|

شرح التجريد
في فقه الزيدية
ملاحظة في هذا الكتاب أخطاء في النسخ فليتأمل
تأليف
الإمام النَّظار المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني الحسني رحمه
اللّه
الجزء الأول (2)
تحقيق
محمد يحيى عزان ... ... حميد جابر عبيد
الناشر
مركز البحوث والتراث اليمني
بسم الله الرحمن الرحيم
[مقدمة الكتاب]
أخبرني أبو الغَمر المسلِّم بن علي بن المسلم، قال: أخبرنا الشيخ
الفقيه العالم الزاهد أبو الحسين زيد بن علي بن أبي القاسم الهوسمي
إملاء في داره المعروفة في مدينة (اللاهجان) بناحية (جيلان) في شهر
ربيع الأول بتاريخ خمسمائة سنة، قال: حدثني القاضي السعيد الزاهد
أبو جعفر محمد بن علي الجيلاني رحمة اللّه تعالى عليه، قال: حدثني
السيد(1) المؤيد بالله أبو الحسين أحمد بن الحسين بن هارون قدس
اللّه روحه، قال:
سألني بعض من وجب علىّ حقه عند فراغي من كتابي المسمى (بالتجريد)
أن أورد فيه من الأخبار الصحيح عندي سندها بأسماء الرواة المجمع
على عدالتهم عند الفريقين من أصحاب الحديث وغيرهم، وأسماء الرواة
الذين يروون عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، وعن الأئمة من ولده
بما لا ينكره الجميع ملخصاً.
فأجبته إلى ذلك مستعيناً بالله سبحانه، ومعتمداً عليه؛ لكيلا يقول
من نظر في كتابنا هذا من مخالفينا إن الخبر المروي عن رسول اللّه
صلى اللّه عليه وآله وسلم، لم يصل إلينا إلاَّ من جهة سلفنا عليهم
السلام من طريقة واحدة.
__________
(1) في (أ): قال القاضي: حدثنا السيد.
(1/1)
ولو روينا الخبر المتصل بنا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
وسلم، من جميع الجهات على(1) ألسن الرواة الذين اتسق سندهم إلينا،
ولم يضطرب عندنا ولدينا، ومن اضطرب سنده، أو شذ عن الجماعة، أو
خالف بعضاً ووافق بعضاً، ومن(2) طُعِن في سنده، ومن وضع الأخبار
على ألسن الرواة، ومن دَلَّس في كتبهم عليهم من الملحدة وغيرهم،
ومن انقطع سنده، ومن رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم، أو إلى إمام من أئمة المسلمين، ومن قلّد الرواة، وكذا في
تقسيم الأخبار، لخرجنا عن طريقه ما أردناه، ولتوخينا(3) فيه غير ما
نويناه، لكن غرضنا الإختصار في هذا الكتاب، وقلة التطويل والإسهاب.
ولعل قائلاً من أصحابنا يقول: وما الغرض في نقل الأخبار عن
المخالفين؟ ولو علم من ذلك ما علمناه؛ لسُر في مجالس النظر بما
حصلناه ونقلناه، لكنه رضي لنفسه بالجهل، فعدل عن سبيل أهل الفضل،
فاقتصر على طرفٍ من الفقه أخذه عن مثله، وظن أنَّه على شيء بجهله،
يخطّئ مخالفيه، ويصوّب موالفيه(4)، ولا يدري أخطاؤهم في أصلٍ أو
فرعٍ، أو فيما يوجب التكفير أو القدح(5)، أو الخروج عن الملة،
والشذوذ عن الجملة، إن خاض في الفقه ارتطم، وإن طلب منه دليل على
ما يقول اسُتبْهم، يُزْرِي بأهل مقالته، ولا يدري بعظيم جهالته،
ولو اعتذر لعُذر، أو تعلم لشُكر.
ولو روينا الحديث الواحد عن رَاوٍ واحد، لم نشغل به كتبنا، ولا
سطرناه لأهل نحلتنا، وإن كان ذلك جائزاً على أصلنا، ويقول به جميع
أصحابنا، حتى نعلمه صحيحاً عن جماعة من الرواة، ونتحققه مُسنداً عن
الثقات، وسنفرد لها إن يسر اللّه تعالى كتاباً يرجع في معرفتها
إليه، ويعتمد في صحتها عليه، لينتفع به الناظر، ويرتفع به في الملأ
المناظر، وبالله نستعين، وعليه نتوكل في كل وقتٍ وحين.
__________
(1) في (أ): عن.
(2) في (ب): وممن.
(3) في (ب) و(ج): ما أوردناه ولتوخينا.
(4) في (ب): موافقيه.
(5) في (أ): والقديح. وفي (ب): أو القديح.
(1/2)
وشرطنا فيه: السماع، والعدالة.
وأجزنا فيه خبر الواحد، لئلا نخرج عن جملة أهل البيت عليهم السلام.
وقد احتج المخالف على سقوط خبر الواحد، بقول رسول اللّه صلى اللّه
عليه وآله وسلم: (( الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد )).
وقالوا: لما يخشى من الوهم على هذا الواحد.
وعندنا لا يحل لأحدٍ أن يروي الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه
وآله وسلم إلاَّ إذا سمعه من فم المحدِِّث العدل فحفظه، ثم يُحدث
كما سمعه، فإن كان إماماً تلقاه بالقبول، وإن كان غير إمامٍ
فكذلك(1) إن رواه غير مرسل، وصح سنده، فإن المراسيل عندنا وعند
عامة الفقهاء لا تُقبل.
ولقد أدركت أقواماً ممن لا يُتهم يروون عن رسول اللّه صلى اللّه
عليه وآله وسلم ولا يحفظون السند، ويرسلون الحديث فما قَبِلتُ
أخبارهم، ولا نقلتها عنهم لقلة حفظهم للأسانيد.
والحجة في السماع، قوله تعالى: {فَلَولاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ
فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِيْ الدِّيْنِ
وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلِيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
يَحْذَرُونَ}، فقرن تبارك وتعالى الرواية بالسماع من نبيه صلى الله
عليه وآله وسلم، ثم أداؤه إلى من وراءه.
وهكذا قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في خُطَبٍ ذوات عدد:
(( نضّر اللّه امرءاً سمع مقالتي فوعاها حتى يؤديها إلى من لم
يسمعها كما سمعها )).
حدثنا أبو الحسين أحمد بن عثمان بن يحيى الأدُمي ببغداد، قال:
حدثنا العباس بن محمد الدوري، قال: حدثنا محمد بن عمران بن أبي
ليلى، قال: حدثنا أبي، عن أبي ليلى، عن أخيه عبد الرحمن، عن ثابت
بن قيس، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( تسمعون
ويسمع منكم ويسمع من الذين يسمعون منكم، ويسمع من الذين يسمعون من
الذين يسمعون منكم، ثم يأتي(2) بعد ذلك قوم سمان يحبون السِّمَن،
ويشهدون قبل أن يستشهدوا )).
__________
(1) في (أ): ثم أن.
(2) في (أ) و(ب): من بعد.
(1/3)
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف، قال: أخبرنا محمد بن
عبد اللّه بن عبد الحكم، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مسلمة
بن علي، عن زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم، قال: سمعت أنس بن مالك
يقول: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (( حدثوا عني
كما سمعتم ))(1).
قال قدس اللّه روحه(2):
حدثني أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني رحمه الله، قال: حدثني
أبي رحمه الله، قال: أخبرني حمزة بن القاسم العلوي العباسي، قال:
حدثنا جعفر بن محمد بن مالك، عن محمد بن منصور المرادي، عن محمد بن
عمر المازني، عن يحيى بن راشد، عن نوح بن قيس، عن سلامة الكندي، عن
أمير المؤمنين علي عليه السلام، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
وسلم، جميع هذه الأخبار في كتابنا هذا(3).
وقال قدس اللّه روحه:
حدثني شيخنا علي بن إسماعيل الفقيه رحمه الله، عن الناصر للحق
الحسن بن علي رضي اللّه عنه، عن بشر بن هارون، عن يوسف بن موسى
القطان، قال: سمعت جرير بن عبد الحميد يقول: عن المغيرة الضبي، عن
زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، جميع هذه
الأخبار في كتابنا هذا.
وقال قدس اللّه روحه:
أخبرنا(4) أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني رحمه الله، قال:
حدثنا أبو زيد عيسى بن محمد العلوي، قال: حدثني محمد بن منصور،
قال: حدثنا أحمد بن عيسى، عن الحسين بن علوان، عن أبي خالد، عن زيد
بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، جميع هذه الأخبار.
وقال قدس اللّه روحه:
__________
(1) ذكر نحوه في كنز العمال (29221) عن أنس وعزاه إلى ابن عساكر.
وروى نحوه الطبراني في الكبير 3/18 (2516) عن أبي فرافصة.
(2) تكررت هذه اللفظة في الكتاب ، ولاشك انها من فعل الناسخ.
(3) لأصحابنا الزيدية كلام كثير حول معنى ما ذكره المؤلف هنا.
(4) في (أ): حدثنا.
(1/4)
أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني رحمه الله، قال:
حدثني أبو الحسين الهادي يحيى بن محمد المرتضى، قال: حدثني عمي
الناصر أحمد بن يحيى، قال: حدثني أبي الهادي إلى الحق يحيى بن
الحسين عليه السلام، قال: حدثني أبي، عن أبيه القاسم بن إبراهيم
عليه السلام، قال القاسم: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، قال: حدثني
أبي الحسن بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن رسول اللّه صلى اللّه
عليه وآله وسلم، جميع هذه الأخبار المُحتج بها في كتابنا هذا
سماعاً، وقراءة.
قال أبو العباس رحمة اللّه عليه: (( لكل دينٍ فرسان، وفرسان هذا
الدين أصحاب الأسانيد )).
وقال الناصر الحسن بن علي رضي الله عنه(1) : (( الأسانيد سلاح
المؤمن، وكل حديثٍ لا سند فيه فهو خَلٌّ وبَقْل )).
قال قدس اللّه روحه: (( من فقه الرجل بصره بالحديث )).
قال، قال:(2)
حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن سوادة بن أبي الجعد، عن أبي جعفر محمد
بن علي عليه السلام، أنَّه قال: (( من طلب العلم بلا إسناد فهو
كحاطب ليل ))، وقال: أن(3) في تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّهُ
لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَومَكَ}، هو: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده.
ولقد نقدنا هذه الأخبار المروية عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم نقد الدراهم، وميزنا صحيحها من سقيمها بعون اللّه تعالى
ومَنَّه.
قال قدس اللّه روحه:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله أولى من حُمِد، وأحق من عُبد، الذي شرع لنا الإسلام، وبين
الحلال والحرام، فأقام عليهما الأدلة والأعلام، حمداً يفضي بنا إلى
رضاه، ويوفقنا لسبيل هداه، وصلى اللّه على نبيه وأمينه على وحيه
محمد وآله أجمعين.
__________
(1) في (ب): عليه السلام.
(2) كذا في النسخ.
(3) كذا في النسخ، ولعل الصواب: وقال لنا في.
(1/5)
كنت وعدتك حين سهل اللّه الفراغ من كتابي الموسوم (بالتجريد
لفتاوى القاسم ويحيى بن الحسين عليهما السلام) أن أفرغ(1) لشرح ما
أودعته من المسائل، بما يحضر من الحجاج والدلائل، وهذا أوان الشروع
فيه، والله الموفق لما أضمره وأنويه، وإياه عزَّ اسمه أسأل أن
يعيننا على ما يقربنا منه ويزلفنا لديه، ويعصمنا فيما نكدح له
ونسعى فيه، من أن نقصد فيه غير وجهه إنَّه سميع مجيب.
__________
(1) في (ب) : أفرع، وهو صحيح بمعنى أبداء.
(1/6)
كتاب الطهارة
باب القول في المياه
الماء: طاهرٌ، وغير طاهر. والطاهر: طَهُور، وغير طهور.
فالطَّهور، هو: الماء المطلق الذي لم يَشِبْه ولا لاقاه نجس، أو
طاهر غيَّر ريحَه، أو لونه، أو طعمه، ولم يُستعمل في تطهير
الأعضاء.
والطاهر الذي ليس بطهور: ما شابه طاهر سواه فغيّره.
والنجس: كل ماء قليل شابه نَجَس أو لاقاه، قليلاً كان النَّجس أو
كثيراً، غيّره أو لم يغيّره، أو كثير شابه من النجاسة ما غيّره.
هذه جملة تشتمل على ثلاث مسائل.
إحداها: أن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة صار نجساً، وإن لم
تظهر عليه النجاسة، ولم يتغير بها.
والثانية: أن الماء إذا شابه طاهرٌ سواه فغيّره لم يُجزِ التطهر
به، وإن كان طاهراً.
والثالثة: أن الماء المستعمل لا يجوز التطهر به.
قال: وقد نص الهادي عليه السلام على هذه المسائل في كتاب
(الأحكام)، وقال في قطرتين أو ثلاث قطرات من بولٍ، أو خمرٍ في
إناء: إنَّه لا يُتَطهر به، فإنه نجس، يدفق ذلك من الإناء، ويُطهر
الإناء منه(1)، وكذلك لا يجوز شربه، وإن لم يتبين منه في الماء
والإناء لونٌ(2) ولا ريح ولا طعم. ونص على نجاسة الماء الذي أدخل
الكافر(3) يده فيه، فدل على أن ملاقاة النجس للماء كاختلاطه به(4).
وقال في (الأحكام): وكل مائعٍ وقع في ماء يسير(5) أو كثير فغير
لونه، أو طعمه، أو ريحه، من خل(6) أو سكنجبين، أو مرق مما ينتفي به
عنه(7) اسم الماء القراح، فليس لأحد أن يتوضأ به(8).
__________
(1) سقطت (منه) من (ب) و(ج).
(2) في (أ): وإن لم يتبين في الإناء منه، والماء لون.. إلخ.
(3) في (أ): كافر.
(4) ذكره في الأحكام 1/56، مع اختلاف بسيط.
(5) في (أ): قليل.
(6) ظنن في (ب) بجلاب. والجميع صحيح.
(7) سقط من (ب): عنه.
(8) ذكره في الأحكام 1/64. وهو هنا بالمعنى.
(2/1)
وفي (المنتخب)(1)، قلتُ: فإن لم يجد الجنب إلاَّ ماء عصفر، أو
ماء فيه زعفران، أو ماء مستعملاً بمعنى من المعاني، هل يغتسل به؟
أو يتوضأ إن لم يكن جنباً؟ قال: لا يجزي في الطهور، والغسل من
الجنابة إلاَّ الماء القراح.
وقال في (الأحكام) في الجنب: إذا اغتسل من ماء في مركن فأفضل فيه
ماء، فقال: لا بأس بأن يتطهر بفضلته، ما لم يكن تراجع فيه من غسالة
بدن الجنب شيء، فإن تراجع من غسالة بدنه فيه شيء، فلا يتوضأ به هو
ولا غيره(2).
المسألة الأولى [الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة صار نجساً]
الذي يبين صحة ما ذهب إليه يحيى عليه السلام، من نجاسة الماء الذي
وقع فيه النجس، وإن لم تظهر عليه، أن اللّه تعالى أمرنا(3) باجتناب
الخمر عاماً، فقال عزَّ وجل: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ..}
إلى قوله {تُفْلِحُونَ}، فلم(4) يخص قليل ذلك من كثيره، ولا ما كان
فيه من الماء دون غيره، وإذا لم يمكن اجتناب ما حصل منه في الماء،
إلاَّ باجتناب ذلك الماء وجب اجتنابه، وليس في الشرع معنى للنجس
أكثر من أنَّه يجب اجتنابه على كل وجه. ويدل على ذلك:
ما أخبرنا به(5) أبو بكر محمد بن إبراهيم بن عاصم المقرئ، قال:
حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، قال: حدثنا محمد بن
الحجاج بن سليمان الحضرمي، قال: حدثنا(6) علي بن معبد، قال: حدثنا
أبو يوسف، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم: (( أنه نهى عن أن يُبال في الماء الراكد، ثم
يتوضأ فيه ))(7).
__________
(1) في (ب): وقال في المنتخب. وانظر المنتخب ص23، بزيادة، وهو هنا
بالمعنى.
(2) هو في الأحكام 1/56، بزيادة: أو يكون أدخل فيه يديه قبل أن
يطهرهما.
(3) في (أ): أمر.
(4) في (ب) و(ج): ولم.
(5) سقط من (أ): به.
(6) في (ب): حدثني.
(7) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/15.
(2/2)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال:
حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال:
حدثنا عبد اللّه بن لهيعة، قال: حدثنا عبد الرحمن الأعرج(1)، قال:
سمعت أبا هريرة يروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه قال:
(( لا يبولَنَّ أحدكم في الماء الذي لا يجري ثم يغتسل فيه ))(2).
فلما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن التوضؤ، والاغتسال في
الماء الراكد الذي قد بِيلَ فيه نهياً عاماً، ولم يشترط التغَيُّر،
ثبت ما ذهبنا إليه، من أن الماء اليسير يتنجس بحلول النجاسة فيه،
وإن لم يتغير بها.
فإن قيل: فإن ذلك يلزمكم في الكثير.
قيل له: نخصه بالدليل، وسنبين الكلام فيه عند قولنا في الفرق بين
الماء القليل والكثير.
فإن ادعوا تخصيص ما ذكرنا(3) بما أخبرنا به أبو الحسين علي بن
إسماعيل، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسين بن اليمان، قال:
حدثنا أبو عبد اللّه محمد بن شجاع، قال: حدثنا أبو قطن، عن حمزة
الزيات، عن أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
قال: انتهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى غديرٍ فيه جيفة،
فقال: (( اسقوا واستقوا، فإنَّ الماء لا ينجسه شيء )).
__________
(1) في (ب): ابن الأعرج.
(2) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/15. عن الربيع بن سليمان،
به. إلا أنه قال: الماء الدائم يغتسل منه.
(3) في (أ): ما ذكرناه.
(2/3)
وما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي،
قال: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، قال:
حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبيدالله بن عبد
الرحمن(1) عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم، كان يتوضأ من بير بضاعة، فقيل: يا رسول الله، إنَّه يُلقى
فيها الجيف والمحائض، فقال: (( إن الماء لا ينجسه شيء ))(2).
وما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا
إبراهيم بن أبي داود الأسدي، قال: حدثنا أحمد بن خالد الوهبي، قال:
حدثنا محمد بن إسحاق، عن سَليط بن أيوب، عن عبيد اللّه بن عبد
الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل يا رسول الله، إنَّه
يستسقى لك من بئر بضاعة وهي بير تطرح فيها عذرة الناس ومحائض
النساء ولحوم الكلاب، فقال: (( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ))(3).
الجواب، قيل له: هذه الأخبار وردت في المياه العظيمة، ونحن نذهب
إلى أن مثل هذه المياه إذا اسقطت فيها النجاسات، لم تنجس، إلاَّ
إذا تغير الماء بها، وقد روى قوم أن بئر بضاعة كانت طريق الماء إلى
البساتين، ويحتمل أن تكون تلك البئر كانت لها عيون تغلب، ولا يمكن
نزح ما فيها.
فأما الغدير، فلا يسمى مجمعاً للماء، إلاَّ إذا كان عظيماً، وكان
الماء كثيراً، ومثله عندنا لا ينجس، إلاَّ أن يتغير بالنجاسة.
فليس في شيء من ذلك دليل على أن الماء اليسير لا ينجس بوقوع
النجاسة فيه.
__________
(1) في (ب): عن حماد بن سليمان عن محمد بن إسحاق عبد الله بن عبد
الرحمن. والصواب ما أثبتناه. وهو كذلك في شرح معاني الآثار ، ومسند
الطيالسي 292.
(2) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/11، عن محمد بن خزيمة، به. وفيه:
إن الماء لا ينجس. وهو في مسند الطيالسي كما في الأصل.
(3) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/11 عن إبراهيم بن أبي داود،
وسليمان أبو داود الأسدي، عن الوهبي، به.
(2/4)
فإن قيل: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( الماء لا ينجس ولا
يُنَجِّسه شيء ))، يَحجّكم، وليس لكم أن تقصروه على ما ورد فيه؛
لأن من مذهبكم أن اللفظ إذا ورد في سببٍ، لم يُقصر عليه، بل
يكون(1) عاماً؟
قيل له: نحن نجعل ذكر السبب الذي وردت هذه الظواهر فيه ترجيحاً،
لظواهرنا التي تعلقنا بها، فنجعلها أولى من الظواهر التي تعلَّقوا
بها.
فإن قيل: ليس لكم أن ترجحوا بالذكر، والخبر يعم النجس وغيره.
قيل له: ذلك غير واجب، وذلك أن اللبن لا ينجس ما ماسه من العضو
وغيره، فلهذا جاز استعمال الماء الذي يقع فيه يسير من المخلل، وليس
كذلك النجس، فوجب الفرق بينهما لذلك.
المسألة الثانية [ في الماء إذا شابه طاهر ]
إذا وقع في الماء طاهر كاللبن والمرق ونحوهما، حتى يتغير لذلك لونه
أو طعمه أو ريحه، لم يجز التطهر به، والذي(2) خالفنا في هذه أبو
حنيفة وأصحابه، فإنهم يذهبون إلى أن الماء إذا كان هو الغالب فإنه
يجوز التطهر به، وإن تغير.
فالوجه لصحة ما ذهبنا(3) إليه، أنَّه لا خلاف في أنَّه لا يجوز
التطهر بماء الباقلاء والمرق ونبيذ الزبيب ونحو ذلك، وكانت العلة
فيه أنَّه ماء تغير بمخالطة(4) مالا يجوز التطهر به على وجهٍ من
الوجوه، فكذلك الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه، لمخالطة
اللبن ونحوه. ويبين صحة هذه العلة وجود الحكم بوجودها، وعدمه
بعدمها، وذلك أن الماء لو لم يتغير بما خالطة من الطاهر؛ لجاز
التطهر به، وكذلك إذا تغير بما يجوز التطهر به على بعض الوجوه، وهو
الطين جاز التطهر به، وإذا حصل له الوصفان، لم يجز التطهر به،
فعُلِم أنها علة الحكم.
__________
(1) في (أ): كان.
(2) في (أ): وفي هذا.
(3) في (أ): نذهب.
(4) في (أ): لمخالطة.
(2/5)
فإن استدل المخالف بقول اللّه سبحانه وتعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا
مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيْداً طَيِّباً}. وقالوا: من وجد الماء
المتغير فقد وجد الماء. وبقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً}. كان لنا عنه(1) جوابان:
أحدهما: أن اسم الماء المطلق يزول عند التغير، بل يصير مضافاً إلى
ما تغير به.
والثاني: أنا نخص ذلك بالقياس الذي ذكرناه، فإن عارضوا قياسنا
بقياسهم ـ الذي ما اختلفنا فيه ـ على الماء الذي خالطه شيء من
الطين، كان قياسنا مرجحاً على قياسهم بكثرة الأصول، وبالحظر،
وبالنقل، فإن راموا ترجيح علتهم بشهادة الأصول، وقالوا: قد ثبت في
الأصول أن الحكم للغالب، وهاهنا الغالب(2) هو الماء، لم يصح ذلك؛
لأن الأصول تختلف في ذلك، ألا ترى أن ماء الباقلا والصابون،
وغيرهما [لايجزي التطهر به مع] أن الغلبة للماء، ومع هذا لا يجوز
التطهر به، فكذلك الماء الذي يقع فيه يسير النجس، هذا إن أريد(3)
بالغلبة الكثرة، فأما إن أرادوا غيرها، لم يسلم الوصف لهم.
فصل [في الوضوء بالنبيذ]
الذي يقتضي قول الهادي عليه السلام، هو المنع من الوضوء بنبيذ
التمر، وقد نص عليه القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي)، وما
استدللنا به على أن الماء إذا تغير بالمرق، أو اللبن لم يجز التوضئ
به، يدل على أنَّه لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر، ويمكن أن يُقاس
حاله إذا لم يوجد الماء على حاله، إذا وُجد(4)، لأن أبا حنيفة
وأصحابه لا يخالفون في أن التطهر به لا يجوز مع وجود الماء.
__________
(1) في (أ): عليه.
(2) في (ب): المغالب.
(3) في (أ): أرادوا.
(4) في (ج): إذا وجد لبن.
(2/6)
ويمكن أيضاً أن يُقاس على سائر الأنبذة؛ إذ لا يخالفون في(1) أن
التوضئ بها لا يجوز، إلاَّ ما يحكى عن الأوزاعي أنَّه كان يجيز
التوضئ بسائر الأنبذة، على أنَّه لا وجه لمقايستهم(2) في هذه
المسألة، فإنهم لا ينكرون أن القياس يمنع منه لكنهم ادعوا أنهم
تركوا القياس للأثر.
واستدلوا بما روي عن أبي قرارة، عن أبي زيد، عن عبد اللّه بن
مسعود، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال له ليلة الجن: (( ما
في إداوتك ))؟ قال: نبيذ. فقال النبي(3) صلى الله عليه وآله وسلم:
(( تمرةٌ طيبةٌ، وماءٌ طهور )) وتوضأَ به وصلى.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا
ربيع المؤذن، قال: حدثنا أسد، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا
قيس بن الحجاج، عن حنش، عن ابن عباس، أن ابن مسعود خرج مع رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الجن، فسأله رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم، (( أمعك يا ابن مسعودٍ ماء ))؟ قال: معي نبيذ
في إداوتي. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( أصبب عليّ
))، فتوضأَ به، وقال: (( شرابٌ وطهور ))(4).
__________
(1) سقط من (ج): في.
(2) في (ب) و(ج): لقياسهم.
(3) سقط من (أ): النبي.
(4) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/94. عن ربيع المؤذن، به.
(2/7)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا أبو
بكرة، قال: حدثنا أبو عمر الضرير(1)، قال: أخبرنا حماد بن سلمة،
قال: أخبرني علي بن زيد بن جدعان، عن أبي رافع مولى عمر، عن عبد
الله بن مسعود أنَّه كان مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم
ليلة الجن، وأن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم احتاج إلى ماء
يتوضأ به، ولم يكن معه إلاَّ النبيذ، فقال رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم: (( تمرةٌ طيبةٌ، وماءٌ طهور ))، فتوضأ، به رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد طعن قوم في سند هذه الأخبار وردوها، إلاَّ أن الفضلاء من أصحاب
أبي حنيفة قد قبلوها وعدلوا رواتها، بل أبو حنيفة نفسه قد قبلها،
وفي قبولها تعديل رواتها، فلا وجه لردها.
وقد روي ـ أيضاً ـ أن عبد اللّه بن مسعود لم يكن مع النبي صلى الله
عليه وآله وسلم ليلة الجن، إلاَّ أن ذلك محمولٌ عندهم على أنَّه لم
يكن مع النبي(2) صلى الله عليه وآله وسلم وقت الخطاب، فتكون
الأخبار كلها محمولة على التصديق.
والذي يجب أن يُعتمد في هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم، قال:(3) (( تمرةٌ طيبةٌ، وماءٌ طهور ))، فوجب بظاهر هذا
القول أنَّه كان في الأداوة تمر على حياله، وماء على حياله، وهذا
مما لا يُنكر جواز التوضئ به، وقول عبد اللّه: (( معي نبيذ ))،
محمول على المجاز، وعلى أنَّه أخبر عن المآل(4)، وهذا أولى من حمل
قوله على الحقيقة وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المجاز،
وعلى أنَّه أخبر عما كان عليه في الأصل، سِيَّما وتأويلنا يعضده
القياسات التي ذكرناها.
__________
(1) كذا في النسخ وفي شرح معاني الاثار أبو عمر الحوضي، وجعلهما
بعض المحدثين رجلاا واحدا وهما إثنان، أبو عمر الضرير يروي عن حماد
بن سلمة، وأبو عمر الحوضي رجل آخر. فأمل.
(2) في (أ): معه صلى الله عليه وآله وسلم.
(3) في (أ): قال فيه.
(4) في (أ) و(ب): ذكر في نسخة: عن الماء.
(2/8)
ومما يُعتمد في هذا الباب ويبين به صحة تأويلنا وفساد تأويلهم،
أن النبيذ قد ثبت تحريمه، فإذا ثبت تحريمه، ثبت تنجيسه، وما كان
نجساً فلا مدخل له في الطهارة.
فمما يدل على تحريمه:
ما أخبرنا به أبو عبد اللّه محمد بن عثمان النَّقاش، قال: حدثنا
الناصر للحق الحسن بن علي عليه السلام، عن محمد بن منصور، عن أحمد
بن عيسى، عن حسين بن علوان، عن أبي خالد الواسطي، عن زيد بن علي
عليه السلام(1)، عن آبائه، عن علي عليه السلام، قال: قال رسول
اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( ما أسكر كثيره، فقليله حرام
)).
وأخبرنا به أبو الحسين عبد اللّه بن سعيد البروجردي، قال: حدثنا
عبد اللّه بن محمد أبو القاسم البغوي، قال: حدثنا محمد بن عبد
الوهاب، قال: حدثنا أبو شهاب، عن الحسن بن عمرو الفقيم، عن الحكم،
عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت: (( نهى رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم عن كل مسكر ومفتّر )) .
وأخبرنا أبو الحسين، قال: حدثنا أبو القاسم البغوي، قال: حدثنا
محمد بن عبد الوهاب، قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه بن عمير، عن ابن
أبي مليكة(2)، عن عائشة، قالت: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم، يقول: (( كلُ مسكرٍ حرام )).
ومما يُعتمد عليه في هذا الباب، قول اللّه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا
مَاءً فَتَيَمَّمُوا} فأوجب التيمم على من لم يجد الماء، وواجد
نبيذ التمر غير واجد للماء؛ لأن اسم الماء قد زال عنه على الإطلاق،
وإن كان فيه أجزاء الماء، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم لو قال: لا تناول العسل، إلاَّ أن لا تجد الماء. لم يصح لقائل
أن يقول: إنّ واجد نبيذ التمر ليس له أن يتناول العسل؟ وهذا ظاهر
في اللسان.
__________
(1) سقط من (أ): عليه السلام.
(2) في (أ): عن أبي مليكة.
(2/9)
وربما استدل أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية لصحة ما ذهبوا إليه،
فقالوا: إن قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}(1)،
نكرة في سياق نفي(2)، وذلك يوجب التعميم، وظاهرها يوجب أن الواجد
لنبيذ التمر ليس له أن يتيمم؛ لأنَّه واجد ماءِ مَّا، وهذا بعيد
جداً، وذلك أن اللفظ مُنَكَّراً ـ كان ـ أو مُعّرفاً، واقتضى
التعميم أو التخصيص، فلا أقل من أن يكون بتناوله واجداً، فقد بينا
أن اسم واجد الماء لا يتناول واجد نبيذ التمر، كما أن اسم واجد
التمر لا يتناوله، فسقط تعلقهم بالآية، وصح استدلالنا بها.
المسألة الثالثة [ في الماء المستعمل ]
أن الماء المستعمل لا يجوز التطهر به، وقد ذكرنا ما قاله يحيى عليه
السلام في (المنتخب)(3)، من منع التطهر بما استعمل بمعنىٍ من
المعاني.
وكان أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني رحمه اللّه يذهب إلى أن
المراد به ما اُستعمل في فرضٍ أو نفلٍ دون التَّبرد ونحوه، ويخرِّج
ذلك من قول يحيى عليه السلام في (الأحكام)(4): "ولا بأس أن يتطهر
بسؤر المرأة الحائض إذا لم يصبه من القذر شيء، ولم تكن أدخلت يديها
فيه قبل أن تغسلهما"(5)، فكان رحمه اللّه، يقول: إن هذا الكلام
يقتضي المنع(6) من استعمال الماء الذي اسُتعمل تنفلاً؛ لأن الحائض
لا تغسل يديها فرضاً، وإنما تغسلهما نفلاً وقد منع عليه السلام من
استعمال الماء الذي أدخلت يديها فيه، ويقتضي أنَّه إذا استعمل على
غير وجه أداء الفرض والنفل، لا يكون مستعملاً؛ لأنه عليه السلام
استثنى إدخالها اليد قبل أن تغسلها، وترك ما سوى ذلك على الإباحة،
فبان أنَّها لو أدخلت يدها فيه بعد غسلها على غير أداء الفرض،
والنفل لم يصر مُستعملاً.
__________
(1) في (ب): ماءً فتيمموا.
(2) في (ب): في نفي.
(3) انظر المنتخب ص23. وقد سبق.
(4) انظر الأحكام 1/56.
(5) في (أ): يدها فيه قبل أن تغسلها.
(6) في (أ): أن المنع.
(2/10)
ومما يدل على أنَّه لا يجوز التطهر بماءٍ مستعمل(1) على الوجه
الذي ذكرنا:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال:
حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو
عوانه، عن داود بن عبدالله، عن حميد بن عبد الرحمن، قال: لقيت مَنْ
صَحِب النبي اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كما صحبه أبو هريرة
أربع سنين، قال: (( نهى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أن
يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل )).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا
محمد بن خزيمة، قال: حدثنا معلى بن أسد، قال: حدثنا عبد العزيز بن
المختار، عن عاصم الأحول، عن عبد اللّه بن سَرجس، قال: نهى رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أن يغتسل الرجل بفضل المرأة،
والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعاً(2).
واسم الفضل من الماء يقع على ما يفضل في الإناء عن المغتسل، وعلى
ما تساقط من أعضائه بعد الاستعمال، وإذا قد ثبت أن الفاضل في
الإناء غير ممنوع التطهر به، فقد صح أن المراد بالفاضل هو المتساقط
عن الأعضاء.
ويبين أن الفاضل في الإناء يجوز استعماله:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا أبو
بكرة، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن سماك، عن عكرمة،
عن ابن عباس، أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم اغتسلت
من جنابة بماء في إناء فأبقت في الإناء منه شيئاً، فجاء النبي صلى
الله عليه وآله وسلم يتوضأ به، فقالت له(3): يا رسول الله، إنَّه
بقايا ما اغتسلت به. فقال: (( إن الماء لا ينجسه شيء ))(4).
__________
(1) في (أ): استعمل.
(2) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/24، عن ابن خزيمة، به.
(3) سقط من (أ): له.
(4) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/26، عن أبي بكرة، به. إلا
انه لم يذكر فيه: فأبقت منه في الإناء شيئاً، أنه بقياء ما اغتسلت
به.
(2/11)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ابن
أبي داود، قال: حدثنا الوهبي، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى بن أبي
كثير، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن زينب بنت أم سلمة،
عن أم سلمة، قالت: كنت أغتسل أنا ورسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم من إناءٍ واحد(1).
ومن المعلوم أنهما إذا اغتسلا من إناء واحد فكل واحد منهما قد
اغتسل بما فضل في الإناء عن صاحبه، فصح ما قلنا: إن المراد بالنهي
هو ما يتساقط عن الأعضاء. ويمكن أيضاً أن يُتعلق بعمومه؛ إذ قد ثبت
على ما بينا(2) أن اسم الفضل يتناول الساقط عن الأعضاء، والفاضل في
الإناء، فيجري النهي على عمومه، ونخص منه ما يجب تخصيصه.
ومما يدل على صحة ما نذهب إليه من المنع من التطهر بالماء
المستعمل:
ما أخبرنا به أبو الحسين علي بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن
الحسين بن اليمان، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا يحيى بن
حماد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن عجلان، قال: سمعت أبي يحدث عن
أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (( لا
يبولَنّ أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة )).
فإذا ثبت بهذا الخبر النهي عن الاغتسال في الماء الدائم، ثبت أن
الاغتسال يؤثر فيه، وأقل التأثير المنع من التوضئ به، ولا يجوز
القول بخلافه؛ لأنه يؤدي إلى أن لا يكون لنهي النبي صلى الله عليه
وآله وسلم فائدة.
فإن قال قائل: لا يمتنع أن يكون النهي عن الاغتسال من الجنابة لم
يكن للاستعمال، وإنما كان للنجس الذي يكون في الأغلب على جسد
الجنب؟
__________
(1) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/25، عن ابن أبي داود، به.
(2) في (ج): بما بينا.
(2/12)
قيل له: هذا تخصيص بغير دليل، وذاك أنا(1) نعلم أنَّه قد يكون
جنباً ليس على جسده شيء من النجس، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم
نهى نهياً عاماً كلَ جنب عن الاغتسال بالماء الدائم، فوجب أن يدخل
فيه من على جسده نجس، ومن ليس على جسده نجس فإذا صح تناول عموم
النهي من ليس على جسده نجس، صح أن النهي للاستعمال، وصح ما ذهبنا
إليه، على أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قد نبّه بنهيه عن البول
فيه على النهي عن إلقاء سائر النجاسات فيه، فَحَمْل نهيه عن
الاغتسال فيه على أنَّه نهي للنجاسة، حمل للخبر على التكرار، وسلب
للفائدة الجديدة.
فإن قيل: إن(2) النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما منع عن
الاغتسال في الماء الدائم بعد البول فيه، ألا ترى إلى قوله: (( لا
يبولن أحدكم في الماء الدائم ))، ثم قال بعده: (( ولا يغتسل فيه من
جنابة )) فليس يجب أن يكون نهياً للإستعمال بل يكون النهي؛ لأنه
يصير مغتسلاً بالماء النجس؟
قيل له: ألفاظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا وردت وكانت كلها
مستقلة بنفسها، ولم يكن في ظاهرها ما يقتضي حمل بعضها على بعض، كان
الظاهر أن تكون كل لفظة منها مستبدة بحكمها على حيالها، حتى يكون
الجمع بين تلك الألفاظ كالتفريق، فإذا(3) كان هذا هكذا، فكأنه صلى
الله عليه وآله وسلم، قال: لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم، ثم
استأنف الكلام، فقال: لا يغتسلنَّ أحدكم في الماء الدائم من جنابة،
فيكون النهي متناولاً للبول في الماء الدائم على حياله، وللاغتسال
فيه من الجنابة على حياله.
على أن أبا جعفر الطحاوي، روى عن أبي هريرة بإسناده أنَّه قال: قال
صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو
جنب )) فأفرد ذلك من النهي عن البول فيه(4).
__________
(1) في (أ): أنا قد.
(2) في (أ) بأن.
(3) في (ب) و(ج): وإذا.
(4) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/14 ـ 15، عن ابي هريرة بطرق
مختلفة وألفاظ مختلفة.
(2/13)
ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه من جهة النظر أن الماء إذا
أزيلت به النجاسة، لم يجز التوضئء به، كذلك إذا(1) أزيل به الحدث،
والمعنى أنَّه إذا أزيل به ما حصوله يمنع من الصلاة.
وليس لأحد أن يقول: إن هذا الأصل لا يستمر لكم على جميع المخالفين
في هذه المسألة؛ لأن فيهم من لا يرى أن الماء الذي يزال به النجس
يكون نجساً، اللهم إلاَّ أن يتغير به.
قيل له: ليس بواجب أن يكون كل أصل مقيس عليه متفقاً عليه، بل يكون
تارة متفقاً عليه، وتارة مدلولاً عليه، ويكون المدلول عليه أوكد من
المتفق عليه إذا كان الاتفاق بين الخصمين فقط، ولم يكن فيه اتفاق
من الأمة، وسنذكر في هذا الكتاب ما يبين أن الماء الذي يزال به
النجس يصير نجساً، فيصح أن نجعله أصلاً نقيس(2) عليه.
وعلتنا هذه يمكن أن ترجح بالحظر والنقل؛ لأن الماء قد ثبت فيه
التطهير، ونحن ننقله بعلتنا هذه عما يثبت، ويمكن أن ترجح هذه العلة
بما جرت عليه عادات المسلمين من لدن الصحابة إلى يوم الناس هذا، أن
أحداً لم يكن يأخذ المتساقط من الماء عن العضو في المواضع التي
يُعْوِزُ فيها الماء ويقل، حتى لا يحل في مثلها من المواضع إراقة
ما يجوز(3) التطهر به، ويمكن أن يعتمد لذلك ما روي عن(4) النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، أنَّه(5) قال لبني عبد المطلب لما حرم عليهم
الصدقة: (( إن اللّه كره لكم غُسالة أوساخ أيدي الناس ))، فشبه ما
حرم عليهم من الصدقة بالغسالة، فدل على ما قلناه.
فأما استدلال من يستدل منهم بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً}، فقال: إن الطهور اسم المبالغة كالصبور
والقتول والفروق، وذلك يقتضي التكرار، واقتضى ظاهر الآية أن تكرار
التطهر مُتأتٍ في الماء.
__________
(1) سقطت من (أ): إذا. وفي حاشيته و(ب): الذي يظهر أن لفظة (إذا)
محذوفة؛ لكي يستقيم المعنى.
(2) في (أ): ونقيس.
(3) في (أ وب): راقة ولا يجوز.
(4) في (أ): أن.
(5) سقط من (أ): أنه.
(2/14)
فقد قيل في جواب هذا: إن الطهور في هذا الموضع هو اسم الفاعل،
فلا يجب أن يكون محمولاً على المبالغة. وهذا فيه نظر، وذلك أن اسم
الفاعل منه مطهر، فالأقرب أن يكون الطهور موضوعاً للمبالغة، وقد
قيل: إن كل جزء منه لما كان له حظ في التطهير أُجري اسم المبالغة
عليه، وأكثر ما فيه أن يكون ما ادعوه في ظاهرها صحيحاً، فغير ممتنع
أن تصرف عن ظاهرها بالأدلة التي قدمناها، بل ذلك هو الحكم في جميع
الظواهر.
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، اغتسل فبقيت لمعة
من جسده، فأخذ الماء من بعض شعره ومسحها به، فهذا يدل على أنَّه
صلى الله عليه وآله وسلم استعمل الماء المستعمل.
قيل له: عندنا أن الماء لا يصير مستعملاً حتى يفارق العضو، وحكم
جميع البدن في الاغتسال حكم العضو الواحد، والماء لا يصير مستعملاً
بأن يساق من موضع في(1) العضو إلى موضع آخر منه، فالنبي صلى الله
عليه وآله وسلم إذاً لم يستعمل الماء المستعمل، وهذا الجواب يصح أن
يُجاب به على من زعم أن الماء المستعمل لو كان لا يجوز التطهر به،
لكان لا يجوز أن يوضع على اليد، ثم ينقل إلى المرفق، أو على
الجبهة، ثم ينقل إلى أسفل الوجه؛ إذ قد بينا أن الماء لا يصير
مستعملاً حتى يفارق العضو.
فإن قيل: قد روي أن المسلمين كانوا يتمسحون بفضل وضوء رسول اللّه
صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل التبرك.
قيل له: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنَّه يجوز أن يكونوا تمسحوا بما فضل عنه دون ما تساقط عن
أعضائه، وهو فعل لا يدعى فيه العموم.
والثاني: أنَّه وإن سُلِّم(2) أنَّه أريد به المتساقط من أعضائه،
فليس في الخبر أن الناس توضؤوا به رافعين للحدث، وهذا إنما يَحُجُّ
من ادعى تنجيسه.
فصل [في تنجيس المستعمل ]
__________
(1) في (ب) و(ج): من.
(2) في (ج): علم.
(2/15)
ليس ليحيى بن الحسين عليه السلام نص في تنجيس الماء المستعمل،
مع أنَّه قد ذكره، ومنع التوضئ به، فالأقرب أنَّه كان يذهب إلى
أنَّه طاهر؛ إذ لو كان عنده نجساً، لذكر تنجيسه، فكان يكتفي به عن
ذكر المنع من التطهر به، وكان أبو العباس الحسني يخرج تنجيسه على
قوله في باب الذبائح: (( ولا بأس بذبيحة الجنب والحائض ))(1)؛ لأن
نجاستهما لا تمنع من أكل ذبيحتهما، فلما وصفهما بالنجاسة عُلِم أن
الماء الذي يغتسلان به يجب تنجيسه، وهذا بعيد؛ لأن وصفه لهما
بالنجاسة على سبيل التجوز، والمراد به أنَّه يجب عليهما الاغتسال.
يبين ذلك ما ذكره عليه السلام في كتاب النكاح: أنَّه يجوز للرجل أن
يدنوا من امرأته وهي حائض ما دون الإزار، ولا ينبغي أن يدنو من
فرجها، ولا أن يقرب من نجاستها(2)، فلما أباح له مقاربة الحائض،
ومنع من مقاربة نجاستها، عُلِم أنَّه لا يجعل أعضاء الحائض نجسة
إذا لم يكن عليها نجاسة، ونص على أن سؤر الحائض طاهر، مع تنجيسه
سؤر الكافر، فدل على أنَّه لا ينجس أعضاء الحائض. وفي ذلك:
ما أخبرنا به أبو عبد اللّه محمد بن عثمان النقاش، قال: حدثنا
الناصر للحق، عن محمد بن منصور، قال: حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين
بن علوان، عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم
السلام، قال: عاد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، ـ وأنا معه
ـ رجلاً من الأنصار، فتطهر للصلاة، ثم خرجنا فإذا نحن بحذيفة بن
اليمان فأومأ إليه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فأقبل
إليه، فأهوى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذراع حذيفة
ليّدعم عليها، فنخسها حذيفة، فأنكر ذلك رسول اللّه صلى الله عليه
وآله وسلم، فقال: (( مالك يا حذيفة؟ فقال: إني جنب، قال: ابرز
ذراعك، فإن المسلم ليس بنجس(3)، ثم وضع كفه على ذراعه ))، وإنها
لرطبة.
__________
(1) ذكره في الأحكام 2/389.
(2) ذكره في الأحكام 1/359. وهو هنا بلفظ قريب.
(3) في (أ): بنجس.
(2/16)
فالأولى على ما بيناه هو القول بطهارة الماء المستعمل، على أن
تنجيسه ليس يحفظ إلاَّ عن أبي حنيفة، في رواية شاذة.
قال أبو بكر الجصاص في شرحه (مختصر الطحاوي): والصحيح من مذهب
أصحابنا أن الماء المستعمل طاهر، قال: وكذا كان يقول أبو الحسن
الكرخي.
مسألة الفرق بين الكثير والقليل من الماء
قال: والكثير هو: الماء الذي جرت العادة في مثله، أن لا يُستوعب
شرباً وطهوراً كالبيار النابعة(1)، والأنهار الجارية، والبرك
الواسعة. والقليل: ما دونه.
وهذه الجملة قد نص عليها يحيى عليه السلام في كتاب الطهارة من
(الأحكام)(2).
وقد ذكرنا ما يدل على تنجيس الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة،
وإن لم يتغير الماء بها، وقد ذكرنا أيضاً الأخبار التي يُستدل بها
على أن الكثير لا ينجس، من خبر أبي سعيد الخدري حين يقول: انتهينا
مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى غدير فيه جيفة، فقال:
(( اسقوا واستقوا ))، ومن خبر بئر بضاعة.
وقد ذكرنا ما رواه محمد بن شجاع، عن الواقدي، أن بئر بضاعة كانت
طريق الماء إلى البساتين، على أنَّه لا خلاف أن الماء إذا بلغ هذا
الحد من الكثرة فلا ينجس بما يقع فيه من النجاسة، إلاَّ أن يتغير،
إلاَّ الآبار النابعة، فقد اختلف فيها.
والذي يدل على صحة ما نذهب إليه من الفرق بين الماء القليل
والكثير:
ما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن
اليمان، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا معلا بن منصور، وعبد
الصمد بن عبد الوارث، وأبو معمر البصري، عن عبد الوارث بن سعيد،
قال: حدثنا عطاء بن السائب، أن أبا البَخْتري، وزاذان حدثاه عن علي
عليه السلام، أنَّه قال في الفأرة إذا ماتت(3) في البئر: ((
فانزحها حتى يغلبك الماء )) .
__________
(1) في (أ): النابغة.
(2) الأحكام 1/56، وهي هنا بالمعنى.
(3) في (أ): كانت.
(2/17)
وأخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا محمد بن حميد
بن هشام الرعيني، قال: حدثنا علي بن مَعْبَد، قال: حدثنا علي بن
موسى بن أعين، عن عطاء، عن ميسرة وزاذان، عن علي عليه السلام، قال:
(( إذا سقطت الفأرة أو الدابة في البئر فانزحها حتى يغلبك الماء
))(1).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا صالح بن
عبد الرحمن، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا هشيم، قال:
أخبرنا منصور، عن عطاء أن حبشياً وقع في زمزم، فأمر ابن الزبير
فنزح ماؤها فجعل الماء لا ينقطع، فنظرنا، فإذا عين تجري قبل الحجر
الأسود، فقال ابن الزبير: حسبكم(2).
وأخبرنا أبو الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن
اليمان، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا المعلى بن منصور، عن
هشيم، عن منصور، عن عطاء مثله.
فقد ثبت بما رويناه أن أمير المؤمنين عليه السلام راعى فيه أن يكون
الماء يغلب النازح، وكذلك ابن الزبير، وذلك نص ما ذهبنا إليه من أن
الماء إذا كان لا يُستوعب بالشرب والطهور، فإنه لا ينجس إلاَّ أن
يتغير.
ومن مذهبنا أن أمير المؤمنين عليه السلام إذا قال قولاً فيجب
اتباعه والانتهاء(3) إليه، على أن غيرنا أيضاً يقول: إن الصحابي
إذا قال قولاً، ولم يُعرف له مخالف فيه، وجب القول به.
فإن قيل: فإن في هذه الأخبار أنَّه نزح ماؤها حتى غلب، وأنتم لا
تشترطون ذلك؟
قيل له: إن النزح يحتمل أن يكون أمر به؛ لأن يتبين أن الماء غالب،
إذا لم يكن ذلك معلوماً، وإذا احتمل ذلك، وقد ثبت أن النازح لا
يمكنه أن ينزح النجس، ويترك الطاهر، علمنا أن المراد بالنزح ما
أشرنا إليه أن المراعى فيه أن يكون الماء غالباً.
فإن قيل، فقد روي:
__________
(1) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/17، عن محمد بن حميد، به. إلا أنه
قال: حدثنا موسى بن أعين..
(2) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/17، عن صالح، به.
(3) في (ب): وإلا انتهى.
(2/18)
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا
محمد بن خزيمة، قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد بن
سلمة، عن عطاء بن السائب، عن ميسرة أن علياً عليه السلام، قال في
بئر وقعت فيها فأرة فماتت: (( ينزح ماؤها )) ، فقد أمر بنزحها
مطلقاً؟(1)
قيل له: ليس في هذا ما يفسد مذهبنا؛ لأنا لا ننكر أن البئر إذا كان
يمكن نزح جميع ما فيها ينجس ماؤها بما يقع فيه من النجاسة.
ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه أن الماء إذا كان يمكن أن يُستوعب
بالشرب والطهور، فإنه لو استوعب لكان استعمال النجاسة متيقناً، ولم
يكن بعض المستعملين له أولى بالتنجيس من بعض؛ إذ لا خلاف أن حكم
أبعاض ذلك الماء في التنجيس والتطهير حكم واحد؛ لأن من قال بتنجيس
بعضه، قال بتنجيس كله، ومن قال بتطهير بعضه قال بتطهير كله، وإذا
كان الماء مما لا يمكن استيعابه بالشرب والطهور، لم يحصل اليقين
باستعمال النجاسة؛ إذ أصل الماء الطهارة، وكل بعض منه يجوز أن لا
تكون النجاسة ماسته.
فإن قيل: فما تقولون في الموضع الذي يقع فيه النجس هل يجوز
استعماله بعينه؟
قيل له: إذا عرف ذلك الموضع بعينه فلا يجوز عندنا استعماله، وقد نص
عليه يحيى عليه السلام في (الأحكام)(2): (ينجس الطهور بأن يلغ فيه
الكلب والخنزير أو أن يشرب(3) منه كافر بفيه، أو يدخل يده فيه).
ولم يشترط أن يكون الماء في إناء أو بحر، بل أطلق القول فيه،
فاقتضى ذلك أن يكون كل موضع من الماء مسه النجس يصير نجساً.
__________
(1) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/17، عن محمد، به.
(2) انظر الأحكام 1/56، إلا أنه قال: أو الخنزير.
(3) في (أ): أو أن يشرب.
(2/19)
فإن قيل: هلا جعلتم الحد في ذلك أن يكون الماء قُلتين،
واسْتَدِلُّوا في ذلك: بما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا
الطحاوي، قال: حدثنا يحيى بن نصر بن سابق الخولاني، قال: حدثنا
يحيى بن الحسان، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد
بن جعفر بن الزبير، عن عبيد اللّه بن عبد الله، عن عبد اللّه بن
عمر، أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الماء وما
ينوبه من السباع، فقال: (( إذا بلغ الماء قُلتين فليس يحمل الخبث
))(1).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا الحسين بن
نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، يقول: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن
محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد اللّه بن عبداللّه، عن عبد اللّه
بن عمر، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه سئل عن
الحياض التي في البادية تصيب منها السباع؟ فقال: (( إذا بلغ الماء
قُلتين لم يحمل نجساً ))(2).
وأخبرنا أبو الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن
اليمان، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال:
حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد اللّه بن
عبد اللّه بن عمر، عن أبيه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله
وسلم يسأل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب،
فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( إذا بلغ الماء قُلتين
لم ينجّسه شيء )).
قيل له: هذه الأخبار قد رويت، لكن فيها وجوه من الكلام:
منها: أن في سندها اضطراباً يدل على ضعفها.
ومنها: أنها معارضة.
__________
(1) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/15، عن بحر بن نصر، به. وهنا قال
يحيى.
(2) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/15، عن الحسين بن نصر،
إلا أنه أسقط راوٍ، فقال: عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه.
كما أنه قال في متنه: خبثاً.
(2/20)
ومنها: أنها متأولة على خلاف ما يذهب إليه المخالف لنا، ثم جميع
ما قدمناه من الأخبار ـ الدالة على تنجيس الماء القليل بوقوع
النجاسة فيه ـ ومن القياس والاستدلال يدل على فساد ما ذهبوا إليه
من القلتين، وعلى صحة ما نتأول عليه أخبارهم.
فأما ضعف الإسناد؛ فلأن بعض الرواة، قال: قال محمد بن عباد بن جعفر
بن الزبير، وبعضهم قال: قال محمد بن جعفر، ومنهم من قال: عبدالله،
ومنهم من قال: عبيد اللّه بن عبد الله، فدل ذلك على ضعف إسنادها،
وأنه لم يضبط حق الضبط.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكون خبر الواحد يرويه جماعة، فيكون هذا
الخبر رواه محمد بن عباد بن جعفر، ومحمد بن جعفر، وعبد اللّه بن
عبد الله، وعبيد اللّه بن عبد الله، فلا يجب أن يجعل ما ذكرتم
طعناً فيه؟
قيل له: نحن لم ندَّعِ أن هذا الخبر ورد على وجه يستحيل أن يرد
الخبر عليه، ولو كان ذلك لقطعنا أنَّه كذب وأسقطناه. وإنما لم نقل
ذلك، وقلنا: إنَّه يدل على اضطراب سنده للاحتمال الذي ذكرتموه، فقد
بان أن هذا الاحتمال يمنع من القطع على كذبه، ولا يمنع من اضطراب
سنده، وأنه غير مضبوط، وهذا يقتضي ضعف الخبر، فإنه لا بد من الفصل
بين الضعف في الخبر وبين السقوط.
وأما ما يبين أنها معارضة فهو:
ما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن
اليمان، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال:
أخبرنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن منذر، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه
بن عمر، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (( إذا
بلغ الماء قُلتين أو ثلاثاً لم ينجّسه شيء )).
وروى(1) محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: قال
رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( إذا كان الماء أربعين
قُلةً، لم يحمل الخبث )).
وروي في بعض الأخبار: (( إذا كان الماء قُلة أو قُلتين )).
__________
(1) في (أ) و(ب): وروي عن.
(2/21)
فبان بما ذكرناه تعارض هذه الأخبار؛ لأن هذا القول عند المخالف
خرج مخرج التحديد، وكيف يجب أن يحد مرة بالقلة، ومرة بالقُلتين،
ومرة بثلاث قِلال، ومرة بأربعين قُلة، ألا ترى أن التحديد لكل
واحدة من ذلك ينافي التحديد للآخر، على أن قول ابن عمر: عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رويناه أخيراً: (( إذا بلغ
الماء قُلتين أو ثلاثاً )) مع ما روي عنه: (( إذا بلغ قُلتين ))
يدل على أنَّه لم يضبط الحديث لتنافي الروايتين، أو على أنَّ
الرواة لم يضبطوا، فهذا أيضاً يدل على ضعف الحديث؛ لأن الاضطراب في
المتن كالاضطراب في السند في باب الدلالة على ضعف الخبر.
وأما التأويل الذي يُعتمد عليه في ذلك فوجوه:
منها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين سئل عن الماء في
البادية، قال: (( إذا بلغ الماء قلتين ))، وأراد(1) إذا بلغ في
القلة والنزارة قلتين، لم يحتمل خبثاً، أي: ضعف عن أن يحمل الخبث.
فإن قيل: قد روي: لم ينجس؟
قيل له: أكثر الروايات على ما ذكرناه، ولا يمتنع أن يكون بعض
الرواة سمع ذلك فتأوله على ما تأولتم عليه، ثم رواه على المعنى دون
اللفظ.
فإن قيل: لو جاز قبول هذا الجنس من التأويل، لبطل أكثر الأخبار؛ إذ
يمكن أن يقال فيه ذلك.
قيل له: نحن إنما قلنا ما قلناه في هذا الخبر، لأن اللفظ الأشهر
الأكثر غير هذا اللفظ الذي تعلقتم به من أنَّه لا ينجس؛ ولأنا قد
بينا في إسناد هذا الخبر ومتنه ما يدل على الاضطراب، وأنه غير
مضبوط، وكل خبر شاركه في هذه الأوصاف صح أن يقال فيه ما قلناه في
هذا الخبر، وما لم يشاركه فيها لم يصح أن يقال ذلك فيه.
ومنها: أن القُلَّة اسم لرأس الجبل، فلا يمتنع أن يكون النبي صلى
الله عليه وآله وسلم أراد إذا بلغ الماء قلتي الجبل كثرة، لم يحمل
الخبث، ولم ينجس، وهذا هو ما نذهب إليه.
__________
(1) في (ج): والمراد.
(2/22)
فإن قيل: أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقِلال(1) هجر،
لأن قلال هجر كانت معروفة إذ ذاك، وقد ذكرها النبي صلى الله عليه
وآله وسلم في بعض الأخبار.
قيل له: نحن لا نمنع أنها كانت معروفة، ولكن كون القُلَّة اسماً
لرأس الجبل كان أيضاً مشهوراً، وكونه اسماً للكوز كان اسمه أيضاً
معروفاً، فإذا احتمل اللفظ معاني مختلفة، لم يكن صرفه إلى بعضها
أولى من صرفه إلى بعض.
على أن قلال هجر قد قيل أنها تكبر وتصغر، فلا يمكن التحديد بها،
وقد بينا ما دل على نجاسة هذا المقدار من الماء بما ذكرناه في صدر
كتابنا من الأخبار والقياس، فوجب أن يكون ما تأولناه صحيحاً دون ما
تأوله المخالف، على أن ترتيب الشرع يبعد أن يرد الشرع بمذهبهم في
القُلتين، لأن من مذهبهم أن قُلتين من الماء منفردتين لو كانتا
نجستين، ثم صب(2) إحدى القُلتين على الأخرى، لطهر جميع الماء، ومن
البعيد أن يكون الماءان النجسان يصيران بالخلط طاهرين، وكذلك لو
نقص ما نجس عن القلتين؛ لكان نجساً، ثم لو أكمل ذلك بالبول لصار
طاهراً، وهذا أبعد من الأول، ومثل هذا لا يجوز لخبر حاله في الضعف
والاضطراب والتعارض واحتمال التأويلات ما ذكرنا.
مسألة [ في سؤر ما يؤكل لحمه ]
قال: ولا بأس بالتطهر بسؤر جميع ما أُكل لحمه.
__________
(1) كذا ، ولعل الصواب : قلال.
(2) في (أ): صبت.
(2/23)
وهذا إذا لم يتغير باللعاب، ولست أحفظ عن يحيى فيه لفظاً
صريحاً، إلاَّ أنَّه قد نص على تطهير بول ما أكل لحمه(1)، فبالأولى
أن يطهر سؤره، وقد نص على الخيل والبغال والحمير، فقال: لا بأس
بسؤر الفرس، والبغل والحمار، وغير ذلك من البهائم(2). وإذا لم يرَ
بأساً بسؤر مالا يؤكل لحمه فبالأولى أن لا يرى بأساً بسؤر ما يؤكل
لحمه، على أن عموم قوله: وغير ذلك من البهائم يقتضي ذلك، وهذا مما
لا أحفظ فيه خلافاً عن أحد من الفقهاء، والوفاق أوكد الأدلة.
وقد أخبرنا أبو العباس الحسني، قال أخبرنا علي بن سليمان، قال:
حدثنا أحمد بن محمد بن سلاَّم، قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد،
قال: حدثنا أحمد بن صبيح، عن حسين بن علوان، عن عبد اللّه بن الحسن
عليه السلام، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( كل
شيء يجتر فلحمه حلال، ولعابه حلال، وسؤره وبوله حلال )).
مسألة [ في سؤر ما لا يؤكل لحمه ]
قال: ولا بأس بسؤر الخيل والبغال والحمير وغير ذلك من البهائم.
وهذا قد ذكرنا أن يحيى عليه السلام قد نص عليه، وتنصيصه بعد ذكر
الفرس والبغل والحمار على غير ذلك من البهائم يقتضي دخول جميع
السباع فيه، إلاَّ ما نص على تنجيسه من الكلب والخنزير.
فأما الخيل فلا أحفظ خلافاً في طهارة سؤرها، إلاَّ أن من الناس من
يخالفنا في علة ذلك، وإن وافق في المذهب، فيرى أن طهارة سؤرها؛
لأنها مما يؤكل لحمه، وعندنا أن سبيلها سبيل البغال والحمير، وكذا
القول في السباع على ما اقتضاه كلام يحيى عليه السلام.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه:
__________
(1) ذكره في الأحكام 1/57، فقال في بول الجمل والشاة يصيب الطهور
منه شيء: لا بأس في التطهر به.
(2) ذكره في الأحكام 1/56، بلفظ مقارب. واشترط عدم التغيير.
(2/24)
ما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الحسين
بن اليمان، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا ابن نافع، عن
مالك، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن
رفاعة، عن كبشة بنت كعب أنها صبّت لأبي قتادة ماءً يتوضأ به، فجاءت
هرة تشرب، فأصغى لها الإناء، فجعلت أنظر، فقال: يا بنت أخي،
أتعجبين؟ قال سول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( إنها ليست
بنجسة، هي من الطوافين عليكم والطوافات )).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا
علي بن مِعبَد، قال: حدثنا خالد بن عمرو الخراساني، قال: حدثنا
صالح بن حسان، قال: حدثنا عروة بن الزبير، عن عائشة، (( أن رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يصغي الإناء للهر ويتوضأ بفضله
))(1).
وروى داود بن الحصين، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ فقال: (( نعم، وبما أفضلت السباع ))،
وقد قيل إن هذا الخبر مرسل؛ لأن داود لم يلق جابراً، وهذا لا معنى
له، لأنا نرى قبول المراسيل والعمل بها، والمخالف لنا في هذا أبو
حنيفة وأصحابه، وهم يرون قبول المراسيل، على أنَّه قد رواه إبراهيم
بن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، عن أبيه، عن جابر، فقد ثبت بهذه
الأخبار طهارة سؤر الهر والحمار وسائر السباع.
وقد قيل في الخبر الوارد في سؤر الحمار إن ذلك كان قبل تحريم لحمه،
وذلك فاسد من وجوه:
أحدهما: أنَّه يوجب نسخ الخبر من غير أمر يوجبه ويقتضيه، وذلك لا
معنى له.
والثاني: أن اعتبار سؤر الشيء بلحمه في هذا الباب لا معنى له؛ إذ
لم يثبت ذلك، بل ثبت خلافه، ألا ترى أن الهر غير مأكول، وقد ثبت
طهارة سؤره، والمسلم لا خلاف في طهارة سؤره، وإن كان لحمه غير
مأكول.
__________
(1) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/19، عن علي بن معبد، به. إلا أنه
قال: صالح بن حيان.
(2/25)
والثالث: أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (( وبما أفضلت
السباع )) ولم يرو أن السباع كانت لحومها مأكولة، ثم حرمت، فسقط
تأويلهم.
وقد استدل أصحاب أبي حنيفة لنجاسة سؤر السباع بما رويناه عن ابن
عمر، أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم سئل، عن الماء وما
ينوبه من السباع، قال: (( إذا بلغ الماء قلتين فليس يحمل الخبث ))،
وهذا من العجب فإن هذا الحديث لما استدل به من أوجب التحديد بقلتين
ردوه، وقالوا: إنَّه مضطرب السند والمتن، وذلك يدل على أنه غير
مضبوط، وتكلموا عليه كلاماً طويلاً، فكيف جاز لهم أن يستدلوا به
لتنجيس سؤر السباع؟ على أن السائل سأل عن الماء الذي تنوبه السباع،
والظاهر من حال الماء الذي هذه سبيله أن السباع تبول فيه وتروث،
وذلك ينجس الماء لا محالة، وليس فيه ذكر السؤر، ولا قصر السؤال
عليه، بل لم يذكره السائل بوجه.
فإن قيل: ليس في الحديث أن السباع تبول فيه وتروث، بل فيه أنها
تنوب، والتنجيس يتعلق بذلك القدر.
قيل له: نحن إذا بينا احتمال ما قلنا، كفانا في تأويل الحديث؛ إذ
ليس على المتأول أكثر من ذلك، ونرجع إلى الحديث الذي روي عن جابر
أنَّه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( وبما أفضلت
السباع ))، وإلى ما رويناه في الهر.
مع ما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الحسين
بن اليمان، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: أخبرنا أبو أسامه، عن
عيسى بن المسيب، عن أبي زرعه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم: (( الهر سبع )).
(2/26)
فإن استدلوا بما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا
محمد بن الحسين، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثني أبونعيم ضرار
بن صرد، عن عمرو بن هشام(1)، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس،
قال: كنت ردف رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على حمار يقال له
يعفور، فأصاب ثوبي من عرقه، فأمرني النبي صلى الله عليه وآله وسلم
بغسله.
فإذا ثبت نجاسة عَرقه، ثبت نجاسة سؤره.
قيل لهم: ليس يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان
علم أن ذلك الحمار أصابه من الروث أو البول أو غيرهما ما أوجب
تنجيسه، فلما أصاب ابن عباس من عرقه مع ما علم من حاله، أمره
بغسله، وهذا فعل لا يمكن ادعاء العموم فيه، وخبرنا جواب عن السؤال
فهو أولى، على أن المعهود من لدن الصحابة إلى يوم الناس هذا أن
المسلمين يركبون الخيل والبغال والحمير ولا يتوقون من أعراقها،
فصار تطهير أعراقها إجماعاً منهم، وهذا من أوكد ما يستدل به في هذا
الباب.
فإن قيل: روى قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (( طهور الإناء إذا ولغ فيه
الهر أن يغسل مرة أو مرتين )) شك قرة بن خالد، ففي هذا تنجيس
سؤره(2).
قيل له: هذا الحديث قد روي عن محمد بن سيرين موقوفاً على أبي
هريرة:
أخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا أبو
بكرة(3)، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا هشام بن حسان، عن
محمد، عن أبي هريرة، قال: (( سؤر الهر يهراق ويغسل الإناء مرة أو
مرتين ))(4).
__________
(1) في الحاشية: عمرو بن هشيم. وقال: نسخة.
(2) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/19، عن أبي بكرة، عن عاصم، عن
قرة، به.
(3) في (أ) و(ب): أبو بكر. وهو غلط والصواب ما أثبتناه، وهو بكار
بن قتيبة.
(4) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/20، عن أبي بكر، به.
(2/27)
وأخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا إبراهيم بن
أبي داود، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه الهروي، قال: حدثنا
إسماعيل بن إبراهيم، عن يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، أنه كان
إذا حدث عن أبي هريرة، فقيل له: عن النبي؟ قال: كل حديث أبي هريرة
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم(1)..
ففي هذا أن ابن سيرين كان إذا سمع أبا هريرة يحدث كان يرى أنَّه عن
النبي، فكان يستجيز رفعه، فلا يمتنع أن يكون سمع أبا هريرة يقول ما
قال في سؤر الهر، فرفعه هو إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم
للرأي الذي رآه، ألا ترى أنَّه ـ أعني ابن سيرين ـ قد رواه
موقوفاً، وذلك الرأي بعيد؛ لأنَّه لا يمتنع أن يرى أبو هريرة رأياً
فيفتي به ويحدث به عن نفسه، فإذا كان ابن سيرين يظن أن جميع ذلك
يجب أن يكون مرفوعاً وجب ضعف ما يرويه عن أبي هريرة، عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، وبمثله لا يعترض على الأخبار التي قدمناها.
على أن هذا الخبر يجوز أن يكون منسوخاً إن صح عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم، ألا ترى إلى تعجب كبشة حين أصغى له الإناء أبو
قتادة؟
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا
محمد بن الحجاج، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا قيس بن
الربيع، عن كعب بن عبد الرحمن، عن جده أبي قتادة، قال: رأيته
يتوضأ، فجاء الهر فأصغى له حتى شرب من الإناء(2).
فقلت: يا أبتاه، لم تفعل هكذا؟ فقال: كان النبي صلى الله عليه وآله
وسلم يفعله، أو قال: هي من الطوافين عليكم والطوافات، فتعجب كعب
أيضاً من ذلك.
والأقرب أنهما كانا قد عرفا تنجيسه من قبل، فهذا يؤكده ويوضح ما
قلناه من أن خبر ابن سيرين يجب أن يكون منسوخاً.
__________
(1) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/20.
(2) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/19، إلا أنه لم يذكر تعجب كعب.
(2/28)
ومما يدل على ما ذهبنا إليه أنا نقيس سؤر هذه الحيوانات ـ أعني
الحمير والسباع ـ على سؤر المسلم وسؤر الهر؛ بعلة كونها حيوانات
طاهرة في حال الحياه، فيجب أن تكون آسارها(1) طاهرة، وقياسنا أولى
من قياسهم إن استقر لهم القياس، لموافقة تعليلنا تعليل النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، ألا ترى إلى قوله في الهرة: (( إنها ليست
بنجسة ))؟ فعلل طهارة سؤرها بكونها غير نجسة.
ومخالفنا يقيس سائر السباع على الكلب فيقول: لما كان الكلب محرم
الأكل، لا لحرمته، ويستطاع الامتناع من سؤره وجب تنجيس سؤره، فكذلك
سائر السباع لمشاركتها له في هذه العلة، وهذه العلة غير صحيحة،
وذلك أنَّه إن عُنى بقوله: إنَّه يستطاع الإمتناع منه، أن من لم
يقتنه ولم يمسكه، ولم يخلطه بنفسه، يمكنه الامتناع عن سؤره، فهذا
موجود في الهر، وذلك موجب نقض العلة، وإن أرادوا أن من اقتناه
وأمسكه وخلطه بنفسه يمكنه الامتناع منه، فذلك غير مسلم في الكلب؛
بل المعلوم خلاف ذلك، فهذا الوصف أما إن يذكر على وجه لا يوجد في
الأصل، أو على وجه تنتقض به العلة، فبان بذلك سقوط هذه العلة.
مسألة [ في سؤر الجنب والحائض ]
قال: وكذلك سؤر الجنب والحائض، إلا أن يتغير باللعاب فيخرج من كونه
طهوراً، وإن كان طاهراً.
قد نص يحيى بن الحسين عليه السلام على جواز التطهر بسؤر الحائض(2)،
فيجب أن يكون التطهر بسؤر الجنب جائزاً عنده؛ إذ الحيض عنده أعظم
من الجنابة، ألا ترى أنَّه يمنع من الجماع مع بقاء حكم الحيض؟ وليس
كذلك حكم الجنابة؛ ولأنه في سائر الأحكام يجمع بين الحيض والجنابة،
وإن فرق في بعضها جعل حكم الحيض أشد.
فأما القاسم عليه السلام فقد نص عليه في (مسائل النيروسي).
__________
(1) في (أ): أسواراً.
(2) ذكره في الأحكام 1/56، وهو هنا بالمضي.
(2/29)
فأما ما تغير من الماء باللعاب فقلنا: إنَّه لا يجوز التطهر به.
لما نص عليه يحيى عليه السلام في اللعاب وغيره من الأشياء الطاهرة،
أنها إذا وقعت في الماء فغيرته، لم يجز التطهر به، وإن كان طاهراً،
وهذا قد استوفينا الكلام فيه، فلا وجه لإعادته.
وأما سؤر الجنب والحائض، فلا أحفظ فيه من الخلاف إلاَّ شاذاً يحكى
عن قوم، وما تقدم في كتابنا هذا من الأخبار المروية، عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم أنَّه كان يغتسل مع نسائه، وبعد نسائه يصحح ما
ذهبنا إليه، وكذلك ما رويناه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من
طهارة عرق الجنب حين ادّعم على يد حذيفة، وهي رطبة مع كونه جنباً
يصحح ما قلناه.
مسألة [ في سؤر الكلب والخنزير ]
قال: وسؤر الكلب نجس، وكذلك سؤر الخنزير.
وهذا مما قد نص عليه يحيى عليه السلام(1).
والذي يدل على صحة مذهبه:
ما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الحسين،
قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا شبابة، عن شعبة، عن أبي
التياح، قال: سمعت مطرف بن عبد اللّه يحدث عن عبد اللّه بن المغفل
أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (( إذا ولغ الكلب في
الإناء، فاغسلوه سبع مرات، وعفرّوه الثامنة بالتراب ))(2).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا علي بن
معبد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن شعبة، عن الأعمش، عن ذكوان، عن
أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (( إذا ولغ
الكلب في الإناء، فاغسلوا سبع مرات ))(3).
__________
(1) ذكره في الأحكام 1/56.
(2) الحديث رواه مسلم 1/235 من طريق عبد الله بن معاذ عن أبيه عن
شعبة، به. وأخرجه الطحاوي من طريق جرير عن شعبة، به.
(3) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/21.
(2/30)
وروى ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم، أنَّه قال: (( طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله
سبعاً ))(1).
والتطهير إذا أطلق في الشرع كان ظاهره إزالة الحدث أو إزالة النجس،
وإذا ثبت أن الأواني لا يلزمها أحكام الحدث، ثبت أن المراد به
إزالة النجس، والأمر بالغسل إذا ورد في الشرع كان ظاهره ما بينا،
فثبت بذلك أن الإناء ينجس بولوغه، وإذا نجس الإناء وجب أن ينجس
الماء الذي فيه.
فأما ما تعلق به مالك وأصحابه من أن الأمر بغسل الإناء، إنما هو
تعبد فلا معنى له؛ لأنا لا ننكر بأنا قد تعبدنا بإزالة النجاسة عن
الأواني التي نريد استعمال ما فيها من المائعات.
فإن قيل: التعبد إنما هو بغسلها فقط، لا لإزالة النجس عنها؟
قيل له: ذلك ادعاء إلى مالا سبيل إلى إثباته؛ إذ قد بينا ما يقتضيه
ظاهر الأمر في الغسل والتطهير في الشريعة، مع أن قد ثبت أنا قد
أمرنا بإراقة ذلك الماء مع ثبوت النهي عن إضاعة المال، فلولا أنَّه
كان نجساً، لم يجب ذلك.
ويمكن أن يقاس ذلك على أن سائر الأنجاس المائعة من الخمر وغيرها
بوجوب إراقته، فكل مائع يلزم إراقته تجب نجاسته، وهذه علة صحيحة
يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، ويعضدها تعليل النبي صلى الله
عليه وآله وسلم في سؤر الهر، بقوله: (( إنه ليس بنجس )).
ويجوز أن تقاس الآنية على سائر الجمادات التي لا يجب غسل شيء منها
إلاَّ من النجاسة، فكل ما وجب غسله منها، وجب أن يكون نجساً.
وليس يصح تعليل من يُعلل طهارة الكلب بجريان الروح؛ لأن الخبر
ينقضه، ولأنه لا دليل على صحة هذه العلة، على أنها لو ثبتت، لكان
تعليلنا أولى؛ لكونها حاظرة ومؤدية إلى الاحتياط وشهادة الأصول
لها.
__________
(1) أخرجه في شرح معاني الآثار، عن أبي بكرة قال: حدثنا أبو عاصم،
عن قرة، به.
(2/31)
فإن قيل: فإن اللّه قد أباح لنا أن نأكل ما عض الكلب عليه من
الصيد بقوله: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلِيْكُمْ} الآية، فثبت
بذلك أن ما عض عليه الكلب لا يصير نجساً، وإذا ثبت أن ذلك لا يصير
نجساً، ثبت أن سؤره أيضاً لا يصير نجساً؟
قيل له: إن ذلك لا يدل على أنَّه لا يجب غسل ما عض عليه الكلب، كما
أنَّه لا يدل على أنَّه لا يجب غسله مما عليه من الدم، ألا ترى أن
اللّه تعالى أباح أكل ما ذكّيناه، بقوله: {إِلاَّ مَا
ذَكَّيْتُمْ}؟ وهذا لا يدل على أنَّه لا يجب أن يغسل موضع التذكية
مما عليه من الدم.
فإن قيل: روي عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: سئل النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، عن الحياض بين مكة والمدينة، تردها الكلاب
والسباع. فقال: (( لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فلنا طهور )).
قيل له: هذا وارد في الحياض العظيمة، وقد بينا ما نذهب إليه في
المياه الكثيرة، بما لا طائل في إعادته، على أن هذا الخبر لو عارض
سائر ما ذكرناه من الأخبار لكانت أخبارنا أولى لكونها حاظرة.
فإن قيل: الأمر بتكرير الغسل منه يدل على أن المراد به التعبد؟
قيل له: ذلك غير واجب، بل أولى من ذلك أن نقول: إنَّه يدل على
تغليظ نجاسته.
فأما الخنزير فالخلاف في نجاسته مما ليس بظاهر، وقد دل عليه صريح
قوله تعالى: {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فِإِنَّهُ رِجْسٌ}، والرجس في
كلام العرب فهو(1): النجس، وإذا ثبت نجاسته بنص الكتاب، ثبت نجاسة
سؤره، وليس لأحد أن يقول: إن اللحم هو المراد بقوله: {فَإِنَّهُ
رِجْسٌ} دون الخنزير؛ لأن من حكم الكناية أن يرجع إلى أقرب مذكور،
ألا ترى أنَّه لا التباس فيه إذا طال الكلام، فكذلك إذا قصر.
فصل [ عدد الغسلات من ولوغ الكلب ]
لم ينص يحيى عليه السلام على عدد الغسلات من ولوغ الكلب، وكان أبو
العباس الحسني رضي اللّه عنه يُخرِّج ذلك على الثلاث، وكذلك كان
يقول في إزالة سائر النجاسات التي لا أثر لها.
__________
(1) في (أ): هو.
(2/32)
والوجه في ذلك أن أبا هريرة روى حديث السَبع، ثم روى عنه:
ما أخبرنا به أبو الحسين علي بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن
الحسين بن اليمان، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا إسحاق بن
يوسف، قال: حدثنا عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: (( إذا
ولغ الكلب في الإناء أهريق وغسل ثلاث مرات ))(1).
ولا يجوز أن يحمل قوله على مخالفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم،
فيجب أن يحمل على أنَّه عرف أن الزائد على الثلاث استحباب، أو
أنَّه قد نسخ؛ إذ لا سبيل إلى غير ذلك متى حملت حاله على السلامة،
على أن عبد اللّه بن المغفل روى: (( وعفروه الثامنة في التراب
))(2).
