|

كتاب
منهاج المتقين
في علم الكلام
تأليف
العلامة الكبير يحيى بن الحسن القرشي
فهرست
كتاب ... 1
منهاج المتقين ... 1
في علم الكلام ... 1
تأليف ... 1
العلامة الكبير يحيى بن الحسن القرشي ... 1
بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن يا كريم ... 2
مقدمة: ... 4
الكلام في معرفة الصانع جل وعز ... 5
القول في ماهية العلم وقسمته وما يتصل بذلك ... 6
والعلم ضربان: تصور وتصديق. ... 7
وعلم التصور مقدم على علم التصديق؛ لأن من لا يعلم ماهية المقرين
لا يمكنه ينسب أحدهما إلى الآخر بنفي ولا إثبات. ... 10
فصل ... 10وينقسم علم التصديق إلى: عقلي، كالعلم بوجوب رد الوديعة،
وقبح الظلم، وحدوث العالم. ... 10
وشرعي: كالعلم بوجوب الصلاة وتحريم النبيذ. ... 10
فصل ... 186في أنه تعالى يستحق هذه الصفات الأربع ما لم يزل، وفي
ما لا يزال، 186
في أنه تعالى عالم بجميع أعيان المعلومات ... 186
فصل في ما يريده الله تعالى وما لا يريده ... 202
القول في أن الله تعالى غني ... 207
القول في أن الله تعالى ليس بجسم ولا عرض ولا يجوز عليه ما يجوز
عليهما ... 208
القول في استحالة الرؤية على الله تعالى ... 219
فصل في شبههم في إثبات الرؤية ... 233
القول في أن الله واحد لا ثاني له ... 247
فصل في الكلام على الثنوية في النور والظلمة ... 253
فصل في شبهة الثنوية ... 254
فصل في الكلام على الصابئين ... 255
فصل في الكلام على النصارى ... 255
فصل في شبهة النصارى ... 257
الكلام في العدل ... 258
فصل في الوجه الذي لأجله وجب الواجب وقبح القبيح وحسن الحسن ...
262
فصل في بيان ما يجري عليه تعالى من الأسماء بمعنى أنه لا يفعل ما
يقدر عليه ... 273
القول في أن الله تعالى عدل حكيم ... 274
فصل فيما يلزم المجبرة في هذه المسألة ... 277
القول في خلق الأفعال ... 279
(1/1)
فصل في ذكر بعض ما
ألزمهم أصحابنا على القول بأن أفعال العباد من الله ... 286
فصل في ذكر بعض ما جرى من المناظرات ... 291
فصل في إبطال قولهم بالكسب ... 293
فصل في شبههم في أن الله خالق لأفعال العباد ... 297
فصل في شبههم السمعية ... 303
القول في المتولدات ... 315
فصل في ما يجري عليه تعالى من الأسماء بمعنى كونه فاعلاً ... 319
القول في أن الله تعالى لا يعذب أحداً إلا بذنبه ولا يثيبه إلا
بعلمه ... 322
فصل في شبههم ... 324
/222/ فصل [في ذكر بعض ما يلزمهم] ... 329
القول في القضاء والقدر ... 330
فصل [في بيان من القدرية] ... 331
فصل [في بعض ما جرى من المناظرات] ... 336
فصل في شبههم ... 338
القول في الهدى والضلال ... 342
فصل في شبههم ... 346
القول في أن الله تعالى يريد الطاعات ولا يريد القبائح ... 355
فصل [في بعض ما جرى من المناظرات] ... 360
فصل [في شبههم] ... 360
القول في الاستطاعة ... 378
فصل [في مناظرات جرت في هذا الباب] ... 390
فصل [في شبههم في هذا الباب] ... 392
القول في استحالة البدل ... 400
الكلام في التَّكليف ... 404
فصل [في حسن التكليف وبيان وجه الحكمة فيه] ... 411
فصل [في التكليف يحسن سواء قبل المكلف أو رده] ... 412
فصل [في ما يتناوله التكليف من الأفعال والتروك] ... 418
فصل [في شرائط حسن التكليف] ... 418
فصل [في أن الله تعالى إذا أكمل للعبد شرائط التكليف فلا بد أن
يكلفه] ... 423
القول في قبح تكليف مالا يطاق ... 423
فصل [في شببهم] ... 426
شبهة ... 428
شبهة ... 429
شبهة ... 430
شبهة ... 430
شبهة ... 430
الكلام في الألطاف ... 431
شبهة ... 438
/291/ فصل [في ما يصح أن يكون لطفاً من أفعال المكلفين وما لا يصح]
... 442
فصل [في الكلام على أهل الأصلح] ... 444
فصل [في شبههم] ... 447
شبهة ... 447
القول في الآجال ... 448
القول في الأرزاق ... 451
فصل [في طريق الوصول إلى الرزق] ... 452
(1/2)
القول في الأسعار ...
454
القول في الآلام والغموم ... 455
فصل [في الوجه الذي يقبح عليه الألم] ... 459
القول في الأعواض ... 460
فصل [في المضار التي يشتبه الحال في هل أعواضها على الله أو غيره
أو هل فيها من أعوام أم لا] ... 467
فصل [في دوام العوض] ... 471
الكلام في القرآن الكريم ... 474
فصل [في حقيقة الكلام والمتكلم] ... 474
القول في إبطال الكلام النفسي شاهداً أو غائباً ... 478
القول في أن القرآن الكريم هو هذا الذين نتلوه في المحاريب ونكتبه
في المصاحف ... 490
القول في أن القرآن محدث ... 491
فصل [في شببهم] ... 493
فصل [في كيفية حدوث القرآن وكيفية إنزاله] ... 495
القول في صحة وصف القرآن بأنه مخلوق ... 496
فصل [في شبههم] ... 499
الكلام في النبوءات ... 501
فصل [في الصفة التي يجب أن يكون النبي عليها وما يجب أن ينزه عنه]
... 511
القول في صحة نسخ الشرائع ... 514
القول في نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه المحقين وسلم ...
519
فصل [في وجه إعجاز القرآن] ... 523
القول في أن القرآن الكريم محروس عن المطاعن ... 527
القول في سائر معجزاته عليه السلام ... 538
القول في أنه صلى الله عليه وآله وسلم مرسل إلى الكل وأن شريعته
دائمة إلى انقطاع التكليف ... 540
الكلام في الوعد والوعيد ... 541
فصول في الإحباط والتكفير ... 553
فصل [في كيفية الإحباط والتكفير] ... 556
فصول في التوبة التي تسقط بها العقاب ... 558
فصل [في كيفية التوبة] ... 564
القول في الوعيد السمعي ... 569
فصل [في انقطاع التلكيف] ... 569
فصل [في عذاب القبر وسؤال الملكين] ... 572
فصل [في أن وعيد الكفار مقطوع به] ... 581
فصل [في أن وعيد الفساق مقطوع به] ... 581
القول في خلود الفساق ... 592
القول في الشفاعة ... 596
القول في المنزلة بين المنزلتين ... 599
الكلام في ما تعبد بآية من الأحكام في أهل الوعد والوعيد ... 611
القول في الإكفار ... 612
(1/3)
/392/ فصل [في بيان
أنواع الكفر] ... 614
فصول في ذكر ما كفر به أصحابنا أهل البدع ... 619
فصل [في المشبهة الذين اعتقدوا أن الله جسم طويل عريض عميق له
أعضاء وخوارج وشكل وهيئة]. ... 619
فصل [في ما يكفر له أصحابنا المجبرة في مسائل الخلاف] ... 622
فصل [في ذكر خيالات] ... 631
فصل [في المرجئة] ... 635
فصل [في الخوارج] ... 635
فصل [في الرافضية] ... 636
فصل [في المقلدين والعوام] ... 637
القول في التفسيق ... 639
الكلام في أحوال الأئمة في حق الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ...
648
فصل [فيما يطعن به أهل الزيغ على أمير المؤمنين رضي الله عنه] ...
666
الكلام في الإمامة ... 682
فصل [فيما يحتاج له الإمام] ... 687
فصل [في شروط الإمامة] ... 687
فصل [في ما يخرج به الإمام عن كونه إماماً] ... 692
القول في الطريق إلى ثبوت الإمامة ... 694
القول في تعيين الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ...
698
فصل [في الاستدلال على إمامته رضي الله عنه بكونه أفضل الأمة بعد
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم] ... 719
فصل [في الاستدلال على إمامته عليه السلام بكنه معصوماً] ... 721
فصل [في الاستدلال على إمامته عليه السلام بإجماع العترة الطاهرة]
... 722
القول في ذكر ما احتجت به المعتزلة وغيرهم على إمامة أبي بكر رضي
الله عنه ... 729
القول في إمامة الحسن والحسين عليهما السلام ... 731
القول في الطريق إلى ثبوت الإمامة بعد الحسن والحسين عليما السلام
... 736
القول في أن الإمام بعد الحسن والحسين مقصورة على أولادهما. ...
737
بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن يا كريم
(1/4)
الحمد لله الدال على
ذاته وصفاته بعجائب مصنوعاته، الكشاف عن عدله وحكمته بوجوب غناه
وعالميته، القادر على جميع أجناس المقدورات، العالم فلا يعزب عنه
مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات، الحي الذي لا يتغير به الحال،
الموجود فيما لم يزل، وفي ما لا يزال، المدرك للمدركات لا بالآلات،
المستغني في ثبوت هذه الصفات عن المؤثرات، الواحد ولا شريك له ولا
وزير، المتعالي عن المضاد والنظير، الغني فلا تجوز عليه المنافع
والمضار، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، العدل فليس بظلام
للعبيد، الصادق في الوعد والوعيد الذي قضى بالحق وهدى إلى الرشاد،
وتنزه عن فعل القبيح وإرادة الفساد وأزاح علل المكلفين بأنواع
الألطاف والتمكين، وأزهق الباطل بمترادفات الحجج، وأوضح للخلق عن
سوء المنهج حتى صارت طرق الخير والشر متعينة ليهلك من هلك عن بينه
ويحيى من حي عن بينة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
شهادة إخلاص وصدق، وأن محمداً عبد هورسوله بالهدى ودين الحق أرسله
كافة للناس بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً
منيراً، فبلغ الرسالة هادياً وشهيداً، ثم مضى إلى دار الكرامة
حميداً، فصلوات الله ورضوانه على وجهه الكريم كلما طلع نجم أو هب
نسيم، وعلى آله الكرام البررة المطهرين، وعلى الصحابة المتبعين
أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
(1/5)
فإن أهم التكليف علم
العقائد، وإن الظفر بالحق فيه مراحل الفوائد، وأنه قد كثرت فيه
الآراء واتبعت فيه الأهواء وعدل أكثر الناس فيه عن التحقيق، وسلكوا
بنيات الطريق، فمن شق قسطاً ولى بجحد المشاهدات، ويحاول دفع
الضرورات، وملحد يبكي الصانع ويضيف التأثير إلى الطبائع، وفلسفي
ينفي عن الله الاختيار ويعول على العقل والفلك الدوار وباطني يقول
بالسابق والتالي، ويعمد غير الله، ولا يبالي، ومطرفي يقصر تأثير
الصانع على الأصول، وهو لم يحصل من إثباته تعالى على محصول، وثنوي
يقول بالقديم الثاني /2/، وآخر يتلوه في قديم المعاني، وبرهمي ينفي
النبوة رأساً، وذمي لا يرى في تكذيب الرسل بأساً، ومجسم يشبه الله
تعالى بالمحدثات، ويثبت له الجوارح والآلات، ومجبر يعتذر للشياطين
والعصاة، ويحمل مساوي العباد على الله، ومرج يتعلل بالإخلاص
والأمالي، ويبني دينه على حرف التواني، ورافض يبغض شيوخ الإسلام،
ويخبط من الغلو والتعصب في ظلام. فهذه أصول فرق الضلالة، والذين
تفرعت عنهم كل جهالة، كل منهم بمذهبه فرح مسرور، ورحاهم الكل على
قطب الغواية تدور، ليس على غير الباطل يعولون، ويوم تقوم الساعة
يومئذ يحسر المبطلون، لقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، وصاح بهم
إلى مخالفة الحق فاستمعوه، واستفز بمكره منهم من استطاع وصار له من
علماء السوء أتباع، يدعون له إلى كل بدعة وضلال، ويبالغون في نصرته
بالأقوال والأعمال، قد انتصب منهم في كل فرقة أمير يجادل في الله
بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ويسلك منهم في كل بدعة منهجاً،
اقتداء بالذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، شرعوا للناس من
الدين ما لم يأذن به الله، وسقفوا لهم بالتمويه على كل مهواة،
فاستمالوا بشبههم أفئدة الطغام، وأنزلوا على قضيتهم جمهور العوام،
إلى أن صارت الطائفة المحقة فرقة من نيف وسبعين فرقة، فلست تكاد
ترى للحق محباً، إلا من يصغي لسماع الحجة قلباً، ولا يظفر بمنصف
يناظر لله،
(1/6)
ويقبل واضح الحق من
حيث أتاه.
نعم، قد قام بنصرة هذا الدين فريق من ذوي البصائر وأهل التحقيق،
اعتمدوا فيه على الحق الواضح، وسلكوا منهاج السلف الصالح، بهم حرس
الله معالم الحق، وجعلهم في أرضه حجة على الخلق، ليس يحول الشبهات
بينهم وبين الصواب ولا ينخدعون بلوامع السراب، فهم أقطاب الدين
وعليهم بدور لؤلئية، وإليهم ينتمي الحق، وفي سمائهم يطلع كوكبه،
أولئك آل المصطفى وشيوخ الأعتزال، النافون عن علوم الديانة كل
تحريف وانتحال، فجزاهم الله عن هداية خلقه أفضل ما جزى القائمين
بحقه، وبلغهم آمالهم في الخيرات، وضاعف لهم بفضله الحسنات، ثم أنه
بعثني على جمع هذا الكتاب التقرب إلى الله وطلب الثواب، فجمعته على
وفق ما جمعه الأولون /3/ الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، متبركاً
بذكر ما أصلوه لا طلباً لتحصيل شيء أهملوه، واقتداء بقويم هداهم لا
طمعاً في بلوغ مداهم، ورجوعاً في طلب الحق إليهم لا استدراكاً في
مسائل عليهم، وتمسكاً بهديهم القويم لا اعتراضاً في سبيلهم
المستقيم، وتكثيراً لسوادهم لا من قلة، ونصره لمذهبهم لا بعد ذلة،
فمثل ذلك غدت في أبها الصاحب وللناس فيما يعشقون مذاهب. عصمنا الله
بفضله وبرحمته، وجعلنا ممن يعرفه حق معرفته، إن ذلك على الله يسير،
وهو على كل شيء قدير.
مقدمة:
اعلم أن كل علم يشرف بشرف معلومه وتعظيم نفعه لحسب الحاجة إلى
مفهومه وتعلق قدره على وفق وضاعه ضده، ويعز وجدانه على عكس دناه،
فقده، فمن هنا كان علم التوحيد رأس العلوم؛ لأن معلومه الله الحي
القيوم، ولأن به يتميز الكفر من الإيمان، وعليه يدور رحاء الحق في
كل زمان، قد حكم بوجوبه وجلالته العقل، وجاء بتأكيد ذلك القول
الفصل، فكل عاقل قد أخذ بتحصيله وكلف العلم بجملته وتفصيله.
(1/7)
ثم أنه لارتفاع قدره
يعز منا له، وكذا كل نفيس هذا حاله، فإن الشيء بحسب جلالة محصوله
تعظم المشقة في تحصيله، وعلى قدر علو مكانه يكون الاهتمام بشأنه،
فلن يظفر بفوائد علم التوحيد إلا الخواص كما لا يلتقط اللآلي إلا
من غاص، ولا يتمكن من افتضاض أبكاره إلا من أمهرهن صافي أفكاره،
فلا يصدنك عنه صعوبة تركته، فأصعب من ذلك عاقبة الجهل به، ولا
يلتفت إلى الذين ينهون عن تعلمه ويدعون عظم الخطر في تفهمه، فلم
يجهلوا والله قدره، ولا جحدوا بذلك فخره، ولكن رأوا بعد ثناؤه وعز
مناله، وأظهروا تجلداً كراهة وصاله، وتكلموا فيه بلسان قاصر، وقلب
حائر، فهم في ذلك كما قال الشاعر:
طلباً منه لعنقود العنب
وثب الثعلب يوماً وثبة
ليس لنا فيه أرب
ثم لما لم ينله قال هذا حامض
نعم، فكما أن النفع بهذا الفن كثير فإن خطر الجهل به ليس يسير،
فالمقدم عليه كراكب البحر المتلاطم، والمحجم عنه في ظلام متراكم،
ومن ثم عظم التكليف به والثواب عليه واستندت الأديان في كل زمان
إليه، فسبيل العاقل أن ينظر فيه نظر متعرّف لا نظر متعجرف، ويطلبه
طلب متقرب لا طلب متغصب، ويوطن نفسه على قبول الحق من حيث ورد، ولا
يعتمد في أمر دينه على أحد، فيكون قد حقب دينه الرجال /4/ وذهب
معهم من يمين إلى شمال، فمثله كمثل رجل خلق له عينان فأطبقهما
وانخرط في سلك العميان، قسم الله لنا من يوفقه الخط الأسنى وحتم
لنا، ولكل مسترشد بالحسنى.
الكلام في معرفة الصانع جل وعز
اعلم أن الكلام في العلم بالله هو يترتب على أربع مقدمات:
الأولى في ماهية العلم وقسمته لما ستعرف إن شاء الله تعالى من أن
علم التصور مقدم على علم التصديق.
والثانية: في وجوب معرفة الله تعالى لأنها هي المقصود من الكتاب
كله.
والثالثة: في النظر؛ لأنه الطريق إليها. والرابعة: في الأدلة؛
لأنها متعلق للنظر، ثم يقع الكلام بعد ذلك في تفاصيل أبواب الكتاب.
القول في ماهية العلم وقسمته وما يتصل بذلك
(1/8)
العلم والمعرفة
والفهم والدرية والفقه في اللغة بمعنى واحد بدليل أنه لا يصح إثبات
بعضها ونفي بعض. وفي الاصطلاح: هو الاعتقاد الذي يكون معتقده أو ما
يجري مجراه على ما تناوله مع سكون النفس إليه.
قلنا: الاعتقاد ليدخل فيه الجهل والتقليد والتبخيت. وقلنا على ما
تناوله ليخرج الجهل. وقلنا: مع سكون النفس؛ ليخرج التقليد والتبخيت
حيث يطابقان معتقدهما، فأما حيث لا يطابقانه فهما جهل، لكن خصا
بهذه التسمية لمعنى آخر فإن حقيقة التقليد هو اعتقاد الشيء لمجرد
أن الغير قال به، ولهذا لا نكون نحن مقلدين للنبي صلى الله عليه
وآله وسلم في ما جاء به؛ لأنا لم نعتقده لمجرد قوله، بل للحجة،
وكذلك علماء المخالفين ليسو مقلدين لأسلافهم؛ لأنهم لم يعتقدوا ما
قالوه لمجرد قولهم بل للشبهة.
وحقيقة التبخيت هو اعتقاد الشي هجوماً وخبطاً لا لأمر، فبهذا
يفارقان الجهل، وحاصل الفرق بينهما وبينه أنهما أعم منه من وجه
وأخص من وجه، وهو بالعكس، فعمومهما من حيث يسميان بهذه التسمية
سواء طابقا معتقدهما أو لا، وعمومه من حيث يسمى جهلاً سواء استند
إلى قول الغير أم لا، وسواء فعل هجوماً وخبطاً أو لا.
واردنا بالمعتقد: ما يكون سبباً كالذوات، وبما يجري مجراه ما لا
يكون شيئاً كالصفات والأحكام والأمور السلبية. وأردنا بسكون النفس:
التفرقة التي يجدها أحدنا بين أن يعتقد كون زيد في الدار بالمشاهدة
أو بخبر نبي، وبين أن يعتقد ذلك بخبر رجل من أفناء الناس، ولفظ
الاعتقاد والسكون مجاز تشبهاً بعقد الخيط والسكون المقابل للحركة،
لكن إضافته إلى النفس قرينة تشعر بالمراد.
(1/9)
وحده الشيخ أبو
الحسين بأنه ظهور أمرٍ للحي ظهوراً يمتنع معه في نفسه تجويز خلافه،
وليس بسديد /5/ لأن الظهور أمر يختص بالمعلوم، والعلم أمر يختص
بالعالم وأيضاً فالظهور هنا مجان ولا قرينة تشعر بالمراد، وأيضاً
فلا يصح إطلاقه على الله تعالى، فلا يقال ظهر لله هذا الأمر ولا
ينقلب علينا هذا في الاعتقاد؛ لأنا إنما حددنا العلم في الشاهد،
والباري تعالى عندنا عالم لا بعلم.
فأما أبو الحسين فإنَّه حد العلم شاهداً وغائباً؛ لأن المرجع به
عنده إلى التعلق في الموضعين، وأيضاً فإن أراد بقوله يمتنع تجويز
خلافه، أي يستحيل، فغير صحيح؛ لأن أحدنا قد يختار الجهل(1)، ويجوز
في نفسه خلاف المعلوم في المسائل الاستدلالية، وإن حصل هذا الظهور
، وإن أراد يمتنع أحدنا من التجويز أي لا يفعله مع القدرة عليه
فغير صحيح؛ لأن أحدنا كما يمتنع من هذا التجويز عند حصول هذا
الظهور، فإنَّه قد يمتنع منه عند اعتقاد حصول هذا الظهور، وهو لم
يعتبر في الحد سكون النفس حتى يتميز به الظهور الحقيقي وغير
الحقيقي.
فصل
والعلم ضربان: تصور وتصديق.
فالتصور: هو العلم بصور الأشياء ومفرداتها، ومعنى ذلك: أنه يحصل في
ذهن الإنسان صورة مطابقة لما في الخارج. ومنه قولهم تصورت هذا
الشيء، أي علمت صورته.
والتصديق: هو العلم بالنسب الحاصلة بين تلك المفردات بإثبات أو
نفي، وسمي تصديقاً لصحة دخول التصديق في الخبر المطابق له، وكل
واحد من هذين القسمين ضروري ومكتسب، فالضروري منهما هو الاعتقاد
الذي لا يقف على اختيار المختص به مع سكون النفس.
وقلنا: مع سكون النفس احترازاً من أن يفعل الله فيه اعتقاداً غير
مطابق، فإن ذلك جائز من جهة القدرة والمكتسب ما يقف على اختياره
كذلك.
__________
(1) . بأن يورد على نفسه شبهة، والله أعلم.
(1/10)
مثال الضروري من
التصور العلم بزيد ونحو ذلك مما لا يحتاج إلى تحديد. ومن التصديق:
العلم بأن الكل أكثر من الجزء، وأن الظلم قبيح،و العدل حسن، وشكر
النعمة، وقضاء الدين واجب، ونحوه. ومثال: المكتسب من التصور العلم
بماهية العالم والقديم والمحدث ونحو ذلك مما لا يعلم إلاَّ بالحد.
ومن التصديق: العلم بأن العالم محدث وأن الله قادر، ونحو ذلك مما
لا يعلم إلا بالدليل.
فصل
وطريق اكتساب علم التصور الحد إن كان المطلوب العلم بالماهية
مفصلاً والرسم إن كان المطلوب مجرد تمييزها عن غيرها، والشرح الذي
هو الحد اللفظي إن كان المطلوب العلم بالماهية مجملاً.
والحد: قول مؤلف من ذاتيات الشيء الكاشفة عن ماهيته كما إذا حددت
الخمر بأنه شراب معتصر /6/ من العنب مسكر كثيره، فإن هذه الأوصاف
ذاتية للخمر، ومعنى كونها ذاتية أنه لا يعقل، ولا يكون خمراً إلا
بها حتى لو رفعتها عن ذهنك لما أمكنك تصور الخمر.
والرسم: قول مؤلف من عرضيات الشيء المميزة له عن غيره كما إذا حددت
الخمر بأنه شديد يقذف بالزبد يحفظ في الدن أحمر ونحو ذلك، وكما إذا
حددت الإنسان بأنه المنتصب القامة العريض الأظفار الماشي على رجلين
الضاحك ونحو ذلك، فإن هذه الأشياء عرضية ومعنى كونها عرضية أنه
يمكن أن تعقل الماهية من دونها، فهي في حكم العارضة الخارجة عن
الماهية.
وهذه العرضيات تنقسم إلى لوازم كالولادة للإنسان والزوجية والفردية
للعدد، ونحو ذلك.
ومفارقات، وهي ضربان: مستمرة، كسواد الزنجيّ، وبياض الكافور.
وزائلة، كصفرة الذهب وحمرة الخجل.
والشرح هو إيراد لفظ مرادف للفظ آخر أجلأ منه عند السائل كما إذا
قيل ما الذابل، فقلت الرمح. وطريق اكتساب علم التصديق الأدلة،
وسيأتي الكلام فيها.
فصل
ولا بد أن ينتهي الاكتساب إلى الضرورة في طرفي التصور والتصديق
وإلا لم تنقطع المطالبة بما في التصوريات، وبلم في التصديقيات، بل
كان يحتاج كل حد إلى حد، وكل دليل إلى دليل.
(1/11)
وقال الشيخ الحسن بن
أحمد بن متويه: لا يجب ذلك إلا في أصول الأدلة؛ لأن كثيراً من
المسائل لا تستند إلى أصل ضروري كالعلم بالصانع، فإنه ينبني على
كون أحدنا فاعلاً وليس بضروري على التفصيل، وكذلك كونه قادراً
ينبني على كوننا قادرين، وليس بضروري.
قال: وما هذا حاله من الأدلة فإنما يجب على المستدل أن ينهي الخصم
إلى ما إذا نظر فيه علم.
قال: ومثال ما ينتهي إلى أصل ضروري، دليل العدل، فإنه ينبني على أن
من علم قبح الفعل واستغنى عنه فإنه لا يفعله، وهو ضروري، وكذلك
استدلالنا على نفي الظلم عن الله تعالى بأنه لو فعله لاستحق الذم،
فإن استحقاق الذم على ذلك ضروري في الشاهد.
وعلى الجملة فأكثر المسائل تنبني على أصل ضروري. ولقائل أن يقول
أنه ما لم ينته إلى أصل ضروري لم تنقطع المطالبة. وقوله: إن الواجب
منا أن ينتهي الخصم إلى ما إذا نظر فهي علم هو صحيح لكنا إذا قلنا
للخصم: انظر إلى ما أنهيناك إليه تعلم كان ذلك استدلالاً منا على
أن ذلك المنظور فيه دليل، واستدلالنا هذا لا شك مستند إلى الضرورة،
وهي الوجدان من النفس، فإن حين نظرنا فيه، وجدنا أنفسنا عالمة عند
النظر فيه حتى لو لم نجد ذلك من أنفسنا /7/ لكان للخصم أن يقول: قد
نظرت فيما أنهيتموني إليه، فلم أعلم، ونصدقه فيما قال وما ذكره
رحمه الله تعالى من المثال، فهو صحيح، لكنه يمكن استناده إلى أصل
ضروري، وإن كثرت مراتبه فإنا وإن لم نعلم كون أحدنا فاعلاً ضرورة
فإنا نستدل على ذلك بما يستند إلى الضرورة، وهو أن فعله يدل على
قصده وداعيه وأنه يمدح ويذم عليه ونحو ذلك.
فصل
وعلم التصور مقدم على علم التصديق؛ لأن من لا يعلم ماهية المقرين
لا يمكنه ينسب أحدهما إلى الآخر بنفي ولا إثبات.
فصل
وينقسم علم التصديق إلى: عقلي، كالعلم بوجوب رد الوديعة، وقبح
الظلم، وحدوث العالم.
وشرعي: كالعلم بوجوب الصلاة وتحريم النبيذ.
(1/12)
وينقسم إلى ما يحصل
لا عن طريق كالبديهي وعلم المثبتة، وإلى ما يحصل عن طريق ما موجبه
كالعلم الحاصل عند المشاهدة أو النظر، أو غير موجبة كالعلم الحاصل
عند الدرس، وإلحاق التفصيل بالجملة.
فصل
وينقسم علم التصور إلى جملي وتفصيلي.
فالجملي، هو: ما حصل بالحد اللفظي، كما إذا قيل ما العقار؟ فقلت:
الخمر. والتفصيلي، هو ما يحصل بالحد المعنوي كما إذا قلت الشراب
المعتصر من العنب المسكر كثيره.
وينقسم التصديق إلى جملي وتفصيلي، فالجملي كالعلم بأن زيداً في
جملة هذه العشرة، وأن كل ظلم قبيح، والتفصيلي كالعلم بأن هذا الشخص
هو زيد وأن هذا الظلم المعين قبيح.
وقد اختلف الشيوخ في ذلك، فقال شيخنا أبو هاشم: العلم الجملي هو
التفصيلي، ولكنه لم يكن متعلقاً، ثم تعلق، فالعلم بأن زيداً في
جملة العشرة هو العلم بأنه هو هذا الشخص، والعلم بأن كل ظلم قبيح
هو العلم بقبح الظلم المعين. ويبطله أنه مبني على بقاء الاعتقادات.
وبعد فإذا شاهدنا السواد في الجسم علمناه على الحقيقة، وإن لم
يعلمه غيراً للجسم.
وبعد فنحن نعلم ثواب أهل الجنة، وهو غير متناه، فلو كان العلم
الجملي هو التفصيلي لاحتجنا إلى علوم لا يثناها.
وبعد فيعلق العلم لما هو عليه في ذاته، فلو كان العلم بأن كل ظلم
قبيح هو العلم بأن هذا الظلم المعين قبيح لكان قد وقف تعلقه على
العلم بأن هذا المعين ظلم، وهو أمر منفصل فيقدح في تعلقه على العلم
بأن هذا المعين ظلم، وهو أمر منفصل، فيقدح في أن تعلقه لذاته.
وبعد، فلو لم يتعلق العلم الجملي لما فصل أحدنا بين العشرة التي
علم كون زيد فيها، وبين غيرها، وأمّا ما ذكره ابن متويه في المحيط
والتذكرة من أن الجملي يخالف التفصيلي والشيء لا يصير بصفة مخالفة،
ففي الاستدلال به نظر؛ لأنه محل النزاع /8/ فكيف يقول التفصيلي
يخالف الجملي، وهما عند الخصم واحد.
(1/13)
حجة أبي هاشم: أنه لو
كان العلم بكون زيد في جملة العشرة متعلقاً، لصار الجهل بزيد على
التفصيل، فكان يلزم إذا اعتقد في زيد أنه ليس بزيد أن ينتفي عنه
الجملي.
والجواب: أن من شرط التضاد اتحاد الطريقة، والجملي لا يضاد
التفصيلي.
قال: لو لم يضاده للزم إذا اعتقد في كل واحد من العشرة أنه ليس
بزيد أن لا ينتفي العلم الجملي، قيل له: أنه متى اعتقد ذلك دعته
هذه الاعتقادات إلى أن يفعل اعتقاداً جملياً بأنه ليس من العشرة.
قال: إنما يدعوه ذلك حال فعل الاعتقاد العاشر، فيلزم اجتماع العلم
والجهل في الوقت العاشر؛ لأنه إنما يفعل الاعتقاد الجملي في الوقت
الحادي عشر؛ لأنه الثاني من حالة الدعاء.
قيل له: بل الذي يدعوه إلى أن يعتقد في الرجل العاشر أنه ليس بزيد
يدعوه إلى فعل اعتقاد جملي بأنه ليس في العشرة، فينبغي الاعتقاد
الجملي بانه فيها فلا يجتمع العلم والجهل في العاشر.
فصل
والعلم من قبيل الاعتقاد.
وقال أبو الهذيل: بل هو جنس مستقل، وتوقف أبو الحسين. لنا أنه لو
كان غيراً للاعتقاد؛ لصح انفصاله عنه حتى يكون أحدنا معتقداً [به]
ساكن النفس، ولا يكون عالماً والعكس.
وبعد، فإما أن يضاد الاعتقاد فلا يصح، مجامعته له، وإما أن يخالفه
فيلزم إذا طرى الضد أن لا ينفهما جميعاً؛ لأن الضد إنما ينفي
المثلين والضدين، وإما أن يماثله وهو المطلوب.
وبعد فحال العالم يلتبس بحال الجاهل والمقلد، والشيء لا يلتبس بما
ليس من جنسه.
شبهة: أنه لو كان اعتقاداً لوجب في كل عالم أن يسمى معتقداً، وهو
باطل بالقديم تعالى.
والجواب: أنه إنما يلزم ذلك في كل عالم بعلم هو اعتقاد، والله
تعالى عالم لا بعلم، ولو قدرناه عالماً بعلم لما صح إطلاق ذلك في
حقه؛ لأنه إنما يجوز به في من له قلب وضمير تشبيهاً بعقد الحبل.
قال: لو كان العلم اعتقاداً لكان كل اعتقاد علماً.
(1/14)
قيل له: ولو كانت
الحركة كوناً؛ لكان كل كون حركة. والتحقيق أنه لم يكن علماً بمجرد
كونه اعتقاداً، بل لأنه اعتقاد واقع على وجه مخصوص.
فصل
والذي به يعرف كون الاعتقاد علماً هو سكون النفس، عند الجمهور.
وقال أبو علي بسلامة طريقه من الانتقاض
وقال الجاحظ: قد يكون الجاهل ساكن النفس. والذي يبطل قول أبي علي
أن في العلوم ما لا طريق إليه كالبديهي وغيره، وإنما يعرف كونه
علماً /9/ بأمر يرجع إليه، وأنه إنما يعرف سلامة طريقه من النقص
بعد أن يعرف كون الاعتقاد الحاصل عنها علماً.
شبهته رحمه الله هو أنا لا يمكن من تعريف الغير بأن اعتقادنا علم
وأن اعتقاده ليس بعلم إلا ببيان سلامة طريقنا دون طريقه.
والجواب عليه: أن هذا لا يوجب ما ذكره؛ لأنا لو أمكننا أن نعرف
الغير بسكون أنفسنا لكان ذلك هو الواجب.
والذي يبطل قول الجاحظ: أن الجاهل إنما يتصور بصورة ساكن النفس
بدليل أنه لو شكك عليه لبطل(1) اعتقاده.
فصل
وهذا الحكم ـ أعني سكون النفس الذي به فارق العلم غيره ـ يعلم
ضرورة عن الشيخ أبي عبد الله، سواء كان الاعتقاد المقتضي له
ضرورياً أو استدلالياً.
وقال الجمهور: يعلم ضرورة إن كان المقتضي له ضرورياً، أو استدلالاً
إن كان المقتضى له استدلالياً. حجة أبي عبد الله أن كل حكم ضروري
يثبت في موضع بطريق، فإنه يثبت بها في سائر المواضع.
واعترضه الجمهور بأنه اعتماد على مجرد الوجود، ويمكن أن يحتج لصحة
مذهبه بأنه لا يمكن الإشارة إلى من يجعله دليلاً على أنفسنا ساكنة.
وبعد، فكان يلزم صحة أن ينظر أحدنا في الدليل على الوجه الذي يدل
فيعلم المدلول ولا يعلم أن نفسه ساكنة بأن لا ينظر في هل هي ساكنة
أم لا، أو بأن ينظر في ذلك لا على الوجه الصحيح. وعلى الجملة فلا
بد أن يكون محوزاً حال النظر في ذلك، وقد ثبت أن أحدنا عند أن يحصل
له العلم لا شك في سكون نفسه.
__________
(1) . في نسخة: لاضطرب.
(1/15)
وبعد فأحدنا يجد نفسه
ساكنة من دون نظر، وبعد وكان يلزم التسلسل في الأدلة، فإذا علمنا
الشيء بدليل احتجنا إلى دليل آخر على أن أنفسنا ساكنة، ثم إذا
نظرنا في ذلك الدليل الآخر فعلمناه وسكنت أنفسنا احتجنا في ذلك
السكون إلى دليل آخر على أن أنفسنا ساكنة، وهلم جراً.
وإن قال الجمهور: إن الدليل الذي يحصل به العلم بالمدلول والعلم
سكون النفس واحد، وكذلك النظر واحد، فلا يلزم التسلسل في الأدلة
ولا التجويز حال العلم بالمدلول.
وقيل لهم: هذا على بعده يلزم عليه كون النظر مولداً لعلمين
مختلفين، العلم بالمدلول والعلم بسكون النفس إليه.
على أن أحدنا إنما يجد نفسه طالبة للعلم بالمدلول حال النظر ولا
يجدها طالبة للعلم بسكون النفس.
حجة الجمهور: أنه إذا كان الاعتقاد استلالياً فبالأولى ما هو مقتضى
عنه؛ لأنه كالفرع له.
ولأبي عبد الله أن يجيب بأنكم إن أردتم بكون سكون النفس استدلالياً
أنه مقتضى عن علم /10/ استدلالي، فهو صحيح، لكن ذلك لا يمتنع من
كونه معلوماً بالوجدان من النفس وإن أردتم بكونه استدلالياً أن
النظر الأول يولده أو أنه يحصل بنظر مستأنف فهو محل النزاع.
قالوا: كان لا يصح زوال العلم الاستدلالي قط بعد حصوله؛ لأن أحدنا
يضطر فيه إلى سكون النفس. وله أن يقول بل يصح زوال العلم
الاستدلالي، لكن إذا زال ما هو مقتضى عنه، وهو سكون النفس النفس،
وإذا زال سكون النفس زال العلم الضروري المتعلق بسكون النفس؛ لأن
الله تعالى لا يحدد فينا اعتقاداً ضرورياً يتعلق بالشيء، لا على ما
هو به.
فصل
كل ما لا يعلم استدلالاً يجوز أن يعلم ضرورة مطلقاً، وكل ما يعلم
ضرورة يجوز أن يعلم استدلالاً بشرط زوال العلم الضروري إذا لم يكن
من كمال العقل.
وقال قوم: يجوز مطلقاً في الطرفين، ويبطله أن من حق الاستدلال
التجويز الاستحالة أن ينظر الإنسان فيما هو قاطع فيه.
(1/16)
وقال الشيخ أبو
القاسم: لا يجوز في واحد من الطرفين، وجعل العلم بالله تعالى في
دار الآخرة استدلالياً، لكونه في الدنيا كذلك. لنا أما الأول فلأنا
إذا قدرنا على العلم فالله تعالى عليه أقدر، فيصح كونه ضرورياً.
وأما الثاني: فلأنه إذا زال العلم بالشيء ضرورة لم يمكنا أن نعلمه
إلا بالاستدلال.
وأما قوله في أهل الآخرة، فباطل؛ لأن الاستدلال لا يصح إلا مع
التجويز، وفي ذلك يتغيض على أهل الجنة، ويتعيش على أهل النار
لتجويزهم الجميع انقطاع ما هم فيه حال النظر.
وبعد فكان يجوز أن لا يختار أهل النار المعرفة، وليس له أن يقول هم
ملجئون إليها، لأن الإلجاء بنا في التكليف، وهم عنده مكلفون، وإن
كان التكليف في حقهم باطلاً، وإلا وجب أن يكون لهم طريق إلى
الانتفاع بما كلفوه، فيؤدي إلى أن يستحق أهل النار ثوباً بالطاعة،
وأن يستحق أهل الجنة الذم والعقاب إن عصوا وأن تلحقهم مشقة.
فصل
وللعلم بكونه علماً حال تثبت بالفاعل، وقيل حكم وقيل لا حكم ولا
حال.
لنا: إنه قد شارك سائر الاعتقادات في كونه اعتقاداً ومتعلقاً
وموجباً لمن اختص به وانفرد باقتضائه لسكون النفس، فلا بد من أمر
له يثبت التفرقة، وهو إما فاعل ولا يصح لفقد الاختيار، والأصح أنه
يجعل الجهل كذلك.
وأما معنى وهو باطل /11/ لفقد الاختصاص والمخصص.
وأما حكم وهو باطل لأنا نعلم هذه التفرقة من دون اعتبار غير، ولا
ما يجري مجراه.
وأما صفة واجبة وهو باطل لمشاركة سائر الاعتقادات له في ذلك.
وأما صفة جائزة وهو المطلوب.
فصل
والمؤثر في هذه الحالة هو الفاعل للاعتقاد بواسطة وقوعه على أحد
الوجوه التي سنذكرها؛ لأنه إما أن يكون علماً لجنسه أو لصفة جنسه
كما يقوله الشيخ أبو القاسم أو لوجوده أو لحدوثه على وجه أو لمعنى
أو لمجرد اختيار الفاعل أو بالفاعل بواسطة أحد هذه الوجوه
المذكورة.
والأربعة الأقسام الأولة باطلة لحصولها في سائر الاعتقادات.
(1/17)
والخامس باطل لفقد
الاختصاص. والسادس باطل، لفقد الاختيار عند زوال الوجوه.
والسابع هو المطلوب.
فصل
والوجوه التي يقع عليها الاعتقاد فيصير علماً ستة:
أحدها: وقوعه عقيب النظر، والواسطة هنا هو النظر عند ابن متوّيه،
وكونه باطراً عند أبي رشيد.
حجة ابن متويه: أنه لو كان المؤثر كونه باطراً للزم إذا فعل الله،
في أخذنا نظراً، وكان العلم الحاصل عنه من فعله تعالى أن يكون قد
أثرت صفة أحدنا في فعل الله تعالى.
وأجيب عن أبي رشيد بأن الصفة إنما تؤثر حيث يمكن تعليق الحكم بها
لا في كل موضع، وهاهنا قد صار وقوعه من فعل الله وجهاً في كونه
علماً فلم يمكن تعليق ذلك في الصفة وهذا حسن، لأنه لا يكفي في
الدلالة على أن الصفة هي المؤثرة، وأن كفى في جواز ذلك وفي تضعيف
استلال ابن متويه رحمه الله تعالى فإذا الأولى في الاستدلال أن
يقال أن النظر إذا أثر في الصفة فهو مؤثر في ما تؤثر فيه الصفة إن
ثبت لها تأثير، وأيضاً فإذا أثر في الاعتقاد كان أولى أن يؤثر في
وقوه على وجه كسائر وجوه الأفعال.
الوجه الثاني: أن يقع عقيب تذكر النظر والاستدلال كعلم المنتبه من
رقدته، والمؤثر هنا إما أن يكون نظراً مستأنفاً أو النظر الأول أو
تذكره، والأول باطل؛ لأن العلم يحصل أول حالات الانتباه والنظر
يحتاج إلى وقت ممتد، ولأن أحدنا لا يجد نفسه ناظرة، والثاني باطل
لأن النظر إنما يولد في بأبي وجوده وهاهنا أوقات كثيرة بقي أن يكون
المؤثر تذكره للنظر وتأثير التذكر إنما هو على جهة الدعاء لا على
جهة الإيجاب؛ لأن الذكر علم ضروري، فلو أوجب لكان علم المنتبه من
فعل الله تعالى، ولأن الذكر قد يكون من مجموع أمور، فلا يصح
تأثيرها في شيء واحد.
(1/18)
والوجه الثالث: أن
يقع من فعل العالم بالمعتقد كالعلم الذي يفعله الله تعالى في
أحدنا، وكما إذا فعل أحدنا في نفسه اعتقاداً مبتدأ بما هو عالم به،
فإن ذلك يؤثر في كونه علماً تأثير دعاء أيضاً؛ لأن الله تعالى كما
يقدر على أن يفعل فينا اعتقاداً مطابقاً يقدر على أن يفعل اعتقاداً
غير مطابق، ولا يجوز أن يكون المؤثر كونه مريداً والأوجب إذا أراد
أحدنا كون الجهل علماً أن يكون كذلك ولا أن يكون المؤثر كونه
قادراً والأوجب في كل قادر أن يكون اعتقاده علماً.
الوجه الرابع: زاده الشيخ أبو عبد الله، وهو وهو إلحاق التفصيل
بالجملة كمن يعلم كل ظلم قبيح لم يعلم في فصل معين أنه ظلم، فإن
هذين العلمين يدعوا انه إلى فعل علم ثالث بقبح هذا الظلم المعين
إلحاقاً للتفصيل بالجملة، وهذا لا يستقيم على أصل أبي هاشم؛ لأن
الجملي هو التفصيلي عنده، لكن لم يكن متعلقاً، ثم تعلق.
وأما الشيخ أبو الحسين فإنه يجعل العلم الثالث الذي هو التفصيلي
متولداً عن العلم الجملي.
قال: لأنه لو حصل بالداعي لجاز حصول صارف يقابل الداعي، وكان يلزم
لو خلق الله في أحدنا علماً ضرورياً بأنه إن فعل هذا العلم الثالث
أدخله النار أن لا يعلم قبح الظلم المعين مع العلم بأنه ظلم وأن كل
ظلم قبيح ومعلوم خلاف ذلك وإن كان قد التزمه بعض معتزلة الرّيّ.
واعلم أن هذا الإلزام متوجه، فإما قوله أن الجملي يولد التفصلي،
فهو لا يستقيم على أصول البهاشمة؛ لأن الاعتقاد عندهم لا يولد
الاعتقاد.
(1/19)
قالوا: لأنه لو ولده
لولده في محله إذ لا جهة له، ولولده في الوقت الأول إذ لا مقتضي
لتأخره، فكان يلزم وجود ما لا يتنافى من العلوم في حالة واحدة، إذ
لا وجه يقتضي الحصر. وأيضاً فليس العلم الجملي بأن يولد اعتقاداً
أولي من صده، ولأبي الحسين أن يقول ما قولكم يولد ما لا يتناهى،
فلا يلزم؛ لأن المولد عندي هو الجملي لا كل علم، وهو أن ولد في
الوقت الأول، فالمبق له تفصيلي، والتفصيلي لا يولد عندي، فلا يلزم
وجود ما لا يتناهى.
وأما قولكم بأن يولد اعتقاداً أولي من صده فلا يلزم أيضاً كما لا
يلزم في النظر إذا ولد العلم أن يولد ضده. إذا ثبت هذا فالأقرب
/13/ ـ والله أعلم ـ إن لم يصح ما قاله أبو الحسين من كون، الثالث
متولداً أن يكون ضرورياً من جهة الله تعالى بفعله ابتداء عند حصول
العلمين الأولين.
فإذا قيل: طريقة العادة، فكان يجوز أن لا يفعله الله تعالى بأن
تختلف العادة.
قلنا: هو كذلك، لكنه معدود في كمال العقل، فيكون العلم بقبح الظلم
المعين في ذلك كالعلم بقبح الظلم على الجملة، وليس لزوم زواله عند
أن لا يختار الله فعله بأبلغ من لزوم زواله عند حصول صارف يزيد على
الداعي.
الوجه الخامس: زاده أبو عبد الله أيضاً وهو يذكر العلم، فإذا ذكر
أحدنا أنه كان عالماً ثم فعل اعتقاداً، كان ذلك الذكر وجهاً في
كونه علماً، وهذا إنما يستقيم على مذهبه في أن العلم بالعلم ليس
علماً بالمعلوم، وإليه ذهب القاضي وأبو إسحاق.
فأما الشيخان أبو علي وأبو هاشم، فعندهما أن العلم بالعلم علم
بالمعلوم، فإذا علم أحدنا أنه عالم بالشيء فقد علم الشيء ولا حاجة
إلى فعل علم آخر.
والحق ما قاله أبو عبد الله وإلاّ لزم، إذا ذكر أحدنا أنه كان
عالماً بالله، وقد ثبت أن الذكر علم ضروري أن يكون قد علم الله
ضرورة.
(1/20)
الوجه السادس: خرج
على مذهب أبي هاشم وهو أن يعتقد أحدنا تقليداً أن زيداً في الدار،
ثم يبقى هذا الاعتقاد إلى أن يشاهده فيها، فإنه يصير وجهاً في كون
ذلك الاعتقاد علماً؛ لأنه من فعل العالم بالمعتقد، وهذا مبني على
مذهبه في بقاء الاعتقادات، وقد ذهب الجمهور إلى أنها لا تبقى.
وقال أبو علي: يبقى الضروري دون المكتسب.
حجة الجمهور: أن الباقي لا ينفى إلا بضد أو ما يجري مجراه، وأحدنا
خرج عن كونه عالماً لا الضد، ولا إلى ما يجري مجراه، والشك والسهو
ليسا معينين.
وبعد فلو بقيت العلوم لما احتاج أحدنا إلى تكرار الدرس، ولوجب في
من سمع سباً أن يحفظه ولا يزول عنه.
فصل
قد يحتاج العلم إلى العلم إما لكونه أصلاً له كاحتياج العلم بالحال
إلى القلم بالذات، وإما لكونه طريقاً إليه كاحتياج العلم بكونه
تعالى موجوداً إلى العلم بكونه قادراً، والفرق بين أصل الشيء
وطريقه أنه لا يصح حصوله من دون أصله، ويصح حصوله من دون طريقه،
ولهذا يصح /14/ أن يخلق الله تعالى فينا علماً ضرورياً بكونه
موجوداً، وإن لم يعلم كونه قادراً، ولا يصح أن يفعل فينا العلم
بصفة الذات دون العلم بالذات.
فصل
والعلوم قد تماثل وقد تختلف، ولا يضاد الاستحالة تعلق العلم بالشيء
لا على ما هو به، وذلك شرط التضاد.
ويعرف تماثلها باتحاد المتعلق، والوجه والطريقة والوقت، كأن يعلم
زيداً على صفة مخصوصة في وقت مخصوص جملةً أو تفصيلاً، فإنها تكون
متماثلة لاتفاقها في أخص ما يثنى عن صفة ذاتها ولتماثل موجبها،
ولأن الضد الواحد يبغيها كلها، ويعرف الاختلاف بتعدد(1) أحد هذه
الوجوه المذكورة، ولم يشترط ابو هاشم إيجاد الطريقة بناء على مذهبه
في أن العلم الجملي لا يتعلق ولا اشترط اتحاد الوقت بناء على مذهبه
في بقاء الاعتقادات.
فصل
__________
(1) . في نسخة: بتعدن.
(1/21)
وكل علم حسن عند أبي
هاشم وأبي الهذيل، وخالفه أبو القاسم في العلم إذا قصد به وجه قبيح
كالعلم بالسحر، للعمل به، والعلم بالشبهة للتلبيس، والعلم إذا كان
فيه مفسدة كالعلم بأعيان الصغائر والعلم بما معه تمكن من معارضة
القرآن.
قال أبو هاشم: الذي يقبح هو القصد في الأول والتمكين في الثاني.
واعترضه ابن متويه بأنه لا يمتنع أن يعلم الله من حال بعض المكلفين
أنه إذا حصل له علم ما فسد عنده. ويمكن الجواب بأن العقلاء
يستحسنون الإقدام على كل علم على الإطلاق، فلو كان فيها ما هو قبيح
لدل عليه الشرع.
فصل
ويصح أن يعلم المعلوم الواحد بعلوم كثيرة خلافاً لأبي علي، وكأنه
بناء على أصله في امتناع تسكير الساكر، وجمع المجتمع ونحوه.
لنا: صحة اجتماع المتماثلات والمختلفات في المحل الواحد، ومتى علمه
بعلوم فهو كمن علمه بعلم واحد؛ لأن سكون النفس لا يتزايد، فأما
الجلاء فالمرجع به إلى كثرة الطرق لا كثرة العلوم، ولهذا قد يكون
العلم الواحد أجلا من العلوم الكثيرة كالضروري مع المكتسبات.
وأما قولهم فلان أعلم من فلان فمعناه في أحد قولي أبي علي كثرة
علومه كقولهم أقدر، وفي القول الثاني كثرة المعلومات.
وقال أبو هاشم: معناه أنه يعلم ما يعلمه الآخر، وما لا يعلمه.
فصل
وليس يجب إذا علم أحدنا الشيء أن يعلم أنه عالم به بل الظن في ذلك
يقوم مقام العلم خلافاً لأبي علي، وجعل ذلك وجهاً في أن أحدنا لا
يقطع أنه من أهل الثواب.
فصل
والعقل عندنا مجموع علوم ضرورية يصح بوجه التكليف على من احتضرها
على بعض الوجوه، وسميت عقلاً تشبيهاً بالمعنى اللغوي لما كانت تمنع
صاحبها من ارتكاب القبائح، ويستعمل القول أيضاً في عرف اللغة بمعنى
الوقار، وشدة التثبت وكثرة التحارب، وعلى هذا يقال: فلان لا عقل
له، وفلان أعقل من فلان. وهذه العلوم كثيرة:
منها: العلم بأحوال أنفسنا على الجملة، نحو كوننا مريدين ومشتهين،
ونحو ذلك.
(1/22)
ومنها: العلم
بالبداية، نحو أن الكل أكثر من الجزء. ومنها: العلم بالمحسوسات،
نحو: إن الشمس منيرة، وأن الكافور أبيض، ويدخل فيه الخبر؛ لأنا
إنما نعلم أن النار محرقة بعد مشاهدة ذلك،و يدخل أيضاً العلم
بالأمور الجلية قريبة العهد؛ لأن الله تعالى يحدد فينا العلم بها
من حال المشاهدة، ويدخل فيه أيضاً العلم بتعلق الفعل بفاعله، فلا
وجه لعد هذه أقساماً مستقلة.
ومنها: العلم بمخبر الأخبار المتواترة عند غير أبي هاشم، نحو: إن
في الدنيا مكة، وإن في الملوك كسرى. وهذا وإن استند إلى المشاهدة
فليس يدخل في تسميتها؛ لأن المشاهد هنا هم المخبرون بخلاف الخبرة
والتجربة.
ومنها: العلم بأن الشيء لا يخلو من نفي وإثبات، نحو: إن زيداً إما
في الدار أو ليس فيها.
ومنها: العلم بقصد المخاطب فيما يتجلى إذا عرفت ذاته ضرورة.
ومنها: العلم بأنه لا فيل بحضرتنا، والعلم بأنه لو كان لرأيناه.
ومنها: العلم بوجوب بعض الأفعال كرد الوديعة وشكر المنعم، وقبح
بعضها كالظلم والكذب، وحسن بعضها كإرشاد الضال وإنقاذ الغريق وحسن
الأخلاق. والذي يدل على أن هذه العلوم هي العقل أنا نعلم في من
اختص بها أنه عاقل وإن جهلنا كل أمر، ويعلم في من فقدها أو بعضها
أنه ليس بعاقل، وإن علمنا كل أمر.
وبعد فالعقل إما أن يكون ضداً لهذه العلوم فلا يصح مجامعته لها، أو
مخالفاً فيصح انفصاله عنها ويجب، وأن لا ينفيه أضدادها، وكله محال،
وإما أن يكون مثلاً لها، وهو المطلوب.
وبعد فلو كان غيراً لها لوجب أن نجد من أنفسنا حالاً أو حكماً
يستدل به عليه، ونحن لا نجد من أنفسنا، سواء كوننا عالمين بهذه
العلوم.
وقد ذهب جمهور أهل الخبر إلى أن العقل قوة يمكن معها إدراك
المعقولات، ويبطله أن القوة هي القدرة والقدرة يصح وجودها، ولا
عقل.
وبعد /16/ فكثير من المعقولات غير مدرك، وما كان منها مدركاً
فالعقل زائداً على إدراكه، ولهذا قد يدركه من لا عقل له.
(1/23)
وبعد فتحديد العقل
بالمعقولات إحالة، فإن كل من لا يعلم العقل لا يعلم المعقول.
وذهبت الطرفية إلى أنه القلب، ويبطله لزوم أن يكون كل ذي قلب
غافلاً.
وذهبت الفلاسفة إلى أنه جوهر بسيط، هذا ما حكا أصحابنا عنهم، وهو
كما حكوه، إلا أنهم أرادوا بذلك العقل الفعال الذي يؤثر في النفوس
المؤثرة في الأجسام، وهو الملك عندهم، وسيأتي تحقيق قولهم وإبطاله.
وأما العقل بالمعنى الذي يريده المتكلمون فقد حكاه الغزالي عنه فيه
قريباً مما يقوله أصحابنا، وهو التصورات والتصديقات الحاصلة
بالفطرة، أي بالضرورة، إلا أنهم لا يسمونه علوماً؛ لأن العلم عندهم
ما كان إكتسابياً، وهو اصطلاح مجرد.
وذهب أبو الحسين إلى أن القلب إذا كان مبنياً بنية مخصوصة جرى مع
المعقولات مجرى العين الصحيحة مع المرئيات، فكما يجب في الحر منا
أن يرى إذا صحت عينه واعتدلت كذلك يجب إذا صحت بنية قلبه واعتدلت،
وأدرك المدركات وزال اللبس أن يعلمه، وإذا علمها وجب أن يعلم ما
يتفرع عنها من كثير من صفاتها وأحكامها نحو أن الشيء لا يخلو من
النفي والإثبات وقبح بعضها ووجوب بعضها مما يعده الجمهور من علوم
العقل، ويمكن أن يقال له مع ما تقدم أن بنية قلب النائم صحيحة
معتدلة، وهو لا يعقل.
وبعد فقياسه للقلب على العين بعيد؛ لأن العين حاسة يدرك بها، ويمكن
استعمالها في المدرك ضرباً من الاستعمال، والقلب ليس كذلك.
وبعد، فقوله إذا اعتدلت بنية قلبه وأدرك المدركات وجب أن يعرفها
وما يتفرع عنها لا ينافي ما يقوله الجمهور، لكنهم يجعلون تلك
المعرفة من علوم العقل.
فصل
زعم أهل السفسطة والعنود أنه لا يصح العلم بشيء، وانه لا حقيقة
لشيء، وأن ما يشاهده العقلاء حال اليقظة كما يشاهدونه حال النوم.
(1/24)
ومنهم فرقة تسمى
الآدرية؛ لأنهم يقولون في كل شيء لا يدري، والكلام مع الكل يقع على
جهة بيان أنهم كاذبون على أنفسهم لا على جهة المناظرة؛ لأنه كيف
يصح مناظرة من ينكر الضروريات التي لا يدخلها شك، فيقال لهم:
أتعلمون أنه لا حقيقة لشيء، فقد تركتم مذهبكم أم لا تعلمون، فلم
قلتم أنه لا حقيقة لشيء؟ ولم لا تجوزون خلاف ما ذهبتم إليه؟ وإذا
جوزتم /17/ فهل تعلمون ذلك الجواز أم لا؟
ويقال لهم: بماذا تجنبون ما يضر وتتبعون ما ينفع، وكيف ميزتم بين
ذلك؟
فإن قالوا: بظن ذلك، قيل لهم: وهل تعلمون أنكم تظنون؟ وهل تعلمون
الفصل بين العلم والظن، وما يتعلق الظن أم لا.
فإن قالوا: نعم تركوا مذهبهم.
وإن قالوا لا، عاد السؤال.
ويقال لهم: إنكم إذا سئلتم عن الشيء قلتم لا ندري، أفتعلمون أنكم
لا تدرون أن قولكم لا ندري يطابق مذهبكم، وهل تعلمون الفصل بين لا
ونعم.
شبهتهم: ما يقع من الغلط في المناظر ويتخيلها العقلاء على خلاف
حقيقتها كالسراب يظنه العاقل ماء، وكحبة العنب يرى في الماء،
كالإجاصة وكالشجرة ترى على الشط منكسة، وكالشط يراه راكب السفينة
كأنه سائر، ونحو ذلك.
والجواب: أن هذه شبهة إنما يتأتى على القول بأن للأشياء حقائق يقع
اللبس في بعضها، فإما على قولهم فلا يصح، وعندنا أن ذلك اللبس لأمر
يرجع إلى الأشعة ومحاولة بعض أجزاء المرئيات لبعض، ثم نقول لهم وهل
تعلمون أن العنبة أصغر من الإجّاصة وأ نالسراب ليس بماء، ونحو ذلك
مما عدوه.
فإن قالوا: نعم، بطل مذهبهم، وإن قالوا لا سقطت شبهتهم.
القول في وجوب معرفة الله
ذهب الجمهور إلى أنه يجب على كل عاقل أن يعلم الله تعالى على
الجملة وما يجب له، ويستحيل عليه وما يحسن منه ويقبح.
وقال أبو علي الأسواري والجاحظ وغيرهما: المعارف ضرورية، فلا يجب.
وجوزه السيد المؤيد بالله في حق الأنبياء والأولياء.
وقال قوم: التقليد جائز في حق كل عاقل، فلا تجب المعرفة.
(1/25)
وقال أبو إسحاق بن
عياش وأبو القاسم الكعبي: يجوز للعوام تقليد المحق، وروي عن القاسم
عليه السلام جواز تقليد المحق مطلقاً.
وقال قوم: يكفي الظن بصانع العالم ولا حاجة إلى العلم.
والكلام على أهل المعارف: هو أن يقول أن هذه المعارف تحصل بحسب
أنظارنا في الكمية والمطابقة على طريقة مستمرة، فيجب أن يكون منتبه
عنها، ولا يلزم مثله في اللون الحاصل عند الضرب؛ لأنه لون الدم
انزعج بدليل أنه لو ضرب الجماد لما حصل لون.
وبعد فالمبتدأ منها يحصل بحسب قصودنا ودواعينا، وينبغي بحسب
كراهتنا وصوارفنا مع سلامة الحال، ولا يرد العلم بمخبر الأخبار
المتواترة؛ لأنه يحصل باختيار الله تعالى لا باختيار المخبرين،
وإلا وجب حصوله عند كل خبر بأن يختاروه، وأن لا يحصل عند خبر
الكثرة بأن لا يختاروه.
وبعد، فكان يلزم في من لا يعرف الله تعالى أن يكون /18/ معذوراً،
والتزام هذا كفر، ولا يقال العقلاء كلهم يعرفونه، لكن فيهم من
جحده؛ لأن الجحود إنما يكون مع التواطي، وهو متعذر في حق الكثرة.
وبعد، فلو كان العلم بالله ضرورياً لكان بديهياً لتعذر ما عداه من
الضروريات، فكان يجب أن يشترك العقلاء فيه؛ لأنه من كمال العقل،
وأن بعد المخالف فيه مكابر كالسوفسطائي وخلافه معلوم، لا سيما وفي
المخالفين من يدعي كون الباري جسماً ضرورياً، فإن إثبات خالق لا
نظير له مكابرة.
وبعد فقد مدح الله تعالى العلماء في غير موضع من القرآن وأمر
بالمعرفة في قوله: {فاعلم انه لا إله إلا الله}، وكل ذلك يقتضي أن
المعرفة من فعلنا.
وأم ما قاله المؤيد بالله فقد أبطله الجمهور بأن المعرفة لطف، فلا
يجوز أن يخص الله بها بعض المكلفين دون بعض، فكان يجب أن يفعلها في
الجميع ويقبح التكليف باكتسابها، وله أن يقول مسلم: أن المعرفة لطف
لجميع المكلفين، لكن ما أنكرتم أن يعلم الله من حال بعضهم أن لطفه
في المعرفة الضرورية، ويعلم من حال الاخر أن لطفه في الاكتسابية.
(1/26)
فالأولى في إبطال
قوله رحمه الله تعالى ما تقدم من أنها لو كانت ضرورية، لكانت
بديهية، فكان يجب اشتراك العقلاء فيها من حيث يعد في كمال العقل لا
من حيث اللطف، وأيضاً فتجويزه لذلك في حق الأنبياء والصالحين يقتضي
أنهم قد عرفوا الله بالاكتساب قبل حصول المعرفة الضرورية؛ لأنهم
إنما يكونون أنبياء وصالحين إذا عرفوا الله، ومتى قدرنا أنهم عرفوه
استدلالاً بعد ما ذكره رحمه الله تعالى.
شبهة أهل المعارف: إن المعرفة لو كانت من فعلنا لجاز أن يختار
أحدنا الجهل بدلاً منها، في ثاني حال النظر؛ لأن من قدر على الشيء
قدر على جنس ضده إذا كان له ضد.
والجواب: إنه معارض بما تعدونه نظرياً من العلوم. والتحقيق: أن
العلم قد صار واجب الوجود لوجود سببه، والجهل إنما يقع مبتدأ
باختيار الفاعل.
قالوا: لو كلف المعرفة لوجب أن يعرف صفة ما كلفه واحدنا حال النظر
لا يعرف صفة المعرفة، إذ لو علمها لما كلف النظر؛ لأنها هي
المطلوب.
قلنا: هو يعلم ماهية المعرفة تصوراً، وإن كانت معدومة، وهي مكلف
تلك الماهية المتصورة في ذنه، على أن معرفة سببها الموصل إليها
يقوم مقام معرفتها، وعلى أنهم معارضون بما يعدونه نظرياً من
العلوم.
قالوا: لا مشقة في العرفة، فكيف يكلف بها.
قلنا: المشقة في سببها.
قالوا: وكيف يجب العلم بالشيء قبل العلم بصفة من أوجبه؟
قلنا: العقليات تجب لوجوه يقع علها، فلا يحتاج إلى العلم بالموجب.
قالوا: لو كلف أحدنا /19/ بالمعرفة لنهى عن الجهل، ولو عرف الجهل
لعرف المجهول.
قلنا: ليس منهياً عن جهل معين وإنما هو منهي عن كل اعتقاد لا يأمن
كونه جهلاً.
والكلام على أهل التقليد هو أن المقلد لا يأمن في ما يعتقده أن
يكون جهلاً، والأقدام على ما يؤمن كونه جهلاً قبيح كالإقدام على
الجهل.
(1/27)
وبعد فإما أن يقلد
الجاهل وهو ظاهر البطلان، أو العالم فذلك العالم إما أن يعتقد
مذهبه ضرورة وهو باطل بما تقدم أو تقليداً فيلزم التسلسل، أو دلالة
فيبطل التقليد.
وبعد فإما أن يخير والتقليد مع تجويز الخطأ فيلزم صحة تقليد سائر
الملل الكفرية أو لا فرق بينها وبين ملة الإسلام عند المقلد في
جواز الخطأ، وإما أن يشترطوا في جواز التقليد أن لا يجوز الخطأ على
من قلده، فهو باطل؛ لأنه كيف يعلم أنه لا يجوز عليه الخطأ وقد دخل
في هذا إبطال ما حكى عن القاسم عليه السلام؛ لأن المقلد كيف يعلم
المحق حتَّى يقلده.
وبعد، فلو جاز التقليد لكان أحق الناس بأن يقلده الأنبياء،
فيكون(1) إظهار المعجز عبثاً.
وبعد، فإما أن يقلد أرباب المذاهب وفيه اعتقاد المتضادات أو واحداً
منهم، ولا مخصص.
فإن قالوا: بالكثرة.
قلنا: هي لا تدل على الحق بدليل: {وإن تطع أكثر من في الأرض
يضلوك..} الآية، {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} {ولكن أكثرهم
لا يؤمنون}، {وقليل ما هم}، {وقليل من عبادي الشكور}، {وما آمن معه
إلا قليل}، ونحو ذلك، ولأن الكثرة قد تعود قلة والعكس.
وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((عليكم بالسواد الأعظم))
فأحادي، ومحمول على اتباع الإجماع؛ لأنه لا سواد أعظم منه، ومحمول
أيضاً على اتباعه في الشرعيات.
فإن قالوا: نقلد الأزهد.
قلنا: في كل فرقة لا زهاد.
__________
(1) . يقال: لم يكونوا أنبياء إلا بإظهار المعجز، فلا يكون عبثاً.
(1/28)
وبعد فقد ذم الله
التقليد في عدة آيات نحو: {إنا وجدنا آباءنا على أمة}، ونحو: {إذ
تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبَعوا..} الآية، ونحو: {فهم على
آثارهم يهرعون}، ونحو: {اتخذوا أحبارهم..} الآية، ومن السنة قوله
عليه الصلاة والسلام: ((لا تكونوا أمّعَةً تقولون إن أحسن الناس
أحسنا وإن أساءوا أسأنا ألا إن الأمّعة المحقّب دينه الرجال))،
وقال عليه الصلاة والسلام: ((أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم وأئمة
مضلون وجدال منافق)). وقال عليه الصلاة والسلام: ((لن تهلك أمة إلا
من قبل علماء السوء))، ونحو ذلك كثير.
ويقال لأهل التقليد: هل يجب شكر المنعم فلا بد من قولهم بلى.
فيقال: وكيف يجب شكر من لا يعرفه.
ويقال لهم أيضاً: هل يجب الاعتراف بالنبوءات والشرائع، وله تجب
/20/ العبادات، فلا بد من قولهم بلى.
فيقال: إذا لم يعرف المعبود وحكمته فكيف تعرف وجوب العبادات ونبوة
الأنبياء.
شبهتهم: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يدعو الناس إلا إلى
الإقرار بالشهادة، ولم يكن يأمرهم بطلب الدقائق(1)، وحل الشبه
وكثير مما يذكره اهل الأصول، ولهذا قال عليه وعلى آله الصلاة
والسلام: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن
قالوها حقنوا مني دماءهم وحسابهم على الله)).
والجواب: إنما اقتصر على ذلك في القتال؛ لأن الإكراه لا يتصور في
باب العقائد، فإما الحث على النظر والعلم بالله تعالى فمما لا يخفى
نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم للأعرابي: ((وماذا صنعت في رأس
العلم))؟ قال: وما رأس العلم. قال: ((أن تعرف الله حق معرفته..))
الخبر. وقال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: ((تفكر ساعة خير من
عبادة سنة))، وبالجملة فإن الكتاب والسنة مشحونان بالحث على النظر
والذم على تركه.
__________
(1) . في نسخة: العلم الدقيق.
(1/29)
قالوا: لو كلف العوام
والنساء بهذه الأصول والاستدلال عليها بالأدلة الغامضة ودفع الشبه
مع علمنا أنهم لم يفعلو ذلك لوجب أن يقضى بكونهم كفاراً، ويجري
عليهم أحكام الكفرة، ومعلوم خلافه.
قلنا: لم ندع أنهم كلفوا ما كلفه المبرزون في العلم، وإنما كلفوا
جملة يسيرة يسهل اكتسابها وأدلتها مقررة في عقولهم، وعجزهم عن
التعبير عنها لا يدل على أنهم غير عالمين بها، فإن كثيراً من
العقلاء يعلم ما لا تحسن العبارة عنه، ألا ترى أنك لو سألت رجلاً
عاقلاً عن العقل ما هو لما درى كيف يجيبك، ومتى عددت العلوم
المذكورة لقال أما هذه فأنا أعلمها. يزيده وضوحاً: أن الذي يذكره
العالم للمتعلمين في هذا الفن إنما هو التنبيه على وجوه الاستدلال،
وعلى ما هو مقرر في عقولهم.
قالوا: قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا..}،
فأخبر تعالى أن الإقرار كاف في ذلك.
قلنا: رأس الاستقامة العلم بالله تعالى وإلا لزم في الكافر
والمنافق مثله إذا أقر باللسان.
قالوا: قال تعالى: {فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}
ولم يشترط الاستدلال.
قلنا: معرفة صحة القول وحسنه يقف على معرفة الله تعالى.
قالوا: قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: ((بني الإسلام على خمس))
ولم يذكر غيرها.
قلنا: شهادة أن لا إله إلا الله وسائر الخمس تقف على معرفة الله؛
لأنه كيف يشهد أنه لا إله إلا الله ولم يعرفه.
والكلام على أهل الظن هو أن التكليف بالظن مع إمكان العلم قبيح في
باب الأصول؛ لأن كون الباري تعالى مرئياً أو غير مرئي مثلاً أمر
ثابت في نفس الأمر لا يحصل بحسب الظن /21/ ولهذا يخالف الفروع، لأن
المصلحة فيها بجواز أن يحصل بحسب الظن.
وبعد فإما أن يكلفوا الظن كيف كان أو الظن الصائب المطابق لأقوى
الإمارات.
إن قالوا: بالأول. فهو ظاهر السقوط، وإلا لزم إصابة من ينفي
الصانع، وينكر النبوات ويشرك بالله.
وإن قالوا: بالثاني. قلنا: وكيف يعلم أن ظنه صائب مطابق.
(1/30)
وإن قالوا: بالثالث،
قلنا: أتريدون بأقوى الإمارات قول الآباء والأسلاف فيلزم إصابة أهل
كل ملة أو قيام الأدلة، ففيه رجوع إلى وجوب النظر، وهو المطلوب؛
لأنها حينئذ توصل إلى المعرفة.
فصل
إذا بطلت هذه الأقوال فالدليل على وجوب معرفة الله تعالى أنها لطف
للمكلفين في القيام بما كلفوه، ويحصل ما هو لطف بهذه الصفة واجب،
فهذان أصلان.
أما الأول: وهو إن أنها لطف فلأن حقيقة اللطف هو ما يمتثل المكلف
عنده ما كلفه لأجل أنه كلفه أو يكون أقرب إلى ذلك، ولا شك أن
المعرفة بهذه الصفة فإن من عرف أن له صانعاً يثيب من أطاعه ويعاقب
من عصاه كان أقرب إلى طاعته،
واعلم أن اللطف في الحقيقة هو العلم بأن هذا الفعل مما يستحق عليه
الثواب أو العقاب؛ لأنه الذي يدعوا ويصرف، لكن لما لم يتم إلاَّ
بمعرفة المثيب والمعاقب سمى الجميع لطفاً، والظن، وإن ثبت له حظ
الدعاء والصرف فهو لا يقوم مقام المعرفة ولا يتناوله التكليف لقبحه
ولأنه إن كان اعتقاداً كما يقوله أبو هاشم فوجه قبحه جواز كونه
جهلاً، وإن كان جنساً مستقلاً فهو لا يخلوا من اعتقاد تجوّز كونه
جهلاً، وذلك الاعتقاد هو التجويز، فيكون الظان لثبوت الصانع
مجوّزاً لنفيه والظانّ لعدله مجوزاً تجويزه.
(1/31)
وأما الثاني، وهو أن
تحصيل ما هو لطف بهذه الصفة التي هي كونه لطفاً في جميع ما كلفناه
واجب فلأنه يجري مجرى دفع الضرر عن النفس فإنه إذا فعل الطاعات دفع
عن نفسه ضرر العقاب ولا يتم فعلها طاعة إلا بعد معرفة المطاع ووجوب
دفع الضرر عن النفس معلوم ضرورة مظنوناً كان أو معلوماً، إلا أن
وجه الوجوب في المعلوم هو كونه دفعاً للضرر، وفي المظنون هو الظن
لدفع الضرر، وقد ذهب أبو علي مرة إلى أن وجه وجوب المعرفة وجوب شكر
النعمة، وكون أحدنا يتمكن بها من ذلك، وهو باطل؛ لأن شكر نعمة الله
تعالى لا تجب إلا بعد معرفته، ومعرفة أنه وجه قصد الإحسان، وإن
وجبا للشكر أمكن تأديته مشروطاً، وإن لم يحصل معرفته وذهب مرة إلى
أن وجه وجوبها قبح تركها، وهو الجهل والظن، ونحوهما، وأبطله صاحب
شرح الأصول بأن ذلك إنما يستقيم لو لم يمكن الانفكاك عن القبيح إلا
إلى المعرفة، ومعناه أن المعرفة حينئذ تكون قد منعت من وقوع /22/
القبيح.
قال: وأما مع إمكان الإنفكاك بأن لا يفعلها ولا ما يضادها فإنما
ذكره لا يستقيم، ولأبي علي أن يقول أن لا يفعل ترك، والترك عندي
فعل فهو قبيح حقيقي، وهو عندكم كالقبيح من حيث كان جهة كافية في
استحقاق الذم، وإذا كان كذلك فقد صار أحدنا لا ينفك عن المعرفة إلا
إلى ما يستحق به الذم، ويمكن الجواب بأنه وإن كان كذلك إلا أن عدم
فعله للمعرفة إنما يقبح إذا ثبت وجوب المعرفة، فلا يمكن أن يجعل
وجهاً في وجوبها؛ لأنه دور.
فصل
ومعرفة الله تعالى مما يجب على جميع المكلفين لاشتراكهم في كونها
لطفاً لهم، والذي يشتبه أن يقال يجوز أن يعلم الله من حال بعضهم
أنه يفعل المطلوب فيه، وإن لم يعرف.
والجواب: إن ذلك لا يخرجها عن كونها لطفاً؛ لأنه معها بكون أقرب لا
محالة إلى تأدية ما كلفه، وبعد فأحدنا مكلف بما عنده لا بما في
معلوم الله تعالى.
(1/32)
وبعد، ففي علمنا بكفر
الجاهل بالله ضرورة من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع
الأمة دليل على أنه ليس في المكلفين من هذه صفته.
فصل
ويلحق بها ما يترتب عليها مما يعد لطفاً من المعارف كمعرفة الحفظة
وشهادتهم علينا وإنطاق الجوارح ونصب الموازين وعذاب القبر والحساب،
ونشر الصحف، ونحو ذلك، ونحو معرفة الطبع والختم المذكورين في
القرآن، وسماع القرآن وتتبع السنن وسماع الوعظ وأشباه ذلك.
فصل
وأقل ما يجوز أن يكلف الله المرء علماً عند أبي علي معرفة الله
بتوحيده.
قال: لأن ما عدا ذلك علم بغيره من الأفعال.
وقال أبو هاشم: لا بد أيضاً من معرفة العدل والوعد والوعيد
واستحقاق الثواب والعقاب؛ لأنه الذي يدعو ويصرف، ثم يجوز احترامه
من بعد ذلك.
وقال القاضي: اللطف لا يراد لنفسه، فلا بد أن يكلف مع اللطف شياً
من الملطوف فيه، ويتمكن منه، ثم نحو من احترامه.
فصل
والذي قد استقر عليه التكليف مع التبعية معرفة التوحيد والعدل
والنبوءات والشرائع وما يتصل بكل واحد من هذه الأصول من مقدمات
ولواحق.
فصل
وأول علم بالله تعالى عند القاضي وأبو الهذيل أن تعرف أن لهذه
الحوادث محدثاً؛ لأنه قد يكون علمه على الجملة.
وقال أبو هاشم: أن تعرف محدثها بصفة من صفاته بناء منه على أن
العلم الجملي لا يتعلق.
وقال أبو علي: أن تعرف أن لها محدثاً مخالفاً لنا، وهو كمذهب أبي
هاشم؛ لأنه إنما يعرف أنه مخالف لنا إذا عرفه لصفة من صفاته.
فصل
ومعرفة الله تعالى مقدورة لنا لقدرتنا على سببها، وهو النظر من حيث
يفق على قصورنا /23/ ودواعينا.
(1/33)
وقال الرازي في
محصوله: ليست مقدورة لنا لا هي ولا النظر، وجعل الأمر بها وبالنظر
في قوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله}، و{قل انظروا ماذا في
السماوات والأرض} أحد الأدلة على تكليف ما لا يطاق، وهذا قول ظاهر
التهافت، ويكفي في شناعته أنه إقرار بالجهل بالله تعالى؛ لأن
المعارف عنده نظرية لا ضرورية، وإقرار بإبطال النظر مع أنه إنما
يبطل النظر بالنظر، وإقرار بأن جميع ما قاله في مصنفاته كان لا عن
علم، وكل هذا يتوجه معه طي المناظرة.
وشبهته ما تقدم من أنا قد كلفنا بالمعرفة، فلا يخلو إما أن يعلم
صفة ما كلفناه فيكون صفة ما كلفناه، فنكون قد كلفنا ما لم يعلم.
والجواب: أنا نعلم ماهية المعرفة بالتصور سواء كانت معدومة أو
موجودة، وكلفنا بتحصيل تلك الماهية المتصورة، على أن معرفة السبب
كافية في حسن التكليف بالمسبب كما سلف ذكره.
فصل
ومعرفة الله تعالى مما يجب على العاقل في كل حال إلاَّ حال السهو
للوجه الذي لأجله وجبت في أول أحوال التكليف، وحراستها يكون
بتحديدها حالاً فحالاً عند من يمنع بقاء العلوم بالاحتراز من
العوارض والأضداد عند من يقول بنفائها.
فإن قال أحدنا يعلم أنه غير عالم بالله وجائزأن يعلم أحدنا الشيء
ولا يعلم أنه عالم به إلا بتأمل مستأنف.
القول في النظر
هو مشترك بين معاني.
أحدها: نظر العين، نحو: نظرت إلى الهلال فلم أره، أي قلبت حدقتي
السليمة في جهته.
وثانيها: نظر الرحمة، نحو: ولا ينظر إليهم يوم القيامة.
وثالثها: نظر المقابلة، نحو: داري تنظر إلى دار فلان.
ورابعها: نظر الانتظار، نحو: {فناظرة بم يرجع المرسلون}.
وخامسها: نظر الفكر، نحو: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض..}
الآية، وهو المقصود هنا، ويسمى نظراً وفكراً وتأملاً وتدبراً
ورؤية، وهو المعنى الذي يولد العلم إذا تكاملت شرائطه.
فصل
(1/34)
وهو جنس مستقل لأن له
أحكاماً لا توجد في غيره من أفعال القلوب، ولا يصح رجوعه إليها،
منها: أنه لا يصح إلا مع الشك والتجويز.
ومنها: أنه إذا حصل على شرائطه أزال ذلك الشك والتجويز بما يتولد
عنه، ومنها: أنه يؤثر في وقوع الاعتقاد علماً. ومنها: أنه يلحق
بفعله مشقة.
وذهب بعضهم: إلى أن المرجع به إلى حدث النفس والكلام الخفي، وهو
باطل؛ لأن النظر يوجب حالاً دون الكلام، ويوجد مع فقد الكلام ويؤثر
في وقوع الاعتقاد دون الكلام.
وذهب أبو الحسين وأبو الهذيل إلى أن النظر /24/ هو التأمل الذي
يتضمن ترتب اعتقادات أو ظنون ليتوصل بها إلى اعتقادات أو ظنون،
وهذا يوافق ما قاله الجمهور؛ لأن التأمل عندهم من أسماء النظر،
وإنما نفى الخلاف في هل يولد غير العلم أم لا وسيتضح.
وما ذكره محمود بن الملاحمي من أن المرجع بالتأمل إلى تفريغ القلب
عن الاشتغال بتذكر غير المقدمات المعصية إلى العلم المكتسب، وأن
هذا هو الذي يحصل به المشقة، فغير صحيح؛ لأن أفعال القلوب كلها غير
باقية، فلا يحتاج أحدنا في تفريغ القلب إلى مشقة، بل يكفيه أن لا
يفعل سوى استحضار هذه المقدمات، وليس ما نتركه مما يشتهى فيلحق
بتركه مشقة.
شبهة:
إنه لو كان التأمل هو النظر والنظر عندكم لا بد أن يوصل إلى العلم
لكان التأمل كذلك، ومعلوم أنه قد يحصل التأمل من دون ترتيب
المقدمات، فلا يوصل إلى العلم.
ويمكن الجواب أنا ندع في كل نظر، وكل تأمل أنه يوصل إلى العلم، بل
قلنا ذلك في النظر الصحيح والتأمل الصحيح، وإنما يكون كذلك إذا
تكاملت شرائط التوليد لا سيما وقد ذكر في معتمده أن من يقول أن
النظر جنس برأسه لا بد من أن يشرط ترتيب العلوم ليتوصل إلى العلم.
فصل
وشروط وجوه النظر أن يكون القادر عليه شاكاً.
وقال القاضي: وأن يكون مجوزاً وإن نجح أحد المجوزين.
وقال أبو علي: يصح مع التقليد والتجنب، ولك هذه متقارنة؛ لأن
المقلد والمنجب غير قاطعين.
(1/35)
وقال أبو عبد الله:
يصح مع العلم، وهو باطل، لأن من قطع على حدوث العالم مثلاً كيف
ينظر في هل هو محدث أم لا، ولأن أحدنا يتعذر عليه النظر في المشاهد
ولا وجه لذلك إلا القطع عليه.
شبهته: إن أحدنا ينظر في دليل فيعلم المدلول ثم ينظر في دليل آخر
فيعلم المدلول أيضاً، فكان يلزم تعذر النظر في الدليل الآخر.
والجواب: إنه ينظر في الدليل الآخر ليعلم أنه دليل لا ليعلم
المدلول، فمتى علمه دليلاً آخر دعاه ذلك إلى أن يعلم(1) علماً آخر
بالمدلول.
فصل
والكلام في تماثل النظر واختلافه كالكلام في العلم، فأما التضاد في
الأنظار فغير واقع خلافاً لأبي علي.
