تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام
169 -246 هـ

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام
169-246 هـ

(1/1)


ترجمة الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام
من كتاب الإفادة للإمام للإمام الناطق بالحق أبي طالب الهاروني
الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام
هو: أبو محمد القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
وأمه: هند بنت عبد الملك بن سهل بن مسلم بن عبد الرحمن بن عمرو بن سهيل بن عبد شمس بن عبد ود بن نضر بن مالك بن خَسِل بن عامر بن لؤي.
كان نجم آل الرسول صلى اللّه عليه وعلى آله، المبرز في أصناف العلوم وبَثِّها ونشرها وإذاعتها، تصنيفاً وإجابة عن المسائل الورادة عليه، والمتقدم في الزهد والخشونة ولزوم العبادة.
ومن أحب أن يعرف تقدمه في علم الكلام فلينظر في: (كتاب الدليل) الذي ينصر فيه التوحيد، ويحكي مذاهب الفلاسفة، ويتكلم عليهم، ويتكلم في التراكيب والهيئة، وفي : (كتاب الرد على ابن المقفع) ونقضه كلامه في الانتصار لما فيه من التثنية، وفي الكتاب الذي حكى فيه (مناظرته للملحد بأرض مصر)، وفي (كتاب الرد على المجبرة)، وفي (كتاب تأويل العرش والكرسي) على المشبهة، وفي (كتاب الناسخ والمنسوخ)، وفي كلامه في (فصول الإمامة) والرد على مخالفي الزيدية، وفي (كتاب الرد على النصارى).
وحدثني أبو العباس الحسني رحمه اللّه قال سمعت أبا بكر محمد بن إبراهيم المقانعي، يذكر عن أبي القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمود، عن مشائخه أن جعفر بن حرب دخل على القاسم بن إبراهيم عليه السلام فجاراه في دقائق الكلام، فلما خرج من عنده قال لأصحابه: أين كنا عن هذا الرجل، فواللّه ما رأيت مثله؟!

(1/2)


ومن أحب أن يعلم براعته في الفقه ودقة نظره في طرق الاجتهاد، وحسن غوصه في انتزاع الفروع، وترتيب الأخبار، ومعرفته باختلاف العلماء، فلينظر في أجوبته عن المسائل التي سُئل عنها، نحو: (مسائل جعفر بن محمد النيروسي، وعبد اللّه بن الحسن الكَلاَّري) التي رواها الناصر للحق الحسن بن علي رضي اللّه عنه، وكان سمعها منهما، وفي (كتاب الطهارة) وفي (كتاب صلاة اليوم الليلة) وفي (مسائل علي بن جهشيار)، وهو جامع (الأجزاء المجموعة في تفسير قوارع القرآن) عنه عليه السلام، وفي (كتاب الفرائض والسنن) الذي يرويه إبنه محمد عنه، وليتأمل عقودَ المسائل التي عقدها فيه، وفي (كتاب المناسك).
وله من الأصحاب الذين أخذوا العلم عنه الفضلاء النجباء، كأولاده: محمد، والحسن، والحسين، وسليمان، وكمحمد بن منصور المرادي، والحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي عم يحيى بن عمر الخارج بالكوفة، ويحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد اللّه[العقيقي] صاحب (كتاب الأنساب) وله إليه مسائل، ومنهم: عبد اللّه بن يحيى القومسي العلوي الذي أكثر الناصر للحق الحسن بن علي رضي اللّه عنه الرواية عنه، ومنهم: محمد بن موسى الحواري العابد قد روى عنه فقها كثيرا، وعلى بن جهشيار، وأبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن الحسن بن سلاَّم الكوفي صاحب فقه كثير وراية غزيرة.
وأما زهده عليه السلام فمما اتفق عليه الموافق والمخالف، ومن أحب أن يعرف طريقته فيه، فلينظر في كتابه في (سياسة النفس)، وكان الناصر رضي اللّه عنه إذا ذكره يقول: زاهد خَشِن.
ومن فحول أشعاره ما أنشدنيه أبو العباس الحسني رحمه اللّه، قال: أنشدني عبد اللّه بن أحمد بن سلاَّم، قال: أنشدني القاسم بن إبراهيم لنفسه:

(1/3)


ونَى الْتَّهجير والدَّلَجُ .... وأَقْصَر في المُنَى لَحِجُ
وطافَ بِحَالِكي وَضَحٌ .... عليه من البِلى نَهَجُ
فقلت لنفسِ مكتئبٍ .... عَلاَهُ من الردى ثَبَجُ
قَطِي ما دمتِ في مهلٍ .... فإن الحبل مُنْدَمجُ
ولا تَسْتَوْقِرِي شُبهاً .... فوجه الحق مُنْبَلِجُ
وزور القول مُمَّحِقٌ .... إذا طافت به الحُجَجُ
فَهَبْكِ رتَعْتِ في مَهَلٍ .... أليس وراءكِ اللججُ
وعاذلةٍ تُؤرِّقُنِي .... وجنحُ الليلِ مُعْتَلِجُ
فقلتُ رُوَيدَ عاتبةً .... لكل مهمةٍ فَرَجُ
أسَرَّكِ أن أكون رتَعْـ .... ـتُ حيث المال والبَهَج
وأني بِتُّ يَصْهَرُنِي .... لِحَرِّ فِرَاقه وَهَجُ
فَأُسْلَبُ ما كَلِفْتُ به .... ويبقى الوزرُ والحَرَجُ
ذريني حِلْفَ قاضيةٍ .... تَضَايقُ بي وتَنْفَرِجُ
ولا ترمِيَن بي غَرَضاً .... تطاير دونهُ المُهَجُ
إذا أكدى جنى وطنٍ .... فلي في الأرضِ مُنْفَرَجُ
وأنشدني رحمه اللّه، قال أنشدني عبد اللّه بن أحمد بن سلام رحمه اللّه، قال: أنشدني أبي، قال: أنشدني القاسم بن إبراهيم عليه السلام لنفسه، في مرثية أخيه محمد بن إبراهيم عليهما السلام:

(1/4)


صَرَمَ الكرى وصلَ الجفونِ .... وشجاك فقدانُ الخدينِ
مما يَهِيجُ لك الأسى .... خلجاتُ صرفِ نوى شَطُون
بَعَثَت سواكبَ عَبْرةٍ .... غَرِقَتْ لها مُقَلُ العيونِ
وأخٍ يجير على الحَوَا .... دِثِ أعْتَرِيْه ويعتريني
خَتَر الزمانُ بعهده .... وسَطَت عليه يدُ المنون
فنعى إليَّ مصابُه .... نفسي وغيَّض من شُؤُني
عَلَقَ المنون تصرمي .... آنت مفارقة المنون
عِفْتُ المنى وطويت عن .... عَلَق المنُىَ كشحا فبيني
ما فاز بالخفض امرؤٌ .... جعل المنى أدنى قرين
لهفان يُتْبِع نفسَه الـ .... آ مال حينا بعد حين
غمر الرجاءُ فؤادَهُ .... ودهته أنْجِيَةُ الظنون
يسموا إلى كذبِ المنى .... ويَعُوُذ بالعهد الخؤنِ
لم يقض من حاجاته .... وطراً ولم يَمْهَد لدينِ
نَصْبا لكل مُهِمَّة .... حَمَّال أعباء الحزينً
لله دَرُّ عصابة .... باعوا التَّظَنُّن باليقين
فسمت بهم همم العُلا .... عن صفقة الحظ الغَبِين
فَتَأثَّلوا عِزَّ التقى .... وذخيرَة الفَضْلِ المبين
وكان الناصر للحق الحسن بن علي عليه السلام يقول: لو جاز أن يقرأ شيء من الشعر في الصلاة لكان شعر القاسم عليه السلام.
صفته عليه السلام
كان عليه السلام تام الخلق، أبيض اللون، كثَّ اللحية، وكانت لحيته كالقطنة لشدة البياض.
وحكى الناصر للحق الحسن بن علي رضي اللّه عنه عن عبد اللّه بن الحسن (يعني الإيوازي الكلاري) أنَّه قال: أبو محمد القاسم بن إبراهيم رضي اللّه عنه لم يكن يحلق شاربه، وأنه كان مثل شارب إبنه إسماعيل بن عبد اللّه ـ قال: وأشار إليه وهو بين يديه ـ.
وقال رضي اللّه عنه: رأيت كتاباً له عليه السلام إلى عبد اللّه بن الحسن الكلاري، وكان عنوانه: يدفع إن شاء اللّه إلى أبي محمد عبد اللّه بن الحسن حفظه اللّه من أبي الحسن. قال: عبد اللّه بن الحسن وبهذا يكنيني على كنيته. قال: ورأيت خطه داخل الكتاب وهو خط وسط حَسَن بَيِّن.

(1/5)


مبايعته ونبذ من سيرته واستتاره ومبلغ عمره وموضع قبره
استشهد أخوه محمد بن إبراهيم وهو بمصر، فلما عَرَفَ ذلك دعا إلى نفسه وبَثَّ الدعاة وهو على حال الاستتار، فأجابه عَالَم من النَّاس من بلدان مختلفة، وجاءته بيعة أهل مكة، والمدينة، والكوفة، وأهل الري، وقزوين، وطبرستان، والديلم، وكاتبه أهل العدل من البصرة، والأهواز، وحثوه على الظهور وإظهار الدعوة، فأقام عليه السلام بمصر نحو عشر سنين.
واشتد الطلب له هناك من عبد اللّه بن طاهر، فلم يمكنه المقام، فعاد إلى بلاد الحجاز وتهامة، وخرج جماعة من دعاته من بني عمه وغيرهم إلى بلخ، والطالقان، والجوزجان، ومَرْوِرُوذ فبايعه كثير من أهلها، وسألوه أن ينفذ إليهم بولده ليظهروا الدعوة.
فانتشر خبره قبل التمكن من ذلك، فتوجهت الجيوش في طلبه نحو اليمن، فاستنام إلى حيّ من البدو واستخفى فيه.
وأراد الخروج بالمدينة في وقت من الأوقات، فأشار عليه أصحابه بأن لا يفعل ذلك، وقالوا: المدينة والحجاز تسرع إليهما العساكر ولا يتمكن فيها من السير.
ولم يزل على هذه الطريقة مثابراً على الدعوة صابراً على التغرب والتردد في النواحي والبلدان، متحملا للشدة، مجتهداً في إظهار دين اللّه.
ولما اجتمع أمره وقَرُبَ خروجه بعد وفاة المأمون وتولي محمد بن هارون الملقب بالمعتصم، تشدد محمد هذا في طلبه وأنفذ الملقب: ببغا الكبير وأشناش في عساكر كثيرة كثيفة في تتبع أثره، وأحوج إلى الانفراد عن أصحابه وانتقض أمر ظهوره.
وكان قد ورد الكوفة في بعض الأوقات، واجتمع معه هناك في دار محمد بن منصور: أحمد بن عيسى بن زيد فقيه آل رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله وعابدهم، وعبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن الفاضل الزاهد، والحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد، وكانت فضيلة السبق إلى منابذة الظالمين والامتناع من بيعتهم وترك متابعتهم والانقياد لهم إنتهت إلى هؤلاء من جملة أعيان العترة، فاختاروا القاسم عليه السلام للإمامة وقدموه على أنفسهم، وقالوا له: أنت أحقنا بهذا الأمر لفضل علمك، وبايعوه، وذلك في سنة عشرين ومائتين.

(1/6)


حدثني أبو العباس رحمه اللّه قال: سمعت أبا زيد عيسى بن محمد العلوي رحمه اللّه يقول: قلت لمحمد بن منصور: النَّاس يقولون: إنك لم تستكثر من القاسم عليه السلام. قال: بلى، صحبته فيما كنت أقع إليه خمساً وعشرين سنة، فقلنا له: إنك لست تكثر الرواية عنه، قال: كأنكم تظنون أنا كلما أردنا كلمناه، مَنْ كان يجسر على ذلك منا !؟ ولقد كان له في نفسه شغل، كنت إذا لقيته لقيته كأنما أُلْبِسَ حُزْناً.
وحدثني عن جده الحسن بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه الفارسي وكان خادم القاسم عليه السلام وملازمه في السَّفر والحضر، قال: دخلنا معه عليه السلام حين اشتد به الطلب ـ أظنه قال: أوائل بلاد مصر ـ فانتهى إلى خان، فاكترى خمس حجر متلاصقات، فقلت له يا بن رسول اللّه نحن في عَوَزٍ من النفقة وتكفينا حجرة من هذه الحجر، ففرغ حجرتين عن اليمين وحجرتين عن اليسار، ونزلنا معه الوسطى منهن، وقال: هو أوقى لنا من مجاورة فاجر وسماع منكر.
وحدثني عن جده، عن أبي عبد اللّه الفارسي قال: ضاق بالإمام القاسم عليه السلام المسالك واشتد الطلب، ونحن مختفون معه خلف حانوت أسكاف من خُلصان الزيدية، فَنُودِيَ نداء يبلغنا صوته: برئت الذمة ممن آوى القاسم بن إبراهيم، وممن لا يدل عليه، ومن دل عليه فله ألف دينار، ومن البز كذا وكذا. والأسكافي مطرقٌ يسمع ويعمل ولا يرفع رأسه، فلما جأنا قلنا له: أما ارْتَعت؟ قال: ومن لي بارتياعي منهم، ولو قُرِّضْتُ بالمقاريض بعد إرضاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله عني في وقايتي لولده بنفسي.
وحدثني عن جده، عن أبي عبد اللّه الفارسي قال: حججنا مع القاسم بن إبراهيم عليه السلام، فاستيقظت في بعض الليل وافتقدته، فخرجت وأتيت المسجد الحرام؛ فإذا أنا به وراء المقام لاطئا بالأرض ساجدا، وقد بل الثرى بدموعه، وهو يقول: إلهي من أنا فتعذبني، فواللّه ما يشين ملكك معصيتي، ولا يزين ملكك طاعتي.

(1/7)


وحدثني رحمه الله، عن عبد اللّه بن أحمد بن سلام رحمه الله، أنَّه قال عن نفسه أو عن أبيه: لست أجسر على النظر في (كتاب الهجرة) للقاسم عليه السلام، وأومى إلى أن ذلك لما فيه من التخشين والتشديد في الزهد وترك الدنيا والتباعد من الظالمين.
وحكى الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام عن أبيه أن المأمون كلف بعض العلوية أن يتوسط بينه وبين القاسم عليه السلام، ويصل ما بينهما على أن يبذل له مالاً عظيماً، فخاطبه في أن يبدأه بكتاب أو يجيب عن كتابه، فقال عليه السلام: لا يراني اللّه تعالى أفعل ذلك أبدا!!
وحمل الحروري ـ وهوحي من جذام ـ إلى القاسم سبعة أبغل عليها دنانير فردها، فلامه أهله على ذلك فقال:
تقول التي أنا رِدْءٌ لها .... وقاءَ الحوادثِ دُوْنَ الردا
ألست ترى المال منْهَلةً .... مخارمُ أفواهها باللُّهى
فقلت لها وهي لَوَّامة .... وَفي عيشها لو صَحَتْ ما كفى
كفافَ امرءٍ قانع قوتُه .... ومن يرض بالعيش نال الغنى
فإني وما رمتِ في نيله .... وقبلك حبُ الغنى ما ازْدَهَا
كذي الداء هاجت له شهوةٌ .... فخاف عواقبها فاحتمى
وكان عليه السلام إنتقل إلى الرَّس في آخر أيامه، وهي: أرض إشتراها عليه السلام وراء جبل أسود بالقرب من ذي الحليفة وبنى هناك لنفسه ولولده، وتوفي بها ـ وقد حصل له ثواب المجاهدين من الأئمة السابقين ـ سنة ست وأربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة، ودفن فيها ومشهده معروف يزوره من يريد زيارته فيخرج من المدينة إليه.

(1/8)


من كتاب التحف شرح الزلف للإمام أبي الحسنين مجدالدين المؤيدي
الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
والإمام أبو محمد نجم آل الرسول، وإمام المعقول والمنقول، القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن السبط صلوات الله عليهم وسلامه.
قام - لما سمع بموت أخيه الإمام محمد بن إبراهيم - بمصر سنة تسع وتسعين ومائة، ولبث في دعاء الخلق إلى الله إلى سنة ست وأربعين ومائتين.
شيء من فضائله:
ورد عن جده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما رواه أئمتنا أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا فاطمة إن منك هادياً ومهدياً ومستلب الرباعيتين ول كان نبي بعدي لكان إياه)).
وقيل للفقيه العالم حواري أهل البيت أبي جعفر محمد بن منصور المرادي: إن الناس يقولون: إنك لم تستكثر من القاسم بن إبراهيم، وقد طالت صحبتك له، فقال: نعم، صحبته خمساً وشعرين سنة، ولكنكم تظنون أنا كلما أردنا كلامه كلمناه، ومن كان يقدر على ذلك منا، وكنا إذا لقيناه، فكأنما أشرب حزناً لتأسفه على المة، وما أصيب به من الفتنة من علماء السوء وعتاة الظلمة.
وروي أنه سمع صوت طنبور في جنده، فقال: والله هؤلاء لا ينتصر بهم، وتركهم.
دعا إلى الله في بعض الشدائد فامتلأ البيت نوراً.
صفته:
قال الإمام أبو طالب عليه السلام: كان عليه السلام تام الخلق، أبيض اللون. انتهى.
أولاده:
محمد، والحسن، والحسين، وسليمان، وعيسى، وموسى، وعلي، وإبراهيم، ويعقوب، وداود، وإسماعيل، ويحيى.
قال الإمام أبو طالب: وله من الأصحاب الذين أخذوا العلم عنه الفضلاء النجباء، كأولاده: محمد، والحسن، والحسين، وسليمان، ومحمد بن منصور المرادي، والحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي، ويحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيدالله بن الحسين بن علي بن الحسين صاحب كتاب الأنساب، وله إليه مسائل، ومنهم: عبدالله بن يحيى القومسي العلوي، الذي أكثر الناصر للحق رضي الله عنه الرواية عنه.

(1/9)


ومنهم: محمد موسى الحواري العابد، وقد روى عنه فقهاً كثيراً، وعلي بن جهشيار، وأبو عبدالله أحمد بن محمد بن الحسن بن سلام الكوفي، صاحب فقه كثير، ورواية غزيرة، انتهى كلامه عليه السلام بلفظه إلا تمام نسب يحيى بن الحسن، وهو الملقب العقيقي عليه السلام.
ومن مؤلفاته:
كتاب الدليل الكبير في علم التوحيد، قال الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام في سياق كلام في مؤلفات الإمام القاسم: ويحكي مذاهب الفلاسفة، ويتكلم عليهم في التركيب والهيئة.
وفي كتاب الرد على ابن المقفع ونقضه كلامه في الإنتصار، وفي الكتاب الذي حكى فيه مناظرة الملحد بأرض مصر، وفي كتاب الرج على المجبرة، وفي كتاب تأويل العرش والكرسي على المشبهة، وفي كتاب الناسخ والمنسوخ، وفي كلامه في فصول الإمامة، والرد على مخالفي الزيدية.
وفي كتاب الرد على النصارى، وكتابه المعروف بالمكنون في الآداب والحكم، احتوى على علم واسع، وأدب جامع، ووعظ نافع.
قال عليه السلام: ومن اراد أن يعلم براعته في الفقه، ودقة نظره في طرق الإجتهاد، وحسن غوصه في انتزاع الفروع وترتيب الأخبار، فلينظر في أجوبته عن المسائل التي سئل عنها نحو مسائل جعفر بن محمد النيروسي، وعبدالله بن الحسن الكلاري التي رواها الناصر الحسن بن علي الأطروش، وفي كتاب الطهارة، وكتاب صلاة اليوم والليلة، وفي مسائل علي بن جهشيار، وفي كتاب الجامع الأجزاء في تفسير قوارع القرآن، وفي كتاب الفرائض والسنن، التي يرويها ابنه محمد، وليتأمل عقود المسائل التي عقدها فيها، وفي كتاب المناسك إلى غير ذلك من الكتب فهي كثيرة مشهورة موجودة عندنا، فالحمد لله، انتهى كلام الإمام المنصور بالله عليه السلام.

(1/10)


قلت: واعلم أنه كان أعظم احتفال الأئمة القدماء صلوات الله عليهم ببيان علم التوحيد والعدل، وفرائض الله التي ضلت فيها غواة الأمم، ولم ينجُ من الغرق إلا من بحبلهم اعتصم، ولدينهم التزم، فإنهم حجج الله على خلقه، والدعاة إلى دينه، وما زالوا يقارعون على دين الله الذي أتى به جدهم النبي المنذر، وتلاه في القيام به وتبليغه أبوهم الوصي الهادي، مؤسس قواعد الإسلام، الضارب عليه بذي الفقار هام المشركين، ومردة الطغام، حتى أقام عمود الإسلام بذلك العضب الحسام، صلى الله عليهما وعلى عترتهما الأطائب الأعلام، فهم من باب المدينة يغترفون، ولذلك الأثر يقتفون، كما قال الإمام الناصر للحق الحسن بن علي عليه السلام:
وعلمهم مسند عن قول جدهم .... عن جبريل عن الباري إذا قالوا
وهذا الإمام وأخوه الإمام محمد بن إبراهيم هما المجددان في رأس المائتين.
توفى الإمام القاسم وله سبع وسبعون سنة، ووالدهما إبراهيم بن إسماعيل يلقب طباطبا. قال بعض السادة المحققين: معناه سيد السادات.
قلت: وهو أيضاً لقب السيد الإمام العالم المحقق والمجيد الفلِّق أبي الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن عليهم السلام، الذي يستشهد أهل البيان بقوله:
لا تعجبوا من بِلَى غلالته .... قد زر أزْرَارَه على القمر

(1/11)


الدليل الكبير
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وبه نستعين، وصلواته على خير خلقه أجمعين، سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، وسلم تسليما.
قال الحسين بن القاسم بن إبراهيم: سألت أبي يوماً رحمة الله عليه، عن ما يقال للزنادقة والملحدين، فيما يسألون عنه من الدليل على الله رب العالمين، تقدست أسماؤه، وجل ثناؤه ؟!
فقال: سألت يا بُنيَّ عن أكرم مسائل السائلين، وعن ما بجهله هلك أكثر قدماء الأولين، فتخبط فيه منهم - عماية - من تخبط، وأفرط بجهله فيه منهم من أفرط، بغير ما حجة ولا برهان لمنكرهم في إنكاره، ولا عدمِ دليل مبين فيما هلك به من احتياره، إلا ما اتبعوا من مضل أهواء الأنفس، وضلوا به لتقليد أسلافهم من غواة الجن والإنس.
وحجج الله عليهم تبارك وتعالى في العلم به قائمة ظاهرة، وشواهد معرفته سبحانه لكل من خالفها بإنكار أو احتيار غالبة قاهرة. فالحمد لله ذي الغلبة والسلطان القاهر، ولمعرفته والعلم به الحجةُ والبرهانُ الزاهر.

(1/12)


[دليل الحكمة والإتقان]
فدليل العلم بالله يا بني وأعصم أسبابه، وأقرب ما جَعَل للعلم به من مداخل أبوابه، ما أظهر في الأشياء سبحانه من آثار الحكمة المتقنة، التي لا تكون إلا من مؤثر متقن، وأبان في الأشياء من شواهد التدبير الحسنة المحكمة، التي لا تكون إلا من حكيم محسن، كما قال سبحانه: ?ذلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالْشَّهَادَةِ الْعَزِيْزُ الْرَّحِيْمُ، الْذَّي أَحْسَنَ كُلَّ شيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِنْ طِيْنٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مهِيْنٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيْهِ مِنْ رُوْحِهِ وَجَعَلَ لَكُم الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيْلاً مَّا تَشُكُرُونَ?[السجدة:32]. فكل ما ذكره سبحانه فجعائلٌ لابد لها من جاعل، وفعائلٌ لا تقوم أبداً إلا بفاعل، ولن يوجد جاعلها وفاعلها إلا الله سبحانه ذو الأسماء الحسنى، البريء من مشابهة الجعائل والفعائل في كل معنى.
ومن أسباب العلم به ودلائله، بعد الذي أبان من أثر التدبير في جعائله، أوثق وثائق الأسباب، مما فطر عليه بنية الألباب، من العلم البتّ، واليقين المثبت، الذي لا يعتري فيه - بحقيقةٍ - شكٌ ولا مرية، ولا تعترض فيما جعل من بصائره شبهةٌ مُعشية، من أن لكلِ ما أُحِسَّ أو عُقل، مما أثّر سبحانه وجعل، خلاقا متيقن معلوم، لا تدركه الحوآس ولا الوهوم. يُعقل ويُعرف بخلاف ما عُقِلت به الأشياء وعُرِفت، فتخالفه ويخالفها بغير ما به في نفسها اختلفت. فهذان أصلان مجملان، لمعرفة الله عز وجل ثابتان، وشاهدان عدلا ن، على العلم بالله بآتَّان.

(1/13)


[وسائل المعرفة]
ولن يخلو العلم بالله، والوصول إلى المعرفة بالله، من أن يكون مدركا:
1ـ بمباشرة حس فيكون كمحسوس،
2ـ أو يُدرك بمباشرة نفس فيكون كبعض ما يُدرك من النفوس.
ولْيعلم من وصل إليه كتابنا هذا في ذكر درك النفس أن فلاسفة الروم، يزعمون: أن للنفس دركاً ليس بدرك الحوآس ولا درك الوهوم. ولا سيما عندهم إذا كانت النفس مُعرّآة من الأجسام، ومبرَّأة مما هي عليه من أوعية الأجرام .
3ـ أو يُدرك من وَهَم جائل، فيكون كمتوَهَّم بالمخايل .
4ـ أو يكون دركه سبحانه بظن، فيكون دركه كالمتظنَّن، الذي يصيب فيه الظن مرة ويخطي، ويسرع المتظنن بظنه فيه ويبطي.
5ـ أو يدرك من دليل مبين، فيكون مدلولا عليه ببتٍّ يقين.
6ـ أو يكون مدرَكاً سبحانه بحال واحدة دون أحوال، أو بما يمكن اجتماعه من كل ما وصفنا من الخلال.
7ـ أو مدرَكاً بجميع ما قلنا وحددنا، ووصفنا من الأمور كلها وعددنا.
8ـ أو مدرَكاً سبحانه بخلافه لكلِ محسوسِ الأشياء ومعقولها، في جميع ما يُدرك من فروع الأشياء وأصولها.
وهذا الباب من خلافه سبحانه لأجزاء الأشياء كلها، فيما يُدرك من فروع الأشياء جميعا وأصلها، فما لا يوجد أبداً إلا بين الأشياء وبينه، ولا يوصف بها أبداً غيره سبحانه. وهي الصفة التي لا يشاركه عز وجل فيها مشارك، ولا يملكها عليه تعالى مالك.
ولا يعم جميع الأشياء ما يقع من الاختلاف، فلن يوجد واقعاً إلا بين ذوات الأوصاف. وكل واحد منها وإن خالف غيره في صفة فقد يوافقه في صفة أخرى، كان مما يُعقل أو كان مما يُلمس أو يُرى. فإن اختلف محسوسان في لون أو طعم، اتفقا فيما لهما من حدود الجسم، وإن اختلف معقولان في فِعال أو همّة، اتفقا فيما يُعقل من أصولهما المتوهَّمة. كالملائكة والإنس والشياطين التي أصولها في النفسانية واحدة متفقة، وَهِممُهَا وأفعالها مختلفة مفترقة.

(1/14)


فَهِِمَم الملائكة الاحسان والتسبيح، وهمم الشياطين العصيان والقبيح، وهمم أنفس الانس فمختلقة كاختلافها، في قصدها وإسرافها، فتحسن مرة وتبرّ، وتسيء تارة وتُشِرُّ .
وكل خلق من الملائكة والانس والشياطين فقد جعل الله له صفة متممة ذاتية، بها بَانَ بعضهم من بعض وكانت لكلِ مَن جعلها الله له خآصة صنفية، فهي لهم وبينهم ولهم اختلاف، وكلهم بها وبما جعل الله منها أصناف، بعضهم غير بعض، كما السماءُ غير الأرض.
وليس من وراء ما قلنا في الدرك لمعرفة الله والوصول إلى العلم بالله قول، ولا بعد الذي عددنا وحددنا في أصول المعارف بالله أصل معقول.
ولابد من النظر لمن أراد يقين المعرفة بالله، في تصحيح كل ما وصفنا صفة بعد صفة في معرفة الله، ليأتي المعرفة بالله من بابها، وليسلم بذلك من شكوك النفس وارتيابها، فإنه لن تزكو نفس ولن تطيب، ولن يهتدي امرؤ ولن يصيب، اعتلج في صدره بالله ريب مريب، ولا كان فيه لشك في الله نصيب.
فنستعين بالله على معرفته ويقينها، ونرغب إليه في يقين أوليائه ودينها، فان ذلك ما لا يثبت لمن ادعاه بدعوى غير ذات بيِّنة ولا أصل، فضلاً عن من كذَّب دعواه في ذلك من العامة سوءُ الفعل، فقال: أعرف الله بلسانه، وكذَّب ما ادعى من المعرفة له بكبيرِ عصيانه .
فإذا قيل له: بم عرفت ما تزعم، ومن أين علمت ما تقول إنك تعلم ؟!
قال: يا سبحان الله! ومَن يجهل الله ؟! وهل يُسأل أحد عن معرفة الله ؟!

(1/15)


وليس عنده من وجوه المعارف التي عددنا كلها وجه! ولا له في الجهل بالله لفاحش عصيانه مثل ولا شِبْه، يقول أبداً فيكذب، ويخوض أبداً ويلعب، فقوله خوض وزور، وفعاله فسادٌ وبُور، ولا يُصدِّق قولَه بفعال، ولا يُقَوِّم دعواه إلاَّ بمحال، لا يفهمه عنه لبيب، ولا يُصَوِّب مذهبه فيه مصيب، كالبهيمة المهملة الراتعة، التي لا همة لها إلا في مأكل أو متعة، كما قال الله جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: ?والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم?[محمد:12]. وقال سبحانه: ? أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ? [الأعراف :179]. وقال سبحانه: ? ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ?[الحجر:3].
فنعوذ بالله يا بني من مثل حالهم، ونرغب إليه في السلامة من سوء فعالهم، وحسبنا الله في معرفته دليلاً وداعياً، وموفقاً سبحانه للعلم به وهادياً.

(1/16)


[تفصيل طرق المعرفة]
فأول باب: وصفناه من دركه سبحانه بمباشرة الحس، والباب الثاني: من دركه سبحانه بمباشرة النفس، ففاسد أن يكون الله سبحانه بواحد منهما مدركاً أو معروفاً، لأنَّه إن عُرِف أو أُدرِك بما أُدركا به أو عُرفا كان بصفتهما موصوفا، يجري عليه ما يجري عليهما، ويضاف إليه تعالى ما يضاف إليهما، من تجزئة الكل والأبعاض، وَأَلَمَّ به ما يُلم بهما من الآلام والأعراض.
لأن ما يُدرك من كل محسوس، وإن كان خلافاً لما يعقل من النفوس، فلن يخلو من أن يكون خليطين خُلطا فامتزجا فتوحدا، أو أخلاطاً كثيرة عُدْنَ مزاجاً واحداً، فتبدلن عن حالهن الأولى، وصِرْنَ كونا من الأكوان التي تبلى، وما كان كوناً لزمه ما يلزم الأكوان، ولم يتقدم الحركة ولا الأزمان، وكان فيهما محظوراً، وبما حصرهما من الحدث محصوراً.
وحدثُ الحركة والزمان، وقرائنهما من الجسم والصورة والمكان، فما لا ينكره ـ إلا بمكابرة لعقله، أو فاحشِ مستنكَر من جهله ـ مَن سلمت من الخَبَل نفسه، ونجت من نقص الآفات حوآسه.
وكل نفس فذاتُ قوىً شتى مختلفة، كل صفة منها فسوى غيرها من كل صفة، واختلافُ قوى كلِّ نفس فمعروف غير منكر، منها التوهم والفكر، وغيرهما من التذكر والخَطْر .
وقوى كل نفس فمتممة لها، لا يمكن أن تزايلها، لأنها إن زايلتها قوة من قواها المتممة لكونها، وما وصفناه من محدود كمال شؤونها، كان في ذلك من زواله زوالها، وزال عن النفس بزواله عنها كمالها، وفنيت النفس بفنائه، ولم تبق النفس بعد بِلائه.

(1/17)


ألا ترى أن قوى النفس المتممة لكونها، ومحدود كمال شؤونها، كحرِّ الشمس ونورها، وغيرهما مما لا قوام للشمس دونه من أمورها، وكذلك قوى النار في إحراقها وحرها، كقوى النفس في توهمها وذكرها، فإن فني حر الشمس أو نورها فَنِيَت، وإن بلي إسخان النار أو إحراقها بَلَيِت، وكذلك النفس إن زايلها، ما جعله الله من القوى لها، فزال فكرها عنها، أو فني توهمها منها، فنيت بفنائه، وبليت مع بلائه.
وفي ذلك، إذا كان كذلك، دليل مبين، وعلم ثابت صحيح يقين، أن النفس كثيرة عددا، وأنها ليست شيئا واحداً، فكل نفس فغير واحدة، ولكنها كثيرة ذات عِدَّة، والله تبارك وتعالى فواحد فرد، وقوته فمفردة ليس لها حد، ومن لم يكن واحدا فردا، ونهاية في الدرك صمدا، كان متحآداً معدودا، وأشتاتاً متناهيا محدودا.
والباب الثالث: من دركه سبحانه بمخايل الأوهام، ففاسد لتشبيهه فيه بمتوَّهم مخايل الأجسام.
والباب الرابع: من دركه سبحانه بالظن فقد يمكن ويكون، إذ كانت قد تخطئ وتصيب الظنون.
فصواب الظن في أنه قد يصيب فيه سبحانه، وخطأ الظن فيه فمُنَحًّى عنه مقطوعة الأسباب فيما بينها وبينه.
والباب الخامس: من دركه سبحانه بالدلالة فموجود لا يعنف، وصحيح ثابت في الألباب لا يختلف.
والباب السادس: من دركه سبحانه بحال واحدة مما عددنا، ففاسد فيه تبارك وتعالى بما أفسدنا.
والباب السابع: من دركه سبحانه بكل ما عددنا وحددنا من الخلال، فأحول ما يتوهم من وجوه المحال، لما يجمع مما لا يجتمع في حس ولا عقل ولا وهم، وفي ذلك أن يكون كذلك أعدم العُدْم !!

(1/18)


والباب الثامن: معرفته سبحانه بخلاف الأشياء كلها فلبابُ كلِ لباب، وأصح ما يُدرِكه به ـ سبحانه ـ من خلقه أولو الألباب، لأنه إذا صح أنه غير مدرَك سبحانه بدرك هذه الأشياء وأوصافها، وكان لابد لمن أدرك هذه الأشياء دركا صحيحا من أن يكون مدرَكا بصحة لخلافها، بيقين ـ من دركه لها ـ مبتُوت، كدرك الحياة وخلافها من الموت، ودرك الصحة وخلافها من السّقَم، ودرك الشباب وخلافه من الهرم، وغير ذلك من اختلاف الأشياء كلها، وما يوجد لها من الاختلاف في فرعها وأصلها، وإذا كان ذلك كذلك، وصح ما ذكرنا في النفوس من ذلك، كان واجبا وجوب اضطرار، وثابتا من النفوس في أثبت قرار، دركُه سبحانه ووجدُه عند دركها ووجودها، إذ هو خلافٌ سبحانه لكل ما يوجد من موجودها.
فإن قال قائل: فِلمَ لا تجعل خلاف الأشياء كلها العدم ؟! فقد يحيط بخلافه للأشياء كلها الوهم ؟!.
قلنا: إن العدم ليس بمعنى موجود، وليس مما له إِنيِّةٌ ولا حدود، وإنما مطلبنا فيما قلنا، للخلاف بين ما قد عقلنا، من ذوات الإنّيّة الموجودة الثابتة بالحس، أو الشهادة البآتَّة من درك النفس، أو ما يدرك خلافا لهما جميعا، فيوجد أثر تدبيره بَيِّناً فيهما معا.

(1/19)


فأما ما ليس بذي أَيْس، ـ ولا يُدرك درك محسوس، ولا يعرف بفرع ولا سُوس، ولا يُبِين عن نفسه بأثر من تدبير، ولا يُستدل على وجوده بدليل منير ـ فليس فيه لنا مطلب، ولا لنا إليه بحمد الله مذهب، وإنما قولنا في العدم، إنه خلافٌ في الوهم، لا في حقيقة للعدم موجودة، ولا عين منه قائمة ولا محدودة، وإنما يطلب خلاف الأشياء كلها في حقائق الأعيان، بما يُدرك في العقل والعلم من الاختلاف بِبَتِّ الايقان، وكذلك وجدنا الاختلاف الصَّحيح اليقين يكون، بين ما يُحَس أو يُعقَل من الأشياء التي لها كون، فأما العدم الذي هو ليس، والذي لم يُتوهم له قط أَيسٌ، فليس في بُعِده من أن يقال: مختلِف بحقيقة أو مؤتلِفٍ وهمٌ، وليس لأحد علينا والحمد لله في اختلاف منه ولا ائتلاف متكلَّم، هو غير ذي شك عدمُ الأعدام، ولا يرتفع عنه إلا بعبارة المنطق نطق الكلام.

(1/20)


[دلالة الآيات الكونية على وجود الله]
والحمد لله على ما جعل لنا من السبيل بما قلنا وغيره إلى معرفته، ودلنا عليه في محكم القرآن مَنّاً وإحساناً من صفته، فقال سبحانه فيما عرفنا، منه وثَبَّت لنا، من أنه يعرف بالأعلام القائمة الدآلة، والشهادات القاطعة العادلة، التي لم تبرح في الأنفس والآفاق شاهدة مشهودة، ولم تزل في السماوات والأرض وما بينهما من سالف الأحقاب قائمة موجودة، تشير إلى معرفته بكف وبنان، وتومئ إلى العلم بالله لكل من له قلب وعينان، كما قال الله سبحانه: ? وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّوْنَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُوْنَ ? [يوسف :105]. وقال سبحانه: ? وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوْقِنِيْنَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفلاَ تُبْصرُوْن، وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوْعَدُوْن، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُوْن ? [الذريات :20ـ 23]. وقال سبحانه: ? سَنُرِيْهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسهمْ حَتَّى يَتَبَينَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَق أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِ شَيءٍ شَهِيْدٍ ? [فصلت:53]. فمن شهادته سبحانه لها أنه لِما كان منها مدبِّر مريد، ثُمَّ قرر لنا سبحانه شهادة دلائله، بما أظهر في السماوات والأرض والأنفس من أثر جعائله، بتوقيف مُنَبِّه لكل بصير حي، وتعريف لا يَجهل بعده إلا كل ضلِّيل عميٍّ، فقال سبحانه في توقيفه، وما نبه من تعريفه: ? إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالْنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُوْنَ، فَالِقُ الاصباح وَجَاعِلُ الْلِيْلِ سَكَناً وَالْشَمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيْرُ الْعَزِيْزِ الْعَلِيْمِ، وَهْوَ الذِي جَعَلَ لَكُمْ النُجُوْمَ لِتَهْتَدُوْا بِهَا فِي ظُلُمَا تِ

(1/21)


الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهْوَ الْذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌ وَمُسْتَودَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَومٍ يَفْقَهُونَ، وَهْوَ الْذِيْ أَنْزَلَ مِنَ الْسَمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَباً مُتَرَاكِباً وَمِنَ الْنَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالْزَّيْتُونَ وَالْرُّمُان مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِيِ ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوم يؤمنون ? [الأنعام:95-99]. ففلْقُ الحب ـ يا بني ـ والنوى والاصباح، وإخراج الحي من الميت والميت من الحي بأوضح الايضاح، وما جعل من الليل سكناً، ولباساً مُكِنَّا، ومن الشمس والقمر حسبانا معدوداً، وما جعل في النجوم للسارين من الهدى، وإنشاء البشر من نفس واحدة، فما لا تنكره فرقة ملحدة ولا غير ملحدة. وما استودع منهم في الأرحام والأصلاب، وما استقر _ منهم في قرار الأرض وعلى متن التراب، وما أنزل من الماء، من جو السماء، وما أخرج به من خَضِر الألوان المختلفة، وأصناف الحبوب المتراكبة المتصنفة، وما أخرج به من النخل وطلعها، وقنوانها الدانية عند ينعها، وما أخرج به من جنات الأعناب ذوات الألوان، وما تشابه أو لم يتشابه من الزيتون والرمان _ فمعاينٌ كله بما قال الله فيه مشهود، بَيِّنٌ فيه كله أثر صنع الله موجود، لا يقدر أحد له بحجة على إنكار، ولا يمتنع حكيم على الله فيه من إقرار.

(1/22)


ومن توقيفه سبحانه المكرَّم، وتعليمه تبارك وتعالى المحكم، قوله: ?قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ الْسَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ الْسَمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقَولوْنَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ!! فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الْضَلاَل فَأَنَّى تُصْرَفُونَ!! ? [يونس:31-32].
وكل ما ذكر الله سبحانه من هذا كله فقد علمنا بيقين، وأدركنا بقلب وعين، أنه مرزوق غير رازق، ومخلوق ليس لنفسه بخالق، ومملوك غير مالك من نفسه بشيء، ومُخرَج ومُحيًا غير مخرِج لنفسه ولا مُحيِي، وكل أمر السماء والأرض فقد يُعاين مدبَّراً غير مدبِّر، ويُرى أثراً ـ بأبين شواهد التأثير ـ من مؤثِّر، فلا بد ببت اليقين من رازقِ ما يُرى من الأرزاق، ومدبِّرِ ما يعاين من أثر التدبير في السماوات والآفاق، ومالكِ ما يرى مملوكاً غير مالك من السمع والأبصار، ومخرجِ الحي من الميت والميت من الحي بمواقيت وأقدار، ولا بد من مدبرِّ الأمر الأعم الكلي، ولن يوجد ذلك إلا الله الأعلى فوق كل عليٍّ.

(1/23)


ومن ذلك أيضا فقوله تبارك وتعالى: ? أفَرَأيْتُمْ مَا تُمْنُون، أأنْتُمْ تَخْلُقُوْنَهُ أمْ نَحْنُ الْخَالِقُوْن ؟! ? [الواقعة:58- 59]. فالله سبحانه هو الخالق ونحن الممنون، ليس لنا في ذلك غير إمناء المني من صنع، ولا نقدر بعده لما قدَّر بيننا من الموت على منع، فتقدير صنعنا كله وتدبيره، وتبديل خلقنا إن شاء خالقنا وتغييره، إلى من تولاه دوننا، وكان منه لا منا، كما قال سبحانه: ? نَحْنَ قَدَّرناَ بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوْقِيْن، عَلَى أنْ نُبَدِّلَ أمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِيمَا لاتَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الْنَّشْأَةَ الأُولَى فَلولاَ تَذَكَّرُونَ ? [الواقعة:60- 62]. فقرر سبحانه بمعلوم غير مجهول، وذكَّر بما لا ينكره سليم العقول، من نشأة الصنع الأولى، فتبارك الله العلي الأعلى.

(1/24)


ثُمَّ قال سبحانه: ? أَفَرَأَيْتُمُ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْزَّارِعُون ؟! ? [الواقعة:63- 64]. فالله هو الزارع ونحن الحارثون. ليس لنا في الزرع سوى حرثه من حيلة موجودة ولا معدومة، ولا نقدر بعد الحرث له على إنشاء منه لسنبلة محمودة ولا مذمومة، وقدرتنا فإنما هي على الحرث والاعتمال، وعلى خلافهما من الترك والاغفال، وكذلك فَلِلَّه من القدرة بعدُ على إبطال الزرع وبلائه، مثل الذي كان له من القدرة قبلُ على تثميره وإنمائه، ولا يقدر على أمر إلا من يقدر على خلافه، وعلى فعلِ كلِ ما كان من نوعه وأصنافه، فمن لم يكن كذلك، وَتَصِح صفته بذلك، كان بريا من القدرة عليه، وكان العجز في ذلك منسوبا إليه، كما قال سبحانه، في الزرع بعد إكماله: ? لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفكّهُوْن، إنَّا لَمُغْرَمُوْن، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُون ? [الواقعة:65- 67]. وكذلك إعذاب الماء، وما يعايَن من تنزيله من جو السماء، فلا يقدر على إعذاب الماء وإنزاله، إلا من يقد على إيجاجه وإقلاله، كما قال الله سبحانه: ? أفَرَأيْتُم الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُوْن، أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوْهُ مِنْ الْمُزْنِ أم نَحْنُ الْمُنْزِلُوْن، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُوْنَ ? [الواقعة:68- 70]. وكلُ فعلِ فرعٍ لا يتم إلاَّ بأصله، ففاعل الأصل أولى بفعلِ فرعِ أصله، كشجرة النار، وأصول الأشجار، التي هي من الأرض والماء، والجو والسماء.

(1/25)


فصنع هذه الفروع لمن كان له صنع الأصول، لا ينكر ذلك منكر ولا يدفعه إلا بمكابرة فِطَر العقول، كما قال الله سبحانه: ? أفَرَأَيْتُم النَّارَ الَّتِي تُوْرُوْنَ، أأنْتُمْ أنْشَأتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ الْمُنشِئُوْنَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِيْنَ ? [الواقعة:71- 73]. فكل ما نبه به من هذا ودل عليه، فداعٍ من معرفته سبحانه إلى ما دعا إليه.
ومن ذلك أيضا، فقوله تبارك وتعالى: ? اعْلَمُوْا أنَّ اللهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيْنَّا لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ? [الحديد:17]. فإذا كانت حياة الأرض بعد موتها موجودة، وميتتها التي كانت تُعلم قبل حياتها مفقودة، فلا بد اضطرارا ثابتا، ويقينا لا تدفعه النفوس بآتَّا، من إثبات مميتها ومحييها، إذ بَانَ أثر تدبيره فيها، بأكثر مما يعقل من الآثار، وأكبر مما تعرفه النفوس من الأقدار، مما لم يُر له في الحياة قط مؤثِّر، ولم يوجد له من المدبرين قط مدبِّر، إلا من يزعم أنه من الله لا منه، ومن يقر أنه منه يقر أنه من الله دونه، مثل المسيح بن مريم، وغيره ممن أعطيه من ولد آدم.
ومن تعريفه القريب، وتوقيفه العجيب، قوله سبحانه: ? قُل لِمَنْ الأرْضُ وَمَنْ فِيْهَا إنْ كُنْتُمْ تَعلَمُونَ، سَيَقُولُوْنَ للهِ قُل أفَلاَ تَذَكَّرُونَ ? [المؤمنون:84- 85]. فلما كانت الأرض مملوكة ومن فيها، بما تبيَّن من أثر الملك عليها، ثبت مالكها عند معاينتها غير مدفوع، ووُجِدَ صانعها باضطرار غير مصنوع.
ومن توقيفه، أيضا وتعريفه، قوله سبحانه: ? قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْع وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيْمِ ? [المؤمنون:86]. فلما وُجِد ـ ما وقَّف الله سبحانه عليه من ذلك ـ مربوبا غير متمنع، بما تبيَّن فيه من شواهد كل مربوب متخشِّع، وُجِد ربها كلها بيقين مبتوت عند وجودها، وشهد له بالربوبية ما شهد بالصنع عليها من شهودها.

(1/26)


ثُمَّ قال سبحانه لتوقيفه وتعريفه مرِّدداً، وعليهم بما لا تدفعه النفوس من الشهود مستشهدًا : ? قُلْ مَنْ بِيِده مَلَكُوتُ كُلِّ شَيٍء وَهْوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيهِ إِنْ كُنتُمْ تَعَلمُونَ ? [المؤمنون:88]. فلما كان كل شيء يُحس بحس، أو يُعقل إن لم يكن محسوسا بنفس، في قبضة محيطة به من قدرة وملكوت، بما لا يدفعه عن نفسه من بلاء أو موت، كان مليك الملكوت للأشياء كلها معلوما باضطرار، من يجير ولا يجار عليه إذ الملكوت كلها له غير ممتنعة منه بجار.
ومما يَقَّظَ به سبحانه لمعرفته، ودلَّ منه بأوضح دليل على ربوبيته، وما تفرد به من صنع البدائع، وتوحَّد بابتداعه من بدع الصنائع، قوله سبحانه: ? والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثُمَّ جعلكم أزواجاً وما تحمل من أنثى ولا تضع إلاَّ بعلمه وما يُعمَّر من معمر ولا يُنقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير ? [فاطر:11].
فلما أن كان خلق أبينا، الذي هو أول إنشائنا، وهو آدم، الأب المقدم، مما ذكر الله تبارك وتعالى أنه ابتدأه منه من التراب، كنا مخلوقين مما خُلِق منه وإن نحن جرينا بعده نُطَفاً في الأصلاب.
والدليل البتُّ اليقين، الشاهد العدل المبين، على أن آدم عليه السلام بُدئ من التراب وخلق، مصير نسله تراباً إذا بلي وفُرِّق، وكل مركَّب انتقض من الأشياء، فعاد إلى شيء عند تنقضه بالفُرقة والبلى، فمنه رُكِّب وخلق غير شك ولا امتراء، كالثلج والجليد، والبَرَدِ الشديد، الذي يعود كل واحد منهما إذا انتقض وفُرِّقَ، إلى ما رُكِّب منه من المياه وخُلِق، وكمركَّب الأشجار والحبوب وغيرهما من ضروب الأغذية، التي تعود عند بلائها إلى ما رُكِّبت منه من الأرضين والمياه والنيران والأهوية.

(1/27)


وآدم عليه السلام في أنه من تراب - وإن كان كمالا وأباً - كأولاده، يجري عليه في أنه من ترابٍ ما يجري على أجزائه وآحاده، وما يعاين من معاد أنساله، التي هي أجزآؤه من كماله، إلى الرفات الجامد، والتراب الهامد، يلحق به مثله، إذ هم جزؤه ونسله، وما لحق بالأجزاء، من الموت والبِلاء، فلاحقٌ لا محالة بالكمال، والكمال والأجزاء فجارية منه على مثال، إذ كانت أشباهاً متماثلة، وأمثالاً لا يُجهل تماثلها متعادلة! وأما يقين خلقه إيانا سبحانه من نطفة، وما جعل منا أزواجا مختلفة، في الخلقة غير مؤتلفة، فمعايَنٌ فينا معلوم، لا تدفعه العيان ولا الحلوم. ألا ترى أن النطفة لو لم تكن لما كنتَ، ولو عَدِمتْ إذن لعَدِمْتَ. وما كان إذا عَدِمَ عَدِمْتَ، فمنه غير شك خلقت وقُوِّمْتَ. ألا ترى أن كون المرعى والأشجار، مما ينزل الله لها من المياه والأمطار، فإذا عدم الماء والمطر، هلك المرعى والشجر، أولا ترى أن كل ثمرة فمن شجراتها، فإذا عدمت الشجرات عدمت ثمراتها.
وما عجَّب الله به سبحانه من صنعه في تكثيره منه للقليل المفرد، ونشره تبارك وتعالى للكثير من واحد العدد، فأعجب عجاب، عجب له من خلقه أولو الألباب، بينا نحن تراب ميت إذ أحيانا، ونطفة واحدة إذ كثرنا فأثرانا، فجعل سبحانه منا بنطفة تمنى، ذكرا يعاين وأنثى، حكمة منه سبحانه لا عبثا، كما قال تبارك وتعالى: ? أيحسب الانسان أن يترك سد ى، ألم يكُ نطفة من مني يمنى، ثُمَّ كان علقة فخلق فسوى، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ? [القيامة 36ـ 40].
فصرَّفنا بعد خلق خلقا، ترابا ثُمَّ نطفة ثُمَّ تارة عَلَقا، تصاريف لا يدَّعي على الله فيها مدعٍ دعوى، فيعلن بدعواه فيها ولا يسر بها نجوى، تبريا إلى الله الخالق منها، وتضآؤلا في جميع الأشياء عنها.

(1/28)


وكل هذه التصاريف فلا بد لها من مصرِّف، وما عُدّد من شتيت الأصناف فلا بد لها من مصنِّف، لا تدفع الألبابُ وجوده، ولا يُكذِّب إلا كاذبٌ شهودَه.
وما ذكر سبحانه من حمل كل أنثى ووضعها بعلمه، فما لا ينكره أحد وهبه الله حكمة من حِكَمِه، وما لا يأباه منقوص بعد التقرير إلا بمكابرة منه لعقله، مع الاقرار منه لنا صاغرا راغما بمثله، وإذا كان بمثله مقرا، كان بإنكاره له مكابرا، بل يعطى فيأبى، إلا مجانة وألعابا، إنما هو أصغر صغرا، وأيسر أضعافا قدرا، من حمل الأنثى ووضعها، وتأليف أعضاء الولدان وجمعها، وما فيها من حسن التصوير، وداخل معها في لطيف التدبير، لا يقوم معتدلا، ولا يبقى متصلا، طَرْفَ عين، بأيقن يقين، إلا بعلم من عليم، وتدبير متقَن من حكيم، لا تُلِمُّ به سنة ولا نوم، ولا تنازعه الأشغال ولا الهموم.

(1/29)


وكذلك تعمير المعمَّر، وما ينقص له من عمر، فلا يكون أبدا إلا في كتاب، إذ كانت الأيام والليالي بحساب، ولا يكون نقص العمر وزيادته، إلا لمن به قوامه ومآدته، ممن يدبر الأيام والليالي، ولن يوجد ذلك إلا عن الله الكبير المتعالي، ولا يكون كتاب ذلك الذي ـ هو علمه ـ على مَن وَسِعَ الأشياء كلها تدبيرا، إلا خفيفا ـ لا يؤوده حفظه ـ عليه تبارك وتعالى كما قال: يسيرا، ثُمَّ أخبر سبحانه صدقا، ونبَّأ في كتابه حقا، بقدرته على أن يخلق من الأشتات المختلفة، واحدا غير مختلف في الصفة، لأنه من قدر على خلق الأشتات من المؤتلف الذي لا يختلف، قَدَر على خلق الواحد المشتبه من الأشتات التي لا تأتلف، كخلقه سبحانه لأُحدان، ما خلق من الدر واللحمان، من مختلف البحار وأشتاتها، بأبين اختلاف من أُجاجها وفراتها. فجعل سبحانه منها، مع خلافه بينها، لحما واحدا مشتبها طريا، ولباسا واحدا من الدر حسنا بهيا، وحمل سبحانه على ظهورها، مع خلافه بينها في أمورها، الفلكَ المشحونَ السائرَ، وردها بعد التفريغ فيه مواخر، ليُعلِمَ ـ من عجيب تدبير أمرها، واختلاف الحال في مسيرها، إذ تسير شاحنة مالية، كما تسير ماخرة خالية، وإذ تسير بحاليها جميعا في أجاج البحار، كما تسير بهما في فرات الأنهار ـ أَن لها لمسيِّرا لا تختلف في قوته الأشياء، ومدبرِّا قويا لا تساويه الأقوياء، وأن تسييرها مقبلة ومدبرة، وشاحنة في البحرين وماخرة، إلى من يدبر ما سارت به من مختلف الرياح المسيَّرات، ومَنْ يملك ما جرت فيه من الماء الأجاج والفرات، ومن له مُلكُ ما لولا هو لم تكن الرياح الجاريات، ولم يوجد الملح من المياه ولا الفرات.

(1/30)


ومن إيلاجه سبحانه الليل في النهار، وما قدر بهما من المواقيت والأقدار، وتسخيره سبحانه للشمس والقمر، اللذين بهما دبَّر مسيرَ الفلك في البحار كل مدبَّر، كان لتدبيره ـ في المسير بهما في بحر ـ حكمة، أو فيهما لفلك بعد الله من نجاة عصمة، لما جعل سبحانه فيهما من الضياء، وبَصَّر بهما في المسير من القصد للأشياء، وبصَّر تبارك وتعالى بغيرهما، إذ فُقِدَ في ظلم الليل ما جعل من البصر بتسخيرهما، من النجوم السُّيَّر التي جعلها الله هدى للسارين في الظلمات، سَرَوا في البحار أو كان سراهم في الفلوات. كما قال الله سبحانه: ? وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلما ت البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ? [الأنعام:97].

(1/31)


وتسخير ما ذكر الله سبحانه من الشمس والقمر، وتسخيره لغيرهما من النجوم السٌّيَّر، فظاهرٌ بحمد الله غير متوارٍ ولا خفي، يبصره عيانا كل ذي عقل حيِي، لما فيها من آيات التسخير، وبَيِّنِ ما معها من دليل التدبير، بتفاوت نورها، وغيره من أمورها، في السرعة والابطاء، والظهور والخفاء، والرجوع والتَّحيرُّ، والدأب في التدَّوُّر، فهي راجعة في المسير ومتحيِّرة، ومقبلة بالدؤوب ومدبرة، فهذه حال المسخَّر غير مرية ولا شك، جرى بها فلكها أو كانت جارية بأنفسها في الفلك. والتفاوت بينها في الضياء، فكغيره من التفاوت بين الأشياء، ولا يقع حكم التفاوت، أبدا بين متفاوت، إلا كان له وفيه، من فاوت بينه في حاليه، وكان مملوكا اضطرارا غير مالك، وكان ملكه لمن أسلكه من التفاوت في تلك المسالك. وكذلك حال تفاوت هذه النجوم، يجري من الله فيه بحكم محكوم، ولله سبحانه من ملكِ كل نجم وفلك ماله من ملك كل مملوك، و الحمد لله إله الآلهة وملك الملوك، ومدبر كل نجم وغيره، بما لا يخفى من أثر تدبيره، في الهيئة والتصوير، والمقام والتحيير والتيسير، ذلك قوله سبحانه فيما وصفنا من قدرته على خلق الواحد المشتبه من شتيت الأصناف، وخلقه للكثير المختلف من الواحد الذي ليس بذي اختلاف، وما وَلِيَ الله سبحانه من تدبير النجوم وتسخيرها، وإجراء الفلك في مختلف البحار وتسييرها، وإيلاجه سبحانه الليل في النهار، وتقديره لذلك كله بأحسن الأقدار، ? وَماَ يَستَوِي البَحْرانِ هَذَا عَذْبٌ فُراَتٌ سَاِئغٌ شَرابُهُ وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ? [فاطر12-13]. فصدق الله تبارك وتعالى، ذو الملك والقدرة والأمثال العُلا، إنه لهو الله

(1/32)


ربنا، ومَنًّا منه كان خلقنا وتركيبنا، له الملك ومنه عجيب التدبير، ومن دُعي معه أو دونه فما يملك من قطمير، والقطمير: فأصغر ما يملكه متفرد به مالك، أو يشرك مليكاً في ملكه مشارك.
فكل ما ذكر الله من هذه الأمور، فَنيَرِّ بَيِّنٌ غير مستور، يشاهده ويحضره، ويعاينه ويبصره، مَن آمن بالله شكرا، أو صد عن الله كفراً.
أو لا تسمع قوله سبحانه: ?أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون، وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجاً سبلا لعلهم يهتدون، وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون، وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ? [الأنبياء 30 –33]. ففتقُ السماوات والأرض فيهن ظاهر لا يتوارى، يراه ويعاينه كل ذي عين ترى، وما يُعَايَنُ فيهن ويرى فتقًا، فشاهد على أنهن كنَّ قبله رتقًا، إذ لا يكون فتق إلا لمرتَتَق، كما لا يكون رتق إلا لمفتَتَق، ولا فتح إلا لمنغلق. ولا بد يقينا لكل مفتوق من فاتقه، كما لابد لكل مفتوح من فاتح أغلاقه، وما جعل الله من الماء من الحيوان، فموجود ما ذكر الله منه بالعيان؛ لأن كل شجرة حية قائمة، أو دآبة ناطقة أو بهيمة، فمن الماء جَعْلَتُها، وبه قامت جبلتها.
ألا ترى أن الشجرة إذا فقدت من الماء غذآءها، وفارق الماء قلبها ولحاها، يبست فماتت، وانحطمت فتهافتت، فذلك الدليل على أن من الماء جُعلت، إذ كانت إذا عد م الماء عدمت.
أولا ترى أن لولا مياه الذكران والإناث التي هي النطف، إذاً لما وجد من البشر والبهائم طارف يطرف، فذلك الدليل على أنهم من الماء جعلوا، إذ كان الماء إذا عدم عدموا، وذلك قوله سبحانه: ? فلينظر الانسان مما خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب ? [الطارق 5 – 7]. وقوله: ? وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً ? [الفرقان 5:4].

(1/33)


[حكمة خلق الجبال]
وما جعل الله سبحانه في الأرض من رواسي الجبال، وغيرها مما ثقَّلها به من الأثقال، كيلا تميد بمن عليها من الانسان، وغيره من أنواع الحيوان، الذي لا بقاء له ولا قوام مع الميَدان، فموجود بأيقن الايقان، إذ توجد بالعيان الأفلاك تمر من تحت الأرض دائرة، وتخفى بممرها تحتها وتظهر عليها سائرة، ولا يمكن أن يكون مسيرها، تحتها ومقبلها ومدبرها، إلا في خلاء أو عراء، أو هواء أو ماء، وأي ذلك ما كان مسيرها مقبلها ومدبرها فيه، احتاج مَن على الأرض مِن ساكنها إلى ما جعلهم محتاجين إليه، من تثقيل قرارهم بما ثقَّله الله من رواسي الجبال، وغيرها مما ثقلها به سبحانه مما عليها من الأثقال، لكيما تكون كما قال الله: قرارا، ولما جعله الله خلالها انهارا، ولو لم تكن سكنا قآرا، لما احتملت من أنهارها نهرا، ولو مادت لاضطربت غير مستقرة ولا هادية، ولو لم تستقر وتهدأ لكانت أنهارها متفجرة غير جارية، لا ينفع ما جعل الله حاجزاً وبرزخا، وحبسا ثابتا مرسخاً، بين منسبح عذب مياهها وملحه، ومُفسِد أمورها ومُصلِحه، فاختلط فراتها بأجاجها، وبطل ما جعل فيها من سبل منهاجها، حتى لا يكون لفلك فيها سبيلُ مَسِير، ولا لطامي جم مياهها صوتُ خرير، ولو كان ذلك، فيها كذلك، لكان فيها من فساد التدبير، وجفاء الفعل في حسن التقدير، ما لا يجهل ولا يخفى، لكنه تبارك وتعالى ألطفُ في التدبير لطفا، وأعلمُ بالأمور كلها عِلما، من أن يدبر إلا محكما. ألم تسمع لقوله سبحانه: ? أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون ? [النمل:61].
فإن قال قائل: فما جعل من الأثقال عليها والجبال لا يزيدها إلا ثقلا، وكل ما ازداد ثقلا هوى وذهب سفلا، فنحن إذن نهوي سافلين، وقد نرانا بالعيان عالين، فهذا من القول تناقض واختلاف، لا يصح لذي لب به إقرار ولا اعتراف ؟!

(1/34)


قلنا: قد قيل فيما تحت الأرض وما يحملها، ويمسكها بحيث هي ويقلها، أقوال كثيرة غير واحدة، قالتها فرق ملحدة وغير مخلدة.
فمنهم من قال تحت الأرض خلاء، ومنهم من قال تحتها هواء، ومنهم من قال تحتها لج ماء، ومنهم من قال ليس تحتها شيء من الأشياء، وهي غاية الثقل ومنتهاه، وكل ثقيل فإليها انتهاه، فليس لجِرم من الأجرام ثقلها، ولا شيء من الأشياء في الثقل مثلها، فهي أثقل الأثقلين، وأسفل الأسفلين، وما كان وهو أخف منها، فغير شك أنه مرتفع عنها، أو قآرٌ عليها، أو داخل فيها، وقرارها بحيث هي زعموا قرار طبيعي، ومنهم من قال إن قرارها بحيث هي قرار موضعي، وإنها إنما ثبتت بحيث هي من موضعها، واستقرت ثابتة في موقعها، لأنها زعموا معتدلة في الوسط، غير مائلة إلى جهة من الجهات بفرط، مستوية كاستواء كفة الميزان، ممتنعة لاستوائها عن الميلان، يمينا أو شمالا، أو علوا أو سفالا، وقال حشو هذه الأمة المختلف، الذي لا يفقه ولا يتصرف، قرار الأرض زعموا على ظهر حوت، ونعتوا حوتها في ذلك بألوان من النعوت، وأشبه هذه الأقوال عندنا بالحق، وأقرب ما قيل به فيها من الصدق، أن يكون ما تحت الأرض خلاء منفهقا، وهواءً من الأهوية منخفقا، ليس فيهما لسالكهما رد يرده، ولا للمقبل والمدبر فيهما صد يصده، لقول الله سبحانه: ? وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ? [الأنبياء:33].

(1/35)


وليس أحد من هذه الفرق كلها التي وصفنا، وإن قالوا من مختلف الأقوال بما ألفنا، إلا مقر لا يناكر، ومعترف لا يكابر، أن الشمس والقمر يسلكان بأنفسهما، أو يسلك فلكهما بهما، فيما يرى من دورهما، ويعاين في كل حين من مرورهما، من تحت الأرض لا من فوقها، يعرف ذلك بغروب الشمس في كل يوم وشروقها، لا يسلكان يمينا ولا يسارا، ولا يختلف مسلكهما تحتها ليلا ولا نهارا، والشمس والقمر فجسمان، مدركة جسميتهما بالعيان، يذرعان ذرع الأجسام، وينقسمان بأبين الانقسام، لهما أوساط وأطراف، وفيهما كلٌ وأنصاف، والأرض فذات جسم مصمت معلوم، لا يمكن أن يسلكه جسم مثله من النجوم، ولا يمكن أن يسلك جسم إلا في هواء أو خلاء، أو فتق إن سلك في أرض أو ماء، أو في جو من الأجواء، وإن كان مسلكه من الأرض أو الماء، إنما يكون في فتق ففي الخلاء يسلك أو الهواء، وإن هو احتجب عن العيون فلم يُر . وإن كان مسلكه في فتق من أرض أو ماء، لا فيما قلنا به من هواء أو خلاء، انتقض ما أجمعوا عيانا عليه، واجتمعت أقوالهم جميعا فيه، من أن مسلك النجوم، من ورآء قاصية التخوم.

(1/36)


وما جعل الله في الجبال الرواسي، وغيرها من القنان الشُّمَّخ الطوال العوالي، من فجاج السبل، ومن الطرق الذُّلُل، فما لا يَمتري ـ في وجود صنعه وتقديره، بما يرى فيه من إحكام الصنع وتدبيره ـ منصف أنصف في نظر لنفسه، قاضٍ على الأمور كلها بحقيقةِ دركِ حسِّه، لأنه قد أدرك بحسه دركا بتاً، وأيقن بقلبه إيقانا مُثبتا، أن أصغر ما يُرى من هذه الفجاج سبيلا، لم يتهيأ لسالكه سلوكه ولم يمكنه حتى ذُلِّلَ تذليلا، وأن هذه الفجاج التي جُعلت سبيلا، وهُيِّئت مع صعوبتها طرقا ذللا، لم تتأت وتتواطأ، سبلا وصُرطا، في حزون الجبال الشوامخ، وبطون البِيدان الرواسخ، إلا بقوة أيدٍ من قوي شديد، وتدبير رشيد من عزيز حميد، لا يؤوده حفظ شيء ولا صنعه، ولا يمتنع منه قوي وإن عز تمنُّعُه، ذلك الله العزيز الأقوى، ومن لا يماثل في شيء ولا يساوى، فيصعب عليه ما يصعب على الأمثال، من صنع فجاج رواسي الجبال، وما جعل فيها من السبل المسهلة، وما مَنَّ به في ذلك من النعم المفضلة، التي لا يمن بمثلها مآنٌّ، ولا يحتملها سوى إحسان الله إحسان، ولا يدعي المنة فيها مع الله أحد، ولا يقوم بها سوى مجد الله مجد.

(1/37)


ومن ينكر إلا بمكابرة لنفسه، أو إكذاب لحقائق درك حسه، أن السماء جعلت كما قال الله سبحانه: ? سقفا محفوظا ? [الأنبياء:20]. وقد يعاين سمكها عيان عين مرفوعا، وآياتها من نجومها دائبة غروبا وطلوعا، ونرى السماء كما قال الله سبحانه محفوظة في مكانها ثابتة غير زائلة، ونرى الشمس والقمر وغيرهما من نجومها مقيمة على هيئة واحدة غير حائلة، ونعلم يقينا، ونوقن تبييناً، أنه مستنكر مدفوع، ومقَّبحٌ في اللب مشنوع، أن يُتَوهَّم حفظ مثل ما ذكرنا، ودوام ما قد عاينا وأبصرنا، دائما ثابتا مقيما، ومن البلاء والزوال سليما، إلا بحافظ عزيز، وحرز من الحفيظ حريز، لا تحيط به الملالات، ولا تلتبس به الغفلات، ذلك الله العزيز الحكيم، المقتدر العليم، ومن يشك فيما قال الله من إعراض الناس عن آيات السماء، وهم بكل ما فيها من آياتها أجهل الجهلاء، لا يعتبرون من عبرها بظاهر مقيم، لا ولا بسائر دائب مديم، لا يَنِي في مسيره ولا يفتر، يخفى في مسيره مرة ويظهر، مدبر لما يحث حثا، لا يحتمل غفلة ولا عبثا، في رجوع ولا مقام ولا مسير، ولا في شيء مما له من صنع ولا من تدبير.
ومن تنبيهه أيضا قوله تبارك وتعالى: ? أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت ? [الغاشية 17- 20]. فَخلْق الإبل الذي هو صنعها فيه موجود، ورفع السماء معها معاين مشهود، ونصب الجبال أوتادا، وسطح الأرض مهادا، متيقن معلوم، ومعاين مفهوم، وهذه كلها فقد ثبتت صنعا، وثبت كل صنع بدعا، بما بان فيها، وشهد عليها، من دلائل الصنع وتدبيره، ومعالم البِدْعِ وتأثيره.

(1/38)


فأين خالق الإبل وصانعها ؟! وممسك السماء ورافعها ؟! وناصب الجبال وموتدها ؟! وساطح الأرض وممهدها ؟! إذ لا بد اضطرارا لكل مصنوع من صانع، ولكل مرفوع من الأشياء كلها من رافع، ولكل منصوب موتد من ناصبه وموتده، ولا بد لكل مسطوح مُمَهدٍّ من ساطحه وممهده، ذلك الله رب العالمين، وصانع الصانعين، الذي جعل الأرض والإبل والجبال صنعا له مصنوعا، والسماء سقفا بحفظه له ثابتا محفوظا مرفوعا.
ومن توقيفه وتفهيمه، وتنبيهه وتعليمه، قوله سبحانه: ? أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها، رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها ? [النازعات 27 –33]. فلا بد في كل حس وعقل، لا عند مضرور بخبل، لكل بناء - غاب أو حضر - من بانيه، ولا بد لكل مرفوع ومسوَّى من رافعه ومسوِّيه، ولا بد لكل ليل مغطَش من مغطِشِه، كما لا بد لكل عرش معروش من معرِشه، ولا بد لإخراج الضحى، من مُخرِج وإن كان لا يرى، ولا بد لدحو الأرض من داحيها، لما تبيَّن من شواهد الدحو عليها، ولابد لمخرج المرعى والماء من مخرجه ومرعيه، ولا بد لما أرسي من الجبال من مرسيه، لما فيها بَيِّناً من علم كل مُرسَى، وإن كان هذا كله يدرك عقلا وحسا، فلا بد من صانع السماء وبانيها، ورافع سمكها ومسويها، ومغطش ليلها ومخرج ضحاها، ولابد ممن خلق الأرض ودحاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، ومن نصب الجبال وأرساها، ثُمَّ لابد إذ لم يُوجِد ذلك شيئا مما وجد بالحوآس الخمس، ولا شيئا مما أُدرك بالعقول من كل نفس، أن يثبت بأثبت الثبت، وأَيقن اليقين البتِّ، أن صانع ذلك كله، ومن تولى فيه إحكام فعله، خلافٌ سبحانه لكل محسوس، ولكل ما يعقل من النفوس.

(1/39)


[استدلال إبراهيم عليه السلام على الله]
ومن ذلك وفيه، ومن الدلائل عليه، قول إبراهيم عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، فيما دار بينه وبين قومه في الله من الجدال والخصام، قوله تعالى: ? يَا قَومِ مَا هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتيَِ أَنتم لها عاكفون ؟ قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين، قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين، قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ؟ قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين ? [الأنبياء 52-56]. فشهد صلى الله عليه شهادة الحق لله رب العالمين، ونبههم بشواهد الله ودلائله، بما قد يرونه رأي عين من صنعه وجعائله.
أو لا يعلم من يعمى ويجهل ؟! فضلا عمن يبصر ويعقل، أن لو كانت - هذه البدائع والأصول، وما تدركه منها عيانا العقول، على ما يقول به فيها الجاهلون أنها كانت وجاءت، كما أرادت وشاءت - لما فضل بعضها أبدا بعضا، ولما كانت الأرض سفلا وأرضا، ولما قَصُر أوضع الأشياء وأدناها، عن درجة أرفع الأشياء وأعلاها، ولكانت الأشياء جميعا سواء، ولما كان بعضها من بعض أقوى، حتى يكون كلها شيئا واحدا، وحتى لا يوجد شيء لشيء منها ضدا. وقد يوجد باليقين من تضآدها، ويتبين من صلاحها وفسادها، لكل حآسة من الحوآس الخمس . ومن سلمت له حوآسه من جميع الإنس، فقد يستدل بما يرى فيها من الاختلاف والنقائص، على أن لها صانعا خصها بما أبان فيها من الاختلاف والخصائص، بريء تبارك وتعالى من شبهها في النقص والاختلاف، متعال عما يوجد فيها أو في واحد منها من الأوصاف. فدل سبحانه على صنعه للأشياء كلها، بما أبان فيها من تصرف أحوالها وتنقلها.

(1/40)


واحتج إبراهيم صلى الله عليه، عند محآجته لقومه فيه، ومنازعته لهم فيما كانوا يعبدون من النجوم معه، وإنما هي صنع من الله صنعه، بأفول النجوم التي كانوا يعبدون والكواكب، ووقفهم على أن كلها صنع الله مغلوب غير غالب، بما أراهم صلى الله عليه من الأفول فيها والزوال، وبما أبان عليها من أثر التَّبدُّل والإنتقال، وتصرف ما لا ينكرونه فيها من الأحوال، فلما أراهم أنها من الزائلين، قال لهم: ?لا أحب الآفلين ? [الأنعام 76]. يقول صلى الله عليه عند أفول الكواكب: ? لا أحب الآفلين ?. ?فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ? [الأنعام77]. وكذلك قال: ? فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر ?. قال الله: ? فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ? [الأنعام 78-79].
والفاطر هو: المبتدئ الصانع، والحنيف هو: المخبِت الخاشع، فاستدل صلوات الله عليه بدلائل الله من سماواته وأرضه، على أن الله صانع لذلك كله لا لبعضه، وتبرأ صلى الله عليه من شرك كل من أشرك، إذ رأى كل نجم منها إنما يسلك كما أُسلك، بما رآه بَيِّنا في جميعها، من تدبير بديعها، في الجيئة والطلوع، والذلة الخشوع، وعلم أنَّه لا يكون ما رأى منها عيانا، وأدركه فيها إيقانا، من الطلعة والأفول، إلا من مصرف ناقل غير منقول، فقال صلى الله عليه: ? وما أنا من المشركين ?. الذين أشركوا بين المالك والمملوكين، تجاهلا بما يعلمون، ومكابرة لما يرون، من التزايل والفَرْق، بين الخالق والخلق، والمبتدع والبدائع، والصانع الصنائع.

(1/41)


وفي الدلالة على الله بدلائله، وبما جعله دليلا عليه من جعائله، ما يقول لهم صلى الله عليه، فيما كانوا من الشرك فيه: ? أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلاَّ رب العالمين، الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثُمَّ يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ? [الشعراء 75-82]. فلما رأى صلى الله عليه ما رأى من عالم ومعلوم، وكل ما أدركه وهم من الوهوم، ملكا مربوباً، وصنعا مغلوبا، قال صلى الله عليه: ? إلا رب العالمين ?. الذي هو رب السموات كلها والأرضين.
ثُمَّ ابتدأ احتجاجا عليهم لله في معرفته، بما لا يوجد سبيل إلى دفعه من صفته، وما بان الله به من خصائص الأنعات، التي لا توجد إلا فيما له من الصفات. قال صلى الله عليه: ? الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثُمَّ يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ?. فهو الله الخالق الذي لا خالق سواه، والهادي الذي لا يشبه هدىً هداه، والمطعم الساقي الذي لا يَطعم ولا يَشرب إلا من أطعمه وسقاه، والشافي من كل سقم الذي لا يَشفى من سقم أبداً إلا من كشف عنه سقمه فشفاه، والمميت المحيي الذي لا يموت أبداً ولا يحيا إلا من أماته وأحياه، والغافر الذي لا يظفر بالمغفرة إلا من وهبها إياه، لا تؤخذ المغفرة منه كرها ولا قسرا، ولا ينالها إلا من كان الله له مغتفرا.

