تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

الكتاب: مجموع كتب ورسائل الإمام الرسي عليه السلام

المؤلف: الإمام القاسم الرسي عليه السلام

تفسير سورة الضحى
بسم الله الرحمن الرحيم
وسألت أبي صلوات الله عليه عن تفسير: ? والضحى والليل إذا سجى ? ؟
فقال: والضحى إضحاء النهار وشدة ضوئه وظهوره، وسجوُّ الليل: فتراكب ظلمته وتكوُّرِه، كما قال سبحانه: ? يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ? [الزمر: 5].
وتأويل: ? ما ودعك ربك وما قلى، وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى ?، فخبر من الله لرسوله، صلَّى الله علَيهِ وعلى آلِه، عن أنه وإن لم يعطه ما يعطيه ويكثره أهل الدنيا في دنياه، فما تركه فمن حسن النظر في ذلك له لا لبغضه وقلاه. والقالي: فهو الشاني، والشانئ: فهو المبغض، وكل ذلك فهو بغض، ولكنه آثره بكرامته له في آخرته على أولاه.
وأخبره سبحانه أن سوف يعطيه، من عطايا الآخرة ما يسره ويرضيه، ثم ذكَّّره سبحانه بفضله ونعمته، وبما مَنَّ به عليه من رحمته، فقال تبارك وتعالى: ? ألم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى، فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر ?، وقد علم الناس أنه قليل من الأيتام من يُؤْوَى، ? ووجدك عائلا فأغنى ? فأغناه، بما لم يستغن به غيره في دنياه، ? ووجدك ضالا فهدى ?، فَهَدَاهُ بما مَنَّ به عليه من الهدى.
ثم نهاه تعالى عن اليتيم أن يقهره، وعن السائل أن ينهره، وأمره من الحديث بنعمة ربه بما به أمره، أن ذكَّرَه من اليتم والفاقة بما ذَكَّرَه، وقرر بمعرفة ذلك بما قرره، فقال تبارك وتعالى: ? وأما بنعمة ربك فحدث ?، تأويل ? فحدث ? فهو فَخَبِّر، وانشر ذلك واذكره وكثِّر، فكان بمن الله لما ذُكِّرَ به ذاكرا، ولنعم الله فيها كلها شاكرا.

(2/401)


تفسير سورة الليل
بسم الله الرحمن الرحيم
وسألته رحمة الله عليه عن تفسير: ? والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والأنثى ? ؟
فقال: ? والليل ? وغشيانه، فهو ظهوره وإتيانه. وتجلي النهار فهو ظهور شمسه، على وحشه وإنسه، وبظهوره وتجليه، يعيش أهل الأرض فيه، ويتحركون وينتشرون، ويُقبلون ويُدبرون، كما قال الله سبحانه: ? وجعل النهار نشورا ? [الفرقان: 47]، فجعله برحمته لخلقه ضياء ونورا، ليبتغوا فيه كما قال سبحانه: من فضله، ولمنته على أهله: ? ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ? [القصص: 73]، فكفى بما في الليل والنهار من الدلالة على الله دليلا لقوم يتفكرون.
وتأويل ? وما خلق الذكر والأنثى ?، فهو وما خلق به كل ذكر وأنثى من الأزواج المختلفة الشَّتَّى، أزواج الإنس والبهائم والأشجار، وكلما خلقه زوجا من الأصول والثمار، فأقسم بما خلق به جميع خليقته، من قدرته وحكمته وَمَنِّه ورحمته.
وقد قال غيرنا: إن تأويل ? وما خلق ?، هو ومن خلق، يريدون أن القسم كان بالله، جلَّ ثَنَاء الله، وليس - والله أعلم - ذلك، في القسم كذلك ؛ لأن الله تبارك وتعالى أقسم بالليل والنهار فقدمهما في قسمه، ولو كان تأويل ما خلق: هو ومن خلق لبدأ، الله في القسم باسمه لجلاله وذكره، وعظم اسمه وكبره، ولكنه إن شاء الله كما قلنا.
ثم قال سبحانه: ? إن سعيكم لشتى ?، فجعل عملهم متفرقا متشتتا، لأن عمل المتفرقين، من المبطلين والمحقين، بر وفجور، وصدق وزور، فهو كله شتى متفرق، هذا باطل في نفسه وهذا حق، أما تسمع كيف يقول الله سبحانه في تشتته، وتباينه في الدنيا والآخرة وتفاوته: ? فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى ? فإعطاؤه هو لما يجب من الحقوق عليه، واتقاؤه فهو فيما أمر بالتقوى لله [فيه]، ? وصدق بالحسنى ?، فهو: تصديقه بأن سيجزى.

(2/402)


وتأويل ? فسنيسره لليسرى ?، فهو: سنصيره من الكرامة والثواب إلى ما سيراه عند موته وفي حشره، وما سيعاينه في الموت والحشر من أمره.
وتأويل ? وأما من بخل واستغنى ? بما يراه عند نفسه غنى من ماله وكسبه، وبخل منه به عن ربه، ? وكذب بالحسنى ? فتكذيبه بالحسنى، هو تكذيبه بما وعد الله أهل التقوى.
وتأويل ? فسنيسره للعسرى ?، هو: سنصيره من الإهانة والعقاب إلى ما سوف يرى
وتأويل ? وما يغني عنه ماله ?، فهو وما ينفعه في الغناء ماله، ? إذا تردى ? تأويله : إذا هلك وردي، بعد أن كان قد أرشد وهدي، وما أغناه من دنياه، و[ما] ملَّكه الله إياه، فجعله الله له، فهو لله قبله، ألا تسمع كيف يقول في ذلك تعالى: ? إن علينا للهدى، وإن لنا للآخرة والأولى، فأنذرتكم نارا تلظى ?، وما كان من النيران يتلظى، فهو أشدها لهبا وسعيرا، وأَنْكَرُها في الحَرِّ والتحريق مصيرا.
ثم أخبر تبارك وتعالى من يصلاها، والإصلاء: فهو التحريق فيها، فقال: ? لا يصلاها إلا الأشقى، الذي كذب وتولى ? كذب بالجزاء والمثوى، وتولى عن البر والتقوى، ثم أخبر سبحانه أن سيجنب هذه النار المتلظية من اتقى فقال جلَّ ثَنَاؤُهُ: ? وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله ? يؤتي: يعطي ماله ? يتزكى ?، تأويلها: ليطيب بها عند الله ويَزَّكَّى، ? وما لأحد عنده من نعمة تجزى ?، تأويله يريد: يكأفأ، ? إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى ? بما يُعطى ويُجزى، إذ أعطى ما أعطى لابتغاء وجه ربه، وما أراد من رضاءه به.

(2/403)


تفسير سورة الشمس
بسم الله الرحمن الرحيم
وسألته صلوات الله عليه عن تفسير: ? والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها ? ؟
والشمس: هي الشمس في عينها ونفسها واستدارتها، وضحاها: فهو ما يُرى من علوها في السماء وظهورها واستنارتها.
وتأويل ? والقمر إذا تلاها ?، فهو اتصاله بها، وجيئته وراءها متصلا نوره بنورها، وظهوره في الضوء بظهورها، وما أبين ذلك وأنوره، وأعرف ذلك وأظهره، في الليالي الغر، من ليالي كل شهر، فنوره حينئذ بنورها متصل، ليس بين نورهما فرقة ولا فصل، وهي ليال بيض مسفرة، مضيئة ساعاتها منيرة، عظمت في النعمة والقدر، فقيل عن النبي صلَّى الله علَيهِ وعلى آلِه: (إن صيامها كصيام الدهر)، وهي ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، وهي ليال جعلها الله كلها مضيئة مقمرة، وصل الله ضوء نهارها بضوء ليلها، فكان ذلك من عظيم النعمة فيها وجليلها، فسبحان من وصل وفصل بين الأمور، فوصل منها بين نور عظيم ونور.
? والنهار إذا جلاها ?، فهو إذا أظهرها النهار وأضحاها ؛ لأنها لا تضحى أبدا بإظهار، إلا فيما جعلها الله تضحي فيه من النهار، وكذلك سبحانه دبَّرها في مقدارها، وبذلك قدرها في مسيرها ومدارها، وفيها ما يقول سبحانه: ? لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ? [يس: 40]، فكلهم جميعا في فلك وهو المدار يطلعون ويغربون، فليل الشمس والقمر عند كل أحد فغير نهارهما، وأنهما يدوران جميعا بالليل والنهار في مدارهما، والليل كما قال سبحانه فلا يمكن أن يسبق النهار، وإن كان الفلك في ذلك كله هو المسلك والمدار، لأن الليل لو سبق نهاره، لسبقت الظُّلم أنواره، فبطل العدد والزمان وتقديرهما، وفسد البشر والحيوان وتدبيرهما، ولكان في ذلك أيضا فساد الأشجار والثمار ؛ لأن قوام ذلك كله ونشأته بما فصل بين الليل والنهار.

(2/404)


فسبحان مفصل الأمور والأشياء ؛ لبقاء ما أراد بقاءه من النبات والأحياء. وليعلم العالمون عدد السنين والحساب، الذي عنه وبه يكون كل جيئة وذهاب، أو بقاء لشيء من الأشياء جعله يبقى، أو يفنى مما فطره سبحانه خلقا، كما قال جلَّ ثَنَاؤُهُ، وتقدست بكل بركة أسماؤه: ? وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ? [الإسراء: 12].
وتأويل ? والنهار إذا جلاها ?، فهو: والنهار إذا أضحاها، فبانت وظهرت وتجلَّت بتجلِّيه، وبما يظهر من الضوء والنور فيه.
وتأويل ? والليل إذا يغشاها ?، فهو إذا غشي الليل الشمس وأتاها، فوارى بظلمته نورها، وأخفى بظهوره ظهورها، ولم تُرَ الشمسُ، ولم تنتشر الأنفس، ويسكن في الليل الإنس والوحش وكل طير، فهدأ من ذلك كله فيه كل صغير أو كبير، رحمة من الله به لذلك كله، ومنَّة من الله مَنَّ بها عليهم بفضله، كما قال سبحانه: ? ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ? [القصص: 73].
وتأويل ? والسماء وما بناها ?، فالسماء: هي السماء التي نراها، ? وما بناها ? فهو: وما هيأها، من حكمة الله وتدبيره، ورحمة الله وتقديره.
وتأويل ? والأرض وما طحاها ?، فهو: والأرض وما دحاها، ودحو الشيء: هو بسطه وتمهيده، ونشره وتوسيعه وتمديده، كما قال سبحانه: ( ? والأرض مددناها ? [الحجر: 19]، وتأويله: بسطناها ومهدناها )، كما قال الله سبحانه: ? ألم نجعل الأرض مهادا، والجبال أوتادا ? [النبأ: 6 – 7]، والممدود إذا أريد مده وامتهاده، ضرب فيه وفي نواحيه لتمتد أوتاده.

(2/405)


وتأويل ? ونفس وما سواها ? فهو : الأنفس، التي قد علمناها لكل ذي نفس من البهائم والإنس، وهي التي إذا فارقت وزالت، ماتت أجسادها وخفت، فعادت أجسادها أمواتا هُلاكا، ولم ير لها أحد بعد ذهاب أنفسها منها حراكا، ? وما سواها ? فهو وما هيأها فجعلها حية كما جعلها، وعدَّلها سوية كما عدَّلها، من قدرة الله وإحكامه، ومنته عليها وإنعامه.
وتأويل ? فألهمها فجورها وتقواها ?، هو فعرَّفها تدبير الله لها وإحكامه هيئتها واجتراها، فجعلها تبارك وتعالى عارفة، بكل ما كانت عليه مجترية أوله خائفة.
ثم أخبر سبحانه أن نفس الإنسان، من بين ما ذكرنا من الحيوان، نفس بين الزكاء والفلاح، والفجور والتدسية والصلاح، فإن تَزَكَّت بالتقوى أفلحت وزَكَتْ، وإن تَدَسَّت بالفجور عند الله طلحت وهلكت، فقال سبحانه: ? قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها ? وتأويل تزكيتها: هو تطهرتها، وتأويل تدسيتها: فهو تطغيتها.
ثم ذكر تبارك وتعالى مَن دساها، من سالف الأمم في الفجور فأطغاها، فقال سبحانه: ? كذبت ثمود بطغواها ?، تأويله: بعتاها وغواها، ? إذ انبعث أشقاها ?، وتأويله: إذ قام أخزاها، لشقوته وشؤمه، وبرضاء عشيرته وقومه، والأشقى فقد يكون إنسانا واحدا، أو يكون جماعة عدة وأي ذلك قيل به كانت المقالة في الصدق والمعنى واحدا، كما يقال: أشقى هذه قبيلة فلان وأشقى هذه قبيلة بني فلان، فيكون ذلك كله واحدا في الدلالة والبيان.
ويدل على أن أشقاهم، ليس بواحد منهم، قوله سبحانه: ? فقال لهم ?، فلو كان واحدا منهم، لقال: فقال له. وقوله: ? فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ?، فلو كان الأشقى واحدا منهم، لقال: فدمدم عليه ربه، ولقال أيضا: بذنبه، ولم يقل: ? بذنبهم ?، إذ هو واحد منهم، ولقال أيضا: عقرها، ولم يقل: ? عقروها ? إذا لم يكن إلا من واحد عَقرُها.

(2/406)


وقد قال غيرنا: إن عاقر الناقة، كان إنسانا واحدا ليس بجماعة، وذكروا فيما في أيديهم من الأخبار، أن عاقرها يسمى ب- ( قُدَار ).
وتكذيب ثمود فإنما كان بما وعدها صالح صلى الله عليه إن عقرت الناقة من عذاب قريب أليم، لا تكذيبها بما لم تزل به مكذبة قديما قبل عقر الناقة من عذاب الجحيم، إذ يزجرها صالح صلى الله عليه وينهاها، عما أتت في عقر الناقة بطغواها، إذ يقول لهم: ? ناقة الله وسقياها، فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها، فلا يخاف عقباها ?، فتأويل ما ذكر الله من السقيا، هو ما أعطى الله من لبن الناقة وسقى.
ومما يدل على ذلك قول الله سبحانه في الأنعام، وهي الآبال: ? وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون ?[ المؤمنون: 21]. وقوله سبحانه: ? ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون ? [يس:73] والمشارب والسقيا، هي الموارد والسقايا، والدمدمة: هي التسوية، والهلكة لجمعهم المفنية.
وتأويل قوله تبارك وتعالى: ? فسواها ?، إنما يراد به أدنى ثمود كلها وأعلاها، ومن أضعف ثمود كلها وأقواها.
وتأويل: ? فلا يخاف عقباها ?، فقد يمكن أن وجهها ومعناها، هو فلا يخاف أحدا - على الضمير- أن يراها بعد تدمير الله لها، وما أنزل من الهلكة بها، لا تعقب عقبا، ولا تنسل عقبا، من ولد ولا ذرية، ولا يرجع بعاقبة مؤدية. وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما.

(2/407)


تفسير سورة عبس
يسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو عبد الله [ محمد بن القاسم ]: سألت أبي القاسم بن إبراهيم عليهما السلام، عن معنى قوله تعالى: ? عبس وتولى، أن جاءه الأعمى ? ؟
هذا تأديب من الله تبارك وتعالى لرسوله أن لا يعبس في وجه الأعمى، الذي يأتيه يطلب منه الإسترشاد والهدى، والأعمى هاهنا: أعمى القلب، وقيل في ذلك: إن الأعمى أعمى البصر، قالوا: هو ابن أم مكتوم، أتى النبي يطلب منه الهدى فأعرض عنه، وليس ذلك كذلك.
ومعنى ? عبس ? هو: عبس وتولى بكليته، ? أن جاءه الأعمى ? في معنى حين، ? وما يدريك لعله يزكى ? هو: تعريف من الله أنه يعلم الغيب، وأن الرسول لا يعلمه، ومعنى ? يزكى ? هو: يتزكى.
? أو يذكر فتنفعه الذكرى ?، معنى ? أو يذكر ?: يعرف فتنفعه المعرفة.
? أما من استغنى فأنت له تصدى ? هذا تأديب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يُجِلَّ مَن سمع بغناه ولو كان كافرا، ولا يستحقر مَن سمع بفقره إن كان مهتديا.
وقد يكون هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم نظرا لصلاح الأمة في الإقبال إلى من كان معه غنى، ثقة بديانة الفقير، واتكالا على صحته في الدين.
ومعنى ? تصدى ?: تقبل عليه.
? وما عليك ألا يزكى ? من جهة النظر، وهذا - والله أعلم - ليس للرسول ولكنه مثل للتعريف والتأديب.
ومعنى ? وأما من جاءك يسعى ? يبادر ? وهو يخشى ? يتخشع ? فأنت عنه تلهى ? تتشاغل.
? كلا إنها تذكرة ? معناه: نعم إنها تذكرة، وكلا هاهنا بمعنى نعم، وليست بمعنى (لا) كغيرها، ? فمن شاء ذكره ? معناه: فمن شاء تَعَرُّفَه تفقه في معرفته على الإستطاعة التي ركبت، وقد خص في ذلك خواص، وشرح فيه شرح كثير يستغنى عنه.

(2/408)


? في صحف ? في كتب مبيّنة، ? مكرمة ? معظمة، ? مرفوعة ? مصونة ? مطهرة ? مُنقَّاة من الدنس الذميم، ومخصوصة بكل فضل كريم، ? بأيدي سفرة ? الملائكة عليهم السلام، ? كرام ? مكرمين ? بررة ? صادقة القول، ? قتل الإنسان ما أكفره ? معناه: لُعن الإنسان ما أشرَّه ! والإنسان معناه: الناس، يخص بذلك كل كافر كما قال: ? يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ?. ? من أي شي خلقه ? معناه: على تقليل النطفة، في معنى أنها لا شيء فصار منها شيء.
وقوله: ? من نطفة خلقه ? تذكرة له، وتوقيفا فيما مَنَّ به من الحياة عليه، ? فقدره ? معناه: فسوَّاه وعدله، ? ثم السبيل يسَّره ? معناه: الطريق الواضح سيَّره وعرَّفه، ? ثم أماته ? حكم عليه بالموت غصبا، ? فأقبره ? دل على قبرانه في التراب، ? ثم إذا شاء أنشره ? معناه: حتى إذا شاء بعثه ليوم نشوره، ? كلا لما يقض ما أمره ? كلا في موضع نعم، حتى يقضي ما أمره، أراد يحاسب على ما أُمر به من الطاعة فيحاسب على ما فرط فيه، ويجازى بالحسنة فيه على ما فعله، وقد يخرج ذلك على معنى: لا ما قضى. معناه: ما فعل ما أمره ولكن قَصَّرَ فيه، وهل يكون أحد إلا وهو مقصر.

(2/409)


رجع إلى التعريف والتذكرة ? فلينظر الإنسان إلى طعامه ? إلى مأكله، ? إنا صببنا الماء صبا، ثم شققنا الأرض شقا ? معناه: أنزل الماء من السحاب، وشق الأرض به، وبالإغتصاص بشربه ? فأنبتنا فيها حبا ? حبا من الحبوب، ? وعنبا ? من ألوان صنوف العنوب، ? وقضبا ? من القضوب، ? وزيتونا ? خاص بزيتون الشام ؛ لما فيه من البركة يروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ? ونخلا ? المثمر للتمر وهو هذا النخل، ? وحدائق ? حوائط من كل الفواكه، ? غلبا ? معناه: قوية تخرج من التراب على ثقله وتضعف نباته، حتى تصير قوية، ? وفاكهة وأبا ? الأب: الشجر هذا الثمام، الذي ينبت في الأسناد والآكام، ألا ترى أنه يقول: ? متاعا لكم ولأنعامكم ? الفاكهة لكم، والمتاع والأب لكم لأنعامكم.
قوله تعالى: ? فإذا جاءت الصاخة ? المسمعة المصخة للأنفس من هولها، وما يرى فيها من عظمها فتصيخ لها النفوس، ? يوم يفر المرء ? هو الإنسان ? من أخيه ? ? و ? من ? أمه ? معناه: والدته، ? وأبيه ? الذي أولده، ? وصاحبته ? زوجته، ? وبنيه ? أولاده، ? لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ? يعني: لكلٍ على قدر ما قدم وأسلف فيما غبر من الدهر، ألا ترى ما فسره حين قال: ? وجوه يومئذ ? معناه: وجوهٌ ذلك اليوم وهو يوم القيامة، ? مسفرة ? معناه: ناضرة مشرقة حسنة، وهي وجوه المؤمنين، ? ضاحكة مستبشرة ? يبين لك في وجه المسفر الضحك ولعله لا يضحك، ويبين لك في وجه الكافر البكاء ولعله لا يبكي، وبلى كم من باك ندامة ! وكم من ضاحك استبشارا بما بشر به من نعم الله التامة ! ومعنى ? مستبشرة ?: متباشرة بما قد رأت من علامات الخير.
? ووجوه ? معناه: وجوه الكفرة، ? يومئذ ? تقدم تفسيره، ? عليها غبرة ? يعني: القتام، يلحق وجوه الكفرة والإظلام، ? ترهقها قترة ? تلحقها وتعلوها قترة، والقترة فهي: الغبرة المقترة المهلكة الكريهة، وهذا جرم ما يكون من الكسوف على الوجوه من الظلمة.

(2/410)


ثم بيَّن فقال: ? أولئك هم الكفرة الفجرة ? الكفرة: فهم الكافرون لأنعم الله، والجاحدون لربوبيته أيضا ؛ لأن الكفر كفران، كفر نعمة وكفر جحدان، وكل أولئك صائر إلى سخط في عذاب أليم، ? الفجرة ? معناه: الفجرة في الدين، وأهل الإطراح لحقوق رب العالمين، والإفتتان فيما لا يحل لهم [من] محارم خالق الخلق أجمعين، وقد يكون الفجور، الإرتكاب لأكبر الشرور، من الفسق وأخبث الأخباث، من الإتيان للذكران والإناث، مما لم يأمر الله به، ولم يسوغه في قرآنه ولم يثبته.

(2/411)


تفسير سورة النازعات
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله سبحانه: ? والنازعات غرقا، والناشطات نشطا، والسابحات سبحا، فالسابقات سبقا، فالمدبرات أمرا ?.
النازعات فيما أرى - والله أعلم - : فهن السحائب المنتزعات لماء الأمطار من البحار والأنهار، ومما في الأرض من الندوة والبخار، وكذلك صح في الروايات والأخبار.
معنى ? غرقا ? مغرقات لما أمطرن، وكذلك المغرق من كل شيء أيضا: الناهي فيه، تقول: أغرق في النزع، وهن ? الناشطات ? في نزعهن ? نشطا ?، والنشط والإغراق: هو القوة في النزع والصب، ومما ينتزع من المنتزع صكا.
ومعنى تنشط الماء: فهو تحيده وتطلعه، ونشطا: مصدر كمصادر الكلام، ? والسابحات ? هن: السحائب يسبحن في الهواء سَبْحاً، كما يسبح في الماء من كان سابحا يمينا ويسارا، وإقبالا وإدبارا، كما أراد الله عز وجل وشاء.
? سبحا ? مصدر أيضا، وهن أيضا ? السابقات ? بالمطر والغيث برحمة الله وفضله، غير مسبوقات بإمساك الله للمطر لو أمسكه عن الأرض وأهلها بعدله، وقد يكون السابقات هو: البرق ؛ لأن البرق أسرع شيء خفقا، وأحثه اختطافا وسبقا، والسحائب أيضا فهي ? المدبرات ?، بما جعل الله من الغيث فيهن للشجر والثمار والنبات، وفيما ذكرنا من هذا أعجب عجيب، لكل ذي حكمة ونظر مصيب.
قيل: والمعنى فيه: ? المدبرات أمرا ? الملائكة.
? يوم ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة ? الراجفة: القيامة، سميت راجفة لهولها، يقال: نزل ببني فلان رجفة، والرادفة: مردفة بهول يتبع هؤلاء.
? قلوب يومئذ ? ذلك اليوم، ? واجفة ? أراد مضطربة، ? أبصارها خاشعة ? منكسة، ? يقولون أئنا لمردودون في الحافرة ? أولئك الذين كانوا يقولون، أراد يكذبون بالرد لهم في الحافرة، هم الذين تخشع أبصارهم وتذل، والحافرة: التي تحفر على السرائر وتظهرها، ? إذا كنا عظاما نخرة ? تعجبٌ منهم أنهم لا يرجعون إذا صاروا عظاما نخرة، والنخرة: البالية الدامرة.

(2/412)


ثم قالوا: ? تلك إذا كرة خاسرة ? أرادوا: نطفة خاسرة، رد الله تكذيب قولهم بقوله عز وجل: ? فإنما هي زجرة واحدة ? تحقيقا أنها كانت مثل للزجرة، الزجرة - والله أعلم - مثل مضروب للحياة بعد الموت، كما يفزع النائم بالزجرة من الصوت.
? فإذا هم بالساهرة ? المتعبة لمن هو فيها، تقول: فلان ألحق بالساهرة، أي لم يخبر به.
قوله عزل وجل: ? هل أتاك حديث موسى، إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى، اذهب إلى فرعون إنه طغى، فقل هل لك إلى أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى، فأراه الآية الكبرى ?.
قال: ? هل ? خبر من الله عز وجل، ولفظه لفظ الإستفهام، ومعناه التوقيف على الخبر والإفهام، كأنه قال: قد أتاك خبر موسى.
ومعنى ? إذ ناداه ربه ? فكذلك يقول الله ناداه، وأنه أوجد كلاما به خاطبه وناجاه.
والواد المقدس: هو المكرم المنزه المعظم، وهو طوى.
ثم قال: ? اذهب إلى فرعون إنه طغى ? أي: جاوز قدره وعلا وطمى، وخرج إلى الظلم والجهل والعمى، فقال: ? هل لك إلى أن تزكى ? هل لك هو: ترغيب في الخير والهدى.
ومعنى قوله: ? إلى أن تزكى ? هو: الترغيب في التزكي والطهارة من قذر الدنيا، وقبائح ما كان عليه من الكفر والردى.
ومعنى قوله: ? وأهديك إلى ربك ? أي: أدلك إلى ربك، فيدخل في قلبك الخوف لسيدك.
? فأراه الآية الكبرى ? أي: الدلالة العظمى، ومعنى قوله: ? فحشر فنادى ? أي: جمع أصحابه ثم نادى، ? فقال أَنا ربكم الأعلى ? والفاء بمنزلة ثم، لأنهما من حروف النسق والعطف.
ومعنى قول فرعون اللعين: ? أنا ربكم الأعلى ? يريد: أنا سيدكم الشريف المرتفع في القدر والعلا، والرب عند العرب: السيد، قال الشاعر:
أم غاب ربك فاعترتك خصاصة
يؤوب مؤيدا
فلعل ربك أن يؤوب مؤيدا
ومعنى قوله: ? فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ? فالأخذ هو العذاب من الله عز وجل، عذب عدوه عذاب الآخرة والدنيا.
? إن في ذلك عبرة لمن يخشى ? هي: الموعظة والتذكرة، قال الشاعر:

(2/413)


في آل برمك عبرة وعجائب .... ومواعظ للعاقل المتزهد
ومعنى قوله عز وجل: ? أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها، رفع سمكها فسواها ? أي: رفع محلها وموضعها، والسمك: هو المحل المرتفع العالي، قال الشاعر:
إن الذي سمك السماء بنى لنا .... بيتا دعائمه أعز وأطول
معنى سمك السماء: أي رفعها، وقال آخر:
وما إن بيتهم إن عد بيت .... وطال السمك وارتفع البناء
ومعنى ? فسواها ?، أي: عدل صورتها وهيأها.
ومعنى ? وأغطش ليلها، وأخرج ضحاها ? فالإغطاش: هو الظلام.
ومعنى قوله: ? والجبال أرساها، متاعا لكم ولأنعامكم ? هو أسكنها وأثبتها وأهدأها، قال الشاعر:
ألقى مراسيه بتهلكة .... ثبتت رواسيها فما تجري
وفي هذا الكلام تقديم وتأخير، والتنزيل قول الله عز وجل: ? أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، متاعا لكم ? فعل تمتيعا لكم، والتأويل والمعنى: هو أخرج منها ماءها ومرعاها، متاعا لكم والجبال أرساها، ولكن لا يجوز أن يقرأ كتاب الله إلا على ما أنزل الله سبحانه، وعز عن كل شأن شأنه، لأنه لم يفعل ذلك إلا لأسباب من الصواب، ولولا ذلك لبين جميع الكتاب.
ومعنى قوله عز وجل: ? فإذا جاءت الطامة الكبرى ? يعني القيامة، وإنما سميت طامة لعلوها ورفعتها، وهولها عند وقعها ووثوبها بغتة وسرعتها، وأصل الطم في الإرتفاع في الهواء سريعا معا، قال الشاعر:
أتاكم طم فوق كل طم
إذا العكاضي كثافي اليم
? يوم يتذكر الإنسان ما سعى ?، يريد: أنه يتذكر ما عمل في الدنيا، وأصل السعي هو الجد والإجتهاد، والإقبال والإدبار والتحدر والإصعاد، قال سيد العابدين علي بن الحسين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين:
فإن امرأ يسعى لدنياه جاهدا .... ويذهل عن أخراه لا شك خاسر
ومعنى ? وبرزت الجحيم لمن يرى ? هو: أُخرجت وأُظهرت، ومعنى ? لمن يرى ? هو: لمن يرى عز وجل ويعلم أنه يستحق العذاب.

(2/414)


ومعنى قوله: ? فأما من طغى ? هو جاوز الحد في ظلم نفسه بكفر أو فسق، ? وآثر الحياة الدنيا ? قدمها على الآخرة، ? فإن الجحيم هي المأوى ? أي: المَنْزِل والمحل والمثوى.
? وأما من خاف مقام ربه ? أي: موقفه الذي يقوم فيه العباد للحساب.
? ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى ? أي: نهى نفسه عن إتباع الهوى، فأما الهوى في نفسه فلا يقدر أحد على تركه ؛ لأن الهوى في ذاته إنما هو الشهوة، والشهوة لا يقدر أحد على تركها، وإنما يقدر على خلافها، ويمكنه الإمتناع من طاعتها، وهذا من الإختصار، وهو كثير موجود في القرآن، وهو عند أهله بيِّنٌ غاية البيان، فالحمد لله على ما علمنا من الفرقان، ونسأله أن يزيدنا برحمته من البرهان.
? يسألونك عن الساعة أيان مرساها ? أي: متى حلولها، وهجومها على البرية ونزولها ؟ وأيان في اللغة بمنزلة متى ؟ قال الشاعر:
أيان تدفع بالرماح عليهم
يا مال قبل منيتي وذهابي
ومعنى قوله: ? فيم أنت من ذكراها ?، يريد بذلك: التوقيف للناس على خوف رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وما هو فيه من الفزع والحزن عند ذكره لها، وعند ما يخطر على باله من هولها.
ومعنى ? إلى ربك منتهاها ?، أي: عند ربك نهايتها ووقت هجومها، وغاية ما يكون في آخر تلك الساعة، ومصير الأبرار إلى سعادتها، ومصير الفجار إلى إشقائها ونكدها، والساعة في تلك الواقعة التي يحكم الله فيها بين العباد، ويصير كل إلى داره التي يستحق بعمله من الضلال والرشاد.

(2/415)


ومعنى قوله: ? إنما أنت منذر من يخشاها، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ? يريد: كأنهم في ذلك اليوم لم يقيموا في الدنيا إلا عشية من عشاياها، أو ضحوة من ضحاها، لقصر ما فات من الدنيا، وكذلك الإنسان عند الموت والفناء، كأنه لم يعمر ولم يخلق، إلا في تلك الساعة التي يقبض فيها ويوثق، ولكن هذه البرية أبت إلا العمى، والتقصير عما أراد الله بها من اتباع الحكماء، ومالوا إلى اللعب والجهل والردى، وزهدوا في الحق والدين والهدى، فزادهم الله تبابا وبعدا، ولا وفقوا للخير أبدا.
إلى هنا انتهى تفسير شيخ آل الرسول القاسم بن إبراهيم عليه السلام، وعاقه عن التمام، شواغل منعته إلى أن نزل به الحمام، رحمة الله عليه.
وكل ما تقدم من رواية ابنه محمد بن القاسم عليهما السلام

(2/416)


كتاب الطهارة
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحجة ما كفى فكيف قلتم في طهارة هذه الأشياء، بخلاف ما قلتم به في طهارة الأعضاء، وأمر الله في الأعضاء وتطهيرها، أوكد من أمره في تطهير غيرها. هذا والله المستعان مما يناقض عليكم به أصولكم، وتأباه عليكم ـ إن أنصفتم أقل النصف ـ عقولكم.

(2/417)


[الوضوء]
فعلى المتوضي إذا ابتدأ في الوضوء، وأخذ في غسل ما أمره الله به من كل عضو، أن يصب ـ إن شاء الله ـ على يده اليمنى من الماء، قبل أن يدخل يده فيما يريد أن يتوضأ منه من الإناء، فيغسلها بالماء حتى تنقى، من كل ما كان فيها من نجس أوأذى، ثم يغرف بها ويفرغها على يده اليسرى، فيغسل بها كل ما يحتاج إلى غسل، من كل ما أُمر بغسله من دبر أو قُبُل، حتى يطهر ذلك كله وينقيه، من كل نجس أو أذى كان فيه، ثم يغسل فرجه الأعلى، غسلا نظيفا طيبا، ثم انحدر فغسل فرجه الأسفل حتى يميط ما عليه من الأدران والأذى، ثم يتمضمض ـ إن شاء الله ـ ثم يستنثر بغرفة من الماء ـ يفرغها بيمنى يديه ـ واحدة، ولا يفرد ـ إن شاء ـ بغرفة الماء استنثارا ولا مضمضة على حدة، ثم يغسل بعدُ وجهه كله، اعلاه وجوانبه وأسفله، يبدأ في غسله لوجهه من أعلى جبهته، وأطراف ما طلع عليها من شعر رأسه وصدغيه إلى ما ظهر من لحيته، كلها على دقنه وأطراف لحيته، ويجمع لحيته عند ذلك في بطون كفيه، فإذا أتى على ذلك كله بما حددنا من غسله غسل ما أمر بغسله من يديه، إلى آخر مناهي ما حُدد له من مرفقيه، ثم يمسح برأسه وأذنيه، مقبلا في ذلك ومدبرا ببطون يديه، حتى ينقى الرأس والأذنان، مما عليهما من الأدران، فإذا فرغ من مسح الرأس والأذنين، غسل ما أمر الله سبحانه بغسله من الرجلين، فأفرغ عليهما بيديه أو بإنائه أو غيره إفراغا، وغسلهما بيسرى يديه غسلا منقيا سابغا، يأتي به على حدود مناهي الكعبين، ومسح باطن الرجلين، وظاهرهما بيسرى يديه، وخلل بالماء في إفراغه له ما بين أصابع رجليه، فإنهما أولى أعضائه كلها بالغسل والوضوء والتطهير، لمباشرته بهما الأماكن الدنس والأقاذير، يبدأ في غسله لرجليه بيمناهما، قبل غسله ليسراهما، فإذا فعل ذلك كله، فقد أتم بإذن الله طهوره وأكمله. ومن لم يغسل من ذلك كله، ما أمر الله بغسله، فهو عندنا في ذلك كمن لم يتوضأ، ولم ينتفع مع تركه لذلك بما

(2/418)


أدى، ولزمه - بتقصيره - إعادة ما صلى. ووجب عليه الوضوء لما ترك منه مستقبلا.
وتأويل الوضوء في اللسان فإنما هو الإنقاء، كما قلنا لكل ما وضي أو توضأ.

(2/419)


باب القول في المشرك
وكذلك إن أصاب شيئا من جسده، مشرك بثوبه أو يده، فهو في النجاسة كغيره، ولن يطهر أبدا إلا بتطهيره، فإن سقط مكان ما أصاب المشرك بجسده أو ثوبه عنه، ولم يثبت ذلك المكان بعينه ولم يوقنه، كان عليه غسل جسده كله، ولم يطهر أبدا إلا بغسله.
وكذلك كلما أصاب ناحية من جسده من ميتة الأنعام، أو ذبيحة أُهلَّ بها لغير الله في حل أو حرام، والحكم عليه في غسله وتطهيره، كالحكم عليه فيما ذكرنا من غيره، يغسله من مكانه إن علمه بعينه، وإلا غسل له جميع بدنه.
ومن أوكد ما على مَن لمس كل مشرك أو ثوبه، أو مجلسه أو مركبه، وكل من يشآق الله سبحانه بكبائر العصيان أو يعصيه، فلا يجوز أن يتخذه مؤمن قِبلة أو سُترة، لأنه ليس بطاهر وليس ممن له طهارة، ولو طهر بالماء وتطهر فأكثر - ما عتا في أمر الله واستكبر - لأن الطهارة عند الله سبحانه طهران، أحدهما طهر النفس والآخر طهر الأبدان.
فطهر الأنفس قبل أبدانهها، هو برآتها من كبائر عصيانها.
وطهر الأبدان هو ما حددنا من الوضوء، فيما أمر الله سبحانه بغسله من كل عضو، فمن لم يطهرهما جميعا لم يكن طاهرا ولا مطهرا، ولم يجز لمؤمن أن يتخذه قبلة ولا سترا، وكذلك هو أبدا حتى يتوب إلى الله سبحانه ويرجع، ويقصر عن مشآقته لله سبحانه وينزع.
فهذا ما لله على المصلي إذا صلى، فرضا كانت صلاته أو تنفلا، في الطهارة من لدن بطن قدميه إلى حاق ذوائب رأسه، ثم لله عليه بعد هذا كله إذا صلى في لباسه، ألا يصلي فرضا ولا تنفلا في شيء منه، حتى تزول عنه كلما ذكرنا من النجاسة كلها عنه، وأن يكون اللباس مع زوال نجاسته، غير فاحش المنظر في وسخه ولا دناسته، فإذا أنقى اللباس كله من كل نجس، وبري من كل ما ذكرنا من فاحش الوسخ والدنس، وطهّر ما يتوضأ به من الماء، وكلما يتطهر فيه من إناء.

(2/420)


[طهارة الماء والمكان]
وطهارة الماء أن لا يتغير ريح ولا لون ولا طعم، وطهارة الإناء ألا تكون فيه نجاسة تعلم، فإذا أتم المتوضىء وضوءه هذا كله، وقام بما لله عليه فيه فأكمله، فهو حينئذ الطاهر غير شك ولا مرية، ثم لله عليه بعدُ أن لا يصلي من بقاع الأرض إلا في بقعة نقية، ولا يستتر بسترة من حجر أو مدر، إلا أن يكون طاهرا من كل نجس أو قذر. فإذا أتم هذا كله من أمره، فقد أتم ما أمره الله سبحانه به من وضوءه وطهره، فغسل دبره وقُبُلَه، وأنقى ذلك منه كله، وطهر منه ما أمره الله سبحانه بتطهيره، وقدم ما أمره الله بالتقديم له في الطهارة على غيره، وكان تقديم ما قدم منه على غيره في التطهير، دليلا على حكمةِ مَن حكم بتقديمه في التدبير، وشاهدا على أن مَن حكمه متعالي من غفلة المغاليط، وعالما بفرقة بين المحآب في الأشياء والمساخيط.
ولتقديمه على غيره، ما أمر الله به من وضوءه وتطهيره، ما يقول الله سبحانه، ما أوضح أمره وبيانه: ? أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء? [النساء: 43، المائدة: 6].
فأوجب سبحانه على كل متغوط من الوضوء إذا وجد الماء، ما أوجب من الغسل إذا اوجد في ملامسة النساء، وقد يعلم أن المجيء للغائط قد يكون للخلاء والأبوال، كما قد يعلم أن الملامسة قد تكون للنساء من الرجال.

(2/421)


وكيف لا يرون من لم يغسله عنه من مجرده وهو هنالك نجس غير متطهر، وهم يزعمون ألا طهارة لمن كان في جسده أو ثوبه منه أصغر أثر، أفيتنجس عندهم منه بالقليل الأصغر، ويطهر في حكمهم منه مع الكثير أكثر، فأي منكر أنكر ؟ عند من يعقل أو يفكر ؟! مما قالوا أو ذكروا، وقبلوا فلم ينكروا!! فلقد كان أهل الجالهلية الأولى، ومن كان لأكل الميتة مستحلا، وإنه ليغسل عنه في جاهليته أثر البول والعذرة، وكيف لا يغسله وهو يغسل تنظفا غيره من الأشياء القذرة، وهما أقذر الأقاذير قذرا، وأ نتنه ريحا وأقبحه منظرا. وإن كانوا أهل الجاهلية إذا طافوا ببيت ربهم، ليلقون ما عليهم من ثيابهم، تطهرا لله بطرحها في طوافهم، فأين هذا مما في أيدي الجاهلية من اختلافهم ؟ وما يقولون به في البول والقذرة على من مضى من أسلافهم، ويضللون من أتى وخلف بعدُ من أخلافهم ؟! فنعوذ بالله من الجهالة في دينه والعمى، ومن العبث بما قالوا لمن كان مسلما، فلو ما قيل به من ذلك في السلف، قيل به في مشرك كان مشهورا بأكل الجيف، لعده عيبا فاحشا كبيرا، ولو أن ما يأكل معه من الجيف صغيرا! فكيف يقال به أو بمثله في مسلم أو إسلام ؟! أو يُتوهم حكما أو جائزا عند ذي الجلال والإكرام ؟! وهو يحكم لا شريك له، على كل مسلم في الدم بأن يغسله، والدم أطيب ريحا وأنقى منظرا، وأقل - عند من يعقل أو لا يعقل - نتنا وقذرا.
وكذلك الخمر وما يلزم غسله من الأنجاس كلها، فليس منه شيء كالعذرة في نتنها وقذرها، ولربما ظننت أنه ما وضع هذا القول ولا أصَّله، إلا من كان يستحله الإسلام وأهلهُ، ممن وتره المسلمون والإسلام، وكانت عبادته في جاهليته الأصنام، وما أحسبه قيل قط إلا عنهم، ولا أخذته هذه العامة المتحيرة إلا منهم، اسعافا لهم وطمعا في الدنيا، وإيثارا منهم على البصيرة العمياء.

