|

المجموعة
الفاخرة للإمام الهادي عليه السلام (2)
فلما كانت أئمتهم كذلك، وكانوا هم أشر من ذلك؛ فعموا عن الدين،
وجهلوا فروض رب العالمين، ولم يعلموا حراماً من حلال، من قول ولا
فعال؛ شابهوا أئمتهم في فعلهم، واقتدوا بفعلهم(1) في أديانهم، فهم
بأديان أئمتهم يقتدون، وفي عمى كبرائهم يعمهون، لم يروا محدوداً
على حد فيخافوا ما ناله، ولم يروا مهتدياً فيتبعوا حاله، ضُلاَّلٌ
أشقياء متحيّرون أَرْدِياء، قد غرقوا في الضلال المبين، وجنبوا عن
طريق الحق واليقين، اتباع كل ناعق، سيقة كل سائق، لا يعرفون سبيل
رشد فيتبعوه، ولا طريق هُلك(2) فَيَتَجَنَّبُوه، قد اتخذهم كبراؤهم
سنداً، وجعلوهم لهم يداً، يطفئون بها نور الهدى، ويقتلون بها أهل
التقوى، ويظهرون بها (أهل)(3) الفحش والردى، ويخملون بها نور
الإسلام، ويظهرون بها أفعال الطغام، ويحاربون بها من دعا إلى دين
محمد عليه السلام. يتبلغ(4) الجبارون المتكبرون بأتباعهم
المتحيرين، وينالون بهم معصية رب العالمين.
فلما أن علمنا أن هذه حالهم، ووقفنا على أنها سبيلهم، لم نستجز ـ
بعد ملكهم والقهر لهم، والعلو بعون الله على جبابرتهم ـ أن نقيم
الحدود فيهم، مع ما قد علمنا من جهلهم، حتى نبين لهم ما ندعوهم
إليه، وما نوقفهم عليه، ثم نمضي الحدود بعد الإنذار والإعذار؛
{لَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ
بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسِمِيعٌ عَلِيمٌ}[الأنفال: 42].
[تسبيح الجمادات وسجودها]
وسالت أكرمك الله عن قول الله سبحانه: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ
يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَتَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}
[الإسراء: 44].
__________
(1) في (أ): بهم.
(2) في (أ): هلاك.
(3) ليس في (أ).
(4) في (ب): فبلغ.
(3/168)
واعلم أن معنى هذا وأحسن ما يؤول في فهمنا أن الله تبارك وتعالى
أراد بذلك أنَّه ليس من شيء إلاَّ وفيه من أثر صنعه وتدبيره
وتقديره؛ ما يدل على جاعله ومصوره، ويوجب له سبحانه على من عرف أثر
صنعته(1) فيه التسبيح والتهليل، والإقرار بالواحدانية والتبجيل،
عند تفكر المتفكر واعتبار المعتبر؛ بما يرى من عجائب فعله جل
جلاله، فيما خلق من عروق الأشجار الضاربة في الثراء، وفروعها
الباسقة في الهواء، وما يكون منها من ثمار مختلفة شتَّى، فإذا نظر
إلى اثر تدبير الجبار فيها أيقن بالصنع، وإذا أيقن بالصنع أيقن
بالصانع، وإذا استدل على الصانع ثبتت معرفته في قلبه، ورسخت
وحدانيته في صدره، فإذا ثبتت المعرفة في قلب المعتبر، وصحت في
جوراح الناظر؛ نطق لسانه بالتسبيح لجاعل الأشياء، وظهرت منه
العبادة لصانعها.
__________
(1) في (أ): صنعه.
(3/169)
فهذا معنى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}،
لمَّا كان في الأشياء كلها الدليل على جاعلها، وفي الدليل على
جاعلها ما يوجب الإقرار به، وفي الإقرار به ما يوجب ذكره بما هو
أهله من التقديس والتبجيل ، والتسبيح والمعرفة والإقرار لقدرته(1)،
جاز أن يقال: {يُسَبِّحُ}؛ إذ كان بسببه التسبيح من المسبح،
المستدل على ربه بما بين له في كل شيء من أثر صنعته(2) فقال:
{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} وهو يعني
بالتسبيح تسبيح المسبحين؛ لسبب أثر الصنع من المعتبرين بذلك، فجاز
ذلك إذ كان بسبب أثر الصنع في هذه الأشياء، وكان التسبيح فيها من
المسبحين، المقرين بالله المعترفين، وما التسبيح إلا كقول الله:
{زينا لهم أعمالهم}[النمل: 4] فليس(3) الله يزين لأحد قبيحاً، ولكن
لما كان سبب زينة الدنيا وما فيها من الله خلقاً وجعلاً، وكان منه
الإملاء للفاسقين، والتأخير الذي به تزينت أعمالهم، جاز أن يقال:
{زَيَّنَا} ولم يزين لهم سبحانه قبيحاً من فعلهم.
وكذلك قوله سبحانه: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ
ذِكْرِنَا}[الكهف: 28]، فليس الله سبحانه يغفل قلب أحد عن ذكره،
ولا يصرفه عن معرفته، ولكن لما أن كان منه سبحانه ترك المعاجلة
للمسيء على فعله، والتأخير له في اجله، جاز أن يقول:
{أَغْفَلْنَا}؛ إذ كانت الغفلة هي الإعراض، والترك للحق والتوبة
والإنابة. فجاز من قبل إملاء الله وتأخيره للمسيء المذنب أن يقول:
أغفلنا؛ على مجاز الكلام.
ومثل هذا كثير في القرآن يعرفه ذو الفهم والبيان.
__________
(1) في (أ): بقدرته.
(2) في (أ): صنعه.
(3) في (أ): وليس.
(3/170)
ومما حكى الله تعالى عن ولد يعقوب عليه السلام {وَاسْأَلِ
القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيْهَا وَالعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا
فِيهَا}[يوسف: 82] فقال: القرية، والقرية فإنما هي البيوت والدور،
وليس البيوت والدور تَسأل، وإنما أراد أهل القرية؛ لأنها من سبب
الأهل، والأهل من سببها، فجاز ذلك في اللغة العربية.
وكذلك قولهم: سل العير التي أقبلنا فيها، والعير فإنما هي الجمال
المحملة، وليس الجمال تسأل، ولا تجيب ولا تستشهد، وإنما أرادوا أهل
الجمال وأرباب الحمولة، فقالوا: سل العير، وإنما أرادوا أهلها.
فكذلك قوله سبحانه: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ
بِحَمْدِهِ} يريد وإن من شيء إلاَّ وهو يوجب التسبيح على من اعتبر
ونظر، وفكر في أثر صنع الله بما فيه، فجاز أن يقال: {وَإِنْ مِنْ
شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}، لما أن كان أثر الصنع فيه
موجباً للتسبيح لصانعه، على المعتبرين من عباده.
فأما قوله: {وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (فهو ذم لمن
لم يعتبر ويستدل بأثر الصنع في الأشياء، فقال: {وَلَكِنْ لاَ
تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ})(1) يريد: لا يفقهون ما به من أثر
الصنع فيها، الذي يوجب التسبيح للصانع والإجلال والتوقير. فكان ذلك
ذماً لمن لا يعتبر ولا يتفكر، ولا يحسن التمييز في أثر صنع الله
فيعلم بأثر صنعه؛ ما يستدل به على قدرته، ويصح لربه ما يجب لمعرفته
(2)؛ من توحيده والإقرار بربوبيته.
وأما قوله: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}[الرحمن: 6] فقد
قال بعض العلماء: إن معنى السجود سجود ظلال الأشياء، ووقوعها على
الأرض.وقال بعضهم: إن هذا على المثل، يقول: إنَّه لو كان في شيء من
الأشياء؛ من الفهم والتمييز مثل ما جعل الله في الآدميين
والشياطين، والملائكة المقربين؛ إذن لعبد الله كل شيء وسبحه بأكثر
من عبادة الآدميين وتسبيحهم.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (أ): بمعرفته.
(3/171)
فجعل هذا مثلاً؛ كما قال سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ
عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ}[الأحزاب: 72] الآية،
أراد تبارك وتعالى أنَّه لو كان في السموات والأرض والجبال من
الفهم والتمييز ما في الآدميين، ثم عرض عليها ما عرض على الآدميين
من حمل الأمانات التي قبلها الآدميون؛ لأشفقت السموات والأرض
والجبال من حملها، ولما قامت بما يقوم به الآدمي من نقضها(1)، مع
ما في الأمانة من الخطر وعظيم الأمر على من لم يؤدها(2) على حقها،
ويقم بها على صدقها.
والأمانة على صنوف شتى، فمنها قول الحق وفعله، ومنها أداء الشهادة
على وجهها، ومنها أداء الحقوق إلى أهلها، من الأنبياء المرسلين،
والأئمة الهادين، ومنها الودائع من الأموال وغيرها.
ومنها العقود التي قال الله تبارك وتعالى فيها، وفيما عظم من
خطرها، وأجل من أمرها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا
بِالعُقُودِ}[المائدة: 1].
فكل ما ذكرنا فهو أمانة عند العالمين، واجب عليهم تأديتها عند رب
العالمين.
__________
(1) في (ب): من بعضها.
(2) في (ب): يردها.
(3/172)
وأحسن ما أرى والله أعلم وأحكم في تأويل قوله سبحانه: {وَالنَّجْمُ
وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}[الرحمن: 6]، أنَّه أراد بقوله: يسجدان
ومعنى يسجدان؛ فهو لما فيهما من التدبير، وأثرالصنع والتقدير؛ لله
الواحد القدير. فإذا رأى المعتبرون المؤمنون ما فيهما من جليل صنع
الله، وعظيم(1) جعله لهما، وما سخرهما له وجعلهما عليه، من جولان
النجم في الأفلاك، تارة مصعداً وتارة منحدراً، وتارة طالعاً وتارة
آفلاً، تقديراً من العزيز العليم لما أراد من الدلالة على الدهور
والأزمان، والدلالة على عدد الشهور والسنين والأيام للإنسان، فإذا
رأى ذلك كله مسلم تقي، أو معتبر مهتد؛ سجد له بالمعرفة والإيقان،
واستدل عليه سبحانه بذلك الصنع في كل شأن؛ فَعَبَدَه عِبَادَةَ
عارف مقرٌ، عالم غير منكر، فسجد له متذللاً عارفاً، مستدلاً عليه
سبحانه بما أبصر من الدلائل في النجوم عليه.
وكذلك حال الشجر وما فيه من عجائب الصنع والتدبير، وما ركبه الله
سبحانه عليه من التقدير، في ألوان ثمارها وطعومها، واختلاف
ألوانها، وهي تسقى بماء واحد وتكون في أرض واحدة، كما قال الله
سبحانه: {وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ
أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيرُ صِنْوانٍ تُسْقَى
بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَومٍ يَعْقِلُونَ}[الرعد: 4] فكل ذلك
من اختلافها، دليل على قدرة جاعلها، ووحدانية فاطرها.
فهذا أحسن المعاني عندي والله أعلم وأحكم في (يسجدان)، أنَّه يسجد
من أثر الصنع فيهما، وأثر القدرة في تقديرهما؛ كُلُّ مؤمن عارف
بالله، مقرٌ بصنع الله وحكمته، ويستدل(2) عليه بأثر قدرته.
فافهم مابه قلنا في قوله يسجدان، وتفكر فيما شرحنا وميز قولنا؛ يبن
لك فيه الصواب، ويزح عنك فيه الشك والإرتياب.
[متى يعلم العبد أنه صادق عند ربه]
__________
(1) في (ب): وعظم.
(2) في (أ): يستدل.
(3/173)
وسالت فقلت: متى يعلم العبد أنَّه صادق عند ربه.
والجواب(1) في ذلك أنَّه إذا علم من نفسه أنَّه مطيع له غير عاص،
صادق غير كاذب، وقائم بحجته غير مقصر، ومُؤَمن لنفسه من عقوبة ربه؛
بما يكون منه من طاعة خالقه، وترك جميع ما يسخط سيده، فهو ـ إذا
أيقن من نفسه بذلك ـ صادق عند ربه، مقبولٌ ما يكون من عمله، محمود
في كل فعله.
[لقاح العقل]
وسالت(2) عن لقاح العقل.
ولقاح العقل فهو التجربة؛ لأن كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل
محتاج إلى التجربة ومضطر إليها، غير مستغن عنها.
[رياضة النفس]
وسالت عن رياضة النفس ما هي؟ وكيف هي تكون؟
واعلم رحمك الله ووفقك، وهداك للرشد وسددك، أن رياضة النفس على
صنوف، يجمع الصنوف المختلفة أصلٌ واحدٌ تكون فيه مؤتلفة، وهو:
ترغيبها فيما أعد الله للمتقين، وجعل سبحانه في الآخرة من الثواب
للمؤمنين، وحكم به من الفوز لأوليائه الصالحين، والترهيب لها بما
أعد الله للعاصين؛ من العذاب المهين، وشراب الحميم، وطعام الزقوم،،
وما أشبه ذلك من ألوان العذاب المقيم.
فهذا أصل رياضة النفس.
ومن فروع ذلك ما روي عن بعض الصالحين أنَّه كان يرهب نفسه بما
يشبهه(3) بعذاب رب العالمين؛ من أنَّه كان ربما لذع نفسه بالنار
إذا طمعت، أو همت بالمعصية أو طغت، فإذا وجدت حرقة النار، قال: هذا
جزعك من النار الصغيرة، فكيف تدعينني إلى ما يدخلني وإياك النار
الكبيرة.
ومن رياضة النفس ما ذكر عن بعض الصالحين من أنَّه كان يخلو،ثم
يخاصم نفسه بأرفع ما يكون من الصوت، كما يخاصم الخصم خصمه، ويحاور
الضد ضده؛ فيقول: فعلت بي كذا وكذا، وفعلت بي كذا وكذا، وهذا هلكتي
وهلكتك، وتلفي وتلفك، فلا يزال كذلك حتى تنكسر له نفسه، وتراجع له.
__________
(1) في (أ): الجواب.
(2) في (أ): وسألت فقلت: ما لقاح العقل.
(3) في (ب): مما يشتهيه.
(3/174)
ومن رياضة النفس ـ مما هو(1) فرع للأصلين الذين أثبتناهما
وذكرناهما لك وفسرناهما ـ ذكرها(2) للموت والفناء، وخروجها مما
تميل إليه من لذات الدنيا، وانتقالها من دار سرورها ورخائها، إلى
دار فنائها وبلائها، وما يكون من تمزق بدنها في الثرى، ثم ما يكون
من بعده من الحسرة في يوم الدين، والمحاسبة لها من رب العالمين.
ومن رياضتها تذكرها لأهوال(3) الوقوف في يوم الحشر، وما في كتاب
الله من وصف حال يوم النشر(4).
فهذا وما كان متفرعاً من الأصلين فهو رياضة النفس وتوقيفها، وردها
إلى الحق وتعريفها.
وأصل ذلك كله وفرعه، والذي هو عون لصاحبه على نفسه؛ فهو إخلاص
النية إلى ربه، والإستعانة به على نفسه، فإن من خلصت له نيته،
وصلحت له علانيته؛ أصلح الله له سريرته، وقواه على إرادته،
بالتوفيق والتسديد، والمعونة والتأييد؛ لأنَّه إذا كان منه ما
ذكرنا من إخلاص النية والإرادة، والإقبال إلى الله والتوبة؛ فقد
اهتدى، وإذا اهتدى فقد قبله الله سبحانه فزاده هدىً، ومن زاده هدى،
فقد وجب له الحياطة، في كل معنى، ومن حاطه الله وهداه فقد أعانه
على طاعته وتقواه.
[متى يعلم العبد اجتهاده في رضاء الله]
وسالت فقلتَ: متى يعلم العبد أنَّه مجتهد في رضاء ربه؟
فالجواب أنَّه لا يعلم بحقيقة العلم أنَّه مجتهدٌ لله فيما يرضيه،
حتى يعلم أنَّه أبداً لا يعصيه، فإذا وثق من نفسه، أنه لا يأتي لله
معصية، ولا يترك له فريضة؛ فعند علمه بذلك من نفسه؛ يعلم أنَّه
مجتهد في رضى ربه، فعلمه باجتهاده ورضى ربه(5)، تابع لعلمه
بالإئتمار بأمره، والإنتهاء عن نهيه، وعلى قدر ما يكون الإئتمار من
العبد بأمره، والإنتهاء عن نهيه، يكون الإجتهاد منه في رضى خالقه.
[متى يعلم العبد استحقاقه للجنة]
__________
(1) في (ب): ماهو.
(2) في (أ): تذكرها.
(3) في (أ): تذكيرها هول.
(4) في (ب): النشور.
(5) في (أ): في رضى ربه.
(3/175)
وسالت فقلت: متى يعلم العبد أنَّه قد استوجب الجنة من الله سبحانه؟
والجواب(1) في ذلك إذا علم بحقيقة العلم أنَّه قد أخلص التوبة
النصوح إلى الله، وأنه لا يدخل في معصية من معاصي الله، وأنه لا
يدع شيئاً من فرض الله؛ ثم علم أن ذلك منه بإخلاص واستواء، وثبات
ونية وتقوى؛ فليعلم عند ذلك أنَّه من المؤمنين، وقد أخبر الله بمحل
المؤمنين، فقال سبحانه: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ
فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ}[السجدة: 18 ـ 19]؛ فإذا أيقن بذلك من نفسه وعلمه،
فليعلم أنَّه قد صار من أهل الجنة، كما ذكر الله في كتابه في هذه
الآية التي ذكرنا (والله أعلم)(2).
