن سلم فمعارض برواية
الهادي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله
سبحانه يلقي ما يريد من وحيه إلى الملك الأعلى، ثم يلقيه الملك
الذي تحته). أو كما قال، فإن سلم التعادل في العدالة، فقولهم: هو
أول مخلوق يستلزم الغفلة؛ إذ لا يحتاج إلى الرصد حتى يحضر الملائكة
إلا ذو غفلة، وذلك يبطله؛ لأن الله ليس كذلك، لما مر.
فرع [في الرؤية]
العترة عليهم السلام جميعاً، وصفوة الشيعة والمعتزلة وغيرهم: والله
سبحانه لا تدركه الأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن كل محسوس
جسم، أو عرض فقط، وكل جسم أو عرض محدث لما مر.
الأشعرية: بل يرى في الآخرة بلا كيف.
قلنا: لا يعقل.
الرازي: معناه معرفة ضرورية، وعلم نفسي بحيث لا يشك فيه.
قلت: وبالله التوفيق: فالخلاف حينئذٍ لفظي.
ضرار: يرى بحاسة سادسة.
قلنا: لا يعقل، فإن عني به ما ذكره الرازي فالخلاف لفظي أيضاً.
المجسمة: كالمرئيات بناء على مذهبهم، وقد مر إبطاله.
قالوا: قال الله تعالى: {وُجُوْهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى
رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، وفي الحديث: ((سترون ربكم يوم القيامة كالقمر
ليلة البدر)).
قلنا: معنى قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} أي منتظرة
رحمته، كقوله تعالى: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعِ الْمُرْسَلُوْنَ}،
أي منتظرة، وقوله تعالى حاكياً عن الأشقياء: {انْظُرُوْنَا
نَقْتَبِسُ مِنْ نُوْرِكُمْ} أي انتظرونا، وقوله تعالى:
{وَقُوْلُوْا انْظُرْنَا} أي انتظرنا. وقال الشاعر:
وجوه يوم بدر ناظرات
(1/22)
إلى الرحمن يأتي
بالخلاص
والخبر مقدوح فيه، وإن صح فمعناه: ستعلمون ربكم، كقوله تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الْظِّلَّ}، وقوله تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ مِنْ
بَعْدِ مُوْسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍ لَهُمْ} أي ألم تعلم وقول
الشاعر:
رأيت الله إذ سمى نزاراً ... وأسكنهم ببكة قاطنينا
أي علمت.
ولنا قوله تعالى: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ
الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيْفُ الْخَبِيْرُ} وقوله تعالى: {لَنْ
تَرَانِي} ولم يفصل.
فرع والله تعالى لم يلد ولم يولد
بعض اليهود: بل ولد عزير.
بعض النصارى: بل ولد عيسى.
بعض اليهود وبعض النصارى معاً: [بل] هم أبناء الله.
قلنا: الولد يستلزم الحلول ثم الإنفصال. ولا يحل إلا في جسم، ولا
ينفصل إلا عنه، والله تعالى ليس بجسم، لما مر.
وقال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ
يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤًا أَحَدٌ} وقال
تعالى حاكياً ومقرراً: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا
اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً}، وقال تعالى سبحانه: {أَنَّى
يَكُوْنُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةً} وقال تعالى:
{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيْ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً}، وقد
صح بما يأتي إن شاء الله تعالى.
فصل والله سبحانه لا يجوز عليه الفناء
لأن الفناء لا يكون إلا بقدرة قادر، إذ لا تأثير لغير القادر كما
مر، والله سبحانه ليس من جنس المقدورات، فلا تعلق به القدرة لما
مر.
بعض العلية: بل لأن ذاته أوجبت وجوده، والذات ثابتة في الأزل وهو
لا يتخلف عنها، كما مر لهم.
(1/23)
لنا مر عليهم، وإن
يسلم ما ادعوه لزم وجود سائر الذوات بذلك الإيجاب عندهم، حيث
جعلوها ثابتة في الأزل، إذ هو إيجاب بلا اختيار، فما [وجود] بعض
الذوات به أولى من بعض كما مر لنا، ولزم عدم فنائها كذلك، وذلك
باطل بما يأتي إنشاء الله تعالى.
ولزم أيضاً أن يكون لله سبحانه تأثيران: تأثير اختيار، وهو خلقه
لمخلوقاته.
وتأثير اضطرار: وهو إيجاب ذاته لصفاته، ولا يضطر إلا المخلوق.
المقتضية: بل لأن المقتضي أوجب وجوده تعالى، كما مر لهم.
لنا: ما مر [عليهم]، وإن سلم لزم أن توجد سائر الذوات، ولا تفنى
كما مر.
ولزم أن يكون الله محتاجاً إلى ذلك المقتضي؛ إذ لولاه لما كان
تعالى موجوداً ولا حياً، ولا قادراً ولا عالماً.
فإن قيل: فهل يكفرون كالمجبرة؟
قلت: لا.. لأنهم لم يثبتوا شيئاً محققاً، يكون الله سبحانه مضطراً
أو محتاجاً إليه تحقيقاً لتلاشي ذلك، كما مر، فلم يجهلوا بالله
سبحانه، ولم يتعمدوا سب الله [وإنما أخطأوا] حيث لم ينتبهوا لذلك
اللازم، ومن لم يتعمد سب لله فلا إثم عليه، لقوله تعالى: {وَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيْمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ [وَلَكِنْ مَا
تَعَمَّدَتْ قُلُوْبُكُمْ]} ولم يفصل. وكقوله صلى الله عليه وآله
وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) ولم يفصل.
بخلاف المجبرة، فإنهم جهلوا بالله سبحانه، حيث أثبتوا له [تعالى]
أفعالاً قبيحة، لا تتلاشى فكفروا بذلك وسبوا الله سبحانه بنسبتها
إليه عمداً، حيث نبههم علماء العدلية في كل أوان، فكفروا أيضاً
بذلك.
فصل والله لا إله غيره
خلافاً للوثنية، والثنوية، والمجوس، وبعض النصارى.
(1/24)
قلنا: من لازم كل
كفؤين اختلاف مراديهما فـ {لَوْ كَانَ فِيْهِمَا آلِهَةً إِلاَّ
اللَّهُ لَفَسَدَتَا} و {لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ
وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ولرأينا آثار صنع كل إله واحد؛
ولأتتنا رسلهم، ولم يقع شيء من ذلك. فهو إما أن يكون لعدم الآلهة
إلا الله، فهو الذي نريد، أو للإضطرار إلى المصالحة، أو لقهر
الغالب [المغلوب]، وأيما كان فهو عجز، والعجز لا يكون إلا
للمخلوقين، إذ هو وَهَن العدد والآلات، وليست إلا للمخلوقين، لما
ثبت من غناه سبحانه عن كل شيء لما مر، وذلك مبطل لكونهم آلهة؛ ولأن
المخلوق ليس بكفء للخالق لكونه مملوكاً، والمملوك لا يشارك المالك
في ملكه.
فرع
العترة عليهم السلام والجمهور: ولا قديم غير الله تعالى، خلافاً
لمن أثبت معاني قديمة وكلاماً قديماً.
قلنا: يلزم أن يكون للقدماء ماله تعالى من الإلهية لعدم المخصص
ولعدم المخصص ولعدم الفرق، وقد بطل أن يكون غيره إلهاً بما مر.
فصل
ولم يكلف الله عباده العقلاء من معرفة ذاته إلا ما مر، لتعذر تصوره
تعالى، لما ثبت أنه تعالى ليس بجسم ولا عرض. والتصور إنما يكون
لهما ضرورة، وتعذر فهم التعبير عن كنهها؛ لأن التعبير إنما يفهم
ضرورة عما يصح أن يدرك بالمشاعر، وهي الحواس الخمس وما يلحق بها،
وهو الوجدان المدرك به نحو لذة النفس وألمها، يفهم المخاطب ما كان
أدركه بها، أو يفهم المخاطب مثله بالتعبير المعروف الدلالة على ذلك
المدرك عنده، ولا يصح أن يدرك بالمشاعر والوجدان إلا جسماً أو
عرضاً، وقد بطل بما مر أن يكون تعالى جسماً أو عرضاً، فثبت تعذر
فهم التعبير عن كنه ذاته تعالى.
واعلم أن العلم بأن للمصنوع صانعاً لا يستلزم معرفة كنه ذات صانعه،
كالآثار الموجودة في القفار.
الإمام يحيى عليه السلام، وأبو الحسين البصري، وحفص الفرد، وضرار:
وله تعالى ماهية يختص بعلمها.
(1/25)
قلنا: الماهية ما
يتصور في الذهن، وقد امتنع أن يتصوره الخلق حيث لم يتمكنوا إلا من
تصور المخلوقات اتفاقاً بيننا وبينهم.
وعلم الله تعالى ليس بتصور اتفاقاً كذلك، فإن أرادوا بذلك ذاتاً لا
يحيط بها المخلوق علماً فصحيح.
أبو هاشم مقسماً: إنه ما يعلم الله سبحانه من ذاته إلا مثل ما يعلم
هو.
قلنا: قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيْهِمْ وَمَا
خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيْطُوْنَ بِهِ عِلْماً} والله سبحانه قد أحاط
بكل شيء علماً، بمعنى لا يغيب عن علمه لا كإحاطة الأسوار.
فصل
أئمتنا عليهم السلام وبعض المعتزلة: وكون الله عالماً بما سيكون
وقادراً على ما سيكون، لا يحتاج إلى ثبوت ذات ذلك المعلوم،
والمقدور في الأزل.
بعض صفوة الشيعة وبعض المعتزلة: بل يجب ثبوتها ليصح تعلق العلم
والقدرة بها، إذ لو لم تكن ثابتة لم يكن تعالى عالماً ولا قادراً.
قلنا: يستلزم الحاجة، وقد مر بطلانها، فيلزم بطلان ما يستلزمها،
ولا فرق أيضاً بين الثبوت والوجود في العربية.
[فلو كان] لفظ ثابت يطلق عليها في الأزل حقيقة، كما زعموا لكان لفظ
موجود كذلك، ولكانت لا أول لوجودها، وبطلان ذلك متفق عليه.
وأيضاً علم الله تعالى متعلق بصفة ما سيكون الوجود به، فلو كان
يوجب الثبوت يلزم أن يكون ما سيكون موجوداً في الأزل لثبوت صفة
الوجودية لصحة تعلق العلم بها، كالذات، لعدم الفرق، وذلك معلوم
البطلان عند الجميع.
الإمام الحسن بن علي بن داود عليه السلام: ليس مرادهم بثبوتها إلا
تصورها.
قلت: وبالله التوفيق: وفيه نظر؛ لأن علم الله تعالى ليس بتصور.
باب الاسم والصفة
الاسم: كلمة تدل وحدها على معنى غير مقترن بزمان وضعاً وهو غير
المسمى.
الكرامية ومتأخروا الحنفية: بل الاسم هو نفس المسمى.
قلنا: إذاً لكان الأمر كما قال الشاعر:
لو كان من قال ناراً أحرقت فمه
لما تفوه باسم النار مخلوق
(1/26)
والصفة : لفظها
مشترك: عبارة عن ثبوت الذات على شيء، نحو ثبوت الحيوان على حياته.
وعبارة عن شيء هو الذات، نحو قدرة الله.
وعبارة عن اسم لذات وضع باعتبار تعظيم، نحو قولنا: (أحد) نريد به
الله تعالى، فإنه عبارة عن ذاته تعالى باعتبار كونه المتفرد بما لا
يكون من الأوصاف الجليلة إلا له تعالى.
وعن اسم لذات باعتبار معنى غير أسماء الزمان والمكان والآلة نحو
قولنا: قائم نريد به إنساناً، فإنه اسم له باعتبار معنى وهو
القيام.
وبمعنى الوصف، وهو عبارة عن قول الواصف: (زيد كريم) مثلاً، علم ذلك
بالإستقراء.
المهدي عليه السلام: ليست إلا بمعنى الوصف [فقط].
قلنا: يلزم منه أن تكون صفاته تعالى نحو كونه قادراً عبارة عن قول
الواصف وذلك بين البطلان.
وقال عليه السلام: لو كانت الصفة اسماً لذات باعتبار معنى لزم أن
يكون من قام [قد فعل بنفسه] صفة، لأنه باعتبار معنى وهو القيام.
قلنا: ليس باسم.
وقال عليه السلام: الاسم والصفة عبارة عن قول الواصف فقط.
قلنا: يلزم أن لا يفهم إلا مجرد قوله فقط لا معناهما، وهو الذات
وما يلازمها، وذلك خلاف المعلوم ضرورة.
الأمورية: ما هو اسم لذات باعتبار معنى المماثلة، أو المغايرة، أو
نحو ذلك، فحكم [وليس بصفة].
قلنا: لا فرق عند أهل اللغة بين ذلك، وبين ما هو اسم لذات باعتبار
معنى غيرها، إلا أسماء الزمان والمكان، والآلة كما مر، والملجئ لهم
إلى ذلك وصفهم الأمور الزائدة على الذات بزعمهم بأنها غير نحو
العالمية غير القادرية، أو مثل نحو العالمية زائدة على الذات مثل
القادرية، ومنعهم وصفها بأنها قديمة أو محدثة، قلنا: والفرق تحكم
إذ لا مانع من دعوى أن سائر ما توصف به الصفات أحكام مثلها.
تمهيد [في الحقيقة والمجاز]
اعلم أن من أقسام الاسم الحقيقة والمجاز.فالحقيقة لغة: الراية،
ونفس الشيء، واصطلاحاً: اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح به
التخاطب.
(1/27)
وتنقسم إلى لغوية
كأسد للسبع، وعرفية عامة، وهي التي لا يتعين ناقلها كقارورة،
وخاصة: وهي التي يتعين ناقلها كالكلام لهذا الفن، وشرعية كالصلاة،
وهي ممكنة عقلاً.
واختلف في وقوعها.
فقال: أئمتنا عليه السلام والجهمور: وهي واقعة بالنقل عن معانيها
اللغوية إلى معان مخترعة شرعية كالصلاة.
قلت وبالله التوفيق: وتصح بغير نقل كرحمن على ما سيأتي إن شاء الله
تعالى.
الباقلاني وبعض المرجئة: لم يقع.
قلنا: الصلاة لغة الدعاء، وقد صارت للعبادة المخصوصة.
قالوا: إنما صارت كذلك بعرف أهل الشرع لا بنقل الشارع؛ لأنه إنما
أطلق ذلك عليها مجازاً فقط، فهي حينئذ عرفية خاصة لا شرعية.
قلنا: أطلقه عليها وخصها به، ولم يعهد لها اسم قبله خاص، وذلك
حقيقة وضع الحقائق لا التجوز، وإلا لكان كلما وضع من الأسماء لمعنى
عند ابتداء الوضع مجازاً ولا قائل به.
ومن جزئياتها الدينية، وهي ما نقله الشارع إلى أصول الدين نحو
(مؤمن).
الشيرازي وابن الحاجب: لم تقع.
قلنا: المؤمن لغة: هو المصدق، وقد صار اسماً لمن أتى بالواجبات،
واجتنب المقبحات، بدليل قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ
الَّذِيْنَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوْبُهُمْ وَإِذَا
تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ زَادَتْهُمْ إِيْمَاناً وَعَلَى
رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُوْنَ الَّذِيْنَ يُقِيْمُوْنَ الْصَّلاَةَ
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُوْنَ أُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُؤْمِنُوْنَ حَقّاً}.
قالا: قال الله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ
صَالِحاً}، وحق العطف المغايرة.
قلنا: [هو في هذه] الآية حقيقة لغوية، واستعمال الناقل القول
المنقول في معناه الأول لا يدل على عدم نقله ذلك القول لمعنى آخر،
كناقل طلحة لرجل، فبطلت دعوى نفيها لعدم ما يدل عليه، وثبتت بما
مر.
والمجاز لغة العبور والطريق.
(1/28)
واصطلاحاً: اللفظ
المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح به التخاطب على وجه يصح،
ويزاد على مذهب غير القاسم عليه السلام، والشافعي مع قرينة عدم
إرادته.
وهو واقع خلافاً لأبي علي الفارسي للإسفرائيني وغيرهما (مطلقاً).
لنا قوله:
وإذا المنية أنشبت أظفارها
ألفيت كل تميمة لا تنفع
وما يأتي إن شاء الله تعالى.
وللإمامية في الكتاب العزيز.
لنا قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الْذُّلِّ مِنَ
الْرَّحْمَةِ}.
وللظاهرية فيه، وفي السنة.
لنا ما مر. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا مدينة العلم وعلي
بابها)).
وتأويلهم [لجميع ذلك] بأنها حقائق خلاف المعلوم من لغة العرب
فلتتبع.
ولا بد من علاقة بين المدلول الحقيقي والمجازي، فإن كانت غير
المشابهة بينهما، فالمرسل، وإلا فالإستعارة.
فإن ذكر المشبه به نحو رأيت أسداً يرمي فالتحقيقية.
وإن ذكر المشبه نحو قولنا: علي كرم الله وجهه يفترس الأقران
فالمكني عنها وهي تستلزم الإستعارة التخييلية. نحو: (يفترس
الأقران). ولفظ يفترس استعارة تبعية.
وقد حصرت العلاقة بالإستقراء في تسعة عشر نوعاً، وبيانها: هي
بالمشابهة، إما بالشكل، أو بالإشتراك في الجنس، أو في صفة ظاهرة،
فنقول: (إنسان) لصورة كالإنسان، وثوب زيد للمشارك له في جنسه، وأسد
للرجل الشجاع.
أو تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه كالخمر للعصير.
أو باسم ما كان عليه كالعبد للعتيق.
أو باسم محله نحو سال الوادي.
أو العكس نحو {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ}.
أو باسم سببه نحو: صليت الظهر.
أو العكس نحو {إِنَّمَا يَأْكُلُوْنَ فِيْ بُطُوْنِهِمْ نَاراً}.
أو تسمية الخاص باسم العام نحو: {جَعَلُوْا أَصَابِعَهُمْ فِيْ
آذَانِهِمْ} أي أطرافها، ونحو: اتفق الناس على صحة خبر الغدير، أي
العلماء.
أو تسمية الكل باسم البعض كالعين للربيئة.
أو تسمية المقيد باسم المطلق نحو قول الشاعر:
ويا ليت كل اثنين بينهما هوى
من الناس قبل اليوم يلتقيان
(1/29)
أي قبل يوم القيامة.
أو العكس كقول شريح: أصبحت ونصف الناس علي غضبان. أي المحكوم
عليهم.
أو حذف المضاف نحو {وَاسْأَلْ القَرْيَةَ}، أو المضاف إليه نحو
قوله تعالى: {وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ}.
أو تسمية الشيء باسم آلته نحو: {وَاجْعَلْ لِيْ لِسَانَ صِدْقٍ
فِيْ الآخِرِيْنَ} أو باسم بدله نحو: أكل الدم. أي الدية.
أو باسم ضده نحو قولك لبخيل: فيك سماحة حاتم. أو القلب نحو: عرضت
الناقة على الحوض.
أو المشاكلة في القول تحقيقاً، نحو قول الشاعر:
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه
قلت اطبخوا لي جبة وقميصا
أو تقديراً نحو قوله تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ} أي تطهير الله
[لنا] بالإيمان، عبر عنه تعالى بكلمة {صبغة} لتشاكل صبغة المقدرة،
المدلول عليها بأول الكلام، لما كان في النصارى، وهم يزعمون أن من
انغمس في ماء أصفر وصبغ نفسه [به] فقد تطهر.
أو الزيادة في القول نحو قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}
على أحد وجهي معناه.
وقد زيد غير ذلك، وهي داخلة فيما ذكرت إلا إطلاق المعرف على المنكر
نحو: {وَادْخُلُوْا البَابَ سُجَّداً} أي باباً من أبوابها.
والصحيح أنه من أقسام المعرف باللام حقيقة، ويسميه نجم الدين
بالتعريف اللفظي.
إذا عرفت ذلك امتنع أي يُجْرَى لله من المجاز ما يستلزم علاقته
التشبيه.
وأما نحو قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}
فعلاقته الزيادة في القول، لا من تسمية العام باسم الخاص.
(1/30)
وأما قوله تعالى:
{لِمَا خَلَقْتُ بِيَدِي} وقوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ
مَبْسُوْطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءِ} وقوله تعالى: {تَجْرِيْ
بِأَعْيُنِنِا} وقوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِيْ نَفْسِيْ وَلاَ
أَعْلَمُ مَا فِيْ نَفْسِكَ}، فالعلاقة المشاكلة في القول عبر عن
قدرته تعالى في الأولى بقوله: {بيدي} لتشاكل كلمة اليد المقدرة
الخاطرة بذهن المخاطب عند سماعه لقوله تعالى: {خلقت} لما كان
المخاطب لم يشاهد مزاولة صنع إلا باليدين، ونظيره {صِبْغَةَ
اللَّهِ} كما مر.
وعبر عز وجل عن نعمته في الثانية بكلمة اليدين لتشاكل كلمة اليد
فيما حكاه الله تعالى عن اليهود حيث قالوا: {يَدُ اللَّهِ
مَغْلُوْلَةً غُلَّتْ أَيْدِيْهِمْ وَلُعِنُوْا بِمَا قَالُوْا}
ونظيره: (قلت اطبخوا لي جبة وقميصا).
وقوله تعالى: {تَجْرِيْ بِأَعْيُنِنَا} كالأول عبر عن حفظه تعالى
للسفينة بقوله: {بأعيننا} مشاكلة لكلمة العين المقدرة الخاطرة بذهن
السامع لما كان لا يتم حفظ مثلها لأحد في الشاهد إلا بمتابعة
أبصارها بالعين.
وقوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِيْ نَفْسِيْ وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِيْ
نَفْسِكَ} كالثاني.
وقوله تعالى حاكياً: {يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِيْ
جَنْبِ اللَّهِ} من المجاز أيضاً؛ لأن الجنب هنا عبارة عن الطاعة،
والعلاقة تسمية الحال باسم محله.
والمحل غير الله تعالى؛ لأن ذلك تعبير عن الطاعة بكلمة الجنب، الذي
هو الجهة الحاصلة تلك الطاعة منها؛ لأن الجنب يطلق على الجهة قال
الشاعر:
كأنه خارجاً من جنب صفحته
سفود شرب نسوه عند مقتاد
[أي من جهة صفحته] وأضيف إلى اسم الله تعالى لأنه صار عبارة عن
طاعته تعالى.
ورحمن ورحيم: حقيقتان دينيتان لا لغويتان؛ لأنهما لو كانا مجازاً
لافتقرا إلى القرينة، وهما لا يفتقران، بل لا يجري لفظ رحمن
مطلقاً، ورحيم غير مضاف إلا له تعالى، ولو كانتا لغويتين لاستلزما
التشبيه وقد مر إبطاله.
(1/31)
ورحيم منقول، ورحمن
غير منقول، إذ لم يطلق على غيره لغة البتة، وقولهم: رحمن اليمامة،
كقول الصوفية: الله للمرأة الحسناء تعالى الله [الرحمن] عن ذلك
علواً كبيراً.
وأما رحمة الله تعالى فمجاز لأن العلاقة المشابهة بين فعله تعالى،
وفعل ذي الحنو والشفقة من خلقه، وجميع ذلك لا يكون إلا سماعاً
اتفاقاً.