(1/42)


ألا تسمع كيف يقول صلى الله عليه: ? والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ?. ويوم الدين ففيه يغفر الله لمن يشاء أن يغفر له من المذنبين، فاستدل صلوات الله عليه ودل بما عدد من هذا كله على رب العالمين، وليس مما دل به صلى الله عليه من دليل صغير ولا كبير، يدل أبداً مستدلا إلا على الله العلي الكبير، فذكر إبراهيم عليه السلام مِنَناً من الله لا يَمُنُّ بها مآنٌّ، وإحساناً من الله لا يُمثَّل به إحسان، منها خلقه لأعضاء الانسان السليمة الظاهرة القوى، التي ليس فيها لمدعٍ من الأولين والآخرين دعوى، والتي كلهم جميعا في الحاجة إليها سواء، وكيف يصح في ذلك لمدع شيء لو ادعاه ؟! وهو لا يقدر على أن يزيد مثقال ذرة في شيء من خلقه ولا قواه، فكيف يعطي معطٍ شيئا من ذلك أحداً سواه ؟!

(1/43)


فهذا والحجة البالغة لله فما لا يمكن فيه الكيف، ولا يتوهمه بصحة من الدعوى قوي من الخلق ولا ضعيف، والحمد لله على ما أبان من برهانه وحجته، لإبراهيم صلى الله عليه في محآجته. وفي ذلك ما يقول سبحانه فيه، لإبراهيم صلى الله عليه: ? وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ? [الأنعام:83]. وما ذكر صلى الله عليه من فعله به في المطعم والمشرب، المشفي من المرض والوصب، والموت والحياة، والمغفرة للخطيئة والإسآة، فما لا يدعيه مدع ولا يُدَّعىَ له أبداً بصدق ولا كذب، ولا يوجد ما يرى من صنعه وتدبيره أبداً إلا للرب، كما لا يرى صنع الأرض والسماوات، وما بينهما من الفتوق والفجوات، من صانع ولا خالق سوى الله، فكذلك ما ذكر إبراهيم لا يكون إلا من الله، فلولا صنع الله سبحانه للسماء، لما ارتوى أهل الأرض من الماء، ولو لا ما صنع الله منها ومن الأرض والهواء، لما اغتذى أحد أبداً ولا ارتوى، ولَخَفَتَ كل مغتذ مواتا، ولمات إذا لم يغتذ خفاتا، فاحتج إبراهيم صلى الله عليه في الدعاء إلى الله من صنعه وخلقه، ورزقه وغير رزقه، بما لم تزل أنبياء الله عليهم السلام قبله وبعده، تحتج به لله على كل من أنكره وجحده.

(1/44)


[استدلال نوح عليه السلام على الله]
فممَّن كان قبله ممن وهبه الله رسالته، ودل على معرفة الله دلالته، نوح صلى الله عليه، إذ يقول لقومه فيما يدعوهم إليه، من عبادة الله ومعرفته، ويدلهم عليه بالخلق والصنع من صفته: ? مالكم لا ترجون لله وقارا، وقد خلقكم أطوارا، ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا، وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا، والله أنبتكم من الأرض نباتا، ثُمَّ يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا، والله جعل لكم الأرض بساطا، لتسلكوا منها سبلا فجاجا ? [نوح:13-20]. فأبان لهم صلى الله عليه فيما عدد كله أثر صنع الله برهانا واحتجاجا، بخلقه لهم في أنفسهم أطواراً، يريد بالأطوار طبقات ومرارا، مرة من تراب وطين، وطورا من ماء مهين، ومرة مضغة وطورا علقة، يُصرِّفهم سبحانه خِلقة بعد خِلقة، ثُمَّ خلق الانسان عظاما، ثُمَّ كسا العظام لحما، ثُمَّ أنشأها خلقا آخر بشرا، قد جعل له سمعا وفؤادا وبصرا، كما قال سبحانه: ? قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون، قل هو الذي ذرأ كم في الأرض وإليه تحشرون ? [الملك:23-24]. ومعنى ذرأكم: فهو كثَّركم وأنماكم، وكذلك فعل رب العالمين، كما قال: ? فتبارك الله أحسن الخالقين ? [المؤمنون:14].

(1/45)


[استدلال يوسف عليه السلام على الله]
ومن دلائل من كان بعده من رسل الله وأنبيائه، الذين جعلهم من ذرية إبراهيم عليهم السلام وأبنائه. قول يوسف صلى الله عليه، لصاحبي السجن اللذين كانا معه فيه، وهو يدلهما على ما تفرد الله به من الربوبية، وما هو له لا لغيره سبحانه من الوحدانية: ? يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار، ما تعبدون من دونه إلاَّ أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ? [يوسف39-40]. يقول صلى الله عليه أأربابٌ الربوبيةُ بينهم، ليست بخالصة لواحد منهم ؟! خير في الربوبية أمراً، وأعلى في الفضيلة قدرا، أم تكون الربوبية لواحد خاصة، ولرب لا لربين اثنين خالصة ؟! فمن يمتنع من الأصحاء، سمع أولم يسمع من النصحاء، أن الربوبية لرب واحد أفضل فضلا، وفي رب واحد أكمل منها في اثنين وبين ربين وأعلى ؟! لأنها لو كانت لاثنين كان كل واحد من الربين منقوصا، وكل إله من الإلهين بالنقص مخصوصا، فإن كانوا وهم أكثر عددا، كان كل واحد منهم أنقص أبداً.

(1/46)


فكيف يكون المنقوص إلهاً أو يثبت ربا ؟! وأين الأعلى من الأشياء كلها قدرا ممن له أضداد وأكفاء ؟! وربنا فمعلوم في الألباب غير مجهول، وثابت لا يدفع في العقول، لأن كل اثنين فبينهما تباين لا يخفى في الأحوال، يَبِينُ به أحدهما على صاحبه في الفضل والكمال، وأن أفضلهما أبدا أحوالاً، وأكملهما في الفضل كمالا، أولاهما بالأثرة والتقدمة، وأحقهما بالطاعة والتكرمة. وإذا كان ذلك، موجودا في العقل كذلك، لم تصح الربوبية أبداً إلا لرب واحد، وثبتت الحجة في التوحيد وإثبات الإلهية لله على كل ملحد، وانقطع بين الموحِّد والملحد في ذلك كله التشاغب، وذهب - بصدق الحجة لله في ذلك كله - التكاذب، وَنَفِيَ الحق من الباطل وتبرأ، فلم يَعمَ عنه إلا من لا يبصر ولا يرى، فلا يجيب إلى الحقائق لله داعيا، ولا يسمع بالدعاء إلى الله مناديا، كما قال سبحانه: ? وإن تدعهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ? [الأعراف :198].

(1/47)


[استدلال موسى وهارون عليهما السلام على الله]
ومن مقاول رسل الله بعد يوسف صلى الله عليه وعليهم، واحتجاجهم لله على عباده بدلائله فيهم، قول موسى وهارون، إذ أرسلهما الله إلى فرعون: ? إنا رسول رب العالمين ? [الشعراء:16]. فقال فرعون: ? وما رب العالمين ? [الشعراء :23]. قال موسى: ? رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ? [الشعراء: 24]. يقول صلى الله عليه إن كنتم ممن يوقن في غيب بيقين، أو يستدل فيما غاب عنه بدليل مبين، استدلال ذوي العقول والألباب، على ما غاب عن أبصارهم بتوار واحتجاب . وإنما يُدرَك ما غاب من الأمور بالفكر واليقين، ويدرك ما حضر منها بالحوآس من العين أو غير العين، وذلك فإنما هو درك البهائم الخرس، التي لا تدرك شيئا إلا بحآسة من الحوآس الخمس، ولا توقن أبداً بغائب غاب عنها، ولا تدرك إلا ما كان شاهدا قريبا منها، فأما أهل الألباب والعقول، فيستدلون موقنين على الجاعل بالمجعول، وعلى الغائب المتواري الخفي، بالحاضر الظاهر الجلي.

(1/48)


وكل ما عظم من الدلائل وازداد عظما، ازداد به موقنوه يقينا وعلماً، فلما كانت السماوات والأرضون، أعظم ما يرون من الدلائل ويبصرون، دلهم بهما على ربهما، وأخبرهم أنهم إن لم يوقنوه بهما، لم يوقنوه بغيرهما، لما فيهما من دلائل اليقين بصنعه وتدبيره، ? فقال فرعون لمن حوله ألا تسمعون ? [الشعراء: 25]. فسألوا موسى كما سأله الملعون، وارتابوا في قوله كما ارتاب فرعون، فقال موسى صلى الله عليه لهم: ? ربكم ورب آبائكم الأولين ? [الشعراء: 26]. فأخبرهم أن كلهم وكل من كان قبلهم عبد لله مربوب، إذ كلهم وكل من كان مثلهم مصرف مقهور مغلوب، يسقم ويفنى ويموت، ويحل به السقم والموت، فقال لهم فرعون: ? إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ? [الشعراء :27]. فقال لهم موسى صلى الله عليه إذ عاودوا يسألون: ? رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ? [الشعراء :28]. فقررهم صلى الله عليه من ذلك بما لا ينكرون، إن كانوا يوقنون بغائب أو يعقلون، ودلَّهم على الله سبحانه بدليل مبين، فيه لمن أيقن أدل الدلائل وأيقن اليقين.
وكذلك قال الله سبحانه للقوم الذين لا يعلمون، إذ سألوا من رؤيته ما لا يمكن ولا يكون، إذ يقول سبحانه: ? وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون ? [البقرة:118]. فأخبر سبحانه أن بيانه إنما هو للذين يعقلون، ويوقنون من الغيب بما لا يرون ولا يبصرون، فأما أشباه البهائم الذين لا يعلمون، إلا ما يرون ويبصرون، فإن الله سبحانه انتفى من البيان لهم، وتبرأ من ذلك إليهم، وذلك فمما يدل على علم الله وحكمته، ولطيف خبره بأحوال بريته.

(1/49)


ومن ذلك قوله سبحانه لكفرة قريش والعرب، ولمن كان معهم من كل ذي لسان معرب: ? ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلاَّ الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب، قالت رسلهم أفي شك فاطر السموات والأرض ? [إبراهيم 9-10]. الذي يستدل عليه منهما بكل شيء فيهما من كل أو بعض، فقالت رسلهم في ذلك لهم، ما قالت الرسل لأممهم قبلهم، واحتجوا لله عليهم، بمثل حجج نوح وإبراهيم فيهم، ودلُّوهم على الله بدلائله، مِن فطره صنعه وفعائله، وتعجَّبوا من شكهم !! وما هم فيه من شركهم !! مع ما يرون من الدلائل في السماء والأرض ويبصرون، مما يوقن بأقله فيما غاب عنهم الموقنون.

(1/50)


[استدلال محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الله]
ومن ذلك وفيه، ومن الدلائل عليه، قول الله سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وعلى الطيبين من آله: ? ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز ? [إبراهيم 19-20]، فنبه سبحانه في ذلك من دلائله على ما فيه لمن اعتصم به من الشك فيه أحرز الحرز الحريز . ثُمَّ قال سبحانه في هذه السورة، تكريرا بحججه المنيرة: ? الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار ? [إبراهيم 32- 34]. يقول سبحانه الذي خلق ذلك كله وصنعه، لا صانع فيه غيره ولا صانع له معه، فذلك كله وإن كابروا فما لن يدَّعوه، وإن لم يأتهم فيه قصص الله ولم يسمعوه، كما قال تبارك وتعالى: ? خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دآبة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم، هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين ? [لقمان 10-11]. فصدق الله لا شريك له، في أن من لم يعرف هذا كله، صنعاً له وخلقاً، وحقا يقينا صدقا، فهو في أبين الضلال، وأخبل صاغر الخبال، والحمد لله كثيرا رب العالمين، على ما أبان من حججه على الملحدين.
فكيف - يا ويله - يلحد ملحد ؟! أو يَهِنُ أو يضعف لله موحِّد ؟! ودرك السماوات والأرض وما بينهما من الخلق بالعيان، والعلم بالله سبحانه فمدرك بأوضح من ذلك من العلم والايقان، واليقين بالله فما لا يشاركه ولا يختلط به أبداً شك، وعلم الأبصار والعيان والحوآس فعلمٌ بين الانسان والبهائم مشترك، وقد تعلم البهائم وتدرك بما جعل الله لها من حوآسها من السمع والبصر، كل ما يدرك مدرك بالحوآس من جميع البشر.

(1/51)


وكيف - ويلهم - يرتابون أو يلحدون ؟! أو يعتقدون من الشك في الله والشرك بالله ما يعتقدون ؟! والله يقول جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: ? الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثُمَّ استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثُمَّ يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ? [السجدة: 4-5]. والولي فهو النصير المانع، والشفيع فهو الطالب الشافع.
فأخبر سبحانه أن تدبيره وصنعه من العرش لما بَعُدَ عنهم، كتدبيره وصنعه لما قرب في الأرض منهم، وأن بُعدَ ما بين العرش - وهو ذرى السماوات العلى - وبين ما تحتهن مما ترى أعينهم من الأرض الأولى، مقدار ألف سنة كاملة مما يعدون، وأن الأشياء كلها لا تبعد عنه كما يستبعدون، وكيف يبعد عليه سبحانه من الأشياء شيء، وإنما ينشئ منها ما ينشئ، إذا أراد له إبداءً أو إعادة، بأن يريده سبحانه إرادة بعد إرادة، كما قال سبحانه: ? إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ? [النمل:40].
وكيف يشك ملحد في صنع الله للأشياء كلها، أو في ما يرى من دَقِّ الأشياء أو جلها ؟! وقد يرى كيف أحكمت فاستحكمت، وانقادت للصنعة فتقوَّمت، وذلَّت على ما فطرت، واضطُرت كما اضطُرت، فكلها مصرَّف مضرور، وجميعها بِدْعٌ مفطور، لا يمتنع من القهر والذلة والخشوع، ولا عن ما أبان الله فيه من أثر صنعة كل مصنوع، لا ينظر منه ناظر إلى طرف، ولا يلتفت إلى كَنَف، إلاَّ وجد أثر الصنع فيه واضحا بيِّنا، ووجده بصنع الله له مخبِرا مُبيِّنا.

(1/52)


ولما ثبت اضطرارًا بما لا تدفعه العقول مما لا مرية فيه، وبما جميع العقول كلها مجمعة عليه، أن لكل ما يرى أو يسمع أو يشم، أو يذاق أو يلمس أو يتخيل فيتوهم، مدبراً لا يخفى تدبيره، ومؤثِّرا بَيِّنَا - لكل ذي عقل - تأثيره، ثبت وجودُ خلافِ المدبَّر مدبِّرا غير مدبَّر، ووجودُ خلافِ المؤثَّر مؤثِّرا غير مؤثَّر، لا يمكن غير ذلك علما، ولا يتخيل خلاف لذلك فهما، لأنَّه لما كان ما وجد من الأشياء كلها مدبَّرا وصنعا، وخلقا مفتطراً بدعا، احتيج إلى علم مدبره ومفتطِره، وثبت يقينا وجود المفتطِر المدبِّر بما وجد من تدبيره ومفتَطَره، فلا بد كيفما كان النظر في ذلك فارتفع أو لم يرتفع، من أن يثبت مدبر صانع لم يُدبَّر ولم يُصنَع، وذلك فما لا يوجد أبداً غير الله جل ثناؤه، وتقدست بكل بركة أسماؤه، فهو الله الصانع غير المصنوع، والأول المبتَدِع غير المبدوع.

(1/53)


ولما كان - كل عزيز مِنْ ذُلٍّ، إنما يعز في بعض لا في كل، كان العز كلا وبعضا، ولم يوجد العز كله لواحد محضاً - أيقنَّا أن بعض العز مملوك لمليك، وأيقنا أن كل العز لمالك غير ذي شريك، لأنه لو كان له فيه شريك، أو له معه مليك، لكان إنما له، بعضه لا كله، فرجعنا إلى الخطة الأولى، وعاد العز ذلا، إذ كان مشارَكًا فيه، لأنه إنما له أحد شطريه، وذلك يرده إلى أن يكون عزيزا ذليلا، وأن يكون ما يُستَكثَر من عزه قليلا، لأن نصف العز أقل من ضعفه، وضعف العز أكثر من نصفه، وما ملك غيره من أحد شطري العز، فليس له بملك ولا عز معز، ولكنه لمالكه دونه، ليس له شيء منه، فكلاهما ذليل وإن عز، وغير محرِز من العز إلا لما أَحرز، وجميعهما قليل عِزُّه، إذ لم يملك العز كله فيحرزه، فليس العزيز الذي لا يذل، إلا من له العز الذي لا يقل، بأن تشاركه فيه الشركاء، أو أن تتقسمه بملكها له الملكاء، وذلك فهو الله العزيز الأعلى، يهب لمن يشاء عزا ويذل من يشاء إذلالاً، ? بيده الملك وهو على كل شيء قدير ? [الملك: 1]، كما قال سبحانه: ? فنعم المولى ونعم النصير ? [الحج:78]. مع ما في القرآن من هذا ومثله، مما يكثر عن أن يحيط كتابنا هذا بتفسيره أو جُمَلِه.

(1/54)


[تنزه الله عن شبه الخلق]
فأما دلائله لنا سبحانه على أنه خلاف للأشياء، ولكل ما يعقل في جميعها من العجزة والأقوياء، فقوله سبحانه: ? ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ? [الشورى: 11]. وما ليس كمثله شيء، فهو خلاف لكل شيء، وقوله سبحانه في سورة التوحيد والإفراد، بعد تنزهه فيها سبحانه عن الوالد والأولاد: ? ولم يكن له كفوا أحد ? [الإخلاص: 4]. ومن لم يكن له كفوا أحد، فهو خلاف لكل أحد، وما كان خلافا للآحاد كلها، كان خلافا اضطراراً لأصلها، لان الأصل في نفسه وتحداده، فهو غير شك جميع آحاده، فالله سبحانه هو خلاف الآحاد المعدودة، وجميع ما يعقل من الأصول الموجودة، وهو الله الصمد الحق الذي ليس مِن ورائه مصمد يصمد إليه صامد، والله الملك القدوس الذي ليس من ورائه ملك ولا قدوس يجده واجد، والله الأول قبل الأوائل المتقدمة، والعظيم قبل جميع الأشياء المعظمة، فليس قبله أولٌ موجود، ولا بعده معظَّم معمود، ومِن وراء كل عظيمٍ عظيمٌ، حتى ينتهي إلى الله الذي ليس من ورآئه عظيم، وفوق كل ذي علم عليم، حتى ينتهي إلى الله الذي ليس فوقه عليم، والصمد فهو النهاية القصوى في الوجود، وفيما يُرغَب إليه فيه في الآخرة والدنيا من كل محمود، والأحد فما ليس له قبلٌ ولا بعدٌ يفترقان فيه، وما لا تجري مدد الدهور والأزمان عليه، لأنه إن افترق فيه القَبلُ والبَعدُ، زال من صفة الأحد والصمد، إذ هما فيه اضطرارا مفترقان، فهما عليه بالمقارنة لاشك متداولان، لا خلوة له من أحدهما، يجري عليه من المقارنة ما يجري عليهما من حدهما، ويزول عنه من الوحدانية مازال عنهما، ولا يُتوَّهم أبداً خاليا منهما.

(1/55)


وكذلك ما جرت عليه مُدَد الأزمان والدهور، غيَّرته تغييرها لغيره من الأمور، كما قال الله سبحانه: ? هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ? [الحديد:3]. فأوَّليَّته سبحانه آخريته، وباطنيته ظاهريته، لا يختلف من ذلك ما وُصِفَ به، كما لا يختلف سبحانه في نفسه.
وكذلك أسماؤه كلها الحسنى، وأمثاله كلها العلى، فأسماءٌ لا تتناهى مرسلة مطلقة، مجتمعة كلها فيه سبحانه لا مفترقة، ليس لاسم منها حد محظور، ولا لمثل منها حصار محصور، فيكون الحد حينئذ للمحدود ثانيا، وما حُضر بالحد من المحدود متناهيا، ولكنه كما قال سبحانه: ? فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ? [مريم: 65]، ولا لن يوجد له سمي إذ لا تجد الألباب له كفيا، كقوله تبارك وتعالى: ? وله المثل الأعلى ? [النور: 27]، وكذلك هو سبحانه إذ لا تجد له الألباب مثلا، وما قلنا به في هذا من دلالة التفاضل، فموجود والحمد لله لا ينكره عقل عاقل، ومضطرةٌ الألبابٌ إلى علمه لا يدفعه إلا متجاهل، مع ما لا نأتي عليه وإن بلغ تعديدنا، ولا نستقصيه وإن جهد تحديدنا، من لطيف شواهد معرفة الله سبحانه وجلائلها، وما جعل الله من شواهد المعرفة به ودلائلها.
وكفى بما ذكرنا لمعرفة الله عز وجل علما منيفا شامخا، وعلما بالله يقينا في النفوس ثابتا راسخا، لا يدفعه إلا بمكابرة للعقول ملحد، ولا يصدف عن الاقرار به إلا معاند مَلِدٌ، والحمد لله الذي لا يهتدي للخير أبداً إلا من هداه، ولا يصيب الرشد إلا مَن آتاه إياه، كما قال سبحانه: ? ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ? [الأنبياء: 51]. وقال: ? وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ? [الأنعام: 75].

(1/56)


[الايمان قول وعمل واعتقاد]
فقلب الايمان من كل عصيان اليقين بالله وبعلمه، وإبراء الضمائر من تَوَهُّمه، فإنه لا تجول أوهام المتوهِّم، إلا في كل ذي صورة وتَجَسُّم، ومن توهم الله جسما، فلم يصب بالله علما، ولم يقارب من اليقين بالله شيئا، ولذلك كان حشو هذه العامة من اليقين بالله بُراء، ولما التبس بقلوبهم وأنفسهم من ذلك واعتقاده، اقتادهم وليُّهم إبليس بالمعصية في قياده، فحثوا له بالعصيان لله سراعاً عَنَقا، وآثروا رضاه على رضى الله إذ لم يؤمنوا به فِسْقَا، فبدلوا معالم أموره، وعموا عن ضياء نوره، ثُمَّ لم يزدادوا في العمى عن الله إلا تماديا، ولم يجيبوا له إلى الهدى من الهادين إلى الله داعيا، وعدوا إسآءتهم فيما بينهم وبين الله إحساناً، وكفرهم بالله ورسله وكتبه إيماناً، وجعلوا لله مثل السوء ولهم المثل الأعلى، فتبارك الله عما قالوا به عليه وتعالى، ونسبوا إلى الله سبحانه جور الحكم، وبرأوا أنفسهم من الجور والظلم، وهم بما نسبوا إليه سبحانه من الجور والظلم أولى، وله سبحانه لا لهم المثل الأعلى، ومثل السوء فلهم كما قال سبحانه: وهم كاذبون، ? وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ? [النحل: 62]. وقال سبحانه: ? للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ? [النحل: 60].
ولعمري ما آمن بالآخرة مصدقا، ولا وجد لما حقق الله منها محققا، من أكذب وعدها ووعيدها، وأنكر من جزاء المحسن والمسيء عتيدها، والله يقول سبحانه: ? إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقاً إنَّه يبدأ الخلق ثُمَّ يعيده ليجزيء الذي آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ? [يونس: 4].

(1/57)


ويقول سبحانه: ? فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلاَّ الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى، ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذي أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ? [النجم 29-30].
ويقول سبحانه: ? ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيراً، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ? [النساء 123- 124].
ويقول سبحانه: ? يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاَّ أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ? [النساء 29-30].
ويقول سبحانه: ? وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً ? [الكهف:29]. وعدا من الله ووعيدا، وجزاء من الله للفريقين عتيدا، لا تكون الآخرة أبداً إلا وهو معها، ومن أنكره ودفعه أنكر الآخرة اضطرارا ودفعها، وله جعلت الآخرة وثبتت، وثبت باقيا معها أبداً ما بقيت، ولو أمكن فناؤه لأمكن فناؤها، وما بقيت الآخرة بقي معها جزاؤها، فبقاءُ كلٍّ بكلٍ معقود، وكلٌ مِن الله فوعدٌ موعود، لا يدخله أبداً كذب ولا خُلفٌ، ولا يزول من أوصاف الله فيه بصدق الوعد وصفٌ.
ولا أكفر بالآخرة وأمرها، وما ذكر الله من بعث الأمم وحشرها، ممن زعم أن الله يحكم يومئذ فيها بغير العدل، فيقضي بين أهلها فيها بغير قضاء الفصل، فيعذب من عذب فيها، بأمور هو حمل المعذَّبَ عليها، حتى لم يجد من ارتكابها بدا، ولا عما ارتكب منها مصداً، وإن عمل ما شاء الله فيها وارتضى، وحكم الله به منها وقضى، عُذِّب بألوان العذاب، وعوقب بأشد العقاب.

(1/58)


فوصفوا الله بإخلاف الميعاد، ونسبوا إليه ما تبرأ منه من ظلم العباد، فقال: ? إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيما ? [النساء:40]. وقال: ? إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ? [يونس:44]. وقال تبارك وتعالى: ? وما أنا بظلام للعبيد ? [ق:29]. وقال سبحانه فيما قالوا به عليه من إخلافه في الوعد والوعيد: ? وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا ? [النساء:122]. وقال سبحانه: ? لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوفها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد ? [الزمر:20]. وقال تبارك وتعالى في حكمه يوم القيامة بين الخلق بعدله، وقضائه يومئذ بين العباد بعدل فصله: ? اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب، وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير ? [غافر17-20]. وقال سبحانه: ? هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون ? [المرسلات 38-39]. يقول تبارك وتعالى هذا يوم القضاء بالعدل الذي كنتم به تكذبون: ? احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم، وقفوهم إنهم مسئولون، مالكم لا تناصرون ؟! ? [الصافات 22-24]. فلعدله سبحانه في الحكم، وتعاليه عن كل ظلم، وُقِّفُوا فعُرِّفوا، وبعد المسألة صُرفوا، إلى ما استحقوا من الجحيم، واستوجبوا من العذاب الأليم.

(1/59)


فاستقبل حشو هذه العامة ما بَيَّن الله من هذا كله بجحده، وجاهروا الله وأولياءه علانية برده، فكلما دعاهم المهتدون ليهتدوا، استكبروا عن الهدى وصدوا، وكلما ذكروهم بالله ليذكروا، أعرضوا عن تذكيرهم بالله وفروا، فكلهم مُصِرٌّ مستكبر، مُولٍّ عن الهدى مُدبِر، كأنهم في ذلك بفعلهم، وما أصروا عليه من جهلهم، قوم نوح إذ يقول فيهم، صلى الله عليه لا عليهم: ? رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا، فلم يزدهم دعائي إلاَّ فرارا، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ? [نوح 5-7]. فكلهم عدو للصادقين على الله مكذب، وفؤاد كل امرئ منهم عن الايمان بالحق منقلب، وذلك إذ لم يؤمنوا به أول مرة، وكانوا به إذ سمعوه عند الله من الكفرة، ألم تسمع إلى قوله سبحانه: ? ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون، ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلاَّ أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ? [الأنعام 110-111]. فقوله سبحانه ? يشاء ? إنما هو خبر عن قدرته عليهم، وقوة سلطانه تبارك وتعالى فيهم، ولو أنه شاء لَمَنعهم من المعصية فكانوا به مؤمنين، إذ كان الايمان عندنا إنما هو أمان من عصيان العاصين، ومن منعه الله من المعصية جبرا فمأمون عصيانه، وإذن كان الاحسان في ذلك المنع إحسان الله لا إحسانه، وكان فيما منع منه من المعصية غير مطيع لله، ولا مستوجب لثواب من الله، إذ مُنع من المعصية بجبر، وحمل على الايمان منه بقسر.

(1/60)


[أول الواجبات معرفة الله]
فابتدئ يا بني ـ في طلب فعل الصالحات، واكتساب الخيرات، إذا ابتدأت ـ بطلب اليقين بالله، وحقيقة العلم لله، فإنك إن تفعل اهتديت لكل بركة وخير، وظفرت بالحظ الكبير، وأمِنْتَ بإذن الله من العمى، ورويت بمعرفة الله من الظماء، وشاركت الملائكة المقربين في عبادتهم، وازددت مما يمكنك من فعل كل خير مثل زيادتهم، وأنَّسَكَ يَقِينُك بالله من كل وحشة مرعبة، واكتفيت بصحبة الله من كل صاحب وصاحبة، وخف عليك من عبادة الله عبء الأثقال، فكنت إماماً للصالحين في صالح الأعمال، فدانت بالبر أعمالك، وصدَّق قولَك في الخير فعالُك، فكنت إلى الله حبيبا مخبتاً، وكان سمت الصالحين لك سمتا، وَمَنْ وَالَى الله من أوليائه لك وليا، وما رضيه من الأشياء عندك رضيا، ورأيت السوء حيث كان سُوًّا، واتخذت عدو الله عدوا، وكنت من خاصة الله وخلصانه، وأهل العلم بالله وإيقانه، وانفتحت لك بعد اليقين بالله أبواب العلوم، وكنت في الأرض قيما من قَوَمِةِ الحي القيوم، فَقَرَّت بالله عينك، وتَزَيَّدَ بالله يقينك، وانشرح بمعرفته صدرك، وعز بأمره سبحانه أمرك، فلم تهب ولم تخش غيره، ولم ترج من الخير إلا خيره، وعلمت أنَّه سبب الخيرات الأول، وأن بيده الفضل الكبير الأطول، فأمنتَ بإذن الله مسكنة الفقراء، وامتلأتْ يداك من الغنائم الكبرى، وكنت على ملوك الدنيا ملكا، ونجوت بإذن الله من هلكة الهلكى.

(1/61)


ففي طلب اليقين بالله يا بني فادأب، ومن رجوت عنده على اليقين بالله عونا فقارن واصحب، فإنهم أُلفاءُ كلِّ رحمة، وقرناء كل حكمة، لا يرغب لبيب إلا فيهم، ولا تنزع نفس حكيم إلا إليهم، فمن لم يكن منهم فأعرض عنه واتركه، ومن كان منهم فاشدد به يديك وامسكه، فإنه بلغني أن حكيماً من الحكماء، قال لبعض من كان له علم كثير من القدماء: يا هذا لا تَرَينَّ أنك علمت شيئا وإن علمت كل شي، ما لم تكن عالما بالله الأول الحي، الذي هو سبب كل خير كان أو يكون، والذي تعالى عن أن يلحق به حركة أو سكون. ثُمَّ قال: يا هذا إني كنت قبل أن أعرف الله أروى وأظمأ بالطباع، ولما عرفت الله رويت بغير طباع.
نعم رَوِيَ فشفي بالهدى!! من حَرِّ الغُلَّة والصدى ! ولما صار إلى اليقين بالله تبارك وتعالى، الذي هو سبب الخيرات الأول الأعلى، غَنِيَ بالله غنى الأبد، وصار إلى الغنى الباقي المخلد، وسكن اضطراب نفسه وقلقها، إذ عَلِمَتْ يقينا أن الله هو ربها وخالقها.
وبلغني أن حكيماً آخر من حكماء الأولين، كان في أمة تعبد الأصنام من الأمم الخالين، كان يقول: من أيقن بالله إيقاناً نقيا، لم يزل بالله في عاجل الدنيا ما بقي غنيا، وأيقن ليقينه بالله بكل حقيقةِ علمٍ معلومة، وأدرك ليقينه بالله من العلوم كل ذاتِ سرٍ مكتومة، فاطلع بما ينوِّر الله من قلبه على خفي سرها، وأَمِنَ أن تتعبده الدنيا بِرقِّ مسكنتها وفقرها!.
وبلغني أيضاً عن بعض من تقدم وخلا، من الأمم السالفة الأولى، أنه كان يقول: لا يشك أحد ولا يمتري، ممن خلا ولا ممن بقي، في أن مَنْ جَهِلَ الصانع كان للعقوبة مستوجبا مستحقا، نعم ولم يؤمَن عندي أن لا يكون ممن يعرف من الحقوق كلها حقا، إلا معرفة فاسدة مختلطة، مقصرة عن التحقيق أو مفرطة، لأن من جهل ما كثرت دلائله وشهوده، وُوُجِدَ بمتظاهر الآيات فلم يُدفع وجودُه، حريٌّ حقيق، وجدير خليق، أن يكون بكل شيء جاهلا، وأن لا يعتقد من علم شيء طائلا.

(1/62)


أما رأيت العامة لما هي فيه من الجهل بالله الأعلى، إذ جهلت ما قلنا مما كثر الله على معرفته الأدلاء، كيف قَلَّتْ بحقائق الأمور علومها، وضَلَّت بعد جهلها بمعرفته حلومها، فقالت في دينها بكل قول متناقض مذموم، لا يصح لفحش تناقضه في الألباب ولا الحلوم، فهي فيه دائبة تَخبِطُ كل عشوى، وصادة عن سبيل كل تقوى، ترى معتقد باطلها فيه حقا، وزور قولها فيه على الله صدقا، وقبيحها فيه حسنا جميلا، وجهلها به علما جليلاً.

(1/63)


فمَن جهل الله تبارك وتعالى، فلن يدرك بحقيقة من الأشياء إلا شُبَهًا أو خيالا، ولن يزال متحيرا في الأمور خبَّاطًا، ومقصرا في حقائق العلوم أو مفراطًا، لا يَقرُّ به قرارُ علمٍ فيسكن، ولا يذل لمحق في حجته فيذعن، ولا يزال مفتريا على المحقين كذبا، ومدعيا من الباطل دعوى عجابا، ليس لها من الله سبحانه تصديق، ولا يشهد لها في الألباب من برهانٍ تحقيق، وإن كانت في نفس مدعيها ذات حقيقة وبرهان، فإنها في حقائق الأمور كسراب القيعان، كما قال الله سبحانه: ? والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب، أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ? [النور 39-40]. انظر كيف يمثله لإغفاله، فيما يراه حقا من باطله بأمثاله، من ذوي الضمأ، وبمن ينظر في الظلماء، فلا يرى يده ولا يكاد، فكيف يقود أو ينقاد له في الظلماء منقاد، إلا أن يكون مثله عميا، لا يرى لعمى قلبه شيًا، فهو ينقاد في ظلمة وعشوى، لمن لا يبصر ولا يرى، ولمن آثر الضلالة على الهدى، فهو متورط في ورطات الردى، يركب بعضه في كل هوة بعضا، رافض لكل حقيقةِ علمٍ رفضا، لا يسمع لكتاب الله به نداء، ولا يقبل من الله فيه هدى، مُخِبَّةٌ به في خبوت الضلال ركائبُه، عظيمة عليه في هلكة الدين والدنيا مصائبه، غير متحفظ من هلكاته بحفظ، ولا متعظ من عظات الله بوعظ، غَلِقٌ بين إطباق خطيئاته، غَرِقٌ في بحور عماياته، لما عطل من يقين علم الكتاب، ورضي من صحبته بشكوك الارتياب، فبالله يا بني: فعُذ من موالاته، والرضى بما رضي به من تعطيل ما عطل من كتاب ربه وآياته.

(1/64)


[الاصغاء لحديث القرآن]
وإذا أردت أن ترى عجائب الأنباء والأنبياء، وتعلم فضل عدل حكم الله في الأشياء، فاسمع من الكتاب ولا تسمع عليه، واكتف بحكم الله على العباد فيه، فإنك إن تسمع صوتا عنه بأذن واعية، ثم تُقْبِل عليه منك بنفس لحكمته راعية، تسمع منه بالهدى صيِّتا، وتعرف مَن جعله الله حيا ممن جعله ميتا، فلعلك حينئذ عند معرفتك به للأشياء، تهرب من الميتين وتلحق بالأحياء، فتجد طيب طعم الحياة، وتثق بالقرار في محل النجاة، فتنزل يومئذ منازل العابدين، وتأمن الموت حينئذ أمن الخالدين، ففي مثل ذلك فارغب، وله ما بقيت فانصب، فللرغبة فيه، وللحرص عليه، اسَتنْزَلَ إبليس أباك آدم فأغواه، وبالخلد في معصيته الله منَّاه، فقال له، ولزوجه معه: ? ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلاَّ أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ? [الأعراف:20]. وفي ذلك: ? وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين، فدلاهما ـ كما قال الله ـ بغرور ? [الأعراف:21–22]. وكذبهما فيما منَّاهما به من الأمور، فأُعقِبا برجائهما في المعصية لله ندما، ونسي آدم صلى الله عليه ولم يجد الله له عزما، كما قال سبحانه: ? ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ? [طه:115]. فلو لم يعص الله للبث فيها أبداً، ولو أطاع الله في الشجرة لبقي فيها مخلدا.
فكذلك يبقى فيها يوم القيامة، وفي الآخرة الباقية الدائمة، مَنْ أَطاع الله في هذه الحياة الدنيا، وقام بما يجب له عليه فيها من التقوى، فيدوم في الجنة له النعيم والتخليد، ويبقى له ما هو فيه من نعيمها فلا يبيد، فطاعة الله مفتاح الخلد في الجنة، واليقين بالله مفتاح كل طاعة وحسنة، فَأَيقِن بالله تُحسِن، وأحْسِن لله تُؤمِنْ.

(1/65)


[صفات المؤمن]
واعلم يا بني أنك لن توقن حتى تعرف الموقنين، ولن تؤمن حتى تؤمن للمؤمنين، ومن الموقنين أبوك إبراهيم خليل الرحمن، والمؤمنون فمن أَمِنَ من الكفر وكبائر العصيان، وأعمال الموقنين من البر فدليل على إيقانهم، وترك المؤمنين للكفر وكبائر العصيان فحقيقة إيمانهم، فاسمع يا بني لخبر الله الذي لا خبر كخبره عن يقينهم، وما كانوا يعملون به لله في دينهم، من الصالحات، ويسارعون فيه من الخيرات، فإنه يقول سبحانه: ? إِنَّ الَّذِيْنَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ، وّالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُولئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ? [المؤمنون57-61].
ويقول سبحانه: ? إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيْمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ? [الأنفال 2-4].
ويقول عز وجل: ? إِنَّما الْمُؤْمِنُونَ الذين آمَنوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرِ جَامِعٍ لَمْ يَذْهِبُوا حَتَّى يستأذنوه إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا اسْتَأْذِنُوكَ لِبَعْضِ شأْنِهِمْ فَأذَنْ لِمَنْ شئتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيْم ? [النور:62].

(1/66)


ويقول سبحانه: ? إِنِّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيْلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ? [الحجرات:15]. وقال عز من قائل: ? إِنَّمَا يؤمنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عِنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ? [السجدة 15-16].
أنظر كيف وصفهم الله سبحانه بالخشوع والدين، بما نسبه مما سكن قلوبهم من حقيقة اليقين، فأولئك هم الذين وصفهم الله بالايمان وحلاَّهم، وسمَّاهم به في كتابه ودعاهم، ولهم أوجب الجنان والرحمة، ومنه استحقوا الرضوان والعصمة، فمن خرج من صفتهم ونعتهم فغير مؤمن ولا نعمى عين، ولا مستوجب من الله الرحمة ولا الرضوان في يوم الدين، وداره غير دار المؤمنين، ومثواه من النار مثوى الظالمين.
وقد زعم غيرنا أن من لم يُؤمَن كَبيرُ عصيانه - فيكون لأحد منه أمان بإيمانه، ممن ذكر الله بالايمان وحلَّى - أنه ولي لله سبحانه فيمن تولى !! خلافاً على الله ومشآقة !! ومجانبة لكتاب الله ومفارقة.
وزعم أن الله لا يعذب من أقر به وبرسله وكتبه بلسانه، وإن ارتكب كل كبيرة من كبائر عصيانه، تمنِّياً على الله وافتراءًا، واستكباراً عن تبيانه واجتراءًا !!

(1/67)


فاسمع يا بني لقول الله في خلافهم، وما وصف فيما زعموا من خلاف أو صافهم، فإنه يقول سبحانه: ? فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُّمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيْماً ? [النساء:65]. فلم يرض سبحانه منهم له بالتحكيم، دون ما وصف من الرضى والتسليم، فقال سبحانه: ? فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ?. وقالوا هم: بلى خلافاً على الله هم مؤمنون!! والاقرار بالله ورسله، غير الرضى والتسليم لحكمه، فأَيُّ خلاف ـ لقائل أو اختلاف، أو فرط عن قول بغير حق أو إسراف ـ أَبيْنُ مما تسمع وترى، مما قالوه جرأة وافتراء .
ويقول سبحانه: ? إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِه وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الِّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ أُولئِكَ الِّذِينَ يُؤْمِنُونَ باللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذنْ لِمَنْ شئتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيْمٌ ? [النور:62]. واستئذانهم له، غير إقرارهم بالله وبرسوله، فأين ما قالوا في الايمان ووصفوا ؟! مما قال الله به إن أنصفوا !! والله يقول سبحانه: ? لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين، إنَّما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ? [التوبة 44-45]. فالله يقول: لا يؤمنون بالله إن استأذنوا !! وهم يقولون: بلى إن أقروا فقد آمنوا !!

(1/68)


فأيُّ مجاهرة لله بخلاف، أو مقالة بغير حق في إسراف، أبْينُ على الله خلافا، أو في قولٍ بغير حق إسرافاً، من قول هذا مخرجه، وسبيلُ أهله في القول ومنهجُه ؟! أوَ ما سمعوا لقول الله تبارك وتعالى: ? يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ? [الأنفال:1]. يخبر سبحانه أنهم إن لم يطيعوا أمر رسوله ويقبلوه، ويفعلوا ما يأمرهم به أن يفعلوه، فليسوا مؤمنين به لا ولا بالله ربه، ولا برسل الله وكتبه.
أو ما سمعوا لقوله سبحانه: ? واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ? [الأنفال:41]. يقول سبحانه لمن شهد من المهاجرين والأنصار بدرا، وكان له ولرسوله من عدوهما منتصرا، إن كنتم بما وَ صفتُ آمنتم، فامضوا لما به أمرتم، فان لم تمضوه على ما نزلت من حكمه، فلستم بمستحقين لثواب الايمان ولا اسمه.
فأي حجة لمحتج أقوى، أو ضياءُ نورٍ أضوأ، فيما اختلفنا، ووصفوا وصفنا، مما تلونا جُمَلاً لا تأويلا، ووحيا أنزله الله تنزيلا.
فاسمع في ذلك يا بني عن الله تنزيلَ وحيِه، وما نَزَّل فيه صراحاً مكشوفا على نبيه، فإنه يقول: ? وما أولئك بالمؤمنين ? [النور:47]. فالله تبارك وتعالى يقول وما أولئك بالمؤمنين، وهم يقولون بلى إذا كانوا بالله وبما جاء من عنده مُقرِّين !! وإنما أخرجهم الله من الايمان بتولِّيهم، وبذلك نزل وحيه فيهم، وعليه عاتبهم لا على إنكار، ألا ترى أن قولهم آمنا قولُ إقرار، لم يدعهم إليه، ولم يعاتبهم فيه.

(1/69)


[اعرف الحق تعرف أهله]
فاعرف الحق يا بني ومن خالفه، فإنك تعرف حينئذ الحق ومن آلفه، واعلم أن معرفة الحق قسمان معلومان، وجزآن عند المحقين مقسومان:
أحدهما: معرفة الحق في نفسه ونعته، وما أبانه الله به من ضياء بينته.
والآخر: معرفة ما خالفه من الباطل، والبرآءة إلى الله من جهل كل جاهل، فاعرفهما جميعا تعرف الحق وتوقنه، وتعرف قبحَ كل أمر كان أو يكون وحسنَه، ولا تغتر بهما جاهلا، ولاتكن لواحد منهما معطلا، فَتَجْهَلَ بعض الحق أو تعطله، ولا يُؤمَن أن ترتكب بعض الباطل أو تَفْعَلَه، ومتى لا تعرف الباطل لا تتبرأ من أهله، ومن لا يتبرأ من المبطل حلَّ من السخط في محله، ومتى تجهل بعض الحق، لا تُؤمن من البرآءة من المحقِّ، ومن تبرأ من المحقين تبرأ الله منه، ومن أعرض عنه المحقون - سَخَطاً - أعرض الله عنه، والمحقون مِن خلق الله فهم المؤمنون، والمؤمنون فهم البررة الرحماء المتحآبُّون، والمتحآبون فهم المحبون في الله لمن أحبهم وتولاهم، والمعاندون لمن حآد الله ربهم ومولاهم.

(1/70)


فاسمع يا بني لما ذكر الله في ذلك سبحانه عنهم، وعرَّف أولياءه في ذلك منهم، إذ يقول لا شريك له: ? والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ? [التوبة:71]. ويقول سبحانه: ? لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألآ إن حزب الله هم المفلحون ? [المجادلة:22]. ومحآدة الله تبارك وتعالى في حدوده، خلاف المخالفين فيما حدد من أمره وعهوده، فالله يقول سبحانه: ? لا تجد ? وهم يقولون: بلى هم كثير موجودون، والله يشهد سبحانه ومَنْ قَبِلَ وحيَه على خلاف ما عليه يشهدون . وما في كتاب الله من بيان خلافهم، وشهادته بغير أوصافهم، فكثير بمنِّ الله جمٌ، يخص من بيان الله فيه ويعم.

(1/71)


[أئمة الجور من أسباب الضلال]
وليس لقلة ذلك ولا عسره، ولا لملتبسِ لبسٍ من أمره، ضل القوم عنه ولا تاهوا، ولكن لما سنَّ فيهم ملوك بني أمية وشبهوا، ولقهر بني أمية لهم وغلبة سلطانهم، قوي عليهم فيه سلطانُ شيطانهم، فأَلِفُوه حتى أَنسوا به لطول الصحبة، وعز فراقه في أنفسهم لما كان يكون في خلافه من الأنكال المعطبة، ولمَّا كان مَنْ جَهِلَه يومئذ لديهم منكلا محروما، عاد مجهوله يومئذ فيهم بعد جهله معلوما، ثُمَّ خلفت من بعدهم أخلاف السوّ، التي أتت عداوتها للاسلام من وراء عداوة كل عدو، فكانت أكلف بما سنَّ لها أسلافها كلفا، وأسرف في الاحتجاج للباطل سرفاً، فالله المستعان للمحقين عليهم وفيهم، وفيما خالفوهم فيه من حكم ربهم عليهم، فقد أصبحوا وأمسوا عن الحق بكما وصما وعميا، وصاروا هم وأئمتهم من بني أمية لأنفسهم في ذلك داء دويا، لا يقبل شفاء الأدوية، ولا يسوغ فيه ولا ينفع دواء الأشفية، كما لا يسوغ في البَكَم، ولا في العمى ولا في الصَّمَم، دواء ولا شفاء أبداً، إلا أن يكون الله بشفائه متوحدا، وكذلك داؤهم من الجهل والضلالة والكفر، فلن يشفى منهم إلا بإكراه من الله لهم على الايمان وجبر، وذلك فما لا يكون منه بعد أن أمرهم، ولأنه لو كان منه بجبر لكان الايمان لمن جبرهم، وإذًا كان له لا لهم، وكان فعلَه لا فعلَهم، لأنه منه لا منهم، فالاحسان فيه له دونهم.
فهذا يا بني فاعلمه من أمرهم، ومما هم فيه من جهلهم وكفرهم.

(1/72)


[الجهل المركب]
واعلم يا بني أن جهل الناس بالله وبدينه، وما هم عليه من العمى عن الله وعن تبيينه، يُدْعيَانِ جهلا مضعفا، وعمى مُتَبِّرا متلفا، لا يرجى إلا بالله لأهلهما منهما سلامة، ولا يزدادان على صاحبهما طول الدهر إلا مداومة، وإنما قيل في الجهل إنه مُضعف، لأن صاحبه لا يعرف ولا يعرف أنه لا يعرف، فجهله هذا جهلان، وهلكته بجهله هلكتان، بل لو قيل إن جهله هذا جهل مضعف أضعاف ثلاثة متراكبة، لكانت مقالةُ من قال ذلك في جهله صادقة غيرمكذَّبة، لأنه جَهِلَ فكانت تلك منه جهلا، ثُمَّ جهل أنَّه جاهل فكانت تلك لجهله مثلا، ثُمَّ رأى أن جهليه جميعا علما، فكان ذلك منه جهلا ثالثا وظلما.

(1/73)


وإنما قيل إن عماه عمىً متبِّر متلف، ليس له إلا بالله عنه زوال ولا تكَشُّف، لأن صاحبه لا يألم له ولا يجده، فهو يزيده دائبا ويمده، إذ لا يجد له في نفسه ألماً، ولا يَعُدُّ عماه فيه عمىً، فلذلك ما ازداد داؤه، وقلَّ من عماه شفاؤه، ولو وجده فلمسه، أو ألَمَّ بأَلمِهِ فحسه، لطلب له الشفاء، ولما كان متبّراً متلفا، ولو طلب - ويله - طب ما به من دائه، عند من جعل الله عنده طبَّه من أهل الحق وأوليائه، لوجد عندهم من ذلك شفاءً له شافيا، ونورا لما عدم من بصره كافيا، ولكنه أصر عن آيات الله مستكبرا، وَعَدَّ عماه عن الله وعن تبيينه بصرا، فكانت مقالته على الله كاذبة، ونفسه فيما بينه وبين الله للأثام كاسبة، كما قال الله العليم بإصرار المصرين، في أمثاله من الأثمة المستكبرين: ? ويل لكل أفاك أثيم، يسمع آيات الله تتلى عليه ثُمَّ يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم، وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين، من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب من رجز أليم، الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ? [الجاثية:7-13].

(1/74)


فكذلك هو فكما قال وإلا فمن سخَّره، هل ادعا تسخير ذلك أحد قط أو ذَكَرَه ؟! لا ولو ادعاه مدعٍّ إذًا لكان كذبه مكشوفا، ولكان بكذبه في كل قرن خلا أو بقي من القرون موصوفا، وما ادعا ذلك فرعون في جهله وعتائه ولقد ادعا غيره في ملكه لنظرائه، وما ادعا لهم خلقا ولا صنعاً، ولو ادعاه لكان ذلك كذبا مستشنعاً، وإنما تأويل قول فرعون: ? أنا ربكم الأعلى ? [النازعات:29]، أنا سيدكم ومليككم لا ما قال موسى، ولم يرد أنا لكم رب خلاق، ولا أنا لكم إله رزاق، لأن كل رب في لسان العرب فسيدٌ ومليك، ولا سيما إذا كان وليس له عند نفسه فيما ملك شريك.

(1/75)


أولا تسمع يا بني وترى، أنَّه لم يزعم أنَّه رب لغيرهم من أهل القرى، التي لا ملك له عليها، ولا سلطان له فيها، فلما لم يوقن بغيره، ولم يستدل على الله بتدبيره، وكذَّب من الله بما لم تره عيناه، وكان كل مَنْ صَدَّقَه مثلَه لا يوقن إلاَّ بما عاينه ورآه، وما كان لذلك مثلاً ونظيراً، قال أنا ربكم ومليككم ولم يدَّعِ لهم صنعاً ولا تدبيراً، صِغَراً منه وتضاؤلاً عن تلك ودعواها، فلما صغر عنها وتضاءل كان ادعاؤه لسواها، مما يدخل به وفيه غلط وامتراء، وما يمكن في مثله له عندهم الإدِّعاء، ولو ادعا فيهم خلقاً، أو انتحل لهم رزقاً، لما اعترتهم في كذبه مع تلك مِرية، ولا أعمتهم من الشبهة في أمره مُعمية، ولكنهم لما لم يوقنوا بالله وتدبيره، ولم يقروا إلاَّ بما رأوا مثله من فرعون وغيره، وأنكروا ما لم يروا أو يكون مثلاً لما رأوا فدفعوه، جاز عندهم لفرعون ولهم في فرعون ما ادعوه، فنحمد الله الذي حَسَّر كل من أيقن أو تحيَّر عن أن يدعي من صنعه وإن جهله صنعاً، فيكون فيه لشبهة أو تحيُّرٍ لمبطل مُدَّعا، وإن كان أثر التدبير فيه بأنه صنعٌ مصنوعٌ بادياً، وكان هدى الله فيه لمن لم يهتد إليه بالهدى منادياً، فنداؤه بإحداث الله له أعلى من كل علي، وَتَبدِّيه بأنه صنع لله وتدبيرٌ أَبْدَى من كل جلي، فتبارك الله أحسن الخالقين خلقاً، وأحق جميع الحقائق متحققاً، الذي لم يزل ولا يزال، ومن له الكبرياء والجلال، رب الأرباب المعظمة، وولي كل إحسان ونعمة، الأول الذي ليس كمثله شيء وهو القوي العزيز القهار الغلاب، ? رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ? [آل عمران:8]. وصلِّ على جبريل أمينك وعلى ملائكتك المصطفين، وعلى محمد رسولك وعلى جميع الرسل والنبيين، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد خير خلقه أجمعين، وأهله الطاهرين وسلامه.

(1/76)


تم كتاب الدليل على الواحد الجليل.

(1/77)


الدليل الصغير
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو محمد الحسن بن القاسم رضي الله عنه:
سألت أبي رضي الله عنه عن الحجة على من أَلْحَدَ في الله تمرداً، وجهل المعرفة بالله حيرةً وتلددا، فظن أنه موقن بمعرفة رب الأرباب، وهو من ظنه لذلك في مرية وحيرة وارتياب، فكثيرٌ أولئك، ومن هو كذلك، وإن هو لم يظهر ما في قلبه، من الحيرة والجهل بربه، جل جلاله وسلطانه، وظهر دليلُ الإيقانِ به وبرهانه ؟!
فقال: إنما يُستدل يا بني: على إيقان الموقنين، بمعرفة رب العالمين، بطاعتهم لله وتقواهم، فبهما يُعرف يقينهم بالله وهداهم.
ولذلك يا بني وفيه، من الدلائل عليه، قول الله سبحانه ( لرسوله، صلى الله عليه وآله: ? وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ? [التوبة:105]. وقوله سبحانه: ) ? إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ? [الحجرات:15]. وقوله سبحانه: ? إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون ? [السجدة:15 – 16]. وآياته سبحانه فهي وحيه وتنزيله، وشواهد الإيقان به ودليله، والإيمان فمن الإيقان، وهو الأمان من كبائر العصيان. وأكبر الكبائر عند الله، وعند الصالحين من خلق الله، فهو الإنكار لله، والإلحاد في الله، والارتياب في معرفة الله.
وفي ارتياب المرتابين، وصفة الله للمؤمنين، ما يقول أرحم الراحمين: ? لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين، إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهو في ريبهم يترددون ? [التوبة:44 – 45].

(1/78)


وفي الحيرة والمرية والشك والارتياب، ما يقول سبحانه لأهل إضاعة طاعته والغفلة والتقصير والألعاب : ? رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين، لا إله إلا هو يحي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين، بل هم في شك يلعبون ? [الدخان:7 – 9]. فأخبر تبارك وتعالى بلعبهم، عن شكهم في ربهم، ودل بذلك على أن من اشتغل عن طاعة الله بلعبه، فليس من الموقنين مع ذلك بالمعرفة بالله ربه.

(1/79)


[التفكير طريق المعرفة بالله]
وفي قلة اليقين بالغيب، وما يعرض للجاهلين فيه من الريب، ما يقول الله سبحانه فيما قص من نبإ قوم نوح وعاد وثمود وآدم وقوم لوط وأصحاب الأيكة، وما أحل بهم بعد ما أراهم من الآيات والدلالات البينات من التدمير والهلكة، ? إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم ? [الشعراء :190–191]. ففي كل ما قص الله من ذلك لمن يعقل فيوقن بيان من الله فيما ذكرنا من قلة اليقين وتعريف وتفهيم، واليقين بالغيب فإنما يكون، بما يدركه الفكر لا بما تدركه العيون، فمن لم يفكر بقلبه فيما غاب عنه، لم يؤمن أبدا بشيء منه.

(1/80)


والآية في كل ما كانت من الأشياء فيه، فهي الدلالة البينة المستَدَل بها عليه، ومن استدل بالآيات على ما غاب صح له به يقينه، وإن لم يره ولم يبصره لغيبته عنه، وكان أصح عنده صحة، وأوضح له ضحَّة، من كل ما وضح من الأمور كلها فاستنار، وأيقن به كما يوقن بالليل والنهار، بل كان أصح عنده في الإيقان، من كل ما أدركه برؤية أو عيان، لفضل درك اليقين، على درك الرؤية والعين، ومن لم يفكر، لم يؤمن ولم يبصر، وإنما يوقن مَن فكَّر، ويبصر من نظر، كما قال سبحانه: ? أولم يتفكروا ? [الروم:8]. ? أولم ينظروا ? [الأعراف: 185]. ? أولم يروا ? [يس: 71]. تنبيها من الله بذلك كله لهم على أن يوقنوا فلا يمتروا، فيما عرفهم الله سبحانه من نفسه بآياته، ودلهم على معرفته من غيب أموره بدلالاته، فليس يوصل إلى معرفته واليقين به، وما احتجب عن العباد من غيبه، إلا بما جعل من الدلالات، وأرى من الآيات، كما قال سبحانه: ? سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد، ألآ إنهم في مرية من لقاء ربهم ألآ إنه بكل شئ محيط ? [فصلت: 53 – 54]. ولقاؤهم لربهم فهو مصيرهم ومرجعهم إليه، وليس بلقاء رؤية ولا عيان ولا يمكن شيء من ذلك فيه، لبعده سبحانه في ذلك وغيره من مماثلة الناس وغير الناس، وبقدسه وتعاليه عن أن يُنال أو يُدرك بحآسة من الحواس، وإنما تدرك معرفته وتُنَال ـ له القدس والكبرياء والجلال ـ بما بَيَّن من الدلائل والآيات لقوم يعقلون، كما قال سبحانه: ? قد بينا الآيات لقوم يوقنون ? [البقرة:118]. فليس بعد تبيين الله بيان، يكون به معرفة ولا إيقان.
والحمد لله على ما بيَّن من آياته، وأوضح من دلالاته، ونستعين بالله على اليقين بمعرفته، ونعوذ بالله من الإلحاد في صفته.

(1/81)


وفي مدحة الله سبحانه للأبرار، بما آمنوا به مما غاب عن الأبصار، واستدلوا عليه بالنظر والأفكار، عن غيب المعرفة بالله وإيقانه، وما لا يدرك أبداً من الله برؤيته جهراً ولا عيانه، وما لا يُصاب فيه أبداً حقيقة العلم واليقين، إلا بما جعل الله عليه من الشواهد والدليل المبين، هو أحق حقيقة، وأوثق وثيقة، وأثبت يقينا، وأنور تبيينا، من كل معاينة ـ كانت أو تكون ـ أو رؤية، أو دركِ حاسةٍ ضعيفة أو قوية، ما يقول الله سبحانه: ? الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ? [البقرة:1 – 2]. تبرئة من الله لهم فيما غاب عنهم في جميع أموره من كل شك وريب.

(1/82)


[استدلال إبراهيم على وجود الله]
وفي الاستدلال على الله، بما يرى ويبين من آيات الله، ما يقول أبوك إبراهيم خليل الله: ? إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً ? [الأنعام:79]، احتجاجا على قومه في غيبه بما يرون من فطرة الله في سمواته وأرضه وتوقيفاً. ويقول صلى الله عليه: ? أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين ? [الشورى:76 – 81]. فكل ما ذكر صلى الله عليه وعدد من خلق الله له وهداه، وإطعام الله له وسقيه إياه، وإبراء الله له من مرضه وشفائه، وإماتة الله له وإحيائه، فبدائعٌ موجودة، وأفعال بينة معدودة، لا ينكر موجودها، ولا يجهل معدودها، من المدركين لها من أحد، ألحد فيها أو لم يلحد، وإنما ينكر من أنكر صنعها، ويجهل مَن جهل بدعها، فأما العدد لها والوجود، فَبيِّنٌ فيها محدود، لا ينكره منكر، ولا يتحير فيه متحيِّر.
وكل ذي عدد، وكلُّ ما حُدَّ بحد، فالدليل على صنعه تعديده، وعلى أنه محدث تجديده، وإذ كان ذلك كذلك وجد الصانع المبدِع عند وجوده، والمحدِّد له المحدِث بما بان فيه من حدوده، لأنه لا يكون أبدا حدث إلا من محدث موجود، و لا يكون حد أبداً إلا من مفرَّق محدود، كما قد رأينا في ذوات الحدود، من كل مفترق موجود، لا يمتنع من درك ذلك ويقينه وعلمه، إلا من كان مكابراً فيه لحسِّه ووهمه.

(1/83)


وإنما أراد إبراهيم صلى الله عليه بما عدَّد من ذلك وذكر، ما ابتدع من ذلك كله وصنع وافتطر، مما لا صنع فيه لصانع مع الله، وما لم يوجد شيء فيه قط إلا من الله، فأما ما يصنع العباد بعد صنع الله من أخذ وعطاء، وما يدور في ذلك بينهم من الأشياء، فلم يرده إبراهيم صلى الله عليه، ولم يعدده ولم يذهب إليه، وكل ما كان من العباد في ذلك من الصنائع، فغير صنع الله في الابتداء والبدائع، صنعُ الله سبحانه فابتداع، وصنع العباد فاحتيال واصطناع، وصنع الصَّانع، غير صنع الطبائع، صنع الطبائع صنيعة مبتدعة مطبوعة، وصنع الصانع فصنيعة معتملة مصنوعة، والصنعة لا تكون إلا في مصنوع، والطبيعة لا تكون إلا في مبدوع، فما طبع من غير شيء، وكان من غير أصل ولا بَدي، وذلك كله وأمثاله، فما لا يصنعه إلا الله جل جلاله، ولا يدركه أبداً ولا يناله، صنع الخلق ولا احتياله.
ولو كان - ما صنع وابتدع تبارك وتعالى، من ذلك من الأرضين والسماوات العلى، وجعل من الليل والنهار، وما مزج بقدرته من البحار، وما أرسى من الجبال، صُنعَ أَكُفٍّ واحتيال - إذاً لما قدر بذلك على صنع أقله، فضلاً عن صنع جميعه وكله، في وقت من الأوقات وإن طال أبداً، بل إن كان الوقت منه ممتدا سرمداً، ولكنه تبارك وتعالى صنعه وأنشاه، فابتدعه كله وفطره فطرة واحدة فَبَراه، كما قال سبحانه: ? بديع السموات والأرض، وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ? [البقرة:117]. ? فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ? [الشورى:11]. وفي أقل ما ذكر الله من ذلك وجعل، لمن فكر ونظر فاستدل، دليل مبين، وعلم يقين.

(1/84)


وأي دليل على الله ؟! وعلى اليقين بالله ؟! من افتطار الله للسماوات والأرض، وما جعل منا ومن الأنعام أزواجا بعضها لبعض، فجعل سبحانه ما ذكر من الأزواج أصولا، أنسل منها بقدرته نسولاً، لا يحصيها أبداً غيره، ولا يمكن فيها إلا تدبيره، فأي دليل أدل ؟ لمن فكر فاستدل، على اليقين بالله ؟! مما يراه عيانا من صنع الله، للأزواج المجعولة المحدثة، وما خولف به في ذلك بينها من الذكورة والأنوثة، فجعل ذكور الأزواج غير إناثها، دلالة بذلك على جعلها وإحداثها، وكان ما عُويِنَ بعدها من ذُروِّ نسلها وتكثيره، دليلاً على حكمة صانعها وتدبيره، وآيةً أبانها منيرة مضيَّة، ودلالة بينة جلية، لمن فكر ونظر - فأحسن - بقلبه، على الله خالقه وربه، فأيقن لفكره فيما يراه ببصره، وما يدركه بمشاعره بالله مقدِّره ومدبِّره، فظفر باليقين والهدى، وسلم من الحيرة والردى، فاستراح ووثق واطمأن، واعتقد المعرفة بالله وأيقن، فخرج بيقينه من الظلمة والمرية والشك، إذا أيقن بالله مليك كل ذي ملك.
وفي مثل ذلك من الخلق والإحداث، لما ذكر الله من صنعه للذكور والإناث، ما يقول سبحانه: ? لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيماً ? [الشورى:49 – 50]. فَمُلكُ جميعهما، وما يرى من بديعهما، فمعاينٌ موجود لا يخفى ولا يتوارى، عن كل من يعقل ويبصر فيرى، وكل ملك صح دركه رؤية وإيقانا، فلا بد من درك مالكه باليقين وإن لم يُر جهرة عيانا. وكل مفترق في الخلقة والصنع والفطور، مما ذكر سبحانه من الإناث والذكور، فَوُجدَ كما وُجِدَ افتراقه، وبان فطرة صنعه وفطرته واختلاقه، فلا بد له اضطراراً، إذ وُجدَ كذلك جهارا، مِن مميِّز فارِق، ومفتطِر خالق، لا يشك في ذلك ولا يجهله، إلا من لا عقل له.

(1/85)


فَلِخَلقِ الله تبارك وتعالى لما شاء، فرَّق بين ما خلق من الذكور والإناث وأنشأ، فوهب لمن يشاء إناثا ووهب لمن شاء ذكورا، وجعل كلا على حياله خلقاً مفطورا، غيرَ مُشبهٍ بعضه لبعض، كما السماء غير مشبهة للأرض، ووهب لمن شاء ذكوراً وإناثاً معاً، فجمع ذلك له بموهبته فيه جميعاً، وجعل من شاء من الرجال والنساء عقيما لا يلد ولداً، ولا يكون منه ولد أبداً، إلا بعد تبديله الإعقام وتغييره، وبحادث يحدثه في ذلك من صنعه وتدبيره، كما فعل سبحانه في امرأة زكريا، وما وهب لهما من يحيى، صلى الله عليهما وعليه، وما منَّ به عليهما من ذلك وفيه. وما وهب لإبراهيم صلى الله عليه من الولد بعد يأسه منه، وكبره صلى الله عليه عنه، وفي ذلك ما يقول عليه السلام ذِكراً، وحمداً وشكراً، بما وهب له تبارك وتعالى، في ذلك من الموهبة والنعماء: ? الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق، إن ربي لسميع الدعاء ? [إبراهيم: 37].
وفي محآجة الملك، بالمكابرة والإفك، لإبراهيم خليل الله، إذ يقول عليه صلوات الله: ? ربي الذي يحيي ويميت ـ فقال الملك بالمكابرة والكذب ـ: أنا أحيي وأميت ? [البقرة: 258]. وإنما قال إبراهيم عليه السلام من ذلك صدقا، ونطق به في محآجته للملك بما نطق حقاً، لا شك فيه ولا مرية، ولا شبهة ولا ظلمة مُعشية، لأنه لمَّا وجدت الحياة يقيناً والموت، وُجِدَ بوجودها اضطرارا المحيي المميت. ولما لم يجد الملك - صاغرا لليقين بهما والاضطرار - سبيلاً لنفسه بحدثهما إلا المكابرة فيهما والإنكار، كَابَرَ لداداً، ومباهتة وجحاداً، فقال: ? أنا أحيي وأميت ?. وكيف يكون محيياً أو مميتاً، من لا يملك لنفسه حياةً ولا موتاً ؟!

(1/86)


وفي مثل ذلك، ومن كان كذلك، ما يقول الله سبحانه: ? واتخذوا من دونه آلهةً ? [الفرقان:3]. وفيما اتخذوا من تلك الآلهة الملائكة المقربون، وعيسى بن مريم عليه السلام وما كان من آلهتهم يعبدون، فقال تعالى: ? آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا يملكون موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ? [الفرقان: 3 – 4]. فلما كابر الملكُ إبراهيمَ عليه السلام من قوله بما كابره به مباهتة وإفكاً وزورا، فقال صلوات الله عليه ورضوانه: ? فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ? [البقرة:258].
وتأويل بُهتَ هو: صمت وسكت عن الإفك والمباهتة والجحود، إذ قرره صلى الله عليه بأمرٍ معاين موجود، لا ينكره إلا بمكابرة فاحشةٍ عقلُ الملك ولا عقل غيره، لما فيه من بَيِّن أثر تدبير الله وتقديره، من تدليل الِملك والتسخير، من دؤوب التحرك والمسير، جيئة وذهوباً، وطلعة وغروباً، فهي طالعة وغائبة لا تقصر، وجائية وذاهبة لا تفتر، مختلفاًبها ما جعل الله من الليل والنهار، وما قدَّر بمسيرها من الأوقات والأقدار، وبما بان من ذلك وأنار لكل أحد، بُهت الذي كفر فلم يكابر ولم يجحد.

(1/87)


[استدلال موسى على وجود الله]
وكذلك قال موسى عليه السلام إذ قال لفرعون، حين قال له ولأخيه هارون: ? فمن ربكما يا موسى، قال ربي الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ? [طه:49 – 50]، فدله صلى الله عليه على ربهما بأدل دلائل الهدى، من عطائه سبحانه لخلقه من نعمه ما أعطاهم، وما منَّ به جل ثناؤه من هداهم، لكل رشدفي دينهم ودنياهم.
وفيما ذكر موسى صلى الله عليه من عطية الله لخلقه، ما أعطاهم من هداه لهم ورزقه، ما يقول سبحانه: ? هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ? [البقرة: 29]. ويقول سبحانه: ? وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ? [الجاثية: 13]. وفي هدايته لهم ما يقول سبحانه: ? والله أخرجكم من بطون أُمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ? [النحل: 78]. ولفرعون ما يقول موسى عليه السلام إذ قال فرعون ? وما رب العالمين، قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ?[الشعراء: 23 - 24]. فلما أن قال له ذلك: ? قال لمن حوله ألا تسمعون ? [الشعراء: 25] ؟! يريد ما تقولون ؟ فقالوا لموسى ما قال، وسألوه عما سال، فقال عليه السلام رب العالمين: ? ربكم ورب آبائكم الأولين ? [الشعراء: 56]، دلالة لهم على أن الله ربهم ورب آبائهم الأولين، بما بَيَّن لهم ولغيرهم من تدبيرهم وإنشائهم، الذي لا يمتنعون من وجوده في أنفسهم، وفي كل عضو من أعضائهم، بالنشأة البينة فيهم والتقدير، والهيئة الظاهرة عليهم والتصوير، فلما قطعه وقطعهم، من حجة الله بما أسمعه وأسمعهم، خرج فرعون في المسألة والمجادلة، إلى غير ما كان فيه من الجدال والمقاولة، فقال العميُّ الملعون: ? إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ? [الشعراء: 27]. فرد عليه موسى عليه السلام قوله، بتبيين الحجة القاطعة له، فقال له ولمن حوله كلهم أجمعين، فيما كانوا يتقاولون أو يتجاهلون ويجهلون، ? رب المشرق والمغرب وما بينهما

(1/88)


إن كنتم تعقلون ? [الشعراء: 28]، فالمشرق والمغرب وما بينهما كله فمربوب لا يشك فيه إلا الجاهلون، لما يُرى فيه، ويُتبين عليه، من أثر الصنع والتدبير، والهيئة البينة والمقادير.
فلما وقَّفه وإياهم على الآيات فلم يقفوا، وعرَّفهم الدليل والبينات فلم يعرفوا، وأمسكوا عن المسألة والمقال خاسئين محسورين، قال فرعون: ? لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ? [الشعراء: 29]. قال موسى عليه السلام توقيفا له ولهموتعريفا، وتقريرا للحجةعليهم وتعطيفا: ? أولو جئتك بشيء مبين، قال فأت به إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ? [الشعراء: 30 – 33].
وبمثل احتجاج إبراهيم صلى الله عليه وموسى عليه السلام على من ألحد وجحد وأشرك، لم تزل رسل الله تحتج على من تحيّر في الله أو ارتاب أو شك، وذلك فبَيِّنٌ والحمد لله فيما نزل من كتبه كثير، وقولهم في الإحتجاج على من جحد أو ألحد أو أشرك فواضحٌ منير، لا يطفأ له سراج، ولا يشبهه احتجاج، ولا ينكره من الخلق كلهم رشيد، ولا يأبى قبوله من الخلق إلا شيطان مريد.
وما لم يزل الله برحمته وفضله، يدل به من هذا ومثله، في كتبه وعلى ألسن رسله، فكثير عن الذكر له والاستقصاء، والتعديد والإحصاء، في كتابنا هذا وأمثاله، فنحمد الله على مَنِّهِ فيه وإفضاله، ونسأل الله أن يجعلنا وإياك - بما بصَّر - من المبصرين، وفيما أمر بالفكر فيه من المفكرين.
اسمع يا بني: فقد سألت أرشدك الله للهدى، وجعلك رشيداً مرشداً، عن أَولى ما سأل عنه سائل أراد لنفسه أو لغيره رشدا وهدى، أو لمبطل كان فيما سألت عنه متحيرا أو ملحدا متمردا.

(1/89)


فجعلنا الله وإياك فيما سألت عنه، من القائلين بما يرضى منه، ووهبنا من البصائر بدلائله وآياته، ما وهب للقائلين في ذلك من محبته ومرضاته، فانه لن يصيب في ذلك هُداه، إلا من أرشده وهَداه، ولن يظفر فيه ببغيته وطلبته، إلا من كان متحريا لإرادة الله فيه ومحبته.
وبعد:
فاعلم يا بني: نفعك الله بعلمك فكم من علم غير نافع، ومنادى له وإن كان صحيحا سمعه غير سامع، وناطقٍ في عداد البكم، إذ ينطق بغير رشد في الهدى ولا عِلم، وكم من ناظر لا يبصر ولا يرى، كما قال الله سبحانه وتعالى: ? وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ? [الأعراف: 198]. وقال سبحانه: ? صم بكم عمي فهم لا يعقلون ? [البقرة: 171]. فليس كل مَن علم انتفع ولا اتبع، ولا كل مَن نُودِي به سمع ولا استمع، ولا كل مَن نطق فكر، ولا كل مَن نظر أبصر، ولا كل مَن له قلبٌ فَقِه ولا عَقَل، إذا هو أعرض وترك وغفل.
وفي أولئك، ومن هو كذلك، ما يقول سبحانه: ? ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ? [الأعراف: 179]، فكفى رحمك الله بما نرى من هذا ومثله في كثير من الناس بيانا وآيات لقوم يعقلون.

(1/90)


[عظة بليغة]
وكيف لا يكون عند من يعلم أو يعقل كالأنعام، من لا يهتم إلا بما لها من الهم والإهتمام، في مأكل أو منكح، أو لعب أو مُتمرَّح، فعلمه علمها، وهمته همتها، فهو مُكِبٌّ عليها، لا يرغب إلا فيها، ولا تنازعه نفسه إلا إليها، فلها يجتهد ويشقى، وبها يدعو ويُدعى، غافلا عما شِيبَ بمحآبه فيها من الأذى والمكاره، غير مُتَّعظ بشيء ولا معتبرٍ ولا متنبه، وقد يوقن إيقانا، ويرى بعينه عيانا، أن ما يحب من دنياه وحياتها مشوب بموتها، وما يشوبه من دركها مقرون بفوتها، فكم من مدرَك من بعد دركه فايت، وحي بعد حياته مايت، قد تبدد شمله، وأعرض عنه أهله، الذين كان يُعدِّهم له أحبابا، ويكد لهم في حياته بجهده اكتسابا، بما حل من المكاسب أو حَرُم، أو حُمِد من المطالب أو ذُم، وكم قَبْلَ موته عنهم، كان من مسخط له منهم، قليل له شكره، سيء له ذكره، ورثه ما جمع غير شاكر ولا حامد، يقول: لقد كان فلان غير مهتد ولا راشد، كما يقول أعدى الأعداء، وأبعد البعداء، يُعجِّب بعض من يجالس بعد موت سخصه، بما كان يرى من كده قبل موته وحرصه، وكم كان له قبل موته من خليل حبيب مقارن، أسلمه عند وفاته لموته إسلامَ البعيد المباين، وَلَهَى بعده، بخليل جدَّده ‍‍‍‍‍‍‍! فكأن لم يكن لمن مات خَدِينا ! ولم يَعدَّه بعد موته قرينا ! بل كم من أب والد، أو ولد حبيب واحد، تعزى فسلا، عمن مات وتولى، واشتغل من بعده بأشغاله، وأقبل على ما يعنيه من حاله، وقال هلك أبي ومات ! أو ذهب ابني وفات ! فما عسيت أن أصنع ؟! وهل لي في الجزع منتفع ؟! تسهيلا في مصابه لما دهاه، وتفرغا بمقاله لدنياه، فهذا في الوالد والولد، وهما سلالة النفس والجسد، كما تعلم وترى، فكيف بغيره من الأمور الأخرى، من المال والأثاث، والفكاهات والأعباث ؟!