[المساواة في الحقوق]
وسالت فقلت: أكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يساوي بين
الأغنياء والفقراء في الحق؟
وكذلك لعمري كان صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن كنت تريد بقولك: (يساوي بينهم في الحق، أي) (3) يساوي بينهم في
الحكم، وينصف كلاً من صاحبه؛ فكذلك لعمري كان صلى الله عليه وآله
وسلم. وإن كنت تريد بقولك: يساوي(4) في الجوائز والعطاء والرزق؛
فنعم قد كانوا عنده في ذلك سواء فيما يجب لهم ويجري عليهم، مما
يجب(5) التسوية بينهم فيه؛ مثل قسم الفيء، وقسم الغنائم. فأما في
أرزاق المرتزقين(6)، وسهام الأجناد المتجندين؛ فلا يستوون في ذلك،
ولا يكونون في الجوائز(7) سواء كذلك، بل الأرزاق للمرتزقين؛ على
قدر ما يرى(8) إمامُ المسلمين من جرايتهم وعنايتهم، وحاجتهم إلى ما
كفهم وأغناهم، وقام بأسبابهم؛ فعليه في ذلك حسن النظر لهم؛
والتمييز في كل ذلك بينهم.
__________
(1) في (أ): الجواب.
(2) ليس في (أ).
(3) سقط من (أ).
(4) في (ب): سواء.
(5) في (ب): مما يوجب.
(6) في (ب): وأما ما في أرزاق المرزوقين.
(7) في (ج): في الحق.
(8) في (أ): على ما قد يرى.
(3/176)
[أخذ الجزية من الدراهم]
وسالت فقلت: كان(1) رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأخذ من
أهل الذمة ثوباً عسكرياً(2) وغيره من العروض من الإنسان منهم، ومن
اين جاز أن يؤخذ اليوم منهم ثمانية وأربعون درهماً، وأربعة وعشرون،
واثنا عشر؟
القول في ذلك: أنَّه كان صلى الله عليه وآله وسلم، لما أمره الله
بأخذ الجزية من جميع أهل الذمة، أخذ منهم ما أمر به، فكان ما
أمربه(3): أن يأخذ من ملوكهم ثمانية وأربعين درهماً ومن أوساطهم
أربعة وعشرين درهماً، ومن فقرائهم اثني عشر، ولم يكن في دهره ولا
في أرضه ولا في دار هجرته في ذلك الوقت من ملوكهم أحد، وكان كل من
كان معه في دارهجرته فقراء وأوساطاً أصحاب اثني عشر وأربعة وعشرين،
وكانت الدراهم تعسر بهم، ولا تتهيأ في ذلك الوقت معهم، فكان يأخذ
منهم عروضاً من ثياب وغيرها؛ بالقيمة التي يقومها من يفهما(4)
ويبصرها، وكذلك فعل من كان بعده، أخذوا من أهل الجزية حين وصلوا
إلى اليسارة منهم؛ أخذوا الثمانية وأربعين درهماً التي(5) ذكرها
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله، وأمر بها فيهم بأمر
الله. وكذلك أيضاً لو عسرت عليهم اليوم الدراهم، لأخذنا من كل
إنسان من تجارته وبضاعته عرضاً بقيمة الدراهم، إذا صح عسرها عليهم،
وثبت امتناعها منهم.
[كلام أهل الجنة لأهل النار هل هو حقيقة أم مثل]
وسالت عن كلام أهل الجنة لأهل النار في قولهم: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ
مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ}[الأعراف: 44] فقلت:
أمَثَل هو مضروبٌ؟ أم قول مقول؟ وقلت(6): هل يقرب بينهما حتى يكلم
بعضهم بعضاً؟
واعلم هديت ووفقت أنَّه قول مقول منهم، وعمل معمول من فعلهم.
__________
(1) في (أ): أكان.
(2) في (أ): ثوب عسكري.
(3) في (أ): ما أمر به.
(4) في (ب): من يقيمها وينصرها.
(5) في (أ): الذين.
(6) في (ب): فقلت: هو.
(3/177)
فأما ما سألت من التقرب (1) بينهم حتى يسمع بعضهم قول بعض؛ فليس
ذلك كذلك فيهم، ولا ذلك فعل الله تبارك وتعالى بهم، وكيف يسمع أهل
الجنة كلام أهل النار، وهم لا يسمعون حسيس النار؟ فحسيس النار أشد
حِساً، وأبعد صوتاً(2) من كلام أهلها الذين ذكر الله عنهم، وشرح
سبحانه أنَّه يكون منهم.
ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه: {لاَ يَسْمَعُونَ حسيسها وَهُمْ
فِيمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ}[الأنبياء: 102]؟ فأخبر
أن المؤمنين لا يسمعون للنار حسيساً، وأنهم عنها مبعدون.
وإنما كلامهم لأهل النار، وكلام أهل النار لهم، عند قولهم:
{أَفِيضُوا عَلَينَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ
اللَّهُ}[الأعراف: 50] فهو بالرسائل التي تبلغها الملائكة عنهم،
وتمشي بها بينهم، وذلك منها صلوات الله عليها فبإذن من الله لها
فيه، وتقدير منه سبحانه لها عليه.
وإنما جعلهم الله كذلك، وأذن لهم في ذلك؛ ليكون ذلك سروراً
للمؤمنين، ومعرفة منهم بما نزل بالمكذبين الضالين، فيتجدد لهم بذلك
البهج والسرور، وتكمل لهم به الغبطة والحبور، ويكون ـ من علم أخبار
المؤمنين، وبما هم(3) عليه من عطايا رب العالمين ـ حسرة في قلوب
الكافرين، وعذاباً لهم مع عذاب النار، وأسفاً لما فاتهم من كريم
القرار، ونعيم الدار؛ التي جعلها لله ثواباً للأبرار.
فافهم ما عنه سألت، وقف من الجواب على ما طلبت.
[هل ترد أزواج المؤمنين في الآخرة]
وسالت فقلت: هل ترد على المؤمنين أزواجهم اللواتي كن معهم في
الدنيا؟
واعلم رحمك الله أنهن إن كن مؤمنات مثلهم، متقيات لله كَهُمْ؛ جمع
الله بينهم في الآخرة الباقية، كما جمع بينهم في دار الدنيا
الفانية.
__________
(1) في (ج): من القرب.
(2) في (ب): ضرراً.
(3) في (أ): وما هم.
(3/178)
وقد ذكر أن الرسول(1) صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن ذلك
فقال: (( نعم يجمع الله بين جميع أهل البيت، إذا كانوا مؤمنين في
دار ثواب المتقين )).
[معنى وإن يوماً عند ربك كألف سنة]
وسالت عن قول الله سبحانه: {وَإِنَّ يَوماً عِنْدَ رَبِّكَ
كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}[الحج: 47].
المعنى في ذلك فهو إخبار من الله سبحانه عن نفاذ قدرته، وإمضاء
مشيئته، وسرعة فعله، يخبرسبحانه أنَّه يُنفِّذ في يوم واحد ما
ينفذه جميع الخلق إذا اعتونوا(2) عليه في ألف سنة؛ من محاسبة
المحاسبين، وتوقيف الموقفين على ما تقدم من أعمالهم في دنياهم
وحياتهم.
فهذا معنى ما عنه سألت من قول الله سبحانه: {وَإِنَّ يَوْماً
عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}[الحج: 47].
[من ظلم دراهم أو دنانير كيف يستوفيها في الآخرة]
وسالت عمن ظُلِمَ في الدنيا دنانير أو دراهم، كيف يكون اللحوق
لحقه(3) من ذلك في الآخرة، وليس في الآخرة دراهم ولا دنانير؟
القول في ذلك: أن الله سبحانه يعطي المظلوم إذا كان مؤمناً من
الثواب على ما امتحنَ به من ذهاب ماله في الدنيا، فصبر لله على ذلك
صبراً حسناً؛ فآتاه من الثواب والجزاء؛ أكثر مما لو رد إليه أموال
الدنيا، ويعرفه سبحانه أن ذلك جزاء على ما كان من صبره واحتسابه؛
بما ذهب في الدنيا من ماله، ويستوفي له من ظالمه الفاسق الردِّي؛
بالزيادة في العذاب الأليم، حتى يعلم الخائن أن ذلك نزل به خصوصية
على مظلمة المؤمن، ويطلع الله المؤمن على ما نزل بظالمه، ويعلمه أن
ذلك الذي حل به من الزيادة في العذاب هو من أجل ما غصبه من ماله،
وظلمه به في حقه.
فهذا حال المؤمن المظلوم، وحال الفاسق الظالم عند الجزاء؛ في
الآخرة التي تبقى.
__________
(1) في (أ): أن رسول الله.
(2) في (ج): اعتنوا.
(3) في (ب): يكون اللحوق يصلح ما لحقه.
(3/179)
فإن كان الظالم والمظلوم فاسقين عذبهما على كفرهما وفسقهما، وزيد
في عذاب الظالم من الفاسقين لصاحبه، حتى يعلم كلاهما أن تلك
الزيادة نزلت بالظالم لتَعِديه في حكم ربه، وتناوله ما حرم الله
عليه من ظلمه، ومَنَع منه من غشمه.
فافهم هديت ما به قلنا ـ فيما عنه سألت ـ وشرحنا.
[تعدد الأئمة الأكفاء]
وسالت عن الأئمة يخرج واحد واثنان وثلاثة وأربعة في عصر واحد،
يكونون أكفاءً (1) زعمت في العلم والجسم والورع، فقلت: من المستحق
منهم؟
واعلم رحمك الله أن الأمر لأفضلهم فضلاً، وأبرعهم معرفة وعلماً.
فإن قلت: قد استووا (في ذلك، فلن يستووا، ولن يشتبهوا عند من جعل
الله له لباً، وتمييزاً وفهماً؛ وذلك أنهم إن استووا) (2) في
الورع، فلن يستووا في العلم، وإن استووا في العلم فلن يستووا في
سائر الخصال، وإن التبس أمرهم في ذلك عند الجهال؛ لم يلتبس أمرهم
في التعبير والكلام، والتبيين والشرح لشرائع الإسلام؛ فيكون
(أولهم)(3) أولاهم بالإمامة، وإن اشتبهوا في الورع والعلم والمعرفة
فأجودهم شرحاً وتبييناً، وأهداهم (إلى تفهيم الرعية ما تحتاج إليه،
وما لا غنى بها عنه، ولا عذر لها فيه. فمن كان له الفضل) (4) في
شيء مما ذكرنا، كان أحق الجماعة بالإمامة من ربنا.
فافهم ما قلنا، وتبيّن في مسألتك ما شرحنا.
[معنى: وعلى الأعراف رجال]
وسالت عن قول الله سبحانه: {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ
يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ}[الأعراف: 46].
الجواب في ذلك أن {الأعراف} هو: ما ارتفع من الأرض وعلا، وشمخ منها
في الهوى.
فتلك أعراف الأرض ومعارفها.
والرجال التي عليها في يوم الدين، فقد قيل: إنها رجال من المؤمنين.
__________
(1) في (أ): أكفياء.
(2) سقط من (أ).
(3) سقط من (ج).
(4) سقط من (ب).
(3/180)
وقيل: إنها الحفظة التي كانت من الملائكة المقربين، حفظة في الدنيا
على العالمين، التي قال الله في كتابه وذكرهم، وما أخبر(1) من
حفظهم لمن كان من الخلق معهم، حين يقول: {عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ
الشِّمَالِ قَعِيدٍ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَولٍ إِلاَّ لَدَيْهِ
رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق: 17 ـ 18]، وهذا فأشبه المعنيين عندي والله
أعلم وأحكم.
ومعنى {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} فهو: معرفة أولئك الحفظة
لمن كانوا يحفظون. ومعنى {يَعْرِفُونَ} فهو: يتعرفون ويتفهمون، حتى
يوقنوا بهم، ويعرفوهم ويقفوا عليهم ويثبتوهم معرفةً. ومعنى
{بِسِيمَاهُمْ} فهو: بِحِليتهم التي كانوا يعرفونها في الدنيا،
ومعناهم في صفاتهم وخلقهم، وبنيتهم المعْرُوفة من صُوَرِهِم.
[رفع اليدين في التكبير]
وسالت عن رفع اليدين في التكبير.
وهذا أمر لا يجيزه في الصلاة علماء آل رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم؛ لأن الصلاة إنما هي خشوع وتذلل لذي الجلال والطول،
وإرسال اليدين والكف عن رفعهما؛ أكبر في الدين لصاحبهما.
وقد قيل: إن رفع اليدين فعال جاهلي كانت قريش تفعله لآلهتها
وأصنامها، عند الوقوف تجاهها، والسلام منهم عليها. فإن يكن ذلك
كذلك والله أعلم، فلا ينبغي ولا يجوز لمسلم أن يَفْعَل ما يُفْعَلُ
للأصنام، مع ما في ذلك من قلة الخشوع لله؛ لأن الصلاة التي فرضها
الله فرض معها الخشوع والتذلل؛ فلما كان ترك رفع اليدين في الصلاة
إلى الخشوع أقرب؛ كان فعله دون غيره على المصلي أوجب.
[قيام الليل]
وسالت عن قول الله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ
تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} إلى قوله: {فَاقْرَأُوا
مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}[المزمل: 20] فقلت: إن بعض الناس
زعم أن هذا فرض من الله. وقال بعضهم: نافلة.
__________
(1) في (ج): وما بين.
(3/181)
واعلم رحمك الله أن الله عزَّ وجل لم يَعنِ بما ذكر من الصلاة في
أول هذه السورة وآخرها، إلاَّ صلاة العَتَمة المفروضة. فجعل هذه
الأوقات لمن كان كذلك وقتاً، ألا تسمع كيف قال(1) سبحانه: {عَلِمَ
أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي
الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا
الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً
حَسَناً} [المزمل: 20] فأوجب على كل مريض، وعلى كل مسافر، وعلى كل
مجاهد فعل ذلك، وإقامة الصلاة في هذه الأحوال كلها، ولا يجب ما
أوجب الله من ذلك، على من كان من الخلق كذلك؛ إلاَّ وهو فرض مؤكد،
وأمر مشدد. ولا يُعْرَفُ لله في الليل فرضُ صلاة مفروضة؛ إلاَّ ما
ذكرنا من العتمة والعشاء، وقد شرحنا ذلك وفسرناه، واستقصيناه فيما
شرحنا من تفسيره في سورة المزمل.
[صلاة التراويح]
وسالت عما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( أنه صلى
التراويح في شهر رمضان ليلة واحدة، ثم أمر الناس بالأنصراف إلى
بيوتهم ))، وقد روى ذلك بعض الناس وذكره، ولسنا نصحح شيئاً من ذلك
لا ليلة ولا ليلتين، ولا نعرفه عنه ولا نرويه. ولم يبلغنا أنَّه
صلى بالناس صلى الله عليه وآله وسلم تراويح ليلة ولا ليلتين، ولا
ساعة ولا ساعتين، ولا ركعة ولا ركعتين، ولم يروه أحدٌ من علمائنا
ولم يأثره(2) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحد من أبائنا، ولو
كان ذلك شيئاً كان منه؛ لروته آباؤنا عن آبائها وجدودها، ولما سقط
عنهم شيء منه، ولأتوا به مصححاً عنه.
[اختلاف الزوجين في الدين]
__________
(1) في (أ): يقول.
(2) في (بأ): يوثره.
(3/182)
وسالت عن الرجل يتزوج امرأة(1) لا تعرف الدين، ومذهبها على خلاف
مذهبه، وهي في فنٍّ سوى فنّه، فعلمها ما يجب عليها من دينها، وما
هو الحق اليقين عند ربها، فلا تتعلم، ولا تقبل ولا تفهم، فقلت: هل
يجوز له أن يمسكها على ذلك؟
فالواجب عليه أن لا يبقي غاية في نصيحتها(2)، والتأني بها،
وتعريفها وتفهيمها؛ فإن عرفت وفهمت، وتابت ورجعت؛ فذلك الواجب
عليها، وإن أبت الدين، ولجَّت في مخالفة اليقين؛ فلا يجوز له
إمساكها، ولا يسعه الإفضاء إليها، حتى ترجع إلى الحق الذي افترضه
الله عليها الواحد الخلاق، أو يوقع عليها إن غَلَبته بينه وبينها ـ
الواجب على مثلها من الفراق.
[معنى: ويحمل عرش ربك]
وسالت عن قول الله سبحانه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ
يَومَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}[الحاقة: 17].
ومعنى {العَرْشِ} فهو: المُلك، والملك فهو ما خلق الله وذرأ، من
الآخرة كلها والأولى، وما فيهما من جميع الأشياء.
ومعنى {ثَمَانِيَة} فهو لا يخلو من أن يكون ثمانية أصناف من
الملائكة، أو ثمانية آلاف، (أو ثمانية أملاك)(3). وحملها للعرش
الذي هو الملك فهو: قيامها فيه ونهوضها، وقيامها به فهو: أمرها
ونهيها، وإنفاذ أمر ربها، وإيصال الثواب إلى المثابين، والعقاب إلى
المعاقبين، وما يكون من فعل الله في ذلك اليوم في المخلوقين.