فصل [فيما يجوز إطلاقه على الله من الأسماء وما لا يجوز].
ولا يجوز لله تعالى من الأسماء إلا ما تضمن مدحاً له جل وعلا
إجماعاً لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
فَادْعُوْهُ بِهَا}.
الجمهور: ولا يفتقر شيء إلى السمع إلا المجاز.
قلت: [وبالله التوفيق] وما سمى به تعالى نفسه من الحقائق الدينية.
المرتضى عليه السلام، والبلخي، وجمهور الأشعرية: بل والحقيقة.
قلنا: إذاً لامتنع وصفه تعالى بما يحق له ممن عرفه ولم تبلغه الرسل
ولا مانع عقلاً.
القاسم، وظاهر كلام الهادي عليهما السلام: وشيء لا يجري على الله
تعالى اسماً له إلا مع قيد لا كالأشياء، ليفيد المدح.
المهدي عليه السلام وأبو هاشم: يجوز بلا قيد مطلقاً؛ إذ يفيد كونه
تعالى معلوماً.
قلنا: العَلَم يفيد كون مسماه معلوما، وليس بمدح كإبليس لعنه الله،
وإن سلم؛ إذ لم يفد كونه تعالى معلوماً إلا مع قيد لا كالأشياء؛
لأنه لا يعرفه إلا من لم يشبهه.
أبو علي وأبو عبد الله البصري: بل سمعاً فقط إذ هو كاللقب.
قلنا: يمتنع لأنه لا يفيد كونه تعالى معلوماً من غير قيد ولا تضمن
مدحاً.
وليس بعَلَم فلم يفد، والحكيم لا يخاطب إلا بالمفيد.
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيْمٌ} عام للأشياء
المتشابهة، وللشيء الذي ليس كالأشياء.
فرع والجلالة اسم لله تعالى بإزاء مدح، وليست بعلم.
النحاة: بل هي علم.
قلنا: العلم يوضع لتمييز ذات عن جنسها، والله تعالى لا جنس له لما
مر.
(1/32)
قالوا: أصل الله:
إله، بمعنى مألوه، أي معبود، واللام بدل من الهمزة، فهي من الأعلام
الغالبة كان عاما في كل معبود، ثم اختص بالمعبود حقاً، كالصعق كان
عاماً لكل من أصابته الصاعقة، ثم اختص برجل.
قلنا: ابتدأ جعلها للباري تعالى سبحانه اسماً وقت الشرك به قريب من
دعوى علم الغيب، بل الأظهر أنها اسم الله تعالى قبل ذلك.
وواحد، وأحد: اسمان له تعالى بإزاء مدح، إذ هما بمعنى المتفرد
بصفات الإلهية، ولا يجوز أن يكونا له بمعنى أول العدد لعدم تضمنه
المدح.
فصل [في بيان الفرق بين صفات الذات والفعل]
وصفات الذات نحو قادر.
المرتضى عليه السلام: وصفات الفعل ما يصح إثباتها ونفيها، نحو خالق
لخلقه تعالى، غير خالق للمعاصي.
واختلف في مسألتين: الأولى: مالك ورب.
المهدي عليه السلام وغيره: وهما صفة ذاتية إذ هما بمعنى قادر.
البلخي: بل هما صفة فعل؛ لأن المالك لا يكون إلا بعد وجود المملوك.
والرب من التربية، ولا يكون إلا بعد وجود المربى.
والحق أنهما صفتا ذات لا بمعنى قادر إذ لا يدلان على معنى قادر
مطابقة بل التزاماً كعالم. ولا قائل بأن عالماً بمعنى قادر.
وليستا بصفتي فعل لثبوتهما لغة لمن لا يفعل ما وضعا له من حيث
يقال: فلان رب هذه الدار، وإن لم يصنعها، أو يزد فيها [أو ينقص].
وفلان مالك ما خلف أبوه وإن لم يحدث فعلاً، فهما [صفتا ذات له
تعالى] باعتبار كون المملوك له فقط.
وهما حقيقتان قبل وجود المملوك [قطعا] لا مجاز؛ لما سيأتي إن شاء
الله تعالى.
والثانية: حليم وغفور.
أبو علي: وهما من صفات الفعل، أي فاعل للعصاة ضد الانتقام من إسبال
النعم والتمهيل، وقبول توبة التائب.
أبو هاشم: بل صفة نفي، أي تارك الانتقام.
قلت: وهو الحق لأنه معناه لغة.
فرع والله خالق ما سيكون
حقيقة، وفاقاً لبعض أهل العربية وأبي هاشم، فلا يفتقر إلى السمع.
الجمهور: بل مجاز لعدم حصول معنى المشتق منه وهو الخلق ولافتقاره
إلى القرينة.
(1/33)
قلنا: الإشتقاق لا
يفتقر إلى حصول معنى المشتق منه إذ ليس بمؤثر فيه، بل للواضع أن
يشتق من اسم ما سيحصل له، مثل تسميته له ولا مانع، وقد حصل حيث
يطلق على المشتق له قبل حصول معنى المشتق منه، وحاله وبعده على
سواء، ونصب القرينة لا بد منها لكل واحد من الثلاثة، عرف ذلك
بالإستقراء، وليس ذلك إلا للإشتراك فقط، ففي دعوى الحقيقة في البعض
دون البعض تحكم.
وأيضاً لا مانع من أن يقال: إنه خالق ما سيكون قبل ورود السمع، فلو
كان مجازاً لامتنع.
فصل ويختص الله تعالى من الأسماء
بالجلالة، وبرحمن مطلقاً، وبرحيم غير مضاف، ورب كذلك.
البلخي: يجوز أن يطلق رب على غيره تعالى غير مضاف إذ هو من
التربية، كما مر له.
قلنا: لا يحمله السامع على غير الله تعالى فامتنع، وبذي الجلال،
وذي الكبرياء، وبديع السموات ونحوها.
أئمتنا عليهم السلام: وبثابت في الأزل. لا بقديم خلافاً لقوم في
الطرفين.
قلنا: لم تثبت الأشياء غيره تعالى في الأزل [لما مر].
وقوله تعالى: {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُوْنِ الْقَدِيْمِ} وثبوت
نحو ((رسم قديم)) بين الأمة بلا تناكر.
كتاب العدل
هو لغة: الإنصاف.
واصطلاحا: ما قال الوصي كرم الله وجهه: والعدل ألا تتهمه.
فصل الحسن مالا عقاب عليه، والقبيح ضده.
أئمتنا عليهم السلام وموافقوهم: ولا يقبح الفعل إلا لوقوعه على وجه
من الظلم ونحوه؛ إذ الأصل في مطلق الأفعال الإباحة.
البغدادية، وبعض الإمامية والفقهاء: بل لعينه؛ لأن الأصل في مطلقها
الحظر.
قلنا: لا تذم العقلاء من تناول شربة من الماء، ولا تصوب من عاقبه
قبل معرفة إباحة الشرع.
الأشعرية وبعض الشافعية: بل للنهي إذ لا يعلم حسن الفعل ولا قبحه.
لنا: ذم العقلاء الظالم والكذاب، وتصويبهم من عاقبهما، وعدم ذينك
فيمن تناول شربة من ماء غير محاز.
الإخشيدية: بل للإرادة.
قلنا: العقل يقضي باستقباح الإضرار ولو صدر من غير مريد ضرورة.
(1/34)
أئمتنا عليهم السلام،
وموافقوهم: ويحسن الفعل إذا عري من وجه القبح.
بعض البغدادية ووافقوهم والمجبرة: بل لإباحة الشرع في حق العبد.
الأشعرية: ويحسن لانتفاء النهي في حق الله تعالى.
بعض المجبرة: بل لكونه تعالى رباً، في حقه تعالى.
قلت: يلزم أن يفعل الله نحو الكذب؛ لأنه تعالى غير مربوب، فلا وثوق
بخبره، وذلك كفر شرعاً لرده ما علم من الدين ضرورة.
أئمتنا عليهم السلام، وموافقوهم والمجبرة: بل لإباحة الشرع في حق
العبد.
الأشعرية: ويحسن لانتفاء النهي في حق الله تعالى.
بعض المجبرة: بل لكونه تعالى رباً، في حقه تعالى.
المجبرة جميعاً: ويفعل الله تعالى عن ذلك نحو الكذب لعدم النهي عند
الأشعرية، وقيل: لكونه رباص عند غيرهم.
قلنا: لا يفعل [الله] ذلك؛ لكونه صفة نقص، تعالى الله عنها، ويلزم
أن لا يوثق بخبره تعالى، وذلك تكذيب لله تعالى حيث يقول: {لاَ
رَيْبَ فِيْهِ} وقوله تعالى: {لاَ يَأْتِيْهِ الْبَاطِلُ مِنْ
بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}.
فصل [في حكم أفعال العباد]
العترة عليهم السلام، وصفوة الشيعة والمعتزلة، والقطعية: وللعبد
فعل يحدثه على حسب إرادته.
المجبرة جميعاًك لا فعل له.
الصوفية والجهمية: يخلقه الله فيه.
النجارية والكلابية والأشعرية والضرارية وحفص الفرد: بل الله يخلقه
كذلك، وللعبد منه كسب.
قلنا: حصوله منا بحسب دواعينا وإرادتنا معلوم ضرورة عكس نحو الطول
والقصر، وقوله تعالى: {اعْمَلُوْا مَا شِئْتُمْ} ونحوها. ويلزم أن
تجعلوا الله تبارك وتعالى علواً كبيراً كافراً لفعله الكفر، كاذباً
لفعله الكذب، ونحو ذلك، والكافر والكاذب أبرياء نم ذلك ـ لعنوا بما
قالوا ـ ويلزم من إفكهم ذلك بطلان الأوامر والنواهي وإسرال الرسل؛
لأنه لا فعل للمأمور، والكل كفر.
قالوا: قال الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا
تَعْمَلُوْنَ}.
(1/35)
قلنا: معناه خلقكم
والحجارة التي تعملونها أصناماً لكم بدليل أول الكلام، وهو قوله
تعالى: {أتعبدون ما تنحتون}.
الجاحظ: لا فعل للعبد إلا الإرادة، وما عداها متولد بطبع المحل.
النظام: ما خرج عن محل القدرة ففعل الله تعالى جعله طبعاً للمحل.
ثمامة: ما ذكره النظام حدث لا محدث له.
قلنا: لو كان كذلك ما جاز القصاص رأساً، ولا العقاب إلا على مجرد
الفعل الذي هو افرادة، أو المبتدأ فقط، وإن سلم لزم استواء عقاب من
قتل زيداً، وعقاب من أراد قتل عمرو، وحينئذ يجب الاقتصاص منهما،
وكذلك من قتل بالمتولد، ومن فعل فعلاً غير متولد ولم يقتل به، وذلك
باطل.
ابن الولهان: فعل المعصية ليس من العبد بل من الشيطان يدخل في
العبد، فيغلبه على جوارحه، ويتصرف بها.
قلنا: لو كان كذلك لم يجز العقاب عليها؛ لأن ذلك ظلم، والله سبحانه
يقول: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.
فصل [في أفعال الله جل وعلا]
وأفعال الله تعالى أفعال قدرة لا غير، وهي نفس المفعول عرضاً كان
أو جسماً أو فناء.
البصرية، والرذعي، وابن شبيب: بل يحدث الجسم أو يفنيه بعرض.
البصرية: ولا محل له.
ابن شبيب: بل يحل في العالم عند فنائه ويذهب.
أبو الهذيل: بل بقوله: ((كن)).
قلنا: يستلزم الحاجة غليه لإحداث الأجسام، وإن سلم فلا يعقل عرض لا
محل له.
والقول: عبارة عن إنشائه تعالى للمخلوق.
وأفعال العباد أفعال جارحة، وأفعال قلب، وهي أعراض فقط.
الجمهور: والأفعال كلها مبتدأ ومتولد.
أبو علي: لا متولد في أفعال الله تعالى لاستلزامه الحاجة إلى
السبب.
قلنا: لا يستلزم الحاجة غلا حيث كان الله تعالى لا يقدر عليه غلا
به، والله تعالى يقدر عليه ابتداء فهو فاعل مختار، وقوله تعالى:
{وَاللَّهُ الَّذِيْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيْرُ سَحَاباً}.
فصل [في أحكام قدرة العبد]
العدلية: والقدرة غير موجبة للمقدور خلافاص للمجبرة.
لنا: ثبوت الإختيار للفاعل المختار ضرورة، والإيجاب ينافيه.
(1/36)
العدلية: وهي متقدمة
على الفعل.
الأشعرية: بل مقارنة.
قلنا: محال؛ إذ ليس إيجاد أحدهما بالأخرى بأولى من العكس.
العدلية جميعاً: والله تعالى خلق للعباد قدرة يوجدون بها أفعالهم
على حسب دواعيهم وإرادتهم.
الأشعرية: خلق لهم قدرة لا يوجدون بها فعلاً.
قلنا: فلا فائدة غذاً فيها، ولنا: ما مر، وما نذكره الآن إن شاء
الله تعالى.
الصوفية والجهمية: لم يخلق لهم قدرة البتة.
قلنا: إما أن يكون الله تعالى قادراً على أن يخلق لهم قدرة يحدثون
بها أفعالهم أو غير قادر، ليس الثاني؛ لأن الله تعالى: {عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ} وإن كان الأول فقد فعل سبحانه بشهادة ضرورة
العقل، وصريح القرآن حيث يقول: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ
وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} وشهادة كل عاقل عليهم.
قالوا: لو فعل لكان فعل الفاعل منازعة له في سلطانه.
قلنا: ليس فعل العبد منازعة. أما فعل الطاعة والمباح فواضح.
وأما فعل المعصية فهو كفعل عبد قال له سيده: لا أرضاك تأكل البر،
ولا أحبسك عنه، لكن إن فعلت عاقبتك، ففعل العبد ليس نزاعاً؛ لأن
النزاع المقاومة والمغالبة، وهذا العبد لم يقاوم ولم يغالب.
قالوا: سبق في علم الله أن العاصي يفعل المعصية.
قلنا: علمه تعالى سابق غير سائق فلم يناف تمكن العاصي من الفعل
والترك، وإن سلم ما ادعت المجبرة فعلم الله سبحانه ساقه إلى التمكن
إذ هو تعالى عالم أن العاصي متمكن، وذلك إبطال للجبر.
قالوا: لو كان يقدر الكافر على الإيمان لكشف عن الجهل في حقه تعالى
لو فعل والله يتعالى عن ذلك.
(1/37)
قلنا: الله تعالى
عالم بالكفر وشرطه وهو اختياره مع التمكن نم فعله، وبالإيمان وشرطه
وهو اختياره كذلك، فلم يكشف عن الجهل في حقه تعالى كعدم اطلاع
النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أهل الكهف فإنه لم يكشف عن
الجهل في حقه تعالى بعد أن علم أنه لو اطلع عيلهم لولى منهم فراراً
ولملئ منم رعباً، كما أخبر الله تعالى؛ لأنه لا يكشف عن الجهل في
حقه تعالى غلا حيث كان لا يعلم إلا أحدهما.
أئمتنا عليهم السلام والبهشمية: وهي باقية.
البلخي والصيري، والأشعري: بل يجددها الله تعالى عند الفعل.
لنا: حسن ذم من لم يمتثل إذ لو لم تكن حاصلة لم يحسن ذمه كعادم
الآلة.
فرع [في حكم مقدور بين قادرين]
ومقدور بين قادرين متفقين ممكن وفاقاص لأبي الحسين البصري، وخلافاص
لبعض متأخري الزيدية وجمهور المعتزلة.
قلنا: تحريك الجماعة نحو الخشبة حركة واحدة وكسرهم نحو العود كسراً
واحداً لأنكره عاقل.
قالوا: لو أمكن لصح منهما مختلفين فيكون موجوداً معدوماص دفعة،
وذلك محال.
قلنا: لا يلزم اطراده لتضاد العلتين؛ لأن العلة في صحة [المقدور
بين] المتفقين الإتفاق وفي تعذره بين المختلفين الإختلاف، فيجب
الامتناع مع الاختلاف كالفاعل الواحد إذ إيجاده له وإعدامه منه
دفعة محال، ولم يمنع ذلك من فعله أحدهما والفرق تحكم.
ويستحيل إيجاد النقيضين والضدين في محل واحد دفعة خلافاً لبعض
المجبرة.
قلنا: ذلك لا يعقل.
فصل [في الإرادة]
جمهور أئمتنا والبلخي والنظام: وإرادة الله سبحانه لخلقه المخلوق
نفس ذلك المخلقو، ولأمر عباده نفس ذلك الأمر، ولنهيهم نفس ذلك
النهين ولإخبارهم نفس ذلك الخبر.
ووصف الله تعالى بأنه مريد ثابت عقلاً وسمعاً.
أما قعلاً فلأنه خالق رازق آمر، ومثل ذلك لا يصدر من حكيم من غير
إرادة، وما فعله غير المريد فليس بحكمة، والله سبحانه وتعالى حكيم.
(1/38)
وأما السمع فقال
سبحانه: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُوْلَ لَهُ كُنْ
فَيَكُوْنَ}، قوال تعالى: {يُرِيْدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ
وَلاَ يُرِيْدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}.
وكذلك يوصف جل وعلا بأنه كاره عقلاً وسمعاً.
أما العقل: فلأنه الحكيم لا يكره إلا ماكان ضد الحكمة.
وأما السمع: فقال الله سبحانه: {وَلَكِنْ كَرَّهَ اللَّهُ
انْبِعَاثَهُمْ} الآية.
فإرادة الله [تعالى لفعله] إدراكه بعلمه حكمة الفعل، وكراهته جل
وعلا إدراكه بعلمه قبح الفعل، والمعلوم عند العقلاء أن إدراك
المعلوم غير العالم وغير المعلوم، ولا يلزم من ذلك توطين النفس؛
لأن التوطين هو النية، ولا يشك العقلاء أن إدراك المعلوم هو غير
النية.
[وقال] بعض الزيدية وجهمور المعتزلة: بل هي معنى خلقه [الله]
مقارناص لخلق المراد غير مراد في نفسه، ولا محل له.
قلنا: يستلزم الحاجة على الله سبحانه إليه، ونحو العبث حيث لم يكن
مراداً في نفسه،. وعرض لا محل له محال كحركة لا في متحرك.
بعض المجبرة: بل معنى قديم.
قلنا: يستلزم إلهاً مع الله تعالى وقد مر إبطاله، أو توطين النفس،
وذلك يستلزم التجسيم والجهل، وقد مر إبطالهما.
النجارية: بل لذاته.
قلنا: يلزم توطين النفس [(وأن تكون ذاته مختلفة؛ لأن إرادته الصيام
في رمضان خلاف إرادته تركه يوم الفطر؛ لأن التخالف لا يكون إلا بين
شيئين فصاعداً)].
الرافضة: بل حركة لا هي الله تعالى ولا هي غيره.
قلنا: لا واسطة إلا العدم.
الحضرمي: بل حركة في غيره.
قلنا: لا واسطة إلا العدم.
الحضرمي: بل حركة في غيره.
قلنا: إذاً فالمريد غيره تعالى، وإن سلم لزم الحاجة وإن يكون أول
مخلوق غير مراد لعدم وجود غيره [تعالى] حينئذ، وذلك يستلزم نحو
العبث كما مر.
قالوا: لا ينصرف محمد رسول الله صلى الله عليه وآله سولم إلى ابن
عبد الله إلا بإرادة من الله تعالى.
قلنا: لم ننفها إذ هي ما ذكرنا.
العدلية: وللعباد إرادة يحدثونها.
المجبرة: لا.
(1/39)
قلنا: لا ينركها
عاقل، قوال تعالى: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ
سَبِيْلاً} وقال تعالى: {وَيُرِيْدُ الشَّيْطَانَ أَنْ يُضِلَّهُمْ
ضَلاَلاً بَعِيْداً}.
وهي [من العبد] توطين النفس على الفعل أو الترك.
فصل ورضى الله تعالى محبته
والولاية بمعنى المحبة: الحكم باستحقاق الثواب قبل وقته، وإيصاله
إليه في وقته.
والكراهة ضد المحبة، وتحقيقها الحكم باستحقاق العذاب قبل وقته
[وإيصاله إليه في وقته].
والسخط بمعنى الكراهة.
فصل والله تعالى مريد لجميع أفعاله
خلافاً لمن أثبت له تعالى إرادة مخلوقة وغير مرادة.
لنا: ما مر.
ومريد لفعل الطاعات وترك المقبحات.
البلخي: وفعل المباحات؛ لأن فعلها شاغل عن فعل المعصية.
قلنا: ليس بنقيض لها.
وما ورد بصيغة الأمر منها، فإرادة الله تعالى لمعرفة حكمها، وكل
الأحكام معرفتها واجبة كالخبرية.
والله تعالى مريد لأكل أهل الجنة وفاقاص لأبي هاشم وخلافاً لأبيه
إذ هو أكمل للنعمة، وإذ لا خلاف بين لاعقلاء أن الموفر للعطاء من
أهل المرءوة والسخاء يريد أن يقبل المعطى [له] ما وفر إليه، والله
جل وعلا [بذلك] أولى.
العدلية: ولا يريد الله المعاصي خلافاً للمجبرة.
قلنا: إرادته لها صفة نقص، والله يتعالى عنها.
وقال تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيْدُ ظُلْماً لِلْعَبَادِ}.
وقال تعالى: {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ}.
وقال تعالى: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}.
قالوا: مالك يتصرف في مملوكه. وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ
مَا فَعَلُوْهُ}.
قلنا: قولكم: مالك يتصرف في مملوكه. سب لله تعالى حيث نسبتم غليه
صفة النقص؛ لأن من أراد من مملوكه الفساد فقط تحلى بصفة النقص عند
العقلاء، ورد للآيات المتقدمة.
(1/40)
والآية [الأولى]
معناها: ولو شاء لأماتهم قبل فعل المعصية، أو سلب قواهم، أو أنزل
ملائكة تحبسهم، لكنه خلافهم وشأنهم؛ لأن أمامهم الحساب ومن ورائه
العقاب. قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ
تَشْخَصُ فِيْهِ الأَبْصَارَ}.
فصل في بيان معاني كلمات من المتشابه
اعلم أن الهدى بمعنى الدلالة والدعاء إلى الخير قال تعالى:
{وَأَمَّا ثَمُوْدَ فَهَدَيءنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوْا الْعَمَى
عَلَى الْهُدَى}.
وبمعنى زيادة البصرية بتنوير القلب بزيادة في العقل، قال تعالى:
{وَالَّذِيْنَ اهْتَدُوْا زَادَهُمْ هُدَى} ومثله قوله تعالى:
{إِنْ تَتَّقُوْا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً} أي تنويراً
يفرقون به بين الحق والباطل.
وبمعنى الثواب. قال تعالى: {يهديهم ربهم بإيمانهم تجير من تحتهم
الأنهار} أي يثيبهم [ في حال جري الأنهار].
وبمعنى الحكم والتسمية قال الشاعر:
ما زال يهدي قومه ويضلنا ... جهراً وينسبنا الفجار
فيجوز أن يقال: إن الله لا يهدي القوم الظالمين. بمعنى لا يزيدهم
بصيرة لما لم يتبصروا، و لا يثيبهم، أو لا يحكم لهم بالهدى، ولا
يسميهم به.