(2/422)


[الاغتسال من الجنابة أو النفاس]
وعلى من تطهر مما أمره الله بالتطهرة منه من الملامسة والاجتناب، أن يغسل جسده كله جميعا ولا يلتفت فيتخفف إلا فيما تجوز الصلاة فيه من الثياب ، مع ما أوجب الله سبحانه عليه من اغتساله، بما كان أوجبه الله عليه قبل من الوضوء على حاله، لأن الله سبحانه قد فرض الوضوء أولا وحَكَمَه ، كما فرض من الغسل في ملامسة النساء عليه فلزمه، فجعل الله الوضوء عليه للصلاة واجبا، كما أوجب عليه الغسل من الجنابة إذا كان جنبا. وعليه أن يقدم من الوضوء عند اغتساله وتطهره، ما قدمه الله عليه وبيَّنه له فيه من أمره، فإن انتقص شيئا مما عددنا من هذا كله، في طهارة لباسه أو في شيء مما حددناه من وضوءه وغسله، كان منتقصا لما أمر به، وعاصيا ـ فيما انتقص ـ الله ربه، وكان عليه في ذلك كله الإعادة لما ترك، وإلا كان هالكا عند الله سبحانه بتركه له فيمن هلك، ومنتقصا بما ترك منه لأمر الله وعهده، ومتعديا لما حدد الله في الطهارة من حده.

(2/423)


فإن لم يجد المتوضىء المغتسل، أو المتوضىء الذي لا يغتسل، ماء طهورا يتطهران لصلاتهما به، تيمما صعيدا طيبا لا يشكان في طهارته وطيبه، فمسحا إذا لم يشكا في طهارته منه بوجوههما وأيديهما، فإذا فعلا ذلك فقد أديا فرض الله في الطهارة عليهما، ولا يطهرهما في التيمم ويجزيهما مسح وجوههما وأيديهما، حتى يعلق التراب بهما وعليهما ما يبين به أثر التراب فيهما. ومكان ما للوجه من الحد في مسحه من الصعيد، مكان ماله من الوضوء سواء وفقا من التحديد، وحد مسح متيمم الصعيد إذا مسح بيديه، أن يمسح باطنهما وظاهرهما إلى مرفقيه، ولا يَطْهُر أبدا إلا من أتم طهارته بيقين لا شك فيه، ولا ينقض وضوءه ولا طهارته بعد يقينه بها إلا يقين بنقضها ثابت ويصير إليه، وإلا فطهارته أبدا ووضؤه وتطهيره، لا يزيل يقينه بها شك منه ولا حيرة، ولا ينقض ماله بها من حكم التطهر، إلا ما خرج من قُبُل أو دبر، أو حدث من دم سائل يقطر، أو يسفح من أي جسده خرج فينحدر، فأما ما خرج منه من البدن يعلق ولا يدفع، أو يسبح من متعلقه في البدن فينقطع، فليس مما يحتسب به ولا يعد، ولا مما ينقض الطهارة ولا يفسد. وكل ما يجب على الرجل في التطهرة والوضوء، فواجب مثله سواء، على كل مَرَةٍ حرة كانت أو أَمة، لأنهم كلهم ملة وأُمة.
ونفاس المرأة وحيضها فما كان بعدُ من دمها، فهو فيما ينقض عليها من طهارتها كالدماء وحكمها، فإذا انتهى حيضها ووقف، ونقيت منه حتى تنظف، فعليها الغسل من ذلك كله، لا تطهر أبدا إلا بغسله.
فإن خرج بها وقت طمثها أو نفاسها عما تعرف فعليها الغسل من ذلك من عدة أيامه، خرجت من حكم الطمث والنفاس وكان كغيره من الدم وأحكامه، يُغسل منه غسلا واحدا، ثم يُتوضأ بعد كل صلاة وضوءا فردا، فإذا عاد وقت طمثها إليها، عدَّت ما كانت تعرف من وقت قرء واحد من أقرائها، ثم اغتسلت عنده، ثم عادت للوضوء بعده.

(2/424)


الاعتقاد
وعلى من قام من الرجال أو النساء لصلاة واحدة أو أكثر منها أن يتوضأ لها كلما قام إليها أبدا، وهي وإن اجتمعت فإنما فرض الله فيها وعند القيام لها وإليها على من يريد أن يصليها وضوءا واحدا، فإن هو فرق بين قيامه لصلاته بإقبال أو إدبار في شيء من حاجاته، انتقض عليه بذلك عقد وضوءه لصلاته وطهارته، ولزمه الوضوء كلما قام إلى شيء مفروق أو مجموع من صلواته، وإن ثبت بعد الوضوء في مسجد من مساجد الله أو بيت من بيوت ذكره، فهو ـ ما ثبت فيه وأقام أبدا ـ ثابت على وضوءه وطهره، لأنه إذا كان كذلك فهو قائم إليها، منتظر لها بعدُ ومقبل عليها.
ألا ترى كيف يقول الله سبحانه: ? يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ? [الجمعة: 9]، فما أمر الله به من السعي إلى ذكره والجُمَع فهو قبلها.
ومن القيام إلى الصلاة قعودُ مَن قعد لها منتظرا أو عليها مقبلا، ولم يكن بغيرها من أمور الدنيا عنها مشتغلا، فهو قائم في ذلك ـ وإن طال ـ إليها، وكأنه بذكره لله في ذلك قد دخل فيها، فوضوءه أبدا ما كان كذلك وعلى ذلك غير منتقض، وهو في ذلك مؤدي لما عليه من الطهارة لها من الفرض، فهذا فيما به قلنا، وما به في قولنا استدللنا.

(2/425)


[لباس المصلي]
وأوجبنا اللباس في الصلاة على كل مصلي، وحرمنا على كل من صلى من المؤمنين كل تعري، بدت منه عورة مستورة، أو ظهرت معه فيه منه عورة، لقول الله سبحانه: ? يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ? [الأعراف: 26]. واللباس ما وارى العورات وغطَّاها، والرياش فزيادة اللباس على ما سترها وواراها، ومما أوجبنا له ذلك أيضا، ما أوجبه الله تبارك وتعالى منه على بني آدم ففرضه عليهم فرضا، فقال سبحانه: ? يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ? [الأعراف: 31].
فأمر تبارك وتعالى جميع الناس، بالأخذ عند كل مسجد لزينة اللباس، وفيما قلنا به من هذا من منزل القرآن، ما كفى وأغنى كل ذي رشد وإيمان.
ولا يجوز لأحد أن يصلي شيئا من صلاته بشيء سرقه من ماء ولا لباس، لأن الله سبحانه قد حرم الصلاة عليه به كما حرمها عليه بغيرها من الأنجاس.

(2/426)


[الاحتلام]
ومن اجتنب في منامه، حتى يمني مما رأى في احتلامه، وجب عليه من ذلك الغسل في امنائه، ما يجب على اليقظان في إنزاله لمائه. ومن كان نائما فلم ينزل ولم يمن، أجزأه في ذلك كله من الوضوء ما يجزي كل متوض، فإن غشي أهله فأكسل ولم يمن، لزمه الغسل في ذلك كما يلزمه في الإمناء سواء، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: ( إذا التقا الختانان وجب الغسل )، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه ? ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ?[النساء: 43]، والجنب فإنما هو الممني، المعرض لإمنائه عن أهله المنتحي، ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه:? والجار ذي القربى والجار الجنب ? [النساء: 36] ، والجار الجنب، فهو القاصي المنتحي بغير ما مرية ولا كذب، لا يمُتُّه بقربى وهي في الرحم مآسة، والإجناب فهو ما ذكره الله سبحانه من الملامسة، لأن الله سبحانه يقول تبارك وتعالى في هذه الآية، ما يدل على أنها الاجناب بغير شك ولا مرية: ? وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ? [المائدة: 6]. ولو لم يكن الاجناب هو ملامسة النساء، لما احتيج في هذه الآية إلى ذكر وجود الماء، فقال سبحانه :? فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ?، وطيب الصعيد لا يكون قذرا ولا قشبا.
وسواء احتلم فأمنى في احتلامه. أو لامس النساء فأمنى في غير منامه، ومن اغتسل في اكساله، لم يكن مذموما على اغتساله.

(2/427)


باب القول في السرقة
وأوجبنا على من سرق سرقة ألا يتوضا بها ولا يصلي فيها، لأنه عندنا في حكم الله ملعون عند الله بها وعليها، ومنهي منها أشد النهي من الله عن حبسها عن أهلها طرفة عين، ومحكوم عليه فيها بالقطع فيما شرعه الله من أحكام الدين، وكيف يجوز أن يصلي على سرقة ؟! أو في سرقة من سرقاته، أو يتوضأ بما قد سرقه، فيكون بما كان من وضوءه من ذلك، عند الله في أهلك المهالك، قد أحبط الله به عمله وأجره، وأبطل بما ركب من ذلك طهره، فلا وضوء ولا طهارة له، وكيف يكون طاهرا أو متطهرا وقد أبطل عمله، بما فارق فيه من التقوى، وركب فيه بما ركب من كبائر الأسواء، ولا يقبل الله إلا من المتقين، ولا يصلح الله عمل المفسدين، فعمله غوآء فاسد، وهو عن التقوى عاند.
وكيف يصلح الله وضوءه وطهره، وقد أحبطه الله ودمَّره ؟! وكيف يطيب ذلك أو يطهر به، وقد أبطل الله سعيه وعمله، فلم يتقبله جل ثناؤه عنه، ولم يصلح له ما عمل منه.
وكذلك، ومن ذلك، كل أرضِ مسجدٍ أو مكان ما كان أخذ من أهله غصبا، أو مسجد بني بمال سرق أو غلب عليه أهله من المؤمنين أو الذميين غلبا، فلا يحل لأحد أن يأتيه، ولا يَسَعُ مؤمنا أن يصلي فيه، لأنه اتُّخذ بكُفرٍ في دين الله ومعصية، وأُسس بأسباب لله سبحانه غير مرضية.

(2/428)


ألا تسمع لقول الله سبحانه، ما أنور بيانه: ? الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبداً لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين ? [التوبة: 107 - 108]. فنهاه صلى الله عليه إذ بُني لمعصية وبمعصية عن أن يقوم فيه أبدا، وجعل تركه للقيام فيه وإن كان مسجدا من المساجد طاعة وهدى، وكيف تجوز فيه صلاة، أو يكون له طهر أو زكاة‍ ؟!‍‍ ولم يأذن الله سبحانه في بنائه لمن بناه قط، بل بناؤه له معصية لله كبيرة وسخط، ودخوله على من بناه مُحرَّم لا يحل، فكيف تحل فيه صلاة أو تقبل.
ألا تسمع لقول الله جل ثناؤه، فيما رفع من البيوت بإذنه: ? في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدوة والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكوة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ?[النور: 36 - 37]. فدل سبحانه عليها وعلى زكاتها، بما ذكر من أذنه في رفعها وبنائها، فلو كان ما أذن الله في رفعها منها كما لم يأذن فيه، لكان ذكر الأذن منها فضلا لا يحتاج إليه، وكان سواء فيها أذن أو لم يأذن، وكان ما بيَّن من ذلك كما لم يُبيَّن، فلما لم يأذن سبحانه لأحد في رفع المسجد الحرام، كان محرما فيها ـ فضلا عن الصلاة ـ كل دخول أو قيام.
ومن ذلك ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يقوم في مسجد الضرار إذ بني مخالفة لله سبحانه وعصيانا. ولقد كان ما ذكرنا من هذا الباب، قبل ما نزل من وحي الكتاب، وأن في الجاهلية منه لرسما، أصابوه فكرة أو تعلما، فقالوا قريش عندما أرادوا من بناء الكعبة: لا تُخرجوا فيما أردتم من بناء بيت ربكم، إلا نفقة طيبة، فاجمعوا فيما تريدون من بنائه من كل مال زَكِيٍّ، ونَقُّوه من كل ظلم ومن أجر كل بَغِيٍّ.

(2/429)


الكلام في الدم
وأوجبنا في الدم إذا سال أو قطر، أن يتوضأ منه مَن أصابه ذلك ويتطهر، لمشابهته في تحريمه وخروجه من الأبدان المتطهرة، لما يجب به الوضوء إذا خرج من مخرج البول والعذرة، وكذلك كل ما حرم من هذه الأشياء كلها على كل آكل أو شارب شربُه أو أكلهُ، وجب على كل متطهر لله في صلاة أو موقف طهارته وغسله.
فإن قال قائل: فما بالكم لم توجبوا الوضوء في قليله، كما أوجبتموه في قليل البول وكثيره ؟ قلنا: للتبيين بحمد الله المنير، ولأوضح بيان قيل: بمثله في تفسير، لأن الله سبحانه حرم قليل البول وكثيره، فَأَلزَمْنا كل من توضأ غسله وتطهيره، وأنه لم يحرم من الدم إلا ما كان مسفوحا، فكفى في هذا فيما فَرَقنا بينه وضوحا. والمسفوح من الدماء، من كل ما سال أو قطر، أو جرى فتحدر، فلولا أن المحرم من الدماء هو المسفوح بعينه، وأن الله سبحانه بيَّن ذلك وشرحه بحكمته وتبيينه، لما جد الرسول عليه السلام ولا غيره ممن أكل لحما، أن يكون في أكله له معه دما، لأنه ليس من لحم قليل ولا كثير، لا من الأنعام ولا من الطير، إلا وبين أضعافه لا محالة دم , فسبحان مَن حَكَم فيه حُكْمَ مَن يعلم‍‍‍.

(2/430)


فلم يحرمه تبارك وتعالى منها تحريما مبهما، فيكون بذلك لما أحل من بهيمة الأنعام محرما، فيتناقض أمره فيه وحكمه، ولا يفهم عنه مُحلَّلُّه أو محرَّمُه، ولكنه فرق بينه سبحانه ففصله، ونزل كل حرام منه وحلال منزله، وليس في شيء منه تقصير ولا فرط، ولا يعرض لأحد مع حسن نظر فيه حيرة ولا غلط. فقال سبحانه: ? إلا أن تكون ميتة أو دما مسفوحا ? [الأنعام: 145]، فبين تحريمه فيه بيانا مشروحا، فهذا ما به فرقنا بين قليل العذرة والبول، وله ومن أجله صرنا فيه إلى ما صرنا إليه من القول، وكل شيء من الدماء كلها وإن قل كان في عضو من أعضاء الوضوء، غسل ذلك كله أو مسح حتى ينقى منه جميع ذلك العضو، فلا يرى منه فيه أثر، ولا يبقى فيه منه دنس ولا قذر، لأن الله سبحانه أمر بغسله، فأوجب الغسل الذي هو الانقاء على كله.

(2/431)


القول في النفاس
وأوجبنا الغسل في النفاس كما أوجبنا في الحيض سوءا، لأن النفاس محيض وإن اختلف به وفيه الأسماء.
وقد ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في المحيض واختلاف أسمائه، أنه قال لمرَةٍ كانت معه من نسائه، فطمثت، فوثبت فقال لها صلى الله عليه: ( مَالَكِ أَنَفِِسْتِِ ) وفصحاء العرب والناس، يدعون المحيض باسم النفاس، والنفاس وإن دعي محيضا، فقد يدعا طمثا أيضا. وقد فسر الله سبحانه: ? ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن...? [البقرة: 222]. فأوجب من ذلك كله التطهر، وأمر فيه كله من الغسل بما أمر، فأوجبنا اتباعا فيه لأمر الله وتنزيله، واستدلالا بما دل الله به عليه من دليله.
فإن سأل سائل عن الكدرة والصفرة، وما يعرض من ذلك في بعض الأحوال لِلْمَرَةِ ؟
قيل: أما ما كان من ذلك بين فترات دفق الدم، وكان وقت محيضها فيه لم تقطع بعد عنها ولم تنصرم، فهو من المحيض ودمه، والحكم فيه عليها كحكمه، فإذا انقطع عنها المحيض وهو خالص الدم ومحضه، وجب عليها عند انقطاعه عنها الغسل ولزمها فرضه، لأن المحيض والدم إنما هو ما كان خالصا محضا، كما أن المحيض منه ما كان مشوبا بغيره متمحضا، من دلائل ذلك أيضا، قول بعض العرب إنا لنشرب اللبن محيضا ومحضا، يريد بالمحض الخالص منه المحض ؟، والمحيض فما قد خلط بالماء ومُحِضَ.

(2/432)


القول في الحبلى
ومن سأل عما ترى من ذلك الحبلى، فقال: أمحيض هو عندكم أم لا ؟
قيل: لا ليس بمحيض منها ولا طمث، والحكم عليها فيه كالحكم عليها في كل حدثٍ حدث، عليها أن تتوضأ من ذلك إذا رأته وضوءا، أو تغسل أعضاء الوضوء له عضوا عضوا، وإنما دعانا إلى تصحيح اسم المحيض، وما بيَّنا به منه بذكر المحض والمحيض، ما أردنا من تصحيح ما حكم الله سبحانه به منه لْلِمَرَةِ وفيها، لكي لا يزول ما أثبته الله سبحانه إذا انقطع المحيض من فرض الصلاة عليها، فلو لم يَبِنْ ذلك بما قلنا ـ وأبنَّا، ولم يقبله من وصل إليه عنا ـ لكان الاحتياط لْلِمَرَةِ فيه، وإن التبست معانيه، أولى لمن التبس عليه ما قلنا به فيها وأرضى، وأجدر لأن لايبطل لله عليها فرضا.

(2/433)


القول في الحجامة والرعاف
إن سأل سائل فقال: هل يجب عندكم الوضوء من الحجامة والرعاف ؟
قيل: نعم، أو ليس قد فرغنا من هذا فيما قدمناه لك من الذكر والأوصاف.
فإن قال: ما تقولون فيمن قاء دما أو قَلَسَه ؟
قيل: هذا أيضا قد بيناه نفسه، فيه وفي الرعاف والحجامة، ما أوجبنا في الدم المسفوح من الطهارة الواجبة اللازمة، لأن هذا كله مسفوح متحدر، جميعه يقطر.
فإن قال: فما تقولون فيمن بصق بصاقا مختلطا بدم فهنا لا يسفح ولا يقطر ؟
قيل: ليس عليه في هذا وما أشبهه من الدم وضوء ولا تَطَهُّر، وليس الوضوء والتطهر، من الدم إلا فيما ينحدر، فأما ما ثبت من الدم في مكانه فلم يزل فليس ينقض عندنا وضوءاً ولا طهرا، لأنا لم نسمع لذلك في كتاب الله سبحانه ذكرا، ولكنا نرى له أن يمضمض منه فاه، ففي ذلك إذا فعله به ما كفاه، كما لو أصاب عضوا من أعضائه، أمرناه بتنظيف العضو وحده منه وإنقائه.
فإن قال: فما تقولون فيمن كان على شيء من بدنه دم فمسحه بخرقة حتى ينقيه، هل يجزيه ذلك من غسله ويكفيه ؟
قيل: نعم إذا مسحه حتى ينقا منه أثره، فقد أجزاه ذلك فيه وطهرَّه، وكذلك دم لو خرج من أنفه، فأخذه بأصبعه أو أصبعين من كفه، ثم عركه حتى يذهب ريحه وأثره، كان في ذلك أيضا ما أجزاه وطهره.
وكذلك ما أصاب الثوب من غير مسفوح الدماء، اكتفى فيه بالعرك والإنقاء، وإذا ذهب بالعرك أثره، فهو نقاه وطهره.
فإن قال قائل: فَلِمَ لو توجبوا في قليل المني مَن طهرَّه بالعرك ما أوجبتم في قليل الدم ؟
قيل: لأن الله سبحانه لم يفرق بين قليل المني وكثيره فيما أوجب من نجاسته في الحكم، وقد فرق بين قليل الدم وكثيره في حكمه، بما خص به مسفوح الدم من تحريمه، فلذلك فرقنا فيه بين الكثير القليل، وقلنا فيه بما دلنا الله سبحانه عليه من التنزيل.
ومن سأل عن دماء الخنافس وما يشبهها من الجعلان، وعن دم الثعابين والجراد والذبان ؟

(2/434)


قيل: هذا كله قل أو كثر، ليس مما يسفح ولا يسيل وإن هو عُصِرَ، ولا ينجس من كل دم كما قلنا إلا ما سال أو قطر، ويستحب منه كله ما يستحب من قليل الدم أن يغسل ويطهر، ولا نوجب منه إن لم يغسل إعادة لوضوء ولا صلاة، كما نوجب ذلك على من تركه من الأنجاس المسماة، لأن الله سبحانه لم يسمه كما سماها نجسا، وإنما استحببنا غسله لأنا نراه وسخا ودرنا ودنسا، وهذا كله أجمع فلا ذكاة عليه، وذلك مما يدل على حقيقة قولنا فيه، لأنه إذا كانت ميتته للطهارة مستحِقَّة، كانت أخلاطه كلها كذلك وإن كانت متفرقة، وكذلك ما قل من الدم حتى يكون في القلة والصغر، شبيها بالخردلة أو بما زاد قليلا عليها من القذر، ولا تجب على من صلى به إعادة ـ إذ لا يسفح – لصلاته، ولا ينتقض عليه وإن لم يغسله [ شيء ] من طهارته، وما كان من الدم لا يسفح من خروجه، ولا يقطر عن رأسه، فلا إعادة فيه، فإن كان في بدن المصلي أو ثوبه دم يكثر، حتى لا يشك في أنه مما كان يسيل أو يقطر، ، فنسيه حتى صلى، عاد لصلاته فصلى، لأن نسيانه لما يجب عليه منه، لا يزيل فريضة الله في الصلاة عنه، ولم نوجب إلا ما أوجبه غيرنا.

(2/435)


القول في التيمم
وإن سأل سائل عن من لم يجد ماء وكان في مكان لا يقدر فيه أن يجد طيب الصعدان كيف يصنع في صلاته، وما الذي يجب عليه من طهارته ؟
قيل: يصلي ولا يتيمم بشيء وإن حضره وكثر عنده فلم يعدمه، إلا أن يجد الصعيد الطيب الذي أمره الله سبحانه أن يتيممه فليتيممه، فإن لم يجده لم يمسح يديه ولا وجهه بغيره، وكان قد زال عنه فرض ما أمره الله فيه بتطهيره، لأن الله سبحانه لم يذكر أن طهراً يكون إلا به أو بالماء، وقد علم الله جل ثناؤه مكان غيرهما من الأشياء، فلم يأمر المؤمنين به ولم يذكر لهم سبحانه فيما ذكر من تطهير الصعيد لهم، وغناه في الطهارة عنهم، ? فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل علكيم من حرج... ?[المائدة: 6 ].
وقد قال غيرنا: إن من وجد برذعة حمار , أو كان في بيت مبلط بزجاج أو رخام، تيمم أيَّ ذلك وجده فمسح بوجهه ويديه، وكان ذلك مؤديا عنه لفرض الله في الطهارة عليه، وهذا خلاف لما أمر الله به من تيمم الصعيد لا يخفى، وقولٌ لا يقول به إلا من جهل وجفا، ولو جاز أن يتيمم بما هو غير الصعيد لا يشك فيه من هذه الأشياء، لجازت الطهارة بخلاف ما أمر الله به من الوضوء بالماء، لأن خلاف ما بين الماء، وغيره من الأشياء، ليس بأكبر في المخالفة من خلاف الصعيد، للرخام والحديد، فإن جاز أن يتيمم بخلاف الصعيد جاز أن يتوضأ بما هو مخالف للماء من كل ما كان له مخالفا من لبن أو غيره، ثم يكون بذلك مؤديا لما عليه من كل عضو وَضَّاهُ به من تطهيره.

(2/436)


القول في الماء القليل
ومن سأل عمن كان معه ماء قليل لا يكفيه، ما الذي يجب لله في ذلك من الطهارة عليه ؟
قيل: يجب عليه فيما وجد من الماء، أن يتوضأ به ما كانت له فيه كفاية من الأعضاء، يبدأ في ذلك بما قلنا من يمنى كفيه، ثم بالأول فالأول مما يجب في الطهارة عليه، فإذا أكمل غسل وجهه ويديه وأتمه، فليس له أن يتمسح من صعيد ولا أن يتيممه، وإنما له أن يتيمم الصعيد ما لم يكن الماء عنده، فإذا حضره الماء ووجده، فإنه يلزمه بوجوده للماء فرض الطهارة به والوضو، لأن الله سبحانه فرض الطهارة بالماء إذا وجد على كل عضو، فما وجد لعضو منها كلها ماء، لم تكن له بغيره طهارة ولا اكتفاء.
ألا ترى أن الماء في الطهارة أنقى وأرضى، وأوجب وإن وجدا جميعا فرضا، لقول الله سبحانه: ? فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ?، فلما وجد الماء لبعضها كان الوضوء به عليه فيه واجبا. ألا ترى أنه لو لم يجد إلى ما فرض الله عليه من الصلاة كلها سبيلا، لما كان ذلك لما يطيق أن يصليها عنه واضعا ولا مزيلا.
ومن سأل عمن معه بُلغةٌ من المسافرين والمرضى، وهو لا يأمن إن تطهر بها أن يهلك إن هو فعل تلفا وعَطَباً ؟
قيل له: لا يحل له أن يتوضأ به إذا كان أمره فيه كذلك، لأن الله سبحانه حرم عليه أن يوصل إلى نفسه هلكة متلفة ما كانت من المهالك، ووعد عليه النار إن هو فعله عدوانا وظلما، فحكم به عليه لنفسه حكما حتما، فقال سبحانه: ? ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ? [النساء: 29-30]. وعليه أن يتيمم كما قال الله سبحانه: ? صعيدا طيبا ? فيمسح منه بوجهه ويديه، وكذلك من خاف على نفسه دون الماء سلطانا أو لصوصا أو سبعا أو كرارا كان التيمم واجبا عليه، وكان حراما في ذلك كله من ابتلي به أن يُعرِّض نفسه في شيء منها تلفا، أو يجشمها في تعريضه والطلب له هلكة أو حتفا.

(2/437)


ومن وجد مع غيره شيئا من الماء فطلب شراه فلم يعطه إلا بغلاء وهو لثمنه واجد كان عليه أن يشتريه، لأنه واجد له بما وجد من الثمن واجبة فريضة الله عليه فيه، كقول الله سبحانه: ? فلم تجدوا ماء ? ومن حضرته الأشياء فوجد لها وإن غلت ما يشتريها به من الأثمان، فهو لها واجد غير شك فيما يعرف من معلوم اللسان، إلا أن يكون ذلك يُحل بماله اجحافا، أوله في بدي ما معه من طعام أو مثله إتلافا، فلا يكون له الاتلاف والاجحاف بنفسه في ذلك، لأنه يعود في تلك لو فعلها بنفسه إلى ما نهي لها عنه من القتل والمهالك، وإلى ما لم يرده الله تبارك وتعالى له من الحرج والعسر، وإلى خلاف ما أراد الله سبحانه بعباده من التخفيف واليسر، قال الله سبحانه: ? يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر... ِ?[البقرة: 185]، وقال في آية الوضوء نفسها: ? ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم به... ?[المائدة: 6].
وقال سبحانه فيما فرض على الأموال من النفقات، وما حدد من ذلك تحديدا من أحكامه المفصلات: ? ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات... ?[البقرة: 219]. والعفو من الأموال كلها، فهو ما لم يكن فيه الإحجاف بها، وليس قول من قال: لا يشتريه إذا غلا، قولا يجد له من أنصف أصلا. ألا ترى أنه إن زال عنه شراه لغلائه، لم يكن يجب عليه وإن حضر شيء من شرائه، وهم يوجبون عليه إذا رخص شراه ويرونه بذلك واجدا للماء، وهذا فهو الأصل فيما أوجبنا عليه من شرائه في الغلاء، ولما حددنا من قولنا في الطهارة فروع كثيرة متفرعة، وهي كلها وإن كثرت ـ والله محمود ـ فيما بيَّنا من أصولها مجتمعة.

(2/438)


ومن ذلك إن سأل سائل عن عدد الوضوء فيما يجب عليه، من غسل كل عضو وبيَّنا فيه، وليس لشيء من ذلك عدد يحصى، بأكثر من أن يغسل ويوضأ فينقا، وتحديد ذلك جهالة وعمى، إذ كان باسم الغسل مسمى،لأن الله سبحانه قال: ? فاغسلوا ?، فقد غسلوا أكثروا بعد الغسل أو أقلوا.
فإن سأل سائل عما يجب من الوضوء على كل من كان نائما ؟
قيل: قد فرغ من هذا فيما أوجبنا من الوضوء عند كل صلاة على كل مستيقظ قاعدا كان أو قائما.
فإن قال: فإن نام في الصلاة نفسها ساجدا، أو نام فيها قائما أو قاعدا ؟
قيل: وهذا أيضا قد أجبنا عنه وسواء ذلك كله كيف ما كان إذا حق فيه النوم وسمي باسمه، فهو كله نوم والحكم فيه كحكمه.
ومن سأل عن مسح الرأس يبل من الماء، على بعض ما قد وُضِّيَ من الأعضاء، هل يجزيه ذلك فيه أم لا ؟
قيل: لا يجزيه إذا كان بللا.
ألا ترى أن متوضئا لو وضأ بماء عضوا من أعضائه، لم يجز له أن يوضي غيره بماء وضاه به من مائه، وماؤه أكثر وأنقى وأشبه بالكفاية والرضا، من بلل يكون على عضو من الأعضاء، فلا يجزيه إلا مسح رأسه بماء جديد، ون يأتي في مسحه على القريب منه والبعيد، مما قَبُلَ منه أو دبر، وكل ما أنبت منه الشعر، لأن الله سبحانه أمره بمسحه، كما أمره بغسل يديه ووجهه، فعليه مسحه كله جميعا، كما عليه غسل وجهه ويديه معا.
ولو سأل سائل عمن أمطرت على رأسه السماء، أو صُب على رأسه ماء وهو يتوضأ، هل في ذلك ما يجزيه من واجب مسح رأسه بيديه أو إحداهما ؟
وكذلك أذناه فمعناهما معنى الرأس في مسحه، وقد فرغنا ـ والله محمود ـ من الجواب في هذا كله، وفصلناه فيما بيَّنا من أصله.

(2/439)


[الاشتغال بغير الصلاة يبطل الوضوء]
وإن سأل سائل عمن مسح رأسه ثم أخذ بعد المسح شعره، أو غسل يديه ثم قصر بعد غسلهما ظفره، هل في ذلك لطهارتهما نقض، أو في تجديدٍ من ذلك عليه فرض ؟
قيل: على من قام لصلاته بعد أخذ شعره وظفره، أن يعود لجميع وضوءه وطهره، لأن الله سبحانه يقول: ? ياأيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ? [المائدة: 6]، فأوجب عليهم الغسل كلما قاموا إلى الصلاة ليصلوا، إلا أن يكونوا كما قلنا في مسجد من مساجد الله منتظرين فيه لصلاتهم، أو مشتغلين فيه بذكر الله فيكونون على وضوءهم وطهارتهم، ما كانوا فيه لصلاة منتظرين، أو لله سبحانه فيه ذاكرين، فإن لم يذكروا فيه وينتظروا، وخاضوا فيه بباطل فأطالوا فيه أو أقصروا، كان واجبا عليهم فيها، الغَسل كلما قاموا أبدا إليها.
فإن سأل سائل عن جنب اغتمس اغتماسة في ماء يغمره، هل في ذلك ما يجزيه ويطهره ؟
قيل: نعم، قد طهر واكتفى، واغتسل كما أُمِر وتوضا، إلا أن لا يكون أنقى ما أمر بإنقائه، من دبره وقُبُله وجميع أعضائه، فإن ذلك ربما لم ينق، وإن هو اغتسل وتوضا، وقد حددنا ذلك كله وبيَّنَّاه، فمن أدى ما عليه فيه فقد طهرَّه وأجزاه، ومن لم يؤده كما أُمر أن يؤديه ويكمله فلم يؤد إلى الله فيه فرضه، وكيف يؤديه وقد انتقص بعضه؟‍+

(2/440)


[القيحُ والصديد والدود]
ومن سأل عما يجب في القيح والصديد، وما يخرج من الدبر من الدود ؟
قيل: أما القيح والصديد فأقل ما فيهما ما في الدم، وعليهما ما عليه في الحكم، يغسلان كغسله، وسبيلهما في النجاسة كسبيله، لنتنهما وريحهما، وقذرهما ومنظرهما.
وقد قال الله سبحانه :? ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ? [البقرة: 222]. ويقول سبحانه: ? وإن كنتم جنبا فاطهروا ?. فمن ترك القيح والأذى له في بدن أو ثوب فقد تقذَّر، ومن لم ينق منها فلم يتطهر، وقد أمر الله بالتطهر جميع المؤمنين، وأخبرهم سبحانه أنه يحب التوابين ويحب المتطهرين، فأوجبنا التطهر منهما وفيهما، بما ذكرنا من هذين الوجهين جميعا عليهما.
وأوجبنا الطهارة من الدود فيما أوجبنا من التطهر، لأنه فيما أوجبنا فيه الطهارة مما يخرج من قُبُل أو دُبُر، من رطوبة أو بلل أو دآبة من دود أو غير دود، أو صفاة أو كسرة صغيرة أو لطيفة كالقذاة من العود، لأنه لا يخرج من ذلك خارج وإن صغر ويبس، إلا وقد خرج معه عليه نتن وإن لم ير ويحس، وفي كل ما خرج من القُبُل والدبر، ما قد أوجبناه في الوضوء والتطهر، ولذلك ما أوجبنا في الريح وهي ألطف خارج، يخرج من تلك الموالج ما أوجبنا من الوضوء والتطهرة، وأوجبنا ذلك فيها لأنها من الأشياء القذرة، وهي في النتن أشبه شيء بالعذرة فلهذا كله لزمها ما لزمها، وكان الحكم في هذه الأشياء كلها حكمها، وعن الكتاب ما قلنا به فيها، وبحكم الله في الكتاب حكمنا في ذلك كله عليها.
فإن سأل سائل عما لا ينقطع من بول أو بواسير، أو عن غير ذلك مما يجب فيه الوضوء والتطهير من جميع الأقاذير ؟

(2/441)


قلنا: أي عضو من المؤمن لزمه، شيء من ذلك فلم ينقطع عنه وداومه، تَرَكه ـ لما غلب عليه منه ـ على حاله، ولم يلزمه تطهيره في وضوءه ولا اغتساله، ونظر إلى كل عضو سواه، فغسله منه ووضَّاه، لأن الله سبحانه أمره بغسلها كلها، فلا يزيل عنه مفروضَ غسلِها، الذي فرضه الله عليه في كلها، امتناعُ ذلك عليه في الواحد منها، ولا يزيل ما زال من ذلك عنها، وإن كانت العلة من ذلك بدبره أو بإحليله، كان بذلك واحدا في حكمه وسبيله، فترك تطهيره، وطهرَّ غيره، مما أمره الله سبحانه بالتطهير له، وحكم عليه أن يطهره ويغسله، فترك غسل ذلك وحده إذا لم يمكنه، ولم تزل العلة عنه. وإنما قلنا بترك غسله إذا غلب أمره، لأنه لا ينقيه الغسل ولا يطهره، وإنما أمرنا بالغسل للتطهر، فربما كان غسله أكثر من الأذى والتقذر، وأدعا إليه وإن كان حرجا لما نهاه الله سبحانه من الإضرار بنفسه، مع أنه غير مُطِّهر بذلك للعضو من نجسه. فكل هذا يؤكد فيه ما قلنا، ويوجب فيه قبول ما قلنا.

(2/442)


[النوم أو السكر يبطل الوضوء]
ومن سأل عمن نام أو هذى أو سَكِرَ ؟
قيل: عليه أن يتوضأ وأن يتطهر، لقول الله سبحانه: ? يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ?[النساء: 43]. فلو صلى صلاة وهو سكران لا يعقل ما يقول فيها، لكان عليه أن يعود ويصليها، وكذلك يعود لوضوئه وطهره، لأنه لا يعلم أثابت أم قد نقضه في سكره، وكذلك من نام أو هذى، فإن الفرض عليه هكذا، لأنه لا يَعقل صلاة ولا طهرا، كما لا يعقل من شرب مسكرا، فحالهما في ذلك حال السكران، لما غلب عليهما من النوم والهذيان.
فإن سأل عمن قدم في الوضوء، عضوا من الأعضاء كلها قبل عضو ؟
قيل: قد فرعنا من هذا كله عليه أن يعود للوضوء ويقدم غسل ما أخر من عضوه، ولا يؤخر من ذلك عضوا أمر الله سبحانه بتقديمه على غيره من وُضُوِّه، وإن فعل وصلى كان عليه إعادة صلاته، لأنه لم يأت بما حدد الله فيها من طهارته.
ألا ترى أنه لو سجد في صلاته كلها قبل أن يركع، لعاد لصلاته وكان محرَّما عليه من ذلك ما صنع ومبتدعا فيه لأخبث البدع، لأنه عمل منه وفيه، بخلاف ما حكم الله سبحانه به عليه، فقدم منه ما أخَّره الله فلم يقدمه، وأخَّر منه ما أمره الله بالتقديم له، فهذا دليل بَيِّنٌ لما قلنا به فيه، وشاهد منير فيما استدللنا به عليه، لا يأبى قبوله منصف، ولا يخالف فيما قلنا إلا حائر متعسف.
وإن سأل سائل عن ميت وقع في بركة أو بير، أو حوض من ماء غير كثير، هل فيه ما أفسد طهارة الماء ؟
قيل: لا، قد فرغنا من هذا وما كان له مشبها من جميع الأشياء، فيما حددنا من طهارة الماء، قل أو كثر، مما يثبت للماء لونه أو طعمه وريحه فلم يغلب حتى يتغير.
وإن سأل سائل عن بول البعير وغيره من أبوال الحمير الوحشية ؟
قيل: كل شيء لم يحرم الله سبحانه من الدوآب أكله، فليس ينجس شيئا أصابه بولُه ولا زبلُه، وليس شيء مما يحرم من البهائم ينجسه، إلا ما كان محرما في نفسه، مثل الخنزير وغيره من المحرمات لحومها.

(2/443)


كمل كتاب الطهارة والحمد لله كثيرا طيبا.

(2/444)


كتاب صلاة يوم وليلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق فسوى، وسدد لأمره كله فقوَّى، ولم يكلف من فرائض أمره أحداً من خلقه عسيراً، ونوَّر ما فرض من ذلك كله على عباده تنويراً، ولم يلبس من ذلك كله عليهم شيئا فيخفى، رأفة منه تبارك وتعالى ولطفاً، وتسهيلا لسبل طرقه، وتخفيفا منه على خلقه.

(2/445)


[أول الواجبات العقليةٍ]
وكان أول ما كلفهم به من فرائضه توحيده بالربوبية، وإخلاصه تبارك وتعالى بالوحدانية، فأبان لهم ما فرض من إخلاصه بالوحدانية عليهم، وما حكم به من توحيده بالربوبية فيهم، بدلائل جمة لا تحصى، وشواهد كثيرة لا تستقصى، من سمائه وأرضه وما بينهما، ومن أنفسهم التي هي أقرب إليهم منهما، تحقيقا في ذلك لتكليفه، وتقريبا فيه لسبيل تعريفه، فقال رحمة منه للعالمين، ? وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون، وفي السماء رزقكم وما توعدون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ? [الذريات: 20 – 23]، وقال سبحانه :? إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون ? [يونس: 6]، والآيات فهن الشواهد والدلالات، ثم لم يتركهم مع ذلك كله من إرساله رسله فيهم بالرسالات، رأفة منه بهم ورحمة، وإحسانا منه إليهم ونعمة، بعد أن أخبرهم سبحانه أن بيان ما كلفهم في ذلك من حقه، مثل بيان ما بيَّن لأحدهم إذا نطق من نطقه، كل ذلك إعذاراً منه بالبيان المنير إليهم، واحتجاجاً منه لخلقه بالبرهان المبين عليهم، ? ليهلك - كما قال سبحانه - من هلك عن بينة ويحيي من حيي عن بينة وإن الله لسميع عليم ?[الأنفال: 42]. فتبارك رب العالمين.

