|

مجموع كتب ورسائل الإمام الهادي
إلى الحق
يحيى بن الحسين عليه السلام
المؤلف: الإمام الهادي إلى الحق
يحيى بن الحسين عليه السلام.
فلما كانت أئمتهم
كذلك، وكانوا هم أشر من ذلك؛ فعموا عن الدين، وجهلوا فروض رب
العالمين، ولم يعلموا حراماً من حلال، من قول ولا فعال؛ شابهوا
أئمتهم في فعلهم، واقتدوا بفعلهم(1) في أديانهم، فهم بأديان أئمتهم
يقتدون، وفي عمى كبرائهم يعمهون، لم يروا محدوداً على حد فيخافوا
ما ناله، ولم يروا مهتدياً فيتبعوا حاله، ضُلاَّلٌ أشقياء متحيّرون
أَرْدِياء، قد غرقوا في الضلال المبين، وجنبوا عن طريق الحق
واليقين، اتباع كل ناعق، سيقة كل سائق، لا يعرفون سبيل رشد
فيتبعوه، ولا طريق هُلك(2) فَيَتَجَنَّبُوه، قد اتخذهم كبراؤهم
سنداً، وجعلوهم لهم يداً، يطفئون بها نور الهدى، ويقتلون بها أهل
التقوى، ويظهرون بها (أهل)(3) الفحش والردى، ويخملون بها نور
الإسلام، ويظهرون بها أفعال الطغام، ويحاربون بها من دعا إلى دين
محمد عليه السلام. يتبلغ(4) الجبارون المتكبرون بأتباعهم
المتحيرين، وينالون بهم معصية رب العالمين.
فلما أن علمنا أن هذه حالهم، ووقفنا على أنها سبيلهم، لم نستجز ـ
بعد ملكهم والقهر لهم، والعلو بعون الله على جبابرتهم ـ أن نقيم
الحدود فيهم، مع ما قد علمنا من جهلهم، حتى نبين لهم ما ندعوهم
إليه، وما نوقفهم عليه، ثم نمضي الحدود بعد الإنذار والإعذار؛
{لَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ
بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسِمِيعٌ عَلِيمٌ}[الأنفال: 42].
[تسبيح الجمادات وسجودها]
وسالت أكرمك الله عن قول الله سبحانه: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ
يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَتَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}
[الإسراء: 44].
__________
(1) في (أ): بهم.
(2) في (أ): هلاك.
(3) ليس في (أ).
(4) في (ب): فبلغ.
(2/241)
واعلم أن معنى هذا
وأحسن ما يؤول في فهمنا أن الله تبارك وتعالى أراد بذلك أنَّه ليس
من شيء إلاَّ وفيه من أثر صنعه وتدبيره وتقديره؛ ما يدل على جاعله
ومصوره، ويوجب له سبحانه على من عرف أثر صنعته(1) فيه التسبيح
والتهليل، والإقرار بالواحدانية والتبجيل، عند تفكر المتفكر
واعتبار المعتبر؛ بما يرى من عجائب فعله جل جلاله، فيما خلق من
عروق الأشجار الضاربة في الثراء، وفروعها الباسقة في الهواء، وما
يكون منها من ثمار مختلفة شتَّى، فإذا نظر إلى اثر تدبير الجبار
فيها أيقن بالصنع، وإذا أيقن بالصنع أيقن بالصانع، وإذا استدل على
الصانع ثبتت معرفته في قلبه، ورسخت وحدانيته في صدره، فإذا ثبتت
المعرفة في قلب المعتبر، وصحت في جوراح الناظر؛ نطق لسانه بالتسبيح
لجاعل الأشياء، وظهرت منه العبادة لصانعها.
__________
(1) في (أ): صنعه.
(2/242)
فهذا معنى: {وَإِنْ
مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}، لمَّا كان في الأشياء
كلها الدليل على جاعلها، وفي الدليل على جاعلها ما يوجب الإقرار به،
وفي الإقرار به ما يوجب ذكره بما هو أهله من التقديس والتبجيل ،
والتسبيح والمعرفة والإقرار لقدرته(1)، جاز أن يقال: {يُسَبِّحُ}؛
إذ كان بسببه التسبيح من المسبح، المستدل على ربه بما بين له في كل
شيء من أثر صنعته(2) فقال: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ
بِحَمْدِهِ} وهو يعني بالتسبيح تسبيح المسبحين؛ لسبب أثر الصنع من
المعتبرين بذلك، فجاز ذلك إذ كان بسبب أثر الصنع في هذه الأشياء،
وكان التسبيح فيها من المسبحين، المقرين بالله المعترفين، وما
التسبيح إلا كقول الله: {زينا لهم أعمالهم}[النمل: 4] فليس(3) الله
يزين لأحد قبيحاً، ولكن لما كان سبب زينة الدنيا وما فيها من الله
خلقاً وجعلاً، وكان منه الإملاء للفاسقين، والتأخير الذي به تزينت
أعمالهم، جاز أن يقال: {زَيَّنَا} ولم يزين لهم سبحانه قبيحاً من
فعلهم.
وكذلك قوله سبحانه: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ
ذِكْرِنَا}[الكهف: 28]، فليس الله سبحانه يغفل قلب أحد عن ذكره،
ولا يصرفه عن معرفته، ولكن لما أن كان منه سبحانه ترك المعاجلة
للمسيء على فعله، والتأخير له في اجله، جاز أن يقول:
{أَغْفَلْنَا}؛ إذ كانت الغفلة هي الإعراض، والترك للحق والتوبة
والإنابة. فجاز من قبل إملاء الله وتأخيره للمسيء المذنب أن يقول:
أغفلنا؛ على مجاز الكلام.
ومثل هذا كثير في القرآن يعرفه ذو الفهم والبيان.
__________
(1) في (أ): بقدرته.
(2) في (أ): صنعه.
(3) في (أ): وليس.
(2/243)
ومما حكى الله تعالى
عن ولد يعقوب عليه السلام {وَاسْأَلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا
فِيْهَا وَالعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا}[يوسف: 82] فقال:
القرية، والقرية فإنما هي البيوت والدور، وليس البيوت والدور
تَسأل، وإنما أراد أهل القرية؛ لأنها من سبب الأهل، والأهل من
سببها، فجاز ذلك في اللغة العربية.
وكذلك قولهم: سل العير التي أقبلنا فيها، والعير فإنما هي الجمال
المحملة، وليس الجمال تسأل، ولا تجيب ولا تستشهد، وإنما أرادوا أهل
الجمال وأرباب الحمولة، فقالوا: سل العير، وإنما أرادوا أهلها.
فكذلك قوله سبحانه: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ
بِحَمْدِهِ} يريد وإن من شيء إلاَّ وهو يوجب التسبيح على من اعتبر
ونظر، وفكر في أثر صنع الله بما فيه، فجاز أن يقال: {وَإِنْ مِنْ
شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}، لما أن كان أثر الصنع فيه
موجباً للتسبيح لصانعه، على المعتبرين من عباده.
فأما قوله: {وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (فهو ذم لمن
لم يعتبر ويستدل بأثر الصنع في الأشياء، فقال: {وَلَكِنْ لاَ
تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ})(1) يريد: لا يفقهون ما به من أثر
الصنع فيها، الذي يوجب التسبيح للصانع والإجلال والتوقير. فكان ذلك
ذماً لمن لا يعتبر ولا يتفكر، ولا يحسن التمييز في أثر صنع الله
فيعلم بأثر صنعه؛ ما يستدل به على قدرته، ويصح لربه ما يجب لمعرفته
(2)؛ من توحيده والإقرار بربوبيته.
وأما قوله: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}[الرحمن: 6] فقد
قال بعض العلماء: إن معنى السجود سجود ظلال الأشياء، ووقوعها على
الأرض.وقال بعضهم: إن هذا على المثل، يقول: إنَّه لو كان في شيء من
الأشياء؛ من الفهم والتمييز مثل ما جعل الله في الآدميين
والشياطين، والملائكة المقربين؛ إذن لعبد الله كل شيء وسبحه بأكثر
من عبادة الآدميين وتسبيحهم.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (أ): بمعرفته.
(2/244)
فجعل هذا مثلاً؛ كما
قال سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ}[الأحزاب: 72] الآية، أراد تبارك وتعالى
أنَّه لو كان في السموات والأرض والجبال من الفهم والتمييز ما في
الآدميين، ثم عرض عليها ما عرض على الآدميين من حمل الأمانات التي
قبلها الآدميون؛ لأشفقت السموات والأرض والجبال من حملها، ولما
قامت بما يقوم به الآدمي من نقضها(1)، مع ما في الأمانة من الخطر
وعظيم الأمر على من لم يؤدها(2) على حقها، ويقم بها على صدقها.
والأمانة على صنوف شتى، فمنها قول الحق وفعله، ومنها أداء الشهادة
على وجهها، ومنها أداء الحقوق إلى أهلها، من الأنبياء المرسلين،
والأئمة الهادين، ومنها الودائع من الأموال وغيرها.
ومنها العقود التي قال الله تبارك وتعالى فيها، وفيما عظم من
خطرها، وأجل من أمرها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا
بِالعُقُودِ}[المائدة: 1].
فكل ما ذكرنا فهو أمانة عند العالمين، واجب عليهم تأديتها عند رب
العالمين.
__________
(1) في (ب): من بعضها.
(2) في (ب): يردها.
(2/245)
وأحسن ما أرى والله
أعلم وأحكم في تأويل قوله سبحانه: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ
يَسْجُدَانِ}[الرحمن: 6]، أنَّه أراد بقوله: يسجدان ومعنى يسجدان؛
فهو لما فيهما من التدبير، وأثرالصنع والتقدير؛ لله الواحد القدير.
فإذا رأى المعتبرون المؤمنون ما فيهما من جليل صنع الله، وعظيم(1)
جعله لهما، وما سخرهما له وجعلهما عليه، من جولان النجم في
الأفلاك، تارة مصعداً وتارة منحدراً، وتارة طالعاً وتارة آفلاً،
تقديراً من العزيز العليم لما أراد من الدلالة على الدهور
والأزمان، والدلالة على عدد الشهور والسنين والأيام للإنسان، فإذا
رأى ذلك كله مسلم تقي، أو معتبر مهتد؛ سجد له بالمعرفة والإيقان،
واستدل عليه سبحانه بذلك الصنع في كل شأن؛ فَعَبَدَه عِبَادَةَ
عارف مقرٌ، عالم غير منكر، فسجد له متذللاً عارفاً، مستدلاً عليه
سبحانه بما أبصر من الدلائل في النجوم عليه.
وكذلك حال الشجر وما فيه من عجائب الصنع والتدبير، وما ركبه الله
سبحانه عليه من التقدير، في ألوان ثمارها وطعومها، واختلاف
ألوانها، وهي تسقى بماء واحد وتكون في أرض واحدة، كما قال الله
سبحانه: {وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ
أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيرُ صِنْوانٍ تُسْقَى
بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَومٍ يَعْقِلُونَ}[الرعد: 4] فكل ذلك
من اختلافها، دليل على قدرة جاعلها، ووحدانية فاطرها.
فهذا أحسن المعاني عندي والله أعلم وأحكم في (يسجدان)، أنَّه يسجد
من أثر الصنع فيهما، وأثر القدرة في تقديرهما؛ كُلُّ مؤمن عارف
بالله، مقرٌ بصنع الله وحكمته، ويستدل(2) عليه بأثر قدرته.
فافهم مابه قلنا في قوله يسجدان، وتفكر فيما شرحنا وميز قولنا؛ يبن
لك فيه الصواب، ويزح عنك فيه الشك والإرتياب.
[متى يعلم العبد أنه صادق عند ربه]
__________
(1) في (ب): وعظم.
(2) في (أ): يستدل.
(2/246)
وسالت فقلت: متى يعلم
العبد أنَّه صادق عند ربه.
والجواب(1) في ذلك أنَّه إذا علم من نفسه أنَّه مطيع له غير عاص،
صادق غير كاذب، وقائم بحجته غير مقصر، ومُؤَمن لنفسه من عقوبة ربه؛
بما يكون منه من طاعة خالقه، وترك جميع ما يسخط سيده، فهو ـ إذا
أيقن من نفسه بذلك ـ صادق عند ربه، مقبولٌ ما يكون من عمله، محمود
في كل فعله.
[لقاح العقل]
وسالت(2) عن لقاح العقل.
ولقاح العقل فهو التجربة؛ لأن كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل
محتاج إلى التجربة ومضطر إليها، غير مستغن عنها.
[رياضة النفس]
وسالت عن رياضة النفس ما هي؟ وكيف هي تكون؟
واعلم رحمك الله ووفقك، وهداك للرشد وسددك، أن رياضة النفس على
صنوف، يجمع الصنوف المختلفة أصلٌ واحدٌ تكون فيه مؤتلفة، وهو:
ترغيبها فيما أعد الله للمتقين، وجعل سبحانه في الآخرة من الثواب
للمؤمنين، وحكم به من الفوز لأوليائه الصالحين، والترهيب لها بما
أعد الله للعاصين؛ من العذاب المهين، وشراب الحميم، وطعام الزقوم،،
وما أشبه ذلك من ألوان العذاب المقيم.
فهذا أصل رياضة النفس.
ومن فروع ذلك ما روي عن بعض الصالحين أنَّه كان يرهب نفسه بما
يشبهه(3) بعذاب رب العالمين؛ من أنَّه كان ربما لذع نفسه بالنار
إذا طمعت، أو همت بالمعصية أو طغت، فإذا وجدت حرقة النار، قال: هذا
جزعك من النار الصغيرة، فكيف تدعينني إلى ما يدخلني وإياك النار
الكبيرة.
ومن رياضة النفس ما ذكر عن بعض الصالحين من أنَّه كان يخلو،ثم
يخاصم نفسه بأرفع ما يكون من الصوت، كما يخاصم الخصم خصمه، ويحاور
الضد ضده؛ فيقول: فعلت بي كذا وكذا، وفعلت بي كذا وكذا، وهذا هلكتي
وهلكتك، وتلفي وتلفك، فلا يزال كذلك حتى تنكسر له نفسه، وتراجع له.
__________
(1) في (أ): الجواب.
(2) في (أ): وسألت فقلت: ما لقاح العقل.
(3) في (ب): مما يشتهيه.
(2/247)
ومن رياضة النفس ـ
مما هو(1) فرع للأصلين الذين أثبتناهما وذكرناهما لك وفسرناهما ـ
ذكرها(2) للموت والفناء، وخروجها مما تميل إليه من لذات الدنيا،
وانتقالها من دار سرورها ورخائها، إلى دار فنائها وبلائها، وما
يكون من تمزق بدنها في الثرى، ثم ما يكون من بعده من الحسرة في يوم
الدين، والمحاسبة لها من رب العالمين.
ومن رياضتها تذكرها لأهوال(3) الوقوف في يوم الحشر، وما في كتاب
الله من وصف حال يوم النشر(4).
فهذا وما كان متفرعاً من الأصلين فهو رياضة النفس وتوقيفها، وردها
إلى الحق وتعريفها.
وأصل ذلك كله وفرعه، والذي هو عون لصاحبه على نفسه؛ فهو إخلاص
النية إلى ربه، والإستعانة به على نفسه، فإن من خلصت له نيته،
وصلحت له علانيته؛ أصلح الله له سريرته، وقواه على إرادته،
بالتوفيق والتسديد، والمعونة والتأييد؛ لأنَّه إذا كان منه ما
ذكرنا من إخلاص النية والإرادة، والإقبال إلى الله والتوبة؛ فقد
اهتدى، وإذا اهتدى فقد قبله الله سبحانه فزاده هدىً، ومن زاده هدى،
فقد وجب له الحياطة، في كل معنى، ومن حاطه الله وهداه فقد أعانه
على طاعته وتقواه.
[متى يعلم العبد اجتهاده في رضاء الله]
وسالت فقلتَ: متى يعلم العبد أنَّه مجتهد في رضاء ربه؟
فالجواب أنَّه لا يعلم بحقيقة العلم أنَّه مجتهدٌ لله فيما يرضيه،
حتى يعلم أنَّه أبداً لا يعصيه، فإذا وثق من نفسه، أنه لا يأتي لله
معصية، ولا يترك له فريضة؛ فعند علمه بذلك من نفسه؛ يعلم أنَّه
مجتهد في رضى ربه، فعلمه باجتهاده ورضى ربه(5)، تابع لعلمه
بالإئتمار بأمره، والإنتهاء عن نهيه، وعلى قدر ما يكون الإئتمار من
العبد بأمره، والإنتهاء عن نهيه، يكون الإجتهاد منه في رضى خالقه.
[متى يعلم العبد استحقاقه للجنة]
__________
(1) في (ب): ماهو.
(2) في (أ): تذكرها.
(3) في (أ): تذكيرها هول.
(4) في (ب): النشور.
(5) في (أ): في رضى ربه.
(2/248)
وسالت فقلت: متى يعلم
العبد أنَّه قد استوجب الجنة من الله سبحانه؟
والجواب(1) في ذلك إذا علم بحقيقة العلم أنَّه قد أخلص التوبة
النصوح إلى الله، وأنه لا يدخل في معصية من معاصي الله، وأنه لا
يدع شيئاً من فرض الله؛ ثم علم أن ذلك منه بإخلاص واستواء، وثبات
ونية وتقوى؛ فليعلم عند ذلك أنَّه من المؤمنين، وقد أخبر الله بمحل
المؤمنين، فقال سبحانه: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ
فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ}[السجدة: 18 ـ 19]؛ فإذا أيقن بذلك من نفسه وعلمه،
فليعلم أنَّه قد صار من أهل الجنة، كما ذكر الله في كتابه في هذه
الآية التي ذكرنا (والله أعلم)(2).
[المساواة في الحقوق]
وسالت فقلت: أكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يساوي بين
الأغنياء والفقراء في الحق؟
وكذلك لعمري كان صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن كنت تريد بقولك: (يساوي بينهم في الحق، أي) (3) يساوي بينهم في
الحكم، وينصف كلاً من صاحبه؛ فكذلك لعمري كان صلى الله عليه وآله
وسلم. وإن كنت تريد بقولك: يساوي(4) في الجوائز والعطاء والرزق؛
فنعم قد كانوا عنده في ذلك سواء فيما يجب لهم ويجري عليهم، مما
يجب(5) التسوية بينهم فيه؛ مثل قسم الفيء، وقسم الغنائم. فأما في
أرزاق المرتزقين(6)، وسهام الأجناد المتجندين؛ فلا يستوون في ذلك،
ولا يكونون في الجوائز(7) سواء كذلك، بل الأرزاق للمرتزقين؛ على
قدر ما يرى(8) إمامُ المسلمين من جرايتهم وعنايتهم، وحاجتهم إلى ما
كفهم وأغناهم، وقام بأسبابهم؛ فعليه في ذلك حسن النظر لهم؛
والتمييز في كل ذلك بينهم.
__________
(1) في (أ): الجواب.
(2) ليس في (أ).
(3) سقط من (أ).
(4) في (ب): سواء.
(5) في (ب): مما يوجب.
(6) في (ب): وأما ما في أرزاق المرزوقين.
(7) في (ج): في الحق.
(8) في (أ): على ما قد يرى.
(2/249)
[أخذ الجزية من
الدراهم]
وسالت فقلت: كان(1) رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأخذ من
أهل الذمة ثوباً عسكرياً(2) وغيره من العروض من الإنسان منهم، ومن
اين جاز أن يؤخذ اليوم منهم ثمانية وأربعون درهماً، وأربعة وعشرون،
واثنا عشر؟
القول في ذلك: أنَّه كان صلى الله عليه وآله وسلم، لما أمره الله
بأخذ الجزية من جميع أهل الذمة، أخذ منهم ما أمر به، فكان ما
أمربه(3): أن يأخذ من ملوكهم ثمانية وأربعين درهماً ومن أوساطهم
أربعة وعشرين درهماً، ومن فقرائهم اثني عشر، ولم يكن في دهره ولا
في أرضه ولا في دار هجرته في ذلك الوقت من ملوكهم أحد، وكان كل من
كان معه في دارهجرته فقراء وأوساطاً أصحاب اثني عشر وأربعة وعشرين،
وكانت الدراهم تعسر بهم، ولا تتهيأ في ذلك الوقت معهم، فكان يأخذ
منهم عروضاً من ثياب وغيرها؛ بالقيمة التي يقومها من يفهما(4)
ويبصرها، وكذلك فعل من كان بعده، أخذوا من أهل الجزية حين وصلوا
إلى اليسارة منهم؛ أخذوا الثمانية وأربعين درهماً التي(5) ذكرها
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله، وأمر بها فيهم بأمر
الله. وكذلك أيضاً لو عسرت عليهم اليوم الدراهم، لأخذنا من كل
إنسان من تجارته وبضاعته عرضاً بقيمة الدراهم، إذا صح عسرها عليهم،
وثبت امتناعها منهم.
[كلام أهل الجنة لأهل النار هل هو حقيقة أم مثل]
وسالت عن كلام أهل الجنة لأهل النار في قولهم: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ
مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ}[الأعراف: 44] فقلت:
أمَثَل هو مضروبٌ؟ أم قول مقول؟ وقلت(6): هل يقرب بينهما حتى يكلم
بعضهم بعضاً؟
واعلم هديت ووفقت أنَّه قول مقول منهم، وعمل معمول من فعلهم.
__________
(1) في (أ): أكان.
(2) في (أ): ثوب عسكري.
(3) في (أ): ما أمر به.
(4) في (ب): من يقيمها وينصرها.
(5) في (أ): الذين.
(6) في (ب): فقلت: هو.
(2/250)
فأما ما سألت من
التقرب (1) بينهم حتى يسمع بعضهم قول بعض؛ فليس ذلك كذلك فيهم، ولا
ذلك فعل الله تبارك وتعالى بهم، وكيف يسمع أهل الجنة كلام أهل
النار، وهم لا يسمعون حسيس النار؟ فحسيس النار أشد حِساً، وأبعد
صوتاً(2) من كلام أهلها الذين ذكر الله عنهم، وشرح سبحانه أنَّه
يكون منهم.
ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه: {لاَ يَسْمَعُونَ حسيسها وَهُمْ
فِيمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ}[الأنبياء: 102]؟ فأخبر
أن المؤمنين لا يسمعون للنار حسيساً، وأنهم عنها مبعدون.
وإنما كلامهم لأهل النار، وكلام أهل النار لهم، عند قولهم:
{أَفِيضُوا عَلَينَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ
اللَّهُ}[الأعراف: 50] فهو بالرسائل التي تبلغها الملائكة عنهم،
وتمشي بها بينهم، وذلك منها صلوات الله عليها فبإذن من الله لها
فيه، وتقدير منه سبحانه لها عليه.
وإنما جعلهم الله كذلك، وأذن لهم في ذلك؛ ليكون ذلك سروراً
للمؤمنين، ومعرفة منهم بما نزل بالمكذبين الضالين، فيتجدد لهم بذلك
البهج والسرور، وتكمل لهم به الغبطة والحبور، ويكون ـ من علم أخبار
المؤمنين، وبما هم(3) عليه من عطايا رب العالمين ـ حسرة في قلوب
الكافرين، وعذاباً لهم مع عذاب النار، وأسفاً لما فاتهم من كريم
القرار، ونعيم الدار؛ التي جعلها لله ثواباً للأبرار.
فافهم ما عنه سألت، وقف من الجواب على ما طلبت.
[هل ترد أزواج المؤمنين في الآخرة]
وسالت فقلت: هل ترد على المؤمنين أزواجهم اللواتي كن معهم في
الدنيا؟
واعلم رحمك الله أنهن إن كن مؤمنات مثلهم، متقيات لله كَهُمْ؛ جمع
الله بينهم في الآخرة الباقية، كما جمع بينهم في دار الدنيا
الفانية.
__________
(1) في (ج): من القرب.
(2) في (ب): ضرراً.
(3) في (أ): وما هم.
(2/251)
وقد ذكر أن الرسول(1)
صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن ذلك فقال: (( نعم يجمع الله
بين جميع أهل البيت، إذا كانوا مؤمنين في دار ثواب المتقين )).
[معنى وإن يوماً عند ربك كألف سنة]
وسالت عن قول الله سبحانه: {وَإِنَّ يَوماً عِنْدَ رَبِّكَ
كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}[الحج: 47].
المعنى في ذلك فهو إخبار من الله سبحانه عن نفاذ قدرته، وإمضاء
مشيئته، وسرعة فعله، يخبرسبحانه أنَّه يُنفِّذ في يوم واحد ما
ينفذه جميع الخلق إذا اعتونوا(2) عليه في ألف سنة؛ من محاسبة
المحاسبين، وتوقيف الموقفين على ما تقدم من أعمالهم في دنياهم
وحياتهم.
فهذا معنى ما عنه سألت من قول الله سبحانه: {وَإِنَّ يَوْماً
عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}[الحج: 47].
[من ظلم دراهم أو دنانير كيف يستوفيها في الآخرة]
وسالت عمن ظُلِمَ في الدنيا دنانير أو دراهم، كيف يكون اللحوق
لحقه(3) من ذلك في الآخرة، وليس في الآخرة دراهم ولا دنانير؟
القول في ذلك: أن الله سبحانه يعطي المظلوم إذا كان مؤمناً من
الثواب على ما امتحنَ به من ذهاب ماله في الدنيا، فصبر لله على ذلك
صبراً حسناً؛ فآتاه من الثواب والجزاء؛ أكثر مما لو رد إليه أموال
الدنيا، ويعرفه سبحانه أن ذلك جزاء على ما كان من صبره واحتسابه؛
بما ذهب في الدنيا من ماله، ويستوفي له من ظالمه الفاسق الردِّي؛
بالزيادة في العذاب الأليم، حتى يعلم الخائن أن ذلك نزل به خصوصية
على مظلمة المؤمن، ويطلع الله المؤمن على ما نزل بظالمه، ويعلمه أن
ذلك الذي حل به من الزيادة في العذاب هو من أجل ما غصبه من ماله،
وظلمه به في حقه.
فهذا حال المؤمن المظلوم، وحال الفاسق الظالم عند الجزاء؛ في
الآخرة التي تبقى.
__________
(1) في (أ): أن رسول الله.
(2) في (ج): اعتنوا.
(3) في (ب): يكون اللحوق يصلح ما لحقه.
(2/252)
فإن كان الظالم
والمظلوم فاسقين عذبهما على كفرهما وفسقهما، وزيد في عذاب الظالم
من الفاسقين لصاحبه، حتى يعلم كلاهما أن تلك الزيادة نزلت بالظالم
لتَعِديه في حكم ربه، وتناوله ما حرم الله عليه من ظلمه، ومَنَع
منه من غشمه.
فافهم هديت ما به قلنا ـ فيما عنه سألت ـ وشرحنا.
[تعدد الأئمة الأكفاء]
وسالت عن الأئمة يخرج واحد واثنان وثلاثة وأربعة في عصر واحد،
يكونون أكفاءً (1) زعمت في العلم والجسم والورع، فقلت: من المستحق
منهم؟
واعلم رحمك الله أن الأمر لأفضلهم فضلاً، وأبرعهم معرفة وعلماً.
فإن قلت: قد استووا (في ذلك، فلن يستووا، ولن يشتبهوا عند من جعل
الله له لباً، وتمييزاً وفهماً؛ وذلك أنهم إن استووا) (2) في
الورع، فلن يستووا في العلم، وإن استووا في العلم فلن يستووا في
سائر الخصال، وإن التبس أمرهم في ذلك عند الجهال؛ لم يلتبس أمرهم
في التعبير والكلام، والتبيين والشرح لشرائع الإسلام؛ فيكون
(أولهم)(3) أولاهم بالإمامة، وإن اشتبهوا في الورع والعلم والمعرفة
فأجودهم شرحاً وتبييناً، وأهداهم (إلى تفهيم الرعية ما تحتاج إليه،
وما لا غنى بها عنه، ولا عذر لها فيه. فمن كان له الفضل) (4) في
شيء مما ذكرنا، كان أحق الجماعة بالإمامة من ربنا.
فافهم ما قلنا، وتبيّن في مسألتك ما شرحنا.
[معنى: وعلى الأعراف رجال]
وسالت عن قول الله سبحانه: {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ
يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ}[الأعراف: 46].
الجواب في ذلك أن {الأعراف} هو: ما ارتفع من الأرض وعلا، وشمخ منها
في الهوى.
فتلك أعراف الأرض ومعارفها.
والرجال التي عليها في يوم الدين، فقد قيل: إنها رجال من المؤمنين.
__________
(1) في (أ): أكفياء.
(2) سقط من (أ).
(3) سقط من (ج).
(4) سقط من (ب).
(2/253)
وقيل: إنها الحفظة
التي كانت من الملائكة المقربين، حفظة في الدنيا على العالمين،
التي قال الله في كتابه وذكرهم، وما أخبر(1) من حفظهم لمن كان من
الخلق معهم، حين يقول: {عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٍ
* مَا يَلْفِظُ مِنْ قَولٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق: 17
ـ 18]، وهذا فأشبه المعنيين عندي والله أعلم وأحكم.
ومعنى {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} فهو: معرفة أولئك الحفظة
لمن كانوا يحفظون. ومعنى {يَعْرِفُونَ} فهو: يتعرفون ويتفهمون، حتى
يوقنوا بهم، ويعرفوهم ويقفوا عليهم ويثبتوهم معرفةً. ومعنى
{بِسِيمَاهُمْ} فهو: بِحِليتهم التي كانوا يعرفونها في الدنيا،
ومعناهم في صفاتهم وخلقهم، وبنيتهم المعْرُوفة من صُوَرِهِم.
[رفع اليدين في التكبير]
وسالت عن رفع اليدين في التكبير.
وهذا أمر لا يجيزه في الصلاة علماء آل رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم؛ لأن الصلاة إنما هي خشوع وتذلل لذي الجلال والطول،
وإرسال اليدين والكف عن رفعهما؛ أكبر في الدين لصاحبهما.
وقد قيل: إن رفع اليدين فعال جاهلي كانت قريش تفعله لآلهتها
وأصنامها، عند الوقوف تجاهها، والسلام منهم عليها. فإن يكن ذلك
كذلك والله أعلم، فلا ينبغي ولا يجوز لمسلم أن يَفْعَل ما يُفْعَلُ
للأصنام، مع ما في ذلك من قلة الخشوع لله؛ لأن الصلاة التي فرضها
الله فرض معها الخشوع والتذلل؛ فلما كان ترك رفع اليدين في الصلاة
إلى الخشوع أقرب؛ كان فعله دون غيره على المصلي أوجب.
[قيام الليل]
وسالت عن قول الله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ
تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} إلى قوله: {فَاقْرَأُوا
مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}[المزمل: 20] فقلت: إن بعض الناس
زعم أن هذا فرض من الله. وقال بعضهم: نافلة.
__________
(1) في (ج): وما بين.
(2/254)
واعلم رحمك الله أن
الله عزَّ وجل لم يَعنِ بما ذكر من الصلاة في أول هذه السورة
وآخرها، إلاَّ صلاة العَتَمة المفروضة. فجعل هذه الأوقات لمن كان
كذلك وقتاً، ألا تسمع كيف قال(1) سبحانه: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ
مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ
مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا
الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [المزمل: 20]
فأوجب على كل مريض، وعلى كل مسافر، وعلى كل مجاهد فعل ذلك، وإقامة
الصلاة في هذه الأحوال كلها، ولا يجب ما أوجب الله من ذلك، على من
كان من الخلق كذلك؛ إلاَّ وهو فرض مؤكد، وأمر مشدد. ولا يُعْرَفُ
لله في الليل فرضُ صلاة مفروضة؛ إلاَّ ما ذكرنا من العتمة والعشاء،
وقد شرحنا ذلك وفسرناه، واستقصيناه فيما شرحنا من تفسيره في سورة
المزمل.
[صلاة التراويح]
وسالت عما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( أنه صلى
التراويح في شهر رمضان ليلة واحدة، ثم أمر الناس بالأنصراف إلى
بيوتهم ))، وقد روى ذلك بعض الناس وذكره، ولسنا نصحح شيئاً من ذلك
لا ليلة ولا ليلتين، ولا نعرفه عنه ولا نرويه. ولم يبلغنا أنَّه
صلى بالناس صلى الله عليه وآله وسلم تراويح ليلة ولا ليلتين، ولا
ساعة ولا ساعتين، ولا ركعة ولا ركعتين، ولم يروه أحدٌ من علمائنا
ولم يأثره(2) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحد من أبائنا، ولو
كان ذلك شيئاً كان منه؛ لروته آباؤنا عن آبائها وجدودها، ولما سقط
عنهم شيء منه، ولأتوا به مصححاً عنه.
[اختلاف الزوجين في الدين]
__________
(1) في (أ): يقول.
(2) في (بأ): يوثره.
(2/255)
وسالت عن الرجل يتزوج
امرأة(1) لا تعرف الدين، ومذهبها على خلاف مذهبه، وهي في فنٍّ سوى
فنّه، فعلمها ما يجب عليها من دينها، وما هو الحق اليقين عند ربها،
فلا تتعلم، ولا تقبل ولا تفهم، فقلت: هل يجوز له أن يمسكها على
ذلك؟
فالواجب عليه أن لا يبقي غاية في نصيحتها(2)، والتأني بها،
وتعريفها وتفهيمها؛ فإن عرفت وفهمت، وتابت ورجعت؛ فذلك الواجب
عليها، وإن أبت الدين، ولجَّت في مخالفة اليقين؛ فلا يجوز له
إمساكها، ولا يسعه الإفضاء إليها، حتى ترجع إلى الحق الذي افترضه
الله عليها الواحد الخلاق، أو يوقع عليها إن غَلَبته بينه وبينها ـ
الواجب على مثلها من الفراق.
[معنى: ويحمل عرش ربك]
وسالت عن قول الله سبحانه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ
يَومَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}[الحاقة: 17].
ومعنى {العَرْشِ} فهو: المُلك، والملك فهو ما خلق الله وذرأ، من
الآخرة كلها والأولى، وما فيهما من جميع الأشياء.
ومعنى {ثَمَانِيَة} فهو لا يخلو من أن يكون ثمانية أصناف من
الملائكة، أو ثمانية آلاف، (أو ثمانية أملاك)(3). وحملها للعرش
الذي هو الملك فهو: قيامها فيه ونهوضها، وقيامها به فهو: أمرها
ونهيها، وإنفاذ أمر ربها، وإيصال الثواب إلى المثابين، والعقاب إلى
المعاقبين، وما يكون من فعل الله في ذلك اليوم في المخلوقين.
فأخبر الله سبحانه أنَّه يقوم بحساب الخلق في ذلك اليوم، وإيصال
ثوابه وعقابه إليهم، وإنفاذ جميع أمره فيهم؛ هذه الثمانية التي
ذكرنا أوَّلاً، كانت من الملائكة آلافاً أو أصنافاً (أو أملاكاً)
(4).
__________
(1) في (أ): مرأة.
(2) في (أ): في نصحها.
(3) سقط من (أ) و (ب).
(4) سقط من (أ) و (ب).
(2/256)
ومعنى قوله:
{فَوقَهُمْ} فهو: منهم، غير أن (فوق) قامت مقام (من)؛ لأنها من
حروف الصفات، فهما يعتقبان. أراد سبحانه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ
رَبِّكَ} منهم ثمانية، ومعنى {مِنْهُمْ} فهو: من الملائكة. فأخبر
أن الثمانية هم القائمون بأمر الله في ذلك اليوم ونهيه، وجميع ما
يكون من فعله في خلقه، دون غيرهم من الملائكة المقربين.
وقد شرحنا تفسير هذه الآية في كتاب على حدة شرحاً مبيناً مفسراً،
مستغنياً(1) بما مضى في الكتاب عن تكراره، في هذا الموضع(2)، من
شرح ذلك كفاية لمن فَهِمَ، واهتدى لمعرفة ربه فعلم.
[الصلح مع نصارى تغلب]
وسالت عما ذكر أن النبي(3) صلى الله عليه وآله وسلم صالح أهل
الكتاب على أن يكون أولادهم مسلمين، لا يعلمونهم اليهودية ولا
النصرانية، وقلت: قد نقضوا العهد، فهل للإمام أن يبدأهم؟ وقلت:
إنَّه يقال: إنهم الذين عناهم الله بقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ
يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ}[التوبة: 123] دون غيرهم.
واعلم هداك الله أن اليهود ليسوا في شيء من هذا، وإنما أولئك الذين
صالحهم رسول الله صلى الله عليه على أن لا يصبغوا(4) أولادهم، ولا
يدخلوهم في شيء من أديانهم؛ هم نصارى (بني تغلب) دون غيرهم من
النصارى.
__________
(1) في (أ): مستغنىً.
(2) كذا في النسخ، ولعل الصواب: وفي هذا الموضع.
(3) في (أ): أن رسول الله.
(4) الصبغة: الملة والدين، وماء أصفر يصبغ به النصارى الطفل ويسمى
التعميد.
(2/257)
وذلك أن بني تغلب
عرب، وليسوا من بني إسرائيل، فأنفوا حين أخذ رسول الله صلى الله
عليه الجزية من جميع أهل الذمة؛ فطلبوا من رسول الله صلى الله عليه
أن يأخذ منهم ـ كما يأخذ من العرب ـ العشر، فأخبرهم صلى الله عليه
وآله وسلم أن العشر لا يكون إلاَّ صدقة، وأن الصدقة لا تؤخذ إلاَّ
من أهل الصلاة؛ لأنها تطهرة لهم وتزكية، فسألوه أن يأخذ منهم ضعفي
ما يؤخذ من المسلمين على طريق الصلح؛ لسلامة أنفسهم، ونجاة رقابهم،
لا على طريق الزكاة والتطهرة، فصالحهم صلى الله عليه وآله وسلم على
ذلك، وعلى أن لا يصبغوا أولادهم، وأن يكون أولادهم من بعدهم
مسلمين، فأخذ منهم من أموالهم في كل أربعين شاة شاتين، وفي كل
ثلاثين بقرة تبيعين أو تبيعتين، وفي الإبل في كل خمس(1) شاتين،
وفيما يكال (ويوزن)(2) الخمس مما يسقى سيحاً أو بماء السماء، أو
العشر فيما سقي من السواني والدوالي والخطَّارات، وفي النقد من
الذهب في كل عشرين مثقالاً مثقال، وفي (الدراهم في)(3) مأتي درهم
من الفضة عشرة دراهم، نصف العشر من الذهب والفضة، وأضعف(4) عليهم
ما يجب على المسلمين من الزكاة المفروضة، وشرط عليهم أن لا يدخلوا
أولادهم في شيء من اليهودية والنصرانية، وعلى ذلك أعطوا العهد.
__________
(1) في (ج): في خمس.
(2) ليس في (أ) و (ج).
(3) سقط من (أ).
(4) في (أ): أضعف، والمعنى أخذ منهم ضعف ما يأخذ من المسلمين.
(2/258)
فواجب علىأهل الحق
إذا أعلى الله كلمتهم، أن تُسبى نساؤهم، وتقتل رجالهم وتؤخذ
أموالهم، إلاَّ أن يدخلوا في الإسلام كلهم فيرى رأيه(1)؛ لان
القوم(2) الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
لم يفوا له بعهده، فانتقضت عهودهم، ووجب ما ذكرنامن الحكم عليهم.
غير أن الباطل قد شمل وظهر، والمنكر قد علا وقهر، وعطلت الأحكام،
ودَرَس الإسلام، وظهر الفسق، ومات الحق، فإلى الله في ذلك المفزع
والمشتكى، عليه توكلنا وهو العلي الأعلى.
فأما ما ذكرت من أنهم الذين قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ
الكُفَّارِ}[التوبة: 123] فغيرهم أولى بهذه الآية منهم، من هو أقرب
إلى الإسلام، وأَضّرَّ على دين محمد عليه السلام، من أولئك الكفرة
الطغام.
__________
(1) أي الإمام.
(2) في (أ): لأن العرب.
(2/259)
و{الَّذِينَ
يَلُونَكُمْ} فهم: الذين بينكم ومعكم ممن يدعي الإسلام، وهو كافر
بالله ذي الجلال والإكرم، كاذب فيما يدعيه، ثابت من الكفر فيما هو
عليه،(1) من جبابرة الظالمين، وفراعنة العاصين، الذين قتلوا الدين،
وخالفوا رب العالمين وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وانتهكوا
محارمه، ولم يأتمروا بأمره، ولم ينتهوا(2)عن نهيه، وحاربوه في آناء
الليل وأطراف النهار، فراعِنَة ملاعين، جوَرَةٌ متكبرون(3) لا
يحكمون بكتاب الله، ولا يقيمون شيئاً من شرائع دين الله، قد قتلوا
الإسلام والمسلمين، وأضاعوا الأيتام والمساكين، واستأثروا عليهم
بأموالهم، فمات الخلق(4) هَزَلاً في دولتهم، لا في أمور المسلمين
ينظرون، ولا إلى الله يرغبون(5)، ولا عذابه يخافون، ولا ثوابه
يرجون، معتكفين على اللهو والمزامير، والضرب بالمعازف
والطنابير(6)، هممهم(7) هِمَمُ بهائمهم ما واروه في بطونهم، أو
باشروه بفروجهم، أو لبسوه(8) على ظهورهم؛ بغيتهم إذلال الحق
والمحقين، وشأنهم إظهار الفسق والفاسقين، ومعتمد أمرهم مكايدة(9)
رب العالمين، فهؤلاء يرحمك الله ومثلهم، وأعوانهم وخدمهم، وأصحابهم
وشكلهم؛ أولى بالمجاهدة والقتال؛ من نصارى بني تغلب الأنذال؛ لأن
هؤلاء أضر بالإسلام وأهله وأنكى، ومن كان كذلك من العباد؛ فهو أولى
بالجهاد لضرره على المسلمين والعباد.
فافهم ما ذكرنا من تفسير خبرهم، واجتزينا بالقليل من ذكرهم، فإن لك
في ذلك كفاية وشفاء، ودليلاً على ما سألت عنه وجزاء.
[المعراج في اليقظة أو المنام]
وسالت عما روي من صعود رسول الله صلى الله عليه إلى السماء.
فقلت: أكان نائماً، أو يقظاناً؟
__________
(1) في (ب): في الكفر مما هو عليه.
(2) في (أ): ولم يأمروا.. ولم ينهوا.
(3) في (ب): متكبرين.
(4) في (أ): فمات الحق.
(5) في (أ): يرتجون.
(6) الطنبور: من آلات اللهو، معرب.
(7) في (ج): همتهم.
(8) في (أ): ولبسوه.
(9) في (أ): مكابرة.
(2/260)
وإذا صح ذلك وثبت فلا
يكون نائماً أبداً، ولا يكون إلاَّ يقظاناً فهماً؛ لأنَّه إن كان
كذلك فإنما أراد الله بإرقائه إلى السماء التعبير له والكرامة،
وليُريه من عجائب خلقه، وعظيم فعله، ما حجبه عن غيره، ولم يكرم به
سواه.
فإذا كان نائماً في ذلك كله؛ فلم ينتفع بشيء مما صعد إلى السماء
له، ولم ير شيئاً مما ينتفع به؛ فلذلك استحال أن يكون نائماً كما
قال من جهل.
[معنى: فكان قاب قوسين]
وسالت عن قول الله سبحانه: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى}
[النجم: 9].
الجواب: أن الذي صار قاب قوسين أو أدنى هو جبريل صلى الله عليه،
فكان في هذا الموقف قد دنى من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
في صورته التي هو عليها مع الملائكة المقربين، حتى كان من الرسول
قاب قوسين أو أدنى.
ومعنى {قَابَ قَوْسَينِ} فهو: مقياس رميتين بالقوس في الهواء، فدنى
منه صلى الله عليهما حتى كان في الموضع الذي ذكره الله تبارك
وتعالى فيه؛ {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}[النجم: 10]
مما أرسله الله به من الأشياء.
فهذا تفسير ما عنه سألت من قوله: {قَابَ قَوسَينِ أَوْ أَدْنَى}.
[ما يجزي الأعجمي من المعرفة]
وسالت عن عجمي لا يحسن إلاَّ سورة أو سورتين من القرآن (فقلت)(1):
هل يجزيه(2) إذا عرف أصل التوحيد؟
فلعمري إن ذلك مجزِ كاف؛ إذا أقام بالسورتين أو الثلاث ما أمره
الله به من الصلاة بحدودها، وأدَّى ما أوجب الله من ركوعها
وسجودها، وكان في ذلك موحداً لربه، عارفاً مع ذلك لعدله، مصدقاً
لوعده ووعيده، عارفاً بالحق وأهله، تاركاً لمعاصي ربه، مؤدياً
لفرائض إلهه؛ فإذا كان(3) كذلك فهو من المسلمين، وعند الله إن شاء
الله من الناجين، ولم يضره عجمة لسانه، إذا أقام له قلبُه دعائم
أديانه.
[ما يجزي المرأة من المعرفة]
__________
(1) في (أ): من عجمي.
(2) في (أ): هل يجوز.
(3) في (ب): كان ذلك كذلك.
(2/261)
وسالت عن النساء إذا
عرفن الله وأدين الفرض؛ فقلت: هل يجزيهن ذلك عن تعليم(1) القرآن،
وفرائض الله الرحمن؟
الجواب في ذلك أنَّه لا بد للنساء والرجال؛ من معرفة ما أوجب الله
فرضه من الأعمال، وأوجب على الخلق القيام به من الأفعال، إلاَّ ما
طرحه الله عن النساء من الجهاد، والسعي إلى الجمعة، وما أشبه ذلك
من الأشياء، وأنه لا يجوز لهن التقصير عن معرفة ما أوجب الله عليهن
معرفته، والعمل بما أوجب الله عليهن العمل به.
وعليهن أن يتعلمن ويتفهمن، ولا يجوز لهن أن يتعلقن بالجهل المنهي
عنه، ولا يتمادين في شيء منه. تمت المسائل وجوابها، والحمد لله
حمداً كثيراً، وصلواته على سيدنا محمد النبي وعلى آله الذين طهرهم
من الرجس تطهيراً.
****
__________
(1) في (ج): تعلم.
(2/262)
جواب مسائل الحسين بن
عبدالله الطبري(1)
m
قال يحيى بن الحسين بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذكرت
حاطك الله وحفظك، ووفقك وسددك، أنَّه بلغكم وتناهى إلى بلدكم اسباب
من فعلنا، وأمور من سيرتنا، التبس فيها على كثير من الناس الصواب،
ولم يحضرك في كثير منها الجواب، فشنع من لا يفهمها، وأنكر علينا
فيها من لا يعرفها، واستعجل بالظن السيء من لا يفقهها، حتى نسب
صوابها إلى الخطأ، ونَيِّر حقها إلى العدا، فحشاً من قوله، وظلماً
في حكمه، وبغياً في أمره، واستعجالاً بالسيئة قبل الحسنة، وبقول
الخطأ قبل المعرفة، كأن لم يسمع الله سبحانه فيما يعيب على من فعل
مثل هذا الفعال، وقال بالظن كما قال صاحب هذا المقال: {لِمَ
تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ}[النمل: 46]،
فنعوذ بالله لنا ولك ولكل مؤمن من ذلك، ونستجير به من أن نكون
كذلك.
وسنفسر لك إن شاء الله ما جهل فيه من جهل فعلنا، ونشرح لك من ذلك
ما لم يقف عليه الطاعن في سيرتنا، حتى يصح لك ولهم في ذلك الصدق،
ويتبين لك ولهم أن فعلنا هو الحق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في (ب): الحسن بن عبدالله، ولم أقف له على ترجمة ولاذكر في
سيرة الإمام، والطبريون جماعة من طبرستان هاجروا إلى الإمام ووقفوا
معه مواقف الأبطال، وثبتوا ثبوت الجبال، وكانوا يده الطيعة التي
يصول بها على أعدائه، وساعده في حروبه على المتمردين عليه، مع
بصيرة نافذة وإدراك ثاقب.
(2/263)
فما مثلنا ومثلهم،
وخبرنا وخبرهم؛ فيما علمناه وجهلوه، وعرفنا مفاصل صوابه وعميوه،
إلاَّ كمثل موسى وصاحبه صلى الله عليهما؛ العالم الذي اتبعه موسى
على أن يعلمه مما علمه الله رشداً، فأعلمه أنَّه لا يستطيع معه
صبراً؛ إذ ليس يعلم كعلمه، ولا يقف على ما يرى من فعله. فأخبره
أنَّه لا يصبر إذا رأى منه شيئاً مما لا يعرفه؛ حتى يسأله ويبحثه،
ويدخله الشك في فعله؛ فقال له موسى: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ
اللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً}[الكهف: 69]، ثم لم
يصبر لما رأى ما ينكره قلبه، حتى عاتبه فيه وسأله عنه. فكان أول ما
أنكر عليه موسى عليه السلام خرق السفينة، فعظم ذلك في صدر موسى
فقال له ما قال، فقال له العالم: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ
تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}، فقال له موسى: {لاَ تُؤَاخِذْنِي
بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} فغفرها له،
و{انْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ}؛ قال له
موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ
شَيْئاً نُكْراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ
تَسْتَطِيَعَ مَعِي صَبْراً قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ
بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً
فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا
أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا
جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ
لاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْراً} يريد بهذا منه(1) ـ إذ هو خائف لا
يؤمن سُقوطه ـ: تَأَجَّرت (2) في ذلك، فقال العالم لموسى: {هَذَا
فِرَاقُ بَينِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ
تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْراً}[الكهف: 72 ـ 78] ثم أخبره بمعاني
أفعاله، وصوابه في أعماله، التي كانت عند موسى منكرة
__________
(1) في هامش (ج): انهدامه.
(2) في (أ): فأجرت.
(2/264)
عظيمة، فاحشة كبيرة،
وهي عند الله وعند العالم صواب، وعند موسى صلى الله عليه خطأ
وارتياب، إذ لم يعلم وجه أمرها، ولم يقف على كنه خبرها، فيتضح له
نيِّر صوابها، كما وضح لفاعلها؛ فقال فاعلها لموسى: {أَمَّا
السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ
كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} إلى قوله: {مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ
صَبْراً}[الكهف: 79 ـ 82].
وكذلك حال الإمام فيما شرحت وحال ما ذكرت ممن أنكر فعل الإمام؛ إذ
لم يكن علمه كعلمه(1)، ولا حاله في المعرفة بالنازلات كحاله. وكيف
يستوي المتفاوتان، أو يأتزن الرطل والرطلان، لا كيف؟! وفي ذلك ما
يقول الله سبحانه: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا
الأَلْبَابِ}[الزمر: 9]، ويقول سبحانه: {وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ
عَلِيمٌ}[يوسف: 76]، ويقول: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا
لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]،
ويقول سبحانه: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ
رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ
أُولُوا الأَلْبَابِ}[الرعد: 19] ويقول سبحانه: {وَلَو رَدُّوهُ
إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيطَانَ إِلاَّ
قَلِيلاً}[النساء: 83].
__________
(1) في (ب): عمله كعمله.
(2/265)
ومن لم يعرف ـ يرحمك
الله ـ أمراً أنكره، ومن لم يقف على معنى شيء دفعه، ولوحسن يقين من
أنكر فعل الإمام لم يعجل بالعيب في ذلك عليه، غير أن وسواس
الشيطان، يتمكن في قلوب أهل الشك والريب من الإنسان. والشك والريب
فلا يثبت معهما محض إيمان، ألا تسمع كيف يقول في ذلك الواحد
الرحمن: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ
الصَّادِقُونَ}[الحجرات: 15]؟ فلم يحكم بحقائق الإيمان؛ إلاَّ لمن
بعد منه الارتياب في وجوه الدين والإحسان. فنسأل الله الثبات على
دينه، والتوفيق لما يرضيه برحمته.
[الزيادة على الحد للتأديب]
ذكرت ضَرْبَنَا من نضربه من بعد الحد الذي ألزمه الله تعالى إياه؛
فقلت: ما سبب هذه الزيادة من بعد تمام الحد؟
واعلم أكرمك الله أن الله سبحانه حكم على الأئمة وافترض عليهم حسن
النظر للبرية، وأن تفعل في كل معنى مما ترجوا به الصلاح للرعية.
وهؤلاء القوم الذين ترانا نضربهم بعد الحد في أرجلهم ثلاثين
وأربعين وعشرين؛ فهم قوم قد با يعوا على الحق، وأعطونا عقودهم(1)
على الصدق، وعلى الأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن التظالم
والمنكر، ثم نكثوا بعهودهم، وحنثوا في أيمانهم، فعملوا المنكر في
أنفسهم، ورفضوا المعروف الذي يأمرون به غيرهم، وردوا الفسق بعد
موته، وأحيوا المنكر في دار الحق بعد خموله.
فكان أقل(2) ما يجب على من نكث عهده، وحنث في يمينه التي أقسم فيها
باسم ربه؛ أن يكون عليه في نقضه لعهده، وحنثه بقسمه؛ أَدَبٌ لما
اجترأ به على ربه، وتمرد به في ذلك على خالقه، فأدبناه كما ترى
غضباً لله، وانتقاماً لدين الله، وتنكيلاً له عن نقض العهود
المعقدة، ورد الفاحشة بعد خمولها في دار الحق، وإظهار الكبائر
والفسق.
__________
(1) في أ: عهودهم.
(2) في ب، ج: أول.
(2/266)
فهذا سبب أدبنا لمن
نؤدبه بعد حد الله، وذلك الواجب على كل إمام في دين الله؛ أن يفعله
بمن نقض عهده، ونكث بعد قسمه بالله. ألا تسمع كيف يقول الله
سبحانه: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً
لأَيْمَانِكُمْ}[البقرة: 224]؟ أن يحلف المرء بالله كاذباً، أو
ينقض لله عقداً. وما نهى الله عنه، ومنع عباده منه؛ فلا بد لكل من
اجترأ عليه وفعله من الأدب، وإلا فلم يكن لنهي الله عنه معنى، ولا
سبب.
فهذا حجتنا فيما عنه سألت من ذلك، فتدبر القول فيه يصح لك
جوابه(1)، ويزول عنك شكه وارتيابه.
وكذلك ما ذكرت، وعنه سألت؛ من خرص النخل وحزرها(2)، وهذا أمر(3) لا
ينكره مسلم، ولا يدفعه من كان لأحكام رسول الله صلى الله عليه وآله
مسلماً؛ لأن الأمة كلها بأسرها ـ إلاَّ أن يكون الشاذ الضعيف العلم
منها ـ مجمعة على أن رسول الله صلى الله عليه خرص وحزر ثمار
المدينة وثمار خيبر، وكان يرسل في كل سنة عبدالله بن رواحة
الأنصاري (4) فيخرص الثمار كلها، ثم يأخذهم بخرصها، ويحكم عليهم
بما حزر فيها.
__________
(1) في أ، ج: صوابه.
(2) الخرص والحزر: التقدير.
(3) في (أ): وهذا الأمر.
(4) هو عبد اللّه بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجي
الأنصاري الشاعر، أحد السابقين، شهد بدراً، وكان ثالث الأمراء في
غزوة مؤتة، وبها استشهد في جمادى الأولى سنة ثمان.
(2/267)
ونحن فكذلك فعلنا،
وبه صلى الله عليه في ذلك اقتدينا، ثم احتطنا من بعد ذلك باستحلاف
من أمرناه بخرص الثمار، فإذا أردنا أن نوجه قوماً يخرصونها من ثقات
من نعلم، وأبصر من يفهم ويخرص الثمار، ممن قد جرب فهمه، وامتحن في
ذلك نفسه، ثم امتحنه فيه غيره، حتى صح أنَّه أقرب أهل بلده إلى
المعرفة بما وجهناه له من حرز التمر فيخرصه، ثم نستحلفه بأوكد ما
يحلف به لتنصحنَّ، ولتجتهدنَّ، ولتحرصنَّ، ولتقصدنَّ الحق بجهدك،
ولتحرَّيَنَّه بطاقتك، ولا تعمَّدنَّ لمسلم غشاً، ولا لمال الله
وَكْسا (1)، ولئن شككت (2) في شيء من ذلك، أو التبس عليك، لتجعلن
الحمل على أموال الله دون أموال عباده، ثم ننفذه فيما به أمرناه،
فيجتهد ويحرص، ويكتب ما يحزر، ويخرص (3)، فإن شكا أحدٌ من الناس
بعد ذلك غبناً فيما خرص عليه وحزر؛ استحلفناه على ما أتى من ثمره
وصدقناه، وأخذنامنه على ما حلف عليه وتركناه.
وكذلك قد نخير من خرصنا عليه نخله؛ فنقول: إن شئت فخذ بما قد
خرصنا، وإن شئت أخذنا وأوفيناك حقك على ما خرصنا وقسمنا. فهل على
من فعل ذلك حيف وجور، أو تحامل في شيء من الأمور؟ أم على من اقتدى
برسول الله صلى الله عليه مطعن في مقال من المقال، أو تعنيف (4) في
فعل من احتذى به فيه كائناً ما كان من الأفعال؟ كلا وفالق الإصباح،
ومجري الرياح؛ أن من كان كذلك لبعيد من الخطأ في كل ذلك. وليس يلزم
أهل العلم فيما يفعلون من الفعال(5)؛ إنكار من لا علم له من أهل
الجهل، وإنما قول العلماء؛ هو الحاكم على أقاويل الجهلاء، وليس
أقاويل الجهلاء بأهل أن يحكم بها على العلماء. والحمد لله رب
العالمين، والعاقبة للمتقين، وسلام على المرسلين.
[أخذ المال غير الواجب للاستعانة في الجهاد]
__________
(1) الوكس: النقص.
(2) في ب: ولاسلكت.
(3) في ب: من يحزر ويخرص ثمره.
(4) في أ: أو تعسف.
(5) في ب: من الأفعال.
(2/268)
ومما سألت عنه وأحببت
الجواب فيه؛ ما كان من مجيء كبراء أهل صنعاء إلينا ومشائخهم، وما
سألونا من التقدم إليهم والمصير إلى بلدهم، فاخبرناهم بقلة ذات
اليد، وأنا لا نطيق الإنفاق على العسكر(1)، ولا نجد إلى ذلك
سبيلاً، فذكروا أنهم يعينون ويجتهدون، وأن أهل البلد على ذلك
مجمعون.
فلما صرنا إليهم كتب على الناس على قدر طاقتهم، بل دون طاقتهم
ودونها ، فكتب على صاحب العشرة آلاف مائة، وعلى صاحب العشرين
ألفامائتان، وعلى صاحب الخمسين ديناران، وعلى صاحب الثلاثين دينار.
وشبيهاً بذلك. فكلهم إلى ذلك مُسارع، وكلهم رأى فيه المنفعة لنفسه
في ماله وحرمته.
وقد علمت كيف كان فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله
عليه حين دخل البصرة بعد حرب طلحة والزبير، فوجد في بيوت الأموال
من أهل البصرة مالاً كثيراً؛ من الفيّ الذي هو للصغير والكبير،
والمرأة والرجل، والطفلة والطفل، فدعا كبراء البلد ووجوه أهله؛ ثم
قال لهم: إن في بيت مالكم مالاً، وبأصحابي حاجة شديدة، فأَطْلِقُوا
لي حتى أقسمه على أصحابي دونكم، ففعلوا وأطلقوا له قسمه على أصحابه
دونهم، فقسمه على أصحابه؛ فوقع لكل إنسان منهم خمسمائة درهم قفله.
ولم يدع أوساط الناس، ولا النساء ولا الصبيان، ولا كل من يملكه،
واجتزى برأي كبرائهم، إذ كان في ذلك صلاح لهم، ومنفعة لبلدهم،
وعايدة في العاقبة عليهم، فافهم هذا المعنى.
وسنشرح لك في ذلك حجة أخرى قوية، نيَّرة بينة عند أهل العلم والفهم
واضحة.
__________
(1) في ب: العساكر.
(2/269)
نحن نقول وكل ذي فهم
وبصيرة من العلماء: إن الإمام المحق، العادل المستحق، له أن يأخذ
من المسلمين العفو من أموالهم، اليسير الذي لا يضرهم، فيرده على
صلاحهم وصلاح بلدهم، ويدفع العدو الفاجر عن أموالهم وحرمهم
ودمائهم، أحبوا أم كرهوا، أطاعوا أم أبوا، ثم نقول: إن ذلك من حسن
النظر لهم، الذي لا يجوز له عند الله غيره، إذ لا يجد منه بداً،
ولا عن أخذه مندفعاً، وإلا لم يكن إلاَّ انفضاض عسكره، وهلاك
المجاهدين الذين معه، أو أخذ ما يأخذ من رعيته؛ لأنَّه إن قصر في
ذلك انفض العسكر، وافترقت الجماعة، فذل الإمام والمؤمنون، وهلكت
الرعية المستضعفون، وقوي عليهم الأعداء الفاجرون، وملكتهم الجبابرة
الطاغون، فأخذوا الأموال، وقتلوا الرجال، وأهلكوا الأطفال،
(واصطلموا الأموال) (1)، ومات الحق، وظهر الباطل والفسق. هذا ما لا
يحل(2) لإمام الحق أن يفعله، ولا يجوز هذا إلاَّ لإمام حق، مستحق
بموضع الإمامة، نافذ حكمه في الأمة، حاكم بالكتاب والسنة؛ لأن في
فعله ذلك نجاة للمسلمين، وفي تركه له هلاك جميع المؤمنين.
وإذا كان ذلك كذلك، فأَخْذُ جزء من أموال المسلمين فرض عليه في
ذلك، فإن قصر فيه فقد شرك مهلكهم في هلكتهم، ولم يحسن النظر لهم،
وكان قد تحرى في تركهم صلاحاً ورشداً، فوقع من ذلك في هلكة وارتكب
إدّاً (3).
وسنضرب لك في ذلك أمثالاً(4)، ونقول فيه بالصواب إن شاء الله
مقالاً؛ يصح رشده لكل ذي لُبِّ وعلم، ويتبين صدقه لكل ذي تمييز
وفهم.
__________
(1) سقط من (أ، ج).
(2) في (أ): ما يحل. وكلاهما صحيح مع توجيه اسم الإشارة.
(3) الإدُّ: الداهية، والأمر الفظيع.
(4) في أ: مثالاً. وفي ج: الأمثال.
(2/270)
ما يقول من أنكر
علينا ذلك في نفسه؛ لو كان في قرية من قرى المسلمين، وكان أمره
فيها نافذاً وحكمه جارياً، وقوله(1) فيهم جائزاً ماضياً، ثم دلف
(2) إليه طاغية من طواغي المشركين، أو طاغوت من طواغيت الباغين،
ليقتل رجالها، ويسبي نساءها، ويأخذ أموالها، ويخرب ديارها، فوجد
هذا الإنسان الرئيس عليها، النافذُ أمره فيها؛ أعواناً يدفع بهم عن
القرية ما قد غشاها، ويزيح عنها من الهلكة ما قد أتاها(3)؛ أكان
الواجب (4) عليه في حكم الله، وفيما يحب للمسلم على المسلم أن يأخذ
من أموالهم طرفاً يقوت (5) به هؤلاء الذين يدفعون عنهم، حتى يسلموا
من الهلكة؟ أو يخليهم حتى يهلكوا، ويُستباحوا ويقتلوا؟
فإن قال قائل: بل يخليهم فيقتلوا قبل أن يأخذ منهم يسيراً
يحميهم(6) به؛ فقد أساء في القول، وجار في الحكم، وخالف الحق؛ لأن
الله سبحانه يقول في كتابه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ
وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ}،
ومن فعل ذلك فقد أعان على الإثم والعدوان، وترك المعونة على البر
والتقوى.
وإن قال: بل الواجب علي أن آخذ منهم ما أدفع به عنهم، أحبوا أم
كرهوا، وأقيم فرض الله علي فيما يلزم للمسلم على المسلم، ولا أنظر
إلى قولهم، إذا أبو النظر لأنفسهم، واستدعوا الهلكة إليها؛ إذكنت
مقلداً لأمرهم، بنفاذ أمري وحكمي عليهم؛ فقد أصاب في قوله واحتذا،
وسلك الطريقة المثلى، فهذه حُجَّة أخرى.
ومن الحجة في ذلك على من أنكره، وقال بغيره ورفضه، أن يقال له:
__________
(1) في أ، ج: وحكمه وقوله.
(2) دلف الشيخ: مشى وقارب الخطو، ودلفت الكتيبة: تقدمت.
(3) في (أ) ما أتاها.
(4) في أ: فإن الواجب، والصواب ما أثبت.
(5) في أ: يقرب.
(6) في أ، ج: يحييهم.
(2/271)
خبرنا عنك؛ لو سرت في
قافلة من قوافل المسلمين، وأمرك فيهم نافذ، فوجدت في بعض الطريق
قوماً قد قطع بهم، وأخذ ما معهم، وتركوا مطرَّحين(1) جياعاً عطاشاً
عراة، لا يطيقون مشياً، إن تركتهم ماتوا، وإن حملتهم نجوا، وإن
أطعمتهم وسقيتهم حيوا؛ أليس كان الواجب عليك في حكم الله أن تأخذ
لهم من أهل الرفقة قوتاً يحييهم، وتلزمهم لهم المعاقبة على رواحلهم
(2)، حتى يلحقوا بالقرى والمناهل، أولا تأخذ لهم منهم قوتاً ولا
ماء ولا مركباً، فيموتوا كلهم، ويهلكوا بأجمعهم؟
فإن قال قائل: بل أتركهم يموتون؛ فقد شرك في قتلهم، وقال بالمنكر
من القول فيهم، الذي ينكره عليه الجهال، فضلاً عن العلماء من
الرجال. وإن قال: بل أحمل أهل القافلة على أن يواسوهم بما لا يضرهم
في الطعام والشراب، والمعاقبة على الركاب؛ فقد قال بحق من المقال،
وانتحل(3) صواباً من الفعال، وأدى حقوق الله وحقوق المسلمين، ونجا
من قتل إخوانه أجمعين.
ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا
عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيرِ
نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعاً} [المائدة: 32] فحكم الله علىكل مسلم بإزاحة الهلكة عن
المسلمين بجهده وطاقته.
فكذلك يجب على الإمام أن يواسي بين المهاجرين والأنصار، وبين
الرعية من أهل الدار، ولا يترك المهاجرين، المدافعين عن
المستضعفين، الدائمين المقيمين لدعائم الدين؛ يهلكوا (4) جوعاً بين
أهل الأموال والجِدة (5) من المسلمين.
ومن فعل ذلك كان على أحد وجهين:
إما افترق عنه المجاهدون إذا اشتد عليهم البلاء، ولم يجدوا قوتاً
لأنفسهم ممسكاً.
__________
(1) في (ب): مطروحين.
(2) يعني أن يركب كل منهم عقيب الآخر.
(3) في (ب): وانحل.
(4) في (أ): يهلكون.
(5) الجِدَة: السعة والغنى.
(2/272)
أو صبروا فهلكوا
وماتوا جمعياً معاً، ضراً وحرناً وجوعاً،، فهلك بهلكتهم الإسلام،
واجتيح(1) بعدهم الأنام، وكان في ذلك كله آثماً، وللمجاهدين في
الله وعلى دينه ظالماً.
فافهم هداك الله ما به قلنا، وفي ذلك احتججنا؛ فإن الحجج في ذلك
تكثر لو بها نطقنا(2)، ويسير ذلك يغني عند أهل العقل عن كثيره،
ويُجتزى عن الكثير فيه بيسيره.
[العشر: هل يجوز لآل رسول الله؟]
وسالت عن العشر (فقلت)(3): هل يجوز لآل رسول الله صلى الله عليه
وعلىآله؟
والقول في ذلك: أنَّه لا يجوز لهم أكله، ولا استحلاله، ولا
الإنتفاع بشيء منه، إلاَّ أن يشترى بأغلى الثمن وأوفاه، فيكون حاله
كحال غيره من أموال المسلمين التي يحرم على المسلمين استحلالها
وأكلها، وتحل لهم إذا اشتروها بالأثمان.
وكذلك يجوز للأئمة أن يشتروا الأعشار من جُبَاتِها وعُمالها بأغلى
ما تباع في أسواقهم، وتحتاط في ذلك على أنفسها لهم. وكذلك في
الأعلافِ من التبنان والقصبان(4)، لا تأخذ منه شيئاً إلاَّ بثمن
فوق ما يباع في السوق، يحاسِبون على ذلك العمال، ويوفونهم الأثمان
في كلّ حال.
فعلى هذا تجوز الأعشار للأئمة ولجميع آل رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم إذا اشتروها شراءً قاطعاً، كما يجوز لهم أكل مال اليتيم
إذا اشتروه بشراءٍ منقطع.
فأما أن يأكله أحد من أهل بيت رسول الله لا يؤدي له ثمناً، ويعتقده
حلالاً؛ فمن فعل ذلك فهو على غير دين الإسلام، وعلى غير شرائع دين
محمد عليه السلام.
__________
(1) في (أ، ج): وأجيح.
(2) في (ب): يكثر كونها ويسير ذلك.
(3) سقط من (أ).
(4) يعني التبن والقصب.
(2/273)
بل قولنا إنَّا
نتبرأ(1) إلى الله ممن استحل العشر من آل رسول الله، وقال: إنَّه
حلال له من غير آل رسول الله. بل لو أن رجلاً من آل رسول الله ألجئ
إلى أكل العشور استحلالاً أو إلى أكل الميتة إذا كان مضطراً؛
لرأينا له أن يأكل الميتة قبل أن يستحل ويستبيح شيئاً من
العشور(2).
ثم أقول: والذي نفس يحيى بن الحسين بيده لو اضطررت إلى أن آكل جفنة
مملؤة خبزاً ولحماً من العشر وأنا له مستحل مستبيح، لم أشتره
بثمني، أو أدفع فيه نقدي؛ أو أن آكل من الميتة ما يمسك نفسي، ويدفع
عن هلكتي؛ لأكلت من الميتة قبل أن آكل من لحم العُشُر وخبزه؛ لأن
الله سبحانه قد أطلق لي أكل الميتة عند الضرورة وخوف الهلكة، ولم
يطلق لي استباحة العشر ولا استحلاله في حالةٍ مَّا. فأما إذا
اشتريت العُشُر شراءً صحيحاً ثابتاً، ودفعت فيه مالي ونقدي، حل لي،
وطاب أكله بشرائي له، كما يحل لي مال اليتيم إذا اشتريته، ومال
المسلم إذا ابتعته.
فافهم هذه الخلة التي يجوز فيها الأعشار لآل رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم، والحالة التي لا يجوز لهم أكلها، ولا الانتفاع
بشيء منها.
وقد يجوز له بحالة أخرى، وهو أن يأخذ منها بعضُ أهلها المستحقين
لها من سائر المسلمين شيئاً فيهدون بعضه إلى آل رسول الله صلى الله
عليه وآله، ويدعونهم إلى طعام من أعشار الصدقة فيجيبونهم، فيجوز
لهم أكله، إذا أجازه لهم أهله، فيكون أخذ المسلمين له باستحقاق
ووجوب، ويكون قبول آل رسول الله صلى الله عليه له منهم ـ أن
أهدوه(3) إليهم ـ قبولاً لهدية إخوانهم المسلمين، مما أطعمهم إياه
وأجازه لهم رب العالمين.
فقد حل لهم بهذا المعنى وفي هذا الوجه، حين خرج من معنى الصدقة،
وصار من أخيهم المسلم ـ الذي قد ملكه ـ إليهم هدية.
__________
(1) في (ب): تبرأنا.
(2) في (أ، ج): من العشر.
(3) في (ب): أن أخذوه.
(2/274)
وفي ذلك ما يروى عن
النبي صلى الله عليه وعلى آله: أنه دخل على عائشة، فوجد عندها
تمراً، فقال: (( من أين لكم هذا؟ قالت يا رسول الله صدقة تُصُدق
بها على برّيرة(1)، فقال: هو عليها صدقة، ولنا منها هدية، فقدمته
بريرة إليه فأكل منه )) .
فعلى هذا الباب قولنا به في هدايا المسلمين، إلى آل رسول رب
العالمين، مما جعله الله للمسلمين حلالا من صدقات إخوانهم
المؤمنين.
فافهم هديت ما عنه سألت، وقف على هذه الوجوه فقد أكملت لك فيها كل
ما طلبت، مما يجوز لآل رسول الله صلى الله عليه من صدقات المسلمين،
وأوساخ أيدي المتصدقين، وأعلمتك بأي سبب يحل لهم، وفسرت لك متى
يجوز لهم به أكلها، والمعنى الذي يدخل في ذلك حتى يحل لهم من بعده.
[تصرف الأئمة في قسمة الأعشار وغيرها إعطاء ومنعاً]
وسالت عن المعنى الذي يجوز لهم(2) به قسم الزكاة على أصنافها،
وتسليم ربعها إلى الفقراء والمساكين، وقلت: كيف كنت في أول الأمر
تقسم ذلك على أهله، وأنت اليوم ربما قسمت، وربما لم تقسم، وربما
أعطيت، وربما لم تعط ؟ فقد تكلم بعض من تكلم، ورأيتهم ينكرون عليك
في بعض الأوقات إذا لم تقسم.
وقد سألتَ فافهم (3)، وإذا فهمت فاعلم، أن من لم يعرف شيئاً أنكره،
ومن لم يعرف حقيقة أمر عَظَّمه.
أما علمت إن جهلوا، وفهمت إن غفلوا: أن رسول الله صلى الله عليه
وآله لما أن أتاه مال من البحرين، يقال: إنَّه ثمانون ألف أوقيّة
من أعشار البحرين ومن جزية ذمتها، ومن صواف كثيرة كانت بها؛ فقسم
الثمانين ألفاً(4) في مجلسه على جلسائه، يعطيهم غرفاً غرفاً، وكفاً
كفاً، حتى لم يبق من ذلك شيء؟ وذلك أنَّه صلى الله عليه وعلى آله
وسلم علم أن ذلك أصلح للإسلام في ذلك الوقت، من القسم على السهام
الثمانية.
__________
(1) في (أ): برّيرة: مولاة عائشة، صحابية مشهورة، عاشت إلى زمن
يزيد.
(2) في (ب): لايجوز به قسم.
(3) في (أ): وسألت عن ذلك فافهم.
(4) في (أ): الثمانين الف.
(2/275)
وكذلك فعل في غنائم
حنين(1)، وهب للمؤلفة قلوبهم من خمسين بعيراً إلى مائة بعير إلى
مائتين إلى ثلثمائة، وحرم المهاجرين والأنصار في ذلك الوقت؛ حتى
تكلم من تكلم من الأنصار، فكان منه من الفعل ما قد بلغك، وذلك فلم
يفعله صلى الله عليه إلاَّ للصلاح الذي رآه، فأمضى رأيه في
الغنائم، ولم يقسمها على أهلها، نظراً منه عليه السلام؛ للمسلمين
والإسلام.
وكذلك كان فعلنا في العشر، نقسمه مرة، ونتركه مرة، نتحرى في ذلك
الإصلاح للإسلام إذا رأيناه، وبان لنا وعرفناه، وإذا استغنى
الإسلام والمسلمون، وقلت حاجتنا إلى هذه الأعشار، قسمناها على
أصنافها، أو من وجدنا منهم. وإذا احتاج المسلمون والإسلام إليها؛
آثرناهم بها على أهلها، نظراً منا لهم، ومعرفة بأن ذلك أرجع في كل
الأمور عليهم.
__________
(1) في (أ): خيبر. وما هنا أثبته من نخ.
(2/276)
وذلك أن الدار لا
تصلح إلاَّ بالجيوش والأنصار، والخيل والرجال، ولا تقوم ولا تجتمع
إلاَّ بالأموال. فنظرنا فإذا بالبلد الذي نحن فيه ليس فيه شيء غير
هذه الأعشار، وإن نحن ـ عند حاجة المهاجرين والأنصار إلى القوت،
وما به تدفع الهلكة والموت، من دفع هذه الأعشار التافهة إليهم،
وردها دون الأصناف عليهم ـ دفعناها إلى المساكين، وغيرهم من
الأصناف المذكورين؛ هلكت الجنود المجندة، وتبددت الجماعة المجتمعة،
وافترق المهاجرون، وذل المسلمون، ووقعت البليَّة، وعظمت المصيبة،
وشملت الفتنة، ولم تضبط البلاد، ولم يصلح أحد من العباد، وعلا
الظالمون، وخمل المؤمنون، وبطل الجهاد، وخربت البلاد، وشمل البلاء،
وذل الأمر والرجاء، فهلك في ذلك الضعفاء، وشحَّ الأغنياء، ومات
الفقراء، ووقع الضياع، وكثر الجياع. وعلمنا أنا إن آثرنا بها من به
قوام الدار، من أهل الإسلام من المهاجرين والأنصار، استوسقت
السبل(1) وأمنت البلاد، وعاش العباد، وتجر التجار، وعمرت
الديار(2)، وزرع الزارعون، وتقلب المتقلبون، واستغنت الرعيّة، وحسن
حال البرية، فعاش بينها(3) أهل الصدقة من هؤلاء الأصناف المذكورين،
وسخا الأغنياء بالعطية للطالبين، وتقلب الفقراء والمساكين؛ في دار
الأغنياء الواجدين، وتكسبوا معهم، وأصابوا من فضلهم، وحسنت بصلاح
دارهم حالهم(4)، واستقامت لِعِزّ الإمام أمورهم.