فأخبر الله سبحانه أنَّه يقوم بحساب الخلق في ذلك اليوم، وإيصال
ثوابه وعقابه إليهم، وإنفاذ جميع أمره فيهم؛ هذه الثمانية التي
ذكرنا أوَّلاً، كانت من الملائكة آلافاً أو أصنافاً (أو أملاكاً)
(4).
__________
(1) في (أ): مرأة.
(2) في (أ): في نصحها.
(3) سقط من (أ) و (ب).
(4) سقط من (أ) و (ب).
(3/183)
ومعنى قوله: {فَوقَهُمْ} فهو: منهم، غير أن (فوق) قامت مقام (من)؛
لأنها من حروف الصفات، فهما يعتقبان. أراد سبحانه: {وَيَحْمِلُ
عَرْشَ رَبِّكَ} منهم ثمانية، ومعنى {مِنْهُمْ} فهو: من الملائكة.
فأخبر أن الثمانية هم القائمون بأمر الله في ذلك اليوم ونهيه،
وجميع ما يكون من فعله في خلقه، دون غيرهم من الملائكة المقربين.
وقد شرحنا تفسير هذه الآية في كتاب على حدة شرحاً مبيناً مفسراً،
مستغنياً(1) بما مضى في الكتاب عن تكراره، في هذا الموضع(2)، من
شرح ذلك كفاية لمن فَهِمَ، واهتدى لمعرفة ربه فعلم.
[الصلح مع نصارى تغلب]
وسالت عما ذكر أن النبي(3) صلى الله عليه وآله وسلم صالح أهل
الكتاب على أن يكون أولادهم مسلمين، لا يعلمونهم اليهودية ولا
النصرانية، وقلت: قد نقضوا العهد، فهل للإمام أن يبدأهم؟ وقلت:
إنَّه يقال: إنهم الذين عناهم الله بقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ
يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ}[التوبة: 123] دون غيرهم.
واعلم هداك الله أن اليهود ليسوا في شيء من هذا، وإنما أولئك الذين
صالحهم رسول الله صلى الله عليه على أن لا يصبغوا(4) أولادهم، ولا
يدخلوهم في شيء من أديانهم؛ هم نصارى (بني تغلب) دون غيرهم من
النصارى.
__________
(1) في (أ): مستغنىً.
(2) كذا في النسخ، ولعل الصواب: وفي هذا الموضع.
(3) في (أ): أن رسول الله.
(4) الصبغة: الملة والدين، وماء أصفر يصبغ به النصارى الطفل ويسمى
التعميد.
(3/184)
وذلك أن بني تغلب عرب، وليسوا من بني إسرائيل، فأنفوا حين أخذ رسول
الله صلى الله عليه الجزية من جميع أهل الذمة؛ فطلبوا من رسول الله
صلى الله عليه أن يأخذ منهم ـ كما يأخذ من العرب ـ العشر، فأخبرهم
صلى الله عليه وآله وسلم أن العشر لا يكون إلاَّ صدقة، وأن الصدقة
لا تؤخذ إلاَّ من أهل الصلاة؛ لأنها تطهرة لهم وتزكية، فسألوه أن
يأخذ منهم ضعفي ما يؤخذ من المسلمين على طريق الصلح؛ لسلامة
أنفسهم، ونجاة رقابهم، لا على طريق الزكاة والتطهرة، فصالحهم صلى
الله عليه وآله وسلم على ذلك، وعلى أن لا يصبغوا أولادهم، وأن يكون
أولادهم من بعدهم مسلمين، فأخذ منهم من أموالهم في كل أربعين شاة
شاتين، وفي كل ثلاثين بقرة تبيعين أو تبيعتين، وفي الإبل في كل
خمس(1) شاتين، وفيما يكال (ويوزن)(2) الخمس مما يسقى سيحاً أو بماء
السماء، أو العشر فيما سقي من السواني والدوالي والخطَّارات، وفي
النقد من الذهب في كل عشرين مثقالاً مثقال، وفي (الدراهم في)(3)
مأتي درهم من الفضة عشرة دراهم، نصف العشر من الذهب والفضة،
وأضعف(4) عليهم ما يجب على المسلمين من الزكاة المفروضة، وشرط
عليهم أن لا يدخلوا أولادهم في شيء من اليهودية والنصرانية، وعلى
ذلك أعطوا العهد.
__________
(1) في (ج): في خمس.
(2) ليس في (أ) و (ج).
(3) سقط من (أ).
(4) في (أ): أضعف، والمعنى أخذ منهم ضعف ما يأخذ من المسلمين.
(3/185)
فواجب علىأهل الحق إذا أعلى الله كلمتهم، أن تُسبى نساؤهم، وتقتل
رجالهم وتؤخذ أموالهم، إلاَّ أن يدخلوا في الإسلام كلهم فيرى
رأيه(1)؛ لان القوم(2) الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم لم يفوا له بعهده، فانتقضت عهودهم، ووجب ما ذكرنامن
الحكم عليهم. غير أن الباطل قد شمل وظهر، والمنكر قد علا وقهر،
وعطلت الأحكام، ودَرَس الإسلام، وظهر الفسق، ومات الحق، فإلى الله
في ذلك المفزع والمشتكى، عليه توكلنا وهو العلي الأعلى.
فأما ما ذكرت من أنهم الذين قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ
الكُفَّارِ}[التوبة: 123] فغيرهم أولى بهذه الآية منهم، من هو أقرب
إلى الإسلام، وأَضّرَّ على دين محمد عليه السلام، من أولئك الكفرة
الطغام.
__________
(1) أي الإمام.
(2) في (أ): لأن العرب.
(3/186)
و{الَّذِينَ يَلُونَكُمْ} فهم: الذين بينكم ومعكم ممن يدعي
الإسلام، وهو كافر بالله ذي الجلال والإكرم، كاذب فيما يدعيه، ثابت
من الكفر فيما هو عليه،(1) من جبابرة الظالمين، وفراعنة العاصين،
الذين قتلوا الدين، وخالفوا رب العالمين وأحلوا حرام الله، وحرموا
حلاله، وانتهكوا محارمه، ولم يأتمروا بأمره، ولم ينتهوا(2)عن نهيه،
وحاربوه في آناء الليل وأطراف النهار، فراعِنَة ملاعين، جوَرَةٌ
متكبرون(3) لا يحكمون بكتاب الله، ولا يقيمون شيئاً من شرائع دين
الله، قد قتلوا الإسلام والمسلمين، وأضاعوا الأيتام والمساكين،
واستأثروا عليهم بأموالهم، فمات الخلق(4) هَزَلاً في دولتهم، لا في
أمور المسلمين ينظرون، ولا إلى الله يرغبون(5)، ولا عذابه يخافون،
ولا ثوابه يرجون، معتكفين على اللهو والمزامير، والضرب بالمعازف
والطنابير(6)، هممهم(7) هِمَمُ بهائمهم ما واروه في بطونهم، أو
باشروه بفروجهم، أو لبسوه(8) على ظهورهم؛ بغيتهم إذلال الحق
والمحقين، وشأنهم إظهار الفسق والفاسقين، ومعتمد أمرهم مكايدة(9)
رب العالمين، فهؤلاء يرحمك الله ومثلهم، وأعوانهم وخدمهم، وأصحابهم
وشكلهم؛ أولى بالمجاهدة والقتال؛ من نصارى بني تغلب الأنذال؛ لأن
هؤلاء أضر بالإسلام وأهله وأنكى، ومن كان كذلك من العباد؛ فهو أولى
بالجهاد لضرره على المسلمين والعباد.
فافهم ما ذكرنا من تفسير خبرهم، واجتزينا بالقليل من ذكرهم، فإن لك
في ذلك كفاية وشفاء، ودليلاً على ما سألت عنه وجزاء.
[المعراج في اليقظة أو المنام]
وسالت عما روي من صعود رسول الله صلى الله عليه إلى السماء.
فقلت: أكان نائماً، أو يقظاناً؟
__________
(1) في (ب): في الكفر مما هو عليه.
(2) في (أ): ولم يأمروا.. ولم ينهوا.
(3) في (ب): متكبرين.
(4) في (أ): فمات الحق.
(5) في (أ): يرتجون.
(6) الطنبور: من آلات اللهو، معرب.
(7) في (ج): همتهم.
(8) في (أ): ولبسوه.
(9) في (أ): مكابرة.
(3/187)
وإذا صح ذلك وثبت فلا يكون نائماً أبداً، ولا يكون إلاَّ يقظاناً
فهماً؛ لأنَّه إن كان كذلك فإنما أراد الله بإرقائه إلى السماء
التعبير له والكرامة، وليُريه من عجائب خلقه، وعظيم فعله، ما حجبه
عن غيره، ولم يكرم به سواه.
فإذا كان نائماً في ذلك كله؛ فلم ينتفع بشيء مما صعد إلى السماء
له، ولم ير شيئاً مما ينتفع به؛ فلذلك استحال أن يكون نائماً كما
قال من جهل.
[معنى: فكان قاب قوسين]
وسالت عن قول الله سبحانه: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى}
[النجم: 9].
الجواب: أن الذي صار قاب قوسين أو أدنى هو جبريل صلى الله عليه،
فكان في هذا الموقف قد دنى من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
في صورته التي هو عليها مع الملائكة المقربين، حتى كان من الرسول
قاب قوسين أو أدنى.
ومعنى {قَابَ قَوْسَينِ} فهو: مقياس رميتين بالقوس في الهواء، فدنى
منه صلى الله عليهما حتى كان في الموضع الذي ذكره الله تبارك
وتعالى فيه؛ {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}[النجم: 10]
مما أرسله الله به من الأشياء.
فهذا تفسير ما عنه سألت من قوله: {قَابَ قَوسَينِ أَوْ أَدْنَى}.
[ما يجزي الأعجمي من المعرفة]
وسالت عن عجمي لا يحسن إلاَّ سورة أو سورتين من القرآن (فقلت)(1):
هل يجزيه(2) إذا عرف أصل التوحيد؟
فلعمري إن ذلك مجزِ كاف؛ إذا أقام بالسورتين أو الثلاث ما أمره
الله به من الصلاة بحدودها، وأدَّى ما أوجب الله من ركوعها
وسجودها، وكان في ذلك موحداً لربه، عارفاً مع ذلك لعدله، مصدقاً
لوعده ووعيده، عارفاً بالحق وأهله، تاركاً لمعاصي ربه، مؤدياً
لفرائض إلهه؛ فإذا كان(3) كذلك فهو من المسلمين، وعند الله إن شاء
الله من الناجين، ولم يضره عجمة لسانه، إذا أقام له قلبُه دعائم
أديانه.
[ما يجزي المرأة من المعرفة]
__________
(1) في (أ): من عجمي.
(2) في (أ): هل يجوز.
(3) في (ب): كان ذلك كذلك.
(3/188)
وسالت عن النساء إذا عرفن الله وأدين الفرض؛ فقلت: هل يجزيهن ذلك
عن تعليم(1) القرآن، وفرائض الله الرحمن؟
الجواب في ذلك أنَّه لا بد للنساء والرجال؛ من معرفة ما أوجب الله
فرضه من الأعمال، وأوجب على الخلق القيام به من الأفعال، إلاَّ ما
طرحه الله عن النساء من الجهاد، والسعي إلى الجمعة، وما أشبه ذلك
من الأشياء، وأنه لا يجوز لهن التقصير عن معرفة ما أوجب الله عليهن
معرفته، والعمل بما أوجب الله عليهن العمل به.
وعليهن أن يتعلمن ويتفهمن، ولا يجوز لهن أن يتعلقن بالجهل المنهي
عنه، ولا يتمادين في شيء منه. تمت المسائل وجوابها، والحمد لله
حمداً كثيراً، وصلواته على سيدنا محمد النبي وعلى آله الذين طهرهم
من الرجس تطهيراً.
****
جواب مسائل
الحسين بن عبدالله الطبري(2)
m
__________
(1) في (ج): تعلم.
(2) في (ب): الحسن بن عبدالله، ولم أقف له على ترجمة ولاذكر في
سيرة الإمام، والطبريون جماعة من طبرستان هاجروا إلى الإمام ووقفوا
معه مواقف الأبطال، وثبتوا ثبوت الجبال، وكانوا يده الطيعة التي
يصول بها على أعدائه، وساعده في حروبه على المتمردين عليه، مع
بصيرة نافذة وإدراك ثاقب.
(3/189)
قال يحيى بن الحسين بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذكرت
حاطك الله وحفظك، ووفقك وسددك، أنَّه بلغكم وتناهى إلى بلدكم اسباب
من فعلنا، وأمور من سيرتنا، التبس فيها على كثير من الناس الصواب،
ولم يحضرك في كثير منها الجواب، فشنع من لا يفهمها، وأنكر علينا
فيها من لا يعرفها، واستعجل بالظن السيء من لا يفقهها، حتى نسب
صوابها إلى الخطأ، ونَيِّر حقها إلى العدا، فحشاً من قوله، وظلماً
في حكمه، وبغياً في أمره، واستعجالاً بالسيئة قبل الحسنة، وبقول
الخطأ قبل المعرفة، كأن لم يسمع الله سبحانه فيما يعيب على من فعل
مثل هذا الفعال، وقال بالظن كما قال صاحب هذا المقال: {لِمَ
تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ}[النمل: 46]،
فنعوذ بالله لنا ولك ولكل مؤمن من ذلك، ونستجير به من أن نكون
كذلك.
وسنفسر لك إن شاء الله ما جهل فيه من جهل فعلنا، ونشرح لك من ذلك
ما لم يقف عليه الطاعن في سيرتنا، حتى يصح لك ولهم في ذلك الصدق،
ويتبين لك ولهم أن فعلنا هو الحق.
(3/190)
فما مثلنا ومثلهم، وخبرنا وخبرهم؛ فيما علمناه وجهلوه، وعرفنا
مفاصل صوابه وعميوه، إلاَّ كمثل موسى وصاحبه صلى الله عليهما؛
العالم الذي اتبعه موسى على أن يعلمه مما علمه الله رشداً، فأعلمه
أنَّه لا يستطيع معه صبراً؛ إذ ليس يعلم كعلمه، ولا يقف على ما يرى
من فعله. فأخبره أنَّه لا يصبر إذا رأى منه شيئاً مما لا يعرفه؛
حتى يسأله ويبحثه، ويدخله الشك في فعله؛ فقال له موسى:
{سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ
أَمْراً}[الكهف: 69]، ثم لم يصبر لما رأى ما ينكره قلبه، حتى عاتبه
فيه وسأله عنه. فكان أول ما أنكر عليه موسى عليه السلام خرق
السفينة، فعظم ذلك في صدر موسى فقال له ما قال، فقال له العالم:
{أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}، فقال له
موسى: {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ
أَمْرِي عُسْراً} فغفرها له، و{انْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا
غُلاَماً فَقَتَلَهُ}؛ قال له موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً
بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ
لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيَعَ مَعِي صَبْراً قَالَ إِنْ
سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ
بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أتَيَا
أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ
يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ
فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْراً} يريد
بهذا منه(1) ـ إذ هو خائف لا يؤمن سُقوطه ـ: تَأَجَّرت (2) في ذلك،
فقال العالم لموسى: {هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَيْنِكَ
سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ
صَبْراً}[الكهف: 72 ـ 78] ثم أخبره بمعاني أفعاله، وصوابه في
أعماله، التي كانت عند موسى منكرة
__________
(1) في هامش (ج): انهدامه.
(2) في (أ): فأجرت.
(3/191)
عظيمة، فاحشة كبيرة، وهي عند الله وعند العالم صواب، وعند موسى صلى
الله عليه خطأ وارتياب، إذ لم يعلم وجه أمرها، ولم يقف على كنه
خبرها، فيتضح له نيِّر صوابها، كما وضح لفاعلها؛ فقال فاعلها
لموسى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ
فِي البَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ
مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} إلى قوله: {مَا لَمْ
تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً}[الكهف: 79 ـ 82].
وكذلك حال الإمام فيما شرحت وحال ما ذكرت ممن أنكر فعل الإمام؛ إذ
لم يكن علمه كعلمه(1)، ولا حاله في المعرفة بالنازلات كحاله. وكيف
يستوي المتفاوتان، أو يأتزن الرطل والرطلان، لا كيف؟! وفي ذلك ما
يقول الله سبحانه: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا
الأَلْبَابِ}[الزمر: 9]، ويقول سبحانه: {وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ
عَلِيمٌ}[يوسف: 76]، ويقول: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا
لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]،
ويقول سبحانه: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ
رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ
أُولُوا الأَلْبَابِ}[الرعد: 19] ويقول سبحانه: {وَلَو رَدُّوهُ
إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيطَانَ إِلاَّ
قَلِيلاً}[النساء: 83].
__________
(1) في (ب): عمله كعمله.
(3/192)
ومن لم يعرف ـ يرحمك الله ـ أمراً أنكره، ومن لم يقف على معنى شيء
دفعه، ولوحسن يقين من أنكر فعل الإمام لم يعجل بالعيب في ذلك عليه،
غير أن وسواس الشيطان، يتمكن في قلوب أهل الشك والريب من الإنسان.
والشك والريب فلا يثبت معهما محض إيمان، ألا تسمع كيف يقول في ذلك
الواحد الرحمن: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا
بِأمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ
الصَّادِقُونَ}[الحجرات: 15]؟ فلم يحكم بحقائق الإيمان؛ إلاَّ لمن
بعد منه الارتياب في وجوه الدين والإحسان. فنسأل الله الثبات على
دينه، والتوفيق لما يرضيه برحمته.