العدلية: لا بمعنى أنه لا يدعوهم إلى الخير خلافاً للمجبرة.
قلنا: ذلك رد لما علم من الدين ضرورة لدعاء الله الكفار وغيرهم
بإرساله إليهم الرسل، وإنزاله إليهم الكتب، وقال تعالى: {وأما ثمود
فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [وقال تعالى]: روإن من أمة إلا
خلا فيها نذير}.
والضلالة في لغة العرب يكون بمعنى الهلاك. قال تعالى: {وقالوا أئذا
ضللنا في الأرض}.
وبمعنى العذاب. قال تعالى: {إن المجرمين في ضلال وسعر}.
وبمعنى الغواية عن واضح الطريق. ومنه {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ
قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} أي إغواءهم عن طريق الحق.
والإضلال بمعنى: الإهلاك والتعذيب والإواء كما مر، وبمعنى الحكم
والتسمية قال الشاعر: (ما زال يهدي قومه ويضلنا). البيت.
(1/41)
فيجوز أن يقال: إن
الله يضل الظالمين بمعنى: يحكم عليهم بالضلال ويسميهم به لما ضلوا
عن طريق الحق، وبمعنى يهلكهم أو يعذبهم.
العدلية: لا بمعنى يغويهم عن طريق الحق خلافاً للمجبرة.
قلنا: ذلك ذم لله تعالى وتزكية لإبليس وجنوده، وذلك كفر.
والإغواء بمعنى: الصرف عن واضح الطريق.
وبمعنى: الإتعاب، يقال: أغوى الفصيل إذا أتعبه بحبسه عن الماء
واللبن.
و [معنى]: الحكم والتسمية: فيجوز أن يقال: إن الله أغوى الضلال،
بمعنى حكم عليهم وسماهم به لما غووا عن طريق الحق. ويغويهم في
الآخرة بمعنى: يتعبهم جزاء على أعمالهم.
العدلية: لا بمعنى صرفهم عن طريق الحق، خلافاً للمجبرة.
قلنا: ذلك ذم لله تعالى، وتزكية لإبليس [كما مر].
والفتنة في لغة العرب: بمعنى المحنة كما قال صلى الله عليه وآله
وسلم: ((سيأتي من بعدب فتن متشابهة كقطع الليل المظلم، فيظن
المؤمنون أنهم هالكون عندها، ثم يكشفها الله [تعالى] بنا أهل
البيت..)) الخبر.
و [بمعنى]: الإختبار، قال [الله] تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا
الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الَّذِيْنَ صَدَقُوْا}
الآية. أي أختبرناهم بالتكاليف والشدائد.
وبمعنى الإضلال عن طريق الحق. قال تعالى: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ
بِفَاتِنِيْنَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيْمِ}.
وبمعنى: العذاب. قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ
يُفْتَنُوْنَ}.
فيجوز أن يقال: فتن الله المكلفين. بمعنى اختبرهم بالتكاليف
والشدائد.
ويفتن المسخوط عليهم بمعنى: يعذبهم.
العدلية: لا بمعنى يضلهم عن طريق الحق. خلافاً للمجبرة.
قلنا: ذلك صفة نقص وذم لله تعالى، وتزكية لإبليس كما مر.
تنبيه [معنى الاختبار والابتلاء من الله سبحانه]
اعلم أن من الناس نم يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به،
وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة.
(1/42)
ومن الناس مثل ماقال
تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّوْنَ
كَثِيْرٌ فَمَا وَهَنُوْا لِمَا أَصَابَهُمْ}.
فشبه [الله تعالى] الإمتحان لتمييز صادق الإيمان من المتلبس به على
حرف بالإختبار، فعبر الله تعالى عنه بما هو بمعناه من نحو قوله
تعالى: {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} لا أنه تعالى اختبرهم اختبار
الجاهل.
[معنى الطبع والختم]
والطبع والختم بمعنى: التغطية، وبمعنى: العلامة.
العدلية: ولا يجوز أن يقال: إن الله تعالى ختم على قلوب الكفار
وطبع بمعنى غطى. خلافاً للمجبرة.
قلنا: أمرهم ونهاهم عكس من لم يعقل نحو المجانين؛ إذ خطاب من لم
يعقل صفة نقص، واله سبحانه يتعالى عنها.
بعض العدلية: ويجوز بمعنى جعل علامة.
وفيه نظر؛ لأنها إن كانت للحفظة عليهم اسلام، فأعمال الكفار أوضح
منها، مع أنهم [عليهم السلام] لا يرون ما واراه اللباس من العورة،
كما ورد أنهم يصرفون أبصارهم عند قضاء الحاجة، فبالأحرى أنهم لا
يرون القلب. والله [تعالى] غني عنها؛ لأنه عالم الغيب والشهادة:
{لا يعزب عنه شيء}.
فالتحقيق أنه عبارة عن سلب الله تعالى إياهم تنوير القلوب الزائد
على العقل الكافي؛لأن من أطاع الله تعالى نور الله قلبه. كماق ال
الله تعالى: {وَمَن ْيُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}، وقال
تعالى: {وَالَّذِيْنَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدَى وَآتَاهُمْ
تَقَوَاهُمْ}، وقال تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ
لَكُمْ فُرْقَاناً} أي تنويراً كما مر، ومن عصى الله [سبحانه] لم
يمده بشيء من ذلك ما دام مصراً على عصيانه.
فشبه الله سبحانه سلبه إياهم ذلك التنوير بالختم والطبع.
[معنى الغشاوة والوقر والحجاب]
(1/43)
وأما قوله تعالى:
{وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً} وقوله تعالى حاكياً: {وَفِيْ
آذضانشنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكِ حِجَابٌ} فتشبيه
لحالهم حيث لم يعملوا بمقتضى ما سمعوا وأبصروا، ولا بنصيحة الرسلو
صلى الله عليه وآله وسلم بمن في أذنيه وقر فلا يسمع من دعاه، وعلى
بصره غشاوه فلا يبصر شيئاً، وبمن بينه وبين الناصح حجاب لا تبلغ
إليه نصيحته مع ذلك الحجاب.
والتزيين: التحسين.
العدلية: والله [تعالى] لا يزين المعاصي خلافاً للمجبرة.
قلان: تزيين القبيح صفة نقص، والله يتعالى عنها.
قالوا: قال تعالى: {كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ
عَمَلَهُمْ}.
قلنا: المراد من الآية عملهم اللائق لهم، وهو المفروض والمندوب
زينه الله تعالى بالوعد بالثواب والسلامة من العقاب، فلم يقبلوا
إلا ما زينه الشيطان من المعاصي كما قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ
لَهُمُ الْشَّيْطَانَ أَعْمَالَهُمْ}، أي التي عملوها [من
المعاصي].
[معنى القضاء]
والقضاء بمعنى الخلق. قال تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ}.
وبمعنى: الإلزام، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوْا
إِلاَّ إِيَّاهُ}، وبمعنى الإعلام، قال تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى
بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ فِيْ الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ
مَرَّتِيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيْراً}، فيجوز أن يقال:
الطاعات بقضاء [من] الله، بمعنى إلزامه لا بمعنى خلقها. خلافاً
للمجبرة.
قلنا: صحة الأمر بها والنهي عن تركها ينافي خلقه [تعالى] لها
ضرورة، وأيضا هي تذلل، فيلزم أن يجعلوا الله متذللاً، وذلك كفر.
العدلية: ولا المعاصي بمعنى خلقها بقدرته، أو ألزم بها خلافاً
للمجبرة.
لنا ما مر.
[معاني القدر]
والقدر بمعنى: القدرة والإحكام. قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ
خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.
وبمعنى: العلم. قال تعالى: {وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرِ مَا
يَشَاءُ}.
(1/44)
وبمعنى: القَدر، قال
تعالى: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا}.
وبمعنى: الإعلام. قال العجاج:
والعم بأن ذا الجلال قدر ... في الصحف الأولى التي كان سطر
وبمعنى الأجل. قال تعالى: { إلى قدر معلوم}.
وبمعنى الحتم. قال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدْرًا
مَقْدُوْراً} فيجوز أن يقال: الواجبات بقدر الله بمعنى حتمه.
العدلية: لا بمعنى خلقها بقدرته، خلافاً للمجبرة.
لنا ما مر.
العدلية: ولا المعاصي. بمعنى خلقها بقدرته، أو حتمها خلافاً
للمجبرة.
لنا ما مر.
وقدَّر مشدداً بمعنى: خلق. قال: {وَقَدَّرَ فِيْهَا أَقْوَاتَهَا}.
وبمعنى: أحكم. قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ
تَقْدِيْراً}.
وبمعنى: بين. يقال: قدر القاضي نفقة الزوجة. أي بينها.
وبمعنى: قاس وماثل. يقال: قدرت ذا على ذاك، أي قسته به وجعلته
مثله.
وبمعنى: فرض. يقال: قدر ما شئت. أي افرض وأوجب.
فيجوز أن يقال: إن الله تعالى قدر الطاعة بمعنى: فرضاه، وقدر
الطاعة والمعصية بمعنى بينهما.
العدلية: لا بمعنى خلقهما خلافاً للمجبرة.
لنا مر.
فرع [في بيان القدرية]
والقدرية: هم المجبرة؛ لأنهم يقولون: المعاصي بقدر الله، ونحن ننفي
ذلك.
والنسبة في لغة العرب من الإثبات لا من النفي، كثنوي لمن يثبت
إلهاً ثانياص مع الله لا لمن ينفيه، ولأنهم يلهجون به.
ولما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المجوس: ((أن رجلاً
من فارس جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوال: رأيتهم
ينكحون أمهاتهم وبناتهم وأخواهم، فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟
قالوا: قضاء الله وقدرته. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أما إنه
سيكون من أمتي قوم يقولون مثل ذلك) )). وقال صلى الله عليه وآله
وسلم: (القدرية مجوس هذه الأمة) ولا يشبههم أحد من الأمة غيرهم.
فصل [في الدلالة على أن الله عدل حكيم]
العدلية: والله تعالى عدل حكيم، لا يثيب أحداً إلا بعمله، ولا
يعاقبه إلا بذنبه.
(1/45)
المجبرة: [بل] يجوز
أن يعذب الأنبياء ويثيب الأشقياء.
قلنا: من أهان وليه وأعز عدوه فلا شك في سخافته. والله سبحانه
يتعالى عن ذلك.
وأيضاً ذلك شك في آيات الوعد والوعيد، والله سبحانه يقول: {لاَ
رَيْبَ فِيْهِ} فهو رد لهذه الآية.
وقال قوم: يعذب الله أطفال المشركين لفعل آبائهم.
قلنا: ذلك ظلم {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} وقال تعالى:
{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.
فصل [في بيان الحكمة من خلق المكلفين]
والله تعالى متفضل بإيجاد الخلق مع إظهار الحكمة.
العدلية: خلق الله المكلف ليعرضه على الخير.
المجبرة: [بل] للجنة أو النار.
لنا: قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ
لِيَعْبُدُوْنِ} الاية.
وإلزامه تعالىلهم عبادته عرض على الخير الذي هو الفوز بالجنة
والنجاة من النار إذ لا يكون لأحد من المكلفين إلا لمن عبده تعالى
لما يأتي إن شاء الله تعالى.
قالوا: قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} الآية.
قلنا: اللام فيه للعاقبة، كقوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون
لهم عدواً وحزناً}.
العدلية: وخلق الله غير المكلف: الجمادات لنفع الحيوان مجرداً عن
اعتبار لغير العقلاء، ومعه للعقلاء.
وسائر الحيوان غير المكلف ليتفضل عيله. وفي كل حيوان اعتبار.
وإباحة الله بعض الحيوان لبعض نحو المذكيات، والتخلية: حسنة لما
كانت لمصالح لها [يعلمها الله تعالى]، فهي كالفصد.
فصل [في الآلام ونحوها]
والألم من فعل فاعل.
الطبائعية بل الألم من الطبع.
قلنا: لا تأثير لغير الفاعل، كما مر.
ويحسن من الله تعالى لغير المكلف لمصحلة يعلمها الله سبحانه منه.
أبو علي وأصحاب اللطف: يحسن من الله تعالى له للعوض فقط.
المهدي عليه السلام، وجمهور البصرية: لا يحسن إلا مع اعتبار؛ إذ
يمكن الابتداء بالعوض من دون ألم.
(1/46)
قلنا: قد ثبت لنا أن
الله تعالى عدل حكيم، ومن حكمته تعالى أ[نه] لا ينزل الألم إلا
لمصلحة لذلك المؤلم غير العاصي، وذلك تفضل عند العقلاء.
عباد بن سليمان: لاعتبار الغير فقط.
قلنا: ذلك ظلم [عند العقلاء] {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}.
وإيلام المكلف المؤمن لاعتبار نفسه فقط؛ إذ هو نفع كالتأديب،
ولتحصيل سبب الثواب فقط، كما يأتي إن شاء الله تعالى، ولحط الذنوب
فقط وفقاقاً للزمخشري في حط الصغائر؛ إذ هو دفع ضرر كالفصد، ويؤيده
مافي الحديث [عنه صلى الله عليه وآله وسلم]: (من وعك ليلة كفر الله
عنه ذنوب سنة) أو كما قال.
وفي النهج: (فإن الالام تحط الأوزار وتحتها كما تحت أوراق الشجر)
أو كما قال.
ولمصلحة له يعلمها الله سبحانه وتعالى كما مر، ولمجموعها لجميع ما
مر.
والأدلة السمعية على أن الألم في حق المؤمن لحط الذنوب فقط. كقوله
صلى الله عليه وآله وسلم: (من وعك ليلة) الخبر ونحوه حتى تواتر
معنى.
وكقول الوصي عليه السلام: (جعل الله ما تجد من شكواك حطا لسيئاتك)
إلى قوله بعليه السلام] (وإنما الجزاء على الأعمال) أو كما قال،
وهو توقيف.
وله على الصبر عليه والرضاء به ثواب لا حصر له؛ لأنهما عمل لقوله
تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُوْنَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ
حِسَابٍ} وقوله تعالى: {الَّذِيْن إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيْبَةٌ
قَالُوْا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ أُوْلَئِكَ
عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} الآية.
ويمكن أن يكون إيلام من قد كفر الله [عنه] جميع سيئاته كالأنبياء
صلوات الله عليهم تعريضاً للصبر على الألم والرضا فقط؛ إذ هو حسن
كالتأديب.
وإيلام أهل الكبائر تعجيل عقوبة فقط. وقيل: لا عقاب قبل الموافاة.
لنا: قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَتْكُمْ مِنْ مُصِيْبَةٍ فِبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيْكُمْ}.
(1/47)
ولا خلاف [في] أن
الحد عقوبة ولقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ
مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ} ونحوه.
ولاعتبار نفسه فقط، كما مر في حق المؤمن، ولقوله تعالى: {أَوَلاَ
يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُوْنَ فِيْ كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ
مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يتُوْبُوْنَ وَلاَ هُمْ يَذْكُرُوْنَ}.
ولمجموعهما إلا للعوض خلافاً لرواية المهدي عليه السلام عن
العدلية.
لنا: قوله تعالى: {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا} و
[قوله تعالى]: {وَلاَ يَدْخُلُوْنَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ
الْجَمَلُ فِيْ سَمِّ الْخِيَاطِ} فلا عوض حينئذ.
المجبرة: يحسن خالياص عن جيع ما ذكر.
قلنا: ذلك ظلم {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}.
ويحسن من العبد إما عقوبة كالقصاص، أو لظن حصول منفعة كالتأديب.
أو لدفع مضرة [أعظم] كالفصد والحجامة. أو لإباحة الله تعالى كذبح
الأضاحي.
فصل [في الآلام التي تقع من العبد]
الهادي عليه السلام: وما وقع من المكلف عدواناً ولم يتب زيد في
عذابه بقدر جنايته، وأخبر المجني عليه بذلك، فإن كان مؤمناً أثيب
على صبره.
قلت وبالله التوفيق: ويحط بالألم من سيئاته لسبب التخلية، ولقول
الوصي عليه السلام: (فأما السب فسبوني فهو لي زكاة) أي تطهرة، أي
كفارة.
وإن كان ذا كبيرة فلا يزاد على إخباره لانحباط العوض بمنافاته
العقاب لما مر.
ويمكن أن يجعله الله بتعالى تعجيل ببعض عقوبة [في حقه] فلا يخبر.
كما فعل الله تعالى ببني إسرائيل حين سلط عليهم بخت نصر، فقال
تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُوْلاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْهِمْ
عِبَاداً لَنَا أُوْلِيْ بَأْسٍ شَدِيْدٍ فَجَاسُوْا خِلاَلَ
الْدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُوْلاً} ونحوها.
وإن كان غير مكلف فلمصلحة يعلمها الله تعالى كما مر تحقيقه
للتخلية، ولعدم إعواض الجاني، كما مر.
المهدي عليه السلام عن العدلية: لا بد من آلام يستحق بها العوض
فيعطى المجني عليها منها.
(1/48)
لنا ما مر من أنه لا
عوض لصاحب الكبيرة.
قالوا: الذي من الله تفضل لا إنصاف.
قلناك قد حصل الإنصاف بزيادة العذاب كالقصاص، فإن تاب جاز أن يقضي
الله عنه كما لا يعاقبه، وجاز أن يقضي الله من أعواضه إن جعل له
أعواضاً، أو من أحد نوعي الثواب، وهو النعيم دون التعظيم.
جمهور المعتزلة: لا يجوز إلا من أعواضه كما لا يسقط الأرش بالعفو
عن الجاني.
البلخي: لا يجوز إلا الأول، كمالا يعاقبه.
قلت وبالله التوفيق: لا مانع نم تفضله بالقضاء كالمتفضل بقضاء
الأرش، وقد حصل الإنصاف لأنه من الجناية، ولا موجب مع وجود ما
يقضي.
وإن كان الجاني غير مكلف فللمجني عليه ما مر من التفصيل لسلبها
العقول المميزة من التخلية والتمكين كالإباحة.
وجناية المؤمن خطأ كجناية التائب. وجناية ذي الكيبرة خطأ كما مر،
ولا عقاب عليه بسببها لعموم أدلة العفو عن الخطأ.
فصل [في أحكام العوض]
جهمور أئمتنا عليهم السلام وأبو الهذيل، وأحد قولي أبي علي وغيرهم:
ويدوم العوض خلافاً لبعض أئمتنا عليهم السلام والبهشمية.
قلنا: انقطاعه يستلزم تضرر المعوض أو فناءه، وحصول أيهما بلا عوض
لا يجوز على الله تعلا، وبعض [آخر] يستلزم ذلك أن تكون الآخرة دار
امتحان وبلاء، لا دار جزاء فقط. والإجماع على خلاف ذلك.
فإن قيل: يتفضل الله [عليه] بعد انقاطه.قلنا: قد استحق بوعد الله
الذي لا يبدل القول لديه إن يبعث للتنعم؛ فلا وجه لتخصيص العضو
بجعل بعضه مستحقاً وبعضه غير مستحق.
فصل [في الآجال وحقيقتها]
والأجل: وقت ذهاب الحياة وهو واحد إن كان ذهابها بالموت اتقاقاً.
بعض أئمتنا عليهم السلام، والبغدادية: وأجلان إن كان ذهابها بالقتل
خرم، وهو الذي يقتل فيه. ومسمى وهو الذي لو سلم من القتل لعاش
قطعاص حتى يبلغه، ويموت فيه.
بعض أئمتنا عليهم السلام، وبعض شيعتهم، والبهشمية: يجوز ذلك قبل
وقوع القتل لا بعده، إذ قد حصل موته بالقتل.
المجبرة: لا يجوز قبله ولا بعده البتة.
(1/49)
لنا: قوله تعالى:
{وَلَكُمْ فِيْ الْقِصَاصِ حَيَاةِ} وهو نص صريح يفيد القطع بأن
القتل خرم، إذ لو ترك المقتول خشية القصاص لعاش قطعاً، ولو ترك
المقتص منه لتركه القتل الموجب للقصاص لعاش قطعاً، كام أخبر الله
تعالى في قصة قتل الخضر عليه السلام الغلام؛ لأنه لو لم يقتله لعاش
قطعاً حتى يرهق أبويه طغياناً وكفراًن كما أخبر الله تعالى.
وأيضاص لو لم يكن إلا أجلاً واحداً لزم أن لا ضمان على من ذبح شاة
الغير عدواناص إذ أحلها له، فهو محسن عند المجبرة غير آثم للقطع
بالإحسان، وآثم عند غيرهم بالإقدام غير ضامن لانكشاف الإحسان.
قالوا: يلزم آجال.
قلنا: لا دليل على غيرهما، فلا يلزم.
المجبرة: يكشف عن الجهل في حق الله تعالى؛ إذ قطع القاتل أجله.
قلنا: لا، لأن الله سبحانه عالم بالبقاء وشرطه وهو ترك الجناية
والقتل، وشرطه وهو حصول الجناية، فلم شكف عن الجهل في حقه تعالى
إلا لو كان لا يعلم إلا البقاء وشرطه فقط.
ألا ترى أن قتل الخضر [عليه السلاٍم] الغلام لم يكشف عن الجهل في
حقه تعالى حيث علم أنه يرهق أبويه طغياناً وكفراً لو تركه الخضر
عليه السلام.
قالوا: قال الله تعالى: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِيْ بِيُوْتِكُمْ
لَبَرَزَ الَّذِيْنَ كَتَبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى
مَضَاجِعَهَمْ}.
قلنا: معنى الآية: الشهادة] للقتلى رحمهم الله بصدق إيمانهم،
وبامتثالهم لأمر الله [تعالى]، أي: لو كنتم أيها المنافقون في
بيوتكم متخلفين، وعن الحرب مثبطين لم يكن القتلى من المؤمنين رحمهم
الله تعالى [بمختلفين] مثلكم اقتداء بكم، ولا سامعين لكم أن
تثبطوهم بدليل أول الكلام، وهو قوله تعالى حاكياً عنهم: {لَوْ
كَانَ لَنَا مَنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتَلْنَا هَاهُنَا}.
فصل [في بيان الروح ومعناها]
(1/50)
والروح: أمر استأثر
الله تعالى بعلمه لقوله تعالى: {قُلِ الرُّوْحَ مِنْ أَمْرِ
رَبِّيْ وَمَا أُوْتِيْتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيْلاً}لا
يكون الحيوان حياً إلا معه.
وادعاء معرفة حقيقته قريب من دعوى علم الغيب لفقد الدليل إلا
التخيل، فاكتساب أقوال الخائضين فيها ارتواء من آجن، واستكثار من
غير طائل، والله تعالى يقول: {وَلاَتَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ
عِلْمٌ} ويقول عز وجل في مدح المؤمنين: {وَالَّذِيْنَ هُمْ عَنِ
اللَّغْوِ مُعْرِضُوْنَ} وكذلك القول في كثير من مسائل فن اللطيف،
ونحو مساحة الأرض.
فصل [في ذكر الفناء والعدم]
أئمتنا عليهم السلام والجمهور: ويفني الله العالم ويعدمه.
الجاحظ والملاحمية وبعض المجبرة: محال.