__________
(1) في (ب): السبيل.
(2) في (أ): البلاد.
(3) في (ب): منها.
(4) في (أ): لصلاح حالهم، كذا. وما أثبت أولى.
(2/277)
فلهذا المعنى قسمنا
الصدقة عند ما يستغني عنها الإسلام والمسلمون، وحبسناها عند ما
يحتاج إليها ويضطر الأنصار والمجاهدون؛ نظراً منا للرعية،
واحتياطاً في الحياطة للبرية، وأداء إلى الله سبحانه النصيحة
لعباده، وإحساناً وأداء إليه ما استأمننا عليه من الأموال(1) في
بلاده، فصرفناها في إصلاح الدين والمسلمين، ورددناها على الأصناف
من المسلمين حيناً (2)؛ اجتهاداً لله في النصيحة، وتأدية منا إليه
ما حملنا من الأمانة؛ إذ كُنَّا عن ذلك مسؤلين، وبإحسان النظر
للإسلام والمسلمين مأمورين، وعن التفريط فيما يصلح البلاد
مَنْهِيِّين.
وسأضرب لك ـ إن شاء الله ولمن عقل صواب رشدنا ـ قولاً ومثلاً، يبين
لك حقائق علمنا، فليس كل متكلم مصيباً في قوله، ولا كل منتحل للعلم
عالماً(3) بكل ما يحتاج إليه، {وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ
عَلِيمٌ}[يوسف: 76]، ومن طعن بغير علم على أولياء الله كان آثَمُ
أثِيمٍ:
__________
(1) في (أ، ج): من أموال بلاده.
(2) في (ب): حيثما كانوا.
(3) في (أ): عالم لكل. كذا
(2/278)
ما يقول وما يذهب
إليه الطاعن علينا بما لا يعلم متأول(1): في رجل متول لأمورِ
أَيتامٍ تحت يده، مسكنة صغار؛ من ضَعَفَةٍ لهم أرض بعضها أعنابٌ،
وبعضها حرث، فاستغل لهم من ذلك العنب زبيباً؛ ثم حدث في العنب
والحرث حدث من سيل؛ فأخرب الحرث، أو نارٍ أحرقت العنب وخشبه، أكان
الواجب عندك في دين اللّه وفرضه، وما حكم على ولي اليتامى من حكمه؛
أن يصلح حرثهم وعنبهم بما قد أخذ من الثمر قبل خراب الحرث والعنب،
وينفقه ويرده عليه؛ ولو مدوا أيديهم لطلب الصدقة، وبَدَتْ منهم في
تلك السنة الخصاصة والحاجة، حتى يصلح عنبهم إذا رد فيه ما احترق من
خشبه، وتصلح أرضهم إذا عمرت؛ فتغل(2) أرضهم وعنبهم في كل سنة من
بعد صلاحه ما يعيشون به، ويرجع نعيمهم إذا رجعت غلتهم، ويكمل حُسن
حالهم بصلاح أموالهم؟ أم يترك أرضهم وعنبهم خراباً، ويخليها فاسدة
يباباً(3)، وينفق الغلة التي أنفقها في صلاح ما لهم عليهم؛
فيأكلونها سَنَتَهم، ويهلكون في طول عمرهم؛ إذ قد خربت أموالهم؟
فإن قلت: ينفق عليهم هذه الغلة وتخرب أموالهم، فقد قلت قولاً
شططاً، وحكمت في ذلك بغير الحق حكماً؛ إذ لم تحسن لهؤلاء الأيتام
نظراً، ومن لم يحسن النظر لأيتامه؛ فقد باء عند الله بعبء
آثامه(4)، وشهد عليه جميع الرجال؛ بالقول الفاحش والمحال.
وإن قلت: بل يعمر ضياعهم، ويُحْيي أموالهم؛ بهذه الغلة اليسيرة؛
ليلحقوا بذلك في أموالهم المعيشة الكثيرة، الدائمة الكافية
الغزيرة؛ فقد أصبت في قولك، وقلت حقاً في حكمك، وفعلت ما يُصَوبك
فيه الجهلاء، فضلاً عن أهل العقول من العلماء.
فإذا قلت بذلك من الحق، وتكلمت فيه بقول الصدق؛ فكذلك فقل في فعلنا
في بلاد رعيتنا، ومواضع ضعفتنا.
__________
(1) كذا في النسخ.
(2) في (أ، ج): فيعمل. وظنن في ج بما أثبت من (ب).
(3) الأرض اليباب الأرض الخراب.
(4) في (أ): من الله بعبء آثامه.
(2/279)
ألا ترى أنا لو قسمنا
هذه الزكاة على أهلها، في وقت الحاجة حاجة الإسلام والمجاهدين
إليها، ونزول الخصاصة بالمدافعين عن أهلها، فافترقوا عنا، وانتزحوا
من قربنا؛ فوقع الضعف على الإسلام والمسلمين؛ لِمَا وقع من الخصاصة
بالمجاهدين، وقوي بذلك أهل الضلال من المضلين؛ ففسد أمر الرعية،
واختلفت أحوال البرية، ووقع الضياع عليهم، وكثر الجياع، واختلفت
أمورهم، وساءت أحوالهم، وشح بالمعروف أغنياؤهم؛ فهلك لذلك
فقراؤهم،، وخافت سُبُلهم، وخربت أموالهم، وظهر عليهم أعداؤهم؟
وإن نحن رددنا زكاة الأمصار؛ على المجاهدين والأنصار؛ دون أهلها من
هذه الأصناف المذكورة، ووقت(1) ما تنزل بالمجاهدين الحاجة
والضرورة؛ قوي الحق، وضعف الفسق، وعاش في الدار المستضعفون، وجاد
بالمعروف الأغنياء، واستغنى في دار معروفهم الفقراء، وأمنت سُبلهم،
وحسنت حالهم، وزال ضرهم.
فهذا والمثل الذي ضربناه أولاً سِيَّان، في القول والمعنى اثنان،
والحمد لله على الحق والإستواء. فأفكر فيما ذكرت لك بِلُبِّك،
وانظر فيه إذا نظرت بخالص مركب عقلك، يبن لك في ذلك الصواب،
ويَزُلْ(2) عنك فيه الشك والارتياب.
[طريق الإمامة وصفات الأئمة]
وسالت عن إثبات الإمامة في الإمام من آل رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم؛ فقلت: بم تثبت له؟ أبعقد الناس وإجماعهم عليه؟ أم
برواية رويت عن الرسول فيه؟ أم بغير ذلك؟
واعلم هداك اللّه بأن الإمامة لا تثبت بإجماع الأمة، ولا بعقد
بريَّة، ولا برواية مروية. ولكن تثبت لصاحبها بتثبيت الله لها فيه،
وبعقدها في رقاب من أوجبها عليه، من جميع خلقه، وأهل دينه وحقه.
__________
(1) كذا ولعلها وقت.
(2) في (ب، ج): ويزول، وما هنا في هامش ج نخ.
(2/280)
وذلك قول الله
سبحانه: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي
الأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء: 59] وأولوا(1) الأمر الذين أمروا
بالكينونة معهم؛ فهم: الصادقون بادعاء الإمامة، وهم المستوجبون
لها، والمستحقون لفرضها.
وهم من كانت فيه الصفات التي تجب له بها الإمامة؛ من ولادة الرسول،
والعلم، والدين، والزهد، والورع، والمجاهدة لأعداء الله، مَنْ
كَشَف رأسه، وسَلَّ سيفه، ونشر رايته، ودعى إلى الحق وعمل به،
وزاحف الصفوف بالصفوف، وأزلف الألوف إلى الألوف، وخاض في طاعة الله
الحتوف، وضرب بالسيوف الأنوف، وأقام حدود الله على من استوجبها،
وأخذ أموال الله من مواضعها، وصرفها في وجوهها، وكان رحيماً
بالمؤمنين، مجاهداً غليظاً على الكافرين والمنافقين، مَعَهُ
عَلَمُه ودليله، والعلم والدليل: الكلام بالحكمة، وحسن التعبير
والجواب عند المسألة، والفهم لدقائق غامض(2) الكتاب، ولدقائق غيره
من كل الأسباب، التي يعجز عن استنباطها غيره، ويضعف عن تثبيتها
سواه.
__________
(1) في (ب): وأولي، وهي على الحكاية.
(2) في (أ) لغامض دقائق.
(2/281)
فمن كان في الصفة كما
ذكرنا، وفي الأمر كما قلنا؛ فهو الإمام الذي عقد الله له الإمامة،
وحكم له على الخلق(1) بالطاعة، فمن اتبعه رشد واهتدى، وأطاع الله
فيما أمر به واتَّقَى، ومن خالفه فقد هلك وهوى، وأفحش النظر لنفسه
وأساء، واستوجب(2) على فعله من الله العذاب الأليم، والخلود في
الهوان المقيم، {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً
لاَ يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ
كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيْهَا
وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ
تُكَذِّبُونَ}[السجدة: 18 ـ 20].
[المعنى الذي تجب به الإمامة والطاعة ويجوز جهاد المخالف]
وسالت(3) يا أبا عبد الله حفظك الله، ووفر في الخيرات حَظَّك؛ عن
المعنى الذي وجبت به لنا على الخلق الطاعة، ووجب به علينا جهاد من
أَبْدى لنا المعصية، وثبتت به لله سبحانه في ذلك علينا الحجة، حتى
حكمنا بالهلكة على المتجانفين(4) عن دعوتنا، وبالنجاة للمسلِّمين
لأمرنا، الساعين في طاعتنا، حتى سمينا من قتله الظالمون منَّا
شهيدا، وحكمنا له بالوعد الذي وعد الله الشهداء، وسمينا من قتلْنا
نحن من الظلمة كافراً متعدياً، وحكمنا عليه باستحقاق الوعيد من
الله العلي الأعلى.
__________
(1) في (ب): على الحق.
(2) في (ب): واستحق.
(3) في (أ، ج): مسألة أجاب عنها أيضاً عليه السلام في الإمامة، وهي
آخر مسائل الحسين بن عبد اللّه الطبري: بسم اللّه الرحمن الرحيم
سألت..الخ.
(4) في (ب): المجانفين. وفي (ج): المخالفين.
(2/282)
وهذا أكرمك الله فقد
وجب لنا على أنفسنا السؤال عنه، والبحث لها فيه، عند ما دعتنا
إليه؛ من دعاء الخلق إلى طاعتنا، والمناداة إلى إجابتنا(1)، وضرب
أعناق المحاربين لنا، وأخذ أموالهم، واستباحة ديارهم.
فسألناها فقلنا: ما الذي وجب لكِ به ذلك؟
فكان من جوابها لنا، عندما احتجنا إليه من علم ذلك منها، أَنْ
قالت: وجب لي ذلك بما وجب للأئمة من قبلي، من لدن القاسم بن
إبراهيم عليه السلام، ومن تقدمه من الأئمة القائمين؛ الذين كانوا
حججاً لله على العالمين، سواء سواء.
فقلنا لها: فَبِمَ أوجبتِ(2) لأولئك صلوات الله عليهم الطاعة على
الخلق؟
فقالت: بوجوب الإمامة التي عقدها الله لهم بأحق الحق، وأصح القول
والصدق.
فقلنا لها: وَبِمَ عقد الله سبحانه الإمامة لأولئك؟ وبأي معنى
كانوا صلوات الله عليهم عند الله عزَّ وجل كذلك؟
فقالت: بولادة الرسول صلى الله عليه وآله(3)، وبمعرفتهم بذي الجلال
والإكرام، وبالورع الذي جعله قواماً للإسلام، وبالمعرفة بالحلال
عند الله والحرام، وبما يحتاج إليه في الدين جميع الأنام، وبأخذ
الحق وإعطائه، وبِقِلَّة الرغبة في الدنيا، والزهد في دار الفنى،
والرغبة والمحبة لدار البقاء(4)، وبكشف الرؤوس، وتجريد السُيوف،
ورفع الرايات لله وفي الله عزَّ وجل، والمنابذة لأعداء الله،
وبإظهار الدعاء إلى الله، والغضب لله والرضى، وإقامة الدار،
والدعاء إلى الله الواحد القهار، وإحياء الكتاب والسنة، وإقامة
الحق والعدل في الرعيّة، والإطلاع على غامض كتاب الله ووحيه، الذي
لا يطلع عليه إلاَّ من قلده الله السياسة، وحكم له بالإمامة دون
غيره، فآتاه الحكمة، وخصه بالفضيلة، وأكمل له النعمة، وجعله له على
الخلق حجة، وبالشجاعة عند اللقاء، والصبر في البأسآء والضرآء،
والجود والسخاء، مع النصفة للأولياء.
__________
(1) في (ب): والمبادر.
(2) في (ب): وجبت.
(3) يعني بكونهم من أولاد الرسول.
(4) في (ب): والرغبة في دار.
(2/283)
فصدقناها فيما احتجب
به من الأمر الذي تجب به من الله سبحانه الإمامة لأهلها، ويتأكد
لهم به من الله عزَّ وجل فرض الطاعة على خلقه.
فلما أن أجمعنا نحن وهي على أن من كانت فيه هذه الخصال، وثبت له ما
ذكرنا في كل حال، فقد وجبت له بحُكم الله الإمامة، وتأكدت له بفرض
الله على الخلق الطاعة، أوجبنا على أنفسنا المحنة؛ فامتحناها فيما
أجمعنا نحن وهي وغيرنا عليه من الشروط التي تجب بها الإمامة، وتثبت
بها لأهلها على الخلق الطاعة. فلم نَجِدها ولله الحمد عن ذلك
منصرفة، ولا منه مُعوِزَة، بل وجدناها به قائمة، وبالتسمية(1) به
مستحقة؛ فأجبناها إلى ما دعتنا إليه، وأعنَّاها بكليتنا عليه،
فصدقناها ولله المنُّ بعد المحنة به.
ولك يا أبا عبد الله أكرمك الله علينا من الحجة، والسؤال والمحنة؛
مثل الذي كان لنا على أنفسنا، فانظر في ذلك معنا، بمثل ما نظرنا
نحن مع أنفسنا، فإن وجدت ما وجدنا، وشهد عقلك لك في أمرنا بمثل ما
شهدت به عقولنا لأنفسنا؛ فقد حق لك ما طلبت، وصح لك ما عنه سألت،
وجاءتك من نفسك البينات، وأنارت لك في ذلك النيّرات.
وإن لم تجد الشروط التي نشهد نحن وأنت وكل المسلمين بأنها شروط
الأئمة الهادين، المفترضة طاعتهم، والمحرّمة معصيتهم، كنت على بينة
من أمرك، ورخصة من فرضك(2)، وراحة من تعبك.
واعلم هداك اللّه أن الإمتحان والنظر لا يكون إلاَّ بالنصفة من
المتناظِرَيْن، وطلب الحق في ذلك من المتسائلَين،وقبول الحق عند
ظهوره، وأخذه بأفضل قبوله. ونحن أكرمك الله لكل ذلك باذلون، وإليه
لك مسرعون، وله منك مُحِبُّون.
فهذا الباب الذي وجبت به إمامة كل إمام(3)، على جميع من تقدم من
أهل الإسلام، وبه تجب إمامة من بقي من أئمة الهدى، إلى آخر أيام
الدنيا، ولن تجب إمامة إمام أبداً بغير ما ذكرنا، ولن يوجد سَببٌ
يثبت لأحد سوى ما شرحنا.
والحمد لله(4) كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على
سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً.
****
__________
(1) في (أ، ج): وللشهرة.
(2) في (ب): من فضلك.
(3) في (ب): الإمامة لكل إمام.
(4) في (أ): تم والحمدلله كثيراً، وصلى اللّه على محمد وآله وسلم.
(2/284)
جواب مسائل لابنه
المرتضى (ع)
m
[معنى حديث: ما كان على أهل هذا الجدي.. إلخ]
قال الإمام المرتضى لدين اللّه محمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن
الحسين صلوات الله عليهما:
سألت أبي الهادي إلى الحق صلوات الله عليه عما روي عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم من أنَّه مرَّ بجدي ميّت مطروح على كِبَا (2)،
فقال عليه السلام: (( ما كان على أهل هذا الجدي لو انتفعوا بجلده
)).
قال الهادي إلى الحق أعزه الله: لم يرد النبي عليه السلام الانتفاع
بجلده بعد موته، ولكنه صلى الله عليه أراد: ما كان عليهم ـ إذ لم
يكن فيه لحم يذبح ويذكى له ومن أجله، لما كان فيه من الهزال(3)
والهلاك ـ لو ذبحوه، فحل(4) لهم بذبحه الانتفاع بجلده؛ (فانتفعوا
بجلده)(5) إذ لم يكن في لحمه منفعة.
فهذا يا بني معنى قوله صلى الله عليه، لا ما ذهب إليه الجهال، ونسب
إليه العماة الضُلاَّل.
واعلم يا بني أن كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له معان
وأبواب؛ تحتاج إلى تفسير عالم فهم(6) باللغة، كما يحتاج القرآن إلى
التفسير.
[معنى حديث: إن اللّه يبغض الحبر السمين]
__________
(2) في (ب): كناسة، وهي معنى الكبا.
(3) في (ب): الهوان.
(4) في (ب): يحل.
(5) سقط من (ب).
(6) في (ج): فهيم. وماهنا أثبته في الهامش.
(2/285)
من ذلك قوله: (( إن
الله يبغض الحبرَ السمين )) فتوهم من لا فهم له أن معناه: البَدِن
الشَّحِم؛ فذموا بذلك كل عالم سمين، وكان صلى الله عليه وآله قد
بلغ من الشحم والسِّمَن غاية، حتى كان قد جعل في محرابه بالمدينة
عوداً هو اليوم في المحراب، وكان إذا نهض بعد السجود أخذ به؛ حتى
ينهض من ثقل بدنه(1)، وكان صلى الله عليه يتنفل بعض نوافله قاعداً
لثقل بدنه، وهو صلى الله عليه حبر الأحبار(2) وأفضلها.
وإنما أراد بقوله: (( إن الله يبغض الحبر السمين ))؛ يعني الذي قد
سمن من أكل الرُّشا والحرام.
[معنى حديث: إن اللّه يبغض البيت اللحم]
وكذلك رُوي عنه عليه السلام أنَّه قال: (( إن الله يبغض البيت
اللَّحِم ))؛ فتأوّل ذلك من لا فهم له أنَّه: البيت الذي يؤكل فيه
اللحم كل يوم دائماً. وهذا باطل من التأويل، كيف يقول ذلك في
اللحم؛ وهو يفضله ويقول: (( خير(3) إدامكم اللحم ))، وكان يشتهيه
ويأكله إذا وجده؟!
__________
(1) في (ب): بعد السجود يعتمد به حتى ينهض.
(2) في (أ، ج): أحبر الأحبار.
(3) في (أ، ج): أفضل.
(2/286)
وإنما أراد بقوله
ذلك: البيت الذي يُؤْكَلُ المسلمون فيه، معنى يؤكل فيه: يُوقَع
فيهم، ويُطعن عليهم، ويُؤذون فيه. ألاَ تسمع كيف يقول الله سبحانه:
{أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
فَكَرِهْتُمُوهُ}[الحجرات: 12]؟ وقد رُوى عنه صلى الله عليه أنَّه
لما رجم ماعز بن مالك الأسلمي حين أقر بالزنا؛ فسمع عند منصرفه
الزبير(1) يقول لطلحة(2): انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم
يستر على نفسه حتى رجم مرجَم الكلب. فسكت عنهما رسول الله صلى الله
عليه وآله حتى مر بجيفة حمار شاغرٍ بِرجْليه؛ فقال لهما: (( انزلا
فأصيبا من هذا الحمار ))، فقالا: نعيذك يا رسول الله، أنأكل
الميتة؟ فقال لهما: لما أصبتما من أخيكما آنفاً أكبر مما تصيبان من
هذا الحمار، إنَّه الآن ليتقمص(3) في أنهار الجنة.
وغير ما ذكرناه عنه في هذا المعنى فكثير غير قليل، ومعروف غير
مجهول، ولله الحمد، نجتز(4) بقليله عن التطويل بذكر كثيره والسلام.
[معنى قوله تعالى: {وآخرون اعترفوا..} الآية]
__________
(1) هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن
كلاب، أبو عبد اللّه القرشي الأسدي، أحد العشرة المشهورين، من
شجعان الصحابة وأبطالهم، أبلي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
وسلم بلاء حسناً، نكث مع طلحة على الإمام علي عليه السلام بعد
البيعة على الأصح، فكانت وقعة الجمل الشهيرة، قتل بعد منصرفه منها
سنة (36 هـ).
(2) هو طلحة بن عبيدالله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم
بن مرة التيمي، أبو محمد المدني، أحد العشرة، شجاع باسل، أبلى بلاء
حسناً مع السرول صلى اللّه عليه وآله، لكنه نكث بيعة الإمام علي،
قتل يوم الجمل سنة (36 هـ)، وله (63 سنة).
(3) كذا في النسخ، ولعلها: ليتغمص.
(4) في (أ،ج): يُجْتَزَى.
(2/287)
وسالته عن قول الله
سبحانه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً
صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[التوبة: 102]، فقال: هؤلاء أهل
التوبة إلى الله من بعد المعصية، فذكر الله عنهم أنهم عملوا عملاً
سيئاً، ثم خلطوا أعمالهم بالصالحات؛ فعملوا بها من بعد التوبة وبعد
العمل الردي. ومعنى {عَسَى اللَّهُ}؛ هو: إيجاب القبول(1) للتوبة
من التائبين من بعد الإخلاص لله بالتوبة، وليس كما يقول الجهال:
إنهم يعملون قبيحاً وحسناً في حالة واحدة، ويتقبل منهم الحسن، هذا
ما لا يكون؛ لان الله يقول:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ
الْمُتَّقِينَ}[المائدة: 27]، ومن كان في معصية الله فليس بمتق،
ومن لم يكن بمتق فليس يقبل عمله منه.
[معنى قول الله: {فلا وربك..} الآية]
وسالته عن قول الله سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا
فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا
تَسْلِيماً}[النساء: 56]. يقول سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله،
مخبراً له عن أصحابه، مقسماً بنفسه؛ أن أصحابه لا يؤمنون على حقيقة
الإيمان؛ حتى يردوا إليه عليه السلام ما تشاجروا فيه ـ وهو
مااختلفوا فيه ـ ثم يرضوا بحكمه في ذلك، ولا يجدوا في صدورهم شيئاً
فيه، ولا غضباً منه، {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}، أي ينفذوا حكمه
ويسلموا له، ويرضوا به ولا يردوه
****
__________
(1) في (أ،ج): إيجاب لقبول التوبة عن.
(2/288)
ومن مسائل علي بن
محمد العلوي (1)
مما سأل عنها الهادي إلى الحق صلوات الله عليه.
m
[أطفال المشركين هل يحل سبيهم؟]
وسالته عن أطفال المشركين هل يحل سبيهم؟
فقال: نعم. قلت: ومن أين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه: (( كل
مولود(2) يولد فإنما يولد على فطرة الإسلام، حتى يكون أبواه اللذان
يهودانه أو ينصّرِانه ))؟
فقال: إنما هذا في الأطفال الذين يولدون في دار الإسلام، فأما من
يولد في دار الكفر فقد حكم الله عليه بالسبي، وحكم على ما فيها من
مال أو نفس وأبانها، وأحل ما فيها، وصيَّرها ملكاً وغنيمة
للمؤمنين، فما جاز من سبي الكبير جاز في سبي الصغير؛ لأن الدار دار
كفر، فافهم الفرق بين دار الكفر ودار الإسلام.
[الجزية على النساء ودعوتهن]
وسالته عن نساء اليهود والنصارى، هل تجب عليهن الجزية؟
فقال: لا. قلت: ومن(3) أين لم تجب عليهنَّ الجزية؟ فقال: لأن الله
تبارك وتعالى حكم على الرجال بالقتل، وأوجب عليهم الجزية فداءً من
القتل، فمن وجب عليه القتل من الرجال وجبت عليه الجزية. قلت: فهل
تجب دعوة النساء؟ قال: نعم. قلت: فإن لم يفعلن؟ قال: يستخدمن
ويُهَنَّ. قلت: وهل تحل خدمتهنَّ؟ قال: نعم، كما فعل رسول الله صلى
الله عليه وسلم بصفيّة ابنة حيي بن أخطب حتى أسلمت، فتزوجها رسول
الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال بعض علماء أهل البيت: إنهن
يدعين؛ فإن لم يُسلمن قتلن.
قلت: فما قولك أنت يا أمير المؤمنين؟
فقال: حتى تبلغ ذلك إن شاء الله، وأعلمتك برأيي فيهن(4).
__________
(1) هو مصنف سيرة الإمام الهادي، له مواقف شجاعة مع الإمام عليه
السلام.
(2) في (أ، ج): طفل.
(3) في (أ، ج): فقلت من.
(4) في (أ): ثم أعلمتك. ولعلها: أعلمك.
(2/289)
ومن مسائل محمد بن
عبيد الله (1)
[موالاة الظالمين ومداراتهم]
قال محمد بن عبيدالله(1) رحمه الله: سألت الهادي إلى الحق صلوات
الله عليه عن موالاة الظالمين. فقال: لا تجوز موالاة الظالمين لأحد
من المؤمنين، وموالاتهم فهي: مودتهم ومحبتهم؛ لأن الله سبحانه
يقول: {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ
الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}[المجادلة:
22]. فحرّم الله تعالى موالاتهم ومحبتهم، ولم يطلق للمؤمنين
الإنطواء على شيء من إضمار المودة لهم. وفي ذلك مايقول اللّه عزَّ
وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي
وَعَدُوَّكُمْ اَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ..}
الآية[الممتحنة: 1]. فمن انطوى وأضمر محبّة ظالم فقد خرج من دين
الله، وليس من المؤمنين بالله، ولا تجتمع معرفة الله ومحبته
وموالاته مع مودة أعداء الله ومحبتهم؛ لأن الله عدو للظالمين،
والظالمون أعداءٌ لرب العالمين، ولن يجتمع ضدان معاً في قلب مسلم.
فأما المداراة للظالمين باللسان، والهبة والعطية، ورفع المجلس،
والإقبال بالوجه عليهم؛ فلا بأس بذلك؛ لأن الله قد فعل في أمرهم ـ
وهم أعداؤه ـ ما فعل؛ من جعله لهم جُزءاً في الصدقات؛ يتألفهم به
على الحق، ويكسر به بعض بلائهم وظلمهم عن الإسلام، وذلك قوله عزَّ
وجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية
[التوبة: 60] فجعل للمؤلفة جزءاً، وهم أعداء الله وأعداء الإسلام؛
يكسر حدَّهم عن المؤمنين، ويصليهم به نار جهنم وبئس المصير، ويجعله
عليهم وبالاً في الآخرة ولهم عذاب أليم.
__________
(1) في (ب): عبدالله. وهو: محمد بن عبيدالله العلوي العباسي والد
مؤلف السيرة، أحد أبرز أصحاب الإمام، وفد عليه للجهاد بين يديه،
تولى للإمام وسحة، ثم صعدة، ثم نجران في سنة (287 هـ)، خالف عليه
بنو الحارث بنجران وقتلوه ظلماً وعدواناً في وقعة رهيبة تشبه وقعة
الإمام الحسين عليه السلام في شهر ذي الحجة سنة (295 هـ).
(2/290)
وكذلك كان رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم يفعل بالمنافقين الظالمين؛ يؤثرهم على من
معه من إخوانه المؤمنين، ويكل إخوانه على إيمانهم.
من ذلك ما فعل في غنائم حنين، فرقها كلها على المؤلفة قلوبهم، ولم
يعط المؤمنين منها درهماً واحدا، ولا شاة واحدة، ولا بعيراً واحداً
يتألفهم بذلك، ويكسر عن المؤمنين شر حدهم.
وكذلك كان يفعل بكبراء المشركين إذا كاتبوه وأتوه؛ يكاتبهم بأحسن
المكاتبة، ويفرش لهم ثوبه إذا أتوه يُجلسهم عليه، نظراً منه
للإسلام، ومداراة لهؤلاء الطغام، عن غير موالاة ولا محبة.
[الاستعانة بالظالمين]
قال محمد بن عبيد الله(1): وسألت الهادي إلى الحق صلوات الله عليه
هل تجوز الإستعانة بالظالمين؟ وقلتُ: ما معنى قول الله سبحانه:
{وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف: 51].
فقال: أما ما سألت عنه من قول الله سبحانه؛ فإنما أراد بالعَضُد:
الوُدِّ والْمُشَاوَرَة(2) في المبثوث من جميع الأسرار الظاهرة
والباطنة، والمحبوب في السر والعلانية، المعتَقَدة ولا يته،
الجائزة عند الله مناكحته، وأكل ذبيحته، وقبول شهادته، والإعتماد
على قوله، والركون إلى مصافاته، فهذا العَضُد. فمن لم يكن عند
صاحبه على هذه الحال، على حقيقة الفعل والمقال؛ فليس له بعضد ولا
كرامة له، ولا ينتظمه هذا الاسم أبداً، ولا يجوز له أصلاً.
__________
(1) في (ب): عبد الله.
(2) في (ج): الوِدَّ الْمُشَاوِر، والود: المحب.
(2/291)
فأما ما اسعنت به في
مهمّاتك، وتقويت(1) به واستعنت به في ساعات حاجاتك، في إصلاح
الإسلام والمسلمين، وهايبت به من كان مثله من الظالمين، واستعنت به
على من هو أفجر منه، وأنت له شانئ، ومنه متبرئ، وبه غير واثق،
تكتمه أسرارك، وتجمل لديه أخبارك، لا تستحل له مناكحة، ولا تأكل له
ذبيحة، ولا تقبل له شهادة، ولا تأتم به في صلاة، فكيف تكون له
متخذاً عضداً، وتكون له ولياً مرشداً؟ هذا ما لا يغلط فيه إلاَّ
الجهال، وإلا من أعمى الله قلبه من الرجال، فهو يتكمه في عمايات
الضلال، يدعو الليل نهاراً والنهار ليلاً، والعدو ولياً والولي
عدواً، ينحل كل واحد منهما نحلة ضده، ويدعو كلاَّ بغير اسمه.
وأما ما سألت عنه من استعانة المحقين بالظالمين، في طاعة رب
العالمين لمحاربة المحاربين؛ فإنا لانستحل غيره في مذهبنا؛ لأن
الاستعانة بالظالمين على من حارب الحق والمحقين؛ واجب على
المسلمين، لا يسع أحداً تركه، ولا يجوز رفضه، إذا صار الإسلام إلى
ذلك محتاجا، وكان الحق إليه مُضطراً، إذا جرت عليهم(2) أحكام
الإمام ومن في عصره من خدم الظالمين وأعوانهم، الذين استعان بهم في
وقت حاجته لهم.
ونقول: إن فرض ذلك يجب من وجهين:
فأما أحدهما: فإنه لا يحل للإمام أن يقتل الإسلام ويضيّعه، ويمكن
عدوه منه، وهو يجد إلى غيره سبيلاً، وعلى إجابته معيناً، تجري
أحكامه عليه؛ لأنَّه إن امتنع من الاستعانة بهم في وقت ضرورته، ظهر
من هو شر ممن كره الاستعانة به على الإسلام فأهلكه.
__________
(1) في (ب): وتقربت.
(2) في (ب): عليه.
(2/292)
والمعنى الآخر فبيّنٌ
بحمد الله عند من عقل، وهو أن يقال لمن أنكر الاستعانة بالظالمين:
أيها الجاهل هل عذر الله أحداً أوأطلق له ترك فرض من فرائضه، أو
أطلق له ترك إقامة طاعة من طاعاته، فاسقاً كان المتعبَّد أو
مؤمناً، أو ظالماً أو محسناً؟ فإن قال: نعم قد عذرهم الله في ترك
فروضه، وأطلق لهم في وقت فسقهم وظلمهم رفض شيء من حدوده؛ فقد كفر
القائل بذلك، واجْتُزِيَ بكفره عن مناظرته في شيء من دينه؛ لأنَّه
يزعم أن الله سوغ للظالمين شيئاً من معاصيه، وأجاز لهم ترك فرائضه
التي فرض، وهذا فتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله. وإن قال:
لا، لم يجز الله لظالم في وقت ظلمه، ولا لفاسق في وقت فسقه، ترك
شيء من أداء فرائضه، والفرض لا زم لهم، واجب عليهم. قيل له: فأيّ
فرض أكبر من الجهاد في سبيل الله، والقيام بمحاربة من عند عن أمر
الله، والمعاونة لأولياء الله؟
فإذا قال: لا فرض أكبر من ذلك.
قيل له: فمن أين أجزت لهم القعود عن نصره؟ ومن أين أجزت للإمام أن
يَدَعَهم من أداء هذا الفرض، ولم تجز له أن يكرههم عليه في حال
فسقهم، فضلاً عن أن يأتوه طائعين، ولحكمه مسلمين؟ فإن أجزت للإمام
أن يَدَعَ إلزامهم فرض الجهاد الأكبر، وقد أتوه طائعين، ولفرض الله
في الجهاد معه مسلمين، وأجزت له أن يترك الاستعانة بهم من طريق
القهر لهم إن قدر على ذلك، أو قلت: لا يجوز أن يقهرهم على ذلك إن
أطاق قهرهم، فضلاً عن أن يسلموا أو يطيعوا؟ فيجب عليك أن تقول:
إنَّه لا يجب على الإمام أن يقهرهم على طاعة الله كلها وفرائضه، من
الصلاة، والصيام، وغير ذلك مما هو دون الجهاد.
(2/293)
وقد أغنى الله من عقل
بما كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك؛ من الاستعانة
بغير أهل الملة، من اليهود وغيرهم من مشركي الحبش، وكان صلى الله
عليه يستعين باليهود في حربه، وبالمنافقين الكافرين به، المستهزئين
بحقه. وكتاب الله يبين ذلك له من أمرهم، وينزل عليهم(1) بكرة
وعشياً.
وأمر صلى الله عليه وعلى آله أصحابه الذين آمنوا به ـ وهم اثنان
وسبعون رجلاً ـ أن يمضوا ويهاجروا إلى بلاد الحبش، وأمرهم أن
يستعينوا به، وبطعامه وبشرابه على من يريدهم بسوء، فجهزت قريش
لمَّا جاؤا إليه البُرُدَ(2) في أمرهم، وبذلوا الأموال في تسليمه
إياهم إليهم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأله(3)
المعونة على قريش لأصحابه وله، ويسأله أن لا يسلمهم ويعينهم على
أمرهم، ففعل ذلك، وأهدى إليه حراباً وبغلتين وشيئاً من الذهب، فقبل
ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت الحراب تحمل قدامه،
وتركز بين يديه إذا صلَّى. وكذلك أهدى إليه ملك قبط مصر جاريتين
وبغلتين(4)، وحللاً من حُلل مصر، فقبل ذلك كله صلى الله عليه وآله
وسلم من القبطي، والقبطي مشرك بالله، جاحد لرسول الله، فاتخذ إحدى
الجاريتين، ويقال: إنهما كانتا أختين، فدعاهما إلى الإسلام، فأسلمت
واحدة فوطئها، فولدت له إبراهيم صلى الله عليه، ووهب الأخرى لحسان
بن ثابت الأنصاري. فأي استعانة أكثر من هذا، أو حجة أبين مما
ذكرنا؟ والحمد لله وهذا يجزي لمن عقل عن التطويل إن شاء الله،
والقوة بالله.
وكذلك استعان صلى الله عليه في فتح مكة من أعراب فزارة، وغير ذلك
من أعراب البوادي وجفاتهم، ممن هو مُسَلّم لحكمه، غير عارف بحدود
ربه.
تم ذلك والحمدلله كثيراً، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلم.
__________
(1) في (ب): عليه.
(2) البُرُد: جمع بريد.
(3) في (أ): يسألهم.
(4) في (أ، ج): وبغلة.
(2/294)
مسألة في الذبائح
m
قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم: سألت عن الذبائح، ما يحل منها وما يحرم؟
والجواب أنَّه يحرم من الذبائح ست ذبائح:
ذبيحة اليهودي؛ لأن اللّه عزَّ وجل قال: {وَقَالَتِ اليَهُودُ
عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ}[التوبة: 30].
وذبيحة النصراني، لقول الله عزَّ وجل {وَقَالَتِ النَّصَارَى
الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}[التوبة30].
وذبيحة المجوس(1)؛ لأنَّه يقول: إن الله قضى عليه بركوب أمه،
وابنته، وأخته.
وذبيحة المجبر؛ لأنَّه يقول: إن الله جبر(2) خلقه على المعاصي.
وذبيحة المشبه؛ لأنَّه يقول: إنَّه يعبد الذي يقع عليه بصره يوم
القيامة.
وذبيحة المرجئ؛ لأنَّه يقول: الإيمان قول بلا عمل.
قال الله تبارك وتعالى لجميع عباده: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ
اللَّهِ عَلَيْهِ}[الأنعام: 118]، {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ
يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}[الأنعام:
121]؛ فجيمع هؤلاء الستة الأصناف ما ذكروا اسم الله تبارك وتعالى
على شيء من ذبائحهم، إذ لم يعرفوه تبارك وتعالى حق معرفته، فلم(3)
يقروا له بتوحيده وعدله، ولم يصدقوه في وعده ووعيده، وكذبوا قوله
في وليه وعدوه.
تمت المسألة وجوابها والحمد لله وحده وصلواته على رسوله سيدنا محمد
وعلى آله وسلم
__________
(1) في (أ): المجوسي.
(2) في (أ): يجبر.
(3) في (أ): ولم.
(2/295)
جواب مسألة لرجل من
أهل قم
m
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
سألت عصمنا الله وإياك بعصمته، ووفقنا وإياك لمرضاته، وجعلنا وإياك
من أهل طاعته، وختم لنا ولك بمغفرته، ونجانا وإياك من حيرة هذا
الدهر برحمته:
[معرفة اللّه هل هي فعل اللّه أو فعل العبد؟]
عن معرفة الله تبارك وتعالى؛ ما تصرفها في الخلق؟ وكيف تكوينها في
العباد؟ وما محلها في الأجساد؟ وهل هي من أفعال المخلوقين؟ أم هي
خلق أحسن الخالقين؟ غريزة ركبها في عباده، فجعلها سبحانه كما خلق
وركب وجعل فيهما من العقول.
واعلم هداك الله أن المعرفة هي: كمال العقل والعمل به، فإذا كمل
العقل، وصح واستعمل؛ تفرعت منه المعارف والأفهام، لذوي الفكر
والأحلام، ومتى عدمت من الأدميين الألباب؛ لم تصح فيهم المعارف
بسبب من الأسباب، بل تكون بنأيه أنأَى من كل ناءٍ، وبدنوه أدنى من
كل دان، تحضر بحضوره، وتعزب بعزوبه، محتاجة إليه، وهو فغير مضطر
ولا محتاج إليها، متفرعة من فروعه، كامنة في أصوله، كائنة
بكينونته، وهو فغير متفرع منها، ولا محتاج مضطر إلى كينونتها، بل
هو مقيد العماد، راسخ الأوتاد، فكل معرفة كانت من العباد، بالأزلي
الخالق الجواد؛ فبالعقول استدركها المستدركون من ذوي الألباب،
واستخرجها المستخرجون، ووقف على حدود شرائعها العالمون.
وعلى ذوي العقول افتُرِضَت معرفة الله وعبادته، وهم الذين ينالون
باداء فرائض الله ثوابَه، ويستحقون برفضها ـ دون غيرهم ممن سلب لبه
ـ عقابَه. فالعالمون من ذوي الألباب هم المجازون بالحسنة الحسنات،
وبالسيئات من الأفعال(1) السيئات. والعقلاء فهم الموقوفون للحساب،
الخائفون لأليم العقاب، والكائن منهم ما ذكر الله سبحانه حين يقول:
{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106]،
وهو يوم تخشع الأصوات للرحمن فلا تسمع إلاَّ همساً، فتبيآضُّ (2)
فيه وجوه من جاء بصالح الأعمال، وتسوآدُّ وجوه من جاء بسيء
الأفعال، يكون حال من سلب لبه فيه كحال الأطفال، آمناً إذ ذاك من
هائل الأهوال، لا يسألهم الواحد العدل المنان، عما منهم في دنياهم
كان، فتبارك الله العادل في خلقه الرحمن.
__________
(1) في (ج): من أفعالهم.
(2) في (ب) فتبيض.
(2/296)
وفيما نقله الثِّقات
من ذوي العقول، ثقة عن ثقة عن الرسول عليه السلام، أنَّه قال: ((
لما أن خلق الله العقل قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر،
فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إليَّ منك، بك
أعطي، وبك آخذ )). فقوله: بك أعطي وبك آخذ؛ دليل على أنَّه لا يثاب
على فعل فعله، ولا يعاقب على جُرم اجترمه؛ إلاَّ من ركب فيه لُبٌ
حاضر، ورأي صادرٌ.
وفي قول الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ}
[الرعد: 19، الزمر: 9]؛ أكبر الدليل علىأنه لا يكون تذكرة ولا
تَفْكرة، تعود إلى معرفة وبيان، وحسن نظر وإتقان؛ إلاَّ بلب تتفرع
منه التذكرة والمعرفة في الإنسان. فتبارك مَنْ علمُ خَفيات ضمائر
القلوب عنده كالإعلان.
فإن قيل لك: أَبِن لنا ما معنى تفرعها من العقل؟ وكيف تتفرع؟ وما
معنى قولك: يستعمل العقل؟ وكيف يستعمل؟ وَمَثِّل لنا ذلك بمثل
تقبله عقولنا، وتفهمه أنفسنا.
فقل: مثل العقل في الآدمي؛ كمثل الإستطاعة فيه، والإستطاعة(1) هي
سلامة أدواته، فإذا استعملت الأدوات فيما تصلح له؛ تفرعت أفعاله
منها، كمثل ما يتفرع من الكف من الحركة، مما يؤدي إلى رفع أو وضع،
أو ما يتفرع من حركات الرجل؛ من مشي أو عدوٍ، أو ركوب أو نزول، أو
غير ذلك. وكل أداة ففعلها متفرع منها، وتفرعه فهو خروجه. وكل فعلِ
أداةٍ(2) فغير كائن بغيرها من الأدوات، ولن يوجد إلاَّ بوجودها،
ويتغير بتغيرها، ويزيد بزيادتها، ويكمل بكمالها، ويعدم بعدمها،
ويدخل عليه من الضرر ما يدخل عليها.
فكذلك تفرع المعرفة من العقل وكسبها به؛ كتفرع الحركات من الأدوات،
توجد بوجوده، وتعدم بعدمه.
__________
(1) في (أ، ج): فالاستطاعة.
(2) في (ج): أدوات.
(2/297)
والعقل فهو خلق الله
وتركيبه في عباده، والمعرفة فهي أفعال المخلوقين متفرعة من
العقول،فكل من أَعْمَل عقله في شيء من آيات الله؛ قاده إِعماله
لعقله من معرفة الله تبارك وتعالى إلى أبين بيان، وتبين له بما
يتفرع من المعرفة بالله أنور البرهان. فيثيب الله مَنْ قَبِلَ ما
دل عليه ـ مما تفرع من مركب لُبِهِ الذي جعله الله فيه ـ من
المعرفة بالله عزَّ وجل، فإذا ميَّز وأعمل النظر في صغير آيات الله
دون كبيرها، فعلم أن لها خالقاً كريماً، ومدبراً عليماً؛ فقبل ذلك
بأحسن القبول؛ فاستوجب من الله الزيادة والتوفيق.
ويُعَاقِب من كابر لبه، وأنكر آيات ربه، فاستوجب بذلك منه الخذلان،
وتمكنت منه وساوس الشيطان. كما يثيب من عمل بكفه خيراً، ويعاقب من
اكتسب بها شراً.
وأما استعمال العقل فهو الفكر به والنظر، والتمييز بين الأشياء،
والنظر فيها وفي تركيبها، وتدبيرها وحسن تقديرها، حتى يقوده ويدله
ما يتفرع من لبه، عند استعماله له؛ على معرفة علام الغيوب، ومقلب
ما يشاء من القلوب، فإذا ثبت عنده أن له خالقاً ومصوراً، ولجميع
الأشياء فاطراً ومدبراً؛ وجب عليه أن ينظر في كتاب الله تبارك
وتعالى، ويسأل العلماء عما ذكر الله من كرسيه وعرشه، ويده ووجهه
حتى ينبيه كل عالم بما يحضره من الجواب. والسوال فواجب عليه؛ لقول
الله تبارك وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ
لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل: 43، الأنبياء: 7] وهم آل محمد صلى الله
عليه وعليهم، فإذا أنبئ عما سأل؛ وجب عليه أن يتفكر بعقله، فيضيف
إلى الله سبحانه من الأشياء ما هو أولى به، وينفي عنه الشبهات التي
تكون في خلقه، ويعلم أن ليس كمثله شيء، كما قال: {لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيْرُ}[الشورى: 11].
(2/298)
فإذا علم أن الله
واحد أحدٌ، وأنه مباين للأشياء كلها مخالف لها، غير مشاكل لما خلق،
لا يحويه مكان، ولا يشغله شأن عن شان، وهو بالمرصاد كما قال
سبحانه؛ وجب عليه أن يعلم أنه عدل لايجور، فإذا علم ذلك فقد أكمل
معرفة ربه سبحانه.
فإن قال: فإنا نجد المعرفة بائنة من العقل، لا تدل على صفات الله،
ولا يقف صاحبها عليها من غير تعريف ولا سؤال؟ فقال(1): إن المعرفة
إنما هي تعليم من بعض لبعض، مستغنية بنفسها (كما هي)(2) غير محتاجة
إلى العقل.
قيل له: فأخبرنا عمن عمل شيئاً يجب على من أضافه إلى الله أن يكون
ناسباً إلى الله الجور والظلم، وما يجب على من اعتقد ان يكون الله
مشبّهاً بخلقه؛ فقال بذلك واعتقده، هل يكون بالله عارفاً، ولله
موحداً؟! فإن قال: نعم، كفر. وإن قال: لا، قيل له: أفرأيت إن
اختلفت عليه الأقاويل؟ وأمره قوم باعتقاد ما يلزمه به التشبيه
والتجوير لربه، وأمره آخرون باعتقاد التوحيد والقول بالعدل، والتبس
عليه أمره، وعمي عليه رشده؛ ما الذي يجب عليه في ذلك؟
__________
(1) كذا في النسخ، ولعلها: وقال.
(2) ليس في (ج).
(2/299)
فإن قال: إنَّه يجب
عليه أن يقلد أحد الفريقين قوله ويقول به، وزعم أنَّه إذا قلد
قوماً قولاً؛ ثم عمل به واعتقده نجا من إثمه، وكان عليهم وزره؛ وجب
عليه أن يقول: إن كل من أمر بدين من الأديان؛ من اليهودية
والنصرانية، أو أي دين كان من أديان الكفر، وأشار به، فقبله منه
قابل، وقلده إثمه ودخل فيه، فأحل ما حرم الله، وحرم ما أحل الله؛
كان بذلك بريئاً من الوزر، وكان جميع ذلك الأمر على من أمر به، دون
من قبله، ولو كان ذلك كذلك لم يعذب الله إلاَّ المؤسسين(1) لأنواع
الشرك من القرون الأولة، ولكان كل من عمل بعملهم ناجياً من سخطه
وعقابه، ولكان كل من قال على الله بالحق، ودان بدين محمد صلى الله
عليه وعلى أهل بيته الطيبين غير مثاب عليه، ولكان الثواب واجباً في
القياس للرسول، ولم يكن لمن عمل به ثواب ولا محمدة، ولم يكن المذنب
بإجرامه بأهل للعقوبة من المحسن في أعماله، ولكان المطيع والعاصي
في الثواب والمجازاة بالعقاب سِيَّان؛ إذ كانا من جميع أفعالهما
بريئين.
__________
(1) في (ب): الموسوسين.
(2/300)
ثم يسأل فيقال له:
أخبرنا عن إبليس إذا أمر العباد، ووسوس وزين لهم المعاصي، حتى
يكونوا لها عاملين، ولعظائمها(1) مرتكبين، على من إثمها؟ فإن قال:
على إبليس دونهم. قيل له: فإنا نجد الله قد أخبرنا في كتابه، أنَّه
من أطاع إبليس فإنه من العاصين، المعاقبين على ارتكاب ما يأمره
بركوبه، ويزينه ويوسوس له به، فقال سبحانه في ذلك: {فَالْحَقُّ
وَالْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ
تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}[ص: 84 ـ 85]، فهل وجب عندك على من
أطاع إبليس، وعمل بما أمره به من المعاصي عقوبة النيران؟ فإن قال:
لا؛ كفر. وإن قال: نعم؛ ترك قوله، وخرج من حد التقليد، فلا يجد
بداً من أن يقول: إن الواجب عليه عند التباس الأقوال، واختلاف
الأفنان أن يرجع إلى عقله في ذلك فيتفكر به، ويميز فينظر بعقله
ويتخير لنفسه، فيتفرع له من عقله من المعرفة ما يقول على الله به
الحق، ويذكره بما يشبهه من الذكر الذي لا يكون إلاَّ له سبحانه.
فليعلم أن المعرفة كلها خارجة متفرعة من العقل، وأنه لا تكون معرفة
إلاَّ من العقل وبالعقل.
__________
(1) في (ب): ولعصيانها.
(2/301)
ومن الدليل على أن
المعرفة هي ثبات العقل وكماله، بان علمنا أن شُرَّابَ الخمور، وأهل
الدعارة والشرور، إذا شربوها زالت عنهم الألباب، وأنها مضطرة إليه
محتاجة، تعزب بعزوبه، وتحضر بحضوره، وتتفرع في ثباته، وتعدم عند
عدمه، فعدمت بزواله منهم المعارف، حتى يطيح عنهم واضح البيان(1)
ويزيح بما قد كان مؤدياً إليهم من بيّن اللغة واللسان، وحتى تلتبس
عليه حلائله من أخواته، وأمهاته من خالاته، ويأتي على لسانه من
القذف والفحش، والمنكر والدناءة، في النادي والجماعات؛ ما يفضحه
ويشينه، وما لعله لو عرض مفروجاً(2) عليه عند ثبات لبه، وتفرع
معرفته سوء(3) ما كان منه إذ كان لا معرفة له بما سلف منه في حال
كينونته، ويأتي ـ متيقظاً ـ واحداً(4) من أفعاله في عزوب لبه؛ ما
فعل ذلك أبداً، بل لعله يود أنه كان ميتاً فانياً، مفقوداً نائياً،
ولا تبين منه الأشياء الفواضح، والأفعال الطوالح.
ففي أقل ما ذكرنا دليل على أنَّ المعرفة لا تثبت ولا تكون إلاَّ
بالعقل ومن العقل.
فإن احتج فقال: قد نرى البهائم ـ التي نعلم نحن وأنت أنها عدمت
العقول ـ تعرف أولادها وأمهاتها، وتعرف طعامها وشرابها من غيره،
وتعرف ما يضرها مما ينفعها ، فتعتزل المضار، وتتبع المنافع.
__________
(1) في (ب): الثبات.
(2) كذا في (ب)، وفي (أ): مفروحاً. مهملة، وفي (ج): مفروضا، ولم
أهتد إلى معناها.
(3) في (ب): سوى.
(4) متيقظاً: منصوب على الحالية، و (واحداً) مفعول يأتي. والمعنى
أنه لو عرض عليه ما عرض ويأتي حال صحوه ما أتى حال سكره من الأفعال
ما فعل ذلك أبداً، وهذا دليل على أنه قد فقد المعرفة عندما فقد
لبه، وهو المطلوب. والله أعلم.
(2/302)
قيل له: إنما كلامنا
في المثابين والمعاقبين، من الجنة والآدميين؛ من المأمورين
والمنهيين، الذين ينالون الطاعة والمعصية؛ بما ركب فيهم من
الإستطاعة، فيكونون متخيرين لأحدهما، يثابون على طاعة إن كانت
منهم، ويعاقبون على معصية إن جاؤا بها،، ولا يكون تخير الواحد من
الأمرين إلاَّ من ذي لب واضح، وعقل راجح. فأما البهائم فإنها غير
مأمورة ولا منهيّة، ولا مثابة ولا معاقبة، وإنما عدمت الثواب
والعقاب، لما سلبته من الألباب. وأما ما يكون منها من شيء فعلى غير
معرفة ثابتة ولا تمييز، وإنما يكون ما يكون منها؛ من معرفة الذكر
للأنثى ومعرفتها لأربابها، ومعرفة الذكر لما يكون لاقحاً من
الإناث، فهو أعرف وأكبر من معرفة الطعام والشراب، والأمهات
والأولاد، فإنها(1) منها على الإلهام، وإنهن لملهمات لذلك إلهاماً،
كما يلهم الطفل في صغره معرفة الثدي وطلبه له، وبكاءه وسكوته،
وحزنه وسروره. وكل ما كان من الطفل بغير تمييز ولا عرفان؛ فإنما هو
طبع وإلهام، حتى إذا كمل من عقله ما يحوز به التمييز من الأشياء،
ميز حينئذ فاختار، فأخذ وترك، وعرف ما ينفعه مما يضره، فاجتنب ما
يضره، وطلب ما ينفعه. وهو في صغره لو وضع قدامه تمر أو جمر، أو
ملح، أو سكر؛ لكان حَرِيّاً بالأخذ للضار له منهما؛ لعدم عقله،
وذهاب معرفته وفهمه.
ففي أقل مما ذكرنا إن شاء الله ما بين وكفى؛ عن التطويل وشفى؛ من
كان مسترشداً تابعاً للهدى والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله
وملائكته وجميع الأنبياء والمرسلين من خلقه على محمد عبده ورسُوله
النبي الأمي، الهادي المهدي، وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار،
الصادقين الأبرار، الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
وقلت: ما الدليل على أن الله خلق الأشياء لا من شيء؟
__________
(1) في (ج): فإنه. والضمير المؤنث للمعرفة، والمذكر لـ(ما يكون).
(2/303)
والدليل في ذلك أنَّه
لا يخلو أن يكون خلق أصل الأشياء ومبتدأها من شيء، أو من غير شيء،
فإن خلقها من شيء أزلي، فقد كان معه في الأزلية والقدم غيره من
الأشياء، ولو كان كذلك تعالى الله عن ذلك؛ لم تصح له الأزلية، وإذا
لم تصح له الأزلية؛ لم تصح له الوحدانية، وإذا لم تصح له
الوحدانية؛ لم تصح له الربوبية؛ لأن من كان معه شيء لا من خلقه؛
فليس برب للأشياء كلها؛ إذ لم يكن لكلها خالقاً، فمن ها هنا صح
أنَّه خلق الأشياء لا من شيء، وابتدع تكوين ابتدائها من غير شيء.
وقلت: لأي علة بعث الله الرسل؟ وَبعْثُهم ليكونوا حجَّة على خلقه،
وليبلغوا من عنده ما تعبَدهم به من فرضه؛ إذ مفروضاته سبحانه معقول
ومسموع: فما كان من المسموع فلا بد فيه من مسمع يؤديه، وناطق به عن
الله بما فيه، وهم الرسل عليهم السلام، المؤدون إلى خلق الله
رسائله، والمبلغون إليهم عنه مراده (منهم)(1) فلهذا المعنى ـ من
تأديتهم عنه ـ بعثهم.
تم ذلك والحمد لله كثيراً وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
وسئل صلى الله عليه، عن الرجل(2) إذا اشترى شيئاً، فوجد به عيباً؛
ثم استعمله بعد ما وجد فيه العيب.
فقال: ليس له أن يرده، وليس له إلاَّ أرشه، وهو نقصان من الثمن
بالعيب.
وقال: إذا جاء المشتري يرد بعيب، وكان العيب مما يحدث مثله في تلك
الأيام، ثم أقام عند المشتري، فعلى المشتري البينة أنَّه اشتراه
وبه ذلك العيب.
فإن لم يكن له بينة؛ فعلى البائع اليمين ما باعه هذه السلعة وفيها
هذا العيب.
وقال صلى الله عليه: إذا اشترى رجل جارية؛ فوجدها ولد زنا من أمة
الرجل الذي باعها، فليس هذا عيب ترد به.
وقال: إن البول عيب في الكبير، وليس بعيب في الصغير.
تمت المسألة.
*****
__________
(1) ليس في (ج).
(2) في (ج): عن رجل.
(2/304)
جواب مسألة من مسائل
النباعي(1)
m
قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم
بن إسماعيل صلوات الله عليهم أجمعين وعلى آبائهم الطاهرين: سألت عن
قول الله عز ذكره، وجلت أسماؤه {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِيْ
حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}[الأحقاف:20]،
فقلت: ما الطيبات في هذه الدنيا؟ أهو ما يتنعم به الناس ويلبسونه
من صالحيهم وطالحيهم؟
وإن(2) من لبس الثياب السريّة، وأكل الطعام الفائق، وركب الخيول
حلالاً كان أو حراماً، فقد أذهب طيبات الآخرة، بما أطلق لنفسه من
استعمال طيبات الدنيا.
فأما الكافر وأسبابه؛ فقد استغنينا عن الفتش في أمره بما قد
وجدنا(3) من حاله، كثرت دنياه أو قلت، فمصيره إلى النار.
__________
(1) لم أعرفه له ترجمة وعلى ذهني أنه ذكر في سيرة الإمام الهادي
اسم محمد بن زكريا التباعي، فعله هو والله أعلم.
(2) في (ب): فإن.
(3) في (أ، ج): قد قرَّ عندنا.
(2/305)
وأما المؤمن به،
والعامل بطاعة خالقه، المتحري(1) في أمره لما أمره به خالقه، فكيف
تكون تلك حاله(2)، وإنما جعل الله الطيّبات للمؤمنين خاصة دون
الفاسقين، فقال في كتابه عز وجل لأنبيائه عليهم السلام: {يَا
أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا
صَالِحاً} [المؤمنون:51]، وقال في كتابه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ
زِيْنَةَ اللهِ الَّتِي أَخَرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ
الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا خَالِصَةً يَومَ القِيَامَةِ}[الأعراف: 32]، ومعناها:
ويوم القيامة، وقال في كتابه: {لَيْسَ عَلَى الَّذِيْنَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيْمَا طَعِمُوا إِذَا مَا
اتَّقُوا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقُوا
وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقُوا وَاَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِيْنَ} [المائدة:93]، فلم يجعل الله سبحانه على المؤمنين
حرجاً في شيء مما رزقهم، إذ أخذوه على ما جعل لهم وأمرهم به،
فساروا فيه بطاعة الله، ولم يتعدوا إلى شيء مما يسخط الله؛ لأن
الله عز وجل ـ أيها السائل ـ لم يجعل ما في هذه الدنيا من خيرها
ومراكبها التي خلقها لشرار أهلها ولا لمن عند عن طاعة خالقها،
وإنما جعلها الله للصالحين، ولعباده المتقين، يأمرون فيها بأمره،
وينهون فيها عن نهيه، ويقيمون أحكامه فيها، منفذون لأمره عليها،
فللطاعة والمطيعين خلقها رب العالمين، ثم أمرهم ونهاهم، وبصّرهم
غيّهم وهداهم، وجعل لهم الاستطاعة إلى طاعة مولاهم، {لِيَهِلِكَ
مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيْعٌ عَلِيْمٌ}[الأنفال:42].
__________
(1) في (ب): المجتري، وهو خطأ.
(2) في (ب): تلك الحالة.
(2/306)
وإنما معنى الآية
وقول الله: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِيْ حَيَاتِكُمُ
الدُّنْيَا}، فتبكيت منه سبحانه لأهل النار، وتوقيف على تفريطهم في
طاعة ربهم. ومعنى {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ}، أي تركتم ومحقتم
وعطلتم ما جعل الله لكم بالطاعة من النعيم المقيم، والخلد مع
المتقين في الثواب الكريم بارتكابكم للمعاصي، وترككم للطاعة، حتى
خرجتم مما جعل الله للمطيعين وصرتم إلى حكم الفسقة الكافرين؛ في
عذاب مهين. فهذا معنى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ}.
تَمّ والحمد لله كثيراً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الذين
طهرهم من الرجس تطهيراً.
*****
رسائل وكتب
في
النبوة
إثبات النبوة
m
سألت أكرمك الله(1) فقلت: إن سألني ذمي عن اثبات نبوة محمد صلى
الله عليه وآله وسلم من أين تثبت؟ فقلتَ: ما أقول له؟
الجواب في ذلك أن يقال له: ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم
وصحت؛ من حيث ثبتت نبوة موسى وعيسى صلوات الله عليهما، والذي ثبتت
به نبوتهما في بني إسرائيل، ووجبت طاعتهما؛ فَبِه ثبتت نبوة محمد
صلى الله عليه وآله وسلم سواءً سواء.
فإن قال: وما ذلك الذي ثبتت به نبوتهم؟
قيل له: هي: المعجزات التي أتوا بها، والآيات التي أظهروها، التي
لا ينالها مخلوق، ولا تكون إلاَّ من الخالق، ومعجزات كل واحد منهم
معروفة عند أهل العلم، وقد شرحنا ذلك في مسائل ابني أبي القاسم(2)،
التي في إثبات النبوة والوصية والإمامة.
والجواب في مسألتك هذه للمسلم والذمِّي سواء.
__________
(1) لا نعرف من هو السائل ولعله من الطبريين أو من أهل اليمن والله
أعلم.
(2) هو الإمام محمد بن يحيى المرتضى عليه السلام.
(2/307)
ويقال: إن كانت
معجزات موسى وعيسى أثبتت نبوتهما (على أممهما، فقد أثبتت نبوةَ
محمد معجزاته على جميع الخلق، وإن لم تكن معجزاتهما أثبتت نبوتهما)
(1) عندك؛ فأخبرنا: بم تثبت نبوتهما مما هو غير ذلك؟ حتى نأتيك في
محمد صلى الله عليه وسلم بحجج تقطعك وتقمعك.
فلا تجد بداً إن شاء الله أن تقول: إن المعجزات من الآيات هن
اللواتي يثبتن ويصححن النبوة، ويقمن لله ولرسوله الحجة على الأمة.
فإذا أقر بنبوة محمد لثبات الحجة عليه، ووضوحها لديه، ولزومها له ـ
إذ إقراره بها يثبت نبوة نبيه، ومكابرتُه فيها وقولُه بالدفع لها؛
يُبطِل قوله في نبيه ـ قيل له: اتق الله، وأجب محمداً داعياً إلى
الله ورسُوله إليك وإلينا. فإن قال: قد أثبتم علي الحجة بما لم
أقدر أن أدفعه في إثبات نبوته؛ إلاَّ أن أدفع نبوة نبيي؛ فقد أقررت
لكم بنبوته حين اضطررت إلى ذلك؛ فهو نبيكم ورسولكم، وليس إلينا
برسول.
قيل له: بل هو رسول إليك وإلى آبائك من قبلك(2)، بإقرارك لا
بإنكارك، فقد أقررت بذلك ولزمك؛ من حيث ثبتت عليك الحجة في الإقرار
بنبوته، وإن كنت لم تعقل ذلك ولم تفهمه، ولم يحط به عقلك فيعلمه.
فإن قال: ومن أين حكمت عليّ بذلك، وجعلتني في الحكم كذلك؟ أَبِنْ
لي بذلك قولاً صواباً، وأزح لي به شكاً في قلبي وارتياباً.
قيل له: ألست قد أقررت بأنه رسول الله ونبيه؟ فلا يجد بداً من أن
يقول: نعم. فيقال له: هل يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم أن
تأتي بشيء من أنفسها؛ ثم تزعم أنَّه من الله دونها، وفي ذلك مالا
يخفى عليك من الكذب على الله، وحاشا لرسل الله صلوات الله عليهم من
ذلك. فلا يجد بداً من أن يقول: لا يجوز ذلك في الأنبياء صلوات الله
عليهم والرسل.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (أ، ج): من قبل.
(2/308)
فإذا قال ذلك، قيل
له: أفليس القرآن الذي جاء به محمد من الله، وذكر أنَّه من الله؛
هو من الله، فلا يجد بداً أن يقول: نعم، هو قرآن بعث به إليكم
دوننا. فإذا قال ذلك، قيل له: قد أقررت بنبوءته صلى الله عليه،
وأقررت بالكتاب الذي جاء به أنَّه حق من الله؛ فقد وجدنا في هذا
الكتاب تصديق إرسال محمد إليكم.
فإن قال: وأين ذلك؟
قيل له: هو قول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا
أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفتح: 8 ـ 9]. وقوله: {يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعاً
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ
هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ
وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]، ويقول:
{آمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلاَ
تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي
ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: 41]. فكل هذا
القول ـ الذي في الكتاب ـ الذي لم تجد بداً أن تقر به أنَّه من عند
الله؛ فإن بطل منه حرف بطل كله، وإن ثبت أنَّه من الله؛ ثبت ووجب
عليك ما أمرك الله به فيه، ولزمك الإيمان به والتصديق؛ إذ قد أقررت
بنبوءة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يجد حينئذ الذميُّ بداً
أن ينصف فيقر بالحق، أو يكابر بعد ثبات الحق وبيان،، فيستدل
بمكابرته على جهله وحمقه، ويستغنى بظهور جهله عن مناظرته؛ لأن
الجاهل المكابر محيل، وصاحب المحال لا حجة معه.
تم ذلك
تثبيت نبوة محمد
صلى الله عليه وآله وسلم
m
(2/309)
(قال يحيى بن الحسين
بن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم): إن سأل سائل فقال: ما الدليل
على نبوة محمد صلى اللّه عليه وآله؟
قيل له: الدلائل كثيرة على ذلك، ولكن ليس لمنكر أن يسألنا عن هذه
المسألة إلا أن يكون من أهل الكتب الذين أجمعوا معنا على التوحيد
والنبوات. وأما الملحدون فليس لهم أن يسألونا عن تصحيح النبوة، وهم
لم يؤمنوا برب الأنبياء عليهم السلام.
فمن سألنا من اليهود والنصارى، وأهل الكتاب المقرين بالتوحيد، قلنا
لهم: الدلائل كثيرة على تصحيح نبوته عليه السلام، وذلك أنَّه أتى
بما يعجز الخلائق عن مثله، فلما أن أتى بما يعجز الخلائق عن مثله؛
علمنا أنَّه ليس في قدرة المخلوقين فعله، وأنه لم يفعله إلاّ
الخالق، ولم يضعه إلاَّ على يدي أمين صادق.
فإن قال: فما الأعلام التي جاء بها تعجز الخلائق عن مثلها؟ قلنا
له: ذلك أكثر من أن يحصى.
منه الماء القليل الذي سقى منه العالم الكثير.
ومنه الخبز القليل الذي أطعم منه البشر الكثير.
ومنه أن ذئباً تكلم على نبوءته.
ومنه أنَّه أمر شجرة فأقبلت تحد الأرض، ثم أمرها فرجعت.
ومنه كلام الذراع المسمومة له. وواحدة من هذه الأعلام تجزي، بعد أن
تكون معجزة للخلق.
فلما أن أتى صلى الله عليه بهذه المعجزات(1) التي ذكرنا، علمنا
أنَّه نبي صلى الله عليه وآله.
فإن قال: فما الدليل على أنَّه جاء بهذه الأعلام التي تذكرها، ومن
خالفك لا يقر لك بذلك؟
__________
(1) في (أ): الأعلام نخ، وفي (ج): بهذه المعجزات الأعلام.
(2/310)
قيل له: الدلائل على
ذلك: الأخبار المتواترة، التي لا يجوز على مثلها الشك، عن قوم
متفرقي(1) الديار، بعيدي الهمم، مختلفي التجارات والصناعات،
والألسن والألوان، يعلم أن مثلهم لا يجوز عليهم الإجتماع والتواطؤ،
فلما أجمعوا ينقلون هذا الخبر؛ علمنا عند خبرهم ـ إذ جاء هذا
المجيء ـ أنَّه حق وصدق؛ لأنه لو جاز على مثل ما ذكرنا التواطؤ
(على الكذب)(2) لكنا لا ندري لعلنا إذا دخلنا مثل البصرة والكوفة،
أو بعض هذه الأمصار التي لم ندخلها؛ فقيل لنا: هذه مكة، هذه
الكوفة، وهي المدينة، أنهم قد كذبوا، وأن أهل البلد قد تواطؤا على
أن يخبرونا بخلاف ذلك.
فإن قلت: لا يجوز لأهل بلد واحد أن يتواطؤا، ويجتمعوا على شيء
واحد.
قلنا: وكذلك لا يجوز أن يكون من خبرنا عن نبينا محمد عليه السلام
أنَّه فعل كذا، أو جاء بكذا، وأخبر عن كذا؛ أن يكونوا كذبوا؛
لاختلاف أجناسهم، وبعد هممهم.
فإن كان السائل يهودياً فارجع عليه؛ فقل: بما صح عندك نبوة موسى؟
فإنه يقول: بالإعلام التي جاء بها، التي تعجز الخلائق عن مثلها.
قيل له: وبما علمت أنَّه جاء بالأعلام؟ فإن قال: بأخبار من خالفنا،
فلما أن اجمعتم معنا والنصارى معكم مع خلافكم لنا؛ علمنا أن مقالنا
كما قلنا، وأن خبرنا حق.
قلنا له: فأخبرنا عن أسلافكم الذين كانوا قبل أن تكونوا، إذ كانت
النصارى لم تصح لكم نبوة موسى.
فإن قال: بلى.
قيل: ولم وبما، وليس هناك مسلمون ولا نصارى يجمعون معك، وزعمت
أنَّه لا يصح الخبر إلاَّ بإجماع من خالفك بعدُ؛ فلو آمن الناس
كلهم بموسى وصاروا على دينك بطلت نبوة موسى، إذ زعمت أن الأخبار لا
تصح إلاَّ بالمخالفين. فبهذه وللنصارى مثلها على اليهود فافهمها.
__________
(1) في (أ، ج): مفترفي.
(2) زيادة من (ج).
(2/311)
ومن دلالته صلى الله
عليه وعلى أهل بيته وعلامته هذا القرآن، لا يقدر أحد أن يدعيه، ولا
أنَّه جاء به أحدٌ غيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد أعجز أهل
دهره من الفصحاء والبلغاء، فلم يقدر إلى يومنا هذا كلُّ الخلق أن
يأتوا بمثله، أو بسورة منه، ليس يشبه(1) الشعر، ولا الرجز، ولا
الخطب، بآئن من كلام المخلوقين، وفيه أخبار الأولين والآخرين،
وبعثه صلى الله عليه والعرب متوافرة، ليس فخرهم إلاَّ الشعر
والبلاغة والخطب، فتحداهم بأجمعهم من أن يأتوا بسورة من مثله،
عجزوا(2) وأقروا بالعجز، فعلمنا ـ إذ عجزوا أن يأتوا بمثله وهو
بلغتهم ـ أن غيرهم أعجز، وعلم أهل النهى ـ إذ عجز الخلائق عن مثله
ـ أنه من عند أحكم الحاكمين، وأنزله على رسوله صلى الله عليه نوراً
وهدىً للعالمين.
ومن معجزاته أن قوماً من آل ذَرِيح وهم حي من أحياء العرب، وهم
بمكة؛ أرادوا أن يذبحوا عجلاً لهم، وذلك في أول مبعث النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، فلما أضجعوه ليذبحوه أنطق الله العجل فقال:
يا آل ذريح، أمر نجيح، صائح يصيح، بلسان فصيح، يؤذن بمكة لا إله
إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله؛ فتركوا العجل، وأتوا المسجد فإذا
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم في المسجد وهو يقول: أشهد
أن لا إله إلاَّ الله وأني محمد رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم.
ذكر خطايا الأنبياء
صلوات الله عليهم
__________
(1) في (ب): يشبهه.
(2) كذا في النسخ.
(2/312)
مما سأله إبراهيم بن
المحسن العلوي رحمة الله عليه (1)
m
[قصة آدم عليه السلام وإبليس وخطيئة آدم]
سُئل الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين صلوات الله عليه عن قول الله
تبارك وتعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ
فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ}[البقرة: 34، الإسراء: 61، الكهف: 50،
طه: 116] كيف كان السجود من الملائكة صلوات الله عليهم؟
فقال: معنى {اسْجُدُوا لآدَمَ}؛ إنما أراد بذلك: أسجدوا من أجل (2)
آدم؛ تعظيماً لخالقه؛ إذ خلقه من أضعف الأشياء وأقلها عنده، وهو
الطين. فجاز أن يقال: {اسْجُدُوا لآدَمَ}؛ لما أن كان السجود من
أجل خلقه.
وقوله: {فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ}، وإنما جاز أن يجعل إبليس
معهم في الأمر وإن لم يكن من جنسهم؛ إذ كان حاضراً لأمر الله لهم،
فأمره بالسجود معهم، وإن لم يكن جنسه جنسهم؛ لأن الملائكة صلوات
الله عليهم إنما خلقوا من الريح والهواء، وخلقت الجن كلها من مارج
النار، ومارج النار فهو الذي يتقطع منها عند توقدها وتأججها.
قلتُ: فما الدليل على أن إبليس من الجن؟
قال: قول الله جل ذكره: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}[الكهف:50].
قلت: فهل أمرت الجن كلها بالسجود، أم خص الله إبليس بذلك دونهم؟
__________
(1) هو إبراهيم بن المحسن بن عبيدالله ـ أخي محمد بن عبيدالله والد
مصنف سيرة الإمام ـ بن عبد اللّه بن عبيدالله بن الحسن بن عبيدالله
بن أبي الفضل قمر أهل البيت العباس بن علي بن أبي طالب الشهيد
بكربلاء العلوي العباسي، من أصحاب الإمام المجاهدين معه، يؤخذ من
سيرة الإمام أنه كان حياً في شهر رمضان من سنة (294 هـ)، وأنه كان
مع عمه محمد بن عبيدالله في حربه للقرامطة بنجران حين طلب بعضهم
كما في سيرة الإمام الهادي عليه السلام حيث له ذكر في موضع منها
فقط، لم أقف على تاريخ وفاته. السيرة 344 ـ 345.
(2) في (أ): من قِبَل.
(2/313)
قال: لم يأمر الله
سبحانه أحداً منهم إلاَّ إبليس فقد أمره الله بالسجود دونهم.
قلت: أفمخصوصاً كان بذلك دونهم؟ قال: نعم، كان مخصوصاً بالأمر.
قلت: فعصيان آدم صلوات الله عليه في أكل الشجرة كيف كان ذلك منه،
تعمداً أم نسياناً؟
فقال: قد أعلمك الله في كتابه، من قوله: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى
آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}[طه: 115]،
يقول: لم نجد له عزماً على أكلها، واعتمادها بعينها.
ولكن سلني فقل لي: فإذا كان آدم في أكل الشجرة ناسياً فكيف وجبت
عليه العقوبة، وقد أجمعت الأمة على أنَّه إذا نسي الرجل فشرب في
رمضان وهو ناسٍ، أو أكل وهو ناس، أو ترك صلاة حتى خرج وقتها وهو
ناس، أو جامع امرأته في طمثها وهو ناس، لم يجب عليه في ذلك عقوبة
عند الله؟ فكيف يجب على آدم عليه السلام العقوبة في أكل الشجرة
ناسياً؟
فإن سألتني عن ذلك، قلت لك: إنما عوقب آدم صلوات الله عليه في
استعجاله في أكل الشجرة، وذلك أن الله سبحانه لما نهاه عن أكل
الشجرة ـ وهي البر ـ وأمره بالشعير ولم يحظرها عليه، فكان يأكل من
شجرة الشعير وهي ورق، ولم تحمل ثمراً، فلما صار فيها الحب والثمر
أشكل عليه أمرها، فلم يدر أيهما نهي عنه،فأتاه اللعين بِخِدَعِهِ
وغروره، فقاسمه على ما ذكره الله في كتابه؛ فقال: {مَا نَهَاكُمَا
رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا
مَلَكَينِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}[الأعراف: 20]،
فاستعجل آدم فأكل من الشجرة، ولم ينتظر الوحي في ذلك من عند الله،
فعوقب في استعجاله في أكلها، وقلة صبره لانتظار أمر ربه.
قلتُ: فكيف كان كلام إبليس وخدعه إياه؟ هل كان تصور له جسماً، ورآه
عياناً؟
فقال: إنما سمع آدم كلامه، ولم يره جسماً. وقد رويت في ذلك روايات
كذب فيها من رواها، وكيف يقدر مخلوق أن يخلق نفسه على غير مركب
خلقه، وفطرة جاعله؟ هذا ما لا يثبت ولا يصح عند من عقل وعرف الحق.
(2/314)
قلتُ: فقد كان محمد
النبي صلى الله عليه يخاطب جبريل، ويعاينه على عظيم خلقه، وجسيم
مركبه!
