تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

مجموع كتب ورسائل الإمام الهادي إلى الحق

يحيى بن الحسين عليه السلام

المؤلف: الإمام يحيى بن الحسين (ع)

 

مقدمة التحقيق
مدخل
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين، نحمده ونثني عليه بما أثنى به على نفسه، لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله ومصطفاه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين، ورضي الله عن صحابته الراشدين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: فإن في تاريخنا الإسلامي عموماً والزيدي خصوصاً نماذج ممتازة وعبقريات فذّة، شكلت في سلسلته الطويلة نقاطاً مضيئة على هداها يهتدي الدعاة السائرون في دروب الحياة، وخصوصاً من عباقرة البيت النبوي الطاهر؛ بما قاموا به من دور ريادي متميز وبطولات وانتفاضات استهدفت استعادة حق الأمة السليب في العيش الهانيء، والكريم في ظل عهود اتسمت بالظلم والاستبداد والغلبة والقهر وتكميم الأفواه.
وإن من تلك الشخصيات الفذَّة والمتميزة شخصية الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي بما حملته من فكر قوي ناضج، مستمد من العقل والكتاب العزيز، وبما سجلته من بطولة وشجاعة ومواقف جهادية رائعة، وبما اختطته من حكم إسلامي عادل راشد مستمد من الخلافة النبوية مضيفاً إليها بعض المستجدات التي اقتضتها ظروف حكمه وعصره.

(1/1)


وقد تناوَلَتْ تلك الشخصية الكثير من الأقلام والدراسات، وقدمت (مشكورة) عطاء جيداً على الأقل من وجهة نظرها وحسب رؤيتها، وفيها الكثير من النتائج التي قد نوافقها عليها أو نختلف معها فيها، وهذا شيء طبيعي، ذلك لأن التقييمات تختلف، وتقييم أي شخصية ينطلق من وجهات ثلاث: الأولى: تقييمها كما كانت وكما هي، وهذا متعذر أو متعسر، حتى لمن عاصرها فضلاً عمن جاء بعدها لاختلاف نظرات المقيمين. والثانية: تقييمها كما يراها الدارس، وكما يعتقدها وتلك هي الأقرب إلى الواقع مهما صدقت المادة والجزئية التي يعتمد عليها في التقييم، وأحسن الأخذ عنها. والثالثة: تقييمها كما يريد أن يراها وأن تكون، وقد ينطلق في رؤيته من القداسة المطلقة فلا يرى إلا الإيجابيات وقد يضخمها، وقد ينطلق من ضدها فلا يرى إلا السلبيات وقد يضخمها أيضاً، وهكذا قد لا تأتي النتائج واقعية ودقيقة.
غير أن أوسطها وأقربها من الحقيقة هي الثانية؛ لما هي عليه من واقعية واعتدال، وكلما قربت في استنتاجاتها من واقع الشخصية وبيئتها وعصرها كلما كانت أقرب إلى الاعتدال والصواب.
وقد ينطلق بعض الدارسين للشخصية من واقعه هو وعصره، بل وحتى تفكيره غير معرج على واقع وعصر الشخصية موضوع الدراسة وبالتالي يخطي في تقييمه وفي نتائجه، ويحمل شخصيته ما لا تحتمل وربما لا يصل إلى حقيقة الشخصية ويبعد عنها كثيراً؛ لأن النظرة الصحيحة لا بد أن تأخذ واقع الشخصية ـ في غير النوابغ الذين سبقوا عصورهم ـ بكل ظروفه وأبعاده بعين الاعتبار، وخصوصاً في مجال الحكم والسياسة والتي يشهد عصرنا تجديداً فيها.

(1/2)


وحتى يكون حكمنا صحيحاً على أي دراسة لشخصية الإمام الهادي أو كتابة عنه ينبغي أن ننطلق في تقييمنا لتلك الدراسة مما تقدم؛ لكي نتعرف على بعض النتائج الخاطئة ـ في رأينا ـ التي ظهرت في بعض تلك الدراسات أو الكتابات عن الإمام منطلقين من توخي الحقيقة لا لعصبية ولا هوى، وإليك بعض النماذج من ذلك للتمثيل.
فمن تلك النماذج ما زعمه بعضهم من: (( أن وصول الإمام إلى اليمن كان وصول الغازين ذوي الأطماع التوسعية حباً في التسلط والسيطرة وتوسيع رقعة المملكة طمعاً في المال )) كما يفهمه كلامه.
وأول ما في هذه النظرة أنها انطلقت من مفهوم العصر الحاضر الذي أصبح فيه المجتمع الإسلامي مقسماً إلى أقطار ودويلات بفعل غزو الاستعمار ومطامعه التوسعية سياسياً واقتصادياً، وكأنه تناسى أن مفهوم المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية حسب مفهوم الخلافة الإسلامية وفي ذلك العصر لم يكن هكذا لا عند الحاكمين المستبدين ولا عند الثوار المعارضين ولا في ذهن الرأي العام، وأن ذلك المفهوم جاء بعد التقسيم الاستعماري لبلاد الإسلام ولم يكن ـ على الأقل ـ قد تبلور بالشكل الذي انتهى إليه في عصرنا.
وثانياً: أن الذي تحكيه التواريخ اليمنية ـ ومنها الإكليل ـ أن الإمام جاء بطلب من اليمنيين عبر بعثة يمنية ذهبت إلى الرس لطلب قدوم الإمام من آل فطيمة الخولانيين بصعدة كما يروي الهمداني وغيره، ومثل هذا المقدم واضح أنه ليس مقدم الغزاة الطامعين التوسعيين.
وثالثاً: أن حال أسرة الإمام من الناحية الاقتصادية بالذات كان ميسوراً في المدينة المنورة، فكانت لهم ضياع واسعة هناك كما يعرف ذلك من له أدنى إلمام بحالهم.

(1/3)


ورابعاً: أن مفردات سيرة الإمام مدة حكمه في اليمن كانت على خلاف تلك الدعوى، فلم يستأثر الإمام له أو لأسرته بشيء من الإقطاعات والضياع، بل قد حكت سيرته أنه كان يعيش مدة حكمه من غلول أرضه بالمدينة، وتحرجه في (( بيت المال )) أشهر من أن يستدل عليه، ويكفي الناظر أن يقارن حكمه بحكام عصره بل بحكم الخلفاء الراشدين وبالذات في الجانب الاقتصادي وسياسة المال ليعرف الحقيقة.
وخامساً: أن سيرته والسير غيرها حكت مغادرته اليمن حين رأى من بعض رعاياه ما لا يعجبه قائلاً (( والله لا أكون كالسراج يضيء لغيره ويحرق نفسه، والله ما هي إلا سيرة محمد أو النار ))، فذهب وفد آخر يطلب قدومه للمرة الثانية فتمنع ثم قبل العودة بشروط مذكورة في السيرة.
وسادساً: أنه اشتهر في دعوته قوله مخاطباً اليمنيين: (( يا أهل اليمن لكم عليَّ ثلاث: أن أقدمكم عند العطاء، وأتقدمكم عند اللقاء، وأن أساويكم بنفسي في الفيء، ولي عليكم اثنتان: أن تطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، وأن تنصحوا لي وتنصروني في السر والعلانية )) أو كما قال، وهذه ليست دعوة الطامعين المتسلطين، بل هي دعوة الراشدين التي تعطي للرعية دور الرقابة لسلوك الحاكم وحق الاعتراض والاستيضاح والمشورة.
هذا إضافة إلى أنه قد اكتفى عند دخوله اليمن ببعض قرابته ومواليه ومن خف معه في طريقه إلى اليمن، حيث كانوا قرابة خمسين.

(1/4)


ومن تلك النماذج ما اعترضه بعضهم من سيرة الإمام في المعارضين لحكمه والمتمردين عليه وتعامله معهم خصوصاً في بعض العقوبات التي كان ينفذها فيهم من الهدم والتحريق وقطع النخيل والأعناب، منطلقين من رؤية العصر ـ النظرية طبعاً لا العملية ـ في الحكم وفي العقوبة، ولكنهم تناسوا منطق عصر الإمام في مثل هذه القضايا، وأن الحاكم ـ بعد بيعته والرضى عن حكمه من خلال اجتهاده وورعه وتقواه ـ كان صاحب القرار الأول والأخير في ما هذا حاله، وكانت الرعية آنذاك تكتفي بطلب الحجة واستيضاحها لما أنكرته من سيرة الحاكم وسياسته، ولا شك أنه كان المستقر في الأذهان أن للإمام أن يسير على وفق رؤيته واجتهاده وظروف عصره وواقعه في ذلك، وقد وقعت بعض مفردات مثل ذلك في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وآله وسيرة الخلفاء في بعض المواقف التأديبية، (بل وقد يقع مثلها في عصرنا وأشد منها تدميراً وخراباً للأرض والإنسان)، وغزوات الرسول والخلفاء في مثل هذا واضحة، وكذلك سير الحروب قديماً وحديثاً.
وقد احتج الإمام لما كان يفعله من ذلك بحجج من القرآن والسيرة كما ذلك معروف في سيرته حين اعترض عليه فيها.
ولكن خطأ التقييم جاء ـ في نظري ـ من البعد عن عصر الإمام وظروف واقعه وطبيعة (( الحكم والمعارضة )) في عصره وقبل عصره، حيث انطلق التقييم من عصرنا وطبيعة حكمه ومعارضته في الحكم الدستوري ودولة المؤسسات للحكومة المنتخبة بطريقة العصر والمعارضة السلمية المشروعة كما هي عليه في واقع الحكم النظري في عصرنا، وإذا أدركنا الفرق بني المفهومين للحكم والمعارضة في ذلك العصر وهذا العصر أدركنا مبرر تلك الأشياء المستنكرة.

(1/5)


ومن تلك النماذج ما اعترضه بعضهم على فكر الإمام ـ بعد ثنائه البالغ على فكر الإمام وإنصافه ـ قول الإمام بـ (( حصر الإمامة في البطنين )) منطلقاً في ذلك ـ على ما أرى ـ من عصرنا، متناسياً رؤية عصر الإمام وقبله لهذه القضية بالذات ومفهومه عن دعوى أحقية الخلافة بداية من سقيفة بني ساعدة وما أسفرت عنه من أخذ القرشيين للحكم بحجة القرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وبعيداً عن دعوى كل للخلافة باعتبار (( المنصب )) وحجة كل على دعواه لا سيما وأن جذورها ـ كما ذكرنا ـ قديمة، فإن الذي له إلمام بعصر الإمام وما قبله يجد لمثل هذه الدعوى مبرراً واضحاً وحضوراً واسعاً في ذهن الحكام والمحكومين آنذاك، وإذا عرفنا نزو الأمويين على الخلافة وتحويلها إلى ملك عضوض يرثه الابن عن أبيه، وكذلك العباسيون مدلين بأنسابهم معطين شرعية لذلك النوع من الحكم القائم على القرشية ومؤصلين لنظرتهم في (( الوراثة والغلبة )) مع ما هم عليه من عسف وجور في الأغلب، فهل يا ترى يصعب علينا فهم دعوى (( العلويين )) من أبناء فاطمة الزهراء ذوي القرابة القريبة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسباً وسيرة لحصر الإمامة فيهم؟ أم أن ذلك وفي مثل ذلك العصر هو الشيء الطبيعي الذي لا نكر فيه ولا غرابة؟ مع ما هم عليه من عدل وسلوك مرضي في الأغلب، خصوصاً وأن للنسب في ذهن العربي حقاً مرعياً، فما بالك بالنسب الهاشمي محتد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وهكذا لا بد من أن نستحضر ـ ونحن نقيم الشخصية ـ في أذهاننا واقعها وموقفها وطبيعة ظروفها ومفاهيم عصرها لكي نقترب أكثر من الحقيقة والصواب، ولكي نبتعد عن التحامل والأحكام المرتجلة المتعجلة ونستلهم من ماضينا ما ينبغي لنا في حاضرنا ومستقبلنا، فمن لا ماضي له لا حاضر له بل ولا مستقبل له.

(1/6)


إن دراسة الشخصية لا سيما العباقرة والمصلحون ليست بالمهمة السهلة وخصوصاً إذا اختلفت معها في فكرها ومع مراعاة الاعتدال في الطرح والحكم، وحتى تكون الدراسة متكاملة والصورة واضحة أكثر ينبغي أن تتضمن الدراسة أربعة ابعاد حين تكون الشخصية من الحكام وذوي السلطة: البعد الأول: بيئة الشخصية ونشأته في أسرته، ومحيطه الثقافي والفكري، بما في ذلك فضائله الذاتية ومقومات شخصيته. الثاني: فكره: ملامحه ومعالمه ومميزاته. الثالث: سياسته وحكمه وفكره السياسي وسلوكه على ضوء رؤيته السياسية والإقتصادية. الرابع: أصحابه ومريدوه. هذه الأبعاد تجعل دارس الشخصية قريباً من فهم واقعها لما لها من أثر في شخصيته ولما له من أثر عليها، ولأن كلاً منها يمثل جزءاً من شخصيته وانعكاساً لها.
وقد كنت رأيت أثناء تحقيقي لهذا المجموع من كتب ورسائل الإمام ـ حين قرأت الإمام من خلالها وغيرها من فكره الكلامي وغيره مع دراسة سيرته ـ أن أتناول شخصيته من تلك الأبعاد، وكنت قد تصورت خطة الدراسة ومنهج البحث معتزماً أن أرفق ذلك بالمجموع لينشر معه، ولكن لما يستدعيه ذلك من التطويل والتأخير رأيت أن الأولى نشر ذلك المجموع مفرداً مجرداً عن الدراسة تلك؛ لأن ذلك أقرب إلى غرضي الأساسي من تحقيق ونشر ذلك التراث العظيم، مرجئاً نشر الدراسة لحين استكمالها إن شاء الله مفردة مستقلة إن وفقني الله لذلك، تخفيفاً من حجم الكتاب وتسهيلاً للطلبة والباحثين الراغبين في اقتنائه.
وقد اقتصرت في مقدمة هذا المجموع على تعريف مجمل بالمؤلف وبموضوعات المجموع، وصورة مجملة عن سياسة الإمام وفكره، وعملي في الكتاب؛ لأن ذلك هو الأقرب إلى غرضي والأجدر بالباحث، ومن الله تعالى أستمد العون والتوفيق إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
نظرة عامة في المجموع

(1/7)


في دراستنا لهذا المجموع نخرج بصورة مجملة تناولتها كتب ورسائل الإمام تتمحور أساساً حول أربعة أصول، هي أصول الدين أو أصول العقيدة عند الإمام الهادي يحيى بن الحسين عليه السلام:
الأصل الأول: التوحيد بما فيه من نظرة تنزيهية لذات الله تعالى وصفاته تقرب من التجريد بعيدة عن التجسيم والتشبيه، وخلاصتها: (( أن الله واحد أحد ليس له شبه ولا نظير ولا مثل ولا عديل ولا كفؤ في وجه من الوجوه ولا معنى من المعاني، وأنه ليس بذي صورة ولا حد ولا غاية ولا نهاية، ولا بذي أجزاء ولا أعضاء، ولا بعضه غير بعض، ولا يقع عليه الطول والعرض، ولا يوصف بالهبوط ولا الصعود والتحرك والسكون والزوال والانتقال والتغير من حال إلى حال، ولا يحويه مكان ولا يمر عليه وقت ولا زمان، وأنه قبل كل مكان وحين وأوان ووقت وزمان، وأنه خلق المكان من غير حاجة إليه، وإنما خلقه لحاجة الخلق إليه، وأنه في السماء إله وفي الأرض إله وفي كل مكان إله خالق مدبر من غير أن يحويه شيء ولا يحيط به، ومن غير أن يكون حملة العرش يحملونه تعالى عن ذلك، وأنهم يحملون العرش وأما الله سبحانه وبحمده فإنه أعز وأجل من أن يحمله أحد من الخلق، والخلق أعجز وأضعف من أن ينالوا ذلك منه أو يقدروا عليه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ومن غير أن يكون كما يستوي الإنسان على سريره، ولكنه استوى على العرش؛ واستواؤه: ملكه وقهره بلا ند يشاوره ولا ضد ينافره ولا معين يؤازره، وهو كما قال الملك في كتابه بلا كيف ولا تمثيل ولا تحديد، وأنه شيء لا كالأشياء ولا شيء يعدله سبحانه وبحمده، وأنه ليس بجسم ولا جسد، ولا فيه صفة من صفات الأجساد ونعتها وهيئتها؛ من تأليفها واتصالها واجتماعها وافتراقها وكينونة بعضها على بعض على المجامعة والمفارقة والمباشرة والدخول والخروج والقرب في المسافة والبعد في العزلة والغيبة وطول السفر، وأنه لا يحتجب بشيء من خلقه ولا يستتر به ولا يبدو له فيدركه، وأن الفكر لا

(1/8)


تبلغه وأن العقول لا تقدره والأوهام لا تناله والضمائر لا تمثله والأبصار لا تدركه، وأن العيون لا تراه لا في الدنيا ولا في الآخرة، ... وأن من شبهه بشيء من خلقه كائناً ذلك الشيء ما كان أو وصفه بتحديد أو زعم أن بيننا وبينه حجباً ساترة وأنه لو رفعت تلك الحجب لأدركناه ورأيناه، فقد قال قولاً عظيماً، وأن من وصفه بالكيفية والماهية، فقد جهل واجترا.
وأن من زعم أنه لا يعبد شيئاً فهو كما أخبر عن نفسه لا يعبد شيئاً، ومن قال: هو خالق الشيء ولا يقال له شيء فقد جار وحار عن طريق القصد والهدى، وأن الله علام الغيوب لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ولا في الدنيا. وأنه القادر الذي لا يعجزه شيء من الأشياء لم يزل عالماً قادراً ولا يزال قادراً عالماً، ليس لقدرته غاية ولا لعلمه نهاية، وليس علمه وقدرته سواه، هو القادر لا بقدرة سواه والعالم لا بعلم سواه، وهو السميع البصير، ليس سمعه غيره ولا بصره سواه ولا السمع غير البصر ولا البصر غير السمع، ولا يوصف بسمع كأسماع المخلوقين ولا ببصر كأبصارهم تعالى الله عن ذلك، ولكنه سميع لا تخفى عليه الأصوات، ولا الكلام ولا اللغات، بصير لا تخفى عليه الأشخاص ولا الصور ولا الهيئات، ولا مكان شيء من الأشياء وموضعه ولا يغيب عليه شيء من أمره وحاله، لم يزل سميعاً بصيراً ولا يزال كذلك تبارك وتعالى.، وأنه له قدرة وعلماً وسمعاً وبصراً، ليس ذلك على إضافة شيء ثان له تبارك وتعالى، ولا كما ظن المشبهون أن له وجهاً وصورة وتخطيطاً، وأنها نفس في جسده حاش لله من ذلك، ولكنه على تحقيق إثباته جل جلاله.

(1/9)


وأن من زعم أن علمه محدث وقدرته محدثة؛ كان غير عالم ثم علم وغير قادر ثم قدر فقد قال قولاً عظيماً. ومن قال: إن علمه وقدرته وسمعه وبصره صفات له، وأنه لم يزل بها موصوفاً قبل أن يخلق الخلق وقبل أن يكون أحد يصفه بها وقبل أن يصف هو بها نفسه وتلك الصفات زعم لا هي الله ولا غير الله فقد قال منكراً من القول وزوراً... ومن قال: ليس لله علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر فقد جهل واجترا وقال مقالة الزور والفِراء. ومن قال: لا يقال: لله علم ولا يقال: ليس له علم فقد ضيع من الدين واللغة حظاً نافعاً، ومن قال: علم الله هو الله وقدرة الله هي الله وسمع الله هو الله وبصر الله هو الله فقد قال في ذلك بالصواب. ومن قال: علم الله محدث أحدثه الله وفعل فعله وهو حركة والحركة زوال من مكان إلى مكان فقد افترى على الله الكذب. ومن قال: لا يعلم الشيء حتى يقدره فإذا قدره علمه، وكذلك من قال: محال أن يعلم الشيء قبل أن يكون، ... وكذلك من زعم أن لله خنصراً أو بنصراً وأنه أخرج خنصره للجبل لما تجلى له، ومن زعم أن له وجهاً حاراً لو كشفه لأحرق ما أدركه بصره، وأن له كفاً محدودة وأصابع معدودة وأنامل باردة، وساقاً وقدماً ولساناً وفماً، وكذلك من زعم أن له حداً ومقداراً وصورة من الصور وهيئة من الهيئات، وكذلك من زعم أن الله تبدو له البدوات؛ فإنه يريد أن يفعل الشيء ثم لا يفعله لنية تبدو له فيه، وأنه يخبر أنه سيفعل كذا وكذا ثم يبدو له فيه فلا يفعله، فكل هؤلاء قد قال الكذب، وقال ما لا برهان له به ولا سلطان، فتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً(1) ))).
__________
(1) كتاب الديانة.

(1/10)


الأصل الثاني: العدل بما يتضمنه من تنزيه الله جل وعلى في أفعاله عن الأفعال الناقصة الذميمة واعتقاد أنها أفعال عدل وحكمة وصواب، وأن الإنسان مسئول عن فعله خيره وشره مجزي عليه {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيْدِ}[فصلت:46]، وأن إرادة الله جل وعلى ـ كفعله ـ منزهة عن تعلقها بالمعاصي والقبائح التي لا تليق بالعدل الحكيم، وكذلك قضاءه وقدره، فلا يفعل الظلم ولا القبيح ولا يريده ولا يشاءه ولا يقدره ولا يقضي به ولا يأمر به ولا يحبه ولا يرضاه، وجماع العدل في فكر الإمام: (( أن الله عز وجل عدل في قضائه جواد في عطائه رحيم بعباده ناظر لخلقه، لا يكلفهم ما لا يطيقون ولا يسألهم ما لايجدون، ولا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه اجراً عظيماً، وأنه لم يخلق الظلم ولا الجور والكفر في العباد، ولم يرد الظلم والفساد ولا الجهر بالسوء من القول، وأنه لا يشأ قتل أوليائه ولا تكذيب رسله، ولا يقضي ولا يقدر شتم نفسه ولا الفرية عليه، وأن من فعل ذلك أو أراد معه الصاحبة والولد فغير حكيم ولا عليم، وأن الله رحمن رحيم حكيم عليم لا يجوز عليه العبث، فكيف يمنع عباده من الإيمان ثم يقول في كتابه: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا}[الإسراء:94، الكهف:55]، {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ} [النساء:39]، {فَمَالَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}[الإنشقاق:20]؟ أو يأمرهم بالهدى ويصرفهم عنه ثم يقول: {أَنَّى تُصْرَفُونَ}؟ ويخلق فيهم الكفر ثم يقول: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ الْسَمَوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً}[مريم89 ـ 90]؟ بل نقول: سهل ربنا لعباده السبيل، وأقام لهم الدليل، وأرسل إليهم الرسول وأنزل عليهم القرآن، وجعل فيه الشفا والبرهان، أحل فيه الحلال وحرم فيه الحرام وأقام

(1/11)


الحدود والأحكام، ثم مكنهم مما طوقهم، ثم دعاهم جميعاً إلى الإيمان به ثم أمرهم ونهاهم، ثم أمنهم من ظلمه ورغبهم في جزيل ثوابه، ولم يرد منهم غير ما به أمرهم، ولم يزجرهم وينههم عما يريده منهم، ويشاؤه لما في ذلك من خلاف الحكمة والرحمة، كما قال سبحانه: {وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}، ويقول: {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيْمٌ}، وقال: {ولا تزر وزارة ورز أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى} {وما الله بظلام للعبيد} ))(1).
وقد أوضح الإمام هذا الأصل وبينه واحتج له واهتم به ورد فيه على الجبرية القدرية رداً مقنعاً وألقمهم الحجر حتى لقد اختص هذا الموضوع برسالتين قيمتين ضمن هذا المجموع رد فيها على المجبرة القدرية (( الرد على المجبرة القدرية الأول )) و (( الرد على المجبرة القدرية الثاني ))، غير ما تعرض له في غيرهما من مثل (( الرد على ابن الحنفية )) وغيره، مما تراه في هذا المجموع.
الأصل الثالث: النبوة حيث أولاها الإمام اهتماماً لكنه ليس في درجة الأصلين قبلها، وذلك لأنه يجمع المسلمين جميعاً القول بها ووجوب اعتقادها وليست مثار خلاف، بخلافهما ففيهما تظهر شخصية وخصوصية فكر الإمام الكلامي التي تميزه عن المدارس الكلامية عموماً، والتي يقترب فيها من مدرسة الاعتزال وبالذات (( مدرسة البغداديين )) التي يتزعم متأخريها (( أبو القاسم الكعبي البلخي )) والتي يقابلها (( مدرسة البصريين )) التي يتزعم متأخريها أيضاً (( الجبائيان أبو علي وابنه أبو هاشم )).
__________
(1) كتاب أصول الدين.

(1/12)


ويتبع هذا الأصل في فكر الإمام أصل آخر، وهو (( الإمامة )) باعتبارها خلافة النبوة، وقد حظيت في فكر الإمام باهتمام بالغ لما تمثله من شخصيته (( الشيعية الزيدية )) المتميزة عن (( الإمامية )) بشتى فرقها، وكذلك عن (( الإسماعيلية )) التي كان لها حضور في اليمن كفكرة وكدولة بزعامة علي بن الفضل ومنصور بن حوشب داعية اليمن الإسماعيلي، وكذلك عن (( السنة )) و (( المعتزلة )).
وقد يلحق الإمام (( الإمامة )) بأصل آخر باعتبارها تشكل مصداقاً عملياً له، وهو (( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )) حيث يرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (( والخروج على الظالمين )) والانتصار للمظلومين والمستضعفين، وإقامة حكم الكتاب والسنة في العباد والبلاد.
يقول الإمام: (( ثم يجب عليه (المكلف) أن يعلم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه وصفوته من جميع بريته خاتم النبيين لا نبي بعده، وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ثم قبضه الله إليه حميداً مفقوداً، فصلوات الله عليه وعلى اهل بيته الطيبين وسلم.
ثم يجب عليه أن يعلم أن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب أمير المؤمنين وسيد المسلمين ووصي رسول رب العالمين ووزيره وقاضي دينه، وأحق الناس بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأفضل الخلق بعده وأعلمهم بما جاء به محمد وأقومهم بأمر الله في خلقه... فكان الهادي إلى الحق غير مهدي، والداعي إلى الصراط السوي والسالك طريق الرسول الزكي، ومن سبق إلى الله، وكان الهادي إلى غامض أحكام كتاب الله فهو أحق بالإمامة؛ لأن أسبقهم أهداهم، وأهداهم أتقاهم وأتقاهم خيرهم، وخيرهم بكل خير أولاهم.
ثم يجب عليه أن يعلم أن الحسن والحسين ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحبيباه، وأنهما إماما عدل واجبة طاعتهما مفترضة ولايتهما...

(1/13)


ثم يجب عليه أن يعلم أن الإمامة لا تجوز إلا في ولد الحسن والحسين بتفضيل الله لهما وجعله ذلك فيهما وفي ذريتهما...
وأن الإمام من بعد الحسن والحسين من ذريتهما من سار بسيرتهما وكان مثلهما واحتذى بحذوهما؛ فكان ورعاً تقياً صحيحاً نقياً، وفي أمر الله سبحانه جاهداً وفي حطام الدنيا زاهداً، وكان فهماً لما يحتاج إليه عالماً بتفسير ما يرد عليه، شجاعاً كَمِيّاً بذولاً سخياً رؤوفاً بالرعية متعطفاً متحنّناً حليماً، ومساوياً لهم بنفسه مشاوراً لهم في أمره، غير مستأثر عليهم ولا حاكم بغير حكم الله فيهم، قائماً شاهراً لنفسه رافعاً لرأيته، مجتهداً مفرقاً للدعاة في البلاد غير مقصر في تألف العباد، مخيفاً للظالمين مؤّمناً للمؤمنين، لا يأمن الفاسقين ولا يأمنونه، بل يطلبهم ويطلبونه، قد باينهم وباينوه وناصبهم وناصبوه، فهم له خائفون وعلى إهلاكه جاهدون، يبغيهم الغوايل ويدعو إلى جهادهم القبائل، متشرداً عنهم خائفاً منهم، لا يردعه عن أمور الله ولا يمنعه عن الاجتهاد عليهم كثرة الإرجاف، شمري مشمر مجتهد غير مقصر، فمن كان كذلك من ذرية الحسن والحسين فهو الإمام المفترضة طاعته الواجبة على الأمة نصرته ))(1).
هذا رأي الإمام في موضوع الإمامة جملة، فهي عنده بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي، ثم للحسن والحسين عليهم السلام، ثم لمن استكمل تلك الشروط من ذريتهما، وقد اختص الإمام موضوع الإمامة في مجموعه برسائل وأجوبة مسائل منها ما يخص إمامة الإمام علي، ومنها ما يعم أهل البيت عليهم السلام.
وأما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو يرى وجوبه (( وأن نصر المظلوم والأخذ على يد الظالم فرض لازم وحق واجب؛ لأن في ترك الأمر بالمعروف للحق إماتة، وفي النهي عن المنكر للباطل إماتة ))(2).
__________
(1) كتاب العدل والتوحيد.
(2) كتاب أصول الدين.

(1/14)


الأصل الرابع: الوعد والوعيد وما يتعلق به من خلود أهل الكبائر من أهل ملتنا في النار، حيث يجب على المكلف (( أن يعلم أن وعده ووعيده حق من أطاعه أدخله الجنة، ومن عصاه أدخله النار أبد الأبد لا ما يقول الجاهلون من خروج المعذبين من العذاب المهين إلى دار المتقين ومحل المؤمنين، وفي ذلك ما يقول رب العالمين: {خَالِدِيْنَ فِيْهَا أَبَداً}، ويقول: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِيْنَ مِنْهَا}، ففي كل ذلك يخبر أنه من دخل النار فهو مقيم فيها غير خارج منها ))(1).
***
__________
(1) كتاب العدل والتوحيد.

(1/15)


وهناك منهج آخر في التأصيل يقترب فيه الإمام من منهج المعتزلة وبالذات (( واصل بن عطاء )) و (( عمرو بن عبيد ))، وقد برز هذا المنهج بوضوح في رسالة: (( المنزلة بين المنزلتين )) والذي اختصه في هذا المجموع برسالة تحمل نفس العنوان (( المنزلة بين المنزلتين ))، وفيها يقترب الإمام من منهج المعتزلة في الأصول، كما تبلور عند (( القاضي عبد الجبار بن أحمد ))، وكأن القاضي تأثر في كتاب (( الأصول الخمسة )) ـ الذي شرحه السيد الإمام مانكديم وحققه ونشره الدكتور عبد الكريم عثمان ـ بكتاب (( المنزلة بين المنزلتين )) للإمام الهادي يحيى بن الحسين، والملاحظ أن الإمام في هذه الرسالة نحن بأصول الدين منحى غير منحى الأصول الأربعة أو الخمسة التي مرت آنفاً، كما أنها برزت في هذه الرسالة شخصية الإمام الكلامية الفذة المتميزة عن المدارس والنحل والآراء الكلامية لغيره، ومدى استيعابه وهضمه لأصول فرق المسلمين وأهل الصلاة، فقد جعل أصول العقيدة خمسة كما عرفت عند المعتزلة: (( التوحيد )) و (( العدل )) و (( إثبات الوعد والوعيد )) و (( المنزلة بين المنزلتين )) و (( المعتزلة )) و (( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ))، كما جعل أصول فرق المصلين خمسة: (( الشيعة )) و (( المرجئة )) و (( الخوارج )) و (( المعتزلة )) و(( العامة ))، ولأن الجديد في هذه الرسالة القيمة هو موضوع (( المنزلة بين المنزلتين )) فقد جعل عنواناً لها، وهي تمثل قمة اللقاء بين الإمام وبين أصول المعتزلة الخمسة على سبيل الاتفاق لا على جهة التقليد.

(1/16)


وقد أصل.... من كتاب الإمام لهذه الخمسة الأصول في هذه الرسالة من كتاب العزيز ومن شهادة تلك الفرق على سبيل الجملة حيث (( اعتبر أن جميع فرق الأمة بجملة قولنا مصدقون، ونحن لهم فيما انفردت به كل طائفة منهم مكذبون، وهم فيها ندين الله به من أصول التوحيد والعدل وإثبات الوعد والوعيد والقول بالمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصدقون، وجميع أهل الصلاة عندنا خمسة أصناف: الشيعة، والمرجئة، والخوارج، والمعتزلة، والعامة ))(1).
وقد عقد الإمام في هذه الرسالة باباً في حكم أهل الكبائر قرر فيه أنهم (( ليسوا بكفار ولا مشركين ولا منافقين، وأنهم ليسوا بأبرار ولا فضلاء ولا أخيار ولا أزكياء، ولا أطهار ولا عدولاً، ومن كان هكذا لم يطلق له اسم الإيمان ولا الإسلام، ولا اسم الهدى والتقوى والإحسان؛ لأنه قد غلب عليهم اسم الفسوق والفجور، والظلم والعدوان والضلال، وكانوا أهل منزلة بين منزلتين وهي منزلة الفساق والفجار التي بين منزلة المؤمنين والكافرين في هذه الدنيا ))(2).
فهذه خلاصة الأصول التي تضمنها هذا المجموع وتناولتها كتبه ورسائله، وهناك بعض التفصيلات والجزئيات في الكلام كمسائل الصفات التي استحقها الخالق جل وعلى لذاته أو لفعله كالإرادة وكالعرش والكرسي وما إليها مما يجده الباحث في هذا المجموع المبارك نرجئ تفصيلاتها للدراسة الموسعة إن شاء الله.
سياسة الإمام
من الأشياء الجديرة بالبحث والتي تعكس جانباً مهماً من شخصية الإمام الهادي يحيى بن الحسين رؤيته في موضوع الحكم وسياسته، ملامحها ومعالمها. ولها موضوع آخر هو دراسته، ونرى من المهم أن نشير إجمالاً إلى بعض ملامحها في هذه العجالة فنقول:
__________
(1) كتاب المنزلة بين المنزلتين.

(1/17)


إن للإمام نظرته المتكاملة إلى الحكم، والتي تقترب بها من الخلافة الراشدة بما فيها من تحديد دور الإمام وشروطه ومواصفاته وطريقة تعيينه، بعيداً عن إعطاء الشرعية لحكم الواقع القائم على الإرث والغلبة كما تجلى في حكم الدولتين الأموية والعباسية والنظرة التي منحتهما الشرعية تحت مبرر السمع والطاعة وإن أخذ حقك وجلد ظهرك ما لم يكن هناك كفر بواح ونحوها من النظريات التبريرية التي تناسب الحكم القائم.
ومجمل نظريته في الإمامة أنها خلافة النبوة ولا بد أن يكون الخليفة كالمستخلف في ما عدا النبوة مما يعنى أنها:
ـ أولاً: بالتعيين والإختيار من الله جل وعلى على سبيل الجملة كما في النبوة، وليس ذلك إلى الأمة ولا بالقهر أو الوراثة (( وذلك أن تثبيت الإمامة عند أهل الحق في هؤلاء الأئمة (آل محمد الصالحين) من الله عز وجل على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمن ثبت الله فيه الإمامة واختاره واصطفاه وبين فيه صفات الإمام فهو إمام عندهم مستوجب للإمامة ))(1).
وعلى ذلك (( فلا يلتفت إلى غير ما قلنا من أقاويل الهراجين وتعبث العباثين، وزخاريف كلام المتكلمين وافتراق أقاويل الجاهلين؛ ممن يقول: إن الإمامة بإجماع الرعية، وقول من يقول: بل هي لما يوجد من الآثار المروية في الملاحم المذكورة، وقول من يقول: هي بالوراثة لولد بعد والد، ولا يلتفون ـ ويلهم ـ لما تستحق به الإمامة من البينات والشواهد النيرات، همج رعاع وللجهال أتباع، لم يقتدوا بالحكمة؛ فيعلموا بما به تحق الإمامة لصاحبها على الأمة، قد جعلوا الحكم بها وفيها لغير من حكم الله وجعلوا الحكم بها إلى غير الله ))(2).
__________
(1) كتاب العدل والتوحيد.
(2) جواب مسألة النبوة والإمامة.

(1/18)


ـ وثانياً: أن الإمامة ـ كالنبوة ـ في إبراهيم وذريته، وقد ورثهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذريته في النبوة والإمامة والملك والوصية، (( فكانت النبوة والإمامة والوصية والملك في ولد إبراهيم صلى الله عليه إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فأفضت النبوة إليه، وختم الله الأنبياء به وجعله خاتم النبيين وسيد المرسلين.. ثم حول الله النبوة إلى محمد خاتم النبيين فقال سبحانه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ}، ثم قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ))، وقال الله سبحانه : {إِنَّمَا يُرِيْدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْراً}، فبين الأمر سبحانه فيهم وأوضحه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزاً حكيماً، ومحمد من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وكذلك ذريته، ثم قال سبحانه: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِيْنَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} فورثة الكتاب محمد وعلي والحسن والحسين ومن أولدوه من الأخيار، ثم قال في ولدهم: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ}، ففيهم إذ كانوا بشراً ما في الناس، وقال: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}، كما قال في ولد إبراهيم وإسحاق صلى الله عليهما: {وَمِنْ ذُرِّيَتَهُمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِيْنٌ} ))(1).
__________
(1) كتاب العدل والتوحيد.

(1/19)


ـ وثالثاً: أن الإمامة لا تجوز في الظالم، فلا ولاية له ولا عهد ولا أمر ولا نهي، بل إن للحاكم شروطاً ومواصفات عامة لا بد من توفرها فيه حتى يكون مستحقاً لها، وقد سبقت الإشارة إلى جملة شروطه ومواصفاته ونزيد هنا قوله: (( والله عز وجل قد جعل الأمر والنهي في خيار آل محمد عليه وعلى آله السلام، وزواه عن ظالميهم وظالمي غيرهم، ومكن أهل الحق منهم وأجازه لهم، وذلك قوله تبارك وتعالى: {الَّذِيْنَ إِنْ مَكَّنَاهُمْ فِيْ الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةِ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}، ثم قال: {وَعَدَ اللهُ الَّذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِيْ الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِيْنَهُمُ الَّذِيْ ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ..}.

(1/20)


وقوله لإبراهيم صلى الله عليه: {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِيْنَ}، وعلى هذا النحو قال تبارك وتعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكُ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} يعني الأنبياء ومن تبعهم من الأئمة الصادقين... ثم قال: {وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} فقد نزع الملك من الفراعنة والجبابرة وإنما الملك هو الأمر والنهي لا سعة المال، ثم قال: {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ} فقد أعز الأنبياء ومن تبعهم من الأئمة الصادقين وأوليائهم الصالحين، وذلك قوله سبحانه: {فَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِيْنَ}، والمؤمن لا يملك من متاع الدنيا شيئاً، فسماه الله عزيزاً؛ إذ فعله ذلك يوصله إلى دار العز أبد الأبد، ثم قال: {وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} فقد أذل الفراعنة ومن تبعهم من الظالمين؛ لأنهم معتدون غير محقين، فكل من كان في يده أمر ونهي وكان فعله مخالفاً للكتاب والسنة فهو فرعون من الفراعنة، وكل عالم متمرد فهو إبليس من الأبالسة، وكل من عصى الرحمن من سائر الناس فهو شيطان من الشياطين ))(1).
ـ ورابعاً: أن المستحق للإمامة وولي الأمر والنهي في الأمة من حاز شروطاً هي: (( ولادة الرسول، والعلم، والورع، والزهد، والدعاء إلى الله، وتجريد السيوف، وخوض الحتوف، وفض الصفوف، ومجاهدة الألوف، ورفع الرايات، ومباينة الظالمين، وإقامة الحدود على من استوجبها، وأخذ أموال الله من مواضعها وردها في سبلها التي جعلها الله لها وفيها، مع الرحمة والرأفة بالمؤمنين، والشدة والغلظة على الفاسقين والشجاعة عند البأس، والمجاهدة للكافرين والمنافقين ))(2).
__________
(1) كتاب العدل والتوحيد.
(2) جواب مسألة النبوة والإمامة.

(1/21)


والسؤال الذي يتوجه بإلحاح. أين موقع الإمام الهادي من هذه الشروط والمواصفات، وهل كان انعكاساً لها ومصداقاً؟ أم أن مثل هذه النظرية لا وجود لها إلا في عالم المثال وعند الحالمين؟ والحق الذي تقودنا إليه الشواهد المتعددة من صفات الإمام الخَلقية والخُلقية وسيرته التي استفاضت عند أوليائه وغير اوليائه أنه كان تجسيداً لتلك النظرية التي بلورها عن الحاكم العادل الرشيد، وهذه شهادة نسجلها للتاريخ بدافع الإنصاف ومعنا ثلة من المستبصرين الذين اتبعوه على بصيرة من أمره وأمرهم من أبناء اليمن الأشاوس وممن هاجر إليه ـ لشهرة أمره ـ من الحجازيين والعراقيين والطبريين طلباً لنصرته والشهادة بين يديه.
ولنكتف بثلاثة من أصحابه لنرى شدة حبهم له وبصيرتهم في اختباره، وليكونوا أنموذجاً لمن وراءهم من أصحابهم وإخوانهم، ولنرى كيف تركهم وقناعتهم في امره.
فأولهم وأولاهم: العلامة الفقيه الحافظ المسند قاضي قضاة الإمام قاضي صعدة علامة الشيعة محمد بن سليمان الكوفي جامع المنتخب فهو مع علمه وبصيرته يصف كيف وصلت دعوة الإمام إلى الكوفة، ويقيم الأدلة والبراهين على إمامته وجمعه للشروط ووجوب نصرته وطاعته في مقدمة كتاب المنتخب فعل ذي البصيرة والهمة العالية والنفس الأبية الغيورة على ما أصاب الأمة وحل بها من ظلم وعسف واستبداد، يرجع إليها من أرادها.
وثانيهم: العلامة الفارس النبيل علي بن محمد بن عبيد الله العلوي العباسي المدني، مصنف سيرة الإمام وأحد خلص أصحابه فقد احتج على إمامة الإمام الهادي في مقدمة السيرة بحجج وشواهد بينة.
وثالثهم: العلامة الحسين بن عبد الله الطبري أحد المهاجرين المستبصرين إلى الإمام، والذي يتساءل بكل شجاعة وبصيرة معبراً عن نفسه وعن غيره (( عن المعنى الذي وجبت به لنا على الخلق الطاعة، ووجب به علينا جهاد من أبدى لنا المعصية، وثبتت به لله سبحانه في ذلك علينا الحجة )).

(1/22)


فأجابه الإمام بكل ثقة وطمأنينة وبحجة واضحة: (( وهذا كرمك الله فقد وجب لنا على أنفسنا السؤال عنه والبحث لها فيه عندما دعتنا إليه من دعاء الخلق إلى طاعتنا والمناداة إلى إجابتنا.. فكان من جوابها لنا عندما احتجنا إليه من علم ذلك منها أن قالت: وجب لي ذلك بما وجب للأئمة من قبلي من لدن القاسم بن إبراهيم عليه السلام ومن تقدمه من الأئمة القائمين الذين كانوا حججاً لله على العالمين سواء سواء )).
ثم ذكرا لشرائط التي بها تجب للإمام الإمامة كما ذكرنا آنفاً إلى أن قال: (( فلما أن أجمعنا نحن وهي على أن من كانت فيه هذه الخصال، وثبت له ما ذكرنا في كل حال فقد وجبت له بحكم الله الإمامة، وتأكدت له بفرض الله على الخلق الطاعة؛ أوجبنا على أنفسنا المحنة فامتحناها فيما أجمعنا نحن وهي وغيرنا عليه من الشروط التي تجب بها الإمامة، وتثبت بها لأهلها على الخلق الطاعة، فلم نجدها ولله الحمد عن ذلك منصرفة ولا منه معوزة.. ولك يا أبا عبد الله أكرمك الله علينا من الحجة والسؤال والمحنة مثل الذي كان لنا على أنفسنا، فانظر في ذلك معنا بمثل ما نظرنا نحن به مع أنفسنا، فإن وجدت ما وجدنا وشهد عقلك لك في أمرنا بمثل ما شهدت به عقولنا لأنفسنا؛ فقد حق لك ما طلبت، وصح لك ما عنه سألت، وجاءتك من نفسك البينات، وأنارت لك في ذلك النيرات، وإن لم تجد الشروط التي نشهد نحن وأنت وكل المسلمين بأنها شروط الأئمة الهادين المفترضة طاعتهم والمحرمة معصيتهم؛ كنت على بينة من أمرك ورخصة في فرضك وراحة من تعبك، واعلم ـ هداك الله ـ أن الإمتحان والنظر لا يكون إلا بالنصفة من المتناظرين، وطلب الحق في ذلك من المتسائلين، وقبول الحق عند ظهوره، وأخذه بأفضل قبوله، ونحن ـ أكرمك الله ـ لكل ذلك وإليه لك مسرعون وله منك محبون ))(1).
__________
(1) جواب مسائل الطبري.

(1/23)


هذا غير شهادة أعلام أسرته على رأسهم الإمام القاسم الرسي وولده محمد بن القاسم وبقية الأسرة الكريمة الذين لم يكونوا يخاطبونه إلا بالإمام، وغير شهادة السير والتواريخ اليمنية للقدماء والمحدثين من موالين وغير موالين.
وبالجملة فحكمه وسياسته صورة واضحة للخلافة الإسلامية الرشيدة الحكيمة، وتجسيد عملي لسيرة جده الإمام علي بن أبي طالب يفخر اليمنيون عموماً بل وكل المسلمين بما فيها من جهاد واجتهاد، وبصيرة نافذة وسداد، وقدوة واتباع، وتجديد وإصلاح، وحكمة وعدالة لا تفرق بين القريب والبعيد والعدو والولي والمسلم والمعاهد والرجل والمرأة، فالقوي فيها ضعيف حتى يؤخذ الحق منه، والضعيف قوي حتى يؤخذ الحق له.
وفي سياسة الإمام الاجتماعية والإقتصادية معالم بارزة ونقاط مضيئة، وكذلك في تعامله مع رعاياه من الموالين والمعارضين والأقليات الدينية، وفي قبوله برحابة صدر للاعتراض على مفردات سيرته، والجواب عنها بالحجة الواضحة ما ينبي عن أن سياسته أقرب إلى روح الديمقراطية والشورى، وإن لم تأخذ شكلها المعاصر الذي وصلت إليه في عصرنا، فذلك ما لا لوم عليه فيه ولا هو بمنتظر منه.
وتتميز شخصيته السياسية بنظرات ورؤى موفقة في الجانب المالي وسياسة التأديب لا تعوزه فيها الحجة من سيرة المصطفى والسلف الصالح وبالذات سيرة جده الإمام علي، والتي كان يراها ـ كما يراها كل منصف غيره ـ هي المثال لسياسة الحاكم المسلم العادل الرشيد بما فيها من شدة على النفس والأقارب وسماحة على الرعايا والأتباع. وسنرجئ الحديث المفصل عنها المدعوم بالشواهد إلى الدراسة بعون الله تعالى.
فكر الإمام الهادي
الحديث عن فكر الإمام بمعالمه ومميزاته حديث طويل لا تتسع هذه العجالة للتوسع فيه، غير أنه لا بد لنا من إشارة مجملة إلى معالمه إضافة إلى ما سبق من أصول فكره العقائدية.

(1/24)


لقد قيل الكثير عن فكر الإمام الكلامي وانتمائه الفكري، كما قيل الكثير أيضاً عن فكر الزيدية الكلامي عموماً وصلته بمدرسة الاعتزال، حيث يحسبه كثير في علم الكلام على الفكر المعتزلي، وفي الفقه على مدرسة الرأي التي تزعمها الحنفية حتى لقد قال بعضهم بتتلمذ الإمام على أبي القاسم البلخي مع أن لي في هذا القول تحفظاً لا سبيل إلى شرحه الآن، وخصوصاً وأنه ـ حسب وجهة نظري ـ يستند إلى التوافق الملحوظ واللقاء في كثير من مفردات علم الكلام.
ولا أريد هنا أن أقف على النقيض من هذا الرأي عموماً ولا أتعجل الرد عليه، ولا أخوض في تفاصيل شواهد القبول والرفض، فذلك له موضع آخر غير أني أكتفي بالقول إن هناك صلة وثيقة وتوافق ملحوظ بين الإمام وبين المدرسة البغدادية الاعتزالية يراه من اطلع على تراث الإمام الكلامي ولكن مع صعوبة تحديد تاريخ بداية اللقاء والاتصال بين أعلام المدرستين في عصر الإمام وما قبله، وهل هي مجرد علاقة اتفاق عام أم هي تلمذة وتلق مباشر.
والأهم من كل ذلك عندي هو استيضاح شخصية فكر الإمام وتراثه الكلامي، وأهم ملامحه ومميزاته بعيداً عن دعوى الانتماء من عدمها، وهنا أقول: لئن كان أهل الكلام من المسلمين ينتمون عموماً إلى مدرستين أساساً: (( مدرسة النقل )) و (( مدرسة العقل )) فإن فكر الإمام أقرب إلى مدرسة العقل التي حمل لواءها مشائخ الاعتزال، ولئن كانت مدرسة الاعتزال قد انتهت إلى مدرستين أيضاً: (( مدرسة البصرة )) و (( مدرسة بغداد )) بما لكل منهما من خصائص ومميزات؛ فإن فكر الإمام أقرب إلى مدرسة بغداد، يعرف ذلك من له أدنى أنس بتراث الإمام الكلامي.
وبعد فلنعد إلى خصائص فكر الإمام الكلامي ومميزاته حيث نرى معلمين بارزين ينطلق منهما فكر الإمام هما:

(1/25)


أولاً: احترام العقل، فهو يولي العقل الإنساني أهمية كبرى حيث يجعله الحجة العظمى لله جل وعلى على الإنسان، والحاكم على بقية الحجج باعتبار أنها لا تفهم إلا به وفي ضوء أساسياته وأولياته، ولا يمكن أن تتناقض بقية الحجج معها، فالعقل في فكر الإمام هو الحجة الأولى التي يرجع إليها في ما اختلف فيه من ظواهر القرآن، ومحكم القرآن هو الحجة التي تعود إليها متشابهاته والسنة أيضاً، والسنة المجمع عليها هي المرجع للسنة المختلف فيها، والإمام هنا متأثر بفكر جده القاسم الرسي بوضوح.
وثانيا: تقديس القرآن الكريم وبالذات المحكمات منه، وهي في رأي الإمام التي توافق أصول العدل والتوحيد التي وصل إليها وقررها العقل، حيث نجد أن الإمام في كثير من كتبه ورسائله في هذا المجموع يتمحور حول الكتاب العزيز، فهو في جدله ونقاشه لابن الحنفية يستنطق القرآن ويوضح خطأ ابن الحنفية في فهمه لمتشابه الكتاب العزيز، وكذلك في جدله ونقاشه مع المجسمة والمشبهة في الآيات الكريمة التي يستشهدون بظواهرها، وكذلك مع المجبرة القدرية في رسالتيه الجوابيتين عليهما، فهو يفند شبههم في الكتاب العزيز ويورد الحجج والشواهد عليهم منه على طريقتي (( التحقيق )) و (( الإلزام )).
ولئن أغرق المتكلمون في تأثرهم بفلسفة اليونان وبرزت بوضوح في تراثهم الكلامي، فإن فكر الإمام الكلامي يمتاز بتمحوره حول القرآن واستنطاق حججه وتوضيح بيانه وآياته بما فيها من وضوح ويسر ومنطقية وبيان وقرب من مختلف الأذهان، وما أظنه كان يعوزه ذلك لو قصده، خصوصاً، وأن لدى جده القاسم الرسي ـ والذي كان الإمام يعظمه غاية التعظيم ويجله غاية ما يكون الإجلال، والذي يعتبر من أبرز فلاسفه أئمة الزيدية وحكمائهم ـ الكثير من معرفة ذلك كما يحكيه مجموعه العظيم، فلقد كان الإمام الهادي من أبرز ورثة فكر وثقافة جده القاسم الرسي سلام الله عليهما، وبرز اثره في شخصية وفكر الإمام.

(1/26)


ومما له علاقة بالقرآن في فكر الإمام وحظِيَ بإهتمام عنده أمران مهمان في فهم القرآن:
أولاً: (( النظرة الموضوعية الشاملة )) التي تجلت جذورها في فكر وتراث الإمام، حيث كان يتعامل مع القرآن الكريم كوحدة موضوعية شاملة وبالذات في مجال العقيدة، فقد وضع الإمام بذرة (( النظرة الموضوعية )) من خلال بعض المفردات العقدية التي تتبعها في مجموعه، هذا في عصر كانت (( النظرة التجزيئية )) في القرآن هي المسيطرة والسائدة، وتجلى ذلك في بعض المفاهيم والموضوعات التي نظر إليها الإمام وتتبع مواردها في الكتاب العزيز، من مثل: (( الهدى )) و (( الضلال )) و (( الكفر )) و (( الإذن )) و (( الكتاب )) و (( العبادة )) و (( الإرادة )) و (( الشرك )) و (( القضاء )) و (( القدر )) وغيرها من المفاهيم، وبالأخص التي كانت مثار خلاف ونقاش في العقيدة.
وهذه نظرة رائعة لو نسج على منوالها المؤلفون في التفسير لأتت ثماراً طيبة في الفهم الموضوعي للكتاب الحكيم، والمسلمون في حاجة ماسة إلى مثلها، فلو أفردت بالتأليف كانت جديرة، وخصوصاً مع تطور العصر وتنوع المفاهيم التي تحتاج إلى رؤية قرآنية موضوعية في شتى المجالات، وقد لفت النظرإليها في هذا القرن العلامة محمد باقر الصدر رحمه الله في بحث رائع مستقل تناول فيه موضوعين مهمين وخرج فيهما برؤية شاملة واضحة.

(1/27)


وثانياً: اللغة العربية باعتبارها الإطار الذي يفهم القرآن من خلاله، ولمعرفتها أهمية كبرى في فهم القرآن الكريم كما أن لجهلها أثراً سيئاً في فهم القرآن الكريم، ويتجلى تركيز الإمام على اللغة العربية وأسلوبها المتنوع وبالذات (( مجاز اللغة )) في جدل الإمام مع ابن الحنفية في (( مسائل ابن الحنفية )) من المجموع، وكذلك في كتاب (( المسترشد )) حيث يرى الإمام أن جهلهم للغة هو الذي جرهم إلى سوء الفهم والاعتقاد، والإمام في منهج (( التأويل )) يعول كثيراً جداً على اللغة العربية، وهو محسوب في أصحاب (( التأويل )) الذين يقابلهم أصحاب (( التسليم والتفويض )) أو بتسمية أخرى (( أصحاب الظاهر )).
***
أما مميزات (( فقه الإمام )) ومعالم شخصيته الفقهية بين مدرستي (( أهل الرأي )) و (( أهل الحديث )) الفقهيتين فإذا أردنا أن ننمي فكره إلى أي المدرستين فسنجده يقرب كثيراً من أصحاب الرأي في منهجه الفقهي، ولكنه لا يبعد في منهجه عن (( فقه أهل المدينة )) بما فيه من أثر وسنة عملية حتى على مستوى منهج التأليف، حيث يكثر في كتب فقهه في مجال الرواية من عبارة (( البلاغ )) بدل التحديث بالسند المتسلسل على نمط موطأ الإمام مالك في الأغلب.
والإمام يستشهد كثيراً في فقهه بما يأثره عن جده القاسم الرسي، وبما (( أدرك عليه مشائخ آل رسول الله )) وسمعه عنهم، وكأنه يكتفي لمعرفة ما عليه آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالاعتزاء إلى القاسم الذي يراه وارث علمهم وفقههم، وهو بحق شيخ آل الرسول وفقيههم وعالمهم المتفق فيهم على جلالة قدره وعلمه.
وأصول (( فقه الإمام )) كما نص على ذلك وكما يعرفه متتبع تراثه الفقهي الثري هي: العقل، والقرآن، والمجمع عليه من سنة رسول الله، وهي ما يطلق عليها اسم (( العلل التي معرفتها غاية الاستبصار ))، وقد ذكرها محمد بن سليمان الكوفي رحمه الله في مقدمة كتاب (( المنتخب )).

(1/28)


ونص عليها الإمام بقوله: (( إن الحق لا يؤخذ إلا من أحد ثلاثة وجوه: كتاب ناطق، أو إجماع من الأمة فيما نقلته عن النبي عليه السلام من السنة التي جاء بها عن الله، وأمر بينته وصححته العقول وميزت وأخرجت حقه وشرعت صدقه ))(1).
والجديد في فكر الإمام في (( أصول الفقه )) نظرته القيمة إلى (( السنة )) التي خصص لها في مجموعه رسالة مستقلة ناقش فيها معاني السنة وأقسامها، مميزاً بين ما هو منها عن الله مما هو بيان لمجمل الكتاب وتفصيل لمؤصلاته من الفرائض والشرائع والأحكام، وما هو من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الآداب والفضائل، موضحاً أنها لا تخالف الكتاب العزيز، وأنها وحي من الله جاء به جبريل كما جاء بالقرآن، وضرورة عرضها عليه باعتباره المقياس لصحتها.
وكذلك أيضاً نظرته إلى (( القياس ))، فقد خصه أيضاً برسالة مستقلة في هذا المجموع وضح فيها شروط القياس الصحيح مميزاً له عن القياس الفاسد في الدين الذي هو (( دين إبليس اللعين ))، كذلك مواصفات المؤهل الذي له أن يقيس ممن ليس كذلك.
والإمام صاحب مدرسة فقهية زيدية وإمام من ائمة الفقه متبوع يوازي الأئمة الأربعة شهرة وفقهاً وأتباعاً، فمدرسته الفقهية لها خصوصياتها ومعالمها وأئمتها ورجالها الذين أثروها استدلالاً وتخريجاً وتفريعاً، وأبرزهم السيدان الإمامان الهارونيان (( المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني ))، وأخوه (( الناطق بالحق يحيى بن الحسين )) وخالهما (( أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني ))، وهي المدرسة المعروفة بين مدارس الزيدية الفقهية بـ (( الهادوية )) نسبة إلى الإمام الهادي، وهي التي عليها الزيدية في اليمن، وهي امتداد لمدرسة جده القاسم التي كان لها أتباع في بلاد الجيل والديلم (( القاسمية ))، والتي يقابلها (( الناصرية )) نسبة إلى الإمام (( الناصر الحسن بن علي المعروف بالأطروش )) من أئمة الزيدية بالجيل والديلم.
__________
(1) كتاب القياس.

(1/29)


ويمتاز فقه الإمام بأنه فقه الحاكم الذي حكم دولة كما يمتاز حكمه بأنه حكم الفقيه المجتهد، وذلك يختلف بلا شك عن الفقيه المجتهد غير الحاكم، ففقهه هو فقه الدولة الإسلامية بما فيها من إقتصاد ومعاملات، وهو فقه (( المعارضة )) أيضاً، وهو فقه (( الثورة )) والانتفاضة ضد الظلم بما فيه من حصار وتطويق لدولة الظلم، وبالذات في الجانب الاجتماعي بما فيه من حرمة معاونته والاعتزاء إليه والوظيفة معه، والجانب الاقتصادي بما فيه من تجفيف منابعه الاقتصادية على كافة الأصعدة وفي كافة الموارد، وقد تأثر في ذلك مباشرة بموقف جده القاسم بما فيه من تشدد على الظالمين، حيث جعل القاسم أحد أصوله الخمسة في بعض رسائله في مجموعة: (( أن التقلب في المكاسب والتجارات ليس من الحل في عصر الظلم كما هو في عصر الأئمة الهادين ))، وتشدده وصلابته في الدخول عليهم وأخذ عطاياهم بل وحتى مجرد أن تامنهم ويأمنوك واضح فيه وفي أسرته عموماً ومنهم الإمام، امتازت به هذه الأسرة فقهياً وعملياً عن مثيلاتها من أسر الهاشميين وفقهائهم وخصوصاً أئمة العراق.
ولذلك فإن فقه الإمام يتمتع بالحيوية، ويملك مقومات البقاء والديمومة؛ لأنه فقه المجتهد الحاكم بما فيه من فقه العلاقات ومن رؤى اقتصادية وسياسية وقضائية وعسكرية، وما أحقه بدراسة لسياسته الاقتصادية والمعاملاتية تستخرج خصائصها ومميزاتها وتستجلي ملامحها.
أهل البيت في فكر الإمام

(1/30)


ومما يجب التنبيه عليه ونحن بصدد الحديث عن فكر الإمام وانتمائه الفكري نظرة الإمام إلى (( آل البيت ))، فهو يوليهم في ثنايا مجموعه أهمية قصوى ويفتخر بالانتماء إليهم، فكراً ونسباً، فهو يحمد الله جل وعلى (( على ما من به فينا وتفضل به سبحانه علينا؛ من ولادة النبيين ووراثة علم المرسلين ))، وهم أهل الحق واتباعهم سبب النجاة والإلفة ومخالفتهم سبب الهلاك والفرقة، فقد وقع الاختلاف في هذه الأمة (( لفساد هذه الأمة وافتراقها وقلة نظرها لأنفسها في أمورها، وتركها لمن أمرها الله باتباعه والاقتباس من علمه، ورفضها لأئمتها وقادتها الذين أمرت بالتعلم منهم والسؤال لهم، وجعلوا شفاء لداء الأمة ودليلاً على كل مكرمة ونهاية لكل فاضلة، وأصلاً لكل خير وفرعاً لكل بر وفصلاً لكل خطاب ودليلاً على كل الأسباب )).
وهم ورثة الكتاب المصطفين وأهل الذكر الذين أمرت الأمة بسؤالهم في الحلال والحرام؛ (( لأنهم أهل ذلك وموضعه ومكانه ومركبه الذي ركبه الله عليه وجعله معدناً له وفيه، اختاره لعلمه وفضله على جميع خلقه، نوراً على نور وهدى على هدى وحاجزاً من كل ضلال وردى، أئمة هادين ونخبة مصطفين، لا يخاف من اتبعهم غياً ولا يخشى عماً ولا ضلالاً، محجة الإيمان وخلفاء الرحمن والسبيل إلى الجنان والحاجز عن النيران، ثقاة أبرار وسادة أخيار، أولاد النبيين وعترة المصطفين، وسلالة النبي ونسل الوصي وخيرة الواحد العلي، مشرب لا يظمأ من ورده ودواء لا يسقم من تداوى به، شفاء الأدواء ووقاية من البلاء، كهف حصين ودين رصين، وعمود الدين وأئمة المسلمين، قولهم صواب بلا خطأ وقربهم شفاء بلا ردى، أعني بذلك الطاهرين المطهرين والأئمة الهادين؛ من أهل بيت محمد المصطفى وموضع الطهر والرضى، الوافين إن وعدوا والصادقين إن نطقوا، والعادلين إن حكموا )).
وهكذا يطيل الإمام الثناء عليهم في مقطوعات أدبية رائعة من (( كتاب القياس )) وغيره ضمن المجموع.

(1/31)


ويرى أنهم لا يختلفون، وذلك (( لأنهم أخذوا علمهم من الكتاب والسنة فلم يحتاجوا إلى إحداث راي ولا بدعة، تكلموا بالكتاب الناطق واعتمدوا على الوحي الصادق.. فثبتت لهم بذلك الإلفة وزالت عنهم الفرقة )). ولكن هاهنا سؤالين يوردهما الإمام على نفسه بعدما ذكره من الحضّ على اتباعهم وأنهم لا يختلفون:
الأول: هل أن كل من انتسب إلى البيت النبوي يجب اتباعه أم هم طائفة مخصوصة الذين أمرنا باتباعهم؟ ويجيب الإمام (( إن الذين أمرنا باتباعهم من آل رسول الله وحضضنا على التعلم منهم وذكرنا ما ذكرنا من أمر الله برد الأمور إليهم؛ هم الذين احتذوا بكتاب الله من آل رسول الله، واقتدوا بسنة رسول الله الذين اقتبسوا علمهم من علم آبائهم وأجدادهم جداً عن جد وأباً عن أب حتى انتهوا إلى مدينة العلم وحصن الحلم، الصادق المصدق الأمين الموفق، الطاهر المطهر المطاع عند الله المقدر محمد صلى الله عليه وآله وسلم )).

(1/32)


السؤال الثاني: أنه من أين يقع الاختلاف بينهم؟ وإذا اختلفوا فمن هو الذي يجب اتباعه؟ ويجيب الإمام: (( إن اختلاف آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيها السائل عن أخبارهم لم يقع ولا يقع أبداً إلا من وجهين: فأما أحدهما فمن طريق النسيان للشيء بعد الشيء والغلط في الرواية والنقل، وهذا أمر يسير حقير قليل يرجع الناسي منهم عن نسيانه إلى قول الثابت المذكر له عند الملاقاة والمناظرة. والمعنى الثاني: فهو أكبر الأمرين وأعظمهما وأجلهما خطراً وأصعبهما، وهو أن يكون بعض من يؤثر عنه العلم تعلم من غير علم آبائه واقتبس علمه من غير أجداده ))، (( والأصل الذي يثبت علم من اتبعه، ويبين قول من قال به ويصح قياس من قاس عليه ويجوز اقتداء من اقتدى به فهو كتاب الله تعالى المحكم وسنة رسول الله اللذان جعلا لكل قول ميزاناً ولكل نور وحق برهاناً ))، (( فإذا جاء شيء مما يختلف فيه آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ميز الناظر المميز السامع لذلك بين أقاويلهم، فمن وجد قوله متبعاً للكتاب والسنة، وكان الكتاب والسنة شاهدين له بالتصديق فهو على الحق دون غيره وهو المتبع لا سواه الناطق بالصواب، المتبع لعلم آبائه في كل الأسباب ))(1).
__________
(1) كتاب القياس.

(1/33)


وهكذا يتجلى لنا اعتزاء الإمام وانتماؤه الفكري لآل البيت واعتزازه بذلك الانتماء كما جاء ذلك بوضوح في جوابه على أهل صنعاء حين سألوه عن فكره ورأيه وانتمائه، قال: (( لست بزنديق ولا دهري، ولا ممن يقول بالطبع ولا ثنوي، ولا مجبر قدري، ولا حشوي، ولا خارجي، وإلى الله أبرأ من كل رافضي غوي ومن كل حروري ناصبي ومن كل معتزلي غال، ومن جميع الفرق الشاذة، ونعوذ بالله من كل مقالة غالية، ولا بد من فرقة ناجية عالية، وهذه الفرق كلها عندي حجتهم داحضة والحمد لله، وأنا متمسك بأهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، ومهبط الوحي ومعدن العلم وأهل الذكر، الذين بهم وُحِّد الرحمن، وفي بيتهم نزل القرآن والفرقان، ولديهم التأويل والبيان، وبمفاتيح منطقهم نطق كل لسان.. فقد أصبحوا عندي بحمد الله مفاتيح الهدى ومصابيح الدجى، لو طلبنا شرق الأرض وغربها لم نجد في الشرف مثلهم، فأنا أقفوا آثارهم وأتمثل مثالهم، وأقول بقولهم وأدين بدينهم وأحتذي بفعلهم ))(1).
****
صورة مجملة من حياة الإمام الهادي عليه السلام
هذه اللمحة تخص الجاهل بحياة الإمام ومراحل تطوره إن كان هناك من يجهل حياته.
هو الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي الحسني الهاشمي المدني، ثم الصعدي.
* ولد بالمدينة المنورة، عاصمة الرسالة الإسلامية المحمدية، وحاضرة العالم الإسلامي حينذاك سنة (245هـ) قبل وفاة جده القاسم بسنة واحدة، فحمل إليه فبرّكه وعوّذه وقال: هو والله يحيى صاحب اليمن.
__________
(1) المصدر السابق.

(1/34)


* عاش في تلك البيئة ـ جبل الرس على مقربة من المدينة المنورة ـ في أحضان أسرة مثالية كريمة، انتهت إليها خير خصال الهاشميين ـ وكلُّها خيِّرة ـ، وفي تلك الأسرة التي استقرت في ذلك الجبل بعد رحلات طويلة ومعاناة كبيرة فراراً بدينها من السلطان الغشوم، ومن المدنية الفاسدة، وفي رعاية شيخ تلك الأسرة، وزعيمها الروحي الوقور (( القاسم بن إبراهيم ))، الذي طوف البلدان ـ مصر، والمغرب، والشام، وغيرها من عواصم الفكر الإسلامي ـ ليستريح بعد حصيلة كبيرة من شتى صنوف وآفاق المعرفة بأفكار وطبائع الناس على أنواعهم وأجناسهم، وبعد الإعياء في طلب خلاص للأمة من معاناتها من الحكام الظالمين، لعدم وجود الناصر بعد الدعوة للتغيير، بل وبعد البيعة، ليستريح إلى ذلك الجبل، ويتفرغ لتربية أفراد أسرته المباركة، وتعليمها كل شئون حياتها، وليغذيها بتلك الحصيلة الكبرى من المعارف الإسلامية بل وغير الإسلامية، ولينشئها على جلد البادية وكرم طباعها، لتكون مهيئة من الناحيتين العلمية والجسمية لحمل الرسالة التي أخلص لها ومنحها كل حياته، وللقيام بعبء التغيير على الظلم والظالمين بجدارة كاملة.
في أحضان تلك الأسرة التي كانت تجله أشد ما يكون الإجلال نشأ وترعرع الإمام الهادي، متميزاً بالذكاء والنبوغ، وجودة الفطنة، وسلامة القريحة في تلك الأجواء النقية الصحيحة، متمتعاً بكامل الرجولة، وفضل القوة، مطلاً على العالم من هناك، غير معزول عنه رغم عزلته، كأن يد القدر تصوغه لحمل أعباء الأمة، والنهوض بها إلى مستوى الأفضل، وعرف في طفولته بكل ما تقدم من الاشتغال بالعلم، والتحلي بأنبل وأشرف الشمائل والأخلاق التي تليق بمثله ومثل أسرته، وألَّفَ وسِنُّة سبع عشرة سنة.