(1/91)


وفي الولد رحمك الله وفي المال، ما يقول ذو الكبرياء والجلال، لمحمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله: ? ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ? [التوبة: 85]. فجعل سبحانه المال والولد لهم عذابا في حياتهم وهما عندهم آثر ما يؤثرون، وما قال سبحانه من ذلك فقد رأيناه يقينا، وأدركناه فيهم ظاهرا مبينا، لا يَشك فيما ذكر الله منه سبحانه ولا يمتري، ولا يجهله منا إلا من لا يعقل ولا يدري!! أو ليس قد علمنا أن العذاب، ألمٌ ونصبٌ وأتعاب، وقد رأينا مِن نصبِ أهل الأموال والأولاد فيهما، وبشفقتهم ومحافظتهم عليهما، ما يكثر به السهر والسهاد، ويقل معه الخفض والرقاد، فأيُّ ألمٍ أوجعَ لفؤاد أو جسم، أو أدعى لمرض أو سقم، من السهر والنصب والاهتمام ؟! وقد ينزك له كثير من الشراب والطعام !!
والمال والولد فإنما هما كما قال الله سبحانه فتنة، والفتنة قد يعلم كل ذي لب أنها ابتلاء وتمحيص ومحنة، وفي الأزواج رحمك الله والأولاد، وهما أحب الأشياء إلى جهلة العباد، ما يقول رب العالمين، لمن قال له من المؤمنين: ? يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم، واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ? [التغابن: 14- 15]. فكل ما تسمع آيات بينات، ودلائل على الله متيقنات، فليس لمن يعقل الحياة الدنيا وحال أهلها وسكانها، مع ما وصفنا من حال أحبائها وقرنائها وخلانها، أُنسٌ ولا ثقة، ولا توكُّلٌ ولا حقيقة، إلا بالله وحده، وبالرغبة فيما عنده، وليس يأنس أبداً بالله، إلا من صح يقينه ومعرفته لله، ولا يعرف الله جل ثناؤه فيوقنه، إلا من يجد أُنسَه بالله وأَمْنَه، فيكون عليه جل جلاله، معتمدُه واتكالُه، فتقر عينه، ويسلم دينه، ويعز فلا يرى خزياًولا ذلا، ما كان على الله سبحانه متوكلا.

(1/92)


[التوكل على الله]
ولِمَا جعل الله من ذلك في التوكل عليه، أمر رسوله عليه السلام به ودعاه إليه، فقال سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وعلى وآله: ? فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ? [التوبة: 129]. والعرش العظيم فهو السلطان والملك، الذي ليس لأحد مع الله فيه نصيب ولا شرك.
والتوكل فهو الاعتماد عليه والثقة به، وأصلُ توكلِ كلِ متوكل فهو اليقين والمعرفة بربه.
وفي التوكل على الله وذكره، وما عظَّم الله من التوكل عليه وقدرِه، ما يقول تبارك وتعالى لقوم يؤمنون: ? الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون ? [التغابن : 13] . ( وفي التوكل على الله، ما يقول رسل الله : ? ومالنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ? [إبراهيم:12] ) فمن توكل على الله كُفي بالله واستغنى، وعاش في دنياه مسرورا آمنا، غير مشوبة كفايته ولا غناه، بحاجة ولا فقر في آخرته ولا دنياه، ولا مشوب سروره بحزن، ولا أمنه بخوف ولا وهن، كما قال سبحانه: ? ألآ إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ? [يونس : 62 - 64].
وكيف يخاف أو يحزن ؟! ولا يأنس فيأمن، مَن كان الله معه! ومَن حاطه ومنَعَه! وإن مكر به الماكرون، وخذله من قرابته الناصرون!!
وفي ذلك ما يقول الله سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وآله: ? واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ? [النحل: 127- 128]. وأول التقوى والإيمان، والبر والنهى والإحسان، فهو حقيقة المعرفة بالله والإيقان، فمن أيقن بالله وعرفه أَنِسَ واستراح، وجمع بمعرفته لله السرور والأفراح، وقلَّت وحشته وأحزانه، وعظمت راحته وأمانه.

(1/93)


ومعرفة الله لمن أبصر سبيلها، واستدل دليلها، فأقربُ قريب يُرى علانية جهارا، أو يستدل عليه بدليل من دلائله اعتبارا، فالحمد لله الذي قرَّب إلى معرفته واليقين به السبيل، وأقام فيها وعليها برحمته الآيات والدليل، فسبيلها من الله سهل يسير، ودليلهما والحمد لله فظاهر منير، ينطق بهما البُكمُ الخُرسُ، في كل ما تدركه فكرة أو حس، من كبائر الخلق وصغائره، وعوالن الصنع وسرائره، فلا يتعنت في أوصاف ذلك واصف ولا متعنت، ولا يلتفت إلى شيء منه كله ملتفت، إلا رأى منه عيانا بعينه، أو سمع منه سماعا بإذنه، أو ذاق منه ذوقا بفمه، أو لمس منه لمسا بجسمه، أو شم منه شما بأنفه، ما يدل على تغيُّرِه وتصرفه، وعلى أنه مصنوع في نفسه، لدرك المدرك له بحسه. إذ كل محسوس يحس، من الجن كان أو من الإنس، فمركَّب لا بد مجموع، وكل مركب فهو لا محالة مصنوع، وصانعه ومدبره و مركِّبه فغيرُه، إذ وضح صنعه وتركيبه وتدبيره، وما سوى الإنس والجان، من كل موات أو حيوان، فقد يدرك أيضا بحاسة من الحوآس الخمس، وما يدرك بمباشرة الفكر له من كل نفس، فمركَّب لا يخفى على من فكَّر فيه تركيبُه، وسواء في الفكر عنده بعيده وقريبه.

(1/94)


[قوى النفس]
والنفس فالدليل على تركيبها أنها ذات قوى شتى، مختلفةٍ وتبدَّل وتنقَّل وتصرَّف لا تخفى، فمِن قواها، وإن كنا لا نراها، بهيئة تبين ولا صورة، أنها ذات ذكر وفكرة، ومفكرها فغير ذاكرها، وإذا ثبت ما ذكرنا من تغايرها، صح بذلك أن لها قوى، كانت لذلك أقساماً وأجزاء، وكل ذي قسم وأجزاء متغايرة، مصوَّرة كانت أو غير مصوَّرة، فهو مركَّب غير شك، ومدبَّر في قدرة ومُلْكٍ، ولتركيبها تصرفت وتنقلت، فعُلمت مرةً وجُهلت، فتغيرت من جهل وطلاح، إلى علم وصلاح، ومن حزن وترح، إلى سرور وفرح.
وقوى النفس فكثيرة أقسام، ليس للنفس بغيرها تتمة ولا قوام، ولا يزول قسم من أقسام النفس عنها، إلا كان في زواله فناء ما كان موجودا منها، فقوة النفس الأُولى فهي القوة الغاذية، وقوة النفس الحآسة فهي قوتها الثانية، وقوتها الثالثة، فهي الناهضة المتقابضة، وقوة النفس الرابعة فهي المالكة من الشهوة والغضب بالفكر لما ملكت، وأي هذه القوى كلها فني من النفس وهلك فنيت النفس بفنائه وهلكت، وكل قوة من هذه القوى، فمقسمة أقساماً أجزاء.

(1/95)


ومن الدلالة على أن قوى النفس غير واحدة، وأنها قوى كثيرة ذوات عدة، ما ذكرنا من اختلاف أحوالها، وتغيُّرِها وانتقالها، وكل متغير، فتركيبه نَيِّر، والتركيب فحدث بَيِّن، ولا بد لكل حدث من صانع محدِث، لا ينكر ذلك إلا كل مكابر متعبِّث، ولا يكون حدث مصنوع مثل محدثه وصانعه أبداً، ولا مشبها له في شيء من الأشياء ولا نداً، لأنه أبدا إن أشبه المصنوع الصانع في معنى واحد من معانيه، جرى في ذلك من المعنى على الصانع من الحدث ما يجري عليه، صغر ذلك المعنى أو كبر، وقلَّ فيما يُدرك منه أو كثر، ولذلك جل الله سبحانه وتبرأ، من أن يكون مشبها من خلقه لشيء مما يُرى أو لا يُرى، ألا تسمع كيف يقول سبحانه :? لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ? [الأنعام: 103]. و? ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ? [الشورى: 11]. ويقول جل جلاله: ? الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ? [البقرة: 255]. فنفى سبحانه من قليل مشابهة خلقه في السِّنة ما نفى من كثيرها، تقدساً وتعالياً عن صغير المماثلة لخلقه وكبيرها، فتعالى من ليس له مثل يكافيه، ولا ند من الأشياء كلها يساويه، ولا يشك فيه ولا يمتري إلا مَن جهل نفسه فهي أقرب الأشياء إليه، وما يُرى من السماوات والأرض خلفه وبين يديه.

(1/96)


[الدلائل على الله]
وفي أولئك، ومن كان كذلك، ما يقول رسل الله صلى الله عليهم، لمن أرسله جل ثناؤه إليهم : ? أفي الله شك ؟! فاطر السماوات والأرض ? [إبراهيم: 10]. تعجباً وإكباراً، و تفحشاً وإنكاراً، لشك الشاكِّين، مع ما يرون من فطرة الله في السماوات والأرضين، التي لا تخفى ولا تتوارى، عن كل من يبصر بعين أو يرى، أو يحس بحآسة حسَّاً، أو يتوجس توجساً، لأن كل أحد من الناس، لا يخلو من حس أو إيجاس، والإحساس ما يحس المحس بحوآسه، والتوجس فما يكون بالنفس بالتوهم من إيجاسه، فكل ذي نفس، أو درك يُحس بحسٍ، أو بحسوس أثر بالأرض والسماء، وبماله من الأعضاء، ففي إحساسه أو إيجاسه بأقل درك، بغير ما مرية ولا شك، ما دله على الصنع والتركيب، وعلى ما لله في ذلك من التدبير العجيب، الذي لا يكون أبدا أصغره، إلا وهو دليل مبين على من دبرَّه، لا ينكر ذلك أو يجحده، من يحسه ويجده، إلا بمكابرة ليقين نفسه، ومكابرة لدرك حسه، ومن صار إلى تلك من الحال، خرج من حدود المنازعة والجدال، ولم ينازعه بعد ذلكويجادله، إلا من هو في الجهل مثله. ولذلك ما يقول الله جل ثناؤه لرسوله: ? فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ? [النجم:30]. فأخبر سبحانه أن مبلغ من أعرض عن ذكره وتولى، ولم يرد - كما قال الله جل ثناؤه - إلا الحياة الدنيا، في فهمه وعلمه بدنياه، وما يريده منها ويرضاه، مبلغ البهائم في علمها بدنياها، وما تريده البهائم فيها من متعتها ومرعاها، ومن أجل ذلك ولذلك، وإذكانوا سواء كذلك، مثَّلهم الله من البهائم بأمثالهم، وجعلهم أضل من البهائم في ضلالهم، فقال سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وعلى آله: ? أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، ألم تر إلى ربك كيف مَدَّ الظل ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً ?

(1/97)


[الفرقان:44 – 45]. ثم جعل سبحانه الاستدلال عليه بذلك بينا منيراً، فقال تعالى ذكره في قبضه للظل: ? ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً ? [الفرقان: 46]. يعني سبحانه تيسيرا هيِّنا، ظاهراً لا يخفى بيِّناً. وقبض الظل فهو فناؤه، وذهابه وانطواؤه، ولا ينقبض ويفنى، ويذهب ويُطوى، شيء مما كان أبداً، جميعاً كان أو فرداً، إلا كان قابضه ومفنيه، ومذهبه وطاويه، موجوداً يقيناً بلا شك ولا مرية فيه، وشاهداً بصنعه لصانعه، ودليلاً عليه مكفياً من علم غيب صانعه، وإن لم يُر بدرك اليقين، من درك مشاهدة كل حآسة من عين أو غير عين، وزيادة الظل ومده، فلا يكون إلا بمن يزيده ويمده، وإذا كان زآئده ومآده ومدبره، لا تدركه العيون ولا تبصره، وإنما تقع العيون على صنعه وفطرته، كان أدل على جلاله وقدرته.

(1/98)


ثم أتبع ما صنع من مده سبحانه للظل وقبضه وتدبيره، بما ذكر وفطر وخلق وجعل من غيره، فقال تعالى: ? وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً، وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً، لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً، ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفوراً ..... وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أُجاج وجعل بينهما برزخا وحجراً محجوراً، وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديرا ? [الفرقان: 47 –54]. فقرَّر سبحانه بذكر آيات الظل ودلائله، ما يسمع من ذكر آيات خلقه وفطره وجعائله، رحمة منه ورأفة بعباده، وزيادة منه برحمته لهم من إرشاده، للمعرفة به والإيقان، إذ لا يدرك بحآسة ولا عيان، ولا يعرف ماله من الكبرياء والجلال، إلا بالشواهد والآيات والاستدلال، وكان دركه سبحانه بذلك أصح الدرك، وأنفاه لكل مرية وشك، لأن درك الإستدلال واليقين، لا يدخل عليه ولا فيه ما يدخل من الشك في درك العين، لأن العين ربما رأت الشيء شيئين، كالهلال تراه هلالين، كالشيء الصغير إذا بَعُد تراه كبيرا، وكالكبير إذا كان كذلك تراه صغيرا، ودرك اليقين والاستدلال والأفكار، فدركٌ بَريءٌ من كل شبهة وشك واحتيار، لا يزداد بالنظر والفكر إلا إستيثاقاً، ولا يتيقنه فيما أيقن به من الأمور كلها إلا استحقاقا، فدركه الدرك البتُّ اليقين، وعلمه العلم المثبت المبين.

(1/99)


فمن تَفَهَّم يا بني - أرشدك الله - يسيراً قليلاً، مما ذكرنا لله من آياته عليه دليلاً، اكتفى بقليل ذلك ويسيره، كفاية كافية بإذن الله من كثيره، وكان في اقتصاره على اليسير القليل، كفاية له من التبيين والدليل، ومن ازداد في ذلك من الآيات والدلائل كان له في ذلك من المزيد، أكثر ـ والحمد لله ـ مما يريد في ذلك من كل مزيد، ولم يتقدم في الإستدلال فِتراً، إلا وجد منه شبرا، ولا في حسن النظر ذراعاً، إلا وجد بعدها باعاً، بل يجد أبداً سرمداً، زيادة في الدلالة ومدداً، يمده بما استمده، ويدله على الله وحده، لما وسَّع الله في ذلك للمقربين برحمته، ووهب فيه للمستدلين من نعمته.
ألا ترى كيف يقول سبحانه: ? وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً ? [الفرقان: 47]. ولباس الشيء فهو ما غشيه وواراه، ونوم النائم فهو ما أسبته وأهداه، وكلٌ فقد نعلمه ونراه.

(1/100)


[الله خالق الكون]
والدليل على أن الله صنعه وأنشاه، أن لا يُعلم له صانع ولا منشئ سواه، وأن نشأته بيِّنة، وصنعته نَيِّرة، بما تبيَّن فيه، ويشهد بتًّا عليه، بالنشأة والتدبير، والصنع والتقدير، من جيئته تارة وذهابه، ومفارقته وإيابه، وكل ما جاء وذهب، وفارق وتأوَّب، دل ذلك من حاله، على تصريفه واجتعاله، وثبت مصرفه بما ثبت من تصريفه، وبما يُرى بَيِّنا من اختلافه وتأليفه، ولم يكن مصرَّفٌ أبداً إلا من مصرِّف، ولا تأليف ما كان إلا من مؤِّلف، وكذلك اللباس فلا يكون أبداً إلا من ملبسٍ للباس، ولا النوم والسبات إلا من مسبت منيم بغير ما شبهة ولا التباس، لأن ذلك كله، وآخر ما يدرك من ذلك وأوله، صنعٌ وجعائل، لا تكون إلا من صانع جاعل، وفطرة وفعائل، لا تكون إلا من مفتطِر فاعل، وكذلك ما جعل الله سبحانه من النهار نشورا، فلا يكون إلا صنعاً مفطورا، لما يرى فيه من أثر الفطرة والصنع، وذلك فدلالة لا تخفى على الصانع المبتدع، وما أرسل تبارك وتعالى من الرياح بشرا بين يدي رحمته، فلا بد من وجودِ مرسله وولىِّ فطرته، وما أنزل سبحانه من الماء، من أجواء السماء، فلا بد من منزله، ومعرِّف رحمته فيه وفضله، لأن التفضيل لا يكون أبدا والرحمة، إلا ممن له مَنٌّ ونعمة.
وفي الماء وإنزاله، وحدره من المزن وإهطاله، ما يقول سبحانه: ? أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون، لو نشاء جعلناه أُجاجا فلولا تشكرون ? [الواقعة:68 – 70].

(1/101)


وما أحيى بمنزل الماء من موات البلاد، وما أسقاه من الأنعام وكثير العباد، فلا يمتنع فكرٌ عند وجوده كله، من وجود محييه وساقيه ومنزله، وما مُرِج فَحُلِّيَ من البحرين، فرؤي ممزوجاً رأي عين، كل بحر منهما مُخلاً يمعج، ولا ينقطع بعضه عن بعض ولا يعرج، متصلاً جميعا كله، غير منقطعٍ متصلُه، يسير في قرار موضعه وبين أكنافه، وفيما بين حدوده التي جعلت له وأطرافه، قدر مسير مسافة شهر وربما كان أشهراً عدة، يعلم ذلك من سمع بخبره أو رآه فأبصره عيانا مشاهدة، فإذا انتهى إلى ما جعل الله له من الحد ووقف عند حده وحاجزه، وما جعل بينه وبين البحر العذب الفرات من برزخه وحواجزه، فلم يَعْدُ من حدوده كلها حدا، ولم يجد له معه مطلعاً ولا مصعداً، وفيما جعله الله له موضعاً، ومقرا رحباً واسعاً، يرى طاميا فيه مشرفا، يركب بعضه بعضا ركوباً متعسفا.
فأي عجب أعجب، وأي دليل أقرب، لمن استدل بحقيقة من الحقائق، على ما نرى من الصنع في الخلائق، بين رؤية هذا وعيانه، والعلم به وإيقانه.
وفي ذلك بعينه، وفي دلالة تبيينه، ما يقول الله سبحانه: ? أم من جعل الأرض قرار وجعل خلالها انهارا وجعل بين البحرين حاجزا ? [النحل:61]. تذكيرا للمقرين بما يقرون، واحتجاجا على المنكرين بما لا ينكرون، إلا بمكابرة وجحدٍ لما يعرفون، من صنع الحاجز بين البحرين، وما بيَّن لهم منه بأوضح التبيين.
ولصنع ذلك وبيان جعله، وما ذكر الله معه من صنع مثله، ما يقول سبحانه: أم من جعل مالا تنكرون جعله، وإن كنتم لا تعرفون الجاعل له، وإذ لا بد عندكم لكل مجعول من جاعله، وكما يعرفون ذلك ولا ينكرونه في كل مجعول وأمثاله، فلا يشكُّون ولا يمترون، في أن لكل ما ترون من ذلك وتبصرون، جاعلا ببتٍّ إيقانا، وإن لم تروه عيانا.

(1/102)


فمَن جاعل الحاجز بين البحرين وفاطره ؟! ومدبر ما يُرى من ذلك ومقدِّره ؟ إلا من ليس له مثل ولا نظير، ومن لا يُلغبه تدبير ولا تقدير، كما قال سبحانه: ? ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ? [ق:38]، وهل يدبر أويفتطر أقل ما يرى من بدائع الله وصنعه ـ سوى الله ـ واهبٌ أو موهوب، كلا لن يفتطره، ويصنعه أبدا ويدبره، سوى الله صانع، معطٍ ومانع، وإنما صُنْعُ مَن سوى الله إذا صنع، أن يعطي أو يمنع، أو يفرق أو يجمع، أو يرفع أو يضع، بعض ما وَلِيَ الله ابتداعه صنعا، أو كان من الله خلقا وبدعا.
وفي امتناع ذلك على المخلوقين، ما يقول رب العالمين: ? يا أيها الناس ضرب مثلٌ فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ? [الحج: 73]. فأقل بدائع صنع الله تبارك وتعالى فما لا يخلقه ولا يصنعه أبدا غالب من الخلق ولا مغلوب، ثم زاد سبحانه بما ذكر من الآيات في سورة الفرقان من الدلالة والتبيين دلالة وبيانا وتبصيرا، بقوله جل جلاله: ? وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ? [الفرقان:54]. والبشر الذين خلقه جل ثناؤه من الماء، فهو مالهم من الذرية والأبناء، ومنهم ولهم، وفيهم وبينهم، جعل سبحانه النسب والصهر لانتساب بعضهم إلى بعض، و مصاهرة بعضهم لبعض، لأن كلهم ينتسب، إلى أم أو إلى أب، وليس آدم عليه السلام بمنسوب إلى نسب، لأنه لم يخرج صلى الله عليه من رحم ولا صُلبٍ، ولم يصاهر بصهرأبدا، إذ كان كل البشر له ولدا، والماء الذي خلق الله منه ولده ونسله، فهي النطف التي لم تكن قبله، وفي ذلك كله وتصريفه، وعجيب صنعه وتأليفه، أدل الدلائل على مصرِّفه، وصانعه ومؤلِّفه، وكل ما ذكر الله تعالى من ذلك ومعجبه، فدليل على الله والحمد لله لاخفاء به.

(1/103)


ومن الدليل على معرفة الله، والدواعي لليقين بالله، فمالا يجهله، بعد الإحساس له، إلا جاهل عصي، ولا يحصيه من الخلق كلهم - ولو جَهِدَ كلَّ جهدٍ - مُحصي، من خلق السماء والأرض، وغيرهما من الصنع والخلق، الذي في كل شيء منه على ناحيته وحياله، آية ودلالة نيرِّة على فطرتة واجتعاله. والفطرة والاجتعال، هما الوصلة والانفصال، وليس من السماء والأرض وما فيهما، ولا من كل ما يضاف من الخلق إليهما، ما يخلو من تفصيل أو توصيل، وفي ذلك على صنعه أدل الدليل. وآيات الله، فهن الدلائل على الله، والدلائل فهن العلامات المنيرات، والعلامات فهن الشواهد الظواهر البينات، وكل آية من آيات الله، فهي عَلَمٌ بيِّنٌ للمعرفةبالله، والدلائل على الله المنيرة الزاهرة، والآيات فيمعرفة الله البينة الظاهرة، في كل ما تدركه حاسة من الحواس الخمس، من عيان أو سمع أو شم أو ذوق أو لمس، ومن تنزيل الله لذلك وفيه، ومن الشواهد لله عليه، قوله سبحانه :?إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ? [البقرة: 164].

(1/104)


وفي ذلك ما يقول جل جلاله: ? هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون ? [يونس:5]. فكان كما قال جل ثناؤه، وصَدَقَ وعدُه وأنباؤُه، خلق ما خلق في ذلك من الخلق، مما ذكر في خلقه من الحقيقة والحق، وفصَّل فيه تبارك وتعالى كما قال: ? لقوم يعلمون ? آياته تفصيلا، فجعل كل شيء منه له آية وعليه دليلا، فما ينكر - شيئامن ذلك بمكابرة ولا يجحده، ولا يكابر الدليل فيه بمناكرة فيرده، - إلا من لا يعقل ولا يعلم ولا يتقي، ولقلة تقواه لله شَقِيَ بحيرته فيه مَن شقِيَ، وإنما يبصر ذلك ويتفكر فيه وينتفع به المتقون، كما قال سبحانه :? إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون ? [يونس:6].

(1/105)


ألا ترى أنه ليس من المتحيرين في ذلك ولا من المنكرين، ولا من الجاحدين له المكابرين، مَن يرى أصغر صنع الصانعين بأكفهم، لوهنهم عن الابتداع وضعفهم، فليمتنع من الإقرار بصنعه وصانعه، وإن كان صانعه بريا عندهم من ابتداعه، ومن أنكر ذلك عنده، وكابر فيه فجحده، خرج بإنكاره لأقله، من العقل وصفة أهله، وقيل: ماله ـ وَيلَه ـ ما أعماه ؟ وأجهله بما لا يجهله أحد صحيح العقل فيما ظنه ورآه ؟! فكيف أنكر وتحيَّر ؟‍ وأبى مكابرة عن أن يقر ؟‍ بما يرى من الصنع والتدبير، في أكثر ما يراه أحد من الصنع الكبير، الذي لا خفاء فيه من القدرة والتدبير، والصنعة البينة والتأثير المنير، مما تقصر عنه الأفكار، وتنحسر فيه الأبصار، من الأرض والسماء، وما بينهما من الأشياء، التي يدل اضطررا دركُها، على من يدبرها ويملكها، وعلى أن من صنعها وأنشاها، إنما فطرها وابتداها، فابتدعها صنعا، وخلقها بدعا، يدل على ذلك فيبينه، ويوضح ذلك فينيِّره، ما يُرى من كثرة ذلك وسعة أقداره، وما يُعاين من بُعدِ ما بين أطرافه وأقطاره، مع ما فيه من لطيف التقدير والإحكام، وماله من طول البقاء والإقامة والدوام، فكل صنعه ولطيف تدبيره وتقديره وإحكامه، وما ذكرنا من بقائه وإمساكه وإقامته ودوامه، دليل بَيِّنٌ على صانعه ومحكِمِه، وممكسه بحيث هو ومُديمِه، وذلك الله العزيز الحكيم، والمتقن لما يشاء والممسك المديم، كما قال سبحانه: ? إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا ? [فاطر:41]، فكل ذلك فقد جعله الله بحلمه ومغفرته قدرا مقدورا، ولا يكون القدر وهو القدر المقدور، إلا وهو لابد لربنا صنعٌ وخلقٌ مفطور، ولا يجحد ذلك أبدا ولا ينكره، إلا من عمي قلبه وفكره.

(1/106)


فاسمع يا بني: هداك الله لما بيَّن في ذلك برحمته لما خلقه الله من الآيات الجليات، والدلائل المضِيَّات، ففي أقل استماعه، وفهمه عن الله واتباعه، ما أغنى مَن فَهِمَه وكفاه، وأبراه من كلِ داءِ حيرةٍ وشفاه، كما قال تبارك وتعالى: ? يا أيها الناس قد جاءكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ? [يونس:57]، فإنك يا بني: إن تفهم أقل آياته وما دل به على نفسه في ذلك من دلالته حق فهمه تكن من الموقنين.

(1/107)


فمن ذلك - فافقه مقالته جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله- ? هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ? [الملك:23]. فأخبرهم سبحانه من إنشائه لهم بما يرون عيانا ويبصرون، ومالا يقدرون على إنكاره إلا بالمكابرة لما يرون، إذ الجعل والإنشاء، إنما هو الزيادة والنماء، ولا خفا عندهم، ولو جهدوا جهدهم، بما يرونه والحمد لله عيانا من زيادتهم، في أنفسهم وسمعهم وأبصارهم وأفئدتهم، كما قال سبحانه لهم في ذلك، فإنما كانوا على ما وصفهم كذلك، يزيدون وينمون، وينشون ويتمون، حتى عادوا رجالا، بعد أن كانوا أطفالا، وصاروا كثيرا مذكورا، بعد أن كانوا قليلا محقورا، كما قال سبحانه: ? هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ? [الإنسان:1]. وقد أتى عليه أن كان ترابا ثم نطفة ثم علقة، ثم مضعفة مخلقة وغير مخلقة، وفي ذلك ما يقول الله تعالى ذكره: ? يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيى الموتى ? [الحج: 5]. كما أحيا الأرض بعد همودها، وكذلك الله لا شريك له فموجود بما ذكر من الخلائق ووجودها، لا ينكر إلا بمكابرة ولا يجحده ولا يدفعه، مَن دلَّه على صانع من الصانعين ما كان وإن غاب صنعه.

(1/108)


ألا ترى يا بني: أن من رأى كتابا عَلِمَ أن له ناطقا، وكذلك ما يُرى من هذ الخلق العجيب فقد يوقن من نظر وفكر أن له خالقا، ليس له مثل ولا شبيه، كما ليس بين صنعه وصنع غيره تمثيل ولا تشبيه، كما قال سبحانه: ? إن الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ? [الحج:73]، يخبر تبارك وتعن له كاتبا، وإن كان مَن كَتَبَه عنه غائبا، وكذلك من رأى أثرا، أو صورة ما كانت أيقن أن لها مصوِّرا، أو سمع مَنطِقا علم أالى أن لن يفعل أحد فعله، وكيف يفعل ذلك من ليس له بمثال، وإنما يكون تشابه الأفعال بين النظراء والأمثال.
وفيما وقَّف الله تبارك وتعالى عليه الإنسان بيانا، من رؤيته لصنع الله فيه وخلقه له عيانا، قوله سبحانه ? أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة ? [يس:77]. والنطفة فهي: الماء المهين، ? فإذا هو ? بعد أن كان نطفة وماء مهينا ? خصيم مبين ?، والمهين فهو المهان، الذي لا قدر له ولا شان، وكذلك النطفة في صغرها، ومهانتها وقذرها. وخلق الله لها فهو تهيئته وتصريفه جل ثناؤه إياها، الذي قد رآه من الناس كلهم من رآها، من نطفة وماء مهين إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة مخلقة وغير مخلقة، وتخليق المضغة فهو تهيئتها، وتقدير الصورة الآدمية لها وتسويتها، التي لا يكون أصغر صغير رُؤِيَ منها إلا بخالق مهيء، مقدِّر حكيم مسوِّي، لا يُشك فيه ولا يُمترى، وإن خفي عن العيون فلا يُرى، وذلك فهو الله الذي ? لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ? [الأنعام:103]، وكيف تدرك الأبصار من ليس له مثل ولا ند ولا كفؤ ولا نظير ؟! لا كيف إلا عند جاهل عمي ! شآكٍ في جلال الله ممتري، لا يعرف ما بينه وبين الخلق، من المباينة والفرق.
فكل ما تسمع يا بنى بتعريف، وتبصير وتوقيف وتصريف، من الله الحكيم، الخبير العليم، الرحمن الرحيم، لدرك معرفته، واليقين به، من حجج الفكر والاعتبار، وحجج الرؤية والمعاينة بالأبصار.

(1/109)


وفي ذلك ما يقول تبارك وتعالى: ? ألم يروا كيف يبدؤ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير ? [العنكبوت:19]. فابتداؤه جل ثناؤه له فهو ابتداعه وزيادته وإنماؤه، وإعادته فهو إلى ما كان عليه وهو مَحْقُه وتقليله وإفناؤه، وذلك كله فقد يراه ويعاينه، ويبصره ويوقنه، مَن كان حيا، مبصرا سويا، كما قال لا شريك له، لا يجهله إلا مَن تجاهله، ولا يخفى إلى على مَن أغفله ! ممن لعنه الله وخذله ! أولم تسمع كيف يقول سبحانه: ? قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير ? [العنكبوت: 20]. وتأويل بدأ، فهو كان ونشأ، ونما فصار ناميا زائدا، ثم رجع إلى الفناء عائدا، فقلَّ بعد زيادته، وبلي بعد جِدّته. فمن يعمى بعد عيان هذا اليقين بربه، إلا مَن خذله الله فأسلمه إلى عمى قلبه، فكابر عيانه، وأنكر إيقانه، وهو يرى النور لائحا لا يخفى، والبيان ظاهرا واضحا لا يطفأ.
ومن البيان فيما قلنا من ذلك، ومن الدليل على أنه كذلك، قوله سبحانه: ? والله خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ? [الروم:54]، والضعف والشيب فهو الإفناء والتدمير.
تم كتاب الدليل الصغير، وصلواته وسلامه على رسوله سيدنا محمد النبي البشير النذير، وعلى أهله المخصوصين بالمودة والتطهير.

(1/110)


مناظرة مع ملحد
[مدخل إلى المناظرة]
بسم الله الرحمن الرحيم
قيل: كان وافى مصر رجل من الملحدين فكان يحضر مجالس فقهائها، ومتكلميها، فيسألهم عن مسائل الملحدين، وكان بعضهم يجيب عنها جوابا ركيكا، وبعضهم يزجره ويشتمه، فبلغ خبره القاسم بن إبراهيم عليه السلام، وكان بمصر متخفيا، في بعض البيوت فبعث صاحبَ منزله ليُحضره عنده، فأحضره، فلما دخل عليه قال له القاسم رضي الله عنه: إنه بلغني أنك تعرضت لنا، وسألت: أهل نحلتنا، عن مسائلك، ترجو أن تصيد أغمارهمبحبائلك، حين رأيت ضعف علمائهم عن القيام بحجج الله، والذب عن دينه، ونطقت على لسان شيطان رجيم لعنه الله:? وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ? [النساء- 118].
فقال الملحد: أما إذا عبْتَ أولئك، وعيرَّتهم بالجهل فإني سائلك، وممتحنك، فإن أجبت عنهم فأنت زعيمهم، وإلا فأنت إذا مثلهم.
فقال القاسم عليه السلام: سل عما بدا لك، وأحسن الإستماع، وعليك بالنَّصَفَة، وإياك والظلم، ومكابرة العيان، ودفع الضرورات، والمعقولات، أجبك عنه، وبالله أستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبي ونعم الوكيل.

(1/111)


[إثبات وجود الصانع وحدوث العالم]
فقال الملحد عند ذلك: حدثني ما الدلالة على إنية الصانع ؟
قال القاسم عليه السلام: الدلالة على ذلك قوله في كتابه عز وجل: ? يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد على شيئا وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى، وأنه على كل شئ قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور ? [النساء 5 - 7].
ووجه الدلالة في هذه الآية فهو: كون الإنسان تراباً، ثم نطفة، ثم علقة، لا تخلو هذه الأحوال من خلتين:
إما أن تكون مُحْدَثَة، أو قديمة، فإن كانت محدثة فهي إذاً من أدل الأدلة على وجود إنِّيَّته، لعلل:
منها: أن المُحْدَث متعلق في العقل بُمْحدِثِهِ، كما كانت الكتابة متعلقة في العقل بكاتبها، والنَّظم بناظمه. إذ لا يجوز وجود كتابة لا كاتب لها، ووجود أَثَر لا مؤثر له في الحس، والعقل.
ومنها: أن المُحْدَث هو ما لم يكن فَكُوِّن، فهو في حال كونه لا يخلو من أحد أمرين:
إما أن يكون هو كَوَّن نفسه، أو غيره كَوَّنَه !!
فإن كان هو الذي كَوَّن نفسه لم يخل أيضا من أحد أمرين:
إما أن يكون كَوَّن نفسه وهو معدوم، أو كَوَّنَهَا وهو موجود! فإن كان كَوَّنَهَا وهو معدوم، فمحال أَنْ يكون المعدوم أوجد نفسه وهو معدوم. وإن كوَّنها وهو موجود، فمحال أن يكون الموجود أوجد نفسه وهو موجود. إِذْ وجود نفسه قد أغناه عن أن يُكَوِّنَهَا ثانياً. فإذا بطل هذا ثبت أن الذي كَوَّنَهُ غيره، وأنه قديم ليس بمُحْدَث، إذ لو كان محدثا كان حكمه حكم المحدثات.

(1/112)


وإن كانت الأحوال قديمة فذلك يستحيل، لأنا نراها تحدث شيئا بعد شيء في حين واحد، في نفس واحدة، فلو كانت كلها مع اختلافها في أنفسها وأوقاتها قديمة، لكانت الترابية نطفة مضغة دما علقة عظما لحما إنساناً، في حالة واحدة، إذ القديم هو الذي لم يكن، ولم يزل وجوده، وإذا لم يزل وجود هذه الأحوال، كان على ما ذكرت وقلت، من كونه ترابا مضغة لحما عظما إنسانا، في حالة واحدة، إذ الأحوال لم يسبق بعضها بعضا، لأنها قديمة، ولأن كل واحد منها في باب القِدَم سواء، فإذا استحال وجود هذه الأحوال معا في حين واحد، في حالة واحدة، وثبت أن الترابية سابقة للنطفية، والنطفية سابقة للحال، التي بعدها، صح الحدوث، وانتفى عنها القِدَم، وإذا صح الحدوث فقد قلنا بَدِيّا: إن المحدث متعلق في العقل بمحدِثه.
قال الملحد: وما أنكرت أن تكون الأحوال حديثة، وأن العين ـ التي هي الجسم ـ قديمة.
قال القاسم عليه السلام: أنكرت ذلك من حيث لم أره منفكا عن هذه الأحوال بتة، ولا جاز أن ينفك (فلما لم أره منفكا من هذه الأحوال ولا جاز أن ينفك)، كان حكم العين كحكم الأحوال في الحدوث.
قال الملحد: ولِمَ ؟
قال القاسم عليه السلام: من قِبَل أنها ـ أعني العين ـ إذا كانت قديمة وكانت الأحوال محدثة، فهي لم تزل تحدث فيها الأحوال، وإذا قلت لم تزل تحدث فيها ناقضت، لأن قولك: لم تزل خلاف قولك: تحدث. والكلام إذا اجتمع فيه إثبات شيء ونفيه في حال واحد استحال. وذلك أنها إذا لم تزل تحدث فيها، فقد أثبتها قديمة لم تزل تحدث فيها، وإذا كان هذا هكذا فهي لم تسبق الحدث، فقد صار الحدث قديما، لأنه صفة الجسم الذي هو قديم، وإذا كانت صفته استحال أن تكون صفة القديم الذي لا يخلو منها ولا يزول عنها محدثة، وهذا محال بَيِّن الإحالة، لأن فيه تثبيت المحدث قديما، والقديم محدثا.
قال الملحد: فما أنكرت أن تكون هذه الأعيان هي التي فعلت الأحوال ؟

(1/113)


قال القاسم عليه السلام: بمثل ما أنكرت زيادتك الأولى، لأنه لا فرق بين أن تكون هي الفاعلة، وهي لم تسبق فعلها، أو تكون هي قديمة وهي لم تسبق صفاتها، لأن الفاعل سابق لفعله متقدم له، وكذلك القديم الذي لم يزل، سابق للذي لم يكن، لأن في إثبات الفعل له إثباتَ حدثِ فعله، وإذا لم يسبق فعله فقد جمعت بينهما في حال واحد، وثَبَّتَّ للشيء الواحد القِدم والحدوث في حالة واحدة، وهذا محال بيِّن الإحالة.

(1/114)


[نظرية الهيولى والصورة وحدوث الأشياء من بعضها]
قال [الملحد]: فإني لم أر كَوْنَ شيء إلا من شيء، فما أنكرت أن تكون الأشياء لم تزل يتكون بعضها من بعض ؟ وما أنكرت أن يكون الشيء الذي هو الأصل قديما ؟
قال القاسم عليه السلام: أنكرت ذلك أشد الإنكار، وذلك أن الشيء الذي هو الأصل لا يخلو من أن يكون فيه من الأحوال والهيئات والصفات مثل ما في فرعه، أَوَ لَيس كذلك ؟! فإن كان فيه مثل ما في فرعه، فحكمه في الحدث كحكمه، وقد تقدم الكلام في هذا المعنى بما فيه كفاية، على أنا نجد الصور والألوان والهيئات والصفات بعد أن لا نجدها فيه، ووجود الشيء بعد عدمه هو أدل الدلالة على حدثه!!
فحدثني عن الصورة من أي أصل حدثت ؟ فإن قلت إنها قديمة أحَلْتَ، وذلك أنها لا تخلو من أمور.
أحدها: أن الصورة لو كانت قديمة لكانت في هذا المصوَّر الذي ظهرت فيه الصورة، أو في عنصره الذي تسمونه "هيولى"، فإن كان في هذا المصوَّر بَانَ فساد قولكم ودعواكم، إذ قد نجده بخلاف هذه الصورة، وإن كانت في الذي تسمونه " هيولى"، فلا بد إذا ظهرت في هذا المصوَّر أن تكون قد انتقلت عنه إلى هذا فإن قلت: انتَقَلَتْ. أحَلْتَ، لأن الأعراض لا يجوز عليها الإنتقال، على أن في الصورة ما يرى بالعيان، فإن كانت منتقلة فما بالها خفيت عند الإنتقال، وظهرت عند اللبث ؟!
وفيه خلة أخرى وهي: أنها لو كانت في الأصل، ثم انتقلت عنه إلى فرعها، فقد جَعَلتَ لانتقالها غاية ونهاية، وإذا جعلت لها غاية ونهاية فقد صح حدث الذي انتقلت عنه هذه الأحوال.
فإن قلت: لم تزل تنتقل. كان الكلام عليك في هذا المعنى، كالكلام الذي قدمناه آنفا في " باب لم تزل تحدث ".

(1/115)


وفيه معنى آخر وهو: أنك إذا جعلت الأشياء في وهمك شيئين، إذا أفردت كل واحد من صاحبه نقص، وانتهى إلى حد ما وقلَّ، وإذا جمعت كل واحد إلى صاحبه زاد، وانتهى إلى حد ما وكثر، أفليس إذا انتهى في حال، وزاد فكثر أو نقص فقلَّ، فالنقص والزيادة يخبران بالنهاية عنه ؟! وإذا ثبت فيه النهاية، ثبت فيه الحدوث!!!

(1/116)


[نظرية الكمون والظهور]
قال الملحد: ما أنكرت أن تكون صورة التمرة والشجرة كامنة في النواة، فلما وجدتْ ما شاكلها ظهرت ؟!
قال القاسم عليه السلام: إن هذا يوجب التجاهل، وذلك أنا لو تتبعنا أجزاء النواة لم نجد فيها ما زعمت.
وشيء آخر وهو: أنه لو جاز هذا لجاز أن يكون الإنسان كامنةً فيه صورة الخنزير، والحمار، والكلب، وإذا كان ذلك كذلك، كان الإنسان إنسانا في الظاهر، كلبا، حمارا، خنزيرا، فيلا، في الباطن !! فإن قلت ذلك، لحقت بأصحاب سوفسطاء . فإن شئت تكلمنا فيه. على أنه قد ظهر من حمقهم لأهل العقول ما يزعهم عن القول بمقالتهم.
قال الملحد: وكيف يجوز أن يكون الإنسان إنسانا في الظاهر، وكلبا حمارا خنزيرا فيلا، في الباطن ؟! قال القاسم عليه السلام: كما جاز أن تكون صورة التمرة والنخلة كامنة في النواة!!
قال الملحد: فإن بين التمرة والنخلة والنواة مشاكلة، و ليس بين الإنسان والكلب مشاكلة.
قال القاسم عليه السلام: لو كان بين التمرة والنخلة والنواة مشاكلة مع اختلاف الصورة، لجاز أن يكون بين الإنسان والكلب مشاكلة!!
قال الملحد: فإن النواة إذا انتقلت من صورتها، انتقلت إلى صورة النخلة.
قال القاسم عليه السلام: وكذلك الإنسان إذ تفرقت أجزاؤه جاز أن يكون كلبا في الطبع والقوة والهيولية عندك، فمهما أتيت به فيه من شيء تريد الفرق بينهما فهو لي عليك، أو مثله.
ووجه آخر وهو: أن الصورة لو كانت في الأصل نفسه، لكان الأصل نفسُه هو التمرة، لأن التمرة إنما بانت من سائر المصورات، وعرفت من غيرها بالصورة، فعلى هذا يجب أن يكون أصلها التمرة، وهذا مكابرة العقول، لأنه لو كان هذا هكذا، لكان ظهورها في نواتها أقرب وأشهر وأعم، ولم يستحل وجود صورتين معا في حين واحد.
قال الملحد: إن النواة هي تمرة بالقوة الهيولية، أعني أنها إذا انتقلت لم تنتقل إلا إلى شجرتها، ثم إلى ثمرتها، ثم تعود إلى أصلها، ثم تصير نواة في وسطها.

(1/117)


قال القاسم عليه السلام: لو كان هذا هكذا، لكانت الطبيعة التي هي الأصل تمرة بالقوة الهيولية، إن كنت ممن يقول بالدهر، وإن كنت ثنويا فالنور والظلمة، وما أصَّلتَ من أصل فيجب على هذا أن يكون ذلك الأصل تمرة بالقوة، لأنها إذا انتقلت انتقالاتها صارت تمرة، وهذه مكابرة واضحة، وذلك يوجب عليك أن الأصل البحت: تمرةٌ، نواةٌ، خوخةٌ، باذنجانةٌ، لأنه جائز عندك الإنتقال من صورة إلى صورة. وإن كان حكم الأصول في الهيآت خلاف حكم الفروع فسنقول فيه قولا شافيا إن شاء الله.
قال الملحد: إن صَحَّحْت أن حكم الأصول حكم الفروع، تركتُ مذهبي، فإنه قد عظُمت عليَّ الشَّبهة في هذا الموضع.
قال القاسم عليه السلام: اعلم أن طرق العلم بالأشياء مختلفة.
فمنها: ما يعرف بالحس.
ومنها: ما يعرف بالنفس.
ومنها: ما يعرف بالعقل.
ومنها: ما يعرف بالظن والحسبان.
فأما الذي يعرف بالحس فطرقه خمس:
سمع، بصر، شم، ذوق، لمس.
فالسمع طريق الأصوات، والكلام.
والبصر طريق الألوان، والهيئات.
والذوق طريق المطعوم.
والشم طريق الأرايح.
واللمس طريق اللين والخشونة.
وما يعرف بالنفس فالخجل، والوَجَل، والسرور، والحزن، والصبر، والجزع، واللذة، والكراهية، وما أشبه ذلك من التوهم، وغيره.
وأما ما يعرف بالعقل فشيئان:
أحدهما: يدرك ببديهته مثل تحسين الحسن، وتقبيح القبيح، وحسن التفضل، وشكر المنعم، ومثل تقبيح كفر المنعم، والجور، وما يجانسه من عِلْم بَدآئِهِ العقول.
والوجه الثاني هو: الإستنباط، والإستدلال، الذي هو نتيجة العقول كمعرفة الصانع، وعلم التعديل، والتجوير، والعلم بحقائق الأشياء.

(1/118)


وأما ما يعرف بالظن والحسبان فهو: القضاء على الشيء، بغير دليل، فهذا ربما يصيب، وربما يخطي، وإنما لخصت لك هذا كله، ليكون عوناً لنا فيما تأخر من كلامنا، ويكون أحد المقدمات التي نرجع إليها، فكل شيء من هذه العلوم لا يصاب إلا من طريقه، ولو حاولته من غير طريقه لتعسر عليك، وكنت كمن طلب عِلْم الألوان بالسمع، وعِلْم الذوق بالعين.
فأما أحوال الأجسام فإن طريق المعرفة بها من جهة البصر، والبصر لا يؤدي إلى الإنسان إلا الأجسام، لأن الأجسام لا يجوز أن تخلو من هذه الصفات، فيتوهمه ويمثله في نفسه خاليا منها، فإذا لم يجز ذلك، ثبت أن الأجسام لا تخلو من هذه الصفات، وأنه لا يكون حكم أصولها إلا كحكم فروعها.

(1/119)


[علة وجود الأشياء وفسادها]
قال الملحد: إنهم يزعمون أن علة كون الأشياء، وفسادها حركات الفلك، وسير الكواكب، وبعضهم يقول: إن علتها تمازُج الطبيعتين، أعني النور والظلمة، وبعضهم يقول غير ذلك.
قال القاسم عليه السلام: الدليل على فساد قولهم: قول الله تبارك وتعالى: ? ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر?[النحل:70]، وقوله: ? ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا تعقلون ?[يس:68].
فلو كان علة كونه ما ذكروا لكان الإنسان لا يتوفى في طفوليته، ولا يفسد كونُه، مع وجود علة كونِه، اللهم إلاَّ أن يُقرُّوا بحدوث علة الفساد، فيكونوا حينئذ تاركين لمذهبهم، فإن قالوا: بل علة كونه وفساده قديم. فالشيء إذا كان فاسدا في حال، كان فيها صالحا، إذْ عللهما موجودة، ومحال أن تكون عللهما موجودة ويتوفى هذا في الطفولية، ويرد هذا إلى أرذل العمر، وينكس هذا في الخلق. إذ يعمر؛ إن هذا لعمري لعكس العقول.
قال الملحد: لو لزمهم ذلك، للزمك حين زعمت: أن الله علة كون الأشياء وفسادها، مثل ما ألزمت خصومك.
قال القاسم عليه السلام: ولا سواء! وذلك أنا لا نزعم أن الله علة كون الأشياء وفسادها، بل نزعم: إن الله تعالى هو الذي كون الشيء، وأفسده من غير ما اضطرار. والدليل على أن الله عز وجل ليس بعلة فعِله ذلك؛ أنَّ أفعاله مختلفة الأحوال، منتقلة الصفات. فلو كان هو العلة لما زال شيء عن صفته، لأنه عز ذكره قديم، والقديم لو كان علة شيء، لم يزل معلولُه، كما لم يزل هو في ذاته، وزوال الأشياء عن صفاتها يدل على أن الله عز وجل ليس بعلة ولا معلول.
فقال الملحد حينئذ: بارك الله فيك، وفي من وَلَدَك، فقد أوضحت ما كان ملتبسا عليَّ ؛ وإني سائلك عن غيرها، فإن أجبتني عنها كما أجبتَ أسلمتُ.
قال القاسم عليه السلام: إن أسلمتَ فخيرلك، وإن أصررت فلن يضر الله إصرارك! سل عما بدا لك.

(1/120)


[توحيد الخالق]
قال الملحد: ما الدلالة على أن صانع العالم واحد ؟
قال القاسم عليه السلام: لأنه لو كان أكثر من واحد، لم يخل من أن يكون كل واحد من الصانعين حيا، قادرا. أو ليس كذلك ؟! فإذا كان كل واحد منهما حيا قادرا، لم يكن محالا متى أراد هذا خلق شيء، أن يمنعه الآخر من خلقه لذلك الشيء بعينه، ولو منعه صاحبه من ذلك، كان الممنوع عاجزا، ودَلَّك عجزه على حدثه! وإن تمانعا، وتكافأت قواهما، وقع الفساد، ولم يتم لواحد منهما خلق شيء، ودخل عل كل واحد منهما العجز، إذ لم يقدر كل واحد منهما على مراده. فلما وجدنا العالم منتظما، مُتَّسق التدبير، دلنا على أن صانع ذلك ليس باثنين، ولا فوق ذلك.
قال الملحد: ما أنكرت أن يَتَّفِقَا، ويصطلحا ؟
قال القاسم عليه السلام: إن الإتفاق والإصطلاح يدلان على حدث مَن تعمدهما، لأنهما لا يتفقان إلاَّ عن ضرورة، والمضطر فمحدث لا محالة.
قال الملحد: إنهم يقولون: إن صانع الخير لا يأتي بالشر أبداً، وكذلك صانع الشر لا يأتي بالخير أبداً .
قال القاسم عليه السلام: إن هذا مكابرة العقول.
قال الملحد: وكيف ذلك ؟
قال القاسم عليه السلام: لأن ذلك يدعو إلى القول بأن أحدا لم يذنب قط، ثم اعتذر من ذنبه؛ وإلى القول بأن إنسانا واحدا لم يصدق ولم يكذب، ولم يضل ولم يهتد، ألا ترى أنهم يزعمون أن انتحالحهم حق، وأنه واجب على الناس الرجوع إلى مذهبهم، فإن كان الشيء الواحد لا يأتي بالخير والشر، فحدثني مَن يدعون إلى مذهبهم ؟ فإن قالوا: الخير. قيل: فإن الخير لا يضل أبدا. وإن قالوا: الشر. فالشر لا يهتدي أبدا. فليت شعري مَن هذاالذي يدعونه إلى مذهبهم.
قال الملحد: لعمري لقد أَلْطَفْتَ في الإستخراج على القوم، ولعمري إن هذا مما يقطع شغبهم، ولكنهم يقولون: لما كان في العالم خير وشر، دلنا ذلك على أنهما من أصلين قديمين.

(1/121)


قال القاسم عليه السلام: أما وجود الخير والشر في العالم، فإنا نجده؛ إلاَّ أن هذا يدلنا على أن صانع العالم واحد.
والدليل على ذلك: أن الخير والشر، معتقبان على الخيِّر والشرير، ووجدناهما محدثين، وقد قدمنا الكلام في هذا المعنى بما فيه كفاية، وبيَّنا أن العالم أصله وفرعه محدث، وأن المحدَث يقتضي المحدِث، (فإن كان حكم فاعله كحكمه، أوجب ذلك حدوث صانع العالم، ويقتضي المحدِث)، فإن كان هذا هكذا، فلكل صانعٍ صانعٌ، إلى مالا نهاية له، وقد بيَّنا فساده آنفا.
ووجه آخر وهو: أن الخير والشر ليس اختلافهما يدل على قدمهما، ليس اختلافهما بأعظم من اختلاف الصور والهيئات. وقد قلنا: إن اختلافهما يدل على من خالف بينها، واخترعها مختلفة، فلو كان الخير والشر وسائر المختلفات قديمة، لكان فيها دفع الضرورات.
ووجه آخر: ذلك أنا نرى خيرا لمعنى، وشرا لمعنى آخر، ونرى الخير والشر مجتمعين في حين واحد، فلا يخلوان في حال اجتماعهما من أمور: إما أن يكونا اجتمعا بأنفسهما، أو جمعهما غيرهما، فإن كانا اجتمعا بأنفسهما فمحالٌ، وذلك أنهما ضدان، والضدان لا يجتمعان بأنفسهما، لأنا نشاهد نفورهما، وفرار كل واحد من صاحبه، فإذ فسد ذلك، لم يبق إلا أن جامعا جمعهما.
ووجه آخر وهو: أنه لو كان وجود الخير والشر، دآلا على أن لهما أصلين قديمين، لكان وجود الطبائع الأربع دآلا على أن لها أصولا قديمة، وإذا كان هذا هكذا، دلنا على أن شاهدهم شاهد زور.

(1/122)


[حكمة خلق العالم]
قال الملحد: فإذا لم يكن العالم واحدا قديما، ولا كان مزاج الاثنين، وكان صنعا من صانع قديم؛ فحدثني. لِمَ خلق الله هذا العالم ؟
قال القاسم عليه السلام: إن هذا الكلام فرع من أصل، فإن سلَّمت لي الأصل كلمتك فيه، وإلا نازعتك في الأصل.
قال الملحد: وما ذلك الأصل ؟
قال القاسم عليه السلام: هو أن تعلم بالدلائل: أن العالم محدَث، وأن له محدِثا، ثم تعلم: أن محدِثَه واحد، قديم ؛ ثم تعلم: أنه قادر، حي، حكيم في نفسه، وفعله.
قال الملحد: قد دللت على الصانع، وعلى أنه واحد، فما الدليل على أنه قادر حي حكيم ؟
قال القاسم عليه السلام: الدليل على ذلك أنا وجدنا الفعل المتقن المحكم متعذرا إلا على القادر الحي الحكيم العالم؛ فلمَّا وجدنا الفعل المحكم واقعا، دلنا ذلك على أن صانعه عالم، قادر، حي، حكيم.
قال الملحد: فهل وجدت الفاعل الحكيم القادر سوى الإنسان ؟
قال [القاسم]: لا.
قال [الملحد]: أفتقول إنه إنسان ؟
قال [القاسم]: إني وإن لم أجد إلا إنسانا، فلم يقع الفعل منه لأنه إنسان، إذ قد وجدنا إنسانا تعذر عليه الفعل، فلما وجدناه متعذرا عليه ؛ دلنا ذلك على وجود فاعل ليس بإنسان.
ألا ترى أنا لما قلنا: إنه لا يجوز كون الفعل إلا من قادر حكيم، جائز منه ذلك. فكان قولنا فيه مستمرا ؛ ولما لم يستمر القول في ذلك لم نقل به.
(قال الملحد: قد أبلغتَ في هذا، فنرجع إن شئت إلى مسألتي.
قال [القاسم]: سل) .
قال [الملحد]: لِمَ خلق الله العالم ؟
قال القاسم عليه السلام: قال الله سبحانه: ? هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ?[الملك:2]، وقال: ? وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ?[الذريات:56]، وقال: ? وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ?[الجاثية:13]. فأخبر أنه خلقنا للعبادة، والإبتلاء، وليبلغ بنا إلى أرفع الدرجات، وأعلى المراتب.
قال الملحد: فما دعاه إلى خلقنا ؟ ألحاجة خلق ؟

(1/123)


قال القاسم عليه السلام: أما قولك: ما دعاه ؟ فمحال.
وذلك أنه لم يزل عالما بلا سهو، ولا غفلة. فقولك: ما دعاه ؟ محال. لأن الدعاء، والتنبيه، والتذكير، إنما يحتاج إليها الغافل؛ فأما الذي لا يجوز أن يغفل، فمحال أن يدعوه شيء إلى شيء ؛ إذ لا غفلة هناك، و لا سهو. والدليل على ذلك: أن الغفلة من الدلالة على الحدوث ؛ وقد قامت الدلالة على أنه قديم. وأما قولك: ألحاجة خلق ؟ فالحاجة أيضا من صفات المحدثين، والقديم يتعالى عنها.
قال الملحد:فلِمَ خلق ؟!
قال القاسم عليه السلام: أما قولك: لِمَ خلق ؟ فقد أجبتك، وذلك في الجوابين السابقين لهذا. لأن قولك ((لِمَ)) ؟ سؤال. وقولي: (( لأن)) إجابة.
قال الملحد: فما وجه الحكمة في خلق العالم، وخلق الممتحَنين ؟
قال القاسم عليه السلام: وجه الحكم في ذلك، أنه إحسان، أو داع إلى إحسان، وكل مَن أحسن، أو دعا إلى إحسان، فهو حكيم فيما نعرفه.
قال الملحد: وكيف يكون حكيما من خلق خلقا فآلمه بأنواع الآلام ؟ وامتحنه بضروب من الإمتحان، أخبرني عن وجه الحكمة في ذلك، من الشاهد ؟
قال القاسم عليه السلام: أما قولك: كيف يكون حكيما، من خلق خلقا، فآلمه بأنواع الآلام ؟ فوجه الحكمة في ذلك من الشاهد، أنا وجدنا من الآلام في الشاهد ما هو داعٍ إلى الإحسان. من ذلك: ضرب المؤدِّبين للصبيان ومنه الحجامة، والفصد، وشرب الأدوية الكريهة؛ كل ذلك داعية إلى الإحسان، وإلى شيء حسن في العقل، فإذا كان من الآلام في الشاهد ما هو كذلك، فكل ما كونه من قِبَلِ الله عز وجل، مثل الموت والمرض والعذاب وغيره، حكمة في الصنع، وصواب في التدبير، إذ كان كل ذلك داعية إلى إحسان.
قال الملحد: ما الدليل على أن ذلك داعية إلى الإحسان ؟

(1/124)


قال القاسم عليه السلام: الدليل على ذلك أنها أفعال الحكيم، وقد صح أن الحكيم إنما يفعل هذه الأشياء، التي هي الترغيب في السلامة والصحة والخير، والترهيب من الغم والشر والسقم. ومن رغَّب في الخير، فحكيم في ما نعرفه.
وأما قولك: لِمَ امتحن امتحانات، عَطِبَ أكثرهم عندها ؟
فإنا نقول في ذلك ولا قوة إلا بالله: إن الله سبحانه إنما امتحانه وأمره ونهيه، داعية له إلى الخير، فمن عطب فمن قِِبَل نفسه عطب، لأنه لم يأتمر بما أمره الله سبحانه ؛ ولا انتهى عما نهاها عنه، ولو كان انتهى عما نهاه عنه، وركب ما أمر به، لكان يؤديه ذلك إلى الفوز العظيم.
فهو: من قبل نفسه عطب؛ لا من قبل الله عز وجل.
ومثل ذلك فيما نعرفه: أن حكيما من حكمائنا لو أعطى عبيدا له دراهم، وقال لهم: اتجروا، فإن ربحتم، ولم تفسدوا، فأنا معطيكم ما يكفيكم، وإن لم تفعلوا عاقبتكم. فأطاعه منهم قوم، وعصاه آخرون، لم ترجع اللائمة عليه، بعصيانهم إياه؛ ولكنها لاحقة بهم، حين عصوه، ولم يخرج دعاء سيدهم إياهم وعطيتهم من الحكمة؛ إذ لم يدعهم به إلا إلى الإحسان، فلما كان ذلك كذلك، كان الله حكيما، بامتحانه وأمره ونهيه.
قال الملحد: إن الله يعلم ما هم صائرون إليه، ونحن لا نعلم ذلك.
قال القاسم عليه السلام: إن الجهل، والعلم، لا يحسِّن الحسن، ولا يقبِّح القبيح، وذلك لأنه لو كان حسنا لأن الآمر به يعلم أنه يفعله لكان ذلك قبيحا، إذا كان الأمر منا بما يصير إليه المأمور جاهلا، فلما لم يكن ذلك قبيحا لجهل الآمر منا، لأنه إنما أمر بالحسن ودعا إلى الحسن، وإن كان جاهلا بما يصير إليه المأمور [دل ذلك على أنه لا فرق بين أن يكون الآمر بالحسن، والداعي إلى الحسن، جاهلا بما يصير إليه المأمور]، أو عالما.

(1/125)


وشيء آخر: وهو أنه لو كان الإمتحان قبيحا، إذا علم أنه يُعصى، لكان لا شيء أقبح من إعطاء العقل، لأنه إنما يُعصى عند وجوده، ويُستحق الذم والمدح به، فلما كان إعطاء العقل عند الأمم كلها موحدها وملحدها حسنا، دل ذلك على أن الإمتحان والخلق والأمر بالحسن كله حسن، علم أنه يعصي أو يطيع.
قال الملحد: فَلِمَ مزج الخير بالشر ولِمَ صار واحد غنيا، وواحد فقيرا، والآخر قبيحا، والآخر حسنا ؟
قال القاسم عليه السلام: إن هذه الدار دار امتحان، ودار ابتلاء، وحقيقة الإمتحان فهو: أن يخلق فيه، أو يأمره بشيء يثقل على طباعه ؛ فينظر هل يطيع، أم لا يطيع ؟
ولو خلق الله ما هو خفيف على طباعه، ثم أمره بالخفيف لكان ذلك لذة له، وليس بامتحان. فلما كانت هذه الدار دار امتحان، كان الواجب في صواب التدبير، أن يمزج الخير بالشر، والنفع بالضر، والمكروه بالمحبوب، والحسنة بالسيئة، والكريه المنظر بالحسن المنظر، إذ كانت الدار دار امتحان ؛ لأنه لو كان كله محبوبا كان دار الثواب، ولو كان كله مكروها، كان دار العقاب، ودار الثواب والعقاب هذه صفتها.
واعلم أنه لو لم تُعرف علل ذلك لكان جائزا، وذلك أنه في بدِي الأمر، إذا أقمت الدلالة على أنه حكيم في نفسه وفعله، ثم دللت على أن الكل من أفعاله حكمة، استغنيت عن معرفة علله.
ومثال ذلك من الشاهد: أنا لو هجمنا على آلات من آلات الصانع، فرأينا اعوجاج المعوجات، واستواء المستويات، وصغر بعضها، وكبر بعضها، وغلظ بعضها، ورقة بعضها، فحكمنا أن صانعها غير حكيم، لكنا جاهلين بالحكمة، نضع الحكمة في غير موضعها. بل حينئذ الواجب علينا أن نسلم للحكماء حكمتهم، ونعرف أنهم لا يفعلون شيئا من ذلك إلا لضرب من الحكمة يعرفونه، ونعلم بأن المعوج والمستوي، وكل زوج منها يصلح لعمل لا يصلح له الآخر، فحينئذ وضعنا الحكمة في موضعها. فاعرف ذلك وتبيَّنه، تجده كما قلنا إن شاء الله تعالى.

(1/126)


فلما كانت أفعال الله كلها إحسانا، أو داعية إلى الإحسان، كان تبارك وتعالى بفعلها كلها حكيما، إذ كل ذلك حسن في العقل.
فإن قلت: لِمَ فعل الحسن في العقل ؟
قيل لك: يفعل الحسن لحسنه، ولو لم يفعل الحسن في العقل لحسنه، لكان لا يترك القبيح لقبحه في العقل، وكفى بهذا القول قبحا.

(1/127)


[إرسال الرسل وحكمة التشريع]
قال الملحد: لقد أبلغتَ وقد بَقِيتْ لي مسائل.
قال القاسم عليه السلام: سلْ.
قال الملحد: ما الدليل على أن الصانع له رسول ؟
قال القاسم عليه السلام: الدليل على ذلك أن الصانع حكيم، محسن إلى خلقه، وفي العقل أن شكر المنعم واجب، فلما كان هذا في عقولنا واجبا، وكان الله حكيما منعما على خلقه ؛ كان من كمال النعمة أن أرسل إليهم الرسل، مع دلائل اضطرت العقول إليها، ليبين لهم كيفية شكره، لأن كيفية شكره ليس مما يعلم بالعقل، ولا بالنفس، ولا بالحس، ولا بالظن، وإن كان في العقل جوازه. فحينئذ أقام لهم معهم دلائل ومعجزات، دل بها على صدقهم.
قال الملحد: كأنك تقول: إن شرائع الأنبياء خارجة عن العقول، إذ قلت: لا يُعلم كيفيتها بها.
قال القاسم عليه السلام: أما قولك: إن شرائع الرسل خارجة عن العقول إذ ليس فيها كيفيتها. فإني لم أقل لك ليس فيها كيفيتها بتة، بل اشترطتُ لك فقلت لك: إنه وإن لم يكن فيها كيفيتها ففيها جواز كونها.
قال الملحد: وكيف ذلك ؟
قال القاسم عليه السلام: هو مثل ما تعرفه في الشاهد، وذلك لو أن سيدا أمر عبده ببناء دار، أو قطع شجرة، أو إعطاء عبد الله، أو ضرب زيد، فإنه ليس في العقل أن السيد يأمر به، فإذا أمر به كان في العقل أن الإئتمار به حسن، وأن تركه قبيح، إذا كانت لأمر سيده عاقبة محمودة، ومرجع نفع إلى العبد، فالعقل يجوِّز الأمر بكل شيء على حياله، ولا يوجب شيئا من ذلك دون شيء، إذا كان ذلك الأمر مما ينتقل حاله في العقل، وذلك أنه قد يكون المشي إلى موضع ما حسنا في العقل، إذا كان للمشي معنىً حسن، فأما اللواتي يُدرك حكمها في العقل، فقد أدرك بأن الآمر بها لا يأمره إلا بما هو حسن، ولا ينهى إلا عن ما هو قبيح عنده.
قال الملحد: فحدثني عن الصلاة والصيام وغيرهما من الشرائع، هل له أصل في العقل تفرَّع هذا منه ؟

(1/128)


قال القاسم عليه السلام: أجل، قد أخبرتك به آنفا، وهو كالأمر بالمشي إلى موضع ما، وكضرب زيد، وإعطاء عبد الله، ليس له أصل في العقل، أكثر من الإئتمار لأمر الحكيم، ووجه الحكمة فيه أن الآمر إنما يأمر به لينظر هل يأتمر به المأمور فيجازيه لذلك ؟ لا سيما إذا كان الآمر مستغنيا، غير محتاج إلى ما يأمر به، وإنما يأمرهم ليمتحنهم، وليظهر بذلك أعمالهم، فإن الأمر به حسن، وعلى ذلك سبيل الشرائع كلها.
قال الملحد: خبرني عن كيفية معجزاتهم.
قال القاسم عليه السلام: هو قلب العادات، وأن لا يترك العادات جارية على مجراها، فإذا جاء أحدهم وقال له قومه: ما الدلالة على صدقك، قال: الدليل أن الله يقلب عاداتهم، في كذا، وكذا، إلى كذا وكذا، فحينئذ يعرفون صدقه، ويضطرون إلى قبول قوله، وهذه سبيل المعجزات كلها، وبمثل ذلك يفرق بين النبي والمتنبي، وبين الصادق والكاذب.

(1/129)


[الحكمة من الموت والبعث]
قال الملحد: فإنه بقي في قلبي شبهة، فأحب أن تقلعها بحسن رأيك ونظرك.
قال القاسم عليه السلام: هاتها لله أبوك !
قال الملحد: أخبرني عن الله عز وجل، لِمَ يميت الإنسان، ويصيِّره ترابا، بعد أن جعله ينطق بغرائب الحكمة، وبعد هذه الصورة العجيبة البديعة ؟! ولِمَ يفني العالم كله ؟! أرأيت لو أن إنسانا بنى بناء فنقضه لا لمعنى، هل يكون حكيما ؟!
قال القاسم عليه السلام: ليس الأمر كما ظننتَه، أرأيت لو أن إنسانا بنى بناء للشتاء فلما جاء وقت الصيف نقضه وبناه للصيف، هل يكون حكيما ؟
قال [الملحد]: نعم.
قال [القاسم] عليه السلام: ولِمَ ؟
قال [الملحد]: لأن الذي اتخذه للشتاء، لا يصلح للصيف، وكذلك الذي اتخذه للصيف لا يصلح للشتاء.
قال القاسم عليه السلام: وكذلك الله عز وجل، خلق الدنيا وما فيها للإبتلاء، فإذا انتهى إلى أجله وحينه، أفناها، ويعيدها ثانيا ? ليجزي الذين اساءوا بما علموا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ? [النجم:31]. ولا يكون ذلك خروجا من الحكمة، بل الحكمة أن لا يضيع الثواب والعقاب.
قال الملحد: إن التوحيد، والتعديل، والرسل، قد تكلم فيه ناس من أهل الملل وكل يشك في الميت، هل يحيى أم لا ؟ وكلٌ يجيء في ذلك بشيء، فإن دللتَ على ثباته، وكيفيته، لم تبق لي مسألة، وحينئذ آمنت بربي.
قال القاسم عليه السلام: أما الدلالة على ثباتها فإني وجدت الله تبارك وتعالى حكيما، قد امتحن خلقه، وأمرهم، ونهاهم، وكان قول من يقول بإزالة الإمتحان، داعياإلى الإهمال، والإهمال داعٍ إلى أن الله غير حكيم، وإذاً جاز أن يكون العالم قديما. لأنه لا فرق بين أن يفعل من ليس بحكيم هذا الصنع العجيب، وبين أن يقع فعل لا من فاعل، والأشياء موجودة، فتكون قديمة أزلية، لا فاعل لها.

(1/130)


ووجدت هذا القول داعيا إلى التجاهل، فلما كان ذلك كذلك، صح أن الله حكيم، والحكيم لا يهمل خلقه، وإذا لم يهمل خلقه، لم يكن بدٌ من أمر ونهي، ولم يكن بدُ من مؤتمِر، وغير مؤتمِر، وكان من حكم العقل أن يفرق بين الولي، والعدو، ووجدنا أوليآءه وأعدآءه مستوية الأحوال في الدنيا، لأنه كما أن في الأعداء من هو موسر صحيح، ففيهم من هو معسر مريض، وكذلك الأولياء، فلما كانت في الدنيا أحوالهم مستوية، ولم يكن بدٌّ من التفرقة بينهما، صح أن دارا أخرى فيها يفرق بينهم، وفيها ينشرون، إذ قد وجدت هذه الحال قد اشتملت الكل، الولي والعدو. وذلك قوله عز وجل:? أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ? [ص:28].
وأما قولك: أخبرني عن كيفيتها ؟ فإن الله عز وجل جعل الروح لجسد الإنسان حياة له، كالأرض إذا اهتزت بالماء، وتحركت بالنبات، كذلك الروح إذا صار في الإنسان، صار حيا متحركا، إذا امتزج أحدهما بصاحبه.
قال الملحد: وكيف يمتزج الروح بالبدن وقد صار ترابا ؟
قال القاسم عليه السلام: وكيف يمتزج الماء بالأرض الهامدة ؟ إذا صارت قاحلة يابسة.
قال الملحد: هو أن يمطر عليها، أو يجري فيها فيتصل أجزاء الأرض بأجزاء الماء، بالمشاكلة التي بينهما، فعندها تهتز وتتحرك.
قال القاسم عليه السلام: وكذلك الروح، يرسل إلى ذلك التراب، فيمآسه ويمازجه، فحينئذ يحيى الإنسان ويتحرك. أَوَلا ترى إلى بدء خلق الإنسان، كيف كان ؟! أو ليس تعلم أنه كان ترابا، فلما جمع الله بينه وبين روحه صار إنسانا، فأصل خلق الإنسان يدلك على آخره، أولا تسمع قوله سبحانه: ? قل يحييها الذين أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم، الذين جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ? [يس: 79 –80].
قال الملحد: إنه ليس بين الروح والتراب مشاكلة، فيما يُعرف!.
قال القاسم عليه السلام: فهل تعلم بين النار والشجر الأخضر مشاكلة ؟

(1/131)


قال الملحد: نعم. وهي أنها مجموعة من الطبائع الأربع إحداهن النار.
قال القاسم عليه السلام: الله أكبر هل تعلم بين النار وبين ثلاثتها مشاكلة ؟
قال الملحد: لا.
قال القاسم عليه السلام: فكيف اجتمعن ؟ إنه لما جاز أن تجتمع النار مع الماء، والأرض والأهوية، بلا مشاكلة بينهن جاز للروح مثل ذلك.
فقال الملحد عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وأن كل ما جاء به حق، وتَعِسَت أمة ضلت عن مثلك. وأسلم وحَسُنَ إسلامه، وكان يختلف إلى الإمام أمير المؤمنين القاسم عليه السلام، ويتعلم منه شرائع الإسلام.
تمت المناظرة وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

(1/132)


الرد على الزنديق ابن المقفع اللعين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله خالق كل معبود، المستوجب للحمد في كل موجود، الذي لا يقصر عنه باِلحمد من رشيدِ خلقه حامد، الصمد الذي ليس من ورائه غاية يصمدها صامد.
دليل من استدل بالحقائق، فيما فطر سبحانه من مختلف الخلائق، التي يوجد من اختلافها، وما خالف بينه من أصنافها، ما يوجد من اختلاف الظُّلم والأنوار، وفرقةِ ما بين الليل والنهار، بل أكثر في الفرقة بيانا، وأوضح في التباين فرقانا، لتفاوت ما فيها من اختلاف الألوان والطعوم، ولضروب ما فيها من كل محسوس ومعلوم، دلالة منه سبحانه بمتفاوتها، ومختلف ما بين حالاتها، على الأول الأحد، السابق لكل عدد، الذي لا يكون ثانٍ إلا من بعده، ولا يثبت الثاني إلا من بعد عده، البعيد من مساواة الأنداد، المتعالي عن مناواة الأضداد.
نحمده على ما هدانا إليه، ودل برحمته من توحيده عليه، ونسأله أن يصلي على ملائكته المصطفين، وعلى جميع رسله والنبيين، وأن يخص محمداً في ذلك من صلواته، بأفضل ما خص به أهل كراماته، ونستعينه لا شريك له على شكر نعمته، فيما وهب لنا من أبوة محمد عليه السلام وولادته، والحمد لله رب العالمين، ونعوذ به من عماية العمين.

(1/133)


[الرد على ماني]
ثم إن فرقة من الكفرة قادها عصيانها، ونعق بقادتها في الكفر والعمى شيطانها، إمهامها المقدم، وسيدها المعظم، (ماني) الكافر بأنعم الله اللعين، الذي لم يبلغ كفره قط بالله الشياطين، ابتدع من القول زوراً لم يسبقه إليه سابق من الأولين، ولم يقل به قبله قط أحد من قدماء الخالين، مع افتراق مللهم، ومختلف سبلهم، فزعم أن الأشياء كلها شيئان، وقد يوجد خلاف زعمه بالعيان، فلا يوجد بين ما ذكر من النور والظلمة فُرقة، إلا وجدت الأشياء كلها بمثله لهما مفارقة، إلا أن الفرقة بين الأشياء أوجد، ومن الأشياء للنور والظلمة أوكد، مكابرة لعقول أطفال الأنام، وتجاهلاً بما تجهله بهيمة الأنعام.
ثم قال تحكماً، وافترى زعماً، أن الأشياء كلها من النور والظلمة مزاج، وأنه لم يكن بينهما فيما خلا من دهرهما امتزاج، سفهاً من القول وتعبثا، ومجانةً في السفه وخبثاً، فثبت بينهما شبه الاستواء، وحَكَمَ عليها حُكمَ السواء، في حالين يجمعانهما عنده معاً، وفعالين يتساويان فيهما جميعاً، فقال في أُولاهما لم يمتزجا، ثم قال في أُخراهما امتزجا، فجمعهما - عنده في الامتزاج وخلافه - الحالان، واشتراكهما فيما كان من إسآءة وإحسان، وليس في أنهما هما الأصلان، دليل واضح به يثبتان، أكثر من تَحكُّم العماة في الدعوى، والاعتساف منهم فيهما للعشوى، وما ذا يرون قولهم، لو عارضهم مبطل في الدعوى كَهُم.
فقال: بل النور والظلمة مزاجان، ومن ورائهما فلهما أصلان، هل يوجد من ذلك لهم، إلا ما يوجد لمن خالفهم ؟!