فقال: إنما كان جبريل عليه السلام ينزل على محمد صلى الله عليه
وآله وسلم على صورة(1) لطيفة يقدر على رؤيتها وعيانها. وصح عندنا
أن النبي محمداً عليه السلام رأى جبريل في صورة (( دِحْيَة الكلبي
(2) ))، وإنما ذلك خلق احدثه الله فيه، وركبه عليه؛ لما علم من ضعف
البشر، وأنهم لا يقدرون على النظر إلى خلق الملائكة؛ لعظيم خلقهم،
وجسيم مركَّبهم. فلما علم الله تبارك وتعالى من محمد صلى الله عليه
وآله وسلم ذلك ـ ولم يكن جبريل عليه السلام يقدر على تحويل صورته
ومركَّبه من حال إلى حال؛ لضعف المخلوقين وعجزهم عن ذلك ـ نقله
الله سبحانه على الحالة التي رآه محمد عليه السلام فيها، نظراً منه
سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وما فعله الله فليس من فعل
خلقه. فلك في هذا كفاية إن شاء الله.
قلت: فهل كان آدم صلى الله عليه طمع في الخلود؛ لما قاسمه
(عليه)(3) إبليس على النصح؟ قال: إنما كان ذلك منه صلوات الله عليه
طمعاً أن يبقى لطاعة الله ولعبادته، فأراد أن يزداد بذلك قربة من
ربه.
قلت: فما معنى قوله: {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا
سَوْآتُهُمَا}[طه: 121]؟
قال معنى قوله: {بَدَتْ لَهُمَا سَوآتُهُمَا}؛ فهو سوء فعلهما، لا
كما يقول من جهل العلم، وقال بالمحال: إن اللّه كشف عورة نبيه
وهتكه. وكيف يجوز ذلك على الله في أنبيائه؛ والله لا يحب أن يكشف
عورة كافر به؟ فكيف يكشف عورة نبيه؟
__________
(1) في (أ): في خلقةِ صورةٍ.
(2) هو: دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي، صحابي جليل، نزل
المِزَّة، ومات في عهد معاوية.
(3) ليس في (ج).
(2/315)
قلتُ: فقوله (1):
{يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا}[الأعراف: 27] فقال: قد اختلف في
ذلك، ورويت فيه روايات. وأصح ما في ذلك عندنا، والذي بلغنا عن
نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن لباسهما هو لباس التقوى
والإيمان، لا ما يقول به الجاهلون من أنَّه لباس ثياب، أو ورق من
ورق الشجر. فهذا معنى قول الله: {يَنْزِعُ عَنْهُمَا
لِبَاسَهُمَا}، وإنما أراد بذلك من قوله: {لِبَاسَهُمَا} أي لباس
التقوى، بما سوَّل ووسوس لهما من الكذب والمقاسمة التي سمعها منه.
قلت: فقوله: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ
الْجَنَّةِ}[الأعراف: 22] قال: إنما كانا في الجنة في ظلها وتحت
أشجارها، فلما أخرجا منها(2) وأصابتهما الشمس بحرها ورمضاء(3)
الأرض، فأرادا أن يجعلا لهما موضعاً يكون لهما فيه ظلال، كما يفعله
من خرج من منزله في سفر ونيته إلى غيره من البوادي وغيرها، فلا يجد
ظلالاً(4) ولا مسكناً، فلا يجد بداُ من أن يعرش عريشاً يُكنّه،
ويستره من الحر، ويقيه من شدة البرد. فهذا معنى قوله: {يَخْصِفَانِ
عَلَيهِمَا}.
قلتُ: فالجنة التي كانا فيها، أفي السماء كانت، أم في الأرض؟
قال:هي جنة من جنان الدنيا، والعرب تسمي ما كان ذا ثمار وأنهار
جنة.
قلت: فقوله: {اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً}!
قال: ذلك جائز في لغة العرب ، ألا ترى أنك تقول: هبطنا نجران،
وهبطنا اليمن، ونريد أن نهبط الحجاز. فلما كان ذلك معروفاً في
اللغة؛ جاز أن يقول: {اهْبِطُوا مِنْهَا}.
وسألته عن قول الله تبارك وتعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ
كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ}[البقرة: 37]، ما الكلمات التي تلقاها
آدم من ربه؟
__________
(1) في (أ): فكيف ينزع.
(2) في (أ، ج) خرجا.
(3) في (أ، ج): ورمضِ.
(4) في (أ، ج): ظلاً.
(2/316)
قال: قد اختلف فيها،
والصحيح عندنا أن الكلمات: هو ما كان الله تبارك وتعالى قد أعلمه؛
بخلق من سيخلقه من ذرية آدم ونسله، وأنه سيكون منهم مطيع ومنهم عاص
باختيارهم، وأنه سبحانه يقبل التوبة من تائبهم، إذا تاب وأصلح،
وأخلص التوبة وراجع. فلما كان منه ما كان من أكل الشجرة؛ ذكر ما
كان الله قد أعلمه من القبول للتوبة؛ فقالا {رَبَّنَا ظَلَمْنَا
أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.[الأعراف: 23] فهذه الكلمات التي
تلقاها آدم من ربه صلوات الله عليه.
[قصة سليمان وخطيئته عليه السلام]
وسألته عن قول الله سبحانه: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ
وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ}[ص: 34].
(2/317)
فقال: معنى قوله:
{فَتَنَّا سُلَيمَانَ}، يقول: امتحناه، وإنما كان ذلك من أجل ما
سألته مَلِكَةُ سبأ؛ من طلبها حين طلبت منه قرباناً تقرب به على
ماكانت تفعل في قديم أفعالها، فسألته صلى الله عليه أن يأذن لها في
بقرة فلم يجبها، ثم سألته شاة فكره ذلك عليها، ثم طيراً فأعلمها أن
ذلك لا يحل لها، فوقعت في صدرها جرادة؛ فقالت: فهذه الجرادة إئذن
لي فيها، فتوهم وظن أنها مما لا إثم عليها فيها؛ إذ كانت مما لا
يقع عليه ذَكَاة، فسكت ولم يمنعها عن ذلك؛ فقطعت رأس الجرادة
وأضمرت أنها قربان. فلما خرج صلى الله عليه يريد أن يتطهر على جانب
البحر؛ نزع خاتمه من يده، وكان لا يتطهر حتى ينزع الخاتم من يده،
وهذا الواجب على كل متطهر، إذا أراد أن يتطهر من جنابة أو غيرها
للصلاة، أن ينزع خاتمه، أو يديره في إصبعه حتى يصل الماء إلى
البشر(1) الذي يكون تحته، وينقى من الدرن ما حوله. فلما نزع الخاتم
ومضى لطهوره، خرج حوت من البحر فابتلع الخاتم وذهب في البحر، فلما
فرغ سليمان من طهوره؛ نظر إلى الموضع الذي كان وضع فيه خاتمه فلم
يجده، فعلم أن ذلك لسبب قد أحدثه، وأن الله سبحانه أراد بذلك
فتنته، فدعا الريح فلم تجبه، ثم دعا الطير فلم تجبه، ثم دعا الجن
فلم تجبه، لما ذهب عنه الخاتم، وإنما كان الخاتم سبباً من الله
لملكه قد جعله الله فيه، وبه كان يطاع؛ فعلم سليمان أن العقوبة قد
وقعت، ووثب العفريت الملعون على سريره عند ذلك وهو مُلْكُه، فكان
يتكلم على شبه كلام سليمان عليه السلام، وهو من وراء حجاب، لا يظهر
ولا يرى له شخص، ودعا فلم يجبه إلاَّ الإنس، ومضى سليمان باكياً
نادماً على فعله، وجعل يتبع الصيادين على سواحل البحر يخدمهم
ويعينهم، وهم لا يعرفونه، ولا يعلمون أنَّه سليمان، فأقام على ذلك
وقتاً اختلفت(2) فيه الرواة، فقال بعضهم: أقام أربعين يوماً. وقال
آخرون: بل مكث
__________
(1) في (ج): إلى الشعر، وما هنا نخ.
(2) في (ب): وقد اختلفت.
(2/318)
خمسين يوما. وقال
قوم: سبعين يوماً، وهذا أكثر ما قيل فيه؛ فجعل يتبعهم ويعمل معهم،
ويعطونه في كل يوم حوتين، فيبيع أحدهما فيشتري به خبزاً، ويشوي
الآخر فيأكله. فلما علم الله منه التوبة والرجوع، والإنابة
والخضوع؛ أراد أن يرد عليه نعمته؛ فانصرف ذلك اليوم ومعه الحوتان
(1) اللذان عمل بهما يومه ذلك؛ فشق بطن أحدهما على ما كان يفعل،
فإذا بالخاتم قد خرج من بطن الحوت؛ فعرفه عند ذلك؛ فأخذه وشكر
الله، وحمده على ما أولاه. ثم دعا الريح فأجابته، وكان قد أَبعد من
بلده، فأمر الريح فاحتملته من ساعته إلى موضعه، وهرب اللعين
العفريت لما رآه، وقال(2) بعض الرواة: إنَّه كان حبسه، ورد الله
على نبيه ملكه، ورجع إليه ما كان الله قد أعطاه، فدعا الطير والريح
والجن فأجابته، ودامت نعمته.
قلت: فما الجسد (3) الذي ألقي على كرسيه، هل كان جسماً يظهر ويرى؟
قال: لا، إنما كان الذي يظهر إليهم منه ما يسمعون من كلامه، وكان
مستتراً عنهم، فكانوا يظنون أنَّه سليمان. وإنما احتجب عنهم
بسبب(4) أمره الله به، أو فعل فعله من نفسه، فلو ظهر لهم لبان أمره
عندهم، ولكن تمكن منهم بالتمويه عليهم والمكر لهم.
قلت: فهل نال من الخدم منالاً، أو وصل إليهم بسبب من الأسباب؟
قال: معاذ الله أن يكون نال شيئاً من ذلك أو فعله، غير الذي شرحته
لك من كلامه فقط.
[قصة يونس عليه السلام وخطيئته]
وسألته عن قول الله سبحانه: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ
مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ}[الأنبياء: 87].
__________
(1) في (ب، ج): الحوتيان.
(2) في (ج): قال.
(3) في (أ): فالجسد.
(4) في (ج): لسبب.
(2/319)
فقال: أما ذو النون
فهو يونس، والنون فهو الحوت. وأما قوله: {إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً}؛
فإنما كان ذهابه غضباً على قومه، واستعجالاً منه دون أمر ربه، لا
كما يقول الجهلة الكاذبون على أنبيائه ورسله صلوات الله عليهم؛ من
قولهم: إن يونس خرج مغاضباً لربه، وليس يجوز ذلك على أنبياء اللّه
صلوات اللّه عليه، وإنما كان ذلك كما ذكرت لك، من غضبه على قومه،
ومفارقته لهم واستعجاله دون أمر ربه، وهو قوله لمحمد صلى الله عليه
وعلى آله وسلم: {وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى
وَهُوَ مَكْظُومٌ}[ن: 48] وهو يونس، يقول: لا تعجل كعجلته، واصبر
لأمري وطاعتي، ولا تستعجل كاستعجاله. فهذا معنى قوله: {إِذْ ذَهَبَ
مُغَاضِباً}. وقوله: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ}، أراد
بذلك من قوله: {فَظَنَّ} أي أفَظَنَّ أن لن نقدر عليه؟ وهذا على
معنى الإستفهام. ولم يكن ظن ذلك صلى الله عليه.
وهذا مما احتججنا به في الألف التي تطرحها العرب وهي تحتاج إلى
إثباتها، وتثبتها في موضع وإن لم تحتج إليها، مثل قوله: {لاَ
أُقْسِمُ}، وإنما معناها ألا أقسم، وقوله: {وَعَلَى الَّذِينَ
يُطِيقُونَهُ}[البقرة: 184]، فطرح الألف (1) وهو يريدها. ومن ذلك
قول الشاعر:
نزلتم منزل الأضياف منا…فعجَّلنا القِرَى أن تشتمونا
وإنما أراد أن لا تشتمونا، فطرح الألف واللام. ومثل هذا كثير في
الكتاب، وهو حروف الصفات.
__________
(1) في هامش (ج): فطرح لا، نخ.
(2/320)
فلما صار يونس في
السفينة، وركب أهلها واستقلت بهم، وطابت الريح لهم، أرسل الله
حوتاً فحبس السفينة، فعلم القوم عند احتباسها أنها لم تحبس بهم
إلاَّ بأمر من الله قد نزل بهم، فتشاور القوم بينهم، وتراجعوا
القول في أمرهم وما قد نزل بهم وأشفقوا، فقال لهم يونس: يا قوم أنا
صاحب المعصية، وبسببي حبست بكم السفينة، فإن أمكنكم أن تخرجوني إلى
الساحل فافعلوا، وإن لم يمكنكم ذلك فالقوني في البحر وامضوا؛ فقال
بعضهم: هذا صاحبنا،وقد لزمنا من صحبته ما يلزم الصاحب لصاحبه، وليس
يشبهنا(1) أن نلقيه في البحر فيتلف فيه على أيدينا ونسلم نحن، ولكن
هلموا نَسْتَهِم، فمن وقع عليه السهم ألقيناه في البحر، فتساهم
القوم فوقع السهم على يونس، ثم أعادوا ثانية فوقع عليه، ثم أعادوا
ثالثة فوقع السهم على يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت ومضى في
البحر، وكان يونس صلى الله عليه ينظر إلى عجائب البحر من بطن
الحوت، وجرت سفينة القوم بهم.
__________
(1) أي يحسن منا.
(2/321)
قال: ولبث يونس صلى
الله عليه في بطن الحوت ما شاء الله من ذلك، فاستمط شعره وجلده
(1)، حتى بقي لحمة، ومنع الله منه الموت. فلما علم الله توبته، وقد
نادى بالتوبة: {أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي
كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}[الأنبياء: 87] فاستجاب له، وتقبل
توبته، ورحم فاقته، فأرسل ملكاً من الملائكة فساق ذلك الحوت إلى
جزيرة من جزائر البحر، فألقى يونس من بطنه، وقد ذهب شعره وجلده،
وذهبت قوته، فرد الله جسمه على ما كان عليه أولاً، من تمام صورته،
وحسن تقويمه، وأنبت الله له شجرة اليقطين ـ وهي الدُّبَّا ـ فكان
يأكلها، فلما اشتدت قوته، واطمأن من خوفه وإشفاقه، أرسله الله إلى
قومه، وكانوا في ثلاث قرى، فمضى إلى أول قرية فدعاهم إلى اللّه
وإلى دينه، فأجابه نصفهم أو أكثر من النصف، وعصاه الباقون، فسار
بمن أطاعه إلى العصاة لأمره، فحملهم عليهم وقاتلهم، فقتلهم
وأبادهم، وسار إلى القرية الثانية فدعا أهلها، واعذر إليهم
وأنذرهم، فأجابه منهم طائفة، فحمل المطيع على العاصي فقتلهم
وأبادهم. ثم سار إلى القرية الثالثة وكانت أعظمها وأشدها بأساً
ومنعةً، فدعاهم إلى الله، وأعذر إليهم، وأنذر وحذر ما حل بإخوانهم،
فلم يجبه منهم أحد، واستعصموا على كفرهم؛ فسار إليهم وخرجوا إليه،
فحاربهم فلم يقدر عليهم، فلما كان بعد وقتٍ، وعلم الله منه الصبر
على ما أمره به من طاعته، والإعذار إلى خلقه؛ أمر الله جبريل صلى
الله عليه فطرح بينهم ناراً، ثم أرسل الرياح فأذرت النار عليهم،
وعلى منازلهم ورجالهم، فأحرقتهم جميعاً ودمرتهم.
فهذا ما سألت عنه من خبر يونس عليه السلام.
[قصة أيوب عليه السلام]
وسألته عن قول أيوب صلى الله عليه: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي
مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}[ص: 41].
فقال: معنى قوله: {مَسَّنِى}؛ فهو ما كان من كلامه ووسوسته له.
__________
(1) أي ذهبا وتفسّخا.
(2/322)
وذلك أن أيوب صلى
الله عليه قد كان جعل ضيافة أضيافه إلى امرأته، فأتاه إبليس اللعين
فقال: يا أيوب إن امرأتك قد فضحتك اليوم في أضيافك، فأتاها فقال:
ما الذي حملك على أن تفضحيني في أضيافي؟ أقسم لأضربنك مائة ضربة
بالعصا. فلما همَّ بالذي أقسم به من ضربها؛ أتاه الملعون إبليس
فقال: يا أيوب سبحان الله، أيحل لك أن تضرب امرأة ضعيفة، لم تجرم
جرماً، ولم تأت قبيحاً، ولم تفعل أمراً تستحق به منك ضرباً، وليس
لها قوة على ضربة واحدة، فكيف مائة ضربة، فلا تهلكها، وتأثم بربك
في أمرها؟! فلما تركها وكف عنها(1) أتاه من موضع آخر؛ فقال: يا
أيوب سبحان الله كيف يحل لك أن تقعد عنها، وقد حلفت لتضربنها، ولا
ترجع عن يمينك، ولا تأثم بالله ربك؟! فلما رجع إليها ليضربها(2)؛
أتاه بالوسوسة على مثل ما أتاه(3) أولاً، فلم يزل يفعل كذلك حتى
دخله الغم، وعظم عليه الأمر؛ فانقلب على ظهره وجعل يفكر وينظر،
وخالطه من الوسوسة ما غلبه على أمره، فلم يزل كذلك حتى تَقَرَّح
ظهره، ولزمه المرض العظيم، واشتد به (4) الأمر، وتمادت به العلة،
وذهبت ما شيته، وافترق ماله، ومات أولاده، ومرضت المرأة من الغم
والحزن. فلما رأى ذلك من كان معه في المنزل؛ أخرجوه صلى الله عليه
إلى ناحية منه على خط الطريق، وليس يقدر أن يرفع يداً ولا رجلاً،
واشتد(5) به البلاء، وهو مع ذلك صابرٌ محتسب. فلما كان يوماً (6)
من الأيام مضى به نفر، فلما رأوه ونظروا إلى ما هو فيه من عظم
البلاء وشدة النتن؛ قالوا: والله لو كان هذا ولياً لله لأجابه،
ولكشف ضره، ولما أصابه شيء من هذا؛ فلما سمع ذلك من قولهم: {نَادَى
رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}؛ فجاز
أن يقول: مسني الشيطان، لما أن كان ذلك من
__________
(1) في (ب): وعفى عنها.
(2) في (ج): ليضربنها.
(3) في (ج): الذي أتاه.
(4) في (أ، ج): وشد به.
(5) في (أ، ج): وشد.
(6) كذا في النسخ، ولعلها على حذف الجار.
(2/323)
وسوسته، وكيده وسببه؛
فاستجاب الله له فقال: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ
بَارِدٌ وَشَرَابٌ}[ص: 42]، ولم يقدر أن يرفع يداً ولا رجلاً؛ فضرب
بعقبه فانبثقت عليه عين؛ ففارت(1) وارتفعت حتى كانت أكبر من جلسته،
فجعلت تنسكب عليه وهو يغتسل بمائها وهي تقلع عنه كل ميت، وتنقي عنه
ما كان به من الأقذار، وتميط عنه الأذى، وجعل يشرب منها ويخرج ما
في جوفه من العلة، حتى نَقِيَ بدنه ورجع إلى أفضل ما كان عليه
أوَّلاً، وردالله عليه أهله وماله، وأمره أن يأخذ ضغثاً فيضرب
المرأة كفارة اليمين التي حلف، فقال بعض الرواة: إنَّه أخذ من هذا
الذي يكون فيه التمر فجمع منه مائة غصن(2) فضربها به ضربة. وقال
بعضهم: إنَّه ضربها به ضربتين. واختلف في ذلك، غير أن الصحيح من
ذلك أنَّه قد جمع ضغثاً فضربها به.
قلت: فإبليس كيف كان إتيانه إلى أيوب صلى الله عليه؟
قال: لم يره عياناً، وإنما سمع كلامه ولم ير شخصه. وقد قال بعض
الجهلة: إنَّه تصوّر له في صورة غير صورته، وليس ذلك كما قالوا،
وكيف يقدر مخلوق أن يغير خلقته، ويحول نفسه صوراً مختلفة؟! وليس
يقدر على ذلك إلاَّ الله رب العالمين، الذي خلق الصور والأجسام،
ونقلها من حال إلى حال، فسبحان الله رب العرش(3) عما يصفون، ولا
إله إلاَّ هو الرحمن الرحيم.
[قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز]
وسألته عن قول الله سبحانه في يوسف صلى الله عليه، من قوله:
{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَولاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ
رَبِّهِ}[يوسف: 24]؛ كيف كان همها به؟ وكيف هم بها؟
فقال: كان همها هي هم شهوة ومراودة، وكان همه بها هم طباع النفس
والتركيب.
ألا ترى أنك إذا رأيت شيئاً حسناً أعجبك، وحسن في عينك، وإن لم تهم
به لتظلمه، وتأخذه غصباً من أهله؟
__________
(1) في (ب): فثارت.
(2) في (ب): عصل.
(3) في (ب): رب العالمين.
(2/324)
وكذلك إذا رأيت
طعاماً طيباً أولباساً حسناً أعجبك، وتمنيت أن يكون لك مثله، وأنت
لا تريد بإعجابك به أخذه، ولا أكله إلاَّ على أحل ما يكون وأطيبه،
ولم ترد بقولك إنك تأكله أو تلبسه أو تنكحه إلاَّ حلالاً؟
قلت: بلى. قال: فكذلك كان هم يوسف صلى الله عليه في زوجة الملك.
قلتُ: قد سمعنا بعض الرواة يذكر أنَّه منع يوسف عليه السلام من
إتيانها انه رأى يعقوب صلى الله عليه كأنه يزجره عنها ويخوفه.
قال: قد قيل فيه شبيه من ذلك، وليس القول فيه كذلك، وحاش لله أن
ينسب ذلك إلى نبي (من أنبياء)(1) الله. قلت: فقد كان يروى لنا ذلك
بين الملأ، ويتحدث به في المساجد. قال: قد ذكر ذلك، جلَّ اللهُ عن
كل ما يقول فيه الملحدون، وينسب إليه الضالون. وليس قولهم هذا في
أنبياء الله، وروايتهم الكاذبة عليهم؛ بأعظم من كذبهم وجرأتهم على
الله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ألا ترى كيف
شبهوه بالأشياء من خلقه، وجعلوه جسماً ذا أعضاء وأجزاء مختلفة؟
فتعالى عن ذلك من ليس كمثله شيء.
ولقد ناظرت رجلاً ممن ينتحل التشبيه؛ فألزمته أن يقول: إن الله
مخلوق، أو ينفي عنه التشبيه؛ فاختار أن يجعله مخلوقاً وكره أن ينفي
عنه التشبيه. فهذا أعظم الأمور، وأقبح الأقاويل كلها.
__________
(1) ليس في (أ، ج).
(2/325)
قلت: فالبرهان الذي
رآه يوسف صلى الله عليه ما هو؟ قال: هو ما جعل الله فيه من علمه،
وخصه به من المعرفة به، والخوف في علانيته وسره. وإنما كان ذلك
ابتداءً منها، ومراودة له على نفسه. كان من قولها له: أن يا يوسف
إن لم تأتني أتيت أنا إليك، فقال: معاذ الله من ذلك، فقامت فأرخت
ستراً كان على باب البيت، وكان في البيت صنم لها تعبده من الذهب له
عينان من ياقوتتين حمراوين، فكانت تستحييه (1) وتعبده، فقال لها
يوسف صلى الله عليه: لم أرخيت هذا الستر؟ فقالت: إني خفت أن
يراني(2) هذا الذي في البيت، فأرخيت الستر حياءً منه، وإجلالاً له.
فقال لها: فإذا كنت أنت تستحيين من صنم لا يبصر ولا يسمع، ولا يضر
ولا ينفع؛ فكيف لا أستحيي أنا من الذي خلقني وخلقك، وخلق هذا الذي
تخافين، ومنه تستحيين؟ بل أخاف وأستحيي الذي خلقني وخلقكم(3) وهو
خالق السموات والأرضين. ثم نهض منها هارباً بنفسه، فلحقته إلى باب
الدار فقدت قميصه، {وَأَلْفَيَا سَيَّدَهَا لَدَى البَابِ}، وهو
زوجها الملك، وذلك أنهم كانوا يسمونه السيد لموضعه عندهم، ورفعته
فيهم، فقالت له: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً
إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ} ـ يوسف :ـ {هِيَ
رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي}[يوسف: 25 ـ 26]، فتحير الملك واشتبه
عليه الأمر، وكثر فيه القول. فذكر بعض الرواة أن الذي حكم في ذلك
صبي صغير كان في المهد، واختلف فيه، والذي صح عندنا في ذلك أنَّه
كان صبياً قد عقل، وهو من أبناء خمس سنين أو شبيه بها، فأتي به إلى
الملك فقال: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ}
هي فيما ذكرت، من مراودته لها عن نفسها، {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ
قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ} هي فيما ادعت، {وَهُوَ مِنَ
الصَّادِقِينَ} في قوله، ومراودتها له عن نفسه، فأتي بالقميص إلى
الملك؛
__________
(1) في (ب، ج): تستحسنه.
(2) في (ب): يرانا.
(3) في (ج): وخلقك.
(2/326)
فنظر إليه فإذا هو
مقدود من دبره؛ فقال: {إِنَّهُ مِنْ كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ
عَظِيمٌ}[يوسف: 26ـ 28]. ثم بدالهم من بعد ذلك فألقي في السجن،
وكان في السجن رجلان من خدم الملك؛ فلما كان من إعلامه لهما بتأويل
رؤاياهما على الحقيقة بعينها، فلما رأى الملك رؤياه؛ أتى أحد
الرجلين إلى يوسف فقص عليه ذلك؛ فأخبره بتأويله، فلما انتهى ذلك
إلى الملك؛ بعث(1) إلى النسوة يسألهن عن خبره؛ فـ{َقَالَتِ
امْرَأَةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقَّ أَنَا رَاوَدْتُهُ
عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} فيما تبرأ منه
وأنكره؛ {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ
وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ
نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ
رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}[يوسف: 51 ـ 53]. فهذا ما كان
من خبره عليه السلام.
[قصة داود عليه السلام ومحنته]
وسألتُه عن قول الله سبحانه: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ
إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} إلى قوله: {فَخَرَّ رَاكِعاً
وَأَنَابَ}[ص: 21 ـ 24].
__________
(1) في (ب): وبعث.
(2/327)
فقال: هذا خبر من
الله سبحانه عما نبه به نبيئه داود صلى اللّه عليه في أمنيته من
نكاح امرأة (( أوريا ))، وذلك أنه لما سمع الطير أشرف به الطير على
رأس جدار، فأشرف داود ينظر أين توجه الطير، فوقعت عينه على
امرأة(1) (( أوريا )) وهي حاسر؛ فرأى من جمالها ما رغبه فيها؛
فقال: لوددت أن هذه في نسائي، ولم يكن منه غير هذا التمني. وكل ما
يروى عليه صلى اللّه عليه من سِوى ذلك فهو باطل كذب، فلما أن
تمناها نبهه اللّه عز وجل وعاتبه في السر، وقد أعطاه أكثر من
حاجته، فبعث إليه ملكين، فتمثلا له في صورة آدميين؛ فتسورا عليه من
المحراب وهو يصلي، فدخلا عليه ففزع منهما، وظن أنها داهية قد دهته،
وعدو قد هجم عليه في محرابه في وقت خلوته؛ فقالا له: {لاَ تَخَفْ
خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَينَنَا
بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ
الصِّرَاطِ}[ص: 22]؛ يريدان (2) {لاَ تُشْطِطْ}، أي لا تَمِلْ إلى
أحدنا فتشطط على الآخر. ومعنى {تُشْطِطْ}؛ فهو: تشدد على أحدنا في
غير حق، {سَوَاءِ الصِّرَاطِ} وسواء الصراط فهو: معتدله ومستقيمه،
ووسطه وقَيِّمه. والصراط فهو: طريق الحق ها هنا وأَوْضَحه. وكان
لداود صلى الله عليه تسع وتسعون منكحاً من الحرائر والإماء، وكان
لأُوريا هذه المرأة وحدها، فمثلا أنفسهما لداود بداود وأوريا، فقال
أحدهما: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً
وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} ومعنى:
{أَكْفِلْنِيهَا} فهو: أتبعنيها وردنيها إلى نعاجي، {وَعَزَّنِي
فِي الْخِطَابِ}[ص: 23] يقول شطني في الطلب، وألح في تمنيها
وطلبها؛ وذلك أنها لم تكن تسقط من نفس داود من يوم رآها، يتذكرها
ويتمناها؛ فقال داود صلى الله عليه: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ
نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ
__________
(1) في (ج): مرأة.
(2) في (ب): يريد.
(2/328)
لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ
عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}[ص: 24]؛ فلما قال هذا لهما تَغَيّبا من بين
عينيه، فإذا به لا يبصرهما ولا يراهما، فعلم عند ذلك الأَمرَ كيف
هو، وأنهما ملكان، وأن الله بعثهما إليه لينبهاه من غفلته، ويقطعا
عنه بذلك ما في قلبه؛ من كثرة تذكره مرأة (أوريا)(1) صاحبه، فأيقن
أنها فتنة من الله، والفتنة هاهنا فهي المحنة. ومعنى: {ظَنَّ
دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ}؛ فهو أيقن داود بذلك من الله،
{فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} إليه من ذلك
التمني والذكر لهذه المرأة، فلم يذكرها بعد ذلك اليوم حتى زوجه
الله إياها حين أراد تبارك وتعالى، بعد أن اختار لأوريا الشهادة
فاستشهد وصارت إليه، فمن بعد ذلك زوج اللّه داود مرأة أوريا، وبلغه
أمله، وأعطاه في ذلك أمنيته، فجاءه ذلك وليس في قلبه لها ذكر، ولا
إرادة ولا تَمَنٍّ.
ولم يكن لداود صلى الله عليه في أوريا ولا قتله شيء مما يقول
المبطلون؛ من تقديمه في أول الحرب، ولا ما يذكرون من طلبه وتحيّله
في تلفه بوجه من الوجوه، ولا معنى من المعاني، كذب العادلون بالله،
وضل القائلون بالباطل في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا تفسير الآية ومخرج معانيها.
[إبراهيم عليه السلام وآية إحياء الموتى]
وسألته عن قول إبراهيم صلوات الله عليه: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ
تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}[البقرة: 260].
__________
(1) ليس في (أ، ج).
(2/329)
قال: إنما أراد بذلك
صلى الله عليه أرني آية، أَزْداد بها علماً وبصيرة، وأعرف سرعة
الإجابة لي منك، حتى يثبت ذلك عندي، ويقر في قلبي معرفة من ذلك،
فأمره الله سبحانه أن يأخذ أربعة من الطير، وأن يجعل على كل جبل
منهن جزءً، ثم أمره أن يدعوهنّ(1)، ليريه من عجيب قدرته، وشواهد
حكمته؛ ما يزداد به معرفة في دينه، ويثبت عنده علم ما سأل عنه من
آيات ربه، فأراه اللّه ذلك فازداد بصيرة وإيقاناً، ومعرفة وبياناً.
[موسى عليه السلام وطلب النظر إلى ربه]
وسألتُه عن قول موسى صلى الله عليه: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ
إِلَيكَ}[الأعراف: 143].
__________
(1) في (ج): يدعيهن.
(2/330)
قال: معنى قوله:
{أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ}؛ فهو: أرني آية من عظيم آياتك، أنظر
بها إلى قدرتك، وأزداد بها بصيرة في عظمتك وقدرتك، فقال: {لَنْ
تَرَانِي}، يقول: لن تقدر على نظر شيء من عظيم الآيات؛ التي لو
رأيتها لضعف جمسك، ولطف مركبك ولأهلكتك، ولما قدرت على النظر إليها
لعجزك وضعف مركبك، {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى} هذا {الْجَبَل}؛ الذي
هو أعظم منك خلقاً، وأكبر منك جسماً؛ {فَإِنِ اسْتَقَرَّ
مَكَانَهُ} إذا أريته بعض ما سألتني أن أريكه؛ {فَسَوفَ تَرَانِي}،
يقول: فسوف ترى ما سألت من عظيم الآية، ولن تقدر على ذلك أبداً،
ولا تقوم له أصلاً، {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ
جَعَلَهُ دَكّاً}، معنى {تَجَلَّى رَبُّهُ}؛ أي أظهر آيته، وأبان
قدرته؛ جعله دكاً، {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً}؛ يقول: مغشياً ميتاً؛
لما رأى من الهول العظيم الذي لا يقدر على رؤيته لعجزه وضعفه؛ وإن
كان الذي أظهره الله وأبانه (1) من لطيف آياته، فجاز أن يقول:
{تَجَلَّى رَبُّهُ}؛ لما كان ذلك من فعله وتدبيره، وأمره وإرادته.
وهو كقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ}[البقرة: 210]؛ يقول: تأتيهم الآيات،
ومايريد أن يُحِلَّ بهم من العذاب والنقم والآفات. وقوله: {وُجُوهٌ
يَومَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[القيامة: 22 ـ 23]
فمعنى قوله: {نَاضِرَةٌ}؛ يقول: نضرة مشرقة حسنة، وهذا معروف في
اللغة والبيان، تقول العرب للرجل إذا أرادت له خيراً: نضر اللّه
وجهك، وقوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، أي ناظرة لثوابه، وما
يأتيهم من خيره وفوائده، ومن ذلك ما تقول العرب: قد نظر اللّه
إلينا، وقد نظر الله إلى بني فلان إذا أصابهم الخصب بعد الجدب،
والرخاء بعد الشدة. وإنما أراد بذلك أن الله قد رحمهم وأتاهم
بالنعمة، {فَلَمَّا أَفَاقَ} موسى صلى الله عليه، {قَالَ
سُبْحَانَكَ تُبْتُ
__________
(1) في (ج): وأتى به.
(2/331)
إِلَيكَ وَأَنَا
اَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}[الأعراف :143]، يقول: لو ابتليتني وأريتني
وأظهرت لي من بعض ما سألتك، مما أهلكت به الجبال الراسية لما قام
لها جسمي، ولأهلكتني بقليلها، ولما احتمل ذلك لطيف خلقي، وضعف
مركبي، أنظر إلى عظيم ما ذهبت به الجبال الراسية، فلك الحمد على ما
صرفت عني من ذلك، رحمة منك بي، وتفضلاً علي، وزيادة وإحساناً إلي.
فهذا معنى قوله: {أَنْظُرُ إِلَيكَ}، لا ما ذهب إليه من جهل وزعم
أن الله يرى، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيرا. كيف وهو يقول في
كتابه: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الأنعام: 103]؟!
[آيات موسى التسع]
وسألته عن قول الله سبحانه: {وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى تِسْعَ
آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}[الإسراء: 101] ما الآيات التي آتاه الله؟
فقال: العصى التي تلقف ما يأفكون.
ومنها: اليد البيضاء، وهو قوله: {اَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ
تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ}[النمل: 12].
ومنها: الكلام الذي سمعه من الشجرة.
ومنها: الكلام الذي سمعه من النار.
قلت: وما سمع منها؟
قال: قول الله في كتابه: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ
مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَولَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ
العَالَمِينَ}[النمل: 8].
قلت: فما معنى قوله: {أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ
حَولَهَا}؟
قال: أما قوله: {مَنْ فِي النَّارِ}؛ فإنما أراد بذلك ما سمع من
الكلام في النار، وأما قوله: {وَمَنْ حَولَهَا}؛ فهو من حضر من
الملائكة حول النار.
ومنها: الحجر التي كان يحملها على حماره من مكان إلى مكان، وكانت
حجراً مُلَمْلَمةً لا صدع فيها، فكان إذا احتاج إلى الماء ضربها
بالعصى، فانبجست بالعيون، ثم يدفنها فيخرج الماء من كل جانب منها،
فإذا استغنى هو وأصحابه أخرجها؛ فرجعت على حالتها أولاً ثم حملها
معه.
(2/332)
ومنها: البحر الذي
ضربه بالعصى فانفلق، حتى سار في وسطه هو وأصحابه بأمر الله سبحانه،
حتى خرج آخر أصحابه، ودخل آخر أصحاب فرعون تبعاً لموسى وقومه،
فأغرق الله فرعون وقومه، ونجى نبيه عليه السلام والمؤمنين.
ومنها: طور سيناء.
وقد قيل والله أعلم: إن من الآيات التي آتاه الله: الجراد، والقمل،
والضفادع، والدم، ولا ندري ما صحة ذلك، غير أن الصحيح ما ذكرت لك
أولاً، وهو بَيِّنٌ نيّر.
[معنى قوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}]
وسألته عن قول الله سبحانه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا
تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]. قال: الذي عنى بذلك سبحانه فهي:
الحجارة التي ينحتونها أصناماً، ويعملونها لهم آلهة، وما أشبه ذلك
من الأنصاب التي يعبدونها. فهذا معنى: {وَمَا تَعْمَلُونَ}، فالله
خلقهم ومفعولهم، ولم يخلق سبحانه فعلهم، والمفعول(1) فهو: الصنم
الذي ينحتونه من الحجارة، وفعلهم فهو: الحركة التي كانت منهم، من
الرفع والوضع والنحت، فالله(2) خلق الحجر الذي عملوه صنماً، ولم
يخلق الفعل الذي كان منهم في نحت الحجر.
[محمد صلى اللّه عليه وآله هل كان متعبداً قبل النبوة؟]
__________
(1) في (ب): والمعقول. وهو تصحيف.
(2) في (أ، ب): والله.
(2/333)
وسألته صلوات الله
عليه عن محمد صلى الله عليه، ما كان عمله قبل أن يتنبأ؟ وهل كان
على شريعة عيسى صلى الله عليه أم لا؟ فقال: سألت عن أمر محمد صلى
الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما كان على ما كان عليه الأنبياء من
قبله، منذ خلق الله آدم إلى أن بعث الله محمدا صلى الله عليه؛ من
الإقرار بالله، والتوحيد له، والتعظيم، والإجلال، والمعرفة به،
وبعدله ، وأنه ليس كمثله شيء، وأنه خالق كل شيء سبحانه وتعالى،
وكان مقراً بالأنبياء كلهم، غير جاحد لنبوتهم. وكان صلى الله عليه
ينظر ما يأتي به أهل الكتاب من عظيم محالهم، وقبيح فعالهم؛ الذي
ذكره الله سبحانه عنهم، وذمهم عليه، فكان ينكر فعلهم، ويذم جرأتهم
على ربهم، ولم يكن صلى الله عليه يقرأ التوراة ولا الإنجيل، ولا
يحسن ترجمتهما، وكان يعيب أفعال الذين يقرأونهما؛ لما يأتون به من
الأمر الذي لايرضاه الله، ويستنكره عقله صلى الله عليه وآله وسلم،
ولم يكن معهم على شريعتهم،وكان في أصل المعرفة بالله كمعرفة عيسى
صلى الله عليهما، مقراً عالماً بأن كل ما جاء به موسى وعيسى حق صلى
الله عليهم جميعاً.
[تفسير: لاحول ولاقوة إلا بالله]
وسألته عن تفسير: {لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ}.
[وتفسيرها] فهو: لا حول ولا محال، ولا إدبار ولا إقبال، إلاَّ
بالله. ومعنى إلاَّ بالله؛ فهو: إلاَّ بتمكين عباده، وذلك الحول
بما جعل فيهم من الاستطاعة(1)، ولا مقدرة على شيء من الأشياء؛
إلاَّ بما جعل الله من ذلك في تلك الأعضاء، وأعطى خلقه في كل ذلك
من الأدوات والأشياء؛ التي تكون فيهم بها القوة والحول، وينالون
بوجودها ما يحبون من فعل وطول.
[تفسير العرش والكرسي]
وسألته عن تفسير العرش والكرسي.
__________
(1) في (ب): بما جعل من استطاعة.
(2/334)
فقال: معناهما واحد،
وهو الملك الذي علا كل شيء ملكه واقتهاره، ألاتسمع كيف يقول
سبحانه، إن كل شيء من الأشياء، من الأرض والسماء؛ في عرشه وكرسيه؛
فقال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ
يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ} [البقرة: 255]؟
فأخبر أن الكرسي الذي هو العرش واسع على السموات والأرض، وإذ قد
وسعهما بشهادة الله سبحانه فقد دخلتا فيه، وحازهما وأحاط بهما،
فإذا كان ذلك بقول الله سبحانه؛ فهما فيه لا هو فيهما، وهو المحيط
بهما لا هما المحيطان به.
وإذ قد كان ذلك كذلك فقد بطل ما يقول الملحدون، وزال ما يصف
المشبهون، وثبت ما يقول الموحدون؛ من أن العرش هو الملك، والإحاطة
من الله سبحانه، فنفاذ (1) الإرادة، ومضي المشيّة؛ في السموات
والأرض وما فيهن، وأن ملكه المحيط بهن وعليهن، والمحيط بهن فهو
كرسيه وعرشه.
[الرجل يدعي معرفة ما يكفيه من العلم]
وسألته عن الرجل يقول: قد فهمت وعرفت ما افترض الله علي، فأنا
أكتفي باليسير، ولا أتعب نفسي بتعليم الكثير، وأنا أقوم بحلال الله
وحرامه، فهذا يجزيني عن طلب غيره من العلم.
الجواب في ذلك: أن الله عزَّ وجل لم يغفر لأحد بالجهل، فالواجب
عليه أن يكون عمره كله في طلب الخروج من الجهل إلى العلم، وفي ذلك
ما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( اغد عالماً، أو
متعلماً، ولاتكن الثالث(2) فتهلك ))؛ يعني الممسك عن طلب العلم.
[تسليم الجباية للظالم قسراً مع عدم التمكن من الهجرة عن بلده]
وسألته عن رجل ساكن في بلدة وقد تولى أمر البلد سلطان ظالم،
والسلطان يقتضي (3) منه جباية بغير طيبة من نفسه، وهو يخاف إن خرج
من البلد على نفسه التلف.
__________
(1) في (ب، ج): ونفاذ.
(2) في (أ، ج): الآخر.
(3) في (أ): يقبض.
(2/335)
الجواب في ذلك: إن
كانت مخافته على نفسه مخافة أن يجوع في الأرض، أويعرى، أو يتلف إذا
خرج من تلك البلدة؛ فليس هذا له بعذر؛ لأن الله عزَّ وجل يرزقه في
بلده وغيرها.
وإن كان يخاف أن يظفر به سلطان بلده فيقتله إن خرج، ولم تكن له
حيلة في الإنسلال عنه، وكان لا محالة واقعاً في يده إن خرج؛ فله في
ذلك العذر، إلى(1) أن يأتيه الله عزَّ وجل بفرج، وإن قدر وأمكنه أن
لا يَعْمَل عملاً يأخذ منه فيه السلطان فليفعل.
[معنى قوله تعالى: تؤتي الملك من تشاء.. الآية]
وسألته عن قول الله سبحانه: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ
وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ
وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26].
والملك ها هنا الذي يؤتيه من يشاء؛ فهو جبايات الدنيا وأموالها،
والذين يشاء أن يؤتيه إياهم؛ فهم: الأنبياء، ثم الأئمة من بعدهم،
والذين يشاء أن ينزعه منهم؛ فهم: أعداؤه؛ من جبابرة أرضه. ومعنى:
{تُؤْتِي الْمُلْكَ}؛ فهو: الحكم بالملك لهم صلوات الله عليهم، فمن
حكم الله له بالنبوة أو بالإمامة حكماً، وأوجب له الطاعة على الأمة
باستحقاقه لذلك الموضع إيجاباً؛ فقد أتاه الملك؛ لأن الملك هو:
الأمر والنهي، والجبايات والأموال التي تقبض، التي بها قوام
العساكر، واتخاذ الخيل، والرجال، والسلاح، من جميع أداة الملك، فمن
أجاز الله له قبض جبايات الأرض، وإقامة أحكامها وحدودها، وأوجب له
الطاعة على أهلها؛ فقد آتاه الله الملك حقاً، أولئك هم السابقون
بالخيرات صلوات الله عليهم، ومن لم يحكم له بشيء من ذلك، ولم يجزه
له، ولم يطلق يده، ولم يوجب له الطاعة على أحد من خلقه، فقد نزع
الله ملك أرضه منه، وأبعده عنه، أولئك أعداؤه، وجبابرة أرضه،
الحاكمون بغير حكمه، المغتصبون لما جعل الله سبحانه لأوليائه
المنفذين لما حكم به في خلقه وبلاده، أولئك يأكلون في بطونهم ناراً
وسيصلون سعيراً.
__________
(1) في (ب): إلا.
(2/336)
فسبحان من لم يقض
بشيء من ذلك لأعدائه، ولم يؤثر غير أوليائه.
وفي نفي الحكم منه بشيء من ذلك لأعدائه، ما يقول لنبيه إبراهيم صلى
الله عليه: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}[البقرة: 124]،
والعهد فهو: العقد بالإمامة، والحكم لهم بالطاعة. ومعنى: {لاَ
يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}؛ فهو: لا يبلغهم، ولا يجيزهم (1).
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال: (( اللوح علم الله،
وكرسيه علمه، اللوح علم الله الذي وسع كل شيء؛ مما كان(2) أو سيكون
)).
تم ذلك والحمد لله وحده وصلواته على رسوله سيدنا محمد النبي وعلى
آله وسلم تسليماً.
****
جواب مسألة النبوة والإمامة
m (3)
قال أبو القاسم محمد بن الهادي إلى الحق رضي الله عنه:
سألت أبي صلوات الله عليه عن الحجة والدليل على نبوءة الأنبياء،
وإرسال الله لهم تبارك وتعالى، وعن الدليل على إقامة الأوصياء
أوصيا الأنبياء، وثبات حجتهم على الأمة، وعن ثبات الإمامة لمن ثبتت
له من الأئمة، وبأي سبب ثبتت بها طاعته، وعلى البرية وجبت؟
فقال: سألت يا بني حاطك الله وهداك رشدك ووفقك؛ عن مسألة هلك فيها
خلق من المتكلفين، وحار عن فهمها كثير من المتكلمين؛ فقال من ضل عن
الحق، وتكمه في ذلك عن طريق الصدق: إن إمامة الإمام تثبت بإجماع
الناس عليه، وحسن رأيهم فيه. وليس ذلك كذلك، بل تثبت الإمامة لمن
حكم الله له بها، وقلده بحكمه إياها.
وكذلك القول في الأنبياء، فالنبي من تنباه الرحمن، وبعثه بالهدى
والإحسان؛ إلى جميع الإنسان، فأقام معه الشرائع والبرهان.
وكذلك الأوصياء، لا تثبت وصاة نبي إلى وصي حتى تثبت له في ذلك
حقائق الصدق، ودلائل براهين الحق.
__________
(1) في (أ): تم ذلك وصلى اللّه على محمد وآله وسلم.
(2) في (ج): ما كان.
(3) في (أ): بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين، وصلى
اللّه على محمد النبي وآله وسلم.
(2/337)
قلتُ: وما هذه
البراهين والدلالات؛ التي حار فيها كثير من أهل المقالات، وتكلم
فيها بالأمور العظيمات المعجبات؟
قال: قد سألت فاستقصيت، فافهم ما نقول، وما إليه قولنا يؤول.
ثم اعلم أنَّه لا تثبت نبوءة نبي في قلوب العالمين، ولا يستدلّ
عليها أحد من التابعين، ولا تثبت وصية الوصي، ولا حجة بحق(1) مضي،
ولا تثبت إمامة إمام، ولا تجب طاعته على أهل الإسلام؛ إلاَّ
باستحقاق وعلامات، وشرائع ودلالات، وعَلَم قائم، ودليل يدل على
أنَّه هو صاحب ذلك المعنى، والمتولي لجميع هذه الأشياء.
فأما استحقاق الأنبياء صلوات الله عليهم للنبوَّة؛ فهو بالطاعة
منهم لله، والاجتهاد منهم في مرضاة الله، والنصح لعباد الله(2)،
فإذا علم الله من ضميرهم أنهم إن بعثوا كانوا كذلك، وإن أمروا
قاموا لله بذلك؛ أمرهم سبحانه حينئذٍ ونهاهم، وبعثهم واجتباهم، ثم
أبان معهم العَلَم والدليل، الذي يدل على أنهم رسل مبعوثون برسالته
إلىخلقه، مبشرين، ومنذرين، مخوفين لعذابه، مبشرين بثوابه، هادين
إلى طريق سبله(3)، {لَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ
وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ
عَلِيمٌ} [الأنفال: 42].
وعَلَم الأنبياء ودليلها فهو ما جاؤا به من المعجزات، وأظهروه
للخلق من العلامات؛ الشاهدات على أنهنَّ من عند الرحمن؛ اللواتي لا
ينالهن ولا يطيق إيجادهنَّ أحد من الإنسان.
__________
(1) في (أ، ج): لحق.
(2) لعل من ظاهر هذا الكلام أخذت (المطرفية) ما ينسب إليها من
القول بأن النبوة تأتي جزاء على العمل، وليس لهم فيه مأخذ؛ إذ هو
في سياق بيان أن النبوة والإمامة لاتكون بالإختيار من الناس، وإنما
تكون بالاختيار من اللّه لمن سبق في علمه أنه يطيعه إذا بعثه، وذلك
واضح.
(3) في (أ): سبيله.
(2/338)
مثل ما جاء به موسى
عليه السلام؛ من ادخاله يده في جيبه (فخرجت بيضاء من غير سوء. ومثل
ما جاء به من انقلاب العصا إلى خلق حيّة)(1)، وغير ذلك من باقي
التسع الآيات، وغير ذلك مما كان يأتي به من الدلائل المعجزات
والعلامات.
ومثل ما جاء به عيسى صلى الله عليه؛ من التكلم في المهد، ومن إحياء
الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، وغير ذلك من علاماته، مما
نكره التطويل بذكرها، وقد يجزي ذكر قليلها عن كثيرها.
ومثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم من معجزاته الهائلات،
وأموره الناطقات، وأسبابه الشاهدات؛ بالنبوة والرسالات. مثل: مجيء
الشجرة إليه ورجوعها إلى موضعها، وإنباء الناس بما في صدورهم،
وإعلامهم بما في ضميرهم، وذلك من إنباء الله له بذلك، وإعلامه إياه
به. ومثل ما كان من فعله في شاة أم معبد ،وما كان منه من الفعل في
التمرات من غداء جابر بن عبد الله، وذلك أنَّه أخذ كفاً من تمر،
فوضعه في وسط ثوب كبير، ثم حرّكه ودعا فيه؛ فزاد ورَبَا، حتى امتلأ
الثوب تمراً. وما كان منه في عشاء جابر بن عبد الله، صاع من شعير
وعناق صغيرة أكل منها ألف رجل. وما كان منه في الوشل الذي ورده هو
والمسلمون في غزوة تبوك )) فوضع يده تحت الوشل، فوشل فيها من الماء
ملؤها، ثم ضربه ودعا فيه، فانفجر بمثل عنق البعير ماءً، فشرب
العسكر كله معاً، وتزودوا ما شاؤا من الماء. وغير ذلك مما نكره
التطويل من معجزاته(2)؛ لأنَّه مفهوم معروف عند أهل العلم.
فكانت هذه المعجزات مع ما ذكرنا من أسباب الإستحقاق من عَلَم
النبوة، والدليل على نبوة الأنبياء، وبَعْث الله لهم في البريَّة
تبارك وتعالى.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ج): من معجزاته.
(2/339)
وكذلك الأوصياء فلا
تثبت للخلائق وصية الأنبياء إليهم إلاَّ باستحقاق لذلك، والعَلَمِ
والدليلِ. فأما الإستحقاق منهم لذلك المقام الذي استوجبوا به من
الله العَلَم والدليل؛ فهو فضلهم على أهل دهرهم، وبيانهم(1) عن
جميع أهل ملتهم؛ بالعلم البارع، والدين، والورع، والإجتهاد في أمر
الله. وَعَلَمهُم ودليلهم؛ فهو العلم بغامض علم الأنبياء، والإطلاع
على خفي أسرار الرسل، وإحاطتهم بما خصَّ الله به أنبيائه، حتى يوجد
عندهم من ذلك ما لا يوجد عند غيرهم من أهل دهرهم، فيستدل بذلك على
ما خصهم به أنبياؤهم، وألقته إليهم من مكنون علمها، وعجائب
فوائد(2) ما أوحى الله به إليها؛ مما لا يوجد أبداً عند غير
الأوصياء.
من ذلك ما كان يوجد عند وصي موسى، وعند وصي عيسى عليهم السلام ما
لا يوجد عند غيرهم، من أهل دهرهم.
ومن ذلك ما وجد عند وصي محمد صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي
طالب رحمة الله عليه، من ذلك ما أجاب به في مسائل الجاثليق، ومن
ذلك ما كان عنده من علم كتاب الجفر، وما كان عنده من علم ما يكون
إلى يوم القيامة، مما أطلع الله عليه نبيه، وأطلع نبيه وصيه، لم
يعلمه من رسول الله صلى الله عليه أحد غيره، ولم يقع عليه سواه.
فهذا الذي لم يوجد عند غير الأوصياء من أهل مللهم؛ فهو عَلَم
الأوصياء المبين لها، والدليل الدال بالوصية عليها.
وكذلك الأئمة الهادون، الداعون إلى الله المرشدون؛ بانَتْ إمامتهم،
وثبت عقدها من الله لهم، بخصال الإستحقاق، وبالعَلَم والدليل الذي
بانوا به من غيرهم، وامتازوا به عن مشاكلة أهل دهرهم.
__________
(1) يعني تميزهم.
(2) في (ج): فوائدها.
(2/340)
فأما الإستحقاق فهو:
ولادة الرسول، والعلم، والورع، والزهد، والدعاء إلى الله، وتجريد
السيوف، وخوض الحتوف، وفَضِّ الصفوف، ومجاهدة الألوف، ورفع
الرايات، ومنابذة(1) الظالمين، وإقامة الحدود على من استوجبها،
وأخذ أموال الله من مواضعها، وردها في سبلها التي جعلها الله لها
وفيها، مع الرأفة والرحمة(2) بالمؤمنين، والشدة والغلظة على
الفاسقين، والشجاعة عند البأس(3)، والمجاهدة للكافرين والمنافقين.
فهذا باب الإستحقاق للإمامة.
والعَلَم والدليل فهو: توفيق الله، وتسديده لوليّه وتأييده،
وإيتاؤه الحكمة، {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ
خَيْراً كَثِيراً} [البقرة: 269]، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ
يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ}
[الحديد: 21].
ودليل ذلك وعَلَمه الذي يدل على أنَّه قد آَتَى وليّه الحكمة؟ ما
يظهر من الإمام من الأمور المعجزات لأهل دهره، من حسن علمه، ودقائق
فهمه، وحسن تعبيره وتمييزه، والمعرفة بالتأني لتعليم رعيته،
وتفهيمها بما تحتاج إلى فهمه، حتى يكون معه من الشرح لما يسأل عنه،
والتبيين لما يأتي به، والإحتجاج فيه وعليه بالحجج البالغة،
والبراهين النيّرة التي لا توجد عند غيره، ولا يَنَال شرحَها،
والإحتجاج بها سواه، مع التأتي لقبول عقول العالمين(4)، لما به
يأتي من الحق المبين، والأمر المستبين(5)، مع استنباطه لعلم دقائق
الكتاب، ودقائق الحلال والحرام في كل الأسباب؛ التي لا يقع عليها
إلا من تولى الله اللطف به، وتوحد بالهداية لقلبه، ممن قلده أمر
رعيته، وحكم له بالإمامة على بريته.
__________
(1) في (ج): ومباينة.
(2) في (أ): مع الرحمة والزلفة.
(3) في (أ، ج): عند حين البأس.
(4) في هامش (ج): المعلمين.
(5) في (أ، ج): المنير.
(2/341)
وهذه الأشياء التي
ذكرنا ـ من حسن البيان والشرح، وإيضاح ما يُحتاج إليه من دقائق حسن
التعبير، وجيد التمييز؛ الذي لا يوجد في سواه؛ فهي العَلَم والدليل
(على إمامته، وعقد الله سبحانه ما عقد له منها. وذلك يا بُنَيّ
العَلَم الأكبر، والدليل) (1) الأوفر، على عقد الله الإمامة لمن
كان ذلك فيه، وعنده ولديه.
والحجة فيما قلنا به من أن هذا أكبر الأعلام والدلائل: أن الله
تبارك وتعالى تعبد الخلق بمسموع، ومعقول، فالمعقول: ما أدرك بالنظر
والتمييز بالعقول(2). والمسموع فهو: ما يسمع بالأذان من الْمُسمِع
المؤدي من نبي، أو وصيّ، أو إمام مهتدي، وإذا كان فرض الله ومتعبده
لخلقه بالمسموع؛ كانت حاجة السامع إلى تأدية المسمَع لازمة؛ إذ
كانت حجة الإستماع على المستمع واجبة، وإذا كان ذلك كذلك؛ احتاج
الإمام المسمع للرعية إلى أن يكون ـ في الكفاية والفهم، والمعرفة
بالشرح والتبيين، ودقائق حسن التعبير وجيد التفصيل، ومبين التفهيم،
والمعرفة بالتأتي لتعليم الرعية، وتفهيم البرية لما يحتاجون إليه ـ
على غاية ما يكون؛ لأن ذلك كله تأدية عن الله لما افترض على الخلق
من المسموع، فإذا كمل في هذه الأشياء؛ فقد أكمل(3) في التأدية عن
الله لفرائضه المسموعة في كل معنى. فلذلك قلنا: إن حسن التأدية
بلطائف التعبير، وحسن الإسماع للسامعين في التأدية والتفسير؛ أكبر
أعلام الإمامة، وأدل الدلائل على الحكمة التي يؤتيها الله أولياءه؛
لأن من أتاه الله الحكمة؛ فهو عند الله من أهل الولاية والمحبة،
ومن تولاه الله وأحبه؛ فهو آهَلُ الناس من الله بالإمامة، وأولاهم
منه سبحانه بالكرامة.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ب): بالمعقول.
(3) في (ب): كمل.
(2/342)
فمن كان كذلك من ولد
رسول(1) الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهو الإمام المفترض الطاعة،
الذي لا يجوز(2) لأحد خذلانه، ولا يسع رفضه، ولا يؤمن بالله خاذله،
ولا يوقن بالوعد والوعيد تاركه.
فافهم يا بني هداك الله ما شرحنا لك من أعلام النبوة ودلائلها،
وأعلام الأوصياء ودلائلها، وأعلام الأئمة ودلائلها؛ التي تدل على
عقد الله الإمامة لمن عقدها لهم، والحكم منه سبحانه بها فيهم، فقد
شرحت ذلك لك شرحاً مجملاً، وفسرت لك بعض ما تحتاج إليه تفسيراً
كاملاً.
فلا تلتفت إلى غير ما قلنا من أقاويل الهزّاجين(3)، وتعبُّث
العباثين، وزخاريف كلام المتكلمين، وافتراق أقاويل الجاهلين؛ ممن
يقول: إنّ الإمامة بإجماع الرعية، وقول من يقول: بل هي لما يوجد من
الآثار المروية في الملاحم المذكورة، وقول من يقول: بل هي بالوراثة
لولد بعد والد، ولا يلتفتون ويلهم لما تستحق به الإمامة من
البينات، والشواهد النيرات، همج رعاع، وللجهال أتباع، لم يقتدوا
بالحكمة؛ فيعلموا ما به تحق الإمامة لصاحبها على الأمة، قد جعلوا
الحكم بها وفيها لغير من حكم الله، وجعلوا الحكم بها إلى غير الله،
فركبوا من ذلك مركبا وعراً، واكتسبوا به في الآخرة ناراً وعاراً،
اعتمدوا في أكبر أمور الله وفرضه من الإمامة على التقليد، فقلدوا
الحكم بها كبراءهم في كل الحالات، وطلبوا إثباتها من أبواب
الرِّوايَات(4)، جهلاً بما عظم الله من قدرها، وتصغيراً لما كبَّر
الله من أمرها، فتكمهوا بذلك في ظلم العمايات، وغرقوا في بحور
الجهالات، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ
يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227]، فلا يبعد الله إلاَّ من ظلم، وأساء
وغشم، وحسبنا الله ونعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلاَّ
بالله العلي القدير.
__________
(1) في (ج) : الرسول.
(2) في (ب): لا يحسن.
(3) في (أ): الهرَّاجين.
(4) في هامش (ج): الرَّويَّات.
(2/343)
فأما ما تقول به
الإمامية، الضالة الهالكة العمية، وتجتري به على الله الواحد
الجليل، فيما تذكر وتصف من العَلَم والدليل؛ فقول لا يَلْتَفت إليه
عاقل، ولا يشك في بطلانه إلاَّ عم أحمق جاهل، وذلك أنها زعمت
وقالت؛ فيما به تكلمت وذكرت: أن الدليل والعَلَم في إمامها خلاف ما
كان في نبي من أنبياء الأمم، وأنه يأتي بما لم يأت به الأنبياء؛ من
بدع محالات في كل الأشياء، ومن قال بمحال؛ فليس يثبت له قول في حال
من الحال، فزعمت أنَّه يختم بخاتمه في الصفا ويؤثر، فيقرأ نقش
خاتمه فيها كما يقرأ في الشمع والطين، وينادي فيما زعمت الإماميَّة
في السماء مناد: إن فلان بن فلان (بن فلان)(1) إمامكم الهادي
المهدي، بُوراً في قولها، وتعدياً في أمرها، وإحالة في حجتها،
وغلواً في دينها. ولو كان ذلك يكون لأحد من العالمين؛ لكان لمحمد
خاتم النبيين، ولو نادى من السماء مناد بنبوة النبي؛ لما اختلف فيه
من فراعنة قريش منصف ولا غوي.
وقولُهَا ـ قُبِّحت أقوالُها ـ قولٌ شاهد بالزور عليها في كل
أحوالها، لا يلتفت إليه أحد، ولا يُوجد لمُتعلق به ملتحد، فضيحة
على من دخل فيه، ومهتكة هاتكة لمن نسب إليه. ولا دليل ولا علم ولله
الحمد أدل مما به قلنا، من دلائل الإمامة، وشرحنا؛ من معجزاتها
التي فسرنا.
فاعلم ذلك علماً يقيناً، وليثبت في قلبك ثباتاً مبيناً، يبن لك به
الصواب، وينجل عنك الإرتياب إنشاء الله، والقوة بالله وله.
تم والحمد لله وصلواته علىخير خلقه محمد وآله وسلم.
*****
رسائل وكتب
في
الإمامة
تثبيت إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
صلوات الله عليه
m
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
تثبت إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه من كتاب
الله عزَّ وجل، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
إن سأل سائل، أو تعنت متعنت جاهل، عن تثبيت إمامة أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب رضوان الله عليه.
__________
(1) سقط من (ج).
(2/344)
قيل له: أيها السائل
المتكلم، المسترشد المتعلم؛ تثبت له بقول الله سبحانه، وقول رسوله
المصطفى محمد عليه السلام.
فإذا قال: أوجدونا في الكتاب ما قال الله، وبينوا لنا كيف قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قيل له: قال رسول الله صلى الله عليه: (( علي مني بمنزلة هارون من
موسى؛ إلاَّ أنَّه لا نبي بعدي ))، ثم قال: (( (أيها الناس)(1)
إنَّه سيكذبُ علي من بعدي، كما كذب على الأنبياء من قبلي، فما
جاءكم عني (من حديث)(2) فأعرضوه على كتاب الله، فما شاكل كتاب الله
فهو مني وأنا قلته، وما لم يشاكل كتاب الله فليس مني ولم أقله )).
فلما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (( علي مني بمنزلة هارون من
موسى )) علمنا أنَّه لم يقل ذلك محاباة، ولا اختياراً منه ولا
مصافاة، إلاَّ بأمر من الله واجب، وحق مبين ثاقب، فلما قال صلى
الله عليه: (( علي مني بمنزلة هارون من موسى ))؛ وجدنا تصديق قوله
صلى الله عليه مُثْبتاً في الكتاب، وهو قول الله عزَّ وجل:
{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ
مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً} [هود:
17] ، فلما قال الله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ}؛ صدق قول اللّه
سبحانه قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( علي مني
بمنزلة هارون من موسى ))، لقول الله: {شَاهِدٌ مِنْهُ}، فلما قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( علي مني (بمنزلة هارن من
موسى)(3) ))، وقال الله: {شَاهِدٌ مِنْهُ} كان رسول الله من علي
وعلي منه، بقول الله وبقول رسوله عليه السلام؛ كرهنا أو احببنا،
شِئْنا ذلك أو أبينا، لا ننظرفي ذلك إلى قول محب مريد، ولا نلتفت
إلى قول مبغض مكابر عنيد، ولا نأخذ في ذلك بتصديق محب، ولا ننظر
أيضاً في تكذيب مبغض؛ لأن الله سبحانه قد حكم في ذلك بما حكم،
واختار سبحانه ما اختار، فقال تبارك
__________
(1) ليس في (أ).
(2) ليس في (أ).
(3) سقط من (أ، ج).
(2/345)
وتعالى في كتابه
المنزل على نبيه المرسل: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}، ثم قال: {سُبْحَانَ
اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68]، (فحكم الله
على من اختار سوى خيرته بالشرك، لقوله عزوجل: {سُبْحَانَ اللَّهِ
وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ})(1). فنسمع الله قد اختار علياً
بعد محمد؛ لقول الله: {شَاهِدٌ مِنْهُ}، ولقول الرسول: (( علي مني
))، وذلك لعلم الله تبارك وتعالى في علي؛ لأن علياً سبق الخلق إلى
الله وإلى رسوله، لا يشك في ذلك عاقل، ولا ينازع فيه جاهل؛ لأن
الله سبحانه يقول: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُوْنَ أُولَئِكَ
الْمُقَرَّبُونَ فِيْ جَنَّاتِ النَّعِيْمِ} [الواقعة: 10 ـ 12].
فلما أن شهد الله تبارك وتعالى للسابق بالجنة، أجمع الخلق أن علي
بن أبي طالب رحمة الله عليه أسبق الخلق إلى الله وإلى رسوله،
فشهدنا لعلي بن أبي طالب بما شهد الله له به ورسوله، لا باختيارنا،
بل من أصل أذاننا(2)، {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ
فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ
بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ
كَالْمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ
مُرْتَفَقاً} [الكهف: 29]. صدق الله سبحانه وبلغت رسله، وأنا على
ذلك من الشاهدين، والحمد لله (رب العالمين) أولاً آخراً، وصلى الله
على سيدنا محمد المصطفى، وآله النجباء وسلم تسليماً كثيرا.
كتاب دعوة
__________
(1) سقط من (أ، ب).
(2) كذا في النسخ.
(2/346)
وجه بها إلى أحمد بن
يحيى بن زيدومن قِبَلِه (1)
m
الحمد لله الأول القديم، الآخر الواحد الكريم، الذي لا تراه
العُيون عيون الناظرين، ولا تحيط به ظنون المتظننين، ولا تقع عليه
أوهام المتوهمين، ولا يصفه أحد من الواصفين، إلاَّ بما وصف به
نفسه، من أنَّه هو، وأنه بائن عن الأشياء، وبائنة عنه الأشياء، فلم
يَبِنْ منها سبحانه غائباً عنها، ولم يَخْفَ منها في بينونتها خاف
عليه منها، بل إحاطته بأَسَر سِرِّهَا كإحاطته بأَعْلَن علانيتها،
العادل في قضايه، المعز لأوليائه، المذل لأعدائه، الناصر لمن نصره،
الخاذل لمن خذله، البريء من أفعال العباد، المتعالي عن اتخاذ
الصواحب والأولاد، داحي الأرض ذات المهاد، رافع السماء بغير عماد،
الموفق المسدد لكل رشاد، الزاجر الناهي عن الفاحشات، الحآضِّ الآمر
بالحسنات.
وأشهد أن لا إله إلاَّ اللّه وحده لا شريك له، الذي لا تواري عنه
ساترات متكاثفات الستور، ولا يستجن عنه بمتراكم أمواجها قعور
البحور.
__________
(1) لم أقف له على ترجمة والذي يظهر أنه كان من أشراف الحجاز ذا
سعة في المال والجاه، ومن أهل الرأي والمكانة الاجتماعية كما يتبين
من خلال خطاب الإمام له في هذه الدعوة المباركة والذي يدل على ذلك
اختصاص الإمام له بتوجيه الدعوة. والله أعلم. وهذه الدعوة ليست في
(أ)، وأثبتناها من ب، ج.
(2/347)
وأشهد أن محمداً عبده
ورسُوله، أرسله برسالته، وانتجبه لأمانته، فبعثه في طامية طخياء،
ودياجيج(1) ظلمة عمياء، وأوائل فتنة دهماء(2)، ودروس من الصالحات،
وظهور من المنكرات، فدعا إلى ربه، وأظهر ما أمر ربه، وفتح فينق(3)
الفسق، وأظهر دعوة الصدق، وأعلن كلمة الحق، وأرغم أنف الشيطان،
وأدحض عبادة الأوثان، وأخلص التعبد للرحمن، ونهى عن الظلم
والعصيان، وأمر بالتواصل والإحسان، وأماط أفعال الجاهلية، ونفا
عنهم ظلمة الحمية والعصبية، وبسط لأمته كنفي الرحمة الواسعة، وأكمل
اللّه به على البرية النعمة السابغة، فمضى عليه السلام في أمر
اللّه قُدُماً، وجرد في أمر اللّه سبحانه مصمماً، حتى أثبت له على
عباده الحجة، بالتبيين لهم جميع ما افترض عليهم، والإعذار في ذلك
والإنذار، والتوقيف لهم على معالم دينهم، وجهاد من عند عن سيرته
منهم، حتى إذا اعتدل عمود الدين، وتعلق به جميع المسلمين، وسطع
نوره، ووضحت وشرعت أموره، ، وتقشع عن الحق الثبج، وكملت به وبرسوله
الحجج؛ اختار الله لنبيه صلى الله عليه دار النعيم والسرور، ونقله
من دار التعب والنصب والغرور، فقبضه الله سبحانه سعيداً، قد بين
للأمة ماله خلقوا، وأوضح لهم ما إليه دعوا، وأوقفهم على ما به
أمروا.
__________
(1) كذا، ولعلها: دياجير.
(2) في (ج): دهياء.
(3) كذا في ب، وفي ج: ومسح، وفي هامشه: وقمع.
(2/348)
فكان أفضل ما افترض
الله عليهم، وجعله حجة مؤكدة فيهم؛ الجهاد في سبيله، والأمر
بالمعروف الأكبر، والنهي عن التظالم والمنكر، ولذلك مدح الله به
الأنبياء المرسلين، وذلك قوله: {الَّذِيْنَ يَتَّبِعُونَ
الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً
عِنْدَهُمْ فِيْ التَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ
الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ
عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيهِمْ
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا
النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
[الأعراف: 157]، ويقول: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي
الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ
الأُمُورِ} [الحج: 41]، ويقول سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ
الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، ويقول
تعالى أمراً منه لجميع المسلمين: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ}[آل عمران: 104]. وبالأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ألف الله بين المؤمنين، وجعلهم إخوة عليه
متوالين، وذلك قوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ، وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ
سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[التوبة:
71]. وبترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذم الله المنافقين
والمنافقات حين يقول:
(2/349)
{وَالْمُنَافِقُونَ
وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ
بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَونَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ
أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ
هُمُ الفَاسِقُونَ}[التوبة: 67].
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا ينال إلا بالإقدام والتصميم،
والنية والاعتزام الكريم، على الجهاد في سبيل الله، وتوطين الأنفس
على مُلاقات أهل الظلم والطغيان، فحينئذ ينال ذلك، ويؤدي فرض اللّه
من كان كذلك، وهو الجهاد في سبيله، وفي ذلك ما يقول في واضح
التنزيل: {لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ
أُوْلِي الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِيْنَ دَرَجَةً
وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ
الْمُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ
مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً
رَحِيماً}[النساء: 95 ـ 96] وقال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيْكُمْ
مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ
ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ
اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}[الصف: 10 ـ
13] ويقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت: 69]
ولفضل الجهاد ما أمر الله نبيه عليه السلام
(2/350)
بالتحريض عليه
للعباد، حيث يقول: {يَا أَيُّهَا النَّبِي حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ
عَلَى القِتَالِ}[الأنفال: 65]، ويقول تبارك وتعالى: {وَلاَ
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً
بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا
آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ
لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيهِمْ
وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[آل عمران: 69 ـ 70] وما ذكر الله من تفضيل
الجهاد؛ فأكثر من أن يُحيط به كتاب، وهو معروف عند من رزق فهمه من
ذوي الألباب، وكيف لا يكون للجهاد في سبيل الله فضل على جميع أعمال
المؤمنين وبه يحي الكتاب المنير(1)؟ ويُطاع اللطيف الخبير، وتقوم
الأحكام، ويعز الإسلام، ويأمن الأنام، وينصر المظلوم، ويتنفس
المهموم، وتتجلى(2) الفاحشات، ويعلو الحق والمحقون، ويخمل الباطل
والمبطلون، ويعز أهل التقوى، ويذل أهل الردى، وتشبع البطون
الجائعة، وتكسى الظهور العارية، وتقضى غرامات الغارمين، وينهج سبيل
المتقين، وينكح العزاب(3)، ويُقتدى بالكتاب، وترد الأموال إلى
أهلها، وتفرق فيما جعل الله من وجوهها، ويأمن الناس في الآفاق،
وتفرق عليهم الأرزاق.
__________
(1) في ب: وبه نبه الكتاب المبين.
(2) في (ج): وتنفى.
(3) في ب: الأعزاب.
(2/351)
ثم إن الله جل جلاله،
عن أن يحويه قول أو يناله حظر الجهاد، مع جميع من خلق من العباد؛
إلاَّ من اصطفى وأتمن(1) على وحيه من عترة رسوله صلى الله عليه
وعليهم، الذين هدى بهم الأمة من الضلالة والهلكة، لما في الجهاد من
القتل والقتال، وسفك الدماء، وأخذ الأموال، وهتك الحريم، وغير ذلك
من الأحكام، وذلك فلا يكون إلاَّ بإمام (عادل) (2)مفترض الطاعة،
وذلك لا يكون إلاَّ من آل محمد صلى الله عليه وعليهم، الذين اسنقذ
الله بهم الأمة من شقاء الحفرة، وجمع بهم كلمتها، وألف بين
قلوبها(3)، من بعد الافتراق والاختلاف، والتشاجر وقلة الائتلاف،
فأصبحوا بنعمة الله على المحق مؤتلفين، ولما كانوا عليه من الكفر
مجانبين، يعبدون الرحمن من بعد عبادة الأوثان، ويقرون بمحمد عليه
السلام، داخلين في النور والإسلام، ناجين من عبادة الشيطان، تالين
لآيات القرآن، يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، ويقرون بالربوبية
للواحد الجبار.
قد اختار الله لهم منهم أئمة هادين، وجعلهم من ولد نبيه خاتم
النبيين. وفي ذلك ما يقول: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68] من أهل
النبوة، وموضع الرسالة، ومعدن الحكمة، وبيت النجاة والعصمة، الذين
أمرَ الخلق باتباعهم، والكينونة معهم دون غيرهم، وذلك قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ
الصَّادِقِينَ}[التوبة: 119] وفيهم وفي آبائهم ما يقول سبحانه:
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ
رَاكِعُونَ}[المائدة: 55] فجعل الولاية لهم خاصة، وثبت الإمامة
فيهم، وأنزل الوحي عليهم بذلك.
__________
(1) في ب: وأفن.
(2) سقط من (ج).
(3) في (ج): قلوبهم.
(2/352)
وفيهم يقول رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم: (( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن
تضلوا من بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير
نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض )). فبين بذلك أنَّه
من تمسك بهم نجا، ومن تخلف عنهم هوى.
وفيهم يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (( ما أحبنا أهل البيت
أحد، فزلت به قدم إلاَّ ثبتته قدم، حتى ينجيه الله يوم القيامة )).
وفيهم يقول: (( إن مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها
نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى )).
وفيهم يقول تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ
مِنْكُمْ}[النساء: 59] فجعل طاعتهم موصولة بطاعة رسوله، وطاعة
رسوله موصولة بطاعته، ومعصيتهم مقرونة بمعصية نبيه، ومعصية نبيه
مقرونة بمعصيته. فمن عصاهم فقد عصا الله ورسوله، ومن أطاعهم فقد
أطاع الله.