(1/35)


وعندما أحس من نفسه بالنضج، والقدرة على تحمل أعباء هذه الأمة ـ التي نذر أهل البيت دماءهم ونفائسهم في سبيلها ـ وكان عنده سابق معرفة بمواطن أنصار آل البيت في شتى البلاد، رحل ـ في موكب مؤلف من أبيه وبعض عمومته والموالي ـ إلى آمل، قال راوي الرحلة: (( ولم أسمع بأنه بلغ من تعظيم بشر لإنسان ما كان من تعظيم أبيه وعمومته له، ولم يكونوا يخاطبونه إلا بـ(الإمام)، فلما وصل آمل علا صيته، وانتشر خبره وخُبره، فأوحش ذلك ابن عمه (( محمد بن زيد ))، وكان هو الإمام في ذلك البلد، فكتب وزيره (( الحسن بن هشام )) إلى الهادي: (( بأن ما يجري يوحشُ ابن عمك ))، فردّ الهادي: (( ما جئنا ننازعكم أمركم، ولكن ذكر لنا أن لنا في هذه البلدة شيعة وأهلاً، فقلنا عسى الله أن يفيدهم منا )) (1)، ورحل راجعاً.
__________
(1) الإفادة 135.

(1/36)


ولما اشتهر به من تلك الخلال التي تؤهله لحمل لواء الإصلاح في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والنهوض بأعباء الخلافة ـ وبعد تمام خمس وثلاثين من عمره عمر النضج والاستواء ـ وَرَدَ عليه وفد أهل اليمن من بلاد صعدة، يستشفعون إلى أسرته في ذهابه معهم لحمل لواء الإصلاح في (( اليمن السعيد ))، وقد كانت بينهم فتن وحروب، وكانت اليمن إذ ذاك تعيش اضطراباً سياسياً رهيباً وحرباً ضروساً على السلطة، فماذا يا ترى كان يثنيه وقد طلب إليه ما كان همه وهدفه من رحلته إلى إيران من الإصلاح في أمة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من غير ما دافع من طمع، ولا رغبة في الغزو والاحتلال، والتسلط والسيطرة، كما كان أبو العتاهية ـ عبد الله بن بشر الروياني أحد عمال صنعاء من قبل العباسيين ـ يراسله إلى المدينة بأن يحضر اليمن ليبايعه، ويستلم الأمر منه، فوصل الإمام إلى اليمن في جماعة من أسرته ومواليه مستسهلاً الصعاب، عل الله يصلح به أمر أهل اليمن، ودخل صعدة وأصلح بين أهلها، وهمدت الفتنة، وعم الاستقرار والرخاء الاقتصادي لعموم العدل، وتنفيذ أحكام الشرع.
وبدأ الإمام المشوار مع أهل اليمن بعدما بايعوه على: كتاب الله، وسنة رسوله، والقسم بالسوية، والعدل في الرعية، وعلى أن يطيعوه ما أطاع الله فيهم، وإن عصاه فلا طاعة له عليهم، ويمحضوه النصح ولا يتراجعوا عن نصرته والقيام معه بالحق، وعلى أن يقدمهم عند العطاء، ويتقدمهم عند اللقاء، وأن يساوي بينه وبين الفرد منهم، كأنه يضع للخلافة الراشدة خيوطاً وخطوطاً جديدة، ليذكر الناس بتلك العهود بعدما كانت قد غابت عن دنيا الناس، وأنساهم الظالمون تلك العهود الذهبية، وذلك الماضي المشرق الوضاء، الذي ترك بصمة على جبين التاريخ، لا يزال يذكرها ولن يزال.

(1/37)


وبدت له من أهل اليمن بوادر سيئة اعترضت سبيله في إقامة حكم الله تعالى، حيث شفع إليه في إسقاط بعض الحدود عن بعض الكبراء، فرحل عن اليمن مغاضباً راجعاً إلى المدينة، معتذراً بقوله: (( والله لا أكون كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه، والله ما هي إلا سيرة محمد أو النار ))، فأعاد اليمنيون الكرّة، وأرسلوا وفداً آخر يطلب عودته بعدما ذاقوا العناء السياسي والاقتصادي، (( وكانت اليمن على استعداد له، وقد دعته إليها دعوة مخلصة يمنية، وليست عراقية كالتي كانت للحسين رضي الله عنه ))، فلبى تلك الدعوة ووصل إلى صعدة في 6 صفر سنة 284هـ، ووطد لحكومة إسلامية تنشد الصلاح والإصلاح ولا تعرف التسلط والظلم والجبروت، ولا تحتجب عن رعاياها إلا من خوفهم وغدرهم، تشهد صلواتهم الخمس وتعيش آلامهم وآمالهم وتطلعاتهم، فأصبح للمذهب الزيدي في ربوع اليمن الميمون دولة حكمت مئات السنين، وضع بذرتها الإمام الهادي عليه السلام، ورعاها بنوه من بعده، والحديث عن حكومته وإصلاحاته السياسية والاقتصادية والعسكرية يطول.
بويع له سنة (284هـ) وله خمس وثلاثون سنة، وكانت له مع أنصاره وأعدائه من اليمنيين الأشاوس مواقف بطولية جريئة، دلت على بسالة منقطعة النظير، وكانت شجاعته مضرب المثل وحديث الركبان.
(( وقد سار الهادي في حكم البلاد اليمنية على سنّة العدل، مما جعل الأهلين يرون فيه مظهراً لحكم الإسلام، ومصدراً لعهد الخلفاء الراشدين الأولين، وإن رسائله وخطبه وعهوده تجعل القارئ يحس بأنه يعود بالإسلام إلى عهده الأول، عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، الذين يعتبرون الحاكم منفذ أحكام الله تعالى بحيث يحس بها الصغير والكبير والأمير والحقير )) (1).
__________
(1) أبو زهرة الإمام زيد بن علي: 515.

(1/38)


وصفى حسابه مع القرامطة في اليمن، وجاهدهم بسيفه ولسانه جهاد الأبطال وأقام حكماً سياسياً واقتصادياً عادلاً، ونظاماً إدارياً وقضائياً جعله يسبق عصره، وألحقه بمصاف الراشدين، كما أسس لمذهب أصيل (( ووسع باب الاجتهاد فيه والاختيار، واجتهد اجتهاداً مطلقاً رفعه إلى مرتبة الأئمة أصحاب المذاهب ))، وقد شمر لخدمة مذهبه تخريجاً واستدلالاً أئمة المذهب الزيدي بعده في اليمن والجيل والديلم.
توفي حميداً سعيداً سنة (298هـ)، وترك آثاراً ومؤلفات رائعة.
*****
عملي في الكتاب
لنشر التراث الإسلامي عموماً أهمية عظمى في وصل الحاضر بالماضي للاستهداء به، وتراث الزيدية على وجه الخصوص لما يتمتع به من حيوية ومن معالم بارزة وشخصية ممتازة في وسطيته واعتداله وشموله واستيعابه لتراث كثير من الفرق الإسلامية، ولذلك فإنه إذا كان لكل فكر وتراث ثقافي حملته وأتباعه وأهله وأنصاره المهتمين به على وجه الخصوص فلعل تراث الزيدية الضخم مهمة كل المسلمين، وله حق على كل قادر منهم ؛ لأنه ليس تراثاً يخص الزيدية بل يشمل تراث غيرهم في الكلام والفقه؛ ولأنه لا يزال حبيس المكتبات الخاصة والعامة وفيه ثروة طائلة للمهتمين ثقافياً والباحثين.
وعندما توجهت الهمة لتحقيق ونشر هذا المجموع لما يحمله من تراث وفكر الإمام الهادي والذي سبق نشر بعض كتبه ورسائله كان جل هدفي هو إخراج النص مستقيماً للدارسين والباحثين وطلبة العلوم الدينية الذين يشدهم ويستهويهم تراث هذا الإمام الذي نشأ واعلى مذهبه، ونمت معارفهم الأولى في حضيرته وروضته. وقد لقيت عناء وعنتاً شديداً حتى تم صفه ثم لقيت عناءً آخر ربما مكرراً مرات في مقابلة رسائله على ما لدي من مخطوطات والإعتناء بنصها بالدرجة الأولى حتى صار النص بحمد الله مستقيم المعنى واضح العبارة.
وكان عملي في الكتاب على النحو الآتي:

(1/39)


1ـ رتبته ترتيباً موضوعياً على حسب موضوعات العقيدة وترتيبها في كتب علم الكلام؛ لأنني عرفت من خلال اختلاف النسخ في الترتيب أنه ليس من ترتيب الإمام، ولذلك اخترت ترتيبه ترتيباً جديداً يسهل على الدارسين والباحثين، فبدأت بالكتب والرسائل التي تجمع (( الأصول الخمسة )) أو أكثرها، ثم ثنيت بالكتب والرسائل التي تتعلق بموضوع (( التوحيد ))، ثم بموضوع (( العدل ))، ثم بموضوع (( النبوة ))، وما يتعلق بها ثم موضوع (( الإمامة ))، فهذه هي الأصول التي حظيت في المجموع واختصت برسائل أو كتب أو مسائل على تفاوت في ذلك، ثم ثلثت بالرسائل التي تتعلق (( بأصول التشريع )) من القرآن أو السنة أو القياس، ثم تلاها ماله علاقة بموضوع (( الأخلاق والآداب ))، ثم تلاها أخيراً رسائل وأجوبة مسائل متفرقة، منها في موضوع المعرفة البشرية، ومنها في تفسير آي من القرآن، ومنها في بيان أحاديث من السنة، ومنها في الفقه كل ذلك تحت عنوان (( مسائل متفرقة )) علماً بأنني لم أستكمل كل تراث الإمام ومسائله؛ لأن ذلك يقتضي وقتاً وجهداً كبيرين، ولكني فتحت الباب بنشر ما نشرت من المجموع بالترتيب المذكور للمهتمين ليلحقوا ما عثروا عليه من ثراثه كلا بموضوعه، لكي يصبح سلسلة (( تراث الإمام الهادي )) أو (( الأعمال الكاملة )). ولعلي بإذن الله أتمكن لاحقاً من تحقيق تلك الأمنية لكي يصبح كل تراث الإمام في متناول الأيدي. وسأتبع هذا بترتيب كل نسخة من النسخ التي قابلت عليها ومحتوياتها.
2 ـ قابلت المجموع على ثلاث نسخ خطية عدا المطبوعتين اللتين نشرهما الدكتوران: الكاتب وعمارة غير متمحور على نسخة بعينها تكون هي الأصل ذهاباً وراء النص المستقيم، وأثبت ما اختلف من النسخ في الهامش، وما زدته جعلته بين معكوفين هكذا: [ ].
3 ـ خرجت الآيات القرآنية مثبتاً تخريجها في الأصل بين معكوفين هكذا: [ ] لئلا أثقل الهامش وأزيد في حجم الكتاب.

(1/40)


4 ـ وضعت بعض العناوين في ثنايا المجموع وأبقيت على العناوين التي جاءت في المطبوع من المجموع كما هي.
5 ـ أبقيت على أسماء الكتب والرسائل كما جاءت في المخطوطات ولم أهتم في الأغلب بما يكون في أول الكتب والرسائل وآخرها مما ظننت أنه من عمل النساخ وكذلك ما كتبه في هوامش المخطوطات النساخ أو القراء والمشائخ.
6 ـ شرحت بعض الألفاظ الغريبة أو المصطلحات تسهيلاً على طلبة العلوم الدينية.
7 ـ عرفت بعض الأعلام في المجموع تعريفاً موجزاً وخصوصاً من اطلعت له على ترجمة من اصحاب الإمام أو تتبعت ذكره في سيرة الإمام.
8 ـ تحريت في إخراج النص مصطلحات التحقيق والنشر من تنقيط وترقيم وسائر مصطلحات النشر والتحقيق جهدي.
9 ـ أبقيت فيما اعتمدت فيه على المطبوعات ما أثبته محققوها في هوامشها معرفاً لذلك في الأعم الأغلب أو في الكل بقولي: في هامش ط.
10 ـ لم أحفل بتخريج الأحاديث الواردة في المجموع لندرتها وشهرة أكثرها وللثقة بنقل الإمام وتحريه في الرواية عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
11 ـ وضعت مقدمة للمجموع ضمنتها ما رأيته مهماً على سبيل الجملة مما له علاقة بالتعريف بشخصية الإمام السياسية والفكرية وما أثير حوله، ودراسة ما تضمنه المجموع أساساً تاركاً الإشارات التفصيلية لجوانب فكره وآرائه الكلامية في مختلف موضوعات علم الكلام وغيرها للدراسة الموسعة بإذن الله تعالى.
وصف المخطوطات
لقد تحصلت على ثلاث نسخ خطية جيدة متفاوته الأزمنة والصحة والدقة، وهي على ترتيبها الزمني كالآتي:

(1/41)


1 ـ نسخة قديمة يغلب عليها الصحة ويتفاوت خطها، ويعود تاريخها إلى القرن السابع الهجري (648هـ) كما يظهر على بعض لوحاتها، وهي بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء، وتحمل عنوان: كتاب المجموع من كتب الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين وسلامه، وكتب في آخرها: وكتب الفقير إلى ربه المعترف بخطئه وذنبه إسماعيل بن علي. وقد رمزت لها بالحرف (أ).
ومجموع ما فيها من كتب ورسائل الإمام على الترتيب الآتي كما جاء على غلافها:

(1/42)


كتاب البالغ المدرك، كتاب الأصول، جوابه لأهل صنعاء، كتاب المسترشد، باب الرد على أهل الزيغ من المشبهين، مسألة في العلم والقدرة والإرادة والمشيئة، كتاب تفسير معاني السنة، جواب مسألة النبوة والإمامة، كتاب تثبيت إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، باب إثبات النبوة، مسالة لرجل من أهل قم، جواب مسائل الحسين بن عبد الله الطبري، مسألة أجاب بها أيضاً في الإمامة، كتاب إثبات النبوة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، كتاب الجملة، كتاب المنزلة بين المنزلتين، كتاب تفسير الكرسي، كتاب الديانة، كتاب الخشية، كتاب الرد على من زعم أن القرآن قد ذهب بعضه، جواب مسائل لابنه المرتضى ومن مسائل محمد بن عبيد الله العلوي، كتاب الرد على ابن جرير، مسالة من مسائل التباعي، رواية عنه عليه السلام ورواية أخرى، موعظة له عليه السلام، كتاب القياس، جواب مسائل أبي القاسم الرازي، كتاب المناهي، ذكر خطايا الأنبياء عليهم السلام، كتاب الرد على المجبرة القدرية، كتاب العرش والكرسي، كتاب الفنون، كتاب تثبيت الإمامة، كتاب فيه معرفة الله في العدل والتوحيد وتصديق الوعد والوعيد عن الإمام المرتضى عن أبيه، كتاب الرد على الحسن بن محمد بن الحنفية، منتزع من سياسة النفسن، كتاب عهده إلى عماله. هذا ما جاء على الغلاف وأظن فيه زيادة على ذلك رسالتين أو ثلاث تقريباً لم تذكر.
2ـ نسخة ثانية حسنة الخط بخط واحد، ولكنها كثيرة السهو والسقط، وقد صورتها مكتبة اليمن الكبرى ونشرتها بعنوان: (( المجموعة الفاخرة ))، ويعود تاريخها إلى اواخر القرن الحادي عشر الهجري: قال في آخرها: كان تمام زبر هذا الكتاب المبارك في يوم الجمعة لعله ثامن شهر الحجة الحرام سنة (1097هـ)، وذلك بعناية سيدي الصنو القاضي ضياء الدين يحيى بن الحسين السحولي حفظه الله تعالى، بخط العبد الفقير إلى الله الفقيه حسين بن علي حثيث وفقه الله. وقد رمزت لها بالحرف (ب).

(1/43)


ومجموع ما فيها كما جاء في الغلاف على الترتيب الآتي:
كتاب المسترشد، كتاب الرد على أهل الزيغ، كتاب البالغ المدرك، كتاب الخشية، جواب مسالة النبوة والإمامة، تثبيت إمامة أمير المؤمنين، جواب مسألة لرجل من أهل قم، إثبات النبوة، تثبيت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، مسألة في الذبائح، كتاب تفسير الكرسي، كتاب العرش والكرسي، جواب أهل صنعاء، كتاب أصول الدين، ذكر خطايا الأنبياء صلوات الله عليهم، كتاب الجملة، كتاب المنزلة بين المنزلتين، كتاب القياس، جواب مسائل الرازي، كتاب الديانة، كتاب معاني السنة، كتاب العدل والتوحيد، الرد على من قال إن القرآن قد ذهب بعضه، الرد على ابن جرير، جواب مسألة من مسائل التباعي، كتاب النهي، مسألة في العلم والقدرة والإرادة والمشيئة، جواب مسألة في أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، كتاب الرد على الحسن بن محمد بن الحنفية، كتاب الرد على المجبرة القدرية الأول، كتاب الرد على المجبرة الثاني، كتاب دعوة إلى أحمد بن يحيى بن زيد، مسائل الحسين بن عبد الله الطبري، جواب مسائل لابنه المرتضى ومن مسائل علي بن محمد العلوي، ومن مسائل محمد بن عبيد الله، خبر دخوله اليمن.
3 ـ نسخة ثالثة جيدة الخط صحيحة اللفظ، قرئت على شيخ شيوخ صعدة العلامة الحسن بن محمد سهيل رحمه الله وهي في ملكه ويعود تاريخها إلى سنة (1372هـ) بعنوان: مجموع من كتب الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين.. إلخ، قال في آخرها: كان الفراغ بمن الله تعالى وعونه ضحى يوم الجمعة شهر ربيع آخر سنة (1372هـ) بعناية سيدي الوالد العلامة شرف الإسلام الحسن بن محمد سهيل أطال الله مدته وغفر له ولنا ولجميع المؤمنين آمين، بقلم العبد الفقير الحقير الراجي عفو ربه ومغفرته والدعاء من إخوانه المؤمنين في الحياة وبعد الممات علي بن إسماعيل سهيل غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين أجمعين، وقد رمزت لها بالحرف (ج).

(1/44)


ومجموع كتبها ورسائلها على الترتيب كالآتي:
كتاب البالغ المدرك، كتاب الديانة، كتاب الخشية، كتاب المسترشد، باب الرد على أهل الزيغ، مسألة في العلم والقدرة والإرادة والمشيئة، كتاب تفسير معاني السنة، جواب مسألة النبوة والإمامة، تثبيت إمامة أمير المؤمنين، باب إثبات النبوة، مسألة في الإمامة، جواب مسألة لرجل من أهل قم، جواب مسائل الطبري، الدليل على نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كتاب الجملة، مسألة في الذبائح، كتاب المنزلة بين المنزلتين، كتاب تفسير الكرسي، جواب أهل صنعاء، كتاب اصول الدين، الرد على من زعم أن القرآن قد ذهب بعضه، مسائل متفرقة، الرد على سليمان بن جرير، مسألة من مسائل التباعي، رواية عن الهادي فيها نبذ من سيرته، موعظة له، دعوة أحمد بن يحيى بن زيد، مسألة لابنه المرتضى، كتاب القياس، جواب مسائل الرازي، كتاب النهي، كتاب خطايا الأنبياء، كتاب الرد على المجبرة والقدرية الثاني، كتاب الفنون، كتاب الرضاع، كتاب تثبيت الإمامة، وقيل إنه لزيد بن علي، عهده إلى عماله، كتاب تأويل العرش والكرسي.
هذا وقد اعتمدت على المطبوعتين اللتين نشرتا بعنوان (( رسائل في العدل والتوحيد )) في الرسائل التي للإمام الهادي فيها وهما:
1 ـ رسائل العدل والتوحيد إختارها وقدم لها سيف الدين الكاتب، منشورات: دار مكتبة الحياة بيروت ـ لبنان. كتاب الرد والاحتجاج على الحسن بن محمد بن الحنفية، وهي نسخة صحيحة فيها شيء من السقط وبعض التصحيف، وقد اعتمدتها في كتاب الرد على ابن الحنفية.
2 ـ رسائل العدل والتوحيد دراسة وتحقيق الدكتور محمد عمارة، منشورات دار الشروق، وهي نسخة صحيحة أيضاً فيها شيء من السقط والتصحيف، وقد اعتمدت عليها في الرسائل التالية: الرد على المجبرة القدرية الأول، كتاب فيه معرفة الله من العدل والتوحيد وتصديق الوعد والوعيد..، كتاب الجملة، الرد على أهل الزيغ من المشبهين.

(1/45)


وقد رمزت لكل منهما في ما اعتمدت فيها عليه بالحرف (ط).
(تنبيه) تختلف النسخ الخطية الثلاث في بعض عناوين الكتب والرسائل وفي محتوياتها وفي ترتيبها، وقد ذكرت محتويات كل منها وترتيبها ليكون المطلع على معرفة بذلك ولأمانة التحقيق لمن له غرض في معرفة محتوياتها وترتيبها؛ لأنني قد رتبتها ترتيباً آخر، فكان من المناسب ذكر ذلك، كما أنه قد تظهر بعض الأخطاء المطبعية غير المقصودة والتي لا يخلو منها مطبوع مهما بلغت عنايته ودقته فمن أصلحها ونبه عليها فله جزيل الشكر، وقد يحدث خطأ أيضاً في رموز المخطوطات لمن أراد المقابلة فليتنبه لذلك، وقد دللنا المطلع على وصف المخطوطات وتواريخها لذلك والله المستعان.
****
كلمة شكر
ولا بد لي في الأخير من كلمة شكر وتقدير وعرفان لكل من أعانني في طبع ونشر وإخراج هذا المجموع في هذه الحلة البهية، وأخص منهم بالذكر صاحب الفضيلة السيد العلامة محمد بن محمد المنصور حفظه الله، لما بذله من جهد في سبيل الحصول على نسخة من مكتبة الجامع الكبير، والأخ الأستاذ العلامة المحقق صاحب مركز النور للبحوث والدراسات والتحقيق محمد يحيى سالم عزان حفظه الله لما بذل من جهد في الاشراف على صف وتصحيح وإخراج المجموع بهذه الصورة الأنيقة، وكذلك الإخ الأستاذ صالح عبدالله قربان الذي كان له شرف صف المخطوطة وإدخال التصحيحات، كما اشكر الأخوين العزيزين الأستاذ العلامة محسن بن صالح الحمزي والأستاذ العلامة صاحب مكتبة التراث الإسلامي بصعدة محمد بن قاسم الهاشمي، والأخ العزيز الأستاذ غايب جابر يحيى الرازحي لتعاونهم المادي بواسطتهم، وكل الأخوة الأعزاء الذين مدوا لي يد العون سائلاً المولى عز وجل أن يثيبهم خير الثواب.
وأدعو كل القادرين بمختلف الجهود لإخراج تراثنا اليمني العظيم لتستفيد منه أمتنا العربية والإسلامية وكل العالم، سائلاً المولى عز وجل أن يأخذ بأيدينا إلى ما فيه صلاح أمتنا الإسلامية إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله الطاهرين.
علي أحمد محمد الرازحي
صعدة: 25/1/1419هـ
الموافق: 21/5/1998م

(1/46)


رسائل جامعة في مسائل الأصول
كتاب المنزلة بين المنزلتين
m
الحمدلله وبه نستعين.
قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام:
إن سأل سائل فقال: من أين زعمتم أن الحق في أيديكم دون غيركم، وجميع من خالفكم يدَّعي مثل ما ادعيتم؟
قلنا له: إن أقرب الأشياء عندنا الذي علمنا به أنا على الحق ومن خالفنا على الباطل؛ أن جميع فرق الأمة بجملة قولنا مصدقون، ونحن لهم فيما انفردت به كل طائفة منهم مكذبون. وهم فيما ندين اللّه به من أصول (التوحيد) و(العدل) و(إثبات الوعد والوعيد)، والقول بـ(المنزلة بين المنزلتين)، و (الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) مصدقون.
وجميع أهل الصلاة عندنا خمسة أصناف: (الشيعة)، و(المرجئة)، و(الخوارج)، و(المعتزلة)، و(العامة)، فقد شهدت لنا هذه الفرق كلها في أصل شهادتها بما نقول، ثم نقض ذلك بعضهم، فأقمنا على أصل ما شهدوا لنا به، ولم ننقض ذلك كما نقضه بعضهم.
وذلك أنهم شهدوا: أن اللّه واحد ليس كمثله شيء؛ ثم نقضت ذلك المشبهة(1) بقول من قال منهم: إنه على صورة آدم، وبقول من قال: إنه جسم محدود، وبأقاويل لهم كثيرة، كلها تنقض قولهم: واحداً(2) ليس كمثله شيء، لوصفهم له بالأجزاء والأعضاء والحدود، والزوال والإنتقال تعالى اللّه عما قالوا علواً كبيراً.
__________
(1) في هامش (ج): المجسمة.
(2) في (أ) و(ج): واحد.

(1/47)


فعلمنا أن الذي ليس كمثله شيء لا يكون على صورة شيء، ولا يكون جسماً محدوداً، لأن من كان كذلك؛ كان أجزاء كثيرة بعضها غير بعض، ولم يكن واحداً؛ لأن الواحد في الحقيقة لا يكون له أشباه، ولا يكون له ثان.
فلما شهدوا لنا أنه واحد ليس كمثله شيء؛ أخذنا بذلك وتركنا اختلافهم؛ إذ نقضوا به شهادتهم الأولى(1).
فهذا ديننا وشهادتنا، وحجتنا على كل من خالفنا في التوحيد.
وأما شهادتهم لنا في العدل؛ فإنهم شهدوا أن اللّه تبارك وتعالى عدل لا يظلم ولا يجور، وأنه خير للخلق من الخلق لأنفسهم، وهو أرحم الراحمين.
ثم نقضت ذلك المجبرة، بقول من قال منهم: إنه كلف العباد ما لا يطيقون، وأنه أخرجهم من الطاعة، وأنه عذبهم على ما خلقه فيهم.
وبقول من قال منهم: إن اللّه يريد أن يعصى؛ ثم يغضب مما أراد.
(وبقول من قال منهم: إنه يعذب الطفل الصغير، بجرم الشيخ الكبير) (2).
وبأقاويل كثيرة كلها تنقض قولهم: إنه عدل لا يجور، تعالى اللّه عما قالوا. فعلمنا أن العدل الرحيم لا يفعل ذلك؛ إذ كان ذلك ممن فعله جوراً وظلماً وعبثاً تعالى اللّه عن ذلك.
فأخذنا بما شهدوا لنا به في أصل شهادتهم: أنه لا يظلم، ولا يجور، ولا يعبث، وأنه حكيم رحيم، عدل كريم، وتركنا ما نقضوا به جملتهم عند اختلافهم.
فهذا ديننا، وحجتنا على من خالفنا في العدل.
وأما شهادتهم لنا في الوعد والوعيد؛ فإنهم شهدوا جميعاً: أن اللّه تبارك وتعالى صادق في جميع أخباره، وأنه لا يخلف الميعاد، ولا يبدل القول لديه، صادق الوعد والوعيد في أخباره.
ثم نقض ذلك المرجئة (3)، بقول من زعم أن اللّه جائز أن يعفو لمن قد أخبر أنه يعذبه.
__________
(1) سقط من (أ) و(ج): الأولى.
(2) سقط من (أ).
(3) في (أ): المجبرة.

(1/48)


وخالف ذلك منهم، من زعم أن اللّه يقول: من زنى عذبته بالنار يوم القيامة، فيأتي الخبر من اللّه ظاهراً مطلقاً، ليس معه استثناء؛ ثم لا يعذب أحداً من الزناة يوم القيامة، ولا تمسهم النار، لأنهم زعموا أنه استثنى ذلك عند الملائكة، فقال: إني إنما أعذبهم(1) إن شئت، وإلا فإني أغفر لهم. أو يقول: إلا أن أتفضل عليهم بالعفو، وإنما عنى أني أعذبهم إلا أن يغتسلوا من جنابة الزنى، فإن اغتسلوا من جنابة الزنى أو فعلوا شيئاً من الخير غفرت لهم.
فلما جوزوا ذلك في أخبار الله؛ نقضوا معنى ما حكم اللّه به في وعده ووعيده.
وادعى بعضهم الخصوص في الأخبار؛ فزعموا أن كل خبر جاء من اللّه عاماً في الظاهر؛ فقد يجوز أن يكون خاصاً، كقول اللّه عز وجل: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}[التوبة49]، فزعموا أنه يجوز أن يكون عنى بعض الكافرين دون بعض. وكذلك قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[النور:23]، وأنه يجوز عندهم أن يكون في بعض القاذفين دون بعض، إلا أنهم يعلمون أن الكفار كلهم يعذبون بإجماع الناس على ذلك.
وأما أصحاب الكبائر فيجوز عندهم أن لا يعذب أحد منهم، ولا تمسه(2) النار.
وزعم بعضهم أنه ليس في أهل الصلاة وعيد، وإنما الوعيد في الكفار خاصة دون غيرهم.
وكل هؤلاء وغيرهم من أصناف المرجئة (3) ناقضون لمعنى ما أخبر اللّه في كتابه، وحكم به من وعده ووعيده.
__________
(1) في (أ): فقال له: إنما أعذبهم.
(2) في (ج) و(ب): ولا تمسهم.
(3) في (أ): المجبرة.

(1/49)


فلما شهدت لنا الفرق كلها أن اللّه صادق الوعد والوعيد، لا خلف لوعده، ولا تبديل لقوله؛ أخذنا بما أجمعوا عليه من ذلك، ولم ننقض معاني الأخبار كما فعلت المرجئة، وعلمنا أن اللّه تبارك وتعالى إذا أخبر بشيء كان كما قال، لا تبديل لذلك ولا نقض، ولا تكذيب ولا نكث، ولا تنسخ أخباره أبداً بشيء، ولا يظهر لنا خبراً ثم يفعل خلافه، ولا يظهر لنا عموم الأخبار في وعده ووعيده ثم يجعلها خاصة من حيث لا نعلم؛ لأن ذلك كله غير جائز على الله، تعالى اللّه عما قالت المجبرة والمرجئة(1) علواً كبيراً.
فهذا ديننا وحجتنا على من خالفنا في الوعيد.
وأما شهادتهم لنا في المنزلة بين المنزلتين، وقولنا: إن أهل الكبائر من أهل الصلاة فساق وفجار أعداء لله، ظلمة معتدون، فإنهم شهدوا لنا بذلك، فشهدنا بما شهدوا.
ثم ادعى بعض الخوارج: أنهم كفار، وأن فسقهم قد بلغ بهم الكفر والنفاق دون الشرك.
(وقال بعضهم: قد بلغ بهم فسقهم الكفر والشرك)(2). ويقال: إن الزيدية أو بعضهم يزعمون أن فسقهم قد بلغ بهم الكفر (3).
وادعت المرجئة: أنهم مع فسقهم مؤمنون، وخالفهم في ذلك عامة الأصناف.
وقالت المعتزلة: هم فساق وفجار، لا يبلغ بهم فسقهم كفراً ولا شركاً ولا نفاقاً. وكذلك قالت المرجئة والعامة.
وقالت المعتزلة أيضاً: لا يجب لهم اسم الإيمان مع الفسوق. وكذلك قالت الخوارج والشيعة الزيدية.
فوجدناهم كلهم قد أجمعوا على شهادة واحدة أنهم فساق فجار معتدون، فأخذنا بما أجمعوا عليه من ذلك، وتركنا ما اختلفوا فيه؛ مما كذب فيه بعضهم بعضاً؛ فسميناهم فساقاً فجاراً، وبرأناهم من الكفر والشرك والنفاق إذ كانوا فيه مختلفين، ولم نوجب(4) لهم اسم الإيمان؛ إذ كانوا عليه ـ عند إصابتهم الكبائر ـ غير مجتمعين، ولم يكن شيء من اختلافهم حجة من حجج رب العالمين.
__________
(1) سقط من (أ): المرجئة.
(2) سقط من (أ).
(3) لعل المراد كفراً دون كفر، أو كفر النعمة.
(4) في (أ): ولو وجب.

(1/50)


فهذا ديننا وحجتنا على من خالفنا في المنزلة بين المنزلتين.
وأما شهادتهم لنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فإنهم شهدوا أن ذلك واجب إذا أمكن وقدر عليه، وشهدوا أن نصرة المظلوم فرض، والأخذ على يد الظالم فرض إذا أمكن ذلك؛ ثم اختلفوا بعد ذلك.
فقال منهم قائلون: لا ندفع الظالم عن أنفسنا ولا عن غيرنا إلا بالقول والكلام، وإن انتهبت أموالنا، وانتهكت حرماتنا لم نقاتل بالسلاح، وإن كان في ذلك دفع الظلم عنا وعن المسلمين، ولكنا نترك الظالمين والباغين يبلغون منتهى حاجاتهم منا، ومن حرماتنا وأموالنا؛ ثم يمضون سالمين.
وقال آخرون: نقاتل وندفع عن أنفسنا وعن حرماتنا وأموالنا بالسلاح وغيره، فإن قتلنا رجونا أن نكون (شهداء، وإن قتلناهم رجونا أن نكون) سعداء.
فلما شهدوا أن نصرة المظلوم حق، ودفع الظلم والأخذ على يد الظالم فريضة لازمة لمن قدر عليها؛ علمنا أنه لا يخرجنا من هذه الفريضة إلا أداؤها، والقيام بها بالسلاح وغيره، إذا أمكننا ذلك.فأخذنا بما أجمعوا عليه لنا في أصل شهادتهم، ولم نترك ذلك كما تركه الآخرون، وهم على دفعه قادرون.
فهذا ديننا وحجتنا على من خالفنا في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ودفع الظالم.
فمن أقام على هذه الأصول كما أقمنا، ودان بها كما دِنّا ، وعمل بما استحق اللّه عليه فيها؛ فهو منا، وأخونا وولينا، ندعوه إلى ما أجابنا، ونجيبه إلى ما دعانا، ومن خالفنا وفارقنا عليها؛ حاججناه بالمحكم من كتاب الله، ورددناه إلى المجمع عليه من سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم؛ فإن قبل ذلك كان له مالنا وعليه ما علينا، وإن أبى إلا المخالفة للحق والمعاندة للصواب؛ كان اللّه حسبه(1) وولي أمره، والحاكم بيننا وبينه وهو خير الحاكمين.
وقد ذكرنا من كتاب اللّه عز وجل تحقيق ما قلنا، وتصديق ما وصفنا.
باب ذكر التوحيد في كتاب اللّه عز وجل
__________
(1) في (أ): حسيبه.

(1/51)


إن اللّه تبارك وتعالى ذكر التوحيد في كتابه فقال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤاً أَحَدٌ}[الصمد: 1ـ4]، فأخبر سبحانه أنه الواحد الأحد، الذي ليس بوالد ولا ولد، وأنه ليس له كفؤاً أحد ولا شبيه، في وجه من الوجوه(1).
وقال: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}[مريم: 65]، يقول: كفؤاً أو نظيراً.
وقال: {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}[الشورى: 11]، وقال: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الأنعام: 103]، ولم يقل في الدنيا دون الآخرة، فنفى عن نفسه درك الأبصار في كل وقت من أوقات الدنيا والآخرة، كما نفى عن نفسه السنة والنوم في الدنيا والآخرة على كل وجه من الوجوه (فقال: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}[البقرة: 255]، كما نفى عن نفسه الظلم في الدنيا والآخرة فقال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[يونس: 44]، وكما نفى عن نفسه أن يكون له شبيه في الدنيا والآخرة على كل وجه من الوجوه)(2) بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
وقال: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ العَلِيمُ}[الزخرف: 84] فنفى عن نفسه أن يكون في مكان دون مكان؛ لأن من كان في مكان دون مكان فمحدود، والله غير محدود، ولا يحيط به شيء وهو بكل شيء محيط.
وقال: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7] إلى آخر الآية.
فبهذه الآيات ونحوها احتججنا على من خالفنا، ومن شبه الخالق بالمخلوق، وعلمنا أن اللّه لا يشبهه شيء (3) في وجه من الوجوه.
__________
(1) في (ب): أحد من خلقه.
(2) سقط من (أ) من قوله: فقال (لا تأخذه سنة)...إلى هنا.
(3) في (أ): لا يشبه شيئاً.

(1/52)


بابٌ في خلق القرآن
وذكر اللّه القرآن فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: 9] فأخبر أنه منزل محفوظ، كما قال: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}[الحديد: 25]، وكقوله: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}[الزمر: 6]، وقال: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَاءً مُبَارَكاً}[ق: 9] ولم يقل: خلقنا الحديد والماء والأنعام، وكل ذلك مخلوق.
وقوله: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}[الأنعام: 102]، وقوله: {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا}[الفرقان: 59]، وكذلك القرآن لأنه شيء، وهو بين السموات والأرض. وليس القرآن من أعمال العباد التي أضافها اللّه إليهم في كتابه، ولا من صنعهم الذي نسبه اللّه إليهم؛ فالقرآن داخل في هذه الآيات ـ دون عمل العباد ـ كالأنعام والحديد.
وقال: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}[الشورى: 52]، وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}[الأنعام: 1]، فأخبر أنه نور، والنور مخلوق. وقال: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً}[الزخرف: 3]، وقال: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوجَهَا}[الأعراف: 189]. وكذلك خلق القرآن، إذ جعله قرآناً عربياً، كما {جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالقَمَرَ نُوراً}[يونس: 5]؛ بأن خلقهما كذلك.
وقال: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}[الأنبياء: 2]، وقال: {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً}[طه: 113] فأخبر أنه محدث، وأنه ليس بقديم، وإذا كان محدثاً فالله أحدثه، وهو مخلوق والله خلقه.

(1/53)


وقال: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}[التوبة: 6]، وقال: {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[البقرة: 75]، وقال: {وَكَذَلِكَ أَوحَينَا إِلَيكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيْمَانُ}[الشورى: 52]، وقال: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}[النساء: 171]، وقال: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}[الحجر: 29]، وقال: {وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا}[التحريم: 12]، فأخبر أن القرآن كلامه وروح من أمره، وأن عيسى كلمته وروح منه، وأنه نفخ في آدم من روحه، وكذلك في مريم، ثم أجمل ذلك كله فقال: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَاللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ}[آل عمران: 59] فأخبر أن معنى الكلمة والروح خلق من خلقه، وتدبير من أمره، وكذلك القرآن سماه كلامه(1)، وروحاً من أمره، ومعنى ذلك: أنه خلقٌ من خلقه، وتدبيرٌ من تدبيره وأمره(2)، وقال: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ}[النحل: 101]، وقال: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة: 106](3).
__________
(1) في (ج): كلاماً.
(2) سقط من (أ): من قوله: وكذلك القرآن... إلى هنا.
(3) فذكر التبديل والنسخ وهما من خواص المخلوقات.

(1/54)


فبهذه الآيات ونحوها خَالَفْنا من زعم أن القرآن ليس بمخلوق، وعلمنا أنه مخلوق محدث، وأن اللّه خالقه.
باب ذكر عدل اللّه في كتابه
قال اللّه عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}[النحل: 90]، وقال: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَو كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِاللَّهِ أَوْفُوا}[الأنعام: 152]، وقال: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ لاَ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، وقال: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَالاَ تَعْلَمُونَ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ} [الأعراف: 28ـ29]، وقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَالَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَالاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، وقال: {الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالفَحْشَآءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268].
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن العدل والإحسان من اللّه تبارك وتعالى، وأن الظلم والعدوان من عمل الشيطان، وفعْلِ الإنسان، والله من ذلك برئ، تبارك وتعالى عما يقول الجاهلون علواً كبيراً.
باب ذكر قضاء اللّه في كتابه

(1/55)


قال اللّه تبارك وتعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَينِ إِحْسَاناً} [الإسراء: 23]، فأخبر سبحانه أنه قضى بعبادته وبر الوالدين، (ولم يقض بعبادة غيره وعقوق الوالدين)(1)، وقال: {يَقْضِي الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57](2)، ولم يقل أنه يقضي بالباطل، وقال: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} [غافر: 20]، وقال: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَينَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 93] فأخبر أنه لا يقضي في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالحق.
وقال: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّيِنَ بِغَيرِ الْحَقِّ} [البقرة: 61] (3)، وقال: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71]، وقال: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الوَيلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]، وقال: {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء: 81]، فأخبر أن الحق من عنده ومن قضائه، وأن الباطل من المبطلين، ولا يكون الباطل من عند أصدق الصادقين.
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أنه لا يقضي بالباطل إلا المبطلون، ولا بالجور إلا الجائرون، تعالى اللّه عن ذلك رب العالمين.
بابُ ذكر قَدَرِ اللّه تعالى في كتابه
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ج) و (أ): (يقص الحق)، وما اثبته قراءة من (ب).
(3) سقط من (أ) من قوله: فأخبر أنه.. إلى هنا.

(1/56)


قال اللّه عز وجل: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرِّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ وَالقَمَرُ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ}[يس: 38ـ39]، وقال: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَينَكُمُ الْمَوْتَ} [الواقعة: 60]، وقال: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [الفجر: 16]، وقال: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً} [الأحزاب: 38]، وإنما أمرنا بالطاعة ولم يأمرنا بالمعصية(1)، وأَمْرُه بِها قَضاؤُه وقَدرُه، فالطاعة منسوبة إلى قضائه وقدره؛ لأنه أمر بها، والمعصية منسوبة إلى العصاة؛ لأنهم ارتكبوها بعد ما نهاهم اللّه عنها، وإنما ذكر اللّه القدر في خلقه وصنعه، وتدبيره وأمره، ومصالح عباده في دينهم ودنياهم، ولم يجعله في شتمه والفِرَى عليه، ولا في قتل أنبيائه وتكذيب رسله، ولا في شيء مما غضب منه، وعابه وعاب أهله، وعذبهم عليه.
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أنه لا يسخط شيئاً من تقديره، ولا يقدر شيئاً ثم يغضب منه، ويعيبه ويعيب من فعَلَه، لأن الحكيم لا يغضب من تقديره، ولا يعيب شيئاً من تدبيره، تعالى اللّه عما يقول الجاهلون علواً كبيراً.
باب ذكر الإرادة
ثم ذكر اللّه سبحانه الإرادة في كتابه، فقال: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [النساء: 26]، وقال: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيلاً عَظِيماً يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً} [النساء: 27ـ28]، وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} [البقرة: 185]، وقال: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ} [غافر: 31].
__________
(1) في (أ): وإنما أمر بالطاعة ونهى عن المعصية.

(1/57)


وقال: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة: 32]، وقال: {وَيُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء :60]، وقال: {وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ} [النساء: 44]، فأخبر تبارك وتعالى أن إرادته الصلاح والرشد واليسر، وأنها ليست في الظلم والغشم والكذب والفساد، وأن إرادة الشيطان وأهل الباطل إنما هي في الكفر والظلم والمعصية والفساد، فمن أبى أن يقبل ما أمره اللّه به، وينتهي عما نهاه اللّه عنه، كان من إرادة اللّه وحكمه أن يصليه النار بما كسبت يداه، وجناه على نفسه(1). فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن اللّه إذا (أمر بشيء فقد أراده إرادة أمر لا إرادة جبر، وإذا) (2) نهى عن شيء لم يرده، ولم يُغْلَب على كونه، (والله حكيم لا يأمر بما لا يريد، ولا ينهى عما يريد)(3) والله غالب غير مغلوب، وأنه أحكم الحاكمين.
باب ذكر المشيئة
__________
(1) سقط من (أ) و(ج): من قوله: وأن إرادة الشيطان.. إلى هنا.
(2) سقط من (أ).
(3) سقط من (أ).

(1/58)


وذكر اللّه المشيئة في كتابه فقال: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148]، وقال(1) أيضاً : {لَو شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلاَ آبَآؤُنَا} [النحل: 35] الآية، {وَقَالُوا لَو شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَالَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20]، فَلَمَّا أضاف المشركون شركهم وكفرهم وعبادتهم لأصنامهم إلى مشيئته وأمره؛ رَدَّ اللّه في ذلك عليهم وأكذبهم، وأخبر أن ليس كما قالوا، وأنهم يتبعون الظن، ويكذبون على اللّه وعلى مشيئته وأمره، كما قال: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيهَا آبَآءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَالاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28]، فبين أنه لا يشاء الشرك ولا يأمر به، وأمره ومشيئته في الطاعة واحدة.
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن اللّه لا يشاء الشرك، ولا يأمر به ولا يريده، وليس بمغلوب على شيء إلا غالب غير مغلوب، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علواً كبيراً(2).
باب ذكر المحبة في كتاب اللّه
__________
(1) في هامش (أ): وقالوا.
(2) سقط من (أ): من قوله: فبهذه الآيات..إلى هنا.

(1/59)


وذكر اللّه المحبة في كتابه فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَولُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة: 204ـ205]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77]، وقال: {وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، والمعاصي كلها كثيرها وقليلها فساد، وقد أخبر اللّه أنه لا يحب الفساد.
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن اللّه لا يحب المعاصي، ولا يحب أن يُعْصَى، تعالى عما يقول الجاهلون علواً كبيراً.
باب ذكر الرضى [والكراهة]
وذكر اللّه الرضى في كتابه فقال: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7]، وقال: {وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَالاَ يَرْضَى مِنَ القَوْلِ} [النساء: 108]، وقال: {اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 28]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَونَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ إِلَى الإِيْمَانِ فَتَكْفُرُونَ} [غافر: 10]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَالاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَاللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [ الصف: 2 ـ 3]، وقال: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} [الإسراء: 38].
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن اللّه لا يرضى المعاصي، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً.
باب ذكر أعمال العباد

(1/60)


وذكر اللّه أعمال العباد في كتابه فقال: {يَومَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسَ أَشْتَاتاً لِيُرَوا أَعْمَالَهُمْ} [الزلزلة: 7ـ9]، إلى آخر السورة، وقال: {إِنَّمَا تُجْزَونَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16]، وقال: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38]، وقال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21]، وقال: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِمْ إِلاَّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}[ الحديد: 27]، وقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَونَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:90].
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن العباد يعملون خيراً وشراً، وطاعة ومعصية، وأنهم يكسبون ويفعلون، ويجترمون(1) ويبتدعون(2)، وتكون منهم حسنات وسيئات، وكل مافعلوه فإنما يفعلونه بقوة اللّه التي جعلها فيهم، ومنَّ بها عليهم، لا بقوة جعلوها لأنفسهم.
باب ذكر مشيئة العباد وإرادتهم
__________
(1) كذا ولعلها: ويجترحون.
(2) في (ج): ويتعدون.

(1/61)


ذكر اللّه مشيئة العباد وإرادتهم في كتابه فقال عز وجل: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ} [الأحزاب: 51]، وقال: {يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35]، وقال: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ} [يوسف: 56]، وقال: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، وهذا على الوعيد(1) والتهدد، وكذلك قوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40].
وقال: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ} [الفتح: 15]، وقال: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ} [الأنفال: 67]، وقال: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عِدَّةً} [التوبة: 46]، وقال: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيلاً عَظِيماً} [النساء : 27]، وقال: {وَيُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً}[النساء: 60].
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن العباد يريدون ما قد جعل اللّه لهم السبل إلى إرادته، ويشاؤن ما قد قواهم على مشيئته، غير غالبين لله ولا خارجين من سلطانه ومملكته(2)، وهذا خلاف قول القدرية، الذين يزعمون أن ليس لأحد من الخلق مشيئة ولا إرادة، مع قولهم: إنهم يريدون لأنفسهم الخير، والله يريد لهم بزعمهم الشر، ولا يدعهم يصلحون. تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً.
باب ذكر العبادة
__________
(1) في (ب): الوعد، وهو خطأ.
(2) سقط من (أ): ومملكته.

(1/62)


وذكر اللّه في كتابه أنه خلق الخلق لعبادته فقال: {وَمَاخَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64]، ولم يقل إني أرسلت الرسل ليُكَذَّبوا أو يُقَتَّلوا، ولا إني خلقت خلقي لعبادة غيري. وقال: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَونَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولاَ لَهُ قَولاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43ـ44]، وقال: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوْتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ} [البينة: 4ـ5].
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن اللّه إنما خلق الخلق لعبادته وطاعته، لا لمعصيته والكفر به، كما زعمت القدرية المجبرة(1) أنه(2) خلق أكثر خلقه لعبادة غيره، ولم يخلقهم لعبادته تعالى عما يقولون(3) علواً كبيراً.
باب ذكر [فعل] المخلوق [وأن اللّه لم يفعله]
__________
(1) سقط من (أ): المجبرة. وفي (ج): المجورة القدرية.
(2) في (أ): أن اللّه ما خلق الخلق لعبادته وطاعته إلا لمعصيته والكفر به تعالى..إلخ.
(3) في (ج): عما قالوا.

(1/63)


وذكر اللّه في كتابه أنه لم يفعل فعل عباده، ومالم يفعله لم يخلقه، لأن الفعل والخلق منه واحد، وقال عز وجل: {الْحَمْدُلِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} [الإسراء: 111]، فأخبر أن ليس له شريك في شيء مما خلق، فلو كان الأمر على ما زعمت القدرية أن اللّه خلق الكفر كله، و[أن] فعل الكافر كله لا يملكه اللّه دون الكافر، ولا يملكه الكافر دون الله، ولا يقدر العبد أن يفعله، ومتى فعله العبد خلقه الله، وإذا لم يفعله العبد لم يخلقه الله، ومحال ـ زعموا ـ أن ينفرد العبد به دون الله، أو ينفرد اللّه به دون العبد، فلو كان كما يقول الجاهلون لكان اللّه محتاجاً إلى المخلوق في فعله، وكان كل واحد منهما محتاجاً إلى الآخر فيه، وهذا الكفر بالله العظيم، تعالى اللّه عن هذه المقالة علواً كبيراً.
وقد نفى اللّه عن نفسه الكذب والكفر، وأضافهما إلى عباده؛ فقال: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَاهُوَ مِنَ الكِتَابِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78]، فأخبر أن شركهم وكذبهم(1) ليس من كتابه ولا من عنده، ولو كان خلقه لكان من عنده، ولم يكن ليقول ليس من عندي وهو من عنده، تعالى اللّه عن الكذب علواً كبيراً.
__________
(1) في (أ): وكفرهم.

(1/64)


وقال: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} [المائدة: 103]، وقد علمنا أن اللّه خلق الشاة والبعير، فلم ينف عن نفسه ما خلق(1)، وإنما نفى عن نفسه تحريمهم(2)ما حرموا، وكفرهم وحكمهم بمالم يأمرهم اللّه به، ولم يأذن لهم فيه؛ فقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59]، فلو كان ذلك التحريم، وذلك القول(3) الذي قالوه، وجعل ذلك الشق الذي شقوه في آذان أنعامهم منه؛ لم يكن ليقول مرة: ليس هو من عندي، ومرة: لم أجعله، ومرة: من عندهم، ومرة: لم آذن لهم فيه؛ وهم الذين جعلوه، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً. وقال: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تَظَّاهَرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكَ قَولُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} الآية [الأحزاب: 4]، فأخبر تبارك وتعالى أنه لم يجعل ذلك الذي جعلوه، ولم يقل ذلك القول(4) الذي قالوه، وأنه قولهم بأفواههم، وأنه لا يقول إلا حقاً، فلو كان خلقه وصنعه ـ كما يقول من لا علم له ـ لم ينفه عن نفسه سبحانه وتعالى، وينسبه إلى عباده، كما لم ينف عن نفسه خلق السموات والأرض، ولا شيئاً مما خلق، ولا نسب شيئاً مما خلق إلى فعل عباده، عز عن ذلك وتعالى علواً كبيراً.
__________
(1) في (ج): عن نفسه خلقهما.
(2) في (ج): تحريم.
(3) سقط من (ج): القول.
(4) سقط من (ج): ذلك القول.

(1/65)


وقال: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم: 23] والسلطان: الحجة، فلو كان خلقها وصنعها كما زعموا؛ لكان قد أنزل لهم بها السلطان، والله يتعالى عن أن يكون لأحد عليه حجة.
وقال: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} [الكهف: 5]، وقال: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَو يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيْمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109]، وقال: {وَرَهْبَانِيَّةٍ ابْتَدَعُوهَا}[الحديد: 27]، فلو كان خلقها وشاركهم فيها؛ لم يقل: {ابْتَدَعُوهَا}، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً.
وقال: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} [العنكبوت: 17]، فنسب ذلك إليهم، وأخبر أنهم فعلوه، ولم يقل: إني خلقت الإفك معهم، ولا تفردت به دونهم، كما زعم الجاهلون، فلو كان كما يقول الجاهلون لكان للإفك خالقان: أحدهما الله، والآخر الإنسان، تعالى من لا شريك له، ولا خالق لخلقه سواه(1).
__________
(1) سقط من (أ): سواه.

(1/66)


وقال: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً} [مريم: 89ـ92] وقال: {إِنَّ الَّذِينَ جَآؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور: 11]، فبين تبارك وتعالى الذين جاؤوا بالإفك، وقالوا(1) وادعوا الولد على اللّه عزَّ وجل، ثم تبرأ من ذلك ونفاه عن نفسه؛ فقال: {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً}، فأخبر أنَّه لم يتخذ ذلك لنفسه، فلو كان خلق مقالتهم وفعلهم، كان هو الذي جاء بها وقالها، فمن وصف اللّه بهذا لزمه أن يزعم أن اللّه اتخذ الولد(2)، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً. وكل ما قلنا لم يخلقه اللّه فإنما نعني لم يفعله، فلا يتوهم أحد علينا غير ذلك.
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن اللّه لم يخلق أعمال العباد، ولم يفعلها ولم يشاركهم فيها، تعالى من ليس له شريك وليس كمثله شيء.
باب ذكر الإستطاعة [وتكليف مالا يطاق]
__________
(1) سقط من (أ): وقالوا.
(2) في (ج): ولدا.

(1/67)


وذكر اللّه الإستطاعة وتكليف مالا يطاق وما خلقه من ذلك؛ فقال سبحانه: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]، وقال: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} [الطلاق: 7]، وقال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ} [آل عمران: 97]، فأوجب الحج على من استطاعه، ووضعه عمن لايستطيعه. وقال: {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 42] فأخبر أنهم يستطيعون الخروج ولكن لا يفعلون. وقال: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} الآية [المجادلة: 3ـ4]، فأخبر أنَّه من لا يستطيع الصيام فلا صيام عليه.

(1/68)


وقال: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [البقرة: 183ـ184] وإنما المعنى: لا يطيقونه، فأخبر أنَّه قد وضع عنهم الصيام، وجعل عليهم الفدية بدلاً من الصيام، لأن الصيام يُجْهِدُهم. وقال: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [النور: 61]، فوضع التكليف عمن لا يستطيع. وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} [البقرة: 185] فأخبر أنَّه لا عسر في دينه ولا ضيق، فلو كلف عبيده مالا يطيقون ثم عذبهم لكان ذلك من(1) أضيق الضيق وأعسر العسرة، وقال: {يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12]، فلو لم يكن أعطاه القوة لم يأمره أن يأخذ بقوة. وقال: {نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ} [النمل: 33] فلم يكذبهم ، ولم يرد عليهم مقالتهم؛ كما أكذب المنافقين حين زعموا أنهم لا يستطيعون الخروج وأنهم لو استطاعوا الخروج لخرجوا، فقال عزَّ وجل: {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 42]. وكذلك العفريت حين قال لسليمان: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39] فلم يكذبه اللّه ولم يرد عليه، ولا أكذبه سليمان صلى اللّه عليه. وقال: {فُخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَومَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145]، فلولا أنَّه أعطاهم(2) القوة على الأخذ لم
__________
(1) سقط من (أ): ذلك من.
(2) في (ج): أعطاه.

(1/69)


يأمرهم(1) بذلك. ومثله: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَآ أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنْ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26]، فأثبتت له القوة فلم ينكر عليها أبوها، ولم يكذبها ربها.
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن اللّه لا يكلف أحداً من خلقه(2) مالا يطيق، وأنه قد قوى عباده على ما أمرهم به من طاعته، وبتلك القوة ـ التي جعلها فيهم لطاعته ـ يصير من صار منهم إلى معصيته، وبذلك علمنا أن الإستطاعة قبل الفعل.
باب ذكر الأطفال [وأن اللّه لايعذبهم]
وذكر اللّه في كتابه آيات دل فيها أنَّه لا يعذب الأطفال والمجانين، ولا من ليس له ذنب؛ فقال عزَّ وجل: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15]، والأطفال لم يأتهم رسول، وكذلك المجانين. وقال: {وَلَو أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولاً} [طه: 134]، فأخبر أنَّه لا يعذب أحداً إلاَّ بعد أن تقوم عليه الحجة بالرسل، والأطفال لم تقم عليهم حجة برسول ولا غيره، وكذلك المجانين. وقال: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164 وغيرها] (3)، فأخبر أنَّه لا يعذب أحداً بذنب غيره. وقال: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59]، والأطفال والمجانين(4) فلم يأتهم رسول، ولا تلي (5) عليهم كتاب، وليسوا ظالمين.
وقال: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 131] ولا غفلة أشد من غفلة الأطفال والمجانين.
__________
(1) في (ج): يأمره.
(2) في (ج): من عباده.
(3) سقط من (أ، ج): من قوله: فأخبر أنه..إلى هنا.
(4) سقط من (أ): المجانين.
(5) في (أ): ولم يتل.

(1/70)


فإن زعم زاعم أن اللّه يؤاخذهم بما علم منهم فقد كذب اللّه في خبره، وجوره في حكمه؛ لأنَّه لو رد أهل النار إلى الدنيا لعادوا كما قال عزَّ وجل، فلم يؤاخذهم بما علم منهم إذ لم يفعلوه. وقال (1): {وَلَو بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوا فِي الأَرْضِ} [الشورى: 27]، فقد علم أنَّه لو بسط لبغوا؛ فلم يؤاخذهم بذلك، وَالأطفال فأجدر أن لا يؤاخذهم بما لم يكن منهم. تعالى اللّه عما يقول الجاهلون علواً كبيراً.
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن اللّه لا يعذب الأطفال يوم القيامة، ولا يؤاخذهم بذنوب آبائهم، ولا بما علم منهم مما لم يفعلوه، وكذلك أطفال المؤمنين والمشركين، وأولاد الزنى والمجانين؛ إذا أصابهم الجنون في صغرهم فلم يفيقوا حتى ماتوا، فتعالى اللّه عما يقول الجاهلون علواً كبيراً.
باب ذكر حسن نظر اللّه لعباده
وذكر اللّه حسن نظره لعباده، وأنه لا يفعل بهم إلاَّ ماهو أصلح لهم في دينهم ودنياهم، وأن الإختيار له، وليس لهم عليه اختيار إلاَّ اختياره لهم في دنياهم، [وأن اختياره] (2) أصوب من اختيارهم لهم؛ فقال سبحانه: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68]، فأخبر أنَّه ليس لأحد أن يختار غير ما قضى الله، وأن الخيرة في قضائه وقدره، فلو قضى على قوم أن يكفروا كما زعم الجاهلون؛ لم يكن لهم أن يختاروا غير ذلك، تعالى اللّه عما يصفون.
__________
(1) كذا في النسخ والأنسب: ألا ترى كيف قال. أو نحوها.
(2) ما بين المعقوفين زيادة لاستقامة المعنى.

(1/71)


وقال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71]، فأخبر أن تدبيره لو كان على ما يهوى العباد لفسدت الدنيا، وأنه لا يكون صلاح الدنيا وصلاح أهلها إلاَّ بما دبر لهم وخلق، وقضى وقدر واختار، وليس في الكفر والمعاصي صلاح ولا منفعة، ولا خير في دنيا ولا آخره، فبين بذلك أنها ليست من اختيار اللّه لخلقه، لأنها فساد في الدنيا والدين وسوء تدبير، وفاعلها ملوم مذموم، وهذا دليل على أنها من فعل المخلوقين، لا من فعل رب العالمين.
وقال تعالى: {وَالضُّحَى وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُوْلَى} [الضحى: 1ـ4]، فأخبر أن الآخرة في وقت وفاة النبي عليه السلام (كانت خيراً له من الدنيا وما فيها، وبقاه ما كانت الحياة خيراً له، وتوفاه)(1) حين كانت الوفاة خيراً له، لذلك قال: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى وَلَسَوفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} [الضحى: 4ـ8].
فعلمنا بهذه الآيات ونحوها أن نظر اللّه لخلقه أحسن من نظرهم لأنفسهم، (وأن اختياره لهم أفضل من اختيارهم)(2) وأن ما صنع اللّه فهو خير، وما قضى ففيه الصلاح، وأنه لا يفعل بعباده إلاَّ ما فيه لهم الصلاح والسداد والرشاد، وأنه يتعالى عما يصفه به الجاهلون من ذلك علواً كبيراً.
باب ذكر المؤمنين [وأسمائهم وأحكامهم]
__________
(1) سقط من (أ).
(2) سقط من (أ).

(1/72)


وذكر اللّه المؤمنين في كتابه فأحسن الثناء عليهم، ومدحهم مدحاً جميلاً(1) فقال فيهم خيراً، وسماهم بأسماء حسنة، وحكم لهم بأحكام شريفة، وبين أنَّه لا يستحق هذا الاسم الحسن إلاَّ من قال بقولهم وعمل عملهم(2)؛ فقال عزَّ وجل: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} إلى قوله: {ذَلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ} [التوبة: 71ـ72] فأخبر أن هذه واقعة لهم، وأن من كانت هذه صفته وفعله استحق هذا الاسم الشريف، واستوجب الجنان والرضوان.
وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيْمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2ـ4]، فأخبر أن هذه صفة المؤمنين، وأنه لا يستحق أن يكون مؤمناً إلاَّ من كان كذلك، وأن المغفرة والرضوان لأهل هذه الصفة دون غيرهم، وأخبر أن الإيمان يزيد وينقص. فأي بيان يكون أبين من هذا؟ وأي حجة تكون أنور من هذا في تكذيب المرجئة؟ الذين زعموا أن الجبابرة الظلمة، العتاة الطغاة البغاة الفجرة، الذين إذا خُوِّفُوا بالله لم يخافوا، وإذا ذُكِّرُوا بالله لم يذَّكَّروا؛ مؤمنون كإيمان جبريل ومحمد صلى اللّه عليهما وسلم، وأن الإيمان ـ زعموا ـ لا يزيد ولا ينقص، وأن الوعيد ـ على ما وصفوه ـ لا يثبت، فنعوذ بالله من الجهل والعمى في الدنيا.
__________
(1) في (ج): جلياً، وفي (أ): جليلاً.
(2) في (ج): بعملهم.

(1/73)


وقال اللّه تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} [الأحزاب: 47]، وقال: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، وقال: {الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُثوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2]، وقال عزَّ من قائل: {يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَينَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} الآية [التحريم: 8]، وقال تعالى: {يَومَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} [الحديد: 12]، وقال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ} إلى قوله: {أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 146]، وقال سبحانه: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68]، وقال: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوفٌ عَلَيهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62ـ63]، وقال: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً تَحِيَّتُهُمْ يَومَ يَلْقَونَهُ سَلاَمٌ} الآية [الأحزاب: 43ـ44]، وقال سبحانه: {التَّائِبُونَ العَابِدُونَ الْحَامِدُونَ} إلى قوله: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112]، ولم يقل شيئاً من ذلك للفسقة الفجرة، ولا للعتاة الظلمة(1).
__________
(1) في (ج): للعتاة الكفره، وفي (أ): لعباده الكفره. ولعلها: العتاة.

(1/74)


فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن اسم الإيمان فاضل شريف حسن، وأن من سماه اللّه مؤمناً مسلماً(1)؛ فقد مدحه اللّه مدحاً شريفاً، وأثنى عليه ثناء جميلاً، وسماه بالفاضل من الأسماء، التي جعلها اللّه أسماء لنبيه (2)، وصفاتاً (3) لأوليائه، وأن من استحق هذه الإسم عندالله فهو ولي الله من أهل الجنة، وأن هذه الأسماء الحسنة الشريفة لا يستحقها الفجرة الفسقة، العتاة الظلمة، أصحاب الزنى، وشرب الخمور، وشهادات الزور، وقذف المحصنات، وترك الصلوات، وقطع الطرق على الحجاج، وهدم المساجد، وتحريق المصاحف، وهدم الكعبة، وانتهاك حرم المسلمين، وفعل قوم لوط، ونحو ذلك من الأفعال الشنيعة، القبيحة الفظيعة.
باب ذكر الأعمال الصالحة [وأنها من الإيمان]
__________
(1) سقط من (ج) و(أ): مسلماً.
(2) في (ج): لدينه.
(3) في (أ، ج): وصفات.

(1/75)


وذكر اللّه الأعمال الصالحة وأخبر أنها من الإيمان والإسلام والدين؛ فقال: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، ثم قال سبحانه: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَاللَّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19]، فسمى دينه الإسلام، ثم قال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]، فجعل الإسلام الدين. وقال: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35ـ36]، وهم أهل بيت واحد، فوصفهم مؤمنين، ثم سماهم المسلمين. ثم قال: {يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيْمَانِ} [الحجرات: 17]، فسمى الإسلام إيماناً، فلما سمى اللّه عزَّ وجل الصلاة والزكاة الدين، وسمى الدين إسلاماً، وسمى الإسلام إيماناً(1) علمنا أن الصلاة والزكاة من الإيمان والإسلام والدين.
فبهذه الآيات ونحوها علمنا(2) أن الأعمال الصالحة من الإيمان والإسلام والدين، وبما تقدم ـ من ذكر المؤمنين وصفاتهم وأسمائهم وما أوجب اللّه لهم بأفعالهم ـ علمنا أن من لم يدخل في مثل صفاتهم ويعمل بأعمالهم فليس منهم، ومن لم يكن منهم لم يسم بأسمائهم، ولم يوصف بصفاتهم، ولم يعط ثوابهم، ولم يجاورهم في دار كرامة اللّه التي أعدها اللّه لأوليائه، وأهل طاعته ومحبته ورضوانه، وبذلك نعلم أن من ترك الأعمال الصالحة زال عنه اسم الإيمان والدين.
__________
(1) سقط من (ج): من قوله: فلما سمى الله..إلى هنا.
(2) سقط من (أ): من قوله: أن الصلاة..إلى هنا.

(1/76)


وفيما ذكرنا ـ من قول اللّه تبارك وتعالى وحكمه ـ تكذيب قول المرجئة الذين يزعمون أن الصلاة خلف رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم والحج ودفع الزكاة والجهاد في سبيل اللّه معه ليس من دين الله، ولا من دين نبيه، ولا دين الإسلام ولا الإيمان(1)، فنعوذ بالله من إفكهم.
باب ذكر الوعيد [في اهل الكبائر]
وذكر اللّه الوعيد في كتابه في أهل الكبائر من الموحدين، وأخبر أنهم يدخلون النار بأعمالهم الردية، فيعذبون بها، ويخلدون فيها أبداً، بما قدمت أيديهم وما اللّه بظلام للعبيد، فقال عزَّ وجل: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ} ، واللعنة: الخلود في جهنم لكل من قتل مؤمناً متعمداً لقتله، مستحلاً لذلك أو محرماً، ولم يخص بالآية جاحداً دون مقر، ولا كافراً دون مؤمن، ولا مستحلاً للقتل دون محرِّم، ولكنه أجمل الكلام جملة واحدة، فهو على جملته(2)، وليس لأحد أن يدعي أنَّه خاص في بعض القاتلين دون بعض، لأن العام لا يكون خاصاً، كما أن الخاص لا يكون عاماً أبداً، إلاَّ أن يكون اللّه هو الذي بين ذلك؛ فيخبر انه أراد بهذه الآية فريقاً من الناس دون فريق، وأراد بها قوماً دون قوم، فإذا جاءت الآية عامة ولم يبين أنَّها خاصة فهي على إرسالها وعمومها أبداً.
وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَونَ سَعِيراً} [النساء: 10]، والقول في هذه الاية كالقول في الأولى. وقال: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} الآية [الإنفطار: 13ـ14]، فكل بَرِّ ففي الجنة، وكل فاجر ففي النار خالداً فيها مخلداً أبداً، لابثاً لا يخرج منها أبداً.
__________
(1) سقط من (أ): ولا الإيمان.
(2) في (ج): فهو في جملته وعمومه.