وتحديد عدد الغسلات بالثمان ينافي تحديده بالسبع، وفي تنافيهما ما
يجب الرجوع إلى غيرهما(3).
فإن قيل: حديث الثمان متروكٌ بالإجماع.
قيل له: ليس الأمر على ما قَدَّرت، فقد كان الحسن البصري يأخذ به
ويذهب إليه، روى ذلك أبو جعفر الطحاوي عنه(4). ويؤيد ذلك:
ما أخبرنا به أبو الحسين علي بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن
الحسين بن اليمان، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا: يحيى بن
آدم، عن ابن عيينه، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال:
قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( إذا استيقظ أحدكم من
منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين
باتت يده )).
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/23، عن إسماعيل بن إسحاق
قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن مرة، به.
(2) في (أ) و(ب) في نسخة: بالتراب.
(3) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/29، عن أبي بكرة، عن سعيد بن
عامر، ووهب بن جرير قالا: حدثنا شعبة، عن أبي التياح، عن مطرف، عن
عبد الله بن المغفل.
(4) ذكره في شرح معاني الآثار 1/29.
(2/33)
وروي أنهم كانوا يبولون ويتغوطون وينامون قبل أن يستنجوا
بالماء، فأمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغسل أيديهم ثلاثاً
قبل أن يغمسوها في الإناء ليطهروها من البول والغائط، إن أصاب
أيديهم في حال نومهم، فلما كان البول والغائط أغلظ النجاسات، وأمر
النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتطهير اليد منهما بالغسلات الثلاث،
علمنا أن ذلك في غيرهما أولى، على أنَّه يصح أن يقاس غسل الآنية من
ولوغ الكلب على غسل اليد مما ذكرناه؛ بعلة أنَّه تطهير من نجس لا
أثر له، فيجب أن يكون عدد غسله ثلاثاً.
مسألة [ في سؤر الكافر ]
قال: وسؤر الكافر نجس، تغير أو لم يتغير.
وهذا قد نص عليه يحيى عليه السلام في (الأحكام)(1).
وقلنا تغير أو لم يتغير، لما بيناه من أن الماء اليسير ينجس بوقوع
النجاسة فيه، تغير أو لم يتغير(2).
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه في ذلك قول اللّه تعالى:
{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} إلى قوله: {بَعْدَ عَامِهِمْ
هَذَا}، فثبت بالنص أنهم نجس، وإذا ثبت ذلك، وجب تنجيس سؤرهم.
فإن قيل: إن ذلك ورد على طريق الذم لهم، لا على طريق التنجس.
قيل له: ظاهره يقتضي ما ذكرناه، وما ذكرتموه ضرب من المجاز،
والآية، يجب حملها على الحقيقة، ولا يجوز صرفها إلى المجاز إلاَّ
بالدلالة. على أن ما ذكروه من الذم أيضاً لو ثبت أنَّه مراد
بالآية، لم يمتنع أن يكون ما ذكرنا(3) من الحقيقة مراداً؛ إذ لا
يمتنع عندنا أن يراد باللفظ الواحد الحقيقة والمجاز جميعاً.
ويدل على ذلك أيضاً:
__________
(1) انظر الأحكام 1/56.
(2) في (أ): وإن لم يتغير.
(3) في (أ): ذكرناه.
(2/34)
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي،
قال: حدثنا أبو بكرة بكار بن قتيبة، قال: حدثنا أبو داود ، قال:
حدثنا أبو عقيل الدورقي، قال: حدثنا الحسن أن وفد ثقيف لما
قدموا(1) على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرب لهم قبة في
المسجد، فقالوا: يا رسول الله، قوم أنجاس. فقال رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم: (( ليس(2) على الأرض من أنجاس الناس شئ، إنما
أنجاس الناس على أنفسهم ))(3).
فلما قالوا: يا رسول الله، (قوم أنجاس)، وأجابهم النبي صلى الله
عليه وآله وسلم بما أجابهم، كان مُقَارّاً لهم على ما قالوه، وإذا
سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أصحابه ما يتعلق بالشريعة،
وأقرهم عليه، ولم ينكره، جرى ذلك منه مجرى أن يقول مثل ما قالوه،
فكأنه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: إنهم قوم أنجاس.
وإذا ثبت ذلك ثبت نجاسة آسارهم(4)، ونجاسة ما ماسوه من المايعات(5)
بأبعاضهم.
فإن قيل: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( ليس على الأرض من أنجاس
الناس شيء إنما أنجاسهم على أنفسهم )) يدل على أنَّه أراد بتنجيسهم
ذمهم، وذم أفعالهم.
قيل له: إن هذا التأويل وإن كان محتملاً، فإنه يحتمل أيضاً أن يكون
المراد أن أنجاسهم لا تضر الأرض ما لم يماسوها بأجسادهم الرطبة،
وأن إزالة ذلك عن الأرض ممكن بالحفر والغسل، فليس عليها منه شيء.
وإذا احتمل التأويلين تعارضا، وصح لنا تنجيسهم بمقارة النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، لأصحابه على قولهم، أنهم قوم أنجاس، ويكون
تأويلنا أولى من تأويلهم؛ لأنه لا يوجب صرف هذا الظاهر عن الحقيقة
إلى المجاز، وتأويلهم يوجب ذلك.
ومما يدل على ذلك:
__________
(1) في (أ): وفدوا.
(2) في (أ): أنه ليس.
(3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/13، عن أبي بكرة، به.
(4) في (أ): أسوارهم.
(5) في (أ): من الماء.
(2/35)
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني رحمه الله، قال: أخبرنا إسماعيل
بن إبراهيم بن شُنبذين، قال: حدثنا عمرو بن ثور، قال: حدثنا
الفريابي، قال: حدثنا سفيان، عن خالد الحذَّاء، عن أبي قِلابة، عن
أبي ثعلبة الخشني، قال: قلت ـ يا رسول الله ـ، إنَّا بأرض أهل
الكتاب، ونأتي(1) أرض أهل الكتاب فنسألهم آنيتهم، فقال: (( اغسلوها
ثم اطبخوا فيها )).
فليس يخلوا أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغسل آنيتهم من وجوه
ثلاثة:
[1] إما أن تكون بكونها لهم، وهذا(2) لا معنى له بالاتفاق.
[2] أو لإلقائهم النجاسات فيها، وهذا أيضاً لا معنى له، لأنَّه لا
يتخصص به أواني أهل الكتاب، لأن أوانيهم وأواني المسلمين في ذلك
على(3) سواء.
[3] فلم يبق إلاَّ أن يكون أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك
لمماستهم لها بأبعاضهم وشربهم منها؛ لأن هذا هو الوجه الذي يوجب
تخصيص ذلك بهم، وإذا ثبت ذلك ثبت ما ذهبنا إليه من نجاسة
أسارهم(4).
فإن قيل: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أمر بذلك
على سبيل الاحتياط، لأن الغالب أن أوانيهم لا تخلوا من النجاسة
كنحو الخمر وما جرى مجراها.
قيل له: هذا إخراج للأمر من الوجوب؛ لأن ما يكون كذلك يكون سبيله
سبيل الاستحباب؛ إذ لا خلاف بين المسلمين أن بالشك لا يجب تنجس
الشيء، وإذا كان كذلك، فهو إخراج للأمر عما وضع له بغير دليل، وذلك
فاسد.
ومما يستدل به على ذلك من طريق النظر:
__________
(1) في (ب) و(ج): أو نأتي.
(2) في (أ): وذلك.
(3) سقط من (ب): على.
(4) في (أ): أسوارهم.
(2/36)
أنا نقيسه على الخنزير؛ بعلة أنَّه حيوان أجرى الظاهر عليه سمة
التنجيس، فكل حيوان يجري الظاهر عليه سمة التنجيس يجب أن يُحكم
بنجاسته، وليس لهم أن يناكرونا الوصف في الأصل ولا الفرع(1)، فقد
قال اللّه تعالى في الخنزير: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ}، وقال: في
المشركين: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُون نَجَسٌ}، لأنهم وإن نازعوا في
التأويل، لم يمكنهم أن ينازعوا في اللفظ، ونحن قد علقنا الحكم به.
فإن عارضوا قياسنا هذا، وقاسوا المُشرك على المسلم؛ بعلة أنَّه
آدمي حي كانت علتنا أولى؛ لأنها تنقل، ولأنها حاظرة، ولأن فيها
الاحتياط، ولأن الظواهر التي ذكرناها تشهد لها.
فإن قال قائل: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، توضأ من
مزادة مشركة.
قيل: ليس في الخبر أنَّه توضئ من مزادة مشركة قد شربت منها
المشركة، ولم تُطَهَّر، فلا يمتنع أن تكون المزادة جديدة لم
تستعمل، أو كانت قد طُهِرَت من مس المشركة لها، أو يكون حمل النبي
صلى الله عليه وآله وسلم الأمر على الظاهر، فحملها على الظاهر
أيضاً؛ إذ لم يثبت عنده تنجيسها، ونحن قد بينا أن الآنية لا تنجس
بكونها ملكاً للمشرك.
وجملة الأمر أنَّه فعل ولا يمكن أن يدعى فيه العموم، فبطل تعلقهم
به، وعلى هذا النحو يكون جواب من قال: إن عمر توضأ من جرة
النصراني، ومن قال: إن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم استعار
دروع صفوان بن أمية.
على أنَّه ليس فيها أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أباح
الصلاة فيها، أو صلى هو فيها.
فإن استدلوا بقول اللّه تعالى: {وطعامُ الذين أوتوا الكتاب حلٌ
لكم}.
__________
(1) في (ج): والفرع.
(2/37)
قيل لهم: هذا لا يتناول موضع الخلاف، وذلك أنا لا ننكر أن
الطعام لا يحرم علينا بكونه لهم، ونقول: إن طعامنا يحرم علينا
بمماستهم له على وجه مخصوص، فصار الظاهر لا يتناول موضع الخلاف،
على أنا لو سلمانا لهم ما ادعوه خصصنا من أطعمتهم ما ماسوه منها
بأبدانهم الرطبة بالأدلة التي قدمناها، كما نخص نحن وهم أطعمتهم
المحرمة بأدلتها.
ومما يُذكر في هذه المسألة على طريق الإلزام لهم، ما رويناه في صدر
هذا الكتاب عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، أن رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، أراد أن يدَّعم على يد حذيفة،
فنخسها حذيفة، وقال: إني جنب، فقال(1): (( ابرز يدك فإن(2) المسلم
ليس بنجس ))(3).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا
ابن أبي داود، قال: حدثنا المقدم(4)، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن
حميد، قال: وحدثنا ابن خزيمة، عن الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا
حماد، عن حميد، عن بكر بن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: لقيت النبي
صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا جنب، فمد يده إليَّ، فقبضت يدي عنه،
وقلت: إني جنب، فقال: (( سبحان اللّه! إن المسلم لا ينجس ))(5).
فمن قال بدليل الخطاب، لزمه القول بتنجيس من ليس بمسلم؛ إذ دليل
الخبرين يقتضي ذلك عندهم، ونحن لم نعتمد هذا، لأنا لا نختار القول
بدليل الخطاب.
ومما يقرب من هذا ما نقول لكل من ذهب إلى تنجيس بول ما يؤكل لحمه:
قد أجمعنا على أن المشرك إذا شرب من أبوال ما يؤكل لحمه، ثم شرب من
الإناء، أن ما يفضل عنه ينجس، فنقيس عليه سائر آسار(6) المشرك؛
بعلة أنه سؤر مشرك.
__________
(1) في (أ): قال.
(2) في (ب) و(ج): إن.
(3) قد تقدم تخريجه.
(4) في (ج): المقدمي، وكذلك في شرح معاني الآثار.
(5) في أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/13، عن ابن أبي داود،
من طريق، وعن ابن خزيمة من آخرى. إلا أنه قال: عن بكر بن أبي رافع.
(6) في (أ): أسوار.
(2/38)
وليس لأحد أن يقول: إن هذه العلة لا تأثير لها، لأن التأثير يجب
أن يكون على أصل المعَلِّل دون أصل المخالف، وعندنا أن المؤثر فيه
سؤر المشرك، ألا ترى أنَّه لو كان مسلماً، لم ينجس الماء عندنا،
لأنا نرى أن بول ما يؤكل لحمه طاهر.
مسألة [ في بول ما يؤكل لحمه ]
قال: وبول جميع ما يؤكل لحمه طاهر لا ينجس الماء به ولا الثوب، وما
لم يؤكل لحمه فنجسٌ بوله.
وهذا قد نص عليه يحيى عليه السلام في (الأحكام) و(المنتخب)(1)
جميعاً، وقد نص عليه القاسم في (مسائل النيروسي)، ثم قال: إلاَّ أن
يَنْتن أو يقذر.
وحكى لنا أبو العباس الحسني رحمه الله، عن القاسم عليه السلام،
أنَّه قال: زبل الدجاج والبط نجس.
وذكر أبو العباس الحسني رحمه الله، أن محمد بن منصور، روى عن
القاسم تطهير بول ما يؤكل لحمه وزبله.
فأما قوله في (مسائل النيروسي): إلاَّ أن ينتن أو يقذر. فإنه يدل
على أنَّه لم يكن يراه طاهراً على الإطلاق، بل كان يخفف الأمر فيه
إذا لم ينتن ويظهر أثر قذره، ويشدد إذا أنتن وظهر أثر قذره.
وهذا قريب مما روي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، فإنهما كانا يقولان:
إن الثوب ينجس به إذا كان كثيراً فاحشاً.
أو يكون الوجه لما ذهب إليه القاسم عليه السلام أنَّه رأى ظواهر
تقتضي نجاسته، وظواهر تقتضي طهارته، فخفف الأمر فيه على وجهٍ، وغلظ
على وجه.
فأما مذهب يحيى بن الحسين عليه السلام، فهو ما حكيناه، وهو قول
محمد بن الحسن.
والذي يدل على ذلك:
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، قال أخبرنا علي بن الحسن البجلي،
قال: حدثنا أبو يحيى محمد بن يحيى التستري، قال: حدثنا أبي، قال:
حدثنا إبراهيم بن نافع، عن عمر بن موسى بن وجيه، عن زيد بن علي، عن
آبائه، عن علي عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم،
قال: (( لا بأس بأبوال الإبل والبقر والغنم، وكل شيء يحل أكل لحمه،
إذا أصاب ثوبك )).
__________
(1) ذكره في الأحكام 1/57. وذكره في المنتخب ص23.
(2/39)
وأخبرنا أبو الحسين عبد اللّه بن سعيد البروجردي، قال: حدثنا
أبو القاسم عبد اللّه بن محمد البغوي، قال: حدثنا محمد بن عبد
الوهاب، قال: حدثنا سوار، عن مطرف، عن أبي الجهم، عن البراء، قال:
قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( ما أكل لحمه فلا بأس
ببوله )).
وقد ذكرنا في صدر هذا الكتاب بإسناده: ما رواه عبد اللّه بن الحسن
بن الحسن عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه
قال: (( كل شيء يجتر فلحمه حلال، ولعابه حلال، وسؤره وبوله حلال
)).
وأخبرنا أبو العباس الحسني، قال: حدثنا أبو أحمد الأنماطي، قال:
حدثنا علي بن عبد العزيز المكي، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، عن
حماد، عن قتادة وحميد وثابت، عن أنس، أن أناساً من عرينة قدموا على
النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله
وسلم: (( اشربوا من أبوالها وألبانها )) يعني الإبل.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا
أبو بكرة، قال: حدثنا عبد اللّه بن بكر، قال: حدثنا حميد، عن أنس،
قال: قدم ناس من عرينة على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم
المدينة، فاجتووها، فقال: (( لو خرجتم إلى ذود لنا فشربتم من
ألبانها ))، قال: وذكر قتادة أنَّه حفظ عنه أبوالها(1).
وأخبرنا أبو عبد اللّه محمد بن عثمان النقاش، قال: حدثنا الناصر
للحق الحسن بن علي، عن محمد بن منصور، قال: حدثنا أحمد بن عيسى، عن
الحسين بن علوان، عن أبي خالد الواسطي، عن زيد بن علي، عن علي
عليهم السلام في الإبل، والبقر، والغنم، وكل شيء يحل أكله، فلا بأس
بشرب ألبانها وأبوالها، ويصيب ثوبك.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا
حسين بن نصر، قال: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا إسرائيل، قال: حدثنا
جابر، عن محمد بن علي عليه السلام قال: لا بأس بأبوال الإبل والبقر
والغنم.
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/107، بلفظه.
(2/40)
وأخبر أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا
حسين بن نصر، قال: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا سفيان، عن عبد
الكريم، عن عطاء، قال: كل ما أكل لحمه فلا بأس ببوله.
فقد روينا ما رُفع إلينا من أخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم
المصرِحة بطهارة بول ما يؤكل لحمه.
ورويناه عن علي عليه السلام، ومن مذهبنا أن علياً عليه السلام إذا
قال قولاً، وجب علينا(1) إتباعه، على أنه لم يُروَ عن غيره من
الصحابة خلافه.
وهذا كثير من الناس يجعله مثل إجماع الصحابة، ثم قد رويناه عن
التابعين، عن محمد بن علي الباقر، وعن عطاء.
ومثل هذا لا يجب أن يُعتَرض عليه بما يعترضه المخالف من عموم يتعلق
به، أو قياس يورده، لأن من حكم العموم أن يخص بما ذكرناه، ومن حكم
القياس أن لا يقابل به(2) ما أوردناه.
فأحد ما يتعلقون به من العموم ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم مر بقبرين، فقال: (( إنهما ليُعَذَبان، وما يعذبان في كبير،
إن أحدهما كان لا يتنزه عن البول، والآخر كان يمشي بالنميمة )).
قالوا: والبول يقتضي الجنس لدخول الألف واللام.
وهذا الحديث أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن
الحسين بن اليمان، قال: حدثنا محمد شجاع، قال: حدثني القاسم، ويحيى
بن آدم، عن وكيع عن الأعمش، قال: سمعت مجاهداً يقول عن طاووس، عن
ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بقبرين، فقال: ((
إنهما ليُعَذَبان وما يُعذَبان في كبير، أحدهما كان لا يستبرئ،
أولا يستنزه من بوله، والآخر كان يمشي بالنميمة ))، شك أبو عبد
الله.
فهذا كما تَرى ورد خاصاً في بول الإنسان، فليس له عموم يتعلق به،
على أنَّه قد روي ماله عموم.
__________
(1) سقط من (ب): علينا.
(2) سقط من (ب): به.
(2/41)
روى أبو بكر الجصاص في كتابه المسمى (بشرح مختصر الطحاوي)،
حديثاً يرفعه إلى عمار بن ياسر رضوان الله عليه، قال: مر بي رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا أغسل ثوبي من نخامة، فقال: ((
إنما تغسل ثوبك من البول، والغائط، والمذي، والماء الأعظم، والدم،
والقيء )).
فإن تعلق به متعلق، أو بما رواه أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، قال: (( أكثر عذاب القبر من البول ))، خصصناه بالأخبار
التي قدمنا، لأن من مذهبنا بِناء العام على الخاص.
وليس لأحد أن يقول: إنَّا نرجح خبرنا بالحظر، لأن ذلك يكون بعد
التساوي، فأما إذا كان خبرنا خاصاً وخبرهم عاماً فلا يجب ذلك، بل
يجب تخصص أخبارهم بأخبارنا.
فإن قيل: الذي ورد في العُرنيين، إنما هو على سبيل التداوي، وعلى
سبيل الضرورة، فليس يدل على طهارة أبوال الإبل.
قيل له: هذا زيادة في الخبر لم يتضمنه الخبر، والصحيح عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، (( أنَّه منع من التداوي بالخمر لما كانت
نجسه محرمة ))، فلو كانت أبوال الإبل كذلك لمنع التداوي بها.
أخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ربيع
المؤذن، قال: حدثنا يحيى بن حسان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال
أبو جعفر: وحدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا
حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن طارق بن سويد
الحضرمي، قال: قلت يا رسول الله، إن بأرضنا أعناباً نعتصرها،
أفنشرب منها؟ قال: (( لا )). فراجعته، فقال: (( لا )). فقلت: يا
رسول الله، إن نستشفي بها من المرض. قال: (( ذلك داءٌ، وليس بشفاء
))(1).
وروي عن عبد اللّه بن مسعود، أنَّه قال: (( لم يجعل اللّه شفاءكم
فيما حرّم عليكم ))(2).
فبان أن تعلقهم بما تعلقوا به لاوجه له.
__________
(1) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/108، بلفظه.
(2) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/109.
(2/42)
والمعتمد في هذا أنَّه لم يثبت قصد النبي صلى الله عليه وآله
وسلم إلى الترخيص للضرورة، وإنما ذلك ادعاء هؤلاء القوم، على أن
سائر ما رويناه عنه عليه السلام يدل على أن ذلك لم يُبَحْ للضرورة.
وقد قاسوه على الروث؛ بعلة الاستحالة، وذلك لا معنى له لوجهين(1):
أحدهما: أنَّه ينتقض باللبن، لأن الاستحالة حاصلة في اللبن كحصولها
في البول والروث.
والثاني: أن الأصل غير مُسلَّم لهم، لأنا لا نُنجّس أرواث ما يؤكل
لحمه كما لا ننجس أبوالها.
وقد نص عليه يحيى عليه السلام في (الأحكام)(2) في مسألة الصلاة في
أعطان الإبل.
على أن ما أخبرنا به أبو الحسين علي بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد
بن الحسين بن اليمان، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا شريح،
عن إسماعيل بن علية، عن يونس، عن الحسن، عن عبد اللّه بن المغفل،
قال: (( كنا نؤمر أن نصلي في مرابض الغنم، ولا نصلي في أعطان
الإبل، فإنها خلقت من الشياطين )).
فدل على أنَّه لا فصل بين أرواثها وأبوالها، لأنَّه من المعلوم أن
مرابض الغنم لا تخلو من أرواثها كما لا تخلو من أبوالها.
وربما قاسوها على أبوال سائر الحيوانات، وربما قاسوها على دمائها.
ونحن نقيسها على ألبان ما يؤكل لحمه؛ بعلة أنَّه خارج مائع معتاد
من حيوان يؤكل لحمه من مخرج معتاد، فيجب أن يكون طاهراً كاللبن،
ويمكن أن نقيسها على لعاب ما يؤكل لحمه بهذه العلة، ثم نرجح علتنا
باستنادها إلى الظواهر التي ذكرناها.
قال: فأما بول مالا يؤكل لحمه فلا خلاف في تنجيسه، وقد ورد فيه من
الأخبار ما ذكرنا في بول ما لا يؤكل لحمه، فلا طائل في إعادته.
مسألة [ في ماء البحر ]
وماء البحر طهور.
وقد نص عليه في (المنتخب)(3).
__________
(1) في (ب) و(ج): من وجهين.
(2) ذكره في الأحكام 1/119.
(3) ذكره في المنتخب ص23، ثم نفى الخلاف بين آل الرسول في ذلك.
(2/43)
وهذا مما لا خلاف فيه، إلاَّ ما يروى عن عبد اللّه بن عمر،
والإجماع المنعقد بعده يَحُجُّه، وكذلك المشهور من كلام النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، في البحر: (( هو الطهور ماؤه، والحل ميتته
)).
مسألة [ في موت ما لا نفس له سائلة في الماء ]
ولا ينجس الماء أن يموت فيه ما لا نفس له سائلة كالذباب ونحوه.
وهذا قد نص عليه في كتاب الأطعمة من (الأحكام)(1)، وهو مذهب عامة
الفقهاء.
واستدل يحيى عليه السلام:
بما أخبرنا به أبو الحسين علي بن إسماعيل، قال: حدثنا الناصر للحق
الحسن بن علي عليهما السلام، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: حدثنا
أحمد بن عيسى، عن حسين بن علوان، عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن
آبائه، عن علي عليه السلام، قال: (( أُتِيَ رسول اللّه اله صلى
الله عليه وآله وسلم بجفنة قد أَدمت، فوجد فيها خنفساه أو ذبابة
فأمر به فطرح ، ثم قال: سموا وكلوا فإن هذا لا يحرم شيئاً )).
فلما أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه لا يحرم شيئاً،كان ذلك
عاماً في حال حياته وحال موته، في المائعات غيرها.
__________
(1) ذكره في الأحكام 2/402. وهو هنا بالمعنى.
(2/44)
وروى أبو بكر الجصاص في (شرح مختصر الطحاوي)، عن ابن قانع(1)
يرفعه إلى سعيد بن المسيب، عن سلمان، قال: قال لي رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم: (( إن كل طعام وشراب وقعت فيه دابة فماتت،
ليس لها دم، فهو الحلال أكله، وشربه، ووضوءه )).
هذا نصٌ صريحٌ في موضع الخلاف.
ومما يدل على ذلك الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم، أنَّه قال: (( إذا سقط الذباب في طعام أحدكم، فامقلوه فيه
)).
وقد يكون مقله مؤدياً إلى موته، ولو كان موته يفسد ما يموت فيه، لم
يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما يؤدي إليه.
فإن قيل: هذا مثلٌ ما أمرنا بضرب النساء عند النشوز، وبالكي والقطع
عند اعتراض الأدواء، وإن جاز أن يؤدي ذلك إلى التلف.
قيل له: إن الغرض بالضرب والكي والقطع لا يتم إلاَّ بها، فلم يكن
بدٌّ من أن يؤمر بها، والغرض بمقله قد كان يتم بغير المقل، لأن
الغرض به ما أخبرنا(2) به صلى الله عليه وآله وسلم، أن في أحد
جناحيه داء، وفي الأخر دواء، فكان يمكن أن يقول: اغمسوا(3) بجناحيه
فيما سقط فيه ليؤمن موته، فلما كان الغرض يتم به، ولم يقله النبي
صلى الله عليه وآله وسلم، بل قال: (( امقلوه )) مع جواز كونه
مؤدياً إلى موته، علم أن موته فيه وأن لا يموت بمنزلة واحدة في
أنَّه لا ينجس ما يموت فيه.
__________
(1) في (ب) و(ج): عن نافع. وفي نصب الراية 1/114: رواه الدارقطني
في سننه من حديث بقية حدثني سعيد بن أبي سعيد الزبيدي عن بشر بن
منصور عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال له
النبي صلى الله عليه وسلم يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة
ليس لها دم فماتت فيه فهو حلال اكله وشربه ووضوءه. انتهى. قال
الدارقطني لم يروه غير بقية عن سعيد بن أبي سعيد الزبيدي وهو ضعيف.
انتهى. ورواه بن عدي في الكامل واعله بسعيد هذا وقال هو شيخ مجهول
وحديثه غير محفوظ. انتهى.
(2) في (أ): أخبر.
(3) في (أ): اغمسوه.
(2/45)
ومما يدل على ذلك أنَّه قد ثبت بالاتفاق أن ذباب الباقلاء
ودوده، إذا ماتا في الباقلاء لم ينجس بهما.
وكذلك دود الخل إذا مات في الخل لم ينجس به الخل، فوجب أن يكون
سائر ما ذكرناه كذلك، قياساً على ما أُجمع عليه، والعلة أنَّه لا
نفس له سائلة.
ويمكن أن يقاس على ما ذكرنا بتعذر الاحتراز منه غالباً.
ويمكن أيضاً أن يقاس على الجراد والحوت بالعلة الأولى.
فإن قاسوه على سائر الميتة، رجحنا علتنا بشهادة(1) الأصول، وذلك
أنها تشهد بالمسامحة فيما يتعذر الاحتراز منه.
فإن استدلوا بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلِيْكُمُ الْمَيْتَةُ
وَالدَّمُ}، فليس في ظاهرها لهم حجة، وذلك أن الكلام ليس في إباحة
أكله.
فإن استدلوا بقول اللّه تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِيْمَا أُوْحِيَ
إِليَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ
مَيْتاً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيْرٍ فَإِنَّهُ
رِجْسٌ}، فأخبر الله تعالى أن الميتة رجسٌ.
قيل له: ليس الأمر على ما قدرت، وذلك أن الكناية ترجع إلى أقرب
المذكور إليها دون ما عداه، فقوله(2) تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ}
راجع إلى الخنزير، على أن هذه الظواهر لو سُلمت، لكان ما ذكرناه من
القياس، ورويناه من الأخبار، مُخصِصاً لها.
مسألة [ في جلود الميتة ]
وجلود الميتة نجسة وإن دبغت، ينجس بمسها الماء.
وقد نص على هذا الهادي عليه السلام في كتاب اللباس من
(الأحكام)(3). وذكره أيضاً في كتاب الصلاة من (الأحكام)(4)، عند
ذكره كراهية الصلاة في الخز، لأنه لا يدرى هل هو ذكي أم لا؟ وذكره
أيضاً في (المنتخب)(5) وهو مذهب القاسم والناصر عليهما السلام، وهو
المروي عن جعفر بن محمد.
__________
(1) في (أ): على شهادة.
(2) في (أ): وقوله.
(3) ذكره في الأحكام 2/413، وهو هنا بالمعنى.
(4) ذكره في الأحكام 1/131 بلفظ مقارب.
(5) ذكره في المنتخب ص122.
(2/46)
والأظهر فيه أنَّه إجماع أهل البيت عليهم السلام، ومن مذهبنا
أنَّهم إذا أجمعوا على شيء، وجب القول به والمصير إليه.
واستدل القاسم عليه السلام على ذلك بقوله سبحانه: {حُرِّمَتْ
عَلِيْكُمْ الْمِيْتَةُ}، لم يرد أن الميتة نفسها محرمة على
التحقيق، وإنما المحرم أفعالنا فيها، لأن الميتة فعلٌ من أفعال
اللّه تعالى يستحيل أن يتناولها التحليل والتحريم، فإذا ثبت ذلك
كان التحريم متناولاً جميع أفعالنا فيها، فثبت تحريم دبغه، وتحريم
مسه، والانتفاع به، على كل وجه، ألا ترى أنه لا فعل يشار إليه من
أفعالنا فيها، إلاَّ ويحسن الإستثناء منه، ومن شأن الإستثناء أن
يُخْرِج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه، فإذا ثبت ذلك ثبت
تنجيسه؛ إذ كل ما يحرم استعماله على كل وجهٍ فواجب تنجيسه.
ومما يدل على ذلك:
ما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، قال حدثنا الناصر، قال: حدثنا
محمد بن منصور، قال: حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين بن علوان، عن أبي
خالد الواسطي، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، قال:
قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا يُنتَفع من الميتة
بإهابٍ ولا عصبٍ )). فلما كان من الغد خرجت ـ أنا ـ وهو، فإذا نحن
بسخلة مطروحة على الطريق، فقال: (( ما كان على أهل هذه لو انتفعوا
بإهابها )). فقلت: يا رسول الله: أين قولك أمس؟ فقال: (( يُنتَفع
منها بالشيء )) كأنه يعني الشيء الجاف الذي لا يلصق.
وأخبرنا أبو العباس، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن شُنبذين،
قال: حدثنا عمرو بن ثور، قال: حدثنا الفريابي، عن زمعة، عن أبي
الزبير، عن جابر، قال: (( نهى رسول اللّه أن ننتفع من الميتة بشيء
)).
(2/47)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي،
قال:حدثنا أبو بكره، قال حدثنا أبو عامر ووهب، قالا: حدثنا شعبه،
عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبدالله بن عكيم، قال: قرئ علينا
كتاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن بأرض جهينة، وأنا
غلام شاب: (( أن لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عصبٍ )).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا عبد
الرحمن بن عمر الدمشقي، قال: حدثنا محمد بن المبارك، قال: حدثنا
صدقة بن خالد، عن يزيد بن أبي مريم، عن القاسم بن مخيمرة، عن
عبداللّه بن عكيم، قال: حدثنا أشياخ جهينة، قالوا: أتانا كتاب رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، أو قرئ علينا كتاب رسول اللّه صلى
اللّه عليه وآله وسلم: (( لا تنتفعوا من الميتة بشيء )).
وروي بإسناد لا يحضرني، إلا أن شهرته تغني عن تتبع إسناده أن كتاب
رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، ورد قبل موته بشهرٍ، وروي
بشهرين.
وقد أدعي الاضطراب في هذه الأحاديث؛ لأن عبد اللّه بن عكيم مرة
يقول: قرئ علينا كتاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، ومرة
يقول: حدثني أشياخ جهينة، يقولون: ورد علينا كتاب رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم بذلك. و[يحتمل أن] يكون قد قرئ عليه الكتاب
أيضاً، فلا يمتنع اجتماع الأمرين جميعاً، وإذا لم يمتنع ذلك لم
يمتنع أن يروي أحدهما مرة والثاني الأخرى، وليس في هذا تدافع، ولا
تَمانُع.
فإن قيل: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا تنتفعوا من
الميتة بشيء ))، ورد في شحوم الميتة، بدلالة:
ما روى أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: بينا أنا عند رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، إذ جاءه أناس فقالوا: يا رسول
الله، إن سفينة لنا انكسرت، وإنا وجدنا ناقة ميتة سمينة، فأردنا أن
ندهن بها سفينتنا، وإنما هي عود على الماء. فقال رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم: (( لاتنتفعوا من الميتة بشيء )).
(2/48)
قيل له: قد رَوَيْنَا هذا الخبر على ما قدمنا ذكره مطلقاً من
غير ذكر السبب.
وأيضاً فإنه لا يجب قصره على السبب، وإن لم يُروَ غيره، بل يجب
حمله على مقتضى اللفظ، فلا معنى للإشتغال بما ذكروه.
فإن قيل: اسم الإهاب لا يتناوله بعد الدبغ، كان ذلك ساقطاً؛ لأن
الإهاب اسم للجلد ينطلق عليه قبل الدبغ وبعده.
فإن ادعوا تخصيص هذه الأحاديث بما روى عطاء، عن ابن عباس، أن شاة
لميمونة ماتت، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( هلا أنتفعتم
بإهابها )). فقالوا: إنها ميتة.
ففي بعض الأخبار: (( دباغ الأديم طهوره )). وفي بعضها: (( يطهرها
الماء والقرض )). وفي بعضها (( إنما حرم أكلها )).
وبما روي عن ابن عباس، أنَّه قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه
وآله وسلم، يقول: (( أيما مسك دبغ، فقد طهر ))، وروي: (( أيما إهاب
دبغ فقد طهر )).
وروى الأسود، عن عائشة، قالت: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم: (( دباغ الميتة طهورها )).
وبما روي عن سلمة بن المحبق: (( أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم دعا بقربة من عند امرأة فيها ماء، فقالت: إنها ميتة، فقال: ((
دَبغتِها ))؟ قالت: نعم. قال: (( دباغها ذكاتها )).
وروي نحو ذلك عن سودة بنة زمعة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أنها قالت: اتخذت قربة من ميتة، فبقيت عندنا إلى أن تخرقت.
قيل لهم: في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( هلا انتفعتم بإهابها
))، معناه هلا ذكيتموها؟ وانتفعتم بإهابها، ألا ترى أنَّه قال بلفظ
الماضي، ولو أراد في(1) الحال لقال هلا تنتفعون بإهابها، فلو جعل
ذلك دلالة على أن الانتفاع لا يجوز لكان قريباً، إذ التنبيه بلفظ
الماضي على هذا الحد لا يقع إلاَّ لأمرٍ فائت، ألا ترى أنَّه لا
يقال: هلا صليت إلاَّ مع فوات وقتها، فأما مع بقائه، فيقال: هلا
تصلي؟ وهذا ظاهر.
__________
(1) سقطت (في) من (ج).
(2/49)
ولا يمتنع أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم، قال ذلك، لأن
المعلوم أن الشاة إذا قاربت الموت، يُعَاف أكل لحمها ويستضر به،
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (( هلا ذُكِيَت وانتفع بإهابها ))،
وإن لم يكن في لحمها غرض.
وما روي أنَّه قيل: يا رسول الله، إنها ميتة، فقال: (( دباغها
طهورها )) إلى سائر ما روي فيه، فمعناه: أنهم أرادوا أنها كانت
كالميتة، وحمله على هذا أولى من حمله على أنهم عرَّفوه صلى الله
عليه وآله وسلم، أنها ميتة في الحال، لأنه لا معنى لأنْ يُعَرَّف
النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما هو مشاهد معروف؛ لأنَّه ضرب من
العبث، وإذا حمل على ما قلناه من أنه عرف أنها كانت كالميتة مرضاً
وعجفاً، كان صحيحاً.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( دباغها طهورها ))، وقوله: ((
يطهره الماء والقرض )). فإن المراد به أن دباغه كان يطهره من الفرث
والدم والروائح الكريهة، وكذلك المراد بقوله: (( يطهره الماء
والقرض ))، وقوله: (( إنما حرم أكلها )) محمول على أنَّه أراد
المأكول منها دون الأصواف والأوبار. وفي هذا أن الجلد محرم لتأتي
الأكل فيه.
وما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه قال: (( أيما إهاب
دُبِغ، فقد طَهُر )) فمحمول على جلد المذكى.
وليس لهم أن يقولوا: إن ذلك تعرية للحديث من الفائدة؛ لأن المراد
بقوله فقد طهر، أي طهر من الفرث والدم والروائح الكريهة.
وهذا يفيد أن من اشترى جلداً على أنَّه مدبوغ، ثم وجد به روائح
كريهة، أنَّه يرده بالعيب؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( أيما
أهابٍ دُبَغ فقد طَهُر ))، فقد ظهرت فائدته وصحت(1) ووضحت.
وما رواه الأسود، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال:
(( دباغ جلد الميتة طهورها )) فقد روي ما يوجب ضعفه، وهو:
__________
(1) سقطت من (ب) و(ج).
(2/50)
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا
فهد، قال: حدثنا علي بن معبد، عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن
إبراهيم، عن الأسود، قال: سألت عائشة عن جلود الميتة فقالت: (لعل
دباغها يكون طهورها). ففي هذا أن عائشة كانت شاكة فيه، فلو كانت
حفظت عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ما روي عنها، لم تجب
جواب الشاك، كيف وراوي هذا الحديث أيضا هو الأسود! وفيه أيضاً
أنَّه لو حَفِظَ عنها رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في
ذلك لما سألها.
وأما حديث ابن المحبق، وحديث سودة، فيجب أن يكونا منسوخين؛ بدلالة
ما روي أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كتب: (( أن لا
تنتفعوا من الميتة بشيء )) قبل موته بشهر أو شهرين، وروي: بعشرين
ليلة في بعض الروايات.
وحديث سودة خصوصاً يجب أن يكون متقادماً، فإن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم كان قد هجرها منذ حين؛ إذ كرهها لسنها، وكانت وهبت يومها
لعائشة، والحديث في أمرها مشهور، فإذا ثبت تقادم حديثها وتأخر
حديثنا، ثبت أنَّه ناسخٌ له.
ومما يُستدل به على صحة مذهبنا في هذا الباب من طريق النظر: أنا
نقيس جلد الميتة على لحمها؛ إذ لا خلاف أن لحمها لا يطهر على وجه
من الوجوه، كذلك يجب أن يكون جلدها، والمعنى أنَّه بعض من أبعاض
ميتة صار نجساً بالموت.
ويمكن أن يقاس ما دبغ منه على ما لم يدبغ؛ بعلة أنَّه جلد ميتة،
وليس لمخالفينا في هذا علة صحيحة، على أنهم إن علّلوا لمذهبهم،
أمكننا أن نرجح علتنا بكونها حاظرة، وبأن الإحتياط معها، وبهذين
الترجيحين ندفع قول من يقول: إن تأويلكم لخبرنا ليس بأولى من
تخصيصنا خبركم بخبرنا، فبان بما بيّنا صحة مذهبنا.
مسألة: [ في أشعار وأصواف وأوبار الميتة ]
قال: فأما ما كان عليها من الأشعار والأصواف والأوبار، فطاهرٌ إذا
غُسِل.
(2/51)
وهذا قد نص عليه يحيى عليه السلام في (الأحكام) (1) في كتاب
اللباس، ورواه القاسم(2) عليه السلام، وقال محمد بن يحيى عليه
السلام: إذا كان مما يؤكل لحمه.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه في هذا الباب قول اللّه تعالى:
{وَمِنْ أَصْوَافِهِا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} الآية، فوجب
أن يكون ذلك عاماً في جميع الأصواف والأوبار والأشعار التي تكون
للحي والميت.
وروى الأوزاعي، عن يحيى بن كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال:
سمعت أم سلمة، قالت: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم،
يقول: (( لا بأس بصوف الميتة وشعرها إذا غسل بالماء )).
وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من قوله: (( إنما حرم
أكلها ))، يدل على أن التحريم يتناول ما يتأتى فيه الأكل، والشعر
والصوف مما لا يتأتى فيه الأكل، فثبت أن التحريم لم يتناوله.
فإن قيل: قول اللّه تعالى: {حُرِّمَتْ عَلِيْكُمْ الْمَيْتَةُ} يدل
على تحريم شعرها وصوفها، لأنهما من الميتة؟
قيل له: لسنا نسلم أنهما من جملة الميتة، ولا معنى لاستدلالكم
بالآية.
وكذلك الجواب لمن تعلق بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا
تنتفعوا من الميتة بشيء )) لأنهما ليسا من الميتة.
يبين ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( ماقطع من الحي فهو ميت
))، ولا خلاف أن الصوف والشعر والوبر يقطع من الحي ويكون طاهراً،
فعُلِم أنهما ليسا من جملته، وإذا لم يكن من جملة الحي، لم يكن من
جملة الميت(3)، على أن ما يؤخذ من الميتة من الصوف مقيس على ما
يؤخذ منها في حال حياتها؛ والعلة أنَّه صوف حيوان طاهر في حال
حياته، فوجب أن يكون حكمهما في الطهارة حكماً واحداً.
مسألة [ في عظم الميتة وعصبها وقرنها ]
قال القاسم عليه السلام: "وعظم الميتة نجس وعصبها وقرنها".
__________
(1) ذكره في الأحكام 2/414، بلفظ مقارب.
(2) كذا في النسخ ولعل الصواب: ورواه عن القاسم.
(3) في (ب) و(ج): الميتة.
(2/52)
وهذا ما قد رواه عنه يحيى عليه السلام في كتاب اللباس من
(الأحكام) (1).
وقلنا في القرن سوى الأطراف التي لا يؤلم قطعها تخريجاً من قولهما
جميعاً في هذا الكتاب في شعر الميتة وصوفها ووبرها إنها ليست
بنجسة؛ لأنها تؤخذ من الدواب وهي حية، فلما كانت أطراف القرون هذه
سبيلها، وجب أن يكون القول فيها كالصوف والشعر والوبر على قولهما.
والذي يدل على نجاسة ما نجسه القاسم عليه السلام من عصبها
ولحمها(2) وعظمها وقرنها، قول اللّه تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
الْمَيْتَةُ} وهي من الميتة.
وقوله عليه السلام: (( لا تنتفعوا من الميتة بشيء ))، وقوله صلى
الله عليه وآله وسلم: (( لا تنتفعوا من الميتة بأهابٍ، ولا عصبٍ
)).
ويمكن أن تقاس هذه الأشياء على لحم الميتة؛ بعلة أنها بعض من أبعاض
ميتة صارت نجسة بالموت.
مسألة [ في شعر الخنزير ]
قال: وشعر الخنزير نجس، لا يطهره الغسل.
وقد نص عليه يحيى عليه السلام في كتاب اللباس من (الأحكام) (3).
والوجه فيه قول اللّه تعالى: {أَو لَحْمَ خِنْزِيْرٍ فَإِنَّهُ
رِجْسٌ أَوْ فِسْقٌ} فحكم فيه بالنجاسة وهو حي، وإذا ثبت أنَّه نجس
في حال حياته، فالموت لا يزيده طهارة، فثبت أن شعره على كل حال
نجس.
مسألة [ فيما يزيل النجاسة ]
ولا يُزال النجس عن الثياب والبدن بشيء من المائعات سوى الماء.
وها قد أشار إليه يحيى عليه السلام في كتاب الطهارة من (الأحكام)،
حيث يقول: (( ألا ترى أن الطُّهْر لا يقع اسمه على شيء حتى
يُطَهَّر، وتطهيره غسله وإنقاؤه بالماء )) (4).
والذي يدل على ذلك أن التطهير أمر شرعي لا يمكن إثباته إلاَّ
شرعاً، وقد وردت الشريعة بكون الماء مُطهِراً، ولم ترد بكون غيره
مطهراً، فلم يَجزِ التطهر بغيره.
__________
(1) ذكره في الأحكام 2/415، إلا أنه هنا بالمعنى.
(2) سقطت من (أ).
(3) ذكره في الأحكام 2/414، إلا أنه لم يقل أنه نجس، بل يحرم لبسه.
(4) ذكره في الحكام 1/78.
(2/53)
فإن قيل: قول اللّه تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}، يدل على
ذلك، لأن عمومه يقتضي الأمر بالتطهير بجميع المائعات.
قيل له: هذه الآية اقتضت وجوب التطهير، لا بيان ما يقع به التطهير،
وعندنا أن الذي يقع بالمائعات سوى الماء لا يكون تطهيراً.
فإن قيل: إن الغرض هو إزالة النجاسة(1)، فإذا زال بما زال، يجب أن
يعود الشيء إلى أصل الطهارة.
قيل له: ليس الأمر على ما ذكرت، بل يجب إزالة النجس بما يوجبه
الشرع، ألا ترى أن الثوب إذا أصابه البول ثم وقعت عليه الشمس حتى
ينشف البول وتزيله لم يطهر الثوب، على أنا لا نسلم أن سائر
المائعات تزيل النجس، لأن المائع ينجس بملاقاة النجس، فلا يزال
الشيء نجساً، وليس كذلك الماء، لأن الشرع قد حكم بأن الماء إذا
استعمل على الوجه الذي أمرنا(2) باستعماله، طهّر النجس وأزال
نجساته.
على أنَّه لولا الشرع، لم يكن لأحد أن يقول: إن الماء يُطهِر كما
ذكرناه في المائعات من أنها تنجس بملاقات النجس.
وليس لأحد أن يقول: إن المشاهدة تقضي بزوال النجاسة، لأن النجاسة
لا يحكم بزوالها بأن لا يشاهد فلا معنى له؟
على أنا نقيس إزالة النجس على إزالة الحدث بمعنى أن كل واحد منهما
مراد للصلاة، فإذا لم يجز أحدهما بسائر المائعات، فكذلك الآخر.
ونقيسهما أيضاً على المرق والدهن؛ بعلة أنَّه مائع سوى الماء،
وقياسنا أولى من قياسهم؛ للحظر، والإحتياط، وفعل الكافة من
المسلمين.
ولقياسنا الثاني ترجيح آخر بالتجانس، لأنَّه قياس صحيح، وهو قياس
ماهو سوى الماء على ما هو سوى الماء، وهم إذا قاسوها على الماء
قاسوا ما سوى الماء على الماء.
مسألة [ في الطهور بالماء المسخن ]
قال: ولا بأس بالطهور بالماء المسخن.
وهذا قد نص عليه القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي).
__________
(1) في (ب) و(ج): النجس.
(2) في (ب) و(ج): أمر.
(2/54)
والخلاف فيه غير محفوظ، فلا معنى لإطالة القول فيه، على أن عموم
قول الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوْراً}،
وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( التراب كافيك ولو إلى عشر
حجج، فإذا وجدت الماء فأمسسه ببشرتك ))، يدل على ذلك ، لأنَّه لم
يستثن المسخن من غيره.
مسألة [ في الوضوء بالماء المغصوب ]
قال القاسم عليه السلام: ولا وضوء بالماء المغصوب.
وهذا مما نص عليه القاسم عليه السلام في كتابه المسمى (كتاب
الطهارة).
والذي يدل على ذلك، قول اللّه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ
آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ}.
ووجه الإستدلال منه أنَّه قد ثبت أن المراد بالآية هو النهي عن
استهلاك أموال الغير دون الأكل فقط، وقد ثبت على أصولنا أن النهي
يدل على فساد المنهي عنه، وأنه لا يقع موقع الصحيح، فإذا ثبت ذلك،
وثبت أن المتوضئ بالماء المغصوب مستهلك له ـ وقد نهى عن استهلاك
ذلك الماء ـ ثبت أن الإستهلاك له بالتوضئ لا يقع موقع الصحيح، فلا
يكون فاعله متوضئاً بالشرع.
ويدل على ذلك أيضاً أنَّه قد ثبت كون الوضوء قربة بدلالة ما روي عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول: (( الطهور شطر
الإيمان ))، وما روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم من قوله: ((
تردنَّ عليّ غراً محجلين من الوضوء ))، وغير ذلك مما ورد في هذا
الباب، ومما يُبين من بعد؛ أنها عباده مفتقرة إلى النيه كسائر
العبادات، فإذا ثبت ذلك، ثبت أن المتوضى بالماء المغصوب عاصٍ بما
يفعله، وثبت أنَّه لا يكون متوضئاً؛ لأن المعصية لا تكون قربة
وعباده.
(2/55)
فإن قيل: ما أنكرتم أن تكون هذه المعصية تسقط وجوب تلك القربة،
فإن مثله قد يوجد، ألا ترى أن من قطع رجلَ نفسه، يسقط عنه وجوب
القيام في الصلاة، وكذلك من أدى زكاته في الصلاة المفروضة قاطعاً
لها يكون عاصياً، ومع ذلك يسقط عنه وجوب الزكاة.
قيل له: لسنا نقول إن ذلك مستحيل أن يرد به الشرع على الحد الذي
سألت عنه، أو تتعلق به المصالح، لكنا نقول: إن الأصل امتناع ذلك،
والقائل به يحتاج إلى دليل شرعي، ولم تدل الدلالة على أن هذه
المعصية أسقطت وجوب تلك القربة، فوجب القضاء ببقاء وجوب تلك القربة
على ما كانت.
وأيضاً فإنه مقيس على الماء النجس في أنَّه لا يجوز التطهر به؛
بعلة أن المتطهر به ممنوع من التصرف فيه، فكذلك الماء المغصوب.
فإن قاسوه على الماء الذي ليس بمغصوب كان قياسنا مرجحاً، للنقل؛
لأنَّه ينقل الماء عما كان عليه، إذ من شان الماء أنَّه يقع به
التطهر، وكان أيضاً مرجحاً بالحظر والاحتياط.
(2/56)
باب القول في الاستنجاء
يستحب لمن قصد الغائط أو البول أن لا يكشف عورته حتى يهوي للجلوس،
وأن يتعوذ بالله(1) من الشيطان الرجيم.
وهذا قد نص عليه في أول (الأحكام) (2).
والوجه في ذلك أن كشف العورة من غير ضرورة محرم في الملأ، ومكروه
في الخلاء، فاستحب أن لا يكشف عورته إلاَّ عند الضرورة، وهو بعد أن
يهوي للجلوس، ليكون قد سلم مما حرم أو كره.
وهذا يدل على أنه يكره البول قائماً، لأنَّه إذا منع من كشف العورة
إلاَّ بعد أن يهوي للجلوس، فقد تضمن ذلك المنع من البول قائماً.
وأخبرنا أبو العباس الحسني، قال: أخبرنا علي بن داود بن نصر، قال:
حدثنا محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني،
قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن الأعمش، عن أنس، أنه قال: كان
رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل الخلاء، لم يرفع ثوبه
حتى يدنو من الأرض.
فقد صح بهذا الخبر، ووضح ما اختاره الهادي عليه السلام.
فأما التعوذ: فلِما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيما
رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن هشيم بن بشير، عن عبد العزيز بن
صهيب، عن أنس، قال: كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا
دخل الخلاء، قال: (( أعوذ بالله من الخبث والخبائث )).
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عروبة،
عن قتادة، عن قاسم الشيباني، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول اللّه
صلى الله عليه وآله وسلم: (( إن هذه الحشوش مُحتضَرة، فإذا دخل
أحدكم فليقل: اللهم، إني أعوذ بك من الخبث والخبائث )).
وروى محمد بن منصور، عن أحمد بن عيسى، عن حسين بن علوان، عن أبي
خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، أنَّه كان
إذا دخل المخرج، قال: (( بسم اللّه، اللهم، إني أعوذ بك من الرجس
النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم )).
مسألة [ في استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة ]
__________
(1) سقطت من (ب).
(2) ذكره في الأحكام 1/48.
(3/1)
ولا يجلس مستقبل القبلة ولا مستدبرها. قال القاسم عليه السلام:
وهو في الفضاء أشد.
وهذه الجملة قد نص عليها القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي).
ونص عليها الهادي عليه السلام في كتاب (الأحكام) و(المنتخب) (1)
جميعاً.
فأما القاسم عليه السلام، فقد صرح بأن النهي عن ذلك على سبيل
الكراهة دون التحريم، وإليه أشار الهادي عليه السلام في (الأحكام)،
فأما في (المنتخب) فإنه أومأ إلى التحريم. ووجه تحريمه:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال:
حدثنا يونس، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي،
أنَّه سمع أبا أيوب الأنصاري، يقول: قال رسول اللّه صلى الله عليه
وآله وسلم: (( لا تستقبلوا القبلة لغائطٍ ولا لبول، ولكن شرّقوا أو
غرّبوا )). فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض قد بُنيت نحو القبلة،
فننحرف عنها ونستغفر الله(2).
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن
إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قالوا لسلمان: قد علمكم
نبيكم كل شيء حتى الخِراءة! قال: أجل، قد نهانا أن نستقبل القبلة
بالغائط أوالبول.
ووجه كون النهي الوارد في هذا الباب على الكراهة:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ابن
أبي دواد، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب،
قال: حدثني محمد بن عجلان، عن محمد بن يحيى، عن واسع بن حبان، عن
ابن عمر، أنَّه قال: يتحدث الناس عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم، بحديث وقد اطلعت على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم من
ظهر بيته(3) ـ وهو يقضي حاجته محجوزاً عليه بِلَبِن ـ فرأيته
مستقبل القبلة.
__________
(1) ذكره في الأحكام 1/48. وفي المنتخب ص22.
(2) في (ب): فينحرف عنها ويستغفر الله.
(3) في (ب): بيت.
(3/2)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر، قال: حدثنا ربيع
المؤذن، قال: حدثنا أسد، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء،
عن خالد بن أبي الصلت، قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا
استقبال القبلة بالفرج، فقال عراك بن مالك: قالت عائشة: ذكر عند
رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أن أناساً يكرهون استقبال
القبلة بفروجهم، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( أو
قد فعلوا ذلك؟ حولوا مقعدتي نحو القبلة )).
وفي العلماء من فَصل بينَ الإستقبال والإستدبار، فحذر الإستقبال،
وأباح الإستدبار، وهو أبو حنيفة وأصحابه؛ وذلك لا وجه له، لأن
النهي ورد فيهما جميعاً، وحديث ابن عمر وعراك ورد عن عائشة في
الإستقبال، وأبو حنيفة يمنع منه، على أنَّ الإستقبال إذا ثبت المنع
منه، كان الإستدبار مثله؛ بعلة أنَّه أفضى بالفرج إلى القبلة عند
قضاء الحاجة، ولأن الغرض في ذلك تعظيم القبلة فالاستقبال
كالاستدبار.
وذهب الشافعي إلى أن الحظر في الاستقبال والاستدبار جميعاً إذا
كانا في الفضاء، وأباحهما في العمارة.
وكان أبو العباس الحسني رحمه اللّه يُخرِّج مذهب أصحابنا على ذلك،
وقد أشار إليه القاسم عليه السلام بقوله: وهو في الفضاء أشد.
والوجه في ذلك أن الفضاء كله يجوز أن يكون موضعاً للعبادة والصلاة،
وليست(1) العمارة كذلك، لأن الأَخلِيَة منها لا تجوز الصلاة فيها،
فالموضع الذي يختص بقضاء الحاجة، والمنع من الصلاة فيه لا يمتنع أن
لا يُراعَى فيه حكم القبلة في الاستقبال والاستدبار، وليس كذلك
الفضاء؛ لكون جميعه مصلى، على أن استقبال القبلة في الفضاء لا خلاف
في المنع منه، إلا ما يحكى عن صاحب الظاهر، وما لا خلاف فيه أولى
بالتشدد فيه، فلذلك قال القاسم عليه السلام: إنَّه في الفضاء أشد.
وفيه أيضاً أن حديث الترخيص وهو حديث ابن عمر وحديث عراك، عن عائشة
وردا في العمارة.
__________
(1) في (أ): وليس.
(3/3)
فإن قيل: فأبو أيوب ذكر أنهم كانوا ينحرفون ويستغفرون اللّه حين
وجدوا بالشام مراحيض قد بنيت نحو القبلة؟
قيل له: ذلك فعل منه، ولا يمتنع أن يكون رأى ذلك لما كان يسمع من
رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، دون سماع ما ورد في الترخيص.
فإن سألوا عما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال(1): حدثنا أبو جعفر
الطحاوي، قال: حدثنا علي بن معبد، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن
سعيد، قال: حدثنا أبي، عن أبي إسحاق، قال: حدثني أبان بن صالح، عن
مجاهد بن جبر، عن جابر بن عبد الله، قال: كان نهانا رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم، أن نستقبل القبلة أو نستدبرها بفروجنا للبول،
ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة.
قيل لهم: لا يمتنع أن يكون رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم،
يفعل ذلك(2) في العمارة وهو فعل لا يمكن ادعاء العموم فيه، وهذا
التأويل أولى من حمله على النسخ؛ لأن الأخبار ما أمكن فيها
الاستعمال، لم يجزْ حملها على النسخ.
مسألة [ في الاستنجاء ]
ويجب الإستنجاء بالماء على الرجال والنساء من كل خارج من السبيلين.
وهذا قد نص عليه في (المنتخب) (3).
والذي يدل على ذلك:
ما رواه زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، أن امرأة سألته: هل يجزي امرأة أن تستنجي
بشيء سوى الماء؟ فقال: (( لا، إلاَّ أن لا تجد الماء )).
فإذا ثبت ذلك في النساء، ثبت في الرجال؛ إذ لم يفصل أحد من
المسلمين بينهم في ذلك. ويدل على ذلك:
__________
(1) سقطت من (أ).
(2) سقط من (ب): (يفعل ذلك).
(3) ذكره في المنتخب ص24، وهو هنا بالمعنى.
(3/4)
ما أخبرنا به محمد بن عثمان بن سعيد النقاش، قال: حدثنا الناصر
للحق عليه السلام، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: حدثنا أحمد بن
عيسى، عن حسين، عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي
عليهم السلام، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ((
أُعطيت ثلاثاً لم يٌعطَهن نبي قبلي: جُعلت لي الأرض مسجداً
وطهوراً، قال اللّه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا
صَعِيْداً طَيِّباً} )) إلى آخر الحديث.
فجعل قوله عليه السلام: (( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ))، مراد
قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}، فاقتضى كون
الأرض طهوراً بشرط عدم الماء.
وإذا ثبت ذلك، ثبت أن الإستنجاء بالحجر والمدر لا يجوز مع وجود
الماء.
وأخبرنا محمد بن عثمان النقاش، قال: حدثنا الناصر للحق عليه
السلام، قال: حدثنا محمد بن منصور، عن داود بن سليمان الأسدي، قال:
أخبرنا شيخ من أهل البصرة يكنى أبا الحسين، عن أصرم بن حوشب
الهمداني، عن عمر بن قرة، عن أبي جعفر المرادي، عن محمد بن
الحنفية، قال: دخلت على والدي علي بن أبي طالب عليه السلام، فإذا
عن يمينه إناء فيه ماء، فسمى، ثم سكب على يمينه ماء(1)، ثم استنجى
ـ في حديث طويل. ثم قال: (( يا بني، إفعل كفعالي )). وهذا أمر،
والأمر يقتضي الوجوب.
وقد كان القاسم عليه السلام يستدل بقوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ
مِنْكُم مِنَ الْغَائِطِ}، إلى قوله: {طَيِّباً}، فيقول: لم ينقل
اللّه الجائي من الغائط عن الماء، إلاَّ عند عدم الماء، فيجب أن
يكون الإستنجاء بغير الماء لا يجزي مع وجود الماء.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن يعلى، عن عبد الملك
بن عمير، قال: قال علي عليه السلام: (( إن من كان قبلكم كانوا
يبعرون بعراً، وأنتم تثلطون ثلطاً؛ فأتبعوا الحجارة الماء )) .
__________
(1) سقط (ماء) من (أ).
(3/5)
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن سليمان، عن سعيد،
عن قتادة، عن معاذة العدوية، عن عائشة، قالت: مُرن أزواجكن أن
يغسلوا أثر الغائط والبول، فإن رسول اللّه من كان يفعله، وأنا
أستحييهم.
ومما يدل على ذلك أنَّه لا خلاف أن الزائد على قدر الدرهم من
المتعدي للشرج يجب إزالته بالماء متى وجده؛ والعلة فيه أنها نجاسة
يمكن إزالتها بالماء من غير مشقة عظيمة، فوجب أن يرد إليه ما
خولفنا فيه من هذا الباب لهذه العلة.
والدليل على صحة هذه العلة أن تلك لو لم تكن نجاسة، أو كانت مما لا
يمكن إزالتها أصلاً، أولا يمكن إزالتها إلاَّ بالمشقة كالنجاسة
تكون على الجرح ونحوه، لم يجب إزالتها، ومتى حصلت هذه الأوصاف وجب
إزالتها، فعُلِم أنها هي العلة.
ولا تنتقض باليسير من الدم الذي لا يسيل مثله؛ لأنَّه عندنا غير
نجس، أو يقال إن ذلك يؤدي إلى المشقة.
وأما ما روي عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه
قال: (( ثلاثة أحجار ينقين المؤمن )) فلا ظاهر له، وذلك أنا قد
علمنا أن ثلاثة أحجار قد لا تنقي، ويبقى بعدها القذر، وإذا لم يكن
له ظاهر، فتأويله إذا لم يجد الماء، ولو كان له ظاهر، لكان الواجب
أن يخص حال وجود الماء بالأدلة التي ذكرناها.
(3/6)
فأما ما روي عن ابن مسعود، أنَّه قال: خرج رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم لحاجته، فقال: (( إلتمس ثلاثة أحجار، فأتيته بحجرين
وروثة، فأخذ الحجرين، وطرح الروثة، وقال: إنها رجس ))، فليس فيه
دلالة للمخالف؛ لأنَّه ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم،
كان واجداً للماء، ولا أنَّه لم يستعمل الماء بعده، على أن قول
عائشة كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يفعله ـ يعني
الإستنجاء ـ بالماء بعده(1)، يبين أنه اقتصر على الأحجار، لعدم
الماء، على أنَّه لا بد لأبي حنيفة أن يتأول الخبرين إذا سئل فيما
زاد على قدر الدرهم من القذر المتعدي للشرج، وكذلك لا بد للشافعي
من تأوله فيما تعدى الشرج قليلاً كان أو كثيراً.
فإن قيل: إن الإستنجاء من العشر التي جعلت من سنن المرسلين.
قيل له: المراد بسنن المرسلين، ما داوموا على فعلها، ألا ترى أنَّه
ذكر فيها الختان ـ وهو فرض ـ على أن اسم السنة ينطلق على الفرض،
ألا ترى إلى ما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ((
فيما سقت السماء العُشُر )) فليس فيما ذكروا دلالة على أنَّه غير
واجب.
مسألة [ في كيفية الاستنجاء ]
قال: ويبدأ بفرجه الأعلى فينقيه، ثم بفرجه الأسفل.
وهذا قد نص عليه الهادي عليه السلام في (الأحكام) و(المنتخب) (2)
جميعاً.
وهذا يدل من قوله على أنَّه لا يفصل بين ورود الماء على النجاسة،
وورود النجاسة على الماء، في أن الماء ينجس، لأنَّه إذا كان كذلك،
يكون الوجه فيه أنه منع أن الإبتداء بالفرج الأسفل؛ لأنَّه لو
ابتدأ به لكان الماء يلقى الفرج الأعلى وهو نجس، ثم ينزل إلى الفرج
الأسفل، وقد صار نجساً، فلا يطهره، وإذا غسل الفرج الأعلى أولاً،
كان ما ينحدر عنه من الماء طاهراً ويطهر به الفرج الأسفل.
__________
(1) ساقطة من (أ) و(ب)، إلا أنه ذكر في (ب)، في نسخة فقط.
(2) ذكره في الأحكام 1/49، وهو هنا بالمعنى. وذكره في المنتخب ص24.
(3/7)
ومذهب الشافعي أن الماء لا ينجس إذا ورد على النجاسة، وينجس إذا
وردت النجاسة عليه، وهذا لا معنى له؛ لأن أكثر ما استدللنا به على
أن الماء اليسير ينجس بوقوع النجاسة فيه، يقتضي نجاسة الماء إذا
ورد على النجاسة، مثل استدلالنا بقوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ
عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ} واستدلالنا بأن الماء اليسير إذا حصلت
فيه النجاسة، ثم شرب أو تطهر به صار النجس مشروباً ومتطهراً به
وغير ذلك، فكل ذلك يبين أنَّه لا فصل بين ورود النجاسة على الماء،
وورود الماء على النجاسة.
فإن قيل: لو كان الماء ينجس بوروده على النجاسة، لكان يجب لوروده
على أن لا يطهر النجس أبداً، لأنَّه كان ينجس الماء الوارد على
النجاسة، ثم كان الماء الثاني ينجس الماء(1) الأول، ثم كذلك أبداً.
قيل له: ليس الأمر على ما قدرت، وذلك أن النجاسة والطهارة أمور
شرعية، فيجب أن تكون أحكامها بحسب ما تقتضيه الشريعة، وليست أموراً
عقلية فيرجع فيها إلى مقتضى العقل، وإذا كان ذلك كذلك، فغير ممتنع
أن يرد الشرع بأن الماء إذا ورد على النجاسة نجّس الماء، وطهر
الموضع، فإذا كان ذلك غير ممتنع، فليس علينا إلاَّ بيان ورود الشرع
به.
وقد بينا ذلك بما دللنا عليه، على أنَّه لا فرق بين ورود النجاسة
على الماء، ووروده على النجاسة، يكشف ذلك أن الأمر لو كان في
النجاسة والطهارة على ما ذكروا، لوجب في البئر إذا وقعت فيها
النجاسة أن لا تطهر أبداً، لأن الماء النجس إذا نزح، فلا شك أنَّه
يترشش على جوانب البئر، فلو كان الأمر بالقياس، لكانت البئر لا
تطهر أبداً، ولكن الشرع ورد بأنها تطهر بأن ينزح ماؤها، وهذا واضح،
والحمد لله.
فإن استدلوا بأن أعرابياً بال في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه
وآله وسلم، فأمر بأن يُصب عليه ذَنوب من ماء، فلو كان الماء ينجس
بوروده على النجاسة، لكان ذلك الماء يزيد المسجد نجاسة.
__________
(1) في (ب): بالماء.
(3/8)
قيل له: أرض المدينة أرض حصباء، إذا صُب عليها الماء، رسب في
الأرض، كحاله إذا صب على الرمل، فالماء الملاقي للنجس إذاً ليس
يستقر على وجه الأرض بل يرسب فيها ويصير في باطن الأرض، فلا يجب
فيه ما قدرتم.
على أنَّه قد روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بحفر ذلك
الموضع.
أخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي (قال حدثنا
فهد)(1)، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدثنا أبو
بكر بن عياش، عن سمعان بن مالك الأسدي، عن أبي وائل، عن عبدالله،
قال: بال أعرابي في المسجد فأمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم،
أن يصب عليه دلو من ماء، ثم أمر به فحفر مكانه(2).
مسألة [ في الاستنجاء باليمين ]
قال: ولا يجوز لأحد أن يستنجي بيمينه إذا أمكنه وإن فعله أجزأه.
وقد نص الهادي عليه السلام في (الأحكام) (3) على المنع من
الإستنجاء باليمين، فدل(4) كلامه على أنَّه إذا فعله أجزأه، لأنَّه
قال: (( نهى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، عن ذلك نظراً منه
للمؤمنين، لما لهم فيها من المنافع في المآكل وغير ذلك )).
فبين أن الغرض فيه تنزيهها عن الأقذار، لا أن الإستنجاء بها لا
يقع.
والذي يدل على أنَّه لا يجوز لأحد أن يستنجي بيمينه:
ما أخبرنا به أبو الحسين علي بن إسماعيل، حدثنا(5) الناصر، حدثنا
محمد بن منصور، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن هشام
الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد اللّه بن أبي قتادة، عن
أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه قال: (( إذا دخل
أحدكم الخلاء، فلا يمس ذكره بيمينه )).
__________
(1) سقط من (أ).
(2) أخرجه في شرح معاني الآثار 1/14.
(3) ذكره في الأحكام 1/48.
(4) في (ب): ودل.
(5) في (ب): قال حدثنا. في جميع السند.
(3/9)
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن
إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قالوا لسلمان: قد علمكم
نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال أجل قد نهانا أن نستنجي باليمين.
فأما جوازه إن استنجى باليمين فلا خلاف فيه؛ ولأنه مثل إزالة سائر
النجاسات في أنَّه لم يؤخذ على الإنسان إلاَّ إزالته بالماء
المطلق.
مسألة [ في الاستجمار ]
قال: والإستنجاء بالأحجار قبل الماء مستحب، والمدر يقوم مقام
الحجر.
وهذا قد نص عليه يحيى بن الحسين عليه السلام في (المنتخب)(1)، وهو
مما لا أحفظ فيه خلافاً.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استنجى بالأحجار وأمر
به، وقد ثبت أن الإستنجاء بالماء واجب، فثبت أن الاستنجاء بالحجر
وما(2) يقوم مقامه مستحب.
مسألة [ فيمن يبول قائماً ]
قال القاسم عليه السلام: ويكره البول قائماً، إلاَّ من علة.
وقد نص عليه القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي). والذي يدل
عليه:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا(3) الطحاوي، حدثنا إبراهيم بن
مرزوق، حدثنا أبو عامر، قال أبو جعفر الطحاوي: وحدثنا فهد، قال:
حدثنا أبو نعيم، قالا: حدثنا سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: (( ما بال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم
قائماً منذ أنزل عليه القرآن )).
وفي بعض الروايات أن عائشة قالت: من حدثك أن رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم بال قائماً، فلا تصدقه، وفي بعضها فكذبه.
والبول قاعداً أقرب إلى ستر العورة من البول قائماً، فيجب أن يكون
ذلك أولى، وأن يكون البول قائماً مكروهاً؛ لأنَّه أقرب إلى إبداء
العورة.
__________
(1) ذكره في المنتخب ص22. وهو هنا بالمعنى.
(2) في (أ): أو ما.
(3) في (ب): قال حدثنا. في جميع السند.
(3/10)
وقد أخبرنا محمد بن عثمان بن سعيد النقاش، قال: حدثنا الناصر
للحق عليه السلام، حدثنا(1) محمد بن منصور، عن يوسف بن موسى، عن
محمد بن الصلت، عن قيس بن الربيع، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن
ابن عباس، عن العباس بن عبد المطلب، أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم قال: (( نهيت أن أمشي وأنا عريان )).
وفيه أيضاً وجه آخر وهو(2) أن البول قائماً أقرب إلى أن يترشش على
البدن، فيجب أن يكره؛ لأنَّه خلاف الاحتياط.
وقد روي عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بقبرين،
وقال: (( إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أحدهما كان لا يستنزه
من البول ))، وقد ذكرنا الحديث عند ذكرنا بول ما يؤكل لحمه
بإسناده.
فكل ذلك يبين صحة ما ذهبنا إليه من كراهة البول قائماً.
فإن قيل: روي أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بال قائماً
رواه الطحاوي يرفعه.
وروي أيضاً يرفعه إلى شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي ضبيان، أن
علياً عليه السلام بال قائماً، وروى مثله عن عمر أيضاً.
قيل له: قد بينا وجه الكراهة في ذلك، وليس يمتنع أن يكون هذا الفعل
وقع منهم على سبيل الضرورة، ونحن لا نمنع من إجازة ذلك عند
الضرورة، وهذا أولى؛ لنكون قد استعملنا الأخبار كلها.
__________
(1) في (ب): قال حدثنا.
(2) سقطت من (ب).
(3/11)
باب القول في صفة التطهر وما يوجبه
مسألة [ في النية ]
فرض الوضوء النية.
وقد نص الهادي عليه السلام عليها في (المنتخب) (1).
والدليل على ذلك قول اللّه تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ
لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِيْنَ لَهُ الدِّيْنَ}[البينة: 5].
ووجه الاستدلال منه أنَّه قد ثبت أن اللّه تعالى لم يأمر إلاَّ بأن
يُعبَد على طريق الإخلاص، وثبت أنَّه أمر بالوضوء، فقد ثبت أنَّه
أمر به على طريق الإخلاص، والشيء إذا جاز أن يقع على وجه الإخلاص،
وعلى غير وجه الإخلاص، لم يجز أن يقع على وجه الإخلاص إلا بالنية؛
لأن الأفعال إذا جاز وقوعها على وجوه مختلفة، لم يجز أن يقع على
بعضها إلاَّ بالقصد، وإذا ثبت ذلك ثبت أنَّه لا بد من قصد مُضَامٍّ
للوضوء.
وقد سأل بعض أصحاب أبي حنيفة على هذا، فقال: لو كان الوضوء يجب أن
يضامه القصد من حيث هو عبادة ومأمور به، للزم(2) ذلك في القصد
نفسه؛ لأنه عبادة ومأمور به، وذلك يؤدي إلى وجوب وجود مالا يتناهى
من القصد، وهذا السؤال بعيد جداً، وذلك أنا إنما قلنا في الوضوء ما
قلناه؛ لأنَّه يجوز وقوعه على وجوهٍ مختلفة، وكذلك نقول في سائر
الأفعال التي تصح فيها هذه القضية؛ فأما القصد نفسه فإنه لا يجوز
أن يقع على وجوه مختلفة؛ بل يختص كل قصد بوجه يقع عليه؛ لأن القصد
إلى أن يكون الشيء قربة إلى اللّه تعالى لا يجوز أن يكون قصداً إلى
أن يكون قربة إلى غيره؛ ولهذا نقول إن القديم ـ سبحانه ـ لا بد أن
يكون مريداً لجميع أفعاله خلا الإرادات والكراهات، وهذا بيّن،
وسقوط ما سألوا عنه واضح.
فإن قيل: فقد أُمرنا بإزالة النجاسات عن أبداننا وثيابنا عند
الصلاة، وكذلك قد أُمرنا بستر العورة، ومع ذلك لا يجب أن يضامها
القصد؟
__________
(1) انظر المنتخب ص26.
(2) في (أ) و(ب): أوجب.
(4/1)
قيل له: لو خُلِّينا وظاهر الآية، لأوجبنا ذلك، إلاَّ أنا
خصصناه بدلالة الإجماع، على أنا لو دفعنا سؤالهم في القصد بأنه
مخصوص بالإجماع، لكان ذلك جائزاً، إلاَّ أنا أحببنا كشف الكلام
فيه، لأنَّه أصل كبير.
فإن قيل: العبد يكون مخلصاً من حيث اعتقد الإيمان فهو إذاً مخلص في
سائر شرائعه من حيث اعتقد الإيمان، لأنَّه لو لم يكن مخلصاً، لكان
مشركاً، لأن ضد الإخلاص الشرك، فكان يجب أن يكون من لم ينوِ
مشركاً.
قيل له: ما قلتَ إن العبد يكون باعتقاد الإيمان مخلصاً في جميع
الشرائع، فليس الأمر على ما قلتَ؛ لأنَّه لا يمتنع أن يكون يعتقد
الإيمان، ويخلص في عبادةٍ ولا يخلص في أخرى، والآية اقتضت أن
يُضامَّ الإخلاصُ جميع العبادات، ألا ترى أن قائلاً لو قال: ما أمر
فلان إلاَّ بأن يخرج راكباً، لأقتضى ذلك أن يكون خروجه يضامه
الركوب، وكذلك لو قال: ما أمر إلاَّ بأن يصلي متطهراً، فإذا كان
ذلك كذلك، فلا بد من قصد يضام جميع العبادات بحكم الظاهر، إلاَّ ما
خص منه الدليل.
وقوله: إن ضد الإخلاص هو الإشراك ـ فلو كان الأمر على كما قلتم،
لكان من لم ينو مشركاً ـ غلط /37/، وذلك بأنا لو سلمنا أن الإشراك
ضد الإخلاص، لم يجب أن يكون من خرج عن الإخلاص مشركاً؛ لأن الشيء
لا يمتنع أن يكون له أضداد كثيرة، فإذا خرج عن بعضها لا يجب أن
يُحَصَّل على سائرها، ألا ترى أن حركة الإنسان إلى جهة يمينه يضاد
حركته إلى جهة يساره؟ وكذلك تضاد حركة أمامه وحركة خلفه، وحركة
فوقه، وحركة تحته، وإذا خرج عن أن يتحرك إلى ذات اليمين، فلا يجب
أن يحصل متحركاً إلى جميع تلك الجهات. وهذا وضوحه يغني عن تكثير
ضرب أمثاله.
فعلى هذا لا يمتنع أن يخرج الإنسان عن كونه متطهراً على وجه
الإخلاص إلى كونه متطهراً على وجه العبث، وإلى وجه التبرد وغيرهما،
وإن لم يكن متطهراً على وجه الإشراك؛ لأن المتطهر يكون متطهراً على
وجه الإشراك إذا قصد به العبادة لغير الله.
(4/2)
فإن قيل: فقد قال اللّه تعالى: {مُخْلِصِيْنَ لَهُ الدِّيْنَ}،
والوضوء ليس من الدين؛ لأنَّه ليس بفرض في نفسه.
قيل له: هذا خطأ، وذلك أن الوضوء فرض في نفسه، وإن كان فرضاً يتعلق
بغيره، على أن صريح قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أسقط هذا
السؤال. وهو قوله: (( الوضوء شطر الإيمان )).
ويدل على ذلك الخبر المشهور، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((
الأعمال بالنيات، وإنما لامرءٍ ما نوى )).
فحقق أنَّه يكون للمرء ما نواه دون ما عداه، فمن لم ينوِ، فلا وضوء
له.
ويدل على ذلك:
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم
الجزيري، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليهم السلام،
قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا قول إلاَّ
بعمل، ولا قول ولا عمل إلاَّ بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلاَّ
بإصابة السنة ))، (فقد صرح صلى اللّه عليه وآله وسلم بنفي العمل
إلا بالنيَّبة فيجب ألا يكون الوضوء إلا بالنية)(1).
فإن قيل: إن النفي لا يجوز أن يكون متناولاً لذات العمل؛ لأن العمل
قد يحصل وإن لم يكن نية تضامه، وهذا معلوم ظاهر، فثبت أنَّه يتناول
أحكام الفعل، ولا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد
أجزاءه وكماله، لأن نفي الكمال يقتضي بقاء حكم الأصل (ونفي الإجزاء
يقتضي نفي حكم الأصل)(2)، وإذا لم يصح حمله عليهما، وكان المراد
أحدهما، صار مجملاً لا يصح التعلق بظاهره.
قيل له: ليس الأمر على ما ذهبت إليه؛ لأن نفي حكم الأصل يتضمن نفي
الكمال، ولا نسلم أن نفي الكمال أبداً يقتضي بقاء حكم الأصل، وإن
كان في بعض المواضع، لا يمتنع أن ينتفي الكمال، ويبقى حكم الأصل،
وإذا كان ذلك كذلك، لم يمتنع أن ينتفي حكم الأصل، فينتفي الإجزاء
والكمال جميعاً، وإذا صح ذلك، وجب حكم النفي عليه بحق العموم.