(2/353)
والذي افترض طاعته(1)
ذو الجلال والإكرام، من أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله سلم على
جميع من خلق وذرأ من الأنام، وبنى على طاعته وموالاته دعائم
الإسلام: الورعُ الفاضل، التقي الكامل، الباذل(2) لنفسه العالم،
الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، الفَهِم بمعاني الكتاب، المتفرع
فيما يحتاج إليه من الأسباب، المجرد في أمره، الداعي إلى سبيل ربه،
المباين للظالمين، الناهض بحجة رب العالمين، الكاشف لرأسه، المجرد
لسيفه، الرافع لرايات الحق، المظهر لعلامات الصدق، الزاهد في حُطام
الدنيا، الراغب في الآخرة التي لا تفنى، والحافظ للرعية المواسي
لهم، المتحنن عليهم، المقرب غير المُبَعِّد، المُهَوِّن غير
المُجْهِد، القارن لهم بنفسه في جميع أمره، الشفيق عليهم، الآخذ
لمظلومهم من ظالمهم، المستوفي لحق الله من أيديهم، والرَّاد له في
مصالحهم، والمفرق لفَيِّهم فيهم، المُسلِّم له إليهم، العادل في
قسمه، المساوي بين رعيته في حكمه، الطارح الجبريَّة والتكبر،
البعيد عن الخيلاء والتجبر(3) والباسط لكفه(4)، المنصف لأهل طاعته،
المتفَقِّد لجميع معائشهم، الحامل لهم على ما أمروا به من أديانهم،
الممضي لأحكام الله فيهم، القائم بقسط الله عليهم، الرؤف الرحيم
بهم، العزيز عليه عنوتهم، المُتَعَنِّي بالجليل والدقيق من
أمرهم(5)، المشبه في ذلك لجدّه، ولما ذكر الله من أمره، حيث يقول
سبحانه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ
عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ
رَحِيمٌ}[التوبة: 128] الشجاع السخي، الفارس الكَمِي.
__________
(1) في (ج): طاعتهم.
(2) في ب: الدال.
(3) كذا، ولعلها: التبختر.
(4) في (ج):لكنفه.
(5) في (ج) من أمورهم.
(2/354)
فإذا كان كذلك ثم
دعاهم إلى نفسه، والقيام لله بحقه، وجبت على الأمة طاعته، وحرمت
عليهم معصيته، ووجبت عليهم الهجرة إليه، والمجاهدة بأموالهم
وأنفسهم معه وبين يديه(1)، وكانت طاعته والهجرة إليه، والمجاهدة
بأموالهم معه، والتجريد في أمره، وبذل الأموال والأنفس، والمبادرة
إلى صحابته، والكينونة تحت كنفه؛ فرضاً من الله على الخلق، لا
يسعهم التخلف عنه ساعة، ولا التفريط في أمره فينة، إلاَّ بعذر
نافع(2) مبين عند الله سبحانه، من مرض أو عرج، أو عمى، أو فقر
مدقع، عن اللحوق به مانع، وفي ذلك ما يقول اللّه سبحانه:
{انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}[التوبة: 41] فمن كان على
واحدة من هذه الأربع الخصال، جاز له التخلف عند الواحد ذي الجلال،
ومن لم يكن كذلك وجب عليه فرض المهاجرة والمقاتلة، وفي ذلك ما يقول
الله سبحانه: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى
الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ نُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ نُعَذِّبْهُ عَذَاباً
أَلِيْماً}[الفتح: 17] ويقول سبحانه: {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا
مَا أَتَوكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ
عَلَيهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً
أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}[التوبة: 92] فجعل الله لمن كان
على مثل هذه الحال من الفقر؛ في تخلفه عن الجهاد مع المحق من آل
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العذر، فأما من سلم من ذلك، ولم
يكن في شيء من أحواله كذلك، ثم تخلف عنه، من بعد أن تبلغه دعوته،
وتنتهي إليه رسالته، أو يقع إليه خبره؛ فهو غادر، في دين الله
فاجر، ولرسوله معاند، وعن الحق والصراط المستقيم
__________
(1) في (ب): والمجاهدة معه بأموالهم وبين يديه.
(2) في (ج): قاطع.
(2/355)
عاند، مشاق لله
محارب، إلى النار عادل وعن الجنة مجانب، قد بآء من الله باللعنة،
وجاهره بالمعصية، ووجب على الإمام إن حاربه حربه، وقتله وإهلاكه،
وإن لم يحاربه، وتخلف عن نصرته، وجب عليه إبعاده وإقصاؤه، وإبطال
شهادته، وإزاحة عدالته، وطرح اسمه من مقسم الفي، ووجب على المسلمين
منابذته في العداوة والاستخفاف به، والاستهانة بكل أمره، لا يسعهم
غيره، ولا يجوز لهم فيه سواه. ألا تسمع كيف يقول العزيز الكريم،
فيما نزل على نبيه من القرآن العظيم؛ إذ يقول: {يَا أَيُّهَا
الَّذِيْنَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيْلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيْتُمْ
بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيْلٌ إِلاَّ تَنْفِرُوا
يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً
غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيْرٌ}[التوبة: 38 ـ 39].
(2/356)
ومن الدليل على ما
قلنا به من هلاك من تخلف من دعوة الحق، أو تثاقل عن إجابة محق، قول
الله سبحانه لرسوله: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ
مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا
مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ
رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ
الْخَالِفِينَ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً
وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}[التوبة: 83 ـ 84] فأمر
الرسول بالرفض لهم، ولم يأذن في الخروج لهم ثانية أخرى(1)، عقاباً
عن التخلف عنه، والتربص به، وحرمهم الخروج وسهام الغنائم،
والسهام(2) لا تقع إلاَّ لمن حاما عليها، ولا تقسم إلا لمن كان
حاضراً لها، وحرمهم ولاية الرسول وتوليته، وأوجب عليه(3) العداوة
لهم. وبأقل من ذلك ما يقول الله سبحانه: {سَيَقُولُ
الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ
لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ
يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ
قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ}[الفتح: 15] يريد بقوله: {قَالَ
اللَّهُ}؛ أي حكم الله عليكم، وأمرنا به فيكم.
__________
(1) كذا في النسخ.
(2) في (ج): إذ السهام.
(3) في (ج): عليهم، وهو سهو.
(2/357)
وفيما ذكرنا من هلاك
المتخلفين(1)؛ عن دعوة الحق والمحقين، ما يقول أصدق الصادقين، فيمن
قال لإخوانه وتأَخَّر: {لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ}، فقال جل
جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: {وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي
الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا
يَفْقَهُونَ}[التوبة: 81]. وفي إهلاك الله وإخزائه للمتخلفين عن
الحق والمحقين؛ ما يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم:
{وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ
عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}. فنهى رسوله عن الصلاة عليهم،
والوقوف على قبورهم، وحرم عليه الاستغفار لهم، ولم ينه عن ذلك
إلاَّ في غوي، هالك عنده معذب شقي. ثم أخبر أن المرتابين الذين هم
في ريبهم يترددون، والتردد فهو: الشك، والشك فلا يكون في حَقٍّ؛
إلا من أهل الفجور والفسوق.
__________
(1) في (ج): المخلفين.
(2/358)
ومَن أضلُّ عند الله
وأَهْلَكُ، أو أشد عذاباً عند الله أو آفَكُ، ممن تخلف عن الحق وهو
يعرفه، وسوَّفَ بإلاقبال عليه. فكذلك لعمر أبي الجفاة الرافضين(1)
للحق والمحقين، المتأولين في ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ما لم يجعل الله إلى التعلق به سبيلاً. أشد عذاباً عند الله
وآلم تنكيلا، ممن لم يعرف ما افترض الله عليه في الجهاد، فهو يتكمه
في البلاء(2) متحيراً عما اهتدى إليه غيره من العباد، فنعوذ بالله
من التخلف عن أمره، والصد عن سبيله، فلا صدَّ يرحمك الله أَصَدُّ،
ولا جرم عند الله أشد؛ من جرم من تخلف عن الحق؛ ممن نُظِر(3) إليه
من السواد الأعظم من الكبراء وبه يقتدي العوام من العلماء
والجهلاء، بل تخلف من كان كذلك ثم تخلف(4)؛ فقد عطل ورفض الحق،
وأضعف دعوة الصدق؛ لأن كثيراً من ضعفة المؤمنين يقتدون بأفاعيله،
لثقتهم به، واتكالهم على دينه(5)، ونظرهم إلى عزيمته، إذ قصرت
عزائمهم، وصغرت عن كثير من ذلك بصائرهم، فهُم له أتباع في كل أمره،
لا يعدلون عن قوله ورأيه، ولا يفعلون إلاَّ بفعله، وإن نهض نهضوا،
وإن أقام أقاموا، وإن نصر نصروا، وإن خذل خذلوا، فكلهم مأخوذ
بنفسه؛ إذ هو مقصر عن مدى غيره، والمنظور إليه منه فمأخوذ بهم؛ إذ
علم أنهم إليه ينظرون، وإياه ينصرون.
__________
(1) في (ب): الرافضية.
(2) في (ج): في البلاد. نخ
(3) في (ج): ممن ينظر.
(4) كذا في النسخ، ولعلها: بل من كان.
(5) في (ج): على رأيه.
(2/359)
فيا ويل من تخلف عن
الله وخالف الهدى، وركن إلى الأولاد والدنيا، أما سمع قول الله
تعالى فيما نزل من القرآن الكريم حين يقول لرسوله صلى الله عليه
وآله وسلم: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِيْنَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَونَ
إِلَى قَومٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ
يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16] فأوجب لمن اتبع الجزاء الحسن والثواب،
ولمن تخلف عن ذلك أليم العقاب. فنعوذ بالله من البلاء، والحيرة
والشقى، والركون إلى ما يزول ويغنى، والأشره له على ما يدوم ويبقى،
فهذه سبيل من تخلف عن فروض الواحد الجليل.
(2/360)
فأما من اتبع ما
وصفنا من آل الرسول، فإنه عند الله تبارك وتعالى حق(1) مقبول، وهو
عند اللّه تبارك وتعالى من المسلمين المؤمنين، العابدين الخاشعين،
المؤدين لعظيم ما افترض الله عليهم، المفضلين على جميع المؤمنين،
في التوراة والإنجيل والقرآن المبين، المهاجرين إلى الله، قد وقع
أجرهم على الله، فكرم مآبهم لديه، وأدوا إليه الأمانة، فنجوا
وسلموا من الخيانة، كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ
اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ
الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَونَهُ}[الحج: 58
ـ 59]. ومن صح منه هذا الفعل؛ فقد صحت له الولاية من رب العالمين،
ومن الرسول والأئمة وجميع المؤمنين، وكان من الذين قال الله فيهم:
{إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47] وكان من
الآمنين للفزع الأكبر {وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ} كما قال
أرحم الراحمين: {هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ
تُوعَدُونَ}[الأنبياء: 103] وكانوا من البائعين أنفسهم من ربهم،
بما بذل لهم من الثمن الربيح، حين يقول سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ
اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي
التَّورَاةِ وَالإِنْجِيْلِ وَالقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ
مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ
بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ}[التوبة : 111] فيا لها
تجارة ما أربحها، ويا لها دعوة ما أرفعها، دنيا يسيرة فانية، بآخرة
(2) كثيرة باقية، وحياة أيام تزول؛ بحياة أيامٍ أبداً لا تحول،
والنكد والنصب، والشدة والتعب؛ بالراحة والسرور، والغبطة له في كل
__________
(1) كذا في النسخ، ولعلها: محق.
(2) في (ب) وآخرة.
(2/361)
الأمور، فاز والله من
بادر فاشترى الجنة بأيام من حياته، وخاب من تخلف عن مبايعة الله
وسوَّف ويله وتمنى، وعلل نفسه وسهى(1) حتى نزلت به الداهية
الدهياء، ونزل به الموت والفناء، وحصل في دار القيامة والجزاء،
{وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ
أَحَداً}[الكهف: 49].
فهذه صفات من تجب طاعته، وتحرم معصيته.
ومن خالف ما ذكرنا، وكان على غير ما شرحنا؛ من آل الرسول(2) صلى
الله عليه وعلى آله، فنكث عليهم، وأساء في فعله إليهم، ومنعهم من
حقهم الذي جعله الله لهم، واستأثر بفيهم، وأظهر الفساد والمنكر في
ناديهم، وصيّر ما لهم دولة بين عدوهم يتقَّوى به عليهم، ولم(3)
يَقْبِضْهُ منهم، ويقسمه على صغيرهم وكبيرهم، وكانت همته كنز
الأموال، والاصطناع لفسقة الرجال، ولم يزوج أعزابهم، ولم يقض
غراماتهم، ولم يكس الظهور العارية، ولم يشبع منهم البطون الجائعة،
ولم ينف عنهم فقراً، ولم يصلح لهم من شأنهم أمراً؛ فليس يجب على
الأمة طاعته، ولا تجب عليهم موالاته، ولا تحل لهم معاونته، ولا
تجوز لهم نصرته، بل يحرم عليهم القيام معه ومكاتفته، ولا يسعهم
الإقرار بحُكمه، بل يكونون شركاه إن رضوا بذلك من أفعاله، ويكونون
عند الله مذمومين، ولعذابه مستوجبين،. فنعوذ بالله من الرضى بقضاء
الظالمين، ونعوذ به من الإعراض عن جهاد الفاسقين، الذي لا يأمرون
بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فإن من أعرض عن جهادهم فقد برئ من
الله، وبرئ اللّه منه، وبَعُدَ من حزب الرحمن، وصار من حزب
الشيطان، {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ
الخَاسِرُونَ}[المجادلة: 19].
__________
(1) في ب: وسهل.
(2) في (ج): رسول الله.
(3) في (ج): ولا يقبضه.
(2/362)
وبعد رحمك الله
ووفقك، وأعانك وسددك؛ فإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله
عليه، وإلى ما أمرني الله أن أدعوك إليه، وأخذ به عليَّ العهد
والميثاق، من الأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن التظالم والمنكر،
وإلى أن نُحِلَّ نحن وأنت ما أحل لنا الكتاب، ونحرم نحن وأنت ما
حرمه علينا، وإلى الاقتداء بالكتاب والسنة، فما جاءا به اتبعناه،
وما نهيا عنه رفضناه، وإلى أن نأمر نحن وأنت بالمعروف في كل أمرنا
ونفعله، وننهى عن المنكر جاهدين ونتركه، وإلى مجاهدة الظالمين من
بعد الدعاء إلى الحق لهم، والإيضاح بالكتاب والسنة بالحجج عليهم،
فإن أجابوا فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين(1)، وإن
خالفوا الحق، وتعلقوا بالفسق، حاكمناهم إلى الله سبحانه، وحكمنا
فيهم بحُكمه، فإنه يقول سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ
تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ
انْتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ}[الأنفال:
39] والعُدوان هاهنا فهو: الجهاد، والعَدْوُ على من ظهر منه
الإجتراء على الله والاعتداء.
ألا والدعوة مني يرحمك الله إلى ما تقدم ذكره من الكتاب والسنة.
واشرط لك ولمن معك على نفسي أربعاً:
الحكم بكتاب الله وسنة رسوله جاهداً ما استطعت.
والأثره لكم على نفسي فيما جعله الله بيني وبينكم.
وأن أوثركم ـ ولا أفضل عليكم بالتقدمة عند العطاء؛ الذي جعله الله
حظاً في أمواله لكم ولنا ـ قبل نفسي وخاصتي.
والرابعة أن أكون قدامكم عند لقاء عدوكم وعدوي.
وأشرط لنفسي عليكم اثنين؛ أنتم شركائي فيهما:
النصيحة لله في السر والعلانية.
والطاعة في كل أحوالكم لأمري ما أطعت الله، فإن خالفت طاعة الله
فلا حجة لي عليكم.
__________
(1) في (ج): المؤمنين.
(2/363)
{هَذِهِ سَبِيلِي
أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[يوسف: 108]
فإن يطعني من بلغته دعوَتي يرشدوا، وحظهم يأخذوا، والفوز العظيم
يرتجوا، وإن يتخلفوا عني، ويعصوا أمري، ويُسَوِّفوا طاعتي،
ويتثاقلوا عن إجابتي، ويركنوا إلى الدنيا الغارة لهم، كما غرت من
قبلهم ممن مضى؛ أكن قد قدمت لله بما يجب(1) عليَّ، وأكن عند الله
إن شاء الله من الناجين، وأكن قد ثبتُّ له عليهم الحجة إلى يوم
الدين، وما كان علي إلاَّ ما كان على جدي من قبلي محمد صلى الله
عليه وآله وسلم الرسول الأمين، من التبليغ والاجتهاد في الدين،
{وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاَغُ الْمُبِينُ}[النور: 45].
__________
(1) في أ: ما يجب.
(2/364)
فرحم الله من نظر في
أمره، وقاس شبْرَه بِفِتْرِه، فقد أسفر الحق عن وجهه قناعه، ونادى
بأعلى صوته أتباعه، وقامت الحجة للرحمن، على كل من خلق من الإنسان،
{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ}[يونس: 32] ولا دون
المعتدل إلاَّ المائل، ولا بعد الجدة والشدة والقوة والشباب؛ إلاَّ
الضعف والإنبتات والزوال والذهاب، ولا بعد دار الدنيا الفانية؛
إلاَّ الآخرة الدائمة الباقية، وما بعد العمر إلاَّ انقطاع الأجل،
وما بعد الموت إلاَّ البلاء والإمحاق، ولا بعد الإمحاق إلاَّ يوم
التلاق، {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ
مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا
وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالعِبَادِ}[آل عمران: 30] ذلك يوم وقوع
الجزاء؛ على ما تقدم من العمل في الدنيا، فيفوز المحقون بأعمالهم،
ويخسر المبطلون ويهلك المسرفون بأفعالهم، {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا
عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً}[الفرقان:
23]، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ
جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ
يُظْلَمُونَ}[الأنعام: 160]، ذلك يوم الحسرة والندامة، وطلب
الإقالة حين لا إقالة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً
يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}
[الزلزلة: 6 ـ 7]، ذلك يوم تشخص فيه الأبصار، وتظهر فيه الأسرار،
ويحكم فيه بالحق الجبار، {يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ
إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَأُزْلِفَتِ
الْجَنَّةُ لِلمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ}
[الشعراء: 88 ـ 91]، وهم فيها يصطرخون نادمين، يقولون: {رَبَّنَا
أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا
ظَالِمُونَ}[المؤمنون: 107]، فيقول لهم
(2/365)
الجبار: {اخْسَئُوا
فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}[المؤمنين: 108]، فيطلبون حينئذ الرجوع
إلى ما كانوا فيه من الفناء(1)، ويتمنون الموت والبلاء، ويقولون:
{يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ
مَاكِثُونَ}[الزخرف: 77] فحينئذ تقطع قلوبهم حسرات، وتتراكم عليهم
الغُموم والندامات، على ما فرطوا فيه من العمل بما أمرهم الله به ،
والقيام بأكبر فرائضه، من الجهاد في سبيله، والمعادات لأعدائه،
والموالاه لأوليائه.
فليعلم كل عالم أو جاهل، أو من دعي إلى الحق والجهاد فتوانى،
وتشاغل، وكره السيف والتعب، وتأول على الله التأويلات، وبسط لنفسه
الأمل، وكره السيف والقتال، والملاقاة للحتوف والرجال، وأثر هواه
على طاعة مولاه، فهو عند اللطيف الخبير، العالم بسرائر الضمير؛ من
أشر الأشرار، وأخسر الخاسرين، إن صلاته وصيامه، وحجه وقيامه بُور،
لا يقبل الله منه قليلاً ولا كثيراً، ولا صغيراً ولا كبيراً. وأنه
ممن قال الله سبحانه فيه حين يقول: {وُجُوهٌ يَومَئِذٍ خَاشِعَةٌ
عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً}[الغاشية: 2ـ 4].
وكيف يجوز له الإقبال على صغائر الأمور من الصالحات، وهو رافض
لأعظم الفرائض الواجبات(2)؟! وكيف لا يكون الجهاد أعظم فرائض
الرحمن؛ وهو عام غير خاص لجميع المسلمين؟!
وعَمَلُ من عمل به شاملٌ لنفسه ولغيره من المؤمنين؛ لأن الجهاد عزٌ
لأولياء الله، مخيف لأعداء الله، مشبع للجياع(3)، كاس للعراة
النّياع(4)، ناف للفقر عن الأمة، مصلح لجميع الرعية، به يقوم الحق،
ويموت الفسق، ويرضى الرحمن، ويسخط الشيطان، وتظهر الخيرات، وتموت
الفاحشات.
والمصلي فإنما صلاته وصيامه لنفسه، وليس من أفعاله شيء لغيره.
وكذلك كل فاعل خير فعله لنفسه لا لسواه.
__________
(1) في ب: الفداء.
(2) في (ج): الزاكيات.
(3) في ب: للجائع.
(4) النايع: المائل.
(2/366)
فأين الجهلة العمين،
أو العلماء المتعامين؟ كيف يقيسون شيئاً من أعمال العباد؛ إلى ما
ذكر الله سبحانه من الجهاد؟! هيهات هيهات بعد القياس، ووقع على
الجهلة الإلتباس، وحبطت بلا شك أعمال المختلفين، وخسر الراكنون إلى
الدنيا، المؤثرون لما يزول ويفنى، المتشبثون بالأموال والأولاد
والأهلين، وهم ـ أَحَدَ اليومين ـ لذلك مفارقون، ولما تشبثوا به
تاركون، وعما أثروه على ربهم والجهاد في سبيله رائحون. وفي أولئك،
ومن كان من الخلق كذلك؛ ما يقول الرحمن الرحيم، فيما نزل من
الفرقان العظيم: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ
وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ
اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَونَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ
تَرْضَونَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ
بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ}[التوبة:
24].
(2/367)
فمهلاً أولئك مهلاً،
عن التخلف عن الله والإجتراء، هلموا إلى الأمر بالمعروف الأكبر،
والنهي عن التظالم والمنكر، هُلَمَّ إلى قسم فيّكم عليكم، وإحياء
كتاب الله وسنن رسوله فيكم، هلموا إلى غناء فقرائكم، والأخذ بالحق
في أغنيائكم، هلموا إلى أخلاق المسلمين، والإقتداء بمن مضى من
الأئمة المجاهدين، هلموا إلى الطلب بكتاب الله، والإنتصار من
أعدائكم، هلموا إلى نصر الله، ونصر الحق والمحقين، هلموا إلى جهاد
الفسقة الظالمين من أهل قبلتكم من جبابرتهم، من الأشراف وغيرهم.
ألستم ترون ـ عبادَ اللّه المخلصين، والقايلين في الله بالتوحيد،
المقرين بما ذكر الله في الوعد والوعيد إلى دينكم مقتولاً، وإلى
الحقِ الذي أنزله على نبيكم مخذولاً؟ وحُكِم الكتاب معطلاً بينكم،
وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معدوم فيكم، يرتع أعداء الله
في جنى أموال المسلمين، قد أمنوا من تغييركم عليهم، ويئسوا من
نكايتكم فيهم، وبسطوا أيديهم عليهم، وحكموا بحكم الشيطان فيهم،
يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساهم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم.
حرموهم فيَّهم، واصطفوا مع ذلك أموالهم، وأجاعوا بطونهم، وأعروا
ظهورهم، وأضاعوا سبيلهم، وأخافوهم على أنفسهم، يحتفون أموالهم،
ويقتلون رجالهم، يمنعونهم النصف، ويسومونهم الخسف، هتكاً للحريم،
وتمرداً على الله العظيم.
(2/368)
إن شهدوا لم يصدقوا،
وإن سالموا لم يتركوا، أعزاؤهم عندهم أذلة(1)، وعلماؤهم جهلاء،
وحلماؤهم عندهم سُخَفَاء، وَعُبَّادهم لديهم سُفَهَاء، قد جعلوا
فيَّهم بينهم دَوَلاً، وأولادهم لهم خدماً وخَوَلاً، يشبعون
ويجوعون، ويسعون(2) في رضاهم ومصالحهم، و[هم] يسعون في هلاكهم
وسخطهم، فهم لهم خدم لا يُشْكَرون، وأعوان لا يُؤْجَرون، هممُهم
هِمَم حميرهم، همَمُهم ما واروه في بطونهم، وباشروه بفروجهم،
واستغشوه على ظهورهم، نهارهم دايبون في إخمال الهدى والحق، وليلهم
في التلذذ والطرب(3) والفسق، فراعنة جبارون، وأهل خيلاء فاسقون، إن
استُرْحِموا لم يَرْحموا، وإن استُنْصِفوا لم يُنصِفوا، وإن
خُوِّفوا لم يخافوا، وإن قَدَروا لم يُبقوا، وإن حكموا لم يعدلوا،
وإن قالوا لم يَصْدُقوا، لا يذكرون المعاد، ولا يزكون العباد، ولا
يُصلحون البلاد، رافضون معطلون للنكاح، مظهرون مُعتكفون على
السفاح، المنكر(4) بينهم ظاهر، وافعال قوم لوط أفعالهم، وأعمالهم
في ذلك أعمالهم، يتخذون الرجال ويأتونهم من دون النساء، ويظهرون
الفجور علانية والردى، ويأتون في ناديهم المنكر، ويجاهرون بذلك
العلي الأكبر، سفهاؤهم أمراؤهم، وأشرارهم حكامهم، وعظماؤهم
أردياؤهم، الغدر شيمتهم، والفسق همتهم، إن عاهدوا نقضوا، وإن
أمَّنوا(5) غدروا، وإن قالوا كذبوا، وإن أقسموا حنثوا، قد قتلوا
الأرامل والولدان، وحرموهم ما جعل الله لهم من السُّهمان، قد قتلوا
الكتاب والسنة، وأظهروا المنكر والبدعة، وخالفوا ما بعث الله به
النبي(6)، وحكموا بغير حكم(7) الكتاب المنزل، اضداد الحق والمحقين،
أولياء الباطل والمبطلين، وحزب الشيطان، وخصماء القرآن، وأعداء
الرحمن، في الفسق منغمسون، وعن الحق مُجْنبون، لم ينالوا ما نالوا
من
__________
(1) كذا ولعلها: أذلاء.
(2) في ب: ويشفعون.
(3) في (ج): والطرف.
(4) في ب: المسكر.
(5) في ب: ائتمنوا.
(6) في ب: به الرسل.
(7) في (ب): بغير ما حكم.
(2/369)
أولياء الله إلاَّ
بالغدر، ولم يقدروا عليهم إلاَّ بالختر(1)، وعقد مواثيق الله له في
أعناقهم، وبسط أمان الله وأمان رسُوله له منهم(2)، فإذا ركن إلى
عظيم ما يعطونه، ووثق بجليل أيمانهم؛ قتلوه من بعد ذلك غادرين،
ومثلوا به ناكثين، لا فيما أعطوه من عقود الله ومواثيقه له ينظرون،
ولا في الأيمان المؤكدة التي له يفكرون، اجتراء على الله العظيم،
وعُدولاً منهم عن الصراط المستقيم، عنوداً عن الحق المبين، ومُضادة
لأحكام أرحم الراحمين، ومخالفة لسُنن الرسول الأمين، ومباينة
ومجانبة لشرائع الإسلام، وتشبها بفعل أهل الشرك والكفر والطغيان،
بل الكفار الطغاة أوفى بالعهود منهم، وأحفظ لعهودهم منهم لعهدهم،
وأقل اجتراء منهم في كثير من الأمور على خلافهم، وهم في ذلك يدعون
أنهم أئمة المسلمين، وقادة المؤمنين، وخلفاء الواحد الكريم، وولاة
الواحد العظيم(3). كلا والذي نفس يحيى بيده، ما ولى الله أولئك في
خلقه، ولا قلَّدهم شيئاً من أمره، ولا أجاز لهم أمراً ولا نهياً في
شيء من أرضه، وكيف يكون ذلك والله سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه
إبراهيم خليله، حين سأله ان يجعل ذريته أئمة كما جعله هو صلى الله
عليه إماماً؛ فأخبره الله سبحانه أنَّه لا يجعل الولاية إلا
للمتقين، ولا يعقد الإمامة لأحد من الفاسقين، ولا يعقد عقدها
للظالمين، وذلك قوله سبحانه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ
رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ
لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ
عَهْدِي الظَّالِمِينَ}[البقرة: 124]؟! فمنع من عقده وعهده، ومؤكد
إمامته؛ كلَّ ظالم من خلقه. فأي ظلم يرحمك اللّه أو غشم، أو فسق أو
إثم؛ أعظم مما فيه من هو يدعي أنَّه إمام المسلمين، وأمير
المؤمنين؛ من الذين أماتوا الكتاب
__________
(1) الختر كالغدر وزناً ومعنى أو أقبح الغدر.
(2) في ب: أمان اللّه ورسوله منهم.
(3) في أ: وولاة للعظيم الرحيم.
(2/370)
والسنن، وأحيوا البدع
والفتن، وضلوا(1) الحق، وأحيوا الفسق، وجلسوا في غير مجلسهم،
وتعاطوا ما ليس لهم، {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ
بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا
مُهْتَدِينَ}[البقرة: 16] فأين لكم يا أهل(2) الإسلام؟؟ وكيف يرضى
من آمن بالرحمن؛ بالظلم والغشم من حزب الشيطان، الذين جاهروا ربهم
بالكفر والعصيان، وحادوه في كل شأن؟! {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ
لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌ
عَزِيزٌ}[المجادلة: 19 ـ 20]، صدق الله في قوله، لقد حكم الله للحق
والمحقين؛ بالغلبة للباطل والمبطلين، ولكن أين أين الناهضون لأمره،
المتنجزون لوعده، المتعرضون(3) لنصره؟ فإنه يقول سبحانه:
{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌ
عَزِيزٌ}[الحج: 40] وبلى وعسى، {فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً
إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً}[الإنشراح: 5 ـ 6]، عسى الله أن يجعل
فيكم يا أهل التوحيد خَلَفاً من الأولين المجاهدين، الذين بذلوا
أنفسهم وأموالهم لله رب العالمين.
__________
(1) في (ج): وقتلوا.
(2) في (ب): بأهل.
(3) في (ب): المعترضون.
(2/371)
فشمروا يرحمكم الله
واجتهدوا، واطلبوا النجاة من الله تعالى بجهادهم تنجوا، فإنه يقول
سبحانه: {الَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ
وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ
عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ
عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}[آل عمران: 195]. فجاهدوا كما جاهد
أولئك من سلفكم المؤمنين، من الأولين والآخرين، فلقد جاهدوا أعداء
الله واحتسبوا، فلقوهم، وجالدوهم وصابروهم، والفسقة حينئذ أقوياء
أعزاء، جيوشهم جامعة، وأموالهم كاملة، وكلمتهم مؤتلفة، وجماعتهم
غير مختلفة، فصَفُّوا لهم الصفوف، وضربوا(1) وجوههم بالسيوف،
ووفوالله بعهده، وقاموا له(2) فيه بأمره، صابرين محتسبين، ولذلك من
فعلهم متخيّرين، حتى لحقوا بالله مستشهدين، كراماً طيبين مطيبين،
فائزين بالثواب، ناجين من العقاب، قد فازوا بالرضى والرضوان،
يتقلبون في عرصات الجنان، {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ
سَلاَمٌ وَاَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً}[الأحزاب: 44]،
{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا
إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ
عَلَينَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ
نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الرَّحِيمُ}[الطور: 25 ـ 28].
__________
(1) في (ج): وأضربوا. أي ضربوها.
(2) في (ب): لهم.
(2/372)
فاجتهدوا رحمكم الله
واستغفروا، وقوموا لله بما أمركم الله به ولا تقصروا، ولا تركنوا
إلى الخفض(1) في الدنيا فتهلكوا، وجدُّوا في جهاد أئمة الظلم
تسعدوا، {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ
وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}[الأنفال: 73]، فإنهم إخوان من مضى من إخوانهم
في ارتكاب الردى، والجري في ميادين الهوى، والصد عن أبواب الهدى،
أهل الفسق والبغي، حزب الشيطان، أهل الجرأة على الله بالمخالفة
والعصيان.
واعلموا رحمكم الله أن حُكم الله فيهم وفيمن كان قبلهم واحد، وسنته
في الفسقة الأولين؛ كسنته في الظلمة الآخرين، وفي ذلك ما يقول رب
العالمين: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَن
تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}[الفتح: 23]، وقال سبحانه:
{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ
اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً}[الأحزاب: 38].
ألستم ترون رحمكم الله إلى أبواب النصر قد فتحت، وعلامات ما تأملون
من دولة آل رسول اللّه قد أقبلت، ودلالات ملكهم قد شرعت، وأسباب ما
وعد اللّه نبيه صلى الله عليه وعلى آله قد ثبتت، وعلامات هلاك
عدوهم قد وضحت وبوادر الرحمة قد أقبلت، وإياكم قد أجنَّت وأظلت،
ولكم بالنصر والتوفيق قد قصدت؟ فأقبلوا إليها ولا تدبروا، وتلقوها
بقبولها قبل أن تندموا.
__________
(1) الخفض: الدعة، يقال: هم في خفض من العيش، أي هدوء وسكون وسعة.
(2/373)
ألستم ترون ما قد صار
إليه أعداء الله وأعداؤكم من النقص والخذلان، والضلال والنقصان؟
فهم كل يوم يرذلون، وكل شهر يُنقصون، وكل عام يفتنون، قد تلعَّبت
بهم عبيدهم، واجترأت عليهم ساستهم، فصاروا يسومونهم سوء العذاب،
يقتلون من شاؤا منهم، ويقيمون من أرادوا منهم، يجبون الأموال
لأنفسهم، قد تسلط عليهم شرارهم، وأعوانهم وعُبدانهم، فلا مال
عندهم، ولا رجال في جوارهم، ولا أمر ولا نهي لهم، ليس في أيديهم
ولا لهم بلد ينحون(1) فيه أمرهم، غير بعض القرى قد أحل فيهم
الأعراب، واستباحت ما قدرت عليه من رعيتهم، ينهبون حواشيهم،
ويخيفون سبيلهم، ويقطعون طريقهم، لا يقدرون على نفيهم وإبعادهم،
ولا ينالون ما يشتهون من إذلالهم، بل هم الأذلاء الأقلاء، الفساق
الضعفة(2)، أشد على الرعية والمساكين، إذلالاً من الأقوياء
والمحاربين، يخيفون ويأكلون من تحت أيديهم، ويدارون(3) من نابذهم
وتسلط عليهم،قد انهدم عزهم، وانخرقت مهابتهم، وفتكت بهم كلابهم،
وقهرهم أشرارهم، وحكم عليهم عُبْدانهم، وقلت وانتفت من أيديهم
الأموال، وتفرقت عساكرهم والرجال، زهداً من الرجال فيهم، ورغبة في
خير من يجزل عليهم، قد مال عمود ملكهم، وانهدم باب عزهم، وتغير
أساس أمرهم، وأعطت خلافتهم صاغرةً قيادها، وَرَمت إلى من قادها
بزمامها، وألقت إليه(4) بسمعها وطاعتها، وذل لطالبها صعبها، ولان
لراكبها مركبها، وذل له بعد الصعوبة ظهرها، وبرزت له من بعد شدة
حجابها، واستقامت له وأشرعت(5) لدنوّ نتاجتها، ودرت لحالبها بدرة
تسر الحالبين، وتنهل الشاربين، ويَعُلُّ(6) فيها العَالُّون،
وينتعش ويشبع في أفوقتها(7)
__________
(1) في (ج): يمجُّون (كذا). وظنن بـ: (يمضون).
(2) كذا ولعلها: الضعفاء.
(3) في (ب): ويداريون. ولعلها: ويواربون.
(4) في (ج): إليها. وظنن بما أثبت من ب.
(5) في (ج): وأَضْرَعَتْ.
(6) العلل بعد النهل: الشربة الثانية بعد الأولى.
(7) في ب: أفرقتها، والفُواق: مقدار مابين الحلبتين.
(2/374)
الجائعون، فهي
حافل(1) تشخب رجليها مما تدر، ولكن لا حالب لدرتها، ولا منتهز
لفرصتها، لقلة المحقين، وذهاب المؤمنين، وذلة المسلمين، وركون هذا
الخلق إلى الفسق، وتركهم لاتباع دعوة الحق، وتعلقهم بالفاني من أمر
الدنيا، وزهدهم فيما يدوم من الآخرة ويبقى.
كان لم يسمعوا الله سبحانه يقول: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوتِ
ثُمَّ إِلَينَا تُرْجَعُونَ}[العنكبوت: 57]، وكأن لم يسمعوا ما
أخبرهم به عنهم من عاقبة أمرهم، وقوله لهم في يوم حشرهم؛ حين يقول:
{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ
مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ
وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ
أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَينَكُمْ وَضَلَّ
عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}[الأنعام: 94].
__________
(1) ضرع حافل: ممتلئ لبناً.
(2/375)
فاجتهدوا رحمكم الله،
واستبقوا إلى الله، وبادِروا قبل أن تبادَروا(1)، فإنه يقول:
{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي
جَنَّاتِ النَّعِيمِ}[الواقعة: 10 ـ 12]. واعلموا أن المسبوق لن
يلحق بالسابق، والكاذب لا يكون عندالله كالصادق. أما سمعتم الله
يقول: {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ
وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا
مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ
الْحُسْنَى}[الحديد: 10]؟ وقال: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ
أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}، وقال:
{وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ
وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا
الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أبَداً ذَلِكَ الفَوْزُ
العَظِيمُ}[التوبة: 100].
فابتدروا إلى الله تسعدوا، ولا تتخلفوا عنه فتهلكوا، ويرميكم بالذل
والصغار، ويحشركم يوم القيامة إلى النار، قد بذلت لكم النصيحة إن
كنتم تحبون الناصحين، والحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين،
والعاقبة للمتقين، (وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم)(2).
تمت الدعوة
رسائل وكتب
في
أصول التشريع
الرد على من زعم
أن القرآن قد ذهب بعضه
m
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
يسئل من قال: إن بعض القرآن قد ذهب، وأنكر أن يكون هذا القرآن الذي
في أيدي الناس هو القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بعينه، لم يزد فيه ولم ينقص منه؛ فيقال له: خبرنا عن حجج الله
سبحانه على عباده ما هن؟ وكم هن؟ (3)
__________
(1) في (ج): لا تبادروا.
(2) في (ج): وصلى اللّه على محمد خاتم النبيين وعلى أهل بيته
الطيبين وسلم تسليماً.
(3) في (أ،ج): ما هي وكم هي.
(2/376)
فلا يجد بداً أن
يقول: هي الكتاب والمرسلون، والعقول والأئمه الهادون. فإذا أقر
بذلك، وكان الأمر عنده كذلك؛
قيل له: أو ليس في كل حجة لله فروض مؤكدة، لا بد من العمل بها
واستعمالها لها.
فإن قال: لا، كفر، وإن قال: نعم، قيل له: ما فرض كل واحدة منهن
الذي لا بد من استعمالها به؟ وما معنى جعل الله لها؟
فإن كان جاهلاً جهل ذلك، وإن كان عالماً أجاب في ذلك بالحجة
والصواب؛ فقال: حجة العقول ركبت وجعلت لتدل على خالقها؛ بما
تستدركه من مجعولات جاعلها، وتميزه من فعل فاعلها، جعلت للإقرار
بالله والتمييز بين الأمور، ومعرفة الخيرات والشرور.
والأنبياء فأُرسلت تدعو إلى الله تعالى، تنذر يوم التلاق، وتحتج
على العباد للواحد الخلاق، وتبين لهم ما فيه يختلفون، وما إليه من
العمل يدعون.
والأئمة من بعد الرسل؛ فجعلت لتدل على شرائع الأنبياء وتحكم بالحق
بين العباد، وتنفي عن الأرض الغي والفساد.
وأما الكتب ففيها فرائض الرحمن وحججه، وحلاله وحرامه، وتبيين ما
أحل الله لعباده، وما حرم عليهم، وما أمرهم به، وما نهاهم عن فعله،
وما وكد من أحكامه فيهم، وما أوجب في كل الأسباب عليهم،
{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ
بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيْعٌ عَلِيْمٌ} [الأنفال:42].
(2/377)
فإذا قال بذلك، قيل
له: ويحك ما أغفلك؟! وأبين حيرتك، وأظهر جهلك وأقل علمك؛ بما تذكر
من قولك، وتقول إن الكتب عندك على ما ذكرت وفسرت؛ وقد تعلم أن أعظم
الكتب كتاب محمد عليه السلام؛ الذي جعله الله نوراً وهدى، وتبياناً
ورحمة وشفاء، فرض فيه الفروض، وأصل فيه الأصول، وبين به حلاله
وحرامه، وفي ذلك ما يقول جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله، {مَا
فَرَّطْنَا فِيْ الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}، ويقول سبحانه:
{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ
وَهُدىً وَرَحْمَةً} [النحل: 89]، ثُمَّ أمر رسوله باتباعه،
والانقياد لما فيه؛ فقال: {اتَّبِعْ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنْ
رَبِّكَ} [الأنعام: 106]، ثُمَّ تقول بعد: إنَّه قد ذهب بعضه، ولم
يبق منه إلاَّ أقله، وهو دعائم الرحمن، وفيه ما يحتاج إليه من أمور
الله في كل شأن؟!
فإن كان ذلك عندك كذلك؛ فقد ذهبت أكثر فرائض الله سبحانه، وعدمت
حجته فتركت، وعطلت ورفضت، واستبْدَلْتَ بنور الحق وبهجته؛ حيرة
الباطل وظلمته، فلا ذنب للعباد فيما جهلوا من الحق، وارتكبوا من
الفساد، وتركوا من فرائض الله الَّتِي قد ذهبت مع ذهاب عامة كتابه،
إذ هم عنها غافلون، ولها جاهلون، إذ لم يجدوها، ولم يطلعوا عليها
ولم يعلموها.
(2/378)
ومن قال بذهاب بعض
القرآن؛ دخل عليه بقوله الفساد في أمره ودينه، حتَّى لا يقوم له
حجه، ولا تثبت له بينه، وذلك(1) أنَّه لو قال له قائل: أنت أيها
المناظر تزعم أن القرآن قد ذهب منه بعضه، لا بل تقول ذهب أكثره؛
وأنت تعلم أن القرآن ناسخ، ومنسوخ، وأمر ونهي وخبر، وهذه الفرائض
الَّتِي في هذه البقيه؛ الَّتِي بزعمك بقيت في أيدي الناس؛ فهي
منسوخة كلها، وليست بمبينة للحكم، والمبينة للحكم فهي ما قد نسخها،
مما قد ضل وذهب؛ لقطعه وأفسد ما في يده؛ من قوله: إن القرآن قد ذهب
بعضه، واضطره إلى أن يبطل(2) ما في القرآن من هذه الأحكام،
المعروفة عند جميع أهل الإسلام؛ أو يرجع إلى الحق، ويقول في القرآن
بالصدق، فيقر(3) أنَّه هو بعينه، لم يذهب منه شيء، وأنه محفوظ
ممنوع من كل غي. وإنَّما ألزمناه ذلك لأنَّه يزعم أن بعض القرآن قد
ذهب، ومن قال بذلك لم يدر أهذه الفرائض الَّتِي في الكتاب الذي في
أيدي المسلمين منسوخة أم ناسخة؟ وأن من(4) لم يعلم ذلك علماً
يقيناً لم يجب عليه الإقرار بما لا يوقنه، فضلاً عن العمل به.
__________
(1) في (ب): وكذلك.
(2) في (ب): إلى ما يبطل.
(3) في (أ): ويقر.
(4) في (ب): فإن لم يعلم.
(2/379)
بل لو كابره مكابر
مخالف؛ فقال(1) له: عندي ما ذهب من القرآن، وأنا أقيم عليه وأقيمه،
وهو ناسخ لما(2) في هذه البقية، فأنا لا أقيم هذه الأحكام الَّتِي
قد نسخت، وأقيم الأحكام الَّتِي نَسَخْتَها، وأعبد الله سبحانه
بالفرائض الَّتِي ذهبت من هذا القرآن؛ الناسخة لهذه البقية في أيدي
الناس، وأنا بذلك عالم، لأنَّه عندي وفي يدي؛ ثُمَّ ذكر وادعى أن
الفرض(3) في الصيام هو صيام رجب، وأن صوم رمضان منسوخ، كما نسخ
غيره من الصلاة إلى بيت المقدس، وغير ذلك من الأحكام، وقال: أنا
أصلي الصلاة في أوقاتها الَّتِي سميت في هذه(4) البقية، لأن هذه
الَّتِي معك منسوخة، نسختها الأحكام الَّتِي ضلت وذهبت، وقال:
إنَّه لا يجلد الزاني، ولكن تقطع يده، ولا يقطع السارق؛ ولكن يجلد
مائة جلدة، وادعى أن هذا الحكم مثبت فيما ذهب من القرآن، وأنه قد
فهم ذلك منه وعلمه، وقال: إن حكم السارق والزاني في هذه البقية
الَّتِي تزعم أنها بقيت في أيدي الناس منسوخ، نسخه ما جهل من
القرآن وذهب، فأنا أعمل بالناسخ واترك المنسوخ. وكذلك يعارضه في كل
فرائض القرآن، فإذا عارضه معارض بهذا القول؛ لم يكن له(5) أن يدفعه
بها صغرت ولا كبرت(6)، لأنَّه قد أجابه وأجمع معه على أن القرآن قد
ذهب بعضه، بل عامته في زعمه. ولو كان القرآن كذلك؛ لكان الناس كلهم
قادرين على ادعاء ما أحبوا أن يدعوا من ذلك، ولبطلت فرائض الله
وحدوده، ولم يقم لله حد على عباده، لأن ما قال من ذلك لو كان يدرأ
الحد(7)؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( ادرأوا
الحدود بالشبهات )).
__________
(1) في (ب): وقال.
(2) في (أ): لكل ما في.
(3) في (ب): الفرائض.
(4) يعني الَّتِي معه الَّتِي قد زعم أنَّها ذهبت.
(5) في (أ، ج): لم يكن له بُدٌّ.
(6) في هامش (ج): أو كبرت
(7) في هامش (ج): لدرأ.
(2/380)
وهذا القول الفاسد
المحال، الكاذب المضل الضآل؛ فلو أجاب إليه المسلمون قائله، أو جاز
أن يقول به المؤمنون؛ لوجب عليهم وعلى إمامهم أن يأتوا بناسخه،
ومنسوخه، وجميع ما ذهب منه، وإلا فلم يجب لهم على كل ذي حَدٍّ
يَدٌ؛ لأن كل ذي حد وجب عليه في شيء أحدثه يزعم ويدعي أن حكم الله
بالأدب في ذلك منسوخ، ويقول: إنَّه لا يحد بهذا الحد في هذا الجرم،
وإن حده غير هذا الحد الذي في هذه البقية بزعم من يزعم أن القرآن
ناقص، ويقول: هلموا ما ذهب منه فاتلُوْه؛ فإن لم تجدوا فيه ما ينسخ
هذا فحدُّوني، وإن وجدتم فيه ما أدعي فخلوني. فتعالى الله عما يقول
فيه المبطلون علواً كبيراً، والحمد لله رب العالمين كثيراً، الحافظ
لكتابه المانع له من كل خطأ وزلل، أو ذهاب، أو نقصان. وكيف يذهب من
القرآن قليل أو كثير؛ وهو حجج الواحد اللطيف الخبير، وفيه فرائضه
على الخلق سبحانه؟ فقد حُفِظ ومُنِع ........... (1) من كل شأن من
الشأن.
فتأويل قال بنقصان الفرقان، أما سمع قول الواحد الرحمن: {بَلْ هُوَ
قُرْآنٌ مَجِيْدٌ فِيْ لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21ـ22]، فأخبر
أن القرآن عنده، محفوظ له جل جلاله. وفيه ما يقول: {وَإِنَّهُ
لَكِتَابٌ عَزِيْزٌ لا يَأْتِيْهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيْلٌ مِنْ حَكِيْمٍ حَمِيْدٍ} [فصلت:
41ـ42]، ويقول سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر:9]، فأخبر أنَّه لما نزل من
الذكر حافظ، ولم يلفظ بغير الحفظ فيه لافظ، إلاَّ عم جاهل، وعن
الرشد والحق زائل، ولقول الله مبطل معاند، ولما ذكر الله من حفظه
له جاحد.
__________
(1) بياض في (ب ، ج) فقط.
(2/381)
وفي ذلك ما حدثني أبي
عن أبيه، أنَّه قال: قرأت مصحف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي
الله عنه، عند عجوز مسنة، من ولد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن
أبي طالب؛ فوجدته مكتوباً أجزاء، بخطوط مختلفة، في أسفل جزء منها
مكتوب: وكتب علي بن أبي طالب، وفي أسفل آخر: وكتب عمار بن ياسر،
وفي آخر وكتب المقداد، وفي آخر: وكتب سلمان الفارسي، وفي آخر: وكتب
أبو ذرالغفاري، كأنهم تعاونوا على كتابته، قال جدي القاسم بن
إبراهيم صلوات الله عليه: فقرأته فإذا هو هذا القرآن الذي في أيدي
الناس حرفاً حرفاً، لا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً؛ غير أن مكان:
{قَاتِلُوا الَّذِيْنَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبه:
123]؛ اقتلوا الذين يلونكم من الكفار، وقرأت فيه المعوذتين.
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ومن الحجة في حفظ القرآن،
وإبطال ما يقال به من ذهابه وافتراقه، وزواله ونقصانه؛ قول رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به
لن تضلوا من بعدي أبداً، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف
الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتَّى يردا علي الحوض ))، فأخبر صلى
الله عليه أن الله جل ثناؤه أخبره بنبأئهما، وبأنهما حجة منه على
خلقه، باقية في أرضه إلى يوم حشر العالمين.
والحمدلله رب العالمين، أولاً وآخراً وصلى الله على سيدنا محمد
وآله وسلم.
*****
كتاب
تفسير معاني السنة
تفسير معاني السنة والرد على من زعم أنها من رسول الله من كلامه
صلى الله عليه وآله وسلم
m
(2/382)
الحمدلله علام
الغيوب، البريء من كل نصب ولغوب، الواحد العلي، القدوس الأزلي،
الذي رفع السماء فبناها، وسطح الأرض فطحاها، خالق المخلوقين، ورب
المربوبين، وباعث الموتى، ومبتدئ الأحياء، العالم بخفيات سرائر
الغيوب، المطلع على غوامض سرائر القلوب، المتعالي عن القضاء
بالفساد، المتقدس عن اتخاذ الصواحب والأولاد، الآمر لعباده
بالرشاد، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، الواحد الأحد
العليم الخبير.
أحمده على ما من به فينا، وتفضل به سبحانه علينا، من ولادة
النبيين، ووراثة علم المرسلين، ونشكره على ما خصنا به، وجعلنا
بفضله من أهل القيام (1) بحجته، والدعاة (2) لخلقه إلى ما افترضه
عليهم، وأوجبه إيجاباً مؤكداً فيهم، من الأمر بأمره، والنهي عن
نهيه، والحكم بكتابه، والاتباع لدينه، والمجاهدة لمن جاهده (3)،
والمعاضدة لمن نصره، والمعاداة لأعدائه، والموالاة لأوليائه،
والقيام بأكبر فروضه قدرا، وأعظمها لديه خطرا، وهو الجهاد في
سبيله، والمباينة لمن عَنَدَ عن دينه، وفي ذلك ما يقول جل جلاله،
عن أن يحويه قول أو يناله: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِيْنَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِيْ سَبِيْلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ
وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاً فِيْ التَّوْرَاةِ
وَالإِنْجِيْلِ وَالْقُرَآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ
اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيْمِ} [التوبة:111]، ثم قال تبارك
وتعالى فيما يذكر من تعظيم ما ذكرنا من الجهاد الكريم: {لا
يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ غَيْرُ أُولِي
الضَّرَرَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِيْ سَبِيْلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ
__________
(1) في (أ، ج): من أهله من القيام.
(2) في (أ، ج): والدعاء.
(3) كذا في النسخ، وظننا في هامش (ج) بقوله: عانده.
(2/383)
فَضَّلَ اللّهُ
الْمُجَاهِدِيْنَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى
الْقَاعِدِيْنَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى
وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِيْنَ عَلَى الْقَاعِدِيْنَ أَجْراً
عَظِيْماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ
اللَّهُ غَفُوراً رَحِيْماً} [النساء:195 ـ 196]، ثم قال سبحانه
فيما أمر به عباده من النفير في سبيل الله، والإحياء لشرائع دينه:
{انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ فِيْ سَبِيْلِ اللَّهِ ذَلِكَمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة:41]، ثم قال تخويفاً للقاعدين،
وإعذاراً وإنذاراً للمتربصين، واحتجاجاً على المتخلفين؛ عن واجب ما
أوجب أحكم الحاكمين، وتبييناً لفضل المنابذين؛ لمن نابذ شرائع
الدين، وجهد في إبطال الحق واليقين، وكان ضداً مدافعاً للحق،
وكهفاً وسنداً للفسق: {إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعْذِّبْكُمْ عَذَاباً
أَلِيْماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ
شَيْئاً وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ} [التوبة:39]، ثم ذكر
سبحانه فذم ذا التَّعِلاَّتِ(1)، وأهل التأويلات الباطلات، فأخبر
أنه لاعذر لهم فيما به يعتذرون، ولاحجة لهم فيما فيه يتأولون، من
التعلق بالشبهات، والتسبب لمنال (2) الفكاهات، والتلذذ بمقاربة
الأولاد والزوجات، وجميع الأموال من التجارات، فقال سبحانه تحذيراً
لهم، وتنبيهاً عن وسنتهم، وتيقيظاً (3) لهم من رقدتهم: {قُلْ إِنْ
كَانَ آبآاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيْرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ
تَخْشَونَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ
إِلِيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٌ فِيْ سَبِيْلِهِ
فَتَرَبَّصُوا حَتَّى
__________
(1) يعني أصحاب الأعذار الكاذبة.
(2) في (ب): والتسبب لمثال.
(3) في (ب): وتيقظاً.
(2/384)
يَأْتِيَ اللَّهُ
بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقْيْنَ}
[التوبة:24]،سمى من كان كذلك، أو ضرب لنفسه (1) تأويلاً (2) في ذلك
فاسقين، وأوجب لهم ما أوجب على الفاجرين، من عذاب الجحيم، والخلود
في العذاب الأليم. ثم قال سبحانه ترغيباً لعباده المؤمنين،
وإخباراً لهم بما أعد لهم على الجهاد من الثواب المبين: {يَا
أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ
تُنْجِيْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيْمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ
وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِيْ سَبِيْلِ اللّهِ بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِيْ
مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِيْ جَنَاتِ
عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيْمِ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا
نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٍ قَرِيْبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِيْنَ}
[الصف:10 ـ 13]، صدق الله سبحانه إن ذلك للتجارة الكبرى، والكرامة
الجليلة العظمى، والحظ العظيم، والأمر الجسيم؛ الذي جل ذكره وعظم
قدره، وحسن عند الله مآب فاعله، وجل لديه سبحانه خطر القائم به،
جعله له سبحانه مؤتمناً على خلقه، ومرشداً إلى أمره، خصه بخواص
الكرامة الكاملة، وأعطاه العطية الفاضلة، وجعله حجةً شاملة، ونعمةً
على الخلائق دائمة. نسأل الله إيزاع شكره، وبلوغ ما نؤمل من طاعته،
فإن ذلك أفضل ما أعطى الخلق من العطاء، وأعظم ما بلغه بالغ من
الرجاء، ونسأل الله أن يصلي على محمد عبده ورسوله المصطفى، وأمينه
المرتضى، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، وصفوته من بريته، صلى
الله عليه وأهل بيته الطيبين الأخيار، الصادقين الأبرار، الذين
أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
__________
(1) في (أ) و(ج): ثم سمى.
(2) في (ب): تأولاً.
(2/385)
ثم نقول من بعد الحمد
لله والثناء عليه، والصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أما
بعد، فإنا نظرنا في أمور هذه الأمة وأسبابها، وقلبنا ما قلبنا من
حالها وأخبارها، وافتراق أقاويلها، وفساد تأويلها، وقلة ائتلافها؛
فوجدنا أمورها تدل على أنها ضيعت ما به أمرت، حتى صعب قيادها، وكثر
حيادها؛ فقلَّ(1) فهمها، (وقل احتياطها)(2)، وكثر تخليطها، وصار
لكلها قول مقول، وعمل فادح معمول، ينفر منه القلب الجهول، فضلاً عن
أهل المعرفة والعقول.
__________
(1) في (أ،ج): وقل.
(2) زيادة من (أ).
(2/386)
كان من أنكر قولها،
وأعظم جهلها؛ ما قالت به في الله سبحانه، ورمت به بجهلها رسوله،
فزعمت لعظيم غفلتها وغامر(1) رقدتها؛ أن دينها الذي به تعبدها ربها
كتاب ناطق مضيء، وسنة جاء به من نفسه النبي، شرعها من ذاته،
وتخيّرها للعباد بنظره، لم يأمر بها الرحمن، ولم تنزل عليه في آي
القرآن، فزعمت بذلك من قولها، ولزمها في أصل مذهبها، وحاق بها في
جميع قولها؛ أنها(2) زعمت فيما ذكرت وقالت: أن الله سبحانه وكل
نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في الدين إلى نفسه، ولم يشرع له كلما
يحتاج إليه من فرضه، كأن لم تسمع الله سبحانه يقول، فيما نزل على
نبيه من القول: {مَا فَرَّطْنَا فِيْ الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}
[الأنعام:38]، ويقول سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ
تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى
لِلْمُسْلِمِيْنَ} [النحل:89]، وكأن لم يسمعوا قوله: {أَوَلَمْ
يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى
عَلَيْهِمْ إِنَّ فِيْ ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51]، فأخبر سبحانه بقوله: {أَوَلَمْ
يَكْفِهِمْ} أن فيما نزل من تبيانه، ونوره وبرهانه؛ كفاية لهم في
كل ما افترض عليهم، ولو كان ترك شيئاً مما يحتاجون إليه لم ينزله
على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن وعلى لسان جبريل؛ لم
يقل: أولم يكفهم، فدل بما شهد به من الكفاية لهم على أنه لم يكل
نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم؛ إلى استخراج شيء مما افترض عليهم
وعليه، وإنه لم يترك شيئاً من فرائضه، ولا شرائع دينه؛ إلا وقد
أوحى به إلى رسوله وحياً، ونزل عليه به نوراً وهدىً، فلم يكف هذه
الأمة؛ ما نزل الله فيما ذكرنا من الحجة؛ حتى قالت: إن كل فرع مفرع
مما فرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو منه اختياراً
وتمييزاً من نفسه، وأن ذلك ليس هو من ربه.
__________
(1) في (ب): لعظيم غفلتها وغامرة.
(2) في (ب): أنما.
(2/387)
من ذلك ما قال الله
سبحانه في الصلاة الموجبة والزكاة المفترضة؛ حين يقول: {أَقِيْمُوا
الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43، وغيرها]. فزعمت هذه
الأمة فيما ذكرت، وبه على الله سبحانه اجترأت، أو من قال بذلك
منها؛ أنه لم يكن من الله جل جلاله وعظم عن كل شأن شأنه في الصلاة
غير ما أمر به من إقامتها، وأنه لم يحد لنبيه صلى الله عليه وآله
وسلم شيئاً من حدودها، ولم يوقفه على ما به كمالها؛ من ركوعها
وسجودها وعدد ركعاتها، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
اخترع ذلك من نفسه، وسنه لأمته، وجعله ديناً لها من ذاته. وأن
شرائع الزكوات وما به تجب الزكاة في الأوقات المفروضات المؤقتات،
وما يؤخذ من الأموال الصامتة والأنعام السائمة والأطعمات، وما يجب
في التجارات من الأعشار وأنصافها، وما حدد في ذلك كله من الحدود
المعروفة، وأوقف عليه في كل ذلك من الأفعال المفهومة؛ من رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم لا من الله؛ وأن ذلك شيء فعله برأيه،
واختاره بتمييزه(1)، وفعله باجتهاده، وفرضه على أمته، دون خالق
المخلوقين، وإله العالمين.
وكذلك قالوا في جميع الفرائض(2) المفروضة، والفروع المفرعة(3).
فزعمت هذه الأمة، أو من قال بذلك منها: أن ما كان في الكتاب ناطقاً
موصولاً؛ فهو من الله فرض مفترض، وما كان من تفريع الأصول، وتمييز
ما ميز صلى الله عليه وآله وسلم من الفصول؛ فإنه منه لا من الله،
وأنه فعله لا فعل الله، ثم سموا ذلك الفرع سنة، وأخرجوا معنى السنة
من الفريضة، وتوهموا أن ذلك كما قالوا، ولم يعلموا ما عليهم في
ذلك، حتى حكموا به وسموه كذلك.
__________
(1) في (ب): لتمييزه.
(2) في (أ): قالوا جميعاً في الفرائض.
(3) في (أ،ج): المتفرعة.
(2/388)
فلما عظم الأمر، وجل
الخطر، ورأينا الهلكة واقعة بهم، والضلالة شاملة لهم؛ رأينا أن
نفسر قول القائل: (سنة)، ونشرح ما السنة؟ وكيف كان تفريع رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم ما فرع من الأصول المنزلة، التي جاءت في
كتاب الله سبحانه مجملةً.
فقلنا: إن رسول الله عليه السلام لم يكن ليخترع أمراً دون الله
سبحانه، وأنه كما قال صلى الله عليه وآله وسلم حين يقول: {إِنْ
أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِليَّ} [الأحقاف:9]، وكما قال عليه
السلام: {وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُتَكَلِّفِيْنَ} [ص:86].
(2/389)
ونقول: إن الله
سبحانه لم يكل شيئاً من ذلك إلى نبيه يبتدعه ولا يشرعه، ولا يفرضه
ولا يثبته، إذاً لقد كلفه شططاً من أمره، وألزمه معوزاً من فعله،
بل القول في ذلك المبين، والحق النير اليقين؛ أن الله سبحانه، وجل
عن كل شأن شأنه؛ أصَّل(1) أصول فرائضه في الكتاب المبين، ونزله على
خاتم النبيين، فجعل في كتابه أصل(2) كل ما افترضه من الدين، وبينه
لجميع العالمين، فكانت أصول الدين في الكتاب كلها، وجاءت الفصول
مفصولة، والفروع المفرعة؛ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من
الله ذي الجلال والإكرام؛ على لسان الملك الكريم؛ جبريل الروح
الأمين، فنزل شرائع(3) الدين، وتفريع أصول القرآن المبين، على محمد
صلى الله عليه وآله وسلم كما نزل عليه السلام بالأصول إليه، وكان
نزوله بالفروع مفرعةً؛ كنزوله بالأصول المجملة المجتمعة، وأدى
جبريل الروح الأمين، إلى محمدٍ خاتم النبيين؛ فروع شرائع الدين، عن
الله رب العالمين؛ كما أدى مجملات أصول القرآن المبين. والسبب في
تفريق ذلك من الله، فنظر من الله لبريته، وعائدة على خلقه، ولطف في
فعله وصنعه، وتقوية لمن أراد حفظ كتابه، وجعل(4) ما نزل من وحيه
وبيانه. فخفف عنهم في الكتاب، وأعانهم بذلك في كل الأسباب، ففرق
بين الأصول الموصلة، والفروع المفرعة، فجعل الأصول في الكتاب مجملة
جاء بها جبريل، وجعل الفروع في غير الكتاب جاء بها أيضاً جبريل،
وكل من الله(5) وحي مبين وتفصيل، وفرضاً منه سبحانه وتنزيل، بعث
بهما كليهما رسولاً واحداً، ملكاً عند الله مقرباً، أميناً
مؤتمناً، فأدى إلى الرسول ما به أرسل، وتلا عليه من ذلك ما أمر
بتلاوته عليه، فكان ذلك من الله فرضاً مميزاً، وديناً من الله
مفترضاً، لم يكن من رسوله فيه اختيار، ولم يشرع لأمته من دين الله
إلا ما
__________
(1) في (ب): أنزل.
(2) في (أ،ج): أصول.
(3) في (ج): بشرائع.
(4) كذا في النسخ وظنن في هامش (ج) بـ وحمل.
(5) في (ب): فكان من الله.
(2/390)
شرع الله، ولم يأمرها
إلا بما أمرها الله، ولم ينهها إلا عما نهاها الله.
من ذلك ما قلنا به من قول الله: {أَقِيْمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا
الزَّكَاةَ} [البقرة:43، وغيرها]، فنزلت هاتان اللفظتان في القرآن
موصلتين، وجاءتا فيه مجملتين، فاحتملت الصلاة أن يصلى كثيراً أو
قليلاً، إذ جاء ذلك مجملاً، ثم فسر الله ذلك على لسان جبريل، كما
نزل على لسانه القرآن الجليل، فجعل الله الظهر أربعاً، والعصر
أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والعتمة أربعاً، والصبح اثنتين، فبين
لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم تفسير ما جاء في كتابه مجملاً؛ من
أمره بالصلاة جزماً، ولم يكله إلى أن يتكمه في ذلك تكمهاً، ولا أن
يتخبط فيه صلى الله عليه وآله وسلم تخبطاً. وكذلك لمَّا أن قال
سبحانه(1): {وَآتُوا الزَّكَاةَ}، احتمل أن تؤخذ من كل دينار
ودرهم، وشاة وجمل، ومدّ ومكوك(2)، ومن الغني والفقير، ومالك ألف
شاة، ومستغل ألف مد، ومستغل مد، وصاحب ألف دينارٍ وصاحب دينار؛
لأنه سبحانه يقول: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيْهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]، ولم يفسر
فيما أنزل من القرآن، كم يأخذ من كل إنسان، مالك الحقير والقليل،
ومالك الكثير والجليل. ثم فسر سبحانه على لسان الملك الذي نزل
بالقرآن، من عند الواحد الرحمن؛ ما يجب في الأموال، وما يؤخذ من
أهلها في كل حال، وما يجب على المالك المؤسر، وفي كم تسقط عن
المالك المعسر، وكم هي؟ وكيف هي؟ حتى سنن أسنان مواشيها، فجعلها
سناً سناً، في عدد معروف معلوم، وكذلك فيما يكال ويوزن من الوزن
والكيل المفهوم.
__________
(1) في (ب): قال سبحانه.
(2) المُدّ: مكيال، وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز، ورطلان عند أهل
العراق، والمكوك كذلك، وهو ثلاث كيلجات، والكيلجة مناً وسبعة أثمان
مناً، والمنا رطلان.
(2/391)
وكذلك قال تبارك
وتعالى في الديات، فقال: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ
بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ
أَخِيْهِ شَيْءٌ فِاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ
بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيْفٌ مِنْ رَبّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمْنِ
اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيْمٌ} [البقرة:178]،
(فقال سبحانه: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيْهِ شَيْءٌ
فِاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ})(1)،
فقال: {عَفَي} يريد من القتل(2) إلى الدية، فأمر(3) بأداء الدية
إلى من عفى، إذا قبل الدية وأرادها. ثم قال سبحانه في موقع آخر:
{فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء:92]، في قتل الخطأ
فأوجب الدية. وقال في موضع آخر: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}
[المائدة:45]، فجعل في جروح العمد القصاص، وجعل القود(4) في قتل
العمد، وجعل الديات في جروح الخطأ، فأنزل ذكر ذلك في الكتاب
مجملاً، ولم يجعله مشروحاً مفسراً، ثم بينه على لسان نبيه وفسره،
وجعل الدية ألف مثقال في أهل الذهب، وعشرة آلاف درهم قفلة في أهل
الدراهم، وجعلها ألفي شاة في أهل الغنم، وجعلها مائتي بقرة في أهل
البقر، ومائة من الإبل في أهل الإبل، ثم سنَّنَهَا وبيَّنها على
لسان نبيه عليه السلام، ثم لم يكن من رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم في ذلك شيء إلا البيان، والأداء عن الله بإحسان.
__________
(1) ليس في (أ).
(2) في (ب): فقال عفا، يريد عفا من القتل.
(3) في (أ): ثم أمر.
(4) في (أ): كما جعل القود. والقود هنا: القصاص.
(2/392)
وكذلك جميع الفرائض
والمواريث، ففسر منها في كتابه ما فسر(1)، وفسر على لسان نبيه(2)
باقي ذلك. وكذلك في جميع أحكام الحلال والحرام، فكل ما قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه حلال؛ لا يجوز تحريمه، وما قال
إنه حرام؛ لا يجوز تحليله، وكل ما أوقف الأمة عليه، وجعله فرضاً
عليها مفروضاً؛ لم يجز لها تعديه، ولم يطلق لها النقصان ولا
الزيادة فيه؛ فهو من الله سبحانه لا منه صلى الله عليه وآله وسلم،
لم يزد رسول الله عليه السلام فيما أمر به، ولم ينقص منه، بل أدى
الأمانة والنصيحة فيه صلوات الله وبركاته عليه.
فمن قال: إن شيئاً من هذه المحصورات(3)؛ من المحرمات والمحللات؛
كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة ابتدعها لم تبين ولم
تشرح ولم تشرع؛ فقد جهَّل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
وجهَّل في قوله بذلك الله عز وجل، سبحانه عن ذلك، وتعالى علواً
كبيراً أن يكون كذلك، أو أن يكل نبيه عليه السلام إلى نفسه، أو أن
يجعل إليه شيئاً من فرض دينه، حتى يفرضه دونه.
ومعنى قول القائل: سنه، فإنما هو بينه وأظهره، وذكره عن الله
وشرعه، وبينه عنه سبحانه وأعلنه، لا أنه اقترحه ولا اخترعه.
__________
(1) في (ب): المفسر.
(2) في (ب): لسانه.
(3) في (ب، ج): المحظورات.
(2/393)
ومن الحجة في ذلك أن
يقال لمن قال أو ظن هذا القبيح من الظن: أخبرنا عن دين الإسلام
وأحكامه، وما جعل الله تبارك وتعالى فيه من نوره وبرهانه، وما
اختار(1) فيه سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم؛ هل كان عند
الله معلوماً، ومن قبل خلق الدنيا في علمه تبارك وتعالى مفهوماً،
لا يزل عنه منه صغير، ولا يغيب عنه طول الدهر منه كبير؟ فلا يجد
بداً من أن يقول: نعم، قد كان دين الإسلام وشرائعه، وما جعل الله
تبارك وتعالى فيه من فروضه وحدوده؛ عند الله سبحانه معلوماً، لم
تزد بعثة محمد ولا إيجاده في حدود الإسلام وما علمه الله من فرائض
دين محمد عليه السلام شيئاً، بل جاءت وكانت، وافترضت وبانت؛ بعد
بعثة محمدٍ على الأصل الذي كان عند الله معلوماً، الذي(2) اختاره
على الأديان كلها لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولأمته.
فيقال له عند إتيانه بما ذكرنا، وتثبيته(3) لما قلنا وشرحنا: أيها
المناظر، إذا كان عندك هذا القول على ما قلت، فمن أين علم محمد صلى
اللّه عليه جميع ذلك؟ حتى استخرج مكنون علم اللّه القديم، وشرائع
دين اللّه الكريم، حتى أتى بها على ما كانت، وبينها على ما فرضت،
وأقامها على ما حددت، من قبل إيجاده وخلقه، وكينونته (وبعثته) (4).
فإن قال: استخرجها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بعقله،
واستدل عليها بلبه.
قيل له: سبحان اللّه ما أجهل هذا المقال، وأفحش هذا الفعال؟! وكيف
يستدل بعقل على علم غيب عند اللّه مكتوم؟! هذا ما لا يكون أبداً؛
إذ المخلوقون(5) لا يعلمون غيباً، ولا يفهمون(6) مما استسر به
سراً.
فإن قال: عَلِمَه بتوفيق الله.
__________
(1) في (ب): ومما اختاره.
(2) في (ج): وما الذي.
(3) في (أ): وتبيينه.
(4) ليس في (أ).
(5) في (ب): والمخلوقون.
(6) في (ب): ولا يفقهون.
(2/394)
قيل له: ليس هذا مما
يلزمه التوفيق، ولا يجوز عليه فيه طرف من التحقيق، لما فيه من عظيم
فروض الله، وجليل صنع الله، وأمره ونهيه، وزجره وفعله، وما أوجب به
وفيه وعليه من الثواب للمطيعين، والعقاب على العاصين. وإنما يكون
من اللّه التوفيق في غير المفروضات من الأمور، فأما شرائع الدين؛
وما تعبد به المسلمين؛ فلا يكون إلاَّ بتبليغ الرسل، والاحتجاج
بذلك على جميع الملل. فلا يَجد بدًّا من الإقرار بالحق، والتعلق
بعلائق الصدق(1)، والرجوع إلى قول المؤمنين، أو أن يثبت على باطله،
من بعد إثبات الحجة (عليه في مذهبه) (2)، فيكون عند نفسه وعند غيره
مكابراً، وللحجج البالغة مناصباً، ولا يجوز له في دينه احتجاج ولا
بيان، ولا يجد على الباطل بحمد اللّه عوناً ولابرهاناً، فإذا بان
له خطأ هذين المعنيين، وفساد هذين الوجهين؛ لم يجد بداً من أن يقول
بقولنا؛ فيزعم أن جميع ذلك من اللّه سبحانه وحي أوحاه إلى نبيه على
لسان مَلَكِه، كما أوحى القرآن على لسانه.
ولعمري ما سبيل أصول الأحكام، وما تعبد اللّه به أمة محمد عليه
السلام؛ إلاَّ كفرعها، ولا فروعها إلاَّ كأصولها، وما أصولها وإن
جاءت في الكتاب مجملة؛ بأوكد فرضاً من فروعها المتفرعة، وما كان
محمد عليه السلام إلى علم مجملها؛ بأحوج منه إلى علم فروعها؛ لأن
الفروع هي العمل، والعمل فهو الإيمان؛ لان الإيمان كما قال أمير
المؤمنين: (( قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول )). والفروع
فهي أصول الأعمال وأصول الإيمان، وإذا كان ذلك كذلك؛ فلا بد أن
سبيلها عند اللّه كسبيل ما أجمل في القرآن، لا يختلف معنى الفروع
والأصول، إلاَّ عند من سُلِبَ العقول.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ب): والتعليق بالصدق.
(2/395)
ومن الحجة على ما به
قلنا؛ من أن اللّه سبحانه نزل الفروع على نبينا(1)، كما نزل الأصول
في كتابنا؛ قول اللّه سبحانه: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ
وَلاَ الإِيْمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ
نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ}[الشورى: 25] فأخبره أنَّه لم يكن يدري ما هذا الكتاب
المجمل، ولا هذه الفروع التي هي الإيمان المنزل.
وفي ذلك ما يقول: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى}[الضحى: 7]، يريد
تبارك وتعالى ضالاً عن شرائع الدين، وفروع ما أجمل في القرآن
المبين، فلم يكن صلى اللّه عليه يدري كم يصلي الظهر، ولا كم عدد
العصر، ولا كم يأخذ من أموال الناس المسلمين من الزكاة، ولا كم فرض
اللّه عزَّ وجل فيها، ولا متى تجب، ولا في كم تجب، بل كان ضالاً عن
ذلك كله، وضلاله عنه فهو: جهله به، وقلة معرفته بما يريد اللّه أن
يفترض عليه. فلم يكن عليه السلام يعلم من ذلك إلاَّ ما عُلِّم، ولم
يفرض على الأمة إلاَّ ما به أُمِر، ولم يكن من المتكلفين، ولا من
غير ما أمر به من المتكلفين(2).
__________
(1) في (ب): على ما بينا.
(2) كذا في النسخ، ولعلها: ولا بغير ما أمر به من المتكلمين. كما
ظن بذلك في (ط).
(2/396)
ومن الحجة في ذلك
أنَّه لو كان كما يقول الجاهلون، ويتكلم به الضالون، من أن رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فرع هذه الفروع، من نفسه،
وأوجدها(1) وبينها من دون ربه؛ لكان محمد عليه السلام؛ المفترض
لجميع هذه الفرائض والأحكام على جميع الأنام، دون اللّه الواحد ذي
الجلال والإكرام، ولو كان صلوات اللّه عليه المفترض لذلك، المحدد
له الجاعل على أمته، لكان هو المتعبد لها بفرضه، المدخل لها في
حكمه، المصرف لها في عبادته، دون اللّه تبارك وتعالى عن ذلك، وحاشا
لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون كذلك؛ لأن الأمة إنما
عبدت اللّه بهذه الشرائع وهذه الفروع، وبإقامة هذه الأحكام، وتحليل
الحلال منها وتحريم الحرام.
فلو كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما يقول الجاهل(2)
من أهل هذا المقال ـ هو المفرع لهذه الفروع والناشر لها والمتخير
فيها، المحلل لحلالها المحرم لحرامها، اختياراً منه بفعله،
وتمييزاً منه بلبِّه، وحتماً منه على أمته، اختراعاً له دون ربه؛
لكان محمد متعبداً(3) للأمة بفرضه، وكانت الأمة عابدة محمداً دون
ربه؛ إذ هي قائمة بفرائض محمد ساعية فيها، مقيمة لها مستقيمة
عليها. وفي هذا ومثله وفي القول بيسيره أكفر الكفر بالله سبحانه
وأجهل الجهل به، وأكبر الطعن على رسوله، تعالى اللّه عن ذلك علواً
كبيراً.