(1/77)


وقال: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} إلى قوله: {جُثِيًّا} [مريم: 71ـ72]، (فأخبر سبحانه أنَّه ينجي المتقين، ويذر الظالمين الذين ليسوا بمتقين جثياً في النار)(1)، وأصحاب الكبائر المنتهكون للمحارم ليسوا بمتقين، إنما المتقون الذين يتقون اللّه في سرهم وعلانيتهم، يغضون أبصارهم، ويحفظون فروجهم، ويؤدون الأمانات إلى أهلها، وينصحون لكل مسلم، ويتقون الشرك والكبائر كلها، فأولئك الذين ينجيهم اللّه من النار.
وقال عزَّ وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} إلى قوله: {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15ـ16] فهذا وعيد جاء في أهل الصلاة، وسماهم اللّه فيه المؤمنين، وأخبر(2) أنه من فعل ذلك منهم غضب عليه، وصيره إلى جهنم، وجعل مأواه فيها، ومن كانت النار مأواه فقد يئس من الجنة.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (أ): وأخبرهم.

(1/78)


وقال سبحانه: {إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى قوله: {عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33] وقال: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى} إلى قوله: {لاَيَهْدِي القَومَ الكَافِرِينَ} [البقرة: 264]، وقال: {وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} الآية [المطففين: 1]، وقال: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا} [المائدة: 38] الآية، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النور: 4] الآية، فلم يوجب المغفرة والرحمة إلاَّ بالتوبة والإنابة، وقال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ(1) ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} الآية [النور: 23]، وقال: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145] ويقال(2) إنما النار لكل صاحب كبيرة(3)، وكل صاحب كبيره فهو فاسق. وقال سبحانه: {وَلَيسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَآتِ} الآية [النساء: 18].
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن كل من أصاب كبيرة فهو فاسق فاجر(4)عدو لله، وأنه إذا مات مصراً غير نادم ولا مستغفر فإنه من أهل النار خالداً فيها مخلداً، لا يخرج منها أبداً، ولا راحة له فيها، فهي أبداً مثواه، جزاء بما كسبت يداه.
باب ذكر أهل الكبائر
__________
(1) سقط من (ج): من قوله: الآية فلم يوجب ..إلى هنا.
(2) يعني إذا أريد تركيبها بالقياس المنطقي فينتج: إنما النار للفاسق.
(3) في (ج): لصاحب كل كبيره.
(4) سقط من (ج): فاجر.

(1/79)


(وذكر اللّه تعالى براءة أهل الكبائر من الكفر، وبين أنهم ليسوا بكفار؛ فقال عزَّ وجل)(1): {الْحَمْدُلِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1]، (فأخبر أن الكفار يعدلون بربهم)(2)، وأهل الكبائر لا يعدلون بالله إلهاً آخر. وقال: {قُلْ يَآ أَيُّهَا الكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} [الكافرون: 1ـ3]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَونَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَونَ إِلَى الإِيْمَانِ فَتَكْفُرُونَ} إلى قوله: {خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِي اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ} إلى قوله: {العَلِيُّ الكَبِيرُ} [غافر: 10ـ12] وأهل الكبائر لا يشركون بالله شيئاً، ولا يكفرون بالله، ولا يدعون مع اللّه إلهاً آخر، ولا يعبدون إلهاً غيره، وإنما هم أصابوا(3) الكبائر على الشهوة منهم والإساءة وهم لها محرمِّون، فبذلك(4) خرجوا من اسم الإيمان، ولم يدخلوا في اسم الكفر والجحدان.وقال: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ} [الإنشقاق: 22].
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن فسقة قومنا من أهل الصلاة ليسوا بكفار(5)، وهذا تكذيب للخوارج المارقة الذين يشهدون على أهل التوحيد والإقرار من أهل القبلة إذا أصابوا كبيرة من الكبائر أنهم كفار بالله العظيم، خارجون من قبلة الإسلام، فنعوذ بالله من جهلهم وضلالهم.
باب ذكر الأحكام في الكفر
__________
(1) سقط من (أ).
(2) سقط من (ج).
(3) في (ج): أصحاب.
(4) في (أ): ولذلك.
(5) في هامش (ج): بكافرين.

(1/80)


وذكر اللّه عزَّ وجل حكمه في الكفار ففرق بين حكمهم وحكم أهل الكبائر من أهل الصلاة فقال تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبُ الرِّقَابِ} إلى قوله: {حَتَّى تَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4]، وقال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]، وقال: {وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10]، يريد: النكاح والتزويج، وذلك أنَّه لا يحل لمؤمن(1) أن يتزوج من الكفار (إلاَّ ما خص اللّه به نساء أهل الكتاب من ذلك)(2)، وقد أحل للمؤمنين أن يتزوجوا الفاسقة من أهل الصلاة.
وقال: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التوبة: 73]، وقال: {وَلَيسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَآتِ} الآية [النساء: 18]، فأخبر أنَّه لا يقبل التوبة من صنفين: وهم الكفار الذين يموتون على كفرهم، وأصحاب الكبائر الذين يؤخرون(3) التوبة حتى يحضرهم الموت فيتوبون عند ذلك.
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن فسقة قومنا من أهل الكبائر ليسوا بكفار، وإنما هم فساق ظلمة معتدون، ومن تاب منهم من ذنبه توبة نصوحاً قبل اللّه توبته، وأسكنه جنته، ومن مات مصراً غير تائب ولا نادم وأخر التوبة إلى أن يحضره الموت لم يقبل اللّه منه عند ذلك التوبة وأصلاه الجحيم.
__________
(1) في (ج): ليس لمؤمن.
(2) ليس في (أ، ج).
(3) في (أ) و(ج): يرجون التوبة حتى يحضر أحدهم الموت.

(1/81)


وذلك أن اللّه سبحانه أمر بقتال الكفار وجهادهم، وضرب رقابهم، إلاَّ أهل الجزية منهم، وحرم مناكحتهم، ولم يأمر بقتال(1) أهل الكبائر ولا بجهادهم، إلاَّ من بغى منهم على المسلمين وجرد سيفه عليهم، أو حارب اللّه ورسوله، وإلا فإنما عليهم الحدود، وما دون ذلك من الآداب ونحوها، وأباح للمؤمنين مناكحتهم، واتباع جنائزهم، والصلاة عليهم، ويدعى فيها(2) للمؤمنين والمؤمنات عامة، وأن يدفنوا في مقابر المسلمين، ولا يفعل شيء من ذلك بالكفار. (فلما فرق بين أحكام الكفار وأهل الكبائر علمنا أنهم ليسوا بكفار)(3).
وفي هذا تكذيب للخوارج(4) الذين يحكمون في فساق الموحدين بحكم الكفار، فيسبون ذراريهم، (ويسفكون دماءهم) (5) ويغنمون أموالهم، بالجهل منهم والتعسف في دين الله، فنعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى.
باب ذكر المنافقين
وذكر اللّه المنافقين في كتابه، وأخبر بصفتهم، وفرق بينهم وبين أهل الكبائر من أهل الصلاة (6) فقال عزَّ وجل: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ} [البقرة: 14]، وفسقة قومنا لا يستهزؤون بالله ولا بالنبي. وقال اللّه تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145]، وقال تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} [الأحزاب: 12]، وأهل الكبائر لا يقولون ذلك.
__________
(1) في (ج): بقتل.
(2) في (ج): ويدعوا للمؤمنين. وفي (أ): ويدعوا فيها للمؤمنين.
(3) سقط من (أ).
(4) في (أ): تكذيب الخوارج.
(5) سقط من (أ).
(6) في (ج): أهل الضلالة.

(1/82)


وقال اللّه تعالى: {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} إلى قوله: {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْمَلُونَ} [المنافقون: 1ـ8].
فهذه صفة المنافقين، وليست بصفة أهل الكبائر وأهل الحدود من أهل الصلاة. وقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} إلى قوله: {فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} [النساء: 142ـ143] ومن أهل الكبائر من يقوم إلى الصلاة نشاطاً، ولا يرائي بها أحداً، ويكثر من ذكر الله، وليسوا بمرتدين(1) ولكنهم آثروا شهوتهم(2)، فبعضهم يوجب الوعيد على نفسه ويؤمل التوبة، وبعضهم يدين بدين المرجئة.
وقال اللّه عزَّ وجل: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} الآية [التوبة: 73].
وقال: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ} الآية [التوبة: 64]، (وفساقنا ليس في قلوبهم شيء إلاَّ وقد أظهروه، وهم يأتون المعاصي على جهة الشهوات). والنفاق في كلام العرب: إظهار الإيمان وإسرار الكفر، وهو الرياء، لأن الرياء إظهار الخير وإسرار الشر، والفساق قد أظهروا الفسوق ولم يسروه ولم يكتموه، فبرئوا بذلك من النفاق، كما أن المرائي إذا أظهر ما في قلبه من السر فقد برئ من الرياء، وصار فاجراً فاسقاً، وكذلك المنافقون لو أظهروا ما في قلوبهم من الكفر والنفاق لكانوا مجاهرين بالكفر، وزال عنهم اسم النفاق، ولزمهم اسم الكفر والشرك.
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن أصحاب الحدود من أهل الكبائر ليسوا بمنافقين ولا كفار، وإنما هم فساق ظلمة فجار معتدون، وفي هذا نقض قول من سماهم منافقين من أهل البدع.
باب ذكر المنزلة بين المنزلتين
__________
(1) في (ج): بمذبذبين.
(2) في (أ): شهواتهم.

(1/83)


وذكر اللّه تبارك وتعالى براءة أهل الكبائر من الشرك فقال سبحانه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5]، وحرم علينا أن نقتل أهل الكبائر حيث وجدناهم.
وقال تعالى: {وَلاَتَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} الآية [البقرة: 221]، فحرم مناكحة المشركين والكفار كلهم، وحرم نكاح المشركات والكوافر كلهن، وفرض على المسلمين قتل المشركين والكفار كلهم، إلاَّ ما يخص(1) أهل الجزية من أهل الكتاب(2) في قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَومِ الآَخِرِ} إلى قوله: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، فأمر بقتلهم حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية، فيتركوا عند ذلك، ويرفع عنهم السيف، وقد قامت السنة عندنا بمناحكة أهل الكبائر من أهل الصلاة نسائهم ورجالهم، وموارثتهم وأكل ذبائحهم، وأنه لا يتوارث أهل ملتين شيئاً، وأهل الكفر ملة غير ملة الإسلام، وكثير من الأمة يأكلون ذبيحة المرتد، ولا يأكلون ذبيحة الكافر المشرك، والمرتدون عندنا يفرق بينهم وبين نسائهم، ولا تؤكل ذبائحهم، وليس هذا حكم أهل الكبائر وأصحاب الحدود، ولو كانوا كفاراً مشركين كانوا لا يَعْدُون أن يكونوا(3) كاليهود والنصارى والمجوس والصابئين، وعبدة الأصنام والمرتدين، ولو دخلوا في بعض هذه الأصناف كان حكمهم لازماً لنا(4)، فلما وجدنا حكمهم مفارقاً لأحكام أهل الكفر كلهم علمنا أنهم ليسوا بكفار ولامشركين، ولكنهم فساق فجار من أهل النار؛ إلاَّ أن يتوبوا ويرجعوا، ومن اجترأ من الخوارج فحكم فيهم بحكم أهل ملة من الملل: إما الكفار، وإما اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، أو عبدة الأوثان(5)
__________
(1) في (ج): ماخص الله.
(2) في (ج): من أهل الكتابين.
(3) في (أ): إما أن يكونوا. وماهنا أولى.
(4) يعني القول بأنهم مشاركون لهم في الحكم.
(5) في (ج): الأصنام.

(1/84)


والمرتدين عن الإسلام؛ فقد خالف بحكمه حكم رسول اللّه عليه وعلى آله السلام؛ لأن هذا لم يكن حكمه في أصحاب الحدود وأهل الكبائر(1) من أمته واهل دعوته، وإنما كانوا ممن يقام عليه الحدود، ويسمون بالأسماء القبيحة؛ من الفسق والفجور، والظلم والعدوان، ولا تقبل شهادتهم، ولا يزَكَّوا حتى يتوبوا ويرجعوا، ولم يكونوا يسمون بأسماء الكفر والشرك ولا النفاق، ولا يحرم نكاحهم ولا موارثتهم(2) وأكل ذبائحهم، ولا يفرق بينهم وبين نسائهم، ولا تؤخذ منهم الجزية.
فبهذه الآيات ونحوها والتي تلونا، والأحكام التي وصفنا، والوعيد الذي ذكرنا؛ علمنا أن أصحاب الكبائر ليسوا بكفار(3) ولا مشركين ولا منافقين، وأنهم ليسوا بأبرار ولا فضلاء، ولا أخيار ولا أزكياء، ولا أطهار ولا عُدَلاء.
ومن كان هكذا لم يطلق له اسم الإيمان ولا الإسلام(4)، ولا اسم الهدى والتقوى والإحسان؛ لأنَّه قد غلب عليهم اسم الفسوق(5) والفجور والظلم والعدوان والضلال، فكانوا أهل منزلة بين منزلتين، وهي منزلة الفساق والفجار؛ التي بين منزلة المؤمنين والكافرين في هذه الدنيا.
وفي هذا تكذيب أهل البدع من الخوارج والمرجئة، فنحمدالله ربنا على الإحسان إلينا.
قالت الزيدية (6): إن اللّه عزَّ وجل حرم ذبائح اليهود والنصارى بقوله سبحانه: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121]، والنصارى واليهود يذكرون على ذبائحهم اسم الذي ولد عزيراً والمسيح.
__________
(1) سقط من (أ): وأهل الكبائر.
(2) في (ج): مناكحتهم، ولا موارثتهم.
(3) في (ج): بكافرين.
(4) في (ج): ولا الإسلام مطلقاً. وهذا بناء على ما مضى من ترادفهما ودخول الأعمال الصالحة في مفهومهما وحقيقتهما. والله أعلم.
(5) في (أ): الفسق.
(6) من هنا إلى آخر هذا الباب ثابت في النسخ ولاعلاقة له بالباب فيظهر أنه حاشية مدرجة، والله أعلم.

(1/85)


وقال اللّه عزَّ وجل في تحريم تزويج اليهوديات والنصرانيات: {وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ}، كما قال(1): {وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة: 221] أجمع المسلمون أنَّه لا يحل لامرأة مؤمنة أن تزوج(2)رجلاً يهودياً ولا نصرانياً، فالحكم في الرجال والنساء واحد؛ لقول رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا يتوارث(3) أهل ملتين مختلفتين )) بإجماع الأمة(4) أن امرأة يهودية إذا ماتت وخلفت زوجها هذا المسلم أو مات زوجها أنَّه ليس بينهما موارثة، فافهم ذلك إن شاء اللّه تعالى.
باب ذكر القيام بالقسط
وذكر اللّه تبارك وتعالى القيام بالقسط في كتابه؛ فقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَينِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1].
وقال: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَو عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَينِ وَالأَقْرَبِينَ} إلى قوله: {خَبِيراً} [النساء: 135].
وقال عزَّ وجل: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَآنُ قَومٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ} [المائدة: 2]، فأمر تبارك وتعالى بإصلاح ذات البين، والقيام بالقسط في عباده وبلاده، والتعاون على البر والتقوى، وترك التعاون على الإثم والعدوان، وهذا لا يكون كما أمر اللّه به إلاَّ بمجاهدة الباغين، ومنعهم من الظلم والعدوان.
__________
(1) سقط من (ج): كما قال.
(2) في (ج): تتزوج.
(3) في (ج): لا توارث بين.
(4) كذا في النسخ، ولعلها: فإجماع الأمة.

(1/86)


وقال سبحانه: {مَآ أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف: 51].
وقال سبحانه لإبراهيم عليه السلام: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124]، فأخبر تبارك وتعالى أنَّه لا يتخذ الظالمين عضدا، وكذلك لا يتخذهم أمراء ولا خلفاء، ولا قضاة ولا حكاماً، وأخبر أن عهده لا ينال الظالمين، وكذلك لا يجوز لهؤلاء أن يكونوا أئمة المسلمين، وخلفاء لرب العالمين، وشهادتهم غير مقبولة، وقولهم غير مصدق.
وقال عزَّ وجل: { يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26]، فلا يستحق الخلافة إلاَّ من حكم بالحق، فإذا عدل عن حكم اللّه فليس بخليفة.
وقال اللّه سبحانه: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الكهف: 28].
وقال تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ العَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَثِيراً} [الأحزاب: 67ـ68].
وقال سبحانه: {إتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ} الآية [التوبة: 31].
وقال سبحانه: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا العَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا} [البقرة: 166ـ167].

(1/87)


وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَا لَيتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيلَتَى لَيتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرَ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} [الفرقان: 27ـ29]، فنهى سبحانه عن طاعة الآثم والكافر والمتبع لهواه، وأخبر بسوء حال من اطاع المخلوق في معصية الخالق، فكيف بمن لم يدع لهم(1) طاعة في معصية اللّه إلاَّ أتاها، ولا معصية لله في طاعتهم إلاَّ ارتكبها، ولا حرمة في هواهم(2) إلاَّ انتهكها؟ فأسخط اللّه وأرضاهم، ورضي بثوابهم عوضاً من ثواب الله، وبولايتهم بدلاً من ولاية الله، أولئك هم الخاسرون.
وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} إلى قوله: {وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110].
وقال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا} الآية [الحجرات: 9]، فأمر بقتال الفئة الباغية نصاً في كتابه، وأمر أن يكونوا مع الصادقين، ولا يكونوا مع الفاسقين الفاجرين.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ} الآية [المائدة: 8].
وقال تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194].
__________
(1) في (ج): يدع له.
(2) في (ج): هواه.

(1/88)


وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 39ـ42].
وقال تعالى يحكي عن لقمان إذ قال لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [لقمان: 17].
فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن اللّه فرض على المسلمين أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويقوموا بالقسط في عباده وبلاده، ويأخذوا للمظلوم من الظالم، ويمنعوا الظالم من ظلمه ويزيلوا الجور والبغي، بما أمكنهم وقدروا عليه.
ثم إنَّا نسأل اللّه البلاغ لنا ولكم إلى ذلك، والمعونة والقيام بها هادين مهتدين، صابرين محتسبين، لا مبدلين ولا مغيرين، حتى تكون كلمة اللّه هي العليا على كل كلمة، وحكمه العالي على كل حكم، وتكون كلمة كل من جار عن سبيل اللّه وأحكام من حكم بغير حكم اللّه هي السفلى، والله عزيز حكيم، ونسأل اللّه البر(1) الرحيم أن يصلي هو وملائكته على محمد النبي وعلى أهل بيته الطاهرين الأخيار، وأن يبدلهم بالخوف أمناً، وبالذل عزاً، وبالعسر يسراً، ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، إنَّه رؤوف رحيم.
تم الكلام في هذه الأصول والحمدلله وحده وصلواته على سيدنا محمد النبي وعلى أهل بيته الطاهرين وسلم.
*****
__________
(1) سقط من (أ): البر.

(1/89)


كتاب العدل والتوحيد وتصديق الوعد الوعيد وإثبات النبوة والإمامة في النبي وآله(1)
عن الإمام المرتضى لدين اللّه، عن أبيه الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين صلوات اللّه عليهم أجمعين
m
قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن رسول الله، صلوات اللّه عليه وعلى آبائه الطاهرين وسلامه:
[التوحيد]
أول ما يجب على العبد أن يعلم أن اللّه واحد أحد، صمد فرد، ليس له شبيه، ولا نظير، ولا عديل، ولا تدركه الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك أن ما وقع عليه البصر فمحدود ضعيف، مَحْوِيٌّ محاط به، له كُلٌّ وبعضٌ، وتحت وفوقٌ، ويمين وشمال، وأمامٌ وخلفٌ، وأن اللّه سبحانه لا يوصف بشيء من ذلك، وهكذا قال لا شريك له: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، وقال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}[الإخلاص: 1ـ 5]، والكفو فهو المِثْل والنظير والشبيه، والله سبحانه ليس كمثله شيء. وقال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ}[الحديد: 4]، وقال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ}[ق: 16]، وقال: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَينَمَا كَانُوا}[المجادلة: 7]، وقال: {وَمَا كُنَّا غَائِبِيْنَ}[الأعراف: 7]، يعني في جميع ذلك أن علمه محيط بهم، لا أنَّه داخل في شيء من الأشياء كدخول الشيء في الشيء، ولا خارج من الأشياء بائن عنها فيغبى (2) عليه شيء من أمورهم، بل هو العالم بنفسه، وأنه عزَّ وجل شيء لا كالأشياء؛ إذ
__________
(1) هذا الكتاب ليس في (ج)، وأثبته من (أ) و(ب)، والنسخة (أ) عندي، وكذلك (أ) التي اعتمد عليها الدكتور محمد عمارة هي نسخة واحدة فليعلم.
(2) في ط: فيغيب، وفي هامشه، وفي (ب) معاً.

(1/90)


الأشياء من خلقه وصنعه. وقال عزَّ وجل: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَينَكُمْ}[الأنعام: 19]، فذكر سبحانه أنَّه شيء؛ لإثبات الوجود ونفي العدم، إذ العدم لا شيء.
[العدل]
ثم يَعْلَم أنَّه عزَّ وجل عدل في جميع أفعاله، ناظر(1) لخلقه، رحيم بعباده، لا يكلفهم مالا يطيقون، ولا يسألهم ما لا يجدون، و{لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}[النساء: 40]، وأنه لم يخلق الكفر ولا الجور ولا الظلم(2)، ولا يأمر بها ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يظلم العباد، ولا يأمر بالفحشاء، وذلك أنَّه من فعل شيئاً من ذلك، أو أراده أو رضي به؛ فليس بحكيم ولا رحيم، وإن اللّه لرؤوف رحيم، جواد كريم متفضل، وأنه لم يحل بينهم وبين الإيمان، بل أمرهم بالطاعة، ونهاهم عن المعصية، وأبان لهم طريق الطاعة والمعصية، وهداهم النجدين، ومكنهم من العملين، ثم قال: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}[الكهف: 29]، وقال: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}[الانشقاق: 20]، وقال: {وَمَاذَا عَلَيهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ}[النساء: 39]، أو يأمرهم (3) بالكفر؛ ثم يقول: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ}[آل عمران: 101]؟ أو يصرفهم عن الإيمان، ثم يقول (4): {فَأنَّى تُصْرَفُونَ}[يونس: 32]؟ أو يقضي عليهم بقتل الأنبياء صلى اللّه عليهم؛ ثم يقول: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِيْنَ}[البقرة: 91]؟
[أفعال العباد]
__________
(1) المراد نظر العطف والرحمة.
(2) في أ: والجور والظلم.
(3) في (أ و ب): ويأمرهم، وما أثبت من ط، والمعنى على الاستفهام.
(4) في هامش ط: في (ب): فيقول. وما أثبته من (أ وب).

(1/91)


والله عزَّ وجل بريء من أفعال العباد، وذلك قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}[النحل: 90]، وقال سبحانه: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَالاَ تَعْلَمُونَ}[الأعراف: 28]، ثم قال: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَو شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ دُونِه مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ}[الأنعام: 148]، فأكذبهم اللّه في قولهم، ونفى عن نفسه ما نسبوه إليه بظلمهم. وقال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات: 56]، فذكر أنَّه خلقهم للعبادة لا للمعصية، وكذلك نسب إليهم فعلهم حيث يقول: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ}[القمر: 52]، يقول: فعلوه، ولم يقل: فعله، بل نسبه إليهم؛ إذ هم فعلوه.
وقال عزَّ وجل في فعله هو: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}[الرعد: 16 ـ الزمر: 62]، يقول: هو خالق كل شيء يكون منه، ولم يقل: إنَّه خلق فعلهم، بل قال: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً}[العنكبوت: 17]، يقول: تصنعون وتقولون إفكاً، كما قال: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً}[النحل: 67]، يقول: أنتم تجعلونه.

(1/92)


وتبيين الكفر والإيمان من اللّه عزَّ وجل، وفعلهما من الآدميين، ولو لا أنَّه عزَّ وجل بَيَّن لخلقه الكفر والإيمان؛ ما إذاً عرفوا الحق من الباطل(1)، ولا المعتدل من المائل، ولكن عَرَّفَهم بذلك، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه في بعض مواعظه: (( خلقنا ولم نك شيئاً، وأخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً، فغذانا بلطفه، وأحيانا برزقه، وأطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، ووضع عنا الأقلام، وأزال عنا الآثام، فلم يكلفنا معرفة الحلال والحرام، حتى إذا أكمل لنا العقول، وسهل لنا السبيل، نصب لنا العَلَم والدليل، من سماء رفعها، وأرض وضعها، وشمس أطلعها، ورتوق فتقها، وعجائب خلقها، فعرفنا الخير من الشر، والنفع من الضر، والحسن من القبيح، والفاسد من الصحيح، والكذب من الصدق، والباطل من الحق، أرسل إلينا الرسل، وأنزل علينا الكتب، وبين لنا الحلال والحرام، والحدود والأحكام، فلما وصلت دعوته إلينا، وقامت حجته علينا؛ أمرنا ونهانا، وأنذرنا وحذرنا، ووعدنا وأوعدنا، فجعل لأهل طاعته الثواب، وعلى أهل معصيته العقاب، جزاءً وافق أعمالهم، ونكالاً بسوء فعالهم، {مَنْ أَحْسَنَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيْدِ} )).
__________
(1) في ط: الحق والباطل.

(1/93)


وتصديق ذلك في كتاب اللّه عزَّ وجل، حيث يقول: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَولاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ}[الأعراف: 43]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى أهل بيته: (( صنفان من أمتي لا تنالهما(1) شفاعتي، قد لعنوا على لسان سبعين نبياً: القدرية والمرجئة. قيل: وما القدرية يا رسول الله؟ وما المرجئة؟.. فقال: أما القدرية فهم الذي يعملون المعاصي ويقولون: إنها من الله قضى بها وقدرها علينا. وأما المرجئة فهم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل )). ثم قال: صلى الله عليه وآله: (( القدرية مجوس هذه الأمة )).
[الوعد والوعيد]
ثم يجب عليه أن يعلم أن وعده ووعيده حق، من أطاعه أدخله الجنة، ومن عصاه أدخله النار أبد الأبد، لا ما يقول الجاهلون من خروج المعذبين من العذاب المهين إلى دار المتقين، ومحل المؤمنين، وفي ذلك ما يقول رب العالمين: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً}[النساء: 57، 122. المائدة: 119. التوبة: 22، 100. الأحزاب: 65. التغابن: 9. الطلاق: 11. الجن 23. البيَّنة: 8]، ويقول: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا}[المائدة: 37]، ففي كل ذلك يخبر أنَّه من دخل النار فهو مقيم فيها غير خارج منها، فنعوذ بالله من الجهل والعمى، ونسأله العون والهدى، فإنه ولي كل النعماء، ودافع كل الأسواء .
[الإيمان برسالة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم]
ثم يجب عليه أن يعلم أن محمداً بن عبد اللّه بن عبد المطلب، عبد اللّه ورسوله، وخيرته من خلقه، وصفوته من جميع بريته، خاتم النبيين لا نبي بعده، وأنه قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ثم قبضه اللّه إليه حميداً مغفوراً(2). فصلوات اللّه عليه وعلى أهل بيته الطيبين وسلم.
[إمامة علي عليه السلام]
__________
(1) في ط، ب: لاتنالهم.
(2) في (أ وب): مفقوداً.

(1/94)


ثم يجب عليه أن يعلم أن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، ووصي رسول رب العالمين، ووزيره وقاضي دينه، وأحق الناس بمقام رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وأفضل الخلق بعده، وأعلمهم بما جاء به محمد، وأقومهم بأمر اللّه في خلقه. وفيه ما يقول اللّه تبارك وتعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}[المائدة: 55]، فكان مؤتي الزكاة وهو راكع علي بن أبي طالب دون جميع المسلمين. وفيه يقول اللّه سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}[الواقعة: 10 ـ 13]، فكان السابق إلى ربه غير مسبوق، وفيه يقول اللّه عزَّ وجل: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعُ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ}[يونس: 35]، فكان الهادي إلى الحق غير مهدي، والداعي إلى الصراط السوي، والسالك طريق الرسول الزكي، ومن سبق إلى الله، وكان الهادي إلى غامض أحكام كتاب الله؛ فهو أحق بالإمامة؛ لأن أسبقهم أهداهم، وأهداهم أتقاهم، وأتقاهم خيرهم، وخيرُهُمْ بكلِّ خَيرٍ أولاهم. وما جاء له من الذكر الجميل في واضح التنزيل؛ فكثير غير قليل.

(1/95)


وفيه أنزل اللّه على رسوله بغدير خم: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالاَتِهِ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}[المائدة: 67]، فوقف صلى الله عليه وآله وسلم وقطع سيره، ولم يستجز أن يتقدم خطوة حتى ينفذ ما عزم عليه في علي، فنزل تحت الدوحة مكانه، وجمع الناس، ثم قال: (( أيها الناس... ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فقال: اللهم اشهد، ثم قال: اللهم اشهد، فمن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله )). والناس كلهم مجتمعون يسمعون كلام رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وهو رافع بيد علي حتى أبصر بياض آباطهما وهو ينادي بهذا القول.
وفيه يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (( عليٌّ مني بمنزلة هارون من موسى، إلاَّ أنَّه لا نبي بعدي ))، ويقول: (( عليٌّ مع الحق، والحق معه ))، ويقول (( أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها ))، وقال: (( الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما ))، وقال: (( أنت أخي يا علي في الدنيا والآخرة ))، وقال: (( عليٌّ أقضى الخلق وأعلمهم )).
[إمامة الحسنين عليهما السلام]

(1/96)


ثم يجب عليه أن يعلم أن الحسن والحسين ابنا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وحبيباه، وأنهما إماما عدل، واجبة طاعتهما، مفترضة ولايتهما، وفيهما وفي جدهما وأبيهما وأمهما يقول(1) اللّه تبارك وتعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً}[الإنسان: 5] إلى قوله: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيْلاً}[الإنسان: 29] وفيهما ما يقول(2)رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( كل بني أنثى ينتمون إلى أبيهم، إلاَّ ابْنَي فاطمة فأنا أبوهما وعصبتهما )). فهما ابناه وولداه بفرض اللّه وحكمه، وفي ذلك ما يقول اللّه سبحانه في إبراهيم الخليل صلى اللّه عليه: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيْسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ}[الأنعام: 84]، فذكر أن عيسى من ذرية إبراهيم، كما موسى وهارون من ذريته، وإنما جعله ولده وذريته بولادة مريم، وكان سواء عنده في معنى الولادة والقرابة ولادة الابن وولادة البنت؛ إذ قد أجرى عيسى وموسى مجرى واحداً من إبراهيم صلى اللّه عليه. وفيهما وفي أبيهما وأمهما ما يقول اللّه تبارك وتعالى لرسوله صلى اللّه عليه وآله؛ إذ أمره بالمباهلة(3) للنصارى؛ فقال له: {قُلْ تَعَالُوا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ}[آل عمران: 61]، فحضر صلى اللّه عليه وآله بعلي وفاطمة والحسن والحسين صلى اللّه عليهم أجمعين.
[إمامة أهل البيت عليهم السلام، وصفات الإمام]
__________
(1) في أ: ما يقول.
(2) في (أ، ب) : يقول.
(3) المباهلة: هي الملاعنة.

(1/97)


ثم يجب عليه أن يعلم أن الإمامة لا تجوز إلاَّ في ولد الحسن والحسين؛ بتفضيل اللّه لهما، وجعله ذلك فيهما، وفي ذريتهما، حيث يقول تبارك وتعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}[البقرة: 124].
فكانت النبوة والإمامة والوصية والملك في ولد إبراهيم صلى اللّه عليه، إلى أن بعث اللّه محمداً صلى اللّه عليه وعلى آله فأفضت النبوة إليه، وختم اللّه الأنبياء به، وجعله خاتم النبيين وسيد المرسلين، وقال: {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ}[هود: 73]، وقال: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ}[الزخرف: 28]، وقال: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَينَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً}[النساء: 54]، وقال موسى صلى اللّه عليه لقومه: {يَا قَومِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ}[المائدة: 20]، وقال: {وَلَقَدْ آتَينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العَالَمِينَ}[الجاثية: 16]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيْمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ}[آل عمران: 34 ـ 35]، فكانت النبوة في إبراهيم، ثم أفضت إلى إسماعيل، ثم إلى إسحاق، ثم إلى ابنه يعقوب، ثم إلى ابنه يوسف، ثم في بني إسرائيل ـ وهو يعقوب ـ الأول فالأول، حتى كان آخرهم عيسى صلى اللّه عليهم أجمعين، ثم حول اللّه النبوة إلى

(1/98)


محمد خاتم النبيين، فقال سبحانه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ}[الفتح: 29]، ثم قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[الحشر: 70]. وقال النبي صلى الله عليه وآله: (( إني تارك فيكم الثقلين(1) ما إن تمسكتم بهما(2) لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض )) (3) وقال اللّه سبحانه: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}[الأحزاب: 33]، فبين الأمر سبحانه فيهم وأوضحه، {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}. ومحمد من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وكذلك ذريته.
ثم قال سبحانه: {ثُمَّ أَورَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا}، فورثة الكتاب: محمد، وعلي، والحسن، والحسين، ومن أولدوه من الأخيار. ثم قال في ولدهم: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ}[فاطر: 32]، ففيهم إذ كانوا بشراً ما في الناس.
وقال: {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}[هود: 113]، كما قال في ولد إبراهيم وإسحاق صلى اللّه عليهما: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ}[الصافات: 113].
__________
(1) سقط من (ط): الثقلين.
(2) في ط: به.
(3) في هامش (ط): وهذه الرواية مقصورة على المتشيعين لأهل البيت، أما جمهور السنة فيروون الحديث هكذا: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً كتاب الله وسنتي).تمت. وليس كذلك، فقد رواها كثير من أئمة الحديث، على رأسهم مسلم والترمذي ، بلفظ: وعترتي. بألفاظ مختلفة.

(1/99)


وكان فيما بَيَّن اللّه عزَّ وجل لخليله إبراهيم صلى اللّه عليه؛ إذ قال إبراهيم: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}؛ فقال له ربه: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}، ثم قال: {أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}[هود: 18]، وقال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ}[المائدة: 44] و{الظَّالِمُونَ}[المائدة: 45] و{الفَاسِقُونَ}[المائدة: 47].
وأن الإمام من بعد(1) الحسن والحسين من ذريتهما من سار بسيرتهما، وكان مثلهما، واحتذى بحذوهما، فكان ورعاً تقياً، صحيحاً نقياً، وفي أمر اللّه سبحانه مجاهداً، وفي حطام الدنيا زاهداً، وكان فَهِماً لما يحتاج إليه، عالماً بتفسير ما يرد عليه، شجاعاً كَمِياً(2) بذولاً سخياً، رؤوفاً بالرعية، متعطفاً محسناً(3) حليماً، مساوياً لهم بنفسه، مشاوراً لهم في أمره، غير مستأثر عليهم، ولا حاكم بغير حكم اللّه فيهم، قائماً شاهراً لنفسه، رافعاً لرايته، مجتهداً، مفرقاً للدعاة في البلاد، غير مقصر في تأليف العباد، مخيفاً للظالمين، مؤمِّناً للمؤمنين، لا يأمن الفاسقين ولا يأمنونه، بل يطلبهم ويطلبونه، قد باينهم وباينوه، وناصبهم وناصبوه، فهم له خائفون، وعلى إهلاكه جاهدون، يبغيهم الغوائل، ويدعو إلى جهادهم القبائل، متشرداً عنهم، خائفاً منهم، لا يردعه عن أمور الله ولا يمنعه عن الاجتهاد عليهم كثرةُ الإرجاف، شمري(4)
__________
(1) في هامش ط: من هنا حتى قوله (ثمانية أصناف أو ثمانية آلاف، أو ثمانية أنفس).. قبل عنوان (خطايا الأنبياء) بقليل. صفحات سقطت من النسخة أ، واعتمدنا فيها على النسخة ب فقط، وأعطيناها ترقيمها، ويقع هذا الموضع من النسخة ب باللوحة 142. وكذلك سقطت من (أ) عندي، واعتمدت: (ب).
(2) في هامش ط: الكمي، هو: الشجاع المتحصن بالدروع والأدوات الساترة لجسمه والحامية له من سهام الأعداء.
(3) في ب: متحنناً.
(4) في هامش ط: هو المجد في عمله المجرب، الماضي في الأمور، ومثله المشمر.

(1/100)


مشمر، مجتهد غير مقصر.
فمن كان كذلك من ذرية الحسن والحسين فهو الإمام المفترضة طاعته، الواجبة على الأمة نصرته، مثل من قام من ذريتهما من الأئمة الطاهرين، الصابرين لله المحتسبين، مثل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه(1) إمام المتقين، والقائم بحجة رب العالمين، ومثل ابنه يحيى المحتذي بفعله، ومثل محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الذي جاء فيه الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله، أنَّه خرج ذات يوم إلى باب المدينة، فوقف في موضع ومعه جماعة من أصحابه، فقال لهم: (( ألا أنَّه سيقتل في هذا الموضع رجل من ولدي، اسمه كاسمي، واسم أبيه كاسم أبي، يسيل دمه من ها هنا إلى أحجار الزيت، وهو النفس الزكية، على قاتله ثلث عذاب أهل النار ))(2).
__________
(1) في هامش ط: وكان خروجه على هشام بن عبد الملك الأموي، ولقد استشهد في نفس العام الذي خرج فيه، وهناك خلاف في تاريخ هذا الحدث هل هو سنة120 أم سنة 122 هـ؟راجع (المقصد الحسن والمسلك الواضح السنن) مخطوط مصور، دار الكتب المصرية (29137 ب) اللوحات 178، 179. لأحمد بن يحيى بن حابس الصعدي اليماني.
(2) في هامش ط: وكان خروج النفس الزكية بالمدينة ضد بني العباس، طالباً الخلافة لنفسه، كما كان مقتله في 14 رمضان سنة 145 هـ، وكانت قيادة الجيش العباسي بيد عيسى بن موسى.

(1/101)


ومثل أخويه إبراهيم(1) ويحيى(2) ابني عبد الله، ومثل الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو صاحب فخ(3)، ومثل محمد(4) والقاسم(5) ابني إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فمن كان كذلك من ذرية الحسن والحسين فهو إمام لجميع المسلمين، لا يسعهم عصيانه، ولا يحل لهم خذلانه، بل يجب عليهم موالاته وطاعته، ويعذب اللّه من خذله، ويثيب من نصره، ويتولى من تولاه، ويعادي من عاداه.
__________
(1) في هامش ط: وكان خروجه بالبصرة في نفس السنة التي خرج فيها النفس الزكية (سنة 145 م) ولقد قاتل العباسيين الذي قاد جيشهم عيسى بن موسى، وقتل إبراهيم في (باخمرى) في 25 ذي القعدة سنة 145 هـ.
(2) في هامش ط: وهو الذي قاتل العباسيين أيام الهادي، وأيام الرشيد، ثم أعطى له الرشيد أماناً، فجاء بغداد، ثم حبسه الرشيد لدى جعفر البرمكي الذي أطلق صراحه مما أغضب عليه الرشيد، وهناك خلاف في موته هل مات في حبسه؟ أم قتل عند سندي بن شاهك، مولى المنصور، الذي خدم الرشيد والمأمون.
(3) في هامش ط: وفخ واد بمكة، قد دفن فيه عدد من الصحابة منهم عبد اللّه بن عمر، وكان خروج الحسين هذا ومقتله به سنة 169 هـ زمن الهادي العباسي، وكان قائد جيش الهادي في هذه الموقعة محمد بن سليمان.
(4) في هامش ط: هو محمد بن طباطبا (73 ـ 199 هـ) أحد أئمة الزيدية.
(5) في هامش ط: هو الإمام القاسم الرسي، جد الإمام يحيى بن الحسين. راجع المقريزي (اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء) ص 7 ـ 13.

(1/102)


ومما روى الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، قال: أخبرني أبي، قال: قال جدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله، قال(1):(( إنه سيخرج منا رجل يقال له زيد، فينتهب ملك السلطان فيقتل، ثم يصعد بروحه إلى السماء الدنيا، فيقول له النبيون: جزى اللّه نبيك عنا أفضل الجزاء كما شهد لنا بالبلاغ، وأقول أنا: أقررت عيني يا بني، وأديت عني، ثم يذهب بروحه من سماء إلى سماء حتى ينتهى به إلى اللّه عزَّ وجل، ويجيء أصحابه يوم القيامة يتخللون أعناق الناس بأيديهم أمثال الطوامير(2) فيقال: هؤلاء خلف الخلف، ودعاة الحق إلى رب العالمين )).
وفيه (3)، عن محمد بن الحنفيَّة(4) أنَّه قال: (( سيصلب منا رجل يقال له زيد(5) في هذا الموضع ـ يعني موضعاً بالكوفة يقال له الكناس(6) ـ، لم يسبقه الأولون ولا الآخرون فضلاً.
__________
(1) كذا.
(2) في هامش ط: الصحائف، ومفردها طامور وطومار.
(3) الضمير للإمام زيد في جميعها.
(4) في هامش ط: هو إمام الفرقة الكيسانية من فرق الشيعة، وفي تاريخ وفاته خلاف بين سنوات 81، 83، 72، و 73 هـ، وفي محل وفاته خلاف كذلك بين المدينة، والطائف، وأيلة. راجع اتعاظ الحنفاء للمقريزي. ص 6.
(5) في ط: زيد بن علي.
(6) كذا، وفي ط: الكنائش، ولعلها: الكناسة.

(1/103)


وفيه عن محمد بن علي بن الحسين باقر العلم(1)، أن قوماً وفدوا إليه فقالوا: يا ابن رسول الله، إن أخاك زيداً فينا، وهو يسألنا البيعة، أفنبايعه؟ فقال لهم محمد: بايعوه، فأنه اليوم أفضلنا. وعنه أيضاً أنَّه اجتمع زيد ومحمد في مجلس، فتحدثوا، ثم قام زيد فمضى، فأتبعه محمد بصره، ثم قال: لقد أنجبت أمك يا زيد.
وفيه ما قال جعفر بن محمد الصادق رحمة اللّه عليه(2)، لما أراد زيد الخروج إلى الكوفة من المدينة؛ قال له جعفر: أنا معك يا عم. فقال له زيد: أوما علمت يا ابن أخي أن قائمنا لقاعدنا وقاعدنا لقائمنا، فإذا خرجت أنا وأنت فمن يخلفنا في حرمنا، فتخلف جعفر بأمر عمه زيد.
وعن جعفر أيضاً لما أراد يحيى بن زيد اللحوق إلى أبيه، قال له ابن عمه جعفر أقرئه عني السلام، وقل له: فإني أسأل اللّه أن ينصرك ويُبقيك، ولا يرينا فيك مكروهاً، وإن كنت أزعم أني عليك إمام فأنا مشرك.
__________
(1) هو أحد أئمة الشيعة الاثني عشر، وكان عالماً كبيراً، سمي بالباقر لعلمه الغزير، إذ معنى: تبقر في العلم: توسع فيه. ولد بالمدينة في 3 صفر سنة 57 هـ ومات بالحميمة، ودفن بالمدينة، وهناك خلاف في تاريخ وفاته بين سنوات 113، 114، 117، و 118 هـ راجع اتعاظ الحنفاء للمقريزي. ص 14.
(2) هو أحد أئمة الشيعة الاثني عشر ومن كبار علمائهم، توفي بالمدينة سنة 148 هـ وفي تاريخ ميلاده خلاف بين سنتي 80 و 83 هـ . راجع المصدر السابق. ص 14.

(1/104)


وعنه أيضاً لما جاءه خبر قتل أبي قرة الصقيل بين يدي زيد بن علي، تلا هذه الآية: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}[النساء: 100]، رحم اللّه أبا قرة. وعنه أيضاً، لما جاءه خبر قتل حمزة بين يدي زيد بن علي تلا هذه الآية: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}[الأحزاب: 23]. وعنه لما جاءه خبر قتل عمه زيد وأصحابه، قال: ذهب والله زيد بن علي كما ذهب علي بن أبي طالب والحسن والحسين وأصحابهم شهيداً(1) إلى الجنة، التابع لهم مؤمن، والشاك فيهم ضال، والراد عليهم كافر.
وإنما فَرَّق بين زيد وجعفر قوم كانوا بايعوا زيد بن علي، فلما بلغهم أن سلطان الكوفة يطلب من بايع زيداً ويعاقبهم، خافوا على أنفسهم، فخرجوا من بيعة زيد ورفضوه مخافة من هذا السلطان، ثم لم يدروا بم يحتجون على من لامهم وعاب عليهم فعلهم، فقالوا بالوصية حينئذ، فقالوا: كانت الوصية من علي بن الحسين إلى ابنه محمد، ومن محمد إلى جعفر، ليموهوا(2) به على الناس، فضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، ابتغوا(3) أهواء أنفسهم، وآثروا الدنيا على الآخرة، وتبعهم على قولهم هذا من أحب البقاء وكره الجهاد في سبيل الله.
__________
(1) في ب: شهداء.
(2) في ط: ليوهموا.
(3) في ب: اتبعوا.

(1/105)


ثم جاء قوم من بعد أولئك فوجدوا كلاماً مرسوماً في كتب ودفاتر، فأخذوا بذلك على غير تمييز ولا برهان، بل كابروا عقولهم، ونسبوا فعلهم هذا إلى الأخيار منهم؛ من ولد الرسول عليه وعليهم السلام، كما نسبت الحشوية ما روت من أباطيلها وزور أقاويلها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ليثبت لهم باطلهم على من اتخذوه مأكلة لهم، وجعلوهم خدماً وخولاً، كما قال اللّه عزَّ وجل في أشباههم: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيهِمْ مِيثَاقُ الكِتَابِ أَلاَّ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ}[الأعراف: 168].
وكذلك هؤلاء الذين رفضوا زيد بن علي وتركوه، ثم لم يرضوا بما أتوا من الكبائر؛ حتى نسبوا ذلك إلى المصطفين من آل الرسول. فلما كان فعلهم على ما ذكرنا، سماهم حينئذ زيد روافض ورفع يديه فقال: اللهم اجعل لعنتك ولعنة آبائي وأجدادي ولعنتي على هؤلاء الذين رفضوني، وخرجوا من بيعتي، كما رفض أهل حرورى(1) علي ابن أبي طالب عليه السلام حتى حاربوه.
فهذا كان خبر من رفض زيد بن علي وخرج من بيعته.
وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله، أنَّه قال لعلي بن أبي طالب: (( يا علي، إنَّه سيخرج قوم في آخر الزمان، لهم نَبْر(2) يعرفون به، يقال لهم: الرافضة، فإن أدركتهم فاقتلهم، فإنهم مشركون، فهم لعمري شر الخلق والخليقة )).
__________
(1) في هامش ط: المراد الخوارج الذين رفضوا التحكيم وقاتلوا علي بن أبي طالب.
(2) كذا في النسخ. والمشهور على الألسنة: نبز، بالزاي.

(1/106)


وأما الوصية فكل من قال بإمامة أمير المؤمنين ووصيته فهو يقول بالوصية، على أن اللّه عزَّ وجل أوصى بخلقه على لسان النبي إلى علي بن أبي طالب والحسن والحسين، وإلى الأخيار من ذرية الحسن والحسين، أولهم علي بن الحسين وآخرهم المهدي، ثم الأئمة فيما بينهما.
وذلك أن تثبيت الإمامة عند أهل الحق في هؤلاء الأئمة من اللّه عزَّ وجل على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله، فمن ثَبَّت اللّه في الإمامة، وأختاره واصطفاه، وبيَّن فيه صفات الإمام؛ فهو إمام عندهم مستوجب للإمامة، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ يقول: (( من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر من ذريتي فهو خليفة اللّه في أرضه، وخليفة كتابه، وخليفة رسوله )). قال: من ذريتي. فولد الحسن والحسين من ذرية النبي صلى اللّه عليه وآله. ثم قال: (( عليكم بأهل بيتي، فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ردى )). وقال: (( مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى ))، وقال: (( النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم من السماء أتى أهل السماء ما يوعدون، وإذا ذهب أهل بيتي من الأرض أتى أهل الأرض ما يوعدون )) يعني في جميع ذلك: الصالحين من ولده، وقال صلى اللّه عليه وعلى أهل بيته: (( من سمع داعيتنا(1) أهل البيت فلم ينصره لم يقبل اللّه له توبة حتى تلفحه جهنم )). ثم قال: (( من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية )).
__________
(1) في ب: واعيتنا.

(1/107)


والله عزَّ وجل قد جعل الأمر والنهي في خيار آل محمد عليه وعلى آله السلام، وزواه (1) عن ظالميهم وظالمي غيرهم، ومكن أهل الحق منهم وأجازه لهم، وذلك قوله تبارك وتعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}[الحج: 41]، ثم قال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ}[النور: 55]، وقال سبحانه لرسله: {وَأَوْحَى إِلَيهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}[إبراهيم: 14 ـ 15]، وقوله لإبراهيم صلى الله عليه: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}[البقرة: 124]. وعلى هذا النحو قال تبارك وتعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ}[آل عمران: 26]، يعني الأنبياء ومن تبعهم من الأئمة الصادقين، كقوله: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}[التوبة: 119]، وكقول إبراهيم عليه السلام: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}[إبراهيم: 36]، ثم قال: {وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ}[آل عمران: 26]، فقد نزع الملك من الفراعنة والجبابرة، وإنما الملك هو الأمر والنهي، لا المال والسعة والجِدَة، كما قال عزَّ وجل عندما قالوا: {أنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ
__________
(1) في ط: ووراه. وفي هامشه: هكذا في الأصل، والمراد منعه.

(1/108)


بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ}[البقرة: 247]، فقد بين عزَّ وجل في هذه الآية، أن الملك هو الأمر والنهي، لا سعة المال، ثم قال: {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ}[آل عمران: 26] فقد أعز الأنبياء ومن تبعهم من الأئمة الصادقين وأوليائهم الصالحين، وذلك قوله سبحانه: {وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}[المنافقون: 8]، والمؤمن لا يملك من متاع الدنيا شيئاً، فسماه اللّه عزيزاً؛ إذ فعله ذلك يوصله إلى دار العزِّ أبد الأبد، ثم قال: {وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ}[آل عمران: 26]، فقد أذل الفراعنة ومن تبعهم من الظالمين؛ لأنهم معتدون غير محقين. فكل من كان في يده أمر ونهي وكان فعله مخالفاً للكتاب والسنة فهو فرعون من الفراعنة، وكل عالم متمرد فهو إبليس من الأبالسة، وكل من عصى الرحمن من سائر الناس فهو شيطان من الشياطين، وذلك قوله: {شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ}[الأنعام: 112]، ثم قال: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}[الناس: 6].
والظالم وإن اتسع في هذه الدنيا من مال غيره، وأكثر من مظالم الناس، ووقع عند الجاهل أنَّه عزيز، فهو عند اللّه عزَّ وجل وعند أوليائه ذليل؛ لأنَّ فعله ذلك يورده إلى دار الذل أبد الأبد، كما قال اللّه عزَّ وجل: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادِ}[آل عمران: 197].

(1/109)


وقال النبي صلى الله عليه وآله في الأمراء الظالمين: (( طعمة قليلة وندامة طويلة(1) ))). وفعل هؤلاء الظالمين وأمرهم وسلطنتهم؛ إنما تقوم بأعوانهم الذين يتبعونهم، ويعينونهم على ظلمهم، وإذا تفرق الأعوان منهم وأسلموهم لم تقم لهم دولة، ولا تثبت لهم راية، فمتى كثرت جماعتهم تقووا بهم على باطلهم، واستضعفوا المستضعفين من خلق الله، وأمهل لهم ربهم وتركهم، ولم يَحُل بينهم وبين من يظلمونهم؛ إذ كُلٌّ ظالم، القوي والمستضعف، وذلك قوله عزَّ وجل: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[الأنعام: 129]، وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}[مريم: 83]، يقول: خليناهم عليهم، كما قال: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيْدٍ}[الإسراء: 50]، وكما قال النبي صلى اللّه عليه وعلى آله: (( لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطنَّ اللّه عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم، حتى إذا بلغ الكتاب أجله كان اللّه المستنصر(2) لنفسه، فيقول: ما منعكم إذ رأيتموني أُعْصَى أن لا تغضبوا لي(3) ))).
__________
(1) في ط: كثيرة.
(2) في ب: المنتصر.
(3) في ب: فيَّ.

(1/110)


فمن هذه الجهة ترك الظالمين ولم يأخذهم؛ لأن الرعية في ظلمهم وتظالمهم فيما بينهم أصناف: فقوم يقولون على اللّه بالجبر والتشبيه، وينفون عنه العدل والتوحيد، وينسبون إليه عزَّ وجل أفعال العباد، ويقولون: إن هذا الظلم الذي نزل بهم بقضاء من الله(1) وقدر، ولو وأن الله قضى عليهم بهذا الظلم الذي نزل بهم من هؤلاء الظالمين ما إذاً قدر الظالم أن يظلمهم، غير أن هذا الظلم مقدر عليهم عند اللّه على يدي هذا الظالم، فإذا كانت معرفتهم هذه المعرفة، وكان معبودهم الذي يزعمون أنهم يعبدونه هذا فعله بهم؛ فمتى يصل هؤلاء إلى معرفة الخالق، ومتى يدعونه ويستعينون به على ظالمهم؟ إنما هم يدعون هذا الذي يزعمون أنَّه قضى عليهم بهذا الظلم وقدره، ولهذا يصلون، وله يصومون ويحجون، وبه في جميع ما ينزل بهم من الظلم والجور والمصائب في المال والولد والبدن يستعينون(2) به على دفع هذه المضار والبلوى التي نزلت بهم. فهم يعبدون صورة مصورة، وعلى هذا النحو أسلمهم ربهم، وتركهم من التوفيق والسداد(3)، وخذلهم ولم ينصرهم على ظالمهم. وكيف ينصرهم على ظالمهم وهو المقدر لهذا الظلم عليهم الذي نزل بهم؟ فهو الذي يدعونه بزعمهم، أما إنهم لو أنصفوا عقولهم، وعرفوا اللّه عزَّ وجل حق معرفته، ونفوا عنه ظلم عباده، كما نفاه عزَّ وجل عن نفسه، ثم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ودعوا ربهم حينئذٍ على ظالمهم؛ إذاً لاستجاب لهم دعوتهم، وكشف ما بهم من الظلم والجور، وذلك قوله عزَّ وجل: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[غافر: 60].
وقال: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}[الروم: 47]، {كَذَلِكَ حَقّاً عَلَينَا نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}[يونس: 103] (4).
****
__________
(1) سقط من ب.
(2) في ب: يستغيثون.
(3) في ب: والتسديد.
(4) إلى هنا انتهى وبعده في ط، ب: قال يحيى بن الحسين الهدى.. الخ، ولايعلم هل هي تمام الكتاب أم هي أبحاث مستقلة، وتلحق به هنا.

(1/111)


[مفاهيم شتى]
[الهُدَى(1)]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الهدى من الله عز وجل هديان: هدى مبتدأ، وهدى مكافأة.
فأما الهدى المبتدأ: فقد هدى الله به البَرّ والفاجر، وهو العقل والرسول والكتاب.
فمن أنصف عقله وصدق رسوله وآمن بكتابه وحلل حلاله وحرم حرامه؛ استوجب من الله الزيادة.
والهدى الثاني(2): جزاء على عمله، ومكافأة على فعله، كما قال عز وجل: {وَالَّذِيْنَ اهْتَدُوا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}[محمد:17]، وقال: {وَيَزِيْدُ اللهُ الَّذِيْنَ اهْتَدَوا هُدىً}[مريم:76].
ومن كابر عقله وكذب رسوله ورد كتابه؛ استوجب من الله الخذلان، وتركه من التوفيق والتسديد، وأضله وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، وذلك قوله تبارك وتعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ}، عني الهدى الثاني، {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ}، يقول: ومن يرد أن يوقع اسم الضلال عليه، بعد أن استوجب بفعله القبيح {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرِجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِيْ السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِيْنَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125]، فقد بين عز وجل في آخر الآية أنَّه لم يضله، ولم يضيق صدره إلاَّ بعد عصيانه وكفره وضلاله، لأنَّه يقول: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرَّجْسَ عَلَى الَّذِيْنَ لا يُؤْمِنُونَ}، ولم يقل إنَّه يجعل الرِّجس على الذين آمنوا.
__________
(1) هذه المفاهيم اختصت بها النسختان (أ) و(ب) و(ط)، وقد جاءت فيها في آخر كتاب العدل والتوحيد متصلة، ولا علاقة لها به، كما يظهر، لذلك أفردناها بعنوان وحدها فليعلم.
(2) في (ب): الزيادة بالهدى الثاني.

(1/112)


ثُمَّ قال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً}[الجاثية: 23]، (كما اتخذ إلهه هواه أوقع عليه اسم الضلال، وسماه ودعاه بعد أن اتخذ إلهه هواه وختم على سمعه)(1)، وتركه من التوفيق والتسديد وخذله، ولم يؤيده ولم يسدده كما أيد وسدد الذي عبده، عز وجل.
ثُمَّ قال: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِيْ مَنْ يَشَاءُ}[النحل:93، فاطر:8].
ثُمَّ قال: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِيْنَ} [البقرة: 26] وقال: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكَافِرِيْنَ}[غافر:74]، {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ}(2)، {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}[غافر: 35].
[الضّلال]
قال يحيى بن الحسين، صلوات الله عليه:
الضلال في كتاب الله عز وجل على وجوه:
فوجه منها: قول الله تبارك وتعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِيْنَ}[فاتحة الكتاب: 5]، يقول: إنهم ضلوا عن سواء السبيل، وهم النصارى.
والوجه الثاني: قوله سبحانه: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى}[الضحى: 7]، يقول عن شرائع النبوة فهداك الله.
وقال موسى: {فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِيْنَ}[الشعراء: 20]، يقول: من الجاهلين بعاقبة فعلي. وقال: أولاد يعقوب: {إِنَّ أَبَانَا لَفِيْ ضَلالٍ مُبِيْنٌ}[يوسف: 8]، يقولون: جاهل عندما يؤثر يوسف علينا، ونحن أنفع له من يوسف صلى الله عليه.
والوجه الثالث: قوله: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا}[البقرة: 282]، أن تنسى إحداهما الشهادة فتذكر إحداهما الأخرى.
والوجه الرابع، قوله: {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}[محمد: 1، 8]، يقول:أبطل أعمالهم.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) غافر: 24، والآية مذكورة في الأصل خطأ: (مسرف هكذا) كذا في (ط) ولعلها: مسرف كذاب كما في (ب) أيضاً.

(1/113)


والوجه الخامس: قوله سبحانه، في قصة فرعون والسامري، حيث يقول: {وَأَضَلَّ فِرْعَونُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى}[طه:79]، يقول: أغواهم وأرداهم ولم يرشدهم.
والوجه السادس: قوله: سبحانه: {وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ} [الجاثية: 23]، وقوله: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِيْ مَنْ يَشَاءُ}[النحل: 93، فاطر:8]، و{يُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِيْنَ}[إبراهيم: 27]، و{كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ}[غافر: 34](1)، ونحو هذا في القرآن كثير، يعني في جميع ذلك: أنَّه يوقع عليه اسم الضلال، ويدعوه به بعد العصيان والطغيان، لا أنَّه يغويهم عن الصراط المستقيم، كما أغوى وأضل فرعون قومه، وإن اشتبه اللفظ فمعناه متباين مفترق عند أهل العلم، إذ الله عز وجل رحيم بعباده، ناظر لخلقه، وفرعون لَعين ملعون مُضل غوي، وهو عز وجل قد عذب فرعون على فعله وضلاله، وقبح سوء فعله بنفسه وقومه، وكيف يغوي خلقه ويضلهم ولا يرشدهم ثُمَّ يعذبهم على فعله؟ إذاً لكان لهم ظالماً، وعليهم متعدياً، وهو مع ذلك يعيب على من فعل مثل هذا الفعل، إذ يقول عز وجل: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيْئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيْئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيْناً}[النساء: 112]، وبعث إليهم الرسول، وأنزل عليهم الكتاب، ثُمَّ قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِيْ السِّلْمِ كَافَّةً}[البقرة: 208]، فأمرهم أن يدخلوا كلهم في الإسلام والإيمان.
__________
(1) والآية مذكورة في الأصل خطأ، هكذا: (مسرف كذاب).

(1/114)


فلو كان كما يقول الجاهلون إنَّه هدى قوماً وأضل قوماً ولم يهدهم؛ لم يكن لقوله: {أُدْخُلُوا فِيْ السِّلِمِ كَافَّةً} معنى، إذ كان عز وجل بزعمهم أدخل قوماً في الإسلام، وحال بين قوم وبين الدخول في الإسلام؟ فما معنى قوله لقوم داخلين في الإسلام: ادخلوا وهم داخلون، كما لا نقول لقائم: قم، وكما لا نقول لجالس: إجلس، ويقول لقوم حال بينهم وبين الدخول في الإسلام ادخلوا، فكيف يقدرون على ذلك، وهو قد حال بينهم وبين الدخول في الإسلام، كما لم نقل لِمُقْعَد: قم، ولا لأعمى: أبصِر.
وهو عز وجل قد فرض الجهاد على جميع الناس، فقال: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً}[التوبة: 41]، ثُمَّ قال لمن أعمى بصره ولم يعطه من القوة ما أعطى غيره: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ} [النور: 61، الفتح: 71]، فعذره في تخلفه عن الجهاد إذ لم يقدر على ذلك.
وقال سبحانه: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}[البقرة: 262]، فلو كان عز وجل فعل لهم ما يقول المبطلون، لكان من عصى وكفر وظلم وقتل أنبياءه وأولياءه وقال عليه بالزور والبهتان معذوراً عنده سبحانه، ساعياً في قضائه وقدره، ولم يكن يوجد على الأرض عاص، إذ كان المطيع يسعى بقضاء الله وقدره، وكان العاصي كذلك يسعى ببعض قضائه وقدره؛ إذ يزعمون أنَّه خلق قوماً للجنة وخلق قوماً للنار، كذب العادلون(1) بالله وضلوا ضلالاً بعيداً وخسروا خسراً مبيناً.
[العبادة]
قال يحيى بن الحسين، صلوات الله عليه: تفسير العبادة على ثلاثة وجوه(2):
__________
(1) أي المشركون به.
(2) في (ب): أوجه

(1/115)


فوجه منها: قول الله تبارك وتعالى: {يَا بَنِيْ آدَمَ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لُكُمْ عَدُوٌ مُبِيْنٌ}، يقول: لا تطيعوه {وَأَنِ اعْبُدُونِيْ}[يس: 60]، يقول: أطيعوني، وليس على وجه الأرض أحد يصلي للشيطان ولا يصوم له، بل كلهم يجمعون على لعنه(1)؛ غير أنهم يعملون عمله، ويسعون في مرضاته، ويساعدونه على إرادته، فجعل الله عز وجل فعلهم ذلك للشيطان طاعة وعبادة، وذلك أن كل مطاع عنده عز وجل معبود. وكذلك قال رب العالمين في قصة إبراهيم الخليل صلى الله عليه حيث يقول لأبيه: {لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ}[مريم: 44]، وقال فرعون اللعين: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ}[المؤمنون: 47]، يقول: مطيعون. وقال: {وَإِنَّ الشَّيَاطِيْنَ لَيُوحُونَ إِلَىْ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}[الأنعام: 121]، فكل من أطاع عدواً من أعداء الله وعاضده أو كاتفه فقد أشرك بعبادته(2) غيره.
__________
(1) في (ب): لعنته.
(2) في (ب): بعبادة ربه غيره.

(1/116)


وقال عز وجل: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُوْنِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}[الأنبياء:98]، يعني: العابد والمعبود من الجن والإنس، لا أنَّه يعني أنَّه يعبد المعبودات من الجماد، وذلك أن الجماد هو كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأبيه: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِيْ عَنْكَ شَيْئاً} [مريم: 42]، فضرر عبادة الصنم لا يعدو صاحبه، وهو مأخوذ بفعله مُعاقَب على عمله، وضرر عبادة شياطين الإنس والجن على عابده وعلى الإسلام والمسلمين، وذلك أن الصنم جماد، والجماد لا يفتق ولا يرتق، ولا يأمر ولا ينهى، وشيطان الإنس يأمر من تبعه وأطاعه بقتل المسلمين، وهتك حرمتهم(1)، وأخذ أموالهم، ويأمرهم بالفسق والفجور، والقول على الله بالزور والبهتان وبطاعة إبليس اللعين.
[الإرادة]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
الإرادة من الله عز وجل في خلقه على معنيين:
__________
(1) في (ب): حريمهم.

(1/117)


إرادة حتم وجبر وقسر: وهي إرادة الله عز وجل في خلق السماوات والأرض وما بينهما من الخلق، من الملائكة والجن والإنس والطير والدواب وغير ذلك، إرادة حتم وجبر، فجاء خَلْقُه كما أراد، لم يمتنع منه شيء، ولم يغلبه شيء من الأشياء كما قال عز وجل: {مَا تَرَى فِيْ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ}[الملك: 3]، وقال: {ثُمُّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِيْنِ} [فصلت: 11]، يقول: كوَّنهما فكانتا من غير مخاطبة و لا أمر، وذلك أن الله عز وجل لم يخاطب أحداً من خلقه إلاَّ ذوي العقول من الملائكة والجن والإنس، وسائر خلقه حيوان لا عقول لها، وجماد لا روح فيه، وإنَّما خاطب الله عز وجل أهل العقول، وأمرهم ونهاهم، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وبين لهم الحلال والحرام، فمن أطاع وائتمر بأمره وانتهى عن نهيه استوجب من الله الحفظ والحياطة في دنياه الفانية، والثواب الجزيل في آخرته الباقية، ومن عصاه منهم عذبه في الدنيا والآخرة، والذي لا عقل له من خلقه لا يجب له ثواب ولا عليه عقاب، قال عز وجل: {إِنَّمَا قُوْلُنَا لِشِيْءٍ إِذَا أَرْدْنَاهُ أَنْ نَقُوْلَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ} [النحل: 40]، يقول: إذا كوَّنَّاه كان بلا كلفة ولا اضطراب، ولا تحيل ولا إضمار ولا تفكر، ولا تتقدم إرادته فلعله ولا فعله إرادته، بل إرادته للشيء إيجاده وكونه، وإذا أراده فقد كونه، وإذا كونه فقد أراده، لا وقت(1) بين إرادته للشيء وكونه.
__________
(1) في (ب): لا فرق.

(1/118)


والإرادة الثانية من الله عز وجل: إرادة تخيير وتحذير، معها تمكين وتفويض، أراد من خلقه الإيمان على هذا الوجه؛ لأنَّه لو أراد منهم الإيمان على نحو ما أراد خلقهم؛ ما إذاً قَدَر واحد من خلقه على أن يخرج من الإيمان إلى الكفر، كما لا يقدرون أن يتحولوا من صورهم إلى صور غيرهم من الخلق، ولكن ركب فيهم العقول، وأرسل إليهم الرسول، وهداهم النجدين، ومكنهم من العملين، ثُمَّ قال: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، وقال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيْلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان:3]، وقال: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى}[فصلت: 17]، فدل على أنَّه هداهم، واستحبوا هم العمى على الهدى، اختياراً من أنفسهم واستحباباً، ثُمَّ قال: {اعْمَلُوا مَاشِئْتُمْ} [فصلت: 40]، لولا أن لهم مشيئة لم يقل: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}، ثُمَّ قال: {لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}[الكهف: 77]، لولا أن موسى صلى الله عليه علم أن للعالم فيما يريد مشيئة ما قال: {لَوْ شِئْتَ}، ثُمَّ قال: {ذَلِكَ بَأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ}[الكهف: 77]، قال:استحبواهم لأنفسهم، ثُمَّ قال: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}[الحشر:9]، وقال: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]، وقال: {تُرِيْدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا}[الأنفال:67]، {يُرِيْدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}[التوبة: 32]، {يُرِيْدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ}[النساء:91].

(1/119)


ثُمَّ قال سبحانه: {سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لُوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ}[التوبة: 42](1)، فرد عليهم رب العالمين: {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}[التوبة: 42]، فبين عز وجل أنهم قادرون على الخروج مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفي هذا القرآن من هذا النحو كثير.
ثُمَّ قال الله عز وجل: {إِنَّكَ لا تَهْدِيْ مَنْ أَحْبَبْتَ}، لولا أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يقدر على أن يحب لم يقل له ربه: {مَنْ أَحْبَبْتَ}، ثُمَّ قال: {وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِيْ مَنْ يَشَاءُ}[القصص:56]، وقال: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}[السجدة: 13]، وقال: {وَلُوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِيْ الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيْعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِيْنَ}[يونس: 99]، وقال: {وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً}[هود: 118]، وقال: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى}[الأنعام: 35]، وقال: {فَلُو شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِيْنَ}[الأنعام: 149]، يعني عز وجل في هذه الآيات كلها وما أشبهها أنَّه سبحانه لو شاء أن يجبرهم على الإيمان والهدى مشيئة حتم وجبر ويقسرهم عليه لأمكنه ذلك، وما قدر واحد من خلقه أن يخرج ممَّا حتم الله عليه وجبره وقسره؛ إذ كان محمد يعجز عن قسرهم على الإيمان، فقال له ربه: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ} [آل عمران: 02، والرعد: 240، والنحل: 82]، فقد أبلغت وأديت ونصحت، وعرفتهم بما ينفعهم {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يُكُونُوا مُؤْمِنِيْنَ}، فتريد أن تقتل نفسك: {إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيْثِ أَسَفاً}[الكهف: 6]، يقول: حزناً عليهم وشفقة، فذرهم: {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِيْ ضَيْقٍ ممَّا يَمْكُرُونَ}[النحل: 127]،
__________
(1) والآية في الأصل مذكورة خطأ: (يحلفون..).