(2/446)


[الواجبات الشرعية]
ثم فرض سبحانه عليهم بعد توحيده وما فهم من فرائض حقه، الصلاة سياسة بما فرض منها بحقه، وإحياء بها لذكره وتعظيمه، ولما فيها من خشوع كل مؤمن وتقويمه، لطاعة الله وأمره وإجلاله، عند ما يخطر فيها من ذكر الله بباله، ولما له ما كان فيها وبها من العصمة والبركة، والنجاة عند قيامه إليها وفيها من كل معصية مهلكة، من كل فحشاء أو منكر، أو استكبارِ متكبرٍ، ولها وفيها، ولدعائه إليها، ما يقول سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وعلى وآله :? اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر - ثم قال سبحانه: ولذكر الله أكبر ?[العنكبوت: 45]. وأنهى لمن كان لأمر الله منتهيا عن كل فحشاء أو منكر، ومستكبرَ من معصية الله أو مستصغَر. فصدق الله لا شريك له في خلق ولا أمر، ولا حكمٍ لخاطرة ذكر أكبر، وأنهى لمن آمن به عن كل معصية وجرم، أزجر من كل كبير من الأمور أو ناهية، وأجل وأعلى من كل جليل وعالية، ازدجر بها مزدجر فانتهى، وَوُفَّق لها مُوَفَّق فاهتدى.
ولما جعل الله له من الصلاة من ذكره، فيها للرسل ما تقدم من أمره، فلم تَحُلْ رسل الله من أمر الله به فيها، ولم تزل رسل الله صلوات الله عليها، تدعو الأمم في سالف الدهور إليها، فقال تبارك وتعالى في إسماعيل رسوله، صلى الله عليه وعلى جميع رسله :? وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا ? [مريم: 55].
وقال عيسى صلى الله عليه :? وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ? [مريم: 31].

(2/447)


وقال تبارك وتعالى لموسى فيها قبل وصيته لعيسى صلوات الله عليهما، والحمد لله على ما جعل من الرسالة فيهما: ? وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها ? [طه:15]. فأخبر سبحانه بما جعل من ذكره بها وفيها، وإنما الذكر يقول من أجل ما فيها، من إجلال أمري وما يكون من القيام لها وإليها، من خواطر ذكري وإجلالي فيها، كما يقال فعلتُ ذلك لذلك، كذلك فُرضت الصلاة لما قلنا من هذا، وكان ما قلنا من علل ما جعلت له الصلاة فرضا، ما يقول سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وآله :? وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ?[طه: 132 ]. فكفى بهذا في تعظيم الصلاة تبياناً ونوراً من كل ظلمة وعشوى، وكانت عند الله قربة من مُصلِّيها وطاعة ورضى.
وفي الصلاة وأمره بها ما يقول مرارا كثيرة رب العالمين، لمن استجاب له بالايمان من المؤمنين: ? وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله لعلكم ترحمون ? [النور: 56]. وفيها وفي فرضها وتكريمها، وما ذكر من أمرها وتعظيمها، ما يقول سبحانه: ? فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون ?[التوبة: 11]. فلم يعقد سبحانه الإخاء والولاء، إلا بين من زكى وصلى.
ومما يدل من فهم عن الله تبارك وتعالى على تعظيم، قدر الصلاة ما قال العليم الحكيم : ? فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ?[التوبة: 5]. فلم يُزِل - سبحانه وتعالى حكمه بتقتيلهم، ولم يأمر تبارك وتعالى بتخلية سبيلهم، وإن تابوا ولم يشركوا - حتى يصلوا ويزكوا.

(2/448)


وفيما أمر الله به المؤمنين من الصلاة، وبعد الذي جعل بينهم بها من الإخاء والموالاة، ما يقول سبحانه :? فإذا اطمأننتم - وهو أمنتم وأقمتم - فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ?[النساء: 103]. والموقوت فهو المؤقت بالمواقيت والحدود، وبما لا يجهله المؤمنون من عددها المعدود، وما فيها من القيام والقعود، والسجود والركوع، والقراءة والتسبيح والخشوع. فمن دلائل مَن أراد علم معدودها، وما قلنا به من قيامها وقعودها، وركوعها وسجودها، فقول الله تعالى: ? حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ?[البقرة: 238]. فحكم عليهم سبحانه فيها بالقيام إذا كانوا آمنين، فإن خافوا صلوها رجالا وركبانا، وبيَّن ذلك كله لهم تبيانا، والرجال الذين ذُكروا في هذه الآية، فهم الرجالة، والركبان: فَرَكْبُ الإبل والخيالة، فإن أمكنهم القيام في الخوف للصلاة قاموا، وإن لم يمكنهم إلا الإيماء برؤوسهم أومُوا.

(2/449)


ودل على أن مفروض الصلاة خمس، ليس فيها زيادة ولا نقص، بقول سبحانه: ? حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ?[البقرة: 238]. فكان أول ما يقع عليه اسم صلواتٌ ثلاثٌ وقفا، وكانت الوسطى التي أمرهم الله بالمحافظة عليها مع ما أمر سبحانه من المحافظة على الصلوات رابعة سواها، فلما كملت الصلاة أربع طلبنا إذ علمنا أنها أربع وُسْطُاها، فلم نجد لأربعِ صلواتٍ وسطى، فطلبنا أقل ما نجد بعد أربعامتوسطا، فلم نجده - والحمد لله - إلا خمسا، فكان ذلك لعلم عدد الصلوات بيانا وتبيانا، فعلمنا أن الصلوات التي أُمروا بالمحافظة عليها أربع عددا، وأن الوسطى التي أمروا بالمحافظة عليها معها خامسة فردا، لأن الخامسة لا تكون وسطى لثلاث أبداً، وإنما هي واسطة لأربع، فدل على عدد الصلوات أجمع، وكانت فيما بان من هذا حجة على البدعية، وغيرها من الرافضة وغوالي الجهلة والحشوية، لأن البدعية قالت إنما يجب في اليوم والليلة صلاتان على المصلين، وقالت الرافضة فيها بواحدة وخمسين، وقال من فيها جَهِلَ وغلا، يجزي كل مصلٍ ما صلى.
ثم جعل الله تبارك وتعالى لِمَا فرض من هذه الصلوات، ما جعل من الطهور والمقادير والأوقات، فتُنوزِعَ أيضا واختلف فيه، وكان ما قلنا به من ذلك وذهبنا إليه، ما أخذنا وقلنا فيه عن قبول الكتاب، وما لا يأبى - إن شاء الله - علينا قبوله أولو الألباب.
فقلنا وبالله نستعين على الهدى، ونعوذ به من الضلالة والردى: وقت كل صلاة قبلها، وكذلك ما فرض الله من الطهور لها، وكل وقت كان للفريضة اللازمة، فهو وقت للنافلة المتطوعة. وكل وقت لا يصلى فيه الفرائض، فلا يصلح أن يصلى فيه النوافل، وخير المقادير والأوقات، ما جعل وقتا للصلوات، كما خير الشهور والأزمان، ما دلنا الله عليه من شهر رمضان، وخير ليالي الشهر، ما ذكره الله من ليلة القدر، وخير الأيام السبعة، ما دلنا عليه من يوم الجمعة.

(2/450)


وبلغنا كثيراً لا نحصيه أن علياً، رأى رجلا يصلي ضحى أو ضحيا، فقال له: نحر الصلاة نحره الله.
وبلغنا أن أبا جعفر بن علي بن الحسين كان يقول ( والله ما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجده الضحى قط ).
وبلغنا أن علياً صلى عليه، كان يقول كثيرا لبنيه، ( يا بَنِيَّ لا أنهاكم عن الصلاة لما فيها من ذكر الله، ولكني أسخط لكم خلاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ).

(2/451)


[ أوقات الصلوات ]
وقال الله لا شريك له، في الوقت وما حد للصلوات منه، فيما نزل من الكتاب لرسوله، صلى الله عليه وآله: ? أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ?[الإسراء: 78]. فجعل الله هذا وقتا للصلوات من الفرائض والنوافل محدوداً. وقال له، صلى الله عليه وآله: ? ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا ?[الإسراء: 79]. وما أمره الله سبحانه - في صدر نهاره، ولا في شيء مما وصل إلينا عن الرسول من أخباره - بنافلة من النوافل، وما كان بفضيلة من الفضائل بجاهل، فأمره بالصلاة من دلوك الشمس وهو المَيْلُ والزوال، وغسق الليل فهو السواد والاظلام، وهو الطرف الآخر، والطرف الأول فهو الفجر. وفي هذين الوقتين، وما فرض فيهما من الصلاتين، ما يقول سبحانه : ? أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ?[هود: 114]. فجعل سبحانه طرف النهار الأول كله وقتا للفجر، وجعل الطرف الآخر كله وقتا للظهر والعصر، وجعل زلف الليل كله جميعا، وقتاً للمغرب والعشاء معاً، فبيَّن أوقات الصلوات لمن فرضت عليه، بيانا لا شبهة ولا لُبسة فيه.
فوقت الظهر والعصر جميعا، لمن أراد أن يفردهما أو يجمعهما معاً، من دلوك الشمس إلى غروبها، إلى أن يظلم أفق السماء ويظهر أحد نجومها، لذهاب ضوء الشمس وشعاعها، لا يعتد في ذلك كله بظهور الكواكب الدرية ولا اطلاعها، فإنه ربما طلع أحدها والشمس ظاهرة لم تغب، فلا يعمل من تلك الكواكب كلها على ظهور كوكب.
[ و ] وقت المغرب والعشاء الليل كله، وزلف الليل فأول الليل وآخره، كل ذلك وقت لهما جميعا، من شاء أفردهما ومن شاء جمعهما معاً.

(2/452)


ووقت الفجر أجمع، حتى يظهر قرن الشمس ويطلع، فهذه أوقات الصلوات، وما بيَّن لها من الأوقات، لا ما قال به فيها - من لم يُنصف، ضعفةَ الرجال والنساء من كل مكلف، - [و]لها من عسير المقاييس، وما في ذلك على ضعفة الرجال والنساء من عسير المشقة والتلابيس، التي لو كلفوا عملها دون الصلاة لفرحوا، أورمى بهم إليها وفيها لتاهوا وتَطَرَّحُوا، منها في عسر عسير، وحيرة وضيق وحرج كبير، فقال سبحانه رحمة منه بالمؤمنين: ? ما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم وهو سماكم المسلمين ?[الحج: 78]. والحرج في كل أمر من الأمور فهو الضيق، والعسر في الأمور فهو التلبيس والأعاويق.
وزوال الشمس فهو ميلها، إذا ما استوى ظلها، فزالت وأنت مستقبل القبلة عن وسط السماء، فزاد ظلها شرقا قليلا أو كثيرا على مقدار الاستواء. وغسق الليل فهو ما لا يخفى، على مكفوفٍ بصرُه أعمى، وهو سواد الليل وظلمته، أوَّليته في ذلك سواء وآخريَّته، والفجر أوله وآخره فقد يعاين [ ويرى ]، فهو بيِّن لا يشك فيه ولا يُمترى، وهو ما بين إدبار النجوم، إلى طلوع الشمس المعلوم، وكل وقت بين هذه الأوقات، فََأَبينُ ما بُيِّن من البينات، لا يحتاج فيه إلى مقياس، ضعيف ولا قوي من الناس، والحمد لله في ذلك وغيره، على تخفيفه فيه وتيسيره.

(2/453)


ولكل صلاة من صلاة النهار والليل وقت، والصبح فلها الفجر كله، قلنا وقت موقوت، وآخر كل وقت كأوله، وبعضه في أنه وقت ككله، لا تفاوت بينه في رضى الله وطاعته، ولا في ضعف أحد واستطاعته، وكذلك بلغنا أن بعض آل محمد كان يقول: ما آخر الوقت عندي إلا كأوله. وما القول في الأوقات - والله أعلم - عندي في الأداء في الفريضة إلا مثل قوله. فأما ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله إن كان صُدق عليه فيه ( إن أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله)، فليس على ما يتوهمه مَن جهل، أنه عفو عن ذنب عُمل ، فكيف وكلهم يزعم أن جبريل ومحمداً صلوات الله عليهما صليا فيه، وصارا منه ومِن فعلِه إلى ما صارا إليه، مع أنه لو كان ذنبا لمن فعله، لمنع المؤمن منه أهله، وإنما تأويل العفو منه فيما أمر الله من الوقت تخفيف الله ورحمته، وذلك فهو أيضا رضى الله ومحبته، وكلٌ والحمد لله إذ فعله جبريل ورسول الله صلى الله عليهما فرشدٌ، لا يلام عليه ولا يُذم فيه ممن فعله أحد. وهذه الأوقات فإنما هي لمن صلى وحده، أو كانت عليه أو شغلته من الأمور والأمراض مشغله، وأما أوقات المساجد لعمارتها، واجتماع أهلها فيها فآخره، فما ذكر للظهر من أن يكون ظل كل شيء مثله وما ذكر للعصر من أن يكون الظل مثليه، وما قبلنا به من هذا فأمر الله محمود بيِّنٌ فيه، وعلى قدر اختلاف الوقتين والفعلين، لأن أحدهما عمارة للمساجد، وذلك فليس كصلاة الواحد، والفرق في ذلك فبَيَّنٌ عند من أنصف ولم يَحِف، ولم يعتسف ولم ينحرف.

(2/454)


وفي عمارة المساجد ما يقول الله سبحانه: ? إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ? [التوبة: 16]. وقال سبحانه: ? يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ?[الجمعة: 9]. وغيرنا - والله المستعان - فقد يقول في الأوقات بغير ما قلنا، ولا يقبل في ذلك وبيانه عن كتاب الله وتبيانه ما قلنا، غير أنهم جميعا، كلهم معا، إلا مَن جهل ففحش جهله، وقلَّ عند علمائهم علمه، يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( جمع في الحضر وهو مقيم من غير سفر، ولغير علة من مرض أو خوف أو مطر، بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء )، فكفى بهذا في الأوقات من نور وضياء.

(2/455)


وقالوا: إنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر )، مع إجماعهم على: ( الجمع بين الظهر والعصر عند زوال الشمس بعرفة )، وإجماعهم على الجمع بين المغرب والعشاء متى شاءوا بالمزدلفة، مع أن قول أكثرهم أن من طهر من النساء من طمث أو نفاس قبل غروب الشمس بقدر صلاة خمس ركعات، صلت الظهر والعصر فَلِمَ أمروها بذلك إن لم يكن ذلك وقتا من الأوقات، إلا أن يلزموها لو طهرت بعد سنة ما فاتها من الصلوات، وكذلك يقولون فيما يلزمونها إن طهرت قبل الفجر، من صلاة المغرب والعشاء ما ألزموها من صلاة الظهر والعصر، مع ما ذكر عن ابن عباس، وغيره من علماء الناس، من أنهم كانوا يقولون: النهار كله وقت لصلاة النهار والليل كله وقت لصلاة الليل، وفي هذا على بيان ما قلنا ما لا يجهل مَن عقل من البرهان والدليل، مع ما ذكروا أيضا عن الرسول صلى الله عليه، فيما قلنا به من الأوقات وذهبنا إليه، من أنه: ( أخر عليه السلام ليلة من الليالي العتمة حتى ذهب من الليل نصفه أو أكثر، ثم خرج وقد ذهب أكثر الليل وأدبر، فقال ما أحد ينتظر هذه الصلاة في هذا الوقت غيركم، فصلاها في تلك الساعة بهم). ( وأن الشمس غربت وهو بسرف من طريق مكة فأخر صلاة المغرب والعتمة حتى صلاها ببطن الأبطح ). وبين سرف وبين الأبطح أميال عشرة. فكفى بهذا وغيره، وما ذكر بعض أصحاب أبي جعفر محمد بن علي أنه كان عنده يوماً فزالت الشمس فقام من ساعته فصلى الظهر والعصر، ثم رآه في يوم من الأيام آخر، أخرها حتى قيل قد غابت الشمس عن سافل أُحُد وهو جبل مطل على المدينة، إذا غابت الشمس عن أعلاه غابت منها عن كل ناحية عالية أو باطنة، مع أن هذا ومثله فما لا نحصيه، ولا نأتي - وإن جهدنا بإحصاء - عليه، فنحمد الله كثيراً على ما مَنَّ به من هذا، لمن قَبلِ الهدى عنه وآتاه، ونستغفره لذنوبنا،

(2/456)


ونستتره لعيوبنا، ونعوذ به من شرور أنفسنا وغيرنا، ونسأله لهداه حسن تيسيرنا، وحسبنا الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.
ومن دلائل ما قلنا به في وقت صلاة الليل، ما دلنا الله سبحانه في سورة المزمل على ذلك من الدليل، قال تبارك وتعالى لرسوله، صلى الله عليه و[على]أهله :? يا أيها المزمل، قم الليل إلا قليلاً، نصفه أو انقص منه قليلاً، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً، إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً، إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً، إن لك في النهار سبحا طويلاً، واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً ?[المزمل: 1 – 8].
فدل سبحانه فيما نزل من هذه الآيات، على ما قلنا به من الأوقات، فيما فرض في الليل من الصلوات.
ودل على ما يجب في الصلاة، من الذكر والتسبيح والقرآة، فلا يكون أبداً المزمل إلا مضطجعاً أو نائما، ولا يصلح أن يكون أبدا قاعداً ولا قائما.
والتزمل هو الاستغشاء والتدثر، والاضطجاع والنوم، وقد يكون في أحدهما المتدثر الذي يتزمل ويتدثر، ولا يكون أبدا إلا أول الليل وآخره، فجعل ذلك سبحانه كله وقتا لقيامه ولتأخره، فيه بصلاته واستيفائه إلا الأقل وهو ما اشتبه منه، فلم يتبينه من يريد أن يتبينه، فندري أفي الفجر هو أو في الليل، فليس لأحد أن يؤخر صلاة ليله إلى مثل ذلك الوقت من التأخير، لأنه ليس له أن يصلي إلا في وقت بيقين، وهو ما وضع الله في الوقت من التبيين، وليس يوجد أبدا وإن جهد وقت صلاة الليل ويبين، حتى يدركه العلم البتُّ واليقين، إلا سواد الليل وظلمته، ولذلك ما جعله الله وقتا لهما برحمته. وقال سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وآله، : قُمهُ كله، إلا أقله. فنهاه عن القيام في قليله، وهو ما قلنا فيه بتفصيله، عندنا مما الله به أعلم، وما فهمنا فيه الفهم، لا يفهم فيه غيره، ولا نجد تفسيراً إلا تفسيره.

(2/457)


ثم فصَّل ذلك سبحانه بأمره، فيما قلنا به من مفسَّره، بقوله: ? نصفه أو أنقص منه قليلا ?. يريد سبحانه قبله، ? أو زد عليه ?. يريد سبحانه بعده، فبيَّن سبحانه بقوله: ? الليل ? ما بين نصفه إلى أوله.
وبقوله: ? نصفه ? بعده ما بين نصفه إلى أقله، وتأويل: ? قم الليل ? إنما هو :في أي الليل شيت، فإنك لم تُنه عن الصلاة إلا في أقله كما نهيت، كما يقول القائل: قم ظهرا، وإنما يريد عند الظهر، وقم لحاجتنا فجرا، وإنما يريد عند الفجر، ألا ترى كيف يقول سبحانه: ? نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ?. يقول سبحانه: نصفه أو انقص منه، وهو ما قبل النصف، ? أو زد عليه ?. وهو ما بعد النصف، فبيَّن هذا الأوقات كلها، وكذلك قال في تبيينها، لرسوله، صلى الله عليه وآله :? إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، وطائفة من الذين معك ?. وإنما أدنى من ثلثي الليل عند نصفه وعند ثلثه. كما [ لو ] قال قائل - سوى الله لا شريك له - لمن يريد أن يأمره ويستعمله: قم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه. كان إنما يريد قم عندما أمرتك بالقيام عنده في وقته، ولا يريد أن يقوم ثلثه قائما على رجليه. وكما [لو] يقول قائل العامل من العمال، أو أمره في نهاره بعمل من الأعمال: اعمل كذا وكذا نهارا. فعمل ذلك في أي وقت شاء من نهاره، لكان قد أدى إلى مَن أمره ما يجب عليه من ائتماره، غير مقصر فيما [أُمر] به من العمل ولا مفرط، ولا مستوجب في تقديم ولا تأخير فيما أُمر به لسخط، بل هو مؤتَمِر بما أُمر وأُلزم، محافظ فيما أمر به على ما قيل وأُعلم. فهذا عندنا وجه التأويل، وفيما فَهَّمنا عن الكتاب في التنزيل، لا ما يقول به - والحمد لله - من لم يفهم فيه ما فهمنا عن الله، من الاختلاف الكثيرة فأنتبه القليلة، والله المستعان بنوره وتبيينه، من أن رب العالمين، فرض مثل الصلاة الخمس على المؤمنين، أن يصلوا الليل كله، إلا - زعموا - أقله. فمنهم من زعم: أنه إنما

(2/458)


فرض عليهم ثلثه، ومنهم من قال: نصفه، ومنهم من قال: ثلثيه، جهلا بحق الله ومخالفة للعلم وإدعاءً عليه.
? وناشئة الليل ?. فهي: الليل كله، وهي آخر الليل وأوله، فكان هذا على ما قلنا أيضاً دليلاً، لقول الله سبحانه :? إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً ?. ودل أن صلاة الليل قراءة مجهور بها، يقول:? ورتل القرآن ترتيلاً ?. والترتيل، فهو: الجهر والتنفيل، فأما هَذُّ القرآن فيها ونثره، فإنا لا نأمر به ولا نستحسنه، لما ذكرنا من قول الله سبحانه. وقول رسوله، صلى الله عليه وعلى آله: ( لا تنثروا القراءة نثر الدقل ). فنحن لا نأمره بذلك في فريضة ولا تنفل.
والدليل على ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أن هذه الصلوات في الليل فرض لا نافلة، وأنها فريضة من الله واجبة لازمة، قوله سبحانه:? والله يقدر الليل والنهار، علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسر من القرآن، علم أن سيكون منكم مرضى، وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، وآخرون يقاتلون في سبيل الله، فاقرأوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ?[المزمل: 20]. فدل قوله سبحانه أقيموا الصلاة، وتوكيده فيها - جل ثناؤه - القراة، على أن ذلك فرض لا نافلة، وأن ما أمر الله فيها فريضة لازمة، إذ لم يذكرها عن رسوله تنفلا، ولا منه صلوات الله عليه تطوعاً، ولا زيادة على ما يجب ويحق فرضا من الصلاة عليه، كما ذكر النافلة وما جعل له بها وفيها من القربة إليه، فقال سبحانه: ? ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا ? [الإسراء: 79]. فجعل تبارك وتعالى بين أمره بالفريضة والنافلة والإباحة فصولاً بينة وحدوداً.
فإن قال قائل فأين الأمر بالإباحة، التي قلتم والفصل بين الأمور الثلاثة ؟
قيل له: قول الله تبارك وتعالى:? وإذا حللتم فاصطادوا ?[المائدة: 2]. فهذا هو الإباحة والتوسعة، لا من الفرائض والنوافل المتطوعة.

(2/459)


[ الطهارات ]
وبعد الذي قلنا به من الأوقات، القول - ولا قوة إلا بالله - في الطهارات، فبيان ذلك والحمد لله عن كتاب الله بيان ليس فيه التباس ولا أفانين كما فننوها كثيرة، لا يعرض فيها - لمن أنصف من نفسه - غلط، ولا تجور بقسط ما حكم الله منها فرط، بل قصدها قريب منير، وأمرها كلها خفيف يسير، لا يعسر شيء منها على مكلف، ولا يدخلها شيء من التقصير ولا السرف.
فهي خمس طهارات: أُصول النفاس والطمث والاجتناب، فواحدة وهي الغسل بالماء أو التيمم بطيب التراب، فأي ذلك الماء اغتسل به المغتسل كله، فقد طهَّره - من نفاس كان أو طمث أو اجتناب - غسلُه.

(2/460)


[ حد الماء المطهِّر ]
كَثُرَ ما تُطُهِّر به من الماء أو قل، إن وقع عليه اسم تَطَهَّر أو اغتسل، فلا نجد في ذلك من الماء حداً محدوداً، ولا نوجب عليه عدداً معدوداً، لأن الله جل ثناؤه لم يحد في ذلك حداً فنحده، ولم يوجب عليه من العدد عدداً معلوماً فنعده، ولم يجعل لمن اغتسل أنه يقصر عنه، وأن ينقص في طهارته شيئا منه، وإنما جعلناه كذلك لأن الله سبحانه قال:? ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ?[النساء: 43]. وقال:? وإن كنتم جنبا فاطهروا ?[المائدة: 6]، ولم يقل قولا وأكثروا، فاقتصرنا من ذلك على ما اقتصر، وقلنا لمن وجب عليه الغسل اغتَسِل وتَطَهَّر، وكذلك قلنا لمن طمث من النساء، وقلنا من بعدهن للنفساء. لأن أقل حكمها، فيما تريق من دمها، أن الحيض منها والطمث، لا يقول بخلاف ذلك إلا جاهل عَبِث، لأن الله سبحانه قال فيهن، وفيما حكم من الغسل عليهن: ?يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ?[البقرة: 222].
والاجتناب فهو ما لا يُجهل - والحمد لله - من الانزال والامناء، فمتى صار إلى ذلك صائر فهو جنب باحتلام كان ذلك أو بمداناة النساء.
وعلى كل مغتسل من هؤلاء يغتسل، من الوضوء معه مثل الذي كان قبل الاغتسال يفعل، لا يزيل عنه فرض الوضوء كما فرض الغسل، فهما واجبان على كل من اغتسل.

(2/461)


[ التيمم ]
فمن لم يجد ممن سمينا ماءً يطهره، تيمم صعيدا طيبا لا يستقذره، فيمسح بوجهه، ويديه منه، وكان مجزيا من ذلك أن يضرب بباطن يديه على الصعيد حتى يلصقا بترابه لصقا، ثم ينفضهما مصفوفتين نفضاً رقيقا، ثم يمسح بهما وجهه ولحيته وعنفقته وشاربه معاً، ويتبع بالمسح من وجهه أماكن الوضوء أولاً، ثم يضرب بيديه على الصعيد ضربة أخرى، ثم يعمل في بعضهما مثل ما كان عمل بهما، ثم يمسح بيسرى يديه على يمناهما، ويمسح بيمنى يديه على يسراهما، ويمسح كل واحدة من يديه إلى المرافق، فهو أحب إليّ لقول الله في غسلهما: ? إلى المرافق ?، وإنما جعل التراب لهما، بدلا من غسلهما، فيستحب أن ينتهي إلى منتهى الماء منهما، ولا يقصر بالتراب كما لا يقصر بالماء عنهما، وإن اقتصر مقتصر على المسح على اليدين إلى الرسغين، أجزأه إن شاء الله لأن الله جل ثناؤه لم يحدد التيمم للذراعين، كما حدد - تنزيلا - الغسل إلى المرفقين، إلا أن مسحهما كما قلنا عندنا أحوط، وأبعد أن يكون فيه لمحتفظ متنعم أو مسخط.
وأما الوضوء وما قيل به من تحديده، فلست أقول به ولا بشيء من تعديده، لأن الله تبارك وتعالى لم يحد منه عند أمره ما حد وا، ولم يجعل له في منزل كتابه من العدد ما عدوا، بل قَرَّب فيه سبحانه السبيل البيِّن اللائح، وأقام به لمن كلفه إياه الدليل المنير الواضح، فلم يلبسه بضروب التفنين، بل أناره سبحانه بمعلوم من التبيين، فقال سبحانه:? إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم، وأرجلكم إلى الكعبين ?[المائدة: 6]. فقال سبحانه اغسلوا، ولم يقل أكثروا وأقلوا، وكان فيما قال من ذلك أكفى الكفاية لنا، ولأولئك ولمن مضى قبلنا، الغسل مرة أو مرتين، اكتفاء منه سبحانه لنا ولهم بالتبيين، فمتى ما اغتسلنا، أكثرنا أو أقللنا، فقد - بِمنِّ الله - ورحمته أدينا، ما أوجب من الغسل علينا.

(2/462)


[ مسح الرأس ]
ومتى ما مسحنا كل رؤوسنا، فقد أدينا مسحها بيقين من نفوسنا، ولا يعارضنا فيه شك ولا مرية، ولا تدخل علينا فيه شُبهة مُعشية، ومن مسح مقدم رأسه واحدة، فقد ثبت بأيقن اليقين عنده، أنه إنما مسح من رأسه بعضه، فهو لا يأمن أن يكون لم يؤد لله فيه فرضه، لأن بعض الرأس ليس بالرأس، كما بعض الناس ليس بالناس، وكذلك بعضك ليس بكلك، وكذلك ليس [ كلك ] ببعضك، وإنما قال الله لا شريك له: ? فامسحوا برؤوسكم ?، كما قال: ? فاغسلوا وجوهكم ?، وإن جاز مسح بعض الرأس، جاز غسل بعض الوجه للناس، وكان مَن غَسلَ بعضَ وجهه فقد غسل وجهه، كما كان مَن مَسحَ بعضَ رأسه فقد مسحه، وهذا من القول فقد يستبين فحشَه وقبحَه مَن وهبه الله رشده، وعرف حكمه فعَمَدَه.

(2/463)


[ حوار مع القائلين بمسح القدمين ]
فأما ما قيل به في مسح القدمين ، فَرَدٌّ لما في كتاب الله المبين، وكيف نَغسل، عند من يعقل، الوجه والذراعين للتطهير، ونترك الرجلين وهما أقرب إلى الوسخ والأقاذير ؟! إن في هذا من الضعف والاختلاف، لأضعف الضعف وأسرف الاسراف!! وما يجهل هذا والحمد لله، إلا مَن خزي وبَعُدَ من الله.
وقلنا لمن قال من الرافضة بمسح القدمين: من أين قلتم في هذا بخلاف جماعة ولد الحسن والحسين، صلوات الله عليهما ؟
فإن قالوا: لأنه قالت به الأئمة منهم، وهم الذين يلزم القبول عنهم.
قلنا فأعطتكم الأئمة من ذلك ما لم تُعطِ أبنآءها، وحملتكم من هدى الله فيه ما لم تُحمِّله أقربآءها ؟‍ فوصَلَت بذلك منكم البعيد الغريب، وقطعت من أرحامها القريب الحبيب، وقد قال الله لرسوله، صلى الله عليه وآله :? وأنذر عشيرتك الأقربين ?[الشعراء: 214]، فخصهم بإنذاره منهم دون المؤمنين، وسماهم جل ثناؤه دونهم الأقربين، وكان لهم بعدُ من النذارة ما لغيرهم، فاشتركوا هم وهم في رسولهم ونذيرهم، ولرسوله، صلى الله عليه وآله، ما يقول :? وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ?[طه: 132]. والصلاة فإنما هي صلاة بما جعل الله من الطهور، وأنتم فإنما قلتم بالمسح وقلتم منه بما قلتم، سماعا من أئمتكم زعمتم، فبالسماع علمتم منه ما علمتم، وما في أيدينا من السماع، أكثر من أهل الفُرقة والاجتماع، من أسود وأحمر، ومتطهر وغير متطهر، عن الرسول صلى الله عليه، خلاف ما أنتم من المسح فيه، وأئمتكم فمختلف فيها، وغير مجتمع آل محمد صلى الله عليه وعليهم أحد منها، وممن قَبِلَ عنها، ما يقروا ويبدوا إن كانوا صادقين فيه، وبترك ما اجتمع فيه المختلفون جميعاً كلهم عن رسول الله صلى الله عليه، إنهم إذاً أولى بالرسالة منه، لمن قبل عنهم ولم يقبل عنه.

(2/464)


فإن قالوا أخذنا عن الله وكتابه، لأنه قال :? فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ?[المائدة: 6]. فَأَلحقَ الأرجل بالرؤوس في المسح لحقا، وجعلهما لها في المسح نسقاً.
قلنا فبيننا وبينكم ما تلوتم من الآية، ففيها لنا ولكم من التبيان أكفى الكفاية، أليس إنما ذكر الله الرؤوس بالباء، فقال: ? برؤوسكم ?، وذكر الأرجل بالواو بالغسل في النسق، فأَنسِقُوا الأرجلَ بالوجوه والأيدي في اللحوق، والأرجلَ بالوجوه والأيدي في الواو أحق نسوقا، فيهما وأولى في النسق بهما لحوقا، ولو كان النسق للأرجل بالرؤوس لكان ? وبأرجلكم ? كما قيل ? برؤوسكم ?.
وكفى بهذا بيانا - إن أنصفتم - لكم، ودفعاً - والحمد لله - لقولكم، وأَلحِقُوا ذوات الواو بذوات الواو وأقروا ذات الباء إذا كانت واحدة فردا، فكفى بهذا لما قلتم رداً إن قبلتم فيه رشداً أو هدى، وقد وضعنا كتابا كبيرا في الطهارة كلها واستقصينا فيه , بما يكفيه، كفانا الله وإياكم بالحق كافية، وألبسنا وإياكم لباس عافيه.

(2/465)


[ باب الوضوء ]
فإذا زالت الشمس ومالت، فضربت الظلال شرقا وطالت، فقل الحمد لله الذي أزال الشمس بعد استواء واعتدال، وجعل لها وفيها ما جعل من مختلف الظلال. ثم توضأ بعد الزوال متى شيت، وفي أي وقت الصلاة هويت، ولا تتوضأ أبدا قبلها، ولكن إذا أردت أن تقوم لها، فعند ذلك فتوضأ، وإنما تأويل الوضوء أن يتنقى، إلا أن يكون متوجها لها وإليها، ويريد القعود انتظارا أو محافظة عليها، أو يريد صلاة نافلة قبلها، فيجوز الوضوء لديها وبالإنتظار لها، فأما إن تشاغلت بعد الوضوء عنها بشغل من الأشغال، أو بعملٍ ما كان ليس لها من الأعمال، فلسنا نحب ذلك لك، ولا أن تخلط الشغل بما يشغلك.
وتبدأ - إن شاء الله - وضوءك بالماء، بالإفراغ على يدك اليمنى من الإناء، فإذا غسلت اليمنى، فأفرغ بها على اليسرى، فأنق بها ما أقبل وأدبر من دنس، ثم أنق من كل دنس أو درن يسراك، واغسل وجهك كله بها مع يمناك، واغسل بهما لحيتك وعنفقتك وشاربك، وأبدأ بالمضمضة والاستنشاق، ولا تلتفت إلى ما في أيديهم فيهما من الأخبار، فإنه زور، وباطل وغرور، لأن في ذلك من الأنف والفم والمنخرين، وغيرهما من اللحية والعنفقة والشاربين، من الوجه وأقسامه، فحكمهن كلهن في الغسل كأحكامه، يلزمهن كلهن من الغسل ما لزمه، إذ جعلهن الله كلهن منه، فمن ترك منهن كلهن شيا، لم يكن وضوءه له في صلاة مجزيا، وكان عليه الإعادة لكل صلاة صلاها، كما عليه الإعادة لو ترك ناحية من ذراعه فتعداها.
فإذا فرغت من وجهك كله، وغسلِ ما أمرك الله به من غسله، فاغسل يمنى يديك إلى المرفق بيسراهما، ثم يسرى يديك بيمناهما ، فإذا فرغت من غسل يديك فامسح بيمنى [ ويسرى يديك ]، رأسك كله وأذنيك، ما أقبل منهما وما أدبر، كما يُحلق في الحج ما عليهما من الشعر، ولأنهما من الرأس حلق ما عليهما من شعرهما، وكذلك هما فيما هما عليه من المسح كأحكامه، يلزمهما من المسح ما لزمه، ولذلك جعلنا أحكامهما حكمه.

(2/466)


وبعدُ فإذا فرغت من مسح الرأس والأذنين، فاغسل بعد ذلك القدمين، تبدأ بيمناهما قبل يسراهما، غسلا سابغا يستقصى به انقاؤهما، فإن الله أمر بذلك فيهما، وحكم بالغسل عليهما، لقوله سبحانه :? فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ? [المائدة: 6]، فاغسلوها، ? وأرجلكم إلى الكعبين ? فاغسلوها، فألحقهما بالوجه واليدين في النسق، وتابع بينهن كلهن جميعا في نسقهن باللَّحق، ليس بين ذلك كله فرق في فهم ولا تفسير، إلا ما في اللسان العربي من التقديم والتأخير. فتأويل: ? إلى المرافق ?، و? إلى الكعبين ?، فيما جعل الله في اللسان العربي من التبيين، كقول القائل: وحتى الكعبين، كما يقول القائل خرجت إلى الكوفة يريد دخلتها، وصرت إلى مكة، يعني دخلتها، فهذه حدود الوضوء، لكل طرف وعضو، ليس لأحد من الخلق كلهم أن ينتقصها، بعد الذي بيَّنها الله به من أمرها وخصها، ومن انتقص من حدودها شيا، لم يكن شيا من وضوءه له في صلاته مجزيا، ومن قدم منها مؤخرا، أو أخَّر من حدودها مقدما، لم تجزه طهارته، ولزمه إذا لم يضع كل شيء منها موضعه إعادته.

(2/467)


[ أذكار وأدعية الوضوء والصلاة ]
وسنقول إن شاء الله بعد الذي حددنا في الوضوء والصلاة، ما يستحب أن يقال به من الذكر والتسبيح والأبواب المسماة.
يستحب أن يقال إذا أُخذ في الوضوء وابتدائه، وقبل أن يُدخَلَ في شيء من قسمه وأجزائه: باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فإذا فرغت من الوضوء كله، ومن غسل ما أمر الله بغسله، فقل: الله أكبر كبيرا، اللهم لك الحمد فيما هديت من هذا إليه، وفيما قويتنا من هذا برحمتك عليه، اللهم اجعلني من التوابين المتطهرين إنك رؤوف رحيم.
فإذا قمت إن شاء الله للصلاة، قلت في الافتتاح لها قبل التكبير والقراءة: الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل. فإذا فرغت إن شاء الله من هذا الافتتاح، لكل صلاة تصليها من صلوات النهار والليل والاصباح، كبرَّتَ ساعة ابتدأت في مكانك، وقرأت حينئذ ما تيسر من قرآءنك، غير محدود لك في شيء من القرآن بحد، ولا مقصود بك عن سورة كلها إلى قصد، لقول الله جل ثناؤه [ في البيان، ? فاقرأوا ما تيسر من القرآن ?[المزمل:20] ].

(2/468)


وما قلنا به منه، فإنما أخذناه من الكتاب وقلنا عنه، لقول الله جل ثناؤه فيه، عند دلالته برحمته وفضله عليه، عند ذكره تبارك وتعالى وما أمر به فيها، من الافتتاح والتكبير قبل القراءة التي أمر الانسان بها: ? ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا، وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ?[الإسراء: 110 – 111]. فأمره سبحانه كما ترى، إذا قام للصلاة وانتصب قبل أن يقرأ، أن يقول بافتتاحه لصلاته، وما استدللنا عليه بتبيينه ودلالته، ثم أمره بالتكبير ودلالاته. فإذا فرغ من قول ما ذكرنا في الافتتاح، وكان [في] ذلك - إن شاء الله - لمن تفهمه أوضح الايضاح، لأن الله سبحانه قال لرسوله، صلى الله عليه وعلى آله. قل ثم كبِّر، فالأمر بالقول قبل أن يكبر، فإذا كبرَّ فحينئذ دخل في الصلاة، وفيما أمر من القرآة، والافتتاح كما ترى قبل التكبير، ثم القراءة بعدُ بما تيسر من التنزيل، فإذا قرأ من القرآن في صلاته بقليل أو كثير، بعد الافتتاح وما بعده من التكبير، فقد أدى ما أُمر به من القرآة، قل أو كثر في الصلاة.
ومن لم يفتتح ويكبر، ويقرأ ما تيسر من القرآن فقد قصر فيما أُمر، وعليه أن يعود حتى يأتمر لله في ذلك كله بأمره، ويصير فيه أجمع إلى ما أمر الله به، والحمد لله الذي به هدى من اهتدى، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لما اختُلِفَ فيه من الهدى، وحسبنا الله وبدلائله من كل دليل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

(2/469)


[ السكون والخشوع في الصلاة ]
وعلى من ائتمر في الصلاة لله بأمر[ه]، تسكين أطرافه وخفض بصره، وترك الالتفات فيها والتلعب، والخشوع فيما هو فيه بها من القيام والتَّنصُّب، فإنه منتصب فيها بين يدي الله فعليه فيها الخشوع والتذلل والترتيل فيها جهده بالقراءة، فإنه بلغني أن الله سبحانه قال لموسى في التوراة: ( يا موسى قم بين يدي مقام العبد الذليل، يا موسى إذا قرأت التوراة فاقرأها بصوت حزين ). جعلنا الله وإياك من المطيعين، وفيما أمرنا وإياك به من الصلاة له من الخاشعين، فإنه يقول سبحانه :? وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ?[البقرة: 43]. ويقول سبحانه :? واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ?[البقرة: 45].