بل القول في ذلك أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يفترض
فريضة دون الله، ولم يحكم في دَمٍ ولا فَرْج إلاَّ بالله، وأن
اللّه سبحانه هو مؤصل الأصول، ومجمل المجمل(4)، ومفصل المفصل،
ومفرع المفرعات، ومبين الملتبسات، المتولي لتعبد خلقه؛ بما شاء
سبحانه من فرضه. وأن نبيه صلوات اللّه عليه لم يزد ولم ينقص في شيء
مما أمر بتبيينه للعباد، وأنه قد بلغ وأرشد غاية الإرشاد.
__________
(1) في (ج): وأوجبها.
(2) في (أ): الجاهل.
(3) في (ج): مستعبداً
(4) في (ب): الجمل.
(2/397)
ثم نقول: إن كل ما
قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: أنَّه حرام لا يجوز
تحليله، أو إنَّه حلال لا يجوز تحريمه، ومحظور لا يجوز إطلاقه،
ومطلق لا يجوز حظره؛ فإنه من اللّه لا منه، وأنه لم يفعل ذلك إلاَّ
بأمر الله، ولم يتعد فيه فرض الله، وأن ذلك لا زم للأمة، وأنَّ لمن
خالفه أو نقض بعضه العقاب والعذاب، وأن لمن أدَّاه على وجهه وعبد
اللّه بما تعبده به الثواب.
فكل ما ذكرنا من ذلك من الحلال والحرام، وشرائع الدين والأحكام،
فهي من اللّه حقاً حقاً. وليس حالها كحال غيرها مما جعله رسول
اللّه عليه السلام من نفسه واختياره ورآه، مما لم يجعل اللّه ولا
رسوله على تاركه عقاباً. مثل ما سنَّ من الوتر، وتقليم الأظفار،
وحلق الشعر، والسواك، وتعفية اللحية، وأخذ الشارب، وغير ذلك مما سن
وفعل، واختار لنفسه من زيادات العبادة والصلاة، مثل ما كان يصلي
ويلزم ويحب، من ركعات كان يصليهن فيما سوى الفريضة. ومثل ما كان
يرى من التعزيرات، ويفعله عند النازلات، وما كان يكون منه من
التأديب لأمته على ما يكون من خطأ أفعالها؛
لأن الخطأ من أفعال الأمة على أربعة أوجه(1):
فوجه يجب لله فيه حد، وهو ما جعل فيه سبحانه حداً في كتابه وسماه،
مثل: ضرب الزانيين(2)، وقطع السارقين، وحد القاذفين، وما أشبه ذلك
مما جاء في الكتاب حده مبيناً.
والوجه الثاني: فما نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وآله
وسلم، وحَّده له وأمره به؛ من أدب من ارتكب شيئاً محرماً، مثل: حد
الخمر المحرمة في الكتاب، نزل بالحد فيها ـ وفسره كما فسر غيره من
الفروع ـ جبريلُ لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.
__________
(1) في (أ) و(ج): وجوه.
(2) في (ب): الزانِيْنَ.
(2/398)
والوجه الثالث: فخطأ
من أفعال العباد، يجب للنبي عليه السلام فيه الأدب على فاعله، وهو
مثل رجل لو ضم امرأة إليه، أو قَبَّلها، أو نظر إلى شعرها أو
بشرها، فلرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم الاختيار في أدبه
وتعزيره، على قدر ما كان من فعله وجرمه، يقل الأدب أو يكثر، على
قدر ما يرى من بلوغ الأدب، وجزع(1) المؤدب.
وكذلك الأئمة لها في ذلك الاختيار، تعزر بما رأت، يقل الأدب أو
يكثر، على قدر ما ترى من عظم الجرم وصغره، وبلوغ الأدب في
المؤدَّب، واحتماله للأدب، عليها فرض أن تُعْمِل النظر في ذلك،
وتتحرى التنكيل للمؤدَّبين، قل الضرب في ذلك أو كثر، تطلب بلوغ جزع
المؤدَّب والإبلاغ منه؛ بما ترى فيه من الصلاح له.
والوجه الرابع فهو: الَّلمَم الذي ذكر الله، وهو فعل لا يجب فيه
الحد لله، ولا لرسوله ولا للأئمة أدب. واللمم فهو: ما ألم به صاحبه
من غير تعمد ولا اعتقاد، ولا هم ولا عزم، مثل: النظر عن غير تعمد،
والمزاحمة للمرأة عن غير قصد، وما أشبه ذلك مما لم يتقدم له ذكر في
ذلك على فاعله، ولم يقصد به اجتراء على خالقه، ولا تعمداً لإتيان
معصية(2)، ولا استحلال مُحَرَّم فهذا معنى اللمم الذي ذكره اللّه
سبحانه.
ومن الحجة على من زعم أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فرع
من ذاته شيئاً من الفرائض المحكمات، أو شرع من ذاته شيئاً من
الأحكام المشروعات؛ أن يقال له: خبرنا عن فعل الله، هل هو فعل
نبيه؟ وعن فعل نبيه هل هو فعله؟
فمن أصل قوله إذا كان موحداً، وبالله عارفاً، أن يقول: لا، ثم
يقول: فعل اللّه خلاف فعل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفعل محمد
خلاف فعل اللّه عزَّ وجل. فيقال له حينئذٍ: ألا ترى أن هذا الذي
ذكرت أن محمداً فرعه وشرعه وفصَّله، وأمر العباد بفعله؛ هو فعلٌ
لمحمد؟ فإذا قال: نعم، قيل له: أفليس فعل محمد خلاف فعل الله؟
__________
(1) في (ب): وجزوع.
(2) في (ب) معصيته، محرمة
(2/399)
فإذا قال: نعم. قيل
له: فمحمد إذن هو المفترض للفرائض على الأمة دون الله؛ إذ كان فعل
محمد خلاف فعل اللّه، ومحمد إذاً ـ لو كان ذلك كذلك ـ كان المعبود
بأداء فرائضه دون اللّه؛ إذ الفرض من محمد لا من الله. فلا يجد
بداً إن كان بالله عارفاً، وله موحداً؛ من أن يرد جميع ما تعبد به
الأمة إلى اللّه عزَّ وجل، ويزعم ويقول ويعتقد أنَّه من الله، حتى
يصح له القول بأن المسلمين عبدوا اللّه لاغيره، ويثبت الفعل في فرض
المفروضات لله لا لغير الله؛ لأن العبادة من العابدين لم تصح إلاَّ
بأداء الفرائض لمن افترضها، فمن ثبتت له الشرائع والتفريع
والتبيين؛ ثبتت له الفرائض، ومن ثبت له الافتراض للمفروضات؛ ثبتت
له العبادة في كل الحالات من العابدين، وهم المؤدون للفرائض
المحكمة، والشرائع المثبتة، التي لا تصح لهم عبادة إلاَّ بأدائها،
ولا ديانة إلاَّ بإقامتها.
فهذه حجة على من عرف الله بالغة كاملة، بينة نيرة، تبين لمن أفكر
فيها، وتصح لمن تدبَّر معانيها. والحمد لله رب العالمين، وسلام على
المرسلين.
ومن الحجة على من قال: إن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كما
يقول المبطلون؛ أنَّه لو فرع الفروع من نفسه، وأوجبها على الأمة
دون ربه، لكان المتعبد لنفسه بالفرض(1) الذي أوجبه عليها وفرعه
لها؛ لأنَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أول العابدين، وأخلص
المخلصين، وأقوم القائمين بهذه الفروض المفروضات، والفروع
المفَّرعات، فهو قائم بها، عابد لمن فرضها بإقامته لحدودها.
فالفارض(2) لها هو المعبود دون غيره، فتبارك الله رب العالمين،
الذي فرض فرائضه على جميع المربوبين، الملائكة المقربين، والأنبياء
والمرسلين، وجميع الثقلين.
__________
(1) في (ب): بالفرع.
(2) في (أ) و (ب): والفارض.
(2/400)
وفي تبري رسول الله
صلى اللّه عليه وآله وسلم من التكلف لشيء(1) من فروع أحكام اللّه
عزَّ وجل وفرضه، وما جعل من برهانه ودينه، ما يقول اللّه تبارك
وتعالى: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلاَ
اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ
رَبِّي}[الأعراف: 203].
فإن قال قائل: ما معنى قول من يقول: سنة؟ وما معنى دُعَاء من دعا
إلى الكتاب والسنة؟
قيل له: معنى الدعاء إلى ذلك هو: الدعاء إلى الأصول الموصلة،
والجمل المجملة، والآيات المنزلة. وإلى الفروع المفرعة، والأحكام
المحكمة، والشرائع المبينة، والطاعات المفترضة.
والكتاب فهو جزء من وحي اللّه وأحكامه، وسنته جزء آخر من وحي اللّه
وتبيانه. فسمى الوحي الذي فيه أصول المحكمات من الأمهات المنزلات
قرآناً؛ لأنَّه جعل الأصول إماماً وقواماً، وللفروع المفرعات
أصولاً وتبياناً. وسمى الجزء الثاني من وحي الله عزَّ وجل وفرائضه
سنة وبرهاناً. فكان ما يتلى في آناء الليل والنهار أحق بأن يسمى
قرآناً؛ لما فيه من واجب التلاوات، وما يتعبد به المتعبدون من
الدراسات، وكان ما فسر به المجملات، مما بين به المتشابهات من
الفروع المبينات، أولى بأسماء السنة في الباين من اللغات؛ لأن معنى
السنة، هو: التبيين للموجبات للحجة. لقول العرب: سَنَّ فلانٌ
سُنَّة، تريد بين أمراً، وشرع خيراً، وجعل شيئاً يستنَّ به فيه.
ومعنى: يستن به، أي يقتدى به فيه ويحتذا.
وكذلك وعلى ذلك يخرج معنى قول القائل: سَنَّ رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم كذا وكذا، يريد أظهر وبين ما جاء به من عند اللّه.
والسنة فهي الأحكام المبينة، والفرائض المفصلة، فهي لله سبحانه
ومنه، لا من رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ولا عنه، وليس له
فيها فعل غير التبليغ والأداء، والنصيحة(2) والإبلاء.
__________
(1) في (ب): من التكليف بشيء.
(2) في (ب): وأداء النصيحة.
(2/401)
والسنة فهي سنة اللّه
عزَّ وجل، وإنما نسبت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على
مجاز الكلام؛ إذ هو المبلغ لها، والآتي عن اللّه سبحانه بها، كما
يقال للقرآن: كتاب محمد، وكما يقال للإنجيل: كتاب عيسى، وكما يقال
للتوراة: كتاب موسى، قال اللّه سبحانه في ذلك، وما كان من الأمر
كذلك: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوْسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً
وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً}[هود: 17]، فسماه
كتاب موسى ونسبه إليه، وإنما هو كتاب اللّه عزَّ وجل الذي نزل على
موسى. وكذلك مجرى السنة في قول القائل: سنة رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم، يريد سنة الله، ومعنى سنة الله، فهو فرض اللّه
وحكمه، وتبيانه لدينه وعزمه، قال اللّه جل جلاله: {سُنَّةَ اللَّهِ
الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ
الكَافِرُونَ}[غافر: 85] يريد سبحانه بقوله: سنة الله، أي ذكر
اللّه وفعله، وصنعه في خلقه وأمره.
ومن قال: سنة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يريد بها غير ما
ذكرنا من المعنى، أو توهم في ذلك أنَّه شيء من رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم لا من الله؛ فقد جهل أمر الله، وحرف معاني وتأويل
قول الله، ونسب البهتان إلى رسول اللّه صلى الله عليه، وقال بأفحش
القول في اللّه سبحانه وفيه.
والسنة فلم تعارض الكتاب أبداً؛ بإبطال لحكم من أحكامه، ولا أمر من
أمره، ولا نهي عن نهيه، ولا إزاحة شيء من خبره، ولا رد شيء من
منسوخه، ولانسخ شيء من مثبته، ولا إحكام شيء من متشابهه، ولا تغيير
شيء من محكمه، بل السنة محكمة لكل أمر من الأحكام المؤصلة، المبينة
للمعاني المفصلة، مفرعة للمجملات المنبئة(1) عن التأويلات، يشهد
لها محكم الكتاب، وتنبي عنها جميع الأسباب؛ أنها من اللّه رب
الأرباب.
__________
(1) في (ب): المبينة، وفي (ج): المتبينة.
(2/402)
ومَا رُويَ عن رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ـ من الفروع التي جاءته(1) عن اللّه
عزَّ وجل وتبارك وتعالى، حتى يقال إنها من السنة ـ فَلَمْ يشهد له
الكتاب، ولم يوجد فيه ذكرها مفصلاً، أو مجملاً مؤصلاً ثابتاً،
فَلَيْسَ هو من الله، وما لم يَكن من اللّه فلم يقله رسول الله،
وما لم يقله رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ويحكه عن اللّه؛
فهو ضد السنة لا منها، وما لم يكن منها لم يجز في دين اللّه أن
ينسب إليها.
فآيات الكتاب هي الأمهات؛ لشرائع سنته(2) المفرَّعات، والأمهات فهن
المحكمات، وإليهن ترد المفصلات.
ومن الشواهد لما جاء من الروايات؛ مما حكي من السنن المبينات، وفي
ذلك ما يقول رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( سيكذب عليَّ
كما كذب على الأنبياء من قبلي، فما أتاكم(3) عني فأعرضوه على كتاب
الله، فما وافق كتاب اللّه فهو مني وأنا قلته، وما خالف كتاب اللّه
فليس مني ولم أقله )) يريد صلى الله عليه وآله وسلم: أن ما وافق
الكتاب مما روي عنه من الأحكام، ومن شرائع الإسلام؛ فإنه منه أخذ،
وإنه جاء به عن الله، وما خالف الكتاب فليس من السنة التي جاء بها
عن الله؛ لأن جميع الوحي الذي جاء عن اللّه سبحانه من السنة
والقرآن، فهما شيئان(4) متشابهان متفقان، لا يتضادان أبدا ولا
يفترقان.
وليس ما كان من رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم من فعل أو
اختيار جاء به عن نفسه منسوباً إلى اللّه ولا عنه، ولا مشابهاً
لشيء من أحكام السنن. بل قد كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم إذا رأى رأياً، وفعل فعلاً مما ليس هو فيه بمخالف لسنة ولا
لكتاب، بين ذلك عن نفسه، وأخبر أنَّه ليس من ربه.
__________
(1) في (ب): جاء بها.
(2) في (ب): أمهات لشرائع سنته.
(3) في (ب): جاءكم.
(4) في ب: سِيَّان.
(2/403)
مثل ما كان منه صلى
الله عليه في الجَدِّ الذي لقيه بالجحفة راجعا من حجة الوداع،
فقال: يا رسول الله، إن ابن ابني مات، فمالي (ميراث)(1) من ماله؟
فقال عليه السلام: لك السدس، فلما أن أَبْعَد الشيخ رَقَّ عليه
رسول اللّه صلى الله عليه ورحمه، لما بان له من ضعفه وقلة حيلته
وكبر سنه، فرده رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: لك
السدس الآخر، فلما أن مضى الشيخ وأبعد رده رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم ثانية؛ فقال له: إن السدس الثاني مني طُعْمَة لك،
فبين صلى اللّه عليه وآله ما كان منه، وبين ما كان من الله، فلما
أن قال: السدس الثاني طعمة مني؛ علمنا أن السدس الأول حكم من الله.
فبين صلى اللّه عليه وآله فعله من فعل اللّه عزَّ وجل؛ لأن لا يقع
على الأمة تخليط في دين الله؛ ولأن يبين(2) لها أحكام ربها،
وفَعلَه لكيلا يكون لها عليه في شيء من الدين حجة.
وكذلك كان عليه السلام يفعل في كل ما كان منه من تأديب أمته،
وأفعاله فيها، وسياسته لها، يبين فعله من فعل الله، ويخبر بما جاء
به عن الله.
وكذلك ما كان من فعله وكراهيته من حمل الحمير على الخيل، وذلك قوله
لعلي رحمة اللّه وصلواته عليهما حين قال: مما تكون هذه البغال؟
فقال: يحمل الحمار على الفرس فيخرج من بينهما بغل، فقال صلى اللّه
عليه: (( إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون )) أو قال: الذين لا
يعقلون.
فكره صلى اللّه عليه وآله وسلم أن تحمل الأشكال إلاَّ على أشكالها،
وأن تخلى الفحول إلاَّ على أمثالها. فكان هذا منه كراهية
واختياراً،، ولم يكن هذا شيئاً مما أتى به(3) من الواحد الجبار.
__________
(1) سقط من (أ)، و(ج).
(2) في (ب): ولا يتبين.
(3) في (أ ، ج): أتاه.
(2/404)
ومِثْلُ هذَا مما كان
من رأيه وفعله، ولم يأته في كتاب اللّه ولا سنته؛ مما كان يستحبه
ويفعله من نوافل صلواته، وتعبده من بعد الفرائض المفروضات لما كان
يتعبد من النوافل المعروفات، اللواتي كن منه اختياراً وعبادة، يطلب
بذلك من اللّه الفضيلة والزيادة؛ كان ذلك منه صلى اللّه عليه
استحساناً لنفسه، ولم يكن فرضاً من اللّه لا يسع تركه، ولا يجب على
من تركه الكفر بربه؛ لان بين الفرض وغيره من النوافل فرقاً بيناً،
وفصلاً نيراً؛ فَكَثِيرٌ يعلمه العلماء، ويفهمه الفهماء، ليس بفرض
لازم واجب(1) على المتعبدين؛ إذ لم يكن فريضة من اللّه رب
العالمين، إن أخذ به أحد فقد أخذ بركة ويُمْناً، واتبع فضلاً
ورشداً، وإن تركه تارك ـ من غير زهد فيه، ولا قلة معرفة بفضله، ولا
استخفاف بحق فاعله، ولا اطراحاً لرأي صانعه، ولا مضادة له في فعله
ـ لم يكن بتركه له في دين اللّه فاجراً، ولا بعهد رسول اللّه صلى
اللّه عليه غادراً.
فافهم هديت ما به في السنة قلنا، وأحسن الفكر والتمييز فيما منهما
(2) شرحنا؛ تبن بذلك إن شاء اللّه من الجهال، وتبعد بمعرفته من اسم
الضلال، وتسلم بحول اللّه من قول المحال.
والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى اللّه على محمد
خاتم النبيين، وعلى أهل بيته الطيبين وسلم تسليماً كثيراً.
(تم كتاب السنة ولله المنة) (3).
****
كتاب القياس
m
__________
(1) في (ب): بفرض واجب.
(2) كذا في النسخ، ولعلها: منها.
(3) من (ب).
(2/405)
الحمدلله الذي فطر
الأشياء على إرادته، وجعلها كيف شاء بعزته، وعمَّ المخلوقين
برحمته(1)، ولم يوجد شيئاً لغير حكمة، ولم تعدم منه في الموجودات
آثار قدره، فكلُّ شيء عليه سبحانه دليل، فتبارك الله الواحد الأحد
الجليل، الذي لا تُعِزه(2) كثرة المخلوقين، ولا تنقصه قلة
المربوبين، الذي لا تتم بغيره(3) الصالحات، ولا تبلغ شكر الآئه
القالات، ولا تحيط بذكر إفضاله الصفات(4)، ولا تعروه السنات،
العالم بخفيات الغيوب، المطلع على سرائر القلوب، الذي لم يحل بين
عباده وبين طاعته، ولم يدخل أحداً من خلقه في معصيته، الهادي
للسبيلين، والمبين للنجدين، والفاصل بين العملين، المحتج بالرسل
على العالمين، المتفضل على الخلق بالمرسلين، الذي لم يزده إيجاد
الخلق(5) به خبرة، ولم يترك لهم عليه سبحانه حجة، الذي لم يزل ولا
يزال، الواحد الأحد الصمد ذو الجلال، أول الأولين، وآخر الآخرين،
وفاطر السموات والأرضين، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا
تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، الذي لم يلد
ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، الذي لم يتخذ ولداً(6) ولم يكن له
شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً.
وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله، (خير مبعوث من البشر إلى
خلقه)(7)، أمينه على وحيه، وخيرته من بريته، صلى الله عليه وعلى
أهل بيته وسلم تسليماً.
ثُمَّ نقول من بعد الحمدلله والثناء عليه،والصلاة على محمد صلى
الله عليه:
__________
(1) في (ب): بنعمته.
(2) كذا في النسخ، ولعلها: لا تَفِرُه. من الوفرة وهي الزيادة.
(3) في (ب، ج): لغيره.
(4) في (أ): السموات.
(5) في (ب): المخلوقين.
(6) سقط من (ب): الذي لم يتخذ ولداً.
(7) زيادة من (ب).
(2/406)
إن سأل سائل فقال: من
أين وقع في هذه الأمة هذا الإختلاف(1) في الحلال والحرام؟ حتى صار
كلٌّ يفتي برأيه، ويتبع في قوله أئمَّةً له مختلفين، فيقول في ذلك
بأقاويل قوم مفترقين، فإذا أوردت مسألة على وجه واحد أحُلَّها
محلِّلٌ، وحرَّمها محرِّم، فكيف يجوز أن يكون معنى واحد مؤتلف،
يأتي فيه قول متشتت مختلف؟! فيحل على لسان مفت لمستفتيه، ويحرم على
لسان آخر على من ينظر فيه.
قيل له: وقع هذا الإختلاف وكان ما سألت عنه من قلة الإئتلاف؛ لفساد
هذه الأمة وافتراقها،وقلة نظرها لأنفسها في أمورها، وتركها لمن
أمرها الله باتباعه،والإقتباس من علمه، ورفضها لأئمتها وقادتها
الذين أمرت بالتعلم منهم، والسؤال لهم، وجعلوا شفاء لداء الأمة،
ودليلاً على كل مكرمة، ونهاية لكل فضيلة(2)، وأصلاً لكل خير،
وفرعاً لكل بر، وفصلاً لكل خطاب، ودليلاً على كل الأسباب؛ من حلال
أو حرام، أو شريعة من شرائع الإسلام.
فلما أن تبرأت الأمة منهم، واختارت غير ما اختار الله، وقصدت غير
ما قصد الله، فرفضت علماءها، وقتلت(3) فقهاءها، وأبادت أدلتها إلى
النجاة والصواب، وحارت لذلك عن رشد كل جواب، ولم تهتد إلى نهج(4)
قول من الأقوال، في حرام ولا حلال، فضلت عند ذلك وأضلت، وهلكت
وأهلكت، وتقحمت في الشبهات، وقالت بالأقاويل المعضلات، تخبطاً(5)
في الدين، وتجنباً عن اليقين، ضلالاً عن الحق، ودخولاً في طرق
الفسق، ظلماً وطغياناً، وضلالة وعصياناً، تركت ما به أمرت، وقصدت
ماعنه نُهيت، فقال كل واحد منها فيما يرد عليه من الدين بهوى نفسه،
وإرادة قلبه، وتمييز صدره، لم يهتد في ذلك بهدى، ولم يلق مصابيح
الدجى، ولم يسأل عنه أهل البر والتقوى، ولم يهتد فيه بالأدلاَّء.
__________
(1) في (ب): الخلاف.
(2) في (ب): ونهاية على كل فاضلة. وفي (ج): لكل.
(3) في (ب): وقلدت.
(4) في (ب،ج): إلى وجه.
(5) في (ب): خبطاً.
(2/407)
فكان مثلهم فيما
فعلوا من ذلك: كمثل قوم ركبوا مفازة مضلة، وأخذوا معهم فيها
أدلاَّء بُصَرآء، حتى إذا توسطوها قتلوا الأدلاء، فبقوا في حيرة
عَمىً(1)، لا يهتدون سبيلا، ولا يعرفون ماء ولا طريقاً، فلم يزالوا
فيها متحيرين، ذاهبين وجائين، مقبلين ومدبرين، حتى هلكوا أجمعين،
فكانوا سبب هلاك أنفسهم، وسبيلاً إلى تلفهم، فذهبوا غير مقبولين
ولا محمودين، بل مذمومين عند الله معذبين.
كذلك مثل هذه الأمة ومعناها، فيما نالته من فقهائها وأدلائها؛
الذين جُعِلوا لمن تبعهم نوراً وهُدىً، ودليلاً إلى الله العلي
الأعلى. وهم آل محمد صلى الله عليه وعليهم، فضلَّت الأمة بعدهم،
وهلكت عند مفارقتهم، ولعمري أن لو قصدت لرشدها، وتعلقت بالحبل الذي
جعل لها متعلقاً، وكهفاً في كل أمر وملجأ؛ لما ضلت عن رشدها أبداً،
ولا وقع اختلاف بين اثنين في فتيا، ولا اشتبه مشتبه في حلال ولا
حرام؛ إلاَّ وجد بيانه عند آل محمد عليهم السلام؛ لأنهم أهل ذلك
وموضعه، ومكانه ومركبه الذي ركبه الله عليه، وجعله معدناً له وفيه،
اختاره لعلمه، وفضله على جميع خلقه، نوراً(2) على نور، وهدى على
هدى، وحاجزاً من كل ضلالة وردى، أئمة هادين، ونخبة مصطفين، لا يخاف
من اتبعهم غيا، ولا يخشى عمى ولا ضلالاً، محجة الإيمان(3)، وخلفاء
الرحمن، والسبيل إلى الجنان، والحاجز عن النيران(4)، تقاة(5)
أبرار،وسادة أخيار، أولاد النبيين، وعترة المصطفين، وسلالة النبي،
ونسل الوصي، وخيرة الواحد العلي، مشرب لايظمأ من ورده، ودواء
لايسقم من تداوى به، شفاء للأدواء، ووقاية من البلاء، كهف حصين،
ودين رصين، وعمود الدين، وأئمة المسلمين، قولهم صواب بلا خطأ،
وقربهم شفاء بلا ردى، أعني بذلك الطاهرين المطهرين، والأئمة
الهادين، من أهل بيت محمد المصطفى، وموضع الطهر والرضى،
__________
(1) في (ب، ج): حيرة عمياء.
(2) في (ب): نور.
(3) في (ب): الأمان.
(4) في (أ): القرآن.
(5) في (أ، ج): ثقات.
(2/408)
الموفين(1) إذا
وعدوا، والصادقين إن نطقوا، والعادلين إن حكموا.
فإن قال السائل عن الخِلْفة، المتكلم في الفرقة. أفتقولون: إنهم لو
قصدوا هذا المعدن(2) في علمهم، واقتبسوا منه في حلالهم وحرامهم لم
يضلوا، ولم يفترقوا، ولم يقع اختلاف بينهم فيما به تكلموا؟!
قيل له: نعم كذلك نقول، وإليه معنانا يؤول.
فإن قال: فكيف لا تقع الفرقة، ولا يكون بين أولئك صلوات الله عليهم
خِلْفة؟
قيل له: لأنهم أخذوا علمهم من الكتاب والسنة، فلم يحتاجوا إلى
إحداث رأي ولا بدعة، تكلموا بالكتاب الناطق، واعتمدوا على الوحي
الصادق، فكان الكتاب والسنة لهم إماماً يحتذون حذوه، ويقتدون في
الأمور قدوه، فثبت لهم به الإلفة، وزالت عنهم الفرقة.
فإن قال السائل: فخبرونا عما عنه نسألكم، وأنبئونا عما(3)نسمع من
قولكم، أتقولون: إنَّ جميعَ ما يدور بين الناس من الحلال والحرام،
وما يرد من أحكام هذه الأمة على الحكام، وما يجري بينها من القضايا
والأحكام، في قليل القضاء وكثيره، وقديمه وحديثه، وصغيره وكبيره؛
هُوَ كُلُّه في الكتاب موجود، وفي قلوب الحكام من آل رسول الله
ثابت غير مفقود؛ فكلما ورد عليهم سبب من الأسباب؛ وجدوه عند وروده
مُبّيَّناً في الكتاب، وكان في صدورهم محفوظاً، موجوداً معلوماً
مصححاً؟
__________
(1) في (أ)، و(ج): الوافين إن.
(2) في (ب): أهل المعدن.
(3) في (أ): نسئل.
(2/409)
قيل للسائل عن ذلك:
إن الأصولَ كلها، والفروعَ المحتاج إليها؛ في الكتاب والسنة، فإذا
علم العالم ذلك وأتى على معرفته، وعرف مجمله ومحكمه، وفروعه
ومتشابهه، ونظر في ذلك كله بقلبٍ فَهِمٍ، سالم من الجهل، بريء من
الخطل، بعيد من الزلل؛ ثُمَّ وردت عليه مسألة استدرك علمها ساعة
ترد عليه؛ إما بآية ناطقة، أو شريعة باسقة(1)؛ تنطق له بالحكم فيما
ورد عليه، وتبين له ما يحتاج من ذلك إليه، أو بقياس يصح من السنة،
ويثبت في الايات المحكمة، وتشهد له الشرائع المشروعة؛ يكون هذا
القياس فرعاً من فروع الحق، ثابتاً ونوراً شاهداً على ما فيه من
الصدق. فيكون القياس ممن علم ما قلنا، وتفرع فيما ذكرنا وفهم ما
شرحنا؛ قياساً واحداً، إذ كان ذلك له أصلاً مؤصَّلا، تخْرجُ هذا
القياس وتبينه، وتشرعه وتوضِّحه، وتَدلُّ عليه وتُفرعه؛ حُجَجُ
الله التي في الصدور، المركبة للتمييز بين الأمور؛ من هذه العقول
المجعولة لما ذكرنا، المركبة لما شرحنا؛ من التمييز بين الباطل
والحق، والفرق بين البِرِّ والفسق.
__________
(1) في (ج): ناسقة.
(2/410)
فإذا علم الحاكم ما
يحتاج إليه من الأصول والفروع؛ لَمْ يَخْرُج كلما يرد عليه من أن
يكون حكمه وقياسه في أصول الكتاب وفروع السنة؛ إما شيئاً ناطقاً
قائماً قد حكم به المجُمْل المؤصَّل، وبَيَّنَهُ الفرع المفصّل،
فيحكم فيه بحكمهما، ويحتذي العالم فيه بوجههما(1)، فإن عدم لفظ ما
يأتي من الحكم(2) والفتيا، من أن يكون في المجمل أو المفصل منصوصاً
مفسراً؛ لم يعدم قِيَاسَه والدليل عليه، حتى يَقِف بالمثل على
مثله، ويَعرفَ الشكل في ذلك بشكله، ويقيس ما أتى من ذلك على أصله؛
لأن أصلَ كلِّ حق وهدى، وقياس كل حكم أبداً؛ فَفِيْ الكتاب والسنة
موجودٌ، يستخرجه العالم بعقله(3)، ويستدل على قياسه بمركب لبه، حتى
يتبين له نوره، وتشرع له طريقه، ويصح له قياسه على الحق الذي في
الكتاب، تشهد له بذلك شواهد(4) القرآن، وتنطق له بالتصديق السنة في
كل شأن. فَيَكُونُ العالمُ في علمِهِ، واستخراجه لما يحتاج إليه من
حكمه، من كتاب الله وسنته؛ على قَدْرِ ما يكُونُ من صفاءِ ذهنه،
وجودةِ تمييزه، واستحكام عقله، وإنصافه لِلُبِّه، وجودةِ تمكن علم
الأصول في قلبه، وثبات علم الكتاب والسنة في صدره، الذين عليهما
يقيس القايسون، (وبهما يحتذي المحتذون، وإليهما يرجع الحاكمون،
ومنهما يقتبس المقتبسون)(5)، وإليهما عند فَوَادِحِ النَّوازِلِ
يلجأ العالمون.
__________
(1) في (ج): بموجبهما.
(2) في (ب): المحكم.
(3) في (أ): بحكمه.
(4) في (أ): سور.
(5) سقط من (أ).
(2/411)
فإذا كَمُلَت معرفةٌ
العالم بأصول العلم المعلوم، وصحت معرفته بفهمِ غامضِ الشرائع
المفهوم، فكان لعلمه به، واستدراكه لغامضه وجودة دراسته(1)،
وإحاطته بباطنه وظاهره قَاهِراً بحول الله وقدرته لما يرد عليه من
متشابهه، عارفاً بما يحتاج إليه من قياسه، مضطلعاً بتمييز فروعه،
بصيراً بتفريع أموره. فَكُلَّما وَرَدَ عليه من ذلك وَارِدٌ
أصْدَره باستدراكه له مَصْدَرَه. فصعْبُ العلمِ على من كان كذلك
سَهْلٌ يسير، وغامضه عنده والحمدلله بَيِّنٌ مُنِير، لا يشتبه عليه
فيه شبهان، ولا يستوي في الحكم عنده منه ضِدَّان، يميز مميزاته
بعقله، ويفرق مفترقاته بِلُبِّه، ويجمع مجتمعاته بفهمه، قد
أحْكَمَتْهُ في ذلك التجربة(2)، وأعَانَتْهُ على ذلك الخبرة(3)،
فكلما ورد عليه فرع من الفروع ردَّه إلى أصله، وكلما ورد عليه شيء
من متشابهه(4) بينه بالرد له إلى محكمه، لا يَغيِبُ عمَّن وهَبَهُ
الله عِلْمَ كتابه، وفهَّمه(5) معاني سنته؛ مَوْضِعُ حاجته، ولا
مكان فاقته؛ من حلاله وحرامه، وما يرد عليه من مفترق القضاء عند
ورود مزدحمات المسائل على قلبه، ومتراكمات النوازل على فهمه.
فكُلمَّا وَرَدَ عليه من ذلك وَارِدٌ فادح، أو قدح في قلبه منه
عظيم قادح؛ اعتمد في (فصله، و)(6)قطع مشتبهات أمره؛ على الأصول
المحكمات في قلبه، والفروع المتفرعات في صدره؛ من الكتاب والسنة،
فأَنَارَ(7) له بعون الله وفضلِهِ نورُ الحقَّ وصدقُه، وصَحّ(8) له
برهانُ الحكم وحقُّه، فقال في ذلك بقولٍ أصيلٍ، واستدل منه على
الحق بأفضل دليل.
__________
(1) في (أ): رساخته.
(2) في (ب): تجربته.
(3) في (ب): خبرته.
(4) في (أ، ج): المتشابه.
(5) في (ب): في فهم معاني. والمعنى: مع فهم.
(6) سقط من أ .
(7) في (أ): فأبان. ولعلها بمعنى: بان.
(8) في (ج): ووضح.
(2/412)
فَمَثَلُه ـ فيما يرد
عليه من الفروع والفصول، مما يحتاج إلى قياسه على الأصول، ـ
كَمَثَلِ رجل اتخذ أرضاً فجعل في كل جانب منها نوعاً من أنواع
الأشجار، (ثُمَّ)(1) غَذَّاها وسقاها، وقام عليها وذراها(2)، حتى
ثَبَتَتْ أصولها، وتَفرَّعت فروعها، وخرجت ثمارها، فهو بمكان(3) كل
نوع منها عارف، وفَهِمٌ (عالم)(4) غير جاهل، فكُلَّما سُئِل عن
شجرة، أو طُلِبَ منه من ثمارها ثمرة؛ قَصَدَ لموضِعِ تلك الشجرة،
فأَخذ ما يحتاج إليه من ثمرها، فَأَسْرَع به إلى طالبها، ولم يحتج
ـ لمعرفته بموضع حاجته ـ إلى الدَوَرَان في جوانب أرضه، والتفتيش
عن حاجة سائله، كما يعمل الجاهل بمواضع تلك الأشجار، وأماكن تلك
الثمار.
فالعَالِمُ في علمه، وعند قياسه وحكمه، والمَعْرِفةِ بما يرد عليه
من شرائع دينه؛ كصاحب هذه الأرض المهتدي إلى ما يطلب منها، العالم
بمواضع ثمارها، الخَابِر بنواحي أشجارها. فحال العالم في عِلْمِ ما
دَارَسَ من(5) حكمه، وحَفِظَ وأَحاط به مِنْ علمه؛ كَحَالِ معرفة
صاحب هذه الأرض بأرضه. فاسْتِدْلاَلُ العالم واهتداؤه إلى قياس
العلم والأحكام؛ فيما يرد عليه من الحلال والحرام؛ كاستدلال صاحب
الأرض إلى أشجاره، ومعرفته بما يبتغيه من ثماره(6)، لا فرق بينهما،
ولا اختلاف عند ذي عقل فيهما. بَل اهْتِدآءُ من هداه الله إلى
علمه، واسْتِدْلاَلُ من دلَّه اللهُ على غوامِض حُكمِه؛ أَبْيَنُ
تبياناً، وأَنْوَرُ في العقل برهاناً؛ من اهْتِدآء صاحب الأرض في
أرضه، ومعرفته بما غرس من شجره. والحمدلله رب العالمين، والعاقبة
للمتقين، وسلام على المرسلين.
__________
(1) ليست في (أ).
(2) في (أ): ودارها. يعني أدارها.
(3) في (أ، ج): بأماكن.
(4) سقط من أ.
(5) في (ب): فحال العالم في علمه ما داوس في.
(6) في (ب): إلى أشجارها، ومعرفته إلى ما يبتغيه من ثماره.
(2/413)
ثُمَّ اعلم(1) أيها
السائل أن كلَّ قياس جاء مخالفاً للكتاب، أو جاء الكتاب له
مخالفاً؛ حتى يكون كل واحد منهما ضداً للآخَرِ؛ فَلاَ يصحُّ هذا
القياس أبداً، ولا يثبت معه تأويل ولا هدى، (لأنه جاء مخالفاً
للأصول)(2)، ولم يكن والحمدلله ثابتاً في الفصول(3). وفي ذلك
ومثله، وما كان من شكله؛ ما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: (( إنه سيكذب عليَّ كما كذب على الأنبياء من قبلي، فما أتاكم
عني فأعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فهو مني وأنا قلته،
وما خالف كتاب الله فليس مني ولم أقله ))، فجَعَلَ صلى الله عليه
الكتابَ إماماً لكل ما روي عنه، أو قيل إنَّه منه يعرض عليه، فَإنْ
جَاء مثله؛ عُلِمَ أنَّه من قوله، وإن جاء (مخالفاً)(4) مضاداَ
لِشَيءٍ منه؛ عُلِمَ أنَّه ليس عنه. فهذا في الآثار المذكورة عن
الرسول، فكيف بما سواها من القياس، الذي يتعاطاه ويطلبه بعض الناس؟
فلعمري لا يصح من قياسهم، ولا يجوز من مقالهم؛ إلاَّ ما شهد له
الكتاب والسنة، وكانت الموافقة لهما منه نيِّرةً بيِّنة، فعند
موافقة القياس للكتاب؛ يصح القياس في الألباب، وعند مخالفة القياس
للكتاب؛ يبطل ويفسد في جميع الأسباب.
فليفهم من كان ذا فهم ما به في القياس(5) قلنا، وما منه أجزنا، وما
منه دفعنا وأبطلنا.
__________
(1) في (أ): واعلم.
(2) سقط من أ. وفي (ج): لأنه مخالف.
(3) في (ب): الأصول.
(4) سقط من (ب،ج).
(5) في (أ): الكتاب.
(2/414)
والقياس فلا يجوز
أبداً، ولا يكون أصلاً بحيلة من الحيل، ولا يمكن أن يتناوله
متناول، ولا يطول إليه متطاول، ولا يطمع به طامع؛ إلاَّ مِنْ بَعد
إحكام أصول العلم بالكتاب، والوقوف على ما فيه من جميع الأسباب، من
الحلال والحرام، وما جعل الله فيه من الأحكام، وبَيَّن تبارك
وتعالى من شرائع الإسلام، التي جعلها الله سبحانه للدين قواماً،
وللمسلمين إماماً، وَ من بَعْدِ علم أصول السنة، وفهم فروعها
المتفرعة، فإذا تَمَكَّن المتمكن في علمه وأحاط بجوامع(1) ما تحتاج
إليه الأمة في دينها، ثُمَّ تفرع فيما لا غنى للأمة عن معرفته في
جميع أسبابها، من حلالها وحرامها، وما جعله الله ديناً لها،
وافترضه سبحانه(2) عليها، فَإِذا تَفَرَّغ في علوم الدين، وأَحَاطَ
بمعرفة ما افترض على المسلمين، فكان بذلك كلِّه عارفاً، ومن الجهل
بشيء منه سالماً؛ ثمَّ كان مع ذلك ذا لُبٍّ رَصِين، ودين ثابت
متين؛ جَازَ لَهُ الْقِياس في الدين، وأمكنه الحكم في ذلك وبه بين
المؤمنين، وكان حقيقاً بالصواب،حريّاً بإتقان الجواب، فأَمَّا إن
كان في شيء مما ذكرنا ناقصاً، أو عن بلوغه مقصراً، فَلَنْ يَصحَّ
له أبداً قياسه، ولن يجوز له في دين الله التماسه؛ لأنَّه
لِلأُصولِ غير مُحْكِم، وبالفروع غير فَهِم، ولن(3) يقيس المثال
على مثاله، أو يحذو الشكل على شكله؛ إلاَّ العارِفُ بمحكمات أصله،
فَإذا أَحْكَمَ أصله؛ قاس بذلك فرعه(4).
__________
(1) في (أ): بجميع.
(2) في (أ): صاحبه.
(3) في (ب): وليس.
(4) في (ب): فروعه.
(2/415)
ومَثَلُ ما به قلنا
من تصرف الحالات، في أهل القياس والمقالات، كَمَثَلِ أهل الصناعات
(من الأبنية والصباغات)(1)، فإذا كان منهم صانع محكم لعمله، محيط
بأصل صناعته، عارف بابتدائها وانتهائها(2)، عالم بتأليفها
وإحكامها، ثُمَّ ورد عليه مثال يمثله، أو شيء يحتذيه(3) ويصنعه
احْتذى فيما تصور من مثاله، بِمَا عِنْدَه من محكم أعماله، وأتى به
على قياسه، لمعرفته بأصل قياسه، وإحكامه لما قد أحكم من أعماله،
فعلى قدر تفرغه في البصر بأصول الصناعات، وتمكنه في المعرفة بها في
كل الحالات؛ يَكُونُ إِحْكَامه لتمثيل المثال على مثله، وتشبيه
الشكل المطلوب منه بشكله، حتى يكون ما يأتي به مشابهاً لما يحتذي
به، لا يخالفه في شبهه، ولا يفارقه في قياسه. ولن ينالَ ذلك
غَيرُه، مِمَّن لم يحكم أصول عمله(4)، ولم يفهم متفرعات أنواع
صناعته. فكذلك المتناول للقياس في الأحكام، المتعاطي لذلك من شرائع
الإسلام، لا يجوز له قياسه، ولا يصح له مثاله، حتى يكون لأصول
الدين مُحْكِماً، ولشرائع العلم فَهِماً(5)، وبمعرفة الكتاب والسنة
قائماً، فعند ذلك يكون في قياسه كاملاً،(6) ولعلمه مُحْكِماً، وعلى
ما يَطْلُب من ذلك كله قادراً.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (أ،ج): وآلاتها.
(3) في (ب): بمثلها إن شيء يحويه. كذا. وهو تصحيف.
(4) في (ب): علمه.
(5) في (ب): فهيماً.
(6) في (ب): قائماً كاملاً.
(2/416)
ثُمَّ اعلم أيها
السائل علماً يقيناً، وافهم فهماً ثابتاً مبيناً، أن العلماء
تتفاضل في علمها، وتتفاوت(1) في قياسها وفهمها، وفي ما قلنا به من
ذلك ما يقول الله سبحانه: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَآءُ
وَفَوْقَ كُلِّ ذِيْ عِلْمٍ عَلِيْمٍ} [يوسف:76]، وأنه ليس أحدٌ من
المخلوقين؛ أَوْلَى بفهم أحكام رب العالمين؛ مِمَّن اختاره الله
واصطفاه، وانتجبه وارتضاه، فجعله مؤدياً لدينه، قائماً بحكمه،
داعياً لبريته، حايطاً لخليقته، منفذاً لإرادته، داعياً(2) إلى
حجته، مبيناً لشريعته، آمراً بأمره، ناهياً عن نهيه، مقدماً
لطاعته، راضياً لرضاه، ساخطاً لسخطه، إماماً لخليقته(3)، هادياً
لها إلى سبيله، داعياً لها إلى نجاتها، مُخْرِجاً لها من عمايتها،
مثبتاً لها على رشدها، مقيماً لها على جوآدِّ سبلها، ناصحاً لله
فيها، قائماً بحقه سبحانه عليها. وَذلِكَ وَأُولَئكَ فهُم صفوةُ
الله من خلقه، وخيرته من بريته، وخلفاؤه في أرضه، الأئمة الهادون،
والقادة المرشدون، من أهل بيت محمد المصطفى، وعترة المرتضى، ونخبة
العلي الأعلى، المجاهدون للظالمين، والمنابذون للفاسقين،
والمقرِّبُون للمؤمنين، والمباعدون للعاصين، ثِمَالُ كل ثِمَالٍ،
وتمام كل حال، الوسيلة إلى الجنان، والسبب إلى الرضى من الله
والرضوان، بذلوا أنفسهم للرحمن، وأحيوا شرائع الدين والإيمان، لم
يهِنُوا ولم يَفْترُوا، ولم يُقَصِّروا في طلب ثأر الإسلام ولم
يغفلوا، نصحوا المسلمين(4)، وأحبوا المؤمنين، وقتلوا الفاسقين،
ونابذوا العاصين، وَبيَّنوا حجج رب العالمين على جميع المربوبين،
{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ
بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيْعٌ عَلِيْمٌ} [الأنفال: 42]،
عملوا فَجُوْزُوا، ونصحُوا فَقبلوا، وتقربوا من الله فقُرِّبوا،
وأخلصوا
__________
(1) في (أ): وتتقارب.
(2) في (ب): داعية.
(3) في (أ): لخلقه.
(4) في (ب): ناصحوا المسلمين.
(2/417)
لله سبحانه الديانة
فأخلص لهم المحبة، طلبوا منه التوفيق فوفقَّهم، وسألوه التسديد
فسدَّدهم ، وقاموا له بأمره فأرشدهم، واهتدوا إلى قبول أمره فزادهم
هدى، وضاعف لهم كلَّ خير وتقوى، كما قال جل جلاله، عن أن يحويه قول
أو يناله: {وَالَّذِيْنَ اهْتَدُوا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ
تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]، قصدوا الحق فأرشدوا له، وأْتَمُّوا
بالصدق فعملوا به، فوجبت لهم حقائق التوفيق، ونالتهم بحمدالله
موقظات التحقيق(1)، وقصدتهم منه سبحانه قواصد النعمة، وشملتهم
بفضله سبحانه شوامل الحكمة، فنطقوا بالبيان في قولهم، وحكموا بالحق
في حكمهم، واهتدوا بالله سبحانه في أمرهم، وثَبَتوا بزيادة
(هدى)(2) الله على الحق الفاصل، وتناولوا شكايم العلم الفاضل،
فنالوا بعطاء الله الأكبر مالم ينل غيرهم، وقدروا على ما عجز عنه
سواهم، فحكموا باختيار الله لهم وتوفيقه، وإرشاده لهم وتسديده؛ في
كل نازلة بالصواب، وبعد عنهم فيها كل شك وارتياب، فَكَانَ
عِلْمُهُم ـ لما ذكرنا من اختيار الله لهم، واصطفائه إياهم، ورضاه
باستخلافهم في أرضه، واسترعائه لما استرعاهم من بريته ـ عِلْماً
جليلاً، وَكان قياسهم قياساً ثابتاً أصيلاً، إذ هم وأبوهم صلوات
الله عليهم أصل كل دين، وعماد كل يقين، ومنه صلوات الله عليه وآله
وسلامه تفرعت العلوم المعلومة، وثبتت أصول الأحكام المفهومة، ومنه
ومن ذريته نيلت العلوم الفاصلة، وبلغت الأصول الفاضلة، فمن علمهم
صلوات الله عليهم تفرعت الأحكام، ومن بحر فهمهم اسْتَقَى جميع
الأنام، فهم أصل الدين، وشرائع الحق المستبين، فكُلُّ علم نِيْلَ
أو كُسِب؛ فمن فضل علمهم اكتُسِب، وكلُّ حكم حقٍّ به حُكِم؛ فمن
حكم حقهم علم، فهم أمناء الله على حقه، والوسيلة بينه وبين خلقه،
المبلغون للرسالات، الآتون من الله سبحانه بالدلالات، المثبتون على
الأمة حججه البالغة، المسبغون
__________
(1) في (ب): ونالهم من اللّه مرضات التحقيق.
(2) سقط من أ.
(2/418)
بذلك على الأمة النعم
السابغة، لا يجهل فضلهم إلاَّ جهول معاند، ولا ينكر حقهم إلاَّ
معطل جاحد، ولا ينازعهم معرفة ما به أَتَواْ عن الله إلاَّ ظلوم،
ولا يكابرهم فيما أدوه إلى الأمة عن الله إلاَّ غَشوم(1)، لأنهم
أهل الرسالة المبلَّغة، والآتون من الله بالحجة البالغة، الذين
افترض الله على الأمة تصديقهم، وأمروا باتباعهم ونُهُوا عن
مخالفتهم، وحُضُّوا على الإقتباس من علمهم، ألا تسمع كيف يقول
الرحمن، فيما نزل من النور والبرهان، حين يقول: {فَاسْأَلُوا
أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 83]؟
فأُمِرَت الأمةُ بسؤالهم عند جهلها، والإقتباس منهم لمفروض(2)
علمها. ثُمَّ قال الله سبحانه: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُوْلِ
وَإِلَى أُولي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِيْنَ
يَسْتَنْبِطُوْنَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ
وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إَلاَّ قَلِيْلاً}
[النساء: 83]، فأخبر سبحانه أنهم لو ردوا ما يجهلون علمه، ولا
ينالون فهمه إلى الله؛ بالتسليم له في حكمه،وإلى الرسول في معلوم
علمه، وإلى الأئمة من عترته فيماالتبس من ملتبسه،واشتبه على الأمة
من متشابهه؛ لوجدوه عندالله في كتابه مُثْبتاً، وفي سنة رسوله التي
جاء بها عن الله مبيناً، وعند الأئمة من عترته صلى الله عليه نيراً
بيناً. ثُمَّ اخبر سبحانه أنَّه لولا فضل الله على الخلق بإظهار من
أظهر لهم من خيرته، وتولية(3) من ولَّى عليهم من صَفوته، إذن
لاتبعوا الشيطان في إغوائه، ولشاركوه في غيه وضلاله، فامتن عليهم
سبحانه بأئمة هادين (مهتدين)(4)، غير ضالين ولا مضلين، صِفْوة الله
من العالمين، وخيرته من المخلوقين، نور الأمة، وسراج الظلم
المدلهمة، ورعاء البرية، وضياء الحكمة، ومعدن العصمة، وموضع
الحكمة، وثبات
__________
(1) في (أ): عن الأمة إلا غشوم.
(2) في (أ): لفروض.
(3) في (ب): وتوليته.
(4) ليس في (أ).
(2/419)
الحجة، ومختلف
الملائكة، اختارهم الله على علمه، وقدمهم على جميع خلقه، علماً منه
سبحانه بفضلهم، وتقديساً لهم على غيرهم، وفي ذلك ما يقول الله
سبحانه: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِيْنَ اصْطَفِيْنَا
مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ
مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ
ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيْرُ} [فاطر: 32]، فأخبر بما ذكرنا
من اصطفائهم على الخلق، ثم ميزهم فذكر منهم الظالم لنفسه، باتباعه
لهوى قلبه، وميله إلى لذته. وذكر منهم المقتصد في علمه، المؤدي إلى
الله فرضه(1)، المقيم لشرائع دينه، المتبع(2) لرضى ربه، المؤثر
لطاعته. ثُمَّ ذكر السابق منهم بالخيرات، المقيمين لدعائم البركات،
وهم: الأئمة المطهرون(3)، المجاهدون السابقون، القائمون بحق الله،
المنابذون لأعداء الله، المنفذون لأحكام الله، الراضون لرضاه،
الساخطون لسخطه، والحجة بينه وبين خلقه، المستأهلون لتأييده،
والمستوجبون لتوفيقه، المخصوصون بتسديده، في كل حكم به حكموا، أو
قياس في شيء من الأحكام به قاسوا، حجة الله الكبرى، ونعمته العظمى،
الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وفي ذلك ما يقول الله
سبحانه: {إِنَّمَا يُرُيِدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ
أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْراً} [الأحزاب: 33]. وفي
طاعتهم، وما أمر الله من رد الفتيا بين المفتين وما فيه يتنازع
المتنازعون إليهم ما يقول الله تبارك وتعالى: {يَا أّيُّهَا
الَّذِيْنَ آمَنُوا أَطِيْعُوا اللهُ وَأَطِيْعُوا الرَّسُولَ
وَأُوْلِيْ الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِيْ شَيْءٍ
فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ
بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ
تَأْوِيْلاً}
__________
(1) في (ب): الفرض.
(2) في (ب): المبتغي.
(3) في (أ): الطاهرون. وفي (ج): الظاهرون.
(2/420)
[النساء: 59]. وما
جاء من الله تبارك وتعالى لآل رسوله من الذكر الجميل، والحض للعباد
على طاعتهم، والإقتباس من علمهم؛ فَكَثِيرٌ غير قليل، يجزي
قَلِيلَه عن كثيره، ويَسيرَه عن جليله، من كان ذا علم واهتداء،
ومعرفة بحكم الله العلي الأعلى. وكل ذلك أمر من الله سبحانه للأمة
برشدها، ودلالة منه على أفضل أبواب نجاتها، فإن اتبعت أمره رشدت،
وإن قبلت دلالته اهتدت، وإن خالفت ذلك غوت(1)، ثُمَّ ضلت وأضلت،
وهلكت وأهلكت، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى
مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيْعٌ عَلِيْمٌ}
[الأنفال: 42].
وفي أمر الأمة باتباع ذرية المصطفى، ما يقول النبي المرتضى: (( إني
تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن(2) تضلوا من بعدي الثقلين(3): كتاب
الله، وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا
حتى يردا علي الحوض ))، ويقول صلى الله عليه وآله في تفضيلهم،
والدلالة على اتباعهم، وما فضلهم الله به على غيرهم: (( النجوم
أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم من
السماء أتى أهل السماء ما يوعدون، وإذا ذهب أهل بيتي من الأرض أتى
أهل الأرض ما يوعدون )). وفيما ذكرنا من أمرهم ما يقول صلى الله
عليه وآله وسلم: (( مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا،
ومن تخلف عنها غرق وهوى )).
وهذا ومِثْلُه فَكَثيِرٌ عنه صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، يفهمه
من روى عنه عليه السلام، ونحن نستغني بقليل ذكره عن كثيره.
ثُمَّ اعلم أيها السائل أن الحق لا يؤخذ إلاَّ من أحد ثلاثة وجوه:
كتاب ناطق، أو إجماع من الأمة في ما نقلته عن النبي عليه السلام من
السنة التي جاء بها عن الله، وَأَمْرٍ بيَّنَتْه وصحّحَتْه
العقولُ، وميَّزَتْ وأخرجت حقه، وشَرَعت صدقَه.
__________
(1) في (ب): غويت
(2) في (أ): لم.
(3) في (ب): من بعدي أبداً كتاب الله.
(2/421)
ثُمَّ اعلم أيها
السائل أن القياس يخرج على معنيين: أحدهما ثابت صحيح، والآخر باطل
قبيح.
فأما المعنى الباطل منهما فهو قول القائل: قَاسَ فُلاَنٌ ويَقِيسُ
فُلاَنٌ، يريد بذلك قياساً على غير الكتاب، يضرب بعض القول ببعض،
ويقيس براي نفسه على رأي غيره، ويشبه مذهبه في القياس بمذهب غيره،
فيخرج قياسه قياساً فاسداً، لا يجوز هذا القياس في الدين، ولا يثبت
في أحكام المسلمين، بل من تعاطى قياساً على ما ذكرنا، أو قولاً
مما(1) شرحنا؛ كان مُحِيلاً مبطلاً، فاسد(2) المذهب جاهلاً.
والمعنى الذي يثبت في كل معنى، ويكون دليلاً على النور والهدى،
فهو: أن يكون العالم المتبحر في علمه، المتمكن في فهمه، إذا ورد
عليه أمر قاسه على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم، ومعنى قولنا: قاسه، فهو دبَّره ونظره، وفكر فيه وميزه،
واستعمل في استخراجه ـ من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله
وسلم ـ عقله، فغاص عند نزول النازلة، في بحور الكتاب والسنة، حتى
استخرج باستدلاله علم حاجته من كتاب ربه، وسنته التي أنزلها على
نبيه. فهذا المعنى هو القياس الصحيح.
ومعنى اسم القياس هاهنا من قول القائل: قاس؛ فإنما هو استدل، وأصاب
وميز، فاستخرج بقياسه وتمييزه؛ الصوابَ من كتاب ربه، ووقف بجودة
تمييز قياسه(3)، وغَوَصَان لُبِّه على طلبته، وَجَال(4) بما ركب
الله في صدره من ثابت لُبِّه، إذ أجاد استعْمَالَهُ في حاجته؛ ما
طَلَب من علم نوازل الأحكام، ووقف بذلك على معرفة أصول دين
الإسلام، فكان بقياسه وتمييزه؛ راداً لفروع دينه إلى أصوله، فالتأم
له ـ بالتمييز والنظر، وجودة إنصاف العقل والفكر ـ ما افترق،
وارتتق له بذلك في الأحكام ما انخرق.
__________
(1) في (ب، ج): فيما.
(2) في (أ): باطل.
(3) في (أ): ووقف بجودة قياسه.
(4) كذا في النسخ، ولعلها: وحاز.
(2/422)
فافهم هديت معنى قول
القائل: قاس ويقيس، واستعمل لبك في معرفة الفرق بين المعنيين الذين
ذكرنا، حتى تقف(1) فيهما على الهدى، وتكون من ذلك في قولك كله على
الإستواء، والحمدلله العلي الأعلى، وصلى الله على محمد المصطفى،
وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار، الصادقين الأبرار.
ثم اعلم من بعد كل علم ومن قبله، وعند استعمالك لعقلك في فهمه(2)،
أن الذين أَمَرنا باتباعهم من آل رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم وَحَضَضنَا على التعلم منهم، وذكرنا ما ذكرنا من أَمْرِ الله
برد الأمور إليهم؛ هُم الذين احتذوا بكتاب الله من آل رسول الله،
واقتدوا بسنة رسول الله الذين اقتبسوا علمهم من علم آبائهم
وأجدادهم، جداً عن جد وأباً عن اب، حتى انتهوا إلى مدينة العلم،
وحصن الحلم، الصادق المصدَّق، الأمين الموفق، الطاهر المطهر،
المطاع عندالله المُقّدَّر، محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فَمَنْ
كَانَ علمه من آل رسول الله صلى الله عليه وآله على ما ذكرنا،
منقولاً إلى آبائه، مقتَبساً من أجداده، لم يزغ عنهم، ولم يقصد (في
ذلك)(3) إلى غيرهم، ولم يتعلم من سواهم؛ فَعِلْمُهُ ثابت صحيح، لا
يدخله فساد ولا زيغ، ولا يحول أبداً عن الهدى والرشاد، ولا يدخله
اختلاف، ولا يفارق الصحة(4) والائتلاف.
فإن قلت أيها السائل: قد نجد علماء كثيراً منهم، ممن ينسب إليه
علمهم؛ مختلفين في بعض أقاويلهم، مفترقين في بعض مذاهبهم، فكيف
العمل في افتراقهم، وإلى من نلجأ منهم، وكيف نعمل في اختلافهم، وقد
حَضَضْتَناَ عليهم، وأعلمتنا أن كل خير لديهم، وأن الفرقة التي
وقعت بين الأمة هي من أجل(5) مفارقة الأئمة من آل رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم؟
__________
(1) في (ج): تستدل.
(2) في (ب): فهمك.
(3) سقط من (أ).
(4) في (ب): ولا تفارقه الصحة.
(5) في (ب): بين الأمة فمن أجل.
(2/423)
قلنا لك: قد تقدم بعض
ما ذكرنا لك في أول هذا الكلام، ونحن نشرح لك ذلك بأتم التمام، إن
اختلاف آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ أيها السائل عن
أخبارهم ـ لم يقع، ولا يقع أبداً (الاختلاف)(1) إلاَّ من وجهين:
فأما أحدهما فمن طريق النسيان للشيء بعد الشيء، والغلط في الرواية
والنقل، وهذا أمر يسير، حقير قليل، يرجع الناسيَ منهم عن نسيانه
إلى القول(2) الثابت الْمُذَكِّرُ(3) له عند الملاقاة والمناظرة.
والمعنى الثاني فهو أكبر الأمرين وأعظمهما، وأجلهما خطراً
وأصعبهما، وهو: أن يكون بعض من يؤثر عنه العلم تعلم من غير علم
آبائه، واقتبس علمه من غير أجداده، ولم يستنر بنور الحكمة من
علمهم، ولم يستض(4) عند إظلام الأقاويل بنورهم، ولم يعتمد عند
تشابه الأمور على فقههم، بل جَنَب عنهم إلى غيرهم، واقتبس ماهو في
يده من علمه عن أضدادهم، فصار علمه لعلم غيرهم مشابهاً، وصار قوله
لقولهم صلوات الله عليهم مجانباً، إذْ عِلْمُه من غيرهم اقتبسه،
وفَهْمُه من غير زنادهم ازْدَنَده(5)، فاشتبه أمره وأمر غيرهم،
وكان علمه كعلم الذين تعلم من علمهم، وقوله كقول من نظر في قوله،
وضوء نوره كضوء العلم الذي في يده، وكان هو ومن اقتبس منه سواء، في
المخالفة لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
والإقتداء(6)، وإن كان منهم في نسبه، فليس علمهم كعلمه، ولا رأيهم
فيما اختلف فيه الحكم(7) كرأيه. والحجة على من خالف الأصل من آل
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كالحجة على غيرهم من سائر عباد
الله ممن خالف الأصول المؤصلة وجَنَبَ عنها.
__________
(1) سقط من (أ، ج).
(2) في (ب): إلى القول، وفي (أ): إلى قوله.
(3) في (ب): المذكور.
(4) في (ب): ولا يستضيء.
(5) في (أ): زيادتهم ازداده.
(6) كذا في النسخ ولعله سقط: بغيرهم. أو لعلها: وعدم الاقتداء.
(7) في (ب): من الحكمة.
(2/424)
والأَصْلُ الذي
يَثْبُت عِلْمُ من اتبعه، ويَبين قولُ من قال به، ويصح قياسُ من
قاس عليه، ويجوز الإقتداءُ بمن اقتدى به(1)؛ فَهْوَ كِتَابُ الله
تبارك وتعالى المحكم، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ اللذان
جُعِلا لكل قول ميزاناً، ولكل نورٍ وحقٍّ برهاناً، لا يضل من
اتبعهما، ولا يغوى من قصدهما، حجة الله القائمة، ونعمته الدائمة،
فَمَنِ اتَّبعهما في حكمهما، واقتدى في كل أمر بِقَدْوهما، وكان
قولُه بقولهما،وحكمُه في كل نازلةٍ بهما دون غيرهما؛ فَهْوَ
المُصِيبُ في قوله، المعتمدُ عليه في علمه، القاهرُ لغيره في قوله،
الواجبُ على جميع المسلمين من آل رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ومن غيرهم أن يرجعوا إلى قوله، ويتبعوا من كان كذلك في علمه؛
لأنه على الصراط المستقيم؛ الذي لا اعوجاج فيه ولا دَخَل(2)
والحمدلله عليه. فمن كان على ما ذكرنا، وكان فيه ما شرحنا؛ من
الاعتماد على الكتاب والسنة، والإقتباس منهما،والإحتجاج بهما،
وكانا شاهدَيْنِ له على قوله، ناطِقَين له بصوابه، حجةً له في
مذهبه؛ فَوَاجبٌ على كل أحد أن يقتدي به، ويرجع إلى حكمه.
فإذا جاء شَيءٌ مما يختلف فيه آل رسول الله(3) صلى الله عليه وآله
وسلم؛ مَيَّزَ الناظرُ المميِّزُ السامعُ لذلك بين أقاويلهم،
فَمَنْ وجدَ قولَهُ متبعاً للكتاب والسنة، وكان الكتابُ والسنة
شاهدين له بالتصديق؛ فَهوَ على الحق دون غيره، وهو المتَّبَعُ لا
سواه، الناطقُ بالصواب، المتبعُ لعلم آبائه في كل الأسباب.
__________
(1) في (ب): ويجوز الإقتداء به.
(2) الدَّخْل بسكون الخاء وفتحها: العيب والريبة.
(3) في (ب): آل الرسول.
(2/425)
وإن ادعى أحدٌ من آل
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه على علمِ رسول الله، وأنه
مقتد بأمير المؤمنين والحسن والحسين صلوات الله عليهم؛ فَاعْلَم
هُدِيتَ أنَّ علمَ آل رسول الله لا يخالف علم رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم، وأن علمَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا
يخالف أمر الله ووحيه، فاعرض قول من ادعى ذلك على الكتاب والسنة،
فإن وافقهما ووافقاه فهو من رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم،
وإن خالفهما وخالفاه فليس منه صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال
فيما روينا عنه حين يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (( إنه سيكذب
عليَّ كما كذب على الأنبياء من قبلي، فما جاءكم عني فأعرضوه على
كتاب الله، فما وافق كتاب الله فهو مني وأنا قلته، وما خالف كتاب
الله فليس مني ولم أقله )).
وهذا أصل في اختلاف آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ثابت،
ودليل على الحق صحيح، فَاعْتَمِدْ فيما اختلفوا فيه عليه، واستعمله
في ذلك؛ يَبِن لك الحق حيث هو، ويصح لك المقتَبِس من علم آبائه
صلوات الله عليهم، والمقتَبِس من غيرهم، وتصح لك الحجة في جميع
أقوالهم، وتَهْتَدِ إلى موضع نجاتك، وتستدل به على مكان حياتك،
وتَقِف به على الذين أمرناك باتباعهم بأعيانهم، فقد شرحناهم لك
شرحاً واضحاً، وبيناهم لك تبياناً صحيحاً، حتى عرفتَهم ـ إن
استعملتَ لُبَّك ـ بما بينا لك من صفاتهم، كما تعرفهم بالرؤية
بأعيانهم، وتقف عليهم بأسمائهم(1) وأنسابهم. والحمدلله على توفيقه
وإرشاده، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه(2).
تم الكتاب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
***
رسائل وكتب
في
الأخلاق والآداب
كتاب الخشية
m
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
__________
(1) في (ب، ج): بأساميهم.
(2) في (أ) و(ج): كمل الكتاب والحمدلله وحده وصلواته على سيدنا
محمد النبي وآله وسلامه.
(2/426)
أصل الخشية لله
العلم، وفرع الخشية لله الورع، وفرع الورع الدين، ونظام الدين
محاسبة المرء لنفسه، وآفة الورع تجويز المرء لنفسه الصغيرة من
فعله.
وأصل التدبير فهو التمييز، وأصل التمييز فهو الفكر، ومن لم يَجُد
فكره لم يَجُد تمييزه، ومن لم يجد تمييزه لم يستحكم تدبيره. والعقل
كمال الإنسان، والتجربة لقاح العقل، ومن لم ينتفع بتجربته؛ لم
ينتفع بما ركب فيه من عقله، وشكر المنة زيادة في النعمة، والنعمة
لا تتم لمن رُزقها إلاَّ بشكر مُوِليها، ومن أغفل شكر الإحسان؛ فقد
استدعى لنفسه الحرمان، ومن أراد أن لا تفارقه نعم(1) الله؛ فلا
يفارق شكر الله. وحصن الرأي التأنِّي، وآفته العجلة، إلاَّ عند
بيان الفرصة، ومن علم ما لله عنده لم يكد يهلك ، ومن أراد أن يعلم
ماله عند الله؛ فلينظر ما لله عنده، ثم ليعلم أن له عند الله مثل
ما لله عنده، قال الله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ
عَشْرُ أَمْثَالِهَا} الآية [الأنعام: 160].
وجودة اللسان زَيْن الإنسان، وحياة القلب أصل البيان، ومن فكر في
عواقب فعله؛ نجا من موبقات عمله، وصاحب الدين مرهوب، وصاحب السخاء
محبوب، وصاحب العلم مرغوب إليه، وذو النصفة مُثْنى عليه، ومن كفى
الناس مؤنة نفسه؛ كفاه الله مؤنة غيره، ومن خضع وتذلل لله فقد لبس
ثوب الإيمان، ومن لبس ثوب الإيمان؛ فقد تتوج بتاج العزة من الرحمن،
قال الله سبحانه: {وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]. ومن رزق نزاهة النفس فقد أعطي
عوضاً عن العبادة، ومن وفق للصبر عند البلاء؛ فقد خففت عنه
المحنة(2) العظمى، ومن أراد من الله التسديد والتوفيق؛ فليعمل لله
بالإخلاص والتحقيق.
__________
(1) في (ب): نعمة الله.
(2) في (ب): خفقت عليه المحبَّة.
(2/427)
والعلم والحكمة؛ لا
ينموان مع المعصية، والجهل والحيرة؛ لا يقيمان مع الطاعة، ومن
وُفِّقَ أمن من الزلل، ومن خُذِل لم يتم له عمل، ولم يبلغ ساعة من
الأمل، ومن قوي ناظر(1) قلبه؛ لم يضره ضعف بصره، قال الله تعالى:
{فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ
الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] .
ومن نظر إلى نفسه بغير ما هو فيه؛ أمكن الناسَ من الطعن عليه،
ودواء العي قلة الكلام، ودواء الجهل التعلم، ودواء الخوف من عذاب
الله؛ العمل بطاعة الله، والترك لمعاصيه، وحسن الأوبة إليه عزَّ
وجل. ومن رغب في الله اتصل به، وانقطع على الحقيقة إليه، ومن لم
يهتد إلى أفضل العبادة وأسناها؛ فليقصد إلى مخالفة النفس في هواها.
والعلم مصباح في صدور العلماء، زينته الورع، وذباله(2) الزهد في
الدنيا، ولا يصلح الورع إلاَّ لمن صلح له الزهد في الدنيا، والورع
والمكالبة على الدنيا لا يجتمعان أبداً، كما لا يجتمع في إناء واحد
النار والماء، ومن اشتدت رغبته في الدنيا طلب لنفسه التأويلات
الكاذبات، ومن طلب لنفسه التأويلات الكاذبات تقحم بلا شك في
المهلكات، و(من تقحم في المهلكات)(3) كان عندالله من أهل الخطيئات.
وصاحب الدنيا الراغب فيها كالحسود؛ لا يستريح قلبه من الغم أيداً،
ولا يخلو فكره من الهم أصلاً، ولو أعطي منها كل العطاء. والحلم مع
الصبر، ولا حلم لمن لا صبر له.
__________
(1) في (ب): باطن. وهو تصحيف.
(2) في (ب): وذبالته.
(3) زيادة من هامش (ب).
(2/428)
وعروق الحمكة التي
تصرب في الصدور هي طاعة الله، ولا تثبت الحكمة إلاَّ في صدر مُطيعٍ
لله عزَّ وجل، ومن عدم الطاعة لله عدم الحكمة، ومن عدم الحكمة عدم
النعمة، والحكمة كالشجرة؛ عروقها الطاعة، وثمرها(1) البلاغة. وأصل
البر اللطف، وفرعه النصفة، وأصل العقوق قلة النصفة، وفرعه الجفا،
وأصل الحمق قلة العقل، وفرعه العجب بالنفس(2).
المنتزع من سياسة النفس
m
وله أيضاً صلوات الله عليه (( منتزع من سياسة النفس ))(3) وهو الذي
أوله: أصل خشية الله العلم، ثُمَّ قال في فصل منه رضي الله عنه.
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن رسول الله صلى الله
عليه:
اعلم أن أربعاً هي موجودة في كتاب الله عز وجل، وهي فرض من الله
على عباده، بها يصلح الإيمان، وبها يبلغ شرف الدنيا والآخرة، وهي
أصول الطاعات وفروعها، مأمور بها المؤمنون والمؤمنات جميعاً، ولا
ينفع عباده إلاَّ بمعرفتها والعمل بها، فإذا ألزمها العبد نفسه
أدته إلى درجة الصديقين، وسبيل المحسنين إن شاء الله.
أولها: معرفة الله جل ثناؤه. والثانية: معرفة عدو الله. والثالثة:
معرفتك بنفسك. والرابعة: معرفتك العمل.
__________
(1) في (أ، ب): وثمرتها.
(2) في (ب): تم والحمدلله وحده، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله
وسلم.
(3) هذه الرسالة اختصت بها النسخة (أ)، ولذلك لم يمكن تصحيحها
وفيها عبارات مطموسة وغير متسقة المعنى وعبارات غير متضحة.
(2/429)
فمعرفتك الله عز وجل؛
فهو: أن تُعلِّم نفسك علم قربه منك، وقدرته لديك وقيامه عليك،
ومشاهدته لك وعلمه بك، وأنه قريب حفيظ محيط، واحد أحد ليس كمثله
شيء، لا شريك له في ملكه، وأن ما وعد به حق صدق، وأنه فيما ضمن به
ودعا إليه وندب إليه وفيٌّ، وله وعد هو منجزه، ووعيد هو منفذه،
ومقام للعبد منه يصير إليه، ومصدر يصدر عنه، وعذاب ليس له مثل،
وثواب ليس له خلف، وأنه بر رحيم، ودود مجيب، قضَّاءٌ للحوايج، كل
يوم هو في شأن، يعلم الخفاء وفوق الخفاء ودون الخفاء، والضمير
والخطرة، والوسوسة والهمة والإرادة، والحركة والطرفة، وما فوق ذلك
وما دون ذلك، ولا يوصف ربنا تعالى بصفة، وأنه رازق وهاب تواب، فإذا
ألزمت ذلك قلبك باليقين الراسخ والعلم النافذ، وقَدَّرته في كل عضو
منك ومفصل، وعرق وعصب، وشعر وبشر ونفس، أن الله جل ثناؤه قائم على
ذلك، أحاط به علماً قبل خلقك وبعد ما خلقك، فإذا ثبت ذلك في قلبك،
وصح به عزمك وكلفه عقلك، وأنه علم اختيار لا علم اضطرار؛ ثبت منك
حينئذ المحاسبة لنفسك، ووصلت إليك المعرفة، وفرغت إلى الله قلبك،
وانخشعت له جوارحك، حذراً من سطواته وقدرته، وحياء منه لقربه
ومشهده، فلم تسقط منك إرادة، ولم تنزل بك همة، ولا تباعدت منك نية،
فصرت القائم للقائم بحقه وتوفيقه لك، وتركك لما كره منك؛
إذعاناً(1) لجلاله، ومشاهدة لعلمه، ولا تكون منك همة ولا خطرة، ولا
إرادة ولا وسوسة، ولا حركة ولا سكون ظاهرة ولا باطنة، ولا لحظة ولا
لفظة، ولا شيء ظاهر ولا باطن إلاَّ وربك جل ثناؤه عند ذلك وعلى ذلك
شاهد خبير، وأنه قائم عالم بذلك منك قبل كونه، وعند بدء إرادتك له
وفعلك بجوارحك، فأنت (2) بتوفيقه العالم الورع التقي له.
__________
(1) في الأصل مطموسة، وقد أثبتها على الظن.
(2) مطموسة وقد أثبتها على الظن.
(2/430)
ثُمَّ بعد ذلك معرفة
عدو الله وعدوك إبليس، [الذي] أمرك الله بمحاربته وعداوته،
ومجاهدته في السر والعلانية، لعلمك أنَّه قد عادى الله في عبده آدم
صلى الله عليه، وضاره في ذريته، تنام ولا ينام، وتغفل ولا يغفل،
دائباً في عطبك وهلاكك، في يقظتك ونومك، لا يألو بكل حيله وخدعه
ومكائده في طاعتك ومعصيتك، ومالا يجهله كثير من الناس العابدين
ليساوي بين العابد والفاجر.
واعلم أن ليس له همة(1) ولا مراده فيك قليل، إنَّما يريد أن يزيلك
عن عظيم ثواب الله مع علمه بذلك، ويوردك معه حيث يرد حسداً ليشمت
بك.
فإذا عرفته بهذه الصفة والمنزلة، لزم قلبك معرفته بلا غفلة ولا
سهو، وحاربته حينئذ بعون الله وتوفيقه بأشد المحاربة، فلا تترك
المجاهدة سراً وعلانية، ولا تفرط في ذلك ولا تغفل حتى تبذل مجهودك،
فإذا لم تبق غاية منك إلاَّ بذلتها؛ قصدت إلى ربك عز وجل بعذرك،
بالبكاء والتضرع والإستكانة، جاهداً في ليلك ونهارك حتى يعينك
عليه؛ وأنت بمنظر يراك وأنت تجاهد فيه من أمرك بجهاده، وتصل(2)
مكايدته عندك بمعرفته، ألم يعرفك ذلك مولاك أنَّه عدو لك ولأوليائه
وأصفيائه؟ فبلغ من غضبه عليك وأنت تكيده لغيرك، وتدل على محاربته
ومكائده، وتحذر منه وتدل على عوراته؛ من ضعف علمه وتكيده وغروره؛
لتجاهد وتعلم ما يدلس على العمال والمريدين؛ إذا أنس منهم بالمعرفة
فيه بعداوة الله وعداوة المؤمنين. فإذا كنت كذلك فقد وهب الله لك
سلوك طريقين عظيمين سديدين، ومن سلك هذه المنزلة فليحذر، وليجتهد
عن ذلك أشد الحذر.