قلنا: كذهاب المصباح والسحاب، فليس بمحال، وقوله تعالى: {هُوَ
الأَوَّلُ وَالآخِرُ}.
وفي النهج: (كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت
ولا مكان) إلى قوله عليه السلام: (ولا شيء إلا الله الواحد
القهار). ووجه حسنه التفريق بين دار الامتحان، ودار الجزاء.
فإن قيل: لم لم يكن الجزاء في الدنيا؟
قلت وبالله التوفيق: لعلم الله تعالى أن أكثر العصاة لا يوقنون به
تعالى، فلو أنه تعالى عاقبهم من غير خلق ما يعلمون به ضرورة أن ذلك
عقوبة لم يعرفوا كون ذلك عقوبة، وإنما يعدونه من نكبات الدهر كما
يزعمون، وأن أكثر الممتحنين لو وزئوا مع عدم مثل ذلك لم يعلموا
ضرورة أن الواصل إليهم جزاء بل يحصل التجويز أنه من سائر التفضلات،
ومع عدم كشف الغطاء بخلق ذلك إثبات لحجة الأشقياء بعلى الله تعالىي
لانتفاء الفرق عندهم بين من يخافه تعالى بالغيب، وبين من لا يخافه
إلا عند مشاهدة العذاب، فيقولون: تبنا كالتائبين، وأطعناك
كالمطيعين.
(1/51)
ومع الفاء ثم البعث
يعلمون علماً بتّاً لأجل فنائهم وإعادتهم أن الله حق. قال وأن
الواصل غليهم جزاء قطعاً؛ لإخبار الله تعالى إياهم بذلك في الدنيا
على ألسنة الرسل، ولإخبارهم أيضاً في الآخرة به، فيكون أعظم حسرة
على العاصين، وأتم سروراص للمثابين مع انتفاء حجة الأشقياء على
الله؛ لأن الآخرة دار جزاء لا دار عمل.
والله تعالى أعلم.
فصل [في يبان الرزق]
العدلية: والرزق الحلال من المننافع والملاذ.
المجبرة: بل والحرام.
قلنا: نهى الله تعالى عن تناوله والانتفاع به، فهو كما لا يتناول
ولا ينتفع به، وهو ليس برزق اتفاقاً.
وأيضاً لم يسم الله تعالى رزقاً إلا ما أباحه به دون ما حرمه، قال
[الله] تعالى: {تَتَّخِذُوْنَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً}.
المسلمون: وما ورد الشرع بتحريمه فلا يحل تناوله.
الإباحية: بل يحل كلما علم من الدين تحريمه من الأموال والفروج،
وقتل النفس بغير حق وغير ذلك.
المزدكية والصوفية: بل كلما علم من الدين تحريمه من الأموال
والفروج وغير ذلك إلا القتل.
قالوا: لأن الملا مال الله والعبد عبد الله، وتناول النكاح محبة
لله لحلوله تعالى في المنكوح. تعالى الله عن ذلك.
لنا: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} الآية
ونحوها.
وقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوْا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ
بِالْبَاطِلِ}.
وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوْا الْزِّنَا}[الآية] ونحوها.
وما ورد في قوم لوط. وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوْا النَّفْسَ
الَّتِيْ حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ}.
وهم يتأولون هذه الآيات على ما يحبون ويطابق هواهم، وإن كان الكلام
لا يحتمله؛ لأنهم باطنية لا يتقلدون بشيء من الشرائع، نحو تأويلهم
قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) بأن
الولي: الذكر، وشاهدي العدل: الخصيتان، على ماهو مقرر في كتبهم،
وذلك رد لما علم نم الدين ضرورة، فهو تكذيب لله [تعالى] ورسوله.
(1/52)
المسلمون: وما حيز من
مباح، أو بكسب مشروع نحو الشراء فهو ملك من حازه بذلك.
المطرفية: لا ملك لعاص.
لنا: الآيات نحوقوله تعالى: {وَيَجْعَلُوْنَ لِمَا يَعْلَمُوْنَ
نَصِيْباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} الآية والإجماع.
فرع
والرازق هو الله تعالى؛ لأنه الموجد للرزق والواهب له.
العدلية: وقد يطلق على نحو الواهب من البشر لكونه مبيحاً للموهوب
خلافاً للمجبرة.
لنا: قوله تعالى: {فَارْزُقُوْهُمْ مِنْهُ}.
فصل والتكسب جائز.
الحشوية، وتدليس الصوفية: لا يجوز لمنافاته التوكل.
وتحقيق مذهب الصوفية: بل لأن إباحته أغنته عن المشقة.
قلنا: التكسب لم يناف التوكل سيما مع المخاطرة به في القفار، وعلى
متون أمواج البحار.
وأدلة تحريم أموال الناس لا ينكرها إلا كافر.
فصل [في الأسعار]
والسعر: قدر ما يباع به الشيء، فإن زاد على المعتاد فغلاء، وإن نقص
منه فرخص، وقد يكونان بسبب من الله تعالى حيث أنعم بزيادة الخصب في
الرخص، وحيث امتحن بزيادة الجدب في الغلاء، وبسبب من الخلق حيث جلب
التجار من موضع خصب إلى أخصب منه في الرخص، وحيث تغلب بعض الظلمة
على [أكثر] الحبوب ومنعها في الغلاء.
الحشوية والمجبرة: بل الكل من الله تعالى.
قلنا: ورد النهي عن الإحتكار وعن بيع الحاضر للبادي لأجل ذلك.
فصل [في التكليف ووجه حسنه]
والتكليف لغة: تحميل ما يشق. واصطلاحاً: البلوغ والعقل. وشرعاً:
تحميل الأحكام.
ووجه حسنه كونه عرضاً على الخير كمامر، وكذلك الزيادة فيه من إمهال
إبليس والتخلية وإنزال المتشابه، وتفريق آيات الأحكام الخمسة،
وإبقاء المنسوخ مع بقاء الناسخ، ونحو ذلك؛ لأنها عرض على استكثار
الثواب وهو حسن.
المسلمون: ولم يكلف الله سبحانه وتعالى إلا ما يطاق.
الأشعري: بل كلف الله أبا جهل ما لم يطق حيث أمره أن يعلم ما جاء
به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالإيمان معاً، ومع جملة ما جاء
به النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإخبار بأنه كافر.
(1/53)
فإعلامه به تكليف،
ويلزم التكليف بلازمه، وهو الكفر مع الإيمان، والجمع بينهما لا
يطاق.
والجواب والله الموفق: أن كفر أبي جهل [لعنه الله تعالى] سبب
للإعلام بأنه كافر ضرورة، لا أن ذلك الإعلام سبب لحصول كفره، وإذا
لم يكن الإعلام سبباً لم يلزم التكليف بالكفر.
وأيضاً فإنا نقول: لم يكلف أبو جهل بالعلم بأنه كافر لحصوله عنده
بسبب كفره؛ إذ تحصيل الحاصل محال، وكذلك أمر الحكيم به محال.
فثبت أنه لم يكلف إلا بالإيمان فقط مع أن ما ذكره الأشعري رد لقوله
تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}.
فصل واللطف:
تذكير بقول أو غيره حامل على فعل الطاعة، أو ترك المعصية.
والإلتطاف: العمل بمقتضاه.
والخذلان: عدم تنوير القلب بزيادة في العقل الكافي، مثل تنوير قلوب
المؤمنين كما مر.
والعصمة: رد النفس عن تعمد فعل المعصية، أو ترك الطاعة مستمراً
لحصول اللطف والتنوير عند عروضهما.
المهدي عليه السلام وابو هاشم: ويجوز كون فعل زيد لطفاً لعمرو.
ويجوز تقدم اللطف بأوقات كثيرة، لوو قبل بلوغ التكليف ما لم يصر
[ذلك] في حكم المنسي خلافاً لأبي علي.
لنا: حصول الإلتطاف بالمواعظ وهي فعل الغير، وبأموات القرون
الماضية وتهدم مساكنهم، وهي متقدمة.
فصل [في أحكام اللطف]
وما يفعله الله تعالى قطعاً لا يقال: بأنه واجب عليه تعالى لإيهامه
التكليف، ولأن الطاعات شكر لما يأتي إن شاء الله تعالى. والثواب
تفضل محض.
ولأن خلقه للحيوان كإحضار قوم محتاجين إلى الطعام، وإعاده للجزاء
كنصب مائدة سنية وامتحانهم كجعل الطريق إليها، وتمكين المكلف
كتيسير تلك الطريق، وفعل الألطاف كنصب العلامات كي لا يسلك غيرها،
وإسرال الرسل كالناء إليها، وقبول توبة التائبين كإعتاب من أباها.
فكما أن فعل ذلك تفضل في العقل فكذا هذه.
(1/54)
وأما التناصف فهو بعد
كون ثبوت التخلية من الإمتحان مزيد تفضل مححض؛ لأن الإمتحان تفضل
كما مر فهي حسنة كالفصد، ولا شيء على الفاصد ضرورة غير الفعل
المطلوب منه إذا كان بصيراً؛ لأنه محسن عند العقلاء و {مَا عَلَى
الْمُحْسِنِيْنَ مِنْ سَبِيْلٍ}.
بعض المعتزلة [وغيرهم]: بل يجب على الله تعالى بعضهم جميع ما ذكر،
وبعضهم: بل بعضه.
لنا: ما مر.
قالوا: قال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الْرَّحْمَةَ}.
قلنا: شبه تعالى فعله لرحمته [بعباده الواسعة لكل شيْء] بفعل
الواجب المكتوب لما كان تعالى لا يخلفه البتة فعبر عنه بكلمة:
{كتب} كقوله تعالى: {وِإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ
عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِياًّ}، وهو غير واجب عليه تعالى
اتفاقاً.
كتاب النبوَّة
هي: وحي الله إلى أزكى البشر عقلاً وطهارة من [ارتكاب] القبائح،
وأعلاهم منصباً بشريعة.
والرسالة لغة: القول المبلغ. وشرعاً: كالنبوة. إلا أنه يقال في
موضع بشريعة: لتبليغ شريعة لم يسبقه بتبليغ جميعها أحد.
فصل
الهادي عليه السلام، وأهل اللطف: ويجب على كل مكلف عقلاً أن يعلم
أنه لا بد من رسول.
الهادي عليه السلام: لينبيئ عن الله سبحانه ببيان أداء شكره بما
شاء من الشرائع، على ما من به نم النعم، ويميز بذلك من يشكره ممن
لا يشكره؛ إذ قد ثبت أنه تعالى ليس بجسم فامتنع أن يلقي جل وعلا
مشافهة، والحكيم لا يترك ما شأنه كذلك هملاً.
قلت وبالله التوفيق: وكذا يأتي على أصل قدماء العترة عليهم السلام.
أهل اللطف: بل لأنه يجب على الله تعالى الأصلح.
قلنا: لا واجب على الله تعالى كما مر.
المهدي عليه السلام، وبعض صفوة الشيعة، وكثير من المعتزلة: لا يجب
لأن الشرائع الطاف في العقليات.
والشكر: الإعتراف فقط.
لنا: قوله تعالى: {اعْمَلُوْا آلَ دَاوُدَ شُكْراً} الآية، ونحوها،
وإجماع أهل اللغة على أنه: قول باللسان واعقتاد بالجنان، وعمل
بالأركان. في مقابلة النعمة.
(1/55)
قالوا: قال [الله]
تعالى: {إِنَّ الْصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَرِ} فدل على أنها ألطاف في العقليات.
قلنا: بل هي سبب التنوير الذي أراده تعالى بقوله: {إن تتقوا الله
يجعل لكم فرقاناً} أي تنويراً، تفرقون به بين الحق والباطل، فهي
كالناهي لما كانت سبباً لحصول التنوير الزاجر عن ارتكاب القبائح،
وذلك لم يخرجها عن كونها شكراً لله تعالى.
قالوا: وردت الشرائع على كيفيات مخصوصة، ولا يقتضي ذلك نعمة السيد
على عبده.
قلنا: بل تقتضي الإمتثال بفعلها ومطابقة مراجه بتأديتها، ولذلك
وجبت، فلو كانت لطفاً لم تجب؛ لأن الحكيم لا يوجب مالا يجب.
قالوا: قد ثبت أنه لا يجوز العقاب ابتداء على الإخلال بها اللازم
من شرعيتها.
قلنا: إنما لم يجز حيث لم يكن مأموراً بفعلها، فلم يخل بالإمتثال
كما أن العبد إذا أخل بما لم يأمره به سيده لم يكن مخلاً
بالإمتثال.
وأيضاً وردت السرل صلوات الله عليهم مع مقارنة التخويف فلو كانت
ألطافاً كذلك لقبح التخويف؛ لأن الألطاف ليست بواجبة، إذ التخويف
لا يكون إلا على واجب.
قالوا: إنما اقترنت بالتخويف لتجويز الجهل ببعض المصالح.
قلنا: لم تخبر به الرسل، وإن سلم لزم القول بوجوب العلم على كل
مكلف أنه لا بد نم رسول كقولنا؛ لينبئ عن الله تعالى بذلك المجهول
إذا كان واجباً؛ إذ لم يعرف إلا بإخبار الرسل، والحكيم لا يترك ما
شأنه كذلك هملاً، وإلا لقبح حيث لم يكن واجباً [كما مر].
ولا خلاف في حسنها بين الأمة.
البراهمة: بل قبيحة غذ العقل كاف.
قلنا: لا يهتدي إلى امتثال أمر المنعم إلا بها.
فصل في بيان معنى النبي والرسل
القاسم والهادي عليهما السلام وغيرهما: والنبي أعم من الرسول؛ لأن
الرسول من أتى بشريعة جديدة من غير واسطة رسول. خلافاً للمهدي عليه
السلام والبلخي.
لنا قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُوْلٍ
وَلاَ نَبِيءٍ} فعطف العام على الخاص، إذ ذلك يقتضي المغايرة.
(1/56)
المهدي عليه السلام
والبصرية، وهو ظاهر كلام القاسم عليه السلام: ويصح أن يكون النبي
نبياً في المهد.
البلخي: لا يصح.
قلت: وهو الأقرب لأن النبوة تكليف، ولا تكليف على من في المهد لعدم
التمييز والقدرة، غلا أن يجعلها الله سبحانه له فلا بأس؛ لأن الله
سبحانه على كل شيء قدير.
فصل في ذكر الملائكة
والملائكة صلوات الله عليهم أفضل من الأنبياء عليهم السلام.
الأشعرية وغيرهم: بل الأنبياء أفضل [من الملائكة].
لنا: قوله تعالى: {لاَ يَعْصُوْنَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ
وَيَفْعَلُوْنَ مَا يُؤْمَرُوْنَ}، ولا شك في خطايا الأنبياء صلوات
الله عليهم.
وقوله تعالى [حاكيا]: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ
الْشَّجَرَةَ إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَا مَلَكَيْنِ} وقوله تعالى:
{لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيْحَ أَنْ يَكُوْنً عَبْداً لِلَّهِ
وَلاَ الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَرَّبُوْنَ}.
وبيان الإستدلال بها أن ذلك ترق من درجة إلى درجة أعلى منها، يعرف
ذلك العالم ولا من هو أعظم منه.
ونبينا صلوات الله عليه أفضل من سائر الأبنياء صلوات الله عليهم
لأدلة لا يسعها هذا الكتاب منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:
(أنا سيد ولد آدم ولا فخر).
فصل [في ذكر المعجز وحقيقته]
والمعجز: ما لا يطيقه بشر، ولا يمكن التعليم لإحضار مثله ابتداء،
سواء دخل جنسه في مقدورنا كالكلام أم كحنين الجذع.
ولا يصح نبي بلا معجز خلافاً للحشوية.
قلنا: المعجز شاهد بصدقه، وإذا عدم الشاهد لم يحصل التمييز بين
النبي الصادق الأمين، وبين نحو مسيلمة اللعين.
والله تعالى عدل حكيم لا يلبس خطابه بالهراء والإفتراء.
بلى يجوز أن يشهد على نبوته نبي قبله لحصول الشهادة على صدقه.
(1/57)
وشرطه، إما أن يدعيه
النبي قبل حصوله، ويقع على حسب دعواه نحو قوله [تعالى] حاكياً:
{أَوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِيْنٍ}. أو كان معرفاً بالنبوة
كخبر الثعلب، وإلا فهو آية من آيات الله مصادفة وليس بمعجز لعدم
اختصاصها بوقته.
ويجوز تراخيه عن وقت الدعوى ولو بأوقات كثيرة إن أخبر به فوقع. إذ
صارا معجزين.
ويجوز متقدماص إن كان معرفاً بالنبوة. كقوله تعالى حاكياً عن عيسى
عليه السلام: {وَجَعَلَنِيْ نَبِياًّ} وهو في المهد.
البلخي: يجوز كذلك إرهاصاً، وظاهره الإطلاق.
قلت وبالله التوفيق: لا دليل [إن لم يكن معرفاً] لما مر.
البصرية: لا يجوز تقدمه، وظاهره الإطلاق.
قلت: حصلت الشهادة [بنبوته] كالمقارن إن عَرَّف.
أئمتنا عليهم السلام والبهشمية: ولا يجوز لغير نبي.
الإمامية: بل يجب ظهوره للإمام.
عباد: بل يجوز ظهوره على حجج الله في كل زمان.
الملاحمية، وهو ظاهر كلام المهدي عليه السلام والحشوية: بل يجوز
للصالحين.
الأشعرية: [بل] يجوز للكفار، ومن يدعي الربوبية لا النبوة كاذباً.
قلنا: [جميع] ذلك تلبيس وتشكيك بتصديق الأنبياء صلوات الله عليهم؛
لأن لاكفار يقولون: لا نصدقك لأنه قد أتى بمثل هذا المعجز من ادعى
الربوبية وهو كاذب، ومن ادعى الإمامة أو الصلاح، أو كونه محقاص في
حجته، فلعل المعجزة كانت لبعضها، لكنك تجاريت [بالكذب] طمعاً في
نيل الدرجة العليا، وهي النبوة، والله عدل حكيم لا يفعل ذلك.
وأيضاً لا يكون معجزاً إلا إذاكان معرفاً بالنبوة، ولم يقع، أو بعد
الدعوى، والدعوى للمعجز لا تكون إلا بعد الوحي بأن الله سيفعل ذلك.
وليس الوحي إلا للأنبياء عليهم السلام إجماعاً.
(1/58)
أئمتنا عليهم السلام:
وكرامات الصالحين من نحو إنزال الغيث وإشفاء المريض، وتعجيل عقوبة
بعض الظالمين الحاصلة بسبب دعائهم، ليست بمعجزات لعدم حصول شرط
العمجز فيها، وإنما هي إجابة من الله تعالى لدعائهم؛ لأن الله
تعالى قد تكفل لهم بالإجابة، ولعل مراد [الإمام] المهدي عليه
السلام بما مر هذه الكرامات.
فإن ادعاه كاذب كفى تخلفه.
وقيل: بل يجب حصول النقيض إذا كان أدعى إلى تكذيبه.البهشمية: لا
يجوز؛ لأن تخلف مراده كاف.
قلنا: لا يجب لعدم دليل الوجوب مع حصول الكفاية بالتخلف، ولا منع
لأنه حسن.
فصل [في ذكر نبوة نبينا محمد (ص) ومعجزاته]
ومعجزات نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كثيرة.
ائمتنا عيلهم السلام والبغدادية: وقد تواتر منها مع القرآن كثير
نحو حنين الجذع.
أبو علي وأبو هاشم: لم يتواتر منها إلا القرآن وإلا لشاركنا الكفار
في العلم به.
قلنا: عدم علمهم لا يقدح في التواتر كمن لا يعلم صنعاء، وقد تواترت
لكثير.
أئمتنا عليهم السلام والبصرية: وانشقاق القمر قد وجد وهي معجزة
خلافاً للبلخي والخياط.
لنا: قوله تعالى: {وَانْشِقَّ الْقَمَرَ}والظاهر المضي، وأخبار
كثيرة منها (حتى رأى عبد الله بن مسعود جبل حراء من بين فلقتيه).
أئمتنا عليهم السلام والجمهور: وإعجاز القرآن في بلاغته الخارقة
للعادة.
وقيل: للإخبار بالغيب.
وقيل: كون قارئه لا يكل وسامعه لا يمل.
وقيل: سلامته من التناقض والاختلاف.
وقيل: أمر يحس به ولا يدرك.
وقيل: صرفه عن معارضته.
قلنا: تحدى الله به فصحاء العرب فعجزوا عن معارضة مالا أخبار بغيب
فيه من السور، وليس ذلك غلا لبلاغته، والأخبار بالغيب معجزة أخرى،
والأمور المذكورة في سائر الأقوال إنما كانت كذلك لأجل بلاغته
أيضاً.
فصل
(1/59)
ونبينا محمد صلى الله
عليه وآله وسلم رسول صادق؛ لشهادة المعجزات على صدقه، ولبشارة
الرسل المتقدمة صلوات الله عليهم به، وأتى بشريعة مبتدأة، وتقرير
بعض الشرائع السالفة التي نص عليها وعمل بها [نحو الحج وآية
القصاص].
وقيل: بل أتى بشريعة إبراهيم عليه السلام.
وقيل: بل بكل شرع لم ينسخ.
وقيل: أتى بشريعة موسى عليه السلام.
قلنا: لم يرجع إلى الكتب السالفة إجماعاً.
باب والشريعة:
هي الأحكام الخمسة وأدلتها، وهي الكتاب والسنة إجماعاً.
أئمتنا عليهم السلام والجهمور: والقياس. خلافاً للإمامية وغيرهم.
لنا: قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِيْ شَيْءٍ فَرُدُّوْهُ
إِلَى الَّلهِ وَالْرَّسُوْلِ}، وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ
فِيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}.
قال امير المؤمنين علي عليه السلام: الرد إلى الله هو [الرد] إلى
كتابه، والرد إلى رسوله [هو] الرد إلى سنته الجامعة غير المفرقة،
والرد إلى الله وإلى رسوله بغير ذلك غير ممكن ضرورة.
ولا يمكن الرد إلى الكتاب والسنة عند فقد النص منهما إلا بالقياس،
وذلك معلوم لمن عقل [والله أعلم]، وإجماعاً الصحابة علي عليه
السلام وغيره.
أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم: فإن فقد الدليل من الثلاثة رجع في
تلك الحادثة إلى قضية العقل نم تقبيح الفعل أو تحسينه لعلمنا أن
الله تعالى لم ينقل حكم العقل في تلك الحادثة، وإلا لورد كغيره
[ويسمى استصحاب الحال].
المجبرة وبعض الحنفية: لا يصح ذلك.
قلنا: لا مانع.
قالوا: قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِيْ الْكِتَابِ مِنْ شَيْء}.
قلنا: عدم نقل حكم العقل ليس بتفريط، بل جاء القرآن بتقريره، قال
تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُوْرَهَا وَتَقْوَاهَا}.
فصل والكتاب:
هو القرآن، وهو المتواترة تلاوته.
وخالف كثير في كون البسملة في أوائل السور قرآناً.
وخالف أبيُّ بن كعب في إثبات الحمد في المصحف.
(1/60)
وابن مسعود: في إثبات
المعوذتين فيه [أيضاً] لا في كونهن قرآناً.