لنا: إن شرط التضاد اتحاد المتعلق، وأن يكون التعلق متعاكساً،
ويعاكسه مفقود هنا، وإيجاد المتعلق يقتضي التماثل، فأما النظر في
شيئين فلا يسلم لأبي علي امتناعه، وإن سلمناه فهو لأمرٍ يرجع إلى
الداعي لا للتضاد.
فصل
والنظر يولد العلم خلافاً لأهل الحيرة والقائلين بأن الأدلة
متكافية، وللقائلين بأنه لا طريق إلى علوم الدين إلا السمع،
وللقائلين بأن الإسلام لم يرد إلا بالسيف /25/ وأن النظر بدعة.
لنا: إن العلم يوجد بحسب النظر في الكمية والمطابقة، وأن العقلاء
يفزعون إليه عند التباس الأمور، فزع من يعلم أنه موصل إلى العلم.
فإن قال: هلا كان طريقاً إلى العلم لا مولداً له.
قيل له: طريق العلم يتعلق بما يتعلق به العلم، كالإدراك، وهاهنا
متعلق النظر الدليل، ومتعلق العلم المدلول.
فإن قال: هلا كان داعياً إليه؟
قيل له: الداعي يختص شيئاً بعينه، والنظر ليس بأن يدعو إلى اعتقاد
المدلول على صفة، أولى من غيرها، ولا يرد بذكر النظر؛ لأنه يدعونا
إلى أن يصير مثل الصفة التي كنا عليها من قبل.
إن قال: هلا كان شرطاً؟ قلنا: من حق الشرط المقارنة.
فإن قال: هو شرط اعيادي بفعل الله العلم عنده كالحفظ عند الدرس كما
يقوله بعض أهل المعارف.
__________
(1) . في نسخة: يغفل.
(1/36)
قيل له: كان يجو
اختلاف العادة فيه كالحفظ.
فإن قالوا: الأسباب يصح مقارنتها للمسببات، ويؤثر في وقوعها فقط لا
في وقوعها على وجه، وليس هذا حال النظر .
قلنا: أما الأول فلأن شرط النظر التجويز، وهو لا يقارن العلم.
وأما الثاني، فهو شيء اختص به النظر دون سائر الأسباب لقيام
الدليل.
فإن قال: قد يحصل العلم لأحد الناظرين قبل الآخر، وكذلك قد يحصل
لأحدهما دون الآخر، ولو كان سبباً لحصل لهما على حد واحد.
قلنا: أما سرعة حصوله لأحدهما فمن حيث يتمكن من استحضار المقدمات
قبل الآخر، فإن القلب خلق آلةً لذلك، والآلات تختلف في سرعة الفعل
بها، وأما حصوله لأحدهما دون الآخر فمن حيث نظر على الوجه الصحيح.
شبهة: القائلين بالخيرة أن الناس اختلفت اعتقاداتهم من أن كلهم قد
نظروا بل الرجل الواحد قد يعتقد صحة مذهب بالنظر زماناً طويلاً، ثم
يعتقد بطلانه بالنظر، وأن الحق غيره، ولو كان النظر يوصل إلى العلم
لاتفقت الأناسي والأحوال فيه؛ لاتفاقها في سببه.
والجواب: أنا نعلم بالضرورة بعد الاختيار أنه موصل إلى العلم إذا
وقع على الوجه الصحيح، فلا تقدح الشبهة في ذلك.
وبعد فلم يدع في كل نظر أنه يوصل إلى العلم، وإنما يوصل إليه النظر
الصحيح، فمن نظر على الوجه الصحيح حصل له العلم، فإن اعتقد خلافه
من بعد فلشبهة تدعوه إلى فعل الجهل.
وبعد، فاتفقنا على أن الإدراك طريق إلى العلم مع أنه قد يختلف
الحال فيه لضروب من اللبس بعرض، وكذلك الحساب.
ثم يقال لهم أبالضرورة علمتم أن النظر يؤدي إلى الحيرة، وهذه
مكابرة أم بالنظر علمتم ذلك، فقد بطل /26/ مذهبكم.
شبهة: أهل التكافي إن كل أهل مذهب قد استدلوا بمثل دليل مخالفيهم،
ورجح كل منهم مقالته بمثل ما رجح به خصمه، فلا مزية لدليل على ذلك.
والجواب: ما تقدم على أهل الشك.
(1/37)
ثم يقال لهم هذه
الأدلة المتكافئة إما أن توصل كلها إلى العلم حتى تكون جميع
المذاهب حقاً، وهذا باطل ظاهر الفساد؛ لأنه كيف يكون حقاً قول من
ثبت الصانع وقول من ينفيه، وإما أن لا يوصل شيء منها إلى العلم،
وفي هذا خروجها عن كونها أدلة فضلاً عن كونها متكافية.
وأما أن يوصل بعضها إلى العلم دون بعض، وهو المطلوب، لكنا نسمي
الذي يوصل إلى العلم دليلاً والاخر شبهة.
وأما القائلون بأنه لا طريق إلى العلوم إلا السمع فيقال لهم: كيف
تعلمون صحة السمع، ثم ما يريدون بالسمع إن أرتم الكتاب والسنة
والإجماع، فكلها تتضمن الحث على النظر والتفكر والمطالبة بالبراهين
والذم على ترك ذلك، وإن أردتم بالسمع قول الإمام، فذلك الإمام إما
أن يقول بالكتاب والسنة والعقل أم لا إن قال بها فالكلام ما تقدم،
وإن لم يقسم بها فليس بإمام.
ثم ما طريق الإمام إلى صحة ما تقوله.
وأما القائلون بأن الإسلام لم يرد إلا بالسيف والنظر بدعة.
فيقال لهم: المعلوم ضرورة من دين النبي عليه وعلى آله الصلاة
والسلام أنه كان يدعو إلى دينه بالقرآن المشتمل على أنواع الحجج
والبراهين والرد على أهل الكفر والبدع من أهل الكفر والشرك
والمنكرين للقيامة والبعث والرسل والآيات المتضمنة للحث على النظر
في المخلوقات والذم على ترك ذلك أكثر من أن يحصى.
وقولهم: إن النظر بدعة مدفوع بما يعلمه ضرورة من الدين، ومن أحوال
العقلاء والفزع إليه عند التباس الأمور.
شبهة للكل. قالوا: لو أوصل إلى العلم لما عدل أحد عنه.
والجواب: بل يعدل عنه آثاراً للدعة أو تجويزاً للتقليد ونحو ذلك
مما يصرف عن النظر، وكذلك يمكن الانصراف عن العلم الحاصل عنه
للشبهة أو لاتباع الأسلاف والتعصب لهم، فتعرض عما يخالفهم، وإن قاد
إليه النظر كما هو حال كثير من المخالفين أو لاتباع مذهب يستفيد به
رئاسة ويصير به قدوة، وإن كان باطلاً.
فصل
إذا ثبت أن النظر يولد العلم فهو لا يولد غيره.
(1/38)
وقال القاضي وغيره:
إن النظر في الإمارات يولد الظن، وإن النظر في المقدمات المعتقدة
المطابقة غير المعلومة تولد اعتقاداً غير علم.
لنا: إنا نعلم حسن جميع الأنظار لعلمنا بحسن الإقدام عليها على
الإطلاق، فلو كانت تولد الاعتقادات /27/ والظنون ومعلوم أن فيها ما
هو قبيح لما حسنت الأنظار على الإطلاق؛ لأن قبح المسبب يقتضي قبح
السبب.
فإن قيل: إن في الأنظار ما هو قبيح كالنظر في الشبهة للتلبيس وفي
السحر للعمل به، ونحو ذلك.
قلنا: قد قال به الشيخ أبو القاسم وأبو علي، وليس بصحيح لما تقدم،
وإنما يقبح العضد المقترن به.
وأما العلم الحاصل عند النظر في تبين مراد الغير فهو ضروري
بالعادة.
وأما الجهل الحاصل عند النظر في الشبهة فهو مبتدأ باختيار الناظر
بدعوة الشبه إلى ذلك لأنه لا يعلق للشبهة، فتولد النظر فيها الجهل.
يوضحه أن النظر في الدليل قد لا يولده بأن لا يكون عالماً بوجه
دلالته مع أن له علته بالمدلول، فأولى في النظر في الشبهة؛ ولأن
النظر في الشبهة لو ولد الجهل للزم إذا نظرنا في شبهة الخصم من
الوجه الذي كانت له شبهة أن يولد الجهل لنا لولا أنه بالداعي، وأن
ما يدعو زيداً يجوز أن لا يدعو عمراً. وقريب من هذا الكلام في الظن
الحاصل عند النظر في الإمارة.
فصل
وإنما يولد العلم إذا وقع في دليل أو طريقة نظر. مثال الأول: أن
ينظر في ذات فيحصل له العلم بذات أخرى أو في صفة لذات، فيحصل له
العلم بصفة لذات أخرى.
ومثال الثاني أن ينظر في صفة لذات فيحصل له العلم بصفة أخرى لتلك
الذات.
فصل
(1/39)
وشروط توليده للعلم
أن يكون الناظر عاقلاً، وأن يكون عالماً بالدليل، أي بنفس الدليل
لا بكونه دليلاً؛ لأن ذلك يتأخر عن العلم المتأخر عن النظر، وأن
يكون عالماً لوجه دلالة الدليل، فإن الملحد يعلم الأجسام وينظر
فيها ولا يحصل له العلم بالصانع لما لم يعلم وجه دلالتها، وهو
الحدوث. ومن هاهنا أسد على المجبرة باب الاستدلال بخطاب الله تعالى
لما جهلوا وجه دلالته، وهو صدوره عن عدل حكيم.
فصل
والنظر في الفرع يتوقف في توليده للعلم على النظر في الأصل،
وتوليده للعلم إذا كان الأصل نظرياً كالنظر في حدوث الأعراض، فإن
توليده للعلم يقف على توليد النظر في إثباتها للعلم.
فصل
وإذا نظر أحدنا فعلم ثم طرت شبهة فزال العلم فإنه إذا حل الشبهة لم
ينجح إلى تجديد النظر، بل يكفي بذكره كالنائم؛ لاستوائهما في زوال
العلم.
فصل
وإذا نظر فعلم المدلول ثم سهى عن الدليل ووجه دلالته فهل يستمر
كونه عالماً أم لا، فمن لا يقول ببقاء العلوم يذهب إلى أنه يتذكر
النظر ويفعل العلم /28/ حالاً فحالاً.
والقائلون ببقائها اختلفوا، فقال أبو علي ببقاء المكتسب إذا أمنع
صاحبه من فعل ضده كما قاله في جواز خلو القدرة عن الفعل عند حصول
منع، فإنه لم يمنع فغير باق، وإنما يجدده حالاً بعد حال.
وقال أبو هاشم: لا يبقى العلم والحال هذه؛ لأن العلم بالدليل ووجه
دلالته أصل للعلم بالمدلول، فإذا زال كالعلم بالحال مع العلم
بالذات.
قال: ولأنه متى شك في الدليل ووجه دلالته زال العلم بالمدلول
اتفاقاً، فكذلك إذا سهى عنه لاستوائهما في عدم العلم.
وقال أبو عبد الله ببقاء من غير فصل، واستدل بأن أحدهما إذا دهمه
حادث عظيم فإنه يفشل ويذهل عن الدليل، ووجه دلالته ولا يزول عنه
العلم بالتوحيد والعدل.
والجواب لا نسلمه، بل هو عالم بالدليل، ولكن لا نعلم أنه عالم لأجل
ما دهمه.
فصل
(1/40)
ومتى نظر في دليل
فعلم لم يجب عليه من جهة العقل أن ينظر في دليل آخر خلافاً لقوم،
فأما الحسن فيحسن لأنه قد يرد شبهة على أحد الدليلين، فيستعين
بالآخر على حلها وعلى تحديد العلم، وكذلك يجوز أن يجب بالسمع النظر
في كل دليل لجواز أن يكون ذلك لطفاً.
فصل
والنظر في معرفة الله تعالى واجب خلافاً لأهل المعارف وأهل التقليد
وأهل الشك وأهل التكافي وأهل السمع وأهل الظن وأهل البدعة، وتقدم
فساد قول الجميع.
ولنا في وجوب النظر دلايلان:
أحدهما: أن معرفة الله تعالى واجبة على كل مكلف من غير شرط، وهي لا
تحصل إلا بالنظر، وما لا يحصل الواجب الذي هذه صفته إلا به يجب
كوجوبه، فهذه أصول ثلاثة. أما الأولان فقد نفد ما حيث بينا أن
المعرفة لطف لجميع المكلفين وأنها ليست ضرورية وإنما يحصل بحسب
النظر.
وأما الثالث، فهو معلوم ضرورة على الجملة، فإن من معه وديعة ولا
يتم له ردها إلا بالقيام وفتح الباب والمناولة فإن العقلاء يقضون
بوجوب هذه الأفعال ويذمون تاركها، ولا وجه لذلك إلا كون الواجب لا
يتم إلا بها بدليل أنه لو تم بغيرها لما وجبت، وقلنا من غير شرط
احترازاً مما يكون وجوبه مشروطاً بما لا يتم إلا به كالحج، وكما
إذا قال السيد لعبده: اصعد السطح إذا كان السلم منصوباً.
الدليل الثاني: أن العاقل عند كمال عقله لا بد أن يخاف من ترك
النظر ضرراً وهو لا يرجو زوال ذلك الخوف إلا بالنظر، وذلك يقتضي
وجوبه، فهذه ثلاثة أصول /29/.
(1/41)
أما الأول: فاعلم
أولاً أن الخوف هو الظن لحصول ضرر او فوت يقع في المستقبل واعتبرنا
الظن اتباعاً لأهل اللغة ولا يرد خوفنا للموت؛ لأنا إنما نخاف وقته
ولا خوف الملائكة عليهم السلام في قوله تعالى: {يخافون ربهم من
فوقهم} لأنه خوف توقّ أي يخافون مرافقة ما يفضي إلى الضرر، وقيل:
معناه يفعلون أفعال الخائفين هذا ما ذكره أصحابنا، والأقرب أنهم
يخافون خوفاً حقيقياً؛ لأنهم مكلفون بمعرفة الله تعالى، وهي إنما
يحصل عن النظر في حق كل مكلف، ووجه وجوب النظر هو الخوف من تركه في
حق كل مكلف، فلا بد أن يخافوا من ترك النظر ضرراً ليكون ذلك وجهاً
في وجوبه عليهم، وقول أصحابنا أنهم يقطعون على أنهم لا يعذبون، وهو
صحيح، لكن إنما يقطعون على ذلك بعد معرفة الله والخوف من ترك النظر
متقدم عليها، واعتبرنا تعلق الظن يفوت النفع، وحصول الضرر؛ لأن
تعلقه بعكس ذلك رجاء، واعتبرنا الاستقبال لأن ما قد وقع لا يخاف
ولا يجوز أن يكون الخوف من فعل الله تعالى؛ لأنه ظن والظن لا يحسن
فعله ولا الفعل لأجله والترك إلا إذا حصل عند إمارة صحيحة ينظر
فيها فاعل الظن، وبهذا يفارق ظن السوداوي والنظر في الأمارة مستحيل
على الله تعالى؛ لأنه عالم لذاته.
واعلم أن للخوف أسباباً منها أن يتنبه من ذي قبل نفسه بأن يرى
بدائع الحكمة وعجائب الصنعة في نفسه وفي غيره، فيجوز أن يكون لها
صانع يثيب على الحسن ويعاقب على القبيح فيخاف.
(1/42)
ومنها أن يرى افتراق
الناس في الأديان وتضليل بعضهم بعضاً، فيجوز أن يكون من الصالحين
فيخاف. ومنها: أن يسمع الوعظ والأخبار والقصص والكتب المنزلة وما
فيها من ذكرا لصانع والثواب والعقاب فيجوز أن يكون ذلك حقاً فيخاف،
فإن لم يحصل أحد هذه الأسباب وجب على الله تعالى أن ينبهه بالخاطئ
والأقبح التكليف لصيرورته حينئذ في حكم الساهي، وهو كلام خفي يلقيه
الله تعالى في باطن سمعه أو على لسان بعض ملائكته، ويفارق الوسوسة
بكونه من جهة الله وداعياً إلى الخير، وهي من جهة الشيطان وداعيه
إلى الشر، وليس من قبيل الاعتقاد، وكما يقوله أبو علي لأنه كان لا
يخلو إما أن يطابق فيكون علماً ضرورياً أو لا يطابق فيكون جهلاً،
وكلاهما باطل، وليس أيضاً من قبيل الظن ولا من قبيل الفكر؛ لأنا
نفرق بين كوننا ظانين ومتفكرين وبين الخاطر؛ ولأن الله تعالى لا
يفعل الظن.
وكيفية وروده أن يقول قد نرى عظيم هذه النعم وقد يقرر في عقلك حسن
/30/ استحقاق الذم على القبيح أن يكون لك صانع أنعم عليك بها إن
عرفته وأطعته أثابك، وإن عصيته وجهلته عاقبك، فيخاف حينئذ عند حصول
أحد هذه الأسباب لا محالة لأن من حق العاقل أن يخاف إذا خوف بإمارة
صحيحة وإلا خرج عن كونه عاقلاً.
وأما الأصل الثاني فالذي يدل عليه أنه لا يأمن ويزول خوفه إلا أن
يكون على يقين من أمره وعارف بالصانع وثوابه وعقابه، فيفعل بطاعته
ويتحرز عن معصيته، ولن يتم ذلك إلا بالنظر.
وأما الأصل الثالث، فيدل عليه أن النظر يجري مجرى دفع الضرر عن
النفس؛ لأن معه يتمكن من دفع ضرر العقال بفعل الطاعة وترك المعصية
المتوقفين(1) على معرفة المطاع والمقضيّ، وقد تقرر في العقول وجوب
دفع الضرر عن النفس مظنوناً كان أو معلوماً، وإن اختلف وجه الوجوب
كما سلف.
فإن قال: لو وجب النظر لعلمنا استحقاق الثواب عليه؛ لأنه إنما يحسن
الإيجاب لذلك، وفيه العلم بالمبيت، وهو دور.
__________
(1) . المتوقف. ط
(1/43)
قلنا: بل إنما يقف
الوجوب على العلم بوجه الوجوب لا على العلم بوجه حسن ألا يجاب حتى
لو لم يضمن القديم تعالى ثواباً على الواجب لما خرج عن كونه
واجباً.
فإن قال: لو وجب لعرف وجوبه كل مكلف، وإلا كان معذوراً في تركه،
ومعلوم أن كل المكلفين لا يعلمون وجوب النظر.
قلنا: التمكن من معرفة الوجوب كمعرفة الوجوب، فلا يكون معذوراً في
الترك، والعقلاء يعلمون وجوب كل نظر يندفع به الضرر عن النفس وإنما
تختلف أحوالهم في الأنظار المعضلة لاحتياجها إلى أن ترد إلى الجملة
المقررة عند أبي هاشم، وإلى مضار الدنيا عند أبي علي، وحينئذ يعلم
وجوبه عند الخوف وسلامة الحال، وإن لم يعلم فلعارض يصرف عن العلم
من شبهة أو تجويز التقليد ونحو ذلك.
فصل
والنظر أول الواجبات من الأفعال التي لا يعرى عنها مكلف من غير
شرط، واحترزنا بالأفعال من التروك، فإنه كما يجب النظر أول أحوال
التكليف فكذلك يجب ترك المقبحات والوجوب وإن كان من صفات الأفعال،
فهو يطلق على التروك مجازاً.
وقلنا: التي لا يعرى عنها مكلف احترازاً من نحو قضاء الدين ورد
الوديعة وشكر النعمة فإنه قد يقارن وجوبه وجوب النظر، بأن يطالب
حال وجوب النظر بل قد يتقدمه بأن يطالب حال كمال العقل، وهي أول
أحوال التكليف التي يحصل فيها أحد أسباب الخوف، لكنها قد تعرى عنها
مكلف بأن لا يكون عنده وديعة ولا عليه دين ولا نعمة، والذي يشتبه
/31/ نعمة الوالدين وهو قد يعرى عنها بأن يكون عرضهما بالملامسة
مجرد قضاء الوطر، ولا يصل إليه منهما نفع من حال الولادة.
(1/44)
وقلنا: من غير شرط،
احترازاً من نعمة الله تعالى، فإنه لا يعرى عنها مكلف، لكنه لا يجب
إلا بشرط أن يعلم أنه قصد وجه الإحسان، وذلك يترتب على معرفته هذا
ما ذكره أصحابنا، وذكر فيه صاحب تعليق شرح الأصول أشكالاً، وهو أن
الشكر إذا كان لا يجب إلا بعد معرفة الله تعالى، فقد خرج بقولنا
أول الواجبات؛ لأنه حينئذ ليس بواجب، وهذا لازم، لكن الأقرب أن شكر
نعمة الله واجب على كل حال؛ لأن وجوب شكر النعمة مقرر في العقول
سواء كان لها وجود في الخارج أم لا، فإذا كان علينا نعمة وجب علينا
شكرها بحكم العقل، لكن لهذا الشكر حالات.
أحدها: أن نعلم فاعلها وأنه قصد وجه الإحسان، فهاهنا يجب فعل الشكر
مطلقاً، فنقول: شكراً لله على هذه النعمة ولا شك في أن هذا لا يجب
إلا بعد معرفة الله تعالى.
الثانية: أن نعلم فاعلها، ولا نعلم أنه قصد وجه الإحسان، فيجب
علينا تأدية الشكر مشروطاً بشرط واحد، فنقول: شكراً لفاعل هذه
المنفعة إن كان قصد بها وجه الإحسان فيكون الشرط قد دخل في تأدية
الشكر لا في وجوبه.
الثالثة: أن لا يعلم فاعلها مفصلاً ولا أنه قصد وجه الإحسان، فيجب
تأدية الشكر مشوطاً بشرطين، فنقول: شكراً لفاعل هذه المنفعة إن كان
لها فاعل قصد بها وجه الإحسان فيكون الشرط في التأدية لا في
الوجوب، وجائز تعلق الشيء بشرطين كما تعلق بشرط واحد، وليس الجهل
بالفاعل ولا بكونه قاصداً وجه الإحسان يقدح في العلم بوجوب شكر
النعمة كما لا يقدح الجهل بالمودع في وجوب رد الوديعة فيبقى
الاحتراز عن شكر النعمة بالقيد، سلماً عن الاعتراض الذي ذكره.
فإن قيل: هلا كان الخوف أول الواجبات؟
قيل له: هو شرط في حسن التكليف، والتكليف ليس من فعلنا، فلا يجب
علينا تحصيل شرطه، على أن العاقل ملجأ إلى فعل عند حصول أحد
الأسباب، ولا وجوب مع الإلجاء.
فإن قال: هلا كان النظر في وجوب النظر أول الواجبات؟
(1/45)
قيل له: وجوب النظر
عند الخوف معلوم ضرورة أو بالرد إلى ما علم ضرورة، فلا يحتاج إلى
نظر، وإن سلمنا احتياجه إليه فهو نظر في معرفة الله، فلا يخرج عما
قلناه.
فإن قال: هلا كان القصد إلى النظر أول الواجبات؟
قيل له: النظر جنس الفعل من حيث لا يقع إلا نظراً، ومن حيث لا
يحتاج في وجوده إلى كون فاعله عالماً، ومن حيث لا يقع إلا حسناً
فلا يحتاج إلى القصد /32/ فإذا القصد غير واجب فضلاً عن كونه أول
الواجبات.
القول في الأدلة وبيان ما يصح الاستدلال به على الله تعالى وما لا
يصح
الدليل في اللغة: هو ما يعرف طرق الأمكنة على وجه يقتدى به أو
بقوله، ولا فرق بين أن يكون متقدماً أو متأخراً بأن يقول يميناً أو
شمالاً كما فعلت ابنة شعيب في دلالة موسى عليه السلام، ولا فرق
أيضاً بين أن يكون جمادا أو حيواناً، فإنا نقول نصب هذا الميل ليدل
الناس على الطريق، ونقول: دلنا الجبل الفلاني على البلد، ولا فرق
أيضاً بين أن يكون عالاً أو غيره، فإنهم يقولون دلنا الجمل على بلد
أهل، ودلنا صوت الكلاب على مكان الحي، ونحو ذلك.
والدلالة: هي العلامة في اللغة. وفي الاصطلاح: الدليل والدلالة
واحد، وهو ما إذا نظر فيه الناظر على الوجه الصحيح أوصله إلى العلم
بالغير أو بصفة أو حكم للغير.
قلنا: أوصله إلى العلم بالغير، ولم نقل: بالمطلوب احترازاً من
طريقة النظر، وهي أن ينظر في صفة أو حكم الذات فيحصل له العلم بصفة
أخرى، وحكم لتلك الذات كان ينظر في كونه تعالى قادراً عالماً،
فيحصل له العلم بكونه حياً، وكان ينظر في جواز العدم على الإعراض،
فيعلم حدوثها، وهو معترض بصحة الفعل، فإنها دليل على كونه قادراً،
ومع ذلك فإنهما يختصان ذاتاً واحدة.
(1/46)
واعلم أن الفرق بين
الدليل وطريقه النظر في التسمية إنما هو اصطلاح مجرد ليقع التمييز
بن ما هو إذا كان الطريق والمتطرق إليه راجعين إلى ذات واحدة، وبين
ما إذا كانا راجعين إلى ذاتين، فأما من جهة المعنى فلا فرق بينهما؛
لأنك لا تكاد تجد موضعاً يتعلق بالنظر فيه بذات، وإنما يتعلق
بالصفات والأحكام، لكن لما لم يستقل بأنفسها بوجه النظر إلى الذوات
على تلك المزايا.
بيان هذا: أن النظر في الأجسام لإثبات الصانع نظر في دلالة لا في
طريقه نظر بالاتفاق، ومعلوم أنا لا ننظر في مجرد ذواتها، وإلا كان
يصح النظر فيها، وهي معدومة، وإنما ينظر فيها على صفة لها معلومة
ضرورة على الجملة، وهي الكائنية فنجد هذه الصفة لا تزايل الجسم ولا
تتقدمه بل نجدها تتغير وتبدل، فنعلم أن حصولها عن أول، وينظر بذلك
إلى أن حصول الجسم عن أول فنكون قد علمنا صفة له وهي الحدوث، ثم
ينظر في هذه الصفة التي هي الحدوث، فيحصل لنا العلم بالمحدث،
فالنظر في هذه الصورة إنما هو في صفة، وهي الكائنية والحدوث.
فإن قال: إن المنظور فيه هو الكون لا الكائنية؟
قيل له: إن المعلوم على الجملة ضرورة هي الكائنية /33/ وبها يتوصل
إلى الكون، فالنظر إنما يتوجه إليها أولا على أن الأكوان وإن دلت
على الحدوث فإنما تدل عليه من حيث لثبوتها أول، وذلك حاصل في
الصفات، ولهذا نعلم حدوث الأجسام من لا يثبت الأكوان، وأيضاً هذا
السؤال لا يستمر في الاستدلال بحدوث الأجسام على الصانع فإنه لا
شبهة في أن المنظور فيه في هذه الصورة صفة، وهي الحدوث.
يوضحه أنا إنما نستدل على الباري بفعله الذي أثر فيه، ومعلوم أن
الذي أثر فيه هو الحدوث، فالنظر إنما يتعلق بالدليل الذي هو
الحدوث، وكذلك الدليل على كونه قادراً وعالماً هو صحة الفعل وصحة
الأحكام.
(1/47)
وإذا ثبت أن النظر في
الأدلة إنما يتعلق بصفات وأحكام يتوصل بها في الغالب إلى صفات
وأحكام ومعلوم أنها لا تثبت فيها مغايرة حقيقية، فقد ظهر أن لا فرق
بين الدليل وطريقه النظر. وليس له أن يقول أن النظر في طريقه النظر
يتوجه إلى مجرد النظر، فإذا نظر في كونه تعالى قادراً عالماً
ليتوصل بذلك إل كونه حياً، فهو ينظر في مجردها بين الصفتين؛ لأن
ذات الباري معلومة؛ لأنا نقول إذا صح تعلق النظر بالصفة على
انفرادها في طريقة النظر فكذلك في الأدلة من غير فرق، فيكون أحدنا
قد نظر في مجرد الكائنية ومجرد الحدوث؛ لأن ذات الجسم معلومة.
فصل
والأدلة خمسة: العقل، والكتاب، والسنة المتواترة، والإجماع والقياس
القطعيان.
وزعم أهل الجبر والفلاسفة أنه لا يوصل إلى العلم اليقين إلا حجة
العقل الواردة على أحد أشكال أربعة يذكرونها في علم المنطق، فأما
السمعيات فهي إنما يوصل عندهم إلى الظن، وكذلك قياس التمثيل الذي
نسميه نحن الاستدلال بالشاهد على الغائب، فنحن نذكر منشأ زللهم في
ذلك، ونكشف عن وجه خديعتهم ونرد عليهم بحسب ما يحتمله هذا الكتاب.
فصول في الاستدلال بالعقل
اعلم أن أكثر مسائل أصول الدين لا مجال للسمع فيها إلا مؤكداً،
وإنما يعرف بالعقل ويعني بكون العقل دليلاً أنا نعلم به شيئاً بين
مفردات متصورة بثبوت أو نفي أو حسن أو قبح أو وجوب فتصير هذه النسب
المعلومة مقدمات يتوصل بها إلى ثبوت نسب أخرى مجهولة، ولكنا لا
نثبت النسبة لذات لأجل ثبوتها لذات أخرى إلا بجامع الأمر الذي له
ثبتت النسبة في الذات الأولى.
(1/48)
مثاله: إذا علمنا أن
أفعالنا محتاجة إلينا، ، فإنا نتوصل بذلك إلى أن للعالم صانعاً،
وإنما يمكن هذا التوصل إذا علمنا حصول تلك العلة في أفعال القديم
تعالى وعلى مثل هذا يقع الكلام في كونه تعالى /34/ قادرا وعالماً
وغير ذلك ما لا بد فيه من أحد الطرق الرابطة بين الشاهد والغائب،
وهذا القياس الذي يسميه المخالفون قياس التمثيل وقياس الغايب على
الشاهد، ويجعلونه ظيناً وسموه قياس التمثيل؛ لأنه بزعمهم تمثيل
للغائب بالشاهد أن هؤلاء الفلاسفة وأهل الإلحاد قد وضعوا قواعد
عظمت بها جنايتهم على المسلم وحرفوا بها كثيراً عن قواعد دينهم
وأدرجوها في علم المنطق واتبعهم فيها أهل الجبر بأسرهم، وكانت هي
السبب في القول بالجبر، وكثير من مسائل الخلاف.
ونحن نذكر من ذلك قاعدتين عليهما يدور مكرهم: إحداهما، أبطلوا أنها
مسائل التوحيد. والأخرى أبطلوا أنها مسائل العدل.
أما القاعدة الأولى فهي أنهم قسموا الأقيسية إلى نفسي وظني ومعالطي
وشجري، ولا حاجة إلى ذكر المعالطي والشجري إذ لا فائدة فيهما.
وأما الظني فهو عندهم ضربان:
أحدهما: قياس التمثيل الذي نسميه قياس الغائب على الشاهد.
والثاني: القياس الذي مقدماته سمعية من كتاب أو سنة، فتوصلوا بهذا
إلى أن الكلام في إثبات الصانع جل وعز وصفاته ظني لا يمكن العلم به
وإلى أن الكلام في أصول الشرعية ظني، وقد علمت أن جميع مسائل
التوحيد مبنية على قياس الغائب على الشاهد، فانظر إلى هذه الخديعة
التي اتبعهم فيها كثير من علماء الإسلام، وأقروا أنه لا يمكن العلم
بالله وصفاته حتى ذكر الرازي في محصوله مستدلاً على تكليف ما لا
يطاق أن الله تعالى أمرنا أن نعلمه في قوله: {فاعلم أنه لا إله إلا
الله} والعلم به غير مقدور لنا، مع أن المعارف عنده ليست ضرورية.
وأما التقينية عندهم فهي الأقيسيّة التي مقدماتها معلومة ضرورة
بشرط أن يورد على أحد الأشكال الأربعة التي يذكرونها في علم
المنطق.
(1/49)
ولنورد على الشكل
الأول مثالاً اقترانياً ومثالاً استثنائياً فالاقتراني نحو قولك:
كل إنسان حيوان، ولا شيء من الحيوان بحجر ينتج لا شيء من الإنسان
بحجر. والاستثنائي نحو قولك: كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود،
لكن الشمس طالعة ينتج أن النهار موجود.
والرد عليهم بعد تسليم كون هذا تقيساً يقع من وجهين:
أحدهما: أن جميع ما يذكرونه من لأمثلة في هذه الأشكال لا فائة فيه
ولا ثمرة تحته فإنا عند العلم بها بين المقدمتين نعلم النتيجة من
دون أن يتكلف إيراد مقدمتين في شكل مخصوص، فمتى علمنا أن كل إنسان
حيوان وأنه لا شيء من الحيوان حجر، فإنا نعلم أنه لا شيء من
الإنسان حجر، وكذا إذا علمنا أن الشمس طالعة علمنا أن النهار موجود
من غير عناية سواء قسنا أو لم نقس /35/ ولهذا الوضع أخذنا من
القياس لما خرج عن كونه عالماً بذلك.
يوضحه: أن العلم عندهم بالمقدمتين ضروري، وعند حصوله يتأهل النفس؛
لأن يفعل الله فيها العلم بالنتيجة، فقد صار الكل ضرورياً غير واقف
على اختيارنا، فأي فعل يفعل القايس يسمونه قياسا برهانياً من
استحضار أو غيره.
هذا إن لم ندّع أن أحدنا يعلم أنه ليس في شيء من الناس حجر، وإن لم
يخطر بباله المقدمتين المذكورتين.
وبعد، فما الثمرة في أن نعلم أنه ليس شيء من الناس حجر أو أن
النهار موجود حتى يكلفوا له فناً من أدق الفنون، ولم يذكروا فيه
مسألة مقيدة.
وبعد فحاصل جميع ما ذكروه من البراهين الحاصلة عن إشكالهم هو عندنا
نوع واحد، وهو إلحاق التفصيل بالجملة، وهو من أقل العلوم كلفة إن
لم يكن ضرورياً على ما قد صححناه من قبل، وكما هو مذهب الخصوم أو
متولد على ما يقوله شيخنا أبو الحسين أو بكون هو نفيس العلم الجملي
على ما يقوله شيخنا أبو هاشم.
(1/50)
الوجه الثاني من الرد
عليهم: وهو التحقيق إن ثبت هنا قياس، وهو أن يبين أن القياس
التعيني لا يكون تعينياً بل لا يكون قياساً، إلا إذا حصل فيه علة
جامعة، وحينئذ يكون من باب قياس التمثيل الذي جعلوه ظنياً، فنقول:
لسنا نعلم أن الإنسان حيوان إلا لأجل كونه حياً بحياة على شكل
مخصوص بدليل أنه إذا لم يكن له حياة أو كانت، لكنه على شكل الفرس
أو الطائر لم يسم إنساناً، فإذا علمنا أن الحجر لم يحصل فيه الأمر
الذي لأجله كان الإنسان إنساناً علمنا أنه ليس بإنسان، وهم لا
يعنون بقياس التمثيل أكثر من هذا، فقد عاد الأمر إلى ما قلناه.
وهاهنا فضيحة الفلاسفة ننبهك عليها لتعلم أن غرضهم المكر والإلحاد
لا بيان الأدلة، وهي أنه أجمع محققوهم على أن المقدمات الكلية
اليقينية إنما يتصيدها العقل من استقراء الجزيئيات.
قال أبو الحسين: ومثله أرسطاطاليس بان يتصور صورة زيد، ثم صورة شخص
آخر حتى يرتسم في نفسه صورة الإنسان الكلية الشاملة لجميع أشخاص
الناس، وإذا كان كذلك ومن صريح مذهبهم ومذهب المجبرة أن الاستقراء
لا يفيد إلا الظن الضعيف فقد نقضوا قولهم وظهر أنه لا تعيني قط ليس
المقدمات التي سموها يقينية قد بنوها على الاستقرار الذي لا يفيد
إلا الظن اتفاقاً بيننا وبينهم.
القاعدة الثانية مما ألحدوا به في الدين هو أنهم قسموا القضايا
التي تجعل مقدمات للأقيسية إلى /36/ نصيات ومشهورات ومظنونات
ومأخوذات ووهميات.
قالوا: فالتغيبيات هي الضرورية مثل أن الكل أكثر من الجزء، وأن
الشمس منيرة، ونحو ذلك.
والمشهورات هي التي لا عمدة عليها إلا الشهرة، ولو خلى الإنسان
وعقله لما قضى بها نحو الحكم بقبح الظلم والكذب والعبث وحسن العدل
ووجوب رد الوديعة وشكر المنعم.
قالوا: فهذه ليس فيها إلا ظن ضعيف.
قلوا: ولسنا نحكم بها إلا لأحد أسباب، منها: رقة القلب والرحمة
فيحكم الإنسان بقبح الظلم لرقة قلبه.
(1/51)
قالوا: ومن هاهنا حكم
المعتزلة بقبح ذبح البهائم عقلاً لرقة قلوبهم، ومنها: ما طبع عليه
الإنسان من الحمية والأنفة كجنس تعظيم الأبوين وشكر المنعم، ونحو
ذلك.
ومنها: محبة التسالم والموادعة والتعاون على المعاش، فلهذا استقبح
الظلم والكذب واستحسن إرشاد الضال وإنقاذ الغريق والتصادق والعدل
ونحو ذلك.
ومنها: التأديب الشرعي الذي تكرر في الأسماع ورسخ رسوخاً يظن الظان
أنه حكم للعقل عن استحسان إفشاء السلام ومكارم الأخلاق ونحوه.
ومنها: استقر الجزئيات الكثيرة نحو استحسان الصدق، فإنه لما رأى
حسناً في أكثر أحواله ظن الظان أنه حكم للعقل ولم يتنبه لقبحه في
بعض الأمكنة نحو الصدق المتضمن للدلالة على نبي قد اختفى من عدوه.
قالوا: فلأجل هذه الأسباب الخمسة حكمنا بهذه الأحكام لا لأجل العقل
كما يقوله المعتزلة، هذا حاصل ما ذكروه في المشهورات.
وأما الظنونات قالوا فهي المقدمات السمعية سواء كانت متواترة أو
آحادية.
وأما المأخوذات فهي ما أخذ عن العلماء وعن من يحسن الظن به، وما
سلمه الخصم.
وأما الوهميات فهي ما يحكم به الوهم المجرد كحكمه باستحالة موجود
ليس بجسم ولا عرض ولا داخل في العالم ولا خارج عنه، ومن هذا القبيل
ما يحكم به الجنس المجرد كحكمه بأن الشمس في قدر مجن وأن الظل واقف
لا يسير، وكذلك الصغير واقف على الشق حاله البصر، وأن السحاب
البعيد منتصب ونحو ذلك.
قالوا: فالقياس المتركب من التغيبيّات يسمى تغيبياً، وهذا لا نزاع
فيه.
قالوا: والقياس المتركب من الوهميات والحسيات والمجردة يسمى
مغالطياً وسوقسطائياً، وهذا أيضاً لا نزاع فيه.
قالوا: والقياس المتركب من المأخوذات والسمعيات يسمى ظنياً، وقد
عرفت ما أرادوا بهذا من إبطال الشرع ومساواته لما تقوله شيوخهم
وقدماءهم في أنه لا يفيد إلا الظن، وهذا لا يشتبه على مسلم بطلانه.
(1/52)
قالوا: والقياس
المتركب من المشهورات /37/ يسمى جدلياً لا ينبغي أن يلتفت إليه ولا
يسمع قائله، فإن صاحبه وإن غلب، فإنما هو لقوة القائل لا لقوة
القول، فانظر إلى هذه القاعدة التي أبطلوا بها العدل والوعد
والوعيد والشرائع، واتبعهم فيها أهل الجبر بأسرهم حتى أنك إذا أخذت
تستدل للعالم منهم على أن الله تعالى عدل حكيم وأن نبيه صادق بقبح
الظلم والكذب أو نحو ذلك مما يقوله أهل العدل، أجابك بأن هذا من
قبيل المشهورات التي لا تفيد إلا الظن الضعيف في حق الشاهد، فأما
في حق الغائب فلا يفيد شيئاً أصلاً، ولهذا أقسم الرازي يمين كبيرة
في محصوله أنه ما يعلم بعقله وجوب شكر النعمة في حق الله تعالى.
والرد عليهم ـ وبالله التوفيق ـ أن يقال: إنما يكون الضروري من
العلوم ضرورياً بأن يكون مفعولاً فينا وغير واقف على اختيارنا، ولا
بد من الإقرار بهذا، وإذا كان كذلك فإنا نجد أنفسنا مضطرة إلى
العلم بقبح الظلم والكذب وحسن إرشاد الضال وإنقاذ الغريق ووجوب رد
الوديعة وشكر المنعم، ونحو ذلك مما سموه مشهوراً، ونجد هذا العلم
غير واقف على أخبارنا ولا نجد فرقاً بينه وبين العلم بالبداية
والمشاهدات في كونه ضرورياً.
وأما ما تقوله علماء المجبرة من أنا إنما نحكم بذلك لأحد الأساب
الخمسة، فهو ظاهر السقوط بدليل إنا لو فرضنا العاقل متعرياً عن
جميع هذه الأسباب فإنه يعلم بكمال عقله قبح الظلم والكذب ووجوب رد
الوديعة وشكر المنعم، والمنكر لذلك مباهت.
ثم يقال لهم: ولم قلتم أنه لا يعني إلا ما كان ضرورياً أو ينتج من
مقدمات ضرورية، ولم يجعلوا الاستدلاليات يقينية مع حصول علامة
اليقين فيها من المطابقة وسكون النفس.
ثم يقال لأهل الإسلام منهم كالرازي والغزالي والأشعري وغيرهم: إن
هذا اليقين الذي ذكرتموه مفقود في أدلتكم على إثبات الصانع وصفاته،
أفتعترفون بأنها ليست بيقينية أم تعترفون بأن المشهورات يقينية،
ولا بد من أحدهما.
فإن قالوا: وكيف ذلك؟
(1/53)
قلنا: أما دليل إثبات
الصانع فلا شك أنه مبني على أن العالم محدث وأن المحدث لا بد له من
محدث، وأن محدثه ليس إلا الله تعالى.
فاستدل الرازي على حدوث الأجسام بأنها لو كانت أزلية لكانت إما
محتركة أو ساكنة، والقسمان باطلان، فيجب أن لا تكون أزلية.
فيقال له: أول ما في هذا أنه مبني على إثبات الحركة أو السكون
معنيين، وكثير من الناس لا يسلمه /38/ فضلاً عن أن يدعي فيه ضرورة،
ومبني على أن الجسم إنما يكون كائناً لأجل تحيزه ليثبت ذلك في
الأجسام الأزلية.
ومبني على أن هذه المعاني لم تتقدم الجسم عليها، وكثير من الناس لا
يسلمه.
ومبني على إبطال الحوادث لا أول لها، وعلى إبطال الكمون والظهور
ونحو ذلك مما ليس بضروري، وقد لا ينتهي إلى أصل ضروري، وهذا ينقض
كون هذه المقدمات يقينية على أصله.
واستدل أيضاً على حدوث ما سوى الله تعالى بأنه لا واجب الوجود إلا
واحد، وما عداه ممكن الوجود لذاته، وكل ممكن الوجود لذاته محدث.
قال: بيان المقدمة الأولى أنا إذا فرضنا موجودين كل واحد منهما
واجب الوجود لذاته فلا بد أن يكونا متشاركين في الوجوب وغير
متشاريكن في التعيين، فيكون كل واحد منهما مركباً مما به المشاركة،
ومما به المباينة، وهذا يقتضي التركيب في صانع العالم، وأردنا
بالتركيب أن ماهيته تكون مركبة من جنس وفصل.
فيقال له: هذا الدليل مبني على أن الوجود زائد على الذات، وأنت لا
تقول به. ومبني على أن الوجود يوصف بالوجوب، وأن وجوب الصفة مما به
تقع المشاركة وإن اختلفت الصفة.
وأن التعيين مما به تقع المخالفة، وأن اجتماع ما به تقع المباينة،
وما به تقع المشاركة يقتضي الكثرة في الذات وأكثر هذه الأصول غير
صحيحة فضلاً عن أن يكون ضرورية.
يوضحه أنه أورد للفلاسفة من الأسئلة على هذه الأصول ما لم يحسن
الجواب عنه.
(1/54)
أظهرها أن قالوا:
أوليس علم الله وقدرته قديمة، وواجبة الوجود في الأزل؟ فقد صار
واجب الوجود أكثر من واحد، فتلزم الكثرة في ذات الباري أو حدوث هذه
المعاني.
قال: وهذا سؤال صعب وهو مما يستخير الله فيه. ثم استدل على ثبوت
الصانع بأن العالم ممكن الوجود لذاته، وكل ممكن الوجود لذاته محتاج
إلى المؤثر وبني ذلك على أن وقوع الممكن لا بد له من مرجح وادعى
الضرورة في ذلك وقد ذكر في غير موضع من كتاب النهاية وكتاب
الأربعين أن أحد الممكنين قد يقع لا لمرجح، ومثله بأن القادر يقع
أحد مقدوريه لا لمرجح وأن الجائع يأكل أحد الرغيفين لا لمرجح، ومن
أحد جوانب المائدة دون الآخر لا لمرجح، وكذلك الهارب إذا عن له
طريقان ونحو ذلك، فكيف يدعي الضرورة في خلافه، ثم كيف يدعي كون هذا
برهانياً.
وقد ألزمه الفلاسفة عليه كون العالم أزلياً /39/ وإن افتقر إلى
مؤثر، وكان ممكناً لذاته من حيث أن الممكن قد يحتاج إلى المؤثر
حالة البقاء كمعلول العلة، وألزموه أن يكون الباري موجباً غير
مختار بما يرجع إلى مذهبه في الإرادة القديمة واستحالة خلاف
المعلوم، ونحو ذلك، مما يلزمه على مذهبه في الجبر وعلى ما وافقهم
فيه من إبطال صحيح الأدلة.
ثم أنه تكلم في مسألة أن الله تعالى قادر، فأول ما قاله أنه حد
القادر بأنه الذي يصح منه الفعل والترك بحسب الدواعي المختلفة.
قال: مثاله الإنسان، فإنه إن شاء أن يمشي قدر على ذلك، وإن شاء أن
لا يمشي.
قال: والتفرقة بين المختار والموجب ضرورية.
قال: فإن أحدنا يفرق بالضرورة بين قيامه وقعوده وكلامه وبين كون
الحجر هابطاً بالطبع.
فيقال له: هذا تصريح بأن معرفة معنى القادر يتوقف على معرفة أن
الإنسان قادر فاعل وأنتم لا تقولون به، ثم إن قلتم به فهو غير
ضروري على التفصيل فلا يكون هذه المقدمة برهانيه على أصلكم
المتقدم.
(1/55)
ثم استدل على أن الله
تعالى قادر بأنه لو كان موجباً لكان إما أن يقف تأثيره في العالم
على شرط أم لا، إن لم يقف لزم قدم العالم أو حدوث الصانع وإن وقف
على شرط فهو إما قديم فيلزم قدم العالم، وإما محدث فيكون الكلام
منه كالكلام في العالم.
فيقال له: هذه المقدمة غير برهانية؛ لأن للخصم أن يقول بل يقف على
شرط، وهو حصول الوقت الذي تمكن فيه وجود العالم لاستحالة وجوده في
الأزل، كما تقولونه أنتم في تأثيره على جهة الإختيار، فلا يكون بد
من الرجوع إلى استدلال المعتزلة الذي هو من قبيل المشهورات عنده.
ثم استدل على أن الله تعالى عالم بأن أفعاله محكمة متقنة، وكل من
كان كذلك كان عالماً.
قال: ونحن نعلم ذلك ضرورة بعد الاستقراء والاختبار في الشاهد بم
فسر كونه متقناً بمطابقته للمصلحة.
فيقال له: هذا القياس قياس التمثيل الذي هو عندك ظني، فكيف تورده
في هذه المسألة، ثم كيف يستدل بالشاهد وهو لا فعل له فضلاً عن أن
يكون محكماً، ثم كيف يدعي أن فعل الله متقن مطابق للمصلحة مع أن كل
قبيح وظلم وعبث وكذب وفساد فهو فاعله، ثم كيف يقول معلوم ضرورة بعد
الاستقراء، والاستقراء إنما يفيد الظن.
وكذلك استدل على أن الله تعالى حي بصحة أن يقدر ويعلم، وعلى أنه
مريد بوقوع أفعاله على الوجوه المختلفة، وعلى أنه لا يقع في ملكه
ما لا يريده بأنه يدل على العجز كالشاهد، وكل هذه الأقيسية من باب
التمثيل الذي عابوه على أهل العدل وجعلوه ظنياً /40/.
(1/56)
فهذا ما يتحصل لي في
هذا الفصل، وقد طال الكلام فيه، والعذر في ذلك أن الفلاسفة استدلوا
بها بين القاعدتين كثيراً من فرق الإسلام ولطف مدخلهم في ذلك، ولم
أجد لأحد من أصحابنا في الرد عليهم في هذه المسألة كلاماً ولا
ينبهنا على خديعة أهل الإلحاد إلا ما أشار إليه سيدنا القاضي
الأوحد العلامة سليمان بن إبراهيم النحوي رحمه الله تعالى(1) ففصلت
ما أشار إليه، وليس الغرض إلا تقرير دليل العقل على ما يقوله أهل
الحق وأن قياس الغائب على الشاهد دليل تعيني إذا حصلت فيه إحدى
الطرق الرابطة وأنه لا يقدح في ذلك ما يقوله أهل الزيغ.
فصل
لا بد بين الدليل والمدلول من تعلق وإلا لم يكن بأن يدل عليه أول
من يدل على غيره أو من أن لا يدل.
قال قاضي القضاة: وذلك التعلق هو أن يكون لولا المدلول لما صحت
الدلالة أو لولاه لما وجبت أو لولاه لما أجبرت أو لولاه لما حسنت
مثال الأول دلالة الفعل على الفاعل فإنه لولا الفاعل لما صح الفعل،
ومثال الثاني دلالة المعلول على العلة والمسبب على السبب والمقتضى
على مقتضيه، فإنه لولا المدلول لما وجبت الدلالة، ويدخل في هذا
دلالة مقارنة الجسم للحوادث على حدوثه إن ثبت أنهما غيران وما شأنه
ذلك وهو أيضاً يدخل في باب ما لولاه لما صح.
ومثال الثالث دلالة فعل القبيح على الجهل والحاجة، فإنه لولاهما
لما اختير، وكذلك دلالة العدو في الشوك والنار على الإلجاء.
ومثال الرابع: دلالة المعجز على صدق المدعي للنبوة، فإنه لولا
الصدق لما حسن إظهار المعجز، ويدخل في هذا الأدلة الشرعية، فإنَّه
لولا كونها مصالح لما حسن التكليف بها.
قال أبو الحسين: وتخرج من هذا القيد دلالة كونه حياً على كونه
مدركاً في حق الغائب فإن كونه مدركاً وإن كان هو الدليل في الشاهد
على كونه حياً فالأمر بالعكس في حقه تعالى، ونحن فرضنا الكلام فيه.
فصل
__________
(1) . أبقاه الله.
(1/57)
قد يكون الاستدلال
بالتابع على المتبوع، وقد يكون بالعكس، وقد يكون لا يؤاخذ منهما.
والأول كالاستدلال بالفعل، ووجوهه على الفاعل وأحواله وبالمعلول
على العلة والمسبب على السبب والمقتضى على مقتضيه، وبوقوع الفعل من
العالم المختار على الداعي وباستحالة اجتماع الضدين على التضاد
وبوجوب صفات الله تعالى على أنها ذاتية، وبعدم ظهور المعجز على كذب
المدعى، وبظهوره على صدقه، وعلى وجوب ذلك الظهور.
والثاني: كالاستدلال بالعلة على المعلول لو قدرنا /41/ أنه يسبق
العلم بها، وكذلك الاستدلال بالسبب على المسبب، وكذلك سائرها، ومن
هذا القبيل الاستدلال بكونه تعالى قديماً على استحالة العدم
والاستدلال بكونه حيّاً على كونه مدركاً، وبكونه عالماً غنياً على
أنه لا يفعل القبيح ولا يحل بالواجب والاستدلال بطرو الضد على
انتفاء ضده، وتقدم المعاني على زوال تعلقها ونحو ذلك.
والثالث: كالاستدلال ببعض أحكام التخير على بعض وتبعض معلولات
العلل على بعض في حق ما يوجب صفة وحكماً، وكالاستدلال بصحة الصفة
الذاتية والمقتضاة على وجوبهما وكالاستدلال بجواز عدم الإعراض على
حدوثها، فإنه يكشف عن أن وجوبها لم يكن لذاتها.
فصل
قد يجب مقارنة الدليل للمدلول كمعلولات العلل، وقد يجب تأخر الدليل
كأفعال الفاعلين، وقد يجوز الأمران كمسببات الأسباب، وكدلالة كونه
حياً على كونه مدركاً.
فصل
قال ابن الهذيل: يعرف انتقاض المنتقض من الأدلة بأحد ثلاثة أمور،
إما بترك أجزاء العلة في المعلول، وإما بنقض الجملة بالتيسير، وإما
بحجة الاضطراب.
مثال الأول: أن يقول الرجل: فرسي جواد.
فيقال: لم؟ فيقول: لأني أجريته عشرة فراسخ، فاستمر.
فيقال: أوَكل فرس أجري عشرة فراسخ فاستمر فهو جواد أم لا؟
فإن قال: نعم، فقد أجرى علته واعتبرت صحة دعواه وفساده بحال غيره
من الأفراس.
إن قال: لا، قيل له: قد نقضت علتك، فاطلب لصحة دعواك دلالة.
(1/58)
ومثال الثاني: قول
القائل: إذا اشتد حر الصيف اشتد برد الشتاء الذي يليه، وإذا اشتد
برد الشتاء اشتد حر الصيف الذي يليه ثم يقول بعد ذلك: وقد يعبران
جميعاً، فإنه قد نقض الجملة لأنها لو صحت لاشتد الحر والبرد أبداً،
فلا يوجد فتور.
ومثال الثالث سؤالنا للتنويه عن شيخ رأيناه قاعداً على هيئة حصان
في مكان مخصوص أتقولون أنه لم يزل كذلك.
فإن قالوا إلا بل قد كان على غير هذه الحالة أقروا بالحدوث وإن
قالوا: نعم جحدوا الاضطرار.
قال الشيخ أبو القاسم: وهذا الكلام كان من حقه أن يكتب بماء الذهب
لعظم نفعه لولا أن كلام الله تعالى خير منه، وقد كتب بالمداد.
قال: وأكثر ما يدور بين الخصوم إجراء العلة في المعلول وبه يستدل
على إبطال كثير من مذاهب خصومنا.
مثاله بأن يقول لأهل الجبر في جميع مسائلهم قد أجزتم على الله
تعالى كل قبيح من ظلم وعبث وهذيان وتكليف ما لا يطاق، وإرادة كل
قبيح ونحو ذلك، وزعمتم أنه مع ذلك /42/ عدل حكيم لا يقبح منه قبيح،
وعللتم ذلك بأن الأمر أمره، وأنه لا يسأل عما يفعل، وأنه ليس يلحقه
نقص بصفات الأفعال قط إذا كانت صفات الذات صفات كمال، فهل تجرون
علتكم هذه فتزعمون أنه يصح أن يقول في ما لم يكن أنه قد كان وفي ما
كان أنه لم يكن، وأنه يجوز أن يكلف الجماد، ويكلف ما لم يعلم، ونحو
ذلك، أم لا يجرونها، فإن قالوا: نعم يجوز ذلك كله ظهر عنادهم
وأبطلوا الرسل والوعد والوعيد والجنة والنار.
وإن قالوا: لا يجوز لعلة كذا، قيل لهم: قد نقضتم علتكم من أن الأمر
أمره وأنه لا يسأل عما يفعل فاطلبوا لصحة دعواكم علة غيرها.
فصل
كثير ما يجري في كتب المتكلمين ذكر ما لا طريق إليه، فمرة يقولون
لا يجوز إثباته ومرة يقولون يجب نفيه، والأصل في ذلك أنهما طرفان:
أحدهما أن يقال لا يجوز إثبات ما لا طريق إليه. والثاني: أن يقال
يجب نفيه.
(1/59)
أما الطرف الأول، فهو
على ظاهره، ودليله لو جاز إثبات ما لا طريق إليه لا يقبح باب
الجهالات، وزالت الثقة بالمدركات، وذلك يقدح في العلوم الضرورية
والاستدلالية، أما قدحه في الضرورية فلأنه إذا زالت الثقة بالمشاهد
جوزنا أن تكون الخردلة بمنزلة جبل عظيم، لكن منع من رؤية بعضها
مانع لا طريق إليه، وأن يكون لزيد رؤوس كثيرة، كذلك وأن يكون بين
أيدينا فيلة أو جبال أو مهاوي، فيكون سير أحدنا كسير الأعمى.
وأما قدحه في العلوم الاستدلالية فلأناً كنا نجوز حصول شبه قادحة
لا طريق إلى العلم بها، فلا يولد النظر العلم بشيء قط، بل كنا نجوز
أن يكون على نفي ذلك الشيء دليل لا طريق إليه، ويلزم تجويز أن يكون
في المحل معاني لا طريق إليها، فلا نعلم إسناد معلول إلى علة
معينة، ولا منافاة ضد لضد لجواز أن تكون العلة في كون أحدنا قادراً
غير القدرة، فما لا طريق إليه فلا يصح قياس الغائب، وكان يلزم أن
لا يقطع بإسناد فعل إلى فاعله لجواز أن يكون الفاعل غيره، فتزول
أحكام الأفعال من مدح وذم وغيرهما.
وأما الطرف الثاني فينبغي التفصيل فيه.
فيقال: ما لا طريق إليه ضربان:
أحدهما: يمكن أن يكون إليه طريق، فهذا لا يجب نفيه بل يجوز ثبوته،
ويجوز انتفاؤه كما نقول له في أن الباري تعالى كان قبل أن يخلق
العالم لا طريق إليه، ولم يوجب ذلك نفيه لما كان يجوز أن يكون إليه
طريق، وهو فعله، ومن هذا القبيل تجويزنا /43/كون جبريل عليه السلام
في السماء السابعة، فإنه يجوز أن يكون إلى ذلك طريق، وهو الرؤية
لمن قوى الله شعاعة أو الخبر الصادق، وكذا تجويز كون زيد في الدار،
وكون الذنب صغيراً، أو كبيراً، ونحو ذلك من الغيوب التي يجوز
ثبوتها، وإن لم يظهر عليها دليل.
(1/60)
الضرب الثاني: أن
يكون المجوز مما لا يمكن أن يكون إليه طريق، فهذا يجب نفيه كما
يقوله في تجويز مانع سواء هذا الموانع المعقولة وتجويز صفة الله
تعالى لا يعلمها، إلا هو كما يقوله ضرار، فإنه لا طريق إلى صفاته
تعالى إلا أفعاله، فما لم يدل عليه الفعل بنفسه أو بواسطة وجب
نفيه، وباجلمة فكلما لو سئل مجوزه كيف كانت بكون الطريق إليه لما
درى كيف يجيب، فإنه يجب نفيه.
فإن قيل: ليس بأن يجب نفي ما لا طريق إلى ثبوته بأولى من أن يجب
إثبات ما لا طريق إلى نفيه.
قلنا: لم تحصل العلة في وجوب نفيه أنه لا طريق إلى ثبوته بل لأن
تجويز ثبوته بفتح باب الجهالات كما علمت سببه.
أعلم أن هذا التفصيل المتقدم إنما هو في العمليات، فأما السمعيات
فإن فقد الدليل على ثبوت شيء منها بعد الفحص دليل على نفيه، فلهذا
انتفى وجوب صلاة سادسة وحج بيت آخر ونحو ذلك، وبهذا يبطل قول
القائل إن فقد الدليل على نفي الشيء دليل على ثبوته، فيقول له جوز
صلاة سادسة وحجاً غير هذا وأشياء كثيرة لا يسعه إثباتها، فإن
أثبتها فعاد وهو بين.
فصل في الاستدلال على الله تعالى
وهذا هو المقصود بالباب، وما تقدم كان كالتوطئة.
اعلم أنه إنما يستدل على الله تعالى بأفعاله المخصوصة؛ لأنه ليس
بعلة فسيدل بمعلوله، ولا سبباً فيستدل بمسببه، وهو تعالى منفرد
بالقدم، فليس يصح أن يؤثر فيه ذات أخرى، فيستدل بها عليه، وصحة
السمع متوقفة على معرفته تعالى، والأخبار المتواترة حقها أن تستند
إلى المشاهدة.
فصل
(1/61)
وكما أن الدليل على
ذاته تعالى هو أفعاله، فهي الدليل أيضاً على صفاته، وكذلك كل دليل
يدل على ذات فإنه يدل على صفات تلك الذات، فلا يثبت له تعالى من
الصفات إلا ما دل عليه الفعل إما بنفسه كدلالته على كونه قادراً
وعالماً، وليس الأحكام واسطة هنا لرجوعه إلى نفس الفعل أو بواسطة
كدلالته على كونه حياً بواسطة كونه قادراً عالماً، وبواسطتين
كدلالته على كونه مدركاً بواسطة كونه حياً وكونه عالماً قادراً أو
بثلاث /44/ وسائط كدلالته على الصفة الأخص بواسطة كونه قادراً
عالماً وكونه حياً، ووجوب كونه حياً، ومثاله في غير صفاته تعالى ما
يقوله في أن الإدراك طريق إلى الجوهر، فكذلك إلى صفاته، والذي
يتناوله الإدراك من صفاته هي التحيز، فإنه يدرك عليها، ثم هي واسطة
في سائر صفاته.
أما الجوهرية فالتحيز مقتضى عنها.
وأما الكائنية فهو مضمر بها.
وأما الوجود فهو مشروط به.
فصل
والذي يصح الاستدلال به على الله تعالى هو كلما يختص بالقدرة عليه
كالجواهر والألوان ونحوها، أو يدخل تحت مقدور العباد، لكن يقع على
وجه لا يصح وقوعه من العباد كالألم الزائد عند لسع العقرب، فإنه لو
وجد هذا القدر من أقوى القادرين لما حصل هذا الألم، وكالكلام
الموجود في الحصى والسحر وحركة المرتعش والعروق الضار به، ونحو
ذلك، وكالعلوم الضرورية، فإنها لو كانت من فعلنا لوقفت على
أحوالنا، ولو كانت من فعل أمثالنا لكانت إنما تصدر عن اعتماد، وهو
لا تأثير له في ذلك، والألزم إذا اعتمد أحدنا على صدر الغير أن
يتغير حاله في الاعتقاد، وأن يولد ما لا يتناهى على أنه ليس بأن
يولد اعتقاداً أولى من ضده؛ لأنه كان يولد لا بشرط يستحيل اجتماعه،
فتفارق توليده للكون.
فصل
(1/62)
وكيفية الاستدلال
بأفعاله تعالى أن نعلم ثبوتها أوّلاً وأنها محدثة وأن المحدث لا بد
له من محدث، وأن المحدث ليس إلا الله، لكن الاستدلال بالأجسام أولى
من الاستدلال بالأعراض؛ لأن ثبوتها ضروري جملة وتفصيلاً، وثبوت
الأعراض استدلالي جملة وتفصيلاً إذا كانت غير مدركة وتفصيلاً إذا
كانت مدركة، ولأن الاستدلال بالأجسام يتضمن حدوث الأعراض ولا عكس،
ويتضمن العلم بنفي التشبيه، وهو كمال التوحيد.
فصل
وقبل الاستدلال بالأجسام وغيرها يتكلم في حقيقة الشيء وأقسامه لأن
معرفة ذلك مما يحتاج إليه في أكثر أبواب التوحيد والعدل.
والشيء في اللغة: ما يصح العلم به والخبر عنه، موجوداً كان أو
معدوماً، قديماً كان أو محدثاً، ثابتاً كان أو مستحيلاً.
وفي الاصطلاح: لا فرق بينه وبين الذات، وهو كلما صح العلم به على
انفراده.
وينقسم: إلى موجود ومعدوم.
فالمعدوم: هو المعلوم الذي ليس بموجود. والموجود: أظهر من أن يحد.
وينقسم الموجود: إلى قديم ومحدث.
فالقديم: هو الذي لا أول لوجوده /45/. والمحدث: هو الذي لوجوده
أول.
وينقسم إلى متحيز وغير متحيز، ولا طريق إلى ثالث، خلافاً للفلاسفة،
وسيتضح.
والمتحيز: هو المختص بصفة، لكونه عليها يمنع مثله من أن يكون
بحيثه، ويحتمل العرض، وهو إن لم يقبل التجزي، فهو الجوهر الفرد،
وإن قبله من جهة الطول فهو الخط وإن قبله من جهة الطول والعرض فهو
السطح، وإن قبله من جهة الطول والعرض والعمق فهو الجسم.
وغير المتحيز هو العرض وهو اثنان وعشرون جنساً الألوان والطعوم
والروائح والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والشهوة والنفرة
والحياة والقدرة والفناء والأكوان والاعتمادات والتأليفات والأصوات
والآلام والاعتقادات والإرادات والكراهات والظنون والأفكار.
وينقسم إلى مدرك، وهي: الخمسة الأول والصوت والألم غير مدرك، وهو
سائرها.
(1/63)
وينقسم إلى مقدور لله
تعالى فقط، وهي الاثنى عشر الأولة، وإلى مقدور للعباد أيضاً، وهي
العشرة الباقية.
وينقسم إلى: ما لا يوجب، وهي المدركات والفناء وإلى ما يوجب وهو
سائرها.
وينقسم إلى باق، وهي ما عدا الصوت والألم من المدركات والرطوبة
واليبوسة والحياة والقدرة والكون والتأليف واللازم من الاعتماد
وغير باق وهو سائرها إلى غير ذلك من القسمة.
فصل
والمعدوم شيء عند الجمهور وخالف أبو الهذيل وأبو الحسين وابن
الملاحمي والبردعي وهشام بن عمر والمجبرة بأسرهم.
وقال أبو القاسم شيء وليس بذات.
وقال قوم: المعدوم الأصلي ليس شيء، والمعدوم بعد وجوده شيء.
لنا أنه يصح العلم به على انفراده، وذلك هو معنى الشيء والذات
والمنكر لصحة العلم به مكابر، فإنا نعلم الجنة والنار والقيامة
ونحو ذالك.
واعترضه ابن الملاحمي بأن معنى ذلك أنا نتصور حقيقة المعدوم
وماهيته، ويميز بين بعض الأجناس وبعض لأن علمنا قد تعلق بذات
معينة.
ويمكن الجواب بأن في هذه إقرار بأن للمعدوم حقيقة وماهية يمكن
تصورها، ويفصل بينها وبين غيرها، وهو المطلوب بكونه شيئاً.
قال في الفائق: إنا نجد هذه المعلوم علوماً بصور المعدومات عند
وجودها.
ويمكن الجواب بأن يقال إن أردت عند وجود المعدوم نفسه لم يصح لأنا
فرضنا الكلام في العلم به حال عدمه، وليس العلم به حال عدمه هو
العلم به حال وجوده، لا سيما على أصلك في أن العلم بأن الشي سيوجد
ليس علماً بوجوده إذا وجد، وإن أردت عند وجود أمثاله لم يصح، لأنا
فرضنا /46/ الكلام في العلم بهذا المعدوم لا العلم بأمثاله. على
أنا نعرض الكلام في العلم بمعدوم لم يوجد له نظير بأن يوجد،
فنشاهده، ثم يعدم ولا يوجد له نظير. وكما قال صلى الله عليه وآله
وسلم: (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).
قال في المعتمد: إن تصور المعدوم كتصورنا ثاني القديم، والبقاء
والإدراك.
(1/64)
ومعلوم أن تصور هذه
الأشياء لا تقتضي كونها ذوات، ولنا أن نقول لا نسلم صحة تصور ثاني
القديم وسائر ما ليس شيء؛ لأن التصور علم بصور الأشياء وماهياتها،
وليس لثاني القديم ماهيّة يمكن بصورها.
دليل قد ثبت أن المقدور إنما يكون مقدوراً في حال العدم؛ لاستحالة
إيجاد الموجود، ومعلوم أن المقدور لا يوصف بصحة الوجود إلا ما دام
معدوماً، فأما إذا قد وجد فقد استحال وجوده ومعلوم أن صحة وجود
المقدور أمر زائد على المقدور، ومزيّة له، والمزايا لا بد أن يستند
إلى الذوات لتعذر استقلالها بأنفسها.
قال ابن الملاحمي: ما أنكرتم أن صحة وجود الجوهر قبل وجوده يستند
إلى ما يتصور، ويتوهم من الحجم لا إلى شيء معين.
ولنا أن نقول أتريد أن هذه الصحة تستند إلى ما يتصور من الحجم قبل
وجوده أو حال وجوه إن أردت قبل وجوده فهو صحيح لكن ذلك يقتضي كونه
ذاتاً؛ لأن ما ليس بذات وماهية لا يمكن تصوره، وإن أردت حال وجوده
فغير صحيح؛ لأن الصحة الثابتة حال العدم كيف يستند إلى أمر منتظر.
على أن هذه الصحة زائلة عند وجوده؛ لأن الموجود لا يصح وجوده.
قال رحمه الله تعالى: صحة الصفة حكم والصفة ليست بذات، فقد استند
الحكم إلى ما ليس بذات.
ويمكن الجواب بأن هذه الصحة تستند إلى الموصوف والصفة جميعاً فإنا
لم نشترط أن يكون بين غيرين حقيقيين.
قال رحمه الله تعالى: الاستحالة حكم كالصحة، فيلزم أن يستند إلى
ذات في نحو قولنا ثاني القديم يستحيل أن يوجد والضدان يستحيل
اجتماعهما، وفي ذلك لزوم أن يكون ثاني القديم واجتماع الضدين
ذواتاً.
(1/65)
ويمكن الجواب بأن
يقال: لسنا نقول ثاني القديم يستحيل أن يوجد، ولكن نقول: يستحيل أن
يثبت ويكون هذا الكلام بمنزلة قولنا ثاني القديم ليس شيء، فلا تكون
الاستحالة حكماً في هذا المكان وإن سلمنا أنها حكم فهي إنما يستند
إلى ذات الباري تعالى وصفاته الواجبة؛ لأنه بمنزلة قولنا ذات
القديم يستحيل أن يكون لها مثل، ولهذا جعل أصحابنا نفي الثاني مما
يستحيل على الله تعالى /47/.
وأما استحالة اجتماع الضدين فهي تستند إلى ذواتهما وصفاتهما دليل
لا شك أن للقادر تعلقاً بمقدوره بمعنى أنه يصح اتخاذه له، وهذا
التعلق حكم تعلم بين القادر والمقدور، فلا بد أن يكون المقدور
ذاتاً أو صفة لتعلم الحكم بينه وبين القادر، وباطل بالاتفاق أن
يكون صفة نفي أن يكون ذاتاً وإلا كان الحكم قد علم لا بين غير ولا
بين غير وما يجري مجراه.
واعترضه ابن الملاحمي بأن معنى هذا التعلق هو أن القادر يصح منه
لذاته أو لاختصاصه بصفة أن يجعل ذاتاً لا أن في العدم ذاتاً معينة
يصح إيجادها.
ويمكن الجواب بأن يقال: أتريد أن القادر يصح أن يجعل ذاتاً في حال
وجودها وهذا محال؛ لأن الموجود لا يتعلق بالقادر أ وفي حال عدمها،
فهو الذي يقول ويعني بكونها معينة صحة العلم بها على انفرادها،
وهذا لا يمكن دفعه فإن الله تعالى لو أخبر أنه يعذب زيداً بجزء من
العذاب، لكان لا بد أن يعلم ذلك الجزاء بانفراده.
دليل قد ثبت أن أحدنا يفصل في حال عدم الأشياء بين ما يقدر عليه
وما لا يقدر عليه، ولو لم يكن المعدوم ذاتاً لما صح هذا التمييز،
لأن الفصل بين الأشياء هو لأمر يرجع إلى ذواتها، وقول أبي الحسين
أن التمييز يرجع إلى تصور حقائقها وما هياتها، قد سلف الجواب عنه
من أن ما ليس بشيء فليس له حقيقة ولا ما هية يمكن تصورها، وإنما
يتوهم وهماً ويقدر تقديراً كثاني القديم والبقاء.
(1/66)
دليل قد ثبت أن
القادر يقصد إلى الجوهر دون السواد مثلاً، فلو لم يكونا ذاتين لما
صح منه القصد إلى أحدهما دون الآخر.
يوضحه: أنه قد وقع الاتفاق على صحة إعدام المكلفين وعلى صحة
إعادتهم، فنقول: أخبرونا هل المعاد هو الأجزاء التي أطاعت وعصت
بعينها أم غيرها، والثاني باطل؛ لأنه كيف يثاب ويعاقب من لم يطع
ولم يعص.
وإن قالوا: هي بعينها. قيل لهم: وهل هي متعينة في حالة العدم ليصح
القصد إلى اتحادها بعينها، فهو الذي يقول أوليست بمتعينة، فبماذا
نعلم أنها هي بعينها وكيف يصح القصد إليها.
دليل: يقول أهل اللغة: علمت شيئاً موجوداً أو علمت شيئاً معدوماً،
فلو لم يكن المعدوم شيئاً لكان الأول تكراراً، والثاني بعضاً، وقال
تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً} و: {إنما قولنا لشيء
إذا أردناه}، {والله على كل شيء قدير}، ونحو ذلك.
واعترض بأن المراد بالشيء في هذه المواضع اللغوي لا الشيء
الاصطلاحي المتعين في نفسه.
والجواب أنا لا نسلم ذلك، فإن الإشارة /48/ في قوله تعالى: {إني
فاعل ذلك غداً} ظاهرها الرجوع إلى شيء معين في نفسه، وهو الجواب
على اليهود السائلين عن قصة أهل الكهف وذي القرنين، وكذلك قوله
تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه} يقتضي ظاهرها الانصراف إلى
أمر معين يريده الله تعالى، وكذلك قولهم: علمت شيئاً معدوماً.
فصل
إذا ثبت أن المعدوم شيء، فكل ما كان من الألفاظ لا يفيد الرجوع
لفظاً ولا معنى جاز إطلاقه عليه في حال العدم كقولنا: جوهر ولون
ونحو ذلك من الأسماء التي لا تفيد إلا إبانة نوع من نوع؛ لأن قولنا
جوهر لا يفيد إلا أنه شيء يتحيز عند الوجود بخلاف قولنا جسم، لأن
الجسم لا بد فيه من تأليف مخصوص، وكذلك قولنا محدث وباق وشخص ونحو
ذلك.
الكلام في التوحيد
(1/67)
التوحيد في اللغة:
قال أصحابنا عبارة عما به يصير الشيء واحداً، يقال وحد الشجرة إذا
قطع أغصانها وأبقى أصلها، وهو التسويد والتحريك والتسكين، فإنه
عبارة عما به يصير الشيء أسود ومحتركاً وساكناً.
والأولى أن يقال: هو فعل ما به يصير الشيء واحداً، وذلك لأن الذي
به يصير الشيء واحداً، وذلك؛ لأن الذي به يصير الشيء متحركاً هو
يحركه والتحريك ليس عبارة عن الحركة، وإنما هو عبارة عن فعل الحركة
التي بها يصير الشيء متحركاً، وكذا في سائرها (فراغ) عرف اللغة هو
الخبر عن كون الشيء واحداً (فراغ) اصطلاح المتكلمين، هو العلم
بالله تعالى وما يجب له من الصفات وما يستحيل عليه منها، وأنه لا
ثاني له يشاركه في ذلك على الحد الذي يستحقه.
فصل
ومضمون هذا الباب العلم بأن للعالم صانعاً، وانه قادر حي سميع بصير
مدرك، قديم، وأنه يستحق هذه الصفات لذاته لا لمعان، وأنه غني متنزه
عن مشابهة المحدثات، وعن رؤية الرائين، وأنه لا ثاني له وما يتصل
بكل واحدة من هذه المعارف.
القول في أن للعالم صانعاً، اتفق الناس على أنه لا بد من مؤثر ما،
ثم اختلفوا.
فقال أهل الإسلام والكتابيون والبراهمة وبعض عباد الأصنام أنه فاعل
مختار، وبه قالت المطرفية، لكن زعموا أنه لا يؤثر إلا في الأصول
الأربعة التي هي الهوى والماء والأرض والنار.
وقال أهل الإلحاد: إنه موجب، ثم اختلفوا.
فقال أهل النجوم: التأثير لها ولحركاتها فقط، ولم يثبتوا غير ذلك.
وقالت الدهرية: التأثير للدهر، وهو قريب من الأول إذا المرجع
بالدهر إلى حركات الأفلاك.
وقالت الطبائعية بالطبع.
وقالت الباطنية إن ذات الباري تعالى /49/ علة قديمة صدر عنها
السابق، وصدر عن السابق التالي وصدر عن التالي النفس الكلية، ثم
احتركت، فحصلت الحرارة وسكنت فحصلت البرودة، وتولد عن الحرارة
يبوسة، وعن البرودة رطوبة، ثم تولدت الأصول الأربعة المذكورة
أولاً، وهي التي حصل منها الأشياء بحسب الاعتدال وعدمه وقوته
وضعفه.
(1/68)
قال الفقيه حميد:
وربما قالوا: إن العلة الأولى كانت غير متحيزة، فعرض لها أوهام،
فأظلمت ذواتها فتحركت تريد الخلاص من الظلمة، فامتد منها طول وعرض
وعمق وصارت أجساماً، وتركبت منها الكواكب والأفلاك والأصول
المذكورة.
وقالت الفلاسفة المؤثر في العالم علة قديمة صدر عنها عقل واحد من
حيث عملت نفسها، ثم تكثر هذا العقل من ثلاث جهات، فمن حيث عقل
باريه صدر عنه عقل، وهو أشرف ما تضددوا ومن حيث هو واجب الوجود من
باريه صدر عنه نفس الفلك الأعلى وهو السماء التاسعة التي يعبر عنها
المسلمون بالعرش، وهو أوسط ما يصدر، ومن حيث هو ممكن الوجود من
ذاته صدر عنه جرم ذلك الفلك، وهو أخيس السلامة لأنه جسم، ثم صدر عن
العقل الثاني عقل ثالث ونفس فلك الكواكب وجرمه، وهي السماء الثامنة
التي سمّي الكرسي، ثم صدر عن اعقل الثالث رابع ونفس فلك زحل وجرمه،
ثم صدر عن الرابع خامس، ونفس فلك المشتري وجرمه، ثم هكذا إلى العقل
العاشر ونفس فلك القمر وجرمه، وهذا وهذا العقل العاشر وهو الأدنى
إلينا هو العقل الفعّال عندهم، ومعنى ذلك أنه صدر عنه ما دون هذه
السماء من الأجسام وغيرها، وهي المادة القابلة للكون والفساد من
العقل الفعال بواسطة طبائع الأفلاك وحركاتها.
قالوا: فالأشياء على هذا تنقسم إلى حال لا يقوم بنفسه وهي الأعراض،
وإلى قائم بنفسه تحله الأعراض، وهي الأجسام وإلى قائم بنفسه يؤثر
في الأجسام، وهي النفوس ، وإلى قائم بنفسه يؤثر في النفوس، وهي
العقول، وإلى قائم بنفسه يؤثر في العقول، وهي العلة الأولى.
قالوا: والأجسام عشرة أجسام سبع سماوات وهي حاصلة لم تزل لصدورها
على جهة الإيجاب وجنة الضالين لها نفوساً، والجسم العاشر هو هذه
المادة القابلة للكون والفساد والنمو والذبول، ويعنون بالكون
الصلاح أي الوجود.
قالوا: وهذه العقول التسعة هي الملائكة، لكن تسميتها الحقيقية
أملاك إلى غير ذلك من ضلالاتهم وهوسهم الذي يطرد ذكره.
(1/69)
والدليل على صحة ما
يقول أهل الإسلام أن هذه الأجسام /50/ محدثة، والمحدث لا بد له من
محدث، ومحدثها ليس إلا الله تعالى.
وهذه ثلاثة أركان، أما الركن الأول وهو أن هذه الأجسام محدثة فقد
خالف في ذلك ما تقدم ذكره من الفلاسفة وغيرهم، فإنهم اتفقوا الجميع
على أنها حاصلة في الأزل، وهذا هو معنى القدم، وإن أطلقوا لفظ
الحدوث بمعنى أنها حصلت من غيرها.
لنا أنها لم تحل من الأعراض المحدثة، ولم تتقدمها، وما لم يحل من
المحدث ولمن يتقدمه فهو محدث مثله، وهذه الدلالة مبنية على أربع
دعاوي، وهي أن في الجسم أعراضاً هي غيره، وأنها محدثة، وأن الجسم
لم يحل منها وإن ما لم يخل من المحدث ولم يتقدمه فهو محدث مثله.
أما الدعوى الأولى وهي أن في الجسم أعراضاً هي غيره فالخلاف فيها
من جهتين: إحداهما في هل ثم أمور زائدة على الجسم أم لا. والثانية
في هل تلك الأمور أحوال فقط أو أحوال ومعاني تؤثر فيها.
الجهة الأولى: ذهب الجمهور من الناس إلى أن ثم أمور زائدة على
الجسم، وخالف بعض الفلاسفة والأصم وحفص وهشام بن الحكم.
لنا أن الأجسام اتفقت في الجوهرية والتحيز والوجود، ثم افترقت في
الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، فلا بد أن يكون لنا ما اقترفت
فيه أمراً زائداً على ما اتفقت فيه وإلا كانت متفقة مختلفة في أمر
واحد وهو محال.
وبعد فالأجسام متماثلة، وحصولها في الجهات يتضاد، والمتضاد غير
المتماثل لا محالة، وبعد فالأجسام ثابتة مستمرة، وحصولها في الجهات
يتجدد ويتبدل، والمتجدد غير المستمر لا محالة.
وبعد، فإذا حرك أحدنا الجسم بعد سكونه علمنا ضرورة انه قد حصل أمر
لم يكن، ومحال أن يكون هو الجسم لأنه غير مقدور لنا، ولأنه موجود
قبل التحريك.
(1/70)
وبعد فاتفق العقلاء
على حسن أمر السيد غلامه بمناولة الكوز مثلاً، والنهي عن ذلك،
وعلقوا المدح بالامتثال والذم بعدمه، وكل ذلك إما أن يتعلق بنفس
الكوز وهو باطل؛ لأنه غير مقدور، ولأنه موجود أو بأمر زائد وهو
المطلوب.
وبعد فقال أبو الهذيل للأصم: كم تزيد حد الزاني على حد القاذف؟
قال: عشرون جلدة، قال: فهذه العشرون هي الجالد أم المجلود أو السوط
أو الهوى أو الأرض ؟ قال: لا واحد من ذلك. قال: فما هي؟ قال: لا
شيء. قال: فكأنك تقول لا شيء يزيد على لا شيء بعشرين لا شيء،
فانقطع.
وبعد ففيها ما يعلم ضرورة على الجملة نحو تصرفاتنا وتصرفات ما
يشاهده، وذلك لأنا نعلم قبح كثير منها وحسن كثير بالضرورة، وإذا
علمنا أحكامها بالضرورة فكذلك هي، لأن أحكامها فروع عليها، وإنما
يرجع الاستدلال إلى التفصيل.
الجهة الثانية: ذهب الشيخ أبو إسحاق بن عياش إلى أن هذه الأمور
الزائدة الذي نسميها الأكوان /51/ وغيرها صفات يثبت بالفاعلين،
وليس ثم معان تؤثر في هذه الصفات ونصرة الشيخان.
أبو الحسين وابنا الملاحمي(1) وبعض المتأخرين، وذهب الجمهور من أهل
العدل وأهل الجبر إلى إثبات المعاني وأن هذه الصفات موجبة عنها.