(1/120)


فقال: ممَّا يمكرون، ولولا أنهم يقدرون على المكر والخديعة والمعصية ما قال: يمكرون.
ثُمَّ قال في أهل الجنة: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ ممَّا عَمِلُوا}[الأنعام: 182]، {وَحُورٌ عِيْنٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ، جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الواقعة: 22]، ثُمَّ قال: في أهل النار: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرِوْنَ}[الأنعام: 93]، وقال: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}[فصلت: 28]، و{يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14، 63، والنحل: 112، والنور: 30، وفاطر: 8]، و {يَمْكُرُونَ} [الأنعام: 123، 124، ويوسف: 102، والنحل:127، والنمل: 70، وفاطر: 10]، و{يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنعام 5، 10، وهود: 8، والحجرات: 11، والنحل: 34، والأنبياء:41، والشعراء: 6، والروم: 10، ويس:30، والزمر: 48، وغافر: 83، والزخرف: 7،والجاثية: 33، والأحقاف: 26]، و {يَسْخَرُونَ} [البقرة: 212، والصافات: 12]، و {يَخْدَعُونَ} [البقرة: 9]، و {يَفْسُقُونَ} [البقرة: 59، والأنعام: 49، والأعراف:163،165، والعنكبوت: 34]، و{يَكْذِبُونَ} [المطففين: 11، والإنشقاق:22]، و{يَقْتُلُونَ النَّبِيِّيْنَ بِغِيْرِ حَقٍ} [البقرة:61]، و{يَقْتُلُونَ الَّذِيْنَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيْمٍ} [آل عمران:21]، كل هذا اختيار من أنفسهم.
[الإذن]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:

(1/121)


الإذن في كتاب الله على وجهين: علم، وأمر: قال الله عز وجل: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيْبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} [التغابن:22]، يقول: بعلم الله، ويقول: {وَمَاهُمْ بِضَارِّيْنَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} [البقرة: 102]، يقول: بعلم الله، وقال: {فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنبياء: 109]، يقول: أعلمتكم، وقال: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ}[البقرة:279]، يقول: اعلموا أنكم إن لم تقلعوا (عن)(1) الربا صرتم حرباً لله ولرسوله.
والإذن الثاني: إذن أمر، قال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ}[يونس:100]، يقول: بأمر الله، لولا أن الله أمرها بالإيمان لم تؤمن، ولكن جعل في الإنسان العقل ثُمَّ أمره بالإيمان فآمن بإذن الله وأمره.
[الكفر]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
الكفر في كتاب الله على معنيين.
أحدهما: كفر جحود وإنكار وتعطيل، وذلك قول الله سبحانه يحكي عن قوم من خلقه: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ}[الجاثية:24]، فهؤلاء الدهريون المعطلون(2)، الزنادقة(3)، الملحدون(4).
__________
(1) في الأصل: (من).
(2) الذين ذهبت بهم مبالغتهم في التنزيه لذات الله عن الصفات إلى حد تجريدها ممَّا هو ضروري كي تكون (فاعة) ومؤثرة وموجودة. كذا، ولعلها: فاعلة، وقد خلط بين معاني التعطيل، ومقصود الإمام: نفي الخالق أصلاً.
(3) الزندقة:في الأصل تعني التحرر من الإلتزام بالعقائد الدينية، وشاعت بمعنى إنكار الخالق، ورادفت الإلحاد.
(4) والإلحاد يعني رفض جميع الحجج الَّتي يؤسس عليها المؤمنون أدلتهم على وجود الله، ومعنى الكلمة في الأصل الميل عن القصد والإنحراف عن السبيل.

(1/122)


والكفر الثاني: كفر النعمة، وذلك قوله سبحانه: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رُبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيْدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِيْ لَشَدِيْدٌ}[إبراهيم:7]، يقول: حكم الله لشاكرالنعمة بالزيادة، ولكافر النعمة بالعذاب الأليم.
ثُمَّ قال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائدة:44]، والكافر(1) فهو كل من ارتكب معاصي الله وخالف أمره وضاد حكمه، فهو كافر لنعم الله معاند لله يجب البراء منه(2) والمعاداة له، كما قال الله سبحانه: {لا تَجِدُ قَوماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَو كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيْرَتَهُمْ}[المجادلة:22]، فحرم الله موادة من كان لله عاصياً وله معانداً.
[الشِّرك]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
الشرك في كتاب الله على وجوه، قال الله عز وجل: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِيْنَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}[التوبة:5]، فالمشرك من عبد مع الله غيره كائناً ما كان، من الجمادات والحيوان، فالجماد مثل ماكان المشركون يعبدون في الجاهلية من الأصنام، من حجر أو عود أو نجم، ويقولون إذا سئلوا عن عباداتهم(3): {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى}[الزمر:3]، وقوم منهم على وجه التقليد يقولون: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}[الزخرف: 23].
__________
(1) ليست في: (ب).
(2) في (ب): تجب البراءة منه.
(3) في (ب): عبادتهم.

(1/123)


والوجه الثاني: من الشرك: فهو: كما قال الله عز وجل: {ووَيْلٌ لِلْمُشِرِكِيْنَ الَّذِيْنَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}[فصلت:6،7]، فسماهم مشركين بتركهم أداء زكاتهم. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( ما نع الزكاة وآكل الربا حرْبايَ في الدنيا والآخرة ))، ومن كان حرباً للنبي فهو مشرك، ثُمَّ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا يقبل الله صلاة إلاَّ بزكاة، كما لايقبل صدقة من غلول ))(1)، يعني أنَّه إذا غل الإنسان(2) زكاة ماله ثُمَّ تصدق ببعض ماله أو بكله أنَّ تلك الصدقة لا تقبل، وقال: (( لا تقبل صلاة إلاَّ بزكاة ))، وقال: (( الزكاة قنطرة الإسلام )).
والوجه الثالث من الشرك: أنَّه من أطاع عدواً من أعداء الله فهو مشرك بالله، كما قال الله سبحانه: {وَإِنَّ الشَّيَاطِيْنَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}[الأنعام:121]، فمن أطاع شيطاناً من الشياطين ـ كان المطاع ظالماً أو عالماً متمرداً ـ فقد عبده.
__________
(1) أي: الذي يخون ويأخذ حق الفقراء والمساكين خفية فيخفيه تهرباً من أدائه.
(2) في (ب): إنسان.

(1/124)


والوجه الرابع من الشرك: فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( مدمن الخمر كعابد وثن ))، قيل: وما مدمنه يارسول الله؟ قال: (( الذي كل ما وجده شربه، ولو كان في كل عام مرة ))، فجعل شارب الخمر كعابد الحجر، والخمر فهو: ما خامر العقل فأفسده، كان من عنب أو زبيب، أو تمر أو عسل، أو ذرة أو شعير، وكل ما أسكر فهو حرام، يقول(1) النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( ما أسكر كثيره فقليله حرام ))، وقال الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيْهِمَا إِثْمٌ كَبِيْرٌ وَمَنَافِعٌ لِلَّنَاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}[البقرة: 219]، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يتعاملون في الخمر والميسر فيربحون منهما؛ فقال لهم ربهم: {إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}، فالخمر هو ماخامر العقل فأفسده، والميسر فهو القمار كله، من نرد، أو شطرنج، أو لهو، ثُمَّ قال عز وجل: { فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [المائدة: 90]، والرجس والإثم في كتاب الله محرمان، قال الله عز وجل: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِليَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أًوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيْرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَو فِسْقاً} [الأنعام: 145]، فجعلها مثل الدم المسفوح ولحم الخنزير، وقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ}[الأعراف: 33]، فذكر أن الإثم(2) محرم، فلما نزلت الآية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تحريم الخمر كان قوم من أصحابه يشربونه قبل التحريم؛ فقالوا يا رسول الله فكيف (بفلان)(3) وإخواننا الذين كانوا يشربون الخمر حتَّى ماتوا؟ فأنزل الله على رسوله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيْمَا طَعِمُوا إِذَا
__________
(1) في (ب) لقول.
(2) الإثم: اسم من أسماء الخمر.
(3) في (ب): بصلاتنا.

(1/125)


مَا اتَّقُوا وَآمَنُوا} [المائدة: 93]، يقول: ليس عليهم جناح فيما شربوا قبل التحريم إذا تركوه من اليوم وأقلعوا منه، فكانت هذه الآية إلى آخرها معذرة للماضين، وحجة على الباقين، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( حقيقُ على الله من ملأ جوفه في هذه الدنيا خمراً أن يملأه الله يوم القيامة جمراً إلاَّ من تاب وآمن ))، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( جمعت الشرور في بيت، ثُمَّ كان مفتاحه الخمر )).
وأما قوله سبحانه: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}[النساء: 43]، يعني سكر النوم، وذلك أن قوماً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة المغرب(1) ثُمَّ يجلسون ينتظرون العتمة(2)، فإذا جاءت العتمة قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يصلي بهم فيقومون وراءه وليس هم يدرون ما يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ممَّا بهم من الغلبة والسكر، والنوم(3) فنهاهم الله عن الصلاة وهم في ذلك حتَّى يعلموا ما يقولون؛ لأن الله عز وجل لم يحل لأحد من خلقه خمراً قط.
[الزَّكاة]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
وأما الزكاة فواجبة على الإنسان في ماله؛ إذا بلغ من الطعام خمسة أوسق في سنته وجب عليه أن يخرج عُشْر ما وقع من الطعام، والوَسَق: ستون صاعاً، والستون صاعاً: عشرون مكوكاً(4)، ثُمَّ ما زاد على ذلك فبحساب ذلك، كانت زيادتها قليلاً أو كثيراً.
__________
(1) في (ب): صلاة العشاء، والصواب ما أثبتناه.
(2) هي: الثلث الأول من الليل، والمراد هنا صلاة العشاء، لوقوعها فيها.
(3) في (ط): خمر النوم.
(4) وبالمكيال المصري المعاصر يساوي الصاع سدس كيلة، ومن ثَّمَّ فالوسق يساوي عشر كيلات، أما المكوك فهو صاع ونصف تقريباً. راجع محمد ضياء الدين الريس(الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية) ص328، 329. ط القاهرة. الطبعة الثانية: سنة 1961م.

(1/126)


وأما الماشية ففي أربعين شاةٍ شاة، وفي ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة(1)، وفي خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين ابنة مخاض(2)، وفي ست وثلاثين ابنة لبون(3)، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حِقًّة(4)، وإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة شاة، وإذا كثرت البقر ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة(5).
وفي الذهب والفضة كائناً ما كان من نقد أو حلي أو دين أو صداق، فإذا حال على وزن عشرين مثقالاً ذهباً ففيه ربع عُشْره، وما زاد على العشرين فبحساب ذلك.
وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم قفلة(6) وحال عليها الحول وجب فيها ربع عُشْرها.
وأما العطب(7)، والقصب(8)، والثمار مالم يكن يكال فإذا باع صاحبها في سنته بمائتي درهم فقلة أخرج عُشْرها.
__________
(1) التبيع هو العجل المدرك، والمراد هنا ما أوفى سنتين ودخل في الثالثة.
(2) المخاض: الحامل من الإبل، والمراد هنا ما أوفت سنة ودخلت في الثانية.
(3) أي ذات لبن، والمراد هنا ما أوفت سنتين ودخلت الثالثة.
(4) الحقة: الناقة: هي الَّتي جاءت وقت ضرابها، أي دارت السنة وتمت مدة حملها، والمراد هنا الناقة الَّتي أوفت ثلاث سنين ودخلت الرابعة.
(5) أي كبيرة، والمراد هنا ما أوفت ثلاث سنين. راجع باب الزكاة في: (كتاب منهج السالك في مذهب الإمام مالك)، للشيخ محمد الغزالي. ط القاهرة مطبعة الصدق الخيرية، بدون تاريخ، و(كتاب دليل السالك لمذهب الإمام مالك) للشيخ محمد محمد سعد، ط القاهرة: الطبعة الثانية، سنة: 1923.
(6) أي جملة ومرة واحدة. راجع أساس البلاعة للزمخشري.
(7) العطب هو: القطن.
(8) في (ب) والقضب.

(1/127)


والزكاة كلها إلى إمام المسلمين من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يحكم بكتاب الله رب العالمين، ويسير في رعيته بسيرة جده خاتم النبيين، لقول الله عز وجل لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرْهُمْ وَتُزَكِّيْهِمْ بِهَا}[التوبة: 103]، ثُمَّ أمر خلقه أن يدفعوا إليه، فقال: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا}[الأنعام: 141]، ولا تدفع إلى غير المحق، فإذا عدمت الرعية هذا الإمام، ولم يوجد على ظاهر الدنيا في شرقها وغربها وجب عليهم أن يقسموها بين خمسة أصناف من المسلمين: بين الفقراء، والمساكين، وابن السبيل، والغارم، وفي الرقاب، ويتركوا الثلاثة: العاملين عليها، وهم الذين يجمعون(1) الزكاة من الرعية لإمام المسلمين، والمؤلفة قلوبهم، وهم الذين لا يلحقون إمام المسلمين إلاَّ بشيء يعطيهم، ولا غناء للإمام عنهم يتألفهم بهذه الزكاة، وفي سبيل الله، فالسبيل هو: القتل والقتال وصلاح الإسلام والمسلمين.
فأما الفقير: فهو رجل ليس له مال، وله عولة(2)، ومنزل وخادم، فيجب له أن يأخذ من هذه الزكاة ما يقوم به ويعوله.
والمسكين: فهو الذي يدور ويطلب وليس معه شيء.
وابن السبيل: مار الطريق، يحتاج إلى زاد وكسوة أو كراء.
__________
(1) في (ب): يقبضون.
(2) قوت العيال.

(1/128)


وفي الرقاب: رجل يكون له عبد فيكاتبه عبده على أن يدفع إليه شيئاً معروفاً يتراضيان عليه، العبد والمولى، فيجب على صاحب الزكاة أن يعين هذا العبد على فك رقبته، وذلك قول الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِيْنَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ ممَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيْهِمْ خَيْراً} [النور: 33]، ثُمَّ قال لأصحاب الزكاة: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِيْ آتَاكُمْ} [النور: 33]، فأمرهم أن يعينوا المكاتبين من أموال الله الَّتي آتاهم، فلا يجوز لأحد من المسلمين أن يدفع هذه الزكاة إلى هؤلاء المسمين(1) من الفقير والمسكين وابن السبيل والغارم والمكاتب، إلاَّ أن يكونوا عارفين بالله عز وجل وبحدوده، وأعدائه وأوليائه، فيوالون أو لياءه، ويعادون أعداءه، ويُحِلُّون حلاله، ويحرمون حرامه، ولا يتعدون حداً من حدوده؛ وجب لهم حينئذ الزكاة، وإذا لم يكونوا على هذه الصفة لم يجب لهم من الزكاة شيء وإن كانوا معدمين فقراء، لأن الله عز وجل جعل هذه الزكاة لعباده المسلمين وأوليائه الصالحين لأن يبتغوا(2) فيما رزقهم الله، ويستغنوا(3) بفضل الله الذي أفضل عليهم، ويثيب أهل الأموال فيما أخرجوا من زكوات أموالهم؛ لأن يستعين كل بنعمة الله وفضله.
__________
(1) في (ط): المسلمين.
(2) في (ب): يتَّسعوا.
(3) في (ب): ويستعينوا.

(1/129)


فإذا كان الفقير على غيرالإستواء ثُمَّ دفع صاحب الزكاة، إليه شيئاً من المال فقد قواه على فسقه وفجوره وطغيانه، وكان له شريكاً في عصيانه، كدأب الذين يعينون الظالمين، ويقيمون دولتهم بزرعهم وتجارتهم، وينصرونهم على قتل المسلمين وهتك حريمهم وأخذ أموالهم، ولولا التجار والزارعون ما قامت للظالمين دولة، ولا ثبتت لهم راية، ولذلك قال الله تبارك وتعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إن الله بعثني بالرحمة واللُّحمة(1)، وجعل رزقي تحت ظلال رمحي، ولم يجعلني حراثاً ولا تاجراً، ألا إن شرار عباد الله الحراثون والتجار إلاَّ من أخذ الحق وأعطى الحق ))؛ لأن الحراثين يحرثون والظالمين يلعبون، ويحصدون وينامون، ويجوعون ويشبعون، ويسعون في صلاحهم وهم يسعون في هلاك الرعية، فهم لهم خدم لا يؤجرون، وأعوان لا يشكرون، فراعنة جبارون، وأهل خنا فاسقون، إن استُرْحِمُوا لم يرحموا، وإن استنصفوا لم ينصفوا، لا يذكرون المعاد، ولا يصلحون البلاد، ولا يرحمون العباد، معتكفون(2) على اللهو والطنابير(3)، وضرب المعازف والمزامير، قد اتخذوا دين الله دغلاً(4)، وعباده خولاً، وماله دولاً، بما يقويهم التجار والحراثون، ثُمَّ هم يقولون: إنهم مستضعفون، كأن لم يسمعوا قول الله تبارك وتعالى فيهم وفيمن اعتل بمثل علتهم؛ إذ يحكي عنهم قولهم: {إِنَّ الَّذِيْنَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالَوا فِيْمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِيْنَ فِيْ الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فُتُهَاجِرُوا فِيْهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ
__________
(1) في (ب): والملحمة.
(2) في (ب):معتكفين.
(3) جمع طنبور، آلة موسيقية طويلة العنق ذات أو تار نحاسية.
(4) من معانيه الريبة، والحقد، والغيلة، والخيانة..ألخ..الخ.

(1/130)


مَصِيْراً}[النساء: 97]. وقال سبحانه: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيْراً وَسَعَةً}[النساء: 100]، يقول: من هاجر من درا الظالمين، ولحق بدار الحق والمحقين، رزقه الله من الرزق الواسع ما يرغم أنف من ألجأه إلى الخروج من وطنه، وذلك مايروى عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، أنَّه كان يقول: (يروى أن الله عز وجل يجعل أعوان الظالمين يوم القيامة في سرادق من نار، ويجعل لهم أظافير(1) من حديد يحكون بها أبدانهم حتَّى تبدو أفئدتهم فتحرق(2)، فيقولون: يا ربنا ألم نكن نعبدك؟ قال: بلى، ولكنكم كنتم أعواناً للظالمين)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( ملعون ملعون من كثَّر سواد ظالم ))(3).
وفي معادة الظالمين ما يقول الله عز وجل: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيْ إِبْرَاهِيْمَ وَالَّذِيْنَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ}[الممتحنة: 4]، فباين إبراهيم والذين معه آباءهم وأبناءهم وإخوانهم الذين بادؤوا(4) الله بالعداوة، وكذلك يجب على كل مؤمن أن يقتدي بفعلهم.
[المحْكم والمتشَابه]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
__________
(1) جمع الجمع لأظفار، الَّتي مفردها ظفر.
(2) في (ب): فتحترق.
(3) من معاني السواد: المال الكثير، والعدد الكثير، والريف والقرى المحيطة بالمدينة.
(4) في (ب): باينوا.

(1/131)


إعلم أن القرآن محكم ومتشابه، وتنزيل وتأويل، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وحلال وحرام، وأمثال وعبر وأخبار وقصص، وظاهر وباطن، وكل ما ذكرنا يصدق بعضه بعضاً، فأوله كآخره، وظاهره كباطنه؛ ليس فيه تناقض، وذلك أنَّه كتاب عزيز، جاء من رب عزيز على يدي رسول كريم، وتصديق ذلك في كتاب الله حيث يقول: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيْزٌ لا يَأْتِيْهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيْلٌ مِنْ حَكِيْمٍ حَمِيْدٍ} [فصلت: 42]، ويقول: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيْدٌ فِيْ لَوْحٍٍ مَحْفُوظٍ}[البروج: 21]، ويقول: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلُو كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيْهِ اخْتِلافاً كَثِيْراً}[النساء: 82].
فإذا فهم الرجل ذلك أخذ حينئذٍ بمحكم القرآن، وأقر بمتشابهه أنَّه من الله، كما قال الله سبحانه: {هُوَ الَّذِيْ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِيْنَ فِيْ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}[آل عمران: 7]، ثُمَّ بين عز وجل لأي معنى تركوا المحكم وأخذوا بالمتشابه؛ قال: لابتغاء الفتنة والهلكة، فلذلك جعل المحكم إماماً للمتشابه، كما جعله حيث يقول: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}.

(1/132)


فالمحكم كما قال الله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}[الإخلاص: 4]، و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[الشورى: 11]، و {وَلا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ}[الأنعام: 103]، ونحو ذلك، والمتشابه مثل قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[القيامة: 22]، معناها بَيَّن عند أهل العلم، وذلك أن تفسيره عندهم: أن الوجوه يومئذٍ تكون نضرة مشرقة ناعمة، إلى ثواب ربها منتظرة، كما تقول: لا أنظر إلاَّ إلى الله وإلى محمد، ومحمد غائب، ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة، معناه: لا يبشرهم برحمته، ولا ينيلهم ما أنال أهل الجنة من الثواب، فعندما لا ينظر الله إليهم يوم القيامة يراهم(1).
ثُمَّ قال: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ}، يقول: ثواب ربه {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً}[الكهف: 110] وقال: {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}[المطففين:15](2).
وأما الله عز وجل فلا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك أن ما وقع عليه البصر فليس بخالق ولا قادر.
وكذلك يأخذ الإنسان في العدل والتوحيد بهذه الآيات: {إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ}[الأعراف: 28]، {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}[الزمر: 7]، وإذا مر عليه شيء من القرآن يقع عنده أنَّه مخالف لهذه الآية فليعلم أن تفسيره مثل تفسير المحكم، إلاَّ أنَّه جهل تفسيره، مثل قول الله عز وجل: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ فِيْ الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِيْ الأرْضِ} [الإسراء: 4]، أي: تختارون اسم الفساد، كما قال: {وَقَضِيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ}[الحجر: 66](3)، يقول: أعلمناه.
__________
(1) يريد أن النظر هنا: ليس هو الرؤية بالعين، ولذلك نفاه عن نفسه سبحانه مع أنَّه يراهم فكذلك ما أثبته في قوله: {إلى ربها ناظرة}.
(2) في الأصل ذكرت الآية خطأ، هكذا: (ثم إنهم).
(3) في (ط): الحجرات، وهو غلط.

(1/133)


والوجه الثاني في القضاء: أمر، كما قال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ}[الإسراء: 23]، يقول: أمر ربك ألا تعبدوا إلاَّ إياه.
والوجه الثالث: قضاء خلق، وذلك قوله: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِيْ يَوْمَيْنِ}[فصلت: 12]، يقول: خلقهن في يومين، فأما أن يكون يقضي رب العالمين على خلقه بمعصية ثُمَّ يعذبهم عليها فهذا محال، باطل من المقال. ثُمَّ قال: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيْرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ}[المائدة: 60]، فتفسيرها على التقديم والتأخير.
يقول: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ أُوْلَئِكَ شَرُّ مَكَاناً}، وجعل منهم القردة والخنازير خارج من الكلام(1).
__________
(1) هذه إحدى شبه المجبرة على ضلالتهم يزعمون أن الله سبحانه جعل (عبدة الطاغوت) بمعنى خلقهم وعبادتهم للطاغوت فرد عليهم الإمام شبهتهم الواهية بجعله الآية على التقديم والتأخير، وجملة قوله: {وجعل منهم القردةَ والخنازير} معترضة بين المتعاطفين، وقد ألطف في استخراج المعنى الصَّحيح رحمه الله.

(1/134)


ثُمَّ قال: {أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ، لَهُمْ فِيْ الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِيْ الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيْمٌ}، بيانها في أولها حيث يقول: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ(1) يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيْتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِيْنَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهَمْ} [المائدة:41]، بعد ما كان من عصيانهم، ومن مخالفتهم للحق وأهله.
__________
(1) في (ط) هكذا: (ويحرفون الكلم عن مواضعه)، وهو غلط.

(1/135)


ثُمَّ قال عز وجل: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَونَ وَمَلأَهُ زِيْنَةً وَأَمْوَالاً فِيْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيْلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [يونس: 88]، يقول: آتيتهم يا رب هذه الأموال (والأولاد)(1) والأبدان والخيل والرجال، يعني أنَّه خلقهم لا أنَّه ملكهم(2) {رَبَّنَا لِيَضِلُّوا}، يقول: لئلا يضلوا عن سبيلك، فضلوا وصرفوا نعمتك الَّتي أمرتهم أن يصرفوها في طاعتك لا في(3) معصيتك، فعندما فعلوا ذلك {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا}، يقول: إنهم لا يؤمنون اختياراً من أنفسهم المعصية والكفر. ثُمَّ قال: {إِنْ هِي إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِيْ مَنْ تَشَاءُ} [الأعراف: 155]، يقول: إن هي إلاَّ محنتك، {تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ}، يقول توقع(4) اسم الضلال على من يستحقه بعد هذه الفتنة، قامت: (بها) مقام (بعد)(5). [وقال:] {وَإِنَّ رَبَكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلَّنَاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد:6]، يقول بعد ظلمهم إذا تابوا(6)، وقال: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِيْ جُذُوعِ النَّخْلِ}[طه: 71]، يقول: على جذوع النخل، قامت (في) مقام (على)، [وقال:] {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ}، يقول على القوم: {الَّذِيْنَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}[الأنبياء: 77]، وقال: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيْهَا وَالْعِيْرَ الَّتي أَقْبَلْنَا فِيْهَا} [يوسف:
__________
(1) ليس في: (ب).
(2) يريد أنَّه خلق لهم هذه الأشياء فملكوها لا أنَّه ملكهم هو إياها في قوله: {آتيت فرعون...}.
(3) كذا في (ب) أيضاً، والصواب: حذف حرف النفي.
(4) في (ط): فوقع، وسقط منها: يقول.
(5) فيكون معناها تضل بعدها من يستحق الضلال بسببها.
(6) فأقام (على) مقام: (بعد)، لأن حروف الصفات تتناوب.

(1/136)


82]، يقول أهل القرية وأهل العير. وقال: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175]، يقول: يخوف الناس بأوليائه. وقال: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ}، يقول: يحبون أندادهم كحب المؤمنين لله {وَالَّذِيْنَ آمَنُوا أَشَدُّ حُباً للهِ}[البقرة: 165]، [وقال:] {يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ} [النساء: 77]، يقول: يخشون الناس كخشية المؤمنين لله. وقال: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَومَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}[الحاقة: 17]، والعرش فهو الملك، كما قال: {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيْمِ} [النمل: 26]، قال الشاعر:
تداركتما(1) عَبْساً وقد ثل عرشها…وذبيان إذ زلت بأقدامها النعل
يقول: إنَّه تهدم عزها وملكها، ومعنى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ..}، يقول: يتقلدون أمر الله ونهيه في خلقه، كما قال: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ}[العنكبوت: 13]، يقول: يتقلدون أمورهم، وقال:
حُمِّلت أمراً جليلاً فاضطلعت به…وقمت فيه بحق الله يا عمرا
يقول: قلدت أمراً جليلاً. {فَوْقَهُمْ}، يقول: منهم، قامت (فوق) مقام (من) {ثَمَانِيَةٌ}، يمكن أن تكون(2) ثمانية أصناف أو ثمانية آلاف، أو ثمانية أنفس، ويقول: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ}[القلم: 42]، يقول: عن شدة، كما قال:
قامت بنا الحرب على ساق فشمرنا على
__________
(1) في (ط): تداركتها.
(2) من هنا يبدأ ثانية اعتمادنا على النسخة (أ) مع النسخة (ب)، وينتهي السقط الذي وقع في النسخة (أ) ويستمر ترقيمنا معتمداً على لوحات النسخة: (أ). هذا والنسخة (أ) لدى المحقق، هي التي رمزنا لها: (أ) فهما واحد.

(1/137)


ويقول إبليس اللعين: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِيْ} [الحجر: 39]، يقول: دعوتني بهذا الاسم بعد أن استوجبته، و{مَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيْدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34]، يقول: يعذبكم، الإغواء في هذا الموضع: العذاب كما قال: {فَسَوفَ يَلْقَونَ غَيّاً} [مريم: 59].
[خَطايا الأَنبِياء]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
اعلم أن الأنبياء صلوات الله عليهم لم يعص أحد منهم متعمداً يعلم أن لله معصية فيتعمدها، وذلك لا يجوز على الأنبياء؛ لأنهم أصفياؤه ورسله؛ اختارهم على علم سبق منه فيهم أنَّه إذا بعثهم إلى خلقة سيبلغون الرسالة، ويؤدون الأمانة، ولا يعصونه في شيء من الأشياء، فعلى ذلك اصطفاهم واختارهم. قال في قصة آدم عليه السلام: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه: 115]، وقال في قصة نوح عندما دعا ربه: {رَبِّ إِنَّ ابْنِيْ مِنْ أَهْلِي}، فقال له ربه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}، يقول: ليس من أهل طاعتك، {إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْئَلَنَّ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، فقال نوح: {رَبِّ إِنِي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِيْ بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِيْ وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِيْنَ} [هود: 45 ـ 47]، فتاب عليه السلام من ذلك.

(1/138)


وكذلك يوسف صلى الله عليه عندما أخذ (يوسف)(1) أخاه في دين الملك، فقال رب العالمين في ذلك: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِيْ دِيْنِ الْمَلِكِ} [يوسف: 76]، وقال موسى عندما قتل القبطي: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِيْ فَاغْفِرْ لِيْ} [القصص: 16]، و{هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [القصص: 15]، وقال: {فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِيْنَ} [الشعراء: 20]، يقول: من الجاهلين لعاقبة أمري. وداود عليه السلام عندما نظر إلى امرأة (أوريا) فأعجبته، ثُمَّ كان يذكرها في نفسه دائماً ويقول: لو دريت أن هذه المرأة على هذه الصفة لتزوجتها قبل أن يتزوجها (أوريا)، فلما أن بعث الله إليه الملكين اللذين تخاصما إليه وحكم داود بينهما بالحق علم أنَّه مخطئ في ذلك، فتاب إلى ربه فتاب الله عليه. وكذلك سليمان، ويونس، وأيوب وجميع الأنبياء، صلوات الله عليهم، ما كانت خطاياهم وعصيانهم إلاَّ على وجه الزلل والنسيان، فاعلم ذلك، ولا تنسب إليهم ما لا يليق بهم؛ لأنهم بررة أتقياء أصفياء صلوات الله عليهم.
[الكِتَاب]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تفسير(الكتاب) في القرآن على وجوه شتى:
__________
(1) ليس في: (ب).

(1/139)


فوجه منها: علم، كما قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمْرِهِ إِلاَّ فِيْ كِتَابٍ} [فاطر: 11]، يقول: في علم الله، ويقول: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيْبَةٍ فِيْ الأَرْضِ وَلا فِيْ أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِيْ كِتَابٍ مِنْ قَبْلُ أَنْ نَبْرَأَهَا}[الحديد: 22]، يقول: في علم الله من قبل أن يخلق الأنفس، ويقول: {كَتَبَ اللهُ}، يقول: علم الله {لأَغْلَبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة: 21]، وقال: {وَلا حَبَّةٍ فِيْ ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِيْ كِتَابٍ مُبِيْنٍ}[الأنعام: 59]، يقول: في علم مبين، وقال: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِيْ الزُّبُرِ}[القمر: 52]، يقول: في علم الله، وقال: {هَذَا كَتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ} [الجاثية: 29]، يعني: علمه عز وجل. وقال: {لَبَرَزَ الَّذِيْنَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: 154]، يقول: علم. فالكتاب هاهنا كتاب علم؛ لأن الله (تبارك)(1) وتعالى قد علم أنَّه سيختارون البراز إلى مضاجعهم، فإذا برزوا اختياراً من أنفسهم للبراز قَتلوا أو قُتِلوا، فالبراز فعل من البارز، والقتل فعل من القاتل المعتدي، فعلم الله محيط (بالقاتل والبارز)(2)، وليس العلم الذي جبرهما على البراز والقتل، والبراز والقتل فعل من البارز والقاتل، وعلم الله محيط بهما كما قال عز وجل: {وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمْثْوَاكُمْ} [محمد: 19]، التقلب من الخلق، وعلم الله محيط بهم، ولا يقدر أحد أن يخرج من علم الله، وليس علم الله الذي يُدخلهم في الطاعة ويخرجهم من المعصية،(ولا علمه الذي يدخلهم في المعصية ويخرجهم من الطاعة)(3)، ولكن (قوماً)(4) اختاروا الطاعة على المعصية فاستوجبوا من
__________
(1) غير موجودةٌ في: (ب).
(2) في (أ):بالبارز والقاتل.
(3) غير موجودة في: (أ).
(4) في (أ) و(ب): قوم. وكذا في (ب).

(1/140)


الله الرضى والرضوان؛ لأنهم سعوا في إرادة الله ومشيئته، واختار قوم المعصية على الطاعة، فاستوجبوا من الله السخط والعقوبة، لأنهم سعوا في سخط الله وكرهوا رضوانه، {ذَلِكَ بَأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 28]، واتبعوا أهواءهم، وأرضوا الشيطان بفعلهم، فصاروا في حزبه: {أُولَئِكَ حِزْبُ الشِّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19]؛ لأن الله لا يُقدِّر أبداً ما يكره، ولا يقدر إلاَّ ما يرضى، وليست مشيئته تقع إلاَّ على رضاه، ولا يكره إلاَّ ما يسخطه، فاعلم ذلك {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيْدٌ}، كما قال عز وجل: {يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ} [هود: 105]، في ذلك اليوم بعمله القبيح الذي قدمه في دار دنياه، ومنهم سعيد بعمله الصَّالح الذي قدمه في هذه الدنيا، ولذلك قال عز وجل: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيْراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} [الأعراف: 179]، يقول: إنَّه يعيدهم ويخلقهم يوم القيامة خلقاً ثانياً (لجهنم)(1)، من خرج من الدنيا عاصياً، وإن كان لفظ (ذرأنا) لفظ ماض فمعناه مستقبل، كما قال: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعرف: 44]، ونادى أصحاب الأعراف يقول: إنهم سينادون، لا أنَّه عز وجل خلقهم للنار في هذه الدنيا، وهو سبحانه يقول: خلاف ذلك في كتابه، قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، لم يخلق جميع خلقه إلاَّ لعبادته، ولذلك ركب فيهم العقول وأرسل إليهم الرسول وأنزل عليهم الكتب؛ {لِيَجْزِيَ الَّذِيْنَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِيْنَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31]، وقال: {لِلَّذِيْنَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}[يونس: 26] في الكرامة.
__________
(1) غير موجودة في: (أ).

(1/141)


والوجه الثاني من كتاب الله: قوله سبحانه: {وَكَتَبْنَا عَلِيْهِمْ فِيْهَا}، يقول: فرضنا عليهم: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] إلى آخر الآية.
والوجه الثالث، قوله عز وجل: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلِيْكَ الْكِتَابَ}[الزمر: 2]، يعني القرآن.
والوجه الرابع: (قوله)(1) {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام:12]، يقول: أوجب على نفسه الرحمة، أنهم إذا تابوا رحمهم، وأوجب لهم على نفسه الرحمة، فالكتاب والمكتوب عليه في هذا الموضع واحد، وهو الله رب العالمين، وكذلك قوله: {تَعْلَمُ مَا فِيْ نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِيْ نَفْسِكَ} [البقرة: 115]، يقول عيسى عليه السلام: تعلم ما غاب عني من أمري، {وَلا أَعْلَمُ مَا فِيْ نَفْسِكَ}، يقول: لا أعلم ما غاب عني من أمرك، وكذلك قوله: {أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ}(2)، وقوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهُهُ}[القصص:88]، وقوله: {تَجْرِيْ بِأَعْيُنِنَا}[القمر: 14]، و(قوله): {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة:64]، {وَالأَرْضُ جَمِيْعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِيْنِهِ} [الزمر: 67]، فكل هذه الآيات وما أشبهها من الآيات فإنما يريد عز وجل ذاته، لا أن ثمَّ نفساً ووجهاً ويداً وعيناً ويميناً سواه، فاعلم ذلك، و(تفكر)(3) في جميعه يَبِنْ لك الصواب، وينفى عنك الشك والإرتياب بحول الله وقوته.
تم الكتاب. والحمد لله وحده وصلواته على رسوله سيدنا محمد وآله وسلامه(4).
__________
(1) غير موجودة في: (أ).
(2) غير موجودة في: (أ).
(3) في (ب): وتفسر، ومعناها بالعامية: تمَهَّل وتأنَّ.
(4) عبارة (أ): تم الكتاب المجموع، والحمد لله وحده أولاً وآخراً، وصلواته على رسوله سيدنا محمد وآله وسلامه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وبتمام ذكره تم الكتاب المجموع لما اتفق فيه من كتب للإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين كرم الله وجهه. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

(1/142)


كتاب الجملة
m
[مقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وهو الذي لا يمكن الأوهام أن تناله، ولا العقول أن تَخْتَالَه(2)، ولا الألسن أن تمتحنه، ولا الأَسْمَاعَ أن تشتَمِلَه، ولا الأبصارَ أن تتمثله.
إن اللّه تبارك وتعالى اصطفى الإسلام ديناً، فلم يؤامر(3) فيه مَلَكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، ولم يجعله بأماني الناس، ولم يتبع الحق أهواءهم، ولكنه اصطفى من الملائكة رسلاً إلى من انتخبه من خلقه، فبعثهم أنبياء يدعون الناس إلى خلع الأنداد، وترك عبادة الأصنام، وأن يُخلَع كل معبود من دون الله، تبارك وتعالى. ثم كلف جميع خلقه ـ الذين حَمَّلهم الدين، وكلفهم إياه، وأقام عليهم حجته ـ أن يعلموا أنَّه أحد، صمد، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤاً أَحَدٌ} [الإخلاص: 3 ـ 4]، وأنه لم يزل ولا يزول، ولا يتغير من حال إلىحال، ولا تقع عليه الأوهام، ولا تقدره العقول، ولا تحيط به الأقطار، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وأنه العالم الذي لا يجهل، والقادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا يغلب، والدائم الذي لا يَبِيْد، والحي الذي لا يموت، والحليم الذي لا يعجل.
وأنه الأول الذي لا شيء قبله (ولا قديم غيره)(4)، والآخر الذي لا شيء بعده.
__________
(2) أي لا تلحقه الأوهام ولا تتخيله العقول.
(3) المؤامرة: المشاورة.
(4) سقط من (ج).

(1/143)


وأنه القديم وما سواه مُحْدَث، وأنه الغني وما سواه إليه فقير، وأنه العزيز وما سواه ذليل، وأنه الذي لا إله إلاَّ هو الرحمن الرحيم، وأنه العدل في قضائه، الجواد في عطائه، الناظر لخلقه، الرحيم بعباده، الذي {لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}[النساء:40]، وأنه خلق خلقه لعبادته، من غير حاجة منه إليهم، ولا منفعة تصل إليه من عبادتهم، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً، ولكنه تفضل عليهم بخلقه إياهم، وأنه طَوَّقهم(1) وقَوَّاهم، ثم أمرهم ونهاهم، فلم يكلف أحداً فوق طاقته، ولم يعذبه على غير معصيته، ولم يمنع أحداً ما ينال به طاعته، وينتهي به عن معصيته، وينجو به من عذابه، ويصير به إلى ثوابه (ولم يفعل بعباده إلا ما فيه رشدهم وصلاح أمرهم، ولم يعب شيئاً من قضائه)(2)، ولم يقض شيئاً عابه، ولم يَلُم أحداً على شيء من تدبيره (وتقديره)(3)، ولم يعذب أحداً على أمر خَلَقَه وأَرادَه، ولم يُرِد ما يسخطه، ولم يغضب مما كَوَّنه، ولم يكره شيئاً أراده، ولم يرض الكفر لعباده، ولم يحب الفساد، ولا الجهر بالسوء من القول، ولم يأمر بما لا يريده، ولم ينه عما يريده.
وأنه أمر بالطاعة، ونهى عن المعصية، وأن كل ما أمر به منسوب إليه، وكل ما نهى عنه فغير مضاف إليه ولا منسوب، وأنه لم يَأْخذ أَحداً على الْغِرَّة(4)، ولم يعذب إلاَّ بعد قيام الحجة، فأثاب على طاعته، وعذب على معصيته، فلن تزر وازرة وزر أخرى في حكمه، وأنه {لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى} [النجم: 39 ـ 41].
__________
(1) في هامش ط: أي جعل لهم طاقة.
(2) سقط من ط.
(3) في هامش ط: غير موجودة في ب.
(4) أي لم يعذب أحداً على غفلة بدون بيان.

(1/144)


وأن أكرم الخلق عند الله أتقاهم لله، وأشرفهم عندالله أكثرهم طاعة له، وأنه لا ذل ولا صُغْر في الجنة، ولا عزَّ ولا شرف في النار، وأنه صادق الوعد والوعيد في أخباره كلها.
وأنه لا تبديل لكلمات الله، ولا خلف لوعد الله، وأنه لا يبدل القول لديه، وأنه {لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}[ آل عمران: 9]، وأن قوله أصوب الأقاويل، وأن حديثه أصدق الأحاديث.
وأنه أنزل على محمد كتاباً مهيمناً، {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}[الشعراء: 195]، وأنه {لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[فصلت: 42]، أحل فيه الحلال، وحرم الحرام، وشرع فيه الشرائع، ثم قال: {لَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42].
فدعى محمد الداعي إلى معرفة الله، والإقرار بربوبيته، وإلى خلع كل معبود من دون الله، وإلى معرفة نبوته، والإقرار بذلك ظاهراً وباطناً، حتى يشهدوا بألسنتهم وقلوبهم أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإلى الإقرار بما جاء به من عندالله، والأداء لجميع ما افترض اللّه عليهم(1)، والإيمان بملائكته ورسله وكتبه، والإيمان بالبعث والموت والحساب والجنة والنار، وأن يقيموا الصلوات الخمس في مواقيتها، بحسن طهورها وإسباغ وضوئها، وتكبيرها وخشوعها وقراءتها وركوعها وسجودها، والْغُسْل من الجنابة بماء طاهر وضوء وغسل إذا أمكن الماء، وإلا فالتيمم بالصعيد الطَيّب، وَصِيَام شهر رمضان، باجتناب الرفث(2) والفسوق(3) والعصيان، وَغَضِّ البصر، والحَجِّ إلى بيت اللّه الحرام، من استطاع إليه سبيلاً، والسبيل: الزاد والراحلة للأصحاء البالغين.
__________
(1) في (أ): والضمان لأداء جميع ما فرض اللّه عليهم.
(2) في هامش ط: الرفث: هو قول الفحش، والمراد: الجماع.
(3) في هامش ط: الفسوق: هو الفجور والخروج عن جادة الحق.

(1/145)


والجِهَادِ في سبيل اللّه بنية صادقة، ونصح(1) لله ولدينه وللمؤمنين عامة. والْبُغض في الله، ومُوَالاةِ أولياءِ الله، من دان بدين الله، واعتصم بحبل الله. والْمُعَادَاةِ لأعداء الله، من كفر بالله، وفجر في دين الله. وتَحْرِيِم دماء المؤمنين(2) وأموالهم، وأذاهم، ومؤازرتهم على الإيمان. واسْتِحْلاَلِ دماء الكفار على ما كان يستحله منهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما خلى من أعطى الجزية من أهل الذمة من المجوس والنصارى والصابئين واليهود.
__________
(1) في ط: ونُصْحاً.
(2) في ب، ط: المسلمين.

(1/146)


واْلأمرِ بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإظهار الحق بِقُدْرةٍ، فمن لم يستطع فلا جناح عليه. وأداء الزكاة (على ما شرط رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وتنفيذ الصدقات) (1) ووضعها على ما أمر اللّه في كتابه من قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيهَا وَالْمُؤْلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ}[التوبة: 60]، وَوَضْع الفيء والغنيمة على ما أمر اللّه في كتابه من قوله، إذ يقول: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى}[الحشر: 7]، وإذ يقول: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُوْلِ وَلِذِي القُرْبَى} الآية [الأنفال: 41]، وإلى تحريم ما حرم اللّه في كتابه، من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير اللّه به، والمنخنقة، إلى قوله: {بِالأَزْلاَمِ}(2). وإلى اجتناب الخمور، وشهادات الزور، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، والبخس في المكيال والميزان، مع ما حرم اللّه من نكاح الأمهات، والبنات، والأخوات، وما ذكر معهن، إلى قوله: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}(3)
__________
(1) زيادة من هامش (ج)، وقال صح.
(2) في هامش ط: وهي الاية 3 من سورة المائدة، حيث يقول اللّه سبحانه: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلاَّ ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام}، والأزلام: جميع زلم، وهي الأقداح الثلاثة كانوا يجرون القرعة عليها ليقرروا المضي فيما يعزمون عليه أو العدول، وكان يكتب على أحدها: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، وكان الثالث غفل من الكتابة، وفي حالة خروج الأخير يجيلون القرعة ثانية، راجع (تفسير البيضاوي) ص 167.
(3) في هامش ط: وهي الآيات 22 و23 من سورة النساء، حيث يقول الله سبحانه: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلاَّ ما قد سلف إنَّه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنَّ فإن لم تكونوا دخلتم بهنَّ فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلاَّ ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيماً}.

(1/147)


وأشباه ذلك مما قد ذكر الله من تحريم الزنى، وأكل الربا، وأخذ أموال الناس بالباطل، وأكل أموال اليتامى ظلماً، وإتيان الذُّكران من العالمين، وأخذ الرشا في الحكم، وتعطيل الحدود، والسرقة والخيانة.
فإن كان في الدنيا أحد لم تأته الأخبار، فعلم أنَّه وما أشبهه مخلوق، وأن اللّه خالقه وخالق الخلق، وأنه قديم وما سواه محدث، وأنه لا شبيه له ولا نظير، وأنه عدل لا يجور، وحَكَمٌ لا يظلم، فقد أصاب جملة التوحيد والعدل.
فإن شبهه بعد ذلك بشيء(1)، أو شَكَّ في أنَّه يشبه شيئاً، أو ظن أنَّه يظلم أو يجور، فقد نقض جملته وخرج مما دخل فيه.
وأما من أتته الأنباء والأخبار، وقامت عليه الحجة بالرسل والكتب والأنبياء(2)، فإذا هو عرف الجملة وأقر بها، وعرف الرسول، وشهد الشهادتين: [شهادة] أن لا إله إلاَّ اللّه وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، (وأقر بجميع ما يأتي به النبي صلى الله عليه وآله، [من عند الله](3)، وأنه الحق) (4)، وضمن أداء جميع ما فرض عليه، فهو ـ بَعْدُ ـ مؤمن مسلم. فإن جحد شيئاً من تلك الأصول المنصوص عليها، أو شك فيها(5)، بعد قيام الحجة عليه فقد نقض جملته، وصار بذلك من الكافرين.
__________
(1) في أ، ب: بيسير.
(2) في ط: والأثبات، وفي هامشه: رسمها في أ، ب هكذا: والانباء.
(3) سقط من: ج.
(4) سقط من (أ).
(5) في ج: فإن جحد ذلك أو شك فيه.

(1/148)


ومن العلم بدين اللّه عندنا معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعرفة من هو، ومِمَّن هو، وأنه لا نبي بعده، وأنه لم يكن يعلم الغيب، ولا ينتحله أحد بعده، وأن القرآن كتاب الله، وأنه أخبر فيه أن حجته بالغة، وأنها عند جميع الناس في لغاتهم معروفة، وأن أنبياء اللّه لم تزل تَحْتَج بها، وَتُقِرُّ أنها من خالقها، وأنهم جميعاً جاءوا بالبينات والآيات، وهن الحجج، وأن تلك الحجج ميراث الأنبياء يورثونها أتباعهم. وأن اللّه أبان رسله بالأعلام(1)والدلالة التي لا يقدر الخلق عليها، ولا تكون إلاَّ من فعل الخالق، كإحياء الموتى، وإلقاء العصا فصارت حية تسعى، وكمجيء الشجرة، وكلام الذئب، وأن هذا ما لا يعطاه أحد إلاَّ الأنبياء والرسل، وأن أتباع الرسل إنما يخبرون عن حجج الرسل ويدعون إليها الناس ويحتجون عليهم بها.
وأن مما أحتج اللّه به أن جعل كتابه عربياً مبيناً، بلغة العرب وكلامهم، وجعله مع ذلك لا يشبه الشعر، ولا الرسائل، ولا الخطب، ولا السَّجْع، ولكنه أَبَانَهُ من ذلك كله، فلا يطيق أحد أن يأتي بمثله.
وأن اللّه قد أقام سنة نبيه فيما لم يبينه في الكتاب مفسراً مشروحاً، من عدد الصلوات وأوقاتها وحدودها، وتفسير الحج والعمرة، وأن ذلك لا يكون إلاَّ إلى الكعبة.
__________
(1) في هامش ط: أي المعجزات.

(1/149)


وأنه جعل الزكاة في الأموال، تؤخذ من الأغنياء، وتوضع في الفقراء، وأنه لا يحل أخذ مال أحد من أهل الصلاة إلاَّ بطيب من نفسه، أو بالميراث، أو بقَرض يلزمه، أو بحق يجب عليه، وإن فجروا فقتلوا(1) بالحدود، ما لم يخرجوا من الملة وحكمها، وحرم منهم الدماء وجميع الجراحات(2)، إلاَّ ما أحل اللّه من إقامة الحدود على من أصابها، ممن أقر على نفسه في صحة من عقله، أو قامت عليه بذلك بينة، على ما بينه اللّه في كتابه وسنة رسوله عليه وعلى آله السلام.
وأن القصاص سواء بين أهل الملة جميعاً، فيما بين شريفهم ووضيعهم، وأبرارهم وفجارهم، ما لم يخرجوا من الملة.
وأن اللّه أوجب عليهم الامتناع من الظلم إذا قدروا، ومعونة المظلومين إذا استطاعوا، ولا يتعدوا في ذلك ولا في غيره حد الله.
وأن الصيام في شهر معلوم، شَهْرِ رمضان، سوى ما يجب لله من كفارة اليمين والظهار وقتل الخطأ، وفي التمتع بالعمرة إلى الحج إذا لم يجد الهَدْي، وفيمن أوجب على نفسه نذراً، وفيما أُوْجِبَ على المسافر والحائض من قضاء ما فاتهم من شهر رمضان، وكذلك المريض، ثم يبرأ(3).
وفيما يتقون(4)ويأتون من الطعام، والشراب، والنكاح. ومن الغسل من الجنابة.
وأن من الكتاب ناسخاً ومنسوخاً، نحو أمر القبلتين، وإمساك النساء الفواجر في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل اللّه لهن سبيلاً.
وأن من تعمد أن يخبر بما يعلم أنَّه لم يكن فيقول: إنَّه قد كان، أو بما يعلم أنَّه لا يكون فيقول: إنَّه يكون، أو يقول قد كان؛ فهو كاذب، أو بما لا يعلم أو بما لا يفعل فهو جاهل، وأن اللّه من ذلك بريء.
__________
(1) في ط: وضلوا.
(2) في ج، ب: الحرمات. وفي هامش ج بعد قوله: الحرمات: ولا أذى أحد من أهل الصلاة.
(3) كذا في (أ ، ج).
(4) في ط: ينفقون، وهو خطأ.

(1/150)


وأن شرائع الأنبياء كانت مختلفة، وأنها على اختلافها يجمعها اسم الدين والطاعة والإيمان، والهدى والتقوى والبر والإحسان. وأن بعضهم لم يقصص علينا باسمه، ولم يبين لنا في كتابه، ولا سمى نبياً بعينه، وإن علم ما جهلنا من ذلك كان ديناً وإيماناً فرضه اللّه على تلك الأمم ووضعه عنا.
وأنه لا تجوز لمدع دعواه إلاَّ ببينة، فمن ادعى مما في يد غيره مما لا يدرك علمه إلاَّ بالشهود لم يعط ما ادعاه إلاَّ بشاهدي عدل، أو بإقرارٍ من المدَّعَى عليه للمدَّعِي.
ثم بين سنته في الشهود، فأبطل شهادة كل فاسق منهم أو خصم، وأن بعض الشهود ربما شهدوا بالزور الذي لا يعلمه إلاَّ الله، وأن على الحكام أن يمضوا الشهادة مع جهلهم بما تغيب به الشهود، إلاَّ أن اللّه يعلم(1) أنهم قد شهدوا على باطل.
وأن أفضل الدين كله العلم بالله تبارك وتعالى وبدينه، وأنه لا ينفع قول إلاَّ بعمل، ولا عمل إلاَّ بعلم، في إثبات اسم ولا ثواب. وذلك أن من أقر بالحق ولم يعمل به لم يستحق الأسماء الزكية، ولا ثواب أهلها، ومن ضيع العلم بالله وبدينه لم ينتفع بشيء من علمه، وأن كلهم متعلم، وكلهم محتاج إلى العلم مفضل له ولأهله، وذام للجهل عائب له ولأهله، وأنهم لم يزالوا يتقربون إلى اللّه بالقول السديد والعمل الصالح ويعبدونه بذلك، ويدينون له بذلك(2). وأن اسم دينهم الذي تعبدهم اللّه به، ودانوا به، الذي بُلِّغ: (الإيمان)(3) والإسلام والتقوى والبر ونحو ذلك.
__________
(1) في (أ): إلا أن يعلم.
(2) سقط من (ط).
(3) كذا في ط، وفي هامشه: في أ، ب: بالإيمان. وكذلك في ب، ج.

(1/151)


وأن قد حرم اللّه على المسلمين أن يزكوا أنفسهم، وأن قد أوجب عليهم أن ينسبوا جميع المسلمين إلى الإيمان والإسلام، وأنهم قد كانوا يثبتون لهم اسم الإيمان ثم لا يعلمون بسرائرهم، وأنهم قد كانوا يتولى(1) بعضهم بعضاً على أنهم سمعوا منهم بعض ذلك وإن لم يروا منهم عملاً، وكذلك يفعلون فيمن يرونه يعمل، وإن لم يسمعوا منهم قولاً، فإن الاسم الذي قد ثبت عندهم على الظاهر، وإن لم يعلموا الباطن، وأنه لا يحصي أحد منهم جميع ما فرض الله، وأن اللّه لم يكلفهم إحصاءه ولا إحصاء أهله.
وأن دينهم: أنهم يرجون ثواب الله، ويخافون عقابه، وأنه لا خوف على أولياء اللّه في الآخرة ولا هم يحزنون، وأن أولياء اللّه المؤمنون، وأن اللّه قد استحق ولاية وليه وعداوة عدوه على جميع العالمين، (الذين قامت عليهم بذلك حجة الدين)(2) وأن من لم تنفع ولايته وتضر عداوته (من جميع الخلق)(3) معيب عندهم منقوص. وأن اللّه أحق أن تنفع ولايته وتضر عداوته من جميع الخلق.
وأن الأنبياء لم تزل مستحقة لثواب اللّه منذ بعثها الله، وأنها لم تكفر قط، ولم تفسق، ولم تُقِم على شيء من الذنوب بعلم ولا بعمد، وربما أذنبت على [طريق](4) الظن وطريق النسيان، وأن ذنوبها صغائر مغفورة، وأنها لا تأتي الكبائر، وأن من قذف الأنبياء بالكفر والكبائر فهو أولى بالكفر.
وأن المؤمنين مُقِرُّون جميعاً على أنفسهم بالذنوب، وأنهم ينتفون من الكفر والفسق، ويكرهون أن ينسبوا إليه.
__________
(1) في ب: يتولوا.
(2) في هامش ط: غير موجودة في أ، وكذلك في أ.
(3) في هامش ط: غير موجودة في أ، وكذلك في أ ، ج.
(4) ليس في ج، ب.

(1/152)


وأن اللّه قد ميز بين صغائر الأمور وكبائرها، فلم يجعل السبة والكذبة والنظرة كالقتل والزنى والربا والسرقة واشباههن، ولم يجعل القتل وأشباهه كالكفر بالنبي صلى الله عليه وآله والكتاب وأشباه ذلك(1)، وأنه قد خالف بين أحكامهن، وأسمائهن واسماء أهلهن، وأنهم لا يشهدون على ذنب بعينه أنَّه صغير مغفور، (إلاَّ أن يكون اللّه قد سمى من ذلك شيئاً في الكتاب بعينه، أو سماه الرسول صلى الله عليه وآله) (2)، ما خلا ذنوب الأنبياء عليهم السلام.
وأنهم لا يزالون يُفَسِّقون أهل الكبائر من أصحاب الحدود، ويبغضونهم، ويشتمونهم، ويحبون أهل الخير وإن أذنبوا على الظن والنسيان، مالم يخرجوا إلى الكبائر.
(وأنه لا ينبغي لأحد أن يشهد على ذنب بعينه أنَّه صغير مغفور)(3)، وأنهم لا يزالون(4) يعظمون القتل والزنا والسرقة ونحوهن ممن فعلها، وأن معنى الكبير(5) والقليل والعظيم واحد.
وأن الجنة دار للمتقين، وأن النار دار للفاسقين.
وأنهم لا يزالون يبغضون من اطلعوا على فسقه وإن كان يستغفر الله حتى يظهر التوبة النصوح.
وأنهم يستحبون أن يكتم كل امرئ على نفسه وإن أصاب حداً، وأن التوبة عندهم مقبولة ممن حدَّ، وممن لم يُحَد.
وأن من سمى أهل الحدود كافرين ثم حكم عليهم بحكم الكفار عابوه، ومن سماهم مؤمنين وحكم لهم بحكم المؤمنين عابوه وعَنَّفوه. وأن اسم الملة اسم يجمع جميع المنظَوِين إلى الإسلام وإن كان فيهم فجور.
__________
(1) في ط: فلم يجعل السبة والكذبة وأشباهه كالكفر بالنبي صلى اللّه عليه وآله والكتاب وأشباه ذلك، والنظرة كالقتل والزنا والربا والسرقة وأشباههن.
(2) ليس في (أ).
(3) سقط من ط، ب، أ.
(4) في أ، ج، ب: لم يزالوا.
(5) في ج: الكثير.

(1/153)


وأن اللّه قد بين حكمه في جميع الكافرين من مشركي العرب من أهل اللات والعزى، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والمجوس، والصابئين، والمنتقلين(1) من جميع أصناف أهل الكفر من دين إلى دين، والمرتدين عن الإسلام بعد إظهار الدين.
وبين حكمه في المؤمنين، والفاسقين، والمنافقين، والمستترين(2)بالكفر.
وأنه لم يكن يقاتل(3) أحداً من المشركين حتى يدعوه، وأنه قد أبان ذلك كله وفصله.
وأنه لا يوجد في زمان النبي عليه السلام كافر ليس بمشرك، وأنهم لا يعتمدون أحداً ممن أقر بالنبي عليه وعلى آله السلام بِكُفْرٍ إلى يوم القيامة، أو يُلْحَق بالمرتدين(4).
وأن النفاق استسرار بالطعن في دين اللّه ودين الرسول، وأن اللّه قد أقام حجته فيما فرض من دينه بتحريم الشك فيه والإنكار له جميعاً.
وأن التَّقية(5) جائزة فيما حُمِل الناس عليه وهم له كارهون، يخافون القتل والمُثْلَة، وذلك فيما لا يرجع ضرره على أحد من العالمين.
وأن رسول اللّه صلى الله عليه وآله قد كان يعذر نفسه وغيره فيما لم يأته به جبريل من الدين، مما لم يعرف إلاَّ بالسمع، مما لم يأت به جبريل عليه السلام حتى يأتيه به. وأنه لم يكن يترك أهل دعوته يظهرون قبيحاً. وأنه لم يكن يكتم شيئاً من الدين الذي أمره اللّه بإظهاره، ولا يعطي فيه تقية، وأنه لم يزل له مظهراً، يأمر أتباعه بإظهاره والدعاء إليه.
__________
(1) في ج، ب: والمتنقلين.
(2) في ج، ب: والمستسِرِّين.
(3) في هامش ط: أي الرسول.
(4) بمعنى إلاَّ أن يلحق بالمرتدين فيرتد.
(5) في هامش ط: هي أن يظهر الإنسان الطاعة حيث تجب عليه الثورة ضد نظام لا ترضاه عقيدته أو موقف يتنافى مع مبدئه، ولقد كان الخوارج، عموماً، ينكرون جوازها، والمؤلف يتخذ هنا موقفاً وسطاً، فيجوزها للمضطرين شريطة أن لا يكون في ذلك ما يتنافى مع الصالح العام ونفع المجموع، أي أن جوازها مشروط بأن يكون الضرر فردياً فقط.

(1/154)


وأن الشيطان يحب دفن الدين، ويدعو إلى إماتته. وأنه لا يجوز تغيير شيء مما أثبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، وأن الدنيا فانية، وأن الآخرة باقية أبد الأبد.
(وأن الملائكة والجن والأنس أجناس شتى) (1). وأن الملائكة أفضل برية الله، وانهم مقربون في كل خير، مقربون في كل منزلة، مفضلون في كل ذكر.
وأنه جعل من دينه مُؤَقَّتاً محدوداً: صلاة وصياماً ونحوهما، وجعل منه متمهلاً(2) فيه، لا يدرك حده: بر الوالدين، وصلة الرحم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك من الأمور التي تعرف عند المشاهدة. وأن اللّه لا يُلَبس حكمه، ولا يخلف قوله، و[أن الحق الواجب على المسلمين](3) في دينهم التثبت فيما غاب عنهم، حتى يجيئهم اليقين من تواتر الأخبار وتظاهرها.
وأن اللّه لا يظلم عباده شيئاً، ولا يعذب إلاَّ بعد إنذار، ولا يكلف نفساً إلاَّ وسعها، ولا يحملها إلاَّ طاقتها، ولا يفرض طاعته إلاَّ على أهل الصحة والسلامة، والعقل والقوة، وأنه دعا جميع عباده المكلفين إلى دينه، وأنه يحب طاعته، ويبغض معصيته، وأنه جعل بعض الأعمال أفضل من بعض، وبعض الأقاويل أفضل من بعض، وبعض العلم أفضل من بعض. وأن من العلم غامضاً خفياً، ومنه واضحاً جلياً، وأن جهل بعض ذلك واسع، وجهل بعضه ضيق، وأنه لا ينزل أحدٌ(4) من الناس كلهم منزلة النبي في تصديق له، ولا في تكذيب، ولا شك في قوله(5). وأنهم يعملون(6) بالأخبار المجتمع عليها، ويَشُكُّون في القول الشاذ وإن روي عن النبي عليه السلام.
__________
(1) ليس في أ.
(2) المتمهل فيه: الذي ليس له وقت معين محدد.
(3) سقط في ج. وفي أ: وأن من دينهم.
(4) في ط: لاينزل أحداً.
(5) يريد أن أحداً لا يبلغ في تصديق اللّه وعدم تكذيبه والشك في قوله سبحانه مبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا ينزل منزلته.
(6) كذا في ب، ج، وفي هامش ج: يعلمون. ولعله أصوب.

(1/155)


وأن اللّه افترض اتخاذ الإمام العادل إماماً ليؤتم به، وسمي خليفة ليخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أعماله. وأنه من خالف(1) حكمه حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفارقه، فليس بإمام ولا خليفة، ولكنه مُتَبَّرٌ ظالم.
وأن الأخذ بجميع ما أجمعوا عليه صواب وبر وهدى، وأن الترك لما أجمعوا عليه ضلال وخطأ.
[خاتمة]
فهذه صفة جملة الدين، وكثير من تفسيرها في التوحيد وغيره، ونرجو أن تكون هذه الجملة تدل على الصواب كله، وتنفي الخطأ كله، وأن نكون قد ذكرنا فيها أموراً قد أقام اللّه بها حجته على جميع العالمين، في جميع ماهم ذاكرون من خطأ أو صواب، وأن يكون قد دخل في هذه الجملة جميع (أصناف)(2) الاختلاف وقول أهل البدع.
فمن زعم أن هذه الجملة على غير ما ذكرنا، فليعرض جميع ما قال الناس عليها، فما وافقها قَبِله، وما خالفها تركه، فإنا نرجو أن لا يخرج من ذلك شيء أبداً إلاَّ أدرك صوابه وخطأه من هذه الجملة، إن شاء اللّه تعالى.
ومن ظن أن شيئاً من هذه الجملة ليس بحق؛ فليعرضه على كتاب الله، وسنة رسوله عليه السلام، وفطرة العقول، فمن عمل بما أمره اللّه به، وانتهى عما نهى اللّه عنه، ودان بذلك؛ فله مالنا وعليه ما علينا، يتولى(3) كل مهتد مضى قبلنا، وسيرتنا في ولينا كسيرة نبينا عليه وعلى آله السلام في ولينا، وسيرتنا في عدونا كسيرة نبينا في عدونا.
(الله ربنا ومحمد نبينا، والقرآن إمامنا، والإسلام ديننا، والكعبة قبلتنا، [والموت غايتنا](4)، والحشر يجمعنا، والموقف موعدنا، وحُكْمُ اللّه يفصل بيننا، والجنة والنار أمامنا).
نسأل اللّه الجنة برحمته، ونعوذ بالله من النار بعفوه.
إلى هذا ندعو من أجابنا ونجيب من دعانا.
(تم الأصل)(5)
والحمدلله وحده وصلواته على رسوله (سيدنا)(6)محمد (النبي وعلى آله وسلم)(7).
__________
(1) في ب: ما خالف. والصواب ما أثبته.
(2) في هامش ط: غير موجودة في أ. وكذلك في ج، ب.
(3) في ج: نتَولَّى.
(4) ليس في ج، وأثبته في الهامش.
هذا ديننا ونحلتنا، والطيبون من آل محمد قادتنا. فمن وافقنا على هذا فهو ولينا، ومن خالفنا فهو عدونا، والله ولي المؤمنين، وعدو الفاسقين.
(5) في أ: تم ذلك.
(6) غير موجودة في
(7) عبارة أ: وعلى أهل بيته الطيبين وسلم.

(1/156)


كتاب أصول الدين
m
قال يحيى بن الحسين صلوات اللّه عليه:
سألت يا بني(4) فهّمك الله ونفعك؛ عما ندين الله به، ولا يسع أحداً من المكلفين جهله، من معرفة الأصول؛ من توحيد الله، وعدله، وإثبات وعده ووعيده، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإثبات الإمامة في المصطفين من آل نبي الله عليهم السلام.
__________
(4) لعل السائل هو: ولده الإمام المرتضى عليه السلام.

(1/157)


فإنا ندين بأن الله واحد أحد، ليس كمثله شيء، ولا له ند من الأشياء ولا ضد؛ لأن الند لما يناده مُكافٍ، والضد لما يضاده مناف، وليس من الأشياء ما يكافيه، ولا يضاده فينافيه، وأنه ليس بجسم محدود، ولا شبح ماثل(1)، وأنه بكل مكان، على غير اجْتِنَانٍ(2) ولا كينونة. وكذلك قال تبارك وتعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ}[الحديد: 4]، وقال: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا}[المجادلة: 7]، وقال عزَّ وجل: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ}[ق: 16]، وقال: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ}[الزخرف: 84]، مع آيات كثيرة تدل على أنَّه لا يحتاج إلى المكان، وأنه بكل مكان مدبر، وأنه كان قبل كل مكان، وحين وأوان، وأنه كان ولا سماء ولا أرض، ولا عرش ولا كرسي، ولا كلام، ولا صوت ولا حروف، وأنه كان قبل التوراة والإنجيل والقرآن.
وأن القرآن أنزله على نبيه عليه السلام، وأنشأه وخلقه، ووصَّله وفصَّله، وألَّفه وأحدثه، وأنه يقدر أن يذهب به ويجيء بغيره، وأنه محفوظ، وأن الله حافظه، وأنه يقدر أن يجيء بمثله، كما قال سبحانه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}[البقرة: 106].
وأن الله لا مثل له ولا نظير، وأن الأبصار لا تدركه في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك أن كل ماوقع عليه البصر؛ فمحدود ضعيف ذليل، محتاج مَحْويٌّ محاط به، له كل وبعض، ولونٌ وطعم، ورائحة ومَحَسّة، وفوق وتحت، ويمين وشمال، وخلف وأمام.
__________
(1) في (ج): مماثل.
(2) في (ج): احتياز. يعني احتياج إلى حيز ومكان. والاجتنان: الاستتار.