(2/470)


[ شروط الإمام ]
وعلى كل مؤمن صلى، أن لا يصلي مع من لا يتولى، ولا يتخذه في صلاته له سترا، لأن الله لم يجعل له زكاة ولا طهرا، وليس لأحد أن يستتر بغير طاهر، من كل ما يستتر به ساتر، وإذا فسد أن يصلي للدنس والنجس إلى قبلة أو حجر، فكيف يجوز أن يصلي خلف ظالم أو فاجر ؟! وهو أدنس من القبلة والحجر دنساً! وأنجس مما نجس نجسا، وكيف يُؤتم ويقدم، مَن يتعدى ويفجر ويظلم ؟‍ وهو عند الله مهان ملعون، ولله بتعدِّيه وظلمه عدو مبين، والتقدمة والإمامة، تشريف وكرامة، وصلاته ووضوءه وطهارته غير مقبولة، والمغفرة من الله بجرمه ما أقام عليه غير مأمولة، لأنه يقول سبحانه :? إنما يتقبل الله من المتقين ?[المائدة: 27]، وإذا لم يتقبل منه وضوءه فليس من المتطهرين.
وإذا لم يكن متطهرا ولا زكيا نقيا، فليس لأحد أن يصلي معه ولا يكون[به] في صلاته مقتديا، وقد وضعنا لهذا في كتاب الطهارة، حججا فيها منه بيان وإثارة، وفيه إن شاء الله ما شفى وكفى، لمن كان للحق من نفسه منصفا.
وفي القيام في الأمر المفروض الصلوات، لا فيما يتقرب به إلى الله من النوافل المتطوعات، ما يقول جل ثناؤه، وتباركت بقدسه أسماؤه: ? فإذا أمنتم ?[البقرة: 239 ]. يعني: سبحانه: من الخوف فكنتم آمنين: ? حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ?[البقرة: 238]. وفي الافتتاح للصلاة والتكبير، وفي التخفيت من المخافتة بالصلاة والتجهير، بعد افتتاحها وتكبيرتها الأولى، ما يقول فيها سبحانه لمن صلى: ? ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ?[الإسراء: 110]. يقول سبحانه اطلب من القول بين الإخفات والجهر قبيلا، فأمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه في الصلاة، بالواسط بين الجهر والاخفات من القرآة، اختيارا منه سبحانه في الأشياء للأوساط، على التقصير فيها والإفراط، لأن الاخفات فيها شبيه بالسر والضمير المكتوم، والاجهار الفاحش من الأصوات شبيه بالتنكير المذموم.

(2/471)


ألا تسمع لما ذكر الله سبحانه من قصص حكمة لقمان، وما نزل الله لرضاه بها منها في منزل القرآن، إذ يقول لابنه، فيما يأمره به :? واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ?[لقمان: 19]. فلما كان رفع الصوت في غير الصلاة من التنكير، كان في الصلاة أفحش وأنكر، وفيما أمر الله به منها أكبر.
وفي ركوع الصلاة وسجودها، بعد الذي قدمناه من حدودها، ما يقول سبحانه: ? يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ?[الحج: 77].
وفيما قلنا من تسكين الأطراف فيها، وما أمر الله به من الخشوع والإقبال عليها، ما يقول سبحانه: ? قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون ?[المؤمنون: 1 - 2]. ومن يشك في أن من الخشوع في الصلاة تسكين العيون وغضها ؟+ وكذلك تسكين الأيدي وحفظها، فذلك من الخشوع فيها، ومن الإقبال عليها، وما قلنا في ذلك ومن دلائله، ما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، من أنه قال: ( ما بال رجال يرفعون أيديهم إلى السماء في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس، لئن لم ينتهوا ليفعلن الله بهم وليفعلن )، لا يجهل ذلك من رواتهم إلا متجاهل. فأمرُ الصلاة كلها والحمد لله، سكون وخشوع لله.

(2/472)


ثم قال تبارك وتعالى في تسبيح ركوعها، بعد الذي بيَّنه وفصَّله من أمر خشوعها، أمرا منه بَيِّنا، وحكما متقنا، ? فسبح باسم ربك العظيم ?[الواقعة: 73، 96، الحاقة: 52]. فوقَّفَنا سبحانه من التسبيح على صراط مستقيم. ثم قال سبحانه في تسبيح السجود، بقول ظاهر بيِّنٍ محدود: ? سبح اسم ربك الأعلى ?[الأعلى: 1]، دلالة منه لكل من صلى، على ما يقول عند الركوع والسجود في صلاته، رحمة منه وتخييرا وتوفيقا لهم بدلالته، فيسبح للركوع سبحان الله العظيم، القليلُ من التسبيح بذلك في الأداء كالكثير، فمن زاد واستكثر فقد استكثر من الخير، وله في الاكثار منه بإكثاره الثواب الكثير، ومن اقتصر وأقل، كان مؤديا لما حُمِّل، من التسبيح لله في صلاته، ومستدلا عن الله فيه بدلالاته. وتسبيح السجود بعد الركوع: فسبحان الله الأعلى، فمن سبح بذلك في سجوده أجزاه مكثرا أو مقلا.
فإن قال قائل: قال الله: ? سبح ? ولم يقل في صلاتك، وهذا غير ما استدللت به من دلالاتك ؟!

(2/473)


قيل: فلا يخلو هذا من أن يكون أمر به في الفريضة أو النافلة، لما فيه من ذكر الله بهذه المقالة، لما فيها لقائلها من الفضل المبين، ففي ذلك ما قلنا أدل الدلائل باليقين، إن كان في النافلة يقال ما تدرك به وتنال ؟ ولما فيه من ذكر الله ذي الجلال، وكان تسبيحه بذلك للنافلة من الاكبار له والاعظام، فالفريضة الواجبة أولى، إذا كان ذكر الله بها أفضل فضلا، وكانت الصلاة إنما فرضت لذكره، ولما فيها من إجلال أمره، وقد قال الله في الصلوات نفسها، وما جعله الله من ذكره بها: ? فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ?[النساء: 103]. فأمر سبحانه بذكره بعدها، كما أمر بذكره فيها ومعها. وقال سبحانه: ? يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا ?[ الأحزاب: 42]، فكفى بهذا وبغيره من أمثاله في كتاب الله على ما قلنا دليلا، والحمد لله كثيرا، على ما نوَّر من أموره تنويرا.

(2/474)


فأما ما يذكر عن عمر من أنه كان يقول: سبحان ربي العظيم الأعلى، فلست أرى - والله أسأل التوفيق - أن يُسبَّح به مَن صلى، لأنه قد يقول مثل هذا ويفعله، من يجحد الاسلام ويعطله، ممن يثبت مع الله إلها آخر، وإلهين وأكثر، ثم يزعم أن الله لا شريك له أعظم وأكبر من الخلق من الشركاء، فيقول: ربي الأعظم الأعلى، هو الذي خلق الأرض والسماء، وهو إلهنا الأكبر الذي لا يُرى، ولنا آلهة سواه أخرى، لا تخلق شيئا ولا تنسى، كما يخلق ربنا الأعلى، وإنما نعبدهم معه، لنتقرب بعبادتهم عنده، وليكونوا شفعاء، في حياتنا هذه الدنيا، ولا يوقنون ببعث ولا حساب، ولا بمرجع إلى عقاب ولا ثواب، كما قال جل ثناؤه :? ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ?[لقمان: 25، الزمر: 38]. وقال سبحانه لرسوله :? قل أرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون ?[الزمر: 38]. وقال :? ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ?[الزمر: 3].
وأما التكبير في كل ركوع وسجود، قبل ما سنذكره إن شاء الله من التشهد، فتقول كلما ركعت، أو خفضت أو رفعت: الله أكبر، فإذا أنت كبَّرت وقلَّلْت بعد أو كثَّرت، فقد أديت في التكبير ما [ به ] أمرت، وذلك فهو - إن شاء الله - من الخشوع، إلا في رفعك لرأسك - ولا قوة إلا بالله - من الركوع، فإنك تقول: سمع الله لمن حمده، وتأويلها: قَبِلَ الله ممن شَكَره فعبده.

(2/475)


وأما ما جاء في التشهد والذكر والدعاء، من القعود في كل ركعتين من الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وما يلزم كل مصل في صلاته من القعود، بعد الفراغ من كل ما فيها من السجود، فمن دلائل ذلك وعلمه، وما دل الله به عليه من حكمه، قوله سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وآله، فيمن كذب بها وتولى: ? أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ?[العلق: 9 – 10]. ثم قص - سبحانه - مِن ذِكره، وما وعد من النكال في خلافه لأمره، فيما نزل في هذه السورة من وحيه، وما ذكر سبحانه عن الصلاة من نهيه، ثم قال سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وآله: ? كلا لا تطعه واسجد واقترب ?[العلق: 19]. وقال تعالى: ? فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب ?[الانشراح: 7 - 8]. فمن الاقتراب، والرغبة والانتصاب، القعود بعد الفراغ في كل صلاة، للطلب إلى الله والرغب والمناجاة، ومن ذلك ما جاء من التشهد، وهي الشهادة لله بالتوحيد من كل مُوَحِّد، والشهادة للرسول صلى الله عليه، بما جعل الله من الرسالة فيه، والذكر بعدُ لله بما حَضَرَ، والدعاء لله بما تهيأ وتيسر، فأي ذلك مما قال به قائل، أو سأل الله به في صلاته سائل، أدى ما يلزمه ويجب، ونقول - إن شاء الله - في ذلك بما يستحب، مما ذكر عمن مضى، وكل ذلك وإن اختُلف فيه فهو لله رضى.
فمن ذلك ما جاء عن زيد بن علي صلوات الله عليه، وأيضا ما ذكره عن علي ابن أبي طالب صلوات الله عليه، بسم الله وبالله، والحمد لله، والأسماء الحسنى كلها لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله، بما يمكن، ويحضر مما يستحسن، من قول كريم، أو ثناء أو تعظيم.

(2/476)


والتشهد والذكر في كل ركعتين من كل صلاة، كالتشهد والذكر عند الفراغ من جميع حدودها المسماة، من القيام والافتتاح والتكبير والإقتراء والركوع، والتسبيح وذكر الله والخشوع، وإذا أمر الله بالذكر والدعاء في غير الصلاة ووكَّده، فأمره سبحانه بذلك في الصلاة أقرب إليه وأوكد عنده.
وفي الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما يقول تبارك وتعالى: ? يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا ?[الأحزاب: 42]. ويقول سبحانه: ? قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيًّا ماتدعوا فله الأسماء الحسنى، ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ?[الإسراء: 110]. ويقول سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وعلى آله: ? إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما?[الأحزاب: 56].
وفيما يقول تبارك وتعالى في الجلوس والمقعد، بعد الصلاة للذكر والتشهد: ? فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا ?[النساء: 103]، فأمرهم بذكره في القعود كما أمرهم إذا كانوا ركعا وسجودا، وفرضُ الصلاة الأول فإنما كان ركعتين بما كان فيهما من القيام والركوع والسجود، فأقر فرضهما كله على ما كان عليه من الركوع والسجود والقعود، وزيد فيها، ومنها وعليها، في كل أربع ركعتين آخرتين، ولذلك لزم القعود في كل ركعتين. وسنذكر - إن شاء الله - التشهد للآخرتين، فيما جاء عن النبي صلى الله عليه، من القول عنده وبه وفيه.

(2/477)


باب التقصير
وقلنا: تقصر الصلاة للمسافر، من كل بر وفاجر، لأن فرضهما المقدم كان في السفر والحضر على ركعتين، وقبلنا ذلك وأخذنا به لما فهمناه منه عن كتاب الله المبين، ولم نأخذ ذلك عن روايتهم، وإن كانوا قد رووه، ولم نقبله عنهم - والحمد لله - وإن رأوه، قال الله لا شريك له فيما قلنا فيه من ذلك بعينه، وفيما فَهِمنا عن الله بالكتاب من تبيينه، فيه نفسه لرسوله، صلى الله عليه وأهله: ? وإذا ضربتم في الأرض - والضرب هو: المسافرة إليها - فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبينا ?[النساء: 101]، فأبان في هذه الآية نفسها قصرها في السفر تبيينا، ودل على أن فرضها فيه ركعتان، وأنهما عليهم كلما ضربوا في الأرض ثابتتان، قصرُها في هذه الآية إنما هو تنصيفها إذا كانوا في حرب مع الإمام، أو مُجَمِّعين جميعا منه في مقام، ألا تسمع كيف يقول تبارك وتعالى لرسوله، صلى الله عليه وعلى آله: ? وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم فإذا سجدوا... ?[النساء: 102]. يقول سبحانه: فإذا أتموا ركعة وسجدوها، فلتأت الطائفة الأخرى التي لم تصل فلتصل معك الركعة الثانية بعدها، وكل طائفة من الطائفتين فقد قصرت صلاتها عن أن تتمها، إذ لم تصل مع الرسول صلى الله عليه إلا بعضها، فهذا هو التقصير لما لم يكونوا يقصرون، فإذا أمنوا أتموا مع الإمام ركعتين ركعتين كما كانوا يتمون. وفي ذلك ما يقول سبحانه :? فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لكم تكونوا تعلمون ?[البقرة: 239]. يقول سبحانه أتموا مع رسولكم إذا أمنتم ولا تقصروا، فالاتمام بالإمام هو ما به أمروا، فكانت صلاتهم الظهر والعصر ركعتين كما ترى في السفر، وكان الأمر على ما قلنا في الإمامة من القصر، وأقرت الصلاة على ركعتين في السفر، وزيد عليها فأتمت أربعا في الحضر، فليس لفاجر ولا بر، سافر في خير

(2/478)


أو شر، أن يزيد على صلاته في سفره، ولا ينقص منها في حضره، ومن زاد على [ما] فرض عليه من الصلاة في السفر فعليه أن يعود لصلاته، كما لو زاد على صلاة الحضر لفسدت عليه الصلاة فأعادها لزيادته.
فالتقصير إنما هو كما قلنا مع الإمام، ركعتان في السفر فهما أتم التمام، وكذلك كان فرضهما في كل سفر وحضر، ثم لم يكن التقصير فيها إلا بما قلنا من القصر، وليس يجوز أن يقال: قصرت الصلاة إلا على ما قلنا، ولا وجه للتقصير فيها إلا من طريق ما تأولنا، وإنما يقال في الصلاة زِيدَ عليها، ولا يقال بشيء من التقصير فيها، لأنه إذا قيل فيها قصرت الصلاة إلا بما ذكرنا، كان كأنه خلاف لما في كتابه مما أمرنا، من الركعتين اللتين كانتا في الحضر والسفر، صليتا لله فرضا فزِيدَ في صلاة الحضر وأُقِرَّت صلاة السفر، وكان ذلك كله لله رضى فيما نقص من ذلك كله أو زاد، لزم فيه كله أن يعاد.
والقنوت فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله أنه قال: القنوت ثلاث كثلاث المغرب، ولسنا نضيق على المصلي بما قرأ فيهن ، وقد ذكر عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه أنه: ( قرأ في الركعة الأولة الحمد، وسبح اسم ربك الأعلى. وفي الثانية الحمد لله، وقل يا أيها الكافرون. وفي الثالثة الحمد وقل هو الله أحد ). وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه: ( كان يقنت بتسع سور بعد الركوع )، ويستحب له أن لا يدعو في القنوت إلا بآية من كتاب الله، وكذلك أيضا في قنوت الصبح مثل قول الله سبحانه :? لا يكلف الله نفسها إلا وسعها..... ?[البقرة: 286]. إلى آخر السورة، ومثل قوله :? ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ?[البقرة: 201]. ثم كبر وخر ساجدا وسجد سجدتين، وتشهد ثم سلم تسليمتين، عن يمينه وعن يساره.
تم الكتاب وربنا المحمود وله الكبرياء والجود، وصلى الله على رسوله سيدنا محمد وأهله وسلم تسليما.

(2/479)


مسائل القاسم عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي الأمي وآله وسلم
قال محمد بن القاسم رحمة الله عليه:
1- سألت: أبي القاسم بن إبراهيم عليه السلام عن من نام ساجدا في صلاة نافلة قائما أو راكعا أو ساجدا أو قاعدا في نافلة أو فريضة ؟
فقال: من نام في صلاته نوما كثيرا أو قليلا، أو خفيفا أو ثقيلا، يلتبس بعقله ويوقن به، عاد لوضوئه وصلاته.
2- وسألته: عمن صلى أمام القبلة بصلاة الإمام ؟
فقال: من فعل ذلك فليس في شيء من صلاة الإمام، إنما يكون إماما لمن يؤمه بالاستقدام، وأن يكون إن كان واحدا قائما على اليمين لا على اليسار، وذكر أن الوليد بن يزيد قدم المدينة وهو ولي العهد بعد هشام، فصلى في داره وصلى أهل المدينة في المسجد بصلاته، فأنكر الناس ذلك من فعله، وكان الوليد يجعل على دار مروان خصيا يكبر بتكبيره الناس. وذُكر أن عبد العزيز بن مروان كان يصلي بأهل الإسكندرية على ظهر المسجد، ويصلي الناس أسفل في المسجد بصلاته، فأنكر ذلك عليه بعض العلماء، وقرأ ? قد خلت من قبلكم سنن ? [آل عمران: 137]، يريد أن ذلك خلاف السنة الماضية.
وسمعته رحمة الله عليه يقول: لا بأس أن يتيمم الذي لا يجد الماء ثم يأخذ المصحف، أو يقرأ حزبه من القرآن، لأن الله جعل التيمم لمن لم يجد الماء طهورا في الصلاة وهن من الفرائض الواجبات.
3- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? الذين هم على صلاتهم دائمون ? [المعارج: 23]؟
فقال: دائمون هو: متعاهدون مدايمون، لا يصلون بعضا ويتركون بعضا، وقد قدم الله ذلك فرضا، وجعل الصلاة كتابا موقوتا، عدداً وسجوداً وقياما وقعودا، فمن لم يداوم على ذلك كله، ويضع كل شيء من ذلك موضعه، فليس على صلاته بدائم، ولا بفرض فيها بقائم.
4- وسألته: هل يُتوضىء للصلاة في شيء من المساجد ؟

(2/480)


فقال: لا يُتوضىء في شيء منها في تور ولا طست ولا غيرهما، ولقد بلغني أن القاسم بن محمد بن أبي بكر رأى رجلا يتمضمض ثم مج في المسجد فنهاه عن ذلك، فقال: إنه يفعل فيه ما هو أشد من هذا، النخامة وغيرها. فقال القاسم: هذا مالا يجوز.
وبلغني أن هشام بن عبد الملك بن مروان دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليصلي فيه، فذكر أنه على غير وضوء، فأتي بتور فيه ماء وطست فتوضأ في المسجد، فأنكر الناس ذلك يومئذ وعظَّموه.
5- وسألته: عمن يترك الأعمال يوم الجمعة وفيها، من الرجال والنساء تعظيما لها ؟
فقال: لقد بلغني أن بعض الصحابة كان يكره ذلك، لما فيه من التشبه باليهود في ترك الأعمال يوم السبت.
ولقد بلغني أن عمر بن الخطاب عاتب رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا عن التعجيل للجمعة، فقال: أهذه الساعة ؟ فقال الرجل: كنت في السوق. وهذا خلاف ترك الأعمال فيها تعظيما لها.
6- وسألته: رحمة الله عليه هل تصلى نافلة أربعا معا لا يسلم في الثانيتين منها ؟
فقال: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى إلا الوتر، وتأخير الوتر لمن نوى القيام إلى آخر الليل أفضل من تعجيله، ومن لم ينو القيام عجله وكان ذلك خيرا له.
7- وسألته: رحمة الله عليه عن الرجل يكون في العمل فيستمر فيه ثم يصلي كذلك ؟
فقال: لا بأس بذلك إن شاء الله. وسمعته رضي الله عنه يقول: لا بأس بالدعاء في السجود.
8- وسألته: رضي الله عنه عن العبد والخصي يؤمان الناس في الصلاة ؟
فقال: لا بأس بذلك، إذا ثبت لهما اسم الإيمان وحكمه.
وسمعته رحمة الله عليه يقول: كان الميسر فيما بلغني وفيما يذكر في الجاهلية أربعة أشياء: فاثنان منها على وجه التَّألَّه والعبادة وهما الأنصاب والأزلام، واثنان من الباطل وهما الخمر والقمار، فالخمر والميسر اليوم في الإسلام أكثر من أن يحصى، منه اللعب بالحمام، وكذلك كل ما ماثله في المقامرة من الأمثال.

(2/481)


وقد بلغني أن أهل الجاهلية يتراهنون ليلة البدر أيهما يسبق الشمس أو القمر، قال: وكانوا يتبايعون الجزور بالمائة درهم ثم يجزرونها أجزاء ويتساهمون على تلك الأجزاء، فأيهم ما خرج سهمه أوَّلا، أخذ أفضل الأجزاء فضلا، ثم الذي يليه كذلك، وأخذ آخرهم شر تلك الأجزاء والقسوم، وكان عليه ثمن تلك الجزور.
قال: والأزلام ثلاثة قداح أحدها: أن افعل، وفي الآخر: لا تفعل. والمُغَفل: القدح الثالث ليس فيه شيء، فإن خرج الذي فيه: أن افعل فعل، وإن خرج: ألا تفعل لم يفعل، وإن خرج: الغفل أعاد فضرب.
9- وسألته: عمن يصلي وحده بين الصفوف ؟
فقال: بئس ما صنع وصله الصفوف أفضل، وليس يجب عليه إعادة صلاته وإن فعل.
وقال رحمة الله عليه: ومن خرج مسافرا من أهله حتى تستتر عنه بيوت قريته، ثم أقام لانتظار أصحابه وبعض حاجته، إنه يقصر صلاته في مقامه قَصْرَ المسافر في سفره.
10- وسألته: عن السجود على كور العمامة ؟
فقال: لا بأس به إذا سجد على بعض جبهته.
11- وسألته: هل يجوز للرجل يصلي ومعه جلد فارة مسك ؟
فقال: لا، إلا أن تكون ذكية غير ميتة، لأنها دآبة تحيى وتموت، وهي شبيهة بالثعلب، وقد كانت منها دآبة لمحمد بن القاسم وقعت عندنا وصارت إلينا، ثم ماتت بعد مقام طويل، وأُخذ منها مسك كثير غير قليل.
12- وسألته: عن ثوب يصيب ناحية منه بول أيغسل الثوب كله، أم تغسل الناحية التي أصابها البول منه ؟
فقال: إن عُلمت الناحية وعرفت، غسلت وحدها واكتفي بذلك، وإن لم تعرف الناحية غسل الثوب كله بالماء.
13- وسألته: هل يُنقش في الخواتيم شيء من القرآن ؟
فقال: القرآن خير ما ينقش فيها وفي غيرها، ولا بأس بنقش القرآن فيها، وقد كان نقش خاتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: محمد رسول الله. وهذا من القرآن.
وقال في مسح الأذنين يمسح ظاهرهما وباطنهما.
14- وسألته: عن تخليل اللحية بالماء ؟

(2/482)


فقال: تخلل اللحية وتغسل مع الوجه غسلا، ويفرع عليها الماء كما يفرع عليه إفراغا.
15- وسألته: هل على النساء تكبير أيام التشريق بعد الصلاة ؟
فقال: عليهن التكبير كما على الرجال.
16- وسألته: عمن قرأ سجدة من القرآن فسجد، هل يكبر حين يسجد وحين يرفع ؟
فقال :يفعل وذلك أفضل لما فيه من ذكر الله، وما يفعل من غيره في الصلاة كلها لله.
17- وسألته: عن الصلاة في السراويل والرداء ؟
فقال: لا بأس إن شاء الله.
وسمعته رضي الله عنه يقول: لا بأس بالصلاة في الإزار والعمامة.
18- وسألته: عن الرجل يكتب العلم وفيه ذكر الله، والرسالة هل يكتب في ذلك بسم الله الرحمن الرحيم وهو جنب ؟
فقال: لا يكتب شيئا من القرآن. وبسم الله الرحمن الرحيم لا شك من القرآن في ذلك.
19- وسألته: عن الصلاة تحت السقايف في المسجد الحرام ؟
فقال: التقدم إلى البيت والدنو منه أفضل، إلا أن يخشى من الشمس - إن ظهر لها عينا أولها - ضررا.
20- وسألته: عن من صلى والناس يطوفون حول البيت فيمرون عليه بين يديه ؟
فقال: لا بأس عليه في ذلك.
21- وسألته: عن غسل الجمعة أواجب هو ؟
فقال: غسل الجمعة من السنة ومن الأمر بالمعروف، وليس وجوبه وجوب الفرائض.
22- وسألته: عن من نسي التشهد مع إمام يؤمه ؟
فقال: يتشهد إذا سلم الإمام، ويسجد سجدتي السهو بعد التسليم.
23- وسألته: عن مسافر شغل في جهازه لسفره حتى خرج - وقد صُليت العصر - من قريته، وتوارت عنه بيوت أهله وقريته ؟
فقال: يصلي العصر ركعتين.
24- وسألته: عن من يحول خاتمه في أصابعه ليحصي به صلاته وطوافه بالبيت ؟
فقال: لا بأس بذلك، وهو من المحافظة عليهما وحسن العناية بهما إن شاء الله.
25- وسألته: عن من ألصق قرطاسا بدواء على صدغيه لصداع يجده، أينزعه عند الوضوء ؟
فقال: إن كان يخاف أن يضره فليمر عليه الماء، وإن كان شيئا لا يخاف ضره فلينزعه، وكذلك الجراح والكسر.
26- وسألته: عن الرجل يصلي بعد الوتر ؟

(2/483)


فقال :لا بأس بذلك إن بدا له.
27- وسألته: عن التكبير أيام التشريق في المجالس ؟
فقال: التكبير وذكر الله حسن في كل مكان وعلى كل حال، والتكبير لازم في أيام التشريق خلف الطواف.
28- وسألته: رحمة الله عليه عن من كان في طريق فيه اللصوص والخوف، هل يجوز أن يخفف صلاته ؟
فقال: رُبَّ تخفيفٍ لا ينقص الصلاة فذلك جائز له، ورُبَّ تخفيفٍ ينقصها، فما كان من ذلك فلا يجوز له أن يفعله.
29- وسألته: عن من تمضمض فأدخل إصبعه في فمه يدلك بها أسنانه، أيعيد إصبعه تلك في ما يتوضىء من الماء ؟
فقال: لا بأس بذلك.
30- وسألته: رحمة الله عليه عن القراءة بالألحان للقرآن ؟
فقال: أما لحن طرب أو عبث فلا يقرأ به، ولكن يقرأ بالحنين والأحزان، وقد ذُكر أن الله أوحى إلى موسى بن عمران صلى الله عليه: يا موسى إذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الذليل، وإذا قرأت التوراة فأقراها بصوت حزين.
31- وسألته: عن أجرة المعلمين للغلمان، على ما يتعلمون منهم من القرآن ؟
فقال: كل من أدركنا من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن فقهاء المدينة، فكلهم لا يرى به بأسا.
32- وسألته: رحمة الله عليه هل تجهر النساء بالتكبير في أيام التشريق ؟
فقال: لا يجهرن ولا يرفعن أصواتهن، ويكون تكبيرهن قدر ما يُسمعن أنفسهن.
33- وسألته: عن المرأة يطول بها الدم كم تترك الصلاة ؟
فقال: قدر أيام أقراءها التي عرفتها، ثم تغتسل وتوضىء لكل صلاة - إن شاء الله - تصليها.
34- وسألته: هل يستنجي أحد وفي شماله خاتم فيه ذكر الله ؟
فقال: ترك ذلك أفضل، وأحب إلي ألا يفعل.
قلت فيحرك المتوضىء خاتمه عند الوضوء ليصل الماء إلى ما تحته.
فقال: يحركه أبلغ في طهارته.
35- وسألت: أبي رحمة الله عليه عن من يحك جسده، ويدخل يده نحو صدره وهو في الصلاة ؟
فقال: يسكن الأطراف كلها أمثل، وإن حكه شيء أو آذاه نحَّاه.
36- وسألته: عن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه هل زوج ابنته عمر بن الخطاب ؟

(2/484)


فقال: خبر من الأخبار قد ذكر، ولا يدرى ما حقيقته.
37- وسألته: عن ولاية علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فريضة من الله كالفرائض ؟
فقال: موالاة علي بن أبي طالب أكبر الفرائض، واجبة من الله ورسوله على كل مسلم.
38- وسألته: عن قول الله ? كان الناس أمة واحدة ? [يونس: 19] ؟
فقال: لا تكون أمة واحدة وفيهم نبي أو وصي.
39- وسألته: عن العقل في الإنسان أطبع هو أم مستفاد ؟
فقال: هو الحفظ والفكر، وأصل العقل فطرة وخلقة.
40- وسألته: عن من كان أول الناس إسلاما مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟
فقال: علي بن أبي طالب، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أدبه، وكان في حجره وهو السابق إلى الله والمقرب.
41- وسألته: عن وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كان، وعن تراثه ؟
فقال: كان علي بن أبي طالب وصيه في مهماته وعهوده، وأما الميراث فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توفي وكل ما يملك من الدنيا فقد فرقه على أمته، وذُكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطى فاطمة صلوات الله عليها فدكا، ولم يترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه إلا سلاحه فأخذه علي بن أبي طالب.
42- وسألته: عن الحديث الذي روي: ( أن من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ) وكيف يعرف ؟
فقال: بنعوته وصفاته.
43- وسألته: عن الإيمان ؟
فقال: الإيمان من الأمان، والإيمان فهو السلامة من كبائر العصيان، التي أوجب الله عليها لأهلها النار، فمن استكمل ذلك فقد استكمل الإيمان.
44- وسألته: عن الإسلام ؟
فقال: هو الاستسلام لما أمر الله به من الإسلام.
45- وسألته: عن القدر ؟
فقال: الخير والإحسان من الله لا يستنكر، وما كان من خلاف ما أمر الله به فهو من أهله والله بريء منه، وما كان من حسن مأمور به فهو من الله، وما كان من معصية أو شتم لله فالله بريء منه، لأنه يذمه ويعيبه، ولا يصلح أن يكون من الله مذموما عنده.

(2/485)


فهذا إن شاء الله يكفي ولا يستنكر ذلك ولا يجحده أحد أنصف، أو تكلم بما يعرف، وأما سوى ذلك فلا يراد الخوض فيه ولا الشغل به.
46- وسألته: عن الاستطاعة ؟
فقال: أي ذلك قال به قائل إذا أثبت أن الله لم يكلف العباد إلا ما يستطيعون فهو مقبول، وقوله صحيح معقول.
47- وسألته: عن إمامة أمير المؤمنين أكان من الرسول إليه وصية، أم قال: أنت الإمام بعدي، أم كيف ؟
فقال: دلاله من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإشارة عليه كانت منه إليه كافية مغنية.
48- وسألته: عن الاختلاف الذي بين أهل البيت ؟
فقال: يؤخذ من ذلك بما أجمعوا عليه ولم يختلفوا فيه، وأما ما اختلفوا فيه فما وافق الكتاب والسنة المعروفة فقول من قال به فهو المقبول المعقول.
49- وسألته: عن إطلاق الرأي عند الضرورة ؟
فقال: ليس لأحد أن يقول برأيه إلا ما أشبه الكتاب والسنة المعروفة، وإلا أمسك فلم يقل.
50- وسألته: عن من قعد عن علي رضوان الله عليه في حربه ؟
فقال: من قعد عن علي في حربه فهو ضآل.
51- وسألته: عن انفاق المزيِّن والمُكَحِّل ؟
فقال: التحرز من ذلك والتورع أفضل، وإن أجازه الناس بينهم.
52- وسألته: عن جمع صلاتين في السفر والحضر ؟
فقال: لا بأس به.
53- وسألته: عن المرأة تموت من أحق بميراثها ؟
فقال :قرابتها وذووا محرمها أولى الناس بها.
54- وسألته: عن الاستثناء في الطلاق وما أشبه ذلك ؟
فقال: الاستثناء جائز في كل يمين.
55- وسألته: عن من أصبح جنبا في شهر رمضان وهو يمكنه الغسل قبل طلوع الفجر هل عليه شيء ؟
فقال: لا بأس به، وأحب إلينا أن يغتسل.
56- وسألته: عن من حلف بالمشي إلى بيت الله وليس عنده ما يبلغه ولا يحمله ؟
فقال: لا شيء عليه لا يكلف الله أحدا إلا ما أطاق.
57- وسألته: عن رجل محتاج يتكفكف باليسير ويرد ما يتفضل به الناس عليه، الأخذ منهم أفضل أم الرد ؟
فقال: إن رد فلا بأس وإن أخذ فلا بأس إذا احتاج.

(2/486)


58- وسألته: عن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) مَن العترة ؟
فقال: العترة هم الولد.
59- وسألته: عن مرأة هلكت وتركت عبدا مدبرا ما ترى فيه، وتركت أمتين أعتقت من ذلك ثلثهما ؟
فقال: إن كان ثلثهما يحتمل عتق المدبر أعتق، وإن لم يكن يحتمل فلا يعتق، وقال في المعتق من الأمتين أيضا: إذا احتمل ثلثها ما أعتقت منهما عتق ما أعتقت ونفذ كلما له أوصت، من بعد أن يخرج الدين الذي عليها إن كانت عليها ديون، فإن الدين يخرج من قبل الثلث ومن قبل كل وصية.
60- وسألته: عن قول الله: ? خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ? [هود: 107] ؟
فقال: خبر من الله من القدرة والاقتدار على كل شيء، وليس هو خبر أن الله مخرج من النار بعد دخولها أحدا، ولو خرج منها خارج بعد دخولها لم يكن فيها مخلدا، وقد قال الله في غير مكان ? خالدين فيها ? ? وما هم منها بمخرجين ? [الحجرات: 48].
61- وسألته: عن قول الله تعالى: ? ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها ? [الشمس: 7 – 8] ؟
فقال: ? ونفس وما سواها ? يقول سبحانه وما قدرها، وما هاهنا من تسوية التقدير، وحكمة التدبير، الذي لا يكون إلا بالله، ولا يوجد إلا من الله، وقد قال بعض المفسرين ? وما سواها ? هو ومن سواها، ? فألهمها ? هو عرَّفها تعريفا بَيِّنا ليس مما يلتبس بكفره منعمه، ولا يعايا بشيء من المعرفة بين فجورها وتقواها، إذا عرَّفها هيبتها واجتراها، لأن الهيبة اتقاء، والفجور اجتراء.
فهي تعرف من الأشياء كلها ما تجتري عليه من الفجور، وما تهاب وتخشى من جميع الأمور، فهي على ما لا تهاب مجترية، ولما هابت متقية، فهي ملهمة لتقواها وفجورها، لمعرفة ما تهابه وتجتري عليه من أمورها.
62- وسألته: أيضا عن قول الله سبحانه: ? والسماوات مطويات بيمينه ? [الزمر: 67]؟

(2/487)


إنما يريد سبحانه قدرته عليهن، ونفاذ أمره وقضائه وحكمه جل ثناؤه فيهن، لأن كل ما كان من الأشياء مطويات في يمينك، فأنت عليه أقدر منك على غيره من جميع شأنك، ومن كان في يديه شيء مطوي كان على حفظه كله قويا، ولا يتوهم أنهن مطويات في يمينه كطي الثياب، إلا عميٌ جهول لعَّاب، وما في ذلك، لو كان كذلك، من الإكبار ؟! ومن القوة والاقتدار ؟!
وأما قبضته وإحاطته وقدرته، فذلك أنه يقال لمن كان محيطا بشيء وقادرا عليه، إذا سئل عنه من يعرفه، هل له قدرة فيه ؟ قال: نعم والله ما هو إلا قبضته وفي يده. وليس يريد بذلك إذا قاله قبضة الكف، والله لا شريك له متعالي عن أن يوصف من أوصاف الإنسان بوصف.
63- وسألته: عن قول الله: ? وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ? [الزمر: 54] ؟
فالإنابة إليه، هي: الرجوع بطاعته عليه، وإسلامهم له، هو: سلوكهم سبيله، فلم ينب إليه سبحانه من تولى عنه، ولم يُسلم له جل ثناؤه من تبرأ منه، فالإنابة إليه هي: الاعتصام، والإسلام له هو: الاستسلام، ولم يعتصم به قط من آثر غيره، ولم يُسلم له من خالف أمره.
64- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? قتل الإنسان ما أكفره ? [عبس: 17] ؟
فهو: لُعِنَ الإنسان ما أقل شكره، وكذلك كل من كفر بآيات الله، و لم يصر فيما أُمر به إلى مرضات الله، فمن كان كذلك، أو عمل بذلك، فهو الكافر غير الشاكر لما أُولي وَوُهِبَ له من النعم، فأعطي في مبتدأ خلقه حين أنشي من نطفة من ماء مهين فحفظ في الرحم، في مستقره فأتم تقديره، وحسن تصويره، ثم يُسِّر للسبيل الذي هو مخرجه من بطن أمه، بعد كماله في لحمه وعظمه.
65- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ? [النساء: 116] ؟

(2/488)


فتأويل ذلك: أن الله قادر على ما شاء، من مغفرة أو تعذيب لمن خلق وأنشاء، وليس ذلك خبرا من الأخبار، أنه غير معذب لمن وعده بالنار، لأنه جل ثناؤه لو لم يعذب من وعده بالعذاب، من أهل الكبائر لكان في ذلك خُلف وإكذاب، لما وعد به في ذلك من الميعاد، وفيما ذكر سبحانه من وفاء ميعاده ووعده في ذلك، ما يقول سبحانه في كتابه: ? ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ? [الرعد: 31] ليس بين قوله سبحانه: ? لا يغفر ? وبين ? يعذب ? فرق، لأن من لا يغفر له فقد عذبه، ومن عذبه فلم يغفر له.
66- وسألته: عن ? مقاليد السماوات والأرض ? [الزمر: 63، الشورى: 12] ؟
فالمقاليد هي: المفاتيح، ومفاتيح الغيب فهي المقاليد.
67- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ? [الحديد: 22] ؟
فالمصيبة في الأرض فهو: ما يكون في الأرض عامة، والمصيبة في الأنفس فهو: ما يكون في الأنفس خاصة، والكتاب فهو علم الله بذلك كله، وما أحاط بالأرض والأرض يقينا من علمه، فكل ذلك كما قال الله لا شريك له لا يؤوده منه عِلمُ ما عَلِمَ، وقوله ? من قبل أن نبرأها ?، فهو: من قبل أن يخلق الأنفس وإنشائها.
68- وسألته: [عن] ? وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ? [الإسراء:13] ؟
وطائره فهو: ما يلحقه وما يلزمه من خيره وشره، فكله مكتوب محفوظ عليه، إذا لقي الله وصار إليه، كما قال الله سبحانه: ? نُخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ? [الإسراء: 13].
69- وسألته: عن قوله: ? يوم ندعو كل أناس بإمامهم ? [الإسراء: 71] ؟

(2/489)


فإمامهم هو: ما كتب عليهم ولهم، من سالف أعمالهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فهو عن يمينه، وتأويل ? من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ? [الإسراء: 72] فهو: أن من كان في الدنيا ضالا، فهو في الآخرة أضل ضلالا، إنه ليس بعد البعث ضلال ولا هدى، فمن ضل في الدنيا أو اهتدى، فهو مهتدي أو ضال أبدا.
70- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنواولكن قولوا أسلمنا ? [الحجرات: 14] ؟
فالاسلام هو: الاستسلام والذلة والإذعان، يعني الإجابة والطاعة والإيمان، فهو سر أو إعلان، فسره في القلوب الباطنة، وعلانيته في الأعمال الظاهرة، ألا تسمع كيف يقول سبحانه: ? ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ? [ الحجرات: 14 ].
71- وسألته: عن قول الله سبحانه ? وتلك الأيام نداولها بين الناس ? [ آل عمران: 140 ] ؟
والأيام أيام الدول فهي بين الناس كما قال الله عقبٌ، وما فيها من إحسان أو إساءة فأعمال، لمن عملها من العمال، يثاب المحسن منها على حسنته، ويعاقب المسيء فيها بسيئته.
72- وسألته: عن قوله: ? والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ? [الفرقان: 67 ] ؟
فالقوام من النفقة بين السرف والإقتار، وهو السيرة التي رضيها الله في النفقة للأبرار.
73- وسألته: عن حديث الثقلين ؟

(2/490)


وهو حديث صحيح مذكور، كثير في أيدي الرواة مشهور، ومن تمسك كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهما فلن يضل أبدا، لما جعل الله فيهما ومعهما من النور والهدى، وكتاب الله تبارك وتعالى كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو أحدهما وفيه الشفاء والبرهان والنور، وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلهم مجمعون فمنهم عدلٌ أبدا بمنِّ الله لا يجور، فمن تمسك بالمتقين منهم لم يضل، ولم يَجُز عن الحق ولم يمل، وكيف يضل متبعُ مَن يعدل في اتباعه على عدله، وهو فيه كمثله. وحديث سفينة نوح من ذلك، وهي النجاة بها كذلك، ومثل أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم، وفيما ذكر من التمسك بهم، كمثلها في نجاة من نجا، وفيما ذكر من الضلالة والهدى.
74- وسئل: عن المسح على الخفين والقدمين ؟
فقال: وأما المسح على الخفين فإن أهل البيت مجمعون أنه فاسد لا يجوز، وأما المسح على القدمين فليس فيه إلا ما يقول أصحاب الإمامية عن من يقولون به عنه، ولم ندرك أحدا من آل الرسول إلا وهو يفعل بخلاف ما قالوا به، فيغسل ولا يمسح.
75- وسألته: عن السماوات والأرض، كيف الأرض والسماء بعضها فوق بعض ؟
وكذلك ما سألت عنه من الأرض فأعلى السماوات آخرها وأول السماوات أولها، وكذلك أول الأرض أعلاها وآخرها أسفلها.
76- وسألت: أبي رضوان الله عليه، عن قول الله عز وجل ثناؤه: ? ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ?[ الإسراء: 97 ] ؟

(2/491)


فقال: تأويل ذلك إن شاء الله: أنهم يبعثون يوم القيامة حين يجمعون ويحشرون على صورهم التي فارقوا الدنيا عليها وهيآتهم، فعلى ما فارقوا الحياة عليه من ضلالهم وعماهم، فمن فارق دنياه وهو أعمى في بصره، بعث كذلك عند حشره، وكذلك يبعث الأبكم وهو الأخرس اللسان، وكذلك الأصم من صمم الآذان، فكلٌ يبعث ويحشر على ما كان عليه في دنياه من الأحوال، وكذلك يبعثون على ما كانوا عليه في الدنيا من الهدى والضلال، وليس تأويل ? على وجوههم ? - إن شاء الله - ما يذهب إليه أهل الجهالات، من تبديل الله في يوم القيامة للخلق والهيآت، التي كانوا عليها في الدنيا بُديا، وكيف يُتوهمون صما وبكما وعميا !؟ والله يقول سبحانه في ذلك اليوم: ? ولا يسأل حميم حميما، يبصرونهم ? [المعارج: 10-11]، هو: يرونهم، وكيف يتوهمون صما بكما خرسا! ؟ وهم يقولون: ? يا ويلينا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ? [الكهف: 49]، وكيف يتوهمون ذلك وهم يقولون في يوم الحساب: ? ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ? [السجدة: 12] ؟! فكفى بما بيَّن الله من هذا ومثله بيانا لقوم يعقلون. على أن الأمر في ذلك ليس كما يتوهم الجهلة ولا كما يظنون.
77- [ وسئل: عن قوله سبحانه: ? وقرآنا فرقناه ? [الإسراء:106] ؟
فقال:] ? وقرآنا فرقناه ? تأويله: فرقناه قطعا، وفرقنا[ه] وجعلنا[ه] مفرقا ? لتقرأه على الناس على مكث ? [الإسراء: 106] وهو على مهل وبمكث، وتأويل ? نزلناه ? فهو قليلا قليلا، كذلك يُذكر - والله أعلم - أن جبريل صلى الله عليه كان يُعلِّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما علمه من القرآن خمس آيات، خمس آيات، لما أراد الله إن شاء الله بذلك لفؤاده من الثبات، كما قال الله سبحانه: ? كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ? [الفرقان: 32 ] تأويله: ونزلناه تنزيلا، والتنزيل، هو الإبانة والتفصيل.