لنا أن الجسم حصل في جهة من جواز أن يحصل في غيرها، والحال واحدة
والشرط واحد فلا بد من أمر له حصل كذلك، وذلك الأمر ليس إلا وجود
معنى. فهذه أربعة أصول.
__________
(1) . وفي نسخة: والإمام يحيى بن حمزة.
(1/71)
أما الأصل الأول وهو
أنه حصل كذلك مع الجواز فهو معلوم ضرورة في ما يشاهده من الأجسام،
وفي ما غاب عنا بجامع التحيز الذي هو مصحح لذلك، ولكنا نذكر الدليل
استظهاراً فنقول: لو حصل في تلك الجهة مع الوجوب لاستحال خروجه
عنها ولوجب مشاركة جميع الأجسام في ذلك، لأن حصوله فيها يكون لأمر
يرجع إلى ذاته، ولزم أن يحصل هو في جميع الجهات، إذ لا مخصص
لبعضها، ولتأتي من بعض القادرين تحريك جبل بان يصادف وقت وجوب
احتراكه وتعذر عليه تحريك ريشة بأن يصادف وقت وجوب سكونها، وكله
محال.
وأما الأصل الثاني وهو أن الحال واحدة والشرط واحد، فنريد بالحال
هنا ما تصح الصفة المعنوية وبعضها إذا كان لها نقيض، وهو ها هنا
التحيز، فإنه المصحح لكونه مجتمعاً، ولكونه مفترقاً، وهو في غير
هذا المكان كونه حياً، فإنه المصحح لجيمع صفات الجمل ونريد بالشرط
ها هنا ما كان مصححاً لهذه الحال كالبنية بالنسبة إلى حال صفات
الجمل أو شرطاً في صحة هذه الحال كالوجود بالنسبة إلى التحيز أو
شرطاً في كونها حالاً بهذا المعنى كبنية القلب بالنسبة إلى كونه
حياً في تصحيحها لكونه عالماً أو مريداً أو كارهاً ونحو ذلك، فإن
كونه حياً لا يكون حالاً لهذه الصفات إلا إذا حصلت البنية. وإذا
عرفت معنى الحال والشرط فالحال في هذه المسألة هو التحيز؛ لأنها
التي تصحح صفات المحال من كونه محتركاً وساكناً ومجتمعاً ومفترقاً،
والشرط هو الوجود، فإن التحيز لا يصح إلا بالوجود.
ومعنى كون الحال واحداً والشرط واحداً أنهما مستمران حال ثبوت
الواحدة من هذه الصفات، وحال انتفائها، وحال ثبوت ضدها، فنعلم بذلك
أنه لا تأثير لهما في هذه الصفات، وإنما لهما حط التصحيح فقط؛
لأنهما مع الجميع على سواء.
وأما الأصل الثالث وهو أنه لا بد من أمر فقد قيل: يعلم ذلك ضرورة،
فإنه لا بد بالضرورة من أمر يخصص أحد الجائزين بالوقوع دون الآخر.
(1/72)
وقال أصحابنا: نعلم
ذلك بأدنى تأمل، وهو أنه لو لم يكن هناك مخصص لما كان أحدهما ثان
يقع أولى من أن يقع ضده.
/52/ وأما الأصل الرابع وهو أن ذلك الأمر ليس إلا وجود معنى،
فلنفرض الكلام في واحد من هذه الصفات، وهي أن ذلك الأمر كونه
مجتمعاً، فنقول: إما أن يكون مجتمعاً لذاته أو لما هو عليه في ذاته
أو لوجوده أو بحدوثه أو لحدوثه على وجه أو لعدمه أو لعدم معنى أو
بالفاعل أو لوجود معنى.
وهذه الأقسام هي التي يشتبه الحال فيها وكلها باطلة إلا الأخير.
أما الأولان فباطلان لما تقدم من أنها حاصلة مع الجواز.
وأما الثالث فباطل بما تقدم من أن الوجود مع الاجتماع كهوية مع
عدمه ومع ثبوت ضده، وذلك دليل على أنه لا تأثير له وإلا لم يكن
الوجود بأن يؤثر في كونه مجتمعاً أولى من كونه مفترقاً، فكان يلزم
حصوله على صفتين ضدين، وكان يلزم في جميع الأجسام أن يكون مجتمعه
لاشتراكها في الوجود، ويلزم أن تستمر هذه الصفة ما استمر الوجود،
والرابع باطل بما بطل به الثالث، ويلزم أن لا تحدد له هذه الصفة
حالة البقاء.
وبهذا الأخير يبطل الخامس وبأنه لا وجه يشار إليه بكون الجسم
مجتمعاً لحدوثه عليه.
والسادس باطل؛ لأن المصحح لهذه الصفة هو التحيز، وهو مشروط
بالوجود، ولأن عدمه ليس ثان يؤثر في كونه مجتمعاً أولى من ضدها بل
ليس بأن يوجب الكائنية أولى من غيرها من الصفات.
والسابع باطل؛ لأن المعنى المعدوم لا يختص رأساً، ولو اختص فليس
بأن يختص ببعض الأجسام أولى من بعض، ولا بأن يوجب بعض الصفات أولى
من بعض؛ ولأن هذه الصفة تقف على اختيارنا بخلاف المعنى المعدوم
ولأن في العدم افتراقاً كما أن فيه اجتماعاً. والذي يشتبه من هذه
الأقسام أن يكون مجتمعاً بالفاعل كما يقوله أبو الحسين وأصحابه.
والذي يدل على إبطاله وجوه:
(1/73)
الأول: أن لو قدر
أحدنا على أن يجعل الجسم على صفة من دون معنى لقدر على اتحاد ذاته
كالكلام، فإنه لما قدر على أن يجعله على صفة وهو كونه خبراً مثلاً
من دون معنى قدر على اتخاذ ذاته، وهذا ينبني على أن الكلام ذات لا
صفة، وأن له بكونه خبراً صفة وأنها مقدورة لنا وأن قدرتنا عليها
علة في قدرتنا على اتخاذ الذات.
أما أنه ذات فلأنه يعلم على انفراده، وذلك هو معنى الذات، واحتياجه
إلى محل، إنما يعلم بدليل منفصل، وإذا كان ذاتاً فليست ذات الجسم
كما يقول النظام؛ لأن الجسم باق /53/ والكلام يعدم، ولأن الأجسام
متماثلة والحروف والأصوات قد تختلف، ولأن الأجسام غير مقدورة لنا.
وأما الكلام في أن له بكونه خبراً صفة فدليله أن القائل إذا قال
زيد في الدار جاز أن يكون خبراً عن زيد بن عبد الله، وجاز أن يكون
خبراً عن زيد بن خالد، وهو لا يكون خبراً عن أحدهما إلا لأمر لمثل
ما تقدم، وذلك الأمر إما أن يكون عائداً إلى نفس الصيغة وهو باطل؛
لأنها مع الزيدين على سواء، وإما أن يكون عائداً إلى المخبر عنه
وهو باطل؛ لأن الخبر غير واقف على أحواله، ولأن الزيدين مع الخبر
على سواء بقي أن يكون عائداً إلى المخبر، وهو قصده وإرادته، وتلك
الإرادة إما ان تتعلق بالمخبر عنه وهو باطل؛ لأنه قد يخبر عما لا
يصح تعلق الإرادة به كالماضي والباقي والقديم، وإما أن تتعلق بمجرد
الصيغة وهو باطل؛ لأنها مزادة سواء أخبر عن زيد بن عبد الله أو عن
زيد بن خالد، وإما أن تتعلق بالصفة على حال وهو المطلوب، وإما أن
تلك الحال هي مقدورة لنا فلأنها تقف على أحوالنا ثبوتاً وانتفاء،
ويتعلق بها المدح والذم وغيرهما.
وإما أن قدرتنا عليها علة في القدرة على اتحاد الذات، فلأن القدرة
على اتحاد الذات تتبع القدرة على جعلها على صفة من دون معنى ثبوتاً
وانتفاء مع زوال ما هو اولى من ذلك بتعليق الحكم، وقد اعترضه صاحب
تعليق شرح الأصول باعتراضين:
(1/74)
أحدهما: أن القدرة
على الذات أصل للقدرة على الصفة، فالقدرة على الذات بأن تكون علة
في القدرة على الصفة أولى، ويمكن الجواب بأنه وإن كان كذلك لكنها
علة كشف لا علة تأثير، فهي كجعلنا صحة الفعل علة في كونه قادراً.
والثاني: أنه قد يقدر على اتحاد الذات من لا يقدر على جعلها صفة
كالساهي والنائم، وهذا الاعتراض ينبغي أن يكون اعتراضاً عليه رحمه
الله في ما اختاره.
فيقال: إذا كانت القدرة على الذات أولى بأن يكون علة في القدرة على
الصفة وجب حيث تحصل القدرة على الذات أن تحصل القدرة على الصفة،
فينتقض عليك بما ذكرت من الساهي والنائم، فإنهما يقدران على اتحاد
الذات ولا يقدران على الصفة بخلاف العكس؛ لأنه قد يوجد الحكم مع
فقد العلة بأن يخلفها علة أخرى.
وهذا هو الذي رجح به ابن متويه. الطريقة الأولى وضعف الثانية، إلا
أنه يمكن الجواب عن أصل الاعتراض بأن يقال أن الساهي والنائم
يقدران على الصفة وإنما لم يوجد لفقد شرطها، وهو القصد لا لفقد
القدرة، وقد ذكر عن المتأخرين طريقة ثالثة، وهي أن القدرة على
الذات شرط في القدرة على الصفة لا علة وعلى كل حال /54/ فقد حصل
الغرض من أن القدرة على الصفة ملازمة للقدرة على الذات، ومعلوم أن
هذه الصفات تحدد على الجسم في حال كونه غير مقدور كحالة البقاء،
فإنها حالة وجود وهو غير مقدور فيها مع تجدد الكائنية فيها.
(1/75)
الوجه الثاني: إن كل
وجه يقع عليه الشيء بالفاعل فإنه يتبع حال الحدوث. دليله: كون
الكلام أمراً ونهياً وخبراً وكون الفعل طاعة أو معصية، وكونه ظلماً
أو عبثاً أو كذباً أو نحو ذلك من وجوه الأفعال، فلو كان الجسم
مجتمعاً بالفاعل لما صح اجتماعه حال البقاء كما لا يصح حال العدم
لاشتراك الحالين في فقد الحدوث.واعترضه ابن الملاحمي بأن قال: ما
أنكرتم أن وجوه الأفعال تنقسم إلى ما هو كيفية في الحدوث ككون
الكلام خبراً، فلا يصح إلا في حال الحدوث إلى ما لا يكون كذلك نحو
كونه كائناً فيصح حال البقاء.
ويمكن الجواب بأن يقال أول ما في هذا أن هذه الوجوه ليست كيفية في
الحدوث؛ لأن الحدوث كيفية في الوجود، فكيف تكون للكيفية كيفية،
ولأن الكيفية لا تفارق ما هي كيفية فيه، فلو كان كون الصوت خبراً
كيفية فيه لما صح وجوده إلا خبراً ومعلوم أنه يصح أن يوجد ولا يكون
كلاماً فضلاً عن أن يكون خبراً، وكذلك سائرها.
وبعد، فهب أنها كيفيات في الحدوث، فنحن ألزمنا ككون الاجتماع مثل
هذه الأشياء في كونه كيفية في الحدوث، وأنت فرقت بنفس المذهب.
(1/76)
الوجه الثالث: لو قدر
أحدنا على أن يجعل الجسم مجتمعاً من دون معنى لقدر على سائر صفاته
التي بالفاعلين من نحو كونه أسود، وخلواً على مذهب الخصم قياساً
على الكلام، فإنه لما قدر على جعله خبراً قدر على سائر وجوهه
وكسائر الأفعال، فإنه لما قدر على جعلها طاعة قدر على سائر وجوهها،
ولا علة لقدرته على كل الوجوه إلاَّ قدرته على وجه منها لدوران
الحكم بدوران هذه العلة ثبوتاً وانتفاء، ألا ترى أنه لما لم يقدر
على وجه من وجوه أفعال الغير لم يقدر على جميعها، ولا يلزمنا مثله
في القدرة على بعض الذوات دون بعض؛ لأن الذوات مستقلة بنفسها؛
ولأنا نعلم بالاضطرار الفرق بين ما يتعلق بنا من الذوات وما لا
يتعلق بخلاف وجوه الأفعال، فإنا وجدنا القدرة على بعضها تلازم
القدرة على البعض الآخر، ووجدنا المتعلق بنا هي وجوه أفعالنا، فإما
أن يتصرف في أفعال غيرنا فيجعلها على وجوه فلا، خاصه حال البقاء.
الوجه الرابع: أن الكائنية يصح فيها التزايد، والتي بالفاعل لا يصح
فيها التزايد، إما أن الكائنية يصح فيها التزايد فلأن القوي إذا
سكن الساكن /55/ يعذر على الضعيف نقله، وإذا لم يسكنه لم يتعذر،
فلو لا تزايد الصفة لم يفترق الحال.
واعترضه الشيخ محمود بأن التزايد هو في كثرة المدافعة التي تفعلها
القوي لا في الكائنية؛ لأن المرجع بالكائنية إلى شغل الجهة وهو لا
يعقل فيه التزايد.
ويمكن الجواب إما قوله يرجع إلى كثرة المدافعة فباطل؛ لأن كثرة
المدافعة تحتاج إلى كثرة الجهات، فلا يعقل كثرة المدافعة في الجهة
الواحدة، ونحن فرضنا الكلام في تسكين الساكن.
وبعد فيقال له إن أردت بالمدافعة معنى هو الاعتماد فقد أفردت
بالمعاني، وقلنا لك الاعتماد عندنا يولد السكون، وإن أردت
بالمدافعة صفة يثبت بالفاعل كان الكلام في تزايدها كالكلام في
مسلمتنا.
(1/77)
وأما أن الصفة أن
الصفة بالفاعل لا تصح فيها التزايد فدليله صفة الوجود التابعة له
فإن تعذر الزائد فيها معلوم، ولا وجه له إلا كونها بالفاعل.
وأيضاً فالفاعل مؤثر فلا يتعدى تأثيره الصفة الواحدة كالعلة إذ لو
تعدى في الموضعين لتعدي ولا خاص، وليس له أن يفرق بان الفاعل يؤثر
على جهة الاختيار؛ لأنا ألزمناه التعدي ولا حاضر، فكان يصح أن يوجد
أحدنا من الكائنيات ما يحرك به الجبل العظيم بأن يختار ذلك، هذا ما
ذكره أصحابنا.
وله أن يقول إنما يصح أن يوجد من ذلك القدر الذي جعل له قدرة عليه
كما يقولونه أنتم في الأكوان الموجبة للصفات.
الوجه الخامس: أنه يتعذر على أحدنا حمل الثقيل دون الخفيف، فلولا
أن أحدنا يحتاج في ذلك إلى زيادة قدر يفعل بها أكواناً واعتمادات
لما صح الفرق لحصول كونه قادراً واحتمال المحل في الموضعين.
واعترضه ابن الملاحمي بأن الفرق هو أن الجسم متى كان ثقيلاً فلا بد
أن يكون محركة حضيف الجسم صليباً ليقع التقابل من خصافة جسمه وبين
الثقيل ليمكنه أن يفعل من الجذب ما يقابل ثقله والحصافة مما يقبل
التزايد.
ويمكن الجواب بأنه لا بد أن يرجع بالخضافة إلى معنى هو التأليث وفي
ذلك إقرار ثبوت المعاني وتزائدها.
وبعد فالصلابة تحصل في الجماد، فكان يلزم إذا أحد الضعيف عوداً
صليباً أن يمكنه أن يحرك به الثقيل.
وبعد فقوله ليتمكن من أن يفعل من الحدث ما يقابل به ثقله إقرار
بإثبات الحدث الذي نسميه نحن الاعتماد وهذا يوافق ما قلناه، لكن
عندنا أن الاعتماد يولد الأكوان.
فصل
وأما الدعوى الثانية وهي أن الأعراض محدثة فقد خالف في ذلك فرقة من
الفلاسفة زعموا أنها قديمة، ولكنها تكمن وتظهر.
(1/78)
لنا أنه يجوز عليها
العدم والبطلان والقديم لا يجوز عليه العدم /56/ وهذان أصلان أما
أنه يجوز عليها العدم، فقد ادعى فيه كثير من الناس الضرورة
والمستدل يقول ما من متحرك إلا ويجوز أن يسكن وما من مجتمع إلا
ويجوز افتراقه، وذلك ضروري في ما يشاهده للتحيز وهو حاصل في ما غاب
عنا إذا ثبت ذلك، وفرضناه افتراقاً بعد اجتماع لم يخل ذلك
الاجتماع، إما أن يكون باقياً أو منتقلاً أو معدوماً، والأول باطل
لتأديته إلى أن يكون الجسم مجتمعا مفترقاً دفعة واحدة، فإن قال
إنما يكون مفترقاً فقط لأن الافتراق هو الطاري فله خط الطرو فيكون
الموجب والاجتماع يكمن.
قلنا: إنما يكون الشيء طارياً إذا كان له حالة حدوث يكون فيها أولى
بالوقوع والإيجاب من حيث هي حالة وجوب وقوعه من فاعله والاقتراف
عندكم باق بل قديم فلا معنى للطرو فيه، وإن سلمنا أنه طار فإنما
يكون طارياً في حالة واحدة، ففي الثانية تعود الإلزام أو العدم.
وأما الكمون والظهور فإنما يعقل في الأجسام على أنه ليس أحدهما
بالكمون أولى من الأخير.
وبعد: فالعلة إنما توجب لما هي عليه في ذاتها، وهو حاصل في جميع
الحالات، فلا يصح أن يوجد ولا يوجب بأن تكمن.
وبعد، فلو جوزنا وجودها غير موجبة لما كان إلى وجودها طريق ولا
الفصل من عدمها.
(1/79)
والثاني باطل؛ لأنه
إن أريد بالانتقال ما هو المعقول من أنه تفريغ جهة وشغل أخرى فهو
إنما يثبت في المتحيزات، ومنه يتميز عن غيرها، والإعراض ليس
بمتحيز، وإلا لم يصح اجتماع الأعراض الكثيرة في المحل الواحد، ولما
كانت بأن تحل في الأجسام أولى من أن تحل فيها الأجسام، ولكان يجب
أن يمتلي الزق إذا أدخل أحدنا يده فيه فحركها، وكان يجب أن يتكاثف
وتعظم. وإن أريد بالانتقال أن يحل محلاً غير محلها الأول فهو لا
يصح؛ لأن حلول العرض في المحل المعين كيفية في وجوده وكيفية الوجود
لا تفارقه؛ ولأن ما يحل محلاً لو جاز حلوله في غيره لم يكن ليحل في
أحد هذين الجائزين دون الآخر إلا لمخصص من فاعل أو علة.
ولا يصح أن يكون الفاعل وإلا صح أن يجعله حالاً فيهما وأن يجعله
غير حال أصلاً. على أنه يحصل منه غرضنا لأن حلول العرض إذا كان
بالفاعل فوجوده بالفاعل لما سلف من أنه لا يجعل الذات على صفة إلا
من يوجد تلك الذات، ولا يجوز أن يكون بالمعنى لأن المعنى لا يختص
المعنى، ولأن الكلام في ذلك المعنى كالكلام في هذا، ولأنه ليس بأن
يوجب حلوله في محل أولى من غيره /57/، وإن أريد بالانتقال أن يوجد
لا في محل بعد أن كان في محل لم يصح لما تقدم من أن من أن الحلول
وعدمه كيفية في الوجود، فما يحل يستحيل أن لا يحل، وما لا يحل
يستحيل أن يحل، إذ لو جاز عليه الأمران لافتقر في ثبوت أحدهما إلى
مخصص كما تقدم.
وعلى الجملة فإما أن يكون الانتقال على سبيل الجواز أو الوجوب
وكلاهما باطل.
وأما الأصل الثاني وهو أن القديم لا يجوز عليه العدم، فلوجوه:
الأول: إن جواز العدم ينافي وجوب الوجود، ويقتضي أن الوجود والعدم
على سواء في الجواز، وإذا كان كذلك لم يكن الوجود أولى من العدم
إلا لمخصص من فاعل أو علة وكلاهما باطل كما سيأتي، ولأن ذلك يقتضي
أن يكون له حالة عدم ليصح أن يؤثر فيه مؤثر، وذلك يبطل قدمه.
(1/80)
الوجه الثاني: أن
القديم باق لأنه قد وجد أكثر من وقت، والباقي لا ينتفي إلا بضد أو
ما يجري مجراه؛ لأنه إذا انتفى مع جواز أن يبقى لم يكن بد من أمر
ولا اختيار للفاعل في ذلك، والقديم لا ضد له ولا ما يجري مجراه؛
لأنه لو كان له ضد وقد ثبت أن القدم صفة مقتضاه لوجب أن يكون
مقتضاه ذلك الضد بالعكس منها؛ لأن التضاد من أحكام الصفة المقتضاة،
فيجب إذا كان القديم موجوداً لما هو عليه في ذاته أن يكون هذا الضد
معدوماً لما هو عليه في ذاته، وفي ذلك بطلان تأثيره في نفي القديم.
وأما ما يجري مجرى الضد فلأن القديم لا يحتاج في وجوده إلى شيء،
ولذلك الشيء ضد ينفيه حتى يكون منافاته لما يحتاج إليه القديم يجري
مجرى منافاته للقديم.
الوجه الثالث: إن القديم قديم لذاته وخروج الموصوف عن صفة ذاته لا
يجوز، وهذان أصلان.
أما أنه قديم لذاته فلأنه لو لم يكن قديماً لذاته لكان قديماً
لغيره، وذلك الغير إما الفاعل أو العلة، والعلة إما معدومة أو
موجودة، والموجودة إما قديمة أو محدثة.
(1/81)
لا يجوز أن يكون
قديماً بالفاعل؛ لأن من حق الفاعل أن يتقدم بها على فعله، ولا حالة
قبل القديم يتقدم فيها الفاعل، ولأن الفاعل لا يقدر على صفة للذات
إلاَّ إذا كان قادراً على تلك الذات، ولأن الفاعل إن كان قديماً
نقلنا الكلام إليه، وإن كان محدثاً لزم تقدم فعله عليه، ولا يجوز
أن يكون قديماً لعلة معدومة؛ لأن المعدوم لا يختص، فلا يوجب ولأنها
مع الاشياء على سواء، ولأنها ثابتة في الأزل، فيجب ثبوت معلولها لم
يزل وفي ذلك استغناؤه عنها لوجوبه فلا ينفي إلى ثبوتها طريق، ولا
يجوز أن يكون قديماً لعله قديمة لأن الكلام في قدمها كالكلام في
قدمه ولأنه ليس أحدهما بأن يوجب للآخر أولى من العكس لاستوائهما في
القدم ولأنها ثابتة في الأزل، وفي ذلك وجوب معلولها واستغناؤه
عنها، وزوال الطريق إليها /58/ ولا يجوز أن يكون قديماً لعلة
محدثة؛ لأن كونه قديماً سابق عليها فيستغني عنها نفي أن يكون
قديماً لذاته، وأما أن خروج الموصوف عن صفة ذاته لا يجوز فلأن
بصفته الذاتية تكون ذاتاً، ويدخل في صحة كونه معلوماً، وخروجه عن
كونه ذاتاً محال، ولأنها ثابتة لا لأمر يخصها بحال دون حال، ولأن
صفة الذات كمعلول العلة، فكما لا يزايلها معلولها كذلك لا يزايل
الذات صفتها، والجامع عدم افتقارهما إلى غيرهما وتحقيق هذه الجملة
أنه لو خرج عن صفة ذاته لم يخلو إما أن يخرج منها إلى غيرها أم لا
باطل أن يخرج عنها لا إلى غيرها لأن في ذلك خروجه عن صحة كونه
معلوماً وباطل أن يخرج عنها إلى صفة ذاتية أخرى؛ لأن تلك الصفة
التي خرج إليها إما أن يختص به بعد خروجه عن هذه فيؤدي إلى اجتماع
صفتين ذاتيتين، وإما أن يختص به بعد خروجه عن هذه فيؤدي إلى تجدد
الصفة الذاتية وحصولها بعد إن لم تكن، وذلك يبطل كونها ذاتية. إذا
ثبت هذا أمكنك استخراج دليل آخر على حدوث الأعراض فنقول: لو كانت
قديمة لتماثلت لاشتراكها في صفة ذاتية، وهي القدم، ومتى اختلفت
فإنما يختلف لصفة
(1/82)
أخرى ذاتية، وذلك
يقتضي كونها متماثلة مختلفة، فيلزم إذا طرى عليها الضد أن ينفيها
من حيث هي متماثلة، ولا ينفيها من حيث هي مختلفة، فتكون موجودة
معدومة.
فصل
وأما الدعوى الثالة، وهي أن الأجسام لم تخل من الأعراض المحدثة،
وتزيد الأكوان فقط؛ لأن ما عداها ضربان، ضرب غير باق، فيجوز خلو
الجسم عنه بكل حال، وضرب باق فيجوز خلو الجسم عنه قبل وجوده، فإن
وجد لم يجز خلوه عنه لا لأمر يرجع إلى الجسم بل لأنه باق والباقي
لا ينتفي إلا بضد أو ما يجري مجراه، وذلك الضد من نوعه، وإنما الذي
لا يخلو عنه الجسم هو الكون، ثم إذا حققنا فالذي لا يخلو عنه الجسم
هو الكون المطلق الحاصل حال حدوثه، وما عداه فقد يقدم الجسم عليه،
وإن أمكن الاستدلال به على حدوث الجسم لأن الجسم لم يسبقه إلا بوقت
واحد، وقد خالف فيه فرقة من الفلاسفة زعموا أن هتولاه قديمة كانت
خالية عن العرض حتى خلتها الصورة، ويريدون الهيولا أصل الشيء
المتنزل منه منزلة الطير من اللبن، وبالصورة ما يحصل من التركيب
المتنزل منزلة الربيع عنه.
(1/83)
لنا أن الجسم لا يحصل
إلا في محاذاة بالضرورة في ما يشاهده ويجامع التحيز في ما غاب عنا،
ولسنا نعني بالكون أكثر من حصوله في الجهة ،و لكن التسمية بغير
عليه فيسمى سكوناً إن لبث به الجسم أكثر من وقت واحد /59/ وحركه
إذا انتقل به(1) واجتماعاً إذا وجد مع الجوهر غيره، وكان بالقرب
منه وافتراقاً إذا كان ذلك الغير بالبعد منه، ويسمى مطلقاً، وهو
ضربان: مطلق بالنسبة إلى الحركة والسكون، وهو حاصل حال الحدوث،
فإنَّه من جنسهما، وليس يسمى حركة ولا سكوناً، وسواء وجد اجتماع أو
افتراق أم لا وجد اجتماع أو افتراق أم لا. ومطلق بالنسبة إلى
الاجتماع والافتراق، وهو الحاصل في الجوهر الفرد، إذا لم يوجد
غيره، فإنَّه يكون من جنس الاجتماع والافتراق، ولا يسمى اجتماعاً
ولا افتراقاً، وسواء حصل حال الحدوث أو حال البداء فإنَّه مطلق حتى
يوصل جوهر آخر، وحينئذ يسمى اجتماعاً إن وجد ذلك الآخر بالقرب،
وافتراقاً إن وجد بالبعد، دليل لو جاز خلوه عن الأكوان في ما مضى
من الزمان لجاز الآن؛ لأنه لم يتغير عليه إلاَّ مرور الزمان، وذلك
لا يؤثر في ما يجب للجسم أو يجوز أو يستحيل، وجواز خلوه عنها الآن
مستحيل، فإن العقلاء يكذبون من أخبر بوجود جسم ليس بمحترك ولا
ساكن، أو جسمين لا مجتمعين ولا مفترقين.
دليل: قال أبو الهذيل لعبض أهل الهيولا إذا كانت الأجسام خالية من
قبل عن الأعراض فأي الأعراض سبق إليها، هل الحركة، فكيف يحترك ما
لم يكن ساكناً أو السكون، فكيف يسكن ما لم يكن محتركاً، (فكيف زائد
يحترك ما لم يكن ساكناً، أو السكون، فكيف يسكن ما لم يكن محتركاً)،
وقال له فإنها السابق إليه عندكم، قال: الكون المطلق، وهو إنما
يتأتى مع الإقرار بالحدوث.
__________
(1) . في نسخة: عنه.
(1/84)
واعلم أن هذا الدليل
مبني على أن التحيز ليس بمحدود، وسيتضح، وقولهم: بالهيولا والصورة
باطل؛ لأنهما غير معقولين، ولا طريق إليهما، ولأنهما إذا كانا
قديمين غير متحيزين لم يكن أحدهما بأن يكون هيولاً والآخر صورة،
ولا بأن يكون حالاً، والآخر محلاً أولى من العكس، لاشتراكهما في
القدم، ولأنهما حاصلين في جهتين، وذلك مترتب على الكون، ولأنهما
إما ان يكون بينهما بون فهو الافتراق أو لا يكون، فهو الاجتماع،
ولأن من أصولهم أن الجزء يتجزأ فلا يستقيم قولهم جوهران بسيطان؛
لأنهم يريدون بالبسيط الفرد، ومع تجزي الجزء لا يصح الافراد، ولا
يكون بد من اجتماع فيه.
فصل
وأما الدعوى الرابعة وهي إنما لم يخل من المحدث ولم يتقدمه فهو
محدث مثله، فالخلاف فيها من ثلاثة جهات:
الجهة الأولى: ذهب أبو الحسين إلى أن الرابعة هي الثالثة، وليست
غيراً لها.
قال: لأن العلم بأنه لم يسبق المحدث، هو العلم بأن لوجوده أول،
وذلك هو معنى الحدوث، وليست الأدلة تنصب لأجل التسمية، فيستدل في
الرابعة على أن الجسم يسمى محدثاً، قال: ومثله الاستدلال بأن لأحد
التؤمين /60/ عشر سنين على أن للآخر كذلك، والاستدلال عل أن هذا
الكتب بسم ـ باء وسين وميم ـ والاستدلال على أن الإنسان حيوان،
بأنه جسم حساس منتصب، وعلى أن هذا المكان سوق بأنه مكان مؤهل
لاجتماع الناس للبيع والشراء، كل هذه الاستدلالات بالشيء على نفسه،
وهذا قوي كما ترى.
الجهة الثانية: قال أنور سيد العلم بالرابعة ضروري مطلقاً، فلا يعد
دعوى، وقال القاضي: إذا كانت الذات معينة والحادث معين فالعلم
بحدثوها ضروري وإلا فمكتسب.
(1/85)
قيل، والحق أن العلم
بحدوث ما لم يحل من المحدث على الجملة ضروري كالعلم بأن كل ظلم
قبيح، والعبرة بالتفصيل بالمقدمات، فإن كان علمنا بحدوث الأعراض
ضرورة، وأن الجسم لا يخلو منها ضرورة فالعلم بحدثوها ضروري، وإن
كان الأولان اكتسابيين فالثالث اكتسابي، وهذا حسن إن ثبت أن الدعوى
الرابعة غير الثالثة.
الجهة الثالثة: زعم ابن الراوندي والفلاسفة أن الجسم قديم، ولم يخل
من الأعراض المحدثة لكنها تحدث فيه حادثاً قبل حادث، إلى ما لا أول
له.
ويبطله أن الجسم إذا لم يخل من المحدثات فقد صار وجوده معها أو
بعدها، وصار لوجوده أول كما أن لوجودها أول، ولسنا نعني بحدوثه
أكثر من ذلك.
وقولهم: بحوادث لا أول لها ظاهر الفساد؛ لأنه إذا كان كل واحد من
هذه الحوادث له فاعل، وحق الفاعل أن يتقدم على فعله، كان في ذلك
تقدمه على جميعها، فلا يستقيم حصول شيء منها في ما أول له لتقدم
غيرها عليها.
وبعد فحق القديم أن يتقدم على كل محدث تقدماً لا أول له، فلو كان
الجسم قديماً لكان سابقاً على جميع الأعراض، فيكون قد خلا عنها
حالة السبق، وقد بينا أنه لا يخلو عنها.
وبعد فهذه الحوادث قد حصرها الوجود، وفي ذلك تناهيها من حيث يجوز
حصول زيادة فيها، ولا بد أن يكون مع تلك الزيادة أكثر منها بغير
زيادة، وما كان غيره أكثر منه فهو متناه.
وقولهم: آحادها محدثة وجملتها قديمة ظاهر التناقض؛ لأن الحدوث ثبت
لإجادها من غير شرط، فيجب ثبوته لجملتها، فهو كثبوت السواد لكل
واحد من الزنج لا كثبوت جواز الخطأ على كل واحد من الأمة، شبهتهم
أنه قد جاز حوادث لا آخر لها، فليجز حوادث لا أول لها.
والجواب: أن كونه لا آخر لها لا يخرجها عن كونها محدثة وكونها لا
أول لها تخرجها عن ذلك. على أن /61/ أبا الهذيل قد كان التزم
امتناع حوادث لا آخر لها، وقال: تتناهى حركات أهل الجنة ثم رجع عن
ذلك.
(1/86)
قالوا: إذا لم يخل
الجسم من الأعراض ولم يكن عرضاً، فهلا جاز أن لا يخلو منها، ولا
يكون محدثاً.
قلنا: إنه إذا لم يخل منها فقد شاركها في حقيقة الحدوث ولم يشاركها
في حقيقة العرضية فلزم الأول دون الثاني، وليس العلة في كون العرض
عرضاً حدوثه حتى يلزم مثله في الجسم.
قالوا: أليس لم يخل من الحوادث الآن ولا يكون حادثاً الآن، فهلا
كان كذلك في ما مضى من الزمان.
قلنا: أتريدون بما مضى فيما لم يزل أو من بعد إن قلتم في ما لم يزل
نقضتم سؤالكم؛ لأنه ليس في ما لم يزل شيء حادث، فيقال: لم يخلو منه
الجسم وإن قلتم من بعد فلا فرج لكم في ذلك؛ لأنه ليس يلزم من جوازه
قدم الجسم.
على أنا نلتزم أن يكون محدثاً الآن لحصول حقيقة المحدث فيه الآن،
وهو أنه موجود لوجوده أول، وليس يلزمنا أن يتحدد له الوجود الآن؛
لأنا لم ندع أن يكون حادثاً كلما حدث فيه عرض، قالوا: عندكم أن
القديم يسبق المحدث بما لو كان هناك أوقات لكانت بلا نهاية، فقد
جوزتم حوادث لا أول لها.
قلنا: ليس تقدير حوادث لا أول لها يقتضي جواز ثبوتها، ويخرجها عن
كونها مستحيلة كما أن تقدير قديم ثان وأنه لو كان لمانع الباري جل
وعز لا يقتضي صحة ذلك، والغرض لهذين التقديرين الاستدلال على أن
تقدم القديم للمحدث لا أول له أن التمانع جائز بين كل قادرين وإن
كان المقدر مستحيلاً، انتهى الكلام في دليل حدوث الأجسام.
تنبيه:
(1/87)
اعلم أنه كما يصح
الاستدلال بطريقة المعاني يصح أيضاً بطريقة الأحوال سواء كانت
بالفاعل كما يقوله أبو الحسين أو معنوية كما يقوله الجمهور؛ لأن
الاستدلال بالمعاني إنما هو من حيث كان لثبوتها أول، ولم يخل منها
الجسم، وذلك حاصل في الأحوال، بل ربما أن طريقة الأحوال أولى من
حيث أنها معلومة على الجملة ضرورة وأنها هي الطريقة إلى المعاني،
ولأن النظر في الحقيقة إنما هو في الأحوال، وقد رجح القاضي طريقة
المعاني بأنه يرد على طريقة الأحوال شبه لا يمكن حلها إلا بإثبات
المعاني.
منها: أن يقول الخصم لمن ينفي المعاني: إذا جاز عندك الآن أن يحترك
الجسم يمنة دون يسرة لا لأمر، فهلا جاز في الأزل أن يكون الجسم في
جهة لا لأمر.
واعترضه أبو الحسين بأنا لا نقول أنه احترك يمنة دون يسرة لا لأمر
بل لأمر، وهو الفاعل، وليس يمكن إثبات المعاني إلا بعد إبطال كون
/62/ الصفة بالفاعل.
ومنها: أن الاستدلال بالأحوال ينبني على صحة خروج الموصوف منها إلى
غيرها، وإنما يعلم ذلك بإثبات المعاني التي توجب لذواتها فيستحيل
بقاء موجبها مع زوالها والعكس.
ويمكن أن يعترض بأن المستدل بالأحوال يقول لو لم يصح خروج الموصوف
عنها لكانت واجبة، فتكون ذاتية، ولو كانت ذاتية لاستحال خروج
الجوهر عن الجهة التي هو فيها، ولوجب أن يكون في جميع الجهات؛ لأنه
لا اختصاص لذاته ببعض دون بعض، ولزم في جميع الجواهر مثل ذلك، وكل
ذلك باطل، ولا يحتاج في إبطاله إلى إثبات المعاني.
قال ابن الملاحمي: وما ذكره القاضي رحمه الله تعالى دور لأنه جعل
العلم باستحالة أن تكون هذه الصفة ذاتية متوقفاً على العلم بإثبات
المعاني، ومعلوم أن المعاني إنما تثبت بعد بطلان كونها ذاتية.
فصل في شبه القائلين بقدم الأجسام
(1/88)
اعلم أولاً أن الشبهة
هي ما التبس بالدليل، وليس بالدليل، وهي ضربان، ضرب يقدح بأن يرد
على أركان الدليل فيكون العلم بحله من فروض الأعيان، ولسنا نشترط
في العلم بحله أن يعلم كيفية التعيين عن حل الشبهة.
وضرب لا يقدح بأن يرد على المذهب فيكون العلم بحله من فروض
الكفاية، وشبه هؤلاء كلها من هذا الضرب، فلا يقدح الجهل بحلها في
العلم. قالوا: لو كان العالم محدثاً لكان، فاعله قد حصل فاعلاً بعد
إن لم يكن فلا بد من أمر، وذلك الأمر يحدث، والكلام فيه كالكلام في
العلم، فيتسلسل.
قلنا: ليس للفاعل بكونه فاعلاً حال حتى يجب تعليلها، وإلا لزم مثله
في كون أحدنا فاعلاً، والحوادث اليومية، على أنا نقول ذلك الأمر هو
كونه قادراً أو الداعي، وكلاهما غير محدث في حق صانع العالم.
قالوا: لو كان العالم محدثاً لكان الله غير عالم بوجوده في ما لم
يزل، ثم حصل عالماً بعد إن لم يكن، وفي ذلك تغيره.
قلنا: العلم بأن الشيء سيوجد علم بوجوده إذا وجد، ثم يقال لهم:
أتريدون أن في ذلك تغير ذاته بمعنى أنها صارت غير ما كانت، فهو لا
يلزم، وإلا لزم مثله في كون أحدنا عالماً بعد إن لم يكن أو يريدون
بغير صفته بمعنى أنها كانت متعلقة بأنه سيوجد، ثم تعلقت بوجوده،
فصحيح، لكننا لا نسميه تغيراً.
قالوا: استحال وجوده في ما لم يزل لم يخل وجه الاستحالة، إما أن
يرجع إلى القادر أو إلى المقدور أو إليهما وكله ثابت في كل حال،
فيلزم استمرار الاستحالة.
(1/89)
قلنا: يجوز أن يكون
هذا الحكم مما لا يعلل لكون الاستحالة نفياً أو لغير ذلك من الوجوه
المانعة من التعليل كالحلول وغيره، ويجوز /63/ أن يكون لهذه
الاستحالة وجه لا يعلم، وليس الجهل بوجه الشيء يقدح في العلم به
إذا ثبت بدليل، ثم نقول وجهها يرجع إلى القادر والمقدور، وهو وجوب
تقدم القادر وتأخر المقدور من حيث يؤثر على جهة الصحة، وإلا لم يكن
قادراً ولا المقدور مقدوراً، وليس كذلك إذا وجد العالم بغير عدم؛
لأن المحيل حينئذ زائل، ثم يعارضهم بما يعترفون بحدوثه كالحوادث
اليومية، قالوا: لو كان محدثاً لكان لا بد أن يتقدم عليه محدثه
بزمان لاستحالة التقدم لا بزمان، وذلك الزمان إما قديم فيلزم قدم
العالم لأن المرجع بالزمان إلى حركات الأفلاك، ولأن ما وجد في
الزمان القديم فهو قديم، وأما محدث فيعود السؤال في محدثه فيتسلسل.
قلنا: ليس من ضرورة المتقدم أن يتقدم بزمان، ودليله: تقدم الليل
على النهار والشهر على الشهر، وأما القديم فتقدمه على المحدث بما
لو كان زمان لكان بلا أول.
ثم يقلب عليهم السؤال في الحوادث اليومية. قالوا: الباري تعالى
جواد لم يزل؛ لأن في خلاف ذلك نقضه، وكونه بخيلاً.
قلنا: لا نسلم كونه تعالى جواداً، لم يزل بهذا المعنى، ولا أن يحدد
هذا الوصف نقص؛ لأن ذلك من صفات الأفعال، فهو كقولنا: رازق ومحسن،
وكذلك ليحل المرجع به إلى أنه إحلال مخصوص بواجب مخصوص، فلا يطلق
عليه تعالى بحال.
قالوا: إذا وجد العالم في وقت صح أن يتوهم وجوده قبل ذلك الوقت
بوقت، وقبل الوقت بوقت، ولهم جراً إلى ما لا أول له.
قلنا: هذا هو محل النزاع، فما الدليل عليه، وهو أيضاً مبني على
وجود الأوقات في ما لم يزل ولم يسلمه.
ثم يقال: إذا رأينا داراً مبنية وشخصاً قاعداً على سرير أن يكون
كونهما كذلك لم يزل؛ لأنه لا وقت يسار إليه إلا ويصح أن يتوهم
كونهما كذلك قبله، فإن أجازوه كابروا وإن منعوه نقضوا شبهتهم.
(1/90)
قالوا: يستحيل وجود
شيء لا من شيء، وهذا يقتضي قدم الهيولى.
قلنا: أتريدون يستحيل وجود شيء لا من فاعل مختار فصحيح، لكن فيه
حدوث الهيولى، وقدم الباري تعالى أو تريدون يستحيل وجود شيء لا من
شيء موجب فمحل النزاع.
قالوا: إنما أثر الله تعالى في العالم لكونه قادراً، وهو حاصل لم
يزل، فيجب قدم العالم لحصول المؤثر فيه لم يزل.
قلنا: فأما كونه قادراً على جهة الصحة، فيجب تقدمها. قالوا: لو
احتاج العالم في ثبوته إلى الصانع ومعلوم أنه لولا العالم لما ثبت
الصانع، لأدى إلى التوقف لاحتياج كل واحد إلى الآخر.
قلنا: العالم يحتاج إلى الصانع في وجوده، والصانع يحتاج إليه في
العلم به، فاختلف وجه الحالة، فلا توقف، ونظيره احتياج كل واحد من
العلة والمعلول /64/ إلى صاحبه، واحتياج كل واحدة من الجناتين إلى
الآخر.
قالوا: لو كان للعالم صانع قديم لكان إنما يفعله لداعي حكمه، وهو
علمه بحسنه، وحصول نفع الغير فيه، وذلك الداعي حاصل لم يزل، فيجب
حصول العالم فيما لم يزل.
قلنا: الداعي إنما يدعو إلى ما يصح، ووجود العالم في الأزل يستحيل،
فلا يدعو إليه الداعي.
وتحقيقه أنه لا يكفي العلم بحسن الشيء، وحصول يقع للغير فيه، أو
لنفسه في كونه داعياً، بل لأنه من أن يعلم أو يعتقد إمكانه، وكونه
مقدوراً، ولهذا لا يقال دعا أحدنا الداعي إلى أن يفعل لنفسه أو
لغيره مالاً وتبين لما كان مستحيلاً من جهته، وإن دعاه إلى أن يوجد
من جهة الله تعالى لعلمه أو اعتقاده صحة ذلك منه تعالى، فحصل من
هذا أن علم الباري تعالى بحسن الفعل لا يوصف بأنه داع إليه إلا في
حال إمكانه، ومتى انتهى إلى تلك الحال فإنما يفعل فعلاً دون فعل،
وقدراً دون ما زاد عليه، وفي وقت دون وقت؛ لأن هذا سبيل داعي
الحكمة، ألا ترى أن أحدنا يتصدق بدرهم دون درهم وعلى فقير دون
فقير، وفي وقت دون وقت، فلا يقال هلا وجدت هذه الموجودات أو أكثر
منها دفعة واحدة في أول أحوال الإمكان.
فصل
(1/91)
وأما الركن الثاني
وهو أن المحدث لا بد له من محدث، فقد اتفق العقلاء على أنه لا بد
من أمر.
قيل: والعلم بذلك ضروري، ونحن نستدل استظهاراً فنقول: المحدث إما
أن يحدث مع الوجوب أو مع الجواز أو في كليهما يلزم حصوله، لم يزل
دفعة واحدة، أو أن لا يحصل أبداً إذ ليس بأن يجب أو يجوز في حال
أولى من حال، ولا بأن يجب أو يجوز أولى من أن لا يجب ولا يجوز لو
لا ثبوت أمر لأجله كان الحدوث أولى من العدم، والحدوث في حال أولى
من حال.
دليل، قد وجد في المحدثات ما فيه إحكام عظيم، وصنعة باهرة وإتقان
عجيب، فلو كان ذلك لا من مؤثر أو من موجب لصح أن يجتمع الواح في
البحر ويتركب منها سفينة محكمة من دون صانع أو تطيع لتك الألواح.
دليل: قد ثبت أن لنا أفعالاً وأنها محدثة، وأنها محتاجة إلينا،
وإنما احتاجت إلينا لحدوثها، والأجسام قد شاركتها في الحدوث، فيجب
أن تشاركها في الاحتياج إلى محدث.
وهذه خمسة أصول، أما الأولان فيقدما في الدعوتين الأولتين، وأما
الثالث فمعنى حاجتها إلينا أنه لولا نحن لما وجدت، وأن لا حول لنا
فيها، تأثيراً من كوننا قادرين ومريدين ونحوهما.
دليله أنها توجد بحسب قصودنا ودواعينا، وينبغي بحسب كراهتنا
وصوارفنا تحقيقاً أو تقديراً مع سلامة الحال، ويتعلق بها المدح
والذم، وليس كذلك أفعال غيرنا كالجواهر والألوان، وحركات غيرنا
وكلامه ونحو ذلك.
وأما أنها إنما احتاجت /65/ إلينا لحدوثها فلأن الذي يقف على
أحوالنا هو حدوثها أو حدوثها على وجه، ولأنها إما أن تحتاج إلينا
لأجل عدمها، وهو ظاهر البطلان؛ لأنها معدومة قبل أن يكون لنا فيها
تأثيراً، ولأجل بقائها، وهو باطل أيضاً، لأن كثيراً منها لا يبقى،
وإن اخترنا بقاه وكثيراً يبقى، وإن اخترنا زواله ولأنه كان يلزم
إذا مات الكاتب والباني أن تزول الكتابة والبناء لفقد ما يحتاجان
إليه أو لأجل حدوثها، وهو المطلوب.
(1/92)
فإن قيل: إن حالة
الحدوث هي حالة الاستغناء عن المحدث، فكيف يجعل علة في الاحتياج
إليه.
قلنا: إنها علة كاشفة بمعنى أن الحدوث كشف عن الاحتياج إلى محدث،
فهو كجعل صحة الفعل علة في كونه قادراً.
فإن قال: هلا كانت العلة في الاحتياج هو الحدوث مع الجواز، وإذا
حدث مع الوجوب لم يحتج.
قلنا: بالحدوث فقط يعلم الاحتياج إلى محدث، ولا يعتبر قيداً آخر
كما أن يكون الفعل ظلماً بعلم قبحه ولا يعتبر حصوله مع الجواز ولا
غير ذلك من القيود.
وأما أن الأجسام قد شاركتها في الحدوث فتقدم.
وأما أنه يجب أن يكون لها محدث فلأن الاشتراك في علة حكم يقتضي
الاشتراك في الحكم وإلا بطل كونها علة.
وهاهنا أصل، وهي أفعالنا وفرع، وهي أفعال القديم جل وعز، وعلة، وهي
الحدوث، وحكم، وهو الاحتياج إلى المحدث. وهذه طريقة من أربع طرق
يجمع بها بين الشاهد والغايب، ويسمى علة الحكم لمشابهتها العلة
الحقيقية في حصول الحكم عندها لا محالة.
والثانية: طريقة الحكم كاستدلالنا على أن الله تعالى قادر بصحة
الفعل منه وتعذره على غيره.
فإن هذه الطريقة التي علمنا بها كون القادر قادراً في الشاهد وإن
لم يسم علة، وإن حصل الشبه المتقدم لئلا يوهم أن صحة الفعل هي
المؤثرة في كونه قادراً والأمر بالعكس.
والثالثة: ما يجري مجرى العلة كاستدلالنا على كونه تعالى مريداً
باختلاف وجوه أفعاله، فإن ذلك هو الدليل على كون المريد مريداً في
الشاهد، وإنما لم يسم علة لمثل ما تقدم، ولا سميت طريقة، لأنها لا
تطرد دلالتها إلا في من تثبت حكمته، ألا ترى أن أحدنا يوجد كلامه
في صورة الأمر وهو لا يريد المأمور لعارض من العوارض.
(1/93)
والرابعة: طريقه
الأولى كاستدلالنا على أنه تعالى لا يفعل القبيح بكونه عالماً بقبح
القبيح، وغنياً عن فعله وعالماً عن استغنائه عنه، فإن هذه الأوصاف
تمنع من فعل القبيح في الشاهد، وإن كان الشاهد عالماً بعلم غبياً
بشيء عن شيء، فأولى وأحرى في حق من يستحقها لذاته، ولهذا سمعت
طريقه الأولى.
واعلم أنه قد يطلق على الكل علة الحكم لحصول الشبه المتقدم، ولا
مضايقة في العبادات إذا فهم المعنى، وهذه الطرق عليها مدار كثير من
أصول /66/ الدين، وقد قدح فيها أهل الإلحاد على ما تقدم، وبايعهم
من أهل الإسلام المجبرة وغيرهم ممن أحسن الظن بهم، ولم يفهم ما
أرادوا به، فالله المستعان.
فصل
وأما الركن الثالث وهو أن محدثها ليس إلا الفاعل المختار جل وعز،
فقد خالف فيه من تقدم ذكره من الفلاسفة القائلين بالعقول والأنفس
والباطنية القائلين بالسابق والتالي، وأهل الطبع وأصحاب النجوم.
لنا أنها إما (1) أحدثت نفسها أو غيرها، والأول باطل لأنها حالة
العدم يستحيل أن تقدر فصلاً عن أن تؤثر في نفسها وحالة الوجود
يستغني عن المؤثر، وأن أحدثها غيرها فهو إما مختار كما يقول أو
موجب، وهو باطل؛ لأن ذلك الموجب إن كان محدثاً عاد الكلام فيه وفي
محدثه حتى ينتهي إلى المختار، وإن كان قديماً أو معدوماً لزم حصول
الأجسام لم يزل لاستحالة تأخر المعلول عن العلة، ولزم أن يحصل دفعة
واحدة، بل في كل الجهات؛ لأنه لا يخصصها بوقت دن وقت وجهة دون جهة،
إلا المختار ولزم أن يكون بصفة واحدة؛ لأنه ليس بعضها بأن يوجب كون
الماء ماء والطين طيناً أولى من العكس، ولا بأن يوجب كون الماء
طيناً والطين يابساً أولى من العكس.
__________
(1) . في نسخة: إما أن تكون.
(1/94)
فإن قال: إنما لم
يوجد في الأزل لحصول مانع أو فقد شرط، قيل له: ذلك المانع إن كان
محدثاً عاد الكلام في كون محدثه مختاراً أو موجباً، وإن كان قديماً
استحال عليه الزوال، فلا يوجد العالم أبداً لاستمرار المانع، ولو
سلمنا زواله لكان إنما يزول بمزيل، وذلك المزيل إما موجب أو مختار،
وكذلك الكلام في فقد الشرط؛ لأن الشرط إن كان واجباً فقده استحال
وجوده فلا يوجد العالم قط، وإن كان جائزاً فقده وجائزاً حصوله لم
يكن بالحصول أولى من الزوال، ولا بالحصول في وقت أولى من وقت إلا
لأمر إما موجب ومختار القسمة بعينها.
وأما الفلاسفة فيقال لهم: أي شيء العقول والنفوس، وما الدليل على
ثبوتها، وإذا كانت قديمة لم تكن البعض بأن يؤثر في البعض أولى من
العكس، ولم كان البعض بان يكون عقلاً والآخر نفساً أولى من العكس،
ولِم اقتصرتم على عشرة عقول مع حصول جهة التكثير في العاشر، ولِم
كان العقل العاشر هو الفعال والمدبر لعالم الكون والفساد، ولِمَ
كانت النفوس حية، ولم كان بان يجعل الماء ماء والطين طيناً أولى من
العكس، ولِم كان بأن يجعل بعض الأجسام حياً والآخر جماداً أولى من
العكس؟ وما الدليل على ان الأفلاك حية وأن لها نفوساً؟. وبقريب من
هذا الكلام يبطل قول الباطنية
(1/95)
وأما الطبائعية فيبطل
قولهم أن /67/ الطبع غير معقول، وبعد فهو إما موجود أو معدوم،
والموجود إما قديم أو محدث، القسمة الأولى بعينها وكله باطل. وبعد
فالطبع شيء واحد، فما الأمر الذي اقتضى وقوع الأشياء على هذا
الترتيب البديع والحكمة الباهرة ووقوعها بحسب المصالح كل وقت، وأما
أصحاب النجوم فيبطل قولهم أنها غير حية لكثرة حرارتها ولاستمرار
حركاتها على وتيرة واحدة؛ لأنها لا تدرك، والفعل لا يصح إلاَّ من
حي، ولأنها أجسام فلا يصح منها فعل الأجسام ولأنها كانت لا تفعل
إلا باعتماد أو مماسسة ونحن نعلم بحدوث أشياء فينا ولا نحس باعتماد
معتمد علينا أو لأنها إن كانت قديمة، لزم قدم العالم، وإن كانت
محدثة نقلنا الكلام إلى محدثها.
الكلام في الصفات والأحكام في الصفة في اللغة، هي قول الواصف
كقولك: فلان كريم. وفي العرف ما أفاده، قول الواصف كالكرم مثلاً.
وفي الاصطلاح: بالمعنى العام، كل مزية للذات تعلم لا بانفرادها،
وقد دخل الحكم في ذلك، وبالمعنى الخاص كل مزية للذات راجعة إلى
الإثبات، نعلم الذات عليها لا باعتبار غير ولا ما يجري مجراه.
وقولنا: راجعه إلى الإثبات يخرج ما يرجع إلى النفي كنفي التجسيم
والحاجة والروية والجهل وغيره، فإنها إنما تكون صفات بالمعنى
العام.
وقلنا: نعلم الذات عليها؛ لأن الصفة لا تستقل بالمعلومية، وبهذا
تفارق الذات. وقلنا: لا باعتبار غير، ولا ما يجري مجراه لينفصل عن
الحكم.
والحكم في اللغة: هو المنع، ومنه سمى اللجام حكمه لمنعه من الذهاب،
وسميت الحكمة حكمه لمنعها من القبيح، وفي العرف هو الإلزام، يقال:
حكم القاضي أي ألزم، وفي اصطلاح الفقهاء هو ما يتصف به الأفعال من
وجوب وقبح وندب ونحو ذلك.
(1/96)
وفي اصطلاح
المتكلمين: بالمعنى العام كالصفة بالمعنى العام سواء وبالمعنى
الخاص كالصفة بالمعنى الخاص، إلا في اعتبار الغير أو ما يجري
مجراه، فإن الحكم لا يعلم الذات عليه إلا باعتبار غير او ما يجري
مجراه، والذي يعلم بين غيرين أو ذاتين كالمماثلة والمخالفة ونحو
ذلك، والذي يعلم بين غير وما يجري مجراه أي بين ذات وصفة كصحة وجود
الشيء في نفسه يعلم بين ذات الشيء وبين كونه موجوداً، وكذلك صحة
الفعل من القادر يعلم بين ذات ذلك الفعل وبين صفة القادر.
فصل
والصفة ضربان:
واجبة، وهي التي يستحيل خلافها عند إمكانها على التعيين /68/.
وجائزة، وهي التي ليست كذلك، وقلنا على التعيين احترازاً من
الكائنية، فإنه يستحيل خلافها عند إمكانها، لكن لا على التعيين أي
لا يجب كائنية معينة، بل ما من كائنية إلا ويجوز خروجه عنها إلى
خلافها، وإن كان لا يخرج إلا إلى كائنية أخرى بخلاف الواجبة
كالجوهرية والتحيز، فإنها لا تتبدل لحال.
والواجبة ضربان:
ذاتية، وهي التي تجب للذات على التعيين لا لاختصاصها بصفة أخرى
كالجوهرية ومقتضاه، وهي التي يجب للذات على التعيين لاختصاصها بصفة
أخرى كالتحيز فإنها تجب للجوهر لاختصاصه بالجوهرية بشرط الوجود.
وقلنا: على التعيين احترازاً من الكائنية أيضاً فإنها تجب للجوهر
لاختصاصه بصفة أخرى، وهي التحيز، لكن لا على التعيين.
والجائزة ضربان:
معنوية، وهي كل صفة زائدة على الوجود يثبت لمؤثر على سبيل الإيجاب.
وقلنا: زائدة على الوجود احترازاً من وجود المسبب، فإنها صفة تثبت
لمؤثر على سبيل الإيجاب، وهو السبب، وليست معنوية، وبالفاعل، وهي
كل صفة تفتقر إلى مؤثر على سبيل الصحة، والاختيار.
فصل
والأحكام ثلاثة: مقتضى ومعنوي وبالفاعل ولا ذاتي في الأحكام.
فالمقتضى كأحكام التحيز من نحو احتماله لعرض وصحة إدراكه بحاستين
وشغله للجهة ونحو صحة الفعل وما شأنه هذا من الأحكام المقتضاة التي
يستدل بها على مقتضياتها.
(1/97)
والمعنوي: كسكون
النفس، فإنه يثبت لمعنى وهو العلم.
والذي بالفاعل نحو كون الكل كفر خبراً أو أمراً، وكون الفعل ظلماً
ونحو ذلك من وجوه الأفعال. والذي يدل على أنه لا ذاتي في الأحكام
وجهان:
أحدهما: أن الذاتي هو الذي يدخل به الشيء في صحة كونه معلوماً، وقد
ثبت أن الحكم لا يعلم إلا بين غيرين أو غير وما يجري مجراه، فلو
كان ذاتياً لاقتضى كون الغيرين معلوماً واحداً؛ لأنه لو اقتضى كون
كل واحد منهما معلوماً على انفراده لم يخل إما أن يصح العلم
بأحدهما دون الآخر، وهذا يبطل كون المصحح لكونه معلوماً حكماً،
وإما أن لا يصح العلم بأحدهما دون الآخر وذلك يبطل كونهما معلومين
وغيرين، ويصيرهما معلوماً واحداً؛ لأنه لم يختص أحدهما إلا بما
اختص به صاحبه، وهو هذا الحكم المصحح لكونهما معلومين، وما عدا ذلك
من الذاتيات تابع له. هذا ما ذكره الشيخ الحسن رحمه الله تعالى في
كتاب الكنفية.
ولقائل أن يقول: إن الحكم إنما يكون ذاتياً لذات واحدة لا لذاتين
جميعاً، وبه تدخل تلك الذات فقط في صحة كونها معلومة، وإنما /69/
يعتبر الغير أو ما يجري مجراه في العلم بالحكم أي لا يعلم الذات
على حكمها الذاتي إلا باعتبار غيراً وما يجري مجراه، وذلك لأمر
يرجع إلى الحكم، والعلم به لا إلى تصحيحه لما يصححه ولا إلى كونه
ذاتياً، وبعد فهب أن به يدخلان جميعاً في صحة كونهما معلومين، فما
المانع من أن يصح كل واحد منهما معلوماً على انفراده، ولكن لا يعلم
أحدهما دون الآخر لأمر يرجع إلى شأنه كاشف عنهما جميعاً أو أنهما
معتبران في العلم به، فإذا كشف عن أحدهما فقد كشف عن الآخر كالدليل
إذا دل على أمرين مختلفين، فإنه إذا علم أحدهما علم الآخر لاتحاد
طريقتهما لا لاتحاد ذاتيهما.
(1/98)
وبالجملة فبينهما
تلازم يرجع إلى ما هية الحكم ودلالته، وليس إذا تلازم العلم بأمرين
لزم كونهما أمراً واحداً، يوضحه أن العلم بالمتحيز يلازم العلم
بالكون على الجملة، ولم يجب أن يكون المتحيز والكون شيئاً واحداً،
وكذلك العلم بأحد المتضايفين يلازم العلم بالآخر كالعلم بكون زيداً
أباً يلازم العلم بأن له ابناً، ومثله المالك والمملوك، والوديعة
والوديع ونحو ذلك مما لا يدل تلازم العلم به على اتحاده، يزيده
وضوحاً أن أحدنا لا يصح أن يعلم الذات إلا على صفتها الذاتية
ومعلوم ان العلم بالصفة تبع للعلم بالذات، فلم يدل تلازم العلم
بالذات والعلم بصفتها على أنهما معلوم واحدة.
وقوله رحمه الله تعالى في آخر هذا الوجه: لأنه لم يختص أحدهما إلا
بما اختص به الآخر، وهو هذا الحكم وما عداه من الذاتيات تبع له غير
مسلم، بل لكل واحد من الغيرين ذاتية في حكم المغايرة لذاتية الآخر،
فتكون هي الأصل، وفي تصحيحها لكونه معلوماً وفي مماثلة مماثله وفي
مخالفة مخالفه، وإنما كانت هي الأصل في جميع ذلك؛ لأن الذات تعلم
عليها من دون اعتبار غير ولا ما يجري مجراه، ولهذا لو لم يخلق الله
إلا ذاتاً واحدة لصح العلم بها، وإن لم يوجد هذا الحكم المذكور،
فصح أنها أخص من الحكم، وإن كانا ذاتيين كما أن التحيز أخص من صحة
كون الجوهر معلوماً وإن كانا مقتضيين.
الوجه الثاني: ذكره أيضاً في الكيفية وهو أن الذاتي ما به يماثل
الشيء مماثلة ويخالف مخالفة فلو كان الحكم ذاتياً لم يخل إما أن
يقتضي تماثل الغيرين أو اختلافهما أو لا يقتضي تماثلهما ولا
اختلافهما.
والأول باطل؛ لأن من حق التماثل أن يثبت لأحد الذاتيين مثل ما يثبت
للأخرى، وهاهنا الثابت للآخرى هو بعينه الثابت للأخرى.
والثاني: باطل أولى وأحرى؛ لأن من حق الاختلاف أن لا يختص أحدهما
بمثل ما اختص به الآخر ولا بما يماثله.
(1/99)
والثالث: باطل؛ لأنه
إذا لم يقتض تماثلهما ولا اختلافهما خرجا عن أن يكونا مثلين
ومختلفين وهو محال؛ لأنهما ذاتان، ومن حكم كل ذاتين التماثل أو
الاختلاف، فإذا لم يتماثلا ولم يختلفا خرجا عن كونهما ذاتين.
ولقائل أن يقول: إن الذي يقتضي التماثل والاختلاف /70/ هو أخص
الذاتيات وهاهنا ما هو أخص من هذا الحكم وهو الصفات الذاتية، فلا
يقتضي هذا الحكم تماثلاً ولا اختلافاً، وليس إذا لم يقتضي التماثل
ولا الاختلاف لزم أن لا يكونا مثلين، ولا مختلفين لحصول أمر سوى
الحكم، هو أحق باقتضاء التماثل والاختلاف، وهو الصفات الذاتية،
وبعد، فقد تقدم في الأشكال على الوجه الأول أنه إنما يكون ذاتياً
لأحدهما، فلا جزم أن تقتضى مماثلتهما للذات التي يحصل لها مثله،
فلا يستقيم قوله أن الذي يثبت لأحد الذاتين هو الذي يثبت للآخر.
يوضحه أن صحة احتمال الجوهر للعرض حكم يعلم بين غيرين وهما ذات
المتحيز وذات العرض أو بين المتحيز وكونه متحيزاً، ومع ذلك فإنما
هو مقتضى عن أحد الأمرين، وهو التحيز، فكذلك يعلم الحكم الذاتي بين
غيرين، وإن كان ذاتياً لأحدهما، وهذا الكلام كله إذا كان الأمر أن
اللذان يعلم بينهما الحكم غيرين حقيقيين فأما إذا كانا ذاتاً وصفة
فالأشكال أظهر في أنه لا يقتضي كونهما معلوماً واحداً، وأنه لا
يقتضي تماثلاً ولا اختلافاً؛ لأن الصفة لا تعلم على انفرادها سواء
كان الحكم ذاتياً أم لا، وكذلك لا يثبت فيهما مماثلة ولا مخالفة.
فصل
(1/100)
قد عرفت بما سلف أن
الصفات أربع، ذاتية ومقتضاة ومعنوية وبالفاعل، وأن الذوات ثلاث
الباري جل وعز، والجسم والعرض إذا ثبت هذا فاعلم أن الجسم يستحق
هذه الصفات الأربع فالذاتية له هي الجوهرية والمقتضاة هي التحيز
وكونه مدركاً في حق الأحياء والمعنوية هي الكائنية والقادرية
ونحوهما، والتي بالفاعل هي الوجود والعرض يستحق ثلاثاً ذاتية، وهي
التي بها تماثل مماثلة وتخالف مخالفة كالسوادية مثلاً ومقتضاه، وهي
التي بها يوجب موجبه ويتعلق بمتعلقه ويضاد ضده كالهيئة مثلاً
وبالفاعل، وهي الوجود، ولا يستحق معنوية؛ لأنه معنى فلا يختص به
معنى والباري جل وعز يستحق ثلاثا ذاتية، وهي الصفة الأخص، ومقتضاه،
وهي القادرية والعالمية ونحوهما ومعنوية، وهي كونه مريداً أو
كارهاً، ولا يستحق صفة بالفاعل؛ لأن الفاعل لا يفعل للذات صفة من
دون واسطة إلا إذا فعل تلك الذات والباري تعالى قديم لا فاعل له.
وليستدل على ثبوت هذه الصفات لهذه الذوات على التفصيل، فإنه قد
خالف فيه شيخنا أبو الحسين، ولنبدأ بصفات المحدثات؛ لأن عليها
يترتب العلم بصفات القديم تعالى.
فصل
والذي يدل على أن للجوهر بكونه جوهراً حال وجوه ثلاثة:
الأول: أن الجوهر يماثل الجوهر ويخالف السواد والمماثلة والمخالفة
لا تصح إلا بصفة ذاتية /71/ وسيأتي تحقيقه في الاستدلال على أن
الجوهرية ثابتة في حال العدم.
والوجه الثاني: أن الجوهر والسواد قد اشتركا في كونهما ذاتين،
واختلفا في كون أحدهما جوهر والآخر سواد أو ما به الاشتراك غير ما
به الامتياز.
واعترضه أصحاب أبي الحسين بأنهما اشتركا في أمر جلي، وهو صحة
كونهما معلومين على انفرادهما، وافترقا في أنفسهما التي أضيف
إليهما هذا الحكم الذي هو صحة كونهما معلومين على الانفراد، وبعد
فقد اشتركت الجوهرية والسوادية في كونهما صفتين، ثم افترقا في كون
أحدهما جوهرية والأخرى سوادية، ولم يلزم من ذلك تعليل هذه المفارقة
بأمر زائد على مجردهما.
(1/101)
والجواب: قولهم
افترقا في أنفسهما لا يصح لوجهين: أحدهما أن أنفسهما تصح كونها
معلومة على الانفراد وكون أحدهما جوهراً والآخر سواداً لا يعلم على
انفراده بل يعلم تبعاً لذاتهما، فدل على أنه زائد عليهما.
الثاني: أنه قد يعقل ذات الجوهر والسواد من لا يعقل كونه جوهراً
ولا سواداً.
وأما المعارضة بالصفتين وافتراقهما بعد الاشتراك فقد قال الشيوخ
فيه أن افتراقهما في مجردهما كان قبل اشتراكهما في كونهما صفتين؛
لأن كون الصفة صفة هو من توابع مجردها ولواحقه، وإذا كان الافتراق
قبل الاشتراك لم يجب تعليله بخلاف اشتراك السواد والجوهر في كونهما
ذاتين فإنه حاصل قبل افتراقهما بدليل أنه لا يعقل إلا تبعاً،
والمراد قبلية الذهن لا قبلية الزمان.
الوجه الثالث: إن علمنا بكون الجوهر جوهر إما أن يتعلق بمجرد ذاته
أو بمعنى غيرها أو بحكم لها أو بكيفية صفة أو بصفة على ما نقوله لا
يجوز أن يتعلق بمجرد الذات؛ لأنا قد نعلمه ذاتاً ولا نعلمه جوهراً،
ولا أن يتعلق بمعنى؛ لأن كونه جوهراً واجب، ولأن ذلك المعنى لا
يختص به إلاَّ بأن يحله ولا يحله إلاَّ بعد أن يتحيز ولا يتحيز إلا
بعد كونه جوهراً ولا أن يتعلق بحكم؛ لأنا نعلم المفارقة بين الجوهر
وغيره من دون اعتبار غير أو لا ما يجري مجراه ولا أن يتعلق بكيفية
صفة، لأن كيفية الصفة تابعة للصفة كالحدوث والقدم، فإنهما يتبعان
الوجود وبقي أن يتعلق بصفة وهو المطلوب.
وربما يورد أصحابنا هذا الوجه على غير هذه العبارة فيقولون: لو
أخبرنا الصادق بوجود ذات، وإنا نعلم غير الذات ونعلم وجودها ثم
أخبرنا أنها جوهر فإنا نعلم ثابتاً غير ما علمناه أولاً، ولا بد أن
يكون ذلك الأمر الزائد صفة للذات وهي الجوهرية. واعترضه أصحاب أبي
الحسين بأن الذي تعلق به علمنا أولاً هو أنه ذات يصح العلم بها على
انفرادها، ثم تعلق علمنا ثانياً بتلك الذات على التفصيل، وهو أنها
ذات /72/ تخالف السواد مثلاً.
(1/102)
قالوا: ومعنى
مخالفتها للسواد أنها شيء يدرك بحاستين، ويشغل الجهة والسواد هيئة
تجمع الشعاع.
والجواب: أنه ما لم يكن كونه جوهراً أو كونه سواداً أمراً زائداً
على ذاته لا يكون علمنا قد تعلق ثانياً بأزيد مما تعلق به أولاً،
وخلاف ذلك ومعلوم.
قال أصحابنا: وقولهم إنه تعلق أولاً بكونها ذاتاً يصح العلم بها
على انفرادها غير صحيح؛ لأن كونها ذاتاً موجودة ليس هو صحة العلم
بها على انفرادها، بل صحة العلم بها على انفرادها حكم كاشف عن
كونها ذاتاً، وتابع له لا أنه هو وكونها ذاتاً موجودة، ليس هو
كونها ذاتاً اتفاقاً.
أما عندنا فلأنها صفة زائدة على الذات. وأما عندهم فلأن الوجود هو
عين الذات وعين الذات ليس هو كونها ذاتاً بل كونها ذاتاً حكم للذات
عندهم ومضاف إليها.
(1/103)
وحاصل الكلام: إن
كونها ذاتاً ووجودها وصحة العلم بها على الانفراد قد علمناه بالخبر
الأول، فلا بد أن نعلم بالخبر الثاني أمراً زائداً على ذلك وقولهم
إن علمنا ثانياً تعلق بأنها ذات يخالف السواد غير صحيح؛ لأن
المخالفة لا تعلم إلاَّ باعتبار المخالف، ونحن نعلمه جوهراً، وإن
لم نعلم ذاتاً أخرى يخالفها الجوهر من سواد ولا غيره، وأيضاً
فالبياض يشارك الجوهر في كونه مخالفاً للسواد، فكيف يكون معنى كونه
جوهراً هو أنه ذات يخالف السواد، وكذلك قولهم أن معنى المخالفة هو
أنها ذات يصح إدركاها بحاسة، والسواد هيئة يجمع الشعاع غير صحيح؛
لأن صحة إدراكه بحاستين يعتبر فيه الإدراك، والحاستين وكونه
مخالفاً للسواد لا يعتبر فيه ذلك للسواد يعتبر فيه السواد، وصحة
إدراكه بحاستين لا يعتبر فيه ذلك؛ ولأن صحة إدراكه بحاستين أمر
إثباتي، وكونه مخالف للسواد أمر سلبي إذ المرجع به إلى أنه لا يسد
مسده عندنا، والمرجع به إلى أنه ليس كالسواد عندهم، وكما أن صحة
إدراكه بحاستين ليس هي كونه مخالفاً للسواد، فليست أيضاً هي كونه
جوهر المثل ما تقدم؛ ولأن عندهم كونه جوهراً هو نفس ذاته ومعلوم أن
صحة إدراكه بحاستين ومخالفته لغيره، ونحو ذلك مزايا ثابتة له
ومضافة إليه وليست كونه جوهراً. يوضحه أنهم فسروا كونه جوهراً بهذه
الأشياء، ولم يفسروه بكونه ذاتاً ولا بكونه جوهراً، وبعد فقد يعلم
الجوهر جوهراً من لا يعلم مخالفته لغيره، وعلى الجملة مما لم يكن
كونه جوهراً أو سواداً زائداً على ذاته لا يكون فرق بين علمنا
أولاً وبين علمنا ثانياً؛ لأن العلم الأول قد تعلق بنفس الذات
ووجودها، فبماذا يتعلق علمنا ثانياً لولا أن هناك مزية؟
(1/104)
وأشف ما أوردوه في
إبطال هذه المسألة /73/ ونظائرها المعارضة، فإنهم قالوا قد ثبت أنه
لو أخبرنا الصادق أن هذا الجسم قد اختص بصفة لعلمناها على الجملة،
ثم إذا أخبرنا ثانياً بان تلك الصفة جوهرية أو كائنية فإنا نعلم
ثانياً غير ما علمناه أولاً، فيلزم أن يتعلق علمنا بصفة للصفة او
مزية مطلقة.
قالوا: ومتى التزمتم حصول مزية نقلنا الكلام إلهيا في صحة الإخبار
عنها جملة وتفصيلاً حتى يلزم ما لا يتناهى من المزايا. قالوا: فإن
قلتم أن كون الجوهر جوهراً مما لا يعلل فلا يلزم أن يكون مفارقة
الججوهرية للسواد معللة بصفة.
(1/105)
قيل لكم: وكذلك كون
الذات جوهراً ما لا يعلل، فلا يحتاج إلى صفة تكون قد فارق بها
السواد، وقد أجاب الشيخ الحسن رحمه الله تعالى في هذا بجواب غير
مقنع، وحاصله أن الذات مما يصح العلم بها على انفرادها ولا نعلم
تبعاً لغيرها، فإذا اخترنا الصادق بوجود ذات في الجملة لم يجز أن
نعلم وجودها وكونها ذاتاً إلا تبعاً للعلم بمجردها حتى لو لم يعلم
مجردها ما صح منا أن نعلم وجودها ولا كونها ذاتاً، فلم يكن بد من
أن نعلم بخبره الثاني أمر زائد عليها؛ لأنها قد علمناها، فأما
الصفة فهي لا تعلم على انفرادها، وإنما نعلم تبعاً للذات على كل
حال، فإذا أخبرنا الصادق بثبوت صفة جاز أن يكون ذلك خبراً عن بعض
لوازمها وتوابعها المضافة إلى الذات المختصة بها، فإن كونها صفة
وكونها ثابتة من لوازم مجردها وجائز أن يعلم بعض لوازم الصفة وإن
لم يعلم مجردها ويكون العلم الثاني متعلقاً بمجردها هذا إذا كانت
من الحقائق المفردة التي لا يتركب من جنس وفصل كالوجود وإن كانت
مما يتركب من جنس وفصل كالكائنية، فإن كونها كائنية تجمع بين
المتحركية والساكنية، فلا بد أن يحصل بخبره الثاني في هذه الصورة
غير ما حصل أولاً من التوابع واللوازم ولا يلزم تسلسل اللوازم
والمزايا بل ينتهي ذلك إلى الحقائق المفردة، وحينئذ يكون العلم
الثاني علماً بمجردها، ولقائل أن يقول: إن أكثر هذا الكلام لا طائل
فيه ولا فرح؛ لأن الدليل الذي استدللتم به على أن العلم بكونه
جوهراً لا بد أن يتعلق بصفة زائدة على الذات هو بعينه حاصل فيما
عارضناكم به من الصفة، وهو انه تعلمها صفة من لا يعلمها جوهرية ولا
كائنية، فإن دل هناك على ثبوت مزية دل هنا أيضاً من غير فرق.
(1/106)
وأما فرقكم بأنه يجوز
أن يعلم بعض لوازم الصفة من دون العلم بعينها بخلاف الذات فهو مبني
على محل النزاع، فإن عند الخصم أنه يعلم عين الشيء بالخبرين جميعاً
في الصفة وفي الذات، ولكن يعلمها بالأول جملة وبالثاني تفصيلاً.
على أنه لا فرق بين وراء اتفاقهما فيما جعلتموه دليلاً على ثبوت
المزية، فيجب أن يدل في الموضعين وأن يكون للمزية مزية لحصول ذلك
الدليل في كل مزية تعرض.
وقولكم /74/ بتسلسل اللوازم في الحقائق المركبة حتى تنتهي إلى
المفردة غير مخلص من وجهين: أحدهما أن ما جعلتموه دليلاً على الأمر
الزائد في الذوات وفي الصفات المركبة هو بعينه حاصل في الحقائق
المفردة.
والثاني أنه ما من أمر يقصد إلى تحديده إلا ويمكن تركيبه من جنس
وفصل إذا جُدّ جداً معنوياً. يوضحه أنه ما من صفة معينة من وجود أو
غيره إلا ويجمعها وغيرها كونها صفة، ويكون جنساً لها ويفصلها عما
عداها نوعها وقبيلها فلا وجه لجعل بعض الصفات مفرة وبعضها مركبة،
فيلزم حصول أمر زائد في الجميع عند الخبر الثاني إذاً هذا فلا
يستقيم جواب الشيخ الحسن رحمه الله تعالى، إلا أن يصح ما يقوله أهل
المنطق من أن لوازم الأشياء ولوازم لوازمها لا يتناهى ولا ينحصر من
الأمور السلسة والنبوية، ولهذا بعينه عدلوا عن التحديد باللوازم
العرضية إلى الذاتيات، قالوا: لأن الذاتيات منحصرة، فيمكن أن نجمع
في حد بخلاف اللوازم، ولوازم اللوازم، فإنها لا تنحصر وتحي الوطن
والوطن يلازمه الملامسة والملامسة يلازمها الكون والكون يلازمه
التحيز والتحيز يلازمه الوجود، والوجود يلازمه الحدوث، والحدوث
يلازمه المحدث، والمحدث يلازمه القادرية، والقادرية يلازمها
الحياة. وهلم جرا على هذا المنوال، فإن صح هذا صح كلام الشيخ
الحسن، وألزمنا أنه لا فرق بين الذات والصفة في أن كل خبر خاص يفيد
لازماً من لوازم ما أفاده العام.
فصل
(1/107)
وقريب مما تقدم
الاستدلال على أن للجوهر بكونه متحيزاً حال وبكونه موجوداً، وإن
كان الكلام في هذا الفصل آكد من حيث قد ثبت أن المعدوم شيء لكن ذهب
أبو إسحاق التصيبيني إلى أن التحيز هو الوجود.
لنا أن التحيز واجب والوجود جائز، وبعد فالجوهر يضاد الفناء بشرط
الوجود والتضاد مقتضى عن التحيز، فلو كان التحيز هو الوجود لكان
الشيء شرطاً في نفسه وللزم التضاد في كل موجود، وبعد فالجوهر يدرك
على التحيز، فلو كانت هي الوجود لكان قد أدرك على الوجود فيلزم
مثله في كل موجود لتماثل الوجود، وبعد فالموجودات تشترك في الوجود
ولا تشترك في التحيز.
فصل
والذي يدل على أنه له بكونه كائناً حال أنه يستحيل كونه في جهتين
في حالة واحدة ولا وجه لهذه الاستحالة إلا حصوله على صفتين ضدين.
وبعد، فنحن نفرق بين كونه في جهة وبين كونه في جهة أخرى، فلا بد من
أمر يعلل به كما سيأتي، وذلك الأمر إما أن يرجع به إلى وجود معنى
هو الكون، وهو باطل؛ لأن التفرقة ضرورية دون الكون، ولأن الطريق
إلى الكون هو الصفة، وإما إلى عدم معنى وهو باطل؛ لأن عدم المعنى
مع الجهتين على سواء، فكان يلزم حصوله فيهما دفعة واحدة، ولأن عدم
المعنى يترتب /75/ على ثبوته، فإذا لم يرجع بها إلى ثبوته فأولى
إلى عدمه، وأما إلى انتفاء صفة وهو باطل؛ لأن انتفائها مع الجهتين
على سواء، ولأن الأمور الثابتة لا تعلل بالنفي هاهنا، وأما إلى
كيفية صفة هي الوجود، وهو باطل؛ لأن كيفية الصفة يتبعها، فكان يلزم
أن لا يحدد كونه كائناً في الجهة إلا إذا تحدد وجوده على أن الوجود
صفة متماثلة والكائنية تتضاد بحسب اختلاف الجهات، وإما إلى ثبوت
صفة وهو المطلوب.
فصل
(1/108)
ولا يثبت للذات في
حالة العدم من الصفات إلا الصفة الذاتية، ودليل ثبوتها في حالة
العدم هو أن الجوهر يستحقها لذاته لبطلان سائر وجوه التعليل وذاته
ثابتة في كل حال. وبعد فقد وجب تحيز الجوهر عند الوجود واستحال عند
العدم فلا بد من مؤثر في التحيز، وذلك المؤثر لا يصح أن يكون
فاعلاً لما سيعرف ولا يصح أن يكون هو الوجود؛ لأن تأثير الوجود في
التحيز تأثير شرط لا تأثير إجياب وإلا لزم في كل موجود أن يتحيز ،
بقي أن يكون المؤثر صفة ذاتية وهي إما فتجدده فيحل محل التحيز في
الاحتياج إلى التعليل فلا يكون تعليل التحيز بها أولى من العكس
وإما مستدامه وهو المطلوب. وبعد فقد ثبت أن الذوات تماثل وتختلف في
حالة العدم؛ لأن بعضها إما أن يسد مسد البعض في ما يكشف عن صفتها
الذاتية على التفصيل أو لا، والأول هو التماثل، والثاني هو
الاختلاف، والذي يكشف عن الصفة الذاتية هو المقتضى عنها إلا أنه قد
يكشف على التفصيل كالتحيز فإنه يكشف عن ذاتية هي جوهرية فيدل
الاشتراك فيه على التماثل، وقد يكشف على الجملة كصفة كون الشيء
معلوماً، فإنه يكشف عن ذاتية مجملة لا ندري أجوهرية هي أم سوادية،
فلا يدل الاشتراك فيها على التماثل، إذا ثبتت المماثلة والمخالفة
فهي إما أن تثبت للذات بمجرد كونها ذاتاً وهو محال لاشتراك الذوات
كلها في ذلك وإما أن يثبت لكونها ذاتاً مخصوصة كما يقوله أبو
الحسين، وهو باطل؛ لأنا نقول له: بماذا هي مخصوصة، هل بكونها ذاتاً
فيلزم تماثل جميع الذوات أو بأمر زائد وهو المطلوب، وهذا قد أورده
أصحابنا دليلاً مستقلاً على إثبات الجوهرية وما عارضهم به أصحاب
أبي الحسين من أن معنى المماثلة حاصل في الصفات وأن الجوهرية في
حكم المماثلة للجوهرية الأخرى، فكان يجب أن يثبت صفات أخرى للصفات،
فهو غير لازم؛ لأن المماثلة الحقيقية لا تثبت إلاَّ في الذوات،
ومعنى قول أصحابنا أن الصفات تجري مجر المتماثلة هو أنها لو كانت
ذوات لكانت
(1/109)
متماثلة، فالتماثل
فيها مقدر، وليس يجب إذا علل الحكم المحقق بصفة إن تعلل المقدر
بذلك، وإما أن تثبت المماثلة لمعنى، وهو محال؛ لأن المعنى لا يختص
بالمعدوم /76/ ولأن المعنى يماثل مماثلة ولأن ما أثر فيه المعنى
فهو جائز، وأما إن ثبت الحكم وهو محال لأنها إنما ثبتت لأمر ذاتي
وقد تقدم أنه لا ذاتي في الأحكام، وأما إن تثبت بالفاعل وهو محال
لأن الفاعل لا يؤثر إلا في الحدوث وتوابعه، ولأن الفاعل يماثل
فيحتاج إلى فاعل آخر، ولأن المخالفة تثبت للباري تعالى وهو لا فاعل
له، ولأن ما يؤثر فيه الفاعل جائز، والمماثلة والمخالفة تثبت
واجبتان وأما إن ثبت لصفة ذاتية منتظرة كما يقوله أبو إسحاق بن
عياش حيث أثبت التحيز ونفى الجوهرية وهو باطل؛ لأن هذه الأحكام
ثابتة حال العدم فلا يصح في المؤثر فيها أن يتراخى عنها.