(1/158)


وأن الله لا يوصف بشيء من صفات المخلوقين؛ لأنَّه غني قديم، وهكذا قال لا شريك له: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}[الشورى: 11]. لأن الله تبارك وتعالى ليس بشخص فتجاهره الأبصار، ولا هو صوت فتعيه الأسماع(1)، ولا رائحة فتشمه المشام، ولا حار ولا بارد فتذوقه اللَّهوات، ولا ليّن ولا خشن فتلمسه الأيدي؛ لأن الله سبحانه خلق الأيدي وما لمست، وخلق الأبصار وما جاهرت، والأسماع وما وعت، والمشام وما شمت، واللهوات وما ذاقت. فهذه الخمس الحواس المُدْرِكات كلها مخلوقات، مجعولات محدثات، لس فيها شيء يشبه الله، ولا الله عزَّ وجل يشبه شيئاً منها، ولذلك(2) قال تبارك وتعالى: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الأنعام: 103]، لأن ما وقع عليه البصر فمحدود ضعيف، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
***
وندين بأن الله عزَّ وجل: عدل في قضائه، جواد في عطائه، رحيم بعباده، ناظرٌ لخلقه، لا يكلفهم ما لا يطيقون، ولا يسألهم ما لا يجدون، و {لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}[النساء: 40]. وأنه لم يخلق الظلم ولا الجور والكفر في العباد، ولم يرد الظلم والفساد، ولا الجهر بالسوء من القول، وأنه لا يشأ قتل أوليائه(3)، ولا تكذيب رسله، ولا يقضي ولا يُقدر شتم نفسه ولا الفرية عليه، وأن من فعل ذلك؛ أو أراد معه الصاحبة والولد؛ فغير حكيم ولا عليم. وأن الله رحمن رحيم، حكيم عليم، لا يجوز عليه العبث.
__________
(1) في (ج): فتوعيه. وما هنا ـ نخ.
(2) في (أ): وكذلك.
(3) في (أ): أنبيائه.

(1/159)


وكيف يمنع عباده من الإيمان؛ ثم يقول في كتابه: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى}[الإسراء: 94 ، الكهف: 55]، {وَمَاذَا عَلَيهِمْ لَو آمَنُوا بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ}[النساء: 39]، {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}[الانشقاق: 20]؟! يأمرهم بالهدى ويصرفهم عنه؛ ثم يقول: {أَنَّى يُصْرَفُونَ}[غافر: 69]؟ ويخلق فيهم الكفر؛ ثم يقول: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئاً إِدّاً. تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً}[مريم:89 ـ 90]؟
بل نقول: سهل ربنا لعباده السبيل، وأقام لهم الدليل، وأرسل إليهم الرسول، وأنزل عليهم(1) القرآن، وجعل فيه الشفاء والبرهان، أحل فيه الحلال، وحرم فيه الحرام، وأقام الحدود والأحكام، ثم مكنهم مماطوَّقهم(2)، ثم دعاهم جميعاً إلى الإيمان به، ثم أمرهم ونهاهم، ثم آمنهم من ظلمه، ورغبهم في جزيل ثوابه، (ولم يرد منهم غير ما به أمرهم)(3)، ولم يزجرهم وينههم عما يريده منهم ويشاه؛ لما في ذلك من خلاف الحكمة والرحمة، كما قال سبحانه: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}[الأعراف: 180]، ويقول: {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}[التوبة: 117]، وقال: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوفَ يُرَى}[النجم: 38 ـ 40]، وما الله بظلام للعبيد.
***
__________
(1) في (أ): عليه.
(2) في (ب): ما طوقهم. أي كلفهم.
(3) في (أ): ولم يأمرهم بما لم يرد منهم. ولعل الصواب: ولم يرد منهم غير ما به أمرهم، ولم يأمرهم بما لم يرد منهم، ولم يزجرهم. الخ فتأمل.

(1/160)


وندين بأن الله صادق في أخباره كلها، وأنه لا يخلف المعياد، ولا يبدل القول لديه، وأن أهل الكبائر من أهل ملتنا إن لم يتوبوا من ذنوبهم، وخرجوا من الدنيا مصرين عليها، غير نادمين ولا مستغفرين؛ أنهم من أهل النار خالدون مخلدون، لا يخرجون منها، ولا يغيبون عنها، بل يبقون فيها أبداً سرمداً؛ لقوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ نُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}[النساء: 14]، ولقوله: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. يَصْلَونَهَا يَومَ الدِّينِ. وَمَاهُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}[الإنفطار: 13 ـ 16]، ولقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[النور: 23]، والملعون في الآخرة لا يدخل الجنة؛ لأن الآخرة دار جزاء، لا دار عمل وبلوى. ولقوله: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً. وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} [النساء: 29 ـ 30]. وبمثل آية الفار(1) من الزحف، وبمثل آية القاتل، وبمثل آية أكل أموال اليتامى ظلماً. فبهذه الآيات علمنا أن الله يعذب أهل الكبائر بالنار، ثم يخلدهم فيها أبد الأبد.
***
__________
(1) في (ج): الفرار.

(1/161)


وندين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم؛ فرض لازم، وحق واجب؛ لأن في ترك الأمر بالمعروف للحق إماتة، وفي ترك النهي عن المنكر للباطل حياة(1)، ولذلك أوجبه الله على عباده، وفرضه عليهم فرضاً بكل ما أمكنهم، وكذلك(2) قال رب العالمين: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ}[المائدة: 2]، وقال: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}[الحجرات: 9] وقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ}[التوبة: 17] مع آيات كثيرة تدل على ما قلنا، وتصحح ما شرحنا.
***
وندين بأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه كان خير هذه الأمة بعد نبيها عليه السلام؛ لطاعته لربه، وبذله لمهجته، (واستغراقه لقوته)(3) في طاعة الله، وطاعة رسوله عليه السلام، وقرب قرابته من رسول الرحمن، وعلمه بما أنزل الله من القرآن، وزهده في هذه الدنيا.
ولأقوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المشهورة المعلومة فيه، يوم غدير خم (( من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره )). ولقوله: علي مني بمنزلة هارون من موسى إلاَّ أنَّه لا نبي بعدي ))، و(( أنت قاضي ديني، ومنجز وعدي )).
مع ما قد خصه به الرسول عليه السلام؛ من علم ما يكون في أمته من الأحداث والفتن، وما كان عليٌّ ينادي به من قصة المرادي(4) الذي قتله، وغير ذلك من الفرقة القاسطة، والناكثة، والمارقة.
__________
(1) في (ج): وفي النهي عن المنكر للباطل إماتة.
(2) في (أ، ج): ولذلك.
(3) سقط من (أ).
(4) هو اللعين: عبد الرحمن بن ملجم المرادي.

(1/162)


مع إجماع أمتنا(1) على أن خلال الخير كلها كانت مجتمعة فيه، مفترقة في غيره، وذلك أنهم أجمعوا أنَّه كان أحد السابقين، وأحد العلماء، وأحد الزهاد، وأحد الباذلين لأنفسهم(2)، ولم يجمعوا على أن هذه الخصال اجتمعت في غيره، فتبين فضله عليهم اجمعين. ثم كان ابن عم محمد عليهما السلام، وأبا السبطين الحسن والحسين، وزوج فاطمة صلى الله عليهم أجمعين.
وقد أجمعوا جميعاً أن علياً صلى الله عليه كان يصلح للخلافة موضعاً لها يوم قبض الله نبيه عليه السلام، واختلفوا في غيره، فالحق ما أجمعوا عليه، والباطل ما اختلفوا فيه.
وجميع أهل الصلاة عندنا خمسة أصناف: الشيعة، والمعتزلة، والخوارج، والمرجئة، والعامة(3).
فقالت المعتزلة والخوارج: الإمامة جائزة في الناس كلهم، ما صلحوا بأنفسهم، وكانوا عالمين بكتاب الله ربهم، وسنة نبيهم عليه السلام.
وقالت المرجئة والعامة: الإمامة جائزة في قريش محظورة على غيرهم.
وقالت الشيعة: الإمامة جائزة في آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، (محظورة على غيرهم)(4).
فإذاً ذلك إجماع من الفرق كلها في آل محمد؛ وذلك أن من أجازها (في الفرق كلهم فقد أجازها في قريش، ومن أجازها)(5) في قريش فقد أجازها في آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ كانوا خير قريش، وأوسطهم داراً.
فأما المعتزلة والخوارج فشهادتهم ساقطة؛ إذ ادعوها لأنفسهم، وفي السنة أن لا تجاز شهادة الجارِّ إلى نفسه.
__________
(1) في (ب): إجماعنا.
(2) في (أ): لمهجهم.
(3) هذه أصول فرق المسلمين الجامعة؛ وقد تفرع كل واحد منها إلى فروع كثيرة يختص كل فرع منها بمقالة ويتميز بها وهي مذكورة تفصيلاً في كتب الملل والنحل. والمقصود بالعامة: المتسمون أهل السنة. والله أعلم.
(4) سقط من (ب).
(5) سقط من (ب، ج).

(1/163)


فجميع هذه الفرق قد أقرت للشيعة بجواز هذا الأمر(1) في آل محمد، وأنكرت الشيعة ان تكون جائزة في غيرهم، فالحق ما أجمعوا عليه، والباطل ما اختلفوا فيه.
وأجمعت الأمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما ))، وقال: (( هما إمامان قاما أو قعدا )).
وأجمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم به لم تضلوا من بعدي(2) أبداً: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض )). فكما لا يجوز ترك التمسك بالكتاب؛ كذلك لا يجوز ترك التمسك بالعترة؛ لأن الكتاب يدل على العترة، والعترة تدل على الكتاب، ولايقوم واحد منهما إلاَّ بصاحبه. وقال عليه السلام: (( مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى )). مع ما جاء فيهم وفي أبيهم من تواتر الأخبار وتظاهرها، عليهم صلوات الله ورحمته وبركاته.
__________
(1) في (أ): بجوازها.
(2) في (أ): ما إن تمسكتم بهما من بعدي لم تضلوا.

(1/164)


فهذه الأصول هي التي ندين الله بها، وندعو إليها، فمن دان بها فهو أخونا وولينا، ندعو إليها من أجابنا، ونجيب من دعانا، هذا ديننا ونحلتنا، والطيبون من آل محمد قادتنا، فمن وافقنا فهو ولينا، ومن فارقنا عليه حاججناه بالمحكم من كتاب الله، ورددناه إلى المجمع عليه من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فإن قبل ذلك منا، كان له ما لنا؛ وعليه ما علينا؛ نتولى كل مهتد مضى قبلنا، وسيرتنا في ولينا وعدونا سيرة نبينا، الله ربنا، ومحمد نبينا، والقرآن إمامنا، والإسلام ديننا، والموت غايتنا، والحشر يجمعنا(1)، والموقف موعدنا، وحكم الله يفصل بيننا، فمن أقر بما أقررنا به وجبت ولايته، ومحبته ومؤآخاته، ومن أبى إلا المخالفة للحق، والمعاندة للصدق؛ كان الله حسيبه وولي أمره، والحاكم بيننا وبينه، وهو خير الحاكمين.
تمت الأصول(2).
*****
__________
(1) في (ب): مجمعنا.
(2) في (أ): تم كتاب الأصول.

(1/165)


جواب لأهل صنعاء
على كتاب كتبوه إليه عند قدومه البلد(1)
m
الحمد لله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، أما بعد:
فقد جاءني كتابكم تحذرون البدع المضلة، والأهواء المغوية، والآراء المحدثة، والميل إلى الخلاف والفرقة، وتحثون على لزوم الجماعة والأبرار، الذين كانوا أعلام الهدى، ومصابيح الدجا، وذلك عندما بلغكم من اجتماع الناس على عيبي وطعنهم عليّ، وتنقصهم إياي، وشتمهم لي، من غير حدث أحدثت، ولا خلاف أظهرت، ولا رأي قبيح ابتدعت، زعموا أني تركت المنهاج الأكبر، وأني سلكت الطريق الأوعر، وتسألوني ما أنا عليه، وما أنا متمسك به، وإيضاح ذلك من لدن التوحيد إلى آخر فريضة من فرائض الله.
وقد فسرت جميع ذلك في كتابي هذا حسب طاقتي، وبالله حولي وقوتي، وعليه أتوكل في جميع أموري.
[التوحيد]
أما الذي أرجو به الفوز، وهو لي عُدَّة من عذاب الله وحرز وجُنَّةٌ؛ فإقراري لله عزَّ وجل بالربوبية، وشهادتي له بالوحدانية، وإذعاني له بالعبودية، وأنه خالق كل شيء مما يرى ومما لا يرى، في بطن الأرض وما تحت الثرى، وما في السموات العلا، بلا معين أعانه عليه، ولا دليل احتاج إليه، ولا مثال احتذا عليه. تفرد بخلق الأشياء لا من أصول أولية، ولا أوائل كانت قبله بدية، لكن مثلها بحكمته، وابتدعها بقدرته، من غير مثال سبق إليه، ولا لغُوب دخل عليه. لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، ولا يوصف بتجسيد ولا أقطار، أزلي صمدي، على غير كيفية، ولا وسوسة الصدور، بل ارتفع عن تحديد بصر البصير.
[المعاد]
وأشهد أن الجنة حق، دار بقاء ونعمة، خلقها وكوَّنها من رضوانه، فجعلها للمطيعين ثواباً، وأن النار دار شقاء ونقمة، خلقها من سخطه، فجعلها للعاصين عقاباً، لا يفنى عذابه، ولا يبيد ألمه. ولا يخلف وعده ولا وعيده، ولا يظلم عبيده، وإليه يحشر الخلائق، يوم ينفخ في الصور، عند صيحة النشور، فَنَثُور بعد البِلَى من القبور، ويدعو الكافر المغرور؛ بالويل والثبور، ونعرض على الرحمن صفاً، ويعض الكافر من الندامة كفاً، فيفصل بيننا بعدل لا يجور، {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7]. فسبحان من ملكه دائم لا يزول.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في (أ): وفي آخره ذكر الصحابة.

(1/166)


[النبوة]
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اختاره بعلمه، وبعثه إلى خلقه، وائتمنه على وحيه، فدعا الناس إلى الله بجد واجتهاد، رحيماً بالعباد، ونوراً للبلاد، فافتتح الدعوة بقومه(1) صلى الله عليه، فأبوا له التسليم، وهموا به العظيم، ومنعوه الأسواق، وضيقوا عليه الآفاق(2)، ونصبوا له الحبائل، وطلبوا له الغوائل، وشحذوا له السيوف، ليذيقوه الحتوف، فعصمه الله منهم، ورد كيدهم بينهم في نحورهم، وأيده بنور ساطع، وحجج حق وسيف قاطع، وبراهين صدق في القلوب واقع، فأدخلهم في الملة بين مسلم مستسلم، وبين مستسلم مُتَجَشِّمٍ(3)، يكتمون النفاق؛ مخافة ضرب الأعناق.
فصلى الله على الناصح الشفيق؛ محمد بن عبد الله الطيب الرفيق، الدال على المنهاج الواضح، والطريق اللائح، صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الأخيار، وعلى ابن عمه علي بن أبي طالب أسبق السابقين سبقاً، وأولهم إيماناً وسلماً، أنقذنا الله به من شفا الحفرة، ومغاليط الكفرة، وسُحقات(4) الفجرة.
[القرآن الكريم]
ثم إني أشهد أن القرآن وحي الله، وكتابه وتنزيله، أنزله على نبيه؛ عصمة لمن اعتصم به، ونجاة لمن تمسك به، من عمل به نجا، ومن خالفه غوى(5)، وفي النار غداً تردى، مفصل آياته،موصل محكماته، كثيرة عجائبه، سنيّة مذاهبه، نَيِّرٌ برهانه، واضحة حجته(6).
[أركان الإسلام]
__________
(1) في (ب): لقومه.
(2) في (أ): الأرفاق.
(3) أي متكلف للإسلام على كره
(4) في (ج): وسخطات. على الظن.
(5) في (أ): هوى.
(6) في (أ): حججه.

(1/167)


وأشهد أن الصلاة واجبة، وأن الزكاة لازمة، وشهر رمضان فرض صيامه، ولم يوجب علينا النافلة قيامَه، والحج على الناس دين من استطاع إليه سبيلاً، والإستطاعة: الزاد، والراحلة، وأمان الطريق. والجهاد قسر، تقسر النفوس على القيام بالجهاد قسراً، وفي الجهاد فضل الدرجات، والبعد من النقمات. ودفع الصدقات إلى اهلها، مع اجتناب المحرمات، والإغتسال من الجنابات، مع الوضوء بالماء الطاهر، أو التيمم بالصعيد الطيب، والمحافظة لأوقات الصلوات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات(1)، وعمارة المساجد بالذكر والصلوات، لا بالفواحش والزور من الشهادات، كفعل أهل زماننا الفاسقين منهم والفاسقات، والحب في الله والبغض في الله، والموالاة لأولياء الله، والمعاداة لأعداء الله من كانوا، وأين كانوا، وكل من خالف كتاب الله في شيء من العتق والطلاق وغير ذلك؛ فمردود إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله، والتسليم لأمر الله، والرضى بما قضى الله.
[ من كبائر الذنوب]
واجتناب الكبائر والآثام، جِلِّها ودِقِّها، وقتل النفس التي حرم الله بغير الحق، والفرار من الزحف، وأكل الربا، واجتناب الزنى، وأكل أموال اليتامى ظلماً، وترك التعرض لأموال المسلمين والمعاهدين، مع ترك الأياس من روح الله، ولا يؤمن مكر الله، وترك شرب المسكر، وتعليم(2) السحر، ولا نصدق بالكهانة والطيرة، مع العلم بأن محض الإيمان ترك النميمة، والغيبة والبهتان، والحسد والبغي، والظلم والجور، والفحش من قول الزور، والخنا والخيانة، ونقض العهد وخفر الأمانة، والعظمة في النفس، والإعجاب والكبر، والجفا بالحق وأهله، والقسوة والغلظة والفظاظة والشحنا، والسمعة والعصبية والعداوة والبغضاء، والمغالبة والمكابرة، واليمين الفاجرة، والكذب والغدر، وسوء الخلق، والأياس من الرزق.
__________
(1) في (ب، ج): المنكر.
(2) في (أ): وتعلم.

(1/168)


وعليكم بالعمل بتقوى الله، والحياء من الله، والتعظيم لأمر الله، وصدق الحديث، والمواساة في المال، لذوي القربى واليتامى والمساكين، وغض البصر، وعفة البطن، وحفظ الفرج، وأكل الحلال، والزهد في الحرام، وترك الدنيا، واستعمال الورع، والتضرع في الدعاء، والصيانة والخشوع، والرحمة والخضوع، والرأفة والرقة والرفق، وحسن الخلق، ومداراة الضعيف والمسلم، وإغاثة الملهوف، والحياء والكرم، والحلم والصبر، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والعفو عمن ظلمك، والكف عمن شتمك، والتفضل على من حرمك، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام.
ورأس الأمر وأوله وآخره ووسطه وتمامه؛ النصيحة للولي والعدو، والبر والفاجر، وترك الغش لجميع الخلق.
فهذا ـ وفقكم الله ـ دين المؤمنين وديني، وما عليه اعتقادي، لست بزنديق ولا دهري، ولا ممن يقول بالطبع ولا ثنوي، ولا مجبر قدريّ، ولا حشوي، ولا خارجي، وإلى الله أبرأ من كل رافضي غويٍ، ومن كل حروري ناصبي، ومن كل معتزلي غالٍ، ومن جميع الفرق الشاذة، ونعوذ بالله من كل مقالة غالية، ولا بد من فرقة ناجية (عالية)(1) وهذه الفرق كلها عندي حجتهم داحضة، والحمدلله.
وأنا متمسك بأهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومهبط الوحي، ومعدن العلم، وأهل الذكر، الذين بهم وُحد الرحمن، وفي بيتهم نزل القرآن، ولديهم التأويل والبيان، وبمفاتيح منطقهم(2) نطق كل لسان(3). وبذلك حث عليهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: (( إني تارك فيكم الثقلين، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، مثلهم فيكم كسفينة نوح(4) من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى )).
__________
(1) سقط في (ج)، وأثبته نخ.
(2) في (ب): نطقهم.
(3) في (أ): إنسان.
(4) في (ب): كمثل سفينة.

(1/169)


فقد أصبحوا عندي بحمد الله مفاتيح الهدى، ومصابيح الدجا، لو طلبنا شرق الأرض وغربها لم نجد في الشرف مثلهم، فأنا أقفو آثارهم، وأتمثل مثالهم، وأقول بقولهم، وأدين بدينهم، وأحتذي بفعلهم.
[من مفردات العقيدة]
العمل من الإيمان، والإيمان من العمل بمنزلة الروح من الجسد، يزيد وينقص، بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة، وبزيادته تفاضلوا في الدرجات عند الله، وبالنقصان منه دخل المقصرون النار.
وأنا مؤمن بقضاء الله وقدره، ما كرهت نفسي من ذلك وما رضيت. ومقر بأن القرآن كَلام الله، ووحيه وتنزيله، وحجته على خلقه، أحكم تأليفه إحكاماً، وأنشأه بأحسن الإنشاء؛ فجعله برهاناً وتفصيلاً، سماه قرآنا عربياً لقوم يعقلون.
وأدين بأن المقاييس والرأي في الدين دين إبليس اللعين.
وأشهد أن لله المشية في جميع أفعاله، من زيادة ذلك ونقصانه، ومحوه وإثباته.
وأشهد أن الله تبارك وتعالى لم يقطع وحيه، ولم يقبض نبيه صلى الله عليه وعلىآله حتى أكمل دينه، وبيّن له جميع ما يحتاج إليه؛ من الحلال والحرام، والفرائض والأحكام، والمواريث والأقسام، وجميع ما فيه النجاة من النيران والوصول إلى دار السلام.
وكذلك أشهد أنَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكتم شيئاً من الحق، بل أدى عن الله الصدق، ونهى عن الكذب والفسق، والكفر والظلم، والجور والبغي، وكل مالا يجوز في الدين، هذه شهادتي عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم(1).
[الصحابة وأمهات المؤمنين]
ولا أنتقص أحداً من الصحابة الصادقين، والتابعين بإحسان المؤمنات منهم والمؤمنين، أتولى جميع من هاجر، ومن أوى منهم ونصر، فمن سبَّ مؤمناً عندي استحلالاً فقد كفر، ومن سبّه استحراماً فقد ضل عندي وفسق.
__________
(1) سقط من هنا ورقة من المصورة عندي من (أ).

(1/170)


ولا أسبّ إلاَّ من نقض العهد والعزيمة، وفي كل وقت له هزيمة، من الذين بالنفاق تفرَّدوا، وعلى(1) الرسول صلى الله عليه مرة بعد مرة تمردوا، وعلى أهل بيته اجتروا وطعنوا.
وإني أستغفر الله لأمهات المؤمنين، اللواتي خرجن من الدنيا وهن من الدين على يقين، وأجعل لعنة الله على من تناولهن بما لايستحققن من سائر الناس أجمعين.
ولا أنكر الحوض، ولا الشفاعة. {لَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}[الأنفال: 42]. {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}[فصلت: 46].
فهذا ديني واعتقادي والحمدلله رب العالمين، وصلواته على خير خلقه أجمعين، محمد وعترته الطيبين، وسلم عليهم أجمعين، وحسبنا الله ونعم المعين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
****
__________
(1) في (ب): وعن.

(1/171)


كتاب البالغ المدرك
m
بالله تعالى أستعين وأتوكل.
قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجب(1) على البالغ المدْرِك في بلاد الكفر وغيرها؛ أن ينظر إلى هذه الأعاجيب المختلفات؛ المدركات بالحواس، من السماء والأرض وما بث فيهما من الحيوان، المجتلبة إلى أنفسها المنافع، ، النافرة عن المضار؛ أنها محدثة؛ لظهور الإحداث فيها، معترفة بالعجز على أنفسها؛ أنها لم تصنع أنفسها، ولم تشاهد صنعتها، وتعجز أن تصنع مثلها، وتعجز أن تصنع ضدها. فلما شهدت العقول على أن هذا هكذا؛ ثبت أن لها مدبراً حكيماً دبرها، ومعتمداً اعتمدها، وقاصداً قصدها، ليس له شبيه، ولا مثيل؛ إذ المثل جائز عليه ما جاز على مثله؛ من الانتقال والزوال، والعجز والزيادة والنقصان. وأنَّ بإحداثه إياها له المنّة عليها، إذ كانت الرغبة(2) منها في البقاء، ونفورها عن الفناء؛ دالةً على المنّة عليها بالبقاء، وأن الممتن عليها ببقائها؛ هو المنعم عليها بإحداثه إياها.
__________
(1) في (ب): قال عليه السلام: يجب. وفي (ج): قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم: يجب.
(2) في (ب): الرغبة بالبقاء لها في البقاء.

(1/172)


فإذا علم البالغ(1) أن هذا هكذا، كان عليه أن يشكر المنعم عليه، فإذا علم أن شكر المنعم عليه واجب؛ كان عليه يشكر المنعم(2)، وشكر المنعم عليه هو: الطاعة له، وفي الحكمة التقويم بين المطيع والعاصي، وفي ذلك إيجاب الثواب والعقاب. فلما تصرمت أعمار المطيعين ولم يثابوا، وتَقَضّت آجال العاصين ولم يعاقبوا؛ وجب على قَوَد التوحيد واطراد الحكمة أنَّ داراً بعد(3) هذه الدار؛ يثاب فيها المطيعون، ويعاقب فيها المسيئون. وهذه أمور أوجبتها الفطرة، واستحقت بالإيمان، وقليلٌ مَن تقررت المعرفة في قلبه إلاَّ باستقرار أوليها، وشهادة بعضها على بعض، وتضمين كل شيء منها ما قبله وبعده، واستطراد ذلك كله في العقول.
فلما أن كان ذلك كذلك، كان في ضرورة العقل أن لا سبيل له إلى علم كيفية الطاعة دون الخبر(4) من عند المنعم بكيفيّة الطاعة، إذ لا يمكن الخبر من الله مُلاقاةً لله، فإذا علم أن الخبر لا يمكن من الله مشافهة لله، علم أن خبر الطاعة لا يمكن إلاَّ برسول من عند المنعم، بائن من البشر في أعلامه وأفعاله.
فمن هاهنا لزم البالغ المدرك أن يعلم أن لله رسولاً من قبل(5) أخبار الناقلين، فلما لم يَجُز إلاَّ بعثة الرسل، وكانت الرسل من البشر، وفي مثل تركيب المبعوث إليهم، وعباداً لله مثلهم؛ لم يَجُز تصديقهم على الله إلاَّ بدلالة بينة، وحجة قاطعة؛ يعلم الخلق بعجزهم عنها أن الله تولى ذلك على أيديهم، فجاءت الرسل بالآيات التي ليس في قوى الخلق المجيء بمثلها، فوجب تصديقهم على الله بعد الحجة والبيان.
__________
(1) في (ج): المدرك.
(2) في (أ) العبارة هكذا: كان عليه أن يعلم أن شكر المنعم عليه، فإذا كان عليه أن يعلم أن شكر المنعم عليه كان عليه أن يعلم أن شكر المنعم عليه هو الطاعة.
(3) في (أ): غير.
(4) في (ب): عند الخبر.
(5) في (ج): رسولاً لا مِن قِبَل.

(1/173)


فمن أدرك أزمنتهم، وشاهدهم في عصورهم، وقامت عليه حجتهم، لزمه الإقرار بهم، والتسليم لأمرهم، والقبول لما جاؤا به، وسقط عنه كثير من الكلفة في تمييز الأخبار، وامتحان الناقلين. وبحسب ما قامت عليه الحجة؛ كلفه الله الذب عن دينه، والقيام بحجته.
ومن تراخت به الأيام عن لقائهم، وكان في غير أعصارهم، كانت الحجة عليه ـ في معرفتهم، والقبول لما جاؤا به، والديانة لما دعوا إليه ـ: توالي الأخبار التي في مثلها يمتنع الكذب، ولا يتهيأ بالاتفاق، ويكون سامعها مضطراً في فطرته إلى أن ناقليها لا يمكن مثلهم الكذب، ولا التواطؤ على مقالة(1)، كقوم مختلفي الأجناس، متبايني الديار، متقطعي الأسباب، متفاوتي اللقاء، متراخي الأزمنة، ينقلون خبراً واحداً، متسق النظام، محروساً عن الغلط، محصناً عن الوهم، ولعله يجرح(2) في مال أحدهم وبدنه، لا يعارضهم فيه معارض بتكذيب، قد كاد ـ ولَمَّا ـ أن يكون عياناً(3). وقد يجيء بين ذلك أخبارٌ بعضها مستحيل كونه في العقول، ويبعد أن يجيء بمثلها رسول؛ لما فيها من الكذب والزور(4)، ولن تجيء هذه الأخبار مجيء إجماع أبداً، وإنما سبيلها الشذوذ، والغلط في التأويل، وفي معرفة مخرج الخاص(5) من العام، وفي معرفة المحكم من المتشابه.
__________
(1) في (أ): ولا المقالة.
(2) في (ج): يخرج.
(3) في (ب): قد كاد يكون ولما لم يكن عياناً. وهذا هو الخبر (المتواتر). والمعنى: أن مُخبَره قد قارب أن يكون مشاهداً للقطع به وليس هو بمشاهد.
(4) هذا هو (المردود) وهو الذي يحكم العقل باستحالة صدوره عن الرسول لما فيه من المخالفة لصريح المعقول ونص المنقول، وذكر الإمام عليه السلام أنه لايجيء متواتراً أبداً ولامجمعاً عليه وإنما يكون آحادياً وشاذاْ، وأن المشكلة تكون في تأويله ومعرفة مخرجه ووجهه وطريقة الاستدلال به.
(5) في (ب): معرفة الخاص.

(1/174)


فمن هذه الأخبار(1): ما هو في أصله منسوخ. ومنها: ما هو في مخرجه عام وفي معناه خاص.
ومنها: متشابه يحتاج إلى بيان. ومنها: ما حفظ أوله ونسي آخره. ومنها: ما روي مرسلاً بلا حجة فيه، ولا تبيان لمتدبريه(2). ومنها: ما دُلس على الرواة في كتبهم(3). فيا لله كيف حارت العقول، وقلدت الأتباع، وتقسمت الأهواء، وتفرقت الآراء، ونبذ القرآن، وغيرت السنن، وبدلت الأحكام ، وخولف التوحيد، وعاد الإسلام غريباً، والمؤمن وحيداً خائفاً، والدين خاملاً.
فتسديدك اللهم وعونك، فإنا لم نؤت في تفرقنا من قَبلِك، ولا في اختلافنا من قَدَرك، كذب المدعون ذلك فيك، وهلك المفترون ذلك عليك، ونحن الشهود لك على خلقك، والناصبون لكل من عند عن دينك، واتهم قضاك، وجانب هداك، وأحال ذنبه عليك، ونَسَبَ جوره إليك، أو قاسك بمقدار، أو شبهك بمثال، وقد قطعت العذر بكتابك المنزل، وأكملت دينك على لسان نبيك المرسل، محمد صلى الله عليه وآله وسلم(4).
أما بعد: فإن الدين لما عفت آثاره، وانطمست أعلامه، واضمحلت أنباؤه، وسدت مطالعه، عندما فقد من أنصاره، والقائمين بحفظه وحياطته؛ نطق الكاظمون(5)، وظهر المرصدون، ولله جل ثناؤه إلى كل رصد من الباطل طلائع من الحق، ومع كل داع إلى الضلال بينات من الهدى، وإلى جنب طريق كل حيرة سببٌ واضح من الإرشاد، وفي كل شيء حجة قاطعة.
__________
(1) هذا تقسيم منه عليه السلام لأخبار الآحاد (المقبولة) باعتبار الواقع وبالنظر للمتن مع توضيح بعض أسباب الاختلاف في قبولها أو ردها، وكذلك في مدلولاتها، وهو تقسيم واقعي ذكي.
(2) لعله يريد (المجمل)، أو الذي ليس له شاهد. ولم يرد (المرسل) عند المحدثين. والله أعلم.
(3) لعله يريد (المدسوس)، ولم يرد (المدلس) عند المحدثين. والله أعلم.
(4) في (ب): تم نصف كتاب البالغ المدرك.
(5) في (ب): الجاهلون. والكاظم: الساكت.

(1/175)


فأما رسل الله صلوات الله عليهم فقد قاموا بحجج البلاغ، وأدوا وظائف الحقوق، وبلغوا ما عليهم من فرض النصيحة، وأنفذوا شرائط الله عليهم في خلقه، وأوقفوا العباد على سبيل النجاة(1)، وسلكوا بهم منهاج السلامة، وحذروهم طرق الحيرة، واحتملوا في جنب مرضاته الصبر في البأسآء والضرآء، صلوات الله عليهم ورحمته وبركاته.
وفيما بين أزمنة الرسل فتراتٌ في مثلها يتحير الضلال، ويدفن الحق، ويغمض البرهان، بتظاهر(2) الجبارين على أولياء اللّه وأهل طاعته، وهنالك يندب الشيطان ولاته، ويبث دعاته، وينصب حبائله، ويدخل على الناس الشبهة، ويضطرهم إلى الحيرة.
__________
(1) أوقفه: أطلعه وأعلمه.
(2) في (ب): بتظافر.

(1/176)


وليست فترة من الهدى، ولكنها فترة من الرسل، وفيها كتبه وحججه، وبقايا من أهل العلم يحيون العلم ويحيون به، قد وجهوا لله رغبتهم، وامتحنهم الله بأهل دهرهم، قد تمسكوا بنور كتابه، وعرفوا مواقع حججه، في كل بدعة حدثت، أو شبهة نزلت، فهم من الناس في أذى وجهد، ومن الله سبحانه في كلاءة وحفظ، فهم الأقلون عدداً، والأعظمون عند الله قدراً، ولن تخلوَ أمةٌ من مغتال لها مفرق لجماعتها، وآخر داع إلى هداها وصلاحها؛ ممن نظر فاعتدلت فطرته، وصفت طبيعته، وكان نظره بعين النصيحة لنفسه، قد ملَّك عقلَه الحكم على هواه، وقيد شهواته بإسار الذل تحت سلطان الحكمة، فأسلمه ذلك إلى مباشرة اليقين بربه، فاستلان ما استوعر منه (المترفون ، واستأنس إلى ما استوحش منه)(1) الجاهلون، وصحب الدنيا أيام حياته وقلبه معلق بالمحل الأعلى، لا تعتريه سآمة ولا فتور؛ من طلب ما أمل من عيش مقيم، قد أيقن بالخلف فجاد بالعطية، دلَّهُ الله فاستدل، وخاطبه ففهم عنه أحسن الإرشاد، طيبة نفسه(2) بكل ما بذل في جنب الله؛ لأنَّه هجم على اليقين، وأنس بالتقوى، فضمنت له النجاة، وخرج من غمرات الشكوك إلى روح الإستيقان، فأقام الدنيا مقامها الذي أقامها الله، واستهان بالعاجلة، وآثر العاقبة، ومهّد لطول المنقلب.
__________
(1) سقط من (ج).
(2) في (ب): طيب بذلك نفسه.

(1/177)


ولن يعدم أن يكون في الخلق من قد استبهم عن الفهم(1)، وولج في مضائق الحيرة، أعمى حيران، يدعو إلى العمى، ويقول: اعتزل البدع، وفيها اضطجع، ويقول: اجتنب الشبهات وفيها وقع، متبع لآثار أَوَّلِيه، مقتد بآبائه، أكثر ما عنده تقليد أسلافه، وائتمان أكابره. والإنسان على ما جرت عليه تربيته، والإلف إلى ما سبق إلى اعتقاده، ضنين بفراق عادته، لم يَتَقَسَّم التفتيش قلبه، ولم يُجْرِ في طلب طرق البحث فكره، ولم تميزه المناظرة، ولم يعتوره الإحتجاج، ولم يَتَنَسَّم(2) روائح اليقين، ولا نظر في العلل التي معرفتها نهاية الإستبصار، متوسدٌ غمرة الإختلاف وحيرة الفرقة، غُفْلٌ عن تمييز الأمور، فهو عقيم القلب من لقاح الهدى، ظمآن إلى مرشد يحسن تبصرته، ويريه الحق من وجوهه، وليس على يقينٍ مما اعتقد، والظن مستول على قلبه، والشبهة دواؤه، والحيرة ثمرته، نتاج إرادته الإختلاط، ولكل أمر سبب، والعلل كثيرة، والأسباب متفاوتة، مجتمعة ومفترقة، لا يميزها إلاَّ من وطئ أوائل الأمور التي بها يهجم على معرفتها، ولكل شيء منها حد متى تُعُدِّي سلَّم متعديه إلى الهلكة؛ لأنَّه جاز(3) الحدود المضروبة له.
__________
(1) يعني لحق بطبع البهيمة فلم يفهم.
(2) في (ج): يتنشق.
(3) في النسخ جرع كذا، وما أثبته من هامش (ج).

(1/178)


فواجب على كل بالغ عاقل أن ينظر في نجاته، ولن ينتفع ناظر بنظره إلاَّ بسلامة قلبه من الزيغ، وطهارته من الهوى، وبراءته من إلف العادة التي عليها جرى، والقصد بإرادته ونيته إلى العدل والنصفة، وإعطائه كل أمر من الأمور بقسطه، والحكم عليه بقدره، وأخذ نفسه بالوظائف المؤدية له إلى النجاة، وحراسة قلبه من الأمور المسلمة له إلى الضلال، والحائلة بينه وبين حسن الإصطفاء، وإصابة الصواب(1)، وترك التقليد، ويكون طالباً لقيام الحجة، لازماً لمنازل القرآن، متمسكاً به، مؤثراً له على ما سواه، ملتمساً للهدى فيه، فلن يعدم الهدى من قصد قصده(2)؛ لأن الله جل ذكره ضمن لمن اتبع هداه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
فبمثل هذه الشروط يستبان البرهان، ويستشف الغامض من الصواب، وتستبان دقائق العلوم، ويهجم على مباشرة اليقين بربه، فيهتك الشكوك عن قلبه، ويؤيد بنصرته، ويسعد في درجات اليقين بربه، أولئك أهل العقول الراجحة، والفطن الصحيحة، والآراء السليمة، وأولئك بقية الله في خلقه، وخيرته من عباده، وخلصاؤه من بريته، وأوتاد أرضه، ومعادن دينه.
تم والحمد لله وحده، تم كتاب البالغ المدرك وصلواته على محمد النبي وآله وسلم تسليماً.
__________
(1) في (ج): واختيار الصواب
(2) في (ج): قصدُه قصدَه.

(1/179)


كتاب الديانة
m
قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن رسول الله صلى الله عليه:
إنَّا ندين بأن الله واحد أحد، ليس له شبيه(1) ولا نظير، ولا مثل ولا عديل، ولا كفؤ في وجه من الوجوه، ولا معنى من المعاني.
وأنه ليس بذي صورة، ولا حد ولا غاية ولا نهاية، ولا بذي أجزاء ولا أعضاء، ولا بعضه غير بعض، ولا يقع عليه الطول والعرض، ولا يوصف بالهبوط ولا الصعود، والتحرك والسكون، والزوال، والعجز والهرب والجهل والانتقال(2)، والتغير من حال إلى حال، ولا يحويه مكان، ولا يمر عليه وقت ولا زمان.
وأنه قبل كل مكان، وحين وأوان، (ووقت وزمان)(3)، وأنه خلق المكان من غير حاجة إليه، وإنما خلقه لحاجة الخلق إليه، وأنه في السماء إله، وفي الأرض إله، وفي كل مكان إله، خالق مدبر، تعالى من غير أن يحويه شيء، ولا يحيط به، ومن غير أن يكون حملة العرش يحملونه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، (وأنهم يحملون العرش، وأما الله ـ سبحانه وبحمده ـ فإنه أعز وأجل من أن يحمله أحد من الخلق، والخلق أعجز وأضعف من أن ينالوا ذلك منه أو يقدروا عليه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً) (4) ومن غير أن يكون كما يستوي الإنسان على سريره، ولكنه استوى على العرش ، والعرش فهو: الملك، واستواءه مُلكه وقهره، بلا ند يشاوره، ولا ضد ينافره، ولا معين يوازره، وهو كما قال الملك في كتابه، بلا كيف، ولا تمثيل، ولا تحديد.
وأنه شيء لا كالأشياء، ولا شيء يعد له سبحانه وبحمده.
وأنه ليس بجسم ولا جسد، ولا فيه صفة من صفات الأجساد، ونعتها وهيئتها، من تأليفها واتصالها، واجتماعها وافتراقها، وكينونة بعضها على بعض على المجامعة والمفارقة والمباشرة والدخول والخروج، والقرب في المسافة، والبعد في العزلة، والغيبة وطول السفر. وأنه لا يحتجب بشيء من خلقه، ولا يستتر به، ولا يبدو له فيدركه (وأن الفكر لا يبلغه، وأن العقول لا تقدره، والأوهام لا تناله، والضمائر لا تمثله، والأبصار لا تدركه)(5)، وأن العيون لا تراه لا في الدنيا ولا في الآخرة. وأن من زعم أن الأبصار تدركه، وأن العيون تراه مجاهرة؛ فقد قال قولاً عظيماً. وأن من زعم أن العيون(6) تكيفه، أو قال يرى في القيامة بشيء مما عليه العباد، فيرونه بذلك الشيء أو يدركونه، وسمي ذلك الشيء حاش لله فقد قال إفكاً وزوراً؛ لأن كل من وقفت عليه الرؤية فمحدث ، وما مسته الأيدي أو سمعته الأذان أو أدركه الذوق أو الشم فمحدث.
__________
(1) في (أ) و(ج): شبه.
(2) في (أ): والهرم والسقم والإنتقال.
(3) ليس في (أ).
(4) سقط من (أ) و (ج).
(5) صح في (أ) و(ج).
(6) في (أ): العين.

(1/180)


وكذلك كل ما خلقه الله أو يخلقه فلا يُدْرَكُ به إلاَّ ما كان محدثاً، وكذلك كل ما في قدرته أن يخلقه؛ مما ليس في حكمه أن يكوِّنَه؛ فلو خلقه أو صنعه لم يُدْرَكْ به إلاَّ ما كان محدثاً. والله فهو القديم الدائم، فلا عين تراه، ولا يدرك بأداة، إنما يعرف بخلقه، ويستدل عليه بآياته، وتدبيره في سمائه وأرضه، من صغير الخلق وكبيره، وقليله وكثيره. فذلك سبيل العلم به، والوصول إلى معرفته، وتحقيق ربوبيته.
وتصحيح الإيمان به، أنَّه خالق هذا الخلق ومدبره، وصانعه ومقدره، وربه وإلهه ومالكه، لا شريك له ولا نظير، ولا معين ولا وزير، ولا ند ولا ضد، ولا شبه ولا مثل. وأن من شبهه بشيء من خلقه كائناً ذلك الشيء ما كان، أو وصفه بتحديد، أو زعم أن أن بيننا وبينه حجباً ساترة، وأنه لو رفعت تلك الحجب لأدركناه ورأيناه، فقد قال قولاً عظيماً. وأن من وصفه بالكيفية والماهيّة فقد جهل واجترأ، وأن من زعم أنَّه لا يعبد شيئاً؛ فهو كما أخبر عن نفسه لا يعبد شيئاً، ومن قال هو خالق الشيء ولا يقال له شيء؛ فقد حار وجار عن طريق القصد والهدى.

(1/181)


وأن الله علام الغيوب لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ولا في الدنيا، وأنه القادر الذي لا يعجزه شيء من الأشياء، لم يزل عالماً قادراً، ولا يزال قادراً عالماً، ليس لقدرته غاية، ولا لعلمه نهاية، وليس علمه وقدرته سواه، هو القادر لا بِقُدْرَةٍ سواه، والعالم لا بعلم سواه، وهو السميع البصير، ليس سمعه غيره، ولا بصره سواه، ولا السمع غير البصر، ولا البصر غير السمع، ولا يوصف بسمع كأسماع المخلوقين، ولا ببصر كأبصارهم، تعالى الله عن ذلك. ولكنه سميع لا تخفى عليه الأصوات، ولا الكلام ولا اللغات، بصير لا تخفى عليه الأشخاص، ولا الصور ولا الهيئات، ولا مكان شيء من الأشياء وموضعه، ولا يغيب عليه شيء من أمره وحاله، لم يزل سميعاً بصيراً، ولا يزال كذلك تبارك وتعالى. وأن له قدرة وعلماً، وسمعاً وبصراً، ليس ذلك على إضافة شيء ثان إليه تبارك وتعالى، ولا كما ظن المشبهون أن له وجهاً وصورة وتخطيطاً، وأنَها نفس في جسد، حاش لله من ذلك، ولكنه على تحقيق إثباته جل جلاله.

(1/182)


وأن من زعم أن علمه محدث، وقدرته محدثة، كان غير عالم ثم علم، وغير قادر ثم قدر؛ فقد قال قولاً عظيماً. ومن قال: إن علمه وقدرته وسمعه وبصره صفات له، وأنه(1) لم يزل بها موصوفاً قبل أن يخلق الخلق، وقبل أن يكون أحد يصفه بها، وقبل أن يصف هو بها نفسه، وتلك الصفات ـ زعم ـ لا هي الله، ولا هي غير الله؛ فقد قال منكراً من القول وزوراً. ومن قال بهذه المقالة، ثم زعم أن هذه الصفات لا هي الله ولا هي غير الله؛ فقد أتى إثماً مبيناً. ومن قال: ليس لله علم ولا قدرة، ولا سمع ولا بصر؛ فقد جهل واجترا، وقال مقالة الزور والفرآء، ومن قال: لا يقال لله علم، ولا يقال ليس له علم، فقد ضيع من الدين واللغة حظاً نافعاً. ومن قال: علم الله هو الله، وقدرة الله هي الله، وسمع الله هو الله، وبصر الله هو الله؛ فقد قال في ذلك بالصواب. ومن قال: علم الله محدث أحدثه الله، وفعل فعله، وهو حركة؛ والحركة زوال من مكان إلى مكان؛ فقد افترى على الله الكذب. ومن قال: لا يعلم الشيء حتى يقدره، فإذا قدره علمه. وكذلك من قال: محال أن يعلم الشيء قبل أن يكون. وكذلك من زعم أنَّه على العرش دون السموات والأرض.
وأنه ليس في السماء ولا في الأرض، ولكن علمه في السموات الأرض، وفي كل مكان علمه، وفي كل شيء علمه، وعلمه معنا حيث ما كنا، وعلمه منا قريب، وهو إلينا أقرب من حبل الوريد. فأما الله فهو منا بعيد، لا أنَّه في موضع محدود، وليس هو في سائر الخلق موجوداً(2)، وكذلك من زعم (أن لله خنصراً أو بنصراً، أنَّه أخرج خنصره للجبل لما تجلى له، ومن زعم) (3) أن له وجهاً حاراً لو كشفه لأحرق ما أدركه بصره.
وأن له كفاً محدودة، وأصابع معدودة، وأنامل باردة، وساقاً وقدماً، ولساناً وفماً. وكذلك من زعم أنَّ له حداً ومقداراً، وصورة من الصور، وهيئة من الهيئات. وكذلك من زعم أن الله تبدو له البدوات.
__________
(1) في (ب): لأنه.
(2) في (ب) و(ج): موجود.
(3) زيادة من (ج).

(1/183)


وأنه يريد أن يفعل الشيء ثم لا يفعله لنيّة تبدو له فيه، وأنه يخبر أنَّه سيفعل كذا وكذا ثم يبدو له فيه فلا يفعل؛ فكل هؤلاء قد قال الكذب، وقال ما لا برهان له به ولا سلطان، فتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
[تكليف أهل الفترات]
وندين بأن حجة الله قائمة على أهل الفترات البالغين، الأصحاء السالمين؛ بفطر عقولهم، وما يجدونه في أنفسهم، وما يرونه في سموات الله وأرضه، وما يأتي به الليل والنهار، من عجائب تدبيره، وما قد ورد عليهم من أخبار الأنبياء المتقدمين، وأخبار كتبهم وشرائعهم وأحكامهم، ودعوتهم القائمة إلى عبادته وحده، وإثبات ربوبيته وطاعته، وإثبات جنته وناره،ووعده ووعيده، والإيمان بالبعث والنشور، وأن لا يشركوا بعبادته أحداً، ولا يعبدوا شيئاً سواه، وأن لا يطاع المخلوق في معصية الخالق؛ فمن عرف من أهل هذه الفترات حق الله الذي أوجبه عليه، وآمن به وأطاعه، ولم يعبد شيئاً غيره، واجتنب جميع ما حرم الله عليه، وصدق الأنبياء، وآمن بكتاب الله وملائكته ووعده ووعيده، وجنته وناره، وبالبعث بعد الموت، والنشور(1) والحشر إلى يوم القيامة، والحساب، والثواب والعقاب، حتى يموت على ذلك فهو من أهل ثواب الله وجنته، ومن خالف ذلك إلى الجحود والكفر والشرك؛ فعبد شيئاً مع الله، أو شيئاً دون الله، أو جحد القيامة والبعث والنشور، ولم يؤمن بجنة ولا نار، ولا حساب، ولا ثواب ولا عقاب، ولا وعد ولا وعيد، حتى يموت على ذلك؛ فهو من أهل النار خالداً مخلداً فيها أبداً.
وندين بالإيمان باللوح المحفوظ على ما ذكره الله في كتابه، ودان به رسوله صلى الله عليه وعلىآله وسلم.
[حكم الله في المؤمن الذي سبق العلم بانتقاله عن الإيمان]
__________
(1) في (ب): والنشر.

(1/184)


وندين بأن من كان مؤمناً بالله، عاملاً بطاعته، مؤدياً لفرائضه، مجتنباً لمحارمه، وقد علم الله منه أنَّه سيغير ويبدل، وينتقل من الإيمان إلى الكفر، ومن هدى إلى ضلالة؛ أنَّه في حال إيمانه وطاعته؛ ولي الله، مستوجبٌ لثوابه وجنته، وأن الله محبٌ له راض عنه ما دام متمسكاً كذلك، فإذا بدل وغيّر، وانتقل من الإيمان إلى الكفر؛ صار عند الله عدواً لله، ملعوناً مستوجباً لسخطه وناره. ولو أن عبداً كفر بالله، وعمل بمعصيته وترك طاعته، وفي علم الله أنَّه سيتوب ويؤمن، أنَّه في حال كفره ومعصيته عدو لله ملعونٌ، مستوجبٌ لسخط الله وناره، فإذا تاب وآمن صار ولياً لله، مستوجباً لثوابه وجنته؛ لأن الله جل جلاله لا يعادي على العلم، ولا يوالي عليه، ولا يثيب عليه ولا يعاقب عليه(1)، ولا يسخط على من لم يسخطه، ولا يغضب على من لم يغضبه، ولا يرضى على من لم يرضه.
تم كتاب الديانة وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
****
رسائل
خاصة بالتوحيد
__________
(1) يعني أن الله جل وعلا لا يوالي أحداً على ما علم منه من الطاعة ولا يعادي أحداً على ما علم منه من المعصية حتى يفعل ذلك، وعند ذلك يصير مستوجباً.

(1/185)


كتاب المسترشد(1)
m
الحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وآله الطيبين وسلم عليهم أجمعين.
الحمد لله الذي علا بطوله، وجل بحوله، الداني في علوِّه، والنائي(2) في دنوِّه، رب العالمين، وفاطر السموات والأرَضِين، الذي بان(3) عن مشابهة المخلوقين، وتقدَّس عن مناظرة المحْدُودين، المتجلِّي لعباده الموقنين؛ بما أراهم من بدائع فعله في المربوبين، بل بما أراهم في أنفسهم من عظيم تدبيره، وبين لهم فيهم من لطيف صنعه وتقديره، فكلهم يشهد له ضرورةً بالربوبية، وينطق له ويقر بالفعل والأزلية، كما قال ذو الجلال والسلطان؛ فيما نزل على نبيه من النور والفرقان، حين يقول سبحانه وتعالى عن كل شأن شأنه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}[الزمر: 38]، وقال سبحانه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}[العنكبوت: 61]، فسبحان الذي عِلْمه بخفيات ضمائر الصدور، كَعِلْمِه بما بان وظهر من الأمور، الذي لا تخفى عليه الخفيات، ولا تستتر عنه المستورات، ولا تحتجب عنه المحجوبات، ولا تَعْرُوه الغفلة والسنات، ولا تنتظمه بتحديدٍ الصفات، ولا تنقصه الأيام والساعات، بادئ خلق الإنسان من طين، والباعث له يوم الدين، المجازي لعباده على أعمالهم، المحيط بالصغير والكبير من أفعالهم، مقيل العثرات، وغافر السيئات، المعطي على الحسنة حسنات(4)، قابل التوبة من التائبين، الواحد الفرد الكريم، الرءوف بعباده الرحمن الرحيم، العدل في أفعاله الجواد، البريء من جميع أفعال العباد، المتعالي عن اتخاذ الصواحب والأولاد، كذلك اللّه ذو العزة والأياد.
__________
(1) في (ج): الجزء الأول من جزئين من كتاب المسترشد. وفي هامش ط: عبارة. وفي (أ): وكفى وصلى الله على محمد المصطفى وعلى من طاب من عترته وزكى. وفي (ج): وحسبي الله ونعم المولى ونعم النصير ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي القدير.
تنبيه: جرينا في ترتيب كتاب المسترشد على النسختين (أ) و(ج)، وفي (ب) اختلاف في الترتيب.
(2) النائي: البعيد، ولا يخفى أن المراد التجوز عن حضوره بعلمه، وبعده بذاته عن المماسة.
(3) بان هنا بمعنى: بَعُد.
(4) في (ج): الحسنات.

(1/186)


وصلى اللّه على محمد خاتم النبيين، ورسول رب العالمين، والحجة على جميع المخلوقين، المصلح لله في بلاده، والداعي إليه جميع عباده، السراج الزاهر المنير، صفوة اللطيف الخبير.
ثم نقول من بعد الحمد لله والصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم:
[باب تفسير معنى العزة في حقه تعالى]
إن سأل سائل فقال: ما معنى قول اللّه ذي الجلال: {وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}[المنافقون: 8]، وقوله: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ}[الصافات: 180]، وقوله: {العَزِيزُ الْجَبَّارُ}[الحشر: 23]؟
قلنا له ـ إن شاء اللّه تعالى ـ : إن معنى العزيز هو: الممتنع الذي لا يُرَام(1)، ولا يُنَاصى ولا يُضَام، ولا يَعِزُّ أبداً من أذل، ولا يَذِلُّ أبداً من أعز، الذي(2) لا يعجزه شيء، ولا يقدر عليه شيء، مُدْرِك مَطْلُوبيه، وغالبُ مُغالبيه، ومُذلُّ مُناصبيه(3).
وأما العزة فهي: العزة التي أعز اللّه بها عباده المؤمنين، وأولياءه المتقين.
__________
(1) الرَّوم: الطَّلب، والمناصاة: المنازعة، والمعنى أنَّه سبحانه لعظمته لا يطلب ولا يغلب.
(2) في (أ): فسبحان الذي.
(3) المُناصب: العدو.

(1/187)


فأول إعزازه لهم محبته إياهم، ورضاه عنهم، وغفرانه ذنوبهم، وتأييدهم وتوفيقهم، فإذا فعل ذلك بهم فقد أعزهم وأَيَّدهم، وأعطاهم من العزة ما لم يعط غيرهم، مع ما جعل وأعطى أهل المعرفة به والدين، والإخلاص له والعلم واليقين، من أهل بيت الرسول عليه وعليهم أفضل السلام(1) من الكرامة، والولاية والاستخلاف في الأرض والإمامة، فحكم بالأمر والنهي والطاعة لمن كان كذلك منهم حكماً، وعزم به لهم دون غيرهم عزماً، فجعلهم خلفاء الأرض الهادين، القائمين بقسط رب العالمين، وأمناءه على جميع عباده المؤمنين، يأمن في سلطان من كان على ما ذكرنا منهم المؤمنون، ويخاف في دولتهم وقربهم الفاسقون، خافضين لأجنحتهم، واضعين لجبريتهم، أَوِدَّاؤهم المطيعون لله وإن بعدت أرحامهم، وأعداؤهم المحادُّون له وإن قربت أنسابهم، فهم كما قال اللّه سبحانه فيهم، وفيمن كان من أوَّليهم وآبائهم، حين يقول: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَينَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغَضْاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}[الممتحنة: 4] اتبعوا قول اللّه وعملوا به، حين يقول جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله: {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَو كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} إلى قوله: {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[المجادلة: 23]. أهل(2) فظاظة على الكافرين وغلظة، ورحمة بالمؤمنين ورأفة ورِقَّة، يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويبتغون الفضل من اللّه
__________
(1) سقط من (أ) من أول الكتاب قدر ورقة وما أثبته من (ب) و(ج).
(2) في (ب) و (ج): فهم أهل.

(1/188)


والنجاة، ويطلبون منه الرضوان والرحمة(1) والحياة، فهم كما قال اللّه سبحانه فيهم وفيمن تقدم من آبائهم، ومن سلك مسلكهم(2) من أوِدَّائهم(3)، بهم ضرب اللّه الأماثيل في التوراة المطهرة والإنجيل، وهم وُعِدُوا في واضح التنزيل الرَّحمةَ والمغفرةَ والجزاءَ العظيم، ألا تسمع كيف يقول في ذلك الرحمن الرحيم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} إلى قوله: {مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}[الفتح: 29]؟ فأي عزة أعز من عزة أولياء الرحمن(4) وحزبه، وأعداء الشيطان وحربه، الذين جعلهم اللّه حُكَّام أرضه، وأطلق أيديهم في إنفاذ حكمه، وأوجب طاعتهم على جميع خلقه، وأمرهم بمجاهدة الكافرين، وضمن لهم النصر على من خالفهم من الفاسقين، أولاد النبي، ونسل الوصي، ومعدن العلم والرحمة، والبر والفضل والحكمة، مختلف الملائكة المقربين، ومهبط وحي رب العالمين، الذين من الرجس طهروا(5)، وبولادة الرسول كرموا(6)، وبذلك في التنزيل ذكروا، وذلك قول الرحمن الرحيم، فيما أنزل من النور الكريم: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}[الأحزاب: 33]، وَلَكَثيرٌ ما جاء من تفضيل اللّه عزَّ وجل لآل الرسول، فيما نزل من واضح التنزيل والقول، مما يطول ـ لو شرحناه ـ به الكتاب، ويعظم ويجل به القول والخطاب، والحمد لله على ما خصنا به من الفضل المبين، وجنبنا سبحانه عن الحظ الغبين(7).
باب جامع لمعاني الإرادة من اللّه وتفسيرها
والرد على من قال من الخلق بأزليتها
[إرادة الله في أفعاله]
__________
(1) سقط من (ب): والرحمة.
(2) في (ب): سبيلهم.
(3) في (ج): من أولادهم..
(4) في (ب): فأي عزة أعز عزاً من أولياء الرحمن.
(5) في (ب): طهرهم.
(6) في (ب): كرمهم.
(7) الغبين والمغبون: الضعيف.

(1/189)


إن سأل سائل فقال: أخبرونا عن إرادة اللّه ذي الجلال، أتقولون: إنها قديمة أوَّليَّة، كالعلم والقدرة أزلية.
قيل له: إن العلم والقدرة خلاف ما سألت عنه من الإرادة؛ لأن العلم والقدرة من صفات الذات، والإرادة حادثة بإحداث المحدثات، والإرادة فمخلوقة محدثة كسائر المحدثين، والعلم والقدرة فأزليان غير مخلوقين.
والدليل على ما قلنا به وفيه من ذلك، والشاهد لنا على أنَّه في اللّه سبحانه كذلك، أن العلم والقدرة لو كانا شيئين محدثين، لكان يلحق بالله عزَّ وجل العجز والجهل في الحالين؛ لأنَّه إن جاز أن يكون فَيْنَةً(1) غير عالم؛ فقد كان بلا شك جاهلاً، وإن جاز أن يكون فينة من الدهر غير قادر فقد كان بلا مرية في العجز داخلاً، والله يتعالى عن ذلك، فقد ثبت بحمد اللّه أنَّه لم يزل قادراً عالماً، ومن الآفات والصفات الزائلات الناقصات سالماً؛ وإذ قد صح أنَّه لم يزل عالماً قادراً في كُلَّ الحالات والأوقات؛ فقد صح أن العلم والقدرة من صفات الذات.
وأما الإرادة منه جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله فمُحْدَثة مُكَوَّنة موجودة، وعن صفات ذاته زائغة بائنة، تحدث بإحداث فعله؛ إذ ليس هي غير خلقه وصنعه؛ لأن إرادته للشيء خلقُهُ له، وخلقُه له فهو إيجاده إياه، وإيجاده إياه فهو إرادته له، فإذا خلق فقد أراد وشاء، وإذا أراد فقد خلق وبرأ، لا فرق بين إرادته في خلق الأجسام ومراده؛ لأن إرادته لإيجاد الأجسام؛ هو خلقه لما فطر من الصور التَّوَامِّ، لا تتقدم له إرادة فعلاً، ولا يتقدم له أبداً فعل إرادة، ولا تفترق إرادته وصنعه، بل صنعه مراده، ومراده إيجاده.
__________
(1) الفَيْنةُ: الساعة والحين.

(1/190)


وإنما تتقدم الإرادة فعل المفعول؛ إذا كان الفعل مخالفاً للمفعول المجعول، وكان الفعل متوسطاً بين الفاعل ومفعوله، فحينئذ تتقدم إرادة المريد أفاعيله ومعموله، وذلك فلا يكون إلا في المخلوقين، ولن يوجد ذلك أبداً في رب العالمين؛ لأن كل مفعول للمربوبين فإنَّما قام وتجَسَّم، واستوى من بعد العدم وتُمِّم(1)؛ بالفعل المتقدم له من الحركات؛ له بالرفع والوضع في الحالات. من ذلك ما يُعْلَم ويُرَى، من عمل الصانع البنَّاء، وإحكامه لما يُحْكِم من البناء، فالفاعل البناء قبل الفعل، والفعل قبل المفعول؛ لأن فعل البَنَّاء هو الحركات والتَّحيُّل(2) بالرفع والتسوية والتقدير، والوضع لحجر فوق حجر، ومَدَرٍ بعد(3) مدر، حتى يتم له بفعله مفعوله، ويلتئم له ببعض حركاته معموله، ولو لا ما كان منه من فعله، لما تّمَّ له ما تم من مفعوله، فبفعل الفاعل كان المفعول، وبتحيُّله قام وتم له المجعول، فالفاعل من الآدميين جسم وأدوات، وفعلُه فَعَرضٌ بيِّنٌ بالحركات، ومفعوله فبعد عَرَضِ الفعل يوجد في الحالات، فكل جدارٍ وجد أو دارٍ، أو ثوب(4) مخيط بخيوط، أو رسم بكتاب مكتوب، أو غير ذلك من الأمور والأسباب، التي هي من أفعال العباد؛ فلم تكن إلاَّ من بعد الحركات، اللواتي هن أعراض غير متلاحقات(5)، ولذلك جاز فيها تقدم الإرادات والنيات.
__________
(1) في (ج): وتم.
(2) بالحاء المهملة: يعني المعالجة.
(3) في (ب): فوق.
(4) في (ج): أو عقدة معقودة أو ثوب.
(5) لأن العرض لا يبقى زمنين كما هو معروف عند المتكلمين.

(1/191)


وكلما أوجده الرحمن؛ فهو فعل لذي الجلال والسلطان، ولا يقال: إنَّه له مفعول، إلاَّ على مجاز الكلام المعقول، لما بينا، وشرحنا في أول الكلام وقلنا؛ من أنَّ المفعول لا يكون إلاَّ وقد تقدم قبله الفعل من الفاعل، ولا يكون فعل بين مفعول وفاعل إلاَّ وهو حركات، بأدوات وتحَيُّل وتفكر وآلات(1). فتعالى عن ذلك ذو المن والجلال والسلطان، وتقدس عن الحركات والتحيل الواحد المنان، الذي كلُّ خلقه له فعل، الذي إذا أراد شيئاً أن يكون كان، بلا كلفة ولا عون أعوان، أمرُه نافذٌ كائن، ومرادُه لمراد غيره فَمُفارقٌ مباين. ومن الحجة على من زعم أن إرادة اللّه متقدمة لفعله؛ أن يقال له: ألست تزعم أن إرادته متقدمة لأفعاله؟ فإذا قال: كذلك أقول. قيل له: ألست تعلم في صحيح العقول أن ذلك إن كان كذلك فهما شيئان اثنان: الإرداةُ شيء، والفعل شيء؟ فلا يجدُ بُداً من أن يقول: أجل، فيقال له: فأي الاثنين تَقدَّم صاحبَه، فكان وحدث قبله؟ فإن قال: الإرادة حدثت قبل الفعل؛ فسواءٌ كان بينهما قليل أو كثير؛ فقد أوجب وأدخل بذلك على ربه النية والضمير، والانطواء على مالا يجوز في اللطيف الخبير، ومتى قال بذلك قائل؛ فقد شبَّه ربه بالمخلوق الزائل، ذي الجوانح(2) المضمرات، والإرادات(3) المتصرفات، والآراء المتناقلات، وهذا فإبطالُ التوحيد، ونَفْسُ الكذبِ على الواحد الحميد، ونَقْضُ ما في القرآن(4) المجيد.
__________
(1) يريد بهذا أنَّه في حقه تعالى ليس إلا فعل وهو الموجود، وفاعل وهو اللّه، وليس الفعل في حقه إلاَّ المفعول، ولا المفعول إلاَّ الفعل، ولا واسطة لأنها هي العرض، وهو من لوازم الجسم، والله ليس بجسم وأفعاله ليست أعراضاً كما عرفت، وحينئذ لا تحتاج إلى توسط الإرادة والنية.
(2) الجوانح: الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر.
(3) في (ب) و (ج): والأدوات.
(4) في (ج): ما نزل في الكتاب.

(1/192)


وإن هو قال: بل الفعل سبق الإرادة ـ وقد علم وعلمنا أن الفعل هو المخلوق ـ فقد قال: إن الخالق للمخلوقين غير اللّه رب العالمين(1)؛ لأن اللّه سبحانه وجل عن كل شأن شأنه لا يخلق إلاَّ ما يشاء، ولا يشاء إلاَّ ما يريد من الأشياء، وكذلك قال الرحمن، فيما نزل من الفرقان: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68]، وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج: 14]، وقال سبحانه: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18]، ففي كل ذلك يخبر أنَّه لن يفعل إلاَّ ما يشاء، ولن يشاء إلاَّ ما يريد من الأشياء، فكذلك اللّه تبارك وتعالى. أَوَلا ترى أن الفاعل لما لا يريد؛ فَجَاهلٌ مذموم من العبيد، فكيف يقال بذلك في الواحد الحميد؟! ومن الحجَّةِ على من قال إن الإرادة من اللّه سابقة للمراد، وإنها في اللّه ذي العزة والأياد كالعلم والقدرة(2)، وأنه لم يزل مريداً، كما لم يزل قادراً عالماً، أَنْ يُقال لهم: هل كان اللّه في الأبد والقدم خالقاً لما أراد أن يخلق؛ إذ لم يزل في قولك مريدا للخلق، كما أنَّه لم يزل عالماً بما يكون، قادراً على فعل ما يشاء، إذا أراد فعله وشاءه؟
__________
(1) وذلك لأن اللّه تعالى لا يفعل إلاَّ ما يريد، ولو سبق الفعل الإرادة لكان قد خلى عنها، وكان قد فعل حينئذ مالا يريد، وليست تلك صفته التي أخبر بها عن نفسه، فيكون الفعل إذاً لغيره كما ترى، أو له وقد وقع بغير إرادة، تعالى عن كل ذلك الفعال لما يريد.
(2) سقط من (أ) من هنا إلى قوله: لإيجاده وصنعه.

(1/193)


فإن قال: نعم، فقد أثبت الخلق مع اللّه في القدم، فتعالى عن ذلك ذو الجلال والكرم؛ إذ قد جعل معناه ومعنى غيره من العلم والقدرة سواء، ومتى كانا سواء؛ فلم يفترقا في سبب ولا معنى، فكلُّ ما نزل بأحد هذه الثلاثة الأشياء ـ من العلم والقدرة والإرادة ـ فهو نازلٌ بصاحِبَيْه، وحالٌّ بمشاكِلَيه، ومحيط بمُناظرَيه.
ولا يخلو مَن جعل المشيئة والإرادة كالعلم والقدرة من أن يحمل العلم والقدرة على معنى الإرادة والمشيئة، أو أن يحمل معنى المشيئة والإرادة على معنى العلم والقدرة، فإن حمل العلم والقدرة على معنى المشيئة والإرادة والخلق؛ جعلهما مخلوقين محدثين بأحق الحق، وإن حمل معنى الخلق والإرادة على معنى العلم والقدرة؛ جعل الإرادة والخلق شيئاً قديماً أزلياً، وفي أزلية الإرادة أزلية الخلق، وفي ذلك إبطال التوحيد، والشرك بالله الواحد الحميد.
فقد بطل قول من قال بأحد هذين المعنيين، لما بان لأهلهما فيهما من الفساد في كلتى الحالتين، وثبت ما قلنا به؛ من أنَّه لا فرق بين إرادة اللّه تعالى ومراده، وأن الإرادة منه تعالى هي المراد، وأن مراده هو الموجود المُدبَّر، الكائن المخلوق المجعول، إذا أراده فقد كوَّنه، وإذا كوَّنه فقد أراده، لاتسبق له حالة حالة، في الفعل منه سبحانه والإرادة. فسبحان علام الغيوب، ومقلب القلوب، ونسأل اللّه الواحد الحميد أن ينفعنا بما علمنا، و أن يَمُنَّ علينا بإيزاع الشكر فيما امتن به علينا. ومما يُحْتَج به على أهل هذا المقال، المتحيَّرين في اللّه الضُّلاَّل، أن يقال لهم: خبرونا عن إرادة اللّه سبحانه لخلق السموات والأرض، هي إرادته لإبادتهما وتبديلهما في يوم الدين؟

(1/194)


فإن قالوا: نعم، قيل لهم: فهلا وقعت بهما الإبادة والتبديل مع وجود خلقهما سواء سواء، فقد يلزمكم ـ في أصل قولكم وقياسكم ـ أن تقولوا: إن الأرض والسماء قد بادَتَا وبدلتا، ساعةَ ما خُلِقَتَا وأُوْجدتا؛ إذ اللّه سبحانه قادر على ما يشاء؛ وإذ مراده نافذٌ ماضٍ أبداً؛ لأنكم تزعمون أن إرادة اللّه لخلقهما وإيجادهما هي إرادته لإبادتهما وتبديلهما، ومتى كانت الإرادة في ذلك واحدة سواء؛ فلا شك أن المراد يقع مجتمعاً معاً، لايسبق بعضه بعضاً؛ إذ لم يتقدم من الإرادة شيءٌ شيئاً.