والأصح ثبوت البسملة قرآناً، وثبوت الثلاث في المصحف لوقوع التواتر
بذلك.
ومعتمد أئمتنا عليهم السلام قراءة أهل المدينة.
الهادي عليه السلام: ولم يتواتر غيرها.
الجمهور: بل السبع.
أكثرهم: أصولاص وهو جوهر اللفظ، وفرشاً: وهو هيأته نحو المد
والإمالة.
القرشي وابن الحاجب: لم يتواتر الفرش.
بعضهم: بل العشر.
والحرف الثابت في إحدى القرآتين دون الأخرى عند الجمهور، كما لك
وملك: حرف متواتر، أتي به توسعة، ولا يسمى على انفراده قرآناً،
والمجتزي بالأخرى لم يترك قرآناً كالمجتزي بإحدى خصال الكفارة.
الزمخشري ونجم الدين وغيرهما: بل المختلف فيه بين السبعة ويرهم ليس
بمتواتر.
الجزري عن الجمهور: القراءة ما صح سندها، ووافقت المصاحف العثمانية
لفظاً أو تقديراً بأن يحتملها الرسم، ووافقت اللغة العربية، ولو
بوجه وإن لم تتواتر.
والشاذة ما وراء ذلك.
قلنا: ما لم يتواتر يجوز أن راويه سمعه خبراً فتوهمه قرآناً وذلك
تشكيك في كونه قرآناً، والله تعالى يقول: {لاَ رَيْبَ فِيْهِ} فلا
بد من التواتر.
وأنزل على سبعة أحرف تخفيفاً.
الجمهور: والمراد بالأحرف سبع لغات عربية.
وقيل: بل المراد معاني الأحكام.
وقيل: ليس المراد العدد بل السعة والتيسير، والظاهر الأول؛ لأن
اللغة العربية تسمى حرفاً [في اللغة].
فصل وهو خطاب للموجودين اتفاقاً.
والمختار وفاقاً للحنابلة: وخطاب لمن أدرك بعدهم أيضاً؛ لأن السابق
مأمور بإبلاغه اللاحق. كما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مأمور
بإبلاغه الموجود، ولقوله تعالى ملقناً لرسوله صلى الله عليه وآله
وسلم: {لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}.
الجمهور: بل لزم من بعدهم بدليل آخر [وهو إما] الإجماع أو القياس.
فصل
[في بيان المحكم والمتشابه]
(1/61)
والمحكم: مالا يحتمل
أكثر من معنى، أو يدل على معان امتنع قصر دلالته على بعضها دون
بعض، نحو: {وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوْفِ} ويسمى النص.
أو يكون أحد معانيه أظهر لسبقه إلى الفهم، ولم يخالف نصاً ولا
إجماعاً، ولا يثبت ما قضى العقل ببطلانه، ويسمى الظاهر.
والمتشابه: ما عداهما.
أئمتنا عليهم السلام والمعتزلة وبعض الأشعرية: ويعلم تأويله
الراسخون في العلم بأن يحملوه على معناه الموافق للمحكم.
وبعض الأشعرية وغيرهم: لا يعلمه إلا الله.
قلنا: خوطبنا به والحكيم لا يخاطب بما لا يفهم، وأيضاص الواو في
قوله تعالى: {وَالْرَّاسِخُوْنَ فِيْ الْعِلْمِ} ظاهرة في العطف،
وإن سلم عدم ظهوره كذلك فمتشابه لاحتماله الحال والاستئناف والعطف،
فيلزمهم ألا يحتجوا بها لكونهم لا يعلمون تأويلها.
فصل [الثاني من الأدلة السنة]
والسنة لغة: الطريق والعادة، وديناً: الملة. وعرفاً: نقل خبر النبي
صلى الله عليه وآله وسلم وأمره ونهيه والإخبار عن فعله وتقريره.
وفي عرف الفقهاء: مالازمه الرسول من النفل.
والمبحوث عنه هنا هو الأول من الأخيرين: فمن عاصر النبي صلى الله
عليه وآله وسلم كفاه ما تلقاه منه من غير مؤونة، ومن كان نازحاً
عنه، أو تراخت به الأيم عن إدراك زمنه لزم على الكفاية البحث في
صحة ما روي عنه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا وإنه سيكذب
علي) الخبر.
ولا خلاف في صحة المتواتر وهو: ما نلقه جماعة يحيل العقل تواطأهم
على الكذب، ثم كذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
أئمتنا عليهم السلام: والمعتبر في العدد ما حصل به العلم.
واشترط غيرهم عدداً محصوراً على خلافات بينهم.
قلنا: حصول العلم ثمرته فاعتبرناها دون العدد لعدم الفائدة.
أئمتنا عليهم السلام: ولا يحصل العلم بالأربعة خالياً عن السبب.
الظاهرية: بل يحصل العلم بخبر الواحد مطلقاً.
النظام: إن قارنه سبب.
وقيل: بأربعة.
قلنا: يجوز الكذب على الواحد والأربعة.
(1/62)
أئمتنا عليهم السلام:
ولا يشترط العدالة.أبو الهذيل وعباد: بل لا بد من العصمة.
الإمامية: يكفي معصوم واحد.
لنا: حصول العلم بالبلدان والملوك بخبر من ليس كذلك، وقد يحصل
العلم بخبر بعضهم عن نفسه وعنهم وول كان واحداً بحضرتهم، بشرط عدم
الحامل لهم على السكوت للعادة القاضية بإنكاره لو كان كذباً.
وبخبرهم أو بعضهم كذلك عن أمور شتى مؤداها لمعنى واحد، وذلك كوقائع
الوصي عليه السلام الدالة على اشجاعته، ويسمى الأول ضرورياً في
الأصح، والثاني: استدلالياً، والثالث: معنوياً، وهو مفيد للعلم
خلافاً للسمنية.
قلنا: العلم بحصول العلم به ضروري، وكل عدد حصل العلم بخبره لا يجب
إطراده في الأصح، وما نقله واحد وتلقته الأمة بالقبول فلا خلاف في
صحته كخبر السفينة.
أئمتنا عليهم السلام والجمهور: ويفيد العلم لعصمة جماعة الأمة.
وما تلقته العترة عليهم السلام بالقبول فصحيح يفيد العلم عند
العترة عليهم السلام والشيعة، وابي علي وأبي عبد الله البصري لعصمة
جماعتهم بشهادة آية التطهير، وآية المودة وخبري السفينة [و (إني
تارك فيكم)] وغيرهما مما لا خلاف في صحته.
وما نقل آحادياً، فله تفاصيل فيها خلافات في كتب الأصول أصحها قول
من الخبر.. وهذا الخبر تلقاه الأصوليون بالقبول واحتجوا به.
وللوصي كرم الله وجهه في أحوال الرواة تفصيل يجب معرفته.
فرع
ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله السهو فيما أمروا بتبليغه لعصمة
لهم من الله تعالى؛ لأن من كيم حراسة خطابه من الغلط الحكيم حراسة
خطابه من الغلط مع العلم والقدرة على ذلك.
فصل [والدليل الثالث القياس]
والقياس لغة: التقدير، واصطلاحاً: تحصيل مثل حكم الأصل أو ضده في
الفرع لاشتراكهما في علة باعثة على حكم الأصل، أو لافتراقهما فيه.
وله أقسام تفصيلها في كتب الأصول.
وأركانه: أربعة: الأصل وحكمه، والفرع والعلة، ولها حقائق وشروط
وترجيحات.
وللعلة طرق وخواص وأقسام وتفصيلها في كتب الأصول.
(1/63)
وثمرته إثبات مثل حكم
الأصل في الفرع أو ضده.
فصل وأصول الشرائع
أدلة الأحكام، وما علم من الدين ضرورة من تلك الأحكام نحو الصلاة،
وسميت أصولاً لانهدام إسلام من أنكرها، وما يترتب على إسلامه من
الشرائع، وذلك عام إلا القياس؛ لأنه لم يعلم من الدين ضرورة، أو
لأجل حصول الشرائع بها، وذلك خاص بالأدلة.
فصل [الحق في أصول الدين ]
والحق في أصول الدين وأصول الشرائع، واصول الفقه، والقطعي من
الفروع واحد اتفاقاص، إلا عن عبد الله بن الحسن العنبري، وداود
الأصبهاني.
لنا: الإجماع على تخطئة الملاحدة وكفرهم وما يأتي إن شاء الله
تعالى.
ثم اختلف الناس في حكم المخطئ بعد قبول الإسلام، فذهب كثير إلى أنه
آثم مطلقاً كافر إن خالف ما علم من الدين ضرورة مطلقاً.
وذهب الجاحظ وابو مضر والرازي: أنه معفو عن المخالف الغير المعاند
مطلقاً.
والحق أن المخطئ إن عاند فهو آثم، كافر إن خالف ما علم من الدين
ضرورة؛ لأنه تكذيب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وإن لم يعاند وكان خطؤه مؤدياً إلى الجهل بالله سبحانه، أو إنكار
رسله في جميع ما بلغوه عن الله سبحانه أو بعضه فهو آثم كافر أيضاً؛
لأن المجسم يعبد غير الله تعالى، ويعتقد أن التأثير لذلك [الغير]
كالوثنية والمنجمة والطبائعية، ولا خلاف في كفرهم مع نظرهم.
والمتأول للشرائع بالسقوط نحو الباطنية مكذب لرسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم فيما جاء به فهو كمن كذبه، ولا خلاف في كفره [ مع
نظره].
ومن أخطأ في غير ذلك بعد التحري فمعفو عنه لقوله تعالى: {وليس
عليكم جناح فيما أخطأتم به} ولم يفصل، وقوله صلى الله عليه وآله
وسلم: (رفع عن أمتي الخطا والنسيان) ولم يفصل، وللإجماع على أن من
نكح امرأة في العدة جهلاص غير آثم مع أنه قد خالف ما علم من الدين
ضرورة.
فصل [في بيان الحق في الظني من الفروع]
جمهور أئمتنا عليهم السلام وجمهور غيرهمم: وكذلك الحق في الظني من
الفروع واحد أيضاً.
(1/64)
أبو عبد الله الداعي،
والمؤيد بالله، وأبو طالب، والمنصور بالله، وأحمد بن الحسين،
والمهدي عليهم السلام، وابو علي وأبو هاشم وأبو عبد الله البصري،
وأبو الهذيل، وقاضي القضاة وغيرهم: بل كل مجتهد فيه مصيب.
لنا: قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} الآية. وقوله
تعالى: {وَاعْتَصِمُوْا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيْعاً وَلاَ
تَفَرَّقُوا} وقوله تعالى: {وَلاَ تَكُوْنُوْا كَالَّذِيْنَ
تَفَرَّقُوْا وَاخْتَلَفُوْا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ
الْبَيِّنَات}، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِيْنَ فَرَّقُوْا
دِيْنَهُمْ وَكَانُوْا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِيْ شَيْء} ولم
تفصل هذه الآيات. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يختلف عالمان
ولا يقتتل مسلمان) ولم يفصل، ولم يثبت جوازه في كل شرائع الأنبياء
عليهم السلام بدليل قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الْدِّيْنَ
مَا وَصَّى بِهِ نُوْحاً وَالَّذِيْ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا
وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيْمَ وَمُوْسَى وَعِيْسَى أَنْ
أَقِيْمُوْا الْدِّيْنَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوْا فِيْهَ} ولم يفصل.
وقوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ
النَّبِيِّيْنَ مُبَشِّرِيْنَ وَمُنْذِرِيْنَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيْمَا
اخْتَلَفُوْا فِيْهِ مَا اخْتَلَفَ فِيْهِ إِلاَّ الَّذِيْنَ
أُوْتُوْهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتِ بَغْياً
بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِيْنَ آمَنُوْا لِمَا
اخْتَلَفُوْا فِيْهِ مِنَ الْحَقِّ بَإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِيْ
مَنْ يَشَاءَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ}.
(1/65)
بيان الإستدلال بهذه
الآية أن (النبيين) عام لكل نبي ونبياً صلى الله عليه وآله وسلم
سيدهم والكتاب في قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ}
عام بدليل أن الكتب مع الأنبياء كثيرة، ونظيره قوله تعالى:
{وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِيْ خُسْرٍ} بدليل صحة
الاستثناء، والقرآن واسطة عقدها الثمين.
وقوله تعالى: {ليحكم} [الضمير] عائد إلى الكتاب المفيد للعموم، أي
لتحكم تلك الكتب بين الناس فيما اختلفوا فيه من الأحكام التي عرفت
بالكتب بدليل قوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيْهِ إِلاَّ
الَّذِيْنَ أُوْتُوْهُ} أي المختلف فيه من بعد ما جاءتهم البينات
من نصوص تلك الكتب وأماراتها الدالة على أعيان الأحكام.
فقال تعالى: {بَغْياً بَيْنَهُمْ} لما كان الحق مع بعضهم فبغي
عليهم بالمخالفة والشقاق لهم بعدما عرف أن الحق بأيديهم، إما بما
ذكرنا من النصوص والأمارات، وإما بالنص على أن ذلك البعض هو الموفق
لإصابة الحق نحو قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
البيت ويطهركم تطهيراً}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (وإني تارك
فيكم) الخبر. حيث نور الله قلوبهم لما أطاعوه لقوله تعالى: {إِنْ
تَتَّقُوْا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً} كما مر. وذلك معنى
قوله تعالى: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِيْنَ آمَنُوْا لِمَا
اخْتَلَفُوْا فِيْهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ}.
قالوا: قال تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِيْنَةٍ أَوْ
تَرَكْتُمُوْهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُوْلِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ}.
قلنا: معنى {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} فبإباحته، وذلك حكم واحد.
قالوا: قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب
فله أجران، وإن حكم فأخطأ له أجر).
قلنا: ذلك حجة لنا؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فأخطأ).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فله أجر) جزاء على البحث؛ لأنه
عبادة، لا على العمل بخلافه.
(1/66)
قالوا: اختلفت
الصحابة من غير نكير.
قلنا: إنكار الوصي [عليه السلام] لكثير من القضايا لا خلاف فيه،
ونقل إنكاره جملة، وكذلك عن كثير من الصحابة.
قالوا: لا مانع من أن الله [تعالى] يخاطب بمجمل، ويريد من كل ما
فهمه.
قلنا: قام الدليل على منعه كما مر.
فرع واختلف المخطية.
بشر المريسي، وابن علية، والأصم: فالمخالف مخطئ آثم مطلقاً.
بعض أصحاب الشافعي: بل هو مخط معذور مطلقاً.
وقال بعض أصحاب الشافعي: بل مصيب مخالف للأشبه مطلقاً.
جمهور أئمتنا عليهم السلام: بل من خالف مجتهدي العترة عمداً، وأخذ
عن غيرهم، أو سلك في الأصول غير طريقهم عمداً أيضاص لتفرع كثير من
الخلافات عليه ـ فهو آثم، واجتهاده خطر؛ لآية التطهير، وخبري
السفينة، و (إني تارك فيكم) و (لا تخالفوهم فتضلوا) ونحو ذلك.
ومن أخطأ أو سها بعد البحث والتحري فمعذور لقوله تعالى: {وَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيْمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} وقوله صلى الله
عليه وآله وسلم: (رفع عن أمتي الخطا والنسيان).
بحث
يقال: لو أن مجتهدين من العترة عليهم السلام اختلفا في شيء فرأى
أحدهما تحريمه، والآخر وجوبه، إن قلت: يلزم كل واحد منهما القيام
بما رآه واجباص عليه من الفعل أو الترك صوبتهما. وإن قلت: بخلاف
ذلك فما يلزم كل واحد منهما؟
فالجواب والله الموفق: أنهما إن علما جميعاص اختلافهما أو أحدهما
وجب عليهما أو على العالم منهما إعداة النظر في دليلهما إذ لا بد
من راجح يرجعان غليه، أو إلى غيره إن عدم المرجح، وإن لم يعلما وجب
على كل واحد منهما العمل بمقتض ما رآه؛ لا لأنهما مصيبان معاً، بل
لإصابة الحق في حق المصيب، ولاتقاء التجاري على الله بالإخلال بما
يرى وجوبه في حق المخطئ، كن يقسم في الليالي والقيلولة لمنكوحه في
العدة جهلاً، إذ لا خلاف في وجبو القسمة لها ما دام جاهلاص، وفي
أنه غير مصيب في حقيقة الأمر.
فصل [في ذكر النسخ والبداء]
(1/67)
والنسخ لغة: بمعنى
الإزالة للشيء، وبمعنى النقل عند أئمتنا عليهم السلام، وبعض
المعتزلة.
وقيل: بل حقيقة في الأول مجاز في الثاني.
وقيل: بل العكس.
وشرعاً: بيان انتهاء الحكم الشرعي بطريق شرعي واجبة التراخي عن وقت
إمكان العمل.
والبداء لغة: الظهور، واصطلاحاً: رفع عين الحكم المأمور به مع
اتحاد الآمر والمأمور [به] والقوة والفعل والزمان والمكان لغرض
تنبه له.
ولا يجوز البداء على الله تعالى خلافاً لبعض الإمامية. لنا: ما مر.
واتفق المسلمون على جواز النسخ عقلاً وشرعاً.
[قدماء] أئمتنا عليهم السلام: لأن لله [تعالى] أن يستأدي شكره، وهو
الامتثال والتعظيم بما شاء من العبادات، ولكون غيرها مصالح، هي
تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والأزمنة والأمكنة.
وقال غيرهم: بل لأنها مصالح كلها.
لنا ما مر.
أكثر اليهود: لا يصح النسخ.
لنا: ما مر وقد وقع، وذلك تحريم نكاح الأخوات بعد أن كان مباحاً
لأولاد آدم [عليه السلام] وهذا لا يمكن اليهد دفعه والوقوع فرع
الجواز.
وشريعة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم نسخت ما قبلها من الشرائع
إلا بعض ما ورد عن لسانه صلى الله عليه وآله وسلم نحو آية القصاص.
وفي شريعته صلى الله عليه وآله وسلم الناسخ والمنسوخ خلافاً لأبي
مسلم الأصفهاني في الكتاب.
لنا: قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ
بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} وقوله تعالى: {يَمْحُوْ اللَّهُ
مَا يَشَاءُ وَيُثَبِّتُ}.
وفي كتب الأصول ذكر قواعده، وفي غيرها ذكر أعيانها.
كتاب الإمامة
هي لغة: التقدم، وشرعاً: رئاسة عامة باستحقاق شرعي لرجل فلا يكون
فوق يده [يد] مخلوق.
بعض أئمتنا عليهم السلام والبلخي وأبو الحسين البصري: وهي واجبة
عقلاً وسمعاً.
بعض أئمتنا عليهم السلام والجمهور: بل سمعاً فقط.
وقيل: لا تجب لما سيأتي لهم إن شاء الله تعالى.
(1/68)
قلنا: التظالم واقع،
ولا يتم دفعه إلا برئيس، ودفع التظالم واجب عقلاً فوجب إقامة رئيس
لذلك.
ودليلها شرعاً: قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً
قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِيْ قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِيْ
الظَّالِمِيْنَ}.
ومن السنة ما يأتي إن شاء الله تعالى والإجماع.
فصل ويجب على المسلمين في كل عصر
إعانة من يصلح لها إجماعاً؛ لأن ثمرتها وهي حفظ بيضة الإسلام وفدع
التظالم، وإنصاف المظلومين وإقامة الحدود، ونحو ذلك لا يختص وقتاً
دون وقت.
ولا يخلو الزمان ممن يصلح لها لأخبار صحيحة نحو قوله صلى الله عليه
وآله وسلم: (أهل بيتي كالنجوم كلما أفل نجم طلع نجم).
وقيل: لا يجب لخلو بعض الأزمنة عن إمام؛ لأنها لو كانت واجبة لكانت
الأمة في ذلك العصر مجمعة على الإخلال بالواجب، [ولا يجوز أن تجمع
الأمة على الإخلال بالواجب]، إذ لا تجتمع على ضلالة.
قلنا: قد ثبت الإجماع على ما ذهبنا إليه، وإنما خلا بعض الازمنى
لقهر الظلمة من يعين صاحبها الذين هو شرط في وجوبها، أو لخذلان
الأكثر.
فالمغلوب عن الشرط والأقل العازم [على المعاونة] غير مخل إذ العزم
كاف كمن يجبر على ترك الصلاة، وكالحج لا يجب على أحد حتى يتمكن من
شرط وجوبه ،وهو الزاد والراحلة، وكفاية من يمون حتى يرجع.
والمغلوب والأقل غير متمكن.
فصل [في شروط الإمامة]
وشروط صاحبها: البلوغ والعقل؛ للإجماع على أن لا ولاية للصبي
والمجنون.
والذكورة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم
أمرأة).
والحرية؛ لأن العبد مملوك الرقبة والتصرف.
العترة عليهم السلام والجمهور: والمنصب خلافاً للنظام ونشوان
والخوارج وبعض الحشوية: مطلقاً. ولأبي علي إن عدم القرشي.
قلنا: لا دليل على ثبوتها لمن عداه.
العترة عليهم السلام وشيعتهم: وهو الوصي والحسنان وذريتهما.
وقيل: منصبها الوصي عليه السلام وذريتهما.
وقيل: منصبها الوصي عليه السلام وذريته جميعاً.
(1/69)
قلنا: لا دليل على
ثبوتها لمن عدا من ذكرنا وهي مما تعم [بها] البلوى، فلو كان لظهر
كدليل الحج ونحوه.
الراوندي: بل العباس وبنه من بعده.
قلنا: لا دليل [ على ما ابتدعت] كما ذكرنا، وايضاً لم يدعها العباس
ولا ولده عبد الله بن العباس. بل قال العباس للوصي عليه السلام:
((امدد يدك أبايعك)).
ومبايعة عبد الله بن العباس للوصي لا تنكر.
جمهور المعتزلة وغيرهم: بل قريش لقوله صلى الله عليه وآله وسلم :
(الأئمة من قريش).
قلنا: هذا الحديث غير صحيح لقول عمر بن الخطاب: لو كان سالم مولى
أبي حذيفة حياً ما شككت فيه، وسالم المذكور ليس من قريش، ولم ينكر
من حضر من الصحابة على عمر. فلو كان الحديث صحيحاً لأنكروا عليه،
مع أنه آحادي لا يثبت الاحتجاج به في هذه المسألة لأنها من أصول
الدين.
وإن سلم فهو مجمل بينه خبر الوصي [عليه السلام]: (الأئمة من قريش
في ذها البطن من هاشم) وما يأتي من النصوص إن شاء الله تعالى.
بعض المعتزلة: بل كل العرب.
قلنا: لا دليل. ولنا قوله تعالى: {وَيَتْلُوْهُ شَاهِدٌ مِنْهُ}،
أي من لحمته، وقوله تعالى: {وَأُوْلُوْا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ
أَوْلَى بِبَعْضٍ فِيْ كِتَابِ اللَّهِ}.
جمهور أئمتنا عليهم السلام: والاجتهاد
بعض متأخري الزيدية والغزالي: فإن لم يوجد فالتقليد كاف.
لنا: إجماع الصدر الأول على وجوب الاجتهاد، ولقوله تعالى:
{أَفَمَنْ يَهْدِيْ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ
لاَ يَهْدِيْ إِلاَّ أَنْ يَهْدِيْ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ
تَحْكُمُوْنَ}، ولا يخلوا الزمان من مجتهد لما مر.