بقي أن نثبت لصفة ذاتية ثانية حال العدم وهو المطلوب إلا أن الشيخ
أبا عبد الله يقول: إنها هي التحيز، وينفي الجوهرية، ويجعل أحكام
التحيز من شغل الجهة ونحوه مشروطاً بالوجود، ويبطله أن هذه الأحكام
التي هي شغل الجهة ونحوه حقيقة في التحيز، وبها يتميز عن غيره فلا
يصح انفصالها عنه كصحة الفعل مع كونه قادراً فلا يثبت التحيز إلا
حال الوجود، وفي ذلك كونه غيراً للجوهرية.
فصل
(1/110)
ولا يتزايد من هذه
الصفات إلا المعنوية أما الذاتية فلأنها لو تزايدت للزم أن تكون
الذات مماثلة لنفسها لحصولها على ما لو حصل عليه غيرها لماثلها؛
ولأن إثبات صفة بكون ثبوتها كانتفائها لا يصح إذ لا طريق إليه،
ولأن الصفة إنما تتزايد بتزايد المؤثر فيها كالمعنوية أو بتزايد
المقتضى لها أو شرط الاقتضاء ككونه مدركاً، والذاتية لا تستند إلى
شيء يصح فيه التزايد، ولكل هذه الوجوه يبطل تزايد المقتضاة الكاشفة
عن الذاتية كالتحيز، ولأنه كان يصح إن يعظم الجزء الواحد حتى يصير
كالجبل بأن يتزايد تحيزه، ولكلها يبطل تزايد الوجود، ولأنه كان يصح
أن يثبت للسواد وجهان في الوجود يقابلان وجهي البياض، ثم كان يصح
حصوله على أحدهما، فلا ينفي البياض على الإطلاق، ولأنه لو صح
التزايد حال الحدوث لصح حال البقاء، وفيه اتحاد الموجود، ولأنه لو
كان له بالوجود صفات لصح أن يحصل على بعضها بقادر وعلى البعض الآخر
بقادر آخر، وفيه صحة مقدور بين قادرين، ولأن القادر لو أثر في أكثر
من صفة للمقدور لصح مثله في تأثير العلة، فكان يصح أن يمنع أحدنا
سكنات كثيرة بحركة واحدة لها وجودات كثيرة، وأما المعنوية فيصح
فيها التزايد لتزايد المؤثر فيها، فإذا كثرت الأكوان وجب كل واحد
منها كائنية، وكذلك إذا كثرت القدر ونحو ذلك مما يوجب، وكذلك يصح
تزايد بعض المقتضيات لتزايد مقتضيه أو لتزايد يشترط الاقتضاء ككونه
مدركاً يتزايد بتزايد كونه حياً، ووجود المدرك.
فصل
(1/111)
عند الجمهور أن
التحيز صفة واجبة مقتضاة عن الجوهرية؛ لأنه لا يجوز أن يتحيز
الجوهر لمجرد ذاته وإلا تحيز في حال العدم، فكان يصح حلول المعاني
فيه فيثبت فيها التضاد فلا يصح عدم الضدين، وكان يشغل الجهة فيتعذر
علينا التصرف في بعض الجهات بأن يكون فيها جواهر معدومه ويتعذر
ملاقاة الجوهر لستة أمثاله عند الوجود بأن يلاقيه من بعض جهاته
جواهر معدومة، ولا يجوز أن يتحيز لوجوده، وإلا لزم في كل موجود أن
يتحيز لتماثل الوجود، ولا يجوز أن يتحيز لحدوثه لمثل ذلك، وللزوم
أن لا يتحيز حال البقاء، ولا لحدوثه على وجه؛ لأنه لا وجهه يشار
إليه هذه حالة بخلاف بخلاف وجوه القبح، فإنها معقولة، ولا يجوز أن
يتحيز لوجود معنى؛ لأن التحيز واجب والمعنوية جائزة يصح أن لا يحصل
بأن لا يحصل المعنى، ولأن المعنى لا يوجب له إلا بأن يختص به
بطريقة الحلول وذلك يقف على التحيز فكيف يقف التحيز عليه، ولأن
المعنى إنما يوجب لصفته المقتضاة، والكلام فيها كالكلام في التحيز،
ولا يجوز أن يتحيز لعدم معنى أولى وأحرى، ولأن المعنى المعدوم مع
جميع الأشياء على سواء، ولا يجوز أن يتحيز بالفاعل، وهذا هو الذي
يشتبه الحال فيه، وهو موضع الكلام في أن سائر صفات الأجناس لا يكون
بالفاعلين.
(1/112)
وخالف فيه الشيخان
أبو الحسني وابن الملاحمي. لنا لو كان تحيز الجوهر بالفاعل لصح أن
يوجده الفاعل ولا يجعله متحيزاً كما صح أن يوجد الكلام ولا يجعله
حيزاً، فكان ينسد طريق العلم به إذ لا نعلم الجوهر إلا بالتحيز بل
يصح أن يجعله سواداً بدلاً من تحيزه كما صح أن يجعله الكلام أمراً
بدلاً عن كونه نهياً، فتنسد طريق العلم بالمماثلة والمخالفة؛
لأنهما يثبتان للصفة الذاتية والطريق إليها التحيز بل كان يصح أن
يجعله سواداً متحيزاً، إذ لا تنافي بين الصفتين ولا ما يجري مجراه،
فكان يلزم إذا قدرنا طرو ضد، وهو البياض أن ينفيه من حيث هو سواد
لحصول التضاد، ولا ينفيه من حيث هو متحيز لفقد التضاد، فيكون
موجوداً معدوماً، ولا ينقلب علينا في كون الكلام أمراً نهياً
لاستنادهما إلى ضدين وهما الإرادة والكراهة ولا في كون الفعل حسناً
قبيحاً لاستناد القبح إلى وجه والحسن إلى زواله.
واعترض الشيخ محمود هذا الدليل باعتراضات كلها مبني على أن المعدوم
ليس بذات، وأن وجود الشيء وتحيزه، وهو نفس ذاته، وسلف إبطاله.
قال: ولو سلمنا أن للمتحيز صفة وللسواد صفة لم يلزمنا صحة الجمع
بينهما، بل ذلك مستحيل بما أنهيتم إليه الكلام من وجوب كونه /78/
موجوداً ومعدوماً.
وأجاب عليه الشيخ إسماعيل بن علي الرازي بأن هذا المحال أدى إليه
مذهبك، فلا يصح الانفصال به كما لا يصح للمجسم أن يقول لا يلزم مني
بالتجسيم أن يكون الله محدثاً لتأديته إلى المحال.
(1/113)
واعترض بأن مذهبي لا
يؤدي إلى المحال؛ لأن هذه الصفات وإن تعلقت بالفاعل فإنما تتعلق به
على الوجه الذي يصح دون الوجه الذي يستحيل، فكما أن القادر يقدر
على الضدين ولا يقدر على الجمع بينهما لتأديته إلى المحال كذلك
يقدر على هذه الصفات ولا يقدر على الجمع بينها لتأديته إلى المحال
أيضاً، وهذا حسن. فالأولى في الجواب أن يقال لا نسلم استحالة الجمع
بين الصفتين لأجل ما ذكرت؛ لأن هذا المحال إنما يلزم حال طرو الضد،
وطرو الضد أمر منتظر، وقد لا يحصل، ووجه الاستحالة والتنافي لا بد
أن يكون حاصلاً في كل حالة، فإن قال وجه التنافي هو أن التحيز يصح
حلول البياض والسواد يحيله فلا يجتمع مصحح ومحيل لشيء واحد.
قلنا: إنما يصح حلول البياض بشرط أن لا يكون الذات سواداً كما أن
كون الحي حياً، إنما يصحح كونه جاهلاً بشرط أن لا يجب كون عالماً.
فصل
والصفات ضربان: متعلقة وغير متعلقة.
فالمتعلقة: هي الصفة التي تستدعي بمجرد ثبوتها ثبوت حكم بين ما
اختص بها وبين ذات أخرى، ولا يثبت إلا كذلك.
قلنا: التي يستدعي بمجرد ثبوتها احترازاً مما يستدعي بكيفية ثبوتها
كالصفة الذاتية، فإنها تستعدي المخالفة، لكن بكيفيتها، وهو كونها
ذاتية عند من لا يجعلها تستدعي ذلك بمجردها.
وقلنا: بين ما اختص بها وبين ذات أخرى احترازاً من كونه حيا، فإنها
تستدعي بمجرد ثبوتها ثبوت حكم، وهو صحة أن يقدر ويعلم، لكن بين ما
اختص بها وبين صفاته التي هي كونه قادراً وعالماً لا بينه وبين ذات
أخرى.
(1/114)
وقلنا: ولا يثبت إلا
كذلك احترازاً من كونه كائناً، فإنها تستدعي بمجردها ثبوت حكم وهو
أنه لا بد أن يكون بين الجوهر المختص بها وبين ما يماثله بون
ومسافة أو لا يكون لكنها قد ثبتت من دون هذا الحكم بأن تقدر أن
الله تعالى لم يخلق إلا جوهراً واحداً بخلاف الصفات المتعلقة،
فإنها لا تثبت إلا متعلقة، وإن كان بعضها يصح أن يوجد في نوعه ما
لا يتعلق ككونه معتقداً وكونه مريداً ونحو ذلك، لكن المتعلق منها
لا يثبت إلا متعلقاً، وهذا الاحتراز أحسن من قول أصحابنا، وإن كانت
مخالفة؛ لأن للقائل أن يقول: معنى قولكم وإن كانت مخالفة هو أن هذا
الحكم يثبت ببينها وبين ذات أخرى سواء كانت تلك الذات الأخرى
مماثلة أو مخالفة، فلا يندفع لاعتراض بالكائنية، ويلزم كونها
متعلقة؛ لأن ظاهر كلامهم يصدق معه أن تكون الصفة /79/ متعلقة وإن
استدعت الحكم بين ما اختص بها وبين ما يماثله.
يوضحه: أن كون أحدنا عالماً صفة متعلقة، وإن علم أحدنا ما يماثله
فثبوت حكم الكائنية بين الجوهرين كثبوت حكم العالمية بين أحدنا
وبين ما يماثله، وقد حصل من هذا أن جميع صفات الباري كلها تتعلق
إلا الصفة الأخص، وكونه موجوداً وحياً. وأما صفات الجسم فما كان
منها راجعاً إلى الآحاد فكلها لا تتعلق إلا التحيز، فإنه يتعلق
باعتبار احتماله للعرض، وما كان راجعاً إلى الجملة فكله تتعلق إلا
كونه حياً.
تنبيه
والصفات المتعلقة تنقسم، فمنها ما لا يوجد في نوعه إلا ما يتعلق،
وهي أربع، كونه قادراً ومدركاً ومشتهياً ونافراً، فهذه لا توجد في
نوعها شيء غير متعلق بمعنى أنه لا يثبت القادرية إلا وهناك مقدور
محققاً، وكذلك سائر الأربع، ومنها ما يوجد في نوعه ما لا يتعلق،
وهي خمس، كونه معتقداً ومريداً وكارهاً وظاناً وناظراً، فكل هذه
تصح أن لا يكون لها متعلق حقيقي، نحو أن يعتقد البقاء أو يريده وهو
ليس بمعنى.
(1/115)
واعلم أن هذه الصفات
الخمس تشترك في أنها تتعلق على سبيل الجملة والتفصيل وأنها تتعدى
المتعلق الواحد على الجملة ولا تتعداه على التفصيل.
وأما الأربع النافية فتشترك في أنها لا تتعلق إلا على التفصيل ثم
تختلف، فمنها: ما لا يتعدى الواحد، وهو كونه مدركاً، ومنها ما
يتعداه في المتماثلات فقط، وهو كونه مشتهياً ونافراً.
ومنها ما يتعده في المختلفات مطلقاً ويتعداه في المتماثلات بشرط
اختلاف الوقت أو المحل أو الوجه، وهو كونه قادراً.
القول في أن الله تعالى قادر
القادر هو المختص بصفة لمكانها يصح أن يفعل وأن لا يفعل مع سلامة
الحال.
وقال بغاة الأحوال من شيوخنا: هو المتميز تميزاً لأجله يصح أن يفعل
إلى آخره، وسيتضح موضع الخلاف.
فصل
ذهب أهل الإسلام والكتابيون وغيرهم إلى أن الله تعالى قادراً.
وقالت الباطنية: لا قادر ولا غير قادر، وقال برغوث معنى كونه
قادراً، أنه ليس بعاجز. وألزمت المطرفية أن لا يكون قادراً
لإضافتهم التأثيرات إلى غيره، فلا يبقى طريق إلى كونه قادراً.
وقالت الفلاسفة: هو قادر، ولكنه موجب لفعله، قالوا: لأن الموجودات
تنقسم إلى موجود بالفعل وهو ما قد حصل كالأجسام ونحوها، وموجود
بالقوة، وهو ما يصح أن يحصل كالعلم موجود في الطفل والنخل موجود في
النواة.
قالوا: والقوة ضربان، قوة انفعال كليونة الشمع القاتل للتنفس.
وقوة فعل، وهي ضربان، قوة طبيعة: وهي ما يحصل به الشيء /80/ دون
نقيضه كقوة النار على الإحراق، وقوة إرادية: وهي ما يحصل بها الفعل
ونقيضه، كقوة أحدنا على الحركة والسكون، وكقوة الباري تعالى على
الفعل والترك، وهذه عندهم هي القدرة التامة.
قالوا: فمتى حصل معها إرادة تامة ولم يحصل مانع خرج الشيء من القوة
إلى الفعل على جهة الوجوب بطبع تلك الذات.
(1/116)
قالوا: ولا يتخلف إلا
القصور في الطبع أو في الإرادة أو في الذات والقصور مستحيل على
الله تعالى، بل إرادته تامة، وذاته تامة، ووجوده وحكمته حاصلان في
كل حال، فلذلك حصل فعله في الأزل إذ لو تخلف لاحتاج إلى أمر متجدد
يخرجه من القوة إلى الفعل، ومتى حصل ذلك الأمر صار واجباً وإلا
احتاج إلى أمر آخر، وتسلسل هذا تحرير مذهبهم.
لنا أن الفعل قد صح منه، والفعل لا يصح إلاَّ من قادر، أما أنه قد
صح منه فلأنه قد وقع، فإما أن يكون وقوعه على جهة الوجوب وهو باطل
وإلا لزم حصوله في الأزل دفعة واحدة، ولزم قدمه ونحو ذلك مما تقدم
فساده أو على جهة الصحة، وهو المطلوب، ونعني بالصحة إمكان أن يفعل
وأن لا يفعل بحسب اختياره، وإن استعملت في غير هذا المكان بمعنى
الآخر أو بمعنى البرء من المرض وبمعنى الصدق وبمعنى التأليف
المخصوص، وإما أن الفعل لا يصح إلا من قادر، فلأن ذلك هو معنى
القادر وهو معلوم على الجملة ضرورة، فإن العقلاء يصفون من أمكنه أن
يفعل وأن لا يفعل بحسب اختياره بأنه قادر، ويوجهون إليه المدح
والذم ونحو ذلك، والمعتبر في الدلالة هي الصحة دون الوقوع؛ لأن
معها بدون العلم بالقادرية ثبوتاً وانتفاء بخلاف الوقوع، وإن كان
بالوقوع تعرف الصحة.
فصل
وطريقه التفصيل في ذلك أنا نفرق في الشاهد بين الحي الذي يصح منه
الفعل والحي الذي لا يصح منه، فلا بد من أمر تعلل به هذه التفرقة،
وليس ذلك الأمر إلا صفة ترجع إلى الجملة، فهذه ثلاثة أصول.
أما التفرقة فضرورية، وأما أنها معللة بأمر فلحصول طريقة التعليل
وطريقة التعليل هي أن تقبل الحكم مؤثراً من فاعل أو علة او سبب أو
بعمل ما يجري مجرى المؤثر من مقتض أو شرط أو داع.
(1/117)
وقيل: هي أن يحصل
الحكم مع الجواز أو يثبت بعد انتفاء أو يقع فيه افتراق بعد
الاشتراك في غيره، وقيل: هي أن يتحدد الحكم بعد إن لم يكن أو يضاف
إلى ذات دون أخرى، وكله متقارب، وقد نظرنا في صحة الفعل فوجدناها
مما يقبل المقتضى ومما يحصل فيه افتراق بعد الاشتراك في غيره، ومما
يضاف إلى ذات دون أخرى فيجب تعليله بأمر.
وإما أن ذلك الأمر صفة راجعة إلى الجملة فقد خالف فيه أبو الحسين
وأصحابه وكثير من غيرهم /81/.
لنا أنه إما أن يصح منه الفعل لمجرد ذاته أو بالفاعل أو لوجود معنى
أو لعدم معنى أو للطبع أو لزوال المنع أو للبنية والصحة أو لصفة
ترجع إلى الجملة على ما نقوله، لا يجوز أن يكون لمجرد ذاته وإلا
لزم في كل ذات مثله، وأن يكون قادراً في حاله العدم وأن لا يخرج عن
كونه قادراً.
ولا يجوز أن يكون بالفاعل لأنه إنما يؤثر على جهة الصحة والكلام في
تلك الصحة كالكلام في هذه، ولأن هذه الصحة تتجدد والذوات بما لها
وما كان بالفاعل لا يتجدد إلا بتجدد الذات.
ولا يجوز أن يكون لوجود معنىً من دون إيجاب صفة للجملة؛ لأن المعنى
يختص المحل والصحة، حكم صدر عن الجملة.
(1/118)
ولا يجوز أن يكون
لعدم معنى أولى وأخرى؛ لأن عدم المعنى لا يختص رأساً فضلاً عن أن
يختص بذات دون ذات. ولا يجوز أن يكون للطبع؛ لأنه غير معقول، وإن
أريد به اعتدال البنية والصحة فسنتكلم عليه، ولا يجوز أن يكون
لزوال المانع؛ لأن المانع إنما يمنع من حكم صححه مصحح، وذلك يقتضي
حصول مصحح غير زوال المانع، وهو المطلوب؛ ولأن زوال المانع يشترك
فيه القادرون، فكان يلزم اشتراكهم في صحة الفعل المعين، وفيه صحة
مقدور بين قادرين، ولأن صحة الفعل يقبل التزايد وزوال المانع لا
يقبله، ولأن الشيء إنما يتزايد بتزايد المؤثر فيه أو مقتضيه أو شرط
الاقتضاء ولأن المنع إنما يكون بضد أو ما يجري مجراه، ولو حصل ضد
في من(1) تعذر عليه الفعل لكان كما تعذر عليه تحريك نفسه يتعذر
علينا أيضاً تحريكه، ولأن زوال الموانع نفي، وصحة الفعل حكم ثابت،
فلا نعلل به تعليل تأثير.
فأما تعليل الكشف فيصح فيه تعليل النفي.
والثاني كتعليل قبح الظلم لكونه لا نفع فيه ولا دفع ضرر، ولا
استحقاق.
والثالث: كتعليل كونه تعالى لا يفعل القبيح بكونه عالماً بقبحه
وعالماً باستغنائه عنه.
ولا يجوز أن يكون للبنية المخصوصة، واعتدال المزاج كما ذهب إليه
أبو الحسين؛ لأن البنية تأليف مخصوص، والتأليف مقصور على المحل
بدليل صحة وجوده في الجماد، وصحة الفعل حكم صدر عن الجملة، والجملة
والمحل في حكم الغيرين كزيد وعمرو، فلا يصح الفعل من الجملة لأمر
يرجع إلى المحل كما لا يصح من زيد لأمر يرجع إلى عمرو، واعترضه أبو
الحسين بأنكم إن أردتم أن الفعل صدر عن الجملة أنه وقع بكلها
فباطل؛ لأنا نعلم أن البطش وقع باليد مثلاً، وأنه لا يؤاخذ في جميع
الجملة.
__________
(1) . في نسخة: بمن.
(1/119)
وإن أردتم أنه وقع
بحسب كون الجملة مريدة ومعتقدة ونحو ذلك، فهذا لا يمنع من كونه وقع
باليد لا بالجملة؛ لأنه يجوز أن يعلم الجملة نفعاً في /82/ فعل
اليد ويريده فيقع باليد؛ لا بالجملة نوضحه أنه لا بد من استعمال
محل القدرة، ومن كونه مبنياً بنية مخصوصة، وإذا وقفت صحة الفعل على
بنية اليد فهلاكها ذلك من دون اعتبار صفة راجعة إلى الجملة.
ويمكن الجواب بأنا نريد بصدوره عن الجملة ما هو المعقول عند جميع
العقلاء من أن المعنى الذي عبروا عنه بقولهم فعل زيد وقال زيد ونحو
ذلك، ولم يقولوا فعلت يد زيد وتكلم لسان زيد، ولههذا يتوجه المدح
والذم والثواب والعقاب إل الجملة، ولسنا ننكر أن الفعل وقع باليد،
ولكنها آلة للجملة فالفعل واقع من الجملة بآلتها والآلة لا بد من
استعمالها سواء كان فيها قدرة أم لا، إلا أن الآلة التي فيها قدرة
لا بد فيها من بنية مخصوصة ليصح وجود القدرة فيها، فالذي وقف على
البنية هو وجود القدرة لا صحة الفعل حتى لو كان أحدنا قادراً لا
بقدرة، لما احتاج إلى بينة كالباري تعالى.
دليل: المرجع بالبنية المخصوصة عند الجمهور إلى أمور كثيرة من
تأليف ورطوبة ويبوسة وحرارة وبرودة واعتدال في ذلك، والأمور
الكثيرة لا تؤثر في الحكم الواحد، وليس بعضها بأن يكون مؤثراً
والآخر شرطاً أولى من العكس.
واعترضه ابن الملاحمي بأنه وإن كان كذلك إلا أن المؤثر شيء واحد؛
لأن عند اجتماع أجزاء رطبة وأجزاء يابسة ونحو ذلك يحصل شيء واحد
معتدل تقف الصحة عليه.
(1/120)
ويمكن الجواب بأنه إن
أراد بذلك الشيء الواحد نفس الأجزاء المجموعة لم يصح؛ لأنها هي
جملة الحي التي صح منها الفعل، فكأنه قال: يصح الفعل من الجملة
للجملة او لكونها جملة ونحن فرضنا الكلام في حين اشتركا في كونهما
جملتين، وإن أراد بذلك الشيء الواحد البنية المخصوصة لم يصح
للاتفاق على أنها أمور كثيرة، وهي أول المسألة، وإن أراد شيئاً غير
البنية والمبني لم يخل ذلك الشيء إما ان يرجع به إلى الآحاد
فالكلام فيه كالكلام في البينة، وهو أيضاً غير معقول، وأما أن يرجع
به إلى الجملة وهو المطلوب.
قال رحمه الله تعالى: أوليس صحة كون الأجزاء حية تقف عندكم على
البنية وإن كانت أموراً كثيرة والصوت يقف على الصلابة وهي بنية
مخصوصة، فكذلك وقوف صحة الفعل عليها.
ويمكن الجواب بأن لا ينكر وقوف هذه الأشياء على البنية المخصوصة،
ولكنه وقوف المشروط على الشرط لا وقوف الأثر على المؤثر؛ لأنه
يمتنع في الشيء الواحد أشياء كثيرة، ولا يمتنع أن يشرط الشيء
الواحد بأشياء كثيرة، فوزانه أن تجعل البنية شرطاً في صحة الفعل،
والمؤثر غيرها، وهو المطلوب. على أن صحة كون الأخرى حية لا عن
الجملة؛ لأنها لم تكن جملة حينئذ، فيجوز أن يؤثر فيه ما يرجع إلى
المحل وهو البنية /83/ إلا أن هذا لا يدفع ما ذكره من أن المؤثر في
هذه الصحة أمور كثيرة، فالأولى ما تقدم.
دليل: يمكن أن يقال لأبي الحسين إذا كان المرجع عند الجميع بالبنية
المخصوصة إلى التأليف والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك فأي شيء التأليف
والرطوبة إذا كنت لا تثبت المعاني.
فإن قال: هي صفات ثبتت بالفاعل كالسواد والبياض. قيل له: هب أنه
كذلك، فلِمَ كانت هذه الصفات بأن تقتضي صحة الفعل أولى من السواد
والبياض والجميع بالفاعل.
فإن قال: قد تكون الصفة بالفاعل ولها حكم يختصها كما يقولونه في
الوجود فإنه بالفاعل، وله حكم، وهو أنه تظهر عنده الصفات والأحكام
المقتضاة عن صفة الذات.
(1/121)
قيل له: إن الوجود
عندنا شرط، والمؤثر في الحقيقة هو الصفة الذاتية، فوزانه أن يجعل
هذه البنية المخصوصة شرطاً، والمؤثر في الحقيقة هو صفة القادر،
وكذلك نقول.
ثم إن سلمنا أن الوجود هو المؤثر في الحقيقة فهو لا يختلف بل كل
وجود يؤثر في وجود ذلك، ونحن ألزمناه أن لا تختلف الصفات التي
بالفاعل بل يستوي في التأثير في صحة الفعل، فما الجواب عنه.
دليل: ويمكن أن يقال له: قد يكون أحد الحيين أصح بنية من الآخر،
وأشد عافية منه، وأكثر سمناً وأطيب مأكلاً، ليس به مرض، ويكون
الآخر دونه في كل ذلك، ثم يقهره ويستبد بالفعل عليه، فلولا اختصاصه
بأمر زائد على البنية والحياة لما صح ذلك.
فإن قال: بل بنية الذي استبد بالفعل أكثر خصافة وأشد اعتدالاً.
قيل له: المرجع بالخصافة عندك إلى كثرة الأجزاء، ولا شك أن السمين
أكثر أجزاء، وأما شدة الاعتدال فليس الطريق إليه إلا حصول العافية
وزوال الأمراض، وقد فرضنا الكلام في حين زالت عنهما الأمراض.
فصل
إذا ثبت أن للقادر بكونه قادراً حال، فهي لا شك غير كونه حياً،
وكونه مشتهياً ونحو ذلك من صفات الجمل؛ لأن جميع ذلك قد يحصل لمن
تعذر منه الفعل، وقد لا يحصل راساً مع حصول التفرقة، أعني ما عدا
كونه حياً، ولأن هذه الصفات قد تماثل والقادرية لا تماثل لاستحالة
إيجاد متعلقها، ولأنها لا تختص فعله دون فعل غيره، بخلاف القادرية.
فصل
والطريق إلى هذه الحال في الشاهد هو صحة الفعل كما علمت، فيجب
ثبوتها للباري تعالى لحصول طريقها في حقه. واعترضه ابن الملاحمي
بأنه إنما يصح ذلك لو دلت صحة الفعل بنفسها على هذه الصفة في
الشاهد لكنها تدل عليها بطريقة السير، وقد أبطلتم /84/ أن يصح
الفعل من الشاهد لذات الجملة، فدلوا على أنه لا يصح الفعل من
الباري تعالى لذاته المخصوصة ليتأتى لكم إثبات صفة زائدة.
(1/122)
ويمكن الجواب بأن
يقال له أتريد أن يصح من الباري تعالى لمجرد ذاته أو لذاته
المخصوصة إن كان الأول لزم مثله في كل ذات، وليس لك أن تقول هي
مخالفة لسائر الذوات؛ لأن الذات لا تخالف غيرها لمجرد كونها ذاتاً،
بل لا بد من أمر زائد على ذلك كما سلف، وإن كان الثاني قيل له فما
معنى كونها مخصوصة عندك، أتريد أنها مخصوصة بكونها قادرة، فهو الذي
نقول، فإنه يقتضي أن الذي خصت به زائدة عليها كما تقوله أنت في
إثبات التبين أمراً زائداً على ذات الباري تعالى في مسألة عالم أو
تريد أنها مخصوصة بأمر غير كونها قادرة، فما هو، أو تريد أنها
مخصوصة بكونها ذاتاً، فهذه الخصوصية ثابتة لكل ذات.
قال أصحاب أبي الحسين: فيجب في هذه الحالة التي يرجع إلى الجملة في
الشاهد أن يرجع إلى الجملة في حقه تعالى، ويدل على كونه جملة.
قال أصحاب أبي هاشم، إن رجوع الحالة إلى الجملة ليس هو مجرد الحالة
وخسيتها، ولا ملازم لها حتى يلم من الاشتراك في الحالة الاشتراك في
رجوعها إلى الجملة، بل هو أمر زائد يتبع الدليل.
وتحقيق هذا أن الحالة إنما رجعت إلى الجملة ؛ لأن الحكم صدر عن
الجملة التي هي مجموع أجزاء قد صارت بالحياة في حكم الشيء الواحد،
وهذا مفقود في حق الباري تعالى.
فصل
وهذه الحالة معنوية في الشاهد لثوبتها مع الجواز، والحال واحدة
والشرط واحد كما تقدم في الكائنية، ويختص هذا المكان حصول التزايد
في هذه الصفة، فلا بد أن يستند إلى ما يتزايد، وليس إلا المعنى.
فصل
وحكم هذه الصفة مطلقاً صحة الأحداث وتعلقها بالضدين على البدل
وحكمها إذا استحقت للذات صحة الاختراع والتقديم والتأخير على
متعلقها واستحالة انحصار متعلقها في الجنس والعدد واستحالة خروج
الموصوف عنها واستحالة المنع ونحو ذلك وبالعكس من هذا إذا استحقت
لمعنى.
فصل في ما يجري عليه تعالى من الأسماء بمعنى كونه قادراً
(1/123)
اعلم أولاً أن كل
لفظة تفيد معنى على جهة الحقيقة، وحصل معناها في حق الله تعالى،
ولم يكن إطلاقها يوهم الخطأ، فإنه يجوز إطلاقها عليه تعالى، ولا
يحتاج أذن سمعي.
وقال أكثر البغدادية: لا بد من أذن.
لنا أنا نعلم بالعقل حسن الدعاء والتضرع إلى الله تعالى، ولا يتم
ذلك إلا بأن ندعوه بالأسماء التي ثبتت معناها في حقه.
ولأنه متى لم يكن في العبارة وجه قبح ولا ضرر على أحد /85/ جوز
العقل إطلاقها كسائر ما أصله الإباحة، ولأن التفاهم بالألفاظ يتبع
المواصفة، وإذا جاز للمتواضعين أن يصفوا أسماء تفيد التعظيم على
مسميات من دون إذن جاز أن يطلقوا تلك الأسماء إذا أرادوا تعظيم
الله تعالى، وذكره لاحتياجهم إلى ذلك، ولهذا قال تعالى: {ولله
الأسماء الحسنى فادعوه بها}، وهذا كله في الحقائق، فأما المجازات
فإنه لا يجوز إجراؤها على الله تعالى، إلاَّ بإذن اتفاقاً، ويقر
أيضاً حيث ورد بها الأذن، فلا يقاس عليها بحق لفظ الخداع والمكر
والاستهزاء والنسيان في قوله: {نسوا الله فنسيهم}، والفراغ في
قوله: {سنفرغ لكم أيها الثقلان}، وأشباه ذلك، وهكذا ما طريقه
الألقاب المحضة لا يجوز إجراؤها عليه تعالى اتفاقاً لخروجه عن حد
الإفادة، وكقيامه مقام الإشارة.
وأما قولنا شيء، فليس من هذا القبيل، بل له شبه بالمفيد من حيث
يفهم منه ما يصح العلم به والخبر عنه، فيجوز إجراؤه على الله
تعالى، وعلى هذا قال تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله}. وإذا
تمهدت هذه القاعدة فمن الأسماء التي تجرى عليه تعالى بمعنى كونه
قادراً، قولنا: القادر والمقتدر والقدير، وفي هذين الأخيرين مبالغة
لإفادتهما استحالة المنع.
ومنها: القوي، كالقادر سواء، واستعماله في الشديد مجاز. ومنها:
المقيت، أي المقتدر، وقيل: خالق الأقوات. ومنها: القاهر، عند أبي
علي، قال: ويجوز إجراؤه في ما لم يزل، وكأنه راعا صحة القهر لا
وقوعه، ومثله الغالب، وغيره راعا فيهما الوقوع.
(1/124)
ومنها الظاهر، أي
الظاهر اقتداره وغلبته، كقوله: {فأصبحوا ظاهرين}، وقيل: معناه
الظاهر بالدلالة الباطن المشاهدة.
ومنها: المالك، والملك والمليك، كله يفيد المقتدر على الكمال،
ولهذا لا يقال للوكيل مالك لما لم يملك التصرف التام. وقيل: هو
مأخوذ من الربط والشد، ومنه قولهم: أملك الرجل بالمرأة، أي ربط
عليها، ثم نقل إلى معنى الاقتدار، وملك ومالك عند الشيخين على
سواء، قالا ولهذا قري بهما. وقال غيرهما: أما من طرية اللغة فملك
أبلغ؛ لأنه مأخوذ من الملك، ومالك مأخوذ من الملك، ولهذا يقال:
مالك الدار ولا يقال ملك الدار، واتفقوا على أن مليك مبالغة فيهما
مثل قدير.
ومنها: الرب معناه المالك المدبر. ومنه قول صفوان بن أمية: لئن
يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن، أي يملكني.
ولا يصح إجراؤه على غير الله تعالى، إلا مقيداً، فيقال: رب الدار
ورب الإبل ونحو ذلك.
ومنها: السيد، أي المالك، والمولى مثله /86/، وكذلك الصمد، إلا أنه
يفيد زيادة تعظيم، وقيل: هو أنه مصمود(1) إليه في الحوائج.
ومنها: العزيز، معناه القادر الذي لا يغالب، مأخوذ من قولهم: أرض
عزاز إذا كانت صليبة يمتنع تفريق أجزائها. ومثله قولنا: كريم وإن
كان لها معنى آخر، وهو كثرة العطاء، فيكون من غير هذا الباب.
ومنها: الجبار، وهو أبلغ من العزيز مأخوذ من قولهم: نخلة جبارة إذا
فانت اليد وامتنعت من أن تنال.
وقيل: هو مأخوذ من الجبر وهو الإصلاح، فيكون من صفات الأفعال،
وإنما كان ذماً في أحدنا؛ لأنه يدعي ما لا ينبغي له ويتشبه بمن
يستحق هذا الوصف، ومنها الكبير معناه المالك المقتدر كما يقال:
فلان كبير قومه، ولا يراد بذلك كبر الجرم. ومثله العظيم والجليل.
وقيل: هذه الثلاثة تفيد في حقه تعالى جميع صفات الإلهية، وتنْزيهه
عما لا يجوز، وأما المتكبر فهو مبالغة في الكبير، وهو ذم في العباد
لمثل ما تقدم في الجبار.
__________
(1) . في نسخة: مقصود.
(1/125)
قيل: ولولا السمع لما
صح إطلاقه عليه تعالى؛ لأنه مفيد في الشاهد نوعاً من التكليف،
ولهذا لا يطلق عليه تعالى متحيزا بمعنى جبار.
ومنها المستولي، ولا يستعمل ما في معناه كالمستوي لإيهامه
الاستقرار وتقر حيث ورد نحو على العرش استوى.
ومنها: العلي والعالي والمتعالي معناها المقتدر اقتداراً لا يصح
معه المنع، ويستعمل بمعنى المتنزه عما لا يجوز، ومتى خشي المطلق
لهذا الاسم إيهام علو المكان وجب عليه التقييد، ولا يصح أن يطلق
عليه تعالى ما في معناه كالرفيع والشريف لكونهما أدخل في الإيهام،
ويقر حيث ورد نحو رفيع الدرجات.
ومنها الإله، ومعناه القادر على أصول النعم التي لأجلها تحق له
العبادة. قيل: ولهذا لا يوصف بأنه إله إلا لمن تصح عليه النعم
كالأحياء، فلا يقال إنه إله الجمادات والأعراض ويحمل قولهم إله
الأرض والسماوات على حذف المضاف تقديره إله أهل الأرض والسماوات.
ومثله قولنا: الله، لأن أصله الإله حذفت الهمزة التي بين اللامين
وبقي بلامين متحركين، أدغمت الأولى في الثانية، وقيل: الله.
ومنها: المستطيع، في نحو قوله تعالى: {هل يستطيع ربك..} الآية.
تنبيه
وأما قولنا مطيق فلا يجوز إجراؤه عليه تعالى؛ لأن فائدته ترجع إلى
الجهد، وكذا قولنا مطلق ومخلا لأنهما يفيدان جواز المنع عليه،
وكذلك قولنا: شديد ومتين؛ لأنهما يفيدان الصلابة، وقوله تعالى: {ذو
القوة المتين} مجاز يقر حيث ورد.
القول في أن الله تعالى عالم العالم
هو المختص بصفة لمكانها تصح منه الأحكام تحقيقاً أو تقديراً، أو
الإحكام هو إيجاد فعل عقيب فعل أو مع فعل على وجه لا يتأتى من كل
قادر ابتداء، والمحكم هو المترتب لذلك، ونريد بالتقدير ما لا يكون
مقدوراً كفعل الغير، أو يكون مقدوراً، لكن لا يصح إحكامه كالفعل
الواحد، فإنما هذه حالة يصح إحكامه تقديراً بمعنى أنه لو كان
مقدوراً، ومما يصح ترتيبه لا حكمناه.
(1/126)
وقال أبو الحسين وابن
الملاحمي: هو المتبين لأمر من الأمور تبيّناً يمتنع معه في نفسه
تجويز خلافه، وهو لا يصح كما تقدم؛ لأن هذا اللفظ لا يطلق إلا على
من يتعرف الشيء بمشقة وتجويز، وأيضاً فهو لا يفيد حصول المعرفة،
ولهذا يقال: تبينت الشيء فما عرفته أي طلبت معرفته؛ ولأن المتبين
أخفى من العالم فلا نحد به.
فصل
وذهب أهل الإسلام وأهل الكتاب وغيرهم إلى أن الله تعالى عالم.
وقالت الباطنية وابن غوث بمقالتهم في كونه قادراً. وقالت الفلاسفة
هو عالم.
ثم اختلفوا، فقال أوائلهم هو عالم بنفسه فقط، ولا يعلم غيره،
قالوا: والعلم والعالم والمعلوم شيء واحد؛ لأنه لو علم غيره لاقتضى
ذلك التكثر في ذاته، ومن هاهنا اقتضى علمه بنفسه صدور العقل الأول
منه، فلو علم غير نفسه لصدر عنه غير ذلك العقل، وقال أواخرهم كابن
سيناء والفارابي وابن الراوندي: هو شيء يعلم مع ذاته الأمور الكلية
دون الأمور الجزئية المنقسمة بانقسام الزمان إلى الماضي والحاضر
والمستقبل؛ لأنها متغيرة، والعلم بها مختلف متغير، فلو علمها
لاقتضى التغير في ذاته، قالوا مثاله الكسوف، فإن له ثلاث حالات،
حالة عدم وحالة وجود وحالة عدم بعد ذلك الوجود، فأحدنا يعلمه أولاً
معدوماً، ثم إذا وجد علمه موجوداً، ثم إذا عدم علمه معدوماً، وكل
واحد من هذه العلوم غير الآخر، فإذا حصل تغير الآخر وتغير العلوم
يقتضي تغير العالم، قالوا: فلا يعلم تعالى الأمور المفصلة لا ما
كان ولا ما هو كائن، ولا ما سيكون، وإنما يعلم علماً كلياً، وهو أن
الأرض مثلاً متى توسطت بين الشمس والقمر أكسف القمر، فأما إنه قد
أكسف القمر أو سيكسف، فلا يعلمه، هذا تحرير مذهبهم، وسيتضح بطلانه
في آخر فصل الكيفية، وإن كان لا طريق لهم إلى إثباته تعالى عالماً،
وقد أضافوا الأفعال المحكمة إلى العقول والأفلاك.
لنا: إنه تعالى قد صح منه الفعل المحكم والفعل لا يصح إلا من عالم.
(1/127)
أما أنه قد صح منه
الفعل المحكم فذلك ظاهر /88/ في ملكوت السماوات والأرض، فإن في ذلك
من عجائب الصنعة وغرائب الحكمة ما تقصر عنه الأوصاف وتحتار فيه
الأفكار من أنواع النبات وأصناف الحيوانات وأجناس المخلوقات،
وتفاصيل ذلك بحسب مصالح المكلفين من غير زيادة ولا نقص.
فإن قيل: ما أنكرتم أن الله تعالى أوجد هذه الأشياء وأحكمها غيره.
قلنا: ذلك الغير، إما أن يكون قديماً وهو محال؛ لأنه لا يأتي لله،
وإما محدثاً، وهو إنما يكون، قادراً بقدرة، وعالماً بعلم، وذلك
يحتاج إلى بنية مخصوصة يحتاج إلى غاية الإحكام، فيجب في فاعله أن
يكون عالماً، وذلك كاف في حصول الغرض؛ لأن فاعله هو الله، وإلا لزم
التسلسل.
وإما أن من صح منه الفعل المحكم فهو عالم، فلأن ذلك هو معنى العالم
وهو ضروري على الجملة بدليل أن العقلاء يصفون من هذه حاله بأنه
عالم.
فصل
وطريقة التفصيل فيه أنا وجدنا في الشاهد قادرين صح من أحدهما
الإحكام دون الآخر، فلا بد من أمر له صح، وذلك الأمر ليس إلا صفة
ترجع إلى الجملة في الشاهد وإلى الحي في الغايب، وتصحيح هذا يجري
على نحو ما تقدم في مسألة قادر، وقد خالف أبو الحسين وابن الملاحمي
وغيرهما في إثبات حالة للعالم على الحد الذي يثبته سائر الشيوخ،
وأثبتا له تعالى تعلقاً، وهو التبين، وجعله ابن الملاحمي حكماً
للقلب في الشاهد، وللذات في حق الباري تعالى، والفرق بين كلامه
وبين كلام الجمهور أنهم يثبتون حاله وتعلقاً زائداً عليها، وهو
أثبت التعلق فقط، وجعله حاله، واستدل على أنه حالة للقلب بأنه لا
يعقل من دون القلب، ولو كان حاله للجملة لتساوت أجزاؤها فيه كما
تساوى الأجزاء السود في السواد.
قال: ونحن نجد هذا التبين في ناحية الصدر ولا نجد الأعضاء متساوية
فيه.
ويمكن أن يعترض فيقال إن كونه لا يعقل من دون القلب لا يقتضي كونه
حالاً للقلب وإلا لزم أن تكون الكتابة حالة لليد لأنها لا تعقل إلا
بها.
(1/128)
وبعد، فما تريد بقولك
لو كانت حالة للجملة لتساوت أجزاؤها، أتريد بكون كل جزء منها
عالماً، فليس ذلك من قولنا بخلاف السواد فإنه يختص المحل أو تريد
أن يقال زيد عالم ولا يقال قلبه عالم، فذلك الذي نريد مما يلزم
منه، وأما أنا نجد هذا التبين في ناحية الصدر فمسلم لكن العالم هو
الجملة كما أن قدرة الكتابة توجد في اليد والكاتب هو الجملة،
واستدل على أنه حالة لذات الباري تعال بأن قال إن كونه تعالى
مقيساً أمراً زائداً على ذاته تعالى، ولا يعقل من دون ذاته، فكان
حاله له، وأما أنه أمر زائد على ذاته فلأنه قد صح منه الفعل المحكم
أن يصح منه؛ لأنه ذات مطلقة /89/ أو لأنه ذات مخصوصة أو لأن ذاته
تبين للأشياء.
قال: والأول باطل وإلاّ لزم صحة الفعل المحكم من كل ذات.
قال: وأما الثاني فيقال لهم أصح منه؛ لأنه ذات مخصوصة بكونها
متبينة أم لا إن قالوا لا قيل لهم، فقد صح الفعل المحكم ممن لم
يتبين وهو محال.
قال: وأما الثالث فباطل؛ لأن ذاته لو كانت تبيناً للأشياء، وهذا
التبين حاصل لنا لكان يلزم أن يكون مثلاً لتبينا.
قال: وأما أن التبين لا يعقل من دون ذاته، فهو ظاهر، فثبتت بذلك
كونه حالة لذاته تعالى، هذا ما حكاه الشيخ محمود.
ويمكن أن يقال له: هذا الدليل الذي ذكرت هو الذي يستدل به أصحاب
أبي هاشم على إثبات الحالة، فهو موضع وفاق، لكنهم يثبتون للعالم
تعلقاً بالمعلوم غير هذه الحالة، وهو صحة اتحاد المعلوم من جهته
محكماً تحقيقاً أو تقديراً، وهذا مما لا يمكن إنكاره، ثم يقال له:
لم لا تقبل هذا الدليل في إثبات حالة للقادر، وما الفرق بين
الموضعين، فأما الشيخ محمود فاستدل على أن هذا التبين حكم لا حالة،
بأن قال: إن التعلق بين العالم والمعلوم لا يعقل من دونهما،
والحالة لا يعتبر فيها الغير.
ولنا أن نقول: إن هذا التعلق نحن نسلم أنه حكم، ولكنا نستدل على
الحالة بما ذكرته عن أبي الحسين ولم تبطله.
(1/129)
وقد استدل شيوخنا
لإثبات هذه الحالة مع ما تقدم بأن قالوا: يستحيل حصول العلم بالشيء
في جزء من العلم والجهل به في جزء آخر، ولا وجه لهذه الاستحالة إلا
حصوله على صفتين ضدين؛ لأن المعاني لا تتضاد إلا على المحل.
واعترضه ابن الملاحمي بأنه مبني على إثبات المعاني، ويمكن الجواب
بأنا لا نحتاج في ذلك إلى ذكر المعاني، بل يكفي أن نقول: يستحيل أن
يكون أحدنا عالماً بالشيء جاهلاً، ولا وجه لهذه الاستحالة إلا
حصوله على صفتين ضدين، إذ لو لم يكن إلا مجرد التعلق لما استحال أن
يتعلق القلب بالشيء على ما هو به، وعلى ما ليس هو به، ألا ترى أن
المحور قد تعلق قلبه بالشيء على ما هو به، وعلى ما ليس هو به، وليس
له أن يفرق سكون النفس؛ لأنه لا يثبته، ولأنه من أحكام العلم.
قال أصحابنا: ولو لم يكن إلا ما في القلب من التعلق وفي اليد من
البنية لما صح وقوع الفعل ولا أحكامه باليد لداع في القلب كما لا
يصح بيد زيد لداع في قلب عمرو.
قالوا: ولا يصح الفرق بأن اليد متصلة بالجملة؛ لأنه لا حكم للاتصال
إلا إذا كان المؤثر راجعاً إلى الجملة.
واعترضه أبو الحسين بأنه يلزم أيضاً أن لا يصح الفعل المحكم باليد
لحال العالم؛ لأن العالم هو الجملة دون اليد، وهذا لا يستقيم؛ لأن
الفعل المحكم عندنا وقع من الجملة باليد من حيث هي آلة، فالفعل
واقع من الجملة لحال الجملة.
قال ابن الملاحمي /90/ في الاعتراض على أصحاب أبي هاشم أن يقال ليس
يمتنع وقوع الفعل بالجملة لما يختص ببعضها، وهو التعلق الحاصل في
القلب من حيث أن اليد آلة متصلة أعصابها، وعروقها بالدماغ وبالقلب
بخلاف يد زيد وقلب عمرو، فلا اتصال بينهما.
(1/130)
ويمكن الجواب بأن
يقال له لست تعترض على البهشمية في إثبات الحالة للجملة بأنه يعلم
العالم عالماً والقادر قادراً من لا يعلم هذه الحالة، وهذا متوجه
إليك هنا، فيقال: إنه يعلم التفرقة بين وقوع الفعل بيد زيد لداع في
قلبه ووقوعه في يده لداع في قلب عمرو من لا يعلم اتصال عروق اليد
وعصبها بالدماغ والقلب، بل هذا أخفى وأحق أن لا تعلل به هذه
التفرقة.
ثم يقال له: يلزم إذا ألصق الله ظهر زيد إلى ظهر عمرو وواصل بين
عروق الظهرين أن يصح الفعل بيد زيد لداع في قلب عمرو؛ لأن يد زيد
قد اتصلت بما يتصل بدماغ عمرو وقلبه، فثبت بهذا أن للعالم حالة
راجعة إلى الجملة، وهذه الحالة إنما تشتبه بكونه معتقداً وظاناً
وناظراً ولا يصح رجوعها إلى شيء من ذلك؛ لأن جميع هذه الأشياء قد
تحصل مع تعذر الأحكام، فيجب أن يكون غيرها، وهي كونه عالماً.
فصل
وإذا ثبتت هذه الحالة في الشاهد فهي تثبت للباري تعالى؛ لأن الطريق
واحدة، وتصحيح هذا على نحو ما مر في مسألة قادر، وليس عدم الأحكام
في بعض الأفعال يدل على فقد هذه الصفة لجواز أن تكون الحكمة في أن
لا يكون محكماً، ألا ترى أن كثيراً من أفعال الباري تعالى لا يكون
محكماً، وإن كان حكمةً لحصول غرض فيه مع حسنه.
فصل فيما يجوز أن يجرى عليه تعالى من الأسماء بمعنى كونه عالماً
وما لا يجوز
أما الأسماء الجائزة، فمنها: العالم والعليم والعلام، وفي الأخير
من مبالغة تفيد استحالة الجهل.
ومنها: العارف إذ لا فرق بين العلم والمعرفة، لكنه أقل استعمالاً
من العالم، وأيضاً لا يتأتى فيه من المبالغة ما يتأتى في العالم،
فلا يقال عراف لاتهامه الخطأ.
ومنها: الداري، أي العالم، قال الشاعر:
لا هم لأدرى وأنت الداري
(1/131)
وهو وإن كان أصله من
دريت الصيد إذا توصلت إليه بحيلة، فأصل الاشتقاق لا يراعى في
الألفاظ إذا وقع التعارف على وجه معنى صحيح كالحال، فإن أصله
التغير والانقلاب، ثم استعمل في الصفات، ومنها البصير كما يقال:
فلان بصير بكذا أي عالم به، وإن كان يستعمل بمعنى كونه حياً لا آفة
به، ويستعمل مبالغة في المبصر.
ومنها: الحكيم، أي العالم، قال تعالى: {وآتيناه الحكمة} وقال: {ومن
يؤت الحكمة} أي: العلم، ويستعمل بمعنى المحكم أي فعل الحكمة /91/
فيكون من صفات الأفعال، ويستعمل أيضاً بمعنى المحكم بالفتح نحو:
والقرآن الحكيم.
ومنها: الواجد عند بعض شيوخنا، ومنه قوله تعالى: {ووجدك ضالاً
فهدى}. وقيل: يقر حيث ورد لإيهامه الخطأ من حيث لا يطلق الوجدان
إلا بعد طلب.
ومنها: الرائي لا بمعنى المشاهدة، لأن الرؤية كما تستعمل حقيقة في
المشاهدة تستعمل حقيقة في مطلق العلم، وعلته قوله تعالى: {أولم ير
الإنسان أنا خلقناه من نطفة}، ونحوه ألم يعلم.
ومنها الخبير، أي العالم بكنه الشيء كالعلم، وقيل: معناه المخبر
كالسميع بمعنى المسمع في نحو قوله: أمن ريحانه الداعي السميع.
ومنها: الرقيب، نحو: {كنت أنت الرقيب عليهم}، وقد تعورف به في
العالم بتفاصيل الأحوال، وإن كان أصله من الارتقاب لحال غيره،
ومثله الحفيظ، وإن كان يستعمل بمعنى الحافظ، فيكون من صفات
الأفعال.
ومنها: الشهيد، مبالغة في الشاهد، أي العالم الذي لا تخفى عليه
الأسرار، ويستعمل بمعنى المدرك، فيكون من بابه.
ومنها: المطلع عند بعض شيوخنا؛ لأنه قد تعورف به في العالم، وقيل:
يقر حيث ورد لإيهامه المشاهدة من المكان المرتفع إلى المكان
المنخفض.
ومنها: الواسع، قيل: معناه العالم. وقيل: معناه الغني. وقيل: معناه
المكثر من العطاء. وقيل: يقر حيث ورد لإيهامه الخطأ، إلا أن يفيد
نحو: واسع الرحمة والعطاء، ونحو ذلك.
(1/132)
وأما الأسماء التي لا
تجوز في هذا الباب: فنحو قولنا طبيب؛ لأنه قد تعورف به في من
يتعاطا صناعة مخصوصة، وكذلك الفقيه؛ لأن الفقيه إنما يستعمل بالعرف
في ما يدخله بعض غموض، وكذلك الشاعر؛ لأنه يفيد ضرباً من التفطن
لمعاني الكلام وقوافي الشعر، ولأنه لا بد فيه من تجدد، فلا يستعمل
إلا في ما علم بعد جهل، وكذلك الفطن؛ لأنه يفيد استدراك معاني
الكلام مع نوع صعوبة من فكر أو استنباط، وكذلك المتقين لإفادته
حصول العلم بطلب بعد إن لم تكن، ومثله المتحقق والمتبصر والمتيقن،
كلها تقيد حصول العلم بعد البحث، فيرتفع الشك، وكذلك لا يوصف
الباري تعالى بأنه يحسن الأشياء. قال أبو علي: لأنه يفيد أول العلم
بما يدركه المرء ويشاهده، وهو تعالى مستمر علمه بالأشياء.
وقال ابن هاشم: بل لأنه يفيد إدراكه للأشياء بحاسة، وكذلك الحاذق؛
لأنه يفيد نوع معالجة، ولأنه في الأصل اسم للقاطع يقال سكين حاذق،
وخلّ حاذق أي قاطع، وكذلك الذكي، لا يستعمل إلا في ذي قلب سريع
التلقن، وكذلك الحافظ بمعنى العالم لإيهامه حفظ الدرس بخلاف
الحفيظ، وكذلك العاقل /92/ لأن هذه العلوم إنما سميت عقلاً لمنعها
صاحبها عما ينزع إليه نفسه مأخوذ من عقال الناقة، والمنع يستحيل
على الله تعالى، وكذلك المعتقد؛ لأنه مأخوذ من عقد الخيط كان
المعتقد بعقد قلبه على شيء، وكذلك المحيط لا يصح إجراؤه إلا مع
التقييد نحو أحاط بكل شيء علماً لإيهامه الجسمية، وكذلك لا يقال:
ساكن النفس لإيهامه السكون المعاقب للحركة، ولأنه مجاز، وكذلك
المتعجب؛ لأنه يفيد حصول العلم للإنسان بما لم يكن عالماً به مما
لم تجر به العادة، وفيه غرابة.
(1/133)
وأما الغم والندم
والأسف الحسرة ونحو ذلك فلا شبهة في امتناع إجرائها عليه تعالى؛
لأنها تفيد اعتقاداً مخصوصاً فيما يرجع إلى فوات النفع أو وقوع
الضرر وهو مستحيل عليه تعالى. وقوله تعالى: {يا حسرة على العباد}
مجاز. وقيل: معناه أن أفعالهم تصير حسرة عليهم. وقوله: فلما أسفونا
مجاز. وقيل: تقديره فلما أسفوا أولياءنا.
القول في أن الله تعالى حي
الحي هو المختص بصفة لمكانها يصح أن يقدر ويعلم، وخصصنا أن يقدر
ويعلم دون سائر ما يصححه كونه حياً؛ لأنهما يصحان لكل حي في كل
وقت، وما عداهما ليس كذلك.
فصل
ذهب المسلمون وكثير من الناس إلى أن الله تعالى حي، والخلاف في ذلك
على نحو ما مر في مسألة قادر وعالم، لنا أنه تعالى قادر عالم
والقادر العالم لا يكون إلا حياً، أما أنه قادر عالم فقد تقدم
بيانه.
وأما أن القادر العالم لا يكون إلا حياً فهو على الجملة معلوم
ضرورة، ولهذا يصفة العقلاء بأنه حي.
وطريقة التفصيل فيه: أنا وجدنا في الشاهد جسمين أحدهما صح أن يقدر
ويعلم بخلاف الآخر، ولا بد لهذه التفرقة من أمر، وليس إلا صفة ترجع
إلى الجملة، وهي كونه حياً، وتصحيح هذه الأصول تجري على نحو ما
سلف، والذي يشتبه أن يرجع بهذه الصفة إليه كونه قادراً، وذلك لا
يصح؛ لأن حكمها وهو صحة الإدراك مخالف لحكم كونه قادراً، وهو صحة
الفعل، ولا يقال الحكمان، وإن اختلفا يرجعان إلى صفة واحدة كأحكام
التحيز؛ لأنا نقول صحة الإدراك تكشف عن صفة قد تكون متماثلة، وصحة
الفعل تكشف عن صفة مختلفة بكل حال، وكشف هذين الحكمين عن التماثل
والاختلاف إنما هو بحسب اتحاد المتعلق، وتعدده لا بحسب كون الحكم
في نفسه متماثلاً أو مختلفاً.
فصل
(1/134)
وقد ذهب أبو الحسين
وابن الملاحمي في كونه حياً إلى مثل ما ذهبنا إليه في كونه قادراً،
وذكر أن الشيوخ استدلوا مع ما تقدم إلى إثبات هذه الحالة بأن أحدنا
أجزاء كثيرة، وقد صارت شيئاً واحداً /93/ فلا بد من حالة واحدة
بخلاف البنية، فإنها أمور كبيرة، وبأن أحدنا مدرك واحد، فيجب أن
يختص بحالة واحدة، يصحح كونه مدركاً.
واعترضنا على هذين الدليلين وعلى ما تقدم بأن من صح أن يحيي فارق
من لا يصح أن يحيي، فكان يلزم تعليل هذه المفارقة بحالة للجملة.
وقد أجاب الجمهور عن هذا بأنا إنما أوجبنا تعليل هذه المفارقة
بأمر، فأما أن ذلك الأمر صفة ترجع إلى الجملة فإنما تعلم بدليل
آخر، وهو أن الحكم قد صدر عن الجملة، فيجب أن يعلل بأمر راجع إلى
الجملة، وصحة أن يحيي الآخر أحكم لم يصدر عن الجملة لأنها لا تكون
جملة إلا بعد كونها حية، فلهذا عللنا المفارقة فيه بأمر راجع إلى
الإجزاء، وهو البنية المصححة لوجود الحياة.
قال الجمهور: ولو لم يحتج كونه قادراً عالماً إلا إلى القدرة
والعلم دون حال الجملة للزم صحة الفعل باليد المثابة لوجود القدرة
التي هي البنية فيها، ولا حكم للاتصال، ألا ترى أن الظفر والشعر
متصل وليس بداخل في جملة الحي، فصح انه إنما يتعذر الفعل باليد
المتانة لخروجها عن جملة الحي.
قال ابن الملاحمي: بل إنما يتعذر الفعل بها لفقد الحياة المصححة
للقدرة، ويمكن أن يقال له: أوليس المرجع بالحياة عندك إلى البنية
المخصوصة كالقدرة، فما دليلك على زوالهما جميعاً على اليد المنانة،
ولم وجب زوالهما بالإبانة.
(1/135)
واستدل الرازي لمذهب
الجمهور بأنه إذا كان معنى الحي عند أبي الحسين هو الذي لا يمتنع
أن يقدر ويعلم، فهذه إشارة إلى نفي الامتناع والامتناع نفي ونفي
النفي إثبات، فقد ثبت أمراً زائداً على الذات، وهو المطلوب، وهذا
ليس بالمقنع؛ لأن أبا الحسين يثبت حكماً زائداً على الذات، وهو صحة
أن يقدر ويعلم، وإنما نفى الحال التي يستند إليها هذا الحكم.
قالت الفلاسفة على أصل المسألة: إن القادر العالم في الشاهد كما
يجب أن يكون حياً يجب أن يكون جسماً ومتحركاً وملتذاً، وجائزاً
عليه الموت فقولوا مثله في الله تعالى.
قلنا: إن كونه حياً إنما يصحح القادرية والمعالمية ونحوهما دون
كونه جسماً، وسائر ما ذكرتم، وإنما وجبت هذه الأمور في الشاهد من
حيث يستحق هذه الصفات لمعان يحتاج إلى بنية.
قالوا: فيغلب عليكم فنقول إنما كان القادر العالم في الشاهد حياً؛
لأنه يستحقها بين الصفتين لمعان توجب للجملة، وإنما تكون جملة إذا
كانت حية، وكذلك يحتاج إلى محل مبني بنية مخصوصة، والقديم يستحقها
لذاته.
قلنا: بل إنما وجب أن يكون القادر /94/ العالم في الشاهد حياً
لتعلق بين هاتين الصفتين وبين كونه حياً بدليل إنما دخل في جملة
الحي دخل في جملة القادر العالم، وما خرج عن جملة الحي خرج عن جملة
القادر العالم. يوضحه أن العبرة بصحة أن يقدر ويعلم سواء حصل قدره
وعلم أم لا.
قالوا: كونه قادراً عالماً فرع على كونه حيا، فلا يصح الاستدلال
بهما عليه كما أن أفعال الباري تعالى فرع عليه في الثبوت، ويصح
الاستدلال بها عليه.
قالوا: كما تصحح هذه الصفة كونه قادراً عالماً تصحح أيضاً كونه
مشتهياً ونافراً ونحوهما، فيلزم جواز ذلك على الله تعالى،و هو
محال.
(1/136)
قلنا: إنما تصح هذه
بشرط جواز الزيادة والنقصان والمنافع والمضار كما تصحح كونه حياً،
هل الشرط أن لا يجب كونه عالماً، والضبط في مثل هذا أنه لا يلزم من
الاشتراك في صفة الاشتراك في صفة أخرى إلا إذا كانت إحداهما حقيقة
في الأخرى ككونه قادراً وكونه حياً أو مقتضية لها كالتحيز
والجوهرية أو كان دليلهما واحداً.
فصل
إذا ثبت أن للحي بكونه حياً صفة في الشاهد فكذك في حقه تعالى
لاستمرار طريقهما في الموضعين، وهي معنوية في الشاهد لمثل ما تقدم
في غيرها، وستأتي كيفية استحقاق الجميع في حقه تعالى.
فصل
والذي يجري عليه تعالى من الأسماء بهذا المعنى نحو قولنا حي، وكذلك
سميع بصير؛ لأن المرجع بكونه سميعاً بصيراً إلى أنه حي لا أنه كما
سيأتي، وأما قولنا حيوان أو روحاني فلا يصح إجراؤه عليه تعالى،
لأنه يفيد الحياة والجسمية.
القول في أن الله تعالى سميع بصير
المرجع بذلك عند الجمهور إلى أنه حي لا آفة به، وحكي عن الشيخ أبي
هاشم إثبات حالة زائدة، وهو لا يصح؛ لأن العلم بكونه سميعاً بصيراً
يدور مع العلم بكونه حياً لا آفة به ثبوتاً وانتفاء، فلو كانتا
غيرين لصح انفصال أحدهما عن الآخر.
واعلم أن الحكاية في ذلك عن أبي هاشم رحمه الله تعالى محتملة؛ لأنه
إنما ذكره في بعض الأبواب أن العلم بأنه حي يخالف العلم بأنه سميع
بصير من حيث قد يعلم كونه حياً بصحة أن يقدر ويعلم، وإن لم يعلم هل
هذه الصفة تقتضي صحة الإدراك أم لا، ثم يعلم اقتضاءها لصحة الإدراك
من بعد بنظر آخر، فأخذ الحاكي من هذا الكلام أنه يثبت حالة زائدة
على كونه حياً، وهذا لا يدل على أنه يثبتها؛ لأن اختلاف العلمين
بالذات كما يكون لاختلاف حالين لها قد يكون لتغابن أحكام حال
واحدة. ولما كان لكونه حياً أحكام متغايرة منها صحة أن يقدر.
(1/137)
منها صحة أن يعلم،
ومنها صحة أن يدرك كأن العلم بصحة كون الذات حية على بعض هذه
الأحكام غير العلم بكونها حية /95/ على البعض الآخر لتغاير
الأحكام، ومع هذا التأويل يصير كلام أبي هاشم في نقض الأبواب
موافقاً لكلامه في غيره، ولكلام الشيوخ، ولهذا قال ابن الملاحمي في
الفائق: ذهب الشيخ أبو هاشم وأصحابه إلى أن معنى كونه سميعاً
بصيراً هو أنه لا يستحيل أن يدرك المسموع والمبصر إذا وجد، وهذا
يدل على أن أبا هاشم موافق سائر الشيوخ.
القول في أن الله تعالى مدرك المدرك
عندنا هو المختص بصفة لمكانها يسمع ويبصر في الحال، وقد اتفق
المسلمون على أنه تعالى سامع مبصر. وخالف أهل الإلحاد كما تقدم،
لنا أنه تعالى حي لا آفة به ولا مانع له والمدرك موجود، وهذه
الأمور هي التي معها تدرك المدركات، أما أنه حي فقد تقدم، وأما أنه
حي لا آفة به ولا مانع له؛ فلأن الآفات والموانع إنما تجوز على
الأجسام ذوي الحواس، وأما أن المدرك موجود فلأن المدركات ثمانية
أجناس، وكلها موجودة، وأما أن هذه الأمور هي التي معها تدرك
المدركات فدليله الشاهد، وذلك ضروري، وقد قال تعالى: {وهو يدرك
الأبصار}، وقال: {إنني معكما أسمع وأرى} ونحو ذلك من الآيات.
فصل
واختلف الناس في تفصيل كونه مدركاً، فقال جمهور البصريين من
شيوخنا: هي حالة زائدة على الذات، وعلى صفاتها، وبه قال أهل الجبر.
وقال البغداديون: معنى ذلك أنه عالم بالمدركات.
وقالت الفلاسفة: ليس إلا انطباع المدرك في الحاسة فقط، حكاه أبو
الحسين عنهم، ولم نجبهم عنه، ولا صرح بكونه مذهباً له، وإنما ذكره
اعتراضاً على البهشمية في إثبات الحال.
(1/138)
لنا أن أحدنا يجد
التفرقة بين كونه مدركاً وبين كونه غير مدرك، فلا بد من أمر يعلل
به هذه التفرقة، وليس إلا صفة للجملة في الشاهد، وللحي في الغايب،
أما أن أحدنا يجد التفرقة فهو ضروري، وأما أنه لا بد من أمر فلما
تقدم، وأما أن ذلك الأمر ليس إلاَّ صفة، فلأن كونه مدركاً لو كان
ذاتاً لعلم على انفراده ولو كان حكماً لما علم إلا باعتبار غير أو
ما يجري مجراه، بقي أن يكون صفة، ولا يجوز ان يرجع بها إلى كونه
حياً؛ لأنها تتعلق دون كونه حياً، ولأنها واجبة دون كونه حياً،
ولأنها تتجدد مع استمرار كونه حياً، ولأنها توجد من النفس دون كونه
حياً، ولا يجوز أن يرجع بها إلى كونه عالماً كما يقوله البغداديون،
لأن أحدنا يعلم ما لا يدرك كالقديم تعالى والمعدوم، وكثير من
الأعراض، ويدرك ما لا يعلم كقرض البق والبرغيث، ولئن أحدنا قد يعلم
الشيء فإذا أدركه /96/ وجد مزية غير كونه عالماً، ولأن كونه مدركاً
واجب وكونه عالماً قد يكون جائزاً، ولأن كونه مدركاً يتجدد ويزول
مع استمرار كونه عالماً وثبوته.
ولا يجوز أن يرجع بها إلى الانطباع وتأثير المرئي في الحواس كما
تقوله الفلاسفة؛ لأنه غير معقول، ولأنا ندرك الأجسام العظام
كالسماء والجبال ويستحيل انطباعها في الحاسة لأنها صغيرة، ولأن كون
أحدنا مدركاً أمر صادر من جهته والانطباع صادر من جهة المرئي،
ولأنا ندرك ما يعلم بالضرورة أنه لم ينتقل إلى حواسنا، وفي ما يدرك
ما لا يصح عليه الانتقال كالأعراض، ولأنا نفعل الصوت ويسمعه الغير،
فلو كان سماعه له هو تأثيره في حاسته لكنا نحن الفاعلين لذلك
السماع بفعلنا لسببه وهو الصوت.
شبهتهم: إن أحدنا إذا أدمن النظر إلى الشمس ثم غمض عينيه رأى الشمس
كأنه لم يغمض، وكذلك إذا أدمن النظر إلى الخضرة ثم أبصر لوناً أبيض
رآه كأنه أخضر، فدل مثل ذلك أن المرئي ينطبع في الحاسة.
(1/139)
والجواب أن ذلك هو
لأمر يرجع إلى الشعاع وافتراقه، فيتخيل عند الانصراف أنه يرى الشيء
بدليل أنه لا يكون إلا مع الإدامة الشديدة، وفي حق من بصره ضعيف،
ولو كان للإنطباع لحصل من أول مرة. وأيضاً فمتى غمض عينيه تخيل له
أنه يرى الشمس مقابلة له، ولو كان للانطباع لم يرها؛ لأن من حق
المرئي أن ينفصل عن الحاسة. وأيضاً فإذا أطبق عينيه والحال هذه
فربما تتخيل له الشمس في غير صورة البياض فبطل ما قالوه، وثبت أن
للمدرك بكونه مدركاً حال، والكلام في رجوعها إلى الجملة في الشاهد
وإلى الحي في الغائب مثل ما تقدم في مطائره.
فصل
وهذه الحال تثبت للباري تعالى، وقال البغداديون إن لم يرجع بها إلى
كونه عالماً فلا تثبت للباري تعالى.
لنا أنها مقتضاة في الشاهد عن كونه حياً فقط، وما عدا ذلك من صحة
الحاسة وزوال المانع ووجود المدرك فهو شرط، وقد حصل هذا المقتضى
على الحد الذي يقتضي في حقه تعالى، فيجب ثبوت هذه الصفة له، وهذان
أصلان:
أما الأصل الأول وهو أنها مقتضاة عن كونه حياً فقط فلأنا نعلم
بالضرورة وقوفها على هذه الأمور ثبوتاً وانتفاء.
ولا يجوز أن تكون كلها مؤثرة، والشرط غيرها لأنه كان يلزم صحة
حصولها ولا يدرك بأن لا يصحل ذلك الشرط ولأنها أمور كثيرة مختلفة،
ولا يصح تأثيرها في صفة واحدة، ولأن فيها ما يرجع إلى النفي، وما
يرجع إلى المحل وكونه مدركاً أمر ثابت راجع إلى الجملة، وبهذا يبطل
أن يكون المؤثر صحة الحاسة أو زوال المنع.
ولا يجوز أن يكون المؤثر وجود المدرك؛ لأنه أمر منفصل عن المدرك،
فلا يؤثر في ما يرجع إلى المدرك. بقي أن يكون المؤثر كونه حياً
والباقي شرط وهو المطلوب.
(1/140)
وقد استدل ابن
الملاحمي /97/ بأن العلم بكونه حياً يتبعه العلم بصحة أن يدركه على
بعض الوجوه، وهي أن تحصل الشروط، قال: لأن العقلاء متى علموه حياً،
وأخبروا بأنه أدرك لم يحيلوا ذلك بخلاف الجماد، وفيه نظر؛ لأن
لقائل أن يقول: إنما أحالوا ذلك في الجماد؛ لأن كونه حياً شرط
والمؤثر وجود المدرك مثلاً، ألا ترى أنهم لو أخبروا بأن الحي أدرك
شيئاً لم يوجد لأحالوا ذلك، والعلم بصحة الإدراك كما يتبع كونه
حياً يتبع وجود المدرك وغير ذلك مما جعلناه شرطاً.
فإن قال: كان يلزم إذا وجد المدرك صح إدراك الجماد له على بعض
الوجوه. قيل له: لست تريد بقولك على بعض الوجوه إلا حصول الشروط،
وكذلك يقول الخصم هنا؛ لأن كونه حياً من جملة الشروط عنده، فالجماد
يصح أن يدرك إذا حصل الشرط، وهو كونه حياً، وأما الأصل الثاني وهو
أنه قد حصل المقتضى على الحد الذي يقتضي في حقه تعالى، فلأنه حي لا
آفة به ولا مانع له، والمدركات موجودة.
فإن قيل: من جملة الشروط صحة الحاسة، وهو مفقود في حقه تعالى.
قلنا: إنما يجب أن يكون شرطاً في حق الحي بحياة؛ لأنه إنما يدرك
بالآلة فاعتبر صحتها.
شبهة البغداديين أنه تعالى لو كان مدركاً بهذا المعنى لكان قد حصل
على هذه الصفة بعد إن لم يكن عليها، وذلك تغيّر.
والجواب إن أردتم بالتغير أنه قد حصل له صفة لم يكن عليها، فذلك
نقول لكن من أين لكم أن هذا يسمى تغيراً أليس إذا أدرك أحدنا بعد
إن لم يعلم لم يقل اهل اللغة أنه قد تغير، وأنه قد تغير وإن أردتم
بالتغير أن ذاته صارت غير ما كانت فذلك غير لازم، دليله الشاهد
قالوا: لو حصلت هذه الصفة بعد إن لم تكن مدركاً أو علم بعد إن لم
يكن، لكانت معنوية، قلنا إنما يكن معنوية إذا ثبتت مع الجواز، وهذه
تثبت مع الوجوب.
قالوا: يلزم أن يسمى شاماً وذائقاً ولامساً.
(1/141)
قلنا: ليست هذه أسماء
المدرك، وإنما هي اسماء لمن جمع بين آلة الإدراك وبين المدرك طلباً
لإدراكه سواء أدرك أم لا، وإن سلمنا أنها من أسماء المدرك فإنما هي
أسماء لمدرك مخصوص وهو المدرك بالحاسة كما في المباشر والمتعدي.
قالوا: لا طريق إليها إلا حكمها، وهو كونها طريقاً إلى العلم، وهذا
لا يصح في حقه تعالى؛ لأنه عالم لذاته.
قلنا: إنما يستدل عليها لحكمها إذا لم تكن معلومة بنفسها، وهذه
موجودة من النفس، وإن سلمنا أنها لا توجد من النفس فالطريق إليها
مقتضتها وهو كونه حياً لا ما ذكرتم.
فصل
إذا ثبت كونه تعالى مدركاً فهو مدرك لجميع المدركات. وقال أبو
القاسم بن سهلويه: يدركها إلا الألم واللذة.
لنا أن كونه حياً مع المدركات على سواء.
قال: كان يجب أن يسمى ألماً وملتذاً. قيل له /98/ معارض بالشام
والذائق واللامس. والتحقيق أن الألم والملتذ اسم لمن يدرك الألم
واللذة بمحل الحياة فيه مع الشهوة والنفرة، وذلك مستحيل في حقه
تعالى.
فصل
قد علمت بما سلف أن هذه الصفة مقتضاة عن كونه حياً، والذي يختص هذا
المكان مما يؤكد ذلك إبطال كون الإدراك معنى، وقد خالف أبو علي
وأبو الهذيل والبغدادية والصالحي وصالح قبة والأشعرية، إلا أن
الأشعرية يثبتونه معنىً شاهداً وغائباً، وهؤلاء الشيوخ يثبتونه
معنى في الشاهد فقط.
لنا: أن هذه الصفة تقترن صحتها بوجوبها وإلا انفتح باب الجهالات
وارتقعت الثقة بالمشاهدات، فكان يجوز أن يكون بين أيدينا فيلة
ونحوها، ولا ندركها بأن لا يخلق الله الإدراك فينا أو بأن لا نفعله
نحن؛ لأنه مقدور لنا عند البغداديين، ومعلوم أنا نعلم بالضرورة أنه
لا فيل بحضرتنا، وهذا العلم يستند إلى أنه لو كان لرأيناه ولا
ينقلب علينا في العلم الحاصل عند المشاهدة، فيقال: يلزم صحة أن
نشاهده ولا يخلق الله العلم؛ لأن المشاهدة طريق إلى العلم، فيجب
حصوله عند حصول طريقه مع سلامة الحال.
(1/142)
وقلنا: مع سلامة
الحال احترازاً من مشاهدة الساهي والنائم، ومن لا عقل له، فإن قال:
نحن نقطع على أنه لا فيل بحضرتنا. قيل له: هذا يستند إلى أنه لو
كان لرأيناه، وإذا جوزت أن يكون ولا تراه لم يمكنك القطع بذلك.
فإن قال: قد جوزتم أشياء وقطعتم على خلافها نحو أن الله يخلق
مكلفين يشتبهان من كل وجه، وأن يميت العالم الآن وأن يقيم القيامة
الآن، ونحو ذلك. قلنا: كل هذه علوم مبتدأة لا يستند إلى شيء بخلاف
العلم بأنه لا فبل بحضرتنا، فإنه يستند إلى أنه لو كان لرأيناه،
وذلك مما لا يمكن إنكاره بل يعلمه الصبيان، فإنك لو مددت الحصبي
بيدك فارغة وقلت له خذ هذا الدرهم لقال لا شيء في يدك، ولو كان
لرأيته.
دليل: لو كان الإدراك معنى لكان لا يتعلق على التفصيل إلا بمتعلق
واحد، فكان يجوز حصول مدركات بين أيدينا ولا ندرك إلا واحداً منها.
دليل لو كان معنى لجاز أن ندرك الذرة على الجبل ولا ندركه، بأن
يخلق فينا إدراكها دونه لجواز انفصال أحد الإدراكين عن الآخر.
دليل لو كان معنى لوجب أن يدرك الرقيق والمحجوب بأن يحصل إدراكه؛
لأن إيجاب العلل لا تقف على شرط، وهذا كله يبطل كون الإدراك معنى
في الشاهد، وأما في حقه تعالى فما أبطله أن يكون قادراً لمعنىً
أبطل أن يكون مدركاً لمعنى، على أنه إذا بطل كونه معنى في الشاهد
بطل في حقه تعالى؛ لأن المجبرة إنما أثبتوه له تعالى قياساً على
الشاهد.
فصل
والذي يجري عليه تعالى من الأسماء /99/ في هذا الباب نحو قولنا
مدرك وسامع ورائي ومبصر، ولا يصح آخر شيء من هذه الأوصاف إلا بعد
وجود المدركات، وأما قولنا مشاهد فلا يصح إجراؤه عليه؛ لأنه يفيد
ما يرجع إلى طريقه المقابلة.
القول في أن الله تعالى قديم
القديم في اللغة: هو ما تقادم وجوده ومنه حتى عاد كالعرجون القديم،
وفي الاصطلاح هو الموجود الذي لا أول لوجوده، ولنتكلم في طرفين
أحدهما أنه تعالى موجود، والثاني أنه لا أول لوجوده.
(1/143)
أما الطرف الأول، وهو
أنه تعالى موجود، فلا يحتاج إلى استدلال عند من يجعل الوجود هو ذات
الموجود شاهداً وغائباً كما يقوله ابن عياش وابو الحسين غائباً،
فقط كما تقوله الفلاسفة، والأشعرية إلا أن هؤلاء إنما منعوا من
كونه زائداً وغائباً على أنه البلاء يقتضي التكثير لا لما يقوله
شيوخنا.
وأما جمهور المعتزلة فيجعلونه زائداً على الذات شاهداً وغائباً،
فاحتاجوا إلى الاستدلال، وصحة ما يقولونه مبني على أن المعدوم ذات
وسلف تقريره. ويزيده وضوحاً أن الوجود متماثل والذوات مختلفة،
وأيضاً فالوجود بديهي التصور لا يحتاج إلى حد، ولو كان الوجود هو
الذات لكان الذوات كلها بديهية التصور، ومعلوم أن فيها ما لا يتصور
رأساً كذات القديم، وفيها ما لا يتصور بالبديهة بل بالحدود، وبعد،
فقد اتفق الناس على قولهم أن ذات الباري واجبة الوجود، ولو كان
الوجود هو الذات لكان ذلك بمنزلة قولهم إن ذات الباري واجبة الذات.
وأما ما منع به الشيخ محمود على أصحاب أبي هاشم من أنهم يجوزون بعد
إقامة الدلالة على أن الله تعالى قادر عالم حكيم مرسل من مثيب
معاقب أن يكون مع ذلك معدوماً حتى تقوم الدلالة على وجوده، وأنه
متعجب من هذا ومستطرق له، فيمكن الجواب عليه بأن يقال من أين لك أن
أصحاب أبي هاشم يجوزون كونه معدوماً بعد إقامة الدلالة على كونه
قادراً عالماً أوليس كونه قادراً عالماً هما الدليل على كونه
موجوداً عندهم، فكيف يجوزون كونه معدوماً مع قيام الدليل على
وجوده، بل لا يجوزون ذلك، ولا يجوزه المميز من العوام؛ لأن من علم
كونه قادراً عالماً علم كونه موجوداً على الجملة، وإنما يستدلون
على تفصيل ذلك وكيفية دلالة كونه قادراً عالماً عليه إذا ثبت هذا
فالدليل على أن الله تعالى موجود هو انه تعالى قادر عالم والقادر
العالم له تعلق بمقدوره ومعلومه، والعدم يحيل التعلق فثبت بذلك
وجوده، فهذه أربعة أصول.
أما أنه قادر عالم فتقدم.
(1/144)
وأما أن القادر
العالم له تعلق بمقدوره ومعلومه فلأن معنى /100/ ذلك أنه يصح منه
إيجاده مع سلامة الحال أو إيجاده محكماً تحقيقاً أو تقديراً،
والأول حاصل لكل قادر، والثاني حاصل لكل عالم، وأ/ا أن العدم يحيل
التعلق فلأنا وجدنا معاني متعلقة كالإرادة وغيرها، ووجدنا تعلقها
يزول إذا عدمت، ولا علة لزواله إلا عدمها، فلو كان تعالى معدوماً
لزال تعلقه، فيبطل كونه قادراً عالماً، ويريد بتعلق الإرادة صحة
إيقاع المراد بها على وجه دون وجه، وإيجابها الصفة للمريد.