(1/134)


فإن قالوا: الدليل على ذلك نفع النور، فربما ضرنا النور في أكثر حوادث الأمور، ولما يوجد من نفع قليل غيره، أنفع مما يوجد من أكثر كثيره، لَتمرةٌ أنفعُ في الغذاء لأكلها، من الأنوار في الغذاء كلها، ولئن كانت الدلالة من الدآل على المنكر ضراً، يعود عندهم شراً، إن النور لأدل على طلبات الأشرار، وأكشف لهم عن خفيات ما يبغون من الأسرار، التي عنها تجلى نورهم، وبه كثرت في الضر شرورهم.
وإن كان دليل عماة الظُّلمة، على ما بينوه أصلاً في الظلمة، ضر الظلمة في بعض أمورها، لربما منعت كثيراً من الشرور بستورها، فلم يجد لمنعها بسواتر ظلامها، الأثمة سبيلاً إلى تناول آثامها، ولسنا نجد عياناً نورهم من المضآر معرَّى، ولا ظلامَهم في جميع الأحوال مضراً، إلا أن يكون نورهم عندهم غير النور المعقول، فيصيروا بعد إثبات أصلين إلى إثبات أصول، ويحكموا على غائب لا يُرى، بحكمٍ لا يُتيقن ولا يُمترى، يتبين به عند أنفسهم قَصرةُ عماهم، ويصح لهم بَلْهَ غيرهم فيه خَطَاهم.
ثم يقال لهم أيضاً: حدثونا عن نور الشمس، وما يباشر أبصار المبصرين منه عند شروقه باللمس، أليس نافعاًفي نفسه، وعند مباشرة لمسه ؟!
فإن قالوا: بلى، وكلما تلألأ؛ لأنه يتلألأ فيشرق وينير، وكذا الأمر به كل نور إما قليل وإما كثير.
قيل: فما باله يُعشي أبصار الناظرين ويؤذيها ؟! وما بال بعض الحيوان لا تبصر مع ضوء الشمس وتلاليها ؟!
فإن قالوا: لعلة أن النور إذا أشرق على ناظر الانسان، وغيره مما يبصرمع ضوء الشمس من الحيوان، رد مع شروقه ما في النواظر، من الظلمة إلى الناظر، فلم ير فيه، ولم يطق النظر إليه.
قيل: فالظلمة في قولهم تستر، فكيف مع مكانها في الناظر تبصر، وقد تُرى الأبصار، إذا أشرقت الأنوار، تبصر حينئذٍ الأشياء، وترى الظلمة والضياء، فلو كانت الظلمة لها سُترة، لما أبصرت ما ترونها له مبصرة.

(1/135)


فإن قالوا: الحرارة هي التي فعلت ذلك بالأبصار؛ لأن النور من شأنه دفعها إلى ما هي فيه من محجر القرار.
قيل: فالحرارة عندكم يا هؤلاء من شأنها الإحراق، وقد يُرى الناظر يديم النظر إلى شروق الشمس فلا يحرق ناظره الإشراق! وقد يزعمون أن الحرارة في الظلمة أوكد، وفي سوسها وكونها أوجد، ثم يديم الناظر إليها نظره، فلا يُعشيه ولا يحرق بصره! فأي دليل أدل على تلعبهم، وأوضح برهاناً على سفه مذهبهم ؟! من هذا عند من ذاق من المعارف ذوقاً، وعَقَلَ بين مفترقات الأشياء فروقاً!!.
وأخرى يا هؤلاء فافهموها، تدل فيها على غير الأوهام التي توهموها، أن الشديد الرمد يجد في الظلمة راحة وفترة، وأنه يجد في النور عند مقاربته له مضرة منكرة، فلا نرى الظلمة إلا تفعل خيراً، ولا النور إلا يفعل شراً كبيراً.
وهذا فقد يبين أيضاً بوجه آخر، يدل على خلاف ما قالوا في الخير والشر.
وهو أن يقال لهم في الماء، إذ زعموا أنه مزاجٌ من النور والظلماء: ما بال قليله ينفع وكثيره يضر ؟!
فإن قالوا من قِبَلِ أن المزاج يقل ويكثر.
قيل: فما بال كثيرُ نوره، في الكثير من بحوره، لا يمنع ضر كثير ظلمته، كما منع قليلُ نفعه قليلَ مضرته ؟!
أم تزعمون أن قليل النور أقوى من كثيره، فهذا من القول هو المحال بعينه، أن يكون قليل من شيء هو أقوى من كثير، كان منيراً أو غير منير!
ومما - أيضاً - يدخل عليهم، أن يقال إن شاء الله لهم: حدثونا يا هؤلاء عن الثور ما باله يفر عن الحر إذا أحرقه إلى البرد والضِّلال، ويفر من البرد إذا آذاه إلى الصِّلاء والنار، وهما في زعمكم جميعاً ظلمة مضرة، ليس لأحد فيهما منفعة ولا مسرَّة! ولن يخلو عندكم أن يكونا من سوسه فينفعاه، أو مما زعمتم من خلافه فيضراه ؟!
فإن قلتم بما فيهما من مزاج النور انتفع ؟
قيل لكم: فإلى أيهما فر ونزع ؟!
فإن قالوا: إلى أكثرهما نوراً، وأقلهما من المزاج شرورا.

(1/136)


قيل: لَئِن كان من الشر إلى الخير صار بفراره، لقد أدركه الشر منهما في مقره وقراره، وإن ذلك لما لا ينمي أبداً، ولا يكون حيث كان إلا ضداً.
ثم يقال لهم: هل الظلمة مضآدة للنور ؟
فإن قالوا نعم.
قيل: أبمثل ما يعقل من تضآد الأمور ؟
فإن قالوا: نعم.
قيل: إن الضد لا يجامع أبداً ضداً، إلا أفناه فكان له عند المجامعة مفسداً، ولا تكون المضآدة من الشيئين واقعة، إلا لم تجمعها بعد تضآدهما جامعة، إلا مع بطلان موجودِ أعيانهما، أو تَبدُّلِهما باجتماعهما عن معهود شأنهما، كبطلان الثلج والنار عند اعتلاجهما، أو كتبدل اللونين أو الطعمين في امتزاجهما.
فكيف يصح لما زعموا من الأصلين الاجتماع ؟! أو يوجد منهما بعد المزاج إضرار أو انتفاع ؟! وهما لا يكونان إلا متنافرين، أو مزاجاً فيكونا متغيرين، كتغير الممتزجات عند مزاجها إلى فعالٍ واحدٍ، يجده منها بدرك الحوآس أو بعضها كل واحدٍ.
لا كما قال ( ماني ) المكابر لدرك حسه، المخالف فيما قال ليقين نفسه، المتلعب في مذهبه، السفيه بمتلعَّبه.
وهذا أيضاً يكذب قولهم، أن يقال لهم: حدثونا ممن موجود الضحك والبكاء ؟
فإن قالوا: هما من الظلماء. لم يصح أن يكونا وهما متضآدان من واحدٍ غير متضآدٍ. وكذلك إن قالوا من النور لم يصح أن يكونا منه وهو واحدٍ غير ذي تضآد.
وكذلك الجوع والشبع، والصبر والجزع، والفرح والحزن، والجرأة والجبن، وهذا كله، وفرعه وأصله، عندهم شرٌ مذموم، وفي كل حال مُقبَّح ملوم؛ لأنه قد يضحك ويبكي، ويصح في هذا الدار ويشتكي، ويجوع ويشبع، ويصبر ويجزع، ويفرح ويحزن، ويجترئ ويجبن، مَن يكون ذلك كله منه عندهم في بعض الحال شراً، فكفى بهذا لمن أنصف الحق من نفسه منهم معتبراً.

(1/137)


فهذا أصل قول ( ماني )النجس الرجيس، الذي لم يسبق قوله فيه قول إبليس، ولم يَعِب على الله بمثله قط عاتٍ، ولم يقصر بمعتقده عن غايات الضلالات، وعلى هذا - من قوله، وما وصفنا فيه من أصوله - مات ماني لعنه الله لعناً كثيراً، وزاده إلى ناره سعيراً.

(1/138)


[الرد على بن المقفع]
ثم خلف من بعد ماني أبي الحيرة والهلكات، خَلفُ سوء استخلفه إبليس على ما خلف ماني من الضلالات، يسمى ابن المقفع، لعنه الله بكل مرأى ومسمع، فورث عن ماني في كفره ميراثه، وحاز عن أبيه ماني فيه تراثه، فعقد بعنقه من ضلالاته أرباقها، وشد على نفسه من هلكاته أطواقها، فنشأ في الغواية منشأه، وافترى على الله ورسله إفترآءه، فوضع كتاباً أعجمي البيان، حكم فيه لنفسه بكل زور وبهتان، فقال مِن عيب المرسلين، وافترى الكذب على رب العالمين، بما تقوم له ذوائب الرؤوس، وتضطرب لوحشته أركان النفوس، ووصل إلينا في ذلك كتابه، وما جمحت به فيه من الإفك ألعابه.
فرأينا في الحق أن نضع نقضه، بعد أن وضعنا من قول ماني بعضه، إذ كان ماني العميُ له فيما قال من الضِّلال إماماً، فأما النقض على ماني فسنضع له إن شاء الله كتاباً تآماً .
زعم ابن المقفع اللعين عماية وفرطاً، أنه لا يرى من الأشياء كلها إلا مزاجاً مختلطاً. كذلك زعم النور والظلمة، اللذان هما عنده الجهل والحكمة .
فاعرفوا إن شاء الله هذا من أصله، فإنا إنما وضعناه لنكشف به عن جهله، وبالله نستعين في كل حال، كانت منا في قول أو فعال .
كان أول ما افتتح به كتابه، ما أكذب به نفسه وأصحابه، أن قال:
بسم النور الرحمن الرحيم
فإن كان النور هو الذي فعل اسمه(فلا اسم له، وإن لم يكن فعل اسمه فمن فعله، فإن هم ثبتوا له اسماً غيره لم يكن إلا مفعولا، وإن كان هو اسمه )كانت أسمآؤه ممن سماه فضولاً، والفضول عندهم من كل شيء فمذمومة، وأسماؤه إذاً كلها شرور ملومة، فهل يبلغ هذا من القول، إلا كل أحمق أو مخبول.
وقال: الرحمن الرحيم، فَلِمن زعم ألنفسه أم للأصل الذميم ؟! فإن كان عنده رحماناً رحيماً، لمن لم يزل عنده شراً مليماً، إن هذا لهو أجلُّ الجهل، والرضى عما ذم من الأصل، وإن كان إنما هو رحيم رحمان، لما هو من نفسه إحسان، فهذا أحول المحال، و أخبث متناقض الأقوال.

(1/139)


ثم قال: أما بعد: فتعالى النور الملك العظيم، فليت شعري أيُّ تعالٍ يثبت لمن هو في أسفل التخوم!! ومن هو مختلط عنده بكل مذموم، من الأنتان القذرة، والبول والعذرة، وبكل ظلمة هائلة، وأوساخ سائلة، مرتبط في الأسافل، مزلزل فيها بأمواج الزلازل، لا يُطيب منها نتنا، ولا يُعيد قبيحا حسناً، ولا هائلاً أنسا، ولا سائلَ بولٍ يبساً.
أيُّ ملكٍ لمن لا يملك إلا نفسه وحدها ؟!‍ ولا يستطيع رشداً إلا رشدها!‍ ولا يتخلص مِن مرتبط عدو‍! ولا يقدر على النجاة مِن سُوّ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! ‍وأي عظمة تحق لمناوئِ ضدهِ بالمباشرة ؟! ولم يَعلُ عدوه بغلبةٍ – له عن مباشرته – قاهرةٍ، ومَن فرَّقته المناوآة أعضاء ؟! ومزَّقته المحاربة أجزاء ؟! ومَن حطَّه حربه من أعالي العُلى ؟! إلى بطون الأرض السفلى ؟!!
ثم قال زعم: الذي بعظمته وحكمته ونوره عرفه أولياؤه. فليت شعري أنورٌ أولئك عنده أم ظلمة ؟! فإن كانوا نوراً فهم أجزاؤه، أو ظلمة فتلك - زعم - أعداؤه، فهو الذي لا ولي له في قوله، ولم يُؤمن عليه الفناء بعد زواله، عما كان معهوداً من حاله، ومع ما صار إليه من انتقاله، عن دارِ أَوِدَّآئِه، إلى دار أعدائه .
فيا ويل ابن المقفع، أيَّ مشسع عن الحق شسع، وأي متطوَّح من الضلالة تطوَّح، وإلى أيِّ طحية من العماية تروَّح.

(1/140)


فافهموا أيها السامعون عجيب أنبائه، وتدبروا من قوله معيب أهوائه، إذ زعم أن بعظمة نوره، وحكمة ما ذكر من زوره، كانت أولياؤه - زعم - عارفة، كأنه يثبت أنها كانت به جاهلة، ومع تثبيت هذا من القول في أموره، ثبت عمى الجهل والشر في نوره، ثم نسب عظمة إلى عظيم، وثبَّت حكمة لحكيم، فأضاف نوراً إلى منير، ولا يخلوذلك من أن يكون قليلا من كثير، فيكون كثير ذلك أفضل من قليله، فيكون مقصراً بالقليل عن الكثير وتفضيله، والتقصير نقص والنقص عنده شر من شروره، والشر - زعم - لا يكون أبداً في نوره. فاسمعوا لقول التناقض، وزور حجج التداحض، ففي واحدة مما عددنا، وأصغر ما من قوله أفسدنا، كفايةُ نورٍِ كافية، وأشفية من الضلالة شافية، لمن أنصف فاعتبر، واعتبر فادَّكر.
فإن زعم أن عظمته ونوره وحكمته هن هو، زال عنه بزواله عنهن إذ هواهن الارتفاع والعلو، إلا أن يزعموا أنه ليس في الأرض للنور عظمة، ولا في دار هذه الدنيا من حكمه حكمة، فيكون هذا تَرْكَ قولهم كله، والخروجَ من معهودِ فرعهم فيه وأصله.
ثم قال زعم: والذي اضطرت عظمته أعداءه، الجاهلين له، والعامين عنه، إلى تعظيمه - كما زعم - لا يجد الأعمى بداً مع قلة نصيبه من النهار أن يسميه نهاراً مضيئاً.

(1/141)


وجهله بما بين العامين والعمين من الفرق في اللسان، أوقعه بحيث وقع من جهله بمخارج القرآن، والعامي فإنما هو ما نسب إلى أعوام الزمان، والعَمِيُّ فإنما هو أحد العميان، فكيف ويله مع جهله لهذا ومثله، يقدم على تعنيف وحي كتاب الله ومنزَلِه، الذي نزله على رسله، سبحان الله ما يبلغ العمى بأهله!! فثبَّت العظمة من نوره جزءاً، وجعلها من أعضائه عضواً، ونسب إليها بعدُ فعلا، زالت به عن عدو النور جهلاً، ورفعت به عن العمين - زعم - عماهم، والعمون فلا يكونون عنده إلا ظَلْمَاهُم، فلا نرى عظمتهم عندهم، وإن كابروا في ذلك جهدهم، إلا وقد أولت الظلمة خيراً كثيراً، وأحدثت للجهل والعمى تغييراً، وهو يزعم في قوله، أنه لا تغيُّرَ في شيء من أصوله، والأعمى فلم ينكر قط نهاراً، ولم يستصغر نهاره احتقاراً، ولم يعارضه به جهل، ولم يكن له عما فيه تَبَدُّل، وأعداء نوره به - زَعَمَ - جاهلة، وعن مذهبه فيه ضآلة مضلة، فكيف يصح تمثيله لهم بالأعمى ؟ إن هذا لصَمَمٌ من ابن المقفع و عمى!!
ثم قال: ومُسَبَّح ومُقدَّس النور. النور الذي - زعم - مَن جَهِلَه لم يعرف شيئاً غيره، ومن شك فيه - زعم - لم يستيقن بشيء بعده.
فاسمعوا في هذا القول من أعاجيبه! وما استحوذ عليه فيه من ألاعيبه!! قال ومُسبَّح فمِن تأويله مُسبِّحه، إذ ليس إلا هو وعدوه الذي لا يسبحه، فإن كان إنما يسبح نفسه، فإنما يسبح جنسٌ جنسَه، فما في ذلك له من المدح! وما يحق بهذا من مسبَّح وغير مسبَّح، وإن كان إنما سبحه جزء من أجزائه، فإنما سبح الجزء نفسه وغيره نظيره من أكفائه، وقد يحق له يا هؤلاء على الأكفاء، من تسبيحه ما يحق لها عليه بالسواء، وهو مسبِّح ومسبَّح، ومادِح وممتدَح، فليس له من مسبِّحه إلا ما عليه مثله من تسبيحه، ولا له من مادحه إلا ما عليه من مديحه، وكل هذا أعجب عجيب! وقولٌ متناقض وتكذيب!!

(1/142)


قال: ومقَّدس وإنما مقَّدس مُفعَّل ومعناه فمُبَّرك، فمن يُبرِّكه وهو عنده يُبرِّك ولا يُبَرَّك، وليس معه إلا عدوه، الذي لا سوّ إلا سُوُّه، فنفسه تبرِّكه، فقد كان إذاً ولا بركة له. فسبحان الله ما أفحش خَطَاهُم! وأبينَ جهلهم وعماهم !!
فإن قال قائل منهم فبهذا فقد قلتم، وقد يدخل لهم عليكم ما أدخلتم!!
قلنا أما مُسبَّح فنقولها، وأما مقدس فأنت تقولها، ونحن لا من طريق ما كَفَرتَ، فقد نقولها في النور الذي ذكرت، لأن الله تبارك وتعالى بارك فيه، وفطره من البركة على ما فطره عليه، فينفع بقدره، في بعض أمره، فدل بذلك على بركته، وإحسان وليِّ فطرته، ولكنا نقول في الله: الملك القدوس كما قال، إذ كان كل شيء فبقدسه نال مِن قُدسِ البركة ما نال .
ومُسبَّح فقد نقولها، إذ نجدها له ونعقلها، مِن كل ما هو سواه مفطوراً، ظلمة كان ذلك أو نوراً، فأما هذيان التعبث، وقول التناقض والتنكث، فهو بحمد الله مالا نقول، مما لا يقارب قول أهل العقول، فأما قوله: الذي مَن جَهِلَه لم يعرف شيئاً غيره، فافهموا فيه هذيانه وهذره، فلعمر أبيه، ولعمر مُغوِيه، لقد يعرف - الطب والصناعات، وأنواع ما تفرق فيه الناس من البياعات - مَن لا يعرف نوره، ولا يتوهم أموره، يعرف ذلك يقيناً من نفسه ابن المقفع، ويرى منه بياناً بكل مرأى ومسمع، كم ترون من طبيب طلب منه ابنُ المقفع الدواء ؟! أو موصل من العوام أوصل إليه سراء أو ضراء ؟! توقن نفسه أن طبيبه يداويه، وأنه لا ينجع فيه بغير يقين تَداوَيه.
وكذلك من أوصل إلى ابن المقفع ضرآءه فقد يعلم أنها غير سرآئه، أو أوصل إليه سرآءه فقد يوقن بتَّاً أنها غير ضرآئه، وهذا من تكذيبه فيما قال فَأَتُم موجود، كثير بين الناس في كل ساعة معهود، لا يشك في يقينه أهل الطب والصنائع، ولا العآمة فيما تدبر من المضآر بينها والمنافع، وكلهم لا يوقن بشيء مما زعم في نوره، بل يزعم أن الجهل في كل ما هو عليه من أموره .

(1/143)


ثم ابن المقفع فقد يعلم بتَّاً يقيناً، أن الناس لا يُثبتون لشيطانه فعلاً ولا عيناً، فأي أمرٍ أعمَهُ عَمَهاً ؟! أو ضلالة أقل شبها ؟! من ضلالةٍ دخلت بأهلها، في مثل هذا السبيل من جهلها ! فنعوذ بالله من خزي الأضاليل، ونعتصم به من لهو الأباطيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً كثيراً طيباً مباركاً فيه .
وأما ما بعد هذا من حشو كتابه، فإنا قصرنا - لضعفه - عن جوابه. ثم قال وتَلَعَّب في بعض كلامه، وجوَّز ما حكم به لنفسه من أحكامه: فقد يبصر المبصرون - زعم - أن من الأمور محموداً، وأن منها مذموما. فقال منها ولم يقل كلها، وسقط عنه بعضها وفضلها، وإذا كان لأيها كان بعض وكل، كان لكلها يقيناً على بعضها فضل، وإذا ثبت بين النور التفاضل، ثبت لبعضه على بعض فضائل، وإذا كان النور فاضلاً ومفضولا، فقد عاد النور بعد أصل أصولا، إذ الفاضل والمفضول اثنان، والفضل والنقص منهما شيئان، والفاضل فخير حالا، والمفضول أسفل سفالا، فكل جزأين من أجزائه، فهما خير من جزو، وكل عضو من أعضائه، فهو في الشر كعضو، وهما إذا اجتمعا، خير منهما إذا انقطعا، فمرة فيهما خير عند الاجتماع، ومرة فغيرهما خير منهما عند الانقطاع.
وكذلك أيضاً فقد يدخل عليهم في الظلمة وتفاضلها، ما يصيِّرهم إلى أن شر البعض منهما أقل من شر كلها، إذ شر كلها أكثر من شر بعضها، وإذ الشر من أقلها ليس هو أكثر من شر كلها، فالنور في نفسه واسمه شر ضرَّار، ونافع شرَّار، وذلك أنه يقل والقلة عنده شر فيعود نوره ضرا، و يقصر عن قدر مبلغ كماله والتقصير عنده ضر فيعود ضرا، والظُلمة فخير عندهم وشر، ونفع وضر، إذ قليلها مقصر في الشر، عن مبلغ كثيرها في مواقعه من الضر، وبعضها كذلك مع كلها، فرعها فيه ليس كأصلها.

(1/144)


فأي عدوان أعدى ؟! أو طريقة أقل هدى ؟! مما تسمع من أمورهم أيها السامع، فلتنفعك في بيان قبائحه المنافع، وأياًّ ما - ويله - رأى من الأشياء، من كل ظُلمة أو ضياء، يحمد أو يذم في الناس دائباً، وليس في الحمد والذم عندهم متقلباً، ألم ير أن الظُلمة ربما نفعت فحُمِدَت، وذلك إذ استترت الأبرار بها عن ظُلْمِ الظالمين فَسَلِمَت، وطلبت فيها وبها، البردفأدركته في طلبها، فهذا منها نفع ظاهر في دنيا ودين، يراه بَيّناً من أمرها كل ذي عين وقلب رصين، ثم تعود منافعها مضآراً، إذا أعطت هذا منها أشراراً، وكذلك أحوال النور، في جميع ما يُرى من الأمور، ربما نفع فيها، ثم عاد بالضر عليها، وقد ذكرنا من ذلك في صدر كتابنا طرفا، فيه لمن أنصف في النظر ما كفى.
وقال في كتابه زعم لبعض من دعاه: إن الذي دعاه إليه رجاؤه فيه للهدى. فمن ياوله رجا، الظلمة التي لا تُرجا، ولا يكون منها أبداً إلا الأذى، ولا يفارقها أبداً عنده العمى ؟ أم النور الذي لا يخشى ولا يعمى ؟! ولا يكون منه أبداً عنده إلا الرضى ؟! بل ليت - ويله - شعري، فلا يشك- زعم - ولا يمتري، مَن الذي يدعوه إلى الإحسان من الإسآء ؟! ومَن الذي ينادي به إلى الصواب عن الخطأ ؟! أهو النور الذي لا يُسِي ؟! والمصيب الذي لا يخطي ؟! فلا حاجة له إلى دعائه وندائه، وهو لا يسيء أبدا فيكون كأعدائه، أم المسيء الذي لا يحسن ؟! والمخطئ الذي يشتم ويلعن ؟! كان يا ويله إليه دعاؤه، وبه كان ندآؤه، فأنى يجيبه وليس بمجيب ؟! وأنى يصيب من ليس أبداً بمصيب ؟!

(1/145)


إن ابن المقفع ليكابر يقينَ علمِ نفسه، وإن به لطائفاً من لمم الشيطان ومسِّه، بل مَثَلُ ابن المقفع يقيناً، وما مثَّله الله به تبيناً، ما ذكر الله جل ثناؤه، وتباركت بقدسه أسماؤه، حيث يقول: ? أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ? [الأعراف :179]. يقول الله سبحانه: ? ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعلمون ? [الأعراف :180] . ثم قال سبحانه: ? وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ? [الأعراف: 181]. فلعمر الحق وأهله، ما وُفِّقَ ابن المقفع فيه لعدله، ألم يسمع ويله، قول الله لا شريك له: ? أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون، من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون ? [الأعراف : 185- 186]. فيا ويل ابن المقفع لقد أدَّاه عَتَهُه وعماه في الأمور، إلى أجهل الجهل فيما وصف من الظلمة والنور، وليس عِلَّتُه فيما أحسب من ضلاله، ولا علة من تبعه عليه من جُهاله، إلا قلة علمهم بما شرع الله به دينه ونزل به كتابه من الحكمة، لاعن شبهة دخلت عليه ولا عليهم فيما وصفوا من النور والظلمة، فلما - عموا عن حكمالله في ذلك ورسله، وما حكم به فيه سبحانه من أحكام عدله، ورأوا فيه ما ظنوه تناقضاً، ورأوا كل أهل ادعائه فيه متباغضاً، ولم يلجأوا إلى الله في جهله باستسلام، ولا عصمهم فيه من صالحِ عملٍ بعروةٍ اعتصام، ولم يَلقَوا - فيما اشتبه منه - مَن جعلهم الله معدنه، فيكشفوا لهم الأغطية عن محكم نوره، ويظهروا لهم الأخفية من مشتبه أموره، الذين جعلهم الله الأمناء عليها، ومَنَّ عليهم بأن جعلهم الأئمة فيها، ولم يجدوا عند علماء هذه العامة فيما اشتبه عليهم منه شفاء، ولم يرجوا منهم في مسألة لو كانت لهم عنه اكتفاء - ازدادوا بذلك إلى حيرتهم فيه حيرة، ولم تُفِدْهم أقوالُ العلماء فيه بصيرة، حتى بلغني

(1/146)


والله المستعان - من تهافت الضعفاء في هذا المذهب العمي، لِمَا رأوا من جهل علماء هذه العامة بما فيه لأهله من الدعاوي ما دعاني إلى وضع أقواله، والكشف عما كشف الله عنه من ضلاله، وإن كان عندنا قديماً لحمقه وضعفه، لمما لا أحسب بأحد حاجة إلى كشفه، حتى بلغني عن الحمقى منه انتشار، وتتابعت بانتشاره عليَّ أخبار، ورُفعت إلينا منه مسائل عن ابن المقفع، لم آمن أن يكون بمثلها اختدع في مذهبه كل مختدع، فرأيت من الحق علينا جوابها، وقطع ما وصل به من باطله أسبابها، فلينصف فيها، من نظر إليها، وليحكم - فيما يسمع منها نقائضها - حكمَ الحق، فإنه أعدل الحكم وأرضاه عند من يعقل من الخلق، وما ألَّف من مسائله هذه وجمع، فهو ما أوقعه من الضلال بحيث وقع، فذكر فيها النور والظلمة تلعباً، وتلعَّب بذكرهما فيهما كذباً.
فافهموا عنا جواب مسائله، فإن فيه إن شاء الله قطع حبائله، التي لا تصيد صوائدها، ولا تكيد له كوائدها، إلا حمقان الرجال، وموقان الأنذال، كان أول ما بدأ منها، وقال به متحكما عنها: إن سألناك يا هذا فما أنت قائل: أتقول كان الله وحده ولم يكن شيء غيره.
فاعرفوا يا هؤلاء فضول قوله، فإنَّلم يكن شيء غيره هو من فضوله، التي كثرَّ بها كتابه، وضلَّل بها أصحابه، ومسألته هذا مما كان جوابه فيه قديماً، مِن كل من أثبت لله من خلقه توحيداً وتعظيماً، وفي ذلك مِن كُتب ضعفة الموحدين وعلمائهم، ما فيه اكتفاء لمن نظر في آرائهم، ففي كتبهم فانظروا، ومن نور قولهم فيه فاستنيروا، ففيها لعمري منه ما كفى، وصفوة هدى لمن اصطفى، ومع ذلك فسنجيب مسألته، ونقطع إن شاء الله علته .

(1/147)


نعم وكذلك يقول في الله فليعقل قولنا فيه مَن سمعه، ممن لم يتبع ابن المقفع وممن تبعه، فقد يعلم كل أحد أن الواحد لا يكون واحداً، عند من أثبت له نداً وضداً، وأنه متى كان معه غيره، ضده كان ذلك أو نظيره، زال أن يكون معنى الواحد المعلوم ثابتاً، ويعلم كل أحد أنه لا يكون ذو الأجزاء إلا أشتاتاً، ولا تكون أبداً الأشتات إلا كثيراً، ولا تكون أجزاءٌ إلا كان بعضها لبعض نظيرا.
أو ليس معلوماً معروفا أن من وراء كل غاية غاية، حتى ينتهي المنتهي الذي ليس من ورائه غاية ولا نهاية، وأنه إن كان مع غاية غاية، أو بعد نهاية عند أحد نهاية، فلم تَصِر بعدُ إلى غاية الغايات، ولم ينته عقله إلى نهاية النهايات، وأنه يصير بالعظمة عند النظر من عظيم إلى عظيم، حتى يَقِفَه النظر على غاية ليس وراءها مزيد في تعظيم.
وكذلك الأمر في كل معلوم أو مجهول، حتى ينتهي إلى الله الذي لا يُدرك إلا بالعقول، فيجده كل عقل سليم، وفكرُ قلب حكيم، واحداً لا اثنين، وشيئاً لا شيئين، عظيم ليس من ورائه عظيم، وعليم ليس فوقه عليم، ذلك الله الرحمن الرحيم، الواحد الأول القديم، القدوس الملك الحكيم، الذي لا تناويه الأعداء بمقاتلة، ولا تكافيه الأشياء بمماثلة، وهو الله الذي لم يلد ولم يولد، والصمد الذي ليس من ورائه مبتغى يُصمد، غاية طلب الخيرات، ونهاية النهايات، وإذا صحح حجتَنا في هذا صوابُنا، فهو لمن سأل عن وحدانية الله جوابنا.
فأما ما ذكر بعد هذا من القيل، فحشو مسربل بهذيان الفضول، ليس له مرجوع نفع، ولا يحتاج له إلى دفع.
أرأيتم حين يقول: انقلب عليه خلقه الذين - زعم - هم عمل يديه، ودعاء كلمته، ونفخة روحه، فعادوه، وسبوه وآسفوه، وأنشأ تعالى يقاتل بعضهم في الأرض، ويحترس من بعضهم في السماء بمقاذفة النجوم، ويبعث لمقاتلتهم ملائكته وجنوده.

(1/148)


فيا ويل ابن المقفع ما أكذب قيله! وأضل عن سبيل الحق سبيله!! متى قيل له - ويله - ما قال ؟! أو زُعم له أن الأمر في الله كذا كان ؟! ومتى – ويله – قلنا له أن من قُوتل هو من قُذف بالقذف ؟! وأن الله في نفسه هو المحترس أفٍ لقوله ثم أف!! بل الله هو المانع لأعدائه، من أن يصلوا من العلو إلى مقر أوليائه، تعريفاً - بعدل حُكمه، وفيما تعلم الملائكة من علمه - بين الشياطين العصاة، وبين الملائكة المصطفاة، ورحمة منه سبحانه للآدميين، وإقصآءً عن علم السماء للشياطين، توكيداً به لحجته سبحانه وإحداثاً، وإحياء به لموتى الجهالة وانبعاثاً، وإكراماً منه بذلك لنبيه، وصيانة منه لوحيه.
فمن أين – يا ويله – أنكر من هذا ما كان مستباناً ؟! وما يراه الناس في كل حال عياناً ؟! أو يقول إن ما يرى من هذا لم يزل، وأنه ليس بحادث كان بعد أن لم يكن، فأين كانت مردة قريش عن الرسول به ؟! ودلالتها للعرب فيه على كذبه، وهو يزعم لها أن ما رمي بها عند بعثته، وأن الرمي بها عَلَمٌ من أعلام نبوءته، فلو كانت عند قريش - على ما قال - حالها، لكثرت على الرسول فيه أقوالها، ولما أرادوا مِن شاهدٍ أكبرَ بياناً من هذا في إكذابه، ولكن ابن المقفع يأبى في هذا وغيره إلا ما ألِفَ من ألغابه.

(1/149)


لَلعْربُ إذ أكثرها أهل ضواحي وبادية، وقريش فإذ كانت منازلها على جبال عالية، أحدث بالنجوم عهدا، وأشد في الكفر تمرداً، من أن يكون أمرها على خلاف ما قال الرسول فيها، ثم لا يكذبونه فيما زعم من اختلاف حاليها، وإلا فالرسول كان في حكمته، وفيما كان له عليه السلام من فضيلة الصدق عند عشيرته، يتقول مثل هذا لعباً، أو يفتريه عندهم كذباً، بل ليت شعري ما أنكر ؟! ولِمَ - وَيله - نَفَرَ فاستكبر، من أن ترجم الشياطين على علم وحي الله ومنزله، كي لا تسبق به الشياطين إلى أوليائها قبل رسله، فينتشر علمه قبلها في الناس انتشاراً، فيزداد مثله يومئذٍ له إنكاراً، ويُحكم له فيه ظنونه، ويزيد فتنة به مفتونه، فأيما من هذا أنكر في رحمة الله الرحيم، وفيما خص الله به رسله من التكريم .
فإن قال فما باله إذا أراد إنزاله ؟! لم يطوه حتى لا يناله، شيطان رجيم مريد، ولا مطيع رشيد، إلا رسوله من بين خلقه وحده، فيكون هو الذي يبث رشده ؟!

(1/150)


فلْيعلم أنه لم يصل إلى الأرض من الله حكمة في تنزيل، إلا كانت ملائكة الله أولى فيها بالتفضيل، لأنها صلوات الله عليها أطوع المطيعين وأعلمهم عن الله بحكم التنزيل، وأنها في ذلك متعبِدة، وبه لله عز وجل مُمجِِّدة، وإنما تعبدها الله سبحانه بالعلم، وفضلها في العبادة للحكم، والتنزيل بعلم العلوم، وبحكمة كل محكوم، وجِبِلَّةُ الجن جبلة، للسمو إلى السماء محتملة، والجن فهم بفضل أهل السماء عالمون، وإلى علم ما عندهم من العلوم متطلعون، فإذا دارت في الملائكة حكمةُ وحيٍ نُزِّل فيها، أو عدلُ حكمٍ حُكم به في الأمور عليها، استرقت منه الجن ما سمعت في مشاهدها، وما ذَكَرَتْ أنه لها هناك من مقاعدها. ألم تسمع قولها في ذلك، وخبرها عن مقاعدها هنالك، ? وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهبا، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصدا، وأنا لا ندري أشرٌ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ? [الجن: 8- 10].
وهذا يا هؤلاء فإنما كان منها، ونبأ الله به فيما أدى عنها، بعد أن قالت : ? إنا سمعناَ - في الأرضَ - قرآناً عجبا ? [الجن:1]، ألا تسمعها تقول بعدُ: ? وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهبا ?.

(1/151)


وما ابن المقفع بمأمون، من أن يظن أن الحرس شرطيون، لما بلونا من جهله باللسان، وقلة علمه بمخارج القرآن. وإنما الحرس مَثَلٌ على معنى الحفظ لها، بما جعل من الرجم دونها، فازدادت الجن بما وجدت هنالك، يقينا وإيمانا بذلك. فما ينكر من القذف بالشهب، وغيره ما فيه من التعجب ؟! هل ذلك ممن يقدر عليه، إلا كغيره مما هو فيه، وقد زيد به في هذا مَن مِن الجن اهتدى، وتجنب طرق الضلالة والردى، وكان فيه منع لتوكيد كذب الشياطين، ودفعٌ عن الرسول لتصديق أقوال المكذبين، والله يقول لرسوله، صلى الله عليه وعلى آله، في السورة نفسها، ومع ذكر الشياطين وحرسها، ? قل إن أدري أ قريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا، عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا، إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ? [الجن: 25- 28].
وأما قوله في القتال: وأنزل ملائكته فإذا غَلَبُوا عدوا قال: أنا غلبته، أو غُلب له وليٌّ، قال: أنا ابتليته.
فما أنكر ويله من أنا غلبته ؟! وقد قاتلت معه ملائكته، وقد قذف بالرعب في قلوبهم، وبث الرعب في مرعوبهم، وما ينكر مِن قتلهم - ويله - بالملائكة، وهل ذلك بهم إلا كغيره من كل هلكة، إلا أن ملائكة الله في ذلك متعبدة مثابة، وأنه منه جل ثناؤه بالملائكة لأعدائه معاقَبَة، وأنه لأوليائه عزٌ ونصر، ولأعدائه ذلٌ وكَسرٌ.
فإن قال:ألآ قتلهم بما هو أوحى !واجتاحهم بغير القتل اجتياحاً !!
فهذا إن دخل علينا له دَخْلٌ في الملائكة، دخل في غيره من كل هلكة، يقال في كل واحده بعينها، ألآ كان الأمر بغيرها ! وكل ما كان به كائن الهلكة، فهو أمره بالملائكة أو غير الملائكة.

(1/152)


فإن قال: ألآ خلق الناس أبراراً ! ومنعهم أن يكونوا أشراراً ! فمسألةُ من سأل عن هذا محال، وليس لأحد علينا في هذا مقال، لأنه إنما يكون البِرُّ بِرًّا، ما فعله فاعله متخيراً، فأما ما جُبِر عليه صاحبه جبراً، فلا يكون منه خيراً ولا شراً.
وفيما قال:أن يكون الانسان إنساناً لا إنساناً، والاحسان إحساناً لا إحساناً، لأن الانسان لا يكون إنسان إلا وهو مُمَلَّك مختار، والاحسان لا يكون إحساناً إلا ولم يحمل عليه اضطرار.
وأما قوله (في ظفر أعدائه، في بعض الحالات على أوليائه)، فليس ويله بموجود من قولنا صحيح، يعلمه كل أعجمي منا أو فصيح، أن أوليائه لم تَغلِب إلا بنصره، ولم تُغلَب إلا بمخالفتهم أو بعضهم لأمره، والدليل على ذلك أنه لما أمسك عنهم نصره لِماَ كان من عصيانهم، كان ذلك هو بعينه سبب خذلانهم، وأنه مِن فقدِ سبب، ما به الغلبةُ غُلِب، وأنه غير مستنكر ذلك من فعال حكيم يملكه، أن يعصيه من أعطاه إياه فيمسكه، فيفقد فيه مِن نصرِه ما كان يجد، ويتغير الأمر به إذا عصى عما كان يعهد، فمتى نَصرَ الله له ولياً فبرحمته، أو تركه من النصر فبضرب من معصيته، وهذا من الأمر فلا يزول به عن قديرٍ قُدرة، ولا تفسد معه لحكيم حكمة، بل الحكمة معه قائمة موجودة، والأفعال فيه منه عدلٌ محمودة . ألم تسمع حكيم الحكماء، وأقدر قادري العظماء، يقول في هذا من نصره وخذله، وقدرته سبحانه وعدله، ? إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ? [آل عمران: 160] .
يخبر عن أنه متى حبس عنهم نصره، حل مع حبسه خذلُه، فمن لم يخذله سبحانه فأولئك هم المنصورون، ومن خذله فلم ينصره فأولئك هم المبتلون، فما في هذا مما ينكره عقل، أو يفسد فيه من الله فِعلٌ، سبحان الله ما أحق في من جهل هذا شبه البهائم ! التي مثَّلها جل ثناؤه بأهل الجرائم .

(1/153)


وأما قوله: ? وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ? [الأنفال:17]، فهي فيما أرى والله أعلم، مما قد يجوز في اللسان ويُعلم، أنك لم ترم بالرعب في قلوبهم إذ رميت، ولكني أنا الذي به في قلوبهم رميت، وبالرعب الذي قذفه الله في قلوبهم انهزموا، لا بالرمي بالبطحاء إذ رُموا.
ومثل ذلك من الله لا شريك له قوله: ? وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم فريقاً تقتلون وتأسرون فريقا، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطئوها، وكان الله على كل شيء قديرا ? [الأحزاب: 26 – 28]. فما ينكر من القدير على الأشياء، أن يفعل ما يقدر عليه من الرِّماء، ما ينكر هذا إلا أحمق، ولا يدفع هذا من الله مُحِق، فالله على هذا وخلافه يقدر، وكذلك قدرته في أن يخذل وينصر، وما صحت في فعله لقادرٍ قدرة، فغير مستنكَر أن تكون له وحده مفتعلة، وإلا كان معنى القدرة عليه باطلاً، إذ ليس يُرى بها القادر طول الدهر فاعلاً.
فإن قال قائل : فما تقولون هل يقدر الله على أن لا يدخل المتقين الجنان ؟! ولا من كفر نعمته وأنكره وأنكر رسله النيران ؟‍‍‍‍‍ ‍‍‍!
قلنا قديماً كان ولم يدخل واحداً من الفريقين مدخله، وإنما القدرة على أن يُدخل ولا يُدخل فُقدماً فعله، فقد كانوا قديماً ولم يدخلوا، ولابد بعدُ أن يدخلوا، فقد كان المقدور عليه من لم يدخل، وسيدخل، فافهموا ما قلنا عنا، وضعوا الفهم فيه حَكَمًا بيننا .

(1/154)


وأما قوله: فقتلت أعداؤه أنبياءه ورسله. فما ينكر من قتلهم لهم قاتله الله وقتله، لو لم يُقتلوا لم يجب لهم من الكرامة عنده ما أوجبه، ولم يدركوا ثواب ما كان القتل فيه سببه، ولو كان له علينا في قتلهم مطلب لكان في موتهم، ولو دخل علينا بقتلهم وموتهم لدخل علينا في أصل الفطرة لهم، والفطرة لا يكون فيها من الحكمة ما فيها، إلا بموجود البنية التي بنيت عليها، وذلك ما قد فرغنا من الجواب فيه، ودللنا بآثار الله في الحكمة عليه، وفيما وصفنا منه، وأنبأنا به عنه، ما أوضحه، ووضح به فصحَّحَه . والحمد لله رب العالمين كثيرا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما.
وأما قوله: فأجَّل عدوه إلى يوم يبعثون. فهو وأصحابه في هذا يلعبون، ولو فسد في التأجيل طول تأخيره، لفسد في ذلك أقصر قصيره! فليت شعري وَيلَه، لِمَ تَقَابَح هذا وأنكره ؟! وهو لو لم يبقَ لم يَعص ولم يُطِع، ولو لا المعصية والطاعة لم يُخلق ولم يُصنع !
وأما قوله: وأمرض خلقه وعذبهم، بما عرض من الأسقام لهم. فلعمري لقد وَفَّاهم سبحانه طبائعهم مفصلة، وسلمها إليهم مكملة، عن هلكات العصيان، وشين معائب النقصان، فما دخلها من سقمِ بَدنٍ، أو فسادِ متديَّن، فبعد اعتدال تركيبها، عن كل نقص من معيبها، وما فسد لهم من دين بعصيان، فبعد هدىً من الله وبيان، وتخيير في الطاعة وإمكان، فما في الذي ذَكَر، وفنَّن فيه فأكثر، مما يدخل له أو لغيره علينا، أو يجد به أحد مقالَ تعنيفٍ فينا، كأن كلامه، ويله وأحكامه، كلام لم يزل يسمعه من شطار أهل السجون، أو كأنما قَبِلَ آدابه عن سفلة أهل المجون، بل كأنه مجنون مصاب، لا يحق له جزاء ولا عليه عقاب.

(1/155)


ومتى قيل له، قاتله الله وقتله، ما زعم وقال ؟! وهذى به وهذر إذ سال ؟! أنه أصمَّ خلقَه من حيث ظن، وأعماهم كما توهم، أو جبرهم على عصيانه، أو حال بين أحد وبين إيمانه، أو أنه هو أمرضهم، أو عذَّب بغير ذنب بعضهم، بل نقول هو أسمعهم بالدعاء نداه، ونوَّر أبصارهم بنور هداه. ومَن مرض منهم فمن الله يطلب شفاه، وإذا ابتلي ببلاء فهو سبحانه الذي يكشف بلاه، ألم يسمع – ويله، الله تعالى وقوله، عن أيوب نبيئه المبتلى، عليه صلوات الرب الأعلى: ? وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ? [ص: 41]، ? إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ? [الأنبياء: 83]. قال الله سبحانه: ? فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ? [الأنبياء: 84].
أو ما سمع قول إبراهيم، فيما نزل الله به من القرآن الحكيم، فيما ذكر عند الله لمرضه إذا مرض من الشفاء، وأضاف إلى نفسه من الغفلة والخطأ، إذ يقول صلى الله عليه: ? الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ? [الشعراء: 78 –82].
وأما قوله: وكل خلقه دمر تدميرا.
فلقد أنكر ويله من تدميرهم ما لم يجعله الله نكيراً .... عصيانهم لله مُستَحِق الطاعة ظلماً واعتدا، ومجانبتهم لما جعل الله لهم به النجاة والهدى، هو الذي به هلكوا ودُمِّروا، بعد أن بصَّرهم الله منجاتهم فلم يُبصروا، إلا أن يكون توهَّم أن الله هو الذي حملهم على العصيان وجبرهم، فكيف يا ويله وهو الله الذي مكنّهم فيه وخيَّرهم ؟! وما أجبر أحداً تعالى على إحسان، فكيف يجبره له على عصيان ؟! ولم يسخط ما قضى، ولا رضي إلا بما فيه الرضى، ولم يَغضَب له مِن فعال، ولم يتضآد بحال، ولم يتناول عدواً بقتال، ولم يتمثل في شيء بمثال، وإذا مرض خلقُه شفاهم، أو تعاموا عن الهدى أراهم.

(1/156)


فيا عجباً ممن جَهِلَه! وأنكر حقه وعطَّله!! لو كان الله سبحانه صاحباً لوجب حقه!! فكيف والخلق خلقه ؟! وهو خالق الخلق ومبتدعه، والمحسن إليه في كل حال ومصطنعه، ومن لم يُدبر عنه بإحسانه حتى أدبر، ولم يُغيِّر ما به من نعمه حتى كفر، كيف وهو مَن عصاه استرضاه! ومن استكبر وهو القادر عليه أملاه! ثم كَرَّرَ عليه في دعواه الهدى نِدَاه، ثم مَن قَبِلَ حظه فيه جازاه، ومن أبى عطيته من الخيرات حَرَمه، وهو الذي قبَّح من كل ظالم ظُلمَه. فيا ويل من جهل إحسانه، وركب في الكفر عصيانه، ماذا جهل من إحسان كثير لا يحصى ؟! ومن عصى إذ إياه عصى، فمن أولى منه جل ثناؤه بالعبادة والتعظيم، فيما دعا إليه من الطاعة له والتسليم، وهو الله الهادي إلى سبيل النجاة، والمنعم بنعمه التي ليست بُمحصاة .
فإن قال قائل: ومن أين تدري أن هذه نعمه ؟ وأن محدثها إحسانه وكرمه ؟!
فليعلم أن كل ما يُرى منها نِعمٌ بَيِّنٌ آثار الإنعام فيها، بحكم تُصحح أثره العقول عليها، وأنه لابد في فطرة العقول، وما فيها لها من المعقول، من أن يكون لهذه النعم مُولٍ أولاها، هو الذي فطرها وأنشاها، وأنه لا ينبغي أن يكون موليها، كَهِيَ فيما أبان من أثر الصنعة عليها، وأنه لا يوجد شيء غيرها، إلا وُجدت فيه الصنعة وتأثيرها، حتى ينتهي ذلك إلى من لا يشبهه مصنوع، ومَنْ كل الأشياء فمنه بدع مبدوع، وأنه الله الأول القديم، الملك القدوس الحكيم.

(1/157)


فإذا صح ذلك عند من يعقل بإشهاده، علم أن النجاة من الله لا تكون إلا بإرشاده، الذي نزل فيما أوحى من كتبه، ودل على النجاة فيه بسببه، فالحمد لله ولي النعمة في الأشياء، والمتولي لنجاة من نجا بهداه من الأولياء، الذي ليس له أكفاء فتساويه، ولا شركاء في الملك فتكافيه، المتبري من كل دنآة، المتعالي عن كل إسآة، رب الأنوار المتشابهة في أجزائها، وولي تدبير الظلم وإنشائها، العلي الأعلى، ذي الأمثال العلى، والأسماء الحسنى، شاهد كل نجوى، ومنتهى كل شكوى، والممهل المطيل، ومَن لا يُعدل من الأشياء كلها بعديل، فكل ذي خير محمود، أومنسوب إلى كرم أو وجود، فالله مبتدئ فَطرهِ محموده، والسابق الأول بما حُمِد من وجوده.
فأين قولنا ويله، مما ادعاه وتقوَّله ؟ سبحان الله ما أشد سفهه وجهله! لعنه الله وأضل عقله. ولو لا – أني سمعت الله لا شريك له يقول: ? أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوماً مسرفين ? [الزخرف: 5]، ويقول سبحانه: ? أولئِك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ? [الأعراف: 179]. ثم لم يترك مع ذلك تذكيرهم، وبعث مع ذلك فيهم نذيرهم، - لما رأيت لمن ذهب مذهبَه، وتَلعَّب في القول متلعَّبَه، منازعة ولا إجابة ولا تذكيرا، ولظننتهم إلا ما شاء الله له في العقول بقراً أو حميراً!!
أرأيتم حين يقول: ولا يغلب أحداً إلا بالخيل السلاح. إنه ليطمح في الخطأ –ويله- أيَّ طماح ! أترونه إنما يظن تغالب البهائم، أو غلبة الناس للإبل الجلة الصُّلادم، وارتباطهم للفيلة بالأمراس، وقرع سُوَّاسها لرؤوسها بالأجراس، إنما كان منهم بخيل أو سلاح، ويله إنه ليجمح عن الحق أيَّ جماح ! ولئِن كان يظن أن الناس أقوى من الملائكة، إن هذا في الظن لأَهلكُ الهلكة، وقد بينا في جواب ذلك لهم فيهم، ومِن غلبة الأولياء لله لعدوهم وظهورهم عليهم، بما فيه بَيان كاف، وعبرة واضحة لذي إنصاف .

(1/158)


وأما قوله: يقاتل على الملك والدنيا. فكيف - ويله - يقاتل على الملك والدنيا، وطلب العز فيها والكبرياء، من كان لباسه فيها مع وجوده لملكها الشَّعَر والوبر والعبآء والصوف، وشعاره فيها والناس شباع آمنون الجوع والظمأ والخوف، وما الملك ممن يظل نهاره وليله خاشعاً وباكياً، ويسيح على قدميه في الأرض حافيا، يدعو من هلك من أهلها إلى النجاة، وينادي من مات عن الهدى إلى الحياة، ومن هو أعز ما يكون مفارقا لأحوال ملوك الدنيا وأغنيآئها، ومَن لا يُرى متكبراً عن مساكين العامة وفقرآئها، يقف عليها، ويُرى واقفاً فيها، ويأكل معها إذا أكلت، ويجيبها إذا سألت، ويعود مرضاها إذا مرضت، ويشهد موتاها إذا ماتت.
فأين هذا كله، وفرع هذا وأصله، من أحوال الملوك التي تتكبر عن آبائها، ولا تنظر بخير إلى أبنائها، ما أشبه بعض ابن المقفع ببعض، وما أحسب له في المكابرة نظيراً من أهل الأرض .
وأما قوله قول الزور والباطل: وأخرج - زعم - سلطان الجاهل، الذي يستر عليك الجهالة، ويأمرك أن لا تبحث ولا تطلب، ويأمرك بالايمان بما لا تعرف، والتصديق بما لا تعقل، فإنك - زعم – لو أتيت السوق بدراهمك تشتري بعض السلع، فأتاك الرجل من أصحاب السلع، ودعاك إلى ما عنده، وحلف لك أنه ليس في السوق شيء أفضل مما دعاك إليه لكرهت أن تصدقه، وخفت الغبن والخديعة، ورأيت ذلك ضعفاً، وعجزا منك، حتى تختار - زعم - على بصرك، وتستعين بمن رجوت عنده معونة وبصرا.

(1/159)


[التفكير فريضة إسلامية]
فمن - ياويله - الذي يُخاطب ويَسأل ؟ ومن الذي يَخشى أن يُخدع ويجهل ؟ النور الذي لا يجهل - زعم - فيعود شراً، أم الظلمة التي لا تكون إلا خديعة ومكراً ؟‍‍‍‍! سبحان الله ما أشبه أمثاله بعقله! وما أوجد شبهه في الدناءة بفعله !! أمحمدٌ – ويله- صلوات الله عليه، كان يدعو إلى شيء مما كَذَبَ عليه فيه ؟! معاذ الله أن تكون تلك كانت قط من آدابه، ومما نُزِّل عليه في كتابه ! أهو - ويله - يحمل على خلاف ما يُعرف ؟! وإنما جاء صلى الله عليه وآله يدعو إلى المعارف، أو يأمر صلى الله عليه وآله بالكف عن الطلب والبحث، وهو الكاشف عن أسرار الغيوب لكل متبحِّث، أو هو يرضى دنآءة الخدع وقبائحها، أو يقارب الأسواء وفضائحها ؟! ولم يُقبِّح أحد من الخلق السيئات بأكثر مما قبَّح، ولم ينصح في الدلالة على الخيرات أشد مما نصح، ولم يناد بإظهار أمره أحد قط كما نادى، ولم يُدع إلى كشف الحق ما إليه دعا .
أما سمعه ويله، ما أكذب قيله! وهو يقول صلوات الله عليه ورضوانه: ? يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين ? [يونس: 104]. ويقول الله تعالى: ? قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ? [آل عمران: 64]، ويقول سبحانه: ? قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق، قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون ? [يونس: 35].

(1/160)


وإن دعوى ابن المقفع هذه فيه، لمَا لم يدِّعه قط مدِّعٍ عليه، لا ممن أجابه فاهتدى، ولا ممن صد عنه واعتدى، ولكني أحسب أن ابن المقفع هَذى، وألقى الشيطان على لسانه ما تمنى، فجعل ظنه عليه يقينا، أو كابر من وجد قوله بَيِّنا ! كيف يا ويله، قاتله الله وقتله، يكون كما افتراه، أو على شيء مما ادعاه، والله يقول سبحانه: ? قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة، إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ? [سبأ: 46]. ويقول سبحانه: ? أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون ? [الأعراف: 185]. ويقول سبحانه: ? قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ? [يونس: 101]. فهل دعا أحد إلى إخلاص الفكر دُعاه، أو حدى أحد من الناس على النظر حُداه، ما يبلغُ كذبُ ابن المقفع في الكلام، كذبَ أضغاث الأحلام، طلب - ويله - في الكتاب من التعنيف، وتكلَّف في عيبه من التكاليف، ما لم تُطِقه قبله عفاريت الشياطين، فكيف به وإنما هو مجنون من المجانين !! أما سمع قول رب العالمين: ? قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ? [الإسراء: 88]. وقوله سبحانه: ? أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ? [يونس: 38].
أما قوله: فلا نعلم دينا مذ كانت الدنيا - زعم - إلى هذا الزمان الذي حان فيه انقضاؤها، أخبث زبدة كلما مخض، وأسفه في ذلك التمخيض أهلا، والبتر أصلا، وأمرَّ ثمرا وأسوأ أثراً، على أمته، والأمم التي ظهر عليها، وأوحش سيرة، وأغفل عقلا، وأعبد للدنيا، وأتبع للشهوات من دينكم.
وقد قال: ويله في هذا من أصول ديننا وفروعه، ومُفَرَّق حكم دين الله ومجموعه، بما لا يخفى كذبه فيه، عمن حكم بأقل الحق عليه.

(1/161)


وأيُّ دين أحسن نظاماً، وأعدل أحكاماً، وأقل تناقضاً، وأرضى رضىً، من دين قامت دعائمه، واعتدلت قوائمه، على الأمر فيه بالعدل والاحسان، ونهت نواهيه عن كل فحشاء وعدوان، فلم يترك لمحسن ثواباً، ولم يضَع عن مسيء فيه عقابا، بمقادير من قسط عادلة، وموازين من عدل غير مائلة، لولاه لفسدت الأرض خرابا، وعدمت الصالحات ذهاباً.

(1/162)


[إسلام السلاطين]
ولكني أراه ظن ديننا، وتوهم أحكام ربنا، أحكام معاوية بن أبي سفيان، وما سن بعد معاوية ملوك بني مروان، مِن تناقض أحكامها، وجورها في أقسامها، وأولئك فأعداء ديننا، وحُكم أولئك فغير حكم ربنا، وحكم ديننا فالحكم الذي لم يخالطه قط جور، وأموره من الله فالأمور التي لا يشبهها أمور، ويحق بذلك أمْرٌ وَلِيهَ أحكم الحاكمين، وحكمٌ جاء من رب العالمين .
وأما قوله: رجل من أهل تهامة. فإنما هو ضرب من العجامة، وما في هذا ويله، ما أشد عتوَّه وكفره، تهامياً كان عليه السلام أوشامياً، أومغربياً كان من الناس أو مشرقياً، هل هو إلا بشر آدمي، بعثه إلى كل فصيح وأعجمي، كما قال سبحانه، أجزل الله كرامته ورضوانه: ? قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون ? [فصلت: 6]. هل هو إلا رسول الله صلى الله عليه بعثه الله إلى الانسان، وإحسان من الله وهبه الله عباده لا كالاحسان، أرسله سبحانه بهداه مبتديا، إلى أولآء الخلق بأن يكون مهتديا، إلى الملأ من عشيرته، وفي ولد إبراهيم وذريته، وإلى أبناء قحطان من خيرته، وهم الذين كانوا في كفرهم أَوفَى أهل الكفر لمن عاهدوا عهداً، وأكرمهم لمن وآدَّ وُدَّا، وأحسنهم لمن تحرَّم بهم تَحرُّما، وأحفظهم لجوار من جاورهم تكرما، وأشدهم للكذب إنكاراً، وعن كل دناءةِ خلق استكباراً، وأشدهم لله إعظاماً، ولحرم بيته إكراماً، والذين يقول عنهم، فيما ذكر عنهم، في عبادة ما كانوا يعبدون معه من الأوثان، تقرباً بعبادتهم لذلك إلى الرحمن، ? ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ? [الزمر: 3]. أما سمعت قول الله فيهم، وفيما ذكر لعباده من تمنيهم، ? وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين، لكنا عباد الله المخلصين ? [الصافات: 169]. ويقول سبحانه عنهم خاصاً دون الخلق، في تمنيهم دون أهل الأرض لدين الحق، ? وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم

(1/163)


? [فاطر: 42].
وأما قوله: عليه اللعنة في آيات المرسلين، وتمثيله لها بسحر الساحرين، فغير بدع بحمد الله منه وقَبْلَه، ما قال إخوانه من الكافرين فيها قوله، أما سمعتم قول فرعون وملائه، عندما رأوا من نور الحق وضيائه، ? إن هذان لساحران ? [طه: 63] فبينا هو يقول أيها الساحر إذ قال إنك لمسحور، وبينا قريش تقول لمحمد صلى الله عليه ما هذا إلا سحر إذ قالوا إنك لمجنون، ولعمري لو كان موسى ومحمد صلى الله عليهما ساحرين عندهم وفيهم، لكان ذلك بَيِّناً جلياً لديهم لا يخفى منه شيء عليهم، كما كان يتبين لهم سحر السحرة والكهان، يوقنونه منهم بحقيقة الايقان، ولا يَدَّعون سحرهم جنونا، ولا ساحرهم مسحورا، غلطا وعتهاً، وعماية وعمهاً .
هذا ليعلم أن قولهم فيه لم يكن إلا كذباً وافتراء، وأن السحر لم يكن عندهم ما يشك فيه ولا يمترى.
كيف ويله وويل أسلافه، ومن تبعه بعده من أخلافهم وأخلافه، يسمى سحراً أو جنونا ؟ ما يملأ بطوناً وعيوناَ! وترى آثاره اليوم إلى الدهر الأطول دائمة، ومواقعه في بطون الآكلين والشاربين من الظمأ والجوع باقية، ما هذه بطريقة السحر المعروف، ولا يعرف السحر بوصف من هذه الو صوف، إلا أن يكون في مُومِهِ وعماه، وشدة تباعده عن هداه، يبصر اليوم من السحر ما لم يكونوا يبصرون، أو يُظهر السحرة اليوم له منهم ما لم يكونوا يومئذ يُظهرون، والسحر يومئذٍ فيهم ظاهر منشور، وصاحبهم إذ ذاك عندهم مكرَّم محبور، ومن أظهر اليوم السحر، لم يكن له عند الأمة عقوبة إلا القتل، ما أوضح الأمور، وأبين الساحر والمسحور، وليس في هذا شغل، لأحد ممن يعقل، مع أنك لم تر قط أحداً يسحر، إلا وهو يعبث في سحره ويسخر، ولم تره وإن سحر إلا مسترذلاً، وسفلة دَنِيًّا نذلاً .

(1/164)


وأما قوله: نافر الله الإنسان فقال :? فليدع ناديه، سندع الزبانية ? [العلق: 18]. ثم افتخر بغلبته - زعم - لقرية أو لأمة أهلكها من الأمم الخالية. فما في هذا ويله مِن نَافَرَ وافتخر، لا ولكنه أَوعَدَ وحذَّر، بما فيه لمن عقل مزدجر، وعبرة كافيه ومدَّ كر، وهذه من لفظاته الأولى، وشبيهتهن في الدناءة والعمى، فيا ويله ما أغلب عليه قول السفال والبهتان، وأجهله بما يدور بين أهله من هذا اللسان، الذي لا يصاب إلا به تأويل القرآن، ولا يتبين بغيره من الألسن ما يتبين به من البيان، فليُقبِل من أراده قبل تعلُّمِه، ولا يحكم على القرآن بوهمه، فإن ابن المقفع إنما استعار أحرفه، فأما معناها فجَهِلَه وحرَّفه، يسمع منا في ذكر الله لفظاً، فوعاه كما سمع حفظاً، ثم ثبَّته إلى نوره وضلالته كذباً، فأنشأ يمدح به غير الممدوح تلعباً، والمعاني منه فأعجمية، والأسماء التي سمى فعربية.
وأما قوله: انقلب وأنشأ. فكلمتان ليس لهما في الله معنى، لقبح مخرجهما، وضلال منهجهما، عن كلام أهل القَدْرِ والنُّهى، وإنما قَبِلهما من الناس عنالطبقة السفلى!
ومن قال له ياويله انقلب عليه خلقه ؟! وأنه أنشأ سبحانه يقاتله ويغالبه ؟! هذا ويله فما لم يقل به في الله قط، منذ كانت الدنيا مُقتصِد ولا مُفرِط.
وأما قوله: عمل يديه، ودعاء كلمته، ونفخة روحه. فكله منه على ما توهمه زور وبهتان، وأكثر قوله فيه هذر وهذيان، وليس فيما فَنَّنَ في هذا من قوله، لا في قصره ولا في طوله، أكثر من أن الله أحدث صنعاً، وأبدع لا شريك له بدعاً.
فإن قال قائل ولِمَ أوجد صنعه ؟! وما العلة التي لها أبدع بدعه ؟! فهي الاختيار فيما أنشأ، وإظهار حكمته فيما أبدى، جوداً منه وكرماً لا يَشَوبُه حسد، ولا يجب به إلا له فيه حمد، وكفى بهذه لصنعه علة، وفيما سأل عنه جواباً ومسألة.

(1/165)


فإن سأل سائل، أو قال قائل، فما باله إذا كان الجود عندكم من علة صنعه وبِرْيَتِه، والجود فلم يزل عندكم من ذاته، لم يحدث الصنع قبل إحداثه ؟! فهذا ضَرْبٌ من غلط السؤال وأعياثه! إذ كان الصنع كيف ما كان حدثاً، وكان الله له في ذلك مُحدِثاً، فهذا جوابنا له فيما سَالَ، إذ كان في مسألته قد أحال. والحمد لله رب العالمين، وأول من أنعم من المنعمين.
وأما قوله: فصارت الغلبة للشيطان بأن تبعه الخلائق على ضلالته إلا أقلهم.
فيا ويله ما في هذا من غلبته، بل هَبْهم تبعوه على ضلالته، فإنما بأهوائهم، وأطاعوه لعدائهم، لاعن غلبة منه لهم، فوالله ما غلبهم، فكيف يغلب خالقه وخالقهم ؟!، ومتى غالب اللهُ الشيطانَ فغَلب أو غُلب ؟! يأبى ابن المقفع - ويله - إلا اللعب، لئن كان الشيطان غلب الله بكثرة أتباعه، لقد غلب الشرُ نورَه بكثرة أشياعه!. ويله إنما يتبع الشيطانَ مَن أطاع هواه، وعمي عن الله مثل عماه، وسبلُه إلى الله لو أرادها ذُللٌ، وطريقُ نجاته بالحق له مُسهَّل، ولم يعص من عصى غلبةً ولا قهرا، ولم تطع نفس على طاعتها جبراً، إنما خُلِقَ الثقلان، مُخَيَّرين بين الطاعة والعصيان، لتكون الطاعة بالاختيار إحسانا، والمعصية للانسان عصيانا.
وأما قوله عليه اللعنة: أدخلوا عليه الأسف والحسرة والغيظ.
فَكَذبَ عدو الله لا يقال لله تحسُّر ولا غيظ، ولكن يقال لهم آسفوا، إذا عصوا الله فأسرفوا، ولا يقال تحسر الله ولا اغتاظ، وليس سبحانه مما يغاظ، يأبى ابن المقفع إلا عجمة اللسان، ومظلمة كذب البهتان، متى وجد الله سبحانه عما يقول، زعم مما لا تقبله العقول، أظنه ذهبت به ذواهب استعجام الحيرة، فيما ذكر عن الله سبحانه من الغيظ والحسرة، إلى قول الله سبحانه: ? يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ? [يس: 30]، فهذه إنما هي حسرة على العباد لا عليه، وتحسُّر فيهم على الهدى لا فيه.

(1/166)


وأما قوله سبحانه: ? فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ? [الحج: 15]. وهذا أيضاً فإنما كان لماهو لهم من أمر الله مغيظ. يقول سبحانه أما من امرؤ غاظه، فليس يذهبه اغتياظه، وأما ? آسفونا ?. فهو أفرطوا في عصياننا، فوجب عليهم بذلك تعجيل انتقامنا، لا على ما توهم من حرقة الأسف، التي لا تحل إلا بكل مستضعف، ولقد كان له في هذا بيان واضح لو تبيَّن، ويقينُ علمٍ صادق لو تيقَّن، لقول الله جل ثناؤه، وتباركت بقدسه أسماؤه، :? ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ? [الشورى: 11]. وأن الذي توهم لتمثيل هو التمثيل، فسبحان من لا تصل إليه الآلام، ولا يعرض له نوم ولا نسيان، ومن ليس كمثل ما خلق من الإنسان، ذلك الله رب الأرباب، وَوَلِيُّ مجازاة العدل في الثواب والعقاب.
وأما قوله: فجعل الله السبيل سبيلين.
فوا عجباً لمِحَالِ قولهِ في هذا التكثير والتفنين! وكيف - ويله - يكون سبيلان سبيلا ؟! ما أحسب كلامه بهذا ومثله إلا خبلا وتضليلا!! فسبيلٌ - زعم - للطاغوت وحزبه، وسبيلٌ تفرد الله به، وإنما يكون سبيلهم لهم سبيلا غيا، إذاكان كل أحد سواهم منه بَرِيَّا، وإنما يكون السبيل لله سبحانه سبيلاً، إذا كان إليه داعيا وعليه دليلا، فهذا - ويله - وجه السبيلين، لا ما قال به من مَحال الشيئين.

(1/167)


وقال: هل تعلم يا هذا لِمَ خلق الخلق ؟! فنعم نعلم، إذ علَّم وفهَّم، ومن ما نزَّل من ذلك وبيَّن، أما الجن والإنس فَلِمَا قال تعالى من عبادته، إذ العبادة له واجبة على أهل النعمة في محمدته، وأما ماسوى الثقلين فلهما خلقه، وبه استحق عليهما من الشكر ما استحقه، فذلك قوله جل ثناؤه، وتباركت بقدسه أسماؤه: ? وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ? [الذاريات: 56- 58]. ومن ذلك قوله سبحانه: ? وسخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً ? [الجاثية: 12- 13]. فسبحان الله مستحق الرضى، ممن أطاع أو عصى، بأحق حقائق الاستحقاق، وما يحق للخالق الرزاق .
فأما قوله: فما أراد بخلقه الخيرَ أم الشرَ ؟!
فالخير أراد بهم جميعاً سبحانه معجلاً، وثواب المحسن منهم أراد جل ثناؤه مؤجلاً، فأراد سبحانه الخير في كلهم إرادة تعجيل، أتمها فأكملها أفضل تكميل، لا كما يريد من لم تتم إرادته، ولا تحق على غيره عبادته، وأما إرادته في التأجيل، فإرادةٌ خلافها يستحيل، إذ لا يكون بُنية أهل الدين، إلا بُنية تمليك وتمكين، وأنه متى كان غير ذلك لم تكن البنية بمحكمة، ولم يُر فيها ما يرى من آثار الحكمة، وكانت مواتا لا تفعل، وشيئا من الأشياء لا يعقل، فليعقل –ويله- أسباب حِكَم الله المترافدة، وليعلم تعالِي الله عن بنية أعيان الأشياء المتضآدة، التي لا تقوم بحال في وَهْم الأصحاء، ولا توجد بفهم في جُهلاء ولا علماء.
وأما قوله لعنه الله: إن ربهم على كرسيه قاعد، وإنه تدلى فكان قاب قوسين أو أدنى.

(1/168)


فيَالَ عباد الله من أعطاه، قاتله الله ما أعظم فِراه، أنه جلس فقعد، أو تدلى أو صعد، من حيث ظن، أو توهم، وما يبالي ما قال علينا كذبا، وادعاه من القول فينا تلعباً، إن الذي قال من قعد وتدلى وانقلب، وجزع وافتخر وأنشأ و غلب، فأكثر فيه من هذا القول علينا كذباً وقرفا وخَلْفا، لَشيءٌ ما علمتُ أن مِلِّيا ولا ذِمِّيا يعقل ما قال منه قط حرفا، وبلى، ولعله وعسى، أن يكون ظن قوله: ? استوى ?، فلا لم يعن الله بها ما عنى، وما لله سبحانه من ذلك، لو عنى به ما ظن هنالك، من المدح المعظم، والتعظيم المكرَّم.
أما علم إنما يُراد بالاستواء، الاجلال لله والاعلاء بملكه لما فوق السموات العلى، وأنَّ استواءه على ذلك كاستوائه على الأرض السفلى، وأن استوى في هذا كلمةٌ من الكلام، جائز معناها بين الخوآص والعوآم، تقول العرب إذا ظَفِرتْ بأحد، وغَلبتْ على بلد: لقد صرتُ إليها، واستويت عليها، تريد غلب سلطاني فيها، فهذا وجه قوله جل ثناؤه: ?استوى ? [الأعراف: 54]. لاما يذهب إليه فيه من العمى.
وأما ما جهل من قول الله تبارك وتعالى: ? ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ? [الحاقة: 17]، فقد يمكن أن يكون ثمانية أصناف، أو ثمانية آلاف، أو ثمانية معانٍ، ليس مما يُدرك بعيان، وأن لا يكون كما ظنوا ملائكة، وأن أقل ما في ذلك إذلم يأتهم فيه عن الله فيه بيان أن تكون قلوبهم فيه ممترية شآكة، لأن ذلك قد يخرج في اللسان، ويتوجه في فهمِ أهله بإمكان، وإن في ذلك لعِلَماً عند أهله مخزوناً، وإن فيه لله لغيباً مكنوناً، يدل على عجائب خفيَّة، ويتجلى إذا كشف عنه تجلية مضية، وليس معنى: ? فوقهم ? ما يذهب إليه الجهلة من الرقاب، ولا ما يتوهمون فيه من تشبيه رب الأرباب. والثمانية فقد يمكن فيها، غير ما قال به الجهلة عليها.

(1/169)


وأما قول الله لا شريك له:? وترى الملائكة حآفين من حول العرش ? [الزمر: 75]. فقد يحتمل حآفين، أن يكون مكبِّرين مُجلِّين. ويحتمل أن يكونوا بأمره عاملين؛ لأن الاحفاف قد يحتمل ذلك في لسان العرب أبْينَ الاحتمال، لأنهم يقولون إن قوم فلان لمحفون به في الاجلال.
فإن قال قائل: فما وجه قوله، فيما ذكر من إحفافهم به من حوله ؟ فقد يكونون حآفين وإن كانوا من تحته كما يقال: إنهم بفلان لحآفون، وإن كان من عِلا لِي منازله بحيث لا يبصرون، ذلك كقوله سبحانه فيما أرى، لاما توهم في حَمَل وأحَفَّ واستوى: ? وانشقت السماء فهي يؤمئذٍ واهية، والملك على أرجائها ? [الحآقة:16]. فإذا انشقت السماء للفناء والبِلاء، تحوَّزت الملائكة لِشَقِّها إلى الأرجاء، وهي النواحي، وصارت حينئذٍحآفة حول العرش الباقي، والعرش فإنما هو السقف الأعلى، والأسفلُ ففناؤه قبل فناء الأعلى، فليعقِل هذا مِن المعنى، مَن أراد حقيقة ما عنى، ولْيعلم أن سقف أعلى ما فيه الملائكة من السماوات، غير مسكون بشيء من البريات.
فإن قال قائل: أفيكون، مكان غير مسكون ؟! قيل: نعم سقف ما تناهى من بناء السماوات العلى، لأنه لا يكون سفل أبداً إلا بأعلى، فأما أن العرش هو السقف فموجود في اللسان، كثير ما يُتكلم به بين العرب والعجمان.
وقد يمكن أن يكون معنى: ? الذين يحملونه ?، إنما يراد به الذين يلونه، إذ ليس بينهم وبينه شَي، فتعالى الملك العلي.
وقد تقول العرب في المنزل تَنزِلُه، أوفي الأمر تَحِملُه: إنه ليحملنا إذا كان عليهم واسعاً، وبمرافقه لهم مُمِّتعا، وليس يريدون حمله لهم بيد ولا عنق، أفما في اختلاف هذا ما وقَّف عن تشبيه الخالق بالخلق ؟!!

(1/170)


فأما الخداع والمكر والكيد، لمن كان يمكر ويخدع ويكيد، فقد نقوله عنه، ونصفه سبحانه منه، لأنه خير الماكرين، وذو الكيد المتين، وخادعُ مَن خادعه من الكافرين، وكل ذلك منه فليس كفعال الخاسرين. والمكر والخدع والكيد، فإنما هو إخفاءُ ما يريد من ذلك المريد، وما عند الله مما يريد بأعدائه، فأخفى ما يُحتال في إخفائه .
وأما حربه فإنما هو حرب أوليائه عن أمره، هذا وجه ما ذكر سبحانه من حربه وكيده ومكره، الصحيح معناه، لاما شدَّ به ابن المقفع جهله وكفره وعماه.
وأما ما سمعه من الله سبحانه إذ يقول: ? وقد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر علهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ? [النحل: 26]. أََ فَتَرَى أن أحداً يعقل أو لا يعقل يتوهم أن هنالك سقفَ بناءٍ مسقوف، أو أنَّ ? فخر عليهم ?. إنما هو تمثيلُ ما يعرف من سقوط السقوف، ما يتوهم هذا أحد، ولا يضل فيه من ذي لب قصد، وهو أيضاً وتوجُّهه من تنزيل الله في كتابه، بهذه الوجوه كلها في فهمه وإعرابه، يدل على غير ما توهم فيما ذكر كله، إلا أن يأبى ذلك مكابرة لعقله.

(1/171)


وقوله في الكيد استدرجهم سبحانه من حيث لا يعلمون، وقوله في المنافقين: ? يخادعون الله وهو خادعهم ? [النساء: 124]. وقوله سبحانه في الإستهزاء: ? الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ? [البقرة: 15]، فإنما يريد تَرْكَه لهم وتأخيرَه إياهم وهم عاصون، لاما ظنه ابن المقفع بالله كذبا، ولا استهزاء يكون من الله لعبا، كقول قوم موسى إذ قال لهم، صلى الله عليه وسلم: ? إن الله يأمركم أن تذبحوَا بقرة، قالوا أتتخذنا هزؤا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ? [البقرة: 67]. فهذا الاستهزاء إذا كان كذبا، وقول الخادع فإذا كان لعباً، فإلى المخلوق يضاف وينسب، لا أنه هو الذي يلهو ويلعب، فهذا وجه الاستهزاء منه والخداع والمكر، لاما يذهب إليه كلُ عَمِيٍّ ضيق العلم والصدر. وإذا قيل له سبحانه يرضى أو يحب، أو يأسف أو يسخط أو يغضب، فإنما ذلك إخبار عن أقدار الطاعة والعصيان، وجزاء الإساءة عنده والاحسان، لا يُتوهم مع ذلك ضمير مسكون، ولا حركة منه في رضى ولا سخط ولا سكون، وكيف يكون عندنا غير هذا وهو عندنا - ويله - ? الله لا إله إلا هو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ? [الشورى: 11]. ? الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ? [الحشر: 24].
وأما قوله: فما باله جزع في غير كنهه من عمل يديه.
فهي أخوات قوله: انقلب وافتخر وانشأ التي لا تخرج إلا من بين جنبيه، ومتى زعم - ويله - أنا أخبرناه أنه جزع، أو سخط أو كره أو عاب شيئا مما صنع ؟!
وأما قوله: ابتدع الأشياء مما كان هاذيا فيه.
وهذا من قوله في الأشياء، فقول فاسد ليس يقرأ، إلا أنا أدَّيناه عنه لحفظه، وكرهنا تبديله إذ حكيناه عن لفظه.