__________
(1) ما بين القوسين زيادة في (ج).
(2) ما بين القوسين سقط من (ب).
(4/3)
يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لو قال باللفظ
الصريح: لا عمل يكمُل ويجزي إلا بالنية. لصح ذلك، فبان أن الذي
ادعوه من فساد الكلام متى حمل عليها، غلط ممن أدعاه.
فأما قولهم هذا الذي ذكرتموه، فإنه يقتضي نسخ قول اللّه تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذَيْنَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُم إِلَى الصَّلاةِ
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم..} الآية [المائدة:6]؛ لأنَّه زيادة عليها،
والزيادة على النص تقتضي نسخه، فذلك ساقط على أصولنا؛ لأن هذا
القبيل من الزيادة لا يكون نسخاً عندنا. واستقصاء /38/ الكلام في
هذا يخرجنا عن هذه المسألة، وفيما ذكرنا كفاية.
وجوابنا في هذا الموضع ـ وإذا سألوا في سائر هذه الظواهر كقوله:
{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً}، وكقول النبي صلى
الله عليه وآله وسلم: (( أما أنا، فأحثي على رأسي ثلاث حثيات،
فأطهر ))، وكقوله عليه السلام: (( فإذا وجدت الماء فأمسسه جسدك ))
ـ أن نقول: إنَّه لا يمتنع أن يَذْكُر اللّه تعالى ورسوله، الحكم
في موضع، والشرط في موضع آخر، وينبه عليه من طريق القياس، وإذا كان
الأمر كذلك، فهذه الظواهر تقتضي الحكم، وما ذكرناه يقتضي الشرط،
فهذا بين بحمد الله.
ويستدل على ذلك من جهة النظر بعلل منها:
أنَّا نقيسه على التيمم؛ بعلة أنها طهارة عن حدث، ونقيس عليه أيضاً
بعلة أنَّه عبادة تبطل بالحدث مع السلامة، وبالعلة الثانية نقيسه
على الصلاة أيضاً، فيجب أن تكون النية شرطاً في صحته قياساً على
التيمم والصلاة.
وقد يقاس أيضاً على الصلاة والصيام والحج؛ بعلة أنها عبادة لها أول
وآخر قد ارتبط بعضه ببعض.
وقد يقاس أيضاً على العتق في الظهار، بعلة أنَّه عبادة ذات بدل من
شرط صحته النية، فكذلك الوضوء؛ لأن بدله التيمم، ومن شرط صحته
النية.
(4/4)
فإن قاسوه على إزالة النجاسات؛ بعلة أنها طهارة بالماء، رجحنا
قياسنا بالاحتياط، وباستناده إلى الظواهر التي ذكرناها، وبأنها
تفيد شرعاً، وبأن أصول العبادات تشهد لها كالصلاة والزكاة والصيام
والحج والعمرة والكفارات فرائضها ونوافلها.
وليس لهم أن يدعو أن قياسهم مستند إلى الظواهر التي تعلقوا بها؛
لأنا قد بينا أنها لا تقتضي إثبات النية، ولا نفيها.
مسألة [ في المضمضة والاستنشاق ]
قال: ومن فروض الوضوء: المضمضة، والاستنشاق.
وقد نص عليه يحيى (ع) في (الأحكام) و(المنتخب)(1) جميعاً، ونص عليه
القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي) وفي غيرها.
واستدلا على ذلك بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا
إِذَا قُمْتُم إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ}[المائدة:6] والفم والمنخران من الوجه فوجب غسلهما.
فإن قال المخالف: ليسا من الظاهر!
قيل له: بل هما من الظاهر حكماً، بوجوه منها: أن الصائم يتمضمض
ويستنشق، ولو كانا من الباطن، لم يجز إيصال الماء إليهما في حال
الصيام.
والثاني: أنَّه لو كان بهما نجس، لوجب إزالته كمن الظاهر.
والثالث: أن المخالف ذهب إلى أن غسلهما سنة، وغسل الباطن لا يكون
سنة، كما لا يكون فرضاً.
فإن قيل: الفم والمنخران ليسا من الوجه؛ لأنَّه روي أنَّه صلى الله
عليه وآله وسلم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه، (فلو كان من الوجه
لاكتفى بذكر وجهه) (2)، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق.
__________
(1) انظر الأحكام 1/51، والمنتخب ص25.
(2) ما بين القوسين ساقط من (ج) و(ب).
(4/5)
قيل له: لا يمتنع أن يجري الاسم على أشياء، ثم يفرد بالذكر بعض
ما يتناوله الاسم، ويذكر بعض المسميات، ثم يذكر مع غيره، قال الله
تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلًّهِ وَمَلائِكَتِهِ..}
الآية[البقرة:98] فأفرد بالذكر جبريل وميكائيل بعد ما سمى
الملائكة، وقال: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا
إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِييِّنَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى
إِبْرَاهِيْمَ}[النساء:163]، ثم ذكر عدة من الأنبياء، وأفردهم
بالذكر.
ويدل على ذلك ما أخبرنابه أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى، قال:
أخبرنا أبو زيد/39/ عيسى بن محمد العلوي الرازي، قال: حدثنا محمد
بن منصور، قال: حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين بن علوان، عن أبي
خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، قال: جلست
أتوضأ، فأقبل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حين ابتدأت في
الوضوء، فقال: (( تمضمض، واستنشق، واستنثر )).
وأخبرنا أبو العباس الحسني، قال: أخبرنا ابن أبي حاتم، قال: حدثنا
أحمد بن سنان، قال: حدثنا ابن مهدي عن سفيان، عن إسماعيل بن كثير،
عن عاصم بن لقيط، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم: (( إذا توضأت، فأبلغ في الاستنشاق، ما لم تكن صائماً )).
وروى أبو بكر ابن أبي شيبة، عن محمد بن سليم، عن إسماعيل بن كثير،
عن عاصم بن لقيط، عن أبيه، قال: قلت يا رسول الله: أخبرني عن
الوضوء؟ قال: (( أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في
الاستنشاق، إلاَّ أن تكون صائماً )).
والأمر بالمبالغة في الاستنشاق يقتضي الأمر بالاستنشاق، والاستثناء
واقع على المبالغة بالإجماع، والاستنشاق باقٍ على الوجوب.
(4/6)
وأخبرنا أبو الحسين عبد اللّه بن سعيد البروجردي، قال: حدثنا
أبو بكر محمد بن عمرو الدينوري، قال: حدثنا ابن أبي ميسرة، قال:
حدثنا الربيع بن بدر(1)، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، قال: قال
رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( تمضمضوا، واستنشقوا،
والأذنان من الرأس ))، فهذه الأخبار كلها نصوص في إيجاب المضمضة
والاستنشاق.
وأخبرنا أبو العباس الحسني، قال: حدثنا أبو بكر الصواف، قال: حدثنا
أبو زيد محمد بن موسى، قال: حدثنا إسماعيل بن سعيد، قال: حدثنا
يزيد بن هارون، عن أشعث، عن أبي إسحاق، قال: قال علي عليه السلام:
أول الوضوء المضمضة والاستنشاق.
وروينا عن محمد بن الحنفية أنَّه قال: دخلت على أبي وهو يتوضأ ـ في
حديث طويل ـ وفيه أنَّه تمضمض واستنشق، ثم قال لي بعد فراغه: (يا
بني افعل كفعالي هذا)، وقد ذكرنا إسناده في مسألة وجوب الاستنجاء
بالماء، فثبت عنه عليه السلام وجوبهما، ولم نحفظ عن غيره من
الصحابة خلافه، فوجب القول به، على أن مذهبنا أنَّه إذا صح القول
عن علي عليه السلام وجب المصير إليه، خالفه غيره من الصحابة أم لم
يخالفه.
ومن النص في هذا الباب الذي لا يحتمل التأويل:
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، قال: أخبرنا محمد بن علي الصواف،
قال: أخبرنا أبو زيد المقرئ، قال: حدثنا إسماعيل بن سعيد في كتاب
(البيان)، قال: حدثنا محمد بن بندار السباك، قال: حدثنا إسحاق بن
راهويه، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن عبادة، عن جعفر بن إياس، عن
عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، قال: توضأ رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم، ثم أتى مصلاه، فقام فيه للصلاة، فكبر، ثم انفتل،
فقال: ذكرت شيئاً من الوضوء لا بد منه، فتمضمض واستنشق، ثم استقبل
الصلاة.
فإن قيل: يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: في
المضمضة والاستنشاق هما سنة في الوضوء!
__________
(1) في (ب): ابن زيد، وفي الهامش: بدر.
(4/7)
قيل له: لا يمتنع أن يطلق اسم السنة على الفرض، ألا ترى إلى ما
رُوي: (( سَنَّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فيما سقت
السماء العشر ))، والعشر لا إشكال في أنَّه فرض، فإذا كان ذلك
كذلك، لم يمتنع فرضهما بالأدلة التي بيناها.
فأما قول من قال من أصحاب أبي حنيفة: إن إثبات فرضهما /41/ زيادة
في النص لا يجوز إثباتها بأخبار الآحاد، فإنه ساقط من وجهين:
أحدهما: ما بيناه في المسألة التي قبل هذه أن هذا القبيل من
الزيادة لا يجب أن يكون نسخاً، ولا يمتنع إثباته بخبر الواحد على
أصولنا.
والثاني: أن الظاهر عندنا مشتمل على المضمضة والاستنشاق؛ إذ الفم
والمنخران من الوجه على ما بيناه في صدر هذه المسألة.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (( عشر
من سنن المرسلين )) وذكر فيها المضمضة والاستنشاق.
قيل له: قد بينا أن السنة تطلق على الفرض، ومعنى سنن المرسلين، أي
ما داوموا على فعلها، وهو مأخوذ من سنن الطريق، ويبين ذلك أنَّه
ذكر الختان في جملة هذه الخلال العشر، ولا خلاف في أنَّه فرض لا
يسع تركه.
وليس لأحد أن يتعلق بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إذا وجدت
الماء فأمسسه جلدك ))؛ لأن داخل الفم والمنخرين أيضاً جلد، فيجب أن
يمسه الماء، ولو جعلناه نحن دليلنا، لكان أولى.
ومما يدل على ذلك من طريق النظر: أنَّه باطن عضو يجب غسله ـ لا
مشقة في غسله ـ فيجب أن يكون غسله واجباً قياساً على باطن القدم،
وعلتنا هذه مرجحة على ما يعللون به بإفادة الشرع، والإحتياط،
والاستناد إلى هذه الآثار القوية والنصوص الصريحة.
وليس يلزم على ما ذكرنا داخل العين وباطن الجفن، فإنا قد جعلنا في
أوصاف العلة أن لا مشقة في غسله، وداخل العين وباطن الجفن، في
غسلهما مشقة عظيمة.
ويمكن أيضاً أن يقاس باطن الأنف على ظاهره؛ بعلة أنَّه بعض من
الأنف وبعض من الفم يلزمه حكم النجس، فيجب أن يلزمه حكم الحدث.
(4/8)
مسألة [ في غسل الوجه وتخليل اللحية ]
قال: ومن فرض الوضوء: غسل الوجه وتخليل اللحية إن كانت.
وقد نص في الأحكام على وجوب تخليل اللحية.
والذي يدل على ذلك قول اللّه تعالى: {فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُم}[المائدة:6]، وقد ثبت أن نبات الشعر على الوجه لا يخرج
الوجه من أن يكون وجهاً؛ لأن الوجه اسم للعضو المخصوص، فنبات الشعر
عليه لا يزيل الاسم عنه كسائر الأعضاء.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يجزي غسل اللحية عن غسل الوجه، كما أجزأ مسح
شعر الرأس عن مسح جلد الرأس؟
قيل له: لا سبيل إلى مسح جلد الرأس إذا(1) كان عليه الشعر؛ لأن
التخليل يخرج المسح عن أن يكون مسحاً إلى أن يكون غسلاً، وليس هكذا
الغسل؛ لأن التخليل لا يخرج الغسل عن أن يكون غسلاً، بل هو أبلغ في
كونه غسلاً، ويدل على ذلك:
ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا وكيع، عن الهيثم، عن يزيد
الرقاشي، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (( أتاني
جبريل عليه السلام، فقال: إذا توضأت، فخلل لحيتك ))، فثبت وجوبه
على الأمة؛ لأن كل ما أوجبته الشريعة على النبي صلى الله عليه وآله
وسلم يجب على كل(2) الأمة، إلاَّ ما يخصه الدليل.
وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن أبي عاصم، عن رجل ـ لم
يسمه ـ أن علياً عليه السلام مرَّ على رجل يتوضأ فقال: (خلل
لحيتك).
__________
(1) في (أ): إن.
(2) سقطت (كل) من (ب) و(ج).
(4/9)
وأخبرنا أبو العباس الحسني، رضي اللّه عنه، قال: أخبرنا أحمد بن
خالد الفارسي، حدثنا(1) محمد بن الحسين الخثعمي، حدثنا عباد بن
يعقوب/41/، حدثنا حسين بن زيد بن علي، حدثنا جعفر بن محمد، عن
أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، أنَّه مر برجل يتوضأ، فوقف
عليه حتى نظر إليه، فلم يخلل لحيته، فقال: (ما بال أقوام(2) يغسلون
وجوههم قبل أن تنبت اللحى، فإذا نبتت اللحى، ضيعوا الوضوء)، فإذا
ثبت عن علي عليه السلام القول بوجوبه، كان عندنا واجباً، على أنَّه
إذا لم يحفظ عن غيره من الصحابة خلافه، جرى ذلك مجرى الإجماع.
ويدل على ذلك أيضاً ما أجمعوا عليه من أن المغتسل من الجنابة يلزمه
تخليل لحيته، فكذلك المتوضئ، والمعنى أنَّه مأمور بغسل الوجه
تعبداً، لا لنجاسة به.
ويجوز أن يقاس بهذه العلة الملتحي على غير الملتحي، فيقال: قد ثبت
وجوب إيصال الماء إلى بشرة الوجه إذا لم تكن عليه اللحية.
مسألة [ في غسل الذراعين مع المرفقين ترتيباً ]
قال: ومن فرض الوضوء: غسل الذراع اليمنى مع المرفق، ثم كذلك
اليسرى.
وقد نص في (الأحكام) (3) في باب التيمم على وجوب غسل المرفقين مع
الذراعين، وهو قول أكثر العلماء.
والذي يدل على ذلك:
ما أخبرنا به أبو عبد اللّه محمد بن عثمان النقاش، حدثنا(4) الناصر
للحق الحسن بن علي عليه السلام، حدثنا محمد بن منصور، عن عباد بن
يعقوب، عن قاسم بن عبد اللّه، عن عبد الرحمن بن أحمد بن عقيل، عن
جابر بن عبد الله، قال: كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم
إذا توضأ، يدير الماء على مرفقيه.
__________
(1) في (ب) و(ج): قال حدثنا، في جميع السند.
(2) في (ب) و(ج): قوم.
(3) انظر الأحكام 1/67 ـ 68.
(4) في (ب) و(ج): قال حدثنا. في جميع السند.
(4/10)
وهذا الفعل منه عليه السلام يدل على الوجوب؛ لأنَّه بيان لمجمل
واجب، وفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان بياناً لمجمل
واجب وجب، حمله على الوجوب، والذي يدل على أنَّه بيان لمجمل واجب
أن اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ لما قال: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم
وَأَيْدِيْكُم إِلَى الْمَرَافِق}، لم يُعقل من الظاهر أن المرافق
تدخل في الغسل، أو لا تدخل؛ لأن ((إلى )) موضوع للحد، والحد قد
يدخل في المحدود، وقد لا يدخل؛ لأن قول اللّه تعالى: {ثُمَّ
أَتِمُّوا الصَّيَامَ إِلَى اللًّيْلِ}، يوجب أن لا يدخل الليل في
مدة الصيام، ولو قال رجل: لا أكلم زيداً إلى أن يقوم، لكان القيام
داخلاً في المدة التي وقعت اليمين عليها، فإذا ثبت ذلك، احتمل أن
تكون المرافق داخلة في الغسل، واحتمل أن تكون غير داخلة فيه، فصار
الخطاب مجملاً، وإذا كان الخطاب مجملاً، وكان فعل النبي صلى الله
عليه وآله وسلم بياناً له، بان (أنه بيان مجمل واجب) (1).
مسألة [مسح جميع الرأس]
قال: ومن فرض(2) الوضوء: مسح جميع الرأس مقبله ومدبره وجوانبه مع
الأذنين ظاهرهما وباطنهما.
وقد نص على ذلك في (الأحكام) و(المنتخب) (3)، ونص القاسم عليه
السلام في (مسائل النيروسي) على ذلك وغيره(4).
والذي يدل على ذلك قول اللّه تعالى: {وَامْسَحُوا
بِرُؤُوسِكُمْ}[المائدة:6]، فوجب مسح جميع ما يسمى رأساً؛ لأن
قوله: {بِرُؤوسِكُمْ}، لفظة شاملة لجميع ما يسمى رأساً، ومعلوم أن
مراد الآمر إذا كان جميع ما يدخل تحت الاسم، فلا يزيد على إيراد
لفظة شاملة لجميع ما يدخل تحت الاسم.
فإن قيل: إن ظاهر ذلك يقتضي من المسح مقدار ما يسمى الإنسان به
ماسحاً لرأسه دون استيعاب جميع ما يقع عليه اسم الرأس؟
__________
(1) في (ج) وهامش (ب): وجوبه لكونه بيان مجمل واجب. بدلاً عمَّا
بين القوسين.
(2) في (أ): فروض.
(3) انظر الأحكام 1/49. والمنتخب ص25.
(4) في (ج): وغيرها.
(4/11)
قيل له: ليس الأمر على ما قدرت، بل حكم اللفظ يوجب استيعاب جميع
ما يدخل تحت الاسم، ألا ترى أنَّه لا خلاف بيننا وبين مخالفينا أن
قول اللّه تعالى: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِيْنَ}، يقتضي قتل كل من
يقع عليه اسم الشرك؛ لكون الاسم متناولاً لجميعهم، ولو كان حكم
اللفظ ما ذكروه، لوجب أن يكون الواجب من القتل/42/ هو القدر الذي
إذا أتاه الإنسان سمي به قاتل المشركين، وذلك يكون إذا قتل ثلاثة
من المشركين، فلما بطل ذلك، وكان الواجب الذي يقتضيه الظاهر أن
يقتل جميع من يتسمى بمشرك، صح وثبت ما قلناه من أن الحكم إذا علق
باسم، وجب أن يدخل في ذلك الحكم كل ما يتناوله ذلك الاسم، إلاَّ ما
منع منه الدليل، وإذا صح ذلك، صح ما قلناه من أن قوله تعالى:
{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ}[المائدة:6]، يوجب مسح جميع ما يسمى
بالرأس.
فإن قيل: فقول(1) اللّه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}[المائدة:38]، يقتضي قطع من يقع عليه
اسم السارق سواءً(2) سرق القليل أو الكثير، إلاَّ ما منع منه
الدليل، ولو كان الأمر على ما قلتم، لكان لا يوجب أن يقطع من سرق
بعض مال.
قيل له: هذا غلط، وذلك أنا قلنا أن الحكم إذا علق باسم، وجب أن
يدخل في ذلك الحكم كل ما يتناوله الاسم، فكان مقتضى ما قلناه فيما
سألت عنه، أن يجب قطع كل سارق، إلا من قام دليله، وهذا ما لا
ننكره، بل لا خلاف فيه بين كل من قال بالعموم، وهو أحد ما يوضح ما
قلناه في المسح؛ لأن الأمر لو كان على ما قاله، لكانت الآية تقتضي
من القطع ما يسمى الإنسان به قاطع سارق، فكان كون الواجب يقتضيه
الظاهر قطع سارق واحد، وذلك فاسد، وأما المسروق فلا لفظ له، فيراعى
فيه العموم أو الخصوص، فكيف يشبه حال المسروق ولا اسم له ولا لفظ
في الظاهر حال ما ذكرنا. وهذا واضح بحمد الله.
__________
(1) في (أ): سقطت الفاء.
(2) في (ب) و(ج): وسواء.
(4/12)
فإن قالوا: الباء توجب التبعيض، فوجب بحكم الظاهر أن يكون
الممسوح بعض الرأس.
قيل لهم: الباء توجب الإلصاق، ولا توجب التبعيض، ألا ترى إلى قوله
تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيْقِ}[الحج:29]، وقوه
تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيْهِ
الرَّحْمَة}[الحديد:13]، وقوله تعالى: {وَأْمُرْ قَومَكَ
يَأْخُذُوا بَأَحْسَنِهَا}[الأعراف:145]، والباء في جميع هذه
المواضع لإلصاق الفعل بالمفعول به، لا للتبعيض، ومن يقول: إنَّه
للتبعيض لا يمنع(1) أنَّه يفيد الإلصاق للفعل، إلاَّ أنَّه يقول
يقتضي إلصاقه، وتبعيض المفعول به، فصار اقتضاؤه للإلصاق متفقاً
عليه، وما ادعوا من التبعيض مختلفاً فيه، فعلى من ادعاه الدليل،
ولا دليل له.
فإن قيل: لو لم تجعل الباء للتبعيض، كنا قد سلبناه الفائدة؛ لأنَّه
يكون دخوله كخروجه؛ إذ يكون المستفاد بقوله: {وَامْسَحُوا
بِرُؤُوسِكُمْ}، هو المستفاد بقوله: وامسحوا رؤوسكم؟
قيل له: قد بينا أن فائدة الباء هو الإلصاق، وكون الكلام مما
يستقيم مع حذفه لا يؤثر فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَأْمُرْ
قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا}، أنَّه كان يستقيم مع حذفه،
وليس فيه دليل أن الباء يفيد فيه التبعيض.
وروي أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم توضأ مرةً مرةً، وقال:
(( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلاَّ به ))، ثم توضأ مرتين
مرتين، وقال: (( من توضأ مرتين، آتاه اللّه أجره مرتين، ثم توضأ
ثلاثاً، وقال: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي )).
__________
(1) في (أ): يمتنع.
(4/13)
وقد علم أن التكرير في الثاني والثالث لم يكن إلاَّ لما فعل في
الأول، فوجب أن يكون المفعول أولاً وضوء رسول اللّه صلى الله عليه
وآله وسلم مرة مرة، وقد ثبت أن مسح جميع الرأس وضوء رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم، فثبت أنَّه مما قال فيه رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلاَّ به )).
وبين أنَّه وضوء رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا(1) أبو جعفر الطحاوي،
حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، وعبد العزيز بن عقيل، وأحمد بن
عبد الرحمن، قالوا: أخبرنا عبد اللّه بن وهب، قال: أخبرني يحيى بن
عبد اللّه/43/ بن سالم، ومالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى المازني، عن
أبيه، عن عبد اللّه بن زيد بن عاصم المازني، عن رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم: (( أنه أخذ بيده في وضوئه للصلاة ماءً، فبدأ
بمقدم رأسه، ثم ذهب بيديه إلى مؤخر الرأس، ثم ردهما إلى مقدمه
))(2).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا(3) أبو جعفر الطحاوي، حدثنا إبراهيم
بن مرزوق، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أُبَيُّ،
وحفص بن غياث، عن ليث، عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، قال:
رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم مسح مقدم رأسه حتى بلغ
القذال من مقدم عنقه ))(4).
وروي عن علي عليه السلام، أنَّه لما عَلَّمَ الناس وضوء رسول اللّه
صلى الله عليه وآله وسلم، مسح رأسه مقبلاً ومدبراً.
فإن قيل: رُوي أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم مسح بناصيته.
قيل له: لا يصح التعلق بهذا من وجوه:
__________
(1) سقطت قال من (أ).
(2) أخرجه الطحاوي بلفظه في شرح معاني الآثار 1/30.
(3) في (ب) و(ج): قال حدثنا. في جميع السند.
(4) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/30.
(4/14)
أحدها: أنَّه ليس في الحديث أنَّه لم يمسح على غير الناصية،
ويجوز أن يكون الراوي رآه حين انتهت يداه إلى الناصية، فروى ما
شاهد، وهذا لا يدل على أنَّه لم يمسح الباقي.
والثاني: أنَّه يجوز أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم ترك مسح ما
عد الناصية لعلة كانت برأسه.
والثالث: أن الناصية قد يعبر بها عن الرأس؛ لأنها اسم لما علا من
الشيء، ولذلك يقال ناصية الجبل يراد ما علا منه، ومنه قول اللّه
تعالى: {فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِيْ وَالأَقْدَامِ}[الرحمن:41].
والرابع: أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يجوز أن يكون
تطهره حين فعل ذلك لغير الحدث، فلا يدل ذلك على أن الحدث يرتفع به،
ولا يجوز أن يحمل على العموم؛ لأنَّه فعل واقع على وجه واحد.
والخامس: أنا قد رُوينا أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم مسح بجميع
رأسه، والزائد أولى.
والذي يدل على ذلك من طريق النظر أنَّه قد ثبت وجوب استيعاب سائر
الأعضاء للوضوء في الطهارة، فيجب استيعاب الرأس بالمسح قياساً على
سائر الأعضاء بعلتين:
إحداهما: أنَّه عضو من أعضاء الطهارة.
والثانية: أن كل جزء منه موضع للفرض، لا خلاف في كون كل جزء منه
موضعاً للفرض؛ إذ الكل قائل به، إما على طريق الجمع كما نقول، أو
على طريق التخيير كما يقول المخالف لنا، فليس لأحد أن ينكر الوصف.
ويجوز أيضاً أن يقاس سائر الرأس على بعضه؛ إذ لا خلاف في وجوب مسح
بعضه، فيجب مسح جميعه؛ لأن كل جزء منه بعض الرأس، ويدل على صحة هذه
العلة أنَّ ما لا يكون بعضاً للرأس، لا يجب مسحه، وما كان بعضاً
للرأس، وجب مسحه.
فأما قياس المخالف مسح الرأس على مسح الخفين فباطل عندنا؛ لأنا لا
نرى المسح على الخفين أصلاً.
فصل [ في مسح الأذنين ]
وإذا ثبت وجوب مسح جميع الرأس، وثبت أن الأذنين من الرأس، وجب
مسحهما ظاهراً وباطناً.
(4/15)
وقد نص القاسم عليه السلام على أن الأذنين من الرأس، ودل عليه
كلام يحيى عليه السلام؛ لأنَّه ذكر أنهما يمسحان مع الرأس من دون
أن يؤخذ لهما ماء جديد.
والذي يدل على ذلك:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا(1) الطحاوي، حدثنا نصر بن
مرزوق، حدثنا يحيى بن الحسان، حدثنا حماد بن زيد، عن سنان بن
ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة الباهلي/44/، أن رسول اللّه
صلى الله عليه وآله وسلم توضأ، فمسح أذنيه مع رأسه، وقال: ((
الأذنان من الرأس ))(2).
وأخبرنا أبو الحسين البروجردي، حدثنا(3) أبو بكر محمد بن عمر
الدينوري، حدثنا يزداد بن أسد الدينوري، حدثنا يحيى بن العريان أبو
زيد الهروي الخراساني، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد، عن
نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:
(( الأذنان من الرأس )).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا(4) أبو جعفر، حدثنا أحمد بن داود،
حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلاً أتى رسول اللّه صلى الله عليه
وآله وسلم، فقال: كيف الطهور؟ فدعا رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم بماء فتوضأ، فأدخل اصبعيه السبابتين أذنيه، فمسح بإبهاميه
ظاهر أذنيه، وبالسبابتين باطن أذنيه(5).
فهذه الأخبار كلها دالة على أن الأذنين من الرأس، وأنهما ممسوحتان
مع الرأس بماء واحد.
فإن قيل: روي عن رسول اللّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم أنَّه
مسحهما بماء جديد، وكذلك روي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم مسح
برأسه وصدغيه، ثم مسح أذنيه، ففصل بثم.
__________
(1) في (ب) و(ج): قال حدثنا. في جميع السند.
(2) أخرجه الطحاوي ي شرح معاني الآثار 1/33.
(3) في (ب) و(ج): قال حدثنا. في جميع السند.
(4) في (ب) و(ج): قال حدثنا. في جميع السند.
(5) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/33.
(4/16)
ثُمَّ قيل له: فلا يمتنع أنَّه فعل ذلك مرة لسبب، أو لأن الماء
الذي على يده كان قد جف.
ولسنا نقول إن تجديد الماء محظور، وكذلك لو مسح مقدم رأسه بماء
ومؤخره بماء جديد لم يضره، وإنما نقول أن أخذ الماء الجديد ليس
بواجب، ولا مسنون، فبطل تعلقهم بما(1) تعلقوا به.
فإن قالوا: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( الأذنان من الرأس ))،
معناه أنهما ممسوحتان كالرأس؟
قيل له: ذلك خلاف الظاهر، بل هو في المجاز أيضاً بعيد؛ لأن مِن إذا
لم تكن لابتداء الغاية، أو لم تكن صلة، كانت للتبعيض، فظاهره يقتضي
أن الأذنين بعض الرأس، فأما ما ذكره فبعيد، ألا ترى أنَّه يبعد أن
يقال: إن اليدين من الوجه بمعنى أنهما مغسولتان كالوجه.
ويمكن أن تقاس الأذنان على سائر أجزاء الرأس؛ بعلة أنهما بعض
الرأس، فيجب أن يكون المسح عليهما مع سائر أجزاء الرأس بماء واحد،
ويبين كونهما بعض الرأس الأخبار التي تقدمت.
مسألة [ في غسل القدمين ]
قال: ومن فرض الوضوء غسل القدم اليمنى مع الكعبين، ثم اليسرى كذلك.
وقد نص القاسم عليه السلام، ويحيى بن الحسين رضي اللّه عنهما في
كتبهما(2) على وجوب غسل القدمين، وهو مذهب سائر أهل البيت عليهم
السلام من الزيدية، ومذهب سائر الفقهاء.
والخلاف فيه بيننا وبين الإمامية، فإنهم يذهبون إلى أن الفرض هو
المسح، والدليل على صحة ما نذهب إليه:
__________
(1) في (ج): لما.
(2) انظر الأحكام 1/50، والمنتخب ص26.
(4/17)
ما أخبرنا به أبو عبد اللّه محمد بن عثمان النقاش، حدثنا(1)
الناصر للحق عليه السلام، حدثنا محمد بن منصور، حدثنا أحمد بن
عيسى، عن حسين بن علوان، عن أبي خالد الواسطي، عن جعفر بن محمد، عن
أبيه، عن علي عليهم السلام، قال: بينا أنا ورسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم جالسان في المسجد؛ إذ أقبل رجل من الأنصار حتى سلم
ـ وقد تطهر وعليه أثر الطهور ـ فتقدم في مقدم المسجد ليصلي، فرأى
رسولُ اللّه صلى الله عليه وآله وسلم جانباً من عقبه جافاً، فقال
لي: يا علي، أترى ما أرى؟ قلت: نعم. قال رسول اللّه صلى الله عليه
وآله وسلم: (( يا صاحب الصلاة، إني أرى جانباً من عقبك جافاً، فإن
كنت قد أمسسته الماء، فامض في صلاتك، وإن كنت لم تمسسه الماء،
فاخرج من الصلاة. فقال: يا رسول اللّه كيف أصنع؟ أَسْتقْبِل
الطهور؟ قال: (( لا. بل اغسل ما بقي )). فقلت: يا رسول الله، لو
صلى هكذا. كانت مقبولة؟ قال: (( لا. حتى يعيدها )).
وأخبرنا محمد بن عثمان، حدثنا الناصر، حدثنا محمد بن منصور/45/،
حدثنا(2) أبو طاهر، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه
السلام، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( خللوا
أصابعكم قبل أن تخلَّل بالنار )).
وأخبرنا أبو الحسين علي بن إسماعيل، حدثنا(3) الناصر، حدثنا محمد
بن منصور، حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين بن علوان، عن أبي خالد، عن
زيد بن علي، عن آبائه(4)، عن علي عليه السلام، قال: جلست(5) يوماً
أتوضأ، فأقبل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث فيه
بعض الطول إلى أن قال ـ: وغسلت قدميَّ، فقال رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم: (( يا علي، خلل بين الأصابع لا تُخلَّل بالنار )).
__________
(1) في (ب) و(ج): قال حدثنا. في جميع السند.
(2) في (ب) و(ج): قال حدثنا. في جميع السند.
(3) في (ب) و(ج): قال حدثنا. في جميع السند.
(4) في (ج) وهامش (ب): أبيه.
(5) في (ج): جئت.
(4/18)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا(1) أبو جعفر الطحاوي، حدثنا فهد،
حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب،
عن جابر بن عبد الله، قال رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لُمعة
في قدم رجل لم يغسلها فقال: (( ويل للعراقيب من النار ))(2).
وحدثنا(3) أبو بكر، حدثنا(4) أبو جعفر، حدثنا أبو بكرة، حدثنا مؤمل
بن إسماعيل، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب،
عن جابر، قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( ويلٌ
للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء ))(5).
وأخبرنا أبو بكر، حدثنا(6) أبو جعفر، حدثنا إبراهيم بن مرزوق،
حدثنا وهب، حدثنا شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى،
عن عبد اللّه بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى قوماً
توضؤا، وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئاً، فقال: (( ويل للعراقيب من
النار، اسبغوا الوضوء ))(7).
فهذه الأخبار كلها نصوص، أو كالنصوص في إيجاب غسل القدمين مع
التوعد على الإخلال بشيء منه.
ويدل على ذلك فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الواقع موقع
البيان:
__________
(1) في (ب) و(ج): قال حدثنا. في جميع السند.
(2) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/38.
(3) في (ب) و(ج): أخبرنا.
(4) في (ب) و(ج): قال حدثنا. في جميع السند.
(5) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/38.
(6) في (ب) و(ج): قال حدثنا. في جميع السند.
(7) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/40.
(4/19)
أخبرنا(1) أبو بكر، أخبرنا أبو جعفر، حدثنا محمد بن محمد بن
خزيمة(2)، وإبراهيم بن أبي داود، قالا: حدثنا سعيد بن سليمان
الواسطي، عن عبد العزيز بن محمد بن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله
بن(3) عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم توضأ، فغسل رجليه ثلاثاً(4).
وأخبرنا أبو بكر، أخبرنا(5) أبو جعفر، حدثنا ابن أبي عقيل، حدثنا
ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو المعافري، قال:
سمعت أبا عبد الرحمن بن يزيد، يقول: سمعت المستورد بن سنان القرشي
يقول: رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يدلك بخنصره ما بين
أصابع رجليه(6).
وأخبرنا أبو بكر، حدثنا(7) أبو جعفر، حدثنا حسين بن نصر، حدثنا
الفريابي، حدثنا زائدة، حدثنا خالد بن علقمة، عن عبد خير، قال: دخل
علي عليه السلام الرحبة، ثُمَّ قال(8) لغلامه: ائتني بطهور، فأتاه
بماء وطشت، فتوضأ فغسل(9) رجليه ثلاثاً ثلاثاً، وقال: هذا طهور
رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم(10).
فإن قيل: فهذه الأخبار الواردة في الأفعال كيف تقتضي الوجوب؟
قيل له: لأن هذه الأفعال بيان للواجب، وما كان بياناً للواجب، كان
عندنا محمولاً على الوجوب.
فإن قيل: فكيف صارت هذه الأفعال بياناً؟
__________
(1) في (ب) و(ج): قال أخبرنا. في جميع السند.
(2) في (ب) و(ج): محمد بن خزيمة.
(3) في (ج): عن.
(4) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/36.
(5) في (ب) و(ج): قال أخبرنا.
(6) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/36، إلا أنه تحيد
المغافري، وأيضاً المستورد بن شداد، وأثبته عليه في هامش (ب).
(7) في (ب) و(ج): قال حدثنا. في جميع السند.
(8) في (ب) و(ج): فقال.
(9) في (ب) و(ج): وغسل.
(10) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/35، إلا أنه فيه شك،
فقال علقمة بن خالد أو خالد بن علقمة، والشك أيضاً ثابت في (أ)
و(ج).
(4/20)
قيل له: لأن قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}، قد قرئ بنصب اللام وجرها،
وقد حمل النصب على الغسل بأن جُعل نسقاً على الوجه واليدين، وقد
حمل أيضاً على المسح.
وقيل: إنَّه نسق على موضع النصب؛ لأن الكلام(1) كان حقه النصب لولا
دخول الباء عليه.
وقالوا أيضاً: إنَّه نُصبَ لنزع الخافض، فكان تقديره برؤوسكم
وبأرجلكم، فلما نزع الخافض انتصب اللام.
وقد حمل الجر على/46/ المسح، وقالوا: إن الأرجل نسق على الرؤوس.
وحملوه على الغسل، وقالوا: إنَّه نسق على الوجه واليدين، ولكنه جر
بمجاورة المجرور، كما قيل: جحر ضب خربٍ.
وهذه الوجوه كلها محتملة في اللسان والإعراب، فصارت الآية في حكم
المجمل؛ إذ لم يقل أحد أن الآية موجبة للمسح والغسل جميعاً، وإذا
كان الأمر على ما بينا وجب أن يكون فعل النبي صلى الله عليه وآله
وسلم بياناً لها، وإذا كان بياناً، كان محمولاً على الوجوب، على
أنَّه ليس يبعد أن يقال: إن الآية إذا قرئت على وجهين، وصح أن
يتأول كل واحد من الوجهين على الغسل والمسح، كان ذلك كالآيتين توجب
إحداهما الغسل والأخرى المسح، والمسح داخل في الغسل، فإذا الغاسل
قد استعمل ما اقتضاه الوجهان من الآية.
فإن قيل: روي أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم مسح على
قدميه، وعلى نعليه؟
قيل له: قد بين أمير المؤمنين علي عليه السلام، أنَّه وضوء من لم
يُحْدِث، ونحن لا ننكر أن من لم يكن مُحْدثاً وأحب تجديد الطهارة،
فلا بأس أن يفعل ذلك.
__________
(1) في (ب): لأن اللام،
(4/21)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا أبو جعفر الطحاوي، حدثنا إبراهيم
بن مرزوق، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة،
عن النزال بن سبرة، قال: رأيت علياً عليه السلام صلى الظهر، ثم قعد
للناس في الرحبة، ثم أُتِيَ بماء، فمسح بوجهه ويديه، ومسح برأسه
ورجليه، وشرب فضله قائماً، ثم قال: إن أناساً يزعمون أن هذا يكره،
وإني رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يصنع مثل ما صنعت،
وهذا وضوء من لم يُحْدِث (1)، فقد صرح عليه السلام أنَّه وضوء من
لم يحدث.
فإن قاسوا القدمين على الرأس؛ بعلة أنَّه يسقط في التيمم، عارضنا
قياسهم بمثله، وهو أنا نقيسهما على اليدين؛ بعلة أنَّه محدود في
الوضوء، على أن القائلين بهذا القول لا يرون القياس، فليس لهم أن
يعتمدوه، فإن أوردوه على طريق الإلزام، عارضناهم بما ذكرنا، ورجحنا
قياسنا بالاحتياط، وبأن فيه زيادة فائدة في الشرع.
مسألة [ في الترتيب ]
قال: وفرض الوضوء ما قدّمنا ذكره مرةً مرةً على الترتيب المرتب،
والثانية والثالثة فضل وسنة.
وقد نص الهادي عليه السلام في (الأحكام) (2) على وجوب الترتيب،
وكذلك على وجوب ترتيب اليمنى على اليسرى من اليد والرجل، وهو مذهب
الناصر، ومذهب الإمامية، ولا أحفظ فيه خلافاً عن أحد من أهل البيت
عليهم السلام، وقد ذكرنا في غير موضع أن إجماعهم عندنا حجة، فهو
أوكد ما نعتمده في هذه المسألة.
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/34، إلا أنه لم يجعل
قوله: وهذا وضوء من لم يحدث، من كلام الإمام (ع)، حيث لم يذكر داخل
القوسين، فقط.
(2) انظر الأحكام 1/50.
(4/22)
ويدل على ذلك أيضاً قول اللَّه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ
آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ..} الآية[المائدة:6]، فأحد ما نستدل به على ذلك من
الآية أنَّه تعالى قال: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}، والفاء توجب التعقيب، فاقتضى ظاهر الآية
أن يكون من يقوم إلى الصلاة يبدأ بغسل الوجه، وإذا ثبت وجوب
الابتداء بالوجه، فلا قول بعده، إلاَّ قول من يوجب الترتيب فوجب
القول به.
ويدل على ذلك أيضاً من الآية أنَّه قد ثبت أن الواو(1) توجب
الترتيب شرعاً، يدل على ذلك:
ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه بدأ بالصفا حين
أراد السعي بينه وبين المروة، وقال: (( أَبدأُ بما بدأ اللّه به
))، رواه أبو بكر بن أبي شيبة، في (كتاب الحج)، عن حاتم بن
إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أنه سأل جابراً عن حجة رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول جابر في حديث طويل ـ: فلما
دنى رسول الله صلى اللَّه عليه وآله وسلم من الصفا قرأ: (( {إِنَّ
الصَّفَا/47/ وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}[البقرة:158]،
أبدأ بما بدأ اللّه به )) فبدأ بالصفا.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، أيضاً في (كتاب الحج)، عن ابن فضيل، عن
عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن رجلاً أتاه، فقال: يا ابن
عباس، ابدأ بالصفاء قبل المروة، أم بالمروة قبل الصفا؟ في حديث له
فيه بعض الطول.
فقال ابن عباس: خذ ذلك من قِبَل القرآن، فإنه أجدر أن يحفظ، قال
اللَّه عز وجل: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ
اللهِ}، والصفا قبل المروة. فجعل صلى الله عليه وآله وسلم المقدم
في اللفظ مقدماً في الحكم، والمؤخر فيه مؤخراً في الحكم، وكذلك فعل
ابن عباس، والفاصل بينهما هو الواو، فبان أنَّه يقتضي الترتيب.
__________
(1) في نسخة: أن الآية.
(4/23)
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال مطلقاً: ((
أَبدأُ بما بدأ اللّه به ))، وهذا عام في كل ما بدأ بذكره.
وروي عن ابن عباس أنَّه قيل له: كيف تأمر بالعمرة قبل الحج والله
يقول: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله}[ البقرة:196]؟
فقال: كيف تقرأون الدَين قبل الوصية، أم الوصية قبل الدين؟ قالوا:
الوصية قبل الدين. قال: فبأيهما تبدأون؟ قالوا: بالدين. قال: فهو
كذلك(1).
فدل هذا من سؤالهم على أنهم قد عرفوا أن الترتيب يوجبه الواو(2)،
وكذلك جواب ابن عباس يدل على ذلك، ألا ترى أنَّه لو لم يكن عنده
حكم الواو كما ذكرنا، لكان الأولى أن يقول لهم: لا وجه لسؤالكم؛
لأن الواو لا تقتضي الترتيب.
وروي أيضاً عن ابن عباس أن رجلاً قال بين يديه: من يطع اللّه
ورسوله، فقد رشد، ومن يعصِهما، فقد غوي، فنهاه عن ذلك، وقال: قل من
يعص اللّه ورسوله، فلولا أن الواو توجب الترتيب لما كان لهذا
الكلام معنى، فإذا ثبت ذلك، ثبت ما ذهبنا إليه في الترتيب.
فإن قيل: إن الواو لا تقتضي(3) الترتيب عند أهل اللغة.
قيل له: قد حكي عن قوم من أهل اللغة أنهم قالوا: إنَّه(4) يوجب
الترتيب على أنا لو سلمنا أنَّه من جهة اللغة لا يوجب الترتيب، كان
ما بيناه يوجب الترتيب شرعاً والشرع أولى من اللغة، فصح ما ذهبنا
إليه، ويدل على ذلك أيضاً:
ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه توضأ مرةً مرةً، ثم
قال: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلاَّ به ))، ثم توضأ مرتين
مرتين، الخبر..
__________
(1) في (ب) فهو ذالك.
(2) في (أ): الواو يوجب الترتيب.
(3) في (ب) و(ج): توجب.
(4) سقطت (أنه) من (ج).
(4/24)
وقد ثبت أن التكرار(1) في الثاني والثالث لم يقع إلاَّ لما حصل
في الأول، ولا خلاف أن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو
الوضوء المرتب، وإذا ثبت هذا ثبت أنَّه كان في الأول مرتباً حين
قال صلى الله عليه وآله وسلم: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة
إلاَّ به ))، فثبت به وجوب الترتيب، وهذا بعينه يدل على أن ترتيب
اليمنى على اليسرى واجب؛ لأن من المعلوم أن وضوء رسول اللّه صلى
اللَّه عليه وآله وسلم كان يرتب فيه اليمنى على اليسرى.
ويستدل من هذا الخبر من وجه آخر، وهو أنا نقول: إن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم لما قال بعد ما توضأ: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه
الصلاة إلاَّ به ))، لا يخلو من أن يكون قال: ذلك في وضوء مرتب على
ما نذهب إليه، أو في وضوء غير مرتب أصلاً، أو في وضوء غير مرتب فيه
اليمنى على اليسرى، فلو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم/48/ قال
ذلك في وضوء غير مرتب أصلاً، أو في وضوء غير مرتب فيه اليمنى على
اليسرى، لوجب أن لا يجزئ الوضوء إلاَّ كذلك، وفي علمنا أن المرتب
على ما نذهب إليه جائز، بل هو الأولى عند المخالفين، دليل على أن
قوله صلى الله عليه وآله وسلم يخرَّج عليه.
ويدل على وجوب ترتيب اليمنى على اليسرى:
ما رواه أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:
(( إذا توضأتم، فابدأوا بميامنكم )). وروي عنه أيضاً: (( إذا
لبستم، أو توضأتم، فابدأوا بميامنكم )).
فإن قيل: روي عن علي عليه السلام، أنَّه قال: ما أبالي بأي أعضائي
بدأت، إذا أتممت الوضوء. وهذا يبطل قولكم.
__________
(1) في (ب) و(ج): التكرير.
(4/25)
قيل له: معناه عندنا إذا عدت فيه، فأثبته على الترتيب؛ لأنَّه
قال: إذا أتممت، والإتمام هو الإتيان به على الترتيب، ويدل على صحة
هذا التأويل أنَّه لا خلاف في أن المستحب هو الترتيب، وأن تركه ليس
بسنة، ولا يجوز أن يقول علي عليه السلام: لا أبالي بترك المستحب
والعدول عن السنة، فبان أنَّه أراد به ما قلناه.
ويدل على ذلك من طريق النظر أنها عبادة تبطل بالحدث، فيجب أن يكون
الترتيب من شرط صحتها فيما رتب بالواو، وقياساً على الصلاة، ويمكن
أن يقاس على الصلاة أيضاً بعلة أخرى، وهو أنَّه عبادة ارتبط بعضها
ببعض، ونسق بعضها على بعض بالواو، ويمكن أيضاً أن يقاس عليها بأنها
عبادة تعود إلى شطرها في حال العذر مع القدرة عليها، فإن عارضوا
قياسنا بقياسهم الوضوءَ على الإغتسال بعلة أنها طهارة، رجحنا
قياسنا باستناده إلى الظواهر التي ذكرناها، وبالحظر، والاحتياط،
وبأنه يفيد شرعاً، وبفعل الكافة من لدن الصحابة إلى يومنا هذا.
فصل [ في أن فرض الوضوء مرة مرة ]
ما ذكرنا من أن فرض الوضوء مرة مرة، والثانية والثالثة فضل وسنة،
منصوص عليه في (المنتخب) (1)، ولا خلاف فيه إلاَّ في موضعين:
أحدهما: ما تذهب إليه الإمامية، أن المستحب منه مرتان، وأن الثالثة
لا معنى لها.
والثاني: ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن تكرير مسح الرأس غير مستحب.
والذي يفسد جميع ذلك، ويصحح ما ذهبنا إليه:
ما أخبرنا به محمد بن عثمان، قال: حدثنا الناصر، حدثنا محمد بن
منصور، عن أبي كريب، عن عبد الرحيم، حدثنا شريك، عن ثابت الثمالي،
عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر، قال: توضأ رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم مرةً مرةً، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وذلك عام
في جميع الوضوء، فدخل فيه مسح الرأس كما دخل غيره.
__________
(1) انظر المنتخب ص26.
(4/26)
وفيه الحديث المشهور، أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم
توضأ مرةً مرةً، وقال: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلاَّ به
))، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: (( هذا وضوء من يضاعف اللّه له
حسناته مرتين ))، ثم توضأ ثلاثاً، وقال(1): (( هذا وضوئي ووضوء
الأنبياء من قبلي )).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، أخبرنا أبو جعفر الطحاوي، حدثنا حسين بن
نصر، حدثنا الفريابي، حدثنا زائدة بن قدامة، حدثنا علقمة بن خالد،
أو خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي عليه السلام، أنَّه توضأ
ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: (هذا وضوء رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم) (2).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن أبي/49/ داود،
حدثنا علي بن الجعد، حدثنا ثوبان، عن عبده بن أبي لبابة، عن شقيق،
قال: رأيت عليّاً وعثمان توضأا ثلاثاً ثلاثاً، وقالا: (هكذا كان
يتوضأ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم) (3).
ويدل على أن تكرير مسح الرأس مستحب من طريق النظر أن المسح في
الطهارة أصل في نفسه لا بدل(4) له، فوجب أن يستحب فيه التكرير
كالغسل، وليس ينتقض ذلك بمسح التيمم؛ لأنا قد اشترطنا فيه أنَّه
أصل، على أن القاسم عليه السلام قد رُوي عنه استحباب التكرير في
التيمم. والمسح على الخفين عندنا منسوخ فلا يجوز القياس عليه، ولا
النقض به، وما روي أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم مسح مرة،
فلا يعترض ما قلناه؛ لأنا نجيزه، فكيف وقد روينا أنَّه توضأ مرةً
مرةً؟
فأما قولهم: إن المسح لو كرر، لصار غسلاً، فلا معنى له؛ لأن الغسل
هو ما جرى عليه(5) الماء والمسح بالتكرير لا يصير كذلك.
مسألة [ في بيان الوجه والكعبين]
__________
(1) في (أ): فقال.
(2) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/29، إلا أنه قال: هذا
طهور.
(3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/29.
(4) في (أ): يدل.
(5) في (أ): عنه.
(4/27)
قال: (( والوجه من مقاص الشعر إلى الأذنين إلى اللحيين إلى
الذقن ))، (( والكعبان هما العظمان الناتئات عند مفصل الساق من
القدم )).
وقد نص يحيى عليه السلام على تحديد الوجه بما ذكرناه في (الأحكام)
من(1) باب التيمم، وقد نص على تحديد الكعبين في (المنتخب) (2).
ولا خلاف فيه إلاَّ ما يحكى عن مالك أنَّه كان يقول إن البياض الذي
بين اللحية والأذن ليس من الوجه بعد نبات اللحية، وهو أيضاً ليس
ينكر أنَّه قبل نبات اللحية من الوجه، فيجب أن لا يتغير حكمه بعد
نبات اللحية.
والإمامية تذهب إلى أن الكعبين هما العظمان الناتئان على ظهر
القدم، وهذا القول أظهر فساداً من أن يحتاج إلى الكلام؛ لأن الناس
كما يعرفون سائر الأعضاء يعرفون هذا العضو، وقد ذكر أبو عبيد في
كتابه المسمى (غريب المصنف) ـ ذلك، وخطَّأ من قال: إن الكعب هو:
العظم الناتئ على ظهر القدم.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (( تحشر أمتي
غراء من أثر السجود، محجلين من أثر الوضوء )).
والتحجيل لا يكون إلاَّ عند مفصل الساق، فبان أن الوضوء إليه،
وقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}، يدل على ذلك؛
لأن المراد به كل رجل إلى الكعبين؛ لانه لا يجوز أن يكون المراد به
الأرجل إلى الكعبين؛ لان الأرجل يكون لها أكثر من الكعبين
بالإتفاق، فلم يبق إلاَّ أن يكون المراد ما قلناه، فثبت أن في كل
رجل كعبين، وفي ثبوت ذلك صحة ما ذهبنا إليه؛ لأن من قال: إن الكعب
هو العظم الناتئ على ظهر القدم يقول في كل رجل كعب واحد.
مسألة [ في التسمية ]
والتسمية فرض على الذاكر تخريجاً.
__________
(1) في (أ): في. وانظر الأحكام 1/68..
(2) ذكره في المنتخب ص27.
(4/28)
ذكر القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي)، أن التسمية على
الوضوء كهِيَ على الذبيحة، وأومأ يحيى عليه السلام إلى هذه النكتة
في (المنتخب) (1)، وقال في (الأحكام) (2): (( إن القليل من ذكر
اللّه تعالى مجز ))(3) ـ يعني على الوضوء ـ وقال في (الأحكام) (4)
في كتاب الذبائح: إن من ترك التسمية على الذبيحة ناسياً، أكلت
ذبيحته، ومن تركها متعمداً، لم تؤكل ذبيحته، وَفُسِّر على ذلك قول
القاسم عليه السلام في الذبيحة أن الملة تكفيه، فإذا شبهوا التسمية
على الوضوء بالتسمية على الذبيحة ـ ونص يحيى عليه السلام على فساد
الذبيحة إذا ترك التسمية عمداً ـ ثبت وجوبها على المتوضئ حسب
وجوبها على الذابح(5)، فقلنا: إنها في الوضوء فرض على الذاكر؛
لأنها عند الذبيحة فرض على الذاكر/50/ عنده عليه السلام.
والذي يدل على ذلك:
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني رضي اللّه عنه، أخبرنا الحسن بن
محمد بن مسلم المقرئ الكوفي، حدثنا محمد بن الحسين الخثعمي، حدثنا
عبَّاد بن يعقوب، حدثنا عيسى بن عبد اللّه العلوي، حدثني أبي، عن
أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: قال رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم: (( لا صلاة إلاَّ بطهور، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم
الله عليه )).
__________
(1) انظر المنتخب ص22.
(2) ذكره في الأحكام 1/50، ثم قال: ولو نسيه ناسٍ لم يكن لينقض
عليه طهوره.
(3) في (أ): يجزي.
(4) انظر الأحكام 2/394.
(5) في (أ): الذبائح.
(4/29)
وحدثنا(1) أبو بكر المقرئ، حدثنا أبو جعفر الطحاوي، حدثني محمد
بن علي بن داود البغدادي، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا وهب، حدثنا
عبد الرحمن بن حرملة أنَّه سمع أبا ثفال المزني يقول: سمعت رباح بن
عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب يقول: حدثتني جدتي أنها سمعت
أباها يقول: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (( لا
صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ))، وقد
اقتضى ظاهر الحديث أن التسمية شرط في الوضوء، إلاَّ حيث يقتضي
الدليل خلافه، وذلك في حال السهو، فإنه مخصوص بالإجماع.
فإن قيل: هذا الخبر لا ظاهر له، وذلك أنا نعلم أن الوضوء يقع ممن
لم يذكر اسم اللّه عليه، فلا بد من أن يكون معناه نفي الإجزاء، أو
نفي الكمال، وإذا لم يكن بد من التأويل، لم يكن أحد التأويلين أولى
من الآخر، فلا يكون في الظاهر دليل؟
قيل له: هذا الذي ادعيت عندنا لا يصح في الاسماء الشرعية، والوضوء
من أسماء الشرع.
ويبين ذلك أن الشرع إنما يقتضي كون الوضوء وضوءاً متى وقع على
الصحة، فأما إذا وقع على الفساد، فالاسم يجري عليه من جهة الشرع
على سبيل التوسع، وإذا كان ذلك كذلك، لم يصح قولك: إن الوضوء يقع
ممن لم يذكر اسم اللّه عليه؛ لأن ذلك عندنا ليس بوضوء، وإذا كان
ذلك كذلك، وجب حمل اللفظ على ظاهره، وظاهره يبين أن من غسل أعضاءه
ولم يذكر اسم اللّه عليه لم يتوضأ؛ لأن النفي يتناول الوضوء، على
أن الاسماء اللغوية إذا ورد النفي عليها أيضاً، وجب عندنا حمله على
نفي الإجزاء والكمال جميعاً، وشرح ذلك يخرجنا عن(2) المسألة.
ويدل على ذلك أيضاً:
__________
(1) في (ب) و(ج): أخبرنا.
(2) في (أ): من.
(4/30)
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، حدثنا علي بن محمد بن هارون
الروياني، حدثنا محمد بن أيوب الرازي، أخبرني يحي بن هاشم، قال:
حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود، قال: سمعت رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم يقول: (( إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم اللّه
عليه، فإنه يطهر جسده كله، وإن لم يذكر اسم اللّه عليه لم يطهر،
إلاَّ ما مر عليه الماء )).
وقد ثبت أن المصلي مأخوذ عليه طهارة بدنه، فإذا قال صلى الله عليه
وآله وسلم: لا يطهر بدنه كله بالوضوء، إلاَّ مع التسمية، ثبت
وجوبها.
وليس لأحد أن يقول: إن هذه زيادة على قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ..} الآية، والزيادة تقتضي النسخ؛ لأن عندنا أن الخبر
يجب أن يكون كالمقترن بالآية، ومثله عندنا لا يوجب النسخ، فالسؤال
عنا ساقط.
ويدل على ذلك أيضاً أن الوضوء عبادة تبطل بالحدث، فوجب أن تبطل
بترك الذكر متعمداً، قياساً على الصلاة، ويجوز أن نقيسه أيضاً على
الصلاة؛ بعلة أنَّه عبادة ترجع إلى الشطر مع العذر في حال القدرة
عليه /51/، فإن قاسوه على الصوم بعلة أنَّه عبادة يصح المقام
عليها، والخروج منها بغير نطق، فيجب أن يصح جميعه بغير نطق، رجحنا
علتنا بالاحتياط، وبأنها تفيد شرعاً، وبأنها مستندة إلى الظواهر.
مسألة [في مسح الرقبة والسواك]
قال: ومسح الرقبة مع الرأس سنة، وكذلك السواك عند كل طهور سنة(1)
سيما بالغدوات.
قد نص على جميع ذلك في (الأحكام) (2)، واستدل للسواك بماروي أن
النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال: (( لولا أن أشق على أمتي،
لفرضت عليهم السواك مع الطهور )).
وروي عنه عليه السلام أنَّه قال: (( السواك مطهرة للفم، ومرضاة
للرب )).
__________
(1) زيادة في هامش (أ).
(2) انظر الأحكام 1/48، 49.
(4/31)
وأخبرنا محمد بن عثمان، حدثنا الناصر عليه السلام، حدثنا محمد
بن منصور، حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين بن علوان، عن أبي خالد، عن
زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى
اللَّه عليه وآله وسلم: (( من أطاق السواك مع الطهور(1) فلا يدعه
)).
وحدثنا أبو العباس الحسني رحمه الله، حدثنا أبو أحمد الفرايصي،
حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث الواسطي، حدثنا مسلم بن إبراهيم،
حدثنا يحيي بن كثير، عن عثمان بن ساج، عن سعيد بن جبير، عن علي
عليه السلام قال: قال رسول الله صلى اللَّه عليه وآله وسلم: (( إن
أفواهكم طرق القرآن فطهروها بالسواك )).
ووجه تخصيص يحيى عليه السلام الغدوات هو أن الغرض بالسواك تطهير
الفم؛ لما دلت عليه هذه الأخبار؛ لأن الغدوات أجمع الأوقات للروايح
في الفم، فلذلك خصها.
ويبين أن مسح الرقبة سنة، ماحدثنا(2) به محمد بن عثمان، حدثنا
الناصر عليه السلام، حدثنا محمد بن منصور، حدثنا أحمد بن عيسى، عن
حسين بن علوان، عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه
السلام قال: قال رسول الله صلى اللَّه عليه وآله وسلم: (( من
توضأ(3) ثُمَّ مسح سالفتيه بالماء وقفاه، أمن من الغل يوم القيامة
)).
وذكر محمد بن الحنفية، عن أبيه، علي عليه السلام ـ في حديث طويل ـ
أنَّه لما مسح رأسه، مسح عنقه، وقال له(4) بعد فراغه من الطهور:
(إفعل كفعالي هذا).
مسألة [في الفرق بين الغسل والمسح]
قال: والغسل ما جرى عليه الماء، والمسح دون ذلك.
__________
(1) في (أ): للطهور.
(2) في (ب): أخبرنا.
(3) في (أ) من توضأ تاماً.
(4) سقطت (له) من (أ).
(4/32)
وذكر في (الأحكام) (1) غسل الوجه، فقال(2): (يغسله غسلاً، ولا
يمسحه مسحاً)، ففصل بينهما، ولا فصل يعقل سوى ما ذكرنا، سيما(3) مع
قوله بتعميم مسح الرأس، ثم قال: (ولا يجزيه حتى يحمل الماء في
كفيه، فيغسل به وجهه)، فدل ذلك أيضاً على ما قلناه.
وقال في (المنتخب) (4) في مسح الرأس: (يأخذ الماء بيديه، ثم يريقه
من كفيه ويمسح بهما)، فدل على أن المسح دون الغسل، والذي يدل على
ذلك أن اللّه سبحانه فصل بين الغسل والمسح، فقال عزَّ وجل:
{اغْسلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِق
وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ}، ولا فصل بينهما غير ما ذكرنا.
فإن قيل: ما أنكرتم أن الغسل يكون باستيعاب العضو، والمسح دونه،
فيكون ذلك هو الفصل؟
قيل له: ذلك فاسد؛ لأن بعض العضو قد يغسل فيكون مغسولاً، وجميع
العضو قد يمسح فيكون ممسوحاً، وذلك غير ممتنع في اللغة، على أنا قد
دللنا فيما تقدم أن الرأس يجب استيعابه بالمسح، وأيضاً فإمساس
الماء العضو، لا يقال فيه إنَّه غسل، وذلك ظاهر في اللغة، وإذا ثبت
ذلك، وثبت أن اللّه تعالى قد أمر بغسل الوجه، فالماسح له لا يكون
غاسلاً، فهو غير ممتثل للأمر.
وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (( تحت كل
شعرة جنابة، فبلّوا الشعر، وأنقوا البشر ))، والإنقاء لا يكون
بالإقتصار على إمساس الماء/52/.
فإن قيل: فقد قال: (( بلوا الشعر ))، فالتبليل(5) دون ما تذهبون
إليه؟
قيل له: إذا وجب غسل البشرة على ما نذهب إليه، فلا أحد فصل بين
الشعر والبشرة في ذلك، والإنقاء لا يمنع التبليل، والاقتصار عليه
يمنع الإنقاء.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه اغتسل فبقيت
في جسده لمعة، فأخذ شعره ومسح اللمعة ببلته؟
__________
(1) ذكره في الأحكام 1/49.
(2) في (أ): قال.
(3) في (ج) و(ب): لا سيما.
(4) ذكره في المنتخب ص25.
(5) في (ب) و(ج): والتبليل.
(4/33)
قيل له: يحتمل أن يكون الشعر الذي أخذه عليه السلام كان عليه من
الماء مقدار ما إذا عُصر أمكن أن يغسل به اللمعة اليسيرة، وليس في
الخبر أن اللمعة كانت كبيرة، وأن الماء الذي حمله الشعر كان
يسيراً، فلا حجة لكم في الخبر.
ويدل على ذلك أيضاً أنه قد ثبت أن العضو النجس لا يُكتفي بمسحه
بالماء، فكذلك مسح الوجه بالماء عن الحدث، والمعنى أنَّه غسل لعضو
صحيح أريد للصلاة، وعلتنا أولى من علة من رد الوجه إلى الرأس؛
لأنَّه رد الغسل إلى الغسل؛ ولأن فيها زيادة شرع، وهي حاظرة.
(4/34)
[باب القول في نواقض الوضوء]
مسألة [ فيما خرج من السبيلين ]
وتنتقض الطهارة بكل خارج من السبيلين.
وهذا قد نص عليه في (الأحكام) (1) وغيره، وهذه الجملة لا خلاف فيها
إلاَّ في موضعين:
أحدهما: ما يذهب إليه فريق من الإمامية من أن المذي والودي لا
ينقضان الطهارة.
والثاني: ما كان يذهب إليه مالك من أن الدم والدود إذا خرجا من
السبيلين، لم تنتقض الطهارة بذلك.
والذي يدل على فساد ما ذهبت إليه الإمامية:
ما أخبرني به محمد بن عثمان النقاش، حدثنا الناصر عليه السلام،
حدثنا محمد بن منصور، حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين بن علوان، عن
أبي خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، قال: (كنت
رجلاً مذاءً، فاستحييت أن أسأل رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال له رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم: (( يا مقداد، هي أمور ثلاثة: الودي وهو: شيء يتبع
البول كهيئة المني، فذلك منه الطهور، ولا غسل منه، والمذي: أن ترى
شيئاً أو تذكره فتمذي، فذلك منه الطهور ولا غسل منه، والمني: الماء
الدافق إذا وقع مع الشهوة، وجب الغسل )).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا أبو جعفر الطحاوي، حدثنا صالح بن
عبد الرحمن، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، حدثنا الأعمش، عن
منذر بن أبي يعلى، عن محمد بن الحنفية، قال: سمعته يحدث عن أبيه
علي عليه السلام، قال: كنت أجد مذياً، فأمرت المقداد أن يسأل النبي
صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك واستحييت أن أسأله؛ لأن ابنته
عندي، فسأله فقال: (( إن كل فحل يمذي، فإذا كان المني ففيه الغسل،
وإذا كان المذي ففيه الوضوء ))(2).
__________
(1) انظر الأحكام 1/52.
(2) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/46.
(5/1)
ويبين صحة ما ذهبنا إليه أيضاً أن مجرى البول لا يخلو من أجزاء
البول، ولا بد أن يخرج مع المذي أجزاء من البول، وذلك لا محالة
يقتضي إنتقاض الطهارة، وبهذه العلة يستدل على مالك في أن الدود
والدم إذا خرجا من السبيلين نقضا الطهارة؛ لأنهما لا يخرجان إلاَّ
مع أجزاءٍ من الرطوبة، التي لا خلاف في أنها تنقض الطهارة، وهذه
الدلالة حجتنا على الشافعي في تنجيس المني.
وأما(1) ما ترويه الإمامية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((
كل فحل مذاء فليس عليه فيه وضوء )). ففيه نظر؛ لأنا نستضعف أخبار
الإمامية، ولا نرى قبولها لعلل ليس هذا موضع ذكرها، على أن
الخبر/53/ لو صح، لكان محمولاً على أنه لو(2) غلب لم يجب تجديد
الطهارة له كالإسحاضة، وسلس البول، وسائر الأحداث اللازمة.
ويدل على فساد ما ذهب إليه مالك أيضاً:
ما رواه ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن العلا بن المسيب، عن
الحكم، عن أبي جعفر، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر
المستحاضة إذا مضت أيام أقرائها أن تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة.
والأخبار في هذا كثيرة، فصرح صلى الله عليه وآله وسلم بإيجاب
الوضوء من الإستحاضة، وإن كانت غير معتادة، على أن الدم عندنا ينقض
الطهارة من أي موضع سال، وسنستقصي الكلام فيه بعد هذه المسألة،
وذلك يأتي على مذهب مالك، بالإفساد.
مسألة [ في الدم المسفوح، والقيح، والقيء ]
قال: وينتقض الطهارة الدم المسفوح من أي جرح كان، وكذلك القيح،
والقيء الذارع.
وقد نص على ذلك في (الأحكام)(3) وغيره. ويدل على ذلك:
__________
(1) في (ب) و(ج): فأما.
(2) في (ب) و(ج): إذا.
(3) انظر الأحكام 1/52.
(5/2)
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، أخبرنا عبد اللّه بن محمد
السعدي، حدثنا عبد اللّه بن محمد بن خالد القاضي، حدثنا سليمان بن
المهدي، حدثنا كادح بن جعفر، حدثنا أبو حنيفة، عن زيد بن علي، عن
آبائه، عن علي عليهم السلام، قال: قلت يا رسول اللّه، الوضوء كتبه
اللّه علينا من الحدث فقط؟ قال: (( بل من سبع: من حدث، وتقطار بول،
ودم سائل، وقيء ذارع، ودسعة تملأ الفم، ونوم مضطجع، وقهقهة في
الصلاة ))، وهذا هو النص الصريح، لما ذهبنا إليه.
وأخبرنا محمد بن عثمان، حدثنا الناصر عليه السلام، حدثنا محمد بن
منصور، حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين بن علوان، عن أبي خالد، عن زيد
بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم: (( القَلسْ يفسد الوضوء )).
وروى ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، أنَّه قال: (( إذا قاء أحدكم في صلاته، أو
رعف، فلينصرف، فليتوضأ )).
وروى يحيى بن الحسين، عن أبيه، عن جده القاسم، عن إسماعيل بن أبي
أويس، عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي
عليهم السلام، قال: (( من رعف وهو في صلاته، فلينصرف، وليتوضأ،
وليستأنف الصلاة )).
ويدل على ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر
المستحاضة بتجديد الوضوء لكل صلاة، وقال: (( إنما هو دم عرق ))،
فعلل وجوب الطهارة بأن الخارج دم عرق، فوجب أن كل دم ينقض الطهارة.
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (( الوضوء
مما خرج من السبيلين )) فجعل كل الوضوء مما خرج من السبيلين؛ لأن
الألف واللام في هذا الموضع للجنس؟
(5/3)
قيل له: نحن نخص ذلك بالأخبار التي رويناها، ونقول: كأنه صلى
الله عليه وآله وسلم، قال: الوضوء مما خرج من السبيلين، ومن القيء
الذارع، والدم السائل، ألا ترى أنَّه لم يذكر فيه النوم؟ والنوم
على بعض الوجوه ناقض للطهارة بالإجماع، ومس الذكر عندهم ينقض
الطهارة، وكذلك مس المرأة، فلا بد لهم من ترتيب الأخبار على ما
رتبناه وبيناه.
فإن قيل: نتأول ما ذكرتم من الأخبار على غسل الموضع؛ لأن غسل العضو
يعبر عنه بأنه وضوء.
ومنه روي: (( يستحب الوضوء قبل الطعام وبعده )).
قيل له: إن هذا الوضوء وإن أفاد في اللغة ما ذكرت؛ لأنَّه من
الوضاءة، فإن الشرع قد اقتضى فيه أنَّه يفيد الطهارة المخصوصة/54/،
واللفظة إذا أفادت في اللغة شيئاً وفي الشرع سواه، وجب حملها متى
وردت عن اللّه تعالى، وعن رسوله، على ما يفيد في الشرع، فإذا كان
هذا هكذا، وجب حمل ما رويناه على ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مس بإبهامه أنفه،
فوجد دماً، فمسحه بيده وصلى، ولم يحدث طهوراً.
قيل له: ذلك الدم كان يسيراً لا يسيل مثله، وعندنا أن ذلك القدر من
الدم لا ينقض الطهارة، فليس فيه إفساد مذهبنا.
وهذا هو ما أخبرنا به محمد بن عثمان النقاش، حدثنا الناصر عليه
السلام، حدثنا محمد بن منصور، حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين بن
علوان، عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم
السلام، قال: خرجت مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد
تطهر للصلاة، فأمس إبهامه أنفه، فإذا دم، فأعاد مرة أخرى فلم يرى
شيئاً، وجف ما في إبهامه، فأهوى بيده إلى الأرض، فمسحها ولم يحدث
وضوءاً، و مضى إلى الصلاة.
فقد صرح الخبر أن الدم كان يسيراً لا يسيل مثله.
فإن قيل: إنكم قضيتم بما رويتم من الخبر على ما رويناه من قوله صلى
الله عليه وآله وسلم الوضوء من الخارج من السبيلين، وقضينا نحن
بهذا الخبر على ما رويتم، فحملناه على غسل الموضع فقد استوينا فيه؟
(5/4)
قيل له: ليس الأمر على ما قدرتم، وقضاؤنا أولى من قضائكم؛ لأن
خبركم مخصوص بالإجماع، ألا ترى أن الوضوء عندكم ينتقض من مس الذكر
ومس المرأة؟ وعند أبي حنيفة من القهقهة في الصلاة، وعندنا من
الكبائر، وعند الجميع من النوم على بعض الوجوه، وخبرنا غير مصروف
عن ظاهره عندنا، فكان القضاء بخبرنا على خبركم أولى؛ لأن الظاهرين
إذا تقابلا، وكان أحدهما مخصوصاً بالإجماع والآخر عند المستدل به
غير مخصوص، كان الذي لا يدخله التخصيص أولى؛ لأن الظاهر إذا دخله
التخصيص صار مجازاً، والقضاء بالحقيقة على المجاز أولى.
فإن قيل: خبركم أيضاً يدخله التخصيص؛ لأنَّه لا(1) يتناول اليسير
من الدم والقيء عندكم.
قيل له: هو عام في الرعاف؛ لأن الرعاف لا يكون إلاَّ ناقضاً
للطهارة؛ لأنَّه لا يكون يسيراً، وكذلك يسير ما يخرج من المعدة لا
يكاد يسمى قيئاً، على أن ما رويناه من قوله صلى الله عليه وآله
وسلم: (( إن الوضوء ينتقض من دم سائل، وقيء ذارع ))، لا يدخله
التخصيص على وجه.
ويستدل على ذلك من طريق النظر، بأن نقيسه على البول بأنه سائل نجس
خارج من البدن، ولا يلزم عليه يسير الدم ويسير القيء؛ لأنهما لا
يسيلان، ويستدل على صحة العلة بأن المخاط والبصاق واللبن لما كان
كل واحد من ذلك خارجاً من الجسد غير نجس، لم تنتقض الطهارة به،
والبول لما كان خارجاً نجساً نقض، فعلمنا أن الحكم به يعلق إذا وجد
بوجوده، وعدم بعدمه.
فإن قيل: العلة في البول أنه خارج من مخرج معتاد.
قيل له: نقول بالعلتين جميعاً، ونرجح علتنا باستنادها إلى الظواهر
التي رويناها، وبأنها حاظرة، وبأنها تفيد شرعاً مجدداً، وبأن فيها
احتياطاً.
ويمكن أن تقاس سائر الدماء على دم الإستحاضة؛ بعلة أنَّه دم سائل
من البدن، وترجح هذه العلة على غيرها بأن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم نبه عليها بقوله/55/ للمستحاضة حين أمرها بالوضوء: (( إنما هو
دم عرق )).
__________
(1) سقطت (لا) من (ج).
(5/5)
فأما القيح فهو الدم المتغير، فإذا ثبت انتقاض الوضوء بالدم،
وجب انتقاضه بالقيح؛ ولأن أحداً لم يفصل بين الدم والقيح في إيجاب
نقض الطهارة، فإذا ثبت ذلك، ثبت في القيح، وحكي عن قوم أنهم سووا
بين قليل القيء وبين كثيره في نقض الطهارة، ويحجهم قول النبي صلى
الله عليه وآله وسلم فيما ينقض الوضوء: (( وقيء ذارع )) فأوجب نقض
الطهارة من القيء بشرط أن يكون ذارعاً، ولا خلاف في أن الجشاء لا
يفسد الوضوء، فنقيس عليه يسير القيء؛ بعلة أنَّه قيء لم يملأ الفم.
مسألة [ في النوم ]
وينقض الطهارة النوم المزيل للعقل على أي حال كان.
وقد نص عليه في (الأحكام)(1)، وهو مذهب سائر أهل البيت عليهم
السلام، ويمكن أن يستدل عليه بإجماعهم، على ما نذهب إليه من القول
بأن إجماعهم حجة. ويدل على ذلك:
ما أخبرنا به أبو بالعباس الحسني رحمه الله، حدثنا الحسن بن علي بن
أبي الربيع القطان(2)، حدثنا موسى بن عمر بن علي الجرجاني، حدثنا
إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا شعبة، عن الوضين بن عطاء، عن
محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، عن علي عليه
السلام، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( إن العين
وِكاء الإست ـ أو السه ـ فإذا نامت العين، استطلق الوكاء فمن نام
فليتوضأ )).
فهذا الخبر قد اقتضى وجوب الوضوء على كل من نام من غير استثناء حال
من الأحوال، فأما من ثقلت عينه من النعاس، ولم يزل عقله، فإما أن
نخصه بالإجماع، أو نقول: إنَّه لا يقال لمن كان كذلك نائم على
الإطلاق إلاَّ توسعاً، ويدل على ذلك:
__________
(1) انظر الأحكام 1/53.
(2) في (ب): الحسين بن علي، عن أبي الربيع القطان. وفي (أ): الحسين
بن علي بن أبي الربيع.
(5/6)
حديث صفوان بن عسَّال: (( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم
يأمرنا إذا كنا سَفْراً، لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام، إلاَّ من
جنابة، لكن من غائط أو بول أو نوم ))(1).
فأما حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نام، ثم قام
فصلى، فقيل له في ذلك، فقال: (( إنما الوضوء على من نام مضطجعاً ))
معناه من نام نوم المضطجع.
ويدل على صحة هذا التأويل قوله: (( فإنه إذا اضطجع، استرخت مفاصله
))، ومعلوم أنَّه إذا نام نوماً يزيل العقل، فإنه تسترخي مفاصله،
ويكون ذكر الإضطجاع؛ لأن الأغلب عليه(2) في النائم أن يكون
مضطجعاً، ويبين ذلك أنَّه لا خلاف أن من نام مستلقياً أنَّه ينتقض
وضوءه، والشافعي أيضاً لا بد له من هذا التأويل، ويدل أيضاً على
صحة هذا التأويل:
ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد اللّه بن إدريس، عن
يزيد(3)، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: (( وجب الوضوء على كل نائم،
إلاَّ من خفق خفقة أو خفقتين )).
ومن المعلوم أن ابن عباس لا يخالف ما يرويه عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، فيجب أن يكون عرف من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم
التأويل الذي قلناه.
__________
(1) لفظ حديث صفوان في سنن النسائي: كان رسول الله صلى اللّه عليه
وآله وسلم إذا كنا مسافرين أن نمسح على أخفافنا، ولا ننزعها ثلاثة
أيام من غائط وبول ونوم، إلا من الجنابة. تمت هامش (أ) و(ب).
(2) سقطت (عليه) من (ب) و(ج).
(3) في (أ) و(ب): عن يزيد بن مقسم.
(5/7)
واحتجاج الشافعي، وأصحابه بحديث أنس: أنهم كانوا ينامون خلف
رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم جلوساً، ثم يقومون إلى الصلاة،
ولا يتوضؤن، فليس فيه أنهم كانوا ينامون نوماً يزول معه العقل، ولا
يمكن أن يُدعى فيه العموم؛ لأنه فعل يقع على وجه واحد، وليس لأحد
أن يقول: إنكم قد قلتم/56/ إن من كان كذلك، لا يقال إنَّه نائم(1)؛
لأنا لا ننكر أن يقال ذلك توسعاً، وإن أنكرنا أن يقال ذلك حقيقة،
وبهذا التأويل ندفع سائر أخبارهم المروية في هذا الباب، فنرجح
أخبارنا وتأويلنا بالحظر، والاحتياط.
ويدل على ذلك أنَّه لا خلاف في أن نوم المضطجع ينقض الطهارة، فيجب
أن ينقض بالنوم على سائر الأحوال؛ والعلة أنَّه نام نوماً يزيل
العقل، ويدل على صحة هذه العلة أنَّه لو اضطجع، ولم ينم هذا النوم،
لا تنتقض طهارته، فعلم أن الحكم تعلق بالنوم، ونقيسه أيضاً على
الإغماء بعلة زوال العقل، ونقيسه أيضاً على سائر الأحداث، فنقول:
إن كل ما كان حدثاً في حال الإضطجاع، كان حدثاً في سائر الأحوال،
فكذلك النوم، والمعنى أنَّه حدث في حال الاضطجاع.