ويدل على أنها إذا عدمت زال تعلقها أنها لو تعلقت بعد العدم لما
انفصل وجودها من عدمها، ولجاز أن يكون أحدنا مريداً للشيء كارهاً
له في حالة واحدة بإرادة وكراهة معدومتين، وأيضاً فلو نفى تعلقها
بعد العدم لكانت إما أن تتعلق بما تعلقت به من قبل وهو باطل لأنه
ما من مراد إلا ويجوز نقيضه وتعلقها بالمقتضى محال، وأما أن تتعلق
بغيره وهو باطل؛ لأن فيه اتصافها بصفة مخالفها من حيث يجوز أن يكون
قد تعلق بذلك الغير إرادة أخرى حال تعلق هذه بالمراد الأول،
فيكونان مختلفين، فمتى تعلقت هذه بما تعلقت به مخالفتها صارت بصفة
مخالفها، وأيضاً فأحدنا يخرج عن كونه مريداً وعالماً حال النوم،
ويدل على أن علة زوال تعلقها عدمها أن العلم بزوال التعلق يدور مع
العلم بالعدم ثبوتاً وانتفاء، وليس هناك ما هو أولى من العدم بأن
يجعل علة في زوال التعلق، والذي يشتبه أن يقال أن العلة في زوال
تعلقها تقضى مرادها أو خروجها عن الصفة المقتضاة او عن أن توجب صفة
للمريد، والأول باطل، وإلا وجب أن يتعلق حال عدمها إذا لم ينقض
المراد والثاني والثالث باطلان؛ لأن خروجها عن الأمرين كزوال
تعلقها فليس البعض بأن تعلل بالبعض أولى من العكس، ولأن ذلك تابع
لعدمها، فالعدم بأن يكون علة أولى، ولا يقال هذا تعليل نفي ينفي؛
لأن ذلك جائز إذا كانت العلل كاشفة، ولهذا تعلل انتفاء صحة الفعل
بانتفاء القادرية.
(1/145)
وأما أنه يثبت بذلك
وجوده تعالى فلأنه لو كان معدوماً لم يكن له تعلق بمقدوره ومعلومه
لحصول علة زوال التعلق، وذلك يعود على كونه قادراً عالماً بالبعض.
دليل، قد ثبت في صفة الأجناس المقتضاة كالتحيز في الجوهر والهيئة
في اللون أنها مشروطة بالوجود ولا بد من أمر لأجله كان ذلك الوجود
شرطاً وإلا لم يكن بذلك أولى من ألا يكون، وذلك إما أن يكون كونها
صفات فقط أو كونها مقتضاة فقط، وكونها صفات مقتضاة، والأول باطل؛
لأن الذاتية صفة، وهي غير مشروطة بالوجود، والثاني باطل؛ لأن
المماثلة /101/ والمخالفة أحكام مقتضيات، وليست مشروطة بالوجود،
بقي أن تكون العلة كونها صفات مقتضاة، وقد ثبت للباري تعالى صفات
مقتضاة ككونه قادراً وعالماً وغيرهما، فليكن مشروطه بالوجود، ويجب
أن يكون الله تعالى موجوداً إذ لا يصح حصول المشروط دون الشرط وإلا
بطل كونه شرطاً.
وأما الطرف الثاني وهو أنه تعالى لا أول لوجوده فلأنه لو كان
لوجوده أول لكان محدثاً؛ لأن ذلك هو حقيقة المحدث، ولو كان محدثاً
لاحتاج إلى محدث، والمحدث إلى محدث حتى يتسلسل إلى ما لا يتناهى من
المحدثين، ومحدثهم أو ينتهي إلى محدث قديم، وهو المطلوب.
وبعد فلو كان تعالى محدثاً لما صح منه، فعل الأجسام؛ لأنه حينئذ
يكون قادراً بقدرة محدثه فيكون جسماً، وسيتضح أن الجسم لا يفعل
الجسم.
فصل
(1/146)
في أنه تعالى باق
وأنه لا ضد له. اعلم أن البقاء هو استمرار الوجود بدليل أن من علمه
مستمر الوجود علمه باقياً، العكس، ولا يعقل أحدهما من دون الآخر،
ولا ينقلب علينا في التحيز، وكونه كائناً؛ لأنه ما من كائنية إلاَّ
وتعقل التحيز من دونها بل تعقل التحيز، وإن لم يخطر ببالنا
الكائنية إذا ثبت هذا، وقد ثبت أن الله تعالى واجب الوجود لم يزل،
فيكون واجب الوجود لا يزال لأنها صفة ذاتية فلا يصح خروجه عنها
بحال، وقد ذهبت الأشعرية والكلابية إلى أن الباقي يبقى ببقاء
شاهداً وغائباً، وبه قال الكعبي شاهداً فقط.
لنا أنه لو كان البقاء معنى لكان جنس الفعل، فكان يصح حدوثه حال
حدوث الجوهر، فيكون حادثاً باقياً. ولا ينقلب علينا في السكون،
لأنا نجوز حصول ما هو من جنسه حال الحدوث، لكن لا يسمى سكوناً إلا
بأن ينضم إليه مثله.
فإن قال إنه حصل حال الحدوث مانع وهو استحالة هذه الصفة.
قلنا: استحالة الصفة يتبع استحالة المعنى على أنا قد بينا أنه لا
صفة للباقي أكثر من استمرار الوجود، وإلا لزم أن يكون كونه فانياً
صفة يضادها، فيحتاج كل واحدة منهما إلى استمرار الوجود؛ لأن ما
احتاج إليه أحد الضدين احتاج إليه الآخر، وفي ذلك كون الفاني مستمر
الوجود.
فإن قال: إنه يحصل حال الحدوث معنى يضاد البقاء وهو الحدوث كما
يقول عناد وهشام الفوطي. قلنا: ليس الحدوث معنى لأنه كان لا يخلو
إما أن يكون قديماً فيلزم قدم الحوادث وإما محدثاً فيحتاج إلى
معنى، والكلام فيه كالكلام في هذا، فيتسلسل، ثم إن سلمنا أن الحدوث
معنى يضاد البقاء فكان يلزم أن يعاقب البقاء كما يصح أن يعاقبه
البقاء لأن هذا حق كل ضدين، فيلزم صحة أن يكون الشيء حادثاً باقياً
بأن يحصل الحدوث حال البقاء.
فإن قال: إن البقاء يحتاج إلى استمرار الوجود.
قيل له /102/ كيف يصح ذلك واستمرار الوجود يحتاج إلى البقاء.
(1/147)
دليل لو كان البقاء
معنى لما صح بقاء كثير من الأعراض؛ لأن المعنى لا يختص المعنى، وقد
التزمه الأشعري وهو ظاهر السقوط؛ لأن الذي به يعلم بقاء الجسم به
يعلم بقاء اللون.
فإن قال: يختص محله قلنا فكان يقتضي بقاء جميع ما يحل ذلك المحل إذ
لا مخصص.
شبهتهم أنه بقي بعد إن لم يكن باقياً، فلا بد من معنى.
والجواب: أنه لم تتجدد له صفة بعد إن لم تكن، بل هي صفة واحدة،
ولكن تغيرت التسمية، ولا يلزمنا في من علم الشيء حادثاً ان يعلمه
باقياً؛ لأن العلم بالشيء على صفة في وقت غير العلم بكونه عليها في
وقت آخر.
فصل
وكما أنه تعالى باق فهو لا ضد له، وإلا كانت صفات ذلك الضد الذاتية
بالعكس من صفاته تعالى، فإذا كان الله تعالى موجوداً قادراً عالماً
لذاته كان ذلك الضد معدوماً عاجزاً جهلاً لذاته؛ لأن هذه سبيل كل
ضدين.
دليل: لو كان له تعالى ضد لكان إما واجب الوجود لم يزل، وفي ذلك
حصول الضدين على الوجه الذي يتنافيان فيه وإثبات قديم مع الله،
وكله محال، وإما جائز الوجود لم يزل بدلاً من القدم، وذلك يقدح في
كونه تعالى واجب الوجود لم يزل وهو محال.
القول في الصفة
الأخص هي الصفة الذاتية التي تقتضي لمن اختص بها كونه قادراً
عالماً حياً موجوداً، وقد نفاها الشيخ أبو علي ومن قبله ونفاة
الأحوال وأهل الجبر وأثبتها أبو هاشم والقاسم عليهم السلام، وأكثر
من بعدهما.
(1/148)
لنا أن الباري تعالى
مخالف للمحدثات، ولا يجوز أن تقع المخالفة بنفس هذه الصفات الأربع
اتفاقاً؛ لأنا قد شاركناه تعالى فيها، ولأنه كان يجب أن تختلف
الأجسام بحسب الاختلاف في هذه الصفات أو في أحدها، ولا يجوز ان يقع
بكيفيتها، وهو وجوهاً كما يقوله أبو علي؛ لأنه إن أريد بوجوبها أنه
يستحيل خلافها وأنها لا تزول في حال من الأحوال، وهذا نفي،
والمخالفة لا تقع بالنفي وإن أريد بوجوبها استمرارها في كل حال،
فالمخالفة لا تقع بذلك، ألا ترى أن أحد الجوهرين لو استمر له
التحيز والآخر لم يتحيز إلا في وقت، ثم عدم لم يقتض ذلك مخالفة
بينها بعد اشتراكهما في التحيز، ولا يجوز أن يقع بنفس الذات كما
يقوله أبو الحسين وابن الملاحمي؛ لأنهما إن أرادا أنها تقع بمجرد
كونها ذاتاً لم يصح لاشتراك الذوات في ذلك، وإن أرادا بكونها ذاتاً
مخصوصة فلا معنى للخصوصية إلا أن لها صفة ليست لغيرها، وهو الذي
يقول، وقد علمت بهذا بطلان ما يقولانه من أن حقيقة المخالفة هي أن
لا يكون أحد الذاتين /103/ كالذات الأخرى؛ لأنا نقول أتريد أن لا
يكون كالذات الأخرى في كونها ذاتاً في أمر زائد والأول باطل،
والثاني هو المطلوب.
دليل لا شك أن الأصل في معرفة الاختلاف بين الذوات هو الإدراك، وما
عداه مشبه به، فلا بد من اختصاص كل ذات بصفة لو أدركت لأدركت
عليها، والباري تعالى لو أدرك لما أدرك على شيء من هذه الصفات
الأربع؛ لأن غيره قد شاركه فيها، فيجب أن يختص غيرها لو أدرك لأدرك
عليها.
دليل قد ثبت وجوب الصفات الأربع له وجوازها لنا، فلا بد من أمر
لأجله وجبت له وجازت لنا، وإلا لم يكن ذلك أولى من عكسه، وذلك
الأمر إما مجرد الذات وهو باطل كما تقدم، وإما الفاعل أو العلة وهو
أظهر فساداً، وإما صفة ذاتية وهو المطلوب.
(1/149)
دليل قد ثبت أنه لا
بد للذات من صفة ذاتية ولا يجوز أن تكون هذه الصفات الأربع ذاتية؛
لأن الذات لو اختصت بأكثر من ذاتية واحدة للزم أن تكون مماثلة
لنفسها إن كانت تلك الذاتيات متماثلة ومخالفة لنفسها إن كانت
مختلفة لحصولها على ما لو حصل عليه غيرها لماثل أو خالف.
واعترض بأن شرط المماثلة والمخالفة الغيرية، وهي مستحيلة في الذات
الواحدة، فلا يخالف نفسها، وأجيب بأنه كان يصح حصول هذا الشرط على
بعض الأحوال إذ لا يصح حصول المقتضى، ويستحيل شرط الاقتضاء على
الإطلاق، وإلا لم يفترق الحال بين ما يقتضى وما لا يقتضى، وقلنا
على الإطلاق احترازاً مما لا يبقى إذا خرج وقت وجوبه، فإن وجوده قد
استحال مع أنه شرط في اقتضاء الذاتية للمقتضاة، ولكنه لم يستحل على
الإطلاق؛ لأنه كان يجوز حصوله في بعض الأحوال.
هذا ما ذكره أصحابنا.
وفيه إشكال وهو أن يقال أليس كونه تعالى حياً يصحح كونه مشتهياً
ونافياً بشرط جواز الزيادة والنقصان، ومعلوم أن هذا الشرط مستحيل
في حقه تعالى، فكان يلزم أن لا يفترق الحال بين ما يصحح وما لا
يصحح.
ويمكن الجواب بأنه وإن استحال في حق ذات ولم يستحل في حق ذات أخرى
فهو غير مستحيل على الإطلاق، بخلاف مغايرة الذات لنفسها.
وفيه إشكال آخر، وهو أن يقال: ليس الغيرية شرطاً في المماثلة
والمخالفة، وإنما هي جزء حقيقتها، فلا تكون المخالفة مخالفة، ولا
المماثلة مماثلة إلا بالغيرية، وإذا كان كذلك لم يلزم أن تكون
الذات الواحدة مخالفة لنفسها إذا اختصت بذاتيات كثيرة لفقد حقيقة
المخالفة.
فصل
والذي يجري عليه تعالى من الأسماء في هذا الباب /104/ نحو قولنا
شيء وذات، وكذلك قولنا الله عند بعضهم؛ لأنه قد جرى مجرى العلم
الموضوع على المختص بالصفات الإلهية، وكذلك سبوح قدوس؛ لأنه يفيد
تنزيهه في ذاته وصفاته عما لا يليق به، وكذلك قولنا حق؛ لأنه يفيد
في اللغة الثبوت.
(1/150)
وأما قولنا عين ونفس،
فلا يجوز إطلاقهما عليه تعالى للإيهام الحاصل فيهما، وقوله تعالى:
{ولا أعلم ما في نفسك} إنما أراد به طريقة الغيب لا النفس
الحقيقية. وأما قولنا: معنىً فإنما يستعمل في الأخراص دون غيرها من
الذوات، فلا شبهة في امتناع إطلاقه عليه تعالى. وأبعد من ذلك
قولناعلة، لأنه كان في الأصل ملا يتغير به بدن الحي، ثم تعورف به
في ما يؤثر تأثيراً مخصوصاً من الأعراض، وأما قولنا: تام وأوافر
وكامل ونحوه فلا يجوز إجراؤه عليه تعالى؛ لإيهامه حصول ذلك على وجه
يصح معه النقص. وأما وصفه تعالى بأنه حسن فلا يصح؛ لأنه إنما يوصف
به الأفعال والصور المخصوصة.
فصل
قد زعم ضرار بن عمرو أن لله تعالى ماهية لا يعلمها إلا هو وأن إراد
بذلك ما يقوله أصحابنا من إثبات صفة ذاتية أو ما يقوله شيخنا أبو
الحسين من أنه ذات مخصوصة تفارق بنفسها سائر الذوات، فهو صحيح،
لكنه أخطأ في قوله ماهية؛ لأنه لا يقال في الله ما هو، ولا أي شيء
هو، من حيث يجري ذلك مجرى التكييف، وأخطأ أيضاً في قوله: لا يعلمها
إلا هو، لأنا قد علمنا ذلك. على أنه قد ناقض في كلامه؛ لأن مذهبه
أنه تعالى يُرى على تلك الصفة، فكيف لا يعلم عليها، وليس لها حكم
أكثر من اقتضائها، لهذه الصفات فلا يقال أنه تعالى يعلم من حكمها
ما لا يعلمه.
شبهته: إنا نعلم ذاتاً مختصة بصفات، ولسنا نعلم حقيقة تلك الذات،و
لهذا لو سئلنا ما تلك الحقيقة لما أمكنا تعيينها ولا التعبير عنها،
وهو تعال عالم بحقيقة ذاته، ويمكنه التعبير بما ينبني عنها.
(1/151)
والجواب: وأن كل شيء
يعلم على التفصيل إما أن يكون الطريق إليه الإحساس أو تأثيره أو
حكمه، فما كان الطريق إليه الحسن فإنا نعلمه بالحسن على حقيقته،
ويمكننا أن نعبر عما تعلق به علمنا مما هو عليه في ذاته بالعبارات
التي وضعها أهل اللغة، فنقول متحيزاً مثلاً أو سواداً أو نحو ذلك،
ولا يجوز أن يكون له ماهية أكثر مما أدركناه، وما كان الطريق إليه
فعله أو حكمه فإنا متى علمناه بذلك الطريق جرى ذلك مجرى الإدراك في
تعيينه، والعلم بحقيقته ولا يجوز أن يكون سبباً غير ما علمناه،
وإلا انفتح باب الجهالات، ألا ترى أنا نعلم القدرة والحياة
وغيرهما. ولا يجوز أن يكون لها ماهيات يتناولها الإدراك غير ما
علمناه.
قال: هو تعالى يرى نفسه، فيجب أن يعلم من نفسه ما لا نعلمه /105/
قلنا: لا نسلم أنه يصح رؤيته وإن سلمناه فالذي علمه بالرؤية هو
الذي علمناه بالدليل لما قدمنا من أن الدليل يجري مجرى الإدراك في
التفصيل.
قال: أوليس أحدنا إذا أخبره الصادق بذات علمها ثم إذا أدركها وجد
مزية.
قلنا: العلم الحاصل بالخبر جملي والحاصل عند الإدراك تفصيلي؛ لأن
الإدراك يتناول أخص صفاتها، وكذلك نقول في الله تعال عندنا فإنا
إذا علنما ذاته كان علمنا به على الجملة، وإذا علمنا صفاته كان
علمنا به على التفصيل، وإن كان العلمان استدلاليين، ثم لسنا نجوز
شيئاً آخر يتناوله الإدراك بعد علمنا به على التفصيل.
قال ألسنا نعلمه في الآخرة، ضرورة، فهلا كان ذلك علماً بما هيئه،
قلنا: ومن سلم حصول ماهية غير ما علمناه فيتعلق بها العلم الضروري
بل الذي نعلمه في الآخرة ضرورة، هو الذي علمناه في الدنيا
استدلالاً.
قال: أوليس أحدنا يعلم من نفسه ما لا يعلمه غيره.
قلنا: أما في إلى ذاته وما هيئته ووجوده فلا وأما أحوال نفسه
المعنوية من نحو كونه مريداً ومشتهياً فهو وإن علمها من نفس ضرورة
على الجملة فغيره يعلمها بالدلالة، ولسنا نثبت له ما لا يقوم عليه
دليل.
(1/152)
قال: أليس أحدثنا يجد
مزية للعلم الضروري على العلم الاستدلالي. قلنا: بلى لأمر يرجع إلى
طريقهما، فإما أن يكون أحد العلمين أزيد من الآخر أو معلومة أكثر
من معلوم الآخر، فلا والله تعالى يعلم ذاته وصفاته لا عن طريق، فلا
يقال أن طريقه أجلى من طريقنا، والذي يعلمه تعالى لا عن طريق هو
الذي علمناه بطريق، ولا يجوز شيئاً غير ذلك يوجه إليه مزية الوجدان
من النفس.
قال: وقع الإجماع على أن الله أعلم بنفسه منا وأن الأنبياء يوصفون
بأنهم أعلم بالله تعالى.
قلنا: نحن نسلم مقتضاه، فإنه تعالى يعلم من تفاصيل مقدوراته
ومعلوماته ومتعلقات صفاته ما لا نعلمه، وكذلك يعلم الأنبياء من ذلك
ما لا نعلمه، وتختلف أحوال العلماء في ذلك.
القول في كيفية استحقاقه تعالى لهذه الصفات
اتفق أهل العدل على أنه تعالى يستحقها لذاته أو لما هو عليه في
ذاته، ولا يحتاج في ثبوتها إلى مؤثر، واتفق أهل الجبر على أنه
يستحقها لمعان.
ثم اختلفوا، فقالت الصفاتية: لا يوصف بقدم ولا غيره، لأنها صفات
/106/.
وقال ابن كلاّب: أزلية.
وقال الأشعري: قديمة، واتفقا على أنها لا هي الله ولا هي غيره، ولا
بعضها هو البعض الآخر، ولا غيره. وقالت الكرامية: قديمة أعيان لله
تعالى أعراض حالة في ذاته.
ولنبطل أولاً قول الصفاتية فنقول: هذه المعاني إما أن تعلم على
انفرادها أو تعلم لا على انفرادها أو لا تعلم أصلاً، إن قالوا
بالثالث كفانا ذلك في نفيها؛ لأنه كيف يثبت ما لا يعلم، وإن قالوا
بالثاني، فهو الذي يريد بالصفات،لكن أخطأوا في تسميتها معاني،
وأيضاً فكلامنا الآن في الأمر الذي لأمره استحقت هذه الصفات، فما
هو، وإن قالوا: بالأول لم يصح المنع من وصفها؛ لأن كل ما يعلم على
انفراده فإنا نعلم بالضرورة أنه لا يخلو من وجود أو عدم، ثم إذا
كان موجوداً لم يخل من حدوث أو قدم والمنكر لذلك مكابر.
شبهتهم: أنها لا تقوم بنفسها، ولكن تقوم بغيرها.
(1/153)
والجواب: كل الأعراض
كذلك، فهلا امتنعتم من وصف الأعراض، ثم ما المانع من وصفها، وإن
قامت بغيرها أو لستم قد وصفتموها بأنها معان، وبأنها صفات بالمعنى
العام، وبأنها قائمة بذات الله ونحو ذلك.
قالوا: وصف الشيء يقتضي قيام معنىً به.
قلنا: معارض بالأعراض، فإن وصفها لا يقتضي قيام معنى بها، وكذلك قد
وصفتموها بأنها معان وبأنها غير ذلك، وكذلك وصفكم الباري بأنه فاعل
وأول وآخر ونحو ذلك.
ولنعد إلى إبطال قول الجميع في إثبات المعاني، فنقول: لا طريق
إليها؛ لأن المعنى إذا لم يكن مدركاً فالطريق إليه إنما هو حول
موجبه مع الجواز، وهذه الصفات واجبة لله تعالى، فيستغنى عن
المعاني؛ لأن وجود المعاني والحال هذه كعدمها، ولأن الصفة الواجبة
لو عللت بأمر منفصل لكان قد وقف حصولها على ذلك الأمر حتى لو لم
يحصل لما حصلت، وذلك يقدح في وجوبها.
يوضحه أن كونه تعالى موجوداً استغنى عن المعنى، وكذلك صفات المعاني
وسائر صفات الأجناس، ولا وجه لاستغناء هذه الصفات إلا وجوبها؛ لأن
العلم بالاستغناء يدور مع العلم بالوجوب ثبوتاً وانتفاء، ألا ترى
أن كل صفة جائزة فلا بد لها من فاعل أو معنى، وإذا كان صفات الباري
تعالى واجبة استغنت عن المعاني كالوجود وكصفات الأجناس، وقد وافق
أكثر المجبرة في أنه تعالى موجود لا لمعنى، وخالف اليسير.
(1/154)
ويبطله أنه لو كان
تعالى موجوداً لمعنى لكان ذلك المعنى لا بد أن يكون موجوداً، فإما
أن يحتاج إلى معنى فيتسلسل أو لا يحتاج، فالله تعالى أحق بأن لا
يحتاج إلى معنى، والإجماع واقع قبل هؤلاء على أنه تعالى لا يحتاج
في وجوده إلى مؤثر، وأنه واجب الوجود من ذاته، بل قد وافق أكثر
الملحدة، /107/ وكذلك وافقت المجبرة في استغناء صفات العلل عن
المعاني لكن جعلوا العلة في هذا الاستغناء استحالة قيام المعنى
بالمعنى لا وجوبها، وليس بصحيح لأنه إنما يستحيل قيام المعنى
بالمعنى إذا فسر القيام بالحلول، فإما بالتفسير الذي يريدونه في
هذه المسألة فلا يستحيل قيام المعنى بالمعنى.
طريقة آخرى:
هذه المعاني إما واجبة الوجود من ذاتها وهو باطل بالاتفاق، وإلا
كانت آلهة، وإما ممكنة الوجود من ذواتها فيلزم أن تكون محدثة؛ لأن
كل ممكن الوجود من ذاته هو مسبوق بالعدم ولا يترجح وجوده على عدمه
إلا المؤثر، وهذا هو أصل دليل المخالف على حدوث العالم وإثبات
الصانع، فلا يسعهم إنكاره.
وأما ما ذكره الرازي في كتاب الأربعين من أنها ممكنة الوجود من
ذاتها واجبة الوجود من غيرها فهو زلل وضلالة؛ لأنه كيف تكون واجبة
الوجود من غيرها، وذلك الغير ليس بمؤثر فيها عندهم، وأيضاً فهي
ليست بأعيان لله، وأيضاً فهذا يقدح في حدوث العالم وإثبات الصانع
بأن يقال له: هلا كان العالم قديماً وإن كان ممكن الوجود من ذاته
لصدوره على جهة الإيجاب، وهلا كانت العقول والأفلاك صادرة عن ذات
الباري تعالى كصدور هذه المعاني، ويقال أيضاً: إذا كانت الذات
أوجبت هذه المعاني عندك، فهلا قلت بأن الذات أوجبت الصفات واسترحت
من التكليف لإثبات المعاني لا سيما وفي ذلك مشابهة للقائلين
بالعقول والأفلاك.
طريقة أخرى
(1/155)
قد وقع الإجماع،
وقامت الأدلة على أن الله تعالى ليس بمحتاج والقول بإثبات معاني
قديمة وصف لله بالحاجة على أبلغ الوجوه؛ لأن أهل هذا المذهب متفقون
على أن هذه المعاني لو انتفت عن الله تعالى ولم يوجد أضدادها لكان
في ذلك عدمه، ولو انتفت مع وجود أضدادها لكان في ذلك غاية النقض
بان يصير ميتاً عاجزاً جاهلاً ونحو ذلك، فقد اقتضى هذا القول
احتياجه إلى هذه المعاني في وجوده أو كماله حتى لولاها لما وجد أو
لما كمل، وذلك أبلغ في الحاجة من الاحتياج إلى الطعام والشراب؛ لأن
فقد الطعام والشراب لا يقتضي عدم المحتاج إليها، ولا نقضه، وليس
ينجيهم من هذا الامتناع(1) من إطلاق العبارة إذ قد أثبتوا المعنى،
وكذلك لا ينجيهم اعتقادهم إن هذا ليس هو معنى الحاجة.
طريقة أخرى:
لا بد لهذه المعاني من صفات لأجلها يخالف مخالفها ويوجب موجبها،
ويتعلق بمتعلقها ويضاد ضدها، فأما أن يستحقها لمعان /108/ أخرى
فيلزم التسلسل أو لذاتها، فالله تعالى أحق أن يستحق صفاته لذاته،
ولا حاجة إلى معان.
فصل
في أنه لا يجوز أن يستحقها لمعان قديمة كما يقوله جمهور المجبرة،
وهذا وإن كان قد دخل في ما تقدم لكنا نخصه بالإبطال كما سنخص غيره،
فنقول لو استحقها لمعان قديمة لوجب أن يكون امتثالاً لله تعالى
لمشاركتها له في القدم الذي هو صفة ذاتية أو كاشفة عن الصفة
الذاتية كما سلف، ولو كانت امتثالاً لله تعالى للزم أن يكون بصفتها
حتى يكون عالماً، وقدرة، وأن يكون بصفته حتى يكون آلهة قادرة
عالمة؛ لأنها قد شراكته في ما يصحح كونه حياً، فأولى أن يشاركه في
ما يصححه كونه حياً، وهو كونه قادراً عالماً، وإذا ثبت لها ذلك
احتاجت أيضاً في استحقاقها له إلى معان أخر. ويلزم أن يكون بعضها
بصفة البعض الآخر حتى يكون العلم علماً وقدرة وحياة، وإذا كان كذلك
لزم استغناؤه عنها واستغناؤها عنه، والاستغناء ببعضها عن بعض.
__________
(1) . في نسخة: امتناع.
(1/156)
فإن قالوا: ولم إذا
اشترك الشيئان في صفة ذاتية لزم أن يشركا في سائر صفات الذات حتى
يلزم التماثل.
قلنا: لأنهما لو اشتركا في صفة ذاتية وافترقا في صفة ذاتية أخرى
لكانا مثلين مختلفين لحصول ما يقتضي المماثلة والمخالفة، فإنا قد
قدمنا أن المماثلة تقع بالصفة الذاتية بشرط الاتفاق فيها والاختلاف
يقع بالصفة الذاتية شرط الاختلاف فيها، وكون الشيئين مثلين مختلفين
محال لتأديته إلى أن يكونا موجودين معدومين عند تقدير طرو الضد بان
ينفيهما من حيث كونهما مثلين ولا ينفيهما من حيث كونهما مختلفين.
فإن قالوا: هذه المعاني لا تقدوم بنفسها وإنما يلزم المماثلة في
قديمين مستقلين يقوم كل واحد منهما بنفسه.
قلنا: إن مع القول بأنها ذوات أو معان يلزم أن تكون قائمة بنفسها
مستقلة بالمعلومية لا سيما وليس قيامها بمعنى الحلول عندكم حتى
يمكن الفرق بين الحال والمحل على أنها ليست بأن تكون قائمة بالله
تعالى أولى من العكس لمشاركتها له في القدم.
فصل في إبطال كل واحد من هذه المعاني على انفراده
أما ما يختص العلم فلأنه لو كان تعالى عالماً بعلم لكان لا بد أن
يعلم بذلك العلم على انفراده؛ لأن ما لا يعلم أصلاً لا يمكن
إثباته، وما لا يعلم لا على انفراده صفة لا معنى، وكلامنا في جهة
استحقاق الصفة لا فيها، وإذا علم على انفراده فإما أن يعلمه الله
تعالى بعلم آخر فيؤدي إلى التسلسل أو يعلمه لذاته فيجب أن يعلم
جميع الأشياء لذاته إذ لا اختصاص لها ببعض الأشياء دون بعض.
ولا تنقلب علينا في الصفة؛ لأن الصفة لا تعلم على انفرادها.
(1/157)
دليل: لو كان عالماً
بعلم /109/ لوجب أن يكون مثلاً لعلومنا إذا تعلق بمتعلقها على أخص
ما يمكن لاشتراكهما حينئذ في صفاتهما المقتضاة التي لأجلها
تتعلقان، وليس تغاير العالمين يمنع تماثل العلمين كما لا يمنعه في
الشاهد، وكما لا يمنعه تغاير المحلين، وإذا كان مثلاً لعلومنا وجب
أن يكون محدثاً أو تكون علو منا قديمة، ووجب أ، يضاده ما يضاد
علومنا، ولا ينقلب علينا في صفته تعالى، إذا تعلقت بما تتعلق به
صفاتنا؛ لأن وجه التعلق مختلف، فتعلقه تعلق العالمين، وتعلقنا تعلق
العلوم.
دليل، قد ثبت أن معلوماته تعالى غير متناهية، فإما أن يعلمها بعلوم
غير متناهية وهو باطل؛ لأن دخول ما لا يتناهى في الوجود محال، وإما
أن يعلمها بعلوم متناهية، وهو باطل؛ لأن العلوم المتناهيةة إذا وزع
علمها معلومات غير متناهية صار كل علم منها متعلقاً بما لا نهاية
له، وإما أن يعلمها بعلم واحد، وهو باطل؛ لأن العلم الواحد لا
يتعلق على جهة التفصيل إلا بمعلوم واحد من حيث أن كل معلومين يصح
أن يعلم أحدهما بعلم، ويعلم الآخر بعلم آخر، وقد ثبت أن ذلك يقتضي
اختلاف العلمين؛ لأن تعلق العلم بمعلومه هو حكمه الخاص الكاشف عما
هو عليه، فما لم يشاركه من العلوم في هذا الحكم وهو التعلق بهذا
المعلوم فقد خالفه إذا ثبت هذا فلو تعلق العلم الواحد على التفصيل
بمعلومين أو أكثر لزم أن يكون مخالفاً لنفسه لحصوله على صفتي
مختلفين.
ولا ينقلب علينا في تعلق ذات الباري بالمعلومات الكثيرة؛ لأن لذاته
تعالى أحكاماً هي أخص من التعلق، تكشف عما هو عليه، فلا يلزم من
تعلقه بمعلومين حصوله على صفتي مختلفين.
(1/158)
وبعد فلو تعدى العلم
في تعلقه على التفصيل المعلوم الواحد لتعدى إلى ما لا نهاية له
لفقد الحاضر، وذلك محال في الشاهد، ولا وجه لامتناعه، إلا كونه
عالماً، وامتناع ذلك في العالمية الموجبة عن العلم تبع لامتناعه في
العلم؛ لأن تعلقها تبع لتعلقه، فلهذا لا يمتنع هذا التعدي في
عالمية الباري؛ لأن تعلقها تعلق العالمين.
قال الرازي: أوليس العلم بالتضاد الواقع بين السواد والبياض هو
بنفسه علم بالسواد والبياض فقد تعلق هذا العلم على التفصيل أكثر من
متعلق واحد.
والجواب لا نسلم أنه علم واحد، بل هي علوم، ولكن العلم بالتضاد بين
الذوات فرع على العلم بتلك الذوات، فلهذا لا يمكن العلم بالتضاد
إلا بعد العلم بالمتضاد بدليل أنه يمكن أن يعلم الذوات من لا يعلم
تضادها، ولو كان علماً واحداً لما أمكن ذلك. وأما /110/ العلم
بالمتضايفين كالأب والابن فمعلومه واحد؛ لأن كون الرجل أباً لغيره
هو نفس كون ذلك الغير خلق من مائة.
وأما ما يختص القدرة فهو أنه لو كان قادراً بقدره لكان لا بد أن
تكون واحده فيلزم أن يكون مخالفه لنفسها كما تقدم في العلم سواء،
ويلزم أن ينحصر مقدوراتها، وأن لا تعلق بالأجسام ونحوها لما سيتضح
من أن علة الحصار مقدورات القدر وامتناع تعلقها بالأجسام هي كونها
قدراً، ويلزم أن يكون حاله في الباري تعالى لما نعلمه في الشاهد من
أنه لا يصح الفعل بالقدرة إلا بعد استعمال محلها، وبهذا الأخير
يبطل أن يكون حياً بحياة؛ لأن الحياة لا يصح(1) الإدراك بها إلا
بعد استعمال محلها.
فصل في ذكر ما يلزم أهل هذه المقالة من المحالات
يقال لهم: أجمعت الأمة على كفر النصارى، ولا وجه لذلك إلا إثباتهم
قدماً مع الله تعالى، فإن قالوا: بل لإثباتهم آلهة مع الله تعالى.
قلنا: لم يقولوا بثلاثة آلهة وإنما قالوا بثلاثة أقانيم وأكثرهم
يقول أن بعض هذه الأقانيم صفات لا تستقل، ولهذا أيعتقدون أن
المستحق للعبادة شيء واحد.
__________
(1) . في نسخة: يمكن.
(1/159)
يوضحه أن التثليث
الحقيقي إنما هو في العدد لا في الصفات، وقد قال تعالى: {الذين
قالوا إن الله ثالث ثلاثة} ولم يقل: ثلاثة آلهة، وأما قوله تعالى:
{وما من إله إلا إله واحد} فإنما هو على طريق الإلزام، فكأنه قال:
إذا قالوا بالقدماء الثلاثة لزمهم القول بآلهة ثلاثة، وما من إله
إلا الله.
فإن قالوا: إنما كفروا لأنهم قالوا أن الله شيء واحد على الحقيقة
ثلاثة أشياء على الحقيقة.
قلنا: إنما أرادوا المعنى الذي ذهبتم إليه من أن الأقنومين الآخرين
لا هما الله ولا هما غيره، ولكن اختلفت العبارة.
قال البستي: قيل للأشعري إذا كنت موافقاً للنصارى، فلم كفرتهم؟
قال: لأنهم نقضوا عن الواجب، واقتصروا على الثلاثة.
وبعد فكما يلزمهم مذهب النصارى يلزمهم مذهب الثنوية لأنهم لم
يشركوا بين الاثنين إلا في القدم، وكذلك من أثبت الهيولى قديمة،
والعقول والأفلاك، فإنه لا وجه لكفر جميع هؤلاء إلا التشريك في
القدم.
ويقال لهم: ليس القدرة القديمة تتعلق بكل مقدور والإرادة القديمة
تتعلق بكل واقع، فلا بد من بلى. فيقال لهم: فما أنكرتم من إثبات
قديمين قادرين بقدتين قديمتين ويتعلقان بكل مقدور ويريدان بإرادتين
قديمتين تتعلقان بكل واقع.
فإن قالوا: كان يلزم صحة التمانع بينهما بأن يريد أحدهما شيئاً
ويكرهه الآخر.
قلنا: إنه لا يريده أحدهما إلا إذا كان واقعاً لاستحالة تعلق
الإرادة القديمة عندكم، فتقدير كون الشيء مراداً لأحدهما دون الآخر
محال فيكون التمانع محال أيضاً.
فإن قالوا: يؤدي هذا إلى مقدور بين قادرين /111/، قلنا: إنما
يستحيل مقدور بين قادرين إذا صح أن يريده أحدهما دون الآخر، وقد
بينا استحالة ذلك مع القول بالقدر والإرادات القديمة. وبعد فهب أن
لهم طريقاً إلى نفي الثاني القادر فما طريقهم إلى نفي الثاني
العاجز الجاهل كما يقوله أكثر الثنوية في الظلمة.
(1/160)
ويقال لهم: أليس وقع
الإجماع في الصدر الأول على أنه لا قديم مع الله تعالى، فلا بد من
بلاء، ولكن الإجماع مصروف إلى أنه لا إله مع الله، فيقال الظاهر
معنا ولا دليل على خلافه على أنا قد بينا أن المشاركة في القدم
تقتضي المشاركة في الإلهية.
ويقال لهم: أليس عباد الأوثان خرجوا من التوحيد لاعتقاد مشاركتها
في استحقاق العبادة، وإن كانت جماداً محدثة فلا بد من قولهم بلى،
فيقال: فاعتقاد أشياء مشاركة لله تعالى في القدم أحق بأن يكون
خروجاً عن التوحيد، وذلك لأن العبادة تستحق لأمر يرجع إلى الفعل
وهو كونه تعالى منعماً بأصول النعم والقدم يستحق لأمر يرجع إلى
الذات وكمال الذات بصفاتها الذاتية أعظم من كمالها بصفاتها
الفعلية.
فصل في إبطال قولهم لا هي الله ولا هي غيره ولا بعضه
اعلم أولاً أن الغيرين هما كل معلومين ليس أحدهما هو الآخر ولا
بعضه.
وقالت المجبرة: هما كل موجودين يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر، وهو
منتقض بمن يعتقد قدم الأجسام، فإنه يعلم(1) صحة وجود أحدهما مع عدم
البعض، وبعد فالكون مغاير للجسم ولا يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر
اتفاقاً، وبعد فمن علم في الشيئين ما ذكرنا علم تغايرهما وإن لم
يخطر بباله صحة وجود أحدهما مع عدم الآخر.
__________
(1) . في نسخة: يعتقد.
(1/161)
وبعد فالتباين في
سائر الصفات يدل على الغيرية فلا وجه لتخصيص صفة الوجود بذلك. وبعد
فكل شيئين يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر فلا بد أن يكون أحدهما ليس
هو الآخر أو بعضه، فقد عاد الأمر إلى ما قلناه إذا ثبت هذا كفانا
في بطلان قولهم؛ لأن هذه المعاني إذا لم تكن هي الله ولا بعضه كانت
غيره لا محالة، والقول بأنها ليست غيره محض المناقضة، وبعد فقد
قالوا: إن هذه المعاني خلافه، قالوا: ولا نقول أنها مخالفة له
تعالى، وهذا خطل(1) من القول؛ لأنه لا فرق في اللغة بين أن يقول
هذا الشيء خلاف هذا وبين أن يقول مخالفة له، واختلاف هذه العبارات
لا تحريج عليه، وإذا ثبت أن هذه المعاني مخالفة لله تعالى كانت
مغايرة له أولى وأحرى؛ لأنه إذا كان المثلان غيرين فالمختلفان أولى
بذلك. وبعد /112/ فلا بد أن تكون هذه المعاني متغايرة في أنفسها
كما هي كذلك في الشاهد.
فصل في إبطال قولهم بأنها قائمة بذات الله تعالى
أما الكرامية فقد ذهبوا إلى ما هو المعقول من القيام وهو الحلول
فقالوا هي حالة في ذاته تعالى، وكذلك المعاني كالإرادة والكراهة
المحدثة وكالكلام عندهم، قالوا: لأنه لا فارق بين القديم والمحدث
إلا القدم والحدوث، وهو لا يؤثر في المنع من القيام بالذات، وهو
لازم للكلابية والأشعرية، وأما الذين يمنعون من القيام بمعنى
الحلول فيقال لهم القيام مشترك بين معان قيام بمعنى الحلول وقيام
بمعنى الانتصاب وقيام بمعنى الحفظ، نحو: أفمن هو قائم على كل نفس
بما كسبت، وقيام بمعنى الوجود نحو قولهم: السماوات قائمة بالله إلى
موجودة به، وقيام بمعنى التكفل والتحمل كما يقال فلان قائم بأمر
المساكين وقيام بمعنى التعميد والحياطة كما يقال، فلأن قائم بأمر
الأيتام ولا يعقل من القيام غير ذلك، فأي هذه الأقسام تريدون ولا
يشتبه الحال في شيء منها.
فصل في شبههم في إثبات المعاني
__________
(1) . خطل: أي باطل.
(1/162)
قالوا: العالم في
اللغة مشتق من العلم وإذا صدق المشتق صدق المشتق منه.
قلنا: أول ما في هذا أنه يوصل بالعبارات إلى المعاني، ومن أين أن
أهل اللغة إذا قالوا عالم كان قد حصل معنى هو العلم بل الواجب أن
يعلم المعاني أولاً، ثم يعبر عنها، المعتمد في ثبوت ما لا يعلم
ضرورة من الذوات هو فعله أو حكمه لا العبارات.
يوضحه أنه لا بد أن يمكن الاستدلال على هذا المعنى قبل مواضعه، أهل
اللغة وقبل اشتقاقاتهم، وبعد فلا نسلم كون العالم مشتقاً من العلم
الذي يريدونه؛ لأن المعنى الذي يثبته المتكلمون غير معقول لأهل
اللغة، فكيف يشتقون الاسم من شيء لا يعقلونه وإنما قولهم فلان عالم
بكذا، وله علم بكذا، لفظان مترادفان بمعنى واحد، ولهذا يقولون: هل
لك علم بكذا أي هل أنت عالم به.
وبعد فهب أن العالم مشتق من العلم، فلم قلتم أنه إذا صدق المشتق
صدق المشتق منه أوليس الوجود مشتقاً من الوجود، أولا يدل ذلك على
أن الوجود معين، وبعد فهب أنه لم يصدق المشتق منه، فليس يجب أن
يثبت المشتق منه لمن أشتق له الاسم، وما أنكرتم أن يشتق الاسم
لمسمى من معنى قائم بغيره أو ليس الرازق مشتق من الرزق والرزق إن
ثبت معنى، فهو قائم بغير الله، وكذلك المحسن وغيره من الأسماء التي
اشتقت لله تعالى من معاني لا يقوم به. يزيده وضوحاً أنا قد اتفقنا
على أن الله تعالى إذا وجد كلاماً في سحر أو غيره /113/ فإنه يوصف
بأنه متكلم بذلك الكلام، وإن قام، وبعد فهذا قياس الغائب على
الشاهد وهو عندهم غير صحيح، وإن كان صحيحاً فهو لا يفيد إلا ظناً
ضعيفاً؛ لأنه من باب قياس التمثيل عندهم.
شبهة، قالوا: العالم في الشاهد من له العلم فكذلك في الغايب، قلنا:
وكذلك الموجود في الشاهد من له الوجود، فهلا كان الوجود معنى قائم
بذات الباري تعالى كالعلم. وبعد فالعالم في الشاهد من له القلب
والجسم والعلم المحدث وانحصار المعلومات وجواز الجهل فهلا كان كذلك
في حقه تعالى.
(1/163)
وبعد فإن أرادوا
طريقة التحديد لم يصح؛ لأن من لا يعلم العالم لم يعلم العلم أولى
وأحرى، وأيضاً فهم يحدون العلم بأنه ما قام العالم أو ما يوجب كون
الذات عالماً، وهذا محض الإحالة، وهو مناقضة؛ لأن العلة تجب أن
يكون غير المعلول، ومتى كان العلم من حقيقته كونه عالماً لم يصح أن
يكون علة في كونه عالماً؛ لأنه كيف يصح أن يكون علة في نفسه. وبعد
فكان يجب في من علم العالم أن يعلم العلم جملةً وتفصيلاً، وقد ثبت
أنه يعلم العالم من لا يعلم العلم كنفاة المعاني.
وبعد، فإنما يجب من الاشتراك في الصفة الاشتراك في المؤثر فيها إذا
كان ذلك المؤثر حقيقة فيها كقولنا أسود، فإن السواد حقيقة في هذا
الوصف وككونه مدركاً مع كونه حياً أو كانت الصفة تدل على المؤثر
كالحدوث يدل على المحدث. وبعد فالطريق إلى العلم في الشاهد إنما هو
حصول الصفة مع الجواز، وهذه الطريق لم تحصل في حقه تعالى.
واعترض الباقلاني بأنه لو كان المقتضى للعلم هو الجواز لوجب أن
يكون في الجاهل علم بما جهل؛ لأنه في حال جهله يجوز أن يعلم.
والجواب أن هذا الكلام في ظاهر الخطل والتهافت؛ لأنا لم نقل الدليل
هو الجواز فقط، بل قلنا حصول كونه عالماً مع الجواز، والجاهل ليس
بعالم بما جهله، فضلاً عن أن يكون عالماً له مع الجواز.
قال: ويلزم المعتزلة أن يكون الباقي باقياً ببقاء لأنه بقي مع
الجواز.
قالت له المعتزلة: إن الصفة إذا حصلت مع الجواز فإنما يجب أن نعلله
بأمر، فإما أن يكون ذلك الأمر هو المعنى فإنما يعلم بطريق الستر،
ونحن نعلل صحة بقاء الباقي بما هو عليه في ذاته، فلا يلزم ثبوت
معنى.
شبهة، قالوا: قول أهل اللغة عالم إثبات، فإما أن يكون إثباتاً
لذاته وهو باطل وإلا كان قولهم ليس بعالم نفياً لذاته /114/ وإما
أن يكون إثباتاً لذاته على حال، وهو باطل، وإلا لزم في من يقول ليس
بعالم أن يكون باقياً لذاته وللحال، وإما أن يكون إثباتاً للعلم
وهو المطلوب.
(1/164)
والجواب: أتريدون أنه
إثبات للعلم فقط أو إثبات للذات على العلم الأول باطل؛ لأنا نعلم
بالضرورة أن قولنا عالم وصف للعالم لا للعلم، ولولا ذلك لكان
العالم هو العلم والقادر هو القدرة، وإذا كان إثباتاً لذاته على
علم فما ألزمتموناه في كونه إثباتاً لذاته على حال فهو لازم لكم في
كونه إثباتاً لذاته على علم فجوابكم جوابنا.
ثم يقال لهم: ولا يلزم إذا كان قولنا عالم إثبات للذات على حال أن
يكون قولنا ليس بعالم نفياً للذات وللحال، بل إنما يكون نفياً
للحال فقط، ثم يقال لهم: هذا اعتماد على مجرد عبارة أهل اللغة وهب
أن قولهم عالم إثبات للعلم، فهل علموا ما أثبتوه بالضرورة، فكان
يجب أن يشاركهم أو بالدلالة، فما هي تلك الدلالة.
وقريب من هذه الشبهة قولهم: علمنا بكونه تعالى عالماً، أما أن
يتعلق بذاته أو بها على حال أو بمعنى غيرها إلا أن في هذا إقراراً
تكون هذه المعاني أعياناً لله.
شبهة، قالوا: يصح الأمر بأن يعلم والأمر إنما يتعلق بإحداث شيء،
وذلك ليس إلا المعنى؛ لأن الصفة ليست مما يوصف بالحدوث، وإذا لم
يتعلق الأمر إلا بالمعنى فكذلك الخبر في قولنا زيد عالم والله
عالم.
والجواب: أما أبو عبد الله فجعله أمراً بأن نجعل أنفسنا على صفة
العالمين، ولكن لما لم يتم ذلك إلا بالعلم كان الأمر بالصفة أمراً
به.
(1/165)
قال: وقولهم لا يتعلق
الأمر إلا بالأحداث غير مسلم، بل يكفي في ذلك ان يتعلق بما يتجدد؛
لأنه إنما حسن تعلق الأمر بما يحدث؛ لأن الحدوث يتعلق بنا، فكذلك
يحسن في كل صفة تتعلق بنا، وإن كانت بواسطة معنى، وإذا كان كذلك
كان الخبر أيضاً يتعلق بهذه الصفة، فحيث لا يثبت إلاَّ لمعنى يتعلق
الخبر به أيضاً وحيث يثبت من دون معنى يتعلق الخبر بها فقط، وأما
سائر الشيوخ فيقولون مسلم أن الأمر إنما يتعلق بإحداث شيء وهو
العلم دون الصفة، لكن لم زعمتم أن الخبر كذلك في قولنا الله عالم
أو ليس الخبر يصح تعلقه بما هو ثابت مستقر سواء كان ذاتاً أو صفة،
وتتعلق بالأحداث وبغيره وبالموجود والمعدوم، والثابت والمنتفي
والقديم والمحدث.
وبعد، فيجب أن يعلم أولاً أن العالم عالم بعلم حتى يحسن منا الأمر
بذلك المعنى، وإذا تقدم العلم بالمعنى على حسن الأمر بطل الاستدلال
عليه بحسن الأمر.
ويقال لهم: كيف تقولون أن الأمر لا يحسن إلا بإحداث شيء، وعندكم أن
القدرة المحدثة إنما تتعلق بالاكتساب لا بالأحداث، فهلا كان الأمر
بأن /115/ يعلم أمراً باكتساب الحال أو باكتساب الذات على حال.
فإن قالوا: كيف يتعلق بناء ذات الجسم. قلنا: بأن يكتسبوها ويحدثها
الله كما في سائر الأفعال، شبهة.
قالوا: العالمية تقتضي العلم في الشاهد بمجردها، فكذلك في الغائب.
الجواب: أن الصفة إذا حصلت مع الوجوب ولم تكن متجددة لم يحتج إلى
أمر يعلل به، فضلاً عن أن يكون ذلك الأمر معنى.
وبعد، فإما أن يقتضيه اقتضاء إيجاب أو اقتضاء دلالة، والأول باطل
اتفاقاً؛ لأن العلم لو ثبت لكان هو الموجب للعالمية لا العكس،
والثاني باطل؛ لأنه إنما يتم لهم دلالتها بمجردها إذا أبطلوا كون
الدال حصولها مع الجواب كما تقدم.
شبهة، قالوا: لو كان عالماً لذاته لكان كل عالم كذلك كما أن الجوهر
لما كان جوهراً لذاته كان كل جوهر كذلك.
(1/166)
والجواب: يقال لهم:
إذا كان تعالى موجوداً لذاته وجب مثله في كل موجود، وجوابهم
جوابنا. والتحقيق أنه إنما يجب المشاركة في صفات الذات وتوابعها
إذا وقعت المشاركة في الذات وذوات الجوهر متماثلة بخلاف ذوات
العالمين.
شبهة، قالوا: العلم علمه لهذه الصفة في الشاهد، فلو حصلت الصفة من
دون علم لقدح ذلك في كونه علة كما أنها لما حصلت من دون الشهوة
مثلاً دل ذلك عل ان الشهوة ليست علة فيها.
والجواب: أن هذا مبني على أن الصفة معللة في كل موضع، وأنها إذا
عللت في موضع بعلة عللت بها في كل موضع ونحن لا نسلم واحداً من
الطرفين فنقول إنما تعلل الصفة بأمر منفصل إذا حصلت مع الجواز
وتجددت بعد إن لم تكن وعالمية الباري تعالى كم يحصل كذلك فلا يعلل
بأمر منفصل، وعن هذا يهرب وهو محل النزاع.
ثم إن سلمنا أنها تعلل فلا نسلم أنها تعلل في كل موضع بالعلم؛ لأن
العكس لا يجب عندنا في العلل، وما أنكرتم أن تحصل الصفة بعلة غير
العلم ومتى حصل العلم كان علة أيضاً كما أن فساد الصلاة قد تحصل مع
زوال الحدث ولا يدل ذلك على أن الحدث ليس بعلة إذا وجد، وكذلك
انتفاء السواد قد يكون بالبياض تارة وبالحمرة أخرى وإن لم تكن
عللاً حقيقة.
وأما ما ذكروه في الشهوة، فإنما لم يكن في العالمية لا لأنها وجدت
من دونها بل لأن الشهوة ليست بصفة العلم وإنما توجب العالمية في
الشاهد ما كان بصفة العلم.
فإن قالوا: كيف لا يجب عكس العلل ونحن نعلم أن المتحركية توجد
بوجود الحركة وتزول بزوالها، ولا يجوز أن تخلفها علة أخرى.
قلنا: إنما وجب ذلك في الحركة؛ لأن المتحركية لا تعقل إلا في متحيز
/116/ وكان الدليل على ثبوت الحركة شاملاً لكل متحيز، ومنع الدليل
من صحة أن يكون الجسم متحركاً لذاته أو لغير الحركة.
(1/167)
وبعد فوجود الصفة من
دون العلم إنما تدل على أنه ليس بعلة فيها في ذلك الموضع فقط، فمن
أين أنه ليس بعلة فيها في غيره، وبعد فوجود الباري تعالى لا يتعلق
بالفاعل في الشاهد. وبعد ففي المقدور علوم كثيرة، فهلا دل فقد
بعضها على أنه ليس بعلة إذا حصل وخلافه معلوم.
شبهة، قالوا: لو كان عالماً لذاته لكان بصفة العلم لأن العلم إما
تبين عما ليس بعلم بإيجابه الصفة.
والجواب لم نرد بقولنا لذاته طريقة التعليل ولو أردناه لما لزمنا
ما ذكروه؛ لأن اشتراك الشيئين في الإيجاب لا يقتضي التماثل إلا إذا
أوجبنا على حد واحد، وهو غير حاصل هنا؛ لأن ذاته تعالى لو أوجبت
الصفة لأوجبتها لنفسها، والعلم يوجبها لغيره، فاختلف الإجابان.
وبعد فإنما يقتضي الإيجاب التماثل في حق الذوات التي تكون أخص
أحكامها الإيجاب، والباري تعال يخالف مخالفه بأمر أخص من الإيجاب.
وبعد فلو كان الاشتراك في الإيجاب يقتضي التماثل لكان علمه تعالى
مثلاً لعلومنا بل هذا ألزم لهم لإيجاد الإيجاب.
فإن قالوا: إنا أردنا في أول الشبهة أن يكون تعالى بصفة العلم في
كونه علماً لا في المماثلة وهذا حاصل في علمه وعلومنا.
قلنا: إذاً لا يلزمنا ذلك؛ لأن العلم يكون علماً لوقوعه على وجه،
لا لإيجابه الصفة.
وقولهم في الشبهة أن العلم إنما تبين عما ليس بعلم بإيجابه الصفة
غير مسلم، بل باقتضائه لسكون النفس.
شبهة. قالوا: مخالفة القدرة للعلم ليس بأكثر من مخالفته تعالى
للعلم، فكما لا توجب القدرة العالمية فذلك لا توجبها ذاته.
والجواب: ما قدمنا ذكره في الشهوة، ومن أن المراد ليس طريقه
التعليل، ومن المعارضة بالوجود ونعارضهم أيضاً فنقول: ليست مخالفة
القدرة لعلومنا بأكثر من مخالفة علمه لعلومنا، فكما لا يوجب القدرة
العالمية لا توجبها علم مخالفة لعلومنا، وجوابهم جوابنا.
(1/168)
شبهة، قالوا: دلالة
العقل المحكم في الشاهد إما أن يكون دلالة على ذاته وهو باطل
بالاتفاق أو على حال لذاته، وتكون تلك الحال دالة على العلم، وهو
باطل؛ لأنه ليس بأولى من عكسه، وهو أن يدل على العلم والعلم يدل
على الحال وهو المطلوب.
والجواب: بل ما ذكرناه أولى من العكس؛ لأن صحة الأحكام صدر عن
الجملة، فلا يصح أن يدل على العلم؛ لأنه يختص بعض الجملة، ويجب أن
يدل على أمر راجع إلى الجملة، وهو الصفة، ثم يستدل بحصول الصفة مع
الجواز على ثبوت العلم. ثم يقال لهم: إذا لم يكن للشاهد فعل فكيف
يصح الاستدلال بالأحكام من جهته على أن له علماً، ثم يقاس الغايب
عليه، هذا ما لا يتأتى لكم.
شبهة /117/، قالوا: لو كان قادراً عالماً لذاته لكان الذي به قدر
هو الذي به علم، وفي ذلك كونه قادراً على ذاته كما أنه عالم بذاته.
والجواب: وهي ليس يلزم إذا كان المقتضى لصفتين واحداً أن يكون
حكمهما واحداً.
يوضحه: أن التحيز يقتضي أحكاماً كثيرة كاحتماله للغرض وصحة إدراكه
بحاستين، وشغله للجهة، ومعلوم كون هذه الأحكام مختلفة، وتحقيقه أنه
إنما يكون قادراً لذاته على ما يصح كونه مقدوراً، ويعلم لذاته ما
يصح كونه معلوماً، وذاته يصح كونها معلومة، ولا يصح كونها مقدورة.
شبهة: قالوا: يستحيل حصول العالمية من دون ما يصححها، وهي الحييه،
فكذلك يستحيل حصولها من دون ما يوجبها، وهو العلم؛ لأن الموجب أقوى
من المصحح.
والجواب: أن كونه حياً يصحح العالمية شاهداً وغائباً، وأن العلم لا
يوجبها شاهداً وغائباً، وقولهم: أن الموجب أقوى من المصحح لا
نسلمه؛ لأن المصحح يوجب صحة الحكم، ويلزمه صحة الحكم، كما أن
الموجب يوجب الحكم ويلزمه الحكم فهما سواء، وإن سلمنا أن الموجب
أقوى فذلك لا يقتضي تساويهما في محل النزاع، والعبرة في ذلك
بالأدلة.
(1/169)
وبعد فنحن نقول
يستحيل حصول العالمية من دون ما يوجبها، لكن الموجب لها في حقه
تعالى يخالف الموجب لها في حقنا، وهو ذاته تعالى كما أن المصحح قد
يختلف اتفاقاً. يزيده تأكيداً، أن المصحح لقيام المعاني بنا هو
التحيز، وفي حق الباري تعالى عندهم هو الذات.
شبهة: قالوا: لو علمنا بكونه تعالى قادراً يخالف علمنا بكونه
عالماً، فلا بد أن يكون متعلق هذين العلمين مختلفاً، وليس إلا
العلم والقدرة؛ لأن الذات واحدة.
والجواب: إنما اختلفا لأن كل واحد منهما تعلق بالذات على حال في
حكم المخالفة للأخرى، ثم يقال لهم: هذا إقرار بأن المعاني القديمة
متغايرة؛ لأن المخالفة أبلغ من المغايرة، وبعد فقد قال الرازي في
كتاب الأربعين مستدلاً على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات أنه
تعالى حي، ومن كان حياً صح أن يعلمها أجمع، قال: والموجب لعالميته
هو ذاته ونسبة الذات إلى الكل على السوية، فانظر كيف رجع إلى قول
المعتزلة عند صدق الخناق، وهو ممن يثبت المعاني، فهلا قال بأنه
عالم لذاته وترك معانيه هذه.
شبهة سمعية، قالوا: قال تعالى: {أنزله بعلمه} ولا يضع إلا بعلمه،
{ولا يحيطون بشيء من علمه}.
(1/170)
والجواب: أن العلم
بصحة السمع يقف على العلم بأنه عالم لذاته؛ لأنه إذا كان عالماً
بعلم، انحصرت معلوماته، فلا يكون عالماً بكل القبائح، وبعد فالعرب
إنما يستعملون العلم بمعنى العالم أو بمعنى المعلوم، فيقولون: جرى
هذا بعلمي أي وأنا عالم به، ولا يعقلون المعنى الذي يثبته
المتكلمون؛ لأنه إنما يعرف بتأمل كبير /118/ والله تعالى إنما
يخاطبهم بما يعقلونه، وتقديره أنزله وهو عالم به، ولا يضع إلاَّ
وهو عالم. وبعد فالظاهر متروك؛ لأن الباء في مثل هذا للالصاق بما
هو آلة للفعل نحو كتبت بالقلم، فلو كان المراد بالعلم المعنى لكان
علمه تعالى آلة في الإنزال والوضع، وأما قوله: {ولا يحيطون بشيء من
علمه} فالمراد من معلوماته تعالى كما يقال هذا علم أهل البيت عليهم
السلام، وعلم أبي حنيفة رضي الله عنه، أي معلومة، وكقولهم: اللهم
اغفر علمك فينا أي معلومك، ولأن من للتبعيض والمعنى الذي يثبته
المتكلمون لا يتبعض، ولأن الاستثناء لا يصح إلا إذا حمل على
المعلوم، وتقديره بشيء من معلومه إلا بما شاء، فلولا ذلك لكنا قد
أحطنا بنقص علمه القائم بذاته، وهو محال.
وأما معارضة أصحابنا لهم بقوله تعالى وفوق كل ذي علم عليم، فلا
يستقيم؛ لأن لهم أن يقلبوا علينا فيقولوا عندكم أن العلم هنا بمعنى
العالم، فيلزم أن يكون فوق كل عالم عليم، فلا يكون بد من التأويل.
واحتجوا لإثبات القدرة بقوله تعالى: {ذو القوة المتين}، وقوله: {هو
اشد منهم قوة} ونحو ذلك. والجواب ما تقدم من أن العرب لا يعقلون
معاني المتكلمين وإنما يستعملون للقدرة بمعنى الإقتدار، فيقولون
القدرة لله تعالى، أي الاقتدار، ويقولون لفلان قدرة على كذا، أي هو
قادر عليه، ولأن الظاهر متروك من حيث أن الشدة والمتانة إنما
يستعملان في الأجسام.
فصل
(1/171)
في أنه لا يجوز أن
يستحقها لمعان محدثة كما يقوله هشام بن الحكم في كونه عالماً،
والذي يبطله أن هذه الصفات ثابتة لم تزل فلا يؤثر فيها ما هو متأخر
عنها، ولأن محدثها لا بد أن يكون هو الله تعالى، وهو لا يحدثها إلا
بعد أن يكون مختصاً بهذه الصفات، والذي يشتبه ما يقوله ابن الحكم
وأبو البركات من الفلاسفة من أنه عالم بعلم محدث ويبطله أن العلم
اعتقاد واقع على وجه مخصوص كما تقدم، ولا يصح وقوعه على ذلك الوجه
إلا من عالم؛ لأنه كيف يقع من ناظر أو متذكر نظر أو ملحق لتفصيل
يحمله من دون عقل، وعلم بالدليل، ووجه دلالته، ومن دون علم
بالتفصيل، والجملة وكيفية الإلحاق.
فإن قيل: إنه يعلم المعلومات الأزلية لذاته، وإذا كان عالماً بها
صح أن يحدث علماً بهذه المعلومات المحدثه، قلنا إذا كان عالماً بعض
الأشياء لذاته علم جميع المعلومات إذ لا اختصاص للذات بمعلوم دون
معلوم، فلا يحتاج إلى علم محدث، ولأنه لو أحدث لنفسه علماً لأوجده
لا في محل كالإرادة، ولو قدر على علم لا في محل لقدر على جهل لا في
محل، إما بدلاً من العلم وإما متعلقاً بغير ما يتعلق به العلم،
فيوجب له ذلك الجهل كونه جاهلاً، وهو محال بالاتفاق.
شبهتهما /119/ من جهة العقل أنه تعالى لم يكن عالماً بوجود الأشياء
لم يزل، وإنما يعلم وجودها حال يوجد؛ لأن العلم تابع للمعلوم.
واختلف في الجواب، فقال الشيخ محمود المرجع بكونه تعالى عالماً إلى
تعلق ذاته، وهذا التعلق يتجدد بتجدد المتعلق فذاته تعالى توجب له
هذا التعلق بشرط ثبوت المتعلق، وبهذا نفارق القائلين بالعلم المحدث
لأنهم يثبتونه معنى بالفاعل.
وقريب من هذا قول أبي الحسين إلا أنه يقول ببقاء التعلق الأول،
قال: لأنه تعالى يعلم للشيء حالة عدم، ثم حالة وجود بعد ذلك العدم،
وهو مستمر.
(1/172)
وحكي عن الشيخ أبي
علي ما هذا لفظه: أنه وإن كان عالماً لنفسه فإنه إنما يوصف بأنه
عالم بوجود زيد عند وجوده من حيث تعلق علمه بوجوده كما أنه وإن كان
مدركاً لنفسه فإنه إنما يوصف بأنه يدرك المدركات عند وجودها لتعلق
كونه مدركاً بوجودها.
وهذا الكلام يحتمل وجهين: أحدهما أن يريد أن العالمية متجددة بتجدد
التعلق كالمدركية، وذلك لا يقدح في كونها للنفس أو مقتضاة؛ لأنها
متعلقة، والمتعلقة تتجدد بتجدد متعلقها ككونه مدركاً. ومتى قيل له
هذا يؤدي إلى خروج الموصوف عن صفته المقتضاة أو الذاتية أجاب بأن
الصفة إذا كانت مشروطة بثبوت المتعلق لم يمتنع زوالها عند زواله،
وإن كانت ذاتية أو مقتضاة، وهذا الوجه غير سديد؛ لأنه مع مخالفته
لأصول الجمهور، فإنه يؤدي إلى أن يكون له بكونه عالماً صفات كثيرة.
الوجه الثاني أن الصفة واحدة مستمرة والتعلق يتحدد فتكون متعلقة
بأن الشيء سيوجد، فإذا وجد زال التعلق الأول وصارت متعلقة بوجوه،
وهذا قريب، وقد صرح به ابن الملاحمي في (الفائق) عن أبي علي، وما
ذكره الفقيه قاسم بن حميد صاحب تعليق شرح الأصول من أنه لو تجدد
التعلق لكان لا بد أن يتماثل التعلقان، وإنما يتماثلان باتحاد
المتعلق، ومع اتحاده لا يحتاج إلى تحدد التعلق فهو غير سديد،
ولقائل أن يقول: إن مماثلة التعلق الثاني للأول لا يمنع من ثبوت
الثاني إذا قام عليه دليل، وقد قام الدليل هنا فإنا إذا علمنا أن
الشيء سيوجد ثم علمنا وجوده، فإنا نجد مزية لم تكن فلا أقل من أن
تكون تلك المزية الحاصلة تعلقاً متجدداً للصفة إذا بطل أن يكون
المتجدد هو الصفة. ثم يقال له: وما أنكرت أن يختلف التعلقان
لاختلاف متعلقهما من حيث أن أحدهما تعلق بأنه سيوجد والآخر تعلق
بأنه وجد.
فإن قال: هذا يؤدي إلى أن العلم بأنه سيوجد غير العلم بأنه وجد.
(1/173)
قيل له: إن أردت أن
العالمية غير /120/ العالمية فلا نسلمه، وإن أردت أن التعلق غير
التعلق فهو محل النزاع، فلم منعت منه؟ وقد أجاب جمهور الشيوخ عن
أصل الشبهة بأن العلم بأن الشيء سيوجد علم بوجوده إذا وجد وخالفهم
أبو الحسين، فقال هما علمان.
واستدل الجمهور بأنا إذا علمنا أن الشمس ستطلع غداً ثم قدرنا بقاء
هذا العلم حتى طلعت لم يكن بد من أن يتعلق؛ لأن في خلاف ذلك انقلاب
جنسه، فإما أن يتعلق بأنها ستطلع وهو محال؛ لأنها قد طلعت، وإما أن
تتعلق بطلوعها، وهو المطلوب، وهذا الدليل لا يستقيم في علم الشاهد؛
لأن عند الجمهور أن العلوم لا تبقى، وإذا كان كذلك لم يكن بد من أن
يكون العلم بوجوده غير العلم بأنه سيوجد؛ لأن العلم بأنه سيوجد قد
عدم في تأتي وجوده، فأما في عالمية الباري تعالى فالدليل قوي، لكنه
لا بد من أن يبنى على تجدد التعلق.
واستدلوا أيضاً بأنهما لو كانا علمين لكانا متولدين عن نظر واحد
حيث يكونان نظريين ولجاز أن يجهل وجوده مع العلم أنه سيوجد. ويمكن
اعتراضه بأن للخصم أن يجعلهما نظريين، ويلتزم جواز الجهل بوجوده مع
العلم بأنه سيوجد، ولهذا لو أخبرنا نبي صادق بأن زيداً سيموت إذا
ظهر على نبي معجز، فإنا من يأتي حال الخبر يشك في هل مات زيداً أم
لا مع أنا لا نشك في أنه سيموت، فإذا نظرنا فعلمنا أن الله أظهر
معجزاً على هذا المدعي للنبوة علمنا وقوع الموت بعلم ثان، كما إذا
نظرنا في أن الفعل ظلم علمنا قبحه بعلم ثان.
حجة أبي الحسين أن العلم بأن الشمس ستطلع لو كان علماً بطلوعها
لعلمنا ذلك، وإن كنا في بيت مظلم.
ويمكن الجواب بأنا إنما لم نعلم طلوعها والحال هذه؛ لأنه لم يتجدد
لعلمنا تعلق بطلوعها، ونحن قد بينا أنه لا بد أن يتجدد تعلق لهذا
العلم حال وجود المعلوم، ومتى قيل فهل يجوز ان يكون تعلق العلم
بأنها ستطلع باقياً حال طلوعها.
(1/174)
قلنا: يجوز ذلك،
ولكنها متى طلعت والتعلق باق صار العلم جهلاً لتعلقه بالشيء لا على
ما هو به، وذلك جائز، وهو يريده الشيوخ بقولهم أن العلم من جنس
الجهل، وهذا الجواب كله إنما يستقيم على القول ببقاء العلوم، فإما
مع القول بأنها لا تبقى فالقول ما قاله أبو الحسين من أنهما علمان،
ولا بد للجمهور من الاعتراف بذلك.
قال أبو الحسين رحمه الله تعالى: العلم بأن الشيء سيوجد لا يقوم
مقام العلم بوجوده، ولهذا يشك في أنه هل وجد حيث لا يشك في أنه
سيوجد.
ويمكن الجواب بما تقدم من أنه علم واحد، ولكن له تعلقات لا يقوم
أحدهما مقام الآخر. قال رحمه الله تعالى: اختلاف المتعلق عندكم يدل
على اختلاف العلوم، وهذه المتعلقات مختلفة من حيث أن كون الشيء مما
سيوجد مخالفاً لكونه مما وجد، وفي اختلاف العلوم تغائرها، ويمكن
الجواب /121/ بأن اختلاف المتعلق إنما يدل على اختلاف العلوم إذا
كانت علوماً، فأما وهو علم واحد فاختلاف متعلقه إنما يدل على
اختلاف التعلق، ونحن نلتزمه كما تقوله أنت في تعلق الذات
بالمعلومات.
شبهتهما من جهة السمع قوله تعالى حتى نعلم المجاهدين منكم، وقوله
تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً}، ونحوها من
الآيات.
والجواب إما مع القول بتجدد التعلق فلا كلام، وأما مع القول بأنه
لا يتجدد، فقد تقدم أن العلم في اللغة يستعمل بمعنى العالم،
والمعلوم فقط، فيكون تقديره حتى يقع الجهاد المعلوم، والآن وقع
الضعف المعلوم، إلا أن هذا ما لا يطرد في نحو قوله تعالى: {ليعلم
الذين نافقوا..} الآية، فكيف يكون غرض الحكيم وقوع النفاق. وأما
قوله تعالى: {لعله يتذكر أو يخشى}، وقوله تعالى: {لعلكم تتقون}،
ونحو ذلك، فلا يدل على جهله تعالى في تلك الحال؛ لأن لعل هنا ليست
بمعنى الترجي، وإنما هي بمعنى كي فطرب، وأبو علي، واستشهدا قول
الشاعر:
نكف ووثقتم لنا كل موثق
فقلنا لهم كفوا الحروب لعلنا
(1/175)
وقال غيرهما: معناه
قولا له قول راج لتذكره، فالترجي راجع إلى موسى وهارون عليهما
السلام، وكذلك قوله تعالى: {لعلكم تتقون}، معناه اعبدوا عبادة متق
إلاَّ أن هذا لا يشمل مواقع لعل في القرآن من نحو عفونا عنكم لعلكم
تشكرون.
وقد قيل في معناه أنه تعالى شبه ما فعله لنا من الألطاف والتكليف
بفعل التراخي الطامع في صلاحنا، وإن لم يكن رجاء حقيقياً وشاهده
قوله تعالى: وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، أي تفعلون فعل راج للخلود
طامع فيه وإن كنتم تعلمون أنه لا خلود.
فصل
في أنه تعالى يستحق هذه الصفات الأربع ما لم يزل، وفي ما لا يزال،
وقد زعم جهم أنه تعالى لا يعلم المعدومات، وبه قال ابن الحكم.
لنا: أما على القول بأنها ذاتية فظاهر لما تقدم من أن خروج الموصوف
عن صفة ذاته، لا يجوز، وإما على القول بأنها مقتضاة فلأنها مقتضاة
بشرط مستدام، فأما كونه مدركاً فإنها مقتضاة بشرط متجدد، وهو وجود
المدرك، فلذلك لم يثبت في ما لم يزل.
فصل
في أنه تعالى عالم بجميع أعيان المعلومات يدل عليه أنه يصح أن
يعلمها أجمع لأنه تعالى حي، وإذا صح وجب؛ لأن المصحح ملازم للموجب،
وهو ذاته تعالى أو ما هو عليه في ذاته بخلاف الواحد منا، فإنه وإن
صح أن تعلمها أجمع لكن لا يجب من حيث ان المصحح هو كونه حياً،
والموجب هو العلم، ولا تجب ملازمة الموجب للمصحح.
وبعد فالله تعالى عالم لذاته ولا اختصاص لذاته /122/ بمعلوم دون
معلوم، فيجب أن يعلمها أجمع، فإذا وجب أن يعلمها أجمع فإنه يجب أن
يعلمها على الوجوه التي يصح أن يعلم عليها من جملة وتفصيل، ومشروط
وغير مشروط، وقد ذهب الشيخ أبو هاشم إلى أن الله تعالى لا يعلم
جملة، وإنما يعلم مفصلاً، وهو مبني على مذهبه في أن الجملي هو
التفصيلي، وذهب جهم إلى أنه تعالى لا يعلم الشيء مشروطاً. قال:
لأنه يعلم هل يحصل الشرط أم لا.
(1/176)
لنا أنه تعالى أخبر
محمداً عليه السلام بأنه إن أشرك حبط عمله، بأن محمداً لا يشرك
ينافي علمه بأنه إن أشرك حبط عمله، ومثل هذا أخباره عليه السلام
بأن صلة الرحم تزيد في العمر ونحو ذلك.
فصل
في أن الله تعالى قادر على جميع أجناس المقدورات دليله ما تقدم في
أنه تعالى عالم بجميع أعيان المعلومات سواء، ولكن الفرق من جهة
الأعيان والأجناس، فإنه تعالى يعلم جميع الأعيان لصحة معلوم بين
عالمين، ولا يقدر على أعيان مقدورات العباد لامتناع مقدور بين
قادرين، ولكنه يقدر على أجناسها، وهذا هو مذهب الجمهور من الشيوخ،
وذهب أبو الهذيل ومحمد بن شبيب وأبو يعقوب وأبو الحسين ومحمود
وأكثر أهل الجبر إلى مقدور بين قادرين.
والخلاف في هذه المسألة واقع من طريقين: أحدهما في مقدور بين
قادرين من جهة واحدة بأن يكون له وجود واحد يتعلق بالقادرين،
والثانية في صحة مقدور بين قادرين من جهتين بأن يكون له وجودات
كثيرة تتعلق بعضها بقادر، والبعض الآخر بقادر آخر.
أما الطريق الأولى فاستدل الجمهور على امتناعها بأن حكم كل قادرين
صحة اختلافهما في الدواعي، وإلا لم يفترق الحي الواحد من الحيين،
فكان يصح أن يدعو زيداً الداعي إلى إيجاد فعل، ويصرف عمراً الصارف
عن وجوده، فيكون موجوداً من جهة زيد؛ لأن حق القادر أن يقع فعله
عند توفر دواعيه، ومعدوماً من جهة عمر، ولأن من حق القادر أن لا
يوجد فعله عند صارفه فيكون موجوداً من جهة زيد معدوماً من جهة عمر،
وكون الفعل الواحد موجوداً معدوماً محال.
واعترض بأنه إنما يكون موجوداً فقط؛ لأن معنى كونه معدوماً من جهة
عمرو هو أنه يجب أن لا يقع من جهته عند توفر صوارفه، وليس كونه غير
واقع من جهته يمنع كونه واقعاً من جهة غيره، وحال وقوعه من جهة زيد
يخرج عن كونه مقدوراً لهما جميعاً؛ لأنه قد وجد.
(1/177)
وأجاب المتأخرون من
أصحابنا بأنه يجب أن يكون موجوداً معدوماً من جهة كل واحد منهما
لأنا إذا فرضنا مقدور زيد وجوده ومقدور عمرو لا يوجد وفرضنا أن كل
واحد /123/ من هذين المقدورين يتعلق بالقادرين كليهما لزم صحة حصول
المقدورين من كل واحد من القادرين فيوجد ولا يوجد من جهة كل واحد
منهما.
قالوا: وله مثال أجلى من هذا وهو أن يريد زيد إيجاد حركة في هذا
الجوهر، ويريد عمرو إيجاد سكون فيه، وكل واحد من الحركة والسكون
متعلق بكل واحد من القادرين، ويكون متحركاً من جهة زيد من حيث أراد
تحريكه، وساكناً من جهته من حيث أنه مقدور عمرو متعلق به، وكذلك
العكس، ويمكن أن يعترض بأن الحركة والسكون إنا تتعلقان بزيد على
البدل، وكذلك بعمر فإذا وجدت الحركة من جهة زيد لتوفر دواعيه لم
يلزم أن يوجد السكون من جهته؛ لأنه إنما كان مقدوراً له قبل وجود
الحركة، وهذا حكم كل ضدين يتعلقان بالقادر سواء تعلقا بقادر آخر أم
لا.
دليل آخر للجمهور، قالوا: لو وجد عند توفر دواعي زيد مع قيام صارف
عمرو لكان عمرو فاعلاً له مع كراهته له؛ لأنه وجد ما كان قادراً
عليه، وذلك هو حقيقة الفاعل، ويمكن أن يعترض بأنه إنما يكون فاعلاً
إذاوجد ما كان قادراً عليه من جهته، وذلك من تتمة حد الفاعل. دليل:
قال الجمهور لو وجد الفعل من جهة قادرين لما انفصل عن وجوده من جهة
قادر واحد إذ لم يختص أحدهما بتأثير ليس للآخر.
واعترضه ابن الملاحمي بأن الفصل يظهر بالتمانع فيكون الفعل الصادر
من قادرين أولى من ضده الصادر من قادر واحد.
وفيه نظر إلا أن يبني على تزايد الوجود وسيأتي في الطريق الثانية.
قال: وكلام الجمهور معارض بطروّ جزئين من البياض على جزء من
السواد، فإنهما ينفيانه على حد لا ينفصل عن انتفائه بأحدهما.
دليل: قال الجمهور، لو تعلق الفعل بقادرين لصح أن يقدر الله تعالى
عليه مبتدأ ولا يقدر أحدنا عليه إلا مسبباً، وفي ذلك كونه محتاجاً
إلى المسبب غير محتاج.
(1/178)
واعترضه ابن الملاحمي
بأنه لا يمتنع احتياجه إلى السبب في حال دون حال، وبهذا اعترض
قولهم لو تعلق بقادرين لما صح أن يوجداه في محل قدرتيهما، وإلا كان
مثلاً للتأليف، وإذا فعله أحدهما مباشراً والآخر مسبباً أدى إلى أن
يكون محتاجاً إلى السبب غير محتاج.
وأما الطريقة الثانية، فقد استدل الجمهور على امتناعها بأنه لو
تزايدت الوجودات حتى يصح تعلق بعضها بقادر والبعض الآخر بقادر آخر
لصح أن يدعو أحد القادرين الداعي إلى الإيجاد دون الآخر فيكون
موجوداً معدوماً.
قال أبو الحسين: أيلزمون الخصم التسمية أو المعنى، وكلاهما لا
يلزم، أما التسمية للخصم /124/ أن يقول إلى اسمية موجوداً لحصول
صفة الوجود له، ولا اسمية معدوماً لانتفاء صفة الوجود الأخرى كما
اسمى الجوهر أسود لحصول سواد فيه، وإن لم يحصل سواد آخر، وكذلك
اسمية كائناً لحصول كائنية فيه، وإن لم تحصل كائنية أخرى.
وأما المعنى فللخصم أن يقول أتريدون بكونه موجوداً معدوماً أنه حصل
علىإحدى صفتي الوجود دون الأخرى فهو صحيح فما المانع منه أو تريدون
أنه ليس له صفة وجود قط، فغير صحيح؛ لأنه كيف يقول القائل إذا كان
لهذا الشيء صفة وجود بأحد القادرين لم يكن له صفة وجود قط، وهل هذا
إلا كأن يقول إذا كان زيد في الدار لم يكن في الدار.
دليل: قال الجمهور: لو تزايدت صفة الوجود وحصل بعضها لم يكن بأن
تظهر عندها الصفة المقتضاة أولى من أن لا يظهر.
واعترضه ابن الملاحمي بأن ظهورها أولى لحصول الوجود الذي هو شرط،
ولا يضر فقد صفة أخرى، لو حصلت لكانت شرطاً كما أن الحياة شرط في
العلم، ومتى حصلت صح وجود العلم، وإن فقدت حياة أخرى. ومتى قيل له
أن الوجودات كلها شرط، أجاب بأن هذا وإن كان ضعيفاً فإنه يبطل
السؤال من أصله؛ لأنه يصير عدم ظهور المقتضاة أولى لفقد شرطها، وهو
جميع الوجودات فلا يستقيم قولهم في الدليل لا يكون بأن تظهر عند
بعض الوجودات أولى من أن لا تظهر.
(1/179)
دليل: قال الجمهور لو
جوزنا تزايد صفة الوجود لكنا قد جوزنا صفة حصولها كان لا يحصل،
وذلك محال.
ويمكن أن نعترض بما تقدم من أن لحصولها تأثير في المنع، ويمكن
الجواب بأنه لو كان كذلك لصح أن يمنع أحدنا عشر حركات تحركه واحدة
لها عشر وجودات. ويمكن أن يعترض بأنكم إن أردتم عشر وجودات من عشرة
قادرين، فصحيح على مذهب الخصم وإن أردتم بقادر واحد، فكيف يصح
وعندكم أن القدرة الواحدة لا تتعدى على التفصيل الوجود الواحد.
والأحسن في الجواب أن يقال أن التمانع يقع لا لأجل التنافي
والتنافي هو لأجل الصفة المقتضاة، وهي لا تتزايد اتفاقاً، فلا يكون
لتزايد الوجود تأثير في المنع؛ لأن المنع يستند إلى ما يتزايد
فيكون تزايد الوجود كلا تزايد ويستقيم الدليل.
دليل: قال الجمهور: لو صح تزايد الوجود حال الحدوث لصح حال البقاء،
ولصح أن يبدأ أحد القادرين فيكسب الفعل صفة وجود، ثم يأتي، قادر
آخر بعد فيكسبه وجوداً آخر حال بقائه، وفي ذلك اتخاذ الموجود وهو
محال.
ويمكن أن يعترض بأن ما تعلق بالقادرين يتبع حال الحدوث، فلا يصح
تزايد الوجود حال البقاء.
فصل
لا معنى لمكالمة أهل الجبر في مقدور بين قادرين وإن كانوا يقولون
به.
أما الجهمية فلأنهم يجعلون القادر واحداً وهو الله تعالى. وأما أهل
الكسب فهم كالجهمية سواء في المعنى وإن خالفوا في العبارة، وكذلك
اهل القول بالقدرة الموجبة من حيث أن فاعل السبب فاعل المسبب، وإذا
كان عند جميعهم أنه لا فاعل إلا الله فلا معنى لقولهم مقدور بين
قادرين.
(1/180)
شبهتهم أنه إذا
أقدرنا الله تعالى على فعل فهو بأن يقدر عليه أولى. والجواب معنى
أن الله تعالى أقدرنا عليه عندكم أنه خلق فينا الفعل وخلق فينا
قدرة مقارنة له أو خلق فينا قدرة موجبة له، وإذا كان كذلك لم يكن
قد أقدرنا عليه، وإلا لزم أن يكون قد أقدر المرمي به من شاهق على
الهُوِيَّ بأن خلق فيه قدرة مقارنة له أو فعل فيه ما يوجبه، وهو
الثقل، وكل هذا باطل، فأما على أصلنا فهو تعالى وإن أقدرنا على
الفعل لم يلزم من ذلك أن يكون قادراً على متعلق تلك القدرة
لاستحالة ذلك لولا هذا لوجب إذ خلق فينا شهوة متعلقة بشيء أن يكون
هو مشتهياً له أولى وأحرى.