(1/172)


ثم قال عذبه الله، وأدام العذاب عليه: وتجاوز رضاه إلى سخطه، ومحآبَّه إلى مكارهه، والخيرَ لعباده إلى الشر لهم، والرحمةَ لهم إلى العذاب عليهم، ثم افتخر -زعم - وامتدح بأنه غلبهم وقهرهم وإنما هم لاشيء ومن لاشيء.
افهموا قوله: وإنما هم لاشيء. فكيف – ويله - يكون هم لا هم، وشيء لاشيء، متى يبلغ مثل هذا هذيان المجانين ؟ ولا جنون أقوال الهاذين .
فأما قوله: إذا غلبهم افتخر وامتدح.
فهما من أخوات انقلب، وهو فيهما يلعب كما كان يلعب .
ثم عمد إلى سر أسرار الفرقان، وأعجب عجيب سر القرآن، من الرآئيات والحواميم، وما ذكر فيه من (ق) و(آلم) و(طسم)، فَعَدَّ علمها جهلا، وظن مصونَ عجيبها مبتذلا، وأراد – ويله - عِلْمَ سرِ أنبائها، وما طواه الله إلا عن الأصفياء في إيحائها. وكلا لم يجعله لعلمها أهلا، ولم يجعل قلبه العَميَّ لها محلا، بل أخفاه الله وزمَّله، ولم يعطه إلا أهله، فإن كان علمه يُصيِّر المعلوم مجهولاً، فقد يوجد كثير مما هو عنده عِلمٌ مجهولاً، وليس مَن جَهِل لذي فضلٍ فضيلته، ولا مَن رأى أمراً فلم يدر علته، يسلب ذا فضلٍ فضله، ولا يزيل عن ذي عللٍ علله، وقد يرى – ويله - هو آلات الصناعات، وأشياء كثيرة من أنحاء الأمتعات، فلا يدري لِمَ ذلك وأهله به دارون، ولا يشعر بما فيه من المنافع وهم يشعرون.

(1/173)


فأين – ويله – كان من إحضار هذا وَهمَه، أَوَلاَ – ويله – حكم بما رأى من هذا وأشباهه حكمَه، ولكنه يأبى إلا تحكيم العمى، والاعتداء والمكابرة في العلم للعلماء، وإلا فَلِم لم يفكر، إن كان ذا فطنة وينظر، إن كان من أهل النظر فيما يستدل به أهل الكتاب والعرب، من هذه الأحرف على ضمائر كل مُغيَّب، فكانت هي الدليل لهم على الكتاب، والسبب لعلمه دون جميع الأسباب. أفما رأى – ويله – سر عجائبها، فيما تنبئ عن محجوب غيبها، من سرائر قلوب المتكاتبين بها، ويدور من الأنباء في التعبد بسببها، اكتفاء منهم في أنباء الأمور، من كل مشاهدة بين المخبرين أو حضور، فهذا وأشباهه فليس لمثله فيه مدخلُ تعنيف، ولا يُشتغل منه ولا من مثله فيه بمنازعة في تحريف، مع أن لهذه الوجوه في التأويل، ما لو سقط عنا علمها في التنزيل، لكان علينا أن نعلم أن لها مخارج عند الحكيم، ووجوها صحاحاً في علم التعليم.
ولو كان جهلنا بها يزيل صحتها، أو يبطل عن الحكيم حكمتها، لما ثبتت للحكماء حكمة، ولا في علم العلماء مَعلَمة، إذ توجد العآمة لا تعلم علمها، ولا تعرف للحكماء حِكَمَها، ولو لم يثبت العلم لعالمه، ولا حكم الحكمة لحاكمه، إلا بأن يعلم غيره منه ما علم، أو يحكم في الأمور كما حكم، لما كان في الأرض من أهلها جاهل، ولما وجدت بين الناس في العلم فضائل! وما –ويله– في جهله لحكمة الكتاب، وما جعل الله فيه من عجائب الأسباب، مما يلحق بالله جهلاً، أو يزيل عن كتابه فضلاً، مالَه لعنه الله تأبى ؟! به عماياته إلا تبابًا ؟!، لقد كابر من فرَّق ما بين الجهلاء والعلماء، ما لا يكابره ذو العمى، يقيناً منها به وعلماً، ومرمىً منها إلى غير ما رمى.

(1/174)


والتبيان في هذا بيننا وبينه، وما ينبغي أن يشتغل به منه، فإنما هو في تثبيت الصانع ورسوله، لا فيما أنكر وفنَّن فيه من هذيان قيلهِ، فإذا ثبتت الحجة فيهما، وأقمنا دليل الحق عليهما، علم بعد إقامة الدليل، أن الحكمة ثابتة موجودة في التنزيل، جُهل ذلك أو عُلم، أو تُوَهِّم فيه أولم يُتوهم. فدليل معرفة الله الذي لا يُكابر، وشاهد العلم بالله الذي لا يُناكر، ما أرى وأوضح مما تراه أعين الناظرين، وتحيط بالتحديد فيه أفكار المفكرين، من الأشياء كلها في تأثير مؤثَّرها، وتصوير صور مصوَّرها، وتناهي أقطار موجودها، وظاهر افتطار محدودها، وما ذكره منها ذاكر ووصفه واصف، أو تصرف بوصفه من الواصفين لها متصرف.
ففيه لمن نظر وأنصف، وعدل في النظر فلم يحف، دليل على حدوث الأشياء مبين، وشاهدٌ ثابتٌ - لا يُدفع - مكين، إذ الأشياء كلها محدودة، والآثار في قائمها موجودة، ومعلوم بأن التحديد إذا وجد لا يكون إلا من محدِّد غير محدود، ولا أثر إذا عُويِنَ إلا من مؤثرِّ موجود، ولا تصويرَ مصوَّرٍ إلا من مصوِّر، ولا فطرة مفطور إلا من مفتطِر، كما لايكون كتاب وجد إلا من كاتب، ولا تركيب إذا كان إلا من مركِّب، ولا فعلٌ ما كان إلا لفاعل، ولا مقالٌ قيل إلا من قائل، فالله تعالى مؤثرِّ كل مؤثَّر، والفاطر جل ثناؤه لكل مفتَطَر، لا ينكره إلا مناكر، ولايأبى الاقرار به إلا مكابر، والمناكر فغير منكر، والمكابر فغير مستنِكر .
فَلِمَن أنهج إلى معرفته السبيل، وأوضح بمنته الدليل، الشكرُ على إبانة التعريف، ووضوح دلالة التأليف، التي لا يضل عنها إلا متضالل، ولايجهل معلومها إلا متجاهل، ولا يبور على الله فيها إلا خاسر، ولا يجور عن قصدها إليه إلا جائر .

(1/175)


وإذا ثبت تأثير الأشياء كما قلنا، واستدل امرؤ عليه من حيث استدللنا، فمعلوم أن المؤثِّر بعيدُ الشبه عن مؤثَره، وأن مَن ولي تصوير المصوَّر متعال عن مساواة مصوَّره، وأنه إن قَرُب من الشبه منه، أولم يُفرِّق بينه - جل ثناؤه – وبينه، في كل معنى من معانيه، وفيما جلَّ أو دقَّ مما فيه، جُعِل كهو في عجزه ومقاديره، وذُلِّ ضعفه وتأثيره، وعاد المؤثِّر مؤثَّراً، ومصوِّر الأشياء مصوَّراً، فأثْبَتوا على المؤِّثر سمة المؤثَّرين، وأضافوا إلى الله تعالى ذلة تصوير المصوَّرين، وكان في قولهم، وما سلكوا من سبيلهم، المؤثِّر مؤثَّرا، ومصوِّر الأشياء مصوَّرا، وصانعها مصنوعاً، ومصنوعها صانعاً، وبديعها مبتدعاً، ومبتدعها بديعاً.
وهذا من قول القائلين، ومعمد جهل الجاهلين، عين متناقض المحال، ونفس متدافع الأحوال، الذي لا يقوم له في الأوهام صورة، ولا من فطر معقولات الأقوال فطرة، وفي ذلك أن تكون الأشياء موجودة لا موجودة، ومفقودة في الحال التي وجدت فيها لا مفقودة، وصار المخلوق لا مخلوقاً، والخالق في قولهم لا خالقاً، فتعالى - العلي الأعلى، الذي نهج إلى معرفته سبلاً ذللا، - عما وصفه به المشبهون، وافترى في التشبيه به المفترون، ونحمده على ما عرفنا به من الفَرْق، فيما بينه وبين جميع الخلق، ونعوذ به مِن جهل ما جُهل من توحيده، ونستعينه على ما ألهمنا من شكره وتمجيده، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما.

(1/176)


وأما مذهبه في العاديات وعيبها، لجهله بشاهدها وغائبها، فغير مستنكَر منه، قاتله الله ولعنه، فقد تكون العاديات من العدوان والغي، وتكون العاديات من العدو والسعي، ثم لكل ما كان من ذلك وجوه شتى، يَرى ما بينها مَن يعقل متفاوتاً، والضبح أيضاً فألوان مختلفة، وكل ما ذكر في السورة فله وجوه متصرفة، يعرفها من عرَّفه الله إياها، ويوجد علمها عند من جعله الله مجتباها، فليُقصِر من عَمِيَ عنها في عماه، فإن العَمِيَّ لا يعلم الظاهر ولا يراه، كيف يعلم خفي ما بطن من الأسرار، التي جعلها الله أفضل مواهبه للأبرار، أو لا فليسأل عنها، وليطلب ما خفي فيه منها، عند ورثة الكتاب، الذين جعلهم الله معدن علم ما خفي فيه من الأسباب، فإنه يقول سبحانه: ? ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ? [فاطر: 32]. ولتكن مسألته منهم للسابقين بالخيرات، فإن أولئك أمناء الله على سرائر الخفيات، من مُنْزَل وحي كتابه، وما فيه من خفي عجائبه، فقد سمعت قول الله: ? فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ? [النحل: 43، الأنبياء:7]. فأما من لا فرق عنده بين عامِّي مِن عميٍّ، ولا غيّ في العاديات من سعي، ولا الصّوَر مِن صُوِّر، ولا العُمر مِن عُمِّر، ولا النورَ مِن نُوِّر، ولا الأمور مِن أُمِّر، فحقيق أن يتعلم لسان القرآن، الذي صُوِّر والصُّوَرُ فيه مفترقان، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد وآله وسلم .
وأما قوله: ثم زعموا أن الله خلق الأشياء كلها بيده من شيء موجود - وزعم - أن اليد لا يُتوهَّم قبضها وبسطها إلا بعد وجود.

(1/177)


فو اعجبا لجهله بمسائله! وزور كذبه علينا ومقاوله! ومتى ويله زعمنا له أن جميع ما بَثَّ من خلقه وأرى، مما ولي خلقه بيده تعالى ؟! إنما قيل ذلك في آدم خاصة دون غيره من الأشياء، إذ تولى سبحانه صنعه بالابتداء، ولم يكن كَكَون بعض الأشياء من بعض، ولم يتقدمه في خلقه نظير من أهل الأرض. فأما نظرآؤه الذين كانوا بعدُ من أولاده، فإنما خلقهم سبحانه بالتناسل من بعده، لا على طريق خلقته من الابتداء، ولا بمثل مُبتدئه من الأشياء، خلقاً عن غير والِدَينِ وَلَدَاه، ومبتدعاً لا على مثال ابتداه .
فأما قوله في قول الله سبحانه: ? كن فيكون ? [البقرة: 117]، وزعمه أنه لا يقال: كن إلا لما هو كون، فليس – ويله، ويلاً يكثر عوله - مذهبنا في ذلك إلى ما توهم، وأنه سبحانه نطق أو تكلم، إنما ذلك للإخبار، عن القوة منه والاقتدار، وأنه لا يفعل ما فعل بمباشرة، وأن سبيلَ فعلِه كله سبيلُ قدرة، لا يعان بكفين، ولا يستعان بمعين.
فأما قوله: لأن كون شيء، لا من شيء، لا يقوم في الوهم له مثال، وما لا يقوم في الوهم مثاله فمحال.
فإنه يقال فيه لمن قال مقاله، ورضي - فيما قال منه - حاله: أتزعم يا هذا أن الأشياء قديمة ؟! ليس لبعضها على بعض عندك تَقْدِمة ؟!
فمَِن قوله: نعم، قد ثبت لكلها القدم.
فيقال له: أليس إقرارك لكلها بقدمها، وإثباتك للقدم في تَوَهُّمها، إقراراً بأنها لا من شي، وأنها أولٌ بَدِي ؟!
والأول لا يكون أولاً إلا لغيره، ولا يثبت أولاً لتكريره، فأيهما أولى بالقيام في الوهم ؟ حدوث شيء لا من شيء متقدم ؟! أو شيء لا أوَّل له يُعلم ؟! ولانهاية في آخره تُتُوهَّم ؟!!
فإن قال شيء لا أَوّل له ولانهاية، أولى بالتَّوهُّم منه وِلايةً.
قيل: فلا يكون هو أولاً إلا وهو متوهَّم، وإذا أجزت في معنى لم يزل التوهم، ثبتت به حينئذٍ الإحاطة، ولا يحاط إلا بماله نهاية محيطة، والنهاية أقطار، والقطر تحديد وافتطار .

(1/178)


فإن قلت: ليس نتوهمه على هذا لأن هذا قد استحال، ولكننا نتوهم أنه لم يزل ولن يزال.
قيل: فأنت إنما تريد تتوهم أنك تدرك وتعلم !! فَلِمَ أنكرت المحدث وإن لم تعلم له كيفية في الوهم ؟! وقد ثبت معنى لم يزل غير متوهَّم، فقد يلزمك أن يكونا جميعا عندك في التعجب مشتبهين، فإن قلت: فإني أنفي يا هذا هذين من الوجهين، فالمسألة عليك في نفسك لازمة، والأشياء بعدُ قائمة !!
يقال لك: أتخلو الأشياء من أن تكون حوادث أو قديمة ؟! إذ الأشياء ليست إلا قديماً أو حادثاً، لا يَتوَهَّم مُتوَهِّم فيها وجها ثالثاً ؟
فإن قلت: فإني لا أدري أعلى حقائق الأشياء أم لا! لَحِقْتَ بأصحاب سوفسطاء، وفيما كان من رد الأوائل عليهم غنىً كافٍ، وبيان قد تقدم منهم شافٍ. والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد وآله الذين طهرهم تطهيراً .
ومما يقال إن شاء الله لمن قال إنه لا يكون شيء إلا من شيء، وأن كل ما أدركنا بالحوآس كلها فأوَّليٌّ أزلي، وهم فرق شتى متفرقة، فمنهم من يقول: إنما الحدث اجتماع وفرقة.
ومنهم من يقول: إنما هو بتغيُّر العين، باختلاف ما يدخلها من التعيين.
ومنهم من يقول: إنما الحدث كون بعض الأشياء المختلفة المتضآدة من بعض، كالأرض التي تكون من الماء والماء الذي يكون من الأرض؛ ومن أجل هذا الأصل، قالوا جميعاً إن الكل مختلط بالكل، وأن الكل من الكل يكون، وأن هذا هو الحدوث والكون، إلا أنه من صِغَر أقداره، لا يوجد ولا يُحس به، وهو لا منتهى له في عَدِّه، وأن كل ضد من الأشياء مختلط بضدِّه، البياض بالسواد، والنامي بالجماد، والعظم باللحم، واللحم بالعظم، ليس شيء منه بخالص وحده، ويرون أن طبيعة الشيء هي الأكثر منه أو مما ضآده.

(1/179)


يا هؤلاء إنه إنكان الشيء لا منتهى له في نفسه لم يعرفه أبداً عارف، وإن كان لا منتهى له في عِدَّة أو كثرة لم يكن للكمية معارف، وإن كان لا منتهى للشيء في الصورة، كانت الكيفية مجهولة، وإذا كانت الأشياء لا تعرف لأنه لا منتهى لها، فما كان منها فلا يعرف أيضاً مثلها، وإنما يعرف ما يدرك، ويُسهل لمعرفته المسلك، إذا علم مِن كم رُكِّب ؟ وأي الأشياء هو إذا تركَّب، ومضطرٌ أن يكون ما كان من الأشياء لما منه كان نظيراً، قليلاً كان منه إذا كان أو كثيراً، وأن الذي يكون عنه، كالكل إذا يكون منه.
فإن كان لا يستقيم أن يكون الحيوان، ولا ما جعل الله له من الأجسام، ولا الأشجار، ولا ما جعل الله له من الثمار، بلا منتهى في عِظَم ولا صِغر، ولا فيما يُرى له من قَدْر، فكذلك الكل - عند من يعقل – ذواتُ نهاية، إذ هذه الأشياء التي هي أجزاؤه ذوات غاية، ولا تستقيم له ما لم يستقم لأجزائه، وإنما تناهيها من قِبَل انتهائه.
وإن كان الحيوان والشجر وأجزاؤهما، التي لحق بها في وصفها انتهاؤهما، لَسْنَ حوادث مفتعلة، وإنما يريد القائل بحوادث منفصلة.

(1/180)


وبعضها عندهم فبعض، فالماء منها هو الأرض، والأرض فهي الماء، والماء فهو الهواء، فإن ذلك يصير إلى أن كل موجود فمن موجود، والموجود فلا يصح أن يقال له كن ولا يعود، ! وكيف يكون الكائن ؟ أو يبين شيء من شيء وهو بائن ؟! كقولك: إن الماء ينفصل من اللحم واللحم ينفصل من الماء كيف والماء فأصلٌ موجود، وإن كان كل جسد ذي حد إذا خرج منه بقدره جسدٌ مثله محدود، فني عندها يقيناً، وبطل أن يكون كميناً، فمعروف أنه لا يكون الكل من الكل، ولا يخرج منه في الوزن مِثلٌ له بعد مِثلٌ، كيف وقد يُعلم أن الشيء إذا أخذ منه مثله، فقد فني وذهب كله، وإن كان ما أخذ منه، مقصراً في القدر عنه، نقص منه بقدر ذلك، لا يكون الأمر فيه أبداً إلا كذلك، ولا يستقيم أن يكون لهذا الذي أخذ منه مثله قوام أبداً بلا منتهى، ولو انتقص منه مثل بعضه لكان بذلك قد تناها، الشيء الذي يدوم عِظَمُه وينفى عنه تغيُّره، ولا يستقيم أن ينفصل منه أبداً غيره، ومن أجل أنه لا يبقى أبداً قدره، وهو يخرج منه أجساد مثله، وبقدرة في الوزن محدودة، مستوية في الوزن بقدرة موجودة، وهو أيضاً لا يُحد إذا حُدَّ بكثرتها، ولا يوصف عند الصفة بصفتها، وإن كان كل جسد من الأجساد إذا أُخِذَ من بعض زنته، لابد أن ينقص من كميته، كيف ما كان في حده، من كبره أو صغره، فمعلوم أنه لا يفصل منه أبداً جسد مثله، إلا انتقصه ما فُصِلَ منه كله، وأنه لا يجوز في ألباب الأصحاء، ولا فيما يحمد من قضاء النصحاء، أن يكون يوجد من شيء شيء ثم لا يُنقصه ما أخذ منه، وإذا انتقص فالنقص يخبر بالنهاية عنه.

(1/181)


ويقال أيضاً لهم إن كانت الأجساد والأعراض مختلطة، وإنما يفارق بعضها بعضا عندكم فرقة، وهي كلها في قولكم فواحدة، فالإنس والجن بينهما عندكم خلاف، والأعراض والأعيان فقد تجمعهما الأوصاف، ولابد لهذا الخلق من رؤوس أوَّليَّة، مبتدعة من الله سبحانه بَدِيَّة، منها بَرَى الله كل بَرِيَّة، ترى من البرايا كلها بعيان، وثبت أن تركيبها شيء أو شيئان، ولا ينبغي لهذه الرؤوس أن يكون بعضها من بعض، بل تكون متضآدة تضآد النار والأرض.
ويقال أيضاً إن كانت صور الأشياء لم تزل ولا تزال، والصور فهي الألوان والهيئآت والأشكال، كان قول القائل- إنه لا يمكن أن يكون شيء لا من شي، ولا يفسد من الأشياء كلها شيء فيعود إلى التلاشي، - قولا من قائله مقبولا، وعُدَّ ما زُعِم فيه قولا.
وإن لم تكن صور الأشياء دائمة، ولا في كل حين موجودة قائمة، أعني بالصورِ صورة اللحم، وصورة الدم، وصورة العظم، وصورة الأشكال الطبيعية، والألوان كلها الظاهرة منها والخفية.
فلا محالة أنها لم تكن قبل حدوثها، وأنها قد تفنى بعد حدثها، وأن حدوثها استحالتها من ليس إلى أَيْس، وأن فناءها استحالتها من أَيْس إلى ليس، كبياض الثلج الذي يحدث عند كون الثلج معاً، ويبطل بياضه عند بطلانه فيفنيان جميعاً، وهل من فعالٍ في سكون أو زوال يجده واجد، أو يشهد به على فاعله شاهد، إلا وهو محدث ثم كان بعد أن لم يكن، بريء من معنى لم يزل، تعلم كل بهيمة مضيَّ ماضيه، وفراقها في المعنى لمنتظر آتيه، فلا يجهل أحد منه ماضياً، ولا يشبه ماضٍ منه آتياً، إلا أن يزعم متجاهل، أو يكابر عاقل، فيقول: إن كون الحركة والسكون في حال واحدة معاً، وإن الحركات والسكون لم تزل قط جميعاً، فيلزمه أن تكون أوقاتها كلها وقتاً، ونطقُ ما يعقل ناطقاً من الأشياء سكتاً، فيعود يومه من أوقاتها أمساً، ومجنوسها عنده لنفسه جنساً، وفرعها أصلا، وآخرها أولاً.

(1/182)


وكفى بهذا من القول محالا، ومن وصف محالات القول مقالا، أن البهائم جميعاً في اختلافها، لتنظر ما لم يأتها بعد من أعلافها، فإذا وصل إليها، افترقت مواقعه لديها، فما تنتظره بعد إتيان، ولا تضطرب إليه بجوَلان، ومن قبل ذلك ما كانت تصهل إليه وتنهق، وتضطرب إليه دآئبة وتقلق، ولكن لم يعدُ القوم في جهلهم من ذلك لما جهلوا، وضلالتهم عن حقائق الأمور عما ضلوا، ما وصفهم الله به، وذكر من ضلالتهم في محكم كتابه، إذ يقول تعالى: ? أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ? [الفرقان:44]. فلم يَقِفهم على مواقف البهائم في الجهل ومناهيها، بل زَادهم في حكم الجهل عليها، فافهموا أدلة هذه الآية المعجبة المتحققة، وما أوجد الله سبحانه منها عيانا في هذه الفرقة، وأن وجودها فيهم، ودلالة الله بها عليهم، آية عظيمة عند من يعقلها في البيان، لا توجد إلا فيما ذكر سبحانه من الضُّلان، والحمد لله رب العالمين حمداً موفوراً، وعلى سيدنا محمد النبي وآله السلام كثيرا.
ثم جعل ابن المقفع النور الذي زعم أنه خيرٌ واحد أفانين، ولوَّنه في معناه أَلاوِين، وجعله بعد توحيده له كثيرا لا يحصى، وعدداً جماً لا يتناهى، فقال: إنه نورٌ وحكمة، وطيب وبهجة، وخير وبركة، وإحسان وراحة.
وكذا و كذا مما لا يتناهى. وقد تعلمون أن البركة والبهجة، والطيب والحسن والحكمة، أشياء في العدد كثيرة، ومعان لا يشك فيها متغايرة، كل واحد منها غير صاحبه، والسبب منها غير سببه، لا يشك في ذلك ولا يمتريه، إلا من لا يعقل شيئا ولا يدريه.
وكذلك قال في تكثير الظُّلْمة، وما نسب إليها من الشر وخلاف الحكمة، ثم جعل كثيرها واحداً، وزعم أنه لا يكون منها خير أبداً.

(1/183)


أفليس يا هؤلاء الليل الأدهم، وسواده الذي هو من كل ظُلمة أظلم، موجوداً فيه ما ذكر الله فيه من السكون ؟! بأوجد معارف ما يُعرف من كل كون ؟! والسكون راحة، والراحة فسحة، والفسحة خير كثير، فالظلمة الآن عندهم خير. يقول الله تبارك وتعالى:? هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ? [يونس: 67]. وقال الله: ? أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة مَن إله غير الله يأتيكم بليلٍ تسكنون فيه أفلا تبصرون ? [القصص:72].
وهل ينكر أن نور الشمس، يدرك ذلك منها بالحس، معشاة لبعض العيون، ومضآر في كثير من الفنون، وهو أفضل النور عندهم فضلاً، وأكثره في النور محصلاً ؟! أو ليس قليل النهار مقصراً في النور عن كثيره ؟! والتقصير شر فالشَّرُّ في بعض النهار بتقصيره ؟! فأي محال أوضح! أو مقالِ إحالة أقبح ؟ من هذا مقالاً! ومن محاله محالاً! ليس بالأمر من خفاء، ولا على عَورة أهله من غطاء. إلا أن عجمة القلوب، وما فيها من عَمَهِ الذنوب، تجول بأهلها كل مجال، وتهلك بمحالها ضعفة الرجال .
ومما قال من هَماهِم صدره، وزمازم هتره : إن الشيطان – زعم – قد بنى على كل صنف من أهل الأديان حائطاً حصيناً، وسوراً شديداً، حصرهم - زعم - فيه، ووكَّل بهم شيطاناً من شياطينه وجعله عليه، فإن كان الوكيل حَفِظَ السور فهذا أمانة، وإن لم يحفظه وكانت منه لموكله فيه خيانة، كان السور كما لم يكن، ولم يبق فيه أحد مِمَّن سُجن.
فاعجبوا أيها السامعون، لما تسمعون، من متناقض هذا القول، الذي لا يقول مثله إلا كل منقوص مرذول. فافهموا ما به وصف شيطانه، وكيف شدَّد أركانه، إذ جعل له أسواراً وحصونا، وجعل نوره عنده مسجونا، وذو السجن والحصون محتال، والحيلة فلا يعرفها عنده الجهال، لأن المعرفة عنده خيٌر سآرٌ، والجهالة شرٌ ضآرٌ .

(1/184)


وقال: حصرهم. والحاصر فقويٌ والقوة فخير فقد عادت الظُّلمة عندهم خيراً، والمحصور فعاجز والعجز فشر فقد عاد النور عنده شراً.
ومما يقال لهم فيما زعموا من المزاج، وجاروا به من ذلك عن كل منهاج، سَلَكَه سالك، أو فتك فيه فاتك: من أين يا هؤلآء جاء تعادي الممتزجين من المتضآدة ؟! بعد أن صارا جميعاً في عقدة من المزاج واحدة، كَنَحو معاداة إنسان لإنسان، أو ضرب آخر سواه من موات أو حيوان، وكيف يكون من الناس – ما كانوا صلحاء - نسل غير صالح ؟! ومِن طالحهم - شيئاً كانوا أو أشياء - شيء ليس بطالح، ولا يُرى صلاحُ أبيهم أَصْلَحَهُم، ولا ما في أبيهم من الطلاح أطلحهم، ولايكون منهما وهما اثنان، ولما هو منهما أصلان، إلا أنثى واحدة أو ذكر، لا يوجد لهما سواه بشر، فما بال فرعهما من ولدهما، إذاً لا يكون كأحدهما ؟ إما أنثى مفرداً، أو ذكراً أبدا، فلو كان الأمر على ما يزعمون، أوفي شيء من طريق ما يتوهمون، كان ولدهما ذكراً أنثى، وأنثى ذكراً، إذ كان عندهم إنما يكون كل شيء من مثله، وكل فرعِ شيءٍ – زعموا كأصله، والوالدان لولدهما أصل، وكل شيء فإنما يكون منه ما هو له مثل، والمزاج نفسه فثمرة لا من مثلها، وعقدة المزاج فليست كأصلها، إذ أصلها اثنان وهي واحدة، وإذ هما لها أصل وهي لهما عقدة، فأيُّ مكابرة أوحش، أو محالِ قولٍ أفحش ؟! مما أدى إلى مثل هذا، وما كان من القول هكذا ؟!
فليعلموا – ويلهم – أن الله هو الذي صنع الأولاد للآباء، وأنه لا يصنع الأكفاءُ الأكفاءَ، ولكن الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد.

(1/185)


وكيف يصنع والدٌ ولداً ؟! وإنما كان بالأمس مولوداً، إذاً يكون الوالد من صنع ولده، كما الولد من صنع والده، لأنهما كفؤان في الميلاد، وولدان كالأولاد، ولكن ذلك كما قال الله الشريك له، وما بيَّنه في كتابه ونزله، ? لله ملك السموات والأرض يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثا ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير ? [الشورى: 49 – 50].
ويقال إن شاء الله لهم مَن الناطقُ الظلمة فالمنطق خلاف الخرس وهو خير زعمتم ؟! أم النورُ والظلمةُ جميعاً فقد استويا في النطق والإستواء تَشابهٌ كما علمتم ؟! أم الناطق النور ؟ فالمنطق خير وشرور، والشر إذاً فهو في نوركم، ويلكم ما أبينَ في هذا شناعة أموركم ! وأشد مجونكم ! وأعظم جنونكم ! وأظهر السفه به وبغيره فيكم ! وأغلب الدنآءة فيه عليكم.
وزعموا أنهما حساسان، فهما لا محالة في الحس مشتبهان، ومشبه الشر لا يكون إلا شراً مؤذياً أليماً، ومشبه النور لا يكون عندهم إلا نوراً كريماً، وفي مشابهة النور بالحس للظُّلمة نفي ألا يكون (خيراً، وفي مشابهة الشر للنور بالحس نفي أن لا يكون) شراً، فكلٌ منهما خيرٌ شر، وشرٌ خير، وهو من القول فأحول ما يكون من المحال، وأخبث ما قيل به في الإحالة من الأقوال.
ومن قولهم إن الأشياء لا تتغير عن جواهرها، وقد ترون أنها تتغير عن صورها، فصورة النور مؤنسة مُضيَّة، وصورة الظلمة موحشة ظُلَمِية، فإذا ما هما امتزجا عُوينَ مزاجهما بصورة في المزاج أخرى، ليست بما كان يُرى، لا مؤنساً مضياً، ولا موحشاً ظُلَمِياً، فمن أين كانت هذه الصورة الثالثة ؟ إلا أن الأمور حادثة، ولكن القوم يلعبون بنفوسهم، ويقولون بخلاف ما يجدون من محسوسهم، وليس ببدع ممن جَسَرَ على قول الزور والبهتان، أن يجحد بلسانه ما يدركه بشواهد العيان، فيزعم أن الرطب يبسٌ، وعُشر العدد خُمس، وإنما التبيان في الحقائق الموجودة، ما يدرك منها بشواهدها المشهودة.

(1/186)


وزعموا أن الشيء لا يكون أبداً، إلا مثل جوهره مجتمعاً ومفردا، وشأن النور العلو والارتفاع، وشأن الظلمة السفول والاتضاع، وكذلك شأن كل ضدين، متى وجدا متضآدين، متى علا هذا، هوى هذا، فهو أبداً يهوي إذا ضده سما، ويسمو إذا ضده هوى، وفي فراق الشيء لشأنه، حقيقة فنائه وبطلانه، كالنار التي من شأنها التسخين، واللين الذي لا يكون إلا وله تليين، فمتى بطل شأنا هما، بطلت لابد عيناهما، لأنه لا حارٌ إلا مُسخِّن، ولا لَيِّنٌ أبداً إلا مُلَيِّن.
وقد زعموا أن النور قد زال عن داره من العُلى، وصار إلى هذه الأرض السفلى، وفي ذلك مِن تَغيُّره، ما قد قيل من بطلان عينه. وكذلك الظُّلمة في بطلانها، إذا صارت إلى خلاف شأنها، فصارت في منزلها سُفلاً، إلى ارتفاع ومعتلى، فهما في قولهم قد بطلا، وقد يوجدان بالعيان علوا وسفلا، وهذا نفسُ متناقضِ المحال، وعينُ متدافع الأحوال، إذ في أن يبطلا فُقدانهما، وفي أن يوجدا بطلانهما، فعدمهما وجود، وغيبتهما شهود. فأيُّ عجبٍ أعجب ؟! ومتلعَّب ألعب ؟! ممن رضي بهذا قولا، وكان بمثله معتلاً، وفي هذا من أمرهم، وما أوجدنا فيه من ذكرهم، كفاية للناظر المبصر، بل قد يكتفي به غير المفكر، والحمد لله حمداً دائماً مقيماً، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما .

(1/187)


فأما خرافات أحاديثهم، وتُرَّهات أعابيثهم، فهزل ليس فيه جد، ولا مما يجب له رد، ? فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ? [البقرة: 79]. وبأي متلعَّب قاتلهم الله يتلعبون، ألم يروا أسماءهم التي يسمون، وما منها لا غيره يعظمون . فمنها عندهم: أبو العظمة، وأم الحياة المتنسمة، وحبيب الأنوار، وحراس الخنادق والأسوار، والبشير والمنير، والانسان القديم، وما ذكروا من الأراكنة. التي عليهم بها من الله ألعن اللعنة، وما قالوا من عمود الشبح، التي بها وبقولهم فيها أقبح ما يستقبح، وأكذب أكاذيب الزور، وأعجب عجائب ما وصفوا من الظلمة والنور، فزعموا أن أسماءهم هذه التي افتروا، وفننوا فيها بأعباثهم وكثروا، هي رد الظلمة – زعموا – عن النور، أفلا ردت عن أنفسها ما هي فيه من الشرور!!
وزعموا أن هؤلاء لأجزاء النور مصطفُّون، وهم في أنفسهم بالظلمة مختلطون. فيا ويلهم ويلاً ويلاً، من أقاويلهم قيلاً قيلا، في أبي عظمتهم، وأم حياتهم، وحبيب أنوارهم، وبشيرهم ومنيرهم، وعمود شبحهم وإنسانهم، وما يعبثون فيه من أراكنهم، فعظموا منها غير معنى، وسموها كذباً بالأسماء الحسنى، وهم يزعمون عنها – ويلهم – أنها مخالطة في حال للأقذار، ملتبسة فيما زعموا بالأشرار، تُنكح في بعض الأحايين نكاحاً، وتؤكل في بعضها صراحاً، وتُقسَم تارة وتُحدَث، ثم تقيم في ذلك وتمكث، فيالعباد الله إن هذا لهو العبث العابث، والمقال الفاسد العايث، الذي لم يقل بمثله سوى أهله قط قائل، ولم يسأل فيه بمثل عجز مسائل ابن المقفع سائل، ولقد – ويله – أكثر في المسألة والمسألة لا تكثر وطغى، حتى هممنا أن لا نجيبه لو لا مخافة أن يكون على ذلك المَحْق مُتَّبَعاً، وذلك لِجهله، بما سقط إلينا من مسائله، وخلَّط في قوله، ولِكذبِه أيضاً فيما يَنْحَل وينتحل، وكثرةِ ما يختلف في كل مسألة وينتقل، وما أحسبه جَالس قط متكلما، ولا أَحسنَ لِمَسائِله تَفَهُّما.

(1/188)


فليعلم من قرأ كتابنا هذا وفهم ما فيه لهم، جوابنا إن هو كان من غيرهم، عمى مذهبهم وصمَمَه، وإن كان ممن تلبس بضلالتهم فليحذر غِيَرَ الله ونِقَمَه، فلقد قذفوا قذفاً، مسخاً وخسفاً، وكادت السماوات أن يتفطرن وشوامخ الجبال أن تخر بدون ما قالوا، ولأصغر أضعافاً مما نالوا، لأن الذين قالوا قبلهم الأقوال، وجعلوا لله سبحانه الأمثال، أثبتوه سبحانه ولم ينفوا، وإن هؤلاء أنكروا ونفوا، فلا يغترَّنَّ منهم مُوخَّرٌ في الجزاء، بما يَرى من استدراجه بالاملاء، فإن الله يقول لا شريك له، وتعالى عن كذب الكاذبين قوله: ? ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ? [آل عمران: 178]. ويقول سبحانه: ? فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ? [الأنعام: 44-45]. ويقول سبحانه: ? ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء، وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذي ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال، وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ? [إبراهيم: 42-45].

(1/189)


فإن قال قائل منهم يحذرني النار، ويخبرني عن كتابه الأخبار، ولست بهما بموقن، ولا لخبره عنهما بمؤمن. فليعلم أن أقل ما عليه فيما أُنذر، وفيما يعقل مَن يعقل فيما حُذِّر، خوف الممكن المطنون، إذا كان غير مستنكر أن يكون، وإن الناس لو كانوا لا يحذرون إلا ما يعلمه من حَذَروه، ولا ينذر المنذرون قوماً إلا ما عاينوه وأبصروه، لَقَلَّت النذر، وفني الحذر، وإنه لو حُذِّر جباراً بل إنسانا ذليلا لارتاع له ارتياعا، ولاستشعر من الخوف لتحذيره وهو هو أفزاعا‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! فكيف بملك الملوك ؟! ومن له ملكُ كلِ مملوك ؟! ذلك الله العلي الجبار، الذي بإرادته كانت الظُّلَم والأنوار، والسلام على من اتبع الهدى، وآثر رضى الرب الأعلى، فرضي من الأشياء مرتضاه، واصطفى من الأمور مصطفاه، فأدى إليه سبحانه في نفسه حقه، وعلم أنه هو الذي فطره وأحسن خلقه، وأن له عليه فرضاً واجباً، أن يكون لما أحبَّ محبا، ومن كل ما كره من الأمور قَصِيّاً، ولمن وَالَى من خلقه ولياً، ولمن عادى سبحانه من أهل الأرض عدواً، فإنه لا يعادي سبحانه إلا مسيئاً أو سُوًّا، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد وأهله الطاهرين.
تم الرد على ابن المقفع، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.

(1/190)


الرد على النصارى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لم يزل ولا يزال، وله الكبرياء بَدِيًّا والجلال، البري من كل تغيُّر وزوال، وتبدُّل وحركة وانتقال، أو فناء أو احتيال، المتعالي عن أن يكون لشيء أصلا متأصلا، أو عنصرا من عناصر الأشياء كلها متحللا، فيكون كواحد منها، أو كما بان من فروعها عنها، فكثر من قلته بتفرع بعد قلة، أوعزَّ بكثرته بتجمع من ذلة، ولو أن ذلك، كان فيه كذلك، لعاد غيره له ندا ومثلا، إذ كان له سبحانه محتدا وأصلا، ولكان حينئذ لكل ما كان منه، ووجد من فروعه وعنه، ما كان من التوالد له، إذ كان المتولد منه مثله.

(1/191)


[مشابهة الفروع للأصول]
وكذلك يوجد لكل فرع كان من أصل، ما يوجد لأصله من التوالد مثلا بمثل، كفرع ما يُرى من الأشياء كلها، التي تتولد يقينا عيانا من نسلها، مثل ما يتولد غير مرية من أصلها، كما يُرى من ولادة الأبناء، لمثل ما يتولد من الآباء، سواء ذلك كله سواء.
وكذلك ما يرى من متولد الشجر وغير الشجر، فكالأنثى في ذلك أجمع والذكر، يتولد في ذلك كله من أولاده، ما يتولد سواء من والده، فكل شيء أبدا كان ممكنا في أصل ووالد كون وجوده، فمثله ممكن سواء في نسله ومولوده، لا يمتنع مما قلنا به في ذلك وقبوله، إلا مكابر في ذلك لعلمه ومعقوله. و لذلك وما فيه من الامكان، وما يدخل به على أهله من النقصان، ما تقدس الله عنه، وجل وتطهر منه، فلم تمكن فيه منه سبحانه ممكنة في فكر ولا مقال، وكان القول عليه جل جلاله بذلك أحول مُحال، إذ في أن يكون شيء له ولدا، وأن يكون لشيء أصلا ومحتدا، إبطال الإلهية والربوبية، و زوال الأزلية والوحدانية، وإذ لا يكون واحدا من كان له ولد أبدا، ولا يكون أزليا من كان أبا أو والدا، لأن الابن ليس لأبيه برب، وكذلك الرب فليس لمربوب بأب، إذ كان الابن في الذات هو مثله فكلاهما من الربوبية قاصٍ متبعِّد، إذ ليس منهما من هو بها متفرد متوحد. لأن الربوبية لا تمكن أبدا إلا لواحد، ليس بأصل لشيء ولا ولد ولا والد.

(1/192)


ولكل ولد في ذاته، ما للوالد من صفاته، وكذلك والده فله في الذات، مثل ما للولد في ذلك من الصفات، كالانسانية التي للابن منها ما لأمه وأبيه، وفي الأبوين منها ومن كمالها مثل ما فيه، فليس له من الانسانية وحدودها، ولا مما يوجد فيه وفيهما من مو جودها، أكثر مما لهما منها، وكل واحد منهما فغير مقصر عنها، ولتمامهما جميعا فيها، وفطرة الله لهما عليها، كان الابن ولدا لهما ونسلا، وكانا له بها محتدا وأصلا، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه، لعيسى صلوات الله عليه ورضوانه، فيما نزل من الكتاب، في يوم البعث والحساب، توقيفا وتعريفا له وللعباد، على أنه قد يجب للوالد في الذات ما يجب للأولاد، وتوبيخا لمن أفرده دون أمه في العبودية والإلهية، وحالهما في الذات حال واحدة مستوية، فعبدوه عماية وجهلا دونها، وهم يعلمون أنه ابنها ومنها، ويوقنون فلا يشكّون أن أباها أبوه، فهي وآباؤها أولى منه بما أعطوه، إذ كان لولا وجودهم لم يوجد، ولولا ولادتهم له لم يولد.
فكيف يعبدونه دونهم، ولم يكن قط إلا منهم، فهو في الذات كَهُم، إلا أن يفرقوا بينه وبينهم، بحال يخصونه بها دونهم، أو بغير ذلك من فعل من الأفعال، هو سوى ما يجمعهم وإياه في الذات من الحال، فكيف وذلك غير قولهم، وما يبنون عليه من أصلهم.

(1/193)


[عيسى بشر]
فاسمعوا لقول الله في ذلك وبيانه، وما بيّن فيه جل جلاله من تفصيله وفرقانه، إذ يقول له صلى الله عليه، في ذلك من غير ما سخطة منه عليه ولا لوم فيه : ? يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ? [المائدة: 116]، فسبح الله جل جلاله إكبارا له عن أن يقول في ذلك على الله علاَّمِ ما كان وما يكون بقولِ إفكٍ مفترٍ مكذوب، لايصح فيه أبدا قول في فطرة، ولا يقوم في سليم عقل ولا فكرة.
وقال صلى الله عليه: ? ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ? [المائدة: 117]، فأنبأهم صلى الله عليه أنه عبد الله كما هم كلهم جميعا عبيد، وأخبر الله سبحانه من قوله في ذلك بما لا تنكره النصارى كلها وإن اختلفت في أديانها، وفرَّقتها البلدان في كل مفترق من أوطانها، لما رأوا منه عيانا، وأيقنه من غاب منهم إيقانا، من عبادته عليه السلام لله واجتهاده في طاعة الله، وكان في ما عاينوا من مشابهته لهم في الخلقة دليل مبين على أنه عبد لله، يجري عليه من حكم الله في أنه عبد لله ما جرى عليهم، بما بان من أثر تدبير الله وصنعه فيه وفيهم.
وفيما قلنا من ذلك ومثله، في أن الفرع من الشيء له ما لأصله، ما يقول الله سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وعلى آله: ? قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ? [الزخرف: 18]. يخبر جل جلاله عن أنه قد يجب للولد ما يجب للوالدين، في كل ما يجب لهم بالطبيعة والذات، لا فيما يجب من ذلك بالأعراض المحدثات.

(1/194)


ولو كان عيسى صلى الله عليه كما قالوا ربا وإلها، وعن أنه لله عبد أو صنع معظما في ذاته منزَّها، لكان لأمه من ذلك ما له، إذ كانت في الذات مثله، بل لكان ينبغي لمن ولده أن يكون أعلى من ذلك منزلة منه، إذ كان وجوده صلى الله عليه به وعنه.
وليس أحد من النصارى يُثبت لمريم ما يُثبت لابنها من الإلهية، بل كلهم يقول: إنها أَمَة من إماءِ الله محدثة غير قديمة ولا أزلية، وقد يلزمهم صاغرين فيها، من إضافة الإلهية إليها، ما قال الله تبارك وتعالى فيهما، إذ الحكم واقع بالاشتباه في الذات عليهما، فهي في ذلك كله كولدها، إذ روحه من روحها وجسده من جسدها.
فإن لم يكن ذلك، فيهما كذلك، زالت البنوة عنه منها، وزال أن تكون له أُمًّا عنها، فلم تكن له أُمّا ولم يكن لها ابنا، إذ لم تكن إلا موضعا له ومكانا، إلا أن يجعلوا الأماكن أمهات لما كان فيها، فيقع ما قالوا من أنها أم له عليها .
فأما إن جعلوها من طريق ما يُعْقَل أُمَّا له، فقد جعلوها في الطبيعة لا محالة مثله.
وإذا كان ذلك، فيهما كذلك، جعلوه صاغرين كأمه إنسانا لا ربا ولا إلها، وكان الناس كلهم إذ هو مثلهم في ذلك له أمثالا وأشباها، لا افتراق بينه وبينهم في الإنسية، ولا تفاوت بينه وبين جميعهم في الجنسية، ولذلك كان يطعم صلى الله عليه كما يطعمون، ويألم مما يؤلمهم كما يألمون، ويقيمه كما يقيمهم الشراب والطعام، ويعرض له الحزن والغموم والاهتمام .

(1/195)


والنصارى كلها فقد تقر بطعمه وحزنه واغتمامه، وتحمده بما كان من صبره وآلامه، التي كانت وصلت إليه عندهم في الضرب والصلب، وما كان يلقى في سياحته وأمره ونهيه من الدؤب والتعب، وفيما جعل الله من طعمه وأكله من الآيات البينة الجلية، ما يُبطل ما قالت به النصارى فيه من الأقوال الكاذبة المفترية الرديَّة، و في نسبة الله له المعقولة في الدنيا والآخرة إلى أمه، ما يدل - والحمد لله - مَنْ رَشدَ على أنها من أصله وجِرمه، وأنه في ذلك كله كمثلها، إذ هو منها ومن نسلها، آباؤها آباؤه، وغذاؤها غذاؤه.
فَلْيَفهم هذا - مِن أمره وأمرها، وعند ذكره في النسب وذكرها - مَن يفهم ويعقل، ولا يتجاهل منه ما لا يُجهل. وليعلم أن قول الله سبحانه كثير في كتابه: ابن مريم، وترديده في ذلك لذكره بها صلى الله عليه وسلم، فيه من تيقن الثَّلَج، وغوالب الحجج، التي يثلج بها كل قلب، ويغَلب فلا يُعلى بغلب، إذ تقرر من ولادتها له ما لا ينكره من النصارى ولا غيرها منكر، ولا يتحير فيه مِنْ كل مَن عرفه بها ولا بما كان له من ولادتها مُتحيِّر، إذ جعله الله سبحانه ابنها، وجوده منها وعنها، منها كونه وفصوله، وأصولها كلها أصوله، وكل ما لزم فرعَ شيءٍ من تغيير أو فناء لزم أصله، وكذلك كل ما كان من ذلك للأصل فهو له، لا يأبى ذلك ولا يكابره، إلا فاسد العقل حائره.
وفيما قلنا به والحمد لله من ذلك، وأن عيسى صلى الله عليه كذلك، ما يقول الله سبحانه: ? ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ? [المائدة: 75]، فأي آية أدل لهم على أنه مثلهم من أكله للطعام لو كانوا يعقلون، فلقد جهلوا من هذا - وَيْلهم - ما لم يجهل قوم نوح إذ يقولون: ? ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذاً لخاسرون ? [المؤمنون: 34].

(1/196)


[مصادر عقائد النصارى]
ومن قبل ما قالت به النصارى في المسيح بن مريم ما قال بمثل قولهم المشركون، فزعموا أن ملائكة الله المقربين، ولدٌ وبنات لله رب العالمين.
ومنهم ما قبلت النصارى أقوالها، وحَذَتْ في الاشراك بالله منهم مثالها، وهو قول كان يقول به في الأوائل الروم والقبط وأهل الجاهلية، من كان يقول في النجوم السبعة بتثبيت الربوبية لها والإلهية، وكانوا يزعمون أن النجوم السبعة ملائكة لله ناطقة، وأنها آلهة مع الله - لما تم بها كونه - خالقةٌ، وأن الله سبحانه صنعهن منه صنعاً، ولم يبتدعهن لا من شيء بدعا، فلما أكملهن تبارك وتعالى وتم تمامهن، كُنَّ كلهن به وعنه قال لهن:
أنتن آلهة الإلهية بكنَّ عقدُ كلِ معقود وحل كل محلول، وزعموا أن بهن وعنهن كانت من الحيوان المايتجَعْلُه كل مجعول، بهن كان وجوده وقوامه، ومنهن كان صنعه وتمامه، وأنهن علةٌ واسطة بين الله وبين الأشياء، وأن الله الصانع لهن ولغيرهن به ماتت الأحياء، وكان الله لا شريك له إله الآلهة العليُّ الذي لا يمثلونه بشي، والأول القديم الذي لم يزل تبارك وتعالى من غير أول ولا بَدِي، وأنه هو المبتدئ الصانع للنجوم السبعة، المتعالي عن مشابهة كل مصنوع كان أو يكون وكل صنعة .
وكذلك قالت النصارى: إن الله خلق الأشياء بابنه نفسه، وحفظها ودبَّرها بروح قدسه، وإن الابن خلق الخلق وفطره، وإن روح القدس حفظ الخلق ودبَّره، وزعموا أن قوة الخلق غير قوة الحفظ والتدبير، وأن الأب لم ينفرد من ذلك كله بقليل ولا بكثير، وأن حال الأب والابن وروح القدس في الإلهية واحدة، وأن عبادة كل واحد منهم عليهم واجبة.

(1/197)


وكذلك زعم المشركون من أصحاب النجوم أن الله خلق الحيوان الميت ودبَّره بالنجوم السبعة، وأن بهن وبما جعل الله من القوة فيهن كانت من ذلك كل بريته وكل صنعة، فأقوالهم كلهم في أن لله ولدا واحدة غير مفترقة، وفريتهم جميعا في ذلك على الله فكاذبة غير مصدقة، إذ شبهوا بالله غيره، فجعلوه ولده ونظيره.
وفي القول بالولادة والاشتباه، إبطالٌ من قائله لكل إله، لأنهما إذا تماثلا واشتبها، لم يكن كل واحد منهما إلها، لأنه لا يقدر مع تشابههما أحدهما على إبطال الآخر، وإذا لم يقدر على إبطاله كان عاجزا غير قادر، ومن كان في شيء من الأشياء كلها عاجزا، كان عجزه له عن الربوبية والإلهية حاجزا.
وإن قال قائل كان كل واحد منهما قادراً على إبطال نظيره، ففي ذلك أدل الدلائل على نقص كل واحد منهما وتقصيره، وإذا كان كل واحد منهما منقوصا مقصّرا، لم يكن من الأشياء كلها لشيء صانعا مدبرا، ليس له كفؤ من الأشياء كلها ولا مثل ولا نظير، ولم يوجد في السماء ولا في الأرض ولا فيما بينهما صنع ولا تدبير، والصنع فقد يُرى بالعيان في ذلك كله قائما موجودا، فكفى بذلك دليلا بيِّنا على أن لهذا الصنع العجيب صانعا لا والدا ولا مولودا.

(1/198)


ووجود صانعه أبين وأوجد من وجود كل موجود وجودا، وأنه واحد صمد ليس والدا ولا مولوداً، ولن يجد ذلك أحد أبدا، إلا الله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يزل تبارك وتعالى واحدا صمدا، ليس من ورائه أزلي مصمود، ولا أوَّليٌّ من الأشياء موجود، فيكون متقدما أوَّلاً قبله، فلا يكون الله هو الخالق له، بل هو الله الخالق الأول القديم، الذي ليس لغيره عليه أولية ولا تقديم، ولكن كل ما سواه، فخلق ابتدعه وأبداه، فَوُجِد بالله خلقا بديا بعد عدمه، بريا من مشاركة الله في قدرته وقدمه، بينة آثار الصنع والتدبير فيه، شاهدة أقطاره بالحدث والصنع عليه، مختلف مؤلف، ضعيف مصرَّف، مجسم محدود، متوهم معدود، قد ناهاه قطرُهُ وحَدَّه، وأحصاه مقداره وعَدَّه، فهو كثير أشتات، له نعوت وصفات، كثيرة متفاوتات، كذلك الحيوان منه والموات.
فليس يوجد أبدا الواحد الأزلي، الذي ليس له مثل ولا نظير ولا كفي، إلا الله تقدست أسماؤه، وجل ذكره وثناؤه، وفي ذلك وبيانه، ومن حججه وبرهانه، ما يقول الله جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله، فيما نزل من كتابه المجيد، في سورة الإخلاص والتوحيد: ? قل هو الله أحد ? [الإخلاص:1]. والأحد فمن ليس له والد ولا ولد، ? الله الصمد ? والصمد فهو الغاية في كل خير والمعتمد، الذي ليس مِن ورائه، مَن يسمى بأسمائه، فيستحق منها كما استحق الله شيا، فيكون لله فيما يُسّمى به منها كفيا، كما قال الله سبحانه في كتابه، وما نزل من البيان على عباده، فيما كان لله تبارك وتعالى من أسمائه الحسنى متسميا: ? رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ? [مريم: 65].
وفيما نزّل سبحانه من أنه ليس له كفؤ ولا نظير، ما يقول: ? ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ? [الشورى: 11]. و? لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ? [الأنعام: 103].

(1/199)


وفي أنه ليس له شبيه ولا كفي، ولا مثيل ولا بَدِي، ما يقول الله سبحانه: ? لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد ? [الإخلاص:3-4]. وكيف يولد من لم يزل واحدا أولا ؟! أو يلد من جل أن يكون عنصرا متحللا ؟! لا كيف والحمد لله أبدا ! يكون الله والدا أوولدا! فنحمد الله على ما منَّ به علينا في ذلك من البيان والهدى، ونعوذ بالله في الدين والدنيا من الضلالة والردى.
فليسمع - من قال بالولد على الله، من كل من أشرك فيه بالله، من اليهود والنصارى، والملل الباقية الأخرى - حُجَجَ الله المنيرة في ذلك عليهم، ففي أقل من ذلك بمنِّ الله ما يشفيهم، من سقم كل عمى عارضهم فيه أو داء، ويكفيهم في كل قصد أرادوه أو اهتداء، ففي ذلك ما يقول الله سبحانه لهم كلهم جميعا، ولكل من كان من غيرهم لقوله فيه سميعا، ممن لم يَعْمَ عن قول الله فيه عماهم، ولم يَعتَدْ على الله فيه اعتداءهم: ? وقالوا اتخذ الله ولدا ? [البقرة:116]، فقال الله إنكارا لقولهم فيه وردا :? سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون، بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ? [البقرة:116-117].
وفي ذلك وتبيينه، وفي افترائهم فيه بعينه، ما يقول الله سبحانه: ? وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون، بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم يكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم، ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ? [الأنعام: 100 - 103]. ومعنى خرقوا، فهو: افتروا واخترقوا، باطلا وبهتانا، وعماية وجهلا وطغيانا.

(1/200)


وتأويل ? سبحان ? ومعناها، فليعرف ذلك من قراها: إنما هو بُعد الله وتعاليه، عما قالوا به من اتخاذ الولد فيه، وقول القائل سبحان، إنما معناه: بُعدان، كما يقال بينك وبين ما تريد، سبحٌ يا هذا بعيد، فالسبح هو البعيد الممتنع، والأمر المتعالي المرتفع.
فما الذي هو أمنع وأبعد، من أن يكون الله والدا أو يولد، وهذا فهو قول متناقض، محال داحض، لا يقوم أبدا في فكرة ولا وَهمٍ، ولا يصح به كلام من متكلم .
ولذلك من محاله، وتناقضه وإبطاله، ما يقول الله سبحانه تعاليا عن قولهم وبعدا: ? وقالوا اتخذ الله ولدا ?، والمتخذ عند كل أحد فهو المستحدث المصطنع، وما اتُّخِذ فاصطُنِعفهو يقينا المحدَث المبتدَع، والوالد كما قد بينا في صدر هذا الكتاب كالمولود، في مالهما بالذات والطبيعة من الخاصية والحدود، فجعلوا الإله البديع كالمبدوع، و الرب الصانع للأشياء كالمصنوع، وكلهم يزعم أن الله صانع غير مصنوع، ومبتدع لجميع البدائع غير مبدوع، وإذا صح أن السماوات والأرض وما فيهن لله، وأن قيام ذلك ووجوده وصنعه بالله، وما قضى من أمر فإنما قضاؤه له، بأن يبتدع صنعه وفعله، لا بنَصَب ولا علاج، ولا أداة ولا معاناة ولا احتياج، ولكنه يُتِم كَونه وصنعَه، إذا هو أراده وشآءه.
وإذا قيل أَمَرَ الله في خلقه وقضى، فإنما هو من الله بمعنى أراد الله وشاء، وما ذكر من قنوت الأشياء لله، فإنما هو قيامها ووجودها بالله، وتأويل قوله: ? له ما في السموات والأرض كل له قانتون ?، إنما هو كل به ومن أجله كائنون.
وسواء في هذا الباب، وفيما ذكر منه في الكتاب، قلت: له، و به ومن أجله، وكما يقال: فعلت ذلك بك ولك، وكذلك يقال: فعلت ذلك بك ومن أجلك.

(1/201)


ولما أن صح بأحق الحقائق، وأَوجَدِ ما يكون من الوثائق، أن السماوات والأرض ومن فيهن لا تكون أبدا إلا من واحد، صح أن ذلك لا يكون أبدا من مولود ولا والد، فكان القول - مع صحة هذا ونحوه وأمثاله، بما قالوا به في الولد - من أخبث القول وأحول محاله!! وأيُّ تناقض في مقال يقال أقبح ؟! أو محال بتناقض فاحش أوضح ؟! من قولهم اتخذ الله ولدا فجعلوه متخِذا مولودا! وهم يقولون مع قولهم ذلك أن الولد لم يزل قديما موجودا، لم يفقد قط ولم يزل، ولم يتغير حاله ولم يتبدَّل، فمن أين يكون مع هذا القول منهما ولد ووالد ؟! وأمرهما جميعا في القدم والأزلية واحد! وكيف يكون متخَذا حدثا مَن لم يزل موجودا قديما، وإنما يكون المتخَذ المستحدَث مَن كان قبل أن يُتَّخذ مفقودا عديما. فقالوا جميعا كلهم: هو اللهوولده، ثم زعموا مع ذلك أنه ابنه يسبحه ويعبده، والمولود عندهم في الإلهية والأزلية كالوالد، فصيّروا الرب المعبود في ذلك كله كالمربوب العابد، فهل وراء ما قالوا به من التناقض في ذلك على الرب ؟! من مزيد في تناقض أو محال أو إبطال أو إفساد أو كذب، يقول به قائل مناقض محيل، ويضل في مثله إلا تائه ضليل، قد عَظُم في المحال والتناقض إسرافه، وقلَّ في المقام بالباطل لنفسه إنصافه، فهو يلعب في حيرته ساهيا، ويخوض في غمرته لاهيا .
وفيه والحمد لله وفي أمثاله، ممن قال على الله بمقاله، ما يقول الله تعالى: ? فسبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون، فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ? [الزخرف:82 - 83]. وفي ذلك ما يقول سبحانه: ? ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون، قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ?[سبأ:39 - 41].

(1/202)


وفي إحالة قول من قال بالولد، من أهل الكتاب ومن كل ملحد، ما يقول سبحانه: ? لقد جئتم شيئا إدا، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، أن دعوا للرحمن ولدا، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا، إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ? [مريم: 89- 95]. والإدُّ من الأمور والأقاويل، فما امتنع امكانه في العقول، فلم يُطق له أحد احتمالا، وكان في نفسه فاسدا محالا، وهو كما قال الله سبحانه: ? وما ينبغي ?. وذلك فما ليس بممكن ولا متأتي.
فأي ممتنع من الأمور أبعدُ إمكانا ؟! مما قالوا به في الولد على الله بهتانا، وهل يمكن السماوات والأرض في عقل أو لب، أن تكون من ابن أبدا أو أب، وهل الابن إلا كالأبناء، وكذلك الأب فكالآباء، فإن لم يكن كهم زال أن يكون أبا أو ابنا، ولم يكن ذلك أبدا في الأوهام ممكنا، لأنه إن لم يكن أب وابن كأب وابن في الأبوة والبنوة مثله، زالت الأبوة والبنوة واسمها كلها عنه، وإن كان الابن للابن مثلا، كان مثله خَلقًا مجتبلا، ومتىجعلوا المسيح ابنا وولدا، كان مثل الأبناء لله عبدا مخلوقا متعبدا، ومتى أنكروا أنه كغيره من الأبناء عبد لله، أنكروا صاغرين أن يكون كما قالوا ابنا لله، أفليس هذا من القول هو المحال بعينه ؟! وما يحتاج أحد يعقل إلى تبيينه !!
إذ يثبتون من ذلك في حال واحدة ما ينفون، وينفون من مقالهم في حال واحدة ما يثبتون .

(1/203)


ولله تبارك وتعالى من الحجة والرد، في كتابه على من قال عليه بالولد، ما يكثر عن الله عن أن نحصيه أو نعدده، أو يدرك مدرك سوى الله أمده، وكفى بما ذكرنا والحمد لله حجة وردا، على من زعم أن لله تبارك وتعالى ولدا، من فرق النصارى واليهود، وأهل الفرية على الله والجحود، ممن جعل لله سبحانه ندا أوضدا، وجعله والدا أو ولدا، فليفهم حجج الله في ذلك كله من كان لله موحدا، وليتفقد تناقض قولهم فيه وفساده، وإحالته واختلافه، يجد قولا محالا فاسدا، متناقضا مختلفا.

(1/204)


وفيه ما يقول الله سبحانه، لنبيه صلى الله عليه وآله ورفع شأنه: ? وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا، مالهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا، فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ? [الكهف: 3-5]. فأخبر سبحانه بأسف رسوله، صلى الله عليه وآله، من قولهم على الله سبحانه بالفاسد المحال، وبأ خبث ما يقال من متناقض الأقوال، ونبأَّ الله جميع عباده، بجهلهم لقولهم فيه وفساده، بقوله سبحانه: ? مالهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ?، ووجدنا ما قال الله من كذبهم فيه وقلة علمهم لازما واجبا، وكان ذلك على ما قال به من أهل الكتاب، أَوكَدُ لما يقولون به من ربوبية رب الأرباب، فكلهم يثبت لله الربوبية، ويصحح له الوحدانية، وجميعهم - وإن زعم أن لله ولدا - يقر بربوبيته ووحدانيته، ويشهد له بدوامه وأزليته، التي لا يصح لهم أبدا ما يقولون به منها، إلا بتركهم لمقالتهم في الولد والرجوع عنها، ولن يرجعوا عن ذلك مصارحة أبدا، وإن هم قالوا أن قد اتخذ الله ولدا، لأن في رجوعهم عن القول لله بالوحدانية والأزلية، لحوقهم عند أنفسهم بقول أهل الجاهلية، من عبدة الأوثان، والنجوم والنيران، وذلك فما لن يقولوه، وإن لم يعرفوا الله وجهلوه، لفساد ذلك عندهم وشناعه، وبُعْد إمكان ذلك في الله وامتناعه، ولذلك ما يقول جلَّ جلاَلُهُ، عن أن يصح عليه تشبيه شيء أو يناله، في أزلية قديمة أو ذات، أو صفة ما كانت من صفات، إذ في ذلك، لو كان كذلك، إشراكُ غيره معه في الإلهية، إذ كان شريكا له في القدم والأزلية.
فتبارك الله الذي ? ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ? [الشورى:11]، وجل ربنا عن أن يكون له في شيء كفؤ أو نظير! وأنى وكيف يكون خلق كخالقه ؟! وهل يصح من ناطق بهذا لناطقه ؟! لا ولو تظاهر الخلق جميعا عليه، لما صح لهم والحمد لله أبدا منطق فيه.

(1/205)


[أدب الحوار]
وبَعدُ: فلا بد لمن أنصف خصما في منازعته له ومجادلته، من ذكر ما يرى الخصم أن له فيه حجة من مذهبه ومقالته، فإذا ذكر ذلك كله، بان ما فيه عليه وله، فكان ذلك لباطله أقطع، وفي الجواب له أبلغ وأجمع.
والنصارى فهم خصماؤنا في الله، فلا بد من تبيين ما افتروا فيه على الله، وهم ممن قال الله فيهم: ? والذين يحآجون في الله بغير علم ? [الشورى: 16]. ومن الذين قال فيهم: ? هذان خصمان اختصموا في ربهم ? [الحج: 19]. فهم في ذلك كغيرهم من كفرة الأمم.
فليفهم من قرأ كتابنا هذا ما نصف فيه من قولهم كله فسنصفه، بما يعلمه علماء كل فرقة منهم إن شاء الله ويعرفه، وسنستقصي لهم في كله ما استقصوا لأنفسهم من المقال، ثم نجادلهم فيه على الحق بالتي هي أحسن وأبلغ في الجدال، وندعوهم إلى سبيل ربنا وربهم بالحكمة والبينة، ونعظهم إن شاء الله بالمواعظ البليغة الحسنة، فإن الله سبحانه يقول لرسوله، صلى الله عليه وعلى آله: ? ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ? [النحل:125]، فنستعصم الله في ذلك كله بعصمة الهداة المسترشدين.

(1/206)


[مذاهب النصارى المتفق عليها]
وهذا كتاب ما حددت النصارى من قولها، قد استقصينا فيه جميع أصولها، فليفهم ذلك إن شاء الله منها، من أراد فهمه من الأمم عنها.
زعمت النصارى كلها: أن الله سبحانه ثلاثة أشخاص مفترقة، وأن تلك الأشخاص الثلاثة كلها طبيعة واحدة متفقة، وقالوا: تلك الثلاثة في درك يقين النفس، أب وابن وروحٌ قدس.
قالوا: فالأب غير مولود، والابن فابن وولد مولود، وروح القدس فلا والد ولا مولود، وكل واحد من الثلاثة بما قلنا فموجود.
وقالوا: إن هذه الأشخاص الثلاثة لم تزل جميعا معا، لم يسبق بعضها في الوجود بعضا، وإن ما ذكروا من الأب والروح والولد، لم يزالوا كلهم في اللاهوت وملك واحد، ليس بين الثلاثة كلها تفاوت في الإلهية، ولا في قِدَم ولا قدرة ولا ملك ولا مَشِيَّة، وإن الثلاثة كلها واحد في الطبيعة والذات، وإن هذا الواحد في الطبيعة ثلاثة في الأشخاص المفترقات، وذلك كالشمس، فيما يدرك منها بالحس، التي هي شمس واحدة في كمالها وذاتها، وثلاثة متغايرة في حالها وصفاتها، كل واحد منها غير الآخر في شخصه وصفته، وإن كان هو هو في ذاته وطبيعته.
فمن ذلك زعموا أن الشمس في عينها كالأب، وضوءها فيها كالابن، وحرَّها منها كالروح، ثم هي بعدُ وإن كانت لها هذه العدة، فشمس لا يشك فيها أحد واحدة، لأن الشمس إن فارقها ضوءها لم تُدع شمسا، وكذلك إن فارقها حَرُّها لم تُدع أيضا شمسا، وإنما تسمى شمسا وتُدعا، إذا كان هذا كله فيها مجتمعا.
وكذلك الانسان فإنه وإن كان في الانسانية واحدا، فإنا قد نراه وترونه أشياء كثيرة عددا، منها نفسه وجسده، وحياته ومنطقه، فجسده غير نفسانيته، و منطقه غير حياته، لأنه ليس يقدر أحد أن يزعم أن الحياة هي المنطق، ولا أنهما جميعا واحد متفق، لأن كثيرا من الأحياء لا يتكلم ولا ينطق.

(1/207)


قالوا: ولسنا نريد بالمنطق القول الذي يُسمع سماعا، ولكنا نريد الفكر الذي جعله الله في الانسان غريزة وطباعا، فطرة خاصة في الانسان، لا في غيره من الحيوان، كالحيوان الذي جُعلَ ) من البهائم وغيرها، من نوابت الأرض وشجرها، ولو كانت الحياة هي المنطق، لكان كل حي من الأشياء ينطق، فنَطَقَ جميع البهائم، كما ينطق بنو آدم .
قالوا: فلما لم يكن الأمر كذلك، دل على ما قلنا به من ذلك، فالأب والابن وروح القدس، كان دركهم بعقل أوحس، فقد صاروا في الذات والطبيعة واحدا فردا، وفي الأقانيم التي هي الأشخاص ثلاثة عددا، فالطبيعة تجمعهم وتوحدهم، والأقانيم تفرقهم وتعددهم، فالأب ليس بالابن والابن فليس بالروح، وما قلنا به من هذا فبيِّنٌ مشروح، فهم كلهم بالطبيعة والذات واحد، وهم في الأ قانيم ثلاثة روح وابن وأب والد، لأن الأب والد غير مولود والابن فمولود غير والد، والروح فثالث موجود، لا والد ولا مولود.
قالوا: ثم إن هذه الأ قانيم الثلاثة لم تزل جميعا معا ثلاثة عددا، لم يسبق في الوجود والأزلية والقدم واحدٌ منها واحدا، أُنزل واحد منها وهو الابن إلى الأرض رأفة بالبشر والإنس، عن غير مفارقة منه للأب ولا لروح القدس، إلى مريم العذراء، فاتخذ منها حجابا وسترا، فتجسد منها بجسد كامل في جميع إنسانيته، فتبدَّى به وظهر فيه لأَعين الناظرين عند معاينته، فأكل كما يأكل الإنسان وشرب، وساح على قدميه ودأب وتعب، وأسلم نفسه رأفة ورحمة بالبشر للصَّلب، ولِمَا صار إليه لكرمه وحلمه من الأذى والنصب.

(1/208)


[مذاهب النصارى المختلفة]
ثم اختلفت النصارى بعدُ في الابن والولد، وما كان من تجسده بما زعموا من الجسد.
فقالت فيه الروم، وهو قولها المعلوم: إن الأ قنوم الإلهي الذي لم يزل موجودا، ومن قبل الدهور من الأب مولودا، أُنزل إلى مريم العذراء فأخذ منها طبيعة بغير أقنوم فكان لطبيعتها أقنوما، فعمل بطبيعتها التي أخذ منها كل ما كان لها في طبيعتها معلوما، فنام كما كانت تنام نومها، وإن لم يكن أقنومه أقنومها، وفعل من أفعال طباعها فعلها، وإن لم يكن أصله في الناسوت أصلها. قالوا: فعمل بطبيعتها فكان المسيح إنسانا تآما بطبيعتين، وإن كان أقنوما واحدا لا اثنين، والمسيح فهو ابن الله الأزلي المولود، وعَمَلُ الطبيعتين جميعا فهو فيه موجود. قالوا: فإذا سُرَّ أو بكى، أو ضحك أو اشتكى، - وكلهم يقر ولا يشك، أن قد كان يبكي ويضحك - فكل ما كان من ذلك كله وما أشبهه مما في طبائع الإنس فمن عمل الطبيعة الانسانية، وما كان من إحيائه الموتى وإبرائه للكُمْه والبُرص ومثله فمن عمل الطبيعة الإلهية .
وقالت اليعقوبية: إن الابن الذي لم يزل، زال من السماء إلى الأرض ونزل، رأفة منه ورحمة بالانسان، وتعطفا منه على البشر بالاحسان، فأخذ من مريم العذراء جسدا، فتجسد به فصارا جميعا واحدا، وقالوا: ألا ترون الانسان من روح وجسد، ثم هو يُدعَا إنسانا باسم واحد، فترونهما وإن سُميا بالإنسان، فليس يقال لهما: إنهما في الانسانية اثنان، ولكن يقال: إنه إنسان واحد، وهو كما تعلمون روح وجسد. قالوا وكذلك المسيح الذي هو اجتماع اللاهوت والناسوت يسمى مسيحا، وهو ابن الله الذي لم يزل أفما ترون هذا قولا فيما ذكرنا وقسنا بَيِّنا صحيحا.

(1/209)


وقالت النسطورية: إن الابن الذي لم يزل بمحبته نزل رأفة وكرما، فتجسَّد من مريم عند نزوله جسدا كاملا تآما، بطبيعة وقنومية، من إنسانية وآدمية، فكان المسيح طبيعتين وقنومين، بعد تجسده بالجسد تآمين. وقالوا: فنحن إذا رأيناه يأكل ويشرب، ويجيء في الأرض ويذهب، ويَنصَب ويشتكي، ويضحك ويبكي، جعلنا ذلك كله، وما رأينا منه ومثله، من الناسوت وإذا نحن رأيناه يحيي الموتى، ويبرىء المرضى، ويمشي على الماء، جعلنا ذلك للاهوت .

(1/210)


[المذهب الجامع للنصارى]
وقالت فرق النصارى كلها مع اختلافها، وافتراق قولها في أوصافها، إن سبب نزول الابن الإلهي الذي نزل من السماء، رحمة للبشر ومحافظة على الرسل والأنبياء، قالوا من أجل خطيئة آدم فإنه لما أن أخطأ، وأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها فعصى، تبرأ الله تبارك وتعالى منه، وأسلمه إلى الشيطان باتِّباعه له. قالوا فكان في حيِّز الشيطان ودار ملكه، وكذلك زعموا كان معه فيها جميع ولده، يحكم فيهم الشيطان بما أحب من حكمه، قالوا وكان فيما ملك الشيطان من آدم ونسله، أنفس كثيرة من أنبياء الله ورسله، فمن تلك الأنفس نفس نوح ونفس إبراهيم، وغيرهما من أنفس الرسل والنبيين، قالوا فتلطف الابن واحتال لاستخراج تلك الأنفس من يد الشيطان، فلبس لذلك ومن أجله جسدا آدميا، ليكون بما لبس منه عن الشيطان خفيا، فتنكر الابن بذلك له، لكي لا يحترس الشيطان منه، فلا يُنفِذ فيه مكره.
قالوا: فلما غلبتعلى الناس الخطية، وحلت بهافيهم البلية، واستبان لآدم زعموا ما فعل الشيطان به، وما كان من غروره إياه وخديعته له، خدع عند تلك الابنُ الشيطانَ بمكره، فبلغ فيه ما أراد من أمره، فاستخرج آدم وجميع ولده، من سلطان الشيطان ويده. قالوا وذلك كله فإنما كان الابن يبذل نفسه للصلب، ولما لقي من الأذى قبله والنصَب، إحسانا من الابن إلينا وكرما، ورأفة من الابن بنا ورحما.
قالوا: فاشترى الابن البشر من أبيه، بما وصل من الأذى والصلب إليه، وذلك زعموا أن أباه لم يكن في حكمه وعدله، أن يظلم الشيطان ما جعل له من آدم وولده، إن صاروا إلى طاعة الشيطان وأمره، لأنه قال للشيطان فيما يزعمون من المقال: كل من اتبعك فهو لك.

(1/211)


قالوا: فلذلك اشترانا الابن من أبيه بالعدل، وغلب الشيطان على ما كان في يده منا بالمكر. فلما استخرج آدم ونفوس الرسل والأنبياء، صعد بعد فراغه من معاملة الشيطان إلى السماء، بعد أربعين يوما مرت به، بعد الذي كان من صلبه. قالوا: فجلس عن يمين أبيه تآما بكليته وجسده وجميع ما فيه من اللاهوت والناسوت، وكل ما كان فيهما ولهما من النعوت.
قالوا: وسينزل أيضاً مرة أخرى، فيدين الأحياء والأموات عند فناء الدنيا. قالوا: ولذلك آمنا بالأب والابن وروح القدس. قالوا: والأب فهو الذي خلق الأشياء بابنه، وحفظها بروح قدسه.
فهذا - فليعلمه من أراد علمه - جماع قول النصارى وما لبسوا من اللبس، في الأب والابن وروح القدس، وفي الأ قانيم والطبيعة، وما لهم في ذلك من المقالة البديعة، التي لم يقل بها قبلهم قائل، ولم يتنازع فيها مجيب ولا سائل، وقولهم إن الثلاثة في موضع يوحدون، وفي موضع بعد التوحيد يثلثون، وفي سبب نزول الابن زعموا من أجل خطيئة آدم، وما قالوا به في ذلك من خلاف جميع الأمم، فلم نترك لهم بعد هذا من قول، يجهله منهم إلا كل جهول.