وعليك بالحفظ لما أعطيت والتيقظ، وترك الغفلة، لا تزل زلة، ولا
تغفل غفلة، فيظفر بك وهو شديد الغضب عليك، لما علم من علمك بمكانه،
وطلبتك لمعصيته وغضبه عليك وتنقصك منه؛ فيرميك رمية لا تقوم من
صرعتك، ولا تفيق من سكرتك، واحذره أشد ما ترجو أو تأمل إن شاء
الله.
__________
(1) كذا في الأصل.
(2) كذا ولعلها: وتبطل.
(2/431)
واعلم أنَّه ليس لك
فرج منه ولا من مجاهدته إلاَّ مفارقة روحك من جسدك فاحذره، فإنه
ليس إلاَّ أن تغتر فتهلك، أو تستقيم فتنجو.
وأما معرفتك بنفسك فتضعها حيث وضعها الله، وتقوم عليها بأحسن
الرعاية والأدب كما أمرك الله؛ فحينئذ تعرف أي شيء هي؟ وما صفتها؟
وكيف حالها؟ وما طباعها؟ وإلام تأمر؟ وإلامَ تدعو؟ وكيف خلقها؟
وأنها ضعيفة في بنيتها، طمعة شرهة آمنة، مدعية للخوف والرجاء،
أماني منها وغرور، صدقها كذب، ودعواها باطل، وكل شيء منها غرور،
وليس لها تحقيق، وعلمها ظن، إن حللت عنانها شردت، وإن اطلقت وثاقها
جمحت، وإن أعطيتها ما تريد هلكت، وإن غفلت عن محاسبتها والقيام
عليها أدبرت، وإن تركتها تولت، ليس لها حقائق ولا مرجوع(1)، هي رأس
القبائح، ومعدن الفضائح، وخزانة إبليس وكره(2)، إليها يأوي ويطمئن
ويهلك ويوسوس، وهي بالصفة التي وصفها الله لرسوله صلى الله عليه
وأهل خيرته وحجته على خلقه في قصة يوسف صلى الله عليه: {وَمَا
أُبرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ
مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِي غَفُورٌ رَحِيْمٌ} [يوسف: 53] وكذلك
أنت في ضعفك ووهى علمك.
واعلم أن كل شيء تظهر من الخوف فهو أمن، وكل ما ادعت من الصدق فهو
كذب، وكل ما ادعت من الإخلاص فهو رياء لا حقيقة له، وعند الإمتحان
ترجع عن دعواها، فأي بلاء أعظم من بلائها وما يحل بها وفيها؟ فإذا
عرفت صفتها بحقيقتها ومعك في ذلك صدق دوام الإلتجاء إلى الله
والفزع إليه منها؛ لم تضعف عنها، وهان عليك أمرها بعون الله
وتوفيقه، وقواك الله عليها ما دمت ناظراً إليه وفزعاً منه إليه،
فإذا اجتمعت فيك هذه الخصال فأنت بإذن الله عارف عالم.
__________
(1) كذا في الأصل.
(2) كذا في الأصل. ولعلها: ووكره.
(2/432)
وبقيت الخصلة التي
يتم بها خلقك، وتعلو بها حكمتك: أن تعرف العمل، ومعرفة العمل أن
الله تبارك وتعالى أمرك بأمر ونهاك عن نهي، فالأمر الذي أمرك به هو
الطاعة، والنهي الذي نهاك عنه هو المعصية، وأنه تبارك وتعالى نهاك
عما شاهدته، وأمرك بطلب ما غاب عنك(1)، وضمن لك من رزقك في دنياك
بما يفنى، وأمرك بطلب ما يبقى مما غاب عنك، فعظم عند ذلك الإمتحان،
فقبلت عقول العاملين لله هذه المحنة، فعظم عند ذلك الهم والخطر،
ودوام الفكرة والحذر.
فانظر أن لا تكون ممن ترك المعاصي الظاهرة ولزم المعاصي الباطنة،
وإياك والخدع فلا تحمدن نفسك فيما تظهر من الطاعة والنية والإرادة
بشيء ليس ذلك معك؛ فتكون طاعتك معاصي، فيحل بك العقاب مع تعب البدن
وكثرة المرزية، ولا تزين طاعتك بالذكر لطاعتك، وشد نيتك بالورع،
واحفظ إرادتك بالمجاهدة، وليكن همك طيب النية، كما يهمك العمل في
كل أحوالك، حتى تثبت معرفة ذلك عندك إن كنت تريد تعنى لها(2) وتريد
نجاتها.
__________
(1) يريد والله أعلم أنَّه نهاك عن الدنيا وأمرك بطلب الآخرة وما
فيها.
(2) كذا في الأصل.
(2/433)
فإذا فتشت نفسك
وجدتها تتكلم بكلام الخائفين مالم تقع في الخوف وتضطر إليه، وتقول
قول الأبرار مالم تمتحن بالفتن، وتصف وصف الصادقين مالم تحتج(1)
إلى الغاية، وتدعي دعوى الموقنين مالم تمتحن بالإخلاص، وتقول إنها
من المتواضعين مالم يحل بها خلاف الهوى عند تهيج الغضب. فأنت تتوهم
عند وصفها الصدق وإثبات الحق وحلاوة المنطق بالإخلاص والدعوى أنها
كذلك؛ فإذا امتحنت في المواطن عند حقائق الأمور مع محاسن الوصف منك
وجدتك مرائياً؛ فإذا أنت قد بلوت كل خلق وَصَفَتْه وادَّعَتْه،
فإذا محضتها الحقيقة ظهر لله منها في تلك المواطن خلاف دعواها. فإن
لم تكن في موضع الحق والإمتحان والإخلاص فعليك أن تنظر ما الآفة
إذا كانت تحسن وصف الحق والصدق هل يوجد لذلك عند الإمتحان حقيقة؟
فإذا ابتليت بذلك، وفتشت عنه نفسك، رجعت ملتمساً لفساد عملك، فصح
عندك بالعلم والبيان أنَّه من سقم قلبك، فصحح من قلبك الإرادة
والنية في الصدق، ليوافق الوصف بلسانك حقيقتك، لا لتزين به بين
المخلوقين فتعظم لذلك المعصية منك، فتغلط(2) الرجوع في توبتك،
والويل العظيم من الله إن هجم عليك أجلك وهذه حالك، فعند ذلك فأطل
الفكر، وصحح النظر، واستعن بالعلم، واسترشد العقل، وعليك
بالإستعانة بالله، وصحح الضمير بالصدق لتقع على العلة التي فرقت
بين محاسن الوصف منك وقبيح الْخُبْر عند الإمتحان، ثُمَّ تدبر ما
قد أظهره لسانك وكان قلبك(3) إذا وجدته يصف الحق والصدق فقضيت له
وهو على خلاف ذلك عند حقائق الأمور.
__________
(1) في الأصل مهملة ولم يتضح لي معناها.
(2) كذا في الأصل.
(3) كذا في الأصل.
(2/434)
فإذا استرشدت العقل
والعلم دلاك على أن النفس هو المختارة لهواها(1)، إذ كان ذلك يقيم
لها خلقها عند المخلوقين المحققين ليعرفوا ضبطها ووزنها للكلام
وحفظها للسان، فإذا حضر الإمتحان قَدَّمَتْ الهوى وأخَّرَت العلم
والبيان، فقطعت بالهوى، وعملت في جميع الأمور بهواها، فقد دَلَّك
العقل والعلم عند ذلك على الرياء والتصنع، وأكثر ذلك يخفى على
المدعين لمعرفة أنفسهم، فما ظنك بأهل الجهل وقلة العلم.
وإنما يصح على ما وصفت عند العالم بنفسه عند حقائق الإمتحان(2)،
فلا تغتر بمحاسن الوصف منها وحلاوة المنطق وإصابة الحق، وهي عند
الإمتحان تجعل ذلك حجة عليك، وتصيره إلى الهوى، فلا تغتر بإظهار
الخوف والرضى والصدق والتوكل بالوصف؛ وهي إن عارضها خوف الفقر قبل
حلوله أيست وقنطت، وتدعي الصبر فإذا نزل بها بلاء سخطت، ولا تغتر
بما تظهر من التواضع والحلم فإذا افتاقت إلى ذلك تسافهت(3) وإن هي
مدحت بباطل يوافق هواها فرحت، فلا تعبأ بظاهر الأعمال فإنها غرور،
ولا تغتر في مبادرتها في البر واصطناع المعروف فإن لم تشكر ذلك لها
وتثن به عليها غضبت، فإن لم تظهر الغضب أضمرته، فاحذرها فإنها
تقطع(4) بك في مواطن الحاجة في كل وجه، وأن تجنح(5) إلى إخلاصها
وصدقها وخوفها فقد تظهر لك خلاف ما ادعته، وإنما رضيت بعد الشكر
لما وافق هواها، ودب في تعظيمها، فلا تغتر بما ظهر منها في جميع
الأمور، وتدبر منها سوء الضمير.
__________
(1) كذا في الأصل ولعلها: هي.
(2) كذا في الأصل.
(3) كذا في الأصل ولم أهتد إلى معناها.
(4) كذا في الأصل، ولعلها: تنقطع.
(5) كذا في الأصل ولعلها عطف على فاحذر، أي واحذر أن تجنح..
(2/435)
واعلم أنَّه إنَّما
يستخرج ما حسن(1) في القلب من الصدق والكذب عند الإمتحان، وعند
فضائح ضمائر الأنفس، فزن ذلك بالعلم والتيقظ في مواطن الإمتحان،
وعليك بدوام الإستعانة بالله، وإياه فاسأل العفو عن الذنوب، وبه
فتعوذ من الخذلان.
قال في الام المنقول عنها ما لفظه:
تم ما وجد من ذلك والحمدلله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً وصلى
الله على محمد وآله وسلم تسليماً وكان الفراغ من ذلك بعد صلاة
العصر يوم الأحد السابع والعشرين من شهر جمادى الأخرى من شهور سنة
ثمان وأربعين وستمائه سنة هجريه، وصاحبه وكاتبه يسألان الله
المغفرة والرضوان لهما ولمن قرأ فيه وتدبر معانيه وصلى الله على
سيدنا محمد وآله وسلامه.
رسائل وكتب
في
مواضيع متفرقة
جواب مسائل أبي القاسم الرازي (2)
m
قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم:
[الفرق بين عقل النبي (ص) وعقل أبي جهل]
سألت يا أبا القاسم أكرمك الله بكرامته، وأتم مابك من نعمته، وجعلك
ممن اهتدى؛ فزاده نوراً وهدى، فجمع لك بذلك خير الآخرة والدنيا،
فقلت: أخبرني عن عقل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، هل كان مثل
عقل أبي جهل؟
الجواب في ذلك: إن كنت تريد بقولك: هل هو مثله، أي هل يعمل عقله
إذا استعمله، كعمل غيره فيما جعل له، وركب عليه؟ أو هل يستدرك به،
أداء فرض الله الذي افترضه عليه، وينال به بلوغ ما أوجب الله عليه؛
من تمييز الأمور، وفهم واجب الفرائض؟ وهل يستدرك به معرفة الخالق
بما يرى من أثر صنعه، وينال به التمييز بين طاعته ومعصيته، فيكون
بذلك بالغاً ـ من آداء حجج الله، واستدراك الدليل على الله ـ كما
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستدرك بأصل حجة عقله، من أداء
فرضه؟
__________
(1) كذا، ولعلها ما اجتن في القلب.
(2) لم أقف له على ترجمة ولاذكره في سيرة الإمام الهادي عليه
السلام.
(2/436)
فكذلك نقول: إن أبا
جهل قد كان يستدرك وينال بأقل قليل عقله؛ أكثر مما افترض عليه من
دينه، وفوق ما يحتاج إليه من الدلائل(1) على معرفة ربه، فقد كان
فيما أعطاه الله من أصل الحجة، وثبَّت فيه من العقل لأداء الفريضة،
وفي الاستدلال ـ إن استعمل عقله ـ بالغاً بعقله ما كان يبلغ رسول
الله صلى الله عليه وسلم؛ بما أعطي من مبتدأ حجة العقل؛ من المعرفة
بأداء فرض الله، والوقوف على دين الله، الذي لم يرض من العباد
إلاَّ بأدائه.
ولولا أنَّه قد ساوى بينهم فيما ينالون به معرفة ما افترضه عليهم،
وأداء حججه التي احتج بها عليهم؛ ما كانت تجب له عليهم حجة، ولكن
اللّه عز وجل أعطى كلاً ما ينالون به أداء حججه، فساوى بينهم في
إقامة الحجة عليهم، وإثبات البراهين في صدورهم، بما يبلغون به
فرضه، وينالون به معرفته.
فإن كنت أردت هذا المعنى؛ فقد ساوى الله بين الخلق كلهم فيما يكون
به بلوغ حجته، وتمام منته، ونهاية أداء فرضه؛ من العقول المركبة في
صدورهم، الثابتة في قلوبهم، وأثبت بذلك عليهم كلهم حجته؛ لأن
العقول المركبة فيهم ـ من هذه الحجج اللازمة لهم ـ من فعل الله لا
من فعلهم، ومن صنع الله عزَّ وجل لا من صنعهم، وتدبيره جل جلاله لا
من تدبيرهم.
فمبتدأ ما أعطاهم الله من حججه منه لا منهم.
فلما أن صح أن هذه العقول المركبة في الخلق فعل الله؛ كان فعل الله
في ذلك مشتبهاً، وكان تدبيره في إثبات الحجج عليهم متساوياً،
فاشتبهت وتساوت حجج الله على خلقه، التي ركبها في صدور عباده؛
بعدله فيهم، وإحسانه إليهم في مبتدأ أمرهم، كما استوت عليهم فروضه،
ووجبت عليهم شرائعه، ولزمتهم بها عبادته.
__________
(1) في (ب): الدلالة.
(2/437)
فكان أصول ما أعطاهم
من حججه فيهم سواء، كماكانت فروضه عليهم كلهم سواء، فتساوى
المعنيان من الله في ذلك: معنى الفرض، والمعنى الذي يُنَال به
الفرض، فكانت فرائض الله على عباده كلهم سواء، وجاء ما تعبدهم به
منها سواء على المساواة والإستواء. وكذلك جاءت أصول ما أعطاهم الله
من حجة العقل التي ينالون بها أداء هذه الفرائض(1) على قياس ذلك
سواء، فاستوت المفروضات عليهم، والحجة التي ينالون أداءها بها
فيهم.
فساوى الله سبحانه بينهم؛ في إثبات الحجة عليهم، وإكمال البراهين
فيهم، وإيجاد السبيل لكلهم إلى أداء فرضه، وبلوغ طاعته، فكان ما
أعطوا من أصل حجة العقل في ذلك بينهم سواء، كما كان الفرض عليهم
كلهم سواء.
ثم فضل الله تبارك وتعالى من شاء بعد المساواة بينهم والاكتفاء بما
يشاء بعد ذلك من الأشياء، فلم يكن لعباد الله حجة على الله، كما لم
يكن لهم حجة فيا خلق وجعل، وفطر من الأشياء وفعل من جَعْلِهِ
لبعضهم أهل جمال وهيئة، وجلد وهيبة، وجعل بعضهم أهل لطافة وذمامة،
وأهل قلة وسماجة.
فمن تكلم فيما فضل الله به بعض الخلق على بعض في زيادات العقل، وجب
عليه أن يجيب فيما فضل الله به بعضهم على بعض فيما ذكرنا من زيادة
الخلق، في حسن الألوان، وعظم الأبدان، والكمال والبيان، لا يجد من
ذلك بداً؛ لأن المعنى فيهما واحد مؤتلف، متساو غير مختلف. وليس في
ذلك للخلق على الله حجة، ولا يلحق به سبحانه لمتعنت تجوير ولا ظلم،
ولايثبت به عليه حيف ولا غشم؛ لأنَّه حكيم يُمضي ما كان فيه الحكمة
على كره من كرهه(2)، وإرادة من أراده؛ لأن الحكمة هي رأس الحق
وأصله، والحق فلا يتبع أهواء العباد، ولو اتبعه لفسدت البلاد
والعباد، كما قال ذو العزة والأياد، حين يقول: {وَلَوِ اتَّبَعَ
الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ
فِيهِنَّ}[المؤمنون: 71].
__________
(1) في (ب): الفروض.
(2) في (ج): من كره وإرادة من أراد.
(2/438)
فإن قال قائل: وما في
التفاوت بين خلقه في الخلق والأجسام والألوان من الحكمة؟
قيل له: في ذلك أحكم الحكمة؛ لما فيه من الدليل على صانعه،
والشهادة على جاعله، والنطق بوحدانية فاعله، وحكمة مدبره؛ لأنَّه
لما أن تصرفت خلقهم، واختلفت ألوانهم، وتباينت صورهم، دل ذلك من
حالهم على جاعلهم، وشهدت بذلك حالهم على وحدانية فاعلهم، وبعده من
شبههم، واقتداره على فطرهم، ونفاذ إرادته في تأليفهم. فصح له بذلك
عند خلقه القدرة، وثبتت له الوحدانية، وصحت له دون غيره الربوبية.
فهذا باب الحكمة وتفسيرها، وشرح أمرها وتثبيتها؛ في ظهور ما أظهر
الحكيم من خلقه، وتفضيل ما فضل في الألوان والأجسام، وما له كانت
الأمور من الله سبحانه كذلك، وأتى تدبيره جل جلاله على ذلك. وفي
ذلك من قولنا، وما يشهد لنا عليه كتاب ربنا؛ ما يقول الرحمن؛ فيما
نزل من النور والبرهان: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالَمِينَ}[الروم: 22]. فافهم ما به قلنا: من
تسوية الله سبحانه بين عباده، فيما أعطاهم من أصول حججه المركبة في
صدورهم، كما ساوى بينهم فيما ألزمهم من أداء فرضه، وما به قلنا في
الزيادة من الله سبحانه في ذلك لمن شاء من خلقه.
وإن كنت تريد بقولك: هل كان عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل
عقل أبي جهل: أنَّه مثله في المساواة والموازنة والكمال والإستواء،
وموآد زيادات الله له في الهدى والعطا والتفضيل في كل الأشياء،
والزيادة في الفهم، وجودة التمييز؛ فلا ولا كرامة لأبي جهل، لا
يكون عقله في ذلك كعقل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن مع
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الزيادات والتفضيلات،
والخصائص والكرامات، والتوفيق والتسديد، ما لا يكون مع أحد؛ وذلك
لكرامة الله لنبيه، واستحقاق نبيه لذلك من الله بفعله، صلى الله
عليه وآله.
(2/439)
فلما أن فعل ما
ارتضاه الله منه؛ من إخلاص النية، وجودة البصيرة، استحق من الله
الزيادة.
فكانت زيادات اللّه وعطاؤه لنبيه على صنفين: فصنف(1) ابتدأه بما
ابتدأ؛ لما قد علم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من
الإستواء، وأحاط به علمه قبل خلقه للدنيا؛ من إيثار محمد صلى الله
عليه وآله له على غيره، وإخلاصه له في جميع أموره، وأنه يكون على
الإستواء، وعلى الغاية(2) في الانتهاء اختياراً منه لذلك، وأثرة
منه لربه، من غير جبر من الله له، ولا إدخال له قسراً في طاعته، بل
يكون ذلك منه اختياراً، وأثرة لله لا اضطراراً.
فلما علم الله منه ذلك، وأنه يكون في جميع الأمور كذلك؛ ابتدأه
بالكرامة على ما قد علم من غاية(3) فعله، وصيرورة أمره، فابتدأه
بما هو أهل، من غير عمل كان منه لربه، ولا جبر من ربه على شيء تقدم
من فعله، بل على ما قد علم من صيرورة أمره، وما علمه مما سيكون من
اجتهاده في طاعة ربه، وتقديمه لإرادته على إرادة نفسه.
والصنف الثاني: فزيادات من الله لنبيه على جزاء فعله، وما ظهر من
نصيحته، وبان من اجتهاده في التثبيت لباب اهتدائه، فزاده الله من
بعد فعله لذلك تثبيتاً وهدى، وزيادة التقوى، كما قال تعالى:
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوا زَادَهُمْ هُدَى وَآتَاهُمْ
تَقْوَاهُمْ}[محمد: 17]. فكان اهتداء رسول الله صلى الله عليه وسلم
أعظم الإهتداء، وتقواه أكبر التقوى؛ فكانت زيادة الله له أعظم من
كل زيادة، وهدايته له أكبر من كل هداية. فكانت هذه زيادة من الله
على طريق المجازاة للنبي علىفعله، وكانت الزيادة الأولة منه لما قد
علم من صيرورة أمره.
فاجتمعت لرسول الله صلى الله عليه ثلاث خصال:
__________
(1) في (ج): صنف.
(2) في (ب): إلقائه. وهو تصحيف.
(3) في (ب): عناية.
(2/440)
ابتداء الله لاعطائه
ما أعطاه من حجة العقل؛ التي ساوى بين العباد فيها في الإبتداء؛
لتقوم له بذلك عليهم الحجة في بلوغ أداء فرائضه، واستدراك معرفته،
والإقرار بوحدانيته. وكرامة الله له، وزيادته في ابتدائه بما
ابتدأه به؛ على قدر علمه بصيرورة أمره. واجتهاده في طاعة ربه،
واقتدائه فيما أمر بالإقتداء به. وفي ذلك ما يقول الله سبحانه:
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}.
فكملت له صلى الله عليه وآله وسلم هذه الثلاث الخصال واجتمعت،
والتأمت وتمت؛ مع غيرها من توفيق الله لنبيه صلى الله عليه
وتسديده، وتأييده ومعونته. فعاد ذلك كله زيادات في عقله، وصار له
حبيباً في كل أمره.
فكيف يلحق به أبو جهل اللعين، أو يشابهه أو يساويه في شيء من عطاء
رب العالمين، وأبو جهل فلم يستحق من الله زيادة في شيء من أمره؛ لا
بنية صالحة نواها، ولا بطاعة لله من ذلك أتاها، فيستحق على نيته
ابتداء، وعلى ما ظهر من عمله(1) بالصالحات جزاء؟! ولم(2) يكن معه
عليه لعنة الله غير ماكان من ابتداء حجة اللّه (3) المركبة في
صدره، المجعولة في قلبه، لتكمل بها عليه الحجة، فترك استعمالها،
ورفض النصفة لها، فصار بذلك ظالماً لما في صدره من حجج الله
فاستوجب بمكابرته لحجج الله عذاب الله وسخطه، وخذلانه ولعنته،
فكابر أبو جهل ما زرع في قلبه، ورفض ما أمر به من أمر ربه؛ فاستأهل
من الله جزاء سيِّء فعله، وحاق به كسب عمله، وصار في الضلالة
متحيراً، وفي اللعنة من الله متصيراً؛ بما كان (4) له من حجج الله
في صدره مكابراً.
__________
(1) في (ب): من علمه، ولعلها تصحيف.
(2) في (أ، ج): فلم.
(3) في (أ): من حجته المركبة.
(4) كذا في النسخ، والصواب: ولما كان.
(2/441)
فلن يستوي حال من كان
عندالله مرضياً مهتدياً، وكان له ولياً موالياً؛ وحال من كان
مسخوطاً عند الله مجنباً، وله سبحانه عدواً معادياً؛ في كل حال من
الحال، وفي كل قول وفعال. لا يستوي ولي الله وعدو الله عند الله في
حالة، ولا تتقارب منهما عنده منزلة، لا في ثواب ولا في عطاء، ولا
في زيادة ولا في هدى. حال أولياء الله عند الله حال الكرامة
والثواب، وحال أعداء الله عند الله حال الخذلان والعقاب. فالحمد
لله الذي ميز بين خلقه، وصدقهم في ذلك ما أوجب لهم من وعيده ووعده.
فإن قال قائل: كيف يكون الابتداء من الله على غير عمل ولا جزاء؟
قيل له كذلك الله يفعل ما يشاء، ويعطي من يشاء، على ما يعلم منهم
من الإهتداء.
فإن قال: أليس بكمال العقل وتمامه تنال فرائض الله، وتبلغ إرادة
الله في قولكم ؟ إذ (1) كان قد فضل بعضاً على بعض في الزيادات في
العقل؛ الذي ينال به كل فعل؛ ثم كلفهم كلهم ـ بعد أن فضل منهم
بالزيادة في العقل من فضل ـ فرضاً واحداً، وألزمهم شرائع سواء، لم
يرض من أحد منهم بترك خصلة واحدة من ذلك، ولم يوجب على المفضل
بالعقل في الفرض زيادة ركعة واحدة من ذلك، ولا صيام يوم واحد، ولم
ينقص عن المنقوص في عقله من ذلك الفرض قليلاً ولا كثيراً؛ فأين
النصفة والعدل، مع ما ترون من الفعل؟
__________
(1) كذا في النسخ، ولعل الصواب: وإذا كان، والجواب حينئذ قوله:
فأين النصفة.
(2/442)
قيل له: إنك جهلت
المعنى؛ فأتى قولك على غير الإستواء. إن الله تبارك وتعالى قد عدل
بين خلقه، وساوى بين عباده، فأعطى(1) كلهم من حجج العقل ما بأقل
قليله ينالون أداء فرضهم، وتمييز أمورهم، والاستدلال على خالقهم.
فساوى بينهم فيما يستدركون به معرفةأمره، ويستدلون به على التمييز
بين أموره، ويقفون به على معرفته؛ فلم يوجب على أحد أمراً ولا
نهياً، ولم يجعله عنده على شيء معاقباً، إلاَّ وقد أعطاه من حجة
العقل ما ينال به ما ينال غيره ممن زاده اللّه بسطة، وآتاه كرامة.
فلما أن ساوى بين خلقه في مستدركات حججه، وبالغات معرفة أداء فرضه؛
زاد من شاء من فضله، وأعطاه ما شاء من كرامته؛ من بعد أن قطع عنه
حجة غيره؛ بما ركب في صدره، من مؤكَّدات حججه، التي بأقل قليلهن
وأصغر صغيرهن يستدرك أكثر مما افترض عليه، وينال فوق ما ألزم، وجعل
فيه فرضاً لازماً مؤكداً، وأمراً واجباً مشدداً، فزالت عن الله لهم
الحجة، وسقطت عنه سبحانه معاني المظلمة، وثبتت له بذلك معاني
الحكمة، وصحت له النصفة، وبان عدله في خلقه؛ بما ساوى بينهم فيه من
حجته.
فإن قال قائل: بين لي قولك، واشرح لي لفظك، بحجة يقف عليها عقلي،
وتكون ظاهرة في صدري.
قيل له: مَثَلُ زيادة الله لمن شاء من فضله، وتفضيله لمن شاء من
عباده؛ على من قد أعطاه أكثر من حاجته، وثبَّت في صدره من وافر
حجته؛ ما بأقل قليله يؤدي إليه ما ألزمه من فرضه؛ مَثَلُ رجل له
غلامان؛ فدفع إلى أحدهما شمعة كبيرة متوقدة، ودفع إلى الآخر
شمعتين؛ ثم قال لهما: يحرق كل واحد منكما بيتاً من حشيش بما معه من
النار.
فإن قال صاحب الشمعة: اعطيتني شمعة واحدة، وأعطيت صاحبي شمعتين، ثم
ساويت بيننا في إحراق الحشيش؛ فقد ظلمتني في ذلك وَجُرتَ علي؛ إذ
كلفتني مثل ما كلفت صاحبي، وقد زدته شمعة على شمعتي.
__________
(1) في (ب): فأعطاهم.
(2/443)
هل ترى أيها السائل
هذا القائل صاحب الشمعة الواحدة صادقاً في قوله، أو مصيباً في
لفظه؟ أو ترى له حجة على سيده، وقد أعطاه من النار ما بأقل قليله
يحرق بيوتاً كثيرة؟
فإن قال: قد كان العبد في ذلك مصيباً، وبالحق محتجاً، والسيد له
ظالم، وفي تكليفه له غاشم؛ حين كلفه من الإحراق مثل ما كلف صاحبه،
وقد أعطى صاحبه شمعتين، وأعطاه شمعة واحدة، كان في قوله ذلك
محيلاً، وعن الصواب عادلاً، ولم يقل من ذلك حقاً؛ لأن قليل النار
يأتي من إحراق الحشيش على ما يأتي عليه كثيرها، ويتفرع منها من
الإلتهاب عند إحتراق الحشيش ما لا يكون لصاحب ثنتين ولا ثلاث ولا
أربع فضل في عمله على صاحب الشمعة الواحدة وفعله، وكل ينال بما
أعطي، أكثر مما كلف وأعطي.
وإن قال: لا أرى لصاحب الشمعة الواحدة على سيده حجة؛ في دفعه إلى
صاحبه شمعتين؛ لأن المكلَّف(1) الذي كلفهما إياه ينال بأقل من
واحدة، فلذلك قلنا: إنَّه لا حجة لصاحب الواحدة على سيده، وصاحب
الواحدة ظالم لسيده، غير محتج بحق على مالكه؛ لأنَّه قد ساوى بينه
وبين صاحب الثنتين فيما دفع إليه من النار، التي بأقل قليلها ينال
من إحراق بيوت كثيرة ما ينال صاحب الثنتين والثلاث والأربع لو كان.
فإذا قال بالحق، ورجع إلى الصدق؛ قيل له عند إقراره بذلك، ومعرفته
بالأمر إذ كان كذلك: قد أصبت المعنى، وقلت بالحق وثبت على
الإستواء، وثبت لك بذلك، ما أحببت معرفته من عدل الله سبحانه في
ذلك وحكمته، ولطيف صنعه وقدرته.
__________
(1) في (ج): أي المكلف به.
(2/444)
فعلى هذا المثال،
يخرج معنى ما تقدم منا(1) من المقال، فيما أعطى الله العباد من حجة
عقولهم، وساوى بينهم فيما ركب من ذلك في صدورهم، فجعل كل من(2)
لزمه عقاب على فعله، أو ثواب على عمله، في حجة العقل سواء، فكل قد
ركب فيه ما بأقل قليله يَنَال به أكثر مما افترض الله عليه، ويستدل
به على حاجته منه وفيه، ويميز فيه بين أعماله، ويهتدي به إلى فواضل
أفعاله، ويصل به إلى الاختيار في الحالين، والتمييز يبن العملين،
وسلوك ما يشاء(3) من النجدين، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ
بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اَللَّهَ
لَسِمِيْعٌ عَلِيْمٌ}[الأنفال42].
فلم يكن لمن أُعْطِي من حجة العقل ما ذكرنا على الله سبحانه حجة في
شيء من أموره، ولا سبب من أسبابه، بما فضل به عليه غيره من بعد
المساوة فما يحتاج إليه، كما لم يكن لصاحب الشمعة الواحدة على سيده
في إحراق ما أمره بإحراقه حجة باعطائه لصاحبه شمعتين؛ إذ المعنى في
ذلك واحد في الواحدة والثنتين، والدرك بالجزء الواحد لما أمر به من
النار في إحراق الحشيش كالدرك بالجزأين.
فهذا معنى ما عنه سألت، فافهم الجواب في ذلك إن شاء الله، والحمد
لله وصلواته على محمد وآله وسلم.
[كيف يأخذ جبريل الوحي عن الله]
وسألت أكرمك الله وحفظك، وأعانك على طاعته ووفقك، فقلت: كيف يأخذ
جبريل عليه السلام الوحي عن الله، وكيف يعلمه؟ وكيف السبيل فيه من
الله حتى يفهمه؟
واعلم هداك الله أن القول فيه عندنا: كما قد روي عن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم، أنَّه سأل جبريل عن ذلك، فقال: (( أخذه من
ملك فوقي، ويأخذه من ملك فوقه، فقال: كيف يأخذه ذلك الملك ويعلمه؟
فقال جبريل: يلقى في قلبه إلقاء، ويلهمه الله إياه إلهاماً.
__________
(1) في (أ): يخرج معنى ما يخرج منا.
(2) في (ب): كلما.
(3) في (ج): ما شاء.
(2/445)
وكذلك هو عندنا أنَّه
يلهمه الملك الأعلى إلهاماً، فيكون ذلك الالهام من الله إليه
وحياً، كما ألهم تبارك وتعالى النحل ما تحتاج إليه، وعرَّفها سبلها
حين كان منها في ذلك من بناء شهودها(1)، وتسوية ما تسوي لأولادها،
وما تجتنيه(2) من الأشجار مما تعلم أن فيه الشراب الذي ذكر الله
أنَّه شفاء، سماه الله سبحانه شفاء للناس، من العسل الذي يخرج من
أجوافها، فقال تبارك وتعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ
وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ
فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا
شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيْهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[النحل: 68 ـ 69].
فكما جاز أن يُلهم النحلَ ما تحتاج إليه فتفهمه، حين فهمت الأشجار؛
وميزت الثمار فعرفت ما يخرج منه العسل فقصدته، وعرفت ما لا عسل فيه
فتركته، مع عجائب كثيرة من أمرها، ودلائل على أثر الصنع في فعلها،
يستدل به من جعل له لبٌ، ويعرف أثر صنع الله فيه من كان له قلبٌ.
فكذلك فعل الله في المَلَكِ يُلهمه ما أراد الهاماً، ويلقيه في
فهمه إلقاءً، فيكون فعل الله في ذلك منيراً ساطعاً، عند كل من كان
ذا عقل نافع، لا يمتنع من قبوله عقل عاقل، ولا يكون عندكل ذي تمييز
بحائل.
فإذا ألهمه الله ما أراد سبحانه، ثبت في قلبه بغاية الثبات،
كلما(3) وقع من ربه في الحالات، أثبت وأوضح في قلبه من كلام لوسمعه
من غيره؛ لأن هذا الإلهام من الله فعل مفعول في الملهَم، وما كان
من فعل الله وإلقائه إلى عبده، فهو أثبت وأوضح من إلقاء مخلوق إلى
مخلوق مثله.
__________
(1) كذا في (ج). وفي هامشه: بيوتها.
(2) في (ب) و (ج): وما تحتاج .
(3) كذا في النسخ، والمعنى أن الكلام الملهم أثبت وأوضح من الكلام
المسموع.
(2/446)
فهذا معنى ما ماعنه
سألت من وصول حكم الله ووحيه، إلى المؤدِّي عنه من ملائكته، ما
أراد وشاء من فرضه.
فاعمل فكرك في تدبيره، يوصلك ذلك إن شاء الله إلى فهمه، ويوردك إلى
ما أردت من علمه.
[كيف يحاسب الله عباده وما معنى الحساب]
وسألت: كيف يحاسب الله العباد يوم القيامة؟ وما معنى الحساب في يوم
المعاد؟
والقول في ذلك: أن الله ذا الجلال والإحسان، قد جعل مع كل إنسان؛
ملكين في كل حال، عن اليمين وعن الشمال، يحفظان عليه فعله، ويحصيان
عمله، و يكونان شاهدين عليه بكسبه، محصيين مايكون من صنعه، فإذا
كان يوم القيامة، ويوم الحسرة(1) والندامة؛ أتى به ملكاه إلى من
أمره الله من الملائكة بمحاسبة العباد ـ ومحاسبتهم فتوقيفهم على
أفعالهم، وتعريفهم ما كان من أعمالهم ـ ثم شهد(2) حافظاه عليه،
ووقَفَّاه على ما كان من أمره، وبكَّتاه بمعاصيه لربه، ووقفَّاه
على جرأته على خالقه، فلم يَذَرَا مما تقدم منه شيئاً؛ إلاَّ أو
قفاه عليه حرفاً حرفاً.
فهذا معنى محاسبة الرب لعباده.
قال قلت: فما معنى ذلك؛ إذ كان العقاب لا زماً على المعاقبين،
والثواب واجباً للمثابين؟!
قيل لك: لأن في تعريف المعاقب ما تقدم من عمله(3) وتوقيفه على ما
أتى به من عمله؛ حسرة عليه في يوم الدين أيما حسرة، وفي تحسره جزء
عظيم من عذابه. فكان توقيفه سبباً لتحسره وغمه، وكان تحسره وغمه
زيادة في عذابه وخزيه.
وكذلك معنى توقيف الله للصالحين على فعلهم، وإعلام حفظتهم لهم بما
حفظوا عليهم من عملهم. فكان ذلك سروراً للمؤمنين، وإيقاناً من
المتقين بنجاح فعلهم، وحسن موقعه عند ربهم، وبشارة سابقة إليهم من
الرحمن، بما أعد لهم من الجزاء والخير والإحسان، وكان ذلك زيادة من
الله في ثوابهم، وبشارة سيقت إليهم في يوم معادهم.
فهذا معنى ما عنه سألت من الحساب ومعناه، وما أراد الله بذلك
وشاءه.
__________
(1) في (ب): ويوم الحشر.
(2) في (ج): ويشهد.
(3) في (ب): من ذنبه.
(2/447)
[ما هو يوم القيامة
وما معنى القيامة]
وسألت فقلت: ما يوم القيامة؟ وأي شيء معنى القيامة؟
القول في ذلك: أن يوم القيامة يوم جعله الله تبارك وتعلى وقتاً
لحشره، وحينا لبعثه ونشره، أبان فيه وعيده ووعده، وأبان فيه ما حتم
به من حكمه، أنصف فيه المظلوم، وأظهر فيه الحق المعلوم، فأوصل وعده
إلى أوليائه، ووعيده إلى أعدائه، وأقر كلاً في داره، ليعلم كل (1)
صدق قوله، ويرى إنفاذ إرادته {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ
خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ
جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ
تُجْزَونَ إِلاَّ مَاكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[النمل: 89 ـ 90].
فأما معنى تسمية ذلك اليوم (بالقيامة)، فمعنى القيامة هي: قيامة
هذه الأشياء التي ذكرنا، وقيامها فهو: ظهورها، وظهورها فهو:
كينونتها. من ذلك ما يقول القائل: قد قامت الحرب بينهم، يقول: لقحت
وبانت، وظهرت واستقامت(2). ومن ذلك ما تقول العرب(3): قام السوق،
تريد استوى وقام أمره، وحظر ما يطلب به فيه ويُبتغى؛ من البيع
والشراء.
فهذا معنى ما أحببت علمه من ذكر الحساب والقيامة. وقلت: هل ما ذكر
الله من ذلك، وما شرح(4) في يوم المعاد؛ فعل يكون ظاهراً؟ أو هو
مثل ضربه الله للعباد؟ (5)؟
ولن يكون ذلك أبداً مثلاً؛ وفيه وعيد الله ووعده، وثوابه لأوليائه،
وعقابه لأعدائه، بل أمر لاحقٌ، وبجميع الناس واقع، وسيعلم الذين
ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.
[على من يجب النفير في سبيل الله]
وسألت فقلت: مَن يجب عليه النفير في سبيل الله؟
__________
(1) في (أ) و(ب): كلا.
(2) في (ب): واستفاضت.
(3) في (أ): ما يقول القائل.
(4) في (أ): من يوم.
(5) في (ب): للعبد.
(2/448)
واعلم هداك الله أن
النفير والهجرة في سبيل الله واجب على كل من عرفه ممن عدم أربعة
أشياء، وكان سالماً منها، وهي: العرج والعمى، والمرض والفقر، فمن
لم يكن من أهل هذه الأربعة الأشياء فالهجرة عليه والنفير واجبان،
والجهاد والقيام لا زمان، لا يفكه عن فرضهما، ولا يزيحه عن واجب
أمرهما؛ إلاَّ القيام بهما والأثرة لهما، أو الكفر بمن افترضهما،
كما قال الرحمن الرحيم، فيما نزل من الفرقان(1) الكريم؛ حين يقول
تبارك وتعالى: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا
بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41] ثم قال
سبحانه ـ قطعاً منه لحجج المتعللين، واعذاراً وإنذاراً إلى
العالمين، وتبييناً لفرضه الأكبر، وإقامة لدينه الأوفر، وحضاً على
ما به قوام الإسلام، وصلاح دين محمد عليه السلام ـ : {قُلْ إِنْ
كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} إلى قوله: {فَتَرَبَّصُوا
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ واللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ
الفَاسِقِينَ}[التوبة: 24] ، فجعل المتخلفين عن جهاد الظالمين، في
الحكم عنده سبحانه من الفاسقين.
وما ذكر به من ذلك أولئك، ومن كان من الخلق كذلك؛ فكثير في القرآن،
معلوم عند أهل المعرفة والبيان، يطول شرحه لو شرحناه، ويجزي ما
ذكرناه عما تركناه.
__________
(1) في (أ) و (ج): القرآن.
(2/449)
وكيف لا يكون من منع
الجهاد، وتعلل بالأموال والأولاد(1)، من أشر العباد عند ذي العزة
والأياد؛ وقد هتك الدين، وباين رب العالمين، وشرك في دماء
المسلمين، وقوى بذلك جميع الفاسقين؟! فكان بخذلانه للدين، وقعوده
عن المحقين؛ شريكاً للكافرين، ومعاضداً للفاجرين، إذ كانت ـ
بخذلانه ـ نيته وسطوته على المحقين، بتخلف المتخلفين مُظَاهِرَة.
فكان محلُّ الخاذل ـ بخذلانه وقعوده عند الله ـ محلَّ المحارب
بمحاربته، لا ينفك الخاذل للمؤمنين، من المشاركة للفاسقين، فيما
نالوه من المتقين، في حكم أحكم الحاكمين.
فليتق الله ربّه، وليقس بفتره شبره(2)، وليَتْرُك عنه التعلات،
وليحذر من الله النقمات، فقد وضح الحق لطالبه، واستنار الرشد
لصاحبه. فلا عذر في تخلف المتخلفين، ولا حجة في تأويل المتأولين،
ولا بد من النصرة لرب العالمين، أو الكفر بما أنزل على خاتم النبين
صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم.
[تكليم الله لموسى]
وسألت عن قول الله سبحانه: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى
تَكْلِيماً}[النساء: 164] فقلت: كيف كان الكلام من الله عزَّ وجل
لموسى عليه السلام؟ وما معنى قوله: {تَكْلِيماً}؟
واعلم هداك الله أن الله تبارك وتعالى لم يوح إلى أحد من الأنبياء
إلاَّ على لسان الملك الكريم جبريل عليه السلام، وكذلك إلى موسى
صلى الله عليه، فقد كان منه الإيحاء إليه على لسان جبريل حتى كان
في هذا الوقت الذي ذكره الله جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله،
فكان من الله إليه(3) ما ذكره الله سبحانه من الكلام له عليه
السلام.
__________
(1) يعني جعلهم له علة وعذراً.
(2) الفِتر: ما بين طرف السبابة والإبهام إذا فتحهما.
(3) في (أ): بما ذكره الله، والمعنى، فكان الإيحاء بما ذكره الله.
(2/450)
وكان معنى ذلك أن
الله سبحانه خلق له كلاماً في الشجرة سمعه موسى بإذنه، كما كان
يسمع ما يأتي به الملك إليه من وحي ربه، فكان فهم موسى ـ وسماعه
لذلك الكلام الذي شاء الله إسماعه إياه؛ لما أراد من كرامته
واجتبائه ـ كفهمه لما به كان يأتيه جبريل عن الله من وحيه سواء
سواءً. فلما أن لم يكن بين الله سبحانه وبين موسى صلى الله عليه ـ
لهذا الكلام المخلوق في الشجرة ـ مُؤد يؤديه إليه؛ كما كان يكون
فعله في غيره مما ينزله عليه؛ جاز أن يقول: {وَكَلَّمَ اللَّهُ
مُوسَى تَكْلِيماً}، يريد: أسمع موسى وأبلغه ما كان يريد من الكلام
والوحي إسماعاً؛ بلا مؤد لذلك إليه. فَلَمَّا أَنْ لم يكن بين الله
وبين موسى مؤد للكلام إلى موسى ـ وكان المتولي لجعل الكلام وفعله،
وخلقه على ما سمعه موسى من البيان، والكفاية والتبيان ـ قال الله
سبحانه: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} معنى {تَكْلِيماً}،
هو: تأكيد للإخبار منه عزَّ وجل بما كان من عجيب فعله، وعظيم
قدرته، وظاهر برهانه، وما ازداد موسى به بصيرة إلى بصيرته؛ من خلقه
لكلام ينطق من غير لسان؛ كما ينطق به ذووا اللهوات والأدوات،
واللسان والآلات.
فهذا معنى قوله: {تَكْلِيماً}، لا كما يقول به الجاهلون، وينسب إلى
الله الضآلون، من تشبيهه لخلقه، ونَسْبِ الكلام إليه على طريق
التكلم به؛ كما يعقلون من كلام الآدميين، ويعرفون من كلام
المخلوقين، تعالى عن ذلك أرحم الراحمين، وجل أن يكون كذلك ربُ
العالمين.
[ما هو معنى الصور وكيف هو]
وسألت عن الصور، فقلت: ما هو؟ وكيف هو؟ وعلى أي صفة هو؟
واعلم رحمك الله أنَّه ليس ثم صور ينفخ فيه كما يقول الجاهلون،
ويلفظ به العَمُوْن، وإنما الصور الذي ذكر الرحمن، فيما نزل من
واضح النور والبرهان، هو: جَمْيعُ الصوَر، والصور: جمع الصور
والعرب(1) تقول: صورة وصورتان وصور، ثم تجمع الصوَر، فيكون جمعها
صُوْراً.
فهذا معنى الصور.
__________
(1) في (ج): فالعرب.
(2/451)
ونفخ الله فيها في
النفخة الأولى فهو: إفناؤها، وهو نفخه فيها، وهي الأبدان والصور ـ
صور المخلوقين(1) وأبدان العالمين ـ لما أراد من هلاكها، وفنائها
ودمارها، فواقعها وحل بها من الله سبحانه ما أزالها، وحق(2) بها
منه ما أبادها، وواقعها منه ما أتلفها(3)، فصارت بنفخ الله فيها،
وما وعدها من الموت والفناء؛ إلى الزوال والإنقضاء.
فهذا معنى ما ذكر الله من النفخة الأولى في الصور المصورة،
والأجسام المفتطرة.
ومعنى النفخة الأخرى، فهي: نفخة الله الثانية، في الصور والأبدان
المتمزقة البالية؛ لما أراد الله من حيوتها ونشرها، وتجديدها
وبعثها من بعد موتها، فكان نَفْخُه بالحياة فيها، نفخة ثانية أخرى
بعد النفخة المهلكة الأولى. فكانت النفخة الأولى للهلكة(4)
والوفاة، وكانت النفخة الأخرى للنشور والحياة، قال الله تبارك
وتعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ
وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ
أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}[الزمر: 68]، فأخبر
سبحانه أن النفخ على المعنيين، وأن له حالين مختلًفين؛ إذ كان حال
الأولى؛ ما أوجبه الله من حال الهلاك والانقضاء، وحال النفخة
الأخرى، ما جعل الله فيها وبها من حال الحياة بعد الفناء.
فافهم ما قلنا، واعرف من ذلك ما شرحنا؛ من شرح النفخ ومعناه، وأنه
ما واقع الصور أولاً(5) وآخراً من مراد الله وفعله، وما حكم به
سبحانه في خلقه.
[ماهي الأرواح ولماذا لا تموت مع الأبدان]
وسألت عن الأرواح فقلت: ما هي، وكيف هي؟ وقلت: كيف يميت الله الجسم
ولا يميت الروح والله عدل لا يجور؟!
فكذلك الله سبحانه عدل في فعله، حكيم في صنعه، لا يجور على أحد من
خلقه.
__________
(1) في (ج): صور الخلق.
(2) في (أ) و (ج): وحقّها. وأثبت في (ج) ما هنا نخ.
(3) في (ج): ما أتاها.
(4) في (ب):الْمُهْلِكة.
(5) في (ج): الأولى والأخرى من مراد الله.
(2/452)
فأما ما قلت وسألت
عنه؛ من صفة الروح وتفسيره؛ فالروح: شيء خلقه الله قواماً للأبدان،
وحياة للإنسان، به تعمل الجوارح المجعولات، وتتصرف الاستطاعة
المخلوقة، تَعْدَمُ الجوارحُ الاستتِطاعَةَ بعدمه، وتثبت فيها
استطاعتها بوجوده، شيء(1) خلقه الله وصوره، وجعله بحكمته وافتطره؛
لحياة(2) الأبدان والأعضاء، ويعيش به ما جعل الله في الأبدان من
الأشياء، به تبصر الأعين المبصرة، وبه تسمع الأذان السامعة، وبه
تنطق الألسن، ويشم الأنف، وتبطش اليدان، ويُميّز القلب وتمشي
الرجلان؛ فجعله قواماً لما حوت الأبدان، ودليلاً على قدرة الرحمن،
ضعيف محدود، تضمه الأبدان المؤلفة، وتجمعه الأعضاء المتفرقة،
ويحويه الجسم ويَحُدُّه، مخلوق مجعول، وكائن بتدبير الله مفعول.
فهذه صفة الروح، وبيان ما عنه سألت منه وشرحه.
فإن قلت: انعته لي بصفة غير هذه الصفة أقف عليه بها؛ من لون وطول
وعرض، وغير ذلك من الصفات.
__________
(1) في (ب): شَيئاً ولا وجه له.
(2) في (ج): بحياة.
(2/453)
قلنا لك وأجبناك: بأن
الذي ذكرت محجوبٌ عنا استأثر الله بعلمه، وأَبى أن يُطْلِعَ أحداً
على قدرته، فقال لمن سأل نبيه عما سألت من الروح وتقديره، وصفته
بغير ما وصفناه : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ
مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] فلم يُنَبَّه عليه السلام ولا
إياهم(1) من علم الروح وصفته؛ على غير ما ذكرناه من نعته، وقال:
{قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} يقول: من فعل ربي وخلقه،
وتدبيره وصنعه(2)، والشاهد له بالحكمة. ولم يصف الروح بغير ما
وصفنا، ولم يستدل عليه بغير ما دللنا، ولس في نعت ذلك لأحد حجة،
ولا لأحدٍ إلى علم كيفيته حاجة، وليس عزوب علم ذلك على الآدميين؛
إلاَّ كعزوب علم غيره من الأشياء، مثل: معرفة صورة ملك الموت،
وصورة مالك خازن النار، وصورة إبليس وجنده، فهم خلق من خلق الله،
قد أَطْلَعَ(3) على تكوينهم وتقديرهم، شَكْلَهم ومِثْلَهم؛ من
الملائكة والشياطين(4)، وحَجَب علم ما علمته(5) أشكالهم ـ من
تصويرهم وتقديرهم ـ عن(6) الآدميين، فليس من الآدمييين خلَقٌ يصف
ما ذكرنا بطول ولا عرض، ولا جسم ولا لون. فهؤلاء مخلوقون
يَصِفُهُمْ بما ذكرنا شَكْلُهُم، ويَعرف ذلك مِثْلُهُم، قد عجز عن
وصفهم الآدميون، وانحسروا عن تحديدهم، وعجزوا عن شرح ألوانهم وهم
خلق من خلق الله قد أَظهَرَه، وفعلٌ من فعله قد بيّنه، لم يُحْجَبْ
أَمْثَالَهم منه شيئاً، ولم يستر عن أشكالهم منه جزءً، عَجَزَ
عقْلُكَ وعقول أشكالك أيها السائل عن صفتهم، وانحسرت ونظراءك عن
تحديدهم، وانْقَطَعْتَ وَهُم عن تقديرهم.
__________
(1) في (أ): فلم يعط نبيه عليه السلام.
(2) في (ب): وصنعته.
(3) في (ج): قد اطلع على تكوينهم.
(4) يعني أنه لا يعرف شكل الملائكة والشياطين إلا من كان من جنسهم
وشكلهم.
(5) كذا في (ج)، ولعلها: علم ما عليه.
(6) في (ج): عن.
(2/454)
فكيف تريد أن تحيط
بصفة ما ستر الله علمه، وتَقف على تحديد ما منع الله الخلق فهمه؟!
ولم يبين(1) من علم كيفيته في نفسه قليلاً ولا كثيراً للملائكة
المقربين، ولا للأنبياء والمرسلين، ولا لأحد من المخلوقين. فهذا
طلب منك للمحال، وجري في ميادين الضلال، وتشبث بفاسد من المقال.
وقد وصفنا لك الروح، وبيناه بالدلائل التي بينه الله لنا بها،
وهدانا سبحانه إليها، حتى عرفته(2) بغاية المعرفة المفهومة،
واستدللت عليه بأدل الدلائل المعلومة، التي دلتك على تحديده،
وأوقفتك على تقديره، وشهدت لك على أثر صنع الله في تدبيره، وأوضحت
لك أنَّه فعل من الله مجعول، وأنه مبعض مفعول، تَضُمُّه الأعضاء،
وتحوزه الأجزاء، وتحويه الأبدان، بأبين البيان وأنور البرهان.
فميزّ قولنا، وتدبر شرحنا؛ يَبْنِ لكَ أمرك، ويصح لك من ذلك
محبوبك.
وقلت: كيف يميت الله البدن ولا يميت الروح؟! وكل سيموت. فأما معنى
تأخير الله لإماتة الروح(3)، فإن ذلك بحكمة الله وفضله(4)، وما
اراد من الزيادة في كرامة المؤمنين، واراد من الزيادة في عذاب
الفاسقين. فجعل الأرواح حية باقية إلى يوم الدين، ليكون روح المؤمن
من بعد فنآء بَدنه في البشارات والسرور، والنعيم والحبور، بما يسمع
من تبشير الملائكة بالرضى والرضوان، من الواحد ذي الجلال والسلطان،
وما أعد له من الخير العظيم، والثواب الجسيم، كل ذلك يتناهى إليه
علمه، ويصل به من ربه فهمه، فيكون ذلك زيادة في ثوابه، ومبتدأ ما
يريد الله من إكرامه، حتى يكُونُ يومُ القيامة المذكور، ثم ينفخ في
الصور النفخة الأولى فيقع بهذا الروح من الموت ما يقع بغيره في ذلك
اليوم، فيموت ويفنى، كما فني البدن أَوَّلاً.
__________
(1) في (أ): يتبيِن.
(2) في (ب): عرفناه.
(3) في (ب): معنى خبر الله من إحياء الروح.
(4) في (أ): بحكم الله.
(2/455)
وكذلك تدبير الله في
إبقاء روح الكافر بعد هلاك بدنه؛ لما في بقاء روحه عليه من الحسرة
والبلاء؛ بما يعاين ويوقن ويبلغه من إخبار الملائكة وذكرها لما
أعدَّ الله له من الجحيم، والأغلال، والسعير وشرب الحميم، وما يصير
إليه غداً من العذاب الأليم، فروحه في خزي وبلاء، وحسرات تدوم ولا
تفنى، وحلول العويل به والشقا، فيكون ذلك زيادة في عذابه وبلائه،
ومُقَدَمة لما أراد الله من إخزائه، حتى ينفخ في الصور، فيحق بهذا
الروح ما حق بغيره من الفوت، ويواقعه ما واقع جسمه من الموت. ثم
ينفخ النفخة الثانية من بعد موت كل شيء، وهلاك كل حي، ما خلا
الواحد الأحد، الفرد الصمد، المميت(1) الذي لا يموت، المحيي الذي
لا يخشى من شيء فوتاً. ولو كانت الأرواح تموت مع موت الأبدان؛ لكان
في ذلك فرج(2) وراحة للكفار(3)، وغفلة وفرحة للأشرار، ولكان ذلك
غماً وكآبةً على المؤمنين، ونقصاناً وتضعضعاً لسرور الصالحين.
فافهم باب حكمة الله وتقديره، وصنعه في ذلك وتدبيره، وما جعل في
تأخير موت الأرواح من الكرامة للمؤمنين، والهوان للفاسقين، فإن أنت
أَفْكَرت(4) في ذلك بخالص لبك، واستعملت فيه ما جعل الله من
مركب(5) فكرك، صحت لك آثار الحكمة في ذلك، وبان لك الأمر من الله
سبحانه كذلك
[التفاضل بين الأنبياء والملائكة]
وسألت أكرمك الله عن الملائكة والأنبياء صلوات الله عليهم فقلت:
أيهم افضل؟
والجواب في ذلك أن الملائكة أفضل من الأنبياء. والحجة في ذلك أن
الفضيلة لا تكون إلاَّ بفضل الأعمال، فلما وجدنا الملائكة أفضل
أعمالاً(6) وأكثر عبادة، حكمنا لها بالفضل على من دونها عملاً.
__________
(1) في هامش (ج): الحي.
(2) في (ج): فرح.
(3) في (ج): للكافر.
(4) في (ج): فكرت.
(5) في (ب): من تركيب.
(6) في (ب): الأعمال.
(2/456)
ألا تسمع كيف يشهد
الله لها بكثرة العبادة، ودوام الطاعة؟ حين يقول عزَّ وجل: {وَلَهُ
مَنْ فِيْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ *
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتَرُونَ}[الأنبياء:
19 ـ 20]، فذكر سبحانه عنهم ما ذكر من عبادتهم، ودوام طاعتهم، في
التسبيح له والتقديس في الليل والنهار لا يفترون، ومن كان عابداً
لله الليل والنهار لا يفتر؛ خلاف من هو يفتر في الليل والنهار،
ويشتغل بلذات نفسه، وشهوات قلبه من الجماع، والمآكل والمشارب(1)
والنوم والجلوس والحديث.
فلما أن صح عندنا أن الملائكة مأمورة ومنهية كالأنبياء مختارة
للطاعة كاختيار الأنبياء، قادرة على ضد الطاعة لو أرادته، بما جعل
الله فيها من الاستطاعة والتمكين. ثم وجدناها قد استعملت ذلك كله
أَثَرةً لله، وإقبالاً على طاعته، ففرغت أنفسها الليل والنهار في
عبادته لا تفتر، حتى شهد الله لها بذلك؛ كانت عندنا أفضل من
الأنبياء، لما ذكرنا(2) من فضل عملها، ودوام طاعتها.
ومن الدليل على فضل الملائكة على الأنبياء قول الله عزَّ وجل:
{لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ اَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلاَ
الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ}[النساء: 172] فقال سبحانه: {لَنْ
يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ} ثم قال: {وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ
الْمُقَرَّبُونَ} فذكر الملائكة بعد الميسح، فعلمنا أنَّها أكبر
منه وأعظم وأفضل. وأقل مما ذكرنا ما كفى؛ من كان ذا فهم واجتزاء.
[معنى السموات مطويات بيمينه]
وسألت عن قول الله سبحانه: {وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
بِيَمِينِهِ}[الزمر: 67].
__________
(1) في (ج): والمشروبات.
(2) في (ج): بما ذكرنا.
(2/457)
وهذا رحمك الله مثل
ضربه الله لهم، مما تعرفه العرب وتمثل به. وذلك أن العرب تقول
لمالك الشيء: هو في يده، وهو في يمينه، وهي تريد بذلك تأكيد الملك
له؛ لأن كل ما كان في يد المالك فهو أقدر ما يكون عليه. (واليد في
كلام العرب هي الملك)(1) .
ألا تسمع كيف يقول العرب: بلاد كذا وكذا في يد فلان، قرية كذا وكذا
في يد فلان.
وتقول العرب: بنو فلان في يد فلان، يريدون في طاعته وملكه؛ لا بين
أصابعه ولا في كفَّه، فأرادوا بذلك الملك، ونفاذ الأمر فيهم، لا
القبض بالأصابع والضم لها عليهم(2).
فأخبر الله تبارك وتعالى أن مقدرته على ما ذكر من السماوات
المطويات، فوق مقدرتهم على ما هو في ملكهم.
(فأما قوله: {مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}[الزمر: 67] فإخبار منه لهم
أن السماوات مطويات في ملكه) (3)، متصرفات في أمره، مجموعات في
حكمه، كما يجمع الشيء المطوي جامعه، ويحوزه ويضم عليه طاويه.
فمثل لهم أمر نفاذ حكمه في السموات وقدرته عليهم؛ بما يعرفون من
مقدرتهم على ما يطوونه وينشرونه؛ من كتب أو صحف، أو غير ذلك من
المطويات المملوكات.
فهذا ما عنه سألت من قول الله سبحانه في السموات إنهن مطويات.
[الفرق بين الاسم والمسمى]
وسألت عن الفرق بين الاسم والمسمى.
والفرق بينهما، بقاء الاسم، وفناء المسمى، وتناسخ الاسم(4)،
واشتراك المسمين(5) فيه. فلما أن رأينا الاسم الواحد ينتقل في
المسمين؛ علمنا أن الاسم غير المسمى، وأنه دلالة على المسمى وعلامة
له، ليست به ولا هو بها.
ومن الدليل على ذلك أنك تسمي بالاسم مسمى؛ ثم يموت المسمى
فَيَبلَى؛ والاسم باق لم يفن. ولو كان الاسم هو المسمى؛ لعَدِم
بعدم الجسم ولزال ولتغير بتغيره، ولما أمكن بأن يكون لغيره.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في(ب): عليه.
(3) سقط من (أ).
(4) أي تعاقبه على أكثر من مسمى.
(5) في (ب) و (ج): المسمى.
(2/458)
وهذا الأمر فأبين ما
يكون، ولن يخلط في الفرق بين الاسم والمسمى، حتى يقول: إن الاسم هو
المسمى إلاَّ جاهل عمي، وضال غوي، لا يفرق بين علامة ولا معتلم(1)،
ولا دلالة ولا مستدل عليه، ولا عرض ولا جسم. فافهم ما قلنا به في
ذلك و شرحناه؛ بين لك إن شاء الله صدق ما قلناه.
[معنى: كل نفس بما كسبت رهينة]
وسألت عن قول الله سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ
رَهِينَةٌ}[المدثر: 38].
فمعنى قول الله سبحانه: {رَهِينَةٌ} أي مرتهنة، ومعنى مرتهنة:
مأخوذة، ومعنى مأخوذة هو: مجازاةٌ بعملها، مكافأة على فعلها. فأخبر
سبحانه أن كل نفس بِكَسْبِها مأخوذة، وكسبُها فهو عملها، وأخذه لها
سبحانه بعملها، فهو إنفاذ وعده ووعيده لها، {مَنْ جَاءَ
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَومَئِذٍ
آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي
النَّارِ هَلْ تُجْزَونَ إِلاَّ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ}[النمل: 89 ـ90]، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ
عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى
إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}[الأنعام: 160].
[وسوسة إبليس]
وسألت عن وسوسة إبليس كيف تكون منه إلى الآدمي؟
والوسوسة منه فإنماهي المقاربة والمداناة، والموالفة والمساواة.
__________
(1) في (ب): متعلم.
(2/459)
وذلك أن إبليس اللعين
بني على الفطنة والذكاء، والسرعة والمعرفة بمعاني الأشياء، التي
ربما عرفها الآدميون، واستدركها منهم الفطنون، فيعرف إبليس اللعين
في حركات الإنسان ووجهه؛ دلائل يستدل بها على ما أضمر في قلبه، من
المعاصي لربه، فإذا رأى تلك الدلائل والعلامات في وجهه؛ استدل بهن
على بعض ضميره، فإذا رأى في وجهه علامات إضمار المعصية، وتبين له
أنَّه قد هم بغير الطاعة، واستبان ذلك من شواهد(1) حركات الآدمي،
كما استدرك(2) كثيراً من ذلك الآدميون بعضهم من بعض، بما يرون(3)
من شواهد ذلك ودلالاته وعلاماته، حتى ربما فطن الإنسان لصاحبه ما
يريد منه، وما يريد في كثير من أمره، وكذلك يستبين منه الغضب
والرضى، والسرور والغم، يتبين كل واحد من هذه الأشياء في وجه
صاحبه، حتى يعرفه أهل الفطنة والفهم بما يظهر من شواهده في وجه
مضمره، وكل يتبين الفَزَع والرُّعب في وجه المرعوب والفِزَع لمن
كان ذا فطنة.
فكذلك وعلى ذلك، وبالشواهد في وجوه أولئك، يعرف إبليس اللعين ما
أضمره صاحب المعصية والخطيئة، فإذا أيقن إبليس بذلك من الآدمي دانى
قلبه وقاربه ولاصقه. وإبليس فَهَمَّهُ وإرادته ومعناه: المعصية
واللعنة، فإذا قارب هذا الشكل من إبليس اللعين زيادة شكل المعصية
التي هي في قلب الآدمي؛ قويت نيَّة الآدمي بالمعصية بمقاربة ما في
قلبه من المعصية لشكله وهو إبليس؛ فيقوى الشكل بمقاربة شكله،
والجنس بمقارنة جنسه، كما يقوى كل شيء بمداناة مثله، ومقاربة شكله.
فهذا معنى وسوسة إبليس، هو بالمقاربة والمداناة، لا بالمكالمة
والمناجاة.
__________
(1) في (ج): منه بشواهد.
(2) في (ج): يستدرك.
(3) في (ب): بما يأتمرون.
(2/460)
ومثل قوة المعصية في
قلب الآدمي؛ بمداناة شكلها من هذا اللعين الجِنِّي؛ مثل الجمر
جَعَلْتَ منها في بيت جماعة(1) خمسين رطلاً جَمْراً متوقداً
يَقِدُِ بَعْضُهُ في بعض؛ ثم أتيت بمائة رطل أخرى جمراً متوقداً، و
القيته إلى جنب ذلك الجمر الأول، فقوي عمل الأول بعمل الآخر، وقوي
عمل الآخر بعمل الأول، واشتد عملهما، وصَعُبَ أمرهما، حتى لا يُطيق
من في البيت أن يجلس فيه ولا يقوم مع شدة ما فيه من حرِّ النار
وتلهبها، وقوة بعضها ببعض، فقوي عمل الجزئين بمقاربة أحدهما
لصاحبه؛ إذ هما شكل واحد ومعنى واحد، ولو أفرد كل واحد منهما وفرق
بينهما؛ لم يكن عملهما متباعدين كعملهما متقاربين.
فعلى هذا ومثله، من قوة الشكل بشكله، تكون وسوسة إبليس لصاحبه
الآدمي، المضمر لما أضمر إبليس، المشاكل له بالإضمار في عمله،
والمقارب بإضماره له في فعله.
فافهم ما ذكرنا من معاني الوسوسة، وفطنة إبليس لما يفطن به(2) في
الآدمي من المعصية.
وقد قال غيرنا في ذلك بأقاويل، فزعموا أنَّه يجري في الآدمي مجرى
الدم، (في الأبشار)(3)فاستحال ذلك عند من فهم؛ لأنَّه لا يجوز أن
يدخل جسم في جوف جسم، فيجري في عروقه، ويجتمع في بدن واحد روحان،
روح ساكن، وروح متحرك، هذا محال أن يستجن(4) في جسم واحد روحان،
ولا يدخل في جسمٍ جسمٌ؛ لأن هذا لا يعرف في الأجسام، ولا يتهيأ ولا
يثبت في العقول، فلما لم تقبله العقول(5) استحال أن يكون شيئاً
معقولاً.
وقال قوم: يَلْقَى إبليس روح الآدمي (عند جولانه في وقت منامه،
فيأمره وينهاه، ويزين له ما يريده ويشاه. وقالوا: لا تكون الوسوسة
من إبليس إلاَّ من بعد النوم، ويلقى روح الآدمي) (6) عند خروجه من
بدنه، وجولانه بعد نومه، فيكون منه إليه ما ذكرنا، ويُلقي إليه ما
قلنا.
__________
(1) في (أ): في بيت فيه جماعة.
(2) في (ج): يفطن له.
(3) سقط من (أ) و (ج).
(4) في (ج): أن يسكن.
(5) في (ج): فلما نفته العقول.
(6) سقط من (أ).
(2/461)
واستحال(1) هذا من
قولهم أيضاً، كما استحال القول الأول؛ لأنا نظرنا في هذا المعنى
فوجدناه باطلاً، وبطلانه أنا وجدنا الادميين ربما أتوا من أنواع
المعاصي وألوانها في مجلس واحد بألوان وهم أيقاظ(2) غير نيام. فلما
أن وجدناهم يعملون في مجلس واحد ألواناً كثيرة من المعاصي التي
تخطر على قلوبهم بعضاً بعد بعض(3)، وتحدث في صدروهم حادثاً بعد
حادث، وخاطراً بعد خاطر لم يتعملوا(4) قبل ذلك المجلس في شيء منها،
ولم يضمروا جنساً من جنوسها، علمنا أن ذلك لوسواس(5) الشيطان
ومقاربته، ورأينا من كان كذلك يقظاناً غير نائم، والمعاصي تأتي منه
أولاً فأولا في مجلسه ذلك؛ من قذف المحصنات، وشرب خمرٍ، وقتل مسلم،
وأخذ مال يتيم ومسكين، وضرب مؤمن، وسفك دمٍ حرامٍ، وشهادة زورٍ،
وكذبِ وبهتان، وتشبيه الله سبحانه، وتجويره في فعله، وإكذاب لوعده
ووعيده، وغير ذلك من ألوان الفسق، مما يأتي به كَفَرَةُ الخلق؛
فلما رأينا هذه الأشياء تكون من فاعلها في أوقات وساعات لم يدخل
بينها منه نوم ولا غفلة، استحال عندنا أن تكون وسوسة إبليس من بعد
النوم وخروج الروح؛ لان هذه المعاصي كلها في افتراقها وتشَتّت
أصنافها كانت منه في يقظة لا نوم فيها. واستحال عندنا قول من قال
بهذا الثاني، كما استحال قول من قال بالقول الأول.
ولم نجد باباً أصح ولا أثبت، ولا أقوى ولا أجدر أن لا يكسره أحد
أبداً(6)، مما قلنا؛ من مداناة الشكل لشكله، وقوة الشبيه
بشبيهه(7)، ووجدناه ثابتاً عند أهل العقل، لا ينكره ولا يجحده من
وهبَ لباً، وفطنةً وفهماً.
[مم خلقت الملائكة والشياطين]
وسألت فقلت: من أي شيء خلقت الملائكة؟ ومن أي شيء خلقت الشياطين؟
__________
(1) في (أ): فاستحال.
(2) في (أ) و (ب): يقاظاً. والصواب: ما أثبته من (ج).
(3) في (أ): بعضها على قلوبهم بعد بعض.
(4) في (ب): لم يتعلموا.
(5) في (أ): بوساوس.
(6) يعني لا ينقضه ويبطله.
(7) في (أ): الشبه لشبهه.
(2/462)
الجواب في ذلك أن
الملائكة فيما سمعنا وبلغنا والله أعلم وأحكم خلقت من الريح
والهوى، وأما الشياطين فخلقت مما قال الله وَحَكَى؛ {مِنْ مَارِجٍ
مِنْ نَارٍ}[الرحمن: 15]. والمارج فهو خالص لهب النار، والذي هو
يمرج من لهبها، ويتقطّع في الهواء منها، عند ارتفاع اللهب وعلوه،
فيذهب في الهواء قطعاً قطعاً، ويتفصل من اللهب(1) تفصلاً، يستبان
ذلك ويعرف عند تأجج النار وتوقدها، وعظمها وارتفاع لهبها، فعند
ارتفاع اللهب وعلوه يخلص خالصه، ويمرج مارجه، ويتقطع المارج من
اللهب، ويتفصل مارج النار من لهبها، ويذهب في الهواء متقطعاً، وذلك
فهو مارج النار الذي ذكر الرحمن أنَّه خلق منه الجان.
والجان فهو الجن، والجن فهي الشياطين، وإنما سميت جناً وجاناً لا
ستجنانها عن أبصار الآدميين، واستجنانها فهو غيبتها، فلما كانت
بغيبتها مستجنة سميت باستجنانها جاناً. ألا تسمع كيف قال إبليس في
آدم عليه السلام حين يقول: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ
نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِيْنٍ}[الأعراف: 12 ، ص: 76]. فهذا دليل
على ما به قلنا. وأدل منه قول اللّه تبارك وتعالى: {وَخَلَقَ
الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ}[الرحمن: 15] وهذا مما لا شك(2)
فيه ولا امتراء، والحمد لله العلي الأعلى.
[معنى: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسما وات]
وسألت عن قول الله سبحانه: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ
الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُِ}[إبراهيم: 48].
__________
(1) في (أ): وينفصل من اللهب.
(2) في (أ): فما لا شك.
(2/463)
تأويل تبدل هو
تَغَيَّر، وتغييرها هو: نسف ما على وجهها من الجبال، وبعثرة ما
فيها من القبور، وبعثرة القبور فهو: إخراج ما فيها من الموتى،
وردهم بعد الفناء أجساماً وأحياءً، وتسوية تفاوتها ودكها دكاً، كما
قال الله العلي الأعلى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ
الأَرْضِ}[إبراهيم: 48] إلى آخر الآية، وتبديل حالها تسوية خلقها،
وعدل متفاوتها، وقشع أوساخها، وتجديد بهجتها، واستواء أقطارها،
حتىتكون الأرض مستوية فيحآء(1)، معتدلة الأرجاء، لا تفاوت فيها ولا
اختلاف، بل تكون في ذلك اليوم كلها على غاية الإستواء والإئتلاف،
لا يرى شيء من آلة الدنيا فيها ولا أثر فعل(2) من أفاعيل الدهر
عليها، فهذا تبديلها وتغييرها. وكذلك تبديل السموات فهو رد الله
لها إلى ما كانت عليه(3) في الإبتدا، ثم يردها على ما هي عليه
اليوم من الإسٍتواء من بعد أن تصير كالمهل، والمهل فهو شيء يكون
كالدهن يخرج من صفو القطران، فذكر الرحمن أنها تكون في يوم الدين
كالمهل السائل، بعد التجسُّم الهائل، وهو قوله: {يَوْمَ تَأْتِي
السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ}[الدخان: 10] يريد أنها تعود إلى ما
كانت عليه من الدخان، ثم ترد السموات(4) مطبقات(5)، كما خلقت من
الدخان أولاً سموات مقدرات مجعولات، تبييناً منه سبحانه لقدرته،
وإظهاراً لنفاذ أمره فيما افتطره من فطرته.
فهذا معنى ما ذكره الله من تبديل الأرض والسماء لا أنَّه يذهب بهما
ويخلق سواهما(6) من غيرهما.
وإنما تبديله لهما وتغيييره: نقلهما من حال إلى حال، والأصل واحد
مستقيم، غير فان ولا معدوم.
__________
(1) الفيحاء: الواسعة.
(2) في (أ): لا ترى شيئاً.. ولا فعلاً
(3) في (ب): عليها.
(4) في (أ): سموات.
(5) يعني: طباقاً.
(6) في (ب): بها ويخلق سواها.
(2/464)
مثل ذلك: مثل خلخال
من ذهب أو فضة كُسِر؛ فصير خلخالاً أوسع منه قدراً؛ فكان قد بدلت
خلقته، وغيّرت صيغته، ونقلت حالته من حال إلى حال، ومن مثال إلى
مثال؛ فبدل تصويره وأصل فضته ثابت لم يبدل ولم يغير، وإنما غير
منها خلقها وتقديرها، وصورتها وتمثيلها، والأصل ثابت قائم، موجود
من العدم سالم.
وكذلك تبديل ما يبدل من الحديد؛ فيكون أولاً سيفاً، ثم يرد خنجراً،
ثم يجعل الخنجر سكيناً، ثم تنقل السكين فتجعل أو تاداً وسككاً، وهو
ينقل من حال إلى حال وهو الحديد الأول لم يتغير ولم يبدل، وإنما
التغيير منه تصاويره وتقاديره، ونقل أحواله ومقاديره، فهو الحديد
الثابت يجعل مرة سيفاً كما ذكرنا، (ويقلب ثانية صنفاً من الصنوف
التي ذكرنا، فهو) (1) وإن تغيرت أحواله واختلفت مجعولاته فهي
الحديدة المعروفة، الأولة الأصلية المفهومة.
وكذلك ما ذكر رب العالمين؛ في تبديل السموات والأرضين؛ فهو نقله
لهما من حالة في التصوير إلى حالة، ومن صفة في التقدير إلى صفة،
وهن في أصلهن اللواتي كن، لم يبدل أصلهن ولم يحل، ولم ينقل عما كان
ولم يزل، فافهم ما أجبناك به فيما عنه سألت، وفسرناه لك فيما شرحت
وقلت.
[تكفير أهل القبلة]
وسألت (وفقك الله)(2) فقلت من أين يلزم أهل القبلة الكفر وقد سماهم
الله مسلمين ومؤمنين؟
الجواب في ذلك يطول ويكثر، وسنجيبك عليه إنشاء الله بجواب مختصر،
نجمل لك فيه المعنى، ونوقفك على الإستواء، حتى تفهم في ذلك مرادك،
ويبين لك إن شاء الله جوابك، بأصل جامع لهذه الأشياء، لا يدفعه إن
شاء الله أحد من العلماء.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) سقط من (أ) و (ج).