[الزيادة على الحد للتأديب]
ذكرت ضَرْبَنَا من نضربه من بعد الحد الذي ألزمه الله تعالى إياه؛
فقلت: ما سبب هذه الزيادة من بعد تمام الحد؟
واعلم أكرمك الله أن الله سبحانه حكم على الأئمة وافترض عليهم حسن
النظر للبرية، وأن تفعل في كل معنى مما ترجوا به الصلاح للرعية.
وهؤلاء القوم الذين ترانا نضربهم بعد الحد في أرجلهم ثلاثين
وأربعين وعشرين؛ فهم قوم قد با يعوا على الحق، وأعطونا عقودهم(1)
على الصدق، وعلى الأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن التظالم
والمنكر، ثم نكثوا بعهودهم، وحنثوا في أيمانهم، فعملوا المنكر في
أنفسهم، ورفضوا المعروف الذي يأمرون به غيرهم، وردوا الفسق بعد
موته، وأحيوا المنكر في دار الحق بعد خموله.
فكان أقل(2) ما يجب على من نكث عهده، وحنث في يمينه التي أقسم فيها
باسم ربه؛ أن يكون عليه في نقضه لعهده، وحنثه بقسمه؛ أَدَبٌ لما
اجترأ به على ربه، وتمرد به في ذلك على خالقه، فأدبناه كما ترى
غضباً لله، وانتقاماً لدين الله، وتنكيلاً له عن نقض العهود
المعقدة، ورد الفاحشة بعد خمولها في دار الحق، وإظهار الكبائر
والفسق.
__________
(1) في أ: عهودهم.
(2) في ب، ج: أول.
(3/193)
فهذا سبب أدبنا لمن نؤدبه بعد حد الله، وذلك الواجب على كل إمام في
دين الله؛ أن يفعله بمن نقض عهده، ونكث بعد قسمه بالله. ألا تسمع
كيف يقول الله سبحانه: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً
لأَيْمَانِكُمْ}[البقرة: 224]؟ أن يحلف المرء بالله كاذباً، أو
ينقض لله عقداً. وما نهى الله عنه، ومنع عباده منه؛ فلا بد لكل من
اجترأ عليه وفعله من الأدب، وإلا فلم يكن لنهي الله عنه معنى، ولا
سبب.
فهذا حجتنا فيما عنه سألت من ذلك، فتدبر القول فيه يصح لك
جوابه(1)، ويزول عنك شكه وارتيابه.
وكذلك ما ذكرت، وعنه سألت؛ من خرص النخل وحزرها(2)، وهذا أمر(3) لا
ينكره مسلم، ولا يدفعه من كان لأحكام رسول الله صلى الله عليه وآله
مسلماً؛ لأن الأمة كلها بأسرها ـ إلاَّ أن يكون الشاذ الضعيف العلم
منها ـ مجمعة على أن رسول الله صلى الله عليه خرص وحزر ثمار
المدينة وثمار خيبر، وكان يرسل في كل سنة عبدالله بن رواحة
الأنصاري (4) فيخرص الثمار كلها، ثم يأخذهم بخرصها، ويحكم عليهم
بما حزر فيها.
__________
(1) في أ، ج: صوابه.
(2) الخرص والحزر: التقدير.
(3) في (أ): وهذا الأمر.
(4) هو عبد اللّه بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجي
الأنصاري الشاعر، أحد السابقين، شهد بدراً، وكان ثالث الأمراء في
غزوة مؤتة، وبها استشهد في جمادى الأولى سنة ثمان.
(3/194)
ونحن فكذلك فعلنا، وبه صلى الله عليه في ذلك اقتدينا، ثم احتطنا من
بعد ذلك باستحلاف من أمرناه بخرص الثمار، فإذا أردنا أن نوجه قوماً
يخرصونها من ثقات من نعلم، وأبصر من يفهم ويخرص الثمار، ممن قد جرب
فهمه، وامتحن في ذلك نفسه، ثم امتحنه فيه غيره، حتى صح أنَّه أقرب
أهل بلده إلى المعرفة بما وجهناه له من حرز التمر فيخرصه، ثم
نستحلفه بأوكد ما يحلف به لتنصحنَّ، ولتجتهدنَّ، ولتحرصنَّ،
ولتقصدنَّ الحق بجهدك، ولتحرَّيَنَّه بطاقتك، ولا تعمَّدنَّ لمسلم
غشاً، ولا لمال الله وَكْسا (1)، ولئن شككت (2) في شيء من ذلك، أو
التبس عليك، لتجعلن الحمل على أموال الله دون أموال عباده، ثم
ننفذه فيما به أمرناه، فيجتهد ويحرص، ويكتب ما يحزر، ويخرص (3)،
فإن شكا أحدٌ من الناس بعد ذلك غبناً فيما خرص عليه وحزر؛
استحلفناه على ما أتى من ثمره وصدقناه، وأخذنامنه على ما حلف عليه
وتركناه.
وكذلك قد نخير من خرصنا عليه نخله؛ فنقول: إن شئت فخذ بما قد
خرصنا، وإن شئت أخذنا وأوفيناك حقك على ما خرصنا وقسمنا. فهل على
من فعل ذلك حيف وجور، أو تحامل في شيء من الأمور؟ أم على من اقتدى
برسول الله صلى الله عليه مطعن في مقال من المقال، أو تعنيف (4) في
فعل من احتذى به فيه كائناً ما كان من الأفعال؟ كلا وفالق الإصباح،
ومجري الرياح؛ أن من كان كذلك لبعيد من الخطأ في كل ذلك. وليس يلزم
أهل العلم فيما يفعلون من الفعال(5)؛ إنكار من لا علم له من أهل
الجهل، وإنما قول العلماء؛ هو الحاكم على أقاويل الجهلاء، وليس
أقاويل الجهلاء بأهل أن يحكم بها على العلماء. والحمد لله رب
العالمين، والعاقبة للمتقين، وسلام على المرسلين.
[أخذ المال غير الواجب للاستعانة في الجهاد]
__________
(1) الوكس: النقص.
(2) في ب: ولاسلكت.
(3) في ب: من يحزر ويخرص ثمره.
(4) في أ: أو تعسف.
(5) في ب: من الأفعال.
(3/195)
ومما سألت عنه وأحببت الجواب فيه؛ ما كان من مجيء كبراء أهل صنعاء
إلينا ومشائخهم، وما سألونا من التقدم إليهم والمصير إلى بلدهم،
فاخبرناهم بقلة ذات اليد، وأنا لا نطيق الإنفاق على العسكر(1)، ولا
نجد إلى ذلك سبيلاً، فذكروا أنهم يعينون ويجتهدون، وأن أهل البلد
على ذلك مجمعون.
فلما صرنا إليهم كتب على الناس على قدر طاقتهم، بل دون طاقتهم
ودونها ، فكتب على صاحب العشرة آلاف مائة، وعلى صاحب العشرين
ألفامائتان، وعلى صاحب الخمسين ديناران، وعلى صاحب الثلاثين دينار.
وشبيهاً بذلك. فكلهم إلى ذلك مُسارع، وكلهم رأى فيه المنفعة لنفسه
في ماله وحرمته.
وقد علمت كيف كان فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله
عليه حين دخل البصرة بعد حرب طلحة والزبير، فوجد في بيوت الأموال
من أهل البصرة مالاً كثيراً؛ من الفيّ الذي هو للصغير والكبير،
والمرأة والرجل، والطفلة والطفل، فدعا كبراء البلد ووجوه أهله؛ ثم
قال لهم: إن في بيت مالكم مالاً، وبأصحابي حاجة شديدة، فأَطْلِقُوا
لي حتى أقسمه على أصحابي دونكم، ففعلوا وأطلقوا له قسمه على أصحابه
دونهم، فقسمه على أصحابه؛ فوقع لكل إنسان منهم خمسمائة درهم قفله.
ولم يدع أوساط الناس، ولا النساء ولا الصبيان، ولا كل من يملكه،
واجتزى برأي كبرائهم، إذ كان في ذلك صلاح لهم، ومنفعة لبلدهم،
وعايدة في العاقبة عليهم، فافهم هذا المعنى.
وسنشرح لك في ذلك حجة أخرى قوية، نيَّرة بينة عند أهل العلم والفهم
واضحة.
__________
(1) في ب: العساكر.
(3/196)
نحن نقول وكل ذي فهم وبصيرة من العلماء: إن الإمام المحق، العادل
المستحق، له أن يأخذ من المسلمين العفو من أموالهم، اليسير الذي لا
يضرهم، فيرده على صلاحهم وصلاح بلدهم، ويدفع العدو الفاجر عن
أموالهم وحرمهم ودمائهم، أحبوا أم كرهوا، أطاعوا أم أبوا، ثم نقول:
إن ذلك من حسن النظر لهم، الذي لا يجوز له عند الله غيره، إذ لا
يجد منه بداً، ولا عن أخذه مندفعاً، وإلا لم يكن إلاَّ انفضاض
عسكره، وهلاك المجاهدين الذين معه، أو أخذ ما يأخذ من رعيته؛
لأنَّه إن قصر في ذلك انفض العسكر، وافترقت الجماعة، فذل الإمام
والمؤمنون، وهلكت الرعية المستضعفون، وقوي عليهم الأعداء الفاجرون،
وملكتهم الجبابرة الطاغون، فأخذوا الأموال، وقتلوا الرجال، وأهلكوا
الأطفال، (واصطلموا الأموال) (1)، ومات الحق، وظهر الباطل والفسق.
هذا ما لا يحل(2) لإمام الحق أن يفعله، ولا يجوز هذا إلاَّ لإمام
حق، مستحق بموضع الإمامة، نافذ حكمه في الأمة، حاكم بالكتاب
والسنة؛ لأن في فعله ذلك نجاة للمسلمين، وفي تركه له هلاك جميع
المؤمنين.
وإذا كان ذلك كذلك، فأَخْذُ جزء من أموال المسلمين فرض عليه في
ذلك، فإن قصر فيه فقد شرك مهلكهم في هلكتهم، ولم يحسن النظر لهم،
وكان قد تحرى في تركهم صلاحاً ورشداً، فوقع من ذلك في هلكة وارتكب
إدّاً (3).
وسنضرب لك في ذلك أمثالاً(4)، ونقول فيه بالصواب إن شاء الله
مقالاً؛ يصح رشده لكل ذي لُبِّ وعلم، ويتبين صدقه لكل ذي تمييز
وفهم.
__________
(1) سقط من (أ، ج).
(2) في (أ): ما يحل. وكلاهما صحيح مع توجيه اسم الإشارة.
(3) الإدُّ: الداهية، والأمر الفظيع.
(4) في أ: مثالاً. وفي ج: الأمثال.
(3/197)
ما يقول من أنكر علينا ذلك في نفسه؛ لو كان في قرية من قرى
المسلمين، وكان أمره فيها نافذاً وحكمه جارياً، وقوله(1) فيهم
جائزاً ماضياً، ثم دلف (2) إليه طاغية من طواغي المشركين، أو طاغوت
من طواغيت الباغين، ليقتل رجالها، ويسبي نساءها، ويأخذ أموالها،
ويخرب ديارها، فوجد هذا الإنسان الرئيس عليها، النافذُ أمره فيها؛
أعواناً يدفع بهم عن القرية ما قد غشاها، ويزيح عنها من الهلكة ما
قد أتاها(3)؛ أكان الواجب (4) عليه في حكم الله، وفيما يحب للمسلم
على المسلم أن يأخذ من أموالهم طرفاً يقوت (5) به هؤلاء الذين
يدفعون عنهم، حتى يسلموا من الهلكة؟ أو يخليهم حتى يهلكوا،
ويُستباحوا ويقتلوا؟
فإن قال قائل: بل يخليهم فيقتلوا قبل أن يأخذ منهم يسيراً
يحميهم(6) به؛ فقد أساء في القول، وجار في الحكم، وخالف الحق؛ لأن
الله سبحانه يقول في كتابه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ
وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ}،
ومن فعل ذلك فقد أعان على الإثم والعدوان، وترك المعونة على البر
والتقوى.
وإن قال: بل الواجب علي أن آخذ منهم ما أدفع به عنهم، أحبوا أم
كرهوا، وأقيم فرض الله علي فيما يلزم للمسلم على المسلم، ولا أنظر
إلى قولهم، إذا أبو النظر لأنفسهم، واستدعوا الهلكة إليها؛ إذكنت
مقلداً لأمرهم، بنفاذ أمري وحكمي عليهم؛ فقد أصاب في قوله واحتذا،
وسلك الطريقة المثلى، فهذه حُجَّة أخرى.
ومن الحجة في ذلك على من أنكره، وقال بغيره ورفضه، أن يقال له:
__________
(1) في أ، ج: وحكمه وقوله.
(2) دلف الشيخ: مشى وقارب الخطو، ودلفت الكتيبة: تقدمت.
(3) في (أ) ما أتاها.
(4) في أ: فإن الواجب، والصواب ما أثبت.
(5) في أ: يقرب.
(6) في أ، ج: يحييهم.
(3/198)
خبرنا عنك؛ لو سرت في قافلة من قوافل المسلمين، وأمرك فيهم نافذ،
فوجدت في بعض الطريق قوماً قد قطع بهم، وأخذ ما معهم، وتركوا
مطرَّحين(1) جياعاً عطاشاً عراة، لا يطيقون مشياً، إن تركتهم
ماتوا، وإن حملتهم نجوا، وإن أطعمتهم وسقيتهم حيوا؛ أليس كان
الواجب عليك في حكم الله أن تأخذ لهم من أهل الرفقة قوتاً يحييهم،
وتلزمهم لهم المعاقبة على رواحلهم (2)، حتى يلحقوا بالقرى
والمناهل، أولا تأخذ لهم منهم قوتاً ولا ماء ولا مركباً، فيموتوا
كلهم، ويهلكوا بأجمعهم؟
فإن قال قائل: بل أتركهم يموتون؛ فقد شرك في قتلهم، وقال بالمنكر
من القول فيهم، الذي ينكره عليه الجهال، فضلاً عن العلماء من
الرجال. وإن قال: بل أحمل أهل القافلة على أن يواسوهم بما لا يضرهم
في الطعام والشراب، والمعاقبة على الركاب؛ فقد قال بحق من المقال،
وانتحل(3) صواباً من الفعال، وأدى حقوق الله وحقوق المسلمين، ونجا
من قتل إخوانه أجمعين.
ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا
عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيرِ
نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعاً} [المائدة: 32] فحكم الله علىكل مسلم بإزاحة الهلكة عن
المسلمين بجهده وطاقته.
فكذلك يجب على الإمام أن يواسي بين المهاجرين والأنصار، وبين
الرعية من أهل الدار، ولا يترك المهاجرين، المدافعين عن
المستضعفين، الدائمين المقيمين لدعائم الدين؛ يهلكوا (4) جوعاً بين
أهل الأموال والجِدة (5) من المسلمين.
ومن فعل ذلك كان على أحد وجهين:
إما افترق عنه المجاهدون إذا اشتد عليهم البلاء، ولم يجدوا قوتاً
لأنفسهم ممسكاً.
__________
(1) في (ب): مطروحين.
(2) يعني أن يركب كل منهم عقيب الآخر.
(3) في (ب): وانحل.
(4) في (أ): يهلكون.
(5) الجِدَة: السعة والغنى.
(3/199)
أو صبروا فهلكوا وماتوا جمعياً معاً، ضراً وحرناً وجوعاً،، فهلك
بهلكتهم الإسلام، واجتيح(1) بعدهم الأنام، وكان في ذلك كله آثماً،
وللمجاهدين في الله وعلى دينه ظالماً.
فافهم هداك الله ما به قلنا، وفي ذلك احتججنا؛ فإن الحجج في ذلك
تكثر لو بها نطقنا(2)، ويسير ذلك يغني عند أهل العقل عن كثيره،
ويُجتزى عن الكثير فيه بيسيره.
[العشر: هل يجوز لآل رسول الله؟]
وسالت عن العشر (فقلت)(3): هل يجوز لآل رسول الله صلى الله عليه
وعلىآله؟
والقول في ذلك: أنَّه لا يجوز لهم أكله، ولا استحلاله، ولا
الإنتفاع بشيء منه، إلاَّ أن يشترى بأغلى الثمن وأوفاه، فيكون حاله
كحال غيره من أموال المسلمين التي يحرم على المسلمين استحلالها
وأكلها، وتحل لهم إذا اشتروها بالأثمان.
وكذلك يجوز للأئمة أن يشتروا الأعشار من جُبَاتِها وعُمالها بأغلى
ما تباع في أسواقهم، وتحتاط في ذلك على أنفسها لهم. وكذلك في
الأعلافِ من التبنان والقصبان(4)، لا تأخذ منه شيئاً إلاَّ بثمن
فوق ما يباع في السوق، يحاسِبون على ذلك العمال، ويوفونهم الأثمان
في كلّ حال.
فعلى هذا تجوز الأعشار للأئمة ولجميع آل رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم إذا اشتروها شراءً قاطعاً، كما يجوز لهم أكل مال اليتيم
إذا اشتروه بشراءٍ منقطع.