وأرك من هذه الشبهة قولهم إذا صح مملوك بين مالكين صح مقدور بين
قادرين؛ لأن المعنى كون المملوك بين المالكين أن لكل واحد منهما أن
يصرفه نوعاً من التصرف ويستخدمه نوعاً من الاستخدام، وما فعله
المملوك لأحدهما غير ما فعله للآخر، ويقال لهم: إذا جاز تعلق
المقدور بقادرين من جهتين حدوث وكسب فهلا جاز تعلقه بهما من جهة
واحدة كالمراد والمعلوم.
ويقال لهم: هلا صح أن يتعلق بأكثر من قادرين فلم منعتم منه، وقد
فقد الحاضر كالمراد والمعلوم والمملوك.
ويقال لهم: إذا جاز فعل من فاعلين فهلا جاز ظلم من ظالمين، وكذب من
كاذبين، وكلام من متكلمين، ونحو ذلك.
فصل
إن قيل: المجوزون من شيوخكم مقدوراً بين قادرين بماذا يعلمون أن
أفعالهم منهم لا من الله تعالى، وهلا جاز أن يكون كلام أحدهم منه
ومن الله تعالى وسائر أفعاله.
والجواب: أن هذا السؤال لا يختص المجوزين المقدور بين قادرين، بل
يقال للجمهور أيضاً: ما أنكرتم ان يكون الله تعالى فعل فيكم مثلا
كلامكم، ومثل مشيئتكم، فالمانع من ذلك شامل على المذهبين جميعاً.
وقد ادعى المجوزون لمقدور بين قادرين وغيرهم الضرورة في الفرق بين
فعلهم وبين ما يفعل فيهم.
(1/181)
واستدل الباقون
بطريقين إحداهما أنا نعلم ضرورة وقوف أفعالنا على أحوالنا، ولو
كانت مفعولة فينا لكنا محمولين عليها.
والثانية دليل العدل والحكمة وسيتضح.
القول في أن الله تعالى مريد وكاره
المريد: هو المختص بصفة لمكانها يصح أن يوقع الفعل على وجه دون وجه
إذا كان مقدوراً له.
قلنا: إذا كان مقدوراً له ليدخل كونه مريداً لفعل الغير، فالكاره
هو المختص بصفة لمكانها يصح منه إيقاع كلامه نهياً ونحوه، وكان أبو
علي وأبو هاشم أولاً يحدون المريد بأنه من وجدت إرادته بحيث تتعاقب
هي وضدها.
ويبطله ما ثبت من صحة خلق الحي عن الإرادة والكراهة، وعن الشيء
وضده وايضاً فقد يعلم المريد من لا يعلم الإرادة، وإلا كنا لا
نحتاج إلى إقامة الدلالة على الإرادة بعد العلم بالمريد.
وحده أبو القاسم بأنه فاعل الإرادة، ولهذا لم يقل بأن الله تعالى
قادر على الإرادة لما كان غير مريد على الحقيقة عنده، ويبطله أنه
ليس للفاعل بكونه فاعلاً حال بخلاف المريد، وبأنه كان يلزم صحة أن
يفعل الإرادة في جزء من قلبه ، والكراهة في جزء آخركالحركة
والسكون، وأيضاً فأحدنا يجد من نفسه كونه مريداً بل قد يضطر إلى
ذلك من غيره، وإن لم يخطر بباله الفعلية، وأيضاً فالمرجع بكون
أحدنا مريداً إلى الشهوة عنده وهي غير مقدورة لنا.
فصل
وللمريد بكونه مريداً حال، وكذلك الكاره، والعلم بها على الجملة
ضروري، فإن أحدنا يجد من النفس التفرقة بين كونه مريداً وبين كونه
غير مريد، وقد يضطر إلى ذلك من غيره، وإنما الخلاف في تفصيلهما،
فذهب جمهور شيوخنا إلى أنها زائدة على الداعي، والداعي والصارف،
وقال الكعبي والبغدادية: المرجع بهما إلى الشهوة والنفرة.
لنا ما تقدم في نظائره من أنه لا يمكن المرجع لهذه التفرقة إلا إلى
حال.
(1/182)
وبعد فقد ثبت استحالة
كون أحدنا مريداً للشيء كارهاً له، وإن اختلف محل الإرادة والكراهة
فلا وجه لذلك إلا حصوله على صفتين ضدين، وبعد فلكونه مريداً تأثير
في وقوع الفعل على الوجوه المختلفة فلا بد من حالة ترجع إلى الجملة
ويبطل قول ابن الملاحمي أن إرادة القبيح وكراهة الحسن يقبحان بخلاف
الداعي إلى القبيح والصارف عن الحسن حيث يكونان من قبيل العلوم لا
سيما الضرورية، وبعد فالإرادة والكراهة تتضادان بخلاف الداعي
والصارف، ولهذا يجتمع الداعي والصارف في الطعام المسموم في حق
الجائع.
ومن قوي ما يمكن أن يقال له أن داعي القديم ثابت في ما لم يزل،
ومعلوم أنه غير مريد في ما لم يزل، وإلا كان مريداً لذاته، والمعنى
قديم وهو لا يقول به.
ويبطل قول البغداديين /127/ أن الشهوة والنفار لا يكونان إلا حسنين
بخلاف الإرادة، وكذلك الشهوة والنفار غير مقدورين بخلاف الإرادة
والكراهة، ويتعديان في التعلق في جميع الأجناس المدركات والإرادة
والكراهة لا يتعديان الحدوث وتوابعه في المدرك وغيره، وإنهما
يثبتان مع السهو والنوم بخلاف الإرادة والكراهة ويستحيلان على الله
تعالى بخلاف الإرادة والكراهة ولا يتعلقان إلا على التفصيل بخلاف
الإرادة والكراهة ولا يؤثران في وقوع الفعل على وجه بخلاف الإرادة
والكراهة. وبعد فأحدنا يريد ما لا يشتهيه كشرب الأدوية الكريهة
والفصد، ويشتهي ما لا يريده كالزنا وشرب الخمر والأكل في رمضان.
فصل
وهذه الصفة تثبت لمعنى هو الإرادة؛ لأنها تثبت مع الجواز والحال
واحدة والشرط واحد، فلا بد من أمر، وليس إلا وجود معنى على ما مر
في نظائره.
فصل
وحيث لا تعلم هذه الصفة ضرورة فإنا نعلم ثبوتها في حق المختص بها
بطريقين:
إحداهما: أن العالم بما يفعله إذا كان فعله مقصوداً في نفسه ولم
يمنع من إرادته فإن الذي يدعوه إلى فعله يدعوه إلى إرادته، وذلك
ضروري في الشاهد، فإن الذي يدعوا أحدنا إلى الأكل يدعوه إلى
إرادته.
(1/183)
واعتبرنا أن يكون
عالماً بما يفعله أي ليس في حكم الساهي عنه؛ لأنه متى كان ساهياً
عنه استحال أن يريده، فضلاً عن أن يحب إرادته، واعتبرنا أن يكون
الفعل مقصوداً في نفسه احترازاً مما يسمى جنس الفعل، وهو الذي لا
يقع إلا على وجه واحد، ولا يفتقر في وجوده إلى أزيد من القدرة من
القدرة كالإرادة نفسها، وكرد الوديعة ونحو ذلك، فإنه لا يجب أن
يراد وإن صح ذلك، وكذلك الألم الحاصل عند القصد وانتقاص التراب عند
الجلد.
وبالجملة فكل ما يفعل تبعاً لغيره أو لا يقع إلاَّ على وجه واحد
واعتبرنا ألا يكون ممنوعاً من إراته احترازاً مما يدعوه الداعي إلى
الأكل ويمنع من إرادته فإنه يأكل لا محالة ولا يحتاج إلى إرادة،
وكذلك الواقف على باب الجنة فإنه إذا علم بما فيها من النعيم ومنع
من إرادة دخولها وخلق فيه إرادة دخول النار فإنه يدخل الجنة من دون
إرادة وأشباه هذا.
(1/184)
الطريق الثانية: أن
تقع أفعاله على وجوه مختلفة من نحو كون كلامه أمراً وخبراً ونحو
ذلك، ولا يصح وقوع الفعل على الوجوه المختلفة إلا من يريد ثباته
أنه إذا قال زيد في الدار جاز أن يكون خبراً عن زيد بن عبد الله
وعن زيد بن خالد، وهو لا يكون خبراً عن أحدهما دون الآخر، إلا
لأمر، وذلك الأمر إما أن يرجع إلى المخبر عنه أو إلى الصيغة /128/
أو إلى المخبر لا يجوز رجوعه إلى المخبر عنه؛ لأن الزيدين مع
الصيغة على سواء، ولا يجوز رجوعه إلى نفس الصيغة من ذاتها وصفاتها؛
لن كل ذلك مع الزيدين على سواء، وكان يجب أن يكون خبراً في حالة
السهو والنومن وبهذا يبطل قول البغداديين من أنه خبر لعينه بمعنى
إنما كان خبراً عن زيد لا يصح أن يكون خبراً إلا عنه وإن جاز في
مثله أن لا يكون خبراً عنه، وبعد فكنا نعلم الخبر خبراً والمخبر
مخبراً وإن لم نعلم إلا الصيغة، وبعد فإنما يصح هذا القول بعد
العلم بماهية الخبر ومعه لا يصح العلم بها. وبعد فكان يصح أن يكون
خبراً قبل المواضعة، وكان لا يصح التجوز في الكلام.
قال ابن الملاحمي: ولهم أن يقولوا أن التجوز وقع بمثل الخبر.
ولنا أن نجيب بأن الصيغة إذا كانت خبراً عن زيد لعينها لم يصح في
ما ماثلها أن يكون خبراً إلا عنه، وبعد فكان لا يمكن أحدنا الإخبار
إلا عن أشخاص متعددة بحسب عدد قدره وأن يستحيل إخباره عما لا
يتناهى من الزيدين.
قال ابن الملاحمي: ولهم أن يقولوا إن أردتم يخبر عنهم بصيغ
متماثلة، فجائز قدرته على ما لا يتناهى على البدل، وإن أردتم يخبر
عنه بصيغة واحدة كان يقول الزيدون في الدار، فذلك صحيح، ويكون مخبر
الصيغة حينئذ واحداً، ويصح ايقاعها بقدرة واحدة كما يقولونه في
إرادة الأخبار عنهم، فالمعتمد في أنه لا يصح رجوع ذلك الأمر إلى
نفس الصيغة ما تقدم.
(1/185)
بقي أن يكون ذلك
الأمر راجعاً إلى المخبر وهو إما ذاته أو صفات ذاته، وكونه قادراً
فيلزم ما تقدم من صحة الأخبار حال السهو والنوم وإلا يحتاج إلى
المواضعة ونحو ذلك، وأما كونه عالماً فيلزم أن لا يحتاج إلى
المواضعة على أنه قد يكون عالماً بالزيدين على سواء، وكونهما في
الدار، وأيضاً فهو مخبر وإن كان كاذباً غير عالم بما أخبر عنه،
وإما أن يكون ذلك الأمر هو الداعي الذي دعاه إلى الإخبار عن أحدهما
كما يقوله ابن الملاحمي، وهو باطل بما تقدم من أن الإرادة غير
الداعي.
يزيده وضوحاً أنه قد يكون داعيه إلى الإخبار عن الزيدين على سواء،
ثم يخبر عن أحدهما كما تقدم في تناول أحد الرغيفين، وإما أن يكون
ذلك الأمر هو كونه مريداً وهو المطلوب.
وقريب من هذا يقع الكلام في كون الصيغة أمراً فإنها لا تنفصل عن
التهديد والتحدي والإباحة إلا بالإرادة، وكذلك كون الصيغة نهياً في
دلالتها على كونه كارهاً.
فصل
في الدلالة على إثبات هذه الصفة للباري تعالى.
اعلم أن الاضطرار إلى كونه تعالى مريداً لا يصح، والدار دار تكليف؛
لأن العلم بصفاته تعالى فرع على العلم لذاته /129/ وإنما يعلم
استدلالاً، وقد ذهب أبو الحسين وابن الملاحمي إلى أن معنى كونه
تعالى مريداً لأفعاله أنه دعاه الداعي إلى اتخاذها، ومعنى كونه
مريداً لأفعال غيره هو أنه أمر بها.
وقال أبو الهذيل وابو القاسم والنظام والجاحظ: معنى كونه تعالى
مريداً لأفعاله أنه أوجدها وهو غير ساه ولا مغلوب، ومعنى كونه
مريداً لأفعال غيره أنه أمر بها.
وقال جمهور أصحابنا وأهل الجبر معنى كونه مريداً لأفعال نفسه
ولأفعال غيره أنه مختص بصفة كما تقدم.
وسيدلنا أن ندل على صحة هذه الصفة في حقه تعالى، ثم على ثبوتها.
أما صحتها فدليله أن من حق كل حي قادر صحة أن يوقع فعله على وجه
دون وجه، وكل من صح منه أن يوقع فعله على وجه دون وجه صح أن يكون
مريداً وكارهاً لأنهما اللذان يؤثران في وقوع الفعل كذلك.
(1/186)
وأما وقوعها فما تقدم
من الطريقين المذكورين حاصل هنا لأنه تعالى أوجد أكثر أفعاله
لأغراض يخصها ويستحيل أن يمنع من إرادتها، فيجب أن يريدها؛ ولأن
جميع أفعاله واقعة على وجوه مخصوصة. أما الخطابات ففيها الأمر
والنهي والخبر.
وأما غير الخطاب من أفعاله تعالى فلا يخرج عن كونه نعمة أو نقمة،
ومعلوم أن المنفعة إنما تكون نعمة إذا قصد بها فاعلها وجه الإحسان،
وكذلك المضرة إنما تكون نقمة إذا قصد وجه الأضرار وإلا لزم في
الأمراض والبلاوي أن تكون نقمة وخلافه معلوم.
يزيده وضوحاً أن الله تعالى خلق فينا شهوة القبيح ونفرة الحسن، فلو
لم يكن عرضه بذلك كمال شرائط التكليف لكان عبثاً، بل أغرا بالقبيح.
فصل
والباري تعالى يستحق هذه الصفة لمعنى محدث كالشاهد.
وقالت البحارية وبشر بن المعتمر: أنه يستحقها لذاته. وقالت
الأشعرية يستحقها لمعنى قديم.
(1/187)
لنا أنه تعالى حصل
مريداً مع الجواز، والحال واحدة، والشرط واحد، فلا بد من أمر، وليس
إلا ثبوت معنى على مثل طريقتنا في إثبات المعاني، وإنما يثبت لنا
أنه حصل مريداً مع الجواز إذا أبطلنا أن يكون مريداً لذاته أو
لمعنى قديم؛ لأنه الذي يشتبه الحال فيه، والذي يبطل ذلك أنه لو كان
مريداً لذته أو بإرادة قديمة لوجب أن يكون مريداً لجميع المرادات
بل لجميع ما يصح أن يراد، وهو محال إما انه كان يجب ذلك فلأنه لا
اختصاص لذاته ولا للمعنى القديم ببعض ما يصح ان يراد دون بعض ككونه
عالماً لا ككونه قادراً؛ لأنه يستحيل مقدور بين قادرين، ولا يستحيل
معلوم بين عالمين /130/ ولا مراد بين مريدين، وإما أن ذلك محال
فلأنه لو اراد جميع ما يصح أن يراد لوقع لا سيما على مذهب الخصم في
إنما يريده الله تعالى لا بد أن يقع، فكان يجب إذا أراد أحدنا
شيئاً أو صح أن يريده أن يقع لأنه مراد الله تعالى، وكان يلزم أن
يكون مريداً للإيمان من الكافر والكفر من المؤمن؛ لأنه مما يصح أن
يراد، وكان يلزم أن لا يكره الله شيئاً قط؛ لأن كل ما يكرهه فهو
مما يصح أن يراد، فكان يلزم أن يوجد الله أكثر مما أوجد وأكثر،
وأكثر وقبل الوقت الذي أوجد فيه، وقيل: وقبل لصحة أن يريد ذلك،
وليس يتأتى للخصم أن يقول أن الإرادة تتبع الداعي فلا يريد إلا ما
دعاه إليه الداعي؛ لأن عنده أن الله يريد الكفر من الكافر ولا
يدعوه إليه الداعي، وكان يلزم أن يكون الله تعالى مريداً للضدين
لأنهما مما يصح أن يريدهما مريدان، ومريد واحد إذا اعتقد ارتفاع
التضاد بينهما، وبهذا يبطل كون إرادتي الضدين ضدين فلا يقال أنه
يكون بإرادتي الضدين حاصلاً على صفتين ضدين، ومتى أراد الضدين فإما
أن يوجدا معاً وهو محال وإما أن لا يوجد واحد منهما وفيه تخلف
مراده، وقد أراده وهو محال عندهم، وأما أن يوجد أحدهما ولا مخصص،
فبهذا يبطل أن يكون تعالى مريداً لذاته أو بمعنى قديم، وإن كان
جميع ما تقدم في
(1/188)
إبطال المعاني
القديمة يرد في إبطال الإرادة القديمة.
دليل: لو كان تعالى مريداً لذاته أو لمعنى قديم لاستحال خروجه عن
هذه الصفة ككونه عالماً وقادراً ومعلوم خلافه لا سيما على مذهب
الخصم في أنه لا يريد إلا الواقعات فيريد الإيمان من زيد ما دام
يفعله، فإذا كفر أو عجز أو مات خرج الباري عن كونه مريداً له.
دليل: لو كان تعالى مريداً لذاته أو لمعنى قديم لبطل الاختيار في
أفعاله تعالى، ولما صح وصفه بالقدرة على إقامة القيامة الآن ولا أن
يجعل لزيد رأسين ونحو ذلك من التقديم والتأخير والزيادة والنقصان؛
لأن الإرادة القديمة لم تعلق بذلك، وما لم تتعلق به الإرادة
القديمة استحال أن يقع، وليس لهم أن يقيسوه على العلم؛ لأنا نجوز
القدرة على خلاف المعلوم، وهم لا يجوزون تعلق الإرادة بخلاف
المعلوم، وهذا يبطل ما قد قامت عليه الدلالة من أنه إن شاء أن يفعل
فعل، وقد نطق القرآن بذلك، قال تعالى: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي
أوحينا إليك}. يوضحه: أن الشرط لا يدخل إلا في المستقبل ولا بد أن
يعترفوا بأنه أراد هذا الشيء مع جواز أن لا يريده..
فصل
وللمخالف شبه في أنه تعالى مريد لذاته أو بإرادة قديمة وأكثرها قد
دخل في أثناء الكلام وبقي شبهتان.
إحداهما أن قالوا لو لم يكن مريداً لم يزل لكان قد حصل مريداً بعد
إن لم يكن، وذلك تغير كالمحل إذا أسود بعد أن كان أبيض.
والجواب هل أردتم بالتغير أنه حصل على صفة لم تكن عليها فهذا لا
يسمى /131/ تغيراً كما تقدم في كونه مدركاً بعد إن لم يكن، وفاعلاً
بعد إن لم يكن ونحو ذلكن وأما قول العرب في الجسم إذا اسودّ بعد
بياض أنه قد تغير فلاعتقادهم أنه صار غير ما كان، وإلا ساء في بديع
اعتقاداتهم، وإن أردتم التغير الحقيقي وهو أن ذاته صارت غير ما
كانت فما دليلكم عليه.
الشبهة الثانية:
إن قالوا أنه في ما لم يزل غير ساه ولا غافل فيجب أن يكون مريداً.
(1/189)
والجواب: إنما يلزم
فيمن ليس بساه ولا غافل أن يكون عالماً، فإما أن يكون مريداً فلا
يلزم لأنهما يضادان العلم ولا يضادان الإرادة ولو ضادها لم يكن
انتفائهما دليلاً على ثبوتهما إلا إذا لم يجز خلو الذات عن الصفة
وضدها وقد بينا جوازه.
يوضحه: أنه تعالى غير ساه عن نفسه ولا غافل ولا يكون مريداً لها.
فصل
وإذا ثبت أنه تعالى مريد بإرادة محدثة فهي إنما توجد لا في محل
لأنه تعالى يستحيل أن يكون محلاً للأعراض ويستحيل أن يوجب له
الإرادة وهي حالة في غيره من حي أو جماد.
أما الجماد فيستحيل وجود الإرادة فيه رأساً، وأما الحي فلأنها متى
وجدت فيه كانت بأن يوجب له أولى من القديم تعالى، فلم يبق إلا أن
يكون لا في محل وليس في ذلك إلا تشنيع من يشنع بأنه كيف يوجد عرض
لا في محل، والأصل في مثل هذا أن وجود الشيء إذا كان بالدلالة
فكيفية وجوده يتبع الدلالة.
ولهذا منعنا المشبهة أن يقيسوا كيفية وجوده تعالى على كيفية وجود
الأجسام والأعراض.
وقلنا لهم: طريق ذلك الأدلة لا الاعتماد على مجرد الوجود، فإذا كان
الطريق إلى إرادة الباري الدلالة فكذلك كيفية وجودها، فإذا منع
الدليل من أن يكون حاله في الباري تعالى أو في غيره ثبت أنها لا في
محل، وقياس بعض الأعراض على بعض في كيفية الوجود لا يصح كما لا يصح
في كيفية الإيجاب، فإن بعضها يوجب للجملة وبعضها يوجب للمحل، ولولا
قيام الدلالة على أن ما عدا إرادة الباري وكراهته والفناء لا يوجد
إلا في محل لجوزنا وجوده لا في محل.
فإن قال: كيف يختص بالباري تعالى وقد وجدت لا في محل، وحالها مع
جميع الأحياء على سواء.
(1/190)
قيل له: من حق
الاختصاص أن يكون على أبلغ الوجوه ولا يمكن اختصاصها بالباري على
أبلغ من هذا الوجه بخلاف سائر الأحياء، فإنَّه يمكن أن يكون لها
بهم اختصاص على أبلغ من هذا الوجه، وهو الحلول، وإذا بطل أن تكون
موجبة لحي محدث وجب أن يوجب للقديم تعالى وإلا خرجت عما هي عليه في
ذاتها، وصار الحال فيها كالحال في المقدور فإنه إذا بطل قدرتنا
عليه وجب أن يكون الباري تعالى قادراً عليه وإلا خرج عن كونه
مقدوراً.
فصل
في ما يصح أن يراد ويستحيل ويجب ويحسن ويقبح.
أما ما يصح، فكل ما صح حدوثه /132/ كالمقدورات أو اعتقد صحة حدوثه
كاجتماع الضدين صح أن يراد، وكلما لم يكن كذلك كالقديم والباقي
واجتماع الضدين في حق من يعلم تضادهما استحال أن يراد.
وأما ما يجب أن يراد فهو كل فعل يفعله الفاعل لغرض يخصه ولا يكون
في حكم الساهي عنه، ولا ممنوعاً من إرادته.
وأما ما يحس فهو إرادة الحسن إذا لم يتعلق بالإضرار بالنفس، ولم
يكن عبثاً، واحترزنا من العاصي إذا أراد نزول العقاب بنفسه فإن هذه
الإرادة وإن تعلقت بالحسن قبحت لما كانت إرادة للإضرار بالنفس.
وقلنا: ولم يكن عبثاً احترازاً من إرادتنا للمكروهات ومن إرادة
الباري تعالى لها وللمباحات عند من لا يجوز إرادتها.
وأما ما يقبح فكل إرادة تعلقت بقبيح ويحسن صفته ما تقدم.
فصل في ما يريده الله تعالى وما لا يريده
(1/191)
وأما أفعاله تعالى
فجميعها مرادة له؛ لأن كل واحد منها يتعلق به عرض يخصه إلاَّ
الإرادة، فإنها تفعل تبعاً لغيرها، فلذلك لا يكون تعالى مريداً
لها؛ ولأن جميع أفعاله تعالى حكمة، وهي إنما يكون كذلك بالإرادة
التي يخصصها بوجه دون وجه، فأما الإرادة نفسها فهي من حيث يقع
تبعاً للمراد هي كالجزء منه فلا يحتاج إلى الإفراد بالإرادة ولا
يخرج عن كونها حكمة، وهذا الكلام في إرادته تعالى المتعلقة
بأفعاله، فأما إرادته المتعلقة بفعل غيره فيجب أن يريدها تعالى
لأنها ليست بفعل تبعاً لغيرها بل لغرض يخصها، وإنا لم يجز أن يكره
من أفعال نفسه تعالى؛ لأنها لا تقع منه ولا هو ممن يصح عليه الزجر
والجهل بالقبيح حتى يقال يفعل الكراهة زجراً لنفسه وتعريفاً لها
بالقبيح كما يفعل الكراهة المتعلقة بفعل الغير، وإن كان المعلوم أن
ذلك الفعل لا يقع.
فإن قال: هل يجوز أن يريد كل جزء من أفعاله تعالى بإرادة مستقلة أو
قد يريد جملة أفعال بإرادة واحدة.
قيل له: كل جزء يستقل بالغرض الذي فعل لأجله، فإنه يراد بإرادة
تخصه كالجوهر ونحوه، وكل جزء لا يتم الغرض به وحده بل لا بد من
انضمام غيره إليه فإنه يراد هو وجميع ما لا يتم الغرض به وحده بل
لا بد من انضمام غيره إليه، فإنه يراد هو وجميع ما لا يتم الغرض
إلا به بإرادة واحدة كالخبر والأمر، فإنه لا يكون كذلك إلا بمجموع
حروف، فإرادة جميع تلك الحروف واحدة (فراغ) أفعال غيره تعالى، فما
كان منها مكروهاً أو فعلاً يسيراً أو صادراً من غير مكلف فلا يريده
تعالى ولا يكرهه اتفاقاً بين الشيوخ، وكلما كان منها قبيحاً فاتفق
الشيوخ على أنه لا يريده وأنه يكرهه، وكلما كان منها واجباً أو
مندوباً فاتفقوا أنه يريده ولا يكرهه واتفقوا أيضاً على أنه تعالى
لا يريد المباح في الدنيا لأنه لا مزية لفعله على تركه ولو أراده
لترجح فعله، فكان واجباً أو مندوباً.
(1/192)
فإن قال: إذا كان
الله تعالى خلق الأشياء لينتفع بها الأحياء فقد أراد الانتفاع بها
وهو مباح /133/.
قيل له: إنه تعالى يقال إنما أراد خلقها على وجه يصح أن ينتفع بها،
وأراده أن ينتفع بها غير إرادة وقوعها على الوجه الذي معه يصح أن
ينتفع بها، واختلفوا في هل يريد المباحات في الآخرة أم لا.
فقال أبو علي: لا يريدها كالدنيا، وجعل قوله تعالى: {كلوا واشربوا}
إباحة لا أمراً حقيقياً.
وقال أبو هاشم: يصح أن يريدها في الآخرة؛ لأن ذلك زيادة مسرة أهل
الجنة وانتشاطهم، وحق الثواب أن يكون على أبلغ الوجوه، وليست دار
تكليف، فيقال إن إرادته لها تخرجها عن كونها مباحة ويدخلها في باب
المندوبات.
فصل
وفي ذكر طرف من أحكام الإرادة.
منها: أنه يجوز تقديمها، وخالف أهل الجبر. لنا أن أحدنا يجد من
نفسه إرادة ما يتأخر، والمخالف يبني على أن الإرادة موجبة للمراد،
وهذا أصل مضمحل عندنا.
فأما إرادة الباري فما تعلق منها بأفعاله المبتدأة والمسببة غير
المتراخية عن اسبابها، وحيث مقارنته لا لأن الإرادة موجبة، بل
لأنها لا تقدم إلا لتعجيل المسرة وتوطين النفس، وذلك يستحيل في حقه
تعالى، ولهذا امتنع العزم عليه، وما تعلق منها بأفعاله المسببة
المتراخية فقيل يفارق السبب ويكون في حكم المقارنة للمسبب؛ لأنه في
حكم الواقع لوقوع سببه.
وقيل: يقارن المسبب محافظة على الأصل المذكور، وما تعلق منها بفعل
الغير فهو متقدم على ذلك الفعل ومقارن للأمر به لوجهين:
أحدهما: أن الأمر لا يكون أمراً إلا بالإرادة.
والثاني: أن إرادته تعالى كالحاث على الفعل الباعث عليه، وحث
الباعث التقدم على الفعل.
ومنها: أنها لا تتعلق بأن لا يفعل ونحوه من النفي خلافاً لأهل
الجبر.
(1/193)
لنا أنها لو تعدت
الحدوث وتوابعه لتعدت، ولا حاضر، فكان يصح تعلقها بالقديم، والباقي
والماضي كالعلم، وأما نية الصوم فإنها تتعلق بكراهة الأكل ونحوه أو
بالامتناع المحقق وهو إطباق التعيين عن المأكول وتسكين اللسان عن
الرفث والحجر على آلة النكاح من النكاح وأشباه ذلك.
ومنها أن إرادة الشيء ليست كراهة لضده خلافاً لهم؛ لأنه ليس هذا
أولى من عكسه.
وبعد، فكان يستحيل إرادة الضدين على البدل؛ لأنه يكون بإرادة كل
واحد منهما، فذكره الآخر وبمثل هذا يبطل تضاد إرادتي الضدين؛ لأن
إرادتي الضدين ثابتة، وإنما يدخل البدل في الوقوع لا في الإرادة.
وبعد فلو تعلقت بالشيء على أنها كراهة لضده لكانت قد تعدت المتعلق
الواحد على التفصيل، وتقدم بطلانه، ولكان لها ضربان من التعلق
متنافيان، فيكشف ذلك عن اختصاصها بذاتيين مختلفيين.
وبعد فكان يلزم من أن يريد الشيء ويكرهه في حالة واحدة بأن /134/
يريد أحد ضديه، ويكره الآخر، وبعد، فكان لا يصح أن يريد الله تعالى
النوافل لأنه لا يكره أضدادها، فأحدنا يجد الفرق بين كونه مريداً
وكونه كارهاً.
فصل
والذي يجري عليه تعالى من الأسماء في هذا الباب نحو قولنا: مريد؛
لأنه يفيد اختصاصه بصفة، وليس طريقه الفعلية، وإن كان لا يريد إلا
بإرادة يفعلها.
ومنها: المحب لأنه لا فرق بين الإرادة والمحبة. ومتى أضيفت المحبة
إلى الأشخاص فقيل يحب المؤمنين ويحب التوابين والغرض إرادته
لإعظامهم ومدحهم، وكذلك إذا قيل فلان يحب فلاناً فالغرض أنه يريد
منافعة ولا يريد مضارة.
ومثله الودود والمود والواد.
ومنها: قولنا يشاء؛ لأنه لا فرق بين الإرادة والمشيئة.
ومنها: قولنا: راض، إلاَّ أنه لا يوصف بذلك إلا إذا وقع الفعل
مطابقاً لإرادته من عباده فلا يقال رضيه قبل وقوعه.
ومتى قيل رضي الله عن فلان فقيل معناه أنه أراد بكل أفعاله ورضيها.
(1/194)
وقيل: قد صار بالعرف
من الأسماء المقيدة للتعظيم، وهو الحق؛ لأنه لو كان على القول
الأول لما صح الترضية إلا عمن يقطع بأنه لم يأت معصية قط، وذلك
يؤدي إلى أن لا يرضى عن أحد حتى الأنبياء.
ومنها: قولنا قاصد ومختار إلا أنهما لا يستعملان إلا في فعل النفس
بشرط المقارنة أو ما في حكمها، وقد يستعمل الاختيار في إيقاع الفعل
لا على وجه الإكراه.
وأما ما يجري عليه بمعنى كونه كارهاً فنحو قولنا ساخط وهو نقيض
الراضي يفيد وقوع الفعل المكروه، ومتى علق بالفاعل نحو قوله تعالى:
{أن سخط الله عليهم}، فمعناه كراهة المنافع وإرادة المضار، وفيه من
الخلاف ما تقدم، والحق أنه قد نقل إلى ما يفيد الذم والاستحقاق
لولا هذا لما جاز إطلاقه على أحد قط؛ لأنه ما من مكلف إلا وقد فعل
واجباً أو ترك قبيحاً.
وأما الغضب والبغض فيصح أن يكون من باب إرادة المضار، ويصح أن يكون
من باب كراهة المنافع، وكذلك المعاداة من الله تعالى لعباده.
وأما المعاداة من العباد لله تعالى فمعناه معاداة أوليائه بإرادة
مضارهم والاستخفاف بهم أو كراهة منافعهم وإعظامهم.
وأما البراءة من الله تعالى فإن علقت بالفعل فالمراد أنه كراهة
نحو: إن الله بريء من الكفر وإن علقت بالفاعل نحو: إن الله بريء من
المشركين، جاز أن يكون بمعنى كراهة فعله، وجاز أن يكون متفق له إلى
معنى الذم والاستخفاف.
وأما الغيظ فلا يجوز إجراؤه؛ لأنه يفيد ضرباً من التغير وفوران
النفس.
القول في أن الله تعالى غني
الغني في اللغة: من استغنى بما في يده /135/ عن ما في أيدي الناس،
ومنه القناعة رأس الغنا. وفي اصطلاح الفقهاء هو من ملك النصاب أو
ما قيمته نصاب، وقيل من ملك الكفاية.
وفي اصطلاح المتكلمين هو الحي الذي ليس بمحتاج.
(1/195)
والحاجة ضربان: حاجة
الأثر إلى المؤثر، وتقدم نفيها عن الله تعالى في ذاته وصفاته وحاجة
دعاء وصرف، وهي ما يدعو الحي إلى جلب نفع له أو نصرته عن جلب ضرر
إليه، والداعي: هو ما يرجح وجود فعل على عدمه من غير تأثير.
وينقسم إلى داعي حكمة، وهو علم الحي أو ظنه، واعتقاده بأن للغير في
الفعل نفع أو دفع ضرر مع حسنه. وقلنا: مع حسنه، احترازاً من إثابة
أهل النار وداعي حاجة، وهو كداعي الحكمة إلا في اعتبار الحسن، وفي
أن النفع ودفع الضرر هنا عائدان إلى نفس الحي، ولهذا امتنع في حقه
تعالى، والصارف ما يرجح عدم الفعل على وجوده من غير تأثير، وقسمته
كقسمة الداعي إلا أن تعلقه على العكس والمنفعة هي اللذة والسرور أو
ما أدى إليهما أو إلى أحدهما، ويفارق النعمة مفارقة الأعم للأخص من
حيث أن النعمة منفعة مخصوصة، والمضرة هي الألم والغم أو ما أدى
إليهما أو إلى أحدهما، ويفارق النقمة والظلم مفارقة الأعم للأخص
أيضاً، واللذة والألم هما المعنى المدرك بمحل الحياة فيه، لكن إن
قارنه شهوة سمى لذة، وإن قارنه نفار سمي ألماً، فبهذا التدريج صارت
الحياة ملازمة للشهوة والنفار اتفاقاً بين الشيوخ، وإنما اختلفوا
في علة امتناع الشهوة والنفار عليه تعالى. فقال أبو هاشم: لأنهما
يلازمان الزيادة والنقصان من حيث يزداد جسم أحدنا يتناول ما يشتهيه
وينقص بتناول ما ينفر عنه.
واعترض بأن الزيادة والنقصان يقعان بمجرى العادة من الله تعالى
وأيضاً فقد يكون الأمر بالعكس مما ذكره.
وقال الشيخ أبو إسحاق بن عياش والجمهور: لأنه لو جاز أن يشتهى لكان
إما أن يشتهي لذاته أو لما هو عليه في ذاته أو بالفاعل والمعنى،
والأول باطل، وإلا وجب أن يشتهى جميع المشتهيات فيكون ملجأ إلى
فعلها دفعة واحدة، وإلى أن يوجد أكثر مما أوجد، وأكثر وقيل الوقت
الذي أوجد فيه، وقيل: لتوفر دواعيه إلى جميع ذلك.
(1/196)
والثاني: باطل لما
تقدم من أن القديم لا فاعل له ولا لشيء من صفاته، ولأن تأثير
الفاعل لا يتعدى الحدوث وتوابعه أي الأحوال، ولأنه كان يلزم أن لا
ينحصر تعلق هذه الصفة؛ لأنه لا ينحصر تعلق الصفة إلا لمعنى فيلزم
ما تقدم.
والثالث: باطل لأن المعنى إن كان قديماً أو معدوماً لزم ما تقدم في
كونه مشتهياً لذاته، وإن كان محدثاً لزم ذلك أيضاً وزيادة، وهو أن
يكون ملجأً إلى إيجاد الشهوات على الحد الذي يكون ملجأ إلى إيجاد
المشتهيات، ومثل هذا يجيء الكلام في أنه تعالى لا يجوز /136/ أن
يكون نافراً إلا في كونه نافراً بنفار محدث، فإنه يقال لو جاز عليه
النفار المحدث لجازت عليه الشهوة المحدثة إذ لو قلنا كان يلزم أن
يكون ملجأ إلى أن لا يخلق شيئاً من النفرة ولا من المنفر لكان
لقائل أن يقول أنه يخلق لنفسه نفرة عن منفرات لم يخلقها ولا يخلق
نفرة عن المنفرات التي خلقها.
القول في أن الله تعالى ليس بجسم ولا عرض ولا يجوز عليه ما يجوز
عليهما
أما أنه لا يكون جسماً فقد خالف فيه فرق كثيرة.
فقال هشام بن الحكم وغيره: جسم له أعضاء وجوارح، وهو خمسة أشبار
بشبر نفسه.
وقال بعض الحشوية: إنه سبيكة ملقاة فوق العرش.
وقال مقاتل بن سليمان وداود الجواربي أنه على العرش كبعض ملوك
البشر لحم ودم.
وقال قوم: إنه فضاء منثبت والأجسام كلها فيه، قالوا: وهو لا يحتاج
إلى مكان؛ لأنه مكان في نفسه.
وحكي عن بعض الحنابلة القول بأنه جسم طويل عريض عميق وعليه جل أهل
الحشو.
وقالت الثنوية: إنه نور لا يتناهى إلا من جهة السفل، وبه قال بعض
الكرامية، وقال البعض الآخر: إنه جسم قائم بذاته لا طويل ولا عريض
ولا عميق.
وحكى عنهم الرازي القول بأنه في مكان.
وقالت الفلاسفة: إنه جوهر بسيط غير مركب.
وقالت النصارى: جوهر، وأكثر هذه المقالات هو بين لا يعقل فضلاً عن
أن يشبته الحال فيه.
لنا أن كل جسم متحيز وكل متحيز محدث والله تعالى قديم.
(1/197)
أما إن كل جسم متحيز
فلأن هذا هو المعقول من الجسم بالضرورةن وأما إن كان متحيز محدث
فلما تقدم في دليل الدعاوي.
وأما أن الله تعالى قديم فتقدم أيضاً،و قد يورد هذا الدليل على وجه
آخر وهو أن الأجسام متماثلة لاشتراكها في أخص أوصافها، وهو التحيز،
ولالتباسها على المدرك مع العلم بتغايرها والمتماثلات لا يجوز
افتراقها في القدم والحدوث، ولا يقال إن الجوهرية تقتضي القدم في
حقه تعالى دوننا؛ لأنا نقول إما أن تقتضيها لا بشرط فيجب أن
تقتضيها لنا، وإما أن تقتضيها بشرط، فكان يصح حصوله لنا إذ لا يصح
حصول المقتضى، ويستحيل شرط الاقتضاء على الإطلاق، وأيضاً فلا بد أن
يكون ذلك الشرط بعض صفاته الأربع، وكلها قد استحققتا قبيلها.
دليل: كل جسم مؤلف بالضرورة، وكل مؤلف محدث من حيث لو كان قديماً
لكانت أجزاؤه قديمة، فيكون كل جزء منها قادراً عالماً لمشاركته
للجملة في صفة ذاتية، وهي القدم، فيودي إلى التمانع.
دليل.
لو كان تعالى جسماً لاستحال أن يكون قادراً عالماً؛ لأنه لا يصح أن
يستحق هذه الصفات لذاته، وإلا لزم في كل جسم مثله، ولا لمعان لما
تقدم في فصل الكيفية ولا بالفاعل لتأدية ذلك إلى أن يكون محدثاً،
دليل كل جسم، فهو متناهي المقدار في المساحة والعدد وكل متناه
محدث.
دليل: كل جسم مركب، وكل مركب عليه، وفي ذلك صحة خروجه عن كونه
قادراً وحياً ونحوهما وهو محال.
(1/198)
دليل: لو كان جسماً
لكان كائناً في ما لم يزل، فتكون هذه الصفة واجبة فتشاركه فيها
جميع الأجسام؛ لأن المتماثلات /137/ لا يجوز افتراقها في ما يجب أو
يجوز أو يستحيل مما يكون وجوبه وجوازه واستحالته راجعاً إلى الذات،
ألا ترى أنه يجب له التميز في كل حال ويجوز عليه التنقل في كل حال،
ويستحيل عليه الكون في جهتين في وقت واحد على كل حال واحترزنا عن
ما يكون وجوبه وجوازه واستحالته راجعاً إلى غير الذات كوجوب
القادرية عند وجود القدرة وصحة الموت عند حصول الحياة واستحالة
الحياة عند فقد البنية.
دليل: كل جسم فإنه إنما يفعل الفعل مباشراً ومتعدياً، والله تعالى
يفعل مخترعاً، فيجب أن لا يكون جسماً، أما أن كل جسم لا يفعل إلا
مباشراً أو متعدياً فذلك ضروري في الشاهد، فإن كل عاقل يعلم أن
الجسم لا يفعل إلا في محل قدرته أو بواسطة فعل في محلها، والأول هو
المباشر والثاني هو المتعدي، وأما أن الله تعالى يفعل مخترعاً
فدليله أنه يفعل الأفعال الكثيرة في الأماكن المتباعدة في الوقت
الواحد، ولأنه يفعل الأفعال الكثيرة فينا ولسنا محلاً لقدرته، ولا
يحسن لمماسة لمحل قدرته.
دليل: لو كان جسماً لما صح منه فعل الأجسام لأنه إما أن يفعلها
مباشرة أو متعدية أو مخترعة.
والأول: باطل لتأديته إلى تداخل المتحيزات أو حلول المتحيز.
والثاني: باطل لأن الفعل لا يتعدى إلى الغير إلا بالاعتماد
والاعتماد لا تأثير له في توليد الأجسام، وإلا وجب مثله في
الاعتماد الذي نفعله فيفعل أحدنا لنفسه بالاعتماد ما شاء من
الأموال.
فإن قيل: إن الاعتماد الذي يولد الأجسام غير مقدور لكم.
قلنا: أنواع الاعتمادات ستة فقط بحسب الجهات الست وكلها تقدر عليه.
فإن قيل: إنما لم يفعل أحدنا الجسم لمانع.
قلنا: لا مانع يعقل إلا أن يقال إن الجهات مشغولة، ولو كان كذلك
لما صح من الله تعالى أيضاً ولتعذر علينا التصرف.
(1/199)
والثالث: باطل لأنه
لو صح الاختراع من بعض الأجسام القادرة لصح لصح من سائرها
لتماثلها، ولأنا نعلم بالاختيار وتعذره ولا وجه لذلك، إلا كونها
أجساماً ولما تقدم.
دليل: لو كان جسماً لكان قارداً بقدرة إذ لو كان قادراً لذاته لوجب
ذلك في جميع الأجسام لتماثلها، ولو كان قادراً بقدرة، وقد ثبت أنه
يصح منه فعل الأجسام لكان يصح منا أيضاً لأن مقدورات القدر منحصرة
متجانسة، فلأنا نعني بكونها وتجانست لكونها قدراً، فلو كان تعالى
قادراً بقدرة لوجب انحصار مقدورها وتجانسه، فهذه ثلاثة أصول.
إما أن مقدورات القدر منحصرة متجانسة فلأنا نعني بكونها منحصرة
أنها مقصورة على الأجناس العشرة، وذلك معلوم من حالها، ونعني
بتجانسها أنه ما من جنس من هذه العشرة يصح أن يفعل بقدرة إلا ويصح
أن يفعل بسائر القدر، وذلك ظاهر أيضاً، وإنما يشتبه الحال في هل
يصح تعلق قدر الجوارح بأفعال /138/ القلوب أم لا، والعكس، وذلك
صحيح بأن يدخل الله آخر الجوارح في تضاعيف أجزاء القلب أو العكس.
وإما أن العلة في هذا الانحصار والتجانس هو كونها قدراً، فلأن هذا
الحكم بدور مع كونها قدراً ثبوتاً وانتفاء مع فقد ما هو أولى
بتعليق الحكم.
واعترضه ابن الملاحمي باعتراضين:
أحدهما: انه ليس المقدر بكونها قدراً صفة يشملها فيصح التعليل بها.
ويمكن أن يعارض بما ذكر في مسألة عالم مستدلاً على أن كونه تعالى
متبيناً للأشياء أمر زائداً على ذاته، فقال: قد صح منه الفعل
المحكم، فإما أن يصح منه لأنه ذات مطلقة أو لأنه ذات مخصوصة،
والأول باطل؛ لأنه كان يجب أن يصح الفعل المحكم من كل ذات فيقال له
ليس للذوات بكونها ذواتاً صفة يشملها فيصح التعليل بها.
فإن قال: لها حكم وهو صحة كونها معلومة. قيل له: وللقدر حكم وهو
صحة الفعل بها.
فإن قال: إن صحة كونها معلومة حكم متماثل وصحة الفعل حكم مختلف على
أصلكم في اختلاف القدر.
(1/200)
قيل له: إما من يجوز
مقدوراً بين قادرين فلا يتوجه إليه أيضاً، وأما من لا يجوزه فنقول:
لا معنى لكون صحة العلم حكماً متماثلاً إلا أن يشتبه إلى الذوات
نسبة واحدة، وكذلك نسبة صحة الفعل إلى جميع الأجناس نسبة واحدة،
وهذا كاف لنا لأنا إنما نعلل التجانس والانحصار لا التساوي في
أعيان المقدورات فصحة الفعل وإن اختلفت نسبتها إلى الأعيان فهو أمر
زائد على ما قد حصل به الغرض وهو اتحاد نسبتها إلى الأجناس.
الاعتراض الثاني: إن قال: كيف تعلل تعذر فعل وهو الجسم ونحوه بصحة
فعل آخر وهو الأجناس العشرة.
ويمكن أن يجاب بأنا لم نعلل التعذر بالصحة وإنما عللنا التعذر
بكونها قدراً، ثم استدللنا بصحة فعل الأجناس العشرة على صحة
التعليل بكونها قدراً، ودليل صحة العلة غير العلة، ثم يقال له: قد
ثبت أن الله تعالى قادر فما أنكرت أن يكون معنى ذلك أن له بنية
صحيحة، واعتدال في الامتزاج يصح معه فعل الأجسام والاختراع دوننا،
فما أجاب به فهو جوابنا، وقوله: إن إثبات ذلك إثبات ما لا طريق
إليه غير مستقيم؛ لأن الخصم يقول الطريق إليه عندي هو صحة الفعل
منه، وتعذره على غيره، فلا يكون لأبي الحسين بد من الرجوع إلى قول
الجمهور.
دليل: من جهة السمع لا شك أن القرآن والسنة مشحونان بنفي التشبيه
نحو قوله تعالى: {قل هو الله أحد}، و{ليس كمثله شيء}، وهو معلوم
ضرورة من الدين والاستدلال بالسمع هنا إنما هو من طريق الجدل على
من يقر بالسمع، فأما من جهة العلم فالحق أنه لا يصح؛ لأن صحة السمع
تنبني على العدل إذ العدل ينبني على أنه عالم لذاته وغني لذاته
والجسم ليس كذلك.
(1/201)
واعلم أن هذه الأدلة
إنما توجه إلى من يثبت له الجسمية حقيقة، فأما من يخالف في العبارة
/139/ فالمرجع في إبطال كلامه إلى الوضع وقد وجدنا أهل اللغة لا
يستعملون الجسم إلا في ما كان طويلاً عريضاً عميقاً، ولو سلمنا
استعماله في غيره لمعنا إطلاقه على الله تعالى لإيهامه الخطأ وليس
إذا صح أن يقول شيء لا كالأشياء صح أن يقول جسم لا كالأجسام
لاختلاف الفائدة كما تقدم.
فصل
في شبهة المجسمة.
أما من جهة العقل فهو أنه قادر عالم، والقادر العالم لا يكون إلا
جسماً دليله الشاهد، والجواب هذا اعتماد على مجرد الوجود ولا جامع
بين الموضعين، ثم نعارضهم فنقول: القادر العالم في الشاهد يجوز
عليه أضداد مجرد هذه الصفات وزوالها، ولا يفعل إلا مباشراً أو
متعدياً، فيلزم مثله في الغائب.
والتحقيق: أن القادر العالم في الشاهد إنما وجب أن يكون جسماً لأنه
قادر بقدرة وعالم بعلم وهي تحتاج إلى محل فكان جسماً، والباري
تعالى يستحقها لذاته، ولما هو عليه في ذاته فافترقا.
شبهة: قالوا: إثبات موجود ليس بجسم ولا عرض لا يعقل.
والجواب: إن معنى قولهم لا يعقل أنه لم يوجد له نظير، وهذا لا يمنع
من إثباته إذا قام عليه دليل كما أنهم قد أثبتوه قديماً وقادراً
على الأجسام، ويستحيل عليه الموت. وكل هذا لا نظير له.
شبهة: قال ابن الحكم ليس في المعلومات إلا حاضر أو غائب، ولا بد من
الاستدلال بالحاضر على الغائب، فأما أن يسوى بينهما في كل وجه وذلك
باطل؛ لأنه يقتضي حدوث الباري تعالى، وإما أن يفرق بينهما في كل
وجه، وذلك يقتضي أن لا يكون الله تعالى عالماً قادراً، فلم يبق إلا
أن يسوي بينهما في وجه دون وجه، وليس إلا كونه جسماً؛ لأنه فاعل
قادر عالم، ولا يعقل هذه الصفات إلا للجسم فبقي الجسمية تقتضي
نفيها.
(1/202)
والجواب: إما نجمع
بين الشاهد والغائب في الوجه الذي نجمعهما عليه، ولم تكن العلة في
كون الشاهد جسماً هي أنه قادر عالم بل لأنه يستحق هذه الصفات لمعان
محدثة يحتاج إلى محال مبنية، ولأن الشاهد لا يفعل إلا على جهة
المباشرة أو التوليد.
شبهة: قالوا: لم يشاهد حياً إلا ويجوز عليه الحس والحركة ولا ما
يجوز عليه الحس والحركة إلا وهو حي(1) فيجب مثله في القديم؛ لأنه
حي.
والجواب: نعارضهم بأنا لم نشاهد شيئاً إلا وهو محدث ولا محدثاً إلا
وهو شيء، فيجب مثله في الباري؛ لأنه شيء، وجوابهم جوابنا.
والتحقيق: أن الذي يدل على أنه حي ليس هو الدليل على جواز الحس
والحركة، وكذلك ما يدل على جواز الحس والحركة ليس هو الدليل على
أنه حي قط، بل يدل على أنه جسم حي فلا يلزم في كل حي أن يكون
جسماً، وكذلك الكلام في ما عارضناهم به، فإن الدليل على أن الشاهد
شيء ليس هو الدليل على أنه محدث ولا الدليل على أنه محدث هو الدليل
على أنه شيء فقط بل على أنه شيء وجسم أو عرض فلا يلزمهم مثله في
القديم.
وشبهتهم من جهة السمع آيات، منها: {الرحمن على العرش استوى} وبما
خص العرش بالذكر؛ لأنه أعظم المخلوقات. ومنها: {الله نور السماوات
والأرض}.
والجواب: إن ظاهرها متروك؛ لأنه لو أراد النور بمعنى الضياء لم يكن
لإضافته إلى السماوات والأرض فائدة، وأيضاً فكان لا يوجد فيهما
ظلمة؛ لأن الله تعالى دائم، وكان يجب أن تقع الاستضائة دون الشمس
والقمر وخلافه معلوم، وأيضاً فالنور مخلوق بدليل قوله تعالى: {وجعل
الظلمات والنور}، وأيضاً فكثير من الناس يجعل النور عرضاً لا
جسماً.
__________
(1) . في نسخة: جسم.
(1/203)
إذا ثبت هذا فقد قيل
معناه منور السماوات والأرض، وقيل: معناه هادي أهل السماوات
والأرض. عن علي وابن مسعود، ومنه قوله تعالى: {والنور الذي أنزلنا}
أي الهدى، وكذلك قوله تعالى: {وسراجاً منيراً} أي هادياً، وقوله:
{نخرجهم من الظلمات إلى النور} أي إلى الهدى، وقوله: {فهو على نور
من ربه}.
وأما قوله: {مثل نوره} فقيل شبهه بالإيمان الذي في قلب المؤمن،
ولهذا قرأ أبي بن كعب ومجاهد: {مثل نور المؤمن}. وقيل: كان أبيّ(1)
يقرأ: {مثل نور من آمن به}.
ومنها: {كل شيء هالك إلا وجهه} ونحوها مما فيه ذكر الوجه.
والجواب لا تعلق بظاهرها؛ لأنه يقتضي أن يهلك كله إلا الوجه.
والمعنى كل شيء هالك إلا هو كما يقال: هذا وجه الرأي أي هاذ هو
الرأي، وكما يقال: فعلت هذا لوجهك، أي لأجلك.
والوجه يستعمل في معان غير هذين المعنيين، فيستعمل بمعنى أول الشيء
كقوله تعالى: {وجه النهار} وبمعنى القصد والإرادة كقوله: {ومن يسلم
وجهه إلى الله} أي قصده، وقوله: {فأقم وجهك للدين}، وقول الشاعر:
رب العباد إليه الوجه والعمل
استغفر الله ذنباً لست محصيه
... أي القصد، وبمعنى الخيار يقال: هذا وجه القوم أي خيارهم، ومثله
وجه الثوب، وبمعنى المقدار يقال لفلان وجه عند الأمير، أي جاه
وفلان أوجه من فلان ووجه فلان عريض أي جاهه. ومنها: قوله تعالى:
{لما خلقت بيدي} و{مما عملته أيدينا} ونحو ذلك.
والجواب لا تعلق بظاهرها؛ لأن الخلق باليد يمنع الاختراع، والأجسام
لا تفعل إلا اختراعاً. والمعنى: لما خلقته أنا كما تقول العرب: هذا
ما جنت يداك، أي فعلته أنت، وكقوله تعالى: {بما قدمت يداك}
و{أيديهم}، وفي المثل: يداك أَوْكَتَا وفُوْكَ نَفَخْ، وأشباه ذلك
كثير.
__________
(1) . في نسخة: مجاهد.
(1/204)
واليد تستعمل بمعنى
الجارحة وبمعنى النعمة، وعليه يحمل قوله تعالى: {بل يداه
مبسوطتان}، بدليل ما قبل هذه اللفظة وما بعدها، ولا يقال فما معنى
التثنية؛ لأن العرب تستعملها مثناة بهذا المعنى، قال الشاعر:
قد يمنعانك بينهم أن تهضما
فيدان بيضاوان عند محلّم
/141/ وتستعمل بمعنى القدرة، وعليه يحمل قوله تعالى: {يد الله فوق
أيديهم}، وقد ينبني بهذا المعنى كقوله:
لما حمَلَت منك الضلوع يدان
فقالا شفاك الله والله ما بنا
ذ
وبمعنى المظاهرة كما قال عليه السلام: وهم(1) يد على من سواهم، أي
متظاهرون، وبمعنى النقد والإحضار كما قال عليه السلام في باب
الربا: يداً بيد. وقال تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}
وبمعنى أمام إذا قرن بها بين وثنيت نحو: {بين يدي عذاب شديد}،و:
قام فلان بين يدي الأمير، ونحوه.
ومنها: قوله: ولتصنع على عيني، و: {اصنع الفلك بأعيننا}، ونحوه.
والجواب: لا بد من ترك ظاهرها لاقتضائها أن يكون موسى فوق عين الله
ونوح في عينه، أو أن تكون عينه له في صناعة الفلك، وكله محال،
والمعنى: ولتصنع بعلمي، وكذلك سائرها، وقيل: العين تستعمل بمعنى
المراعاة للشيء والعناية كما قال ابن حلزّة:
عشاء بلوى بها العلياء
وبعينيك أو قدت هند النار
بخزازي هيهات منك الصلاء
فنوّرت نارها من بعيد
فقوله: فنورت نارها من بعيدٍ دليل على أنه لم يرعها، ولكن عرف
بعنايته، فيكون المعنى على هذا: ولتصنع على مراعاة مني وحياطة.
والعين مشتركة بين الجارحة والماء الجاري وعين الركبة والنقد
الحاصل، يقال: بعت عيناً بدين، والمطر، وعين الميزان، والذهب،
وبمعنى الاستكثار والغبطة، يقال: أصاب فلاناً عين، أي فساد لأجل
استعجاب الغير به، وعين الشمس وعين موضع بالعراق، وعين الشيء
خياره، وعين القوم رئيسهم، وعين الرأي ذاته.
__________
(1) . أي المسلمون.
(1/205)
ومنها: قوله: {يا
حسرتا على ما فرطت في جنب الله}. والجواب: أن الظاهر متروك؛ لأن
التفريط في الجنب الذي هو العضو غير معقول، والمعنى في الجانب الذي
لله، كما قال الشاعر:
الناس جنب والأمير جنب
وقيل: معناه في أمر الله عن مجاهد، واستشهد قول الشاعر:
فقد نلتما من غير إثم ولا ذنب
خليلي كفّا واذكرا الله في جنبي
أي اذكراه في أمري وشأني واتركا الغيبة.
وقيل: معناه من أجل الله ويشتبه كما قال كثيّر عزّة:
أزن بها إلا اضطلعت احتمالها
فما ضنه في حنبك اليوم منهم
أي ما تهمه إلا من أجلك وبسببك وكل ذلك حسن.
ومنها: قوله: {يوم يكشف عن ساق} روى أهل الزيغ فيه حديثاً أن ربهم
يأتيهم يوم القيامة في غير صورته التي يعرفون فيهمون أن يبطشوا به
لإنكارهم له، فيكشف لهم عن ساقه فيخرون له سجداً /142/ والجواب: أن
الظاهر متروك أيضاً، إذ لا فائدة في كشف الساق الذي هو الجارحة،
فإن الوجه واليد ونحوهما أظهر منه وأحسن، ويقتضي أن يكون فعله فعل
المخادع تعالى الله عن ذلك. والمعنى يوم يكشف عن شدة، قاله مجاهد،
قال ابن عباس: هي أشد ساعة في القيامة. ومنه قولهم: قامت الحرب على
ساق، قال سعد بن مالك جدّ طرفه يصف الحرب:
وبدا من الشر الصراخ
كشفت لهم عن ساقها
وقال آخر:
وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
فصل
وأما أنه تعالى لا يجوز أن يكون عرضاً فقد خالف فيه بعض الصوفة،
زعموا أنه عرض يحل الصور الحسنة، وهؤلاء أحقر من أن يكالموا، وإنما
أرادوا بذلك أن يقبلوا الصور الحسنة من الصبيان وغيرهم.
لنا أن الأعراض محدثة والله تعالى قديم كما تقدم تفصيله. وبعد
فالله تعالى حي قادر، والعرض يستحيل ذلك عليه من حيث إما أنه يستحق
هذه الصفة لذاته وهو محال وإلا وجب قبله في كل عرض ولزم ما تقدم من
المحالات. وإما أن يستحقها بالفاعل وفي ذلك حدوثه وامتناعها لم
يزل. وإما أن يستحقها لمعنىً وهو محال؛ لأن المعنى لا يختص المعنى.
(1/206)
وبعد فلو جاز عليه
تعالى الحلول كما يقوله هؤلاء، للزم قدم المحل أو حدوث الحال لما
تقرر من أن ما يحل لا يجوز أن يوجد غير حال، وللزم أن يحل في محل
واحد فقط لا لاستحالة الانتقال على الأعراض.
فصل
وكما لا يجوز أن يكون جسماً ولا عرضاً فكذلك لا يجوز عليه ما يجوز
على الأجسام من المجي والذهاب والكون في الأماكن ونحو ذلك ولا ما
يجوز على الأعراض من الحلول والتضاد وجواز العدم ونحو ذلك.
القول في استحالة الرؤية على الله تعالى
ذهب أهل العدل /143/ إلى أنه يستحيل أن يرى نفسه وأن يراه غيره،
وذهبت المجسمة وأهل الجبر إلا النجار إلى أنه يرى نفسه ويراه غيره،
ومنع القلانسي منهم إطلاق القول بأنه تعالى مدرك ونسب إلى الشيخ
أبي القاسم القول بأنه يرى نفسه ولا يراه غيره، وليس بصحيح عنه.
قيل: والحق أنه لم يقل بهذا أحد من أهل العدل.
لنا: أما من جهة العقل فدليلان: الأول أنه لو صح أنه يرى نفسه أو
يراه غيره في حال من الأحوال لرأيناه الآن، ومعلوم بالضرورة أنا لا
نراه الآن، ويدل على أنه لو صح أن يرى في حال من الأحوال لرأيناه
الآن، ومعلوم بالضرورة أنا لا نراه الآن، ويدل على أنه لو صح أن
يرى في حال من الأحوال لرأيناه الآن هو أنه تعالى حاصل على الصفة
التي لو رأى لما رأى إلا لكونه عليها وأحدنا حاصل على الصفة التي
لو رأى لما رأى إلا لكونه عليها والحواس سليمة والموانع مرتفعة،
وهو تعالى موجود، وهذه الشرائط التي يجب معها رؤية المرئيات متى
حصلت، وهذه خمسة أصول، أما أنه تعالى حاصل على الصفة التي لو رأى
لما رأى إلا لكونه عليها فهو متفق عليه، وإن اختلف في ما تلك
الصفة، فعندنا أنها الذاتية في حقه تعالى، والمقتضاة في حق
المحدثات كالتحيز في الجوهر والهيئة في اللون وعند المجبرة أنها
الوجود في الموضعين.
(1/207)
ويبطله أن الوجود
متماثل في الذوات اتفاقاً بين من يجعله زائداً على الذات فكان يلزم
في كل موجود أن يرى، ومتى جعلوا الوجود هو نفس الذات فكأنهم قالوا:
يرى الشيء لذاته، فيعود الأمر إلى ما قلناه، ولا ينقلب علينا في
الصفة المقتضاة، فحلفه فيقال: كان يجب في كل ما له صفة مقتضاة أن
يرى؛ لأن الصفة المقتضاة، فيقال: كان يجب في كل ما له صفة مقتضاة
أن يرى لأن الصفة المقتضاة مختلفة بخلاف الوجود.
وأما أن الواحد منا حاصل على الصفة التي لو رأى لما رأى إلا لكونه
عليها فقد حالف فيه الأشعرية حيث أثبتوا الإدراك معنى وضرار حيث
زعم أنه تعالى يرى بحاسة سادسة يخلقها في الآخرة، وتقدم إبطال كون
الإدراك معنى. ويبطل قول ضرار أنه إثبات ما لا طريق إليه، ويلزم
عليه تجويز حاسة سابعة يلمس بها، وكذلك في الشم والذوق والسمع، وهو
ظاهر البطلان، وبعد، فإن كانت لهذه مماثلة فهذه الحواس وجب
الاستغناء عنها، ووجب أن نراه بهذه، وإن كانت مخالفة فليس بأشد من
مخالفة بعضها لبعض، ومع اختلافها فقد اتفقت في الرؤية، وليس لأحد
أن يقول أنها تخالف هذه الحواس في الرؤية لأنها لا في مجرد الشكل؛
لأن ذلك ينبني على أن الإدراك معنى، وقد أبطلناه ونفس الرؤية لا
يقع فيها اختلاف فلم يبق إلا الاختلاف في الشكل. وبعد فلو احتاجب
رؤيته إلى حاسة مخالفة لهذه الحواس لأجل مخالفته للمرئيات احتاج
العلم به إلى آلة غير آلة القلب لمخالفته للمعلومات.
(1/208)
وأما أن الموانع
مرتفعة فلأن الموانع المعقولة هي القرب والبعد المفرطان والرقة
واللطافة وانحجاب /144/ الكشف وعدم الضياء المناسب للعين، وكون
المرئي في غير جهة الرأي، وكون محله في بعض هذه الأوصاف وكل هذه
الموانع مرتفعة في حقه تعالى؛ لأنها إنما تمنع من رؤية الأجسام
والألوان، وقد قدمنا ما يلزم من تجويز مانع سواها، وأما أنه تعالى
موجود فقد تقدم. وأما أن هذه الشرائط التي معها ترى المرئيات فلأنه
قد حصل المقتضى، وهو كون أحدنا حياً، وشرط الاقتضاء، وهو صحة
الحاسة وزوال المانع ووجود المدرك، فيجب حصول المقتضى، وهو كون
أحدنا مدركاً له تعالى وبهذه الطريقة، نعلم أنه تعالى مدرك
المدركات فلو جوزنا أن لا يدرك أحدنا مع حصولها لجوزنا مثله في
الباري تعالى.
وقد اعترض الرازي على هذا الدليل بوجوه: الأول أن قال: أنا نرى
الكبير صغيراً مع البعد، فإنا كنا رأيناه كله، وجب أن نراه كبيراً
وإن كنا رأينا بعضه بطل قولكم أن هذه الشرائط التي معها يرى
المرئيات، وأجاب أصحابنا بأن الشعاع المنفصل ضوء يرى الشكل بمثابة
المثلث فما بعد الشيء استدقّت زاوية الشعاع، فيقع على بعضه إذا كان
كبيراً.
واعترضه الفقيه قاسم في تعليق شرح الأصول بوجهين: أحدهما أن إيصال
الشعاع بالمرئي ليس بشرط عند المحصلين وإنما شرطه أن يتصل بما هو
كالآلة من أجزاء الهوى. ويمكن الجواب بأن الذي يتصل به الشعاع من
أجزاء الهوى لا بد أن يكون مستدقاً على هيئة استدقاق الشعاع لولا
ذلك للزم إذا انفصل الشعاع إلى بعض أجزاء الهوى أن يرى أحدنا ما
خلفه وعن يمينه ويساره لاتصال بعض أجزاء الهوى ببعض وضرورة الجميع
في حكم الآلة.
الثاني: أنه كان يلزم إذا وقع الشعاع على بعضه أن نميزه فنعلم هل
هو طرف أو وسط، ويمكن الجواب بأن للتعد تأثيراً في عدم التمييز،
ألا ترى أنا ندرك الجسم المتلون ولونه، ولا نفصل ونميز اللون هل هو
سواد أو غيره إلا مع القرب.
(1/209)
ووجه ثالث ذكره
الرازي على هذا الجواب فقال: لو كان الاستدقاق زاوية الشعاع للزم
إذا بعد شبراً من موضعه أن لا يراه البتة.
ويمكن الجواب بأنا لم نفرض الواقع على المرئي آخر زاوية الشعاع بل
يجوز أن يبقى منها ما لو بعد المرئي لرأى أصغر مما كان كذلك حتى
ينقطع فلا يرى.
فإذن يكون الأولى في الاعتراض على جواب أصحابنا أن يقال لو كان ذلك
الاستدقاق زاوية الشعاع للزم ألا يرى ما حول هذا الشيء؛ لأن زاوية
الشعاع إذا صغرت عنه ولم يقع إلا على بعضه فكيف يرى ما حوله،
وأيضاً فكان يلزم إذا صرفنا زاوية الشعاع إلى البعض الآخر /145/ أن
يراه، ومعلوم أنا لا نرى الأشياء واحداً، إذا ثبت هذا فالأحسن في
الجواب على الرازي أن نقول أنا نرى الشيء كله على البعد كما نراه
كله على القرب لكن يخيل إلينا أنه صغير لأجل اتساع ما نرى حوله من
القضاء أو غيره، فإنه إن كان طائراً في الهوى فإنا حين نراه يقع
بصرنا على جرم السماء فنراه صغيراً في حينها، وكذلك الشجرة في
الفلاة أو في الجبل وكلما قربنا إليه قل ما يقع عليه بصرنا مما
حوله فرأيناه كأنه يكبر.
يزيده وضوحاً أن الشيء إذا ضم إلى ما هو أكبر منه رئي كأنه صغير
وازدرته العيون، وكذلك الرجل الكامل إذا استقام عنده المفرط في
الطول رأي الكامل كأنه قصير، وهذا ظاهر، فإن كثيراً من الأشياء
إنما يعلم كبره أو حسنه بأن يضم إلى غيره.
ووجه آخر في الجواب، وهو: أن يقال للرازي هذا السؤال لازم لك أيضاً
لأنك توافق في اعتبار هذه الشرائط، وإنما تعتبر أمراً زائداً وهو
الإدراك الذي يفعله الله فينا، فأخبرنا ما الوجه في أنا نرى الكبير
صغيراً مع حصول الإدراك الذي يدرك به الجميع لو قرب فلا يكون له بد
من الرجوع إلى ما قلناه.
(1/210)
الاعتراض الثاني
للرازي على أصل الدلالة أن قال إذا نظرنا إلى مجموع كف من التراب
رأيناه ونحن لا نرى أجزاءه إذا انفردت، فإن كان رؤية كل واحد من
أجزائه مشروطة برؤية الآخر لزم الدور وإن لم تكن مشروطة بذلك صارت
نسبة الرؤية إلى الجميع على سواء، ونحن لا نرى الإجزاء إذا انفردت،
فبطل قولكم أن هذه الشرائط التي معها ترى المرئيات.
والجواب: كيف يلزمنا ذلك ونحن نجعل اللطافة أحد الموانع من الرؤية
وهي حاصلة في الجزء الواحد بل قد أحال بعض شيوخنا رؤيته على
انفراده، قال: لأنه يدخل في تضاعيف الشعاع فلا يتميز المرئي من
المرئي به ولسنا نجعل رؤية البعض شرطاً في روية البعض حتى يلزم
الدور، ولكنا نجعل الشرط الإنضمام ثم نقلب عليه السؤال فلا يكون له
بد من الرجوع إلى ما قلناه.
الاعتراض الثالث: له أن قال إن هذه الشرائط التي معها ترى المرئيات
في الشاهد فمن أين يجب عند حصولها أن يرى الله تعالى.
والجواب: لو جوزنا اعتبار شرط آخر لا دليل عليه لجوزنا أيضاً في
الشاهد، فكان يجوز أن يكون بين أيدينا ذوات مخالفة لما نشاهده
ولكنا لا نراها لفقد شرط مجوز، وبعد فلو جوزنا شرطاً سواها لما
أمكننا القطع على أن الله تعالى مدرك؛ لأنا لا نعلم هل حصل ذلك
الشرط في حقه تعالى أم لا. وبعد /146/ فعنده أنه لا بد من اعتبار
هذه الشروط لكن إذا حصل معها الإدراك الذي ندرك نحن به الله تعالى،
وجب أن يدركه فيقال ما أنكرت أن يحصل الإدراك أيضاً ولا ندركه بأن
يقف إدراكنا له على شرط آخر مجوز، وكل شرط يفرض حصوله فإنه يلزم
تجويز غيره فلا يمكنه القطع بأن الله تعالى يرى.
(1/211)
الدليل الثاني: من
جهة العقل أن أحدنا لا يرى إلا بالحاسة والرأي بالحاسة لا يرى إلا
ما كان مقابلاً للجسم أو حالاً في المقابل كاللون أو في حكم
المقابل كالوجه في المرآة والله تعالى ليس كذلك، وهذه ثلاثة أصول،
أما الأول فهو ضروري عند أبي الحسين وأصحابه واستدلالي عند
الجمهور، والأولى التفصيل فيقال: إن كان الكلام في وقوع الرؤية على
هذا الحد فهو ضروري، ولهذا يعلم جميع العقلاء من أنفسهم أنهم لا
يرون إلا بالحاسة، ويكذبون من أخبر بخلاف ذلك، وسواء فرضنا الكلام
في أن الإدراك معنى أم لا، ألا ترى أن كون القدرة معنى لا تخرج
الكتابة عن كونها لا تقع إلا باليد والخصوم يوافقون في هذا، ولكنهم
يدعون أنه بمجرى العادة وإن كان الكلام في الصحة فهاهنا ينبغي أن
يكون الخلاف بين أبي الحسين وسائر الشيوخ، فعنده أنا نعلم بالضرورة
استحالة الرؤية بغير حاسة. ويمكن أن يفصل فيه أيضاً فيقال إما أن
الرؤية لا يصح إلا بالحاسة التي هي مبنية بنية مخصوصة فليس بضروري؛
لأن الخصوم يجوزون حصول الإدراك في الجزء المتفرد من دون بنية بل
يجوزون ذلك في العلم والقدرة ونحوهما. وإما أن الرؤية لا تصح إلا
بالآلة سواء كانت تسمى حاسة أو كانت جزءاً منفرداً على ما يجوزه
الخصم فهو ضروري، والخصوم يوافقون فيه ويحيلون وجود الإدراك إلا في
محل وإذا كانت كذلك فقد وافقوا في أن أحدنا لا يرى إلا بآلة، وبهذا
يحصل غرضنا فإنا سواء، قلنا في عقد الدلالة إن أحدنا لا يرى إلا
بالحاسة أو قلنا أن أحدنا لا يرى إلا بالآلة فإنه يحصل به المقصود.
(1/212)
وأما سائر الشيوخ
فيستدلون بأن عند حصول الحاسة يصح أن يرى أحدنا، وعند فقدها يستحيل
أن يرى، فدل ذلك على أنها شرط ويبطلون ما يدعيه الخصوم من أن طريق
ذلك العادة بأنه كان يجوز اختلاف العادة، فيصدق من يخبرنا بأن في
بعض البلاد رجلاً يرى لا بحاسة كما يصدقونه في أنه زرع زرعاً فلم
ينبت. وبعد فلا بد فيما طريقه العادة أن يفارق ما طريقه الوجوب،
ولولا هذا لاستوى في العقل الواجب والجائز، فجوزنا أن تكون
المعلولات والمسببات بمجرى العادة، ويمكن أن يؤكد بما تقدم من أن
الخصوم يوافقون في استحالة الرؤية لا بآلة، وذلك كاف في الغرض وإن
جوزوا حصول الإدراك /147/ والعلم والقدرة ونحوها في الجزء المنفرد.
فإن قيل: إذا جوزوا حصول هذه المعاني في الجزء المنفرد فقد جوزوا
الإدراك لا بحاسة ولا بآلة؛ لأن الحاسة من حقها أن تكون مبنية بنية
مخصوصة والآلة من حقها أن تكون في حكم الغير للحي، ومذهبهم يقتضي
جواز أن يكون الحي المدرك القادر العالم جزءاً منفرداً.
قلنا: هذا وإن كان مذهب القوم فإن كلامنا في رؤية الواحد منا في
الدنيا والآخرة، وهم يوافقون في أنه ليس أحد منا جوهراً فرداً حتى
يكون قد أدرك لا بحاسة ولا بآلة. على ان هذا لا يضرنا في صحة
الدليل لأنا حيئذ نقول في عقد الدلالة الواحد منا متحيز والمتحيز
لا يرى إلا ما كان مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل،
ثم أنا نبطل ما قالوه بأنه لو صح حصول هذه المعاني من دون بنية
لجوزنا في أجزاء الحجر والتراب ونحوهما أن تكون حية قادرة عالمة
مدركة مكلفة. فإن قال ذلك جائز ولكن علم أنه غير واقع للعادة.
(1/213)
قيل له: هذا التجويز
كاف في معرفة عنادك ومكابرتك، ثم أنا نلزمك الوقوع فنقول: ما أنكرت
وقوع ذلك، ولكن طريق العلم به الإدراك والله تعالى لم يخلقه فيك،
وبعد فلو لم تحتج هذه المعاني إلى بنية لكان يجب أن يكون القادر
منا هو محل القدرة دون الجملة، وكذلك العالم وسائرها، وقد التزمه
الأشعري وهو مكابرة، ويلزم عليه ألا يصح الفعل في اليد لداع في
القلب ولا الكتابة لعلم في القلب ولا يكون للإرادة تأثير في
الأفعال، وفي ذلك وقوع الفعل المحكم من القادر الذي هو جزء في اليد
وهو ليس بعالم؛ لأن العالم جزء في القلب، ويلزم أن لا ترجع الأحكام
إلى الجملة بل يكون المستحق للجلد هو اللسان؛ لأنه القاذف، وكذلك
الزنا ونحوه، ويلزم أن يكون أحدنا بمنزلة أحياء كثيرة وقادرين ضم
بعضهم إلى بعض فلا يصح(1) منه الفعل بداع واحد، ومتى التزم جميع
ذلك ملتزم طوينا عنه الكلام ولم يكن عندنا أهلاً للمناظرة.
وأما الأصل الثاني وهو أن الرأي بالحاسة لا يرى إلا ما كان مقابلاً
أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل، فقد ادعى أبو الحسين فيه
الضرورة وهو القوي، ولهذا نبادر إلى تكذيب من أخبرنا أنه رأى شيئاً
ليس كذلك كما نكذب من أخبرنا بأنه رأى جسماً غير متحرك ولا ساكن،
وخلاف الأشاعرة محمول على أحد وجهين (فراغ) على جحد الضرورة، وذلك
غير مستنكر منهم لقلتهم في الأصل، ولأن لهم مداخل في المكابرة
وحسرة على العباد وصناعة في التمويه وليس ذلك بأبلغ من استحسانهم
تكليف ما لا يطاق وإنكارهم قبح الظلم والكذب ووجوب /148/ رد
الوديعة وشكرا لمنعم في العقل وتجويزهم أن يرى القدرة والحياة
والإرادة، وأما على أن في الضروريات ما لا يجوز اختلاف العقلاء فيه
كالعلم بأن هذا زيد الذي كنا شاهدناه ونحو ذلك مما لا يعدّ في كمال
العقل.
__________
(1) . يلزم. ط
(1/214)
ووجه ثالث وهو أن
يكونوا عالمين بذلك ضرورة ولا يعلمون أنهم عالمون به لما قد نمقوه
من أساطيرهم واعتقدوه من خيالاتهم على مثل ما نصرف إليه خلاف
السوفسطائية وقد استدل سائر الشيوخ بأن صحة الرؤية ووقوعها ينتفي
بانتفاء المقابلة أو ما في حكمها وبين قولنا وثبتت بثبوتها، فدل
ذلك على أنها شرط، وهذا رجوع إلى قول أبي الحسين؛ لأنه لا بد أن
يكون علمنا بانتفاء صحة الرؤية عند انتفاء المقابلة أو ما في حكمها
وبين قولنا أنا لا نرى إلا ما كان كذلك، إذا ثبت هذا فقد اعترض
المخالفون هذا الدليل باعتراضات: الأول المعارضة بالعلم، قالوا:
فإذا جاز أن نعلم ما ليس بمقابل ولا حال في المقابل ولا حال في
المقابل ولا في حكمه جاز أن نراه، وهذا عي ومهازلة، ولو جاز أن
تقاس رؤية القديم على العلم به لجاز مثله في المعدوم فيقال إذا صح
أن يعلم المعدوم وهو ليس بمقابل ولا حال في المقابل ولا في حكمه
جاز أن نراه، كذلك إذا خلق الله فينا إدراكه.
الاعتراض الثاني: إن قالوا إن المقابلة وما في حكمها إنما هي شرط
في رؤية المحدثات فكيف يكون شرطاً في رؤيته تعالى.
والجواب: أنا قد بينا أن العقول تحيل رؤية لا بمقابلة ولا نحوها،
فقد جوز رؤية الباري تعالى لزمه تجويز المقابلة أو ما في حكمها ومن
أحال ذلك فقد أحال الرؤية ولا يجوز في العقل انفصال أحدهما عن
الآخر، ومن فصل بينهما عددناه مكابراً.
وقلنا له: ما أنكرت أن يكون الله تعالى جسماً متحيزاً لا في جهة؛
لأن الجهة إنا تجوز على المحدثات.
(1/215)
فإن قال: أن كونه
جسماً حقيقة يستلزم الجهة. قيل له: وكذلك الرؤية تستلزم المقابلة
أو ما في حكمها، وما ذكره الرازي من أن التزام هذا الشرط في رؤيته
تعالى من أحكام الوهم والخيال فهو غير صحيح؛ لأنا إنما نعلم أن
الحكم للوهم والخيال إذا قام الدليل العقلي على خلافه كما يقضي
الحس بأن الشمس في قدر رغيف، وأن السحاب المتباعد منتصب، وأن الظل
واقف ونحو ذلك، فأما إذا قضت النفوس قضاء جزماً ولم يقم دليل على
خلافه لم نقل أنه حكم الحس والخيال لولا هذا كان للمجسم أن يقول
إلزام الحدوث على القول بالتجسيم من أحكام الخيال، ولكان لقائل أن
يقول: إن الله يكون مقابلاً /149/ إذا رأيناه ولا يقتض ذلك
الجسمية؛ لأن الحكم بجسمية المقابل من أحكام الخيال.
الاعتراض الثالث لبعض مشيختهم، قال: قال إن المقابلة وما في حكمها
إنما كانت شرطاً في الرؤية بمجرى العادة، ويجوز أن يخلق الله فينا
رؤية الأجسام والألوان من دون مقابلة أو ما في حكمها.
(1/216)
والجواب: يجري على
نحو ما تقدم من أن هذا مكابرة، ثم يقال: لهذا ما أنكرت من أن تحيز
الأجسام عند وجودها بمجرى العادة، ويجوز أن يخلق الله جسماً عند
متحيز ويجعل الجسم متحيزاً من دون وجود؛ لأن كون الوجود شرطاً هو
بمجرى العادة وما أنكرت أن الحياة إنما كانت شرطاً في العلم
والقدرة بمجرى العادة، ويجوز أن يكون في الشاهد الغائب قادر عالم
ليس بحي، وكذلك منافاة الأضداد دلالة الشهوة والنفار على الزيادة
والنقص وكله طريقة العادة، وليس ذلك في العقول بأبعد من تجويز رؤية
بغير مقابلة أو ما في حكمها. ومتى قيل أوليس الله يرى الأشياء من
دون مقابلة فهلا صح أن يرى كذلك، على أن العقول إنا قضت بوجوب
المقابلة من حيث أن الرائي جسماً ويستحيل أن يكون الجسم رائياً بما
ليس بمقابل له والله تعالى ليس بجسم فيُرى لا بمقابلة بخلاف رؤية
أحدنا؛ لأن الرؤية أمر صادر من جهة الرأي فإذا كان الرائي في جهة
استحال أن تصدر الرؤية منه إلا إلى ما يقابل تلك الجهة أو يكون في
حكم المقابل لها، وإذا لم يكن الرائي في جهة صح أن يرى ما ليس
بمقابل لأنه لا يعقل أن يكون له مقابل.
يزيده وضوحاً: أن الله تعالى يرى الأشياء في جهاتها.
تنبيه
اعلم أن كلامنا هذا كله مع المخالفين إنما هو على تقدير ثبوت
الإدراك معنى، ونحن قد أبطلنا كونه معنى بما لا مزيد عليه وفي ذلك
إبطال اعتراضاتهم في هذين الدليلين جملة واحدة.