فصل
الذي يقتضيه مذهب الهادي عليه السلام أن الوضوء ينتقض من الإغماء
والجنون، وجميع ما يزيل العقل؛ لأنه نبه على أن العلة في النوم هو
زوال العقل؛ لأنَّه قال(2) فيما ينقض الطهارة: (( والنوم المزيل
للعقل ))، فوجب أن يكون الذي يخرج على مذهبه كما ذكرنا.
مسألة [ في كبائر المعاصي ]
وقال في ما ينقض الطهارة: وكبائر العصيان.
وهذا قد نص عليه في (الأحكام)(3)، وهو مذهب القاسم، والناصر، وعامة
الزيدية، وروي عن جعفر بن محمد عليه السلام، أنَّه كان يقول: "إن
الكذب على اللّه، وعلى رسوله ينقض الطهارة".
__________
(1) في (ب): نام.
(2) ذكره في الأحكام 1/52.
(3) انظر الأحكام 1/54.
(5/8)
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد،
قال: نُبئت أن شيخاً من الأنصار كان يمر بمجلس لهم فيقول: أعيدوا
الوضوء، فإن بعض ما تقولون شر من الحدث.
وروى ابن أبي شيبة، حدثنا ابن علية، عن هشام، عن محمد، قال: قلت
لعَبِيْدة: فيم يعاد الوضوء؟ قال: من الحدث، وأذى المسلم.
والذي يدل على ذلك قوله تعالى: {وَلا تَجْهَرُوا لَهُ
بِالْقَوْلِ..} الآية[الحجرات:2] وقوله سبحانه: {لِئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبطَنَّ عَمَلُكَ}، فثبت أن المعاصي تحبط الأعمال، وإحباط
الأعمال إنما هو إحباط أحكامها وثوابها؛ لأن أعيانها قد عِدِمت،
وإذا كان الأمر على ما ذكرنا، ثبت بطلان طهارة العاصي، فوجب
إعادتها.
فإن قيل: الإحباط يتناول ثواب الأعمال، دون سائر أحكامها، ألا ترى
أن أحكام الشهادة ثابتة للفاسق؟ ولا يجب عليه أيضاً إعادة سائر
الطاعات.
قيل له: الآية تقتضي بطلان جميع أحكامها إلاَّ ما خصه الدليل،
فسائر ما ذكرت لولا أن الدليل قد خصه، لقلنا: إن جميعه قد بطل،
وإذا ثبت هذا، ثبت وجوب بطلان جميع(1) أحكام الوضوء، إذ لا دليل
على أن بعضها ثابت.
فإن قيل: إذا ثبت أن الثواب مراد بالإحباط، لم يجز أن يراد به سائر
الأحكام؟
قيل له: عندنا أن اللفظة الواحدة يجوز أن يراد بها المعنيان
المختلفان، فلا معنى لهذا السؤال عندنا.
ويدل على ذلك: ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، قال: أخبرنا أبو
بكر عبد اللّه بن عبد الملك الشامي، حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن
محمد الرقاشي، حدثنا بَذَل بن المحبر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن
أنس، قال: (( كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا
بالوضوء من الحدث، ومن أذى المسلم )).
وإذا ثبت أن أذى المسلم ما لم يكن كبيرة لم تنتقض الطهارة به
بالإجماع، ثبت أن الناقض منه ما كان كبيرة، فيجب أن يقاس عليه سائر
الكبائر/57/.
__________
(1) سقطت (جميع) من (أ) و(ب).
(5/9)
واستدل على ذلك أصحابنا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أنَّه أمر من قهقة في الصلاة بإعادة الوضوء، والصلاة، فقالوا:
إنما أمر بذلك من حيث كان الضحك معصية؛ لأن الضحك ليس بحدث؛ إذ لو
كان حدثاً لكان لا فصل بين كونه في الصلاة، وخارجاً من الصلاة،
كسائر الأحداث، فإذا ثبت ذلك ثبت أن المعاصي تنقض الطهارة، قياساً
على القهقة في الصلاة الواقعة على سبيل العمد.
فإن قيل: قولكم هذا يقتضي أن الفاسق لا صلاة له، فإنه يلزمه
إعادتها؛ لأنَّه أبداً في حكم المحدث حتى يتوب، وهذا خلاف الإجماع.
قيل له: ليس الأمر كما(1) ذكرت؛ لأنه لا يصير في حكم المحدث إلاَّ
إذ استحدث فعل الكبيرة، فإذا استحدث فعل الكبيرة، بين الوضوء
والصلاة فعليه تجديد الطهارة، وإن لم يستحدث كان على الطهارة، وليس
يجب أن يكون حصوله غير تائب بمنزلة الحدث، بل الذي بمنزلة الحدث
إنما هو فعل المعصية.
فإن قيل: فقد(2) روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (( لا
وضوء إلاَّ من صوت، أو ريح ))؟
قيل له: الأدلة كلها كالدليل الواحد، فكأنه صلى الله عليه وآله
وسلم قال: لا وضوء إلا من صوت أو ريح، أو كبيرة؛ للأدلة الَّتِي
قدمناها، وهذا الجنس من التأويل لا بد لجميع الأمة منه؛ إذ لا أحد
منهم إلاَّ وهو(3) يقول: إن الطهارة تنتقض من غير صوت أوريح،
والأقرب أن هذا الخبر ورد في من شك هل أحدث ريحاً، أم لا، ويؤيد
هذا الذي ذكرناه ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه قال:
(( إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين إليتيه، فلا ينصرفن حتى يسمع
صوتاً، أو يجد ريحاً )).
فإن قيل: إن الخبر لا يجب قصره على السبب الذي خُرِّج عليه عندكم،
بل يجب حمله على ما يقتضيه اللفظ.
__________
(1) في (ج) و(ب): على.
(2) سقطت (فقد) من (ب) و(ج).
(3) سقطت (هو) من (ج).
(5/10)
قيل له: كذلك نقول، إلاَّ أن يدل الدليل على أنَّه يجب قصره على
السبب، فقد دل ما ذكرناه من الأدلة على ذلك، ألا ترى أن اللفظ
لفظ(1) العام لو لم يرد في سبب خاص، ودل الدليل على أنه خاص وجب أن
يحكم بذلك، فوروده في سبب خاص لا يمنعه من ذلك، بل يؤكده.
ويمكن أن تقاس المعاصي على القهقهة في الصلاة، الواقعة على سبيل
العمد؛ لكونها معاصي إذا كان الكلام مع أصحاب أبي حنيفة، ويمكن أن
يقاس على لمس المرأة المحرمة بتلك العلة إذا كان الكلام مع أصحاب
الشافعي، وليس لأحد أن يقول: إن هاتين العلتين ليس لهما تأثير؛
لأنهما عندنا يؤثران في الأصل، ألا ترى أنا نقول أن(2) القهقهة لو
وقعت على غير سبيل العمد، وعلى وجه لا يكون معصية، لم تنتقض
الطهارة، وكذلك نقول في لمس المرأة، والتأثير يجب أن يكون على أصل
المعِلل.
مسألةٌ [ في مس الفرجين ]
قال: ولا ينقضها مس الفرجين.
ونص القاسم عليه السلام على ذلك في (مسائل النيروسي)، وهو المحفوظ
عن سائر أهل البيت عليهم السلام، لا يعرف عن أحد منهم في ذلك خلاف،
والذي يدل على ذلك:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا أبو جعفر الطحاوي، حدثنا يونس،
حدثنا سفيان، عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، أنَّه سأل
رسول اللّه صلى الله عليه/58/ وآله وسلم أفي مس الذكر وضوء؟ قال:
(( لا ))(3).
وأخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو جعفر، حدثنا محمد بن خزيمة، حدثنا
حجاج، حدثنا ملازم، حدثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن
أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه سأله رجل فقال: يا
نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذَكَره بعد ما توضأ؟ فقال النبي صلى
الله عليه وآله وسلم: (( هل هو إلاَّ بضعة منك؟ )) (4).
__________
(1) سقطت (لفظ) من (ج).
(2) سقطت (أن) من (ج).
(3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/75.
(4) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/76، إلا أنه زاد:أو مضغة
منك.
(5/11)
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن جعفر بن الزبير، عن
القاسم، عن أبي أمامة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُئل عن
مس الذكر، فقال: (( هل هو إلاَّ جذوة(1) منك؟ )).
وأخبرنا أبو بكر، أخبرنا(2) أبو جعفر، حدثنا محمد بن العباس،
حدثنا(3) عبد اللّه بن محمد بن المغيرة،حدثنا مَسْعَر، عن قابوس،
عن أبي ظبيان، عن علي عليه السلام، قال: (( ما أبالي أنفي مسست، أو
أذني، أو ذكري ))(4).
وأخبرنا أبو بكر، حدثنا أبو جعفر، حدثنا ابن مرزوق، حدثنا عمرو بن
أبي رزين، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن، عن خمسة من أصحاب النبي
صلى الله عليه وآله وسلم فيهم علي، وابن مسعود، وحذيفة، وعمران بن
حصين، ورجل آخر، أنهم كانوا لا يرون في مس الذكر وضوءاً(5).
وروى الطحاوي بأسانيد تركت ذكرها كراهة الإطالة مثل ذلك، عن عطاء
وشعبة مولى ابن عباس(6). وروي عن قيس بن السكن، عن ابن مسعود، وروي
عن عمير بن سعيد، عن عمار بن ياسر(7).
فقد دل ما أثبتناه(8) من الأخبار على أن لا وضوء من مس الذكر من
وجوه:
فمنها ما رويناه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفظاً.
ومنها ما رويناه عن علي عليه السلام، ومن مذهبنا أنَّه إذا قال
قولاً لم يجز أن يخالف، ووجب أن يتبع.
ومنها أن ذلك إجماع الصحابة بدلالة هذه الأخبار التي رويت عنهم.
__________
(1) في (ج): حذوة.
(2) في (ج): حدثنا.
(3) في (ب) و(ج): أخبرنا.
(4) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/78.
(5) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/78.
(6) انظر شرح معاني الآثار 1/77 ـ 78.
(7) انظر شرح معاني الآثار 1/78.
(8) في (ج): ذكرناه.
(5/12)
فإن قيل: كيف يكون ذلك إجماعاً، وقد روي خلافه(1)، وكذلك ابن
عباس فكأنه لم يرو عنه ما فيه شيء، فأما ابن عمر فقد روي عنه
الوضوء من مس الذكر، ولم يرو أنَّه كان يوجبه، فلا يجب أن نثبته
مخالفاً لسائرهم، إذ كان لا يمتنع أن يكون فعله له على سبيل
الاستحباب دون الإيجاب على أن ابن عمر كانت عادته مشهور في التشدد
في الطهارة، فإنه كان يتوضأ لكل صلاة، وكان يدخل الماء في عينيه،
وكان يتوضأ من أكل ما مسته النار، فيجوز أن يكون توضأ من مس الذكر
على عادته على سبيل الاحتياط دون الإيجاب.
ومنها: أن الوضوء من مس الذكر لو كان واجباً، كان لا يجوز أن يخفى
على مثل أمير المؤمنين عليه السلام، وابن مسعود، وحذيفة، وعمار
وغيرهم رضي اللّه عنهم؛ إذ هو من الأمور التي تعم البلوى به، ونحن
وإن لم نقل كما يقوله أصحاب أبي حنيفة بأن خبر الواحد لا يقبل فيما
تعم البلوى به، فلسنا نجوز أن يكون أمراً تعم البلوى به، ثم يخفى
على الصحابة وأكابرهم، حتى لا نثبت القول به عن أحد من الصحابة،
وأحوالهم لا تخلو من أقسام، إما أن تكون هذه الأخبار لم تقع لهم
وهذا مما لا نجوزه؛ إذ تجويز ذلك يؤدي إلى أنَّه يجوز أن يكون خفي
عليهم كثير من الفرائض الظاهرة، وذلك مما لا يصح، أو يكونوا عرفوا
نسخها، أو عرفوا أن المراد بالوضوء هو غسل اليد، أو تكون الأخبار
غير صحيحة، أو حصل فيها التعارض، فتركت، ورجع إلى الأصل في أن لا
وضوء، وأي ذلك ثبت، لم يثبت معه القول بوجوب الوضوء من مس
الذكر/59/.
__________
(1) في (ب): عن عمر وسعيد وأنس، قيل له: قد روي عن هؤلاء كلهم نفي
الوضوء منه، فأقل أحوالهم أن تتعارض الروايات عنهم، فيصيرون كأنهم
لم يحفظ عنهم شيء. وفي (أ): قال وتحرير العبادة: عن ابن عباس وابن
عمر، قلنا: أما ابن عباس فقد روي عنه نفي الوضوء عنه، فكأنه لم يرو
عنه شيء، وأما ابن عمر...
(5/13)
وجملة الكلام في أخبارهم التي رووها في هذا الباب هي ما أشرنا
إليها، ونحن نشرح ذلك بإيجاز واختصار:
فأما الوجه الذي منه يعلم أن الأخبار غير صحيحة، فهو أن العمدة في
ذلك حديث بسرة.. أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا أبو جعفر
الطحاوي، حدثنا أبو بكرة، حدثنا الحسين بن مهدي، حدثنا عبد الرزاق،
حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة أنَّه تذاكر هو، ومروان، الوضوء من
مس الفرج، فقال مروان: حدثتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول اللّه
صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بالوضوء من مس الفرج(1)، فكأن عروة
لم يرفع لحديثها رأساً، فأرسل مروان إليها شرطياً له(2) فرجع،
وأخبرهم أنها قالت: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يأمر
بالوضوء من مس الفرج.
فقوله: إن عروة لم يرفع بحديثها رأساً يدل على أنَّه لم يقبل
حديثها ورده، وليس لأحد أن يقول: إنَّه ـ يعني عروة ـ شك في مروان
دون بسرة بدلالة إنفاذ مروان شرطيه ليتعرف منها، وذلك أن الراوي لم
يرفع لحديثها رأساً، فأما إنفاذ مروان شرطيه، فلا يدل على قبول
عروة حديث بسرة، فإنه لا يمتنع أن يكون مروان أحب أن يستبين ثانياً
لنفسه، على أن عروة إذا شك في قول مروان، فلأن يشك في قول شرطيه
أولى، وروي عن ربيعة أنَّه كان ينكر ذلك ويقول: لو أن بسرة شهدت
على هذا الفعل ما أجزت شهادتها، فهذا كما ترى قد رد العلماء
حديثها.
وقد رووا وجوب الوضوء من مس الذكر، عن عائشة، عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم.
وروي عن يحيى بن أبي كثير، أنَّه سمع رجلاً يحدث به في مسجد رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ،عن عروة، عن عائشة؛ فأحد ما يوجب
ضعفه أن يحيى بن أبي كثير لم يذكر من سمعه عنه.
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/71.
(2) سقطت (له) من (أ).
(5/14)
وقد روي أيضاً ذلك من غير هذه الطريق، عن عروة، عن عائشة، وعن
عروة، عن زيد بن خالد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك كله
يضعف، بل يجب سقوطه، وذلك أن عروة أنكر الوضوء من مس الذكر، ولما
روى له مروان(1)، عن بسرة، لم يقبل حديثها، وغير جائز أن يكون حديث
رواه عروة، عن عائشة، وعن زيد بن خالد، عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، ويُرَدُّ ببسرة إذا روته، وينكر القول به، فهذا يدل على
أنَّه غلط على عروة ووهم، سيما ومذاكرة عروة لمروان كانت بعد موت
عائشة، وزيد بن خالد بزمان.
والكلام في كل ما روي عن عروة في هذا الباب، فهو على نحو ما قلناه،
فإنهم يروون ذلك عن عروة، عن أبيه، عن أروى بنت أنيس، عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، وعن عروة عن بسرة، على أنَّه قد طُعن في
إسناد كل واحد من هذه الأحاديث، إلاَّ أنا اقتصرنا على الإشارة إلى
هذا الوجه الواحد مما(2) روي عن عروة طلباً للإيجاز، وتجنباً
للإطالة.
ورووه أيضاً عن صدقة بن عبد الله، عن هشام بن زيد، عن نافع، عن ابن
عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصدقة هذا ضعيف عندهم،
وكذلك هشام بن زيد ضعيف عندهم.
ورووه عن العلاء بن سليمان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي
صلى اللّه عليه وآله وسلم، والعلاء هذا عندهم ضعيف، والزهري عندنا
في غاية السقوط، فقد روي أنَّه كان أحد حرس خشبة زيد بن علي عليه
السلام حين صُلب.
ورووه عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن أبي(3) موسى الخياط، عن
أبي سعيد المقبري/60/، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم، ويزيد هذا ضعيف عندهم غير مقبول، وأبو موسى الخياط مجهول،
وجملة الأمر أن كل حديث رووه في هذا الباب هو ضعيف السند، أو مرسل،
فيجب أن لا يحتجوا به.
فإن قيل: فأنتم تقبلون المراسيل، فيلزمكم قبولها.
__________
(1) في (أ) و(ب): عن مروان.
(2) في (ج): فيما.
(3) في (ب): ابن، وبهامشها: أبي.
(5/15)
قلنا: نحن ندفع ذلك من سائر الوجوه التي ذكرناها، ونذكر بعد
هذا، وإنما بينا بهذا أن القوم لا يجوز لهم أن يحتجوا بهذه الأخبار
على أوضاعهم، فأما نحن فندفعها بأنها منسوخة، وبأن الصحابة أجمعت
على القول بخلاف موجبها، وأن أهل البيت عليهم السلام أجمعوا على ما
أجمعت عليه الصحابة من ذلك، وأن أمير المؤمنين عليه السلام قال
بخلاف موجبها، وروي أن يحيى بن معين ذكر في (التاريخ) أنَّه لا يصح
في الوضوء من مس الذكر حديث، وكان لا يقول به.
فأما ما يبين أن ما روي في هذا الباب يجب(1) أن يكون منسوخاً، فهو
ما روي عن قيس بن طلق بن علي، عن أبيه، أنَّه سأل النبي(2) صلى
الله عليه وآله وسلم: أمن مس الذكر وضوء؟ فقال: (( لا )).
وما رواه أن رجلاً سأله عن مثل ذلك، فقال: (( هل هو إلاَّ بضعة
منك؟ ))
وذاك أنَّه لا يجوز أن يكونوا سألوا عن(3) ذلك إلاَّ من بعد ما
بلغهم حديث الوضوء منه؛ لأنَّه لو لا ذلك، لكان سؤالهم عن ذلك
كسؤال من يسأل عن سائر الأعضاء، هل في مسها أو مس شيء منها وضوء؟،
وذلك لا معنى له، فعلم بذلك أنهم كانوا سمعوه من قبل، وقول النبي
صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا وضوء منه ))، يجب أن يكون متأخراً،
فيجب أن يكون ناسخاً.
فإن قيل، قوله: (( هل هو إلاَّ بضعة منك؟ ))، يدل على أنَّه متقدم؛
لأنَّه لو لم يكن كذلك، لكان للسائل أن يقول قد كان الوضوء واجباً
من مسه وهو كبضعة مني؟
قيل له: إنَّه صلى الله عليه وآله وسلم نبه على علة الحكم فيه في
ذلك الوقت، ولا يمتنع أن يكون ذلك يصح في وقت ولا يصح في وقت، إذا
منع من صحتها الشرع، ألا ترى أن علة الربا لم تكن علة للتحريم قبل
تحريم الربا؟ وهي كانت على ما هي عليه الآن، فكذلك ما ذكرناه، وهذا
السؤال مأخوذ ممن قال بنفي القياس، وهو ظاهر الفساد.
__________
(1) سقطت (يجب) من (أ) و(ب).
(2) في (ب) و(ج): رسول الله.
(3) في (أ): من.
(5/16)
وأما وجه التأويل فيها فهو أن يحمل على غسل اليد، فقد روي عن
بعض الصحابة.. روى مصعب بن سعد بن أبي وقاص أن أباه أمره بذلك،
وذلك كما تأول عامة العلماء ما روي في الوضوء من أكل ما مسته النار
على غسل اليد، وهذا لا يمتنع أن يؤمر الإنسان به على سبيل
الاحتياط؛ لأن ذلك الموضع ربما تصيبه بلة من النجاسة، كما روي: ((
إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها
ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده )).
وأما وجه التعارض، فلأنه روي وجوب الوضوء من مس الذكر، وروي أن لا
وضوء منه، فهذا ظاهر في التعارض، فإذا تعارضت، سقطت، ووجوب الرجوع
إلى الأصل في أنَّه لا وضوء منه، كأنه لم يرو فيه شيء.
فإن قيل: خبر إيجاب الوضوء أولى؛ لكثرة رواته.
قيل له: بل خبر نفيه أولى؛ لسلامة سنده، ولقول عليَّة الصحابة
بموجبه، وهذا الترجيح أولى من كثير من التراجيح التي تذكر في هذا
الباب، فإما أن يترجح خبرنا أو يتساوي الخبران، وكلاهما يوجب أن لا
وضوء منه.
فأما طريقة القياس فيه فواضحة؛ لأنه مقيس على سائر الأعضاء بعلة
أنَّه بعض الإنسان، وهذه علة قوية؛ لأن النبي صلى الله عليه/61/
وآله وسلم نبه عليها بقوله: (( هل هو إلاَّ بضعة منك؟ ))، على ما
بيناه فيما مضى.
مسألة [ في لمس المرأة ]
قال: ولا ينقضها لمس المرأة.
وهذا قد نص عليه في كتاب (الأحكام)(1)، وهذا أيضاً مما أجمع عليه
أهل البيت عليهم السلام، ويدل على ذلك:
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، أخبرنا محمد بن جعفر الأنماطي،
حدثنا علي بن هرمز ديار، حدثنا أبو كريب، حدثنا حسين الجعفي، عن
زائدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول اللّه
صلى الله عليه وآله وسلم يقبل بعض نسائه، ولا يتوضأ )).
__________
(1) انظر الأحكام 1/54.
(5/17)
وأخبرنا أبو العباس الحسني رضي اللّه عنه، أخبرنا محمد بن جعفر
الأنماطي، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الصنعاني، عن عبد الرزاق، عن
إبراهيم بن محمد، عن معبد بن نباتة، عن محمد بن عمرو، عن عروة، عن
عائشة، قالت: قبلني رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وصلى، ولم
يحدث وضوءاً )).
وممن روى ذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة.. وعبد الله بن
عمرو، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن عائشة.
وروى الأوزاعي، عن يحيى بن أبي سلمة، عن أم سلمة، أن رسول اللّه
صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبلها وهو صائم، لا يفطر، ولا يحدث
وضوءاً.
وروي(1) عن عائشة، أنها طلبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلاً،
قالت: فوضعت يدي على صدر قدمه ـ وهو ساجد يقول كذا وكذا ـ فلو كان
ذلك ينقض الطهارة، لم يمض النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سجوده.
وهذه الأخبار كلها قد دلت على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء.
فإن قيل: إن الذي رويتموه من القُبلة، والمس يجوز أن يكون كان
والثوب حائل بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين عائشة، وهو
فعل لا يمكن ادعاء العموم فيه.
قيل له: إن ذلك صرف للحديث عن ظاهره، وذلك أن من قبل خمار المرأة،
لا يكون قبلها على الحقيقة، وإن جاز أن يقال قبلها على سبيل التوسع
والمجاز، وكذا إذا مست المرأة الثوب الذي على صدر قدم الرجل، لا
يقال: إنها مست صدر قدمه، إلاَّ على المجاز، ولا يجوز صرف الخبر عن
الحقيقة إلى المجاز إلاَّ بدليل، وعلى ما بيناه لا حاجة بنا(2) إلى
ادعاء العموم فيه، فلا يقدح فيما ذكرناه تعذر ادعاء العموم؛ إذ قد
بينا أن ظاهر الخبر يقتضي أنَّه لم يكن بين النبي صلى الله عليه
وآله وسلم وبينها حجاب ثوب حائل.
فإن استدلوا لصحة مذهبهم بقول اللّه تعالى: {أَوْ لامَسْتُمْ
النِّسَاءَ}، فإن الملامسة عندنا هي(3) الجماع دون اللمس باليد،
يدل على ذلك:
__________
(1) في (ب): ورووا.
(2) في (ب) و(ج): لنا.
(3) في (أ) و(ب): هو.
(5/18)
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، أخبرنا الحسن بن علي بن أبي
الربيع، حدثنا علي بن هارون، حدثنا أبو كريب، حدثنا الحسين الجعفي،
عن زائدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( الملامسة الجماع )).
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن أشعث، عن الشعبي، عن
أصحاب علي، عن علي عليه السلام: أولا مستم النساء. قال: هو الجماع.
وروى ابن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس، قال: هو الجماع.
فإن قيل: فقد روى ابن أبي شيبة، أن أصحاب عبد اللّه رووا عن عبد
الله، أنَّه قال: فما دون الجماع، وقد روي ذلك عن عمر وابن عمر.
قيل له: ما رويناه أولى؛ لأن ذلك قد رويناه عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم/62/، ورويناه عن علي عليه السلام، ومن أصلنا أنا إذا
روينا الحكم عن علي عليه السلام، فلا نتعداه إلى قول غيره من
الصحابة، على أن الملامسة في اللغة هي الجماع، فلو لم يُروَ فيها
شيء، وجب حملها على الجماع، فكيف وقد روينا عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، وعن علي عليه السلام وغيره من الصحابة؟
فإن قيل: فإن الملامسة هي المفاعلة من ـ اللمس ـ، فلا يصح أن يدعى
فيها أنها الجماع؛ لأن اللمس والمس في اللغة واحد.
(5/19)
قيل له: لا يمتنع أن يكون ما ذكرت أصلاً في اللغة، إلاَّ أن
الذي ادعينا في الملامسة قد صار منقولاً بالعرف عن الأصل كما أن
الدابة نقلت عما كان أصلاً إلى العرف(1)، ألا ترى أنها اسم في أصل
اللغة لكل ما يدب؟ ثم صار اسماً للبهيمة المخصوصة، وكذلك الغائط
كان اسماً للأرض المطمئنة، ثم صار اسماً لقضاء الحاجة المخصوصة،
والاسم إذا أفاد في أصل اللغة شيئاً نقله العرف عنه إلى غيره أو
إلى خاص منه، ثم إذا ورد الخطاب به، وجب حمل الخطاب عليه، وإذا كان
هذا هكذا، بان أن الملامسة حقيقتها هو الجماع، ويجب أن يكون حقيقة
فيها(2).
فإن قيل: لو سلمنا لكم أن الحقيقة فيها ما ذكرتم، فيجب أن يكون
اللمس أيضاً مراداً بها؛ لأن من مذهبكم أن لا يمتنع أن تكون اللفظة
الواحدة يراد بها الحقيقة والمجاز جميعاً.
قيل له: نحن وإن جوزنا ذلك فلسنا نوجبه؛ لأنا نقول: إن اللفظة إذا
كان لها مجاز وحقيقة، فيجب أن تكون الحقيقة مراداً بها، إلاَّ أن
يمنع منه الدليل، فلا يجب أن يكون المجاز مراداً بها إلاَّ بدليل،
وإذا كان هذا هكذا، فلا يجب أن يكون اللمس(3) مراداً بالآية.
فإن قيل: قد قُرِأَتْ الآية {أَوْ لمَسْتُمُ النِّسَاء} وقُرِأَتْ
{أَوْ لامَسْتُم..}[المائدة:6] فلو ثبت أن الملامسة هي الجماع، فلا
إشكال في أن اللمس هو المس، والقراءتان كالخبرين، فيجب الأخذ
بمقتضاهما.
قيل له: قد أجمعت الأمة على أن المراد بالقراءتين مراد واحد؛ لأن
كل من حمل الملامسة على الجماع حمل اللمس عليه، ومن حمل اللمس على
المس، حمل الملامسة عليه، فإذا ثبت ذلك، وثبت أن الملامسة هي
الجماع، ثبت أن اللمس أيضاً هو الجماع.
__________
(1) في (ب) و(ج): كانت في الأصل بالعرف.
(2) في (ب) و(ج): بان أن الملامسة يجب أن يكون حقيقتها هو الجماع،
ويجب أن يكون حقيقة فيها.
(3) في (ب) و(ج): المس.
(5/20)
فإن استدلوا لصحة مذهبهم بما روي أن رجلاً أتى النبي صلى الله
عليه وآله وسلم، فقال: إني نلت من امرأة كلَّما ينال الرجل من
امرأته غير الجماع، فقال له عليه السلام: (( توضأ، وصل )).
قيل له: إن هذا لا يدل على صحة مذهبكم؛ لأن في ما ينال الرجل من
امرأته أن يمذي بملاعبتها، فلا يمتنع أن يكون قوله صلى الله عليه
وآله وسلم توضأ لذلك، على أن من مذهبنا أن الكبائر تنقض الطهارة،
فلا يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره بالوضوء
لارتكابه الكبيرة، على أنَّه ليس في الحديث أن الرجل نال ما نال من
المرأة وهو متطهر، ولا خلاف في أن المرأة إذا مست المرأة، لم تنتقض
طهارتها، وكذلك إذا مس الرجل شعرها، فيجب أن لا تنتقض طهارته إذا
مس المرأة، والمعنى أنَّه لم يحصل إلاَّ المسيس بغير الفرجين، وهذه
المسألة طريقها الأخبار، فلذلك لم نستقصِ القياس فيها، واقتصرنا
على ذكر اليسير منه.
مسألة [ في القهقهة في الصلاة ]
قال: ولا ينقضها القهقهة في الصلاة.
وقد نص في (الأحكام)(1) على أن القهقهة في الصلاة، تنقض الصلاة ولا
تنقض الطهارة، فهذا هو الأصل فيها، إلاَّ أن يقع على وجه التعمد،
فتنتقض الطهارة بها، وهذه المسألة قد مضى الكلام فيها.
والذي يدل على صحة ما نذهب إليه/63/ هو أن الشيء لا يثبت كونه
حدثاً إلاَّ بدلالة شرعية، ولم تقم دلالة شرعية تدل على أن القهقهة
في الصلاة حدث، فوجب القول بأنها لا تنقض الطهارة.
فإن استدلوا بحديث أبي العالية أن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم كان يصلي، وخلفه أصحابه، فجاء رجل أعمى، وثَمَّ بئر على رأسها
خصفة، فتردى فيها، فضحك القوم، فأمر رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم من ضحك بأن يعيد الوضوء، ويعيد الصلاة.
__________
(1) انظر الأحكام 1/111.
(5/21)
وروي عن الحسن، عن أسامة بن أبي المليح(1)، عن أبيه، عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه قال: من قهقه في صلاته فليعد
الوضوء والصلاة.
قيل له: روي عن جابر بن عبد اللّه أن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم لم يأمرهم بإعادة الوضوء.
وروي بأن الضاحك في صلاته، والملتفت سواء، ولا خلاف أن الملتفت لا
وضوء عليه، فيجب أن لا يكون على الضاحك أيضاً، فالأخبار إما أن
تتعارض، فيسلم لنا أصل الدليل، ويحمل أيجاب الوضوء على أنَّه كان
لكون الضحك معصية؛ لأن الضحك في الصلاة إذا وقع على سبيل العمد فهو
معصية، ويدل على ذلك أنا وجدنا سائر الأفعال لما لم تكن حدثاً خارج
الصلاة لم يكن حدثاً فيها، والأحداث كلها تشهد لهذه العلة؛ لأنها
لا تختص حال الصلاة دون غيرها، بل كل ما كان منها حدثاً في الصلاة،
كان حدثاً في غيرها.
فإن قيل: هذه علة تنتقض على أصولكم؛ لأن من مذهبكم أن القهقهة في
الصلاة تنقض الطهارة، إذا وقعت على سبيل العمد، ولا تنقضها إذا
وقعت خارج الصلاة.
قيل له: العلة صحيحة، وذلك أنا لا نراعي كونها واقعة على سبيل
العمد فقط، وإنما نراعي كونها معصية، فمتى وقعت القهقهة على وجه
يكون معصية، نقضت الطهارة ـ في الصلاة كانت، أم خارج الصلاة ـ وإلى
هذه العلة أشار في (الأحكام) (2) حيث يقول: (ولو نقض الطهارة هذا
الصوت الحقير لنقضها الصوت الكبير والكلام الدائم الكثير)، وليس
لهم أن يبطلوا علتنا هذه بكونها دافعة للخبر؛ لأنا قد بينا الكلام
في الخبر، وبينا فيه التعارض، وتأولناه أيضاً على الضحك الذي يكون
معصية، فلا يجب أن تكون العلة دافعة للخبر.
مسألة [ في تجديد الطهارة ]
قال: ويستحب تجديد الطهارة لمن اشتغل عنها بسائر المباحات.
وهذا قد نص عليه في (الأحكام)(3).
__________
(1) في هامش (ب): صوابه عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه. فأبو
المليح لم يكن صحابياًّ.
(2) ذكره في الأحكام ض/111.
(3) انظر الأحكام 1/54.
(5/22)
والأصل في ذلك ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي،
حدثنا أبو بكرة، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا سفيان، عن علقمة بن
مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات أجمع
بوضوء واحد(1).
وأخبرنا أبو بكر، أخبرنا أبو جعفر، حدثني يونس، حدثنا ابن وهب،
أخبرني(2) عبد الرحمن بن زياد، عن أبي غطيف الهذلي، قال: صليت مع
ابن عمر الظهر في مجلس في داره، فانصرفت معه حتى إذا نودي بالعصر،
دعا بوضوء، فتوضأ، ثم خرج وخرجت معه، وصلى العصر، ثم رجع إلى
مجلسه، فرجعت معه حتى إذا نودي بالمغرب، دعا بوضوء، فتوضأ. فقلت
له: أي شيء هذا يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: سمعت رسول اللّه صلى الله
عليه وآله/64/ وسلم يقول: (( من توضأ على طهر، كتب اللّه عزَّ وجل
له بذلك عشر حسنات )). ففي ذلك رغبت يا ابن أخي(3).
ففي ذلك تصحيح ما ذهب إليه يحيى بن الحسين عليه السلام في
الاستحباب، وإذا لم يرو عن أحد تجديد الطهارة مع الجمع بين
الصلاتين، أو اتباع نفل بفرض، أو فرض بنفل، علم أن الاستحباب فيه
على ما ذكره يحيى(4) عليه السلام، لمن اشتغل عن الصلاة بغيرها من
المباحات، وقد استدل يحيى عليه السلام بقول اللّه تعالى: {يَا
أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُم إِلَى الصَّلاةِ
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم} فلما كان الظاهر يقتضي أن تلي الصلاةُ
الطهورَ، وكان قد ثبت أنَّه ليس بواجب على المتطهر، ثبت أنَّه
مستحب.
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/41.
(2) في (ج): أخبرنا.
(3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/42 بزيادة بعد أي شيء هذا
يا أبا عبد الرحمن؟ الوضوء لكل صلاة؟ فقال: وقد فطنت لهذا مني؟ ليس
سنة، إن كان لكاف وضوئي لصلاة الصبح صلواتي كلها ما لم أحدث، ولكني
سمعت...إلخ.
(4) انظر الأحكام 1/54.
(5/23)
وحكي عن قوم أنهم قالوا بوجوب الوضوء لكل صلاة على الحاضر، وذلك
لا معنى له؛ لما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي،
حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد، وابن جريج، وابن
سمعان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد لله، قال: ذهب رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى امرأة من الأنصار ومعه أصحابه،
فقدمت لهم شاة مصلية، فأكل وأكلنا، ثم حانت الظهر، فتوضأ، ثم صلى،
ثم رجع إلى فضل طعامه، فأكل، ثم حانت العصر فصلى، ولم يتوضأ ))(1).
مسألة [ في المتوضئ يحلق أو يقلم ]
قال: ومن توضأ، ثم أخذ من شعره، أو قلم أظفاره، فعليه أن يمر الماء
على أثره.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب)(2).
والوجه في ذلك أن أعضاء الطهارة يجب أن يكون كل موضع منها مغسولاً
أو ممسوحاً، فإذا أخذ شعره، أو قلم أظافيره، بقي موضع القص غير
مغسول، ولا ممسوح، فيكون بمنزلة أن يبقي من جملة الأعضاء موضع لم
يمسه الماء، فكما يجب إمساسه الماء، كذلك(3) موضع القص يجب أن يمر
الماء عليه.
مسألة [ في المسح على الخمار ]
قال: ولا يجزي مسح العمامة والخمار عن مسح الرأس.
وقد نص عليه في (الأحكام) (4)، وهو مما لا خلاف فيه، وظاهر قول
اللّه تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} يقضي بصحة ما ذكرناه؛
لأن الماسح على العمامة والخمار، لا يكون ماسحاً على الرأس على
التحقيق.
مسألة [ في المسح على الخفين ]
قال: ولا يجزي المسح على الخفين، والجوربين والرجلين عن غسلهما.
وهذا أيضاً منصوص عليه في (الأحكام)(5)، وقد مضى الكلام في وجوب
غسل الرجلين، وأن مسحهما لا يجزي عن غسلهما.
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/42.
(2) انظر المنتخب ص26.
(3) في (ب) و(ج): فكذلك.
(4) انظر الأحكام 1/78، 79.
(5) انظر الأحكام 1/78، 79.
(5/24)
فأما المسح على الخفين فالذي يدل على أنَّه لا يجزي، قول اللّه
تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُم وَأَرْجُلَكُم إِلَى
الْكَعْبَيْن} وسواء كانت القراءة بالنصب، أو الخفض، أو كانت الرجل
ممسوحة، أو مغسولة، فالحكم لا محالة راجع إلى الرجلين دون الخفين،
والماسح للخفين لا يكون غاسلاً للرجلين، ولا ماسحاً لهما، فبان أن
ظاهر الآية يقتضي ما نذهب إليه، على أن ذلك إجماع أهل البيت عليهم
السلام، لا يختلفون فيه، وما أجمع عليه أهل البيت عليهم السلام،
فيجب أن يكون صحيحاً عندنا، فثبت بذلك أيضاً أنَّه لا مسح على
الخفين.
فإن استدلوا بالأخبار التي رويت في ذلك منها: ما روي أن رسول اللّه
صلى الله عليه وآله وسلم مسح على الخفين.
ومنها ما روي عنه عليه السلام، أنَّه قال: (( امسح ما بدا لك )).
وما روي عنه عليه السلام أنَّه رخص فيه للمسافر ثلاثة أيام
بلياليها، وللمقيم يوماً وليلة/65/.
قيل لهم: هذه الأخبار عندنا منسوخة، نسخها قول اللّه تعالى:
{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُم إِلَى الْكَعْبَين}،
والذي يدل على ذلك أن الصحابة أجمعوا على مراعاة التقدم والتأخر في
المسح والآية، ولا وجه لمراعاة التقدم والتأخر بين الآيتين أو
الخبرين، أو الآية والخبر إلاَّ لعلمهم بأن أحدهما يجب أن يكون
ناسخاً، والآخر منسوخاً، فإذا ثبت ذلك، ولم يثبت تأخر المسح على
الآية، وثبت تقدمه عليها، ثبت أن الآية ناسخة له.
فإن قيل: ولم ادعيتم إجماع الصحابة على مراعاة التقدم والتأخر
فيها(1).
__________
(1) سقطت (فيها) من (ب) و(ج).
(5/25)
قيل لهم: لِما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، أخبرنا الناصر،
حدثنا محمد بن منصور، حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين، عن أبي خالد،
عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، قال: لمَّا كان في
ولاية عمر، جاء سعد بن أبي وقاص، فقال: يا أمير المؤمنين، ما لقيتُ
من عمار؟ قال: وما ذاك؟ قال: حيث خرجتُ ـ وأنا أريدك ـ ومعي
الناس، فأمرتُ منادياً فنادى بالصلاة، ثم دعوت بطهور، فتطهرت،
ومسحت على خفي، وتقدمت أصلي، فاعتزلني عمار، فلا هو اقتدى بي، ولا
هو تركني، فجعل ينادي من خلفي: يا سعد، أصلاة من غير وضوء؟ فقال
عمر: يا عمار، أخرج مما جئت به. فقال: نعم. كان المسح قبل المائدة.
فقال عمر: يا أبا الحسن، ما تقول؟ قال أقول: إن المسح كان من رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في بيت عائشة، و(المائدة) أنزلت في
بيتها، فأرسل عمر إلى عائشة، فقالت: كان المسح قبل (المائدة)، وقل
لعمر: والله لأن تقطع قدماي بعقبيهما، أحب إليَّ من أن أمسح
عليهما. قال عمر: لا نأخذ بقول امرأة. ثم قال: أنشد اللّه امرءً
شهد المسح من رسول اللّه لمَا قام، فقام ثمانية عشر رجلاً كلهم رأى
رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يمسح وعليه جبة شامية ضيقة
اليدين، فأخرج يديه من تحتها، ثم مسح على خفيه. فقال عمر: ما ترى
يا أبا الحسن، فقال: سلهم قبل المائدة أو بعدها، فسألهم، فقالوا:
ما ندري. فقال علي عليه السلام: أنشد اللّه أمرءً مسلماً علم أن
المسح كان قبل (المائدة) لما قام، فقام اثنان وعشرون رجلاً فتفرق
القوم وهؤلاء قيام يقولون لا نترك ما رأينا، وهؤلاء يقولون: لا
نترك ما رأينا.
(5/26)
وأخبرنا أبو العباس الحسني رحمه الله، أخبرنا علي بن الحسن بن
شيبة المروزي، حدثنا الفضل بن العباس بن موسى أبو نعيم، حدثنا عمر
بن حصين، حدثنا أبو عوانة، عن عطاء عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،
قال: مسح رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على الخفين، فسئل
الذين يزعمون لك.. أقبل (المائدة) أم بعدها؟ ما مسح رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم بعد (المائدة)، ولأن أمسح على ظهر عير
بالفلاة، أحب إليَّ من أن أمسح على الخفين.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه،
عليهما السلام، قال: قال علي عليه السلام: (( سبق الكتاب الخفين
)).
وروى ابن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن عثمان بن حكيم، عن عكرمة،
عن ابن عباس، قال: سبق الكتاب الخفين.
فقد دلت هذه الأخبار على ما ادعيناه من إجماع الصحابة/66/ على
مراعاة التقدم والتأخر فيه؛ لأن أمير المؤمنين قد راعى ذلك، وكذلك
عمر، وابن عباس، وعمار، وعائشة، وكان ذلك من عمر بمشهد من سائر
الصحابة، واشتهر ذلك، ولم ينكره منكر، ولم يقل أحد لا وجه لمراعاة
التقدم والتأخر فيه، فوجب بذلك أن يكونوا قد أجمعوا عليه، فإذا ثبت
ذلك، وثبت أن المسح كان قبل المائدة بشهادة من شهد من الصحابة
كأمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس وعائشة، ولم يرو عن أحد منهم
أنَّه كان بعد المائدة، ثبت أن الآية ناسخة له.
فإن قيل: إن النسخ يجب أن يكون بين الشيئين إذا كان بينهما تناف،
فأما ما يصح الجمع بينهما، فلا يصح القول بأن أحدهما ناسخ للآخر،
ويصح الجمع يبن المسح والآية، فيقال بالمسح في حال لبس الخفين،
وبحكم الآية في حال انكشاف الرجلين.
(5/27)
قيل له: هذا غلط بالإجماع؛ لأنَّه لا خلاف أن صوم يوم عاشوراء
نسخ بصيام شهر رمضان، وصح القول به لما دلت الدلالة عليه، وإن لم
يكن بينهما شيء من التنافي على وجه من الوجوه، فكذلك القول بأن
الآية ناسخة لأخبار المسح يجب أن يصح القول به؛ إذ قد دلت الدلالة
عليه، على أن الجمع بين الآية وبين خبر المسح لا يمكن إلاَّ برفع
بعض الحكم الذي يقتضيه ظاهر الآية، وإن كان ذلك على وجه التخصيص،
وليس كذا صوم يوم عاشوراء مع صوم شهر رمضان؛ لأن أحدهما لا يعترض
على الآخر بوجه من الوجوه، وإذا صح فيه النسخ، كان فيما ذكرنا أصح
وأولى.
فإن قيل: فكيف يجوز أن يكون عُقل النسخ بينهما؟
قيل له: يجوز ذلك بأن يكون الصحابة قد عرفت أن الآية قد نسخت جميع
ما كان قبلها من الطهارات.
فإن قيل: روي عن جرير بن عبد الله، أنَّه قال: أسلمت بعد نزول
المائدة، ورأيت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يمسح على
الخفين.
قيل له: هذا الحديث يؤكد ما ذهبنا إليه من أن الصحابة راعت فيه
التقديم والتأخير، ويؤكد ذلك ما روي أن أصحاب عبد الله يعجبون
بحديث جرير؛ لتأخر إسلامه.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي(1) معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن
إبراهيم، أنَّه قال: كان يعجبنا حديث جرير؛ لأن إسلامه كان بعد
نزول المائدة، فأما قول جرير رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم يمسح ففيه جوابان:
أحدهما: أنا لا نقبل قول جرير؛ لإنكار أمير المؤمنين عليه السلام
له، ولإنكار ابن عباس، وعمار، وعائشة، وغيرهم من الصحابة له، وليس
لأحد أن يقول: أنهم نفوا، وجرير أثبت، فيجب أن يكون قول جرير أولى،
وذلك؛ لأنا نعلم أنهم لا ينفون إلاَّ ما يعلمون انتفاءه على
التحقيق، فيجب أن يكون نفيهم أولى من إثبات جرير.
__________
(1) سقطت (أبي) من (أ) و(ب).
(5/28)
والجواب الثاني: أن الذي ذكره جرير حكاية فعل، وليس في الحديث
أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسح على الخفين وهو محدث، ثم
صلى، فليس لهم فيه حجة.
ويدل على ذلك أيضاً أنَّه قد ثبت عن أمير المؤمنين عليه السلام
وابن عباس وعائشة وأبي هريرة، (1)وغيرهم، إنكار المسح على الخفين.
روى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا هشيم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن
القاسم بن محمد، عن عائشة، أنها قالت/67/: لأن أحزهما بالسكاكين،
أحب إليَّ من أن أمسح عليهما.
وروى ابن أبي شيبة، عن يحيى بن بكير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر
بن حفص، قال: سمعت عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: لأن أحزهما أو
أحز أصابعي بالسكين، أحب إليَّ من أن أمسح عليهما.
وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثنا عبد
الواحد بن زياد، قال: حدثنا إسماعيل بن سميع، حدثنا أبو رزين، قال:
قال لي أبو هريرة: ما أبالي على ظهر خفي مسحت، أو على ظهر حمار.
فإذا ثبت ذلك عنهم ـ وقد كان المسح على الخفين ثبت واستقر ـ فلا بد
من أن يكونوا قالوا ما قالوا لعلمهم بأن المسح على الخفين قد نسخ؛
إذ لا مجال للرأي مع تلك الأخبار، فصح ما ذهبنا إليه.
فإن قيل، تقولون: إن علياً أنكره، وقد روي عن شريح بن هاني، قال:
أتيت علياً عليه السلام فسألته عن المسح على الخفين؟ فقال: كنا
نؤمر إذا كنا سَفْراً، أن نمسح ثلاثة أيام ولياليها، وإذا كنا
مقيمين، فيوماً وليلة.
قيل له: إنَّه عليه السلام عَرَّف حكمه كيف كان قبل أن ينسخ، وهذا
لا يدل على أنَّه لم يكن يرى أنَّه قد نسخ، ألا ترى أن من ذكر حكم
صوم يوم عاشوراء حين كان واجباً، لا يكون دل بذلك على أنَّه لا
يقول بنسخه.
فإن قيل: روي عنه عليه السلام أنَّه قال: لو كان الدين بالرأي،
لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، لكني رأيت رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم يمسح على ظاهره.
__________
(1) وعمار بن ياسر في (ج).
(5/29)
قيل له: الجواب عن هذا كالجواب عن السؤال الأول، وهو أنَّه أخبر
عن حالته الأولى، وليس فيه دليل على أنَّه لم يكن يرى أنَّه قد
نسخ.
وقياس الرجلين على سائر الأعضاء الظاهرة؛ ممكن بعلة أنها من أعضاء
الطهارة، فيجب أن يكون المسح على ما يواريهما غير مجز عن تطهيرهما،
وهذه الطريقة واضحة صحيحة، غير أنا حققنا الكلام فيه؛ لأن المسألة
طريقها الأخبار، دون النظر والمقاييس.
(5/30)
[باب القول في الغسل]
مسألة [ في موجبات الغسل ]
قال: ويجب الاغتسال على من أنزل الماء من الرجال والنساء، في
اليقظة والمنام، ومن التقاء الختانين، وعلى النساء من الحيض
والنفاس.
وهذا كله قد نص عليه في (الأحكام)(1) وغيره، وليس في هذه الجملة
خلاف، إلاَّ ما يحكى عن الصدر الأول أنهم اختلفوا في التقاء
الختانين إذا لم يكن معه إنزال، وحُكي مثل ذلك عن صاحب الظاهر
والقاسم بن إبراهيم عليه السلام ربما صحح(2) القول فيه.
والذي يدل على أنَّ الاغتسال منه واجب:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا فهد، حدثنا
نعيم، حدثنا سفيان، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة،
قالت: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( إذا قعد بين شعبها
الأربع، ثم ألزق الختان بالختان، فقد وجب الغسل ))(3).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن،
حدثنا عمي، حدثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن حبان(4) بن
واسع، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال النبي صلى الله عليه وآله
وسلم: (( إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل )).
وليس لأحد أن يستدل لخلاف ما نذهب إليه في هذا الباب بما روي عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( الماء من الماء ))(5)، فقد روي
ما يوجب نسخه.
__________
(1) انظر الأحكام 1/58، 59، 72، 75.
(2) في (ب) و(ج): ضجع.
(3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/56.
(4) في (ج): حيان.
(5) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/56.
(6/1)
أخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا أحمد بن عبد
الرحمن، حدثنا عمي أحمد بن عمر بن الحارث، قال: قال ابن شهاب:
حدثني بعض من ارتضى، عن سهل بن سعد الساعدي، أن أبيُّ بن كعب
الأنصاري أخبره أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم جعل الماء
من الماء رخصةً في أول الإسلام، ثم نهى عن ذلك، وأمر بالغسل ))(1).
وقد صح القول بإيجاب الغسل من ذلك عن أمير المؤمنين عليه السلام
وغيره من الصحابة، وروي أن عمر توعد من ترك الاغتسال منه، فقال:
لإن أُخبرت بأحد يفعله، ثم لا يغتسل؛ لأنَّه كنه عقوبة، وذلك ظاهر
بمشهد من المهاجرين والأنصار، ولم ينكر عليه قوله منكر، ومثل هذا
عندنا يكون إجماعاً من الصحابة.
فإن قيل: فكيف يسوغ أن تدَّعوا أنَّ الماء من الماء منسوخ، وقد بقي
حكمه؟
قيل له: لم يبقَ جميع ما اقتضاه اللفظ، بل قد ذهب بعضه؛ وذلك أن
الماء الأول للجنس؛ لأن الألف واللام إذا لم يدلا على المعهود، دلا
على الجنس، والماء الثاني هو المعهود ـ وهو المني ـ، فكأنه قال:
جميع الماء من المني، وتحصيله: لا ماء، إلاَّ من المني، وإذا ثبت
وجوب استعمال الماء من الإكسال، كان بعض الماء لا من الماء، فعلى
هذا يكون نسخ بعض حكمه.
فإن قيل: هذا الذي أشرتم إليه هو التخصيص دون النسخ.
قيل له: التخصيص إذا ورد بعد استقرار العموم واستقرار حكمه يكون
نسخاً، وإنما لا يكون نسخاً إذا لم يتأخر التخصيص عنه، ألا ترى
أنَّه إذا تأخر فلا بد من أن يرتفع بعض الأحكام الثابتة بالنص،
الذي هو العموم بعد استقراره، وهذا هو سبيل النسخ وطريقه.
مسالة [ في البول قبل الغسل ]
قال: ولا يجزي الجنب(2) إلاَّ أن يبول قبل الغسل(3).
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/57، إلا أنه قال: حدثنا
عمر، قال: أخبرني عمرو بن الحارث.
(2) في (ب) و(ج): إذا أمنى.
(3) في (ب) و(ج): الاغتسال.
(6/2)
وقد نص على ذلك في (الأحكام) و(المنتخب)(1).
والدليل على ذلك: ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، أخبرنا أبو زيد
العلوي، وأخبرنا محمد بن عثمان النقاش، قالا: حدثنا الناصر للحق
عليه السلام، حدثنا محمد بن منصور، عن حسين بن نصر بن مزاحم، عن
خالد بن عيسى العكلي، عن حصين بن مخارق، عن جعفر بن محمد، عن أبيه،
قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( إذا جامع الرجل،
فلا يغتسل حتى يبول، وإلا تردد بقية المني، فكان منه داء لا دواء
له )).
فنهى عن الغسل قبل أن يبول، وعندنا أن النهي يدل على فساد المنهي
عنه، وأنه لا يقع موقع الصحيح، وإذا كان ذلك كذلك، فالمغتسل قبل
البول كأنه لم يغتسل.
فإن قيل: إنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قد بين الغرض بالنهي عنه
بقوله: (( وإلا تردد بقية المني، فكان منه داء لا دواء له ))، فيجب
أن يكون النهي لذلك، لا للتحريم.
قيل له: إن النهي ظاهر للتحريم، وتنبيهه على أن فيه ضرراً يتعجل،
لا يسقط حكمه؛ لأنَّه لا يمتنع أن يحرم صلى الله عليه وآله وسلم،
ثم يبين أن فيه وجوهاً من المضار، ومثل هذا قد ورد في القرآن، قال
اللّه تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ..}
الآية[المائدة:90]، ثُمَّ قال: {إِنَّمَا يُرِيْدُ الشَّيْطَانُ
أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِيْ
الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}[المائدة:91]، ولم يكن لأحد أن يقول: إن
الضرر الذي ذكره اللّه تعالى فيه، يدل على أن النهي ليس يقتضي
التحريم، بل يكون النهي نهياً على حياله، وما ذكره من تعجل الضرر
منه باقٍ على حياله، ويدل على ذلك ـ أيضاً ـ أنَّه قد ثبت وجوب
الاغتسال لخروج المني، وإذا جامع الرجل، ولم يبل، فلا بد من أن
يبقى في الإحليل بقية من المني، للخبر الذي ذكرناه، وللمشاهدة.
__________
(1) انظر الأحكام 1/58. وانظر المنتخب ص24.
(6/3)
ولِمَا روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أن رجلاً أتاه فقال:
إني كنت أعزل عن جاريتي، وقد أتت بولد فقال عليه السلام، هل كنت
تعاودها قبل أن تبول؟ قال: نعم. قال: فالولد ولدك.
فإذا اغتسل، ثم بال، فلا بد من أن يخرج مع البول ما بقي من أجزائه،
وذلك يوجب الإعادة للغسل، وإذا وجب إعادة الغسل، فلا قول إلاَّ قول
من لا يعتد بالغسل الأول.
ويقاس ذلك على المرأة التي تغتسل من الحيض، ثم يخرج منها شيء من دم
الحيض أنَّه يلزمها إعادة الغسل، ولا تعتد بالغسل الأول، فكذلك
الرجل إذا اغتسل ولم يبل، والمعنى بقاء موجب الغسل في الفرج، فكل
من بقي في فرجه ما يوجب الغسل، لم يعتد بالغسل الأول.
مسألة [ في وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل ]
ومن فرض الاغتسال: المضمضة والاستنشاق.
وهو منصوص عليه في (المنتخب)(1)، وقد دللنا على وجوبهما في الوضوء،
فإذا(2) ثبت وجوبهما في الوضوء، ثبت وجوبهما في الاغتسال؛ إذ كل من
قال بوجوبهما في الوضوء، قال بوجوبهما في الاغتسال.
وما استدللنا به في مسألة الوضوء، يمكن أن يستدل به هاهنا، ومما
يخص هذا الموضع قول اللّه تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً
فَاطَّهَّرُوا}[المائدة:6]، فاقتضى ذلك أن يُطَهِّر جميع جسده، على
أن الآية إما أن تكون عامه، أو مجملة، فإن كانت عامة، اقتضت أن
يطهر جميع البدن، وإن كانت مجملة، وجب أن يرجع إلى البيان.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي زائدة، حدثنا عطاء بن السائب،
حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثتني عائشة، أن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة، تمضمض واستنشق )).
__________
(1) انظر المنتخب ص25.
(2) في (ب) و(ج): وإذا.
(6/4)
وروى ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن سالم، عن
كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة، قالت: وضعت للنبي صلى الله عليه
وآله وسلم غسلاً، فاغتسل من الجنابة، فأكفأ الإناء بشماله على
يمينه، فغسل كفيه، ثم أفاض الماء على فرجه، فغسله، ثم دلك يده
بالأرض، ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض الماء على
سائر جسده، ثم تنحى عن الموضع، فغسل رجليه.
وفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجب أن يحمل على الوجوب، إذا
كان بياناً لمجمل.
ويدل على ذلك: ما روى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر،
حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي عليه
السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (( من ترك موضع
شعرة من جسده في جنابة لم يغسلها، فُعِل به كذا وكذا من النار )).
قال علي عليه السلام: (( فمن ثَمَّ عاديت شعري ))، فكان يجز شعره.
وروى الحارث بن وجيه، عن مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( تحت كل
شعرة جنابة، فبلوا الشعر، وأنقوا البشر ))، فكل ذلك يقتضي وجوب
المضمضة والاستنشاق في الاغتسال.
ويدل على ذلك من طريق القياس أنَّه عضو مقدور على غسله من غير تعذر
ولا مشقة، فوجب أن يكون حكمه حكم سائر الأعضاء في وجوب غسله من
الجنابة.
ويمكن ـ أيضاً ـ أن يقال بأنه عضو يلحقه حكم النجس، فيجب أن يلحقه
حكم الجنابة قياساً على سائر الأعضاء في وجوب غسله من الجنابة.
فإن استدلوا لإسقاط وجوبها بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم من قوله: (( أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات، فإذا أنا قد
طهرت )).
(6/5)
قيل له: يجمع بين هذا وبين ما رويناه في وجوب المضمضة
والاستنشاق، ودللنا عليه من طريق القياس، فيكون التقدير كأنه قال:
أما أنا فأتمضمض واستنشق، وأحثي على رأسي ثلاث حثيات، فأما قوله
صلى الله عليه وآله وسلم: (( فإذا وجدتَ الماء فأمسسه جلدك ))،
فليس يمكنهم التعلق به، بل هو دليلنا عليهم؛ لأن الجلد يكون في
الفم والمنخرين.
مسألة [ في وجوب الدلك ]
قال: ومِنْ فَرْض ذلك دلك جميع البشر، وإيصال الماء إلى أصول
الشعر. وذلك منصوص عليه في (المنتخب)(1).
والوجه فيه: ما روي عنه عليه السلام: (( تحت كل شعرة جنابة، فبلوا
الشعر، وأنقوا البشر )).
وما روي: (( من ترك موضع شعرة من جسده في جنابة لم يغسلها، فُعِل
به كذا وكذا من النار )).
ولأن الجنب أُخذ عليه غسل جسده، ولا يكون منقياً للبشر، ولا غاسلاً
له بإمرار الماء عليه حتى يكون معه دَلْكٌ، أو ما يقوم مقام الدلك
من قوة جُرِيِّ الماء عليه، أو قوة إنغماسه فيه ـ وأيضاً ـ إزالة
النجس لا بد فيه مما ذكرنا، فكذلك إزالة الحدث؛ والعلة أنَّه إزالة
ما يمنع من أداء الصلاة بالماء، وقد أشار القاسم عليه السلام إلى
هذه العلة في (كتاب الطهارة)، وأكد ذلك بأن قال: (( إن التعبد
بإزالة الحدث غسلاً، كالتعبد بإزالة النجس، وأوكد منه، فإذا لم يجز
في إزالة النجس إلاَّ ما ذكرناه، فكذلك في إزالة الحدث.
مسألة [ في حكم الوضوء قبل الغسل وبعده ]
__________
(1) انظر المنتخب ص24.
(6/6)
قال: والوضوء قبل الغسل نفلٌ، وبعده على من أراد الصلاة فرضٌ.
وقد نص على وجوب الوضوء بعد الغسل في (الأحكام)(1)، وقال في
(المنتخب)(2): (وذلك أحب إلينا)، فخفف الأمر فيه، ونص في (المنتخب)
على أَنَّهُ لا يجب قبل الغسل، وأشار إِلِيْهِ في (الأحكام)(3)،
وكان أبو العباس الحسني رحمه اللّه يقول: إن الصحيح على مذهبه عليه
السلام أن الوضوء مستحب قبل الغسل، وبعده على من أراد الصلاة فرض
على ما ذكرنا.
ويدل على أنَّه لا يجب قبل الغسل، الحديث الذي روي عن ميمونة أنها
قالت: اغتسل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فغسل(4) وجهه
وذارعيه، ثم أفاض الماء على رأسه، ثم أفاض على سائر جسده، ثم تنحى،
فغسل رجليه.
فلو كان الوضوء قبل الغسل فرضاً، لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم
ليدع استتمامه بترك غسل الرجلين إلى بعد الغسل، ففي ذلك دليل على
أنَّه ليس بفرض، ولا أحفظ خلافاً في أنَّه مستحب.
والذي يدل على أنَّه فرض بعد الغسل ما: أخبرنا به أبو العباس
الحسني، أخبرنا عيسى بن محمد العلوي، حدثنا الحضرمي، حدثنا عوف(5)
بن سلام، عن قيس، عن عطاء، عن زاذان، عن علي عليه السلام، قال: ((
من اغتسل من جنابة، ثم حضرته(6) الصلاة، فليتوضأ )).
فقد أمر أمير المؤمنين عليه السلام بالوضوء بعد الغسل، والأمر
يقتضي الوجوب، ولم يعرف عن أحد من الصحابة أنَّه خالفه، على أنا قد
ذكرنا في غير موضع أن مذهبنا ـ هو ـ ألا نخالفه عليه السلام.
وأخبرنا أبو العباس الحسني، أخبرنا عيسى بن محمد، حدثنا محمد بن
عبد اللّه الحضرمي، حدثنا يحيى بن الحماني، حدثنا شريك، عن عطاء،
وزاذان، وميسرة، أن علياً عليه السلام كان يتوضأ بعد الغسل.
__________
(1) انظر الأحكام 1/57.
(2) انظر المنتخب ص24، إلا أنه قال: وهذا.
(3) انظر الأحكام 1/57، 58.
(4) في (ج): اغتسل (ص) من الجنابة، فتمضمض، واستنشق، وغسل.
(5) في (ج) وهامش (أ) و(ب): عون.
(6) في (ب) و(ج): حضرت.
(6/7)
وكان أبو العباس الحسني رضي الله عنه يستدل على ذلك بأن يقول:
قد ثبت وجوب الترتيب في الوضوء، وأنه لا يجب في الاغتسال، فلو
جوزنا الاقتصار على الغسل دون الوضوء، كنا قد أسقطنا الترتيب مع
قيام الدليل على أنَّه مأخوذ على المتطهر، وكنا قد جعلنا مالا
ترتيب فيه نائباً عما فيه الترتيب بغير دلالة، وكان يقول: إن قيل
لنا فما تقولون لو اغتسل من الجنابة مرتباً؟
قيل لهم: ذلك الترتيب غير واجب بالإجماع، وما ليس بواجب لا ينوب عن
الواجب.
وبنحو هذا يسقط سئوال من سأل، فيقول: إذا أجزأ غسل واحد عن الحيض
والجنابة، والوضوء الواحد عن الأحداث الكثيرة، فلِمَ لا يجزي الغسل
الواحد من الجنابة والحدث؟ لأنَّه كان يعتمد أن الترتيب مشروط في
أحدهما، غير مشروط في الآخر.
فإن قيل: روى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن
الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم
لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة.
قيل له: لسنا نقول أن وقوع الوضوء بعد الاغتسال شرط في الاغتسال،
فيحجنا ما روي، وإنما نقول: إن من أراد الصلاة بعد الاغتسال وجب
عليه الوضوء، وكذا لفظ الخبر عن أمير المؤمنين عليه السلام، وإذا
كان هذا هكذا، لم يكن يعترض ذلك على مذهبنا؛ إذ ليس فيه أنَّه كان
صلى الله عليه وآله وسلم يغتسل من الجنابة، ولا يتوضأ بعده، ويقوم
إلى الصلاة.
مسألة [ في نقض شعر المرأة ]
قال: وعلى المرأة أن تنقض شعرها عند اغتسالها من الحيض دون
الجنابة. وقد نص على ذلك في (الأحكام) (1)، والأقرب أن ذلك طريقه
الاستحباب، والوجه في استحباب ذلك للتي تغتسل من الحيض بُعْدُ
عهدها بالاغتسال، وخشية أن يكون في شعرها شعر قد فارق الأصل؛ ولأن
الحيض أبداً أغلظ حكماً من الجنابة.
وروى ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها في الحيض: (( انقضي شعرك،
واغتسلي )).
__________
(1) انظر الأحكام 1/62.
(6/8)
وذكر يحيى بن الحسين عليه السلام، أنَّه روي أن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم لم يأمر أم سلمة بنقض شعرها عند اغتسالها من
الجنابة، وأنها كانت كثيرة الشعر(1).
مسألة [ في حكم غسل الجمعة والعيدين والإحرام ]
قال: وغسل الجمعة، والعيدين، والإحرام سنة.
قال: وقال القاسم عليه السلام: ومن اغتسل يوم الجمعة لصلاة الفجر،
اكتفى به، وإن أحدث بعد ذلك.
ويستحب الغسل لمن غسل الميت، ولمن أراد دخول الحرم، وكل ذلك منصوص
عليه في (الأحكام) (2) في مواضعه.
أما غسل الجمعة، فقد ورد فيه: ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا
الطحاوي، حدثنا محمد بن علي بن محمد بن مُحَرِّز، حدثنا يعقوب بن
إبراهيم، أخبرنا أُبي، عن إسحاق(3)، عن الزهري، عن طاووس، قال: قلت
لابن عباس ذكروا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((
اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا جنباً، وأصيبوا
من الطيب ))(4). فقال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا
أعلمه.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا صالح بن عبد الرحمن
بن عمرو بن الحارث، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشام، أخبرنا يزيد
بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال:
قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( إن من الحق على المسلم
أن يغتسل يوم الجمعة، وأن يمس من طيب، إن كان عند أهله، فإن لم يكن
عندهم طيب، فإن الماء طيب ))(5).
فذهب(6) قوم إلى أن الغسل يوم الجمعة واجب، واستدلوا:
__________
(1) انظر الأحكام !62.
(2) انظر الأحكام 1/151، 278.
(3) في (ج): أخبرنا ابن إسحاق، عن الزهري.
(4) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/115 وفيه: قال حدثنا أُبي
عن ابن إسحاق عن الزهري.
(5) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/116، ومنه حدثنا هشيم،
بدلاً عن هشام، وبلفظ: على كل مسلم.
(6) في هامش (ب): وذهب.
(6/9)
بما أخبرنا به أبو الحسين عبدالله بن سعيد البروجردي، حدثنا
سفيان بن هارون القاضي، حدثنا عبد اللّه بن أيوب، حدثنا سفيان، عن
صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، يبلغ به
النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( الغسل يوم الجمعة واجب على كل
محتلم ))(1).
قيل له: لا يمتنع أن يكون ظاهر ما تعلقتم به يوجب أن الغسل فيه
واجب، لكن قد وردت أخبار دلت على أنَّه مسنون، وأنه ليس بواجب،
منها:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن أبي داود،
حدثنا خالد الحمصي، حدثنا محمد بن حرب، حدثني الضحاك بن حمزة، عن
الحجاج بن أرطأه، عن إبراهيم بن المهاجر، عن الحسن بن أبي
الحسن(2)، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه
قال: (( من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، وقد أدى الفريضة، ومن
اغتسل، فالغسل أفضل ))(3).
فقد صرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الوضوء هو الفرض، وأن
الغسل فضيلة.
وروى الحديث المشهور، عن ابن عباس أنَّه قال: من اغتسل يوم الجمعة،
فحسن جميل، ومن لم يغتسل، فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف كان ذلك،
كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان المسجد
ضيقاً متقارب السقف، فخرج إليهم رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم في يوم حار، وقد عرق الناس، فتأذى الناس بعضهم بروائح بعض،
وتأذى بها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (( أيها
الناس، إذا كان هذا، فاغتسلوا، ولْيُمِسُّ أحدكم أفضل ما يجد من
طيبه ودهنه ))(4).
وروي نحو هذا عن عائشة، فبين السبب فيه وأنه لإماطة تلك الروائح
على سبيل التنظيف.
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/116 عن يونس، به.
(2) في (أ) و(ب): الحسين بن أبي الحسين.
(3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/119.
(4) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/116، 117 بلفظ مقارب.
(6/10)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن مرزوق، حدثنا
يعقوب بن إسحاق، حدثنا شعبة، أخبرني عمرو بن مرة، عن زاذان، قال:
سألت عليّاً ـ عليه السلام ـ عن الغسل فقال: اغتسل إذا شئت. قال:
إنما أسألك عن الغسل الذي هو الغسل؟ قال: يوم الجمعة، ويوم عرفة،
ويوم الفطر، ويوم النحر(1).
ومن المعلوم أنَّه لم يخبر عن الغسل المباح؛ لأن السائل لم يقنع
بقوله ـ عليه السلام ـ: اغتسل إذا شئت، وقال بعد ذلك: إنما أسأل عن
الغسل الذي هو الغسل، وكذلك لم يخبر عن الغسل المفروض؛ إذ ذكر غسل
العيدين ويوم عرفة، ولم يذكر الغسل من الجنابة، فثبت أنَّه أراد
الغسل المسنون، وفي(2) ذلك صحة ما ذهبنا إليه من أن غسل الجمعة
والعيدين سنة.
وأما غسل الإحرام، فالذي يدل على أنَّه مسنون:
ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن جابر ـ في حديث طويل يصف فيه حجة رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم ـ يقول: أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء ابنة
عميس محمد بن أبي بكر، فأرْسلَت إلى رسول اللّه كيف أصنع؟ فقال:
اغتسلي واستذفري بثوب وأحرمي.
فلما أمرها بالغسل مع النفاس، عُلم أنَّه مسنون؛ إذ لا غرض فيه غير
إقامة السنة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال لعائشة ـ حين
حاضت، وكانت مُهِلَّة بعمرةٍ ـ: (( انقضي رأسك، وامتشطي، واغتسلي
وأهلي بالحج )). فدل ذلك على ما قلناه.
وأما الوجه فيما قاله القاسم عليه السلام من أن من اغتسل يوم
الجمعة اكتفى، وإن أحدث بعد ذلك هو أن الغرض المقصود به من إماطة
الروائح يتم، وإن توسط الحدث بينه وبين الصلاة، ولأنَّ أحداً لم
يقل بخلافه.
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/119 إلا أنه قال: قلت
إنما...إلخ، وقال: ويوم الأضحى بدلاً عن النحر.
(2) في (ب) و(ج): ففي.
(6/11)
وأما الوجه في استحباب الغسل لمن غسل الميت، فلأنه لا يكاد يسلم
من أن ينتضح عليه من غسالة الميت ما ينجسه، سيَمَا وقد بينا فيما
تقدم أن الماء ينجس بوروده على النجاسة، كما ينجس بورود النجاسة
عليه، ومن أهل البيت من يذهب إلى أن ذلك واجب، وذلك لا معنى له؛ إذ
لم يقم عليه دليل من الشرع؛ ولأن الغسل لو وجب، لكان يجب لأنَّه
لمس الميت إذا صب عليه الماء، وصب الماء لا يزيده شراً، وإذا ثبت
بالإجماع أن من مس الميتة من سائر الحيوان، فلا يجب عليه الغسل،
فكذلك من مس الميت من بني آدم؛ إذ(1) لا يجوز أن يكون ابن آدم أسوأ
حالاً من سائر الحيوانات، سيما ما ثبتت(2) نجاستها كالكلب
والخنزير.
وأما الوجه في استحباب الغسل لمن أراد دخول الحرم، فهو أن الإنسان
يحصل في ذلك المكان الشريف، فاستحب له الغسل كما استحب لمن أراد
حضور الجامع يوم الجمعة، وحضور المصلى في العيدين.
وليس لأحد أن يقول: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمَّا لم
يأمر عائشة بتكرير الغسل لدخول الحرم حين أمرها أن تحرم من
التنعيم، ثبت أنَّه لا وجه لاستحبابه، وذلك أن الغسل الواحد يقوم
مقام الغسلات الكثيرة في الفرض والسنن، فكيف في الاستحباب؟!
فإذا(3) كان ذلك كذلك، لم يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وآله
وسلم لم يأمرها بذلك؛ لقرب التنعيم من الحرم (إذ التنعيم مما يلي
الحرم)(4)؛ فكأن الغسل الواحد ناب عن الإحرام، وعن دخول الحرم.
مسألة [ فيمن شك في الترتيب أو في تطهير عضو قبل الصلاة ]
قال: ومن توضأ ثم شك في تطهير عضو من أعضائه؛ طهره، ثم أعاد ما
بعده، فإن شك في الترتيب، عاد إلى الموضع الذي شك فيه، ثم أعاد ما
بعده. وقد نص على ذلك (ع) في (الأحكام) (5).
__________
(1) حذفت (إذ) من (ب).
(2) في (ب): ثبت.
(3) في (ب) و(ج): وإذا.
(4) ما بين القوسين زيادة في (ج).
(5) انظر الأحكام 1/54 ـ 55.
(6/12)
والوجه فيه أنَّه متيقن للحدث فيجب أن يتيقن الطهارة، لا خلاف
في ذلك، فإذا ثبت ما ذكرناه صح ما ذهبنا إليه؛ لأنَّه إذا شك في
تطهير عضو من أعضائه، لا يكون متيقناً استكمال الطهارة، وقولنا: ثم
أعاد ما بعده، مبني على ما ذهبنا إليه من القول بوجوب الترتيب؛
لأنا إذا قلنا بوجوبه، قلنا: أن غسل العضو الثاني قبل غسل العضو
الأول لا معنى له، وغسله معه لا يقتضي الترتيب، فكأنه شك في ذلك
العضو وفيما بعده، فلذلك قلنا: إنَّه يعيد ما بعده.
والوجه فيما قلناه أن من شك في الترتيب عاد إلى الموضع الذي شك
فيه، ثم أعاد ما بعده، هو الوجه الذي ذكرنا في المسألة الأولى، وهو
ـ أيضاً ـ مبني على القول بوجوب الترتيب، وقد مضى الكلام فيه
مستقصى فلا طائل في إعادته.
مسألة [ فيمن شك في الترتيب بعد الصلاة ]
قال: فإن(1) كان صلى بذلك الوضوء، ثم عرض له الشك في ترتيبه، لم
يعد تلك الصلاة، وإن أيقن التنكيس، أعاد الوضوء والصلاة.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(2).
والوجه فيه أن الشك في الترتيب إذا عرض بعد ما صلى، فإن تلك الصلاة
قد أداها على ما لزمه، ولم يعرض له بفسادها علم، ولا غالب الظن،
فيجب أن يكون حكمها حكم سائر الصلوات التي تؤدى في أنَّه لا يجب
قضاؤها، فإذا أيقن التنكيس، أو غلب ذلك في ظنه، فعليه إعادة
الصلاة، على ما نص عليه؛ لأنَّه قد علم أن صلاته وقعت على وجه لا
يصح، أو غلب في ظنه.
فإن قيل: فلم ألحقتم غالب الظن بالعلم في هذا الموضع؟
قيل له: لأن التحري قد ثبت أن له حكماً في الطهارات والصلاة،
والتحري يحصل عنده غالب الظن دون العلم، فثبت أن غالب الظن له مدخل
في إفساد الطهارات والصلوات، وصحتها.
__________
(1) في (ب) و (ج): وإن.
(2) انظر الأحكام 1/55.
(6/13)
والأقرب على مذهب الهادي عليه السلام أن من صلى، ثم أيقن أنَّه
كان نكس وضوءه على طريق السهو، وما يجري مجراه، أنَّه يقضي صلاته
ما دام في وقتها، ولا يقضيها إن علم بذلك بعد تصرم وقتها، فقد نص
على مثل ذلك فيمن تطهر بماء نجس، وهو لا يعلم، وما أشبه ذلك، فإن
كان نكس وضوءه عامداً عالماً بأنه لا يجوز، فإنه يعيد الصلاة قبل
تصرم الوقت وبعده(1).
والأصل في هذا أن من أخطأ فيما طريقه الإجتهاد من الطهارة والصلاة،
ثم علم به في الوقت، فإن مذهبه أنَّه يعيد، وإن علم به بعد الوقت
لا يعيد، وإن أخطأ فيما طريقه العلم، أو القطع، أو تعمد إيقاع
الفعل على وجه لا يصح عنده ـ وإن كان طريقه الاجتهاد ـ فإنه يقضي
الصلاة قبل تصرم(2) الوقت وبعده، فما ذكر في هذا الموضع هو فرع على
الأصل الذي ذكرناه، وسيجيء الكلام فيه مستقصى في موضعه من كتاب
الصلاة.
مسألة [ في تفريق الوضوء والغسل ]
قال: ولا بأس بتفريق الوضوء والغسل.
وقد نص على جواز تفريق الوضوء في (المنتخب) (3) وعلى جواز تفريق
الغسل في (الأحكام) (4).
واستدل على ذلك بأن اللّه تعالى أمر بالغسل، فقال عزَّ وجل:
{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ..} الآية[المائدة:6]، وقال: {وَإِنْ
كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا}[المائدة:6]، فكان الواجب هو غسل
ما أمر اللّه تعالى بغسله، وسواء وقع الغسل على وجه التفريق، أو
وجه(5) التتابع؛ إذ لم تتضمن الآية ذكر التتابع، ولا ذكر التفريق.
فإن قيل: قد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وضوء تابع فيه:
(( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلاَّ به )).
قيل له: المراد به ما اشتمل عليه اسم الوضوء، والتفريق والتتابع لا
ينطلق عليهما اسم الوضوء.
__________
(1) انظر الأحكام 1/120.
(2) سقطت (تصرم) من (أ).
(3) انظر المنتخب ص27.
(4) انظر الأحكام 1/51.
(5) في (أ): جهة.
(6/14)
يدل على ذلك ما ذكرناه بإسناده فيما مضى من هذا الكتاب أن رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلاً يصلي وعقبه يلوح، فقال:
(( إن كنت أمسسته الماء، فامض في صلاتك، وإن لم تكن أمسسته(1)،
فاخرج من صلاتك )). فقال: يا رسول اللّه كيف أصنع؟ أَستقبل الطهور؟
قال: (( لا، بل اغسل ما بقي )). وهذا نص صريح فيما نذهب إليه في
هذا الباب.
فإن اعتلوا لمذهبهم، فقالوا: هي عبادة مرتبط بعضها ببعض، فيجب أن
تكون المتابعة شرطاً فيها قياساً على الصلاة، أو بأنها عبادة تبطل
بالحدث، عارضناهم بقياسه على الزكاة، أنها عبادة يجوز تفريق النية
عليها، فيجب أن يجوز تفريقها؛ إذ الزكاة جائز تفريق النية عليها،
على أن قولهم: إن الوضوء عبادة مرتبط بعضها ببعض، فيجب أن يكون
التتابع شرطاً فيها منتقض بالحج؛ لأنَّه عبادة مرتبط بعضها ببعض،
ومع ذلك يجوز التفريق بين أبعاضه.