فأما أن يأكله أحد من أهل بيت رسول الله لا يؤدي له ثمناً، ويعتقده
حلالاً؛ فمن فعل ذلك فهو على غير دين الإسلام، وعلى غير شرائع دين
محمد عليه السلام.
__________
(1) في (أ، ج): وأجيح.
(2) في (ب): يكثر كونها ويسير ذلك.
(3) سقط من (أ).
(4) يعني التبن والقصب.
(3/200)
بل قولنا إنَّا نتبرأ(1) إلى الله ممن استحل العشر من آل رسول
الله، وقال: إنَّه حلال له من غير آل رسول الله. بل لو أن رجلاً من
آل رسول الله ألجئ إلى أكل العشور استحلالاً أو إلى أكل الميتة إذا
كان مضطراً؛ لرأينا له أن يأكل الميتة قبل أن يستحل ويستبيح شيئاً
من العشور(2).
ثم أقول: والذي نفس يحيى بن الحسين بيده لو اضطررت إلى أن آكل جفنة
مملؤة خبزاً ولحماً من العشر وأنا له مستحل مستبيح، لم أشتره
بثمني، أو أدفع فيه نقدي؛ أو أن آكل من الميتة ما يمسك نفسي، ويدفع
عن هلكتي؛ لأكلت من الميتة قبل أن آكل من لحم العُشُر وخبزه؛ لأن
الله سبحانه قد أطلق لي أكل الميتة عند الضرورة وخوف الهلكة، ولم
يطلق لي استباحة العشر ولا استحلاله في حالةٍ مَّا. فأما إذا
اشتريت العُشُر شراءً صحيحاً ثابتاً، ودفعت فيه مالي ونقدي، حل لي،
وطاب أكله بشرائي له، كما يحل لي مال اليتيم إذا اشتريته، ومال
المسلم إذا ابتعته.
فافهم هذه الخلة التي يجوز فيها الأعشار لآل رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم، والحالة التي لا يجوز لهم أكلها، ولا الانتفاع
بشيء منها.
وقد يجوز له بحالة أخرى، وهو أن يأخذ منها بعضُ أهلها المستحقين
لها من سائر المسلمين شيئاً فيهدون بعضه إلى آل رسول الله صلى الله
عليه وآله، ويدعونهم إلى طعام من أعشار الصدقة فيجيبونهم، فيجوز
لهم أكله، إذا أجازه لهم أهله، فيكون أخذ المسلمين له باستحقاق
ووجوب، ويكون قبول آل رسول الله صلى الله عليه له منهم ـ أن
أهدوه(3) إليهم ـ قبولاً لهدية إخوانهم المسلمين، مما أطعمهم إياه
وأجازه لهم رب العالمين.
فقد حل لهم بهذا المعنى وفي هذا الوجه، حين خرج من معنى الصدقة،
وصار من أخيهم المسلم ـ الذي قد ملكه ـ إليهم هدية.
__________
(1) في (ب): تبرأنا.
(2) في (أ، ج): من العشر.
(3) في (ب): أن أخذوه.
(3/201)
وفي ذلك ما يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله: أنه دخل على
عائشة، فوجد عندها تمراً، فقال: (( من أين لكم هذا؟ قالت يا رسول
الله صدقة تُصُدق بها على برّيرة(1)، فقال: هو عليها صدقة، ولنا
منها هدية، فقدمته بريرة إليه فأكل منه )) .
فعلى هذا الباب قولنا به في هدايا المسلمين، إلى آل رسول رب
العالمين، مما جعله الله للمسلمين حلالا من صدقات إخوانهم
المؤمنين.
فافهم هديت ما عنه سألت، وقف على هذه الوجوه فقد أكملت لك فيها كل
ما طلبت، مما يجوز لآل رسول الله صلى الله عليه من صدقات المسلمين،
وأوساخ أيدي المتصدقين، وأعلمتك بأي سبب يحل لهم، وفسرت لك متى
يجوز لهم به أكلها، والمعنى الذي يدخل في ذلك حتى يحل لهم من بعده.
[تصرف الأئمة في قسمة الأعشار وغيرها إعطاء ومنعاً]
وسالت عن المعنى الذي يجوز لهم(2) به قسم الزكاة على أصنافها،
وتسليم ربعها إلى الفقراء والمساكين، وقلت: كيف كنت في أول الأمر
تقسم ذلك على أهله، وأنت اليوم ربما قسمت، وربما لم تقسم، وربما
أعطيت، وربما لم تعط ؟ فقد تكلم بعض من تكلم، ورأيتهم ينكرون عليك
في بعض الأوقات إذا لم تقسم.
وقد سألتَ فافهم (3)، وإذا فهمت فاعلم، أن من لم يعرف شيئاً أنكره،
ومن لم يعرف حقيقة أمر عَظَّمه.
أما علمت إن جهلوا، وفهمت إن غفلوا: أن رسول الله صلى الله عليه
وآله لما أن أتاه مال من البحرين، يقال: إنَّه ثمانون ألف أوقيّة
من أعشار البحرين ومن جزية ذمتها، ومن صواف كثيرة كانت بها؛ فقسم
الثمانين ألفاً(4) في مجلسه على جلسائه، يعطيهم غرفاً غرفاً، وكفاً
كفاً، حتى لم يبق من ذلك شيء؟ وذلك أنَّه صلى الله عليه وعلى آله
وسلم علم أن ذلك أصلح للإسلام في ذلك الوقت، من القسم على السهام
الثمانية.
__________
(1) في (أ): برّيرة: مولاة عائشة، صحابية مشهورة، عاشت إلى زمن
يزيد.
(2) في (ب): لايجوز به قسم.
(3) في (أ): وسألت عن ذلك فافهم.
(4) في (أ): الثمانين الف.
(3/202)
وكذلك فعل في غنائم حنين(1)، وهب للمؤلفة قلوبهم من خمسين بعيراً
إلى مائة بعير إلى مائتين إلى ثلثمائة، وحرم المهاجرين والأنصار في
ذلك الوقت؛ حتى تكلم من تكلم من الأنصار، فكان منه من الفعل ما قد
بلغك، وذلك فلم يفعله صلى الله عليه إلاَّ للصلاح الذي رآه، فأمضى
رأيه في الغنائم، ولم يقسمها على أهلها، نظراً منه عليه السلام؛
للمسلمين والإسلام.
وكذلك كان فعلنا في العشر، نقسمه مرة، ونتركه مرة، نتحرى في ذلك
الإصلاح للإسلام إذا رأيناه، وبان لنا وعرفناه، وإذا استغنى
الإسلام والمسلمون، وقلت حاجتنا إلى هذه الأعشار، قسمناها على
أصنافها، أو من وجدنا منهم. وإذا احتاج المسلمون والإسلام إليها؛
آثرناهم بها على أهلها، نظراً منا لهم، ومعرفة بأن ذلك أرجع في كل
الأمور عليهم.
__________
(1) في (أ): خيبر. وما هنا أثبته من نخ.
(3/203)
وذلك أن الدار لا تصلح إلاَّ بالجيوش والأنصار، والخيل والرجال،
ولا تقوم ولا تجتمع إلاَّ بالأموال. فنظرنا فإذا بالبلد الذي نحن
فيه ليس فيه شيء غير هذه الأعشار، وإن نحن ـ عند حاجة المهاجرين
والأنصار إلى القوت، وما به تدفع الهلكة والموت، من دفع هذه
الأعشار التافهة إليهم، وردها دون الأصناف عليهم ـ دفعناها إلى
المساكين، وغيرهم من الأصناف المذكورين؛ هلكت الجنود المجندة،
وتبددت الجماعة المجتمعة، وافترق المهاجرون، وذل المسلمون، ووقعت
البليَّة، وعظمت المصيبة، وشملت الفتنة، ولم تضبط البلاد، ولم يصلح
أحد من العباد، وعلا الظالمون، وخمل المؤمنون، وبطل الجهاد، وخربت
البلاد، وشمل البلاء، وذل الأمر والرجاء، فهلك في ذلك الضعفاء،
وشحَّ الأغنياء، ومات الفقراء، ووقع الضياع، وكثر الجياع. وعلمنا
أنا إن آثرنا بها من به قوام الدار، من أهل الإسلام من المهاجرين
والأنصار، استوسقت السبل(1) وأمنت البلاد، وعاش العباد، وتجر
التجار، وعمرت الديار(2)، وزرع الزارعون، وتقلب المتقلبون، واستغنت
الرعيّة، وحسن حال البرية، فعاش بينها(3) أهل الصدقة من هؤلاء
الأصناف المذكورين، وسخا الأغنياء بالعطية للطالبين، وتقلب الفقراء
والمساكين؛ في دار الأغنياء الواجدين، وتكسبوا معهم، وأصابوا من
فضلهم، وحسنت بصلاح دارهم حالهم(4)، واستقامت لِعِزّ الإمام
أمورهم.
__________
(1) في (ب): السبيل.
(2) في (أ): البلاد.
(3) في (ب): منها.
(4) في (أ): لصلاح حالهم، كذا. وما أثبت أولى.
(3/204)
فلهذا المعنى قسمنا الصدقة عند ما يستغني عنها الإسلام والمسلمون،
وحبسناها عند ما يحتاج إليها ويضطر الأنصار والمجاهدون؛ نظراً منا
للرعية، واحتياطاً في الحياطة للبرية، وأداء إلى الله سبحانه
النصيحة لعباده، وإحساناً وأداء إليه ما استأمننا عليه من
الأموال(1) في بلاده، فصرفناها في إصلاح الدين والمسلمين، ورددناها
على الأصناف من المسلمين حيناً (2)؛ اجتهاداً لله في النصيحة،
وتأدية منا إليه ما حملنا من الأمانة؛ إذ كُنَّا عن ذلك مسؤلين،
وبإحسان النظر للإسلام والمسلمين مأمورين، وعن التفريط فيما يصلح
البلاد مَنْهِيِّين.
وسأضرب لك ـ إن شاء الله ولمن عقل صواب رشدنا ـ قولاً ومثلاً، يبين
لك حقائق علمنا، فليس كل متكلم مصيباً في قوله، ولا كل منتحل للعلم
عالماً(3) بكل ما يحتاج إليه، {وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ
عَلِيمٌ}[يوسف: 76]، ومن طعن بغير علم على أولياء الله كان آثَمُ
أثِيمٍ:
__________
(1) في (أ، ج): من أموال بلاده.
(2) في (ب): حيثما كانوا.
(3) في (أ): عالم لكل. كذا
(3/205)
ما يقول وما يذهب إليه الطاعن علينا بما لا يعلم متأول(1): في رجل
متول لأمورِ أَيتامٍ تحت يده، مسكنة صغار؛ من ضَعَفَةٍ لهم أرض
بعضها أعنابٌ، وبعضها حرث، فاستغل لهم من ذلك العنب زبيباً؛ ثم حدث
في العنب والحرث حدث من سيل؛ فأخرب الحرث، أو نارٍ أحرقت العنب
وخشبه، أكان الواجب عندك في دين اللّه وفرضه، وما حكم على ولي
اليتامى من حكمه؛ أن يصلح حرثهم وعنبهم بما قد أخذ من الثمر قبل
خراب الحرث والعنب، وينفقه ويرده عليه؛ ولو مدوا أيديهم لطلب
الصدقة، وبَدَتْ منهم في تلك السنة الخصاصة والحاجة، حتى يصلح
عنبهم إذا رد فيه ما احترق من خشبه، وتصلح أرضهم إذا عمرت؛ فتغل(2)
أرضهم وعنبهم في كل سنة من بعد صلاحه ما يعيشون به، ويرجع نعيمهم
إذا رجعت غلتهم، ويكمل حُسن حالهم بصلاح أموالهم؟ أم يترك أرضهم
وعنبهم خراباً، ويخليها فاسدة يباباً(3)، وينفق الغلة التي أنفقها
في صلاح ما لهم عليهم؛ فيأكلونها سَنَتَهم، ويهلكون في طول عمرهم؛
إذ قد خربت أموالهم؟
فإن قلت: ينفق عليهم هذه الغلة وتخرب أموالهم، فقد قلت قولاً
شططاً، وحكمت في ذلك بغير الحق حكماً؛ إذ لم تحسن لهؤلاء الأيتام
نظراً، ومن لم يحسن النظر لأيتامه؛ فقد باء عند الله بعبء
آثامه(4)، وشهد عليه جميع الرجال؛ بالقول الفاحش والمحال.
وإن قلت: بل يعمر ضياعهم، ويُحْيي أموالهم؛ بهذه الغلة اليسيرة؛
ليلحقوا بذلك في أموالهم المعيشة الكثيرة، الدائمة الكافية
الغزيرة؛ فقد أصبت في قولك، وقلت حقاً في حكمك، وفعلت ما يُصَوبك
فيه الجهلاء، فضلاً عن أهل العقول من العلماء.
فإذا قلت بذلك من الحق، وتكلمت فيه بقول الصدق؛ فكذلك فقل في فعلنا
في بلاد رعيتنا، ومواضع ضعفتنا.
__________
(1) كذا في النسخ.
(2) في (أ، ج): فيعمل. وظنن في ج بما أثبت من (ب).
(3) الأرض اليباب الأرض الخراب.
(4) في (أ): من الله بعبء آثامه.
(3/206)
ألا ترى أنا لو قسمنا هذه الزكاة على أهلها، في وقت الحاجة حاجة
الإسلام والمجاهدين إليها، ونزول الخصاصة بالمدافعين عن أهلها،
فافترقوا عنا، وانتزحوا من قربنا؛ فوقع الضعف على الإسلام
والمسلمين؛ لِمَا وقع من الخصاصة بالمجاهدين، وقوي بذلك أهل الضلال
من المضلين؛ ففسد أمر الرعية، واختلفت أحوال البرية، ووقع الضياع
عليهم، وكثر الجياع، واختلفت أمورهم، وساءت أحوالهم، وشح بالمعروف
أغنياؤهم؛ فهلك لذلك فقراؤهم،، وخافت سُبُلهم، وخربت أموالهم، وظهر
عليهم أعداؤهم؟
وإن نحن رددنا زكاة الأمصار؛ على المجاهدين والأنصار؛ دون أهلها من
هذه الأصناف المذكورة، ووقت(1) ما تنزل بالمجاهدين الحاجة
والضرورة؛ قوي الحق، وضعف الفسق، وعاش في الدار المستضعفون، وجاد
بالمعروف الأغنياء، واستغنى في دار معروفهم الفقراء، وأمنت سُبلهم،
وحسنت حالهم، وزال ضرهم.
فهذا والمثل الذي ضربناه أولاً سِيَّان، في القول والمعنى اثنان،
والحمد لله على الحق والإستواء. فأفكر فيما ذكرت لك بِلُبِّك،
وانظر فيه إذا نظرت بخالص مركب عقلك، يبن لك في ذلك الصواب،
ويَزُلْ(2) عنك فيه الشك والارتياب.
[طريق الإمامة وصفات الأئمة]
وسالت عن إثبات الإمامة في الإمام من آل رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم؛ فقلت: بم تثبت له؟ أبعقد الناس وإجماعهم عليه؟ أم
برواية رويت عن الرسول فيه؟ أم بغير ذلك؟
واعلم هداك اللّه بأن الإمامة لا تثبت بإجماع الأمة، ولا بعقد
بريَّة، ولا برواية مروية. ولكن تثبت لصاحبها بتثبيت الله لها فيه،
وبعقدها في رقاب من أوجبها عليه، من جميع خلقه، وأهل دينه وحقه.
__________
(1) كذا ولعلها وقت.
(2) في (ب، ج): ويزول، وما هنا في هامش ج نخ.
(3/207)
وذلك قول الله سبحانه: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء: 59] وأولوا(1) الأمر الذين
أمروا بالكينونة معهم؛ فهم: الصادقون بادعاء الإمامة، وهم
المستوجبون لها، والمستحقون لفرضها.
وهم من كانت فيه الصفات التي تجب له بها الإمامة؛ من ولادة الرسول،
والعلم، والدين، والزهد، والورع، والمجاهدة لأعداء الله، مَنْ
كَشَف رأسه، وسَلَّ سيفه، ونشر رايته، ودعى إلى الحق وعمل به،
وزاحف الصفوف بالصفوف، وأزلف الألوف إلى الألوف، وخاض في طاعة الله
الحتوف، وضرب بالسيوف الأنوف، وأقام حدود الله على من استوجبها،
وأخذ أموال الله من مواضعها، وصرفها في وجوهها، وكان رحيماً
بالمؤمنين، مجاهداً غليظاً على الكافرين والمنافقين، مَعَهُ
عَلَمُه ودليله، والعلم والدليل: الكلام بالحكمة، وحسن التعبير
والجواب عند المسألة، والفهم لدقائق غامض(2) الكتاب، ولدقائق غيره
من كل الأسباب، التي يعجز عن استنباطها غيره، ويضعف عن تثبيتها
سواه.
__________
(1) في (ب): وأولي، وهي على الحكاية.
(2) في (أ) لغامض دقائق.
(3/208)
فمن كان في الصفة كما ذكرنا، وفي الأمر كما قلنا؛ فهو الإمام الذي
عقد الله له الإمامة، وحكم له على الخلق(1) بالطاعة، فمن اتبعه رشد
واهتدى، وأطاع الله فيما أمر به واتَّقَى، ومن خالفه فقد هلك وهوى،
وأفحش النظر لنفسه وأساء، واستوجب(2) على فعله من الله العذاب
الأليم، والخلود في الهوان المقيم، {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً
كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً
بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا
فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا
مِنْهَا أُعِيدُوا فِيْهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ
النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}[السجدة: 18 ـ 20].