(2/492)


? ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون ? [الدخان: 17 ] فقال: يقول اختبرنا وعذبنا، لأن الفتنة اختبار ومحنة، وتعذيب وعقوبة.
وقوله سبحانه: ? لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ? [ الفتح: 17 ] فقال: خبر عن رضى الله عمن بايع تحت الشجرة إنما هو لقد رضي الله عمن آمن بالله، ألا ترى كيف يقول رب العالمين: ? لقد رضي الله عن المؤمنين ? [الفتح: 17 ] فذكر أن رضاه تبارك اسمه إنما هو عمن آمن ممن بايعه، وشايعه في البيعة وطاوعه.
وقوله ? ثم ليقضوا تفثهم ? [الحج: 29] فقال: التفث لهو الشعث، وشعثه: امتناعه مما يُمنع منه المحرم من الطيب وغيره، وما يلزمه ما كان محرما في إحرامه، حتى يطوف بالبيت العتيق كما أمره الله بالطواف.
[وقال] القاسم بن إبراهيم عليه السلام: أحسن الله رشدك وتوفيقك، وقوَّم لقصد الحق طريقك، وبلغك صالح الأمل برحمته، وأتم عليك وفيك ما وهب من نعمته، قد فهمت - استَمتِعُ الله بك - ما وصفت، وتعرفت من مذاهبك بما تعرفت، فقرَّب الله قربك، ووصل - بحقه - سببك، فبمثلك - بمنِّ الله - يُتوصل إلينا، فكيف تطلب لنفسك الأذن علينا.
78- وسألت: سددنا الله وإياك للرشد والاهتداء، عن المخادعة من الله والمكر والاستهزاء ؟
فأما المخادعة وفقك الله، فليس يجوز القول بها على الله، ولا ينسب شيء منها كلها إلى الله، ولا تحتملها في الله الألباب، ولم ينزل بها من كتب الله كتاب، لأن المخادعة إنما هي حيل من المحتال، فيما يخادع به مِن كذب في فعل أو مقال، ولعجز المخادع عن كثير مما يريد، كاد فيه بالمخادعة من يكيد، والله جل ثناؤه متعال، عن كل مخادعة واحتيال، لا يجوز شيء من ذلك عليه، ولا يصح القول بشيء منه فيه، وأما الخدع من الله لمن خادع الله والاختداع، فليس في القول به على الله جل جلاله عيب ولا شناع، وفيه ما يقول الله سبحانه: ? إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ? [النساء: 142] ولم يقل جل ثناؤه وهو مخادعهم.

(2/493)


وأما مكر الله واستهزاؤه، فهو: استدراج الله وإملاؤه. ومَكْرُ من كفر بالله ربه، فإنما هو احتياله على الذين يكذبونه في وحيه، واستهزاءُ مَن كفر بالحق والمحقين، فيشبِّهه كذبا في القول والفعل بالمتقين.
فمتى قيل أبدا للمبطلين: خَادَعُوا ومكروا، فإنما يراد به فيهم كذبوا وكفروا، وأظهروا خلاف ما أبطنوا وأسروا.
ومتى قيل لهم استهزأوا وسخروا، فإنما يراد به فيهم تلعبوا وبطروا، [و] في ذلك ما يقول الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ? وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم، وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ? [الأنفال: 61 – 62].
يقول سبحانه: وإن يريدوا أن يخدعوك، فيمكروا بالكذب فيما أعطوك، فيعطوك المسالمة كذبا، ويكذبوك بالمخادعة تلعبا، فحسبك في ذلك بتأييد الله ونصره، وبما ألَّف من قلوب المؤمنين على دينه وأمره، وإذا كان استهزاؤهم ومكرهم إنما هو إخفاؤهم ما يخفون، وسترهم من أمرهم لما يسترون، وأمور الله أستر وأبطن، وأخفى عنهم وأَكَنُّ، وذلك فقد يكون مكرا من الله بهم واستهزاء، واختداعا من الله لهم صاغرين وإخزاء، وبذلك كان الله خادعا لمن خادعه لا مخادعا ولا مخدوعا، وكان قلب مَن خادعه سبحانه من العلم بمكر الله به مقفلا مطبوعا، ليس فيه لله حذار، ولا عن منكره ازدجار، حتى يدهاه من أخذ الله دواهيه، ولا يوقن أن شيئا منها يأتيه، كما قال سبحانه: ? ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ? [آل عمران: 54] وقال جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: ? ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين ? [النمل: 50 – 51].
79- وسألت: يرحمك الله عن: ? يعلمون الناس السحر ? [البقرة: 102] وعن السحر ؟

(2/494)


والسحر أمر لا يكون ولا يواتي أهله، إلا بعظيم من الكفر والأئمة فيه والمعلمون له، فهم الشياطين، الكفرة الظالمون، ولذلك يقول منهم مَن علَّمه، مَن يريد أن يتعلمه، لا تكفر ليكفر إذا كفر بإقدام وتصميم بعد النهي بالتوقيف، والإبانة للكفر والسحر والتعريف، فكفرُ أهله بعد المعرفة بالتصميم ككفر إبليس فيما صمم من الكفر بالسحر.
وقوله: ? وما أنزل على الملكين ببابل ? [البقرة: 102] فقد يكون نَفيًا لا أن يكون السحر أنزل عليهما، وإكذابا لمن نسب السحر من اليهود إليهما، ? وما أنزل على الملكين ? فقد يكون في النفي للسحر عنهما في النفيان، كقوله سبحانه في النفي: ? وما كفر سليمان ?، و ? هاروت وماروت ? [البقرة: 102] فقد يقال اسمان نبيطان، معروف ذلك فيما يستنبط من اللسان، لأن ماروتَ القريةِ: في لسان النبط، هو القرية وواليها، وهاروتَ القريةِ فيما نرى هو: مستخرجها وجانبها، ولو كان من يعلم السحر لكان من الملائكة إذاً مَن قد كفر، ولما صح قوله سبحانه فيهم: ? بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ? [الأنبياء: 26 – 28]، وقوله سبحانه: ? لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ? [النساء: 172] وقربتهم هي: منزلتهم عند الله في الزلفى والمكان، وبرآتهم كلهم عند الله من العصيان، ولو كان منهم صلى الله عليهم من عصى بكفر أو غيره، لذكره الله بعصيانه كما ذكر إبليس في تنزيله، أما تراه كيف نحَّاه لمعصيته عنهم، ولم يجعله - إذ عصى - منهم، فقال فيهم: ? وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر به أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ? [الكهف: 50]، وذريته فإنما هم أمثاله وقبيله، وفي إبليس وقبيله، ما يقول الله سبحانه في تنزيله: ? إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ? [الأعراف:27].

(2/495)


80- وسألت: عمن يسكن في الهواء بين الملائكة والإنس ؟
والجن والإنس فهما كما قال الله الثقلان، فالملائكة صلوات الله عليهم سماويون، والإنس كلهم جميعا أرضيون، والجن بين السماء والأرض هوائيون.
81- وسألت: عن آية القصاص هل يقتل فيها الحر بالعبد، وهل تجب الدية في شيء من العبد ؟
وقد فصل الله فيما سألت عنه في ذلك من أمره، بقوله وعند ذكره: ? الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ? [البقرة: 178]، فجعلهم في القصاص أصنافا مختلفة شتى، وعلى ما ذكر الله من اختلافهم وشتاتهم، اختلفوا باجتماع في دياتهم، فدية العبد على قدر قيمته، والمرأة مخالفة للرجل في ديته، وهذا كله مجتمع عليه، لا أعلم أحدا يقول بخلافٍ فيه.
واختلافهم - رحمك الله - في الديات، دليل على اختلافهم في القَوَد والجراحات، وما اختلف من ذلك فيه فليس بواحد، والخلاف فبيِّنٌ بين الحر والعبد، ولا يحكم في المختلِف بالاستواء، [إلا] من لا علم له بالحكم في الأشياء، ولا قود ولا قصاص بين حر وعبد، وليس أمرهما في كثير من الدين بواحد، حد العبد في الزنا وغيره ليس بحده، والسيد في كثير أموره فليس كعبده، وكذلك المرأة في كثير أمورها فليست كالرجل، ولو كانت كهو لما كان له عليها من الفضل، ما ذكر الله سبحانه في قوله: ? وللرجال عليهن درجة ? [ البقرة: 228]، وكفى بهذا في اختلافهما بيانا وحجة.
فإن قتل القاتل عبدا أو امرأة عمدا، وكان بقتله إياهما في أرض الله مفسدا، قُتِلَ إذا صح فساده عند الإمام صاغرا، ولم يحرز قاتلَه من القتل أن يكون حرا، لقول الله سبحانه: ? من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ? [المائدة: 32]، وفي الناس الحر والعبد جميعا معا، فأحل الله من قتل الأنفس بالفساد في أرضه، ما أحل من قتلها بترك التوحيد ورفضه.

(2/496)


فأما من قتل عبدا أو امرأة، مغاضبا أو فلتة أو حصره، فليس كمن قتلهما مفسدا، وكان بفساده في أرض الله متمردا.
وأما ما سألت عنه من قول الله سبحانه: ? فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ? [البقرة: 178]، فهو العفو من الطالب عن الدم إلى الدية، إذا كانت نفس الطالب والمطلوب بذلك راضية، وهذا إذا تراضيا به، فما لا يقول أبو حنيفة وأصحابه بغيره، فجعل الله لرأفته ورحمته بخلقه العفو عفوين عن الدية والدم جميعا، وعفوا عن الدم إلى الدية رأفة منه وتوسيعا، وأمر الله تبارك وتعالى الطالب بحسن الطلب فيها والمتابعة، وأمر المطلوب بحسن الأداء لها زيادة من الله في الرحمة وتوسعة.
82- وسألت: عن قوله: ? فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا ? [البقرة: 185] ؟
فهو: من حضر الشهر فلم يغب عنه، فليصم في حضوره له ما ألزمه الله فيه منه، والمشاهدة له فهو أن يحضره كله، ومن شهد بعضه فلم يحضر كله، والشهر كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ثلاثون، وتسعة وعشرون )، وليس الهلال والرؤية بشهر تام، ولو لزم من حضر الرؤية الصيام، لكان ذلك لأهله إضرارا، وعاد تيسير الله فيه إعسارا.
وقد سافر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر وغير بدر، فصام في سفره وأفطر، ولو لزم من رآه وأهلَّه في أهله المقام لما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( عمرةٌ كحجةٍ، العمرةُ في رمضان )، ولما جاز لأحد من الناس فيه اعتمار.
83- وسألت: يرحمك الله عن: ? ويسألونك عن المحيض ? [البقرة: 222] ؟

(2/497)


فهو المحيض الخالص من دم الحيض، فليس لأحد أن يصيب منه وفيه، ما ينجسه ويؤذيه، فأما دم الاستحاضة، فدم ليس بمحيض كدم الحيضة، فدم المحيض دم خالص ليس فيه كدرة، ودم المستحاضة دم فيه كدرة وصفرة، وبينهما عند من تقعدهما من النساء فرق، لا يجهله منهن إلا الحمق، فإذا طهرت المرأة من الحيض وهو ما قلنا به من الحيض لزمها وحل منها، ما يلزم ويحل من المرأة النقية المتطهرة من حيضها.
84- وسألت: عن قول الله سبحانه: ? الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ? [البقرة: 229] ؟
فإن سرح فهو للثلاث التطليقات تمام، وإن أمسك فالثالثة الباقية من الطلاق كان الإمساك والمقام.
85- وسألت: هل يلزم الطلاق لغير سنة، أو على خلاف ما أمر به في الطلاق من العدة ؟
يلزمه منه ما ألزم نفسه، وإن هو عصى فيه ربه، ولو كان لا يلزم في ذلك شي، كان الأمر فيه سواء والنهي، ولم يجر فيه ولا تجدوه، إذا لم يكن فيه طلاق ولا مضرة.
86- وسألت: عن القَرو ما هو ؟
فهو الحيض فليس بأطهار، وإنما القُرو الجمع للحيض من التدفق والانتشار، مما يجمعه به النساء من الخِرَق، يتنطقن به لذلك من التنطق، وكذلك تقول العرب في الأقراء، إذا أرادت أن تأمر أحدا بجمع ما في إناء أو سقاء: أقر لنا من الماء، في الحوض أو في الإناء، وبات فلان يقري من مائه، في حوضه وسقائه.
87- وسألت: عن: ? لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك ? [البقرة: 233] ؟
وقد قال بعض الناس في ذلك وعلى الوارث في ذلك ألا يضار، وليس قول من قال بذلك حجة فيما قال ببينة ولا إسفار. وقال واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وغيرهما على وارث اليتيم إذا لم يكن له مال الاسترضاع له والكسوة والإنفاق، والوارث الذي أمر بالنفقة، فهو من يرث اليتيم إن مات بالقرابة، وليس هو بالزوج ولا الزوجة.
88- وسألت: عن تمتيع المطلقات هل وجوبه كوجوب الفرائض الواجبات ؟

(2/498)


فذلك واجب على من لم يسم مهرا، موسرا كان أو معسرا، وفي ذلك ما يقول سبحانه: ? على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ? [البقرة: 236]، والموسع فهو الموسر، والمقتر فهو المفتقر. فكلٌ يعطي على قدره، في يسره للمتمتعة وعسره، وليس في ذلك عدد معدود، ولا حد في الأشياء محدود، هذا فرض واجب، وحد في المتعة لازم، كما قال الله سبحانه: ? حقا على المتقين، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ? [البقرة: 241- 242] ومن سمى من الأزواج لامرأة مهرا، فلها مهرها موسرا كان الزوج أو معسرا.
89- وسألت: عن قوله: ? منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ? [آل عمران: 7] ؟
فالمحكمات كما قال الله: ? فهن أم الكتاب ?، والمحكم منه فما صحت حجته في الألباب، والأم من علم كل شي، فهو البيِّن من علمه غير الخفي، وأم أمهات العلوم كلها، فأنور ما يكون من العلم عند أهلها، وكذلك الكتاب فمحكماته، من غير شك أمهاته، التي لا يشتبه على عالمهن منهن علم، ولا يدخله في الإحاطة بهن شك ولا وَهْمٌ، ولا يحتاج في البيان عنهن إلى إكثار ولا تطويل، بل تنزيل الله فيهن كافي من التأويل، كقوله سبحانه: ? ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ? [الشورى:11]، ? ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ? [الأنعام: 103]، وقوله: ? هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ?[الزمر:9]، وقوله: ? إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ?[يونس:44].

(2/499)


فهذا وأشباهه من كتاب الله فهو المحكم، الذي ليس فيه - بمنِّ الله - شبهة ولا وَهْمٌ. وأما متشابه الآيات من الكتاب، فلا يكون أبدا إلا متشابها كما جعله رب الأرباب، فليس يحيط غيره بعلمه ولم يكلف أحدا العلم به، وإنما كلف العلم بأنه من عند ربه، كما قال سبحانه: ? والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ? [آل عمران:7]، فجعل الإيمان به والعلم بأنه من عنده فريضة عليهم في متشابه الكتاب، ولو كان عند غيره بالاستخراج معلوما، لما كان متشابها في نفسه ولا مكتوما، وأزال عنه اسم الإخفاء والتشابه، كما يوجد له من المخارج في العلم والتوجه، ولما قال الله :? متشابها ? جملة وإرسالا، حتى يقال متشابها عند من كان به جاهلا، وفي تشابه كتاب الله وإخفائه، وما أراد بذلك سبحانه من امتحان كل محجوج وابتلائه، أعلمُ العلمِ وأحكمُ الحكمِ عند أهل العلم والحكمة، وأدل الدلائل على الله في الأشياء كلها من القدرة والعظمة.
90- وسألت: عن قول الله سبحانه: ? يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ? [آل عمران: 106] وقلت هل هنالك إلا مسود الوجه أو مبيضه ؟
وهم - رحمك الله - وإن كانوا كذلك، وعلى ما ذكر الله سبحانه من ذلك، فهم فرق أصناف، بينهم في أحوالهم اختلاف فمنهم مؤمن وفاسق ومشرك ومنافق، وقاتل وقاذف وسارق، وتنزيل الآية فيما سألت خاص غير عام، لأنه ليس كل من يسود وجهه يقال له: كفرت بعد الإيمان، لأن في النار مِن فرق الكفار من لم يكن مؤمنا قط في دنياه، ولم يزل على كفره فيها وعماه، فكيف يقول لأولئك: ? أكفرتم بعد إيمانكم ? [آل عمران: 106] ؟! أليس هذا عندك من أزور الزور وأبهت البهتان ؟! وابيضاض الوجوه هنالك فإنما هو سرورها وبهجتها، واسوداد الوجوه إنما هو حزنها وحسرتها. والقول في هذا يومئذ من القائلين، فإنما هو لمن كفر بعد إيمانه برب العالمين.

(2/500)


91- وسألت: عن قوله: ? لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ? [آل عمران: 154] ؟
والكتاب - رحمك الله - فقد يكون من الله، عَلِمَ ويكون إيجابا من الله، فكتب في هذه الآية عليهم، إنما هو علم منهم وفيهم، وليس معنى كتب يكون معنى فُرض وُوُجِد فيما ذكر من هذه الآية ومثلها، ولكنه خبر عن إحاطة علمه بالأشياء كلها، وقد قال غيرنا من إخوانك، بغير ما قلنا به في الآية من جوابك، فأما [ما] يقول به من ليس يعلم، فليس يسع مؤمنا به جواب ولا تكلُّم.
92- وسألت: عمن ? يتخبطه الشيطان من المس ? [البقرة:275] وما المس ؟
فالمس هو اللمم، واللمم فهو الجنون.
وأما ما سألت عنه من التخبط، فما يعرف من خبط المتخبط، وهو الغشيان من خارج لا من داخل، وكما نعلم من مقاتلة المقابل، وإنما مثَّل الله أكلة الربا إذ مثَّلوا رباهم، وما حرم الله عليهم من الربا ونهاهم، بالبيع الذي فيه إرباء، وإنما هو أخذٌ بالتراضي وإعطاء، فقالوا: ? إنما البيع مثل الربا ? [البقرة: 275]، شبهوا ما لم يجعل الله متشابها، فشبهوا الحرام بالحلال، والهدى فيه بالضلال، فمثَّلهم الله في ذلك لما هم عليه من الجهل، بمن يعرفون أنه عندهم أنقص أهل النقص من أهل الجنون والخبل.
93- وسألت: عن قوله: ? إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ? [البقرة:282]، هل ذلك فرض عليهم لا يسعهم أن يتركوه ؟
فنعم هو فرض عليهم فيمن لم يأمنوا، وليس بفرض عليهم فيمن أَمِنُوا، فاجرا كان المؤتمن أو برا، أو موسرا كان الغريم أو معسرا.
94- وسألت: عن قول الله سبحانه: ? لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ? [آل عمران:178] ؟

(2/501)


وقد نهاهم جل جلاله عنه، فالإملاء منه الإبقاء منه، وتأخير العذاب والنقم، فيما ارتكبوا من الجرم،.... كله وعنه وبما تولى الله منه، أتوا من الإثم والإسآءة ما أتوا، وعصوا الله بما عصوا، فاعلم أن الإملاء نعمة من الله وإحسان، وازدياد الإثم منهم فإسآءة وعصيان، فمن الله سبحانه الإملاء، ومنهم الاعتداء، وتأخيره سبحانه لإنزال العذاب بهم، إنما هو ليزدادوا إثما بكسبهم، ليس لما يحبون من سرورهم، ولا لما يريدون من أمورهم، ولكن ليزدادوا بالبقاء والإملاء إثما، ولأنفسهم بما تركوا من البر ظلما، وإن كان ما تركوا من الهدى - وإن لم يفعلوه - ممكنا، كان ما تركوا من الهدى في نفسه حسنا، ولهم لو صاروا إليه - ولن يصيروا - منجيا، وكان كلهم لو أتاه بإتيانه له مهتديا، فالإملاء والإبقاء هو من فعل الله بهم، وازدياد الإثم فهو من كسبهم هم وفعلهم، وما يمكن من الإملاء من الأمور، فسواء في المكنة من البر والفجور، فلما آثروا هواهم، على ما يمكنهم من هداهم، جاز أن يقال: أُملوا ليزدادوا برا وهدى.
ومثل ? ليزدادوا إثما ? هو قول الله تبارك وتعالى: ? وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ? [الذريات: 56]، وهم وإن خلقهم الله ليعبدوه، فيحملون لغير العبادة إن أرادوه، والعبادة لله وخلافها إنما هو فعل منهم، إذا فعلوه [ نُسِبَ ] إليهم ولم يزل عنهم، وكل ذلك ففعل لهم وصنع، والله هو الصانع لهم المبتدع، ففعل الله بريء من فعلهم، فيما كان من الإملاء لهم، فعل الله تأخير وإملاء، وفعلهم ازدياد واعتداء، وبين ذلك فرق، لا يجهله إلا أحمق.
95- وسألت: عن قول الله سبحانه: ? لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما، وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا ? [النساء: 5ٍ] ؟

(2/502)


فمعنى تؤتوا: هو أن تعطوا السفهاء، وإن كانوا لكم أبناء وآباء، يجب عليكم رزقهم وكسوتهم فيها، وأمرهم أن ينفقوا عليهم ويكسوهم منها، ويقولوا لهم من القول معروفه وحَسَنه، وهو السهل من القول وليِّنه، ونهاهم أن يعطوا سفهاءهم أموالهم، التي جعلها الله قياما لهم، والقِيمَ هو المعاش واللباس، الذي به يبقى ويقوم الناس، فتهبوها لهم أو تأمنوهم فيها، وتجعلوا لهم سبيلا إليها، فيفسدوا معاشهم منها عليهم، إن أعطوهم إياها وسلموها إليهم، وأمرهم ألا يؤتوا أموالهم التي جعلها الله لهم إلا أن يأنسوا [ منهم رشدا ]، ومعنى يأنسوا : فهو أن يروا منهم رشدا، فيدفعوها إليهم، ويُشهدوا بدفعها عليهم، فكيف يجوز أن يؤتي أحد ماله أحدا، إذا كان في أرض الله أو لنفسه مفسدا، وقد نهى الله عن ذلك نظرا من الله للعباد، وحياطة منه برحمته لأرضه وخلقه من الفساد.
96- وسألت: عن: ? ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ? [النساء: 6] ؟
فهو: ومن كان لليتيم وليا فليستعفف، معناها: فليعف عن أن يأكل من مال اليتيم شيا، ومن كان فقيرا يعني معسرا فليأكل من مال اليتيم بالمعروف، يقول بأمر مقدر موظوف، ليس منه فيه إسراف، ولا بمال يتيمه إجحاف.
97- وسألت: عن: ? ولا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ? [النساء: 19] ؟
ووراثتهم كرها، هو: أن يمسكهن الأزواج رغبة في الميراث وشَرَهاً، لا رغبة فيهن، ولا محافظة عليهن، وجعل الله ذلك عليهن اعتداء، وبهن إضرارا. وقد قال الله تبارك وتعالى: ? ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ? [البقرة: 231].
98- وسألته: عن: ? وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ? [النساء: 92] ؟

(2/503)


يقول سبحانه: أن يقتله إلا زلة وغلطا، فإما وهو يثبته مؤمنا، ويعرفه بالله موقنا، فليس له أن يقتله وإن قتله أيضا مخطيا، وكان في إيمانه بالله ممتريا، إذ كان من قوم عدو للمؤمنين، ولم يكن عند من قتله من المعاهدين، كان عليه فيه تحرير رقبة مؤمنة، ولم يكن عليه ما كان عليه في الأول من الدية، وإن كان من قوم بينهم وبين المؤمنين ميثاق والميثاق هو الذمة والموادعة والهدنة، كان على قاتله فيه تحرير رقبة مؤمنة، وإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فأي ذلك فعل فهو من الله عليه توبة، ومعنى توبة الله عليه من الله عائدة ورحمة، ولا يُقتل - رحمك الله - مِلِّي، بمعاهد ولا ذمي، وإن كان الملي قتله عمدا، إلا أن يكون بقتله في أرضه مفسدا، فيقتل إن رأى ذلك الإمام بفساده، وتمرده في أرض الله وعناده، لقول الله سبحانه: ? من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ? [المائدة: 32]، فأحل الله سبحانه من قتل الأنفس بالفساد، ما أحل من قتلها بالقصاص بين العباد.
99- وسألته: عن المحاربة لله ولرسوله والسعي بالفساد في الأرض ؟
ومعنى ما ذكر الله في الآية من المحاربة والفساد، وما أمر به فيه من التقتيل والصلب والقطع أو النفي من البلاد، فهو الإجلاب والجيئة والذهاب، والاستدعاء على الحق والمحقين، والمخالفة على الارباب المتقين، والتحيل والحشد للمبطلين إليهم، والقول بالزور والبهتان عليهم، في سفك دمائهم، والتماس ضرائهم، ومجاهدة أولياء الله فيهم بالمحاربة، وإجماعهم عليهم بالأذى والمناصبة، فمن بلغ هذا من المبطلين وصار إليه، كان حكم الله جل ثناؤه عليه، وجزاؤه على ما هو من ذلك فيه، أن يقتل أو يصلب أو يقطع أو ينفى من الأرض والبلاد، التي سعى فيها على الله ورسوله والمحقين بما ذكره الله من الفساد.

(2/504)


وليس ما في أيدي هذه العامة من تفسير هذه الآية المحكمة عن ابن شهاب الزهري وأضرابه، ولا من كان من لفيفه وأصحابه، الذين كانوا لا يعدلون بطاعة بني أمية، وما أشركوهم فيه من دنياهم الدنية، فلم ينالوا مع ما سلم لهم منها، ما حاطوا به ودفعوا به عنها، من تلبيس لتنزيل، أو تحريف لتأويل، وابن شهاب لما كان كثرة وفادته إليهم معروف، وبما كان له من كثرة الضياع وكثرة الغلة بهم موصوف.
وقلت: ? ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ? [المائدة: 44] ما تأويلها ؟
وتأويلها - استَمتِعُ الله بك وبنعمته عندك - هو تنزيلها، وذلك أن من حكم بأحكام التنزيل بخلاف حكمه، فهو غير شك من الكافرين به، لأن من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله بعد الإحاطة بعلمه، فهو من الكافرين بالله في حكمه، لأنه منكر من حكم الله فيه لما أنكر، ومن أنكر من أحكام الله [و] تنزيله حكما فقد كفر، ولله أحكام هي ليس في تنزيل، في تحريم من الله وتحليل، ولكنها من أحكام التأويل، حكم بتنفيذها والحكم بها، فمن لم ينفذها ويقم إذا أمكنه تنفيذها، فهو من الظالمين، وفي تعطيلها من الفاسقين.
100- وسألته: عن: ? وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ? [الأنعام: 8] ؟
وكانوا يقولون لو لا أنزل عليه فيكون معه فيشهد له من رسالته بما ينكرون، فقال الله سبحانه: ? ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر - فيهم بأخذهم - ثم لا ينظرون ? [الأنعام:8]، يقول تبارك وتعالى: ثم لا يتركون ساعة ولا يؤخرون، فما ينفعهم إذا أُخذوا إيمانهم، بعد رؤيتهم للعذاب وعيانهم.

(2/505)


ثم قال سبحانه: ? ولو أنزلنا ملكا ? ما أيقنوه، إلا أن يروه رؤية ويعاينوه، وما كانوا ليروه عيانا، إلا أن يجعله الله مثلهم إنسانا، في الصورة والحلية، وما للرجال من الهيئة، لا في جميع حدود البشرية، ولكنه في المنظر والرؤية، فقال سبحانه: ? ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ?[الأنعام: 9]، يقول سبحانه ولو فعلنا ذلك به فجعلناه رجلا كما يعرفون، لزادهم ذلك لبسا إلى لبسهم، ولما أيقنوا أنه ملك في أنفسهم، ولو نزلنا عليه الملك على حاله ملكا، لما كان أحد منهم معاينا له ولا مدركا، إلا أن يأتيهم من الصورة وهيئتها في مثل لباسهم منها، فيرونه ويدركونه بمثل دركهم [و] رؤيتهم لها، وإلا لم يروه ولم يعاينوه أبدا، وكيف يرون من كان من الملائكة ولم يروا قط من الجن أحدا، والجن في احتجابها عنهم أقرب إليهم قربا، والملائكة أبعد عنهم مكانا ومحتجبا.
وليس يعاين أبدا من الملائكة الحضَرَة، إلا عند الموت الذي ليس بعده تأخير ولا نَظِرة، حين يُكشف عن المحظور الغطاء، ويزول عنه الأخذ والإعطاء، فيرى من الحضرة ما لم ير، ويحدث الله له عند المعاينة لهم بصرا، فيعاينهم عند الموت وفي غمراته، وعندما وقع فيه من غصصه وسكراته، كما قال الله سبحانه: ? وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ? [ق:19]، وقد قال في الموت وما بعده من البعث: ? لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ? [ق:22]، وكما قال سبحانه: ? ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ? [الأنعام:93]، فالملائكة هم الذين يبسطون أيديهم ويقولون: ? أخر جوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ? [الأنعام:93].

(2/506)


وقلت: أرأيت لو جعل الله الملك رجلا، ومن كانت الرسل تراه من الملائكة قِبَلا، أهم في تلك الحال والهيئة والصورة ملائكة أم رجال ؟ بل هم في تلك ملائكة وإن انصرفت بهم الهيئة والأحوال، ألا ترى أن الذهب والنحاس، وإن لم يكونا هم الناس، فقد يصنع منهما صور وهيئات، ويحدث فيها تماثيل مختلفات، والذهب وإن اختلفت هيئاته ذهبٌ على حاله، وكذلك النحاس وإن كثرت فيه الصور فهو نحاس على حاله، لم ينقل واحد منهما عن خليقته وذاته، ما نقل عنه من متقدم صورته وهيئاته، وإنما تبدو الملائكة إذا بدت بأمر الله وإرادته إلى البشر، بما جعل الله لها وأحدث فيها من الهيئات والصور، لا البشر بما لا يدركون ولا يرون، من الصور والهيئات إلا ما يبصرون، فجعل الله من الملائكة رسلا، وجعل من شاء منهم كما شاء إن شاء رجلا.
وقال في ذلك [ تبارك ] وتعالى: ? الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ? [فاطر:1]، فالتبديل للخلق والزيادة، ليست إبادة، وكذلك مَن مسخه الله تبارك وتعالى قردا أو خنزيرا، فإنما أحدث له عن هيئته وصورته تبديلا وتغييرا، فبدَّل هيئته وصورته، وأقر نفسه وذاته، ولو كان المسخ للممسوخ إبادة وافناء، لكان ذلك فطرة وإنشاء وابتداء، ولم يقل تغيير ولا مسخ ولا تبديل، ولم يصح بذلك - إذا لم تكن الذات موجودة - خبر ولا قيل.
101- وسألته: [عن]: ? ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ? [الأنعام:110] ؟
فتقليب أفئدتهم وأبصارهم تضليله إياهم فيما يعملون، وتركه تبارك وتعالى فيما هم فيه من ضلالهم يعمهون، والتضليل من الله لهم، فإنما هو بعملهم، وسواء في المعنى أضلهم وضللهم، كما سواء أَكْفَرَهم وكفَّرهم، ألا ترى أن من أضللت فقد ضللته، ومن أكفرت فقد كفرته.

(2/507)


102- وسألته: عن معنى: ? وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ? [الأنعام:121] ؟
ومعنى إيحاء الشياطين، هو إلقاء الشياطين للمجادلة للمؤمنين، والشياطين كما قال الله سبحانه فقد تكون من الجن والإنس، وما يُلقون إلى أوليائهم من المجادلة من زخرف القول واللبس، كما قال الله سبحانه: ? شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ?[الأنعام:112]، يريد سبحانه بقوله: ? فذرهم وما يفترون ? من الخزي بزخرف القول وغروره وما يقولون، فسيعلمون من بعد ما هم فيه من دنياهم إلى أي منقلب ينقلبون.
103- وسألته: عن تأويل: ? من يرد الله أن يهديه يشرح صدره ? [الأنعام:125] ؟
فتأويلها رحمك الله من يرد الله أن يرشده فيزيده هدى على هدى، لأنه لا يعطي الهداية إلا من اهتدى، كما قال تبارك وتعالى في زيادته لهم هدى إلى هداهم: ? والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ? [محمد:17]، والتقوى فمن الهدى، وآتا، فمعناها: وأعطا، فهو آتاهم التقوى بتبصرته وتقويته لهم على ما عملوا منها، وبمنعه لهم تبارك وتعالى من الضلالة ونهيه لهم عنها، وليس بين الضلال والهدى منزلة، هادية لأهلها ولا مضلة، فمن يرد الله أن يهديه بعد الهدى، يشرح يريد: يفتح صدره للتقوى، ومن يرد أن يضله الضلالة والعمى، يجعل صدره بما اتبع من الضلالة والهوى، ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء، كذلك يفعل الله بأهل الضلالة والاعتداء.
104- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ? [الأعراف:155] ما هذه الفتنة ؟
وهي الابتلاء من الله والاختبار والمحنة، وإضلاله وهداه بها، فهو عنها وبسببها، و ?ويضل من يشاء ويهدي من يشاء ? [النحل:93، فاطر:8]، هو إضلاله إن ضل وهدايته لمن اهتدى، ومن ضلَّ ضلَّلَه، ومن اهتدى كان مهتديا عنده، وزاده تبارك وتعالى في هداه، وآتاه كما قال سبحانه تقواه.

(2/508)


105- وسألت: عن قول نوح صلى الله عليه: ? ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ? [هود: 34] ؟
فإنما أخبر صلى الله عليه عن نفاذ قدرة الله فيهم ولم يخبر أنه يريد، ولا أنه لإغوائهم مريد، وإنما قال: إن كان، ولم يقل: أن قد كان، فقد أوضح وأبان، لكل من يعقل اللسان، أنه إنما أراد بقوله صلى الله عليه الخبر عما لله من الاقتدار، لا ما يذهب إليه من لم يهتد للرشد من أهل الإجبار، فأخبر أنه غير نافع لهم نصحه وإن أراد نصيحتهم، إن كان الله يريد هلكتهم، فصدق صلى الله عليه لأنه إن أراد شيئا و أراد الله أن يفعل سواه، ليكونن ما أراد الله صنعا وخلقا وشاه، ولا يكون من ذلك وفيه، ما أراد نوح صلى الله عليه، وكيف يريد الله إضلالهم وإغواءهُم ؟! وهو يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما إلى هداهم، ما يزعم هذا أو يقول به، إلا من جهل أمر ربه، في الرأفة والرحمة، والعلم والحكمة، وكيف تدعو رسلُه العباد، إلى خلاف ما شاء وأراد، الله أحكمُ أمرا وأجلُّ قدرا، من أن يكون في ذلك كما قال من خاب وافترى.
وكذلك ما قال شعيب صلوات الله عليه: ? وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ? [الأعراف:89]، فقال إلا أن يشاء، ولم يقل أن قد شاء، بل وكَّد بقوله فيه ومعناه، أن لن يريده الله أبدا ولن يشاه، ولكنه أخبر عن قدرته، على كل ما شاء في بريته.
ومثل هذا من التنزيل سوى قوله سبحانه: ? إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ? [النساء: 116]، ولن يشاء أن يغفر لمن وعده من أهل الكبائر بالنار، لما فيه من إخلاف الوعد وإكذاب الأخبار، التي منها ? ولن يخلف الله وعده ? [الحج: 47]، و? ذلك يوم الوعيد ? [ق:20]، ومنها قوله: ? ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ? [ق:29]، وقوله جل ثناؤه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم في منزل الكتاب: ? اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب ? [غافر: 17].

(2/509)


ومثل ذلك قول عيسى صلوات الله عليه: ? إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ? [المائدة: 118].
وقول إبراهيم صلى الله عليه: ? فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ? [إبراهيم:36]، وكل ذلك منهم فإنما هو خبر عما لله من القدرة، على ما يشاء من العذاب والمغفرة.
106- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ? [الأعراف: 19] ؟
فهو ما وهب لهما من ولدهما وأعطاهما، جعلا [له] فيما أحسب بين الله وبينهما، يعبد الله ويحرث الحرث، وقد يذكر في التوراة أنهما سمياه عبد الحارث، وقالوا إن الحارث هو إبليس، فيما أحسب وَهْمٌ وَهِمتْه اليهود في التفسير فقالت فيه بالتلبيس، وأدخلوا مكان ما جعلاه له من الحرث عبد الحارث، فجعلوه عبدا لما جعلاه ولم يفرقوا فيه بين الحرث والحارث، ألا ترى كيف يقول سبحانه: ? فلما آتاهما صالحا ? يعني: ولدا ذكرا ? جعلا له شركاء ? منه فيما آتاهما، يريد تبارك وتعالى: نصيبا فيما أعطاهما، من صالح الولد، فجعلاه بينهما وبين التعبد، ألا ترى لقوله سبحانه فيه، إذا يُسلِماه كله إليه: ? فتعالى الله عما يشركون ? [الأعراف: 190]، يقول فتعالى الله أن يكون هو وهم في شيء من الأشياء مشتركون، كما قال في أهل الجاهلية: ? وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا - يعني شريكا - فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ? [الأنعام:136]. وكذلك قال الله تبارك وتعالى: ? ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا - يعني شريكا - مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون ? [النحل: 56]. وليس يتوهم الشرك عليهما بالله، إلا من لا علم له فيهما بأمر الله.
107- وسألته: عن: ? وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ? [الأعراف: 172] ؟

(2/510)


وذكرت ما قالت به العامة في ذلك من قولهم، وليس ما قالوا به فيه، بشيء مما يلفت إليه، لأنهم قالوا أخذ من ظهر آدم، وقالوا [أخذ] من بني آدم، وآدم غير بنيه وظهره غير ظهورهم، وذريته غير ذراريهم، والذراري تكون صغارا وكبارا، وأطفالا ورجالا، وكل أهل الجاهلية من رجال العرب الذين كانوا يشركون، قد أُخذوا ومعنى أُخذوا: أخرجوا ذرية من ظهور آبائهم من بني آدم لا يشكون، وكلهم كان شهد وأقر بأن الله ربه، وأن ما يرى من السماوات والأرض خلقه، فاستشهدهم الله على ربو بيته بما يشهدون، وبما كانوا يقرون به كلهم فلا ينكرون، وفي ذلك يقول سبحانه: ? ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون ? [الزمر:38]، ولم يقل سبحانه إنه استشهد على ربوبيته أحدا من الأطفال، ولا يكون الاستشهاد والشهادة إلا للرجال.
والله أعلم ما يكون وغيره وما كان، ونسأل الله أن يُفهِّمنا ويُفهِّمك عنه البيان.
108- وسألته: عن: ? وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا ? [الأنفال:44] ؟
فتأويل ? ليقضي ? ليتم أمره فيكم وفيهم، ونصرَه لكم عليهم. والتقليل من الله في أعينهم للمؤمنين، فإنه تبيينه من الله للمستبينين، والتقليل فقد يكون أنواعا، إن كان لأنواعه كله جماعا، ليس ينكرها ممن أنكر منكر، لأن الله على كلها - لا شريك له - مقتدر.
109- وسألته: عن: ? إن شر الدوآب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ? [الأنفال:22] ؟

(2/511)


فهم رحمك الله أهل الكفر بالله الذين لا يؤمنون، والذين علم الله لو أسمعهم بزيادة في التبيين لما كانوا يسمعون، يريد تبارك وتعالى لما كانوا يطيعون، وفيهم ما يقول الله سبحانه: ? إن شر الدوآب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون ? [الأنفال:55]. وفي أن السمع هو الطاعة، ما يقول سبحانه: ? ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ? [النساء:46].
110- وسألته: عن قول اليهود: ? عزير بن الله ? [التوبة:30] ؟
فقد يمكن أن يكون عنى بذلك ماضيهم، وأن يكون أيضا اليوم من يقول من باقيهم، وليس كلهم لقيت، وإنما لقيت منهم من شاهدت ورأيت.
111- وسألته: عن: ? وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ? [التوبة:114] فيما ذكر عنه رب العالمين، ? واغفر لأبي إنه كان من الضآلين ? [الشعراء:86] ؟
فلما تبين له أنه من أصحاب النار بالإصرار، تبرأ منه وما كان عليه من الاستغفار.
112- وسألته: عن: ? وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ? [التوبة:115] ؟
يقول سبحانه [ما كان] ليتركهم ضُلالا بعد تبيينه لهم لما بَيَّن حتى يُبيِّن لهم كل ما يحذرون.
113- وسألته: عن قوله: ? ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ? [السجدة:13] ؟
فقد يكون أن يكشف عنها عماها، ويريها من آياته ودلائله عيانا، ما يُحدث لها معرفة وإيقانا، لا يكون معه لها أجر، ولا يجب به لها ذخر، ويكون منها درك اضطرار، لا درك نظر ولا فكرة ولا اعتبار، وفي ذلك وبه الجزاء والثواب، وعلى ترك ذلك وفي إغفاله ما يجب العقاب، وهو وإن كان كذلك، فعلى ما وصفنا من ذلك، فهدى وبصيرة وغير حيرة ولا ضلال، وفيه إذا كان ما أخرج أهله من الجهل بالهدى ومن الضلال.
وهذا رحمك الله فوجه من الهدى، لا ينكره ولا يجهله من أبصر واهتدى، وما كان لهذه الآية مشابها ونظيرا، فكفى بهذا الجواب فيه حجة وبرهانا منيرا.

(2/512)


114- وسألته: عن يونس صلى الله عليه، وقول الله سبحانه فيه: ? وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه ? [الأنبياء:87] ؟
اعلم رحمك الله أن قوله: ? فظن ? أنه، ليس يخبر عن يونس بظنٍ ظنَّه، لأنه لو كان كذلك منه، لزال اسم الإيمان عنه، ولا يزول اسم الإيمان في حال، عن من خصه الله بالإرسال، وفي ذلك لو كان تجهيل للمرسِل، فيمن يصطفي ويختص من الرسل، ولكن ? فظن ? قول من الله في يونس قاله، يبين للسامعين زلة يونس وإغفاله، يقول سبحانه فظن يونس أن لن نقدر عليه، في إباقته من الفلك إلى من أبق إليه، فهو ليس يظن، ولكنه مقر موقن، بقدرتنا عليه، ونفاذ أمرنا فيه، فِما أبق إلى الفلك فاراً هاربا، وذهب مع يقينه بقدرتنا عليه مغاضبا، إلا لإغفاله وزلته، التي نجاه الله منها بتوبته، فهذا وجه ? فظن أن لن نقدر عليه ?، الذي لا يجوز غيره من الوجوه، وهو كلام صحيح لا تنكره فيه العقول.
115- وسألته: عن: ? فأوجس في نفسه خيفة موسى ? [طه:67] ؟
فلم يوجس صلى الله عليه أن يُغلب أو يُقهر، ولكنه أوجس ألا يبصر - من حضره من السحرة ومن الناس - حقيقة الحق كما أبصر، فيظنون أن ما جاء به من الحق كسحر السحرة، وأن موسى صلى الله عليه من الكفرة، وقد كان خاف قولا منهم واعتسافا فقالوا: ? إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ? [طه:63]، وقالوا فيه: ? فماذا تأمرون ? [الأعراف:110، الشعراء:35]، وقال موسى صلى الله عليه فيما قالوا به من ذلك: ? أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون ? [يونس:77].
116- وسألته: عن قوله: ? وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ? [الحج:52] ؟

(2/513)


فتأويل تمنى: هو قرأ، وألقى الشيطان في أمنيته، تأويله: ألقى الشيطان في قراءته، وقراءته عليه السلام فهو ما ألقى من القرآن إلى أمته، وألقى الشيطان فيما كانوا يقرؤون من القرآن وآياته، هو إلقاء من الشيطان في أمنيته وقراءته، والإلقاء في القراءة من الشيطان، ليس إلقاء في قلب الرسول ولا فيما جعل الله له من اللسان، ولكنه إلقاء من الشيطان في القراءة بزيادة منه في القراءة أو نقصان، وقد رأينا في دهرنا هذا بين من يقرأ آيات القرآن، اختلافا كثيرا في الزيادة والنقصان، فما كان من ذلك صدقا وحقا فمن القرآن، وما كان منه كذبا وباطلا فهو من الشيطان، في أيدي الروافض من ذلك والغلاة، ما قد سمعت وسمعنا والله المستعان من القراة.
فأما ( تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتها ترتجا )، فقد فهمنا منه ما ذكرت، وسمعنا منه بعض ما سمعت، وهو كلام مُغوِر فاسد لا يتكلم بمثله حكيم، ولا ماجد كريم، لا يُشتبه بفساده في تأليفه، وقبحه في نفسه وضعفه، أن يكون من بليغ من بلغاء العرب، فكيف من الرسول أو الرب، الذي لا تدركه بتحديدٍ العقول، ولا يشبه قولَه في الحكمة قول.
117- وسألته: عن قول إبراهيم صلى الله عليه: ? والله خلقكم وما تعملون ? [الصافات:69] ؟
فالله خلقكم وحجارة الأصنام التي كانوا يعبدون، وكما قال صلى الله عليه: ? أتعبدون ما تنحتون ?[الصافات:68]، وسواء قوله: ? وما تنحتون ? وقوله: ? وما تعملون ?.
118- وسألته: عن: ? فردوا أيديهم في أفواههم ? [إبراهيم:9] ؟
فهو عضهم على الأيدي بأسنانهم، وهو شيء يفعله المغتاظ، إذا غضب أو اغتاظ، ويفعله أيضا المتحير المتفكر، إذا التبس عليه ما يفكر فيه وينظر.
119- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما ? [الفرقان:72] ؟

(2/514)


فالشهادة هي الحضور، والزور من الأشياء فهو البور، وهو الباطل والكذب، واللغو فهو الغفلة واللعب، فذلك كله وما كان منه فلا يشهدونه، وإذا مروا به أعرضوا عنه.
120- وسألته: عن قول الله: ? ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ? [هود:118] ؟
فذلك فلن يزالوا كما قال الله سبحانه مختلفين، لأن الاختلاف لا يزال أبدا بين المحقين والمبطلين، وهو خبر من الله عما يكون، وأنهم لن يزالوا مختلفين فيما يستأنفون، فالاختلاف منهم وفيهم، ولذلك نسبه الله إليهم، وقوله: ? إلا من رحم ربك ? يريد من المؤمنين، فإنهم في دينهم متآلفون غير مختلفين. وقوله تبارك وتعالى: ? ولذلك خلقهم ? يقول سبحانه للمُكنة، مما يجب به الثواب والعقاب من السيئة والحسنة، ولولا خلقه لهم كذلك، وعلى ما فطرهم عليه من ذلك، لما اختلفوا في شي، ولما نزل عليهم أمر ولا نهي، ولا كان فيهم مسيء ولا محسن، ولا منهم كافر ولا مؤمن، ولكانوا كالموات الذي لا يحسن ولا يسيء، ولا يفجر عند الله ولا يتقي.
121- وسألته: عن: ? وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي ? [النحل:68] ؟
فقد يكون الإيحاء إلهاما، ويكون الإيحاء من الوحي كلاما، ويكون الإلهام تعريفا وفطرة، ويكون الكلام تعليما وتذكرة، وأي ذلك كان، فعلم وبيان، لا ينكره ولا يدفعه بالله مقر، ولا يأباه إلا ملحد في الله متكبر، لا ينكر صاغرا وإن كابر بالانكار في أن للنحل وأشباهه احتيالا، وأن لها صنعا محكما وأعمالا، فيما يُرى مِن شُهدها، وعجيب ما فيه مِن عقدها.
122- وسألته: عن قوله: ? وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ? [النساء:102] ؟

(2/515)


فتأويلها ? فإذا كنت فيهم ? يريد في سفر وخوف معهم، فأقمت الصلاة لهم، ? فلتقم طائفة منهم معك ?، يقول سبحانه من جميعهم معك، وليأخذوا أسلحتهم كلهم، من قام معك في الصلاة ومن لم يقم معك منهم، ? فإذا سجدوا ? يعني الذين معه في صلاتهم آخر سجدة منها فأتموا، وفرغوا من صلاتهم كلها وسلموا، ? فلتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ? كلهم، من صلى معك ومن لم يصل منهم، ولا يقال للطائفة الآخرة لم يصلوا، إلا والطائفة الأولى قد صلوا.
ولا تصلى صلاة الخوف إلا في سفر، ولا يصلى شيء منها في حضر، لأن أهل الحضر في بيوتهم وحصونهم مستترون، وأهل السفر لعدوهم بارزون مصحرون. وصلاة الخوف أن يصلي الإمام بإحدى الطائفتين ركعة واحدة ثم يقومون، فيتمون الركعة الثانية ثم يسلمون، والطائفة الأخرى الواقفة للعدو في سلاحهم مستلمون، وليس لهم شغلٌ من صلاة ولا غيرها سوى المواقفة، والحراسة لأنفسهم وإخوانهم من عدوهم بالمصآفة، فإذا رجعوا إليهم من صلاتهم، وقعدوا للعدو موقفهم، ولم يزايلوا أبدا مواضعهم، حتى يتم إخوانهم من آخر الصلاة ما أتموا، ويسلموا من صلاتهم كما سلموا، فتكون كل واحدة من الطائفتين قد حرست كما حرست، وأخذت منهما من الحراسة ما أخذت، وأعطت من الحراسة ما أعطت، وصلى بها من الصلاة مع الإمام ما صلت، فهذا عندنا أحسن ما سقط إلينا في صلاة الخوف.
وكذلك صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما بلغنا صلاة الخوف في غزوة له غزاها يقال لها: ذات الرقاع.
وفقنا الله وإياك للتقوى، في كل محنة نزلت بنا أو بلوى، وصلى الله على محمد وآله الأبرار، الطيبين الأخيار.

(2/516)


123- وسألت: وفقنا الله وإياك لمرضاته، ولعلم ما أوجب الله علينا وعليك علمه من آياته، عن قول الله جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: ? إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ? [ الأحزاب:72] ما وجه ما أراد الله بذلك من المقال، ومن أين جاز أن يقال: أَبَينَ وأشفقن السماوات والأرض وهن موات لا ينطق، وشيء لا يأبى ولا يشفق ؟
فقد يحتمل وجه ما أراد الله تبارك وتعالى بذلك وتنزيله، ما أبانه الله من تظليم الإنسان بما بناه الله عليه من تبيينه للخيانة في الأمانات، والتأدية ما صغر حليته في الخلقة والتركيب، من قدر ما ذكر الله من الخلق العجيب، وأنت رحمك الله فقد تعلم أنك لو عرضت بفكرك، وفي تقديرك ونظرك، فضلا عما قد تعلمه يقينا بقلبك، على ما قد تعرفه من السماوات، أمانة من الأمانات، لما حملتها، ولا شيئا منها، إذ كن عندك في علمك غير ناطقات، وهن فإذا كن كذلك فهن لحمل الأمانات غير مطيقات، فإذا كن من ذلك لنفس خلقهن وما بُنِينَ عليه من ضعفهن ممتنعات، أفضل مما يقول به منها قائل، أو يتحير من علمائها عالم.
وقد يحتمل أيضا أن يكون إنما أريد السماوات والأرض والجبال: أهلهن، ومن جعل ساكنا لهن، مما ينطق، ويأبى ويشفق، كما قال إخوة يوسف واسأل العير وليسوا يريدون إبلها، فهذا وجه من الوجوه، ليس بسيء ولا مكروه، مفهوم معقول، يجوز بمثله في العرب القول.
124- وسألت: عن: ? المؤمن المهيمن ? [الحشر:23]؟
فالله هو المؤمن لأوليائه من سخطه، والمهيمن: الشهيد، والله هو الشهيد على أعدائه بمعصيته.
125- [ وسألت: عن الحمَّى أهي من الضربة أم من الطبيعة ]؟

(2/517)


وأما الحمَّى عن الضربة الموجعة، فإن الله جعلها تكون من الطبيعة، فالضربة من الضارب، والحمى فمن الطبائع، ألا ترى أن الحمى لو كانت من الضارب لزمه فيها القصاص والقود، وهذا مما ليس يدرك حقيقته أحد، وقد قال الله سبحانه: ? والجروح قصاص ? [المائدة: 45] والجروح من الجارح، وليس الحمى بعمل شيء من الجوارح، فهو علم الله المعلوم.
126- وسألت: عن: ? زرتم المقابر ? [التكاثر:2ٍ] ؟
فهو دخلتم المقابر.
127- وسألت: عن زرع الأرض المغتصبة ؟
فلا يجوز الزرع فيها لغاصبها ولا غير غاصبها، إلا أن يزرع بإذن صاحبها.
128- وسألت: عن شراء اللحم من اليهود والنصارى ؟
فإنا لا نرى أن يباع منهم ولا يشترى، فإنهم ليسوا ممن يؤمن عليه، أن يخلطوا مالا يحل فيه.
129- [ وسألت: عن القصر من غير خوف ]؟
وأما القصر من غير خوف فيقصر كل من سافر آمن أو خائف، أو كان فاجرا أو برا.
130- [ وسألت: عن التشهد]؟
وأما التشهد فما قيل الذي يذكر عن ابن عباس، وما يذكر من ذلك عن ابن مسعود، وأحسن ما سمعنا به في ذلك عن علي وزيد بن علي، بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلها الله، أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
131- [ وسألت: عن آمين ]؟
وقد سمعنا في آمين ما سمعت، ولم أسمع أحدا من العرب يتكلم [بها] في كلامه، ولا أحسبها إلا من اللسان العبراني، وإنا لنمسك عنها، وعن القول بها.
132- [ وسألت: عن الدعاء في الصلاة ]؟
وأما الدعاء في المكتوبة في أمر الدنيا والآخرة فجائز حسن، وهو في: ? الحمد لله رب العالمين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم ? [الفاتحة]، فهذا كله دعاء.
133- [ وسألت: عن سجود السهو في الصلاة ]؟

(2/518)


والسجود في السهو للصلاة في الزيادة والنقصان فهو بعد التسليم، وما كان قبل التسليم من زيادة في ركوع أو سجود فهو زيادة يحتاج فيها ولها، إلى ما ذكر الله من السجود في مثلها.
134- [ وسألت: عن الجمع بين الصلوات ]؟
ولا بأس بالجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ودخول وقت العصر في آخر وقت الظهر لمن جمع، ووقت المغرب والعشاء لمن جمع فقبل غروب الشفق، إن أراد ذلك مريده.
135- [ وسألت: عن النافلة بعد صلاة الفجر ]؟
ومن صلى الصبح سبح بعد صلاته، ولم يصل بينه وبين طلوع الشمس.
136- [ وسألت: عن التسليم ورفع اليدين في الصلاة ]؟
والتسليم من الصلاة عن اليمين والشمال، ورفع اليدين فقد اختلفت فيه الأقاويل، وإن أحب ذلك إلينا أن يسكنا تسكين غيرهما، لأن تسكينهما هو خشوعهما، وكذلك تسكين العين فهو لها خشوع.
137- [ وسألت: عن الوضوء والقراءة في صلاة الجنازة ]؟
ويجزي في الوضوء مرة مرة، ويُقرأ في الصلاة على الجنائز في التكبيرة الأولى، وما بعد ذلك فيُدعا.
138- [ وسألت: عن الحجامة هل يجب منها الغسل، وعن غسل السنة ]؟
وليس يجب الغسل من الحجامة، ولكن من احتجم توضأ. ويُغتسل للجمعة، والرواح إلى عرفة، والعيدين، وكل ذلك من السنة.
139- [ وسألت: عن الوضوء لكل فريضة ]؟
ومن صلى صلاة فثبت في مقعده، ولم يخرج من مسجده، صلى ما بعدها من صلاته بوضوءه. وإن أكثر الإشتغال، والإدبار والإقبال، كان أحب إلينا له [أن] يجدد وضوءه، وكذلك بلغنا أن عليا صلوات الله عليه ورضوانه كان يفعل، يجدد وضوءه لكل صلاة من الفريضة.
140- [ وسألت: عن أفضل الحج ]؟

(2/519)


والإقران أفضل من الإفراد والتمتع بالعمرة إلى الحج، ولا يقرن بين العمرة والحج إلا من ساق هديا، ومن قرن طاف طوافين، وسعى سعيين، ولم يحل عن عمرته، حتى يحل من حجته، والإفراد للحج أفضل - والله أعلم - من التمتع بالعمرة إلى الحج، لأن حجة عراقية أو مدنية، أفضل من حجة مكية، والإهلال إذا طال، أفضل منه إذا قصر لطول الإحرام.
141- [ وسألت: عن التلبية والهدي ]؟
وتقطع التلبية في الحج إذا رميت جمرة العقبة، وأفضل الهدي ما وقف بعرفة، وإن قلتَ حتى أشتري من منى أجزأ المتمتع.
142- [ وسألت: عن الضحية، وصيام عرفة والدعاء ]؟
والضحية واجبة على كل ذي يسار وجده ممن حج أو لم يحج، وصيام يوم عرفة أفضل من إفطاره، والدعاء في الصيام أقرب إلى الإجابة من الإفطار.
143- [ وسألت: عن ما يبطل الوضوء ]؟
وكل ما سال أو قطر من الدم ففيه الوضوء، وليس في مس الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، والقيء والقلس، وضوء، وما جاء من الوضوء من ما مسته النار فليس للنار، وإنما أحسبه - والله أعلم - للأكل والاشتغال، ولا نحب للجنب أن يتعوذ بشيء من القرآن، لما في ذلك لتنزيل الله من الإجلال.
144- وسألت: عن قوله: ? وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة ? [فصلت:6-7] ؟
فهي البر والأمور المرتضاة، ومنها زكاة الأموال، وصالح عمل العمال، الذين يعملون لله، ويسعون في مرضات الله.
145- [ وسألت: عن ? الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ? [النور:2] ]؟
وأما قوله: ? الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ? [النور:2]، النكاح هاهنا قد يكون المسيس والمجامعة، ويكون العقد والملك والتزويج الذي جعله الله طاعة.
وأما قوله: ? لا ينكحها ? هو لا يأتيها، ولا يرتكب سخط الله فيها، إلا مشرك من المشركين بالله، أو زان مثلها عند الله، وهذا كله كما قال الله سبحانه.
146- [ وسألت: عن قوله: ? نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ? [البقرة:223] ]؟

(2/520)


وأما قوله: ? نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ? [البقرة:223] الحرث هو: المزدرع الذي جعله الله في النساء والنماء، ? وأنى شئتم ? هو متى أردتم، لأن العرب كانت تزعم أن إتيان النساء وهن حوامل أو مرضعات حرام، خوفا للفساد.
147- وسألت: عن قوله: ? هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون ? [الأنعام:2] ؟
خلقُه سبحانه لهم من طين، فهو خلقه لأبيهم آدم صلى الله عليه، لأن ما كان نسلا منه فمخلوق مما خلق منه، ? ثم قضى أجلا ? الأجل المقضي هو الموت والوفاة، والأجل المسمى عنده هو أجل يوم الحساب والمجازاة.
148- وسألت: عن الأرواح بعد مفارقتها الأبدان أحية أم ميتة ؟
أرواح المؤمنين إذا فارقت أبدانها في نعيم وكرامة، وأرواح الظالمين إذا فارقت أبدانها في خزي وندامة، حتى ترد الأرواح إلى أبدانها في يوم البعث والقيامة.
فإذا جاء ذلك فهو التخليد والدوام الذي ليس له فناء ولا زوال، ولا له عن أهله براح ولا انتقال.
149- وسألت: عن قوله: ? قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ? [الإسراء:56-57] ؟
الذين كانت العرب تدعوهم ملائكة الله، وكانت العرب تزعم أن الملائكة بنات الله، كما قال الله سبحانه: ? ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ? [النحل:57]. والملائكة هم الذين كانت العرب تدعو، والملائكة الذين كانوا يدعون فهم الذين يبتغون الوسيلة إلى الله، ويرجون من الله الرضوان والرحمة.
150- وسألت: عن قوله: ? ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ? [الكهف:12] ؟
يقول سبحانه بعثنا أهل الكهف بعد طول نومهم في كهفهم لنعلم أي الحزبين، أحصى لما لبثوا في كهفهم مقيمين، أَهُم أم مَن عَلم لبثهم من الملائكة هم الحزبان، وهم في العلم والمكث مختلفان.

(2/521)


151- وسألت: عن: ? والطور، وكتاب مسطور، في رق منشور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور ? [الطور:1-6] ؟
الطور هو: طور سيناء، وقد ذكره الله في غير مكان، والبلد الأمين، فأقسم بهما، لما هو أعلم به سبحانه من أمرهما.
? وكتاب مسطور في رق منشور ? هو: ما نزله الله من كتبه، وكُتِبَ في رق وغيره.
? والبيت المعمور ? هو: بيت الله الذي يعمر أبدا بذكر الله، وبالوافدين في كل حين إلى الله، كما قال سبحانه لإبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما، ? طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ? [البقرة:125].
? والسقف المرفوع ? هو: السماء.
? والبحر المسحور ? هو: البحر الأعظم. المسجور: فهو المحبوس على حدوده ومنتهاه، فليس يجوز حدا من حدوده ولا يتعداه.
152- وسألت: عن قول الله تبارك وتعالى: ? إن إبراهيم لأواه حليم ? [التوبة:114] ؟
فإن الأواه المتأوه هو الرحيم، والحليم هو اللبيب الحكيم.
153- وسألت: عن قوله سبحانه: ? فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم...?الآية[محمد:22] ؟
فتأويل ? فهل عسيتم ?، هو لعلكم أنتم أيها المدعون من كنتم، وتأويل ? توليتم ? هو أدبرتم عن الإجابة، والقبول والإنابة، ? أن تفسدوا في الأرض ?، بقتل بعضكم لبعض، فتقطعوا الأرحام، إذا لم تجيبوا الإسلام، لأن من لم يجبه أفسد في أرض الله إذ لم يتبع حكمه، ففجر في دين الله وقطع رحمه، ومن أجابه أصلح ووصل، إذا سمع عن الله وقَبِل، ولم يتول ولم يدبر، فلم يفسد ولم يفجر.
154- وسألت: عن تأويل: ? قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ? [آل عمران:167]، أو قلت ما معنى ? أو ادفعوا ? ؟
فتأويل ? قاتلوا ? يعني كونوا بقتالكم لله مطيعين، أو ادفعوا فكونوا بقتالكم عن أنفسكم وحُرمكم مدافعين، إن لم تكونوا لله مجيبين، وفي ثوابه على القتال لعدوه راغبين.

(2/522)


155- وسألت: عن قوله: ? ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا... ? الآية[المائدة:93] ؟
يقول الله سبحانه ليس على من اتقى وآمن جناح، يعني: إثما فيما أكل وطعم من طيبات الأطعمة، التي ليست عند الله بمحرمة، لأن من المؤمنين من كان يترك أكل بعض الطيبات زهادة في الدنيا، والتماسا في ذلك لما يحب الله ويرضى، وممن ذُكر بذلك عثمان بن مظعون، كان فيما بلغنا قد حرم على نفسه أكل اللحوم، فنهاه الله وغيره من المؤمنين عن تحريم ما لم يحرم من المطاعم الطيبة، وقال: ? يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ? [المائدة:87]، فأخبرهم سبحانه وغيرهم من الأتقياء البررة، أنها لمن آمن به في الدنيا خالصة في الآخرة، فقال سبحانه: ? قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ? [الأعراف:32].
156- وسألت: عن قوله سبحانه: ? يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم... ?الآية [المائدة:105] ؟
إنما قال سبحانه للذين قالوا: ? حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ? [المائدة:104] من دينهم، وأكثروا الاتباع لدين غيرهم، عليكم بأنفسكم خاصة، فليس يضركم إذا اهتديتم ضلال من اعتقد ضلالة، كان أبا أو غيره لأن كل امرئ إنما يحاسب بما عمله وماله، فإن اهتدى نجا سالما، وإن ضل هلك ظالما، لأنه ? لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ? [النجم:38-39].
157- وسألت: [عن] ? إن الذين تدعون من دون الله عبادأمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين، ألهم أرجل يمشون بها...? الآية [الأعراف:194-195] ؟
? إن الذين تدعون من دون الله ? فهو من دونه سبحانه كذبا وافتعالا، وقد يكون تأويل ? من دونه ?: أنهم دونه كبرياء وجلالا.

(2/523)


والذين كانوا يُعبدون فهم من عُبدوا من الملائكة المقربين، ومن كانوا يُعبدون من دونه من الآدميين، ومَن عَبد مِن الناس أحدا من الشياطين، هؤلاء كلهم فهم عباد أمثالهم، وقد عبدوا من عبدوا من العباد، ما كانوا يعبدون من الأصنام، والتماثيل والأوثان، التي ليس لها أرجل ولا أيدي ولا أعين ولا أسماع، ولا عندها لأحد عَبَدَهَا أو لم يعبدها ضر ولا انتفاع، وفي الأصنام ما يقول الرحمن، له الكبرياء والجلال: ? ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها ?، وما ذكر من غير ذلك عند ذكرها، وليس شيء من ذلك كله لها، فكيف يعبدونها مع زوال ذلك كله عنها، وهو أفضل في ذلك كله منها، إلا لفعلهم الفاسد المدخول، بالمكابرة لحجة العقول.
158- وسألت: عن قوله: ? يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أُجبتم قالوا لا علم لنا ?[المائدة:109] ؟
ومسألة الرسل من الله عن ما أجيبوا في يوم البعث، فمسئلة عن الله ذات حقيقة وحكمة ورحمة بَرِيَّةٍ من كل جهل وعبث، وإنما هي تقرير لهم ولأممهم وتعريف وتوقيف، وإبانة أنه لا يأخذ أممهم إلا بجرمهم لأنه هو الله الرحيم الرؤوف، وأنه علام ما خفي عن الرسل من غيرهم، فيما كان من الجواب لهم في حسناتهم وذنوبهم.
159- وسألت: عن قوله سبحانه لرسوله صلى الله عليه: ? فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرأون الكتاب من قبلكم ? [يونس:94] ؟

(2/524)


ليس قوله سبحانه: ? فإن كنت في شك ? أنه فيه، ولا أنه يشك في شيء مما نزله الله إليه، ولكنه تنزيه له من ذلك كله، وتثبيت ليقينه ولتفضله فيه على غيره، ألا ترى أنه يقال لمن كان موقنا يقينا صادقا، وكان فيما اعتقده منه كله معتقدا عقدا محقا، إن كنت يا هذا في شك من أمرك، فتثبَّت فيه بغيرك، فيغضب على من قال له ذلك ليقينه، كان موقنا بذلك في دنياه أو دينه، وقد يكون من أسباب اليقين لغيره برسالته، وما نزله الله عليه من حكمه وآياته، ما في أيدي أهل كتب الله من ذكره، وهدايته في دينه وأمره، فقال سبحانه: ? إن كنت ? ولم يقل إن كان غيرك ممن آمن أو لم يؤمن في شك أو ارتياب، فاسأل عن أمرك أهل الكتاب.
160- وسألت: عن قوله: ? يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم... ? الآية [المائدة:106] ؟

(2/525)


? شهادة بينكم ? هو الشهادة بينكم في قضاياهم وموارثيهم عند نزول الموت وحضوره، عندما يكون في ذلك للميت من أموره، أن يستشهدوا عند الموت شهيدين من أنفسهم، أو آخرَين من غيرهم، إن لم يحضر مسلمان عند الموت من غيرهم، لأنه ربما حضر الموت الرجل المسلم، في السفر أو غيره وليس عنده إلا كافر أو مجرم، فيضطر إلى شهادتهما، وإن هو لم يرض بهما، فإذا كانا معروفين في دينهما بالتحرج من الزور والظلم، استشهدا على الوصية وغيرها إذا لم يُظفر بمسلم، ? فإن عثر ? وهو: ظهر على أنهما آثمان، وأنهما ليسا بصادقين فيما عليه يشهدان، حبسا بعد صلاة من الصلوات، وحبسهما وقفهما فأقسما في وقت مما ذكر الله من الأوقات، و ? إن ارتبتم ? هو: ظننتم أنهما كذبا، فزادا أو نقصا، فَلْيَحلِفان بالله لا نشتري بشهادتنا وقولنا ثمنا، ولا نشهد بغير الحق لأحد ولو كان ذا قربى، ولئن فعلنا فكتمنا شهادتنا ? إنا إذا لمن الآثمين ?، يريد: إنا إذا لمن الظالمين، وفيما في الشهادة من الظلم، بالإخفاء لها في الكتم، ما يقول الله سبحانه: ? ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ? [البقرة:283]، فإن استحق أنهما كاذبان، حلف من المظلومين آخران.
161- وسألت يرحمك الله عن قول الله سبحانه: ? فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ? [طه:85] ؟
فقال: فتنهم في بلوى الله لهم من بعد موسى، بما كان من العمل فيهم، وإضلال السامري لهم، فهو بدعائه إياهم إلى ما قالوا به من العجل، أن يقولوا ? هذا إلهكم وإله موسى ? [طه:88]، وبما ألقى من القبضة التي أخذها من أثر الرسول، فنبذها في جوف العجل فخار، فكان لهم في ذلك من الفتنة ما كان، وكان قولهم في ذلك، ولما رأوا منه في العجل بما قالوا، فلما سمعوا صوت خواره ضلوا به، كما ضلوا إذ قالوا فيه بما قالوا.
162- وسألت: عن قول الله سبحانه: ? وما أنزل على الملكين ببابل... إلى قوله: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ? [البقرة:102] ؟

(2/526)


فقال: الأذن من الله في هذا الموضع هو التخلية، والاستطاعة التي جعلها الله في السامري والتقوية، وليس بإذن من الله ولا رضى.
163- وسألت: عن قوله: ? ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ? [البقرة:6-7] ؟
فقال: الختم من الله على قلوبهم وعلى سمعهم وما جعل على أبصارهم من الغشاوة كالران الذي قال الله: ? كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ?[المطففين:14]، والختم فهو الإقفال وهو الطبع، فمعنى هذه كله واحد فيهم، وهو بما وجب من لعنة الله عليهم.
164- وسألت: عن قوله: ? ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ? [الأنعام:25] ؟
فقال: والأكنة هي الحجب، وهي مثل الطبع والختم.
165- وسألت: عن قول الله سبحانه: ? ما أنتم عليه بفاتنين، إلا من هو صال الجحيم ? [الصافات:162-163] ؟
فقال: تقول الملائكة ما أنتم عليه بغالبين، ولا إليه بجارِّين، إلا من هو صال الجحيم، يقول لا يحببكم إليه، ولا يرضى قولكم فيه، إلا من هو أهل النار والعذاب الأليم.
166- وسألت: عن قوله: ? ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ? [المائدة:41] ؟
فقال: ومن يرد الله فتنته من بريته إِبتِلاه أو إِضلاله أو إِخزاه، ممن شآقه وعصاه، فلن تملك له من الله في ذلك شيئا، والملك في ذلك والقدرة لله وحده.
? لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ? يريد سبحانه: أنه لم يرد تزكية قلوبهم ولا تطييبها بما هم عليه من معصيته، لأنه إنما يُطيِّب ويزكي قلوب أهل طاعته، فأما من لم يرد توبته ولا أمره، فليس يزكي قلبه ولا يطهره.
167- وسألت: عن قول الله تعالى: ? فأين تذهبون، إن هو إلا ذكر للعالمين، لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاءون إلا أن يشاء الله ? [التكوير:26-29] ؟

(2/527)


فقال: ولذلك ما يشاء الاستقامة، إلا وقد شآءها الله قبله، ورضيها فيما نزل تبارك وتعالى وقواه عليها، ودله جل جلاله إليها.
168- وسألت: هل يصح الحديث الذي جاء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( الأئمة من قريش ) ؟
فقال: الأئمة كذلك كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الإسلام منهم، وهو صلى الله عليه وآله وسلم وولده وذريته فمن قريش لا من غيرهم.
169- وسألت: عن قوله سبحانه: ? قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون ? [الفتح:16] من هؤلاء ؟
فقال: هم هوازن، وهم أشد الناس بأسا، وقد قالوا: فارس والروم، وقالوا: بنوا حنيفة.
170- وسألت: ما تفسير الحديث الذي روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية ) ؟
فقال: المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، وغير ذلك من الأقاويل المختلفة لهم ما قد عرفت، القدرية فهم المجبرة.
171- وسألت: عن قوله سبحانه: ? يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ? [النساء:59] ؟
فقال: أولوا الأمر أمراء السرايا، وعلماء القبائل، وحلماء العشائر، والحكماء الذين يأمرون بالمعروف والهدى، وينهون عن الردى، لما أمروا بما أمر به رب العالمين. وأبرار آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلماؤهم، وهم فولاة الأمر منهم، لما فضلهم الله به على غيرهم، من قرابة رسول الله، ومشاركتهم لأهل البر فيه، فلهم من القرابة ما ليس لغيرهم، وهم شركاء الأبرار في برهم.
172- وسألت: هل ذهب من القرآن شيء وما يروى في المعوذتين ؟
فقال: المعوذتان من القرآن، وقال وكيف يذهب من القرآن شيء وقد قال الله: ? إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ? [الحجر:9]، وقال: ? قرآن مجيد في لوح محفوظ ? [البروج:22-23].

(2/528)


173- وسألت: عن أي سورة نزلت أولّ ما نزل من القرآن، وما نزل بمكة، وما نزل بالمدينة، وما آخر ما نزل من القرآن ؟
فقال: يقولون: أول ما نزل ? اقرأ باسم ربك ? [العلق:1]، وآخر ما نزل ? إذا جاء نصر الله ? [النصر:1]، وقد قيل: ? واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ? [البقرة:281] آخر آية.
174- وسألت: عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: ( أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) ؟
فقال: يقول أنت تكفيني ما كان كفى موسى في قومه عند مخرجه عنه، وكذلك أنت فيما خلفتك عليه بعد مخرجي من أمتي، ودار هجرتي، وإنما قال هذا في مخرجه إلى تبوك.
175- وسألت: عن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ومن كنت وليه فعلي وليه ) ؟
فقال: تأويله من كنت ناصره فعلي ناصره، وذلك أن المولى في لسان العرب هو النصير.
176- وسألت: عن قول الله عز وجل: ? لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ? [الفتح:18] ؟
فقال: ? لقد رضي الله عن المؤمنين ? فكل مؤمن زكي، بايعه مصطفى عند الله رضي، بايعه تحت الشجرة، فقد رضي الله عنه كما قال لا شريك له.
177- وسألت: عن قوله سبحانه: ? اليوم أكملت لكم دينكم ? [المائدة:3] ؟
فقال: إكمال الله لدينهم: فإسلامهم، ما فصل الله لهم في كتابه من حلالهم وحرامهم، وذلك بعد إكمال الله لا شريك له في تحريمه وتحليله، وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في حجة الوداع، والحج آخر ما نزلت فريضته.
178- وسألت: ما الذي ادعت فاطمة رضي الله عنها في فدك، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهبه لها في حياته، وشهد لها علي وأم أيمن وما ادعا أبو بكر ؟
فقال: ادعت فاطمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهب فدكا لها في حياته، وشهد لها به مؤمنان علي وأم أيمن.
179- وسألته: عن معنى خصومة علي والعباس إلى أبي بكر ثم إلى عمر فيما قد روي عنهما ؟

(2/529)


فقال: ليس هذا بشيء ولا يصح ولا يلتفت إليه، قد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفع إلى علي بغلته وفرسه ورمحه ودرعه وعمامته.
180- وسألته: هل كان أبو بكر وعمر في بعث أسامة بن زيد وكيف هذا ؟
فقال: قد كانا جميعا في جيشه وبعثه.
181- وسألته: كيف كان يأتي الوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟
فقال: كان إذا نظر إلى جبريل في أول نظرة يصيبه ما يصيبه، فأما الوحي من القرآن فإنما يقرأه عليه، فيأخذه من فيه لأن الله يقول: ? سنقرئك فلا تنسى ? [الأعلى:6]، وقال: ? إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ? [المزمل:5]، أي: كريما شريفا.
182- وسألته: ما ترى في شهادة أهل الخلاف وذبائحهم من المرجئة والمشبهة، والفساق وشربة الخمور، وفي أسواق العامة ؟
فقال: أما ذبائح أهل الملة كلهم فُتؤكل، إلا من كان لا ينفي عن الله التشبيه، فإني لا أحب أن تؤكل ذبيحته، وشهاداتهم إذا كانوا أهل ورع وأمانة، وإن كانوا أهل الخلاف فيجوز، إلا أنه قد ذكر أن الخطابية هم صنف من الروافض يتقارضون الشهادة فيما بينهم، فإن كانوا كما يذكر عنهم، فلا تجوز شهادتهم ولا نعمة عين.
183- وسألته: أين موضع الجنة والنار يوم القيامة ؟
فقال: خلقت الجنة والنار، وهما في غير سماء ولا أرض، ولو لم يخلقا لم يكن يقال: آخرة أنها قد خلت مع الدنيا.
184- وسألته: هل يصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( في ثقيف كذاب وميتم )، وهل يصح ما قيل في المختار إنه تنبأ ؟
وقال: ليس يصح في المختار ما يقولون، وقد كانت له أفعال وأيادي محمودة، وقد دعا له جميع آل محمد الرجال والنساء، حين بعث إليهم برأس عبيد الله بن زياد لعنة الله عليه.
185- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? فاسألوا أهل الذكر ?[النحل:43، الأنبياء:7] ومن هم ؟
فقال: أهل العلم والفقه، وقال وأهل الذكر: من نُزّل عليه كتبه من بني إسرائيل.
186- وسألته: ما معنى ما قالوا في اللوح والقلم ؟

(2/530)


فقال: واللوح المحفوظ فهو علم الله الذي قد أحاط بجميع ما كان وما يكون، ليس هنالك لوح ولا قلم.
187- وسألته: هل يخرج من دخل النار بعد مدخله فيها ؟
فقال: لا يخرج منها من دخلها، ولا يدخلها من المؤمنين الأبرار أحد، والله محمود، لأن الله ذكر أن من دخلها خالد فيها، ولم يذكر خروج أحد.
188- وسألته: هل أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أمير المؤمنين في الخلافة، وهل أكرهه القوم على بيعتهم ؟
فقال: قد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما يكون في أمته من بعده في كتاب الجفر، من الملوك إلى نزول عيسى بن مريم صلى الله عليه، وبما يكون في أمته من الإختلاف، ووصف كتاب الجفر، وذكر أنه تقطَّع وذَهَب وقد كان صار إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنيفة، ونسخته عند آل محمد يتوارثونه، وأما أمر القوم فقد عرفته، وما كان من تخليطهم والله المستعان.
189- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? وفي الأرض قطع متجاورات ? [الرعد:4] ؟
فقال: قطعة مالحة وقطعة لينة، وقطعة أعدى، وقطعة تسقى، وقطعة جَمال، وقطعة عمران، وقطعة خراب، بعضها إلى جنب بعض متجاورات، ثم وصف فوضع كفه في الأرض، ثم رفعها ووضع أيضا إلى جنب الموضع الذي كان وضعه أولا.
190- وسألته: عن عيسى عليه السلام ؟
وقد تعلم أرشدك الله أنه قد مات من قبل عيسى كثير ممن كذبه، ومات بعده كثير فكيف يؤمن به، ولم يحضر رجعته صلى الله عليه، ومن لم يدرك دهره. وحديث رجعته فما قد جآءت به الأخبار من أنه صلى الله عليه يرجع إلى الدنيا، نازلا من السماء، فيحتج الله سبحانه على خلقه بما أبلغهم أولا، ولرسوله محمد من الحق، ويحتج لمحمد صلى الله عليه بما أبلغ قومه فيه من الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه، من آيات الله وكتابه، ويأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه ويبين لهم ما حرفوا من كتب الله في محمد صلى الله عليه، والسلطان سلطان آل محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم.

(2/531)


وقالت المعتزلة: إنه لا يرجع إلى الدنيا وإنه توفاة الله، وتأولوا فيه قول الله لا شريك له: ? فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ? [المائدة:117]، وقوله: ? إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ? [آل عمران:55].
وقال: مَن خالفهم تأويل: ? إني متوفيك ? تسليمه له غير مجروح، ولا مكلوم ولا مصلوب، كما قال الذين لا يؤمنون إنه صلب وقتل، كذبهم الله تبارك وتعالى فقال: ? وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ? [ النساء: 157]، وأي القولين قيل، واحتج به محتج، فليس فيه بحمد الله ريعان ولا حرج، ولا تستكثر من الله تبارك وتعالى أي ذلك ما كان، لأن الله تبارك وتعالى ذو الحكمة والبيان.
191- وسألته: عن قول الله لا شريك له: ? الرحمن على العرش استوى ? [طه:5] ؟
فقال: هو مَلِكَ وعَلا، وكذلك تقول العرب فيمن ملك بلدا، وغلب ملكه فيه: إنه قد استوى عليه، إذ ملك وغلب فيه، وليس يتوهم ما ذكر الله من ذلك استواء مقعدٍ، ولا مشابهة في القعود بين الله وبين أحد، وكذلك ? ثم استوى إلى السماء ? [فصلت:11]، فهو عُلوُّه عليها، ونفاذ أمره وخلقه وصنعه فيها.
192- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? وكان عرشه على الماء ? [هود:7]، ? وسع كرسيه السموات والأرض ? [البقرة:255] ؟
فقال: العرش - رحمك الله - والكرسي فإنهما مُلك الله وسلطانه، كما العرش والكرسي مقعد كل مَلِك ومكانه، وليس يَتوهم من آمن بالله أن ما ذكر الله سبحانه من كرسيه وعرشه ككراسي خلقه وعروشهم، التي كانت تكون مقاعد لهم في ملكهم، ? وكان عرشه على الماء ? وكان ملك الله على الماء، إذ ليس إلا الماء، كما ملكه اليوم على الأرض والسماء، وعلى جميع ما فيهما من الأشياء.
وتأويل: ? كرسيه ? إنما هو: وسع ملكه السماوات والأرض، ووُسعُه لهما، إحاطته بهما، وقدرته عليهما، وعلى كل ما فيهما.
193- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ? [الشورى:51] ؟

(2/532)


فقال: ليس يتوهم عاقل أن احتجاب الله بارخاء ستر ولا بإغلاق، ولكنه كما قال سبحانه لعجز الأبصار عن دركه بالرؤية والعيان، إذ يقول سبحانه: ? لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ? [الأنعام:103]، وهذا فهو أحجب الحجب، ومالا يكون إلا الله تبارك وتعالى.
194- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ? [الأنبياء:69] هل كان ذلك من الله للنار كلاما ؟
فقال: هو مثل قول الله سبحانه: ? إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ? [النحل:40]، يخبر سبحانه أنه لا يمتنع عليه إذا أمر أمرٌ ولا كونٌ. وكذلك قوله: ? يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ?، إنما هو ما صيَّره الله فيها من النجاة والتسليم، كما قال سبحانه: ? وما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار ? [العنكبوت:24].
195- وسألت: عن قول الله سبحانه: ? للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ? [البقرة:226-227] ؟
فقال: المولي الحالف بالله أو ببعض الأيمان ألا يقرب أهله، فَأَنظَره الله أربعة أشهر وأجَّله، فإن فاء والفيء أن يرجع إلى مداناة أهله، كان ذلك له، وكان الله غفورا رحيما فيما أخطأ به على نفسه من اليمين، وإن مضى لحاجته، لم يكن له إضرار بزوجته، فإن عزم على فراقها، فإن الله سبحانه كما قال: ? سميع عليم ?، ولم يذكر الله في الإيلاء كفارة، ولكنه قال: ? فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ?.
196- وسألته: عن قول الله سبحانه، وجل عن كل شأن شأنه: ? وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ? [طه:108] ؟
فقال: خشوعها سكونها، وأما الهمس فهو حس الأقدام، الذي ليس معه صوت ولا كلام، لما يدخل قلوبهم من الرعب والخوف والفزع، ولما عاينوا عند ظهور آيات الله في القيامة من الأمر الهائل المستفظع.

(2/533)


197- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? ومن دونهما جنتان ? [الرحمن:62] ؟
هاتان أخروان بعد الجنتين المذكورتين، وهذه الجنان كلها فهي في الجنة، غير أنها مواضعُ تنعيم مرتبةٌ، والجنة تجمع هذه الجنان كلها.
198- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? والذين يرمون المحصنات ? [النور:4] ؟
فقال: يرمون يقذفون المحصنات بأن ينسبوا إليهن، الفاحشة التي لا تكون منهن، فأخبر الله سبحانه أن من قال فيهن، رميا لهن وكذبا عليهن، ثم لم يأت بشهود أربعة، وجب عليه الحد ثمانين جلدة، وسقطت منه العدالة، ولم تجز له شهادة، إلا أن يُحدث له توبة.
199- وسألته: عن قول الله لا شريك له: ? وأحسن نديا ? [مريم:73] ؟
فقال: الندي: المجلس، وكذلك الندي والنادي، ولذلك قال الله في لوط صلى الله عليه حين قال لقومه: ? وتأتون في ناديكم المنكر ? [العنكبوت:29]، يعني بالنادي: المجلس.
200- وسألته: [عن ] ? أو تسمع لهم ركزا ? [مريم:98] ؟
فقال: الركز هو: الحس.
201- وسألته: عن قول الله: ? ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ? [الأنبياء:35] ؟
فقال: في هذا ونحوه الاختبار، بالخير والشر، والخير ما يكون من الله ليس من أفعال العباد، الخير من ذلك: الخصب، وكثرة الأمطار، وصحة الزمان، ورخص الأسعار، وقلة الأمراض، وطول الأعمار، وكثرة الأولاد، وسعة الرزق، وزيادة الثمار. والشر أفعال أُخر: كالخوف والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، فطوبى للصابرين كما قال الله سبحانه: ? وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المفلحون ? [البقرة:155-156].
202- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ? [الأحزاب:33] ؟

(2/534)


فقال: الرجس الفعل الردي النجس من المعاصي والأدناس، والأسفاه التي تكون في بعض الناس، فأمر الله سبحانه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمر أهل بيته بتقواه وطاعته، وترك الرجس من جميع معصيته، بما أذهب عنهم من كل رجس أو دنس، وبعَّدهم به من كل معصية ونجس، وطهرهم كما قال الله سبحانه: ? تطهيرا ?، وجعل لهم بما نزل فيهم من هذه الآية ذكرا عليا وشرفا كبيرا.
203- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ? [البقرة:228] ؟
فهو ما جعل الله في الأرحام من طمثهن وحملهن، لأن ينقطع به ما بين الأزواج وبينهن إذا كان من أزواجهن، فينقطع بينهم الميراث والرجعة، وربما كرهت المرأة من زوجها المراجعة، التي للزوج عليها ملك ما لم تستكمل العدة ويكون رأي زوجها لو علم له منها بحمل أن يرتجعها، ويكون ذلك له عليها ما لم تضع حملها، فتكتم لكراهتها لزوجها، ما خلق الله من الولد في رحمها، حتى تضع وتلد، فلا يكون له عليها ملك ولا رد، فتكون بذلك لزوجها مضآرة وبه مضرة، وبأمر الله فيما أمرها به من ذلك غير مؤتمرة، وكذلك إن كتمت ما خلق الله في رحمها من طمثها وحيضها، الذي تنقضي به عدتها، وتزول نفقتها وموارثتها، كانت في ذلك كله لله عاصية، وعن أمره ونهيه عاتية.
204- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ? [النساء:4] ؟
فقال: صدقاتهن مهورهن، ومهورهن فأجورهن، ونحلة: فإنما هي هبة مسلمة لهن، فأمرهم الله أن يؤدوا ذلك إليهن، وجعله حقا عليهم لهن، لا يسعهم حبس شيء منه عنهن، إلا بطيب نفس منهن، أو هبة يهبنها للأزواج عن طيب من أنفسهن، فقال سبحانه: ? فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ? [النساء:4].
205- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ? [النساء:33] ؟

(2/535)


فقال: إن الموالي هم الولاة والقرابة المتوارثون، ولأنه قد يرث غير القريب، وإنما أراد الله بالموالي في هذه الآية كل نسب، ألا ترون أن الزوج والزوجة قد يرثان وإن لم يكن بينهما نسب، لأن لكل من كان [ كذلك ] حقا وحرمة ونسبا.
206- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ? [الأنعا:145] ؟
فإنما هو خلاف على اليهود فيما كانوا يحرمون ما لم يحرم الله من أشياء كانوا يحرمونها، وخلاف على أهل الجاهلية أيضا في تحريم أشياء كانوا يفترون على الله فيها الكذب فلا يستحلونها، وهي أشياء تكثر عن أن تعد فيما كتبنا لكم من هذا الكتاب، وليس مما يحتاج إليه فيما سألتم عنه من الجواب، وليس يحرم في مأكل ولا مطعم، إلا ما حرم الله في كتابه المحكم، ومن ذلك ما ذكر في هذه الآية وغيرها، من أشياء كثيرة لا يحتاج في جوابكم هذا إلى تفسيرها.
منها: أكل أموال اليتامى ظلما.
ومنها: أكل ما جعله الله من الربا محرما.

(2/536)


ومنها: أكل أموال الناس بالباطل، كثيرا مما نهى الله عن أكله لكل آكل، فقال سبحانه: ? ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ? [البقرة:188]، وقال سبحانه: ? يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون ? [آل عمران:130]، وقال سبحانه: ? ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ? [النساء: 29-30]، فحرم الله هذا كله إذا كان لمسلم ملكا ومالا، مواتا كان أو حيوانا، ولم يحرم سبحانه على طاعم أن يطعمه من حيوان الأنعام، إلا ما ذكر الله في الآية مما خصه بالذكر من الحرام، فأحل سبحانه ذلك كله مستحلا، ولم يحرم شيئا منه تحريما، فأحل ما حرم منه وفيه، لمن اضطر من المؤمنين إليه، وفي إجلاله لذلك وإفضاله، وما منَّ به فيه من جلاله، ما يقول سبحانه: ? فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ? [البقرة:173]، وليست المغفرة هاهنا من ذنب، ولا عن حرام مرتكب، ولكنها مغفرة تخفيف، ورحمة فيما وضع من التكليف.
207- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ? [هود:107-108] ؟

(2/537)


فهي سماوات الآخرة وأرضها الباقية، وليست سماوات هذه الدنيا ولا أرضها التي هي زائلة فانية. وأما ? إلا ما شاء ربك ? [هود:107-108]، فإنما هو [ إخبار ] عن قدرة الله على إفنائها إن شاء، وذلك فهو كذلك إذ كان هو الذي خلق وأنشأ، لأنه لا يقدر أحد أبدا على أن يُبقي شيئا تخليدَه وإبقاه، إلا من يقدر أن يفنيه فلم يشاء سبحانه إفناه، ولكنه شاء تخليده وإبقاه، وأخبر بقدرته إن شاء على الإفناء، كما قدر على الإبقاء، وأن أهل الجنة فيها بإبقائه لهم باقون، فإنهم خالدون فيها أبدا لا يفنون، وكما لا تفنى أرضهم فيها ولا سماؤهم، فلذلك لا يفنى - ما بقيت الجنة - بقاؤهم، والحمد لله الذي لا يخلف وعده، ولا يَخلد من الأشياء إلا ما خلَّده.
208- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ? [يس:12] ؟
فقال: فإنه يقول سبحانه في علم عليم، ولا يتوهم أن ذلك إمام من الكتب، وأن اللوح لوح من خشب، فإنما يراد بها ومثلها، إحاطة الله بعلمها كلها، لأن أحفظ ما يحفظ الآدميون، ما يوقعون في الكتب ويكتبون، فمثَّل الله ذلك لهم من علمه وحفظه بما يعرفون، وأخبرهم أن الذي عنده سبحانه من ذلك وفيه كله على خلاف ما يصفون، لفرق ما بينه وبين خلقه في كل صفة، وليعرفوه في ذلك كله من الفرق بما يجب من المعرفة.
209- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? سلام عليكم ? [الأنعام:54، الأعراف:46، الرعد:24، النحل:32، القصص:55، الزمر:73] ؟
فليست عليهم بتحية ولا تسليم، ولكنها جهرة لهم وقطعة بينه وبينهم وتكليم.
210- [ وسألت: عن ? والنجم والشجر يسجدان ? [الرحمن:6] ]؟
وأما ما سألت عنه من ? والنجم والشجر يسجدان ? [الرحمن:6]، فتأويله يخضعان لله ويذلان، بكل ما فيهما من أصل وفرع، أو مفترق من أفنانهما أو مجتمع.
211- وسألت في إثبات الإمامة عن الإمام هل تجوز الصلاة خلفه إذا كان موافقا في غيرها من أمر الدين ؟

(2/538)


فقال: إن الولاية واجبة من الله عز وجل بتنزيله في كتابه لكل فاضل على كل مفضول، ولكل عالم من الخلق على كل مجهول، وأولى الناس بها أقربهم إلى الله قربة، وأرفعهم عند الله منزلة ودرجة، وأولئك هم السابقون كما قال الله سبحانه: ? والسابقون السابقون أولئك المقربون ? [ الواقعة:10-11]، فأولاهم بها أقربهم إلى ربهم، وإمامهم فهو أعلمهم، وأعلمهم فهو أسبقهم إلى الإيمان والإحسان، وأعرفهم وأحكمهم بما نزل الله في الفرقان.
وفي ذلك وكذلك ما يقول الله سبحانه: ? وفوق كل ذي علم عليم ? [يوسف:76]، ويقول سبحانه: ? أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون ? [يونس:35]، في كل هذا يخبر أن الولاة والأئمة في كل قرن وزمان هم الذين يعلمون، وفي كل هذا وما لم يذكر من أمثاله مما نزل في الكتاب، دلالة بينة ظاهرة نيِّره لأولي الألباب.
وأما الصلاة فلا يجوز فيها أن يؤتم إلا بكل زكي، برٍّ بريء من الملاعب كلها والملاهي. ومن لم يعرض عن اللغو، وهو كل لعب ولهو، فليس من عباد الله، وعباد الله الذين ذكرهم بالإعراض عن اللغو فهم العباد لله، كما قال سبحانه: ? وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما... إلى قوله: والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما ? [الفرقان:63-72]، وقوله سبحانه: ? وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ? [القصص:55].
ومن الزور، ولهو الأمور، الغناء والدف، واللعب والعزف، وما يُعرض عن ذلك مَن سَمِعَه وحضَرَه، ولا من لم ينكر منكره. وقد ذُكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: ( صوتان ملعونان فاجران في الدنيا والآخرة، صوت عند نعمة، لعب ولهو ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة، خمش وجه وشق جيب ورنة شيطان ).

(2/539)


فمن اشتبه عليه مُدَّكر الإمامة، وما حكم الله به من ذلك على الأمة، ولم يدر أَفَرَضَ الله ذلك عليه أو لم يفرضه، ولم يعلم من ذلك ما يلزمه، فهو ضآل غير مهتدي، وأمره في ذلك مسخوط عند الله غير مرضي، لأن الله كلفه العلم كما كلفه العمل، فجهل من ذلك ما عُلم فعليه أن يتعلم ما جهل، فإن لم يفعل كان مقصرا، ولم يكن مهتديا ولا برا.
112- [ وسألته: عن لمس ] ثوب كافر أو جسد كافر وهو مبتلٌّ ؟
فقال: ? إنما المشركون نجس - كما قال الله سبحانه - فلا يقربوا المسجد الحرام ? [التوبة:28]، وهو في النجاسة كالدم المسفوح الكثير، وكالميتة ولحم الخنزير، وإن أصاب شيء من ذلك كله من المشرك أو غيره جسد مسلم أو ثوبه، أو مصلى مسلم أو مسجده، فبان في شيء من ذلك قذر أو نتن، ظاهر مبيَّن، غسل ذلك وطهَّرَ[ه]، كما يغسل البول والعذرة، وإن لم يَبِن من ذلك أثر، ولم يظهر به قذر، ولا نتن، كان كما لم يكن، وكما يبقى من ماء الغُدران، وما يكون في الأودية من ماء الأمطار، الذي يكون فيه الدم المسفوح الكثير، والميتة والجيف ولحم الخنزير، فلا يتبين في الماء أثر، ولا يظهر فيه نتن ولا قذر، فلا بأس بشربه، ولا في الوضوء به، لأن اسم الماء لازم له، وقد قال الله سبحانه: ? ماء طهورا ? [الفرقان:28]، وما لزم الماء اسمه، كانت له طهارته وحكمه، وقد ذُكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( كان يتوضىء من بئر بالمدينة يقال لها بضاعة، وكان يلقى فيها الميتة والجِيَف وخِرَق الحيضة )، لأنه لا يبين في البير، شيء من النتن والأقاذير، وكذلك ما مس المشرك أو لباسه، من ماء مسلم أو ثيابه، فليس على المسلم غسله ولا تطهيره، إلا أن يبين نتنه وقذره ويغيره، ولا ينبغي لمسلم أن يمس المشرك جسدا أو لباسا، لأن الله جعل المشركين أنجاسا، وليس ينبغي أن يمس المسلم ولا يلمسه، وقد ذكر عن بعض السلف الماضين منهم الحسن بن أبي الحسن البصري، أنه كان يتوضأ من مصافحة اليهود

(2/540)


والمجوس والنصارى، ولسنا نحن نوجب ما أوجب الحسن.
213- وسألته: عن رجل كان في حداثته وغرته، لا يتأهب لوضوء ولا يتنزه من بوله والخمر والمسكر، أيجب عليه أن يعيد ما صلى في تلك الحال ؟
قال: من كان كما قلت - رحمك الله - تاب إلى الله من ماضي إساءته وتقصيره، وحافظ فيما يستقبل على ما أمره الله بالمحافظة عليه من أمر الصلاة وغيره، وكان بذلك إن شاء الله مجتزيا، وفيما بينه وبين الله في التوبة مكتفيا.
214- وسألته: عن رجل ترك الصلاة في حداثته عشر سنين، وكان شارب مسكر ثم تاب، أيعيد الصلاة أم كيف يصنع ؟
فأجاب فقال: من ترك صلاته عشر سنين مُقِلاً كان في الترك أم مكثرا، تاب إلى الله فيما يستقبل من ترك صلاته، كما يتوب إلى الله من غير ذلك من سيئاته، وإن كانت توبته إلى الله من ذلك في نهار، صلى مثل ما ترك من صلاة النهار كله، وإن كانت توبته إلى الله من ذلك ليلا صلى مثل ما ترك من صلاة ليله، وليس عليه ما مضى من السنين، إذا تاب إلى الله رب العالمين، ولو لزمه قضاء الصلوات، لزمه قضاء غير ذلك من الفرائض الواجبات.
215- وسألته: عن رجل له أبوان وأولاد فساق، فماتوا أو مات منهم ميت أيستغفر لهم ؟
قال: من كان والده أو ولده فسقة أو فجرة، لم يحل له أن يستغفر لهم، لأن الاستغفار طلب وشفاعة، وقد قال الله سبحانه في الملائكة الذين اصطفاهم: ? ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ?، وقال سبحانه في إبراهيم صلوات الله عليه: ? وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ? [التوبة:114].

(2/541)


وقال سبحانه: ? ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ? [التوبة:113]، فكذلك الاستغفار لا يحل لمن وعده الله بالعذاب الأليم، لأن في ذلك طلبا لإخلاف الوعد والوعيد، ولا يجوز طلب ذلك من الله الولي الحميد المجيد، الذي لا يخلف وعده، ولا يظلم أبدا عبده، ولا تستوي منزلة الأبرار والفجار عنده، كما قال سبحانه: ? أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ? [ص:28]، وقال سبحانه: ? أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون ? [القلم:35-36]، يريد سبحانه: ما لكم لا تفقهون ولا تعلمون.
216- وسألته: عن رجل مات وعليه صلوات كثيرة فاتته، أيقضيها عنه ولده من بعده ؟
قال: الصلاة - يرحمك الله - لا يقضيها ولد عن والد، ولا أحد من الناس كلهم عن أحد، لأن الصلاة لا تكون أبدا إلا من مصليها، ومَن قصد إلى الله بها وخشع فيها، وليست كالحج لأن الحج له بُلغةٌ ومعونة، وفي الحج نفقة للحاج وكلفة ومئونة.
217- وسألته: عن رجل له قرابات فسقة لا يصلون ولا يصلحون، أيقطعهم أم يصلهم، فإن قطعهم أيكون قاطعا لرحمه أم لا ؟
قال: ليس لأحد من المؤمنين أن يوآد أحدا من الفاسقين، كان أبا أو ابنا أو أخا أو قرابة، لقول الله سبحانه: ? لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم ? [المجادلة:22]، ولقوله سبحانه: ? فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ? [النجم:29]، والإعراض: فهو الهجرة والمجابنة، وسواء في ذلك القرابة وغير القرابة.
218- وسألته: عن الأعجمي الذي لا يقيم القراءة، وعن المرأة التي لا تحسن القرآن، أتجزي عنهم صلاة ؟

(2/542)


قال: على الأعجمي - رحمك الله - وعلى النساء الأعجميات أن يقرأوا في صلاتهم ما تيسر من القرآن بالعربية، لأن الله سبحانه يقول: ? فاقرأوا ما تيسر من القرآن ? [المزمل:20].
219- وسألته: عن رجل له جيران فساق يعلنون الشرب، ويأتون المنكر، فإن أنكر عليهم ساءوه وآذوه، أيجوز له الكف عنهم ؟
قال: ينكر المنكر على من أتاه، وإن ذلك خالفه وأسخطه وساه، إلا أن يتقي منه تقية، أو يخشى منه مضرة أو بلية، لقول الله سبحانه: ? لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ? [آل عمران:28].
220- وسألته: عن رجل صلى خلف إمام مخالف، أيقتدي بصلاته أم كيف يصنع ؟
قال: من صلى مع إمام لا يُقتدى به لم يصل بصلاته، وصلى صلاته لنفسه، وكذلك كان يفعل الصالحون من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لأن المصلي إنما يصلي صلاته على عقدة ونية وعلى مهله، فإن صلى الصلاة بغير ذلك لم يكن له صلاة، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( لا يؤمن فاجر برا، ولا أعرابي مهاجرا )، وقال صلى الله عليه: ( إن سركم أن تزكو صلاتكم فقدموا خياركم )، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( صلاتكم صلاة إمامكم، إن صلى قاعدا فصلوا قعودا، وإن صلى قائما فصلوا قياما )، وإذا لم يقبل صلاة الإمام لم يقبل صلاة من خلفه، وإنما يقبل صلاة من اتقاه وخافه، والتقوى هي الإيمان، والبر والإحسان، ولا يثبت الإيمان بحكمه ولا باسمه، إلا لمن عرف به، والمعرفة بذلك فلا تكون إلا بأحد الوجوه الثلاثة، إما بعيان لذلك ومشاهدة، وإما بأخبار متَواترة مترافدة، وإما بخبر من ذي ديانة، وثقة وطهارة وأمانة، فمن لم يكن معرفة إيمانه بأحد هذه الوجوه الثلاثة الموصوفة، لم يكن حقيقة إيمانه أبدا عند أحد بمعلومة ولا معروفة.
221- سئل: لأي معنى كره حف الشوارب ؟

(2/543)


فقال: لما جاء في ذلك عندنا من الأثر، ولما فيه من تسوية البشر، ولكن يؤخذ أخذا وسطا، لا مقصرا ولا مفرطا، ففيه إن شاء الله ما كفى وأغنى.
222- وسألته: عن معنى: لا حول ولا قوة إلا بالله ؟
فقال: لا حول: لا زوال ولا انتقال، ولا قوة يريد لا احتيال إلا بالله وبقوته، لمن قوي أو حال في كل شيء من علمه، فكل ما كان فيه من قوة لذلك أو غلبة، فبالله سبحانه كانت.
223- وسئل: عن التلبية ؟
فقال:] ويقول في التلبية إن الحمد والنِّعمة لك. يعني بالكسر.
224- وسألته: هل على النساء الجهر في القراءة في الصلاة التي يجهر فيها ؟
فقال: لا يجهرن النساء من القراءة فيما يجهر فيه، إلا بقدر ما يسمعن أنفسهن ولا يسمعه غيرهن، لأن خفضهن لأصواتهن من سرهن.
225- وسألته: كيف يكره الصلاة على اللبود والمسوح والسجود عليها، ولا يكره لباسها ؟!
فقال: يكره ذلك لأن من التذلل لله وضع الوجه والجبين على الأرض وقرارها وترابها، لأن السجود إنما هو تذلل لله سبحانه، وخشوع من العبد فيما بينه وبين الله عز وجل، وإن صلى على شيء مما ذكرت، فلا نزعم أن صلاته فاسدة، ولا أن عليه الإعادة.
226- [ وسئل: عن فرش القبر للميت ]؟
فقال : لا يدخل الميت لحده إلا في أكفانه، وقد سمعنا ما سمعت، يعني: حديث ( القطيفة التي بسطت في لحد النبي صلى الله عليه وآله وسلم )، وليس كل ما يروى يصح، وقد يكون أن يوضع فيه القطيفة وغيرها، ثم ترفع عنه.
227- وسألته: هل تحتجب المرأة الشابة عن من ليس لها بمحرم ؟
فقال: تفعل المرأة من ذلك إن شاء الله، ما أجاز الله لها في كتابه.
228- [ وسئل: عن ولاية عقود النساء] من العربيات ؟
قال: الأمر في ذلك إلى الأولياء، وإليهن في ذلك السخط والرضى.
229- [ وسئل: عن المصاحف هل فيها اختلاف] ؟

(2/544)


فقال رضي الله عنه: رأيت المصحف بخط علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وفيه أيضا خط سلمان والمقداد، وهو كما أنزل، وهو عند بعض ولد الحسن، وإن ظهر الإمام فستقرأونه، وليس بين ذلك وبين الذي في أيدينا زيادة ولا نقصان، إلا مثل: قاتلوا اقتلوا وأشباهه، لا في تقديم السور وتأخيرها.
230- وسألته: عن الماء على الطرقات فيشرب منه المؤمن والفاسق أيؤجر على ذلك ؟
فقال: يؤجر إن شاء الله، وقد ذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( في كل ذي كبد حرى أجر )، وقد سقى الله الناس من قبل الإسلام.
231- وسألته: عن مرارة الذئب، والسباع، وكل ذي مخلب من الطير ؟
فقال: لا بأس إذا تعولج بها وتداوى، وكان فيها شفاء، وأما الحدأ والخنزير فلا ينتفع بهما، فذاتهما محرمان.
232- وسألته: عن الثياب التي تشترى من الأسواق، من قوم ليست لهم معرفة، أيغسل ذلك أم لا ؟
قال: إذا كانت نقية ليس فيها دنس، اكتفي بنقائها.
233- وسألته: عن الكفار وأهل الكتاب حرام علينا طعامهم وشرابهم ونكاحهم ؟
فقال: لا يأثم أحد في قُوتِه وقوامه، إذا أخذه من حلاله، وإنما الإثم في الإفساد والإفراط.
وأما النكاح فلم يحله الله إلا بالإسلام والملة.
234- وسألته: عن الأخفاف التي تشترى من الأسواق والصلاة فيها، لا يُدرى ذكية أم غير ذكية، وكذلك اشتراء السمن والزيت في زقاق أو ديابي، لا يُدرى كيف كان أصل التذكية، هل يجوز أكل هذه الأشياء والإصطباع بها ؟
فقال: أما الأخفاف فإذا خاف ألا تكون ذكية، كان الذي هو أفضل عندنا وعند آل رسول الله كلهم جميعا، ألا يصلى فيها ولا يتوجه ولا يُشترى، وما كان من السمن والعسل والزيت وغيرها من إدام أو طعام، فلا بأس أن يشترى إلا أن يتغير أو يتبين فيه أثر أو قذر.
235- وسألته: عن رجل له وُلد يخالفونه في الرأي والدين، هل يجوز له أن يحرمهم ميراثه ويزويه عنهم ؟

(2/545)


فقال: إذا خالفوه في التوحيد، وشبهوا خالقهم بشيء من خلقه، فَنَعَم إن قدر أن يحرمهم ويزويه عنهم، وإن كان عند الله سبحانه أعدل وأولى.
236- وسئل: عن الخمس في أموال الناس، من هذه الفتوح التي كانت ولا تزال في أيدي المسلمين، لم يخرجوا منها الخمس من سهم آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعطوا ؟
فقال: ليس على أحد في ماله من عين أو أرض أو عقار، إلا ما فرض الله عليه من الزكاة من الفرض، ولا يعمل حتى يقوم إمام عدل فيدفعها إليه، أو يتحرى صاحبُها أهلَها فيدفع إليهم الزكاة، وأما الأخماس فهي لآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
237- وسألته: عن آدم صلى الله عليه حيث أسكنه الله الجنة، ما كانت الجنة مخلوقة أم لا ؟
فقال: الجنة مخلوقة في غير سماء ولا أرض، وقد أسكن الله آدم وزوجته الجنة، وأخرجهما منها بعصيانهما وأكلهما الشجرة.
238- وسألته: عن الذبيح أهو إسماعيل أو إسحاق ؟
فقال: قد صح أنه إسماعيل، على ما في كتاب الله من التنزيل، لأن الذبح والقربان بمنى، وفي ذلك دليل على أنه إسماعيل، لأنه كان بمنى وإسحاق يومئذ بالشام، إلا أن اليهود تأبى وتزعم أن الذبيح إسحاق، وليس قولهم في ذلك محمودا.
239- وسألته: عن بلد فُتح بالسلطان الجائر، ولا يُدرى كيف فُتح عنوة أو صلحا، إلا أنا وجدنا أرضها ودورها في أيدي آبائنا، وورثناها عن الآباء واشتريناها، والسلطان قد وضع عليها خراجا معلوما يأخذه منها في كل سنة، فهل يجوز ما يأخذ السلطان منه أن يحتسبه من العشر، فإنه إذا أعطى السلطان العشر، لم يبق ما يكفيه لعياله وهو ذو عيال ؟

(2/546)


فقال: أما ما وُرث من الآباء وراثة، ولم يكن الأمور في فساده بيَّنة، فمِلكُه لأهله ولمن ورثه، وأما العشر فما أخرجت الأرض على من ملك من مسلم فلازم، وترك ذلك والتقصير فيه على صاحبه مُحرَّم، وما أخذ من ذلك مَن لا يستأهل الأخذ فهو واجب العشر على صاحبه فيما بقي في يديه، ولا يُزكى ما أخذ السلطان، وقد قال بعض القائلين: عليه العشر، في الجميع، وكيف يجب العشر في ما لم يملكه وما قد غُصِبَ عليه، وأُخذ من يديه، وإنما جعل الله العشر في ما يملكون.
240- وسألته: عن الإسلام ؟
فقال: هو الاستسلام لله، والاعتصام بالله، قال الله لا شريك له، في إبراهيم صلى الله عليه: ? أسلم قال أسلمت لرب العالمين ? [البقرة:131].
241- سُؤِِلَ أبي رحمة الله عليه ورضوانه ذات يوم: ما الإيمان ؟
فقال: الإيمان معناه معنى الأمان من كبار العصيان، التي من أتاها وعده الله عليها النار، وسماه بفجوره من الفجار.
والإيمان كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه ورضوانه وصلواته: ( قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول ).
242- وسألته: عن الإيمان ؟
فقال: هو الأمان من كبائر العصيان، من الشرك وغيره، من كل ما وعد الله عليه - مَن ركبه وسمى به من أتاه من الفجار - النارَ.
243- وسألته: عن الضحية للمفرد ؟
فقال: أَحبُّ إلي أن يضحي إلا إن يكون معسرا، وليس بلازم له.
244- وسئل: عن التوجه إلى بيت المقدس ؟
فقال:] إنها كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس بضع عشر شهرا إلا إنها كانت قبلة بني إسرائيل، ثم نقل الله القبلة إلى بيته الحرام، وهي قِبلة الإسلام ما بقي الإسلام ؟
245- [ وسئل: عن الإمام ]؟

(2/547)


فقال: ليس لإمام أن يقول: إني إمام، لأن هذا إنما يكون للرسول عليه السلام، ولذلك لم يقل علي صلوات الله عليه: إني إمام، لإشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكثرة دلائله عليه، ولما بان به وسبق إليه، وكذلك الإمام بعده له آية تدل عليه، وهي العلم والبيان، والسبق إلى الخيرات، والدعاء إلى الله والقيام بأمره.
246- [ وسئل: عن صفة صلاة علي عليه السلام ؟
فقال: ] حدثني محمد بن حاتم قال: قال أبو محمد قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه لعبد الله بن جعفر : إذا قمت إلى الصلاة فارفع بصرك موضع سجودك، ثم تستفتح بالقراءة، فتجعل لسانك ترجمانا لقلبك، ولا يغب قلبك عما يقول لسانك، لا تعنى بشيء من شأنك، إلا بما أنت فيه من صلاتك، ولا تذكر في تلاوتك غير ما تتلوه، ويكون همك الآية التي تتلوها، فإذا فرغت من القراءة وصرت إلى الركوع، لم تذكر إلا التكبير وحسن الخضوع، وكذلك إذا اعتدلت في القيام لم تذكر إلا الركوع، وكان ذكرك السجود، فإذا فرغت من ركعة حفظتها، ثم ابتدأت الأخرى تصنع فيها كما صنعت في الأولى، لا تذكر غير قراءتك وغير حفظك، لأن الصلاة لا بد لها أن تُحصى لا يزاد فيها ولا ينقص منها، حتى تؤدي إلى الله عز وجل فرضك، كما أمرك بعونه وتوفيقه.
247- وسألته: عن من وجب عليه حد من حدود الله، وليس به إمام يحده كيف يصنع ؟
قال: يتوب إلى الله فيما بينه وبينه، ومن تاب إلى الله من ذلك كان مجزيا له إن شاء الله، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذُكر عنه أنه قال: ( من أتى شيئا من هذه القاذورة فيستتر بستر الله، وليتب منها إلى الله ).
248- وسألته: عن أموال الجند وأعوان الظلمة وأنفسهم ؟
فقال: أما ما كان من أموالهم التي كانت لهم وراثة قد أحرزوها في بيوتهم، فلا يحل أخذها إلا أن يكون مال من أموال الله قد عرف أنه لله، فيحكم فيه الإمام بحكم الله، وسنةُ أمير المؤمنين صلوات الله عليه جارية من يوم الجمل.

(2/548)


249- وسألته: عن نحل لرجل ثارت فذهبت، فأخذها رجل فجمعها، فجاء صاحبها الأول يطلبها ؟
فقال: النحل ذباب ليس كسائر ما ملَّك الله العبادَ من أموالهم، وأرجو ألا يكون على مَن أخذها بأس، وإن نوزع رجل فردها على صاحبها فهو أفضل إن شاء الله.
250- وسألته: عن أكل الحوت الذي يسمى الطير، وما أشبهها من الحيتان ؟
فقال: هو حلال طيب لا بأس به، وهو من صيد البحر الذي أحله [ الله] للعباد.
251- وسألته: عن مَن هدم مدينة من مدائن المسلمين بأمرِ كافر، وفيها ركز بيوت شرائهم أو عمل في هدمها ؟
فقال: إذا اتقى وخاف ولم يكن إلا المحضر ولم يهدم ولم يفسد، لم يكن عليه في ذلك شيء، فإن هدم وأفسد شيئا لأحد يعرفه فيستحله منه أو يصالحه، وإن لم يعرفه ولم يدر لمن هو تاب إلى الله في ما بينه وبينه، وسلم إن شاء الله من الإثم بتوبته.
252- وسألته: عن رجل فاتته صلاة حتى دخل وقت غيرها بأيهما يبدأ ؟
فقال: يبدأ إن شاء الله بالتي دخل فيها، ثم يصلي مثل الصلاة التي قبلها.
253- وسألته: عن الرجل يكون عنده الوديعة فيقلبها ويضمنها ويربح فيها، لمن يكون ربحها ؟
فقال: أحب شيء إلي إن فعله، ألا يكون شيء من الربح له، لأن الوديعة ليست له بمال، وكذلك ما نال بها فليس له بمال، وليس لصاحب الوديعة أن يقلبها إلا برضى صاحبها وإذنه، لأن تقليبه لها مخاطرة وظلم واعتداء، ويدفع الربح إلى الإمام فيفعل الإمام فيه ما يرى.
254- وسألته: [ عن قريش وفارس ؟
فقال:] إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( لله خيرتان من علمه من الناس، فخيرته من العرب قريش، وخيرته من العجم فارس ).
قال: وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( والذي نفسي بيده لو كان الدين منوطا بالثريا لنالته رجال من فارس، وأسعدهم به فارس ).
255- وسألته: [ عن نكاح نساء العجم ؟
فقال: ] ذُكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لبني هاشم: ( اطلبوا الولد في نساء العجم فإن في أرحامهن بركة ).

(2/549)


256- وسألته: عن من حج وهو فاسق في دين الله ؟
فقال: حجته غير مجزية له، ولا يقبلها عنه، لقول الله سبحانه: ? إنما يتقبل الله من المتقين ? [المائدة:27]، وليس بمتقي من كان الفاسقين.
257- وسألته: عن البيعة ؟
فقال: لا تجوز البيعة إلا لإمام قد بان بعلمه وفضله وثباته، وقال لا يجوز الغزو مع من ظلم وتعدى، لأن الغازي معه عون من أعوانه، على ما هو عليه من إفساده وعمايته.
258- وسألته: هل يجوز أن يختلف إمامان في عصر واحد ؟
فقال: لا يكون هذا أبدا.
وهل يجوز أن يتساويا في عصر في حكم واحد في كل الخصال، لا يفضل أحدهما صاحبه، فيستوجبان الإمامة ؟
فقال: هذا لا يكون أبدا، وفي بطلان هذا ما قال الله لا شريك له: ? وفوق كل ذي علم عليم ? [يوسف:76].
259- وسألته: متى يلزمني فرضه ؟
فقال: إذا عرفته فقد لزمك فرضه.
فقلت: الإمام يُعرِّف الناس بنفسه ؟
قال: يعرِّف الناس بنفسه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والواجب على الناس أن يطلبوه في معدنه.
قلت: فأين معدنه ؟
قال: آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يكون أزهدهم وأعلمهم وأوروعهم، ويبين نفسه بالدعوة إلى الحق.
260- وسألته: عن الأرض هل تخلو من قائم لله بحجة ؟
فقال: لا تخلو من قائم لله بحجة، وذلك بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ كانت النبوة ختمت به.

(2/550)


وقال أبو عبد الله محمد بن القاسم: كان أبي رضي الله عنه يقول في هذه المسألة: إن الأرض لا تخلو من حجة لله، والحجة عنده كتب الله وحقائق برهانه، وهذه حجة الله على جميع خلقه، وإنه لا بد أيضا في كل قرن من أن يكون فيهم عالم هو أفضلهم وأعلمهم، وإن لم يبلغ علم مَن مضى قبله، فهو في أيامه ودهره في فهمه وعلمه، وإن قصر [ عن ] مبلغ أفاضل العلماء من آل النبي الذين مضوا، في ما تقدم في أول الإسلام وخلا، لأنه لا يقول أحد يعقل وينصف: أن كان بعد علي عليه السلام من علماء آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، [من] كان من العلم والفقه على مثل ما كان عليٌّ صلى الله عليه قد أحاط به وآتاه، كما لم يكن علي عليه السلام في فضل علمه، يبلغ ما آتى الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من فضائل الحكمة والعلم والفضل في جميع أحواله.

(2/551)


وأما ما كان يروى: ( أن من مات لا إمام له مات ميتة جاهلية )، فتفسيره واضح مشروح، أن الله قد فرض على خلقه في كل حين، إقامة أحكامه وشرائعه التي نزل في كتابه وسنن نبيه، ولا يقيم ما فرض الله من الأحكام إلا أن يحكم بها الإمام، فإن لم يكن إمام يقيمها ويحكم بها، كان على الناس طلبه حتى يقيموه للأحكام وينفذها، فإذا كانت دار الإسلام قد علت عليها أئمة الجور، لزم أهل الإسلام مجاهدتهم وإزالتهم حتى يقيموا إماما عدلاً، يؤمهم ويقيم أحكامهم عليهم، وينفذ مقاسم الفيء التي أمر الله بقسمها فيهم، فإن كان الغالب عليهم الجورة من الأئمة الظلمة، كان الفرض من الله فيهم المحاربة والمجاهدة، فإنما الناس أبدا بين أمرين، إما إن يكون مع إمام حق يقوم بأحكام الله في الدين، فيكونوا مؤتمين بإمام حق ورشد في الدين، وإن كانوا في دولة الظالمين العاصين، فيلزمهم أن يكونوا لهم مجاهدين محاربين، فهم أيضا في هذه الحال مأمومين، والناس في كل حين بين فريضتين من الله لازمتين، فيما حكم الله به من أحكام الدين، فرضِ طاعةِ إمام حق إن كان ظاهرا قائما، أو فرضِ مجاهدةِ إمام جور إذا كان عاليا ظالما.
261- وسألته: من أين جاء فساد إمامين في عصر واحد ؟
فقال: أما الإمامان فلا يخلوان من أن يكون أحدهما أفضل من الآخر، فيكون المفضول بفضل الآخر عليه قد زالت إمامته، ويلزمه تقديم الفاضل في الدين والعلم وطاعته، وذلك أن الله يقول في كتابه: ? وفوق كل ذي علم عليم ? [يوسف:76]، وفي هذه المسألة جواب يكتفي به من كان ذا لب شافي، لأنه واضح مبين مفهوم كافي.
عن أبي إدريس، عن أبي الجحاف قال: قال علي رضي الله عنه: ( من مات ليس له إمام مات ميتة جاهلية إذا كان حرا تقيا ).

(2/552)


عن أبي جعفر أنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين رجع من غزوة حنين وأنزلت عليه ? إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ?[الفتح:1-2]: ( يا علي ويا فاطمة قد جاء نصر والله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبحان ربي وبحمده إنه كان توابا، وإني لم أُؤمر أن أسبح ربي وأستغفره إلا لما حضرني من لقاء ربي ).
ثم أنزلت على إثرها ? ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ? [العنبكوت:2-3]، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي ويا فاطمة إن الله قد فصل الفتنة على الذين يقولون: إنا لنعلم الذين صدقوا في قولهم، ونعلم الكاذبين في إيمانهم، فهذا وعد واقع واجب.
ثم أنزلت ? أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ? [ العنكبوت: 4]، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي ويا فاطمة قد علم الرب أن أقواما من بعدي عند الفتنة سيعملون السيئات ويحسبون أنهم سابقون.
فقال علي رحمة الله عليه: فكيف يحسبون أنهم يسبقون يا رسول الله ومن ورائهم الموت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي إنهم لم يسبقوا قضاء الله الذي قضى فيهم الموت.
ثم أنزل ? من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ? [ العنكبوت: 5]، بحق أن من رجا لقاء الله أن يستعد لأجَلِ الله، وأن يكون تائبا تابعا لطاعته، مجتنبا لخلاف الله ومعصيته، وأن يعلم أن الله يعلم ما يعمل، ويسمع ما يقول، ولذلك قال الله سبحانه: ? وهو السميع العليم ?.

(2/553)


ثم أنزل الله ? من جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين ? [العنبكوت: 6]، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد قضى الله على المؤمنين عند الفتنة بعدي الجهاد. فقال علي: يا رسول الله على ما يُجاهد الذين يقولون آمنا ؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تُجاهدونهم على الإحداث في الدين. فقال علي: يا رسول الله إنك تقول تجاهدونهم كأني سأبقى بعدك إلى مجيء الفتنة، فأعوذ بالله والرسول أن أؤخر بعدك، فادع إلى ربك أن يتوفاني قبل ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه: ما كنتَ حقيقا أن تأمرني أن أدعو الله لك أن يقدم أجلك قبل ما أجَّل الله وقضى! والله يقول سبحانه: ? وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ? [آل عمران:145].
فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله فما هذه الأحداث التي نجاهدهم عليها ؟ قال: ما خالف القرآن وخالف سنتي، إذا عملوا في الدين بغير الدين، وإنما الدين أمر الرب ونهيه.
قال علي: يا رسول الله فإنك قلت يوم أحد إذ استشهد من المؤمنين من استشهد فأُخِّرت عني الشهادة فرأيت وجدي وأسفي: إن الشهادة من ورائك. فقال رسول الله صلى الله عليه: فإن ذلك إن شاء الله كذلك. وكيف ترى صبرك إذا خضبت هذه من هذا وأهوى بيده إلى لحيته ورأسه ؟!
فقال علي رضي الله عنه: ليس ذلك يا رسول الله حينئذ من مواطن الصبر، ولكنه من مواطن البشرى والشكر.

(2/554)


فقال رسول الله صلى الله عليه: فأعدد قبل خصومتك فإنك مخاصِم. فقال علي عليه السلام: يا رسول الله أرشدني إلى الفلج عند الخصومة ؟! فقال رسول الله صلى الله عليه: آثرِ الهدى، واعطفه على الهوى من بعدي، إذا عطف قومك الهوى على الهدى وآثروه، واعطف القرآن على الرأي، إذا عطف قومك الرأي على القرآن، وحرفوا الكلم عن مواضعه بالأهواء العارضة، والآمال الطامحة، والأفئدة الناكثة، والغش المطوي، والإفك المؤذي، والغفلة عن ذكر الموت والمعاد، فلا يكونن خصومك أولى بالقرآن منك، فإن مِن الفلج في الدنيا أن يخالف خصمك سنة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن يخالف القرآن بعمله، يقول الحق ويعمل بالباطل، وعند ذلك يُملأ لهم ليزدادوا إثما، ويضلوا ضلالا كبيرا، وعند ذلك لا يدين الناس بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يكون فيهم شهداء لله بالحق، وعند ذلك يتفاخرون بأموالهم وأنسابهم، ويزكون أنفسهم، ويتمنون رحمة ربهم، ويستحلون الحرام والمعاصي بالشبهات والأسماء الكاذبة، ويستحلون الربا بالبيع، والخمر بالنبيذ، والنجس بالزكاة، والسحت بالهدية، ويظهرون الباطل، ويتعاونون على أمرهم، ويزينون الجهلاء، ويفتنون العلماء من أولي الألباب، ويتخذونهم سخريا.
فقال علي: يا رسول الله بمنزلة ردة هم إذا فعلوا ذلك، أبمنزلة فتنة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بل بمنزلة فتنة، لو كانوا بمنزلة ردة أتاهم رسول من بعدي يدعوهم إلى الرجعة من بعد الردة، ولكنها فتنة يستنقذهم الله منها إذا تأخرت آجال السعداء، بأولياء من أولياء الله فيهديهم بهم، ويُهتدى بهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
فقال علي عليه السلام: من آل محمد الهداة أو من غيرهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بل بنا يختم الله كما فتح بنا، وبنا ينقذون من الفتنة، كما بنا أُنقذوا من الشرك، بعد عداوة الشرك فصاروا إخوانا في دينهم.

(2/555)


262- [ وسئل:] عن من وطي امرأته في شهر رمضان ما عليه ؟
فقال: قد قيل نصف قُوتِه سنة، إلا أنه يلزمه حق الله في غلته.
263- [ وسئل:] أيحل له أخذ الزكاة والعشر، إذا كان فيها دخل عليه من غلة أرضه، أو يجب عليه بيع أرضه من الأصل كلها، حتى لا يبقى له قليل ولا كثير ؟
فقال: يحل له أخذ العشر والزكاة إذا احتاج إليها، وإن كان له مال، أو لم يكن له مال، وليس له أن يبيع جميع ماله، ويهلك نفسه.
264- وسئل: هل في الحيوان مثل البغال والحمير وغيرها من جميع الدواب شفعة ؟
قال: نعم، في كل ذلك شفعة، لأن الشريك أحق بذلك إذا أراد من غيره، لما له فيها من الشركة، فالواجب على من باع أن يعرض على شريكه إذا عزم يبيعها.
265- وسئل: هل يجب للمرأة شرب الدواء لأن لا تلد، ويسقي الرجل أَمَتَه لئلا تلد، ويشرب الرجل ليقطع شهوته ؟
فقال: لا يجوز لهم ذلك.
266- وسئل: عن من يقول بالتوحيد والعدل وامرأته لا تقول به ؟
فقال: ينبغي له أن يدعو امرأته جاهدا إلى التوحيد لله والإقرار بعدله، وليست المعانِدة في ذلك كالجاهلة، لأن المعانَدة، إباء وإلواء، والجاهلة غلط وخطأ، وقد يتوب المخطئ من خطئه، ويقبل من المهتدين من الهدى ما هو عليه من رأيه، والمعاند الذي لا يقبل ما يُلقى إليه من الحق في توحيد الله، ليس كالجاهل الذي يتوب من جهله، وينيب إلى الحق بعد ضلاله.
267- وسئل: عن رجل تزوج بامرأة وهما على غير ما ينبغي من الاستقامة، من الجهل بمعرفة الله، وغير ذلك مما لا يرضي الله، ثم تابا ورجعا أيجب عليهما تجديد النكاح أم لا ؟
قال: هما على نكاحهما الأول ثابتان، لأن النكاح إنما يثبت بالأولياء ويصح، والدليل على ذلك الواضح: أن رسول الله صلى الله عليه أقر جميع من أسلم من أصحابه، وكل من دخل من العرب وغيرهم في دينه، على نكاحهم الأول، ولم يأمر بأن يغير ولا يحدث ولا يبدل، وفي هذا ما كفى، في ما سألت عنه وشفا.

(2/556)


268- وسئل: عن من ركب كبائر العصيان أيزول عنه اسم الايمان ؟
فقال: من ركب كبائر العصيان، زال عنه اسم الايمان.
269- وسئل: عن رجل أوصى إليه رجل أن يحج عنه من مال الموصي، فلم يفعل الرجل حتى جاء السلطان الجائر فأخذ المال منه ؟
فقال: قد أثم هذا الرجل، وظلم نفسه في ترك إنفاذ وصية الموصي، حتى أخذها واغتصبها الظالم العاصي، فَأَسلَمُ له فيما بينه وبين ربه أن يبدلها من ماله، إذا كان أبطلها بتوانيه وتغافله.
270- وسئل: عن التهلكة ؟
فقال: إن ذلك هو الاستسلام للعدو الظالم، الذي لا يخاف الله في ارتكاب المظالم.
271- وسئل: عن رجل سعى برجل إلى سلطان جائر: أن لفلان عليه كذا وكذا درهما، حتى أخذه السلطان ثأرا لما قال عليه الساعي، وكانت سعايته بزور وكذب، وأخذه لما قال عليه السعاة ظلما وعدوانا، فغصبه ماله ؟
فقال: السلطان الجائر هالك بمثل هذا الظلم للمسلمين، وقبوله لقول شهود الزور، وتلزم السعاة العقوبة الشديدة، وأن لا يقبل لهم شهادة إلا أن يتوبوا، وليس عليهم غير هذا.
272- وسئل: عن رجل حج حجة الإسلام، وهو بمعرفة الله وتوحيده جاهل، إلا أنه اعتقد أن يحج عن نفسه، ما أوجب الله من فرضه ؟
فقال: هذا هو مجزي عنه إن شاء الله، وإن جددها بأخرى بعد المعرفة فهو أحوط له.
273- وسئل: عن امرأة مؤمنة خطبها رجل مؤمن وليس لها ولي ؟
فقال: يزوجها أقرب من يليها من عشيرتها، وإن لم يكن لها قرابة فيتولى عقد نكاحها رجل من المؤمنين، ويحضر الشهود لا بد في النكاح والطلاق من الشهود، لخوف المظلمة والجحود.
274- وسئل: عن الشيخ الكبير يطلب رجلا يحج عنه، إذا كان لا يستطيع السبيل إلى الركوب لضعفه ؟
فقال: لا بأس بذلك، أن يطلب رجلا يحج عنه، إذا كان لا يستطيع السبيل لضعفه عن السفر.
275- وسئل: عن امرأة أسلمت مالها إلى بعض ولدها على أن يرزقها أيام حياتها، ثم إنها هلكت في السنة الأخرى أو الثانية ؟

(2/557)


فقال: المال لورثتها جميعا، مع الابن الذي أفضت إليه.
276- وسئل: عن رجلين خرجا في طلب سلب الناس، فسلب أحدهما رجلا فأعطى الشريك من السلب ؟
فقال: الذي سلب ضامن غارم، وهو الدافع إلى صاحبه السلب، ولا يحل للمدفوع إليه أكل شيء مما أخذ ولا ينتفع به، وإن كان الشريكان تعاونا على الظلامة، لزمهما جميعا الغرامة.
277- وسئل: عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( لا تحل الصدقة لغني ولا قوي ولا لذي مِرَّة سوي ) ؟
فقال: اعلم أن قوله ذي مرة سوي، والمرة هاهنا القوة، والسوي هو الصحيح الذي ليس به مرض ولا علة، فتمنعه من اكتساب المعيشة والبلغة.
278- وسئل: عن رجل قتل ابنه ؟
فقال: لا يقتل والد بولده، ولا سيد بعبده، إلا أن يكون قتله ظلما، وفسادا في الأرض واعتداء، فيفعل في ذلك إمام المسلمين ما يرى، وأي ابن قتل أباه، فعلى الإمام في ذلك النظر بما يراه.
279- وسئل: هل للأب أخذ مال ابنه وهو غني عنه لا يحتاج إليه ؟
فقال: الأمر فيه ما جاء عن النبي صلى الله عليه من قوله: ( أنت ومالك لأبيك )، وإنما الولد رحمك الله هو هبة وهبها الله للأب، قال الله سبحانه: ? يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ? [الشورى:49]، وقال سبحانه في آدم صلى الله عليه: ? فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ? [الأعراف:189]، فتفسير ? آتيتنا صالحا ? يعنيان: لئن وهبت لنا وأعطيتنا صالحا، ? لنكونن من الشاكرين ?، فَدَعَواه كما ترى عطية وموهبة لهما من رب العالمين، وكذلك قالت امرأة عمران: ? ربي إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني ? [آل عمران:35]، ولا محررا إلا ما هو لها موهبة وعطية من الله وماله كما قال رسول الله صلى الله عليه: لأبيه إلا أن يخرجه الأب بتزويج أو غيره من يده، فيقع المواريث والحقوق، فيأتي أمر مفروق.

(2/558)


280- وسئل: عن امرأة أرضعت جارية هل يجوز لولد زوجها من غيرها أن يتزوجها ؟
فقال: إن كانت المرضعة أرضعت الجارية بلبنها من زوجها، فلا يجوز لولد زوجها من غيرها أن يتزوجها، لأن الجارية أخت الغلام من جهة لبن أبيه، وهو لبن الفحل المنهي عنه.
281- وسئل: عن المولى هل يجوز نكاحه للعربية ؟
فقال: لا يُعلم بين علماء آل الرسول في ذلك اختلاف، إذا رضي الأولياء وكانوا أهل عدل وعفاف.
282- وسئل: عن القيام مع من ليس بإمام ؟
فقال: لا يجوز شيء من ذلك إلا بإمام أو بولاية من إمام، لما يكون في ذلك من الجُمَع والأحكام.
283- وسئل: عن أفضل الحج ؟
فقال: ذلك ما فضله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو القدوة، وقد جاء عن علي رحمة الله عليه أنه قال: من تمام حجك وعمرتك أن تحرم من دويرة أهلك، ولا يقرن الحج والعمرة إلا من ساق بدنة.
284- وسئل: متى يَقطع التلبية في الحج والعمرة ؟
فقال: إذا رميت جمرة العقبة، لأن الذي لبى به من حجه حين أحرم وهو بعد فيه، لم يحل له من الصيد والطيب ما حرم، فإذا رمى جمرة العقبة حل له ما حرم الله عليه إلا النساء، حتى يطوف بالبيت لإفاضته، فإذا أفاض وطاف حل له ما كان حراما عليه من النساء قبل إطافته به.
والعمرة فيقطع التلبية فيها إذا عاين البيت المعتمرُ أو رآه، لأنه حينئذ قد بلغ غايته ومنتهاه، وإذا لم ير البيت فهو بعد في أمره، وأول ما هو فيه من التلبية كآخره.
285- [ وسئل: عن تأجير من يحج عن الميت ؟ ]
فقال: لا بأس به وأقل ما في ذلك فالأجر للميت على تزود الحاج عنه وبلغته، وإعانته له على سفره ومؤنته ونفقته.
286- [ وسئل: عن ] النوافل وأفضل ما في ذلك، أَدَلَّ دليلٌ من قِبَل الله سبحانه مِثل ? الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ? [البقرة:261] ؟

(2/559)


فقال: أما أفضل النوافل من الصلاة فصلاة التسبيح، وهي صلاة جعفر بن أبي طالب، التي علمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ صار إليه بحنين، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أهب لك، ألا أعطيك، ألا أنحلك ؟ قال: حتى ظننت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيعطيني ما لم يعطه أحدا قبلي، فعلمني صلاة التسبيح وهي فمعروفة عند أهل العلم، فمن أراد تعملها.
287- وسئل: عن أشياء تحرم بها الزوجة على زوجها من غير تكلم بطلاق ؟
فقال: من ذلك أن يزني هو، أو تزني، أو تختلع منه، أو تفتدي، أو ترتد إلى الشرك بعد الإسلام، وفيما ذكرنا في ذلك من البيان، ما يقول سبحانه: ? الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك...? الآية [النور:3]، وإذا كان ذلك فاسدا منفسخا محرما، كان عقده منفسخا محرما، وقد ذكر أن عليا صلوات الله عليه حد رجلا زنا من أهل القبلة، وفُرِّق - لما حُدَّ - بينه وبين زوجة له مؤمنة، وفرَّق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله بين المتلاعنين، ولم يصح زنا الزوجة ببينة ولا يقين، وجرى ذلك في اللعان سنة، فكيف إذا كانت زوجية أحدهما منتفية.
288- وسئل: عن رجل أوصى بوصية موقوفة على مسكنة أهل بيته، ثم إن الله تبارك وتعالى أفاء عليهم واستغنوا ؟
فقال: إذا استغنوا ردت في سبيل الخير، مثل مواساة أولي الحاجة، وذوي القربى، إن احتاج منهم أحد بعد ذلك، وبني السبيل من أهل الديانة.
289- وسئل: عن أكل ما لم يجر تحريمه في تنزيل من كتاب الله عز وجل من الطير والسباع ؟
فقال: لا يؤكل من ذلك إلا ما أحلَّه عز وجل، وبيَّنه في تنزيله في بهيمة الأنعام، والأغنام وغير الأغنام، وصيد البر والبحر، وما خصه الله من ذلك ومثَّله بالذكر.
290- وسألته: عن أكل الثمار إذا مُرَّ بها من غير أن يُحمل ؟
فقال: لا بأس إذا كان محتاجا إليه، وليس له أن يفسد ولا يتلف فيه تلفا.

(2/560)


291- [ قال محمد بن القاسم ] سألت أبي رحمة الله عليه ورضوانه، عن قول الله سبحانه: ? والصافات صفا، والزاجرات زجرا، فالتاليات ذكرا ? [الصافات:1-3] ؟
فقال: الصافات صفا - فيما أرى والله أعلم - أنها الملائكة التي وصف الله بذكره وهي واقفة وقفا. ? والزاجرات ? هن الذاكرات التي يُعلِنَّ بالذكر، ويزجرن فيه بالزجر، والزجر: فهو الرفع للصوت والإعلان فيه بالرجات، لأن الصوت الشديد ربما صدع من صخر الجبال ما صلب، واسمع لذلك وفيه، ومن الدلالة عليه، ما يقول الله سبحانه في تسبيح الملائكة: ? تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن، والملائكة يسبحون بحمد ربهم ? [الشورى:5] خبرا عن رفعهم للأصوات وتسبيحهم، ويتفطرن فهو: يتصدعن، وفوقهن فهو: ظهورهن وذُراهن، وهو ما يلي الملائكة صلوات الله عليهم من أعلاهن، يدل على أن الملائكة عليهم السلام الصافات صفا، وأنهم هم الموصوفون بما ذكر من هذه الصفة وصفا، بقولهم صلوات الله عليهم: ? وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون ? [الصافات:165-166].
292- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? والنازعات غرقا، والناشطات نشطا، والسابحات سبحا، فالسابقات سبقا، فالمدبرات أمرا ? [النازعات:1-5] ؟
فقال: النازعات فيما أرى - والله أعلم - هي السحايب المنتزعات بالأمطار من البحار والأنهار، وبما في الأرض من الندوة والبخار.
? والناشطات نشطا ? هو: الماتحات متحا، وهي الناشطات الماتحات في نزعهن واطلاعهن، والنشط هو: الإغراق وهو القوة القوية في جبذهن، واطلاعهن لما يطلعن في الهواء، بما ينزعن من الماء، وهن السابحات في الهواء سبحا، كما يسبح في الماء من كان سابحا، يمينا ويسارا، وإقبالا وإدبارا، وهن أيضا السابقات برحمة الله وفضله، من المطر والغيث غير المسبوقات بإمساك الله للمطر لو أمسكه عن الأرض وأهلها بعدله، وقد تكون السابقات سبقا، هي البروق لأن البرق أسرع شيء خفقا، وأحثه اختطافا وسبقا.

(2/561)


والسحايب أيضا فهن المدبرات بما جعل الله من الغيث فيهن والأعاجيب، لكل ذي حكمة أو نظر مصيب، وغيرها إلى يوم يحشرون، وكذلك البرزخ الذي جعله بين البحرين شارعا، فهو المحبِسُ الذي جعله الله حاجزا بينهما مانعا، لكي لا يختلط البحر العذب السائغ للشاربين، بالبحر المالح الأجاج الذي لا يطيق شربه أحد من الناس أجمعين، رحمة منه جل ثناؤه للإنسان، وغيره من بهائم الحيوان، كما قال سبحانه: ? ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ? [الفرقان:49]، رأفة ورحمة في ذلك للإنسان وغيره، وقدرة على إحكام أمره فيهما وتقديره.
293- وسألت: عن قول الله سبحانه: ? والفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسري، هل في ذلك قسم لذي حجر ? [الفجر:1-5] ؟
والفجر: هو انفجار الليل عن صبحه، وانفتاقه عن ضوء الصبح ووضوحه، والليالي العشر وما ذكر الله من الليالي العشر، هي ليالي ذي الحجة إلى آخرها يوم النحر، والشفع والوتر من العدد، فهو كل زوج أو فرد، وفي ذلك لكل ذي حكمة أو لب، أعجب ما يتعجب له من العجب، والليل إذا يسري فهو الليل، ويسري فهو السير، والليل فهو يسري ويمضي، حتى يطلع الفجر ويضيء، والقَسَم فهو الحلف والإيلاء، وذو الحِجر فهو من جعل الله له عقلا، والحجر فهو العقل والنُّهى، واللب والحِجا.
294- وسألت: عن قول الله تبارك وتعالى: ? ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ? [الحجرات:11] ؟
فقال: الألقاب الأنباز التي يلقب بها بعضهم بعضا، التي هي خلاف الأسماء التي سمت بها الأباء، فحرم الله عليهم أن يسمي بعضهم بعضا بالألقاب، وجعل ذلك حكما مفروضا في الكتاب.
295- وسألت: عن قول الله سبحانه: ? كدأب آل فرعون ? [آل عمران:11، الأنفال: 52، 54] ؟
فقال:كمثل آل فرعون كحالهم.
296- وسألت: عن قول الله عز وجل: ? أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكفرين ? [البقرة:19] ؟

(2/562)


فقال: الصيب المطر الذي فيه الظلمات والرعد والبرق، والذين يجعلون أصابعهم منه في آذانهم خوفا من الهلكة على أنفسهم.
297- وسئل: عن قول الله سبحانه فيما يحكى عن يعقوب صلى الله عليه، لجماعة بنيه، ? يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ?[يوسف:67] ؟
هذا من يعقوب صلى الله عليه حين خرجوا عنه مسافرين، فخاف عليهم من النفس وعيون الناظرين، فأمرهم عند دخول القرية، بأن لا يدخلوا جملة واحدة، لما كانوا عليه من كمالهم، وكثرتهم وجمالهم، وكانوا أحد عشر رجلا، لم ير مثلهم جمالا ولا كمالا، فخاف عليهم وأشفق صلى الله عليه من أن يراهم أهل تلك البلدة، مجتمعين جماعة واحدة، على ما هم عليه من كمالهم، وحسنهم وجمالهم، فأمرهم أن يتفرقوا وأن يدخلوا من أبواب متفرقة، شفقة عليهم من العين والنفس، قال الله سبحانه:? فلما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ? [يوسف:67] يخبر سبحانه أن الحذر للنفس والعيون لا ينفع إلا بدفاع الله وتوفيقه، ولطفه وحفظه.
298- وسألت: عن قول الله سبحانه: ? إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ?[البقرة:26] ؟
فقال:الاستحياء من الله عز وجل، ليس على طريق الخجل، وإنما المعنى - والله أعلم - في قوله: ? إن الله لا يستحيي ?، إن الله تبارك وتعالى لا يرى، أن في التمثيل للحق والصدق بما هو صحيح صادق من الأمثال عيبا ولا خطأ، ولا مقالا بتخطيئة لشيء من قول الله سبحانه لأحد من أهل الصلاة.
299- وسئل: عن قول الله سبحانه: ? وأما بنعمة ربك فحدث ? [الضحى:11] ؟

(2/563)


فقال: هذا أمر من الله لنبييه، صلى الله عليه وعلى آله بنشر نعمته عليه، وذكر إحسانه إليه، لأن الله تبارك وتعالى شاكر يحب الشاكرين، ويرضى الشكر والثناء عليه بنعمه من المؤمنين، ويريد أن يُحدِّث المؤمنون بعضهم بعضا بنعمه عليهم، وإحسانه إليهم، ليكونوا بذلك ذاكرين.
300- وسئل: عن قول الله سبحانه: ? فلا تزكوا أنفسكم ? [النجم:32] ؟
فقال: هذا نهي من الله سبحانه لعباده عن تزكية أنفسهم، لأنه لا شريك له أعلم بسرهم وعلانيتهم، والله تبارك وتعالى لا يخطئ علمه فيهم ولا يغلط، ولا يسخط إلا في موضع السخط، وقد يغلطون في أفعالهم ويخطئون فيظنون أنهم في بعض ما يعملون لله مرضون، وهم عنده في ذلك مسخطون، ويقولون القول الذي يتوهمونه لله رضا، وهو عند الله سخط، ألا ترى كيف يقول سبحانه: ? هو أعلم بكم ?، وكذلك الله سبحانه هو أعلم بهم من أنفسهم، والمحيط بعلانيتهم وسرهم.
301- وسئل: عن قوله سبحانه: ? لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ? [البقرة:264] ؟
فقال: هذا نهي من الله سبحانه للمؤمنين، بأن يكونوا بالمن والأذى لمن تصدقوا عليه صدقاتهم مبطلين، [ بأذىً ] منهم لمن أحسنوا إليه، وكثرة الامتنان بذلك الإحسان إليه.
302- وسألت: عن الإيمان؟

(2/564)


ونحن نقول: قول وعمل بمنزلة الروح من البدن، العقد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، قال الله تبارك وتعالى في صفة الإيمان: ? وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ? [التوبة:124-125]، وقال تعالى: ? ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ? [البقرة:1-5]، وقال: ? والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ? [التوبة:71]، وقال: ? إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ? [الأنفال:2-4]، وقال: ? إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ? [الحجرات:15]، وقال: ? يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ? [ الصف:2-3].
ولم يرض تبارك وتعالى بالقول دون الفعل، بل ذكر أنه مقت مِن فعل المؤمنين القول بلا فعل، وأن الإيمان بالله هو الطاعة. فأكملُ الناس في طاعة الله أحبهم إلى الله، وأشد الناس حبا أكثرهم إيمانا بالله.

(2/565)


وقال فيما شهد به للمؤمنين: ? الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ? [البقرة:3-5]، وقال: ? قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون... إلى قوله: يرثون الفردوس هم فيها خالدون ? [المؤمنون:1-11]، وهذا وَصْف الله تبارك وتعالى للمؤمنين وما شهد لهم به من وراثة الجنة والفردوس، شهد الله للمؤمنين الموصوفين بهذه الصفات بالفلاح، وشهد على من خالف هذه الصفات أنهم عادون، وسلخهم من اسم الإيمان، وقال: ? والمنافقون والمنافقات... إلى قوله: فنسيهم ? [التوبة:67]، بقولهم: نسوا الله أن يطيعوه وأن يذكروه كما أمرهم فنسيهم من ثوابه، والنسيان هاهنا: الترك. نسأل الله أن يجعلنا من المتقين المطيعين لله ولرسوله برحمته.
303- وسألت: عمن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وعمن يقول: أنا مؤمن لا أشك في إيماني والصواب في ذلك ؟
فالمؤمن: هو الذي لا يشك في إيمانه، والمؤمن حقا الذي لا يفعل شيئا من معاصي الله. وإذا سئل الإنسان عن نفسه أهو مؤمن ؟ فإن قال: مؤمن حقا زكَّى نفسه، وإن قال: أنا مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبجميع ما افترض الله على عباده. فقد صدق على نفسه، إلا أن الإيمان قول وعمل، فإذا وافق القولَ العملُ بالطاعة لله فهو مؤمن حقا.
والإيمان على ثلاثة وجوه:
إيمان يلزم إذا قال العبد لا إله إلا الله محمد رسول الله فيلزم اسم الإيمان.
وإيمان بالله.
وإيمان عند الله.
فأما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبجميع ما افترض على عباده، فلا يجوز ذلك بالشك.
والإيمان عند الله أن يقول العبد: أنا مؤمن عند الله حقا، لأن الله يقول: ? فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ? [النجم:32].
304- وسألت: متى يكون العبد مؤمنا مستوجبا للجنة ؟

(2/566)


فذلك إذا أدى ما افترض الله عليه، واجتنب ما نهى الله عنه، فلا يقول: إني مستوجب الجنة جزما، لأنه لا يدري بأي شيء يختم عمله، ولكن يقول: إن مت على ذلك فأنا مؤمن مستحق للجنة.
قال القاسم عليه السلام: حدثنا محمد بن منصور، قال: حدثنا إسماعيل بن صهران، عن سليمان بن جعفر، عن القاسم بن فضيل، عن أبيه، عن جعفر، قال: ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فبينما هو يسير إذ استقبله قوم فقال: مَن القوم ؟ فقالوا: مؤمنون يا رسول الله. قال: وما حقيقة إيمانكم ؟ قالوا: الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بالقضاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حلماء علماء كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء، إن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون ولا تجمعوا ما لا تأكلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون ).
وأما من قال: أنا مؤمن حقا فشرطها شديد. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: ( لقي رجلا فقال: كيف أصبحت يا حار ؟ فقال: أصبحت مؤمنا حقا يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لكل إيمان حقيقة، فما حقيقة إيمانك ؟ فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأظمأت نهاري، وأسهرت ليلي، وكأني بعرش ربي بارزا، وكأني بأهل الجنة في الجنة يتزاورون، وكأنني بأهل النار في النار يعذبون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عرفت يا حار فالزم ).
305- وسألت: عن الإسلام ؟

(2/567)


والإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، والإقرار بما جاء من عند الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، وولاية علي بن أبي طالب صلى الله عليه، والبراءة من عدوه، والعمل بما دل القرآن على حلاله وحرامه كما الإسلام والإيمان، ومن لم يعتقد بعد النبي صلى الله عليه وآله إمامة علي بن أبي طالب لم يقبل الله له صلاة ولا زكاة ولا حجا ولا صوما ولا شيئا من أعمال البر، ثم من بعده الحسن والحسين، ومن لم يؤمن بأن الإمام كان بعد النبي عليٌّ، كأن يؤمن بالنبي، والقرآن، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، لم ينفعه شيء من عمله إلا عجمي، أو صبي، أو امرأة، أو جاهل لم يقرأ القرآن، ولم يعلم العلم، فإن جملة الإسلام تكفيهم.
306- وسئل: عن قول الله تبارك وتعالى: ? إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ? [الأحزاب:56] ؟
فـ[قال] صلاة الله لا شريك له هي: البركة والثناء، وكذلك صلاة الملائكة والمؤمنين فهي أيضا: البركة والثناء، والدعاء من الثناء، ومثل ذلك قول الله لا شريك له: ? خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم ? [التوبة:103]، وصلاته عليهم صلى الله عليه: هي دعاؤه لهم وثناؤه عليهم.
307- وسألته: عن قول الله: ? أحاط بكل شيء علما ? [الطلاق:12] قال ما الاحاطة ؟
فقال: الاحاطة بالشيء: العلم به على حقيقة العلم وصدقه. ومن ذلك قول الله سبحانه: ? بكل شيء محيط ? [فصلت:54]، يريد سبحانه: علما وقدرة وملكا. ومثل ذلك في العلم قوله سبحانه: ? ولا يحيطون بشيء من علمه ? [البقرة:255].
308- وسئل: عن تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله ؟

(2/568)


فقال: هذا لا حول من مكان إلى مكان ولا حيلة في شيء من الإحتيال، إلا بتقوية الله عن الزوال والانتقال. قوة إلا بالله: يقول بما جعل الله، للأقوياء المطيقين، والعقلاء المحتالين.
309- وسئل: عن تأويل سبحان الله، وتعالى الله ؟
وتعاليه: هو ارتفاعه وكبره. وسبحان الله معناها في اللغة: أن يريد تبارك وتعالى أنه بعيد مما قال فيه، مَن جَهِلَ جلاله وافترى عليه.
310- وسئل: عن تأويل: سمع الله لمن حمده ؟
قال: هو قَبِلَ الله ممن شَكََرَه شُكْرَه له، ومِن شكرِ الله ما أمر الله به من الصلوات، وغير ذلك من وجوه الخيرات.
311- وسئل: عن تأويل السلام عليكم ؟
312- وسئل عن قول الله سبحانه: ? كراما كاتبين، يعلمون ما تفعلون ? [الإنفطار:11-12] ؟
فقال: ليس من الآدميين أحد إلا ومعه حافظان من الملائكة يحفظان عليه الصالح والطالح من قوله وأعماله، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، كما قال الله عز وجل: ? عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ? [ق:17-18].
313- وسئل: عن الرقيب ؟
فقال: هو الحفيظ. والعتيد فهو: المتهيء.
والرصيد: هو الذي يرصد الشيء.
314- [ وسئل: عن الدنيا ؟
فقال:] قال رسول الله صلى الله وعلى آله: ( تعس عبد الدنيا، تعس عبد الدينار والدرهم، تعس عبد الحلة والخميصة، تعس ثم انتكس [ وإذا شِيك ] فلا انتقش ).
ثم قال عيسى بن مريم صلوات الله عليه: بحق أقول لكم إن حب الدنيا رأس كل خطيئة.
315- وسئل: عن قول الله: ? الذي يتخبطه الشيطان من المس ? [البقرة:275] ؟
قال التخبط إنما يكون من خارج ليس من داخل، وإنما هذا مثلٌ مثَّله الله لمن يعقل، ومن يعقل يفهمه، عن الله - إن شاء الله - ويعلمه، قال عيسى بن مريم صلى الله عليه في الإنجيل: لا تطرحوا اللؤلؤ المنير، بين غابات الخنازير. قال: والغابات الجماعات، والغابة الجماعة.

(2/569)


316- وسئل: عن قول الله سبحانه: ? ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها... ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن...? إلى آخر الآية [ النور: 31] ؟
فقال: زينتهن فمحاسنهن مما يواري الثياب من صدورهن وسوقهن وأرجلهن، وكل ما يستحسنه المستحسن منهن، وما ظهر منهن من الوجه والكف، فلا بأس أن يبدين ذلك.
317- وسئل: ما الصراط الذي يذكر أنه يوضع يوم القيامة فيحوز الناس عليه ؟
فقال: أما الصراط: فالطريق والسبيل، الظاهر الذي ليس فيه ميل.
318- وسئل: عن قول الله: ? ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ? [الإسراء:85] ؟
فقال: الروح من أمر ربه كما قال لا يجاب فيه بغير ما قال الله في ذلك، لأن الله سبحانه قد أبان ما هو وأي شيء هو.
319- وسئل: عن الروح الذي يكون في الناس والحيوان ؟
فقال: الروح هو: الروح المتحرك الذي به يحيى الحيوان، ويذهب ويقبل ويدبر، ويعرف وينكر، وهو شيء لا يدرك بالعين، وإنما يعرف بالدلائل واليقين.
320- وسئل: كيف يُسلِّم إذا مر رجل بمقابر العامة وكيف يدعو لهم ؟
فقال: يُسلِّم - إن شاء الله - على المؤمنين والمؤمنات، والصالحين من عباد الله والصالحات، ففي سلامه لذلك عليهم، ما كفى إن شاء الله فيهم.
321- وسئل: كيف الصدقة على سُؤَّال العامة وأهل الخلاف منهم من يعرف ومن لا يعرف ؟
فقال: لا بأس بالصدقة على كل سائل - إن شاء الله - من كان، ولا أحسبك إلا قد سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( اعطوا السائل ولو جاء على فرس ).
322- وسئل: عن صلاة الضحى؟
فقال: يصلي في ذلك من أراد ما أراد، وقد ذكر كما سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( صلى الضحى يوم فتح مكة )، وجاء مع ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي أنه كان يقول: ( والله ما صلى رسول الله الضحى قط ).
وجاء عن علي بن أبي طالب صلوات الله ورحمته عليه أنه كان يقول: ( يا بني أني لا أنهاكم عن الصلاة لله ولكني أكره لكم خلاف رسول الله ).

(2/570)


323- وسئل: القاسم رحمة الله عليه ورضوانه عن من أتى امرأته في دبرها هل يُحرم ذلك عليه ما حل منها ؟
فقال: لا يكون ذلك وإن كان آثمار، ولا يحرمه عليه وإن فعله محرما، ولا يُكفَّر عنه إثمه وخطيئته إلا بالتوبة والاستغفار، وتحريمه في ذلك ما حرم الله من إتيان النساء في الأدبار، وكذلك إتيان النساء في المحيض فحرام، وخطيئة عند الله وجُرم وآثام، وفي ما ذكرنا من ذلك كله، ما يقول سبحانه في تنزيله: ? ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ? [البقرة:222]، تأويل ذلك: ايتوهن من حيث أمركم الله في القبل لا في الدبر لأن الدبر ليس بمكان محترث، ولا يصلح فيه شيء من الحرث، وفي ما ذكرنا من القبل، مبتغى الولد والنسل، وفي ذلك من نعم الله وإحسانه، وموهبة الله للولد وإنشائه، ما يقول سبحانه لمن صام في ليالي الصوم، وما حرم الله في ذلك عليهم في نهار كل يوم: ? فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ? [البقرة:187]، والابتغاء: فإنما هو في القبل لا في الدبر، وتأويل ?ما كتب الله لكم ?، هو ما علم الله أنه سيكون من نسلكم.
وأما المص وأشباهها، والمرسلات والنازعات وأمثالها، فإن فيها من العلوم، والسر للوحي المكتوم، ما لا يعلمه إلا من وهبه الله إياه، وألهمه فيه وفي العلم به هداه.
وأما العِشار فهي: الإبل الحوامل إذا حملت أولادها.
وأما عطلت: فإذا تُركت عند مجيء القيامة، وما ذكر الله من مجيء الطآمة.
وأما اللوح المحفوظ: فهو علم الله المعلوم.
وأما النفاثات في العقد فهن: السواحر. والنفث فهو: الرقا والتفل بالريق. والعقد: فهو عقد السواحر لعُقَدٍٍ كُنَّ يعقدنها في السير والخيط.

(2/571)


وأما أصحاب الأعراف. فإنهم: أصحاب ما علا من منازل الجنة وأشرف وأناف، من الغرف العالية، والمنازل المشرفة المنيعة، التي يرون منها لشرفها وعلوها النار، وبعض من يعذب فيها ممن كانوا يعرفون، في الدنيا بالختر والإسراف والتكبر، فيعرفونهم في النار بسيماهم، التي هي هيآتهم وحلاهم، لا يعرفونهم بغير ذلك منهم، لِما غيرت النار بأكلها من ألوانهم، فيقولون عند معرفتهم إياهم، ما قصه الله في كتابه من قولهم.
وأما ? يوم كان مقداره ألف سنة ? [السجدة:5]، فأنبأ الله لا شريك له، أنه يكون في يوم واحد من أمره، في ما ينزل من سمائه إلى أرضه من تقديره، ما مقداره عند غيره لو دبره من المقدرين من الآدميين ألف سنة في التدبير، وأخبر في ذلك عن قدرته التي ليست لقدير.
وأما ? خمسين ألف سنة ? [المعارج:4]، فإنما هو أيضا: خبرٌ عمَّا لَه من القدرة في تعجيل القضاء والحكم إذا فصله، ولا يفعله غيره في خمسين ألف سنة من ذلك لو فعله، وهو يقدر - ولا شريك له - على أن يفعله في يوم واحد.
وأما ? وشهد شاهد من أهلها ? [يوسف:26]، فإنه كان رجل، من قرابتها له حكم وفضل، شهد لَمَّا اختلفوا في أمر يوسف - صلى الله عليه - وأمرها في ما ظنوا به وبها، في ما قالت إنها لم تطلبه وإنه طلبها، فقال: إن كان قميصه قُدَّ من قُبُل فهو الذي أرادها ولم ترده، وإن كان قميصه قُدَّ من دُبُر فهي التي طلبته فهرب عنها.
وأما ? لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ? [النساء:43]، فهو سكر الشراب وغيره من كل ما أسكر من بنج أو نوم أو حريق، وكل ما التبس به العقل من خمر أو غيره.

(2/572)