فصل
فيما استدل به من السمع على هذا المسألة فإنها مما يصح الاستدلال
عليها بالسمع من حيث لا يقف العلم بصحة السمع عليها فمن ذلك قوله
تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار والاستدلال بهذه الآية من
وجهين:
(1/217)
أحدهما: أنه تعالى
تمدح بنفي إدراك الأبصار عن نفسه تمدحاً راجعاً إلى ذاته وإدراك
الأبصار هو رؤيتها وإثبات ما نفته مدح راجع إلى الذات يؤدي إلى
النقض، وهذه أربعة أصول. أما الأصل الأول وهو أنه تعالى تمدح بذلك
فلا خلاف فيه دليله سياق الآية فإن أولها تمدح وآخرها تمدح، ومن
المستهجن عند أهلا للسان أن يتوسط بين أوصاف المدح ما ليس بمدح،
وبعد فلسنا نعني بالمدح إلا اختصاص الممدوح بمزية لا يشاركه فيها
غيره، وليس شيء من الأشياء ترى ولا يرى إلا الله ولو كان /150/
الخصم لكان قد شاركه في ذلك غيره، فلا يبقى للتمدح معنى، وقد يسقط
بهذا قولهم أن المعدومات وكثيراً من الأعراض لا يرى فقد شاركه
الباري في ذلك؛ لأنا نقول التمدح لم يكن بأنه لا يرى فقط بل بأنه
يرى، ولا يرى ولم يشاركه في ذلك شيء، وصار كالتمدح بأنه لا تأخذه
سنة ولا نوم، وينفي الصاحبة والولد، فإنه إنما يكون مدحاً بانضمامه
إلى كونه حياً ويصير الجميع كالكاشف لمخالفته تعالى للمحدثات. وبعد
فقد قيل إنه تعالى جعل التمدح بنفي الرؤية منبهاً على التمدح بنفي
الصاحبة والولد في الآية، فكأنه قال: كيف من لا تدركه الأبصار تكون
له صاحبة أو ولد.
وأما الأصل الثاني: وهو أن تمدحه بذلك راجع إلى ذاته، فلأن كون
الشيء مرئياً أو غير مرئي، مما يرجع إلى ذاته سواء كان يرى على صفة
ذاتية أو على صفة الوجود، فإذا تمدح بأن ذاته لا تُرى فهو تمدح
بثبوت صفة لأجلها لا يُرى، وقد خالف في ذلك فرق، فقالت المجسمة إنه
تعالى تمدح بنفي الإحاطة، وهذا ساقط؛ لأن الإدراك لا يستعمل بمعنى
الإحاطة بل يثبت حيث ينتفي وينتفي حيث يثبت، وأيضاً فلا مدح في نفي
الإحاطة؛ لأن السماء وغيرها من الأجسام العظيمة تشاركه في أنها لا
تحيط بها الأبصار.
(1/218)
وذهب بعض المجبرة إلى
أنه تمدح بنفي الإدارك الذي هو اللحوق وسنبين أن إدراك الأبصار هو
رؤيتها، ولأنه كما لا تلحقه الأبصار، فهي لا تلحق غيره كالمعدوم
ونحوه، ولأنه كان يلزم أن يكون التقدير وهو يلحق الأبصار، ويقال
لهؤلاء: أتريدون بالابصار المعاني التي هي الإدراكات، فالمعاني لا
يصح عليها اللحوق على أنه يكون التقدير لا يلحقه اللحوق أو تريدون
بالأنصار الجوارح، فهي لا تلحق ساقط أو يريدون الأشعة التي تنفصل
من الحواس، فليس من مذهبكم إثباتها، ولأن أثبتموها فليس من مذهبكم
أنها هي البصر.
وذهب جمهور أهل الجبر إلى أن التمدح هو الإبانة لم يفعل الإدراك
الذي ندرك به، فيكون راجعاً إلى الفعل، وهذا أيضاً جهالة؛ لأنه لا
مدح في انه لم يخلق لنا إدراكاً يدرك به كما لا مدح في أنه لم يخلق
لنا إدراكاً ندرك به الحياة والقدرة والفِيَلة التي بين ايدينا،
ولهذا لو صرح بما قالوا فقال خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، لا
يخلق لكم إدراكاً تدركونه به وهو اللطيف الخبير، لكان هذا مستهجناً
كما تقدم، وبعد فالعرب لا تعرف الإدراك الذي يثبته المتكلمون فكيف
يخاطبون بما لا يفعلون، على أنا لا نسلم لهم كون الإدراك معنى،
وبعد فيلزم مثله في قوله تعالى: {يطعم ولا يُطعَم} فيكون المعنى
انه لم يخلق لنا إدراكاً نطعمه به وأكثرهم يلتزم هذا، وإن كانوا لا
يطلقون العبارة وسيتضح مذهبهم في ذلك وإبطاله /151/. قال الرازي:
إنما يحصل المدح بنفي الرؤية إذا كانت جائزة وكان تعالى قادراً على
منع الأبصار عن ذلك، وجعل هذا وجهاً مستقلاً في جوازها.
(1/219)
والجواب: يقال له
وكذلك في التمدح بنفي السنة والنوم والصاحبة والولد وجوابه جوابنا،
وأما قياسه لذلك على التمدح بنفي الظلم والعبث فليس فغير صحيح؛ لأن
التمدح هنا راجع إلى الفعل، وما كان كذلك فلا تم المدح فيه إلا مع
القدرة عليه، ولهذا لا يصح التمدح بنفي الجمع بين الضدين ونحو ذلك
بخلاف ما كان راجعاً إلى الذات، فإنه غير مقدور، على أنا ننفي ما
تمدح الله بنفيه وإن رجع إلى الفعل، ونقول: لا يظلم في الدنيا ولا
في الآخرة، فهلا قال بمثله في نفي الإدراك.
وأما الأصل الثالث: وهو أن إدراك الأبصار هو رؤيتها فلأنه وإن كان
مشتركاً بين المشاهدة واللحوق والبلوغ والاتباع فإنه متى قرن
بالبصر أفاد الرؤية بلا شبهة، ولهذا لا يقال أدركت ببصري شخصاً وما
رأيته أو العكس، وما ينكر هذا إلا مكابر، وأما قول القائل: أدركت
ببصري حرارة الميل فهو خارج عن هذه المسألة؛ لأن العين كغيرها في
إدراك الحرارة لمساً، ولهذا يقلوله الأعمى.
قال الرازي: لا نسلم أن إدراك الأبصار هو رؤيتها، بل هو عبارة عن
الوصول، وهو حقيقة فيه فقط. قال: فإذا رأى أحدنا شيئاً ورأى أطرافه
ونهاياته قيل إنه أدركه على تقدير أن رؤيته قد أحاطت به من جميع
جوانبه وإنما يتأتى هذا في الشيء إذا كان له أطراف ونهايات والباري
تعالى منزه عن ذلك فلم تكن رؤيته إدراكاً له، فلا يلزم من نفي
إدراك الأبصار نفي الرؤية. قال: والحاصل أن الإدراك رؤية مكيفة.
ولنا أن نقول أن هذا الكلام فيه من التهافت والخبط ما لا يخفى على
مميز.
(1/220)
أما أولاً فقد بينا
أن من أثبت هذين اللفظين ونفى الآخر عده العقلاء مناقضاً سواء
فرضنا الإدراك مشتركاً بتردد الفهم عند إطلاقه. وأما ثانياً فيلزمه
أن لا يكون الباري تعالى مدركاً للأشياء لأنه يستحيل أن يصل إليها
والإدراك هو عنده والوصول بمعنى، وأما ثالثاً فالإدراك عنده معنى
قائم بذات الباري تعالى، وبذات أحدنا فكيف يعقل في هذا المعنى أن
يكون قد وصل إلى المرئيات فضلاً عن أن يكون سمعه قد أحاط بالشيء من
جميع جوانبه، وأما خامساً فالله تعالى يدرك نفسه عندهم بهذه
الإدراكات الخمسة، فكيف يكون قد وصلت هذه الإدراكات إليه.
وبالجملة فكيف يعقل في المعاني / 152/ الوصول إلى غيرها، وأما
سادساً فأهل اللغة لا يعقلون هذه المعاني فضلاً عن أن يجعلوا
الإدراك هو أن يحيط بالشيء من جميع جوانبه(1). وأما سابعاً فهو أول
كلامه جعل الإدراك بمعنى الوصول فقط، وفي آخره جعله بمعنى الإحاطة،
وقدمنا أن الإدراك ليس من الإحاطة في شيء.
وأما الأصل الرابع وهو أن إثبات ما نفيه مدح راجع إلى الذات يؤدي
إلى الانقلاب والنقص فلأن كون الشيء مرئياً أو غير مرئي إذا كان
لأمر يرجع إلى ذاته وغير تابع للاختيار، فإن كونه مرئياً يقتضي
خروجه عما لأجله كان غير مرأي والعكس ويفيد اختصاصه بصفة لم يكن
عليها وهو محال اتفاقاً، وبعد فأما أن تمدح بنفي صفة كمال وهو محال
اتفاقاً أو بنفي صفة لا كمال فيها، ولا نقصص، وهو محال؛ لأن نفي
ذلك لا يكون مدحاً ولا ذماً، وكذلك ثبوته وهو بمنزلة قول القائل
فلان لا يقوم ولا يقعد أو تمدح بنفي صفة نقص وهو المطلوب.
الوجه الثاني من الاستدلال بهذه الآية أن الله تعالى نفى إدراك
الأبصار عن نفسه نفياً عاماً للأشخاص والأوقات من حيث أن حرف النفي
إذا دخل على اسم الجنس المعرف باللام اقتضى الاستغراق بدليل صحة
الاستثناء، وهذا لا يسع إنكاره، وقد اعترف به محققوهم لكن راموا
الانفصال بما لا محصول له.
__________
(1) . في نسخة: جهاته.
(1/221)
قالوا: هو وإن كان
عاماً فقد خصص بقوله: {وجوه يومئذ ناظرة..} الآية. إن من حق
التخصيص التنافي على مقتضى الخاص ونحن سنبين أن النظر لا يفيد
الرؤية وأنه يصح الجمع بين إثبات النظر ونفي الرؤية.
قال الرازي: إن قوله: {لا تدركه الأبصار} نقيض لقولنا: تدركه
الأبصار، وقولنا: تدركه الأبصار، موجبة كلمة تقتضي أن يدركه كل
أحد؛ لأن اللام للاستغراق، ونقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية، وهو
قولنا لا تدركه بعض الأبصار، فإذا كذبت السالبة الجزئية فإنا نسلم
أن لا تسلمه بعض الأبصار، وهم الكفار، ويمكن الجواب بأنه يبنى على
أن قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} سالبة جزئية بمنزلة قوله: بعض
الأبصار لا تدركه، ونحن لا نسلمه، بل هي عندنا سالبة كلية تنزل
منزلة قوله: لا واحد من الأبصار تدركه؛ لأنه إذا صدق أحد النقيضين
كذب الآخر. على أنا إن سلمنا أنها سالبة جزئية فلا نسلم صحة ما
ذهبوا إليه؛ لأن قوله: {لا تدركه بعض الأبصار} لا يدل على صحة أن
تدركه البعض الآخر كما أن القائل إذا قال: ليس بعض الرجال في الدار
لم يدل ذلك على أن البعض الآخر فيها، وبعد فإذا استحال في بعض
الأبصار أن تدركه استحال في البعض الآخر؛ لأن وجه الاستحالة /153/
ثابت في الجميع، وهو أن كونه غير مرئي هو لأمر يرجع إلى ذاته.
فصل في شبههم في إثبات الرؤية
قد تعلقوا من جهة العقل بأنه تعالى موجود فيصح أن يرى؛ لأن علة صحة
الرؤية هي الوجود من حيث وجدنا المختلفات كالجواهر والألوان مشتركة
في صحة الرؤية، فلا بد أن يعلل بأمر يجمعها، وليس ذلك إلا الوجود؛
لأن الحكم المشترك لا يعلل إلا بعلة مشتركة.
والجواب هو أن يقال لهم: أليس من صريح مذهبكم أن الصحيح أمور
سلبيّة كصحة وجود الشيء وصحة كونه معلوماً، فلِمَ عللتموها بأمر
ثابت.
(1/222)
واعلم ان الذي أداهم
إلى القول بأنها امور سلبية هو أن العالم في ما لم يزل يوصف بأنه
يصح وجوده ويصح العلم به قالوا فلو كانت أموراً ثابتة للزم قدمها،
وأيضاً فهي من صفات العالم، فلو كانت ثابتة لزم ثبوت الموصوف حال
ثبوتها، وفي ذلك قدم العالم هذا كلامهم.
وأما نحن فعندنا أنها أحكام ثابتة في كل حال الذوات ثابتة في كل
حال، ولا يلزم من ذلك قدمها؛ لأنها أحكام، والأحكام والصفات لا
توصف بقدم ولا حدوث من حيث ليست بأشياء، وكذلك لا يلزم قدم الذوات
المتصفة بها؛ لأن القدم كيفية في الوجود والعالم فيما لم يزل
معدوم، وبعد، فسلمنا أن صحة الرؤية على أصلهم أمر ثابت، فمن أين
لهم أنهم أيضاً حكم متماثل وأن صحة رؤية الجوهر تماثل صحة رؤية
اللون، وتماثل صحة رؤية الباري، أوليس بعض هذه الصحح لا تقوم مقام
البعض فإن صحة رؤية اللون يحتاج إلى ما تحتاج إليه صحة رؤية
الجوهر، وهو المخل، وكذلك صحة رؤية الجوهر يحتاج إلى التميز ولا
يحتاج إليه صحة رؤية القديم عندهم، وبعد فسلمنا أنها حكم متماثل
فما دليلهم على أن الأحكام المتماثلة لا تعلل بعلل مختلفة، وهل
توزعوا إلاَّ في ذلك، فإن من مذهب خصومهم أنها معللة بالمقتضيات
وهي مختلفة في الأجناس، ونظير ذلك في العقليات صحة كون الأشياء
معلومة، فإنها معللة بصفاتها الذاتية، وهي مختلفة، ومن الشرعيات
فساد الصلاة، فإنَّه يعلل بالعلل المختلفة من حدَث وكفر ووطء نجاسة
ونحو ذلك، وبعد فسلمنا أنها لا تعلل إلاَّ بالمتماثلات، فما أنكروا
ان صحة الرؤية في الجوهر واللون هي كونهما ممكني الوجود من ذاتيهما
أو كونهما معلومين يلزم عليه صحة رؤية المعدوم.
فإن قالوا: المعدوم ليس بشيء.
قيل لهم: ليس بمخلص لأنه إذا كان علة صحة الرؤية كونه ممكناً أو
كونه معلوماً بطل اشتراط كونه شيئاً على أنه عندنا شيء.
قال: قالوا نحن نعلم استحالة رؤية المعدوم.
(1/223)
قيل لهم: ليس ذلك
بأبلغ من استحالة رؤية /154/ القدرة والعلم والسمع والبصر ونحو ذلك
مما قد جوزوه.
طريقة أخرى في الجواب: يقال لهم: أتطردون عليكم هذه فتزعمون أن كل
موجود يصح أن يرى حتى القدرة والحياة والسمع والبصر ونحوها، أم لا
تطردونها فيبطل كونها علة إذ لا أقل من إطراد العلة. وعند أهل
السؤال افترقوا فرقتين، فأما أهل التحصيل منهم فقهقر وأعن هذه
الشبهة واعترفوا ببطلانها، ولهذا قال الرازي في الأربعين: أما نحن
فعاجزون عن تمشية هذا الدليل، يعني دليل الوجود، وأما أهل العناد
منهم فاقتحموا ذلك، فقالوا: إن كل موجود يصح ان يرى حتى رؤية
الباري وسمعه وبصره، وإنما أجرى الله العادة بانه لا يخلق فينا
إدراك هذه الأمور.
وسبيلنا مع هؤلاء أن نبين لهم أولاً أنهم عاجزون عن طرد هذه العلة
حتى التزموا المحال من أجلها، ثم يذكرهم ما يلزمهم على هذه المقالة
فنقول: أليس الله تعالى يرى الأشياء برؤية قديمة، فلا بد من قولهم
بلى، فيقال: أفيصح أن ترى هذه الرؤية أم لا، إن قلتم: لا يصح، بطل
أصلكم، وإن قلتم يصح لزم أن يرى الرؤية برؤية الرؤية بروية أخرى
إلى ما لا تناهي، وأن يكون رائياً لا برؤية، وفيه إبطال كون
الإدراك معنى، ثم يقال لهم: أليس يصح أن يرى الحياة وأن يخلق الله
لوناً غير هذه الألوان فنراه فلا بد من بلى، فيقال: إذا رأيتم
الحياة ورأيتم ذلك اللون المجوز فبأي شيء تفرقون بينهما حتى تعلموا
اللون لوناً والحياة حياة وهلا كانا لونين أو حياتين، وكذلك يسألون
عن الفرق بين اللون والصوت عند سماعهما أو عند رؤيتهما ويسألون عن
الفرق بين قدرته تعالى، وعلمه عند إدراكها.
(1/224)
طريقة أخرى في
الجواب: يقال لهم: أتجعلون الوجود علة في صحة الرؤية فقط أو في صحة
جميع الإدراكات عليه تعالى حتى يصح أن تسمع ذاته وأن تذاق وتشم
وتلمس، والأول لا يمكنهم القول به لاتحاد الطريقة في الجميع،
والثاني قد التزمه الأشعرية وأجازوا أن تدرك ذاته تعالى على حد
إدراكنا للألم واللذة والريح والطعم والحرارة، وأجازوا أن يدرك
علمه وحياته على حد إدراكنا لجميع هذه المدركات، وهو زيغ شديد
وضلال بعيد.
طريقة أخرى يقال لهم: هل الوجود صفة زائدة على ذات الموجود أو هو
نفس الذات، فإن قالوا: بالأول لزمهم ثبوت الذوات في حالة العدم،
وقيل لهم: هلا جاز إدراكها وهي معدومة، ولكن لم يخلق الله فينا
إدراكها، وإن قالوا: بالثاني فكأنهم قالوا ترى الأشياء لذواتها؛
لأن وجودها هو ذاتها، وهذا يقتضي تعليل صحة الرؤية بشيء مختلف وهو
الذوات /155/ ويلزم عليه صحة الرؤية حال العدم كما سلف.
طريقة أخرى: يقال لهم: أوليس قياس الغائب على الشاهد بعلة جامعة هو
عندكم من باب قياس التمثيل الذي لا يفيد إلا الظن الضعيف فكيف
قطعتم على صحته هنا وهو ليس من الأقيسية البرهانية عندكم.
شبهة أخرى: لهم عقلية قالوا القول بصحة الرؤية لا يوجب حدوثه تعالى
ولا حدوث معنى فيه ولا تشبيهه بخلقه ولا تكذيبه ولا تجويزه ولا قلب
ذاته، فيجب القول بصحتها.
والجواب هذا بني أخذوه من كلام شيخنا أبي علي وأول ما فيه أنا نقول
القول باستحالة الرؤية لا يؤدي إلى شيء، فما ذكروه فيجب القول
باستحالتها، وكذلك القول بإثبات ماهية لله تعالى لا يعلمها إلا هو
لا يؤدي إلى شيء من ذلك، فكان يجب ذلك كما يقوله ضرار وهم يأبونه.
(1/225)
ومثله إثبات معان لا
نهاية لها للباري وصفات فهلا أثبتوه. ومتى قالوا كان يصح بينهما
التمانع، قيل لهم: وما أنكرتم أن التمانع إنما يصح من المحدثات
بمجرى العادة أو أن الحكم بصحة التمانع من أحكام الخيال، وبعد فمن
سلم لهم أن القول بصحة الرؤية لا يؤدي إلى تشبيهه بخلقه أو إلى قلب
ذاته أو ليس خصومهم يلزمونهم أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل
وفي ذلك مشابهته للمحدثات، ويلزمونهم أن إثبات ما نفيه مدح راجع
إلى الذات يؤدي إلى الانقلاب والنقص.
وبعد، فهب أن ذلك لا يؤدي إلى شيء مما ذكروه، فكيف يحكمون بصحة شيء
لا دليل عليه.
فصل
في شبهتهم من جهة السمع أقوى ما تمسكوا به، سؤال موسى عليه السلام،
قالوا: فلولا جواز الرؤية لما سألها، وربما يؤكدون ذلك بالتشنيع
على أصحابنا فيقولون تزعمون يا معاشر المعتزلة أنكم أعرف بما
يستحيل من نبي الله وكليمه في هذيان طويل يذكرونه.
والجواب: أول ما في هذا أنا نعارضهم فنقول تزعمون يا معاشر المجبرة
أنكم أعرف من نبي الله وكليمه بما يتأخر في حكم الله إلى دار
الآخرة ويمتنع في دار الدنيا.
(1/226)
وبعد فما أنكرتم أن
موسى علم استحالة الرؤية لكن خلق الله فيه السؤال من دون اختياره
كما خلق في قومه سؤال أن يجعل لهم آلهة حيث قالوا: يا موسى اجعل
لنا إلهاً، وكما خلق في آدم أكل الشجرة. وبالجملة فإذا كانت
الأفعال خلقاً لله لم يتولهم تعلق في سؤال موسى عليه السلام. وبعد
فهم يعترفون أن موسى أذنب سؤال الرؤية وتاب، فكيف يصح ذلك في سؤال
ما هو جائز، وأي ذنب فيه، وبعد فما أنكرتم /156/ أنه سألها عن قومه
وأضاف ذلك إلى نفسه كمايقول الشفيع الذي يظهر العناية في طلب
الحاجة فيقول: اقض حاجتي، وهو يريد حاجة من استشفعني أو ليعلموا
أنها إذا تعذرت الرؤية مع كونه أضاف السؤال إلى نفسه فأولى إذا
سألها غيره أو ليرد من جهته تعالى ما فيه مقنع للقوم وقطع لطمعهم
حيث لم ينزجر وآمن كلام موسى وجوابه لهم ويدل على صحة هذا أنا نعلم
ضرورة من الدين أن قوم موسى سألوه الرؤية كما حكى الله عنهم بقوله:
{أرنا الله جهرة} وقولهم: {حتى نرى الله جهرة} ونعلم أنهم ضعفوا
لأجل ذلك كما قال تعالى: {فأخذتهم الصاعقة} فيقال للخصوم أما أن
تزعموا أن سؤال الرؤية كان مرتين وهذا شيء بعيد؛ لأنه كيف يسألها
موسى وقد صعق قومه عند سؤالها وعلم تعذرها أو سألها قومه وقد صعق
هو عند سؤالها وهو نبي الله وكليمه، وأما إن تغير فإن السؤال كان
مرة واحدة، فلا يمكنهم القول بأنه سألها لنفسه؛ لأنه لو كان كذلك
لما كان لهم ذنب فيصعقوا من أجله ولبطل ما علمنا من إضافتها إليهم،
وهذا من أوضح دليل على أنه سألها عن قومه.
(1/227)
وأما توبته عليه
السلام فهي إما لأن طريقه الأنبياء والصالحين كثير التوبة
والاستغفار وأنهم لم يكن لهم ذنب لا سيما إذا رأوا نزول العقوبة
بغيرهم، وبكون سبب الصاعقة في حقه على هذا التأويل، هو الفزع من
عظيم قدرة الله تعالى، كما يروى مثله عن محمد عليه السلام حين رأى
جبريل في صورته الهائلة، وأما لأنه يسأل بحضرة القوم من غير إذن
فكان ذلك ذنباً وبكون الصاعقة في حقه على هذا امتحاناً لا عقوبة،
وإن كانت في حقهم عقوبة إنما يفترق ذلك بالقصد كما أن سبب دخول بيت
المقدس وقتل بني إسرائيل هو الكفر والمعاصي وبكون ذلك ابتلاء في حق
من لم يكفر منهم.
وأما قولهم: كيف طلب بالسؤال المنع من الرؤية في السمع ولم يطلب
دليلاً سمعياً في مسألة قولهم: {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} وغير
ذلك، فهو اقتراح على موسى في أفعاله ويحكم عليه في ما يختاره. على
أن مسألة الرؤية مما يشتبه الحال فيه ويحتاج إلى نظر دقيق بخلاف
غيره، ولهذا اختلف المسلمون في مسألة الرؤية، ولم يختلفوا في جواز
إثبات إله ثان. وبعد فما أنكرتم أن ثم مضافاً محذوفاً بعدك أرني
أنظر إلى عظيم سلطانك لأزداد به يقيناً كما سأله إبراهيم عليه
السلام مثل ذلك، ويكون تقدير الجواب لن ترى عظيم سلطاني في الدنيا
لأن أهل الدنيا يضعفون عن ذلك، ولكن انظر إلى الجبل فسأريك فيه آية
دون ما تريد، فإن استطعت بصر ذلك فسوف ترى عظيم سلطاني.
(1/228)
يوضحه: قوله: {فلما
تجلى ربه للجبل جعله دكا} لأن التقدير فلما على عظيم سلطنه ونور
سماواته لا كما يهدي به الخصوم /157/ من أنه تعالى خلق للجبل حياة
ورؤية، ثم انكشف له، فلما رآه تدكدك، وكيف يصح هذا لهم وقد أجمعوا
على ان جميع المخلقوات لا تراه في الدنيا، وبعد فيقال لهم: ما
أنكرتم أن مسالة الرؤية لم تكن خطرت ببال موسى قبل وقت السؤال،
فلما خطرت بباله وكان مشتغلاً بالمناجاة عن النظر طلب فيها دليلاً
سمعياً وليس عدم العلم بمسألة الرؤية مما بباله من قبل، فأخذ
بالنظر فيها حتى طلب دليلاً سمعياً وليس عدم العلم بمسألة الرؤية
مما يقطع بكونه كثيراً ولا هذه المسألة مما يتوقف عليها العلم
بالنبوة. وبعد الا يستدل على ما نقوله نحن من وجهين: أحدهما قوله
تعالى: {لن تراني} فإن (لن) في اللغة لتأبيد النفي، وأما قوله
تعالى: {ولن يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم..} إلى قوله: { قل إن
الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب
والشهادة}، فأخبر تعالى أن الموت الذي يفرون منه هو الموت الأول
بدليل قوله: : {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة}.
يزيده وضوحاً أنه تعالى ذكر التأبيد في هاتين الآيتين، فلا بد
للخصم من العدول عن ظاهر التأبيد، كذلك العدول عن ظاهر في لفظ
(لن). على أنه قد قيل أن المراد بقوله: {ولن يتمنوه، أي الرجوع إلى
الآخرة، وإنما غير عند ذلك بالموت؛ لأنه لا بد منه، وإذا كان كذلك
فهم لا يتمنون الرجوع إلى الآخرة أبداً، وهذا جيد، ويؤيده قوله
تعالى: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة}.
(1/229)
الوجه الثاني: أنه
علق الرؤية بشرط مستحيل وهو استقرار الجبل حال تحركه، وتدكدكه إذ
لو علقها باستقراره قبل ذلك أو بعد، ومعلوم أن ذلك قد حصل لوجب
حصول الرؤية لحصول شرطها، هذا ما ذكره أصحابنا، ولهم أن يقولوا: بل
علقها باستمرار الاستقرار، فكأنه قال: إن لم يتدكدك الجبل فسوف
تراني، والأولى أن يجعل الوجه الثاني هو أن قوله تعالى: {فسوف
تراني} يفيد في اللغة الاستقبال المتراخي، ومن مذهب الخصوم أن موسى
سوف يراه في الآخرة، فإذا علق الله هذا التسويف والرؤية المستقبلة
باستقرار الجبل ولم يستقر حكمنا بأنه لا يراه أبداً في المستقبل،
وإلا بطلت فائدة الكلام؛ لأن عند الخصم أنه سوف يراه سواء استقر
الجبل أم لا.
شبهة: تمسكوا بقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة}.
والجواب: ليس النظر بمعنى الرؤية قط، بدليل: أنه يثبت وينفي،
فيقال: نظرت إلى الهلال فلم أره، وتثبت الرؤية حيث ينفي النظر،
فيقال في الله: رائي ولا يقال ناظر، وتعقب النظر بالرؤية فيقال:
نظرت فرأيت ويجعل وصله إلى الرؤية، فيقال انظر لعلك ترى، ويجعل
غاية له الرؤية، فيقال ما زلت أنظر حتى رأيت.
قالوا: النظر إذا قرب بإلى أفاد الرؤية. قلنا: محال بدليل قوله
تعالى: {وتراهم ينظرون إليك /158/ وهم لا يبصرون} وقال تعالى: {ولا
ينظر إليهم}، فإنه ليس معناه لا يبصرهم اتفاقاً، وتقول العرب: نظرت
إلى الهلال فلم أره، وحكى الرازي عن الخليل أن العرب تقول نظرت إلى
فلان أي انتضرته.
وعن ابن عباس أن العرب تقول: إنما أنظر إلى الله وإلى فلان. وقال
النابغة:
نظر المريض إلى وجوه العود
نظرت إليك لحاجة لم تقضها
وقال الكميت:
كما نظر الظماء حياء الغمام
وشعث ينظرون إلى بلال
أي ينتظروه، وقال آخر:
إلى الدار من فرط الصيانة أنظر
وقفت كأني من وراء حاجة
فأغشى وطوراً يحسران فأبصر
فعيناي طوراً تغرقان من البكاء
فأثبت النظر في حالتي الأبصار وعدمه، وقال آخر:
(1/230)
والبحر دونك زدتني
نعماً
وإذا نظرت إليك من ملك
والنظر مع كون البحر حائلاً هو الانتظار.
وقال آخر:
نظر الذليل إلى العزيز القاهر
أبي البكر لما وعدت لناظر
وقال الفارسي وهو من كبار أئمة اللغة: النظر لا يفيد الرؤية، وأنشد
مستدلاً على ذلك:
مراراً وأنفاسي عليك الزوافر
قيامي هل تجري بكائي بمثله
به أتت من بين الجوانب ناظر
وإلى متى أشرف من الجانب الذي
قال: فطلب منها الجزاء على كونه ناظراً إليها، ولو كان النظر هو
الرؤية لما طلب عليه جزءاً وهو المحب بل حقه أن يبذل فيه الرغائب.
قالوا: النظر إذا قرن بالوجه أفاد الرؤية.
قلنا: لا نسلمه، أما أولاً فهو محل النزاع، وبعد فقد ورد كثيراً في
اللغة وهو لا يفيد الرؤية، بل الانتظار، قال حسان:
إلى الرحمن يأتي بالفلاح
وجوه يوم بدر ناظرات
وروي بالخلاص:
وروي ينتظر الخلاصا
وروي ينتظر الفلاحا
وقال البعيث:
إلى ملك زان المغارب ناظره
وجوه نهار ليل الحجاز على النوى
فتبين أن أهل الحجاز ينتظرون ملك المغرب، ومعلوم أنه لم يرد
الرؤية، وقال آخر:
إلى الموت من وقع السيوف نواظرا
ويوم بداقار رأيت وجوههم
فهذا كله يدل على بطلان ما قالوه، وإنما أكثر بالاستشهاد في ذلك؛
لأن بعض المتعجرفين منهم لم ير في كتب أصحابنا إلاَّ بيت حسان،
فقال: إنا قد أفسدنا أصول المعتزلة، وهددنا أركانهم، ولسنا نترك
أصلاً لنثبت شعر لا ندري عن قائله، يعني بيت حسان، فأريناه أن
الأصل الثابت في اللغة ما ذهبنا إليه، ثم إن هذا الرجل المذكور
استشهد بيتاً واحداً في جملة المسألة وهو /159/:
فيا نظرة كادت على عاشق تقضي
نظرت إلى من حسن الله وجهها
(1/231)
ونحن نجيبه بمثل
قوله، فنقول: كيف نهدم أصلاً ظاهراً في اللغة يثبت لا ندري من
قائله، ولعلك أنت الذي قلته ونسبته إلى أهل اللغة، وبعد، فهب أنه
صحيح فهو لا يدل على ما ذهبت إليه؛ لأنا نعترف أن النظر تتعقبه
الرؤية ويكون سبباً فيها، ولهذا قال عليه السلام: النظر إلى المرأة
الحسناء سهم من سهام إبليس، فإنه ليس المراد الرؤية؛ لأنها من
الله، وغيرها من الإدراكات، والذي نهى عنه عليه السلام من النظر
إنما هو الذي يقدر عليه، وهو تقليب الحدقة التي تتبعه الرؤية،
ولهذا لا يذم أحدنا على العشق؛ لأنه فعل الله دائماً يذم على سببه
وهو تقليب الحدقة التماساً للرؤية لا على نفس الرؤية التي هي معنى
تحل العين. وبعد فيجوز أن يكون النظر في البيت بمعنى الانتظار،
وهذا أولى لأنه الذي يحصل به المشقة وتلاف العشاق، وليس الرؤية
تقضي على العاشق بل هي مما يستلذ به، فكيف يسميها موتاً بل يجيبه
أولى كما هو أسلوب الفصحاء، وأما قول النابغة:
النمارة والمأمور معذور
وما رأيتك إلا نظرة عرضت يوم
فتقديره إلا عند نظرة عرضت؛ لأن الذي يعرض هو تقليب الحدقة لا
الرؤية اتفاقاً، ولهذا أيقول حانت مني التفاته فرأيت وعرض مني نظرة
فرأيت ونحو ذلك.
طريقة أخرى في الجواب: يقال لهم: ظاهر الآية متروك من وجوه، منها:
أن ظاهرها يثبت الرؤية يوم القيامة، وأنتم إنما تثبتونه في الجنة
لا في القيامة؛ لأنه يوم حساب وحشر، والوقت الذي يدخل الناس فيه
الجنة لا يوصف بأنه يوم القيامة، ومنها: أن ظاهرها أن الوجوه هي
الناضرة وليس كذلك، فإن الناظر هو الجملة لا الوجه، ولا العين،
ولهذا عطف عليه بقوله: ووجوه يومئذٍ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة،
والوجوه لا تظن، فدل على أنه أراد ذوي الوجوه، ونظيره قوله تعالى:
{وجوه يومئذ خاشعة..} إلى قوله: {لسعيها راضية}. ومنها: أن الخصم
رد النظر إلى الرؤية وهو خلاف ما قد بيناه.
(1/232)
طريقة أخرى: يقال
لهم: ما المانع من حمله على الانتظار كما حمله عليه أمير المؤمنين
علي عليه السلام حيث قال للأعرابي: اكفف يدك واغضض من بصرك، فإنك
لن تراه، ولن تناله، قال: إن لم أره في الدنيا فسأراه في الآخرة،
فقال عليه السلام: كذبت بل لا نراه في الدنيا ولا في الآخرة، إن
أهل الآخرة ينتظرون إلى الله تعالى كما ينتظر إليه أهل الدنيا
ينتظرون ما يأتيهم من بره وإحسانه، وقد اسندت هذه الحكاية إلى ابن
عباس لا إلى علي عليه السلام، وقد قدمنا /160/ ما يقوله ابن عباس
والجليل الفارسي من أئمة اللغة، وهو قول الكلبي وجويبر والضحاك،
وابن المسيب وابن جبير ومجاهد، وروي عن الحسن وأبي حاصلح وجرير بن
منصور ونافع بن الأزرق وغيرهم من كبار علماء التفسير من التابعين
وغيرهم دون متبعي الأهواء والبدع وهو الذي قاد إليه صريح العقل
ومحكم الكتاب.
يوضحه أن الله تعالى جعل الظن الذي هو الخوف في مقابلة النظر فإذا
حملنا النظر على الانتظار الذي هو الرجاء كنا قد جعلنا الرجاء في
مقابلة الخوف والنظارة في مقابلة النسارة فيزدوج الكلام ويستقيم
النظم ويحسن المعنى، وإذا حملنا النظر على الرؤية كما قالوه كنا قد
جعلنا الرؤية في مقابلة الخوف فلم يزدوج الكلام، ودخله بعض بعضٍ
عند الفصحاء، ولهذا عابوا على امرء القيس في قوله:
ولم أتبطر كاعباً ذات خلخال
فإني لم أركب جواداً للذة
لخيلي كرى كرة بعد إحفال
ولم أشرب الزق الروي ولم أقل
(فراغ) الكلام. فقالوا: لو جعل عجز البيت الثاني مع صدر الثاني
لكان أفصح لمشاكلة المعنى وازدواح الكلام.
(1/233)
طريقة أخرى يقال لهم:
ما أنكرتم أن ثم مضافاً محذوفاً تقديره إلى ثواب ربها ناظرة كما هو
سبيل كثير من المتشابه نحو قوله تعالى: {وجاء ربك} وقوله: {فأتاهم
الله من حيث لم يحتسبوا} وأشباه ذلكن وهذا مروي عن أمير المؤمنين
عليه السلام أيضاً، ويمكن مجامعته للأول فتكون رؤيته لشيء من ثواب
الله ومنتظره لشيء آخر.
فإن قيل: إن في الانتظار تبعيضاً، ولهذا قيل: إنه يورث الاصفرار.
وقيل: الانتظار الموت الأحمر.
قلنا: إنما يكون كذلك إذا كان المنتظر سلكاً في حصول ما ينتظره
وغير مستغن عنه بما عنده، فإذا لم يكن كذلك فالأمر بالعكس، ولهذا
قيل المأمول خير من المأكول، وفي السنة العوام رجاه خير من لقاه،
وقد قال تعالى: {ويرجون رحمته} ولا معنى للرجاء إلا الانتظار، ولا
بد للخصوم من مثل ذلك، فإن الرؤية عندهم غير حاصلة في كل حال.
طريقة أخرى، يقال لهم: ما أنكرتم إن إلى واحدة الآلاء كما قال
الشاعر:
يقطع رحماً ولا يخون إلى
أبيض لا يرهب الهزال ولا
أي نعمة، ويكون التقدير نعمة ربها ناظرة.
(1/234)
شبهة: تمسكوا بقوله
تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} ونحو ذلك، فما فيه ذكر الملاقاة،
وهذا تمسك فارغ؛ لأن الملاقاة لو أفادت الرؤية لكان كل إنسان يراه
لقوله تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه}،
فتبين أن كل أحد يلقاه، ثم قسمهم بعد ذلك بقوله تعالى: {فأما من
أوتي كتابه بيمينه..} الآية، وكان يجب أن يراه الكفار لقوله تعالى:
{فأعقبهم /161/ نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه}، وبعد فقد قال
تعالى مخاطباً للجميع واعلموا أنكم ملاقوه، فلو كان اللقاء بمعنى
الرؤية لكان كأنه قال: فاعلموا أنكم من أهل الثواب، وقد وقع
الاتفاق على أن ليس أحد يعلم هل هو من أهل الثواب إلا الأنبياء ومن
أخبروه، وبعد وظاهر الآية متروك اتفاقاً؛ لأن الملاقاة مفاعلة
وأصلها في اللغة تقابل الشيئين وتقاربهما بعد مباعدة، وهو مستحيل
في حقه تعالى، قالوا: إذا قال القائل لغيره إذا لقيت فلاناً فأقرءه
عني السلام علمنا أن معناه إذا رأيته.
قلنا: لم تعلموا ذلك، ولكن ظننتموه لقرينة، وهي أن الملاقاة إنما
تكون في أغلب الأحوال مع الرؤية. يوضحه أنه يصح أن تقول للأعمى إذا
لقيت فلاناً فأقرءه مني السلام، ولا رؤية هنا.
فإن قيل: فما معنى الآية. قلنا: فيها محذوف تقديره ملاقاة حسابه
تعالى وما وعد من ثواب وعقاب، فإن ذلك هو الذي يصح فيه معنى
الملاقاة.
شبهة: تمسكوا بقوله تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون.
(1/235)
والجواب: إن الظاهر
متروك لاقتضائه أن يكون بينهم وبين الله حجاب، وأنه لا يراهم لذلك
الحجاب، والحجاب لا يصح إلا على الأجسام، ولأنه لا بد من تقديم
محذوف فيها وتقديره عندنا عن رحمة ربهم وعندهم عن رؤية ربهم،
وكلامنا أرجح لما تقدم من الأدلة، ولأنه إذا لم يصح أن يكونوا
محجوبين عن ذاته لم يصح ان يكونوا محجوبين عن رؤيته؛ لأن رؤيته
معنى يخلقه الله فيهم، فلا معنى للحجة، والحاصل أن الرؤية إذا كانت
معنى يخلق فيهم فهو إما ان يخلقه الله تعالى فيجب أن يروه ولا
تأثير للحجاب، وإما أن لا يخلقه فلا تصح الرؤية، وإن زال الحجاب،
وبعد فليس في كونهم محجوبين دليل على أن غيرهم لا يحجب، فإن هذا من
الخطابات التي لا مفهوم لها اتفاقاً بين المحققين.
شبهة: تمسكوا بقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قالوا:
الحسنى هي الجنة والزيادة هي الرؤية.
والجواب: إنه لا علقة لهم ظاهرها، وإنما يروون في تفسيرهم جبراً عن
أبي بكر رضي الله عنه، وهو آحادي، وغير صحيح عند جمهور أهل الحديث،
وكيف يصح هذا ونعم الله على المثابين لا ينفك من زيادة بعد زيادة،
فمن أين لهم أن تلك الزيادة هي الرؤية وقد روي عن أمير المؤمنين
عليه السلام: الزيادة غرفة في الجنة من لؤلؤة لها أربعة أبواب، وعن
زيد بن ربيع والكلبي وأبي صالح وعلقمة وابن عباس أن الحسنة بالحسنة
والتسع زيادة في قوله تعالى: {فله عشر أمثالها} وعن يحيى بن ثابت
وابن أبي ليلى: الزيادة انتظارهم لما يزيدهم الله من فضله.
شبهتهم من جهة الأخبار، ما رووه عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد
الله البلخي: (سترون /162/ ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة
البدر لا تضامون فيه(1)).
__________
(1) . لا تظامون: أي لا تشكون فيه.
(1/236)
والجواب: إن هذا
آحادي، والمسألة قطعية، وهو مطعون في سنده، فإن جريراً هذا يروى
أنه كان يبغض علياً عليه السلام ويأمر بأسراره إلى معاوية، ثم كان
من أصحاب معاوية من بعد، وكذلك قيس كان يرى رأي الخوارج، وروي أنه
قال مذ سمعت علياً على منبر الكوفة يقول: أتفروا إلى بقية الأحزاب،
يعني أهل النهروان، دخل بغضه في قلبي، ومن كان يبغض علياً فعدالته
ساقطة ودينه مدخول لقوله عليه السلام لعلي: (لا يحبك إلا مؤمن ولا
يبغضك إلا منافق)، وأيضاً فقد روي أن قيساً خولط في آخر زمانه ونقص
عقله، وكان يروي الأخبار وهو كذلك.
وبعد، فظاهر الخبر يقتضي التشبيه لأنا نرى القمر في جهة ومع مقابله
ونحوها مما لا يحصى تجوز على الله تعالى. وبعد، فمعناه ستعلمون
ربكم، والرؤية بمعنى العلم في اللغة أكثر من أن يحصى، قال تعالى:
{أولم ير الإنسان أنا خلقناه}، وقال: {ألم تر إلى ربك} وقال: {ألم
تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل}، ونحو ذلك من الآيات، ومثله قوله
عليه السلام: (ليس لعين ترى الله يعصى)، فإن المراد العلم؛ لأنه
سواء رأى بعينه أو علم بغيرها، فإنه يجب التغيير أو الانتقال، وهذا
يدل على أن المراد الجملة لا العين؛ لأن العين لا يصح أن تغير ولا
أن تنتقل. قال الشاعر:
وأسكنهم بمكة قاطنينا
رأيت الله إذ سما نزاراً
أي علمت، وقال آخر:
منها إلى الدنيا بذنب واحد
أوَما ترى الرحمن أخرج آدماً
وبعد فهو معارض بما رواه جابر بن عبد الله عنه عليه السلام: (ليس
يرى الله أحد في الدنيا ولا في الآخرة)، وروي أنه عليه السلام سئل
هل نرى ربنا في الآخرة، فانتفض وسقط ولصق بالأرض. وقالت عائشة ـ
رضي الله عنها وقد سئلت هل رأى محمد ربه ـ: لقد قفّ شعري يا هذا
مما قلت. ثلاث، من قالهن فقد أعظم الفرية على الله.. الخبر.
القول في أن الله واحد لا ثاني له
(1/237)
الواحد يستعمل في
معان، فقد يراد به واحد العدد وهذا مستحيل في حقه تعالى، لاقتضائه
التناهي والتحديد، وقد يراد به ما لا يقبل التجزي والانقسام أما من
كل وجه وهذا المعنى جائز في حقه تعالى، ويكون مدحاً بانضمامه إلى
كونه حياً خلافاً لعباد، وأما من بعض الوجوه كالإنسان الواحد
والدار الواحد، فإنه لا يقبل التجزي من حيث الإنسانية الدارية وأن
قبله من جهة أخرى، وهذا المعنى مستحيل في حقه تعالى، وقد يراد به
المختص بصفات الكمال أو بعضها على حد يقل المشارك له كما يقال فلان
وحيد عصره، وقد يراد به واحد القدم والإلهية المستحق للعبادة وهو
المنفرد بصفات الكمال على حد يستحيل أن يشاركه فيها مشارك على
الوجه الذي استحقها عليه وهو المقصود.
فصل
ذهب المسلمون /163/ إلى أن الله تعالى واحد، وخالفت الثنوية
والصائون والنصارى والذام المجبرة، أما الثنوية فاتفقوا على النور
والظلمة، وأن كل خير فهو النور بطبعه، وأن كل شر فهو من الظلمة
بطبعها، وأن كل واحد منهما لا يقدر على خلاف ما يصدر عنه، وأن
العالم ممتزج منهما وأنهما غير متناهين إلا من جهة التلاقي، ثم
اختلفوا فقالت المانوية قديمان قادران عالمان مدركان، وقالت
الديصانية بذلك في النور فقط، فأما الظلمة فعاجزة جاهلة موات،
وقالت المردكية النور يفعل بالقصد والظلمة بالخبط وأثبتت
المرفثونية ـ بالثاء ـ امتزج العالم منه، ومن الظلمة قالوا فلما
رأى النور تعدى الظلمة على هذا المتوسط بعث إلى هذا العالم الممتزج
روحاً، وهو ابنه عيسى ومرقيون هذا لحق بعض أصحاب عيسى عليه السلام،
وأخذ عنه وسمت المجوس النور يزدان والظلمة أهرمن، وقال بعض هؤلاء:
بحدوث أهرمن قيل من عفونه كانت قديمة، وقيل من فكرة يزدان الردية،
وقيل من شكه، وزعموا أن عند حدوث هذا الثاني حصل بينهما حرب، ثم
اصطلحا على شروط ستنقضي ويغلب بردان.
(1/238)
وأما الصابؤون فزعموا
أن للعالم صانعاً واحداً لكنه خلق الأفلاك حية قادرة عالمة وجعلها
إلهه، فعبدوها وعظموها وسموها المليكة وجعلوا بيوت العبادات بعدة
الأفلاك السبعة وزعموا أن بيت الله الحرام هو بيت زحل وأنكروا
الآخرة، وفيهم قائلون بالتناسخ، وزعموا أن لهم أنبياء، وأنهم على
دين شيث.
وأما النصارى اتفقوا على أن الله جوهر واحد ثلاثة أقانيم أقنوم
الأب وهو الذات، وقيل الوجود وهو متقارب؛ لأن الوجود عندهم هو
الذات، وأقنوم الابن وهو الكلمة، وقيل العلم، وأقنوم روح القدس،
وهو الحياة، واتفقوا على أنه لم يزل الأب أباً والابن ابناً، وروح
القدس قابضة بينهما، وأن البنوة لا على جهة التناسل بل هي كتولد
الحر من النار والضياء من الشمس.
ثم اختلفوا في الأقانيم فقيل: هي الجوهر وهو هي وقيل الجوهر واحد
ذو ثلاثة أقانيم، فهي هو وليس هو هي بل غيرها، ثم اختلفوا من وجهٍ،
فقال بعضهم: متفقة في الجوهرية مختلفة في الأقنومية.
وقال آخرون: لا نطلق عليها كونها مختلفة، ثم اختلفوا في تغايرها،
فقال به الأقل ومنعه جمهورهم، ثم اختلفوا في جواز انفراد بعضها عن
بعض واستقلاله، فأجازه الأقل ومنعه جمهورهم، ثم اختلفوا في
تسميتها، فقيل: أشخاص، وقيل: أعراض، وقيل صفات.
واتفقوا على اتحاد الكلمة التي يسمونها اللاهوت بجسد عيسى التي
يسمونه الناسوت. ثم اختلفوا في كيفية اتحاده فقالت /164/
اليعقوبية: مازجه ممازجة الدهن للسمسم، والنار للحطب، فصار المسيح
جوهراً من جوهرين لاهوت وناسوت، وقالت النسطورية: أدزعة وحصل معه
على جهة المحاورة كالشمس على الجدار فالمسيح عندهم جوهران على
الحقيقة، وحكى عنهم السيد في شرح الأصول أنهما اتحدا في المشيئة،
وقالت الملكية(1) اتحدت الكلمة بمعنى الإنسانية المتصورة في الذهن
لا بالشخص، وقالت فرقة منهم: معنى الاتحاد أن الكلمة ظهرت على
الجسد كالصورة في المرآة.
__________
(1) . الملكانية.
(1/239)
وأما ألزام المجبرة
فقد ألزمهم أصحابنا مذهب المجوس وسيأتي إن شاء الله في بيان من
القدرية وألزموهم أيضاً مذهب النصارى حيث أثبتوا قدماء مع الله
تعالى وسموها صفات، فإن هذا مذهب جمهور النصارى في الأقانيم،
حيثوكذلك إذا لم تكن المعاني أغياراً لله كانت هي هو، وذلك هو مذهب
النصارى في الأقانيم أيضاً، وكذلك قولهم: ليست بمستقلة مع القول
بأنها معاني كقول النصارى في الأقانيم، فإن عندهم أنها لا تستقل
بنفسها، ولا يصح انفراد بعضها عن بعض.
وكذلك تسميتهم للمعاني علماً وحياة، وهو مذهب جمهور النصارى في
الأقانيم.
يزيده وضوحاً أنه لم يقل أحد من الناس أن لله ثانياً يشاركه في
جميع الصفات، وإنما يقولون بالمشاركة في كونهما واجبي الوجود
والمجبرة إما أن يجعلوا هذه المعاني جائزة الوجود فيلزم حدوثها؛
لأن هذا هو دليلهم على حدوث العالم، وإما أن يجعلوها واجبة الوجود
من ذاتها، وهو نفس مذهب الثنوية، وأما أن يجعلوها واجبة الوجود من
غيرها، وهو نفس مذهب الفلاسفة في العقول والأفلاك، وقدم العالم،
ومتى قيل أن الثنوية اعتقدوا استحقاق الثاني للعبادة.
قلنا: ليس كذلك، فإن المجوس لا يعبدون أهرمن وكذلك سائر الثنوية لا
يعبدون الظلْمَة، وكذلك الفلاسفة لا يقولون باستحقاق العقول
والأفلاك للعبادة، وإنما عتب عليهم القول بقدمها، على أن المجبرة
متى لم يعترفوا بأن هذه المعاني أعيان لله تعالى لزمهم أن تكون هي
هو، فتكون مستحقة للعبادة. وبعد فلم يذمهم الله على مجرد القول
باستحقاق العبادة، ألا ترى إلى قوله تعالى: {قالوا اتخذ الله ولداً
سبحانه هو الغني} فبين أن هذه المقالة تقتضي جواز الحاجة عليه وهذا
لازم للمجبرة كما سلف.
فصل
(1/240)
ودليل أهل الحق أنه
لو كان معه قديم ثانٍ لصح بينهما التمانع وصحة التمانع محال، فهذان
أصلان، أما الأول وهو أنه كان يصح بينهما التمانع، فلأن اشتراكهما
في القدم /165/ يقتضي اشتراكهما في القادرية وفي سائر صفات الذات،
ومن حق كل قادرين صحة التمانع بينهما، وذلك ضروري في الشاهد، ولا
علة لهذه الصحة إلا كونهما قادرين بدليل أن العلم بها يدور مع
العلم بالقادرية ثبوتاً وانتفاء، مع فقد ما هو أولى من القادرية
بأن تعلق عليه صحة التمانع، والتمانع هو أن يفعل كل واحد من
القادرين ما لأجله يتعذر على الآخر اتحاد مراده كمتجاذبي الحبل،
فإن كل واحد منهما يفعل من الاعتماد ما لأجله يتعذر على الآخر،
تحصيل الجبل في جهته التي يجذبه إليها.
وأما الأصل الثاني وهو أن صحة التمانع محال فلأنا إذا قدرنا أن أحد
القديمين أراد تحريك الجسم يمنة والآخر أراد تحريكه يسرة فإما أن
يوجد مرادهما جميعاً وفيه اجتماع الضدين، وإما أن لا يوجد مراد
واحد منهما وفيه خروجهما عن كونهما قادرين، وإما أن يوجد مراد
أحدهما دون الآخر، وفيه خروج من لم يوجد مراده عن كوه قادراً للذات
من حيث أن القادر للذات وجود مراده عند توفر دواعيه وإلا لم يكن
قادراً للذات، وكان قادراً بقدرة، وكل قادر بقدرة جسم، وكل جسم
محدث، وبعد فجواز المنع على أحدهما يدل على أنه متناهي المقدور
وإلا لما منع من اتحاد مراده عند توفر دواعيه.
فإن قيل: أيهما حكمان فلا يختلفان في الإرادة والداعي. قلنا:
كلامنا في الصحة لا في الوقوع ومعلوم أن كل حين يصح اختلافهما في
الإرادة والداعي والألم ينفصل الحي والواحد من الاثنين، على أنه
يعلم صحة التمانع من لا يعلم اتحاد الإرادة، وتعددها بل يعلمه من
ينفي المعاني، وبعد فقد يقع التمانع مع زوال الإرادة والداعي
كالنائمين يتجاذبان الثوب وكذلك الساهيان، وبعد فلا يمتنع كون كل
واحد من الضدين مصلحة على البدل، فتكون إرادة كل واحد منهما حكمة.
(1/241)
فإن قيل: إرادتهما
معنى واحد يوجد لا في محل، فيوجب لهما فلا يصح تقدير اختلافهما في
الإرادة.
قلنا: باطل لأن هذا المعنى لا يصح أن يكون فعلاً لهما جميعاً
لاستحالة مقدور بين قادرين، ولجواز أن يريد أحدهما فعله ولا يريده
الآخر، فيعود الإلزام من أصله، وإذا كان من فعل أحدهما استحال أن
يؤثر في فعل الآخر، ولهذا لو خلق الله فينا إرادة الأكل مع توفر
الصوارف عنه بأن يكون مسموماً لما أكلناه أو خلق فينا إرادة تركه
مع توفر الدواعي إليه لما تركناه، ومن هنا قال اصحابنا: إن الإرادة
لو خلقت فينا لما أثرت في كون كلامنا أمراً وخبراً.
فإن قيل: لم قام تقدير اختلافهما في الداعي والإرادة مقام الوقوع
في الدلالة على صحة التمانع ولم يقم تقدير وقوع الظلم من جهة الله
تعالى مقام وقوعه في الدلالة على الجهل والحاجة.
قلنا: الحق أنه لا يصح تقدير وقوع الظلم من الله تعالى /166/
والحاجة مستحيلان عليه تعالى وتقدير وقوع الظلم يتبعه صحة وقوع
الجهل والحاجة، وما أدى تقديره إلى تقدير المحال لم يصح تقديره.
والضبط في مثل هذا أن تقدير الموجب المصحح وهو وقوع الظلم مع إحالة
المصحح له وهو الجهل والحاجة لا يجوز، ولولا هذا لصح تقدير ثبوت
المعلول مع إحالة العلة ولجاز صحة الفعل مع إحالة القادرية، وهذا
يؤدي إلى كل جهالة.
فإن قيل: إذا استوت الصحة والوقوع في الدلالة على التمانع فهلا
اعتبرتم الوقوع لمساواته للصحة فلا يلزم التمانع.
قلنا: إن باعتبار الصحة يحصل غرضنا من نفي الثاني وفي اعتبار
الوقوع إقرار بثبوت الثاني، فكيف يكون قصدنا نفي الثاني ونورد
الدليل على وجه يقتضي ثبوت الثاني.
فإن قيل: إن مقدورهما واحد لأنهما قادران للذات فلا يصح التمانع
بينهما.
(1/242)
قلنا: إن حكم القادر
للذات أن يقدر على جميع أجناس المقدورات لا على جميع أعيانها، فمن
أين يجب أن يتحد مقدورهما أليس الباري تعالى قادراً لذاته ولا يجب
أن يكون قادراً على أعيان مقدورات العباد. وبعد فقد قال تعالى:
{إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} فبين أنه يكون
مخلوق أحدهما غير مخلوق الآخر.
ثم إن سلمنا أن مقدورهما واحد لم يقدح في صحة التمانع؛ لأن الحركة
يمنة والحركة يسرة ضدان فتعلقهما بكل واحد من القادرين على البدل
فمتى أراد أحدهما التحريك يمنة بدلاً من التحريك يسرة وجب أن يوجد
مراده، وكذلك إذا أراد الآخر التحريك يسرة بدلاً من التحريك يمنة
فهذا تحرير دلالة التمانع من جهة العقل.
وأما من جهة السمع فقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله
لفسدتا}، وقوله: {إذاً لذهب كل إله بما خلق..} الآية، ونحو ذلك.
دليل لو كان مع الله تعالى قديم ثان لما انفصل وجود ذلك الثاني من
عدمه؛ لأن باشتراكهما في القدم يجب اشتراكهما في جميع صفات الذات،
فلا ينفصل أحدهما عن الآخر بما يرجع إلى ذاته ولا هما مما يصح عليه
المكان فينفصلان بالمكان ولا مما يصح عليه الحدوث، فينفصلان
بالزمان.
فإن قيل: ينفصلان بالأفعال فتدل أفعال كل واحد منهما عليه.قلنا:
أما من يوجب كون مقدورهما واحد فلا يتوجه هذا إليه، وأما من لا
يوجبه فنقول: قد أمكن إضافة جميع ما يتعذر على المحدثات إلى خالق
واحد، فلا يكون إلى إثبات الثاني طريق.
فصل في الكلام على الثنوية في النور والظلمة
يقال: إن النور والظلمة جمسان عند كثير من الناس، وعرضان عند
آخرين، والأجسام والأعراض محدثة. وبعد فلو كانا قديمين لم يكن
أحدهما ثان، يكون نوراً والثاني ظلمة، أولى من عكسه، ومن أن لا
/167/ يكونا نورين جميعاً، ولا كان أحدهما بأن يكون فاعلاً للخير
أولى من الشر، وكذلك في المدح وألزم لا سيما وهما قادران للذات.
(1/243)
ويقال للديصانية: إذا
كانا قديمين فلم كان النور قادراً عالماً دون الظلمة، وهلا كان
بالعكس وكيف يصح الفعل من غير حي ولا قادر. ويقال للمرقيونية في
إثبات الثالث: لِم كان بأن يمنزج أولى من أحدهما أو من يكون
ممزوحاً، وهل وقع الامتزاج على جهة الوجوب فكان يجب حصوله لم يزل
ولا يحتاج إلى مازج أو على جهة الاختيار، فليس من مذهب الخصم، ولو
قال به لقيل له فهلا صح من الإله الواحد أن يفعل الخير والشر
باختياره ولا حاجة إلى إثبات ثان وثالث. على أنه يكون قد صدر الخير
والشر من غيرهما وهو الثالث.
ويقال للمجوس في حدوث اهرمن: أما القول بانه من عفونه فباطل؛ لأن
العفونة جسم، وكل جسم محدث، ولأن الجسم لا يتولد من الجسم، ولأن
العفونة من القاذورات، ومما يعدونه شرطاً، فهلا كان الشرور كلها
قديمة ولا يحتاج إلى إثبات ثان يخلقها أو كانت هذه العفونة محدثة
فيجب تقدم اهرمن عليها فيكون محدثاً لها، ولأنه كان يجب أن يتولد
من كل عفونة أهرمن ولأنه إذا كان أهرمن محدثاً فكيف يكون إلهاً دون
غيره من المحدثات، وكيف صح منه فعل الأجسام.
وأما القول بأنه حدث من فكرة الله تعالى أو من شكه فباطل لأن
الفكرة والشك إنما يجوزان على من يجهل، ولأنه كان يجب في كل فكرة
وشك مثله لأن الفكر يتماثل إذا اتحد متعلقه ولأنه إذا حدث من فكرة
يزدان لزم كون يزدان محدثاً للشرور، ولأن هذه الفكرة الردية من
قبيل الشرور وفي ذلك حصول الشر من غير أهرمن.
فصل في شبهة الثنوية
زعموا أن كل ما تنفر عنه النفووس من الآلام والقاذورات والحيوانات
قبيح، وكلما تستلذه النفوس حسن والفاعل الواحد لا يفعل الخير
والشر.
(1/244)
والجواب: لا نسلم أن
كل ما تنفر عنه النفوس قبيح، دليله تحمل المشاق في الأسفار والفصد
والحجامة وبالجملة جميع ما كلفناه من المحسنات لا بد فيه من
النفرة، وكذلك جميع ما كلفنا تركه لا بد فيه من لذة، وبعد فأفعال
الباري تعالى كلها حكمة ولا عبرة بالمرئي والمنظر ولا باللذة
وعدمها، وبعد فلا نسلم أن الفاعل الواحد لا يفعل الخير والشر بل
يجب في من قدر على الشي أن يقدر على جنس ضده إذا كان له ضد، وقد
يفعل الضدين دفعة واحدة، كما إذا قتل بيمينه وأنقذ الغريق بيساره،
ويقال لهم: قد وجدنا النور يتعذر معه على أحدنا أن يختفي من عدوه،
وهذا شر، والظلمة يتمكن معها من الاختفاء وهو خير ووجدنا إدامة
النظر إلى النور يضر بالنضر وهذا شر وإدامة النظر إلى الخضرة /168/
يزيد فيه، وهذا خير ووجدنا أحدنا يسيء ويحسن ويصدق ويكذب ويعلم
ويجهل ويفعل القبيح ويتوب ونحو ذلك، وهو فاعل واحد. ومتى ومتى
قالوا أنهما أجبراه على ذلك. قلنا: ولم كانا بأن يجبرا بعض الناس
أولى من البعض الآخر، وفي بعض الأوقات أولى من بعض.
فصل في الكلام على الصابئين
اعلم أن كلامهم وكلام الباطنية في السابق والتالي وكلام المنجمين
وكلام الفلاسفة في العقول والأفلاك متقارب؛ لأن كلهم فلاسفة، وإن
اختلفت عباراتهم وتفاصيلهم، وكلهم متفقون على أن للكواكب تأثير،
لكن اختص الصابئون بعبادتها فكل ما تقدم على الفلاسفة والباطنية
وارد هنا من أن الأفلاك مسخرة غير حية، ولا قادرة وأن الطبع غير
معقول وأنه لا طريق إلى العقول، وأن كل ما سوى الله محدث.
فصل في الكلام على النصارى
أما قولهم بأنه أحد ثلاثة فهو من أظهر الأقوال تناقضاً وإحالة لأن
كون الشيء واحداً يمنع من تعدده وكونه متعدداً يمنع من اتحاده،
ولهذا قال بعض الشعراء:
النصارى يعرفون الحساب
قل للذي يحسب من جهله أن
ثلاثة وهو خلاف الصواب
لو صح ذا ما جعلوا واحداً
(1/245)
ولعلهم أرادوا ما
يقوله أهل الجبر من أنه ذات تختص بمعان هي الكلمة والعلم والحياة
لكن اختصوا بإطلاق لفظ التثليث والأبوة ونحوه، وأما قولهم بالاتحاد
فيبطله على سبيل الجملة من وجوه منها أنهما إما أن يتحدا على سبيل
الوجوب، فيلزم قدم المسيح أو كونه إلهاً حالة العدم او على جهة
الجواز فيحتاج إلى فاعل أو علة، واحتياجه إلى ذلك باطل؛ لأنه لا
يصح أن يكون شيء من صفات الباري بالفاعل لأن في ذلك حدوثه، وأما
العلة فهي إن كانت قديمة لزم الاتحاد، لم يزل وإن كانت محدثة لم
يحل، إما أن يكون حاله فيلزم كون القديم مجلاً للحوادث أو غير
حالة، فلا يكون لها اختصاص بأقنوم الابن دون سائر الأقانيم؛ لأن
الكل قديم. وبعد فعندهم أن الناسوت محدث واللاهوت قديم، فهل صار
المحدث بالاتحاد قديماً أو صار القديم محدثاً أو كل واحد منهما باق
على حقيقته، والأول والثاني باطلان بالاتفاق والثالث يبطل معنى
الاتحاد، وبعد فالكلمة التي اتحدت بالابن إما أن تفارق الأب فيلزم
جواز البعض عليه أو لا يفارقه فيلزم قيام صفة بموصوفين، وبعد
فالاتحاد إما أن يكون صفة كمال فيلزم حصوله لم يزل وفيه قدم
الناسوت أولا بكون صفة كمال فيمتنع ثبوته. وبعد فكيف اختص أقنوم
الابن دون أقنوب الأب وروح القدس بأن اتخذث بالناسوت مع أن بعض
الأقانيم لا تنفصل عن بعض. وبعد فعندهم أن المسيح /169/ صلب، وقيل:
فإن كان المصلوب هو اللاهوت فكيف يصح الموت عليه، وإن كان المصلوب
هو الناسوت فكيف يصلب مصاحب الإله ومجاوره، وكيف يصح في من قهر أن
يكون إلهاً، ولقد أحسن القائل:
وإلى أي والد نسبوه
عجباً للمسيح بين النصارى
عليه فأين كان أبوه
إن حكمنا بصحة الصلب والقتل
فاحمدوهم لأجل ما فعلوه
ولئن كان راضياً بأذاهم
فاعبدوه لأنهم غلبوه
ولئن كان ساخطاً لأذاهم
(1/246)
والكلام عليهم على
جهة التفصيل هو ان يقال إن أردتم بالاتحاد أن ذاتهما صارت واحدة
فهو مستحيل؛ لأن فيه انقلاب المحدث قديماً أو القديم محدثاً أو
خروج الموصوف عن صفة ذاته أو حصوله على صفتين للنفس أكثر من صفة
للنفس. على أنهم يجعلون الإيجاد بالفاعل ولا اختيار لفاعل في أن
يجعل الشيئين شيئاً واحداً، وإن أرادوا بالاتحاد الامتزاج أو
الادراع فباطل؛ لأن ذلك إنما يعقل في الأجسام، ولأن محاورة الشيئين
لا يصيرهما شيئاً واحداً، ومتى سماه أهل اللغة بذلك فهو لأنهم
اعتقدوا صحته والتسمية تتبع اعتقاداتهم، فهم مصيبون في التسمية
مخطئون في الاعتقاد كتسميتهم الأصنام آلهة لاعتقادهم أنها تستحق
العبادة. وإن أرادوا بالاتحاد في المشيئة فإما أن يعنوا بذلك أن
إرادتهما واحدة أو أن مرادهما واحد والأول باطل لأن إرادة الباري
لا تختص بالأجسام، وإن اختصت فهي مع جميع الأجسام على سواء، فلا
يكون للمسيح مزية في ذلك، وكذلك إرادة المسيح مع الباري تعالى ومع
سائر الأحياء على سواء، فليس بأن يوجب له أولى من غيره، ولأنه لو
جاز أن يتحدا في المشيئة لجاز أن يتحدا في العلم وغير ذلك من
الصفات، ولأن الإرادة إما أن توجب صفة واحدة فلا يصح اختصاصه
بموصوفين فيبطل الاتحاد أو توجب صفتين وهو محال وإلا وجب أن توجب
ما لا يتناهى من الصفات لفقد الحاضر والثاني باطل؛ لأن الباري
تعالى قد يريد ما لا يريده المسيح ولا يخطر له على بال، وكذلك يريد
المسيح ما لا يريده الله من المباحات والمكروهات والصغائر، ولأنه
كان يلزم إذا أردنا ما أراده الباري تعالى أن يكون قد اتحد بنا
وبالجملة، فكل حيَّيْن يصح أن يختلفا في الإرادة.
فصل في شبهة النصارى
تعلقوا من جهة العقل بظهور المعجز عليه من الإبراء والإحياء ونحو
ذلك، قالوا: ومثل هذه الأشياء لا يفعله إلا الإله.
(1/247)
والجواب: أنه ما من
نبي إلا قد ظهر عليه من المعجزات ما لا يفعله إلا الله تعالى، أو
يكون في الحكم كأنه من فعله، ونحن نسلم أن الفاعل للأحياء والأبراء
إله، وهو الله تعالى فعله به معجزة /170/ لعيسى، فلا تبقى شبهة
تقتضي كون المسيح إلهاً وأما كونه من غير أب فآدم عليه السلام
كذلك، وكثير من الحيوانات يوجده الله لا على جهة التناسل وبعضها
شيء من غير أب.
ومن جهة السمع، تعلقوا بقوله تعالى: {وكلمته ألقاها إلى مريم وروح
منه}.
والجواب: أن العرب تسمي الرسول كلمة ولساناً يقال هذا لسان فلان
وكلمته أي المبلغ عنه، وقيل: معناه ألقا إليها قوله كن فكان.
وبعد فالكلام عرض محدث بعدم في الوقت الثاني وأما قوله تعالى:
{وروح منه}، فالروح عندنا هو النفس، وهو أجسام رقيقة بإرادة وهو من
فعل الله تعالى.
يوضحه قوله تعالى: {ونفخنا فيه من روحنا}، ونحوها، والنفخ إنما
يكون في الأجسام، ووكذلك يوصف الروح بأنه يقبض ويرسل، وذلك يدل على
أنه جسم ويجوز ان يكون الله تعالى سماه روحاً لأنه هدى به إلى
الحق، وقد سمى الهداية روحاً في قوله: {أولئك كتب في قلوبهم
الإيمان وأيدهم بروح منه} أي هداية، ويجوز أن يريد بالروح هنا
الوحي كما قال تعالى: {يلقي الروح من أمره على من يشاء}، ويجوز أن
يريد بالروح الرسول كما قال تعالى: {نزله روح القدس}، وتعلقوا
بجزازيف(1) يسندوها إلى الكتب المنزلة.
قالوا: قال عيسى في الإنجيل: أنا وأبي واحد، ومن رآني فقد رأى أبي.
وقال: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، وقال: أنا وأبي واحد، فمن أطاعني
فقد أطاعه.
__________
(1) . أي كذوبات.
(1/248)
والجواب: إن في هذه
الألفاظ من الركة والسماحة ما يشهد بكونها كذباً وافتراء على الله،
ولنا في إبطالها طريقان: أحدهما أن أهل الكتب قد بدلوا وغيروا كما
حكى الله عنهم، وبطل التواتر في نقلهم، والثانية: أن هذه الألفاظ
عربية وكتبهم أعجمية وهم فسروها على فاسد أصولهم، ولسنا نقبل
تفسيرهم؛ لأنهم عندنا غير مصدقين، ومن الجائز أن يكون هناك قرائن
تشعر بالمراد، وأن هذا كغيره من المتشابه وكتابنا العزيز مشحون
بإبطال مذهب النصارى.
الكلام في العدل
العدل في اللغة: مصدر عدل، ويستعمل في الفاعل مبالغة إذا أكثر من
فعل العدل، فيقال: رجل عدل، كما يقال صوم ورضى، ومنه أنه عمل غير
صالح.
وفي اصطلاح الفقهاء: من كان ظاهره السلامة في فعل الطاعات واجتناب
المقبحات.
وفي اصطلاح المتكلمين فقد يراد به الفعل، وقد يراد به الفاعل، وقد
يراد به هذا العلم المخصوص الذي باين به أهل الحق من سواهم، فإذا
أريد به الفعل فهو عند قاضي القضاة /171/ كل فعل حسن يفعله الفاعل
لينفع به الغير أو ليضره وهذا بناء على أصله في أن ابتداء خلق
العالم عدل، وأن العدل لا يكون مقصوراً على الحقوق وهو منتقض بترك
الظلم، فإنه عدل، وليس بفعل، وعند الجمهور هو إنصاف الغير بفعل ما
يجب له أو يستحق عليه، وبترك ما لا يستحق عليه مع القدرة واحترزوا
بقولهم مع القدرة من الضعيف إذا ترك ظلم السلطان، فإن ذلك لا يسمى
عدلاً، وأرادوا بقولهم مع القدرة أي مع الاختيار، وكون القادر غير
ملجأ إلى الترك، ولم يريدوا بقولهم مع القدرة أي مع كونه قادراً؛
لأن من ليس بقادر قد خرج عن الحد بذكرا لترك؛ لأن من لا يقدر على
الشيء لا يسمى تاركاً له، وإن استعمل في الفاعل فهو الذي لا يفعل
القبيح، ولا يخل بالواجب مع العلم والاختيار.
(1/249)
قلنا: مع العلم
والاختيار احترازاً من غير المكلفين والساهي والنائم، فإنهم وإن لم
يفعلوا القبيح ولا أخلوا بالواجب إذ لا واجب عليهم، فليسوا عدولاً،
لفقد العلم، وكذلك الممنوع من فعل القبيح، والإخلال بالواجب لا
يكون عدلاً لفقد الاختيار، وهذا أحسن من قولهم في الحد وأفعاله
كلها حسنة؛ لأن ذلك يبطل فائدة قولهم لا يفعل القبيح، وهي أم
المسائل.
فصل
مر في هذه الجملة ذكرا لفعل والواجب والحسن والقبيح فاقتضى ذلك
بيان معاني هذه الألفاظ فالفعل هو ما وجد من جهة من كان قادراً
عليه، وقلنا كان لأن حال وجوده يخرج عن تعلقه بالقادر، بل في
الأفعال ما يجوز وجوده حال عجز فاعله أو موته كالمسببات المتراجية،
وتنقسم إلى قبيح وحسن، ولا قبيح ولا حسن، فالذي ليس بقبيح ولا حسن
هو ما ليس له صفة زائدة على كونه فعلاً كانخفاض الرمل عند السير
وانتثار التراب عند الجلد ونحو ذلك من الأفعال اليسيرة.
والقبيح: هو ما إذا فعله القادر عليه استحق الذم على بعض الوجوه لا
في حالة عارضة. قلنا على بعض الوجوه ليدخل الصغائر والقبائح
الواقعة من الساهي والنائم عند غير أبي هاشم، فإنه يشترط في القبيح
القصد ولتدخل القبائح الواقعة من الصبيان وسائر من لا عقل له عند
غير أبي الحسين فإنه يشترط في القبيح العلم أو التمكن منه، وكذلك
القبائح الواقعة من الملجأ والمكره عند من يقول بقبحها، فإن كل هذه
قبائح، ولا يستحق الذم عليها إلاَّ على بعض الوجوه، وقلنا إلا في
حالة عارضة احترازاً من تناول الميتة وشرب الخمر عند الاضطرار
المفرط، فإنه واجب، ومع ذلك فإنه يستحق الذم عليه على بعض الوجوه
إلا أن الخمر حالة وجوده حالة عارضة، وأصله القبح لدخوله في حقيقة
القبيح ولا يخرج من الحد ما استحق الذم عليه على كل الوجوه؛ لأنه
قد استحق على بعض الوجوه وزيادة.
(1/250)
/172/ والحسن: هو ما
إذا فعله المتمكن من العلم بصفته لم يستحق الذم بوجه. قلنا:
المتمكن مع العلم بصفة لتخرج أفعال غير المكلفين وأفعال الساهي
والنائم، فإنها لا توصف بالحسن وإن وصفت بالقبح والفرق أن القبيح
يقبح لوقوعه على وجه، فمتى وقع عليه قبح من أي فاعل كان والحسن
إنما يحسن لحصول غرض فيه وتعريه عن سائر وجوه القبح، هذا ما يقوله
الجمهور، فأما الشيخان فعندهما أن الحسن أيضاً إنما يحسن لوقوعه
على وجه من كونه جلب نفع أو دفع ضرر، إما للنفس أو للغير. واعترضه
الجمهور بأنه يلزم حسن الكذب الذي فيه جلب نفع أو دفع ضرر.
ويمكن الجواب بأنهما يشترطان تعرية عن وجوه القبح كما يشترطان في
قبح القبيح صدوره عن قصد.
فصل
وينقسم الحسن إلى واجب ومندوب أو ما في حكمه، ومكروه ومباح.
فالواجب في اللغة: هو التساقط، ومنه فإذا وجبت جنوبها وهو الثالث
أيضاً.
وفي الاصطلاح: هو ما إذا لم يفعله القادر عليه استحق الذم على بعض
الوجوه، ويدخل في ذلك ما يكون استحقاق الذم على الإخلال به عارضاً.
قلنا: على بعض الوجوه لتدخل الواجبات المخيرة وفرض الكفاية،
والواجب الموسع والمضيق الذي تركه صغيرة، فإنه إنما يستحق الذم على
الإخلال بهذه على بعض الوجوه، ولا ينتقض بما يستحق الذم بالإخلال
به على كل الوجوه لعدم التنافي. قلنا: ويدخل في ذلك ما يستحق الذم
على الإخلال به في حالة عارضة أردنا به بعض المخطورات والمباحات،
فإنه يجب عند الاضطرار ويستحق الذم بتركه، إلا أن هذه الحالة عارضة
وهو غير واجب في ما عداها، وإن كان قد استحق الذم على الإخلال به
على بعض الوجوه لما كان وجوبه عارضاً والأصل خلافه، وينقسم إلى
عقلي كقضاء الدين ودفع الضرر عن النفس ونحو ذلك، وشرعي كالصلاة
والنية ونحو ذلك.
وينقسم إلى: مخير، وهو الواجب الذي يقوم مخالفه في الصورة مقامه
كرد الوديعة بالنفس وبالغلام وكالكفارات الثلاث.
(1/251)
ومعين، وهو ما لا
يقوم مخالفه في الصورة مقامه كمعرفة الله تعالى وكالصلاة.
وينقسم إلى: موسع، وهو: ما يجوز تأخيره عن أول أوقات وجوبه، كقضاء
الدين قبل المطالبة والصلاة في أول الوقت.
ومضيق، وهو الذي لا يجوز تأخيره كقضاء الدين بعد المطالبة والصلاة
في آخر الوقت.
والمندوب، هو ما كلفنا فعله ولم نذم على تركه بحال. وقلنا: بحال
احترازاً من الواجب المخير، وفروض الكفايات وسائر ما احترزنا منه
في حقيقة الواجب، فإنا كلفنا فعله ولم نذم بتركه في بعض الأحوال
لكنا نذم في بعضها بخلاف المندوب، فإنا لا نذم بتركه أصلاً /173/
وأما ذم الفقهاء لتارك النوافل أجمع، فليس بذم على الحقيقة وإنما
هو استنقاص له من حيث يستدل على استهانته بالخير وقصور همته.
والذي في حكم المندوب هو التفضل الصادر من جهة الله تعالى، فإنه لا
يوصف بشيء من هذه الأوصاف مع أنه حسن.
والمكروه ما كلفنا تركه ولم نذم على فعله بحال. وقلنا: احترازاً من
الصغائر وسائر ما تقدم ذكره في حقيقة القبيح، فإنا كلفنا تركه ولم
نذم على فعله في بعض الأحوال لكنا نذم في بعضها بخلاف المكروه،
فإنا لا نذم عليه أصلاً.
والمباح: هو ما لم نكلف بفعله ولا بتركه مع حسنه، وقلنا: مع حسنه
احترازاً من الفعل اليسير فإنه ليس بحسن.
فصل في الوجه الذي لأجله وجب الواجب وقبح القبيح وحسن الحسن
اعلم أولاً أن العلم بالقبح فرع على العلم بوجه القبح جملة أو
تفصيلاً فلا يعلم وجه قبح الظلم مثلاً إلا من علم كونه ظلماً؛ لأنه
هو الوجه في قبحه وسواء علم التفصيل وهو أن كونه ظلماً هو الوجه في
القبح أو لم يعلم أنه الوجه لكنه قد علمه.
(1/252)
إذا ثبت هذا فقد عرفت
انقسام الأفعال إلى عقلي وشرعي، فأما العقليات فتجب لوجوه يقع
عليها من نحو كونها قضاء دين أو رد وديعة أو شكر منعم أو دفع ضرر
ويقبح لوجوه يقع عليها من نحو كونها ظلماً وعبثاً وجلب ضرر ومفسدة
ونحو ذلك، وتحسن لحصول غرضٍ فيها وتعريها عن سائر وجوه القبح بحسب
الخلاف المتقدم.
وأما الشرعيات فيحسن عند غير أبي علي لكونها مصالح وإلطافاً في
العقليات العمليات احترازاً من نحو المعرفة، فما كان لطفاً في واجب
فهو واجب كالفرائض وما كان لطفاً في مندوب فهو مندوب كالنوافل بحسب
خلاف في النوافل سيأتي في باب التكليف ويقبح عند غير أبي علي
لكونها مفاسد في العقليات العمليات. وقال أبو علي: يجب لمنعها من
القبيح، ويقبح لمنعها من الواجب.
(1/253)
واعلم أن معنى كون
هذه المحسنات والمقبحات شرعية أنا علمنا حسنها وقبحها بالشرع، وليس
المراد أن الشرع جعلها حسنة أو قبيحة، فإن ذلك عندنا غير واقف على
اختيار مختار لولا هذا لما حسن التكليف. ومن هنا قال أصحابنا إن
العلم بأصول المحسنات والمقبحات ضروري أرادوا بذلك أنا نعلم
بالضرورة قبح كل مفسدة في الدين وحسن كل مصلحة فيه في الدين على
الجملة، فإذا كان في الأفعال ما هو مصلحة وفيها ما هو مفسدة ولم
تقف عقولنا على العلم بذلك وقد علمنا بدليل العقل أن الله لا يأمر
إلا بالمصلحة ولا ينهى إلا عن المفسدة، فمتى عرفنا ذلك بالشرع
ألحقناه بالجملة المقررة ولم يكن من جهة /174/ الشرع إلا التعريف
فقط كما نعلم بالضرورة وجوب دفع الضرر عن النفس، فمتى عرفنا الطبيب
أن في بعض المأكولات ضرراً وجب علينا اجتنابه، ولم يكن منه إلا
التعريف، وبمثل هذا نجيب على البراهمة حيث قالوا: إن جاء الأنبياء
بما يوافق العقل ففي العقل عنهم غنية وإن جاءوا بما يخالفه وجب
رده، فقلنا: جاء الأنبياء بتعريف المصالح والمفاسد التي لم يفق
العقل على معرفتها، وقد تقرر في العقل حسن المصالح وقبح المفاسد
وهذا واضح كما ترى، ولا نلتفت إلى ما يشنع به أهل الزيع من قولهم
أن المعتزلة تزعم أنه يعرف بالعقل وجوب الصلاة فإن المعتزلة إنما
قالوا يعلم بالعقل حسن حسَن كل مصلحة وقبح كل مفسدة، فإما أن
الصلاة مصلحة والخمر مفسدة فلا يعلم بالعقل.
فصل
وذهب البغداديون من شيوخنا إلى أن القبيح يقبح لعينه، وقال ابن
الأحشد: يقبح القبيح للإرادة. وقالت الأشعرية: إنما يحسن الفعل
ويجب للأمر، ويقبح للنهي. وقالت الجهمية: لكوننا مملوكين مربوبين.
وقالت الفلاسفة وبعض أهل الجبر: لا قبيح ولا حسن إلا من جهة
الاستخلاء والنفرة.
(1/254)
لنا أن العلم بالوجوب
وبالقبيح بدور مع العلم بالوجوه التي تقع عليها الأفعال العقلية
ثبوتاً وانتفاء مع زوال ما هو أولى من ذلك، وكذلك العلم بالحسن
يدور مع العلم بحصول الغرض وزوال وجوه القبح، وسيتضح عن قريب ويبطل
قول البغداديين أنا وجدنا كثيراً من الأفعال يقبح في حالة دون حالة
ولو قبح لعينه لقبح في كل حال؛ لأنه عين واحدة كالسجدة تحسن إذا
كانت لله وتقبح إذا كانت للشيطان، وكذلك الخبر بأن زيداً في الدار
يحسن إذا كان فيها ويقبح إذا لم يكن فيها، وهو خبر واحد.
شبهتهم: أن الجهل لا يقع غير جهل.
والجواب: لا نسلمه بل يجوز أن يقع غير جهل، فإنه لو اعتقد أن زيداً
في الدار وليس فهيا كان جهلاً ولو اعتقد هذا الاعتقاد بعينه وهو
فيها مع سكون النفس لكان علماً، وكذلك لو بقي الاعتقاد حتى نشاهده
فيها فإنه يصير علماً.