[المعنى الذي تجب به الإمامة والطاعة ويجوز جهاد المخالف]
وسالت(3) يا أبا عبد الله حفظك الله، ووفر في الخيرات حَظَّك؛ عن
المعنى الذي وجبت به لنا على الخلق الطاعة، ووجب به علينا جهاد من
أَبْدى لنا المعصية، وثبتت به لله سبحانه في ذلك علينا الحجة، حتى
حكمنا بالهلكة على المتجانفين(4) عن دعوتنا، وبالنجاة للمسلِّمين
لأمرنا، الساعين في طاعتنا، حتى سمينا من قتله الظالمون منَّا
شهيدا، وحكمنا له بالوعد الذي وعد الله الشهداء، وسمينا من قتلْنا
نحن من الظلمة كافراً متعدياً، وحكمنا عليه باستحقاق الوعيد من
الله العلي الأعلى.
__________
(1) في (ب): على الحق.
(2) في (ب): واستحق.
(3) في (أ، ج): مسألة أجاب عنها أيضاً عليه السلام في الإمامة، وهي
آخر مسائل الحسين بن عبد اللّه الطبري: بسم اللّه الرحمن الرحيم
سألت..الخ.
(4) في (ب): المجانفين. وفي (ج): المخالفين.
(3/209)
وهذا أكرمك الله فقد وجب لنا على أنفسنا السؤال عنه، والبحث لها
فيه، عند ما دعتنا إليه؛ من دعاء الخلق إلى طاعتنا، والمناداة إلى
إجابتنا(1)، وضرب أعناق المحاربين لنا، وأخذ أموالهم، واستباحة
ديارهم.
فسألناها فقلنا: ما الذي وجب لكِ به ذلك؟
فكان من جوابها لنا، عندما احتجنا إليه من علم ذلك منها، أَنْ
قالت: وجب لي ذلك بما وجب للأئمة من قبلي، من لدن القاسم بن
إبراهيم عليه السلام، ومن تقدمه من الأئمة القائمين؛ الذين كانوا
حججاً لله على العالمين، سواء سواء.
فقلنا لها: فَبِمَ أوجبتِ(2) لأولئك صلوات الله عليهم الطاعة على
الخلق؟
فقالت: بوجوب الإمامة التي عقدها الله لهم بأحق الحق، وأصح القول
والصدق.
فقلنا لها: وَبِمَ عقد الله سبحانه الإمامة لأولئك؟ وبأي معنى
كانوا صلوات الله عليهم عند الله عزَّ وجل كذلك؟
فقالت: بولادة الرسول صلى الله عليه وآله(3)، وبمعرفتهم بذي الجلال
والإكرام، وبالورع الذي جعله قواماً للإسلام، وبالمعرفة بالحلال
عند الله والحرام، وبما يحتاج إليه في الدين جميع الأنام، وبأخذ
الحق وإعطائه، وبِقِلَّة الرغبة في الدنيا، والزهد في دار الفنى،
والرغبة والمحبة لدار البقاء(4)، وبكشف الرؤوس، وتجريد السُيوف،
ورفع الرايات لله وفي الله عزَّ وجل، والمنابذة لأعداء الله،
وبإظهار الدعاء إلى الله، والغضب لله والرضى، وإقامة الدار،
والدعاء إلى الله الواحد القهار، وإحياء الكتاب والسنة، وإقامة
الحق والعدل في الرعيّة، والإطلاع على غامض كتاب الله ووحيه، الذي
لا يطلع عليه إلاَّ من قلده الله السياسة، وحكم له بالإمامة دون
غيره، فآتاه الحكمة، وخصه بالفضيلة، وأكمل له النعمة، وجعله له على
الخلق حجة، وبالشجاعة عند اللقاء، والصبر في البأسآء والضرآء،
والجود والسخاء، مع النصفة للأولياء.
__________
(1) في (ب): والمبادر.
(2) في (ب): وجبت.
(3) يعني بكونهم من أولاد الرسول.
(4) في (ب): والرغبة في دار.
(3/210)
فصدقناها فيما احتجب به من الأمر الذي تجب به من الله سبحانه
الإمامة لأهلها، ويتأكد لهم به من الله عزَّ وجل فرض الطاعة على
خلقه.
فلما أن أجمعنا نحن وهي على أن من كانت فيه هذه الخصال، وثبت له ما
ذكرنا في كل حال، فقد وجبت له بحُكم الله الإمامة، وتأكدت له بفرض
الله على الخلق الطاعة، أوجبنا على أنفسنا المحنة؛ فامتحناها فيما
أجمعنا نحن وهي وغيرنا عليه من الشروط التي تجب بها الإمامة، وتثبت
بها لأهلها على الخلق الطاعة. فلم نَجِدها ولله الحمد عن ذلك
منصرفة، ولا منه مُعوِزَة، بل وجدناها به قائمة، وبالتسمية(1) به
مستحقة؛ فأجبناها إلى ما دعتنا إليه، وأعنَّاها بكليتنا عليه،
فصدقناها ولله المنُّ بعد المحنة به.
ولك يا أبا عبد الله أكرمك الله علينا من الحجة، والسؤال والمحنة؛
مثل الذي كان لنا على أنفسنا، فانظر في ذلك معنا، بمثل ما نظرنا
نحن مع أنفسنا، فإن وجدت ما وجدنا، وشهد عقلك لك في أمرنا بمثل ما
شهدت به عقولنا لأنفسنا؛ فقد حق لك ما طلبت، وصح لك ما عنه سألت،
وجاءتك من نفسك البينات، وأنارت لك في ذلك النيّرات.
وإن لم تجد الشروط التي نشهد نحن وأنت وكل المسلمين بأنها شروط
الأئمة الهادين، المفترضة طاعتهم، والمحرّمة معصيتهم، كنت على بينة
من أمرك، ورخصة من فرضك(2)، وراحة من تعبك.
واعلم هداك اللّه أن الإمتحان والنظر لا يكون إلاَّ بالنصفة من
المتناظِرَيْن، وطلب الحق في ذلك من المتسائلَين،وقبول الحق عند
ظهوره، وأخذه بأفضل قبوله. ونحن أكرمك الله لكل ذلك باذلون، وإليه
لك مسرعون، وله منك مُحِبُّون.
فهذا الباب الذي وجبت به إمامة كل إمام(3)، على جميع من تقدم من
أهل الإسلام، وبه تجب إمامة من بقي من أئمة الهدى، إلى آخر أيام
الدنيا، ولن تجب إمامة إمام أبداً بغير ما ذكرنا، ولن يوجد سَببٌ
يثبت لأحد سوى ما شرحنا.
__________
(1) في (أ، ج): وللشهرة.
(2) في (ب): من فضلك.
(3) في (ب): الإمامة لكل إمام.
(3/211)
والحمد لله(1) كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على
سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً.
****
جواب مسائل لابنه المرتضى (ع)
m
[معنى حديث: ما كان على أهل هذا الجدي.. إلخ]
قال الإمام المرتضى لدين اللّه محمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن
الحسين صلوات الله عليهما:
سألت أبي الهادي إلى الحق صلوات الله عليه عما روي عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم من أنَّه مرَّ بجدي ميّت مطروح على كِبَا (2)،
فقال عليه السلام: (( ما كان على أهل هذا الجدي لو انتفعوا بجلده
)).
قال الهادي إلى الحق أعزه الله: لم يرد النبي عليه السلام الانتفاع
بجلده بعد موته، ولكنه صلى الله عليه أراد: ما كان عليهم ـ إذ لم
يكن فيه لحم يذبح ويذكى له ومن أجله، لما كان فيه من الهزال(3)
والهلاك ـ لو ذبحوه، فحل(4) لهم بذبحه الانتفاع بجلده؛ (فانتفعوا
بجلده)(5) إذ لم يكن في لحمه منفعة.
فهذا يا بني معنى قوله صلى الله عليه، لا ما ذهب إليه الجهال، ونسب
إليه العماة الضُلاَّل.
واعلم يا بني أن كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له معان
وأبواب؛ تحتاج إلى تفسير عالم فهم(6) باللغة، كما يحتاج القرآن إلى
التفسير.
[معنى حديث: إن اللّه يبغض الحبر السمين]
__________
(1) في (أ): تم والحمدلله كثيراً، وصلى اللّه على محمد وآله وسلم.
(2) في (ب): كناسة، وهي معنى الكبا.
(3) في (ب): الهوان.
(4) في (ب): يحل.
(5) سقط من (ب).
(6) في (ج): فهيم. وماهنا أثبته في الهامش.
(3/212)
من ذلك قوله: (( إن الله يبغض الحبرَ السمين )) فتوهم من لا فهم له
أن معناه: البَدِن الشَّحِم؛ فذموا بذلك كل عالم سمين، وكان صلى
الله عليه وآله قد بلغ من الشحم والسِّمَن غاية، حتى كان قد جعل في
محرابه بالمدينة عوداً هو اليوم في المحراب، وكان إذا نهض بعد
السجود أخذ به؛ حتى ينهض من ثقل بدنه(1)، وكان صلى الله عليه يتنفل
بعض نوافله قاعداً لثقل بدنه، وهو صلى الله عليه حبر الأحبار(2)
وأفضلها.
وإنما أراد بقوله: (( إن الله يبغض الحبر السمين ))؛ يعني الذي قد
سمن من أكل الرُّشا والحرام.
[معنى حديث: إن اللّه يبغض البيت اللحم]
وكذلك رُوي عنه عليه السلام أنَّه قال: (( إن الله يبغض البيت
اللَّحِم ))؛ فتأوّل ذلك من لا فهم له أنَّه: البيت الذي يؤكل فيه
اللحم كل يوم دائماً. وهذا باطل من التأويل، كيف يقول ذلك في
اللحم؛ وهو يفضله ويقول: (( خير(3) إدامكم اللحم ))، وكان يشتهيه
ويأكله إذا وجده؟!
__________
(1) في (ب): بعد السجود يعتمد به حتى ينهض.
(2) في (أ، ج): أحبر الأحبار.
(3) في (أ، ج): أفضل.
(3/213)
وإنما أراد بقوله ذلك: البيت الذي يُؤْكَلُ المسلمون فيه، معنى
يؤكل فيه: يُوقَع فيهم، ويُطعن عليهم، ويُؤذون فيه. ألاَ تسمع كيف
يقول الله سبحانه: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ
أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ}[الحجرات: 12]؟ وقد رُوى عنه صلى
الله عليه أنَّه لما رجم ماعز بن مالك الأسلمي حين أقر بالزنا؛
فسمع عند منصرفه الزبير(1) يقول لطلحة(2): انظر إلى هذا الذي ستر
الله عليه فلم يستر على نفسه حتى رجم مرجَم الكلب. فسكت عنهما رسول
الله صلى الله عليه وآله حتى مر بجيفة حمار شاغرٍ بِرجْليه؛ فقال
لهما: (( انزلا فأصيبا من هذا الحمار ))، فقالا: نعيذك يا رسول
الله، أنأكل الميتة؟ فقال لهما: لما أصبتما من أخيكما آنفاً أكبر
مما تصيبان من هذا الحمار، إنَّه الآن ليتقمص(3) في أنهار الجنة.
وغير ما ذكرناه عنه في هذا المعنى فكثير غير قليل، ومعروف غير
مجهول، ولله الحمد، نجتز(4) بقليله عن التطويل بذكر كثيره والسلام.
[معنى قوله تعالى: {وآخرون اعترفوا..} الآية]
__________
(1) هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن
كلاب، أبو عبد اللّه القرشي الأسدي، أحد العشرة المشهورين، من
شجعان الصحابة وأبطالهم، أبلي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
وسلم بلاء حسناً، نكث مع طلحة على الإمام علي عليه السلام بعد
البيعة على الأصح، فكانت وقعة الجمل الشهيرة، قتل بعد منصرفه منها
سنة (36 هـ).
(2) هو طلحة بن عبيدالله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم
بن مرة التيمي، أبو محمد المدني، أحد العشرة، شجاع باسل، أبلى بلاء
حسناً مع السرول صلى اللّه عليه وآله، لكنه نكث بيعة الإمام علي،
قتل يوم الجمل سنة (36 هـ)، وله (63 سنة).
(3) كذا في النسخ، ولعلها: ليتغمص.
(4) في (أ،ج): يُجْتَزَى.
(3/214)
وسالته عن قول الله سبحانه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ
خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ
يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[التوبة: 102]،
فقال: هؤلاء أهل التوبة إلى الله من بعد المعصية، فذكر الله عنهم
أنهم عملوا عملاً سيئاً، ثم خلطوا أعمالهم بالصالحات؛ فعملوا بها
من بعد التوبة وبعد العمل الردي. ومعنى {عَسَى اللَّهُ}؛ هو: إيجاب
القبول(1) للتوبة من التائبين من بعد الإخلاص لله بالتوبة، وليس
كما يقول الجهال: إنهم يعملون قبيحاً وحسناً في حالة واحدة، ويتقبل
منهم الحسن، هذا ما لا يكون؛ لان الله يقول:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ
اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة: 27]، ومن كان في معصية الله
فليس بمتق، ومن لم يكن بمتق فليس يقبل عمله منه.
[معنى قول الله: {فلا وربك..} الآية]
وسالته عن قول الله سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا
فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا
تَسْلِيماً}[النساء: 56]. يقول سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله،
مخبراً له عن أصحابه، مقسماً بنفسه؛ أن أصحابه لا يؤمنون على حقيقة
الإيمان؛ حتى يردوا إليه عليه السلام ما تشاجروا فيه ـ وهو
مااختلفوا فيه ـ ثم يرضوا بحكمه في ذلك، ولا يجدوا في صدورهم شيئاً
فيه، ولا غضباً منه، {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}، أي ينفذوا حكمه
ويسلموا له، ويرضوا به ولا يردوه
****
ومن مسائل علي بن محمد العلوي (2)
مما سأل عنها الهادي إلى الحق صلوات الله عليه.
m
[أطفال المشركين هل يحل سبيهم؟]
وسالته عن أطفال المشركين هل يحل سبيهم؟
__________
(1) في (أ،ج): إيجاب لقبول التوبة عن.
(2) هو مصنف سيرة الإمام الهادي، له مواقف شجاعة مع الإمام عليه
السلام.
(3/215)
فقال: نعم. قلت: ومن أين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه: (( كل
مولود(1) يولد فإنما يولد على فطرة الإسلام، حتى يكون أبواه اللذان
يهودانه أو ينصّرِانه ))؟
فقال: إنما هذا في الأطفال الذين يولدون في دار الإسلام، فأما من
يولد في دار الكفر فقد حكم الله عليه بالسبي، وحكم على ما فيها من
مال أو نفس وأبانها، وأحل ما فيها، وصيَّرها ملكاً وغنيمة
للمؤمنين، فما جاز من سبي الكبير جاز في سبي الصغير؛ لأن الدار دار
كفر، فافهم الفرق بين دار الكفر ودار الإسلام.
[الجزية على النساء ودعوتهن]
وسالته عن نساء اليهود والنصارى، هل تجب عليهن الجزية؟
فقال: لا. قلت: ومن(2) أين لم تجب عليهنَّ الجزية؟ فقال: لأن الله
تبارك وتعالى حكم على الرجال بالقتل، وأوجب عليهم الجزية فداءً من
القتل، فمن وجب عليه القتل من الرجال وجبت عليه الجزية. قلت: فهل
تجب دعوة النساء؟ قال: نعم. قلت: فإن لم يفعلن؟ قال: يستخدمن
ويُهَنَّ. قلت: وهل تحل خدمتهنَّ؟ قال: نعم، كما فعل رسول الله صلى
الله عليه وسلم بصفيّة ابنة حيي بن أخطب حتى أسلمت، فتزوجها رسول
الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال بعض علماء أهل البيت: إنهن
يدعين؛ فإن لم يُسلمن قتلن.
قلت: فما قولك أنت يا أمير المؤمنين؟
فقال: حتى تبلغ ذلك إن شاء الله، وأعلمتك برأيي فيهن(3).
ومن مسائل محمد بن عبيد الله (3)
[موالاة الظالمين ومداراتهم]
__________
(1) في (أ، ج): طفل.
(2) في (أ، ج): فقلت من.
(3) في (أ): ثم أعلمتك. ولعلها: أعلمك.
(3/216)
قال محمد بن عبيدالله(1) رحمه الله: سألت الهادي إلى الحق صلوات
الله عليه عن موالاة الظالمين. فقال: لا تجوز موالاة الظالمين لأحد
من المؤمنين، وموالاتهم فهي: مودتهم ومحبتهم؛ لأن الله سبحانه
يقول: {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ
الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}[المجادلة:
22]. فحرّم الله تعالى موالاتهم ومحبتهم، ولم يطلق للمؤمنين
الإنطواء على شيء من إضمار المودة لهم. وفي ذلك مايقول اللّه عزَّ
وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي
وَعَدُوَّكُمْ اَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ..}
الآية[الممتحنة: 1]. فمن انطوى وأضمر محبّة ظالم فقد خرج من دين
الله، وليس من المؤمنين بالله، ولا تجتمع معرفة الله ومحبته
وموالاته مع مودة أعداء الله ومحبتهم؛ لأن الله عدو للظالمين،
والظالمون أعداءٌ لرب العالمين، ولن يجتمع ضدان معاً في قلب مسلم.