وترجح علتنا باستنادها إلى الظواهر من القرآن، وصريح قول النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، وبأنا رددنا عبادة ليس لها تحليل ولا تحريم
إلى عبادة ليس لها تحليل ولا تحريم، فكان فرعنا بأصلنا أشبه.
ويمكن أن نقيس الكثير من التفريق على اليسير، بعلة أنَّه تفريق بين
أبعاض الطهارة،
ويمكن أن نقيس ذلك على إزالة النجاسات، فنقول: إن التفريق فيه يجوز
كما يجوز في إزالة النجس، والمعنى أنها طهارة تراد لاستباحة
الصلاة.
وهذان القياسان مرجحان بالتنجيس(2)؛ لأن الأول هو رد حكم الوضوء
إلى حكم له، والثاني يرد ما يتوصل به إلى الصلاة إلى ما يتوصل به
إلى الصلاة.
مسألة [ في الأحداث المختلفة يجزي عنها غسل واحد ]
قال: والجنابة والحيض يجزي عنهما غسل واحد، وكذلك الأحداث الكثيرة
يجزي عنهما وضوء واحد.
وقد نص في (الأحكام)(3) على ذلك في الجنابة والحيض.
__________
(1) في (أ): أمسست.
(2) في (ب) و(ج): التجنيس.
(3) انظر الأحكام 1/61.
(6/15)
والوجه في ذلك : أن الحدث لا يوجب الوضوء، ولا الحيض يوجب الغسل
ولا الجنابة، وإنما يجب(1) الوضوء والاغتسال إذا أراد الصلاة، أو
قراءة القرآن، أو ما يجري مجرى ذلك، يدل على ذلك أن الإيجاب لو كان
يرجع إلى الأحداث أو الحيض، أو الجنابة، لكان يجب عقيب ذلك، ولا
خلاف أن الإنسان له أن يؤخر ذلك إلى وقت الصلاة، وإذا ثبت ما
ذكرنا، ثبت أن أعداد الأحداث لا يعتبر بها، وأن الواجب على الإنسان
أن يتوضأ متى أراد الصلاة وهو محدث، وأن يغتسل متى أرادها وهو جنب،
على أن المسألة لا خلاف فيها، فإطالة الكلام فيها لا طائل فيه.
مسألة [ متى تطلق الجبائر ]
قال: ومن كسر فجبر، ولم يخش من إطلاق الجبائر عنتاً، لم يجزه إلاَّ
إطلاقها، وتطهير ما يجب تطهيره، وإن خشي عنتاً، أجزأه ترك ذلك
العضو دون مسح الجبائر والخرق. وقال عليه السلام في (المنتخب) (2):
(يمسح على الجبائر).
وهذه المسألة فيها روايتان، فرواية (الأحكام) (3) هي الرواية
الأولى، ورواية (المنتخب) هي الثانية، وبها أقول.
والوجه لمن ذهب إلى الرواية الأولى أن اللّه تعالى أمر بتطهير هذه
الأعضاء، فإذا تعذر ذلك سقط فرضه قياساً على سائر العبادات إذا
تعذرت، وأنه لا معنى للمسح على الجبائر والخرق كما أنَّه لا معنى
عندنا للمسح على الخفين والجوربين والعمامة والخمار.
والوجه لمن ذهب إلى الرواية الثانية وهي رواية (المنتخب):
__________
(1) في (أ): يوجب.
(2) المنتخب ص28.
(3) انظر الأحكام 1/60.
(6/16)
ما أخبرنا به محمد بن عثمان النقاش، حدثنا الناصر للحق عليه
السلام، حدثنا محمد بن منصور، حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا حسين بن
علوان، عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام،
قال: أصيبت إحدى زندي مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم
فَجُبِّرت فقلت: يارسول اللّه، كيف أصنع بالوضوء؟ قال: (( امسح على
الجبائر )). قال: قلت: فالجنابة؟ قال: (( كذلك فافعل )). فقد نص
صلى الله عليه وآله وسلم على صحة ما اخترناه في هذا الباب.
وكان أبو العباس الحسني ـ رحمه اللّه ـ يتأول ذلك على العظام
المجبورة، وهذا التأويل بعيد جداً من وجهين:
أحدهما: أنَّه لا يمكن الوصول إلى المسح عليها، إلا بحَلِّ ما
عليها، وذلك يؤدي إلى الضرر العظيم، وإفساد العضو، ومن المعلوم أن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره به.
والثاني: أن الجبائر إذا أطلقت حملت على ما على العضو من الخشب
ونحوه، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجب أن يحمل على ما
يقتضيه إطلاقه.
مسألة [ في المحروق والمجدور إذا اجتنبا ]
قال: ومن احترق أو أصابه جدري، ولم يخش من الاغتسال عنتاً، اغتسل،
وإن خشي من الدلك، ولم يخش من صب الماء عنتاً(1) اقتصر على صب
الماء، وإن خشي من ذلك عنتاً، اجتزئ بالتيمم. وكل ذلك منصوص عليه
في (الأحكام) (2).
والأصل في ذلك أن الله تعالى أمر بالغسل مع الإمكان، وقد بينا فيما
مضى أن الغسل هو صب الماء مع الدلك، أو ما يقوم مقامه، فإذا أمكن
جميع ذلك، وجب أن يفعل، وإذا تعذر الدلك، سقط، وبقي وجوب صب الماء،
وإذا تعذر صب الماء مع الدلك، سقطا جميعاً، ووجب التيمم مثل الصلاة
تجب من قيام، فإذا تعذر القيام، سقط وجوبه، وصلى من قعود، فإذا
تعذر القعود، سقط وجوبه، وصلى بالإيماء.
__________
(1) في (أ) وهامش (ب): اقتصر على ما لم يخش دون ما يخشى، وإن كان
جدرية قد تفقأ أو تنفط جسده من الاحتراق وخشي من صب الماء اجتزئ
بالتيمم.
(2) انظر الأحكام 1/59.
(6/17)
ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَإنْ كُنْتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى
سَفَرٍ} إلى قوله : {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
فَتَيَمَّمُوا}[المائدة:6]، فجعل للمريض العدول عن الماء إلى
التيمم، وهذا عام في كل مرض، فلما أجمع الجميع على أن المريض الذي
لا يستضر بالماء لا يجوز له العدول عنه، خص ذلك، وبقي الباقي على
عمومه، وهذا يصحح ما نذهب إليه من أن من خاف الزيادة في العلة، جاز
له العدول عن الماء إلى التيمم، وهو الذي نص عليه القاسم عليه
السلام فيما رواه عنه يحيى في (الأحكام) (من خشي التلف أو العنت من
مجدور أو مريض، تيمم، وكان ذلك مجزياً) (1).
وأخبرنا محمد بن عثمان النقاش، حدثنا الناصر عليه السلام، حدثنا
محمد بن منصور، أخبرنا أحمد بن عيسى، عن حسين، عن أبي خالد، عن زيد
بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، أن رجلاً أتاه، فقال: إن
ابن أخي به جدري، وقد أصابته جنابة، فكيف أصنع؟ فقال: "يمموه".
وهذا مقيس على من خاف التلف من استعمال الماء؛ بعلة أنَّه يخاف
زيادة العلة من استعمال الماء، فكل من كان كذلك، جاز له العدول عن
الماء إلى التيمم، والمخالف لنا يقيسه على من لا يخاف من
الأعِلاَّء ضرراً من استعمال الماء كالمحموم، وما جرى مجراه، بعلة
أنَّه لا يخاف التلف من استعمال الماء، وعلتنا مرجحة بالنقل؛
ولأنها مستندة إلى قول اللّه تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِيْ
الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78].
مسألة [ في غسل الأقطع ]
قال القاسم عليه السلام، وَالأَقطع يغسل ما بقي إلى الحد المحدود.
وهذا منصوص عليه في (مسائل النيروسي).
والدليل على ذلك أن اللّه تعالى أوجب على المتطهر غسل اليدين إلى
المرفقين بقوله: {وَأَيْدِيَكُم إِلَى الْمَرَافِقِ}[المائدة:6]،
فكل جزء من أجزاء اليد إلى المرفق يجب غسله، فإذا سقط فرض بعضها
بذهابه بالقطع أو غيره، بقي وجوب الغسل لسائره كما كان، وهذا أوضح
مما يُحتاج فيه إلى الإطالة.
__________
(1) الأحكام 1/60.
(6/18)
باب القول في التيمم
يجب التيمم على من تعذر عليه الماء المطلق من حاضر أو مسافر في آخر
وقت صلاة لزمته، فإن كانت صلاته ظهراً، تحرى وقتاً يغلب عنده أنَّ
ما يبقى بعدها من الوقت قبل غروب الشمس لا يتسع لأكثر من صلاة
العصر وتيممها، وإن كانت صلاته عصراً، تحرى لها وقتاً، يغلب عنده
أن يصادف فراغه منها غروب الشمس، وكذلك يتحرى للمغرب والعشاء حتى
يصادف فراغه من العشاء طلوعَ الفجر، ويتحرى للفجر حتى يصادف فراغه
منها طلوع الشمس، وهذه جملة تشتمل على ثلاث مسائل:
إحداهما: أنَّه لا فرق بين الحاضر والمسافر في وجوب التيمم عليه.
والثانية: أن التيمم لا يجوز إلا في آخر الوقت.
والثالثة: أن وقت الظهر والعصر ممتد إلى حين ما ذكرنا، وكذلك وقت
المغرب والعشاء، وكذلك وقت الفجر.
فأما المسألة الثالثة، فإنها تختص كتاب الصلاة، ونحن إن شاء اللّه
نذكرها إذا انتهينا إليه بشرحها.
وما يختص هذا الموضع، هذه المسألة الأولة والثانية، وكل ذلك منصوص
عليه في (الأحكام) (1).
المسألة الأولى [ في استواء الحاضر والمسافر في وجوب التيمم ]
الذي يدل على(2) أن من لم يجد الماء، يتيمم حاضراً كان أو مسافراً:
ما أخبرنا به محمد بن عثمان النقاش، حدثنا الناصر عليه السلام،
حدثنا محمد بن منصور، حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين، عن أبي خالد،
عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، قال: قال رسول اللّه
صلى الله عليه وآله وسلم: (( جُعِلَت لي الأرض مسجداً، وترابها
طهوراً )). قال اللّه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا
صَعِيْداً طَيِّباً}[المائدة:6]، فأطلق صلى الله عليه وآله وسلم
ذلك، ولم يستثن مقيماً من مسافر.
__________
(1) انظر الأحكام 1/66، 71.
(2) انظر الأحكام 1/66.
(7/1)
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك
الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه
وآله وسلم: (( جعلت تربتها لنا طهوراً، إذا لم نجد الماء ))، يعني
الأرض.
وروى ابن أبي شيبة، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل
من بني عامر، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((
الصعيد الطيب طهور لمن لم يجد الماء، ولو إلى عشر حجج، فإذا وجدت
الماء فأمسسه بشرتك )).
فعلق صلى الله عليه وآله وسلم الحكم بعدم الماء دون المقام والسفر.
فإن قيل: إن الله ـ تعالى ـ علق جواز التيمم مع عدم الماء بالسفر.
قيل له: إنما ذكر ـ سبحانه ـ السفر كما ذكر جملة من الأحداث، ولم
يدل ذلك على أنَّه لا يجوز في غير السفر، كما لا يدل على أنه لا
يجزي من سائر الأحداث، وإنما ذكر السفر؛ لإن عدم الماء في غالب
الأحوال يكون في السفر، والآية تقتضي جوازه في السفر، وليس فيها
ذكر المنع من الإجازة في الحضر، وعموم ما رويناه عمن رواه عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم يقتضي جوازه في السفر والحضر.
ومما يدل على ذلك أنَّه لا خلاف في أن المسافر إذا عدم الماء، يجوز
له التيمم، فكذلك الحاضر، والعلة عدم الماء، بدلالة أن المسافر إذا
وجد الماء، لم يجز له التيمم، وإذا عدمه جاز ذلك، فعلم أن الحكم
تعلق بعدم الماء، على أن هذه العلة منصوص عليها بما رويناه عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مما يرجحها ويقويها على كل ما
يُعلَّل به مما يقتضي خلاف حكمها، على أن المخالف لنا في هذا هو
أبو حنيفة، وهو يوافقنا على جواز التيمم في الحضر، إذا خاف فوت
الصلاة على الجنازة، فكذلك سائر الصلوات؛ بعلة أن ترك التيمم يؤدي
إلى فوت الصلاة، على أن الاحتياط للصلاة المكتوبة في السفر والحضر،
إذا كان يؤدي تركه إلى فوتها أوجب.
المسألة الثانية [ متى يجوز التيمم ]
(7/2)
استدل يحيى عليه السلام(1) على أن التيمم لا يجوز إلاَّ في آخر
الوقت بأن قال: قد ثبت أن اللّه تعالى أمر بالتيمم إذا كان الإنسان
غير واجد للماء؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
فَتَيَمَّمُوا صَعِيْداً طَيِّباً}[المائدة:6]، وقد ثبت أن الإنسان
لا يصير غير واجد للماء، بأن لا يكون الماء في ملكه، ألا ترى أن من
أمكنه أن يشتري، أو يستقي، يكون في حكم الواجد، فلا يكون غير واجد
إلاَّ إذا يئس منه(2)، ولا يكون آيساً منه إلاَّ في آخر الوقت،
فثبت أن التيمم لا يجوز إلاَّ في آخر الوقت.
فإن قيل: إن الذي أمكنه أن يشتريه أو يستسقيه أو (يستشفعه)(3) يكون
واجداً له، وإن لم يكن مالكاً له، ومن لم يمكنه شيء من ذلك، يكون
غير واجد له.
قيل له: لا يعتبر(4) بوجود الماء، وإنَّما يعتبر(5) أن يتمكن منه،
أو يجد السبيل إلى التمكن، أو يطمع في ذلك، ألا ترى أن من وجد
الماء مع غيره، وكان واجداً لثمنه، فليس له أن يتيمم، حتى يعلم
أنَّه لا يبيعه، ولا يوصله إليه؟ فثبت أنَّه يصير غير واجد إذا كان
على الصورة التي ذكرنا، وذلك لا يكون إلاَّ في آخر الوقت.
ومن أصحابنا من استدل على ذلك بأن قال: قد ثبت أن الطلب للماء قبل
التيمم واجب، وسيجيء ذلك بعد هذه المسألة.
مسألة [ متى يجب الطلب ]
__________
(1) انظر الأحكام 1/66، 71.
(2) في هامش (ب): فإذا يكون غير واجد إذا يئس.
(3) ما بين القوسين زيادة في (أ).
(4) في (ب) و(ج): معتبر.
(5) في (ب) و(ج): المعتبر.
(7/3)
قال: ولا يجب الطلب إلاَّ بعد وجوب الصلاة؛ لأنَّه تعالى قال:
{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ}[المائدة:6]، ومعناه أردتم القيام إلى الصلاة، وذلك لا
يكون إلاَّ بعد دخول وقتها، ووجوبها، والطلب للماء يكون بعد وجوب
التطهر، فإذا قد ثبت أن أول الوقت للطلب، فلا يجزي التيمم فيه،
وليس بعد القول بالمنع من جوازه في أول الوقت، إلاَّ قول من جوزه
في آخره، فثبت بذلك ما ذهبنا إليه، ومما يعتمد عليه:
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني رضي الله عنه، أخبرنا محمد بن
بلال، أخبرنا(1) محمد بن عبد العزيز، حدثنا الحماني، حدثنا شريك،
عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي عليه السلام في الجنب لا يجد
الماء: يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء، وإلا تيمم،
وصلى.
فقوله: يتلوم على طريق(2) الأمر دون الخبر؛ إذ لو كان على طريق
الخبر لم يكن صدقاً، والأمر يقتضي الوجوب.
ومما يدل على ذلك أنَّه قد ثبت أن الاعتداد بالشهور لا يجوز
للمطلقة إلاَّ بعد الإياس من القروء، فكذلك التيمم لا يجوز إلاَّ
بعد الإياس من الطهور، والعلة أنَّه بدل لا قربة في فعله مع
المبدَل، وليس ينتقض بشيء من أبدال الكفارات؛ لأن جميعها يجوز أن
تكون قرباً بنفسها مع المبدَل، ومنفرداً عن المبدَل، بل سائر أبدال
الكفارات تشهد بصحة هذه العلة؛ لأنها لما صحت(3) أن تكون بأنفسها
قرباً مع المبدَل، لم تكن بدلاً إلاَّ مع الإياس من الاعتداد
بالأقراء.
والشافعي يوافقنا على أنَّه لا يجوز التيمم قبل دخول وقت الصلاة،
فكذلك لا يجوز قبل آخر الوقت؛ بعلة أنَّه تيممٌ فُعِل قبل آخر
الوقت، فيجب أن لا يجوز، قياساً على ما يفعل منه قبل الوقت، وهذا
القول مروي عن الحسن، وابن سيرين، وعطاء، رواه ابن أبي شيبة عنهم.
مسألة [ في وجوب طلب الماء ]
__________
(1) في (ج): حدثنا.
(2) في (أ): سبيل.
(3) في (ج): لم تصح، وظنن بها في هامش (ب).
(7/4)
قال: وعليه الإراغة في طلب الماء قبل ذلك.
وهو منصوص عليه في (الأحكام)(1).
والذي يدل على ذلك قول الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
فَتَيَمَّمُوا}[المائدة:6]، فأمر الإنسان بالتيمم إذا لم يكن
واجداً للماء، ولا يقال للإنسان: إنَّه غير واجد للشيء، إلاَّ إذا
كان طَلَبه؛ متى أريد به التحقيق، فأما إذا لم يكن منه طلب للشيء،
فإنما يقال: إنَّه ليس له، أو ليس معه، وإذا ثبت ما بيناه، ثبت
وجوب الطلب، ويدل على ذلك:
ما روي أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم طلب الماء ـ ليلة
الجن ـ من عبد الله، وسؤال الناس مكروه، إلا من ضرورة، وإذا لم يكن
بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة الاحتياج، فلا بد أن تكون
ضرورة الشرع، وضرورة الشرع هي(2) الوجوب، فثبت بذلك وجوب الطلب.
وأيضاً روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال: "يتلوم الجنب
ما بينه وبين آخر الوقت"، وذلك أمر، وهو يقتضي الوجوب.
ويدل على ذلك ـ أيضاً ـ أنَّه لا خلاف في أنَّه إذا وجده عند إنسان
يبيعه أو عرفه في بئر بقربه، وجب عليه أن يطلبه، فكذلك إذا لم
يعرفه، والعلة أنه غير آيس من وجود الماء في وقت الصلاة التي
لزمته، وقياسنا هذا أولى من قياسهم الذي ردوه إلى سائر الأبدال،
وقالوا إن المعتبر هو عدم المبدل فقط؛ لأنا رددنا حال المتيمم إلى
حال المتيمم، ولاستنادها إلى الظواهر وفعل النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، ولأنها حاظرة، وموجبة للاحتياط، وزيادة عبادة، على أنا
لسنا نسلم في سائر الأبدال أنَّه لا يجب فيها الطلب على وجه من
الوجوه، بل نوجب في الكل طلبٌ مثله؛ لأن المُظاهِرَ إذا كان عنده
مال، وكان هناك مملوك يباع، وجب عليه أن يشتريه ويعتقه، وهكذا
القول في غيره.
مسألة [ التيمم لكل صلاة ]
قال: وعليه أن يجدد لكل صلاة تيمماً، إلاَّ أن تكون صلاة ونافلتها،
فيجزيه تيمم واحد.
__________
(1) انظر الأحكام 1/71.
(2) في (ب): على، وظنن فوقها بهي.
(7/5)
وذلك منصوص عليه في (الأحكام)(1).
والذي يدل على ذلك قول اللّه تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ
عَلَى سَفَرٍ..} الآية[المائدة:6]، فأوجب التيمم على المريض
والمسافر، كما أوجب على الجائي من الغائط والملامِس، فكما أن
الجائي من الغائط والملامِس يجب عليهما التيمم إذا أرادا القيام
إلى الصلاة، فكلذلك المسافر، فأوجب ذلك أنه متى أراد القيام إلى
الصلاة لزمه التيمم، وإذا ثبت ذلك في المسافر ثبت في الحاضر؛ إذ لا
أحد فصل بينهما في ذلك في هذا الوجه.
وليس يعترض عليه بجواز فعل الفاقد إن تيمم وصلى به صلاة واحدة، ثم
عدمه للثانية؛ لأن ذلك مخصوص بالإجماع، وما عداه باق على العموم،
والذي يدل على ذلك أيضاً:
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، أخبرنا أبو أحمد الأنماطي، ومحمد
بن إبراهيم بن إسحاق الدهان، قالا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم
الصنعاني، حدثنا عبد الرزاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن
مجاهد، عن ابن عباس، قال: "من السنة ألا يصلي الرجل بالتيمم إلاَّ
صلاة واحدة، ثم يتيمم للصلاة الأخرى".
فقول ابن عباس: "من السنة" إضافة له إلى النبي صلى الله عليه وآله
وسلم، فهو كالنص عنه عليه السلام.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا هشيم، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن
الحارث، عن علي عليه السلام، أنَّه قال: "تَيمَّم لكل صلاة".
ويدل على ذلك أنا قد بينا فيما تقدم أن التيمم لا يجوز أن يفعل
إلاَّ في آخر وقت الصلاة، فلو جوزنا أن يصلى العصر بتيمم قد فعل
قبل آخر وقته، فذلك مما دللنا على فساده.
ويدل على ذلك ـ أيضاً ـ أنَّه لا خلاف في أن المستحاضة لا تصلي
الصلوات كلها بطهارة واحدة، فكذا المتيمم، والمعنى أنها طهارة
مفعولة على سبيل الضرورة، وإذا ثبت ذلك، فلا قول بعده، إلاَّ قول
من يقول إنَّه لا يصلى بتيمم واحد إلا صلاة واحدة من المكتوبات.
__________
(1) انظر الأحكام 1/67.
(7/6)
وليس لهم أن يعللوا بعلتنا هذه ويردوها إلى أصلنا هذا، فيقولوا:
لما اتفقنا نحن وأنتم أن المستحاضة لا يجب عليها أن تتطهر لكل
صلاة، فكذلك المتيمم، والمعنى أنها طهارة مفعولة على سبيل الضرورة،
فإذا ثبت ذلك، فلا قول إلاَّ قول من يقول: إنَّه يصلي الصلوات أجمع
بتيمم واحد، وذلك أن الوصف لا يؤثر في حكمهم في الأصل، ألا ترى أن
الوضوء المفعول على سبيل الضرورة، والمفعول منه على سبيل الاختيار
يشتركان في أنه لا يجب على المتوضئ أن يفعله لكل صلاة، فلا مزية في
هذا الباب لكونها مفعولة على سبيل الضرورة، ولا تأثير لها، وليس(1)
كذلك تأثيرها في حكم أصلنا، ألا ترى أن المفعول منه على سبيل
الضرورة لا يجوز أن يصلى(2) به الصلوات أجمع، (والمفعول منه على
سبيل الاختيار يجوز أن تصلى به الصلوات أجمع) (3)، فبان أن علتنا
تؤثر في حكم أصلنا، وعلتهم لا تؤثر، فنحن إن شئنا، أسقطنا علتهم
بكونها غير مؤثرة، وإن شئنا، رجحنا علتنا بالتأثير، وهذا الترجيح
لا يقابله شيء من التراجيح، هذا إذا سلمنا أن العلة تصح من غير أن
تكون مؤثرة.
ويمكن أن يقال فيه ـ أيضاً ـ: إنَّه قد ثبت أن التيمم لا يرفع
الحدث، وإنما يبيح الصلاة، فكما أن المحدث العادم للماء يجب أن
يتمم إذا أراد القيام إلى الظهر، فكذلك يجب عليه تيمم ثانٍ إذا
أراد القيام إلى العصر؛ لأنَّه محدث عادم للماء أراد القيام إلى
الصلاة المكتوبة.
فإن استدلوا بقول رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( جُعلَت
تربتها لي طهوراً لمن لم يجد الماء )).
وبما روى أبو ذر، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( الصعيد
الطيب طهور لمن لم يجد الماء، ولو إلى عشر حجج )).
قيل له: نخص ذلك بالأدلة التي تقدمت، فلا معترض به علينا، على أن
ذلك ورد لإجازة التطهر به، لا لكيفيته، فتعلقهم به بعيد.
__________
(1) في (ب) و(ج): فليس.
(2) في (ب) و(ج): يصلى.
(3) ما بين القوسين زيادة في (ج).
(7/7)
مسألة [ في التيمم بغير التراب ]
قال: ولا يجوز التيمم بالنورة، والزرنيخ، وما أشبههما، ولا يجزي
إلاَّ بالتراب لا غيره، فأما الرمل فإن كان فيه تراب يعلق
بالكفين(1)، أجزأ، وإلا لم يجز. قال القاسم عليه السلام: ولا يجزي
التيمم بتراب البَرذَعَة وشبهها.
ما حكيناه عن القاسم عليه السلام، قد نص عليه في كتابه المسمى
بـ(كتاب الطهارة)، وما ذكرناه قبل ذلك منصوص عليه في (المنتخب)(2).
والذي يدل على ذلك قول اللّه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
فَتَيَمَّمُوا صَعِيْداً طَيِّباً} مع قوله: {وَالْبَلَدُ
الطَّيِّبُ يُخْرِجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِيْ خَبُثَ
لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً}[الأعراف:58]، فلما أمرنا بالتيمم(3)
بالصعيد الطيب، ثم بين أن الطيب، يخرج نباته، علمنا أن التيمم يجزي
بما يخرج نباته، وأن ما لا يخرج نباته لا يجزي التيمم به.
فإن قيل: إنكم لا تقولون بدليل الخطاب، فكيف يسوغ لكم أن تدعوا أن
مالا يخرج نباته ليس بطيب؟
__________
(1) في (ب) و(ج): باليد.
(2) انظر المنتخب ص28.
(3) في (ب) و(ج): أن نتيمم.
(7/8)
قيل له: ليس الاستدلال به من الوجه الذي قَدَرتَ، بل وجه
الاستدلال منه هو: أن الألف واللام لما دخلا على البلد الطيب، دلا
على الجنس؛ لأنهما إذا لم يدلا على المعهود، دلا على الجنس، فكأنه
تعالى قال: كل البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، فيعلم أن مالا
يخرج نباته ليس بطيب، على أن اسم الصعيد تناول التراب، وتناول وجه
الأرض، ولا يدخل فيهما الزرنيخ والنورة، وما أشبه ذلك، فلو اقتصرنا
على الاستدلال بقوله، فتيمموا صعيداً، لأغنى، على أن كون الشيء
مطهراً يحتاج إلى دلالة شرعية، ولم يثبت في غير الماء والتراب
أنَّه مطهر، فوجب الحكم بأن لا مطهر سواهما، ويدل على ذلك أنَّه لا
خلاف أن من تيمم بنحاتة الحديد والنحاس(1) والذهب والفضة، وما
أشبهها، لا يجزيه، فكذلك من تيمم بالزرنيخ، والنورة وما أشبههما،
والعلة أنَّه تيمم بغير التراب.
مسألة [ في كيفية التيمم ]
قال: وإذا أراد التيمم، ضرب بيديه على التراب الطاهر، ثم مسح بيديه
وجهه مسحاً غامراً، وأدخل إبهاميه من تحت غابَّته تخليلاً للحيته
إن كانت، ثم عاد، فضرب يديه على التراب ضربة أخرى، وفرج بين
أصابعه، ثم رفع يديه، فبدأ بمسح يمينه من ظاهرها من عند أظفارها
حتى يأتي على ذلك إلى المرفق، ثم يقلب راحته اليسرى على باطن يده
اليمنى، ثم يسمح جميع باطنها إلى راحته، وجميع يده وإبهامه، ثم يرد
يده اليمنى على ظاهر يده اليسرى، فيفعل فيها(2) ما فعل باليمنى.
وذلك كله ذكره يحيى عليه السلام في (المنتخب)(3) بهذه الألفاظ،
وأشار في (الأحكام) (4) إلى ما يؤدي إلى هذا المعنى، ونص فيه على
أن تيمم اليدين إلى المرفقين، ورواه عن جده القاسم عليه السلام،
وقد نص فيه ـ أيضاً ـ على أن التراب الذي يُتيمم به يجب أن يكون
طاهراً.
__________
(1) سقط من (أ): والنحاس.
(2) في (ب) و(ج) بها.
(3) انظر المنتخب ص28، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ.
(4) انظر الأحكام 1/68.
(7/9)
وقد اختلف في مسح الوجه، فمن الناس من ذهب إلى أنَّه إن بقي منه
شيء أجزأ، وأنَّ استيعابه غير واجب.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه قول اللّه تعالى: {فَامْسَحُوا
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيْكُمْ}[المائدة:6]، فوجب استيعاب كل ما
يسمى وجهاً، إلاَّ ما قام دليله، وقد استقصينا الكلام في مثل هذا
عند ذكرنا وجوب مسح جميع الرأس، فلا وجه لإعادته.
وذكره عليه السلام تخليل اللحية هو لإتمام الاستيعاب، على أن تخليل
اللحية في الوضوء قد ثبت وجوبه عندنا، فلو قسنا عليه التيمم بعلة
أنَّه طهارة حدثٍ يراد للصلاة، كان ذلك قريباً.
وأما قوله: يفرِّج بين أصابعه، فإني سمعت شيخنا أبا الحسين بن
إسماعيل رضي اللّه عنه، يقول: إن المراد به أن يحصل التراب بين
الأصابع حتى لا يبقى موضع من اليد لم يمسه التراب، وسمعته يقول:
إنَّه عليه السلام، قال: فيمسح باطنها ـ يعني باطن يده ـ إلى
راحته، ولم يقل ويمسح راحته؛ لئلا يصير التراب الذي عليه مستعملاً،
فيمسح به يده اليسرى.
ومسح اليدين قد اختلف فيه، والذي يدل على أنَّه إلى المرفقين قول
اللّه تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيْكُمْ
مِنْهُ}[المائدة:6]، واسم اليد يتناول الكف مع الذراع إلى الإبط
والمنكب، فالظاهر اقتضى مسحها إلى الإبط والمنكب، فصار المسح
إليهما واجباً، إلاَّ مقدار ما خصه الدليل، وذلك وراء المرفقين؛ إذ
هو مخصوص بالإجماع.
فإن قيل: ومن أين ادعيتم أن اسم اليد يتناول الكف إلى الإبط؟
(7/10)
قيل له: لِما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا
ابن أبي داود، حدثنا الوهبي، حدثنا ابن(1) إسحاق، عن الزهري، عن
عبيد الله، عن ابن عباس، عن عمار، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه
وآله وسلم حين نزلت آية التيمم، فضربنا ضربة واحدة للوجه، ثم ضربنا
ضربة أخرى لليدين إلى المنكبين ظهراً وبطناً(2).
فإن قيل: فإنكم لا تقولون بذلك، فكيف احتججتم به؟
قيل له: نحن نقبل من عمار، ونأخذ عنه ما يجري مجرى اللغة، كما نقبل
من أبي ذؤيب الهذلي، وأبي وجزة السعدي وغيرهما، فقبلنا قوله لليدين
إلى المنكبين من طريق الاسم، ولم نقبله من طريق الحكم؛ لأن ذلك لا
يأخذ(3) منه إلاَّ أن يعزوه إلى الرسول عليه السلام، وهو لم يفعل
ذلك، وإنما عزاه إلى نفسه وفعله، إلاَّ أن ذلك قد أجمع على خلافه،
والإجماع عندنا يقطع ما تقدمه من الخلاف، فلا وجه للإشتغال به.
وكذلك إن(4) قيل: إن بعض الناس قد ذهب إليه؟
قيل له: لم يعتبر به؛ لأنَّه خلاف لا حكم له، ويدل على ذلك:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا أبو جعفر الطحاوي، حدثنا محمد
بن الحجاج، حدثنا علي بن معبد، حدثنا أبو يوسف، عن الربيع بن بدر،
قال: حدثني أبي، عن جدي، عن أسلع التميمي، قال: كنت مع النبي صلى
الله عليه وآله وسلم في سفر، فقال لي: (( يا أسلع، قم فارحل بنا
)). قلت: يا رسول الله، أصابتني بعدك جنابة، فسكت حتى أتاه جبريل
عليه السلام بآية التيمم، فقال لي: (( يا أسلع، قم، فتيمم صعيداً
طيباً، ضربتين: ضربةً لوجهك، وضربة لذراعيك، ظاهرهما وباطنهما )).
فلما انتهينا إلى الماء، قال: (( يا أسلع، قم، فاغتسل ))(5).
__________
(1) سقطت (ابن) من (ب).
(2) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/110، إلا أنه قال: عن عبد
الله.
(3) في (أ) و(ب): لا يقبل.
(4) في (أ): فإن.
(5) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/113.
(7/11)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ربيع المؤذن،
حدثنا أسد، حدثنا محمد بن ثابت العبدي، حدثنا نافع، قال: انطلقت مع
ابن عمر إلى ابن عباس في حاجة لابن عمر، فقضى حاجته، فكان من حديثه
ـ يومئذ ـ أنَّه قال: مر رجل على رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يرد
عليه السلام، حتى كاد الرجل يتوارى في السكة، فضرب بيديه على
الحائط، فتيمم لوجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فتيمم لذرعيه. قال: ثم رد
عليه السلام، وقال: أما أنَّه لم يمنعني أن أرد عليه السلام، إلاَّ
أني كنت لست بطاهر(1).
وروى يحيى، عن أبيه، عن جده القاسم عليهم السلام، حدثني أبو بكر بن
أبي أويس، عن الحسين بن عبد اللّه بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن
علي عليه السلام، أنَّه قال: "أعضاء التيمم: الوجه، واليدان إلى
المرفقين" (2).
وروي عن عروة(3)، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم: (( في التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين
إلى المرفقين )).
فإن قيل: روي أن عماراً سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن
التيمم، فأمره بالوجه والكفين.
وروي أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم تيمم، فمسح بوجهه
ويديه؟
قيل له: أما ما روي أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم مسح بوجهه ويديه،
فلا ينافي ما نذهب إليه؛ لأن الماسح إلى المرفقين مسح يديه، وإذا
لم يذكر الحد الذي انتهى المسح إليه من اليد في حديث، لم يبطل ما
ذكر من الحد في حديث آخر؛ إذ أحدهما لا ينافي صاحبه.
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/85، عن حسين بن نصر
وسليمان بن شعيب، قالا: حدثنا يحيى بن حسان، به.
(2) أخرجه الإمام الهادي في الأحكام 1/68 ـ 69.
(3) تم في جميع النسخ: عزرة.
(7/12)
وأما ما روي أنَّه أمر بالوجه والكفين، فيجوز أن يكون السامع
سمع الوجه واليدين، فروى على المعنى من حيث أنَّه اعتقد أن المراد
بهما واحد، فليس فيه ما يوجب إسقاط حديثنا، على أن هذا التأويل
أولى؛ ليصح استعمال الأخبار كلها، ويمكن أن يقال: أنه لم ينف مسح
ما زاد على الكفين.
ويمكن أن يقاس التييم على الوضوء؛ بعلة أنها طهارة لحدث، فيجب أن
تكون اليد مستوعبة إلى المرفق في التيمم، كاستيعابها في الوضوء،
وقد أشار يحيى عليه السلام إلى هذا المعنى في (الأحكام) (1) حيث
يقول: "وَحَد التيمم لمن لم يجد الماء، كحد الغسل لمن وجد الماء".
ويمكن أن تقاس اليد على الوجه؛ بعلة أن كل واحد منهما يثبت في
التيمم، فيجب فيهما الاستيعاب كما وجب في الوجه.
مسألة [ في مقدار التراب ]
قال: ولا يجزئ حتى يعلق التراب بالكفين عند كل واحدة من الضربتين.
وذلك مخرج من قول يحيى عليه السلام في (الأحكام) (2) عند ذكر ما
يجب على المتيمم: "ثم يمسح بما في كفه اليمنى من الصعيد يده
اليسرى".
والذي يدل على ذلك قول اللّه تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
فَتَيَمَّمُوا صَعِيْداً..} الآية[المائدة:6]، فالكناية راجعة إلى
الصعيد، فوجب أن يمسح ببعضه؛ لأن (من) هاهنا للتبعيض، ولا يمكن أن
يمسح منه، إلاَّ إذا علق بالكف منه شيء.
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرب بيديه عل
الجدار، ثم مسح وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح يديه، وفي هذا ما
يبطل مذهبكم.
قيل له: ليس فيه علينا معتَرض، وذلك أن الجدار الجاف قد يكون عليه
من الغبار ما يعلق بالكف، فلا يمنع أن يكون الجدار الذي ضرب عليه
النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عليه التراب.
فإن قيل: فقد روي أنه ضرب بيديه على الأرض، ثم نفضهما ومسح وجهه.
__________
(1) الأحكام 1/ 67 ـ 68.
(2) الأحكام 1/68.
(7/13)
قيل له: ليس فيه أنَّه نفضهما حتى لم يبق عليهما شيء، فليس لكم
فائدة فيه، على أن التراب قد أقيم مقام الماء، فكما يجب أن يلاقي
الماء العضو المغسول، فالممسوح كذلك يجب أن يلاقيه التراب، والمعنى
أن كل واحد منهما طهور.
مسألة [ متى يجب شراء الماء ]
قال: وإن وجد الماء يباع بثمن غال، وكان إخراج ذلك الثمن لا يجحف
به، لم يجزه التيمم.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
والوجه فيه أنَّه لا خلاف في أنَّ الإنسان بوجود الثمن واجدٌ
للماء، إذا كان الثمن ثمن مثله، فيجب على هذا أن يكون سبيل الثمن
سبيل الماء، في أنَّه يجب عليه إخراجه بالغاً ما بلغ، ما لم يجحف
به، ويمكن أن يورد ذلك على سبيل القياس، فيقال: إن اشتراه بثمن
مثله يجب بالإجماع، ولا يجوز التيمم، فكذلك إذا كان بثمن غال
بالغاً ما بلغ، والمعنى أنَّ إخراج ثمنه لا يجحف به، يبين صحة هذه
العلة أن ثمن مثله إن كان مجحفاً، لم يجب إخراجه، وإذا لم يكن
مجحفاً، وجب ذلك، فبان أن الحكم في الأصل يتعلق بما ذكرناه.
وليس لأحد أن يقول: إن ذلك يؤدي إلى إتلاف المال، وذلك منهي عنه،
وذلك أن إخراج الكثير من المال على هذا الوجه لو كان إتلافاً له،
لكان إخراج اليسير من المال إتلافاً، وإتلاف اليسير كإتلاف الكثير
في أنَّه منهي عنه، وإذا ثبت أن إخراج مثل ثمنه ليس بإتلاف، فكذلك
إخراج الكثير.
مسألة [ فيمن يخاف التلف لقلة الماء ]
قال: ومن خشي على نفسه تلفاً إن تطهر بما معه من الماء، أجزأه
التيمم.
وذلك منصوص عليه في (الأحكام) (2).
والذي يخرج على مذهب يحيى عليه السلام أنَّه إذا لم يخف تلفاً،
وخاف من العطش ضرراً وعنتاً، كان له أن يستبقي الماء، ويتيمم؛
لأنَّه نص في الذي أصابه كسر، فقال: إن له أن يترك ذلك العضو إذا
خاف عنتاً(3).
ونص القاسم عليه السلام على المجدور يخاف عنتاً أوتلفاً، أن له أن
يتيمم.
__________
(1) انظر الأحكام 1/71.
(2) انظر الأحكام 1/69 ـ 70.
(3) انظر الأحكام 1/60.
(7/14)
والأصل في ذلك أن اللّه تعالى أطلق للمريض التيمم؛ لِما يخاف من
استعمال الماء، فإذا خافه الصحيح، ولم يأمن أن يلحقه تلف أو عنت،
فيجب أن يجوز له التيمم قياساً على المريض؛ إذ المريض لم يجز له
التيمم للمرض، وإنما جوز له لخوفه من استعمال الماء، بدلالة أن
المريض الذي لا يضره الماء لا خلاف في أنَّه لا يجزئه التيمم إذا
وجد الماء، وإذا كانت العلة ما ذكرناه في المريض وجب أن يكون حكم
الصحيح حكمَه لمشاركتهما في العلة.
مسألة [ فيمن يخاف إن خرج للطلب ]
قال: وكذلك من خاف على نفسه، إن خرج في طلب الماء أية مخافة كانت،
أجزأه التيمم، فإن لم يخف، وعلم أنه يلحق الماء قبل فوات الوقت،
فعليه المسير(1) إليه، قربت المسافة إليه، أم بعدت.
وذلك ـ أيضاً ـ منصوص عليه في (الأحكام)(2).
والوجه في جواز التيمم لمن خاف على نفسه إن خرج في طلب الماء، هو
الوجه الذي ذكرناه في المسألة الأولى، ووجه إيجاب المصير إليه إذا
لم يخف تلفاً، ولا ضرراً، هو ما قدمنا القول فيه عند ذكرنا وجوب
الطلب للماء على من أراد التيمم، فلا غرض في إعادته.
مسألة [حكم المتيمم يصلي ثم يجد الماء ]
قال: وإذا وجد الماء بعد ما تيمم وصلى ـ وهو في بقية من الوقت ـ
فعليه الطهارة، وإعادة تلك الصلاة، فإن وجده بعد تقضي الوقت، لم
يجب عليه إعادة تلك الصلاة، وعليه الطهارة لما يستأنف.
وذلك ـ أيضاً ـ منصوص عليه في (الأحكام)(3).
والوجه في ذلك أن التيمم عنده يجب أن يفعل في آخر وقت تلك الصلاة،
وقد دللنا عليه قبل هذا الموضع، فإذا تيمم وصلى، ثم وجد الماء ـ
وهو بعد في وقت من تلك الصلاة ـ وجب إعادة تلك الصلاة؛ لأن التيمم
لا يكون فعل في آخر الوقت، وأمكنه أداء الصلاة متوضأً في الوقت.
__________
(1) في (ب) و(ج): المصير.
(2) انظر الأحكام 1/71.
(3) انظر الأحكام 1/67.
(7/15)
فإن قيل: فإذا كان المذهب ما ذكرت، فالواجب أن تلزمه إعادة
الصلاة والتيمم إذا فرغ منها ـ وفي الوقت بقية ـ وإن لم يجد الماء،
فلا فائدة لقولكم إن وجد الماء، بل يجب أن يستوي الحال بين أن يجد
الماء، أو لا يجد.
قيل له: ليس الأمر على ما ظننت، وذلك أنَّه لا يمكنه فعل التيمم في
آخر الوقت، إلا بضرب من التحري؛ لأنَّه لا يمكنه أن يعرف الوقت
الذي يصادف فراغه من الصلاة فيه فوات وقتها على سبيل اليقين، فإذا
تحرى واتفق(1) أنَّه تبقى بعد الصلاة وقت، ولم يجد الماء، لم نوجب
عليه إعادة الصلاة؛ لأنَّه إن أعادها، أعادها بضرب من التحري كما
فعل أولاً، والتحري لا يُنقض به تَحرٍّ مثله، فأما إذا وجد الماء،
فهو لا يحتاج إلى التحري، بل يصلي على اليقين بأنه مؤدٍ لها في
وقتها، والتحري يعترض عليه اليقين.
ويمكن إيراد القياس فيه بأن يقال: إنَّه لا خلاف أنَّ من تمكن من
الماء قبل أن يصلي بالتيمم، يجب عليه أداء الصلاة بالوضوء، فكذلك
إذا وجده بعد ما صلى؛ والعلة فيه أنَّه تمكن من الماء في وقت
الصلاة، فكل من تمكن من الماء في وقت الصلاة(2)، لزمه أداؤها
متوضئاً، وليس لأحد أن يدعي انتقاض هذه العلة بمن تمكن من الماء ثم
تعذر عليه قبل أداء الصلاة، وذلك أن التعليل هو للزوم الصلاة
متوضئاً، وهذا قد لزمه حين تمكن من الماء، إلاَّ أن اللزوم زال بعد
ذلك بتعذر الماء، وذلك لا يكون نقضاً، وما ذكرناه من أنَّه إن وجد
الماء بعد وقت الصلاة يتطهر لما بعد، ولا يعيد الصلاة، فلا خلاف
فيه، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( فإذا
وجدت الماء، فأمسسه جلدك )).
فصل [ المتيمم يرى الماء في صلاته ]
__________
(1) في (أ) و(ب): أيقن.
(2) في (ب) و(ج): صلاته.
(7/16)
والذي يخرج على مذهب يحيى عليه السلام أن المصلي لو رأى الماء،
وهو في الصلاة، وجب عليه الخروج منها، وإعادة الصلاة بالوضوء؛
لأنَّه إذا أوجب ذلك على من فرغ من صلاته، فبالأولى أن يوجبه على
من هو في الصلاة.
ومما يبين صحة ذلك أنَّه لا خلاف في أن رؤية الماء قبل الدخول في
الصلاة يبطل حكم التيمم، فكذلك رؤيته فيها؛ بعلة أنَّه متمكن من
استعمال الماء، فكل من تمكن من استعمال الماء لا حكم لتيممه، ويبين
ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( إذا(1) وجدت الماء،
فامسسه بشرتك ))، ولم يستثن حال الصلاة من غيرها، وإذا ثبت وجوب
استعمال الماء عليه، فلا قول إلاَّ قول من أبطل صلاته.
__________
(1) في (ب) و(ج): فإذا.
(7/17)
كتاب الحيض
باب القول في أكثر الحيض وأقله
أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1)،
وقال القاسم عليه السلام: أكثر الحيض عشر، ولا أحفظ له نصاً في
أقله.
والذي يدل على صحة ما ذهب إليه الهادي إلى الحق عليه السلام:
أن الدم بمجرده لا خلاف في أنَّه لا يكون حيضاً، فلا بد من دليل
على الحيض، وقد أجمعوا على أن الثلاثة والعشر تكون حيضاً، واختلفوا
في أقل من ثلاث، و أكثر من عشر، ولا دليل على ذلك، فوجب القول
بالثلاث والعشر؛ لقيام الدليل عليهما.
وأيضاً فقد روي في ذلك عن أنس، وعن عدة من الصحابة، ولم يرو عن أحد
منهم خلافه، فهو كالإجماع منهم على ذلك، على أن هذا التحديد مما
ليس فيه مساغ للاجتهاد؛ لأنَّه مثل عدد الصلاة، وعدد الركعات، فإذا
روي ذلك عن بعض الصحابة؛ وجب حمله على أنَّه قاله؛ لأنَّه عرفه من
جهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا أصل من أصول أصحابنا التي
بُني عليها كثير من الفروع.
على أن محمد بن منصور، روى عن محمد بن عبد الله، حدثنا سويد بن
سعيد الحديثي، حدثنا حسان بن إبراهيم الكرماني، حدثنا عبد الملك،
عن رجل من أهل الكوفة، قال: سمعت العلاء يقول: سمعت مكحولاً يحدث،
عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (( أقل ما
يكون الحيض للجارية البكر ثلاث، وأكثر ما يكون من الحيض عشرة أيام،
فإذا زاد الدم أكثر من عشرة أيام، فهو استحاضة )).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/72.
(8/1)
وقد استدل على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم
للمستحاضة: (( اقعدي أيام حيضك ))، وفي بعض الأخبار: (( أيام
أقرائك ))، والأيام تكون من الثلاثة إلى العشرة؛ لأن المعدود إذا
زاد على العشر، أو نقص من الثلاث، لم يعبر عنها باسم الجمع، وعبر
عنها باسم الواحد، وهذا الدليل قريب إذا استدل به لأقل الحيض؛ لأن
الأيام لا يقال فيها مضافاً إلى الشيء ومفرداً في أقل من ثلاثة
أيام، فأما ما زاد على العشر، فلا يبعد أن يقال: إنَّه إذا قيد
بالعدد، رُد إلى الواحد (وإذا لم يقيد، لم يرد إلى الواحد)(1)،
واستعمل فيه الجمع فالأولى أن نقدره(2) بما قلناه إن أقل الحيض
ثلاث، ثم يقال: وكل من قال إن الأقل ثلاث، قال: إن الأكثر عشر.
فإن قيل: فالاثنان يعبر عنهما باسم الجمع؟
قيل له: ذلك عندنا مجاز، والحقيقة ما ذكرنا، والواجب حمل قول النبي
صلى الله عليه وآله وسلم على الحقيقة دون المجاز.
فإن قيل: قول اللّه تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِيْ
الْمَحِيْضِ}[البقرة:222]، يوجب اعتزال النساء في قليل الأذى
وكثيره، إلاَّ ما قام دليله، وإذا ثبت وجوب اعتزالهن للأذى، ثبت
لهن المحيض.
قيل له: لو تأملت الآية، لعلمت أن الأمر على خلاف ما ذكرت، وذلك أن
اللّه تعالى وصف المحيض بالأذى، وأمر باعتزال النساء في حال
المحيض، ولم يصف الأذى بالمحيض، وهذا يوجب أن كل محيض أذى، وليس
يوجب أن يكون كل أذى محيضاً، وإذا كان هذا هكذا، فيجب أن يثبت
المحيض، ويعلق عليه حكم الأذى، وحكم إعتزال النساء، ولا دليل على
ذلك، إلاَّ ما ذكرناه.
وليس لهم أن يستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( إذا
أقبل الحيض، فدعي الصلاة ))، لان الخلاف في الحيض، ولا خلاف في
وجوب ترك الصلاة عنده، وقد بينا أن مجرد الدم لا يكون حيضاً.
__________
(1) ـ سقط ما بين القوسين من (ج).
(2) ـ في (أ): نقرره.
(8/2)
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (( ما
رأيت ناقصاتِ عقل ودين أغلبَ لعقول ذوي الألباب منهن )). قيل
له(1): وما نقصان عقولهن؟ قال: (( شهادة امرأتين بشهادة رجل،
ونقصان دينهن أن إحداهن تمكث نصف عمرها لا تصلي )).
فهذا يقتضي أن من النساء من تكون حائضاً نصف عمرها، وذلك يوجب أن
يكون حيضها خمسة عشر يوماً.
وقد قيل، إن قوله: نصف عمرها ليس بثابت، بل في بعض الأخبار شطر
عمرها، وفي بعضها تمكث الليالي والأيام، والشطر قد يراد به نصف
الشيء، ويراد به طائفة الشيء، أو ناحيته، نحو قوله تعالى: {فَوَلِّ
وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}[البقرة:144]، على أن هذا
إن ثبت، لزم أبا حنيفة دوننا، فإنه يقول: إن أقل الطهر خمسة عشر
يوماً، وعندنا أن أقل الطهر عشرة أيام، فعلى مذهبنا يجوز أن يكون
نصف عمر المرأة حيضاً، إن حسب من ابتداء البلوغ، وهذا الابتداء لا
بد من أن يعتبره الشافعي، على أنَّه من المعلوم إن صح الخبر، أن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرد النصف على التحقيق، وإنما
أراد نحو النصف أو(2) قريباً منه، وذلك أنَّ من تمكث نصف عمرها
حائضاً منهن لِعله لم يتفق قط، فإن اتفق ذلك، فعلى سبيل النادر،
والمقصود فيما ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس هو ما يكون
نادراً في أحوالهن بل هو كالشائع فيهن والغالب عليهن، ألا ترى إلى
ذكره(3) صلى الله عليه وآله وسلم حال شهادتهن، وهذا الكلام يأتي
على من أضاف من أصحاب الشافعي حال النفاس إلى حال الحيض ليستكمل
نصف عمرها على(4) وجه يجب لها ترك الصلاة فيه.
مسألة [ في أقل الطهر وأكثر ]
قال: وأقل الطهر عشر، وأكثره لا حد له. وقد نص يحيى عليه السلام في
رسالته المسماة (كتاب أمهات الأولاد) على أن أقل الطهر عشر.
__________
(1) ـ سقطت (له) من (ب) و(ج).
(2) ـ في (أ) و(ب): و.
(3) ـ في (أ): إلى أن ما ذكره.
(4) ـ في (أ): إلى.
(8/3)
وكون أكثره مما لا حد له مما لا إشكال فيه، ولا خلاف، فالكلام
فيه لا يجدي.
والمروي عن جعفر بن محمد، أن أقل الطهر عشر، وهو مذهب الإمامية.
والذي يدل على ذلك قول اللّه تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ
الْمَحِيْض قُلْ هُوَ أَذىً}[البقرة:222]، ولو خلينا، وظاهر هذه
الآية لقلنا: إن المرأة متى انقطع الدم عنها كانت طاهرةً لقول
اللّه تعالى: {قُلْ هُوَ أَذىً}، فإذا لم يكن أذى فالظاهر يقتضي أن
لها حكم الطهر، ولقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
يَطْهُرْنَ}[البقرة:222]، وهذا ـ أيضاً ـ يقتضي أن المنع من
مقاربتها في الحيض هو إلى أن ينقطع الدم عنها، فلما كان هذا كله(1)
هكذا، وأجمع المسلمون على أن ما دون العشر من النقاء لا يكون
طهراً، سلمناه للإجماع، واستثنينا ذلك من الظاهر، وبقي ما زاد على
ذلك، وهو العشر التام على موجب حكم الظاهر طهراً.
ويدل على ذلك: ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، أخبرنا علي بن زيد
بن مخلد، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن إسماعيل بن
أبي خالد(2)، عن عامر الشعبي، عن علي عليه السلام، أن رجلاً أتاه،
فقال: يا أمير المؤمنين، إني طلقت امرأتي تطليقة، وإنها ادعت أنها
حاضت في شهر واحد ثلاث حيض. فقال علي لشريح ـ وكان عنده جالساً ـ:
اقض بينهما. فقال: أقضي بينهما، وأنت هاهنا يا أمير المؤمنين.
فقال: لتقضينَّ بينهما. فقال: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن
ترضون دينه وأمانته يشهدون أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، تطهر عند كل
وقت صلاة، وتصلي، فهو كما قالت، وإلا فهي كاذبة. فقال علي عليه
السلام: قالون، وهي بالرومية صدقت.
ومن المعلوم أن حصول ثلاث حيض في شهر واحد باستكمال طهرين، مع ثبوت
أقل الحيض ثلاث، لا يكون أقل الطهر إلاَّ عشراً، وفي هذا ثلاثة
أوجه من الاستدلال:
__________
(1) ـ سقط من (ج): كله.
(2) ـ في (ب) وهامش (أ): عن أبي خالد. وفي (أ): عن ابن خالد.
(8/4)
أحدها: أنَّه إذا روي عن أحد من الصحابة شيء، ولم يرو عن غيره
خلافه، جرى ذلك مجرى الإجماع.
والثاني: أن هذه التحديدات وغيرها مما لا مساغ لها في الاجتهاد،
إذا قالها الصحابي، كان محمولاً على أنَّه قال: لنص(1) عنده من
النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويتفرع على هذا كثير من مسائلنا.
والثالث: أن من أصلنا أن علياًّ عليه السلام إذا قال قولاً، وجب
إتباعه.
مسألة [ فيما تفعل المرأة إذا انقطع الدم ثم عاد ]
قال: ولو أن امرأة كانت عادتها خمسة أيام، ثم زادت، تركت الصلاة
إلى تمام عشرة أيام، فإذا(2) انقطع الدم في العاشر أو دونه، كان
الدم الزائد حيضاً، إذا وليه طهر صحيح، فإن تمادى بعده، كانت
استحاضة، وعلى المرأة قضاء ما تركت من الصلاة في الأيام التي زادت
على عادتها.
ذكر يحيى عليه السلام في (الأحكام) (3)، فقال: "وقد يكون الحيض
أربعاً وخمساً وستاً وسبعاً وثمانياً وتسعاً وعشراً"، بعد تنصيصه
أن(4) أقل الحيض ثلاث، وأن أكثره عشر.
فدل ذلك على أنَّه أراد به أن الزائد على العادة في هذه الأيام قد
يكون حيضاً، ثم قال بعد ذلك: فأما إذا جاوز العشر فهي مستحاضة،
تفعل ما تفعل المستحاضة.
فدل ذلك على أن الدم إذا زاد على العشر كان كله ـ أعني الزائد على
العادة ـ استحاضة، وقد نص هو على أن المستحاضة تصلي وتصوم(5)، فوجب
إعادة ما تركت من الصلاة، وقد ثبت أنها مستحاضة.
والذي يدل على صحة ما ذكرناه أنَّه لا خلاف أن العادة يجوز فيها
الانتقال إلى الزيادة، وإلى النقصان، فإذا ثبت ذلك، فالتي تكون
عادتها خمسة أيام إذا زاد عليها الدم، كان الظاهر من أمرها أن الدم
الزائد حيض؛ لأنَّه دم حيض رأته المرأة في وقت يمكن فيه الحيض
متعرياً من أمارة الاستحاضة، فيجب أن يكون سبيله سبيل الدم الذي
تراه المبتدأة في أنها تحيض عنده.
__________
(1) ـ في (أ): بنص.
(2) ـ في (ب) و(ج): فإذا.
(3) ـ الأحكام 1/72.
(4) ـ في (أ): على أن.
(5) ـ انظر الأحكام 1/76.
(8/5)
واشترطنا انقطاعه في العاشر، ونريد بالانقطاع أن ينقطع ويليه
طهر صحيح؛ لأن ذلك لو لم يكن، لكانت أمارة الاستحاضة قائمة، وقد
قال صلى الله عليه وآله وسلم للمستحاضة: (( اقعدي أيام حيضك ـ وفي
بعض الأخبار أيام أقرائك ـ ثم اغتسلي، وصلي، ولو قطر الدم على
الحصير قطراً ))، فلذلك قلنا: إن الدم إذا تمادى، كانت المرأة
مستحاضة فيما زاد على عادتها.
مسألة [ في تغير العادة ]
قال: ولو أن امرأة رأت الدم خمساً، ثم من بعد ذلك ستاً، ثم من بعد
ذلك سبعاً، ثم استحيضت، كانت عادتها ستاً؛ لأنها تثبت بقرأئن..
تخريجاً.
كان أبو العباس الحسني رحمه اللّه يُخرِّج أن العادة تكون بقراين
من قول يحيى عليه السلام(1): ليس في الاستحاضة عندنا وقت مؤقت غير
ما تعلم المرأة من نفسها في أيام عادتها(2).
وكان يقول رده(3) أمرها إلى أقرائها، يدل على أنَّه لا يعتبر قرأً
واحداً، ولا أحد قال إن العادة لا تثبت بقرائن، فوجب حمل قوله أيام
أقرائها على أيام قرئيها(4).
والذي يدل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من
قوله: (( اقعدي أيام أقرائك )) فإذا ثبت ذلك، فالتي تكون عادتها
خمساً إذا حاضت ستاً، ثم سبعاً، تكون(5) قد حاضت ستاً مرتين، فلذلك
قلنا: إن عادتها تكون ستاً.
مسألة [ متى تقضي الحائض الصلاة ]
قال: ولو أن امرأة رأت الدم في الأيام التي يصلح(6) فيها الحيض
تركت الصلاة، فإن انقطع في كمال العشر أو دونها، ووليه طهر صحيح،
كان حيضاً، وإن كان غير ذلك، كان استحاضة، وعليها قضاء ما تركت من
الصلاة، إلاَّ أن تكون الأيام أيام العادة فترجع إليها، وقد مضى
الكلام في مثله مشروحاً، فلا طائل في إعادته.
مسألة [ في الصفرة والكدرة ]
__________
(1) ـ في (ج): يحيى عليه السلام في الأحكام. وانظر الأحكام 76.
(2) ـ في (ب) و(ج): أقرائها.
(3) ـ في (أ): قرئها.
(4) ـ في (أ): رد.
(5) ـ في (ب) و(ج): عادتها.
(6) ـ في (أ): يصح.
(8/6)
قال: "والصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وفي غير أيام الحيض
ليست حيضاً".
وقد نص على ذلك في (الأحكام) (1)، وقال: "حكمه حكم الدم".
وقال القاسم عليه السلام في (كتاب الطهارة) ما كان منه بين دفقات
الدمين(2) في أوقات الحيض، فهو حيض(3)، فأجراه مجرى النقاء؛ لأن
النقاء إذا توسط الدمين في وقت الحيض، فهو حيض.
فأما ظاهر قول يحيى عليه السلام فهو يقتضي أنَّه بمنزلة الخالص؛
لأنَّه جعل ما كان منه في أيام الحيض حيضاً، وما كان في غير أيام
الحيض، لم يجعله حيضاً، وهذا حكم الدم الخالص.
وكان أبو العباس الحسني رحمه اللّه يحمل قول يحيى عليه السلام على
قول القاسم عليهما السلام، ويجعل القولين قولاً واحداً، ويقول: إن
يحيى عليه السلام أراد ما كان منه بين الدمين.
ووجه قول يحيى عليه السلام هو أنَّه لا خلاف في أن الصفرة والكدرة
بين الدمين تكون محيضاً إذا كانا في وقت الحيض، فيجب أن تكون
محيضاً، وإن انفردت، والمعنى أنَّه صفرة أو كدرة وجدت في وقت
الحيض(4).
ويؤكد ذلك أن الكدرة والصفرة هما الدم المتغير، وتغيرهما من جهة
اللون لا يبطل حكمهما، ألا ترى أن التي لم تحض لم تر الصفرة ولا
الكدرة، فبان أنهما من الحيض.
وروي ـ أيضاً ـ عن عائشة أنها كانت تقول: لا تصلي حتى ترى
العلامة(5) البيضاء.
وروي مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كان عن عائشة
أظهر وأشهر.
ووجه قول القاسم:
__________
(1) ـ الأحكام 1/77.
(2) ـ في (ب) و(ج): الدم.
(3) ـ في (أ) و(ب): من الحيض.
(4) ـ في (ب) و(ج): المحيض.
(5) ـ في (أ): الفضة. وفي هامش النسختين: ترى القطنة بيضاءة
كالفضة. نسخة.
(8/7)
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني رضي الله عنه، حدثنا(1) ابن أبي
حاتم، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن محمد بن عمرو، عن ابن
شهاب عن عروة(2)، عن فاطمة بنت أبي حبيش، أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، قال لها: (( إذا رأيتِ الدم الأسود، فأمسكي عن الصلاة،
وإذا كان أحمر، فتوضئي، وصلي فإنما هو دم عرق )).
وأخبرنا أبو العباس، أخبرنا ابن أبي حاتم، حدثنا يزيد بن سنان
البصري، حدثنا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، حدثتنا أم هذيل
حفصة بنت سيرين ـ أخت محمد بن سيرين ـ، عن أم عطية الأنصارية،
قالت: ما كنا نُعِدّ الصفرة والكدرة شيئا.
فاعتبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم دم الحيض بأنه أسود دليل
على أن الصفرة والكدرة ليسا من الحيض، وكذلك قول أم عطية يدل على
ذلك.
مسألة [ في عدم اجتماع الحيض والحمل ]
والحيض لا يكون مع الحمل.
وقد نص على ذلك في (الأحكام)(3).
والدليل على ذلك ما روي عن علي عليه السلام، أنَّه قال: "رفع الحيض
عن الحبلى، وجعل الدم رزقاً للولد"، ولا يُعرف له من الصحابة
مخالف، فجرى ذلك مجرى الإجماع، على أنا نوجب الاقتداء به، خالفه من
خالف ووافقه من وافق.
ومما يدل على ذلك أن الحبلى تقاس على التي يئست من الحيض في أن لا
مساغ للحيض في واحدة منهما، بدلالة أنها لو طلقت لكانت تعتد بغير
الحيض، ويمكن ـ أيضاً ـ أن تقاس على المسنة بعلة أخرى، وهي انقطاع
الدم عنها في غالب الأحوال مع السلامة، فكل امرأة صارت إلى حالة لا
تكاد ترى الدم معها في غالب الأمور مع السلامة، يجب الحكم بأنها لا
تحيض في تلك الحالة.
__________
(1) ـ في (ب) و(ج): أخبرنا.
(2) ـ في (ب): شهاب بن عروة، إلا أنه كتب في الهامش ما أثبتناه،
وقال إنه هكذا في سنن أبي داود.
(3) ـ انظر الأحكام 1/75.
(8/8)
ويمكن أن تقاس بهاتين العلتين على الصغيرة ـ أيضاً ـ على أن
العادة قد جرت بين المسلمين في أنهم يجعلون انقطاع الدم في وقته
أمارة الحبل، فلولا أنهم قد تقرر عندهم أن الحبل والحيض لا يجتمعان
لم يجعلوا انقطاع الدم أمارة للحبل.
مسألة [ في ما يجب على المستحاضة وما يندب ]
قال: وعلى المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، وتصلي إن أحبت، وذلك أفضل،
فإن توضأت، وجمعت بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، تؤخر
الظهر وتقدم العصر، وتؤخر المغرب وتقدم العشاء، فهو جائز، وهكذا
حكم سائر الأحداث اللازمة من سلسل البول وسيلان الجرح، وللمستحاضة
أن يأتيها زوجها.
وكل ذلك منصوص عليه في (الأحكام)(1) وغيره.
وما يلزم المستحاضة فيه خلاف من وجوه:
أحدها: أنَّه كان يذهب مالك إلى أن لا وضوء عليها من دم(2)
الاستحاضة، وقد مضى الكلام في هذا الباب عند كلامنا فيما ينقض
الطهارة، وما يذكر من الأخبار الواردة في هذا الباب يحجه، ويفسد
مذهبه.
[وثانيها]: ومن الناس من يذهب إلى أن الواجب عليها أن تغتسل لكل
صلاة، واحتجوا بما روي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن
عمرة، عن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش كانت تحت عبد الرحمن بن عوف،
وأنها استحيضت حتى لا تطهر، فذَكر شأنها لرسول اللّه صلى الله عليه
وآله وسلم، فقال: (( ليس بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم، تنظر قدر
قرئها الذي تحيض له، فلتترك الصلاة، ثم لتنظر ما بعد ذلك، فلتغتسل
عند كل صلاة، وتصلي )).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/76.
(2) ـ في (ب) و(ج): عليها لدم.
(8/9)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن أبي داود،
حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، حدثنا سفيان الثوري، عن
عبد الرحمن بن قاسم بن محمد، عن زينب بنت جحش، قالت: سألت رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أنها مستحاضة، فقال: (( تجلس أيام
أقرائها، ثم تغتسل وتؤخر الظهر وتعجل العصر (وتغتسل وتصلي)(1)،
وتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل وتصلي، وتغتسل للفجر وتصلي
))(2).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن أبي داود، حدثنا
الوهبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: استحيضت سهلة بنت سهيل بن عمرو، فكان رسول اللّه
صلى الله عليه وآله وسلم يأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما جهدها
ذلك، أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر في غسل واحد، والمغرب والعشاء
في غسل واحد، وتغتسل للصبح(3).
واحتجوا بأن ذلك مروي عن علي، وابن عباس، وابن الزبير أنهم كانوا
يرون ذلك، ويوجبونه عليها.
والذي يدل على صحة ما نذهب إليه في هذا:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا محمد بن عمرو
بن يونس السوسي، حدثنا يحيى بن عيسى، حدثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي
ثابت، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت رسول اللّه
صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله، إني استحاض فلا
ينقطع عني الدم، فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل
وتتوضأ لكل صلاة، وتصلي وإن قطر الدم على الحصير(4).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا علي بن شيبة، حدثنا
يحيى بن يحيى، قال: قرأت على شريك، عن أبي اليقضان..
__________
(1) ـ ما بين القوسين سقط من (أ).
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/100، إلا أن فيه عبد
الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/101.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/102، وزاد فيها قطراً.
(8/10)
وحدثنا فهد، حدثنا محمد بن سعيد بن الأصفهاني،حدثنا(1) شريك، عن
أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم، قال: (( المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها، ثم
تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة، وتصلي، وتصوم ))(2).
وحدثنا فهد، حدثنا محمد بن سعيد، حدثنا(3) شريك، عن أبي اليقظان،
عن عدي بن ثابت(4)، عن علي عليه السلام، مثله.
فثبت بهذه الأخبار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرها بالغسل
عند تصرم أيام حيضها، ثم بالوضوء لكل صلاة، وإن قطر الدم على
الحصير، فيجب أن يكون خبر الغسل منسوخاً، أو محمولاً على
الاستحباب، والتنظف، على أن المستحاضة قد يكون لها(5) حال يجب
عليها عندنا الاغتسال عند كل صلاة، وذلك إذا التبست عليها وقت
العادة، فصارت إلى حال يُجَوَّز معها في كل وقت أن تكون حائضاً، أو
خارجة من الحيض إلى الطهر، فعليها أن تغتسل، وتصلي في وقت كل صلاة،
لجواز أن تكون في تلك الأوقات خارجة من الحيض، فيحمل ما روي عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم من إيجاب الغسل على من هذه حالها،
لنكون قد لفقنا بين الأخبار، واستعملناها أجمع.
وهذا الوجه أولى ما يتأول به خبر الغسل، ومما يدل على ذلك أن دم
الاستحاضة قد ثبت أنَّه دم كسائر الدماء، فوجب أن يكون حكمه حكمها
في أن لا غسل فيه، وقد صرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك
فيما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا فهد، حدثنا
أبو نعيم، حدثنا أبو حنيفة..
__________
(1) ـ في (ب) و(ج): أخبرنا.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/102.
(3) ـ في (ب) و(ج): أخبرنا.
(4) ـ في الهوامش: عن عدي بن ثابت، عن أبيه.
(5) ـ سقط من (أ): قد يكون لها.
(8/11)
وحدثنا صالح بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ،
حدثنا أبو حنيفة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن فاطمة بنت
أبي حبيش أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إني استحاض
الشهر والشهرين. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( إن
ذلك ليس بحيض، وإنما ذلك عرق من دم، فإذا أقبل الحيض، فذري الصلاة،
وإذا أدبر، فاغتسلي لطهرك، ثم توضئي عند كل صلاة ))(1).
وكان الشافعي يذهب إلى أنها تتوضأ لكل صلاة.
ويحيى بن الحسين عليه السلام قد جوز لها أن تجمع بين الظهر والعصر،
وبين المغرب والعشاء في آخر وقت الأولى، وأول وقت الثانية، والوجه
ما ذكرناه بإسناده من حديث سهلة بنت سهيل، أن رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم أمرها أن تجمع الظهر والعصر في غسل واحد، والمغرب
والعشاء في غسل واحد.
وحديث القاسم بن محمد، عن زينب بنت جحش، قالت: قال رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم: (( تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل وتصلي،
وتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل وتصلي، وتغتسل للفجر )).
فلما ثبت ذلك عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أن المستحاضة
لا يلزمها تجديد الطهارة لكل صلاة، وجب أن يحمل قوله عليه السلام
تتوضأ لكل صلاة على الاستحباب، وعلى أنَّه هو الأفضل كما ذهب إليه
يحيى، وحكيناه نحن في صدر هذه المسألة، أو يحمل على أنَّه أراد
لوقت كل صلاة، فقد يعبر بالصلاة عن وقتها، ألا ترى أن القائل يقول:
أتيته الظهر، يريد وقت الظهر، وأفعل كذا العصر، يريد وقت العصر.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/102.
(8/12)
وكان أبو العباس الحسني رحمه اللّه يقول: إن وضوءها ينتقض بدخول
الوقت دون خروجه خلافاً لما كان يذهب إليه أبو حنيفة، ويُخَرِّج
ذلك من قول يحيى عليه السلام في (الأحكام)(1): "وتؤخر المستحاضة
الظهر إلى أول وقت العصر، ثم تتوضأ، وتصلي الظهر والعصر معاً،
وكذلك تفعل بالمغرب والعشاء"، فكان رضي اللّه عنه يقول: لولا أن
مذهبه عليه السلام أن وضوءها ينتقض بدخول الوقت، لم يأمرها
بتأخير(2) الظهر إلى أول وقت العصر، بل كان يقول: إنها تتوضأ
للظهر، ثم تصلي العصر إذا دخل وقتها؛ إذ من مذهبه أن وقت العصر
يدخل مع بقاء وقت الظهر.
ووجه هذا القول ـ أيضاً ـ أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم
المستحاضة أن تؤخر الظهر وتعجل العصر، وكذلك تفعل بالمغرب(3)
والعشاء، وإياه اعتمد يحيى عليه السلام لمذهبه في جواز الجمع بين
الصلاتين للمستحاضة.
فإن قيل: الخبر الذي استدللتم به لجواز الجمع، ورد في الغسل دون
الوضوء.
قيل له: إذا ثبت بما بينا أن الفرض هو الوضوء دون الغسل، صار
الزائد على الوضوء من الغسل نفلاً، فالصلاتان وقعتا إذاً بالمفروض
الواحد من الوضوء.
فأما الأحداث اللازمة من سلس البول، وغيره، فلا خلاف أن حكمها حكم
الاستحاضة، فلا وجه لإفراد الكلام له.
ولا خلاف ـ أيضاً ـ في أن لزوجها أن يأتيها؛ ولأن المنع هو في حال
الحيض، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في دم الاستحاضة: (( إنه
ليس بحيض ))، ولأن حكمها حكم الطهر في الصلاة والصوم وقراءة
القرآن، فوجب أن لا يمتنع زوجها من وطئها.
مسألة [ في المبتدأة يزيد دمها على العشر ]
قال: والمبتدأة إذا زاد دمها على العشر رجعت إلى أكثر عادة(4)
نسائها من قبل أبيها، عماتها وأخواتها. (فإن جهلت رجعت إلى أكثر
الحيض، وهو عشر.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/76.
(2) ـ في (أ): وقت.
(3) ـ في (أ): في المغرب.
(4) ـ في (أ): عادات.
(8/13)
فقد نص يحيى عليه السلام في (الأحكام) على أنها إذا زاد دمها
على العشر رجعت إلى أكثر عادة نسائها من قبل أبيها)(1).
ودل كلامه على أنها إن جهلت عادتهن، رجعت إلى أكثر الحيض؛ لأنَّه
قال: ولسنا نؤقت لها وقتاً، لكنها لا تجاوز عشراً، فهو أكثر الحيض.
والوجه في ذلك أنَّه قد ثبت كون عادتها معتبرة، فإذا لم يكن لها
عادة تعتبر، كانت عادة نسائها أولى من غيرها قياساً على العادة لو
كانت، والمعنى أنها أخص العادات بها في المحيض، والوجه لاعتبار
أكثر عادتهن، وأكثر الحيض، أن أقل الحيض لا يكاد أن يكون عادة
للنساء، وما زاد على الأقل من الأيام لا يكون بعضها أولى بأن يرجع
إليه من بعض، فوجب الرجوع إلى الأكثر.
فإن قيل: اعتبار الأقل أولى؛ لأنَّه يقين؟
قيل له: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر باعتبار
المتيقن، في هذا الباب، وإنما أمر باعتبار العادة، ألا ترى أنَّه
صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل للمستحاضة: أُتركي الصلاة أقل أيام
حيضك(2)، (وإنما أمرها أن تدع الصلاة أيام حيضها)(3)، فأمرها أن
ترجع إلى العادة، فبان أن ما ذكرناه أولى.
مسألة [في حد الياس]
قال: وحد الإياس من الحيض ستون سنة.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام).
ومن الناس من حَدَّ ذلك بخمسين سنة (وحدنا أولى؛ لأنه قد علم في
حال كثير من النساء أنهن حضن بعد خمسين سنة)(4)، ولأن الستين أكثر
ما قيل فيه فهو أولى لأنَّه لا مانع من تجويزه فوجب أن لا يحقق
المنع منه إلا بدلالة شرعية، ولا دلالة عليه إلاَّ الإجماع.
مسألة [ما لايجوز للحائض]
قال: ولا يجوز للحائض دخول المسجد، ولا حمل المصحف، ولا قراءة
القرآن، وكذلك الجنب. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)، وروى فيه عن
جده القاسم عليه السلام: أن الحائض والجنب لا يقرآن القرآن.
__________
(1) ـ ما بين القوسين من (ج).
(2) ـ في (أ) و(ب): في أيام الحيض.
(3) ـ ما بين القوسين زيادة في (ج).
(4) ـ ما بين القوسين من (ج).
(8/14)
والوجه لمنع الحائض من دخول المسجد أن رسول اللّه صلى الله عليه
وآله وسلم أمر أسماء بنت عميس حين نفست بمحمد بن أبي بكر أن تفعل
جميع ما يفعله الحاج غير دخول المسجد الحرام، فثبت المنع من ذلك.
والنفاس والحيض في جميع الأحكام سواء، فإذا ثبت ذلك وجب المنع
للحائض والنفساء من دخول المساجد بعلة أنها مساجد، ويقاس عليه
الجنب بعلة أنَّه ممنوع من الصلاة إلاَّ بعد الغسل مع السلامة.
والمنع من حمل المصحف لقول اللّه تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلاَّ
الْمُطَهَّرُونَ}[الواقعة:79]، وهذا لا يخلو إما أن يكون خبراً، أو
نهياً، (ولا يجوز أن يكون خبراً لوقوع مخبره على خلاف الخبر، فوجب
أن يكون نهياً)(1).
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم النهي عن المسافرة بالقرآن
إلى أرض العدو لئلا يمسوه، وذلك يؤكد ما قلناه.
وأما وجه المنع للحائض والجنب من قراءة القرآن فهو:
ما حدثنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا فهد، حدثنا عمرو
بن حفص(2)، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، قال: حدثنا عمرو بن مرة، عن
عبد اللّه بن سلمة، عن علي عليه السلام، قال: كان رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم يقرأ القرآن على كل حال، إلاَّ الجنابة(3).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا محمد بن عمرو بن
يونس السوسي الثعلبي، حدثنا يحيى بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن عبد
اللّه بن سلمة، عن علي عليه السلام، قال: كان رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم يعلمنا القرآن على كل حال، إلاَّ الجنابة(4).
__________
(1) ـ ما بين القوسين من (ج) فقط.
(2) ـ في (ب) و(ج): أبي حفص.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/87.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/87.
(8/15)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا بن أبي
داود،حدثنا عبد اللّه بن يوسف، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن موسى بن
عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه
وآله وسلم: (( لا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن ))(1).
مسألة [ في الوطء أيام الحيض، وما ذيستحب للحائض ]
قال: ولا يأتيها زوجها في فرجها أيام حيضها، ولا بعد تصرمه حتى
تغتسل. قال: وقال القاسم عليه السلام: فإن فعل أجزته التوبة
والاستغفار، وله أن يأتيها فيما دون الفرج.
ويستحب لها في أوقات الصلاة أن تتطهر، وتستقبل القبلة وتسبح وتهلل،
ويستحب لها أن تكحل عينيها، وتمشط شعرها، ولا تعطل نفسها.
ما ذكرناه من المنع من وطئ الحائض إلى تصرم حيضها قبل أن تغتسل،
ولزوجها أن يأتيها فيما دون الفرج، منصوص عليه في (الأحكام)
و(المنتخب)(2).
وما(3) حكيناه عن القاسم عليه السلام في أن التوبة تجزيه من وطئ
الحائض منصوص عليه في (مسائل النيروسي).
وما ذكرناه من الاستحباب للحائض منصوص عليه في (الأحكام).
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/88.
(2) ـ انظر المنتخب ص29.
(3) ـ في (أ): وبما.
(8/16)
فأما تحريم وطء الحائض، فلا خلاف فيه بين المسلمين، وقد نطق به
ظاهر القرآن حيث يقول سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ
قُلْ هَوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ..} الآية[البقرة:222]،
وقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
يَطْهُرْنَ}[البقرة:222]، يدل على أن الحائض إذا تصرم حيضها، لم
يحل وطأها حتى تغتسل، وذلك أن الآية قد قرأت بالتشديد والتخفيف
جميعاً، والقراءتان في أنَّه يجب الأخذ بموجبهما كالروايتين(1)،
فإذا ثبت وجوبهما، فإما أن تستعملا على التخيير، أو على الجمع،
وإذا بطل التخيير بالإجماع بأنه لو كان كذلك، لحل وطؤها إن(2)
اغتسلت، وإذا لم ينقطع الحيض، فلم يبق إلاَّ وجوب استعماله، على
الجمع على ما نذهب إليه.
ومما يدل على ذلك ـ مع أن القراءة بالتخفيف ـ أن التحريم حصل
منوطاً بغايتين إحداهما الطهر، والآخر التطهر؛ لأنَّه تعالى قال:
{وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فِإِذَا تَطَهَّرْنَ
فَآتُوهُنَّ}[البقرة:222]، فلا يرتفع المنع إلاَّ بحصولهما معاً،
ألا ترى أن من قال لامرأته: أنت طالق إذا(3) دخلت الدار فصليت لم
تطلق حتى يقع منها دخول الدار والصلاة جميعاً.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون قوله: {حَتَّى يَطْهُرْنَ}، هو الحد
الذي انتهى إليه الحظر، وما بعده تأكيد له.
__________
(1) ـ في (ب) و(ج): كالآيتين.
(2) ـ في (أ): وإذا.
(3) ـ في (أ): إن.
(8/17)
قيل له: هذا إنما يكون كذلك لو كان الكلام، انقطع بعده، فأما
إذا اتصل بغيره، فمجموعهما الحد الذي انتهى إليه الحظر، وهذا مثل
قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ
حَتَّى تَنْكِحَ زَوجاً غَيْرَهُ فِإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا}[البقرة:230]، فلم يُحل لهما
التراجع إلاَّ بحصول الشرطين اللذين هما نكاح(1) زوج آخر، وطلاقه
لمَّا تعلق الحكم بهما، وجُعلا غايتين له، على أن المخالف لنا في
هذا ليس ينكر أن من كانت أيامها دون العشر، فانقطع حيضها، فلا يحل
لزوجها وطؤها قبل الغسل، إذا لم يمض عليها وقت صلاة (بعد تصرم
الحيض، فنحن نقيس عليها التي مضى عليها وقت الصلاة)(2)، أو تكون
أيامها عشراً؛ لعلة أنها لم تغتسل من حيضها من غير تعذر الغسل مع
القدرة عليه، فوجب أن لا يحل وطؤها، وتعليلهم بمن مضى عليها وقت
الصلاة بأنَّه قد حصل لها ما ينافي الحيض، وهو وجوب الصلاة؛ إذ
الوجوب عندنا بآخر الوقت ينتقض بوجوب الغسل؛ لأن وجوب الغسل ينافي
الحيض، وفرقهم بين الغسل والصلاة بأن الغسل يوجب(3) الحيض دون
الصلاة لا معنى له، ولا فرق مع وجود العلة.
فإن قيل: المانع من الوطء كان هو الحيض، فلما ارتفع الحيض زال
المانع(4).
قيل لهم: نحن قد بينا أن إباحة الوطئ بعد المنع تعلق بأمرين، فلا
معنى لقولهم: لما ارتفع الحيض، زال المنع، على أن الأمر فيه لو كان
على ما قالوا، لوجب أن يحل وطء من تصرم حيضها قبل العشر، وإن لم
يخرج وقت الصلاة، ولم تغتسل، والأمر عندهم بخلاف ذلك، فبان سقوط
سؤالهم.
وأما وجه قول القاسم عليه السلام أن من وطئ امرأته في الحيض أجزته
التوبة والاستغفار، فهو:
__________
(1) ـ في (أ): حصول نكاح.
(2) ـ ما بين القوسين من (ج) فقط.
(3) ـ في (ب) و(ج): موجب.
(4) ـ في (ب): المنع.
(8/18)
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني رحمه الله، قال: أخبرنا علي بن
محمد الروياني، والحسين بن أحمد البصري، قال علي: أخبرني، وقال
الحسين: حدثني الحسين بن علي بن الحسين، حدثنا زيد بن الحسين، عن
أبي بكر بن أبي أويس، عن ابن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه
السلام، أنَّه(1) كان يقول في الذي يأتي امرأته وهي حائض:" و عاجز
لا كفارة عليه، إلاَّ الاستغفار".
وأخبرنا أبو العباس الحسني، أخبرنا محمد بن بلال، حدثنا محمد بن
عبد العزيز، حدثنا محمد بن جميل، حدثنا إسماعيل بن صبيح، عن عمرو،
عن ليث، عن مجاهد، قال: أقبل رجل حتى قام على رأس علي عليه السلام،
فقال: إني أتيتها وهي على غير طهر، فما كفارته؟ فقال علي عليه
السلام: "انطلق فوالله ما أنت بصبور، ولا قذور، فاستغفر اللّه من
ذنبك، ولا تعد لمثلها، ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم".
فإن قيل: إن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أمر الواطئ في
الحيض أن يتصدق بدينار، أو نصف دينار.
قيل له: قد روي يتصدق بدينار أو بنصف دينار. وروي: يتصدق بدينار،
فإن لم يجد فبنصف دينار. وهذه التقديرات تتدافع فلا يجوز أن يكون
طريقها، الوجوب بل يجب أن يكون طريقها الاستحباب.
وأما ما يدل عل أن للرجل أن يأتي امرأته وهي حائض فيما دون الفرج:
فما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يباشر
نساءه وهن حِيَّض في إزار واحد )).
وما روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (( افعلوا
كل شيء بالحائض، ما خلا الجماع )).
وأما الاستحباب التي ذكرنا من استقبال القبلة في أوقات الصلاة
والتطهر والتسبيح والتهليل إلى غير ذلك؛ فلأن جميع ذلك مندوب إليه،
والحيض لم يمنع من ذلك، فوجب أن يكون على ما كان عليه، وليكون ـ
أيضاً ـ فرقاً بين المسلمة والكافرة في أوقات العبادات.
__________
(1) ـ في (أ): أنه قال.
(8/19)
باب القول في النفاس
أكثر النفاس أربعون يوماً، وأقله لا حد له، فإن زاد الدم على
الأربعين، فهو استحاضة. وقد نص يحيى عليه السلام في (الأحكام)(1)
على أن ما زاد على الأربعين من الدم فهو استحاضة، وهو صريح بأن(2)
أكثر النفاس أربعون يوماً، ودل فيه على أن أقله لا حد له.
والذي يدل على ذلك:
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، أخبرنا عيسى بن محمد العلوي،
حدثنا محمد بن منصور، حدثنا عبَّاد بن يعقوب، عن المحاربي، عن سلام
بن سليم، عن حميد الطويل، عن أنس، قال: قال رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم: (( تقعد النفساء أربعين يوماً، إلاَّ أن ترى الطهر
قبل ذلك )).
وأخبرنا أبو العباس الحسني، أخبرنا عبد الرزاق بن محمد، حدثنا
الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن عقبة السدوسي، أخبرنا يونس بن أرقم
الكندي، حدثنا محمد بن عبد الله، عن زيد بن علي، عن مسة الأزدية،
قالت: قلت لأم سلمة: هل كنتن سألتن رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم عن النفساء، كم تجلس في نفاسها؟ قالت: نعم سألناه، فقال رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( تجلس أربعين ليلة، إلاَّ أن ترى
الطهر قبل ذلك )).
وأخبرنا أبو العباس الحسني، حدثنا ابن أبي حاتم، حدثنا أبو سعيد
الأشج، حدثنا شجاع بن الوليد السكوني، عن علي بن عبد الأعلى، عن
أبي سهل، عن كثير بن زياد، عن مسة الأزدية، عن أم سلمة، قالت: كانت
النفساء تجلس على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أربعين
يوماً، وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف.
فقد دلت هذه الأخبار على أكثر ما تجلس النفساء، وعلى أن الأقل غير
محدود؛ إذ في الخبرين المتقدمين: (( إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ))
فأشار إلى رؤية الطهر من غير اعتبار الدم المتقدم عليه.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/75.
(2) ـ في (ب) و(ج): لأن.
(9/1)
يوضح ما قلناه أن المقادير التي هذه سبيلها لا تؤخذ إلاَّ عن
التوقيف، أوالإجماع، ولا توقيف فيما زاد على الأربعين، ولا إجماع
فوجب سقوط القول به.
مسألة [ في حكم الدم إذا انقطع ثم عاد في الأربعين ]
قال: ولو أن امرأة نفست وطهرت، ثم عاودها الدم في الأربعين فهو
نفاس، فإذا كان الذي تخلل بين الدمين طهراً صحيحاً، فالدم الثاني
ليس بنفاس، وهو حيض، أو استحاضة، على ما تدل عليه العاقبة، فإن(1)
لم يكن طهراً صحيحاً، كان الأربعون نفاساً.
قد نص في (المنتخب)(2) على أن معاودة الدم في الأربعين لا تخرج
الطهر من أن يكون طهراً صحيحاً، ونص فيه(3) على أن الدم الثاني
يكون حيضاً.
وقلنا: إنَّه يجوز أن يكون استحاضة تخريجاً؛ لأن مذهبه أن الدم في
وقت الإمكان يجوز أن يكون حيضاً، ويجوز أن يكون استحاضة.
والذي يدل على أن الدم المعاود بعد طهر صحيح لا يكون نفاساً قول
النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( تقعد النفساء أربعين يوماً،
إلاَّ أن ترى الطهر قبل ذلك ))، فاستثنى رؤية الطهر من النفاس،
فوجب أن لا يحكم لها بالنفاس بعد الطهر.
فإن قيل: إن الدم المعاود في مدة أكثر الحيض يكون حيضاً، فكذلك
الدم المعاود في مدة أكثر النفاس يجب أن يكون نفاساً؟
قيل له: إنما وجب في الدم المعاود في مدة أكثر الحيض أن يكون
حيضاً، لتعذر حصول الطهر الصحيح فيها، ألا ترى أن أكثر الحيض عشر
عندنا وهو عندنا أقل الطهر، وإذا كان ذلك كذلك لم يجب أن يكون سبيل
النفاس في هذا سبيل الحيض فأما إذا عاود الدم في الأربعين بعد طهر
يكون دون العشر، فيجب أن يكون نفاساً؛ لأن ذلك ليس بطهر شرعي؛ إذ
قد ثبت أن أقل الطهر عشر.
__________
(1) ـ في (أ) و(ب): وإن.
(2) ـ انظر المنتخب ص29.
(3) ـ لم أجد في المنتخب نصاً بذلك.
(9/2)
وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( إلا أن ترى الطهر قبل
ذلك )) محمول على الطهر الشرعي؛ لأن ألفاظ النبي صلى الله عليه
وآله وسلم يجب أن تحمل على ما يقتضيه الشرع، فإذا ثبت أن الَّتِي
ترى النقاء دون العشر، لا تكون رأت الطهر، فيجب أن يكون حكمها حكم
النفاس.
مسألة [ في المرأة إذا ولدت توأمين فنفاسها من مولد الأخير ]
ولو أن امرأة ولدت توأمين، كان النفاس من مولد الأخير منهما
تخريجاً.
وكان أبو العباس الحسني رضي اللّه عنه يُخرِّج ذلك على مذهب يحيى
عليه السلام؛ لأنَّه قال(1): لا يجتمع حبل وحيض، وقال في موضع آخر
من (الأحكام): "الحيض والنفاس واحد في المعنى"(2).
واستدل على ذلك بما أخبرنا به أبو العباس الحسني، أخبرنا ابن أبي
حاتم، حدثني الحسن بن عرفة، حدثنا إسماعيل بن علية، عن هشام
الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زينب ابنة أم
سلمة، عن أم سلمة، قالت: بينا أنا ورسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم في الخميلة؛ إذ حضت، فانسللت، فأخذت ثياب حيضي، فقال رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم (( أنفست ))؟ قلت: نعم، فدعاني إليه
إلى الخميلة.
فإذا ثبت أن الحيض والنفاس في المعنى واحد، وثبت أن الحيض لا يجامع
الحبل، ثبت أن النفاس لا يجامعه، وإذا ثبت ذلك وولدت المراة ولداً
وبقي في الرحم آخر، فالمرأة حامل بعد، وإذا كانت حاملاً، لم يكن
ذلك منها نفاساً كما لا حيض، فوجب بهذا أن يكون النفاس من مولد
المولود الأخير.
مسألة [ في المرأة إذا أسقطت ]
قال: وإن أسقطت ما بان بعض خلقه كالمضغة، ونحوها فهي نفساء، وإلا
فلا.
__________
(1) ـ انظر المنتخب ص29.
(2) ـ الأحكام 1/75.
(9/3)
وهذا يخريج على قوله في (المنتخب)(1) في باب تحريم بيع أمهات
الأولاد: أن الأمة تصير أم ولد "إذا أسقطت ما علم أنه شيء تضمنته
الرحم من مضغة، أو شيء علم أنَّه لحمة"، فلما أجري ذلك مجرى السقط،
وأثبت الأمة بذلك أم ولد يجب(2) أن تصير المرأة لذلك نفساء، ولا
تصير بغيره من العلل نفساء.
والذي يدل على ذلك أنها إذا أسقطت ما ذكرنا يعلم أنَّه ولد، فإذا
أسقطت ما لم يعلم عن شيء من خلقه، لم يمكن أنَّه شيء اشتمل عليه
الرحم لولادة؛ إذ يجوز أن يكون دماً، أو علة، فوجب أن تصير المرأة
بإسقاط ما ذكرنا نفساء، (ولا تصير بغيره من العلل نفساء)(3).
مسألة [ في أن الحيض والنفاس في المعنى واحد ]
وحكم النفاس كحكم الحيض، تتجنب النفساء ما تتجنبه الحائض، ويستحب
ويكره لها ما يستحب ويكره لها، وعليهما قضاء ما تركتا من الصيام
دون الصلاة.
وقد دل على هذه الجملة في (الأحكام)(4) بقوله: "الحيض والنفاس في
المعنى واحد"، وهذه الجملة مما لا أحفظ فيها خلافاً بين العلماء.
__________
(1) ـ المنتخب ص225.
(2) ـ في (أ): فيجب.
(3) ـ ما بين القوسين من (أ).
(4) ـ الأحكام 1/75.
(9/4)
كتاب الصلاة
باب القول في الأذان
الأذان واجب على الكفاية. وقد نص يحيى عليه السلام في (المنتخب)(1)
على أنَّه (واجب).
وقلنا: إنَّه على الكفاية لِما ثبت من مذهبه أنَّه لا يجب الأذان
على كل إنسان؛ إذ قد نص على أن النساء ليس عليهن أذان(2)، وذكر
أنَّه يجوز أن يؤذن للقوم غير من يُقيم لهم إذا اضطروا، فجعل مؤذن
القوم غير مقيمهم، فدل أنَّه لا يوجبه على كل مصلٍ.
واستدل أصحابنا على وجوبه بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا
الَّذِيْنَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِيْنَ اتَّخَذُوا
دِيْنَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً} إلى قوله: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ
إِلَى الصَّلاةِ...}الآية.
وروي أنهم كانوا إذا سمعوا الأذان قالوا: أذنوا لا أذنوا.
فدل ذلك على أن الأذان من الدين، فثبت بذلك وجوبه، ويدل على ذلك
أيضاً:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي(3)، حدثنا أبو أمية،
حدثنا المعلى بن منصور، أخبرنا عبد السلام بن حرب، عن أبي العميس،
عن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه، عن جده، أنَّه
أُرِيَ الأذان فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلالاً فأذن،
ثُمَّ أمر عبد الله فأقام، والأمر يقتضي الوجوب، فدل ذلك عل ما
ذكرناه بوجوب الأذان.
وأخبرنا أبو بكر، حدثنا الطحاوي، حدثنا مبشر بن الحسن، حدثنا أبو
عامر العَقَدي، حدثنا شعبة، عن خالد الحذَّاء، عن أبي قلابة، عن
أنس، قال: أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة(4).
وروى ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن خالد، عن أبي قلابة،
عن مالك بن الحويرث، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعي
ابن عم لي، فقال لي: (( إذا سافرتما، فأذنا، وأقيما، وليؤمكما
أكبركما )).
__________
(1) ـ المنتخب ص30.
(2) ـ الأحكام 1/87.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/142.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/142.
(10/1)
فكل ذلك يقتضي الإيجاب، وأن قد أجمعوا على أن كل إنسان غير
مخاطب به في نفسه على الانفراد، ثبت أن وجوبه على الكفاية كالجهاد،
ودفن الميت وما أشبههما.
مسألة [ في وقت الأذان ]
قال: ولا يجوز أن يؤذن لصلاة من الصلوات الخمس قبل دخول وقتها. وقد
نص على ذلك في (الأحكام)(1).
واستدل بما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد، عن الأشعث، عن
الحسن، قال: أذن بلال بليل فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن
ينادي: أن العبد نام. فرجع فنادى أن العبد نام وهو يقول:
ليت بلالاً ثكلته أمه ... وابتلَّ من نضح دمِ جبينه
قال: وبلغنا أنَّه أمره أن يعيد الأذان.
وروى ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن جعفر بن الزبرقان، عن شداد مولى
عياض بن عمرو بن عامر، عن بلال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم،
قال: (( لا تؤذن حتى ترى الفجر هكذا ))، ومد يده.. أي معترضاً.
والنهي يدل على أن المنهي عنه لا يقع موقع الصحيح، فدل الخبر على
أن الأذان قبل طلوع الفجر لا يقع موقع أذان الفجر.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثا فهد، حدثنا محمد بن
سعيد الأصفهاني، أخبرنا شريك، عن علي بن علي، عن إبراهيم، قال:
شيعنا علقمة إلى مكة، فخرج بليل فسمع مؤذناً يؤذن بليل، فقال: "أما
هذا فقد خالف سنة أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لو كان
نائماً لكان خيراً له، فإذا طلع الفجر أذن"(2).
فأخبر علقمة أن ذلك خلاف سنة أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم،
فدل ذلك على أنهم أجمعوا على خلافه.
فإن قيل: روي: (( أن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن
أم مكتوم )).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/86.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/141 ـ 142.
(10/2)
قيل له: لسنا نمنع الأذان قبل طلوع الفجر، لكن لا يجوز أن يعتد
به للفجر، وفي الحديث: ((كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم )).
فقد بان أن الاقتصار على الأذان بليل لا يجوز، على أنَّه قد روي ما
يدل على أن أذان بلال لم يكن للصلاة، وهو أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم ، قال: (( إن بلالاً يؤذن بليل؛ ليرجع قائمكم، ويوقظ
نائمكم، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم )).
فإن قيل: فما الوجه فيما روي أن بلالاً أُمِرَ بإعادة الأذان حين
أذن قبل الفجر، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (( لا
تؤذن حتى يستبين لك الفجر )). ثُمَّ روي عنه صلى الله عليه وآله
وسلم (( إن بلالاً يؤذن بليل ))؟
قيل له: يجوز ما روي أولاً من أمره بإعادة الأذان، ونهيه عنه قبل
الفجر كان حين كان هو المنصوب لتأذين الفجر، ويدل على ذلك أنَّه
كان في أول الأمر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم له: (( ناد:
إن العبد نام )). فبان أن الناس لم يكونوا عهدوا النداء قبل الفجر،
فخاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخطئ قوم فيصلوا قبل الفجر.
فأما ما روي أن بلالاً يؤذن بليل فيجوز أن يكون النبي صلى الله
عليه وآله وسلم قال ذلك؛ لأنَّه كان نصب لتأذين الفجر ابن أم
مكتوم.
فإن قيل: إذا سُلم لنا أن الأفضل هو التغليس بالفجر، فلا بد من أن
يقع الأذان قبل الفجر؟
قيل له: ليس الأمر على ما قدرت؛ لأن الأذان وإن وقع بعد طلوع
الفجر، فإن القدر الذي يتأهب الإنسان فيه للصلاة لا يخرجه من أداء
الصلاة في الغلس، على أن الأذان إنَّما هو دعاء إلى الصلاة لا إلى
الاستعداد، فلا يجب أن يتقدم على وقت الصلاة، على أن من أراد
الأفضل يمكنه أن يستيقظ قبل الفجر، ويستعد حتى يصادف الوقت مستعداً
كما يفعله المؤذن نفسه، فبان بهذه الوجوه أنَّه لا معنى لتعلقهم
بما تعلقوا به.
(10/3)
ويدل على ذلك أنَّه لا خلاف في أن سائر الصلوات سوى الفجر لا
يجوز أن يؤذن لها قبل وقتها، فكذلك الفجر قياساً على سائر الصلوات؛
بعلة أنَّه أذان جعل دعاء إلى الصلاة فلا يجوز أن يتقدم على وقتها
(ونبه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على هذه العلة بقوله: (( إن
بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم، فكلوا واشربوا حتى
يؤذن ابن أم مكتوم ))، فنبه على أن أذانه لما لم يكن للصلاة قدم
على وقتها)(1).
وحكي عن الشافعي أنَّه ترك القياس في هذه للسنة، وذلك لا معنى له؛
لأن السنة قد شهدت بصحة ما قلناه، وعضدها القياس على ما بيناه،
وليس لأحد أن يستدل على ذلك بفعل أهل المدينة؛ لأنَّه لم يثبت أنهم
حجة، بل هم كغيرهم، على أن ما بيناه عن علقمة أنَّه قال حين سمع
الأذان قبل الفجر: هذا قد خالف سنة أصحاب محمد صلى الله عليه وآله
وسلم، يبين أن فعل أهل المدينة في هذا الباب خلاف السنة.
مسألة [ في آذان الأعمى والمملوك وولد الزنى ]
قال: لا بأس بأذان الأعمى، والمملوك، وولد الزنا، إذا كانوا من أهل
الدين. وهذا منصوص عليه فيه في (الأحكام)(2).
يبين صحة ذلك ما ثبت أن ابن أم مكتوم كان أعمى، وكان يؤذن للنبي
صلى الله عليه وآله وسلم، ويعتد بأذانه، فكون الرجل مملوكاً، أو
ولد زنا لا تأثير له في هذا الباب، فوجب أن يكون سبيلهما في ذلك
سبيل سائر المسلمين، وإنما اشترطنا أن يكونوا من أهل الدين ليكونوا
من أهل المعرفة بالأوقات، ولتجوز الثقة بهم وبأذانهم، وليس يتخصص
به الأعمى، وولد الزنا، والمملوك، فإن غيرهم ـ أيضاً ـ يجب أن
يكونوا من أهل الدين ليُسكن إلى أذانهم، على أن من لم يكن بهذه
الصفة، فلسنا نمنع الاعتداد بأذانه، إذا كان من أهل الملة، إلاَّ
أن الأولى ما ذكرنا.
مسألة [ ويجوز أن يقيم غير المؤذن للحاجة ]
__________
(1) ـ ما بين القوسين زيادة في (ج).
(2) ـ انظر الأحكام 1/87.
(10/4)
قال: ولا بأس أن يقيم للقوم غير مؤذنهم إن اضطروا. وهذا أيضاً
منصوص عليه في (الأحكام)(1)، والوجه(2):
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا يونس، أخبرنا
عبد الله بن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن زياد، عن زياد بن نعيم،
أنَّه سمع زياد بن الحارث الصدائي يقول: أتيت رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم فلما كان أذان الصبح أمرني فأذنت(3)، ثُمَّ قام إلى
الصلاة، فجاء بلال يقيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
(( إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم ))(4).
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن الشيباني، عن عبد العزيز
بن رفيع، قال: رأيت أبا محذورة جاء ـ وقد أذن إنسان ـ فأذن هو،
وأقام، فدل على أن إعادته الأذان حين أراد الإقامة على أنَّه يكره
أن يقيم إلاَّ من أذن.
وروي أن ابن أم مكتوم كان يؤذن، ويقيم بلال، وربما أذن بلال، وأقام
ابن أم مكتوم.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بلالاً أن يؤذن،
ثُمَّ أمر عبد الله، فأقام ـ يعني عبد الله بن زيد الأنصاري ـ وقد
تقدم إسناده قبل هذه المسألة، فحملنا هذه الأخبار على الاضطرار،
ليكون ذلك جمعاً بين الأخبار والآثار(5).
مسألة [ في كلمات الأذان ]
قال: والأذان خمس عشرة كلمة، يقول المؤذن: (الله أكبر، الله أكبر .
أشهد أن لا له إلاَّ الله، أشهد أن لا إله إلاَّ الله. أشهد أن
محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. حي على الصلاة، حي
على الصلاة. حي على الفلاح، حي على الفلاح. حيّ على خير العمل، حي
على خير العمل. الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلاَّ الله).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/87.
(2) ـ في (ج): والوجه فيه.
(3) ـ في (ب) و(ج): فغادرت.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/142.
(5) ـ في (ب): جمعاً بين الأخبار. وكتب في الهامش في نسخة الآثار.
(10/5)
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) و(المنتخب)(1)، وهذا الذي ذكرناه
قد اختلف فيه في خمسة مواضع منه.
[1] ذهب بعض الناس إلى أن التكبير في أول الأذان أربع مرات، ومذهب
يحيى عليه السلام أنَّه مرتان.
[2] وذهب بعض الفقهاء إلى الترجيع في الشهادتين، ولم ير ذلك عليه
السلام، ولا أحد من أهل البيت عليهم السلام.
[3] ومذهب يحيى عليه السلام وعامة أهل البيت عليهم السلام التأذين
بحي على خير العمل، وخالفهم على ذلك سائر الفقهاء، ولم يروا
التأذين به.
[4] وذهب أكثرهم إلى التأذين بالصلاة خير من النوم، ولم يرَ يحيى
عليه السلام ولا عامة أهل البيت عليهم السلام ذلك.
[5] وذهب يحيى عليه السلام إلى أن التهليل في آخر الأذان مرة
واحدة، ومذهب الناصر عليه السلام، والأمامية أنه مرتان.
[التثنية في التكبير والترجيع في الشهادتين]
فالذي يدل على أن التكبير في أول الأذان مرتان:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا أبو بكرة،
حدثنا أبو عاصم، حدثني ابن جريج، أخبرني عثمان بن السائب، أخبرني
أبي، عن عبد الملك ابن أبي محذورة، عن أبي محذورة، قال: علمني رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم الأذان كما أُأَذِّن الآن، الله
أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلاَّ الله، أشهد أن لا إله إلاَّ
الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. حي على
الصلاة، حي على الصلاة. حي على الفلاح حي على الفلاح. حي على خير
العمل، حي على خير العمل. الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلاَّ
الله(2).
__________
(1) ـ الأحكام 1/84. والمنتخب ص30.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/130، إلا أن فيه:
أخبرني أبي وأم عبد الملك بن أبي محذورة، وفيه: كما تؤذنون الآن.
(10/6)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا أحمد بن داود(1)
بن موسى، حدثنا يعقوب بن حميد بن محاسب، حدثنا عبد الرزاق، عن
معمر(2)، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن بلال أنَّه كان يثني
الأذان، ويثني الإقامة(3).
والأخبار بهذا اللفظ، وما يرجع إلى معناه كثير، والخبر الأول ـ خبر
أبي محذورة ـ قد صرح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علَّمه
الأذان، فقال: الله أكبر مرتين، والخبر الثاني قد اقتضى ذلك،
عمومه(4) بأنه قد كان يثني الأذان.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا هشام، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن
المهيع(5) بن قيس، أن علياً عليه السلام، كان يقول: (أنَّ الأذان
مثنى مثنى، والإقامة).
وأخبرنا أبو العباس الحسني، أخبرنا أبو زرعة أحمد بن يوسف، حدثنا
محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا زكريا بن يحيى الواسطي، حدثنا
زياد بن عبد الله الطائي، عن إدريس بن يزيد(6) الأودي، عن عون(7)
بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: أذن بلالٌ ـ ورسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم بمنى ـ، مرتين، وأقام كذلك.
فإن قيل: فقد روي أن التكبير في أول الأذان أربع مرات، وقد ذكر أبو
محذورة في أذانه الذي علمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الترجيع.
قيل له: يحتمل الترجيع، وتكرير التكبيرتين أن يكون النبي صلى الله
عليه وآله وسلم قال ذلك على سبيل التعليم، أو قال ذلك بأنه لم يكن
مد صوته، ألا ترى إلى ما روي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم، قال
له: (( ارجع فيه، ومد صوتك ))، فإذا احتمل ذلك، وكان قد روي ما
تقدم ذكره، لم يجب أن يجعل تكرير التكبيرتين، وترجيع الشهادتين من
أصل الأذان، فصح ما نذهب إليه في هذا الباب.
__________
(1) ـ في (أ): ابن أبي داود.
(2) ـ في (ب): ابن معمر.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/134.
(4) ـ في (أ): وعمومه
(5) ـ في (ب) و(ج): الهجنع.
(6) ـ في (ب) و(ج): زيد.
(7) ـ في (أ): عوف.
(10/7)
على أن القياس يصحح ما نذهب إليه؛ لأنَّه لا خلاف في غيرها من
كلمات الأذان، أنها لا تكرر أكثر من مرتين على الولاء، والإقامة
أيضاً تشهد لنا بصحة ما ذكرناه.
وقد قاس المخالف لنا التكبير على التهليل، فقال: لما ذكر التهليل
في موضعين من الأذان، وجب أن يكون في الموضع الأول ضعف ما في
الموضع الثاني، وكذلك التكبير؛ لأنَّه ذكر في موضعين من الأذان،
إلاَّ أن قياسنا أولى؛ لِما ذكرناه من الأخبار؛ ولأنَّ أكثر كلمات
الأذان أصلٌ لما ذكرناه.
ويمكن أن يقاس التكبير المبتدأ به على التكبير الذي في آخر الأذان.
وروي عن عمار بن سعد، عن أبيه سعد القرظي أنَّه سمعه يقول: إن هذا
الأذان أذان بلال الذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وإقامته، وهو: الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلاَّ الله،
أشهد إلاَّ إله إلاَّ الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن
محمداً رسول الله. [حي على الصلاة، حي على الصلاة. حي على الفلاح،
حي على الفلاح. حي على خير العمل، حي على خير العمل](1) إلى آخره،
وكل ذلك يؤكد ما نذهب إليه.
والأذان المروي عن سائر مؤذني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
بغير ترجيع، يصحح ما نذهب إليه من ترك الترجيع، ويبين أن التأويل
فيما روي من الترجيع ما ذهبنا إليه.
[التأذين بحي على خير العمل]
وأما التأذين بحي على خير العمل، فالدليل على صحته:
ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، أخبرنا علي بن الحسين الظاهري،
حدثنا محمد بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا عبَّاد بن يعقوب، أخبرنا
عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليهم السلام،
حدثني أبي عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: (( إن(2) خير أعمالكم الصلاة
))، وأمر بلالاً أن يؤذن بحي على خير العمل.
__________
(1) ـ ما بين المعكوفين زيادة في (أ).
(2) ـ في هامش (أ): اعلم أن.
(10/8)
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حاتم، بن إسماعيل، عن جعفر(1)،
عن أبيه، ومسلم بن أبي مريم، أن علياً بن الحسين عليه السلام كان
يؤذن، فإذا بلغ حي على الفلاح قال: حي على خير العمل، ويقول هو
الأذان الأول.
وليس يجوز لأحد أن يحمل قوله: هو الأذان الأول سوى(2) أذان رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأخبرنا أبو العباس الحسني، أخبرنا محمد بن علي بن الحسن الصباغ،
ويوسف بن محمد الكسائي، وأحمد بن سعيد بن عثمان الثقفي، قالوا:
أخبرنا عمار بن رجاء، حدثنا أزهر بن سعد، عن ابن عون، عن نافع، عن
ابن عمر، أنَّه كان يقول في أذانه: حي على خير العمل.
وروى ابن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا عبيد(3)، عن نافع، قال:
كان ابن عمر ربما زاد في أذانه: حي على خير العمل.
[التأذين بالصلاة خير من النوم]
فأما التأذين بالصلاة خير من النوم، فالذي يدل على أنَّه ليس من
الأذان:
ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا عبده بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن
رجل يقال له: إسماعيل، قال: جاء المؤذن يُؤذن عمر بصلاة الفجر،
فقال: الصلاة خير من النوم، فأُعجب عمر بها، وأمر المؤذن أن يجعلها
في أذانه، فدل ذلك على أنها لم تكن في أذان رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم.
وروي عن ابن جريج، قال: أخبرنا عمر بن حفص، أن جده سعد القرظي، أول
من قال: الصلاة خير من النوم بخلافة عمر، ومتوفى أبي بكر، فقال
عمر: بدعة.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن حكيم بن
جبير، عن عمران بن أبي الجعد، عن الأسود بن يزيد، أنَّه سمع مؤذناً
يقول في الفجر: الصلاة خير من النوم. فقال: لا تزيدنَّ في الأذان
ما ليس منه.
__________
(1) ـ في (ب) و(ج): عن جعفر بن محمد.
(2) ـ في (ج): إلا أنه. في (ب): أنه، وظنن فوقها بـ إلا أنه.
(3) ـ في (ب) و(ج): عبيد الله.
(10/9)
فإن قيل: روي عن أبي محذورة، قال: كنت غلاماً صيِّتاً فقال لي
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( قل: الصلاة خير من النوم،
الصلاة خير من النوم )).
قيل له: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بذلك
لينبه الناس، لا لأنْ يجعله من الأذان، بدلالة ما روي عن عمر: إنها
بدعة، وما رُوي أنَّه أُعجب بها حين سمعها.
فإن قيل: روي عن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
علَّمه في الأذان الأول من الصبح: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير
من النوم.
قيل له: يجوز أن يكون معناه عند الأذان من الصبح ما قلناه بدلالة
ما قدمناه، وبدلالة أن الأذان الذي ذكر أبو محذورة، أن رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم علمه إياه، وليس فيه الصلاة خير من النوم،
وقد ذكرناه بإسناده في صدر هذه المسألة.
ويدل على صحة ما نذهب إليه في هذا الباب أنَّه لا خلاف في أن أذان
سائر الصلوات ليس فيه الصلاة خير من النوم، فيجب أن يكون أذان
الصبح مقيساً على ما ذكرناه، ويبين ذلك أن سائر الكلمات تتفق في
أنَّ ما يذكر في بعض الأذان، يذكر في سائره.
[تثنية التهليل في آخر الأذان]
وأما ما يبين أن التهليل في آخر الأذان مرة واحدة، فهو أنَّه
المروي عن جميع مؤذني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يرو
عن أحد منهم التثنية فيه.
وليس لأحد أن يتعلق بما روي من أن الأذان مثنى مثنى بتثنية التهليل
في آخر الأذان، وذلك أنَّه مخصوص من جملة الأذان بما ذكرناه، على
أن المخالف في هذا يقول: إن الإقامة مثنى مثنى، ومع هذا يقول:
أن(1) آخرها مرة واحدة، فبان أن التهليل(2) مستثنى من ذلك.
مسألة [ في كلمات الإقامة ]
__________
(1) ـ في (ب) و(ج): أن التهليل.
(2) ـ في (ب): التهليل في الأخير.
(10/10)
قال: وكذلك الإقامة، إلاَّ أنك تزيد ـ بعد قولك: حي على خير
العمل ـ : قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة(1). وهذا منصوص عليه في
(الأحكام)(2).
والوجه في تثنية الإقامة الأخبار التي قدمناها، منها: ما روينا عن
بلال أنَّه كان يثني الأذان، ويثني الإقامة، وأنه أذنه ـ ورسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنى ـ مرتين، وأقام كذلك.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، يرفعه إلى الهجنع(3) بن قيس، أن عليّاً
عليه السلام مرَّ على مؤذن وهو يقيم مرةً مرة، فقال: ألا جعلتها
مثنى، لا أُمَّ للآخَر.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن
عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان عبد الله بن زيد
الأنصاري مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشفع الأذان
والإقامة.
وأخبرنا أبو بكر، حدثنا الطحاوي، حدثنا أبو بكرة(4)، قال حدثنا أبو
عاصم، حدثنا ابن جريج، أخبرني عثمان بن السائب، عن أبيه، وأم عبد
الملك بن أبي محذورة، أنهما سمعا أبا محذورة يقول: علمني رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم الإقامة مثنى [مثنى](5).
فإن قيل: فقد روي عن أنس أنَّه قال: أمر بلال أن يشفع الأذان،
ويوتر الإقامة(6).
قيل له: يجب أن يكون ذلك منسوخاً بما روي أن بلالاً أقام مثنى كما
أذن مثنى. وبما روي عن أبي محذورة. وبما روي عن علي عليه السلام في
ذلك.
وما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد،
حدثنا حجاج بن أرطأة، حدثنا أبو إسحاق، قال: كان أصحاب عبد الله،
وأصحاب علي يشفعون الأذان والإقامة.
__________
(1) ـ في (أ): قد قامت الصلاة، مرتين.
(2) ـ انظر الأحكام 1/84.
(3) ـ في (أ): المهيع.
(4) ـ في (ب): أبو بكر.
(5) ـ سقطت من (أ).
(6) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/134، بهذا السند، وبسند
آخر إلى أبي محذورة.
(10/11)
وما أخبرنا أبو بكر، أخبرنا(1) الطحاوي، حدثنا يزيد بن سنان،
حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا فطر بن خليفة، عن مجاهد في
الإقامة مرة مرة: إنَّما هو شيء استخفته الأمراء. فأخبر مجاهد أن
الأصل فيه التثنية(2).
فكلها تؤيد(3) ما نذهب إليه، وإنما(4) يجوز أن تقاس الإقامة على
الأذان بمعنى أنَّه دعاء إلى الصلاة، فيجب في كل واحد منهما
التثنية. وإذ قد صح أنَّه قول علي عليه السلام، فيجب عندنا أن يتبع
فيه، ولا نخالفه.
مسألة [ في التطريب في الأذان ]
قال: ولا بأس بالتطريب في الأذان إذا كان مع البيان. وهذا منصوص
عليه في (الأحكام)(5).
والحجة فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي
محذورة: (( مد بها صوتك ))، وليس التطريب مع البيان إلاَّ أن يكون
الحسن الصوت يمد بها صوته.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( زينوا القرآن بأصواتكم،
فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسْناً ))، وإذا جاز ذلك في القرآن،
ففي الأذان أجوز.
مسألة [ في أخذ الأجرة على الأذان ]
قال: ولا يجوز أخذ الجعل عليه بشرط مشروط، فإن لم يكن مشروطً جاز.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(6).
والدليل على ذلك:
__________
(1) ـ في (ب) و(ج): حدثنا.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/136، ومنه قطر بن
خليفة.
(3) ـ في (ب) و(ج): فكل ذلك يؤكد.
(4) ـ في (ج): وأيضاً.
(5) ـ انظر الأحكام 1/85.
(6) ـ انظر الأحكام 1/85.
(10/12)
ما أخبرنا به محمد بن عثمان النقاش، حدثنا الناصر عليه السلام،
حدثنا محمد بن منصور، حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين، عن أبي خالد،
عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، أنَّه أتاه رجل
فقال: يا أمير المؤمنين، والله، إني لأحبك في الله. قال: ولكني
أبغضك في الله. قال: ولِم؟ قال: لأنك تتغنى في الأذان، وتأخذ على
تعليم القرآن أجراً، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
يقول: (( من أخذ على تعليم القرآن أجراً، كان حظه يوم القيامة )).
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل: (( أُم قومك،
واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً )).
ويدل على ذلك ـ أيضاً ـ أنا قد بيَّنا فيما تقدم أن الأذان واجب
على الكفاية، فإذا كان القيام به قيام عبادة واجبة، فيحرم أخذ
الأجرة عليه قياساً على أخذ الأجرة على أداء سائر المفروضات من
الصلاة والزكاة والجهاد، ونحو ذلك.
فإن قيل: إنكم تجوزون أن يأخذ القاضي على قضائه أجراً.
قيل له: لسنا نجيز ذلك على سبيل الأجرة، وإنما نجيز ذلك إذا شغل
نفسه بمصالح المسلمين؛ ليكون عوناً له على ما هو فيه، وسبيله سبيل
ما يعطَى الغازي يستعين به على مصالحه، لا على سبيل الأجرة.
فإن قيل: ألستم تجوزون أخذ الأجرة على بناء المسجد، وحفر القبر،
وإن كان ذلك واجباً على الكفاية؟
قيل له: نحن منعنا جواز ذلك فيما يكون عبادة، وبناء المسجد وحفر
القبر، لا يكونان عبادة، ألا ترى أنَّه قد يجوز أن يُبنى البناء
لغير المسجد، ثُمَّ يُجعل مسجداً، وقد يجوز أن يحفر لغير الميت،
ثُمَّ يُجعل قبراً، وليس كذلك الأذان؛ لأنَّه لا بد من أن يقصد به
قصد العبادة.
(10/13)
يكشف ذلك أن المشرك قد يجوز أن يُستحفر القبر، وأن يُستعمل فيما
يكون عمارة المسجد، ولا يجوز أن يكون مؤذناً، فأما ما ذهبنا إليه
من أن المؤذن يجوز له أن يأخذ ما يُعطى إذا لم يكن مشروطاً، فلا
خلاف فيه، فإنه لا يجري مجرى الأجرة، وإنما(1) يجري مجرى الإحسان
إليه كما يحسن إلى الغزاة، وأهل الفضل والدين من الفقهاء وغيرهم.
مسألة [ في الكلام أثناء الأذان والإقامة ]
قال: ويكره الكلام في الأذان والإقامة إلاَّ من ضرورة. وهذا منصوص
عليه في (الأحكام)(2).
والوجه فيه أنهما عبادتان مختصتان بالنطق، فيكره أن يقطع بينهما،
كالخطبة وسائر الأذكار، ويقوي ذلك ما استقر من عادة المسلمين أنهم
لا يتكلمون فيهما، بل يستمرون فيهما من غير أن يتخللهما ما ليس
منهما، وهي عادة لهم من أول الإسلام إلى يومنا هذا.
مسألة [ في أذان المحدث وإقامته ]
قال: ولا يجوز للمحدث أن يقيم، ولا بأس بأذانه، قال: وقال القاسم
عليه السلام: ولا(3) يؤذن الجنب. وما ذكرناه(4) أولاً منصوص عليه
في (الأحكام) (5)، وما حكاه عن القاسم عليه السلام منصوص عليه في
(مسائل النيرسي).
وذكر يحيى عليه السلام في (الأحكام)(6) العلة في منع المحدث من
الإقامة، فقال: "لأنَّه ليس بعدها إلاَّ الصلاة"، فكأنه شبهه
بالخطبة؛ لأن الخطبة لما وليتها الصلاة، لم يخطب إلاَّ المتطهر،
فكذلك الإقامة لا يقيمها إلاَّ المتطهر؛ لأن الصلاة تليها؛ ولأنه
لم يُروَ عن أحد من مؤذني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا
أكابر الصحابة أنه أقام، ثُمَّ تطهر، بل كانوا يبتدئون الصلاة حين
يفرغون من الإقامة، فبان أنهم لم يكونوا يقيمونها إلاَّ متطهرين.
__________
(1) ـ في (ج): بل.
(2) ـ انظر الأحكام 1/86.
(3) ـ في (أ): لا.
(4) ـ في (ب): ذكره.
(5) ـ انظر الأحكام 1/86.
(6) ـ الأحكام 1/86.
(10/14)
فأما وجه ما قاله القاسم عليه السلام من أن الجنب لا يؤذن فهو
أنَّه وجد الجنابة أغلظ من الحدث، ووجد الجنب ممنوعاً من دخول
المسجد، وقراءة القرآن فمنعه من الأذان؛ لأنَّ هذه أمور كلها تختص
الصلاة.
مسألة [ في الأذان والإقامة على النساء]
قال: وليس على النساء أذان ولا إقامة. وهذا منصوص عليه في
(الأحكام)(1).
والوجه في ذلك أن الأذان والإقامة أمور شرعية، ولم يستقر في الشرع
وجوبهما على النساء، إذ لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أمرهن بذلك.
وذكر أبو العباس الحسني رحمه الله في شرحه (للأحكام) أن عليّاً
عليه السلام روي عنه أن المرأة لا تُؤذن، ولا تؤم، ولا تُنْكح،
وإذا لم تؤذن لم تقم؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أنه قال: [(( من أذن فهو يقيم ))، واستدل يحيى بن الحسين عليه
السلام على ذلك بأن قال: إن الأذان هو الدعاء إلى الصلاة، وذلك
برفع الصوت، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه
قال](2): "النساء عي وعورات، فاستروا عيهن بالسكوت، وعوراتهن
بالبيوت".
فلما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يسترن بالسكوت، دل ذلك
على أن لا أذان عليهن.
واستدل أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى على ذلك بأن قال: قال
الله تعالى: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا
يُخْفِيْنَ مِنْ زِيْنَتِهِنَّ}[النور:31]، فإذا نهاهن عن إسماع
أصوات أرجلهن، فلأن(3) ينهاهن عن أن يسمعن سائر أصواتهن أولى،
فاقتضى ذلك أن لا أذان عليهن.
__________
(1) ـ الأحكام 1/87.
(2) ـ ما بين المعكوفين زيادة في (ج).
(3) ـ في (ب): كان.
(10/15)
باب القول في المواقيت
[مسألة في وقت الظهر والعصر ]
أول وقت الظهر زوال الشمس، ويتبين(1) ذلك بازدياد ظل كل منتصب بعد
انتقاصه سوى فيء الزوال. وآخر وقته حين يصير ظل كل شيء مثله، وهو
أول وقت العصر، وآخر وقته عند مصير(2) ظل كل شيء مثليه.
وقد نص في (الأحكام) على أول الظهر، وأول وقت العصر على ما ذكرناه.
وقال في باب الاستحاضة من (الأحكام)(3): تؤخر المستحاضة الظهر إلى
أول وقت العصر، ثُمَّ تصليهما بوضوء واحد، كما روي أنها تجمع
بينهما في آخر وقت الأولى، وأول وقت الأخرى. فدل ذلك على أن آخر
وقت الظهر ـ على ما بيناه ـ حين يصير ظل كل شيء مثله.
فأما أول وقت الظهر فلا خلاف فيه بين المسلمين، والأخبار التي
نذكرها من بعد في هذا الباب تدل على ذلك.
وقلنا: إن ذلك يتبين بازدياد ظل كل منتصب بعد الانتقاص؛ لأن زوال
الشمس هو أن تميل عن وسط السماء إلى ناحية المغرب، وقد علمنا أن
أطول ما يكون ظل كل منتصب إذا كانت الشمس في الأفق، وأقصر ما يكون
إذا كانت في وسط السماء، فعلى هذا إذا طلعت الشمس يكون الظل أطول
ما يكون، ثُمَّ لا يزال يتناقص إلى أن يبلغ وسط السماء، ثُمَّ إذا
زالت عن الوسط إلى أفق المغرب زاد الظل، فذلك(4) علامة زوال الشمس.
واستثنينا فيء الزوال من الظل المراعى للمواقيت؛ لأن الزوال يختلف
بحسب الأزمان والأماكن، وقد يكون في بعض الأزمنة والأمكنة فئ
الزوال أطول من ظل المنتصب، فلو لم نستثنيه من الظل، لم يصح
الاعتبار به، على أنه لا خلاف فيه بين العلماء.
واستدل في (المنتخب)(5) لصحة مذهبه في المواقيت:
__________
(1) ـ في (أ): وستبين.
(2) ـ في (ب) و(ج): وآخر وقته حين يصير.
(3) ـ انظر الأحكام 1/76.
(4) ـ في (ج): فذلك يكون.
(5) ـ المنتخب ص32.
(11/1)
بما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا يونس،
أخبرنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبد الرحمن
بن الحارث المخزومي، عن نافع بن جبير(1)، عن ابن عباس، قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( أَمَّني جبريل عليه السلام
مرتين عند باب البيت، فصلى بي الظهر حين مالت الشمس، وصلى بي العصر
حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي
العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على
الصائم، وصلى بي الظهر من الغد حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي
العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم،
وصلى بي العشاء حين مضى ثلث الليل، وصلى بي الغداة حين ما أسفر،
ثُمَّ التفت إليَّ، ثُمَّ قال: يا محمد، الوقت فيما بين هذين
الوقتين، هذا وقت الأنبياء قبلك ))(2).
__________
(1) ـ في (ج): عن نافع، عن ابن جبير.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/146 ـ 147.
(11/2)
وأخبرنا أبو بكر، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن أبي داود، حدثنا
حماد بن يحيى، حدثنا عبد الله بن الحارث، حدثنا ثور بن يزيد، حدثنا
سليمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر، قال: سأل رجل نبي
الله صلى الله عليه وآله وسلم عن وقت الصلاة؟ فقال له صلى الله
عليه وآله وسلم: (( صل معي )) فصلى مع(1) رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم الصبح حين طلع الفجر، ثُمَّ صلى الظهر حين زاغت الشمس،
ثُمَّ صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثُمَّ صلى المغرب حين
وجبت الشمس، ثُمَّ صلى العشاء قبل غيبوبة الشفق [ثم صلى الصبح
فأسفر، ثم صلى الظهر حين كان ظل الإنسان مثله، ثم صلى العصر حين
كان فيء الإنسان مثليه، ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق، ثم صلى
العشاء، قال بعضهم: ثلث الليل، وقال بعضهم: شطر الليل](2).
فلما كان اليوم الثاني دعاه فصلى صلاة الصبح، فلما انصرف، قال
القائل: طلعت الشمس أم لا؟ ثُمَّ أخر الظهر إلى أول وقت العصر أو
قريباً منه، وأخر العصر والقائل يقول: غربت الشمس أم لا؟ ثُمَّ أخر
المغرب إلى أن قال القائل: غاب الشفق أم لا؟ وأخر العشاء إلى شطر
الليل، ثُمَّ قال: (( الوقت فيما بين هذين الوقتين ))، ثُمَّ صلى
العشاء، وقال بعضهم: ثلث الليل، وقال بعضهم: شطر الليل(3).
__________
(1) ـ سقطت (مع) من (ب) و(ج).
(2) ـ ما بين المعكوفين زيادة في (ج). وقال العلامة العجري: هكذا
في بعض نسخ شرح التجريد، وهو بهذا اللفظ في شرح معاني الآثار
للطحاوي.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/147، إلى قوله: فلما،
كأنه قال: حامد بن يحيى في سنده.
(11/3)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا فهد، حدثنا أبو
نعيم، حدثنا بدر بن عثمان(1)، حدثنا أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه،
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: أتاه سائل، فسأله عن
مواقيت الصلاة، فلم يرد شيئاً، فأمر بلالاً، فأقام الفحر حين انشق
الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً، ثُمَّ أمره فأقام الظهر
حين زالت الشمس، والقائل يقول: انتصف النهار أو لم؟ وكان أعلم
منهم، ثُمَّ أمره فأقام العصر، والشمس مرتفعة ـ حين صار ظل الإنسان
مثله، ثُمَّ أمره فأقام المغرب حين وقعت(2) الشمس، ثُمَّ أمره
فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثُمَّ أخر الفجر من الغد حتى انصرف
منها، والقائل يقول: طلعت الشمس أو كادت. ثُمَّ أخر الظهر حتى كان
قريباً من العصر، ثُمَّ أخر العصر حتى انصرف منها، والقائل يقول:
وجبت الشمس؟ ثُمَّ أخر المغرب (3) عند سقوط الشفق، ثُمَّ أخر
العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثُمَّ أصبح فدعا السائل فقال: ((
الوقت فيما بين هذين الوقتين ))(4).
فهذه الأخبار كلها قد اتفقت بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى
الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس.
ودل (5) على ذلك قول الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ
الشَّمْسِ}[الإسرا: ].
فإن قال قائل: قد قيل إن الدلوك هو الغروب؟
قيل له: قد قيل ذلك. وقيل(6) الزوال، وليسا بمتنافيين، فغير ممتنع
أن يكونا جميعاً مرادين.
فأما أن آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثله، فقد صرح به حديث
ابن عباس، وحديث جابر.
وقول من قال: إن أول وقت العصر بعد أن يصير ظل كل شيء مثله، فلا
معنى له؛ لما رويناه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك.
__________
(1) ـ في (أ): عثمان أبو حمزة.
(2) ـ في (ب) و(ج): وجبت.
(3) ـ في (ج): المغرب حتى كان.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/147، إلا أنه قال في
العصر: احمرت الشمس.
(5) ـ في (أ): ويدل.
(6) ـ في (أ): وقد قيل.
(11/4)
فإن قيل: الأخبار التي رويت في هذا الباب يحتمل أن يكون المراد
بها أنه صلى الله عليه وآله وسلم فرغ من الظهر في اليوم الثاني في
الوقت الذي كان ابتدأ العصر فيه في اليوم الأول؟
قيل له: ظاهر هذه الأخبار تنطق بخلاف ذلك؛ لأن فيها أنَّه صلى
اللّه عليه وآله وسلم صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء
مثله، وصلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، فكان
الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول هو الوقت الذي صلى فيه
الظهر في اليوم الثاني بعينه.
فإن قيل: روى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إن للصلاة أولاً وآخراً، وإن أول
وقت الظهر حين تزول الشمس، وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر ))،
فثبت بذلك أن دخول وقت العصر عند خروج وقت الظهر.
قيل له: نحن لو جعلنا هذا الحديث دلالة على صحة مذهبنا، لساغ؛ لأن
ظاهره يشهد لنا، ألا ترى أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((
وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر ))، والهاء راجعة إلى جميع صلاة
الظهر، لا إلى آخر جزء منها، فإذا صار ظاهره يدل على أن آخر وقت
صلاة الظهر بكمالها أول وقت العصر بكمالها، على أن الوجه الذي
أشاروا إليه لا يستقيم على مذهبهم؛ لأنهم لا يقولون: إن وقتاً
واحداً يشترك فيه آخر الظهر، وأول العصر، بل لا يجوز دخول وقت
العصر إلاَّ بعد خروج وقت الظهر، وهذا واضح، وما ذكرناه من أن هذا
الخبر شاهد لمذهبنا بيِّن.
فإن استدلوا بحديث أبي قتادة، قال: قال رسول لله صلى الله عليه
وآله وسلم: (( ليس في النوم تفريط، إنَّما التفريط في اليقظة، أن
تؤخر صلاة إلى وقت أخرى )). فقالوا: قد دل ذلك على أن تأخير الظهر
إلى(1) وقت العصر تفريط، وفيه أن الوقت الواحد لا يكون وقتاً لهما
جميعاً.
__________
(1) ـ في (ج): إلى أول.
(11/5)
قيل له: قد ثبت بالأخبار التي مضت أن الأوقات ثلاثة: وقت يختص
بالظهر، ووقت يختصر بالعصر، ووقت هو مشترك بينهما، وإذا كان ذلك
على ما ذكرناه، ثبت أن المراد بهذا الخبر هو أن التفريط ترك الصلاة
إلى وقت يختص بصلاة أخرى، وهذا ما لا نأباه، بل نقول به، ونذهب
إليه.
يوضح ذلك أن ذلك الوقت ـ أعني الوقت المشترك ـ لا نقول على الإطلاق
أنَّه وقت للصلاة الأخرى؛ لأنَّه يمُت إلى الصلاة الأخرى، كما يمت
إلى الصلاة الأولى؛ لأنَّه آخر وقت الأولى، وأول وقت الأخرى.
فإن قيل: فإن ابن عباس روى الخبر الذي اعتمدتموه في المواقيت، وقد
روى ليث، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: لا تفوت صلاة حتى يجيء وقت
الأخرى، فبان أن التأويل في خبر المواقيت هو الذي ذكرناه.
قيل له: قد ثبت أن جميع الصلاة غير مراد بهذا، ألا ترى أن صلاة
الفجر تفوت، وإن لم يجئ وقت صلاة أخرى، فلا يمتنع على هذا أن يكون
أراد به العصر، والعشاء الآخرة، وأراد ما ذكرناه من تأويل الخبر
الذي ذكرناه قبل هذا من مجيء وقت يختص بالصلاة الأخرى.
وجملة الأمر أن الأخبار التي اعتمدناها في هذا الباب مرجَحة على
سائر ما ذكروه من الأخبار؛ لأنها أخبار مشهورة تلقتها العلماء
بالقبول، ورجعوا في تعريف مواقيت الصلاة إليها، واعتمدوا عليها؛
ولأن المقصد فيها بيان الأوقات، وليس كذلك سائر الأخبار التي
عارضوا بها.
فإن قاسوا الظهر والعصر على الفجر، وقالوا: إن وقتهما يجب أن لا
يكون فيه اشتراك كصلاة الفجر، انتقض ذلك بالجمع بعرفات.
وإن شئنا قسنا سائر الأيام على يوم عرفة بعرفات، وقلنا لمن
يخالفنا: يجب أن يحصل الاشتراك في وقت الظهر والعصر، على أن إثبات
المواقيت بالقياس لا معنى له، إلاَّ أنا ذكرناه لاعتماد بعض
المخالفين عليه مع ضعفه.
فصل [ في الرد على من قال إن أول العصر مصير ظل الشيء مثليه ]
(11/6)
فأما من قال: إن أول وقت العصر حين يصير ظل كل شيء مثليه، [فإن
وقت الظهر ممتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه](1).
واستدل على ذلك بأن قال: إنَّما فعله النبي صلى الله عليه وآله
وسلم من تأدية الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله دلالة
على أنَّه قد نسخ ما فعله في اليوم الأول من تأدية العصر في هذا
الوقت، فلا معنى له؛ لأن هذا لا يدل على النسخ، بل يدل على أن
الوقت وقت لهما على ما بيناه، يؤيد ذلك أنَّه قد ثبت أن المقصد به
كان بيان أول الوقت وآخره، بدلالة أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم
فعل(2) ذلك بجميع الصلوات ـ يعني أداها في وقتين ـ وقال: (( الوقت
فيما بين هذين الوقتين )).
وأيضاً لا خلاف بين المسلمين أن الأخبار إذا أمكن أن يبنى بعضها
على بعض، فلا يجب أن يحمل على النسخ، فإذا ثبت ذلك، وأمكن أن تحمل
تأدية العصر في اليوم الأول في وقت أديَ في الظهر في اليوم الثاني
على أن الوقت وقت لهما جميعاً، لم يجب أن يحمل على النسخ.
ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد فعل ذلك حين
أَمَّه جبريل عليه السلام، ثُمَّ فعله حين جاء رجل يسأله عن أوقات
الصلوات، فلو كان ما فعله صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم الثاني
في المرة الأولى التي أمَّه فيها جبريل عليه السلام نسخاً؛ لِما
فعله في اليوم الأول في تلك المرة، لم يفعله صلى الله عليه وآله
وسلم بعد ذلك عند تعليمه مَن سأله عن أوقات الصلوات.
فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم إنَّه لا يمتنع أن يكون ائتمام
النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجبريل عليه السلام، وتعليمه من
سأله عن أوقات الصلاة(3)، كان في مرة واحدة فلا يلزم ما ذكرتم؟
قيل له: هذا ممتنع لوجهين:
__________
(1) ـ ما بين المعكوفين في (ج).
(2) ـ في (ج): قد فعل.
(3) ـ في (ب) و(ج): الصلوات.
(11/7)
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابتدأ التعليم في
حديث جابر، وحديث أبي موسى من صلاة الفجر إلى أن صلى الصلوات كلها
في يومين.
وفي حديث ابن عباس أن جبريل عليه السلام حين أُمَّ النبي صلى الله
عليه وآله وسلم بتعليم المواقيت، ابتدأ بصلاة الظهر(1)،[ثُمَّ
ابتدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتعليم السائل منها ـ أي من
صلاة الفجر](2)؛ ولأنه يجوز أن يعلم السائل ولم يتعلم بعد من جبريل
عليه السلام ، وإذا كان ذلك كذلك فالواجب أن تكون صلاة الظهر التي
تليها هي المفعولة بتعليم جبريل عليه السلام حين صار ظل كل شيء
مثله.
وليس كذلك في خبر جابر، وأبي موسى، بل فيه أنَّه صلى الله عليه
وآله وسلم صلى الظهر ذلك اليوم حين زالت الشمس، فصح بهذا أن
التعليم لم يكن في وقت تعليم جبريل عليه السلام للنبي صلى الله
عليه وآله وسلم(3).
__________
(1) ـ في (ج): فصلاة الفجر التي ابتدأ النبي صلى اللّه عليه وآله
وسلم بتعليم السائل منها لا بد من أن تكون الصلاة الخامسة التي أم
فيها جبريل عليه السلام صلى اللّه عليه وآله وسلم؛ لأنه لا...
(2) ـ ما بين المعكوفين ساقط من (ج).
(3) ـ في (أ) و(ب): عليه السلام حين أم بالنبي صلى اللّه عليه وآله
وسلم.
(11/8)
[والوجه الثاني: أن في خبر ابن عباس: أن جبريل عليه السلام حين
أمَّ بالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم صلى المغرب](1)، وصلى المغرب
في الليلة الثانية حين أفطر الصائم كما كان صلاها في الليلة
الأولى، وفي حديث جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم صلى المغرب ـ حين علم السائل في الليلة الثانية ـ قبل غيبوبة
الشفق، في الوقت الذي ذكر أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم صلى فيه
العشاء في الليلة الأولى، وكذلك في خبر أبي موسى أن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم صلى المغرب في الليلة الثانية عند سقوط الشفق، فعلم
أن هذه الصلاة(2) ـ أعني صلاة المغرب ـ في الليلة الثانية من تعليم
[النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم للسائل غير صلاة المغرب في الليلة
الثانية](3) جبريل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن استدلوا بحديث ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: (( إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر
إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل أهل الكتابين قبلكم كمثل رجل
استعمل رجلاً عملاً، فقال: من يعمل إلى نصف النهار بقيراط؟ فعملت
اليهود، ثُمَّ قال: من يعمل إلى صلاة العصر بقيراط؟ فعملت النصارى
على ذلك، ثُمَّ أنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس
على قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر أعمالاً،
وأقل عطاءً )).
وقالوا: إنَّه يدل على أن وقت صلاة العصر حين يصير ظل كل شيء مثليه
من وجهين:
أحدهما أنَّه قال: أجلكم في أجل من خلا من الأمم قبلكم، كما بين
صلاة (4) العصر إلى مغرب الشمس، وإنما قصد الإخبار عن قصر المدة.
__________
(1) ـ سقط ما بين المعكوفين من (أ) و(ب).
(2) ـ في (أ): الصلوات.
(3) ـ ما بين المعكوفين موجود في (ج) وفي هامش (ب) و(أ).
(4) ـ في (ج): كما بين.
(11/9)
والوجه الثاني: أن قوله فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا(1): نحن
أكثر عملاً، وأقل عطاء. فمعلوم أن كثرة العمل تكون بطول مدة وقتهم
[وقصر وقت أمتنا](2)، ففي هذا أن ما بين العصر إلى غروب الشمس أقل
مما بين الظهر إلى العصر، فذلك يوجب أن وقت العصر حين يصير ظل كل
شيء مثليه.
قيل لهم: إن هذا الخبر ـ إن صح ـ خبر ورد على طريق التشبيه، وضرْب
المثل فليس يجوز الاعتراض به على خبرنا، ولا تقديمه عليه؛ لأن
خبرنا ورد المقصد به في بيان الأوقات وتعليمها، فأكثر ما علينا في
هذا الخبر إذا قبلناه أن نذكر له وجهاً وتأويلاً، ثُمَّ الواجب
الرجوع إلى الخبر الذي ذكرناه للوجه الذي بيناه.
فنقول: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد بذلك آخر
وقت العصر، وآخر وقته حين يصير ظل كل شيء مثليه، فعلى هذا التأويل
يسقط تعلقهم بالوجهين جميعاً.
ويحتمل ـ أيضاً ـ أن يكون اليهود والنصارى بأجمعهم قالوا: نحن أكثر
عملاً وأقل عطاءً ـ ولم يقله كل واحد من الفريقين على حياله ـ فلا
يجب إذاً أن يكون وقت الظهر أطول من وقت العصر، وإنما يجب أن يكون
من أول النهار إلى وقت العصر أطول من وقت العصر إلى غروب الشمس.
فإن قيل: لو كان ذلك كذلك، لم يقولوا بعد قولهم نحن أكثر عملاً
وأقل عطاءً؛ لأن عطاء الفريقين مثل عطاء المسلمين.
قيل لهم: ليس الأمر كذلك؛ لأن عطاءهم بالإضافة إلى أعمالهم أقل من
عطاء المسلمين بالإضافة إلى أعمالهم، على أن ما يقصد به ضرب المثل
والتقريب لا يجب أن يكون مثل الممثَّل به على التحقيق، وإنما يجب
أن يأخذ منه شبهاً على وجه من الوجوه، وهذا الكلام أضعف من أن
يحتاج فيه إلى الإطالة.
__________
(1) ـ في (أ) و(ب): وقالوا.
(2) ـ ما بين المعكوفين في (ج).
(11/10)
وإن ذكروا في هذا الباب قياساً أمكن أن يعارضوا بأن يقاس الظهر
والعصر على المغرب والعشاء؛ بعلة أنهما صلاتان يجوز الجمع بينهما
على بعض الوجوه، فيجب أن لا يكون وقت الأولى أطول من وقت الأخرى.
مسألة [ في بيان وقتي المغرب والعشاء ]
قال: وأول وقت المغرب غروب الشمس، ودخول الليل، ويستبان ذلك بظهور
كوكب من كواكب الليل، وآخر وقته سقوط الشفق، وهو أول وقت العشاء،
وآخره ثلث الليل.
قد نص في (الأحكام)(1) على أن: أول وقت المغرب عند دخول الليل، وأن
ذلك يستبان بكوكب من كواكب الليل، وأن أول وقت العشاء سقوط الشفق،
وذلك(2) في باب الإستحاضة من كتاب الطهارة من (الإحكام)(3) على أن
آخر وقت المغرب أول وقت العشاء على ما ذكرناه في آخر وقت الظهر.
ودل في (المنتخب)(4) على أن آخر وقت العشاء ثلث الليل.
ولا أحفظ خلافاً في أن أول وقت المغرب عند دخول الليل.
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام صلى بالنبي
صلى الله عليه وآله وسلم المغرب حين أفطر الصائم، إلاَّ أن الناس
اختلفوا في دخول الليل: فمنهم من راعى احتجاب الشمس عن الأبصار.
وذهب يحيى عليه السلام إلى أنَّه يجب أن يستظهر بأن يرى كوكب من
كواكب الليل(5)، قال: لأن الشمس قد تحتجب وإن لم تكن غابت على
الحقيقة، واستدل على ذلك بقول الله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ
عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوكَباً}[الأنعام:76]، فلما قرن الله
تعالى اجتنان الليل برؤية الكوكب(6)، عُلم أنها أمارة له.
قال: ولا بد من أن يكون الكوكب من كواكب الليل؛ لأن الكواكب التي
ترى نهاراً قد ترى والشمس لم تحتجب، فعلم أنَّه لا معتبر به، وإنما
الاعتبار بكواكب الليل، ويدل على ذلك:
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/89.
(2) ـ في (ج): دلّ.
(3) ـ انظر الأحكام 1/76.
(4) ـ الذي في المنتخب رواية عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء،
وفيها: شطر الليل. هذا ما ذكر فيه.
(5) ـ انظر الأحكام 1/89.
(6) ـ في (ب): الكواكب.
(11/11)
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا فهد حدثنا
عبدالله(1) بن صالح، حدثني الليث بن سعد، عن خير بن نعيم، عن أبي
هبيرة الشيباني، عن أبي تميم الجيشاني، عن أبي بصرة الغفاري، قال:
صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة العصر(2)، فقال:
(( إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها
منكم، أُوتي أجرها مرتين، ولا صلاة حتى يطلع الشهاب )) . وفي بعض
الأخبار (( حتى يطلع الشاهد ))(3).
فإن قيل: روي إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي
المغرب إذا وجبت الشمس، وروي: كنا نصلي المغرب مع رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم إذا توارت بالحجاب.
قيل له: ذلك لا ينافي ما ذكرناه؛ لأنَّه لا يمتنع أن تكون حقيقة
غروب الشمس لا تعلم إلاَّ بطلوع النجم، وهذا أولى؛ لأنَّه جمع بين
الأخبار كلها، وأخذ بها.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا سليمان بن شعيب،
حدثنا أسد، حدثنا ابن أبي ذؤيب، عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن،
قال: رأيت عمر وعثمان يصليان المغرب في رمضان، إذا أبصرا الليل
الأسود، ثُمَّ يفطران بعده(4).
وأما ما يدل على أن آخر وقت المغرب هو أول وقت العشاء، فهو حديث
جابر، وحديث أبي موسى؛ لأن جابراً قال: إن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم صلى العشاء في الليلة الأولى قبل غيبوبة الشفق، وذكر أبو
موسى أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم صلى العشاء في الليلة الأولى
حين غاب الشفق، وذكر أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم أخر المغرب
الليلة الثانية حتى كان عند سقوط الشفق.
__________
(1) ـ في (أ) و(ج): أبو عبد الله.
(2) ـ في (ب): صلاة المغرب. وفي (ج): صلاة العصر بالمخمص.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/153، والتي فيه الرواية
الثانية.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/155، وفيه: ابن أبي
ذئب، بدلاً عنه ذؤيب.
(11/12)
ويدل على ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((
إذا حضر العَشَاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء )). ولا يجوز أن
يرخص في تأخيرها إلاَّ مع بقاء وقتها.
فإن قيل: ذكر ابن عباس في حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم صلى المغرب حين أمّ به جبريل عليه السلام في وقت واحد.
قيل له: قد دللنا على أن ما رواه جابر وأبو موسى متأخر عن حديث ابن
عباس، فهو أولى أن يؤخذ به.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه قال: (( لا
تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم )).
قيل له: يجوز أن يكون المراد به أنَّه أول الوقت، ويعتقدوا في أول
الوقت أنَّه ليس بوقت له.
وقد قلنا: إن القياس في هذا الباب مما يضعف، ولكنا نذكر ما قيل
فيه، وهو أنَّه مقيس على الظهر بعلة أنَّه يجوز الجمع بينه وبين
الصلاة التي تليه على بعض الوجوه، فيجب أن يكون وقته ممتداً إليها.
فأما آخر وقت العشاء، فالذي يدل على أنَّه إلى ثلث الليل الأخبارُ
التي قدمناها، فأما ما روي من بقاء وقتها إلى نصف الليل وإلى
ثلثيه، فهو محمول على أنَّه وقت الاضطرار، وذلك مما لا ينكر.
مسألة [ في الشفق ]
قال: والشفق المعتبر به هو الحمرة.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1)، وقد ذكره القاسم عليه السلام في
(مسائل النيروسي)، وهو قول جميع أهل البيت عليهم السلام، لا
يختلفون في ذلك، وهو قول عامة الفقهاء.
والدليل على ذلك حديث جابر، حيث يقول: إن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم صلى المغرب في الليلة الأولى حين وجبت الشمس، ثُمَّ صلى
العشاء قبل غيبوبة الشفق. ولا خلاف أن(2) العشاء لا يصلى على
الاختيار قبل غيبوبة الشفق، وهو الحمرة، فإذاً مراده قبل غيبوبة
البياض، فكأنه قال باللفظ الصريح ـ صلى صلى الله عليه وآله وسلم ـ:
العشاء في الليلة الأولى قبل غيبوبة البياض.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/89.
(2) ـ في (أ): ولا خلاف في أن.
(11/13)
فإن قيل: قد قال الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ
الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}[الإسراء: ، والدلوك: الغروب.
فأمر بإقامة صلاة المغرب إلى غسق الليل، وغسق الليل لا يكون إلاَّ
مع غروب البياض، ففي ذلك أن وقت المغرب باقِ إلى غروب البياض، وإذا
ثبت ذلك، ثبت أن أول وقت العشاء عند غروب البياض.
قيل له: الصَّحيح عندنا أن دلوك الشمس أراد به زوالها، على أنا لو
سلمنا أن المراد به الغروب، لم يجب ما قالو بأن الغسق هو الظلام،
ونحن نعلم أن الظلام يكون مع بقاء الحمرة، فكيف مع غيبوبتها، فسقط
تعلقهم بذلك، يؤكد ذلك ما روي عن ابن مسعود أنَّه صلى المغرب حين
غابت الشمس، وقال: هذا والذي لا إله إلاَّ هو وقت هذه الصلاة،
ثُمَّ قرأ: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ
اللَّيْلِ}[الإسراء: ]، وأشار بيده إلى المغرب، وقال: هذا غسق
الليل، وأشار بيده إلى المطلع، فبين أن المراد بغسق الليل هو حصول
ظلام الليل، على أن المشهور عند أهل اللغة أن الشفق هو الحمرة، وقد
ذكره الخليل في كتاب (العين)، فيجب أن يحمل عليه سائر الأخبار التي
روي فيها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاها حين غاب
الشفق.
فأما ما نذكره في هذا الباب على طريق المقايسة، فقد قلنا: إنَّه
يضعف جداً، ويمكن أن يعارضوا على قولهم في ذلك أن(1) البياض
والحمرة وقت للصلاة بالاتفاق، وهي صلاة واحدة، وكذلك يجب أن يكونا
وقت صلاة واحدة، وهي المغرب بأن يقال لهم: قد ثبت أن بذهاب الحمرة
ذهاب وقت صلاة واحدة، وهي المغرب، على أن أوكد ما يعتمد في هذا
الباب إجماع أهل البيت عليهم السلام على أن الشفق المعتبر به هو
الحمرة، وقد ذكرنا أن إجماعهم حجة.
مسألة [ في بيان وقت صلاة الفجر ]
قال: وأول وقت صلاة الفجر طلوعه، وآخره قبيل طلوع الشمس، فهذه
الأوقات المندوب إليها.
__________
(1) ـ في (ب): إلى.
(11/14)
أما أول وقت صلاة الصبح، وآخره فلا خلاف فيه، وقد دلت على ذلك
الأخبار التي تقدمت، وقد نص يحيى عليه السلام على أول وقته في
(الأحكام)(1)، ونبه على آخر وقته في (المنتخب)(2)، وكون هذه
الأوقات التي مضى ذكرها أوقات الاختيار، قد دلت عليه الأخبار التي
قدمناها فلا غرض في إعادتها.
مسألة [ في الجمع بين الصلوات ]
قال(3): فأما من كان مسافراً، أو خائفاً، أو مريضاً، أو مشتغلاً
بشيء من أمر الله، فله أن يجمع بين الظهر والعصر بعد زوال الشمس
إلى غروبها، وبين المغرب والعشاء بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(4).
وهذه الجملة تشتمل على مسألتين:
إحداهما: أنَّه يجوز أن يجمع بين الظهر والعصر في وقت كل واحدة
منهما، وكذلك يجوز الجمع بين المغرب والعشاء في وقت كل واحدة
منهما.
والمسألة الثانية: أن وقت العصر ممتد إلى غروب الشمس، وأن وقت
العشاء الآخرة ممتد إلى طلوع الفجر.
فأما ما يدل على جواز الجمع على نحو ما ذكرناه فهو: ما أخبرنا به
أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا محمد بن الحسين بن اليمان، حدثنا
محمد بن شجاع، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا(5) ابن جريج، عن الحسين
بن عبدالله بن عبيدالله بن العباس، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا زاغت له الشمس ـ وهو في منزل
ـ جمع بين الظهر والعصر، فإذا لم تزغ له حتى ارتحل، سار حتَّى يدخل
وقت العصر، ثُمّ نزل [في وقت المغرب](6) فجمع بينهما.
وإذا غربت الشمس وهو في منزل، جمع بين المغرب والعشاء، وإذا لم
تغرب الشمس حتى ارتحل، سار إلى وقت العشاء، ثُمَّ نزل فجمع بين
المغرب والعشاء.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/89.
(2) ـ الذي في المنتخب رواية عن عبد الرزاق، عن ابن جرير، عن
طاووس، ص34.
(3) ـ سقط من (ا): قال.
(4) ـ انظر الأحكام 1/89 ـ 90.
(5) ـ في (ب): أخبرنا.
(6) ـ سقط ما بين المعكوفين من (ب) و(ج).
(11/15)
ففي هذا الخبر تصريح بأنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى في حالة
العصر في وقت الظهر، والعشاء في وقت المغرب، وأنه صلى الله عليه
وآله وسلم صلى الظهر في وقت العصر، والمغرب في وقت العشاء.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن أبي داود، حدثنا
مسدد، حدثنا عمر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّه كان
إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد ما يغيب الشفق، ويقول:
إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا جد به السير جمع
بينهما، وفي بعض الأخبار، أنَّه قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم يفعل(1).
ففي هذا الخبر الجمع بينهما في وقت إحداها.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا يونس، حدثنا ابن
وهب، أخبرنا مالك، عن أبي الزبير المكي، عن ابن جبير، عن ابن عباس،
أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر والعصر جميعاً والمغرب
والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر(2).
وروي بغير هذا الإسناد، فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد ألا
يحرِّج على أمته(3).
وروي عن ابن عباس: (( من غير سفر ولا مطر )).
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 12/162، إلا أن فيه:
حدثنا يحيى، عن عبد الله، بدلاً عن عمر، عن عبيد الله.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/160، وفيه: صلى بنا.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/160، وفيه: صلى بنا
رسول الله.
(11/16)
وروي عن ابن عباس، أنَّه قال: ربما جمع النبي صلى الله عليه
وآله وسلم بين المغرب والعشاء في المدينة. وهذه الأخبار تبين أن
الجمع غير مقصور على السفر، وليس لهم أن يحملوا ذلك على تأخير
الصلاة الأولى، وتقديم الثانية حتى تكون كل واحدة منهما مفعولة في
وقتها؛ لأن ذلك لا يكون جمعاً على الحقيقة، وإنما يكون جمعاً إذا
جمع بينهما في وقت إحداهما، على أنه لا خلاف في جواز الجمع بين
الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة، وفي جواز الجمع بين المغرب
والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء. فبان بذلك أن وقت كل واحدة منهما
وقت لصاحبتها.
فإن قيل: فالخبر الذي ذكرتموه في صدر باب المواقيت(1) من تعليم
جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتعليم النبي
عليه السلام لمن جاء يسأله عن أوقات الصلوات.
قيل له: أخبار التعليم تدل على اختصاص كل واحدة من الصلوات بوقت
على سبيل الاختيار، وهذه الأخبار دلت على أوقات العذر، على أن تلك
الأخبار ـ أيضاً ـ دلت على أن آخر وقت الظهر أول وقت العصر، وأن
آخر وقت المغرب هو أو وقت العشاء، فبان أن هذه الأخبار بمجموعها
دلت على أوقات الاختيار، وعلى أوقات العذر، فصح ما ذهبنا إليه.
وأما كون وقت العصر ممتداً إلى غروب الشمس، فسنذكر ما ورد فيها من
الأخبار بعد هذه المسألة.
وأما كون وقت العشاء ممتداً إلى طلوع الفجر، فقد استدل على ذلك
بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلْ قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ
قَلِيْلا}[المزمل:1]، فأوجب القيام في أكثر الليل، ولا صلاة تؤدى
في أكثر الليل إلاَّ صلاة العشاء، فعُلم أنها المراد، وإذا ثبت
ذلك، ثبت أن وقتها ممتد إلى الفجر؛ لأن كل من جعل وقتها أكثر من
نصف الليل، جعله إلى آخر الليل. ويدل على ذلك:
__________
(1) ـ في (أ) و(ب): ذكرتموه في ذلك ناب.
(11/17)
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا يزيد بن
سنان، حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق، حدثنا جرير، عن منصور، عن
الحكم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم للعشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلثا
الليل، أو بعده، ولا ندري أي شيء شغله في أهله، أو في غير ذلك؟
فقال حين خرج: (( إنكم تنتظرون صلاة ما(1) ينتظرها أهل دين غيركم،
ولولا أن يَثقل على أمتي، لصليت بهم هذه الساعة ))، ثُمَّ أمر
المؤذن، فأقام الصلاة، فصلى.
فإذا ثبت بهذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاها حين
ذهب ثلثا الليل، أو بعده، كان وقتها ممتداً إلى طلوع الفجر؛ إذ لا
أحد جعل هذا الوقت وقتاً له، إلاَّ وجعل باقي الليل وقتاً له.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا أبو بكرة(2)، حدثنا
أبو أحمد، حدثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن نافع، عن
بن جبير(3)، قال: إن عمر كتب إلى أبي موسى: "صلِّ العشاء في أي
الليل شئت، ولا تغفلها"(4).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا يونس، حدثنا عبدالله
ابن يوسف، حدثنا الليث عن يزيد بن أبي(5) حبيب، عن عبيد بن جريج،
أنه قال لأبي هريرة: ما إفراط صلاة العشاء؟ قال: طلوع الفجر(6).
فإذا روي ذلك عن عمر، وأبي هريرة، ولم يرو خلافه، وإنكاره عن
غيرهما من الصحابة، جرى مجرى إجماعهم على ذلك.
مسألة [ فيمن يدرك ركعة قبل خروج الوقت ]
قال: ومن أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدركها،
ومن أدرك ركعة قبل طلوع الفجر من العشاء، فقد أدركها، ومن أدرك
ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، فقد أدركها.
__________
(1) ـ في (أ): لم.
(2) ـ في (أ): أبو بكر.
(3) ـ في (ب)، وشرح معاني الآثار: عن نافع بن جبير.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/159.
(5) ـ سقط من (أ): أبي.
(6) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/159.
(11/18)
وذلك منصوص عليه في (المنتخب)(1). واستدل على ذلك:
بما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن مرزوق،
حدثنا بشر بن عمير(2)، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء
بن يسار، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
(( من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها، ومن أدرك
ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر ))(3).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا يونس، أخبرنا ابن
وهب، أخبرني(4) يونس ابن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله.
وأخبرنا أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا محمد
بن شجاع، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( من
أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الفجر ))، وذكر في
العصر مثله.
فإن قيل: فقد(5) روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم النهي عن
الصلاة حين تطلع الشمس، وحين تغرب.
قيل له: إذا ثبت بما بينا أن من أدرك ركعة (من العصر قبل أن تغرب
الشمس، فقد أدركها، ومن أدرك ركعة) (6) من الفجر قبل أن تطلع
الشمس، فقد أدركها، ثبت أن النَّهي إنَّما ورد عما عدا الفوات(7)
في هذين الوقتين؛ ليكون ذلك جمعاً بين الأخبار.
مسألة [ في وقت الوتر ]
قال: ووقت الوتر حين الفراغ من صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر،
والأفضل تأخيره إلى آخر الليل.
وذلك منصوص عليه في (المنتخب)(8).
__________
(1) ـ انظر المنتخب ص33.
(2) ـ في (ج): عمر.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/151، وفيه: بشر بن عمر،
وذكر زيد يرويه عن عطاء، وبشر بن سعيد، وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي
هريرة.
(4) ـ في (ب): قال: أخبرني.
(5) ـ في (أ): قد.
(6) ـ سقط ما بين القوسين من (أ) و(ب).
(7) ـ في (أ) و(ب): عدا القولين.
(8) ـ انظر المنتخب ص56.
(11/19)
والدليل على أن وقته من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر:
ما أخبرنا به أبو الحسين، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا محمد بن
شجاع، حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن
عبد الله بن مرة(1)، عن خارجة بن حذافة العدوي، قال: خرج علينا
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لصلاة الغداة، فقال صلى الله
عليه وآله وسلم: (( لقد أمركم الله الليلة بصلاة لهي خير لكم من
حمر النعم )).
قلنا: وما هي يا رسول الله؟ قال: (( الوتر، جعلها الله لكم ما بين
صلاة العشاء إلى طلوع الفجر )).
وأخبرنا محمد بن عثمان، حدثنا الناصر للحق الحسن بن علي عليه
السلام، حدثنا محمد بن منصور، حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين، عن أبي
خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام أنَّه أتاه رجل
فقال: إن أبا موسى الأشعري يزعم أنه لا وتر بعد طلوع الفجر. فقال
علي عليه السلام: "لقد أغرق في النزع، وأفرط في الفتيا، الوتر ما
بين الصلاتين، وما بين الآذانين".
فسأله عن ذلك فقال: "ما بين صلاة العشاء إلىطلوع الفجر، وما بين
الأذانين أذان الفجر وإقامته".
ففي هذين الحديثين فساد قول من يقول: إن أول الليل لا يكون وقتاً
للوتر، وأن وقته هو آخر الليل.
فإن قيل: ففي خبر أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال: "ووقته
بين(2) أذان الفجر إلى إقامته"، وقد قلتم: إن وقته إلى طلوع الفجر؟
قيل له: يجوز أن يتأول الأذان على الأذان الواقع بين الفجرين،
ويجوز أن يقال: إن ذلك وقت لقضائه.
فإن قيل: لا فائدة في ذكر وقت القضاء؛ إذ الأوقات أجمع وقت له.
__________
(1) ـ في (ب): ابن أبي مرة. وفي (ج): عن عبد الله بن راشد، عن عبد
الله بن أبي مرة.
(2) ـ في (أ): من.
(11/20)
قيل له: ليس الأمر كذلك، بل لتلك الساعة في هذا الباب مزية،
فإنه إذا أمكنه أن يصلي الوتر قبل صلاة الفجر، كان المستحب أن لا
يؤخره، وليس كذلك سائر الأوقات، ويجوز أن يقال: إنَّه وقت للمضطر ـ
أعني: ما بين طلوع الفجر إلى أن يصلي الفجر ـ.
والذي يبين أن تأخيره إلى آخر الليل أفضل: قول الله تعالى: {وَمِنَ
اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ}[الإسراء:79]، والتهجد
لا يكون إلاَّ بعد القيام من النوم، فلما ندب الله تعالى إلى ذلك،
علم أنَّه أفضل.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا صالح بن عبد الرحمن،
حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشم، أخبرنا أبو حمزة، حدثنا الحسن، عن
سعد بن هشام(1)، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم إذا قام من الليل، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثُمَّ صلى
ثماني ركعات، ثُمَّ أوتر(2).
ففي هذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يوتر إذا قام
من الليل بعد صلاة الليل، ومن المعلوم أنَّه صلى الله عليه وآله
وسلم لا يعدل عن الأفضل.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ربيع المؤذن، حدثنا
أسباط، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي عليه
السلام، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوتر في أول
الليل وفي وسطه وفي آخره، ثُمَّ ثبت له الوتر في آخره.
__________
(1) ـ في (أ): هشيم.
(2) ـ أخرطه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/510، وفيه: أبو مرة
بدلاً عن أبي حمزة.
(11/21)
ففي هذا الخبر تصريح بأن أول الليل إلى آخره، وقت للوتر، وقول
أمير المؤمنين عليه السلام: "ثُمَّ ثبت له الوتر في آخره"، دليل
على أن آخر الليل أفضل، وليس لأحد أن يحمل قوله عليه السلام:
"ثُمَّ ثبت له الوتر في آخره" على النسخ لما فعل أولاً من الإيتار
في أول الليل؛ لأنَّه ليس فيه النهي عن ذلك، سيما وأمير المؤمنين
عليه السلام قد قال في الخبر الذي رويناه: "إن وقته بين العشاء إلى
طلوع الفجر".
ولما أخبرنا به أبو الحسين البروجردي، حدثنا أبو بكر محمد بن عمر
الدينوري، حدثنا سعيد بن سيف، حدثنا القاسم بن حكم، عن أبي حنيفة،
عن حماد، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن أبي مسعود
الأنصاري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوتر
أحياناً أول الليل، وأحياناً وسطه، وأحياناً آخره؛ ليكون سعة
للمسلمين أيما أخذوا به، كان صواباً.
مسألة [ في الصلاة قبل الوقت ]
قال: وأيما رجل ابتدأ بصلاة مفروضة قبل دخول وقتها، عالماً بذلك أو
جاهلاً، ثُمَّ علم به، فعليه الإعادة لها، سواء علمها في الوقت أو
بعد تصرمه.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب)(1)، ولا خلاف فيه بين المسلمين،
والوفاق أؤكد الدلالة.
__________
(1) ـ انظر المنتخب ص37.
(11/22)
باب القول في صلاة الكسوف والاستسقاء
[مسألة: في صفة صلاة الكسوف]
صلاة الكسوف عشر ركعات في أربع سجدات، يقوم الإمام، ويصطف المسلمون
وراءه، فيكبر، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر، ثم يركع، ثم يرفع
رأسه، ثم يقرأ، ثم يركع، ثم يرفع رأسه، ثم يقرأ حتى يفعل ذلك خمس
مرات، ثم إذا رفع رأسه من الركوع الخامس، كبر، وسجد سجدتين، ثم
يقوم، ويفعل كما فعل أولاً، ثم يتشهد، ويسلم.
ويستحب أن يثبت مكانه، ويكثر من الاستغفار والتهليل، ويدعو بما
حضره لنفسه وللمسلمين، ويجهر بالقراءة، وإن شاء، خافت بها.
وذلك [كله](1) منصوص عليه في (الأحكام) و(المنتخب)(2).
ووجه(3) عدد الركعات ما ذكره أبو دواد في (السنن)، قال: حدثت عن
عمر بن سفيان، قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن
أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم، فصلى بالناس، فقرأ في الركعة الأولى
بسورة(4) من الطوال، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام الثانية،
فقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو،
مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) انظر الأحكام 1/137 ـ 138، إلا أنه تخير في القراءة الإخلاص
والفلق سبعاً. ولم يذكر فيه التخيير بين الجهر والمخافتة في الصلاة
وإنما ذكر الجهر بادعاء فقال: ولا يجهد بذلك جهراً شديداً.
وانظر المنتخب ص60 ـ 61، وذكر فيه التخيير بين الجهر والمخافتة في
الصلاة وفي الجهر بالدعاء، قال: ويجهر بذلك جهراً شديداً.
(3) في (ب): وجه.
(4) في (أ): سورة.
(12/1)
وقد ثبت ذلك عن أمير المؤمنين عليه السلام؛ لما: رواه زيد بن
علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، أنه كان إذا صلى بالناس
صلاة الكسوف، بدأ فكبر، ثم قرأ الحمد وسورة من القرآن، يجهر
بالقراءة ليلاً كان، أو نهاراً، ثم يركع نحواً مما قرأ، ثم يرفع
رأسه، فيفعل في الثانية كما فعل في الأولى يكبر كلما رفع رأسه من
الركوع الأربع، ويقول في الخامس: سمع الله لمن حمده، فإذا قام، لم
يقرأ، ثم يكبر، فيسجد سجدتين، ثم يرفع رأسه، فيفعل في الثانية كما
فعل في الأولى، يكبر كلما رفع رأسه من الركوع الأربعة، ويقول: سمع
الله لمن حمده، في الخامس، ولا يقرأ بعد الركوع الخامس.
وهو رأي أهل البيت عليهم السلام، لا يختلفون فيه.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه صلى أربع
ركعات، وأربع سجدات. وروي ست ركعات، فأربع سجدات. وروي عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه صلى ركعتين /229/ كسائر التطوع.
قيل له: قد روي ذلك، إلاَّ أنا اخترنا ما رواه أُبي، ولما(1) صح أن
عليّاً عليه السلام اختاره؛ ولأنه أتم ما روي، فكان المصير إليه
أولى، ويدل على(2) [أنَّه يجب أن يكون فيها ركعات زائدة، أنا وجدنا
كل صلاة نفل سن فيها الاجتماع](3)، خصت بأمر زائد، كصلاة العيدين
خصت(4) بالتكبيرات الزائدة، فوجب أن تختص صلاة الكسوف بأمر زائد،
وليس فيها أمر زائد بالإجماع غير الركعات، فوجب أن تكون مختصة بها.
__________
(1) في (أ) لما.
(2) في (أ) و(ب): على أنها.
(3) سقط ما بين المعكوفين من (أ) و(ب).
(4) في (أ): خصتا.
(12/2)
وقلنا أنه يثبت مكانه، ويكثر من الاستغفار والدعاء؛ لما: أخبرنا
به أبو بكر المقري، قال: حدثنا الطحاوي، عن ابن مرزوق، قال: حدثنا
أبو الوليد، عن زائدة، عن زياد بن علاقة، قال: سمعت المغيرة بن
شعبة قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم عليه السلام، فقال النبي
صلى الله عليه وآله وسلم : (( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله،
لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فصلوا وادعوا حتى
تنجلي ))(1).
وأخبرنا أبو بكر(2)، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا فهد، قال:
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، عن يزيد بن عبد الله، عن
أبي بردة، عن أبي موسى، قال: كسفت الشمس في زمان النبي صلى الله
عليه وآله وسلم، فقام فزعاً، فخشي أن تكون الساعة قد قامت، حتى أتى
المسجد، فقام فصلى أطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته يفعله في صلاة
قط، قال: ثم قال: (( إن هذه الآيات التي يرسلها الله لا تكون لموت
أحد ولا لحياته، ولكن يرسلها الله يخوف بها عباده، فإذا رأيتم
شيئاً منها فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره ))(3).
وفي حديث أُبي أنَّه جلس صلى الله عليه وآله وسلم كما هو(4) مستقبل
القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها.
وقلنا: إن شاء جهر بالقراءة، وإن شاء خافت بها لما أخبرنا به أبو
بكر المقري، قال: حدثنا الطحاوي، عن حسين بن نصر، قال: حدثنا أحمد
بن يونس، قال: حدثنا زهير بن معاوية، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة
بن عبادة، عن سمرة بن جندب، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم صلاة الكسوف، ولم نسمع له صوتاً(5).
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/330، وفيه حتى ينكشف.
(2) في (أ): أبو بكر المقرئ.
(3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/331 ـ 332، وفيه خسفت.
(4) في (أ): وهو.
(5) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/333، إلا أنه قال: ثعلبة
بن عباد.
(12/3)
وأخبرنا المقري، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ابن أبي داود،
قال: حدثنا عمر بن خالد، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن
شهاب، عن عروة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهر
بالقراءة في كسوف الشمس(1).
فلما روي أنه خافت مرة، وجهر مرة أخرى، قلنا: إن المصلي بالخيار،
إن شاء خافت، وأن شاء جهر.
فصل [في تكرير الفلق]
واستحب(2) يحيى عليه السلام أن يكرر قراءة (( قل أعوذ برب الفلق ))
في صلاة الكسوف.
ووجهه ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعوذ(3) بها
الحسن والحسين عليهما السلام، فلما كانت حالة صلاة الكسوف حال
الاستعاذة، استحب يحيى عليه السلام تكرير قراءة سورة الفلق فيها.
على أن محمد بن سليمان حكى أن يحيى عليه السلام صلى بهم صلاة
الكسوف، فأطال، قال فسألته عما قرأ، فقال: قرأت الكهف، وكهيعص،
والطواسين، وطه، فدل هذا على أن الاختيار هو لمن لم يحفظ السور
الطوال.
مسألة [في صفة الاستسقاء]
قال: والاستسقاء أن يخرج المسلمون الذين(4) في البلد الذين أصابهم
الجدب إلى ساحة بلدهم، فيجتمعون، ثم يتقدم إمامهم، فيصلي بهم أربع
ركعات، يفصل بينهما بتسليمة، ثم يستغفر الله، ويستغفره المسلمون،
ويجأرون بالدعاء ومسألة الرحمة، ويُحْدثون التوبة /235/ لله،
ويسألون قبولها.
وهذا كله منصوص عليه في (الأحكام)(5) فقط.
قلنا: إنه يخرج إلى ساحة البلد لما أخبرنا به أبو بكر المقري، قال:
حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن وهب، أن مالكاً
حدثه، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن
زيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى المصلى فاستسقى،
فقلب رداءه(6).
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/333، إلا أنه قال: عمرو
بن خالد.
(2) في (أ): واستحسن.
(3) في (ب): تعوذ.
(4) في (أ): الذي.
(5) انظر الأحكام 1/138،139.
(6) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/323.
(12/4)
ووجه قولنا: إنه يصلي أربع ركعات، أنَّه قد روي عن أنس أن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم استسقى يوم الجمعة، وهو يخطب للجمعة،
وصلاة الجمعة أربع حكماً؛ لأن الخطبتين بمنزلة الركعتين، فلما
اقتصر صلى الله عليه وآله وسلم في استسقائه على صلاة الجمعة التي
هي أربع حكماً، قلنا : إنَّه يصلى أربع ركعات إذا استسقى في غيره
من الأيام، قياساً على الظهر إذا صلاها في سائر الأيام.
ووجه آخر وهو: أن صلاة الاستسقاء ليست مسنونة، لا يزاد عليها، ولا
ينقص منها؛ بدلالة ما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
اقتصر في الاستسقاء على صلاة يوم الجمعة.
وروي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم صلى ركعتين أخبرنا به أبو
الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا(1) محمد
بن شجاع، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن هشام بن إسحاق بن عبد الله
بن كنانة، عن أبيه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
خرج يستسقي متواضعاً متضرعاً متبذلاً، لم يخطب خطبتكم هذه، بل دعا،
وصلى ركعتين، وعبد الله بن زيد حين ذكر أن رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم خرج إلى المصلى فاستسقى، لم يذكر الصلاة.
وأخبرنا أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى، قال: أخبرنا علي بن
الحسن البجلي، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال:حدثنا أبو عوانة، عن
مطرف، قال: أخبرني من أدرك عليّاً عليه السلام أنَّه خرج يستسقي،
فرجع ولم يصل.
وأخبرنا أبو العباس، قال: أخبرنا(2) محمد بن الحسين بن علي
الحسيني، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنا زيد بن الحسين، عن أبي بكر
بن أبي أويس، عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن
علي عليه السلام أنَّه كان يقول: إذا استسقيتم، فاحمدوا الله،
واثنوا عليه بما هو أهله، وأكثروا من الاستغفار، فإنه الاستسقاء.
ولم يذكر الصلاة.
__________
(1) سقط من (أ): حدثنا.
(2) في (أ): حدثنا.
(12/5)
فدلت هذه الأخبار على أن الصلاة غير مسنونة فيه، فإذا لم تكن
مسنونة، جرت مجرى سائر التطوع الذي يكون للاجتهاد فيه مساغ،
فاخترنا أن يكون أزيد من أقل ما يتطوع به، وذلك يكون أربعاً(1).
ووجه آخر، وهو أنا وجدنا كل صلاة نفل يسن فيها الاجتماع خصت بأمر
زائد، كصلاة العيدين، وصلاة الكسوف، فلما لم تكن زيادة تختص بها
غير ما ذهبنا إليه من أنها أربع، قلنا به.
وقلنا: إنَّه يفصل بينهما بتسليمة لما روي عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم أنَّه قال: (( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى )).
وقلنا: إنَّه يستغفر الله، ويستغفره المسلمون؛ لقول الله تعالى:
{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ
السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً}[المعارج:10ـ11]، وقال
تعالى:{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا
إِلِيْهِ}، فوعد الله تعالى إدرار السماء بشرط الاستغفار والتوبة،
ولقول علي عليه السلام في الاستسقاء: "وأكثروا من الاستغفار، فإنه
الاستسقاء".
مسألة [ويقلب الإمام رداءه ثم ينصرف]
قال: ثم يقلب الإمام شق ردائه الذي على منكبه الأيمن فيجعله على
منكبه الأيسر، والذي على منكبه الأيسر يجعله على منكبه
الأيمن/231/، ثم ينصرف، وينصرف الناس معه.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(2).
قلنا ذلك؛ لما أخبرنا به أبو بكر المقري، قال: حدثنا الطحاوي، عن
محمد بن خزيمة، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، قال: حدثنا المسعودي،
عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عباد بن تميم، عن عمه، قال:
خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فاستسقى، فقلب رداءه، قال:
فقلت جعل الأعلى الأسفل، والأسفل الأعلى؟ قال: لا، بل جعل الأيسر
على الأيمن، والأيمن على الأيسر(3).
__________
(1) في (أ) و(ب): أربع ركعات، وهن أقل ما يتطوع به.
(2) انظر الأحكام 1/139.
(3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/323 ـ 324.
(12/6)
وفي حديث عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج
إلى المصلى فاستسقى، فقلب رداءه.
وهذا الحديث يدل على أن قلب الرداء كان بعد الاستسقاء، كما ذهب
إليه يحيى عليه السلام؛ لأنَّه قال: فاستسقى، فقلب رداءه، والفاء
توجب التعقيب، فاقتضى أن قلب الرداء عقيب الاستسقاء.
مسألة [وهل يشترط فيها الإمام؟]
قال: وإن لم يكن إمام ظاهر للاستسقاء يفعل إمام مسجدهم كذلك إذا
أجدب بلدهم.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب)(1).
ووجهه أنَّه لا خلاف في أن الإمام ليس بشرط في الاستسقاء، فشابه
سائر الصلوات، والعبادات، وأنها تقام بغير إمام، وتقام بإمام
المسجد .
__________
(1) انظر المنتخب ص62.
(12/7)
مسألة [ في نوافل الفرائض ]
وأقل(1) ما يتنفل به: ركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب،
وركعتان قبل صلاة الفجر، يصليهما بعد طلوع الفجر، والوتر ثلاث
ركعات بتسليمة واحدة، يقنت في الركعة الثالثة بعد الركوع.
ما ذكرناه من تحديد أقل ما يتنفل به، وأن الوتر ثلاث ركعات بتسليمة
واحدة، وأن القنوت بعد الركوع منصوص عليه في (المنتخب)(2)، وقد نص
ـ أيضاً ـ في (الأحكام)(3) على أن القنوت بعد الركوع(4). ونص
القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي) على أن ركعتي الفجر تصليان
بعد طلوع الفجر.
والوجه لتحديد أقل ما يتنفل به بما حده يحيى عليه السلام أنَّه(5)
أقل ما قيل، وأن في كل واحد مما ذكر ورد ضرباً من التأكيد، فنحن
نبين ذلك.
فأما الركعتان بعد الظهر فقد ورد فيهما:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا عبد الله بن
خشيش(6) البصري، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن الأزرق
بن قيس، عن ذكوان، عن عائشة، عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت:
إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى في بيتي ركعتين بعد العصر،
فقلت: ما هاتان الركعتان؟ فقال: (( كنت أصليهما بعد الظهر، فجاءني
مال فشغلني، فصليتهما الآن ))(7).
فقد روي هذا الخبر عن أم سلمة من طرق شتى، وبألفاظ مختلفة، كلها
ترجع إلى هذا المعنى، فلما ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قضاهما حين فاتتا، ثبت التأكيد فيهما.
__________
(1) ـ في (ب): قال: وأقل.
(2) ـ انظر المنتخب ص49.
(3) ـ انظر الأحكام 1/107.
(4) ـ سقط ما بين المعكوفين من (أ) و(ب).
(5) ـ في (أ): أنه قال.
(6) ـ في (أ): حبيش.
(7) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/302، وفيه: عبد الله بن
محمد بن خشيش.
(13/1)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا إبراهيم بن أبي
داود، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا عبدالله بن الوليد بن معدان، عن
عاصم، عن أبي وائل، عن عبدالله، قال: ما أحصي ما سمعته(1) من رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأه في الركعتين قبل الفجر،
والركعتين بعد المغرب بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و
{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}(2).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا محمد بن خزيمة(3)،
عن عبد الله بن رجاء، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن
ابن عمر، قال: رمقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعاً
وعشرين مرة، أو خمساً وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل صلاة
الغداة، وفي الركعتين اللتين بعد المغرب بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}(4).
فدل هذان الخبران لما تضمنا من ذكر تكرير رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ركعتي الفجر، والركعتين بعد المغرب على أنَّه صلى الله
عليه وآله وسلم كان يديم فعلهما.
وورد في ركعتي الفجر ـ خصوصاً ـ:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن أبي داود،
حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي، حدثنا خالد بن عبد الله بن إسحاق،
عن محمد بن زيد بن قنفذ، عن ابن سيلان، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا تتركوا ركعتي الفجر، ولو
طردتم على الخيل ))(5).
__________
(1) ـ في (أ): سمعت.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/298، وفيه عبد الملك بن
الوليد بن معدان.
(3) ـ في (ب) و(ج): حبيب.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/298.
(5) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/299، إلا أنه قال: خالد
بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن إسحاق.
(13/2)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا أبو بكرة، حدثنا
مسدد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير،
عن عائشة، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن على
شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين قبل الفجر(1).
فأما ما يدل على صحة ما ذكره القاسم عليه السلام في أن ركعتي الفجر
يجب أن تصليا بعد طلوع الفجر، فهو:
ما أخبرنا به أبو بكر، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن أبي داود، حدثنا
ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا موسى بن عقبة، عن أبي
إسحاق، عن عامر الشعبي، قال: سألت ابن عباس، وابن عمر، كيف كانت
صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالليل؟ فقالا: ثلاث عشرة
ركعة، ثمان ويوتر بثلاث، وركعتان بعد الفجر(2).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ربيع المؤذن، حدثنا
هشيم، حدثنا خالد الحذاء، أخبرنا عبدالله بن شقيق، قال: سألت
عائشة، عن تطوع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالليل، فقالت:
كان إذا صلى العشاء، يدخل فيصلي، وكان يصلي في الليل تسع ركعات،
فإذا طلع الفجر صلى ركعتين في بيتي، ثُمَّ يخرج، فيصلي بالناس صلاة
الفجر(3).
وروي عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي بين أذان
الفجر وإقامته ركعتين وكثرت، الروايات عنها في هذا المعنى بألفاظ
مختلفة.
وروي محمد بن منصور، عن أحمد بن عيسى عليه السلام، عن حسين، عن أبي
خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: "كان لا
يصليهما حتى يطلع الفجر"، يعني ركعتي الفجر.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معانيا الآثار 1/299.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/279.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/281، وفيه: حدثنا ربيع
المؤذن، حدثنا أسد، حدثنا هشيم، مع متنه، تسع ركعات فيهن الوتر.
(13/3)
وأما ما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إِحْشِهما في
الليل حشواً ))، فهو محمول على أن المراد به صلهما في وقت يلي
الليل بدلالة ما مضى.
والنظر ـ أيضاً ـ يدل على ذلك، وذلك أنا وجدنا نافلة كل مكتوبة
تفعل في وقتها قبلها، أو بعدها، ولم نجد شيئاً منها يفعل(1) في غير
وقت المكتوبة التي هي نافلتها، فوجب أن تكون نافلة صلاة الفجر
مفعولة في وقتها، وليس لأحد أن يتأول ما رويناه من أنهما بعد الفجر
(على الفجر الأول)(2)، فإن الفجر الأول لا يسمى فجراً على الإطلاق،
بل لا حكم في الشرع(3) يتعلق به، فلا يجوز حمل اللفظ عليه عقلاً،
ولا شرعاً، و ـ أيضاً ـ أجمع المسلمون على تسميتهما بركعتي الفجر،
ووردت الأخبار بذلك، فدل ذلك على أن وقتهما بعد طلوع الفجر، ألا
ترى أنَّه لا يقال في صلاة وقتها قبل الليل أنها صلاة الليل، ولا
في صلاة وقتها قبل النهار أنها صلاة النهار، فكذلك ركعتا الفجر،
فكل ذلك يؤكد ما ذهبنا إليه في هذا الباب، وهو مذهب زيد بن علي
عليه السلام.
وروى محمد بن منصور، عن أحمد بن عيسى، عن حسين، عن أبي خالد، قال:
سألت زيداً عليه السلام، فقلت: صليت ركعة قبل طلوع الفجر، وركعة
بعد طلوع الفجر. فقال: أعدهما فإنهما بعد طلوع الفجر.
مسألة [ في حكم الوتر وعدد ركعاته]
والذي يدل على أن الوتر من النوافل قول الله تعالى: {حَافِظُوا
عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى}[البقرة:238].
ووجه الاستدلال منه أن الله تعالى أمر بالمحافظة على الصلوات التي
لها وسطى، والصلوات التي لها وسطى تكون وتراً لا شفعاً، فإذا ثبت
(ذلك ثيت) (4) أن الصلاة الواجبة خمس صلوات، وأن السادسة ليست
بواجبة، فثبت أن الوتر ليس بواجب. ويدل على ذلك:
__________
(1) ـ في (أ): ما يفعل.
(2) ـ ما بين القوسين سقط من (أ).
(3) ـ في (أ): الفجر.
(4) ـ ما بين القوسين من (ج).
(13/4)
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا روح بن
الفرج، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني بكر بن مضر، عن
جعفر بن ربيعة، عن عقبة بن مسلم، عن عبدلله بن عمر، قال: بينا نحن
في المسجد، إذ قام رجل، فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن
الوتر، وعن صلاة الليل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( صلاة الليل مثنى مثنى،
وإذا خشيت الصبح، فأوتر بركعة ))(1).
ووجه الاستدلال منه أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( فأوتر
بركعة )) لا يخلوا من أن يكون أراد صل ركعة تكون بها موتراً، أو
أراد أضف ركعة إلى الركعتين حتى تكون الثلاث وتراً، ولا خلاف بيننا
وبين من يوجب الوتر من أبي حنيفة وأصحابه، أن الوتر ثلاث ركعات، من
غير تسليم في الركعتين، وأن الركعة الواحدة وحدها لا تجزيء، فثبت
عندنا وعندهم أن المراد به أضف ركعة إلى الركعتين.
فإذا ثبت ذلك وجب بعموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( فإذا
خشيت الصبح، فأوتر بركعة ))، أن من دخل في صلاة الليل بنية التطوع،
فله أن يضيف إليها ركعة حتى تصير وتراً، ولا خلاف أن الصلاة
الواجبة لا يجوز أن يدخل فيها الإنسان بنية التطوع، فثبت بما بينا
أن الوتر من النوافل.
وروي أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الفرض في
اليوم والليلة، فقال: خمس. فقال: هل عليَّ غيرها؟ فقال: (( لا،
إلاَّ أن تتطوع )). قال: لا أزيد، ولا أنقص، فقال صلى الله عليه
وآله وسلم: (( أفلح وأبيه إن صدق )).
وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (( صلوا خمسكم،
وصوموا شهركم، وحجوا بيتكم، وأدوا زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم،
تدخلوا جنة ربكم )) ففي هذا أن الواجب من الصلاة خمس.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/279، وفيه زيادة، قال:
سألت عبد الله بن عمر، عن الوتر فقال: أتعرف وتر النهار؟ قلت: نعم،
صلاة المغرب، فقال: أحسنت أو صدقت، ثم قال: بينا نحن...إلخ.
(13/5)
وروي عن ابن عباس، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: (( كتب(1) عليَّ الوتر، ولم يكتب عليكم )).
وأخبرنا أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا محمد
بن شجاع، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن
علي عليه السلام، قال: "الوتر ليس بفريضة كالصلاة المكتوبة، وإنما
هي سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".
ومما يدل على ذلك أنَّه قد ثبت أنَّه لا يجوز لأحد أن يصلي على
الرواحل غير النوافل، وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
كان يوتر على الراحلة، فثبت أن الوتر من النوافل.
أخبرنا أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا محمد بن الحسين بن اليمان،
حدثنا محمد بن شجاع، حدثنا يحيى بن حماد، عن يحيى بن سعيد القطان،
عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، أنه صلى على راحلته، وأوتر
عليها، وقال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفعله.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا يونس، حدثنا ابن
وهب، أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبدالله، عن أبيه، قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الراحلة، ويوتر
عليها غير أنَّه لا يصلي عليها المكتوبة(2).
فإن قيل: هذا منسوخ لما روي أن ابن عمر، كان يصلي على راحلته ويوتر
على الأرض، ويزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يفعل
ذلك، وروى ذلك حنظلة بن أبي سفيان، عن نافع، عن ابن عمر.
ولما روى محمد بن شجاع يرفعه، إلى ثوير بن أبي فاخته، عن أبيه، أن
علياً عليه السلام كان يصلي على راحلته التطوع حيث توجهت به وينزل
للفريضة والوتر.
__________
(1) ـ في (ب): كتبت.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/420.
(13/6)
قيل له: إن هذا لا يدل على نسخ ما ذكرنا من جواز الإيتار على
الراحلة، وذلك أن الإيتار على الأرض لا يمنع من جواز الإيتار على
الراحلة؛ لأنَّه لا يمتنع أن يكون الإنسان يأخذ بالأشد في العبادة
مع علمه بجواز الأسهل، بين ذلك:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا فهد، حدثنا علي
بن معبد، حدثنا عبدالله بن عمر، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن
عمر، قال: كان ابن عمر يوتر على راحلته، وربما نزل فأوتر على
الأرض(1).
فأما أمير المؤمنين عليه السلام فقد بينا ما رويناه من قوله: "إن
الوتر ليس بفرض، وأنه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم".
فدل ذلك على أن نزوله إلى الأرض للإيتار، كان على الأخذ بالأفضل،
لا على أنَّه لم يجز سواه.
فإن استدلوا على وجوبه بما روي من قول رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم: (( إن الله زادكم صلاة وهي الوتر )).
قيل له: ذلك لا يدل على الوجوب ؛ لأنه يجوز الزيادة في النوافل
المؤكدة المحصورة بالأعداد والأوقات كما يجوز في الفرائض.
فإن استدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( اجعلوها بين العشاء
والفجر ))، وقوله: (( أوتروا يا أهل القرآن )).
قيل لهم: ما قدمناه من الأدلة يدل على أن هذا الأمر على الندب.
فإن استدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( الوتر حق، فمن لم
يوتر، فليس منا )).
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/430، وفيه: عبيد الله
بن عمرو بدلاً عن عبد الله بن عمر.
(13/7)
قيل له: أما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( الوتر حق )) فليس
يتناول موضع الخلاف؛ إذ لا خلاف في أنَّه حق، وإنما الخلاف في
أنَّه نفل، أو واجب، واسم الحق يجمعهما، وقوله: (( فمن لم يوتر
فليس منا )). معناه من لم يوتر راغباً عنه، ومستهيناً به بالأدلة
التي بيناها، وبدلالة قوله: (( الوتر حق ))؛ لأنَّه لما أثبت كونه
حقاً، وتوعد من لم يفعله كان الظاهر من الكلام أن التوعد لمن لم
يفعله معتقداً أنَّه ليس بحق.
فإن قاسوه على الواجبات من الصلوات بكونه مؤقتاً، كان ذلك منتقضاً
بصلاة العيدين، وبركعتي الفجر، على أنا نقيسها على النوافل؛ بعلة
أنَّه لا أذان فيه ولا إقامة.
فأما ما يدل على أن الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة فهو ما أثبتناه
عند ذكرنا وقت ركعتي الفجر من حديث عامر الشعبي، قال: سألت ابن
عباس، وابن عمر كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
بالليل؟ فقالا: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ثمان ويوتر بثلاث،
وركعتين بعد الفجر(1).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا محمد بن خزيمة،
حدثنا عبدا لله بن رجاء، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
يوتر بثلاث يقرأ في الأولى بـ {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}،
وفي الثانية: {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ} وفي الثالثة
بـ{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}(2).
وأخبرنا أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا محمد
بن شجاع، حدثنا محمد بن بشر العبدي، والخفاف، قالا: حدثنا سعيد، عن
قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام بن عامر، عن عائشة، قالت:
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يسلم في ركعتي الوتر.
__________
(1) ـ تقدم تخريجه.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/288.
(13/8)
وأخبرنا أبو الحسين، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا محمد بن شجاع،
حدثنا زيد ابن الحباب، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى طلحة،
عن أبي سلمة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يوتر بثلاث.
وأخبرنا أبو الحسين، حدثنا محمد بن الحسين حدثنا محمد بن شجاع،
حدثنا أبو أسامة، عن مالك بن مغول، عن سلمة بن عبد الرحمن، عن
زاذان، أن علياً عليه السلام كان يوتر بثلاث.
وأخبرنا أبو الحسين، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا محمد بن شجاع،
حدثنا الحسن بن موسى، ووهب عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: كان أصحاب
علي، وعبد الله لا يسلمون في ركعتي الوتر.
وأخبرنا أبو الحسين، أخبرنا ابن اليمان، حدثنا ابن شجاع، حدثنا
معلى، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمارة حدثه، عن محمد بن داود،
عن محمد بن كعب، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن
البتيراء، وهي أن يوتر الرجل بركعة واحدة.
فإن استدلوا بما رويناه قبل هذا الموضع من قول النبي صلى الله عليه
وآله وسلم: (( صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة
)).
قيل لهم: معناه أضف إلى الركعتين ركعة ليكون وتراً، بدلالة الأخبار
المشروحة التي بيناها، ولما روينا من النَّهي(1) عن البتيراء.
فإن قيل: فقد روى ابن عمر(2)، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أنَّه قال: (( الوتر ركعة من آخر الليل )).
قيل له: هذا محمول على أن الشفع يصير وتراً بركعة على ما قلناه في
قوله عليه السلام: "فأوتر بركعة"، أو يكون منسوخاً لنهي النبي صلى
الله عليه وآله وسلم عن البتيراء، وذلك(3)؛ لأن النهي يدل على أن
الأمر به كان قد تقدم، وأنه كان قد عرف وعهد لولا ذلك، لكان يبعد
النهي عنه.
__________
(1) ـ في (ب): نهيه.
(2) ـ في (أ): روي عن عمر.
(3) ـ في (ج): عن البتيراء إذ ذلك أولى.
(13/9)
هذا وأخبرنا أبو الحسين، حدثنا ابن اليمان، حدثنا ابن
شجاع،حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن
ابن عمر، قال: الوتر ثلاث كصلاة المغرب.
فدل هذا على أن الخبرين على ما ذكرناهما؛ لأنهما مرويان، عن ابن
عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ويؤيد ما ذهبنا إليه أنا لم نجد شيئاً من الصلوات ركعة واحدة، وروي
عن ابن مسعود، أنَّه قال: ما أجزت ركعة واحدة قط، وهذا هو قول
القاسم والناصر، وأحمد بن عيسى عليهم السلام.
وأما ما يدل على أن القنوت في الوتر بعد الركوع فهو:
ما رواه محمد بن منصور، عن أحمد بن عيسى، عن حسين بن علوان، عن أبي
خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، أنَّه كان
يقنت في الوتر بعد الركوع(1)، على أنَّه قد روي عنه عليه السلام
أنَّه قنت قبل الركوع، إلاَّ أن أصحابنا اختاروا ما رويناه أولاً؛
لأن القنوت عندنا مستحب أن يكون بآية من القرآن، فلو جعلناه قبل
الركوع، وكنا وصلناه بالقراءة، فلم يكن يتميز القنوت عن القراءة،
وإذا جعلناه بعد الركوع تميز كل واحد منهما من صاحبه.
مسألة [ في كيفية الصلاة المستحبة في آخر الليل ]
قال: ويستحب لمن قدر ألاَّ يترك ثماني ركعات في آخر الليل، يسلم في
كل ركعتين منها، وما عداها من النوافل فخير موضع يستكثر منها من
شاء.
استحباب هذه الركعات منصوص عليه في (الأحكام) و(المنتخب)(2)، وما
ذكرناه من أن ماعدا ذلك من النوافل يستكثر منها من شاء منصوص عليه
في (المنتخب)(3).
__________
(1) ـ في (أ): قبل الركوع.
(2) ـ انظر الأحكام 1/143. والمنتخب ص56.
(3) ـ انظر المنتخب ص49.
(13/10)
واستدل في الأحكام بما رواه محمد بن منصور، عن علي ومحمد ابني
أحمد بن عيسى، عن أبيهما عليهم السلام، عن حسين، عن أبي خالد، عن
أبي هاشم، عن زاذان، عن سلمان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم يقول: (( من صلى ثماني ركعات من الليل، والوتر يداوم
عليهن حتى يلقى الله بهن، فتح الله له اثني عشر باباً من الجنة
يدخل من أيها شاء )).
ويدل على ذلك ما قدمناه من حديث الشعبي، عن ابن عباس، وابن عمر،
أنَّه لما سألهما كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
بالليل؟
فقالا: ثمان ركعات، ويوتر بثلاث، وركعتين بعد الفجر، فأما ما
ذكرناه من أن سائر النوافل يستكثر منها من شاء، فلا خلاف فيه، وعلى
ذلك مضى الصالحون من أهل البيت عليهم السلام وغيرهم.
مسألة [ وتكره الصلاة في ثلاثة أوقات ]
قال: ولا تكره الصلاة في شيء من الأوقات إلاَّ في ثلاثة: حين طلوع
الشمس إلى ارتفاعها، وحين استوائها إلى زوالها، وحين غروبها إلى
ذهاب شعاعها، فإن كان على الرجل قضاء فوائت من الفروض، لم تكره في
هذه الأوقات أيضاً.
ما ذكرناه من كراهة الصلاة في هذه الثلاثة الأوقات منصوص عليه في
كتاب الجنائز من (الأحكام) و(المنتخب)(1) جميعاً.
وما ذكرناه من أن قضاء الفوائت من الفروض غير مكروه فيها قضاءه دل
عليه قوله في (الأحكام)(2) في الناسي للصلاة أن "عليه إعادتها عند
ما يكون من ذكره لها" من غير أن يستثني شيئاً من الأوقات.
فأما ما يدل على صحة ما نذهب إليه من أن هذه الصلاة تكره في هذه
الأوقات الثلاثة، فهو:
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/165. والمنتخب ص56.
(2) ـ ما بين المعكوفين سقط من (أ). وانظر الأحكام 1/120.
(13/11)
ما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا محمد بن الحسين بن
اليمان، حدثنا محمد بن شجاع، حدثنا أبو نعيم، عن موسى بن علي، قال:
سمعت أبي، قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني، قال: ثلاث ساعات نهانا
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن
موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة
حتى تميل الشمس، وحين ضيفت الشمس للغروب حتى تغرب.
والذي يدل على أن هذا الخبر خاص فيما عدا المكتوبات:
ما أخبرنا به أبو الحسين(1)، حدثنا ابن اليمان، حدثنا ابن شجاع،
حدثنا سعيد بن عامر، ويزيد بن هارون، قالا: حدثنا سعيد بن أبي
عروبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: (( من نسي صلاة، أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها ))، فاقتضى
عموم هذا القول جواز فعل الفوائت في كل وقت يُذكرن فيه، فبان أنها
تقضي في هذه الأوقات الثلاثة، وأن النهي خاص فيما عدا ما ذكرناه.
فإن قيل: ليس خبركم بأن يكون مخصِّصاً لخبر النهي بأولى من أن يكون
خبر النهي مخصصاً لخبركم؛ لأنَّ كل واحد منهما عام من وجه، وخاص من
وجه.
__________
(1) ـ في (ج): أبو الحسين بن إسماعيل.
(13/12)
قيل له: إن كان الأمر على ما ذكرتم، فإن الخبرين قد تعارضا في
الوجه الذي اختلفنا فيه؛ لأن عموم النهي يحظر قضاء الفوائت في هذه
الأوقات، وعموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( فليصلها إذا
ذكرها )) يوجب قضائها فيها، فإذا(1) ثبت ما بينا من التعارض في
الخبرين من الوجه الذي ذكرناه، لم يستقر النهي من قضاء الفوائت
فيها، وإذا لم يستقر النهي لم يكن فرق بين هذه الأوقات الثلاثة،
وبين سائر الأوقات في وجوب قضاء الفوائت فيها، على أن ما قدمنا
ذكره من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( من أدرك ركعة من صلاة
العصر قبل أن تغروب الشمس، فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة قبل طلوع
الشمس من الفجر، فقد أدرك الفجر ))، نصٌ فيما نذهب إليه، وقد ذكرنا
إسناده فيما تقدم. يؤيد ذلك:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا علي بن معبد،
حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس(2)، عن أبي
رافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال:
(( من أدرك من صلاة الغداة ركعة قبل أن تطلع الشمس فليُصلَّ إليها
ركعة ))(3).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا
بن مرزوق، قال: حدثنا أبو عامر العَقدي، حدثنا علي بن المبارك، عن
يحيى بن أبي زكريا، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم، قال: (( من أدرك من صلاة العصر ركعة قبل أن
تغرب الشمس، فقد تمت صلاته ))(4)، فكل ذلك نص صريح في إجازة فعل
المكتوبة في هذين الوقتين.
__________
(1) ـ في (ب) و(ج): وإذا.
(2) ـ في (أ): جلاس.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/299، وفيه: فليصل إليها
أخرى.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/399، وفيه: يحيى بن
كثير، بدلاً عن: يحيى بن أبي زكريا.
(13/13)
فإن قيل: خبر النهي أولى في الوجه الذي اختلفنا فيه من قوله صلى
الله عليه وآله وسلم: (( فليصلها إذا ذكرها ))؛ لأن خبر النهي وارد
في وجه بيان الوقت وتفصيله، وخبركم وارد في بيان لزوم القضاء في
الفوائت.
قيل له(1): خبرنا وإن كان وارداً في لزوم القضاء في الفوائت فإنه
يتضمن الوقت؛ لأن قوله: إذا ذكرها يوجب أن وقت ذكره لها هو وقت
أدائها.
فإن قيل: فإن خبر النهي خاص، وخبركم عام، وأنتم ترون بناء العام
على الخاص.
قيل له: قد مضى(2) فيما تقدم أن كل واحد من الخبرين عام في وجه،
خاص في وجه، فلا يلزم فيهما ما ذكرتم.
فإن قيل: فإن خبرنا حاظر، وخبركم مبيح، وذلك أن خبرنا يحظر الصلاة
في هذه الأوقات، وخبركم يبيحها؛ لأن مَنْ مذهبه قضاء الفوائت فيها
يرى أنَّه يجوز تقديم نوافلها عليها، فالخبر على هذا مبيح لها
عندهم؛ إذ جائز عندهم أن تفعل، وجائز أن تؤخر.
قيل له: ليس الأمر على ما قدرت، وذلك أنَّه وإن جاز تقديم النافلة
عليها في ذلك الوقت، فلا يدل ذلك على أن تلك الصلاة غير واجبة
فيها؛ لأن الواجب على ضربين: واجب مضيق، وواجب موسع، فأكثر ما في
هذا أنَّه واجب موسع، وذلك لا يقتضي الإباحة، ألا ترى أنا نوجب
الصلاة في أول وقتها، ومع هذا فيجوز تأخيرها عن أول وقتها، وإذا
كان هذا هكذا، لم يكن خبرنا مبيحاً، بل يكون موجباً، ولا يمكن
تقديم الحاظر عليه؛ لأن الحظر والإيجاب يتقابلان، وليسا كالحظر
والإباحة.
__________
(1) ـ في (ج): قيل ليس الأمر على ما ذكرت، وذلك أن قوله صلى اللّه
عليه وآله وسلم: "فليصلها إذا ذكرها"، وإن كان يتضمن لزوم قضاء
الفائت فإنه يتضمن الوقت.
(2) ـ في (أ): قد نص.
(13/14)
فإن استدلوا بما روي عن(1) النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمَّا
نام ـ هو ـ وأصحابه عن صلاة الفجر في الوادي، فاستيقظ وقد طلعت
الشمس، أمر بالرحيل حتى لما ارتفعت الشمس، نزل وصلى، وفي بعض
الروايات لما خرج من الوادي، انتظر حتى استقلت الشمس، وفي بعضها:
فقعدوا هنيهة، ثُمَّ صلوا.
قيل لهم: هذه الأخبار في هذا الباب وردت مختلفة، واحتمل فيها
التعارض، فحديث أبي قتادة ليس فيه ذكر الارتحال، بل فيه ما يدل على
أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ارتحل.
أخبرنا أبو الحسين علي بن إسماعيل، حدثنا محمد بن الحسين بن
اليمان، حدثنا محمد بن شجاع، حدثنا المعلى بن منصور، عن هشام(2)،
قال: أخبرنا حصين، أخبرنا عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أبي
قتادة، قال: فاستيقظنا وقد طلعت الشمس، فأمرهم النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، فانتشروا لحاجتهم، وتوضئوا [وارتفعت الشمس فصلى بهم
الفجر، فهذا الخبر ليس فيه إلا أنهم انتشروا وتوضئوا](3)، فصلوا
فصادف فعل الصلاة إرتفاع الشمس، وليس فيه أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم ارتحل، ولا أنَّه قصد تأخيرها إلى ارتفاع الشمس، فالكلام
في هذا من وجهين:
أحدهما: أن التعارض قد وقع في كيفية فعله صلى الله عليه وآله وسلم،
فلا يمكن التعويل عليه.
والثاني: أن التأخير يمكن أن يكون وقع للتوضؤ، ولأن يجتمع الناس،
فصادف ذلك ارتفاع الشمس.
وأما الارتحال فإن صح، فيجوز أن يكون؛ لأن الموضع كان فيه شيطان
على ما ورد به الخبر، فكره صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة في
الموضع، لا في الوقت.
__________
(1) ـ في (ج): أن.
(2) ـ في (ج): هشيم.
(3) ـ سقط ما بين المعكوفين من (أ) و(ب).
(13/15)
أخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، عن أبي بكرة، حدثنا أبو
داود، حدثنا عباد بن ميسرة المقرئ، قال: سمعت أبا رجا العطاردي،
حدثنا عمران بن الحصين، قال: أسرى بنا رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم، وعرسنا معه، فلم نستيقظ إلاَّ بحر الشمس، فلما استيقظ
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: يا رسول الله، والله(1)
ذهبت صلاتنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( لم تذهب
صلاتكم، ارتحلوا من هذا المكان )) فارتحل قريباً، فنزل وصلى(2).
فدل هذا الخبر على أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم كره المكان، ألا
ترى إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( ارتحلوا من هذا المكان
)).
فإن قيل: ففي بعض الأخبار أنهم لما نزلوا، قعدوا هنيهة، ثُمَّ
صلوا، فدل ذلك على أنهم طلبوا الوقت.
قيل له: لا يمتنع أن يكون قعودهم كان ليتلاحقوا، وليفرغ الكل من
الوضوء، فيلحقوا صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، على أن
أبا حنيفة وأصحابه يذهبون إلى أنَّه يجوز أن يؤدي الرجل عند غروب
الشمس عصر يومه، فيمكن أن يقاس عليها سائر الفوائت، على أنَّه لا
خلاف بيننا وبينهم في أن الفوائت تقضي بعد العصر، وبعد الفجر.
وإن كان النهي عن الصلاة في هذين الوقتين وارداً، فيجب أن تكون
الأوقات الثلاثة كذلك في أن النهي عن الصلاة فيها يرجع إلى التطوع.
فصل [ في قضاء صلاة الليل ]
قال في (المنتخب)(3) ـ فيمن فاتته صلاة الليل حتى يطلع الفجر ـ:
فقضاؤها بعد طلوع الفجر، وقد كرهه غيرنا، ولسنا نكرهه، وهو جائز.
فدل ذلك على أنَّه يجري النوافل مجرى الفرائض؛ لأن فواتها لا يكره
قضاؤه في وقت من الأوقات.
__________
(1) ـ سقط من (ب) و(ج).
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/400.
(3) ـ انظر المنتخب ص56.
(13/16)
ووجه ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( من نسي صلاته(1)، أو
نام عنها، فليصلها إذا ذكرها ))، فلم يستثن فرضاً من نفل، ويمكن أن
يقاس النفل على الفرض، بعلة الفوات، فوجب أن لا يكره قضاؤها في
جميع الأوقات كما لا يكره قضاء الفرض؛ ولأن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قضى الركعتين اللتين كان يصليهما بعد الظهر بعد ما صلى
العصر.
مسألة [ في الحائض تطهر والمغمى عليه يفيق قبل فوات الوقت ]
قال: وأيما امرأة طهرت، أو مغمى عليه أفاق قبل غروب الشمس بقدر خمس
ركعات لزمهما الظهر والعصر، ولو كان ذلك قبل طلوع الفجر بقدر أربع
ركعات، لزم المغرب والعشاء، وإن(2) كان قبل طلوع الشمس بقدر ركعة،
لزم الفجر، وهكذا الصبي إذا بلغ(3) والكافر إذا أسلم، والمسافر إذا
أقام.
قد نص القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي) على ما ذكرنا في
المرأة تطهر في آخر الوقت في النهار، أو آخر الليل، أو قبيل طلوع
الشمس.
وقال ـ أيضاً ـ في (مسائل النيروسي): أن المغمى عليه إن أفاق في
آخر نهاره صلى صلاة نهاره، وإن أفاق في آخر ليلة صلى صلاة ليله،
ونص في (الأحكام)(4) على ما ذكرناه في الحائض تطهر، والمغمى عليه
يفيق آخر النهار بقدر ما يصلي خمس ركعات.
فأما الصبي إذا أدرك، والكافر إذا أسلم، والمسافر إذا أقام، فإن
أصحابنا خرّجُوه على ما ذكرنا من النصوص.
وروى محمد بن منصور، عن زيد بن علي عليهم السلام، أنَّه قال: إذا
رأت المرأة طهراً من حيضها نهاراً، فعليها صلاة يومها، وإذا رأته
ليلاً، فعليها صلاة ليلتها.
__________
(1) ـ في (ب) و(ج): صلاة.
(2) ـ في (ب) و(ج): ولو.
(3) ـ في (ب) و(ج): أدرك.
(4) ـ انظر الأحكام 1/90.
(13/17)
والوجه فيه ما ثبت من امتداد وقت صلاة الظهر والعصر إلى آخر
النهار، وامتداد وقت صلاة المغرب والعشاء إلى آخر الليل وامتداد
وقت صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وقد ذكرنا في ذلك ما كفى وأغنى، مع
ما روي: "مَن(1) أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك
العصر، ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك
الفجر". فقيس عليه من أدرك من العشاء الآخرة قبل أن يطلع الفجر
ركعة، فقد أدركها، فوجب أن يكون من أدرك أربع ركعات قبل طلوع الفجر
في وجوب المغرب والعشاء عليه كمن أدرك خمس ركعات قبل أن تغرب(2)
الشمس في وجوب الظهر والعصر عليه.
__________
(1) ـ في (أ): روي أن من.
(2) ـ في (ب) و(ج): غروب.
(13/18)
باب القول في التوجه وفي البقاع التي يصلى عليها وإليها
[ في التوجه للكعبة أو التحري لجهتها ]
يجب على كل مصلٍ أن يتوجه إلى الكعبة إن أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه،
تحرى جهتها، وصلى إليها.
قال في (المنتخب)(1): فالقليل(2) من الكعبة والكثير يجزئ إذا كانت
نية المصلي إليها، وقال في قوله تعالى: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ
شَطْرَهُ}، أي جانباً منه، أيّ ناحية كانت من نواحيها.
وقال(3) في راكب السفينة "يصلي على قدر ما يمكنه، غير أنَّه يتبع
القبلة"(4)، فنبه على التحري.
وقال في (المنتخب)(5): من أخطأ القبلة، وصلى، ثُمَّ لم يعلم حتى
خرج الوقت، لم يعدها؛ لأنَّه قد تحرى القبلة عند توجهه.
فدل ذلك على أنَّه يرى وجوب التحري، وهذا مما لاخلاف فيه بين
الأمة، وقد قال تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ
شَطْرَهُ}[البقرة:144]، والشطر لا بد من أن يكون معلوماً، أو
مظنوناً؛ لأن أحكام الشريعة كلها راجعة إلى العلم، أو غالب الظن،
ومن المعلوم أن العلم يحصل بالمعاينة، وأن الظن يحصل بالتحري، أو
ماقام مقامه، فثبت أنه لا بد من التحري مع الغيبة عن الكعبة.
ومعنى قولنا: يجب على كل مصلٍ أن يتوجه إلى الكعبة، أو يتحرى جهتها
إذا لم يكن الحال حال العذر؛ لأن المتنفل على الراحلة، والمصلي على
السفينة(6)، والخائف لهم أن يصلوا إلى غير القبلة، وسنبين ذلك بعد
هذا، إنشاء الله.
مسألة [ في انكشاف خطأ المتحري في الوقت وبعده ]
قال: ولو أن رجلاً تحرى القبلة فأخطأ وصلى، ثُمَّ علم بخطئه بعد
مضي الوقت، لم يعد تلك الصلاة، وإن علم وهو في الوقت أعادها.
__________
(1) ـ انظر المنتخب ص50.
(2) ـ في (ب) و(ج): والقليل.
(3) ـ انظر المنتخب ص37. وفي نسخة (ج): وقال في الأحكام: يصلي صاحب
السفينة على..إلخ.
(4) ـ الأحكام 1/122.
(5) ـ انظر المنتخب ص37.
(6) ـ في (ب): في السفينة.
(14/1)
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) و(المنتخب)(1) جميعاً. وذكره
القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي).
وهذا هو في من علم أنَّه صلى إلى الجهة التي يعلم على القطع أنها
غير جهة القبلة؛ لأنَّه ذكره في (الأحكام)(2)، فقال: إذا صلى إلى
غير القبلة وهو لا يعلم، ثُمَّ علم وكان وقت تلك الصلاة باقياً
أعادها، وإن خرج وقتها فلا إعادة عليه(3).
وقال في (المنتخب)(4): "إن كان علم أنَّه صلى إلى غير القبلة، وهو
في وقت من الصلاة أعادها".
وقال القاسم عليه السلام: فيمن صلى في يوم غيم إلى غير القبلة وهو
لا يعلم، ثُمَّ علم، أعادها ماكان في وقتها. فحقق أن يكون المصلي
يعلم أنَّه صلى إلى غير القبلة.
والدليل على أن الإعادة تلزمه قول الله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ
شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَاكُنْتُمْ فَوَلُّوا
وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}[البقرة:144]، فإذا علم أنَّه صلى إلى غير
جهة القبلة(5) التي يغلب في الظن أنها جهة(6) شطر الكعبة، وجب
إعادتها، و ـ أيضاً ـ فقد علمنا أن الصلاة إلى غير القبلة باطلة
كصلاة الجنب، ولا خلاف أن من صلى جنباً ـ وهو ناسٍ ـ أن عليه
الإعادة، فكذلك من صلى إلى غير القبلة؛ ولأن سبيله سبيل من حكم
ثُمَّ علم أنَّه أخطأ النص في أن عليه أن ينقض الحكم، ولا يعتد به.
فإن قيل: إن القبلة أصلها التحري لمن كان غائباً عن الكعبة، فيجب
أن يكون سبيل [من أخطأها سبيل](7) من لاح له اجتهادٌ خلاف الإجتهاد
الأول، في أنَّه لا يجب أن يعيد ما فعله أولاً باجتهاده، ولا ينقضه
إن كان حكماً.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/199، 120. والمنتخب ص37.
(2) ـ انظر الأحكام 1/119.
(3) ـ في (ج): فلا يجب عليه إعادتها.
(4) ـ المنتخب ص37.
(5) ـ في (أ): غير الجهة.
(6) ـ في (أ): أنها غير جهة.
(7) ـ سقط ما بين المعكوفين من (ب) و(ج).
(14/2)
قيل له: إن القبلة وإن كان أصلها التحري، ففي الجهات ما يعلم
على القطع أنَّه غير جهة القبلة، فإذا صلى إليها، ثُمَّ علم، كان
سبيله سبيل من يعلم أن اجتهاده الأول وقع مخالفاً للنص في أنَّه
يجب أن يعيده، ولا يعتد به، وينقضه إن كان حكماً، يبين ما ذكرناه
من أن في الجهات ما يعلم قطعاً أنَّه غير جهة الكعبة، وأن في
الجهات ما لا يجوز للمجتهد أن يصلي إليها، ويقطع على أنَّه مخطئ
متى صلى إليها، وأن صلاته باطلة، على أنَّه لا خلاف أن الأسير إذا
تحرى شهر رمضان، فأدَّاه ذلك إلى صيام شعبان، ثُمَّ علم به في شهر
رمضان، أن عليه الإعادة، واختلفوا إن علم بعد شهر رمضان فأحد قولي
الشافعي، أنَّه لا يعيد، حكاه ابن أبي هريرة في (التعليق)، وكذلك
ذكر فيمن أخطأ عرفة، فوقف يوم التروية ثُمَّ علم به يوم عرفة،
فعليه إعادة الوقوف، وإن لم يعلم به إلاَّ بعد مضي عرفة لم يلزمه
إعادة الوقوف، وذكر أنَّه قول واحد، وهذا يمكن أن يجعل أصلاً،
ويقاس عليه الخطأ في القبلة، بأن يقال: بأنَّه أخطأ فيما طريقه
الإجتهاد في عبادة مؤقتة، فعليه إعادتها في الوقت، ولا إعادة عليه
بعد الوقت.
فإن قيل: فإن سائر ما قد مضى الإستدلال به يوجب الإعادة قبل الوقت
وبعده، فقد قلتم: إنَّه لا يعيد بعد الوقت.
قيل له: الإستدلال يوجب ذلك، إلاَّ أنا اتبعنا الأثر فيه، فقلنا:
لا إعادة عليه، إذا علم به بعد الوقت؛ لِما روى جابر، قال: بعث
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية كنا فيها، فأصابتنا ظلمة،
فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة ـ هاهنا قبل
الشمال ـ وخطوا خطوطاً.
وقال بعضهم: القبلة هاهنا قبل الجنوب وخطوا، فلما أصبحنا، وطلعت
الشمس، أصبحت الخطوط إلى غير القبلة، فسألنا النبي صلى الله عليه
وآله وسلم عما فعلنا، فأنزل الله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُولُّوا
فَثَمَّ وَجْهُ الله}.
(14/3)
وهذا الحديث ذكره الجصاص في (شرح مختصر الطحاوي) بإسناده، وذكر
فيه ـ أيضاً ـ أنَّه روي عن عاصم بن عبيدالله بن عبدالله بن عامر
بن ربيعة، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة
مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، ثُمَّ
أصبحنا، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله
تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ}[البقرة:115]،
فلما لم يأمرهم صلى الله عليه وآله وسلم حين علموا بالخطأ بعد مضي
الوقت، اتبعنا وقلنا: لا إعادة بعد الوقت.
فإن قيل: فقوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ
اللهِ}[البقرة:115]، يوجب سقوط الإعادة قبل الوقت وبعده.
قيل له: ظاهر الآية لا يوجب سقوط الإعادة، لا في الوقت ولا
بعده(1)، وإنما علم أن لا إعادة بعد الوقت؛ لأن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم لم يأمرهم بها، ولما نزلت الآية عند ذلك، علمنا أن
المراد بها سقوط الإعادة في الموضع الذي نزل فيه، ولم يجب حمله على
العموم؛ إذ لا ظاهر له.
فإن قيل: يلزمكم في الجنب إذا صلى ناسياً أن تقيسوه على من أخطأ
القبلة، كما قستم عليه من توضأ بماء نجس وهو لا يعلم، وكذلك يلزمكم
أن تقيسوا عليه من أخطأ فصلى قبل الوقت.
__________
(1) ـ في (أ): لا قبل الوقت ولا بعده.
(14/4)
قيل له: ليس يلزم ما ذكرت، وذلك أن الجنب يصير إلى رفع الجنابة
باليقين [وكذلك الوقت يصير إليه المصلي باليقين](1)، فلم يجب أن
يكون حكمه(2) حكم من أخطأ القبلة؛ لأن الذي أخطأ القبلة يصير إليها
بضرب من الاجتهاد، ولهذا قسنا عليه من تطهر بماء نجس وهو لا يعلم،
أنَّه(3) لا يصير إلى طهارة الماء إلاَّ بالاجتهاد دون اليقين
والقطع، ومن الفرق بينهما أن القبلة مع الغيبة عن الكعبة طريقها
الاجتهاد، وقد ثبت أن من أخطأها، لا يعيد الصلاة، إذا علم بالخطأ
بعد الوقت للأثر الذي بيناه، فوجب أن يكون ذلك سبيله سبيل من تطهر
بماء نجس، وهو لا يعلم ذلك، ثُمَّ علم به بعد الوقت، هذا إذا كان
الماء مختلفاً في نجاسته، ولم يجب أن يكون سبيل الجنب أو المحدث
إذا صلى ناسياً، ثُمَّ علم به بعد الوقت ذلك السبيل، وكذلك من صلى
الظهر قبل الزوال وهو لا يعلم؛ لأن ذلك ـ أجمع ـ طريقه النص، وما
يجري مجرى النص مما يوجب القطع.
واستدل بعض أصحابنا على ذلك بأن قال: إن التحري هو للإلتباس
والوقت(4)، ألا ترى أنَّه لا وجه للتحري إذا لم يكن التباس؟ وكذلك
لو كان الوقت ممتداً، لكان يترك الصلاة إلى أن يعاين، ولا يتحرى،
فإذا ثبت ذلك فمضى الوقت مع الالتباس؛ يوفر أسباب التحري، فإذا علم
الخطأ ـ والوقت باق ـ فأسباب التحري غير موفرة، وتجب الإعادة.
مسألة [ في تنفل المسافر على راحلته ]
قال: والمسافر يتنفل على ظهر راحلته أينما توجهت به.
وهذا قد نص عليه في (الأحكام)(5) عند ذكره صلاة الليل، قال: "إن
كان في محمل حوَّل وجهه نحو القبلة، وإن كان على الراحلة صلى حيث
توجهت، وقال: فإذا جاءت الفريضة فالأرض إلاَّ من بلاء عظيم وخوف
جسيم".
__________
(1) ـ ما بين المعكوفين زيادة في (ج).
(2) ـ في (ج): حكمها.
(3) ـ في (ج): لأنه.
(4) ـ في (ب): هو الإلتباس للوقت.
(5) ـ انظر الأحكام 1/144.
(14/5)
وأجاز القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي) الوتر على
الراحلة، وقال: لأنها سنة، وليست بفريضة.
واستدل يحيى عليه السلام على ذلك بما رواه محمد بن منصور، عن أحمد
بن عيسى، عن حسين، عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي
عليهم السلام، أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
فقال: يا رسول الله، هل أصلي على ظهر بعيري؟
قال: (( نعم. حيث توجه ـ في النوافل ـ بك بعيرك إيماء، ويكون سجودك
أخفض من ركوعك، فإذا كانت المكتوبة، فالقرار القرار )).
وقد قدمنا في مسائل الوتر سائر ما روي في ذلك، عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم، وعن أمير المؤمنين عليه السلام.
وأما قول يحيى عليه السلام أنَّه إن كان في محمل حول وجهه نحو
القبلة، فإنه قال ذلك لقول الله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا
وُجُوْهَكُمْ شَطْرَهُ}، فكان هذا الظاهر يقتضي أن يكون كل مصل
يتوجه إلى القبلة، فلما ورد الأثر في جواز فعل النوافل على الرواحل
للعذر ـ لما(1) يلحق من المشقة لو رام التوجه عليها ـ قال به، وخص
الظاهر، فلما وجد راكب المحمل لا يشق عليه تحويل وجهه إلى القبلة،
شبهه بمن على الأرض.
وظاهر قول يحيى عليه السلام يدل على أنَّه لا يفصل بين التكبيرة
الأولى وغيرها في أنها تجوز إلى حيث توجهت الراحلة، وعليها يدل قول
النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين سأله السائل: هل أصلي على ظهر
بعيري؟ قال: (( نعم. حيث توجه بك بعيرك ))، فلم يستثن التكبيرة
الأولى من غيرها، وكذلك سائر ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم في هذا الباب.
فإن قيل: روى عمرو بن أبي الحجاج، عن الجارود بن أبي سبرة، عن أنس
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع
بصلاة، استقبل بناقته القبلة، فكبر وصلى حيث توجهت الناقة به.
__________
(1) ـ في (ا) و(ب): الرواحل ولما.
(14/6)
قيل له: هذا فعل، ولا يدل على أنَّه لا يجزي سواه، على أنَّه
محمول عندنا على أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك في حال لم
يكن عليه فيها مشقة، فيكون سبيله سبيل من في المحمل؛ لأنَّه لما لم
يكن عليه مشقة في تحويل وجهه إلى القبلة، قلنا: إنَّه يحول وجهه
إليها، فكذا القول في التكبيرة الأولى إذا كانت في حال لا مشقة
عليه في تحويل وجهه عندها إلى القبلة، لا لأمر يرجع إلى الفصل بين
التكبيرة الأولى وغيرها، بل للفصل بين حال المشقة وغير المشقة.
مسألة [ في صلاة راكب السفينة ]
قال: ومن كان في السفينة صلى كيف ما أمكنه قائماً، أو قاعداً، ولا
يصلي قاعداً، وهو يمكنه القيام، ويتوجه إلى القبلة، ويدور إليها
بدوران السفينة ما أمكنه، فإن لم يمكنه، أجزأه.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1)، حيث يقول: "وصاحب السفينة يصلي
على قدر ما يمكنه، ويجد السبيل إليه". فكان كالتصريح بأن من وجد
السبيل إلى القيام، لم يجزه دون(2) ذلك.
وقال فيه: "إنَّه يتتبع القبلة، ويدور لها بدوران السفينة"(3).
والمراد به الفرض؛ إذ لا خلاف في أن النفل يجوز أن يؤديه قاعداً من
قدر على القيام في جميع الأحوال.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنَّه يجوز له أن يصلي قاعداً، وإن أمكنه
القيام.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/122.
(2) ـ في (أ) و(ب): غير.
(3) ـ انظر الأحكام 1/122.
(14/7)
والوجه لصحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: {وَقُوْمُوا لِلَّهِ
قَانِتِيْنَ}[البقرة:238]، فأمر بالقيام، ولم يخص حالاً دون(1)
حال، ـ وأيضاً ـ فلا خلاف أن من صلى على البر قاعداً وهو يقدر على
القيام أنَّه لا تجزئه صلاته، فكذلك من صلى في السفينة وهو يقدر
على القيام، والعلة أنَّه ترك القيام مع القدرة عليه على ما أمر
به، ـ وأيضاً ـ فإن القيام مقيس على الركوع والسجود في الفرض؛
لأنَّه ركن من أركان الصلاة كالركوع والسجود (فكما لا يجوز له ترك
الركوع والسجود)(2) مع التمكن منهما، فكذلك القيام.
فإن قاسوه على النوافل؛ بعلة أنها تفعل وهي سائرة، كان قياسنا
أولى؛ لأن الفرض أشبه بالفرض، وإن كانت الصلاة بعضها ببعض أشبه من
الفرض بالنفل؛ ولأن الاحتياط مع قياسنا، وكذلك الحظر.
فإن قالوا: فإن الحال حال العذر، فله أن يترك القيام مع التمكن منه
كالمسافر لما كان حاله حال العذر، جاز له ترك الصيام(3) مع التمكن
منه.
قيل له: هذا فاسد بالمريض، وذلك أن حاله ـ أيضاً ـ حال العذر، وليس
له أن يترك القيام مع التمكن منه.
فإن قيل: إنَّه يخشى من دوران الرأس على راكب السفينة.
قيل له: إن غلب في ظنه أنَّ ذلك يؤديه إلى الضرر، جاز له أن يصلي
قاعداً؛ لأنَّه في حكم من لا يمكنه القيام، وإنما الخلاف بيننا
وبينكم إذا أمن ذلك، ألا ترى أن العليل إذا خاف ضرراً من القيام،
جاز له أن يصلي قاعداً، وليس له ذلك إذا أمن.
مسألة [ في السترة لمن صلى في فضاء الأرض ]
قال: ويستحب لمن صلى في فضاء من الأرض أن يجعل أمامه سترة، فإن لم
يجد، فلا بأس أن يخط بين يديه خطاً، قال: ولا يقطع صلاته ما مر بين
يديه من كلب، أو حمار وغيره.
__________
(1) ـ في (أ) و(ب): من.
(2) ـ ما بين المعكوفين في (ج) وهامش (ب).
(3) ـ في (ب): القيام، وفي هامشه: لعله التمام.
(14/8)
وقد نص على ذلك في (الأحكام) و(المنتخب)(1)، وقال: "وليدرأ
المسلم عن نفسه ما استطاع".
واستدل على ذلك:
بما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا الناصر عليه السلام،
عن محمد بن منصور، قال: حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين، عن أبي خالد،
عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، قال: كانت لرسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم عنزة يتوكأ عليها، ويغرزها بين يديه
إذا صلى، فصلى ذات يوم ـ وقد غرزها بين يديه ـ فمر بين يديه كلب،
ثُمَّ مر حمار، ثُمَّ مرت امرأة، فلما انصرف قال: (( رأيت الذي
رأيتم، وليس يقطع صلاة المسلم شيء، ولكن ادرأوا ما استطعتم )).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن مرزوق، حدثنا
أبو عاصم، عن ابن جريج، عن محمد بن عمر، عن عباس بن عبيدالله بن
عباس، عن الفضل بن العباس، قال: زارانا رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم في بادية لنا، ولنا كليبة(2) وحمار يرعيان، فصلى العصر
وهما بين يديه، فلم يُزجرا، ولم يُؤخرا(3).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، عن ابن مرزوق، حدثنا معاذ
بن فضالة، حدثنا(4) يحيى بن أيوب، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي
طالب عليه السلام.. فذكر بإسناده مثله(5).
فإن قيل: فقد روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال:
(( لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديك حاجزة الرحل )). وقال: ((
يقطع الصلاة المرأة، والكلب الأسود، والحمار )).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/118. والمنتخب ص47.
(2) ـ في (ب) : حليبة.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار1/459، وفيه: عباس بن عبد
الله.
(4) ـ في (أ): حدثني.
(5) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/460.
(14/9)
قيل له: هذا يجب أن يكون منسوخاً بما رويناه عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم، ألا ترى إلى قوله: (( رأيت الذي رأيتم، وليس يقطع
صلاة المسلم شيء )) . ومن المعلوم أنَّه لم يقل لهم ذلك إلاَّ وقد
علم أنهم اعتقدوا في هذه الأشياء أنَّها تقطع الصلاة؛ لأنَّه صلى
الله عليه وآله وسلم بعيد أن يُعَرفهم ما لا يقطع الصلاة؛ لأنَّه
أكثر من أن يحصى، فلم يشر إلى ما أشار إليه عليه السلام، إلاَّ
والحال ما ذكرنا، ولا يجوز أن يكونوا اعتقدوا شيئاً معقولاً إلاَّ
الشرع قرع أسماعهم، إذ لا مسرح للعقل في ذلك، فثبت بما بينا أن
خبرهم متقدم، وخبرنا متأخر.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا يونس، حدثنا ابن
وهب: أن مالكاً أخبره عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد
الخدري عن أبيه(1)، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((
إذا كان أحدكم يصلي، فلا يَدَعَنَّ أحداً يمر بين يديه، وليدرأ ما
استطاع، فإن أبى، فليقاتله، فإنما هو شيطان ))(2).
فدل ذلك على أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك حين كانت
الأفعال في الصلاة مباحة؛ لأنَّه أمر بأن يقاتل المصلي، وهو في
الصلاة، فبان بذلك ـ أيضاً ـ تقدم خبرهم.
وروي ـ أيضاً ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي بالليل،
وبين يديه بعض نسائه.
والنظر ـ أيضاً ـ يدل على مانذهب إليه؛ لأن سائر الحيوانات لا تقطع
صلاة المسلم بالاتفاق، فكذلك يجب أن يكون الكلب الأسود، والحمار،
والمرأة.
وأما الخط ـ أيضاً ـ فإنه حاجز، وإن كان دون السترة، فلذلك قال
يحيى عليه السلام(3): إنَّه إن لم يجد السترة يخط بين يديه خطاً.
مسألة [ في الصلاة إلى الأقذار ]
قال: ويكره أن يصلي الرجل إلى الأقذار، فإن حالت الجدر بينه
وبينها، لم يكره.
__________
(1) ـ سقط من (ب) أبيه.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/460.
(3) ـ انظر الأحكام 1/118.
(14/10)
وهذا منصوص عليه في (المنتخب)(1).
واستدل على ذلك القاسم عليه السلام بقوله تعالى: {وَطَهِّرْ
بَيْتِيَ لِلطَّائِفِيْنَ وَالْعَاكِفِيْنَ وَالرُّكَّعِ
السُّجُودِ}(2)، و ـ أيضاً ـ قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
(( ادرأوا ما استطعتم ))، وغرزه بين يديه العنَزة يدل على أن
المصلي يجب أن يراعي حال ما يصلي إليه، فإذا ثبت ذلك، ثبت أنَّه
يكره أن يصلي الإنسان إلى الأقذار، فإن حالت الجدر بينه وبينها،
فإن الصلاة لا تكره؛ لأن المصلي لا يكون مصلياً إلى الأقذار، وإنما
يكون مصلياً إلى الجدر الطاهرة.
مسألة [ في الصلاة في فوق نشز أمامه نجس في منخفض ]
قال: ويكره أن يصلي فوق نشز من الأرض، وأمامه نجس في موضع منخفض
عنه، فإذا صلى في موضع منخفض إلى النشز، وفوقه نجس، لم يكره.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب)(3).
والوجه فيه أنَّه إذا صلى على نشز، وأمامه في موضع منخفض نجس يكون
قد صلى إليه إذا قابله(4) بوجهه، فأما إذا كان المصلي في موضع
منخفض وراء النشز، وفوق النشز نجس، فلا يكون صلى إلى النجس إذ ما
يقابل وجهه هو النشز، فلهذا كره الأول، ولم يكره الثاني، وهذا إذا
كان النشز فوق قامته؛ لأنَّه إذا كان دون قامة(5)، وكان النجس فوقه
كان متوجهاً إلى النجس.
مسألة [ في التوجه إلى ما عليه تماثيل حيوان ]
قال: ويكره أن يتخذ قبلة ما عليه تماثيل الحيوان، قال في
(المنتخب)(6) فيمن صلى في بيت فيه تماثيل تشبه الناس والدواب: "إذا
كان الموضع الذي استقبله إلى قدر رأسه نقياً من ذلك، جازت صلاته
فيه". فنبه أن ما يكره من التماثيل هي تماثيل الحيوان، والوجه في
ذلك:
__________
(1) ـ انظر المنتخب ص36.
(2) ـ جواب الآية في سورة الحج آية 26.
(3) ـ انظر المنتخب ص37.
(4) ـ في هامش (ب): إذ قد قابله بوجهه.
(5) ـ في (ب) و(ج): لو كان دون قامته.
(6) ـ انظر المنتخب ص37.
(14/11)
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن مرزوق،
حدثنا محمد بن أبي الرزين، حدثنا محمد بن مسلم(1)، عن عبد الرحمن
بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها جعلت ستراً فيه تصاوير إلى
القبلة، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزعته، وجعلت
منه وسادتين، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجلس عليهما.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا يونس، حدثنا ابن
وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئيب، عن الحارث بن عبدالرحمن، عن كريب
مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أنَّه دخل الكعبة فرأى فيها صوراً فأمرني بدلو من ماء، فجعل يضرب
به الصور، وهو يقول: قاتل الله قوماً يُصَوِّرون ما لا يخلقون.
فإن قيل: فالحديث ورد في الصور عاماً، فلم خصصتم منه صور ماليس
بحيوان؟
قيل له: لما رواه الطحاوي يرفعه إلى أبي هريرة، قال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم: (( جاءني جبيريل فقال لي: يا محمد أتيتك
البارحة، فلم أستطع أن أدخل البيت؛ لأنَّه كان في البيت تمثال
رجلٍ، فَمُر بالتمثال فليقطع رأسه حتى يكون كهيئة الشجرة )). فدل
هذا الخبر على أن تمثال ما ليس بحيوان غير مكروه.
مسألة [في الصلاة فوق ظهر الكعبة]
قال: ولا يجوز للرجل أن يصلي فوق ظهر الكعبة إذا كان سجوده على آخر
حرف منها، فإن لم يكن على آخر حرف منها، جاز، تخريجاً.
__________
(1) ـ في (أ) و(ب): محمد بن أبي مسلم.
(14/12)
قال في (المنتخب)(1): "ولا أحب لأحد أن يصلي فوق الكعبة، ولا
أراه؛ لأنَّه لم يتوجه إلى شيء من جدرها، ولم يجعل قبلته شيئاً
منها". فكان ظاهر كلامه أنَّه منع من الصلاة فوقها؛ لأنَّه غير
مصلٍ إلى شيء من جدرها(2)، وأنه متى صلى إلى شيء منها، جازت صلاته،
وقد ثبت من مذهبه أنَّه يرى أن المصلي إذا كان أمامه شيء يكون
مصلياً إليه، وإن كان في مكان منخفض؛ (لأنه عليه السلام قد قال:
وأكره الصلاة فوق النشز إذا كان أمام المصلي في مكان منخفض)(3) نجس
لا يكون مصلياً إليه، فإذا ثبت ذلك، فمن المعلوم أن من صلى فوق
الكعبة، ولم يكن سجوده على آخر حرف منها يكون أمامه شيء من الكعبة،
فإذا كان أمامه شيء من الكعبة، فيجب أن تكون صلاته على قوله عليه
السلام مجزية، فلذلك قلنا ماقلناه.. تخريجاً.
والدليل على صحة ذلك قول الله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}[البقرة:144]، ومن المعلوم أن الساجد على
آخر حرف فيها لا يكون اتخذ شيئاً منها قبلة، وأن الساجد وراء ذلك
يكون متخذاً شيئاً منها شيئاً قبلة.
فإن قيل: فإن الساجد على آخر الحرف إذا قام، أو جلس، يكون أمامه
منها شيء، وهو الموضع الذي يسجد عليه.
قيل له: هذا صحيح، ولكن المصلي مأخوذ عليه التوجه إلى القبلة في
جميع أحواله إذا تمكن من ذلك، فإذا ترك الاستقبال في بعض أركان
الصلاة لغير عذر، بطلت صلاته.
فأما ما روي من النهي عن الصلاة فوق ظهر الكعبة، وهو حديث ابن عمر
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الصلاة في سبعة مواطن،
فذكر فوق ظهر البيت الحرام، فهو محمول على آخر جزء منه.
مسألة [ في الصلاة في الكعبة ]
قال: ولا بأس بالصلاة في جوف الكعبة.
__________
(1) ـ المنتخب ص50.
(2) ـ في (ب) و(ج): منها.
(3) ـ ما بين المعكوفين في (ج).
(14/13)
وهو منصوص عليه في (المنتخب)(1)، واستدل يحيى عليه السلام على
ذلك بقول تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوْهَكُمْ
شَطْرَهُ}، أي جانباً منه، قال: والمصلي في جوف الكعبة يكون قد صلى
إلى جانب منها، فوجب صحة صلاته.
ويمكن أن يورد ما ذكره عليه السلام على طريق القياس، فيقاس المصلي
فيها على المصلي إليها خارجاً منها بمعنى أنَّه مصل إلى جانب منها،
وظاهر قوله يدل على أنَّه لا يفصل في ذلك بين الفرض والنفل، كما
روي عن بعض الفقهاء، وقد كثرت الروايات في أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم صلى في الكعبة رواه ابن عمر مطلقاً، وروي عن بلال، وعن
أسامة.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، عن فهد، حدثنا أبو بكر بن
أبي شيبة، حدثنا شبابة، عن مغيرة، عن مسلم، عن أبي الزبير، عن
جابر، قال: (( دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم البيت يوم الفتح،
فصلى فيه ركعتين ))(2).
فإن قيل: فقد روى أسامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل
البيت، وخرج، ولم يصل، وصلى خارجاً إليه، وقال: هذا هو القبلة(3).
قيل له: قد روى ابن عمر، عن أسامة، أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم
صلى فيه، فيجوز أن يكون صلى في وقت، ولم يصل في وقت، وقوله: هذا هو
القبلة إشارة إلى البيت، ومن صلى فيه فقد اتخذ بعضه قبلة على
مابيناه(4).
مسألة [ في الصلاة في الحمامات والمقابر والطرق السابلة ]
قال: وتكره الصلاة في الحمامات، والمقابر، والطرق السابلة.
وقد نص على ذلك في (الأحكام) (5)، وذكر أنَّه كره الصلاة في
الحمامات لما يماط فيها من القذر، قال: وأما بيوتها التي لا يماط
فيها القذر، وتكون طاهرة، فلا بأس بالصلاة فيها.
__________
(1) ـ انظر المنتخب ص49، 50.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/390. وفيه: عن مغيرة بن
مسلم.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/389.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/390.
(5) ـ انظر الأحكام 1/133 ـ 134.
(14/14)
قال: وأكره الصلاة في المقابر؛ لكرامة أهلها إن كانوا مؤمنين،
وإيثار التجنب لهم إن كانوا فاسقين، وأكره الصلاة في الطرق السابلة
لما يلحق الناس من المضرة، وعلى هذا إن كان الطريق واسعاً لا ضرر
على أحد من مصلٍ، إن صلى فيه، فالصلاة جائزة(1).
أخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، عن زيد بن سنان(2)، وصالح
بن عبد الرحمن، عن أبي عبد الرحمن المقرئ، حدثنا يحيى بن أيوب أبو
العباس البصري، عن زيد بن جبير، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن
ابن عمر، قال ـ نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة
في مواضع فذكر فيها الحمام وقارعة الطريق.
مسألة [ في الصلاة في أعطان الإبل ]
قال: ولا بأس بالصلاة في أعطان الإبل، ودَمَن الغنم، إذا لم يكن
فيها قذر من صديد أو دَبَر.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(3)، ومروي عن القاسم عليه السلام.
والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( جعلت لي
الأرض مسجداً وطهوراً ))(4)، وذلك عام في كل الأرض.
فإن قيل: فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الصلاة
في أعطان الإبل.
قيل له: في سبب هذا النهي وجهان:
أحدهما: أن العادة جرت لأصحاب الإبل أنهم يتغوطون، ويبولون بين
جمالهم، ويستترون بها، فكان النهي ورد لقذر المكان ونجاسته، لا
لشيء يختص الإبل.
والوجه الثاني: أن النهي ورد لما في طبع الإبل من الشرود والتمرد،
فلم يؤمن أن يكن منها ما يؤدِّي إلى الشغل عن الصلاة، أو قطعها،
وعلى هذا يُؤَوَّل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إنها خلقت من
الشياطين )) وعلى هذا يؤول قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الكلب
الأسود: (( إنه شيطان )) أي مؤذٍ.
وفي حديث رافع بن خديج، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((
إن لهذه الإبل أوابدٌ كأوابد الوحش )).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/134.
(2) ـ في (ج): يزيد بن سنان.
(3) ـ انظر الأحكام 1/119.
(4) ـ في (ج) وهامش (أ) و(ب): وترابها طهوراً.
(14/15)
يدل على صحة هذا التأويل، وإن الصلاة في معاطنها لم تكره لشيء
يرجع إليها، ما أخبرنا(1)به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا
فهد، حدثنا محمد بن سعيد(2)، وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: حدثنا
أبو خالد الأحمر، عن عبدالله، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي إلى بعيره(3).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا فهد، حدثنا محمد بن
سعيد(4)، حدثنا عمرو بن أبي بكر العبدي، حدثنا إسرائيل، عن زياد
المصفر، عن الحسن، عن المقدام، قال: جلس عبادة بن الصامت، وأبو
الدرداء، والحارث بن معاوية، فقال أبو الدرداء: أيكم يحفظ حديث
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين صلى بنا إلى بعير من
المغنم، فقال عبادة: أنا. قال: فحدث. قال: صلى بنا رسول الله صلى
اللّه عليه وآله وسلم إلى بعير من المغنم، ثُمَّ مد يده فأخذ
قُرَاداً من البعير، فقال: (( ما يحل لي من غنائمكم مثل هذا، إلاَّ
الخمس، وهو مردود فيكم ))(5)، فبان أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم
لم يكره الصلاة في أعطان الإبل إلاَّ لما ذكرناه، وأنه لم ينه عنها
لشيء يرجع إلى الإبل.
مسألة [ في الصلاة في البِيَع والكنائس ]
قال: ولا تجوز الصلاة في البِيَع، والكنائس، لتنجس آثار المشركين،
فإن طهرت من ذلك، جازت.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(6).
والوجه في هذا ماقد مضى في كتاب الطهارة من الدلالة على أنهم
أنجاس، فإذا ثبت ذلك، ثبت أنَّه لا تجوز الصلاة في مواطنهم مالم
تطهر؛ لأنها لا تسلَم من نجاستهم.
مسألة [ في الصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب ]
__________
(1) ـ في (أ): وفي ذلك ما أخبرنا.
(2) ـ في (أ): محمد بن أبي سعيد.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/385، وفيه: عن عبيد
الله.
(4) ـ في (أ): محمد بن أبي سعيد.
(5) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/385، وفيه: يحيى بن أبي
بكير العبدي.
(6) ـ انظر الأحكام 1/135.
(14/16)
قال القاسم عليه السلام: ولا تجوز الصلاة في الأرض المغصوبة،
ولا في الثوب المغصوب.
وهذا منصوص عليه في كتابه المسمى بـ(كتاب الصلاة).
والذي يدل على ذلك أنَّه قد ثبت أن الكون في الأرض المغصوبة مع
التمكن من الخروج منها معصية، وثبت أن الصلاة قربة، فثبت أن الذي
يقع من الكائن في الدار المغصوبة من الصلاة على الوجه الذي بينا لا
يكون صلاة.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون ذلك معصية من وجه، وطاعة من وجه، فلا
يجب أن يكون معصية قربة؟
قيل له: هذا لا يصح، وذلك أن الفعل لا يخلو من أن يقع على وجه
يقبح، أو يقع على وجه لا يقبح، فإن وقع على وجه يقبح، لم يجز أن
يكون طاعة؛ لأن الله تعالى لا يأمر بما يقبح على بعض الوجوه، وإن
وقع على وجه [لا يقبح على بعض الوجوه](1)، لم يجز أن يكون معصية؛
لأن الله تعالى لا ينهى عما ليس بقبيح، فثبت فساد قول من يقول:
إنَّه معصية من وجه، وطاعة من وجه.
فإن قيل: قد حصل الإجماع على خلاف مذهبكم.
قيل له: لا معنى لادعائكم الإجماع؛ لأن المسألة خلافية؛ ولأن
الإجماع لا يجوز أن ينعقد على مايفسد وتتناقض، وقد بينا أن كون
الإنسان في الدار المغصوبة معصية، وأن الصلاة قربة، وأن المعصية لا
يجوز أن تكون قربة.
فإن قيل: ما أنكرتم أن الإجماع يجوز أن ينعقد على وجه يصح، وهو أن
يجمعوا على أن ما يقع ممن في الدار المغصوبة من الصلاة، وإن كانت
معصية يسقط الفرض؟
قيل له: هذا فاسد، وذلك أن الإجماع قد حصل أن المصلي يجب أن ينوي
أداء الصلاة الواجبة، أو المندوبة، وذلك لا يصح إلاَّ مع اعتقاد
وجوبها، أو ندبها، والمعصية لا يجوز أن يُعتقد فيها الوجوب، ولا
الندب، فبان أن ما ادعيتموه من ذلك فاسد.
فإن قيل: فأنتم تذهبون إلى أن الذبح بالسكين المغصوب جائز، فما
الفرق بين ذلك وبين الصلاة في الأرض المغصوبة؟
__________
(1) ـ ما بين المعكوفين في (أ).
(14/17)
قيل له: الفصل بينهما أن الذابح لم يؤخذ عليه أن يكون الذبح
قربة، وإنما أخذ عليه أن يقطع المذبح على الوجه المخصوص، ألا ترى
أنه يصح ممن لا يتقرب كالذي لم يبلغ، فلم يمتنع أن يكون الذبح
معصية، ومع ذلك يذكى، وليست الصلاة كذلك؛ لأن الصلاة لا تكون إلاَّ
قربة، والمعصية لا تكون قربة.
فإن قاسوها على الصلاة في الأرض التي لم تغصب كان هذا القياس
ساقطاً؛ لكونه مؤدياً إلى فساد الأصول، على أنَّه يمكن أن يعارضوا
بقياسها على الصلاة في الأرض النجسة، بمعنى أنَّه منهي عن الصلاة
عليها، ويكون قياسنا أولى؛ للحظر، والاحتياط.
وأما الثوب المغصوب، فهو مقيس على الثوب النجس، بمعنى أنَّه نهي
الذكر والأنثى عن الصلاة فيه مع السلامة، فكل ثوب يكون كذلك، لم
تجز الصلاة فيه.
وروى الناصر عليه السلام في كتاب (الإمامة) عن بشر بن عبدالوهاب
يرفعه إلى ابن عمر: قال: لو أن رجلاً، كانت له تسعة دراهم من حلال،
فضم إليها درهماً من حرام، فاشترى بها ثوباً، لم يقبل الله منه فيه
صلاة.
فقيل له: سمعتَ هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال:
سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات.
وهذا كالصريح لما ذهب إليه القاسم عليه السلام في الثوب؛ المغصوب
إذ الثوب المغصوب، أسوأ حالاً من الثوب الذي اشتري بمال فيه حرام.
مسألة [ وأفضل البقاع لها المساجد ]
قال: وأفضل البقاع لها المساجد.
وهذا مما ذكره أبو العباس الحسني رحمه الله في كتابه المسمى
بـ(النصوص)، أن محمد بن القاسم رواه، عن أبيه القاسم عليه السلام.
(14/18)
والوجه فيه أن المساجد أفضل البقاع، فوجب أن تكون الصلاة فيها
أفضل، يدل على لك: ما روي من قول رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: (( ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات،
اسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساحد، وانتظار
الصلاة بعد الصلاة ))، و ـ أيضاً ـ لا خلاف أن المكتوبات في
المساجد أفضل منها في البيوت، فكذلك النوافل، والمعنى أنها فعلت في
مواضع خصت بالعبادات.
فأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن النوافل في
البيوت أفضل؛ فإنها محمولة على أن الغرض بها الإخفاء؛ لتكون أسلم
من الرياء.
مسألة [ في طهارة المكان ]
قال: ولا يصلى في شيء من البقاع إلاَّ أن يكون نقياً من الأقذار.
وقد صرح به في (الأحكام)(1) حين منع من الصلاة في الحمام لما فيه
من النجس، ومنها في البيع، والكنائس، لنجس آثار المشركين.
والوجه في ذلك أنَّه لا خلاف في أن المصلي عليه يجب أن يكون مثل
المصلى فيه؛ لأن كل ما أوجب طهارة الثوب المصلي فيه، أوجب طهارة
مايصلى عليه، فإذا ثبت ذلك، وثبت وجوب طهارة اللباس في الصلاة ـ
بما سنبينه من بعد ـ ثبت وجوب طهارة ما يصلى عليه، واستدل القاسم
عليه السلام على ذلك بقوله تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ
لِلطَّائِفِيْنَ وَالْقَائِمِيْنَ وَالرُّكَّعِ
السُّجُودِ}[الحج:26].
ويدل على ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بتطهير
المسجد حين بال فيه الأعرابي، ولم يكن ذلك إلاَّ لأنَّه موضع
الصلاة، فثبت بذلك أجمع ماذهبنا إليه.
مسألة [ في الصلاة على طين تحته نجاسة ]
قال: وإن كانت بالوعة أو مثلها قد ردمت، وألقي عليها طين نقي، جازت
الصلاة عليها، والعدول عنها أحب إلينا.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (2).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/133.
(2) ـ انظر المنتخب ص36.
(14/19)
والوجه في ذلك أن المصلي على ما ذكرنا تكون صلاته على الطاهر،
فوجب أن تجزيه صلاته، واستحب العدول عنها للقرب من النجس، ألا ترى
أنَّه يستحب التنزه(1)، وقال: صلى الله عليه وآله وسلم: (( ادرأوا
ما استطعتم )) واستحب الدرأ، وإن كانوا [إن](2) لم يفعلوا ذلك، لم
تفسد الصلاة؛ لأنَّه تباعد عما يكره.
مسألة [ ويمنع أهل الذمة من المساجد ]
قال: ويجب أن يمنع أهل الذمة من دخول المساجد.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3).
والذي يدل على ذلك قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُوْنَ
نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامِ}[التوبة:28]،
فمنعهم من أن يقربوا المسجد الحرام، فوجب أن تكون سائر المساجد
كذلك قياساً عليها(4)، على أن الشافعي يوافقنا على ذلك في المسجد
الحرام خصوصاً، فنجعل ذلك معه أصلاً، ونقيس عليه سائر المساجد.
فأما ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه أنزل وفد
ثقيف في المسجد، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم ربط رجلاً من
المشركين إلى سارية من سواري المسجد، فيجوز أن يكون كان ذلك على
سبيل الضرورة، ويجوز أن يكون ذلك قبل نزول الآية، على أنا قد بينا
أن المشركين أنجاس في مسألة سؤر المشركين، واستقصينا الكلام فيه،
فإذا ثبت ذلك، فلا خلاف بين المسلمين في أن المساجد يجب أن تمنع من
الأنجاس، فثبت بذلك صحة ما ذهبنا إليه، على أن أبا حنيفة يوافقنا
على أن الجنب لا يدخل المسجد، والشافعي يوافقنا على أنَّه لا يبيت
فيه، فيجب أن يكون المشرك الجنب كذلك، وإذا ثبت أن المشرك الجنب لا
يدخل المسجد، فلا أحد يفصل بينه وبين المشرك الذي ليس بجنب، على
أنَّه لا خلاف بين المسلمين أن المساجد يجب إعظامها، بل لا يُعتقد
خلاف ذلك، فلا يؤمن أن ينجسها.
__________
(1) ـ في (أ): السترة.
(2) ـ سقط من (أ).
(3) ـ انظر الأحكام 1/135.
(4) ـ في الهوامش: عليه.
(14/20)
باب القول في ستر العورة والثياب التي يصلي فيها وعليها
[ مسألة: ويجب ستر العورة ]
يجب على كل مصل أن يستر عورته بثوب طاهر إن أمكنه.
وقال في (الأحكام)(1): "ولا يصلى في ثوب واحد حتى يكون صفيقاً، لا
يصف المصلي فيه"، فكان ذلك نصاً في إيجاب ستر العورة. وقال ـ أيضاً
ـ: ويصلي العريان جالساً، ويستر عورته، بما قدر عليه من حشيش، أو
غير ذلك(2).
فدل ذلك على ماقلناه، ولقوله هذا ما اشترطنا(3) الإمكان، ألا ترى
أنَّه أباح للعريان أن يصلي إذا لم يجد الثوب.
والذي يدل على وجوب ستر العورة على المصلي، قول الله تعالى: {يَا
بَنِيْ آدَمَ خُذُوا زِيْنَتَكُمْ عِنْدَ كُلَّ مَسْجِدٍ}[الأعراف:
31]، فاقتضى عمومه وجوب أخذ الزينة في حال الصلاة وغيرها، وإذ(4)
قد ثبت بالاجماع أن أخذ كل زينة سوى الثياب لايجب، ثبت أن أخذها هو
الواجب، و ـ أيضاً ـ تخصيصه بالمسجد دلالة على أن المراد به وجوب
ستر العورة من الناس، وإلا لم يكن لتخصيصه بالمسجد معنى.
ويدل على ذلك قول الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}[المدثر: 3]،
وإذ قد ثبت وجوب تطهير الثياب، فقد ثبت وجوب لبسها في الصلاة، إذ
لا يجب تطهير مالا يجب لبسه في الصلاة بالاتفاق.
ويدل على ذلك:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، عن ابن أبي داود،
حدثنا عبيد الله(5) بن معاذ، [حدثنا أُبي](6)، حدثنا شعبة، عن توبة
العنبري، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أنَّه قال: (( إذا صلى أحدكم، فليأتزر، وليرتد )) فدل ذلك على وجوب
ستر العورة في الصلاة(7).
__________
(1) ـ الأحكام 1/110.
(2) ـ سقطت هذه المسألة من (أ) و(ب).
(3) ـ في هامش (ب): لعل (ما) مصدرية ليستقيم الكلام.
(4) ـ في (أ): إذا.
(5) ـ في (أ): عبد الله
(6) ـ ما بين المعكوفين سقط من (ب).
(7) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/378.
(15/1)
وأخبرنا أبو بكر، حدثنا الطحاوي، عن ابن أبي داود، حدثنا زهير
بن عباد، حدثنا حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن
عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إذا صلى
أحدكم، فليستتر بثوب، فإن لم يكن ثوب، فليأتز إذا صلى ))(1).
وأخبرنا أبو بكر، حدثنا الطحاوي، عن ابن أبي داود، حدثنا ابن
قتيلة، حدثنا الدراوردوي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن
سلمة بن الأكوع، قال: قلت: يا رسول الله، إني أعالج الصيد، فأصلي
في القميص الواحد؟ قال: (( نعم، وزره، ولو بشوكة )).
فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( زره ولو بشوكة )) يدل على وجوب
ستر العورة في الصلاة؛ إذ لا غرض فيه أكثر من أنَّه لا يأمن أن
يبدو شيء من عورته عند الركوع والسجود، إن لم يزره.
ويدل على ذلك ـ أيضاً ـ ما رواه قتادة، عن ابن سيرين، عن صفية بنت
الحارث، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((
لا يقبل الله صلاة حائض إلاَّ بخمار )). ومعناه التي بلغت الحيض.
وذكر أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى أن القاسم عليه السلام روى
هذا: (( لا يقبل الله صلاة امرأة بلغت المحيض إلاَّ بخمار )).
وذكر أبو بكر الجصاص في شرحه (لمختصر الطحاوي)(2)، روي عن أبي
الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم، قال: (( لا يصلِّ أحدكم في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء ))
والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فثبت أن الصلاة تفسد إذا لم تستر
العورة.
مسألة [ في بيان العورة ]
قال: والعورة مادون السرة إلى دون الركبة.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار بهذا السند 1/377 ـ 378
بلفظ آخر، هذا نصه: (( إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق
من يزين له، فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم
في صلاته اشتمال اليهود )).
(2) ـ في (أ): للطحاوي.
(15/2)
قال في (الأحكام)(1): "ولا يصلى في ثوب واحد حتى يكون سابغاً،
ينحدر عن الركبتين"، وقال فيه: "إن ائتزر بمئزر فليرفعه إلى قرب
السرة"، فظاهر كلامه في هذين الموضعين من (الأحكام) يقتضي أن
العورة ما دون السرة إلى الركبة، وأن السرة عندنا ليست من العورة،
والركبة من العورة، ولا أعرف خلافاً بين أهل العلم في أن السرة من
الرجل ليست بعورة.
وروي عن ابن عمر، عن أبي هريرة، قال للحسن عليه السلام: أرني
الموضع الذي كان يقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منك؟ فكشف
ثوبه، فقبل أبو هريرة سرته.
وأخبرنا أبو عبدالله النقاش، حدثنا الناصر، عن محمد بن منصور، عن
واصل بن عبد الأعلى، عن يحيى بن آدم، عن الحسن بن صالح، عن عبدالله
بن محمد بن عقيل، عن عبدالله بن جرهد الأسلمي، عن أبيه، عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( الفخذ من العورة )).
فإذا ثبت أن الفخذ من العورة(2)، ثبت أن الركبة عورة؛ لأن الركبة
مجتمع عظم الفخذ، وعظم الساق، فبعضها(3) إذاً من الفخذ، فوجب ستر
جميعها؛ إذ لا سبيل إلى ستر بعضها.
وروى بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم: (( كل شيء أسفل من سرته إلى ركبته عورة )).
وذكر ذلك أبو بكر الجصاص في كتابه، فدل ذلك على أن السرة ليست من
العورة، ودل على أن الركبة من العورة لوجهين:
أحدهما: أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لو قال: كل شيء أسفل من
سرته عورة، دل ذلك على أن جميع ما تحت السرة عورة، فلما قال: إلى
الركبة، دل ذلك على أن ما عداها ليس من العورة.
والثاني: أن الحد قد يدخل في المحدود، وقد لا يدخل فيه، وكلا
الأمرين يحتمل، فوجب تغليب جهة الحظر على جهة الإباحة؛ إذ الحظر
أقوى من الإباحة.
مسألة [ في بيان عورة النساء ]
قال: فأما النساء، فيلزمهن ستر جميع أعضائهن خلا الوجه.
__________
(1) ـ الأحكام 1/110.
(2) ـ في (ب) و(ج): الفخذ عورة.
(3) ـ سقاط من (أ).
(15/3)
قال القاسم عليه السلام: لا بأس للأمة أن تصلي بغير خمار.
قال يحيى بن الحسين عليه السلام: ويجزئ المرأة أن تصلي في رداء
واحد غامر لرأسها وجسدها إذا لم تجد خماراً(1).
فدل ذلك على أنَّه يرى أن جميع أعضائهن عورة، واستثنى الوجه؛
لأنَّه قال في (الأحكام)(2) في كتاب النكاح: ولا بأس أن ينظر الرجل
من المرأة التي يريد أن يتزوجها إلى ماليس بعورة منها، فلينظر إلى
وجهها.
فدل ذلك على أن الوجه ليس من العورة عنده.
قال أبو العباس الحسني رحمه الله في (النصوص): كلها عند القاسم
عليه السلام عورة غير الوجه، والكف، والقدمين، ويمكن أن يخرج قول
يحيى عليه السلام على ذلك، وكان الظاهر ما ذكرناه، على أن القاسم
عليه السلام قال في (مسائل النيروسي): إذا لم تجد المرأة ما تختمر
به، صلت، واجتزت بثوب واحد إذا سترت شعرها وقدميها.
فدل على أن القدمين عنده من العورة، وهو المأخوذ به.
والذي يدل على ذلك ما رواه أبو العباس عليه السلام في (شرح
الأحكام)، يرفعه إلى أم سلمة، أنها سألت رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم، أتصلي المراة في درع وخمار، ليس عليها إزار؟ قال: ((
نعم. إذا خمرت الذراع والقدمين )) فدل ذلك على وجوب ستر القدمين.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا يقبل الله صلاة حائض إلاَّ
بخمار )). يدل على ستر الشعر.
وروي ـ أيضاً ـ عن أم سلمة أنها قالت: لرسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم: إني امرأة إطيل ذيلي في الصلاة، فأمرها بإطالته شبراً.
فدل ذلك أيضاً على وجوب ستر القدمين.
فأما الوجه فلا خلاف في أنَّه ليس من العورة، ألا ترى أن المحرمة
يجب عليها كشفه، والمسلمون قد أجمعوا على أن من أراد أن يتزوج
بامرأة، جاز له النظر إلى وجهها، وكذلك يجوز ذلك للشهادة عليها.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/110,
(2) ـ انظر الأحكام 1/364.
(15/4)
قال: فأما الكف، فلا أحفظ عن أحد من أئمتنا عليهم السلام نصاً
في إيجاب سترها، فليس يبعد أن يكون حكمها حكم الوجه، وقد قيل في
تفسير قوله تعالى: {إِلاَّ مَاظَهَرَ مِنْهَا}[النور: 31]، الكحل
والخاتم، فدل ذلك على أن الكف بمنزلة الوجه، وأما سائر أعضاء
المرأة فلا خلاف في أنها عورة.
مسألة: [في عورة الأمة] (1)
قال القاسم عليه السلام: لابأس للإمة أن تصلي بغير خمار، وذلك
منصوص عليه في (مسائل النيروسي)، وقال أبو العاباس في النصوص: فأما
الأمة فكالرجل عند القاسم عليه السلام، والأصل أن للأجنبي أن ينظر
إلى شعرها، ويروى أن عمر كان يقول للإماء: إكشفن رؤوسكن، ولا تشبهن
بالحرائر. فصار حكم شعورهن حكم شعر الرجل، فوجب أن لا يكون عورة،
على أن من يريد أن يشتريها يجوز أن ينظر إلى ذراعها وصدرها، فلم
يبعد أن تكون عورتها مثل عورة الرجل.
مسألة [ وندب ستر الهبرية والمنكب والظهر والصدر]
قال: ويستحب للرجل أن يستر هبريته ومنكبيه، وظهره وصدره في الصلاة،
ولا بأس بالصلاة في الثوب الواحد إذا كان صفيقاً، وستر جميع ما يجب
ستره للرجال والنساء.
وكل ذلك منصوص عليه في (الأحكام)(2).
والوجه ما قدمنا ذكره من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( من
صلى، فليلبس ثوبيه )).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( من صلى فيأتزر، وليرتد )).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لسلمة بن الأكوع حين قال: أصلي في
قميص واحد؟ قال: (( نعم وزره ولو بشوكة )). فدل قوله: (( وليلبس
ثوبيه، وليرتد، وليأتزر ))، على أنَّه يستحب ستر ما ذكره يحيى عليه
السلام.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/122.
(2) ـ انظر الأحكام 1/110.
(15/5)
وأخبرنا أبو بكر، حدثنا الطحاوي، حدثنا عبدالرحمن بن عمر
الدمشقي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا فطر بن خليفة، عن شرحبيل بن سعد،
حدثنا جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان يقول: ((
إذا اتسع الثوب فاعطفه على عاتقك، فإذا ضاق فأتزر به، ثُمَّ صل )).
فدل ذلك ـ أيضاً ـ على أن ستر ما ذكرنا مستحب.
وروي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه قال:
(( إذا صلى أحدكم في ثوبه، فليجعل على عاتقه منه شيئاً ))(1).
مسألة [في الصلاة في الحرير والقز والمشبع صبغاً]
قال: ولا يجوز للرجل الصلاة في الحرير المحض والقز، إلاَّ أن يكون
ما سواهما غالباً عليهما، وكذلك الثوب المشبع صبغاً.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(2).
قال في (المنتخب)(3): يجوز ذلك إذا كان نصفه حريراً، ونصفه قطناً.
ووجه كراهة ذلك ما ورد من النَّهي في الآثار للرجال عن لبسه، فلما
ثبت كره الصلاة فيه، وشدد(4) في (المنتخب)، وقال: "لا تجوز الصلاة
فيه"(5).
فأما إذا لم يكن حريراً محضاً فإنَّه لم يكرهه؛ لما ورد في الآثار
في إجازة اليسير منه كالعلم ونحوه، وما نقلت عن الصحابة، وأفاضل
أهل البيت عليهم السلام من لبس الخزّ.
وكذلك الثوب المشبع صبغاً كرهه، لما ورد من النهي عن لبسه للرجال،
وسنذكر هذه الأخبار بأسانيدها ونوضح ما يجب إيضاحه منها في كتاب
اللباس، إن شاء اللّه تعالى.
مسألة [ في الصلاة في جلود الخز ]
قال: وتكره الصلاة في جلود الخز.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/382، إلا أنه قال:
حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عمر، والدمشقي.
(2) ـ انظر الأحكام 1/131.
(3) ـ انظر المنتخب ص122.
(4) ـ في (ب) و(ج): وشدده.
(5) ـ المنتخب ص122.
(15/6)
وقال في (الأحكام)(1): "وأكره الصلاة في الخز لأني لا أدري ما
هو، وما(2) ذكاه دوابه، ولا(3) أمانة عماله، وأخاف أن يكونوا
يجمعون فيه بين المذكى والميتة(4). وقال في (المنتخب)(5): "ولا أحب
الصلاة في الخز لأني لا آمن أن يكون أصله ميتة".
فدل هذا الكلام على أن المراد(6) جلود الخز دون وبره؛ إذ قد نص هو،
والقاسم عليهما السلام على طهارة شعر الميتة، وصوفها، ووبرها إذا
غسل.
ووجه كراهته(7) ما ذكرنا من أنَّه لا يأمن أن يكون ميتة. وقد بينا
فيما تقدم أن جلود الميتة لا تطهر بالدباغ.
فإن قيل: فيلزمكم هذا في كل جلد لم تعلموا فيه أنَّه بعينه مذكى،
وهذا يوجب أن تكره الصلاة في جميع الجلود التي لم تعلموا حالها.
قيل له: هذا ليس بواجب؛ لأن الأغلب في الجلود التي يتبايعها
المسلمون، وتكون في بلد الإسلام أنها جلود المذكى فيكون الحكم
للغالب، وليس كذلك حال جلود الخز عنده؛ لأنَّه لم يتحقق أن أصلها
يكون في بلد الإسلام، فلم يجد ما يرجح به طهارته كما وجد في سائر
الجلود التي يكون أصلها في بلد الإسلام، فأما وبر الخز، فقد بينا
مذهبه فيه، وإن كان وبر الميتة، وقد دللنا فيما مضى على طهارة صوف
الميتة، وشعرها، ووبرها إذا غسل، فلا طائل في إعادته، على أن لبس
الخز بين المسلمين ظاهر، وليس يبعد أن يقال فيه إنَّه إجماع، بل هو
الظاهر من حاله.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا علي، حدثنا فهد،
حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت
أبي يذكر عن الشعبي، قال: كان على الحسين بن علي عليه السلام عمامة
خز.
__________
(1) ـ الأحكام 1/131.
(2) ـ في (أ): ولا ما.
(3) ـ في (أ): ولا ما.
(4) ـ في (ب) و(ج): بين الميت والذكر.
(5) ـ المنتخب ص122.
(6) ـ في (ب) و(ج): المراد به.
(7) ـ في (أ) وهامش (ب): كراهة.
(15/7)
وأخبرنا أبو بكر، حدثنا الطحاوي، حدثنا علي، حدثنا أبو نعيم،
حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن العيزار بن الحارث، قال: رأيت على
الحسين عليه السلام مطرف خز.
وروى الطحاوي يرفعه إلى وهب بن كيسان، قال: رأيت سعد بن أبي وقاص،
وأبا هريرة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك يلبسون الخز.
وروي أن علي بن الحسين عليه السلام كان يلبس الخز في الشتاء، فإذا
جاء الصيف باعه، وتصدق بثمنه، وقال: أكره أن آكل ثمن ثوب أعبد
اللّه فيه.
مسألة [ في الصلاة في جلد الميتة ]
قال: ولا تجوز الصلاة في جلود الميتة. وإن دبغت، ولا جلود مالا
يؤكل لحمه، على وجه من الوجوه، فأما شعر الميتة وصوفها، فلا بأس
بالصلاة فيهما بعد الغسل والإنقاء.
وكل ذلك منصوص عليه في (الأحكام)(1)، وقد مضى القول فيه بأتم بيان
في كتاب الطهارة، فلا وجه لإعادته.
مسألة [ وتجب طهارة مكان المصلي ولبسَه ]
قال: ويجب على كل مصلٍ أن يطهر ما يلبسه في الصلاة، ويصلي عليه من
كل نجس.
وذلك منصوص عليه في (الأحكام)(2).
والدليل على ذلك قول اللّه سبحانه: {وَثِيَابَكَ
فَطَهِّرْ}[المدثر:3]، فأوجب تطهير الثياب، ولا خلاف في أنَّه لا
يجب تطهيرها على من لم يرد الصلاة فيها، فثبت أنَّه يجب للصلاة.
ويدل على ذلك قول اللّه تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ
وَالْمَيْسِرُ..} الآية[المائدة:90]، فأمر عزَّ وجل بتجنب(3) الرجس
على كل وجه من جميع الأحوال لعموم اللفظ، فوجب على المصلي اجتنابه،
ويدل على ذلك الأخبار التي ذكرناها في كتاب الطهارة، منها:
__________
(1) ـ انظر الأحكام 2/413 ـ 414.
(2) ـ انظر الأحكام 1/131.
(3) ـ في (أ): باجتناب.
(15/8)
حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرّ بقبرين
فقال: (( إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير(1)، أما أحدهما فكان
لا يستنزه ـ أو لا يستتر ـ من بوله، والآخر كان يمشي بالنميمة )).
ولا يجوز أن يعذب الإنسان على ترك شيء، إلاَّ إذا كان واجباً، ولا
خلاف أنَّه لا يجب لغير الصلاة، فثبت أنَّه يجب للصلاة.
ومنها: حديث عمار بن ياسر، قال: مرّ بي رسول اللّه صلى الله عليه
وآله وسلم، وأنا أغسل ثوبي من نخامة، فقال: (( إنما تغسل ثوبك من
البول، والغائط، والمني، والقيء )).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم في دم الحيض: (( حتيْه، ثم اقرصيه،
ثم اغسليه بالماء ))، فكل ذلك يدل على وجوب تطهير الملبوس، ولا يجب
لغير الصلاة، فثبت وجوبه لها.
فأما ما يصلى عليه، فقد مضى فيما تقدم وجوب تطهيره، وبينا أن حكم
ما يصلى عليه، وما يصلى فيه بالإتفاق واحد في ملاقاة الجسد، فيجب
أن يكون حكمها حكماً واحداً، وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ
وَالْمَيْسِرُ..} الآية[المائدة:90]، يوجب اجتنابها من كل وجه، ومن
ذلك اجتنابها أن يكون في موضع الصلاة، وقد مضى فيه ما لا وجه
لإعادته.
مسألة [ في نجاسة ما خرج من السبيلين ]
قال: وكل ما خرج من السبيلين من مني، أو مذي، أوغيرهما، فهو نجس
يجب تطهير الملبوس، والمصلى عليه، من قليله وكثيره.
وقد نص القاسم عليه السلام على نجاسة المني في (مسائل النيروسي).
__________
(1) ـ في (ب): كبير بهما.
(15/9)
ودل كلام يحيى عليه السلام في (المنتخب)(1) على نجاسة المذي،
حين يقول: من انتقض طهوره من سيل الدمل أو الرعاف أو القيء أو
الريح، أو المذي، أو الدود، أو ما أشبه ذلك، أعاد منه الطهور من
أوله، فاقتضى كلامه الابتداء، بتطهير موضعه، على أن تصريحه بأنه
ينقض الطهارة في (الأحكام)(2) كالتصريح بتنجيسه؛ لأنَّه لا مذهب
إلاَّ مذهب من يرى أنَّه لا ينقض الطهارة، وأنه غير نجس، وهم طائفة
من الإمامية، أو مذهب من يروي أنه ينقض الطهارة وأنه نجس.
والذي يدل على نجاسة المني: ما روى ابن المسيب، عن عمار، قال: مر
بي رسول اللّه، وأنا أسقي راحلتي، فتنخمت، فأصابتني نخامتي، فجعلت
أغسل ثوبي، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : (( ما
نخامتك ودموع(3) عينيك إلاَّ بمنزلة واحدة، إنما تغسل ثوبك من
البول، والغائط، والمني ـ وهو الماء الغليظ ـ، والدم، والقيء )).
ففصل صلى الله عليه وآله وسلم بين ما يجب أن يغسل الثوب منه، وبين
ما لا يجب، وإذا ثبت أن المني مما يجب أن يغسل منه الثوب، ثبت
أنَّه نجس.
وروي عن عائشة قالت: قال(4) رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:
(( إذا رأيت المني يابساً، فحتيه، فإن كان رطباً، فاغسليه )).
والأمر بالغسل يقتضي إيجابه، وهذان الحديثان ذكرهما الجصاص في شرحه
بإسناديهما.
فإن قيل: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إذا كان يابساً، فحتيه
)). يدل على أنَّه غير نجس؛ إذ النجس لا يقتصر فيه على الحت عندكم.
قلنا: قد ثبت أنَّه نجس بقوله: (( اغسليه )). وقوله: (( إذا كان
يابساً، فحتيه )) معناه: حتيه مع الغسل؛ لأنَّه إذا كان يابساً،
احتاج إلى الحت مع الغسل ليزول، فكأنه صلى الله عليه وآله وسلم
قال: إن كان يابساً، فحتيه، وإن كان رطباً، فاقتصري به على الغسل،
وترك لفظة الغسل مع الحت تعويلاً على ما نبه عليه.
__________
(1) ـ انظر المنتخب ص27.
(2) ـ انظر الأحكام 1/52.
(3) ـ في (أ): ودمع.
(4) ـ في (ج): قال لي.
(15/10)
وربما تعلق المخالف لنا بما روي عن ابن عباس، عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم، أنَّه سئل عن المني يصيب الثوب؟ فقال: (( أَمطه
عنك باذخرة، إنما هو كمخاط(1)، أو بصاق )).. فلا دليل لهم فيه، بل
فيه دليل لنا من وجه، وهو أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لما
أمر(2) بإماطته، ثبتت نجاسته؛ لأن إماطة ما ليس بنجس لا تجب، وأمره
صلى الله عليه وآله وسلم يقتضي الإيجاب، وقوله: (( بإذخرة )) وحدها
لا يمكن إماطة جميعه، ومن أماط بعضه لا يكون أماطه.
وقوله: (( إنما هو(3) كمخاط، أو بصاق ))، أراد في لُزُوجَتِهِ
وشدَّة لصوقته بالثوب، وأنه يحتاج لإزالته إلى فضل(4) معالجة، على
أن الحديث قد قيل فيه: إنَّه ضعيف، وقد قيل فيه: إنَّه موقوف على
ابن عباس.
ومما يدل على ذلك أنَّه مائع يجري مجرى النجاسة، ولا يخرج إلاَّ مع
أجزاء من النجاسة، فلو وجب كونه طاهراً في الأصل، لصار نجساً؛
بجريه مجرى(5) النجاسة.
وقد اعترض هذا الدليل بقوله تعالى: {مِنْ بَينِ فَرْثٍ وَدَمٍ
لَبَناً خَالِصاً} [النحل:66]، فقالوا: قد أخبر اللّه تعالى أن
اللبن يخرج من بين فرث ودم وهما نجسان.
قيل لهم: ذلك غلط، وذلك لا يمتنع أن يكون بين الدم وبينه حائل،
والآية لا تدل على أنَّه لا حائل بينهما، على أن ذلك لو ثبت في
اللبن، لم يثبت في المني؛ لأنا لا ندعي أن نجاسة ما يجري في مجرى
النجاسة عقلاً، فيفسدوا قولنا إذا بين خلافه في موضع من المواضع.
ومما يدل على ذلك من طريق القياس أنَّه سائل من الجسد ناقض
للطهارة، فوجب أن يكون نجساً قياساً على البول والغائط، وإن شئنا
عللناه بأن نقول: إنَّه خارج من السبيلين، ويمكن أن يقاس على المذي
بعلة أنَّه خارج من الذكر للشهوة، ويمكن أن يقاس على دم الحيض بعلة
أن خروجه يوجب الغسل.
__________
(1) ـ في (أ): مخاط.
(2) ـ في (أ): أمرنا.
(3) ـ سقط من (أ): إنما هو.
(4) ـ سقط من (أ): فضل.
(5) ـ في (ب) و(ج): في مجرى.
(15/11)
فإن قاسوه على اللبن بعلة أنَّه خارج من الجسد تثبت به الحرمة،
فيجب طهارته، كان الوصف غير مسلَّم في المني؛ لأن شيئاً من الحرمة
لا تثبت به؛ لأنها إما أن تثبت بالوطء أو بما يخلق من المني، فأما
بنفس المني، فلا تثبت حرمته، على أن العلة إن صحت، فعلتنا أولى؛
لأنها حاظرة؛ ولأن المني ـ بما ذكرنا ـ أشبه منه باللبن.
فأما من استدل منهم بقول اللّه تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي
آدَمَ..}الآية [الإسراء:70]، فقال: تكريمهم يقتضي أنهم مخلوقون من
طاهر، فقد أبعد؛ لأن ذلك لا يفهم منه على وجه من الوجوه، ومعناه:
كرمناهم بالتكليف والتمكين من استحقاق الثواب العظيم، وما يسر لهم
من الأحوال التي لم تيسر لغيرهم من الحيوانات، وما يسخر(1) لهم من
سائر الحيوانات وغيرها، على أنَّه لا فضل بينهم وبين من استدل
لنجاسة المني بقوله تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ
مَهَيْنٍ}[المرسلات:5]، فلإن كان التكريم يقتضي الطهارة، فالإهانة
تقتضي التنجيس.
فإن قيل: روي عن عائشة أنها أضافت رجلاً، فأعطته قطيفة، فاجتنب
فيها، فغسلها ثم ردها عليها، فقالت: أفسد علينا ثوبنا، لقد كنت
أفرك المني من ثوب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، لا أزيد
على ذلك، فدل على أنَّه طاهر؟
__________
(1) ـ في (أ): سخر.
(15/12)
قيل له: لا يمتنع أن تكون عائشة أنكرت غسل القطيفة كلها وترك
الإقتصار على غسل موضع المني منها، أو أنكرت ذلك في غسل القطيفة
كلها خاصة؛ لأن الغالب منها أنها لا تصلي فيها وأنها تكون للنوم
فيها، وما يكون خاصاً للنوم لا يؤتى فيه هذه الأشياء للمشقة؛ ولأن
العادة كالجارية بذلك، ويجوز أن يكون قولها: كنت أفركه من ثوب رسول
اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، لا أزيد على ذلك. أرادت به من ثوبه
الجاري مجرى القطيفة، على أنَّه يحتمل أن تكون أرادت أنها كانت
تفركه مع الغسل، وقولها: لا أزيد على ذلك، أي على موضع النجاسة،
وعلى هذا التأويل يجوز أن يكون إنكارها لغسل جميعها من غير فرك.
يدل على صحة ما قدمنا من التأويل:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا يونس بن حسان،
حدثنا عبدالله بن المبارك، وبشر بن المفضل، عن عمرو بن ميمون، عن
سليمان بن يسار، عن عائشة، قالت: كنت أغسل المني من ثوب رسول اللّه
صلى الله عليه وآله وسلم، فيخرج إلى الصلاة، وإنَّ بقع الماء لفي
ثوبه(1).
فبان أنها كانت تغسله من الثوب الذي كان رسول اللّه يصلي فيه،
وتفركه من الثوب الذي كان ينام عليه وفيه.
فإن قيل: روي عنها أنها قالت: كنت أفركه يابساً بأصبعي، ثم يصلي
فيه، ولا يغسله.
قيل له: ليس هذا فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عرف ذلك،
وصلى فيه، فلا متعلق به.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/49 ـ 50, وفيه: حدثنا
يونس قال: حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا عبد الله بن المبارك ..إلخ.
(15/13)
وأبو حنيفة موافق في تنجيسه، ويذهب إلى أن اليابس منه يذهب
بالفرك دون الغسل، وذلك بعيد؛ لأن الفرك يزيل بعضه دون كله؛ لأنَّه
لا خلاف في أن سائر النجاسات لا يجوز أن تزال بالفرك ليبسها، وقد
بينا تأويل ما ورد من ذكر الفرك، وأن المراد به التنقية والمبالغة
في الغسل، أو يكون(1) هذا في الثياب التي لا يصلي فيها، وهذا مذهب
جميع أهل البيت عليهم السلام.
فأما(2) المذي، فطائفة من الإمامية تذهب إلى أنَّه طاهر، وعامة ما
قدمنا ذكره من الاستدلال، والمقاييس لنجاسة المني يجوز أن يعتمد
عليها لنجاسته، وورد فيه:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا إبراهيم بن أبي
داود، حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع(3)، حدثنا روح بن
القاسم، عن أبي نجيح، عن عطاء، عن إياس بن خليفة، عن رافع بن خديج
أن عليّاً عليه السلام أمر عماراً أن يسأل رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم عن المذي، فقال: (( يغسل مذاكيره، ويتوضأ ))(4).
وأخبرنا أبو بكر، قال: أخبرنا(5) الطحاوي، حدثنا محمد بن خزيمة،
حدثنا عبدالله بن رجاء، قال: أخبرنا زائدة بن قدامة، عن حصين، عن
أبي عبد الرحمن، عن علي، قال: كنت رجلاً مذاءً، وكانت عندي ابنة
رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فأرسلت إلى رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم فقال: (( توضأ، واغسله ))(6).
فدل هذان الحديثان على نجاسته؛ لإيجاب النبي صلى الله عليه وآله
وسلم غسله.
مسألة [ في نصاب الدم النجس ]
قال: فأما الدم فيجب، إزالته إذا كان قَدراً لو كان على رأس جرح،
قطر، فلو كان دون ذلك لم يجب إزالته.
__________
(1) ـ في (أ): أو أن يكون.
(2) ـ في (أ): وأما.
(3) ـ في (أ): يزيد بن ذريع.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/45. وفيه: عن ابن أبي
نجيح.
(5) ـ في (أ): حدثنا.
(6) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/46. وفيه: عن أبي حصين.
(15/14)
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1)؛ لأن الناس اختلفوا فيما
فوق(2) ذلك، فأما دون(3) ذلك، فلم يختلفوا فيه، وإن كانت عبارتهم
عنه مختلفة، فمنهم من قال: إذا كان مثل رؤوس الإبر، ومنهم من قال:
إذا كان مثل دم البراغيث، وكل ذلك يرجع إلى معنى واحد، أو متقارب.
ويدل على ذلك قول اللّه تعالى: {أَوْ دَماً مَسْفُوحاً}، فأخبر
بأنه(4) نجس بعدما وصفه بأنه مسفوح، ويؤكد ذلك تعذر الإحتراز منه،
والمشقة الغالبة فيه. ويدل على ذلك:
ما أخبرنا به محمد بن عثمان النقاش، حدثنا الناصر، عن محمد بن
منصور، حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين(5)، عن أبي خالد، عن زيد بن
علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، قال: خرجت مع رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم، وقد تطهر للصلاة، فأمس إبهامه أنفه، فإذا دم،
فأعاد مرة أخرى، فلم يرَ شيئاً، وجف ما في إبهامه، فأهوى بيده إلى
الأرض، فمسحها، ولم يحدث وضوءاً، ومضى إلى الصلاة.
ألا ترى أنه لما كان يسيراً لا يسيل، لم يغسل منه يده، ولا أنفه،
فبان بأنه معفو عنه.
مسألة [في المبتلى بسلس البول وسيلان الجروح]
قال: ومن ابتلي بشيء مما ذكرنا، فليغسل ثوبه مما أصابه منه، فإن
كان شيئاً لا ينقطع وقتاً من الأوقات، فلا ضير عليه في تركه، ولا
يستحب له أن يتركه في ثوبه أكثر من يوم وليلة، إلاَّ أن يشق ذلك
عليه، فيعذر في تركه يومين أو ثلاثة، على قدر ما يمكنه، وإن أمكنه
ثوب غيره، عزله لصلاته.
وذلك كله منصوص عليه في (الأحكام)(6)، وقد تقدم الكلام في إيحاب
غسله عن الثوب إذا أراد الصلاة فيه.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/52.
(2) ـ في (أ) و(ب): فيها دون.
(3) ـ في (أ) و(ب): فأما فوق.
(4) ـ في (أ): أنه.
(5) ـ في (ج): عن حسين بن علوان.
(6) ـ انظر الأحكام 1/65.
(15/15)
فأما ما ذكرنا من أنَّه إن كان شيئاً لا ينقطع وقتاً من
الأوقات، فلا ضير في تركه، فالأصل فيه الحديث الذي ذكرناه بإسناده
في باب الاستحاضة، وهو(1): أن فاطمة بنت أبي حبيش لما قالت: يا
رسول الله، إني أستحاض فلا ينقطع عني الدم، أمرها أن تدع الصلاة
أيام أقرائها ثم تغتسل(2)، وتتوضأ لكل صلاة، وتصلي، وإن قطر الدم
على الحصير قطراً، فوجب أن يكون سبيل سائر النجاسات إذا لزمت
صاحبها سبيل دم الاستحاضة؛ ولأن خلافه غير مقدور عليه، فلا يجوز أن
يؤمر به.
وأما ما ذكرناه من التقديرات، فلم نذكرها على القطع، وإنما ذكرناها
على التقريب.
والأصل فيه أنَّه يجب على الإنسان أن يحتاط ويزيل منه ما أمكنه؛
لأنه وإن عذر فيما يتعذر، فغير معذور فيما يمكن، ولا يتعذر،
وذِكْرُنا ثلاثة أيام إنما هو لأن الغالب أن الإنسان يمكنه فيها
تبديل ثوبه، فإن تعذر، كانت الثلاثة الأيام كاليومين، وكانت
الأربعة كالثلاثة، في أن الإنسان يكون معذوراً فيها، إلاَّ أن
يتمكن.
مسألة [ في حكم الآثار الباقية بعد الغسل ]
قال القاسم عليه السلام: ولا بأس بالآثار الباقية عن الأقذار في
الثوب، بعد إبلاء العذر في إزالتها.
وهذا منصوص عليه في (مسائل النيروسي) في دم الحيض.
ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال في دم الحيض: ((
حتيه، ثم اقرصيه بالماء )).
وقال لعمار: (( إنما تغسل ثوبك من البول، والغائط، والمني، والدم،
والقيء ))، وفيها ما تبقى آثاره، فلم يذكرها النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، وإنما اقتصر على ذكر القرص، والحت، والغسل، فبان أن
الواجب ما ذكره عليه السلام دون ما سواه.
وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال في دم الحيض حين أمر
بغسله فلم يذهب أثره: (( الطخيه بزعفران )). فبان أن الأثر معفوٌّ
عنه.
مسألة [ كيف يصلي العريان ]
__________
(1) ـ سقط من (أ): وهو.
(2) ـ سقط من (ب)، و(ا): ثم تغتسل.
(15/16)
قال: ومن ابتلي بالعرى صلى جالساً متربعاً، ويستر عورته
بالحشيش، أوالتراب، أو ما أمكنه، فإن لم يجد شيئاً منها، سترها
بيده يومئ إيماء كإيماء المريض، ولا يستقل من الأرض استقلالاً يبدي
عورته.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1).
والوجه فيه: أن المصلي أُخذ عليه القيام، وستر العورة، وهما فرضان،
ولا بد للعريان من ترك أحدهما بصاحبه، فكان ترك القيام أولى من ترك
ستر العورة؛ إذ وجوب ستر العورة أقوى وأوكد من وجوب القيام، ألا
ترى أن له ترك القيام في النفل إلى القعود مع القدرة على القيام،
وليس له أن يترك ستر العورة مع القدرة عليه، ولأن ستر العورة مأخوذ
عليه في جميع الصلاة من أولها إلى آخرها، ولأنه ليس له تركه في
عامة أحواله، وإن لم يكن مصلياً، ولأن القيام يترك إلى بدل، وليس
يترك ستر العورة إلى بدل، فكانت هذه الوجوه كلها دالة على أن فرض
ستر العورة أوكد من فرض القيام، فإذا ثبت ذلك، صح ما اختاره يحيى
بن الحسين عليه السلام من الصلاة قاعداً للعريان.
وليس لأحد أن يقول: إن العريان قادر على القيام، عاجز عن ستر
العورة، فليس له أن يترك القيام لعجزه عن غيره؛ لأنا قد بينا أنَّه
لا بد له من ترك أحدهما بصاحبه.
يوضح ذلك أنَّه إذا قعد، يمكنه من ستر عورته ما لا يمكنه إذا قام.
فإن قيل: لا معنى لترك ثلاث فرائض التي هي: القيام، والركوع،
والسجود، لفرض واحد الذي هو ستر العورة.
قيل له: نحن قد بينا أن ستر العورة أوكد في كل حال من هذه الفرائض
التي ذكرتها، ألا ترى أن ستر العورة مأخوذ عليه في جميع الصلوات،
بل في عامة الأحوال، وليس كذلك القيام، ولا الركوع، ولا السجود،
وكل واحد من هذه الفروض متروك إلى بدل، وليس كذلك ستر العورة، فبان
أنَّه أوكد منها.
مسألة [ كيف يصلي الواقف في الماء ]
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/122.
(15/17)
قال: والواقف في الماء يصلي قائماً إن كان الماء كثيراً، أو
قاعداً إن كان يسيراً، يومئ في كل ذلك للركوع، والسجود، وإن كانت
العُراة جماعة، وأراد(1) أحدهم أن يؤمهم، قعد الإمام بينهم،
واصطفَّ العراة عن يمينه ويساره، وكذلك يفعل الوقوف في الماء إن
أراد أحدهم أن يؤمهم، إذا كان الماء صافياً لا يستر عوراتهم، وإن
كان(2) كدراً يسترها، تقدمهم الإمام.
وكل ذلك منصوص عليه في (الأحكام)(3).
ووجه ما ذكرناه من صلاة الواقف في الماء، إذا لم يجد يبساً؛ لأنه
لا يتمكن إلاَّ بما ذكرنا، فسبيله سبيل العليل أنَّه كلما تعذر
عليه ركن من أركان الصلاة، تركه إلى ما يمكن، كنحو من يعجز عن
القيام إنَّه يصلي قاعداً، ومن(4) عجز عن الركوع والسجود، أومأ،
وكذلك الواقف في الماء.
ووجه وقوف الإمام وسط المؤتمين هو: أن ذلك أستر لعورته، وأبعد من
أن يقع عليها بصر، وقد بينا أن ستر العورة أوكد من القيام في
الصلاة، وكذلك يجب أن يكون مراعاته أوكد من مراعاة الموقف، على
أنَّه قد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن المرأة إذا
أمَّت النساء، وقفت وسطهنَّ، فدل ذلك على صحة ما ذهبنا إليه في
العراة؛ لأن الغرض في النساء في ذلك أنَّه أمنع من وقوع أبصار
المأمومات على مؤخر الآمه، وهذا هو الوجه في موقف إمام العراة في
الماء إذا كان صافياً، فأما إذا كان كدراً يستر العورة، فيتقدم
الإمام؛ لأن الماء يحجز الأبصار عن إدراك عورته، فلا غرض في تغيير
الموقف.
مسألة [ في بيان ما يسجد عليه ]
قال: ويستحب للمصلي أن يضع جبهته على الحضيض، أو على ما أنبتت
الأرض، ويكره السجود على المسوح واللبود، إلاَّ أن تدعو الضرورة
إلى ذلك.
__________
(1) ـ في (أ): فأراد.
(2) ـ في (ج): وإن كان الماء.
(3) ـ انظر الأحكام 1/122.
(4) ـ في (أ): أو من.
(15/18)
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1). وذكره ـ أيضاً ـ في
(المنتخب)(2)، وأكده حتى قال: ولا أحب الصلاة على اللبود وبسط
الشعر والوبر.
والوجه في ذلك: حديث زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام،
قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( جُعلت لي الأرض
مسجداً، وترابها طهوراً )). فاستحب للإنسان أن يسجد ويصلي على ما
جعله اللّه مسجداً من الأرض، ولا خلاف أن ما أنبتت الأرض في هذا
الباب حكمه حكم الأرض، فلذلك قال: أو على ما أنبتت الأرض، فإذا ثبت
أن ذلك مستحب، كره العدول عنه إلى المسوح واللبود إذا لم يكن
ضرورة؛ لأنَّه عُدولٌ عن المستحب في العبادة لا لغرض.
مسألة [ في الصلاة على ما فيه تمثال حيوان ]
قال: وتكره الصلاة على البسط التي عليها تماثيل الحيوان.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب)(3).
والوجه في ذلك ما ذكرناه في باب الاستقبال من الأخبار الواردة عن
النبي صلى الله علي وآله وسلم في كراهة التماثيل، فلا طائل في
إعادتها.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/132.
(2) ـ انظر المنتخب ص37.
(3) ـ انظر المنتخب ص37.
(15/19)
باب القول في صفة الصلاة وكيفيتها
فرض الصلاة:
[مسألة في ] النية، وتكبيرة الإفتتاح
قال في (المنتخب)(1): ينبغي لمن أراد الصلاة أن ينوي قبل التوجه
لها، وإن لم يفعل، كانت النية المتقدمة مجزئة. فكان ذلك تصريحاً
بإيجابها.
وحكى أبو العباس الحسني رحمه الله، عن القاسم عليه السلام أنَّه
قال: يجب أن ينويها قبل أن يقوم إليها.
قال يحيى بن الحسين عليه السلام في (المنتخب)(2): لا خلاف أنَّه من
ترك التكبيرة الأولى أن صلاته باطلة.
وقال ـ أيضاً ـ فيه(3): من سهى عن التكبير كله، فصلاته باطلة، ومن
نسي بعض التكبير سجد سجدتي السهو، ولا إشكال أن سائر التكبيرات غير
واجب، فإذا الواجب هو التكبيرة الأولى.
واعلم أنَّه لا خلاف في النية في الصلاة؛ ولأنها عبادة مقصودة
بنفسها تقع على وجوه مختلفة، فلا بد فيها من النية، وقد شرحنا هذا
الباب في مسألة النية في الطهارة.
واختلف الناس فيها، فمنهم من رأى أنها تجب أن تكون مخالطة
للتكبيرة، ومنهم من أجاز أن تكون متقدمة عليها.
والدليل على جواز تقدمها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((
الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى ))، فاقتضى ظاهر الخبرين أن
النية والمنوي متى وقعا أجزيا، سواء تقدمت النية، أو تأخرت، أو
قارنت، إلاَّ ما منع الدليل منه، على أن الصوم لم يختلف الناس أن
تقدم نيته على وقته جائز، فكذلك يجب أن يكون حكم نية الصلاة؛ لأن
كل واحدة منهما عبادة ذات أبعاض، فيجب أن يكون تقديم النية على
أولها مثل اقترانها به.
فأما التكبيرة الأولى فلا خلاف في أنها فرض، ويدل على ذلك قول
النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( تحريمها التكبير، وتحليلها
التسليم ))، ولأنه بها يتوصل إلى الصلاة، فيجب أن تكون فرضاً،
كالطهارة، وستر العورة.
__________
(1) ـ انظر المنتخب ص36.
(2) ـ انظر المنتخب ص39.
(3) ـ انظر المنتخب ص45.
(16/1)
واختلف الناس في اللفظ به، وأجمعوا أن الصلاة تنعقد بقول
القائل: اللّه أكبر، والظاهر من مذهب يحيى عليه السلام: أن الصلاة
لا تنعقد بغيره؛ لأنَّه قال في (الأحكام)(1) في باب الإفتتاح
حاكياً عن اللّه عزَّ وجل: "ثم أمره أن يكبر، ويفتتح الصلاة
بالتكبير، فقال سبحانه: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيْراً}[الإسراء:111]،
وهو أن يقول المصلي: اللّه أكبر"، [فصرَّح بأن المراد بالأمر
بالتكبير، هو: اللّه أكبر.
وحكى أبو العباس الحسني رضي اللّه عنه في (كتاب الصوم)، عن أحمد بن
يحيى بن الحسين، أنَّه قال: إن قال: اللّه أجل، أو أعظم، أجزأه؛
لأنَّه من التكبير معنى.
ووجه قول يحيى بن الحسين عليه السلام: أن الذي يعقل من ظاهر
التكبير هو قول القائل: اللّه أكبر](2)، ألا ترى أنَّه يُفصل في
الشرع، واللغة، والعرف بين التكبير والتهليل، وإن كان التهليل من
جهة المعنى تكبيراً، وإذا ثبت ذلك وقال النبي صلى الله عليه وآله
وسلم : (( تحريمها التكبير ))، اقتضى ظاهره اللّه أكبر، وعلى أنَّه
هو المشهور من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفِعل من بعده
من الصحابة والتابعين، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : (( صلوا
كما رأيتموني أصلي ))، على أن أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم
في الصلاة تدل على الوجوب؛ لأنها بيان لمجمل واجب، وهو قوله تعالى:
{أَقِيْمُوا الصَّلاةَ} [المزمل:20].
ووجه ما حاكاه أبو العباس الحسني رحمه الله، عن أحمد بن يحيى عليه
السلام: هو أنه مقيس على قولنا: اللّه أكبر، بمعنى أنَّه تعظيم لله
تعالى، وأن سائر ما ذكرنا هو إيجاب قولنا: اللّه أكبر، وليس فيه أن
غيره لا ينوب منابه.
مسألة [ قرآءة الفاتحة وثلاث آيات مرة واحدة ]
قال: ومن فرضها قراءة فاتحة الكتاب وثلاث آيات معها مرة واحدة.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/92.
(2) ـ ما بين المعكوفين في (ج).
(16/2)
نص على ذلك في (الأحكام)(1) فقال في باب الدخول في الصلاة: من
افتتح الصلاة وكبر وجب عليه أن يقرأ فاتحة الكتاب، وما تيسر معها
من السورة.
وقال في (المنتخب)(2): من قرأ فاتحة الكتاب وحدها، بطلت صلاته، حتى
يقرأ معها ثلاث آيات.
وقلنا: مرة واحدة؛ لأنَّه قال في (الأحكام)(3): من لم يقرأ فاتحة
الكتاب في الصلاة بطلت صلاته، فإن قرأها في ركعة أو ركعتين كانت
صلاته تامة.
والأصل فيه الحديث الذي استدل به في (الأحكام)، رواه محمد بن
منصور، عن جبارة بن(4) المغلس، حدثنا مندل، عن أبي سفيان نصر بن
طريف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّه صلى الله
عليه وآله وسلم : (( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير،
وتحليلها التسليم، ولا تجزي صلاة لا يقرأ فيها فاتحة الكتاب وقرآن
معها )).
وروي: (( لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب، وشيء معها )).
وفي بعض الأخبار: (( وسورة من القرآن )).
وعن أبي سعيد الخدري، قال: (( أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما
تيسر )).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث رفاعة بن رافع للأعرابي ـ:
(( ثم اقرأ فاتحة الكتاب، وما تيسر )).
وليس لأحد أن يقول: لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب، هو(5) لنفي
الكمال دون الإجزاء؛ لأن (( لا )) موضوع للنفي، والمنفي ما يتناوله
لا، فيجب على هذا أن يكون ظاهر الخبر يوجب أن من لم يقرأ فاتحة
الكتاب، وقرآناً معها، فلا صلاة مجزية ولا كاملة.
فإن قيل: الخبر لا ظاهر له؛ لأنا نعلم الصلاة حاصلة، وإن لم يقرأ
فيها ما ذكرتم؟
قيل له: لسنا نسلم أن اسم الصلاة ينطلق على ما ذكرتم، إلاَّ على
وجه من المجاز، لأن اسم الصلاة لا يتناول إلاَّ صلاة صحيحة، وإذا
لم يقرأ فيها ما ذكرنا، فلا تسمى صلاة على الإطلاق، هذا الذي
نختاره في جميع الاسماء الشرعية.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/93.
(2) ـ انظر المنتخب ص45.
(3) ـ انظر الأحكام 1/105.
(4) ـ في (أ): عن.
(5) ـ في (ج): وهو.
(16/3)
فإن قيل: فقد قال اللّه تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ
الْقُرْآنِ}[المزمل:20]، فمن قرأ بشيء من القرآن فقد أدى ما عليه؟
قيل له: الآية مبنية؛ لأنها عامة على ما رويناه عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم؛ لأنَّه خاص، ومن مذهبنا بناء العام على الخاص.
فإن قيل: هذا لا يوجب أن يكون من بناء العام على الخاص، بل يجب أن
يكون نسخاً؛ لأن الآية تقتضي التخيير في القرآءة، والخبر يقتضي
المنع من التخيير، ويعين الوجوب في فاتحة الكتاب.
قيل له: ليس الأمر على ذلك؛ لأن الخبر أوجب قراءة فاتحة الكتاب،
وحكم التخيير بعدها قائم؛ لأن الإنسان مخير بعدها فيما يقرأه، فليس
يجب أن يكون فيه نسخ، بل يجب أن يكون على ما قلناه حتى يكون تقدير
الخبر والآية: اقرأوا فاتحة الكتاب، وما تيسر من القرآن.
وهذا السؤال إنما يتوجه على من يقول: إن قرآءة فاتحة الكتاب فرض
دون ما عداها، فأما نحن فمذهبنا أنَّه لا بد معها من غيرها من
القرآن، فالسؤال ساقط عنّا، ونحن نرتب هذا السؤال على وجه يكون
دليلاً لنا على من زعم أن الفرض هو قراءة فاتحة الكتاب دون ما
عداها، بأن نقول: قد ثبت أن اللّه تعالى ألزمنا قراءة خيّرنا فيها
بقوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}[المزمل:20]،
وألزمَنا على لسان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قراءة فاتحة
الكتاب، ولا يجوز أن يكون الفرض المعين هو الفرض المخيرَ فيه؛ لأن
تقدير ذلك أن نقول: {اقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ
القُرْآنِ}[المزمل:20]، وهو فاتحة الكتاب، وهذا خلف من الكلام، ألا
ترى أنَّه لا يصح أن يقول القائل لآخر: اِلق من شئت، وهو زيد،
وإنما يصح أن يقول: ألق من شئت، وزيداً، وإذا ثبت ذلك، جرى تقدير
الآية والخبر مجرى أن يقول: {اقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ}، واقرأوا
فاتحة الكتاب، فيجب قراءة فاتحة الكتاب مع غيرها من القرآن.
(16/4)
فإن قيل: لو كان ما عداها فرضاً، لم يثبت فيه التخيير، بل عين
في فاتحة الكتاب مع غيرها من القرآن؟
قيل له: هذا فاسد؛ لأن التخيير لا يمنع الفرض، ألا ترى أن كفارة
الواجد مخير فيها، وكفارة يمين المعدم معينة؛ لأن الواجد مخير بين
الإطعام، والكسوة، والعتق، والمعدم فرضه في الصيام، فكذلك التخيير
فميا عدا فاتحة الكتاب لا يخرجه من أن يكون فرضاً.
فإن قيل: فلم قلتم إن تكرير القراءة غير واجب في كل ركعة؟
قيل له: لأن الآية والخبر أوجبا قراءة مرة واحدة، ألا ترى إلى قوله
تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}[المزمل:20]، وإلى قول
النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا صلاة إلاَّ بفاتحة(1) الكتاب
)) وقوله: (( لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ))، وقوله:
(( كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ))، فمن قرأ فاتحة
الكتاب مرة واحدة، يكون قد خرج من عهدة الخبر، ومن قرأ معها غيرها
من القرآن، امتثل حكم الآية، فبان أن الفرض من ذلك مرة واحدة.
واستدل يحيى عليه السلام على ذلك بأن قال(2): إن اسم الصلاة يتناول
جملتها، دون أجزائها، فالواجب أن تحصل القراءة في جملتها دون
أجزائها بقضية الظواهر التي ذكرنا من الكتاب والسنة، قال: وكل ركعة
على حيالها لا تسمى صلاة، فلا يجب أن يكون(3) قوله: (( لا صلاة
إلاَّ بفاتحة الكتاب، وكل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي
خداج ))، موجباً قراءتها في كل ركعة، على أن القراءة مقيسة على
سائر الأذكار، من تكبيرة الافتتاح، والتشهد الأخير، والتسليم، في
أنها لا يتكرر فرضها، كما لا يتكرر فرض هذه الأذكار.
__________
(1) ـ في (أ): فاتحة.
(2) ـ انظر الأحكام 1/95 ـ 97.
(3) ـ في (ب): فلا يكون.
(16/5)
ومما يدل على ذلك ـ أيضاً ـ أنَّه لا خلاف في أن من أدرك الإمام
راكعاً، فقد أدرك الركعة، فلو كانت القراءة فرضاً في جميع الركعات،
لكان المدرك للركوع غير مدرك للركعة إذا لم يدرك القراءة، فبان أن
سبيلها سبيل تكبيرة الركوع، وقياس عليها.
فإن قيل: فإنه لم يلحق القيام مع أنَّه مدرك للركعة، وهذا لا يدل
على أن القيام غير فرض.
قيل له: إنَّه يكون مدركاً للقيام، لأنَّه يجب عليه أن يكبر تكبيرة
الافتتاح، ثم يركع، فيكون قد حصل له القيام، فلهذا لم يجب سقوط
فرضه.
والمستحب عند يحيى عليه السلام على ما نص عليه في (الأحكام)(1): أن
يقرأ مع فاتحة الكتاب بسورة تامة؛ لأن في بعض الأخبار: (( لا صلاة
إلاَّ بفاتحة الكتاب وسورة )).
وقال في (المنتخب)(2): إن قرأ مع فاتحة الكتاب ثلاث آيات، أجزأه
لأنَّه قاسها على أصغر السور.
مسألة [ في القيام، والركوع، والسجود ]
ومن فرضها: القيام، والركوع، والسجود.
وقال في (الأحكام)(3): "يصلي العليل على ما يمكنه، إن أمكنه
قائماً، فقائماً". ومنع القائم أن يأتم بالقاعد، فنبه على توكيد
فرض القيام(4).
وقال في (الأحكام)(5) في من لحق الإمام ساجداً: أنَّه قد فاتته
الركعة؛ لأن الصلاة قيام وركوع وسجود، فمن لم يدرك الركوع فقد
فاتته الركعة، فنبه على فرضهما، وذلك أجمع مما لا خلاف فيه، وقد
قال اللّه تعالى: {وَقُومُوا للهِ قَانِتِيْنَ}[البقرة:238]، وقال
اللّه عزَّ وجل: {وَإِذَا كُنْتَ فِيْهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ
الصَّلاةَ}[النساء:102]، وقال عزَّ وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ
آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77]، فأوجبها.
مسألة [ في التشهد الأخير والتسليم]
قال القاسم عليه السلام: ومن فرضها التشهد الذي يجب التسليم عقيبه،
والتسليم، وترك سائر ما يفسدها.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/93.
(2) ـ انظر المنتخب ص45.
(3) ـ الأحكام 1/121.
(4) ـ انظر الأحكام 1/143.
(5) ـ انظر الأحكام 1/116.
(16/6)
أما وجوب التشهد فهو منصوص عليه في (مسائل عبدالله بن الحسين)،
عن جده القاسم عليه السلام، وكذلك وجوب التسليم. وقد نص يحيى عليه
السلام في (المنتخب)(1) على وجوب التسليم.
والدليل على وجوب التشهد قول اللّه تعالى: {يَا أَيُّهَا
الَّذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} [الأحزار:56]، فأوجب الصلاة
على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا خلاف في أنها لا تجب في
غير الصلاة، فإذاً وجوبها في الصلاة، ولا أحد أوجبها في الصلاة
إلاَّ أوجب التشهد، فإذا ثبت وجوبها، ثبت وجوب التشهد، على أن قوله
تعالى: {وَسَلِّمُوا تَسْلِيْماً}[الأحزاب:56]، يدل على وجوب
التسليم، وإذا ثبت وجوب التسليم ثبت وجوب التشهد؛ لأن كل من قال
بوجوب التسليم، قال بوجوب التشهد. يدل على ذلك:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن أبي داود،
حدثنا المُقَدَّمي، حدثنا أبو معشر البراء، عن أبي حمزة، عن
إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم،
ثم ذكر التشهد، قال: (( لا صلاة إلاَّ بالتشهد ))(2).
وأيضاً فإنا وجدنا الجلوس ركناً من أركان الصلاة هيأته غير مختصة
بالعبادة، فوجب أن يكون فيه ذكر مفروض، دليله القيام، يؤكد هذه
العلة أن الهيئات التي تختص بالعبادة(3) لا يجب أن يكون فيها ذكر
مفروض، وهي: الركوع والسجود.
ويمكن أن يقاس التشهد على القراءة بعلة أنَّه ذكر يقع في غير
الركوع والسجود، فيجب أن يكون في جنسه ما هو فرض.
__________
(1) ـ انظر المنتخب ص47 ـ 48.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/275.
(3) ـ في (أ) و(ب): العبادة.
(16/7)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا الحسين بن نصر،
حدثنا الفريابي، حدثنا سفيان الثوري، عن عبدالله بن محمد بن عقيل،
عن محمد بن الحنفية، عن علي عليه السلام، قال: قال رسول اللّه صلى
الله عليه وآله وسلم : (( مفتاح الصلاة الطهور، وإحرامها التكبير،
وإحلالها التسليم ))(1). وروي: (( وتحريمها التكبير، وتحليلها
التسليم )).
فقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( وتحليلها التسليم )) لا يخلو
من أن يكون أراد به أن التحليل من الصلاة لا يكون إلاَّ بالتسليم،
أو أراد: أن التحليل الصحيح لا يكون إلاَّ بالتسليم، [فلا يجوز أن
يكون أراد صلى الله عليه وآله وسلم أن التحليل لا يكون إلاَّ
بالتسليم](2)؛ لأن الخروج من الصلاة يتنوع من سبق الحدث(3)، أو
تعمده القطع، فلم يبق إلاَّ أن يكون المراد به أن التحليل الصحيح
لا يكون إلاَّ بالتسليم، فثبت فرض التسليم.
فإن قيل: روي عن عبدالله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أنَّه قال: (( إذا رفعت رأسك من آخر سجدة، وقعدت، فقد تمت صلاتك
)).
قيل له(4): وقد روي عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه
قال: (( إذا رفعت رأسك من آخر سجدة(5)، فقد تمت صلاتك ))، من غير
ذكر القعود.
وروي ـ أيضاً ـ عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( إذا
رفع المصلي رأسه من آخر صلاته، وقضى تشهده، ثم أحدث، فقد تمت
صلاته، ولا يعود لها )) وفي هذا الحديث(6) التشهد.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/273.
(2) ـ ما بين المعكوفين زيادة في (ج).
(3) ـ في (أ): الحديث.
(4) ـ سقط من (ب): له.
(5) ـ في (ب): السجدة.
(6) ـ في (ج): وذكر في هذا الحديث. وفي (ب): وفي الحديث.
(16/8)
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا فهد، حدثنا أبو
نعيم، وأبو غسان ـ واللفظ لأبي نعيم ـ قالا: حدثنا زهير بن معاوية،
عن الحسن بن بحر(1)، عن القاسم بن عمير(2)، قال: أخذ علقمة بيدي،
فحدثني أن عبد الله أخذ بيده، وأن رسول اللّه صلى الله عليه وآله
وسلم أخذ بيده، وعلمه التشهد، وقال: (( فإذا فعلت ذلك، وقضيت هذا،
فقد تمت صلاتك، إن شئت إن تقوم، فقم، وإن شئت أن تقعد، فاقعد
))(3)، فهذه الأخبار على ما ترى قد اختلفت.
ووجه الخبرين الأولين، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد
بالتمام مقاربة التمام، إذ محالٌ أن يكون النبي صلى الله عليه وآله
وسلم يقول مرة: (( إذا رفعت رأسك من آخر السجدة، وقعدت، فقد تمت
صلاتك ))، [ومره يقول: (( إذا رفعت رأسك من آخر السجدة فقد تمت
صلاتك ))](4)، إلاَّ على الوجه الذي قلنا؛ لأنَّه إن لم يحمل الأمر
فيه على المقاربة، تنافى الخبران.
والخبران اللذان فيهما ذكر التشهد المراد بهما مع التسليم، بالأدلة
التي قدمناها، ويؤكد هذا التأويل أنَّه لا خلاف أن التشهد مستحب،
وأن تركه مكروه، ولا يجوز أن يقول صلى الله عليه وآله وسلم: وإن
شئت، فافعل المكروه، وإن شئت، فلا تفعل، فبان أن المراد: فإذا قضيت
التشهد والتسليم، فإن شئت فاقعد، وإن شئت فقم.
وأيضاً فقد بينا أن أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة
على الوجوب؛ لأنَّه بيان لمجمل واجب، وقد قال أيضاً صلى الله عليه
وآله وسلم: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ))، وقد ثبت أنَّه كان
يتشهد، ويحل الصلاة بالتسليم، فثبت وجوبهما.
__________
(1) ـ في (أ) و(ب): عن الحسن بن الحسن.
(2) ـ في (ج): عن القاسم بن خيمرة.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/275. وفيه الحسن بن
الحر، بدلاً عن بحر.
(4) ـ ما بين المعكوفين زيادة في (ج).
(16/9)
وأيضاً فقد ثبت أن التحريم لا يصح إلاَّ بالمسنون فيه، وهو
التكبير، فكذلك التحليل يجب أن لا يصح إلاَّ بالمسنون فيه، وهو
|