الحشوية: لا يشترط العلم رأساً.
لنا: الإجماع والآية كما مر.
والورع. خلافاً للحشوية.
لنا: قوله تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِيْ الظَّالِمِيْنَ}.
واجتناب المهن المسترذلة. خلافاً للحشوية.
قلنا: اختلت العدالة، والإجماع على اعتبارها.
(1/70)
والأفضلية. لقوله صلى
الله عليه وآله وسلم: (من ولى رجلاً وهو يعلم أن غيره أفضل منه فقد
خان الله في أرضه).
والشجاعة، وحدُّها: أن يكون معه من رباطة الجأش ما يتمكن معها من
تدبير الحروب عند فشل الجموع لئلا تتحطم جيوش المسلمين.
والتدبير.
والقدرة على القياسم بثمرة الإمامة لئلا تنتثر.
والسخاء. بوضع الحقوق في مواضعها؛ لأن ذلك من ثمرة الإمامة؛ ولأن
المنع حيف تسقط به العدالة.
والسلامة من المنفرات. نحو الجذام والبرص ليتمكن من مخالطة
المسلمين.
وسلامة الحواس والأطراف التي يختل القياس بثمرة الإمامة عند فقدها.
وزاد أبو العباس والإمامية: العصمة.
ولا دليل عليها إلا تقدير حصول المعصية، لو لم يكن معصوماً.
قلنا: ذلك التقدير حاصل في المعصوم، قال تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}.
قالوا: فإنه امتنع وقوعها من المعصوم بخلاف غيره.
قلنا: ما دام عدلاً فلا وقوع، وإن وقعت منه فكما لو مات المعصوم.
وزاد الإمامية: أن يولد عالماً.
وذلك باطل حيث لم يثبت ذلك للأنبياء صلوات الله عليهم، قال تعالى:
{مَا كُنْتَ تَدْرِي ْمَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيْمَانُ}، وقال
تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى}، وقال تعالى حاكياً عن موسى
عليه السلام: {قَالَ فَعَلْتَهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ
الظَّالِّيْنَ}.
فصل
ولا تثبت لأحد إلا بدليل شرعي إجماعاً لترتب كثير من الشرائع
عليها، ولا طريق إلى من يقوم بها إلا الشرع.
العترة عليهم السلام جميعاً والشيعة: والإمام بعد رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم بلا فصل: علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم
الحسن، ثم الحسين عليهما السلام.
سائر الفرق: بل أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان.
جمهور: ثم علي عليه السلام.
العثمانية: لا بل ثم معاوية (لعنه الله).
(1/71)
لنا [قوله تعالى]:
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُوْلُهُ وَالَّذِيْنَ آمَنُوْا
الَّذِيْنَ يُقِيْمُوْنَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوْنَ الْزَّكَاةَ
وَهُمْ رَاكِعُوْنَ}.
بيان الاحتجاج بهذه الآية أن المعنى بقوله تعالى: {وَالَّذِيْنَ
آمَنُوْا} إلى آخرها علي عليه السلام لوقوع التواتر بذلك من
المفسرين وأهل التواريخ، وإطباق العترة عليهم السلام وشيعتهم على
ذلك.
وورد بلفظ الجمع من باب إطلاق العام على الخاص.
ونظيره قوله تعالى: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول
الله [حتى ينفضوا]} الآية، لأن المعني بها عبد الله بن أبي وحده
لنقل المفسرين ذلك.
وكلمة ولي مشتركة بين معان، فيجب حملها على جميع معانيها الغير
ممتنة على قاعدة أئمتنا عليهم السلام والجمهور وبدليل قوله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيّ} وهي
من الله سبحانه معظم الرحمة، ومن الملائكة عليهم السلام الدعاء
والاستغفار.
وتناول لفظ شيء في قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَا زَعْتُمْ فِيْ شَيءٍ
فَرُدُّوْهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُوْلِ} الآية، كلما يسمى شيئاً
على اختلاف الماهيات وصحة الاستخدام نحو قول الشاعر:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
أراد بالسماء، وهو لفظ واحد: المطر والنبات معاً، بدليل قوله: نزل
[السماء] و [قوله]: رعيناه.
ومن جملة معاني ولي: مالك التصرف.
ومما يدل على إمامته عليه السلام [من السنة]: قوله صلى الله عليه
وآله وسلم: (ألست أقوى بكم من أنفسكم لا أمر لكم معي)؟ قالوا: بلى
يا رسول الله، فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه
وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله).
وهذا الخبر متواتر مجمع على صحته.
وبيان الإستدلال به أن كلمة مولى: مشتركة بين معان من جملتها مالك
التصرف، فهو مفيد لمعنى الإمامة على قواعد كل مذهب.
أما على قاعدة أئمتنا عليهم السلام والجمهور فكما مر.
(1/72)
وأما على قاعدة غيرهم
فقد أجمعوا على أن المشترك يحمل على أحد معانيه إن دلت عليه قرينة،
وعمنى الإمامة قد دلت عليه قرينة لفظية قوله صلى الله عليه وآله
وسلم [في أوله]: (ألست أولى بكم من أنفسكم) وقوله صلى الله عليه
وآله وسلم: (لا أمر لكم معي) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في
آخرك (وانصر من نصره واخذل من خذله).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي كرم الله وجهه: (أنت مني
بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) وهذا الخبر متواتر مجمع
على صحته [أيضاً].
وبيان الاستدلال به أنه صلى الله عليه وآله وسلم أثبت له جميع ما
لهارون من موسى إلا النبوة ولو علم شيئاً لم يكن له لأخرجه.
ومن جلة ما لهارون من موسى الخلافة بدليل قوله تعالى: {اخْلُفْنِيْ
فِيْ قَوْمِيْ}.
فإن قيل: لم يعش هارون بعد موسى، فلم تثبت له [الخلافة] بعده.
فالجواب والله الموفق: أنه لا خلاف أنه لو عاش هارون عليه السلام
لكانت الخلافة له، ولانه شريك موسى صلوات الله عليهما في أمره؛
لقوله تعالى حاكياً عن موسى: {وَأَشْرِكْهُ فِيْ أَمْرِيْ}، وقيام
الشريك بحقه أولى من قيام غيره به.
وما تواتر معنى من الأخبار المصرحة بالإمامة نحو خبر (البساط) وخبر
(العمامة) وغيرهما مما لا يسعه كتابنا هذا من روايات الموالف
والمخالف.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحسن والحسين إمامان قاما أو
قعدا، وأبوهما خير منهما) أي في صلاحيته عليه السلام للإمامة،
ولذلك لم ينازعاه في تقدمهم كرم الله وجهه عليهما، وهذا المعنى لا
يختلف عند أهل اللسان العربي، وهذا الخبر مجمع على صحته.
العترة [عليهم السلام] والشيعة: ولا دليل على إمامة من ذكره
المخالف.
البكرية: بل النص الجلي في أبي بكر.
قلنا: لم يظهر [هذا] والإجماع على وجوب ظهور ما تعم به البلوى
علماً وعملاً.
الحسن البصري: بل النص الخفي المأخوذ من الإمامة الصغرى.
(1/73)
قلنا: هي بمعزل عن
الإمامة الكبرى بدليل أنها تصح من المماليك، وإن سلم ففي الرواية
الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره، وإنما أمرته
عائشة، وإن سلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياه
أوَّلاً وعزله إياه آخراً بيان منه لعدم استحقاقه.
وقيل: بل النص في أبي بكر وعمر معاً، وهو وقوله تعالى:
{سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِيْ بَأْسٍ شَدِيْدٍ
تُقَاتِلُوْنَهُمْ}، إذ الداعي لهم ابو بكر إلى قتال بني حنيفة
وعمر إلى قتال فارس والروم؛ لأن الآية خطاب للمخلفين، ولم يدعهم
النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدليل قوله تعالى: {فَإِنْ رَجَعَكَ
اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمء فَاسْتَأءذَنُوْكَ لِلْخُرُوْجِ
فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوْا مَعِيْ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوْا
مَعِيْ عَدُوًّا}[الآية].
قلنا: بل المراد دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أمَّر
عليهم أسامة بن زيد، فتخلفوا عنه، فهو الداعي لهم ولا تنافي [إذ لم
يخرجوا معه] والآية لم تمنع إلا من الخروج معه لا من الدعاء، إن
سلنما أن المعنيَّ بقوله {لَنْ تَخْرُجُوْا مَعِيَ أَبَداً} أو من
قبل إلى غطفان وهوازن يوم حنين كما هو مذهب بعض المفسرين؛ لأن قوله
تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِيْنَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ}
الآية نص في أن المراد بها متخلفوا الأعراب فقط، ولم يمنع قوله
تعالى: {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوْا مَعِيَ أَبَداً} إلا طائفة يرجع
صلى الله عليه وآله وسلم إليهم، وهم متخلفوا أهل المدينة؛ لأن
رجوعه صلى الله عليه وآله وسلم كان إلى [أهل] المدينة لا إلى
الأعراب.
سلمنا أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يدع طائفة منهم، لكنه قد دعا
من عدا تلك الطائفة منهم؛ لأن الآية لم تمنع إلا طائفة من
المتخلفين لا كلهم، فالمعني بقوله تعالى {ستدعو} من عدا تلك
الطائفة.
سائرهم: بل الإجماع.
(1/74)
قلنا: دعوى الإجماع
باطلة لاشتهار خلاف أمير المؤمنين كرم الله وجهه وأهل بيته عليهم
السلام وشيعتهم [رضي اله عنهم] سلفاً يعقبهم خلف إلى الآن.
فرع [حكم من تقدم الوصي عليه السلام]
واختلف في حكم من تقدم الوصي [عليه السلام] والحق أنهم إن لم
يعلموا استحقاقه عليه السلام دونهم بعد التحري فلا إثم عليهم، وإن
أخطأوا لقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيْمَا
أَخْطَأْتُمْ}، ولم يفصل.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) ولم
يفصل.
وإن علموا فخطئتهم كبيرة لفجماع على أن منع إمام الحق من تناول
الواجب أو منع الواجب منه بغي عليه، وافجماع على أن البغي عليه
فسق؛ لأنه اتباع لغير سبيل المؤمنين والله تعالى يقول:
{وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيْلَ الْمُؤْمِنْيْنَ نُوَلِّهِ مَا
تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيْراً}، ولعل توقف من
توقف من أئمتنا عليهم السلام لعدم حصول العلم بأنهم علموا أو جهلوا
[ذلكي ومعارضة إبقائهم على الأصل من الجهل باستحقاقه [عليه
السلام]، بأن الأصل في أعمال المكلفين التي تعلق بالحقوق العمد،
ألا ترى لو أن رجلاً قتل رجلاً، ثم ادعى الخطأ أنه لا يقبل قوله
بالإجماع.
وبوجوب حمل علماء الصحابة على السلامة، وعدم الإخلال بتعريفهم؛ إذ
مثل ذلك واجب لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِيْنَ يَكْتُمُوْنَ مَا
أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مشنْ بَعْدِ مَا
بَيَّنَّاهُ لِلْنَّاسِ فِيْ الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ
اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُوْنَ}، وَلنقل تعريفهم إياهم
نقلاً لم يبلغ حد التواتر نقلاً لم يبلغ حد التواتر، وجب الوقف في
حقهم دن علماء الصحابة لحصول العلم بتلبسهم بالمعصية، وهو اغتصاب
إمامته عليه السلام، ولم يحصل مثل ذلك في حق علماء الصحابة.
فإن قيل: فحاصل الكلام أن أمرهم ملتبس، والأصل الإيمان فلنتولهم
إبقاء [لهم] على الأصل.
(1/75)
قلت وبالله التوفيق:
[إن] ذلك معارض بأن الأصل في كل معصية الكبر كما هو مذهب عيون
العترة عليهم لقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُوْلُهُ
وَيَتَعَدَّ حُدُوْدَهُ نُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيْهَا}،
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُوْلُهُ فَإِنَّ لَهُ
نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِيْنَ فِيْهَا}.
وأيضاً حصول الإلتباس نسخ العلم بإيمانهم في الظاهر، ولا يصح
التولي إلا مع العلم بالإيمان في الظاهر بإجماع العترة عليهم
السلام.
فإن قيل: قد ثبت عن أهل المذهب وجوب صلاة الجانزة على من ذهدت
قرينة بإسلامه والدعاء له مشروع فيها، وهو فرع التولي.
قلت [وبالله التوفيق]: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل مولود
يولد على الفطرة) يوجب العلم بإيمانه في الظاهر، ولم يعلم تلبسه
بمعصية، فلم ينسخ العلم بإيمانه بالظاهر شيء]. مع أن قياس ما
المطلوب فيه العلم على الظني كما هو مذهبكم في الفروع لا يصح
إجماعاً.
[حكم أبي بكر في فدك]
الإمام يحيى والإمام المهدي عليهما السلام: وحكم أبي بكر في فدك
صحيح؛ لأنه حكم باجتهاده.
قلنا: هو المنازع، وأيما منازع حكم لنفسه فحكمه باطل إجماعاً، ولو
لم يخالف اجتهاده قال الشاعر:
ومن يكن القاضي له من خصومه ... أضر به إقراره وجحوده
وأيضا فإن الإمام عندهما [عليهما السلام] علي عليه السلام، وهو لم
يرض ولايته، فكيف يصح قضاؤه.
وأيضاً كانت اليد لفاطمة عليها السلام؛ لأن في الرواية أنها [عليها
السلام] أتته تطلب حقها بعد أن رفع عاملها، فإيجاب البينة عليها
خلاف الإجماع.
وأيضاً اعتمد على خبره وهو: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما
خلفناه صدقة)) مع احتمال أن يكون معناه: الصدقة [أي] الزكاة التي
لا حل لبني هاشم غير موروثة بل تصرف في مصرها.
(1/76)
ولفاطمة عليها السلام
أن تعتمد على خبرها وخبر علي والحسن والحسين عليهم السلام. صح لنا
ذلك من رواية الهادي عليه السلام [في كتاب ((تثبيت الإمامة))] وأم
أيمن [(أنه صلى الله عليه وآله وسلم أنحلها)] مع أنه نص صريح لا
يحتمل التأويل.
ثم لا يكون الأولى بتريجح دعواه لأنهما متنازعان، كل يجر إلى نفسه
مع أن الخبرين لا يكذب أحدهما الاخر، لأن خبره متضمن عدم استحقاقها
الإرث بزعمه، وخبرها متضمن لعقد عقده لها رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم في حياته، وإذا ثبت الكم [من أبي بكر] لنفسه بلا مرجح
كما تقرر، فالعقل والشرع يقضيان ببطلانه.
وأيضاً [نقول إن] خبر علي والحسن والحسين عليهم السلام وأم أيمن
رضي الله عنها (أنه صلى الله عليه وآله وسلم أنحلها) دليل على ذلك
لا بأنهي شهادة يجب تتميمها كسائر ما يروى [عنه صلى الله عليه وآله
وسلم] من الأخبار المثبتة للحقوق، ولو لم يكن إلا خبره ((أن
الخليفة أولى بميراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم)) وغلا لزم مثل
ذلك في كل خبر يثبت حقاً لآدمي لم يتواتر [نقله] كحق الشفعة للجار،
لأن كل حق يثبت بالسنة لم يثبت لأحد، معيناص كان كفاطمة عليها
السلام، أو غير معين غلا بخبر [راو] واحد أو أكثر أن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم أثبته له به لا بالشهادة إجماعاً بين الناس،
ولو لم يكن إلا خبر معاذ الذي قبله أبو بكر، وذلك أنه قدم برقيق من
هدايا اليمن، فهم أبو بكر بأخذه عملاً بقول رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم: (هدايا الأمراء غلول) فقال معاذ: طعمة أطعمنها
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأقره أبو بكر على ذلك، وأخذت
منه العلماء أنه إذا أذن الإمام لعامله في الهدايا حلت له.
وخبر عمر ((أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعده إذا جاء مال
البحرين بكذا وكذا))، فصدقه أبو بكر وحثا له حثية، فعدها فإذا هي
خمسمائة، وقال: خذ مثلها.
(1/77)
وإذا كان خبر فاطمة
عليها السلام دليلاً كما تقرر ثبت الحق لفاطمة عليها السلام
بالدليل لا بالشهادة، ولم يثبت لأبي بكر لا بدليل أنه بقي
[موروثاً] ولم ينحله النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها
السلام حتى كان الأولى به [للخبر الذي رواه] ولا بشهادة [أتى بها
وهذاي إن سلمنا صحة خبره أو معناه إذ القضاء بما ثبت بالدليل حق،
وبما لم يثبت به باطل عقلاً وشرعاً.
قالا: لم ينقضه الوصي عليه السلام.
قلنا: إن سلم فحق له ولبنيه إن شاءوا أخذوه وإن شاءوا تركوه.
فصل [إمامة الحسنين]
وإمامة الحسن عليه السلام بعد ابيه علي كرم الله وجهه.
وإمامة الحسين بعد أخيه الحسن عليهما السلام.
[
الإمامة بعد الحسنين]
العترة عليهم السلام والشيعة: والإمامة بعد الحسين عليه السلام في
سائر العترة عليهم السلام فقط.
سائر الفرق: بل وفي غيرهم على اختلاف الآراء كما مر.
قلنا: لا دليل عليها في غيرهم [كما مر] ولنا قوله صلى الله عليه
وآله وسلم : (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي
أبداً) الخبر، وهو متواتر مجمع على صحته.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نح
من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى ومن قالتنا آخر الزمان فكأنما
قاتل مع الدجال)، وهذا الخبر أيضاً لا خلاف في صحته [بين علماء آل
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وشيعتهم وأهل التحقيق من غيرهم].
وبيان الإستدلال بهما أنهما نص في وجوب تقدم العترة عليهم السلام
في جميع أمور الدين، ومن جملتها الإمامة [بل هي معظم الدين
وأكبره].
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ومن قاتلنا آخر الزمان فكأنما
قاتل مع الدجال) إشعار آخر بالإمامة.
ولنا: ما تواتر معنى من رواية الموالف والمخالف من الأخبار المنبية
بالإمامة نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من سمع واعيتنا أهل
البيت فلم يجبها كبه الله على منخريه في قعر جهنم) والإجماع من
طوائف الأمة على صحتها فيهم.
(1/78)
وأما خلاف ابن
الراوندي، فلا يعتد به؛ لأن الإجماع قد سبقه، ولخروجه من الأمة
باشتهار زندقته.
أئمتنا عليهم السلام وشيعتهم: وطريقها بعد [علي عليه السلام
وولديه] الحسنين عليهما السلام القيام والدعوة.
الإمامة: بل النص.
قلنا: لا نص فيمن عدا الثلاثة عليهم السلام، وإلا لكان مشهوراً؛
لأنه مما تعم به البلوى علامً وعملاً، لفجماع على وجوب اشتهار ما
شأنه كذلك كالصلاة.
المعتزلة وغيرهم: بل العقد والاختيار.
قلنا: لم يثبته الشارع لفقد الدليل على ثبوته.
فصل [في التفضيل]
العترة عليهم السلام والشيعة: وأفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه
وآله وسلم علي كرم الله وجهه في الجنة، وفاقاً للبغدادية فيه وحده.
ثم الحسين لعيه السلام.
ثم الحسين عليه السلام.
ثم جماعة العترة عليهم السلام، ثم أفراد فضلائهم.
جمهور الفرق: بل أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، ثم علي.
بعضهم: بل أبو بكر ثم عمر ثم علي، ثم عثمان.
بعض العثمانية: بل أبو بكر ثم عمر، ثم علي، ثم عثمان.
بعض العثمانية: بل أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم معاوية لعنه الله.
جميعهم: ثم سائر العشرة.
لنا: لو وزن أعمال الوصي عليه السلام بأعمال من ذكر، أو ما ورد فيه
بما ورد فيمن ذكروا مما لا ينكره المخالف مع سابقته.
وكذلك الحسنان عليهما السلام، وكذلك ما ورد في العترة عليهم السلام
بما ورد في غيرهم مال ا ينكره المخالف علم ذلك قطعاً.
فصل
وأفضل أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم
خديجة إجماعاً [بين العترة] لسابقتها ومواساتها لرسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم.
العترة عليهم السلام والشيعة: وأفضل النساء كافة فاطمة عليها
السلام.
[وقال] طوائف من الفرق: بل عائشة أفضل النساء كافة فاطمة عليها
السلام.
لنا: ما ورد [فيها] من [نحو] قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (مريم
سيدة نساء عالمها، وأنت سيدها نساء العالمين). وعصمتها.
باب [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
(1/79)
ويجب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر إجماعاً متى تكاملت شروطهما، وهي: التكليف
والقدرة عليهما، والعلم بكون ما أمر به معروفاً، وما نهى عنه
منكراً، لأنه إن لم يعلم ذلك لم يؤمن أن يأمر بالمنكر، وينهى عن
المعروف، وظن التأثير حيث كان المأمور والمنهي عارفين بأن المأمور
به معروف، والمنهي عنه منكر، وإلا وجب الترعيف وإن لم يظن التأثير
لأن إبلاغ الشرائع واجب إجماعاً.
والأصل في ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِيْنَ يَكْتُمُوْنَ مَا
أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا
بَيَّنَّاهُ لِلْنَّاسِ فِيْ الْكِتَابِ}، الآية ونحوها.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من كتم علماً مما ينفع الله به)
الخبر.
قلت وبالله التوفيق: ويجب أيضاً أمر العارف بالمعروفن ونهي العارف
بالمنكر، وإن لم يحصل الظن بالتأثير لقوله تعالى: {وَإِذَا قَالَتْ
أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُوْنَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكَهُمْ
أَوْ مُعَذِّبَهُمْ عَذَاباً شَدِيْداً قَالُوْا مَعْذِرَةً إِلَى
رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُوْنَ} والمعذرة إلى الله تعالى لا
تكون عما لا يجب، وإنما يجب ذلك ريثما يتحول إلى المتمكن من الهجرة
إليها لما يأتي إن شاء الله تعالى.
وتجويز ما يقع على الآمر والناهي بسببهما من نحو تشريد وانتهاب مال
له غير مرخص له من الترك وفاقاً لكثير من العلماء لقوله تعالى:
{وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوْفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ
عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُوْرِ}.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان
جائر)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اجعل مالك وعرضك دون دينك)
الخبر، أو كما قال، وكالجهاد.
(1/80)
وحصول القدة على
التأثير مع ظن الانتقال إلى نمكر غيره لا يرخص في الترك لأن هذا
منكر معلوم، وذلك مجوز مظنون، وحصول الظن بوقوع شيء من ذلك مع عدم
ظن التأثير لا يجوزان لأنهما حينئذ كالإغراء، ومع ظن التأثير لا
يجبان قطعاً، وفي حسنهما تردد.
فرع
ولا يكونان إلا بقول رفق، فإن لم يتما به وجبت المدافعة عن فعل
المحظور إلى حد القتل لإجماع العترة عليهم السلام على وجوب إزالة
المنكر بأي وجه، ولا يفعل الأشد مع تأثير الأخف.
بعض سادتنا عليهم السلام: فإن كان التفكر في القدر الكافي مخلاً
بالمدافعة بحيث يفعل المحظور في مدة التفكر، وجب دفعه بغير روية،
ولو بالأضر، وهو قوي لعدم حصول الإنزجار لولاه.
والحمل على فعل الواجب بالإكراه يختص الإمام غالباً للإجماع على
وجوب ذلك على الإمام، وعدم الدليل في حق من عداه.
فصل [في ذكر المحتسب]
والمحتسب هو المنتصب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وشروطه: العقل والذكورة والتدبير والقوة وسلامة الأطراف والحواس
المحتاج إليها وسلامته من المنفرات لما مر في الإمامة، والعلم ليصح
أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر كما مر، وعدم من يصلح لفمامة من
ناحيته [بلا مانعي والعدالة المحققة.
ويكفي في انتصابه الصلاحية خلافاً لمعتبر الخمسة.
ويجب على المسملين إعانته على ما انتصب لأجله، وله الإكراه على
معاونته لدفع المنكر لوجوب دفعه بأي ممكن بإجماع العترة عليهم
اسلام، وأخذ المال لدفع الكفار والبغاة لوجوب دفعهم كذلك.
وليس له أخذ الحقوق كرهاً ولا إقامة الجمع ولا الحدود، ولا نحو ذلك
مما يخص الإمام.
ويجوز للمسلمين غزو الكفار إلى ديارهم للسبي والنهب وإن عدم الإمام
في الناحية للإجماع على إباحتهما.
باب الهجرة
وهي لغة: مأخوذة من الهجرة نقيض الوصل.
وشرعاً: الرحلة من دار تظاهر أهلها بالعصيان، أو ظهر بغير جوار إلى
مكان خلي عنهما.
أئمتنا عليهم السلام: وهي اجبة بعد الفتح.
(1/81)
وقيل: قد نسخت لقوله
صلى الله عليه وآله وسلم: (لا هجرة بعد الفتح).
قلنا: المراد نم مكة، شرفها الله تعالى، إذ صارت دار إسلام
كالمدينة، لا من ديار الكفر لما سيأتي إن شاء الله تعالى.
جمهور أئمتنا عليهم السلام: وتجب من دار الفسق خلافاً للإمام يحيى
عليه السلام والفقهاء [الأربعة].
لنا: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِيْنَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ
ظَالِمِيْ أَنْفُسَهُمْ} إلى قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ
اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوْا فِيْهَا} ولم يفصل.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تحل لعين ترى الله يعصى فتطرف
حتى تغير أو تنتقل).
وبيان الاستدلال به أن التحريم لأجل العلم مع القرب منه بحيث يتمكن
أن يرى المعصية، وغلا لقال: حتى تغير أو تغمض.
ومن حمل على فعل المعصية وجبت عليه الهجرة إجماعاً.
أئمتنا عليهم السلام: ومنه إعانة سلاطين الجور [بالغارة] وتسليم
المال إليهم قسراً لما مر.
قال المنصور بالله عليه السلام في ((المهذب في باب السيرة في أهل
الفسق)) ما لفظه: ((ونحن لا نشك أن الضعفاء الذين لبسوهم الحرير،
وركبوهم الذكور، وسقوهم الخمور، فأي عون أعظم من هذا)).
وقال عليه السلام في باب الهجرة ما لفظه: ((لأن أشد الظاهرة
وأعظمها تقويتهم بالخراج، وكونهم مستضعفين فيما بينهم لا يخرجهم عن
حكمهم)).
أئمتنا عليهم السلام: ولا رخصة في ذلك إلا للمحاط به والمستضعفين
من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون
سبيلاً، لقوله تعالى: {إلا المستضعفين} الاية.
فصل
ويجوز الوقوف في دار العصيان لحبس أو ضعف، لما مر ولمصلحة عامة،
كوقوف بعثو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الكفار لدعائهم،
ولا بد مع ذلك من أذن الإمام إن كان مالم يقارن مفسدة من انشتار
بدعة، أو خذلان افمام، وإلا صار كالإغراء.
كتاب المنزلة بين المنزلتين
أئمتنا عليهم السلام والجهمور: والمعاصي صغائر وكبائر.
(1/82)
الخوارج والإسفرائيني
وموافقوهم: بل كبائر فقط.
لنا: قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوْا كَبَائِرَ مَا تَنْهَوْنَ
عَنْهُ نُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}.
الناصرية وظاهر كلام الهادي عليه السلام في كتاب ((المنزلة بين
المنزلتين))، حيث قال: ((وأصحاب الكبائر المنتهكون للمحارم)) ولم
يفصل.
وصريح قول المرتضى عليه السلام في الجزء الثاني من كتاب ((التنبيه
والدلائل)) وبعض البغدادية: كل عمد كبيرة.
بعض الزيدية، و [هو] قول بعض البغدادية والطوسي: بل بعض العمد ليس
بكبيرة.
لنا: [قوله تعالى]: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُوْلُهُ فَإِنَّ
لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِيْنَ فِيْهَا أَبَداً}، ولم
يفصل،وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُوْلَهُ
وَيَتَعَدَّ حُدُوْدَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيْهَا وَلَهُ
عَذَابٌ مُهِيْنٌ}، ولم يفصل، ولم يغفر الله سبحانه سيئة من غير
توبة إلا الخطأ ولانسيان والمضطر إليه، لقوله تعالى: {وَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنُاحٌ فِيْمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا
تَعَمَّدَتْ قُلُوْبُكُمْ}، وقوله تعالى معلماً لعباده مرشداً:
{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا}،
واستثنى تعالى المضطر إليه.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (رفع عن أمتي الخطا والنسيان)
الخبر، فعلمنا بذلك أن الكبير ما وقع عمداً من غير اضطرار [إليه].
البصرية: ليس كل عمد كبيرة، بل ما وجب فيه حد أو نص على كبره، وغير
ذلك محتمل.
قلنا: استحق فاعلها النار قطعاً بالنص فلا احتمال.
المهدي عيله السلام، وجهمور البصرية: والصغائر كلها غير متعينة؛
لانها بعض العمد إذ تعيينها كالإغراء.
قلنا: بل كلها متعين لأنها الخطأ [كما مر].
فصل [في خطايا الأبنياء]
الهادي والناصر عيلهما السلام وبعض البغدادية: وخطايا الأنبياء
عليهم السلام لا عمد فيها.
المهدي عليه السلام والبصرية: بل هي عمد.
(1/83)
لنا: قوله تعالى:
{فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} وقوله تعالى: {فَظَنَّ أَنْ
لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} أي لن نضيق عليه، أي لا نؤاخذه.
قالوا: ما تعمده الأنبياء عليهم السلام فصغيرة لكثرة ثوابهم.
قلنا: قال تعالى: {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً
قَلِيْلاً إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ
الْمَمَاتِ}، فليس ما قالوا بصحيح، وأيضاً لا خلاف في وقوع خطايا
الأنبياء عليهم السلام، فإن تعمدوها لأجل تعريفهم أنها صغائر فذلك
إغراء، وهو لا يجوز على الله تعالى، وإن تعمدوها جرأة على الله
تعالى من غير مبالاة بصغرها وكبرها، وحاشاهم، ثم تبينت بلهمي من
بعد، فذلك مؤد إلى التنفير عن قبول ما أتوا به، وذلك باطل.
فرع
ووقوعها منهم عليهم السلام من باب التأويل، وهو إما لتفريط في
التحرز لظنهم أنهم لا يقعون فيها، ومن ذلك خطيئة آدم عليه السلام،
أو لظنهم أنها غير معصية، ونم ذلك خطيئة يونس عليه السلام، وداود
عليه السلام.
فصل والإيمان لغة: التصديق.
أئمتنا عليهم السلام وجمهور المعتزلة والشافعي، وبعض الخوارج:
وديناص: الإئتيان بالواجبات واجتناب المقبحات.
الأشعرية: بل الإيمان التصديق بالله فقط.
الكرامية: بل الإقرار باللسان.الجهمية والمريسي: بل هو المعرفة
فقط.
محمد بن شبيب: بل الإقرار بالله تعالى ورسوله والمعرفة بذلك، وما
نص عليه أو أجمع عليه لا ما استخرج.
الحنفية: بل الإقرار بالله والمعرفة بذلك مطلقاً.
الغيلانية: بل الإقرار والمعرفة بما جاء عن الله تعالى مجمعاً
عليه.
النجدات: بل الإقرار بالله تعالى وبكتبه وبرسله، وترك الفعل المحرم
عقلاً.
(1/84)
لنا: قوله تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ الَّذِيْنَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
وَجِلَتْ قُلُوْبُهُمْ، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ
زَادَتْهُمْ إِيْمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُوْنَ
الَّذِيْنَ يُقِيْمُوْنَ الْصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنْفِقُوْنَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُوْنَ حَقاً}، ونحوها.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياء
شعبة من الإيمان، وأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة
الأذى عن الطريق) ونحو هذا الخبر.
والإسلام لغة: الإنقياد.
أئمتنا عليهم السلام والجهمور: وديناً: مشترك: افيمان ـ وكل على
أصله ـ والاعتراف بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وما عرف
من الدين ضرورة، والإقرار بذلك مع عدم ارتكاب معصية الكفر، ففاعل
الكبيرة غير معصية الكفر مسلم فاسق.
بعض الإمامية: بل الانقياد [فقط].
لنا: قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيْهَا مِنَ
الْمُؤْمِنِيْنَ فَمَا وَجَدْنَا فِيْهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ
الْمُسْلِمِيْنَ} و [قوله تعالى]: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ
الإِسْلاَمِ دِيْناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}، ومعاملة الرسول نحو
السارق من تبقية نكاحه، ونو ذلك كمعاملة المسلمين.
فصل [في حقيقة الكفر والنفاق والفسق والعصيان والظلم]
والكفر لغة: التغطية، وفي عرفها: الإخلال بالشكر قال الشاعر:
نبئت عمرا غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم
وديناً: عصيان مخرج لمرتكبه من ملة الإسلام.
والنفاق لغة: الرياء. وديناً: إظهار الإسلام وإبطان الكفر.
وعن القاسم عليه السلام: بل الرياء فقط لقوله تعالى: {هُمْ
لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيْمَانِ} ولو كانوا
كفاراً ما قال: هم أقرب إليه وهم فيه.
(1/85)
قلنا: المراد أنهم ما
ئلون إليه لقوله تعالى [فيهم]: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ
مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوْا بِاللَّهِ
وَرَسُوْلِه وَلاَ يَأْتُوْنَ الْصَّلاَّةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى
وَلاَ يُنْفِقُوْنَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُوْنَ}، ولتصريحهم بتكذيب
الله تعالى فيما حكى الله تعالى عنهم في قوله تعالى: {وَإِذْ
يَقُوْلُ الْمُنَافِقُوْنَ وَالَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِهِمْ مَرَضٌ
مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُوْلَهُ إِلاَّ غُرُوراً}.
والفسق لغة: الخروج، وفي عرفها: الخرج من الحد في عصيان أهل الشرك
وهو الخباثة، ومنه قيل: [للزاني و] للخبيثة: يا فَسَاقِ.
وديناً: ارتكاب كبيرة عمداً لم يرد دليل بخروج صاحبها من الملة.
والعصيان لغة: مخالفة الآمر والناهي ولو خطأ لما مر.
والظلم: إنزال مضرة مجردة عن جلب منفعة أو دفع مضرة فوقها بالنفس
أو بالغير.
فصل [بم يصير المكلف كافراً]
أئمتنا عليهم السلام، وجمهور المعتزلة: ويصير المكلف كافراً بخصلة
واحدة من خصال الكفر، لما يأتي إن شاء الله تعالى.
بعض الخوارج: بل بفعل أي كبيرة لا بترك نحو الصلاة.
بعض الخوارج: بل بارتكاب أي كبيرة.
البصري: يصير بارتكاب أي كبيرة منافقاً.
لنا: فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإجماع من الأمة على
إقامة الحدود على نحو السارق مع عدم معاملتهم معاملة الكفار.
ابن الحاجب: صاحب الشاذة من القراءة كافر.
قلنا: سمعها خبراً فتوهمه قرآناً، والله يقول: {وَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيْمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ}. وقول النبي صلى
الله عليه وآله وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان).
ولنا: الإجماع على عدم تكفير ابن مسعود، هو من أهل القراءة الشاذة.
ومرتكب الكبيرة الغير المخرجة من الملة يسمى فاسقاً اتفاقاً.
(1/86)
أئمتنا عليهم السلام:
وجمهور المعتزلة، والبصري، وبعض الخوارج: ولا يسمى مؤمناً. خلافاً
لمن مر [ذكره] ولبعض الخوارج في تارك الواجب لا فاعل أي كبيرة.
لنا: ما مر.
ابن عباس، والصادق، والقاسم والهادي والناصر وأحمد بن سليمان عليهم
السلام، وقد روي أنه إجماع قدماء العترة عليهم السلام والشيعة:
ويسمى كافر نعمة خلافاً للجمهور.
قلنا: هو معناه عرفاً؛ لأن الطاعات شكر [لله] كما مر.
ولقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى الْنَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً وَمَنْ كَفَرَ} أي ومن ترك الحج،
فسمى ترك الحج كفراً.
وقد ثبت النص على إطلاقه على الإخلال بالشكر، قال تعالى:
{فَكَفَرْتَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ} ولأن الفسق الخروج من الحد عرفاً،
فإذا جاز إطلاقه على فعل الكبيرة فبالحري ما هو دونه، وهو الكفر
عرفاً.
فصل [في التكفير والتفسيق]
ولا إكفار ولا تفسيق إلا بدليل سمعي؛ لأن تعريف معصيتهما لم يثبت
إلا بالسمع إجماعاً.
قطعي ـ لاستلزامهما الذم والمعاداة، والقطع بتخليد صاحبهما في
النار إن لم يتب، وجميع ذلك لا يجوز إلا بقاطع إجماعاً.
العترة عليهم السلام، وصفوة الشيعة وجمهور المعتزلة وغيرهم: ومن
شبه الله تعالى بخلقه، أو نسب عصيان العباد إليه تعالى كَفَرَ؛
لعدم معرفته بالله [تعالى]، ولسبه له جل وعلا، والإجماع على كفر من
جهل بالله تعالى أو سبه.
قديم قولي المؤيد بالله (ع) ومحمد بن شبيب، والملاحمية (وغيرهم)
المجبرة عصاة وليسوا بكفار.
لنا: ما مر. وقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ عَلَى
اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالْصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِيْ
جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْكَافِرِيْنَ} فقد افترت المجبرة على الله
الكذب، حيث نسبت عصيان العباد إليه [تعالى]، وكذبت هي والمشبهة
بالصدق؛ لأن الله تعالى يقول: {وَلاَ يَرْضَى لِعَبَادِهِ
الْكُفْرَ} والمجبرة تقول: بل رضيه.
(1/87)
ويقول تعالى: {لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} والمجسمة يقولون: بل هو كالأجسام فسماهم الله
تعالى في آخر الآية: {كافر}.
والإجماع على أن من رد آية فهو كافر.
وكذلك القول فيمن يقول: إن الله تعالى يحل في الكواعب الحسان، ومن
أشبههن من المردان عشقاً منه لها، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وإن أموال الناس والفروج المحرمة حلال. وليس المراد بالجنة إلا وصل
الحبيب، و [لا] بالنار إلا هجرة للآية؛ ولردهم أيضاً أيضاً ما علم
من الدين ضرورة، وهو أيضاً تكذيب لله ولرسوله.
وكذلك القول فيمن والى كافراً لقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ
مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} أو صوب عاصياً في عصيانه المتجاري
عليه لرده ما علم من الدين ضرورة، إذ هو تكذيب لما جاء به رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو جالسهم حال ارتكابهم فعل الكفر
غير مكره، لقوله تعالى: {فَلاَ تَقْعُدُوْا مَعَهُمْ حَتَّى
يَخُوْضُوْا فِيْ حَدِيْثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ}.
فرع
بعض أئمتنا عليهم السلام: وحكم نحو المجبرة حكم المشركين.
المهدي عليه السلام، وأبو علي، والقاضي، وابن مبشر: بل حكم
المرتدين؛ لأن إظهارهم الشهادتين إسلام، واعتقادهم ذلك ردة.
قلنا: إنما يشهدون بألوهية الفالع للقبائح والمشابه للأجسام،
والعاشق للحسان، لا بألوهية الله المتعالي عن ذلك، وإن سلم
فكالمنافق الذي لم يشم قلبه رائحة الإسلام يظهر الشهادتين.
وليس له حكم المرتد إجماعاً. أحد قولي أبي هاشم وثمامة: بل حكم
الذمي قلنا: لم نعقد لهم ذمة.
البلخي: بل حكم الفاسق.
قلنا: صح كفرهم فلزم لهم أحكام الكفار، لعدم الفاق، ولا دليل على
صحة ما ذكروه.
فصل
(1/88)
ومن خالف المؤمنين
المقطوع بإيمانهم جملة نحو كل الأمة، أو كل العترة عليهم السلام
عمداً فيما مستنده غير الرأي عمداً فهو فاسق؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ
يُشَاقِقِ الْرُّسُلِ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى،
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيْلَ الْمُؤْمِنِيْنَ نُوَلِّهِ مَا
تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ
مَصِيْراً}.
فرع
بعض أئمتنا عليهم السلام: وحكم نحو المجبرة حكم المشكرين.
المهدي عليه السلام، وابو علي، والقاضي، وابن مبشر: بل حكم
المرتدين؛ لأن إظهارهم الشهادتين إسلام، واعتقادهم ذلك ردة.
قلنا: إنما يشهدون بألوهية الفاعل للقبائح والمشابه للأجسام،
والعاشق للحسان، لا بألوهية الله المتعالي عن ذلك، وإن سلم
فكالمنافق الذي لم يشم قلبه رائحة الإسلام يظهر الشهادتين.
وليس له حكم المرتد إجماعاً. أحد قولي أبي هاشم وثمامة: بل حكم
الذمي، قلنا: لم نعقد لهم ذمة.البلخي: بل حكم الفاسق.
قلنا: صح كفرهم فلزم لهم أحكام الكفار، لعدم الفارق، ولا دليل على
صحة ما ذكروه.
فصل
ومن خالف المؤمنين المقطوع بإيمانهم جملة نحو كل الأمة، أوكل
العترة عليهم السلام عمداً فيام مستنده غير الرأي عمداً فهو فاسق؛
لقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الْرَّسُوْلَ مِنْ بَعْدِ مَا
تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى، وَيَتَّبِع غَيْرَ سَبِيْلَ
الْمُؤْمِنْيْنَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ
وَسَاءَتْ مَصِيْراً}.
وكذلك من بغي على أئمة الحق للاية والإجماع، وكذلك من تولى الفساق
أو جالسهم في حال عصيانهم غير مكره لنحو ما مر.
باب التوبة
لا خلاف في وجوبها [فوراً] لأن الإصرار على المعاصي عصيان، والعاصي
مخاطب بترك معصيته في كل وقت.
وتصح مدة العمر ما لم تحضره ملائكة الموت، لقوله تعالى: {يَوْمَ
يَرُوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِيْنَ
وَيَقُوْلُوْنَ حِجْراً مَحْجُوْراً} ونحوها.
(1/89)
وهي: الندم والعزم
على ترك العود إلى الماضي.
ما نكديم: [هي]: الندم. والعزم شرط فيها. وهو قريب.
وشرطها: الإصلاح فيما يتعلق بالآدمي من تسليم النفس والأطراف
للقصاص. وتسليم الأروش والديون والودائع، ونحو ذلك. أو العزم إن لم
يتمكن من ذلك حالها.
وأن يكون الندم لأجل وجه القبح من الإضرار وعصيان الله تعالى؛ لأنه
إذا كان الندم لأجل مشقة الفعل، أو أمر دنيوي يتعلق به، أو بالترك
فقط، أو للذم والعقاب فقط، أو للمجموع من دون وجه القبح بقي التائب
غير نادم من عصيان الله تعالى من الظلم، وهما بذر القبح الذي ثمرته
الذم والعقاب.
وقيل: غير ذلك. وهو صحيح إن تضمن الندم من وجه القبح. لكن هذا
القدر كاف لحصول الرجوع من التائب والإقلاع بذلك.
فصل
وهي مكفرة لكل معصية لقوله تعالى: {وَإِنِّيْ لَغَفَّارٌ لِمَنْ
تَابَ [وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً]} الآية.
ويبدل الله بها مكان السيآت حسات لقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ تَابَ
وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ
سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} الآية.
وقيلك يعود بالتوبة ما أحبطته المعصية، ولا دليل على ذلك.
ولا تتم النجاة بها إلا بعموم التوبة اتفقاً.
وفي إسقاطها لما خص بها من الذنوب خلاف الأصح أنه لا يقع لأن
الآيات الواردة لا تدل إلا على العموم فقط، نحو قوله تعالى:
{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً
ثُمَّ اهْتَدَى}[طه: 82] ولا دليل على قبول توبة من خص بها بعض
ذنوبه إلا قياس معارض بمثله، فوجب طرحهما، والرجوع إلى الآيات كما
تقدم.
ولقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوْا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ
عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}. والإصرار على بعض
المعاصي من الكبائر، وهو غير مجتنب، والآية تدل على عدم المغفرة مع
عدم اجتناب الكبائر، ولقوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ
مِنَ الْمُتَّقِيْنَ} والمصر غير متق.
فصل
(1/90)
[في بيان الإحباط
وكيفيته]
ومن لم يتب من المعصية الكبيرة الغير مخرجة من الملة، وفَعَل طاعة
سقط القضاء إجماعاً، ولم تُسقط هي شيئاً من عقاب عصيانه، وفاقاً
لأبي علي والإخشيدية.
المهدي عليه السلام والبهشمية، وادعى القاضي جعفر الإجماع: بل فعل
الطاعة يسقط بقدرها من عقاب عصيانه لقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرِّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}.
قلنا: [ذلك عام] مخصص بقوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ
مِنَ الْمُتَّقِيْنَ} فلو كانت مسقطة لكانت متقبلة، وبقوله تعالى:
{أَنِّيْ لاَ أُضِيْعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ} والخطاب للمنؤنين
فقط، وبقوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوْا مِنْ عَمَلٍ
فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوْراً} أي باطلاً، فلو كان مسقطاً لم
يكن باطلاً.
قالوا: يفرق في العقل بين من أحسن بعد الإساءة، وبين من أساء ولم
يحسن.
قلنا: يحسن في العقل رد إحسان المسيء الغير المقلع، ومع الرد لا
فرق بينه وبين من لم يحسن لعدم حصول ما يستحق به المكافأة، هو قبول
الإحسان.
ولا تسقط حسنات الكافر شيئاً من عقاب عصيانه اتفقاً لعدم حصول
شرطها، وهو الإسلام، لقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ
كَفَرُوْا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ
أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيْمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَزْناً}.
فصل [في ذكر التكفير للذنوب]
واكتساب الحسنات من المؤمنين، وآلامهم النازلة يكفر الذنوب لقوله
تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتَ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}. وقوله
تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوْا كَبَائِرَ مَا تُنْهُوَنَ عَنْهُ
نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}، ولقوله صلى الله عليه وآله
وسلم: (إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم) ونحوه
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من وعك ليلة كفر الله عنه ذنوب
سنة) ونحو ذلك مما تواتر معنى كما مر.
(1/91)
ولا يسقط من ثواب
الحسنات بقدر ما أسقطت الذنوب من الذنوب، ولا يسقط من ثواب التوبة
بقدر المعصية خلافاً للمهدي عليه السلام وغيره.
لنا: ثبوت ثواب الحسنات [بالأدلة] وفقد الدليل على سقوط شيء منه،
ولو سقط بها ذنب.
كتاب الوعد والوعيد
الوعد: إخبار من الله بالثواب. والوعيد: إخبار منه بالعقاب.
فصل
العترة عليهم السلام وصفوة الشيعة والمعتزلة وغيرهم: وهما مستحقان
عقلاً وسمعاً.
المجبرة: بل سمعاً فقط.
لنا: تصويب العقلاء من طلب المكافأة على فعل الإحسان، ومن عاقب
المسيء على الإساءة.
العدلية: ولا يجوز خلف الوعد على الله تعالى.
المجبرة: بل يجوز خلفه عليه تعالى.
قلنا: خلف الوعد مع القدرة على الوفاء وعدم المانع منه توأم الكذب،
وكلاهما صفة نقص يتعالى الله عنها.
وأيضاً تجويز ذلك ارتياب في قوله تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ
لَدَيَّ} الآية، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاض يُخْلِفُ
الْمِيْعَادَ} وهو كفر لتكذيب الله تعالى في قوله: {لاَ رَيْبَ
فِيْهِ}.
ويحسن العفو عن العاصي ولا يجب إن علم ارتداعه كالتائب اتفاقاً.
ولا يحسن العفو عنه إن علم عدم ارتداعه وفاقاً للبلخي وبشر بن
المعتمر، وخلافاً للبصرية.
قلنا: يصير العفو كالإغراء، وهو قبيح عقلاً.
أئمتنا عليهم السلام، وجمهور المعتزلة: ولا يجوز على الله تعالى
خلف الوعيد مطلقاً.
وعن مقاتل بن سليمان، وبعض أهل خراسان: بل وعيد الله مقطوع بتخلفه
مطلقاً.
[بعض] المرجئة: بل مقطوع بتخلفه في حق أهل الكبائر من أهل الصلاة
فقط. بعض المرجئة: يجوز في حق أهل الصلاة فقط.لنا قوله تعالى:
{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُوْلَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُوْدَهُ
يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيْهَا} الاية ونحوها، ولم يفصل.
(1/92)
وقوله تعالى: {يَا
أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِيْنَ
كَفَرُوْا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوْهُمُ الأَدْبَارَ} إلى قوله:
{وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ [وَبِئٍسَ الْمَصِيْرَ]}.
وقوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيَّ أَهْلَ
الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوْءاً يُجْزَ بِهِ}، ونحوهما من الآيات
الخاصة في عصاة أهل الصلاة، وقد قال الله تعالى: {مَا يُبَدَّلُ
الْقَوْلُ لَدَيَّ}.
قالوا: قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِيْنَ
أَسْرَفُوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوْا مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوْبَ جَمِيْعاً}، وقوله
تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُوْا مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى
ظُلْمِهِمْ}، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ
يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُوْنَ ذَلِكَ لِمَنْ
يَشَاءُ}[الآية] ونحوها.
قلنا: آيات الوعيد لا إجمال فيها، هذه الآيات ونحوها مجملة، فيجب
حملها على نحو قوله تعالى: {وَإِنِّ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ
وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَىْ} وقوله تعالى: {يَا
أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا تُوْبُوْا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً
نَصُوْحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ} وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوْءاً أَوْ
يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ
غَفُوْراً رَحِيْماً}، نحوهما من صرائح الآيات.
قالوا: القرآن مملوء من نحو قوله تعالى: {وَهُوَ أَرْحَمُ
الْرَّاحِمِيْنَ}.
(1/93)
قلنا: مجملات فيجب
حملها على قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُوْنَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ يَأْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنْكَرِ وَيُقِيْمُوْنَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوْنَ الزَّكَاةَ
وَيُطِيْعُوْنَ اللَّهَ وَرَسُوْلَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ
اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ}، وقوله تعالى:
{وَرَحْمَتِيْ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأْكْتُبُهَا لِلَّذِيْنَ
يَتَّقُوْنِ وَيُؤْتُوْنَ الزَّكَاةَ وَالَّذِيْنَ هُمْ
بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُوْنَ} ونحوهما من صرائح القرآن.
قالوا: يحسن في العقل العفو عن المسيء.
قلنا: لا يحسن حيث علم عدم غقلاعه، ألا ترى لو أن سلطاناً إذا عرف
من عبده الفاحشة مع حريمه، هو يعلم أنه لا يرتدع إن عفي عنه بل
يعود إلى الفاحشة أن العفو عنه لا يحسن في العقل، وهم لم يقلعوا عن
الإصرار؛ لأن توبتهم لم تكن لأجل وجه القبح، بل لما وقعوا فيه من
العقاب، ولقوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوْا لَعَادُوْا لِمَا نُهُوْا
عَنْهُ}.
فصل [في ذكر شفاعة النبي (ص)]
أئمتنا عليهم السلام وجهمور المعتزلة: وشفاعة النبي صلى الله عليه
وآله وسلم لأهل الجنة من أمته يرقيهم الله [تعالى] بها من درجة إلى
أعلا منها، ومن نعيم إلى أسنى منه، و[أما] من أدخله الله النار فهو
خالد فيها أبداً.
بعض المرجئة: بل شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل الكبائر
من أمته فيخرجهم الله بها من النار إلى الجنة.
(1/94)
لنا: قوله تعالى:
{وَالَّذِيْنَ كَسَبُوْا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ
بِمِثْلهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةً مَالَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ
عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوْهُهُمْ قِطَعاً مِنَ
اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيْهَا
خَالِدُوْنَ} ولم يفصل، وقوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ
وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ
بِهِ وَلاَ يَجِدُ لَهُ مِنْ دُوْنِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ
نَصِيْراً}، وقوله تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِيْنَ مِنْ حَمِيْمٍ
وَلاَ شَفِيْعٍ يُطَاعَ} أي يجاب كقوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ
مِنْهُمْ آثِماً أُوْ كَفُوْراً}، أي لا تجب، فلو كانت لهم لكانوا
غير مخلدين فيها، وذلك خلاف لصريح آيات الوعيد بالتخليد، ولكان
الشفيع لهم عاصماً وولياً ونصيراً، وذلك خلاف لصرائح هذه الآيات.
قالوا: ورد الاستثناء في قوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ}.
قلنا: المعنى: هم خالدون في النار مدة القيامة إلا مدة وقوفهم في
المحشر للقطع بالوقوف فيه للحساب كما في حق أهل الجنة في قوله
تعالى: {[وَأَمَّا الَّذِيْنَ سُعِدُوْا فَفِيْ الْجَنَّةِ
خَالِدِيْنَ فِيْهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ] إِلاَّ
مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوْذٍ} إذ لا خلاف أن
المراد بالاستثناء قبل دخول الجنة، والفرق تحكم.
ولصريح قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِيْنِ مِنَ النَّارِ}
وقوله تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ
قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُوْنَ}.
قالوا: وردت أحاديث بأنها لأهل الكبائر.
(1/95)
قلنا: يجب طرحها
لإجماع الصحابة على رفض معارض القرآن مما روي من الأخبار، ولقدح في
متحمليها، ولمعارضتها الصحيح من الأخبار نحو قوله صلى الله عليه
وآله وسلم : (صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي لعنهما الله على
لسان سبعين نبياً) الخبر، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يدخل
الجنة قتات) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يدخل الجنة صاحب
كس ولا مدمن خمر ولا مؤمن بسحر ولا قاطع رحم ولا منان) وقوله صلى
الله عليه وآله وسلم: (ولا يدخل الجنة بخيل) إلى غير ذلك.
فصل
[في ذكر عذاب القبر]
أئمتنا عليهم السلام والجمهور: وعذاب القبر ثابت خلافاً لقديم قولي
أحمد بن سليمان عليه السلام والموسوي ويحيى بن كامل.
لنا: أخبار صحيحة.
ويجوز دخول الملكين القبر للسؤال. خلافاً للبستي وضرار.
لنا: الأخبار ولا مانع.
فصل [في ذكر الصور]
الهادي عليه السلام: والصور: المراد به كل الصُّور.
قلت: وله نظائر. النقب جمع لنقبة من الجرب. قال الشاعر: (يضح الهنا
مواضع النقب).
والصوف جمع صوفة، والعطب جمع عطبة، والقطن جمع قطنة، والبسر جمع
بسرة.
وعلى الجملة أن محققي علماء العربية أجمعوا على أن ذلك قياس فيها
عدا صنعة البشر من نحو برمة.
وقيل: بل الصور مجاز.
الحشوية وغيرهم: بل قرن قد التقمه إسرافيل عليه السلام.
قلنا: لا دليل عليه من القرآن، ولا ثقة بأخبار الحشوية حيث لم يره
غيرهم.
قيل: لو كان الصور لجميع الصور لما صح أفراد الضمير في قوله تعالى:
{ثُمَّ نُفِخَ فِيْهش أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُوْنَ}.
قلنا: ذلك جائز في العربية إجماعاً، في نحو هذا الجمع خاصة، يقال:
الصوف نفشته.
والناقور: مجاز. شبه الله تعالى دعاهم إلى المحشر بالنقر في
الناقور، هو آلة نحو الطبل ينقر فيها لاجتماع القوم، وعند نهوض
الجيش.
وقيل: بل هو القرن.
لنا: ما مر.
باب [في ذكر القيامة]
والقيامة: اسم لوقت البعث والنشور والحساب والجزاء.
(1/96)
ووجه حسنه حصول العلم
البت للمكلفين بالله تعالى وأن الصائر إليهم جزاء لكشف الغطاء
بالآيات الموجبة للقطع بذلك منذ الممات حتى الحشر.
قال الله سبحانه: {سَنُرِيْهِمْ آيَاتِنَا فِيْ الآفَاقِ وَفِيْ
أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقَّ} فتتم حينئذ غبطة
المطيعين، و[تعظيم] حسرة المصرين، ولذلك لم يعجل الله كل الجزاء في
الدنيا، في الدنيا لعدم تمامه بعدم القطع بكونه جزاء للمكلفين،
ولتنغيصه بانقطاعه في حق غيرهم؛ إذ لا بد من الفناء والإعادة لذلك
كما مر.
الزمخشرين: يجوز تعجيل كل العقاب.
قلنا: لم يعرف أنه جزاء فلم يتم. وأيضاً لا دليل.
فصل [في ذكر البعث]
ويبعث الله كل من نفخ فيه الروح قطعاً.
أبو هاشم: لا قطع.
لنا: قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِيْ الأَرْضِ وَلاَ
طَائِرٌ يَطِيْرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا
فَرَّطْنَا فِيْ الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهُمْ
يُحْشَرُوْنَ} ويعاد أجزاء الحي كاملاً.
وقيل: ما يصح أن يكون لاحي حياً معها.
قلنا: يلزم أن يكون بلا يدين ولا رجلين لأنه يصح أن يكون حياً من
دونها وقد ثبت أن الله تعالى يقول: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ
أَلْسِنَتُهُمء وَأَيْدِيْهِمْ} الآية.
أبو علي والبلخي: بل جميع الأجزاء.
قلنا: لا دليل على الفضلات.
فصل [في ذكر الحساب والميزان والصراط والجنة]
والحساب يحصل به تعجيل مسرة للسعيد بنشر لاحسنات، وتعجيل عقوبة
بالحسرة والندامة للشقي بكشف السيئات مع إظهار عدل الله تعالى
والتناصف جمهور أئمتنا عليهم السلام: والميزان المراد به الحق من
إقامة العدل والإنصاف.
المهدي وغيره: بل هو على حقيقته.
قلنا: وزن الأعمال مستحيل، إذ هي أعراض، وزن غيرها إما جوراً ولا
طائل تحته، وأي ما كان فلا يجوز على الله تعالى.
(1/97)
ولنا قوله تعالى:
{وَالْوَزْنُ يَوْمَئذٍ الْحَقُّ} وهذا نص صريح أنه الحق، وقوله
تعالى: {وَنضَعُ الْمَوَازِيْنَ الَحَّقَّ} وهذا نص صريح أنه الحق،
وقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِيْنَ الْقِسْطِ لِيَوْمِ
الْقِيَامَةِ}، وهذا نص صريح أن الموازين هي القسط، والقسط هو
العدل، وكالميزان الذي أنزله الله تعالى في الدنيا حيث قال:
{وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيْزَانَ}.
قالوا: روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في صفة الميزان:
((دون العمود وكما بين المشرق والمغرب، وكفه الميزان كأطباق
الدنيا}.
قلنا: لا وثوق برواية من روى هذا عنه، وإن سلم فذكره للعمود والكفة
ترشيح، كقوله الشاعر [يصف رجلاً شجاعاً]: (له لبد أظفاره لم تقلم).
فيوافق حينئذ ما ذكرناه من الأدلة.
والصراط في الدنيا: هو دين الله الذي جاء به رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم إجماعاً.
المهدي عليه السلام وغيره: وفي الآخرة هو جسر على جهنم.
لنا قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِيْ مُسْتَقِيْماً
فَاتَّبِعُوْهَ وَلاَ تَتَّبِعُوْا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ
عَنْ سَبِيْلِهِ} خطاباً لأهل الدنيا.
وقال تعالى: {قُلْ إِنَّنِيْ هَدَانِي رَبِّيْ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيْمٍ دِيْناً قَيِّماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيْمَ حَنِيْفاً}
وقوله تعالى: {يَوْمَ يُدْعَوْنَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً}
وقوله تعالى: {وَسِيْقَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا إِلَى جَهَنَّمَ
زُمَراً} إلى قوله [تعالى]: {قِيْلَ ادْخُلُوْا أَبْوَابَ
جَهَنَّمَ خَالِدِيْنَ فِيْهَا} نص [صريح] في أنهم لا يمشون على
جسر فوقها.
وأيضاً ما قالوا يستلزم تكليف المؤمنين في الآخرة، والإجماع على أن
لا تكليف فيها.قيل: ويلزمنا التكليف بالوقوف في المحشر كالوقوف
بعرفة، والمرور إلى الجنة كالمرور في الحج.
(1/98)
قلنا: لا سواء؛ لأن
الوقوف في المحشر لا مشقة فيه على المؤمنين؛ لأنه تعجيل جزاء
للمكلفين، وكذلك مرورهم إلى الجنة لسرورهم وشوقهم إليها بخلاف
المرور على جسر جهنم، فهو مشقة لا أعظم منها؛ لأنكم تزعمون أن
الأنبياء والمرسلين يقولون: سلّم سلّم. خوفاً من أن يقعوا فيها،
وذلك أعظم تكليف.
قالوا: قال تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} وليس
ورودها إلا المرور على الجسر.
قلنا: بل ورودها حضورها فقط لأن الورود في اللغة بمعنى الحضور
كقوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ}، أي حضر من غير خوف
ولا حزن على المؤمنين لقوله تعالى: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ
الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوْا وَلاَ تَحْزَنُوْا وَأَبْشِرُوْا
بِالْجَنَّةِ الَّتِيْ كُنْتُمْ تُوْعَدُوْنَ}، وقوله تعالى:
{وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُوْنَ}.
قالوا: قد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يمد الصراط
فيكون أول من يمر به أنا وأمتي والملائكة بجنبيه أكثرهم يقول: سلم
سلم) الخبر.
قلنا: لا ثقة براويه، وإن سلم فمعارض بأقوى منه، وهو قوله صلى الله
عليه وآله وسلم لعلي كرم الله وجهه في الجنة: (يا علي إن المؤمنين
إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق عليها رحائل الذهب يستوون عليها
فتطير بهما رحائل الذهب يستوون عليها فتطير بهم إلى باب الجنة).
الخبر بطوله.
وما روى ابن البيع بإسناده إلى النعمان بن سعد قال: كنا جلوساً عند
علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقرأ قوله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ
الْمُتَّقِيْنَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً} قال: (لا والله ما على
أرجلهم يحشرون ولا يساقون ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة لم تنظر
الخلائق إلى مثلها أرحالها الذهب وأزمتها الزبرجد فيقعدون عليها
حتى يقرعوا باب الجنة). ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
يعني البخاري ومسلماً.
(1/99)
وروى البخاري ومسلم
والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال:
(يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، فاثنان على بعير
وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير). الخبر ونحوه.
فإن سلم التعادل وجب طرحها، والرجوع إلى ما قدمناه من الأدلة.
وإنطاق الجوارح حقيقة. وقيل: مجاز.
قلنا: لا مانع؛ لقدرة الله سبحانه على ذلك كتسبيح الحصى في كفه صلى
الله عليه وآله وسلم.
الهادي عليه السلام وأبو هاشم وغيرهما: والجنة والنار لم يخلقا
قطعاً لقوله تعالى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ} ولا بد من فناء كل شيء،
كما مر.
أبو علي وأبو الحسين: بل خلقتا قطعاً، لقوله تعالى: {أُعُدَّتْ}.
قلنا: في علمه تعالى.
قالوا: قال تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ
سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى}.
قلنا: تلك جنة تأوي إليها أرواح الأنبياء صلوات الله عليهم،
والشهداء في بقية أيام الدنيا، لا جنة الخلد التي وعد المتقون
جمعاً بين الأدلة.
المرتضى والمهدي عليهما السلام: لا قطع بأيهما.
قلت: وهو الحق لاحتمال أن يكون أكلها دائم في القيامة لا في أيام
الدنيا.
الهادي عليه السلام: وجنة آدم عليه السلام كانت في الأرض لقوله
تعالى: {إِنِّيْ جَاعِلٌ فِيْ الأَرْضِ خَلِيْفَةً} ولا دليل على
إطلاعه إلى السماء.
وقال غيره: بل هي في السماء لقوله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطَا}.
قلنا: كقوله تعالى: {اهْبِطُوْا مِصْراً}.
خاتمة
[في افتراق الأمة وبيان الفرقة الناجية]
(1/100)
اعلم أن الأمة قد
تفرقت إلى مذاهب شتى، وليس كلها بمصيب لما مر، ولقوله صلى الله
عليه وآله وسلم: (ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا
فرقة واحدة)، وهذا الخبر متلقى بالقبول، ولم يمت صلى الله عليه
وآله وسلم إلا وقد بلغ عن الله تعالى بيان الفرقة الناجية لقوله
تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ} وقوله صلى الله
عليه وآله وسلم: (ما تركت شيئاً يقربكم إلى الجنة إلا دللتكم عليه)
الخبر ـ بآية المودة وأية التطهير، وآية المباهلة وغيرها من الآيات
الدالة على أنها هي العترة الطاهرة ون تابعها، وبما ورد في
المعصومين خاصة مما لا ينكره الموالف والمخالف.
ومما ورد فيهم وفي سائر العترة عليهم السلام عامة قوله صلى الله
عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي
أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن
يفترقا حتى يردا عليَّ الحوضَ) وهذا الخبر متواتر مجمع على صحته.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من
ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى ومن قاتلها آخر الزمان فكأنام
قاتل مع الدجال لعنه الله) وهذا الخبر مجمع على صحته أيضاً عند
علماء آل الرسول صلوات الله عليهم وشيعتهم وأهل التحقيق من غيرهم.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ولا تخالفوهم فتضلوا) إلى غيرهما
من زهاء ألف حديث من رواية الموالف والمخالف.
وفي أعيان أئمتهم عليهم السلام بعد الأربعة في زين العابدين عليه
السلام عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إذا كان يوم القيامة
نادى مناد ليقم سيد العابدين) ونحوه.
(1/101)
وفي زيد بن علي عليه
السلام عن صنوه محمد [بن علي] الباقر عليهم السلام عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم أنه قال للحسين: (يا حسين يخرج من صلبك رجل
يقال له: زيد يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس يوم القيامة غرا محجلين)
وفي رواية أخرى مثله وزاد (يدخلون الجنة بغير حساب) ونحوه.
وفي علي بن موسى الرضا عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله وسلم
أنه قال: (ستلقى بضعة مني بأرض خراسان لا يزورها مؤمن إلا أوجب
الله له الجنة وحرم جسده على النار). ونحوه.
وفي محمد بن عبد الله النفس الزكية عليه السلام عنه صلى الله عليه
وآله وسلم أنه قال: (إن النفس الزكية يقتل فيسيل دمه إلى أحجار
الزيت لقاتله ثلث عذاب أهل جهنم).
وفي الحسين بن علي صاحب فخ عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله
وسلم أنه انتهى إلى فخ فصلى بأصحابه صلاة الجنازة ثم قال: (يقتل
هاهنا رجل من أهل بيتي في عصابة تنزل عليهم الملائكة بأكفان وحنوط
من الجنة تسبق أرواحهم أجسادهم [إلى الجنة]) الخبر ونحوه.
وفي القاسم [بن إبراهيم] الرسي عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله
وسلم أنه قال: (يا فاطمة إن منك هادياً ومهدياً ومستلب الرباعيتين
لو كان بعدي نبي لكان إياه).
وفي الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام عنه صلى الله عليه
وآله وسلم أنه أشار بيده إلى اليمن وقال: (سيخرج رجل من ولدي في
هذه الجهة اسمه يحيى الهادي يحيي الله به الدين) ونحوه.
وفي الناصر للحق الحسن بن علي بن الحسين [بن علي] بن عمر بن [بن
علي] الأشرق الأطروش عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه
قال: (يا علي يكون من ولدك رجل بزيد المظلوم يأتي يوم القيامة مع
اصحابه على نجب من نور يعبرون على رؤوس الخلائق كالبرق اللامع
يقدمهم زيد، وفي أعقابهم رجل يدعى بناصر الحق حتى يقفوا عن باب
الجنة فتستقبلهم الحور العين، وتجذب بأعنة نجبهم إلى أبواب قصورهم)
إلى غير ذلك.
(1/102)
ومن أراد استقصاء ذلك
فعليه بالبسائط نحو كتاب (ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة)
للأمير الحسين عليه السلام.
المعتزلة: بل هي الفرقة الناجية، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:
(أبرها وأتقاها الفئة المعتزلة).
قلنا: إن صح فالمراد به العترة المعتزلة عن الباطل بشهادة الله
ورسوله لهم بذلك لما مر.
المجبرة: بل هي الناجية لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (عليكم
بالسواد الأعظم).
قلنا: المراد بالأعظم عند الله سبحانه، وليس كذلك إلا الذين شهد
الله بإيمانهم، وحكم بنجاتهم من عترة خاتم النبيين.
ختم الله لنا بمرضاته، ونجانا برحمته آمين آمين.
قال في الأصل وهو الشرح الذي اعتمدناه أصلاً لهذا:
وافق الفراغ من نساخته بعد أذان العصر يوم السبت سلخ شهر جمادي
الأخرى سنة إحدى وستين بعد الألف من الهجرة النبوية على صاحبها
أفضل الصلاة والتسليم.
(1/103)

|