(1/212)


[نقض مذاهب النصارى]
ونحن إن شاء الله مبتدئون فرآدُّون، لباب فباب بما يقولون ويحددون، فليفهم ذلك من يريد مجادلتهم من أهل التوحيد والدعوة، فإنا مُقَدِّمُون إن شاء الله من ذلك باب الأبوة والبنوة.
فقائلون لهم، جميعا جوابهم: أخبرونا عن هذه الأسماء التي سميتم ؟ وادعيتم من خرافات القول فيها ما ادعيتم ؟! من أب زعمتم وابن وروحِ قدس، لم يدل على شيء منه قياس ولا حآسة من الحوآس الخمس، ما هذه الأسماء أسماء طبيعية ذاتية جوهرية ؟! أم هي أسماء شخصية قنومية ؟! أم تقولون هي أسماء حادثة عَرَضِية ؟! فإنكم إن كنتم إنما سميتم الأب عندكم أبا، لأنه ولد بزعمكم ولدا وابنا، فليس هذه الأسماء طبيعية ذاتية، ولا أسماء أيضا قنوميةشخصية، ولكنها حادثة عرضية، عرضت عند حدوث أولاد، بين الوالدين والأولاد، ولَسْنَ بأسماء طبيعية ولا أقنوم، لا في الروم ولا في غير الروم.
والطبيعية فإنما تسمى بذاتها وطباعها، وبما يكمل ذلك كله لها من اجتماعها، لأنا بالأسماء المعلقة بالعلة المشتقة من الأفعال المعتملة أعرف، لأن اسم الطبيعة غير اسم الأ قنوم، واسم القنوم غير اسم الفعل المعلوم، واسم الطبيعة ثابت، لا اختلاف فيه ولا تفاوت، إنما هو اسم لها محدود موقَّف، لا ينصرف فيها ولا يختلف، فيدل على قنوم، ولا فعل مفعول، ولكنه اسم الشيء نفسه، يدل عليه لا على جنسه، كالأرض والسماء، والنار والماء، وأشباه ذلك من الأسماء، التي تدل على أعيان الأشياء، فهذه هي أسماءالذات والطبائع، لا أسماء الأ قانيم والصنائع.
فأما أسماء القنومية، التي ليست بطبيعية ولا عرضية، فمثل إبراهيم وموسى، وداود وعيسى، وليس في الأسماء الطبيعية، ولا في الأسماء الشخصية القنومية، أبوة ولا بنوة، ولا فعالولا قوة، إنما هي أسماء تدل على الأعيان، كالانسانية التي تدل على الانسان.

(1/213)


وفيما بينا - والحمد لله - من تحديدنا الذي حددنا في الأسماء، حجة لا يدفعها في التسمية عندهم إلا من كان من أهل الجهل والعمى، لأن الأسماء عندهم للأشياء ثلاثة أسماء:
اسم جوهر كالأرض والسماء.
واسم قنوم، كَفُلان المعلوم.
واسم ثالث من عرضٍ وحدثٍ، يسمى به كل عارض محدث .
وزعمت الفرق الثلاث من النصارى - فنعوذ بالله من الجهل بالله - أنها تجد فيما في أيديها من كتب الأنبياء أن المسيح بن مريم هو الله، وأنه هو ابن الله، فجعلوا في قولهم هذا الابن أباه، ثم رجعوا فجعلوا الأب هو إياه، غفلة وسهوا واختلافا، وعماية وتخرصا واعتسافا، تصديقا لقول الله فيهم وفي أمثالهم، ومن كان يقول من أهل الجهالة بمقالتهم، ? إنكم لفي قول مختلف، يؤفك عنه من أفك، قتل الخراصون، الذين هم في غمرة ساهون ? [الذاريات: 8–11].
وإنما أخذت النصارى وقبلت، هذه الكتب فيما زعمت وقالت، عندما صلب عندهم المسيح صلى الله عليه من اليهود، وليس أحد من خآصتهم ولا عآمتهم عند النصارى بعدل ولا محمود، ولا تقبل شهادته على يهودي مثله، فكيف تقبل شهادتهم على الله تعالى وعلى رسله.
مع أنَّ لِمَا قالت النصارى من ذلك كله مخارجَ عندنا في التأويل صحيحة، لا يعمى عنها ولا عما بَيَّنَ الله منها إلا من لم يقبل فيها من الله بيانا ولا نصيحة، ولكن النصارى تأولت تلك الكتب بآرائها، وعلى قدر موافقة أهوائها، فضلَّت في ذلك وما تأولت منه بعمى التأويل، وأضلت من اتبعها عليه عن سواء السبيل.

(1/214)


فيقال إن شاء الله لهم فيما تأ ولوه من ذلك وادعوا، وافتروا في ذلك على كتب الأنبياء وابتدعوا، مما لم يسبقهم إليه أحد، ولم يقل به قبلهم مفتر ولا ملحد: إنا لم ندرك نحن ولا أنتم الأنبياء ولا المسيح بن مريم، صلى الله عليه وسلم، ولم ندرك نحن ولا أنتم أحدا من حواريه، فنسأل من أدركنا منهم عما اختلفنا نحن وانتم فيه، فتكتفوا بمن أدركتم من الأنبياء عليهم السلام في التأويل، ونجتمع نحن وأنتم على الحق فيما اختلفنا فيه من الأقاويل .

(1/215)


[قواعد للحوار]
ولابد لنا ولكم من الانصاف، فيما وقع بيننا وبينكم من الاختلاف، فإن نحن تناصفنا ائتلفنا، وإن فارقنا التناصف اختلفنا، ثم لم نعد أبدا للائتلاف، إلا بعودة منا إلى الانصاف. والتناصف هو الحكَم العدل بعد الله بين المختلفين، والشفاء الشافي الذي لا شفاء أبدا في غيره للمتناصفين، فأنصفوا الحق من أنفسكم، تخرجوا بإذن الله بإنصافكم من لبسكم، وارفضوا للحق أهواءكم، تسعدوا في دينكم ودنياكم، وأقيموا ما أنزل إليكممن التوراة والإنجيل، واتركوا الافتراء على الله فيها بعمى التأويل، تهتدوا إن شاء الله لقصد سبلكم، وتأكلوا كما قال الله من فوقكم ومن تحت أرجلكم، وافهموا قول العزيز الوهاب، فيكم وفي غيركم من أهل الكتاب: ? ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما كانوا يعملون ? [المائدة: 66]، فكفى بهذا بيانا من الله في أهل الكتاب لقوم يعقلون .

(1/216)


وليعلم مَن فَهِمَ منهم، أومن غيرهم، أن فيما ذكر الله لهم من المأكل ومثله، آيةً عجيبةً ظاهرةً لمن يفهمها بعقله، تدل على أنه لم ينزلها إلا علام الغيوب، الذي لا يخفى عليه شيء من سرائر القلوب، لا سيما في النصارى من أهل الكتاب، وما هم عليه من الحرص والكد والاكتساب، فإنا لم نر أمة من أهل الكتاب أرغب في المأكل والمشرب، واكتناز الفضة والذهب، منهم خآصة دون غيرهم، معلوم ذلك من غنيهم و فقيرهم، ولذلك ما يقول الله سبحانه فيهم، وفي بيان ما قلنا به من ذلك عليهم: ? إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ? [التوبة: 34]. فرهبا نهم إلا القليل وشمامستهم، تعولهم أبدا أقوياؤهم وضعفتهم. وليس من الرهبان ولا الشمامسة مَن تكلَّف في مطعمه ولا مشربه ولا كسوته ولا مصلحته كلفة، ومن كفاهم ذلك من عوآمهم وضعفتهم فقد يرى ذلك قُربة له عند من يعبدون وزلفة.
فأول ما يقال - إن شاء الله - لمن أراد الانصاف لنفسه منهم، وعند من تجري المجادلة فيما ادعوا من الكتب بين أحد من أهل التوحيد وبينهم، يا هؤلاء: أنصفونا فيما ادعيتم من شهادات الكتب من أنفسكم، فلا تدعوا فيها ولا تأولوا فيها تأويلا ملتبسا يزيدكم لبسا على لبسكم، فإن شئتم تأولتم الكتب وتأولنا، على ما قد قلتم وقلنا، ولنا من التأويل مثل مالكم، وقولنا فيه يخالف أقوالكم. فإن كان ذلك أحب إليكم، فافهموا فيه ما يدخل عليكم، فلسنا ندخل عليكم فيه، إلا ما نجمع نحن وأنتم عليه.
أجمعنا نحن وأنتم جميعا كلنا، قولكم مما قلنا به من ذلك قولنا، على أن أصدق الشهادات كلها وأعدلها، خمس شهادات يلزمنا وإياكم أن نقبلها:
فأولها: زعمنا وزعمتم شهادة الله،
والثانية: فشهادة ملائكة الله.
والثالثة: فقول المسيح وشهادته.
والرابعة: فما شهدت به أمه ووالدته.

(1/217)


والخامسة: فشهادة الحواريين وما كانوا يقولون. فهذه خمس شهادات ليس منها ما تنكرون، وكلها فنحن وأنتم بها راضون، فيما ندعي في المسيح وتدَّعون.
فقد وجدنا ووجدتم في الأناجيل الأربعة شهادات مختلفة، كلها فيما عندنا وعندكم فقد أحطتم بها وأحطنا معرفة، فيما في الإنجيل الذي يُدعا عندكم إنجيلا مثل ما لا تنكرون من قوله، في أول ما وضُع من إنجيله : ( هذا ميلاد يسوع المسيح بن داود )، فهذه شهادته وهو من الحواريين على أن أبا المسيح داود، وأن المسيح ابنه وهو منه مولود، ولهذه الشهادة في الأناجيل الأربعة نظائر كثيرة، وفي ذلك حجة عليكم لا تدفع ظاهرة منيرة .
ومنها شهادة المسيح صلى الله عليه لحواريه أنهم بنو الأب جميعا، وأن الله أبوهم كلهم معا، وهذا يدل على أن تأويل الأبوة والبنوة، غير ما قلتم به فيها من الدعوة .
ومنها: شهادة المسيح أن الحواريين إخوانه فإن شئتم فقولوا في نسب أو غير نسب، فلهم بذلك ماله بعد شهادته صلى الله عليه زعمتم أنه ابن الأب .
ومنها: شهادة أمه صلى الله عليها، على أنه ابن يوسف جدها وأبيها.
ومنها قول فيلبس لسائل سأله، إذ قال له عند مسألته عنه، هو ذلك الذي ذكره موسى في التوراة، ونَسَبَه صلى الله عليه فيها وسمَّاه، فقال: يسوع بن يوسف، يعرف هذا منكم كل عارف.
ومنها أيضا: شهادة يحيى التي تدل على أن معنى البنوة والولادة، إنما هو معنى المحبة والولاية والعبادة، إذ يقول: أما أولئك الذين قبلوا قوله، وسلموا فيما سمعوا منه له، فلم يولدوا من اللحم والدم، ولا من مزاج المرة والبلغم، ولكنهم - زعم - من الله وُلِدوا، وأعطوا من كرامة الله ما رضوا وحمدوا. فتأويل هذا ومثله إن كان صدق فيه، فإنما هو على ما يصح أن يكون عليه، لا على ما يستحيل في الألباب والعقول، ويفسد ويتناقض من القول في التأويل، من أن يكون الرب عبدا، و الوالد مع ولادته ولدا، وذلك أجهل الجهل، وفي ذلك المكابرة للعقل .

(1/218)


أَمَا سمعوا قول الملائكة لمريم، صلى الله عليهم وعليها وسلم، عندما صاروا به من البشارة بولادتها، للمسيح ابنها، :( تلدين ابنا )ولم يقولوا: تلدين ابن الله، وقالوا:( يدعا يسوع ويكون عليا عظيما بالله، ويرث كرسي أبيه داود ) فلو كان كما يقولون لقالت الملائكة: تلدين ابن الله ويكون منك مولودا، فكان أعظم في القدر والخطر، من أن يقال: ابن البشر .
وكذلك قال المَلَكُ ليوسف زعمتم بعلِها، عندما أراد لماَّ ظهر من حملها، من تطليقه لها وتخليته لسبيلها، :( يا يوسف بن داود لا تُخَلِ سبيل امرأتك فإن الذي بها من روح الله، وهو يدعا يسوع، وبه يحيي الله شعبه من خطاياهم بإذن الله ).
ومما زعموا فاعرفوه أنه دلهم، وشهد على ما ادعوا لهم، واعتقدوا من ضلال أقاويلهم، قول الله زعموا في إنجيلهم، في المسيح بن مريم، صلى الله عليه وسلم:( هذا ابني الحبيب الصفي). وقول سمعانالصفا له :(أنت ابن الله الحق).
وما ذكروا من هذا إن صح ومثله، مما يدعون على الله وعلى رسله، فقد يوجد له تأويل، لما قالوا مبطل مزيل، لا ينكرونه ولا يدفعونه، ولا يكذبون من خالفهم فيه ولا ينازعونه .
فمن ذلك ما هم عليه وغيرهم مجمعون، لا يختلفون فيه كلهم ولا يتنازعون، من أن ملائكة الله، ومن مضى من رسل الله، لم يُسَبِّح المسيح قط ولم يعبده، ولم يزعم أحد منهم أن الله ولده .
ومن تأويل ما ذكروا من الولد والابن، في زمن المسيح وكل زمن، أن الناس لم يزالوا يدعون ابنا وولدا من تبنوا وأحبوا وحظي عندهم، وإن لم يكن على طريق التناسل ولدهم، ثم لم يزل ذلك لديهم معروفا، قديما وحديثا، ولاسيما في القدماء، من أهل العلم والحكماء، فكان الحكيم منهم يقول: يا بني لمن علَّمه، ويدعو المتعلمُ باسم الأبوة مُعلّمَه، فيقول: قد قلتَ وقلنا يا أبانا، وربما قال أحدهم: يا أبت أما ترانا.
قال بعضهم :
آباء أرواحنا الذين همُ همُ .... أخرجونا من منزل التلف
مَن علَّم العلم كان خير أب .... ذاك أبو الروح لا أبو النطف

(1/219)


وذلك والحمد لله في الأمم كلها فأوجد موجود، يقوله الرحيم منهم لمن ليس بابن له مولود .
ومن ذلك ما كان يقول المسيح صلى الله عليه، كثيرا لا تنكره النصارى لحوارييه:( إذ هبوا بنا إلى أبينا، وقولوا: يا أبانا أنزل من سمائك طعامك علينا). ومن ذلك قوله لهم، صلى الله عليه وعليهم، :( قولوا: يا أبانا تقدس اسمك، لتنزل في الأرض ملكوتك وحكمك).
فهل يتوهم أحد أنه أب من الآباء يلد وينسل ويتغير ويتغذى ؟! أو يصل إليه صلب أو نَصَب أو أذى ؟! لا بحمد الله وكلا ! وتبارك ربنا عن ذلك وتعالى ! ولكنه أرحم بنا وألطف، وأعطف علينا وأرأف، من الآباء كلهم والأمهات، ومن أنفسنا فيما يهمنا من المهمات .
وقد ذكر عن بعض الحكماء، ممن مضى من أوائل القدماء، أنه كان إذا أخذ في التسبيح لله والذكر، قال: الله الذي هو في ذاته محب للبشر. وإنما يراد بالمحبة لهم، الرأفة والرحمة بهم،
وكذلك قال الرحمن الكريم: ? إن الله بالناس لرؤوف رحيم ? [البقرة: 143]. فمن أرأف بهم وأرحم ؟! وأعطف عليهم وأكرم ؟! ممن خلقهم مبتدئا فسوّاهم ؟! وأعطاهم من نعمه ما أعطاهم ؟! ثم دلَّهم تعالى على الهدى، وبيَّن لهم الغيَّ والردى. لا مَن بحمد الله وفضله! فنستمتع اللهَ بالنعم في ذلك كله.
ومما يحتج به على من كفر منهم بربه جهلا ومجانة، قول المسيح بن مريم لهم فيما زعموا من إنجيلهم أبانه :( أنا ابنه وهو أبي ) وقوله :( جئتكم من عند أبي، وما سمعت عنده فهو ما أكلمكم به، وأنتم لو كنتم منه لقبلتم ما جئتكم به من أمره، ولكنكم من الشيطان وأنتم بنوه، ولذلك قبلتم قوله فلم تخالفوه، وإنما أنتم بنو الخطيئة والشيطان أبوها، وأنتم صاغرون لطاعتكم له فبنوها. فقالوا: نحن بنو إبراهيم، ورموه بالبهتان العظيم. فقال: لستم بولد إبراهيم ولابنيه، لو كنتم ولده لعملتم بما يرضيه، ولكنكم بنو الشيطان والخطيئة.

(1/220)


أخبروني هل منكم من يرتجي الله لمعصيته ؟ فعلام تريدون قتلي ؟! ولم لا تقبلون قولي ؟! لو عملتم بطاعة الله، إذن لكنتم أبناء الله.
فجعل كما ترون الله أبا لمن أطاعه وأرضاه، وجعل الشيطان أبا لمن أطاعه واتبع هواه، فكفى بهذا حجة دامغة، وشهادة قاطعة بالغة، على مَن تأول من النصارى الأبوة والبنوة على ما تأ ولوها عليه، وما قلنا به من هذا كله فهم كلهم مقرون به في إنجيلهم لا يختلفون فيه.
فإن لم تكن الأبوة والبنوة إلا على ما قالوا، لزمهم أن يتأولوا كل ما في إنجيلهم من الأبوة والبنوة بما تأولوا، فقد يقرون كلهم من ذلك في إنجيلهم، بما سنذكره مع ما ذكرنا إن شاء الله من أقاويلهم .
زعموا أن فيها، وفيما يضيفونه إليها : (( أن المسيح خرج من القرى وتنحى، وصام في البرية أربعين صباحا، لم يأكل فيها طعاما، ولم يشرب فيها شرابا، فجاءه إبليس في صومه ومنتحاه، فعرض عليه جميع زهرة الدنيا وأراها إياه، فلما رأى المسيح ذلك كله، سأله إبليس أن يسجد له سجدة واحدة، على أن يعطيه من ذلك كل ما أراه، فلعنه المسيح وأخزاه، وقال: لا يصلح السجود لغير الله، اخس إليك يا عَدُوَّ الله، قال إبليس ـ زعموا له، عندما جرى من القول بينه وبينه ـ فاليوم لك أربعون يوما، لم تشرب شرابا ولم تطعم طعاما، فادع الله إن كنت له حبيبا، أن يجعل لك هذه الحجارة فضة وذهبا، فقال له: ألم تعلم يا لعين أن كلام الله يكفي من اكتفى به من أحب كل طعام وشراب).

(1/221)


ومن كلام الله الذي ذكر صلى الله عليه ما نزّل لا شريك له من كل كتاب، وزعموا في أناجيلهم أن الله أوحى إلى يوسف بعل مريم، بعد ولادتها للمسيح بما الله به أعلم، (( أن انطلق بالصبي وأمه إلى مصر فأقم بها أنت ومريم وابنها حتى أبين لك موت هيردوس - وهو ملك من ملوك الروم كان ملكا على بني إسرائيل - فإنه يريد قتل عيسى ودماره، فرحل يوسف بمريم وابنها ليلا، وأتم الله زعموا بما كان من ذلك من أمره ببعض ما أوحى إليه من كتب رسله إذ يقول سبحانه :من مصر دعوت صفييّ .
وقالوا في إنجيلهم : ( فلما مات هيردوس أوحى الله إلى يوسف أن قد مات فانطلق بعيسى وأمه إلى أرض إسرائيل) وزعموا أن هذا كله موجود عندهم فيما في أيديهم من الإنجيل، وأنه لما قدم بهما يوسف سمع أن كيلادوس مَلِكَ من اليهود بعد أبيه، ما كان يملك أبوه، ففزع لعيسى وأشفق عليه، فأوحى الله تبارك وتعالى إليه :( أن امض إلى جبل الجليل فكن فيه، فخرج حتى نزل منه في مدينة يقال لها: ناصرة ). تصديقا لما أوحى الله به قديما في بعض كتبه.
وفيما ذكر من عيسى وأمره في أنه: (( يكون ويدعا ناصريا ))، وبذلك يرى ويدعا كل مَن تَنصَّر نصرانيا .
فلما كبر عيسى وظهر في أيام يحيى، وكان يحي صلى الله عليهما ممن أجابه وصار إليه، فأمره بالتطهر والاغتسال في نهر الأردن، وكان ذلك تطهرة من الخطايا لمن تاب وآمن، فقال فيما زعموا من إنجيلهم :( أنا أطهركم كما ترون بالماء والذي يأتيكم على أثري، هو أكرم على الله مني، وهو الذي يجعل الله به المذراة، فلا يودع خزائنه إلا الحبوب المطيبة المنقاة، وما بقي بعد ذلك من الغرابلة والتبن، وما ليس بذي قيمة ولا ثمن، يحرق بالنار التي لا تخمد، حيث يبقى التحريق ويخلد) .

(1/222)


فلما سمع عيسى بأخبار يحيى صلى الله عليهما وعلى جميع النبيين، وما يصنع من تطهيره للمؤمنين، ( أقبل إلى يحيى من جبل الخليل ليصبغه بالماء ويطهره، فكره يحيى عليه السلام مجيئه لذلك - زعموا – وأَمْرَه، وقال له يحيى عليه السلام: بي إليك فاقة، وتجيء إلي أنت تطلب الطهارة، فقال عيسى، صلى الله عليه وعلى أخيه يحيى: دعنا الآن من هذا فإنه هكذا ينبغي لنا أن نستتم خلال البر كلها، أوكل ما قدرنا عليه منها، فتركه يحيى حينئذ فاغتسل، وعمل في ذلك ما أراد أن يعمل ).
( ثم سمع بقتل اليهود ليحيى فانطلق إلى أرض الجليل فسكن في كفر ناحوم يتفيأ من حد زبولون ). ( وَثَّم أوحى الله – زعموا - فيه إلى شعيب صلى الله عليه، في مصير عيسى من زبولون إلى ما صار إليه، وكان في مصيره إليها ومقامه بها سيارا يسيح في أرض الجليل، يبشر ويعلِّم ما يجب لله كلَّ جيل وقبيل، ويبرىء كل مرض ووجع في بني إسرآئيل، حتى سُمع بفعاله، وتبشيره ومقاله، في كل ناحية وأرض، وأُتي بكل ذي وجع ومرض، من البرصى والمجانين، والكُمْه والمقعدين، فأبرأهم بإذن الله من أمراضهم المختلفة الهائلة، وانطلقت على إثره جموع كثيرة من كل قبيلة، من أرض الجليل، ومن المدائن العشر وأهل بيت المقدس ومن عبر الأردن.

(1/223)


[وصايا المسيح عليه السلام]
( فلما رأى عيسى صلى الله عليه تلك الجموع وما اجتمع منها إليه، صعد على جبل مرتفع فارتفع عليه، ليسمع قوله كل من اجتمع فلما علا قعد عليه أدنى منه حوار ييه، ثم قال: طوبى بالروح عند الله غدا للمساكين ذوي التقوى، كيف يكون ثوابهم في ملكوت الله ودار الإقامة والمثوى، طوبى للمحزونين على خطاياهم في الدنيا، كيف يغفر الله لهم خطاياهم غدا، طوبى للمتواضعين لله كيف يرثون أرض الله، طوبى للجياع العطاش في الله بالبر، كيف يشبعون ويروون في يوم البعث والحشر، طوبى للرحماء في الله، كيف يفوزون برحمة الله، طوبى للنقية قلوبهم، إذا نظروا إلى ربهم، كيف يصنع غدًا بهم، وكيف ينتفعون عنده بكسبهم، طوبى لعمال السلام لله، كيف يُدعون أصفياء الله، طوبى للذين يُطردون لأعمال البر، كيف يملكون في ملك السماء إلى آخر الدهر.

(1/224)


ثم قال صلى الله عليه، لمن أجابه ولحوار ييه: طوبى لكم إذا أنتم عُيّرتم وطُرّدتم فيّ وعليّ، وقيل لكم قول السوء والكذب من أجلي، عندها فليعظم فرحكم لما عظّم الله في السماء من نوركم، وذخر عند الله في الآخرة لكم من أجوركم، فإن تُظلموا فقبلكم ما ظلمت الرسل والأنبياء، أو يكذب عليكم فمِن قبل ما قيل على الله الكذب والافتراء، أنتم ملح الأرض فإذا أنتن الملح فبم يُملَّح، فحينئذ لا يصلح إلا أن يُرمى به ويُطرح، فيكون شيئا ملقى، وترابَ أرضٍ يوطأ، أنتم نور العالم الذي لا يخفى على من يبصر ويرى، وهل تستطيع مدينة ظاهرة على جبل أن تخفى أو تتوارى، وهل يُسرَّج السراج فيحمل تحت الأغطية، لا ولكن يحمل فوق المنارة العالية، لكي ينير فيضيء، ويظهر فلا يختفي، وكذلك أنتم تنيرون للناس بنوركم المضيء، لينظروا عيانا إلى عملكم الرضي، لتحمدوا الله ربكم الذي زكاكم، وأعطاكم من توفيقه ما أعطاكم، ألا ولا يظنن أحد أني جئت لدفع التوراة والإنجيل والأنبياء، ولا لنقض شيء جاء عن الله من جميع الأشياء، ولكني جئت لتمام ذلك كله، ولتصديق جميع ما أمر الله فيه ورسله، بل أقول لكم قولا حقا، وأنبئكم نبأ فافهموه صدقا، أنه لا تُغيَّر من آيات الله كلها آية ولا تنتقض، إلى أن تتغير وتفنى السماوات والأرض، ومن نقض من آيات الله آية، أو غيَّر من أصغر وصاياه وصية، فعلَّمها أحدا من الناس مبدّلة مغيّرة، صغيرة كانت الآية والوصية أو كبيرة، دعي في ملكوت الله خسيسا ناقصا، ومن علَّمها كما أنزلت كان في الآخرة تآما خالصا .
وحقا أقول لكم: لئن لم تكونوا من الأبرار، ويكن بركم أفضل من بر الكتبة والأحبار، لا تدخلون غدا في ملكوت الله الغفار .

(1/225)


ألا وقد سمعتم في التوراة ألاَّ تقتلوا النفس المحرمة، ومن قتلها فقد استوجب في الدنيا العقوبة المؤلمة، وأنا فإني أقول لكم: إن من قال لأخيه، كلمة قبيحة تؤذيه، فقد استوجب العقوبة، إلا أن يحدث لله منها توبة، ومن قال لأخيه ليعيره: إنك لأرغل لم تختتن، فقد استوجب في الآخرة نار جهنم، بل من قرب منكم قربانه على المذبح وأدناه وقربه ليذبحه، ثم ذكر أن أخاه واجد عليه فليدَع قربانه وليذهب إلى أخيه فيصالحه.
ألا وقد قيل في التوراة: لا تكذبوا إذا حلفتم، ولكن اصدقوا إذا حلفتم بالله وأقسمتم، وأنا فإني أقول لكم: لا تحلفوا بشيء من الأشياء، ولا تقسموا طائعين بقسم ولا إيلاء، لا تحلفوا بالسماء التي هي مكان كرسي الله، وفيها يكون ملائكة الله، ولا بالأرض التي هي منزل رحمة الله وآياته، ولا بحياة شيء، ولا برأس آدمي، ولكن ليكن كلامكم نعم وكلا، فيما تقولون وبلى، وما كان سوى ذلك فهو من السوء، [والقول الباطل] والهزوء، ومن سأل أحدكم شيا، فليعطه وإن كان نفيسا عليا.
ألا وقد سمعتم أن قيل: أحبوا أولياءكم، وأبغضوا من الناس أعداءكم، وأنا أقول لكم أحبوا في الله أعداءكم، وبَرِّكُوا منهم على من لعنكم وآذاكم، وأحسنوا منهم إلى مبغضيكم، وصِلوا منهم من يؤذيكم، لكي تكونوا من أصفياء الله، ولتفوزوا بالكرامة والرضا من الله، الذي يُطلع شمسه على المتقين والفجرة، وينزل أمطاره على الظالمين والبررة، فإن كنتم إنما تحبون من يحبكم، فأي أجر حينئذ لكم، أَوَليس المكسة والعشارون، كذلك فيما بينهم يفعلون.

(1/226)


ألا ولا ترآوا الناس بالصدقة والزكاة، ولا بما تصلونه لله من الصلاة، فتحبطوا أعمالكم في ذلك لله بالرياء، وتتوفوا أجرها في عاجل هذه الدنيا، ولكن لتكن صدقتكم لله فيما بينكم وبين الله خفية وسرا، فإن الله ربكم الذي يرى سركم هو يجعلها لكم علانية جهرا، وإذا كنتم في صلاة لله أو خشوع، فلا تقوموا بذلك في السكك والجموع، كالمرآئين للناس بما هم فيه لذلك من حالهم، فحقا أقول لكم لقد تَوفَّى أولئك جزاء أعمالهم.
وإذا صليتم فلا ترفعوا أصواتكم ودعاءكم طلبا للرياء، فإن الله يعلم قبل أن تسألوه ما تحتاجون إليه من الأشياء، ولكن إن صليتم فلله وحده فصلوا، وإذا حكمتم في أرضه بحكم فاعدلوا، وقولوا ربنا الذي في السماء تقدس اسمك وحكمتك، وعظم ملكك وجبروتك، أظهر حكمك في أرضك كما أظهرته في سمائك، وارزقنا طعام فاقة يومنا، واغفر لنا سالف جرمنا، كما نغفر لمن ظلمنا، واعف عنا برحمتك وإن أجرمنا، ولا تبتلنا ربنا بالبلاء، وخَلِّصنا من مكار ه الأسواء، فإن لك الملك والقدرة، ومنك الحكم والمغفرة، أبد الآبدين، ودهر الداهرين.
واعلموا أنكم إن غفرتم للناس ما بينهم وبينكم، فإن الله سبحانه يغفر لكم، وإذا صمتم فلا تغيروا وجوهكم، ليعلم الناس صومكم، ولكن إذا صمتم فاغسلوا وجوهكم وادهنوا رؤوسكم، لكيما لا يعلم الناس صومكم، فإن الله الذي صمتم له سرا، هو يجزيكم بصومكم علانية جهرا.
ألا ولا تخزنوا خزائنكم، ولا تجعلوا في الأرض ذخائركم، فإن ما في الأرض يفسده السوس وتأكله الأرضة، وتعرض له الآفات وتناله السرقة، ولكن اخزنوا خزائنكم، واجعلوا ذخائركم في السماوات العلى، حيث لا يفسد منها شيء ولا يبلى، بسرقة ولا آفة معترضة، ولا يناله أكلُ سوسٍ ولا أرضة، فحقا أقول لكم: أن حيث تكون خزائنكم وذخائركم، فهنالك تكون قلوبكم وضمائركم.

(1/227)


واعلموا أن سراج الجسد العين فإن كانت العين نيرة مضيئة كان الجسد نيرا مضيا، وإن كانت العين عمية مظلمة كان الجسد مظلما عميا، وإذا كان النور الذي فيكم مظلما لا يبصر ولا يعلم، فكم ترون ظلمة حوآسكم وقلوبكم أعمى وأظلم .
واعلموا أن الله لم يجعل لأحد في جوفه من قلبين، وأنه لا يستطيع أحد منكم أن يعبد ربين، لأنه لابد له من أن يكرم أحدهما ويجله، فيقصر بالآخر عن الكرامة ويغفله، أو يهين أحدهما ويحقره، فيجل الآخر ويكبره .
وكذلك لا تستطيعون أن تعبدوا الله وتعزروه، وتسعوا للمال فتجمعوه وتكثروه، ومن أجل ذلك فإني أقول لكم: لا تهتموا بما تأكلون، ولا بما تشربون، ولا ما تلبسون، أليس ماخلق الله لكم من الجوارح والأجسام ؟! أكرم وأجل وأكبر من الشراب والطعام! أَوَليس ما خلق الله لكم من الأنفس ؟! آثر عند الله من الثياب والملبس!
انظروا إلى طير الأرض والسماء، وما خلق الله من دواب الماء، التي لا يزرعن زرعا ولا يحصدنه، ولا يدخرنه في الأهواء ولا يحشدنه، والله ربكم الذي في السماء، يرزقهن في كل يوم ما يصلحهن من الغذاء .
وانظروا إلى عشب البرية الذي لم ينسج ولم يغزل، ولم يُعن منه بشيء ولم يُعتمل، كيف يلبسه الله في حينه كل لون زينةً تبهجه! أو حسنا أو نورا، فأنا أقول لكم إن سليمان بن داود في كل ما كان فيه من ملكه وسلطانه، ما كان يقدر على أن يلبس لونا واحدا مما ألبسه الله العشب من ألوانه، فإن كان العشب في حين تنويره ذا بهجة ونور، فعما قليل وبعد يسير ما يُجعل وقودا للتنور .

(1/228)


ثم الله تبارك وتعالى اسمه يلبسه من البهجة والنور ما لم يلتمسه فيكم، فكم ينبغي لكم يا ناقضي الأمانة ألا تهتموا فتشتغلوا ولا تكثروا من القول لأنفسكم ولا لغيركم ؟! فتقولوا ما نأكل وما نشرب ؟!وما نلبس وأين نذهب ؟! كأنكم بما قلتُ من هذا لا توقنون، فكل هذه الشعوب التي ترون، تبتغي ذلك ولا تبتغوا منه مايبتغون، فإن ربكم الذي في السماء يعلم ما ينبغي لكم من قبل أن تسألوه إياه، ولكن ابتغوا طاعة الله ورضاه.
فأما ما ذكرت من هذا كله فهو يعطيكموه ويعطيه، من لا يرضى عليه، فلا تشتغلوا بغد وما بعده من شغله، فحسب غدٍ أن يقوم بشغل أهله، وكفى يومكم في غده، بما في غد من كده .
ألا ولا تعسفوا أحدا بظلم فإنكم كما تدينون تدانون، والمكيال الذي تكيلون به تكتالون، فما بال أحدكم يرى القذى في عين أخيه ؟! ولا يرى السارية الشامخة في عينيه! أم كيف يقول لأخيه: اتركني أنزع من عينك قذاها! والسارية الشامخة التي في عينيه لا يراها!
أيا مخادعا مَلِقاً، ومخاتلا لغيره مسترقا، أخرج السارية أولا من عينيك، ثم التمس بعدُ إخراجَها من عين غيرك.
ألا واسمعوا مني، وافهموا ما أقول عني: لا ترموا بقدس الصواب، بين نوابح الكلاب، ولا تقذفوا بلؤلؤكم المنير، بين عانات الخنازير، فلعلهن أن يدنسنه، وينتن ما ألقيتم بينهن منه، ألا واسألوا تعطوا، وابتغوا تجدوا، واقرعوا يفتح لكم فكل سائل يعطى، ومبتغٍ يجد ماابتغى، وكل من استفتح يفتح له، وأي امرؤ منكم يسأله حبيبه أو ابنه بِرًّا أو خيرا ؟ فيعطيه مكان ما سأله من ذلك حجرا ! أو يسأله سمكة ؟ فيعطيه حية مهلكة ! فإن كنتم وأنتم أنتم في النقص والتقصير، ومنكم كل ظالم وشرير، تعطون العطايا الصالحة أبناءكم، وتجيبون عند الدعاء والمسألة أحباءكم، فكم ترون لله في ذلك ؟! وإذ الأمر كذلك، من الزيادة عليكم فيه، للذي تسألونه وترغبون إليه.

(1/229)


وانظروا كما تحبون أن يفعله الناس بكم فافعلوه إليهم، وكما تريدون العدل من الناس عليكم فكذلك فاعدلوا عليهم، وإن تلك سنة الرسل والأنبياء، وميزان عدل الله في الأشياء، ألا وادخلوا لله وفي الله باب الضيق والمخاوف، فإن باب الأمن والسعة بمعصية الله سبب الهلكة والمتالف، ولَكثيرٌ ممن يدخله ويؤثره، ممن يبصر ذلك ومن لا يبصره، وما أضيق المدخل والباب! وأغفل السبيل والأسباب! التي تُبلِّغ العباد الحياة، وتوجب للناس النجاة، وأقل من يجدها! ويسهل له وردها!
ألا واحتفظوا من كَذَبَةِ أولياء الشيطان، الذين يرآؤن الناس بلباس الحملان، وهم مع ذلك ذئاب ضارية، وقلوبهم مستكبرة عاصية، فلا تغتروا بظاهر حالهم، ولكن اعرفوهم من قِبَل أعمالهم، فهل يخرج من الشوك عنب ؟! أومن الحنظل رطب ؟! لا لن يكون أبدا ذلك! ولن يوجد كذلك! ولكنه يخرج من كل شجرة طيبة ثمرة طيبة، ويخرج من كل شجرة خبيثة ثمرة خبيثة، وإنما تعرف الشجرة الخبيثة من قِبَل خبث ثمرها، فإذا كانت كذلك خبيثة أوقدتَ النار بها، وكذلك العمل إذا كان شيئا غيا، فلا يكون صاحبه إلا مسيئا غويا .
وليس كل من يقول: ربي ربي بإقراري والدعاء! يدخل يوم القيامة في كرامة ملكوت السماء، إلا أن يكون ممن عمل في دار الدنيا، بما حكم الله عليه به من التقوى، ولَكثيرٌ في ذلك اليوم من يقول ربنا باسمك هدينا وسعينا، وباسمك أخرجنا من الشياطين ما أخرجنا، وباسمك أمورا كثيرة من العجائب صنعنا، ثم يقول الله لهم في ذلك اليوم: تأخروا عني ياعمال الزور .
وقال صلى الله عليه: اعلموا أنه من سمع كلامي، فعمل بما سمع وقَبِلَه عني، فمثله كمثل رجل ذي لب وحكمة، بنى بيته على أساس من حجر محكمة، فلما جاءت الأمطار، وخرَّت فأ عظمت الأنهار، وتهيجت الرياح الكبار، جعل ذلك ينطح من كل جدر، فلم يسقط البيت ولم يخرّ.

(1/230)


ومثل من سمع كلامي بغير تسليم ولا تَقَبُّل، كمثل رجل ذي حماقة وجهل مُضَلل، بنى بيته على جرف منهار، أو رمل كثير هيال، فلما جاءت الأمطار ودرَّت، وتحركت الأنهار فجرت، وعصفت الرياح فأعصرت، خر بيته منقعرا، و سقط سقوطا مفزعا مذ عرا.
قالوا فلما فرغ من كلامه هذا كله، عجب مَن حضره من حكمته فيه وقوله، ثم لا سيما الكتبة والأحبار، فإنهم كانوا أعجبهم به .
وفي أناجيلهم أنه قال عليه السلام: لحقا أقول لكم أيها الناس والكتبة والأحبار، إنَّ كثيرا من المشرق والمغرب يجيء يوم القيامة والجزاء، يتكىء مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السماء، وإن كثيرا ممن يزعم أنه ابن لهم يُقصى عنهم مع الظلمة في النار، ثم يكونون مخلدين أبدا في البكاء وتحريق الأستار.
وفي أناجيلهم: أن رجلا من الكتبة جاءه فقال: إني أحب أن أتبعك، وأكون حيث كنت معك، فقال عليه السلام: لثعالب الوحش مغار، ولطير السماء أوكار، وأنا فليس لي منزل ولا قرار أقر إذا قروا فيه، ولكلٍّ مأوى وليس لي مأوى آوي إليه.
وفي أناجيلهم: أن رجلا من حوار ييه قال له: يا معلمي ائذن لي أذهب فأدفن أبي، فقال له: تعال اتبعني وكن معي وعلى أثري، واترك الأموات يدفنون موتاهم، ففيهم لدفنهم ما كفاهم.
تم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيئين، وعلى أهله الطيبين، وسلم عليهم أجمعين.

(1/231)


جواب مسألة (في التوحيد) على رجلين من أهل طبرستان
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الحسين بن القاسم: سألت أبي رحمة الله عليه، لرجلين من أهل طبرستان، وهما عبيد الله بن سهل، وهشام بن المثنى، عن توحيد الله ومعرفته، وما اختلف فيه المختلفون من صفته ؟
فقال رضي الله عنه: اكتُبْ: سألتما أعانكما الله وهداكما، ونفعكما بما بصَّركما من الهدى وأراكما، عن توحيد الله ومعرفته، وما اختلف فيه المختلفون من صفته.
فتوحيد الله والمعرفة به وتيقنه، الذي لا يسع أحدا من المكلفين جهل شيء منه، جهلُ قليلِه في توحيد الله كجهل كثيره، وأصغر ما يجهل منه في الشرك بالله عند الله ككبيره، ومَن جَهِلَ من ذلك شيئا واحدا، لم يكن بالله موقنا ولا له مُوَحِّدا، أن يعلم أن الله واحد أحد، ليس له ند من الأشياء ولا ضد، لأن الند لما ينآده مكافٍ، والضد لما يضآده منافٍ، وليس من الأشياء كلها ما يكافيه، ولا يضآده جل جلاله فينافيه، فليس هو جل ذكره كشيء، وهو الأول قبل كل بَدِي، لم يلد سبحانه فيكون ولده له مثلا، ولم يولد فيكون والده له بديا وأصلا، كما قال سبحانه: ? قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد ? [الإخلاص:1-4]، والكفؤ: فهو النظير والمثيل والشبيه والند، ولبعده سبحانه من شبه الأشياء ومماثلتها، ولتعاليه عن مشابهة جزئية الأشياء وكلِّيتها، لم تدركه ولا تدركه أبدا عين ولا بصر، ولا يحيط به من الناظرين عيان ولا نظر، كما قال سبحانه: ? لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ? [الأنعام: 103]. وقال جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: ? ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ? [الشورى: 11] وقال سبحانه: ? الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ? [البقرة: 255] والحي القيوم، فهو الذي يبقى سرمدا ويدوم، وليس شيء من الأشياء يبقى فلا يفنى، ولا يصح له أبدا هذا الذِّكر والمعنى، إلا الله في البقاء

(1/232)


والدوام، كما قال سبحانه: ? كل من عليها فانٍ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ? [الرحمن: 26 – 27]. و? كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون ? [القصص: 88]، ولكفى دليلا ببقائه وفناء كل ما سواه على تعاليه عن مشابهة الأشياء لقوم يعقلون.
وكيف يشبه الباقي الفاني ؟! في معنى ما كان من المعاني، فمن توهم الله جل ثناؤه أجزاء وأعضاء، أو أبعاضا يصل بعضها بعضا، أو اعتقد أنه يُرى، أو رُؤِي قط فيما خلا، بعين أو بصر أو رؤية أو نظر، أو أنه يدرك بحآسة من حوآس البشر، أو وصفه سبحانه بكف أو بنان، أو بفم أو لهوات أولسان، فقد شبهه بما خلقه جل ثناؤه من الانسان، وبَرِيَ واصفُه بذلك من المعرفة له والايقان، وقال في الله من ذلك بالزور والبهتان، وخالف كلما نزل الله في ذلك من النور والفرقان، فهو لرب العالمين من أجهل الجاهلين، وهو بالله جل ثناؤه من المشركين، وبما اعتقد في ذلك من أهلك الهالكين، فهذه صفته تبارك وتعالى في الإنِّية والذات، وهي صفة واحدة ليست فيه جل ثناؤه بمختلفة ولا ذات أشتات، ولو كانت فيه مختلفة غير واحدة، لكان اثنين وأكثر في الذِّكر والعدة. وإنما صفته سبحانه هو وأنه كذلك في التوراة، قال تعالى لموسى عليه السلام عند المناجاة، : (إني أنا الله إلهك، وإله آبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب). وكذلك قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ? هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون، هو الله الخالق الباريء المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ? [الحشر: 22 – 24]. فوصف نفسه تبارك وتعالى في أول الآيات بأنه هو، ثم ذكر سبحانه ملكه وخلقه وقدسه ما ليس له فيه نظير ولا مثيل ولا كفؤ، فمن وصفه جل ثناؤه بغير ما وصف به نفسه من العلم والقدس والحكمة،

(1/233)


وما ذكر جل جلاله من العز والرأفة والرحمة، فقد خرج صاغرا بصفته، من العلم بالله ومعرفته.
والسِّنة التي ذكر الله أنها لا تأخذه، ولا تعرض له جل جلاله، هي قليل النوم ويسيره، لا النوم نفسه وكثيره، فنفى سبحانه عن نفسه من قليل مشابهة خلقه مانفى تبارك وتعالى عن نفسه من كثيرها، تعاليا عن صغير مماثلة خلقه وكبيرها، لأن ذلك كله في التشبيه له سواء، يثبت به كله أن له نظيرا في التشبيه وكفؤا.
ومن معرفة الله والايمان به، الايمان بجميع رسله وكتبه، ومن أنكر آية من تنزيله، أو جحد رسولا واحدا من رسله، خرج بذلك من التوحيد والايقان، وزال عنه - لما أنكر من ذلك - اسم الايمان، لأنه من أنكر آية من آيات الله، أو رسولا واحدا من رسل الله، كمن أنكر صنع السماء والأرض من الله، ونسب ما كان من آية أو علم أو دلالة إلى غير الله، لأنه إذا زعم أنما جاء به رسول من رسل الله من أعلامه ودلائله، أو أن آية من آيات كتب الله وتنزيله، ليست من الله ولاعن الله، ثَبَّت وزعم أن ذلك من غير الله.
ومن أضاف شيئا من صنع الله في أرضه وسمائه، أوفي سوى ذلك كله من خلقه وإنشائه، إلى غير الله فقد ألحد وكفر، وجحد وأنكر، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: ? إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا، والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف نؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ? [النساء: 150- 152]. فمن فَرَّق من ذلك بين ما جمع الله وأَلَّف، خرج بتفريقه ذلك مما أقر به من توحيد الله وعَرَف، وكان منكرا بذلك كله، بإنكاره لما أنكر من أقله.

(1/234)


[مرجع أهل الديانات]
وقد سأل عن هذا بعينه، وما قلت به من تبيينه، نصراني، كان يغشاني، من قبط أهل مصر يقال له سلمون، وكان ربما اجتمع عندي هو والمتكلمون، وكان هو يزعم في عيسى بخلاف ما تزعم النسطورية واليعقوبية والروم، لأن أولاء كلهم يزعمون أن عيسى عليه السلام ابن وإله، ومنهم من يقول: إنه الله. وفي ذلك ما يقول سبحانه: ? لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ? [المائدة: 17]. وكان هذا النصراني الذي ذكرنا يقول: إن عيسى عليه السلام عبد مربوب، وصنع مخلوق، وإنَّ مَن لم يقل من النصارى بقوله، وينسب عيسى صلى الله عليه إلى الخلق والعبودية، فليس بنصراني، وهو مشرك خارج من النصرانية.
فسأل يوما - وهو عندي - جماعةً من الموحِّدين، وفيهم حفص الفرد البصري وكان من المتكلمين، فقال: يا هؤلاء أخبروني فقد زعمتم أنكم تنصفون، وأنكم لا تقولون إلا بما تعرفون، من أين زعمتم أن من أنكر محمدا أو جحده، ولم يقر بما كان من النبوءة عنده، منكر لله جاحد ؟ والله فغير محمد معبود ومحمد عابد ؟ وإنكار واحد ليس بإنكار اثنين، لأن الشيء الواحد ليس بشيئين! فقد سألت منكم كثيرا عن هذه المسألة، فأجابوا فيها بجوابات مختلفة غير مقنعة، وكيف أكون لك منكرا بإنكاري لغيرك ؟ وهل تراه يصح في فكرك ؟ أن أكون بإنكاري لمحمدٍ للهِ منكرا وأنا به مقر، وله مُوحِّد مُجِلّ معظِّم مكبِّر ؟
فأجابوه فلم يقنع بجوابهم، ولم يستمع لمقالهم .
وكان مما أجبته به في مسألته، وما كان فيها من مقالته، أن قلت: أخبرني يا هذا إذ أنكرت محمدا وما جاء به من رسالاته، أليس قد زعمت أن ما كان معه من آيات الله ودلالاته، وما كان يُرِي الناس من الأعاجيب، وينبئهم به من السر والغيب، ليس كله من الله، ولاشيء منه بصنع الله، وأضفت ذلك كله إلى غير الله ؟!
فقال: بلى. لاشك ولا امتراء.

(1/235)


فقلت: أفلا ترى أنك لو أنكرت أن تكون السماء والأرض من الله ولله خلقا صنعا، مفتطرا بدعا، كنت بإنكار ذلك لله منكرا، وإن كنت بالله عند نفسك مقرا!! فكان في هذا الجواب - بحمد الله - ما حجَّه وقطعه، وكفاه في الاحتجاج عليه وكفه عن التشنيع ومنعه، ولم يتكلم بعده - علمتُ - في مسألته بكلمة واحدة، وأمسك في مسألته عن الاكثار والشَّغب والملآدة.
ومن الدلائل على ما ذكرنا، وقلنا به في ذلك وفسّرنا، قول الله سبحانه: ? ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا، قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا ? [الإسراء: 101 - 102]. يقول صلى الله عليه: لقد علمت ما افتطر وجعل، وخلق وأنزل، ما جئتك به من الآيات والدلالات، إلا مَن خَلق وجعل وافتطر الأرضين والسماوات. فلما أزال فرعون صنعهن وخلقهن عن الله ونسبهن إلى السحر، ازداد بذلك شركا وكفرا إلى ما كان فيه من الشرك والكفر، وكذلك لو لم ينكر، إلا آية واحدة مما بُصِّرَ وأُرِي من آيات الله لكان بإنكارها مشركا، صاغرا راغما، ليس له بالله معرفة ولا إيقان، ولا بعد إنكاره لها توحيد ولا إيمان.

(1/236)


ومن توحيد الله ومعرفته، وما هو أهله من حكمته، أن تعلم أنه لم يُكلف ولا يكلف أبدا، من عبيده عبدا، ما لا يتسع له ولا يمكنه، ولا يأمره بما لا يستحسنه، ولا يريد أبدا منه، ما ينهاه تعالى عنه، ولا يزجره أبدا فينهاه، عما يريده من الأمور ويشاه، لما في ذلك كله من خلاف الحكمة والرحمة، وما لا يجوز أبداً أن يوصف به من الصفات المستقبحة المذمَّمة، التي لا يلحق بالله جل ثناؤه منها صفة، ولا تحتملها من المعارف بالله سبحانه معرفة، لما يزول بها من الأسماء الحسنى، والأمثال الكريمة العلى، ولله جل ذكره من ذلك كله ماطاب وزكى، ومن قال في الله بخلاف ذلك فقد قال شركا، كما قال سبحانه: ? ولله الأسماء الحسنى ? [الأعراف: 180]. ? ولله المثل الأعلى ? [النحل:60]. وقال: ? سبحانه وتعالى عما يصفون ? [الأنعام: 100] . و? لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ? [التوبة: 31].
ومن الايمان بالله بعد التوحيد لله إثبات الوعد والوعيد، فمن أنكرهما ولم يكن مثبتا لهما ضلالة وتأويلا خرج بذلك من التوحيد، وكان بإنكاره لهما متعديا ضآلا، وعميا جاهلا، وإن هو أنكر شيئا من آيات تنزيلهما كان بالله مشركا، ومن توحيد الله خارجا وله تاركا.
وكذلك كل من أنكر فريضة من فرائض الله كلها تنزيلا، فإن كان إنكاره لها عماية وتأويلا، كان إنكاره لذلك فسقا وحَرجا، وكان جهله بذلك له من الايمان مُخرجا، وكل فريضة فرضها الله تنزيلا على عبد من عبيده، فعليه من معرفتها والإقرار بها ماعليه من الإقرار بمعرفة الله وتوحيده، إذا لزمته حجتها، وحضره وقتها، فإن كان بتنزيلها جاهلا وله منكرا، كان جهله بها منه لله شركا وكفرا، وإن كان منكرا لتأويلها، مقرا بتنزيلها، كان بإنكاره فيها للتأويل فاسقا فاجرا، ولم يكن مع إقراره فيها بالتنزيل بالله مشركا ولا به كافرا.

(1/237)


فهذه جوامع الايمان الواجبة اللازمة، المشتبهة في حكم الله المتفقة المتلائمة، التي لا تختلف جُملُها، ولا يسع مكلفاً جهلُها، والحمد لله كثيرا، وصلواته على سيدنا محمد وآله الطيبين الذين طهرهم من الرجس تطهيرا.
تمت المسألة بعون الله وتوفيقه.

(1/238)


كتاب العدل والتوحيد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على ما أسبغ علينا من نعمه، ومنَّ علينا من إحسانه وكرمه، وبيَّن لنا من الهدى، وأنقذنا من الضلالة والردى، بإقامة حججه، وتواتر رسله، صلوات الله عليهم، ومحكم آياته، وتفصيل بيناته، رحمة لعباده، ودعاءً لهم إلى ثوابه، وإخراجاً لهم من عقابه: ? لئلا يكون للناس على الله حجة ? [النساء:165]. و? ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة، وإن الله لسميع عليم ? [الأنفال: 42].

(1/239)


[عقائد يجب الإيمان بها]
أما بعد:فإن الذي يجب على العبد أن يكون عاملاً بطاعة الله، التي لا يقبل الله عز وجل غيرها من طاعته إلا بأدائها، ولا يكون مؤمناً حتى يفعلها.
أن يؤمن بالله وحده لا شريك له، ولا يتخذ معه إلهاً، ولا من دونه رباً ولا ولياً، وأن يؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، وبالحساب والجنة والنار، وبالجزاء بالأعمال، وأن الآخرة هي دار القرار، لا ينقطع ثوابها، ولا يبيد عقابها، ولا يموت فيها أهلها، وهم في جزائهم خالدون. ويؤمن بوعد الله جل ثناؤه ووعيده، وأخباره، وكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، مما أمر به ونهى عنه صلوات الله عليه من العمل بالمفروض بطاعة الله، والإجتناب لمعاصي الله، والولاية لأوليائه، والمعاداة لأعدائه، والرضى بقضاء الله، والتسليم لأمر الله. فإذا فعل ذلك كان مؤمناً، مسلماً محسناً، من المتقين الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون.

(1/240)


[التوحيد]
ولا يكون العبد مؤمناً حتى يعلم أنه مخلوق مرزوق، وأنه ذليل مقهور، وأن له خالقاً قديما، عزيزاً حكيماً، ليس كمثله شيء في وجهٍ من الوجوه، ولا معنى من المعاني، وأن ما سواه من الأشياء كلها من عرشه، وملائكته، ورسله، وسمواته، وأرضه، وما فيهن وما بينهن وما تحتهن، مما أخرجه الله جل ثناؤه، من تمكين العباد وأفعالهم، لم يجعل لأحد عليه قدرة ولا استطاعة، ولا عند أحدٍ منهم معرفة في شيء من بدوِّ ذلك وإنشائه، ومن أعمل منهم فكره ليبلغ معرفة شيء من ذلك بقي حسيراً، منقطعاً مبهوراً، ولا جعل إلى أحدٍ في شيء منه سبيلاً، ولا جعل لأحد فيه محمدة ولا ذماً، لأنه جل ثناؤه لم يستعن على إنشاء ما أنشأ بأحد، ولم يشاركه في ملكه أحد، ولم يؤآمر في تدبيره أحدا، فهو الواحد الأحد، الذي لا من شيء كان، ولا من شيء خلق ما كان.
فهو الدائم بلا أمد، الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء: ? هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ? [الحديد:3].
وجميع ما أدرَكتَه ببصرك ووهمك، ووقع عليه شيء من حوآسك، أو كيَّفته بتقديرك، أو حددته بتمثيلك، أو شبهته بتشبيهك، أو وقَّتَ له وقتاً، أو حدَّدت له حداً، أو عرفت له أولاً، أو وصفت له آخرا، فهو محدث مخلوق، والله تبارك وتعالى خالق الأشياء، لا من شيء خلقها، ولا على مثال صوَّرها، بل أنشأها وابتدأها، فدبرها بأ حكم تدبير، وقدرها بأحسن تقدير.

(1/241)


فهو جل ثناؤه، لا يشبه الخلق ولا يشبهه الخلق، لأنه الخلاق الذي: ? ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ? [الشورى:11]. لم يخص بذلك شيئاً دون شيء، بل عم الأشياء كلها، ما كان منها وما يكون، فلا شبيه له ولا عديل، لا الضياء ولا الأنوار، ولا الظلمات ولا النار. وذلك أن النور والظلمة مخلوقان محدثان، يوجدان ويعدمان، ويُقبلان و يدبران، ويذهبان ويجيئان، ويوصفان ويُحدان. والخالق جل ثناؤه ليس كذلك، لأن الخالق جل وعز قديم لم يزل، والمخلوق لم يكن، فآثار الصنعة في المخلوق بينة، وأعلام التدبير قائمة، والعجز فيه ظاهر، والحاجة له لازمة، والآفات به نازلة، فأنت تراه مرة ماثلاً، ومرة آفلاً زائلاً.

(1/242)


فلما كانت هذه صفة كل مخلوق، ولم يجز أن تضاف صفة المخلوق إلى الخالق عز وجهه، لأن الخالق لا يكون في صفة المخلوق، تبارك وتعالى الخالق أن يكون له شبه البشر، هو الحامد نفسه قبل أن يحمده أحد من خلقه. فقال تبارك وتعالى: ? الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ? [الأنعام:1]. يقول جل ثناؤه إن الكفار عبدوا إلهاً غير الله، فقالوا هو ضياء ونور، ومن جنسه النار والنور، وجعلوا معه إلها آخر، فقالوا: هو ظلمة ومن جنسه كل ظلمة. فعدلوا بالله جل ثناؤه حين شبهوه بالأنوار، وجعلوا معه آلهة من الظلمات، فأكذبهم الله جل ثناؤه إذ قال: ? وجعل الظلمات والنور ?. تكذيباً لهم إذ شبهوه وعدلوا به، وأَكذَبَ جل ثناؤه الذين شبهوه بالإنس من اليهود وغيرهم من المشركين، جهلاً به وجرأةً عليه، فقال جل ثناؤه مع ما بيَّن لهم في عقولهم من وحدانيته، ونفى شبه الخلق عندما يرون من أدلته وأعلامه، التي تدعوهم إلى معرفته وتوحيده، من خلق السماوات والأرض، وما فيهما وما بينهما، ومن أنفسهم لو أحسنوا النظر، وأعملوا في ذلك الفكر، فقال جل ثناؤه: ? قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد ? [الإخلاص:1 – 4]. وقال: ? ليس كمثله شيء ? [الشورى:11]. وقال: ? ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ? [المجادلة:7].
كذلك الله عز وجل شاهد كل نجوى، عالم السر وأخفى، قريب لا بمجاورة، بعيد لا بمفارقة، شاهد كل غائب، آخذ بناصية كل دآبة، وعليه رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، أقرب إلينا من حبل الوريد، وحائل بيننا وبين قلوبنا لا بتحديد، وهو مع قربه منا مدبر السماوات العلى، وشاهد الأرضين السفلى، وعليم بما فيهن وما بينهن وما تحت الثرى، وهو على العرش استوى، وهو مع كل نجوى، وهو في ذلك لا كشيء من الأشياء.

(1/243)


[أسباب وعلل التشبيه]
ولقد ضل قوم ممن ينتحل الإسلام من المشبهة الملحدين، الذين شبهوا الله عز ذكره بخلقه، وزعموا أنه على صورة الإنسان، وأنه جسم محدود، وشبح مشهود، واعتلُّوا بآيات من الكتاب متشابهات، حرفوها بالتأويل، ونقضوا بها التنزيل، كما حرَّف من كان قبلهم من اليهود والنصارى كلام الله عن مواضعه، وبأحاديث افتعلها الضلال، من بغاة الإسلام، فحملها عنهم الجهال. فيها الإلحاد والكفر بالله، وأحاديث لم يعرفوا حسن تأويلها، ولم يُعنوا بتصحيحها، فضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل.

(1/244)


[الرؤية]
فكأنما تأولوا قول الله عز وجل: ? وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظره ? [القيامة:22]. فقالوا إن الله عز وجل يُرى بالأبصار في الآخرة، ويُنظر إليه جهرة، خلافاً لقول الله جل ثناؤه: ? لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ? [الأنعام:103]. جهلاً بمعاني الآية وتأويلها.
فأما أهل العلم والإيمان، ففسروها على غير ما قال أهل التشبيه المنافقون، فقالوا: ? وجوه يومئذ ناضرة ? يقول: مشرقة حسنة، ? إلى ربها ناظره ? يقول: منتظرة ثوابه وكرامته ورحمته، وما يأتيهم من خيره وفوائده. وهكذا ذلك في لغات العرب. وبلغاتها ولسانها نزل القرآن، يقولون: إذا جاء الخصب بعد الجدب: قد نظر الله جل ثناؤه إلى خلقه، ونظر لعباده. يريدون أنه أتاهم بالفرج والرخاء. ليس يعنون أنه كان لا يراهم ثم صار يراهم .

(1/245)


وقال الله جل ذكره وهو يذكر أهل النار: ? أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ? [آل عمران:77]. تأويل ذلك: أنهم لا يرجون من الله جل ثناؤه ثوابا، ولا يفعل بهم خيرا، وأهل الجنة ينظر الله إليهم وينظرون إلى الله جل ثناؤه، ومعنى ذلك أنهم يرجون من الله خيرا، ويأتيهم منه خير ويفعله بهم، وليس معنى ذلك أنهم ينظرون إليه جهرة بالأبصار، عز ذو الجلال والإكرام، وكيف يرونه بالأبصار، وهو لا محدود ولا ذو أقطار، كذلك جل ثناؤه لا تدركه الأبصار، ومن أدركته الأبصار فقد أحاطت به الأقطار، ومن أحاطت به الأقطار، كان محتاجاً إلى الأماكن، وكانت محيطة به، والمحيط أكبر من المحاط به وأقهر بالإحاطة، فكل من قال إنه ينظر إليه جل ثناؤه على غير ماوصفنا من انتظار ثوابه وكرامته، فقد زعم أنه يدرك الخالق، ومحال أن يدرك المخلوقُ الخالقَ جل ثناؤه بشيء من الحوآس، لأنه خارج من معنى كل محسوس وحآس، فكذلك نفى الموحدون عن الله جل ثناؤه دركَ الأبصار، وإحاطةَ الأقطار، وحُجُبَ الأستار، فتعالى الله عن صفة المخلوقين، علواً كبيراً لا إله إلا هو رب العالمين .

(1/246)


[شبه المشبهة]
وتأولت أيضاً المشبهة قولَ الله تبارك وتعالى: ? خلقت بيدي ? [ص:75]. وقوله: ? والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه ? [الزمر:67]. وقوله: ? وجاء ربك والملك صفاً صفا ? [الفجر:22]. وقوله: ? وكلم الله موسى تكليما ? [النساء:164]. وقوله: ?سميع بصير ? [الحج:61، لقمان:28، المجادلة:1].وقوله: ? ويحذركم الله نفسه ? [آل عمران:28 – 30]. وقوله: ? كل شيء هالكٌ إلا وجهه ? [القصص:88]. ففسروا ذلك على ما توهموا من أنفسهم، وبأنه عز وجل عندهم في ذلك كله على معنى المخلوقين، وصفاتهم في هيئآتهم وأفعالهم، فكفروا بالله العظيم، وعبدوا غير الله الكريم .
وتأويل ذلك كله عند أهل الإيمان والتوحيد: أن الله عز وجل ليس كمثله شيء، فأما قوله تبارك وتعالى: ? خلقت بيدي ?. يعني: بقدرتي وعلمي. يريد أني على ذلك قادر وبه عالم، توليت ذلك بنفسي لا شريك لي في تدبيري وصنعي، لا أن قدرتي وعلمي ونفسي غيري، بل أنا الواحد الذي لاشيء مثلي. وقد بَيَّن معنى هذه الآية في آية أخرى، فقال: ? إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ? [آل عمران:59]. وقال جل ذكره: ? إنما قولنا لشيءٍ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ? [النحل:40]. يريد إذا كونَّا شيئاً كان . وقال تبارك وتعالى: ? أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون ? [يس:71]. يقول: مما عملت أنا بنفسي.
وقال جل ثناؤه: ? بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ? [المائدة:64]، وتأويل ذلك عند أهل العلم: بل نعمتاه مبسوطتان على خلقه، نعمة الدنيا ونعمة الآخرة.

(1/247)


وقيل في تأويله: بل رزقاه مبسوطان على خلقه، رزق موسع، ورزق مضيق، ? ينفق كيف يشاء ?. أي: يفعل من ذلك ما هو أصلح لعباده. كذلك قال جل ثناؤه: ? بيده الملك ? [الملك:1]. يعني: له الملك. وكذلك تقول العرب: الملك بيد فلان. وقد قبض فلان الملك والأرض. وذلك في قبضته وبيمينه. يعنون: في قدرته وملكه. كذلك السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما في قبضة الله وبيمينه. يعني: في قدرته وملكوته وسلطانه، اليوم ويوم القيامة وفي كل وقت. كما قال جل ثناؤه: ? والأمر يومئذٍ لله ? [الإنفطار:19]. فالأمر يومئذٍ واليوم بيده. وقال تبارك وتعالى لمن عصاه وهو يساق إلى النار: ? ذلك بما قدمت يداك ? [الحج:10]. و? بما كسبت يداك ?. يريد: بما كسبتَ أنت بقولك وفعلك، ليس يعني: يده دون بدنه وجوارحه .
وقال جل ثناؤه لنبيه، صلوات الله عليه وعلى أهله: ? إلا ما ملكت أيمانكم ? [النساء:24]. يعني: ما ملكتم أنتم، وتقول العرب: أسلم فلان على يدي فلان. يريدون: بقوله وأمره. ويقولون:
................. بيد الله أمرنا والفناءُ
يريدون: بالله عمرنا والفناء. ويقولون: نواصينا بيد الله، ونحن في قبضة الله. يريدون في هذا كله: أنَّا في قدرته وملكه، ليس يذهبون إلى يد كيدِ الإنسان أو غيره من الخلق.
ومعنى قوله: ? وجاء ربك والملك صفاً صفا ? [الفجر:22]. يقولون: جاء الله جل ثناؤه بآياته العظام في مشاهد القيامة، وجاء بتلك الزلازل والأهوال، وجاء بالملائكة الكرام، فتجلت الظُّلَم، وانكشفت عن المرتابين البُهَم، وبدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. وليس قوله: ? وجاء ربك ?. أنه جاء من مكان، ولا أنه زائل ولا حائل، أو منتقل من مكان إلى مكان، أو جاء من مكان إلى مكان، تبارك الله وتعالى عن ذلك. بل هو شاهد كل مكان، ولا يحويه مكان، وهو عالم كل نجوى، وحاضر كل ملأ.

(1/248)


كذلك قوله: ? هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ضلل من الغمام ? [البقرة:210]. كما قال جل ثناؤه: ? ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون ? [يس:49]. وكذلك قال جل ثناؤه: ? فأتى الله بنيانهم من القواعد ? [النحل:26]. وقال: ? فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ? [الحشر:2]. يعني بذلك كله: أنه أتاهم بعذابه وأمره. ليس أنه أتاهم بنفسه زائلاً، وكان في مكان فكان عنه منتقلاً. وكذلك يقول القائل للرجل إذا جاء بأمرٍ عجيب: لقد أتى فلان أمراً عجيباً. يريدون: أنه فعل شيئاً أعجبه. فذلك تأويل المجيء من الله جل ثناؤه. لا هو بالانتقال ولا بالزوال، لأن الزائل مدبَّر محتاج، لولا حاجته إلى الزوال لم يزل. فلذلك نفى الموحدون عن الله جل ثناؤه الزوال والإنتقال .

(1/249)


[القرآن كلام الله مخلوق]
وقوله:? وكلم الله موسى تكليماً ? [النساء:164]. فذهبت المشبهة إلى أن الله تعالى عما قالوا علواً كبيراً: تكلم بلسان وشفتين، وخرج الكلام منه كما خرج الكلام من المخلوقين، فكفروا بالله العظيم حين ذهبوا إلى هذه الصفة.
ومعنى كلامه جل ثناؤه لموسى صلوات الله عليه عند أهل الإيمان والعلم: أنه أنشأ كلاماً خلقه كما شاء، فسمعه موسى صلى الله عليه وفهمه، وكل مسموع من الله جل ثناؤه فهو مخلوق. لأنه غير الخالق له وإنما ناداه الله جل ثناؤه، فقال: ? إني أنا الله رب العالمين ? [القصص:30]. والنداء غير المنادي، والمنادي بذلك هو الله جل ثناؤه، والنداء غير الله، وما كان غير الله مما يعجز عنه الخلائق فمخلوق، لأنه لم يكن ثم كان بالله وحده لا شريك له.
وكذلك عيسى صلوات الله عليه كلمة الله وروحه، وهو مخلوق كما قال الله في قوله: ? إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ? [آل عمران:59]. وكذلك قرآن الله وكتب الله كلها، قال الله جل ثناؤه: ? إنا جعلناه قرآناً عربياً ? [الزخرف:3]. يريد: خلقناه. كما قال: ? خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ? [الزمر:6]. يقول: خلق منها زوجها. وقال جل ثناؤه: ? ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه ? [الأنبياء:2]. وقال تبارك وتعالى: ? فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ? [القلم:44]. وقال سبحانه: ? أو يحدث لهم ذكرى ? [طه:113]. فكل محدث من الله جل ثناؤه فمخلوق، لأنه لم يكن فكان بالله وحده لا شريك له، فالله أول لم يزل ولا يزول.
وأما قوله: ? سميع بصير ?. فمعنى ذلك: أنه لا تخفى عليه الأصوات ولا اللهوات، ولا غيرها من الأعيان، أين ما كانت وحيث كانت، في ظلمات الأرض والبر والبحر. ليس يعني: أنه سميع بصير بجوارح أو بشيء سواه، فيكون محدوداً، أو يكون معه غيره موجوداً، تعالى الله عن ذلك.

(1/250)


وأما قوله: ? كل شيء هالكٌ إلا وجهه ? [القصص:88]. وقوله: ? ويبقى وجه ربك ? [الرحمن:27]. فإنما يعني: إياه لا غيره. يقول: كل شيء هالك إلا هو. وقوله: ? ويبقى وجه ربك ? ليس يعني بذلك: وجهاً في جسد، ولا جسداً إذا وجه، تعالى الله عن هذه الصفات، التي هي في المخلوقين موجودات.
وأما قوله: ? ويحذركم الله نفسه ? [آل عمران:28–30]. يريد: يحذركم الله إياه لا غيره. وقوله تعالى: ? تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ? [المائدة:116]. يريد: تعلم أنت ما أعلم ولا أعلم أنا ما تعلم إلا ما علمتني. ليس يعني: أن له نفساً غيره بها يقوم. تعالى عن ذلك. وقد يقول القائل: هذا نفس الحق، ونفس الطريق، وكذلك: هذا وجه الكلام، ووجه الحق، يريدون بذلك كله: هو الحق، وهذا هو الكلام، وهذا هو الطريق. ليس يذهبون إلى شيء غير ذلك. فتعالى الله عن صفات المخلوقين علواً كبيرا، هو الذي لا كفؤ له ولا نظير له، ? ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ? [الشورى:11].
فكل من وصف الله جل ثناؤه بهيئآت خلقه، أو شبهه بشيء من صنعه، أو توهمه صورة أو جسماً، أو شبحاً، أو أنه في مكان دون مكان، أو أن الأقطار تحويه، أو أن الحجب تستره، أو أن الأبصار تدركه، أو أنه لم يخلق كلامه وكتبه، والقرآن وغيره من كلامه وأحكامه، أو أنه كشيء مما خلق، أو أن شيئاً من خلقه يدركه، مما كان أو يكون، بجارحة أو حآسة، فقد نفاه وكفر به وأشرك به. فافهموا ذلك، وفقنا الله وإياكم لإصابة الحق، وبلوغ الصدق .

(1/251)


[العدل]
وعلى العبد : إذا وحَّد الله جل ثناؤه، وعرف أنه ليس كمثله شيء، أن يتَّقيه في سره وعلانيته، ويرجوه ويخافه، ويعلم أنه عدل كريم، رحيم حكيم، لايكلف عباده إلا ما يطيقون، ولا يسألهم إلا ما يجدون، ولا يجازيهم إلا بما يكسبون ويعملون. وهكذا جل ثناؤه قال، يدل بذلك على رحمته لنا: ? لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ?[البقرة:286]، و? .... إلا ما آتاهما ? [الطلاق:7]. وقال: ? ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ? [آل عمران:97]. فلم يكلف الرحيم الكريم أحداً من عباده مالا يستطيع، بل كلفهم دون ما يطيقون، ولم يكلفهم كل ما يطيقون. وعذرهم عند ما فعل بهم من الآفات التي أصابهم بها، ووضع عنهم الفرض فيها، فقال لا شريك له: ? ليس على الأعمى حرج ولا على المريض حرج ? [النور:61]. لأنهم لا يقدرون أن يؤدوا ما فرض الله عليهم، ولم يقل جل ثناؤه: ليس على الكافر حرج، ولا على الزاني حرج، ولا على السارق حرج. وذلك أنه لم يفعل ذلك بهم، ولم يدخلهم فيه، ولم يقض ذلك ولم يقدره، لأنه جور وباطل، والله جل ثناؤه لا يقضي جوراً ولا باطلاً ولا فجوراً، لأن المعاصي كلها باطل وفجور، والله تعالى أن يكون لها قاضياً ومقدراً، بل هو كما وصف نفسه، جل ثناؤه إذ يقول: ? إن الحكم إلا لله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين ? [الأنعام:75]. بل قضاؤه فيها كلها النهي عنها، والحكم على أهلها بالعقوبة والنكال في الدنيا والآخرة، إلا أن يتوبوا فإنه يقبل التوبة ويعفو عن السيئات .

(1/252)


أليس قال جل ثناؤه في الصيام: ? ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيامٍ أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ? [البقرة:185]. فوضع عن المرضى الصيام، لأنهم لا يقدرون عليه، ووضعه عن المسافر وإن كان يقدر عليه، يخبرهم أنه إنما يفعل ذلك لأنه يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر، ووضع عنه الصلاة قائماً إذا لم يقدر على القيام، وأباح له أن يصلي جالساً، وإن لم يقدر على الصلاة جالساً، صلى مضطجعاً أو مستقبلاً، فإن لم يقدر على ذلك بشيء من جوارحه فلاشيء عليه. فعل ذلك رحمة ونعمة ونظراً لعباده.
ومن لم يكن له مال فلا زكاة عليه، وإن كان ذا مال - فحال عليه الحول -، وهو مائتا درهم فعليه خمسة دراهم، فإن نقص من مائتي درهم شيء، قَلَّ أو كثر فلاشيء عليه فيها، وكل أمرٍ لا يستطيقه العبد فهو عنه موضوع، وكُلِّف مما يستطيع اليسير. يريد لله جل ثناؤه بذلك التخفيف عن عباده تصديقاً لقوله: ? يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ? [النساء:28]. وقال جل ثناؤه: ? وما جعل عليكم في الدين من حرجٍ ? [الحج:78]. يقول: مِن ضيق.
وقال تبارك وتعالى: ? ولا تكسب كل نفسٍ إلا عليها ? [الأنعام:164]. فلم يُؤتَ أحدٌ من قِبَلِ الله تبارك وتعالى في دينه، وإنما يُؤتى العبد من نفسه بسوء نظره، وإيثار هواه وشهوته، ومن قِبَلِ الشيطان عدوه، يوسوس في صدره ويزين له سوء عمله، ويتبعه فيضله ويرديه، ويهديه إلى عذاب السعير.
وقال الله جل ثناؤه يحذر عباده الشيطان: ? يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ? [الأعراف:27]. وقال تبارك وتعالى: ? الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ? [البقرة:268]. وقال سبحانه: ? إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ? [فاطر:6]. أعاذنا الله وإياكم من ذلك .

(1/253)


وعلى العبد أن يعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الكريم الحليم، وأن الله جل ثناؤه عالم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، وأنه أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، وأنه لم يُجبِر أحداً على معصية، ولم يُحُل بين أحد وبين الطاعة، فالعباد العاملون والله جل ثناؤه العالم بأعمالهم، والحافظ لأفعالهم، والمحصي لأسرارهم وآثارهم، وهو بما يعملون خبير .

(1/254)


[الهدى والضلال]
وعلى العبد أن يعلم أن الله جل ثناؤه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه لا يضل أحداً حتى يبين لهم ما يتقون، فإذا بيَّن لهم ما يتقون، وما يأتون وما يذرون، فأعرضوا عن الهدى، وصاروا إلى الضلالة والردى، أضلهم بأعمالهم الخبيثة حتى ضلوا، كذلك قال جل ثناؤه: ? ويضل الله الظالمين ? [إبراهيم:27]. وقال سبحانه: ? وما يضل به إلا الفاسقين، الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ? [البقرة: 26 - 27]. وقال تبارك وتعالى: ? فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ? [الصف:5]. وقال جل ثناؤه: ? بل طبع الله عليها بكفرهم ? [النساء:155].
وقد يجوز أيضاً أن يكون معنى يضل: أن سمَّاهم ضُلاَّلا، وشهد عليهم بالضلال ووصفهم به، من غير أن يدخلهم في الضلالة ويقسرهم عليها، فإن رجعوا عن الضلالة وتابوا، وصاروا إلى الهدى، سمَّاهم مهتدين، وأزال عنهم اسم الضلال والفسق. ولم يبتدئ ربنا جل ثناؤه أحداً بالضلالة من عباده، ولا وصف بها أحداً من قبل أن يستحقها، وكيف يبتدئ أحداً من عباده بالضلالة ؟! كما قال القدريون الكافرون الكاذبون على الله. والله جل ثناؤه ينهى عباده عنها، ويحذرهم إياها . ويقول: ? يبين الله لكم أن تضلوا ? [النساء:176]. يعني لئلا تضلوا. وقال جل ثناؤه :? ألر، كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ? [إبراهيم:1]. وقال سبحانه :? ذلك بأن الله لم يك مغيراً ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ? [الرعد:11]. ولو ابتدأهم بالضلالة كان قد غيَّر ما بهم من النعمة قبل أن يغيروا، سبحانه هو أرحم الراحمين، وخير الناصرين. يريد بذلك وصف نفسه.

(1/255)


وأمَّنَ الخلق أن يكون لهم ظالماً، أو بغير ما عملوا مجازيا، فقال جل ثناؤه: ? ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوأً يجز به ? [النساء:123]. وقال سبحانه: ? ولاتزر وازرة وزر أخرى، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ?. [الإسراء:15]وقال تبارك وتعالى :? فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ? [الزلزلة:7 – 8]. وقال عز ذكره: ? وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ? [الذاريات:56]. فللعبادة خلقهم، وبطاعته أمرهم، ومِن ظلمهِ أَمَّنهم، وبنعمته ابتدأهم، بما جعل لهم من العقول والأسماع والأبصار، وسائر الجوارح والقوى، التي بها يصلون إلى أخذ ما أمرهم به، وترك ما نهاهم عنه، ثم ابتدأهم جل ثناؤه بالنعمة في دينهم، بأن بَيَّن لهم ما يأتون وما يذرون، ثم أمرهم بما يطيقون. أراد بذلك إكرامهم، ومن المهالك إخراجهم، بَيَّن ذلك بقوله في الإنسان: ? ألم نجعل له عينين، ولساناً وشفتين، وهديناه النجدين ? [البلد:9 – 11]. هما: الطريقان، الخير والشر فيما سمعنا. يقول الله سبحانه: بَيَّنا له الطريقين، ليسلك طريق الخير ويجتنب طريق الشر. وقال تبارك وتعالى: ? ولقد جاءهم من ربهم الهدى ? [النجم:23]. وقال عز وجل: ? إن علينا للهدى ? [الليل:12]. وقال جل ثناؤه: ? الذي قدر فهدى ? [الأعلى:3]. وقال تبارك وتعالى: ? وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ? [النحل:9]. وقال سبحانه: ? وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ? [فصلت:17]. وقال لنبيه صلوات الله عليه وعلى آله: ? قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب ? [سبأ:50]. فأمر نبيه صلى الله عليه أن ينسب ضلاله إن كان منه إلى نفسه، والهدى إلى ربه تبارك وتعالى، وقد علم الله جل ثناؤه أن لا يكون من نبيه ضلالة أبداً، وأن لا يكون منه إلا الهدى، وإنما أمر بذلك تأديباً لخلقه، وأن ينسبوا ضلالتهم إلى أنفسهم، وينزهوا منها ربهم، وأن ينسبوا

(1/256)


هداهم إلى ربهم الذي به اهتدوا، وبعونه وتوفيقه رشدوا.

(1/257)


[القدرة قبل الفعل]
والقدريون المفترون يكرهون أن ينسبوا الضلالة إلى أنفسهم والفواحش، ولا يقرون أن الله جل ثناؤه ابتدأ عباده بالهدى ولا بالتقوى، قبل أن يصيروا إلى هدى أو تقوى، خلافاً لقوله، ورداً لتنزيله، وإبطالاً لنعمه، وهو يقول جل ثناؤه: ? فاتقوا الله ما استطعتم ? [التغابن:16]. يأمرهم بالتقوى إذ كانوا لها مستطيعين، فلو لم يكن لهم عليها استطاعة لما أمرهم بها، ولو كانت استطاعة لغيرها لم يجز أن يقول ? اتقوا الله ما استطعتم ?، إذ كانت الإستطاعه لغير التقوى. وقال جل ثناؤه: ? خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ? [البقرة:63]. ?يا يحيى خذ الكتاب بقوة ? [مريم:12]. فقد أمرهم أن يأخذوا لأن الأخذ فعلهم، والأمر والقوة فعل ربهم، فلم يأمرهم جل ثناؤه أن يأخذوا، حتى قوَّاهم على ذلك قبل أن يأخذوا.
وكذلك قال في الصيام: ? وعلى الذين يطيقونه فدية ? [البقرة:184]. يعني: على الذين يطيقون الصيام ولا يصومون فدية، ونحو ذلك مما في القرآن. وذلك كله دليل على أن القوة قبل الفعل، إذ كان الفعل لا يكون إلا بالقوة، وكلما كان بشيء يكون، أو به يقوم، فالذي يكون الشيء أو يقوم به فهو قبله، كذلك الأشياء كلها بالله جل ثناؤه كانت وبه قامت، وهو قبلها. فكذلك القوة فينا قبل فعلنا، إذ كان فعلنا لا يكون ولا يقوم ولا يتم إلا بها، وكذلك يقول الناس: بقوة الله فعلنا. لاكما تقول القدرية المشبهون: إن الله جل ثناؤه لم يبتدئ العباد بالقوة! فأنعم عليهم بها قبل فعلهم! ولكنها كانت منه مع فعلهم.

(1/258)


ففيما وضعناه دليل وبرهان، أن القوة من الله جل ثناؤه في عباده قبل فعالهم، إذ كان بطاعته لهم آمراً، وعن معصيته لهم ناهياً، نعمة أنعم بها الله عليهم، وأحسن بها إليهم. والقوة عندنا على الأعمال هي الصحة والسلامة من الآفات في النفس والجوارح، وكل ما يوصل به إلى الأفاعيل، إذ كانت الصحة والسلامة تثبت الفرض، وإذا زالت زال الفرض، ذلك موجود في العقول، وفي أحكام الله جل ثناؤه، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي إجماع الأمة . لا يعرفون غير ذلك، ولا يدينون إلا بذلك.
فليتق الله عَبدُه، وليعلم أن الله جل ذكره يبتدئ العباد بالنعم والبيان، ولا يبتدئهم بالضلال والطغيان، صدَّقَ ذلك قولُه لا شريك له: ? وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ? [الإسراء:15]. وقال جل ثناؤه: ? وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ? [التوبة:115].

(1/259)


[المعاصي فعل الإنسان وتزيبن الشيطان]
فمن أحسن فليحمد الله جل ثناؤه، إذ أمره بالخير وأعانه عليه، ومن أساء فليذم نفسه فهي أولى بالذم، وليضف المعصية إذ كانت منه إلى نفسه الأمارة بالسوء، وإلى الشيطان إذ كان بها آمراً ولها مزيِّناً، كما أضافها الله جل ثناؤه إليه، وأضافها الأنبياء صلوات الله عليهم والصالحون حين عصوا الله إلى أنفسهم، قال آدم وحواء صلوات الله عليهما حين عصيا في أكل الشجرة: ? ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ? [الأعراف:23]. فأخبر سبحانه أن الشيطان دلاَّهما بغرور، ثم حذَّر أولادهما من بعدهما إعذاراً إليهم، وتفضلاً عليهم، فقال: ? يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ? [الأعراف:27].
وقال موسى صلوات الله عليه حين قتل النفس: ? هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ? [القصص:15]. وقال: ? رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ? [القصص:16].
وقال يونس صلوات الله عليه وهو في بطن الحوت تائباً من ظلمه لنفسه، ومقراً بذنبه ? لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ? [الأنبياء:87]. وقال غيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم نحو ذلك، وقال الصالحون نحو ذلك عند زلتهم. فنقول كما قال أنبياؤه ورسله صلوات الله عليهم، وكما قال الصالحون من عباده، فنضيف المعاصي إلى أنفسنا، وإلى الشيطان عدونا، كما أمرنا ربنا، ولا نقول كما قال القدريون المفترون: أن الله جل ثناؤه قدَّر المعاصي على عباده، ليعملوا بها وأدخلهم فيها، وأرادها منهم وقلَّبهم فيها كما تقلب الحجارة، وشاءها لهم وقضاها عليهم حتماً، لا يقدرون على تركها. وأنه في قولهم يغضب مما قضى، ويسخط مما أراد، ويعيب ما قدَّر، ويعذب طفلاً بجرم والده، وأنه يحمد العباد ويذمهم بما لم يفعلوا، ويجزيهم بما صنع بهم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

(1/260)


هذا مع زعمهم أن أفعال العباد كلها طاعتها ومعصيتها صنعه وخلقه، هو تولى خلقها وإحداثها، خلافاً لقول الله تعالى: ? جزاء بما كانوا يعملون ? [الواقعة:24]. ? وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ? [الأعراف:43]. وقوله لأهل المعاصي: ? لبئس ما كانوا يعملون ? [المائدة:62]. و? ساء ما كانوا يعملون ? [التوبة:9، المجادلة:15، المنافقون:2]. و? إنما تجزون ما كنتم تعملون ? [الطور:16، التحريم:7]. فكفروا بالله كفراً لم يكفر به أحد من العالمين، لعظيم فريتهم على ربهم جل ثناؤه، ورميهم إياه بجميع جُرمهم، تعالى الله عن إفكهم علوا كبيرا! وتقدس وجل ثناؤه!! أليس في كتابه، وفي حجة عقول خلقه، عدله عليهم وإحسانه، وبرآءته من ظلمهم ؟! إذ قال جل ثناؤه: ? إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ? [النحل:90].
فوالله لو لم ينزل على عباده إلا هذه الآية في عدله لكان فيها البيان والنور، وهي آية محكمة مجملة تأتي على جميع الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية .
وفي أمر الله جل ثناؤه عباده بالطاعة، دليل لمن كان له عقل أن الله جل ثناؤه أرادها وشاءها وأحبها، إذ كان بها آمراً وعليها حامداً، ولأهلها موالياً، ولهم مثيباً. وفي نهيه عن المعصية دليل أنه لم يردها ولم يشأها ولم يحبها، إذ كان عنها ناهياً، وعليها ذآماً، ومن أهلها بريئاً، ولهم معاقباً.

(1/261)


فلا هو أرادها جل ثناؤه، ولا هو عز وجل عُصِيَ مغلوباً، ولكنه الحليم تأنى بخلقه وأمهلهم وحلم عنهم، ولم يعجل عليهم بالانتقام منهم، ليرجعوا فيتوبوا، فاغتروا بحلمه عنهم، حتى افتروا عليه، فزعموا أنه أمر بما لا يريد، ونهى عما يريد، وأن رسله صلوات الله عليهم خالفوه فيما أراد، وأن إبليس عليه غضب الله وافقه فيما أراد. وذلك أنهم زعموا أنه أراد الكفر من كثير من عباده، وأرسل إليهم رسله يدعونهم إلى الإيمان وهو خلاف ما أراد من الكفر، وأن إبليس دعاهم إلى الكفر وهو ما أراد منهم، فكان إبليس في قولهم - لله جل ثناؤه فيما أراد - موافقاً، وكان رسول الله صلى الله عليه فيما أراد من ذلك مخالفاً، ( تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ).

(1/262)


[الطاعة والمعصية فعل العبد]
والدليل على أن ما فعلوا من طاعة الله ومعصيته فعلهم، وأن الله جل ثناؤه لم يخلق ذلك، إقبال الله تبارك وتعالى عليهم بالموعظة، والمدح والذم والمخاطبة، والوعد والوعيد، وهو قوله جل ثناؤه: ? فمالهم لا يؤمنون ? [الإنشقاق:20]. وقوله: ? وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر ? [النساء:39]. ولو كان هو الفاعل لأفعالهم الخالق لها، لم يخاطبهم ولم يعظهم، ولم يَلُمهم على ما كان منهم من تقصير، ولم يمدحهم على ما كان منهم من جميلٍ وحَسَن، كما لم يخاطب المرضى فيقول: لِم مَرضتم ؟ ولم يخاطبهم على خلقهم فيقول: لِمَ طُلتم ؟ ولِمَ قَصُرتم ؟ وكمالم يمدح ويحمد الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب في مجراهن ومسيرهن. وإنما لم يمدحهن، ويحمدهن لأنه جل ثناؤه هو الفاعل ذلك بهن، وهو مصرفهن ومجريهن وهو منشؤهن. وكان في ذلك دليل أنه لم يخاطب هؤلاء وخاطب الآخرين، فعلمنا أنه خاطب من يعقل، ويفهم ويكسب، وإنما خاطبهم إذ هم مخيرون، وترك مخاطبة الآخرين إذ هم غير مخيرين ولا مختارين، فهذه الحجة، وهذا الدليل على فعله من فعل خلقه.

(1/263)


والدليل على أن المعاصي ليست بقضائه ولا بقدره، ما أنزل في كتابه من ذكر قضائه بالحق، وأمره بالعدل، وتعبُّدِه عباده بالرضى بقضائه وقدره، وإجماع الأمة كلها على أن جميع المعاصي والفواحش جورٌ وباطل وظلم، وأن الله جل ثناؤه لم يقض الجور والباطل، ولم يكن منه الظلم، وأنهم مُسَلِّمون لقضاء الله، منقادون لأمر الله، فإذا نزلت بهم الحوادث من الأسقام والموت والجدب والمصائب من الله جل ثناؤه، قالوا هذا بقضاء الله، رضينا وسلمنا، ولا يسخطه منهم أحد، ولا ينكره منكر، وإن سخطه منهم ساخط، كان عندهم من الكافرين، وإذا ظهرت منهم الفواحش وانتهكت فيهم المحارم، كانوا لها كارهين، وعلى أهلها ساخطين، ولهم معاقبين، يتبرأون منهم ويلعنونهم، ويذمونهم وأعمالَهم. ففي ذلك دليل أن ذلك ليس فعله. وقضاء الله لا يكون جورا ولا فاحشاً، ولا قبيحاً ولا باطلاً ولا ظلماً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وقد وصفنا حجج الله في عدله، وما بيَّن من ذلك لخلقه.

(1/264)


[شبه القدرية]
فإن اعتلت القدرية السفهاء ببعض الآيات المتشابهات، نحو قوله جل ثناؤه :? يضل من يشاء ويهدي من يشاء ? [النحل:93]. وقوله :? ختم الله على قلوبهم ? [البقرة:7]. ? بل الله طبع عليها بكفرهم ? [النساء:155]. ونحو ذلك من متشابه الآيات، وتأولوها على غير تأويلها، فإنَّ كَسْرَ مقالتهم يسير، والحجة عليهم بينة. وذلك أن الله عز وجل أخبر أن الشيطان وجنوده من الجن والإنس يضلون، وإنما إضلالهم للعبد إنما هو من طريق الصد عن الطاعة، بالغرور والكذب والخداع والتزيين للقبيح الذي قبحه الله، والتقبيح لما زيَّن الله وحسَّنه، فذلك معنى إضلال الشيطان وأوليائه. والله جل ثناؤه يضل لا من طريق أولئك، لأنه تعالى عن الكذب والصد، وإنما معنى إضلاله جل ثناؤه للعباد الذين يَضلون عن سبيله، عند كثير من أهل العلم: التسمية لهم بالضلالة، والشهادة عليهم بها. كما يقال: فلان كَفَّر فلاناً، وفلان عدَّل فلاناً، وفلان جوَّر فلاناً. يريدون: أنه سماه بذلك، لما هو عليه من ذلك، فكذلك يقال أضلَّ الله الفاسقين، وطبع على قلوب الكافرين، معنى ذلك عند كثير من أهل العلم: أنه شهد عليهم بسوء أعمالهم، ونسبهم إلى أفعالهم، مسمياً لهم بذلك، وحاكماً عليهم به كذلك، لما كان منهم، فذلك تأويل الآيات المتشابهات في هذا المعنى، عند من وصفنا من أهل العلم .

(1/265)


فعلى العبد أن يتقي الله، وينظر لنفسه، وأن لا يقبل ما تأولته القدرية المجبرة، مما لا يجوز على الله جل ثناؤه في الثناء، وأدنى ما عليه أن يحسن الظن بربه، ويأمنه على نفسه ودمه، ويعلم أنه أنظرُ له من جميع خلقه، ولْيرجع إلى المحكمات من الآيات، التي وصف الله جل ثناؤه فيها نفسه - جل وجهه - بالعدل والإحسان، والرحمة بخلقه، والغنى عنهم، والأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية، فيعمل بتلك الآيات ويكون عليها، ويؤمن بالمتشابهات، ولا يظن أنها وإن جهل تأويلها وحُرِّفت عن تفسيرها أنها تنقض المحكمات، فإن كتاب الله ( لا ينقض بعضه بعضاً، ولا يخالف بعضه بعضاً، وقد قال) الله عز وجل :? ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ? [النساء:82]. فنفى أن يكون في كتابه اختلاف .
فليتق الله عبدٌ ولينظر لنفسه، وليحذر هذه الطائفة من القدرية والمجبرة، فإنهم كفار بالله، لا كفر أعظم من كفرهم، لما وصفنا من فريتهم على الله جل ثناؤه، في كتابنا هذا. لأنهم شهدوا لجميع الكفار أن الله أدخلهم في الكفر شاءوا أو أبوا، فشهدوا للفساق وجميع العصاة، أنهم إنما أُتُوا في ذلك كله من ربهم، ولذلك ( هم مجوس هذه الأمة ).

(1/266)


[المرجئة]
وليحذر العبد أيضاً هذه الطائفة من المرجئة فإن قولهم من شر قول وأخبثه، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( صنفان من أمتي لعنوا على لسان سبعين نبياً القدرية والمرجئة، قيل: مَن القدرية والمرجئة يا رسول الله ؟ فقال: أما القدرية فالذين يعملون بالمعاصي ويقولون: هي من عند الله وهو قدَّرها علينا، وأما المرجئة فهم الذين يقولون: الإيمان قولٌ بلا عمل ).
فهذان قولان فيهما ذهاب الإسلام كله، ووقوع كل معصية، وذلك أن القدرية زعمت أن الله جل ثناؤه أدخل العباد في المعاصي، وحملهم عليها وقدرها عليهم وخلقها فيهم، فهم لا يمتنعون منها ولا يستطيعون تركها.
وأما المرجئة فرخَّصوا في المعاصي وأطمعوا أهلها في الجنة بلا رجوع ولا توبة، وشككوا الخلق في وعيد الله، وزعموا أن كل من ركب كبيرةً من معاصي الله فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله، بعد أن يكون مقراً بالتوحيد، وأن جميع أعمال المؤمنين من الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك ليس من الإيمان، ولا من دين الله، مع أشياء كثيرة تقبح من قولهم، فكان في قولهم انتهاك حرمات الله سبحانه، وتعدي حدوده، وقتل أوليائه، وخفر ذمته، واستخفاف بحقه، والفساد في أرضه، والعمل بالظلم في عباده وبلاده، فهذان قولان مما أُهلك العبادُ والبلادُ بهما، فنعوذ بالله منهما، ونبرأ إلى الله من أهلهما، ونسأله فرجاً عاجلاً، إنه قريب مجيب .

(1/267)


[فرائض الله ونواهيه]
فإذا أقرَّ العبد بما وصفنا من توحيد الله وعدله وعَرَفَه، فعليه بعد ذلك أن يؤدي ما افترض الله عليه من الصلاة والزكاة والصوم والحج، إذا كان لذلك مطيقاً، والجهاد في سبيله لجميع أعدائه من الكافرين والفاسقين، إذا أمكنه ذلك واحتيج فيه إليه، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إذا لزمه ذلك بنفسه، ومع غيره إذا أمكنه ذلك، ويؤدي ما افترض الله جل ثناؤه عليه من شرائع دينه.
وعليه أن يتجنب ما نهى الله عنه من معاصيه كلها من الكفر كله، وقتل النفس التي حرم الله بغير الحق، وأخذ أموال الناس مسلميهم ومعاهديهم بغير حقها، والظلم لهم، والعدوان عليهم، وأكل أموال اليتامى ظلماً، وأكل الربا، والسرقة، والزنا، وقذف المحصنات والمحصنين، وشرب الخمر، وإتيان الذكران من العالمين، والفرار من الزحف في المواطن التي لا ينبغي له الفرار فيها، إذا كان في ذلك اصطلام المسلمين، وهلاكهم، وعقوق الوالدين المسلمَين، وإن كانا عاصيين صاحبهما معروفاً، وكل معصية يعلمها الله معصية، وكل ما عليه أن يعلم أنه لله معصية فلا يعمله ولا يقربه، فإن الله تبارك وتعالى قد نهى عن الذنوب كلها، كبيرها وصغيرها، كبيرها فيه الوعيد، وصغيرها هو موهوب لمن اجتنب الكبير، وذلك قول الله :? إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريما ? [النساء:31].

(1/268)


فليتق الله عبدٌ ولا يقدم على معصية ربه وهو يعلمها، ولا يعتقدها متأولاً ولا متديناً بها، وقد جعل الله له السبيل إلى معرفتها وتركها، وليكن أبداً متحرزاً متحفظاً، وبأمر ربه متيقظاً، فإن الله عز وجل وصف المتقين، من عباده المؤمنين، فقال جل ثناؤه: ? إن الذين اتقوا إذا مسهم طآئف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ? [الأعراف:201]. ولم يقل فإذا هم مصرون، ثم أخبر تبارك وتعالى عن إخوان الشيطان فقال جل ثناؤه: ? وإخوانهم يُمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ? [الأعراف:202]. فالمؤمن أبداً متيقظ متحفظ، راجٍ خائف، يرجو الله لما هو عليه من الإحسان، ولما يكون منه من ذلك رجاء لا قنوط فيه، ويخافه على الإساءة الموبقة إن فعلها خوفاً لا طمع فيه، إلا بتوبةٍ منها، فالخوف والرجاء لا يفارقانه، بذلك وصف الله جل ثناؤه المؤمنين من عباده، فقال: ? أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ? [الإسراء:57]. وهكذا صفة المؤمنين، وليس أحد يقدر أن يؤدي كلما استحق الله جل ثناؤه من عباده مِن شكرِ نعمه، وإحسانه بالكمال والتمام حتى لا يُبقي مما يحق له جل ثناؤه عليه شيئاً إلا أداه. هيهات !! فكيف وهو يقول تبارك وتعالى: ? وإن تعدوا نعمة الله تعالى لا تحصوها ? [إبراهيم:34]. فكيف يؤدي شكر ما لا يحصى ؟! ولم يفترض جل ثناؤه على خلقه ذلك، ولا يسأل كلما له عليهم، مما يستحق لديهم، لعلمه بضعفهم، وأن في بعض ذلك استفراغ جهدهم، وما تعجز عنه أنفسهم، وأنهم لا يقدرون على ذلك، ويقصرون عن بلوغ ذلك، فتبارك الله جل ثناؤه عن الاستقصاء عليهم. ولم يسألهم كل مالَه عليهم، وغفر لهم صغير ذنوبهم كله، إذا اجتنبوا كبيره، رحمة بهم ونظرا لهم.
فأما من رجا الرحمة وهو مقيم على الكبيرة، فقد وضع الرجاء في غير موضعه، واغتر بربه، واستهزأ بنفسه، وخدعه وغرَّه من لا دين له، إلا أن يتوب فيُغفر له بالتوبة.

(1/269)


فأما الإقامة على الكبائر فلا. بل قد وصف الله جل ثناؤه الراجين لرحمته، وكيف وضعوا الرجاء موضعه، فقال: ? إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ? [البقرة:218]. فهكذا يكون الرجاء. وذلك أن الجنة والنار طريقان، فطريق الجنة طاعة الله المجردة من الكبائر من معاصي الله، وطريق النار معصية الله، وإن لم تكن مجردة من بعض طاعات الله، لأنا قد نجد العبد يؤمن بكتاب الله، ويكفر ببعضه فلا يكون مؤمنا، ولا بما آمن به منه من النار ناجيا، يصدق ذلك قول الله عز وجل :? أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ? [البقرة:85].فلم يُسمَّوا بما آمنوا به مؤمنين، بل سُمُّوا بما كفروا به منه كله كافرين.
وعلى هذه الطريق في من لم يكفر به من الفاسقين، أهل الكبائر العاصين، فمن كان على المعصية الكبيرة مقيماً فهو على طريق النار. فكيف يرجو البلوغ إلى الجنة، وهو يسلك ذلك الطريق. كرجل توجه إلى طريق خراسان فسلكه وهو يقول أنا أرجو أن أبلغ الشام، وهو على طريق خراسان. وذلك ما لا يكون إلا أن يتحول طريق الشام. فهذا مثلُ مَن وضعَ الرجاء في غير موضعه.
فإن اعتل معتل بقول الله عز وجل :? إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ? [النساء:48، 116]. فأطمع مَن فعلَ فِعالاً دون الشرك من الكبائر في المغفرة بهذه الآية.
قيل له: إن الله عز وجل قد قال في موضع آخر من كتابه، لنبيه صلوات الله عليه وآله: ? قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ? [الزمر:53]. ففي هذه الآية إطماع لجميع المؤمنين والمشركين وغيرهم، وليست تلك الآية بأوضح في الغفران من هذه الآية، فيطمع للمشركين فيها.

(1/270)


فإن قال قائل لا أطمع للمشركين لإجماع المسلمين، بطل الاعتلال بالآية. وقيل له: إن الأمة لم تُجمع إلا من قِبَلِ خبر الله. وكذلك أثبتنا نحن وعيد الله على الفاسقين من قِبَلِ خبر الله بقوله :? ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين ? [النساء:14]. ونحو ذلك من الآيات. فكل من مات على معاصي الله مصراً غير تائب إلى الله، فهو من أهل وعيد الله وعقابه.
ومعنى قوله :? إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ?. أنه يغفر للمجتنبين الصغيرَ، إذ أخرج الكبير من أن يكون مغفوراً بقوله:? ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ? [غافر:18]. وبغير ذلك من الوعيد، وبيَّن أنه يعد بالمغفرة الصغيرَ قولُه:? إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريما ? [النساء:31]. وقد يُغفر الكبيرُ لمن تاب منه، فيكون قوله:? لمن يشاء ?. أي: لمن تاب من الكبائر.

(1/271)


[موالاة المؤمنين]
وعلى العبد أن يوالي أولياء الله حيث كانوا وأين كانوا، أحياءهم وأمواتهم وذكورهم وإناثهم. ويكون أحبهم إليه وأكرمهم عليه، أفضلهم عنده، وأتقاهم لربه، وأكثرهم طاعة له.
والمؤمنون هم الذين وصفهم الله جل ثناؤه في كتابه، وبيَّن أحكامهم في سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال :? إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون ? [الأنفال:2]. وقال جل ثناؤه :? قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون ? [المؤمنون:1 – 4]. فوصفهم بأعمالهم الصالحة حتى قال جل ثناؤه :? أولئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ? [المؤمنون:10 – 11]. وقال تبارك وتعالى :? إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ? [الحجرات:15]. فقد دخل في هذه الصفة كل طاعة، لأن الجهاد في سبيل الله يأتي على كل طاعة، فمن أطاع الله في أداء فرائضه، واجتناب محارمه، فهو مجاهد بنفسه لربه، في إتباع أمره، وترك هوى نفسه، فلا جهاد أفضل من مجاهدة النفس، ليردها من هواها فيما يرديها، ومن مجاهدة الشيطان عدو الرحمن. فمن عمل ذلك فهو مؤمن، لأن الإيمان طاعة لله.
وللمؤمنين يقول الله جل ثناؤه:? وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيرا ? [الأحزاب:47]. وقال جل ثناؤه :? وكان بالمؤمنين رحيما، تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجراً كريما ? [الأحزاب:43 – 44]. فهذا ما وصفهم الله به في كتابه، وحكم لهم فيه، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وبالولاية لهم ثبوتُ عدالتهم وشهادتهم، وحسن الظن بهم، والنصيحة لهم، والإحسان إليهم، والثناء عليهم.

(1/272)


[معاداة الكافرين]
وعلى العبد أن يعادي أعداء الله الكافرين، أين كانوا وحيث كانوا، أحياءهم وأمواتهم، وذكورهم وإناثهم، وقد وصفهم الله جل ثناؤه وبيَّن أحكامهم كلهم، أهل الكتابين والمجوس والصابئين، وغيرهم من المشركين والملحدين، والمصرين والمرتدين والمنافقين، فأمر بقتل بعضهم، وترك قتل بعضهم، وأخذ الجزية، وترك نكاح نسائهم، وترك أكل ذبائحهم .
وأما - غيرهم من أهل الأديان، من العرب والعجم، والمرتدين عن الإسلام إلى هذه الأديان المنصوصات من الكفر، أو إلى الإلحاد، أو إلى صفة الله بالتشبيه له بخلقه، والإفتراء عليه بالتظليم له في عباده، بأن كلفهم ما لا يطيقون، وعذب أطفالهم بما لا يكسبون، إذ خرجوا مما عليه الأمة مجمعون من سنة نبيهم صلوات الله عليه وعلى آله، إذ أجمعوا أن الخارج منها كافر، فهؤلاء كلهم يستتابون من كفرهم - فإن تابوا وإلا قتلوا، لا يُقبل منهم غير ذلك، ولا تؤكل ذباؤحهم، ولا تنكح نساؤهم إن كن كفاراً، ويفرق بينهم وبين نسائهم إذا أسلمن، من حرائرهن وإمائهن، ولا يرثون، ويرث المؤمنون أموالهم.
هذا حكم المرتدين منهم، وبهذا حكم الله جل ثناؤه في جميع الكافرين، ماخلا من كان منهم له عهد من رسلهم، ودخل بأمان إلى المسلمين في دارهم، أو كان بينه وبينهم صلح وعقد، فهؤلاء يوفى لهم بعهدهم، ولا ينقض شيء من عهدهم.

(1/273)


[معاداة الفاسقين]
وعلى العبد أن يعادي أعداء الله الفاسقين، الذين أقروا ثم فسقوا، من كانوا وحيث كانوا، أحياءهم وأمواتهم، وذكورهم وإناثهم، الذي يسعون في الأرض فسادا، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويركبون كبائر الإثم والفواحش، أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار، ونلعنهم كما لعنهم الله ونتبرأ منهم، من كانوا وحيث كانوا، من قريب أو بعيد. وهكذا قال تبارك وتعالى :? لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ? [المجادلة:22]. فكل من أتى كبيرة من الكبائر، أو ترك شيئاً من الفرائض المنصوصة، على الإستحلال لذلك فهو كافر مرتد، حكمه حكم المرتدين. ومن فعل شيئاً من ذلك إتباعاً لهواه، وإيثاراً لشهواته، كان فاسقاً فاجراً ما قام على خطيئته، فإن مات عليها غير تائب منها، كان من أهل النار، خالداً فيها وبئس المصير. يُبيِّن ذلك قولُ الله تبارك وتعالى :? إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم الدين، وما هم عنها بغائبين ? [الإنفطار:13 – 16]. ومن لم يَغِب من النار فليس منها بخارج، ومن لزمه الفسق والفجور من كان فهو من أهل النار، إلا أن يتوب، لقول الله جل ثناؤه: ? سأريكم دار الفاسقين ? [الأعراف:145]. وقوله: ? وإن الفجار لفي جحيم ? [الإنفطار: 14].

(1/274)


[الفاسق]
ومن أتى كبيرة فهو فاجر فاسق. يُبيِّن ذلك قولُ الله جل ثناؤه :? والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ? [النور:4]. وقال تبارك وتعالى:? إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ? [النور:23]. فإذا كان قاذف المحصنة فاسقاً ملعوناً، فالزاني بالمحصنة أعظم جرماً، والسارق، وقاتل النفس، بغير الحق، وآكل أموال اليتامى ظلماً، وغير ذلك من كبائر الذنوب. وكذلك من فعل ذنباً من الكبائر فهو فاسق في إجماع الأمة. والفاسق - لله جل ثناؤه - عدوٌّ، حكمُ الله فيه ما أنزل من حدوده. مِن قتله إذا قتل ظلماً، أو أفسد في الأرض بغياً، وقطع يده إذا كان سارقا، وجلده إذا زنا، وإن زنا وهو محصن قتل بالحجارة رجماً، وإذا قذف المؤمنين والمؤمنات جلد الحدَّ، وغير ذلك من النكال. لما يكون منه من الفعال، ? ذلك له خزي في الدنيا وله في الآخرة عذاب عظيم?. مع ما نهى الله عز وجل عنه من ولايته، وأمر به من جرح عدالته، وإبطال شهادته، وسوء الظن به، والحجر عليه في ماله إذا أنفقه في معاصي ربه، حتى يُؤنس رشدُه، وغير ذلك من الأحكام عليه، من سوء الثناء، وإلزامه القبيحة من الأسماء، فليس هو من المؤمنين في أسمائهم، ولا رضيِّ أفعالهم، لمجانبة المؤمنين في أعمالهم وطيبهم. ولا من الكافرين ولا يسمى بأسمائهم، لمخالفته الكافرين في جحدهم، وفريتهم على ربهم، واستحلالهم لما حرم الله عليهم. ولا هو من المنافقين لاستسرار المنافقين الكفر في قلوبهم، ولكنه فاسق. ذلك اسمه، وعليه حكمه.

(1/275)


وقد بيَّن الله جل ثناؤه أن الفاسق اسم من أسماء الذنوب، لقوله :? بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ? [الحجرات:11]. ومن لم يتب من فسقه وظلمه، فهو من أهل النار ليس بخارج منها، ولكنه وإن كان في النار فليس عذابه كعذاب الكافر، بل الكافر أشد عذاباً.
فلا يغتر مغتر، ولا يتَّكل متَّكِل، على قول من يقول- من الكاذبين على الله وعلى رسوله، صلوات الله عليه وعلى أهله - أن قوماً يخرجون من النار بعد ما يدخلونها، يعذبون بقدر ذنوبهم. هيهات أبى الله جل ثناؤه ذلك !! وذلك أن الآخرة دار جزاء، والدنيا دار عمل وبلوى، فمن خرج من دار البلوى إلى دار الجزاء، على طاعة أو معصية، فهو صائر إلى ما أعد الله له خالداً فيها أبداً.
فاللهَ اللهَ في أنفسكم بادروا وجدوا، وتوبوا قبل أن تحجبوا عن التوبة. ومع ذلك فإن الأمة مجمعة على أن أهل الوعيد من أهل النار.
قال بعض الناس: إنما عنى بالوعيد المستحلين، وتواعد به المذنبين، ليزجرهم عن أعمال الفاسقين.
فقيل لهم: أفيجوز على أحكم الحاكمين، أن يوعد بعقوبة الكافرين، من ليس منهم من المذنبين، وهو يعلم أنه لا يوقع بهم ذلك يوم الدين ؟!
فهل يكون من الكذب، والهزل من القول ؟! إلا ما وصفهم به أرحم الراحمين، إذ كان يوعد قوماً بعقوبة قوم آخرين، لم يكونوا لمثل أعمالهم التي أوجب الله لهم العقوبة عليها عاملين.
وقال بعضهم: إن قوماً يخرجون من النار بعد ما يدخلونها.
فقيل لهم إذا اجتمعتم أنتم وأهل الحق على الدخول، ثم خالفتموهم في الخروج، فالحق ما اجتمعتم عليه من الدخول، والباطل ما ادعيتموه - بلا إجماع ولا حجة - من الخروج. والأمة مجمعة على أن من أتى كبيرة، أو ترك طاعة فريضة كالصلاة والزكاة والصيام، من أهل الملة فهو فاسق.( فكلهم قد أقربأنه فاسق ) ( وهي مختلفة في غير ذلك من أسمائه.
فقال بعضهم: هو مشرك فاسق منافق. وقال بعضهم: هو فاسق كافر.

(1/276)


وقال بعضهم: فاسق منافق. فكلهم قد أقر بأنه فاسق ) واختلفوا في غير ذلك من أسمائه. فالحق ما أجمعوا عليه من تسميتهم إياه بالفسق، والباطل ما اختلفوا فيه. ففي إجماعهم الحجة والبرهان، نسأل الله التسديد والتوفيق، لما يحب ويرضى.
والأسماء في الدين والأحكام، عند ذي الجلال والإكرام، ليس لأحد من المخلوقين أن يضع اسماً وحكماً على أحد من العالمين، فيما هم به مأمورون وعنه منهيون، فمن استحل شيئاً من ذلك برأيه، عن غير كتاب الله جل ثناؤه، وسنة رسوله الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو من الضآلين إذ كان عند الله كبيراً. لأن الحكم في ذلك كله لرب العالمين، لقوله جل ثناؤه :? إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ? [الأنعام:57].
وعلى العبد أن يتجنب الفاسقين، والمعونة لهم على فسقهم، والمجالسة لهم على لهوهم ومعاصيهم، وعليه أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، لأن على كل مؤمن إذا رأى منكراً مما يجوز أن يغيره هو، أن يغيره بكل ما يقدر عليه ويحل له، وإن كان مما لا يجوز أن يغيره( إلا لإجماع المؤمنين بالتعاون، فعليهم وعليه أن يغيروا ) بكل إمكانهم، بالسيف إن لم يجز إلا بالسيف، وبما دون السيف إذا اكتفي به، وأدنى ذلك النهي باللسان. فإن لم يمكنه ذلك لتعبه لتخوفه الهلاك أو تقية، فإنكار ذلك بالقلب، والعزم على التغيير إذا أمكن الأمر. ولا يُترك صاحب المنكر حتى يتوب منه، أو يقام فيه حكم رب العالمين، ويُدارى أهل المنكر، ويوعظون بأرق الوجوه، فإن أبوا إلا المقام على المنكر، فإن قدر على إزالتهم عنه فلا يُؤخر ذلك، وإن لم يُقدر على إزالتهم جونبوا بمجانبة جميلة، وقُطعت الولاية عنهم، ولا يُدعا لهم بخير حتى يتوبوا إلى ربهم، إنه ? يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ? [الشورى:25].

(1/277)


[التوبة]
وعلى العبد أن يتقي الله في سر أمره وعلانيته، ويستغفر الله ويتوب إلى الله من ذنوبه، فإنه يقبل التوبة عن عباده، بذلك وصف نفسه جل ثناؤه، فقال :? وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ? [طه:82]. ثم دعا عباده إلى التوبة، ثم أخبرهم أنه يقبلها، فقال :? استغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ? [هود:90]. وقال :? وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ? [النور:31].
فمن تاب إلى الله قَبِلَ توبته، وإن كانت ذنوبه عدد الرمل، وأكثر من ذلك، لأنه كريم، وهو بعباده رؤوف رحيم، يقبل التوبة ويقيل العثرة، ويقبل المعذرة، ويغفر الخطيئة، إذا صحت من العبد التوبة. وقال جل ثناؤه :? والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا، إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما ? [الفرقان:68 –70]. ومن تاب من ذنبه، قَبِلَ الله توبته وأحبه، كذلك قال جل ثناؤه :? إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ? [البقرة:222]. يعني: المتطهرين من الذنوب. فمن أحبه الله لم يعذبه، وكان من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون، وكان من أهل الجنة لاشك فيه. وكذلك أخبر تبارك وتعالى عن ملائكته :? الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ? [غافر:7 – 8]. والله جل ثناؤه لا يخلف الميعاد.

(1/278)


[التوبة من حقوق الله]
فالتوبة لها وجوه وتفسير، فكل ذنب بين الله وبين عباده وإمائه نحو الزنا، وشرب الخمر، وإتيان الذكران بعضهم بعضا، وإتيان النساء بعضهن بعضا، واستماع محارم اللغو واللهو والعكوف عليها، وقول الزور، وقذف أهل الإحصان من الرجال والنساء بالرفث والخناء والفجور، والكذب، والمرح، والخيلاء، والكبرياء، والرياء، والعجب، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، والنظر إلى ما لا يحل من العورات، وغيرها، والفرار من الزحف لا ينحرف إلى قتال ولا يتحيز إلى فئة، والكذب، والغيبة، والنميمة، وما أشبه ذلك من الذنوب، ومعاداة أولياء الله، وموالاة أعداء الله، فالتوبة من ذلك كله بالندم على ما مضى، والإستغفار بالقلب واللسان بلا إصرار، والعزم أن لا يعود إلى شيء من ذلك أبداً، قليلاً كان أو كثيراً.

(1/279)


[التوبة من حقوق المخلوقين]
وأحب إلينا أن ينظر إلى ما كان أذىً لمسلم أو معاهد، فيستحله ويعتذر إليه منه ويرضيه، وكل ذنب كان بين العبد وبين الناس مسلمهم ومعاهدهم، من سرقة، أو ربا في أموالهم، أو أخذِ مال بغير حق في جناية، أو غصب، أو إدخال ضرر عليهم في الأبدان كالقتل، والجراحات كالضرب الشديد، ( كان إذا قدر على ذلك وكان له مال ) فإن لم يكن مال جعله ديناً عليه، وعزم على أن يرده إلى أهله إذا قدر عليه، أو على ذريتهم إن كان أهله ماتوا. ويندم على أخذه وحبسه، ويستغفر الله، ويعطي من نفسه أن لا يعود إلى مثل ذلك أبدا، ولا تجزيه التوبة من الأخذ حتى يرد إذ كان حابساً، وإن استوهبه منهم ووهبوه له بطيبة أنفس منهم، كان ذلك له حلالاً، بعد الإقرار لهم على أجمل الوجوه. وإن صالحوه وأخذوا بعضاً وتركوا بعضاً، على غير اقتسار لهم كان ذلك جائزاً.
وإن لم يعرف أصحاب المال الذي أخذ منهم المال وأيس أن يعرفهم، أو يعرف ورثتهم، تصدق بمقدار ما أخذ منهم على المساكين، فإن جاءوا بعد ذلك إليه أخبرهم أنه قد تصدق بذلك عنهم، فإن رضوا لم يكن عليه شيء، وإن أرادوا حقهم رده عليهم، إذا قدر عليه، وكانت صدقته له. وإن كان محتاجاً إليه فأنفقه على نفسه، وجعله ديناً عليه لأهله، فإن تاب قبل القدرة على أدائه إليهم من غصبه المال، وإنفاقه إياه على نفسه، كانت توبته مقبولة عند الله جل ثناؤه، وكان المال له لازماً حتى يعينه الله على قضائه.
وإن كان الذي أخذ أموالهم غائباً في بعض البلدان، فلم يقدر على الخروج إليهم به لعلة مرض، أو علة حائلة بينه وبين ذلك، أوصى أن يبعث به إليهم، لأن عليه أن يوصل إليهم حقوقهم حيث كانوا، ويستحلهم من أخذه وإنفاقه وغصبه، ثم لاشيء لهم عليه بعد ذلك. وتوبته مقبولة فيما بينه وبين الله جل ثناؤه.

(1/280)


وإن لم يكن يَدْرِ كَم المال الذي أخذ من أموال الناس، متفرقهم ومجتمعهم ونسي، وكثر ذلك عليه، فليتحرَّ ما لكل واحد على قدر مبلغ علمه ورأيه، ويحتط لنفسه، ويزيد على نفسه حتى يكون الغالب عليه في حكمه ورأيه، أن قد استغرق جميع حقوقهم، وأدى إليهم أموالهم وزاد، فإن النفقة له في ذلك. فإن زاد كان له أجره، وإن نقص قليلاً لم يضره، بعد أن يتعمد الوفاء. وذلك كله توبته إلى الله جل ثناؤه مما كان منه في ذلك، مِن أخذٍ وحبس عن أهله، وهو عنده بندم واستغفار، وعزم على أن لا يعود إلى مثل ذلك أبداً.
فإن كان صار إليه مال من ناحيةِ ظالمٍ غاصب، وهو به عالم بسبب معونة له في ظلمه، ودخول معه في غصبه، وأخذ ذلك هبة منه، وهو يعلم أن ذلك ظلم وغصب لغيره، فالتوبة مما أخذ من ذلك أن يخرجه من عنده، فيرده على أهله المغصوبين إياه، ولا يحل له أن يرد شيئاً من ذلك إلى الغاصب، لأنه ليس له.
وإن كان أنفقه وليس عنده شيء منه، كان ضامناً لرده - إذا أمكنه - على أهله، ويتوب إلى الله جل ثناؤه من إنفاقه.
وأما ما كان من الربا فالتوبة منه ما وصفنا من الندم والإستغفار، ويُخرج كلَ فضلٍ فوق رأس ماله، فيرده على ما وصفنا من رده على أهله إن عرفهم، وإلا فعلى ما وصفنا من رده، لكل ما لزمه رده.

(1/281)


[التوبة من القتل والجراحات]
وأما ما كان من قتل فلا توبة لقاتل المؤمن حتى يندم على القتل، ويستغفر الله منه، ويعزم على أن لا يعود إلى قتل أحد أبداً ظلماً، ويُمكِّن أولياء المقتول المؤمن من نفسه صابراً محتسباً، يقول لهم:إنه قتل صاحبهم ظلماً وعمداً وعدواناً. فإن فعل ذلك فهو تائب لا شيء عليه من إثم القتل، فإن قتلوه تائباً - بحق هو لهم - فلا تبعة لهم عليه، ولا للمقتول لديه حق، وإن عفوا عنه فلهم أن يعفوا عنه، لأن الحق بعد المقتول لأولياء المقتول. ويعوض الله جل ثناؤه المقتول إذا كان مؤمناً صابراً. ألم تسمع إلى قوله جل ذكره كيف يقول :? ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا ? [الإسراء:33]. فقد سلط الله جل ثناؤه أولياء المقتول على القاتل، إن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا عفوا وأخذوا الدية.
وإن تاب فيما بينه وبين الله، ولم يُمكِّن أولياء المقتول من نفسه، لم يسعه ذلك ولم تقبل توبته، فإن لم يعرف أولياء المقتول عزم القاتل على أن يُمكِّن من نفسه أولياء المقتول متى عرفهم. يصنعون به مالهم عليه من القتل، أو الدية والعفو، ولا يدفع نفسه إلى سلطان، ولا إلى غيره، ولا يدفع نفسه إلا إلى أولياء المقتول.
وإن لم يتب إلى ربه جل ثناؤه، ويُمكِّن أولياء المقتول من نفسه، كان كما قال الله جل ثناؤه :? ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيما ? [النساء:93].

(1/282)


وأما ما كان من جراحات سوى القتل، مما يجب فيه القصاص، فإنه يتوب إلى الله جل ثناؤه - منها بالندم عليها، والعزم على أن لا يعود، ويُمكِّن من نفسه - بعد التوبة إلى الله جل ثناؤه مَن فَعَلَه به، وإن اقَتصَّ منه فلاشيء عليه، وإن عَفا عنه فذلك إليه، وإن كانت جراحات قد بَرِأَ منها أصحابها، ولم يكن أمكنهم القصاص من نفسه، فلم يعلم مقدارها لبرءٍ فلا قصاص عليه فيها، لأنه لا يعلم قدر ذلك، وعليه أرش الجراحات يقيمه عدل، يتوخى في ذلك الصواب، فيدفع ذلك إلى أصحاب الجراحات.
فإن لم يعرف أصحابها، دفع ذلك إلى ورثتهم الذين يقومون بذلك.
وإن كان لا يعرف أصحاب الحقوق، دفع ذلك القدر إلى المساكين، إذا قدر على ذلك.
وما كان من الجراحات مما لا قصاص فيه مما يكون فيه حكومة عدل، دفع إلى من صنع به ذلك إن كانوا أحياء، وإن كانوا أمواتاً دفع ذلك إلى ورثتهم، فإن لم يعرفهم ولا ورثتهم دفع ذلك إلى المساكين، إذا قدر على ذلك.
ويفعل في كفارة الخطأ كما أمره الله جل ثناؤه في كتابه، وكذلك في كفارة الظهار، فمن لم يقدر على شيء من ذلك، فالتوبة منه على ما أمر الله جل ثناؤه.
وأما ما كان من ضربٍ مما لا يكون القصاص فيه، فالتوبة فيه والإستغفار والندم، وأن لا يعود إلى مثله أبدا، ويُرضي أصحابها إن عرفهم ويتحللهم.
وأما ما كان من ظلم الناس نحو اغتياب وتجسس، أو سوء ظن بمؤمن، أو سعاية إلى ظالم، أو كذب عليه، فالتوبة إلى الله جل ثناؤه من ذلك، ويتحلل ذلك من أصحابه الذين فعل بهم، فإنه أحسن وأفضل، ويكون ذلك على أجمل الوجوه.
فإن لم يمكنه التحلل، ولم يفعله بعد أن يتوب إلى الله جل ثناؤه، رجونا أن لا يضره ذلك.
وكذلك إن أساء إلى مماليكه في تقصير في مطعم أو ملبس، مما لا يحل له أن يفعله بهم، أو عاقبهم عقوبة أسرف فيها، أو شتمهم بما لا يحل له، فليتب إلى الله جل ثناؤه من ذلك كله، وليتحلل من مماليكه.

(1/283)


وإن استدان رجل مالاً ينفقه على نفسه وعلى عياله، بالقصد كما أمره الله جل ثناؤه، وكان عزمه أن يرده إذا أيسر، وأمكنه فمات قبل أن يؤديه، وليس له مال، ولم يترك وفاءً، فلاشيء عليه فيما بينه وبين الله جل ثناؤه وبين صاحب الدين، لأن الله العدل، الذي ? لا يكلف نفساً إلا وسعها ? [البقرة: 286]، و? ... إلا ما آتاها ? [الطلاق: 7].
فإن أخذ ديناً ونسي أن ليس عليه لأحد شيء، فلاشيء عليه عندنا، إذا لم يكن نسيانه ذلك من تشاغله بمعصية ربه.
فإن أخذ ديناً فلم يرده إلى أصحابه، حتى ماتوا فليؤده إلى ورثتهم، فإن لم يعرف لهم ورثة وانقطعت آثارهم، وانقطع ذكرهم، فليتصدق به على المساكين، وقد سلم من الإثم إذ تاب من حبسه، وقد كان يقدر على أدآئه.
فإن استقرض مالاً فأنفقه فيما يحل له ويحرم عليه، وكان من عزمه أن لا يؤديه إلى أهله ( فهو فاسق، وتوبته في ذلك الإستغفار والندم، ورده على أهله) إن كان يقدر عليه، وإن كان معسراً عزم على أدآئه إليهم إذا قدر عليه، وأشهد لهم بذلك على نفسه، إن أرادوا ذلك منه، فإن ماتوا ولم يكن لهم ورثة تصدق به عنهم، وإن كان محتاجاً أنفقه على نفسه وعياله، كما يتصدق به على غيرهم هذا إذا كان ضامناً له .

(1/284)


وإن كان أخذ أموال الناس من طريق الدَّين، وكان شأنه أن لا يقضي ولا يؤدي، وجحد ذلك، ثم مات على ذلك، فأقام أصحاب الدَّين من بعد موته على ورثته البينة، أو عرف ذلك الورثة، فعليهم أن يؤدوه إلى أهله، والميت من أهل النار، ولا ينجيه من ذلك أداء ورثته عنه، لأنه اعتزم على أنه لا يؤديه، ومات غير تائب مصراً على أخذ أموال الناس ظلماً وعدواناً فهو من الفاسقين. وإن لم يكن لهم بينةٌ، وعرف الورثة أن المال الذي خلف الميت إنما هو أموال الناس، وعرفوا ما عليه من الدَّين، لم يحل لهم ما أخذوا، لأنهم أخذوا ما ليس لهم من حقوق الناس. والسنة الماضية أنه لاشيء لوارث حتى يُقضى الدين، فإن لم يقضوه ولم يمكنهم وهم يعرفونه، كانوا من أهل النار، إذا ماتوا على ذلك مصرين ظالمين.

(1/285)


[الأيمان والتوبة منها والكفارة]
فإن كان رجل حلف بأيمان بالله وهو كاذب متعمد للكذب، من غير إكراه أو تَخوُّف، فقد فسق إذا بلغت يمينه كبيرة، وتوبته من ذلك أن يستغفر الله من ذلك ويندم على ما كان منه، ولا يعود إلى مثل ذلك أبداً، وليس عليه كفارة.
وإن كان حلف بما فيه كفارة ثم حنث فعليه كفارة لكل يمين.
والأيمان أربع فيمينان يُكَّفران، وهو قول القائل: والله لأفعلن كذا وكذا، فلا يفعل.
وقوله: والله لا أفعل كذا وكذا، ففعل.
واليمينان اللتان لا يُكَّفران قول القائل: والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل.
وقوله:[والله] لقد فعلت كذا وكذا، وما فعل.
وكفارة اليمين إذا حنث، إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يأكل هو وأهله، أو كسوتهم ثوباً ثوباً، أو تحرير رقبة. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. فمن لم يقدر على إطعامهم، وغير ذلك من الكفارة، فليصم عن كل يمين ثلاثة أيام، ويستغفر الله من تضييعه ولا يعد.
فإن أدركه الموت ولم يُكِّفر عن يمينه من إطعام، أو كسوة، ولم يقدر على ذلك، فليوص أن يُطعم عنه المساكين من ماله، لكفارة أيمانه إن كان له مال، فإن لم يكن له مال فلاشيء عليه، لأن الله جل ثناؤه قد عذر من لم يجد.
وإن كان يعرف الأيمان التي عليه كم هي فليكفِّر عددها، وإن كان عددها لا يقف عليه فَلْيتوخَّ قدراً من ذلك، يكون الغالب عنده أ نه قد استغرقها وزاد. ثم نرجو أن لا يضره زاد أو نقص، إذا لم يتعمد ذلك. وكذلك يوصي بمثل ذلك، إذا لم يمكنه قضاء ذلك .

(1/286)


[التوبة من ترك الصلاة وسائر العبادات]
وإن كان ضيع صلاةً، أو صياماً، أو حجاً، أو زكاةً، بعد ما وجب ذلك عليه، بالتواني والاستخفاف، متعمداً لذلك، فعليه أن يتوب إلى الله جل ثناؤه من ذلك، ويقضي ما فاته من الصلوات إن كان يعرف عددها، ومن الصيام أيضاً كذلك، وإن كان لا يعرف كم هو فليتحر الصواب جهده، ويزيد حتى يستغرق ذلك، ثم نرجو أن لا يضره نقَصَ أو زاد، إذا لم يتعمد ذلك، ويقضي تلك الصلوات في أي أوقات النهار أو الليل شاء، فإذا حلت له أوقات صلوات يومه الذي هو فيه صلاها في أوقاتها، ثم عاد فيقضي ما عليه حتى يفرغ منها، لا يتشاغل بغيرها.

(1/287)


[الصلاة]
وإن كان ترك صلاة متعمداً فلم يقضها نسياناً جاز ذلك ( منه، ثم ذكرها فليقضها وحدها أيضا، وإن كان لها ذاكرا فتركها متعمدا ) حتى مضت لها أشهر أو سنوات، فليقضها ولْيَتُب مما صنع.
وقد قال بعض العلماء يجزيه قضاؤها وحدها ويتوب من تأخيرها، وقال بعضهم أَسلمُ له قضاء ما بعدها من الصلوات، وذلك أنه لا صلاة لمن ضيَّع صلاة حتى يقضي ما ضيع.

(1/288)


[الصوم]
وإن كان ترك صياماً من شهر رمضان كله حتى حضر رمضان آخر، فعليه أن يصوم هذا الذي حضر، ويعتزم على صيام ما فاته، فيصوم من بعد ذلك ويتوب مما ضيَّع .

(1/289)


[الزكاة]
وإن كان ضيع زكاة حتى أدركه الموت، فليتب مما ضيَّع ويُخرج ما عليه منها، فيؤديه إلى المساكين، إن كان له مال، ويوصي بذلك إن لم يمكنه الأداء، لأنها دَين عليه لأهلها الذين سماهم الله جل ثناؤه، في أي صنف منهم وضعت أجزت عنه، وإن لم يكن له مال ومات فلا شيء عليه بعد أن يتوب.

(1/290)


[الحج]
وإن كان ترك الحج وهو يقدر عليه حتى أدركه الموت، فليتب إلى الله جل ثناؤه من تفريطه، وليعزم على الحج، وليحج إن قدر عليه، و إن لم أوصى أن يُحج عنه، فقد قال بعض العلماء ذلك. وقال بعضهم لا يحج عن أحد كما لا يصلى عن أحد، ولا يصام عن أحد، لأن تلك حقوق الله جل ثناؤه، أمر عباده أن يتولوها بأنفسهم، فإن لم يقدروا عليها عذرهم ولم يكلفهم غير هذا.
وأما ما كان من حقوق الناس فيما بينهم في أبدانهم، وأموالهم، فعليهم أن يَخرج بعضهم إلى بعض منها، ويعطي عنه إذا قدروا عليها .
وإن أوصى أن يحج عنه فحسن عندنا وهو أحوط.
وعلى المرتدين من الإسلام إذا تابوا ـ مع ما ذكرنا ـ من الظلم للناس في أبدانهم وأموالهم ومن الديون قبل ارتدادهم وفي ارتدادهم، ثم أسلموا أن يتوبوا إلى الله جل ثناؤه من ذلك كله، ويؤدوا الحقوق إلى أهلها كما يفعل المقرون، لأن حكمهم في ذلك غير أحكام أهل الحرب، لأنه لا قصاص بين أهل الإسلام وأهل الحرب.
فعلى العبد مما وصفنا من هذه الذنوب التوبة النصوح، وقد جعل الله جل ثناؤه لهم إليها السبيل.
التوبة النصوح هي الندم على ما كان من الذنوب، وتركها والإستغفار منها وترك الإصرار عليها، والعزم على أن لا يعود أبداً إليها، فتلك التوبة المقبولة، يقبلها التواب الرحيم.
فرحم الله عبداً اتقى الله في نفسه، وتطهَّر بالتوبة قبل الموت والفوت، ولم تغره الحياة الدنيا، ولم يغره بالله الغرور.
وليبادر بالتوبة قبل أن يسألها فلا يجاب إليها، قال جل ثناؤه :? إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيما، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليما ? [النساء:17 – 18]. والتوبة قائمة مبذولة مقبولة، من حيث يواقع العبد الذنب إلى قبل حضور أجله بطرفة عين، أو أقل.

(1/291)


وحضور الموت هو معاينة ملك الموت والملائكة صلوات الله عليهم، أو بسبب من أعلام الموت العظيم المهول، الذي يشاهده العبد في تلك الحالات، لا يعلمه أحد من البشر غيره، أو ذهاب عقله، فحينئذٍ لا تقبل توبته، ولا عند نزول العذاب إذا نزل بأهل المعاصي، ولا عند الحواجب من آيات الله المانعة من الرجوع إلى أحكام الدنيا، والله - جل ثناؤه - بهذا كله وأوقاته أعلم وأحكم تبارك وتعالى.
وعلى العبد أن يكون أبداً مستعداً تائباً. نسأل الله أن يبارك لنا ولكم في الموت إذا نزل بنا، وفي العرض على ربنا جل ثناؤه، ? يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ? [آل عمران:30].
تم الكتاب والحمد لله رب الأرباب، وصلواته على المصطفى من خير نصاب، محمد النبي وأهله الطاهرين الأطياب، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

(1/292)


كتاب المسترشد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأقطار، الذي لم تهجم عليه العقول بفكرها، ولا الفكر بمحالها ولا الألباب بتدبيرها، الذي لم ينفصل من المخلوقين فيكون منهم بعيداً، ولم يتصل بهم فيكون لهم مخالطاً.
إن سأل سائلٌ ذو حيرة عن قول الله عز وجل :? إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه? [فاطر: 10]. وتوهم أن الله تبارك وتعالى ارتفع في مكان دون الأماكن !! وعاب من قال: إن الله بكل مكان، وقال: أَيُصعدْ من الله إلى الله !! إذ قال إنه في السماء وفي الأرض.
فجوابنا في ذلك أن الله تبارك وتعالى في الأماكن كلها، مدبر لها حافظ قائم عليها، لم تَحوِه ولم تحط به، ولا نقول يُصعدُ منه إليه، فَنَصِفُه بالغاية والتحديد، وأنه سبحانه في مكان دون مكان، ولكنَّا نقول: إن الله تبارك وتعالى خلق ملائكته، وتعبدهم بما شاء، فكلف بعضهم نُقْلةَ الأخبار من السماء إلى الأرض، ونُقْلةَ الأخبار من الأرض إلى السماء، وأنه خلق السماء فأسكنها ملائكته لعبادته بعضهم ينسخ أعمال الآدميين، ووكل بعضهم رقيبا وحافظا على الملائكة التي وكِّلت بنسخ أعمال الآدميين، وكذلك قالت الملائكة صلوات الله عليهم :?وما منا إلا له مقام معلوم? [الصافات: 164]. أي: ما وُكِّلوا به من صنوف التعبد، وقوله :?إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه?. معناه في الآية الأخرى، مثل قول إبراهيم الخليل عليه السلام :?إني ذاهب إلى ربي سيهدين?[الصفات: 99]. ولم يبرح الأرض في حال ذهابه إلى ربه، وقد كان الله معه.
وقد قال لكليمه موسى وأخيه هارون صلى الله عليهما :?إنني معكما أسمع وأرى?[طه: 46]. وذهاب إبراهيم صلى الله عليه إلى ربه، في الحالة التي ربه معه فيها، وإنما معناه في ذهابه إلى ربه، توجهه إليه بعبادته، وتشاغله عما سواه.

(1/293)


وكذلك توجيه الملائكة بصعود أعمال العباد إلى الموضع من السماء الذي تعبدت به، ولتصعد بأعمال العباد إليه، وإنما توجهت بتلك العبادة إلى الله، كما ذهب إبراهيم إلى ربه، بمعنى توجهه بعبادته إليه.
ووجه آخر في الصعود، هو القبول لذلك، لأنك تقول لا يصعد إلى الله هذا الكفر، ويقال: قد نسخت الملائكة أعمال الكافرين، وصعدت بها إلى الله، وهو لا يقبلها، ولا تصعد إليه أعمالهم، بمعنى لا يقبلها، وكذلك قال الله عز وجل :?والعمل الصالح يرفعه? بمعنى إنما يقبل الله الكلام الطيب بالعمل الصالح.
فإن لَّج السائل بالشغب فقال أَيُصعد من الله إلى الله ؟!
قيل له لا.ولكن يصعد الكلم الطيب من المكان الذي لا يخلو منه الله، إلى السماء التي فيها الله.

(1/294)


[معاني في]
والله على العرش استوى، وهو عنه غير غائب وهو في السماوات العلى، وفي الأرض ولم يغب عنه نجوى، كذلك قال في كتابه :?أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور?[الملك: 16]. فأخبر أنه في السماء، وكذلك قال :?وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله?[الزمر: 84]. وكذلك قال :?وهو الله في السموات وفي الأرض?[الأنعام: 3].
و(في): لها معانٍ تختلف في اللغة، ليس شيء في شيء إلا وهو لا يخلو من أحد هذه المعاني التي نحن ذاكروها إن شاء الله.
1- إما أن تكون فيه، بمعنى قول القائل: الناس في عامهم هذا مخصبون.
2- أو يكون الشيء في الشي محوياً كاللبن في وعائه.
3- أو يكون الشيء في الشيء كالحي في حياته.
4- ويكون الشيء في الشيء كالأبيض في بياضه.
5- ويكون الشيء في الشيء كالعبد في سلطان مولاه.
6- ويكون الشيء في الشيء كالمرابط في رباطه، والغازي في غزاته، والباني في بنائه.
فاعرف هذه اللغات، كيف تتصرف في معانيها، وتتوجه في تصاريفها.
7- وقد يكون أيضاً معنى (في): إنما هو مع. وفي القرآن مثل ذلك قول الله سبحانه :?ادخلوا في أممٍ قد خلت من قبلكم من الجن والإنس?[الأعراف: 38]. فمعنى قوله :?ادخلوا في أممٍ? أي مع أممٍ. وكذلك قال :?الذين حق عليهم القول في أمم?، يعني: مع أممٍ. ?وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين?[النمل: 19]. أي: مع عبادك الصالحين. وقال سبحانه:?في تسع آيات? [النمل: 12] أي: مع تسع آيات. وقال :?وجعل القمر فيهن نوراً?[نوح: 16] بمعنى: معهن.
8- ومعنى آخر من تأويل (في): يكون تفسيره على ما قال الله تبارك :?ولأصلبنكم في جذوع النخل?[طه: 71] يعني: على جذوع النخل. وقال :?فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها?[الكهف: 42]. يعني: عليها. وقال :?يمشون في مساكنهم?[طه: 28]. يعني: يمرون على قراهم.

(1/295)


9- ومعنى آخر من معاني (في): يكون تفسيره إلى. وذلك قوله عز وجل :?ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها?[النساء: 97]. يعني: إليها.
10- وقد يتجه تفسير (في): إلى معنى آخر، قال الله سبحانه في كتابه :?ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً?[الإسراء: 72]. أي: عن هذه النعمة، وعن ذكر آياتي، فهو في الآخرة أعمى.
11- وقد يتجه على معنى آخر، في قول الله فيما أخبر عن فرعون، وقوله لموسى عليه السلام :?ولبثت فينا من عمرك سنين?[الشعراء: 12] أي: عندنا، وقال :?إنا لنراك فينا ضعيفاً?[هود: 91]. بمعنى: عندنا.
وقال تبارك وتعالى :?وهو معكم أينما كنتم?[الحديد: 4]. فالمعنى في ذلك كله على المشاهدة والتدبير لا على أنه في شيء يحويه، ولا على أنه مع شيء ملازقٍ له ولا أنه على شيء، كما الانسان على السرير، وعلى السطح، وقد خلا منه ما هو أسفل من ذلك.
ومن ذلك قول الشاعر:
وصرنا خاليين وليس معنا .... سوى رب البنيَّة والمقام
فمن أنكر ذلك وزعم أن ربه في مكان دون مكان ! سئل في أي مكانٍ هو ؟!
فإن قال: على العرش.
قيل له: أو ليس العرش غير السماوات والأرض ؟! فقوله: نعم.
فيقال له: كيف قلت هو في السماء، وقد زعمت أنه على العرش، والعرش غير السماوات والأرض ؟! وفي هذا ردٌّ لقول الله سبحانه :?وهو الله في السموات وفي الأرض?[الأنعام: 3].
وإن قالوا: إن العرش ليس في السماوات، ولكنه فوقها، عطلوا السماوات من العرش، وفي تعطيلهم السماوات من العرش تعطيل ما قالوا هو العرش دون ما سواها.

(1/296)


( الرد على من قال إن لله نفساً كنفس الإنسان )
إن سأل سائل ذو حَيرة عن قول الله عز وجل :?تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك?[المائدة: 116]. وعن قوله سبحانه :?كتب على نفسه الرحمة?[الأنعام: 12]. وتوهم أن لله عز وجل نفساً كنفس الانسان، وأنها جزء الجسم، وأنها جوهرٌ يقيم الأعراض ؟‍
قيل له: إن معنى قول الله سبحانه في كتابه :?تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك?، أي: تعلم ما أعلم ولا أعلم الذي تعلم، وكذلك قال عز وجل :?كتب على نفسه الرحمة?، فالكاتب هو المكتوب عليه، وهو الله عز وجل، الكاتب والمكتوب عليه.
وإن زعم أن النفس معنىً غير ذاته، وزعم أنه شخصٌ.
سئل عما في النفس، أهي النفس أم غير النفس ؟!
فإن زعم أنها غير النفس، زعم أن في ربه غير ربه، وإن زعم أن الذي في النفس هي النفس ! زعم أنه لا معنى لقوله ?في نفسي? !!
ويُسألون هل كانت النفس وفيها ذلك الذي هو غيرها ؟!
فإن زعموا أنه لم يزل، جحدوا قول الله :?هو الأول?[الحديد:3]. وإن زعموا أنها كانت، وليس فيها ذلك الذي في النفس، وأن ذلك محدث، جحدوا أن يكون:كان عالماً لم يزل.
واعلم أن للنفس في لغة العرب معاني، فمنها ما يجوز على الله تبارك وتعالى، ومنها ما لا يجوز عليه.
فأما ما لا يجوز عليه: فمعنى النفس التي هي الروح، وما ذكر الله تعالى من قوله :?وإذا النفوس زوجت?[التكوير: 7]. فهذه النفوس هي أجزاء الإنسان التي هي أرواحهم. وقد قيل في اللغة [في] ذكر هذه النفس: فاضت نفس فلان، يعنون: خروج روحه، وهذا المعنى عن الله عز وجل منفي.

(1/297)


وقال الله عز وجل في كتابه، يذكر النفس بغير هذا المعنى :?خلقكم من نفس واحدة?[النساء: 10] يعني: من آدم عليه السلام، فسماه نفساً، ولم يرد به روحه، وقال :?يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي?[الفجر: 27]. يعني: يا أيها الإنسان، ولم يرد النفس التي هي الروح فقط، وإنما أراد الحي الذي هو الإنسان، وكذلك قوله :?كل نفس بما كسبت رهينة?[المدثر: 28]. أي: كل إنسان بما كسب رهين، وقال :?أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت?[الزمر: 56]. يعني: أن يقول الانسان وقال :?النفس بالنفس?[المائدة: 45]. يريد: الانسان . وقال :?كل نفس ذائقة الموت?[العنكبوت: 57]. يعني: أن كل إنسان ميِّت.
والعرب قد تقول للشيء الذي لا روح له ولا شخص، هذا نفس كلامك، وهذا النور بنفسه.
وقال الشاعر:
قالت له النفس إني لا أرى طمعاً .... وإن مولاك لم يسلم ولم يصد
وقال آخر:
وهل نحن إلا أنفس مستعارة .... تمر بها الروحات والغدوات
يعني هل نحن إلا أناسي مستعارون، ولو أراد بذكر النفس معنى الروح لما جاز أن يسمى كله نفساً، لأنه بدنٌ ونفس.
وقال آخر:
وقد وَفَدَتْ إليك بذات نفسي .... قصائدُ يعترفن بما نشاء
يعني بقوله بذات نفسي، أي: بي كما أنا. كما قيل في اللغة: جئتك بنفسي، ولم يريدوا بقولهم معنىً ثانياً، هو غير جئتك، لأنه إذا قيل: جئتك دل على الجائي تاماً، ولما قال بنفسي لم يرد معنى ثانياً هو غير المعنى الذي هو جئتك.
وقال آخر:
…………… وما لامَ نفسي مثلها لي لائم
قال الله عز وجل :?قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم?[آل عمران: 61]. يعني: نحن وأنتم، وقال الله :?ويحذركم الله نفسه?[آل عمران: 28]. فالمحذِّر: هو: المحذَّر منه، يعني يحذركم الله أي: يعذبكم، كما قال :?كتب على نفسه الرحمة?[الأنعام: 12]. وليس الكاتب غير المكتوب عليه.

(1/298)


( الرد على من زعم أن الله نور كالأنوار المخلوقة )
إن بعض الملحدين توهم أن الله عز وجل نور كالأنوار المنبسطة، وتوهم آخرون منهم أنه نور كالأنوار الكثيفة الساترة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وقد رأينا مثل المعنيين اللذين توهموا من النور المنبسط، والنور الكثيف الساتر، فأما النور الكثيف الساتر، فالبدر إذا هو كَهَرَ، وكَثُفَ، ستر من السماء عن أبصارنا بقدر استدارته، ورأينا قرص الشمس كثيفاً ساتراً يستر الأبصار من السماء بقدر استدارته، فأما النور المنبسط، الذي تنفذه الأبصار فقد رأيناه، من ذلك ضوء النهار، ونور القمر، وشعاع الشمس يدخل من الكوة، فلا يستر أبصارنا لانبساطها، ولا يكون ذلك ساتراً لأبصارنا عما خلفه.
وأعلام العبودية في هذه الأنوار التي ذكرنا كلها بينة، وذلك لأن النور الكثيف الساتر ضعيف لا يقدر على الزيادة في نفسه، ولا الانتقاص لها، ولا تقدر على الامتناع من العيون أن تدركها، فالضعف لكل ما ذكرنا لازم، وكذلك الضعف بَيِّنٌ في الأنوار المنبسطة، إذ لم يحجب الأبصار عن نفذها ومجاوزتها إلى ما خلفها، فالضعف لكل ما ذكرنا لازم، والله فيتعالى عن هذه المعاني، أن يكون بشيء منها موصوفاً، لأنها مخلوقة، وكل ما أشبه المخلوق فهو مخلوق، وليس الخالق للشيء، كالمخلوق في جميع المعاني كلها.
واعلم أن النور له في الكتاب وفي اللغة معانٍ، يجري على الله عز وجل بعضها، ولا يجري عليه بعضها، فالذي يجري عليه منها، هو ما قال الله في كتابه :?الله نور السموات والأرض?[النور: 35].

(1/299)


يعني: الله ينير لعباده دلائله التي يهتدون إليه بها، لأن يعرفوه بما أبان، ويعلمون أنه الحق بآياته المنيرة، وأن يميزوا بها بين الخالق وخلقه، والله نور الأنوار، وهو منير لما نوّر من دلائله، فهو نورها لأنه أضاء لنا الأشياء وأبانها، وجلا عنها ظلمة الشبهة، فأزال عنها الشكوك والريب، بتجليتها للعقول، أنه الحق المبين، وأنه نور كل شيء، وليس كمثله شيء. وكذلك أمرنا أن نصفه، وبذلك دلنا على نفسه، من غير أن نجاهر الله فتدركه الأبصار، فاستنار لنا بتدبيره، من غير مشاهدة مِنَّا له، ولا إحاطة به، ولا إدراك من حواسنا له، فهو نور السماوات والأرض، ونور من فيهما، بمعنى: الذي ذكرنا أن الحق من عنده، وأن العباد به استناروا، وبه استضاءُوا، وبه أبصروا، إذ استضاء لهم سبحانه بنوره الذي عاينوا من خلق أنفسهم، وتدبيره في ملكوت السماوات والأرض.
ومن لطائف الآيات التي لا يكون معها ريب، ولا تدانيها الشكوك، ولا تعتريها الفترات، ولا تكون معها الغفلات، فرأوا رَبَّهم بتدبيره ونوره وعلاماته، لا بمجاهرة منهم له، ولا بالمشاهدة والملاقاة، تقدس الله عن ذلك، وجل جلالاً عظيماً . وكذلك الله نور السماوات والأرض ومن فيها، لأن عباده الذين هم سكان أرضه، استناروا وعلموه بما عاينوه من نوره، إذ دَبَّر الأرض، وخلق فيها ما به أنار لهم، إنه الله سبحانه، فاستنار نوره بغير تحديد، وعرفوه من غير تَخَيُّل، ووحدوه معروفاً بغيرتشبيه، بل عرفوا الله بعجيب آياته، وبأثر دلالاته.

(1/300)


ومعنى آخر في تأويل قوله نور، قد علَّم العالمين، أن الأشياء تُدرك بحقائقها، وتُعلَم بالاستيقان وإن كانت غائبة. فالله يعلم ويعرف ويميز بين ما يدرك بالمجاهرة، وبين ما لا يدرك بها، كالخشونة واللين، والحمرة والبياض، وما لا يدرك بالمجاهرة، بالسمع والبصر والعقل [كـ]الرَّي والظمأ، والشبع والسغب، وما أشبه ذلك مما غُيِّب عن حوآسنا، وإن كنا قد أدركناه، لعلمنا بما صَرَّفَنَا منه ربُنا، فيما أخبرنا عما غاب عنا من ملكوته.
واعلموا أن الله سبحانه وصف الآية التي هي نور، مخبراً لعباده أن الله سبحانه لم يرد نفسه بقوله :?كمشكاة فيها مصباح?[النور: 35]. ولم يمثل بالقنديل نفسه، ولا بالمصباح تعالى عن ذلك، وأي فضلٍ في القنديل، ليس في النجم الذي هو الزهرة، فكيف يمثل نفسه بالقنديل، ويترك ما هو أَنْورُ من القنديل وأحسن، بل أي فضلٍ في القنديل ليس في دُرِّ الجنان! كيف يمثل نفسه بالقنديل ؟! وهو يتعالى عن الزهرة ودُرِّ الجنان!
بل كيف يضرب الله لنفسه أمثالاً مفضولة دون الفاضلة، تعالى عن التمثيل والأشباه، وتقدس عن ذلك. لكن الله سبحانه نور السماوات والأرض بما أبان لهم عن نفسه، بخلقه لهم، وبما له فيهم من التدبير، الدآل عليه، فاستضاء عباده به إذ أضاء لهم نفسه بخلقه لهم، فلم يضل في مضلات الشبهة، من استضاء بربه، واستنار به، فبانت الأعلام الهادية، لمن استبان بها عن ربها، فبان الله بها لمن استنار بها، وكان الله نورَه إذ اهتدى به، وأحيا لنا القلوب بعد موتها بنوره، إذ أنار لها فاهتدينا بها إليه.
ومعنى آخر من معاني النور، وهو مما لا يجوز على الله، وهو ما ذكرنا من معنى الشمس الساترة، وشعاعها المنبسط الذي ليس بساتر.
ومعنى من معاني النور، وهي النيران الكثيفة، وهي في معاني قرص الشمس والقمر.