ومن هنا قال أصحابنا أن العلم من جنس الجهل. وبعد فلو سلمنا أن
الجهل لا يصير غير جهل لما سلمنا في سائر القبائح، ويبطل قول ابن
الأخشيد أنه يعلم القبيح من لا يعلم الإرادة بل من لا يثبتها. وبعد
فالإرادة مما يقبح ويحسن، فكان يجب أن يحتاج إلى أداة، وبعد فما
ذكره دور لأن الإرادة إنما تقبح لقبح المراد، فكيف يقبح المراد
لقبح الإرادة.
شبهته: إن الكذب إنما يكون كذباً بإرادة الإخبار عن الشيء لا على
ما هو به.
(1/255)
والجواب: أنا لا
نسلمه بل يكون الخبر كذباً إذا لم يطابق سواء أراد أم لا، بل يكون
كاذباً وإن اعتقد المطابقة /175/ وأراد الإخبار عنها، وبعد فلو
سلمنا ذلك في الكذب لما سلمناه في غير الكذب من القبائح. ويبطل قول
أهل الاستحلاء ما نعلمه من قبح الظلم والكذب والعبث وإن استحلته
النفوس ووجوب رد الوديعة وقضاء الدين ودفع الضرر بالقصد ونحوه، وإن
نفرت عنه النفوس وما نعلمه من حسن تحمل المشاق في الأسفار مع
النفرة، ويبطل قول أهل الجبر أنه يعلم هذا الوجوب والقبح من لا
يعلم أنا مأمورون ومنهيون أو مملوكون مربوبون كالملحدة والبراهمة
والجاهلية والعلم بالقبح فرع على العلم بوجه القبح جملة أو
تفصيلاً، وبعد فلو قبح فعل منا لأنا مملوكون مربوبون لوجب أن لا
يحسن منا فعل قط لاستمرار علة القبح، وبعد فيلزم أن لا يجب علينا
معرفة النبوة بل لا يمكن لأنه إنما يجب علينا معرفتها إذا علمنا
أنا مأمورون منهيون ومملوكون مربوبون، ونحن لا نعلم أنا مأمورون
إلا بعد العلم بالنبوة وهو محض الدور وإذا لم يمكن العلم بالنبوة
لم يمكن العلم بوجوب واجب قط، وبعد فكان يلزم لو أمرنا الله بالظلم
والكذب وسب نفسه وقتل من أحسن إلينا أن يحب ذلك ولو نهى عن عبادته
وعن العدل والصدق وحسن الأخلاق أن يقبح وفي التزام هذا من الشناعة
ما لا يخفى، وبعد فيلزم أن لا يوصف فعل الله بحسن ولا قبح لفقد
الأمر والنهي، وبعد فيلزم في من أرتد أن ينتفي عنه العلم بقبح
الظلم والكذب ووجوب قضاء الدين ورد الوديعة كما انتفى عنه العلم
بقبح شرب الخمر ووجوب الصلاة، وبعد فلو أثر أمره تعالى ونهيه في
القبح لأثر أمرنا ونهينا لأن صيغ الأمر والنهي تتماثل، فإن قالوا:
الفرق أن الخالق يحب طاعته، قيل لهم: بالعقل علمتم وجوب طاعة
الخالق فقد أبطلتم مذهبكم في أن العقل لا يقضي بوجوب أم بالأمر
فيعود الإلزام لأنكم إنما توزعتم في الفرق بين أمره وبين أمر عباده
فما لم يجعلوا الفرق عقلياً
(1/256)
فالإلزام باق ولا
يتقلب علينا هذا؛ لأنا نجعل أمره تعالى دليلاً على الوجوب لا
مؤثراً فيه، وصح ذلك في أمره دن أمرنا؛ لأنه تعالى حكيم لا يأمر
إلا بحسن، فلذلك لم يدل أمرنا على الوجوب ولا نهينا على القبح،
وأما نهي صاحب الدار عن دخولها فهو إنما يكشف عن عدم الرضى والدخول
مع عدم الرضى ظلم، فلذلك قبح الدخول لا لأجل النهي.
شبهتهم أنه يقبح من الله تعالى فعل الظن ولا يقبح منا.
والجواب: لم تكن العلة في قبحه منه تعالى هي أنه ظن حتى يقبح منا
لذلك بل قبح منه لأنه يكون عبثاً لا فائدة فيه من حيث لا حكم للظن
أي لا يقتضي حسن فعل ولا وجوبه إلا إذا صدر عن إمارة ينظر فيها
فاعل الظن والنظر /176/ في الإمارة يستحيل عليه تعالى.
شبهةقالوا: أليس يحسن منه تعالى تكليف من المعلوم من حاله أنه لا
يؤمن ويقبح من أ؛دنا طلب هذا التكليف إذا علم من نفسه أنه لا يؤمن.
والجواب: أول ما في هذا أنهما أمران متغائران، فالذي حسن منه تعالى
هو التكليف والذي قبح من أحدنا هو طلبه والتكليف غير طلبه، وبعد
فإنما قبح من أحدنا هذا الطلب لأنه يستجلب به الضرر على نفسه.
شبهة: قالوا: الإماتة بالإحراق والغرق وإهلاك الأموال يحسن منه
تعالى ويقبح من المخلوقين.
والجواب: أنه يحسن منه تعالى لعلة مفقودة فينا، وهو علمه بأن فيه
مصلحة واعتباراً مع كونه تعالى يضمن في مقابلته من الأعواض ما لو
خير المؤلم لاختاره، وبهذين الوجهين يخرج عن كونه ظلماً وعبثاً
بخلاف ما إذا صدر من احدنا.
فصل
(1/257)
عندنا أنه يعلم
بالعقل وجوب كثير من الواجبات كقضاء الدين ورد الوديعة ونحوه وقبح
كثير من المقبحات وحسن كثير من المحسنات، وقال أهل الجبر: لا نعلم
شيئاً من ذلك إلاَّ بالشرع وبنوا ذلك على ما أصله الفلاسفة من أن
هذه القضايا تسمى المشهورات أي لا عمدة لها إلا الشهرة التي لا
تفيد إلا الظن الضعيف، فإنا إنما نحكم بها لأحد الأسباب الخمسة
المتقدم ذكرها، وأن الإنسان لو خلى وعقله المجرد لما قضى بها، ونحن
قد أبطلنا هذه القاعدة في صدر الكتاب وأوضحنا أنه لا فرق بينها
وبين البديهيات في كونها ضرورية، وبينا ما أراده الفلاسفة بذلك من
هدم قواعد الدين، ويختص هذا المكان أن يقال لهم هل يحكمون بوجوب
معرفة الله تعالى وقبح الجهل به وقبح إضافة صفات النقص إليه.
فإن قالوا: لا يقضى بشيء من ذلك طوينا عنهم الكلام واكتفينا بذلك
في معرفة عنادهم ولزمهم تصويب أهل الشرك والجحود وأن لا يحكموا
بشيء من أنواع الكفر.
وإن قالوا: يقضى بوجوب معرفة الله تعالى وقبح الجهل به وغير ذلك من
أنواع الكفر.
قيل لهم: أبالعقل عرفتم وجوب معرفة الله تعالى وقبح الجهل به فهو
الذي نقول، أم بالشرع علمتم ذلك، فأي شرع ثبت لكم قبل معرفته حتى
استدللتم به على وجوبها، وبعد فهب أن الشرع متقدم على معرفة الله
لكن إذا قال النبي لكم إن معرفة الله تعالى واجبة فاعرفوه، فماذا
تعلمون وجوب امتثال أمر النبي أبالعقل فهو المطلوب أم بالشرع فأي
شرع ثبت قبل الأنبياء.
فصل
عند الجمهور أن الله تعالى قادر على ما(1) فعله لكان قبيحاً ويصح
أن يقع منه لولا العدل والحكمة.
وقال أبو الهذيل وأبو الحسين: يقدر عليه ويستحيل منه لفقد الداعي.
وقال النظام والجاحظ والأسواري: لا يوصف بالقدرة عليه. وقالت
المجبرة /176/: لا يقدر عليه منفرداً بل يوجده والعبد يكتسبه.
__________
(1) . لو. ظن
(1/258)
قلنا: إنه ما من فعل
إلا وكما صح أن يقع على الوجه فيحسن يصح أن يقع على وجه فيقبح،
فإذا قدر القادر على إيقاعه على أحدهما قدر على إيقاعه على الآخر
ولا تأثير لاختلاف وجوه الأفعال في قدرة القادر، بيان هذا أنه كما
تقدر أن يقول زيد في الدار وهو فيها تقدر أن تقول ذلك القول بعينه
وهو ليس فيها، والأول صدق والثاني كذب، وكما يقدر أن يظهر المعجز
والمدعي صادق بقدر أن يظهر، وهو كاذب إذ لا تأثير لكذب المدعي ولا
لصدقه في قدرة القادر، وكما تقدر أن تقول العالم ليس بقديم تقدر أن
تقوله بحذف ليس وكما تقدر أن تعاقب مع الاستحقاق تقدر مع عدمه.
واعترضه أبو الحسين بأن قال: أليس لا تتعلق قدرة القادر باختصاص
الفعل بوقت معين ومع ذلك فإذا انقضى الوقت خرج الفعل عن تعلقه
بالقادر فكذلك لا تتعلق قدرة القادر بالقبح، ومع ذلك إذا اختص
الفعل بوجه دون وجه خرج عن تعلقه بالقادر.
ويمكن الجواب بأن الوجه الذي لأجله خرج الفعل عن تعلقه بالقادر إذا
انقضى وقته غير حاصل في الفعل إذا اختلف وجهه وإذا لم يكن جامع بين
الموضعين بطلت المقايسة. على أنا إنما أوجبنا اختصاص الفعل بوقته
في حق القادر بقدره، ونحن فرضنا المسألة في القادر لذاته، وهو
تعالى كما يصح أن يوقع الفعل في وقته يصح أن يوقعه في غيره لا سيما
المبتدأ النافي، فكذلك إذا صح أن يوقعه على وجه صح أن يوقعه على
غيره.
فإن قال: قد قام دليل على اختصاص الفعل بوجه دون وجه وهو استحالة
الفعل دون داع.
قيل له: إن عدم الداعي إنما يدل على استمرار عدم الوقوع لا على
استحالة الوقوع كما أن ثبوت الداعي إنما يدل على استمرار الوقوع لا
على وجوبه.
دليل قد تمدح تعالى بأنه لا يظلم الناس شيئاً، ومعنى ذلك أنه لا
يفعل الظلم ولا يتم التمدح بترك الفعل إلا بأن يكون قادراً عليه،
والأصح منه التمدح بأنه لا يجمع بين الضدين.
(1/259)
قالوا: تمدحه تعالى
بنفي القدرة على الظلم، قلنا: إذاً يكون تمدحاً راجعاً إلى ذاته
فيكون إثبات القدرة على الظلم نقصاً فيلزم أن تكون الملائكة
والأنبياء على صفة نقص لقدرتهم على القبيح، ويلزم أيضاً أن يكون
نفي القدرة على الجمع بين الضدين مدحاً، وهذا الدليل كما يستدل به
الشيوخ يستدل به أبو الحسين أيضاً، لأنه وإن نفى الصحة فلأمر يرجع
إلى فقد الدواعي لا إلى فقد القدرة، ألا ترى أن أحدنا كلما قويت
صوارفه عن القبيح وبعد عنه لنزاهته وفرط حكمته كان مدحه أكمل،
فكذلك الباري /178/ إذا استحال عليه دواعي القبيح من الجهل والحاجة
كان مدحه أكمل. والأقرب والله تعالى أعلم أن الخلاف بين الجمهور
وبين أبي الحسين إنما هو في عبارة، لأن أبا الحسين يقول باستحالة
الوقوع من حيث الدواعي لا من حيث القدرة وسائر الشيوخ لا بد أن
يقولوا باستحالة الوقوع من حيث العدل والحكمة لا من حيث القدرة، إذ
لو جوزوا الوقوع مع العدل لم يبق دليل على أن الله تعالى لا يفعله،
وإذا كان كذلك فالاستدلال بالعدل والحكمة موافق للاستدلال بفقد
الدواعي؛ لأن معنى كونه عدلاً حكيماً أنه عالم بقبح القبائح، وغني
عن فعلها، ومعنى فقد الدواعي إلى القبيح هو فقد الجهل به والحاجة
إليه؛ لأنهما اللذان يدعوان إليه، ولا فرق بين قولنا أن الله ليس
بجاهل ولا محتاج وبين قولنا أنه عالم غني قادر لا فرق بين كلام أبي
الحسني وبني كلام الجمهور، ويمكن أن ترجح عبارة أبي الحسين بأن
يقال للجمهور أتقولون أنه يصح منه فعل القبيح مع علمه بقبحه وغناه
عنه أم تقولون لا يصح. إن قلتم يصح بطل استدلالكم على أن كل عالم
بقبح القبيح وغني عنه لا يفعله وإن قلتم لا يصح فهو مطلوب أبي
الحسين.
(1/260)
ولهم أن يجيبوا
فيقولوا: لو يصح أن يوقعه من حيث القدرة فإما من حيث الحكمة فلا،
وله أن يقول: لست أنازع في صحة وقوعه من حيث القدرة لكن من حيث
الدواعي التي يسمون فقدها حكمة، فمتى قلتم باستحالته من حيث الحكمة
فقد حصل المطلوب وصار الحال في استحالته من جهة الحكمة التي هي فقد
دواعي القبيح كاستحالته من دون آلة إذا كان مما يحتاج إليها. وأما
ما يقوله المتأخرون من أصحابنا أن أبا الحسين قد ناقض حيث قال: يصح
ويستحيل فهو غير سديد؛ لأنه إنما يكون مناقضاً إذا قال بالاستحالة
والصحة من وجه واحد، فأما مع اختلاف الوجه فلا مناقضة بل لا بد من
الرجوع إلى ما قاله.
شبهة النظام والأسواري: أنه تعالى لو قدر على القبيح لوجب أن
يوقعه.
والجواب: من أين يلزم أن من قدر على شيء وجب أن يوقعه أليس أحدنا
يقدر على السعي في السوق ولا يفعله والله يقدر على إقامة القيمة
الآن ولا يفعله.
قالوا: اتصافه بالقدرة على القبيح نقص. قلنا: بل مدح؛ لأن من ترك
القبيح مع القدرة خير ممن ترك القبيح مع عدم القدرة، ولهذا يصح
التمدح على أنه معارض بالأنبياء والملائكة.
قالوا: القول بأنه قادر على القبيح مع القول بامتناعه لأجل العدل
أو فقد الداعي متناقض.
قلنا: هو كالقول بالقدرة /179/ على الفعل الذي يحتاج إلى الآلة مع
القول بتعذره عند عدمها.
قالوا: فقوله: أنه قادر على المستحيل لو لم يكن مستحيلاً كما قلتم
تقدر على القبيح وإن استحال أن لا يكون عدلاً حكيماً.
قلنا: أتلزموننا المعنى فصحيح إذ لا بد من القول بأن المستحيل لو
لم يكن مستحيلاً لكان الله قادراً عليه أو تلزموننا التسمية فغير
صحيح كيف يقول هو قادر على شيء لم تثبت القدرة عليه بخلاف القبيح،
فإن القدرة عليه ثابتة وامتناعه هو لأجل الحكمة وفقد الداعي.
(1/261)
قالوا: لو قدر على
القبيح لصح أن يوقعه لأن هذا حكم القادر، ولو صح أن يوقعه وقدرنا
وقوعه لكان إما أن يدل على الجهل والحاجة وهو محال في حق العالم
الغني لذاته وإما أن لا يدل وهو محال لأن طرق الأدلة لا تختلف
شاهداً وغائباً.
قلنا: يصح أن يوقعه من جهة القدرة بمعنى أنه لو كان غير حكيم أو
كان له داع إليه لوقع منه ويستحيل وقوعه من جهة الحكمة عندنا، ومن
جهة فقد الداعي عند أبي الحسين وقولهم لو قدرنا وقوعه لكان إما أن
يدل أو لا يدل فهو غير صحيح؛ لأنا قد منعنا في مسألة نفي الثاني من
صحة تقدير وقوعه ومنعناه أيضاً على مقتضى عبارة أبي الحسين؛ لأن ما
يستحيل لا يصح تقديره. وأما الجمهور فالتزموا صحة تقديره وامتنعوا
من الجواب بلا أو بنعم وعلله الشيخ أبو علي بكلام حاصله أن كل
كلامين تعلق الثاني بالأول على تقدير وجود الأول لا يخلوا إما أن
يكون أحدهما هو الآخر كقوله: إن كان زيد فاعل للظلم فهو ظالم أو
يكون أحدهما موجباً للآخر كقولك إن كان في قلب زيد علم فهو عالم
وإن كان عالماً ففي قلبه علم، أو يكون أحدهما مصححاً للآخر نحو: إن
كان الجوهر متحيزاً احتمل العرض وإن كان زيد عالماً كان حياً، وإما
أن لا يكون أحدهما هو الآخر ولا موجباً له ولا مصححاً إن كان من
القسم الأول وجب على المسئول أن يجيب بلا أو بنعم، وإن كان من
القسم الثاني صح الامتناع من الجواب بأحد الأمرين إذا دل الدليل
على فسادهما كمسألتنا هذه، فإنا إذا قدرنا وقوع الظلم منه تعالى
ففاسد أن يدل على الجهل والحاجة؛ لأنه عالم لذاته غني لذاته وفاسد
أن لا يدل لأنه يعود بالبعض على دلالته في الشاهد، فكان لنا أن
نمتنع لأن الظلم ليس هو الجهل والحاجة، ولا يصححهما ولا يصححانه في
حق الباري ولا يوجبهما ولا يوجبانه من حيث أن المصحح للظلم في حق
الباري هو كونه قادراً فقط.
(1/262)
واعترضه أبو الحسين
بما معناه أن الخصم لم يلزمكم العبارة حتى تمتنعوا من إطلاقها
وتستدلوا على فسادها وإنما ألزمكم المعنى وهو أنا إذا قدرنا وقوع
الظلم من الباري /180/ فهل كان ذلك الظلم يولد العلم بالجهل
والحاجة أم لا، وليس يخرج النظر عن كونه مولداً لهذا العلم أو لا
يكون.
والأقرب والله أعلم أن يفصل الكلام فيقال إن كان السائل يقدر
الوقوع مطلقاً بأن يقول لو وقع الظلم من فاعل ما، هل كان يدل على
الجهل والحاجة أو لا يدل، فإنه لا يصح الامتناع هنا من الجواب بأحد
الأمرين لما ذكره أبو الحسين.
(1/263)
وإن قيد السائل كلامه
بما يحيل كلا الوصفين عند ذلك التقدير صح الامتناع من الجواب
بأحدهما لفظاً ومعنى، وعاد على ذلك التقدير والقيد بالنقض كأن
يقول: لو وقع الظلم من حكيم هل كان يدل على الجهل والحاجة أم لا،
فيكون لنا أن نقول لا يدل ولا لا يدل لأن قولك في السؤال حكيم يحيل
الجهل والحاجة؛ لأن معهما لا يكون حكيماً وأنت فرضته في السؤال
حكماً، وقولك وقوع الظلم يمنع قولنا لا يدل؛ لأن كل ظلم يدل على
جهل فاعله وحاجته فصار الحال في هذا كالحال في قول القائل لو قدرنا
اجتماع الضدين في المحل هل كانا يتنافيان أم لا، فإنا نقول لهذا
السائل: لا يصح القول بأنهما يتنافيان؛ لأنه يعود على تقدير
اجتماعهما في المحل بالنقض وأنت فرضتهما مجتمعين، ولا يصح القول
بأنهما لا يتنافيان؛ لأنه يعود على كونهما ضدين بالنقض، وأنت
فرضتهما ضدين، فكل سؤال هذا حاله فإنه يعود على التقدير والقيد
بالنقض وإذا زال التقدير والقيد زال الإشكال من أصله. وهذا أقصى ما
يمكن ذكره في هذه المسألة، وإن كان بعض شيوخنا قد ذكر أن قووع
الظلم من جهته تعالى لا يدل على الجهل والحاجة قال: لأن شر دلالته
على ذلك أن يصح الجهل والحاجة على فاعله ويلزمه أن لا يجد دليلاً
على أن الله لا يفعل القيبح. ومتى قال إنه حكيم وصوارفه متوفرة.
قيل له: إذا كانت الحكمة والصوارف تصرف عن القبيح لا محالة كان
وقوعه دليلاً على زوال تلك الصوارف، فيلزم دلالته على الجهل عن
القبيح لا محالة كان وقوعه دليلاً على زوال تلك الصوراف، فيلزم
دلالته على الجهل والحاجة.
شبهة: قال النظام والأسواري: العلم في الأصل دلالة على الجهل
والحاجة كما أن الخبر الصدق بالجهل والحاجة دليل على ذلك، فإذا قدر
تعالى على الظلم وجب أن يقدر على خبر صدق بأنه جاهل محتاج.
(1/264)
والجواب منع الحاجة،
والفرق بأن معنى كون الخبر صدقاً هو أن مخبره على ما هو به،
فالقائل بأن الله تعالى يقدر على خبر صدق /181/ بأنه جاهل يحتاج
قاتل، فإنه يقدر على أن يجعل ذاته جاهلة محتاجة، وذلك مستحيل،
فكذلك ما في معناه وليس معنى وقوع الظلم هو أنه جاهل محتاج حتى
تكون القدرة على أحدهما قدرة على الآخر.
فإن قيل: فإذا كان الظلم في الأصل دليلاً على الجهل والحاجة فالقول
بأنه قادر عليه قول بأنه يقدر على أن يدلنا على جهله وحاجته.
قلنا: نرجع في جواز هذا الكلام إلى التفصيل المتقدم فنقول: إن
إردتم أن الظلم دليل على الجهل والحاجة عند زوال حكمة فاعله
وصوارفه عنه فهو مجاب إليه، فالله قادر على ما لو زالت حكمته
وصوارفه عنه لدل على جهله وحاجته، وذلك مستحيل وإن أردتم أن الظلم
يدل على ثبوت الحكمة والصوارف فغير لازم أن يدل كما تقدم لأنه يصير
المعنى أنه قادر على ما لو قدر وقوعه على الوجه المستحيل لكان
دليلاً غير دليل. وأما شبهة المجبرة في القول بأنه لا يقدر عليه
متفرداً فهي مبنية على فاسد أصولهم من أن القبيح إنما يقبح للنهي
وسلف إبطاله.
فصل في بيان ما يجري عليه تعالى من الأسماء بمعنى أنه لا يفعل ما
يقدر عليه
(1/265)
منها قولنا:سبوح
قدوس، فإن من فائدته تنزيهه تعالى عن فعل القبيح الذي يقدر عليه.
ومنها قولنا: ظاهر معناه لا يفعل ما يقدر عليه من القبيح، ولا خلاف
أنه مجاز في حقه تعالى؛ لأنه في الأصل من طهارة البدن، ثم استعمل
في المتنزه عن فعل القبيح، ولا يشبهه قولنا نضيف ونقي؛ لأنهما من
صفات المحال. ومنها قولنا: تارك معناه في اللغة الذي لا يفعل الفعل
مع القدرة عليه. ومنها قولنا: غافر، وغفور وغفار، كلها تفيد أنه لا
يفعل العقاب، ومثله قولنا مكفر لأنه يفيد ترك العقوبة لأجل الثواب
ويقتضيه قولنا محيط أي لا يفعل الثواب لأجل المعصية المحيطة له.
ومنها قولنا: حليم، معناه لا يعاجل بالعقوبة، وأما قولنا صبور، فلا
يصح إجراؤه عليه؛ لأنه يفيد احتمال المكاره وإجازة بعضهم بمعنى
حليم، وليس يصح لأن استعماله في الحليم مجاز، فإن ورد به سمع أقر
حيث ورد وإلا منع رأساً. وأظهر من ذلك قولنا وقور ورزين؛ لأنهما
يفيدان ملازمته لمكانه ومعارفته طريقه القلق مع مشقة في ذلك وداع
إلى خلافه.
القول في أن الله تعالى عدل حكيم
ذهب أهل الحق إلى أنه تعالى عدل حكيم، ولم يسمع عن أحد من أهل
الجبر هذا القول ولا ذكرت هذه المسألة في شيء من كتبهم الكلامية،
وإن كانوا لو سئلوا عن ذلك /182/ لما وسعهم إنكاره.
نعم قد وافقوا في المنع من إطلاق القول بأنه تعالى ظالم جائر وفاعل
للقبيح، وأثبتوا المعنى وأفاقوا إليه كل قبيح وجعلوا يحتالون للمنع
من إطلاق العبارة بما لا محصول له ولا طائل فيه.
لنا أنا نعلم بالضرورة في الشاهد أن من كان عالماً بقبح القبيح
وغنياً عن فعله وعالماً باستغنائه عنه فإنه لا يفعله ولا علة لكونه
لا يفعله، وهذه ثلاثة أصول.
(1/266)
أما أنه لا علة لكونه
لا يفعله إلا اجتماع هذه الأوصاف، فلأن العلم بذلك يدور مع العلم
باجتماعها ثبوتاً وانتفاء، ولو كان المؤثر غيرها لجاز أن يفعل
أحدنا القبيح مع اجتماعها، وأن يستمر الحال في أن لا يفعله مع
زوالها أو بعضها، وخلافه معلوم، ألا ترى أن الظلمة لا يغصبون
الأموال إلا لاعتقادهم أنهم يحتاجون إليها أو لجهلهم بكون ذلك
ظلماً إما بأن يعتقدون أن المغصوب عليه يستحق أن يغصب عليه أو
بأنهم يدفعون بذلك ضرراً عن الرعية ويدخرونه لما ينوب الجميع.
يزيده وضوحاً: أن العاقل لو خير فيما أتيح له الإخبار عنه بين أن
يصدق ويأخذ درهماً وبين أن يكذب ويأخذ درهماً مثله، فإنه يختار
الصدق لا محالة.
فإن قيل: إنما يختار الكذب لأنه يستحق الذم عليه والعقوبة.
قلنا: نفرض الكلام في كافر دني لا يعلم استحقاق العقاب ولا يتضرر
بالذم، فثبت أنه لا علة لكونه لا يفعله إلا اجتماع هذه الأوصاف وهي
وإن كانت أوصافاً كثيرة فجائز أن تتركب العلة من مجموع أوصاف إذا
كانت كاشفة كما أن علة قبح الظلم هو كونه ضررا عارياً عن جلب نفع
أو دفع ضرر إلى آخرها. يوضحه: أن الخصم يعلل وجود الفعل بقدرة
العبد وإرادته وقدرة الله وإرادته.
واعلم أن مثال الصدق والكذب إنما يستقيم في القبائح التي تكون في
المقدور من الحسن ما سد مسدها، فأما ما ليس كذلك فيكفي فيه اجتماع
هذه الأوصاف، وذلك كان يعلم الله أن المكلف لا يلتطف إلا ببعثه
كاذب أو فاسق، وكإثابة من لا يستحق الثواب، وإما أن هذه الأوصاف قد
اجتمعت في حق الباري تعالى على أبلغ الوجوه فتقدم في مسألة عالم
غني، أنه يستحيل عليه الجهل والحاجة، وأما أنه يجب أن لا يفعل
القبح فلأن طرق الأدلة لا تختلف شاهداً وغائباً.
(1/267)
فإن قيل: كما أن
احدنا لا يفعل القبيح لاجتماع هذه الأوصاف فهو لا يفعل الحسن إلا
لجلب نفع أو دفع ضرر، وهو مستحيل في حقه تعالى، وإذا لم يصح الجمع
بين /183/ الشاهد والغائب في الوجه الذي لأجله يفعل الحسن لم يصح
الجمع بينهما في الوجه الذي لأجله يترك القبيح.
قلنا: دل الدليل على اتفاق الغائب والشاهد في الوجه الذي لأجله
يترك القبيح فيجب اشتراكهما في ترك القبيح ولم يشتركا في الوجه
الثاني لأجله فعل الحسن وهو الجلب والدفع، وبعد فأحدنا كما يفعل
الحسن لجلب نفع أو دفع ضرر فقد يفعله لحسنه ولكونه إحساناً لولا
هذا لم يكن لأحد على أحد نعمة لأنه يكون قد قصد بما فعله نفع نفسه
أو الدفع عنها، بل قد يذم إذا لم يقصد ذلك، فيقال: فعله رياء وسمعه
أو لنفع نفسه، وبعد، فكل عاقل يستحسن بكمال عقله إنقاذ الغريق
وإرشاد الضال والإحسان إلى الغير بالصدقة ونحوها، واعترضه المجبرة
بما تقدم من أصل الفلاسفة في المشهورات، وهو أن هذا الاستحسان لم
يكن للعقل بل لسبب خارج من رقة طباع أو تأديب شرعي أو محبة التسالم
أو نحو ذلك.
وأجاب أصحابنا بأنا نفرض الكلام في رجل خاسي القلب لا يعرف الله
ولا الدار الآخرة، ولا شيئاً من الشرعيات، فإنه يستحسن بكمال عقله
ذلك. واعرضه الرازي بأنه وإن عري عن هذه الأسباب فهو يتخيل حصولها،
وذلك لأن الضلال والغرض يلازمان رقة الطبع غالباً، وكذلك الصدقة
وحسن الأخلاق يلازم التأديب الشرعي.
وبالجملة فكل شيء مما يقضي به العقل عندكم يلازم سبباً مما ذكرناه
في الغالب، فإذا رأى أحدنا رجلاً يتردى أو يغرق ظن أن رقة الطبع
حاصلة فحينئذ يستحسن الإرشاد والإنقاذ، وصار الحال فيه كالحال في
الحبْل المبَرقَش المشبه للحيَّة فإن الإنسان لما رأى الضرر يلازم
البرقشة في الحية والحنش وتوهم أن الحبل المبرقش حيّة نفر طبعه وإن
لم يكن هناك ضرر.
(1/268)
ويمكن الجواب بأن
يقال أول ما في هذا أنا قلنا أن العاقل المتعرّي عن الأسباب التي
ذكرتم يعلم بكمال عقله حسن هذه الأشياء وقبح غيرها، وأنت قلت بظن
ذلك وبين العلم الضروري والظن فرقان. وبعد فهذا العاقل يستحسن
الإنقاذ والإرشاد، وإن لم يكن هناك عرق وضلال، وكلامك مبني على أنه
لا يظن حصول رقة الطبع إلا عند ووقع الضلال والغرق كما أنه لا يظن
الضرر إلا عند رؤية الحبل المبرقش. وبعد فرقة الطبع أمر موجود من
النفس فمتى حصل علم حصوله ومتى فقد علم فقده ولا يصح أن يظن حصوله
كما لا يصح أن يقول القائل أظن أبي اشتهى وهو لا يشتهي، فكذلك لا
يقول أظن أني أرحم /184/ وهو لا يرحم، وبعد فإنما يكون ذلك ملازماً
لرقة الطبع غالباً في حق من يكون أغلب أحواله الرحمة ورقة الطبع
ونحن فرضنا الكلام في رجل خاسي القلب الدهر كله فكيف يظن حصول ما
لا يعتاده أو يعقل عليه الأمر في حقه. وبعد فقياسه على الحبل
المبرقش يفسد ما قاله؛ لأن العاقل إذا رآه فإنما يظن الأذية والضرر
في وقت يسير حتى يراه رؤية معقولة، فإذا علم أنه حبل زال الخوف
والنفرة وإن كانت البرقشة باقية، فكان يلزم أن لا يستحسن العاقل
الإنقاذ والإرشاد إلا في وقت يسير ثم يزول، ومعلوم أن هذا
الاستحسان لا يزول.
فصل فيما يلزم المجبرة في هذه المسألة
يقال لهم: أليس يجو ان يفعل الله ما هو قبيح في الشاهد ولا يقبح
فلا بد من قولهم بلا أو فيقال فليجز أن يخبر عن الشيء لا على ما هو
به، ولا يقبح منه وقد التزمه العطوي.
(1/269)
قال: لأنه ليس بأعظم
من غيره من القبائح، وقالت النجّاريّة: الكذب قبيح، والله تعالى
غير موصوف بالقدرة على ما يقبح، ولأنه يدل على الجهل والحاجة ويبطل
الأول ما تقدم من أنه قادر على القبحيح وأيضاً فكل كذب في العالم
إنما يكون متولداً عن الاعتماد، وعندهم أن المتولدات ينفرد الله
بها. ويبطل الثاني أن الكذب كغيره من القبائح، فإما أن يجوزوا
الجميع أو يمنعوا الجميع. وقالت الأشعرية: إنما لم يجز الكذب عليه،
لأنه صادق لذاته، حتى لو كان الكلام فعلاً له لما قبح منه.
ويمكن أن يقال لهم: إن الخصم ألزمكم على مذهبكم أن لا يكون صادقاً،
فدلو أولاً على أنه صادق حتى يمكنكم القول بأنه صادق لذاته، وبعد
فاتفقنا نحن وأنتم على أن الكلام الذي سمعناه من محمد عليه السلام
فعل ويزعمون أنه حكاية أو عبارة فما يؤمنكم أن هذا الذي سمعناه كذب
وأن كلام الله القائم بذاته خبراً عن كون المؤمنين في النار
والكفار في الجنة عكس ما سمعناه من محمد، وبعد فعندكم أنه آمر
لذاته ومع ذلك يجوز أن يأمر ببعض الأشياء وينهى عن بعض، فهلا جاز
أن يكون صادقاً لذاته، ومع ذلك يكون صادقاً في بعض الأشياء دون
بعض. وبعد فعندكم أن كلام الله تعالى معنى قائم بذاته يوجب كونه
متكلماً ومعلوم أن الخبر نوع الكلام النفسي ومع كونه ثاتباً لمعنى
يمتنع أن يكون ثابتاً للذات.
يوضحه: أن قولنا صادق مشتق من الصدق، فيجب كون الصدق معنى كما هو
أصلهم في إثبات المعاني، وإذا كان كذلك وكان الخبر بكون زيد في
الدار معنىً قديم صح ثبوت ذلك المعنى وزيد ليس في الدار كما يثبت،
وزيد فيها إذ لا تأثير لدخول زيد الدار وخروجه في تغيير المعنى
القديم /185/، وبعد فما أنكرتم أن ذلك المعنى القديم كذب وليس
بصدق.
فإن قالوا: إنه تعالى عالم بكل شيء، فلا يجوز أن يخالف كلامه علمه.
(1/270)
قلنا: ولِم لا يجوز
وقد جاز ذلك في الشاهد، أليس أحدنا يقول في نفسي كلام هو أن زيداً
في الدار وهو يعلم أنه ليس فيها. وبعد فكثير منكم يذهب إلى حسن
الكذب الذي فيه نفع ومصلحة كالحلف في الوعيد، فهلا كان المعنى
القائم بذاته كذباً حسناً لنفع فيه وصلاح لا تعلمونه أو ليكون
كذباً من وجه دون وجه كما أنه أمر من وجه ونهي من وجه.
وعلى الجملة فنحن نلزمهم الكذب في الكلام الذي عبارة عن المعنى
النفسي، فلا نثبت دلالته على المعنى النفسي. إلزام يقال لهم: إذا
صح أن يفعل الظلم صح أن يأمر به وكل وجه يذكرونه في المنع من الأمر
به قائم في المنع من فعله، ولا يقال أليس أمر الله تعالى بالصلاة
ولا يفعلها لأنا نقول هذا عكس ما ألزمناهم؛ لأنا ألزمناهم صحة أن
يأمر بما يفعله لا صحة أن يفعل ما أمر به.
إلزام يقال: إذا صح ان يفعل القبائح ولا يقبح فهلا جاز أن ينصب
الأدلة على الباطل ويكون الحق عكس ما تقتضيه الأدلة، فلا تحصل
الثقة بأن ما عليه المسلمون حق وليس تجويزه بأعظم من تجويز أن يضل
عن الدين ويخلق اعتقاد الباطل والحيل والجهل بالأدلة وتكذيب
الأنبياء ونحو ذلك مما يجوزونه ولا يقبح منه.
إلزام يقال: إذا جاز أن يخلق الضلال والباطل والكفر والكذب، فهلا
جاز أن يبعث رسولاً يدعو إلى ذلك ولا يقبح منه، فليس بعثه من يدعو
إلى الضلال بأعظم من خلق الضلال، ومتى جاز ذلك فكيف يمكن القطع بأن
الأنبياء دعوا إلى الحق.
إلزام يقال: إذا كان لا يقبح منه قبيح فهلا جاز ان يظهر المعجز على
الكذابين ولا يظهره على الصادق فلا يوثق بصدق نبي ولا كذب متنب
وقولهم إن المعجز موضوع للتصديق كلام فارغ؛ لأنه إنما يثبت ذلك إذا
ثبت أن المدعي صادق وأن الله حكيم، والسائل ألزمهم كذب جميع
الأنبياء وإن ظهر عليهم المعجز.
(1/271)
تنبيه: وكما يلزمهم
جميع هذه الإلزمات فإنه يلزمهم أن لا يحتالوا للانفصال عنها، وأن
لا يستنكروا إلزامها ويتكلفوا الجواب عنها؛ لأنه لا يتصور فيها قبح
عندهم لو صدرت منه تعالى.
القول في خلق الأفعال
ذهب أهل العدل إلى أن أفعال العباد منهم، وقال أهل الجبر: هي من
الله تعالى، واختلفوا فقال جهم: هم لها كالظروف وإضافتها إليهم
كإضافة ألوانهم وكإضافة حركة الشجرة إليها، وسوى في ذلك بين
المباشر والمتعدي.
وقال ضرار هي من الله حدوثاً ومن العبد /186/ اكتساباً ولم يفرق
بين المباشر والمتعدي، وبه قال الأشعري في المباشر، فأما المتعدي
فالله مستفرد به عنده. وقال المدعون للتحقيق منهم: الفعل يقع بقدرة
العبد، ولكنها موجبة، ففاعلها هو فاعل الفعل؛ لأن فاعل السبب هو
فاعل المسبب.
والأقرب أن هذه الأقوال تعود إلى قول جهم في التحقيق لأن أهل الكسب
لا بد أن جعلوا العباد كالظروف لها في الحدوث، وأما الكسب فهو إما
أن لا يكون فعلاً فذكره هنا باطلة وهذيان؛ لأن كلامنا في الأفعال،
وإما أن يكون فعلاً فهو إما أن يتفرد الله به وهو مذهب جهم، وإما
أن يحتاج إلى كسب آخر فيعود السؤال، وكذلك المثبتون للقدرة الموجبة
لا بد أن يجعلوا العباد كالظروف لأفعالهم؛ لأنه لا اختيار لهم في
السبب ولا في المسبب، ويصير الحال فيه كالحال في الشجرة التي يوجد
الله فيها اعتماداً يوجب الحركة، فإن ذلك لا يخرج الشجرة عن كونها
كالظرف للحركة الموجبة عن الاعتماد، فظهر لك أن المجبرة كلهم جهمية
في التحقيق.
فصل
وقد اختلف أصحابنا في تفضل الكلام عليهم، فقال أبو الحسين: العلم
بأنا محدثون لأفعالنا ضروري لا مجال للشك فيه؛ لأن العقلاء يعلمون
بعقولهم حسن الأمر بها والنهي عنها والترغيب والترهيب والمدح
والذم، ويعللون ذلك بكونه فعله، وكل ذلك فرع على أنهم محدثون لها،
ومحال أن يعلم الفرع ضرورة والأصل استدلالاً.
(1/272)
يوضحهه أنهم يطلبون
الفاعل طلب المضطر إلى أنه فعل ويعجبون الناس من كونه فعل، قال: بل
هذا العلم حاصل للصبيان المراهقين، قال: والمجبرة يعلمون ذلك، ولكن
جحده علمائهم ميلاً إلى الهوى وتعصباً للأسلاف وطلباً للرئاسة
وتقرباً إلى السلطان، وليست شبههم أكثر ولا أدق من شبه
السوفسطائية، فلم يدل ذلك إلى أنهم غير جاحدين للضرورة. على أنه
يمكن صرف خلاف الجميع إلى أنهم علموا ولم يعلموا أنهم علموا، فإنه
لا يمتنع أن يطري شبهة في العلم بالعلم لا في العلم نفسه. يزيده
وضوحاً أنك إذا حكيت مذهبهم هذا لعوامهم الذين لا يعرفون كيفية
أقوالهم لأنكروه ولنزّهوهم عن هذه المقالة، بل نجد علماءهم معتزلة
في المعاملات فلا يذمون إلا من ظلمهم ولا يحمدون إلا من أحسن إليهم
حتى لو رميت أحد منهم بحجر فشجه لذمك ولم يذم، ولم يذم الحجر ولوثب
إليك وثبة مضطر إلى أنك الذي /187/ جرحته، ولو أخذت عليه دانقاً
لما سهّل فيه ولخصك من بين الناس بطلبه.
وبالجملة فلو جمعت أهل الجبر في صعيد واحد ثم رأوا رجلاً يقتل آخر
أو يأخذ ماله واستشهدهم بعض الحكام لشهدوا أنه قاتله، ولما خالجتهم
شبهة في ذلك ولو كان الحق ما ذهبوا إليه لكانت شهادتهم بذلك زائرة.
وأما ما قاله الرازي في كتبه من أنه شديد التعجب من أبي الحسين حيث
جميع بين هذا القول وهو غلو في الاعتزال وبين قوله إن الفعل موقوف
على الداعي، وهو غلو في الجبر.
فيمكن الجواب عليه بأن الفعل وإن كان لا يقع إلا لداع فليس الداعي
موجباً للفعل فلا يلزمه الجبر.
(1/273)
ثم يقال له: هل يقدر
أبو الحسين على أن يقول، وتقدر أنت على أن تتعجب، فإن قال: نعم
نقدر على ذلك فقد ترك مذهبه، وهو بأن يتعجب من نفسه أولى. وقيل له:
فهل تقدر على أن تترك قوله وتقدر على أن تترك تعجبك أم لا، فإن
قال: نعم، أبطل مذهبه، وإن قال بالثاني، قيل له: فأي لوم عليه في
قوله وأي فضل لك في تعجبك، وهل هذا إلا بمنزلة من يذم غيره على أنه
يشتهي الحامض ويمدح نفسه على أنه يشته الحلو، ويذم الحجر لأنها
تهوي ويمدح الدخان لأنه يتصاعد، وإن قال: لا يقدر أبو الحسين على
أن يقول ولا أقدر على أن أتعجب، قيل له: فأنت أبداً تحكي الأكاذيب
فتقول قال أبو الحسين وتعجبت وأنت تعلم أن أبا الحسين لم يقل وإنما
الذي قال هو الله الذي فعل القول في أبي الحسين كما فعله في الشجرة
التي تُؤدِي منها موسى ومن بلغ معه الإلزام إلى هذا الحد، فهو حقيق
بأن يرق له ويرحم.
فصل
وقد استدل سائر الشيوخ بوجوه من الأدلة، منها: أن أفعالنا توجد
بحسب قصودنا ودواعينا، وتنتفي بحسب كراهتنا وصوارفنا مع سلامة
الحال تحقيقاً أو تقديراً، فلولا أنها من فعلنا لما وجب فيها ذلك،
وهذان أصلان، أما الأول فدليله أن أحدنا متى اعتقد أو ظن أن له في
الفعل جلب نفع أو دفع ضرر وهو قارد عليه غير ممنوع منه فإنه يقع
منه لا محالة حتى انه لو لم يقع علمنا أنه غير قادر، وبهذه الطريقة
علمنا أن العرب عجزوا عن معارضة القرآن، وكذلك إذا توفرت صوارفه
بأن يعتقد أو يظن أن في الفعل جلب ضرر أو فوت نفع وهو قادر عليه
وغير ملجأ إلى فعله فإنه لا يفعله وهذا معلوم ضرورة.
(1/274)
ويزيد سلامة الحال
زوال الموانع وخلوص الداعي من /188/ صارف يساويه أو يزيد عليه
وخلوص الصارف من داع يساويه أو يزيد عليه. ويزيده بالتحقيق فعل
العالم المميز لفعله، ويزيد بالتقدير فعل الساهي والنائم، فإنه وإن
لم يكن لهما داع محقق فهو مقدر بمعنى أنهما لو كانا في حال اليقظة
أ والتنبّه لما وجد الفعل ولا انتفى إلا بحسب دواعيهما وصوارفهما
المحققة، هذا عند الجمهور، وأما أبو الحسين، فعنده أن داوعيهما
وصوارفهما وقصودهما محققة.
قال: لأن الداعي قد يكون ظناً واعتقاداً وهما صحيحان على النائم
والساهي، وأبطله الجمهور بأن الداعي أيضاً فعل فإما أن يحتاج إلى
داع آخر من فعل أحدنا فيتسلسل أو ينتهي إلى داع ضروري وهو ليس يصح؛
لأن الله تعالى لا يفعل الظن في أحدنا، وكذلك الاعتقاد لو فعله في
النائم لكان علماً ضرورياً ومعلوم خلافه، وأما القصد فلا يشبهه في
أن من حقه أن يكون من فعل فاعل ولا يصح من الساهي والنام فعل القصد
لاحتياجه إلى العلم، وأما فعل الملجأ فإنه يوجده بحسب قصده وداعية
لكن وافق ذلك قصد الملجي وداعيه وكذلك سير الدابة وافق قصدها فيه
قصد الراكب بدليل أنه لو رام الإقدام بها على السبع أو الحيد لأبت
ذلك، وأما نعيم أهل الجنة فلم يوجد بحسب قصودهم ودواعيهم، ولهذا لو
دعا أحدهم الداعي إلى أن يبلغ درجة الأنبياء لما حصل له ذلك، وأما
اللون الحاصل عند ضرب بدن الحي فإنما هو لون الدم انزعج بالضرب فلا
جزم كان انزعاجه فعل الضارب، وقد ذهب البغداديون إلى أنه متولد عن
الضرب، ويبطله أنه كان يلزم أن يولد الضرب في الجماد؛ لأن المحل
محتمل وهو تولد لا يشرط فلا يتغلب علينا في توليده الألم، وكان
يلزم أن يتولد من أول ضربة وأن يتولد في ظاهر البشرة، ومثله الكلام
عليهم في بياض القبَّيْطات واللون الحاصل عند خلط الزاج بالعفص
والحرارة الحاصلة عند حك أحد الراحتين بالأخرى.
(1/275)
وأما الأصل الثاني
وهو أنها لو لم تكن من فعلنا لما وجبت فيها هذه القضية فدليله أنها
لو كانت من فعل الله لجرت مجرى الصور والأولوان والأمراض وحركة
المرتعش ونحو ذلك مما علمنا أن العلة في تعذره أنه لا يقف على
أحوالنا بل يوجد، وإن كرهناه ويعتقد وإن أردناه وكذلك أفعال غيرنا
لما لم تكن من فعلنا لم تقف على أحوالنا.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يوجد الله أفعالكم عند قصودكم /188/
ودواعيكم بمجرى العادة. قلنا: كل شيء طريقه العادة يجوز اختلافه،
فكنا نجوز وقوعها وانتفاؤها ولا صارف بأن تختلف العادة كما في
الصحة والسقم وغيرها، وبعد فلو كان كلك لكنا نجد أنفسنا مدفوعة
إليها وخلافه معلوم، وبعد فلو جوزنا أن يكون من فعل غيرنا وإن وجدت
بحسب أحوالنا لجوزنا أن تكون من فعل غير الله وإن وجدت بحسب
أحواله.
فإن قالوا: الساهي والنائم لا داع لهما ولا قصد، فيجب أن لا تكون
أفعالهما منهما.
قلنا: أما أبو الحسين فلا يتوجه إليه هذا، وأما الجمهور فلهما
عندهم داع مقدر وقصد، ولا يمتنع قيام التقدير مقام التحقيق في هذه
الصور، ألا ترى أنه لا يمكن تقدير وقوف أفعال غيره على أحواله،
وبعد فما ذكره عكس وهو غير واجب في الأدلة اتفاقاً، فأكثر ما فيه
أن هذه الطريقة لا يتنا ولهما، فنحن نستدل بغيرها فنقول: فعلهما
يقف على قدرهما فيقل بقلتها ويكثر بكثرتها، وعلى الأسباب الصادرة
منما، ولهذا فإن النائمين يتجاذبان الثوب، فيستبد به أكثرهما
قدراً.
طريقة أخرى في هذه المسألة قد ثبت أن العقلاء يستحسنون ويعلمون حسن
الأمر والنهي بهذه الأفعال، ويعلقون بها المدح والذم ويعلمون بكمال
عقولهم قبح تعليق ذلك بالصور والألوان والطول والقصر ونحوها، فلولا
أنها من فعلنا لما تعلق بها شيء ولما وقع فصل بينها وبين الصور.
واعترضوه بأن قالوا: ألستم تحمدون الله على الإيمان وهو من فعلكم.
(1/276)
والجواب: أنا نحمده
تعالى على مقدمات الإيمان من الأقدار والتمكين والتوفيق وهو تعالى
يحمدنا على فعله كما صرح به في قوله: {فأولئك كان سعيهم مشكوراً}،
وقوله: {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه}، وصار الحال في حمدنا له
تعالى على الإيمان كالحال في الوالد إذا اجتهد في تخريج ولده وحسن
تأديبه حتى يبدو صلاحه، فإنه يقال: هذا من أبيه والمراد أنه تقدم
من أبيه من العناية والرعاية ما كان سبباً في ذلك.
ومثل هذا يقع الكلام في ذم من وضع غيره في النار محرق ونحو ذلك،
فإن الذم لا يقع على الإماتة بل على سببها.
طريقة أخرى، سمعية: وإنما استدللنا بالسمع هنا وإن كان العلم بصحته
يقف على العلم بهذه المسألة استظهاراً على الخصوم وإلزاماً لهم
لموافقتهم في أنه دلالة، ولأنهم تمسكوا بالمتشابه فتمسكنا بالمحكم
ولأنهم كانوا يزعمون /190/ أنه لا دليل لنا في السمع فأريناهم أن
لنا في السمعيات أكثر مما لهم، ولا أحسب آية من كتاب الله تكاد
تخلو عن الأدلة على صحة مذهبنا في هذه المسألة من أمر أو نهي أو
مدح أو ذم أو وعد أو وعيد أو خبر يتضمن إضافة فعل إلى فاعل ونحن
نذكر من تفصيل ذلك ما سنح من الآيات. فمنها: قوله تعالى: {ما ترى
في خلق الرحمن من تفاوت}، ونحوها مما يقتضي نفي الاضطراب والاختلاف
من جهة الحكمة؛ لأنه إما أن ينتفي أن التفاوت من جهة الخلقة وهو
باطل لحصوله أو من جهة الحكمة وهو المطلوب. ومنها: قوله: {صنع الله
الذي أتقن كل شيء}، فإنه ليس المراد بالإتقان الإحكام؛ لأن في
أفعاله ما ليس بمحكم بقي أن يكون المراد من جهة الحسن والحكمة.
ومنها قوله: {الذي أحسن كل شيء خلقه} ونحوها مما يقتضي حسن خلقه،
فإما أن يريد أن كله إحسان وهو باطل اتفاقاً لأن العقاب ليس
بإحسان، وكذلك خلق الكافر على أصولهم ليس بإحسان أو أن كله حسن وهو
المطلوب.
(1/277)
قال القاضي: معنى
{أحسن كل شيء} في اللغة كمعنى أحسن في كل شيء، وقولهم: مراده
بقوله: أحسن، أي علم باطل لأنه لم يرد أحسن في اللغة بمعنى علم،
وإن ورد مضارعها كما في وذر ودع فرد مضارعها دون ماضيها. على أنا
قد قدمنا أنه لا يجوز إجراؤه على الله لإيهامه الخطأ. ومنها: قوله:
{وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلاً} ونحوها مما يقتضي
نفي العبث، وعلى أصلهم أن كل باطل يقع في العالم فهو خلقه. ومنها:
قوله: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} ونحوها مما يقتضي أنا
مختارون في أفعالنا. ومنها قوله: {وتخلقون إفكاً}، ونحوها مما يدل
على أنهم المقدرون لأفعالهم. ومنها قوله: {بما تعملون} {بما
تصنعون} {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون}، {لنا أعمالنا ولكم
أعمالكم}، {يوم تجد كل نفس ما عملت}، {وقدمنا إلى ما عملوا}، {ومن
يعمل سوءاً يجز به} ونحو ذلك مما يصرح بأن لنا أعمالاً نجازى
عليها، والقرآن مشحون بذلك، ومذهبهم يقتضي صرف أكثر القرآن عن
ظواهره ويدخله في قالب الهذيان؛ لأنه يكون التقدير بما يعمل فيكم
بما يصنع فيكم. ومنها ما يرد فيه لام العرض نحو: {ولقد صرفنا في
هذا القرآن} {ليذكروا} و{لعلهم يذكرون} {لعلكم تعقلون}، ونحو ذلك،
وتقديره عند الخصم، ولقد صرفنا في هذا القرآن لتخلق فيهم الذكر
وأشباه ذلك. ومنها ما يتضمن النهي عن الاستهزاء بآيات الله نحو:
{ولا تتخذوا آيات الله هزؤاً} {أن إذا سمعتم آيات الله يُكفَر بها
ويُستهزأ بها} ولا استهزأ أبلغ من القول بأنه لا فائدة فيها ولا
قدرة على امتثالها ولا معنى لأوامرها ونواهيها، يقول الله تعالى:
{فمن اضطر غير باغ ولا عادٍ /191/ فلا إثم عليه}، ويقول الخصوم لا
إثم إلا على ما اضطررنا إليه، ويقول الله: {لا إكراه في الدين}
ويقولون: لاختيار فيه، ويقول الله: {قد تبين الرشد من الغي}
ويقولون: لا فائدة في التبين لأنه إن خلق فينا الرشد رشدنا وإن خلق
فينا الغي غوينا، ويقول الله: {قد
(1/278)
جاءكم الرسول بالحق
فآمنوا} ويقولون: لا سبيل للكفار إلى الإيمان و إلى الانتفاع بما
جاء به. وعلى كلّ فلا يكاد تخلو آية من كتاب الله إلاَّ ومذهبهم
يقتضي صرفها عن ظاهرها وإبطال معناها.
فصل في ذكر بعض ما ألزمهم أصحابنا على القول بأن أفعال العباد من
الله
فمن ذلك أنه يلزمهم ارتفاع معرفة الصانع تعالى؛ لأن العلم بمعنى
المحدث في الغائب ينبني على العلم بمعناه في الشاهد، ولسنا نعقل من
معنى المحدث في الشاهد إلا أن أفعاله توجد بحسب أحواله، وذلك ينبني
على أن لنا أفعالاً لأنها لو وجدت بحسب أحوالنا وهي من فعل غيرنا
لجاز مثله في كل شيء يفرضونه صانعاً للعالم، ومن ذلك أنه يلزمهم أن
لا يصح معرفة شيء باكتساب قط؛ لأن علومنا إذا كانت من فعل الله
تعالى فهي ضرورية، وهذا مع كونه محالاً للزوم اشتراك العقلاء فيه،
فإنه يلزم الخصوم عليه أن لا يصنفوا الكتب ولا ينصبوا الأدلة، بل
كان سبيلهم في كل مسألة أن يقولوا: نحن نعلم ما ذهبنا إليه ضرورة
وأن لا يطلبوا من خصومهم الرجوع إلى مذهبهم لأنهم كيف يعلمون ما لم
يخلق الله فيهم العلم به.
ومن ذلك يلزمهم أن لا تكون فائدة في إرسال الرسل وإنزال الكتب
والأمر والنهي؛ لأن الله تعالى إن خلق الكفر والإيمان وجد أو إن لم
يخلقهما فلا سبيل إليهما، وكذلك يلزم قبح مجاهدة الكفار؛ لأن لهم أ
نيقولوا أتجاهدوننا لأجل أن الله خلق فينا الكفر أو لأجل أنه لم
يخلق فينا الإيمان وكل ذلك بمنزلة مجاهدتنا على صورنا وألواننا،
وكذلك يلزم قبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومجادلة الخصوم،
وطلب العلوم ونحو ذلك.
(1/279)
إلزام يقال لهم: أليس
في أفعال العباد ما هو ظلم فلا بد من قولهم بلى فيقال: فيجب أن
يسمى الله بفعله لذلك الظلم ظالماً كما يسمى بفعله للعدل عادلاً
وبفعله للرزق رازقاً ونحو ذلك؛ لأنه لا فرق عند أهل اللغة في
المعنى بين قولهم فاعل للظلم وبين قولهم ظالم بدليل أنه يمتنع
إثبات أحدهما ونفي الآخر، قالوا: كيف يتفق معناهما وأحدهما مشتق من
ظلم، والثاني مشتق من فعل. قلنا: اختلاف الاشتقاق /192/ لا يدل على
اختلاف المعنى كالقعود والجلوس. على أنا نلزمهم المساواة بين قولهم
ظلم وقولهم فعل الظلم، فإذا لزمهم ظلم لزمهم ظالم، ونرد عليهم
السؤال في العادل.
قالوا: كيف يصح ما قلتم ولفظ الظالم قد أطلق على الشاهد، وهو غير
فاعل للظلم عندنا، قلنا: إن أهل اللغة أطلقوا هذا الاسم على الشاهد
لما اعتقدوه فاعلاً للظلم، وبعد فهب أنهم أخطأوا في الاعتقاد،
أليسوا مصيبين بالتسمية، فعلى هذا يصير هذا الاسم حقيقة في الله؛
لأنه فاعل للظلم على الحقيقة كلفظ الإله فإنهم وضعوه على الأصنام،
فجعل لله حقيقة لأنه الذي يستحق العبادة، وهذا الاسم موضوع بإزاء
استحقاق العبادة، قالوا: الظالم اسم لمن حله الظلم.
قلنا: يلزم مثله في العادل والرازق ويلزم إذا انفرد بفعل الظلم أن
لا يكون ظالماً، ويلزم أن يكون الظالم هو المظلوم؛ لأنه الذي حله
الظلم، ولو سلمنا أن محله الظالم للزم أن توجه أحكام الظلم من ذم
وعقاب إلى نفس المحل كاللسان واليد دون الجملة. قالوا: الظالم اسم
لمن جعل الظلم ظلماً له.
(1/280)
قلنا: يلزم مثله في
العادل والرازق وأن لا يكون ظلماً له لو انفرد ويلزم لو وقف على
الاختيار أن يجعله ظلماً لزيد دون عمر ومع حصول حقيقة الظلم في
الحالين كما يصح أن يجعل الكلام أمراً لزيد دون عمرو مع كونه
كلاماً في الحالين. وبعد فيعلمه ظالماً من لا يعلم أن الظلم جعل
ظلماً له، وبعد فإن أردتم بقولكم جعل الظلم ظلماً له أنه حصله،
فذلك عين ما نوزعتم فيه فكيف يدفعون الإلزام بنفس مذهبكم الذي لا
يتم إلا بعد اندفاع الإلزام وإن أرتم أنه جعل كسباً له فسيبطل
الكسب.
قالوا: الظالم اسم لمن تفرد بالظلم.
قلنا: يلزم مثله في العادل ويلزم أن لا يوجد ظالم قط، ويلزم في
الظلم المتولد أن يقتضي كون الله تعالى ظالماً؛ لأنه تفرد به، وبعد
فلو تفرد الله بالظلم هل كان تزيد حاله على كونه محدثاً له، قالوا:
الظالم اسم لمن لم يجعل الظلم كسباً لغيره.
قلنا: إن أوردتموه بفتح الياء في يجعل لزم أن يكون كل شيءٍ سوى
الله تعالى ظالماً؛ لأنه لا شيء يقدر أن يجعل الظلم كسباً لغيره
إلا الله، وإن أوردتموه بضم اليا لزم أن لا يوجد ظالم في الدنيا
لأنه ما من أحد يجعل هذا الظلم كسباً له إلا وقد جعل ظلم آخر كسباً
لغيره، وعلى أي وجه أورتموه فهو احتراز بنفس المذهب الذي وقع
الإلزام عليه فكأنكم قلتم اسم الظالم لا يطلق على الله ويلزم أيضاً
مثله في العادل والرازق على أنا سنبطل كسبكم هذا.
قالوا: أليس قد فعل الحركة ولم يسم متحركاً وفعل الولد ولم يسم
والداً.
قلنا: قد اشتق له من فعل الحركة اسم وهو المحرك /193/ ومن فعل
الولد مولداً، ولكن لا يطلق عليه هذا لإيهامه الخطأ فأما المتحرك
فهو اسم لمن حلته الحركة فأوجبت له المتحركية والوالد اسم لمن خلق
من مائة آخر من جنسه.
(1/281)
واعلم أن أصحابنا
ألزموهم هذا الإلزام من حيث العبارة، فأما من جهة المعنى والقوم
يلتزمونه إلا أنهم يدعون أنهم لا يكونون مظلمين إلا بإطلاق العبارة
وأصحابنا يلزمونهم التظليم باعتقاد المعنى؛ لأنه المعتبر في ذلك
بدليل أن معتقداً لو اعتقد أن مع الله ثانياً لم ينجه من التثنية
الامتناع من إطلاق العبارة.
يوضحهه أن بعض العجم لو ظن أن لفظ الظالم موضوع للعادل ثم دعا الله
به فقال يا ظالم اغفر لي لما كان عليه حرج في إطلاق العبارة لما لم
يعتقد معناها، وكذلك لو تواضع أهل إقليم على أن يجعلوا لفظ الظالم
اسماً للعادل والعكس لصح ذلك؛ لأن العمدة على المعاني دون
العبارات.
إلزام يقال لهم ألستم تحبون أن تحمدوا على الإيمان وفعل الطاعات
فلا بد من بلى فيقال إن الله تعالى يقول: {ولا تحسبن الذين يفرحون
بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من
العذاب}.
ويقال: أليس الله خلق الكفر في الكافر وأمره بالإيمان، فكأن الله
أمره بتغيير ما خلق وعاقبه لأجل أنه وقع ما خلق ولم لا يغبر خلقه.
ويقال لهم: إذا كان الله نفى عن نفسه الظلم والكذب وعندكم أنه لم
يدخل شيء من ذلك في الوجود إلا وهو فاعله فأي شيء نفى عن نفسه
أمعقول فكيف كان يكون حاله وهل يريد على ما قد أثبتموه أو غير
معقول فأي مدح في نفيه وكيف يخاطب بما لا يعقل، وأي معنى لقوله
{وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}، وما معنى قوله:
ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا يظلم نفس شيئاً، ونحو ذلك.
ويقال: أليس بعث الله الرسل إلى الكفار ليتركوا الكفر فلا بد من
بلى فيقال فكأنه بعثهم لتغيير خلقه ولتجهيله وليقع خلاف ما أراد.
(1/282)
ويقال: إذا قال
الكفار للرسل أي فائدة في إرسالكم إلينا بأي شيء كان يجيب الرسل.
ويقال: أليس العبد متعبداً يطلب المعونة من الله تعالى فلا بد من
بلى. فيقال: فإذا كان الإيمان من فعل الله تعالى فما معنى المعونة
وكيف يحتاج الله في فعله إلى معين، ويقال: أليس يستحق أحدنا الشكر
بالإحسان إلى غيره فلا بد من بلى؛ لأن ذلك ضروري فيقال: وكيف يشكر
على ما لم يفعل ويقال: قد ثبت أن مسيلمة ادعى النبوة وقال له
أصحابه صدقت /194/ في أنك نبي أليس كلامهم هذا تصديقاً له، فلا بد
من بلى فيقال إذا كان هذا التصديق فعل الله فلم لا يقولون بصدقه
وقد صدقه الله وما الفرق بينه وبني من يدعي النبوءة فتنطق الأشجار
والأحجار بتصديقه بأن يفعل الله فيها ذلك التصديق.
فإن قالوا: إن محمداً عليه السلام قال: (لا نبي بعدي).
قيل لهم: وما أنكرتم أن هذا من جملة الأكاذيب التي يفعلها في
العباد ولم كان محمداً بالتصديق أولى من مسيلمة وقد صدقهما الله
على سواء. ويقال: إذا كان الله خلق الكفر في الكافر وقدرته وإرادته
الموجبتين له ومنعه من الإيمان فأي نعمة له تعالى عليه وقد التزموا
ذلك في نعمة الدين وخلافة معلوم ضرورة من الدين.
قالوا: فأما نعمة الدنيا فلله عليه نعم كثيرة ولا تستقيم لهم
الفرق؛ لأن الله إذا كان خلقه لنار وأحياه لها وفعل فيه ما يؤدي
إليها فهو بمنزلة من يقرب إليه الطعام المسموم، فأي نعمة عليه
والحال هذه ويقال: ليس يخلو إما أن يتفرد الله بالفعل فيتوجه المدح
والذم إليه أو يتفرد به العبد فيتوجه إليه أو يشتركان فيه فيتوجه
إليهما.
(1/283)
ويقال: إذا ألقي
الصائم على قفاه وسكب الماء في حلقه كرهاً أليس لا يأثم فلا بد من
بلى. فيقال: إذا تناول الكوز وشرب منه أليس يأثم، فما الفرق بين
الموضعين، وما معنى قوله عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان
وما استكرهوا عليه). ويقال: أليس يصح الإكراه على الفعل وكل فعل
فالله تعالى فاعله، فكيف يتصور الإكراه ويقال: أليس يصح الندم على
الفعل والتوبة عنه، ولهذا قال تعالى: {يا حسرتا على ما فرطت في جنب
الله} فلا بد من بلى، فيقال: كيف يصح الندم على ما يفعل فيه، وهل
يصح أن يقول أحدنا يا ندمي على كوني أسود أو قصير القامة. ويقال:
قال تعالى: {فألقوا السلم ما كنا نعلم من سوء} أليسوا صادقين في
ذلك، فلا بد من بلى، فيقال: ما معنى تكذيب الله لهم بقوله: {بلى}،
ولا بد من أن يكون هذا التكذيب كذباً على أصلكم، ويقال: وجدنا كتاب
الله تعالى مشحوناً بذكر شهادة الجوارح على العباد بأنهم فعلوا
أفصادقة هي في هذه الشهادة أم كاذبة، ولا بد من أحدهما. ويقال: هل
في الشاهد قادر أم لا، إن قالوا لا، قيل: فقد كلف الله تعالى
العاجز وليس من مذهبكم. وإن قالوا: نعم، قيل: وما طريقكم إلى ذلك،
وقد جعلتم الفعل لغيره، فإن قالوا: وقع باختياره. قلنا: إذا كان
الاختيار الموجب مخلوقاً فيه كالفعل فأي دلالة لذلك على كونه
قادراً، وهل يدل الهويّ /195/ على كون الحجر قادراً لوجوده بحسب
الثقل المخلوق فيه.
فصل في ذكر بعض ما جرى من المناظرات
اجتمع أبو العتاهية وثمامة عند المأمون فرفع أبو العتايهة يده
مناظراً لثمامة قال: من رفع يدي فقال ثمامة من أمه زانية. قال:
شتمني يا أمير المؤمنين. قال ثمامة: تركت مذهبك، فانقطع.
(1/284)
اجتمع عدلي ومجبر
فقال العدلي: أليس بعث الله موسى وهارون إلى فرعون، وقال: {وقولا
له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى}، قال: بلى قال: أبعثه ليغير
خلق الله أو فعل فرعون إن قلت بالأول فكيف يقدر موسى على التغيير
ويقدر فرعون على الإجابة وما معنى قوله: {لعله يتذكر أو يخشى}، وإن
قلت بالثاني تركت مذهبك. وقال عدلي لمجبر: أليس الله يقول:
{الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه
وفضلاً}، فأخبرني هل الوعد أن كلاهما من الله أو أحدهما من الشيطان
فانقطع المجبر.
وناظر مجبرٌ عدلياً، فقال العدلي: لا أدري ما يقول، غير أن الله
يقول: {كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله} فلا بد أن يكون الذي
أوقدها غير الذي أطفأها.
وقيل لأبي الهذيل من جمع بني الزاني والزانية؟ فقال: أما أهل البصر
فيسمونه قواداً وأظن أهل بغداد لا يخالفونهم، فسكت السائل. وقال
أبو الهذيل لحفص: هل شيء غير الله وغير ما خلق، فقال: لا، فقال:
فعذب الله الكافر على أنه الله أو على أنه خلق، فقال: لا على واحد
منهما، فقال: فعلام؟ قال: على أنه عصى، قال: فكونه عصى قسم ثالث،
قال: لا، فأعاد السؤال، فانقطع وكان النظام حاضراً فلقن حفصاً حجته
فقال: قل لأنه اكتسبها، فقال ذلك فقال: هل الكسب شيء غير الله وغير
ما خلق؟ قال: لا، فأعاد السؤال، فانقطع.
وقيل لأبي يعقوب المجبر: من خلق المعاصي؟ قال: الله، قيل: فلم عذب
عليها؟ قال: لا أدري.
وروي أنه أتى بعض الولاة بطرَّاز أحول العين وعنده عدلي ومجبر،
فقال للمجبر: ما ترى يفعل فيه؟ فقال: يضربه خمسة عشر سوطاً، فقال
للعدلي: ما تشير؟ فقال: نضربه ثلاثين سوطاً، خمسة عشر لكونه
طرّازاً، وخمسة عشر لكونه أحول العين، فقال المجبر: أتضربه على
الحول ولا صنع له فيه، قال: نعم، إذا كانا جميعاً من فعل الله
تعالى فالحول والطرّ سواء، فانقطع المجبر.
(1/285)
وقال عدلي لمجبر: هل
تملك من مالك وأهلك شيئاً؟ قال: لا، فقال كل الذي تملكه قد جعلته
في يدي /196/ قال: نعم، قال: أشهدوا أن نساؤه طوالق وأن عبيده
أحرار وماله صدقة للمساكين، فتحولت امرأته عنه، وسألت العلماء
فأفتوا بوقوع جميع ذلك عنه فصارت قصته أضحوكة.
وقال أبو محمد المزيّن وكان ظريفاً: إذا أعطيت كتابي يوم القيامة
قلت: قد عرفت ما فيه، ولكن هل أسأل عن شيء أثبته باختياري أم عن
شيء خلق في أن قالوا عن شيء أثبته باختيارك، قلت: يا رب عبدك
الضعيف أخطأ وأساء وعلى عفوك وفضلك توكل، فإن عفوت فبرحمتك، وإن
عذبت فبعدلك، وإن قالوا: خلق فيك وقضى عليك، قلت: يا معشر الخلائق
العدل الذي كنا نسمع به في الدنيا ليس هاهنا منه قليل ولا كثير.
وقال مجبر لعدلي: أرأيت لو كان لي قطعة من الطين هل لي أن أعمل
فيها ما أحببت حتى أعمل فيها جرة صحيحة وأخرى معوجة مكسورة، قال:
نعم، ولكن بشرط أن لا تقول: لِم كانت هذه صحيحة وهذه معوجة؛ لأن
ذلك فعلك، ثم قال العدلي: إني أسألك، ما تقول في رجل غرس في بستانه
خوخاً فقط، ثم قال لغلامه: اذهب فائتني بكل فاكهة، فجاء الغلام
وقال: ليس فيه إلا الخوخ، فقال: اذهب فأحرقه، لِم لم يكن فيه سوى
الخوخ، أهذا فعل حكيم، فانقطع؟
فصل في إبطال قولهم بالكسب
اعلم أن الكسب والإكساب هو إيقاع الفعل لجلب نفع أو دفع ضرر، ومنه
سميت الحِرَف مكاسب والطيور المحضوضة كواسب، وعلى هذا يحمل ما ورد
في القرآن؛ لأنه المعقول من الكسب وأما كسب المجبرة فهو من الأسماء
التي لا مسمى لها، والحيالات التي ليس لها حقيقة، وإنما التجؤا إلى
القول به عند ضيق الخناق ولزوم الأمور الشنيعة من قبح الأمر والنهي
والوعد والوعيد وإرسال الرسل وإنزال الكتب ونحو ذلك.
(1/286)
وسبيلنا أن نبين
أولاً أنه غير معقول في نفسه فضلاً عن أن نشتغل بإبطاله فنقول: لم
يزل علماء الحق وفرسان الحجاج يطالبونهم بإظهار معنى الكسب، فما
حصلوا منه على محصول ونحن نقدم في ذلك طريقة قاطعة فنقول: أخبرونا
عن الكسب، أشيء هو أم لا شيء، إن قلتم: لا شيء فهو الذي نريد بأنه
غير معقول، وإن قلتم هو شيء؟ قلنا: أقديم هو فما وجه إضافته إلى
العبد حتى يمدح ويذم عليه ويثاب ويعاقب، أو محدث، فهل تفرد الله
بإحداثه، فما معنى إضافته إلى العبد وأي فرجٍ في ذكره أم تفرد به
العبد فقد تركتم مذهبكم، وأثبتم العبد محدثاً لفعل أم أحدثه الله
واكتسبه العبد، فيعود السؤال، فإما أن يحتاج إلى كسب آخر فتسلسل،
وإما أن يقتصر على الفعل ويبقى الكسب من أول وهلة أنهم قد حققوه
بحقائق لا صحة لشيء منها.
فقال الأشعري: الكسب هو وجود الفعل بقدرة الله مقارناً لقدرة العبد
لا تأثير لها في ذلك الفعل.
(1/287)
ولنا أن نقول: أول ما
في هذا /197/ أنه إذا كان الفعل وقدرة العبد كلاهما من فعل الله
ولا تأثير لأحدهما في الآخر فلم كان أحدهما بأن يكون مكتسباً لأجل
مقارنته للآخر أولى من العكس، وبعد فإذا كان لا تأثير للقدرة
المحدثة في الفعل فما الحكمة في خلقها وجعلها مقارنة له، وهلا كان
وجودها كعدمها ومقارنتها كلا مقارنة. وبعد فجميع الأعراض عنده غير
نافية، فلم جعل الفعل كسباً لمقارنته للقدرة، ولم يجعله كسباً
لمقارنته للكون، وبعد فإذا كان الكسب هو وجود الفعل على هذه
الكيفية فهو متعلق بالله، فما وجه إضافته إلى العبد وأي اختيار له
فيه. وبعد فكأنه يقول يذم العبد وبلعن على الفعل؛ لأنه خلق فيه مع
غيره ولا يذم على اللون لأنه خلق فيه وحده، وهذا في غاية الركة.
وقال: الباقلاني: المرجع بالكسب إلى صفة للفعل هي كونه طاعة أو
معصية فوجود السجدة مثلاً هو من الله وكونها طاعة أو معصية هو من
العبد، وهذا أيضاً ظاهر السقوط لأنا نسأله عن هذه الصفة التي هي
كون السجدة طاعة هل هي وجود السجدة فهو الذي نهرب منه أو كونها
كسباً، فعنه وقع السؤال، وبعد فإذا صح من أحدنا أن يجعل فعل الله
على صفة بها تصير طاعة أو معصية فما الفرق في ذلك بين السجدة
واللون، فهلا صح أن يكون اللون طاعة أو معصية بأن يكسبه أحدنا تلك
الصفة، وبعد فالذي يعقل ويصح من معنى كون الفعل طاعة هو أن العبد
فصد به وجه الله تعالى، وهذا لا يثبت إلا إذا كان فاعل السجدة،
وفاعل القصد واحداً حتى لو قصد أحدنا بسجدة عابد الوثن وجه الله
لما كانت طاعة، ولو قصد عابد الوثن بسجدة أحدنا التقرب إلى الوثن
ما كانت معصية.
والحاصل أن القصد لا يكون قصد إلا إذا كان فاعله وفاعل الفعل
واحداً، ولهذا لا يقال أن أحدنا يقصد أن يكون لونه أبيض وإن جاز أن
يقال أراد ذلك.
(1/288)
إذا ثبت هذا قلنا:
أخبرنا عن القصد الذي صار الفعل طاعة أو معصية هل هو فعل الله فقد
أبطلت مذهبك ولم يبق لذكر الكسب فائدة أو هو فعل العبد فقد أثبت
العبد فاعلاً لفعل لم يفعله الله أو هو كسب للعبد، وفاعله الله،
فيحتاج إلى كسب آخر، ويتسلسل، وبعد فأخبرنا عن هذه الصفة هل تقف
على اختيار العبد، فكان يصح أن يوجد الله الفعل ولا يكتسبه العبد
بأن لا يختار الكسب ولا يقف على اختياره، فما الفرق بينها وبين
الإيجاد، ولم كان إحدى الصفتين بأن يكون كسباً أولى من الأخرى،
وبعد فمن أصلنا أنه لا يقدر على صفة للذات من دون معنى، إلا موجد
تلك الذات كالكلام، فإنه لا يجعله خبراً إلا الذي أوجده، فكذلك لا
يجعل الفعل طاعة إلا الذي أوجده، وبعد، فلو سمى أحدنا مكتسباً لأجل
أنه صير /198/ الفعل على صفة لكان أحدنا مكتسباً للجسم إذا صيره
على صفة المتحركية، وبعد فكثير من مخققيهم كأبي إسحاق والغزالي
والجويني والرازي لا يثبتون الصفات، فما معنى الكسب عند هؤلاء،
وقال بعض مشائخهم: الكسب هو ما وقع بقدرة محدثه، فقال لهم أصحابنا:
أتريدون بقولكم وقع حدث فهو الذي يقوله أو يريدون الكسب، فعن الكسب
سألناكم، وقال بعضهم: الكسب هو ما حله مع القدرة عليه، وهذا
متهافت؛ لأن الفعل إنما يخل بعض الفاعل، ولأن إثبات القدرة فرع على
إثبات أحدنا قادراً، وذلك فرع على كونه فاعلاً، وإذا كان الله أحدث
الفعل فما معنى القدرة عليه، ولأن قولهم عليه يفيد أن القدرة مؤثرة
فيه، فيقال: ما تأثير القدرة، هل في الإيجاد، فهو المطلوب أو في
الكسب، فعنه وقع السؤال. على أنهم احترزوا بمحل القدرة عن المتولد،
وهو جهالة؛ لأن في المتولدات ما يوجد في محل القدرة عليه كالعلم
المتولد عن النظر وكالتأليف.
(1/289)
طريقة آخرى في إبطال
الكسب على تقدير كونه مفعولاً، يقال لهم: أليس الله هو الذي أوجد
الفعل وجعله كسباً للعبد فلا بد من بلى، فيقال: ما وجه تعليقه
بالعبد وكلا الوجهين من قبله تعالى، ويقال لهم: هل الفعل الذي قبح
من العبد كالظلم، هل قبح من جهة كونه خلقاً فقط فيلزم أن يقبح من
الباري لو تفرد به الكسب في حقه تعالى أو يقبح من الجهتين جميعاً،
فيلزم أن لا يقبح فعل قط؛ لأنه لم يجتمع لفاعل كونه خالقاً
مكتسباً، ويقال لهم: هل يصح أن يتفرد الله بعفل الكفر والإيمان،
فإن قالوا: لا، قيل لهم: فهل يصح أن يتفرد بهما العبد، فإن قالوا:
لا، قيل: فإذا كان من فعل الله ومن فعل العبد بحيث لا يصح أن يتفرد
أحدهما عن الآخر بالفعل فقد أثبتوا معنى الشركة وأحوجوا الله في
فعل الإيمان إلى أن يكتسبه العبد كما أحوجوا العبد في أن يكتسبه
إلى أن يخلقه الله، ويقال لهم: أليس إذا خلق الله الفعل وجب أن
يصير العبد مكتسباً حتى لا يقف كونه مكتسباً له على اختياره فلا بد
من بلى، فيقال: فأذن الله الذي أدخله في كونه مكتسباً جبراً كما
أدخله في كونه طويل القامة جبراً، فعلام يتوجه المدح والذم، وما
الثمرة في ذكر الكسب، ويقال: أليس أمر الله ناجح بشرط الاستطاعة
حتى إذا لم يكن استطاعه لم يتوجه على تاركه ذم، فلا بد من بلى،
فيقال: أليس معنى الاستطاعة عندكم أن يخلق فيه الحجج وقدرته
وإرادته، فلا بد من بلى، فيقال: فيجب أن يكون أمراً بالإيمان بشرط
خلق الإيمان، فلا يتوجه على الكافر لوم. ويقال: أليس يحتاجون إلى
الله في كسب الإيمان فلا بد من بلى، فيال: أليس وجه الحاجة هو أنه
لو لم يخلقه /199/ لاستحال أن يكتسبوه، فلا بد من بلى، فيقال: قد
أحوجتم الله إلى أنفسكم في خلق الإيمان لهذا الوجه بعينه؛ لأن
عندكم أنكم لو لم تكتسبوه لاستحال أن يخلقه فيكم.
فصل في شبههم في أن الله خالق لأفعال العباد
أشفها ما تقوّل عليه الرازي في مصنفاته.
(1/290)
وحاصله أن العبد حال
إيقاع الفعل لما أن لا يصح منه الترك فهو المطلوب بالخبر، وأما أن
يصح منه الترك فلا يكون الفعل أولى بالووقع من الترك، إلا لمرجح
وداع وإلا كان قد وقع أحد الجائرين لا لمرجح، وذلك يقدح في حدوث
العالم، قال: وذلك المرجح لا يصح ان يكون من فعل العبد وإلا احتاج
في وقوعه إلى مرجح آخر، وإذا كان من فعل الله فوقوع الفعل عنده إما
على سبيل الوجوب وهو المطلوب؛ لأن ذلك الداعي حينئذ يكون شيئاً،
وفاعل السبب والمسبب واحد، وأما على سبيل الجوار بمعنى أنه يصح أن
يقع، وأن لا يقع مع وجود الداعي، فيحتاج في وجوده إلى مرجح آخر
ويتسلسل.
والجواب: أول ما في هذا أنه لازم له في فعل الباري تعالى، فيقال:
حال ما أوجد الله الفعل هل كان يصح الترك أم لا، إن قال: لا، لزم
أن يكون تعالى مجبوراً على فعله، وإن قال: يصح، قيل: فليس الفعل
أولى من الترك، إلا لداع، وإذا كان كذلك فوقوع الفعل عند ذلك
الداعي إما على سبيل الوجوب فيلزم حصول العالم لم يزل، وأن لا يكون
مختاراً في وجوده؛ لأن الداعي قد صار موجباً له، والداعي ليس بفعل
الله تعالى حتى يقول فاعل السبب والمسبب واحد، وإن كان على سبيل
الجواز إحتاج إلى داع آخر وتسلسل، فما أجاب فهو جوابنا.
(1/291)
واعلم أن هذا شيء
أورده الفلاسفة في حدوث العالم، وتحقيق الجواب عليه وعليهم أن يقول
أما أفعال الساهي والنائم فلا تتوجه فيها هذه الشبهة على أصل
الجمهور؛ لأنها لا تحتاج إلى داع، ومتى قيل فما المخصص للفعل على
الترك مع أن نسبة القادرية إليهما على سواء. قلنا: يجوز أن يكون
المخصص هو القادر به، وإن كانت معهما على سواء كما سيتضح، ويجوز أن
يكون المخصص هو القصد؛ لأن الصحيح خلاف ما يقوله أصحابنا في
إحتياجه إلى العلم، بل إنما يحتاج إلى الاعتقاد أو الظن، وذلك صحيح
في حق الساهي والنائم، وأما أفعال العالم المميز لفعله، فمسلم أنها
لا توجد إلاَّ لداع، لكن من سلم له أن الداعي هو المؤثر في الفعل
وأن وقوع الفعل عنده على جهة الإيجاب أو ليس صريح مذهب خصومه أن
المؤثر في الفعل هو القادر وأن وقوع الفعل عند الداعي على جهة
الجواز، ولو أطلقوا لفظ الوجوب فإنما هو وجوب /200/ استمرار لا
وجوب تأثير، وكيف والدواعي من قبيل الاعتقادات والظنون التي لا
تأثير لها في الإيجاد، وقوله: أنه إذا كان على سبيل الجواز افتقر
إلى مرجح آخر غير مسلم، ولا صحيح؛ لأن أحدنا متى دعاه الداعي إلى
الأكل وعنده رغيفان مستويان، وليس له إلا أحد أحدهما، فإنه يأخذ
أحدهما لا لمرجح مع استواء الدا
|