(1/195)


فإن قالوا: ليست الإرادة من اللّه لخلقهما بإرادته لإبادتهما وتبديلهما؛ لأن إرادته نافذة، وقدرته ماضية، وقد أراد أن يخلقهما فخلقهما، وإذا أراد أن يُبدِّلهما بَدَّلهما؛ فَقَدْ أقروا أن له إرادة تحدث في كل الحالات، ومتى كانت كذلك لم تكن أبداً أزلية، وزال عنها اسم القدم والأوَّلية، وإذا ثبت أنها حادثة ثبت أنها مُحْدثة، وإذا ثبت أنها محدثة ثبت أنها مَجْعُولة مقدَّرة، وإذا ثبت أنها مَجْعُولة مقدرة ثبت أن المجعول(1) هو المخلوق المدبَّر، وأن الإرادة ليست غير الموجود المفطور المصوَّر؛ وإذا قد ثبت ذلك فقد ذهب ما يقولون به من الفرق بين إرادة اللّه وفعله، وثبت أنَّ فعلَه إرادته، وأن إرادته سبحانه فعله، إذا أوجد شيئاً فقد أراده، وإذا أراده فقد أوجده. والحمد لله رب العالمين، وصلى اللّه على محمد خاتم النبيين، وعلى أهل بيته الطاهرين. ومن الحجة على من فَرَقَ بين إرادة اللّه وفعله، فَزَعمَ أن إرادته متقدمة لإيجاده وصنعه؛ قَولُ اللّه سبحانه: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[يس: 82]، فمعنى قوله سبحانه لمراده: كن؛ فهو إيجاده له وخلقه إياه، لا أنَّه يكون منه إليه قول ولا له؛ لأنَّه لو كان كما يظن الجاهلون، أنَّه يامره بالكون فيكون؛ لَكَان القول من القائل؛ متوسطاً بين المفعول والفاعل، والقول فهو فعل، ولو توسط الفعل من الرحمن؛ لكان مشابهاً لفعل الإنسان، بأبين ما يكون من البيان.
فقد بطل بحمد لله أن يكون كذلك، لما ذكرنا واحتججنا به أوَّلاً في ذلك. ومن الحجة عليهم، ومما يُبْطِل ما هو في أيديهم؛ أنَّه لو كان منه أمر له كما يقولون، لم يَخْلُ من أن يكون أَمَرَه وهو عدم غير موجود. ومُخَاطَبةُ العدم الزائل المفقود؛ فَأَحْوَلُ المحال، ومخاطبة العدم من الآدميين فأَضَلُّ الضلال، فكيف يجوز أن ينسب ذلك إلى الواحد ذي الجلال؟!
__________
(1) في (ج): المقدر.

(1/196)


أو يكون أَمَرَه وهو موجود، كائن قَائِمٌ غير مفقود؛ فأَمْرُ الكائنِ القائمِ الموجودِ بأَنْ يكُونَ محالٌ؛ لأنَّه قد استغنى بتجَسُّمِه وكَيْنُونَتِه عن التَّكوين في حال من الحال، كما لا يجوز أن يُؤْمَر القائمُ بالقيام، ولا النائمُ بالمنام، ولا الراكبُ في حال ركوبه بالركوب، ولا المُهرْوِل المُدْبِر بالخَبُوب(1)؛ لأَنَّه ـ إذا كان في الحال كذلك ـ مُسْتَغْنٍ عن أن يُؤْمَر بشيء من ذلك. فقد سقط أن يكون أمر من اللّه للشيء في حال من الحال، وإذا سقط (ذلك سقط) (2) ما يتعلقون به من زور المقال، وثبت(3) ما قلنا به من إيجاد اللّه سبحانه له ذي الجلال.
فإن قال قائل: إن معنى قول اللّه للشيء: {كُنْ فَيَكُونُ} هُوَ أن يقول للشيء: كن شيئاً آخر، مثل الصَّلصَال والْحَمَأ(4)، قال له: كن صورة وبشراً، فَكَانَ كما أمره ربه حقاً. ومثل النطفة قال لها: كوني علقة، فكانت علقة، ثم أمر العلقة فكانت مضغة، ثم قال للمضغة: كوني عظاماً فكانت عظاماً، فكساها لحماً، وجَسَّمها بقدرته جسماً، فهذه أشياء غير مفقودة؛ تؤمر فتنتقل أجساماً موجودة.
__________
(1) الخبوب والخًبَب: المشي السريع.
(2) ليس في (أ).
(3) في أ: ثبت. على أنه جواب: إذا.
(4) الصلصال من الطين هو: الذي له صوت كالفخار. والحمأ: الطين الأسود.

(1/197)


قيل له: إن الفروع لا تقاس على الأصل(1)، وإنما ترد الفروع إلى ما هي منه من الأصول(2)، وهذه الأشياء التي ذكرت فإنما هي مخلوقات، تنتقل من خلق إلى خلق في الحالات، وكذلك قال فيها، وسمَّاها بالخلق ودعاها؛ رب الأرباب، فيما نزل من محكم الكتاب، ألا تسمع كيف يذكر أنَّه خَلَقها، ولم يذكر في شيء من ذلك أنَّه أَمَرَها؟ وذلك قوله عزَّ وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}[المؤمنون: 12 ـ 14] ففي كل ذلك يذكر تبارك وتعالى أنه خالق مصور(3) لعبده مَنقِّلٌ في هذه الأشياء، ولم يذكر ـ فيما احتججت به في هذه الآية ـ له دون الخلق أمراً، والخلقُ من اللّه فَلا اختلاف بيننا وبينكم فيه، وإنما الاختلاف بيننا وبينكم في الأمر؛ الذي أزحتموه عن معنى الخلق ولم تقيسوه عليه، طمعاً أن تثبتوا قِدَمَ الإرادة على الفعل من اللّه الحميد، فتثبتوا بذلك عليه سبحانه التشبيه وتدفعوا التوحيد، فتشاركوا النصارى في قولها، وتمازجوا بأموركم أمرها، وَلَو أنكم أنصفتم عقولكم، وتركتم المكابرة عنكم، ثم رددتم متشابهَ الأمور إلى محكمها، وما شَذَّ من فَرْعِهَا إلى أصلها، ثم نظرتم إلى النطفة ممَّ هي؟ وممَّ كانت؟ حتى تنتهوا إلى مَا مِنْه ابْتَدَأَت وبَانَت، لَوجَدتُم أصل ذلك إن شاء اللّه من الطين، وأًصل الطين فَمن الماء بأَيْقَن اليقين، وكذلك
__________
(1) في (ج): لا تقاس عليها الأصول.
(2) الأصول: هي العناصر الأولى التي ابتدعت من العدم، والفروع هي التي تركب وتولف من مادة موجودة، فالهواء والماء والريح والنار أصول تفرعت وركبت منها سائر الأجسام.
(3) في (أ): مصرف.

(1/198)


فَأَصْلُ خلق الشياطين فمن مارج(1) من نار، فإذا رجعتم إلى الأصول الثلاثة، المفطورة المبتدعة: من الرياح الجارية المسخرة، وما خلق اللّه سبحانه من الماء، ومافطر فوقه من عجيب الهواء، ثم خَلَق من هذه الثلاثة الأشياء؛ جمِيعَ ما ذَرَأ وبَرَأ(2)؛ لكان(3) حينئذ يصح لكم القياس، ولا يقع عليكم إن شاء اللّه الالتباس، ويبطل الأمر الذي تقولون به وتذهبون إليه؛ إذ لا بد أن تُقِرُّوا أن هذه الثلاثة الأشياء؛ خُلِقَت وابْتُدِعَت من غَيْرِ ما أصلٍ مبتدأ، وأن اللّه الأَوَّلُ المُوْجِدُ لأصل كل ما أَوْجَد(4) وبَرَأ. فيسقط ما قلتم به في معنى القول من الله للشيء من اَنَّه أَمْرٌ من الآمِرِ للمأمور، ويثبت القول للموحدين بأن القول من اللّه للشيء هو: الإيجاد له والتكوين والتقدير، والإخراجُ من العدم إلى الوجود والتَّصْويرُ، أو تثبتوا مع اللّه في الأزلية والقدم شيئاً وأشياء، فتعالى عن ذلك العلي الأعلى. ومن قال من المخلوقين بذلك، وقع بحمد اللّه في غيابات المهالك، وخرج من معرفة الرحمن، وأَكْذَب ما ذكر اللّه في القرآن؛ من قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}[الزمر: 62ـ 63]، ولو كان لم يخلق شيئاً واحداً؛ إذاً لما كان خالقاً لكل ما ذكر من الأشياء.
وفي أقل مما قلنا به وتكلمنا، فَرقٌ بين إرادة اللّه وإرادتنا.
[إرادة الله في أفعال غيره]
__________
(1) المارج: اللهب المتقطع في الهواء.
(2) الذَّرءُ والبَرْءُ بمعنى: الخلق.
(3) قوله: لكان، جواب: ولو.
(4) في (أ) و(ج): كل ما يوجد ويُرَى.

(1/199)


فإن قال ذو مقال؛ من المُتَكَمِّهِيْن(1) الضُّلاَّل، المتعلقين بالشبهات والمَحَال: أليس قد أراد اللّه من الخلق أن يطيعوه، ويعبدوه فلا يعصوه؟ قيل له: كذلك اللّه تبارك وتعالى، وفي ذلك ما يقول اللّه العلي الأعلى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات: 56]، وقال: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة: 21]، فَلمَّا أن أمرهم بطاعته؛ عَلِمْنَا أنَّه لم يخلقهم إلاَّ لعبادته، وذَلِكَ فَمُرَادُه منهم؛ إذ لَهُ أَوْجَدَهم.
فإن قال: فهل كَانَ ما أراد ذو الجلال والسلطان؟ فإنكم إن قلتم: إنَّه قد كان ما أراد الرحمن، من الطاعة والإحسان(2)؛ أَوْجَبْتُم أن يكون الخلق كلهم مطيعين، ونَفَيتُم أن يكون فيهم أحد من العاصين، وإن قلتم: إنَّه لم يكن ما أراد الواحد ذو الجلال؛ فقد أقررتم بتقديم إرادة اللّه على كل حال.
قلنا: إن إرادة اللّه في فعله؛ هي خلاف إرادته في فعل غيره، وكلامُنَا(3) فإنَّما هو في فعل الرحمن، لا فيمن خلق وذرأ من الإنسان، فإرادته فيما خلق هو إيجاده له، على ما تقدم في أول كلامنا من القول فيه.
__________
(1) في (ب): المتكلفين. وفي (ج): المتكلمين، وفي هامش (ج): المتكمهين. والكَامِهُ: الذي يتخبط فلا يدري أين يتوجه.
(2) سقط من (ج): من الطاعة والإحسان. وفي (ب): ما أراد الرحمن الرحيم أوجبتم.
(3) في (أ): وكلاهما. وهو سهو.

(1/200)


وإرادته في أفعال عباده؛ إنما هي إرادة نهي وأمر، لا إرادة حتم وجبر، أراد منهم الطَّاعَة غير مُكْرِهٍ لهم عليها، كما أراد أن لا تكون منهم المعصية غير حائل بينهم وبينها، بل بالطوع منهم أراد كَوْنَها، لا بالإكراه لهم والقسر عليها والإجبار، فأمرهم ونهاهم، وبَصَّرهُم وهَدَاهم، ومكنهم من العَمَلَيْن(1)، وهداهم في ذلك النجدين، ثم قال سبحانه: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[القصص: 84]، ثم قال جل جلاله عن أن يحويَهُ قولٌ أو يناله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}[الكهف: 39].
فكانت إرادته في أفعالهم؛ هي الأَمْرُ لهم بالمَرْضِيِّ من أعمالهم، فنفذت إرادته في الأمر لهم كما أراد، ولو أراد أن يجبرهم على طاعته لجبرهم، ولو جبرهم على صنعهم وفعالهم؛ لكان العامل لما يعملونه ـ دونهم ـ من أعمالهم، ولو كان العامل لما عملوه(2)، لكان الآمَر لنفسه دونهم بما فعلوه، ولكان المشرك بنفسه لا هم، ولكان العابد لأصنامهم دونهم، لو كان على ما يقولون؛ إذ هو الصانع لكل ما صنعوا، الممضي دونهم لكل ما أمضوا، ولكانوا هم من كل مذمومٍ أبريآء، وفي حكم الحق مطيعين أتقياء، وعند اللّه للثواب مستأهلين سُعداء؛ إذ هم فيما صَّرفهم ربُّهم متصرفون، وفي قضائه ومشيئته ماضون. فتعالى اللّه الرحمن الرحيم، عما يقول فيه حزب الشيطان الرجيم.
[إرادة الله فيما أخبر به من المستقبل]
__________
(1) يعني عمل الخير وعمل الشر.
(2) في (ب): لما يعملونه دونهم من أعمالهم. وكذلك في (ج) بدون قوله: من أعمالهم.

(1/201)


فإن قال قائل: قَدْ فهمنا ما احتججتم به في الفرق بين إرادة اللّه في فعله، وإرادته فيما سوى ذلك من فعل غيره، فَمَا عندكم فيما قصَّه اللّه وذكره، وأخبر به من أخبار الآخرة وقيام الساعة؟ فهل أراد تبارك وتعالى أن تقوم القيامة، ويكون الثوابُ، ويقع بأهله العقاب؛ فقد نجده قد أخبرنا بذلك كله، فهل أراده كما أراد الإخبار به؟
فقولنا إن شاء اللّه لمن سأل عن ذلك: إن اللّه تبارك وتعالى أراد أن يخبر بما أخبر به ويذكر ما ذكر فكان ما أراد، وكانت إرادته في ذلك هي المراد؛ من الإخْبَار نفسِهِ، فأَمَّا أن يكون أراد أن تقوم القيامة ويقع الجزاء، عند ما أخبر به من خبرهما فلا، لم يرد ذلك، ولو كان مراده فيه كذلك لكان أول الخلق قد وَاقَعَ وعاين القيامة والجزاء، وكان قد انقطع النسل والنَّما، وحل بالأولين دون الآخرين ما يُتَّقى، ولكنه سبحانه أخبر عما سيكون من فعله، وهو سبحانه بغير شك يريد أن يقيمها في وقْت ما يشاء، والوقت فهو في علمه معلوم مسمى، فإذا أراد إقامتها قامت، وإذا شاء أن يُجَلِّيهَا تجَلَّت، ولم يشأ سبحانه أن يُجلِّيَها إلاَّ في وقتها الذي إليه أَجَّلها، كما قال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لَوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف:187] فهو سبحانه يريد أن يقيمها لوقتها، ولم يُرِدْ أن يقيمها في دون ما جعل من مُدَّتها، وبين (يريد) و(أراد) في اللغة واللسان؛ فرق عند جميع أهل العربية والبيان؛ لأن معنى: يريد فهو سيفعل، لا أَنه قد فعل، ومعنى: أراد فهو أمضى وفعل، لا أنه سيفعل، وبين الفعل المستقبل والفعل الماضي؛ فرق في جميع المعاني، من

(1/202)


القول والإعراب، وغير ذلك من غوامض الأسباب، يعرفه ويعلمه، ويقف عليه ذووا الألباب، وليس مَنْ قِيْل إنَّه يريد أن يفعل كذا وكذا؛ في الحكم كمن قيل إنَّه قد فعل ما به أقدم وعليه اجْتَرا. وَالْحُكْمُ من اللّه ورسوله، ومن الأئمة الهادين بالقطع والصَّلب، والقَتْل والضرب، والحبس والتنكيل، فَلاَ يقع على من يريد عمل ما جُعِل فيه ذلك ولم يفعله، وإنما يقع ذلك ويَجِبُ على من دخل فيه واكتَسَبه وفَعَلَه. وفي أقل من ذلك نور وبرهان، وفرق بين (أراد) و(يريد) وفصل وتبيان؛ عند كل ذي علم وحِجَى(1)، وبصيرة ويقين واهْتِداء.
(والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى اللّه على سيدنا محمد النبي المصطفى، وعلى من طاب من عترته وزكا) (2).
باب تفسير معنى قوله: الأعلى(3)
الأعلى فهو: العظيم المستعلي على الأشياء بقدرته، القاهر الذي لايرام لعزته وعظمته، الواحد البائن عن مشابهة شيء من خلقه، وكذلك معنى: (( تعالى علواً كبيراً )). لا ما يتوهم الجاهلون أنَّه مستعلٍ فوق شيء عال، يحيط به ذلك الشيء ويحويه ويحدق به، تعالى عن ذلك وحاشاه. وكيف يكون كذلك، أو يجوز فيه القول بذلك؛ وهو بكل مكان؟! كما قال سبحانه في واضح الفرقان: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة:7]، ولو كان كما يقول الضآلون، ويصفه به المشبهون؛ لبطل ما قال في القرآن؛ من أنَّه جل وعز بكل مكان.
باب تفسير قول الموحدين: إن الله بكل مكان
__________
(1) الحجى: العقل.
(2) سقط من (أ) أوله: باب تفسير معنى قوله الأعلى.
(3) من هنا إلى آخر الجزء الأول سقط من (ب).

(1/203)


إن سأل سائل مسترشد أو متعنت فقال: ما معنى قولكم: إن الله بكل مكان، تبارك وتعالى ذو المن والإحسان؟
قلنا له: معنى قولنا ذلك في ربنا: أنَّه الشاهد لنا غير الغائب عنا، (لا يغيب عن الأشياء، و)(1)لا يغيب عنه شيء قَرُبَ أو نأى، وهو الله الواحد الجليل الأعلى، لأن من غاب عن الأشياء كان في عزلة منها، والعزلة فموجدة(2) للحد والتحديد، ومن غابت عنه المعلومات كان من أمرها في أجهل الجهالات، وكانت عنه عَازِبةً غائبةً، والله سبحانه فلا تخفى عليه خافية، سراً كانت أو علانية.
فعلى ذلك يخرج قولنا(3) إن الله بكل مكان، نريد أنَّه العالم الشاهد لكل شأن.
باب الرد على من زعم أن الله عز وجل ممازج للأشياء وحال فيها
إن سأل سائل فقال: أين الله؟
قيل له: مسألتك تحتمل وجهين، وتتصرف في اللغة على معنيين:
أحدهما: أن تكون تريد:أين الله حالّ؟ وهذا فَباطِلٌ فاسد من المقال، متعال عنه ذو القوة(4) والعزة والجلال؛ لأن ذلك يوجب التحديد، ومتى وقع التحديد وقع التبعيض، ومتى وقع التبعيض وقع التشبيه،وإذا وقع التشبيه زالت الربوبية بلا شك عن ذلك الشي المبعَّض المحدَّد المُجَزَّأ، لأن الخالق على خلاف المخلوقين، ومن وصف(5) بصفة المربوبين؛ فقد أزيل(6) عنه أن يكون جاعلاً وصحح(7) أنَّه من المخلوقين، وبطلت وبَعُدت منه الوحدانية، وأزيلت(8) من صفاته ـ بغير ما لَبْسٍ ـ الأزلية، والله جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله فهو الواحد الأزلي، والخالق المُحْدِث الباري، الذي ليس له ضد ولا شبيه، ولا مثل(9) ولا عديل، وهو الله الواحد الفرد الصمد الجليل.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) كذا في النسخ. وفي هامش (ج): فموجبة.
(3) في (ج): معنى قولنا.
(4) في (ج): ذو القدرة.
(5) في (ج): وصفه.
(6) في (ج): أزال.
(7) في (ج): وصحح وأثبت.
(8) في (ج): وزالت.
(9) في (ج): مثيل.

(1/204)


وإن كنت تريد بقولك: أين الرحمن؟ تقول أين هو مدبر فاعل لكل شأن؟ فهو ـ كما ذكر عن نفسه ـ بكل مكان مدبر فاعل، يفعل في كل يوم ما يريد، يميت ويحيى، ويخلق ويرزق، وهو الواحد الحميد، العالم فلا يخفى عليه مختف(1)، بل علمه به كعلمه بالظاهر المتجلي، فهو سبحانه كذلك.
وهذا جوابنا وقولنا لمن سأل عن ذلك؛ لا ما يذهب(2) إليه المشبهون لربهم، المتكمهون(3) في بحور ضلالهم، والعابدون لغير إلههم، إذ هم يعبدون الذي يذكرون،ويصفون ويَنْعتَون، ويحددون ويُبَعِّضون،والله الخالق الباري فخلاف ما يصفون، فلذلك قلنا: إنهم غيرَهُ يعبدون، فالجاهلون يعبدون صورة وجسماً، والله فهو المُجَسِّم المصوِّر لكل جسم ومصوَّر، والمصوِّر فخلاف المصوَّر، لأن المصوِّر فاعل، والمصوَّر مفعول به، والفاعل فليس بالمفعول، لأن الفاعل قبل مفعوله. فقد بان أن المشبهين يعبدون غير رب العالمين، فقد كفروا بالخالق، وعبدوا المخلوق، فبعداً لأصحاب السعير، والحمدلله الواحد القدير.
باب تفسير معنى:
القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر
(القدوس) فهو: المستحق من خلقه للتقديس، والتقديس فهو: التنزيه والتعظيم، فكذلك ربنا الواحد الكريم.
و (السلام) فهو: السالم من الآفات التي تحل بغيره، النازلات بالخلائق، الحآلَّة بهم، الهاجمة عليهم.
و(المؤمن) فهو: المؤمِّن لأوليائه من أليم عذابه، الصارف عنهم ما يوقع بأعدائه من عقابه.
و(المهيمن) فهو: المتقدس الحاكم، (الفاصل حكمه العالم)(4) الشاهد على خلقه بحكمه العادل.
و(العزيز) فهو: الغالب الجليل، الممتنع المتعالي عن التشبيه والتمثيل، المتعزز فلا يرام، العظيم الجليل فلا يضام، المعز لأوليائه، المذل لأعدائه.
__________
(1) في (ج): عليه خفي من ذلك.
(2) في (ج): ذهب.
(3) في (ج): المنهمكون.
(4) ليس في (ج).

(1/205)


و(الجبار) فهو: المالك القاهر، الذي ما جَبَر من الأشياء كلها انْجَبَرَ، فكان على ما جبره عليه وصوره من الأجسام، فتبارك الله ذو الجلال والإنعام، الذي جبل الأشياء، وجبرها على ما شاء؛ من تصوير خلقها، وتركيب أجسامها وأبعاضها، وتقدير ألوانها وأماكنها، وتغيير طعم مأكولها واختلافها. فجبر السموات على ما أراد من الإرتفاع، وجبل وجبر الأرضين على ما أراد من الإندحاء والإتِّضاع. وجبر ما بينهما على ما شاء من التصوير والخلق،والتقدير والتركيب، وجبل وجبر العباد على ما شاء من تصويرهم، وخلق ما خلق من تقديرهم، فجعلهم من ضعف، ثُمَّ جعل من بعد الضعف قوة، ثُمَّ جعل من بعد القوة ضعفاً وشيبة، (يخلق ما يشاء)(1) كما قال اللّه سبحانه: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ}[الروم: 54]. وكذلك جبلهم على ماشاء من خلق أجسامهم، فجعل منهم الطويل والقصير، وجعل منهم النبيل(2) في جسمه والحقير، وكلهم مريد للأفضل من الأمور، فكانوا كما شاء أن يجعلهم، وجعل فعله فيهم وفي غيرهم آية لهم، كما قال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِلْعَالمِينَ}[الروم: 22]، فكان تركيب خلقهم كما أراد من تصويرهم، لا اختلاف في ذلك ولا تفاوت، كما قال سبحانه: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَينِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: 3ـ4]، فالحمدلله الذي جبل العباد وجبرهم على ما شاء من تركيب خلقهم، محبوبهم من ذلك وغير محبوبهم، ولم يجبرهم على شيء من أفعالهم، صغيرها
__________
(1) سقط من (ج).
(2) كذا في النسخ.

(1/206)


ولا كبيرها، دقيقها ولا جليلها، بل أمرهم ونهاهم، وبصرهم غيهم وهُداهم، ثُمَّ بعث إليهم النبيئين، فأمروهم بطاعة رب العالمين، وحذروهم أن يكونوا له من العاصين، وخلق للمطيعين ثواباً، وللعاصين نكالاً وعقاباً، ثُمَّ لم يَحُلْ بين أحد وبين طاعته، ولم يجبر أحداً على معصيته، بل أمر عباده تخييراً، ونهاهم سبحانه تحذيراً، ثُمَّ قال ذو المن والعزة والجلال؛ من بعد إكمال الحجة عليهم في كل حال: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً} [الكهف: 29]، وقال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 7ـ8]، فتبارك المتقدس عن خلق أفعالهم، المتعالي عن جبرهم على شيء من أعمالهم، العدل في كل أفعالِهِ، الصادق في كل مَقَاِله، البري من شبه المجعولات، المتعالي عن دَرْكِ الغفلة والسِّنات.
و(المتكبر) فهو: العظيم الجبِّير، الذي لا يشبهه في القدرة والعظمة كبير.
تم الجزء الأول من جزئين من كتاب المسترشد بمن الله وعونه، يتلوه في الجزء الثاني
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلى اللّه على محمد النبي وآله وسلم تسليماً.
باب معنى قوله: الكبير، ومخرج ذلك في اللطيف الخبير(1)
معنى (الكبير) فهو: البائن عن مشابهة المخلوقات، القديم الأزلي الذي لا تنقصه الساعات، الأول الذي لا تراه العيون ولا تعروه السنات، ولا تستتر عنه غوامض أسرار القلوب المحجوبات، ولا تحيط به الأقطار ولا تشتبه عليه اللغات، الذي هو من تخوم الأرضين كهو من أعالي السموات.
__________
(1) هذا الباب ساقط من (أ).

(1/207)


وكذلك القول في معنى قوله: (الجليل)، فتبارك من لا إله غيره، ولا شيء يشبهه، المصوِّر لكل صورة من خلقه، المقدِّر الذي لا يكون فعلٌ كفعله(1).
الجزء الثاني من كتاب المسترشد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً.
باب تفسير قول الله سبحانه{ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}
ومعنى(2) مَخْرَج النفس (في الله)(3) في اللغة والبيان، وما يدور بين العرب في قَيِّم اللسان.
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
إن سأل عن النفس سائل فقال: ما معناها عندكم في الله تبارك وتعالى ربِّكم، وعلامَ يخرج فيها تفسيركم؟ فقد نجد الله تعالى يقول لنبيئه موسى صلى الله عليه: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}[طه: 41]، ويقول: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}[آل عمران: 28،30].
__________
(1) إلى هنا النقص في (ب).
(2) في (ب): وما معنى.
(3) زيادة من (ج).

(1/208)


قلنا له: أيها القائل، المتحير في أمره السائل، إن الله سبحانه وتعالى عن كل شأن شأنُه لم يُرِد النفسَ التي تَتَوَهَّم، وإياها تَقْصد حين تتكلم؛ مِنَ الأنفس المُتَنَفِّسة بالرُّوح، المحتاجة إلى الرَّاحة والرَّوْح(1)، المُسْتَكِنَّة(2) في الأجواف، الجائلة في كل الأعطاف(3)، وكيف يكون ذلك وكل ذي روح أو نَفْسٍ(4)؛ فمِن خَلْقِه كائناً بغير ما شك ولا لبس؟ ألا تسمع كيف يقول عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَّبِّي وَمَا أُوْتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}[الإسراء: 85]، يريد سبحانه: مِنْ خَلْقِ خَالِقِي، وإِحْدَاثِ فَاعِلِي ومُحْدِثِي. ولو كان على ما يتوهم المشبهون، ويقول فيه المبطلون؛ مِنْ أنَّها نَفْسٌ مُسْتَجِنَّة في شيء، إذاً لقيل: إنهما اثنان، إذ النفس والشيء شيئان، ولو كانت نفساً مسْتَجِنَّة في شيء؛ لكانت النفس خلافاً لذلك الشيء، وللزم ذلك الشَّيْءَ الْعددُ والتَّحْدِيدُ، والتحرك والتحرف والانحدار والتصعيد، فتبارك من ليس كذلك، ولا على شيء من ذلك، بل هو الواحد الأحد، المتقدس الصمد، الذي ليس له شِبْهٌ(5) ولا مثيل، ولا ضدٌ ولا عَدِيل.
فأما قوله سبحانه: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}[طه: 41]، فإنما أراد بذلك: اصطنعتك لي، وقربتك نجيّاً منِّي. وكذلك قوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}[آل عمران: 28،30]، يريد: يحذركم عِقَابَهُ لتخافوه، وفي كل أموركم تَتَّقُوه، وفي سرائركم تراقبوه.
والقرآن فإنما نزل على العرب بلغتهم، وخاطبهم الله فيه بكلامهم.
__________
(1) الرَّوح بالفتح: نسيم الرّيح.
(2) يعني المستترة.
(3) الأعطاف: الجوانب.
(4) في (ب): وكل نفس أو روح. وفي (ج): وكل روح أو نفس.
(5) في (ب): شبيه.

(1/209)


والنفس تُدْخِلها العرب في كلامها، صِلَةً لجميع ما تأتي به من مقالها، وقد تزيد غير ذلك في مخاطبتها، وما تسطره من أخبارها، مثل (ما)، و(لا)،وغير ذلك مما ليس له عندها معنى، غير أنها تحَسِّن به كلامها، وتَصِلُ به قْيلَها وقالها.
من ذلك قول الرجل لصاحبه: أَتْيتُك بنفسي، وأَتيتنِي بنفسك، وإنما يريد: أتيتني أنت دون غيرك. وتقول العرب: ما منعك أن لا تأتيني؟ تريد: ما منعك أن تأتيني؟ فأدخلت (لا) صِلَةً لكلامها، وأثبَتَتْهَا كذلك في كتابها. وفي ذلك ما يقول الرحمن الرحيم، فيما نزل على نبيه من الفرقان العظيم؛ من قول موسى عليه السلام: {يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيتَ أَمْرِي} [طه: 92ـ93]، وإنما أراد صلى الله عليه: أن تتبعني، فأدخل (لا) صلة في الكلام.
ومثل هذا كثير فيما نَزَّل ذو الجلال والإكرام. من ذلك قوله سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَولِكَ}[آل عمران: 159]، وقوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ}[المائدة: 13]، يريد سبحانه، وعَظُمَ عن كل شأن شأنهُ: فبرحمة من الله لنت لهم، وأراد فبنقضهم ميثاقَهُم، فأتى فيهما بـ(ما)؛ صلةً لغير سبب ولا معنى. وكذلك وفي مثل ذلك ما يقول الشاعر:
بِيَومِ جَدُودٍ لا(1) فَضَحْتُم أَبَاَكُم…وسَالمْتُمُ والخيلُ تدْمي شَكِيْمُها(2)
__________
(1) في (ب) و(ج): وفضحتم.
(2) البيت من أبيات لقيس بن عاصم المنقري، لفظه في أمالي المرتضى 1/114:
ويومَ جَدُودٍ قد فضحْتُم ذمارَكُم… وسَالَمتمُ والخيل تدمْي نُحُورها.
وهو قيس بن عاصم بن سنان المنقري السعدي التميمي أبو علي، أحد أمراء العرب وعقلائهم والموصوفين بالحلم والشجاعة فيهم، كان شاعراً حكيماً، اشتهر وساد في الجاهلية، وهو ممن حرم على نفسه الخمر فيها، وفد مع تميم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، (سنة 9هـ) وأسلم، واستعمله على صدقات قومه، روى أحاديث، نزل البصرة آخر أيامه، وتوفي بها نحو سنة (20هـ). الأعلام 5/206.
وجَدُود: موضع فيه ماء يسمى بالكلاب، وكانت فيه وقعة مرتين، وخبره في العقد والكامل.

(1/210)


فقال: لا(1) فَضَحْتُم أباكم، وإنما أراد: فضحتم أباكم، فأتى بـ (ما)(2) صلة لغير معنى.
وقال الله ذو الجبروت والإنعام، يحكي عن نبيه عيسى عليه السلام، في قوله: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ}[المائدة: 116]، يعني صلى الله عليه: تعلم غَيْبَ أَمْرِي، وعلانيتي وسري، ولا أعلم ما غاب من فعلك، ولا أطَّلِعُ إلاَّ على ما أطلعتني عليه من وَحْيِك.
فهذا معنى ما عنه سألت، لا ما إليه من فاحش المقال ذهبت، في الله رب الأرباب، ومُسَبِّبِ ما يشاء من الأسباب.
__________
(1) في (ب) و(ج): لا ما فضحتم.
(2) في هامش (أ): بـ((لا)).

(1/211)


بل كيف يزعم المشبهون، ويقول على الله المبطلون: إن الله جسم وصورة،وإن فيما ذكروا من الصورة له نفساً تَجُول فيه من مكان إلى مكان؛ وقد يسمعون ويرون ما يقول الرحمن الرحيم، فيما نزل على نبيه من الوحي الكريم، حين يقول جل جلاله، عن أن يحويَهُ قول أو ينالَهُ: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}[آل عمران: 185]؟، فماذا(1) يقولون، لو كانت نفساً كما يزعمون ـ تعالى عن ذلك الرحمن، وتقدس ذو العرش والبرهان ـ: أتموت وتفوت، أم لا تموت ولا تفوت؟ فإن قالوا: تموت كفروا، ومن الإسلام خرجوا، وعند أنفسهم ـ فضلاً عن غيرهم من أضدادهم ومناظريهم(2)ـ افتضحوا، وإن قالوا: لا تموت ولا تفوت. قيل لهم: من أَيْنَ قلتم ذلك، وكان عندكم كذلك؛ وَقَدْ تسمعون ما حتم به الرحمن، على كل نفس في القرآن، وَلَم يستثن في ذلك نفساً له ولا لغيره، كما استثنى في غير ذلك من قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}[القصص: 88]، وقوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ}[الرحمن: 26ـ27]، فاستثنى عند هلاك الأشياء، أنَّه الباقي الوارث لكل الأحياء، واستثنى عند الزوال والفنآء؛ وجهه ذا الجلال(3) والبقاء. والوجه من الرحمن؛ فليس غيره تعالى ذو العزة والسلطان، ووجهه في اللغة والبيان؛ فهو ذاته بأبين البيان، فذاته وجهه، ووجهه سبحانه ذاته، ليس بذي تحديد ولا أعضاء، وهو الله الواحد العلي الأعلى، ولم يستثن عند هلاك الأنفس وموتها؛ نفساً لخالقها ومدبرها ومشيئها(4).
__________
(1) في (أ): فما.
(2) في (أ): ومناظيرهم. كذا.
(3) في (ج): ذو الجلال، وتحمل على أنها فاعل، واستثنى إن لم يتحمل ضميراً وإلا فبدل عنه.
(4) شيئها: جعلها شيئاً وأوجدها بعد عدمها.

(1/212)


أفأنتم في قولكم أعلم بالله منه بذاته؟ إذ قد نسبتموه إلى غير ما نسب إليه نفسه من صفاته؟ ولو كان كما تقولون، وإليه في قولكم تذهبون؛ إذاً لاستثنى نفسه من الأنفس التي تموت وتفنى، كما استثنى بقاءه من الأشياء التي تزول وتبلى، تعالى الله عن ذلك الرحمن الرحيم، وتقدس الله الواحد الكريم.
فمن أين قلتم: إنها له نفس في صورة تبقى، دون الأنفس التي حتم الله عليها بالفناء؟ أوجدونا بذلك حجة وتبياناً، واشرعوا لنا فيه قولاً وبرهاناً؛ من الكتاب والتنزيل، والسنة والتأويل، فلا تجدون ولله الحمد حجة ولا قولاً، ولا تستطيعون إلى إثبات باطل سبيلاً. وكيف يكون ذلك، أو تقدرون على شيء من ذلك؛ والله ذو الطول. فيما نزل من الفرقان يقول: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}[الأنبياء: 18]؟! فإن أنصفوا؛ كانوا من قولهم خارجين، و إلى قول المحقين راجعين، وإن كابروا وجحدوا، وتمردوا وعتوا؛ كانوا عند جميع الخلق مفتضحين، وبضد الحق متعلقين، والحمدلله رب العالمين، وسلام على المرسلين.
باب تفسير قول الله سبحانه:
{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ}
والرد على من قال: إن لله وجهاً وإنه صورة
يقال لأهل الجهالة والضلال، فيما يقولون به في الله ذي الجلال، ويصفونه به من الكذب والمحال، وينسبون إليه من فاسد المقال: ماذا تقولون في الله ربكم وما تعتقدون، إذ أنتم في قولكم تزعمون أن لربكم وجهاً كالوجوه التي تعقلون، وأنه ذو أبعاض(1) فيما تصفون، إذ يقول(2): {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]؟.
أفتقولون: إنَّ ما سوى وجهه من سائر أعضائه التي تذكرون تبقى معه، أم تفنى دونه؟
__________
(1) الأبعاض: الأجزاء.
(2) سقط من (ج): إذ يقول.

(1/213)


فإن قالوا: تبقى معه، قيل: وكيف يكون ذلك كذلك، ولم يذكر البقاء لشيء من ذلك؟ فلقد قلتم بخلاف قول العلي الأعلى، إذ لم يحكم(1) لغير الوجه بالبقاء، وأنتم تقولون: إنَّه يبقى مع الوجه غيره من الأعضاء، فلقد بقى مع الوجه إذاً شيء وأشياء، وإن قالوا: لايبقى مع الوجه غيره من الأعضاء؛ قيل لهم: فقد دخل على الله سبحانه في قولكم الزوال والفناء، والإمحاق(2) والذهاب والهلاك والبلى، إذ بعضه في قولكم يموت، ويزول ويتغير ويفوت، فلقد أدخلتم على خالقكم الصفات الناقصات الزائلات، وأزحتم عنه ما وصف به نفسه من البقاء في كل الحالات.
فلا يجدون بداً من أحد هذين المعنيين المحالين، الباطلين في الله المخالفين، الذين يكونون بانتحال أحدهما بالله كافرين، وفي دينه فاجرين، ولجميع أهل الإسلام مخالفين، ومن الإيمان والحق خارجين؛ أو يرجعوا(3) إلى قول المحقين، ويتابعوا(4) ـ في مقالتهم ـ الموحدين، فيقولوا(5) كما يقولون: إن معنى الوجه في الله سبحانه وتعالى عن كل شأن شأنه هو الله، وإنه ليس بذي أعضاء، ولا أبعاض ولا أجزاء. وذلك فمعروف في العربية، يعرفه كل من فارق لسان الأعجمية، من ذلك ما تقول العرب: هذا وجه بني فلان، تريد أنَّه المنظور إليه منهم في كل شأن، وأنه رجلهم وسيدهم، والقائم في كل أمر دونهم. وتقول العرب: هذا وجه المتاع، تريد بذلك أنَّه أفضل ما يبتاع، وتقول: هذا وجه الرأي أي محضه وصدقه، وصوابه في كل أمر وحقه(6)، لا أن له وجهاً كما يعرف من الوجوه المخلوقة في البشر، المجعولة المقدرة، المركبة المصورة.
وفي ذلك وما كان كذلك ما يقول الشاعر:
__________
(1) في (ب): إذ قلتم إنه يحكم لغير الوجه بالبقاء.
(2) الإمحاق مخففاً: الهلاك، والإمحاق مشدداً: الذهاب وهما متقاربتا المعنى.
(3) في (ب): أو يرجعون.
(4) في (ب): ويتابعون.
(5) في (ب):فيقولون.
(6) انظر لسان العرب مادة: وجه.

(1/214)


وقد يهلك الإنسان من وجه أمنه…وينجو بإذن الله من حيث يحذر
فقال: من وجه أمنه، وليس للأمن وجه ولا صورة، وإنما أراد أنَّه يعطب(1) من الوجوه المأمونة عنده المحمودة.
وقال آخر:
أسلمت وجهي لمن أسلمت…له الأرض تحمل صخراً ثقالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت…له المزن تحمل عذباً زلالا(2)
وقال آخر:
أضحت وجوههم شتى فكلهم…يرى لوجهته فضلاً على الملل
فقال: (أسلمت وجهي)، وإنما أراد: أسلمت ديني، واستسلمت لربي، وقصدت خالقي بكل عملي، لا أنَّه أسلم وجهه دون قلبه، ولا قلبه دون عمله، ولا عمله دون نفسه وقوله.
ومن الحجة فيما قلنا به من البيان، من أن وجهه هو لا بعضه في قيم اللغة واللسان، ما يقول الشاعر:
إني بوجه الله من شر البشر…أعوذ من لم يعذ الله دمر
وقال آخر:
أعوذ بوجه الله من شر معقل… إذا معقل راح البقيع وهجرا
__________
(1) العطب محركاً: الهلاك.
(2) البيتان لزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي، أحد الحكماء، لم يدرك الإسلام ولكنه كان يكره عبادة الأوثان ولا يأكل مما ذبح عليها، رحل إلى الشام باحثاً عن عبادات أهلها فلم تعجبه اليهودية ولا النصرانية فعاد إلى مكة يتعبد على دين إبراهيم، فأخرجته قريش من مكة، وكان يكره وأد البنات ويأخذهن من عند آبائهن فيربيهن ثُمَّ يعرضهن بعد أن يترعرعن على آبائهن، فإن أبوا زوجهن الأكفاء، رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل النبوة وسئل عنه بعدها فقال: يبعث يوم القيامة أمة وحده، توفي قبل البعثة بخمس سنين لسبع عشرة سنة قبل الهجرة، له شعر قليل.الأعلام3/60.

(1/215)


ومما يحتج به أهل اللغة لما قال الشعراء(1) في ذلك قَولُ العلي الأعلى، مما بين فيه من أن وجهه هو لا بعضه مايقول سبحانه: {وَماَ آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}[الروم:39]، فقال: تريدون وجه الله، وإنما أراد سبحانه: تريدون الله.
ومن ذلك ما حكى رب العالمين، عن خير خلقه أجمعين، محمد وأهل بيته الطيبين، في ما كان من إطعامهم لمن ذكر الله من الأسير واليتيم والمسكين، حين يقول: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً}[الإنسان: 9]، فقال سبحانه: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} ذي الجلال والسلطان، وإنما أرادوا بذلك الله الواحد العزيز الرحمن.
وقال سبحانه في ما نزل من الفرقان:{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 148]، فقال سبحانه: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ}، أي لكلٍّ مؤتمٌّ(2) وقبلةٌ، ولم يرد بذلك من القول والخبر؛ أنَّه وجه مصور في صورة من الصور.
وقال: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[البقرة: 112]، فقال: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ} أراد بذلك سبحانه من أسلم نفسه لربه، فاستسلم له في جميع أموره، وأخلص له سبحانه دينه.
__________
(1) سقط من (أ): الشعراء. وفي (ب): ما قالت الشعراء، وفي (ج): وبما قالت في ذلك.
(2) المؤتم: الشيء الذي يقصد.

(1/216)


وقال جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ} [الروم: 43]، فأمره بإقامة وجهه للدين، والإخلاص في ذلك لرب العالمين، ولم يرد الوجه دون القلب وسائر الأبعاض والأعضاء، وإنما أراد بذلك العلي الأعلى: أقم نفسك لخالقك وربك، وتأويل أقم وجهك(1) فهو: قم بالدين بكليتك؛ لمصورك وجاعلك. وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]، فلم يرد سبحانه فيما ذكر عنهم: أن للنهار وجهاً كما يعقل من الوجوه ذوات التصاوير، التي أمر بغسلها عند الوضوء، فتقدس الله عن ذلك العلي الكبير(2).
وقال عز وجل: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا}[المائدة: 108]، يريد على حقيقتها وصدقها، لآ أن لها وجهاً عند جميع الخلق؛ غيرَ ما قلنا به من الحقيقة والصدق.
ومن الحجة في ذلك والبيان؛ ما يقول الله ذو الجلال والسلطان: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}[البقرة: 115]، ولو كان كما يصف المشبهون، ويقول به في الله الجاهلون: إنَّه وجه كما يعرف من وجوه المخلوقين ـ تعالى وتقدس عن ذلك رب العالمين ـ إذاً لما كان في كل النواحي والأقطار، فتعالى عن ذلك العلي الواحد الجبار؛ إذ المتوجه يتوجه شرقاً وغرباً ويمناً وشاماً، ولن يكون أبداً وجه واحد وجوهاً، كما لا تكون الوجوه الكثيرة وجهاً، وإنما أراد بقوله: {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}، أي أن الموجود في كل جهة الله الذي هو سبحانه بالمرصاد، لا يغيب عنه شيء من ضمائر أسرار العباد، وهو المحيط بالغيوب ذو المن والأياد(3).
__________
(1) في (ج) و(ب): نفسك.
(2) في (ب): العلي الكبير الأعلى.
(3) اليد: النعمة والإحسان تصطنعه، جمعه: يدي مثلثة الأول وأيدٍ وجمع الجمع أياد.

(1/217)


باب تفسير قول القائل: (واحد) ومخارجه في اللسان، وما ينفى من ذلك عن الرحمن عز وجل
إن سأل سائل ذو ارتياب، عن الله رب الأرباب، فقال المشبه الجاحد: ما معنى قولكم: إن الله واحد؟.
قلنا: إن الواحد يخرج على معان كثيرة، غير معنى ولا معنيين.
فمنها: الواحد من الجماعة والإثنين.
ومنها: النظير من نظيره، والشبيه في الروية من شبيهه.
ومنها: الجزء من الأجزاء، والعضو الواحد من الأعضاء، المتباينة والمؤتلفة، والمجتمعة والمختلفة، التي بالتئآمها يكمل الواحد المصور، وباختلافها ينقص المجعول المقدر. مثل: أبعاض الإنسان، المختلفة المجتمعة في كل شأن، التي بكمالها يكمل تصويره ويتم، وبنقصانها يزول عنه اسم التمام ويعدم، فهذه أعضاء ذات أعداد، بهن يكمل الواحد ذو الأنداد. ومن ذلك الشيء المتقلب من الحالة إلى الحالة [مثل الإنسان، وخَلْقِ الله له من السُّلالة؛ التي خلقها وقدرها من طين، وجَعْلِه إياها(1) نطفةً في قرار مكين، ثُمَّ خلق النطفة علقة، ثُمَّ خلق العلقة مضغة، ثُمَّ خلق المضغة عظاماً، ثُمَّ كسا العظام لحماً، ثُمَّ أنشأه خلقاً آخر، فتم بقدرته في الحالات؛ جسماً واحداً كامل الأدوات، وذلك قوله جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَونَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}[المؤمنون: 12 ـ 14]، والخلق الآخر: فقد يحتمل أن يكون ما جعل فيه من بعد أن كساه لحماً من العروق والعصب، والمفاصل والقصب. وما فطر من عجيب خلق الرأس، الذي جعله سواء في جميع الناس، فجعله سبحانه قواماً للبدن كله، وأظهر فيه اعاجيب صنعه وفعله، فخلقه قطعا،
__________
(1) في (ج): وجعله إياه.

(1/218)


وجعل فيه طرقاً لما فيه من الأدوات، فكلهن فيه سالكات، جاريات متشعبات، ولخالقهن بالقدرة شاهدات، وبلطيف تدبيره فيهن ناطقات. ثُمَّ ركب فيه العينين،وحَجَّر فيه المحجَرَين(1)، وجعل في المحجرين الْغَارَين، وصوَّر في الغارين المقْلَتَين، وخلق في المقلتين النَّاظِرين،وجعل المحيط بإنسانهما ـ لتكامل التحقيق من عيانهما ـ أغشيةً من مدلهمَّات الجلابيب، ومتكاثفات اسوداد الغرابيب، ضافيتي الأنطاق، ناصعتي(2) الاطباق، جعلهما ـ جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله ـ شحمتين اختص أوساطهما بالسواد، وجعله آلة للنظر في القرب والإبعاد، ولغير ذلك من الإنحدار والإصعاد، ثُمَّ جعلهما حصينتي الأطباق، حديدتي الآماق، للإدارة والإطراق، وتقلب المقلة في الحُمْلاق(3)، وغشاهما بأرواق الأجفان، بالرأفة منه سبحانه والإحسان، والعائدة بالفضل على الإنسان؛ لتلتئم عند الهجوع مطابقهما، وتطمئن لذلك علائقهما، وتريح من الحركة مدامعهما، ليقوى نظرهما، ويثقب بصرهما، ولو كان مكان سواد إطباقهما، ناصعاً ببياض نطاقهما؛ لقصرتا عن بلوغ مناظرهما، ولعجزتا عن تحديد إبصارهما، ولكثر إغماضهما، ولَقَلَّ إيماضهما. ثُمَّ حجب عنهما سبحانه بأجفانهما الأذى، وأماط عنهما بأشفارهما القذى، فلَمَّا أحكمهما بالتقدير، وأتقنهما بالتدبير، غشاهما بالحاجبين، وأظل بالحاجبين ما استجنَّ من العينين، لعلمه سبحانه بضرورة الناظِرَيْن؛ إلى ما ركب من الحاجبين، ثُمَّ جعل فيهما ـ من بعد إتقان تدبيرهما ـ شَعَراً مُسْودّاً ظاهراً عليهما، ليزيد سواده في قوة نظرهما عند استقبالهما، لبُعد اعتمادهما، ولو لم يكونا بزينة الشعر مخصوصين، وكانا مما زُيِّنتا به محطوطين(4)؛ لنقص من العينين
__________
(1) محجر العين: ما دار بها وبدا من البرقع، أو ما يبدو من النقاب.
(2) في (أ): باصعتي.
(3) الحُملاق: باطن العين الذي يسوده الكحل.
(4) في (ج): مخصوصتين، وكانتا مما زينتا به محطوطتين.

(1/219)


نظرهما، ولتَضَوَّع(1) في أرجائهما نورهما، ولعَشِيَ عن مقر التحقيق بصرهما. ثُمَّ مثَّل بينهما خالقهما أنفاً مُسْتروِحاً لأنفاسه، موقوفاً لرجعه واحتباسه، فأقام رسم حَدِّه، وأحسن التصوير في قَدِّه، وجعله هواء، معتدلاً سواء، ولولا ما دبَّر فيه، ورَكبَّه من الإحكام عليه؛ لم يُؤّدِّ ـ بلطيف اعتباره، ودقيق اختباره ـ المَحْسُوس إلى قراره، ولعجز عن بلوغ مدى الإسترواح، ومستقر غاية الأرواح، فجعله سبحانه من أصليته ناشزاً، وجعل في سراته(2) حاجزاً، ليوقف(3) رجع الأنفاس، بين العجلة والإحتباس، قسمه بحكمته، لتكامل لطيف نعمته. ثُمَّ شق تحت وتر أَرْنَبتَهِ(4)، مَسْلَكَ ما قدَّر من أغذيته، وخلق فيه لساناً(5) مؤدياً عن منطقه ولفظه، بين طبقتين خلقهما لحفظه، فجعله لحماً، وأجرى فيه عروقاً ودماً، ولو جعله عصباً قاسياً، أو فطره عظماً جاسياً، لَكَانَ ذلك له من الترجمة مانعاً، وعن الجَوَلاَن بالحركات قاطعاً. فسبحان من جَعَلَه معبراً عن ضمائر الصدور، ومترجماً لكل ما تميزه العقول من الأمور، وَرَكَّبَ فيه استطاعة لفظه، وخصَّه بالوافر من حظه، وأجرى فيه عذوبة ريقه، لتمييزه بين مُختَلِفِ ذوقه. ثُمَّ علق على أقاصيه عقد لَهَاتِه، ليعرف بها لذيذ شهواته؛ نعمة من الخالق على خلقه، ليلتذوا بالطيبات من رزقه، ولو كان موضعها منها عاطلاً، لم يكن الالتذاذ إلى ملتذه واصلا، ولرجعت مختلِفَات أنفاسه، إلى المكنون من أمِّ رأسه. ثُمَّ فتق سبحانه، وعظم عن كل شأن شأنه بعد ذلك في مرتقها](6) سمعا(7)، جمع به محكم الآلات جمعاً، فأدى ذلك إلى العقول عظمة خالقها،
__________
(1) تَضَوَّع: انتشر.
(2) في (ج): سوائه.
(3) في (ج): لتوقيف.
(4) أرنبة الأنف: طرفه.
(5) سقط من (أ): لساناً. وفي (ج): وخلق فمه مؤدياً، وخدش لفظه. وفي هامشه كما أثبت.
(6) في (ب): من مرتقهما. وما بين المعكوفين ساقط من (ب).
(7) يعني أنَّه تعالى شق في ملتحمها سمعاً.

(1/220)


وشملت الجوارح به نعمة جاعلها، وألبس أرجآء السمع أذناً لاستقرار جولان الوَحَى(1) في محاله، وإزاحة الشك النازل به وإبطاله. ثُمَّ عطف أطراف غرضوفهما(2)، على البواطن من حروفهما(3)؛ للحوق جولان الأصوات، ولولا ذلك لعجزت عن درك القالات، مع ما ركب من غير ذلك في ظاهره وباطنه من المركبات، وجعل فيه سبحانه كل ما يحتاج إليه الجسم من الآلات والأدوات.
ثُمَّ علق في صدره قلباً، وركب فيه لباً، ثُمَّ جعله وعاء للعقل الكامل، وحصناً للروح الجايل، حفظه عن مزدحمات الأعذية بانحطاطه، ورفعه عن مقرها من الجوف بمتعلق نياطه، فَقَرَّ بتدبير الخالق في أحصن حصن، وأبعده مما ركب وجعل في البطن(4). وفوقه من الصدر هوآء، وتحته أدوات ومعآء، فهو مقر لثابت الأنفاس، متملك لخدمة جميع الحواس، إن شاء شيئاً شِئْنَه، وإن أباه بلا شك أَبَيْنَه، به تنزل مدلهمات الغموم، وإليه مأوى نوازل الهموم، وعند انشراحه للشيء يوجد به الفرح والسرور، وبقبوله له تكمل الغبطة في كل الأمور، جعله الله آلة للفطن والفكرة، وفطره على ذلك من الفطرة، وذلك قول الرحمن، فيما أنزل من الفرقان: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}[الحج: 46]، وقال سبحانه وعظم عن كل شأن شأنه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق:37]، يقول: إن فيما تقدم من فعلنا بمن مضى، ممن نزل عليه ما نزل من عذابنا؛ لذكرى لمن كان له قلب يعقل به ويفهم، ويتدبر ما يرى من فعلنا فيعلم.
__________
(1) الوحى كالوغى: الصوت.
(2) الغرضوف والغضروف: العظم اللين الذي يؤكل خلاف الشديد.
(3) يعني أطرافهما.
(4) في (أ) و(ج): بطن.

(1/221)


وقد يحتمل ويكون معنى قول الرحمن، فيما نزل من واضح النور والفرقان(1): {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ}[المؤمنون: 14]، هو ما ميز من خلق الأنثى والذكر، فيكون لما أن كسا العظام لحماً؛ جعله من بعد ذلك ذكراً أو أنثى، فحينئذ بقدرة الله تمت السلالة(2)، وفيما قلنا به من الخلق ما يقول الله عز وجل في سورة القيامة من خلق الزوجين، فهذا عندي والله أعلم فأشبه القولين.
ثُمَّ نرجع من بعد شرحنا للواحد المؤتلف، والواحد المنتقل المختلف ـ والله فبريء من ذلك، تبارك ربنا وتعالى أن يكون كذلك ـ فنقول: إنَّه قد يخرج معنى قول القائل واحد في اللسان، وفيما يقال به فيه من المعنى والبيان؛ أن يكون الواحد من الإثنين المتشابهين في المعنى، المتقاربين في الصفة والإستواء، فيقال هذا وهذا مثلان، وهما إذا ذكرا أو قيسا شيئان(3)، وهما في التشابه و الاتفاق؛ واحد بغير ما افتراق، والله سبحانه فعن مشابهة الأشياء أو مشاكلتها فبريءٌ، وعن مناظرة المجعولات فمتعال عليٌّ.
وقد يخرج معنى الواحد ـ فيقال به فيه، ويستدل به في لغة العرب عليه ـ على معنيين:
أحدهما: البائن بالسؤدد والإفضال، فيقال: هذا واحد في فعله من الرجال، إذا فعل مالا يفعله غيره، ويقصر عنه آله وقومه.
والآخر: إثبات الواحد ونفي الثاني، إذ الواحد لا أول قبله، والثاني فقبله عدد وبعده.
ويخرج معنى قولنا: الواحد على أنَّه لا شبيه له ولا نظير، ولا كفؤ صغير ولا كبير، وهو الله الواحد الأحد الخبير.
فالله سبحانه هو الواحد في فعله، الذي لم يصنع أحد كصنعه، الخالق الذي لا خالق سواه، كما قال تقدست أسماؤه: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيرُ اللَّهِ} [فاطر: 3].
__________
(1) في (ب): فيما قال في واضح ما نزل من النور والفرقان.
(2) السلالة: النطفة، لأن الإنسان استل منها. وهي في نسخة (أ): السلامه.
(3) في (ب): إذا نكرا.

(1/222)


وهو الواحد الذي لم يكن من شيء، وهو الموجد لكل شيء، لم يكن سبحانه من أصل، ولا يكون منه أبداً فصل، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤاً أَحَدٌ}[الصمد: 4ـ5]. الواحد في الربوبية والقدرة، والعزة والملك والكبرياء والعظمة، فكل قادر فمقدور عليه، وكل ملك فملكه مسلوب(1) من يديه، وكل عزيز فأَيْسَرَ العزة نال(2)، غير الله الواحد ذي الجلال، وذي العز الكامل الدائم، والملك السرمد الباقي الدائم، القادر فلا يقدر عليه، العادل فلا ظلم لديه، البريء من أفعال العباد، المتعالي عن اتخاذ الصواحب والأولاد، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرٌ}[الشورى: 11]، لا تحيط به الأقطار، ولا تجول بتحديدٍ فيه الأفكار، ولا تنتظمه الصفات والأخبار، ولا تدركه سبحانه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، القائم سبحانه بنفسه، الذي لا قوام لغيره إلاَّ به، لا تجري عليه الأزمنة، ولا تحويه الأمكنة، وكيف تجري الأزمنة أو تحوي الأمكنة من كَوَّن كلَّ مكانٍ، وأوجد بعد العدم كل زمان؟ وهو الله الواحد الرحمن، سبحانه وتعالى ذو المن والإحسان.
بابُ الرَّد على من قال: إن اللّه جسم، وجواب من سأل عن معنى قول الموحدين: (إن اللّه شيء لا كالأشياء)
إن سأَلَ من الخلق سائلٌ، أو تعنَّتَ مُتَعِّنتٌ قائل، فقال: ماذا تقولون، وإلى أي معنى من المعاني تذهبون؛ في اللّه ذي الجلال، وذي الجَبَرُوت والمِحَال، أَشَيءٌ هو تقولون، أم غير ذلك تزعمون؟
__________
(1) في (ج) و(ب): ملك فمسلوب ملكه.
(2) في (ب): فأيسر العزة بالٍ. كذا.

(1/223)


قلنا: بل نقول: إن ربنا ـ جل وتقدس إلهُنا ـ شيءٌ لا كالأشياء، سبحانه تبارك وتعالى، لا يشبهه ولا يدانيه شيء، ولم يزل سبحانه قبل كل شيء، وهو المُشَيِّئُ لكل الأشياء، المتفرد بالخلق والرزق والإماتة والإحياء، الموجد لما يُتَوهَّم، أو يُرَى بالأعين وغيرها من الحواس، من الذوق والشم والسمع والحواس(1)، لا تحيط به الأفهام، ولا تقع عليه بِتَحْدِيدٍ الأوهامُ(2)، وهو الأول في آخريته، والآخر في أوليته، والظاهر في باطنيته، والباطن في ظاهريته، المنفرد بالوحدانية، البائن بالأزلية، الشاهد الداني في عُلُوِّه، البعيد النائي في دُنُوِّه، كما قال سبحانه: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[الحديد: 3]،وكذلك ربنا الرحمن الرحيم، يعلم ما يكون قبل كينونته، كما يعلمه من بعد بَيْنُونَتِهِ، عِلْمُهُ بما اسْتَجَنَّ(3) في قعور البحار، وما انْطَوَتْ عليه الجَوَانِحُ من ضمائر الأسرار؛ كَعِلْمِهِ بما ظهر وأَنَار؛ مِنْ واضح القول والإخبار، الصَّمد الذي لا غاية بعدَهُ يُصْمَد(4)، الواحد الذي ليس كمثله أحد، لم يكن له قبلٌ ولا بعد، ولا يكون له أبداً مِثْلٌ ولا نِدٌّ، مبتدئ(5) الأحياء، وباعث الموتى، ووارث الآخرة والأولى.
فإن قال قائل: فماذا تريدون، وما إليه تذهبون بقولكم: شيء؟
قلنا(6): نريد بقولنا شيء: إِثْبَاتَ المَوْجُود، ونَفْيَ العدم المفقود؛ لأن الإثبات أن نقول: شيء، والعدم أن لا نثبت شيئاً؛ لأنَّ من أثبت شيئاً؛ فَقَدْ أثبت صانعاً مُدَبِّراً، ومن لم يثبت شيئاً؛ كان في أمره ذلك مُتَحيِّراً، ودخل عليه ضد الإقرار، وهو النفي والشك والإنكار.
__________
(1) في ب: والجواس بالجيم.
(2) في ج: ولايقع عليه التحديد بالأوهام.
(3) استجن: استتر وخفي.
(4) الصمد: المقصود المعتمد.
(5) في (ب): مبيد.
(6) في (ب): قيل له.

(1/224)


فإن سأل وقال(1)، وتردد في الضلال؛ فقال: فلِمَ لا تقولون، وعلى ما قلتم تقيسون؛ فتقولون: إنَّه جسم لا كالأجسام، فيكون هذا يخرج على ما يخرج عليه أول الكلام؟
قلنا له: ليس الصَّوابُ كالمَحَال، وَهَذا في اللّه فأَحْوَلُ المَقَال؛ لأنه ـ وإن اشتبه عندك فيما ترى ـ مخالف لما تقدم من الشيء في كلِّ معنى؛ لأنا نرى الجسم أبداً شيئاً مُتَجَسِّماً، ولسنا نرى كلَّ الأشياء كائناً جِسْماً، فالشَّيءُ يعم الأشياء كلها، والجِسْمُ فإنما يقع على بعضها، فلما اختلف معناه في الخاص والعام، اختلف جميع قياسه في الكلام. وكذلك كلما قِيْسَ أو ضرب له مثل(2)، فإنما يقاس ويُشَبَّه بما كان مِثْله في كلِّ مَا سَبَبٍ وحَالْ، كما يُحْذَا المِثَالُ على المثال، فأما الضد فلا يقاس بضده؛ إذ حَدُّه على خلاف حَدِّه.
وفيما قلنا به ـ من الشيء الذي لا كالأشياء ـ ما يقول اللّه الواحد الأعلى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إليَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لاَ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}[الأنعام: 19]، فَذَكَر ـ سبحانه وتعالى عما يصف المبطلون، ويقول عليه به الملحدون ـ أَنَّه شيء موجود، لا يذكر ولا يوصف بحد من الحدود، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}[الشورى: 11]، أَلا ترى أنَّ جميعَ أهل الإسلام، الذين هم على دين محمد عليه السلام؛ يقولون لمن اتهموه بسَخَافة دين، أو قِلَّةِ خشْيَةٍ أو يقين: ما تعبد من شيء، ولا توقن بشيء، يريدون ما تعبد الذي يعلم أمرك، ويوفيك أجرك.
__________
(1) في (ب): فإن سأل سائل وقال.
(2) في (ب) و(ج): مثَله.

(1/225)


فإن قال قائل: فما دليلكم على أنَّ مِنَ الأشياءِ المشاهدةِ المعلومةِ(1) بدلائلها المفهومةِ، ما ليسَ هو بجسم معروف، فأَوْجِدُونَا ذلك في أي صنف شئتم من الصنوف؟
قلنا له: من ذلك أفعالُ العبادِ، وما يكون منهم من سوءٍ ورشاد، من الصَّدقة والقيام، والصلاة والصيام، وغير ذلك من حركات السحاب في السَّير، وما يُسْمَع من خفقان أجنحة الطير، وما تكثر لو شرحناه به الأقاويل، ويطول به الكلام والتأويل، وَكُلُّ ذلك من افعال الخلق فَقَدْ سمَّاه اللّه بأحق الحق شيئاً وأشياء، في قوله تبارك وتعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ}[القمر: 52 ـ 53]، فسمَّى أفعالهم شيئاً وأشياء، وبَيَّن ذلك فيما نزل من النور والضياء، وهي أعراض ليست بأجسام، إذ لاتقوم إلا بالأجسام، وإِنَّما هي صفاتٌ ودلالاتٌ، وحركاتٌ وعلاماتٌ تتفرَّع من الأجسام غير متلاحقات، فهي أَشْياءٌ وليست بأجسام، والأجْسامُ أبداً فليسَت غير أجسام(2).
فإن قال: فما دليلُكم على أنَّ ما يكون من حركاتكم التي هي متفرعة من أجسامِكم غيرُ أجسامكم، وأنَّ أجسامكم هي غير حركاتكم؟
__________
(1) في(ب): لا يوصف ولا يدرك.
(2) في (ج): غير الأجسام.

(1/226)


قلنا له: علمنا ذلك وفهمناه، ووقفنا عليه وعرفناه؛ لأنا نجد الأجسامَ تكون منها الحركات بالقعود والقيام وهي (1) مجتمعة متلاحقة، وتسكن وتهدأ وهي قائمة بأعيانها غير مفترقة، والحركات (2) غير متلاحقة ولامؤتلفة، بل هي متصرفة متباينة مختلفة، بعضها لا يلحق بعضاً، ولانعلم لها بعد خروجها طولاً ولاعرضاً، فاستدللنا بذلك على الفرق بين الأجسام والأفعال، في كلِّ ما حالٍ من الأحوال(3) ولذلك قلنا: إن كل جسم شيء، وأن ليس بجسم كل شيء، فلمَّا أَنْ خرج بعْضُ الأشياء من أن ينتظمه اسم الجسم، ولم يخرج الجسم من أن ينتظمه اسم الشيء في الحكم؛ قلنا: إن اللّه سبحانه وتعالى شيء ليس كسائر الأشياء، ولو كان كما يقول المبطلون إنه صورة أو جسم من الأجسام، لكان ذو الجلال والإكرام مشابهاً لما خلق من الصور والأجسام، ولَلَحِقَت به الفِكَرُ والأوهام، ولَجَرَت عليه حوادث الليالي والأيام، ولكان مضطراً محتاجاً إلى المكان، ولو احتاج إلى المكان لَخَلَتْ منه مواضع كثيرةٌ عظيمة الشأن، ولو كان ذلك كذلك ـ تعالى اللّه سبحانه ـ عن ذلك لَما كان كما قال، وذكر عن نفسه ذو الجلال والجبروت والمِحَال، حين يقول: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَخَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا}[المجادلة: 7]، ومن خلا منه مكان فقد حواه مكان، ومن حَوَاه مكانٌ فقد حُدَّ بالنواحي والحدود، وخرج بلا شك (4) من صفة المعبود، وصار إلى حد المحدودين، وانتظمه شبه المربوبين، فتعالى عن ذلك رب العالمين، وتقدس عن مشابهة المخلوقين.
__________
(1) يعني الأجسام.
(2) في (ب) و(ج): والأفعال والحركات. وهو عطف تفسير.
(3) في في (ج): من الحال.
(4) في (ب): وخرج بذلك بلا شك.