(2/465)
من ذلك أنا وجدنا
الله تبارك وتعالى ألزم من ألزمه من أهل الكبائر القتل على ما
يجترم من كبائر عصيانه، وكذلك فعله في من قتل مؤمناً ظلماً
متعمداً، وكذلك حكمه فيمن قطع الطريق وسفك الدماء، وكذلك حكمه فيمن
عاند أئمة الحق من الباغين، فأوجب عليهم الحرب والقتال، والقتل
والنكال؛ حيت يفيؤا إلى أمر الله، ويرجعوا إلى حكم الله، فلما
وجدنا حكمه سبحانه فيمن بغى من أهل القبلة وتعدى القتل والقتال،
حتى يرجعوا إلى الحق في كل قول وفعال؛ علمنا أنهم في ذلك الوقت ـ
وقت وقوع القتل بحكم الله عليهم، ووجوب الهلكة فيهم ـ لله أعداءٌ
مباينون، وحرب لله محاربون؛ لأنَّه سبحانه لا يوجب الحرب والقتل
على ولي من أوليائه، ولا يحكم به سبحانه إلاَّ على عدو من أعدائه.
ولم نجد الله سبحانه عادى إلا كافراً، ولا والى إلاَّ مؤمناً؛ فلما
أن قتلهم بحكمه، ومثل بهم سبحانه بأمره، علمنا أنهم من الموالاة
أبرياء، وأنهم له بأحق الحقائق أعداء، وأنه لا يعادي سبحانه مؤمناً
تقياً، ولن يباين بالمحاربة له عبداً زكياً. فصح عندنا بإباحة الله
لدمائهم، وافتراضه ما افترض على المؤمنين من جهادهم؛ أنهم على غير
ما ارتضى، وأن فعلهم على خلاف ما أحب(1) وشاء. ومن كان فعله على
خلاف إرادة الله فليس من المؤمنين، وَمَنْ كان اختياره غير ما
اختار الله فليس من المتقين، ومن ترك فرائض الله، وسعى في ضِدِّها
من حرام الله؛ فليس من المهتدين، ومن كان كذلك فهو لله من العاصين،
ومن عصى الله وفسق في دينه، وخالف أمره في نفسه أو غيره؛ فلم يحكم
في فعله بحكم الله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو من الكافرين،
وفي ذلك ما يقول أحكم الحاكمين، فيما نزل من الكتاب المبين:
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الكَافِرُونَ}[المائدة: 44] فأخبر سبحانه بالدلالة على الكفرين،
ووصفهم بالعدول عن شرائع الدين، ومن عدل عن شرائع الدين ولم يحكم
__________
(1) في (ب): ما أوجب.
(2/466)
في فعله بحكم رب
العالمين؛ فهو في حكم الله عنده من الكافرين، لا يسميه ذو عقل
وبيان، فيما أتى به من المعاندة لحكم(1) الله من العصيان، إلاَّ
بما سماه الله سبحانه من الكفران.
ومن الحجة في ذلك أنا لم نجد أصل الكفر والشرك ـ من عبادة الأوثان،
وعبادة الشيطان، وعبادة النجوم والأنصاب والنيران، والدعاء مع الله
إلهاً آخر ـ غير المعصية، بل وجدنا هذه الأنواع كلها هي من المعصية
لله سبحانه، فيما صح عندنا أن من عبد من دون الله غيره أن لم يعبده
إلا بمعصية الله سبحانه؛ لأن الله جل ذكره نهاه أن يعبد معه غيره،
فتعدى أمره، فكان له عاصياً، وكان بعصيانه له كافراً؛ إذ نهاه أن
يعبد معه غيره فعبد معه سواه(2).
وكذلك اليهود والنصارى لم نجد أصل كفرهم وشركهم إلاَّ معصية الله
في محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولو أطاعوا الله في محمد
والتصديق بما جاء به من عند الله لكانوا مؤمنين، فثبت عليهم الشرك
بمعصية الله، وترك طاعتهم لمحمد وهم بالله مقرون، وله فيما أمر به
عاصون. فلما أن عصوه في أمره كانوا عنده كافرين، وفي حكمه فاسقين.
__________
(1) في (أ): لحكم.
(2) في (أ): معه سواه، فعبد معه غيره.
(2/467)
وكذلك من ينتحل اسم
الإسلام والإيمان، وهو مقيم لله سبحانه على كبائر العصيان، فحاله
عندنا حال من ذكرنا من العاصين، وإن كان(1) بمحمد من المقرين، فهو
مقرٌ بلسانه جاحد بفعله، عن الله معرض بقلبه، وقد أبى الله عزَّ
وجل أن يكون من كان كذلك أو على شيء من ذلك مؤمناً، حتى يقيم شرائع
الإيمان بفعله، ويصحح القول بعمله، وفي ذلك ما يقول الله تبارك
وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ
الصَّادِقُونَ}[الحجرات: 15] فدل بقوله إنما المؤمنون الذين آمنوا
وفعلوا على ان من لم يفعل ذلك فليس من المؤمنين، ومن لم يكن من
المؤمنين فليس من المتقين، ومن لم يكن من المؤمنين المتقين فهو من
الكافرين الفاسقين.
وفي ذلك ما يروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلى الله عليه،
أنَّه قال: (( الإيمان قول مقولٌ، وعمل معمولٌ، وعرفان بالعقول ))
فبيّن أن العمل أصل الإيمان، وأن من لم يكن له عملٌ زكي فليس بمؤمن
تقي، ومن لم يكن مؤمناً مرضياً فهو كافر شقي.
والاحتجاج في هذا فكثير، وقليلة يجزي عن كثيره، لبيانه لمن علم،
ووضوحه لمن فهم. وفي أقل مما به احتججنا من القول، كفاية لأهل
المعرفة والعقول.
__________
(1) في (أ): كانوا.
(2/468)
ومما يقال لمن زعم أن
من قال بلسانه، وترك العمل بجوارحه مؤمن، أن يقال له: خبِّرنا عمن
قتل النفس التي حرم الله وزنى، وشهد شهادات الزور وأكل الربا، وقبل
الرُّشا، وظلم المسلمين، وعطّل أحكام ربّ العالمين، وشرب الخمر،
وترك الصلاة، وأفطر شهر رمضان، ولم يؤد زكاة، وركب الذكور من
الغلمان ولم يحل حلالاً فيفعله، ولم يحرّم حراماً فيتركه، هل يكون
من كانت فيه هذه الصفات مؤمناً حقاً عندك؟ فإن قال: نعم، قيل له:
فالواجب في القياس والحق أَنْ يَكُوْنَ من أقام الصلاة، وآتى
الزكاة، وحج البيت، وأتم الصيام، وحافظ على الصلاة، واجتنب الزنى،
ولم يركب الذكران، ولم يشهد شهادات الزور، ولم يأكل الرِّبا، ولم
يقبل الرشا، ولم يسفك الدماء على غير حلها، ولم يأكل أموال
المسلمين ولا أموال اليتامى، ولم يحرم لله حلالاً فيتركه، ولم يحلل
له حراماً فيفعله، وكان بالله عارفاً، وعن محارمه واقفاً، كَافِراً
في قولكم حقاً؛ لأن هذين المعنيين المتضادين لا بدّ أن يفترق
معناهما، ويختلف سبيلهما، فيكونا باختلافهما متباينين، ويكون
أهلهما والفاعلون لهما أيضاً مختلفين، فيجب ما وقع لفاعل أحدهما(1)
من اسم(2) وقع ضد ذلك الاسم لفاعل الصنف الآخر، والاسمان المتضادان
فهو الإيمان والكفر، فحيث شئت من هذين الصنفين فأوقع اسم الإيمان
على فاعلهما؛ فحيث أوقعت اسم الإيمان من هاتين الصفتين، وهذين
المعنيين المختلفين وقع اسم الكفر على فاعل ضده، وحيث وقع اسم
الكفر، فليس يقع معه اسم الإيمان، وحيث وقع اسم الإيمان فلن يقع
معه اسم الكفر؛ لأن الاسمين مخَتلِفَان متضادان، ولا يجتمعان في
اسم(3) واحد، كما لا يجتمع ليل ولا نهار في حالة واحدة، ولا حياة
ووفاة على جسم واحد في حالة واحدة.
__________
(1) في (ب): ما وقع بفاعل اختصهما.
(2) في (أ): لفاعل أحدهما من اسم.
(3) في (أ): في معنى.
(2/469)
فلابد لمن سئل عن مثل
هذا القول ان يقول الحق، فيعلم أن الإيمان مع الطاعة، وأن الكفر مع
المعصية، فيكون من أهل الحق، ويرجع إليه ويعتمد عليه، أو ينبذ الحق
بعد وضوحه، ويعاند الصواب بعد شروعه فيزعم أن من كانت فيه هذه
الشروط المنكرة الفاحشة ـ من معاصي الله والمحاربة له ـ مؤمن
بالله؛ فيزعم أن الله حضّ على معاصيه، ورضي بمعصيته(1) لعباده،
وجعل العاصين المنكرين على رب العالمين، أخوة الملائكة(2)
المقربين، وأنهم عند الله خيرة مصطفون، لأن الله عزَّ وجل يقول في
كتابه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات: 10]،
والأنبياء والملائكة إخوة للمؤمنين من الآدميين، ومن زعم أن أهل
المعاصي إخوة للملائكة المقربين؛ فقد زعم أنهم صفوة الله وخيرته،
وأحباؤه وأهل ثوابه وسكان جنته، ومن زعم أنّ الله أسكن جنته
المحاربين له العاصين، وأنه آخى بينهم وبين الملائكة المقربين، فقد
لزمه ووجب عليه في القياس والحق اللازم أن يقول: إن الله باعد بين
المطيعين العابدين من عباده، القائمين القانتين الحاكمين بكتابه،
المحتذين بحذو أنبيائه، وبين رسله وبين الملائكة(3)؛ فلم يجعلهم
لهم إخوة بطاعتهم له، وأنه يسكن أولياءه وأهل طاعته ناره، ويصليهم
جحيمه، ومن قال بهذا ولزمه فقد خرج من حد الإسلام، وصار عند الله
من الجهلة الطغام، وكان عند الله أولى بالعذاب؛ ممن جعله الله من
المؤمنين أهلاً للثواب.
فمِيِّز رحمك الله ما قلنا، واستعمل فكرك فيما ذكرنا، يتجلَّ لك
بذلك الصواب، وينكشف عن قلبك سدف(4) الارتياب.
[الحدود وعلى من تقام]
وسالت فقلت: كيف تقيم الحد على من لم تشمله جِرَايتك من العطاء
والكسوة؟ ولم يسمع ما فيه حياته من العلم.
__________
(1) في (أ): بالمعصية.
(2) في (أ): للملائكة.
(3) في (أ): وبين ملائكته.
(4) في (أ): سجِف، والسجف: الستر، والسدف: الظلمة.
(2/470)
وهذا قول مختلف؛ لأن
معنى من لم(1) ينله الإحسان من العطاء والكسوة في مضي الحكم عليه
خلاف من لم يستمع ما فيه حياته من العلم والهدى.
وسنبين لك إن شاء الله القول في المعنيين، ونوضح لك القول في
المسألتين، ونوضح لك فعل الإمام في الحالين.
فأما من لم تبلغه الدعوة، وتقم عليه بذلك الحجة، ويعلم ما يحل وما
يحرم، وما يجب به عليه الحد عند الإمام، فلا نذيقه بأسنا، ولا نجري
عليه حدودنا، حتى نُعَلِّمه ما به تقوم عليه الحدود، وتلزمه
العقوبات اللازمة.
فإذا علم ذلك وأتى عليه، وعرف ماله وما عليه فيه، وأتى قَوْلُنَا
على سمعه، وثبت إعذارنا وإنذارنا في قلبه؛ ثم أتى بعد ذلك ما عنه
نهاه الواحد الرحمن، واجترأ على ما يجب فيه الحد في القرآن، أقمنا
عليه بما أوجب الله من الأدب، من بعد أن فهم وأبصر، وأيقن وخبر.
فأما أن نقيم الحدود على من لم يعلم حلالاً من حرام، ولم يقف على
ما فيه الحدود(2) من الآثام؛ فليس ذلك قولنا، ولا ـ ولله الحمد ـ
طريقتنا، وكذلك فعل الله في خلقه، وحكمه على بريته، وحجته على
خليقته؛ فلا تقع ولا تجب إلا بعد تعريف الله عباده إياها وإيقافه
لهم عليها.
__________
(1) في (أ): ما لم.
(2) في (أ): الحد.
(2/471)
فأما ما قلت من إقامة
الحد(1) على من لم تنله منا الكسوة والعطاء، فليس الكسوة والعطاء
يوجبان حجة، والحدود ما ضية على من لم ينل ذلك منا، من بعد ما
ذكرنا من التفهيم له والهداية إلى الحلال والحرام والتوقيف، ولسنا
ندفع عنه بعد تعريفه ما يجب عليه فيه الآداب، حدودَ اللهِ ببطئ ما
يأمل منا من الرفد في كل الأسباب؛ لأن الرفد وإن أبطا مصيره إليه؛
لا يدفع عنه حداً إن وجب في حكم الله عليه، وكيف يندفع عنه حكم
الله الجاري عليه على يدي الإمام، في أمر يلزمه(2) الحكم عليه في
الآخرة عند ذي الجلال والإكرام؛ والمعنيان كلاهما من اللّه حكم
لازم على الفاعل؟! فكيف يلزم الله عبداً من عباده على فعل من
أفعاله حكماً حكم به عليه فيه ـ وجعله واجباً بفعله عليه ـ في دار
الآخرة الباقية، ويزيله عنه في دار الدنيا الفانية؟ فهذا ما لا
يكون ولا يصح في العقول، بل كل ما كان عليه العبد من الفعل معاقباً
في الآخرة؛ فعقوبة الله له عليه في الدنيا لازمة، وما سقطت عقوبة
الله عنه فيه في الآخرة كانت عقوبته ساقطة عن صاحبه(3) في الدنيا.
ألا ترى كيف أزحنا عن الجاهل بالحرام والحلال، ومن لم يعرف ما تجري
عليه فيه الحدود من الفعال؛ العقوبة في الدنيا بتركنا له، وطرحنا
عنه ما ألزمناه غيره ممن فهم أمرنا، ووقف على ما يلزم فيه أدبنا،
وتجب به عليه حدود ربنا، وإنما طرحنا ذلك عنه؛ ولم نحكم به فيه؛
لان الله سبحانه أسقط عمن كان كذلك عقوبة الآخرة فلما سقطت عقوبة
الله عنه في الآخرة؛ زالت عنه في الدنيا عقوبة الأئمة.
فافهم الفرق بين المعنيين، وقف بصافي فكرك ولبَّك على الحالين.
__________
(1) في (ب) الحدود.
(2) في (ب): في أمرِ ما يلزمه.
(3) في (أ): فاعله.
(2/472)
فأما ما يُذْكَر عن
جدي صلوات الله عليه (محمد بن إبراهيم) القائم بالكوفة الذي صحبه
(أبو السرايا) من تخليته للسارق الذي خلاه، وتركه لم يقطع يده،
وقوله في ذلك: (( لم يذق عدلنا، فنجري عليه حكمنا )) فإنما أراد
بقوله: عدلنا، أي تعليمنا وتفهيمنا، وتوقيفنا له على حلال الله
وحرامه، حتى يعلم ما يجب به عليه القطع من غيره، وما تجب به عليه
الحدود كلها.
وكذلك فعلنا نحن أيضاً، في بعض ما دخلنا من القرى، فأتينا بسكران
من جانب المسجد، وكان ذلك في وقت ما دخلنا، فسألناه عن فعله، فذكر
أنَّه لم يعلم أنا نحرم الخمر، ولا أنا نحد عليها، ولا أنَّه يكون
منا أدب فيها، فأزحنا عنه الحد بما أدلى به من جهله، وعرفنا له
الحق علينا من أمره.
وذلك أن سيرتنا، والواجب علينا إذا دخلنا بلداً أن نكتب كتاباً
نبين فيه للأمة ما نقيم به الحدود عليها، ثم نقرؤه عليها في
أسواقها ومساجدها، ومواضعها ومجتمعاتها، فإذا أتينا ذلك لها،
وأعذرنا وأنذرنا بالحق إليها؛ جرت بعد ذلك أحكام الله سبحانه
عليها، ومضت حدوده سبحانه فيها.
وإنما فعلنا ذلك لعلمنا بكثرة الجهال، وغلبة الضُّلاَّل، وقلة
الهدى، وتراكم الغفلة والهوى. وذلك لفقدان الرعا(1)، وعدم أهل
التقوى، وبعد الأئمة الهادين، وقرب الأئمة الفاسقين، الذين لا
يلزمون أنفسهم تعريف الأمة رشداً، ولا اكتسابها براً ولا هدى.
__________
(1) في (ب): الدعاء.
(2/473)
فلما كانت أئمتهم
كذلك، وكانوا هم أشر من ذلك؛ فعموا عن الدين، وجهلوا فروض رب
العالمين، ولم يعلموا حراماً من حلال، من قول ولا فعال؛ شابهوا
أئمتهم في فعلهم، واقتدوا بفعلهم(1) في أديانهم، فهم بأديان أئمتهم
يقتدون، وفي عمى كبرائهم يعمهون، لم يروا محدوداً على حد فيخافوا
ما ناله، ولم يروا مهتدياً فيتبعوا حاله، ضُلاَّلٌ أشقياء متحيّرون
أَرْدِياء، قد غرقوا في الضلال المبين، وجنبوا عن طريق الحق
واليقين، اتباع كل ناعق، سيقة كل سائق، لا يعرفون سبيل رشد
فيتبعوه، ولا طريق هُلك(2) فَيَتَجَنَّبُوه، قد اتخذهم كبراؤهم
سنداً، وجعلوهم لهم يداً، يطفئون بها نور الهدى، ويقتلون بها أهل
التقوى، ويظهرون بها (أهل)(3) الفحش والردى، ويخملون بها نور
الإسلام، ويظهرون بها أفعال الطغام، ويحاربون بها من دعا إلى دين
محمد عليه السلام. يتبلغ(4) الجبارون المتكبرون بأتباعهم
المتحيرين، وينالون بهم معصية رب العالمين.
فلما أن علمنا أن هذه حالهم، ووقفنا على أنها سبيلهم، لم نستجز ـ
بعد ملكهم والقهر لهم، والعلو بعون الله على جبابرتهم ـ أن نقيم
الحدود فيهم، مع ما قد علمنا من جهلهم، حتى نبين لهم ما ندعوهم
إليه، وما نوقفهم عليه، ثم نمضي الحدود بعد الإنذار والإعذار؛
{لَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ
بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسِمِيعٌ عَلِيمٌ}[الأنفال: 42].
[تسبيح الجمادات وسجودها]
وسالت أكرمك الله عن قول الله سبحانه: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ
يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَتَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}
[الإسراء: 44].
__________
(1) في (أ): بهم.
(2) في (أ): هلاك.
(3) ليس في (أ).
(4) في (ب): فبلغ.
(2/474)
واعلم أن معنى هذا
وأحسن ما يؤول في فهمنا أن الله تبارك وتعالى أراد بذلك أنَّه ليس
من شيء إلاَّ وفيه من أثر صنعه وتدبيره وتقديره؛ ما يدل على جاعله
ومصوره، ويوجب له سبحانه على من عرف أثر صنعته(1) فيه التسبيح
والتهليل، والإقرار بالواحدانية والتبجيل، عند تفكر المتفكر
واعتبار المعتبر؛ بما يرى من عجائب فعله جل جلاله، فيما خلق من
عروق الأشجار الضاربة في الثراء، وفروعها الباسقة في الهواء، وما
يكون منها من ثمار مختلفة شتَّى، فإذا نظر إلى اثر تدبير الجبار
فيها أيقن بالصنع، وإذا أيقن بالصنع أيقن بالصانع، وإذا استدل على
الصانع ثبتت معرفته في قلبه، ورسخت وحدانيته في صدره، فإذا ثبتت
المعرفة في قلب المعتبر، وصحت في جوراح الناظر؛ نطق لسانه بالتسبيح
لجاعل الأشياء، وظهرت منه العبادة لصانعها.
__________
(1) في (أ): صنعه.
(2/475)
فهذا معنى: {وَإِنْ
مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}، لمَّا كان في الأشياء
كلها الدليل على جاعلها، وفي الدليل على جاعلها ما يوجب الإقرار
به، وفي الإقرار به ما يوجب ذكره بما هو أهله من التقديس والتبجيل
، والتسبيح والمعرفة والإقرار لقدرته(1)، جاز أن يقال:
{يُسَبِّحُ}؛ إذ كان بسببه التسبيح من المسبح، المستدل على ربه بما
بين له في كل شيء من أثر صنعته(2) فقال: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ
إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} وهو يعني بالتسبيح تسبيح المسبحين؛
لسبب أثر الصنع من المعتبرين بذلك، فجاز ذلك إذ كان بسبب أثر الصنع
في هذه الأشياء، وكان التسبيح فيها من المسبحين، المقرين بالله
المعترفين، وما التسبيح إلا كقول الله: {زينا لهم أعمالهم}[النمل:
4] فليس(3) الله يزين لأحد قبيحاً، ولكن لما كان سبب زينة الدنيا
وما فيها من الله خلقاً وجعلاً، وكان منه الإملاء للفاسقين،
والتأخير الذي به تزينت أعمالهم، جاز أن يقال: {زَيَّنَا} ولم يزين
لهم سبحانه قبيحاً من فعلهم.
وكذلك قوله سبحانه: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ
ذِكْرِنَا}[الكهف: 28]، فليس الله سبحانه يغفل قلب أحد عن ذكره،
ولا يصرفه عن معرفته، ولكن لما أن كان منه سبحانه ترك المعاجلة
للمسيء على فعله، والتأخير له في اجله، جاز أن يقول:
{أَغْفَلْنَا}؛ إذ كانت الغفلة هي الإعراض، والترك للحق والتوبة
والإنابة. فجاز من قبل إملاء الله وتأخيره للمسيء المذنب أن يقول:
أغفلنا؛ على مجاز الكلام.
ومثل هذا كثير في القرآن يعرفه ذو الفهم والبيان.
__________
(1) في (أ): بقدرته.
(2) في (أ): صنعه.
(3) في (أ): وليس.
(2/476)
ومما حكى الله تعالى
عن ولد يعقوب عليه السلام {وَاسْأَلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا
فِيْهَا وَالعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا}[يوسف: 82] فقال:
القرية، والقرية فإنما هي البيوت والدور، وليس البيوت والدور
تَسأل، وإنما أراد أهل القرية؛ لأنها من سبب الأهل، والأهل من
سببها، فجاز ذلك في اللغة العربية.
وكذلك قولهم: سل العير التي أقبلنا فيها، والعير فإنما هي الجمال
المحملة، وليس الجمال تسأل، ولا تجيب ولا تستشهد، وإنما أرادوا أهل
الجمال وأرباب الحمولة، فقالوا: سل العير، وإنما أرادوا أهلها.
فكذلك قوله سبحانه: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ
بِحَمْدِهِ} يريد وإن من شيء إلاَّ وهو يوجب التسبيح على من اعتبر
ونظر، وفكر في أثر صنع الله بما فيه، فجاز أن يقال: {وَإِنْ مِنْ
شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}، لما أن كان أثر الصنع فيه
موجباً للتسبيح لصانعه، على المعتبرين من عباده.
فأما قوله: {وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (فهو ذم لمن
لم يعتبر ويستدل بأثر الصنع في الأشياء، فقال: {وَلَكِنْ لاَ
تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ})(1) يريد: لا يفقهون ما به من أثر
الصنع فيها، الذي يوجب التسبيح للصانع والإجلال والتوقير. فكان ذلك
ذماً لمن لا يعتبر ولا يتفكر، ولا يحسن التمييز في أثر صنع الله
فيعلم بأثر صنعه؛ ما يستدل به على قدرته، ويصح لربه ما يجب لمعرفته
(2)؛ من توحيده والإقرار بربوبيته.
وأما قوله: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}[الرحمن: 6] فقد
قال بعض العلماء: إن معنى السجود سجود ظلال الأشياء، ووقوعها على
الأرض.وقال بعضهم: إن هذا على المثل، يقول: إنَّه لو كان في شيء من
الأشياء؛ من الفهم والتمييز مثل ما جعل الله في الآدميين
والشياطين، والملائكة المقربين؛ إذن لعبد الله كل شيء وسبحه بأكثر
من عبادة الآدميين وتسبيحهم.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (أ): بمعرفته.
(2/477)
فجعل هذا مثلاً؛ كما
قال سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ}[الأحزاب: 72] الآية، أراد تبارك وتعالى
أنَّه لو كان في السموات والأرض والجبال من الفهم والتمييز ما في
الآدميين، ثم عرض عليها ما عرض على الآدميين من حمل الأمانات التي
قبلها الآدميون؛ لأشفقت السموات والأرض والجبال من حملها، ولما
قامت بما يقوم به الآدمي من نقضها(1)، مع ما في الأمانة من الخطر
وعظيم الأمر على من لم يؤدها(2) على حقها، ويقم بها على صدقها.
والأمانة على صنوف شتى، فمنها قول الحق وفعله، ومنها أداء الشهادة
على وجهها، ومنها أداء الحقوق إلى أهلها، من الأنبياء المرسلين،
والأئمة الهادين، ومنها الودائع من الأموال وغيرها.
ومنها العقود التي قال الله تبارك وتعالى فيها، وفيما عظم من
خطرها، وأجل من أمرها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا
بِالعُقُودِ}[المائدة: 1].
فكل ما ذكرنا فهو أمانة عند العالمين، واجب عليهم تأديتها عند رب
العالمين.
__________
(1) في (ب): من بعضها.
(2) في (ب): يردها.
(2/478)
وأحسن ما أرى والله
أعلم وأحكم في تأويل قوله سبحانه: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ
يَسْجُدَانِ}[الرحمن: 6]، أنَّه أراد بقوله: يسجدان ومعنى يسجدان؛
فهو لما فيهما من التدبير، وأثرالصنع والتقدير؛ لله الواحد القدير.
فإذا رأى المعتبرون المؤمنون ما فيهما من جليل صنع الله، وعظيم(1)
جعله لهما، وما سخرهما له وجعلهما عليه، من جولان النجم في
الأفلاك، تارة مصعداً وتارة منحدراً، وتارة طالعاً وتارة آفلاً،
تقديراً من العزيز العليم لما أراد من الدلالة على الدهور
والأزمان، والدلالة على عدد الشهور والسنين والأيام للإنسان، فإذا
رأى ذلك كله مسلم تقي، أو معتبر مهتد؛ سجد له بالمعرفة والإيقان،
واستدل عليه سبحانه بذلك الصنع في كل شأن؛ فَعَبَدَه عِبَادَةَ
عارف مقرٌ، عالم غير منكر، فسجد له متذللاً عارفاً، مستدلاً عليه
سبحانه بما أبصر من الدلائل في النجوم عليه.
وكذلك حال الشجر وما فيه من عجائب الصنع والتدبير، وما ركبه الله
سبحانه عليه من التقدير، في ألوان ثمارها وطعومها، واختلاف
ألوانها، وهي تسقى بماء واحد وتكون في أرض واحدة، كما قال الله
سبحانه: {وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ
أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيرُ صِنْوانٍ تُسْقَى
بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَومٍ يَعْقِلُونَ}[الرعد: 4] فكل ذلك
من اختلافها، دليل على قدرة جاعلها، ووحدانية فاطرها.
فهذا أحسن المعاني عندي والله أعلم وأحكم في (يسجدان)، أنَّه يسجد
من أثر الصنع فيهما، وأثر القدرة في تقديرهما؛ كُلُّ مؤمن عارف
بالله، مقرٌ بصنع الله وحكمته، ويستدل(2) عليه بأثر قدرته.
فافهم مابه قلنا في قوله يسجدان، وتفكر فيما شرحنا وميز قولنا؛ يبن
لك فيه الصواب، ويزح عنك فيه الشك والإرتياب.
[متى يعلم العبد أنه صادق عند ربه]
__________
(1) في (ب): وعظم.
(2) في (أ): يستدل.
(2/479)
وسالت فقلت: متى يعلم
العبد أنَّه صادق عند ربه.
والجواب(1) في ذلك أنَّه إذا علم من نفسه أنَّه مطيع له غير عاص،
صادق غير كاذب، وقائم بحجته غير مقصر، ومُؤَمن لنفسه من عقوبة ربه؛
بما يكون منه من طاعة خالقه، وترك جميع ما يسخط سيده، فهو ـ إذا
أيقن من نفسه بذلك ـ صادق عند ربه، مقبولٌ ما يكون من عمله، محمود
في كل فعله.
[لقاح العقل]
وسالت(2) عن لقاح العقل.
ولقاح العقل فهو التجربة؛ لأن كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل
محتاج إلى التجربة ومضطر إليها، غير مستغن عنها.
[رياضة النفس]
وسالت عن رياضة النفس ما هي؟ وكيف هي تكون؟
واعلم رحمك الله ووفقك، وهداك للرشد وسددك، أن رياضة النفس على
صنوف، يجمع الصنوف المختلفة أصلٌ واحدٌ تكون فيه مؤتلفة، وهو:
ترغيبها فيما أعد الله للمتقين، وجعل سبحانه في الآخرة من الثواب
للمؤمنين، وحكم به من الفوز لأوليائه الصالحين، والترهيب لها بما
أعد الله للعاصين؛ من العذاب المهين، وشراب الحميم، وطعام الزقوم،،
وما أشبه ذلك من ألوان العذاب المقيم.
فهذا أصل رياضة النفس.
ومن فروع ذلك ما روي عن بعض الصالحين أنَّه كان يرهب نفسه بما
يشبهه(3) بعذاب رب العالمين؛ من أنَّه كان ربما لذع نفسه بالنار
إذا طمعت، أو همت بالمعصية أو طغت، فإذا وجدت حرقة النار، قال: هذا
جزعك من النار الصغيرة، فكيف تدعينني إلى ما يدخلني وإياك النار
الكبيرة.
ومن رياضة النفس ما ذكر عن بعض الصالحين من أنَّه كان يخلو،ثم
يخاصم نفسه بأرفع ما يكون من الصوت، كما يخاصم الخصم خصمه، ويحاور
الضد ضده؛ فيقول: فعلت بي كذا وكذا، وفعلت بي كذا وكذا، وهذا هلكتي
وهلكتك، وتلفي وتلفك، فلا يزال كذلك حتى تنكسر له نفسه، وتراجع له.
__________
(1) في (أ): الجواب.
(2) في (أ): وسألت فقلت: ما لقاح العقل.
(3) في (ب): مما يشتهيه.
(2/480)
ومن رياضة النفس ـ
مما هو(1) فرع للأصلين الذين أثبتناهما وذكرناهما لك وفسرناهما ـ
ذكرها(2) للموت والفناء، وخروجها مما تميل إليه من لذات الدنيا،
وانتقالها من دار سرورها ورخائها، إلى دار فنائها وبلائها، وما
يكون من تمزق بدنها في الثرى، ثم ما يكون من بعده من الحسرة في يوم
الدين، والمحاسبة لها من رب العالمين.
ومن رياضتها تذكرها لأهوال(3) الوقوف في يوم الحشر، وما في كتاب
الله من وصف حال يوم النشر(4).
فهذا وما كان متفرعاً من الأصلين فهو رياضة النفس وتوقيفها، وردها
إلى الحق وتعريفها.
وأصل ذلك كله وفرعه، والذي هو عون لصاحبه على نفسه؛ فهو إخلاص
النية إلى ربه، والإستعانة به على نفسه، فإن من خلصت له نيته،
وصلحت له علانيته؛ أصلح الله له سريرته، وقواه على إرادته،
بالتوفيق والتسديد، والمعونة والتأييد؛ لأنَّه إذا كان منه ما
ذكرنا من إخلاص النية والإرادة، والإقبال إلى الله والتوبة؛ فقد
اهتدى، وإذا اهتدى فقد قبله الله سبحانه فزاده هدىً، ومن زاده هدى،
فقد وجب له الحياطة، في كل معنى، ومن حاطه الله وهداه فقد أعانه
على طاعته وتقواه.
[متى يعلم العبد اجتهاده في رضاء الله]
وسالت فقلتَ: متى يعلم العبد أنَّه مجتهد في رضاء ربه؟
فالجواب أنَّه لا يعلم بحقيقة العلم أنَّه مجتهدٌ لله فيما يرضيه،
حتى يعلم أنَّه أبداً لا يعصيه، فإذا وثق من نفسه، أنه لا يأتي لله
معصية، ولا يترك له فريضة؛ فعند علمه بذلك من نفسه؛ يعلم أنَّه
مجتهد في رضى ربه، فعلمه باجتهاده ورضى ربه(5)، تابع لعلمه
بالإئتمار بأمره، والإنتهاء عن نهيه، وعلى قدر ما يكون الإئتمار من
العبد بأمره، والإنتهاء عن نهيه، يكون الإجتهاد منه في رضى خالقه.
[متى يعلم العبد استحقاقه للجنة]
__________
(1) في (ب): ماهو.
(2) في (أ): تذكرها.
(3) في (أ): تذكيرها هول.
(4) في (ب): النشور.
(5) في (أ): في رضى ربه.
(2/481)
وسالت فقلت: متى يعلم
العبد أنَّه قد استوجب الجنة من الله سبحانه؟
والجواب(1) في ذلك إذا علم بحقيقة العلم أنَّه قد أخلص التوبة
النصوح إلى الله، وأنه لا يدخل في معصية من معاصي الله، وأنه لا
يدع شيئاً من فرض الله؛ ثم علم أن ذلك منه بإخلاص واستواء، وثبات
ونية وتقوى؛ فليعلم عند ذلك أنَّه من المؤمنين، وقد أخبر الله بمحل
المؤمنين، فقال سبحانه: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ
فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ}[السجدة: 18 ـ 19]؛ فإذا أيقن بذلك من نفسه وعلمه،
فليعلم أنَّه قد صار من أهل الجنة، كما ذكر الله في كتابه في هذه
الآية التي ذكرنا (والله أعلم)(2).
[المساواة في الحقوق]
وسالت فقلت: أكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يساوي بين
الأغنياء والفقراء في الحق؟
وكذلك لعمري كان صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن كنت تريد بقولك: (يساوي بينهم في الحق، أي) (3) يساوي بينهم في
الحكم، وينصف كلاً من صاحبه؛ فكذلك لعمري كان صلى الله عليه وآله
وسلم. وإن كنت تريد بقولك: يساوي(4) في الجوائز والعطاء والرزق؛
فنعم قد كانوا عنده في ذلك سواء فيما يجب لهم ويجري عليهم، مما
يجب(5) التسوية بينهم فيه؛ مثل قسم الفيء، وقسم الغنائم. فأما في
أرزاق المرتزقين(6)، وسهام الأجناد المتجندين؛ فلا يستوون في ذلك،
ولا يكونون في الجوائز(7) سواء كذلك، بل الأرزاق للمرتزقين؛ على
قدر ما يرى(8) إمامُ المسلمين من جرايتهم وعنايتهم، وحاجتهم إلى ما
كفهم وأغناهم، وقام بأسبابهم؛ فعليه في ذلك حسن النظر لهم؛
والتمييز في كل ذلك بينهم.
__________
(1) في (أ): الجواب.
(2) ليس في (أ).
(3) سقط من (أ).
(4) في (ب): سواء.
(5) في (ب): مما يوجب.
(6) في (ب): وأما ما في أرزاق المرزوقين.
(7) في (ج): في الحق.
(8) في (أ): على ما قد يرى.
(2/482)
[أخذ الجزية من
الدراهم]
وسالت فقلت: كان(1) رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأخذ من
أهل الذمة ثوباً عسكرياً(2) وغيره من العروض من الإنسان منهم، ومن
اين جاز أن يؤخذ اليوم منهم ثمانية وأربعون درهماً، وأربعة وعشرون،
واثنا عشر؟
القول في ذلك: أنَّه كان صلى الله عليه وآله وسلم، لما أمره الله
بأخذ الجزية من جميع أهل الذمة، أخذ منهم ما أمر به، فكان ما
أمربه(3): أن يأخذ من ملوكهم ثمانية وأربعين درهماً ومن أوساطهم
أربعة وعشرين درهماً، ومن فقرائهم اثني عشر، ولم يكن في دهره ولا
في أرضه ولا في دار هجرته في ذلك الوقت من ملوكهم أحد، وكان كل من
كان معه في دارهجرته فقراء وأوساطاً أصحاب اثني عشر وأربعة وعشرين،
وكانت الدراهم تعسر بهم، ولا تتهيأ في ذلك الوقت معهم، فكان يأخذ
منهم عروضاً من ثياب وغيرها؛ بالقيمة التي يقومها من يفهما(4)
ويبصرها، وكذلك فعل من كان بعده، أخذوا من أهل الجزية حين وصلوا
إلى اليسارة منهم؛ أخذوا الثمانية وأربعين درهماً التي(5) ذكرها
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله، وأمر بها فيهم بأمر
الله. وكذلك أيضاً لو عسرت عليهم اليوم الدراهم، لأخذنا من كل
إنسان من تجارته وبضاعته عرضاً بقيمة الدراهم، إذا صح عسرها عليهم،
وثبت امتناعها منهم.
[كلام أهل الجنة لأهل النار هل هو حقيقة أم مثل]
وسالت عن كلام أهل الجنة لأهل النار في قولهم: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ
مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ}[الأعراف: 44] فقلت:
أمَثَل هو مضروبٌ؟ أم قول مقول؟ وقلت(6): هل يقرب بينهما حتى يكلم
بعضهم بعضاً؟
واعلم هديت ووفقت أنَّه قول مقول منهم، وعمل معمول من فعلهم.
__________
(1) في (أ): أكان.
(2) في (أ): ثوب عسكري.
(3) في (أ): ما أمر به.
(4) في (ب): من يقيمها وينصرها.
(5) في (أ): الذين.
(6) في (ب): فقلت: هو.
(2/483)
فأما ما سألت من
التقرب (1) بينهم حتى يسمع بعضهم قول بعض؛ فليس ذلك كذلك فيهم، ولا
ذلك فعل الله تبارك وتعالى بهم، وكيف يسمع أهل الجنة كلام أهل
النار، وهم لا يسمعون حسيس النار؟ فحسيس النار أشد حِساً، وأبعد
صوتاً(2) من كلام أهلها الذين ذكر الله عنهم، وشرح سبحانه أنَّه
يكون منهم.
ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه: {لاَ يَسْمَعُونَ حسيسها وَهُمْ
فِيمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ}[الأنبياء: 102]؟ فأخبر
أن المؤمنين لا يسمعون للنار حسيساً، وأنهم عنها مبعدون.
وإنما كلامهم لأهل النار، وكلام أهل النار لهم، عند قولهم:
{أَفِيضُوا عَلَينَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ
اللَّهُ}[الأعراف: 50] فهو بالرسائل التي تبلغها الملائكة عنهم،
وتمشي بها بينهم، وذلك منها صلوات الله عليها فبإذن من الله لها
فيه، وتقدير منه سبحانه لها عليه.
وإنما جعلهم الله كذلك، وأذن لهم في ذلك؛ ليكون ذلك سروراً
للمؤمنين، ومعرفة منهم بما نزل بالمكذبين الضالين، فيتجدد لهم بذلك
البهج والسرور، وتكمل لهم به الغبطة والحبور، ويكون ـ من علم أخبار
المؤمنين، وبما هم(3) عليه من عطايا رب العالمين ـ حسرة في قلوب
الكافرين، وعذاباً لهم مع عذاب النار، وأسفاً لما فاتهم من كريم
القرار، ونعيم الدار؛ التي جعلها لله ثواباً للأبرار.
فافهم ما عنه سألت، وقف من الجواب على ما طلبت.
[هل ترد أزواج المؤمنين في الآخرة]
وسالت فقلت: هل ترد على المؤمنين أزواجهم اللواتي كن معهم في
الدنيا؟
واعلم رحمك الله أنهن إن كن مؤمنات مثلهم، متقيات لله كَهُمْ؛ جمع
الله بينهم في الآخرة الباقية، كما جمع بينهم في دار الدنيا
الفانية.
__________
(1) في (ج): من القرب.
(2) في (ب): ضرراً.
(3) في (أ): وما هم.
(2/484)
وقد ذكر أن الرسول(1)
صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن ذلك فقال: (( نعم يجمع الله
بين جميع أهل البيت، إذا كانوا مؤمنين في دار ثواب المتقين )).
[معنى وإن يوماً عند ربك كألف سنة]
وسالت عن قول الله سبحانه: {وَإِنَّ يَوماً عِنْدَ رَبِّكَ
كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}[الحج: 47].
المعنى في ذلك فهو إخبار من الله سبحانه عن نفاذ قدرته، وإمضاء
مشيئته، وسرعة فعله، يخبرسبحانه أنَّه يُنفِّذ في يوم واحد ما
ينفذه جميع الخلق إذا اعتونوا(2) عليه في ألف سنة؛ من محاسبة
المحاسبين، وتوقيف الموقفين على ما تقدم من أعمالهم في دنياهم
وحياتهم.
فهذا معنى ما عنه سألت من قول الله سبحانه: {وَإِنَّ يَوْماً
عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}[الحج: 47].
[من ظلم دراهم أو دنانير كيف يستوفيها في الآخرة]
وسالت عمن ظُلِمَ في الدنيا دنانير أو دراهم، كيف يكون اللحوق
لحقه(3) من ذلك في الآخرة، وليس في الآخرة دراهم ولا دنانير؟
القول في ذلك: أن الله سبحانه يعطي المظلوم إذا كان مؤمناً من
الثواب على ما امتحنَ به من ذهاب ماله في الدنيا، فصبر لله على ذلك
صبراً حسناً؛ فآتاه من الثواب والجزاء؛ أكثر مما لو رد إليه أموال
الدنيا، ويعرفه سبحانه أن ذلك جزاء على ما كان من صبره واحتسابه؛
بما ذهب في الدنيا من ماله، ويستوفي له من ظالمه الفاسق الردِّي؛
بالزيادة في العذاب الأليم، حتى يعلم الخائن أن ذلك نزل به خصوصية
على مظلمة المؤمن، ويطلع الله المؤمن على ما نزل بظالمه، ويعلمه أن
ذلك الذي حل به من الزيادة في العذاب هو من أجل ما غصبه من ماله،
وظلمه به في حقه.
فهذا حال المؤمن المظلوم، وحال الفاسق الظالم عند الجزاء؛ في
الآخرة التي تبقى.
__________
(1) في (أ): أن رسول الله.
(2) في (ج): اعتنوا.
(3) في (ب): يكون اللحوق يصلح ما لحقه.
(2/485)
فإن كان الظالم
والمظلوم فاسقين عذبهما على كفرهما وفسقهما، وزيد في عذاب الظالم
من الفاسقين لصاحبه، حتى يعلم كلاهما أن تلك الزيادة نزلت بالظالم
لتَعِديه في حكم ربه، وتناوله ما حرم الله عليه من ظلمه، ومَنَع
منه من غشمه.
فافهم هديت ما به قلنا ـ فيما عنه سألت ـ وشرحنا.
[تعدد الأئمة الأكفاء]
وسالت عن الأئمة يخرج واحد واثنان وثلاثة وأربعة في عصر واحد،
يكونون أكفاءً (1) زعمت في العلم والجسم والورع، فقلت: من المستحق
منهم؟
واعلم رحمك الله أن الأمر لأفضلهم فضلاً، وأبرعهم معرفة وعلماً.
فإن قلت: قد استووا (في ذلك، فلن يستووا، ولن يشتبهوا عند من جعل
الله له لباً، وتمييزاً وفهماً؛ وذلك أنهم إن استووا) (2) في
الورع، فلن يستووا في العلم، وإن استووا في العلم فلن يستووا في
سائر الخصال، وإن التبس أمرهم في ذلك عند الجهال؛ لم يلتبس أمرهم
في التعبير والكلام، والتبيين والشرح لشرائع الإسلام؛ فيكون
(أولهم)(3) أولاهم بالإمامة، وإن اشتبهوا في الورع والعلم والمعرفة
فأجودهم شرحاً وتبييناً، وأهداهم (إلى تفهيم الرعية ما تحتاج إليه،
وما لا غنى بها عنه، ولا عذر لها فيه. فمن كان له الفضل) (4) في
شيء مما ذكرنا، كان أحق الجماعة بالإمامة من ربنا.
فافهم ما قلنا، وتبيّن في مسألتك ما شرحنا.
[معنى: وعلى الأعراف رجال]
وسالت عن قول الله سبحانه: {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ
يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ}[الأعراف: 46].
الجواب في ذلك أن {الأعراف} هو: ما ارتفع من الأرض وعلا، وشمخ منها
في الهوى.
فتلك أعراف الأرض ومعارفها.
والرجال التي عليها في يوم الدين، فقد قيل: إنها رجال من المؤمنين.
__________
(1) في (أ): أكفياء.
(2) سقط من (أ).
(3) سقط من (ج).
(4) سقط من (ب).
(2/486)
وقيل: إنها الحفظة
التي كانت من الملائكة المقربين، حفظة في الدنيا على العالمين،
التي قال الله في كتابه وذكرهم، وما أخبر(1) من حفظهم لمن كان من
الخلق معهم، حين يقول: {عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٍ
* مَا يَلْفِظُ مِنْ قَولٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق: 17
ـ 18]، وهذا فأشبه المعنيين عندي والله أعلم وأحكم.
ومعنى {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} فهو: معرفة أولئك الحفظة
لمن كانوا يحفظون. ومعنى {يَعْرِفُونَ} فهو: يتعرفون ويتفهمون، حتى
يوقنوا بهم، ويعرفوهم ويقفوا عليهم ويثبتوهم معرفةً. ومعنى
{بِسِيمَاهُمْ} فهو: بِحِليتهم التي كانوا يعرفونها في الدنيا،
ومعناهم في صفاتهم وخلقهم، وبنيتهم المعْرُوفة من صُوَرِهِم.
[رفع اليدين في التكبير]
وسالت عن رفع اليدين في التكبير.
وهذا أمر لا يجيزه في الصلاة علماء آل رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم؛ لأن الصلاة إنما هي خشوع وتذلل لذي الجلال والطول،
وإرسال اليدين والكف عن رفعهما؛ أكبر في الدين لصاحبهما.
وقد قيل: إن رفع اليدين فعال جاهلي كانت قريش تفعله لآلهتها
وأصنامها، عند الوقوف تجاهها، والسلام منهم عليها. فإن يكن ذلك
كذلك والله أعلم، فلا ينبغي ولا يجوز لمسلم أن يَفْعَل ما يُفْعَلُ
للأصنام، مع ما في ذلك من قلة الخشوع لله؛ لأن الصلاة التي فرضها
الله فرض معها الخشوع والتذلل؛ فلما كان ترك رفع اليدين في الصلاة
إلى الخشوع أقرب؛ كان فعله دون غيره على المصلي أوجب.
[قيام الليل]
وسالت عن قول الله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ
تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} إلى قوله: {فَاقْرَأُوا
مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}[المزمل: 20] فقلت: إن بعض الناس
زعم أن هذا فرض من الله. وقال بعضهم: نافلة.
__________
(1) في (ج): وما بين.
(2/487)
واعلم رحمك الله أن
الله عزَّ وجل لم يَعنِ بما ذكر من الصلاة في أول هذه السورة
وآخرها، إلاَّ صلاة العَتَمة المفروضة. فجعل هذه الأوقات لمن كان
كذلك وقتاً، ألا تسمع كيف قال(1) سبحانه: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ
مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ
مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا
الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [المزمل: 20]
فأوجب على كل مريض، وعلى كل مسافر، وعلى كل مجاهد فعل ذلك، وإقامة
الصلاة في هذه الأحوال كلها، ولا يجب ما أوجب الله من ذلك، على من
كان من الخلق كذلك؛ إلاَّ وهو فرض مؤكد، وأمر مشدد. ولا يُعْرَفُ
لله في الليل فرضُ صلاة مفروضة؛ إلاَّ ما ذكرنا من العتمة والعشاء،
وقد شرحنا ذلك وفسرناه، واستقصيناه فيما شرحنا من تفسيره في سورة
المزمل.
[صلاة التراويح]
وسالت عما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( أنه صلى
التراويح في شهر رمضان ليلة واحدة، ثم أمر الناس بالأنصراف إلى
بيوتهم ))، وقد روى ذلك بعض الناس وذكره، ولسنا نصحح شيئاً من ذلك
لا ليلة ولا ليلتين، ولا نعرفه عنه ولا نرويه. ولم يبلغنا أنَّه
صلى بالناس صلى الله عليه وآله وسلم تراويح ليلة ولا ليلتين، ولا
ساعة ولا ساعتين، ولا ركعة ولا ركعتين، ولم يروه أحدٌ من علمائنا
ولم يأثره(2) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحد من أبائنا، ولو
كان ذلك شيئاً كان منه؛ لروته آباؤنا عن آبائها وجدودها، ولما سقط
عنهم شيء منه، ولأتوا به مصححاً عنه.
[اختلاف الزوجين في الدين]
__________
(1) في (أ): يقول.
(2) في (بأ): يوثره.
(2/488)
وسالت عن الرجل يتزوج
امرأة(1) لا تعرف الدين، ومذهبها على خلاف مذهبه، وهي في فنٍّ سوى
فنّه، فعلمها ما يجب عليها من دينها، وما هو الحق اليقين عند ربها،
فلا تتعلم، ولا تقبل ولا تفهم، فقلت: هل يجوز له أن يمسكها على
ذلك؟
فالواجب عليه أن لا يبقي غاية في نصيحتها(2)، والتأني بها،
وتعريفها وتفهيمها؛ فإن عرفت وفهمت، وتابت ورجعت؛ فذلك الواجب
عليها، وإن أبت الدين، ولجَّت في مخالفة اليقين؛ فلا يجوز له
إمساكها، ولا يسعه الإفضاء إليها، حتى ترجع إلى الحق الذي افترضه
الله عليها الواحد الخلاق، أو يوقع عليها إن غَلَبته بينه وبينها ـ
الواجب على مثلها من الفراق.
[معنى: ويحمل عرش ربك]
وسالت عن قول الله سبحانه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ
يَومَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}[الحاقة: 17].
ومعنى {العَرْشِ} فهو: المُلك، والملك فهو ما خلق الله وذرأ، من
الآخرة كلها والأولى، وما فيهما من جميع الأشياء.
ومعنى {ثَمَانِيَة} فهو لا يخلو من أن يكون ثمانية أصناف من
الملائكة، أو ثمانية آلاف، (أو ثمانية أملاك)(3). وحملها للعرش
الذي هو الملك فهو: قيامها فيه ونهوضها، وقيامها به فهو: أمرها
ونهيها، وإنفاذ أمر ربها، وإيصال الثواب إلى المثابين، والعقاب إلى
المعاقبين، وما يكون من فعل الله في ذلك اليوم في المخلوقين.
فأخبر الله سبحانه أنَّه يقوم بحساب الخلق في ذلك اليوم، وإيصال
ثوابه وعقابه إليهم، وإنفاذ جميع أمره فيهم؛ هذه الثمانية التي
ذكرنا أوَّلاً، كانت من الملائكة آلافاً أو أصنافاً (أو أملاكاً)
(4).
__________
(1) في (أ): مرأة.
(2) في (أ): في نصحها.
(3) سقط من (أ) و (ب).
(4) سقط من (أ) و (ب).
(2/489)
ومعنى قوله:
{فَوقَهُمْ} فهو: منهم، غير أن (فوق) قامت مقام (من)؛ لأنها من
حروف الصفات، فهما يعتقبان. أراد سبحانه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ
رَبِّكَ} منهم ثمانية، ومعنى {مِنْهُمْ} فهو: من الملائكة. فأخبر
أن الثمانية هم القائمون بأمر الله في ذلك اليوم ونهيه، وجميع ما
يكون من فعله في خلقه، دون غيرهم من الملائكة المقربين.
وقد شرحنا تفسير هذه الآية في كتاب على حدة شرحاً مبيناً مفسراً،
مستغنياً(1) بما مضى في الكتاب عن تكراره، في هذا الموضع(2)، من
شرح ذلك كفاية لمن فَهِمَ، واهتدى لمعرفة ربه فعلم.
[الصلح مع نصارى تغلب]
وسالت عما ذكر أن النبي(3) صلى الله عليه وآله وسلم صالح أهل
الكتاب على أن يكون أولادهم مسلمين، لا يعلمونهم اليهودية ولا
النصرانية، وقلت: قد نقضوا العهد، فهل للإمام أن يبدأهم؟ وقلت:
إنَّه يقال: إنهم الذين عناهم الله بقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ
يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ}[التوبة: 123] دون غيرهم.
واعلم هداك الله أن اليهود ليسوا في شيء من هذا، وإنما أولئك الذين
صالحهم رسول الله صلى الله عليه على أن لا يصبغوا(4) أولادهم، ولا
يدخلوهم في شيء من أديانهم؛ هم نصارى (بني تغلب) دون غيرهم من
النصارى.
__________
(1) في (أ): مستغنىً.
(2) كذا في النسخ، ولعل الصواب: وفي هذا الموضع.
(3) في (أ): أن رسول الله.
(4) الصبغة: الملة والدين، وماء أصفر يصبغ به النصارى الطفل ويسمى
التعميد.
(2/490)
وذلك أن بني تغلب
عرب، وليسوا من بني إسرائيل، فأنفوا حين أخذ رسول الله صلى الله
عليه الجزية من جميع أهل الذمة؛ فطلبوا من رسول الله صلى الله عليه
أن يأخذ منهم ـ كما يأخذ من العرب ـ العشر، فأخبرهم صلى الله عليه
وآله وسلم أن العشر لا يكون إلاَّ صدقة، وأن الصدقة لا تؤخذ إلاَّ
من أهل الصلاة؛ لأنها تطهرة لهم وتزكية، فسألوه أن يأخذ منهم ضعفي
ما يؤخذ من المسلمين على طريق الصلح؛ لسلامة أنفسهم، ونجاة رقابهم،
لا على طريق الزكاة والتطهرة، فصالحهم صلى الله عليه وآله وسلم على
ذلك، وعلى أن لا يصبغوا أولادهم، وأن يكون أولادهم من بعدهم
مسلمين، فأخذ منهم من أموالهم في كل أربعين شاة شاتين، وفي كل
ثلاثين بقرة تبيعين أو تبيعتين، وفي الإبل في كل خمس(1) شاتين،
وفيما يكال (ويوزن)(2) الخمس مما يسقى سيحاً أو بماء السماء، أو
العشر فيما سقي من السواني والدوالي والخطَّارات، وفي النقد من
الذهب في كل عشرين مثقالاً مثقال، وفي (الدراهم في)(3) مأتي درهم
من الفضة عشرة دراهم، نصف العشر من الذهب والفضة، وأضعف(4) عليهم
ما يجب على المسلمين من الزكاة المفروضة، وشرط عليهم أن لا يدخلوا
أولادهم في شيء من اليهودية والنصرانية، وعلى ذلك أعطوا العهد.
__________
(1) في (ج): في خمس.
(2) ليس في (أ) و (ج).
(3) سقط من (أ).
(4) في (أ): أضعف، والمعنى أخذ منهم ضعف ما يأخذ من المسلمين.
(2/491)
فواجب علىأهل الحق
إذا أعلى الله كلمتهم، أن تُسبى نساؤهم، وتقتل رجالهم وتؤخذ
أموالهم، إلاَّ أن يدخلوا في الإسلام كلهم فيرى رأيه(1)؛ لان
القوم(2) الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
لم يفوا له بعهده، فانتقضت عهودهم، ووجب ما ذكرنامن الحكم عليهم.
غير أن الباطل قد شمل وظهر، والمنكر قد علا وقهر، وعطلت الأحكام،
ودَرَس الإسلام، وظهر الفسق، ومات الحق، فإلى الله في ذلك المفزع
والمشتكى، عليه توكلنا وهو العلي الأعلى.
فأما ما ذكرت من أنهم الذين قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ
الكُفَّارِ}[التوبة: 123] فغيرهم أولى بهذه الآية منهم، من هو أقرب
إلى الإسلام، وأَضّرَّ على دين محمد عليه السلام، من أولئك الكفرة
الطغام.
__________
(1) أي الإمام.
(2) في (أ): لأن العرب.
(2/492)
و{الَّذِينَ
يَلُونَكُمْ} فهم: الذين بينكم ومعكم ممن يدعي الإسلام، وهو كافر
بالله ذي الجلال والإكرم، كاذب فيما يدعيه، ثابت من الكفر فيما هو
عليه،(1) من جبابرة الظالمين، وفراعنة العاصين، الذين قتلوا الدين،
وخالفوا رب العالمين وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وانتهكوا
محارمه، ولم يأتمروا بأمره، ولم ينتهوا(2)عن نهيه، وحاربوه في آناء
الليل وأطراف النهار، فراعِنَة ملاعين، جوَرَةٌ متكبرون(3) لا
يحكمون بكتاب الله، ولا يقيمون شيئاً من شرائع دين الله، قد قتلوا
الإسلام والمسلمين، وأضاعوا الأيتام والمساكين، واستأثروا عليهم
بأموالهم، فمات الخلق(4) هَزَلاً في دولتهم، لا في أمور المسلمين
ينظرون، ولا إلى الله يرغبون(5)، ولا عذابه يخافون، ولا ثوابه
يرجون، معتكفين على اللهو والمزامير، والضرب بالمعازف
والطنابير(6)، هممهم(7) هِمَمُ بهائمهم ما واروه في بطونهم، أو
باشروه بفروجهم، أو لبسوه(8) على ظهورهم؛ بغيتهم إذلال الحق
والمحقين، وشأنهم إظهار الفسق والفاسقين، ومعتمد أمرهم مكايدة(9)
رب العالمين، فهؤلاء يرحمك الله ومثلهم، وأعوانهم وخدمهم، وأصحابهم
وشكلهم؛ أولى بالمجاهدة والقتال؛ من نصارى بني تغلب الأنذال؛ لأن
هؤلاء أضر بالإسلام وأهله وأنكى، ومن كان كذلك من العباد؛ فهو أولى
بالجهاد لضرره على المسلمين والعباد.
فافهم ما ذكرنا من تفسير خبرهم، واجتزينا بالقليل من ذكرهم، فإن لك
في ذلك كفاية وشفاء، ودليلاً على ما سألت عنه وجزاء.
[المعراج في اليقظة أو المنام]
وسالت عما روي من صعود رسول الله صلى الله عليه إلى السماء.
فقلت: أكان نائماً، أو يقظاناً؟
__________
(1) في (ب): في الكفر مما هو عليه.
(2) في (أ): ولم يأمروا.. ولم ينهوا.
(3) في (ب): متكبرين.
(4) في (أ): فمات الحق.
(5) في (أ): يرتجون.
(6) الطنبور: من آلات اللهو، معرب.
(7) في (ج): همتهم.
(8) في (أ): ولبسوه.
(9) في (أ): مكابرة.
(2/493)
وإذا صح ذلك وثبت فلا
يكون نائماً أبداً، ولا يكون إلاَّ يقظاناً فهماً؛ لأنَّه إن كان
كذلك فإنما أراد الله بإرقائه إلى السماء التعبير له والكرامة،
وليُريه من عجائب خلقه، وعظيم فعله، ما حجبه عن غيره، ولم يكرم به
سواه.
فإذا كان نائماً في ذلك كله؛ فلم ينتفع بشيء مما صعد إلى السماء
له، ولم ير شيئاً مما ينتفع به؛ فلذلك استحال أن يكون نائماً كما
قال من جهل.
[معنى: فكان قاب قوسين]
وسالت عن قول الله سبحانه: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى}
[النجم: 9].
الجواب: أن الذي صار قاب قوسين أو أدنى هو جبريل صلى الله عليه،
فكان في هذا الموقف قد دنى من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
في صورته التي هو عليها مع الملائكة المقربين، حتى كان من الرسول
قاب قوسين أو أدنى.
ومعنى {قَابَ قَوْسَينِ} فهو: مقياس رميتين بالقوس في الهواء، فدنى
منه صلى الله عليهما حتى كان في الموضع الذي ذكره الله تبارك
وتعالى فيه؛ {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}[النجم: 10]
مما أرسله الله به من الأشياء.
فهذا تفسير ما عنه سألت من قوله: {قَابَ قَوسَينِ أَوْ أَدْنَى}.
[ما يجزي الأعجمي من المعرفة]
وسالت عن عجمي لا يحسن إلاَّ سورة أو سورتين من القرآن (فقلت)(1):
هل يجزيه(2) إذا عرف أصل التوحيد؟
فلعمري إن ذلك مجزِ كاف؛ إذا أقام بالسورتين أو الثلاث ما أمره
الله به من الصلاة بحدودها، وأدَّى ما أوجب الله من ركوعها
وسجودها، وكان في ذلك موحداً لربه، عارفاً مع ذلك لعدله، مصدقاً
لوعده ووعيده، عارفاً بالحق وأهله، تاركاً لمعاصي ربه، مؤدياً
لفرائض إلهه؛ فإذا كان(3) كذلك فهو من المسلمين، وعند الله إن شاء
الله من الناجين، ولم يضره عجمة لسانه، إذا أقام له قلبُه دعائم
أديانه.
[ما يجزي المرأة من المعرفة]
__________
(1) في (أ): من عجمي.
(2) في (أ): هل يجوز.
(3) في (ب): كان ذلك كذلك.
(2/494)
وسالت عن النساء إذا
عرفن الله وأدين الفرض؛ فقلت: هل يجزيهن ذلك عن تعليم(1) القرآن،
وفرائض الله الرحمن؟
الجواب في ذلك أنَّه لا بد للنساء والرجال؛ من معرفة ما أوجب الله
فرضه من الأعمال، وأوجب على الخلق القيام به من الأفعال، إلاَّ ما
طرحه الله عن النساء من الجهاد، والسعي إلى الجمعة، وما أشبه ذلك
من الأشياء، وأنه لا يجوز لهن التقصير عن معرفة ما أوجب الله عليهن
معرفته، والعمل بما أوجب الله عليهن العمل به.
وعليهن أن يتعلمن ويتفهمن، ولا يجوز لهن أن يتعلقن بالجهل المنهي
عنه، ولا يتمادين في شيء منه. تمت المسائل وجوابها، والحمد لله
حمداً كثيراً، وصلواته على سيدنا محمد النبي وعلى آله الذين طهرهم
من الرجس تطهيراً.
****
جواب مسائل
الحسين بن عبدالله الطبري(2)
m
__________
(1) في (ج): تعلم.
(2) في (ب): الحسن بن عبدالله، ولم أقف له على ترجمة ولاذكر في
سيرة الإمام، والطبريون جماعة من طبرستان هاجروا إلى الإمام ووقفوا
معه مواقف الأبطال، وثبتوا ثبوت الجبال، وكانوا يده الطيعة التي
يصول بها على أعدائه، وساعده في حروبه على المتمردين عليه، مع
بصيرة نافذة وإدراك ثاقب.
(2/495)
قال يحيى بن الحسين
بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذكرت حاطك الله وحفظك،
ووفقك وسددك، أنَّه بلغكم وتناهى إلى بلدكم اسباب من فعلنا، وأمور
من سيرتنا، التبس فيها على كثير من الناس الصواب، ولم يحضرك في
كثير منها الجواب، فشنع من لا يفهمها، وأنكر علينا فيها من لا
يعرفها، واستعجل بالظن السيء من لا يفقهها، حتى نسب صوابها إلى
الخطأ، ونَيِّر حقها إلى العدا، فحشاً من قوله، وظلماً في حكمه،
وبغياً في أمره، واستعجالاً بالسيئة قبل الحسنة، وبقول الخطأ قبل
المعرفة، كأن لم يسمع الله سبحانه فيما يعيب على من فعل مثل هذا
الفعال، وقال بالظن كما قال صاحب هذا المقال: {لِمَ
تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ}[النمل: 46]،
فنعوذ بالله لنا ولك ولكل مؤمن من ذلك، ونستجير به من أن نكون
كذلك.
وسنفسر لك إن شاء الله ما جهل فيه من جهل فعلنا، ونشرح لك من ذلك
ما لم يقف عليه الطاعن في سيرتنا، حتى يصح لك ولهم في ذلك الصدق،
ويتبين لك ولهم أن فعلنا هو الحق.
(2/496)
فما مثلنا ومثلهم،
وخبرنا وخبرهم؛ فيما علمناه وجهلوه، وعرفنا مفاصل صوابه وعميوه،
إلاَّ كمثل موسى وصاحبه صلى الله عليهما؛ العالم الذي اتبعه موسى
على أن يعلمه مما علمه الله رشداً، فأعلمه أنَّه لا يستطيع معه
صبراً؛ إذ ليس يعلم كعلمه، ولا يقف على ما يرى من فعله. فأخبره
أنَّه لا يصبر إذا رأى منه شيئاً مما لا يعرفه؛ حتى يسأله ويبحثه،
ويدخله الشك في فعله؛ فقال له موسى: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ
اللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً}[الكهف: 69]، ثم لم
يصبر لما رأى ما ينكره قلبه، حتى عاتبه فيه وسأله عنه. فكان أول ما
أنكر عليه موسى عليه السلام خرق السفينة، فعظم ذلك في صدر موسى
فقال له ما قال، فقال له العالم: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ
تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}، فقال له موسى: {لاَ تُؤَاخِذْنِي
بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} فغفرها له،
و{انْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ}؛ قال له
موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ
شَيْئاً نُكْراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ
تَسْتَطِيَعَ مَعِي صَبْراً قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ
بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً
فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا
أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا
جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ
لاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْراً} يريد بهذا منه(1) ـ إذ هو خائف لا
يؤمن سُقوطه ـ: تَأَجَّرت (2) في ذلك، فقال العالم لموسى: {هَذَا
فِرَاقُ بَينِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ
تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْراً}[الكهف: 72 ـ 78] ثم أخبره بمعاني
أفعاله، وصوابه في أعماله، التي كانت عند موسى منكرة
__________
(1) في هامش (ج): انهدامه.
(2) في (أ): فأجرت.
(2/497)
عظيمة، فاحشة كبيرة،
وهي عند الله وعند العالم صواب، وعند موسى صلى الله عليه خطأ
وارتياب، إذ لم يعلم وجه أمرها، ولم يقف على كنه خبرها، فيتضح له
نيِّر صوابها، كما وضح لفاعلها؛ فقال فاعلها لموسى: {أَمَّا
السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ
كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} إلى قوله: {مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ
صَبْراً}[الكهف: 79 ـ 82].
وكذلك حال الإمام فيما شرحت وحال ما ذكرت ممن أنكر فعل الإمام؛ إذ
لم يكن علمه كعلمه(1)، ولا حاله في المعرفة بالنازلات كحاله. وكيف
يستوي المتفاوتان، أو يأتزن الرطل والرطلان، لا كيف؟! وفي ذلك ما
يقول الله سبحانه: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا
الأَلْبَابِ}[الزمر: 9]، ويقول سبحانه: {وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ
عَلِيمٌ}[يوسف: 76]، ويقول: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا
لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]،
ويقول سبحانه: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ
رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ
أُولُوا الأَلْبَابِ}[الرعد: 19] ويقول سبحانه: {وَلَو رَدُّوهُ
إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيطَانَ إِلاَّ
قَلِيلاً}[النساء: 83].
__________
(1) في (ب): عمله كعمله.
(2/498)
ومن لم يعرف ـ يرحمك
الله ـ أمراً أنكره، ومن لم يقف على معنى شيء دفعه، ولوحسن يقين من
أنكر فعل الإمام لم يعجل بالعيب في ذلك عليه، غير أن وسواس
الشيطان، يتمكن في قلوب أهل الشك والريب من الإنسان. والشك والريب
فلا يثبت معهما محض إيمان، ألا تسمع كيف يقول في ذلك الواحد
الرحمن: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ
الصَّادِقُونَ}[الحجرات: 15]؟ فلم يحكم بحقائق الإيمان؛ إلاَّ لمن
بعد منه الارتياب في وجوه الدين والإحسان. فنسأل الله الثبات على
دينه، والتوفيق لما يرضيه برحمته.
[الزيادة على الحد للتأديب]
ذكرت ضَرْبَنَا من نضربه من بعد الحد الذي ألزمه الله تعالى إياه؛
فقلت: ما سبب هذه الزيادة من بعد تمام الحد؟
واعلم أكرمك الله أن الله سبحانه حكم على الأئمة وافترض عليهم حسن
النظر للبرية، وأن تفعل في كل معنى مما ترجوا به الصلاح للرعية.
وهؤلاء القوم الذين ترانا نضربهم بعد الحد في أرجلهم ثلاثين
وأربعين وعشرين؛ فهم قوم قد با يعوا على الحق، وأعطونا عقودهم(1)
على الصدق، وعلى الأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن التظالم
والمنكر، ثم نكثوا بعهودهم، وحنثوا في أيمانهم، فعملوا المنكر في
أنفسهم، ورفضوا المعروف الذي يأمرون به غيرهم، وردوا الفسق بعد
موته، وأحيوا المنكر في دار الحق بعد خموله.
فكان أقل(2) ما يجب على من نكث عهده، وحنث في يمينه التي أقسم فيها
باسم ربه؛ أن يكون عليه في نقضه لعهده، وحنثه بقسمه؛ أَدَبٌ لما
اجترأ به على ربه، وتمرد به في ذلك على خالقه، فأدبناه كما ترى
غضباً لله، وانتقاماً لدين الله، وتنكيلاً له عن نقض العهود
المعقدة، ورد الفاحشة بعد خمولها في دار الحق، وإظهار الكبائر
والفسق.
__________
(1) في أ: عهودهم.
(2) في ب، ج: أول.
(2/499)
فهذا سبب أدبنا لمن
نؤدبه بعد حد الله، وذلك الواجب على كل إمام في دين الله؛ أن يفعله
بمن نقض عهده، ونكث بعد قسمه بالله. ألا تسمع كيف يقول الله
سبحانه: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً
لأَيْمَانِكُمْ}[البقرة: 224]؟ أن يحلف المرء بالله كاذباً، أو
ينقض لله عقداً. وما نهى الله عنه، ومنع عباده منه؛ فلا بد لكل من
اجترأ عليه وفعله من الأدب، وإلا فلم يكن لنهي الله عنه معنى، ولا
سبب.
فهذا حجتنا فيما عنه سألت من ذلك، فتدبر القول فيه يصح لك
جوابه(1)، ويزول عنك شكه وارتيابه.
وكذلك ما ذكرت، وعنه سألت؛ من خرص النخل وحزرها(2)، وهذا أمر(3) لا
ينكره مسلم، ولا يدفعه من كان لأحكام رسول الله صلى الله عليه وآله
مسلماً؛ لأن الأمة كلها بأسرها ـ إلاَّ أن يكون الشاذ الضعيف العلم
منها ـ مجمعة على أن رسول الله صلى الله عليه خرص وحزر ثمار
المدينة وثمار خيبر، وكان يرسل في كل سنة عبدالله بن رواحة
الأنصاري (4) فيخرص الثمار كلها، ثم يأخذهم بخرصها، ويحكم عليهم
بما حزر فيها.
__________
(1) في أ، ج: صوابه.
(2) الخرص والحزر: التقدير.
(3) في (أ): وهذا الأمر.
(4) هو عبد اللّه بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجي
الأنصاري الشاعر، أحد السابقين، شهد بدراً، وكان ثالث الأمراء في
غزوة مؤتة، وبها استشهد في جمادى الأولى سنة ثمان.
(2/500)
ونحن فكذلك فعلنا،
وبه صلى الله عليه في ذلك اقتدينا، ثم احتطنا من بعد ذلك باستحلاف
من أمرناه بخرص الثمار، فإذا أردنا أن نوجه قوماً يخرصونها من ثقات
من نعلم، وأبصر من يفهم ويخرص الثمار، ممن قد جرب فهمه، وامتحن في
ذلك نفسه، ثم امتحنه فيه غيره، حتى صح أنَّه أقرب أهل بلده إلى
المعرفة بما وجهناه له من حرز التمر فيخرصه، ثم نستحلفه بأوكد ما
يحلف به لتنصحنَّ، ولتجتهدنَّ، ولتحرصنَّ، ولتقصدنَّ الحق بجهدك،
ولتحرَّيَنَّه بطاقتك، ولا تعمَّدنَّ لمسلم غشاً، ولا لمال الله
وَكْسا (1)، ولئن شككت (2) في شيء من ذلك، أو التبس عليك، لتجعلن
الحمل على أموال الله دون أموال عباده، ثم ننفذه فيما به أمرناه،
فيجتهد ويحرص، ويكتب ما يحزر، ويخرص (3)، فإن شكا أحدٌ من الناس
بعد ذلك غبناً فيما خرص عليه وحزر؛ استحلفناه على ما أتى من ثمره
وصدقناه، وأخذنامنه على ما حلف عليه وتركناه.
وكذلك قد نخير من خرصنا عليه نخله؛ فنقول: إن شئت فخذ بما قد
خرصنا، وإن شئت أخذنا وأوفيناك حقك على ما خرصنا وقسمنا. فهل على
من فعل ذلك حيف وجور، أو تحامل في شيء من الأمور؟ أم على من اقتدى
برسول الله صلى الله عليه مطعن في مقال من المقال، أو تعنيف (4) في
فعل من احتذى به فيه كائناً ما كان من الأفعال؟ كلا وفالق الإصباح،
ومجري الرياح؛ أن من كان كذلك لبعيد من الخطأ في كل ذلك. وليس يلزم
أهل العلم فيما يفعلون من الفعال(5)؛ إنكار من لا علم له من أهل
الجهل، وإنما قول العلماء؛ هو الحاكم على أقاويل الجهلاء، وليس
أقاويل الجهلاء بأهل أن يحكم بها على العلماء. والحمد لله رب
العالمين، والعاقبة للمتقين، وسلام على المرسلين.
[أخذ المال غير الواجب للاستعانة في الجهاد]
__________
(1) الوكس: النقص.
(2) في ب: ولاسلكت.
(3) في ب: من يحزر ويخرص ثمره.
(4) في أ: أو تعسف.
(5) في ب: من الأفعال.
(3/1)
ومما سألت عنه وأحببت
الجواب فيه؛ ما كان من مجيء كبراء أهل صنعاء إلينا ومشائخهم، وما
سألونا من التقدم إليهم والمصير إلى بلدهم، فاخبرناهم بقلة ذات
اليد، وأنا لا نطيق الإنفاق على العسكر(1)، ولا نجد إلى ذلك
سبيلاً، فذكروا أنهم يعينون ويجتهدون، وأن أهل البلد على ذلك
مجمعون.
فلما صرنا إليهم كتب على الناس على قدر طاقتهم، بل دون طاقتهم
ودونها ، فكتب على صاحب العشرة آلاف مائة، وعلى صاحب العشرين
ألفامائتان، وعلى صاحب الخمسين ديناران، وعلى صاحب الثلاثين دينار.
وشبيهاً بذلك. فكلهم إلى ذلك مُسارع، وكلهم رأى فيه المنفعة لنفسه
في ماله وحرمته.
وقد علمت كيف كان فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله
عليه حين دخل البصرة بعد حرب طلحة والزبير، فوجد في بيوت الأموال
من أهل البصرة مالاً كثيراً؛ من الفيّ الذي هو للصغير والكبير،
والمرأة والرجل، والطفلة والطفل، فدعا كبراء البلد ووجوه أهله؛ ثم
قال لهم: إن في بيت مالكم مالاً، وبأصحابي حاجة شديدة، فأَطْلِقُوا
لي حتى أقسمه على أصحابي دونكم، ففعلوا وأطلقوا له قسمه على أصحابه
دونهم، فقسمه على أصحابه؛ فوقع لكل إنسان منهم خمسمائة درهم قفله.
ولم يدع أوساط الناس، ولا النساء ولا الصبيان، ولا كل من يملكه،
واجتزى برأي كبرائهم، إذ كان في ذلك صلاح لهم، ومنفعة لبلدهم،
وعايدة في العاقبة عليهم، فافهم هذا المعنى.
وسنشرح لك في ذلك حجة أخرى قوية، نيَّرة بينة عند أهل العلم والفهم
واضحة.
__________
(1) في ب: العساكر.
(3/2)
نحن نقول وكل ذي فهم
وبصيرة من العلماء: إن الإمام المحق، العادل المستحق، له أن يأخذ
من المسلمين العفو من أموالهم، اليسير الذي لا يضرهم، فيرده على
صلاحهم وصلاح بلدهم، ويدفع العدو الفاجر عن أموالهم وحرمهم
ودمائهم، أحبوا أم كرهوا، أطاعوا أم أبوا، ثم نقول: إن ذلك من حسن
النظر لهم، الذي لا يجوز له عند الله غيره، إذ لا يجد منه بداً،
ولا عن أخذه مندفعاً، وإلا لم يكن إلاَّ انفضاض عسكره، وهلاك
المجاهدين الذين معه، أو أخذ ما يأخذ من رعيته؛ لأنَّه إن قصر في
ذلك انفض العسكر، وافترقت الجماعة، فذل الإمام والمؤمنون، وهلكت
الرعية المستضعفون، وقوي عليهم الأعداء الفاجرون، وملكتهم الجبابرة
الطاغون، فأخذوا الأموال، وقتلوا الرجال، وأهلكوا الأطفال،
(واصطلموا الأموال) (1)، ومات الحق، وظهر الباطل والفسق. هذا ما لا
يحل(2) لإمام الحق أن يفعله، ولا يجوز هذا إلاَّ لإمام حق، مستحق
بموضع الإمامة، نافذ حكمه في الأمة، حاكم بالكتاب والسنة؛ لأن في
فعله ذلك نجاة للمسلمين، وفي تركه له هلاك جميع المؤمنين.
وإذا كان ذلك كذلك، فأَخْذُ جزء من أموال المسلمين فرض عليه في
ذلك، فإن قصر فيه فقد شرك مهلكهم في هلكتهم، ولم يحسن النظر لهم،
وكان قد تحرى في تركهم صلاحاً ورشداً، فوقع من ذلك في هلكة وارتكب
إدّاً (3).
وسنضرب لك في ذلك أمثالاً(4)، ونقول فيه بالصواب إن شاء الله
مقالاً؛ يصح رشده لكل ذي لُبِّ وعلم، ويتبين صدقه لكل ذي تمييز
وفهم.
__________
(1) سقط من (أ، ج).
(2) في (أ): ما يحل. وكلاهما صحيح مع توجيه اسم الإشارة.
(3) الإدُّ: الداهية، والأمر الفظيع.
(4) في أ: مثالاً. وفي ج: الأمثال.
(3/3)
ما يقول من أنكر
علينا ذلك في نفسه؛ لو كان في قرية من قرى المسلمين، وكان أمره
فيها نافذاً وحكمه جارياً، وقوله(1) فيهم جائزاً ماضياً، ثم دلف
(2) إليه طاغية من طواغي المشركين، أو طاغوت من طواغيت الباغين،
ليقتل رجالها، ويسبي نساءها، ويأخذ أموالها، ويخرب ديارها، فوجد
هذا الإنسان الرئيس عليها، النافذُ أمره فيها؛ أعواناً يدفع بهم عن
القرية ما قد غشاها، ويزيح عنها من الهلكة ما قد أتاها(3)؛ أكان
الواجب (4) عليه في حكم الله، وفيما يحب للمسلم على المسلم أن يأخذ
من أموالهم طرفاً يقوت (5) به هؤلاء الذين يدفعون عنهم، حتى يسلموا
من الهلكة؟ أو يخليهم حتى يهلكوا، ويُستباحوا ويقتلوا؟
فإن قال قائل: بل يخليهم فيقتلوا قبل أن يأخذ منهم يسيراً
يحميهم(6) به؛ فقد أساء في القول، وجار في الحكم، وخالف الحق؛ لأن
الله سبحانه يقول في كتابه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ
وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ}،
ومن فعل ذلك فقد أعان على الإثم والعدوان، وترك المعونة على البر
والتقوى.
وإن قال: بل الواجب علي أن آخذ منهم ما أدفع به عنهم، أحبوا أم
كرهوا، وأقيم فرض الله علي فيما يلزم للمسلم على المسلم، ولا أنظر
إلى قولهم، إذا أبو النظر لأنفسهم، واستدعوا الهلكة إليها؛ إذكنت
مقلداً لأمرهم، بنفاذ أمري وحكمي عليهم؛ فقد أصاب في قوله واحتذا،
وسلك الطريقة المثلى، فهذه حُجَّة أخرى.
ومن الحجة في ذلك على من أنكره، وقال بغيره ورفضه، أن يقال له:
__________
(1) في أ، ج: وحكمه وقوله.
(2) دلف الشيخ: مشى وقارب الخطو، ودلفت الكتيبة: تقدمت.
(3) في (أ) ما أتاها.
(4) في أ: فإن الواجب، والصواب ما أثبت.
(5) في أ: يقرب.
(6) في أ، ج: يحييهم.
(3/4)
خبرنا عنك؛ لو سرت في
قافلة من قوافل المسلمين، وأمرك فيهم نافذ، فوجدت في بعض الطريق
قوماً قد قطع بهم، وأخذ ما معهم، وتركوا مطرَّحين(1) جياعاً عطاشاً
عراة، لا يطيقون مشياً، إن تركتهم ماتوا، وإن حملتهم نجوا، وإن
أطعمتهم وسقيتهم حيوا؛ أليس كان الواجب عليك في حكم الله أن تأخذ
لهم من أهل الرفقة قوتاً يحييهم، وتلزمهم لهم المعاقبة على رواحلهم
(2)، حتى يلحقوا بالقرى والمناهل، أولا تأخذ لهم منهم قوتاً ولا
ماء ولا مركباً، فيموتوا كلهم، ويهلكوا بأجمعهم؟
فإن قال قائل: بل أتركهم يموتون؛ فقد شرك في قتلهم، وقال بالمنكر
من القول فيهم، الذي ينكره عليه الجهال، فضلاً عن العلماء من
الرجال. وإن قال: بل أحمل أهل القافلة على أن يواسوهم بما لا يضرهم
في الطعام والشراب، والمعاقبة على الركاب؛ فقد قال بحق من المقال،
وانتحل(3) صواباً من الفعال، وأدى حقوق الله وحقوق المسلمين، ونجا
من قتل إخوانه أجمعين.
ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا
عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيرِ
نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعاً} [المائدة: 32] فحكم الله علىكل مسلم بإزاحة الهلكة عن
المسلمين بجهده وطاقته.
فكذلك يجب على الإمام أن يواسي بين المهاجرين والأنصار، وبين
الرعية من أهل الدار، ولا يترك المهاجرين، المدافعين عن
المستضعفين، الدائمين المقيمين لدعائم الدين؛ يهلكوا (4) جوعاً بين
أهل الأموال والجِدة (5) من المسلمين.
ومن فعل ذلك كان على أحد وجهين:
إما افترق عنه المجاهدون إذا اشتد عليهم البلاء، ولم يجدوا قوتاً
لأنفسهم ممسكاً.
__________
(1) في (ب): مطروحين.
(2) يعني أن يركب كل منهم عقيب الآخر.
(3) في (ب): وانحل.
(4) في (أ): يهلكون.
(5) الجِدَة: السعة والغنى.
(3/5)
أو صبروا فهلكوا
وماتوا جمعياً معاً، ضراً وحرناً وجوعاً،، فهلك بهلكتهم الإسلام،
واجتيح(1) بعدهم الأنام، وكان في ذلك كله آثماً، وللمجاهدين في
الله وعلى دينه ظالماً.
فافهم هداك الله ما به قلنا، وفي ذلك احتججنا؛ فإن الحجج في ذلك
تكثر لو بها نطقنا(2)، ويسير ذلك يغني عند أهل العقل عن كثيره،
ويُجتزى عن الكثير فيه بيسيره.
[العشر: هل يجوز لآل رسول الله؟]
وسالت عن العشر (فقلت)(3): هل يجوز لآل رسول الله صلى الله عليه
وعلىآله؟
والقول في ذلك: أنَّه لا يجوز لهم أكله، ولا استحلاله، ولا
الإنتفاع بشيء منه، إلاَّ أن يشترى بأغلى الثمن وأوفاه، فيكون حاله
كحال غيره من أموال المسلمين التي يحرم على المسلمين استحلالها
وأكلها، وتحل لهم إذا اشتروها بالأثمان.
وكذلك يجوز للأئمة أن يشتروا الأعشار من جُبَاتِها وعُمالها بأغلى
ما تباع في أسواقهم، وتحتاط في ذلك على أنفسها لهم. وكذلك في
الأعلافِ من التبنان والقصبان(4)، لا تأخذ منه شيئاً إلاَّ بثمن
فوق ما يباع في السوق، يحاسِبون على ذلك العمال، ويوفونهم الأثمان
في كلّ حال.
فعلى هذا تجوز الأعشار للأئمة ولجميع آل رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم إذا اشتروها شراءً قاطعاً، كما يجوز لهم أكل مال اليتيم
إذا اشتروه بشراءٍ منقطع.
فأما أن يأكله أحد من أهل بيت رسول الله لا يؤدي له ثمناً، ويعتقده
حلالاً؛ فمن فعل ذلك فهو على غير دين الإسلام، وعلى غير شرائع دين
محمد عليه السلام.
__________
(1) في (أ، ج): وأجيح.
(2) في (ب): يكثر كونها ويسير ذلك.
(3) سقط من (أ).
(4) يعني التبن والقصب.
(3/6)
بل قولنا إنَّا
نتبرأ(1) إلى الله ممن استحل العشر من آل رسول الله، وقال: إنَّه
حلال له من غير آل رسول الله. بل لو أن رجلاً من آل رسول الله ألجئ
إلى أكل العشور استحلالاً أو إلى أكل الميتة إذا كان مضطراً؛
لرأينا له أن يأكل الميتة قبل أن يستحل ويستبيح شيئاً من
العشور(2).
ثم أقول: والذي نفس يحيى بن الحسين بيده لو اضطررت إلى أن آكل جفنة
مملؤة خبزاً ولحماً من العشر وأنا له مستحل مستبيح، لم أشتره
بثمني، أو أدفع فيه نقدي؛ أو أن آكل من الميتة ما يمسك نفسي، ويدفع
عن هلكتي؛ لأكلت من الميتة قبل أن آكل من لحم العُشُر وخبزه؛ لأن
الله سبحانه قد أطلق لي أكل الميتة عند الضرورة وخوف الهلكة، ولم
يطلق لي استباحة العشر ولا استحلاله في حالةٍ مَّا. فأما إذا
اشتريت العُشُر شراءً صحيحاً ثابتاً، ودفعت فيه مالي ونقدي، حل لي،
وطاب أكله بشرائي له، كما يحل لي مال اليتيم إذا اشتريته، ومال
المسلم إذا ابتعته.
فافهم هذه الخلة التي يجوز فيها الأعشار لآل رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم، والحالة التي لا يجوز لهم أكلها، ولا الانتفاع
بشيء منها.
وقد يجوز له بحالة أخرى، وهو أن يأخذ منها بعضُ أهلها المستحقين
لها من سائر المسلمين شيئاً فيهدون بعضه إلى آل رسول الله صلى الله
عليه وآله، ويدعونهم إلى طعام من أعشار الصدقة فيجيبونهم، فيجوز
لهم أكله، إذا أجازه لهم أهله، فيكون أخذ المسلمين له باستحقاق
ووجوب، ويكون قبول آل رسول الله صلى الله عليه له منهم ـ أن
أهدوه(3) إليهم ـ قبولاً لهدية إخوانهم المسلمين، مما أطعمهم إياه
وأجازه لهم رب العالمين.
فقد حل لهم بهذا المعنى وفي هذا الوجه، حين خرج من معنى الصدقة،
وصار من أخيهم المسلم ـ الذي قد ملكه ـ إليهم هدية.
__________
(1) في (ب): تبرأنا.
(2) في (أ، ج): من العشر.
(3) في (ب): أن أخذوه.
(3/7)
وفي ذلك ما يروى عن
النبي صلى الله عليه وعلى آله: أنه دخل على عائشة، فوجد عندها
تمراً، فقال: (( من أين لكم هذا؟ قالت يا رسول الله صدقة تُصُدق
بها على برّيرة(1)، فقال: هو عليها صدقة، ولنا منها هدية، فقدمته
بريرة إليه فأكل منه )) .
فعلى هذا الباب قولنا به في هدايا المسلمين، إلى آل رسول رب
العالمين، مما جعله الله للمسلمين حلالا من صدقات إخوانهم
المؤمنين.
فافهم هديت ما عنه سألت، وقف على هذه الوجوه فقد أكملت لك فيها كل
ما طلبت، مما يجوز لآل رسول الله صلى الله عليه من صدقات المسلمين،
وأوساخ أيدي المتصدقين، وأعلمتك بأي سبب يحل لهم، وفسرت لك متى
يجوز لهم به أكلها، والمعنى الذي يدخل في ذلك حتى يحل لهم من بعده.
[تصرف الأئمة في قسمة الأعشار وغيرها إعطاء ومنعاً]
وسالت عن المعنى الذي يجوز لهم(2) به قسم الزكاة على أصنافها،
وتسليم ربعها إلى الفقراء والمساكين، وقلت: كيف كنت في أول الأمر
تقسم ذلك على أهله، وأنت اليوم ربما قسمت، وربما لم تقسم، وربما
أعطيت، وربما لم تعط ؟ فقد تكلم بعض من تكلم، ورأيتهم ينكرون عليك
في بعض الأوقات إذا لم تقسم.
وقد سألتَ فافهم (3)، وإذا فهمت فاعلم، أن من لم يعرف شيئاً أنكره،
ومن لم يعرف حقيقة أمر عَظَّمه.
أما علمت إن جهلوا، وفهمت إن غفلوا: أن رسول الله صلى الله عليه
وآله لما أن أتاه مال من البحرين، يقال: إنَّه ثمانون ألف أوقيّة
من أعشار البحرين ومن جزية ذمتها، ومن صواف كثيرة كانت بها؛ فقسم
الثمانين ألفاً(4) في مجلسه على جلسائه، يعطيهم غرفاً غرفاً، وكفاً
كفاً، حتى لم يبق من ذلك شيء؟ وذلك أنَّه صلى الله عليه وعلى آله
وسلم علم أن ذلك أصلح للإسلام في ذلك الوقت، من القسم على السهام
الثمانية.
__________
(1) في (أ): برّيرة: مولاة عائشة، صحابية مشهورة، عاشت إلى زمن
يزيد.
(2) في (ب): لايجوز به قسم.
(3) في (أ): وسألت عن ذلك فافهم.
(4) في (أ): الثمانين الف.
(3/8)
وكذلك فعل في غنائم
حنين(1)، وهب للمؤلفة قلوبهم من خمسين بعيراً إلى مائة بعير إلى
مائتين إلى ثلثمائة، وحرم المهاجرين والأنصار في ذلك الوقت؛ حتى
تكلم من تكلم من الأنصار، فكان منه من الفعل ما قد بلغك، وذلك فلم
يفعله صلى الله عليه إلاَّ للصلاح الذي رآه، فأمضى رأيه في
الغنائم، ولم يقسمها على أهلها، نظراً منه عليه السلام؛ للمسلمين
والإسلام.
وكذلك كان فعلنا في العشر، نقسمه مرة، ونتركه مرة، نتحرى في ذلك
الإصلاح للإسلام إذا رأيناه، وبان لنا وعرفناه، وإذا استغنى
الإسلام والمسلمون، وقلت حاجتنا إلى هذه الأعشار، قسمناها على
أصنافها، أو من وجدنا منهم. وإذا احتاج المسلمون والإسلام إليها؛
آثرناهم بها على أهلها، نظراً منا لهم، ومعرفة بأن ذلك أرجع في كل
الأمور عليهم.
__________
(1) في (أ): خيبر. وما هنا أثبته من نخ.
(3/9)
وذلك أن الدار لا
تصلح إلاَّ بالجيوش والأنصار، والخيل والرجال، ولا تقوم ولا تجتمع
إلاَّ بالأموال. فنظرنا فإذا بالبلد الذي نحن فيه ليس فيه شيء غير
هذه الأعشار، وإن نحن ـ عند حاجة المهاجرين والأنصار إلى القوت،
وما به تدفع الهلكة والموت، من دفع هذه الأعشار التافهة إليهم،
وردها دون الأصناف عليهم ـ دفعناها إلى المساكين، وغيرهم من
الأصناف المذكورين؛ هلكت الجنود المجندة، وتبددت الجماعة المجتمعة،
وافترق المهاجرون، وذل المسلمون، ووقعت البليَّة، وعظمت المصيبة،
وشملت الفتنة، ولم تضبط البلاد، ولم يصلح أحد من العباد، وعلا
الظالمون، وخمل المؤمنون، وبطل الجهاد، وخربت البلاد، وشمل البلاء،
وذل الأمر والرجاء، فهلك في ذلك الضعفاء، وشحَّ الأغنياء، ومات
الفقراء، ووقع الضياع، وكثر الجياع. وعلمنا أنا إن آثرنا بها من به
قوام الدار، من أهل الإسلام من المهاجرين والأنصار، استوسقت
السبل(1) وأمنت البلاد، وعاش العباد، وتجر التجار، وعمرت
الديار(2)، وزرع الزارعون، وتقلب المتقلبون، واستغنت الرعيّة، وحسن
حال البرية، فعاش بينها(3) أهل الصدقة من هؤلاء الأصناف المذكورين،
وسخا الأغنياء بالعطية للطالبين، وتقلب الفقراء والمساكين؛ في دار
الأغنياء الواجدين، وتكسبوا معهم، وأصابوا من فضلهم، وحسنت بصلاح
دارهم حالهم(4)، واستقامت لِعِزّ الإمام أمورهم.
__________
(1) في (ب): السبيل.
(2) في (أ): البلاد.
(3) في (ب): منها.
(4) في (أ): لصلاح حالهم، كذا. وما أثبت أولى.
(3/10)
فلهذا المعنى قسمنا
الصدقة عند ما يستغني عنها الإسلام والمسلمون، وحبسناها عند ما
يحتاج إليها ويضطر الأنصار والمجاهدون؛ نظراً منا للرعية،
واحتياطاً في الحياطة للبرية، وأداء إلى الله سبحانه النصيحة
لعباده، وإحساناً وأداء إليه ما استأمننا عليه من الأموال(1) في
بلاده، فصرفناها في إصلاح الدين والمسلمين، ورددناها على الأصناف
من المسلمين حيناً (2)؛ اجتهاداً لله في النصيحة، وتأدية منا إليه
ما حملنا من الأمانة؛ إذ كُنَّا عن ذلك مسؤلين، وبإحسان النظر
للإسلام والمسلمين مأمورين، وعن التفريط فيما يصلح البلاد
مَنْهِيِّين.
وسأضرب لك ـ إن شاء الله ولمن عقل صواب رشدنا ـ قولاً ومثلاً، يبين
لك حقائق علمنا، فليس كل متكلم مصيباً في قوله، ولا كل منتحل للعلم
عالماً(3) بكل ما يحتاج إليه، {وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ
عَلِيمٌ}[يوسف: 76]، ومن طعن بغير علم على أولياء الله كان آثَمُ
أثِيمٍ:
__________
(1) في (أ، ج): من أموال بلاده.
(2) في (ب): حيثما كانوا.
(3) في (أ): عالم لكل. كذا
(3/11)
ما يقول وما يذهب
إليه الطاعن علينا بما لا يعلم متأول(1): في رجل متول لأمورِ
أَيتامٍ تحت يده، مسكنة صغار؛ من ضَعَفَةٍ لهم أرض بعضها أعنابٌ،
وبعضها حرث، فاستغل لهم من ذلك العنب زبيباً؛ ثم حدث في العنب
والحرث حدث من سيل؛ فأخرب الحرث، أو نارٍ أحرقت العنب وخشبه، أكان
الواجب عندك في دين اللّه وفرضه، وما حكم على ولي اليتامى من حكمه؛
أن يصلح حرثهم وعنبهم بما قد أخذ من الثمر قبل خراب الحرث والعنب،
وينفقه ويرده عليه؛ ولو مدوا أيديهم لطلب الصدقة، وبَدَتْ منهم في
تلك السنة الخصاصة والحاجة، حتى يصلح عنبهم إذا رد فيه ما احترق من
خشبه، وتصلح أرضهم إذا عمرت؛ فتغل(2) أرضهم وعنبهم في كل سنة من
بعد صلاحه ما يعيشون به، ويرجع نعيمهم إذا رجعت غلتهم، ويكمل حُسن
حالهم بصلاح أموالهم؟ أم يترك أرضهم وعنبهم خراباً، ويخليها فاسدة
يباباً(3)، وينفق الغلة التي أنفقها في صلاح ما لهم عليهم؛
فيأكلونها سَنَتَهم، ويهلكون في طول عمرهم؛ إذ قد خربت أموالهم؟
فإن قلت: ينفق عليهم هذه الغلة وتخرب أموالهم، فقد قلت قولاً
شططاً، وحكمت في ذلك بغير الحق حكماً؛ إذ لم تحسن لهؤلاء الأيتام
نظراً، ومن لم يحسن النظر لأيتامه؛ فقد باء عند الله بعبء
آثامه(4)، وشهد عليه جميع الرجال؛ بالقول الفاحش والمحال.
وإن قلت: بل يعمر ضياعهم، ويُحْيي أموالهم؛ بهذه الغلة اليسيرة؛
ليلحقوا بذلك في أموالهم المعيشة الكثيرة، الدائمة الكافية
الغزيرة؛ فقد أصبت في قولك، وقلت حقاً في حكمك، وفعلت ما يُصَوبك
فيه الجهلاء، فضلاً عن أهل العقول من العلماء.
فإذا قلت بذلك من الحق، وتكلمت فيه بقول الصدق؛ فكذلك فقل في فعلنا
في بلاد رعيتنا، ومواضع ضعفتنا.
__________
(1) كذا في النسخ.
(2) في (أ، ج): فيعمل. وظنن في ج بما أثبت من (ب).
(3) الأرض اليباب الأرض الخراب.
(4) في (أ): من الله بعبء آثامه.
(3/12)
ألا ترى أنا لو قسمنا
هذه الزكاة على أهلها، في وقت الحاجة حاجة الإسلام والمجاهدين
إليها، ونزول الخصاصة بالمدافعين عن أهلها، فافترقوا عنا، وانتزحوا
من قربنا؛ فوقع الضعف على الإسلام والمسلمين؛ لِمَا وقع من الخصاصة
بالمجاهدين، وقوي بذلك أهل الضلال من المضلين؛ ففسد أمر الرعية،
واختلفت أحوال البرية، ووقع الضياع عليهم، وكثر الجياع، واختلفت
أمورهم، وساءت أحوالهم، وشح بالمعروف أغنياؤهم؛ فهلك لذلك
فقراؤهم،، وخافت سُبُلهم، وخربت أموالهم، وظهر عليهم أعداؤهم؟
وإن نحن رددنا زكاة الأمصار؛ على المجاهدين والأنصار؛ دون أهلها من
هذه الأصناف المذكورة، ووقت(1) ما تنزل بالمجاهدين الحاجة
والضرورة؛ قوي الحق، وضعف الفسق، وعاش في الدار المستضعفون، وجاد
بالمعروف الأغنياء، واستغنى في دار معروفهم الفقراء، وأمنت سُبلهم،
وحسنت حالهم، وزال ضرهم.
فهذا والمثل الذي ضربناه أولاً سِيَّان، في القول والمعنى اثنان،
والحمد لله على الحق والإستواء. فأفكر فيما ذكرت لك بِلُبِّك،
وانظر فيه إذا نظرت بخالص مركب عقلك، يبن لك في ذلك الصواب،
ويَزُلْ(2) عنك فيه الشك والارتياب.
[طريق الإمامة وصفات الأئمة]
وسالت عن إثبات الإمامة في الإمام من آل رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم؛ فقلت: بم تثبت له؟ أبعقد الناس وإجماعهم عليه؟ أم
برواية رويت عن الرسول فيه؟ أم بغير ذلك؟
واعلم هداك اللّه بأن الإمامة لا تثبت بإجماع الأمة، ولا بعقد
بريَّة، ولا برواية مروية. ولكن تثبت لصاحبها بتثبيت الله لها فيه،
وبعقدها في رقاب من أوجبها عليه، من جميع خلقه، وأهل دينه وحقه.
__________
(1) كذا ولعلها وقت.
(2) في (ب، ج): ويزول، وما هنا في هامش ج نخ.
(3/13)
وذلك قول الله
سبحانه: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي
الأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء: 59] وأولوا(1) الأمر الذين أمروا
بالكينونة معهم؛ فهم: الصادقون بادعاء الإمامة، وهم المستوجبون
لها، والمستحقون لفرضها.
وهم من كانت فيه الصفات التي تجب له بها الإمامة؛ من ولادة الرسول،
والعلم، والدين، والزهد، والورع، والمجاهدة لأعداء الله، مَنْ
كَشَف رأسه، وسَلَّ سيفه، ونشر رايته، ودعى إلى الحق وعمل به،
وزاحف الصفوف بالصفوف، وأزلف الألوف إلى الألوف، وخاض في طاعة الله
الحتوف، وضرب بالسيوف الأنوف، وأقام حدود الله على من استوجبها،
وأخذ أموال الله من مواضعها، وصرفها في وجوهها، وكان رحيماً
بالمؤمنين، مجاهداً غليظاً على الكافرين والمنافقين، مَعَهُ
عَلَمُه ودليله، والعلم والدليل: الكلام بالحكمة، وحسن التعبير
والجواب عند المسألة، والفهم لدقائق غامض(2) الكتاب، ولدقائق غيره
من كل الأسباب، التي يعجز عن استنباطها غيره، ويضعف عن تثبيتها
سواه.
__________
(1) في (ب): وأولي، وهي على الحكاية.
(2) في (أ) لغامض دقائق.
(3/14)
فمن كان في الصفة كما
ذكرنا، وفي الأمر كما قلنا؛ فهو الإمام الذي عقد الله له الإمامة،
وحكم له على الخلق(1) بالطاعة، فمن اتبعه رشد واهتدى، وأطاع الله
فيما أمر به واتَّقَى، ومن خالفه فقد هلك وهوى، وأفحش النظر لنفسه
وأساء، واستوجب(2) على فعله من الله العذاب الأليم، والخلود في
الهوان المقيم، {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً
لاَ يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ
كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيْهَا
وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ
تُكَذِّبُونَ}[السجدة: 18 ـ 20].
[المعنى الذي تجب به الإمامة والطاعة ويجوز جهاد المخالف]
وسالت(3) يا أبا عبد الله حفظك الله، ووفر في الخيرات حَظَّك؛ عن
المعنى الذي وجبت به لنا على الخلق الطاعة، ووجب به علينا جهاد من
أَبْدى لنا المعصية، وثبتت به لله سبحانه في ذلك علينا الحجة، حتى
حكمنا بالهلكة على المتجانفين(4) عن دعوتنا، وبالنجاة للمسلِّمين
لأمرنا، الساعين في طاعتنا، حتى سمينا من قتله الظالمون منَّا
شهيدا، وحكمنا له بالوعد الذي وعد الله الشهداء، وسمينا من قتلْنا
نحن من الظلمة كافراً متعدياً، وحكمنا عليه باستحقاق الوعيد من
الله العلي الأعلى.
__________
(1) في (ب): على الحق.
(2) في (ب): واستحق.
(3) في (أ، ج): مسألة أجاب عنها أيضاً عليه السلام في الإمامة، وهي
آخر مسائل الحسين بن عبد اللّه الطبري: بسم اللّه الرحمن الرحيم
سألت..الخ.
(4) في (ب): المجانفين. وفي (ج): المخالفين.
(3/15)
وهذا أكرمك الله فقد
وجب لنا على أنفسنا السؤال عنه، والبحث لها فيه، عند ما دعتنا
إليه؛ من دعاء الخلق إلى طاعتنا، والمناداة إلى إجابتنا(1)، وضرب
أعناق المحاربين لنا، وأخذ أموالهم، واستباحة ديارهم.
فسألناها فقلنا: ما الذي وجب لكِ به ذلك؟
فكان من جوابها لنا، عندما احتجنا إليه من علم ذلك منها، أَنْ
قالت: وجب لي ذلك بما وجب للأئمة من قبلي، من لدن القاسم بن
إبراهيم عليه السلام، ومن تقدمه من الأئمة القائمين؛ الذين كانوا
حججاً لله على العالمين، سواء سواء.
فقلنا لها: فَبِمَ أوجبتِ(2) لأولئك صلوات الله عليهم الطاعة على
الخلق؟
فقالت: بوجوب الإمامة التي عقدها الله لهم بأحق الحق، وأصح القول
والصدق.
فقلنا لها: وَبِمَ عقد الله سبحانه الإمامة لأولئك؟ وبأي معنى
كانوا صلوات الله عليهم عند الله عزَّ وجل كذلك؟
فقالت: بولادة الرسول صلى الله عليه وآله(3)، وبمعرفتهم بذي الجلال
والإكرام، وبالورع الذي جعله قواماً للإسلام، وبالمعرفة بالحلال
عند الله والحرام، وبما يحتاج إليه في الدين جميع الأنام، وبأخذ
الحق وإعطائه، وبِقِلَّة الرغبة في الدنيا، والزهد في دار الفنى،
والرغبة والمحبة لدار البقاء(4)، وبكشف الرؤوس، وتجريد السُيوف،
ورفع الرايات لله وفي الله عزَّ وجل، والمنابذة لأعداء الله،
وبإظهار الدعاء إلى الله، والغضب لله والرضى، وإقامة الدار،
والدعاء إلى الله الواحد القهار، وإحياء الكتاب والسنة، وإقامة
الحق والعدل في الرعيّة، والإطلاع على غامض كتاب الله ووحيه، الذي
لا يطلع عليه إلاَّ من قلده الله السياسة، وحكم له بالإمامة دون
غيره، فآتاه الحكمة، وخصه بالفضيلة، وأكمل له النعمة، وجعله له على
الخلق حجة، وبالشجاعة عند اللقاء، والصبر في البأسآء والضرآء،
والجود والسخاء، مع النصفة للأولياء.
__________
(1) في (ب): والمبادر.
(2) في (ب): وجبت.
(3) يعني بكونهم من أولاد الرسول.
(4) في (ب): والرغبة في دار.
(3/16)
فصدقناها فيما احتجب
به من الأمر الذي تجب به من الله سبحانه الإمامة لأهلها، ويتأكد
لهم به من الله عزَّ وجل فرض الطاعة على خلقه.
فلما أن أجمعنا نحن وهي على أن من كانت فيه هذه الخصال، وثبت له ما
ذكرنا في كل حال، فقد وجبت له بحُكم الله الإمامة، وتأكدت له بفرض
الله على الخلق الطاعة، أوجبنا على أنفسنا المحنة؛ فامتحناها فيما
أجمعنا نحن وهي وغيرنا عليه من الشروط التي تجب بها الإمامة، وتثبت
بها لأهلها على الخلق الطاعة. فلم نَجِدها ولله الحمد عن ذلك
منصرفة، ولا منه مُعوِزَة، بل وجدناها به قائمة، وبالتسمية(1) به
مستحقة؛ فأجبناها إلى ما دعتنا إليه، وأعنَّاها بكليتنا عليه،
فصدقناها ولله المنُّ بعد المحنة به.
ولك يا أبا عبد الله أكرمك الله علينا من الحجة، والسؤال والمحنة؛
مثل الذي كان لنا على أنفسنا، فانظر في ذلك معنا، بمثل ما نظرنا
نحن مع أنفسنا، فإن وجدت ما وجدنا، وشهد عقلك لك في أمرنا بمثل ما
شهدت به عقولنا لأنفسنا؛ فقد حق لك ما طلبت، وصح لك ما عنه سألت،
وجاءتك من نفسك البينات، وأنارت لك في ذلك النيّرات.
وإن لم تجد الشروط التي نشهد نحن وأنت وكل المسلمين بأنها شروط
الأئمة الهادين، المفترضة طاعتهم، والمحرّمة معصيتهم، كنت على بينة
من أمرك، ورخصة من فرضك(2)، وراحة من تعبك.
واعلم هداك اللّه أن الإمتحان والنظر لا يكون إلاَّ بالنصفة من
المتناظِرَيْن، وطلب الحق في ذلك من المتسائلَين،وقبول الحق عند
ظهوره، وأخذه بأفضل قبوله. ونحن أكرمك الله لكل ذلك باذلون، وإليه
لك مسرعون، وله منك مُحِبُّون.
فهذا الباب الذي وجبت به إمامة كل إمام(3)، على جميع من تقدم من
أهل الإسلام، وبه تجب إمامة من بقي من أئمة الهدى، إلى آخر أيام
الدنيا، ولن تجب إمامة إمام أبداً بغير ما ذكرنا، ولن يوجد سَببٌ
يثبت لأحد سوى ما شرحنا.
__________
(1) في (أ، ج): وللشهرة.
(2) في (ب): من فضلك.
(3) في (ب): الإمامة لكل إمام.
(3/17)
والحمد لله(1)
كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله
وسلم تسليماً.
****
جواب مسائل لابنه المرتضى (ع)
m
[معنى حديث: ما كان على أهل هذا الجدي.. إلخ]
قال الإمام المرتضى لدين اللّه محمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن
الحسين صلوات الله عليهما:
سألت أبي الهادي إلى الحق صلوات الله عليه عما روي عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم من أنَّه مرَّ بجدي ميّت مطروح على كِبَا (2)،
فقال عليه السلام: (( ما كان على أهل هذا الجدي لو انتفعوا بجلده
)).
قال الهادي إلى الحق أعزه الله: لم يرد النبي عليه السلام الانتفاع
بجلده بعد موته، ولكنه صلى الله عليه أراد: ما كان عليهم ـ إذ لم
يكن فيه لحم يذبح ويذكى له ومن أجله، لما كان فيه من الهزال(3)
والهلاك ـ لو ذبحوه، فحل(4) لهم بذبحه الانتفاع بجلده؛ (فانتفعوا
بجلده)(5) إذ لم يكن في لحمه منفعة.
فهذا يا بني معنى قوله صلى الله عليه، لا ما ذهب إليه الجهال، ونسب
إليه العماة الضُلاَّل.
واعلم يا بني أن كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له معان
وأبواب؛ تحتاج إلى تفسير عالم فهم(6) باللغة، كما يحتاج القرآن إلى
التفسير.
[معنى حديث: إن اللّه يبغض الحبر السمين]
__________
(1) في (أ): تم والحمدلله كثيراً، وصلى اللّه على محمد وآله وسلم.
(2) في (ب): كناسة، وهي معنى الكبا.
(3) في (ب): الهوان.
(4) في (ب): يحل.
(5) سقط من (ب).
(6) في (ج): فهيم. وماهنا أثبته في الهامش.
(3/18)
من ذلك قوله: (( إن
الله يبغض الحبرَ السمين )) فتوهم من لا فهم له أن معناه: البَدِن
الشَّحِم؛ فذموا بذلك كل عالم سمين، وكان صلى الله عليه وآله قد
بلغ من الشحم والسِّمَن غاية، حتى كان قد جعل في محرابه بالمدينة
عوداً هو اليوم في المحراب، وكان إذا نهض بعد السجود أخذ به؛ حتى
ينهض من ثقل بدنه(1)، وكان صلى الله عليه يتنفل بعض نوافله قاعداً
لثقل بدنه، وهو صلى الله عليه حبر الأحبار(2) وأفضلها.
وإنما أراد بقوله: (( إن الله يبغض الحبر السمين ))؛ يعني الذي قد
سمن من أكل الرُّشا والحرام.
[معنى حديث: إن اللّه يبغض البيت اللحم]
وكذلك رُوي عنه عليه السلام أنَّه قال: (( إن الله يبغض البيت
اللَّحِم ))؛ فتأوّل ذلك من لا فهم له أنَّه: البيت الذي يؤكل فيه
اللحم كل يوم دائماً. وهذا باطل من التأويل، كيف يقول ذلك في
اللحم؛ وهو يفضله ويقول: (( خير(3) إدامكم اللحم ))، وكان يشتهيه
ويأكله إذا وجده؟!
__________
(1) في (ب): بعد السجود يعتمد به حتى ينهض.
(2) في (أ، ج): أحبر الأحبار.
(3) في (أ، ج): أفضل.
(3/19)
وإنما أراد بقوله
ذلك: البيت الذي يُؤْكَلُ المسلمون فيه، معنى يؤكل فيه: يُوقَع
فيهم، ويُطعن عليهم، ويُؤذون فيه. ألاَ تسمع كيف يقول الله سبحانه:
{أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
فَكَرِهْتُمُوهُ}[الحجرات: 12]؟ وقد رُوى عنه صلى الله عليه أنَّه
لما رجم ماعز بن مالك الأسلمي حين أقر بالزنا؛ فسمع عند منصرفه
الزبير(1) يقول لطلحة(2): انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم
يستر على نفسه حتى رجم مرجَم الكلب. فسكت عنهما رسول الله صلى الله
عليه وآله حتى مر بجيفة حمار شاغرٍ بِرجْليه؛ فقال لهما: (( انزلا
فأصيبا من هذا الحمار ))، فقالا: نعيذك يا رسول الله، أنأكل
الميتة؟ فقال لهما: لما أصبتما من أخيكما آنفاً أكبر مما تصيبان من
هذا الحمار، إنَّه الآن ليتقمص(3) في أنهار الجنة.
وغير ما ذكرناه عنه في هذا المعنى فكثير غير قليل، ومعروف غير
مجهول، ولله الحمد، نجتز(4) بقليله عن التطويل بذكر كثيره والسلام.
[معنى قوله تعالى: {وآخرون اعترفوا..} الآية]
__________
(1) هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن
كلاب، أبو عبد اللّه القرشي الأسدي، أحد العشرة المشهورين، من
شجعان الصحابة وأبطالهم، أبلي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
وسلم بلاء حسناً، نكث مع طلحة على الإمام علي عليه السلام بعد
البيعة على الأصح، فكانت وقعة الجمل الشهيرة، قتل بعد منصرفه منها
سنة (36 هـ).
(2) هو طلحة بن عبيدالله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم
بن مرة التيمي، أبو محمد المدني، أحد العشرة، شجاع باسل، أبلى بلاء
حسناً مع السرول صلى اللّه عليه وآله، لكنه نكث بيعة الإمام علي،
قتل يوم الجمل سنة (36 هـ)، وله (63 سنة).
(3) كذا في النسخ، ولعلها: ليتغمص.
(4) في (أ،ج): يُجْتَزَى.
(3/20)
وسالته عن قول الله
سبحانه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً
صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[التوبة: 102]، فقال: هؤلاء أهل
التوبة إلى الله من بعد المعصية، فذكر الله عنهم أنهم عملوا عملاً
سيئاً، ثم خلطوا أعمالهم بالصالحات؛ فعملوا بها من بعد التوبة وبعد
العمل الردي. ومعنى {عَسَى اللَّهُ}؛ هو: إيجاب القبول(1) للتوبة
من التائبين من بعد الإخلاص لله بالتوبة، وليس كما يقول الجهال:
إنهم يعملون قبيحاً وحسناً في حالة واحدة، ويتقبل منهم الحسن، هذا
ما لا يكون؛ لان الله يقول:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ
الْمُتَّقِينَ}[المائدة: 27]، ومن كان في معصية الله فليس بمتق،
ومن لم يكن بمتق فليس يقبل عمله منه.
[معنى قول الله: {فلا وربك..} الآية]
وسالته عن قول الله سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا
فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا
تَسْلِيماً}[النساء: 56]. يقول سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله،
مخبراً له عن أصحابه، مقسماً بنفسه؛ أن أصحابه لا يؤمنون على حقيقة
الإيمان؛ حتى يردوا إليه عليه السلام ما تشاجروا فيه ـ وهو
مااختلفوا فيه ـ ثم يرضوا بحكمه في ذلك، ولا يجدوا في صدورهم شيئاً
فيه، ولا غضباً منه، {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}، أي ينفذوا حكمه
ويسلموا له، ويرضوا به ولا يردوه
****
ومن مسائل علي بن محمد العلوي (2)
مما سأل عنها الهادي إلى الحق صلوات الله عليه.
m
[أطفال المشركين هل يحل سبيهم؟]
وسالته عن أطفال المشركين هل يحل سبيهم؟
__________
(1) في (أ،ج): إيجاب لقبول التوبة عن.
(2) هو مصنف سيرة الإمام الهادي، له مواقف شجاعة مع الإمام عليه
السلام.
(3/21)
فقال: نعم. قلت: ومن
أين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه: (( كل مولود(1) يولد فإنما
يولد على فطرة الإسلام، حتى يكون أبواه اللذان يهودانه أو
ينصّرِانه ))؟
فقال: إنما هذا في الأطفال الذين يولدون في دار الإسلام، فأما من
يولد في دار الكفر فقد حكم الله عليه بالسبي، وحكم على ما فيها من
مال أو نفس وأبانها، وأحل ما فيها، وصيَّرها ملكاً وغنيمة
للمؤمنين، فما جاز من سبي الكبير جاز في سبي الصغير؛ لأن الدار دار
كفر، فافهم الفرق بين دار الكفر ودار الإسلام.
[الجزية على النساء ودعوتهن]
وسالته عن نساء اليهود والنصارى، هل تجب عليهن الجزية؟
فقال: لا. قلت: ومن(2) أين لم تجب عليهنَّ الجزية؟ فقال: لأن الله
تبارك وتعالى حكم على الرجال بالقتل، وأوجب عليهم الجزية فداءً من
القتل، فمن وجب عليه القتل من الرجال وجبت عليه الجزية. قلت: فهل
تجب دعوة النساء؟ قال: نعم. قلت: فإن لم يفعلن؟ قال: يستخدمن
ويُهَنَّ. قلت: وهل تحل خدمتهنَّ؟ قال: نعم، كما فعل رسول الله صلى
الله عليه وسلم بصفيّة ابنة حيي بن أخطب حتى أسلمت، فتزوجها رسول
الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال بعض علماء أهل البيت: إنهن
يدعين؛ فإن لم يُسلمن قتلن.
قلت: فما قولك أنت يا أمير المؤمنين؟
فقال: حتى تبلغ ذلك إن شاء الله، وأعلمتك برأيي فيهن(3).
ومن مسائل محمد بن عبيد الله (3)
[موالاة الظالمين ومداراتهم]
__________
(1) في (أ، ج): طفل.
(2) في (أ، ج): فقلت من.
(3) في (أ): ثم أعلمتك. ولعلها: أعلمك.
(3/22)
قال محمد بن
عبيدالله(1) رحمه الله: سألت الهادي إلى الحق صلوات الله عليه عن
موالاة الظالمين. فقال: لا تجوز موالاة الظالمين لأحد من المؤمنين،
وموالاتهم فهي: مودتهم ومحبتهم؛ لأن الله سبحانه يقول: {لاَ تَجِدُ
قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ
مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}[المجادلة: 22]. فحرّم الله تعالى
موالاتهم ومحبتهم، ولم يطلق للمؤمنين الإنطواء على شيء من إضمار
المودة لهم. وفي ذلك مايقول اللّه عزَّ وجل: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ
اَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ..}
الآية[الممتحنة: 1]. فمن انطوى وأضمر محبّة ظالم فقد خرج من دين
الله، وليس من المؤمنين بالله، ولا تجتمع معرفة الله ومحبته
وموالاته مع مودة أعداء الله ومحبتهم؛ لأن الله عدو للظالمين،
والظالمون أعداءٌ لرب العالمين، ولن يجتمع ضدان معاً في قلب مسلم.
فأما المداراة للظالمين باللسان، والهبة والعطية، ورفع المجلس،
والإقبال بالوجه عليهم؛ فلا بأس بذلك؛ لأن الله قد فعل في أمرهم ـ
وهم أعداؤه ـ ما فعل؛ من جعله لهم جُزءاً في الصدقات؛ يتألفهم به
على الحق، ويكسر به بعض بلائهم وظلمهم عن الإسلام، وذلك قوله عزَّ
وجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية
[التوبة: 60] فجعل للمؤلفة جزءاً، وهم أعداء الله وأعداء الإسلام؛
يكسر حدَّهم عن المؤمنين، ويصليهم به نار جهنم وبئس المصير، ويجعله
عليهم وبالاً في الآخرة ولهم عذاب أليم.
__________
(1) في (ب): عبدالله. وهو: محمد بن عبيدالله العلوي العباسي والد
مؤلف السيرة، أحد أبرز أصحاب الإمام، وفد عليه للجهاد بين يديه،
تولى للإمام وسحة، ثم صعدة، ثم نجران في سنة (287 هـ)، خالف عليه
بنو الحارث بنجران وقتلوه ظلماً وعدواناً في وقعة رهيبة تشبه وقعة
الإمام الحسين عليه السلام في شهر ذي الحجة سنة (295 هـ).
(3/23)
وكذلك كان رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم يفعل بالمنافقين الظالمين؛ يؤثرهم على من
معه من إخوانه المؤمنين، ويكل إخوانه على إيمانهم.
من ذلك ما فعل في غنائم حنين، فرقها كلها على المؤلفة قلوبهم، ولم
يعط المؤمنين منها درهماً واحدا، ولا شاة واحدة، ولا بعيراً واحداً
يتألفهم بذلك، ويكسر عن المؤمنين شر حدهم.
وكذلك كان يفعل بكبراء المشركين إذا كاتبوه وأتوه؛ يكاتبهم بأحسن
المكاتبة، ويفرش لهم ثوبه إذا أتوه يُجلسهم عليه، نظراً منه
للإسلام، ومداراة لهؤلاء الطغام، عن غير موالاة ولا محبة.
[الاستعانة بالظالمين]
قال محمد بن عبيد الله(1): وسألت الهادي إلى الحق صلوات الله عليه
هل تجوز الإستعانة بالظالمين؟ وقلتُ: ما معنى قول الله سبحانه:
{وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف: 51].
فقال: أما ما سألت عنه من قول الله سبحانه؛ فإنما أراد بالعَضُد:
الوُدِّ والْمُشَاوَرَة(2) في المبثوث من جميع الأسرار الظاهرة
والباطنة، والمحبوب في السر والعلانية، المعتَقَدة ولا يته،
الجائزة عند الله مناكحته، وأكل ذبيحته، وقبول شهادته، والإعتماد
على قوله، والركون إلى مصافاته، فهذا العَضُد. فمن لم يكن عند
صاحبه على هذه الحال، على حقيقة الفعل والمقال؛ فليس له بعضد ولا
كرامة له، ولا ينتظمه هذا الاسم أبداً، ولا يجوز له أصلاً.
__________
(1) في (ب): عبد الله.
(2) في (ج): الوِدَّ الْمُشَاوِر، والود: المحب.
(3/24)
فأما ما اسعنت به في
مهمّاتك، وتقويت(1) به واستعنت به في ساعات حاجاتك، في إصلاح
الإسلام والمسلمين، وهايبت به من كان مثله من الظالمين، واستعنت به
على من هو أفجر منه، وأنت له شانئ، ومنه متبرئ، وبه غير واثق،
تكتمه أسرارك، وتجمل لديه أخبارك، لا تستحل له مناكحة، ولا تأكل له
ذبيحة، ولا تقبل له شهادة، ولا تأتم به في صلاة، فكيف تكون له
متخذاً عضداً، وتكون له ولياً مرشداً؟ هذا ما لا يغلط فيه إلاَّ
الجهال، وإلا من أعمى الله قلبه من الرجال، فهو يتكمه في عمايات
الضلال، يدعو الليل نهاراً والنهار ليلاً، والعدو ولياً والولي
عدواً، ينحل كل واحد منهما نحلة ضده، ويدعو كلاَّ بغير اسمه.
وأما ما سألت عنه من استعانة المحقين بالظالمين، في طاعة رب
العالمين لمحاربة المحاربين؛ فإنا لانستحل غيره في مذهبنا؛ لأن
الاستعانة بالظالمين على من حارب الحق والمحقين؛ واجب على
المسلمين، لا يسع أحداً تركه، ولا يجوز رفضه، إذا صار الإسلام إلى
ذلك محتاجا، وكان الحق إليه مُضطراً، إذا جرت عليهم(2) أحكام
الإمام ومن في عصره من خدم الظالمين وأعوانهم، الذين استعان بهم في
وقت حاجته لهم.
ونقول: إن فرض ذلك يجب من وجهين:
فأما أحدهما: فإنه لا يحل للإمام أن يقتل الإسلام ويضيّعه، ويمكن
عدوه منه، وهو يجد إلى غيره سبيلاً، وعلى إجابته معيناً، تجري
أحكامه عليه؛ لأنَّه إن امتنع من الاستعانة بهم في وقت ضرورته، ظهر
من هو شر ممن كره الاستعانة به على الإسلام فأهلكه.
__________
(1) في (ب): وتقربت.
(2) في (ب): عليه.
(3/25)
والمعنى الآخر فبيّنٌ
بحمد الله عند من عقل، وهو أن يقال لمن أنكر الاستعانة بالظالمين:
أيها الجاهل هل عذر الله أحداً أوأطلق له ترك فرض من فرائضه، أو
أطلق له ترك إقامة طاعة من طاعاته، فاسقاً كان المتعبَّد أو
مؤمناً، أو ظالماً أو محسناً؟ فإن قال: نعم قد عذرهم الله في ترك
فروضه، وأطلق لهم في وقت فسقهم وظلمهم رفض شيء من حدوده؛ فقد كفر
القائل بذلك، واجْتُزِيَ بكفره عن مناظرته في شيء من دينه؛ لأنَّه
يزعم أن الله سوغ للظالمين شيئاً من معاصيه، وأجاز لهم ترك فرائضه
التي فرض، وهذا فتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله. وإن قال:
لا، لم يجز الله لظالم في وقت ظلمه، ولا لفاسق في وقت فسقه، ترك
شيء من أداء فرائضه، والفرض لا زم لهم، واجب عليهم. قيل له: فأيّ
فرض أكبر من الجهاد في سبيل الله، والقيام بمحاربة من عند عن أمر
الله، والمعاونة لأولياء الله؟
فإذا قال: لا فرض أكبر من ذلك.
قيل له: فمن أين أجزت لهم القعود عن نصره؟ ومن أين أجزت للإمام أن
يَدَعَهم من أداء هذا الفرض، ولم تجز له أن يكرههم عليه في حال
فسقهم، فضلاً عن أن يأتوه طائعين، ولحكمه مسلمين؟ فإن أجزت للإمام
أن يَدَعَ إلزامهم فرض الجهاد الأكبر، وقد أتوه طائعين، ولفرض الله
في الجهاد معه مسلمين، وأجزت له أن يترك الاستعانة بهم من طريق
القهر لهم إن قدر على ذلك، أو قلت: لا يجوز أن يقهرهم على ذلك إن
أطاق قهرهم، فضلاً عن أن يسلموا أو يطيعوا؟ فيجب عليك أن تقول:
إنَّه لا يجب على الإمام أن يقهرهم على طاعة الله كلها وفرائضه، من
الصلاة، والصيام، وغير ذلك مما هو دون الجهاد.
(3/26)
وقد أغنى الله من عقل
بما كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك؛ من الاستعانة
بغير أهل الملة، من اليهود وغيرهم من مشركي الحبش، وكان صلى الله
عليه يستعين باليهود في حربه، وبالمنافقين الكافرين به، المستهزئين
بحقه. وكتاب الله يبين ذلك له من أمرهم، وينزل عليهم(1) بكرة
وعشياً.
وأمر صلى الله عليه وعلى آله أصحابه الذين آمنوا به ـ وهم اثنان
وسبعون رجلاً ـ أن يمضوا ويهاجروا إلى بلاد الحبش، وأمرهم أن
يستعينوا به، وبطعامه وبشرابه على من يريدهم بسوء، فجهزت قريش
لمَّا جاؤا إليه البُرُدَ(2) في أمرهم، وبذلوا الأموال في تسليمه
إياهم إليهم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأله(3)
المعونة على قريش لأصحابه وله، ويسأله أن لا يسلمهم ويعينهم على
أمرهم، ففعل ذلك، وأهدى إليه حراباً وبغلتين وشيئاً من الذهب، فقبل
ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت الحراب تحمل قدامه،
وتركز بين يديه إذا صلَّى. وكذلك أهدى إليه ملك قبط مصر جاريتين
وبغلتين(4)، وحللاً من حُلل مصر، فقبل ذلك كله صلى الله عليه وآله
وسلم من القبطي، والقبطي مشرك بالله، جاحد لرسول الله، فاتخذ إحدى
الجاريتين، ويقال: إنهما كانتا أختين، فدعاهما إلى الإسلام، فأسلمت
واحدة فوطئها، فولدت له إبراهيم صلى الله عليه، ووهب الأخرى لحسان
بن ثابت الأنصاري. فأي استعانة أكثر من هذا، أو حجة أبين مما
ذكرنا؟ والحمد لله وهذا يجزي لمن عقل عن التطويل إن شاء الله،
والقوة بالله.
وكذلك استعان صلى الله عليه في فتح مكة من أعراب فزارة، وغير ذلك
من أعراب البوادي وجفاتهم، ممن هو مُسَلّم لحكمه، غير عارف بحدود
ربه.
تم ذلك والحمدلله كثيراً، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلم.
مسألة في الذبائح
m
__________
(1) في (ب): عليه.
(2) البُرُد: جمع بريد.
(3) في (أ): يسألهم.
(4) في (أ، ج): وبغلة.
(3/27)
قال الهادي إلى الحق
يحيى بن الحسين بن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: سألت عن
الذبائح، ما يحل منها وما يحرم؟
والجواب أنَّه يحرم من الذبائح ست ذبائح:
ذبيحة اليهودي؛ لأن اللّه عزَّ وجل قال: {وَقَالَتِ اليَهُودُ
عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ}[التوبة: 30].
وذبيحة النصراني، لقول الله عزَّ وجل {وَقَالَتِ النَّصَارَى
الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}[التوبة30].
وذبيحة المجوس(1)؛ لأنَّه يقول: إن الله قضى عليه بركوب أمه،
وابنته، وأخته.
وذبيحة المجبر؛ لأنَّه يقول: إن الله جبر(2) خلقه على المعاصي.
وذبيحة المشبه؛ لأنَّه يقول: إنَّه يعبد الذي يقع عليه بصره يوم
القيامة.
وذبيحة المرجئ؛ لأنَّه يقول: الإيمان قول بلا عمل.
قال الله تبارك وتعالى لجميع عباده: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ
اللَّهِ عَلَيْهِ}[الأنعام: 118]، {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ
يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}[الأنعام:
121]؛ فجيمع هؤلاء الستة الأصناف ما ذكروا اسم الله تبارك وتعالى
على شيء من ذبائحهم، إذ لم يعرفوه تبارك وتعالى حق معرفته، فلم(3)
يقروا له بتوحيده وعدله، ولم يصدقوه في وعده ووعيده، وكذبوا قوله
في وليه وعدوه.
تمت المسألة وجوابها والحمد لله وحده وصلواته على رسوله سيدنا محمد
وعلى آله وسلم
جواب مسألة لرجل من أهل قم
m
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
سألت عصمنا الله وإياك بعصمته، ووفقنا وإياك لمرضاته، وجعلنا وإياك
من أهل طاعته، وختم لنا ولك بمغفرته، ونجانا وإياك من حيرة هذا
الدهر برحمته:
[معرفة اللّه هل هي فعل اللّه أو فعل العبد؟]
__________
(1) في (أ): المجوسي.
(2) في (أ): يجبر.
(3) في (أ): ولم.
(3/28)
عن معرفة الله تبارك
وتعالى؛ ما تصرفها في الخلق؟ وكيف تكوينها في العباد؟ وما محلها في
الأجساد؟ وهل هي من أفعال المخلوقين؟ أم هي خلق أحسن الخالقين؟
غريزة ركبها في عباده، فجعلها سبحانه كما خلق وركب وجعل فيهما من
العقول.
واعلم هداك الله أن المعرفة هي: كمال العقل والعمل به، فإذا كمل
العقل، وصح واستعمل؛ تفرعت منه المعارف والأفهام، لذوي الفكر
والأحلام، ومتى عدمت من الأدميين الألباب؛ لم تصح فيهم المعارف
بسبب من الأسباب، بل تكون بنأيه أنأَى من كل ناءٍ، وبدنوه أدنى من
كل دان، تحضر بحضوره، وتعزب بعزوبه، محتاجة إليه، وهو فغير مضطر
ولا محتاج إليها، متفرعة من فروعه، كامنة في أصوله، كائنة
بكينونته، وهو فغير متفرع منها، ولا محتاج مضطر إلى كينونتها، بل
هو مقيد العماد، راسخ الأوتاد، فكل معرفة كانت من العباد، بالأزلي
الخالق الجواد؛ فبالعقول استدركها المستدركون من ذوي الألباب،
واستخرجها المستخرجون، ووقف على حدود شرائعها العالمون.
وعلى ذوي العقول افتُرِضَت معرفة الله وعبادته، وهم الذين ينالون
باداء فرائض الله ثوابَه، ويستحقون برفضها ـ دون غيرهم ممن سلب لبه
ـ عقابَه. فالعالمون من ذوي الألباب هم المجازون بالحسنة الحسنات،
وبالسيئات من الأفعال(1) السيئات. والعقلاء فهم الموقوفون للحساب،
الخائفون لأليم العقاب، والكائن منهم ما ذكر الله سبحانه حين يقول:
{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106]،
وهو يوم تخشع الأصوات للرحمن فلا تسمع إلاَّ همساً، فتبيآضُّ (2)
فيه وجوه من جاء بصالح الأعمال، وتسوآدُّ وجوه من جاء بسيء
الأفعال، يكون حال من سلب لبه فيه كحال الأطفال، آمناً إذ ذاك من
هائل الأهوال، لا يسألهم الواحد العدل المنان، عما منهم في دنياهم
كان، فتبارك الله العادل في خلقه الرحمن.
__________
(1) في (ج): من أفعالهم.
(2) في (ب) فتبيض.
(3/29)
وفيما نقله الثِّقات
من ذوي العقول، ثقة عن ثقة عن الرسول عليه السلام، أنَّه قال: ((
لما أن خلق الله العقل قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر،
فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إليَّ منك، بك
أعطي، وبك آخذ )). فقوله: بك أعطي وبك آخذ؛ دليل على أنَّه لا يثاب
على فعل فعله، ولا يعاقب على جُرم اجترمه؛ إلاَّ من ركب فيه لُبٌ
حاضر، ورأي صادرٌ.
وفي قول الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ}
[الرعد: 19، الزمر: 9]؛ أكبر الدليل علىأنه لا يكون تذكرة ولا
تَفْكرة، تعود إلى معرفة وبيان، وحسن نظر وإتقان؛ إلاَّ بلب تتفرع
منه التذكرة والمعرفة في الإنسان. فتبارك مَنْ علمُ خَفيات ضمائر
القلوب عنده كالإعلان.
فإن قيل لك: أَبِن لنا ما معنى تفرعها من العقل؟ وكيف تتفرع؟ وما
معنى قولك: يستعمل العقل؟ وكيف يستعمل؟ وَمَثِّل لنا ذلك بمثل
تقبله عقولنا، وتفهمه أنفسنا.
فقل: مثل العقل في الآدمي؛ كمثل الإستطاعة فيه، والإستطاعة(1) هي
سلامة أدواته، فإذا استعملت الأدوات فيما تصلح له؛ تفرعت أفعاله
منها، كمثل ما يتفرع من الكف من الحركة، مما يؤدي إلى رفع أو وضع،
أو ما يتفرع من حركات الرجل؛ من مشي أو عدوٍ، أو ركوب أو نزول، أو
غير ذلك. وكل أداة ففعلها متفرع منها، وتفرعه فهو خروجه. وكل فعلِ
أداةٍ(2) فغير كائن بغيرها من الأدوات، ولن يوجد إلاَّ بوجودها،
ويتغير بتغيرها، ويزيد بزيادتها، ويكمل بكمالها، ويعدم بعدمها،
ويدخل عليه من الضرر ما يدخل عليها.
فكذلك تفرع المعرفة من العقل وكسبها به؛ كتفرع الحركات من الأدوات،
توجد بوجوده، وتعدم بعدمه.
__________
(1) في (أ، ج): فالاستطاعة.
(2) في (ج): أدوات.
(3/30)
والعقل فهو خلق الله
وتركيبه في عباده، والمعرفة فهي أفعال المخلوقين متفرعة من
العقول،فكل من أَعْمَل عقله في شيء من آيات الله؛ قاده إِعماله
لعقله من معرفة الله تبارك وتعالى إلى أبين بيان، وتبين له بما
يتفرع من المعرفة بالله أنور البرهان. فيثيب الله مَنْ قَبِلَ ما
دل عليه ـ مما تفرع من مركب لُبِهِ الذي جعله الله فيه ـ من
المعرفة بالله عزَّ وجل، فإذا ميَّز وأعمل النظر في صغير آيات الله
دون كبيرها، فعلم أن لها خالقاً كريماً، ومدبراً عليماً؛ فقبل ذلك
بأحسن القبول؛ فاستوجب من الله الزيادة والتوفيق.
ويُعَاقِب من كابر لبه، وأنكر آيات ربه، فاستوجب بذلك منه الخذلان،
وتمكنت منه وساوس الشيطان. كما يثيب من عمل بكفه خيراً، ويعاقب من
اكتسب بها شراً.
وأما استعمال العقل فهو الفكر به والنظر، والتمييز بين الأشياء،
والنظر فيها وفي تركيبها، وتدبيرها وحسن تقديرها، حتى يقوده ويدله
ما يتفرع من لبه، عند استعماله له؛ على معرفة علام الغيوب، ومقلب
ما يشاء من القلوب، فإذا ثبت عنده أن له خالقاً ومصوراً، ولجميع
الأشياء فاطراً ومدبراً؛ وجب عليه أن ينظر في كتاب الله تبارك
وتعالى، ويسأل العلماء عما ذكر الله من كرسيه وعرشه، ويده ووجهه
حتى ينبيه كل عالم بما يحضره من الجواب. والسوال فواجب عليه؛ لقول
الله تبارك وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ
لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل: 43، الأنبياء: 7] وهم آل محمد صلى الله
عليه وعليهم، فإذا أنبئ عما سأل؛ وجب عليه أن يتفكر بعقله، فيضيف
إلى الله سبحانه من الأشياء ما هو أولى به، وينفي عنه الشبهات التي
تكون في خلقه، ويعلم أن ليس كمثله شيء، كما قال: {لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيْرُ}[الشورى: 11].
(3/31)
فإذا علم أن الله
واحد أحدٌ، وأنه مباين للأشياء كلها مخالف لها، غير مشاكل لما خلق،
لا يحويه مكان، ولا يشغله شأن عن شان، وهو بالمرصاد كما قال
سبحانه؛ وجب عليه أن يعلم أنه عدل لايجور، فإذا علم ذلك فقد أكمل
معرفة ربه سبحانه.
فإن قال: فإنا نجد المعرفة بائنة من العقل، لا تدل على صفات الله،
ولا يقف صاحبها عليها من غير تعريف ولا سؤال؟ فقال(1): إن المعرفة
إنما هي تعليم من بعض لبعض، مستغنية بنفسها (كما هي)(2) غير محتاجة
إلى العقل.
قيل له: فأخبرنا عمن عمل شيئاً يجب على من أضافه إلى الله أن يكون
ناسباً إلى الله الجور والظلم، وما يجب على من اعتقد ان يكون الله
مشبّهاً بخلقه؛ فقال بذلك واعتقده، هل يكون بالله عارفاً، ولله
موحداً؟! فإن قال: نعم، كفر. وإن قال: لا، قيل له: أفرأيت إن
اختلفت عليه الأقاويل؟ وأمره قوم باعتقاد ما يلزمه به التشبيه
والتجوير لربه، وأمره آخرون باعتقاد التوحيد والقول بالعدل، والتبس
عليه أمره، وعمي عليه رشده؛ ما الذي يجب عليه في ذلك؟
__________
(1) كذا في النسخ، ولعلها: وقال.
(2) ليس في (ج).
(3/32)
فإن قال: إنَّه يجب
عليه أن يقلد أحد الفريقين قوله ويقول به، وزعم أنَّه إذا قلد
قوماً قولاً؛ ثم عمل به واعتقده نجا من إثمه، وكان عليهم وزره؛ وجب
عليه أن يقول: إن كل من أمر بدين من الأديان؛ من اليهودية
والنصرانية، أو أي دين كان من أديان الكفر، وأشار به، فقبله منه
قابل، وقلده إثمه ودخل فيه، فأحل ما حرم الله، وحرم ما أحل الله؛
كان بذلك بريئاً من الوزر، وكان جميع ذلك الأمر على من أمر به، دون
من قبله، ولو كان ذلك كذلك لم يعذب الله إلاَّ المؤسسين(1) لأنواع
الشرك من القرون الأولة، ولكان كل من عمل بعملهم ناجياً من سخطه
وعقابه، ولكان كل من قال على الله بالحق، ودان بدين محمد صلى الله
عليه وعلى أهل بيته الطيبين غير مثاب عليه، ولكان الثواب واجباً في
القياس للرسول، ولم يكن لمن عمل به ثواب ولا محمدة، ولم يكن المذنب
بإجرامه بأهل للعقوبة من المحسن في أعماله، ولكان المطيع والعاصي
في الثواب والمجازاة بالعقاب سِيَّان؛ إذ كانا من جميع أفعالهما
بريئين.
__________
(1) في (ب): الموسوسين.
(3/33)
ثم يسأل فيقال له:
أخبرنا عن إبليس إذا أمر العباد، ووسوس وزين لهم المعاصي، حتى
يكونوا لها عاملين، ولعظائمها(1) مرتكبين، على من إثمها؟ فإن قال:
على إبليس دونهم. قيل له: فإنا نجد الله قد أخبرنا في كتابه، أنَّه
من أطاع إبليس فإنه من العاصين، المعاقبين على ارتكاب ما يأمره
بركوبه، ويزينه ويوسوس له به، فقال سبحانه في ذلك: {فَالْحَقُّ
وَالْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ
تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}[ص: 84 ـ 85]، فهل وجب عندك على من
أطاع إبليس، وعمل بما أمره به من المعاصي عقوبة النيران؟ فإن قال:
لا؛ كفر. وإن قال: نعم؛ ترك قوله، وخرج من حد التقليد، فلا يجد
بداً من أن يقول: إن الواجب عليه عند التباس الأقوال، واختلاف
الأفنان أن يرجع إلى عقله في ذلك فيتفكر به، ويميز فينظر بعقله
ويتخير لنفسه، فيتفرع له من عقله من المعرفة ما يقول على الله به
الحق، ويذكره بما يشبهه من الذكر الذي لا يكون إلاَّ له سبحانه.
فليعلم أن المعرفة كلها خارجة متفرعة من العقل، وأنه لا تكون معرفة
إلاَّ من العقل وبالعقل.
__________
(1) في (ب): ولعصيانها.
(3/34)
ومن الدليل على أن
المعرفة هي ثبات العقل وكماله، بان علمنا أن شُرَّابَ الخمور، وأهل
الدعارة والشرور، إذا شربوها زالت عنهم الألباب، وأنها مضطرة إليه
محتاجة، تعزب بعزوبه، وتحضر بحضوره، وتتفرع في ثباته، وتعدم عند
عدمه، فعدمت بزواله منهم المعارف، حتى يطيح عنهم واضح البيان(1)
ويزيح بما قد كان مؤدياً إليهم من بيّن اللغة واللسان، وحتى تلتبس
عليه حلائله من أخواته، وأمهاته من خالاته، ويأتي على لسانه من
القذف والفحش، والمنكر والدناءة، في النادي والجماعات؛ ما يفضحه
ويشينه، وما لعله لو عرض مفروجاً(2) عليه عند ثبات لبه، وتفرع
معرفته سوء(3) ما كان منه إذ كان لا معرفة له بما سلف منه في حال
كينونته، ويأتي ـ متيقظاً ـ واحداً(4) من أفعاله في عزوب لبه؛ ما
فعل ذلك أبداً، بل لعله يود أنه كان ميتاً فانياً، مفقوداً نائياً،
ولا تبين منه الأشياء الفواضح، والأفعال الطوالح.
ففي أقل ما ذكرنا دليل على أنَّ المعرفة لا تثبت ولا تكون إلاَّ
بالعقل ومن العقل.
فإن احتج فقال: قد نرى البهائم ـ التي نعلم نحن وأنت أنها عدمت
العقول ـ تعرف أولادها وأمهاتها، وتعرف طعامها وشرابها من غيره،
وتعرف ما يضرها مما ينفعها ، فتعتزل المضار، وتتبع المنافع.
__________
(1) في (ب): الثبات.
(2) كذا في (ب)، وفي (أ): مفروحاً. مهملة، وفي (ج): مفروضا، ولم
أهتد إلى معناها.
(3) في (ب): سوى.
(4) متيقظاً: منصوب على الحالية، و (واحداً) مفعول يأتي. والمعنى
أنه لو عرض عليه ما عرض ويأتي حال صحوه ما أتى حال سكره من الأفعال
ما فعل ذلك أبداً، وهذا دليل على أنه قد فقد المعرفة عندما فقد
لبه، وهو المطلوب. والله أعلم.
(3/35)
قيل له: إنما كلامنا
في المثابين والمعاقبين، من الجنة والآدميين؛ من المأمورين
والمنهيين، الذين ينالون الطاعة والمعصية؛ بما ركب فيهم من
الإستطاعة، فيكونون متخيرين لأحدهما، يثابون على طاعة إن كانت
منهم، ويعاقبون على معصية إن جاؤا بها،، ولا يكون تخير الواحد من
الأمرين إلاَّ من ذي لب واضح، وعقل راجح. فأما البهائم فإنها غير
مأمورة ولا منهيّة، ولا مثابة ولا معاقبة، وإنما عدمت الثواب
والعقاب، لما سلبته من الألباب. وأما ما يكون منها من شيء فعلى غير
معرفة ثابتة ولا تمييز، وإنما يكون ما يكون منها؛ من معرفة الذكر
للأنثى ومعرفتها لأربابها، ومعرفة الذكر لما يكون لاقحاً من
الإناث، فهو أعرف وأكبر من معرفة الطعام والشراب، والأمهات
والأولاد، فإنها(1) منها على الإلهام، وإنهن لملهمات لذلك إلهاماً،
كما يلهم الطفل في صغره معرفة الثدي وطلبه له، وبكاءه وسكوته،
وحزنه وسروره. وكل ما كان من الطفل بغير تمييز ولا عرفان؛ فإنما هو
طبع وإلهام، حتى إذا كمل من عقله ما يحوز به التمييز من الأشياء،
ميز حينئذ فاختار، فأخذ وترك، وعرف ما ينفعه مما يضره، فاجتنب ما
يضره، وطلب ما ينفعه. وهو في صغره لو وضع قدامه تمر أو جمر، أو
ملح، أو سكر؛ لكان حَرِيّاً بالأخذ للضار له منهما؛ لعدم عقله،
وذهاب معرفته وفهمه.
ففي أقل مما ذكرنا إن شاء الله ما بين وكفى؛ عن التطويل وشفى؛ من
كان مسترشداً تابعاً للهدى والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله
وملائكته وجميع الأنبياء والمرسلين من خلقه على محمد عبده ورسُوله
النبي الأمي، الهادي المهدي، وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار،
الصادقين الأبرار، الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
وقلت: ما الدليل على أن الله خلق الأشياء لا من شيء؟
__________
(1) في (ج): فإنه. والضمير المؤنث للمعرفة، والمذكر لـ(ما يكون).
(3/36)
والدليل في ذلك أنَّه
لا يخلو أن يكون خلق أصل الأشياء ومبتدأها من شيء، أو من غير شيء،
فإن خلقها من شيء أزلي، فقد كان معه في الأزلية والقدم غيره من
الأشياء، ولو كان كذلك تعالى الله عن ذلك؛ لم تصح له الأزلية، وإذا
لم تصح له الأزلية؛ لم تصح له الوحدانية، وإذا لم تصح له
الوحدانية؛ لم تصح له الربوبية؛ لأن من كان معه شيء لا من خلقه؛
فليس برب للأشياء كلها؛ إذ لم يكن لكلها خالقاً، فمن ها هنا صح
أنَّه خلق الأشياء لا من شيء، وابتدع تكوين ابتدائها من غير شيء.
وقلت: لأي علة بعث الله الرسل؟ وَبعْثُهم ليكونوا حجَّة على خلقه،
وليبلغوا من عنده ما تعبَدهم به من فرضه؛ إذ مفروضاته سبحانه معقول
ومسموع: فما كان من المسموع فلا بد فيه من مسمع يؤديه، وناطق به عن
الله بما فيه، وهم الرسل عليهم السلام، المؤدون إلى خلق الله
رسائله، والمبلغون إليهم عنه مراده (منهم)(1) فلهذا المعنى ـ من
تأديتهم عنه ـ بعثهم.
تم ذلك والحمد لله كثيراً وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
وسئل صلى الله عليه، عن الرجل(2) إذا اشترى شيئاً، فوجد به عيباً؛
ثم استعمله بعد ما وجد فيه العيب.
فقال: ليس له أن يرده، وليس له إلاَّ أرشه، وهو نقصان من الثمن
بالعيب.
وقال: إذا جاء المشتري يرد بعيب، وكان العيب مما يحدث مثله في تلك
الأيام، ثم أقام عند المشتري، فعلى المشتري البينة أنَّه اشتراه
وبه ذلك العيب.
فإن لم يكن له بينة؛ فعلى البائع اليمين ما باعه هذه السلعة وفيها
هذا العيب.
وقال صلى الله عليه: إذا اشترى رجل جارية؛ فوجدها ولد زنا من أمة
الرجل الذي باعها، فليس هذا عيب ترد به.
وقال: إن البول عيب في الكبير، وليس بعيب في الصغير.
تمت المسألة.
*****
جواب مسألة من مسائل النباعي(3)
m
__________
(1) ليس في (ج).
(2) في (ج): عن رجل.
(3) لم أعرفه له ترجمة وعلى ذهني أنه ذكر في سيرة الإمام الهادي
اسم محمد بن زكريا التباعي، فعله هو والله أعلم.
(3/37)
قال الإمام الهادي
إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل صلوات
الله عليهم أجمعين وعلى آبائهم الطاهرين: سألت عن قول الله عز
ذكره، وجلت أسماؤه {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِيْ حَيَاتِكُمُ
الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}[الأحقاف:20]، فقلت: ما
الطيبات في هذه الدنيا؟ أهو ما يتنعم به الناس ويلبسونه من صالحيهم
وطالحيهم؟
وإن(1) من لبس الثياب السريّة، وأكل الطعام الفائق، وركب الخيول
حلالاً كان أو حراماً، فقد أذهب طيبات الآخرة، بما أطلق لنفسه من
استعمال طيبات الدنيا.
فأما الكافر وأسبابه؛ فقد استغنينا عن الفتش في أمره بما قد
وجدنا(2) من حاله، كثرت دنياه أو قلت، فمصيره إلى النار.
__________
(1) في (ب): فإن.
(2) في (أ، ج): قد قرَّ عندنا.
(3/38)
وأما المؤمن به،
والعامل بطاعة خالقه، المتحري(1) في أمره لما أمره به خالقه، فكيف
تكون تلك حاله(2)، وإنما جعل الله الطيّبات للمؤمنين خاصة دون
الفاسقين، فقال في كتابه عز وجل لأنبيائه عليهم السلام: {يَا
أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا
صَالِحاً} [المؤمنون:51]، وقال في كتابه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ
زِيْنَةَ اللهِ الَّتِي أَخَرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ
الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا خَالِصَةً يَومَ القِيَامَةِ}[الأعراف: 32]، ومعناها:
ويوم القيامة، وقال في كتابه: {لَيْسَ عَلَى الَّذِيْنَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيْمَا طَعِمُوا إِذَا مَا
اتَّقُوا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقُوا
وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقُوا وَاَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِيْنَ} [المائدة:93]، فلم يجعل الله سبحانه على المؤمنين
حرجاً في شيء مما رزقهم، إذ أخذوه على ما جعل لهم وأمرهم به،
فساروا فيه بطاعة الله، ولم يتعدوا إلى شيء مما يسخط الله؛ لأن
الله عز وجل ـ أيها السائل ـ لم يجعل ما في هذه الدنيا من خيرها
ومراكبها التي خلقها لشرار أهلها ولا لمن عند عن طاعة خالقها،
وإنما جعلها الله للصالحين، ولعباده المتقين، يأمرون فيها بأمره،
وينهون فيها عن نهيه، ويقيمون أحكامه فيها، منفذون لأمره عليها،
فللطاعة والمطيعين خلقها رب العالمين، ثم أمرهم ونهاهم، وبصّرهم
غيّهم وهداهم، وجعل لهم الاستطاعة إلى طاعة مولاهم، {لِيَهِلِكَ
مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيْعٌ عَلِيْمٌ}[الأنفال:42].
__________
(1) في (ب): المجتري، وهو خطأ.
(2) في (ب): تلك الحالة.
(3/39)
وإنما معنى الآية
وقول الله: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِيْ حَيَاتِكُمُ
الدُّنْيَا}، فتبكيت منه سبحانه لأهل النار، وتوقيف على تفريطهم في
طاعة ربهم. ومعنى {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ}، أي تركتم ومحقتم
وعطلتم ما جعل الله لكم بالطاعة من النعيم المقيم، والخلد مع
المتقين في الثواب الكريم بارتكابكم للمعاصي، وترككم للطاعة، حتى
خرجتم مما جعل الله للمطيعين وصرتم إلى حكم الفسقة الكافرين؛ في
عذاب مهين. فهذا معنى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ}.
تَمّ والحمد لله كثيراً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الذين
طهرهم من الرجس تطهيراً.
*****
(3/40)

|