فأما المداراة للظالمين باللسان، والهبة والعطية، ورفع المجلس،
والإقبال بالوجه عليهم؛ فلا بأس بذلك؛ لأن الله قد فعل في أمرهم ـ
وهم أعداؤه ـ ما فعل؛ من جعله لهم جُزءاً في الصدقات؛ يتألفهم به
على الحق، ويكسر به بعض بلائهم وظلمهم عن الإسلام، وذلك قوله عزَّ
وجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية
[التوبة: 60] فجعل للمؤلفة جزءاً، وهم أعداء الله وأعداء الإسلام؛
يكسر حدَّهم عن المؤمنين، ويصليهم به نار جهنم وبئس المصير، ويجعله
عليهم وبالاً في الآخرة ولهم عذاب أليم.
__________
(1) في (ب): عبدالله. وهو: محمد بن عبيدالله العلوي العباسي والد
مؤلف السيرة، أحد أبرز أصحاب الإمام، وفد عليه للجهاد بين يديه،
تولى للإمام وسحة، ثم صعدة، ثم نجران في سنة (287 هـ)، خالف عليه
بنو الحارث بنجران وقتلوه ظلماً وعدواناً في وقعة رهيبة تشبه وقعة
الإمام الحسين عليه السلام في شهر ذي الحجة سنة (295 هـ).
(3/217)
وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل بالمنافقين
الظالمين؛ يؤثرهم على من معه من إخوانه المؤمنين، ويكل إخوانه على
إيمانهم.
من ذلك ما فعل في غنائم حنين، فرقها كلها على المؤلفة قلوبهم، ولم
يعط المؤمنين منها درهماً واحدا، ولا شاة واحدة، ولا بعيراً واحداً
يتألفهم بذلك، ويكسر عن المؤمنين شر حدهم.
وكذلك كان يفعل بكبراء المشركين إذا كاتبوه وأتوه؛ يكاتبهم بأحسن
المكاتبة، ويفرش لهم ثوبه إذا أتوه يُجلسهم عليه، نظراً منه
للإسلام، ومداراة لهؤلاء الطغام، عن غير موالاة ولا محبة.
[الاستعانة بالظالمين]
قال محمد بن عبيد الله(1): وسألت الهادي إلى الحق صلوات الله عليه
هل تجوز الإستعانة بالظالمين؟ وقلتُ: ما معنى قول الله سبحانه:
{وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف: 51].
فقال: أما ما سألت عنه من قول الله سبحانه؛ فإنما أراد بالعَضُد:
الوُدِّ والْمُشَاوَرَة(2) في المبثوث من جميع الأسرار الظاهرة
والباطنة، والمحبوب في السر والعلانية، المعتَقَدة ولا يته،
الجائزة عند الله مناكحته، وأكل ذبيحته، وقبول شهادته، والإعتماد
على قوله، والركون إلى مصافاته، فهذا العَضُد. فمن لم يكن عند
صاحبه على هذه الحال، على حقيقة الفعل والمقال؛ فليس له بعضد ولا
كرامة له، ولا ينتظمه هذا الاسم أبداً، ولا يجوز له أصلاً.
__________
(1) في (ب): عبد الله.
(2) في (ج): الوِدَّ الْمُشَاوِر، والود: المحب.
(3/218)
فأما ما اسعنت به في مهمّاتك، وتقويت(1) به واستعنت به في ساعات
حاجاتك، في إصلاح الإسلام والمسلمين، وهايبت به من كان مثله من
الظالمين، واستعنت به على من هو أفجر منه، وأنت له شانئ، ومنه
متبرئ، وبه غير واثق، تكتمه أسرارك، وتجمل لديه أخبارك، لا تستحل
له مناكحة، ولا تأكل له ذبيحة، ولا تقبل له شهادة، ولا تأتم به في
صلاة، فكيف تكون له متخذاً عضداً، وتكون له ولياً مرشداً؟ هذا ما
لا يغلط فيه إلاَّ الجهال، وإلا من أعمى الله قلبه من الرجال، فهو
يتكمه في عمايات الضلال، يدعو الليل نهاراً والنهار ليلاً، والعدو
ولياً والولي عدواً، ينحل كل واحد منهما نحلة ضده، ويدعو كلاَّ
بغير اسمه.
وأما ما سألت عنه من استعانة المحقين بالظالمين، في طاعة رب
العالمين لمحاربة المحاربين؛ فإنا لانستحل غيره في مذهبنا؛ لأن
الاستعانة بالظالمين على من حارب الحق والمحقين؛ واجب على
المسلمين، لا يسع أحداً تركه، ولا يجوز رفضه، إذا صار الإسلام إلى
ذلك محتاجا، وكان الحق إليه مُضطراً، إذا جرت عليهم(2) أحكام
الإمام ومن في عصره من خدم الظالمين وأعوانهم، الذين استعان بهم في
وقت حاجته لهم.
ونقول: إن فرض ذلك يجب من وجهين:
فأما أحدهما: فإنه لا يحل للإمام أن يقتل الإسلام ويضيّعه، ويمكن
عدوه منه، وهو يجد إلى غيره سبيلاً، وعلى إجابته معيناً، تجري
أحكامه عليه؛ لأنَّه إن امتنع من الاستعانة بهم في وقت ضرورته، ظهر
من هو شر ممن كره الاستعانة به على الإسلام فأهلكه.
__________
(1) في (ب): وتقربت.
(2) في (ب): عليه.
(3/219)
والمعنى الآخر فبيّنٌ بحمد الله عند من عقل، وهو أن يقال لمن أنكر
الاستعانة بالظالمين: أيها الجاهل هل عذر الله أحداً أوأطلق له ترك
فرض من فرائضه، أو أطلق له ترك إقامة طاعة من طاعاته، فاسقاً كان
المتعبَّد أو مؤمناً، أو ظالماً أو محسناً؟ فإن قال: نعم قد عذرهم
الله في ترك فروضه، وأطلق لهم في وقت فسقهم وظلمهم رفض شيء من
حدوده؛ فقد كفر القائل بذلك، واجْتُزِيَ بكفره عن مناظرته في شيء
من دينه؛ لأنَّه يزعم أن الله سوغ للظالمين شيئاً من معاصيه، وأجاز
لهم ترك فرائضه التي فرض، وهذا فتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم
الله. وإن قال: لا، لم يجز الله لظالم في وقت ظلمه، ولا لفاسق في
وقت فسقه، ترك شيء من أداء فرائضه، والفرض لا زم لهم، واجب عليهم.
قيل له: فأيّ فرض أكبر من الجهاد في سبيل الله، والقيام بمحاربة من
عند عن أمر الله، والمعاونة لأولياء الله؟
فإذا قال: لا فرض أكبر من ذلك.
قيل له: فمن أين أجزت لهم القعود عن نصره؟ ومن أين أجزت للإمام أن
يَدَعَهم من أداء هذا الفرض، ولم تجز له أن يكرههم عليه في حال
فسقهم، فضلاً عن أن يأتوه طائعين، ولحكمه مسلمين؟ فإن أجزت للإمام
أن يَدَعَ إلزامهم فرض الجهاد الأكبر، وقد أتوه طائعين، ولفرض الله
في الجهاد معه مسلمين، وأجزت له أن يترك الاستعانة بهم من طريق
القهر لهم إن قدر على ذلك، أو قلت: لا يجوز أن يقهرهم على ذلك إن
أطاق قهرهم، فضلاً عن أن يسلموا أو يطيعوا؟ فيجب عليك أن تقول:
إنَّه لا يجب على الإمام أن يقهرهم على طاعة الله كلها وفرائضه، من
الصلاة، والصيام، وغير ذلك مما هو دون الجهاد.
(3/220)
وقد أغنى الله من عقل بما كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
في ذلك؛ من الاستعانة بغير أهل الملة، من اليهود وغيرهم من مشركي
الحبش، وكان صلى الله عليه يستعين باليهود في حربه، وبالمنافقين
الكافرين به، المستهزئين بحقه. وكتاب الله يبين ذلك له من أمرهم،
وينزل عليهم(1) بكرة وعشياً.
وأمر صلى الله عليه وعلى آله أصحابه الذين آمنوا به ـ وهم اثنان
وسبعون رجلاً ـ أن يمضوا ويهاجروا إلى بلاد الحبش، وأمرهم أن
يستعينوا به، وبطعامه وبشرابه على من يريدهم بسوء، فجهزت قريش
لمَّا جاؤا إليه البُرُدَ(2) في أمرهم، وبذلوا الأموال في تسليمه
إياهم إليهم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأله(3)
المعونة على قريش لأصحابه وله، ويسأله أن لا يسلمهم ويعينهم على
أمرهم، ففعل ذلك، وأهدى إليه حراباً وبغلتين وشيئاً من الذهب، فقبل
ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت الحراب تحمل قدامه،
وتركز بين يديه إذا صلَّى. وكذلك أهدى إليه ملك قبط مصر جاريتين
وبغلتين(4)، وحللاً من حُلل مصر، فقبل ذلك كله صلى الله عليه وآله
وسلم من القبطي، والقبطي مشرك بالله، جاحد لرسول الله، فاتخذ إحدى
الجاريتين، ويقال: إنهما كانتا أختين، فدعاهما إلى الإسلام، فأسلمت
واحدة فوطئها، فولدت له إبراهيم صلى الله عليه، ووهب الأخرى لحسان
بن ثابت الأنصاري. فأي استعانة أكثر من هذا، أو حجة أبين مما
ذكرنا؟ والحمد لله وهذا يجزي لمن عقل عن التطويل إن شاء الله،
والقوة بالله.
وكذلك استعان صلى الله عليه في فتح مكة من أعراب فزارة، وغير ذلك
من أعراب البوادي وجفاتهم، ممن هو مُسَلّم لحكمه، غير عارف بحدود
ربه.
تم ذلك والحمدلله كثيراً، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلم.
مسألة في الذبائح
m
__________
(1) في (ب): عليه.
(2) البُرُد: جمع بريد.
(3) في (أ): يسألهم.
(4) في (أ، ج): وبغلة.
(3/221)
قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم: سألت عن الذبائح، ما يحل منها وما يحرم؟
والجواب أنَّه يحرم من الذبائح ست ذبائح:
ذبيحة اليهودي؛ لأن اللّه عزَّ وجل قال: {وَقَالَتِ اليَهُودُ
عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ}[التوبة: 30].
وذبيحة النصراني، لقول الله عزَّ وجل {وَقَالَتِ النَّصَارَى
الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}[التوبة30].
وذبيحة المجوس(1)؛ لأنَّه يقول: إن الله قضى عليه بركوب أمه،
وابنته، وأخته.
وذبيحة المجبر؛ لأنَّه يقول: إن الله جبر(2) خلقه على المعاصي.
وذبيحة المشبه؛ لأنَّه يقول: إنَّه يعبد الذي يقع عليه بصره يوم
القيامة.
وذبيحة المرجئ؛ لأنَّه يقول: الإيمان قول بلا عمل.
قال الله تبارك وتعالى لجميع عباده: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ
اللَّهِ عَلَيْهِ}[الأنعام: 118]، {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ
يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}[الأنعام:
121]؛ فجيمع هؤلاء الستة الأصناف ما ذكروا اسم الله تبارك وتعالى
على شيء من ذبائحهم، إذ لم يعرفوه تبارك وتعالى حق معرفته، فلم(3)
يقروا له بتوحيده وعدله، ولم يصدقوه في وعده ووعيده، وكذبوا قوله
في وليه وعدوه.
تمت المسألة وجوابها والحمد لله وحده وصلواته على رسوله سيدنا محمد
وعلى آله وسلم
جواب مسألة لرجل من أهل قم
m
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
سألت عصمنا الله وإياك بعصمته، ووفقنا وإياك لمرضاته، وجعلنا وإياك
من أهل طاعته، وختم لنا ولك بمغفرته، ونجانا وإياك من حيرة هذا
الدهر برحمته:
[معرفة اللّه هل هي فعل اللّه أو فعل العبد؟]
__________
(1) في (أ): المجوسي.
(2) في (أ): يجبر.
(3) في (أ): ولم.
(3/222)
عن معرفة الله تبارك وتعالى؛ ما تصرفها في الخلق؟ وكيف تكوينها في
العباد؟ وما محلها في الأجساد؟ وهل هي من أفعال المخلوقين؟ أم هي
خلق أحسن الخالقين؟ غريزة ركبها في عباده، فجعلها سبحانه كما خلق
وركب وجعل فيهما من العقول.
واعلم هداك الله أن المعرفة هي: كمال العقل والعمل به، فإذا كمل
العقل، وصح واستعمل؛ تفرعت منه المعارف والأفهام، لذوي الفكر
والأحلام، ومتى عدمت من الأدميين الألباب؛ لم تصح فيهم المعارف
بسبب من الأسباب، بل تكون بنأيه أنأَى من كل ناءٍ، وبدنوه أدنى من
كل دان، تحضر بحضوره، وتعزب بعزوبه، محتاجة إليه، وهو فغير مضطر
ولا محتاج إليها، متفرعة من فروعه، كامنة في أصوله، كائنة
بكينونته، وهو فغير متفرع منها، ولا محتاج مضطر إلى كينونتها، بل
هو مقيد العماد، راسخ الأوتاد، فكل معرفة كانت من العباد، بالأزلي
الخالق الجواد؛ فبالعقول استدركها المستدركون من ذوي الألباب،
واستخرجها المستخرجون، ووقف على حدود شرائعها العالمون.
وعلى ذوي العقول افتُرِضَت معرفة الله وعبادته، وهم الذين ينالون
باداء فرائض الله ثوابَه، ويستحقون برفضها ـ دون غيرهم ممن سلب لبه
ـ عقابَه. فالعالمون من ذوي الألباب هم المجازون بالحسنة الحسنات،
وبالسيئات من الأفعال(1) السيئات. والعقلاء فهم الموقوفون للحساب،
الخائفون لأليم العقاب، والكائن منهم ما ذكر الله سبحانه حين يقول:
{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106]،
وهو يوم تخشع الأصوات للرحمن فلا تسمع إلاَّ همساً، فتبيآضُّ (2)
فيه وجوه من جاء بصالح الأعمال، وتسوآدُّ وجوه من جاء بسيء
الأفعال، يكون حال من سلب لبه فيه كحال الأطفال، آمناً إذ ذاك من
هائل الأهوال، لا يسألهم الواحد العدل المنان، عما منهم في دنياهم
كان، فتبارك الله العادل في خلقه الرحمن.
__________
(1) في (ج): من أفعالهم.
(2) في (ب) فتبيض.
(3/223)
وفيما نقله الثِّقات من ذوي العقول، ثقة عن ثقة عن الرسول عليه
السلام، أنَّه قال: (( لما أن خلق الله العقل قال له: أقبل، فأقبل،
ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب
إليَّ منك، بك أعطي، وبك آخذ )). فقوله: بك أعطي وبك آخذ؛ دليل على
أنَّه لا يثاب على فعل فعله، ولا يعاقب على جُرم اجترمه؛ إلاَّ من
ركب فيه لُبٌ حاضر، ورأي صادرٌ.
وفي قول الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ}
[الرعد: 19، الزمر: 9]؛ أكبر الدليل علىأنه لا يكون تذكرة ولا
تَفْكرة، تعود إلى معرفة وبيان، وحسن نظر وإتقان؛ إلاَّ بلب تتفرع
منه التذكرة والمعرفة في الإنسان. فتبارك مَنْ علمُ خَفيات ضمائر
القلوب عنده كالإعلان.
فإن قيل لك: أَبِن لنا ما معنى تفرعها من العقل؟ وكيف تتفرع؟ وما
معنى قولك: يستعمل العقل؟ وكيف يستعمل؟ وَمَثِّل لنا ذلك بمثل
تقبله عقولنا، وتفهمه أنفسنا.
فقل: مثل العقل في الآدمي؛ كمثل الإستطاعة فيه، والإستطاعة(1) هي
سلامة أدواته، فإذا استعملت الأدوات فيما تصلح له؛ تفرعت أفعاله
منها، كمثل ما يتفرع من الكف من الحركة، مما يؤدي إلى رفع أو وضع،
أو ما يتفرع من حركات الرجل؛ من مشي أو عدوٍ، أو ركوب أو نزول، أو
غير ذلك. وكل أداة ففعلها متفرع منها، وتفرعه فهو خروجه. وكل فعلِ
أداةٍ(2) فغير كائن بغيرها من الأدوات، ولن يوجد إلاَّ بوجودها،
ويتغير بتغيرها، ويزيد بزيادتها، ويكمل بكمالها، ويعدم بعدمها،
ويدخل عليه من الضرر ما يدخل عليها.
فكذلك تفرع المعرفة من العقل وكسبها به؛ كتفرع الحركات من الأدوات،
توجد بوجوده، وتعدم بعدمه.
__________
(1) في (أ، ج): فالاستطاعة.
(2) في (ج): أدوات.