(1/227)


فيا ويل المشبهين للرحمن، بما خلق وذرأ من الإنسان، أما سمعوه كيف نفى ذلك عن نفسه، فيما نزله من فرقانه ووحيه؟ فقال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤاً أَحَدٌ}[الصمد: 1 ـ 5]، والأحد فهو: الواحد الذي ليس كمثله أحد، و (الصمد) فهو: الغاية والمقصد؛ الذي ليس من ورائه مقصد. والذي لم يلد ولم يولد فهو: اللّه الذي لم يلد فيكون ولده له شِبْهاً (1) ومِثْلاً، ولم يولد فيكون والده له بُدْءاً وأصلاً، بل هو خالق الوالد والأولاد، وفاطر السموات والأرضين ذات المهاد، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤاً أَحَدٌ} والكفؤ فهو: المِثْلُ والنَّظير، والعديل في الكثير كان أو اليسير، في بعض الأشياء كان أو في كلها، صغيرها وكبيرها، والأحد فهو: الواحد الذي ليس معه ثان.
فكيف يقولون ويلهم في اللّه بما لايعلمون؟! وقد يرون قوله في نفسه ويسمعون، فهم في قولهم وافترائهم كما قال الله ذو الجلال والجبروت، وذو العزة والعظمة والملكوت: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَجَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ}[النحل: 62]، فنعوذ بالله من الحيرة عن الهدى، ومن التَّكَمُّه في الغي والردى، وحسبنا اللّه العلي الأعلى.
[باب القول في بعض صفات الفعل وكيفية اتصاف الله بها والرد على من زعم أزليتها]
إن سأل سائل مسترشد، أو قال متعنت قائل: أتقولون: إن الله ذا الجلال والإكرام، وذا القدرة والملكوت والإنعام، لم يزل متفضلاً جواداً كريماً قوياً محسناً غفوراً رحيماً؟
__________
(1) في (ب): شبيهاً.

(1/228)


قيل له: إن هذا الذي ذكرت، ممّا عنه سألت وسطرت؛ أفاعيل من الواحد الجليل، وقد كان سبحانه وجل عن كل شأن شأنه ولما يفعل الجود والرحمة، والعفو والإحسان والنعمة، ثم فعلها، وبعد العدم أوجدها. ونحن فنقول: لم يزل المتفضل الجواد الكريم، والمحسن الغفور التواب الرحيم، فنُدخل في ذلك الألف واللام؛ ليكون قولنا وخبرنا عن الواحد الرحمن، ذي الجلال والسلطان، ولا نطلق القول عليه(1) والكلام؛ في ذلك بغير الألف واللام؛ لأن في ذلك توهيم قدم الخليقة من المرحومين، وتثبيتاً لأزلية التوابين المربوبين.
فإن قال: أفتقولون: إنه كان غير تواب رحيم، ولا متفضل محسن كريم؟ قلنا له: لا نقول ذلك؛ لما فيه من توهيم البخل والفظاظة وضد الإحسان، والله فبرئ من ذلك له الأسماء الحسنى في كل شأن.
فإن قال: أفتقولون: إنه لم يزل صمداً؟ قيل له: نقول: لم يزل الواحد الصمد، ولا نطلق(2) القول بغير الألف واللام؛ لأن الصمد عند أهل المعرفة والتمام هو الغاية المعمود، والنهاية المقصود، الذي ليس من ورائه مصمد، ولا يوجد بعده للمطلوبات مقصد، الذي تقصده البرية في شأنها، وتضرع إليه في كل أسبابها. وفي إطلاقنا ذلك على ما قلت، وقولنا فيه بما ذكرت؛ توهيم أن البرية الحادثة الفانية، من الخليقة الضارعة لم تزل، وهذا فاحش من المقال، مستنكر في كل حال. ولكن نقول: لم يزل الصمد، وكذلك نقول: لم يزل المشكور المحمود، ولا نطلق القول بلا ألف ولا لام؛ لما في ذلك من توهيم السامع من الأنام؛ من أنه لم يزل الحامد أزلياً مع المحمود، والشاكر قديماً مع المشكور.
__________
(1) سقطت عليه من (أ) و(ج).
(2) في (أ) و(ج): ولا نطلق في ذلك.

(1/229)


فإن قال أحد من أهل الضلال: أفتقولون: إنه كان في زمن من الأزمان؛ غير محمود ولا مشكور في كل شأن؟ قلنا له: لا نطلق ما تقول؛ لما فيه من توهيم الذم في اللفظ والقول، ولكن نقول: لم يزل المحمود المشكور ذو الطول؛ لأن الحمد لا يكون إلا من حامد بالحمد ناطق، والشكر لا يكون إلا من شاكر راتق فاتق(1)، فمتى أطلق القول، في الله ذي الجلال والحول، بأنه لم يزل محموداً مشكوراً، فقد أثبت معه أزلية الحامد الشكور، وفي هذا إبطال التوحيد، الذي لا يكون إلا لله الواحد الحميد، الذي لم يزل من قبل أن يوجد كل حامد شاكر، أو ضال مخالف على الله كافر.
[باب تفسير معاني الإرادة في الله عز وجل]
إن(2) سأل سائل مسترشد أو ضال، أو قال متعنت في المقال، عن إرادة الله تبارك وتعالى فقال: ما هي، وعلى أي الوجوه هي؟ قيل له: إن الإرادة تخرج على ثلاثة معان، وكلهن معروف في اللغة جار:
فأولهن: إرادة الله لا يجاد المخلوقين، وفتق رتق السماوات والأرضين، فلما أراد ذلك كان بلا كلفة ولا عون أعوان، إذا أراد شيئاً أوجده، وإذا أوجده فقد أراده، فمشيئته إرادته، وإرادته مشيئته، ليس له مثل ولا نظير، وهو الواحد اللطيف الخبير.
والثاني: فهو إرادة الأمر، وهو قوله سبحانه: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِيْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كَلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ}[يس: 82 ـ 83]، ومن ذلك قوله: {وَمَنْ كَانَ مَرِيْضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيْدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيْدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة: 185]، يقول سبحانه: يأمركم بما فيه التسهيل لكم، والتيسير عليكم.
__________
(1) في (ب): رايق فاتق. والصواب: ما أثبت، هو كناية عن فعل الشيء وضده.
(2) في (ج): بسم الله الرحمن الرحيم إن.

(1/230)


وكذلك كلما أراد ذو الجلال، و(ذو)(1) القدرة والمحال، من عباده من جميع الأفعال، فإنما هو أمرٌ ونهيٌ من رب العالمين، يأمر به وينهى عنه جميع المخلوقين. فأما قوله سبحانه: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُوْنُ}، فليس يتوهم إن ثمَّ مخاطبة من الله للعدم، وإنما ذلك منه سبحانه وتعالى عن كل شأن شأنه إخبار عن نفاذ قدرته، ومضي ما أراد من مشيئته، فتعالى من ليس له شبيه ولا عديل، ولا ضد(2) ولا مثيل، وهو الله الواحد الجليل، ذو القدرة والسلطان، كما قال سبحانه في وحيه، وذكر تعالى عن نفسه، فقال فيما نزّل من الفرقان، وبين لعباده من التبيان: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيْعُ الْبَصِيْرُ}[الشورى: 11]، الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء، وجعل الأرض قراراً، وجعل خلالها أنهاراً، مجيب المضطرين، وكاشف السوء عن المكروبين، والمهلك لمن يشاء من العالمين، والهادي في الظلمات، والرازق في كل الحالات، والبادئ(3) خلق المخلوقين، والمعيد لهم يوم الدين، والرازق لجميع عباده المرزوقين. وفيما ذكرنا من منته على خلقه؛ ما يقول سبحانه في محكم تنزيله ووحيه، ويحتج به على عباده: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُوْنَ أَمَّنْ يُجِيْبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلَكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ
__________
(1) ليس في (أ) و(ج).
(2) في (أ): شبيه ولا مثيل ولا ضد.
(3) في (أ): والباري للمخلوقين.

(1/231)


أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيْلاً مَّا تَذَكَّرُوْنَ أَمَّنَ يَهْدِيْكُمْ فِيْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنَ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدِيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيْدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِيْنَ}[النمل: 60 ـ 64].
والوجه الثالث: فهو إرادة المخلوقين، وهي بالنية والضمير، تعالى عن ذلك رب العالمين، وتقدس عن مشابهة المربوبين، وإنما يحتاج إلى النية والضمير، من لم يكن بعالم ولا خبير بعواقب أفعاله، ومتصرفات نوافذ أعماله، فهو ينوي ويضمر، ويدبر ما يورد ويصدر؛ لقلة فهمه بالعواقب، ولحاجته إلى المعين والأعوان والآلات في كل حال وأوان، إذا أراد أن يصرف فيه(1) من شأنه شأناً. فالحمد لله الذي بان عن مشابهة العجزة المربوبين، وتقدس عن مماثلة المتحرفين المتصرفين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى أهل بيته الطيبين.
باب تفسير العلم في الله
والرد على من قال إن لله علماً سواه، به يعلم الأشياء
إن سأل سائل فقال: ما تقولون في الله ذي الجلال، ألَه علم؟ قيل له: إن معنى قولك: لله علم، يخرج على ثلاثة معان معروفة بينة، وكلها في اللسان فواضحة منيرة.
منهن: أن تكون تريد أن له علماً أنزله على المرسلين، وعلمه إياهم ومن تبعهم من المؤمنين، مثل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان الجليل، فنحن بذلك في الله نقول.
والثاني: أن تكون تريد أنه العالم بالأشياء(2)، الذي لا يخفى عليه سر ولا نجوى، وأنه يعلم ما لم يكن مما سيكون، كما يعلم ما قد كان من الفعل وبان، فكذلك قولنا في الله ذي السلطان.
__________
(1) في (أ) و(ج): يصدر فيه.
(2) في هامش (ج): المتفرد بالإماتة والإحياء.

(1/232)


والثالث: أن تكون تقصد، وفيما ذكرت من قولك تعمد؛ أن لله علماً سواه، به يعلم في الحالات؛ ما يكون من المعلومات، وهذا في الله سبحانه فأحول المحال، وأبطل ما يقال به من المقال؛ لأنه لو كان كما تقول وتعبّر، أو كان على شيء مما تذكر وتسطّر؛ لم يخل من أحد معنيين، وكلاهما عن الله سبحانه زائلان:
إما أن يكون هذا العلم الذي شرحت، وقلت وادعيت وذكرت؛ علماً أزلياً، قديماً مع الله أوليّاً، فتثبت حينئذ الأزلية لشيئين، وتصح القدم لقديمين اثنين، وهذا فإبطال التوحيد، والإشراك بالله الواحد الحميد، ودفع ما قال في كتابه، الذي أنزله على خير عباده؛ حين يقول سبحانه وجل عن كل شأن شأنه: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ}[الحديد: 3]، وقوله سبحانه: {اللهُ خَالِقُ كَلَّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيْلٌ}[الزمر: 62]، وكيف يكون أولاً بديّاً؛ من كان معه في الأولية ثان؟! وكيف يخلق كل شيء، من قد كان معه قبل خلق كل الأشياء شيء، فتعالى عن ذلك الرحمن العلي(1).
__________
(1) في (أ): الرحيم.

(1/233)


أو أن يكون هذا العلم الذي عنه سألت، وفيه تكمهت وقلت؛ شيئاً أوجده الخالق المصور من بعد، وأخرجه من العدم إلى الوجود الواحد المقدر؛ فيكون في هذا غاية التجهيل، لمن له القدرة المهيمن الجليل؛ لأنه إن كان إنما علم الأشياء، بما خلق من العلم وذرأ؛ فقد كان الله الواحد الكريم، من قبل إيجاد العلم غير عليم، ومتى زال عنه في حالة من الحالات، أن يكون عالماً بالسرائر الخفيات؛ أعقب ذلك الجهل أكبر الجهالات؛ لأن العلم والجهل ضدان مختلفان، وفي كل المعاني متباينان، ومن نسب إلى الله سبحانه الجهل في حالة من الحالات، أو نفى عنه العلم في وقت من الأوقات؛ فقد أشرك به جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله، ومن أشرك به فقد جحده، ومن جحده فقد أنكره، ومن أنكره فلم يعرفه، ومن لم يعرفه فلم يعبده، ومن لم يعبده بعرفان، ويعرفه بغاية الإيقان، فهو كما قال سبحانه في واضح الفرقان، وفيما نزله(1) على نبيه من النور والبرهان، حين يقول: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُوْنَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضْلُّ سَبِيْلاً}[الفرقان: 44]، وكما قال سبحانه: {وَلَقْدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيْراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُوْنَ}[الأعراف: 179]، صدق الله ورسوله، إن في خلقه لمن هو كذلك، وعلى ما ذكر الله سبحانه من ذلك، من غير أن يكون أدخلهم فيه، ولا جبلهم ـ تبارك وتعالى ـ عليه، بل هو منهم اكتساب، وقلة إنصاف منهم للألباب،ومكابرة للحق، ومعاندة للصّدق، واقتداء من الأبناء؛ بمن مضى من جهلة الآباء، فتبارك الله العالم بنفسه(2)، العادل في كل فعله، الذي لم يزل عالماً
__________
(1) في (أ) و(ج): فيما نزل.
(2) أي الذي ليس علمه سواه.

(1/234)


خابرا، ولم يكن في وقت من الأوقات بشيء جاهلاً.
باب تفسير القدرة
والرد على من زعم أن لله قدرة سواه بها يقدر على الأشياء(1)
وكذلك قولنا لمن سأل عن قدرة ربنا، فقال: هل لله قدرة فيما(2) يقولون، وإليه تذهبون مما تتقلدون(3)؟ قيل له: إن معنى قولك هذا يحتمل ثلاثة معان مختلفات متفرقات(4)، غير مجتمعات في شيء من الجهات.
فمنهن: أن تكون تريد بسؤالك عن قدرة الرحمن، على ما خلق، وذرأ ذو المن والسلطان(5)، من عجائب ما خلق من المخلوقات، ومدبّرات ما دبّر وافتطر من المفطورات، من الأرضين والسماوات، وما سوى ذلك من المجعولات، اللواتي يشهدن لمدبّرهن بالحول والقوة، وينطقن له في كل أوان بالقدرة؛ فكذلك نقول، وإليه بلا شك نؤول.
__________
(1) في (أ): قدرة بها قدر على الأشياء.
(2) في (أ): كما.
(3) في الأصل: فيما تقلدون.
(4) في (ب): مفترقات.
(5) في (ب): ما خلق ذو المن والسلطان.

(1/235)


أو أن يكون(1) رأيك ومقصدك، ومذهبك في ذلك ومعتمدك؛ ما خلق الله سبحانه وأعطى، وبث في الخلق وذرأ؛ من القدرة التي أعطاها جميع الخلق؛ من الاستطاعة التي بث في جميع أهل الباطل والحق، ليعبدوه بها ويطيعوه، ويستعملوها في طاعته ويرضوه، ثم هداهم النجدين، ومكنهم في ذلك من العملين، ولم يحُل بينهم وبين أفعالهم، ليجازيهم على جميع أعمالهم، ثم أمرهم بالطاعة، ونهاهم عن المعصية، ثم قال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوْهُهُمْ فِيْ النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[النمل: 89 ـ 90]، وقال: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ}[الزلزلة: 7 ـ 8]، ثم قال من بعد الإعذار والإنذار، والدعاء والتبصير والإخبار: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِيْنَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيْثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً}[الكهف: 29]، فقصد للطاعة(2) قاصدون، ونكب عنها ناكبون، ورفض قوم الهوى وركبوا(3) التقى(4)، وترك قوم التقى واتبعوا الهوى، فحق للمطيعين الوعد من الرحمن بالجنان، ووجب على العاصين ما أوعد(5) من النيران، وفي أولئك(6) ومن كان من الخلق كذلك؛ ما يقول ذو السلطان والجبروت، وذو الرأفة والقدرة والملكوت: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيْمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ
__________
(1) في (ب): أو يكون.
(2) في (أ): الطاعة.
(3) في (أ): وارتكبوا.
(4) في الأصل: التقوى.
(5) في (ب): ما أوعدوا.
(6) في (ب): ذلك.

(1/236)


الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}[النازعات: 37 ـ 41]، وقال في من دعي إلى الحق فأبى، وأُمر بالطاعة فعصى، وآثر على الحق الهوى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيْبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِيْنَ}[القصص: 50]، وقال جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيْهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}[الجاثية: 23]، وقال: {أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيْلاً}[الفرقان: 43]، فإن كنت تريد هذا القول فإنا به ـ ولله الحمد ـ نقول، ونشهد بالمنة فيه للعلي ذي الحول(1).
وإن كنت تريد بقولك وما تتكلم به من كلامك: إن لله قدرة سواه بها يقدر على ما يريد ويشاء، تعالى الله عن ذلك العلي الأعلى، فهذا ما لا نقوله، ولا نذهب إليه ولا نجيزه؛ لأنه من المقال قول فاسد محال؛ لأن القدرة لو كانت كذلك، تعالى الله عن ذلك، لم تخل من:
__________
(1) في (أ) و(ج): الطول.

(1/237)


أن تكون قديمة أولية فتكون ثانية مع الله أزلية، وهذا فإبطال التوحيد، وعين المضادة لله الواحد الحميد، وإبطال القرآن، وتكذيب الرحمن؛ لأنه سبحانه يقول: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ}[الحديد: 3]، ويقول: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}[غافر: 16]، فقال سبحانه: {هُوَ الأَوَّلُ} فذكر أنه الأول قبل كل شيء، فلا يكون الأول إلا فرداً لا ثاني معه، كما لا يكون الآخر إلا الذي لا شيء بعده، وكذلك (الواحد)، فهو الذي لا ثاني معه، وذلك الله الجليل الرحمن، المتعالي عما يقول حزب الشيطان. فهذا من قولهم، فمعنى فاسد باطل، وعن الحق ـ ولله الحمد ـ حائل.

(1/238)


أو أن تكون محدثة مُكوَّنة تُعلم، ويكون الله أوجدها من بعد العدم؛ فيدخل بذلك العجز على الله والتضعيف، فتعالى عن ذلك القوي اللطيف؛ لأن ضد القدرة العجز، فمتى عدمت القدرة ثبت العجز، فيلزم من قال بإحداث قدرة المهيمن القادر، أن يقول: إن الله كان عاجزاً غير قادر، فإن كان كما يقول الجاهلون، وينسب إليه الضالون، إنه كان ولا يقدر، حتى أوجد وخلق ما به قدر، فبماذا ويلهم خلق القدرة التي يذكرون، أنه خلقها من بعد العدم ويقولون، فإن كان الله أحدثها وهو غير قادر، وأوجدها وصورها وفطرها ـ وهي التي لا شيء يعدلها، ولا شيء من المجعولات إلا وهو دونها، إذ لا يوجد شيئاً ولا يخلق إلا بها ـ بغير ما قدرة منه عليها؛ فلقد كان فعله في غيرها أنفذ، ومراده في سواها أوكد، فلم(1) ويلهم خلقها وأوجدها، وهو يوجد مثلها بغيرها؟ فلقد كان عنها مستغنياً، وبما خلقها به مكتفياً مستعلياً. فتبارك عن ذلك ذو الجلال والجبروت الواحد الحي الصمد الذي لا يموت، القادر العالم بنفسه، البريء من شبه خلقه، الذي لم يزل ولا يزال، وهو الواحد ذو القدرة والجلال، الأول الذي لا ثاني معه، والآخر الذي لا شيء مثله(2).
باب تفسير معنى قوله الحي
إن قال قائل، أو سأل عن معنى الحي سائل. قيل له: الحي يخرج على ثلاثة وجوه:
__________
(1) في (ج): فبم.
(2) في هامش (ج): بعده.

(1/239)


فمنهن: المتحرك من ذوي الحواس المفهومة، من الملائكة والجن والإنس وغير ذلك من الخلائق المعلومة وغير المعلومة، ذوات الأرواح الجايلة المستجنّة فيما خلق الله لها من الأبدان التي هي فيها مستكنّة، كما قال الله عز وجل: {وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِنْ مَّاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٍ}[النور: 45]، فكلها حي ما دام فيه روحه، فإذا خرج روحه حلت به وفاته وموته، والله من ذلك سبحانه فبريء، وعن التجَسُّم(1) والزوال فمتقدس علي.
__________
(1) في (ب): التجسيم.

(1/240)


والمعنى الثاني: فما يحييه وينشيه لجميع المخلوقين، مما يذرأ ويخرج للعباد، بالماء المبارك في الأرض ذات المهاد، من النخيل الصنوان وغير الصنوان، ذوات الطلع الهضيم، وغيرها من رزق الواحد الكريم، من النبات والفواكه والأشجار، التي تخرج وتحيى بما ينزل الله عليها من الأمطار، كما قال ذو المن المهيمن الجبار: {وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ}[الأنبياء: 30]، وقال سبحانه: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيْجٍ}[الحج: 5]، وقال جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأُنَاسِيَ كَثِيْراً وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوْراً}[الفرقان: 48 ـ 50]. ومثل هذا مما ذكره الله أنه يحييه بالماء، مما يعاين ويرى، فكثير غير قليل، في واضح ما أنزل الله من التنزيل. فهذه أجسام تحيى بالماء ليست بذوات أرواح(1) جايلة في الأجسام؛ كما تجول الأرواح فيما خلق الله من الدواب والهوام، وإنما حياتها اخضرارها، ومكون الماء فيها وارتواؤها، [فسمى الله ما كان كذلك حيّاً كما ذكر سبحانه في كتابه، وكذلك](2) تقول العرب لما كان من الأشجار على ذلك، تقول: هذه نخل حيّة(3)، إذا كانت مخضرة روية، والله سبحانه فبريء من هذا المعنى، ومن مشابهة شيء من الأشياء.
والمعنى الثالث: فهو الذي لا يجوز غيره في الله ذي السلطان، وذي الجبروت والرأفة والإحسان، وهو أن معنى الحي: هو الذي يجوز منه الفعل والتدبير، وذلك فهو الله الحي الدائم اللطيف الخبير.
باب تفسير قوله السميع
__________
(1) في (ب): بأرواح.
(2) سقط ما بين المعكوفين من (أ).
(3) في (ج): نخلة حية.

(1/241)


والرد على من قال إنه سبحانه يسمع بحاسّة(1)
إن سأل سائل عما ذكر الله الكريم في القرآن من قوله: {وَهُوَ السَّمِيْعُ الْعَلِيْمُ} [البقرة:137. الأنعام:13، 115. الأنبياء: 4. العنكبوت: 5، 60]، فقال: ما معنى السميع عندكم، وما معناه في أصل قولكم؟ قيل له: يخرج ذلك على معان أربعة معلومة، معروفة عند جميع العرب مفهومة:
فأولهن: أن يكون معنى سميع هو (عليم)، والحجة في ذلك قول الرحمن الرحيم: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ}[الزخرف: 80]، والسر فهو ما انطوت عليه الضمائر ولم يبد، فذلك أسر السرائر، والنجوى فهو ما يتسارّ به ويخفيه المتناجون، من الكلام والمحاورة فيما يخفون ويكتمون. والسّر الذي في القلوب فلن يسمع؛ لأنه مستجن لم يبن فيشرح ويسمع، وإنما يسمع ما ترجمه اللسان، وباح به ضمير الإنسان. وإنما أراد ذو الجلال، بما قال في ذلك من المقال: التوبيخ لهم والإخزاء، والتوقيف لهم على ما يأتون به من الخطأ؛ إذ يتوهمون(2) أن الله تخفى عليه خافية، سراً كانت أو علانية، فقال: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ}[الزخرف: 80]، يقول لا نعلم ولا نحفظ من أمرهم، ما يكتمونه من سرهم، ويُكنونه في غيابات ضمائرهم.
__________
(1) في (أ): سميع بجارحة.
(2) في (ب): يتهمون.

(1/242)


والمعنى الثاني، في اسم الواحد البارئ: أن يكون السميع هو: (المجيب للداعين)، ممن دعاه من عباده المؤمنين. والحجة في ذلك فما حكى الواحد الكريم، عن نبيه زكريا وخليله إبراهيم، حين يقول زكريّا: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيْعُ الدُّعَاءِ}[آل عمران: 38]، وقول خليله إبراهيم الأواه الحليم: {إِنَّ رَبِّيَ لَسَمِيْعُ الدُّعَاءِ}[إبراهيم: 39]، يعني عليه السلام إن ربي لمجيب(1) لمن يشاء من الأنام. وفي ذلك ما تقول العرب، لمن سأل من الله أو طلب: سمع الله دعاك، أي أجاب الله طلبتك ونداك.
والوجه الثالث: قول القائل من الراكعين المصلين: (سمع الله لمن حمده)، ومعناه أي قبل الله ممن حمده، وأثاب على شكره من شكره.
فهذه الثلاثة الوجوه اللواتي يجوز أن يوصف بهن الرحمن، وهنّ فواضحات عند من عرف العربية والبيان.
__________
(1) في (أ): ربه مجيب.

(1/243)


والوجه الرابع فلن يجوز على الواحد الجليل في شيء من الأقاويل، وهو موجود في المخلوقين، متعال عنه رب العالمين، وهو (الإصغاء بالأذان) والإنصات، لجولان(1) دواخل الأصوات، ومستقر مفهوم القالات(2)، فتعالى عن ذلك المهيمن الكريم، المتقدس الواحد الفرد العظيم. وكيف يكون سبحانه كذلك، أو يجوز المقال لمن قال فيه بذلك؟! وقد يسمع(3) قول ذي الجلال، وذي القدرة والمحال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيْعُ الْبَصِيْرُ}[الشورى: 11]، وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤاً أَحَدٌ}[الصمد: 5]، والكفو فهو المثل والنظير، في الصغير كان أو في الكبير، ولو كان ذا جوارح لكان ذا أعضاء، ولو كان ذا أعضاء لكان جزءً فيه أجزاء، ولو كان جزء(4) لكان بلا شك جسماً، (ولو كان جسماً)(5) لجرت عليه الحوادث والأزمان، ولأشبه ما خلق من الإنسان، ولو كان كذلك لم يكن بخالق ولكان مخلوقاً؛ لأن كل جسم لا بد له من جاعل مجسّم، إذ لا بد لكل مجعول من جاعل، كما لا بد لكل مفعول من فاعل، ولكل مصنوع من صانع، ولكلِّ مقطوع من قاطع. فسبحان من ليس كذلك، ولا على شيء من ذلك، لا تحيط به الظنون، ولا يصفه الواصفون، إلا بما وصف به نفسه، من قوله هو وأنه(6) سبحانه كما قال في آخر الحشر: {هُوَ اللهُ الَّذِيْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيْمُ(7) هُوَ اللهُ الَّذِيْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوْسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهِيْمِنُ الْعَزِيْزُ الْجَبَارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ
__________
(1) في (ب): بجولان.
(2) في (ب): المقالات.
(3) في (أ): وقد سمع.
(4) في (ب) و(ج): أجزاء.
(5) سقط سهواً من (ب).
(6) في (ب): أنه.
(7) في الأصل لم يذكر إلا إلى هنا، ثم قال: إلى آخر السورة.

(1/244)


مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ}[الحشر: 22 ـ 24].
وكذلك وصفه أنبياؤه ورسله، لمن حاربه وأنكره، وجحد نعمته وعانده. من ذلك قول الملعون اللعين فرعون، للنبيَّيْنِ موسى وهارون صلى الله عليهما حين دعواه إلى الإيمان بربه، والإقرار بوحدانيته، فقال مجيباً لهما، مكذباً لقولهما: {فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوْسَى}[طه: 49]؟ فقال موسى صلى الله عليه: {رَبُّنَا الَّذِيْ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}[طه: 50]، فقال فرعون اللعين الأعمى: {فَمَا بَالُ الْقُرُوْنِ الأُوْلَى}[طه: 51]؟ فقال موسى صلى الله عليه: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّيْ فِيْ كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى الَّذِيْ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مِهَاداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيْهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوا أَنْعَامَكُمْ}[طه: 53 ـ 54]

(1/245)


ومثل هذا كثيرغير قليل، فيما أنزل الله من واضح التنزيل، من دلالة(1) أنبيائه عليه، وذكرهم له بما نسبوا من فعله إليه. من ذلك قول (هود) صلى الله عليه، لمن أرسل من الخلق إليه؛ حين يقول: {وَاتَّقُوا الَّذِيْ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍٍ وَبَنِيْنَ وَجَنَّاتٍ وَعُيْونٍ}[الشعراء: 132، 134]. ومن ذلك قول (شعيب) صلى الله عليه لأصحاب الأيكة المخسرين، فيما أمرهم به من طاعة رب العالمين: {واتَّقُوا الَّذِيْ خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةِ الأَوَّلِيْنَ}[الشعراء: 184]، ومن ذلك قول إبراهيم، المطهر الكريم؛ لعبدة الأصنام، الشاكين في الله الطغام؛ حين يقول صلى الله عليه: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌ لِيْ إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِيْنَ الَّذِيْ خَلَقَنِيْ فَهُوَ يَهْدَيْنِ وَالَّذِيْ هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِيْنِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُو يَشْفِيْنِ وَالَّذِيْ يُمِيْتَنِيْ ثُمَّ يُحْيِيْنِ وَالَّذِيْ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِيْ خَطِيْئَتِي يَوْمَ الدَّيْنِ رَبِّ هَبْ لِيْ حُكْماً وَأَلْحِقْنِيْ بِالصَّالِحِيْنَ وَاجْعَلْ لِيْ لِسَانَ صِدْقٍ فِيْ الآخِرِيْنَ وَاجْعَلْنِيْ مِنَ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيْمِ}[الشعراء: 75، 85].
__________
(1) في (ب): أدلة، كذا وهو غلط.

(1/246)


ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأبيه وقومه، ودلالته إياهم على ربهم وربه عز وجل حين يقول: {بَلْ رُبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِيْ فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِيْنَ}[الأنبياء: 56]. فكل الأنبياء عليهم السلام، يدل على ربه ذي الجلال والإكرام بآياته وبفعله(1)، وما ذرأ وأوجد من خلقه، لا بتبعيض ولا بتصوير ولا تحديد، ولا بمشابهة لما خلق من العبيد. فسبحان من ليس له شبيه(2) ولا عديل، ولا ضد ولا مثيل، وهو الفرد الصمد الجليل، الذي كينونته في السموات العلى، ككينونته في الأرض السابعة السفلى، الذي لا تراه العيون الناظرة، ولا تدركه(3) الأوهام الخاطرة؛ في الدنيا ولا في الآخرة، النافذ قضاؤه، والعزيز أولياؤه، والذليل أعداؤه، المرضي لمن أرضاه، المعذب لمن عصاه، الداعي إلى دار السلام(4)، المبتدئ بالفضل(5) والإنعام، مبتدئ(6) الأحياء، وباعث الموتى، وجامع الخلق ليوم لا ريب فيه، المتكفل بالكفاية لمن توكل عليه، المتولي الموفق الهادي(7) لمن انقطع إليه، كذلك(8) الله أكرم الأكرمين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
باب تفسير قول الله سبحانه {وَاللهُ بَصِيْرٌ بِالْعِبَادِ}
والرد على من قال من أهل الإلحاد إنه يبصر بعين كأعين العباد
إن سأل سائل مسترشد عن ذلك، أو تعنت متعنت ضال هالك. قيل له: إن معنى (بصير) يخرج على معنيين، بينين عند أهل العلم نيرين:
__________
(1) في (ج): وأفعاله.
(2) في (ج): شبه.
(3) في (أ): تتوهمه.
(4) في (ب): دار الإسلام.
(5) في (ب): بالفضائل.
(6) في (أ) و(ج): مبيد.
(7) سقط: الهادي، من (ب).
(8) في (أ): ذلك.

(1/247)


فأما أحدهما فهو: (العالم) بالأشياء طرّاً(1)، من ذلك قول العرب: فلان بصير بالفقه والنَّحو والحساب، بصير بالشعر والكلام في كل الأسباب، تريد أنه به عالم، وبه في كل حال قائم. فعلى ذلك يخرج قول الرحمن ذي الأياد، حين يقول: {وَاللهُ بَصِيْرٌ بِالْعِبَادِ}،(2) يريد عالم بهم، محيط بكل أمرهم، مطلع على خفي سرهم.
والمعنى الآخر، فهو: (البصر والنظر بالعين)(3)، والله عن ذلك فبريء، وعنه متعال علي؛ إذ ذلك ومن كان كذلك مشابه للمخلوقين، وقد نفى ذلك عن نفسه رب العالمين، حين يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيْعُ الْبَصِيْرُ}[الشورى: 11]. ولو كان كما يقول من كفر بكتابه، وجحد بآياته(4)؛ لكان مشبهاً لكل ما نراه ونجده، ونحيط به ونعلمه، من المبصرين بالأعين من المربوبين، ولو كان ذلك كما يقولون؛ لبطل قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، ولو بطل من الكتاب شيء يسير؛ لبطل منه الجليل الكثير، ولو بطل بعضه لأشبه الباطل كله؛ بل يؤكد(5) بعضه بعضاً، فلن يبطل منه حرف أبداً، وكيف يبطل أو يتناقض ما أحكمه ذو الجلال والسلطان، وحفظه من كل سوء الرحمن؟! ألا تسمع كيف يقول: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيْزٌ لا يَأْتِيْهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنَ يَدِيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيْلٌ مِنْ حَكِيْمٍ حَمِيْدٍ}[فصلت: 42]، ويقول جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيْدٌ فِيْ لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}[البروج: 21 ـ 22]، فكيف يتناقض أو يبطل ما حفظه الواحد الكريم، وحاطه من كل باطل أو دنس ذميم، ومنَعَهُ وحجره عن الشيطان الرجيم؟ كذب العادلون بالله وضلوا ضلالاً بعيداً، وجاروا عن قصد الحق جوراً شديداً.
تم كتاب المسترشد من أوله إلى آخره، إلا أنه على(6) التقديم والتأخير، بحمد الله ومنّه، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الأخيار وسلم(7).
__________
(1) في هامش (ج): طرّاً الذي لا تخفى عليه نية ولا نجوى.
(2) في الأصل: البصير بالعين.
(3) في (ب): البصر بالعين والنظر.
(4) في (أ): آياته.
(5) في (أ): مؤكدٌ.
(6) في (أ): وهو على.
(7) في (أ): وصلواته على محمد النبي وعلى أهل بيته الطاهرين وسلامه وحسبنا الله ونعم الوكيل.

(1/248)


كتاب الرد على أهل الزيغ من المشبهين(1)
m
قال الإمام يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
[ماذا نعبد ؟]
إن سأل مسترشد سائل(2) أو قال متعنت قائل (أو ملحد)(3): ماذا يعبد الخلق؟
قيل له: يعبدون الخالق الذي فطرهم وصورهم، وابتدعهم وأوجدهم.
فإن قال: وأين معبودهم؟ أفي الأرض أم في السماء؟ أم فيما بينهما من الأشياء؟
__________
(1) في (أ) و(ج): باب الرد ...إلخ.
(2) في هامش ط: في ب تقديم وتأخير يجعل العبارة: سائل مسترشد. وكذلك في ب.
(3) في هامش ط: غير موجودة في أ.

(1/249)


قيل له: بل هو فيهما وفيما بينهما، وفوق السماء السابعة العليا، ومن وراء الأرض(1) السابعة السفلى، لا تحيط به أقطار السموات والأرضين، وهو المحيط بهن وبما فيهن من المخلوقين، فكينونته فيهن ككينونته في غيرهن، مما فوقهن وتحتهن، (وكينونته فيما فوقهن وتحتهن)(2)، ككينونته قبل إيجاد ما أوجد من سمواته وأرضه، فهو الأول الموجود من قبل كل موجود، المكوِّن غير مكوَّن، والخالق غير مخلوق، والقديم الأزلي(3) الذي لا غاية له ولا نهاية، الذي لم يحدث بعد عدم، ولم يكن لأزليته غاية في القدم(4)، البريء من أفعال العباد، المتعالي عن اتخاذ الصواحب والأولاد، المتقدس عن القضاء بالفساد، صادق(5) الوعد والوعيد، المحتج بالبراهين النيرة على العبيد، الداني في علوه، والعالي في دنوه، خالق السموات والأرضين، وهو الموجد لأولهن، والمبيد آخراً لما أوجد منهن، والمبدل بهن في يوم الدين غيرهن.
فإن قال: فما معنى كينونته فيهن وفي غيرهن مما بينهن؟ ألعِظَم جسم أحاط بهن وكان كذلك فيهن؟ أم لسرعة تحَوُّل و انتقال منهن إلى غيرهن، ومن غيرهن إليهن؟
قيل له: ليس إلهنا سبحانه كذلك، ولا يقال فيه بذلك، وهو سبحانه متعال عن الانتقال، متقدس عن الزوال، وعن التصور في صور الأجسام، تعالى عن ذلك ذو الجلال والإكرام.
ولكن معنى قولنا: إنَّه فيهن، هو أنَّه مدبر لهن، قاهر لكل ما فيهن، مالك لأمرهن، ولأمر(6) ما بينهن، وما تحتهن وما فوقهن، لا أنَّه مستجن بهن(7)، ولا داخل ـ كدخول الأشياء ـ فيهن.
فإن قال السائل المتعنت: فما هو في ذاته عندكم؟ ـ إذا(8) كان كذلك في قولكم، وما تعتقدون في دينكم ـ أجسم هو أم عرض؟
__________
(1) في (ج) و (ب): ومن وراء الأرضين. وما هنا في هامش (ج).
(2) سقط من ط مابين القوسين.
(3) في ج: الأول.
(4) في ط: العدم.
(5) في ب، ط: الصادق.
(6) سقط من ط.
(7) في ط: لأنه مسخر لهن. ولعله تصحيف.
(8) في ج: إذ.

(1/250)


قيل له: تعالى ربنا عن ذلك علواً كبيراً، لا نعتقد شيئاً من ذلك، وليس ربنا سبحانه كذلك، لأن الجسم محدود مُبَعَّضٌ(1)، والله فليس كذلك، والعرض فلا قوام له إلاَّ بغيره، والله فهو المقيم لكل شيء، والذي لا يحتاج إلى معونة شيء، فلذلك قلنا: إن ربنا على خلاف قولك.
فإن قال: أفنوراً تعبدون؟ أم ظلمةً هو تقولون؟ أم غير ذلك مما يعقل تذكرون؟ وإلا فما أراكم تعبدون شيئاً عليه تقفون؟ ولا تدعونني إلى عبادة شيء أعرفه(2)؟ ولا إلى الإقرار بإله يقف(3) عقلي وفهمي(4) على صفته، فكيف أعبد ما لا أعرف؟، أو أتَعَبَّدُ لما لست عليه أقف؟ وإنما لا يجب علي أن أقر به، فضلاً عن أن أعبده. وإنما يجب عليَّ أن أعبد إلهاً عرفته فلم أنكره، ووقَعَتْ عليه حواسي فلم أَدْفعَه، فأما ما لم أقف(5) عليه بعقلي، ولم أعرفه بشيء من حواسي، فكيف يكون عندي ثابتاً، فضلاً عن أن يكون واحداً فاعلاً(6)؟! والوحدانية فإنما تكون عندي، وتثبت في قلبي؛ لما عرفته بصفاته، وحددته(7) بذاته، فحينئذٍ أقف على وحدانيته، فأما ما لم أقف له على تحديد ولم أعرفه بكون ذاته، فكيف أُوَحِّده، بل كيف أعبده؟ أوجدوني(8) بقولكم حجة وتبياناً، وأظهروا لي بذلك حقاً وسلطاناً.
__________
(1) يعني مجزَّأ.
(2) في ط: لا أعرفه. وفي هامشه: غير موجودة في الأصل. والصواب حذفها. والمعنى: ولا أراكم تدعونني إلى عبادة شيء معروف، بل إلى عبادة ما لاأعرفه ولا أقف عليه.
(3) في ط: لا يقف. وفي هامشه: غير موجودة في الأصل، والصواب حذفها.
(4) في ط: ووهمي.
(5) في ج: يقف عليه عقلي.
(6) في ب: يكون رباً فاعلاً. وفي (ط): واحداً قادراً فاعلاً.
(7) في ط: ب: ووجدته.
(8) بمعنى: اجعلوني واجداً حجة. وفي ط: أوجدوا لي.

(1/251)


قيل له: لعجز حواسك وعقلك عن دَرْك(1) معبودك جل جلاله بالتحديد، صح له سبحانه ما أنكرت من التوحيد، لأن حواسك وعقلك أدوات مجعولات، مركبات على درك المخلوقات مثلهن، المصورات بالخلق كتصويرهن، فأما ما لم يكن لهنَّ مشابهاً، ولا لمعانيهن مُشَاكِلاً، وكان عن ذلك متعالياً، ولم يكن له حد ينال، ولا شبه تضرب له به الأمثال؛ فلا يدرك جل جلاله بهن، ولا تدرك معرفته بشيء منهن، ولا يستدل عليه إلاَّ بما دل به على نفسه، من أنَّه هو، وأنه القائم بذاته.
فلما صح عند ذوي العقول والتبيان، وثبت عند(2) كل ذي فهم وبيان، أن الحواس المخلوقة، والألباب المجعولة؛ لا تقع إلاَّ على مثلها، ولا تلحق إلاَّ بشكلها، ولا تَحُدُّ إلاَّ نظيرها، صحت له سبحانه ـ لَمَّا عجزت عن درك تحديده ـ الوحدانية، وثبتت للممتنع عليها من ذلك(3) الربوبية، لأنَّه مخالف لها في كل معانيها، وبائن عنها في كل أسبابها. ولو شاكلها في سبب من الأسباب؛ لوقع عليه ما يقع عليها من درك الألباب.
__________
(1) يعني إدراكه.
(2) في ج: في عقل كل ذي.
(3) يعني من الإدراك بالحواس.

(1/252)


فلما تباينت ذاته وذاتها، فكانت هي فعله وكان هو فاعلها؛ بانت بأحق الحقائق صفاته وصفاتها، فكان دَرْك الأفهام والعقول لها بالتبعيض والتحديد، والانحدار منها والتصعيد، وكان درك معرفته سبحانه بأفعاله، وما أظهر من آياته، ودل به على نفسه من دلالاته، من خلق أرضه وسمواته، وما ابتدع بينهما من خلقه، فكان الدرك بالصنع والأفعال للصانع الفاعل؛ كالدرك بالعيان سواء سواء عند كل ذي فهم عاقل، فكان درك الحواس لما شاكلها وما كان مثلها في التحديد والعيان(1)، وكان دركها لما باينها فلم يشاكلها(2)، وكان على خلاف ما هي عليه من تقديرها وتصويرها متقدساً عن مشاكلتها، بما تدركه من أفعاله، وتقف عليه من آياته في أنفسها دون غيرها، ثم في غيرها من بعدها.
فلما أن وَجَدت العقولُ والحواسُّ أجساماً مثلها، مصوراتٍ في الخلق كتصويرها، وأعراضاً لا تقوم إلاَّ بغيرها؛ استدلت على الفاعل بفعله، ووقفت على معرفة الخالق بخلقه، كما يُعرف كل ذي عمل بعمله، ويُستدل على كل صانع بفعله، لأنك متى وقفت على جدار مبني علمت أن له فاعلاً بانياً، وكذلك إذا وقفت على ثوب معمول؛ علمت أن له عاملاً غير مجهول، وكذلك لو سمِعَتْ حاسةُ السمع(3) صوتاً؛ لعلم السامع أنَّ له مصَوِّتاً منه كان، ومن بعد خروجه من حلقه بَانَ لسامعه، ووضح علمه لعالمه(4).
__________
(1) كذا في النسخ، ولعل الصواب: بالعيان، أو: بالتحديد والعيان. ويكون متعلقاً بـ(درك).
(2) في ج، ب: يشابهها.
(3) في ب: حاسة الأذن.
(4) في ب، ط: لعامله.

(1/253)


وكذلك لما رأَتْ حاسةُ البصر الآياتِ المجعولات، وما فطر اللّه من الأرضين والسموات؛ علم ذو الحاسة بعقله وتمييزه أن لذلك مدبراً جاعلاً، وخالقاً محدثاً فاعلاً، ليس لشيء من خلقه مشابهاً ولا مُشاكِلاً، لأن كل ما يدرك بالتحديد والتبعيض والعيان من الأشياء لاتخلو من أن يكون غيرها جعلها، أو هي جعلت أنفسها، فلما أن كان ذلك كذلك؛ نظرنا في خلقها لأنفسها فاستحال عندنا، وامتنعت من قبوله عقولنا، لأنها كانت من قبل الجعل عدماً، والعدم فلا يَجْعَل موجوداً، ولا يخلق جسماً، لأنه ليس بشيء، وما لم يكُنْ بشيء فلا يفعل أبداً شيئاً، فضلاً عن أن يخلق جسماً.
فلما أن بطل ـ لما ذكرنا ـ أن تكون جعلت أنفسها، ثبت أن الجاعل لها غيرها، المصور المقدر لخلقها (فلما أن ثبت أن فاعلها غيرها؛ ثبت أنه بخلافها)(1)، وأنه مباين في كل الأمور لها، غير مشاكل لشيء منها.
فلما أن صح بُعْدُه عن مُشَاكلتها؛ صح عجز المجعولات عن درك جاعلها، وثبت انحسارها عن تحديد خالقها، فلما أن صح عجزها عن دركه، وثبت انحسارها عن تحديد خالقها؛ ثبت بذلك له أيها السائل ما أنكرت من معرفته سبحانه.
فلما ثبتت لك معرفته؛ صحت لك بلا شك وحدانيته، ولما صحت له الوحدانية؛ وجبت له جل جلاله الربوبية. فافهم ما عنه سألت، وانظر فيه إذا نظرت بِلُبٍّ حاضر، ورأي وارد صادر، يَبِن لك في ذلك الصواب، وينكشف لك عنه الحجاب، إن شاء الله، والقوة بالله وله.
[حجج العقل والنقل ـ هل تتضاد؟]
__________
(1) سقط من (ط).

(1/254)


ومن الحجة أيضاً في ذلك، ولمن قال ذلك، أن يقال له(1): أخبرنا عن العقل الذي (تريد بزعمك) (2) أن تقف به على معرفة ربك، أَحُجة هو لله فيك، أم ليس هو بحجة له عليك؟ فلا يجد بداً من أن يقول هو حجة لله فيَّ، ركبها سبحانه للاحتجاج بها علي، فإذا قال ذلك، وكان الأمر عنده فيه كذلك؛ قيل له: أو ليس كذلك القرآن، هو حجة عليك وعلى غيرك من الرحمن؟
فإذا قال: نعم، كذلك أقول، وإلى ذلك اعتقادي يؤول. قيل له: فهل يجوز أن تتضَادَّ حجج اللّه وتختلف، وتتباعد في المعاني فلا تأتلف؛ فتدل إحداهن على معنى، وتبطله وتنكره الأخرى؛ فكلما أثبتت حجة العقل لله حجة على العباد أنكرتها ودفعتها وخالفتها وأبطلتها حجة اللّه في الكتاب(3)، وكلما أثبتت حجة اللّه في القرآن شيئاً، دفعته حجة العقول دفعاً؟
فإن قال: نعم، يكون ذلك ويوجد، استُغني عن مناظرته بجهله، واستدل بذلك على كفره، وخالف الخلق أجمعين، وقال بما لم يقل به أحد من العالمين، وافتضح عند نفسه فضلاً عن غيره؛ لأنَّه يزعم أن حجج اللّه تتناقض وتتضاد، وما تناقض وتَضَادَّ فليس بحجة لله على العباد.
وإن رجع إلى الحق، وتعلق من القول بالصدق؛ فقال: لا يجوز ذلك، ولا يكون أبداً كذلك، لأن حجج اللّه على الخلق يؤكد بعضها بعضاً، ويشهد ناطقها من القرآن؛ لمُسْتَجِنِّ مُرَكَّبِها في الإنسان؛ ويشهد عقل الإنسان لنواطق حجج القرآن، وكذلك ما نطق به الرسول يشهد له القرآن والعقول.
__________
(1) في (ج): ومن الحجة في ذلك أيضاً أن يقال لمن قال ذلك: أخبرنا.
(2) في هامش (ط): مطموستان في ب.
(3) في (ج): القرآن.

(1/255)


من ذلك ما يروى عن النبي المصطفى (السراج المنير، والحجة لرب العالمين على عباده أجمعين)(1)، عليه وآله أفضل صلاة أرحم الراحمين، من أنَّه قال: (( سيكذب عليَّ (من بعدي)(2) كما كذب على الأنبياء من قبلي، فما أتاكم عني فأعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب اللّه فهو مني وأنا قلته، وما خالف كتاب اللّه فليس مني ولم أقله )).
فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه لا يأتي منه قول مخالف للكتاب، لأنَّه حجة لله (في كل الأسباب، ولن يخالف حجة من حجج اللّه حجة، وكذلك العقل فهو حجة لله)(3) على خلقه، لا يوضح ولا يدل إلاَّ على ما دل عليه(4)القرآن وأوضح.
فإذا فهم ما قلنا به من ذلك السائل، وقال به، من أن حجج اللّه يؤكد(5) بعضها بعضاً، ولا يبطل شيء منها شيئاً، قيل له: كيف ـ يا لك الخير ـ تريد من العقل المخلوق أن يصف لك الخالق، ويقف لك عليه بتحديد، وفي ذلك إبطال ما نطق به القرآن من التوحيد لله الواحد الحميد؟ وذلك قول الرحمن، فيما نزل من النور والفرقان، حين يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}[الشورى: 11]، وحين يقول سبحانه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤاً أَحَدٌ}، والكفؤ هو المثل والنظير، في الصغير كان من الأمور أو الكبير.
وهذا كله، وما كان من القرآن مثله؛ فينفي عن اللّه التشبيه.
__________
(1) سقط من (ب) و(ط).
(2) زيادة من (ج).
(3) سقط من ب، ط.
(4) في (أ) و(ج): إلاَّ على ما دل عليه وأوضحه القرآن.
(5) في (أ) و(ج): ووقف على أن حجج اللّه يؤكد.

(1/256)


فكذلك حجة اللّه من العقول في الإنسان تَنْفِيْ ما نفاه عن اللّه [المحكم من] (1) القرآن، ولو ثَبَّت لك عقلك، أو صحح لك لبك (أن ربك محدود، أو أنَّه جسم كسائر الأجسام موجود؛ لكان عقلك قد ثبت لك)(2) أن ربك كغيره من الأشياء، فتعالى عن ذلك العلي الأعلى.
ولو كان ذلك كذلك لتناقضت حجج الرحمن، في كل قول وبيان، ولو تناقضت حججه؛ لبطلت فرائضه، ولو بطلت فرائضه لبطل معنى إرساله للرسل(3)، ولو بطل معنى إرساله لرسله؛ لبطل معنى أمره ونهيه، ولو بطل معنى أمره ونهيه لبطل معنى ثوابه وعقابه، ولو بطل معنى ثوابه وعقابه لبطل معنى خلقه لدنياه وآخرته، ولو بطل معنى خلقه لدنياه وآخرته لبطل معنى خلقه لسمواته وأرضه، ولو بطل معنى خلقه لسمواته وأرضه لبطل معنى خلقه لما فيهما وبينهما من خلقه، ولو بطل معنى خلقه لما فيهما وما بينهما من خلقه لَمَا كان لِمَا أَوْجَدَ من ذلك معنى، ولو لم يكن لجميع ما أوجد من الأشياء أو بعضها معنى ثابت مفهوم، صحيح بَيَّن معلوم؛ لدخل بذلك على الحكمة الفساد، لأن الحكيم لا يفعل فعلاً إلاَّ لسبب وأمر ومعنى. ومن فعل فعلاً لغير معنى فإنما ذلك منه عبث أو جهل، ولو دخل على الحكيم ضد الحكمة لكان اسم الجهل له لازماً، ومن لزمه اسم الجهل فليس بخالق، والخالق فهو الحكيم غير الجاهل. فتعالى اللّه الرحمن الرحيم، الخلاق الحكيم، [لا إله إلاَّ هو] (4) الواحد الكريم، عما يقول فيه المبطلون، ويضيف إليه الفاسقون، ويصفه به الجاهلون.
__________
(1) زيادة من (ط)، وهامش ج.
(2) سقط من ب، ط.
(3) في (أ) و(ج): لرسله.
(4) في (أ) و(ج): إلا له الواحد الكريم.

(1/257)


فلينظر من نظر في كتابنا هذا إلى ما يؤول إليه قول من قال بتناقض حجج الرحمن، واختلافها في الشرح والبيان، فإنه يؤول إلى جحدان(1) الخالق وإبطاله ودفعه له بما يُدْخل عليه من الجهل في خلق ما يخلق، إذ خلق ـ بزعم من جهل وفسق ـ لغير معنى؛ ـ وقد نعلم أن من فعل فعلاً لغير سبب ولا معنى فإنما عَبثَ واستْهزَأ، وضاد الحكمة فيما به أتى، والله سبحانه فمخالف لذلك، متعال سبحانه عن الكينونة كذلك.
فقد بان، بحمدالله، لكل ذي عقل وعرفان، وفهم وتمييز وتبيان(2)، أن من قال بتناقض حجج الرحمن غير عارف(3) به ولا مقر، ومن لم يعرف اللّه جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله فلم يعبده، ومن لم يعبده فقد عبد غيره، ومن عبد غيره فهو من الكافرين، ومن كان من الكافرين فقد خرج ـ بحمد الله ـ من حد المؤمنين. فنعوذ بالله من الجهل والعمى، ونسأله الزيادة في الرحمة والهدى، وحسبنا اللّه (ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي الكبير. والحمد لله رب العالمين، وصلى اللّه على سيد المرسلين، محمد وأهل بيته الطيبين.
__________
(1) في (ج): جحد الخالق.
(2) في (ج): وبيان.
(3) في (أ) و(ج): أمر من قال بتناقض حجج الله أنَّه غير عارف...إلخ.

(1/258)


كتاب تفسير الكرسي(1)
m
قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحيسن صلوات الله عليه:
أما بعد فإني أحمد إليك(2) الله الذي لا إله إلاَّ هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله، وعلى أهل بيته، وأن يجعلك من أهل ولايته، وَيَحْبُوك بحفظه وكلاءته.
ثم إني سأذكر لك نبأ أهل الزيغ من المشبهة عليها لعنة الله، وأقص عليك سبيل ضلالها عن الهدى، ومن حيث ضلت وعميت.
واعلم رحمك الله أن فريقاً من المشبهة كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى عهد علي رحمة الله عليه، وقد ذكر الله عزَّ وجل هؤلاء الذين كانوا على عهد نبيه صلى الله عليه وعلى آله في آي الكتاب الذي نزله، فقال سبحانه: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلاَلَها تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً}[الأسراء:90 ـ92] وفيهم يقول سبحانه: { لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِم وَعَتَوا عُتُوّاً كَبِيراً. يَوْمَ يَرَونَ الْمَلاَئِكَةَ لاَبُشْرَى يَومَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً. وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَنْثُوراً} [الفرقان: 21 ـ 23]. فعاب تبارك وتعالى كفرهم في اعتقادهم التشبيه في الله عزَّ وجل، وجعل مصيرهم إلى النار بذلك. وكذلك هؤلاء الملحدون أيضاً، فهم على ذلك السبيل، وبه يعتقدون، وعنهم وعن أشياعهم نقلوا هذه الروايات.
فقالت فرقة منهم: إن الله تبارك وتعالى خلق آدم صلى الله عليه على خلق نفسه، وأنه يضحك حتى تبدو نواجذه.
وقالت فرقة: بل هو نور من الأنوار، يكل عنه النظر، ولا ينفذه البصر. وزعموا في زعمهم أن لله عرشاً مشتملاً عليه، وأن النبي صلى الله عليه وآله: أسري به إلى السماء ووصل إلى الله عزَّ وجل، ووجد برد أنامله في جسده، وأنه سَمِعَ اللهَ سبحانه وهو يقول: كن فيكون.
وقالت فرقة: إن الله تعالى ذكره يظهر يوم القيامة ويرى عياناً، وأنه يكون يوم القيامة جالساً على العرش، ورجلاه على العرش، وأنه يكشف لهم ساقه، ويحتجب عن الكفار فلا يرونه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذه الرسالة ليست في (أ).
(2) ليست في (أ).

(1/259)


فصغروا الله سبحانه وجل ثناؤه غاية التصغير، وجهلوا قول الله: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247] وغيرها.
فنقول لهم: أيها القوم إنكم جهلتم الله سبحانه فلم تعرفوه، وأشركتم بالله عز وجل فلم توحدوه. والله سبحانه فقد وصف نفسه بغير ما وصفتموه، ونفى عن نفسه ما نسبتم إليه.
فاسمعوا إلى قولنا، وأنصفوا من أنفسكم، واقبلوا الحق إذا عرفتموه، ولا يفتننكم الشيطان ليخرجكم من أديانكم، فإن الله سبحانه يقول: {وَكَانَ الشَّيطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً}[الفرقان: 29].
فمما نذكر لكم، ونحتج به عليكم، ما ذكره(1) الله سبحانه في هذه الآية من قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ}[البقرة: 255]، فأخبر الله سبحانه أن كرسيه قد وسع السموات والأرض، يريد عزَّ وجل: أن هذا الكرسي قد اشتمل على السموات السبع فأحاط بأقطارها، وكذلك اشتمل على الأرضين السفلى فأحاط بأقطارها أيضاً، فصار الكرسي مشتملاً على السموات السبع، عالياً فوقها، واسعاً لها، والواسع للشيء هو: الذي انبسط فوقه، حتى اشتمل عليه، فكانت السموات والأرض أضيق من الكرسي، وكان الكرسي أوسع منهما.
__________
(1) في (أ) و(ج): ما ذكر.

(1/260)


فنقول: إن الكرسي قد اشتمل على السموات والأرض حتى أحاط بما فوقهما وتحتهما، وأحاط بأقطارهما، فكانت السموات والأرض داخلتين في الكرسي، فصار مَثَل الكرسي ـ لإحاطته بالسموات والأرض ـ كمثل البيضة المشتملة على الفرخ في جوفها، فالبيضة مشتملة على هذا الفرخ في جوفها، ملتئمة عليه، ليس فيها صدع ولا ثقب، ولا لما في جوفها منها مخرج؛ حتى يأذن الله عزَّ وجل لما في جوفها بالخروج، وهذا الكرسي أيضاً مشتمل على هذه الأرض وهذه السماء كما اشتملت هذه البيضة على هذا الفرخ؛ لأنه محيط بأقطار السماء وأقطار الأرض، وكل شيء مما خلق الله عزَّ وجل في السموات والأرض داخل في هذا الكرسي، فليس لشيء(1) مما خلقه الله سبحانه خروج من هذا الكرسي، وهذا الكرسي فليس وراءه منتهى ولا غاية، فاعرف هذا الكرسي كيف هو؛ فقد ثبت والحمد لله أن هذا الكرسي هو المحيط بكل الأشياء، الواسع لها، فصار هذا الكرسي خارجاً منها، ظاهراً عليها وباطناً فيها، ظاهراً عليها لإحاطته بها وباطناً فيها لدخولها فيه؛ وليست هذه الأشياء الداخلة في هذا الكرسي بممازجة له لأنها أصغر شيء في إحاطته.
__________
(1) في (ب): للشيء.

(1/261)


وسأذكر لك في إحاطة الكرسي بالأشياء خبراً مذكوراً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ذكر عن أبي ذر الغفاري(1) رحمة الله عليه، أنَّه قال: يا رسول الله، أي آية أنزلها الله تبارك وتعالى عليك أعظم؟ قال: (( آية الكرسي، ثم قال: يا أبا ذر ما السموات والأرض عند الكرسي إلاَّ كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض )) فانظر إلى ما ذهب إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يريد أن الكرسي اشتمل على السموات والأض كما اشتملت الأرض على الحلقة الملقاة في جوفها، فدخلت السموات والأرض في الكرسي، كما دخلت الحلقة في الأرض، فبطل كل شيء مما خلق الله عزَّ وجل وهلك، وغاب فذهب، من كل عرش وسماء وأرض، وثبت هذاالكرسي لا غيره، وكان هذا الكرسي من وراء كل شيء، واسعاً لكل شيء، فلم يبق عرش ولا مخلوق، ولا سماء ولا أرض، ولا جنة ولا نار، ولا جن ولا إنس ولا ملائكة، ولا هواء، ولا شيء مما خلق الله عزَّ وجل حتى صار داخلاً في هذا الكرسي؛ لقول الله سبحانه: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} [البقرة: 255]. فكل شيء مما خلق الله سبحانه فقد أحاطت به السموات والأرض ومابينهما، وهذا الكرسي فقد أحاط بالسموات والأرض وجميع ما فيهما.
__________
(1) اسمه: جندب بن جنادة على الأصح، الصحابي المشهور بصدق لهجته، وصراحة وصلابة مواقفه، تقدم إسلامه وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدراً، ومناقبه كثيرة جداً، نقم على عثمان ومعاوية مظاهر البذخ والترف واستيثارهما وذويهما بأموال المسلمين؛ فنفاه عثمان إلى الربذة وبها توفي وحيداً سنة (32 هـ).

(1/262)


فاعرف هذا الكرسي معرفة جيدة، وتدبره وانظر فيه نظراً مكرراً، فإني قد كررت لك الوصف فيه لتدَّبَّره وتعرفه كيف هو، وقف على ما وصفت لك فيه وتيقنه، فإذا عرفته ووقفت عليه بما وصفت لك سواء؛ فانظر الآن إلى ما ذهبت إليه، وما الذي أريد بذكر هذا الكرسي. اعلم(1) رحمك الله أن هذا الكرسي مثل ضربه الله لعباده، ليستدل به العباد على عظمة الله تبارك وتعالى، وإحاطته بالأشياء واتساعه لها، وهذا الكرسي مَثَلٌ يحكي(2) اللّه سبحانه، وليس ثَمَّ شيء سوى الله عزَّ وجل، وهذه الإحاطة لجميع الأشياء فإنَّما هي إحاطة الله عزَّ وجل، وليس ثم كرسي مخلوق، ولا شيء سوى الخالق، أحاط بجميع ما خلق، فليس شيء مما خلق الله عزَّ وجل إلاَّ والله سبحانه محيط به، وليس شيء مما خلق الله بمحيط(3) به، هو أصغر وأحقر من ذلك؛ إِذَنْ لكان الشيء المحيط بالله ـ جل الله ـ أوسع من الله وأكبر منه.
وسأذكر لك في هذا أخباراً، وأضرب لك فيه أمثالاً؛ حتى تتحقق في قلبك المعرفة بالله عزَّ وجل، وتحذف عن قلبك الشك والإرتياب.
اعلم رحمك الله: أن هذه الفرقة من المشبهة قوم هم عند الله أكذب الكاذبين، وأخسر الخاسرين، ولأَقسمت يميناً بالله عزَّ وجل صادقاً أن الواحد منهم ممَّن يرى أنَّه على شيء ليصلي ويصوم ويتنفل؛ وإن قلبه ليحكي له بعده من الله تبارك وتعالى، وأنه لا يتقرب من الله أبداً، ولا يزداد بكثرة عمله إلاَّ بعداً، وإن قلبه لنافرٌ من الله سبحانه؛ لأن القلوب إنما تَقِرُّ وتهدأ وتطمئن على تحقيق المعرفة، فإذا عرف اطمأن وهدأ.
ونحن فلا نقول: إنهم جحدوا الله سبحانه، وذلك أن الله فطرهم على معرفته، ولكنا نقول: إنهم جهلوا الله وصغَّروه، فَلَهُمْ أصْغَرُ صغير وأحقر حقير عند الله عزَّ ذكره.
__________
(1) في (ب): واعلم.
(2) في (أ) و(ج): يحكي عن.
(3) في (ب): محيط به. أي بالله عز وجل.

(1/263)


فإذا عرفت الله سبحانه، وَوَصَفْتَه(1) بهذه الإحاطة التي ذكرت لك، فقد عرفت الله سبحانه حق المعرفة، ألا تسمع إلى قول الله عزَّ وجل: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ}[البقرة: 255]؟ يخبر عزَّ وجل أنَّه أعلى وأعظم من أن تحفظه السموات والأرض. ونحن نقول: إن الله سبحانه هو الحافظ للسماء والأرض.
وسأصف لك السموات الأرض كيف هما، وأُصغِّرهما لك على عظمهما؛ حتى تعلم أنَّه لا شيء أعظم من الله سبحانه، ولا شيء أوسع من الله سبحانه، فقف على ما أذهب إليه وتدبره.
يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله أنَّه قال: (( هل تدرون ما هذه التي فوقكم؟ قالوا: الله ورسُوله أعلم. قال: فإنها أرفع سقف محفوظ، وموج مكفوف، هل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسُوله أعلم، قال: فإن بينكم وبينها مسيرة خمسين ومائة عام، وبينها وبين السماء الأخرى مثل ذلك؛ حتى عد سبع سماوات، وغلظ كل سماء مسيرة خمسين ومائة سنة، ثم قال: هل تدرون ما هذه التي تحتكم؟ قالوا: الله ورسُوله أعلم، قال: فإنها الأرض، وبينها وبين الأرض الأخرى مسيرة خمسين ومائة عام، حتى عد سبع أرضين، وغلظ كل أرض مسيرة خمسين ومائة سنة، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو دلَّيتم أحدكم(2) حتى يصير إلى الأرض السابعة السفلى لكان الله عزَّ وجل معه، ثم تلا هذه الآية: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]. وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: (لو أن ملكاً من ملائكة الله عزَّ وجل ـ الذين عظم الله خلقهم ـ هبط إلى الأرض لما وسعته)(3)؛ لأن الله جعل السموات أوسع من الأرض، والسماء العليا من السموات السبع أوسع من السماء السفلى؛ لأن السماءالعليا مشتملة عليها.
فانظر إلى هذه السموات والأرضين ما أوسعها وأعظمها، وسأصغرهما لك الآن في عظمته سبحانه حتى تعلم علماً يقيناً أنَّه لا شيء أعظم من الله عزَّ وجل، قال الله في الأرض والسماء: {وَالأَرْضُ جِمْيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}[الزمر: 67]. فمثل الله صغر الأرض في عظمته وقدرته؛ كالقبضة في الكف، فكان في هذا ما يدل على تعظيم الله سبحانه. وكذلك قال: {وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} فكان هذان مثلين من أمثال الله عزَّ وجل، يحكيان عن عظم الله تبارك وتعالى وصغر الأشياء، أنها في عظم سعته واقتداره أصغر صغير عنده سبحانه وتعالى.
تم والحمد اللّه وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
__________
(1) في (ب): وَصِفَتَه.
(2) في (ب): لود أحدكم، وهو سهو.
(3) الظاهر أن كلام الإمام علي عليه السلام إلى هنا.

(1/264)


كتاب العرش والكرسي
m
قال(1) يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
الكرسي، والعرش، والقبضة، والبطش(2)، والإتيان، والمجيء والكتاب، والصراط، والميزان، والكشف عن ساق، واليدان، والقبض، والبسط، والوجه، والحجاب؛ أمثال كلها، لا يضاف شيء منها إلى صفات البشر، فمن أضاف شيئاً منها إلى صفات الخلق فقد كفر(3).
وإنما هذه الصفات من أمثال القرآن، وهو قوله: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ}[العنكبوت: 43]. وقد ذكر الله الأمثال في كثير من القرآن.
فنقول: إن المعنى(4) في العرش والكرسي والوجه سواء، ليس بينها فرق، والمعنى فيها واحد(5).
__________
(1) في (أ): الحمدلله وحده وصلواته على محمد النبي وآله وسلامه.
(2) في (ب): والنظر.
(3) يعني ليست معانيها في حقه تعالى كما هي في حق البشر.
(4) في (أ): إن العبارة.
(5) يعني أن مدلولها واحد هو الله، وليس المضاف فيها سوى المضاف إليه؛ فقولنا: كرسي اللّه وعرش اللّه كقولنا: وجه الله. بمعنى أنه لاشيء غيره سبحانه ولاعرش ولاكرسي ولاوجه.

(1/265)


فنقول: إن معنى الوجه في الله(1) هو الله، ومعنى الكرسي في الله هو الله، ومعنى العرش في الله هو الله، لا شك في ذلك عندنا ولا ارتياب فيه.
ونقول: إن معنى قول الله سبحانه: {فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}[البقرة: 115]؛ كمعنى قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ}[البقرة: 255]، ومعنى قوله عند ذكر الوجه: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[البقرة: 114] كمعنى قوله عند ذكر الكرسي: {وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ}[البقرة: 255]، وكمعنى قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى}[طه: 5].
وإنما هذه الثلاثة أصْنَافٍ كلها تشريف لله عزَّ وجل.
فالوجه الذي ذكره الله: يستدل به على بهآئه وحسن عظمته.
والكرسي يستدل به على ملكه، ومعنى يستدل به على ملكه أنَّه يستدل به عليه؛ لأنَّه الملك نفسه، وليس شيء مما خلق يزيد في ملكه.
وكذلك الوجه يستدل به عليه.
وكذلك العرش يستدل به عليه؛ لأنها أمثال قدمها الله تحكي من حسن الله وبهائه، أعني حسنه في ذاته، وبهائه في ذاته، وليس ذلك الحسن والبَهَاء الذي هو لله عزَّ وجل على شيء من صفات حسن الخلق وبهائهم(2).
__________
(1) في (ج): إن المعنى في الوجه في الله.
(2) يريد عليه السلام أنها أمثال ليس المراد بها معانيها الحرفية المحسوسة بل ما تدل عليه مما وراء ذلك، فهي تمثيل وتخييل لعظمة اللّه وجليل سلطانه وبهائه وعظيم ملكوته وجبروته مع البعد كل البعد عن معانيها الحسية.