(1/301)


ومعنى من معاني النور، وهو الإيمان، لأن الإيمان نور، وكذلك القرآن نور، وقد سمى الله القمر نوراً والشمس سراجاً، والإيمان نوراً، وقال :?يخرجكم من الظلمات إلى النور?[الأحزاب: 43].
فهذه المعاني من الأنوار التي ذكرنا مميزة للعقول، إذا ما نظروا إليها بها، فأجروا على الله منها ما يجوز عليه، وما جرى على العباد منها، فعنه عز وجل نزهوا الله ولم ينسبوه إليه.
وأما تأويل :?مثل نوره كمشكاة?[النور: 35] فقد يجوز أن يكون عنَى بذلك القرآن في غياهب الوساوس نَيِّراً مضيئاً، وبه يبطل كيد إبليس اللعين، وتوهيمه وخدعه، فالقرآن في هذه الأماكن الموحشة، كالمشكاة التي هي الكوة والمصباح في القنديل ينير لما حوله، ويضيء لمن دنا منه.
وقد يجوز أن يكون الله عَنى بقوله مثل نور النبي صلى الله عليه كهذا المعنى الذي وصفنا به القرآن، والمعنى: أن النبي صلى الله عليه أضاء لنفسه بنبوته ورسالة ربه، وأضاء لمن دنا منه أو سمع به في الأخبار.
وقد يتجه أن يكون الله أراد به قلب المؤمن أيضاً، والإيمان الذي فيه، فمثل قلب المؤمن وكون الإيمان فيهمثل القنديل في المشكاة، فالإيمان يضيء للمؤمن عن كل ظلمة، كما أن القنديل يضيء في الكوة، وتضمحل به الغياهب المدلهمات من الريب، والإيمان يتوقد ويضيء بالحكمة توقداً يظهر شعاع الحكمة، ونورها في كلامه وفعاله، وعلى جوارحه، وهو بعلمه بربه علمه له نور على نور.
واعلم أنه قد يجوز أن يكون معنى قوله :?نور على نور?. أي: نور مع نور، لأن كلامه نور مع عمله، وعمله مع علمه، فهذا نور على نور، أي مع نور. ?يهدي الله لنوره من يشاء?. لا من يشاء غيره يهدي، ولو كانت البرية كلها لمن لا يريد هدايته ظهيراً لما اهتدى المرء أدنى الهداية، إلا أن يشاء الله.
وقد يتجه أن يكون الله سبحانه شبَّه نبيه صلى الله عليه وسلم، كما شبه القرآن والإيمان بالمعنى الذي وصفناه.

(1/302)


ومعنى قوله :?زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء?، فهذه شجرة منبتها في مكانٍ تطلعالشمس عليه ولا تزول عنها حتى تغيب، وهي الشمس الضاحية، وهو أنضج لثمرها، تكاد أن ترى في الزيتونة التي هي ثمرها وجهك من ودكهامن نقائه وصفائه، فإذا وَقَدَ القنديل من زيت هذه الزيتونة، كان أنور للمصباح، وهذه أمثالٌ ضربها الله للناس لعلهم يتفكرون.
وقال بعضهم: إن معنى :?زيتونة لا شرقية ولا غربية?. أنه: محمد صلى الله عليه يصلي لا للمشرق ولا للمغرب، ولكن لكعبة الله البيت الحرام.

(1/303)


( الرد على من أنكر من الجهمية أن يكون الله سبحانه شيئاً )
الحمد لله الذي علا على الخلائق، فلم يغب عنه خفيات الأمور، وكل شي عنده بمقدار، المنشئ لما أنشأه، فشيأه شيئاً كما شاء، وجعله متناهياً محدوداً، آثار الصنعة له لازمة، وأعلام العبودية فيه بينة، فأنشأ ما أنشأ نحوين: أحدهما مُبتَدَأٌ لا من شيء.
والثاني منقول من شيء إلى شيء، ومُحَوَّل من حال إلى حال، ومن طبيعة إلى طبيعة، كالمضغة تقلب من نطفة إلى علقة، والعلقة حولت مضغة، ثم جَسَّدها لحماً وأنشأها إنساناً، فصيَّره بشراً مخالفاً للبهائم، في الشكل والهيئة، احتجاجاً من الله على خلقه، بما أراهم من آياته فيهم.
وأن الله تبارك وتعالى وسم المعاني بأن قال: هي شيء، لإخراجه لها من العدم إلى الوجود لا أنه وصفها بهذه الصفة بمعنىً، ولا فرق بينها وبين شيء، إذ قال لها: إنها أشياء، لأنه أخبرنا أنه خالق كل شيء، فكل شيء سواه هو خلقُ شيء، وكلُ خلقٍ شيءٌ، فقد خلق النار والثلج، فالثلج شيء، والنار شيء، وليس أحدهما بالآخر شبيهاً في لونٍ ولا طبيعة ولا فعل، وإنما تماثلا في الشيْئية، وقد اختلفا في الصفات، وإنما سميت الأشياء بأن قيل لهذا: شيء وهذا شيء، لإثبات الأشياء بأنها موجودة، وأنها ليست بعدم، وقد قال الله في كتابه: ?كل شيء هالك إلى وجهه?[القصص: 88]. ذلك دليل على أن الله شيء لا كالأشياء، إذ الأشياء تهلك، وهو المُهلك لما يشاء منها، وقد قال الله في كتابه :?قل أي شيء أكبر شهادة قل الله?[الأنعام: 19]. فأخبر أنه شيء أكبر الأشياء، ولو قال قائل: أي الملائكة أفضل ؟ لم يجز أن يقال: بعض المؤمنين من الآدميين هو أفضل، لأن الآدميين ليسوا ممن ذكر في المسألة.
كذلك قال :?أي شيء أكبر شهادة?. علمنا أنه أجرى على نفسه الذكر أنه شيء ليس كالأشياء.
فإن سأل من الجهمية سائل: فقال: هل الله شيء ؟

(1/304)


قيل له: نعم. الله شيء لا يُشبَّه بالأشياء، الأشياء مشيَّأَةٌ، وهو سبحانه شيء لا مُشَيَّأ.
فإن قال: أنت شيء ؟
قيل له: نعم. أنا شيء مُشيَّأ لا أني غير مُشيَّأ، والله شيء لا مشيَّأ، بل الله مشيء الأشياء لا يشبهه ما شيَّأه. وليس في قولي: أنا شيء والله شيء تشبيه، لما فصلناه من معنى الشيء والمشيَّأ، وأن قولي أيضاً شيء اسم لازم للجميع، وجارٍ على كل معنى، وثابت على كل موجود مشيَّأ، كان أو يكون، ولا يقضي بإيقاعه على المسمين - مفرداً - ائتلاف ولا اختلاف، وذلك أنك تقول: الفيل شيء، والذرة شيء، وهما غير مشتبهين في قولك: هذا شيء وهذا شيء، وكذلك تقول: الإنسان شيء، والشيطان شيء، وهما لا يتماثلان، وقد أوقعت على كل واحدٍ منهما أنه شيء، وكذلك تقول: آدم صلى الله عليه شيء، وربنا شيء، وهما غير متماثلين.
فإن قال: أليس آدم مخلوقاً والذَّرة مخلوقة ؟!
قيل له: بلى.
فإن قال: هل يتماثلان في أنهما خلق لله ؟
قيل له: نعم.
فإن قال: ما فرق ما بين شيء وشيء وخلقٍ وخلقٍ ؟
قيل له: إن الخلق اسم له خلاف، وخلافه خالق، ولو قال القائل: الخالق مخلوق كَذَبَ، ولو قال القائل: الخالق شيء لم يكذب، والخالق هو خلاف المخلوق، ولا يوجد لشيء خلاف إلا شيء مثله موجود، ولا شيء إلا موجود، ولا موجود لا يكون لا خلاف ولا يكون خلافاً.
فإن قال قائل: إن لا شيء خلاف شيء.
قيل له: قد أنبأناك أن الشيء خلاف شيء، ولا يكون شيء خلاف لا شيء، ولا يكون لا شيء له خلافٌ، ولا يجوز أن يقال: للا شيء اتفاق ولا اختلاف، لأن هذا عدم لا يتوهم.
فإن قالوا: لِمَ أجزت أن تقول: شيء وشيء وهما لا يشتبهان ؟
قيل: من قِبَلِ أني ثبَّتُّهما ونفيتُ عنهما العدم، وأخرجتُهما من التعطيل.
فإن قال: لم قلت لا شيء ؟

(1/305)


قلت: لنفي إثباته، وقلت: لا شيء لإخراجه من الوجود، وليس قولي هذا شيء ولا شيء تشبيه ولا غير تشبيه، وقول القائل: هذا شيء، وهذا شيء لا يجب به تشبيه، لأن التشبيه لا يجوز إلا على ضد أو مثل.
واعلم أن الضد هو غير الخلاف، وبيان ذلك أن كل ضد خلاف، وليس كل خلاف ضداً، والضد هو المضآد، والخلاف هو الغير الذي ليس بمضآد، وذلك لأنك تقول: هذا خلاف الله، ولا تقول: هذا ضد الله.
فإن قال قائل: ما بالك إذا قلت: لا شيء لا يقع اتفاق ولا اختلاف ؟
قيل له: من قبل أن لا شيء عدم والعدم ليس بموجود، ولا هو موهوم، ما هو فيكون له شبيهٌ، والشيء إثباتٌ ووجود وموهومٌ إذا قلت: شيء ما هو، وأي الأشياء هو ؟ إلا رب العالمين، فإنه شيء خالق الأشياء، وليس كالأشياء . وإنما قلت: إنه هو شيء لأثبته موجوداً، وقولي: شيء ليس فيه تشبيه، لأني إنما أشيئه بقولي: شيء، وقد يشتبه قول شيء وشيء، ولا يشتبه المسمى، إلا أن أوقع عليه مِن أيِّ الأشياء هو وما هو ؟ فحينئذٍ يشتبه المسميان، فأما شيء وشيء فليس فيه اشتباه المعاني، وإن استوى قول شيء وشيء.
وقد يقال: الخنزير شيء، والكلب شيء، والانسان شيء، وليس [في] هذا الاسم، الذي هو إثبات الشيء منهم مدحً ولا تهجين، إذا كانت التسمية مبهمة مفردة في الذكر، ولذلك لم يقع به تشبيه إذا قلنا: إن الله شيء، والإنسان شيء.
فإن قال: فإذا سميت الله شيئاً فقد سميته بما لا مدحة له فيه.

(1/306)


قلتُ: إني إذا سميته شيئاً ذكرته سبحانه بكلام آخر أَصِلُه به، فيكون مديحاً، لقولنا: الله شيء واحد كريم، والله شيء واحد عزيز، والله شيء ليس كالأشياء، فيكون ذلك مدحةً، ولا يذكر العبد التقي ربه إلا وهو فيما ذكر من أسمائه مادح، فإذا سمى اللهَ العبدُ بأنه شيء لم يفرده، حتى يقول: الله شيء لا كالأشياء، فيكون الكلام كله مقروناً بكلام آخر على ما ذكرنا، كان كله مديحاً، وقول القائل للشيء هذا شيء، كلام مرسل غير مقرون بما يتجلى به المعنى، فليس بذم ولا مدح، لقولك عرفت شيئاً، ولا يكون المعروف عندك مذموماً ولا ممدوحاً، حتى تقرنه بكلام آخر، فتقول: عرفت شيئاً هو صالح، وعرفت شيئاً هو فاسد، فيكون هنالك الذم والمدح، فلا يُدرك بقولك هذا شيء وهذا شيء ائتلاف ولا اختلاف، فلا يُرسل القول على الله بأنه شيء إلا مقروناً بكلام آخر، فيقول: هو شيء ليس كالأشياء، فيكون قولك: هو شيء بالصلة المقرونة مديحاً، فكذلك يقول القائل: هذا الثوب شيء حسن أفضل من غيره، فيكون بما أجرى به الثوب مديحاً، وإذا كان مرسلاً لم يكن له مدحاً ولا ذماً.

(1/307)


( الرد على من أنكر أن يكون الله واحداً ليس بذي أبعاض )
الحمد لله الذي عن شبه كل شيء تعالى، وشَاهَدَ كل ملاءٍ وهو في السموات العلى، على العرش استوى، ولا يخفى عليه النجوى، وهو يَرى ولا يُرى، سبحانه، فليس عليه شيء يخفى، وليس كمثله شيء، وهو الواحد الصمد الباري المصور، وليس بصورة بل هو مصوِّر الصورة، وهو السميع العليم، قال الله عز وجل :?إنما هو إله واحد?[الأنعام: 19]. يخبر بوحدانيته في آي كثير.
والواحد في اللغة له معانٍ:
أحدها: البائن بالفضل والسؤدد.
ومعنى آخر يقول الناس: هذا شيء واحد ليس له نظير في الشبه.
ويقال: هذا وهذا واحدٌ يُراد أنهما متماثلان، وقد يقول المرء: قولي وقولك واحد، أي مثله، ويقال: لأقل قليل القلة هذا شيء واحد، يراد ثباته وتعطيل الثاني، بمعنى ليس له نظير ولا شبيه، بمعنى أنه ليس فيه اختلاف، وهذا معنى قولنا الله واحد ليس من عدد، ولا هو عدد، كما الانسان واحدُ عددٍ، كما أن الانسان أعضاء وكل عضوٍ يقال إنه واحد، فإذا اجتمعت الأعضاء قيل واحد، فهو واحدُ عددٍ آحاد، وهو من عدد آحاد مثله، لأنك تقول: هذا إنسان واحد، وتقول الآخر واحد فصاعداً، فكل واحد منهما واحد من عدد، وليس الله سبحانه واحداً من عدد، على معنى ما ذكرنا من معاني الواحد من غيره.
وقد قالت العرب: إن فلاناً واحدُ قومه أي: سيدهم، وهو واحد القوم، وإن كان له الاتباع والعبيد والأموال.
ويقال: إن فلاناً واحد الناس. أي: ليس له نظير، يعنون في السؤدد والكرم.

(1/308)


واعلم أن الله واحد في الربوبية والعز والكبرياء، واحد بنفسه لا بغيره، وهو واحد لا ثاني معه، ولا مثل له في صفة ولا ذاتٍ، ولا في قول ولا في فعل، ولا في معنى من المعاني كلها، ولا له مثل في صفةٍ ولا في معنى شرفٍ وفضلٍ، ولا يزول عنه هذا المعنى الذي هو شرف في كل معنى، إذ لا شيء يشبهه، ولا هو شيء يشبه شيئاً، ولو جاز أن يكون له مثل في معنى، وكان ذلك يكون شرفاً لجاز أن يكون مثل غيره بكل معنى، ويكون ذلك له شرفاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومعنى من معاني الواحد هو الأول الفرد، ذلك في الحساب والعدد بَيِّنٌ، إذ لا يكون العدد إلا به، لأنك تقول: واحدٌ واثنان، فالثاني بالواحد كان، ولولا الواحد الذي هو أول الثاني، ما كان الثاني قبل الأول، كان واحداً، أكثر العدد الذي لا يحصى، وهو المكثر لكل معدود، العدد الواحد يستزيد وبه يُزاد، ولولا هو ما كانت الزيادة، وكل ما زاد الحساب فبالواحد زاد، والواحد هو المفرد لما سواه، وهو أقدم من كل ما به ازداد، وكثرة العدد تزداد به، وتنقص به، فالواحد الذي به يزداد العدد وهو مقيم لكثرته، وبه يكون النقصان، وبه استوى الحساب، وبه يقل الكثير، ويكثر القليل، ويفرق بين الكثير والقليل.
فكذلك يقال الله واحد: بمعنى أول الأشياء، وبه كان كل شيء، وهو مشيئها، ومدبرها، بنفسه لا بغيره، ولا يتغير لتكثيرها ولا لتقليلها، ولا عند بطلانها، ولا يختلف سبحانه عند شيء من اختلافها، وهو سبحانه القائم بإنشائها، لا يتغير ولا يدخل في التغيير، بل التغيير داخل على ما أنشأ، ولم يزل الله قبل أن يكون الشيء شيئاً، ثم إنه أراد إنشاء ما أنشأ، فأنشأ ما أراد إنشاءه على ما شاء، واضطر المنشأ إلى التغيير والزوال، والحطوط والنقص والنماء.

(1/309)


والله سبحانه واحد في معناه، لا في معاني ما أنشأه وهو الواحد لا من عدد، ولا فيه عدد به تجزَّأ، وليس شيء يقال: إنه واحد في الحقيقة غير الله، وكل واحدٍ سوى الله فهو ذو عدد مجزأ ومن عدد، وذلك أنك تقول للواحد من الخلق: إنه له فوق وتحت وأمام وخلف وشمال ويمين، وكل واحدٍ كما ذكرنا غير الآخر، فهذا غير واحد مما يضمه اسم الواحد، وهذا الواحد هو العدد، ومن عدد كثير من اللون وغير ذلك، هو من عدد له أشباه، والله واحد ليس بشيء من هذه المعاني المنقوصة شبيهاً، لأنه ليس له نظير.
فإن قال قائل: لم لا يكون قولك واحد تشبيهاً، وقد قلت لغير الله واحدٌ ؟!
قيل له: إنا لم نقل لغير الله واحد، بمعنى ما قلت إن الله واحد، وليس واحد كالله في ربوبيته ووحدانيته، وليس من هو واحد في الحقيقة ليس بجزء ولا باثنين سوى الله، وكل ما سوى الله فقد يقال واحد وهو أكثر من اثنين إذا حُدد على وجهِ ما فسرنا من الحدود التي تلزم الخلائق، وذلك لأن كل واحدٍ مما سوى الله فمسدس، وهو أكثر من اثنين. وإن قيل : إنه واحدٌ على ذكرنا، فليس الله بواحد كمعنى الآحاد المعدودة، وإنما هو إله واحد، ليس له ندٌ ولا له شبيهٌ، تعالى عما يقول المشبهون علواً كبيراً.
ومعنىً من معاني الواحد إذا أرادوا به دفع الاختلاف وحذف الجميع، كما قال الكميت بن زيد الأسدي:
فَضُمَّ قواصيَ الأحياء منهم فقد رجعوا كحيِّ واحدينا
فإن قال قائل: فإذا قلت: إن الواحد من الحساب في جميع العدد، فكذلك يقول الله في كل شيء.

(1/310)


قيل له: إن الله تبارك وتعالى في كل شيء مدبره، لا محويَّ ومع كل شيء رقيب لا يحاط به، وليس هو في شيء من الأشياء، بمعنى كون الشيء في الشيء ولا شيء مع الشيء، كما الله في الأشياء، ومع الأشياء على غير الإحاطة، ولا يعزب الله فيها ولا هي تعزب عن الله، وذلك لأن كل ما كان في فعله لم يقطعه، فالعرب تقول: إنه في فعله، كذلك الأشياء فعل الله ولم يقطع تدبيره منها، فلذلك قلنا: إن الله بكل مكان، فهو في كل شيء ليس بغائب عن شيء، وقد حقق الله مقالتنا في كتابه بقوله :?وما كنا غائبين?[الأعراف: 7]. وقوله :?إنني معكما أسمع وأرى? [طه: 46]. وكذلك :?ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم …الآية?[المجادلة:7].
ألم تر إلى المرء يصبح صائماً ثم يقوم مصلياً وهو في ثغرٍ، فيقال: إن فلاناً في صلاته وصيامه ورباطه، ويقال له ذلك في حال أقل قليل كونه في أفعاله، وأفعاله أفعال مختلفات بعضها غير بعضٍ، ليس فعل يشغله عن الآخر، وهو في الوقت الذي هو في هذا الفعل فاعل للفعل الآخر، وليس فعله له بحاوٍ، ولا فعله أيضاً فيه محويٌّ، فالله أقرب من الأشياء من الشيء إلى نفسه، وهو بكل شيء أنظر وألطف.
فإن مَجَنَ السائل من أهل التشبيه، وذكر الأكبال والقيود، وقال: هل الله فيها.

(1/311)


قيل له تقدس الله وجل أن نذكره بكلامٍ فيه تهجين، ولا يجوز أن نذكر أن الله في شيء ذِكرُه تصغيرٌ بالمذكور، من أجل أن الله أخذ علينا في ميثاق الكتاب أن لا نذكره إلا بالأسماء الحسنى، ومن الأسماء الحسنى كل اسم لا يكون معناه عند السامع محتمل التهجين، وقول القائل: ربه في السلاسل والكبول تصغير بذكر الله وتهجين، تعالى الله عز وجل، وارتفع عن ذلك وعن أن نذكره به، لأن المذكور بهذا مذكورٌ بالإحاطة والقلة، والله عن ذلك يتعالى، وإذا ذكر الرب بالاسم العام كان له تعظيماً، وإذا ذكر بالاسم الخاص كان له تهجيناً، ولا يَعرف الرَّبَّ مَن ذكره بهجنة، وقد دللنا على معنى صحيح، إذ قلنا إن الله في الأشياء مبثوثةً، وإن خص السائل ذكر شيء هو بالمذكور تصغير وتهجين، ويذكر ما يكون حِواءً وإحاطةً لم يجز الجواب فيه بنعم!
فإن سأل السائل ما الله تبارك وتعالى إذا قلتم: هو الواحد ؟!
قلنا: معنانا أن الله واحدٌ أي: لا واحد سواه، إلا وله شبيه، والله واحد ليس له شبيه، وهو يقيم الأشياء، وهو القائم بها لا بغيره قامت الأشياء، وليس الله بذي أعضاءٍ، بعضها لبعض مؤيد ولا ممسك، بل الله واحد ليس سواه واحد في معناه، وليس واحد سوى الله إلا وقيامه بغيره، وذلك أن الحركة لا تقوم في وقتها إلا بمحترك، كذلك اللون لا يقوم إلا بملوِّن، والطول لا يقوم إلا بمطوِّل، لأن ما ذكرنا كلها أجزاء، وإنما يُقوِّم بعضُها بعضاً، ولا يكون الجميع إلا باتصال الأبعاض، ولما كان على الجميع الأجزاء، جاز أن يكون مع الجميع ثانٍ، وجاز أن يقال: هذا كان غير هذا . كذلك لا يقوم شيء مما ذكرنا من الخلق إلا في زمانٍ ومكان، والله القائم بنفسه لا تجري عليه الأزمنة، ولا تحويه الأمكنة.

(1/312)


واعلم أن العدد من الحساب أصله وجوب الغير، ولا يقع الغير إلا على اثنين فصاعداً، فإن كان الاثنان جنسين مختلفين، جاز أن يقال: هذا غير هذا، فإن كانا مؤتلفين قيل: هذا وهذا واحد، وهذا واحد وهذا واحد، وكان كل واحد منهما غير الآخر.
وقد يقال للمؤتلِفَين الذين هما واحد: إن أحدهما غير الآخر، كعملي غير عملك، وإذا كان عملهما ديناً قال: هذا وهذا واحدٌ، وكل ما ذكرنا يحتمل التضعيف والزيادة، ويحتمل التضعيف أضعافاً، وكل ما احتمل الزيادة لم يكمل أبداً، فقد يحتمل النقصان، وكل ما احتمل النقصان أمكن أن يبيد، وهو أبداً منقوصٌ من صفة الكامل، والله واحدٌ لا بهذا المعنى، ولكنه واحد في معناه الذي ليس يشبه معاني البشر ولا الحساب، وهو إسقاط الثاني، وليس ثانٍ مع الله، ولا واحد غيره في معناه كهو، وإثباته واحداً تعطيل الثاني، وفي تعطيل الثاني توحيد الأول، والواحد الباقي الذي ما سواه فانٍ.

(1/313)


( الرد على من زعم أن لله وجها كوجه الإنسان )
الحمد لله الذي كل شيء هالك إلا وجهه، الذي به قامت سماواتُه وأرضُه، واستوى على عرشه، فلا شيء في استوائه يماثله، لأنه عن شبه كل شيء تعالى، وهو لكلنا شاهدٌ ولنا باري، وكلنا عليه لا يخفى سامعُ النجوى، والعالم بما في الضمير وأخفى.
اعلموا رحمكم الله أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نبيه محمد صلى الله عليه كلامه، لساناً عربياً مبيناً، أوجز البلاغات وأبلغه إيجازاً، وليس للأميين في اللغة أن يتأولوا في الكتاب ما لا يدركه المتأولون من ربانياللغة والكتاب، وقد علم رباني اللغة أن لها تصاريف المذاهب وفنون الجهات، وأنها ذات قِيمَ وأمواج وأطناب ولطائف ودقائق في بيان.
وإن فرقة من البِدعيَّة استعجمت في كتاب الله، وسارعت في تأويله من غير فصاحة بالتأويل، ولا فهم في التنزيل، ولا آلة في العلم باللغات، فتأولت بالعجمة إذ تأ ولته، ولما سمعوا كلام الله وما فيه من قول المطعِمين :?إنما نطعمكم لوجه الله?[الإنسان: 9] وقوله :?كل شيء هالك إلا وجهه? [القصص: 88] وقوله :?كل من عليها فانٍ، ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام?[الرحمن: 26 - 27]. إن لله تعالى عزَّ عن ذلك وجهاً كوجه الإنسان.
ونحن سائلوهم وبالله نستعين، ماذا أراد الله بقوله :?ويبقى وجهك ربك ذي الجلال والإكرام? شيء منه دون شيء ؟ أم هو الله تبارك وتعالى يبقى ؟! لأنه ليس بذي جوارح متفاوتة، فإن رجعوا إلى النظر، وتصفية الجواب، علموا أن الله أراد بقوله :?ويبقى وجه ربك?، يعني: يبقى ربك، وإن كان شيء غيره فانٍ، لأن الله ليس مبعَّضاً يبقى وجهه دون أبعاضه، تعالى الله عن التبعيض.
فإن تقحَّم ذو حيرةٍ غمرات الكفر، وزعم أن له أبعاضاً أحدها وجه!!
قيل له: أخبِرنا عن تلك الأبعاض التي أحدها وجه تفنى دون الوجه ؟!
فإن زعم أنها تفنى دون الوجه صرح بشركه، وإن زعم أن الأبعاض التي هي غير الوجه تبقى مع الوجه !

(1/314)


قيل له: من أين قلتَ إن كلها تبقى ؟! وقد قال الله عز وجل في كتابه :?كل شيء هالك إلا وجهه?، والأبعاض التي هي غير الوجه هي شيء، وقد قال الله :?كل شيء هالك إلا وجهه?، ولن تجدوا حجة تدفعون بها الفناء عن الأبعاض التي هي سوى الوجه، إلا أن ترجعوا إلى قولنا . وقد قال الله في كتابه :?وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون?[الروم: 39]. وقوله :?إنما نطعمكم لوجه الله?، فليس على الأوهام الطالبة إليه للحق في تأويل هذا مؤنة، إذا نظرت بصافي عقلها استبان أن معنى قوله :?يريدون وجه الله? أي تريدون الله وثوابه، وقوله :?إنما نطعمكم لوجه الله? أي لله، وقوله :?كل شيء هالك إلا وجهه?.
وللوجه في القرآن معانٍ في اللغة.
قال بعض العرب:
بالله ليس له شبيه
أعوذ بوجه من تعنو الوجوه له
ومعنى تعنو الوجوه، أي: تستأسر النفوس، وكل امرؤ أسير يرى على أنه لله مستأسر، وإنما أراد بوجهه ذاته، فلما أن قال: أعوذ بوجه من تعنو الوجوه له، ثم قال بالله، علمنا أنه إنما استعاذ بالله في قوله: أعوذ بوجه من تعنو الوجوه له.
وقال آخر:
من لم يُعِذِ اللهُ دَمَرَ
إني بوجه الله من شر البشر أعوذ
وقال آخر:
وليس له من صاحب لا ولا ندُّ
إِلهِيَ لا ربٌّ لنا غير وجهِهِ
دليل على أنه أراد بذكره وجه الله أي: الله، ولم يرد بذكره وجهه، إنه بعض دون أبعاض، لأن الله سبحانه ليس بذي أبعاض.
قال ذو الرِّمَّة:
أجائرةٌ أعناقها أم قواصدُ
أقمتُ لها وجه المطي فما درى
فجعل للمطي وجهاً، وليس ذلك الوجه على ما يعقل من وجه الإنسان.
وقال آخر:
إذا معقلٌ راح البقيع وهجرا
أعوذ بوجه الله من شر معقلٍ
وهذا دليل على أنه استعاذ بالله.
وقال آخر:
تخطى إلى المعروف نحو ابن عامر
وتَطَلَّب المعروف في كل وجهةٍ

(1/315)


ويقال في اللغة: أخبرنا بالخبر على وجهه، ولا يتوهم للخبر وجهٌ على ما يعقل من وجوه البشر، وقال الله سبحانه :?ولكل وجهةٌ?[البقرة : 148]. أي لكلٍّ قِبلة.
وقال آخر في تأويلها: ولكلٍّ ملة.
ويتأول بعض أهل العلم :?من قبل أن نطمس وجوهاً? [النساء: 47]. أي ملَّة نمسخهم يعني أهل الملل، وإنما صارت الملة وجهاً، لأن صاحبها يتوجه إلى الرب بها.
وقال الشاعر:
درست وجوهُهمُ فكلٌ آخذٌ .... غير الطريق وكلهم متحير
فهذا دليل على أن الله أراد بقوله: (من قبل أن نطمس وجوهاً) أي: مللاً.
وقال آخر:
أضحت وجوههم شتَّى فكلهمُ .... يرى لوجهته فضلاً على الملل
وقال عباس بن مرداس السلمي:
أكليب مالك كل يوم ظالماً .... والظلم أنكد وجهه ملعون
وقال الله عز وجل :?بلى من أسلم وجهه لله?[البقرة: 112]. أي من أخلص دينه لله فجعل للدين وجهاً.
وقال الشاعر:
وأسلمت وجهي لمن أَسلَمتْ .... له الأرض تحمل صخراً ثقالاً
وأسلمت وجهي لمن أسلمْت .... له المزن تحمل عذباً زلالاً
وفي ذلك دليل على أنه أراد بالوجه الدين، وقال الله سبحانه :?فأقم وجهك للدين? [الروم: 30]. ولم يرد الوجه دون القلب وسائر الأبعاض، وإنما تأويل أقم وجهك، أي: أقم نفسك للدين، وتأويل أقم نفسك للدين إنما هو: بالدين، وقال الله سبحانه :?وقالت طائفة من أهل الكتاب آمِنُوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النار واكفروا آخره?[آل عمران: 72]. يعني: صدر النهار . وقال بعض أهل العلم: أول النهار. فذكر الله للنهار وجهاً، ولم يرد به وجهاً من الوجوه التي أمر بغسلها عند الوضوء، وقد يجوز في اللغة القول بأن هذا وجه المتاع، وهذا وجه القوم وفاضلهم، وهذا وجه الدار، وهذا وجه الكلام، هذا وجه العمل، معنى قولهم هذا وجه الكلام، أي: صدقه وبيانه، ووجه العمل أي: العمل به صوابٌ. وقال الله تعالى :?ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها?[المائدة: 108] أي: يأتوا بها على صدقها.

(1/316)


وتأويل قول الله :?كل شيء هالك إلا وجهه? له معانٍ:
منها ما أريد به وجه الله من العمل الطيب، والقول الحسن.
ومعنى آخر في :?كل شيء هالك إلا وجهه?. إلاَّ هو. ومن أراد هذا المعنى قرأ وجهُه مرفوعاً، وله سوى هذا أيضاً، مَن أراده قرأه مفتوحاً، والمعنى فيه: ثواب الله عز وجل.
وقال الله عز وجل في كتابه :?فاغسلوا وجوهكم?[المائدة : 6]. فمعنى هذا الوجه معنى واحدٌ، وهو الوجه الذي في الناس، وذلك عن الله عز وجل منفيّ، وقوله :?فثم وجه الله?[البقرة: 115]. دليل على أنه الله، لأن الشرقي والغربي بين المشرق والمغرب لا يكون جهتهم جميعاً تلقاء وجه الله، لأن وجهه: الذي هم مقابلون دون ما سواه، فبطل قولهم في تأويلهم :?ثم وجه الله?. وزعموا أن وجهتهم جميعاً تلقاء وجه الله، وبطل قولهم: (خلق آدم على صورة وجه الله)، لأن الصورة وجه، وهي لا تواجه إلا ما كان تلقاءها، ومما يبطل به قولهم في زعمهم، أن الله على العرش دون ما سواه، وأن الملائكة يسبحون من حول العرش، فقد أحاط المسبحون بالمسبَّح، إذ هم حوله، ولا يكون توجيههم وتسبيحهم تلقاء وجه الله . وإن قالوا: إن جهتهم جميعاً، وإن الله هو أينما تَولَّوا، رجعوا إلى التوحيد الأول.

(1/317)


(الرد على من زعم أن الله تدركه الأبصار وتحيط به الأعين تعالى عن ذلك)
الحمد لله الذي يدرك الأبصار، ولا تدركه الأبصار، وهو الواحد المتكبر، العزيز القهار :?ليس كمثله شيء وهو السميع البصير?[الشورى: 11]. زعم قوم من أهل الجهل أن العباد غداً يعاينون ربهم جهرةً، ينظرون إليه كما ينظر بعضهم بعضاً، محاطاً به محدوداً، وتأولوا قول الله عز وجل :?وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة?[القيامة: 22]. وقوله :?للذين أحسنوا الحسنى وزيادة?[يونس: 16]. وقوله :?إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون?[المطففين: 14] وقوله: يخبر عن موسى عليه السلام :?رب أرني أنظر إليك? [الأعراف: 43]، ونحنُ مقرِّون بالنظر من أولياء الله في جنته على غير تحديد ولا إحاطة، جل الله وعز وتعالى علوَّاً كبيراً.
والنظر له في لغة العرب معانٍ:
أحدها: أن يلاقي الشيء جهراً، ويحيط به بالعيان بإدراك وتحديد، فيقال نظر إليه، وعُوين وأُدرك وأُبصر وجُوهر.
ومعنى آخر: من معاني النظر لا بالعيان من بصر البصر، ولكن ينظر إليه بأفعاله، ومن ذلك قول العرب: انظر إلى شرائع الدين ما أحسنها، انظر إلى كلام عبد الله ما أفصحه وأبينه، انظر إلى ما صنع الله بعباده، وانظر إلى الذين جابوا الصخر بالواد ماذا صاروا إليه، فتجيب العقول له قد نظرت إلى ذلك كله ورأيته، لا بعيان البصر.
ويقال: إنه قد نظر في لغة العرب وما ينظر فلان إلا إلى الله، ثم إلى محمد، ويقول: ما ينظر إلا إلى عبد الله، وعبدُ الله غائب . ومن ذلك النظر إلى الشيء بأفعاله وآياته لا بروحه وشخصه، وتقول: رأيت نفس زيد حين خرجت لا تريد بذلك نظر العين للروح، ويقال: رأيت عقل زيد صحيحاً، ونظرت إلى عقله، فرأيت عقلاً حسناً .
والعقل روحاني لا يرى بالعيون، لأنه ليس بشبح ولا لونٍ ولا جسمٍ، ويقال: أحسنت النظر وأسأت النظر.
ومن ذلك قول الشاعر:
لا يزال وإن كانت له سعةٌ .... إلى الذي راه لم يظفر به نظر

(1/318)


ولذلك تقول: رأيت حلم زيد وعقل عبد الله، وإنما رأيت الحلم والعقل بأفعال لهما، مع أشياء كثيرة، مما يجوز في اللغة، كقولك انظر إلى شدة غضبه، وانظر إلى شدة فرحه، وانظر إلى همه وعداوته، وهذه كلها روحانيات خفيات لا تدرك بأنفسها وقد تدرك بأفعالها، ويقال: رأينا غضبه ورضاه وما أشبه ذلك.
وقال الله :?ألم تر كيف فعل ربك بعاد?[الفجر: 7] والذي قيل له: ألم تر هو النبي صلى الله عليه، وإنما النبي بعد قرون قبلها عاد، فرأى كيف فعل ربه سبحانه بعاد، ولم ير ذلك بعيان جهرة. وقال :?ألم تر إلى ربك كيف مد الظل?[التوبة: 45]. وقال إبراهيم الخليل صلى الله عليه :?رب أرني كيف تحيي الموتى?[البقرة: 200]. وقد رأى كيف أحياه الله من نطفة، ولكنه أراد أن يريه الله كيف يحيي الموتى من وجه من الوجوه، الذي عاين من إحياء الله سبحانه الأجسام الميتة من النطف وغير النطف.
وكذلك سأل موسى صلى الله عليه ربه فقال :?رب أرني أنظر إليك?[الأعراف: 43]. ومعناه ومعنى الخليل صلى الله عليهما في نفس النظر سواء، لأنهما أرادا أن يعاينا بأبصارهما من معالم الله وآياته ما لم يزل الله يملك من العالم والآيات، إلا أن موسى صلى الله عليه عاصٍ فيما سأل مِن قِبَلِ أنه سأل الله آية ليست من آيات الدنيا، ولم يكن له أن يسأل تلك الآية. وسأل إبراهيم ربه آية من آيات الدنيا، فلذلك لم يكن في سؤال الله عاصياً، وإبراهيم وموسى في سؤالهما وقولهما لم يسألا ربهما أن يرياه جهرةً لمعنى ما يرى البشرُ البشرَ، لأن ذلك شرك، ولم يكن إبراهيم وموسى صلى الله عليهما بمشركَين، والله لا تدركه الأبصار، وقد علما ذلك، وكان موسى أعلم بالله من أن يسأل ربه أن يعاينه جهرة، بل أراد: أن ينظر إليه بآية يحدثها له فيراه، ليست من آيات الدنيا، ثم يكون له آية مرتجحة لا يحتملها الناس لو شاهدوها في الدنيا، إلا أن يزاد في قوى حواسهم .

(1/319)


فقيل لموسى: إن بنيتك لا تحتمل ما سألت، واعرف ذلك بهذا الجبل فإنه أعظم منك خلقاً، وأشد منك قوة، وأشمخ منك طولاً وعرضاً، انظر إليه كيف يعجز عن إدراك ما سألت مثله، ولم يكن الجبل بذي عقل، والله تبارك وتعالى لا يتجلى إلا بالتجلي الذي به يُدرك، ولن يُدرَك من ربنا إلا جلالته وآياته وتدبيره وصرفه، فبذلك يتجلى الله، وذلك بأنه سبحانه ليس بشخص. أحدث في الجبل عقلاً يدرك به ما يتجلى له، فإن الله تبارك وتعالى أحدث آية فتجلى الله للجبل وجعلها آية سماوية ولم تكن أرضية . وقال بعض العلماء أبرز بعض العرش للجبل، رواه يوسف بن الأسباط، عن الثوري، وذلك قوله :?فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً?[الأعراف: 143]. فعرف الجبل ربه بتجلي الرب له بما أظهر له، فعظَّم الجبلُ الله فبلغ من تعظيم الجبل لله أن تقطع وساخ وذهب. وإن الله جعل ذلك موعظة للقلوب القاسية لتلين، والقلوب الناكرة لتسترشد، ولئن ترجع القلوب إلى ربها بشدة الفكر والتعظيم لله العظيم.
فقال لموسى :?لن تراني?[الأعراف: 143] من وجه ما سألت، لأن التجلي إنما يكون من وجهٍ يُدرَك من المتجلِّي. فتجلَّى الأشخاصُ للأبصار، ولا تجلى لغير الأدوات من الأسماع والآذان والملامس، وقد تجلَّى الأصوات للأسماع، وإنما يتجلى المتجلِّي من وجه ما يُدرَك به، فقد يقول السامع للكلام، قد تجلَّى لي هذا الكلام، ولا يراد به عيان البصر .

(1/320)


والله تعالى ليس بشخصٍ فتجاهره الأبصار، ولا هو صوت فتوعيه الأسماع، ولا رائحة فتشمه المشام، ولا حار ولا باد، ولا خشن ولا لين، فتذوقه اللهوات، ولا تلمسه الأيدي، لأنه سبحانه خلق الأسماع وما أدركت، والأبصار وما جاهرت، والمشام وما شمَّت، واللهوات وما ذاقت، والأيدي وما لمست، فهذه الخمس المدرِكات، والخمس المدرَكات كلها محدثات مخلوقات، والله سبحانه لا يشبه شيئاً منها ولا فيها شيء يشبه الله، وكذلك لا يتجلى الله من وجه ما تتجلى هي، لأنها مخلوقات، وإنما يتجلى من وجه ما يجوز من صفته، يتجلى بآياته وتدبيره على خلاف تجلي ما سواه، وقد تجلَّى الله سبحانه في كتابه بكلامه لنا في وحيه وآياته، فهذا معنى من معاني تجليه عز وجل.
وقد يقول القائل: أرى عقلك صحيحاً، ويقول: إني أحبّ أن أرى عقلك وأمتحنه بتدبيرك، فإن أحسن التدبير قال له صاحبه: قد رأيت عقلك حسناً.
وأما قول الله عز وجل:?وجوه يومئذٍ ناضرةٌ إلى ربها ناظرة?[القيامة:22] فقد روى الناس عن سلفنا أنهم قالوا: هو النظر إلى ما يأتيهم من أمر الله . وقال بعضهم: هو الانتظار لثواب الله. ولا يرى الله أحدٌ، وكلا القولين جائزٌ.
ولسنا ننكر أن يكون أولياء الله في الجنة يرون ربهم لا بتحديد ولا إدراك إحاطة، وكذلك كان معنى قول مجاهد في أن لا يرى الله أحدٌ، أي: لا يراه أحد بتحديد ولا إحاطة، ولكن يراه أولياؤه وينظرون إليه، نظر مخلوقين إلى خالقٍ، ينتظرون ثوابه، ويرون تدبيره، لا كنظر مخلوقين إلى مخلوق، لأنه ليس كالمخلوقين. ويجوز أن يقال: نظر إلى من ليس كالمخلوق كما ينظر إلى المخلوق، وفي الخلق ما لا يُرى وهو الروح والعقل، وما أشبههما، فلا يقال: إن شيئاً من ذلك يُرى كما ترى الأشخاص، فكيف يقال: إنه يرى الله كما يرى الشخص.

(1/321)


وإذا ابتعث الله أولياءه من الأجداث أرسل إليهم ملائكته ليبشرهم بالجنة وينادونهم :?أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون?[الأعراف: 43]. وذلك قبل أن يدخلوها وهم ينظرون إلى أن ينيلهم ما وعدهم وما به بشرهم، فوجوههم يومئذٍ ناضرة بَهِجَةٌ مشرقة حسنة ناعمة، تنظر إلى ربها بالحب له والرضى عنه والرغبة إليه، ينظرون ما يأتيهم منه ما بشرهم به الملائكة، وإن الله عز وجل ينظر إليهم نظر الخالق إلى المخلوق المطيع الحبيب، وينظرون إليه بالرغبة فيما لديه نظر مخلوقين محبين إلى خالقهم المحبوب عندهم المنعم عليهم، نظر معرفة، لا نظر تحديد وإحاطة، والله ينظر إليهم، وقد كان يراهم في الدنيا، إلا أن نظره هذا نظر ثوابٍ ورحمة ووفاء بما وعدهم، والمزيد لهم من كل كرامة إذ أدخلهم الجنة، فلا يزالون ينظرون إليه في جنته بالرضى عنه، والاستزادة مما عنده من فوائد النعم، وتُحَف الكرامات، مع ما قال لهم عز وجل :?ولدينا مزيد?[ق: 35] أي مزيد من ربهم، لا تنقطع التحف والخيرات الحسان من ربهم أبداً عنهم، وينظرون إلى ربهم في الجنة بمقعدهم، وما هم فيه من الإزدياد من نعيمهم والإحسان إليهم، وإنما يوصف الله سبحانه بنظر أوليائه إليه، بهذه المعاني التي ذكرنا ولا ينظر إلى الله أحد من أعدائه يوم القيامة بمعنى ما ينظر أولياؤه.
ويقال في اللغة: إنما ينظر العبد إلى سيده، وإنما ينظر إلى الله ثم إليك، يريدون بذلك ما يأتي من المنظور، وعلى هذا المعنى قول الناس.

(1/322)


وقال الله تبارك وتعالى يخبر عن أعدائه، إنه لا ينظر إليهم ولا يكلمهم فيها وفي الحالة التي لا ينظر إليهم الله يراهم، وقوله :?لا يكلمهم الله? أي لا يسألهم، وقد كلمهم بما فيه حزنهم، وإن العالِمين بالرب علم اليقين عاينوا بيقينهم القيامة، وأبصروا وجوهاً مسودة، وقد علاها القتر والعبوس، جزاء بما كانوا يصنعون، فراعهم ما أبصروا بيقينهم من تلك المفضعات، فحذروا أن يكونوا: من الذين قال الله :?وُجوههم مسودة?[الزمر: 60] و :?عليها قترة? فلم يكذبوا على ربهم إذ سمعوه عز وجل يقول :?لا تدركه الأبصار?، وهذه مدحة لله وحسنُ ثناءٍ عليه وتعظيم له، فاستيقنوا أن الثناء والمدح عن الله غير حائل في الدنيا ولا في الآخرة، وأبصروا بيقينهم في القيامة إلى وجوه ابيضَّت، فهي ناضرة مستبشرة ضاحكة مسفرة، إلى ربها ناظرة في رَوح وجنات عالية، يخبرون فيها بصدقهم عن الله في القول والعمل له، والموافقة له في الأيام الخالية، فلذلك وضع القوم كلامهم من ربهم حيث وضع الرب، ولم يقولوا بغير ما قال الله لهم، وقالوا: كما قال لهم ربهم إلى ثواب ربها ناظرة، ولم يقولوا لربها مجاهرة.
وإنما الشيء إذا جُوهرَ نُظر إليه بالعيان لا بالوجه، لأن الوجه غير العين، ولو كان ما قالوا على ما ادعوا لقال الله في كتابه أعينٌ إلى ربها ناظرة، لأن الوجه لا يرى ولا يبصر، وإنما البصر للرؤية والعينين اللتين في الوجه، فهذه معانٍ لطيفة مفصلات في النظر.
وقد قال إبراهيم الخليل، لابنه إسماعيل، صلى الله عليهما :?إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى?[الصافات: 102]. وليس ذلك رؤية حِسٍّ، ثم قال: انظر ما ذا ترى، ولم يرد إدراك العين ولا إحاطة البصر، في قوله: ما ذا ترى في الذبيح أن يسلم لربه نفسه، ويجود له بها، فرأى موافقة أبيه في طاعة ربه بما أمره، فأمكنه من ذبحه واستسلم لربه، وليس ذلك النظر بالعين ورؤيتها.

(1/323)


وكان مما احتج به القوم أن قالوا: إن موسى صلى الله عليه سأل ربه فقال :?رب أرني أنظر إليك?، وقد بينا ما أراد موسى بقوله :?رب أرني أنظر إليك?، ولم يكن ذلك سؤالاً للنظر الذي هو رأي العين، بالإحاطة والتحديد جهرة، وقد رأينا الله عز وجل: ذكر في كتابه حدث موسى في قتله القبطي، وما أخبرنا سبحانه عن آدم صلى الله عليه في معصيته بأكل الشجرة، وسمعناه عز وجل يذكر في كتابه أحداث أنبيائه مُعيباً لأحداثهم، ولم يكن ما عاب من أحداثهم عند الله موبقاً ولا كبيراً، بل كانت أحداث أنبيائه صغائر، ولم تكن بكبائر، وكان الله عز وجل يأخذهم في عاجل الدنيا من أجل أحداثهم التي لم تكن بكبائر، حبس بعضهم في الظلمات في جوف الحوت، وبمعان ذكر الله عز وجل في كتابه وكيف صنع ببني إسرائيل، ولم ينجهم من الله إلا النقلة عن صغائرهم والاستغفار بالإنابة والندم، وقد سأل قوم موسى فقالوا :?أرنا الله جهرةً فأخذتهم الصاعقة?[النساء: 153] ليكون في ذلك مزدجر للآخرين، وليحذروا مصارع الذين سألوا رؤية الله جهرة فأخذتهم الصاعقة، فزجر الله العباد عن السؤال عما يضاهي ما سأل القوم نبيهم صلى الله عليه من رؤية الله جهرة.
فكيف يُتوهم أن يكون موسى صلى الله عليه وسلم، سأل ربه مسألة القوم الذين أخذوا بالنقم، لأجل تلك المسألة التي سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، وقد علم موسى أن سؤالهم عن ذلك شركٌ، وقد نهى موسى قومه عن معاني الشرك كلها، ولم يكن صلى الله عليه ليخالفهم إلى ما نهاهم عنه، لأن مسألة القوم له كفر، ولا يجوز أن يُتوَّهم على موسى أن يسأل الله مسألة هي كفر، ولو كانت مسألة موسى على ما يتوهم المشبهون لنزلت به من العقوبة مثل ما نزل بغيره، ولغلظ الله عليهم تغليظاً يعلم العباد أنه أكبر من الصغائر، وفي تكفير الله عز وجل الذين قالوا :?أرنا الله جهرة? إخراج مسألة موسى من معنى رؤية الجهرة، وإخراجه من جهل القوم بالله.

(1/324)


ويقال لهم: هل يدرك البصر إلا شخصاً أو لوناً ؟
فإن قالوا: لا.
قيل لهم: أخبرونا عن ربكم، أتقولون إنه لون ؟!
فإن قالوا: نعم.
قيل لهم: فمن أين قلتم ذلك وما بينتكم عليه ؟! ولن تجدوا سبيلاً إلى إثبات اللون إلا من وجه الرواية، فيعارضون بأضداد رواياتهم، فإن جعلوا الرواية حجة لم يصح لهم دعوى ولا لنا، لأنهم رووا خلاف ما روينا وروينا خلاف ما رووا، ولا بد أن يكون أحدنا محقاً والآخر مبطلاً، وفي إبطال قول أحدنا إبطال أحد الأثرين، وفي إبطال أحد الأثرين إخراج الأثر الشاذ من الحجة، لأن الشاذ من الأثر لا يكون مثل كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع ما يدخل عليهم من التناقض في إثبات اللون لمعبودهم، من وجه ما ذكرنا من إيجاد العجز عليه وإلزام النَّصَب، لأن لون الحدقة غير لون اللسان، ولون اللسان غير لون الوجه، وفي الغير وجوب الاثنين فصاعداً، لأن اللسان غير العين، والعين مخالفة للسان، وكذلك كل جزء غير ما يليه، وهو مقصر عن صفة غيره.
فإن قالوا: ليس لوناً.
قيل لهم: كيف ترى العيون ما ليس يكون لوناً، والعيون لا ترى في العقول إلا ملوناً ؟!
وإن لجأوا إلى أن يقولوا: إن الله يعطيهم حآسة سادسة في القيامة بها يدركون ربهم إدراك الجهر، يُسألون عن الذي يدركون ربهم به، أليس قد نال ثواباً لم ينل الجزء الذي كان في الدنيا له ناصباً عاملاً ؟! فيكون الثواب لمن لم يطع، ولا ثواب إلا لمن أطاع.
ويقال لهم: كيف يسمى المطيع مدركاً وليس هو المعاين ؟‍‍! وإنما المعاين هو السادس المحدَث لهم في الآخرة.

(1/325)


ويُسألون هل يجوز أن يعطوا سابعاً يدركون به لمسه أو ذوقه أو شمه، كما جوزتم السادسة التي بها تكون الرؤية، ليكون ذلك أتم لنعيمهم إذا لمسوا ما عاينوا وصافحوه وذاقوه وشموه ؟! فإن جوزوا ذلك جعلوه منفصلاً بائناً بعيداً مبعضاً، وفي الانفصال والبينونة والبعض والبعد وجود العجز والنقص، والعاجز الناقص ليس بالكامل التام القوي القادر، وليس العاجز الناقص بإلهٍ، فتعالى الله عن العجز والنقص.
وقد أجمع المصلون معنا أن إلهنا عز وجل لا تدركه الأبصار إلا فرقة من الروافض ووافقتهم الحشوية فقالوا: إن النبي صلى الله عليه رأى ربه أبيض مجمم الشعر.
ورووا من وجهٍ آخر أنه رُؤِيَ في صورة الشاب المراهق مقصصَّاً.
فعزم بعضهم أن هذه الرواية كانت بالقلب، وزعم آخرون أنها كانت بعيان النظر. وقد رووا بخلاف ذلك: أن ثلاثاً من قال واحدة منهن فقد أعظم الفرية على الله، ومن زعم أن محمداً رأى ربه، وفي هذا انتقاض الخبر، وإذا تناقض الشيء لم يكن بحجة، وأولاهما بحجة العقل أشبههما بكتاب الله.
ويقال لهم جميعاً: أخبرونا إذ زعمتم أن النبي صلى الله عليه حين رأى ربه، هل كان يقدر عقل النبي على صفة ما رأى ؟!
فإن قالوا: نعم.
قيل: فكان يقدر أن يخيل ما عاين ؟!
فإن قالوا: نعم جوزوا القدرة على صفة الله وإحاطته والتفكير فيه، والله عز وجل يقول :?ولا يحيطون به علماً?[طه: 110].
وإن قالوا: لا يقدر على تخييله بقلبه.
قيل لهم: فكيف يدرك ما لا يتخيل ولا يحيط به العقل ؟!، وهذا محال بَيِّنٌ؛ لأن الإدراك أكثر من التخيل، وإذا بطل التخيل لم يصح الإدراك.
ويقال لهم: أخبرونا إذا جوَّزتم أن يكون النبي صلى الله عليه رآه، فما يشعركم لعله أَسَرَّ إلى بعض أصحابه صفة تحديد، فَوَرَّث ذلك الصاحب علم التحديد من بعده إلى يوم القيامة فيكونوا لم يدركوه كما أدركه.
فإن قالوا: فقد يمكن أن يكون ذلك فقد عبدتم ما لا تعرفون.

(1/326)


ويقال لهم: أليس قد يمكن أن يكون وارثُ ذلك يصفه بصفة تحديد، ويخيله بقلبه على غير ما تخيله ذلك العالم بصفته، فقد عبدتم خلاف ما عبد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟!
فإن احتج القوم بقول الله تبارك وتعالى :?الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم?[البقرة: 46]. كان جوابنا أن الذين يظنون، أي: يوقنون أنهم مبعوثون بعد الموت للثواب والعقاب.
وكذلك تأويل قوله :?فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً?[الكهف: 110]. وقوله :?فمن كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت?[العنكبوت: 5]. أي من كان يؤمن بالبعث فإن وعد الله ووعيده اللذين هما الجنة والنار لآتٍ، وليس ذلك اللقاء رؤية، ولو كان لقاء رؤية لقال: من كان يرجو لقاء ربه فإن الله يُلاَقَى.
ويسألون عن الذين كفروا بلقاء ربهم [هل يلقونه] فإن قالوا: نعم، لم يفرقوا بين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم في الآخرة، وبين الذين كفروا بلقاء ربهم، لأن هؤلاء لاقوه.
وإذا زعموا أن اللقاء عندهم الرؤية، فما الفرق بين الولي والعدو، إذا كانا يلقيان ربهما واللقاء رؤية، والرؤية عندهم أفضل الثواب.
وإن زعموا أنهم لا مؤمنون ولا مصدقون بتكذيب الكافرين من لقاء ربهم، جحدوا قول الله سبحانه :?يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فملاقيه?[الإنشقاق: 6]. وقوله :?فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه? [التوبة: 77]. فقد أخبر أنهم منافقون وأنهم يلقونه، وإذا زعموا أن اللقاء رؤية، فالمنافق والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يريانِه بزعمهم، إذ كان اللقاء عندهم رؤية، فما فضل ثواب النبي صلى الله عليه على عقاب المنافق ؟!
بل لا فضل بينهما إذا اشتركا في أفضل الثواب وهو الرؤية، وفساد هذا المعنى بَيِّن، وذلك لأنهم تأولوا لقاء الله تحديداً بالإحاطة، وزعموا أيضاً أن النبيين عليهم السلام يشتبهون في لقاء الله الذي هو رؤيته، إلا أن يزعموا أن اللقاء غير الرؤية فيصيروا إلى قولنا.

(1/327)


وإن هم سألوا عن التأويل للقاء الله ؟
قلنا لهم: إن الأعداء والأولياء كلهم ملاقوا ربهم، ولقاؤهم انبعاثهم من أجداثهم، ومصيرهم إلى معادهم يوم محشرهم، ويومَ إلى الله مرجعهم.
وتأويل ما سألوا عنه من قول الله سبحانه :?إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون?، وذلك أن الله عز وجل لا ينالهم برحمته وهم عن ربهم محجوبون، وتَرْجَمَتْ هذه الآيةَ آيةٌ أخرى قوله :?لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة? [آل عمران: 77]. أي: نَظَرَه إلى أوليائه برحمته، ولا يُسمِعهم كلاماً لهم فيه سرور ولا فرحٌ، ولا ينظر إليهم أي: لا ينيلهم رحمة ولا يأتيهم بفرح.
وقد أجمع أهل الصلاة أن الله لا ينظر إلى أعدائه، وهو يراهم في الحالة التي لا ينظر إليهم فيها، وفي ذلك دليل أن أوليآءه ينظر إليهم أي: يرحمهم، وهو يراهم وينظر إليهم برحمته، ونظره إلى أوليائه رحمته، وذلك نظره الذي كان لأوليائه ولم يكن لأعدائه، وكذلك ينظر أولياؤه إليه لا بمعنى جهرةٍ وإحاطة منهم به، ولكن ينظرون إليه على خلاف التحديد والإحاطة، وقد قالت العرب: ما ننظر إلا إلى سيدنا.
وأجمع المسلمون على الدعاء إلى الله أن قالوا: اللهم انظر إلينا، والدعاء على عدوهم أن قالوا: لا ينظر الله إليهم، وليس ذلك سؤالاً منهم له أن لا يراهم، وذلك أنهم يعلمون أن الله عز وجل يراهم، ولم يعلموا أن الله ينظر إليهم نظر رحمة ورضى، وقد علموا أن الله عز وجل يراهم ويرى كل شيء، وأن الأشياء كلها له جهرة، وإنما أراد المسلمون بدعائهم الله أن ينظر إليهم: أن يكرمهم ويجود برحمته عليهم.
واعلم أن الله عز وجل إذا مدح نفسه بمدحة لم يُزِلْها عن نفسه في آخرة ولا دنيا، كذلك قال الله سبحانه :?لا تدركه الأبصار? [الأنعام: 103]. فالله لا يزيل مدائحه.

(1/328)


وزعم العماة أن محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى ربه حين أسري به تكذيباً للقرآن، ورداً على الرحمن، واحتجوا بقول الله عز وجل :?ولقد رآه نزلةً أخرى، عند سدرة المنتهى? [النجم:13 - 14]. فظنوا أنه رأى ربه، وإنما ذلك جبريل صلى الله عليه، رآه نبي الله على خلقته التي عليها جُبِل، ولم يره النبي صلى الله عليهما على تلك الخلقة قط إلا مرتين، جعل الله ذلك آية بينه وكرامةً شريفة عالية، وذلك قوله عز وجل :?لقد رأى من آيات ربه الكبرى? [النجم: 18]. فأين الله عز وجلَّ من آياته ؟! فكيف يتوهم أن النبي صلى الله عليه رأى الله، والله يقول :?رأى من آيات ربه الكبرى?، وليس الله سبحانه بالحوآس مُدركاً .
وتوهموا أن تجلي الرب سبحانه للجبل هو أن بَدَى للجبل وبرز له بذاته، من غير أن يكون للجبل من المقام في طاعته، والمنزلة الرفيعة، ما لموسى صلى الله عليه، مع ما اختص الله به موسى بكلامه تكليماً، واستخلاصه إياه بالرسالة، ثم سأل موسى ومسألته لله أن يراه بزعمهم ذلك، وكان ذلك منه دليلاً، ثم اختص الجبل الذي لم يكن الله كلمه تكليماً، ولا اصطفاه برسالته فبدى له بذاته وبرز له متجلياً، وخصه بكرامةٍ لم يجعلها لجبريل ولا لميكائيل ولا للملائكة المقربين، ولا للمرسلين، وقد قال الله عز وجل: إن أولياءه غداً ينظرون إليه في جواره، ليس ذلك النظر إحاطة ولا تحديداً، بل ينظرون إليه من غير تحديد، وذلك النظر أفضل من دركهم.
والدرك دركان، فدركٌ هو المشاهَدة والملاقاة جهرة.

(1/329)


والدرك الثاني ما يرد على القلب، وقد أدرك المؤمنون في الدنيا ربهم وعرفوه بقلوبهم، فلذلك أطاعوه، وذلك لما أحبوه. ولهم في هذا الدرك سرورٌ ولا نعيب عليهم في السرور الذي نالوه من معرفة الدرك لله، والمؤمنون يتفاضلون في الدرك لله، وذلك بَيِّن فيما يرى منهم في اتصال السرور بالمعرفة، على حسب اتصال المعرفة بالقلب، وكلما ترقى العارف في معارج المعرفة ترقى في معارج السرور.
وقد ترى جمهور أمتنا يعلمون أن الله عالم بعلمهم، أن الله عالم، دركاً به عرفوا الله، فهذا الدرك هو درك العلماء بالله، فإذا نزل بهم تفصيل معاني دقائق مسائل تدخل في الكلام في العلم، كان ذلك دركاً هو عند العالمين بالله، الذين هم في معاني درجات العارفين بالله، فإذا أخذوا في ذلك العلم وجدوا في ذلك سروراً.
فالناس لا يستوون في درك الله في الدنيا في تفاضلهم، وكذلك يتفاضلون غداً في إدراك الله، للمعنى الذي ليس هو تحديد الله، فيكون الله يعطيهم من ذلك العلم ما لا يخطر على قلب بشر في الدنيا، مما فيه السرور والتنعم للعالِمين بالله في الدنيا، ما لا يعطي كثيراً من سواهم من العلماء الذي هم دونهم، وقد عرفنا درك المؤمنين في الدنيا كيف هو . وأما درك المؤمنين في المعاد، فإنا لا نعلم كيف هو، لأنا لم نره وهو في الآخرة ثوابٌ، والثواب مؤجل، وكلما كان من ثواب الله في الجنة فلا يعلم كيف هو إلا الله، إلا أنا نعلم أن معنى الدرك له في الجنة ليس بتحديد ولا إحاطة، فاعرف معاني الدرك واعرف فضل الدرك الذي يكون في الآخرة، على فضل الدرك الذي يكون في الدنيا .
ولو أمدّ الله عز وجل الأبصار بالمعونة، حتى تدرك أقل قليلِ نقطةٍ من القطر في مُدلهمِ ليل عاتم تحت الأرض السفلى، من أبعد غايات السماوات العلى، ما أدركت الأبصارُ اللهَ، وكذلك لو أُمِدَّت الحوآس كلها بالمعونات حتى تدرك كل محسوس ما هجم منها شيء على الله سبحانه، تبارك وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.

(1/330)


تم كتاب المسترشد والحمد لله كثيرا وصلى الله على سيدنا محمد النبي وأهله الطاهرين وسلم تسليما.

(1/331)


تفسير العرش والكرسي
[تنزيه الله تعالى]
سماع علي بن محمد بن عبد الله عن الحسن بن القاسم رضي الله عنه.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على كل حال
قال علي بن محمد: حدثني الحسن بن القاسم، عن الحسين بن القاسم رضوان الله عليه، قال: سألت أبي رحمه الله وأرضاه، عن تأويل ما ذكر الله سبحانه، من كرسيه وعرشه ؟
فقال: سألتَ يا بني فَهَّمك الله فاعلم وافهم، وليكن أول ما تعلم فيما سألت عنه وتتفهم، أن يخرج في ذلك كله من علمك وفهمك، كل خاطرة خَطرَت بقلبك، أو وقعت في وهمك، لله فيها بمعنى من معاني خلقه كلها تشبيه أو تمثيل، أو لشيء مما صنع الله كله بالله تسوية أو تعديل، كبير ذلك كصغيره، وقليله كله ككثيره.
فهذا يا بني هو الأصل في توحيد الله المقدم الأول، والقول الصادق على الله وفي الله الصحيح المتقبَّل، الذي لا يقول بغيره في الله ولا على الله إلا كل مفتر أفَّاك، يلزمه في قوله بذلك على الله اسم الجهل بالله والإشراك، وفي توَهُّم كل مُتوَهَّم لذلك على الله الخروج مما نزل الله في توحيده من كل تنزيل، نزله الله سبحانه في القرآن أوفي التوارة أوفي الزبور أوفي الإنجيل.
وتأويل ما سألت يا بني عنه ومعناه، فِأِبْينُ بيان - بحمد الله - لمن فهَّمه الله إياه، وإنما تلَّبس ذلك وأظلم على من لَبَّس فيه على نفسه، فأسلمه الله تبارك وتعالى فيه - صاغرا - إلى حيرته ولُبسه، وسبيل فهمه وعلمه منير مضي، لا يجهله - بِمَنِّ الله - من خلق الله زَكِيٌ ولا رضي.

(1/332)


فمن ذلك وفيه، ومن الدلائل عليه، قول الله جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله، :?ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ? [الشورى: 11]. وقوله سبحانه:?لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير? [الأنعام: 103]. وقوله تعالى:?الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ? [البقرة: 255]. فنفى سبحانه عن نفسه قليل النوم من السِّنة نفيه للكثير، تَبَرِّيا منه وتعاليا عن مشابهة الأشياء كلها في معنى من معانيها كبير أو صغير. والحي: فهو الذي لا يغيره أبد ولا دهر، والقيوم: فهو الدائم الذي لا يُلم به تبدل ولا تغيُّر. وكذلك قال لرسوله، صلى الله عليه وعلى آله : ?قل هو الله أحد الله الصمد?. ثم قال في آخر السورة: ?ولم يكن له كفؤا أحد ? [الإخلاص:4]. والصمد فهو الذي ليس من ورائه مصمود ولا معمد، وليس بعده في جلال ولا كبرياء بعد. والأحد: فهو الواحد الذي ليس بشيئين اثنين، جزأين كانا أو غير جزأين، ولا يُتوهم أبدا سبحانه بمعنيين متغايرين، أحدهما في الجزئية غير الآخر، فيوصفان بالتباين والتغاير.
فلا يخلو كل واحد من الجزأين من أن يكون قادرا على حاله، أو عاجزا عن مبلغ قوة الجزء الآخر في قدرته ومثاله، فإن كان الجزء عاجزا لم يكن ربا ولا قويا، وإن كان قادرا قَدرَتَه كان له في الربوبية مساويا، فكانا جميعا ربين اثنين، وإلهين متساويين، وكان في ذلك الخروج من وصف الله بالوحدانية، ومما وصف به نفسه جل جلاله من التفرد بالربوبية، فلم يكن في قولهم إلها واحدا، وعاد في وصفهم كثيرا عددا.
ومن دلائل الهدى والحق، في بُعد ربنا من مشابهة الخلق، ما يقول الله سبحانه:?هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ? [الحديد: 3]. وكيف يكون لمن كان أولا آخراً ظاهرا باطنا من الأشياء شبيه أو نظير ؟! أو يعتقد ذلك في من كان كذلك أبدا عقل صحيح أو ضمير ؟!

(1/333)


وأول الأشياء أبدا غير آخرها، وباطن الأشياء فغير ظاهرها، فكفى بما قال سبحانه في ذلك بيانا ودليلا، على أن لا يكون شيء من الأشياء كلها له شبيها ولا مثيلا.
وفيما من ذلك أبانه، يقول سبحانه، :?هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون، هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ? [الحشر: 22-24]. فدل سبحانه على نفسه بأنه هو، وأنه لا نظير له ولا كفو.
وكذلك قال من رسله كل من قد عرفه، عندما سئل عنه فوصفه، أو دلَّ مَن جهله عليه ليعرفه، فقال إبراهيم عليه السلام خليله، لمن كان من قومه يجهله، ولمن كان يلحد فيه ويجادله: ? يا قوم إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ? [الأنعام: 79]. وقال صلى الله عليه لقومه، عندما مَنَّ الله عليه به من معرفته وعلمه: ?أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ?[الشعراء: 75- 82].
وكذلك قال نوح من قبله، صلى الله عليه وعلى جميع رسله: يا قوم ? مالكم لا ترجون لله وقارا، وقد خلقكم أطوارا، ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا، وجعل القمر فيهن نورا، وجعل الشمس سراجا، والله أنبتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا، والله جعل لكم الأرض بساطا، لتسلكوا منها سبلا فجاجا ? [نوح: 13- 20]. ومثل هذا قوله صلى الله عليه في تعريفه لله مَن جَهِلَه فكثير، في أقله - والحمد لله - لمن أيقن بالله هداية جلية وتبصير.

(1/334)


وفي مثل ذلك ما يقول موسى، لفرعون إذ طغى وتعامى، إذ قال:? فمن ربكما يا موسى ? [طه: 49]. فقال صلى الله عليه:?ربنا الذي أعطى كل خلقه ثم هدى ? [طه: 50]. وكذلك قال عليه السلام، عندما دار بينه وبين فرعون في الله الكلام، إذ يقول فرعون:?وما رب العالمين ؟ قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين، قال فرعون لمن حوله ألا تستمعون ? [الشعراء: 23- 25]. فقال لهم إذا قالوا مقالته، وسألوه عليه السلام مسألته:?ربكم ورب آبائكم الأولين ? [الشعراء: 26]. فقال فرعون لهم، عند جواب موسى إياهم:?إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ? [الشعراء: 27]. فقال موسى لهم جميعا:? رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ? [الشعراء:28]. فدلهم في ذلك كله، على الله بصنعه وفعله، ليس منهم من يدل على الله سبحانه بنعت ولا بِحِلْية، ولايصفه جل ثناؤه بصورة ولا هيئة، ولو كان كما قال الضآلون العمون، الذين لا يعقلون ولا يعلمون، على ما ذكروا من صورة آدم، لكانت الصورة من لحم ودم، ولَوَصَفه العارفون به وسموه، بالصورة والهيئة وحلَّوه.
وفي مثل ذلك مِن وصفهِ بصنعه وخلقه، وصدق القول عليه فيه وحقه، ما تقول رسل الله صلى الله عليها، للأمم التي أرسلها الله إليها، إذ شَكُّوا في الله وتحيروا، ولم يبصروا من الله ما بُصِّروا:?أفي الله شك فاطر السموات والأرض ?[إبراهيم: 10]. فما دل الله جل ثناؤه على نفسه، ولا دل عليه العارفون به، بحلية ولا صورة، ولا بهيئة منعوتة ولا مذكورة، ولكن دل سبحانه على نفسه ودلت رسله عليه بخلقه وفطرته، وبما يُرى في ذلك من أثر جلاله وكبريائه وقدرته.

(1/335)


فَمَنْ لم يكتف بذلك في المعرفة بالله فلا كُفِي، ومن لم يشتف ببيان الله فيه فلا شُفِي، ففيما بَيَّن الله من آياته في ذلك ما يقول سبحانه للمؤمنين والذين لا يعلمون، إذ قالوا: ?لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون? [البقرة: 118]. فنسأل الله أن ينفعنا ببيانه، وبما نَزَّل من فرقانه.
ومن البيان في ذلك والنور، قول داود عليه السلام في الزبور: ( سبحان الله القدوس الأعلى، ورتلوا أسماءه الحسنى العُلى، مُصطِفي إسرائيل الفعال لما يريد من الأشياء، في ا لبحار والأرض والسماء، الذي أنشأ برحمته السحاب، وجعل البرق والرياح الهوآب، وغرَّق فرعون وجنوده في البحر، وأظهر ما أظهر من عجيب آياته بأرض مصر، وقتل ملوك الجبابرة ملك الموراسر وملك نيسان، وكل من كان من عتاة ملوك بني كنعان، وأعطى إسرائيل أرضهم عطية، وهبها لهم هبة هنية ).
وما في نفي التشبيه عن الله بخلقه في الإنجيل، فكثير بحمد الله غير قليل، ولولا كراهتنا للتكثير في الكتاب والتطويل، لذكرنا إن شاء الله بعض ما فُسِّر في ذلك من الأقاويل.
ثم قوله سبحانه فيما فسر المفسرون من التوراة الذي لا كقول، والذي هو أصدق الصدق وأفضل الفضول، إذ قال لموسى صلى الله عليه، إذ ناجاه في مصيره إليه، :( يا موسى إني أنا الله)، مرتين اثنتين، زيادة من الله له في التعريف والتبيين، ( إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب)، تعريفا له من وحدانيته وإلهيته بما ليس في شيء منه شرك لمربوب.
فهل تسمع لله سبحانه أو لأحد من رسله من قول، في وصف لله تعالى بَعَرض أو طُول ؟! بل وصف نفسه جل ثناؤه، ووصَفَه رسله وأنبياؤه، بالوحدانية والقدرة والجلال، لا بحسنصورة ولا هيئة ولا حلية ولا جمال.

(1/336)


والصورة يا بني فلا تكون أبدا إلا من صانع مُصوِّر، وما في الصورة من أثر التقدير والتدبير فلا يكون إلا من مُدبِّر مقدِّر، فسبحان البارئ المصور الذي ليس بِمَبْرُوٍّ ولا مصوَّر، والمقدِّر المدِّبر الذي ليس بمقدَّر ولا مدَّبر !! وتعالى الله رب العالمين، وأكرم الأكرمين، عن أن يوصف بصور الآدميين، أو مشابهة شيء من المخلوقين، وكيف يكون الخالق في شيء كخلقه، والمخلوق في شيء ما كان كخالقه ؟! فهذا يا بني ما لا يصح في الألباب، على إله الآلهة ورب الأرباب .
فهل تعرَّف الله قط تبارك وتعالى، إلى أحد من خلقه بحلية من الحُلى، كلا لن يوجد ذلك من الله أبدا، ولن يعرف الله مَن عرفه إلا أحدا واحدا، غير ذي نَواحٍ وأطراف، ولا مختلف في الأوصاف، بل تدل أوصافه كلها على واحد أحد، غير معروف بصورة ولا حلية ولا عدد، ليس له ند يساويه، ولا ضد يناويه، يُستدَل عليه تبارك وتعالى وعلى جلاله، بدلائل لا يحصيها غيره من صنعه وفعاله، فهل يعمى ويصم عما يُرى، إلا من لا يسمع بقلب ولا يَرى، فنحمد الله على ما مَنَّ به في ذلك من الهدى، وعلى ما بصَّر برحمته في ذلك من ضلال أهل الهلكة والردى.

(1/337)


[معنى العرش والكرسي]
وبعد فافهم نفعني الله ونفعك، بما أسمعني من البيان وأسمعك، مسألتك عن تأويل ما ذكر الله من كرسيه وعرشه، فما تأويل ذلك عند من يؤمن بالله إلا كتأويل قبضته وبطشه، وما ذلك كله، وفرع ذلك وأصله، إلا ملكه واقتهاره، وسلطانه واقتداره، الذي لا شرك لأحد معه فيه، ولا ملك ولا سلطان لسواه عليه!
ألا تسمع كيف يقول سبحانه:? وسع كرسيه السموات و الأرض ولا يؤوده حفظهما? [البقرة: 255]. وتأويل يؤده: هو يثقله، فهو لا يثقله حفظ ما هو من السماوات والأرض مالك له.
وكذلك تأويل:?إن بطش ربك لشديد، إنه هو يبدئ ويعيد ? [البروج: 12 - 13]. و?يوم نبطش البطشة الكبرى ? [الدخان: 16]. وليس يُتوهم في كبرها، طول ولا عرض في ذرعها ولا قدرها، ولا يتوهم أن القبضة والبطش من الله على ما يعرف من الآدميين ببنان ولا كف، وكذلك لا يُتوهم أن الكرسي والعرش ذو قوائم ووسط وطرف، ألا تسمع كيف يقول سبحانه:?وكان عرشه على الماء ? [هود: 7]. تأويل ذلك: وكان ملكه على الماء، كما كان عرشه الذي هو ملكه بعد خلقه للسماء على السماء.
وكذلك ذكر أن كرسيه قد وسع السماوات والأرض كلها، ولم يذكر أنه جعل الكرسي موضعا لها، بل ذكر أنها كلها فيه، ولم يذكر أنه هو فيها، وكان ذلك من الدلالة على أن الحفظ والملك