(3/224)
والعقل فهو خلق الله وتركيبه في عباده، والمعرفة فهي أفعال
المخلوقين متفرعة من العقول،فكل من أَعْمَل عقله في شيء من آيات
الله؛ قاده إِعماله لعقله من معرفة الله تبارك وتعالى إلى أبين
بيان، وتبين له بما يتفرع من المعرفة بالله أنور البرهان. فيثيب
الله مَنْ قَبِلَ ما دل عليه ـ مما تفرع من مركب لُبِهِ الذي جعله
الله فيه ـ من المعرفة بالله عزَّ وجل، فإذا ميَّز وأعمل النظر في
صغير آيات الله دون كبيرها، فعلم أن لها خالقاً كريماً، ومدبراً
عليماً؛ فقبل ذلك بأحسن القبول؛ فاستوجب من الله الزيادة والتوفيق.
ويُعَاقِب من كابر لبه، وأنكر آيات ربه، فاستوجب بذلك منه الخذلان،
وتمكنت منه وساوس الشيطان. كما يثيب من عمل بكفه خيراً، ويعاقب من
اكتسب بها شراً.
وأما استعمال العقل فهو الفكر به والنظر، والتمييز بين الأشياء،
والنظر فيها وفي تركيبها، وتدبيرها وحسن تقديرها، حتى يقوده ويدله
ما يتفرع من لبه، عند استعماله له؛ على معرفة علام الغيوب، ومقلب
ما يشاء من القلوب، فإذا ثبت عنده أن له خالقاً ومصوراً، ولجميع
الأشياء فاطراً ومدبراً؛ وجب عليه أن ينظر في كتاب الله تبارك
وتعالى، ويسأل العلماء عما ذكر الله من كرسيه وعرشه، ويده ووجهه
حتى ينبيه كل عالم بما يحضره من الجواب. والسوال فواجب عليه؛ لقول
الله تبارك وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ
لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل: 43، الأنبياء: 7] وهم آل محمد صلى الله
عليه وعليهم، فإذا أنبئ عما سأل؛ وجب عليه أن يتفكر بعقله، فيضيف
إلى الله سبحانه من الأشياء ما هو أولى به، وينفي عنه الشبهات التي
تكون في خلقه، ويعلم أن ليس كمثله شيء، كما قال: {لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيْرُ}[الشورى: 11].
(3/225)
فإذا علم أن الله واحد أحدٌ، وأنه مباين للأشياء كلها مخالف لها،
غير مشاكل لما خلق، لا يحويه مكان، ولا يشغله شأن عن شان، وهو
بالمرصاد كما قال سبحانه؛ وجب عليه أن يعلم أنه عدل لايجور، فإذا
علم ذلك فقد أكمل معرفة ربه سبحانه.
فإن قال: فإنا نجد المعرفة بائنة من العقل، لا تدل على صفات الله،
ولا يقف صاحبها عليها من غير تعريف ولا سؤال؟ فقال(1): إن المعرفة
إنما هي تعليم من بعض لبعض، مستغنية بنفسها (كما هي)(2) غير محتاجة
إلى العقل.
قيل له: فأخبرنا عمن عمل شيئاً يجب على من أضافه إلى الله أن يكون
ناسباً إلى الله الجور والظلم، وما يجب على من اعتقد ان يكون الله
مشبّهاً بخلقه؛ فقال بذلك واعتقده، هل يكون بالله عارفاً، ولله
موحداً؟! فإن قال: نعم، كفر. وإن قال: لا، قيل له: أفرأيت إن
اختلفت عليه الأقاويل؟ وأمره قوم باعتقاد ما يلزمه به التشبيه
والتجوير لربه، وأمره آخرون باعتقاد التوحيد والقول بالعدل، والتبس
عليه أمره، وعمي عليه رشده؛ ما الذي يجب عليه في ذلك؟
__________
(1) كذا في النسخ، ولعلها: وقال.
(2) ليس في (ج).
(3/226)
فإن قال: إنَّه يجب عليه أن يقلد أحد الفريقين قوله ويقول به، وزعم
أنَّه إذا قلد قوماً قولاً؛ ثم عمل به واعتقده نجا من إثمه، وكان
عليهم وزره؛ وجب عليه أن يقول: إن كل من أمر بدين من الأديان؛ من
اليهودية والنصرانية، أو أي دين كان من أديان الكفر، وأشار به،
فقبله منه قابل، وقلده إثمه ودخل فيه، فأحل ما حرم الله، وحرم ما
أحل الله؛ كان بذلك بريئاً من الوزر، وكان جميع ذلك الأمر على من
أمر به، دون من قبله، ولو كان ذلك كذلك لم يعذب الله إلاَّ
المؤسسين(1) لأنواع الشرك من القرون الأولة، ولكان كل من عمل
بعملهم ناجياً من سخطه وعقابه، ولكان كل من قال على الله بالحق،
ودان بدين محمد صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين غير مثاب
عليه، ولكان الثواب واجباً في القياس للرسول، ولم يكن لمن عمل به
ثواب ولا محمدة، ولم يكن المذنب بإجرامه بأهل للعقوبة من المحسن في
أعماله، ولكان المطيع والعاصي في الثواب والمجازاة بالعقاب
سِيَّان؛ إذ كانا من جميع أفعالهما بريئين.
__________
(1) في (ب): الموسوسين.
(3/227)
ثم يسأل فيقال له: أخبرنا عن إبليس إذا أمر العباد، ووسوس وزين لهم
المعاصي، حتى يكونوا لها عاملين، ولعظائمها(1) مرتكبين، على من
إثمها؟ فإن قال: على إبليس دونهم. قيل له: فإنا نجد الله قد أخبرنا
في كتابه، أنَّه من أطاع إبليس فإنه من العاصين، المعاقبين على
ارتكاب ما يأمره بركوبه، ويزينه ويوسوس له به، فقال سبحانه في ذلك:
{فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ
وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}[ص: 84 ـ 85]، فهل وجب
عندك على من أطاع إبليس، وعمل بما أمره به من المعاصي عقوبة
النيران؟ فإن قال: لا؛ كفر. وإن قال: نعم؛ ترك قوله، وخرج من حد
التقليد، فلا يجد بداً من أن يقول: إن الواجب عليه عند التباس
الأقوال، واختلاف الأفنان أن يرجع إلى عقله في ذلك فيتفكر به،
ويميز فينظر بعقله ويتخير لنفسه، فيتفرع له من عقله من المعرفة ما
يقول على الله به الحق، ويذكره بما يشبهه من الذكر الذي لا يكون
إلاَّ له سبحانه. فليعلم أن المعرفة كلها خارجة متفرعة من العقل،
وأنه لا تكون معرفة إلاَّ من العقل وبالعقل.
__________
(1) في (ب): ولعصيانها.
(3/228)
ومن الدليل على أن المعرفة هي ثبات العقل وكماله، بان علمنا أن
شُرَّابَ الخمور، وأهل الدعارة والشرور، إذا شربوها زالت عنهم
الألباب، وأنها مضطرة إليه محتاجة، تعزب بعزوبه، وتحضر بحضوره،
وتتفرع في ثباته، وتعدم عند عدمه، فعدمت بزواله منهم المعارف، حتى
يطيح عنهم واضح البيان(1) ويزيح بما قد كان مؤدياً إليهم من بيّن
اللغة واللسان، وحتى تلتبس عليه حلائله من أخواته، وأمهاته من
خالاته، ويأتي على لسانه من القذف والفحش، والمنكر والدناءة، في
النادي والجماعات؛ ما يفضحه ويشينه، وما لعله لو عرض مفروجاً(2)
عليه عند ثبات لبه، وتفرع معرفته سوء(3) ما كان منه إذ كان لا
معرفة له بما سلف منه في حال كينونته، ويأتي ـ متيقظاً ـ واحداً(4)
من أفعاله في عزوب لبه؛ ما فعل ذلك أبداً، بل لعله يود أنه كان
ميتاً فانياً، مفقوداً نائياً، ولا تبين منه الأشياء الفواضح،
والأفعال الطوالح.
ففي أقل ما ذكرنا دليل على أنَّ المعرفة لا تثبت ولا تكون إلاَّ
بالعقل ومن العقل.
فإن احتج فقال: قد نرى البهائم ـ التي نعلم نحن وأنت أنها عدمت
العقول ـ تعرف أولادها وأمهاتها، وتعرف طعامها وشرابها من غيره،
وتعرف ما يضرها مما ينفعها ، فتعتزل المضار، وتتبع المنافع.
__________
(1) في (ب): الثبات.
(2) كذا في (ب)، وفي (أ): مفروحاً. مهملة، وفي (ج): مفروضا، ولم
أهتد إلى معناها.
(3) في (ب): سوى.
(4) متيقظاً: منصوب على الحالية، و (واحداً) مفعول يأتي. والمعنى
أنه لو عرض عليه ما عرض ويأتي حال صحوه ما أتى حال سكره من الأفعال
ما فعل ذلك أبداً، وهذا دليل على أنه قد فقد المعرفة عندما فقد
لبه، وهو المطلوب. والله أعلم.
(3/229)
قيل له: إنما كلامنا في المثابين والمعاقبين، من الجنة والآدميين؛
من المأمورين والمنهيين، الذين ينالون الطاعة والمعصية؛ بما ركب
فيهم من الإستطاعة، فيكونون متخيرين لأحدهما، يثابون على طاعة إن
كانت منهم، ويعاقبون على معصية إن جاؤا بها،، ولا يكون تخير الواحد
من الأمرين إلاَّ من ذي لب واضح، وعقل راجح. فأما البهائم فإنها
غير مأمورة ولا منهيّة، ولا مثابة ولا معاقبة، وإنما عدمت الثواب
والعقاب، لما سلبته من الألباب. وأما ما يكون منها من شيء فعلى غير
معرفة ثابتة ولا تمييز، وإنما يكون ما يكون منها؛ من معرفة الذكر
للأنثى ومعرفتها لأربابها، ومعرفة الذكر لما يكون لاقحاً من
الإناث، فهو أعرف وأكبر من معرفة الطعام والشراب، والأمهات
والأولاد، فإنها(1) منها على الإلهام، وإنهن لملهمات لذلك إلهاماً،
كما يلهم الطفل في صغره معرفة الثدي وطلبه له، وبكاءه وسكوته،
وحزنه وسروره. وكل ما كان من الطفل بغير تمييز ولا عرفان؛ فإنما هو
طبع وإلهام، حتى إذا كمل من عقله ما يحوز به التمييز من الأشياء،
ميز حينئذ فاختار، فأخذ وترك، وعرف ما ينفعه مما يضره، فاجتنب ما
يضره، وطلب ما ينفعه. وهو في صغره لو وضع قدامه تمر أو جمر، أو
ملح، أو سكر؛ لكان حَرِيّاً بالأخذ للضار له منهما؛ لعدم عقله،
وذهاب معرفته وفهمه.
ففي أقل مما ذكرنا إن شاء الله ما بين وكفى؛ عن التطويل وشفى؛ من
كان مسترشداً تابعاً للهدى والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله
وملائكته وجميع الأنبياء والمرسلين من خلقه على محمد عبده ورسُوله
النبي الأمي، الهادي المهدي، وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار،
الصادقين الأبرار، الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
وقلت: ما الدليل على أن الله خلق الأشياء لا من شيء؟
__________
(1) في (ج): فإنه. والضمير المؤنث للمعرفة، والمذكر لـ(ما يكون).
(3/230)
والدليل في ذلك أنَّه لا يخلو أن يكون خلق أصل الأشياء ومبتدأها من
شيء، أو من غير شيء، فإن خلقها من شيء أزلي، فقد كان معه في
الأزلية والقدم غيره من الأشياء، ولو كان كذلك تعالى الله عن ذلك؛
لم تصح له الأزلية، وإذا لم تصح له الأزلية؛ لم تصح له الوحدانية،
وإذا لم تصح له الوحدانية؛ لم تصح له الربوبية؛ لأن من كان معه شيء
لا من خلقه؛ فليس برب للأشياء كلها؛ إذ لم يكن لكلها خالقاً، فمن
ها هنا صح أنَّه خلق الأشياء لا من شيء، وابتدع تكوين ابتدائها من
غير شيء.
وقلت: لأي علة بعث الله الرسل؟ وَبعْثُهم ليكونوا حجَّة على خلقه،
وليبلغوا من عنده ما تعبَدهم به من فرضه؛ إذ مفروضاته سبحانه معقول
ومسموع: فما كان من المسموع فلا بد فيه من مسمع يؤديه، وناطق به عن
الله بما فيه، وهم الرسل عليهم السلام، المؤدون إلى خلق الله
رسائله، والمبلغون إليهم عنه مراده (منهم)(1) فلهذا المعنى ـ من
تأديتهم عنه ـ بعثهم.
تم ذلك والحمد لله كثيراً وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
وسئل صلى الله عليه، عن الرجل(2) إذا اشترى شيئاً، فوجد به عيباً؛
ثم استعمله بعد ما وجد فيه العيب.
فقال: ليس له أن يرده، وليس له إلاَّ أرشه، وهو نقصان من الثمن
بالعيب.
وقال: إذا جاء المشتري يرد بعيب، وكان العيب مما يحدث مثله في تلك
الأيام، ثم أقام عند المشتري، فعلى المشتري البينة أنَّه اشتراه
وبه ذلك العيب.
فإن لم يكن له بينة؛ فعلى البائع اليمين ما باعه هذه السلعة وفيها
هذا العيب.
وقال صلى الله عليه: إذا اشترى رجل جارية؛ فوجدها ولد زنا من أمة
الرجل الذي باعها، فليس هذا عيب ترد به.
وقال: إن البول عيب في الكبير، وليس بعيب في الصغير.
تمت المسألة.
*****
جواب مسألة من مسائل النباعي(3)
__________
(1) ليس في (ج).
(2) في (ج): عن رجل.
(3) لم أعرفه له ترجمة وعلى ذهني أنه ذكر في سيرة الإمام الهادي
اسم محمد بن زكريا التباعي، فعله هو والله أعلم.
(3/231)
m
قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم
بن إسماعيل صلوات الله عليهم أجمعين وعلى آبائهم الطاهرين: سألت عن
قول الله عز ذكره، وجلت أسماؤه {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِيْ
حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}[الأحقاف:20]،
فقلت: ما الطيبات في هذه الدنيا؟ أهو ما يتنعم به الناس ويلبسونه
من صالحيهم وطالحيهم؟
وإن(1) من لبس الثياب السريّة، وأكل الطعام الفائق، وركب الخيول
حلالاً كان أو حراماً، فقد أذهب طيبات الآخرة، بما أطلق لنفسه من
استعمال طيبات الدنيا.
فأما الكافر وأسبابه؛ فقد استغنينا عن الفتش في أمره بما قد
وجدنا(2) من حاله، كثرت دنياه أو قلت، فمصيره إلى النار.
__________
(1) في (ب): فإن.
(2) في (أ، ج): قد قرَّ عندنا.
(3/232)
وأما المؤمن به، والعامل بطاعة خالقه، المتحري(1) في أمره لما أمره
به خالقه، فكيف تكون تلك حاله(2)، وإنما جعل الله الطيّبات
للمؤمنين خاصة دون الفاسقين، فقال في كتابه عز وجل لأنبيائه عليهم
السلام: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ
وَاعْمَلُوا صَالِحاً} [المؤمنون:51]، وقال في كتابه: {قُلْ مَنْ
حَرَّمَ زِيْنَةَ اللهِ الَّتِي أَخَرَجَ لِعِبَادِهِ
وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَومَ القِيَامَةِ}[الأعراف: 32]،
ومعناها: ويوم القيامة، وقال في كتابه: {لَيْسَ عَلَى الَّذِيْنَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيْمَا طَعِمُوا إِذَا
مَا اتَّقُوا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقُوا
وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقُوا وَاَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِيْنَ} [المائدة:93]، فلم يجعل الله سبحانه على المؤمنين
حرجاً في شيء مما رزقهم، إذ أخذوه على ما جعل لهم وأمرهم به،
فساروا فيه بطاعة الله، ولم يتعدوا إلى شيء مما يسخط الله؛ لأن
الله عز وجل ـ أيها السائل ـ لم يجعل ما في هذه الدنيا من خيرها
ومراكبها التي خلقها لشرار أهلها ولا لمن عند عن طاعة خالقها،
وإنما جعلها الله للصالحين، ولعباده المتقين، يأمرون فيها بأمره،
وينهون فيها عن نهيه، ويقيمون أحكامه فيها، منفذون لأمره عليها،
فللطاعة والمطيعين خلقها رب العالمين، ثم أمرهم ونهاهم، وبصّرهم
غيّهم وهداهم، وجعل لهم الاستطاعة إلى طاعة مولاهم، {لِيَهِلِكَ
مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيْعٌ عَلِيْمٌ}[الأنفال:42].
__________
(1) في (ب): المجتري، وهو خطأ.
(2) في (ب): تلك الحالة.
(3/233)
وإنما معنى الآية وقول الله: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِيْ
حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا}، فتبكيت منه سبحانه لأهل النار، وتوقيف
على تفريطهم في طاعة ربهم. ومعنى {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ}،
أي تركتم ومحقتم وعطلتم ما جعل الله لكم بالطاعة من النعيم المقيم،
والخلد مع المتقين في الثواب الكريم بارتكابكم للمعاصي، وترككم
للطاعة، حتى خرجتم مما جعل الله للمطيعين وصرتم إلى حكم الفسقة
الكافرين؛ في عذاب مهين. فهذا معنى: {أَذْهَبْتُمْ
طَيِّبَاتِكُمْ}.
تَمّ والحمد لله كثيراً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الذين
طهرهم من الرجس تطهيراً.
*****
(3/234)

|