(1/266)


ولا نَصِفُ الله عزَّ وجل بشيء من صفات البشر، بل نقول: إن معنى ذلك كله ـ إذ يعود كل صنف إلى أصله ـ أنَّه هو الله عزَّ وجل لا غيره، وليس نقول: إن ثم عرشاً مخلوقاً، ولا كرسياً مخلوقاً، ولا وجهاً مخلوقاً. وليس شيء من هذه الثلاثة الأمثال ـ العرش والكرسي والوجه ـ يوجد أبداً بصفة من الصفات، ولا بحلية من الحليات(1)، إنما المعنى في هذا كله الله الذي لا إله غيره(2) وحده لا شريك له.
فإن قال قائل، أو سألنا سائل، فقال: ما معنى العرش الذي ذكره الله في كتابه؟
قلنا له: اسم يدل على الله في ارتفاعه، وعلوه فوق خلقه، من أهل سماواته وأرضه.
فإن قال لنا: ما الكرسي الذي ذكره الله في كتابه؟
قلنا له: اسم يحكي عن صفات الله في ذاته.
فإن قال: وكيف صفات الله في ذاته؟
قلنا له: إن الكرسي يدل على الله، وهو اسم من أسماء ملك الله، وليس ثم شيء سوى الله.
ومعنى {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} أنَّه وسع السموات والأرض بكرسيه، ومعنى وسع السموات والأرض بكرسيه، أي وسع السموات والأرض بعلوه واقتهاره، أو لا تسمع إلى قوله: {وَلاَيَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا}؟ يريد سبحانه أن السموات والأرض لا يحفظانه، يخبر أنهما لا يمسكانه، وكيف يمسكانه أو يحفظانه عزَّ وجل، وهو يخبر أنه خارج منهما، محيط بأقطارهما، وَاصِلٌ بمن ورائهما ووراء ورائهما، إلى ما لا يصل إليه غيره عزَّ وجل؟!
وقد قال النبي صلى الله عليه لأبي ذر رحمة الله عليه: (( يا أبا ذر، ما السموات والأرض في الكرسي إلاَّ كحلقة ملقاة في الأرض ))، يقول صلى الله عليه وعلى آله: ما السموات والأرض بأقطارهما في ورائهما(3) مما هو أوسع منهما من حد أقطارهما إلى مالا منتهى له؛ إلاَّ كالحلقة الملقاة في الأرض.
__________
(1) في (أ، ج): الحلات، ولعلها: بخلة من الخلات.
(2) في (ب): لا إله إلا هو.
(3) في) هنا بمعنى (مع).

(1/267)


فأخبر صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ بعظمهما وجسمهما ـ أنهما داخلان في الكرسي كدخول الحلقة في الأرض، فما لَعَسَى موضع الحلقة الملقاة من الأرض، أليس كأنَّما وراء الحلقة من أقطار الأرض إلى تخومها وجبالها، وأشجارها وأنهارها، وما فوقها وتحتها؛ أوسع وأعظم وأرحب مما حوت الحلقة منها؟ وكانت الحلقة أصغر شيء منها، وكان القليل الحقير الصغير اليسير ما قد وسعه الله وأحاط به، وهو يخبر سبحانه أنه هو الذي وسعهما وأحاط بهما حتى صارتا بعظمهما وكبرهما في إحاطة علمه كالحلقة الملقاة في الأرض، ومعنى قولي: في إحاطة علمه، أي في إحاطته بنفسه؛ لأنه لا علم له غيره، فالله عز وجل قد أحاط بالسماوات والأرض كإحاطة الأرض بالحلقة الملقاة في جوفها، وهاهنا والله تاهت العقول، وضلت الأحلام، وانقطعت الفكر في الله عز وجل.

(1/268)


وفي كتاب الله عز وجل تصديق هذا الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قول الله عز وجل: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ}[البقرة: 255]، يخبر أنه هو الذي وسع السموات والأرض وأنهما لم تسعاه ولم تحوياه، ولم تمسكاه ولم تحفظاه، بل كان هو عز وجل المحيط بهما والواسع لهما، والممسك لهما والحافظ لهما. وذلك قوله عز وجل: {إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُوْلاَ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيْماً غَفُوْراً}[فاطر: 41]، يخبر عز وجل أنه يمسك السموات بعظمها في الهواء، ويمسك السموات السبع أيضاً، وكل سماء منهن أعظم وأوسع مما دونها. وكذلك الأرضون السبع، كل أرض أوسع مما فوقها، لأن السماء العليا مشتملة على السماء السفلى، وكذلك الأرضون والسماوات السبع معلقات في الهواء لا يرفدهن شيء، ولا يمسكهن إلا الله عز وجل، وكذلك الأرضون، فكل ذلك في الهواء لا يمسكهن إلا الله عز وجل. وليس من وراء هذا شيء يمسك الله، هو أصغر وأحقر وأضعف، والله فأوسع منه وأعظم.
والدليل على أن الله أوسع من السموات والأرض قوله عز وجل: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ}[البقرة: 255]، فأخبر أن السموات والأرض داخلتان في كرسيه، يريد أنهما داخلتان في قبضته، وأنهما أصغر صغير وأحقر حقير عنده؛ إذ كان الممسك لهما في الهواء، ولولا إمساك الله لهما لسقطت السموات والأرض.

(1/269)


وما إمساك الله للسماء في مستقرها، بعظمها وجسمها ورحبها؛ إلا كإمساك الطير في جو السماء، لا فرق بينهما عند الله عز وجل إلا بزيادة الخلق في سعة السماء، والسماء والطير في ضعفهما وصغرهما ودناءتهما سواء سواء، وكلاهما فقد صار إلى الهواء، وقد قال الله سبحانه فيهما: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}[الحج: 65]، وقال في الطير: {أَلَمْ يَرُوا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِيْ جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ}[النحل: 79]، فصير الطير بضعفه وصغره كالسماء بعظمها وجسمها، لا يمسكهما غيره.
فمن قال إن لله عز وجل عرشاً في السماء يحيط به(1) فقد زعم أن العرش أوسع منه وأعظم، وأقوى وأجسم، فزعم أن العرش هو المحيط بالأشياء ليس الله، وأن العرش هو الواسع ليس الله، وأن العرش هو القوي ليس الله، ويزعم في زعمه أن الله أصغر من العرش؛ إذ كان في زعمه في جوف العرش، وكان العرش مشتملاً عليه محيطاً به، فصير العرش ربه، وزعم أن العرش هو الواسع العليم؛ إذ زعم أنه أوسع من الله العزيز الحكيم، وأخرج الله عز وجل من قوله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}[النور: 35]، يريد: أن بحياته حييتا، وبقدرته استقامتا، ولولا هو لزالتا، وامحتا وهلكتا، وهلك ما عليهما لولا إحياءه لهما.
__________
(1) في (أ): محيطاً به.

(1/270)


وقد قال الله عز وجل: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ}[الحديد:3]، فنقول لهؤلاء الملحدين في الله سبحانه: أخبرونا عن العرش، أهو الظاهر على الله، أم الله الظاهر عليه؟ فإن قالوا: إن العرش هو الظاهر على الله.، قلنا لهم: فقد أكذبكم الله(1) في كتابه بقوله هو: {الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}، فأخبر عز وجل أنه هو الظاهر، وأنتم تقولون: أن العرش هو الظاهر، فقد كذبتم على الله في قولكم، وقلتم بخلاف قوله عز وجل وقد ضللتم ضلالاً بعيداً؛ بكذبكم على الله وافترائكم عليه. وإن قالوا: بل الله هو الظاهر على جميع الأشياء، لم يقدر أحد أن يدفع هذه الحجة عنهم. قلنا لهم: قد قلتم بالحق، ورجعتم إلى الصدق، فإذا كان هو الظاهر على جميع الأشياء كان ظاهراً على كل عرش وغيره، والله من وراء ذلك العرش محيط، كما قال عز وجل: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيْطٌ}[البروج:20]، فالله عز وجل من وراء كل عرش وغيره محيط، وظاهر على كل شيء.
فإن قال قائل: فإذا قلتم إن العرش هو الله؛ فما معنى قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}[طه:5]؟ وقوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}[هود:7]؟. قلنا له: إن العرش هو الله؛ إذ كان العرش اسماً يدل على الله؛ لأن العرش من صفات الملك، وليس هو عرش مخلوق، إنما هو اسم من أسماء المُلك يدل على ملك الله، ومعنى: يدل على ملك الله، أنه يدل على الله، إذ هو الملك بنفسه، فكان في المعنى عندنا سواء أن يقول القائل: لا ملك إلا ملك الله، أو يقول: لا عرش إلا عرش الله، فلذلك قلنا: إن العرش متصل بالله كاتصال الكف بساعدها، لأنه في غاية المعنى أن العرش علو الله على جميع الأشياء بنفسه.
وإنما مثل الله علوه على جميع الأشياء وإحاطته بها كعلو الملك على سريره إذا استوى عليه واستعلى فوقه في المثل لا غيره، وليس في الشبه والصفة إلا في المثل.
__________
(1) في (أ): فلقد كذبكم.

(1/271)


والعرش الذي ذكره الله عزَّ وجل هو مثل ضربه الله في استوائه على ملكه، وإنما تفسير هذا المثل الذي ضربه الله لعباده في العرش والكرسي، أن الملك من ملوك الدنيا إذا قعد على كرسيّه وعلى سريره استعلى فوقه، والعرش فهو السرير، فمثَّل الله عرشه وكرسيّه بهذا العرش، وهذا الكرسي، فكان كرسي الملك من ملوك(1) الدنيا كرسياً ضعيفاً صغيراً، والذي استوى فوقه أضعف منه وأحقر منه، وكذلك العرش ايضاً فهو في الضعف والصغر كمثل الكرسي، وسواء الكرسي والعرش كلاهما مقعد للمَلِكِ يقعد عليه ويستوي فوقه. وكرسي الله عزَّ وجل فقد وسع السموات والأرض، حتى صار من عظم سعته السَّمَاءُ والأرضُ في كرسيه كالحلقة الملقاة في الأرض، وصار الكرسي محيطاً بهما كإحاطة الأرض بتلك الحلقة، فكانت السموات الأرض لصغرهما وضيقهما في سعة الكرسي عليهما كضيق الحلقة وصغرها في سعة الأرض عليها، وكان الكرسي مشتملاً على السموات والأرض كما اشتملت هذه الأرض على هذه الحلقة، والواسع لهما بعظمهما كما وسعت الأرض هذه الحلقة، والله الذي لا إله إلاَّ هو وسع الأشياء كلها، حتى أحاط بها وملأها وغمرها، وليس ثم كرسي(2) غير الله، إنما هو مثل مثله الله لعباده، لتستدل به على عظمته، واتساعه على جميع الأشياء وإحاطته بها.
ومن الدليل على أن الله عزَّ وجل أراد بذكر الكرسي والعرش أن يعرف عباده عظم سعته وإحاطته بالأشياء؛ قوله عزَّ وجل: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً}[الطلاق: 12]، وقوله: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ}[البروج:20] وكثير في كتاب الله عزَّ وجل مما يدل على أن الله محيط بالأشياء.
وهذا الكرسي مما يدل على إحاطة الله بجميع الأشياء واتساعه عليها. وتفسير العرش أيضاً كتفسير الكرسي سواء سواء.
__________
(1) في (أ، ج): من الملوك.
(2) في (ب): ثم شيء.

(1/272)


فهذا معنى قولنا: إن العرش هو الله، وإن الوجه هو الله، وإن الكرسي هو الله.
فإن قال قائل: ألستم تقولون: هو الله؟ قلنا له: نعم.
فإن قال: فما معنى قوله: {رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ}[التوبة: 129]، وقوله: {رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ}[المؤمنون: 116]. قلنا له: معنى ذلك عندنا كمعنى قوله سبحانه: {رَبُّ العِزَّةِ عَمَا يَصِفُونَ}[الصآفات: 180]، وهو العزيز بنفسه. وكذلك قلنا: إن العرش هو الملك، وهو الملك بنفسه. ومعنى: رب الملك ورب العزة، أي مالك الملك، ومالك العزة، يريد صاحب الملك، وصاحب العزة.
ومالك الشيء ورب الشيء سواء في المعنى، فلذلك جعلنا العرش متصلاً بالله؛ لأنَّه ملك الله، وملك الله متصل به، ولذلك لم يكن بين الملك(1) وبين الله فرق؛ لأنَّه لو جاز لنا أن نفرق بين الله وبين ملكه؛ لقلنا: إن الله خلق(2) الملك ـ في زمن الملك ـ في ذاته، وملك الله عزَّ وجل فلا يقاس بملك العباد؛ لأن العباد إنما صاروا ملوكاً بما ملكوا، والله فهو الملك بنفسه، ولا يزيد شيء(3) مما خلق في ملكه.
فإن قال قائل: فما معنى قوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}[هود: 7]؟
قلنا له: إن إحاطته بجميع الأشياء؛ هي العرش العالي فوق جميع الأشياء، وذلك العرش العالي فوق جميع الأشياء؛ هو الله العالي على جميع الأشياء.
فالله(4) عزَّ وجل هو المحيط بجميع الأشياء بعرشه، يريد أنَّه المحيط بجميع الأشياء بملكه، أي أنَّه علا فوق جميع الأشياء بنفسه، ليس ثم عرش ولا ملك غيره.
__________
(1) في (أ، ج): العرش.
(2) في (أ): خالق.
(3) في (أ): شيئاً، وهو خطأ.
(4) في (ج): والله.

(1/273)


ومعنى قوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}[هود: 7]، يريد أنَّه كان المحيط بالماء؛ من قبل خلقه للأرض والسماء، فذلك العرش المحيط بالماء لم يتغير عن حاله، ولم يزل هو المحيط بالماء، والمحيط من بعد الماء بالأرض والسماء، فذلك العرش إنما هو مقام الله، ولا يجوز لنا أن نقول: هو مجلس الله، ولكنا نقول: هو مقام الله، وليس كمقام الإنتصاب، إنما ذلك كمال الله بنفسه، فهو الجليل الكامل بنفسه العظيم، الجبار ذو الشرف والبهاء والسنآء العظيم.
فهذا معنى قول الله عزَّ وجل: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} يخبر(1) أنها لم تكن أرض ولا سماء سوى الماء.
ونحن نقول: إنَّه قد كان عرش الله ولا ماء، ونقول: إن عرش الله لم يزل، وإن أسماء الله لم تزل، وإن صفات الله كلها ومدائحه لم تزل؛ لأن الله يقول في كتابه: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى}[طه: 5]، ولا يجوز لنا أن نقول: لم يكن مستوياً على عرش ثم استوى؛ إذن لقلنا بخلاف قوله عزَّ وجل. بل نقول: إن الله لم يزل ذا عرش عظيم، يريد بذلك العرش العظيم: الله العظيم.
وقلنا له: ليس ثم عرش لله عز وجل، وإنما ذكر العرش فعرفنا به الملك، ولم(2) يصفه بصفة معلومة معروفة. وأما قوله في يوم القيامة: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى}[النازعات: 40] فذلك(3) المقام هو ذلك العرش، وذلك العرش هو الله العلي، لا شيءٌ استعلى، إنما هو العلي بنفسه. تم والحمد لله وحده وصلواته على رسوله سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلم تسليماً.
__________
(1) في (ب): خَّبر.
(2) في (أ، ج): لم.
(3) في (أ، ج): فكذلك.

(1/274)


مسألة في العلم والقدرة والإرادة والمشيئة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
سألت أكرمك الله عما يقال لمن سأل عن علم الله، وقدرته، وإرادته ومشيئته؛ فقال: هل بينها(1) في المعنى اختلاف، أم معناها مجتمع على الإئتلاف؟
واعلم هداك الله أن ليس بين ذلك شيء من الإتفاق، بل هما على غاية ما يكون من الإفتراق. والحجة في ذلك؛ أن علم الله وقدرته صفتان قديمتان، أزليتان دائمتان، وليس قولنا: صفتان قديمتان؛ أن مع الله صفة يوصف بها(2)، ولا أن ثَمَّ(3) صفة ولا موصوفاً، ولا أن ثَمَّ شيئاً سوى الله عند ذوي العقول، مجهولا ولا معروفاً، وإنَّما نريد بقولنا صفتان؛ أنهما غير محدثتين ولا مكونتين، وإنَّما هما الذات، والذات هما، فهو سبحانه العالم بنفسه، القادر بنفسه. فتعالى من ليس كمثله شيء، وأن إرادته ومشيئته حادثتان محدثتان.
__________
(1) في (أ،ج): بينهما معناهما.
(2) في (أ): توصف.
(3) في (أ): ولا نقول إن.

(1/275)


واعلم ـ هديت ـ أن معنى أراد شاء، وأن معنى شاء أراد(1)، وإن معنى المشيئة من الله تعالى للشيء فهو إحداثه وخلقه، لا فرق بينهما في الله تبارك وتعالى، ولا يقال لله: إنَّه شاء أن يخلق، ثُمَّ خلق من بعد المشيئة، فيفصل بين المشيئة وبين الشيء بمهلة بعد قلت أم كثرت، وإنَّما يقع الفرق بين المشيئة وبين الشيء على الآدميين، ومن لا يحيط علمه بعاقبة فعله من المخلوقين، فيحتاج ويضطر إذا شاء الشيء أن ينويه ويضمره، ثُمَّ ينتظر به من الأوقات ما يصلح له (صنعه) (2) فيه من الليل والنهار، أو انتظار حركة منه، أو قعود أو قيام، أو انتظار من يأمر من الأعوان، ثُمَّ لعله أن يعجز عما أراد ويعجزوهم ولا يتهيأ له ولا لهم. والله تبارك وتعالى؛ محيط بعلم الأشياء، لا يعزب عنه شيء من الغيوب، ولا يُعِوزُه مستصعب من الأمور، إذا شاء شيئاً كان بلا كلفة ولا اضطرار، وليس المشيئة منه بالنية والإضمار، ولا بالمهلة والانتظار، مشيئته للأشياء إيجادها، وإيجادها مشيئته إياها، فتبارك من كون الأشياء بقدرته، ودل على نفسه بما ابتدع من فطرته.
فإن قال: قد فهمنا ما ذكرت وشرحت؛ من الإختلاف بين العلم والقدرة، وبين الإرادة والمشيئة، فما تنكر أن يلتئم هذا كله في أحد المعنيين في أفضلهما وأقواهما، وأكبرهما وأعلاهما.
__________
(1) في (ب،ج): واعلم هديت أن معنى الإرادة شاء، وأن معنى شاء أراد، ومعنى أراد هو شاء، وأن معنى المشيئة ...
(2) سقط من (ج).

(1/276)


قيل له: أنكرنا التئام ذلك كله على معنى واحد من أحد هذين الوجهين؛ لأنا علمنا أنا لو حملنا الإرادة والمشيئة على معنى العلم والقدرة ـ وقد علمنا وصح في معقولنا أنهما غير محدثين ولا مخلوقين، وأن الله العالم القادر بنفسه ـ، لوجب علينا أن نقول: إن المشيئة والإرادة غير محدثتين ولا مخلوقتين، وإنهما صفتان للقديم الواحد، الدائم الماجد؛ لأنَّه لا يكون قديماً إلاَّ الله وحده لا شريك له؛ فلو قلنا ذلك؛ لوجب علينا أن نقول: إن الله سبحانه قد شاء إغراق فرعون وقومه، قبل خطئهم وعصيانهم له، فتعالى عن ذلك علواً كبيراً، ولوجب علينا أن نقول: إن الله قد شاء أن يسخط على إبليس، وشاء إخراجه من الجنة؛ قبل خطيئته وعصيانه له، وقد بين وأخبر ربنا عن نفسه؛ أنه لا يشاء عقوبة عبد من عبيده؛ إلاَّ من بعد الإعذار والإنذار.
وأنا(1) لو حملنا العلم والقدرة على معنى الإرادة والمشيئة، وقد علمنا وصح عندنا أنهما حاثتان، ولو قيل بذلك لكان يلزم من قال به أن يكون قد ألحق بالله تعالى عن ذلك الجهل؛ في الدهر الذي كان قبل تكوين العلم وإحداثه، ولكان قد ألحق(2) بالله في قوله العجز؛ إذ كانت القدرة حادثة فيما كان قبل تكوين القدرة وإحداثها.
فسبحان المتعالي عن قول القائلين، وعن كل وصف الواصفين، فقد بان ولله الحمد وصح(3) لذوي العقول والفطن والأفهام؛ ما سمينا من الإختلاف، وتباعُد الإئتلاف.
تمت المسألة بحمد الله ومنّه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
****
__________
(1) في (ج): فإنا.
(2) في (ب،ج): يلحق.
(3) في (أ): فقد بان بحمد الله ووضح.

(1/277)


رسائل
خاصة بالعدل
الجزء الأول من كتاب الرد والاحتجاج على الحسن بن محمد بن الحنفية (4)
مقدمة
الحمدلله الذي علا على الأشياء بطوله، وتقدس عن مشابهة المخلوقين بحوله، الذي علا فقدر، وقدر فقهر، وعصي فغفر، وأطيع فشكر، الذي لا مثل له فيساويه، ولا ضد له فيناويه(1)، الذي لا تدركه الأبصار، ولا تجن منه الأستار، العالم بما تجن قعور البحور، وما تكن جوانح الصدور، العالم بما سيكون سبحانه من قبل أن يكون، اللطيف الخبير، السميع البصير، الجليل الحكيم(2)، الكريم الرحيم، الذي دنا فنأى، ونأى سبحانه فدنا، رابع كل ثلاثة، وسادس كل خمسة، الداني من الأشياء بغير ملامسة، المحيط بها من غير مخالطة، العالم بباطنها من غير ممازجة، فعلمه بما تحت الأرضين(3) السفلى؛ كعلمه بما فوق السموات العلى، الموجد للأشياء من غير شيء، وجاعل الروح في كل حي، خلق خلقه حين أراده، وإذا شاء سبحانه أباده، بلا كلفة ولا اضطرار، ولا بتخيل ولا إضمار، ولا حاجة منه إلى الأعوان(4)، إذا أراد إيجاد شيء كان بلا كلفة، البريء من أفعال العباد، المتعالي عن اتخاذ الصواحب والأولاد، الذي لم يلده والد فيكون مولوداً، ولم يلد ولداً فيكون لذلك(5) محدوداً، الخالق غير المخلوق، والرازق غير المرزوق، الذي بقدرته قامت السموات بغير عماد(6)، وفرش لعباده الأرض ذات المهاد، فاستقلت الأقطار، وسجرت(7) البحار، وهطلت الأمطار، ونبتت الأشجار، وجرت الأنهار، وأينعت الثمار. فالق الحب والنوى، ومالك الآخرة والدنيا(8)، زارع كل ما يحرثون، ومنزل الماء الذي يشربون، وخالق النار التي يورون(9)، محصي الأعمال، ومؤجل الآجال، ومجري الأرزاق، ومسبب الأرفاق، الصادق في كل قول قوله، النافذ في كل شيء فعله، الذي أمر ونهى، فأمر بالتقوى، وزهد في الدنيا، ونهى عن
__________
(1) المناوأة: المعاداة، أصله الهمز وربما لم يهمز.
(2) في (أ): الحليم.
(3) في (ب): الأرض.
(4) في (أ): أعوان.
(5) في (أ): بذلك.
(6) في (ب): عمد.
(7) في (أ): وزخرت.
(8) في (أ): والأولى.
(9) الوري: الإشعال.

(1/278)


العصيان، وحض(1) على الإحسان(2)، وخلق ثواباً، وجعل [عقاباً] (3)، فاعد للمطيعين الجنان، وأجَّج للعاصين النيران، {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31]، قابل التوبة، مقيل العثرة، مجيب الدعوة، الذي لا يغافص(4) من عصاه، ولا يخيب أبداً من رجاه، يقبل اليسير الصغير، ويعطي عليه الكثير، الذي لم يزل قادراً ولا يزال، فسبحان ذي القدرة والعز والجلال.
أحمده على نعمائه، وأعوذ به من بلوائه، واستجير به من نقمته(5)، وأستديمه لنعمته(6)، الذي شملت خلائقه نعماؤه، وتظاهر عليهم إحسانه وآلاؤه، سائق كل غنيمة وفضل، وكاشف كل عظيمة وأَزْل(7).
أشهد له سبحانه بالربوبية، وبالعدل والصدق والوحدانية. وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، مقلب القلوب، الغافر لمن تاب من موبقات الذنوب، البريء المتعالي عن كل نصب ولغوب، البائن عن الصفات، فليست تحده المقالات(8)، ولا تنقصه الساعات، ولا تعروه السنات، المحمود في كل الحالات.
__________
(1) الحض: الحث.
(2) في (ب): الإيمان.
(3) سقط من (ط).
(4) غافصه: أخذه على غرَّة.
(5) في (أ): نقمه.
(6) في (أ): لنعمه. والمعنى: أطلب دوام النعمة.
(7) في المطبوع: وأذى، ولعله تصحيف. والأزْل ـ بالفتح ـ: الضيق والشدة.
(8) في (أ): فليس تحده القالات. والمعنى: البعيد عن صفات المخلوقين فلا تحيط به القالات.

(1/279)


وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلى خلقه، وأمينه على وحيه، صلى الله عليه وعلى آله، الداعي إليه، بعثه سبحانه بحجته، واستنقذ به من النار أهل طاعته، بعثه في طامية طمياء(1)، ودياجير ظلمة(2) عمياء، وأهاويل فتنة دهماء(3)، فدمغ فنيق الكفر والفساد(4)، وأنهج سبيل الحق والرشاد، وأدحض عبادة الأوثان، وأخلص عبادة الرحمن، وصدع بأمر ربه، وأنفذ ما أمره به، ودعا إليه علانية وسراً، وأمر بعبادته سبحانه جهراً، صابراً على التكذيب والأذى، داعياً لهم إلى الخير والهدى، حتى قبضه الله إليه، وقد رضي عمله، وتقبل سعيه، وغفر ذنبه، وشكر فعله، فصلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار الصادقين الأبرار.
ثُمَّ نقول من بعد الحمد لله والثناء عليه، والصلاة على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
…………أما بعد ...
فإنه وقع إلينا كلام للحسن بن محمد بن الحنفية(5)، يؤكد فيه الجبر، ويشدد في ذلك منه الأمر، ويزعم فيه أن الله سبحانه جبر العباد أجمعين؛ من الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، وجميع الثقلين، على كل الأعمال من صالح أو فاسد أو طالح(6)؛ فرأينا أن نجيبه في ذلك، وننقض عليه ما جاء به من المهالك، ونثبت عليه في ذلك كله لربنا وسيدنا وخالقنا ما هو أهله مما هو عليه، وما لا يجوز لخلقٍ عندالله أن يقول بغيره فيه، فاختصرنا له في قوله الجواب، وتركنا ـ خشية التطويل ـ كثيراً من الأسباب.
__________
(1) في (أ) و(ب): طخياء.
(2) في (ب): مظلمة.
(3) في (أ): دهياء.
(4) في (ط): فدفع فسق.
(5) في هامش (ط): هو الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن محمد بن الحنفية كان من أئمة الكيسانية وممن قالوا بالجبر والتشبيه، وهو غير الحسن بن علي بن محمد بن الحنفية العف الورع الذي ترجم له ابن حجر في تقريب التهذيب.
(6) في (أ): من فساد أو صلاح.

(1/280)


فلينظر من نظر في قولنا وقوله، وجوابنا لسؤاله، بلب حاضر، ورأيٍ حيٍ صادر؛ يبن له الحق إن شاء الله، ويثبت في قلبه الصدق. والحمدلله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين، محمد خاتم النبيين، وعلى أهل بيته الطاهرين وسلم.
المسألة الأولى:
هل يستطيع الرسل ترك البلاغ والتغيير أم ألزموا ذلك
فكان أول ما سأل عنه أن قال: أخبرونا عن رسل الله من بني آدم، هل جعل الله لهم السبيل والإستطاعة إلى ترك البلاغ ولو شاءوا لغيروا ما أمروا به من تبليغ الوحي والعمل بالسنن؟ أو ألزموا على ذلك إلزاماً، فلا يستطيعون على تركه ولا الزيادة فيه ولا النقصان منه؟
فإن قالوا: نعم، قد جعل الله لهم سبيلاً واستطاعة لترك البلاغ؛ فلو شاءوا لغيروا ما نزل إليهم من كتابه وحكمته؛ فقد دخلوا في أعظم مما كرهوا؛ حين زعموا أن الرسل لو شاءوا لم يعبدوا الله بالتوحيد، ولم يعملوا له بطاعة، إذ زعموا أنهم كانوا يقدرون على كتمان الوحي والسنن.
فيقال لهم: وأنتم الآن لا تدرون هل بلغت الرسل كل ما جاءهم من الوحي والسنن أم لا؟
فإن قالوا: نعم، تقدر الرسل على كتمان الوحي والسنن إذا أرادت ذلك؛ احتُجَّ عليهم، وإن قالوا: لم تكن الرسل تقدر(1) على كتمان الوحي، ولا إبدال الفرائض، ولا ترك البلاغ؛ لأن الله ألزمهم البلاغ إلزاماً؛ فلا يقدرون على تركه وكتمانه؛ فقد أجابوا، وفي ذلك نقض(2) لقولهم.
[جوابها]:
بسم الله الرحمن الرحيم
فكان أول ما سأل عنه أن قال: أخبرونا عن قولكم فيما نسأل(3) عنه، نبئونا هل الأنبياء صلوات الله عليهم مستطيعون لعمل فعلين متضادين في حالين مختلفين؟
__________
(1) في (ط): يقدرون.
(2) في (أ): في ذلك بنقض قولهم.
(3) في (أ)، و(ب): نسألكم.

(1/281)


وقولنا في ذلك، والله الموفق لكل رشد وخير، والدافع لكل سوء وضير، أن رسل الله صلوات الله عليهم قد أدوا ما أمرهم الله بأدائه على ما أمرهم، لم يشبهم في ذلك تقصير، ولم يتعلق عليهم في ذلك من التفريط(1) جليل ولا صغير، وأنهم كانوا في ذلك كله لأمر الله مؤثرين، وعلى طاعته سبحانه مثابرين، وأن الله سبحانه لم يكلفهم أداء الرسالة، حتى أوجد فيهم ما يحتاجون إليه من الإستطاعة، ثُمَّ أمرهم بعد ونهاهم، وكلفهم من أداء الوحي ما كلفهم، فبلغوا عنه ما به أمرهم، على اختيار منهم لذلك، وإيثار منهم لطاعته، وحياطة لمرضاته، لم يكن منه جبر لهم على أدائه، ولا ادخال(2) لهم قسراً في تبليغه، بل أمرهم بالتبليغ فبلغوا، وحثهم على الصبر فصبروا، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالاَتِهِ}[المائدة: 67]، فقال: بلغ ما أنزل إليك، ولو لم يكن التبليغ منه صلى الله عليه وآله باستطاعة وتخير لم يقل له: (بلغ)؛ إذ الأمر لمن لا يقدر أن يفعل فعلاً حتى يدخل فيه ادخالاً، ويقلب فيه تقليباً محال، لأن الفاعل هو المدخل لا المدخل، والمقلب لا المقلب، فلم يأمر الله عز وجل أحداً بأمر إلاَّ وهو يعلم أنَّه يقدر على ضده، فحثه بأمره على طاعته، ونهاه عن معصيته، ألا تسمع كيف يقول: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَومَ يَرَونَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاَغٌ فَهْلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القَومُ الفَاسِقُونَ}[الأحقاف: 35]، فأمره باحتذاء ما فعل من هو قبله من الرسل؛ من الصبر على الأذى والتكذيب، والشتم والترهيب، ولو كان الله سبحانه هو المدخل لهم في الصبر
__________
(1) في (أ): تفريط بجليل.
(2) في (أ): جبرا ولا إدخالاً، ويخرج على أن في يكن ضميراً عائداً على البلاغ أو نحوه.

(1/282)


ادخالاً، ولم يكن منهم له افتعالاً؛ لقال: صبرناك كما صبرناهم، ولم يقل: اصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل. وكيف يأمر ذو الحكمة والفضل، مأموراً بما يعلم(1) أنَّه يفعله من الفعل؟ فجل الله عن ذلك، وتعالى عن أن يكون كذلك. فهل سمعه من جهله سبحانه يأمر أحداً من خلقه أن يفعل شيئاً مما هو من فعله، مما يتولى إحداثه فيهم؟ ويقضي به تبارك وتعالى عليهم، مما ليس لهم فيه فعل ولا افتعال، ولا تصرف باخراج ولا إدخال، مثل الموت والحياة وإيجاد السمع والبصر والأفئدة؟ بل ذكر ذلك كله عن نفسه، وأضاف فعله إليه بأسره، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ} [ق: 43]، ولم يأمرهم بأن يموتوا، ولا بأن يحيوا.
__________
(1) في (أ)، و(ب): لا يعلم.

(1/283)


وقال سبحانه إخباراً عمن سلف، وتوقيفاً واحتجاجاً على من جاء بعدهم وخلف: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُم سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدةً فمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [ق:37]، فقال: جعلنا لهم، ولم يقل: اجعلوا، ولا تجعلوا(1). ثُمَّ قال: فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء [إذ فعل السمع والأبصار والأفئدة](2). فأراد سبحانه منهم ـ إذ فعل لهم الأسماع ـ أن يفعلوا هم الاستماع بها، فيستمعوا ما جاء به الرسول من أخبار من هلك من قبلهم، وإنذار من أنذر ممن هو أشد منهم بطشاً فلم يقبل الهدى فأهلك. قال الله سبحانه: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي البِلاَدِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ إِنِّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [الأحقاف: 26]. فأراد إذ فعل لهم سمعاً أن يسمعوا به أخبار من نزل به ما نزل فينتهوا، ويسمعوا لرسله ويطيعوا، ويسلموا للحق ويجيبوا. وكذلك إذ فعل لهم أبصاراً أراد أن يبصروا بها إلى ما خلق من السموات والأرض وأنفسهم وما ذرأ وبث؛ فيعلموا أن لهذا خالقاً ومدبراً فيؤمنوا. وكذلك الأفئدة أراد بجعلها لهم ـ إذ أوجدها فيهم ـ أن يفكروا، ويدبروا فيعتبروا، ويميزوا فيهتدوا. ولو كان سبحانه وتعالى عن ذلك المتولي لفعل أفعالهم لم يحتاجوا إلى الإسماع والتبصير والتفكير(3)؛ إذ كان الله المتولي لإنفاذ ما أرادوا(4)، والممضي دونهم لكل فعل منهم؛ ولم يقل عز وجل: {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ
__________
(1) في (أ): جعلوا.
(2) سقط من (ب)، و(ط).
(3) في (أ): الإستماع والتبصر.
(4) في (أ)، و(ب): ما أراد.

(1/284)


أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ}، وكيف يستمعون إذا أسمعوا(1)، ويستبصرون إذا أبصروا(2)، وينتفعون إذا فكروا؛ وهم لا ينالون ذلك ولا يقدرون عليه، وغيرهم الفاعل له المصرف لهم فيه؟
فتعالى من فعله غير فعل خلقه، ومن أمر عباده باتباع حقه. ألا تسمع كيف قوله(3) سبحانه، وإخباره عن المؤمنين والفاسقين، فقال: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً} [النحل: 30]، وقال في الفاسقين: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [النحل:24]، فمدح المؤمنين على ما قالوا من الصدق في رب العالمين، وذم الفاسقين على قولهم الباطل في أحسن الخالقين.
ولو لم يكن العباد متخيرين، ولا مما أرادوا متمكنين، وكان الحامل لهم على أفعالهم، المدخل لهم في كل أعمالهم رب العالمين؛ لكان هو القائل لما نزل من الحق: (أساطير الأولين)، ولم يكونوا هم القائلون بما قالوا من قولهم، والناطقون بما أنطقهم، [ولم يكونوا](4) عند العدل الجواد الرؤوف الرحيم بالعباد بمذمومين، ولا عليه بمعاقبين. ففي أقل من ذلك حجة لذوي الإيمان(5) المميزين.
***
وأما ما قال: من أنهم إن كانوا صلوات الله عليهم قادرين على التبليغ والترك، وكان تبليغهم اختياراً منهم للطاعة على المعصية، ولرضاه على سخطه؛ فما يدريكم لعلهم قد تركوا وبدلوا، أو غيروا وخانوا، أو ستروا واجباً وخالفوا؟.
قيل له: في ذلك من الحجة والحمد لله أبين البيان، وأنور القول والبرهان، ألا تعلم(6) أيها السائل(7) أن الله سبحانه لا يزكي إلاَّ زكياً رفيعاً؟، ولا يذكر بالطاعة إلاَّ سامعاً مطيعاً؟، ولا بالأداء إلاَّ مؤدياً؟.
__________
(1) في (أ): سمعوا.
(2) في (أ)، و(ب): بصروا.
(3) في (أ): لقوله.
(4) زيادة ليستقيم الكلام.
(5) في (أ): الإيقان.
(6) في (أ): تسمع.
(7) في (أ)، و(ب): القائل.

(1/285)


وقد وجدنا الله سبحانه ذكر في توراته التي أنزلها على موسى بن عمران تبليغ من بعثه من أنبيائه بوحيه؛ من نوح وإبراهيم وغيرهما، وأثنى عليهم بذلك، وحض موسى(1)، صلوات الله عليه على الإقتداء بهم والإيثار لما آثروا من الطاعة لربهم، ثُمَّ قص قصة موسى صلى الله عليه، وذكر فضله، [وتبليغه](2) وصبره واجتهاده وفعله، في الإنجيل الذي انزل على عبده المسيح، المطهر من كل قبيح، صلوات الله عليه. ثُمَّ قص قصة عيسى على محمد، وذكر له من قصته واجتهاده وتبليغه وتبليغ غيره من الرسل؛ فقال: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6]، فصدق بما جاء به موسى، وبشر بما أمر بالتبشير به من البشير النذير، الرؤوف بالمؤمنين الرحيم، محمد الرسول الكريم. ثُمَّ ذكر لنا في كتابه أن رسوله قد بلغ وأنذر، وأخبر أنَّه قد أدى كل ما يجب عليه؛ فقال: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاَغُ الْمُبِينُ}[المائدة: 99]، وقال: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ} [الذاريات: 54]، ولو كان منه صلى اللّه عليه وآله غير الاجتهاد لم يقل سبحانه: {فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ} فقد برأه الله من كل دنس ولوم.
فقد بطلت حجة من أراد الطعن على الأنبياء المهتدين، المؤدين لأمر الله الخانعين(3)، بما قال عنهم وذكر فيهم رب السموات و الأرضين. والحمدلله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وسلام على المرسلين. تمت المسألة.
المسألة الثانية: عن إبليس
من أخطر المعصية على باله؟ ومن أين علم ما علم عن آدم وذريته؟
__________
(1) في (أ): محمداً صلى الله عليه.
(2) ليس في (أ)، و(ب).
(3) في (أ): الخائفين.

(1/286)


ثُمَّ أتبع هذه المسألة فقال: أخبرونا عن إبليس، ما أخطر المعصية على باله؟ أو من أوقع التكبر(1) في نفسه؟.
فإن قالوا: نفسه أمرته بالمعصية، وهواه حمله على التكبر، فقل: فمن جعل نفسه أمارة بالمعصية، وهواه حاملاً له على التكبر؟.
فإن قالوا: الله، كان ذلك نقضاً لقولهم.
ويقال لهم: فمن أعطاه علم الخديعة والمكر؟ آلله جعل ذلك في نفسه؟ أو شيء جعله هو لنفسه؟
فإن قالوا: الله جعل ذلك له؛ كان ذلك نقضاً لقولهم. وإن قالوا: إن ذلك لم يكن من الله عطاء ولا قسماً؛ فقد دخل عليهم أعظم مما هربوا منه؛ حين زعموا أن غير الله يجعل في خلقه مالم يرد الله أن يكون فيهم، فما أعظم هذا من القول!!
وسلهم: من أين علم إبليس أن آدم يكون له ذرية، وأن الموت يقضي عليهم، وأنه يكون بينهم(2) لله عباد مخلصون، وأنه يحتنكهم إلاَّ قليلاً منهم؟.
فإن قالوا: إن الله أعلمه ذلك؛ فقد نقض ذلك قولهم، وإن قالوا: إن إبليس علمه من قبل نفسه، فقد زعموا أن إبليس يعلم الغيب، فسبحان الله العظيم!!
***
جوابها(3)
وأما ما سأل عنه وقاله من أمر إبليس فقال: من أخطر المعصية على باله؟ ومن أوقع التكبر والمكر والخديعة في نفسه؟
__________
(1) في (أ): المكر والتكبر.
(2) في (أ)، و(ب): منهم.
(3) في (أ): جواب هذه المسألة، وفي (ب): جواب مسئلته.

(1/287)


فإنا نقول في ذلك: إن الله أعطى إبليس من الفهم واللب ما يقدر به على التمييز بين الأمور، ويعرف به الخيرات من الشرور، ويقف به على الصَّالح من ذلك والطالح، وإنما أعطاه الله ذلك، وجعله وكل الخلق المتعبدين كذلك، لأن يعرفوا [قوله](1) ويعرف ما افترض الله عليهم [وعليه](2)، فيتبع ذلك دون غيره ويثابر عليه، ويعرف ما يسخط الله فيجتنبه ويتقيه، ويحاذر انتقامه فيه، ولو لم يعطه وغيره ذلك لم يهتدوا أبداً إلى فعل خير ولا شر، ولا تخير طاعة، ولا إيثار هوى، ولا اتباع تقوى، ولو كان [ذلك وكان] (3) الخلق كذلك؛ لكان معنى الثواب ساقطاً عنهم، ولما جرى أبداً عقاب عليهم، ولو لم يجر عقاب، ولم يُنَل ثواب؛ لم يُحْتَج إلى جنة ولا نار، ولما وقع تمييز بين فجار ولا أبرار، وقد ميز الله ذلك فقال: {لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ}[الحشر: 20]، ولو كان ذلك كذلك، لكان معنى الملك والتمليك عندالله سبحانه ساقطاً هنالك، ولكنه سبحانه لما خلق الخلق لم يكن للخلق بد من عمل، ولم يكن العمل كله لله رضى، ولا كله سخطاً [طراً معا](4)، ولَمَّا كان من الأعمال مرض لله ومسخط، لم يكن بد من الأمر بالعمل المرضي، والنهي عن العمل المسخط، فلما كان ذلك كذلك لم يكن بد من الترغيب على العمل الصَّالح بالثواب، والترهيب على العمل الطالح بالعقاب، فجعل(5)الجنان ترغيباً، والنيران ترهيباً، وترهيب الشيء من الشيء الذي لا يستطيع أن يرهبه محال، كما أن ترغيب الشيء فيما لا يقدر على أن يرغب فيه محال، فاحش من الفعال، ولا يكون ترغيب إلاَّ لمن يقدر على الرغبة، ولا ترهيب إلاَّ لمن يقدر على الرهبة، ولا أمر ولا نهي إلاَّ لمن [يقدر على أن](6) يميز بين المأمور به والمنهي عنه، فجعل
__________
(1) زيادة من (ب).
(2) زيادة من (ب).
(3) سقط من (ط).
(4) ليس في (أ).
(5) في (أ): فجعلت.
(6) ليست في (ب)، و(ط).

(1/288)


الله وركب فيهم استطاعة وتمييزاً، ليعرفوا رضاه فيتبعوه، ويفهموا سخطه فيتجنبوه ـ فيثيبهم أو يعاقبهم على ما يكون من أفعالهم باختيارهم، لأن المثيب على فعله إنَّما هو مجاز لنفسه. ثُمَّ أمرهم عز وجل ونهاهم، ثم قال: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، ولو لم يعلم أن لهم(1) مشيئة وتمييزاً واقتداراً على الفعل والترك لم يقل: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}. وقال سبحانه: {يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً} [مريم: 12]، ولو لم يكن فيه استطاعة مركبة قبل الأمر، ولم يكن قادراً على أخذ الكتاب؛ لم يقل: خذ، وهو لا يقدر على الأخذ، لأن القائل للحجارة وما كان مثلها يقال (2): مخطيء محيل في المقال، فتعالى الله عن ذلك.
وقال: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الجاثية: 14]، ولو لم يكن المؤمنون يقدرون على الغفران لمن أمروا بالمغفرة له لم يقل: يغفروا، وكان يحدث فيهم الغفران لأولئك فيغفروا، ولم يكن ليأمرهم من الأمر بمالا يطيقون.
__________
(1) في (ب) و (ط): له.
(2) كذا، ولعلها: مقال.

(1/289)


وأعطى الله إبليس اللعين ما أعطاه من الفهم والتمييز لأن يطيعه ولا يعصيه، وأراد أن يطيعه تخيراً وإيثاراً لطاعته، فكانت هذه إرادة معها تمكين واستطاعة، ولم يرد أن يطيعه قسراً، ولا أن يمنعه من المعصية جبراً، [فيكون إبليس اللعين في ذلك غير محسن ولا مسيء. فلم يحل بينه وبين المعصية قسراً، ولم يحمله على الطاعة جبراً] (1)، فمكنه وهداه، ثُمَّ أمره ونهاه، فرفض ـ له الويل ـ تقواه، واتبع هواه، وكفر نعم ربه، وكره تنزيله وحكمه، فكان كما قال الله سبحانه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 8ـ9]. فلو كانت الكراهة لما أنزل الله قضاء له فيهم، وفعلاً ادخله سبحانه عليهم؛ لكانت من الله لا منهم، ولكان الكاره لتنزيله لاهم، ولكانوا ناجين من العقاب، وكانوا متصرفين في أمره في كل الأسباب، وكذلك المهتدون، لو كان هو الذي فعل هداهم، وزادهم في تقواهم، لم يقل: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]، ولو كان ذلك كما يقول الجاهلون، وينسب إلى الله الضالون؛ لكان من اهتدى، ومن كره وأبى، في الأمر عندالله شرعاً واحداً(2)؟ إذ كان كلهم في امره وقضائه له مطيعاً، متقلباً(3) متصرفاً في إرادته سريعاً.
__________
(1) سقط من (ط).
(2) في (أ): شرعاً سواء.
(3) في (أ): متقياً.

(1/290)


وأما قوله: من أين علم إبليس أن آدم يكون له ذرية؟ وأن الموت يقضي عليهم؟ فإن جوابنا له في ذلك: أن الله أعلمه ملائكته، فسمعه إبليس من ملائكة الله فيما كان يسترق من السمع، كما قالوا وحكى الله عنهم في قوله: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً} [الجن: 9]، فكانوا ـ قبل أن يبعث الله نبيه صلى الله عليه، ويكرمه بما أكرمه من الوحي إليه ـ يسترقون السمع، فلما أن بعثه الله حجبهم عن المقاعد التي كانوا يقعدونها من السماء، ويسترقون من الملائكة الأخبار فيها؛ فيهبطون بها إلى إخوانهم؛ من كهنة الإنس وأوليائهم، كما قال ذو المن والجلال(1): {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً} [الأنعام: 113]، فلما أرسل الله رسوله بالوحي البالغ، والنور الساطع؛ حجبهم عن علم شيء من أخبار السماء، لكيلا يسبقوا به ولا يلقوه(2) إلى إخوانهم من كهنة أهل الدنيا، فقذفهم بما جعل لهم من النجوم شهباً رصدا، فرماهم بالنجوم من السماء، ولم يكن قبل ذلك بشيء منها يُرْمَى، فهيل لذلك أهل الأرض والشياطين في الهواء(3)؛ فقالوا في ذلك كما أخبر الله به عنهم، وحكى من قولهم: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} [الجن: 9].
__________
(1) في (أ): والإحسان.
(2) في (أ)، و(ب): ولا يفشوه.
(3) في (أ): وشياطين الهواء. والمعنى: أصابهم الهول والدهشة.

(1/291)


فمن الملائكة علم إبليس أخبار آدم وذريته، ولو لم يعلم الله الملائكة بذلك لم يعلمه إبليس ولا هم، كما لم يعلموا بما كتمهم من أسماء الأشياء التي اعلمهم آدم بأسمائها، في وقت ما علمه الله أسماءها وكتم الملائكة إياها، كما قال سبحانه: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}[البقرة: 31ـ 33]، فأنبأهم حين أمره الله أن ينبئهم بأسماء من كان قد خفي عنهم علمه من الأشياء، فعندما رأى إبليس اللعين الرجيم(1) تعليم الله لآدم (2) وتعظيمه لقدره، وإسجاده الملائكة من أجله، ولما أظهر فيه من عجائب تدبيره وصنعه؛ حسده على ذلك غاية الحسد، حتى أخرجه حسده لآدم إلى أن كفر(3) بربه، وخالف فيما ترك من السجود عن أمره، ثُمَّ خشي أن يؤاخذه (4) الله مغافصة على ذنبه، فطلب الإنظار والتأخير من ربه، فأنظره وأمهله الله إلى يوم حشره.
__________
(1) في (أ): الرجس.
(2) في (أ): من كرامة اللّه لآدم.
(3) في (ط): الكفر.
(4) كذا، ولعلها: يأخذه.

(1/292)


ولو حجب الله علم آدم وذريته عن الملائكة لم يكن ليعلمه إبليس ولا هم، وليس إعلامه إياهم سبحانه بأنه سيجعل لآدم ذرية إلاَّ كإعلامه من قبل إيجاده لآدم بآدم؛ حين يقول عز وجل: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وكما أعلمنا في كتابه على لسان نبيه صلى الله عليه وآله، بما يكون في دار الآخرة من الثواب والعقاب، والمجازاة بين العباد، وليس على الله في ذلك من حجة كبيرة ولا صغيرة.
***
وأما ما سأل عنه من استكبار إبليس، وقال: ممن هو؟ أمن الله؟ أم منه؟ أم من غيره؟ فسبحان الله! ما أبين جهل من شك في هذا، أيتوهم أو يظن ذو عقل أن الله ألزم إبليس التكبر والإجتراء عليه، فأدخله قسراً فيه، وهو يسمع إخبار الله في ذلك عنه؟ وأنه نسب التكبر إليه، فقال سبحانه: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ} [البقرة: 34]، فذكر أن الاستكبار والكفر من فعل إبليس الكافر المستكبر، ولو كان الله أدخله في الاستكبار فاستكبر، وقضى عليه بالكفر فكفر؛ لم يقل فيه: وكان من الكافرين. ولكان أصدق الصادقين يقول فيه: إنَّه أطوع المطيعين. وما كان من استكبار إبليس فهو كاستكبار غيره من الناس، قال الله سبحانه: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَاليَومَ تُجْزَونَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ} [الأحقاف: 30]، ولو كان الكبر(1) والفسق من الله فيهم فعلاً، وله سبحانه عملاً؛ لم يجزهم عذاب الهون على فعله الذي أدخلهم فيه، بل كان يثيبهم عليه، ويكرمهم لديه.
المسألة الثالثة:
__________
(1) في (أ): التكبر.

(1/293)


في آدم هل شاء اللّه خلوده في الجنة أم خروجه منها؟
ثُمَّ أتبع(1) ذلك الحسن بن محمد المسألة عن آدم عليه السلام وزوجته(2)، فقال: خبرونا عن آدم وزوجته(3) حين أسكنهما الله الجنة، ما كانت محبة الله ومشيئته لهما في دخولهما فيها؟ أخلودهما فيها وإقامتهما؟ أم في خروجهما منها؟ فإن زعموا ان محبة الله ومشيئته كانت في خلودهما فقد كذبوا؛ لأن أهل الجنة لا يموتون ولا يتوالدون ولا يمرضون ولا يجوعون ولا يخرجون، وقد قضى الله الموت على خلقه جميعاً، وقضى على آدم أن تكون له ذرية تكون منهم الأنبياء والرسل والصديقون والمؤمنون والشهداء والكافرون، ثُمَّ قال: {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} [الأعراف: 25]، وقال: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55]، وكيف يكون ما قالوا وقد قضى الله القيامة والحساب والموازين والجنة والنار؟ سبحان الله! ما أعظم هذا من قولهم، وإن قالوا: إن محبة الله ومشيئته كانت في خروج آدم وزوجته من الجنة وهبوطهما إلى الأرض؛ فقد زعموا أنَّه لم يكن ليخرجهما من الجنة إلاَّ الخطيئة التي عملاها، والأكل من الشجرة التي نهيا عنها، فقد أقروا لله بقدرته ونفاذ علمه، وفي ذلك نقض قولهم.
تمت مسألته (4).
[جوابها](5)
__________
(1) في (أ): هذه المسألة عن آدم.
(2) كذا في النسخ.
(3) كذا في النسخ.
(4) حاصل هذه المسألة ـ على ركتها ـ أنه أراد أن يستدل بسبق المشيئة والعلم على الجبر الذي يزعمه، وبيان ذلك أن اللّه إن أراد وعلم خلود آدم كان خروجه مع ذلك كاشفاً عن الجهل وعدم نفاذ المشيئة، وإن أراد وعلم خروجه فقد خرج لسبق ذلك في العلم والمشيئة وكان بقاؤه بالاختيار مستحيلاً لمخالفته العلم والمشيئة، وسيكشف الإمام عليه السلام سوءة حجته بأوضح بيان.
(5) في (أ): جواب المسئلة.

(1/294)


وأما ما سأل عنه من إرادة الله في آدم وزوجته (1) حين أسكنهما الجنة، أكانت إرادته خلودهما فيها؟ أم خروجهما عنها؟ وما توهم من هذه الجنة التي كان فيها آدم وزوجته أنها جنة المأوى التي جعلها الله ثواباً للعاملين، ومقراً دائماً لعباده المؤمنين.
***
فإنا نقول: إن الجنة التي كان فيها آدم وزوجته هي جنة من جنات(2) الدنيا ذوات الأنهار، والغرف والأشجار، فسماها الله جنة، وهذا فموجود في لغة العرب غير مفقود، تسمي ما كان من الضياع والبساتين ذا فواكه وأشجار وعيون جناناً، أما سمعت إلى قول الله سبحانه، ما أبين نوره وبرهانه، وكيف حكى عن الأمم الماضين، الفراعنة المتجبرين، حين يقول سبحانه: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوماً آخَرِينَ} [الدخان: 26].
وقال: {وَلَولاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ} [الكهف: 39]، فسمى الله ما كان من الأرضين على ذلك من الحالات، في قديم الدهر وحديثه جنات (3). وإن آدم كان في موضع قد برأه الله له(4) من الأرض كريم، شريف عظيم، خلقه فيه، وأجرى رزقه ومرافقه عليه.
وليس كما ظن الحسن بن محمد وقال، وتوهم من فاحش الظن والمقال؛ أن أهل الجنة منها خارجون، وعنها منتقلون، وأن آدم وحواء كانا فيها ثُمَّ أخرجا، وليس كذلك، بل هو كما قال رب العالمين، وأصدق الصادقين، فيمن صار إلى جنة المأوى من عباده الصالحين: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 8].
__________
(1) كذا، وستتكرر.
(2) في (أ)، و(ب): جنان.
(3) في (أ): جنة في قديم الدهر.
(4) في (أ)، و(ب): قد بوأه الله إياه كريم.

(1/295)


وكما قال: {لاَيَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجرات: 48]، فأخبر أن من دخل جنة المأوى، غير خارج منها أبداً، وأنه لن يذوق بعد دخوله إياها نصباً ولا شقاء، وقال عز وجل إخباراً منه أنَّه لا يدخل الجنة إلاَّ المطيعون المجازون من العالمين، فقال: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37]، فأخبر سبحانه أن الجنة لا يدخلها إلاَّ من اتقى، وتقدم منه العمل بالحسنى، فأولئك الذين تزلف لهم الجنة، قال الله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَومُ الْخُلُودِ لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَينَا مَزِيدٌ} [ق: 31].
***
وأما ما سأل عنه من قول الله: {فِيهَا تَحْيَونَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} [الأعراف: 25]، ومن قوله: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55]، وما توهم من ذلك أن هذه الأرض التي خلق منها آدم هي أرض الجنة وعرصتها،وأن كل العباد راجع إليها، فليس ذلك كما توهم ولا كما قال، وإنما عنى الله بكل ما ذكر من هذه الأقوال؛ هذه الأرض التي منها خلقوا وفيها يدفنون، ومن أجداثها يبعثون. قال الله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً} [المرسلات: 25]، وقال سبحانه: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} [ق: 24].
***

(1/296)


وأما ما سأل عنه فقال: ما كانت إرادة الله في آدم وزوجته؟ أيخلدان في الجنة؟ أم أراد أن يخرجا منها، وأن يهبطا عنها؟
فإنا نقول: إن إرادة الله في وقت خلق آدم وزوجته سكناهما في الجنة ومقامهما، وإن ارادته وحكمه عندما كان من غفلتهما، واستزلال الشيطان لهما حتى كان منهما ما كان من معصيتهما، لسبب الغفلة والنسيان لما عهد إليهما ربهما، من اجتناب الشجرة التي عنها نهاهما؛ فطلبا البقاء والحياة والاستزادة من العمل الصالح، ورجوا أن يخلدا ثُمَّ يزدادا طاعة لربهما، وتكثر عبادتهما لخالقهما، فغوى(1) صلى الله عليه في الشجرة ناسياً، ولم يكن ذلك عن مباينة لله بالعصيان، ولا عن قلة معرفة بما يجب للرحمن، قال الله تبارك وتعالى: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه: 115]. فلما أن كان ذلك منهما، أراد الله أن يهبطهما من الجنة التي كان قد كفاهما فيها لباسهما وقوتهما، فأخرجهما منها إلى غيرها من الأرض، وأبدلهما بالراحة تعباً، وبالكفاية للمؤونة طلباً، وحرثاً وزرعاً.
__________
(1) في (أ)، و(ب): فهوى.

(1/297)


فكانت إرادته في وقت إيجادهما: الكفاية لهما، وفي وقت نسيانهما: ما حكم به من إخراجهما، وإهباطهما منها إلى غيرها. والهبوط فهو القدوم من بلد إلى بلد، تقول العرب: هبطنا من بلد كذا وكذا إلى بلد كذا وكذا، وهبطنا عليك أرضك. وقال الله المتقدس الأعلى، فيمن كان مع عبده ونبيه موسى؛ ممن كان ينزل عليه المن والسلوى، ويظلل بالغمام ويسقى زلال الماء، فطلبوا وسألوا التبدل بذلك ما هو أقل وأدنى؛ فقالوا: {يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} [البقرة: 61]، فقال: اهبطوا مصراً، أي أقدموا وانزلوا مصراً تجدوا فيه ما سألتم من هذا الأدنى.
فأراد سبحانه أن يسكنها آدم أولاً، ويخرجه منها آخراً، كما شاء أن يسكن ذريته(1) الدنيا ثُمَّ يخرجهم منها إذا شاء إلى الآخرة.
وكما شاء وأراد أن يصلي له نبيه صلى الله عليه وآله إلى بيت المقدس، ثُمَّ شاء أن ينقله عنه إلى ماهو أعظم، فينقله إلى بيته الحرام المكرم.
__________
(1) في (أ): ولده وذريته.

(1/298)


وكما شاء سبحانه أن يفترض على أمة موسى من الفرائض المشددة، والأمور المؤكدة، فافترض ذلك عليهم، ولم يرض منهم بسواه. من ذلك ما حرم عليهم من المأكل من الشحوم اللذيذة وغيرها، وما حظر عليهم من صيد البحر في يوم سبتهم، حتى كانت الحيتان يوم السبت تأتيهم وتظهر لهم، وتكثر عندهم وتشرع قريباً منهم؛ امتحاناً من الله لهم، فكانوا لله في تركها مطيعين، وكانوا عنده على ذلك مكرمين، ثُمَّ عتوا من بعد ذلك وفسقوا، وخالفوا فتصيدوا، فأخذهم الله بذنوبهم، فجعل منم القردة والخنازير، فقال سبحانه في ذلك: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163].
ثُمَّ أراد الله التخفيف عن عباده؛ فبعث فيهم عيسى صلى الله عليه، فأحل لهم بعض ما قد كان حرم عليهم. قال الله تعالى يخبر عما جاء به عيسى وقاله، مما أمره الله به جل جلاله، حين يقول: {وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [آل عمران: 50].
ثُمَّ أراد التخفيف عنهم، والنقل لهم إلى أفضل الأديان، إلى دين أبيهم إبراهيم، الأواه الحليم، فبعث محمداً صلى الله عليه وعلى أله بذلك، فصدع بأمر ربه، وأنفذ ما أرسل به.
فكان(1) ذلك إرادة من بعد إرادة، ومتعبداً من بعد متعبد، فصرف (2) الله فيه العباد، فتبارك الله ذو العزة والأياد(3).
__________
(1) في (أ): فكل.
(2) كذا، ولعلها: يصرف.
(3) في (أ): ذو الملك والعز والأياد.

(1/299)


وكذلك حكم على من عصاه بالمعصية، فإن تاب حكم له بالطاعة، وإن عاد فعصى؛ حكم عليه بما حكم على أهل الردى، فإن تاب وأناب، وعاد إلى الله وأجاب؛ حكم له بالهدى والثواب.
فهذه أحكام من الله وإرادات، أراد الله سبحانه أن يتصرف في المخلوقين، على قدر ما يكون منهم من العملين، فقال جل وعز: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [فصلت: 46].
***
وأما ما ذكر من العلم، وأن العلم لا يخلو من أن يكون الله العالم بنفسه، ويكون العلم من صفاته في ذاته لا صفته(1) لغيره، أو يكون العلم غيره.
فمن قال: إن العلم غيره؛ فقد جعل مع الله سواه، ولو كان مع الله سواه؛ لكان أحدهما قديماً والآخر محدثاً، فيجب على من قال بذلك أن يبين أيهما المحدث لصاحبه، فإن قال: إن العلم أحدث الخالق كفر، وإن قال إن الله أحدث العلم؛ فقد زعم أن الله كان غير عالم حتى أحدث العلم، ومتى لم يكن العلم؛ فضده لا شك ثابت وهو الجهل، تعالىالله عن ذلك علواً كبيراً.
وإن رجع هذا القائل الضال، إلى الحق من المقال؛ فقال في الله بالصدق، تبارك وتعالى ذو الجلال، فقال: إنَّه العالم بنفسه، الذي لم يزل ولا يزال(2)، وأنه الواحد ذو الإفضال(3)، وأنه لا علم ولا عالم سواه، وأنه الله الواحد العالم؛ وجب عليه من بعد ذلك، أن يعلم ان كل ما نسبه إلى العلم فقد نسبه إلى الله، وسواء قال: أدخله العلم في شيء؛ أو قال أدخله الله فيه، وحمله(4) سبحانه عليه.
والله عز وجل فبريء من ظلم العباد، متقدس عن أفعالهم، فأفعالهم بائنة من فعله، وأفعاله بائنة من أفعالهم، لم يحل بين أحد وبين طاعته، ولم يدخل أحداً في معصيته.
__________
(1) في (أ): لا صفة.
(2) في (ب، ط): ولايزول.
(3) تصحف في (ب)، و(ط) إلى: الأفعال.
(4) في (أ): وجبله.

(1/300)


فَعِلْمُ الله بما يكون من أفعال عباده فَغَيرُ أعمالهم، ولم يضطرهم(1) إلى عمل في حال من حالاتهم(2)، فالعلم بهم محيط، وهم يتصرفون فيه(3)، وينتقلون(4) من معلوم إلى معلوم؛ بما ركب فيهم من الاستطاعة والقدرة، قد علم ممن عصاه أنَّه سيعصى، وأن من تاب فقد علم أنَّه سيتوب، وإن عاد فقد علم أنَّه سيعود، وليس علمه بأنه سيختار المعصية أدخله في العصيان، لأن ضده قد يكون من العبد وهو التوبة والإحسان. فكيف يجوز على الواحد الرحمن(5) أن ينقل من عباده أحداً من رضاه إلى سخطه؟ إذاً لقد جبره على معصيته، ولو جبره عليها، إذاً لما كان بُدٌّ للعبد من الدخول فيها، ولو دخل العبد فيما أدخله ربه فيه؛ لوجب له الثواب عليه، ولكان لله من المطيعين، إذ هو جار على مشيئة رب العالمين، ولما كان في الخلق عاص، ولكان الله عن كلهم راضياً، ولكان ـ في القياس ـ إبليس عندالله مرضياً، إذ هو يحب أبداً ويدعو، إلى ما شاء الله لعباده ورضي، ولما ذمه الله في التكبر والعصيان، إذ الحامل له والمدخل له فيه الرحمن، ولما قال: يَا إِبْلِيسُ {مَا مَنَعَكَ أَنْ لاَتَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] وهو يعلم أنَّه المانع له من السجود. فتبارك الله عن ذلك الواحد المعبود.
__________
(1) الضمير للعلم، والمعنى: أن علم اللّه بفعلهم لايدخلهم فيه جبراً.
(2) في (أ): حالهم.
(3) في (ط): فهم متصرفون.
(4) في (أ): ويتقلبون.
(5) في (أ): الصمد.

(1/301)


ألا ترى كيف يبرأ من أفعالهم، ويأمر بالمجاهدة لهم على اليسير من أعمالهم؟ ولو كان المتولي لذلك فيهم؛ لما عابه سبحانه منهم، ولما حض عباده على تغيير ما أحدث فيهم. ألا تسمع كيف يقول: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]؟ فقال: {اقْتَتَلُوا} فألزمهم الفعل، وقال: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}، فأوجب على غيرهم من المؤمنين نصر المظلومين على الظالمين، فلو كان على قول الجاهلين لكان قد ألزم المؤمنين قتال من لا يجب قتاله، ومن تجب ولا يته، إذ أجاب الله في دعوته، وجرى له في طاعته، وبغى على من أمره بالبغي عليه، ولو كان الله المحدث البغي في الفاعل له، لكان قد أمر عباده بقتاله خصوصية(1) دون غيره، حتى يفيء هو ويرجع عن إرادته ومشيئته، ولكان أيضاً قتال عباده قتاله دونهم، فكان مقاتلاً لنفسه على فعله، إذ كان فعل المقاتل والمقاتل له فعلاً واحداً. فتبارك الله المتقدس عن ظلم العباد، المتعالي عن اتخاذ الصواحب والأولاد، كما قال سبحانه: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}.
والحمدلله الحميد، على ما خصنا به من التوحيد، ودلنا به من الدلالات؛ فيما أبان من خلق الأرضين والسموات، وغيرهما من الآيات. تم الجواب..
المسألة الرابعة:
عن النار وأهلها، هل الخير أراد بهم أم الشر؟
__________
(1) في (ط): حصراً فيه، ولعلها تصحيف: خصوصية.

(1/302)


ثُمَّ أتبع ذلك المسألة(1) عن أهل النار وعن النار، فقال: خبرونا عن أهل النار: ألخير أراد الله بهم فوضعها فيهم؟ أم الشر(2) أراد بهم؟ فإن قالوا: الخير أراد بهم؛ فيقال لهم: وكيف ذلك، وقد جعلها وقد علم أنهم لا ينتفعون بها، وأنها لا تكون إلاَّ في مضرتهم. وإن زعموا أنَّه جعلها فيهم ليضرهم، انتقض عليهم قولهم. تمت مسئلته.
جوابها(3)
وأما ما سأل عنه من أمر النار، وقال: لم خلقها الله الرحمن؟ الشر أراد بخلقه لها(4) أم لإحسان؟
فنقول: إن الله تبارك وتعالى، جعل النار في دار الدنيا؛ مزجرة لمن اهتدى؛ لما فيها من التذكرة بالنار التي وعدها الله للكافرين في دار الآخرة.
__________
(1) في (ب): مسئلته.
(2) في (أ): أو لشر.
(3) في (أ): الجواب.
(4) ليس في (أ، ب).

(1/303)


ولا شيء ـ والحمدلله ـ أبين نوراً، ولا أظهر خبراً، من أن يكون خلق خلقاً أراد منهم أمراً وكره منهم ضده؛ فأمرهم بما أراده، ونهاهم عما سخطه، ثُمَّ خلق لهم ثواباً، وأعد لهم عنده عقاباً، ثُمَّ استدعاهم إلى الطاعة بالثواب، ونهاهم عن المعصية بالعقاب، فعبد خوفاً من عقابه، وأطيع طمعاً فيما جعل من ثوابه، كما قال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة:16]، فجافوا ـ لمخافته وطلب مرضاته ـ منهم الجنوب، وطهروا أنفسهم من الذنوب، وطيبوا منهم السرائر والقلوب، فأمنوا بالطاعة أنفسهم من نحل(1) العاصين، واستوجبوا بذلك اسم المؤمنين، فكانوا كما قال فيهم ووصفهم رب العالمين، حين يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيْمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2]، فخافوا ربهم فاهتدوا، ومن عذابه نجوا.
فلما أعلم الله العباد أجمعين، أن الجنة مصير المؤمنين، وأن النار مقر الفاسقين؛ حَذِر (2) أولوا الألباب النيران، فأعملوا أنفسهم في الفرار إلى الرحمن، راغبين فيما رغبهم فيه من الجنان.
__________
(1) في (أ)، و(ب): من محل.
(2) في (ط): ليحذر.

(1/304)


فسبحان من لطف بعباده، بما جعل لهم من النار في بلاده، تخويفاً وترهيباً، ومنافع وتقوية وترغيباً، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42]، ثُمَّ قال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلُهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160]، وقال: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْ