تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

أحدها: أنَّه قياس الشيء على جنسه؛ لأنهما شهادة رؤية الهلال على شهادة رؤية الهلال، وليس كذلك قياسهم؛ ولأن قياسنا مَنَع الوجوب بغير واسطة، وقياسهم اقتضى الوجوب بالواسطة، ألا ترى أنهم أثبتوا الجواز ثم قالوا لا قول بعده إلاَّ القول بالوجوب؟ على أن قياسنا نفى الأمرين ـ أعني الجواز والوجوب ـ فهو أعم من قياسهم، على أن قياسنا اقتضى الحظر؛ لأنَّه يمنع الصيام على أنه من رمضان، وقياسهم اقتضى الجواز، ثم /107/ تطرقوا إلى إثبات الوجوب، على أن المانع الذي ذكروه لا يحصل بشهادة الواحد بالاتفاق، ألا ترى أن الإفطار لا بد فيه من شهادة عدلين؟ والمانع من أداء الصلاة ـ وهو النجاسة ـ يُحكم بحصوله بشهادة الواحد، فدل ذلك على أن موضوع رؤية الأهلة طريقه طريق الشهادات، وأنه لا يقبل فيه قول الواحد، وأن موضوع حصول النجاسة وزوالها طريق الأخبار، فقبل فيه خبر الواحد، يحقق ذلك أنما ذكرناه أولى.
فإن قيل: إنما وجب في هلال الفطر، وهلال ذي الحجة أن لا يقبل فيهما إلاَّ شهادة عدلين؛ لأن حقوق المال تتعلق بهما، وهي زكاة الفطر، والأضحية.
قيل له: ويتعلق بالصوم أيضاً، ألا ترى أن زكاة الفطر تتعلق باليوم الواحد والثلاثين من يوم الصوم؟ ولا فصل بين الرؤيتين(1)، إلاَّ أن الزمان بين إحدى الرؤيتين(2) وبين وقت زكاة الفطر أكثر من الزمان الذي بين الرؤية الأخرى، وبين وقت زكاة الفطر، وكثرة الزمان في هذا الباب لا تأثير له.
فإن قيل: إن هذه الشهادة تُلزِم مقيمها ـ نفسه ـ من الفرض ما يَلزم غيره، فوجب أن يكون طريقها الخبر، وأن يقبل فيها الواحد.
قيل له: هذا منتقض بشهادة الفطر؛ لأنه يُلزم نفسه زكاة الفطر كما يُلزم غيره، ولا خلاف أن أحد الورثة إذا شهد بحق على الموروث أنَّه لا يحكم به، وإن كان يلزمه بشهادة نفسه من الفرض ما يلزم غيره.
__________
(1) ـ في (أ): الروايتين. والصواب ما أثبتناه.
(2) ـ في (أ): الروايتين.

(35/3)


فإن قيل: الاحتياط يقتضي الصوم بشهادة الواحد.
قيل له: لا احتياط في ذلك؛ لأن الخلاف ما وقع في الصوم، ألا ترى أنا نختار صيام يوم الشك، وإن لم يكن شهادة؟ وإنما الخلاف في صيامه على طريق الوجوب، وليس من الاحتياط إيجاب ما ليس بواجب، على أنَّه يؤدي إلى أن يكون الإفطار بشهادة الواحد، أو بصيام أكثر من شهر، وكلاهما فاسد، فكيف يدعى فيه الاحتياط؟ على أن كونه مؤدياً إلى أن يفطر بشهادة الواحد، أو بصيام أكثر من شهر يرجح قياسنا.
وقلنا: إنَّه إذا كان في السماء علة، يُعَدُّ الشهر ثلاثين يوماً لما:
رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن(1) سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((صوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غيابة، فأكملوا ثلاثين)) (2).
وروى ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر الهلال، فقال: ((إذا رأيتموه، فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن غم(3) عليكم، فعدوا ثلاثين )) (4).
وروى أبو داود في السنن ـ بإسنادهـ عن عائشة، قالت: كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه، عَدَّ ثلاثين يوماً، ثم صام.
وفي بعض الأخبار ((فإن غم عليكم، فعدوا شعبان ثلاثين يوماً)).
وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من النهي عن الصوم في يوم الشك يحقق ذلك.
__________
(1) ـ في (ب): عما، والصواب ما أثبتناه.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المنصف 2/284، ولعله لا تصوموا قبل رمضان.. الخ.
(3) ـ في (أ): أغمى.
(4) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/284 وفيه حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبيد الله بن عمر عن أبي الزنادية.

(35/4)


ومعنى إكمال شعبان عندنا هو أن لا يصوم يوم الشك على أنَّه من رمضان قطعاً، لأنَّه لم يصمه كذلك بكون اليوم معدوداً من شعبان، وإلا فالمستحب عندنا هو الصوم في ذلك اليوم على ما يجيء القول فيه.
فصل [ولا فرق في قبول الشهادة بين صحو السماء وغيمها]
الهادي عليه السلام لم يفصل في قبول الشهادة بين أن تكون السماء /108/ مصحية لا علة فيها، وبين أن تكون السماء مغيمة، فاقتضى ظاهر قوله جواز قبولها مع الصحو، خلافاً لأبي حنيفة في منعه قبولها مع الصحو.
والأصل في ذلك:
ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه أمرنا أن ننسك ـ إذا لم يكن رؤية ـ إذا شهد ذوا عدل،[و] ليس فيه ذكر الغيم، وعمومه يسوي بين حال الصحو، وحال الغيم.
وكذلك ما روي عن الأعرابيين اللذين وفدا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألهما: ((أمسلمان أنتما ))؟ فقالا: نعم فقال: (( أهللتما ))؟ قالا: نعم، ليس فيه ذكر الغيم والصحو.
وكذلك حديث ابن عمر، وحديث الأعرابي، فكل ذلك يبين أن لا فرق بين الصحو، والغيم.
وما روي عن علي عليه السلام: ((إذا شهد ذوا عدل، فصوموا، وأفطروا)) يقتضي التسوية بين الصحو والغيم.
وفيه من جهة النظر أنَّه لا خلاف في جواز قبول الشهادة إذا كانت السماء مغيمة، فكذلك إذا كانت مصحية، والمعنى أنها شهادة على الأهلة، فيجب أن يستوي فيها حال الغيم، وحال الصحو.
فإن قيل: يمتنع ذلك من قِبَل أنها إذا كانت مصحية، فلا يجوز أن تقع الرؤية للواحد والاثنين والثلاثة، دون أن تحصل للجماعات الكثيرة؛ لأن الدواعي تدعو إلى طلب الرؤية، وإذا(1) طلبوها، وجب أن يروا، فإذا لم يروا، كان ذلك كالتهمة في قول الواحد والاثنين.
__________
(1) ـ في (أ): فإذا.

(35/5)


قيل له: هذا الذي ادعيتموه في أن الواحد إذا ـ رأى ولا علة ـ يجب أن يراه الجماعة غير صحيح؛ لأنَّه لا يمتنع أن يعرض الخطأ في السماء، أو يكون الواحد أحَدَّ بصراً من غيره، وإنما تصح تلك الطريقة في المرئي، إذا لم يكن هناك منع، وهاهنا مانع ظاهر، وهو البعد، فلا يمتنع ما ذكرناه، وإذا لم يمتنع، لم يجب أن يصير ما ذكرتموه تهمة.
فصل [هل يتقدم الصوم والإفطار على الرؤية أم لا؟]
ذهب بعض الجهال من الشيعة إلى أنَّه لا اعتبار بالرؤية، وأن الهلال إذا رؤي عشية، كان ذلك اليوم من الشهر الجديد، وقالوا: في قوله: ((صُومُوا لِرؤيته، وافطروا لرؤيته))، أن الصوم والإفطار يجب أن يتقدما على الرؤية، كما أن القائل إذا قال: تسلح للحرب، يجب أن يكون التسلح قبل الحرب، وإذا قال: تطهر للصلاة، يجب أن يكون التطهر قبل الصلاة، وهذا قول خارج عن(1) إجماع المسلمين، وليس يُحفظ عن أحد من السلف، ولم يكن سبيل مثل هذا أن يُذكر في هذا الكتاب، إلاَّ أن قوماً من الجهال قد اغتروا به، ويحجهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالصوم بعد ما شهدوا عنده على الرؤية في حديث الأعرابيين، وحديث ابن عمر، وحديث الأعرابي. وأما قولهم: إن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((صوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته)) يوجب أن يكون الصوم قبل الرؤية، وكذلك الإفطار، وضربهم المثل لمن(2) قيل له: تسلح للحرب، وتطهر للصلاة، فقول فاسد؛ لأن قوله: ((صوموا لرؤيته)) كقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}، ولا خلاف أن الصلاة بعد الدلوك، وذلك(3) أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم جعل أمارة وجوب الصوم والإفطار الرؤية، كما جعل تعالى أمارة وجوب الصلاة دلوك الشمس، ومن شأن ما هو أمارة للشيء أن يتقدمه، فيحصل العلم به، ثم يُعلم الحكم بعدها، وليس كذلك التسلح للحرب؛ لأنَّه كالآلة
__________
(1) ـ في (أ): من.
(2) ـ في (ب): لمن.
(3) ـ في (ب): وذكر وظنن في الهامش أنها ما أثبناه.

(35/6)


للحرب، وليس يمتنع في الآلات أن يكون فيها ما يجب تقدمه على ما هو آلته، وإن كان فيها ما لا يجب فيه، والتطهر أمر به /109/ يتوصل إلى الصلاة، فوجب أن يكون قبلها، وليس كذلك الصوم؛ لأنَّه لا يصح أن يقال فيه: إنَّه يتوصل به إلى الرؤية، فبطل ذلك.
مسألة [في عدة شهر رمضان]
قال: وقد يكون شهر رمضان تسعة وعشرين يوماً، وقد يكون ثلاثين يوماً.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
وهو قول عامة الفقهاء من أهل البيت عليهم السلام وغيرهم، وحكي عن شرذمة أنهم قالوا: لا يكون أقل من ثلاثين يوماً.
والأصل في ذلك:
ما روى ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ((كم قد مضى من الشهر ))؟ قلنا: مضى اثنان وعشرون يوماً، وبقيت ثمان. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((بل مضى اثنان وعشرون يوماً، وبقيت سبع، التمسوها الليلة ))، ثم قال: ((الشهر هكذا، والشهر هكذا ))، ثلاث مرات، وأمسك بواحدة(2).
وروي عن أبي هريرة، ونقص في الثالثة أصبعاً.
وروى أبو داود في (السنن)، عن ابن مسعود، قال: ((صمنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين)).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/230 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ في (أ) و (ب): واحدة. أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 2/332 وإسناده حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح، به.

(35/7)


وأخبرنا أبو العباس الحسني، قال: أخبرنا علي بن الحسين بن مروان، قال: حدثنا الحسن(1) بن عمر بن أبي الأحوص الثقفي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا إبراهيم بن هراشة، عن عمر بن موسى بن الوجيه، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول اللّه(2) صلى الله عليه وآله وسلم: ((الشهر تسعة وعشرون يوماً، والشهر ثلاثون يوماً، صوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين يوماً)) وهو قياس سائر الشهور في جواز دخول النقص والزيادة عليها وعلى العدد، والمعنى أنَّه من شهور الأهلة.
فإن استدلوا بقوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} لم يصح ذلك؛ لأن إكمال العدة هو استيفاء [عدة](3) عدد أيام الشهر، وإذا كان الشهر تسعة وعشرين يوماً، كان استيفاء هذه الأيام إكمال عدته، ألا ترى أن صلاة المغرب في نفسها كاملة، وكذلك صلاة العشاء، وكذلك صلاة الفجر، وإن كان عدد بعضها أزيد من غيره.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: ((اطلبوها في العشر الأواخر)) فدل ذلك على أن ما بعد العشرين منه عشر كوامل.
قيل له: أكثر ما في هذا أن له عشراً أخيراً(4)، ولا يجب أن يكون قد تقدمته عشر، وعشر، بل لا يمتنع أن يكون المتقدم له عشراً وتسع، على أنَّه لا يمتنع(5) أن يطلق اسم العشر الأواخر على التسع على سبيل التوسع، كما أُجري اسم الأشهر على شهرين، وعشرة أيام حيث يقول تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٍ}، وكما سمت العرب عِشراً وعِشراً، ويومين عشرين؛ لأن العشر عندهم من إظماء الإبل، وهو اسم لتسعة أيام.
فإن قيل: روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: ((شهرا عيد لا ينقصان، رمضان، وذو الحجة)).
__________
(1) ـ في هامش (ب): الحسين.
(2) ـ في (أ): النبي. نخ
(3) ـ سقط من (أ) و (ب).
(4) ـ في هامش (ب): أواخر. نخ
(5) ـ في (أ): غير ممتنع.

(35/8)


قيل له: ليس في الحديث أن عدد أيامهما لا ينقص، ويحتمل أن يراد أن أحكامهما لا تتناقص، وإن كانا ثلاثين، أو تسعاً وعشرين؛ لأن في أحدهما الصوم، وفي الآخر الحج.
مسألة [فيمن رأى هلال شوال قبل الزوال]
قال القاسم عليه السلام في من رأى هلال شوال قبل الزوال أن الأولى أن يتم الصوم، ويؤخر الإفطار إلى الغد.
وهذا منصوص عليه في (مسائل النيروسي) وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي.
وقال الناصر عليه السلام، والإمامية، وأبو يوسف/110/: إن رؤي قبل الزوال، أفطر، وإن رؤي بعد الزوال، أُخِّر الإفطار إلى الغد.
ووجه ما ذهبنا إليه قول اللّه تعالى: {ثُمَّ أَتَمُّوا الصَّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فلا يجوز الإفطار في بعض النهار؛ لإيجاب اللّه تعالى علينا الإتمام إلى الليل.
ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((صوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته))، فجعل صلى الله عليه وآله وسلم الرؤيةَ علماً للصوم والإفطار، فيجب أن يكون قبلهما، كما أن اللّه تعالى جعل الدلوك عَلماً لوجوب الصلاة بقوله عزَّ من قائل: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىْ غَسَقِ الْلَّيْلِ} فوجب أن يكون الدلوك قبل وجوب الصلاة، ولا خلاف أنَّه إذا رؤي بعد الزوال، كان لِلَيلة مستقبلة، وكذلك إذا رؤي قبل الزوال، والعلة أن رؤيته حصلت في بعض ذلك اليوم، أو يقال: إن رؤيته لم تثبت ليلة ذلك اليوم، على أنَّه غير ممتنع أن يكون رؤي لكبره، لا لأنَّه لِلَيلة الماضية؛ لأن الأهِلَّة تكبر، وتصغر بحسب الأوقات التي تفارق الشمس فيها.
ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه ـ من أنَّه لا اعتبار برؤيته نهاراً ـ أن ذلك لو وجب، لوجب أن يكون الصوم يجب ـ وكذلك الفطر ـ من وقت الرؤية، وذلك يؤدي إلى أن يكون يوم واحد بعضه من شعبان، وبعضه من رمضان، أو بعضه من رمضان، وبعضه من شوال، وهذا خلاف الإجماع.
مسألة [في صوم يوم الشك]
قال: والصوم في يوم الشك أولى من الإفطار.

(35/9)


وقد نص عليه في (الأحكام) (1).
ووجهه حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، قالا: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن اللّه تعالى يقول: الصوم لي، وأنا أجزي به، وإن للصائم فرحتين: فرحة إذا أفطر، وفرحة إذا لقي اللّه سبحانه فعموم قوله: ((الصوم لي)) يوجب أن يكون كل صوم مستحباً؛ لأن دخول الألف واللام عليه توجب استغراق الجنس، وكذلك قوله: ((للصائم فرحتان))، يوجب أن ذلك لكل صائم، إلاَّ ما منع منه الدليل.
وروى ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم)) (2) وهذا عام في كل صوم إلاَّ ما قام دليله، فصار عموم هذه الظواهر يقتضي أن صوم يوم الشك مستحب.
ومن المعتمد في هذا الباب ما اشتهر عن أمير المؤمنين عليه السلام من قوله: ((لأن أصوم يوماً من شعبان، أحب إليَّ من أفطر يوماً من رمضان)) (3).
وروى ابن أبي شيبة، عن أم سلمة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [كان يصل شعبان برمضان. وذلك لا يكون إلا بصوم يوم الشك.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/239 وهو بالمعنى.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/274 وإسناده حدثنا ابن مبارك، عن موسى بن عبيدة، عن جمهان، به.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/285 وإسناده: حدثنا زيد بن الحباب، عن شعبة، عن منصور، عن سالم، عن أبي سلمة، به.

(35/10)


ولا خلاف أن صوم الشك جائز ومستحب، وإنما الخلاف في جهة صومه، فإن الشافعي يستحبه إذا صام شعبان كله، أو وافق ذلك صوما](1) كان يصومه، وأبو حنيفة يستحبه بنية شعبان، فصار استحباب صومه مجمَعاً عليه، فإذا ثبت ذلك، لم يلزمنا إلاَّ بيان تأويل النهي الوارد فيه، فنقول: هو نهي عن صومه على أنَّه من رمضان، وعندنا أن صومه على هذا الوجه غير جائز. وهو قياس على أول شعبان في أن صومه مستحب، فكذلك يوم الشك، والمعنى أنَّه يوم من شعبان، فإذا(2) جاز أن يصومه الإنسان موصولاً بما قبله، جاز أن يصومه مبتدئاً؛ بعلة أنَّه يوم من شعبان.
ويقوي هذه العلة ما وجدنا في الأصول أن الأيام التي مُنعنا من صومها، لم ينفصل حالها بين أن يتقدمها الصوم، أو لا يتقدمها، فوجب أن يكون يوم الشك ـ أيضاً ـ بهذه المثابة، فلا يكره صيامه ابتداء، كما لا يكره استمراراً.
ومما يؤكد قولنا أنَّه احتياط، /111/ والاحتياط مستحب في جميع العبادات، فوجب أن يستمر في يوم الشك، ويمكن أن يقاس على آخر يوم من رمضان [إذا شك فيه في أنَّه لا يكره صومه؛ والعلة أنَّه يوم يشك فيه من رمضان] (3).
فإن قيل: منعنا من قصد يوم الجمعة بالصيام؛ لأنه يوم عظيم الحرمة، فلم يؤمَن أن يعتقد وجوب صومه، فكذلك يجب أن يكون صوم يوم الشك ممنوعاً منه، لئلا يُعتقد فيه الإيجاب.
__________
(1) ـ ما بين المعكوفين نقص من (أ) و (ب).
(2) ـ في (أ): وإذا.
(3) ـ ما بين المعكوفين سقط من (أ) و (ب).

(35/11)


قيل له: إنما ساغ ذلك يوم الجمعة؛ لأنه لم يتعلق به احتياط للفرض، وصيام(1) يوم الشك قد تعلق به احتياط للفرض، فوجب أن يكون الاحتياط الذي ذكرناه أولى من الاحتياط الذي ذكرتموه؛ لأنه يمكن أن يثبت غير واجب، ولا يمكن مع إفطاره ـ إن كان من رمضان ـ إزالة الإفطار فيه، على أن المسألة إجماع أهل البيت عليهم السلام، ومشهور(2) عن علي عليه السلام، وما كان من المسائل هذه سبيله، لم يستجز خلافه.
مسألة [فيمن صام يوم الشك كيف ينوي؟]
قال: وينبغي لمن صامه أن ينوي فرضه إن كان من رمضان، أو تطوعه إن كان من شعبان حتى تقع النية مشروطة.
وهذه الجملة منصوص عليها في (الأحكام) (3)، وتشتمل على ثلاث مسائل منها:
[المسألة الأولى]: أن الصوم لا بد له من النية، وقد حقق ذلك يحيى عليه السلام بقوله في آخر هذه المسألة في (الأحكام)(4): فإن كان ذلك اليوم من رمضان، فقد أدى صومه بما عقد من نيته، فنبه على أن عقد النية به يؤدى الصوم.
المسألة الثانية(5): أن فرضه لا يؤدى بنية التطوع، بل لا بد من نية الفرض.
والمسألة الثالثة: أن النية يجب أن تقع لصوم(6) يوم الشك، فشروطه:
المسالة الأولى [في وجوب النية]
قول عامة العلماء أنَّه لا بد في الصوم من النية، وقول زفر لا يحتاج إليها.
والأصل في ذلك قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِيْنَ لَهُ الدِّيْنَ} فأخبر تعالى أنهم أمروا بالعبادة مع الإخلاص، والإخلاص من عمل القلب، وهو النية.
__________
(1) ـ في (أ): صوم.
(2) ـ في هامش (ب): فروي.
(3) ـ انظر الأحكام 1/239 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ انظر الأحكام نفس الصفحة.
(5) ـ في (أ): جعل المسألة الثانية الثالثة وأسقط المسألة الثالثة.
(6) ـ في (ب) و (أ): لصوم الشك.

(35/12)


وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((الأعمال بالنيات، وإنما لامرئٍ ما نوى)) فأخبر أن جميع الأعمال بالنيات؛ لأن دخول الألف واللام يقتضي التعميم، إلاَّ ما خص منه الدليل، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما لامرئ ما نوى)) دليل على أنَّه إذا لم ينوِ، لم يكن له شيء؛ لأن (إنما) تدخل في الكلام لتفيد ما ذكرناه.
وقوله: ((لا صيام لمن لم يُبَيِّت الصيام من الليل)) يدل على وجوب النية.
فإن قيل: فأنتم تجوزون نية صوم رمضان في بعض النهار، فكيف تعلقتم بهذا الحديث؟
قيل له: هذا الحديث دل على وجوب النية، ونحن بدلالة أخرى أجزناها في بعض النهار، ولو خُلِّينا وظاهر هذا الحديث، كنا لا نجيز الصوم إلاَّ بنية من الليل.
وهو قياس على الصلاة، والزكاة، والحج، والمعنى أنَّه عبادة مقصودة في نفسها، فكل عبادة مقصودة في نفسها يجب أن تكون النية شرطاً في صحتها، على أن الصوم قربة، والقربة لا بد فيها من النية، والأصول تشهد بصحة ذلك.
فإن قيل: قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} يوجب الصيام، وهو الإمساك، فمن أمسك فقد امتثل، وإن لم يكن له نية.
قيل له: لسنا نسلم أن الإمساك المتجرد من النية صوم، والصوم /112/ اسم شرعي منقول عما كان عليه في اللغة، فليس يمكنهم التعلق بما ذكروه.
فإن قيل: إن صوم شهر رمضان يستحق العين، فاكْتُفى باستحقاق عينه عن النية، كرد الوديعة، والغصب.
قيل له: لا يشتبه الأمران؛ لأن رد الوديعة يحصل، وإن لم تكن معه النية، ولسنا نسلم أن الصوم يحصل بغير نية، فلا يمكن لهم رده إلى ما ذكروه؛ لأن الرد حاصل، والصوم غير حاصل، وكذلك الجواب إن سألوا عمن أعتق بغير نية، هذا إن سلمنا أن العتق يقع بغير نية.
المسألة الثانية [في أن القرض لا يؤدي بنية التطوع]
الخلاف في هذه المسألة مع أبي حنيفة وأصحابه؛ لأن الشافعي يوافقنا على أن صوم رمضان لا يؤدَى بنية التطوع.

(35/13)


والدليل على ذلك قوله: ((الأعمال بالنيات، وإنما لامرئٍ ما نوى)) فمن نوى التطوع، لم يحصل له الفرض بهذا الظاهر.
فإن قيل: فخبركم يقتضي أن يحصل له النفل.
قيل له: قد منع منه دليل الإجماع، والخبر منع حصول الفرض، فلا يحصل له لا الفرض، ولا النفل، وهو مقيس على قضائه، وعلى الكفارات؛ بعلة أنَّه صوم مفروض، فلا يسقط فرضه بنية التطوع، أو يقال: إنه صوم مفروض، فلا بد من تعيين النية فيه، أو لا بد من نية الفرض، ويقاس ـ أيضاً ـ على الصلاة المفروضة؛ بعلة أنها عبادة على البدن لا يتعلق وجوبها بالمال من شرطها النية، فلا يؤدى فرضها بنية التطوع.
فإن قاسوه على رد الوديعة، ورد الغصب؛ بعلة أنَّه مستحَق العين، كان قياسنا أولى؛ لأنا رددنا العبادات بعضها إلى بعض، وهم ردوا العبادة إلى المعاملة؛ ولأن النية لا تأثير لها في رد الوديعة، ألا ترى أنه لو ردها بغير نية أصلاً، أو ساهياً، لوقع الرد موقعه؟ فنحن رددنا ما للنية فيه تأثير إلى ما للنية فيه تأثيرٌ، وهم ردوا ما للنية فيه تأثير إلى ما لا(1) تأثير فيه للنية، ألا ترى أنهم لا يخالفون في أن الصوم لا بد فيه من النية؟ فبان أن قياسنا أولى من قياسهم ـ وأيضاً ـ قياسنا يقتضي الإيجاب، وما اقتضى الإيجاب أولى مما بقَّاه على الأصل.
فإن قيل: قد ثبت أن من أمسك في غير رمضان بنية الصوم من غير أن ينوي فرضه أو نفله، يكون صائماً، فكذلك(2) من أمسك في رمضان بنية الصوم يجب أن يكون صائماً، صوماً شرعياً، فإذا حصل صائماً، لم يخل صومه من أن يكون تطوعاً، أو عن(3) فرض سوى رمضان، أو عن رمضان، وإذا قد ثبت أنَّه لا يقع تطوعاً، ولا عن فرض غير رمضان، صح أنَّه يقع عن رمضان.
__________
(1) ـ في (أ): للنية نية تأثير.
(2) ـ في (ب): كذلك.
(3) ـ في (أ): عين، وفي (ب): غير مظنن فيهما على ما أثبتناه.

(35/14)


قيل له: لسنا نسلم أن من صام رمضان على نحو ما ذكرت يكون صائماً صوماً شرعياً، بل قياسكم الإمساك في رمضان على الحد الذي ذكرتم [على] (1) الإمساك في غير رمضان نقلبه عليكم، فنقول: لا خلاف أن من أمسك في غير رمضان على الحد الذي ذكرتم، لا يكون ذلك واقعاً عن شيء من الفرض، فكذلك إذا أمسك في رمضان على هذا الحد، لا يجب أن يقع شيء من الفرض، وإذا صح ذلك، لم يجب أن يكون صائماً بتة؛ لأنَّه لا خلاف أن الإمساك الذي لا يقع عن فرض رمضان ـ في رمضان ـ لا يكون صياماً، وإذا ثبت هذا، بطل ما بنوا عليه كلامهم في هذا الباب، وإذا بطل أن يكون من ذكرناه صائماً، بطل عامة استدلالهم؛ لأنهم إن استدلوا بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} منعناهم من ذلك، وإن قالوا: إنَّه أُخذ علينا صيام هذا اليوم، فعلى أي وجه صامه، فقد /113/ امتثله لم يصح ذلك؛ إذ لا نسلم أنَّه صامه، على أن قلبنا القياس عليهم أسعد من ابتداءهم به، وذلك أنا بالقلب ثبتنا مذهبنا من غير واسطة؛ لأنا منعنا به صحة الفرض به، وهم أثبتوا بابتداء قياسهم الفرض بواسطة، وذلك أن قياسهم أفاد أنَّه صائم فقط، ثم تطرقوا بذلك إلى أن قالوا: إذا ثبت كونه صائماً، فلا قول بعد ذلك إلاَّ القول بأنه واقع عن فرضه، ثم الأصول تشهد لنا؛ لأن حكم النية في الأصول أن يكون مطابقاً للمنوي في الوجوب والندب.
المسألة الثالثة [في أن صوم الشك يكون بنية مشروطة]
ذهب أبو حنيفة إلى أن يوم الشك يجب أن يكون بنية شعبان، وعندنا أنه يجب أن ينوي الفرض إن كان من رمضان، والتطوع إن كان من شعبان، وحكي أنَّه مذهب أبي هاشم.
__________
(1) ـ سقط من (أ) و (ب): وظنن عليها في اللهامش.

(35/15)


ووجه المسألة أنا قد بينا ـ فيما تقدم ـ أن صوم رمضان لا يجزي بنية التطوع، فإذا ثبت ذلك، وثبت أن يوم الشك يصام احتياطاً لرمضان، وثبت أنَّه لا يجوز قطعاً من رمضان، لم يبق إلاَّ أن يصام على ما ذكرنا، على أنَّه لا خلاف بيننا وبين المستحبين لصيامه أنَّه يصام ويُنْوَى التطوع، وإنما الخلاف في نية الفرض [وقد اتفقنا على أنَّه إذا شهد شاهد واحد بالرؤية، فيجوز أن يُنْوَى الفرض](1)، فكذلك إذا لم يشهد، والمعنى أنَّه يحتاط فيه لرمضان، أو يقاس بهذه العلة على آخر يوم من رمضان إذا شك فيه، وتقوَّى العلة بشهادة الأصول؛ لأن الأصول تشهد أن النية يجب أن تكون في حكم المنوي في الوجوب، والندب، في العبادات التي يقصد إليها نفسها، كالصلاة، والحج، والعمرة، والزكاة، فإذا ثبت ذلك، وثبت أن اليوم يوم مشكوك فيه، [كان صومه مشكوكاً فيه](2)، فوجب أن تكون النية مشروطة.
فصل [هل يجب تجديد النية لكل يوم من رمضان؟]
قول يحيى عليه السلام في صوم يوم الشك: إذا نوى الفرض، يكون قد أدى صومه إن كان من رمضان بما عقد من نيته، إذا تضمن أن أداء الصوم بعقد النية، وجب تجديد النية لكل يوم من رمضان.
وقد حكى ذلك على هذا الوجه أبو العباس الحسني ـ رحمه اللّه ـ في (النصوص). وخالف في ذلك مالك.
ودليلنا الظواهر التي احتججنا بها على زُفَر في إيجاب النية، ونقيس كل يوم من رمضان على أول يوم منه؛ إذ لا خلاف في أن النية تجب له، والمعنى أنَّه صوم يوم منفرد، ونقيس صوم أيام رمضان على صوم أيام الكفارات، والمعنى أنَّه صوم أيام، فوجب أن لا يصح صوم كل يوم إلاَّ بنية تختصه(3).
__________
(1) ـ ما بين المعكوفين ساقط من (أ) و (ب)، وذكره في الهامش عن نسخة القاضي زيد.
(2) ـ ما بين المعكوفين ساقط من (ب).
(3) ـ في (أ): مختصة.

(35/16)


ونقيس كل يوم [منه](1) على صلاة منفردة بعلة أنَّه عبادة منفردة، لها حكم يختصها في الصحة والفساد، فوجب أن لا يجزي بغير نية تخصه.
فإن قيل: الشهر كله قياس على صلاة واحدة في أن نية واحدة تجزي فيه؛ والعلة أنَّه عبادة لا يتخللها فرضٌ غيرها من جنسها.
قيل له: هذا منتقض بصيام الظهار؛ لأنَّه لا يتخلله فرضٌ غيره من جنسه، على أن قياسهم لو صح، كان قياسنا أولى؛ لأنه يتضمن الإيجاب، والاحتياط، والأصول تشهد له؛ لأنا وجدنا العبادات المتميزات لا تنوب نية بعضها عن بعض.
مسألة [هل يجزي صيام يوم الشك، أم يلزم القضاء؟]
قال: وإذا صام يوم الشك على ذلك، واتفق كونه من رمضان، لم يلزمه القضاء.
قد نص عليه في (الأحكام) (2) بقوله: (فإذا فعل ذلك فقد أدى صومه). وهو مذهب المزني.
وقال الشافعي: عليه القضاء، وحجتنا قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وهذا قد شهد، وصام، فصار ممتثلاً للظاهر.
ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((وإنما لامرئ ما نوى)) وهو قد /114/ نوى الفرض، فوجب أن يصح له فرضه، وهو قياس على من صام عن رؤية؛ بعلة أنَّه صام، ونوى فرضه، فيجب(3) أن يجزئه، وقياس على الأسير في دار الحرب إذا تحرى، وصام، فوافق ذلك رمضان، أنَّه يجزئ(4)؛ لأنَّه صام رمضان بنية الفرض، وقياس على من زكى [عن] (5) المال، فقال: إن كان سالماً، كان عن فرضه، وإلا فهو تطوع، فكان سالماً، أجزئه، فكذلك ما اختلفنا فيه، والمعنى أنَّه أدى الفرض بنية الفرض، ومضى وقته.
فإن قيل: إنَّه دخل فيه عن(6) غير أصل، فوجب أن لا يجزئه، كمن دخل في الصلاة شاكاً في وقتها، فوافق الوقت، أو توجه شاكاً في القبلة من غير تحرٍ، فوافق القبلة.
__________
(1) ـ سقط من (أ).
(2) ـ انظر الأحكام 1/239.
(3) ـ في (أ): فوجب.
(4) ـ في (أ): يجزئه.
(5) ـ سقط من (أ).
(6) ـ في (أ): من.

(35/17)


قيل له: إنَّه دخل فيه عن أصل، وهو أن اجتهاده أداه إلى ذلك، على أنَّه لم يُمْكِنَه في الاحتياط أكثر مما فعل، والداخل في الصلاة، والمتوجه على الوجه الذي ذكرتموه فرَّط، ولم يحتط، فلا يمتنع أن لا يقع فعله موقع الصحيح، يؤكد ذلك من كان عليه صوم، وشك أنه مِن قتلٍ، أو ظهار أجزئه أن يصوم ناوياً للفرض؛ إذ لا يمكنه غير ذلك، كذلك من صام يوم الشك على الوجه الذي ذهبنا إليه.
مسألة [في وقت النية]
قال: وتجزي النية لصيام رمضان من أول الليل إلى أن يبقى من النهار بعضه.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (1) في مسألة المسافر يقدم قبل الزوال، أو بعده.
وهذه المسألة فيها خلاف للشافعي من وجه، ولأبي حنيفة من وجه، فإن الشافعي لا يجيز صيام رمضان إلاَّ أن ينويه من الليل، وأبو حنيفة لا يجيزه إلاَّ أن ينويه قبل الزوال.
فما يدل على أن تبيت النية ليس بشرط في صحة صومه:
ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء، فقال: ((من أكل، فليمسك بقية يومه، ومن لم يأكل، فليصم))، فأمر الآكلين بالإمساك، ومن لم يأكل بالصوم، فدل ذلك على أنهم أجزتهم النية في بعض النهار، ولم يلزمهم تبييتها من الليل، ألا ترى أنه صلى الله عليه وآله وسلم فصَل بين من أكل، وبين من لم يأكل، فقال: (( من أكل، فليمسك بقية يومه، ومن لم يأكل، فليصم ))، فلو كان الآكل، وغير الآكل سواء، إذا لم يكن نوى من الليل، لم يكن لتفرقته صلى الله عليه وآله وسلم معنى.
فإن قيل: كان صوم عاشوراء تطوعاً، فلذلك جاز ما ذكرتم.
قيل له: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه أمر الناس بصيام يوم عاشوراء أول ما قدم المدينة، ثم نسخ برمضان ولا خلاف أن صومه جائز، بل مستحب، فبان أن النسخ تناول الوجوب، فثبت بذلك أنَّه كان واجباً إذ ذاك، ولم يكن تطوعاً.
__________
(1) ـ انظر المنتخب 92 وهو بالمعنى فقط.

(35/18)


يؤكد ذلك أن في بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الآكلين منهم بالقضاء، على أن الأمر يقتضي الإيجاب، ويدل عليه.
فإن قيل: فقد روي ((من أكل، فليصم بقية يومه)) ومعلوم أن الصوم مع الأكل لا يصح، فكذلك يجب أن يكون قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ومن لم يأكل، فليصم)).
قيل له: قد روي بلفظ الإمساك، وبلفظ الصوم، ويحتمل أن يكون الراوي بلفظ الصوم، رواه على المعنى، والصوم إذا أطلق عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم محمول على الصوم الشرعي، ووجب أن يُحمل [115/ ذلك في الذين أكلوا على الصوم اللغوي، الذي هو الإمساك؛ إذ لا خلاف أن الآكل على وجه تَرْكِ الصوم لا يكون صائماً، وليس إذا وجب حمل اللفظة الثانية على التوسع، لدلالةٍ اقتضته، وجب حمل اللفظة الأولى عليه بلا دليل، سيما وقد فصَل بينهما.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: أجزأهم الصوم، وإن لم يكونوا بيتوا النية فيه؛ لأنَّه ابتدأ إيجابه من بعض اليوم؟
قيل له: لو كان تبييت النية شرطاً في صحته، لجرى تركه تبييتها مجرى الأكل، في أنَّه يفسد الصوم، فكان يجب أن لا يصح صوم من لم(1) يبيت، كما لا يصح صوم من أكل في بعض النهار.
فإن قيل: فكيف يصح لكم الاعتماد على حكم صوم عاشوراء، وهو عندكم منسوخ؟
قيل له: إنما نسخ الإيجاب، وليس يجب بنسخ الإيجاب، نسخ سائر أحكامه، بل يجب أن يكون سائر أحكامه ثابتاً على ما كان عليه، يكشف ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دل على حكمين:
أحدهما: على وجوب صومه.
والثاني: على جواز ترك التبييت للنية فيه. فإذا ورد النسخ على أحد الحكمين، لم يقتض ذلك نسخ الآخر، فصح ما اعتمدناه، يكشف ذلك ما روي من نسخ فرض صلاة الليل، ولم تنسخ سائر أحكامها.
فإن استدلوا بحديث حفصه ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)).
__________
(1) ـ في (أ): لا.

(35/19)


قيل له: هو محمول على نفي الفضل، والكمال، للدلالة التي قلنا، [أو] (1) أنَّه محمول على ما يجب من صومٍ دَين.
وهو قياس على صوم التطوع بعلة أنَّه نوى له من وقت لا يصلح إلاَّ لما نوى له، ألا ترى أن المتطوع في بعض النهار لا يصح أن يجعل صومه لغير التطوع؟ أو يقال: إنَّه صوم متعلق بالعين، لا بالذمة، فيشابه التطوع في أن النية في بعض النهار تجزي.
ويقاس على التبييت؛ بعلة حصول النية قبل غروب الشمس، وقياسنا أولى من قياسهم له على ما يجب في الذمة من الصيام، بمعنى أنَّه فرض؛ [لأنَّه](2) يستند إلى نص لا يحتمل، وقياسهم مدفوع به، على أن قياسهم شاهد على العكس لقياسنا الثاني، ألا ترى أن ما قاسوه عليه، لَمَّا تعلق بالذمة، لم تجز النية فيه في بعض النهار، فدل ذلك على وجوب الحكم الذي ذكرناه بوجود علتنا الثانية، وعدمه بعدمها.
فأما أبو حنيفة، فلا خلاف بيننا وبينه فيما ذكرناه، وإنما الخلاف في جوازها بعد الزوال، وهي عندنا مقيسة على النية قبل الزوال، والمعنى حصول النية في بعض النهار، والأقيسة الثلاثة يمكننا أن نستدل بها على أبي حنيفة.
فإن قيل: العلة في جواز النية قبل الزوال أنها حصلت لأكثر النهار.
قيل له: هذه علة مقتصرة لا تتعدى، وعندكم أن العلل المقتصرة، لا تصح، على أنها لو صحت، لقلنا بالعلتين، على أن أصول الصوم تشهد لقياسنا؛ لأنا وجدنا كلما أفسد الصوم، لا ينفصل بين أن يكون قبل الزوال، أو بعده، وهذا مما يمكن أن يجعل قياساً؛ إذ قد ثبت بأن تأخيرها عن الفجر، لا يفسد الصوم، فكذلك تأخيرها عن الزوال قياساً على سائر ما لا يفسد، والرؤية ـ أيضاً ـ تشهد لنا أنَّه لا فصل بين حصولها قبل الزوال وبعده.
وروي نحو قولنا عن علي، وعبد الله، /116/ وحذيفة.
__________
(1) ـ ظن في هامش (ب).
(2) ـ ما بين المعكوفين ساقط من (أ) و (ب).

(35/20)


أخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا أبو بكرة، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا زهير بن معاوية، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: ((متى أصبحت يوماً، فأنت بأحد النظرين، ما لم تطعم، فإن شئت فصم، وإن شئت فافطر)) (1).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، عن أبي بكرة، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أبو إسحاق(2)، عن الحارث الأعور، عن علي عليه السلام، مثله(3).
فدل ذلك على قولنا، ألا ترى أنه قال: ((متى أصبحت يوماً))، فاقتضى ذلك شهر رمضان، وغيره، ثم قال: ((ما لم تطعم))، فاستوى في ذلك قبل الزوال، وبعده.
فإن قيل: كيف يجوز أن يحمل ذلك على صوم رمضان، وقد قال: إن شئت فصم، وإن شئت فافطر؟
قيل له: لا يمتنع أن يكون المراد به إن(4) عرض ما يوجب رخصة الإفطار، أو يكون المراد أن الصائم ممكن ما لم يقع الأكل.
وأخبرنا المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، عن ابن مرزوق، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن أن حذيفة بدا له الصوم بعد ما زالت الشمس فصام. فقد حقق عن حذيفة النية بعد الزوال(5).
مسألة [في وقت وجوب الصوم]
قال: ووجوب الصوم أول طلوع الفجر.
قال: ويستحب التوقي من كل ما يفسد الصوم مع الشك في أول الفجر.
وقد نص على ذلك في (الأحكام) (6).
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/56 وفيه فأتت على أحد وكذلك ما لم تطعم أو تشرب.
(2) ـ في (أ): حدثنا إسحاق ونبه على خطأه في الهامش.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/56 وفيه حدثنا أبو داود، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق.
(4) ـ في (أ) و (ب): أن الفرض، وما أثبتناه نبه عليه في الهامش.
(5) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/56.
(6) ـ انظر الأحكام 1/248 وهو بالمعنى. انظر الأحكام أيضاً 250 وهو بلفظ قريب.

(35/21)


أما وجوب الصيام على ما ذكرنا، فمما لا خلاف فيه، إلا ما يحكى عن بعض المتقدمين أنه كان يرى أن وجوبه أول طلوع الشمس، وهذا قول قد قضى الإجماع بسقوطه.
وقد نص القرآن على ذلك حيث يقول تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضِ(1)..} الآية، وقلنا: إنه يستحب التوقي مما يفسد الصوم مع الشك في أول الفجر، للاحتياط، وليسلم صومه، كما استحب لهذه العلة صوم يوم الشك.
مسألة: [في وقت الإفطار]
قال: فأما وقت الإفطار، فأن تغرب الشمس، ويُعرَف ذلك أن يظهر كوكب من كواكب الليل(2).
قال: ويلزم الصيام بالإطاقة، أو الإحتلام، أو بلوغ خمس عشرة سنة، وإنما يكون مطيقاً إذا أطاق صيام ثلاثة أيام(3).
وجميع ذلك منصوص عليه في (الأحكام). لا خلاف أن وقت الإفطار، ووقت المغرب واحد، وقد مضى في باب المواقيت في ذكر وقت المغرب ما يغني عن إعادته.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: (( إذا أقبل الليل من هاهنا ـ وأشار بأصبعه إلى المشرق ـ فقد أفطر الصائم ))، فنبه بذلك على أن حكم الظلام مراعى. ولا خلاف أن الصوم يجب بالبلوغ، وكذلك جميع الشرائع والعبادات.
وخرَّج أبو العباس الحسني ـ رحمه اللّه ـ قوله: ويلزم بالإطاقة، أنه لزوم التأديب والتعويد(4)، لا على أنه فرض يلزمهم، وحَكى ذلك عن محمد بن يحيى عليهما السلام، وذلك صحيح؛ لأنه حين لم يكلَّف سائر الشرائع والعبادات، لم يجز أن يكلف الصوم.
قال: أما الاحتلام، فلا خلاف فيه أنه بلوغ.
وأما خمس عشرة سنة، فقد اختلف في أنها بلوغ، أو ليس ببلوغ. وسيأتي القول فيه من بعد إن شاء اللّه تعالى.
__________
(1) ـ في (أ): من الخيط الأسود.
(2) ـ انظر الأحكام 1/240.
(3) ـ انظر الأحكام 1/261 إلا أنه لم يذكر الاحتلام.
(4) ـ في (أ): التعويل.

(35/22)


باب القول في ما يستحب أو يكره للصائم
[مسألة في مضاجعة الصائم أهله، وأنه يحترز من دخول ماء المضمضة والاستنشاق إلى حلقه، ويستحب له القراءة والذكر]
يجب على الصائم أن يتحفظ عند تمضمضه(1) واستنشاقه من دخول الماء ـ في فيه وخياشيمه ـ إلى حلقه، ويجب أن يتيقظ في نهاره من النسيان، لئلا /117/ يصيب ما لا يجوز له إصابته مما يفسد الصيام.
ويستحب له توقي مضاجعة أهله، وكل ما جرى مجراها من القبلة والضمة(2)؛ مخافة أن تغلبه الشهوة.
ويستحب له أن يزيد في القراءة، والتسبيحُ والاستغفار، في البُكَر، والآصال.
وإذا استاك نهاراً، توقى أن يدخل حلقَه شيء مما جمعه السواك من خلاف ريقه، ويكره له السعوط.
وجميع ذلك منصوص عليه في (الأحكام)(3).
قلنا: إنه يتحفظ عند تمضمضه واستنشاقه من دخول الماء إلى حلقه، وأنه يتيقظ في نهاره من النسيان؛ لئلا يصيب ما يفسد الصوم؛ لأنه قد ثبت أن دخول الماء إلى الجوف عند المضمضة والاستنشاق(4) جميعاً في مواضعهما من هذا الكتاب، وإذا ثبت ذلك، استحببنا له التحفظ؛ للاحتياط لأن(5) كل ما يفسد الصوم، يجب أن يحترز منه احتياطاً، كما قلنا: إن صوم يوم الشك يستحب للإحتياط، وكما استحببنا ترك الأكل والشرب مع الشك في الفجر، وقد نبه صلى اللّه عليه وآله وسلم على ذلك بقوله: (( بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً )) .
وقلنا(6): إنه يستحب له توقي مضاجعة أهله، وكذلك القبلة [والضمة] (7)؛ مخافة أن تغلبه الشهوة، وإن أيقن من نفسه بالثقة والامتناع، فلا بأس بها.
__________
(1) ـ في (أ): مضمضته.
(2) ـ في (أ): أو الضمة.
(3) ـ انظر الأحكام 1/237 ـ 238 وهو بلفظ قريب، وأما كرهة السعوط فنص عليه ص251.
(4) ـ يفسد الصوم، وكذلك الأكل والشرب ناسياً يفسد الصوم وسيأتي الكلام في المسألتين.
(5) ـ في (أ): أن.
(6) ـ في (أ): قلنا.
(7) ـ سقط من (أ) و (ب).

(36/1)


وقد روي أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يُقَبِّل، وهو صائم، وكان أملككم لإربه.
وروى أبو داود في (السنن) يرفعه إلى أبي هريرة أن رجلاً سأل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن المباشرة للصائم، فرخص له، وأتاه آخر، فسأله، فنهاه(1)، فالذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب، فحقق ذلك ما ذكرنا.
وقلنا: إنه يستحب له أن يزيد من القراءة، والذكر، والاستغفار؛ لأن العبادة في شهر رمضان أفضل، ولذلك روي أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يعتكف العشر الأواخر، ولذلك زِيد في قيام الليل، وما ذكرناه عادة صالحي المسلمين، توارثها الخلف عن السلف.
وقلنا: إنه يتحرز عند السواك؛ لئلا يدخل حلقه شيء من غير ريقه؛ لأنه يؤدي إلى إفساد الصوم، وكان القياس أن يكون الريق ـ أيضاً ـ يفطر؛ لأن حكم الفم حكم الخارج، بدلالة أن وصول المطعوم والمشروب إليه لا يفسد الصوم، لكنه سومح فيه، لتعذر الاحتراز منه، فما عدا الريق مما يصل إلى الفم من خارجه مفسد.
وكرهنا السعوط؛ لأنه ربما يصير إلى الحلق، ويجري إلى الجوف، وما وصل إلى الحلق، وجرى إلى الجوف، أفسد الصوم، فيجب على هذا أن يكون سبيل السعوط سبيل المبالغة في الاستنشاق الذي نهى عنه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم.
مسألة: [في المسافر يقدم على أهله، والحائض تطهر أثناء النهار]
قال: ويستحب للمسافر إذا قدم على(2) أهله، وكذلك الحائض إذا طهرت، وقد أكلا في بعض النهار، أن يمسكا باقي يومهما.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3).
وقال في (المنتخب) (4): من أكل ناسياً، أو جامع ناسياً، ثم أكل باقي يومه متعمداً، لسنا نرى إلا القضاء، والتوبة، والناسي لا توبة عليه، فإذاً وجوب التوبة لأكله باقي يومه متعمداً.
__________
(1) ـ في (أ): ونهاه.
(2) ـ في (أ): إلى.
(3) ـ انظر الأحكام 1/255 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ انظر المنتخب 91.

(36/2)


وفي (الأحكام) (1) عن القاسم عليه السلام: من تسحر، ثم بان له أنه صادف الفجر، يتم صومه، /118/ ويقضي.
وقال القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي): من نظر، فأمنى، قضى يوماً، ولم يفطر يومه.
فكان تحصيل المذهب: أن من أبيح له الإفطار، فأفطر، ثم زال المعنى الذي لأجله أبيح الإفطار، فالإمساك مستحب له باقي يومه، ولا يجب، ومن أفسد صومه عمداً، أو سهواً، مع وجوبه عليه، فإمساك باقي يومه واجب عليه.
قلنا: إنه إذا أبيح له الإفطار، فأفطر، لم يجب عليه الإمساك؛ لأن الإمساك لو وجب، لوجب لوجوب الصوم عليه، وقد علمنا أن وجوب الصوم لا يتبعض، فإذا لم يجب عليه في أول النهار، لم يجب عليه في آخره، وكذلك الحائض إن طهرت، وكمن رأى هلال رمضان نهاراً، إنه لما لم يجب عليه الصوم قبلها، لم يجب عليه الإمساك بعدها؛ بعلة أن الصوم لم يجب عليه في أول النهار، فإن قاسوه على من أكل على أنه من شعبان، ثم بان له أنه من رمضان؛ بعلة أنه صار إلى حالةٍ لو كان عليها في الابتداء، لم يحل له الإفطار، كان ذلك منتقضاً بالحائض تطهر في آخر النهار، ثم قياسنا أولى؛ إذ قد ثبت أن الصوم لايتبعض وجوبه في شيء من المواضع، وما ذكروه وجب من حيث وجب اليوم كله.
فإن قيل: قد أمر صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم عاشوراء من أكل بالإمساك بقية يومه.
قيل له: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن الصوم كان لزمهم من أوله، فلما أفسدوا أوله، لزمهم الإمساك في باقيه.
والجواب الثاني: أنهم ابتدأوا به من ذلك الوقت، فكان الإمساك مستحباً.
والجواب الأول هو الأوضح.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/248 وهو بلفظ قريب.

(36/3)


ووجه استحبابه ما ذكروه ـ هم ـ في باب الوجوب، وليس يمتنع في الاستحباب أن يتبعض حكم اليوم، ألا ترى أنه يستحب الإمساك يوم الأضحى إلى أن يصلي الإمام؟ فأما إذا كان إفساد الصوم في أول النهار مع وجوبه، فالإمساك واجب بقية اليوم؛ لأن كل جزء محرَّم عليه ترك الإمساك فيه، إذا ترك في بعضه عمداً، أو سهواً، أو ماجرى مجراه، وكان وجوب الإمساك لباقي الأجزاء على ما كان عليه، قياساً عليه لو لم يكن أفسد أوله؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أمر الآكلين يوم عاشوراء بالإمساك بقية يومهم.
وروى ابن أبي شيبة أن(1) النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لرجل وقع على امرأته في شهر رمضان: (( إن فجر ظهرك، فلا يفجر بطنك ))، فنهاه عن الأكل مع إفساد الصوم، فصح ما قلناه(2).
مسألة: [في التحرز من دخول الغبار والذباب والدخان إلى الحلق، وفي السواك الرطب، وبل الثوب والمضمضة من العطش وفي الوصال]
قال: ويستحب للصائم أن يتحرز من دخول الغبار والذباب والدخان حلقه.
قال القاسم عليه السلام: ولا بأس بالسواك الرطب للصائم.
قال: ولا بأس أن يبل ثوبه، أو يرش الماء على نفسه، أو يتمضمض من العطش ما لم يدخل شيء(3) من الماء جوفه، ويكره للرجل أن يواصل بين يومين في الصيام.
ما ذكرنا من الاحتراز من الغبار والذباب والدخان منصوص عليه في (الأحكام) (4).
وما ذكرناه عن القاسم عليه السلام منصوص عليه في (مسائل النيروسي).
وكراهة الوصال منصوص عليها في (الأحكام)(5)، وجه ما قلناه من استحباب الاحتراز من الغبار، ونحوه، أنهما ربما اجتمعا، فصارا بحيث يمكنه إخراجهما من فيه، فيصل مع ذلك إلى جوفه، فيفسد صومه.
فإن قيل: ألستم تقولون أن الغبار لا يفطر؟
__________
(1) ـ في (أ): عن.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 20/ 310.
(3) ـ في (أ): يُدخِل شيئاً.
(4) ـ انظر الأحكام 1/253 ونص على الإمضاء فيه.
(5) ـ انظر الأحكام 1/267 وهو بلفظ قريب.

(36/4)


قيل له: نقول ذلك إذا كان يسيراً لا يمكن الاحتراز منه، فأما(1) إذا كثر حتى يصير مقداراً يمكن الاحتراز منه، فإنه يفسد الصوم؛ لأنه وسائر الطين على سواء.
وأما السواك، وبل الثوب، والمضمضة، فقلنا في /119/ جميعه: [أنه](2) لا بأس به؛ لأن شيئاً من ذلك لا يصل به شيء إلى الحلق، ويجب عليه في جميع ذلك أن يحترز من وصول شيء إلى الجوف.
وروى أبو داود في (السنن) يرفعه إلى أبي بكر قال: رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالعرج يصب الماء على رأسه ـ وهو صائم ـ من العطش، أو من الحر.
وروى ابن أبي شيبة يرفعه إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، أنه استاك وهو صائم(3).
وكرهنا الوصال، للنهي الوارد فيه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم حيث يقول: (( لا وصال في صيام)). عن علي عليه لسلام مثله.
وروى ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ إلى(4) النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم [أنه](5) نهى عن الوصال، قال: فقالوا: يارسول اللّه، إنك تواصل.
فقال: (( إني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي، ويسقيني، فإن أبيتم، فمن السحر إلى السحر))، ولأنه إدخال الضرر على النفس، وذلك مما لا يحسن، متى لم يؤمر به.
__________
(1) ـ في (أ): وأما.
(2) ـ زيادة في (أ).
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/294.
(4) ـ في (أ): عن.
(5) ـ سقط من (أ).

(36/5)


باب القول فيما يستحب أو يكره من الصيام(1)
[مسألة في صيام عاشوراء ويوم عرفة، والدهر، وأيام البيض، والمحرَّم، ورجب، وشعبان، والاثنين، والخميس، والعيدين، والتشريف]
يستحب صيام عاشوراء.
قال القاسم عليه السلام: وهو العاشر من المحرَّم. وكذلك صيام عرفة للحاج، ولمن كان في سائر الأمصار.
ويستحب صيام الدهر لمن أطاقه، ولم يضر بجسمه، بعد أن يفطر العيدين، وأيام التشريق، فإنه لا يجوز صيامها، ويستحب صيام أيام البيض، وهي ثالث عشر، ورابع عشر، وخامس عشر من الهلال، وفي صيامها فضل كبير.
قال القاسم عليه السلام: ويستحب صيام المحرَّم، ورجب، وشعبان، والإثنين، والخميس.
جميع ذلك منصوص عليه في (الأحكام) (2).
وما حكيناه عن القاسم عليه السلام قد رواه يحيى عنه في (الأحكام) (3)، والنيروسي في مسائله، خلا صيام المحرم، فإن النيروسي رواه دون يحيى عليه السلام، قلنا: إن صوم عاشوراء يستحب(4) لأنه كان واجباً، ثم نسخ الوجوب، فبقي كونه ندباً؛ إذ لم يرو نسخه، والوجوب صفة زائدة على الندب.
وروي في عدة من الأخبار أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يصومه.
وعن ابن عباس رحمه اللّه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (( ليس ليوم على يوم فضل في الصيام، إلا شهر رمضان، ويوم عاشوراء )) .
وذهب بعض الإمامية إلى كراهة الصوم فيه؛ لأنه يوم حزن، لقتل الحسين بن علي عليهما السلام، وذلك لا معنى له؛ لأن الحزن لا يمنع من الصوم، على أن الحادثة كانت بعد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولا يجوز أن يتغير بعده حكم الشرع.
__________
(1) ـ في (أ): للصائم.
(2) ـ انظر الأحكام 1/540 ـ 241 ـ 243 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر نفس الصفحات السابقة.
(4) ـ في (ب): مستحب.

(37/1)


وقلنا: إنه العاشر من المحرم؛ لأنه رأي أهل البيت عليهم السلام لا يختلفون فيه، وإن روي أنه التاسع، وقد قيل فيما روي من صوم يوم التاسع، هو لئلا يكون يوم عاشوراء مقصوداً للصوم، ويُضَم إليه التاسع، يبين ذلك:
ما روى أبو داود في (السنن) بإسناده عمن قال: سمعت أبا عطفان يقول: سمعت عبد اللّه بن عباس، يقول: حين صام النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم عاشوراء، وأَمر بصيامه، قالوا(1): يارسول اللّه، إنه يوم يعظمه اليهود، والنصارى. فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( فإذا كان العام المقبل، صمنا اليوم التاسع )).
فدل هذا الخبر على أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان صام يوم العاشر، ثم لما قيل له ما قيل، قال: (( إذا كان العام المقبل، صمنا اليوم التاسع ))، فبان أن صيامه يوم عاشوراء كان في غير التاسع، وأن صيام التاسع عزم عليه لمخالفة /120/ اليهود.
واستحببنا صوم يوم عرفة لما:
أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا أبو بكرة، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا سعيد، قال: سمعت غيلان بن جرير يحدث، عن عبد اللّه بن معبد، عن أبي قتادة الأنصاري أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم سُئل عن صوم يوم عرفة فقال: (( يكفر السنة الماضية، والباقية )).
فإن قيل: روي عن عقبة، عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (( إن أيام الأضاحي، وأيام التشريق، ويوم عرفة عيدنا أهل الإسلام، أيام أكل، وشرب )).
قيل له: هذا لا يوجب أن صيامه مكروه، وإنما فيه أن له فضل العيد، وقوله: ((أيام أكل وشرب ))، محمول على أن الصوم غير واجب فيه؛ لأن الصوم إذا لم يجب في يومٍ، كان ذلك اليوم يوم أكل وشرب، فيكون ذلك جمعاً بين الخبرين.
فإن قيل: روي عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن صيام عرفة بعرفة.
__________
(1) ـ في (أ): فقالوا.

(37/2)


قيل له: يحتمل أن يكون النهي خاصاً لمن كان مجهوداً في ذلك اليوم، فكره له ذلك؛ لئلا ينقطع به عما هو واجب عليه من المناسك، وهكذا نقول في كل مستحب؛ حتى أنْ لا يؤدي إلى الإخلال بالواجب أنه يصير مكروهاً.
وقلنا: إن صوم الدهر مستحب لمن قدر عليه ولم يضر بجسمه، إذا أفطر العيدين وأيام التشريق حديث ابن عمرو(1)، رواه أبو داود في (السنن) قال: لقيني رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقال: (( ألم(2) أحدث عنك أنك تقول: لأقومنَّ الليل ولأصومنَّ النهار )). قال الراوي: أحسبه قال نعم، قد قلت ذلك. قال: (( فقم، ونم، وافطر، وصم من كل شهر ثلاثة أيام، وذلك مثل صيام الدهر )). فلما شبه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم صيام ثلاثة أيام من كل شهر ـ إخباراً عن فضله ـ بصيام الدهر، ثبت أن صوم الدهر مستحب.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن العباس الطبري، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن شعيب بن عثمان بن سعيد، قال: حدثنا أبو الحسين أحمد بن هارون، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي عليه السلام، قال: صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر وهن يذهبن وحر الصدر(3).
وفي غير هذا الإسناد قيل: وما وحر الصدر؟ قال: ((إثمه وغلّه)) فهو ـ أيضاً ـ عليه السلام شبهه بصيام الدهر، فدل ذلك على أن صيام الدهر كان عنده مستحباً.
__________
(1) ـ في (ب): بـ .
(2) ـ في (ب): أفلم.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الصنف بإسناد غير هذا. انظر 2/328.

(37/3)


وأخبرنا أبو بكر محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن هارون، قال: حدثنا ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن المطوس، [عن المطوس](1)، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة، لم يجزه صيام الدهر )) (2).
فدل ذلك على تعظيمه صلى اللّه عليه وآله وسلم فضل صيام الدهر.
فأما النهي الوارد عن صيام الدهر، فهو محمول على أحد الوجهين: إما أن يكون المراد به إذا صام العيدين، وأيام التشريق، أو يكون المراد بالنهي مَن خشي أن يضر بجسمه، ويؤديه إلى الإخلال بسائر الواجبات، ومن كان كذلك، فإنا نكره صيام الدهر له؛ إذ قد بينا فيما تقدم أن كل مستحب يُخشَى منه أن يؤدي إلى الإخلال بالواجب، مكروهٌ، ولأن أيام الدهر ـ خلا ما ذكرناه من العيدين وأيام التشريق ـ إذا ثبت أنه مستحب على الانفراد، وجب أن يكون مستحباً على الجمع، كأيام شعبان وغيره.
وقلنا: لا يجوز صيام أيام العيدين وأيام التشريق، لما:
روي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن صيام يومين، يوم الفطر، ويوم /121/ الأضحى. ولما:
روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم من النهي عن صيام أيام التشريق وقوله: (( إنها أيام أكل وشرب )).
وقلنا: يستحب صوم أيام البيض، لما:
__________
(1) ـ سقط من (أ).
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/347.

(37/4)


أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، عن ابن مرزوق، قال: حدثنا حبان، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن قتادة القيسي، عن أبيه، قال: كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يأمرنا أن نصوم ليالي(1) البيض، ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر. معناه: أيام ليالي البيض. وقال(2): ((هن كهيئة الدهر))(3).
وأخبرنا أبو بكر محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن هارون، قال: حدثنا ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن يحيى بن بسام، عن موسى بن طلحة، عن أبي ذر، عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، قال: (( من كان صائماً من الشهر ثلاثاً، فليصم أيام العشر، وأيام البيض )).
وقلنا: يستحب صيام المحرَّم، لِما:
رواه أبو داود في (السنن) بإسناده عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر اللّه المحرَّم، وإن أفضل الصلاة بعد المكتوبة، صلاة الليل )).
وقلنا: يستحب صيام رجب، وشعبان، لما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال لعلي عليه السلام: ((شعبان شهري، ورجب شهرك، ورمضان شهر اللّه )) (4).
ولما روى ابن أبي شيبة بإسناده، عن أنس قال: سئل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن أفضل الصيام فقال: (( صيام شعبان تعظيماً لرمضان )).
وروى أبو داود في (السنن) عن عائشة قالت: ((كان أحب الشهور إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان)*).
وقلنا: يستحب صيام يوم الإثنين والخميس لما:
__________
(1) ـ في (أ): أيام.
(2) ـ في (أ): قال.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/81 وفيه حمام بدل همام.
(4) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 2/346 وإسناده:ـ يزيد بن هارون، حدثنا صدقة موسى، أنبأنا ثابت البناني، به.

(37/5)


رواه أبو داود في (السنن) يرفعه إلى أسامة بن زيد أنه انطلق مع أسامة إلى وادي القرى في طلب مالٍ له، فكان يصوم الإثنين، والخميس، فقال له مولاه: لِمَ تصوم يوم الإثنين والخميس، وأنت شيخ كبير؟ قال: إن نبي اللّه كان يصوم الإثنين والخميس، فسئل عن ذلك فقال: ((إن أعمال الناس تعرض يوم الإثنين ويوم الخميس)).
وروى ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ عن ابن المسيب، عن أبيه أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يصوم الإثنين والخميس(1).
وروى هو ـ أيضاً ـ بإسناده عن خلاس، عن علي عليه السلام أنه كان يصوم الإثنين والخميس(2).
مسألة: [في الصوم والإفطار في السفر أيهما أفضل؟]
قال: والصيام في السفر أفضل من الإفطار لمن أطاقه، ويجوز الإفطار، وجواز الإفطار في السفر مع وجوب القصر.
قال القاسم عليه السلام: ما روي (( ليس من البر الصيام في السفر )) معناه التطوع.
وذلك منصوص عليه في (الأحكام) (3).
وماحكيناه عن القاسم عليه السلام منصوص عليه في (مسائل النيروسي)، ومروي عنه في (الأحكام) (4).
والأصل فيه ما:
أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، عن علي بن شيبة(5)، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا سعيد، عن عبد الرحمن، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يصوم في السفر ويفطر(6).
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/300 وإسناده: حدثنا حفص بن غياث، به.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/301 وإسناده: حدثنا أبو أسامة عن سعيد عن قتادة عن خلاس أن علياً كان يصوم.
(3) ـ انظر الأحكام 1/242 وأما ملازمة جواز الإفطار لوجوب القصر فنص عليه في الأحكام 1/245 بقوله: ((فإذا وجب القصر جاز الإفطار)).
(4) ـ انظر الأحكام 1/243 وهو بلفظ قريب.
(5) ـ في (أ): أبي شيبة.
(6) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/69 وفيه عن عبد السلام منزلاً عن عبد الرحمن.

(37/6)


وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، عن يونس، قال: أخبرنا ابن وهب أن مالكاً أخبره عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول اللّه، أصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام. فقال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( إن شئت فصم، وإن شئت فافطر، والفطر لمن /122/ شاء ذلك )) (1). فنبه بقوله: (( والفطر لمن شاء ذلك ))، أن الأصل فيه الصوم، وأن الفطر له إن شاء.
فدل الخبر على أن للمسافر أن يصوم، وأن الصوم أفضل؛ إذ قد نبه على أنه هو الأفضل(2).
وروي عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم فتح مكة تسع عشرة أو سبع عشرة من رمضان، فصام الصائمون، وأفطر المفطرون، فلم يعب هؤلاء على هؤلاء ولا هؤلاء على هؤلاء. وروي نحوه عن جابر.
وأخبرنا أبو الحسين البروجردي، قال: حدثنا أبو القاسم البغوي، قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت مجاهداً يحدث عن ابن عباس قال: لما فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم مكة صام حتى أتى عسفان، ثم أتي بقدح من لبن فأفطر، قال ابن عباس: فمن شاء صام ومن شاء أفطر.
وروى ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ عن أبي سعيد الخدري، قال: خرجنا مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من مكة إلى حنين في اثنتي عشرة بقيت من رمضان، فصام طائفة من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وأفطر الآخرون، فلم يعب ذلك. فأخبر(3) أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يعب على واحد من الفريقين(4).
فثبت بهذه الأخبار أن الصوم في السفر جائز، وإذا ثبت الجواز، ثبت أنه أفضل لما:
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/69.
(2) ـ في نسخة: هو الأصل.
(3) ـ في (أ): فأخبرنا.
(4) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/281 وإسناده حدثنا محمد بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي نضره، به.

(37/7)


روي عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه لما سأل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الصوم في السفر قال: (( إنما هي رخصة من اللّه تعالى لعباده، فمن قبلها، فحسن جميل، ومن تركها، فلا جناح عليه )). وقد رواه الطحاوي بإسناده(1).
فلما أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن الإفطار رخصة، ثبت أن العدول عنها أفضل؛ إذ ذلك حكم جميع الرخص، ما لم تؤد إلى الإضرار بالنفس.
وروى أبو جعفر بإسناده عن أنس أنه سئل عن الصوم في شهر رمضان في السفر. فقال: ((إن أفطرت، فرخصة، وإن صمت، فالصوم أفضل)) (2). وهو قياس على سائر الأيام التي لا يكون فيها الصيام؛ بعلة أنها أيام يجوز فيها الصوم والإفطار، ولا يكره فيها الصيام، فوجب أن يكون الصوم أفضل من الإفطار.
فإن قيل: روي عنه صلى(3) اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: (( ليس من البر الصيام في السفر )) . قيل له: ليس يمتنع أن يكون المراد به التطوع كما حكيناه عن القاسم عليه السلام، إذا كان يضر بجسمه، ويمنعه عما هو أولى منه. فقد روي ما يدل على ذلك:ـ
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/71، وإسناده: ربيع الجيزي، حدثنا أبو زرعة، حدثنا حيوة، حدثنا أبو الأسود أنه سمع عروة يحدث عن أبي مرواح عن حمزة.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/67 وإسناده حدثنا فهد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا الحسن بن صالح، عن عاصم، به.
(3) ـ في (أ): عن النبي.

(37/8)


أخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، عن علي بن شيبة، عن روح بن عبادة، قال: حدثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمرو بن الحسن، عن جابر، قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في سفر، فرأى زحاماً، ورجلاً قد ظلل، فقال: (( ما هذا ))؟ فقالوا: صائم. فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( ليس من البر الصيام في السفر )) (1). على أنا لا نمنع أن يكره الصيام في السفر في شهر رمضان إذا أضر ذلك بجسم الصائم، وخُشي أن يؤدي ذلك إلى الإخلال بسائر الواجبات المضيقة.
فإن قيل: روي أن /123/ قوماً صاموا في السفر حين أفطر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقال: ((أولئك هم العصاة)).
قيل له: هو محمول على أن القوم أضروا بذلك أجسادهم حتى قعدوا عما هو أضيق وجوباً منه.
فإن قيل: روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: (( إن اللّه تعالى وضع عن أمتي الصوم في السفر؛ وشطر الصلاة )).
قيل له: هو محمول على أن الموضوع عنهم تضييق وجوبه، بالأدلة التي ذكرناها.
وقلنا(2): إن وجوب القصر، وجواز الفطر معاً؛ إذ قد ثبت أنهما جميعاً حكم السفر، فإذا حصل الإنسان مسافراً، حصل الحكمان؛ ولأنه لا خلاف في هذه الجملة، وإنما الخلاف في حد السفر، وفي وجوب القصر، وفي جواز الإفطار، وقد مضى في الجميع ما يغني عن إعادته.
مسألة: [فيمن يدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر]
قال: وإن أدركه الصوم وهو مقيم فإنه يصوم ما أقام، ويفطر إن شاء إذا سافر.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3)، وظاهره يقتضي أنه لا فصل بين أن يبتدئ السفر في شهر رمضان قبل الفجر أو بعده.
وقول أبي حنيفة، والشافعي: إنه يفطر إن خرج قبل الفجر، وإن خرج بعد الفجر صام، ولم يفطر.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/62.
(2) ـ في (أ): وقد قلنا.
(3) ـ انظر الأحكام 1/244 وهو بلفظ قريب.

(37/9)


ودليلنا في ذلك قول اللّه تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيْضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر} فمن حصل مسافراً، جاز له الإفطار؛ لأنه تعالى لم يستثن للسفر وقتاً من وقت، ولأن حمزة الأسلمي لما سأله عن الصوم في السفر، قال له: (( إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر ))، ولم يشترط صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يكون ابتدأه قبل الفجر، فاقتضى ظاهره جواز الإفطار لكل مسافر.
فإن قيل: فقد قال اللّه تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، فأوجب الصيام.
قيل له: قد استثنى المسافر بما عقبه من قوله: {وَمَنْ كَانَ مَرِيْضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر}.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}، ومن خرج بعد الفجر فأفطر(1)، يكون مبطلاً للجزء الذي حصل صائماً فيه.
قيل له: المراد في هذا الموضع أن يكون الثواب، للأدلة التي تقدمت، وثوابه لا يبطل، وهو قياس على من خرج قبل الفجر؛ بعلة أنه حصل مسافراً في شهر رمضان، والسفر قياس [على] (2) المرض؛ بعلة أنه عذر في الإفطار، وفي أي وقت حصل، جاز الإفطار، وقياس على الحيض؛ بعلة أنه معنى لو حصل في أول جزء من النهار، جاز له الأكل، فكذلك إن حصل بعده.
فإن قيل: إذا أصبح في منزله، فقد وجب عليه الصيام وجوباً لا خيار له فيه، ثم حدثت حادثة باختيار منه، وهو السفر، فلو قلنا: إنه مخير فيه، لأدى إلى إبطال ما لا خيار فيه لأجل ما فيه الخيار.
قيل له: هذا منتقض بمن دخل عليه شهر رمضان، وهو مقيم، فإن الصوم قد وجب عليه وجوباً لا خيار له فيه، ومع ذلك له الإفطار إذا سافر.
فإن قيل: بدخول شهر رمضان لا يجب عليه الشهر كله.
قيل له: فكذلك بدخول أول جزء من اليوم لا يجب اليوم كله. وهذا ما لا فرق فيه.
مسألة: [في صيام الحائض، والنفساء، والحامل، والمرضع، والمستعطش، والهرم]
__________
(1) ـ في (أ): وأفطر.
(2) ـ سقط من (أ).

(37/10)


قال: ولا يجوز صيام الحائض، والنفساء، فأما الحامل، والمرضع، فإنه يجب عليهما الإفطار متى خافتا على الجنين، والمرضَع، وكل من خاف على نفسه من الأعِلاَّء فإنه يكره له الصيام، وإن صام أجزأه، وكذلك الحامل والمرضع، ويجوز الإفطار لمن لا يصبر على(1) /124/ العطش من الرجال والنساء، وكذلك القول في الهرِم منهما، فأما من لا يصبر على العطش، فإنه متى خرج من علته هذه، لزمه القضاء لِما أفطر من الصيام، وكذلك غيره ممن ذكرنا.
نص في (الأحكام) (2) على أن جميع هؤلاء يفطرون.
وقلنا في الأعِلاء: إن صامو كُره، وأجزأهم، تخريجاً، أما الكراهة فعلى أصوله من أن إدخال الرجل الضرر على نفسه مكروهٌ بقوله: ((يستحب صيام الدهر لمن لم يضر بجسمه))، وليس بعد الاستحباب إلا الكراهة، فوجب أن يكون كَرِه صيام الدهر إذا أدى إلى الضرر، فكذلك صيام هؤلاء.
وقلنا: يجزي؛ إذ لم نجد في أصوله ما يوجب القضاء، هذا ما لم تكن العلة شديدة، فأما إذا اشتدت، وبلغت إلى حيث يعلم أن الصوم لا يَحِلّ، وأن الإفطار واجب، فأصول أصحابنا تقتضي أنه لا يجزي، كما ذكروا في الصلاة في الأرض المغصوبة، والوضوء بالماء المغصوب، أن المعصية لا يجوز أن تكون قربة.
والأصل فيما قلناه أن الحائض، والنفساء لا يجوز صيامهما: أنه لا خلاف في أن الحيض والنفاس معنيان ينافيان الصوم، فكان في معنى هجوم الليل في أنه لا يصح معه الصيام؛ إذ هو معنى ينافيه.
والأصل فيما قلناه في الأعلاّء قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيْضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعَدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر}، والمسألة وفاق.
وما قلناه في الحامل، والمرض، والهرم، والمستعطش، فالأصل فيه ما رواه يحيى عليه السلام. وهو:
__________
(1) ـ في (أ): عن.
(2) ـ انظر الأحكام 1/255 إلا أنه قال في الحامل والمرضع يجوز لهما متى خافتا على الجنين والمرضع.

(37/11)


ما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: لما أنزل اللّه تعالى فريضة شهر رمضان، أتت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم امرأة حبلى فقالت: يا رسول اللّه، إني امرأة حبلى، وهذا شهر مفروض، وأنا أخاف على ما في بطني إن صمت. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( انطلقي، فافطري، فإذا أطقت فصومي ))، [وأتته امرأة مرضع فقالت: يا رسول اللّه، هذا شهر مفروض ـ وهي تخاف أن ينقطع لبنها، فيهلك ولدها ـ فقال لها: (( انطلقي، فافطري، فإذا أطقت فصومي ))] (1). وأتاه صاحب العطش فقال: يا رسول اللّه، هذا شهر مفروض ولا أصبر عن الماء ساعة واحدة، وأخاف على نفسي إن صمت. فقال: (( انطلق، فأفطر، وإذا أطقت، فصم ))، وأتاه شيخ يتوكأ بين رجلين فقال: يا رسول اللّه، هذا شهر مفروض، ولا أطيق الصيام. فقال: (( اذهب، فأطعم عن كل يوم مسكيناً نصف صاع )).
وروى ابن أبي شيبة بإسناده قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( إن اللّه وضع عن المسافر الصوم، وعن الحبلى، والمرضع )).
مسألة: [في الفصل بين رمضان وشعبان لمن صام شعبان وفي اعتماد يوم الجمعة]
قال القاسم عليه السلام: ويستحب لمن صام شعبان أن يفصل بينه وبين رمضان بيوم، ويكره للرجل أن يعتمد يوم الجمعة بالصيام، إلا أن يوافق ذلك اليوم صيامه.
ما حكيناه عن القاسم عليه السلام منصوص عليه في (مسائل النيروسي).
وما ذكرناه من كراهة اعتماد يوم الجمعة بالصيام ذكره يحيى عليه السلام في (الأحكام) (2)، [و](3) أنه بلغه عن علي عليه السلام.
واستحباب الفصل بين شعبان ورمضان ما لم تدع الحاجة إلى خلافه، فإذا كان ذلك، فالاحتياط لشهر رمضان أولى من ذلك؛ لما بيناه في(4) صوم يوم الشك.
ووجه ما ذكرنا في صوم يوم الجمعة ما:
__________
(1) ـ ما بين المعكوفين سقط من (أ).
(2) ـ انظر الأحكام 1/268.
(3) ـ سقط من (أ) و (ب).
(4) ـ في (أ): من.

(37/12)


روي أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (( لا تصومن يوم الجمعة، إلا أن تصوم يوماً قبله، أو /125/ بعده )).
وذكر يحيى عليه السلام الحديث الذي أخبرنا به أبو بكر محمد بن العباس الطبري، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن هارون، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمران بن ظبيان، عن حكيم بن سعد، عن علي عليه السلام، قال: ((من كان منكم متطوعاً من الشهر أياماً، فليكن صومه الخميس، ولا يصم يوم الجمعة، فإنه يوم طعام وشراب، وذكر فيجمع اللّه له بين يومين صالحين، يوماً صياماً، ويوماً نسكاً وعيداً مع المسلمين)) (1). فأما إذا وافق الجمعة صياماً(2) يصومه، فلا خلاف أنه جائز لا يكره.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/302 باختلاف في السند.
(2) ـ في (أ): صائم.

(37/13)


باب القول فيما يفسد الصيام وما(1) لا يفسده وفيما يلزم فيه الفدية
[مسألة فيمن أكل أو جامع في شهر رمضان]
من جامع في شهر رمضان، فقد أفسد صومه، وعليه القضاء، ناسياً كان، أو معتمداً، ومن تعمد ذلك، لزمته التوبة، وكذلك القول فيمن أكل.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2).
أما من تعمد الإفطار، فلا خلاف فيه أن عليه القضاء، والتوبة، والخلاف فيمن أكل، أو جامع ناسياً.
والدليل على ذلك قول اللّه تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} والصوم هو إمساك مخصوص، فمن ترك الإمساك، يكون تاركاً للصوم، وتارك الصوم في رمضان يلزمه القضاء.
ويدل على ذلك ما:
رواه ابن أبي شيبة يرفعه إلى أبي هريرة قال: قال رسول(3) اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( من أكل ناسياً، وهو صائم، فليتم صومه، فإن اللّه أطعمه، وسقاه ))، فلما أمره عليه السلام بإتمام صومه، دل ذلك على وجوب القضاء؛ لأن إتمامه لا يكون إلا بأن يقضيه؛ لأن من ترك الإمساك في بعض النهار لا يكون أتم صومه حتى يقضي بدله، ووجوب بدله قضاء لوجوب استكمال اليوم قضاء؛ إذ الصوم لا يصح فيه التبعيض سواء كان عيناً، أو ديناً(4)، وهذا كما قال اللّه سبحانه: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} يعني بقضاء ما فات، ألا ترى إلى قوله: {وَمَنْ كَانَ مَرِيْضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر}، ثم قال: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}؟.
فإن قيل: قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( فإن اللّه أطعمه، وسقاه ))، يوجب أن لا شيء عليه.
__________
(1) ـ في نسخة: وفيما.
(2) ـ انظر الأحكام 1/242 ـ 243 إلا أنه قال في الناسي: (لا شيء عليه أكثر من الاستغفار وقضاء يوم مكان يومه).
(3) ـ في (أ): النبي.
(4) ـ في (أ): ديناً أو عيناً.

(38/1)


قيل له: إنه يقتضي أن لا إثم عليه، فأما سقوط القضاء، فلا دليل عليه، والإثم قد يسقط(1) وإن لم يسقط القضاء، ألا ترى أن من أكل وهو يحسب أن الفجر لم يطلع، ثم علم أن أكله بعد طلوع الفجر، فإنه يسقط عنه الإثم، ولا يسقط القضاء؟ وعلى هذا يحمل قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( لا شيء عليه )). أي لا إثم عليه.
فإن قيل: فقد روي: لا قضاء عليه.
قيل له: أكثر الأخبار فيها: (اللّه أطعمه، وسقاه)، وفي بعضها: (لا شيء عليه)، فأما لا قضاء عليه، فهو لم يرو إلا في خبر واحد، ويحتمل أن يكون الراوي زاد هذا اللفظ على طريق المعنى، حيث اعتقد أن قوله: ([اللّه] (2) أطعمه وسقاه)، وقوله: (لا شيء عليه) يفيد أن لا قضاء عليه، فإذا احتمل ذلك، لم يعترض استدلالنا، على أن من أصحابنا من تأول ذلك على من سبق الشيء إلى حلقه، وهو ساهٍ عنه، وادَعى أنه هو الظاهر؛ لأن قوله: (( من أكل ساهياً ))، كقول من يقول: من أحدث ساهياً، في أنه يفيد أن الحدث سبقه، وعلى هذا لا يصح تعلقهم به.
فإن قيل: روي عنه عليه السلام: (( رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه )).
قيل /126/ له: ظاهر الخبر لا يفيد مذهبك(3)، وإنما يفيد أنهم لا يخطئون، ولا ينسون، وخلاف هذا معلوم، فلا بد من تأويل الخبر، وتأويله عندنا رفع الإثم فيما أخطأوا، أو نسوا، أو استُكرهوا عليه، يبين ذلك أن من أكل بعد طلوع الفجر، أو قبل غروب الشمس، وهو غير عالم بذلك، لا يسقط عنه القضاء، وإنما يسقط عنه الإثم.
__________
(1) ـ في (أ): سقط.
(2) ـ سقط من (أ).
(3) ـ في (أ): مذهبكم.

(38/2)


ومما يدل على ذلك قياساً ما أجمعنا عليه من أن الآكل متعمداً يفسد صومه، فكذلك الآكل ناسياً، والمعنى أنه حصل آكلاً(1) في نهار رمضان، أو في نهار صومه، ويقاس على من أكل بعد طلوع الفجر، أو قبل غروب الشمس بهذه العلة، ولا يمكنهم أن يقولوا أن العلة فيما ذكرتم أنه قصد [إلى] (2) الأكل مع ذكره للصوم، وذلك أن الحكم إنما تعلق بالأكل، بدلالة أنه لو قصد إلى الأكل مع ذكره للصوم، ثم لم يأكل، لم يفسد صومه، وإنما يفسد إذا حصل الأكل، فعلمنا أن الحكم ـ الذي هو فساد الصوم ـ وجد بوجود الأكل، وعدم بعدمه، وأصول العبادات تشهد لقياسنا؛ إذ لاخلاف أن الجماع لما كان عمده مفسداً للحج، كان خطأه كذلك، وكذلك الوقوف لما كان تركه عمداً يفسد الحج، كان خطأه كذلك، وكذلك القول في الإحرام، وفي الطهارة.
ولا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة أن الكلام سهوه وعمده سيان في إفساد الصلاة، وـ أيضاً ـ قد ثبت أن الإنسان مأمور بالإمساك عن الأكل في جميع أجزاء النهار، كما أنه مأمور بإتيان عدد الركعات في الصلاة، فإذا ترك الإمساك في بعض النهار، فسد صومه، كما أنه إذا ترك بعض الركعات، فسدت صلاته، والمعنى أنه ترك بعض عبادة، فساد بعضها فساد كلها، لو تركها عامداً، بطلت تلك العبادة، فوجب أن يستوي فيه السهو والعمد.
فإن قاسوه على من دخل جوفَه ذبابة، أو غبار؛ بعلة أنه غير قاصد إلى إبطال صومه، كان ذلك منتقضاً بمن أكل بعد طلوع الفجر وعنده أن الفجر لم يطلع، أو قبل غروب الشمس، وعنده أن الشمس قد غربت.
فإن قيل: نزيد في العلة بأن نقول وهو غير منسوب إلى التقصير.
__________
(1) ـ في (ب): آكلاً ناسياً.
(2) ـ سقط من (أ).

(38/3)


قيل له: هذا لا يعصم من النقض؛ لأن من أداه اجتهاده إلى أن الفجر لم يطلع، وأكل، لم يكن منسوباً إلى التقصير، غير أن من أكل ناسياً، لا يعرى من ضرب من التقصير، وإن كان معفواً؛ لأن الاحتراز من النسيان ليس بالمستحيل، إذا أخذ الإنسان به نفسه، واستمر على التذكر، وهو ـ أيضاً ـ منتقض بالمكرَه، إذا أكل، وكذلك إن قاسوه على المحتلم بعلتهم، كان الكلام فيه على نحو مامضى، ويقال العلة في أن المحتلم، ومن دخل في حلقه ذباب، أو غبار، لم يفسد صومه؛ لأنه حصل من غير اختيار له، أو لسببه، ويكشف صحة هذه العلة أنه لو حصل مع الاختيار، أفسد صومه، على أن قياسهم لو استنتب(1) لكانت قياساتنا أولى بشهادة الأصول التي ذكرناها، ولأنها تتضمن الاحتياط، والإيجاب.
مسألة: [في حكم الكفارة على المفطر عامداً]
فأما ما روي من وجوب العتق، وغيره، على المتعمد لذلك، فهو استحباب، والتوبة مجزئة له.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2).
ونص ـ أيضاً ـ في (المنتخب) (3) على أن الكفارة غير واجبة، وأن الواجب هو القضاء، والتوبة.
والشافعي /127/ يوافقنا في الآكل متعمداً، وفي الوطء دون الفرجين، ويخالفنا في المجامع.
وأبو حنيفة يخالفنا في المجامع في الفرجين، وفي أكل ما يصلح به الجسم، ويغتذي به، ويوافق في الوطء ما دون الفرجين، وفيمن بلع حصاة، أو نحوها.
ومالك يخالفنا في جميع ذلك، وهو مذهب الإمامية.
وأوجب القاسم عليه السلام الكفارة في المجامع خاصة.
وقول الناصر عليه السلام مثل قول يحيى عليه السلام، وهو قول ابن علية، وابن المسيب، وابن جبير، والنخعي. والأصل فيه براءة الذمة، والكفارات طريقها الشرع، ولم يرد الشرع بوجوبها على ما نبينه، ويدل على ذلك ما:
__________
(1) ـ في (أ) هكذا.
(2) ـ انظر الأحكام 243، 251، 252.
(3) ـ انظر المنتخب 91 وهو بلفظ قريب.

(38/4)


أخبرنا به أبو بكر محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن هارون، قال: حدثنا ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن المطلب بن أبي وداعة، عن ابن المسيب، قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: إني أفطرت يوماً من رمضان. فقال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( تصدق، واستغفر، وصم يوماً مكانه )) (1). فدل ذلك على أن الواجب فيه هو القضاء، والاستغفار.
فإن قيل: ليس في الخبر أنه أفطر متعمداً.
قيل له: قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( استغفر ))، يدل على أنه كان متعمداً؛ لأن الاستغفار لا يجب إلا من العمد، فأما الخطأ والسهو، فيكفي فيه القضاء بالإجماع.
فإن قيل: فقد أمره بالصدقة، وأنتم لا توجبونها.
قيل له: الخبر يقتضي وجوب ما يسمى صدقة من قليل أو كثير، وقد أجمع الجميع أن ذلك غير واجب، فوجب أن يكون استحباباً، وهذا مثل ما روي أن رجلاً أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه، إني وجدت امرأة، ففعلت بها كل شيء إلا أني لم أجامعها. فقال له: (( توضأ، وصل.. )) إلى آخر الحديث، فلم تكن الصلاة من موجَب ما فعل، وإنما كان حثاً على الخير والطاعة.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في إيجاب الكفارة أخبار كثيرة منها:
حديث أبي هريرة أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكيناً. فقال: لا أجد، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بعرق من(2) تمر فقال: (( خذ هذا، فتصدق به )). فقال: يا رسول اللّه، إني لا أجد أحداً أحوج مني إليه. فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم حتى بدت أنيابه، فقال: (( كُلْهُ )).
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 2/340.
(2) ـ في (أ): فيه.

(38/5)


وروي ـ أيضاً ـ عن أبي هريرة أنه قال: بينا نحن عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول اللّه، هلكت؟ فقال: ((ويلك ما لك ))؟. قال: وقعت على أهلي، وأنا صائم في رمضان. فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( هل تجد رقبة تعتقها ))؟ قال: لا. قال(1): (( فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ))؟ قال: لا. قال: (( فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً ))؟ قال: لا. قال: فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم حتى أتى بعرق فيه تمر فقال: ((خذ هذا، فتصدق به)). فقال: ما بين لابتيها أفقر من أهل بيتي، فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ثم قال: ((أطعمه أهلك )).
وروي عن مجاهد أنه قال: أَمر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الذي أفطر يوماً من رمضان بمثل كفارة الظهار.
قيل له: الكلام في هذه الأخبار من ثلاثة أوجه: أحدها: أن /128/ الأخبار الواردة في هذا الباب تتعارض، وإذا تعارضت، سقطت، وسقط الوجوب المثبَت بها.
والثاني: أنها تقتضي الاستحباب، دون الإيجاب، والوجه الأول ـ أيضاً ـ يفضي إلى هذا الوجه الثاني.
الثالث: أن ذلك حكم المظاهِر، وأن الرجل المأمور بالكفارة كان مظاهراً. ونبين التعارض الذي ذكرناه [في الوجه الول] بوجهين:
أحدهما: أن بعض الأخبار يقتضي التخيير، وبعضها يقتضي الترتيب، وهما متنافيان على ما نبينه:ـ
__________
(1) ـ في في (أ): فقال.

(38/6)


أخبرنا(1) أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا يونس:، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رجلاً أفطر في رمضان، في زمن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فأمره النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يُكَفِّر بعتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكيناً. فقال: لا أجد، فأُتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بعرق فيه تمر، فقال: (( خذ هذا، فتصدق به )) (2). فقال: يارسول اللّه، إني لا أجد أحداً أحوج إليه مني، فضحك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: (( كُلَّه )). فهذا الخبر قد جعل للمفطر التخيير.
أخبرنا أبو العباس الحسني، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحديدي، قال: أخبرنا أبو زرعة الرازي، قال: حدثنا ابن أبي بكير، قال: حدثنا مالك، عن ابن شهاب.. الحديث إلى قوله: (( بدت أنيابه )).
__________
(1) ـ في (ب): وأخبرنا.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/60.

(38/7)


وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا فهد، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن حميد، عن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بينا نحن عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول اللّه، هلكت. فقال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( ويلك، ما لك ))؟ فقال: وقعت على امرأتي، وأنا صائم في رمضان. فقال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( هل تجد رقبة تعتقها ))؟ قال: لا. فقال(1): ((هل(2) تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ))؟ فقال: لا. قال: (( فهل تجد أن تطعم ستين مسكيناً))؟ فقال: لا. فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فبينا نحن كذلك إذ أُتِي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بعرق فيه تمر والعرق الْمِكْتَل فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أين السائل آنفاً، خذ هذا، وتصدق به )) (3)ا. فقال الرجل: ما على وجه الأرض أفقر مني يا رسول اللّه، فوالله ما بين لابتيها أفقر من أهل بيتي، فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: ((أطعمه أهلك )). فصار هذا الخبر يقتضي الترتيب، ويوجبه، فلما كان أحد الخبرين موجباً للترتيب، ووجوبه مانع(4) من التخيير، والخبر الثاني موجباً للتخيير، ووجوبه مانع من الترتيب، وكان لا يصح أن يجامع التخييرُ المنَع منه، ولا أن يجامع الترتيب، المنعَ منه، حصل التعارض.
__________
(1) ـ في (أ): قال.
(2) ـ في (أ): فهل.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/60 ـ 61، وفيه عن حميد بن عبد الرحمن وهو الصواب، وقد تقدم في الحديث السابق، هكذا، وفي متنه، فهل تجد إطعام، وأيضاً فقال الرجل أعلى أهلٍ أفقر مني يا رسول الله فوالله، وأيضاً يجيب بقوله؛ لا والله يا رسول الله.
(4) ـ في (أ): مانعاً.

(38/8)


فإن قيل: حصول التعارض في أوصاف الحكم لا يوجب(1) حصوله في الحكم.
قيل له: إذا لم يصح حصول الحكم إلا مع تلك الأوصاف، فما منع حصولَها، منع حصول الحكم بحصول التعارض في الأوصاف التي ذكرناها كحصوله في الحكم.
والوجه الآخر الموجب للتعارض هو أن المنقول إليه عن(2) العتق هو الصيام في الخبر الذي ذكرناه، وقد روي خلاف ذلك:ـ
أخبرنا أبو العباس الحسني قال: أخبرنا أبو أحمد الأنماطي، قال: أخبرنا علي بن عبدالعزيز، قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا /129/ حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب، أن أعرابياً أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو ينتف شعره ويضرب بصدره ويقول: هلكت. قال: (( ما أهلكك ))؟ قال: وقعت على أهلي، وأنا صائم. قال: ((اعتق رقبة )). قال: لا أجد. قال: (( اهدِ هدياً )). قال: لا أجد. قال: (( اجلس، فجلس، فجاء أعرابي بِمكْتَل فيه نحو عشرين صاعاً من تمر فقال: هذه صدقة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( خذه، فتصدق به )). فقال الأعرابي: ما لأهلي من طعام. فقال: (( خذه، وأطعمه أهلك )).
__________
(1) ـ في (ب): يجب.
(2) ـ في (أ) و (ب): على، وما أثبتناه ظنن عليه في الهامش.

(38/9)


وأخبرنا أبو العباس الحسني قال: أخبرنا ابن سدوسان، قال: حدثنا [أبو] (1) حاتم الرازي، قال: حدثنا ابن نفيل، وعبد الله بن مروان، قالا: حدثنا موسى بن أعين، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: إني أتيت أهلي في رمضان، من غير سفر، ولا مرض. قال: (( بئس ما صنعت، أعتق رقبة )). قال: لا أجد رقبة. قال: (( انحر بدنة )). قال: لا أجد. قال: (( تصدق بعشرين صاعاً من تمر )). قال: ما هو عندي. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( هو عندنا، فنحن نعطيك، فأمر له بعشرين صاعاً من تمر، أو بواحد وعشرين صاعاً من تمر )). وقال(2): ((تصدق بهذا)) قال: <على مَن يا رسول اللّه؟ ما بين لابتيها أفقر مني، ومن أهل بيتي. قال: (( فاذهب، فهو لك، ولأهل بيتك )). فصار المنقول إليه عن العتق في هذين الخبرين هو النحر، وليس فيهما ذكر الصيام، ولا إطعام ستين مسكيناً، وقد علمنا أن النقل عن العتق إلى الصيام يمانع النقل إلى النحر، فصح ـ أيضاً ـ بهذا ما ذكرناه من التعارض.
فإن قيل: فالأخبار متفقة على وجوب الرقبة.
قيل له: لا خلاف بيننا وبين الفقهاء في أن وجوب الرقبة على من قدر عليها، كوجوب الصيام على من لم يقدر على الرقبة، وقدر على الصيام؛ لأن من مذهبهم إثبات وجوبهما(3)، ومن مذهبنا نفيه، فإذا سقط وجوب الصيام لتعارض الأخبار، سقط وجوب الرقبة؛ لأنه كوجوب الصيام، على أنه قد روي الصدقة بغير ذكر الرقبة، ولا البدنة.
__________
(1) ـ سقط من (أ) و (ب): ولكن سيأتي ذكره هكذا قريباً.
(2) ـ في (أ): فقال.
(3) ـ في هامش (ب): وجوبها.

(38/10)


أخبرنا بذلك أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، عن علي بن شيبه، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عباد بن عبد اللّه بن الزبير، عن عائشة أن رجلاً أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وذكر أنه احترق، فسأله عن أمره فقال: وقعت على امرأتي في رمضان. فأُتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بمكيل ـ يدعى العرق ـ وفيه تمر، فقال: (( أين المحترق ))؟ قال: (( تصدق بهذا )) (1) .
فكل ذلك يكشف حصول التعارض، والتنافي في الموجب.
فإن قيل: فقد أجمعوا على ترك الخبر الذي فيه الانتقال عن العتق إلى البدنة، وترك الخبر الذي يوجب الاقتصار على الصدقة.
قيل له: ليس الأمر على ما ذكرت، فقد روي عن الحسن أنه كان يأخذ بالخبر الذي فيه العدول إلى البدنة.
وذكر الطحاوي(2) في (شرح الآثار) أن قوماً قالوا: لا يجب من الكفارة غير الصدقة، وأخذوا بالخبر الذي رويناه أخيراً، ونحن لا نسقط شيئاً من هذه الأخبار، ونحملها على الاستحباب؛ لما بيناه من امتناع حصول الوجوب، للتعارض وغير ذلك مما نبينه(3) من بعد.
والوجه الثاني: ماذكرناه مِن أن في الأخبار ما يدل على أن المذكور فيها طريقه الاستحباب، دون الإيجاب، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم للأعرابي الذي أتاه:/130/ ((كله أنت، وعيالك ))، وفي بعض الأخبار: (( كلْه ))، وفي بعضها: (( كله، واستغفر الله )).
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/95.
(2) ـ انظر شرح معاني الآثار 2/60.
(3) ـ في (أ): يثبت.

(38/11)


ولاخلاف أن من وجب عليه إخراج حق إلى الفقراء، لا يجوز له أكله، فلما أذن له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في أكل ما كان أَمَره أن يتصدق به، عُلم أنه لم يكن واجباً، وأنه كان مستحباً و ـ أيضاً ـ لما قال: (( كله، واستغفر اللّه ))، كان ذلك أمراً بالاستغفار، وأذناً بالأكل لِمَا كان أمَره بالتصدق به، فدل ذلك على أنه لم يجب عليه [إلا] (1) الاستغفار.
فإن قيل: وقد روي في الظهار مثل هذا، ولم يدل ذلك على أن كفارة الظهار غير واجبة.
قيل له: لو خُلينا وظاهر ما روي فيه، لقلنا أن الكفارة فيه استحباب، كما قلنا فيمن أفطر في شهر رمضان، لَكِنَّا قلنا بإيجابها؛ للدلالة التي دلت عليه من غير ذلك الخبر.
والوجه الثالث: من الكلام فيها ما روي أن الرجل كان مظاهراً، وأن الكفارة كانت كفارة الظهار؛ بدلالة ما:
روي عن سلمة بن صخر قال: كنت امرء أصيب(2) من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان، ظاهرت من امرأتي إلى انسلاخه، فبينا هي تخدمني؛ إذ انكشف ساقها، فلم ألبث أن نزوت عليها، فجئت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال لي: ((حرر رقبة.. )) الحديث.
ويدل على ذلك ما أخبرنا به أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى قال: أخبرني ابن سدوسان، قال: حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: حدثنا يحيى الحماني، قال: حدثنا هشيم، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أمر الذي أفطر في رمضان بكفارة الظهار، فدل ذلك على أن الكفارة كانت للظهار، وأن الرجل كان مظاهراً؛ إذ لا يؤمر بكفارة الظهار إلا المظاهر، وفيه دلالة على أن الكفارة لا تجب بإفساد الصوم، ولو وجبت، لأمر بكفارة أخرى، ولم يقتصر على كفارة واحدة، التي كانت للظهار.
فإن قيل: ففي الحديث على أن الكفارة وجبت للوقوع على أهله.
__________
(1) ـ سقط من (أ).
(2) ـ في (أ): أصيبت.

(38/12)


قيل له: لسنا ننكر ذلك، وإنما الخلاف أنه كان هتك حرمة الصوم بالوقوع على أهله، أو لأنه حنث فيما ألزم نفسه بالظهار بوقوعه على أهله، وإذ قد روي ذلك، فما ذهبنا إليه أولى؛ لأنا لا نخرجه من أن يكون وطئاً صادف رمضان، وعلى ما يذهبون إليه، قد منعتم أن يكون وطئاً صادف الظهار، وقد روي ذلك.
وـ أيضاً ـ ليس يخلو ما روي من الكفارة ـ إن لم يكن للظهار ـ من أن يكون على طريق الاستحبابُ أو طريق القضاءُ أو طريق الكفارة، ولا يجوز أن يكون على طريق القضاء؛ إذ القضاء هو يوم مكان يوم بالإجماع، ولا يجوز أن يكون على سبيل الكفارة لما روى أبو هريرة ـ وقد مضى إسناده ـ عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( من أفطر يوماً من شهر رمضان من غير رخصة، لم يجزه صيام الدهر )) فإذا بطل الوجهان، ثبت الثالث، وهو ما ذكرنا من الاستحباب.
وأيضاً ما قالو ليس يخلو من أن يكون موجَب الإفطار، أو موجب الهتك، فلا يجوز أن يكون موجَب الإفطار؛ إذ لاخلاف أن المعذور بالإفطار لا يلزمه ذلك، ولا يجوز أن يكون موجَب الهتك على مذهب الجميع؛ لأن أبا حنيفة لا يوجبه لو هتك بابتلاع الحجر، وما أشبهه، أو بإتيان البهيمة، أو بإتيان بني آدم فيما دون الفرجين، والشافعي لا يوجبه لو هتك بالأكل، والإنزال باللمس، ومالك لا يوجبه لو هتك بتكرير النظر إلى أن ينزل، فإذا فسد الأمران، ثبت أنه استحباب، على أن كل هتك لم يوجبوا به الكفارة، يمكن أن يجعل /131/ أصلاً يقاس عليه ما أوجبوا فيه؛ بعلة أنه هتك لحرمة الصوم لغير عذر، فوجب أن لا يلزمه غير التوبة مع القضاء، وـ أيضاً ـ قد ثبت أن الصوم عبادة لا يختص بالحرم، فوجب أن لا يكون على من تركه متعمداً غير القضاء، والتوبة قياساً على الصلوات.
ويمكن أن يقال: إنه فرض، ليس على من أفسده ناسياً كفارة، فكذلك من أفسده متعمداً، قياساً على الصلوات والزكوات.
مسألة: [فيمن يقبل أو ينظر أو يلمس فيمني أو يمذي]

(38/13)


قال: ومن قَبَّل، أو نظر، أو لمس، فأمنى، فليس عليه أكثر من القضاء، والتوبة، وإن أمذى، استحب له القضاء.
قال(1) في (الأحكام) (2): من قبل، أو نظر، أو لمس، فأمنى، فليس عليه أكثر من القضاء، والتوبة.
ونص في (المنتخب) (3) على إيجاب القضاء على من أمنى من النظر.
فدل ذلك على إيجابه القضاء على من قبل أو لمس فأمنى؛ إذ اللمس والقبلة ألذُّ في ذلك من النظر. وقلنا: فسد صومه؛ لأن إيجاب القضاء لا يكون إلا مع إفساد الصوم.
ونص ـ أيضاً ـ في (المنتخب) (4) على أن القضاء مستحب لمن أمذى.
و[ذهب] (5) عامة الفقهاء على(6) أن الإنزال بالقبلة، واللمس، يفسد الصوم.
ووجهه ما:
أخبرنا به أبو بكر المقرئ قال: حدثنا الطحاوي، عن علي بن معبد، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا إسرائيل، عن زيد بن حصين، عن أبي يزيد الضبي، عن ميمونة بنت سعيد، قالت: سئل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن القبلة للصائم، فقال: (( أفطرا جميعاً )) (7)ا.
__________
(1) ـ في (أ): وقال.
(2) ـ انظر الأحكام 1/252 كما ذكره فيه 1/243 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر المنتخب 92 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ 92 والذي فيه: (وقد قال غير أنه لا يجب القضاء في المذي، وأما أنا فأحب له أن يقضي).
(5) ـ سقط من (ب).
(6) ـ في (أ): إلى.
(7) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/88 وفيه زيد بن جيد، ميمونة بنت سعد.

(38/14)


فدل الخبر على فساد الصوم من كل قبلة، فلما ثبت بالأخبار المستفيضة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه كان يقبِّل، وهو صائم، وأنه أباحها لمن لم يَخَفْ إفساد صومه، خَصت القبلة التي لا إنزال معها، وبقيت القبلة التي معها الإنزال، فوجب أن يقع بها الإفطار، وأيضاً قد نبه على ذلك، نهيه صلى اللّه عليه وآله وسلم الشاب عنها، وأباحها للشيخ؛ لأنا لو لم نقل ذلك، كان الخبر لا فائدة له، ألا ترى أن من كان الغالب من أمره أنه لا ينزل من القبلة أباحها له وحظرها على الشاب إذ لم يأمن أن يقع الإنزال بها، ولم يفصل أحد في هذا الباب بين اللمس والقبلة، فيجب أن يكون حكمها حكمه.
ومما يعتمد في فساد صوم من أمنى عن قبلة، أو نظر(1) أو لمس، ما أجمعنا عليه فيمن أتى أهله فيما دون الفرجين، فأنزل أنه يفطر، فكذلك يفطر من أنزل من قبلة، أو نظر، أو لمس، قياساً عليه، والمعنى أنه أنزل مختاراً، فعل سببه، فإن ألزموا عليه من فكر، فأنزل، فلا نص عليه لأصحابنا، وليس يبعد(2) أن يقول أنه إذا فكر مختاراً للفكر حتى أنزل، فسد صومه، على أنا لو أردنا الاحتراز منه لقلنا: أنزل مختاراً، بسبب من أفعال الجوارح، ولا يبعد أن يقال إن أفعال القلوب لا تأثير لها في إفساد العبادات، وإن كان لها تأثير في صحتها في بعض المواضع، كالنية فيما هي شرط في صحته، على أن الحسن، ومالكاً، يوافقان في الإنزال بالنظر، والخلاف فيه بيننا وبين أبي حنيفة، والشافعي.
ويؤكد علتنا للنظر ما:
روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( العينان تزنيان، واليدان تزنيان )) ويصدق ذلك، ويكذبه الفرج، فنبه على أن حكم العينين حكم اليدين في استدعاء الشهوة.
فإن قال من خالف في الإنزال عن النظر أن العلة في القبلة واللمس وإتيان ما دون الفرجين أنه استدعاء الإنزال بالمباشرة.
__________
(1) ـ في (أ): نظرة.
(2) ـ في (أ): ببعيد.

(38/15)


قيل له: علتكم لا تنافي علتنا، فنقول /132/ بهما(1)، وتكون علتنا أعم وأرجح؛ لأن اختيار السبب مراعى عندهم؛ لأنه لو وقع ذلك في النوم لم يفسد صومه.
ووجه قولنا أن القضاء مستحب في المذي ما:
روي من نهي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الشاب عن القبلة، والأغلب في الشاب أنه إذا قبل أمذى، فأما الإمناء، فهو نادر، فلولا أن للمذي تأثيراً ما في الصوم لم ينهه صلى اللّه عليه وآله وسلم من غير تقييد بالأمر النادر، وهو الإمناء.
فإن قيل: فمن الجائز أن لا يمذي، ومع ذلك فلم يقيده بالمذي.
قيل له: الأغلب من حال الشاب أنه يمذي، فكان العرف الغالب مغنياً عن التقييد، وـ أيضاً ـ وجدنا للعبادات التي يؤثر فيها المذي تأثيراً دون ذلك التأثير من جنسه، ألا ترى أن خروج المني لما أوجب الاغتسال، كان خروج المذي موجباً للوضوء؟
وقال أصحابنا في المحرِم إذا قبل، فأمنى أن عليه بقرة، وإن(2) أمذى، ولم يمنِ، فعليه شاة، فلما كان ذلك كذلك، وكان خروج المني من القبلة يوجب القضاء، قلنا: إن خروج المذي يجعل القضاء مستحباً؛ ليكون له تأثير دون تأثير المني في الصوم.
فإن قيل: لا يخلو صوم الذي يمذي من أن يكون صحيحاً، أو فاسداً، فإن كان فاسداً أوجب(3) القضاء، وإن كان صحيحاً فلا معنى للقضاء، ولا مساغ إذاً لاستحباب القضاء فيه.
قيل له: لا يمتنع أن يكون الصوم صحيحاً، ويكون قد عرض فيه ما أوجب النقض، فيجبر بالقضاء، كما تجبر الصلاة بسجدتي السهو، وكما يجبر حج المتمتع بالهدي، وإن كان صحيحاً، وليس لأحد أن يقول: إن جبر الحج واجب، فيقولوا في جبر الصوم: أنه واجب، وذلك [أنه] (4) لا يمتنع أن يختلف حال الجبر، وإنما كان غرضنا أن نبين أن الصحيح قد يجبر(5) لأمر يعرض فيه.
مسألة: [في من يصبح جنباً في رمضان]
__________
(1) ـ في (أ): فقول لهما وتكون علتنا.
(2) ـ في (أ): فإن.
(3) ـ في (أ): وجب.
(4) ـ سقط من (أ).
(5) ـ في (ب): انجبر.

(38/16)


قال: ومن أصبح جنباً، لم يفسد صومه، سواء أصبح ناسياً، أو متعمداً، من جماع، أو احتلام.
نص في (الأحكام) (1) على أن من أصبح جنباً في شهر رمضان، فلا شيء عليه، وروى عن جده القاسم عليه السلام أنه يجزئه صومه، واحتج بحديث أم سلمة رضي الله عنها.
وقلنا: يستوي فيه النسيان، والتعمد؛ لأن عموم قوله يقتضيه، ولأن أصوله تدل على ذلك؛ لأنه لا يفصل فيما يفسد الصوم بين العمد والخطأ، وكذلك الجماع، والاحتلام، يستويان بعموم(2) قوله، سيما واستشهاده بحديث أم سلمة، وفيه الجماع. وهو قول عامة الفقهاء، والإمامية تخالف فيها.
ووجه قولنا أنه تعالى أباح الجماع في جميع الليل بقوله تعالى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ..} إلى قوله: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ومن استوفى الليل جماعاً، حصل اغتساله في بياض النهار، فلو كان تأخير الغسل إلى الصباح يمنع من جواز الصوم، لم يصح أن يكون الجماع مباحاً في الليل كله أجمع، وفي كونه مباحاً في الليل كله أجمع دلالة على أن تأخير الغسل إلى الصباح لا يفسد الصوم.
ويدل على [صحته](3) الحديث الذي استدل به يحيى عليه السلام وهو ما:
رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: خرج رسول اللّه صلى اللّه /133/ عليه وآله وسلم ورأسه يقطر، فصلى بنا الفجر في شهر رمضان، وكانت ليلة أم سلمة، فأتيتها، فسألتها، فقالت: نعم، كان جمعاعاً من غير احتلام، فأتم صوم ذلك اليوم، ولم يقضه.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/245 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ في (أ): لعموم.
(3) ـ في (أ) و (ب): صحة، وما أثبتناه في هاش (أ) و (ب).

(38/17)


وأخبرنا أبو بكر المقرئ قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن وهب أن مالكاً أخبره عن عبد اللّه بن معمر الأنصاري، عن أبي يونس ـ مولى عائشة زوج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ـ أن رجلاً قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو واقف على الباب، وأنا أسمع ـ: يا رسول اللّه، إني أصبح جنباً، وأنا أريد الصوم. فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( وأنا أصبح جنباً، وأنا أريد الصوم، فَأَغْتَسِلُ، وأصوم )). فقال: يارسول اللّه، لست كمثلنا، قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر‍‍! فغضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: (( والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتَّقِي )). فدل ذلك على صحة ما ذهبنا إليه(1).
فإن قيل: روي عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: (( من أصبح جنباً، فلا صوم له )) .
قيل له: قد قال بعض الناس أن الاحتجاج بهذا الخبر لا يصح، وذلك أن في الحديث أن عائشة أنكرت ذلك لما بلغها، وقالت: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يصبح جنباً من غير احتلام، ثم يصوم يومه، فلما سمعه أبو هريرة، قال: كنت أسمع من الفضل بن العباس، فأحال الخبر على الميت بعد ما رواه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وهذا الطعن غير سديد ولا واقع؛لأن أكثر ما فيه أنه أسنده بعد الإرسال، والصحيح أن يقال في تأويله أن المراد بقوله: من أصبح جنباً؛ من أصبح مخالطاً بدلالة سائر ما اعتمدناه.
ويدل على ذلك ـ أيضاً ـ أن الجنابة من حيث كانت جنابة لا تنافي الصوم،ألا ترى أن من احتلم في نهار الصوم لا يفسد صومه؟ مع حصول الجنابة، فإذا كان ذلك كذلك، وكان [من] (2) أخر الغسل إلى حين الصبح، لم يكن أكثر من حصول الجنابة له في نهار الصوم، فوجب أن لا يفسد صومه.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/106.
(2) ـ سقط من (أ).

(38/18)


ويمكن أن يورد ذلك على طريق القياس بأن يقال: إنه حصول جنابة من غير اختيار فِعلِ سببها في حال الصوم، فوجب أن لا يفسد صومه؛ قياساً على الاحتلام نهاراً.
أو يقاس على من بدره القيء، بمعنى أن طروه على الصوم لا يفسده، فوجب أن لا يفسد الصوم بطروه عليه، وكذلك الجنابة، ويمكن أن يقاس على الحيض؛ بعلة أنه موجب للغسل، فوجب أن يستوي حكم طروه على الصوم، وطرو الصوم عليه، فكذلك الاجتناب.
مسألة: [فيمن أفطر وهو شاك في غيببوبة الشمس أو تسحر وهو شاك في طلوع الفجر]
قال: ومن أفطر وهو شاك في غيبوبة الشمس، فقد أفسد صومه، ويلزمه القضاء إلا أن ينكشف [له] (1) أن إفطاره كان بعد غيبوبة الشمس، ومن تسحَّر وهو شاك في طلوع الفجر، لم يفسد صومه إلا أن يتبين له أن تسحره كان بعد طلوع الفجر.
قد نص في (الأحكام) (2) أن القضاء يلزم من أفطر، ولم يتحقق غروب الشمس، وأن من تسحر وعنده أن الفجر لم يطلع ثم استبان له أن الفجر كان طلع وقت تسحره، فعليه القضاء.
وروى عن جده القاسم عليه السلام أن من تسحر وهو شاك في طلوع الفجر، فلا قضاء عليه، ما لم يعلم أن الفجر /134/ صادف تسحره.
__________
(1) ـ سقط من (أ).
(2) ـ انظر الأحكام 1/248 وهو بلفظ قريب.

(38/19)


والأصل في ذلك أن من أكل شاكاً في غروب الشمس، فإن كان حصل له يقين بأنه نهار، فاليقين(1) لا يزول حكمه بالشك، ويكون سبيله سبيل من شك في انسلاخ شهر رمضان، ودخول العيد، في أن عليه أن يصوم حتى يتحقق ذلك، وإذا وجب عليه الصوم، فأفطر، يكون عليه القضاء، ولأنه أكل في وقت يلزمه الصوم فيه، فوجب أن يكون مفسداً للصوم، قياساً على من أكل قبل ذلك، وليس لأحد أن يقول إنه لم يجب عليه في ذلك الوقت للشك؛ لأن الشك إذا طرأ على اليقين لم يُزِل حكم اليقين، ألا ترى أن المحدث إذا شك في الطهارة، يكون محدثاً، والمتطهر إذا شك في الحدث، يكون متطهراً، وكذلك القول في النكاح، والطلاق، والعتاق، وغير ذلك، فوجب أن يكون كذلك حكم الشاك في غيبوبة الشمس، فإن بان له بعدما أكل أن الشمس كانت غابت حين أكل لم يفسد صومه؛ لأن سبيله سبيل من أفطر وهو شاك في العيد، ثم بان له أنه أفطر يوم العيد، في أنه لا قضاء عليه، ولأنه يتبين أنه أكل ليلاً، وأنه قد أتم صومه.
فأما من تسحر وهو شاك في الفجر، فلا يفسد صومه؛ لأن الليل متيقن، والفجر مشكوك فيه، وقد بينا أن الشك لا يزيل حكم اليقين، وأن سبيله سبيل من أكل في يوم الشك، في أنه لا يلزمه القضاء مالم يتبين أنه كان يوم الصوم، فإن بان له أنه كان الفجر قد طلع، لزمه القضاء؛ لأنه يكون قد أكل نهاراً، أو يكون سبيله سبيل من أكل في يوم الشك، ثم بان له أنه كان من رمضان، في أن عليه القضاء.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم إن القضاء لا يلزمه؛ لأنه تسحر، وهو لا يعلم بطلوع الفجر، وهو غير مخاطَب بالصوم فيه، وذلك أن اللّه تعالى أمر بالصوم مَن عَلِم طلوع الفجر، ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخِيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ومن لم يتبين له ذلك، لا يكون مخاطباً بالصوم؟
__________
(1) ـ في (أ): واليقين.

(38/20)


قيل له: ليس المراد أن يتبين ذلك لكل أحد على الانفراد، ألا ترى أن المحبوس في الظلمة قد لا يتبين له ذلك، ولا يزول عنه حكم الفرض، أداء، أو قضاء، وكذلك الضرير وإنما المراد أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في نفسه.
كما روي عن عدي بن حاتم أنه قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: إني وضعت عند رأسي عقالاً أبيض، وعقالاً أسود، فآكل حتى يتبين لي الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فعرَّفه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن المراد بذلك حتى يتبين الليل من النهار، على أن زوال الخطاب بالصوم، لا يمنع وجوب القضاء، ألا ترى أن الحائض غير مخاطبة بالصوم وكذلك العاجز عنه بالمرض، ومع ذلك فعليهما القضاء، وكذلك الإنسان غير مخاطب بالصوم في يوم الشك، ما لم يتبين له أنه من رمضان، فإن بان له ذلك بعد، كان عليه القضاء، وكذلك المتسحر مع طلوع الفجر؛ لأنه لم يكن مخاطباً بالصوم، مالم يتبين له طلوع الفجر، فإن عليه القضاء إذا بان له أنه تسحر مع طلوع الفجر؛ لأنه حصل آكلاً في نهار شهر رمضان.
مسألة: [في الحجامة للصائم]
قال: (ولا بأس بالحجامة للصائم إذا أمن على نفسه ضعفها).
وهذا منصوص عليه في /135/ (الأحكام) (1).
والأصل فيه ما:
روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( ثلاث لا يفطرن الصائم، القيء، والحجامة، والاحتلام )) .
وأخبرنا محمد بن العباس الطبري، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا محمد بن هارون، عن ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد اللّه بن إدريس، عن يزيد بن(2) مقسم، عن ابن عباس، أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم احتجم بين مكة والمدينة صائماً مُحرِماً(3).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/242.
(2) ـ في (أ): عن.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 2/307 وفيه يزيد عن مقسم.

(38/21)


وروى الطحاوي ـ بإسناده ـ عن الشعبي أن الحسين بن علي عليهما السلام احتجم، وهو صائم(1).
فإن قيل: روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه رأى رجلاً، وهو يحتجم في شهر رمضان، فقال: ((أفطر الحاجم والمحجوم له)).
قيل له: يحتمل أن يكون النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ذلك في حاجم ومحتجم بعينهما، ويكون ذكر الحجامة للتعريف، لا لتعلق الحكم بها، كما قال للراكب، والجالس، وما جرى مجراه.
وكما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (( ولد الزنا شر الثلاثة )) وهذا للتعريف، لا لأن كونه ولد الزنا يوجب أن يكون شر الثلاثة، وكذلك الحاجم والمحجوم يحتمل أن يكون وقع منهما ما أوجب الإفطار. فقال: أفطر الحاجم والمحجوم.
وقد قيل: إنهما كانا يغتابان، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم فيهما ذلك، رواه الطحاوي يرفعه إلى أبي الأشعث الصنعاني(2).
وروى أبو بكر الجصاص في (شرحه) بإسناده ما دل على أنه منسوخ، وذلك أنه قال: مر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم صبيحة ثماني عشرة من رمضان برجل، وهو يحتجم، فقال: (( أفطر الحاجم والمحجوم [له] (3) )). .... فقال: إذا تَبَيَّغ أحدكم الدم فليحتجم.
وروي عن أبان بن أبي عياش، عن أنس، أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (( أفطر الحاجم والمحجوم[له] (4) )) فشكى الناس الدم، فرخص للصائم أن يحتجم.
فإن قيل: وقوع الرخصة للعذر لا توجب سقوط القضاء، وأن الصوم لم يفسد.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/101 وفيه أن الحسن بن علي (ع): وليس الحسين.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/99.
(3) ـ زيادة في (أ).
(4) ـ زيادة في (أ).

(38/22)


قيل له: إطلاقه القول بأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم رخص للصائم أن يحتجم من غير ذكر القضاء يدل على أن الحجامة لا تفسد الصوم؛ لأن إفساد الصوم للعذر، كان معلوماً قبل ذلك، فكانت فائدة الترخيص إسقاط القضاء، وبيان أنها لا تفسد الصوم، ولا خلاف أن الفصد لا يفسد الصيام، فكذلك الحجامة، والعلة أنه خروج دم لا يوجب الاغتسال، أو خروج دم لا يختص النساء، ويقاس بهذه(1) العلة على الرعاف، ويرجح بسائر(2) ما يخرج من البدن من النجاسات وغيرها في أنها لا تفطر الصائم.
وقلنا: إنه إذا لم يَخَفْ الضعف، لما روي عن ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأنس أنهم قالوا: إنما كرهت الحجامة للصائم من أجل الضعف.
وروى ذلك عنهم الطحاوي(3) بأسانيده. ولأن على الإنسان أن يوقي نفسه المضار ما أمكن، قال اللّه تعالى: {وَلا تُلْقُوا بَأَيْدِيْكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.
مسألة: [في الكحل، والذرورة، والحقنة، وصب الدهن في الأذن، والأهليل، والسعوط]
قال: ولا بأس للصائم بالكحل، والذرورة، والحقنة، وصب الدهن في الإحليل والأذن، ويكره السعوط؛ لأنه ربما صار إلى الحلق.
جميع ذلك منصوص عليه في (الأحكام) (4).
والأصل عند يحيى عليه السلام في الصيام أنه لا يفسد إلا بالجماع، أو بالإنزال إذا فُعِل سببه مختاراً له، وبالأكل، والشرب، وما جرى مجراهما، فعلى هذا إن كل واصل إلى الجوف من جهة الحلق مفسد للصوم إذا فعله الصائم مختاراً له، أو لسببه، وما عداه لا يفسد الصوم.
ومذهب أبي حنيفة على ما حصله أبو بكر الجصاص أن كل واصل إلى الجوف /136/ يفسد الصوم، وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: صب الدهن في الإحليل لا يفسد الصوم؛ لأنه لا يصل إلى الجوف.
__________
(1) ـ في (أ): لهذه.
(2) ـ في (أ): سائر.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/100.
(4) ـ انظر الأحكام 1/251 ـ 252 وهو بلفظ قريب.

(38/23)


وقول أبي يوسف ومحمد: أنه لا يفسده إلا ما وصل إلى الجوف من المجاري المعهودة، والحجة لذلك قول اللّه تعالى: {عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُوْنَ أَنْفُسَكُمْ..} الآية، فنبه بالآية على إباحة ما كان محظوراً إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وَذكَر المباح، وهو الجماع، والأكلُ والشرب، فدل على أن الممنوع بالصوم هو ما أباحه ليلاً بالآية، دون ما سواه، ثم قال تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصَّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} والصيام هو الإمساك المخصوص، فكان الإمساك المراد، هو الإمساك عما تقدم ذكره.
فأما الكحل فقد روى أبو بكر الجصاص بإسناده في (الشرح) يرفعه إلى محمد بن عبد اللّه بن رافع، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يكتحل بالإثمد، وهو صائم. وهو مما لا خلاف فيه بين الفقهاء.
فإن قيل: قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( بالغ في الإستنشاق، إلا أن تكون صائماً )) يدل على أن وصول الماء إلى الدماغ يفسد الصوم، لولا ذلك لم يكن فيه فائدة.
قيل له: هذا لو لم يكن للأنف مجرى إلى الحلق، فأما وقد علمنا أن له مجرى إلى الحلق، كما أن له مجرى إلى الدماغ، فلا يمتنع أن يكون صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ذلك؛ لئلا يصل الماء إلى الحلق، ثم إلى الجوف، فيكون ذلك فائدة الخبر، ونحن نقول: إن ما وصل من الحلق إلى الجوف على هذا الوجه يفطر، ولا خلاف أن الكحل لا يفطر، وعند أبي حنيفة صب الدهن في الإحليل لا يفطر، فنجعل ذلك أصلاً، ونقيس عليه سائر ما اختلفنا فيه؛ بعلة أنه واصل إلى باطن الجسد لم يجر في(1) الحلق، ولا أوجب الاغتسال، فيجب أن لا يكون له مسرح في إفساد الصوم، ولا خلاف أن الفصد لا يوجب الإفطار، فيقاس عليه ما اختلفنا فيه بالعلة التي ذكرناها.
__________
(1) ـ في (أ): إلى.

(38/24)


وذكر أبو عبد اللّه البصري في شرحه (مختصر الكرخي) أن من طعن بالرمح، حتى وصل إلى جوفه متى لم يفارق الزج الرمح، لم يوجب الفطر، ويمكن أن يجعل ذلك أصلاً، فيقاس عليه إذا كان الكلام معهم، وهو ينقض اعتلالهم بالوصول إلى الجوف علينا، وعلى أبي يوسف، ومحمد.
إذا كان كلامنا مع أبي يوسف ومحمد، يكون كلامنا أظهر؛ لأنهم يسلمون أن ما وصل إلى الجوف من غير المخارق التي هي خلقة، لم يفطر، فيقيس تلك المخارق على غيرها من المنافذ؛ بعلة أنها ليست مجرى الطعام والشراب.
ووجه كراهة السعوط، هو أنه صار إلى الحلق، ووصل إلى الجوف، فأفسد الصوم، ويدل على ذلك قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً )).
مسألة [في الصائم يقئ]
قال: ومن قاء، أو بدره قيئه، لم يفسد صومه، إلا أن يرجع من فيه شيء إلى جوفه، فإن ذلك يفسده.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
أما من بدره القيء، فلا خلاف أن صومه لا يفسد، ومن تقيأ، ورجع منه شيء إلى جوفه، فلا خلاف في فساد صومه. وإنما الخلاف إذا تقيأ ولم يرجع منه شيء، فإنه عندنا لا يفسد صومه، وذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يفسد صومه، وروي عن عكرمة نحو قولنا.
وروى ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ عنه أنه قال: ((الإفطار مما دخل وليس مما خرج)) (2).
والأصل في ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( ثلاث لا يفطرن الصائم: القيء، والحجامة، والاحتلام ))، فكان ذلك عاماً في كل قيء، سواء بدره، أو تعمده.
فإن قيل: روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: (( من بدره القيء، وهو صائم، فليس عليه قضاء، وإن استقاء، فليقض )). وروي نحوه عن علي عليه السلام.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 12/253 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/298 وإسناده حدثنا هشيم عن حصين، به.

(38/25)


قيل له: ظاهر الخبر لا دلالة فيه على موضع الخلاف؛ لأن الاستقاء هو /137/ استدعاء القيء، ولا خلاف أن استدعاء القيء لا يفسد الصوم، وإنما الخلاف في القيء الذي يخرج بالاستدعاء، وهو لا ذكر له في الخبر، فلم يصح لكم التعلق بظاهر الخبر.
فإن قيل: مذهبكم يخرج الخبر عن أن يكون له فائدة.
قيل له: لا يجب ذلك؛ لأنا نذكر للخبر فائدة، وهي أنا نقول أن القيء إذا خرج بالاستدعاء، وإكراه النفس عليه، فالأغلب أن لا يسلم(1) من رجوع بعضه في الحلق، وذلك عندنا يوجب القضاء، وتقدير الكلام أن نقول: من استقاء، ورجع شيء من القيء إلى جوفه، فسد صومه، على أن الذي تقتضيه أصولنا أن من بدره القيء، ثم رجع منه شيء إلى جوفه، من غير أن يكون اختاره الصائم، أو اختار سببه، أنه لا يفسد صومه، فيكون وجه التفرقة بين من قاء وبين من استقاء من هذا الوجه.
فإن قيل: فكيف صار استعمالكم لخبرنا على الوجه الذي ذكرتموه أولى من استعمالنا خبركم؟
قيل له: خبركم لا ذكر فيه، للمختلف فيه ولا بد من ضمير فيه، فصار استعمالنا أولى من استعمالكم.
فإن قيل: روى معدان بن طلحة، أن أبا الدرداء حدثه، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قاء، فأفطر، قال: فلقيت ثوبان مولى رسول اللّه(2) صلى اللّه عليه وآله وسلم في مسجد دمشق، فذكرت له ذلك، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه.
قيل له: ليس في الحديث ما يدل على أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم صار مفطراً بالقيء، ولا يمتنع أن يكون قاء، ثم ضعف، فأفطر، وهذا كما يقال: فلان سافر، فأفطر، ومرض، فأفطر، يراد أنه اختار الفطر عند هذه الأمور. فكذلك ما روي أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قاء، فأفطر.
ويقاس على ما يخرج من البدن من الدم، واللبن، ونحوهما، والمعنى أنه خارج من البدن لا يوجب الغسل، فوجب أن لا يفسد الصوم.
__________
(1) ـ في (أ): أنا لا نسلم.
(2) ـ في (أ): النبي.

(38/26)


ويقاس ـ أيضاً ـ على ما ذكرناه من الأصل بعلة أنه خارج من البدن لا عن شهوة، فوجب أن يستوي خروجه ابتداءً، واستدعاء، ويقاس على ما يخرج منه ابتداء بعلة أنه قيء، فوجب أن لا يفسد الصوم.
ووجه ما ذكرنا من أنه إذا رجع منه شيء إلى الجوف بعدما صار إلى الفم يفسد الصوم، هو أنه كسائر ما يدخل حلقه مع اختيار سببه، في أنه يفسد الصوم، ولا يكون سبيله سبيل البزاق؛ لأن البزاق مما لا يمكن الاحتراز منه، فصار عفواً.
مسألة: [في الصائم يبلغ ما لا يؤكل كالدنانير ونحوها]
قال: ومن ابتلع ديناراً، أو درهماً، أو فلساً، أو زجاجاً، أو حصاً، أو غير ذلك، متعمداً، أفسد(1) صومه، وعليه القضاء والتوبة، وإن دخل شيء من ذلك حلقه من غير تعمد، لم يفسد صومه.
إيجاب القضاء على من تعمد ذلك منصوص عليه في (الأحكام) (2) و (المنتخب) (3).
ونص في (المنتخب) (4) على أن من دخل شيء من ذلك حلقه من غير تعمد فلا قضاء عليه، ودل كلامه في (الأحكام) على ذلك.
وتحصيل المذهب في ذلك أن حكم هذه الأشياء حكم غيرها من الطعام والشراب، فإن تعمد الصائم ابتلاع شيء من ذلك ذاكراً للصوم فسد صومه، وعليه القضاء والتوبة، وإن تعمد ابتلاعه ناسياً للصوم، فسد صومه، ولزمه القضاء، ولا توبة عليه، وإن سبق شيء منه إلى حلقه وصار إلى(5) جوفه من غير اختيار الصائم له، أو لسببه، لم يفسد صومه، ووجه ما ذكرنا من أنه إذا تعمد فسد صومه، أنه مأمور بالإمساك، فإذا ابتلع شيئاً من ذلك، لم يكن ممسكاً، وإذا /138/ لم يكن ممسكاً، لم يكن صائماً، وإذا لم يكن صائماً، كان مفطراً، ولزمه القضاء.
وهو قياس على الطعام والشراب؛ بعلة أنه واصل إلى الجوف من مجرى الطعام والشراب بفعل الصائم، فوجب أن يفسد الصوم.
__________
(1) ـ في (أ): فسد.
(2) ـ انظر الأحكام 1/253 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر المنتخب 92 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ انظر المنتخب 9.
(5) ـ في (أ): في.

(38/27)


ووجه ما قلناه من أن الناسي للصوم فيه كالذاكر في فساد الصوم ما مضى في مسألة الأكل ناسياً.
وقلنا: إن شيئاً منه لو دخل إلى جوفه من غير اختيار منه ولا فعل من قبله كنحو أن يكون نائماً مفتوح الفم، أو يفتح فمه في حال اليقظة غير قاصد به إلى تناول شيء، فيقع [شيء] (1) منه في فيه حتى يصل إلى جوفه أنه لا يفسد صومه، قياساً على الغبار والذباب، والمعنى أنه وصل إلى جوفه بغير اختيار كان منه له، أو لسببه.
مسألة: [في الصائم يتمضمض ويستنشق فيدخل الماء جوفه]
قال: وكذلك إن تمضمض، واستنشق، فدخل الماء إلى جوفه من مضمضته واستنشاقه، فسد صومه، ولزمه القضاء.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2). وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي.
وروي عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه إن كان فعل ذلك متلذذاً بالماء، فعليه القضاء، وإن كان فعله للوضوء، فلا قضاء عليه.
ووجه ما ذهبنا إليه:
قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( بالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً ))، فاستثنى المبالغة في الاستنشاق في حال الصوم، مع الأمر بها في سائر الأحوال.
فإن تعلقوا بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكرِهوا عليه ))، لم يصح تعلقهم به؛ لما بيناه فيما تقدم أن التعلق بظاهره لا يصح، فإنه(3) متأول على رفع المآثم، دون فساد الصوم، ألا ترى أنه لا خلاف فيمن أُكره على الطعام والشراب، فتناولهما مكرَهاً، أنه يفسد صومه؟ وأن الذي سقط(4) عنه هو المآثم.
وهو قياس على من شرب الماء؛ بعلة أنه وصل المشروب إلى جوفه بفعله، فوجب أن يفسد صومه، وقياس على سائر ما يفسد الصوم؛ بعلة أنه وقع باختيار الصائم لسببه.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم أنه لا يفسد صومه، قياساً على الغبار والذباب إذا وصل إلى جوفه؛ لتعذر الاحتراز منه؟
__________
(1) ـ سقط من (ب).
(2) ـ انظر الأحكام 1/253 وهو بلفظ مقارب.
(3) ـ في (أ): فإنه.
(4) ـ في (أ): يسقط.

(38/28)


قيل له: الوصف غير مسلَّم؛ لأن الاحتراز منه ممكن للمتمضمض، والمتنشق، على أن الغبار والذباب لا(1) يفسدان الصوم؛ لأنهما وصلا إلى الجوف بغير اختيار الصائم للوصول أو سببه.
فإن قيل: إذا كان ذلك متَولِّداً عن فعل مباح، أو مندوب إليه، أو واجب، لم يفسد صومه.
قيل له: هذا فاسد بمن قبّل امرأته، أو ضمها، ثم أنزل، ألا ترى أن المفسد للصوم متولد عن فعل مباح؟ وكذلك من أُكره على الطعام، فأكل، أو مرض مرضاً مخوفاً، فأفطر، ألا ترى أن المفسد للصوم متولد عن أمر واجب؟ وهو زائد على المندوب، والمسافر مباح له الأكل، ومع ذلك يفسد صومه إذا أكل.
مسألة: [في الغبار والذباب وغيره مما لا يضبط إذا دخل الحلق]
قال: فأما الغبار والذباب والدخان وغير ذلك مما لا يضبط، فإن دخوله الحلق لا يفسد الصوم، ولا يلزم القضاء، وكذلك ذوق الشيء بطرف اللسان مثل المضمضة، ولا يفسده ما دخل الفم، ما لم يجر إلى الحلق، من عسل، أو خل، أو غيرهما.
جميعه منصوص عليه في (الأحكام) (2).
والذباب /139/ والغبار ونحوهما لا يفسد بهما الصوم لوجهين:
أحدهما: تعذر الاحتراز منه(3)، فأشبهت الريق.
والثاني: أنها تصل إلى الجوف بغير اختيار الصائم لها، أو لسببها، وعندنا أن ما كان هذا سبيله، لم يفسد الصوم.
مسألة: [في الصائمة إذا جومعت وهي نائمة]
ولو أن صائمة جومعت وهي نائمة، فعلمت، وطاوعت، فسد صومها، ولزمها القضاء، وكذلك القول في المجنونة.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (4). وهو قول الشافعي، وحكي عن زفر.
وقال أبو حنيفة: يفسد صومها.
__________
(1) ـ في (ب): لم يفسدا.
(2) ـ انظر الأحكام 1/253 ـ 254 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ في (أ): منها.
(4) ـ انظر المنتخب 92 وهو بلفظ قريب.

(38/29)


أما إذا علمت، وطاوعت، فلا خلاف في فساد صومها، فأما إذا لم تعلم، ولم يحصل منها مطاوعة، فالذي يدل على أن صومها لا يفسد، أنها قد أمسكت على ما أُمرت، فلم يجب أن يفسد صومها، قياساً عليها لو احتلمت، والمعنى أنها اجتنبت بغير اختيار منها.
ويقاس على الذباب إذا دخل الحلق، وصار إلى الجوف، في أنه لا يفسد الصوم، والمعنى أنه أمر للاختيار فيه مسرح، فوجب أن لا يفسد الصوم؛ بعلة أنه ليس باختيار من الصائمله، أو لسببه.
فإن قيل: الجماع ينافي الصوم، فوجب أن يستوي حصوله باختيار، أو بغير اختيار، في أنه يفسد الصوم.
قيل له: لا نسلم أن الجماع ينافي الصوم، وهو الأمر الذي اختلفنا فيه، وعلى هذا لو جومعت مكرهة من غير أن كانت منها مطاوعة، أو تمكين، لم يفسد صومها، وكذلك إن أُوجِرت الطعام مكرهة، لم يجب أن يفسد صومها، فإن أكرهت حتى طاوعته اتقاءً على نفسها، أو أكلت على هذا الوجه، فسد الصيام، لا خلاف فيه.
مسألة: [في من أفطر، هل يمسك باقي يومه؟]
قال: ومن أفسد صومه من رمضان لعارض، أمسك بقية يومه، إذا زال ذلك العارض، ولزمه القضاء، وهذه المسألة قد بينا ما يجب فيها، وفصلنا بين الموضع الذي الإمساك فيه مستحب، وبين ما يكون فيه واجباً، واستوفينا ذلك فيما تقدم، فلا وجه لإعادته.
مسألة: [في الرجل يقبل رمضان عليه قبل أن يقضي ما عليه]
قال: ولو أن رجلاً أفطر أياماً من شهر رمضان، ثم لم يقضها حتى دخل عليه شهر رمضان من قابل، لزمه إطعام مسكين لكل يوم أفطره، والقضاء بعد الخروج من شهر رمضان، وإن كان تَرْكُه القضاء إلى هذا الوقت لعلته، والإطعام نصف صاع من بر.
وقال في (المنتخب) (1): إن كان أفطره لعلة، ثم لم يقضه حتى دخل شهر رمضان من قابل، فليس عليه إلا القضاء.
ماذكرناه أولاً منصوص عليه في (الأحكام) (2).
__________
(1) ـ انظر المنتخب 93 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر الأحكام 1/257 وهو بلفظ قريب، إلا أنه قال: وإن صام ولم يطعم أجزأه.

(38/30)


وما عزيناه(1) إلى (المنتخب) منصوص عليه. وكان أبو العباس الحسني ـ رحمه اللّه ـ يجعل الروايتين رواية واحدة ويقول: إن الذي ذكره في (الأحكام) من إيجاب الفدية إنما هو حكم من أفطر لغير علة ولا عذر؛ إذ لم يذكر أن ذلك حكمه لو أفطر لعذر، وما ذكره في (المنتخب) هو حكم من أفطر لعلة، وقد ذكر ذلك، فكان يحصل من ذلك أن أصل الإفطار إذا كان لعلة، فلا فدية، وإن تأخر القضاء إلى أن يدخل شهر رمضان من قابل، وإن كان لغير علة وعذر، ففيه الفدية مع القضاء.
وهذا عندي مما يبعد؛ لأنه خلاف الإجماع؛ إذ لا يحفظ عن أحد أنه فرق في هذا /140/ الباب بين من أفطر في الأصل لعذر، أو لغير عذر، لأن الناس فيه على قولين، فقائل يقول: إن عليه الفدية، وإن كان أفطر لعذر، وقائل يقول: لا فدية، وإن كان أفطر لا لعذر، ولأن إطلاق لفظ (الأحكام) يقتضي بعمومه المعذور، وغير المعذور، والصحيح عندي أنهما روايتان مختلفتان، وما في (المنتخب) من تخصيص(2) المعذور بالذكر، فالسب فيه أنه جواب صدر على حسب السؤال، والسائل سأل عن المعذور؛ لأنه أراد الفصل بين المعذور، وغير المعذور.
فوجه ما في (الأحكام) قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِيْنَ يُطِيْقُونَهُ فِدْيَةٌ} فالكناية(3) في قوله يطيقونه لا يخلو إما أن يكون راجعاً إلى الصيام، أو الإطعام، وأي ذلك كان مراداً، فعمومه يوجب الفدية على كل من أفطر، وهو مطيق لأيهما كان، سواء قضى ما فاته قبل رمضان آخر أو لم يقضه، فلما خُص من قضى قبله بالإجماع، لزم من سواه الفدية بحكم العموم.
وقد روي هذا القول عن ابن عباس، وأبي هريرة.
__________
(1) ـ في (أ): عزينا.
(2) ـ في (أ): من غير تخصيص.
(3) ـ في (أ): والكناية.

(38/31)


وأخبرنا محمد بن العباس قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن هارون، عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان، عن حسين، عن أبي علي الرحبي، عن عكرمة، قال: سُئل الحسن بن علي عليهما السلام مقدمه من الشام عن رجل مرض في رمضان، فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر، قال: ((يصوم هذا، ويقضي ذلك، ويطعم عن كل يوم مسكيناً)).
ولا خلاف أن من دخل في الحج، وأحصر، وتحلل، أن عليه الفدية مع القضاء، فكذلك من عليه صوم رمضان، ثم لم يقضه حتى دخل عليه رمضان آخر، والمعنى أنه عبادة يدخل في جبرانها المال، فتأخر عن وقتها المخصوص(1).
فإن قيل: لسنا نسلم أن لقضائه وقتاً محصوراً يتضيق.
قيل له: ندل على ذلك، ولا يمتنع القياس بوصفٍ مدلول عليه، كما لا يمتنع بوصفٍ متفق عليه، والدليل على ذلك قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيْضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرٍ}، فاقتضى قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرٍ} إيجاب القضاء عقيب الإفطار لوجهين:
أحدهما: أنه بمعنى الأمر، والأمر على الفور.
والثاني: أنه قال: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر}، والفاء توجب التعقيب، فلما أجمعوا أن له تأخير القضاء إلى أن يدخل شهر رمضان من قابل، قلنا به، وبقي ما بعده على حكم الفوات.
وروي عن عائشة أنها قالت: كان يكون عليَّ القضاء من رمضان، فلا أقضيه حتى يدخل شعبان اشتغالاً برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ففيه دليل على أن شعبان آخر وقت القضاء، وأنها أخبرت بذلك، فيَعلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بقولها: كنت أفعل ذلك اشتغالاً برسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، ومثل ذلك لا يخفى عليه.
وأقوى ما في هذا أنه مروي عن ابن عباس، وأبي هريرة، روى(2) ذلك عنهما ابن أبي شيبة.
__________
(1) ـ في (أ): المحصور.
(2) ـ في (أ): وروى.

(38/32)


ويروى عن الحسن بن علي عليهما السلام، وقيل: عن ابن عمر، ولا يحفظ عن أحد من الصحابة خلافه، فجرى [ذلك] (1) مجرى الإجماع.
وجعل الإطعام نصف صاع لما في /141/ حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أن شيخاً كبيراً [أتى](2) إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه، هذا شهر مفروض، ولا أطيق الصيام، فقال: (( اذهب، فتصدق عن كل يوم بنصف صاع للمساكين )) .
وروي عن ابن عمر أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (( من مات، وعليه صوم من شهر رمضان، فإن وليه يطعم عنه نصف صاع من بر )) ولأن ذلك القدر هو الذي يُتَقَوَّتَ به غالباً.
ووجه رواية (المنتخب) براءة الذمة، ولا دليل على إيجاب الفدية، وقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِيْنَ يُطِيْقُونَهُ فِدْيَةٌ} قيل: إنه منسوخ، وقيل: إنه في الشيخ الهرم إذا لم يطق الصيام، وأطاق الإطعام.
وما قيل: إن وقت القضاء يتضيق في شعبان لا دليل عليه، وإنما أخبرت عائشة عن فعلها، واختيارها، وحكم القضاء قبل دخول شهر رمضان وبعده على أمر واحد، فلا خلاف فيمن قضى ما فاته قبل دخول شهر رمضان آخر، لم يلزمه الفدية، فكذلك من قضاه بعد ذلك، والمعنى أنه قضى ما فاته من الصوم، ولا خلاف أن من فاتته(3) صلاة، فقضاها في أي وقت كان، فليس عليه شيء سواه، فكذلك الصوم، والمعنى أن كل واحد منهما فرض يتكرر ابتداء.
وجملة الأمر أن الإجماع إن حصل على رواية (الأحكام) فهي أولى، وإلا فرواية (المنتخب) أقوى.
مسألة:[في المستعطش والهرم إذا لم يقدرا على الصيام، ما يلزمهما؟]
ومن لم يصبر على العطش من الرجال والنساء، يلزمه إطعام مسكين عن كل يوم أفطره، وكذلك الهرم الذي لا يطيق الصيام.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (4).
والأصل فيه:
__________
(1) ـ سقط من (أ).
(2) ـ سقط من (أ).
(3) ـ في (أ): فاته.
(4) ـ انظر الأحكام 1/255 وهو بلفظ قريب.

(38/33)


حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: لما أنزل اللّه تعالى فريضة شهر رمضان أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم صاحب العطش فقال: يارسول اللّه، هذا شهر مفروض، ولا أصبر عن الماء ساعة واحدة. فقال: (( انطلق، فأفطر، فإذا أطقت، فصم )).
وأتاه شيخ كبير يتوكأ بين رجلين فقال: يا رسول اللّه، هذا شهر مفترض، ولا أطيق الصيام. فقال: ((انطلق، فافطر، وأطعم عن كل يوم مسكيناً، نصفَ صاع )) .
وروي عن ابن عباس أنه كان يقول ذلك في الهرم ويقرأ: {وَعَلَى الَّذِيْنَ يُطِيْقُونَهُ(1)}(2) ويتأوله في الشيخ الهم ويقول: إن معناه لا يطيقه، وهذه القراءة وإن لم تكن في الشهرة بحيث يجوز أن يُقرأ بها، فإنه يجوز أن يؤخذ بحكمها؛ لأنها تجري مجرى خبر الواحد.
وأخبرنا محمد بن العباس قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن هارون، عن ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن حجاج، عن أبي(3) إسحاق، عن الحارث، عن علي عليهم السلام، قال: ((الشيخ الكبير إذا عجز عن الصيام، أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكيناً)).
فإن قيل: فقد قال اللّه تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} وهو غير قادر على الصوم، فكيف يُكَلَّفه؟
__________
(1) ـ في (أ): لا يطيقونه.
(2) ـ وفي الكشاف: وقرأ ابن عباس {يطوَّقونه} تفصيل من الطوق، إما بمعنى الطاقة، أو القلادة أي يكلفونه أو يقلدونه، ويقال لهم: صوموا، وعنه يتطوقونه بمعنى يتكلفونه أو يتقلدونه، إلى أن قال: وفيه وجهان: أحدهما معنى يطيقونه، والثاني: يكلفونه أو يتكلفونه على جهد منهم وعسر وهم الشيوخ والعجائز، وحكم هؤلاء الإفطار والفدية. انظر الكشاف 1/266.
(3) ـ في (أ): ابن.

(38/34)


قيل له: إنه لم يكلَّف الصوم، وإنما كلف الفدية بدلاً منه، وهو مستطيع لها، وإن لم يستطع الصوم، وهذا كالمظاهر إذا لم يقدر على العتق /142/ جاز أن يكلَّف الصوم، فإن لم يقدر على الصيام، جاز أن يكلف الإطعام، وكالمريض الذي لا يستطيع على الصيام، يكلف القضاء إذا قدر عليه، فإذا ثبت ذلك في الشيخ الهم،كان من به عطش لازم قياساً عليه، بمعنى أن المانع له من الصوم مأيوس من زواله في غالب الأحوال، فوجب أن تلزمه الفدية.
فإن قيل: فقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( فإذا أطقت، فصم )) دليل على أن العارض غير مأيوس من زواله.
قيل له: يجوز أن يكون النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قصد إلى تعريفه الحكم في زوال العارض، وكان ذلك المستعطش بعينه ممن يرى زوال علته.
ونحن نقول فيمن يكون كذلك: أنه لا فدية عليه، وأن سبيله سبيل سائر المرضى، وإنما نوجب الفدية على من كان الغالب في علته أنها لا تزول.
وقد روي مثل قولنا في الشيخ الهم عن أنس، وابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وعطاء. وقيل: إنه لا يحفظ فيه خلاف بين الصحابة، وهو قول عامة الفقهاء.
وحكي خلافه عن مالك، وأبي ثور، وصاحب الظاهر.
[مسألة: فيمن عزم على إفطار يومه ثم استمر على الصيام]
نص الهادي عليه السلام في (المنتخب) (1) على أن من عزم على الإفطار، فصام، ولم يفطر، واستمر على صومه، لا يكون بذلك مفطراً.
والأصل في ذلك أن النية لا تؤثر في إفساد الصحيح، ألا ترى أنه لو نوى فساد الصلاة، لم تفسد صلاته، وإنما تأثيرها في إيقاع الفعل على وجه دون وجه، فأما مجردها، فلا تأثير لها.
__________
(1) ـ انظر المنتخب 91 وهو بلفظ مقارب.

(38/35)


باب القول في صيام النذور، والظهار، وقتل الخطأ
[مسألة فيمن تنذر بصيام أيام، هل يصومها مجتمعة أم متفرقة؟]
ولو أن رجلاً قال: لله علي أن أصوم عشرين يوماً، لزمه صيامها، فإن نواها مجتمعة، لزمه صيامها مجتمعة، وإن لم يكن نواها مجتمعة، صامها كيف شاء، مجتمعةً، أو متفرقة، ولا يكون الإيجاب إلا بالأقاويل.
ما ذكرناه أولاً منصوص عليه في (الأحكام) (1).
وقولنا أن الإيجاب لا يكون إلا بالأقاويل، رواية يحيى عليه السلام(2) في (الأحكام) (3) عن جده القاسم عليه السلام، ودل عليه أيضاً كلامه، أما إذا لم ينوِ التتابع، أو لم يشترطه لفظاً، فله الخيار بين أن يصومها متتابعة، أو متفرقة؛ لأن التتابع صفة زائدة على العدد، فإذا أتى بالعدد متعرياً عن تلك الصفة التي لم ينوها، ولم يشترطها لفظاً، فقد أدى ما ألزم نفسه، وهذا مما لا خلاف فيه.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/254 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ في (أ): عن جده القاسم. نخ في الأحكام.
(3) ـ انظر الأحكام 1/247 ـ 248 وهو فيه بلفظ قريب.

(39/1)


فأما إذا نوى التتابع، فلا يجزي إلا متتابعاً؛ لأن النية ضرب من الإرادة، وللإرادة مسرح في إيقاع الفعل والقول على وجه دون وجه، إذا كان يصح وقوعه عليه، كما أن العموم لما صلح للاستغراق، وصلح للخصوص، فمتى أريد به الخصوص، وقع خاصاً، وكذلك اللفظ المحتمِل كقولنا قُرء، لما احتمل الطهر، واحتمل الحيض، كان اللفظ لفظاً لِمَا هو مرادٌ به من الطهر والحيض، وكذلك القول في المجاز، والحقيقة، فإذا ثبت ذلك، وثبت أن قول القائل: لله عليَّ أن أصوم عشرين يوماً، يحتمل أن يكون عشرين يوماً متتابعة، وعشرين يوماً متفرقة، وجب أن تُصْرَف النية إلى أحدهما؛ لاحتمالهما جميعاً، ولهذا قال أصحابنا: إن النية /143/ في باب الأيمان أوكد من العرف؛ لأنه يقع بها القول على أحد المحتملين(1) على ما بيناه، فإذا قال: لله علي أن أصوم عشرين يوماً، ونوى التتابع، صار التتابع كالمنطوق به، كما أنه تعالى لما قال: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِيْنَ} وأراد الحربيين، صار ذلك كالمنطوق به.
فإن قيل: إذا كان الصوم لا يجب بالنية إذا انفردت عن القول، فيجب أن لا يجب بها التتابع.
قيل له: النية لا مسرح لها في الإيجاب إذا انفردت، ولها مدخل في إيقاع اللفظ على أحد الوجهين الذي يحتملهما على ما بيناه، فلم يمنع أن يقع اللفظ بها على الصوم المتتابع، فيكون الإيجاب في الحقيقة راجعاً إلى القول، ويكون تأثير النية في صرفه من وجه إلى وجه.
وقلنا: إن الإيجاب لا يكون إلا بالأقاويل؛ لأن إيجاب ما لم يوجبه اللّه ابتداءً من العبادات، لا يخلو إما أن يكون بالدخول(2) أو بالنية، أو باللفظ الموجب، وقد دللنا أن الصوم لا يجب بالدخول فيه في كتاب الصلاة، ولا خلاف أنه لا يجب بالنية، فلم يَبق إلا أنه يجب بالقول، على أنه لا خلاف أن النذر لا يكون إلا بالأقوال.
__________
(1) ـ في (أ): الاحتمالين.
(2) ـ في (أ): بالنية أو بالدخول.

(39/2)


والذي يدل على وجوب الوفاء بالنذور قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} وقوله سبحانه: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}.
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال لعمر ـ حين قال: كنت نذرت اعتكاف يوم ـ: (( أُوفِ بنذرك )). وقال للتي نذرت أن تحج ماشية: (( لتحج، وتركب، وتهدي )) ، والمسألة وفاق لا خلاف فيها.
مسألة: [فيمن جعل على نفسه صيام سنة]
قال: وإن جعل على نفسه صيام سنة، صامها، وأفطر العيدين، وأيام التشريق، ثم قضاها، وقضى شهر رمضان، إلا أن يكون استثنى ما ذكرنا، أو بعضه، بنيته.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
قلنا: إذا أوجب على نفسه صيام سنة، صامها، وأفطر العيدين، وأيام التشريق، ثم قضاها، وقضى شهر رمضان؛ لأنه إذا أوجب على نفسه صيام سنة، فقد أوجب صيام اثني عشر شهراً؛ لأن السنة إذا أُطلقت، كانت عبارة عن اثني عشر شهراً، وليس يجوز أن يصوم العيدين، وأيام التشريق؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن صيامها، وصيام شهر رمضان لا يقع عن النذر، فجعل صومه أحد عشر شهراً إلا خمسة أيام، فعليه أن يقضي شهراً وخمسة أيام ليكون قد تم له صيام اثني عشر شهراً عن النذر الذي أوجبه على نفسه.
وقلنا: إنه إذا استثنى بعض ذلك، أو جميعه، بنِيَّتِه، لم يلزمه قضاء ما استثنى؛ لأنا قد بيَّنا قبل هذه المسألة أن للنية مدخلاً في إيقاع اللفظ على وجه دون وجه، وفي أن يُجعل العام خاصاً، والحقيقة مجازاً، فإذا أوجب على نفسه صيام سنة، ونوى سنة. قد استثنى منها ما ذكرنا، كان ذلك في حكم المنطوق به، كما نقول(2) ذلك في العام إذا أريد به الخاص، ولفظ الحقيقة إذا أريد به المجاز، فكان الإيجاب يتناول أحد عشر شهراً إلا خمسة أيام.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/254 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ في (أ): يقول.

(39/3)


فإن قيل: إن ذلك جائز في لفظ العموم، ولفظ الحقيقة؛ لأن لفظ العموم يُستعمل في الخصوص، ولفظ الحقيقة يستعمل في المجاز، ولا يستعمل لفظ السنة في أحد عشر شهراً إلا خمسة أيام.
قيل له: ليس /144/ يمتنع ذلك إذا أريد به المجاز، وإن لم يكن استعماله على هذا الحد في الشهرة كاستعمال لفظ العموم في الخصوص، وكثير من ألفاظ الحقيقة في المجاز، ونظير ذلك أن اللّه(1) تعالى قال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} فسمى شهرين وعشرة أيام أشهراً، وإن كان أقل ما يجوز أن يطلق عليه اسم الأشهر ـ على الحقيقة ـ ثلاثة أشهر، فأجرى اسم الأشهر على ما ذكرناه على سبيل التوسيع(2)، وعلى ذلك يجري مجرى أن يواضع نفسه على أن يعبر عن أحد عشر شهراً إلا خمسة أيام باسم السنة، فوجب أن يصح ذلك، كما لو واضع غيره على ذلك، صح أن يخاطبه به.
مسألة: [في القضاء هل يكون متصلاً أم مفرقاً؟]
قال: ولو أن رجلاً أوجب على نفسه صيام شهر كامل، أو شهرين متتابعين، أو أكثر من ذلك، فإنه يجب عليه أن يصومها كما أوجبها، وإن قطع بين ذلك بإفطار يوم، وجب عليه أن يستأنف الصيام، إلا أن يكون رجلاً لا يفارقه السُقم أبداً ،و(3)لا يطمع من نفسه بمواصلة؛ لضعف بدنه، ودوام سقمه، فإن كان كذلك، جاز له البناء على ما صام.
جميع ذلك منصوص عليه في (الأحكام) (4).
وقال في (المنتخب) (5): إذا أفطر لعذر من مرض، أو سفر، فله البناء، وأما(6) إذا أفطر لغير عذر، فإن عليه الاستئناف.
ولا خلاف في أن المرأة إذا كان عليها صيام شهرين متتابعين، فحاضت أن لها البناء. وللشافعي في المريض، والمسافر، قولان، في البناء، والاستئناف.
__________
(1) ـ في (أ): قول الله تعالى.
(2) ـ في (أ): التوسع.
(3) ـ في (أ): أو.
(4) ـ انظر الأحكام 1/263 وهو بلفظ قريب جداً.
(5) ـ انظر المنتخب 92 وهو بلفظ قريب.
(6) ـ في (أ): أما.

(39/4)


ووجه(1) ما ذكره في (الأحكام) أنهم أجمعوا(2) على أن الحيض إذا عرض، لم يوجب الاستئناف، وجاز معه البناء، وكذلك من لزمه السقم، وكان الغالب من أمره أنه لا تستمر الصحة به شهرين، والمعنى أنه عذر لا يرجى زواله في غالب الأحوال، فوجب أن لا يمنع من البناء، قياساً على الحيض.
والسقم أولى أن يجعل عذراً من الحيض؛ لأن الحيض يرجى زواله إذا طعنت المرأة في السن، والمرض كلما علَتِ السِّن، كان أقوى في العرف، على أن انقطاع الحيض لعارض يعرض أقرب في العاداتِ من عود مَنْ وصفنا إلى الصحة.
فإن قاسوه على المرض الذي يعرضْ ويزول، ففيه عن يحيى عليه السلام روايتان على ما ذكرناه، على أنا قد بينا أن استكمال شهرين في حكم المتعذر على ما وصفنا، فرد حاله إلى الحيض لإسقاط الاستئناف، وإجازة البناء، أولى من رده إلى المرض الذي يزول؛ لأن أصول الشرع واردة بالتخفيف على من يتعذر عليه الأمر، بل لا يكلَّف إذا صح التعذر، والعقل ـ أيضاً ـ يوجبه، ويقضي به. قال اللّه تعالى: {مَا جَعَلَ عَلِيْكُمْ فِيْ الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ}. وقال سبحانه: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} فكل ذلك يرجِّح قياسنا، ويعضده.
فأما المرض العارض، فإن الاستئناف، واجب متى أفطر من أجله؛ لأن حاله كحال الصحيح في أن استكمال شهرين مع التتابع ممكن له، فوجب أن يلزمه الاستئناف قياساً على من أفطر لغير عذر، وهذا القياس أولى من قياس من رده إلى الحيض بعلة أنه أفطر معذوراً، وذلك أنا وجدنا ما يفسد الصوم لا يتغير عن حكمه بين أن يكون معذوراً فيه، أو غير معذور، ألا ترى أنه لو أُكْره على الإفطار، وأفطر [أو أفطر] (3) لمرض، أو سفر، كان معذوراً، ولم يخرجه ذلك من أن يكون مفسداً للصوم، وكذلك التتابع، وما يتعذر.
__________
(1) ـ في (أ): ووجهه.
(2) ـ في (ب): لما أجمعوا.
(3) ـ سقط من (أ).

(39/5)


والأصل فيه أنه /145/ معفو، ألا ترى أن دخول الغبار، والذباب، الحلقَ صار معفواً عنه، وكذلك ابتلاع الريق؛ لتعذر الاحتراز منه، ويفسده ما يمكن الاحتراز منه، لأنه من أحكام الصوم، أعني التتابع.
فإن قيل: فالحيض يفسد الصوم، وإن لم يمكن الاحتراز منه، ولا يفسد التتابع.
قيل له: الحيض يفسد الصوم، لأنه لا يتعذر قضاء ما أفسد به؛ ولأنه ليس مما يعرض في جميع الأحوال، أو عامتها، فكان في حكم الممكن احترازه، ولا يفسد التتابع؛ لأنه لا يمكن التتابع من غير أن يعرض، فبان أن المعتبر في ذلك هو التعذر.
ووجه ما ذكره في (المنتخب): أنه أفطر معذوراً، فوجب أن يجوز له البناء، قياساً على الحائض.
والأقوى ما ذكره في (الأحكام) على ما شرحناه، والذي يقتضيه قوله في (الأحكام): إن النفاس يفسد التتابع، وأن الحيض يفسد تتابع كفارة اليمين؛ لأن النفاس مما يمكن الاحتراز منه في التتابع، والحيض مما يمكن الاحتراز منه في تتابع الثلاثة الأيام، وما جرى مجراها من العدد الذي لا يجب من طريق العادة أن يقطع فيه الحيض.
فأما على رواية (المنتخب) فيجب أن يكون جميع ذلك لا يفسد التتابع، ويجوز معه البناء؛ لأن الإفطار وقع لعذر.
مسألة: [فيمن نذر بصيام شهر مشروط، ثم وقع الشرط في آخر شعبان]
قال: ولو أن رجلاً قال: لله عليَّ(1) أن أصوم شهراً من يوم أتخلص فيه من كذا، أو قال: لله عليَّ(2) أن أعتكف، فتخلص منه في آخر شعبان، أخر صيامه إلى اليوم الثاني من شوال، ثم يصوم ثلاثين يوماً.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3).
__________
(1) ـ في (أ): عليَّ لله.
(2) ـ في (أ): عليَّ لله.
(3) ـ انظر الأحكام 1/265 وهو في ذكر الاعتكاف.

(39/6)


ووجهه أنه قد أوجب على نفسه صيام شهر، بإيجابه إياه لفظاً، أو بإيجاب الاعتكاف؛ إذ إيجاب الاعتكاف عندنا يتضمن إيجاب الصوم، فإذا صادف ذلك الوقت شهر رمضان، لم يصح منه إيقاع ما أوجبه بالنذر فيه، كما لو صادف ذلك من المرأة حيضاً، أو نفاساً، لم يصح إيقاعها إياه فيها، فوجب تأخيره إلى انقضاء الوقت الذي [لا] (1) يصح إيقاع ما لزمه من الصوم بالنذر فيه، فكذلك قلنا إنه يؤخره إلى ثاني شوال، ليوقعه في وقت يصح وقوعه فيه.
مسألة: [فيمن نذر بصيام أو اعتكاف العيدين]
قال: وكذلك إن قال: لله عليَّ أن أصوم يوم الفطر، أو يوم النحر، أفطرهما، وقضاهما، وكذلك إن قال: عليَّ أن أعتكفهما.
نص في (المنتخب) (2) على أن من قال: لله عليَّ أن أصوم يوم الفطر، أو يوم النحر، يفطرهما، ويقضيهما.
ونص في (الأحكام) (3) على أن من أوجب على نفسه اعتكاف يوم الفطر، يفطره، ويعتكف بعده.
فقلنا ذلك في يوم النحر.
والأصل فيه قول اللّه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودُ}، وقوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِيْ قُلُوبِهِمْ..} الآية، فذم الذين يخلفون بما وعدوا، فوجب أن يكون الخلف كله مذموماً، إلا ما منع منه الدليل.
وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمر: (( أوف بنذرك ))، فأوجب الوفاء بالنذر، فكذلك إذا نذر صوم يوم الفطر، أو يوم النحر.
فإن قيل: لا نذر في معصية.
__________
(1) ـ سقط من (أ).
(2) ـ انظر المنتخب 91 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر الأحكام 1/267 وهو بالمعنى.

(39/7)


قيل له: كذلك نقول إن نذره قد انطوى على قربة، ومحظور، فألزمناه القربة، وأسقطنا عنه المحظور؛ لأن الصوم قربة، وإيقاعه في يوم الفطر، ويوم النحر، محظورٌ، فألزمناه الصوم، ومنعنا إيقاعه في الزمان المحظور فيه، فنكون قد استعملنا الظواهر كلها، ومما يدل على ذلك أنه لا خلاف فيمن قال: لله علي أن أصوم يوماً، أو يوم الخميسُ أو يوم /146/ كذا، فإنه يلزمه نذره، فكذلك إذا قال: لله علي أن أصوم يوم الفطر، أو يوم النحر، والمعنى أنه نذر صوم يوم يصح الصوم فيه.
فإن قيل: لِمَ قلتم أن الصوم فيه يصح؟
قيل له: لأنه لا خلاف أن صوم أيام التشريق يصح، فوجب أن يكون يوم النحر ويوم الفطر كذلك؛ لأنها لا تتميز عن سائر الأيام إلا بالنهي عن الصوم فيه، وقد ثبت أن النهي عن الصوم فيه لا يبطل الصوم، فثبت أن الصوم يصح فيهما.
ويمكن أن يقاس يوم الفطر، ويوم الأضحى، على سائر أيام السنة في أن إيجاب النذر يصح فيها، والمعنى أنه علق إيجاب الصوم بالنهار، ولا ينتقض ذلك بمن قال: عليَّ لله(1) أن أصوم يوم الحيض أو يوم آكل فيه؛ لأن غرضنا بالتعليل أن نسوي بين يوم الفطر، ويوم النحر، وبين سائر الأيام.
ومما يدل على ذلك أن قربة الوقت لا يتعلق بها الإيجاب، فكان ذكر الوقت ووجوده كعدمه فيما يتعلق به حكم إيجاب الصوم، ويبين أن قربة الوقت لا يتعلق بها الإيجاب أنه لو قال: لله علي صوم يوم عاشوراء وصوم يوم عرفة، ثم أفطرهما، جاز قضاؤهما في غير يوم عاشوراء، ويوم عرفة، ولم يلزمه أن ينتظر للقضاء يوم عاشوراء، ويوم عرفة، في العام القابل، ومع ذلك أن الصوم في يوم عاشوراء ويوم عرفة أفضل من الصوم في غيرهما، فثبت بذلك أن قربة الوقت لا يتعلق بها الإيجاب، وصار النذر المعلق بالوقت كالنذر المطلق في هذا الباب.
__________
(1) ـ في (أ): لله عليَّ.

(39/8)


ومما يدل على ذلك أن من نذر صيام يوم بعينه، ففاته الصيام في ذلك اليوم، فعليه أن يصوم يوماً مكانه، فبان أن الوقت لا معتبر به؛ إذ الصيام يُقضى مع فواته، وليس كذلك سائر ما هو شرط في صحة الصوم؛ إذ الصوم لا يصح دونه، فجرى ذلك مجرى أن يقول: لله علي أن أصلي ركعتين في موضع بعينه، أن الموضع لا يصير شرطاً في صحة أدائهما، فبان أن كون الوقت ممنوعاً من الصيام فيه لا يخل بالنذر.
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال للتي نذرت أن تحج حافية غير مختمرة: (( مروها، فلتختمر، ولتركب ))، فأثبت ما كان قربة، ونفى ما كان محظوراً، فكذلك ما ذهبنا إليه.
مسألة: [في المظاهر والقتل خطأ إذا عجزا عن العتق ما يجب عليهما؟ وهل يجب عليهما الاستئناف إذا أفطرا]
قال: والمظاهر إذا عجز عن العتق، صام شهرين متتابعين، فإن أفطر منهما يوماً واحداً، استأنفهما، إلا أن يكون إفطاره لعلة لا يرجى زوالها، فيجوز له البناء، وكذلك القول فيمن قتل خطأ، إذا عجز عن العتق.
وجميع ذلك منصوص عليه في (الأحكام) (1)، وقد مضى الكلام فيما يجب معه الاستئناف إذا أفطر وما يجوز معه البناء، مستقصى، فلا وجه للإعادة فيه.
فإن قيل: فهلاَّ جعلتم في المظاهر إذا عجز عن استيفاء شهرين متتابعين لأي علة كانت، أنه يعدل إلى الإطعام، لأنه تعالى(2) قال: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِيْنَ مِسْكِيْناً}.
قيل له: لما ثبت في غير المظاهر إذا كان عليه صوم شهرين متتابعين، أنه إذا صام، وفرَّق على نحو ما بيناه أنه يجوز معه البناء، أنه يكون في حكم من صام شهرين متتابعين، وأن ذلك التفريق لا يبطل /148/ حكم التتابع.
قلنا: إن المظاهر إذا صام على ذلك الحد، كان في حكم من صام متتابعاً، فلذلك قلنا: إن عليه الصوم، ولم نأمره بالعدول عنه إلى الإطعام.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/258 وهو بلفظ قريب، وأما القائل خطأ فنص عليه فيه 1/268.
(2) ـ في (أ): قال تعالى.

(39/9)


مسألة: [في المظاهر والقاتل إذا قدرا على العتق قبل تمام الصيام]
قال: ولو أنهما صاما بعض الصيام، ثم قدرا على العتق، تركا الصيام، وأعتقا، وإن قدرا على العتق بعد إتمام الصيام، لم يلزمهما العتق، وكذلك إذا عجز المظاهر عن الصيام، وأطعم بعض المساكين، ثم قدر على الصيام، رجع إلى الصيام، ولا(1) يعتد بما كان منه من الإطعام، فإن قدر على الصيام بعد إتمام الإطعام، لم يلزمه الصوم.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2). وخالف الشافعي في ذلك فقال: إذا دخل في الصوم، لم يلزمه العتق، وإن أمكن.
والأصل فيه قول اللّه تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٌ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ..} الآية، وقوله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ..} الآية، فأجاز تعالى له العدول إلى الصيام بشرط أن لا يجد الرقبة، وأجاز العدول إلى الإطعام في كفارة الظهار بشرط أن لا يستطيع الصيام، فمن وجد السبيل إلى الرقبة، لم يجزه(3) الصيام، ومن أمكنه الصيام، لم يجزه(4) الإطعام، فوجب أن يكون من وجد الرقبة، وقد صام بعض الشهرين ألا يجزيه ما بقي من الصيام، وإذا لم يجزه باقيه، لم يجزه ماضيه، لأن بعضه معلق ببعض.
فإن قيل: لا يخلو فرض الرقبة من أن يكون قائماً عليه قبل الدخول فقط، أو يكون قائماً عليه قبل الدخول وبعده، فإن كان قائماً عليه قبل الدخول وبعده، فالواجب أن لا يتناهى صومه؛ لأنه كلما مضى يوم، وعَدِم الرقبة، وجب أن يلزم صوم شهرين.
__________
(1) ـ في (أ): لم.
(2) ـ انظر الأحكام 1/260 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ في (أ): يجز له.
(4) ـ في (أ): يجز له.

(39/10)


قيل له: فرض الرقبة ساقط عنه مع عجزه عنه، سواء دخل في الصيام، أو لم يدخل؛ لأنه لا يجوز بقاء الفرض على الإنسان مع جزه عنه، لكنه متى وجدها، عاد الفرض عليه، ما لم يخرج من الكفارة، ألا ترى أن المحدث إذا لزمته الصلاة، لزمه فرض الطهارة، ثم إن عجز عنها، سقط فرضها، ومتى قدر عليها، عاد عليه فرضها، فكذلك فرض الرقبة، ولا خلاف أن الابتداء بالصوم لا يجزئه عن كفارته، إذا كان واجداً للسبيل إلى الرقبة، فكذلك البناء على الصوم، والمعنى أنه مظاهر واجد للسبيل إلى الرقبة، فوجب أن لا يجزئه أن يصوم عن كفارته.
ويدل على ذلك ـ أيضاً ـ أن التيمم لما كان بدلاً عن الطهارة بالماء، لم يجز البناء عليه مع التمكن من الماء، وبقاء حكم الأصل، كما لم يجزه الابتداء، فكذلك الصيام الذي هو بدل من العتق، لما لم يجزه الابتداء به، لم يجز البناء عليه مع التمكن من المبدَل، وبقاء حكم الأصل.
ويمكن أن يقاس بهذه العلة على القعود الذي هو بدل من القيام في الصلاة للمعذور.
ويمكن أن يقاس على الاعتداد بالشهور للتي لم تَحِضْ إذا حاضت قبل استكمال العدة بالشهور.
فإن قيل: المتمتع إذا لم يجد الهدي، وصام ثلاثة أيام في الحج، إذا وجد الهدي، لم يلزمه الهدي.

(39/11)


قيل له: نحن نوجب عليه الهدي إذا وجده في أيام الذبح، وإنما لم نوجب الهدي عليه بعد أيام الذبح؛ لأنه في الحكم مستكمل للكفارة؛ لأنه لم يبقَ /148/ عليه حكم ترفعه الكفارة، ألا ترى أن الإحلال قد جاز له، وليس كذلك سائر ما ذكرناه؛ لأن(1) حكم الأصل باقٍ في جميعه، ألا ترى أن المتيمم حكم الحدث باقٍ عليه، ما لم يستكمل الصلاة، والمعتدة بالشهور حكم المنع من التزويج باقٍ عليها، ما لم تستكمل العدة، وليس كذلك من صام ثلاثة أيام، ومضت أيام الذبح؛ لأن التحلل جاز له، فلم يبق عليه حكم الأصل، فكانت الكفارة مستكملة حكماً، على أن أيام الذبح إن فاتت، فالذبح(2) إن فعل، كان قضاءً، لا أداءً، فهو في حكم من لم يجد البدل، فإن قاسوا من صام بعض الشهرين على من استكملهما؛ بسقوط فرض العتق عنه؛ بعلة أنه قد صام عن كفارته مع عدم الرقبة كانت هذه العلة غير مؤثرة؛ لأن من استكمل شهرين فقد استكمل الكفارة، ولم يبق عليه حكم الأصل، وهو حكم الظهار، فلا معنى لشيء من الكفارات في هذه الحال، على أنه يمكن أن يعارَضوا بما هو من جنس هذا القياس الذي لا تأثير لعلته، وهو أن يقال لهم: لا خلاف أن من استكمل الشهرين إذا وجد الرقبة، فلا مساغ معها للتكفير بالصيام، فكذلك إذا صام بعض الشهرين، وهذه المعارضة لم نذكرها على أنها مؤثرة، لكنا أردنا أن نبين أن قياسهم مع فساده مقابل بمثله، فوجب سقوطه من كل وجه.
وجميع ما استدللنا به على أنه لا يجوز الصيام مع وجود الرقبة دلالة على أنه لا يجوز الإطعام في كفارة الظهار مع استطاعة الصيام على الوجه الذي مضى الكلام فيه، فلا غرض في إعادته.
باب القول في قضاء الصيام
[مسألة في كيفية قضاء رمضان]
من أفطر من(3) شهر رمضان أياماً مجتمعة، قضاها مجتمعة، وإن أفطرها مفترقة، قضاها مفترقة، وإن أفطرها متفرقة، فقضاها مجتمعة، كان أفضل.
__________
(1) ـ في (أ): لأنه.
(2) ـ في (أ): والذبح.
(3) ـ في (أ): في.

(39/12)


وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
ونص ـ أيضاً ـ في (المنتخب) (2) على أنه يقضي كما أفطر.
وتحصيل المذهب أن التتابع مستحب، وتركه يجزئ، وإن كان مكروهاً؛ لأن القاسم عليه السلام قال في (مسائل النيروسي): فإن قضى متفرقاً، فقد أساء وقصَّر، ولم يوجب الإعادة.
وقال يحيى عليه السلام في (الأحكام) (3) في القضاء متتابعاً: (هذا أحسن ما في هذا وأقربه).
فدل ذلك على الاستحباب، وأجزأ ما عداه، والأصل في ذلك ما:
أخبرنا به أبو بكر محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن هارون، عن ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن سليم الطائفي، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، قال: بلغني أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم سئل عن تقطيع قضاء شهر رمضان، فقال: (( ذلك إليه، أرأيتَ أحدكم لو كان عليه دين، فقضى الدرهم والدرهمين، ألم يكن قضاء الدين؟ والله أحق أن يعفو، ويغفر)) (4) . ففي هذا الخبر دليل على أنه يكره، وأنه يجزئ وقوله: ذلك إليه، وتشبيهه بقضاء الدين، يدل على أنه يجزي، وقوله: (( اللّه أحق أن يعفو ويغفر ))، يدل على التقصير والإساءة؛ لأن العفو والغفران يكونان للإساءة والتقصير، وكذلك تشبيهه بقضاء الدرهم والدرهمين، يدل على ذلك؛ /149/ لأنه يكره للرجل أن يقضي ما عليه، الدرهم والدرهمين، مع القدرة على القضاء جملة، وتَوجُه المطالبة عليه بالجميع، ويكون مسيئاً بفعله ذلك.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/248 ـ 249 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر المنتخب وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر الأحكام 1/249.
(4) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/292.

(39/13)


وأخبرنا محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن هارون، عن ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي عليه السلام، قال: ((من كان عليه صوم من رمضان، فليصمه متصلاً، ولا يفرقه)) (1). فيدل ذلك على الاستحباب.
فإن قيل: هلا استدللت به على الإيجاب؟
قيل له: ليكون ذلك جمعاً بينه وبين ما رويناه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم.
ويدل على ذلك قول اللّه تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرٍ}، وقرأ أُبي: فعدة من أيام أخرَ متتابعات، وهذه القراءة، وإن لم يرد الخبر بها وروداً يوجب العلم، فإنه يوجب العمل، فدل ذلك على التتابع على ما ذكرناه، على أنه قد ثبت أن القضاء للفرض والنفل يوجب أن يكون سبيله سبيل المقضي في جميع أصول العبادات، وقد ثبت أن التتابع ليس بشرط في صحة الصوم؛ بدلالة أن من أفسد يوماً منه، لم يفسد سائره، وإذا ثبت أن التتابع ليس بشرط في صحة أداء صوم شهر رمضان، لم يجب أن يكون شرطاً في صحة القضاء، وإذا لم يكن شرطاً في الصحة، دلت الآية، والخبر المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام على أن تركه مكروه مع الإجزاء، فأما إذا أفطر أياماً مفترقة، وقضاها مجتمعة، فهو أفضل، لدلالة الآية والخبر عليه، إذ ليس فيهما أن ذلك إذا كان ما فات مجتمعاً؛ ولأنه مبادرة إلى رد(2) الواجب، ومسارعة إليه، فهو أولى.
مسألة: [هي المتطوع إذا أفطر، هل يقضي؟]
قال: ومن دخل في صيام متطوعاً، ثم أفطر، لم يجب عليه قضاؤه.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3). وقد استقصينا هذا الكلام في هذا الباب في مسألة من دخل في صلاة التطوع، ثم أفسدها، من(4) كتاب الصلاة، فلا غرض في إعادته.
مسألة: [في من يجن في رمضان يفيق، هل يقضي؟]
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 2/294.
(2) ـ في (ب): أداء.
(3) ـ انظر الأحكام 1/247 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ في (أ): في.

(39/14)


قال: ولو أن رجلاً جُنَّ شهر رمضان كله، ثم أفاق، لزمه القضاء، وكذلك إن جُن بعض الشهر، قضاه.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (1)، وقال فيه: (إنما هو علة عرضت)، فدل على أن المراد به الجنون الطارئ بعد التكليف. وعلى ذلك حمله أبو العباس الحسني ـ رحمه اللّه ـ تعالى في (النصوص)، وهو صحيح؛ لأن الجنون إذا لم يكن طارئاً على التكليف، يكون سبيل صاحبه سبيل من لم يبلغ، فلا يلزمه قضاء ما فاته من الصوم. والأصل في ذلك قول اللّه تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيْضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، فأوجب القضاء على المريض، والمسافر، والجنون مرض، فلزمه القضاء.
فإن قيل: روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( رفع القلم عن ثلاثة، عن المجنون حتى يفيق..)).
قيل له: كذلك نقول، ولا نوجب عليه القضاء، إلا بعد الإفاقة، وسقوط وجوب الصوم عنه في حال الجنون لا يدل على سقوط القضاء، كالمريض، والحائض، والنفساء.
ولا خلاف أن من أغمي عليه الشهر كله، يقضيه إذا أفاق، فكذلك إذا جُنَّ، والمعنى جواز(2) الصوم بزوال العقل، وليس ينتقض ذلك بمن لا يكون زوال عقله طارئاً؛ لأنا عللنا لأن نجعل حكم الجنون /150/ حكم الإغماء، ونسوّي بينهما.
فإن قيل: لا نسلم؛ لأن المغمى عليه زائل العقل.
قيل له: ذلك جهل لمعنى العقل؛ لأن العقل ليس هو أكثر من حصول العلوم الضرورية(3)، وقد علمنا أن المغمى عليه داخل في هذا الباب من الجنون، على أنا لو جعلنا العلة في ذلك زوال العلوم الضرورية، جاز، فلا وجه لتعلقهم بذلك.
__________
(1) ـ انظر المنتخب 91.
(2) ـ في هامش (ب): فوات ظنن عليها.
(3) ـ في (أ): العلم الضروري.

(39/15)


وأبو حنيفة يوافقنا على أنه إذا جن، ثم أفاق في بعض الشهر، لزمه قضاء ما جُنَّ فيه، فكذلك إذا أفاق بعد مضيه، والمعنى أنه فاته الصوم بجنون عارض. فإن قاسوه على الصبي؛ بعلة أنه يستحق به الولاية، كان منتقضاً بمن أفاق في بعض الشهر، على أن قياس الجنون، على الجنون وعلى الإغماء، أولى من قياسه على الصبي؛ لأن الجنون، والإغماء، لا ينافيان الصوم، وليس كذلك الطفولية؛ لأنها تنافي الصوم، على أن الإغماء عندنا إذا طال، كان مثل الجنون في استحقاق الولاية، فلا وجه للتفرقة به، على أن إيجاب القضاء لا ينفصل في شيء من المواضع بين الكل والبعض؛ لأن الصبا، والكفر، إذا زالا، فلا يجب قضاء بعض الشهر، ولا كله، والحيض، والنفاس، والإغماء، والمرض، إذا زالت، وجب قضاء البعض والكل من الشهر، فكان ما قلناه من التسوية بين زوال الجنون في بعض الشهر، أو(1) آخره.
مسألة: [في المرتد إذا أسلم مرة أخرى، هل يقضي ما فاته من رمضان]
قال: ولو أن رجلاً ارتد عن الإسلام سنين، فلم يصُم، ثم رجع إلى الإسلام، لم يلزمه قضاء ما أفطر في حال ردته.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (2). وقد استقصينا الكلام فيه في كتاب الصلاة في مسألة المرتد، إذا رجع إلى الإسلام أنه لا يقضي ما فاته من الصلاة بما يغني عن إعادته.
مسألة: [في وجوب قضاء رمضان على المسافر، والمريض، والحائض، والنفساء، والمرضع، والحامل]
قال: ومن أفطر من الرجال والنساء لعلة من العلل، كنحو السفر، والمرض، وكنحو الحيض والنفاس في النساء، وكالحامل والمرضع إذا خافتا على الجنين والمرضَع، لزمهم القضاء إذا خرجوا من عللهم.
قال: وللمستحاضة أن تصلي، وتصوم، وتقضي ما فاتها من الصوم، إذا خرجت من أيام حيضها.
__________
(1) ـ في (أ): و.
(2) ـ انظر المنتخب 91 وهو بلفظ قريب.

(39/16)


جميع ذلك منصوص عليه في (الأحكام) (1).
قلنا: إن المسافر والمريض يقضيان ما أفطرا؛ لقول اللّه تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيْضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرٍ}.
وقلنا ذلك في الحائض، والنفساء، لما(2):
ذكره يحيى عليه السلام عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: كان أزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يرين ما ترى(3) النساء، فيقضين الصوم، ولا يقضين الصلاة، وقد كانت فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ترى ما يرى النساء، فتقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة.
وقلنا: إن المستحاضة تصوم، وتصلي، لما:
روي أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أمرها أن تتوضأ وتصلي بعد مضي أيام أقرائها، فلما جازت الصلاة لها، جاز صيامها، وجميع هذه المسائل وفاق، لا خلاف فيها، فلا وجه للإطالة.
__________
(1) ـ نص على وجوب قضاء الحائض والمستحاضة والمريض في الأحكام 1/246 ـ 247 ونص على ذلك كله في الأحكام 1/255 ـ 256 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ في (أ): كما.
(3) ـ في (أ): يرين.

(39/17)


باب القول في الاعتكاف والقول في ليلة القدر
[مسألة في شروط الاعتكاف]
لا اعتكاف إلا بالصيام، واعتزال النساء ليلاً ونهاراً ما دام معتكفاً.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
قلنا: إنه لا اعتكاف إلا بالصيام لما:
أخبرنا به أبو /151/ العباس الحسني قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن حبيب، قال: حدثنا محمد بن سليمان الواسطي، قال: حدثنا محمد بن هاشم البعلبكي، قال: حدثنا سويد بن عبد العزيز، عن سفيان، عن حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (( لا اعتكاف إلا بصيام )). وهذا نص في موضع الخلاف.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن هارون، عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (لا اعتكاف إلا بصوم) (2).
وأخبرنا محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن هارون، عن ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لا اعتكاف إلا بصوم(3).
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (لا اعتكاف إلا بصوم).
وروي نحوه عن عائشة، وابن عمر. فصار ذلك كالإجماع من الصحابة.
وروي عن ابن عمر أن عمر قال للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: إني نذرت أن أعتكف يوماً. قال: (( اعتكف، وصم )). على أنه رأى أهل البيت عليهم السلام لا أحفظ عنهم فيه خلافاً، وما كان كذلك، لم يجز عندنا خلافه، وكذلك ما يروى عن علي عليه السلام.
فإن قيل: روي عن علي عليه السلام أنه قال: لا صوم على المعتكف، إلا أن يوجبه على نفسه.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/249 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/333.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/334.

(40/1)


قيل له: معناه أن المعتكف إذا لم يوجب الاعتكاف على نفسه لا يجب عليه الصيام، وفائدته التنبيه، على أنه لا يجب بالدخول ما لم يكن معه إيجاب، ويدل على ذلك أن الاعتكاف لفظ مجمَل مفتقر إلى البيان؛ لأنه من طريق اللغة يفيد اللبث فقط، ولا خلاف أنه يفيد في الشرع سوى اللبث، ألا ترى أن قائلاً لو قال: لله عليَّ أن أعتكف، لزمه الاعتكاف، وإذا قال: لله عليَّ أن ألبث، لم يلزمه شيء، فإذا ثبت ذلك، ووجدنا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم اعتكف صائماً، كان فعله بياناً له، وهو محمول على الوجوب؛ لكونه بياناً للواجب، فوجب الصيام في الاعتكاف.
فإن قيل: فقد اعتكف صلى اللّه عليه وآله وسلم في مسجده، في(1) شهر رمضان، في العشر الأواخر منه، كما اعتكف صائماً، وشيء من ذلك لم يكن شرطاً في الاعتكاف، فكذلك الصيام.
قيل له: لولا قيام الدليل على أن ما ذكرت ليس بشرط في الاعتكاف، لوجب أن يكون الجميع شرطاً فيه.
فإن قيل: فقد روي عن عمر أنه قال [للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم] (2): إني كنت نذرت في الجاهلية إعتكاف ليلة. فقال له: (( أوف بنذرك ))، واعتكاف ليلة لا يكون فيه الصيام، فثبت أن الصيام ليس شرطاً فيه.
__________
(1) ـ في (أ): وفي.
(2) ـ سقط من (أ).

(40/2)


قيل له: ألفاظ هذا الحديث مختلفة. فقد روي أنه قال: إني نذرت اعتكاف ليلة، وروي: إعتكاف يوم، وروي: إعتكاف يوم وليلة، ويجوز أن يكون قال: إعتكاف يوم وليلة. فروى راوٍ: إعتكاف ليلة، وروى راوٍ: إعتكاف يوم؛ إذ من الجائز أن يعبَّر عن الزمان المشتمل على الليل واليوم بكل واحد منهما، كما قال اللّه تعالى لزكريا: {آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ}، وقال في سورة أخرى: {ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً} فإذا احتمل، ذلك وجب حمله عليه؛ للأدلة التي ذكرناها، على أنه قد ثبت أن الاعتكاف حكم شرعي، فلا خلاف أن المعتكف يكون معتكفاً مع الصيام، فثبت أنه معتكف للإجماع، ولا دليل على حصول الاعتكاف بغير صيام، فلم يثبت اعتكافاً، ولا خلاف أن من قال: لله عليَّ أن ألبث، لم يلزمه شيء، ومن قال: لله عليَّ أن أعتكف، لزمه الاعتكاف، فلولا أن /152/ الاعتكاف يقتضي معنى سوى اللبث، لاستوى حكم اللفظين في النذر، فإذا ثبت ذلك، فلم يقل أحد بانضمام معنى إلى الاعتكاف إلا الصوم، فوجب أن يكون الصوم شرطاً فيه.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون المعنى المضموم إليه هو النية؟
قيل له: النذر لا يتناول النية؛ لأن النية تجب بوجوب الْمَنوي، فيجب أن يحصل الوجوب للمَنوي حتى تجب النية له، ولا خلاف أن اللبث بعرفه لا يكون قربة إلا بانضمام معنى آخر إليه، فأوجب أن لا يكون اللبث في المساجد قربة إلا بمعنى آخر يُضم إليه، والمعنى أنه إقامة في موضع مخصوص، ولم يوجب أحد ذلك إلا أوجب الصيام.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون المعنى المنضم إليه انتظار الصلاة؟
قيل له: لم يقل أحد بذلك، فوجب سقوطه، على أن الشافعي وهو المخالف في هذه المسألة يُجَوِّز اعتكاف أقل من يوم، ويُجَوِّز أن [لا] (1) يكون [فيه] (2) منتظر للصلاة.
فإن قيل: لو كان الصوم شرطاً فيه، لوجب أن لا يصح الاعتكاف ليلاً.
__________
(1) ـ سقط من (أ).
(2) ـ سقط من (أ).

(40/3)


قيل له: يدخل فيه على سبيل التبع بحصول التتابع، ألا ترى أن المعتكف قد جُوز له الخروج من المسجد لحاجة لابد منها، وهذا لا يدل على أن اللبث في المسجد ليس شرطاً في صحته، وكذلك المبيت بمنى يكون قربة؛ لما يتعلق على الإنسان من حكم الرمي، ولا رمي بالليل(1)، فيدخل الليل تبعاً.
فإن قيل: لو كان الصوم شرطاً فيه، لما صح [أن] (2) يدخل في رمضان؛ لأن صوم(3) رمضان لا يقع عن غيره.
قيل له: نحن لا نوجب عليه صوماً مستأنفاً للإعتكاف وإنما نقول: أن المعتكف لا يكون معتكفاً إلا أن يكون صائماً، فإذا حصل صائماً من أي وجه كان صومه، صح اعتكافه، وهذا كما نقول(4) أن من تطهر للصلاة، جاز له أن يصلي غيرها، ولم يمنع ذلك من كون الطهارة شرطاً في صحة الصلاة، وكذلك نقول أن الإحرام شرط لجواز دخول مكة، وهذا لا نوجب له إحراماً مجدداً، بل إذا كان محرماً لأي شيء كان من حجة، أو عمرة، أو حجة الإسلام، أو حجة نذر، جاز له ذلك، وكذلك الصوم في الاعتكاف.
واشترطنا اعتزال النساء ما دام معتكفاً ليلاً ونهاراً، والمراد به المجامعة، وما جرى مجراها؛ لقوله تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِيْ الْمَسَاجِدْ}، على أنه لا خلاف في ذلك.
مسألة: [في أقل الاعتكاف]
قال: وأقل الاعتكاف يوم، ويجب على من اعتكف أن يدخل المسجد قبل طلوع الفجر إلى العشاء، وينوي الاعتكاف، أو يتلفظ به، إن أحب أن يوجبه على نفسه. فيقول: لله عليَّ اعتكاف يوم، أو أيام.
وجميعه منصوص عليه في (الأحكام) (5).
وروي أن أقل الاعتكاف يوم عن أبي حنيفة، وخالف فيه أبو يوسف، ومحمد، والشافعي.
__________
(1) ـ في (أ): في الليل.
(2) ـ سقط من (ب).
(3) ـ في (أ): صيام.
(4) ـ في (أ): يقول.
(5) ـ انظر الأحكام 1/249، 263 ، 264 وهو بلفظ قريب.

(40/4)


والوجه في أن بعض اليوم لا يصح الإعتكاف فيه أنه زمان لا يكون ما يختصه من الإمساك صوماً شرعياً، فوجب أن لا يكون ما يختصه من اللبث إعتكافاً شرعياً، قياساً على زمان الحيض والنفاس، وزمان الليل، على أن ما ذهبوا إليه يقتضي أحد أمرين قد ثبت فسادهما وهو أن من نوى اعتكاف نصف النهار إذا اعتكف إلى الظهر صائماً، ثم خرج من اعتكافه، وأفسد صومه، فلا بد من أن يكون اعتكافه بغير صوم، وقد قدمنا(1) الدليل على فساده، على أن /153/ أبا يوسف، ومحمد، لا يخالفان فيه. أو يفسد ما مضى من اعتكافه كاملاً صحيحاً، وهذا لا يجوز؛ لأنه يمتنع في جميع العبادات إذا وقعت صحيحة كاملة أن(2) تفسد بعد الفراغ منها بما يعرض بعدها، وكذلك الصيام، والحج، فلما ثبت بما بيناه أنه يؤدي إلى أحد أمرين فاسدين، ثبت فساده.
فإن قيل: روي عن عائشة أنها قالت: كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه. وفي هذا أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يعتكف في بعض النهار.
قيل له: هذا لا يدل على ما ذكرت؛ لأنه يجوز أن تكون أرادت بقولها: ((معتَكَفَه))، الموضع الذي اتَّخَذَ للجلوس من جملة المسجد، يؤكد ذلك أنه من المعلوم أنه كان صلى اللّه عليه وآله وسلم يصلي الفجر، في المسجد، فلا بد من أن يكون دخوله المسجد قبل أن يصلي الفجر والمسجد كله معتكَف، إلا أنه يجوز أن تكون خصت بالذكر مجلسه صلى اللّه عليه وآله وسلم من جملة المسجد، يؤكد ذلك ما:
__________
(1) ـ في (أ): عرَّفنا.
(2) ـ في (أ): ولايجوز أن تفزع.

(40/5)


رواه أبو داود في (السنن)، عن نافع أنه قال: أراني عبد اللّه ـ يعني ابن عمر ـ المكان الذي كان يعتكف فيه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من المسجد. فإذا ثبت ذلك، صح ما قلناه من أن المعتكِف يدخل المسجد قبل الفجر إلى العشاء، ليكون مستوفياً للنهار أجمع؛ لأنه لو دخل المسجد بعد طلوع الفجر، أو خرج منه قبل وقت العشاء، حصل اعتكافه في بعض النهار.
وقلنا: إنه ينوي الاعتكاف؛ لأن الاعتكاف لا يصح إلا بالنية كسائر العبادات؛ ولأنه لا خلاف فيه، ويدل عليه قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( الأعمال بالنيات )) وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((وإنما لامرئ ما نوى )) .
وقلنا: إنه إن أحب أن يوجبه على نفسه تلفظ به وقال: لله عليَّ(1) اعتكاف يوم أو أيام؛ لأن الإيجاب طريقه اللفظ والنطق على ما بيناه في إيجاب الصوم بما يغني عن إعادته.
مسألة: [ومكان الاعتكاف المساجد]
قال: (والاعتكاف جائز في كل مسجد).
__________
(1) ـ في (أ): عليَّ لله.

(40/6)


وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1)، وقال فيه: الاعتكاف هو إقامة الرجل في المسجد، فدل على أنه لا يجوز في غير المسجد. ويدل على ذلك قوله تعالى(2): {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِيْ الْمَسَاجِدِ}، فمنع من المباشرة العاكفين في المساجد أجمع من غير تخصيص، فدل ذلك على أن الاعتكاف يصح في جميع المساجد، ولما كان الاعتكاف حكماً شرعياً، وكان ورد في من يكون عاكفاً في المساجد، قلنا: إنه معتكِف، ومنعنا أن يكون المعتكف في غير المساجد معتكفاً؛ إذ لا دليل عليه، على أنا قد بينا أن الاعتكاف لفظ مجمل يفتقر إلى البيان، وأن ما هذا سبيله يجب(3) أن يكون فعل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بياناً له، وقد ثبت أنه اعتكف في المسجد، فوجب أن يكون ذلك شرطاً في صحة الاعتكاف، كما قلناه في الصوم، ولا خلاف أن الاعتكاف في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم جائز، فوجب أن يكون في سائر المساجد، قياساً عليه، والمعنى أنه مسجد على الإطلاق، ولا خلاف أنه لا يجوز في مكان لا يكون له بالصلاة ضرب من الاختصاص، فوجب أن لا يجوز في غير المساجد؛ بعلة أنه ليس بمسجد على الإطلاق،أو بعلة أنه لا يُمنع الحائض والجنب، وتقاس سائر المساجد على مسجد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم؛ بعلة أنه يمنع الحائض والجنب.
مسألة: [في جواز خروج المعتكف من المسجد لحاجة أو قربة]
قال: ولا بأس أن يخرج المعتكف من مسجد اعتكافه لحاجة، أو لشهادة /154/ جنازة أو عيادة مريض.
قال: وإن احتاج إلى أن يأمر أهله، أو ينهاهم، وقف عليهم، وأمرهم، ونهاهم، وهو قائم، لا يجلس حتى يعود إلى المسجد.
وجميع ذلك منصوص عليه في (الأحكام) (4).
والأصل فيه ما:
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/249.
(2) ـ في (أ): قول الله تعالى.
(3) ـ في (أ): فيجب.
(4) ـ انظر الأحكام 1/264 وهو بلفظ قريب.

(40/7)


أخبرنا به أبو بكر محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن هارون، عن ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي عليه السلام، قال: إذا اعتكف الرجل، فليشهد الجمعة، وليعد المريض، وليشهد الجنائز، وليأت أهله، فليأمرهم بالحاجة، وهو قائم(1).
وروي عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يعود المريض، وهو معتكف. فإذا ثبت جواز العيادة، ثبت جواز شهود الجنازة؛ إذ لم يفرق أحد بينهما.
فإن قيل: روي عن عائشة أنها قالت: كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يمر بالمريض، وهو معتكف، فيمر كما هو، لا يُعرِّج يسأل عنه. فصار هذا الخبر منافياً لخبركم، ودافعاً له.
قيل له: لا يمتنع أن يكون النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عاد في بعض الأوقات في حال اعتكافه، وترك العيادة في بعضها، فلا يلزمنا شيء، ولا ينتفي خبرنا؛ إذ نحن لا نقول أن العيادة واجبة لا يجوز تركها، وإنما الخلاف في الجواز، فإذا ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه كان يفعلها، ثبت الجواز، ولم يَنْفِهِ ما روي أنه كان لا يفعلها.
وروى ـ أيضاً ـ زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: إذا اعتكف الرجل، فلا يرفث، ولا يجهل، ولا يقاتل، ولا يساب، ولا يمار، ويعود المريض، ويشيّع الجنازة، ويأتي الجمعة، ولا يأتي أهله إلا لغائط، أو لحاجة، فيأمرهم بها، وهو قائم لا يجلس.
وأيضاً لا خلاف أنه يخرج لصلاة الجمعة، فوجب أن يجوز خروجه لصلاة الجنازة، قياساً عليها؛ والعلة أنها صلاة واجبة لا يصح فعلها في معتكفه، وإذا ثبت ذلك في الصلاة على الجنازة، ثبت في عيادة المريض؛ إذ لم يفرق أحد بينهما.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/334.

(40/8)


ولا خلاف بيننا وبين أصحاب أبي حنيفة أن الاعتكاف إذا كان تطوعاً، جاز للمعتكف أن يعود المريض، ويشهد الجنازة، فكذلك إذا كان الاعتكاف واجباً، والمعنى أن كل واحد منهما اعتكاف صحيح، فوجب أن لا يفسد بهما.
ومما يؤكد هذا القياس أنا وجدنا كل ما يفسد الاعتكاف إذا كان واجباً، أفسده إذا كان تطوعاً، وهذا مما يمكن أن يحرر، ويجعل قياساً.
فأما الخروج من المسجد لقضاء الحاجة على الوجه الذي ذكرنا فمما لا اختلاف فيه.
مسألة: [فيما يجوز للمكلف فعله]
قال: ولا بأس للمعتكف أن يتزوج، ويزوج غيره، ويشهد على التزويج، ولكن لا يدخل بأهله، ولا بأس أن يكتحل، ويدهن، ويتطيب بأي طيب شاء، من مسك أو غيره، ويستحب له أن لا يبيع، ولا يشتري، ولا يشتغل عن ذكر اللّه، وله أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، بلسانه، ويده.
وجميع ذلك منصوص عليه في (الأحكام) (1).
ووجه ما ذكرنا من جواز هذه الأمور للمعتكف أنها أمور أبيحت له قبل الاعتكاف، ولم يدل الدليل [على] (2) أنها صارت محظورة بالاعتكاف، فهي على ما كانت عليه.
وقلنا: لا يدخل بأهله؛ لأن الدخول بأهله، إما أن يكون جماعاً، وهو مفسد للاعتكاف بالإجماع ونَصَّ التنزيل، أو يكون خلوه معها في بيت على وجه /155/ المكث، وهو ينافي اللبث، الذي هو الاعتكاف.
واستحببنا له أن لا يبيع، ولا يشتري؛ لأن موضع الاعتكاف للتفرغ للعبادة، فاستحببنا له أن يتوفر عليها، ويقل اشتغاله بأمر الدنيا.
وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهما من أعظم الطاعات، والفروض، والتوفر عليهما(3) من أعظم القرب إلى اللّه تعالى، فلذلك قلنا إن للمعتكف أن يأتي منهما ما أمكنه.
مسألة: [في من جعل على نفسه ألا يكلم أحداً في اعتكافه، ما عليه؟]
قال: ومن جعل على نفسه أن لا يكلم أحداً في اعتكافه، فينبغي له أن يحنث، ويطعم عشرة مساكين.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/255 ـ 256 وهو بلفظ قريب جداً.
(2) ـ سقط من (ب).
(3) ـ في (أ): عليها.

(40/9)


وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
وهذا ينظر فيه، فإن عرض له أمر يلزمه بأن يُكلم أحداً، فإنه يحنث كما ذكر، وإن لم يعرض له، مضى على ما ألزم نفسه إن أحب، ولم تلزمه الكفارة.
ووجه لزومه الكفارة على الوجه الأول ما:
روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: (( لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين، فإن كان نذره يؤديه إلى المعصية، سقط، ولزمته كفارة يمين على ما ذكره )).
مسألة: [في مفسدات الاعتكاف]
قال: وكل ما أفسد الصوم أفسد الاعتكاف.
نص في (الأحكام) (2) على ذلك فقال: (يفسد الاعتكاف ما يفسد الصوم، ويجوز فيه ما يجوز في الصوم) عاطفاً على قوله: (ولا يجوز للمعتكف غشيان النساء في ليل ولانهار)، فبان أنه أراد به الجماع، وما جرى مجراه، دون الأكل والشرب، وما جرى مجراهما؛ إذ من المعلوم أن الأكل والشرب ليلاً لا يفسدان الاعتكاف؛ إذ لو أفسداه، لم يصح اعتكاف أيام كثيرة فأما إذا أفسد الصوم بالأكل ونحوه نهاراً، فسد اعتكافه؛ إذ لا اعتكاف إلا بالصوم، فتحصيل المذهب في الجماع ونحوه: أن الجماع في الفرج، وإن كان ليلاً يفسد الاعتكاف، أنزل، أو لم ينزل، كما أنه يفسد الصيام إذا وقع نهاراً، وما عدا ذلك من المباشرة في غير الفرج، والقبلة، واللمس، أو النظر إن كان معه إنزال، فسد به الاعتكاف، كما يفسد الصوم، وإن لم يكن معه إنزال، لم يفسد الاعتكاف كما لا يفسد الصوم.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/263 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر الأحكام 1/264.

(40/10)


والأصل في ذلك قوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ..} الآية(1)، فكانت المباشرة التي أريدت بالآية هي المباشرة التي يفسد الصيام؛ لقوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}؛ لأن ما عداها من المباشرة التي لا تفسد الصوم مباح له بعد الفجر، ولأن ذلك مما لا خلاف فيه، فبان بما ذكرناه من الإجماعُ ومقتضى الآية، أن الإباحة ليلاً كانت للمباشرة للصوم، قال تعالى بعد ذلك عاطفاً: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِيْ الْمَسَاجِدِ} فمنع المعتكف ما كان سبحانه أباح للصائم ليلاً من المباشرة، فكانت المباشرة المحظورة على المعتكف هي المباشرة التي تفسد الصيام، فصح بذلك ما ذهب إليه يحيى عليه السلام، على أنه لا خلاف أن المجامعة في الفرج تفسد الاعتكاف، فيجب أن يكون جميع ذلك مفسداً له إذا وقع على الوجه الذي بيناه، قياساً على الجماع، والمعنى [أنه] (2) حصول جنابة تفسد الصوم إذا وقع فيه، ولا خلاف أن اللمس بغير شهوة لا يفسد الاعتكاف، فوجب أن لا تفسده القبلة، والضمة /156/ والمباشرة فيما دون الفرج إذا لم يكن معه إنزال، قياساً عليه، والمعنى أنه مسيس لم تحصل معه جنابة.
فإن قيل: ما أنكرتم أن تكون سائر المعاصي تفسد الاعتكاف؛ لأن المعتكف منهي عنها، كما قلتم أن الجماع يفسده؛ لكون المعتكف منهياً عنه.
قيل له: لسنا نقول ذلك على الإطلاق الذي ذكرت، وإنما نقول أنه يفسد الاعتكاف؛ لأن المعتكف منهي عنه لأمر يختص الاعتكاف، فلا يجب أن يفسده، كما أن ما نهي عنه الصائم لأمر يختص الصيام لا يوجب فساد الصيام.
مسألة: [في من يوجب على نفسه اعتكاف جمعة ولم يسمها]
__________
(1) ـ في نسخة: {فالآن باشروهنَّ}.
(2) ـ ظنن عليها في الهامش.

(40/11)


قال: ولو أن رجلاً أوجب على نفسه اعتكاف جمعة، ولم يسم أي جمعة هي، ولا في أي شهر هي، ولم ينو ذلك، فإنه يعتكف أي جمعة شاء، وإن سمى جمعة بعينها، لزمه اعتكافها، إلا أن يمنعه منه مانع، فإنه يعتكف جمعة مكانها إذا زال المانع.
جميعه منصوص عليه في (الأحكام) (1).
ووجهه أنه إذا أوجب على نفسه اعتكاف جمعة على الإطلاق لم يكن فيه تعيين، فكان سبيله سبيل من أوجب على نفسه اعتكاف يوم على الإطلاق، أنه يجزي(2) أي يوم اعتكفه بعد أن يكون يوماً(3) يصح فيه الاعتكاف، فكذلك الجمعة، فأما إذا عيّن جمعة، بأن سمّاها، أو نواها، فإنه يلزمه اعتكافها بعينها، وقد بينا فيما تقدم أن النية توقع اللفظ على وجه دون وجه، وتَجري مجرى النطق، فأما إذا سمى جمعة بعينها، فلا خلاف فيه، فإن منعه مانع من اعتكافها، تركه، وقضاه إذا زال المانع، لا خلاف فيه.
مسألة: [في من ألزم نفسه؟ اعتكاف أيام ونوى نهارها]
قال: ومن قال: لله علي أن أعتكف عشرين يوماً، ونوى نهار تلك الأيام دون لياليها، فله نيته، ولزمه أن يدخل المسجد قبل طلوع الفجر في تلك الأيام، ولا يخرج حتى يدخل وقت الإفطار، إلا لما ذكرنا من الأمور التي يجوز للمعتكف الخروج لها.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (4).
وهذا ـ أيضاً ـ قد مضى الكلام فيه؛ لأنا قد بينا أن للنية تأثيراً في إخراج بعض ما اقتضاه الإطلاق من جملته، وشبهناه بالعموم، واللفظ المحتمل، فلا فائدة في إعادته.
مسألة: [في المرأة إذا أوجب عليها اعتكاف أيام ثم أتاها الحيض]
قال: وإذا أوجبت المرأة على نفسها اعتكاف أيام، ثم حاضت في تلك الأيام، خرجت من مسجدها، فإذا طهرت، عادت إلى المسجد، وقضت ما فاتها من الاعتكاف، وأي معتكف أو معتكفة خافا على أنفسهما في مسجد معتكفهما، فلهما أن يخرجا إلى مسجد غيره.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/264 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ في (أ): يجزيه.
(3) ـ في (أ): أي يوم.
(4) ـ انظر الأحكام 1/264 ـ 265 وهو بلفظ قريب.

(40/12)


وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1).
قلنا: إنها إذا حاضت خرجت من اعتكافها؛ لأن(2) الاعتكاف مع الحيض لا يصح لوجهين:
أحدهما: أن الحائض ممنوعة من المسجد، فلا بد من خروجها منه، والاعتكاف لا يكون إلا في المسجد.
والثاني: أنه لا اعتكاف إلا بالصوم، والحيض مناف للصوم، والاعتكاف، فإذا خرجت من الحيض، عادت إلى الاعتكاف، وقضت ما فاتها، كما تقضي ما يفوتها من الصيام بالحيض، وكما تقضي ما يفوتها من الطواف بالحيض.
وقلنا: إنه إذا خاف على نفسه خرج إلى غير ذلك الموضع(3)، ويصير الموضع الذي انتقل إليه في حكم الموضع الذي انتقل عنه، والمعنى أن كل واحد منهما، لزمه لبث في مكان مخصوص، فانتقل عنه ضرورة إلى مكان يصح أن يكون فيه ابتداء، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِيْ الْمَسَاجِدِ}، فإذا انتقل إلى مسجد غير /157/ الأول يجب أن يكون على اعتكافه بحكم الظاهر.
فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم أنه بالخروج يكون قد أفسد اعتكافه؟
قيل له: الخروج لِما لا بد منه من الحاجة لا يفسد الاعتكاف، وكذلك هذا الخروج لأنه لا بد منه، ويجيء على هذا أن مسجده لو انهدم، أو أخرجه ظالم كُرهاً منه، فصار في مسجد سواه، أنه يكون على اعتكافه، وقد ذكر ذلك أبو العباس الحسني(4) رضي اللّه عنه في (النصوص).
مسألة: [في الإيصاء بالاعتكاف]
قال: ومن كان عليه اعتكاف أوجبه على نفسه، فحضرته الوفاة، فأوصى أن يعتكف عنه، أُخرج من ثلثه ما يستأجر به رجل من المسلمين يعتكف عنه ما كان عليه، ويلزم الأولياء إجازة هذه الوصية.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (5).
قلنا: إنه يُعتَكف عن الميت لما:
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/266 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ في (أ): مع.
(3) ـ في (أ): من المواضع.
(4) ـ في (أ): رضي الله تعالى.
(5) ـ انظر الأحكام 1/266 وهو بلفظ قريب.

(40/13)


رواه هناد بن السري في كتاب (المناسك)، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم امرأة فقالت: يا رسول اللّه، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: (( أرأيتِ لو كان على أمك دين، أكنت تقضينه ))؟ قالت: بلى(1). قال: (( فدين اللّه أحق أن يقضى )).
وأخبرنا أبو بكر محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن هارون، عن ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد بن سلمة، عن حجاج، عن عبد اللّه بن عبيد الله بن عتبة، أن أمه نذرت أن تعتكف عشرة أيام، فماتت، ولم تعتكف، فقال ابن عباس: اعتكف عن أمك(2).
وأخبرنا محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن هارون، عن ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن إبراهيم بن المهاجر، عن عامر بن مصعب، أن عائشة اعتكفت عن أخيها بعدما مات فلما روي ذلك عن ابن عباس، وعن عائشة، ولم يرو عن غيرهما خلافه، جرى ذلك مجرى إجماع الصحابة.
وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن ابن عباس أنه يصام عن الميت للنذر. (3) ولا خلاف في أن الميت قد يُحج عنه، فوجب أن يكون الاعتكاف كذلك؛ إذ هو مشتمل على عبادة يدخل المال فيه على بعض الوجوه، وهو الصوم، فإذا ثبت أنه يعتكف عنه، جاز أن يستأجر من يعتكف عنه؛ لأن ما صحت النيابة فيه، صح أن يستأجر من ينوب عنه، وكونه قربة لا يمنع من الاستئجار لها، كبناء المسجد، والقنطرة، وحفر السقاية، والقبر.
__________
(1) ـ الصواب: نعم.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/339.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/113 وإسناده: حدثنا ابن علية عن علي بن الحكم، عن ميمون، به.

(40/14)


وقلنا: يستأجر من الثلث؛ لأنه مما لا يختص المال، فلم يجب أن يكون حكمه حكم الزكوات إذا مات وهي عليه، ويجب أن يكون سبيله سبيل الحج، ويلزم الورثة إجازته، كما يلزمهم إجازة سائر وصاياه، ما لم يتجاوز الثلث.
[مسألة: في العبد والمدبر وأم الولد والمكاتب يوجبون على أنفسهم الاعتكاف، هل يمنعهم سيدهم؟]
نص في (الأحكام)(1) على أن العبد، والمدبر، وأم الولد، والمكاتب، إذا أوجبوا الاعتكاف على أنفسهم، لزمهم، ولسيدهم أن يمنعهم غير المكاتب؛ لأن تصرفهم مستحق عليهم، فأما المكاتب، فلا يجوز له منعه منه؛ لأنه قد ملك تصرفه.
مسألة: [في ليلة القدر]
قال القاسم عليه السلام: ليلة القدر من أولها إلى آخرها في الفضل سواء، وهي ليلة ثلاث وعشرين، أو سبع وعشرين من شهر رمضان.
وهذا منصوص عليه في (مسائل النيروسي). وذلك قول اللّه تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِيْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ..} الآية.
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: (( إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل عليه السلام في كوكبة من الملائكة(2) يسلمون على كل قائم، وقاعد، يدعون اللّه، إلا لمدمنٍ على خمر، أو قاطع رحم)).
وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: (( هي في العشر الأواخر في الوتر /158/ منها، وهي ليلة طلقة، لا حارة، ولا باردة، تصبح الشمس [فيها](3) من يومها حمراء ضعيفة)).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/267 وهو بلفظ مقارب.
(2) ـ في (أ): عليهم السلام.
(3) ـ سقط من (ب).

(40/15)


وروي عن أبي ذر قال: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ليلة القدر أفي رمضان هي أم في غيره؟ قال: (( بل هي في رمضان )). قلت: تكون مع الأنبياء إذا كانوا، فإذا مضوا رفعت؟ قال: (( بل هي إلى يوم القيامة )). قال: قلت: في أي رمضان هي؟ قال: (( التمسوها في العشر الواخر )). قال: ثم كررت السؤال. فقال: (( التمسوها في السبع البواقي ))، لا تسألني عن شيء بعدها. فدل ذلك على بطلان ما يحكى عن أبي حنيفة أنه قال: إنها رفعت.
وقلنا: إن أولها وآخرها في الفضل سواء، لأن تفضيل أحوالها لم يرد، ووردت(1) ما يدل على فضلها جملة.
وقلنا: ليلة ثلاث وعشرين، أو سبع وعشرين؛ لأن الأخبار وردت فيها أكثر.
__________
(1) ـ في (أ) و (ب): ورود وظنن في الهامش على ما أثبتناه.

(40/16)


باب القول في كيفية وجوب الحج وذكر فروضه
[مسألة في شروط وجوب الحد وبيان ما هي الاستطاعة]
يجب على كل بالغ، حر، مسلم، استطاع إليه سبيلاً، والاستطاعة هي الزاد، والراحلة، وصحة، البدن والأمان على النفس.
نص في (الأحكام) على أن من لم يبلغ لايجب عليه الحج. ودل على أنه لايجب على العبد بقوله: إن أحرم بغير أذن سيده، فله أن يحله(1).
ونص على أن الذمي سبيله سبيلهما في وجوب الحج عليه إذا أسلم، حيث ذكر أن الصبي إذا بلغ، والعبد إذا عتق، والذمي إذا أسلم في وقت يمكنهم لحوق الوقوف بعرفة، وقفوا، وأدوا ما وجب عليهم(2).
فثبت بذلك من مذهبه ما ذكرنا من وجوب الحج على كل بالغ، حر، مسلم، مستطيع.
ونص في (الأحكام) (3) على أن الاستطاعة هي الزاد، والراحلة، والأمان على النفس، وروى(4) فيه عن جده القاسم عليه السلام صحة البدن.
قال أبو العباس الحسني: وذكر محمد بن القاسم عيه السلام فيما جمعه عن أبيه القاسم أن الحج يجب بوجود القوة والزاد، والمراد به عندي من كانت داره بمكة، أو قريباً منها؛ ليوافق ذلك ما اشتهر عنه من رواية يحيى عنه في (الأحكام)(5) ورواية النيروسي عنه في مسائله.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/334 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر الأحكام 1/303 ـ 304 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر الأحكام 1/273 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ انظر الأحكام 1/313.
(5) ـ انظر الأحكام 1/313 وهو بلفظ قريب.

(41/1)


ووجه قولنا أن الحج يجب على كل بالغ، حر، مسلم، استطاع إليه سبيلاً قول اللّه تعالى: {وَلِلَّه عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبِيْتِ مِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً}. وثبت أن حج الصبي، والعبد والذمي(1) لايقع عن حجة الإسلام، أما العبد، والصبي فما روي عن ابن عباس، عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (( أيما صبي حج، ثم أدرك(2) الحلم، فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج، ثم عتق، فعليه أن يحج حجة أخرى )) .
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام نحوه. على أن الصبي لايصح إحرامه عندنا على ما نبينه من بعد، فيجب أن لايجزئه حجه عن حجة الإسلام.
والعبد ـ أيضاً ـ ليس بمخاطب بالحج؛ لأنه ممن لايملِك، والحج فلابد من المال(3) فيه، وتصرفه ـ أيضاً ـ مستحَق عليه، والذمي لايصح حجه؛ لأن الإسلام شرط في صحة الإحرام، فإذا ثبت ذلك، صح ما ذكرناه من وجوب الحج على كل بالغ، مسلم حر، مستطيع.
وأما الزاد والراحلة فالأصل فيه ما روي أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم سئل عن استطاعة الحج فقال: ((هي الزاد، والراحلة)).
ووجه الاستدلال منه أن اللّه تعالى أوجب الحج بشرط الاستطاعة، وبين النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنها الزاد /159/ والراحلة، فدل ذلك على أن وجودهما شرط في وجوب الحج.
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام في قوله تعالى: {وَلِلَّه عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبِيْتِ مِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً} قال السبيل: الزاد، والراحلة.
__________
(1) ـ في (أ): والذمي والعبد.
(2) ـ في (أ): أدركه.
(3) ـ في (أ): أن يملك المال فيه.

(41/2)


فإن قيل: حقيقة الاستطاعة هي القوة، وعندكم أن كون المجاز مراداً باللفظ لايمنع كون الحقيقة مراداً(1) بها فما أنكرتم على من قال بأن الزاد والراحلة، وإن كانا مرادين، فلا يجب أن لاتكون القوة مراداً(2) بالآية، فيجب على القوي الحج، كما يجب على واجد الزاد والراحلة؟
قيل له: لسنا نمنع أن تكون القوة مراداً بالآية، إلا أنا نقول لابد من حصولها، وحصول الزاد، والراحلة، وقد ثبت أن الزاد، والراحلة مرادان كالقوة، على أن الاستطاعة إذا ثبت أنها تستعمل في اللغة في وجوه كثيرة، افتقر اللفظ إلى البيان، فإذا كان ذلك كذلك، كان قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( هي الزاد والراحلة )) بياناً لها، فوجب أن يكون المراد بها ما كان قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بياناً له.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: الحج بعرفة، (3) والعج به والثج. فما تنكرون على من قال لكم إن ذلك لايدل على أن الاستطاعة غير والزاد والراحلة؟
قيل له: عن هذا أجوبة:
أحدها: أن الظاهر أوجب أن لا حج غير الوقوف، وغير العج والثج، لكن اقتضى الدليل خلافه.
والثاني: أن الظاهر أوجب أن لايتم إلا بذلك، ولابد منه، فكذلك يوجب(4) أن تكون الاستطاعة لاتتم إلا بالزاد والراحلة، ولاتتم عندنا إلا بهما.
والثالث: أن قوله هي الزاد والراحلة خرج مخرج البيان، وقوله: ((الحج بعرفة والعج [به] والثج))، خرج مخرج التعظيم للوقوف والعج والثج، فلا يجب أن يستوي حكمهما، على أن المشهور في الرواية: ((أفضل الحج العج والثج))، وعلى هذا سقط(5) السؤال في هذه اللفظة.
__________
(1) ـ الصواب: مرادة به.
(2) ـ الصواب: مراده.
(3) ـ في هامش (ب): الحج بعرفة غير العج والثج هكذا في بعض النسخ، ثم قال: ينظر.
(4) ـ في (أ): وجب.
(5) ـ في (أ): يسقط.

(41/3)


فإن قيل: فالمحرَم شرط للمرأة في لزوم الحج، وهو لم يُذكر في خبر الاستطاعة، فما أنكرتم أن يكون ذلك سبيل القوة؟ قيل له: نحن لم نوجب عليها الحج بوجود المحرم إذا لم يكن زاد وراحلة، فكذلك لانوجب الحج بوجود القوة إذا لم يكن زاد وراحلة.
فإن قيل: قد قال اللّه تعالى لإبراهيم عليه السلام: {وَأّذَّنْ فِيْ النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً..} الآية، وأنتم تقولون أن شرائع الأنبياء عليهم السلام تلزمنا مالم يثبت فيها النسخ، على أنه تعالى قال: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلِيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيْمَ}.

(41/4)


قيل له: ليس فيه إيجاب الحج بغير الزاد والراحلة على الإطلاق، وإنما أخبر تعالى أنهم يأتون رجالاً، وليس في الآية أن ذلك واجب عليهم، على أنه يحتمل أن يكون المراد أن من قَرُب من مكة يأتي راجلاً، فأما من كان من الفجاج العميقة، فإنه يأتي راكباً، وهذا نص مذهبنا، ولاخلاف أن من أمكنه المشي الضعيف، وإن كان يصل به إلى مكة بزمان طويل، ومشقة شديدة، لايلزمه الحج إذا عدم الزاد والراحلة، فكذلك من أمكنه المشي القوي، والعلة أنه قَطْع مسافة بعيدة لقضاء نسك الحج، والراحلة قياس على الزاد، والعلة أنها بعض استطاعة الحج، وقياسنا أولى من قياسهم أهلَ الفجاج العميقة على سكان الحرم بعلة أنه مستطيع لقوَّته؛ لأن قياسنا مستند إلى قوله تعالى: {وَعَلَى كِلِّ ضَامِرٍ يَأَتِيْنَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيْقٍ} وإلى /160/ قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( هي الزاد، والراحلة )) لأن القول بخلافه يؤدي إلى أن لايتعلق الحج بالزاد والراحلة إلا لمن لايستطيع الحج بنفسه؛ لأن كل من استطاع الحج بنفسه أمكنه المشي إلى مكة، ولو بزمان بعيد، وهذا خلاف الإجماع، على أن موضوع العبادات على غير الحرج، وإلزام ما فيه المشقة العظيمة، ألا ترى أن المريض، والمسافر أبيح لهما الإفطار، وكذلك المريض أبيح له ترك القيام إلى القعود في الصلاة، والمسافر وُضع عنه بعض الصلاة، فوجب أن يكون سبيل الحج هذه السبيل.
فأما الأمان على النفس، فإنه شرط في الحج. قال اللّه تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيْكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} والأمر يبنى على غالب الأحوال، فإذا كانت الحال حالاً يغلب معها التلف، لم يكن معها للسلامة المجوزة حكم [سقط وجوب الحج] (1).
__________
(1) ـ ما بين المعكوفين زيادة لتوضيح المعنى.

(41/5)


قال أبو العباس الحسني رضي اللّه عنه: والبحر فيه كالبر، وحكى عن محمد بن يحيى عليه السلام أنه احتج بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِيْ يُسَيِّرُكُمْ فِيْ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}، وقوله تعالى: {وَالْفُلْكُ تَجْرِي فِيْ الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}، والاعتبار فيه بغالب الأحوال في السلامة والهلاك كما بيناه في البر، وأما صحة البدن، فسنذكر فيها ما يجب في مسألة من لايستقر على الراحلة.
مسألة: [في حكم تأخير الحد إذا وجب، وهل يقتص الأمر القوي أم التراخي]
ولا يجوز تأخير الحج لمن يجب عليه، إلا لعذر مانع. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
والأصل فيه قول اللّه تعالى: {وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً} فأوجب الحج، وتوعد على تركه.
وأخبرنا أبو الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا الناصر، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين بن علوان، عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( من أراد دنيا وآخرة، فليؤم هذا البيت، أيها الناس عليكم بالحج والعمرة، فتابعوا بينهما )) .
وأخبرنا أبو الحسين البروجردي، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عمر الدينوري، قال: حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن أبي مرة، قال: حدثنا عثمان بن اليمان، عن زمعة بن صالح، عن ابن طاووس، قال: سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاووساً، أنه سمع عبد اللّه بن عمرو بن العاص يحدث عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لاإله إلا اللّه، وأن محمداً رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم شهر رمضان )) .
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/312 وهو بلفظ قريب.

(41/6)


وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: (( حجوا قبل أن لاتحجوا )) فكل ذلك يدل على الأمر به، والإيجاب والأمر يقتضي الفور، فوجب ألا يجوز تأخير الحج. فإن قيل: فلم قلتم أن الأمر على الفور، والبدار دون أن تقولوا على التراخي؟
قيل له: لأن الأمر قد ثبت أنه يقتضي الإيجاب، فلو قلنا: إن للمأمور أن يفعل المأمور به، وأن لايفعل، وجعلنا له التخيير بين فعله وتركه عقيب الأمر، كنا قد أخرجناه من أن يكون واجباً، وألحقناه بالمباح، أو النفل، وفي هذا إن ورد الأمر وأن لايرد سواء في أنه لايقتضي الإيجاب، وفي هذا صرف الأمر عن جهته، وفساد ذلك يقتضي أن الأمر يقتضي البدار.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الأمر لايقتضي تعجيل فعل المأمور به، ومع هذا لايجب أن يصير في حكم الإباحة، ولا في حكم الندب؟
قيل له: لأن المباح هو ما يكون الإنسان مخيراً بين أن يفعله، وأن لايفعله على الإطلاق، ونحن نخير المأمور بالفعل بين أن يفعله، وأن لايفعله في ذلك الوقت.
قيل له: لو قلنا إن له تركه إلى وقت آخر، لخيرناه في ذلك الوقت بين فعله وتركه، فقد أخرجناه عن أن يكون ذلك واجباً عليه، وهذا هو صورة المباح في ذلك الوقت.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال /161/ لكم أنه لايكون بصورة المباح، ولا النفل؛ لأن المأمور مخير بين فعله، وفعل بدله في ذلك الوقت ـ وهو العزم على فعله في الثاني، أو ما بعده ـ كما يقولون إن كفارات اليمين تكون واجبة على البدل.
قيل له: إنما قلنا في كفارات اليمين أنها واجبة على البدل؛ لأن النص ورد به، وههنا لاسبيل إلى إثبات العزم بدلاً منه؛ لأن السمع لم يرد به، وإذا لم يجز إثباته بدلاً منه عاد(1) الأمر إلى ما قلناه بدئاً من أن الواجب يصير بصفة المباح، أو المندوب.
فإن قيل: إنه لايصير بصفة المباح لأن المباح هو ما يستوي فعله وتركه ونحن لانقول ذلك في المأمور به عقيب الأمر بل نقول إنه إذا فعله استحق الثواب.
__________
(1) ـ في (ب): أعاد.

(41/7)


قيل له: كان غرضنا أن نبين أن الفعل المأمور به على أوضاعكم خارج عن حد الوجوب، ولم يكن الغرض أن يثبت أنه على التحقيق يكون مباحاً، وأكثر ما في هذا الذي أوردتموه أن يكون بصورة التطوع، وهذا لايعصمه من فساد مذهبكم.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم إن الواجب على ضربين: مخير فيه، ومضيق، فإذا ثبت ذلك، احتاج التضيق إلى الدليل؟
قيل له: قد قدمنا نحن في دليلنا أن الإيجاب يقتضي التضييق، فصار التخيير هو المفتقر إلى الدليل، على أن التخيير إذا احتاج إلى إثبات وجود بدل لم يقتضه لفظ الإيجاب، يكون أولى بالافتقار إلى الدليل من التضييق الذي لايقتضي إلا إيجاب ما أوجبه اللفظ.
ومما يدل على أن وجوب الحج على التضييق ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: (( من مات، ولم يحج، مات ميتة جاهلية )) ، وفي بعض الأخبار: (( فليمت إن شاء يهودياً، أو نصرانياً )) فثبت بذلك أنه يكون عاصياً إذا مات، ولم يحج، فليس يخلو كونه عاصياً من أحد أمرين، إما أن يكون بالموت، وذلك لايجوز؛ لأنه فعل اللّه في العبد، والعبد لايجوز أن يصير عاصياً بفعل اللّه تعالى، أو يكون عاصياً بالتأخير، فلما لم يجز أن يصير عاصياً بالموت، لم يبقَ إلا أن يكون عاصياً بالتأخير، وهذا يقتضي إيجابه.
فإن قيل: روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أمر مناديه بأن ينادي أَلا إن رسول اللّه حاج، فمن أراد الحج، فليحج، فعلقه بالإرادة، فدل ذلك على جواز التأخير.
قيل له: لايمتنع أن يكون المراد به من أراد الحج لوجوبه، وتعليقه بالإرادة لايمنع تضيق الوجوب، كما لايمنع الوجوب.
فإن قيل: لو كان وجوب الحج مضيقاً، لم يؤخره النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى سنة عشر، وفي تأخيره وتأخير أصحابه إياه دليل على أن وجوبه على التخيير.

(41/8)


قيل له: هذا لو ثبت أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أخره لا لعذر، فأما إذا لم يثبت، ذلك فلا يصح ما ادعيتموه؛ لأنا لانمنع من جواز تأخيره لعذر، وليس علينا أن نعرف عذره صلى اللّه عليه وآله وسلم، على أنه يحتمل أن يكون وجه العذر ما علم من الصلاح في مقامه في المدينة؛ لإظهار كلمة الحق، ودعاء ما حولها، ويجوز أن يكون غير ذلك.
وقد قيل: إنه امتنع من الحج لأن المشركين كانوا يطوفون عراة، فلم يجز أن يراهم على تلك الحال، فامتنع لذلك، وجملة الأمر أن معرفة العذر بعينه لايجب علينا، ويكفي أن يكون ذلك مجوَّزاً.
فإن قيل: فإن المسلمين يتركون النكير على من أخره لغير عذر، فكان ذلك جارياً مجرى الاتفاق بينهم على جواز تأخيره.
قيل له: ترك النكير يجوز أن يكون لأنهم لايعرفون أن من أخره، أخره لغير عذر، ويجوز أن يكون لأن المسألة فيها للاجتهاد، مسرح وما /162/ جرى هذا المجرى فلا يجب النكير، فيه على أن المسلمين قد تركوا النكير على أكثر المنكرات لا لرضى، بل لمعاذير يطول ذكرها، فهذا كان دأبهم مذ قبض النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا.
وهو قياس على الصيام؛ لأنه عبادة للمال فيها مدخل، وعلى الزكوات بعلة أنها عبادة يتعلق فرضها بالمال، فوجب أن لايجوز تأخيره عن وقت وجوبه مع القدرة عليه، وزوال العذر، وهذا القياس أولى من قياسهم جواز تأخير الخروج إلى مدة يمكن فيها لحوق الحج؛ لأن هذا ليس بتأخير للحج على التحقيق، على أن قياسنا يتضمن الحظر، فهو أولى، وفيه الاحتياط، والمسارعة إلى أداء الواجب، واستناد إلى قوله تعالى: {سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} وقوله: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ}.
مسألة: [في الصبي يبلغ، والعبد يعتق، والذمي يسلم، ليلة عرفة]

(41/9)


قال: ولو أن صبياً بلغ، أو عبداً عتق، أو ذمياً أسلم ليلة عرفة، وأمكنه أن يحرم تلك الليلة بمكة في مسجدها، ثم يلحق بالحجاج، فعل ذلك، إن كان بمكة أحرم فيها، وإن كان في بعض جهات المواقيت، أحرم من موضعه، وكذلك إن كان بمنى، أو عرفات، رجع إلى مكة إن أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه، أحرم من موضعه، وكذلك لو كان ذلك يوم عرفة، أو ليلة النحر، أجزأهم بعد أن يلحقوا الموقف قبل طلوع الفجر من يوم النحر.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
والأصل فيه أن الحج يدرَك بإدراك الموقف بعرفة قبل طلوع الفجر من يوم النحر على ما نبينه في موضعه، فإذا أحرم هؤلاء، ثم لحقوا الموقف، فقد أدركوا الحج.
واستحب لهم الرجوع إلى مكة من منى وعرفات، وابتداء الإحرام منها؛ لتكون الحجة مكية ،فإنها أقل ما جرت به السنة لأهل الأمصار، وهي حجة المتمتع، فإن تعذر ذلك، أجزى الإحرام من سائر المواضع بعد أن يلحقوا الموقف.
وذكر أبو العباس الحسني أن الذمي والصبي يجددان الإحرَام ـ إن أسلم الذمي، أو بلغ الصبي ـ لأن إحرامهما ليس بإحرام، وأما العبد فإن كان أحرم، ثم عتق، مضى في حجته، فإن إحرامه منعقد، ولم يجزه عن حجة الإسلام؛ لأنه وقع مع الرق، فجرى مجرى أن يقع كمال الحج مع الرق في أنه لايجزئه عن حجة الإسلام بعلة أن كمال الحج لم يحصل في حال الحرية.
مسألة: [في فرض الحج عن الشيخ والعجوز وهل يصح الحج عنهما؟]
قال القاسم عليه السلام: (فرض الحج زائل عن الشيخ الكبير، والعجوز اللذين لايثبتان على الدابة والراحلة، فلا يقدران [أن] يسافَر بهما في محمل؛ لأنهما للحج غير مستطيعَين، فإن حجا عن أنفسهما، أو حج عنهما أحد، فحسن)(2). وهذا منصوص عليه في (مسائل النيروسي)، ورواه يحيى في (الأحكام) (3).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/303 ـ 304.
(2) ـ ما بين القوسين في الأحكام.
(3) ـ انظر الأحكام 1/313.

(41/10)


والأصل فيه أن الصحة شرط في وجوب الحج لقوله تعالى: {وَلِلَّه عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبِيْتِ مِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً} ومن يكون مفارقاً لحال الصحة بحيث لايثبت على الراحلة، لايكون مستطيعاً، فوجب أن لايلزمه الحج.
فإن قيل: فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة.
قيل له: كونهما مرادين بالآية لايمنع كون الصحة مرادة بها.
فإن قيل: فقد قلتم أن قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم جرى مجرى البيان لها، فلايجب أن يكون مقصوراً على بعض المراد.
قيل له: إذا كان الإشكال حصل في بعض المراد، فلايمتنع أن يكون البيان بياناً له، وكون الصحة من جملة الاستطاعة مما لايقع فيه إشكال، إذ هو معلوم من طريقة /163/ اللغة، والعرف، فكأنه قصد صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى بيان ما أشكل، دون ما ظهر واتضح.
فإن قيل: من يمكنه فعل الشيء بغيره لايمتنع أن يقال أنه مستطيع له، ألا ترى أن القائل يقول فلان يستطيع البناء، وهو يريد أنه يستطيعه بغيره؟
قيل له: هذا ضرب من المجاز، والمجاز لا يُثبت مراداً إلا بالدليل، ويدل على ذلك قول اللّه تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} والوسع هو الطاقة، فمن لم يطق الحج، لم يجز أن يكلَّفه.
ويدل على ذلك ما رواه ابن عباس أن امرأة من خثعم قالت: يارسول اللّه، إن فريضة اللّه سبحانه في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لايستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم. فدل ذلك على أن الحج لم يجب عليه، إذ لو وجب عليه، لم يجز أن تحج هي عنه، وإجازته صلى اللّه عليه وآله وسلم لها أن تحج عنه دليل على أنه لم يجب عليه.
فإن قيل: ففي هذا الخبر ما يدل على أن الحج وجب عليه، وهو أنها لما قالت فريضة اللّه على عباده أدركت أبي شيخاً كبيراً لايستطيع أن يثبت على الراحلة، فلم ينكر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قولها وقارَّها فدل ذلك على وجوب الحج عليه.

(41/11)


قيل له: يجوز أن تكون أرادت الحال التي معها يجب الحج أدركت، كما تقول الحائض أدركتنا الصلاة في موضع كذا، ومرادها وقت الصلاة، وأن يكون النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عرف ذلك من مرادها، فلم ينكر عليها.
فإن قيل: فهذا صرف لكلامها عن ظاهره.
قيل له: لايمتنع من ذلك للأدلة التي قدمناها، على أن كلامها لا ظاهر له؛ لأنها قالت: فريضة اللّه على عباده في الحج أدركت أبي، ومن فريضة اللّه في الحج، أمور مخصوصة من جملة الحج وقد علمنا أنه لايصح أن يقال أنها أدركته، ولاكانت تلك مرادها، فلا بد من التأويل لما ذكرناه، ولاخلاف أن القوي إذا لم يجد الزاد والراحلة، لم يلزمه الحج، فكذلك إذا عدم الصحة، والمعنى أنه عادم كمال الاستطاعة، فوجب أن لايلزمه الحج، وأيضاً لاخلاف أن الصبي والمجنون لاحج في مالهما، فكذلك من لايستقر على الراحلة، والعلة أنه لايلزم الحج في نفسه، وكل من لم يلزمه الحج في نفسه، لم يلزمه في ماله، وليس لأحد أن يقول إن الصبي والمجنون لما سقط عنهما التكليف جملة، سقط الحج، فلا يكون لعلتكم تأثير، وذلك أنه متعلق بأموالهما الحقوقُ، فهذا الحق ـ أعني وجوب الحج ـ لم يسقط عنهما إلا لأنه لم يلزمهما في أنفسهما، واستحسن أن يحج عن نفسه، أو يحج عنه غيره؛ لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أذن للخثعمية أن تحج عن أبيها بعدما ذكرت حاله.
مسألة: [في فروض الحج التي لا بدل لها، ماهي؟]
قال: وفروض الحج التي لابدل لها الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة.
نص في (الأحكام) (1) على أن الدخول في الحج هو الإحرام فلا يكون داخلاً فيه بغير الإحرام. ونص في (الأحكام) (2) و(المنتخب) (3) على أن من فاته الوقوف بعرفة، بطلت حجته.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/273 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر الأحكام 1/295 وهو بالمعنى.
(3) ـ انظر المنتخب 105 وهو بالمعنى.

(41/12)


ونص في (الأحكام) (1) على أن من فاته طواف الزيارة وخرج لزمه الرجوع له وأنه في حكم المحصر حتى يرجع ويطوف. فهذه النصوص تفيد الجملة التي ذكرناها، وهذه الجملة لاخلاف فيها، لأنه لاخلاف أن من قضى نسكه غير محرم، لايكون حاجاً، وكذلك لاخلاف أن من فاته الوقوف بعرفة، بطل /164/ حجه وأنه لايجبر بغيره إلا شيئاً. يحكى عن بعض الإمامية أن الوقوف بالمشعر يجزئ، والإجماع يحجهم، وكذلك قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( الحج عرفة )) .
وروى أبو الحسن الكرخي في (المختصر) ـ بإسناده ـ يرفعه إلى عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: (( الحج عرفات، الحج عرفات ـ ثلاثاً ـ فمن أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك)) .
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثنا شعبة، عن ابن أبي السفر، وإسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: سمعت عروة بن مُضَرِّس بن أويس الطائي، يقول: أتيت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بالمزدلفة فقلت: يارسول اللّه، جئت من طيء، ووالله ما جئت حتى أتعبت نفسي، وأنضيت راحلتي، وما تركت جبلاً من الجبال إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( من شهد معنا هذه الصلاة ـ صلاة الفجر ـ بمزدلفة وقد كان وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه ))(2) .
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/327 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/207 ـ 208 ولكنه قال: ((يا رسول الله، هل لي من حج وقد أنضيت راحلتي)) أما هذا الحديث المذكور فذكره بسند آخر في نفس الصفحة فليرجع إليه.

(41/13)


وروى ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ عن عطاء أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (( من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك الحج، ومن فاتته عرفة فاته الحج )) (1).
على أن الإمامية رووا أنه لايجوز الوقوف بعرفة عند الأراك، ورووا أن أصحاب الأراك لاحج لهم، فإذا كان العدول في الوقوف بعرفة من موضع إلى موضع يبطل الحج، فالأولى أن يبطل حج من لم يقف أصلاً.
وكذلك لا خلاف أن طواف الزيارة لايجبر بدم، وأن الإتيان به واجب، ويدل على ذلك قول اللّه تعالى: {لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلِيَطَّوَّفُوا بِالْبِيْتِ الْعَتِيْقِ}.
وقد اختلف في غير ما ذكرنا هل له جبر إذا فات؟ وعند يحيى ما عدا هذه الثلاثة يُجبر، وسنذكر ما يجب في ذلك في مواضعه.
مسألة: [في حكم الوقوف بالمشعر الحرام، والعمرة]
وأشار القاسم إلى وجوب الوقوف بالمشعر الحرام، وإلى أن العمرة غير واجبة.
المسئلتان على ما ذكرناه مذكورتان في (مسائل النيروسي).
وإذا قلنا بوجوب الوقوف بالمشعر، فلسنا نريد أن الحج يفوت بفواته كالوقوف بعرفة، وإنما المراد أنه يجب وجوب الرمي، والبيتوتة بمنى، ونحوه، والذي يدل على ذلك قول اللّه تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ}، والذكر هناك لايكون إلا مع الكون فيه.
ويدل على ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وقف فيه وقال: (( خذوا عني مناسككم )). وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( من شهد معنا هذه الصلاة ـ صلاة الفجر ـ بالمزدلفة، وقد كان وقف بعرفة ليلاً، أو نهاراً، فقد تم حجه )) .
فأما ما يدل على أن الحج يتم دونه، فقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( الحج عرفات، فمن أدرك عرفة قبل الفجر، فقد أدرك الحج )) ، وفيه دليل من وجهين:
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 3/225، وإسناده حدثنا أبو بكر، حدثا حفص بن غياث، عن ابن أبي ليلى، وابن جريح، به.

(41/14)


أحدهما أن قوله: (( الحج عرفات )) لايخلو من أن يريد به كمال الحج، أو يريد به استكمال الأركان التي لايتم الحج دونها، أو يريد امتناع طرو الفساد على الحج، وقد علمنا أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يرد كمال /165/ الحج؛ إذ قد ثبت أن الرمي، والكون بمزدلفة، والبيتوتة بمنى من الحج، فلم يبقَ إلا أن يريد استكمال الأركان التي لايتم الحج دونها، أو يريد امتناع طرو الفساد عليه، وأيَهما أراد صلى اللّه عليه وآله وسلم، ففيه دليل على أن الحج يتم دونه.
والوجه الثاني: قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( من أدرك عرفة قبل الفجر، فقد أدرك )) فجعل الوقوف إلى آخر جزء من الليل مجزئاً، وقد علمنا أن من وقف في ذلك الوقت، لم يلحق المشعر في وقته، فدل ـ أيضاً ـ أن الحج يتم دون الوقوف بالمشعر، ويدل على ذلك: ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ((كانت سودة امرأة ثبطة، ثقيلة، فاستأذنت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن تفيض من جمع قبل أن تقف بالمشعر، فأذن لها ولوددت أني كنت استأذنت فأذن لي)) (1) فلما أذن لها في ترك الوقوف بالمشعر، علمنا أن الحج يتم دونه؛ لأن ما لايتم الحج دونه لارخصة في تركه للمعذور، وغير المعذور، ويدل على ذلك أيضاً: ما روى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قدَّم النساء، والصبيان، وضَعَّفة أهله في السحر، ثم أقام هو حتى وقف بعد الفجر.
فصل: [في الاستدلال على عدم وجوب العمرة]
والذي يدل على أن العمرة غير واجبة [هو]:ـ حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: قيل يارسول اللّه، العمرة واجبة مثل الحج؟ قال: لا. ولكن أن تعتمر خير لك )).
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/210 وفيه سورة المرأة.

(41/15)


وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: سأل رجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الصلاة، والحج، أواجب؟ قال: ((نعم)). وسأله عن العمرة أواجبة هي؟ قال: ((لا، ولأن تعتمر خير لك)).
وروى أبو بكر الجصاص في (شرح المختصر) بإسناده يرفعه إلى طلحة بن عبيدالله أنه سمع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: (( الحج جهاد، والعمرة تطوع )) .
وروى ـ أيضاً ـ في هذا الكتاب ـ بإسناده ـ عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( الحج جهاد، والعمرة تطوع )) .
وروي في هذا الحديث ـ بإسناده ـ عن أبي صالح مرسلاً عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وذكر أنه قد روي عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم.
فإن قيل: روى ابن لهيعة، عن عطاء، عن جابر، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( الحج والعمرة فريضتان واجبتان )).
قيل له: ابن لهيعة قد قيل إنه ضعيف، كثير الخطأ، وما رُوى عن جابر من قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم حين سئل عن العمرة أواجبة قال: لا، أحسن سنداً منه. ويحتمل أن يكون المراد بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ـ إن صح الحديث ـ أنهما قد يكونان فريضتين واجبتين بالنذر، على أن أكثر ما في هذا أن يعارض حديثنا حديث جابر، فيسقط ويسلم لنا سائر ما ذكرناه من الأحاديث.
فإن قيل: فقد روي عن سمرة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (( أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا، واعتمروا )) والأمر يدل على الوجوب.
وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( أيها الناس /166/ عليكم بالحج والعمرة )) وذلك أيضاً يقتضي الوجوب.
قيل له: الخبران محمولان على أن المراد بالأمر الندب؛ للأدلة التي ذكرناها. فإن قيل: روي أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم سئل عن الإسلام، فذكر الصلاة، وغيرها، ثم قال: (( وأن تحج، وتعتمر )).

(41/16)


قيل له: لايمتنع كثير من العلماء من القول بأن النوافل من جملة الإسلام ولايمتنع ذلك عندنا، ولاحجة للقوم فيه.
فإن قيل: روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)). فدل ذلك على وجوبها.
قيل له: هذا لأن نستدل به، أولى من أن تستدلوا به؛ لأن المراد أن الحج ينوب عنها، ألا ترى أن أفعال العمرة كلها موجودة في الحج، ولايجوز أن يكون المراد أن العمرة واجبة كالحج؛ لأن ذلك لا يَجعل دخول الحج في العمرة بأولى من دخول العمرة في الحج، يكشف ذلك أنه لايصح أن يقال: دخلت الصلاة في الحج، أو دخل الصيام في الحج، وليس يمتنع أن يقال: دخل الوضوء في الغسل، يُراد به أن الغسل ناب عنه على مذهب من يرى ذلك، ويقال: إن أحد الحدين دخل في الآخر، إذا ناب أحدهما عن صاحبه، وإذا ثبت ذلك، ثبت أن من حج لم تلزمه العمرة، ولاقول بعد ذلك إلا القول بأنها سنة، وليست بواجبة.
فإن قيل: قول اللّه تعالى: {وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} يدل على وجوب العمرة.
قيل له: هو أمر بالإتمام وليس فيه دليل على وجوب الابتداء؛ لأنه يصح أن يقال: أتم الحج النفل، وأتم العمرة النافلة، وأتم الصلاة النافلة، فالأمر بالاتمام لايقتضي إيجاب الابتداء، فتكون الفائدة في ذلك إيجاب الإتمام بالدخول فيهما.
فإن قيل: فالأمر بالشيء يقتضي أنه أمر بما لايصح إلا به والاتمام لا يصح(1) إلا بالابتداء، فالأمر به يتضمن الأمر بالابتداء، فيحصل الابتداء بالعمرة واجباً.
قيل له: هذا كان يجب، لو ثبت أن من لم يدخل في العمرة مخاطب بالإتمام، فأما وذلك لم يثبت، وإنما خاطب من دخل فيها. فلا يجب ما ذكرتم، وهذا كما تقول: أوف بالنذر، أنه يوجب الوفاء إذا تقدم النذر، ولايوجب ابتداء النذر، وإن كان الوفاء بالنذر، لايصح إلا بتقدم النذر.
فإن قيل: ولم قلتم أنه خطاب يختص من دخل فيها؟
__________
(1) ـ في (ب): ولا تمام يصح.

(41/17)


قيل له: لأن الظاهر في الأمر بالإتمام أنه لايستعمل إلا فيمن ابتدأ، أو بشرط أن يبتدئ، كما لايقال: أوف بالنذر، إلا لمن نذر، أو مع إضمار ابتداء النذر، فيكون تقديره إذا نذرت، فأوف بالنذر، فعلى أحد هذين الوجهين يجب أن تحمل الآية.
فإن قيل: روي عن ابن مسعود أنه قرأ: {وَأَقِيْمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ}.
قيل له: هذه قراءة ليست بمشهورة، فإن صحت حمل على أن المراد بها الندب، كما قلنا فيما روي في معناه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم؛ للأدلة التي ذكرناها.
فإن قيل: روي أن سراقة بن مالك قال: يارسول اللّه، عمرتنا هذه لعامنا هذا، أم للأبد؟ فقال: (( لو قلت لعامكم لوجبت، ولو وجبت، لم يطيقوها )) ولولا أنها واجبة في الأصل لم يكن لقوله هذا معنى، بل كان يقول: هي غير واجبة في الأصل، وكان لايشك في وجوب تكرارها.
قيل له: المشهور من سؤال سراقة على خلاف هذا، وهو: ما رواه أبو داود في السنن يرفعه إلى عطاء ابن أبي رباح، قال: حدثني جابر، قال: أهللنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالحج، فقدمنا مكة لأربع خلون من ذي الحجة، فطفنا، وسعينا، فأمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن نُحِل وقال: (( لولا هديي، لحللت )). فقام سراقة فقال: يارسول اللّه، أرأيت متعتنا هذه، لعامنا /167/ هذا، أم للأبد؟ فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( بل هي للأبد )) فلم يكن ذلك سؤالاً عن العمرة وحدها، بل كان سؤالاً عن التمتع بالعمرة إلى الحج، والمراد به السؤال عن الحج، كما روي من سؤال الأقرع بن حابس في غيره، ويحتمل أن يكون بعض الرواة روى ذلك بلفظ العمرة، على أن ظاهر قوله: ((لو قلت لعامكم لوجبت)) يدل على أنها غير واجبة؛ لأن لو في كلام العرب موضوع لنفي الشيء لانتفاء غيره، وإذا كان هذا هكذا، فيحتمل أن يكون المراد به لو حضضت بها لهذا العام، لوجبت ووجب التكرار.

(41/18)


ويدل على ذلك من طريق النظر أنها عبادة مبتدأة لم يوقت شيء منها، فوجب أن تكون نفلاً، قياساً على الطواف النفل، واشترطنا كونها مبتدأة؛ لئلا تنتقض بالنذور؛ والكفارات. وقلنا لم يوقت شيء منها؛ لئلا يعترض عليها الإحرام للحج؛ لأنه من الحج، وعامته مؤقتة، ويشهد له سائر الفرائض؛ لأن كل فرض ابتدئ، فلا بد أن يكون مؤقتاً، ويؤكده سائر ما يتطوع به من الصلاة والصيام، لَمَّا لم تكن واجبة، لم تكن مؤقتة.
فصل: [كم مرة يجب الحج؟]
حكى أبو العباس الحسني ـ رحمه اللّه ـ عن القاسم عليه السلام أنه ذكر في مسألة النفي لوجوب العمرة أن الحج يجب مرة واحدة، واستدل بقوله تعالى: {وَلِلَّه عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبِيْتِ مِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً} فاقتضى فعل مرة واحدة، وهو صحيح؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، وإنما يقتضي فعل مرة واحدة؛ لأنه هو المعقول في الشاهد، ألا ترى أن من أمر عبده بفعلٍ، إنما يعقل منه وجوب الفعل مرة واحدة، وليس يجب أن يحمل الأمر على النهي؛ لأن النهي عن الشيء في الشاهد يعقل منه استدامة الانتهاء، ويدل على ذلك: ما رواه ابن عباس ـ رحمه اللّه تعالى ـ عن الأقرع بن حابس، أنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الحج فقال: ألعامنا هذا، أم للأبد؟ فقال: (( للأبد، ولو قلت نعم، لوجب )) فدل ذلك على أنه يجب في العمر مرة واحدة.
وروى ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ عن ابن عباس أن الأقرع سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، الحج في كل عام، أو مرة واحدة؟ فقال: ((لا، بل مرة واحدة، فمن أراد فليتطوع)) وروى أيضاً بإسناده عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نحوه(1).
وفي حديث زيد بن علي عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نحوه.
__________
(1) ـ أخرجهما ابن أبي شيبة في المصنف 3/430.

(41/19)


باب القول في الدخول في الحج والعمرة
[مسألة: في بيان أشهر الحج]
لاينبغي للحاج أن يهل بالحج في غير أشهره، وأشهر الحج شوال، وذو القعدة، والعشر الأُوَل من ذي الحجة، ومن أهلَّ بالحج في غير هذه الأشهر، فقد أخطأ، ولزمه ما دخل فيه. وهذا كله منصوص عليه في (الأحكام) (1).
ما ذهبنا إليه من أن أشهر الحج شوال، وذو القعدة، والعشر الأُوَل من ذي الحجة قد رواه أبو العباس الحسني ـ رحمه اللّه ـ بإسناده في (النصوص) عن علي عليه السلام. [و] لاخلاف فيه بين الفقهاء إلا في اليوم العاشر من في الحجة ما فمن الناس من ذهب إلى أنه ليس من أشهر الحج، وجعل آخرها التاسع من ذي الحجة، والصحيح ما ذهبنا إليه؛ لأنه لاخلاف أن ليلة النحر يجوز الوقوف فيها، والوقوف معظم الحج بالإجماع، وطواف الزيارة وقته يوم النحر، فصح بذلك أن اليوم العاشر من ذي الحجة معدود في أشهر الحج، على أن العشر عبارة عن الليالي، ولا إشكال في أن ليلة النحر من أشهر الحج لما بينا.
وقلنا: إن من أهلَّ بالحج قبل أشهره، يكون /168/ قد أخطأ وأساء، لقول اللّه تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٍ} ومعلوم أن المراد به أن وقت الحج أشهر معلومات؛ لأن الحج لايكون أشهراً، وإذا ثبت ذلك، لم تخل أشهر الحج من أن تكون وقت الاختيار للحج، أو وقت الإجزاء، ولايجوز أن يكون وقت الإجزاء؛ إذ قد دل الدليل على أنه يجزي في سائر الشهور، على ما نذكره بعد هذا، فوجب أن يكون ذلك وقت الاختيار، فإذا ثبت أنه وقت الاختيار، كان العدول عنه مكروهاً، كما ثبت أن العدول عن أوقات الصلوات ـ التي هي أوقات الاختيار ـ لغير عذر مكروهٌ، على أني لست اعرف في هذا خلافاً، فلا وجه للاستقصاء فيه.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/273 كما ذكره فيه ص 4 ـ 3 ـ 305 مفصلاً.

(42/1)


ويدل على أن من أهل بالحج قبل أشهر الحج، يلزمه ما دخل فيه قول اللّه تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيْتُ لِلَّنَاسِ وَالْحَجّ} فجعل جميع الأهلة مواقيت للناس، والحج، فوجب أن يصح الإحرام له في جميع الشهور.
فإن قيل: هو مخصوص بقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٍ}.
قيل له: بل يحتمل قوله: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٍ} على أنها وقت الاختيار، ويجري قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ} على عمومه.
فإن قيل: كيف صرتم أنتم باستعمالكم أولى منا باستعمالنا؟
قيل له: لأن الآية التي تعلقنا بها حقيقة فيما ادعيناه، ومفيدة له بظاهرها، والآية التي تعلقتم بها لابد من أن يدخل فيها الضمير، ويقدر بوقت الحج أشهر معلومات، فيصير مجازاً، ولايفيد بظاهرها ما ادعيتموه، فكان استعمالنا أولى من استعمالكم؛ لأنا قضينا بما هو حقيقة على المجاز، وأنتم قضيتم بالمجاز على الحقيقة.
فإن قيل: قوله تعالى: {مَوَاقِيْتُ لِلَّنَاسِ وَالْحَجّ} محمول على العمرة؛ لأن العمرة يقال لها الحج.
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: (( العمرة هي الحجة الصغرى )) فتكون الأهلَّة كلها مواقيت للعمرة.
قيل له: لو ثبت أن العمرة مرادة بالآية، كان حق العموم يقتضي أن تكون الأهلة كلها مواقيت للحج، والعمرة؛ لأن دخول الألف واللام على الحج يقتضي استغراق الجنس، كما اقتضى دخولهما على الأهلة استغراق الجنس، على أن إطلاق الحج يقتضي في عرف الشرع، وعرف اللغة، الحج المعهود، دون العمرة، وإن كان يجوز إطلاقه على العمرة، فلا يجب إذاً أن تكون العمرة مرادة بها؛ إذ الإطلاق لايتناولها.
فإن قيل: فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أهل بالحج في أشهر الحج وقال: (( خذوا عني مناسككم )) .

(42/2)


قيل له: إنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أهل في آخر ذي القعدة، فقد روى أبو داود في السنن ـ بإسناده ـ عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم مراقبين هلال ذي الحجة، فلما كان بذي الحليفة، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( من شاء أن يهل بحجة، فليهل، ومن شاء أن يهل بعمرة، فليهل )) ومع هذا فلا يجب أن يكون الإهلال بالحج في ذي القعدة.
فإن قيل: أجزنا العدول عن هذا الوقت للدلالة التي قلنا.
قلنا: وكذلك أجزنا العدول عن أشهر الحج للدلالة، على أن فعل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لايتناول موضع الخلاف؛ لوقوعه في وقت مخصوص من أشهر الحج، فإذاً نحن وأنتم سواء، ونقيس الأهلة التي قبل أشهر الحج على أشهر الحج في جواز /169/ الإهلال بالحج فيها، والعلة أنه زمان يصح أن يهل فيه بالعمرة، ولاخلاف أن من أهل بالحج في أشهر الحج، جاز، فكذلك إذا أهل قبله، والمعنى أنه أحرم بالحج مَن يصح منه عقد الإحرام، فوجب أن يجوز إحرامه به.
فإن قيل: أليس لايجوز الإحرام بالظهر قبل الزوال؛ لأنه إحرام به قبل وقته، فما أنكرتم أن لايجوز الإحرام بالحج قبل أشهره؟

(42/3)


قيل له: لسنا نسلم أن قبل أشهر الحج ليس بوقت للحج، فلا يلزم ما سألت، ونظير ما قلنا في ذلك من أحرم للظهر عند اصفرار الشمس لغير عذر، فإنه يكون مسيئاً، ويجزيه، فكذلك من أحرم بالحج قبل أشهره؛ لأنه عدول عن وقت الاختيار، أما قبل الزوال فليس بوقت للظهر على وجه من الوجوه، لا للإحرام، ولا للإختيار، على أنه لاخلاف أن الإحرام بالحج يصح في وقت لايصح أن يؤتى فيه بسائر أفعاله متصلاً به وليس كذلك الصلاة لأنه لايصح أن يفعل إحرامها إلا في وقت يصح أن يفعل فيه سائر أفعاله متصلاً بها، وجميع ما ذكرناه في هذا الباب يحج من زعم أن إحرامه لاينعقد، ويكون وجوده كعدمه، ومن زعم أنه ينعقد، وأنه لايجزي عن الحج، ويتحلل منه بعمل عمرة، على أن من قال أنه يكون للعمرة، فلا معنى لقوله؛ لأنه قد عقد الإحرام للحج، وقد قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( وإنما لكل(1) امرئ ما نوى )) ، وقال: (( الأعمال بالنيات )) على أن ذلك الوقت وقت لاينافي الإحرام بالإجماع، لأن المحصَر لو بقي على إحرامه إلى ذلك الوقت، لم يَنفِ ذلك إحرامه بالحج، فإذا صح أن يبقى فيه، صح أن يبتديه فيه.
مسألة: [في ذكر المواقيت]
قال: والمواقيت التي وقَّتَها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم خمسة، وهي مواقيت لأهل الآفاق، وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل نجد قرناً، ولأهل اليمن يلملم، فهذه مواقيت لأهلهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ومن كان منزله أقرب إلى مكة من هذه المواقيت، أحرم من منزله. جميعه منصوص عليه في (الأحكام) (2) إلا ما ذكرناه من حكم من يكون منزله أقرب إلى مكة من هذه المواقيت فإنه منصوص عليه في (المنتخب)(3).
__________
(1) ـ في (أ) و (ب): لامرءٍ ما نوى.
(2) ـ انظر الأحكام 1/273 وهو بلفظ قريب جداً.
(3) ـ انظر المنتخب 95.

(42/4)


والأصل فيه ما أخبرنا به أبو العباس الحسني قال: أخبرنا علي بن الحسن بن شيبه المروزي، قال: حدثنا موسى بن عمر بن علي الجرجاني، قال: حدثنا عمر بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا محمد بن جابر، عن أبي إسحاق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: وقَّت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل اليمن يلملم.
وأخبرنا أبو الحسين البروجردي، قال: حدثنا سفيان بن هارون القاضي، قال: حدثنا الزعفراني، قال: حدثنا سفيان، عن ابن طاووس، عن أبيه، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرناً، وهذه المواقيت لأهلها ولمن أتى عليها من غير أهلها لمن حج(1)، أو اعتمر، ومن كان أهله دون الميقات فمن ثَم ينشئ الحج حتى يأتي مكة، فهذه الأخبار نصوص فيما ذهب إليه يحيى عليه السلام. /170/ وذهبت الإمامية إلى أن ميقات أهل العراق قبل ذات عرق، وذلك لا معنى له، للأخبار التي تقدمت ولما أخبرنا به أبو العباس الحسني رحمه اللّه قال: أخبرنا علي بن الهيثم السعدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن دكين، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن عبدالأعلى، عن سويد بن غفلة، قال: خرجت مع علي عليه السلام، فأحرم من ذات عرق.
مسألة: [في مجاورة الميقات دون إحرام]
قال: ومن جاز بعض هذه المواقيت من غير أن يحرم فيها، وجب عليه أن يرجع إليها، ويحرم فيها، فإن لم يمكنه الرجوع إليها لعذر قاطع، أحرم وراءها قبل أن ينتهي إلى الحرم، ويستحب له أن يهريق دماً؛ لمجاوزة الميقات غير محرم. وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (2).
__________
(1) ـ في (ب): اعتمر أو حج.
(2) ـ انظر المنتخب 96 وهو بلفظ قريب، إلا أنه قال: إذا جاوزه متعمداً استحب له أن يهريق دماً.

(42/5)


وحكى أبو العباس الحسني عن يحيى بن الحسين عليه السلام في (كتاب الإبانة) القول بإيجاب الدم لمجاوزة الميقات، فيكون تحصيل المذهب فيه على الروايتين أنه إن جاوز الميقات، وأحرم، ولم يعد إليه، فالدم واجب، وإن رجع إليه، وأحرم فيه، فيكون قد ترك نسكاً واجباً، فأما إذا عاوده، وأحرم فيه، فلا يجب عليه دم؛ لأن المأخوذ عليه أن يقطع الميقات محرماً، بدلالة أنه لو أحرم قبل الميقات، وجاوزه محرماً، فلا شيء عليه، فكذلك إذا عاد، فأحرم فيه، أو قد حصل محرماً في الميقات، واستحببنا له أن يهريق دماً؛ لأن النقص قد لزمه، وإن لم يلزم حجة؛ لأن حجه قد انجبر لما كان من إحرامه في الميقات، فكونه ممن قد جاوزه غير محرم لا يرتفع، على أن أبا العباس الحسني ـ رحمه اللّه ـ ذكره في (النصوص) خلاف ما ذكره في (كتاب الإبانة). تحصيل المذهب فيه على أن مجاوزة الميقات لايوجب عند يحيى عليه السلام دماً، وذكر أن القاسم عليه السلام روى عن أمير المؤمنين عليه السلام فيمن جاوزه، لاشيء عليه، فإن صحت هذه الرواية لم يعدل عنها، وإلا فالأولى ما ذكرناه.
مسألة: [في غسل الإحرام، ولباسه]
قال: ومن انتهى إلى بعض هذه المواقيت، وأراد الإحرام، اغتسل.

(42/6)


قال القاسم عليه السلام: والغسل سنة، ولو كان جنباً، أو محدثاً، فلم يجد الماء، أجزأه تيمم واحد لصلاته وإحرامه(1) ثم لبس ثوبيه، رداءً ومئزراً، والمرأة تلبس القميص، والسراويل، والمقنعة وجميع(2) ذلك منصوص عليه في (الأحكام) (3)، في مواضع متفرقة(4) ، ونص في (المنتخب) (5) أيضاً على أنه لو ترك الغسل، أجزأه تحقيقاً لما رَوى عن جده أنه سنة، وقال في (المنتخب) (6): (يلبس ثوبين جديدين أو غسيلين). قد مضى في (كتاب الطهارة) الكلام في أن غسل الإحرام سنة.
وروى عن الناصر عليه السلام أنه قال بوجوبه، وهو غير صحيح؛ إذ لادليل عليه، ولأنه غسل اقتضاه أمر مستَقبل، فأشبه غسل الجمعة والعيدين، فوجب أن يكون نفلاً.
وقلنا: إنه إن كان جنباً، وأعوزه الماء، أجزأه التيمم؛ لأن التيمم إذا قام مقام الغسل من الجنابة ـ وهو أوكد لأنه فرض ـ كان لأن يقوم مقام غسل الإحرام أولى.
وقلنا: إنه يلبس رداءً ومئزراً؛ لأنه لاخلاف أن الرجل إذا أحرم فلا يجوز أن يلبس المخيط.
روى أبو داود في (السنن) بإسناده يرفعه إلى الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: سأل رجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ما يترك المحرم من الثياب فقال: (( لايلبس القميص، ولا /171/، البرنس، ولا السراويل، ولا العمامة، ولا ثوباً مسه ورس، ولازعفران، ولا الخفين، إلا أن لايجد النعلين، فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين )) .
__________
(1) ـ في (أ): ولإحرامه.
(2) ـ في (ب): جميع.
(3) ـ انظر الأحكام 1/273 حيث ذكر الغسل. وأما التيمم فذكره فيه ص 297 ولباس المرأة نص عليه في ص 303 والجميع بألفاظ مقاربة لما هنا.
(4) ـ في (أ): مفترقة.
(5) ـ انظر المنتخب 95.
(6) ـ انظر المنتخب 95.

(42/7)


وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا يزيد بن سنان، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، عن عمرو بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر أن رجلاً سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟ قال: (( لاتلبسوا السراويلات، ولا العمائم، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أن يكون أحد ليست له نعلان، فليلبس الخفين أسفل من الكعبين )) (1) .
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ربيع المؤذن، قال: حدثنا أسد، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن لبيبة عن عبدالملك بن جابر، عن جابر بن عبدالله، قال: كنت جالساً عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في المسجد، فَقَدَّ قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: (( إني أمرت ببدنتي(2) التي بعثت بها أن تقلد اليوم، وتشعر، فلبست قميصي، ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي )) وكان بعث ببدنته، وأقام بالمدينة(3).
وقلنا: إن المحرمة تلبس القميص، والسراويل، وَالمِقْنَعة؛ لأنه لاخلاف في جواز ذلك لها، وأن حكمها في هذا الباب مخالف لحكم الرجال.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/134 وفيه عمر بن نافع.
(2) ـ في (أ): بهذبي.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/138 وفيه عن عبد الرحمن بن عطاء بن لبيبة، وفيه متنه ويشعر على كذا وكذا.

(42/8)


وروى أبو داود في (السنن) وابن أبي شيبة ـ بإسنادهما جميعاً ـ عن ابن عمر أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى النساء في إحرامهن من القفازين، والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب. وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب، معصفراً، أو حذاء، أو سراويلاً، أو قميصاً، أو خفاً(1).
وقوله(2): يلبس ثوبين جديدين، أو غسيلين، تنبيهاً على أن الجديد لا يكره، فقد حكى ذلك عن بعض الناس فلا معنى له؛ لأن المأخوذ عليه في الثوب هو الطهارة، فالجديد إذاً كالغسيل.
مسألة: [في كيفية الإهلال بالإفراد والقران، وفي صلاة ركعتين بعد الإحرام، وفي شرط القران]
فإن كان في وقت صلاة فريضة، صلاها، ثم قال: اللهم إني أريد الحج، إن كان مفرداً، وإن كان معتمراً، قال: اللهم إني أريد العمرة، وإن كان قارناً قال: اللهم إني أريد الحج والعمرة، ولايجوز القران إلا أن يسوق بدنة من موضع الإحرام، يجب أن ينيخها في الميقات، ثم يغتسل، ويلبس ثوبي إحرامه، ثم يشعرها بشَق في شِق سنامها الأيمن حتى يدميها، ويقلدها فرد نعل، ويجللها، ثم يصلي الفريضة إن كان في وقتها، وإن كان في غير وقت فريضة صلى ركعتين للإحرام، ثم يقول: اللهم إني أريد الحج والعمرة معاً. جميعه منصوص عليه في (الأحكام) (3).
استحببنا أن يكون الإحرام بعقب صلاة مكتوبة، أو نافلة لما روي عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم صلى الظهر بذي الحليفة حين أراد الإحرام، روى ذلك أبو داود في (السنن) عنه.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 2/284 وإسناده أبو بكر حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى وسعيد وعبد الله، عن نافع، به.
(2) ـ في (أ): فقوله.
(3) ـ صلاة ركعتين أن تصلي الفريضة، نص عليها في الأحكام 1/274 بلفظ مقارب. والإهلال بحج الإفراد، نص عليه فيه ص 282. والإهلال بالقران وشروطه نص عليه في الأحكام 1/291 ـ 292 بلفظ قريب جداً.

(42/9)


واستحببنا أن ينطق بما ينعقد الإحرام به؛ لما روي أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نطق بما أهَلَّ، به وليكون ذلك أقرب إلى أن تُواطِئ النيةُ الإهلال.
فأما سوق البدنة للقارن، فقد قال أبو العباس الحسني(1) أنه إن قرن جاهلاً، ولم يسق، نحر بدنة بمنى، وحكى نحوه عن محمد بن يحيى عليه(2) السلام، ولم يذكر إيجاب دم لترك السوق، فاقتضى تحصيل المذهب أن يكون السوق للقارن مستحباً؛ لأن لو كان شرطاً في صحة الإحرام للقران، لكان /172/ الإحرام لاينعقد مع تركه، جاهلاً أو عالماً؛ لأن ما يكون شرطاً في صحته لاينفصل بين أن يترك مع العلم، أو الجهل، ولايجب أن يكون نسكاً واجباً؛ لأن النسك الواجب إذا تُرك، وجب جبره بإراقة دم، ولم يُذكر إيجاب الدم على من ترك السوق جاهلاً، فجعل المذهب أنه مؤكَد في باب الاستحباب.
والأصل فيه ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قرن، وساق.
وروى ابن أبي حاتم في (كتاب المناسك) عن عطاء، أن ابن عباس كان يأمر القارن أن يجعلها عمرة إذا لم يسق.
وروى في هذا الكتاب عن إسحاق بن راهويه أنه قال: مضت السُّنة عن(3) النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في القران بالسوق، والتمتع لمن لايقدر على السوق.
وروى عنه، عن مجاهد، والزهري أنهم كانوا لايرون القران إلا بسوق.
وقد روي نحوه عن علي بن الحسين، ومحمد بن علي عليهم السلام.
وأما الإشعار، والتقليد فالأصل فيه: ما أخبرني به أبو الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن اليمان، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا أبو مطر(4) عن هشام الدستوائي، عن أبي قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس، أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أشعر في الجانب الأيمن، وساق.
__________
(1) ـ في (أ): رحمه الله تعالى.
(2) ـ في (أ): عليهم.
(3) ـ في (أ): من.
(4) ـ في (ب): أبو مطر.

(42/10)


وأخبرنا أبو الحسين قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عام الحديبية قلد الهدي، وأشعر، وأحرم.
ويدل على أن التقليد نسك، قول اللّه تعالى: {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللّهِ} إلى قوله: {وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ}. والتقليد وجهه ما روى أبو داود في (السنن) يرفعه إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي عليه السلام قال: أمرني رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن أقوم على بُدْنِه، وأقْسِم جلودها، وجلالها، فدل على أنها كانت مجللة، وأن الجلال كانت في حكمها في تعلق النسك بها.
وكره أبو حنيفة الإشعار وقال: إنه منسوخ بما ثبت من النهي عن المثلة، ولأنه قياس على سائر البدن التي للجزاء، والكفارة؛ لأنها لا تشعر، وذلك غير صحيح؛ لأن المثلة هو الفعل الذي يقع على وجه العبث، أو شفاء الغيظ، ألا ترى أن قطع اليد، والرجل، وفقأ العين، وقطع الأذن من أعظم المثل، ثم السارق تقطع يده، وقاطع الطريق تقطع يده ورجله من خلاف، وتفقأ العين، وتقطع الأذن على وجه القصاص، ولايكون شيء من ذلك بمثلة(1)، فكذلك إشعار البُدَن؛ لأنه مفعول على وجه التأسي بالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولايقصد به العبث، وشفاء الغيظ، فلا يجب أن يكون مثلة، وأما قياسهم فمدفوع بالنص، وكل قياس يرفع(2) النص، فهو باطل، ولامعنى له.
مسألة: [في دعاء الدخول في الحج، وهل يجب الشرط في الحج]
قال: ثم يقول الحاج، والمعتمر، بعد ذكر ما أراد الدخول فيه، واستحضاره النية: فيسره لي، وتقبله مني، ومحلي حيث حبستني، أحرم لك ـ بكذا(3) وكذا، ثم يسمي حجته، أو عمرته أو هما جميعاً ـ شعري، وبشري، ولحمي، ودمي، وما أقلته الأرض مني.
__________
(1) ـ في (أ): مثله.
(2) ـ في (أ): يدفع.
(3) ـ في (أ): كذا.

(42/11)


وهذا منصوص /173/ عليه في (الأحكام) (1).
أما الاشتراط، فوجهه: ما رواه ابن عباس، وغيره أن صباغة بنت الزبير بن عبدالمطلب أتت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت: يارسول اللّه، إني أريد الحج أشترط؟ قال: نعم. قالت: فكيف أقول؟ قال: (( قولي لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الأرض حيث حبستني )) .
روى ذلك أبو داود في (السنن) ورواه ابن أبي حاتم في (المناسك)، قال ابن أبي حاتم: وروي عن علي عليه السلام، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وعمار، وابن عباس، وأم سلمة، وعائشة، أنهم كانوا يرون الشرط في الحج. قال: و[هو] (2) قول الليث بن سعد، وأما سائر الألفاظ فإنه استحبها لما ورد بها من الأخبار.
مسألة: [في لفظ التلبية]
قال: ثم يقول: لبيك، اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك، والملك، لا شريك لك، لبيك ذا المعارج لبيك، لبيك بكذا وكذا، ويذكر ما دخل فيه، لبيك، ثم يسير ويسبح في طريقه، ويهلل، ويكبر، ويقرأ، ويستغفر، فإذا استوى بظهر البيداء، ابتدأ التلبية، وليرفع صوته بالتلبية رفعاً متوسطاً، وكلما علا نشزاً، كبر، وكلما انحدر، لبى، ولايغفل التلبية الفينة بعد الفينة.
وجميعه منصوص عليه في (الأحكام) (3) أما التلبية الأربع فهي التلبية المشهورة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/274 لفظه: اللهم إني أريد ـ ويسمى ما أراد ـ رغبة مني فيما رغبت فيه ولطلب ثوابك وتحسرياً لرضاك فيسره لي وبلغني فيه أملي في دنياي وآخرتي، واغفر لي ذنوبي وامح عني سيئاتي وقني شر سفري واخلفني بأحسن الخلافة في أهلي وولدي ومالي ومحلي حيث حبستني أحرم لك شعري.. الخ.
(2) ـ سقط من (أ).
(3) ـ انظر الأحكام 1/274 ـ 275 وهو بلفظ مقارب.

(42/12)


أخبرنا أبو بكر المقري، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا المقدمي، قال: حدثني حماد بن زيد، عن أبان بن تغلب، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبدالله، قال: كانت تلبية رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لبيك إن الحمد والنعمة لك(1).
وأخبرنا المقرئ قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالكاً حدثه عن نافع، عن ابن عمر، أن تلبية رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كانت كذلك، وزاد: ((والملك لاشريك لك)) (2).
وأخبرنا المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ربيع المؤذن، قال: حدثنا أسد، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل المديني، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لبى في حجته كذلك(3).
وروى لنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي بإسناده عن الأعرج عن أبي هريرة أنه كان يقول: كان من تلبية رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: لبيك إله الحق لبيك(4).
وروى أبو داود في (السنن) يرفعه إلى جابر قال: أَهلَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فذكر تلبيته الأربع قال: والناس يزيدون: ذا المعارج، ونحوه من الكلام، والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يسمع، ولايقول لهم شيئاً، فدلت مقارته صلى اللّه عليه وآله وسلم لهم على ذلك على أنه إن زيد كان حسناً.
وروي عن كثير من أهل البيت عليهم السلام لبيك ذا المعارج.
وأما رفع الصوت بها فلما روي: (( أفضل الحج العج والثج )) والعج من العجيج، وهو الصوت.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/124.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/124.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/124.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/124.

(42/13)


وروى أبو داود في (السنن) بإسناده إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (( أتاني جبريل عليه السلام، وأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال )) أو قال: بالتلبية.
وقلنا: يبتدئ التلبية إذا استوى بظهر البيداء، لما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ربيع المؤذن، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا /174/ حاتم بن إسماعيل، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: إن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في حجة الوداع ركب ناقته فلما استوت به على البيداء أهل(1).
[وأخبرنا أبو بكر المقرئ قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا وهب، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن حسان، عن ابن عباس، أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم صلى بذي الحليفة ثم أُتي براحلته فلما استوت به على البيداء أهل](2).
وأخبرنا المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا وهب، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن ابن حسان، عن ابن عباس، أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم صلى بذي الحليفة ثم أتى براحلته فلما استوت به على البيداء أهل.
فإن قيل: يجوز أن يكون فعل ذلك على سبيل الإتفاق، لا على أن يكون النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قصد إلى ذلك.
قيل له: نحن نستحب الاقتداء به صلى اللّه عليه وآله وسلم في العبادات حتى يثبت ما ذكرت وذلك مما لادليل عليه.
فإن قيل: روي عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه، أنه قال: ما أهل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلا من المسجد. يعني من مسجد ذي الحليفة.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/120 أنه قال: ناقته القصوى.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/120 إلا أنه قال: أبي حسان.

(42/14)


قيل له: نحن نقول بالخبرين جميعاً فنقول أنه يحرم في المسجد إذا صلى، ثم يلبي، ثم يأخذ في غيره من الذكر حتى يستوي على ظهر البيداء، ثم يبتدئ التلبية منها، فنكون قد استعملنا الأخبار كلها.
وقلنا: كلما علا نشزاً، كبر، وكلما انحدر، لبى، ولايغفل التلبية الوقت بعد الوقت؛ لما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه كان يفعل ذلك، ويستحبه، واستحبه العلماء بعده؛ ولأن التلبية جارية في الإحرام مجرى التكبير من الصلاة، فكما استحب التكبير عند التنقل في الأحوال في الصلاة، فكذلك تستحب التلبية عند التنقل في الأحوال في الإحرام.
مسألة: [في المرأة تحرم للحج تطوعاً بغير إذن زوجها]

(42/15)


قال: ولو أن امرأة أحرمت بغير أذن زوجها بعد حجة الإسلام، فهو في أمرها بالخيار، إن أحب أن يمضي(1) بها حتى تقضي(2) ما اوجبته على نفسها، فعل، وإن أحب أن يمنعها من ذلك، وينقض إحرامها إن كان لايقدر على الذهاب بها، نقضه، وبعث عنها ببدنة، فتُنحر عنها، ويعتزلها إلى اليوم الذي أمر بنحرها. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3). ووجه قولنا أن للزوج أن يمنعها من الإحرام ـ إذا لم تكن حجتها حجة الإسلام ـ قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( لايحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم تطوعاً إلا بأذن زوجها)) فإذاً يثبت(4) بهذا الخبر أنها ممنوعة من حج التطوع؛ لأن كل واحد منهما تطوع يمنع الزوجَ عن استيفاء حقه منها ـ وأيضاً ـ لو لم يجز منعها من الإحرام، لجاز أن تستديم الإحرام حاجَّة، أو معتمرة، وذلك يؤدي إلى إبطال حقه رأساً، فإذا ثبت، كان له أن يحل إحرامها، وينقضه؛ لأنا لو لم نقل ذلك، عاد الأمر إلى أن لايمكنه استيفاء حقه منها، فعلى هذا يجب أن يكون ما ذكرناه من اعتزالها استحباباً إلى أن تُنحر البدنة، لما روي أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان لما بعث ببدنته من المدينة كف عما يكف عنه المحرم، وأما إن لم يبعث ببدنته، وأمر أن يشترى هناك، وينحر، فلا وجه لهذا الاستحباب.
وقلنا: إن الزوج ينحر عنها؛ لأن إفساد الحج تعلق به، ووقع من جهته، فوجب أن يتضمن ما لزمها من ذلك.
فإن قيل: فأنت لاتوجبون على السيد أن ينحر عن عبده إذا نقض إحرامه.
قيل له: [لأن] (5) العبد متعدٍ في إحرامه بغير إذن سيده/175/.
فإن قيل: إن الزوج استوفى حقه بنقض إحرامها، فوجب أن لايلزمه ضمان الدم.
__________
(1) ـ في (أ): تمضي.
(2) ـ في (أ): يقضى.
(3) ـ انظر الأحكام 1/334 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ في (ب): فإذاً ثبت.
(5) ـ سقط من (أ).

(42/16)


قيل له: والمحصر ـ أيضاً ـ يستوفي حقه بالإحلال، وذلك لايمنعه من لزوم الدم، ألا ترى أنه يستوفي حقه بالبرء إن كان مريضاً، أو بالتماس الأمن إن كان خائفاً من عدو، ومع ذلك يلزمه الدم، فكذلك لايمتنع أن يلزم الزوج الدم بنقض إحرامها، وإن كان مستوفياً حقه بذلك.
مسألة: [في المرأة تحرم حجة الإسلام بغير إذن وليها]
قال: فإن كان إحرامها بحجة الإسلام، فلا ينبغي له أن يمنعها، إلا لعلة قاطعة لها، أو لمن يكون مَحرماً لها من ولد، أو غيره، فإنه يمنعها ويهدي عنها. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
قلنا: إن كان إحرامها بحجة الإسلام لم يكن له منعها منها؛ لأن ذلك فرض من اللّه تعالى عليها ابتداءً، وكان مثل صوم شهر رمضان، والصلاة المكتوبة؛ لأن ذلك مستثنى من حقه عليها، والمسألة وفاق، وسائر ما ذكرناه في جواز فسخ إحرامها ـ إذا لم تكن أحرمت بحجة الإسلام لزوجها ـ لا يِعترض ما قلناه؛ لأنه ليس بتطوع ولأنه لايؤدي إلى استدامة إبطال حق الزوج؛ لأن حجة الإسلام لاتتكرر.
وقلنا: إنه يمنعها إن لم يكن لها مَحرم، لأن المحرم شرط في وجوب الحج عليها، والأصل فيه قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( لاتسافر المرأة بريداً فما فوقه إلا مع ذي محرم )) وقد مضى إسناده في باب قصر الصلاة. وروي: (( لاتسافر المرأة يوماً )). وروي: ثلاثة أيام. فدل ذلك على أن المرأة لايلزمها الحج إلا مع محرم.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/334 وهو بلفظ قريب.

(42/17)


وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، أنه سمع أبا معبد ـ مولى ابن عباس ـ يقول: قال ابن عباس: خطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالناس فقال: (( لاتسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم )) (1). فقام رجل فقال: يارسول اللّه، إني اكتُتِبت في غزوة كذا وكذا، وقد أردت أن احج بامرأتي. فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( احجج مع امرأتك )). فدل هذا الخبر من وجهين على أن المرأة لاتحج إلا مع مَحرم:
أحدهما: قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( لاتسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم )) فنهى عن السفر من غير محرم، والحج سفر، فصارت منهية عنه إلا مع محرم. والثاني: أن الرجل لما قال له صلى اللّه عليه وآله وسلم ما قال حين سمع ذلك، قال له: (( احجج مع امرأتك )) وأمره بترك الغزو الذي هو مفروض، ولم يقل له: إنها تحج وحدها، أو مع المسلمين، ولم يقل إن مرادي كان السفر الذي ليس بحج.
وروى أبو بكر الجصاص في (شرح المختصر) بإسناده عن نافع، عن ابن عمر، قال: جاءت امرأة اإلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت: يارسول اللّه، إن ابنتي تريد الحج، فقال: (( ألها محرم؟ )) قالت: لا. قال: (( فزوجيها، ثم لتحج )) فدل ذلك على أنها لاتحج إلا مع ذي محرم.
فإن قيل: روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه سئل عن الاستطاعة، فقال: (( الزاد، والراحلة )) ولم يذكر المحرم.
قيل له: يُجمع بين خبر الاستطاعة، وخبر المحرم، ويجوز أن يكون قال ذلك صلى اللّه عليه وآله وسلم لأن السائل كان رجلاً، وكان سأل عما يكون استطاعةً للرجل، على أنه لم يشترط الصحة، وهذا لم يمنع من كونها شرطاً، ألا ترى أن المفلوج، والْمُقْعَد لا يلزمهما الحج بأنفسهما.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/112 وفيه: ولا يدخل عليها رجل إلا معها ذو محرم.

(42/18)


فإن قيل: روي أن عائشة لما قيل لها أن أبا سعيد الخدري يفتي أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (( لايصلح للمرأة أن تسافر إلا ومعها محرم )) فقالت: ما لكلهن محرم.
قيل له: ذلك رأيٌ من عائشة لم /176/ ترفعه، فلا معتبر به، ـ وأيضاً ـ لاخلاف أنها لا تسافر للتجارة، والنزهة إلا مع محرم، فكذلك الحج، والمعنى أنه سفر تمنع العدة ابتداؤه، وهذا لاينتقض بالمهاجِرة، أو الخائفة، أو التي يموت المحرم عنها، وهي في موضع لايمكنها الإقامة فيه.
فإن قيل: فعائشة سافرت بغير محرم.
قيل له: لسنا نرى الاقتداء بها مع مخالفتها قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، على أن سفرها كان لمحاربة علي عليه السلام، وذلك مما يوجب لها الفسوق، والضلال، ولاخلاف أن هذا الجنس من السفر محظور، فكيف يحتج به؟ أو للتحريض على عثمان حين سافرت إلى مكة، وذلك عند مخالفينا يوجب شق عصا المسلمين، وقد قيل: إنها كانت أم المؤمنين، وكل من كان معها كان في حكم الإبن لها.
مسألة: [في العبد والأمة يحرمان بغير أذن سيدهما]
قال: وأما العبد، والأمة، فمتى أحرما بغير أذن سيدهما، فله أن يحل إحرامهما، وينقضه، ولايجب عليه لهما هدي، ومتى عُتقا، أهديا ما عليهما من الهدي، ومضيا لما كانا أوجبا على أنفسهما من حجهما.

(42/19)


وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1). ولاخلاف أن للسيد نقض إحرامهما(2) وإلا كنا قد جعلنا لهما السبيل إلى إبطال حق السيد بأن يستديما الإحرام، على ما بيناه في إحرام المرأة، ولم نوجب عليهما الدم في الحال؛ لأنهما لا يَملكان، ولم نوجب الضمان على سيدهما؛ لأن السيد لم يكن أذن لهما في الإحرام، فصارا فيه متعديين، فلا مسرح لضمان السيد ما كان من جنياتهما التي لاتختص بآدمي بعينه، أوجبان عليهما [الدم] (3) بعد العتق كما يجب على غيرهما من الأحرار، لدخولهما فيما دخلا فيه، وقد ملكا أنفسهما، فسبيلهما سبيل الأحرار في جميع ما يلزمهم، وقد كان إحرامهما منعقداً بدلالة قوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيْهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِيْ الْحَجِّ} فلم يخص عبداً من حر، وكون السيد مالكاً لفسخه لا يدل على أنه لم يكن منعقداً، كما أنْ ليس لكون الزوج مالكاً لفسخ إحرام زوجته دلالة على أنه لم ينعقد، ويقاس على الحر بعلة أنه مسلم، مكلف، عقد الإحرام على نفسه، فوجب أن ينعقد، فإذا ثبت أنه كان منعقداً، ثبت ما قلناه من أن حكمهما حكم سائر المسلمين في ذلك.
مسألة: [في اللفظ بغير النية عند التلبية]
قال: ولو أن رجلاً أراد الحج، فغلط، ولبى بعمرة، لم يلزمه مالفظ به، ووجب عليه أن يعود، ويلبي بما نوى من حجته، وكذلك لو أراد التمتع بالعمرة إلى الحج، فغلط، ولبى بالحج، لم يلزمه ما لفظ به مخطئاً، ولزمه ما عقد عليه من العمرة، وكذلك لو أهل بحجتين ناسياً، وكانت نيته حجة واحدة، لم يلزمه غير ما نوى من الحجة الواحدة.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/334 ـ 335 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ في هامش (أ) وهامش (ب): لأنا لو لم نجعل له ذلك كنا.
(3) ـ سقطت من (ب).

(42/20)


وجميعه منصوص عليه في (الأحكام)(1). والأصل فيه أن الإحرام منعقد بالنية، وإن تجردت عن التلبية، كما لا ينعقد [ما قاله الرجل] حاكياً أو قارئاً كتاب المناسك، وإذا ثبت ذلك، وجب فيمن عقد الإحرام بالحج، ناوياً له، ولبى بعمرة غلطاً منه، أن يلزمه الحج؛ لأن النية توجبه على ما بيناه، وسبيله سبيل من عقد الإحرام بالحج بالنية من غير تلبية تقارنه، في أن الحج يلزمه، ويكون سبيل تلبيته سبيل التلبية المجردة عن النية، في أنها لاتوجب إحراماً، فيلزمه ـ على هذا ـ ما نواه من حج، أو عمرة، ولايعتبر باللفظ غلطاً مما خالف عقده، وعلى هذه الطريقة يجري الكلام فيمن أحرم بحجتين ناسياً، وهو ناوٍ لحجة واحدة. وقد كان شيخنا أبو الحسين بن /177/ إسماعيل ـ رضي اللّه عنه ـ يذكر فيه وجهاً آخر، وهو أنه كان يقول: إن العمرة عبارة عن القصد كالحج، ويستدل بقول كُثير عزَّة:
ومعتمرٍ في ركْب عزة لم يكن ... يريد اعتمار البيت إلا اعتمارها
فإذا ثبت أنهما في أصل اللغة عبارتان عن أصل واحد، فأيهما أطلقت، أفادت ما تقارنها النية، وعقدته، كما أنه لو لبى بحجة ناوياً لها، لزمته، وكذلك لو لبى بعمرة ناوياً لها لزمته.
مسألة: [في الإهلال بحجتين عمداً]
قال: ولو أنه أهل بحجتين معاً ذاكراً لهما، وعقد عليهما، كان عليه أن يمضي في إحداهما، ويرفض الثانية إلى السنة المقبلة، ووجب عليه لرفضها دم، وعليه أن يؤدي ما كان رفضه في السنة المقبلة، وكذلك لو أهل بعمرتين معاً، وعقد عليهما، لزمه المضي في إحديهما(2) ورفض الأخرى، ووجب عليه لرفضها دم، وقضى التي رفضها. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/305 ـ 306 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ في (أ): إحداهما.
(3) ـ انظر الأحكام 1/305 ـ 306 وهو بلفظ قريب جداً.

(42/21)


والدليل على ذلك قول اللّه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} وهذا قد عقد على نفسه حجتين، فيلزمه الوفاء بهما حسب الإمكان.
فإن قيل: لسنا نسلم أنه قد عقد حجتين.
قيل له: ليس عقدهما بأكثر من أن يحرم ناوياً لهما، مُهِلاً بهما، وهذا مما لاخلاف فيه، وإنما الخلاف في انعقادهما، وإذا ثبت أن العقد قد حصل من جهته، لزمه الوفاء بظاهر الآية.
ويدل على ذلك قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( إنما لامرئٍ ما نوى )) وهذا قد نوى حجتين فيجب أن يكون له حجتان ـ وأيضاً ـ لاخلاف أنه يصح أن يعقد على نفسه الإحرام بحجة وعمرة معاً، فوجب أن يصح منه أن يعقد الإحرام بحجتين، والمعنى أن كل واحدة منهما عبادة تشتمل على الطواف، فوجب أن يصح الجمع بينهما في إحرام واحد، ويقال إن كل واحدة منهما عبادة يجب المضي في فاسدها، فوجب أن يصح الجمع بينهما في إحرام واحد، على أنه إذا صح الجمع بين الحج والعمرة للشَبه الذي بين أفعالهما، كان الأولى أن يصح الجمع بين الحجتين، لأن الشبه بينهما أقوى، وكذلك الجمع بين العمرتين، يبين ذلك أن الجمع بين إحرامي الصلاتين لَمَّا لم يصح، لم يختلف بين أن تكون الصلاتان من جنس واحد، أو من جنسين، فكذلك الجمع بين الإحرامين لما صح، وجب أن لايكون فرقاً بين أن يكونا بجنس واحد، أو بجنسين.
فإن قيل: يصح الجمع بين العمرة والحج؛ لأنه يصح المضي فيهما ولايصح الجمع بين الحجتين ولابين العمرتين لأنه لايصح المضي فيهما.

(42/22)


قيل له: تعذر المضي لايمنع صحة العقد ألا ترى أن الإنسان قد يجرم بالحج، وإن علم أنه يتعذر المضي فيه لعذر يصده، أو مرض يصدفه، ومع ذلك يصح العقد، وكذلك لو أحرم بالحج في زمان يعلم أنه لايلحق الحج فيه، ينعقد إحرامه، ولايمنع من صحته تعذر المضي، فيه فإذا ثبت ذلك لم يقدح فيما ذكرنا من انعقاد إحرامه بحجتين أو عمرتين تعذر المضي فيهما، يبين ذلك أن الإنسان قد يتمتع بالعمرة إلى الحج ثم يتعذر عليه المضي لضيق الوقت، ولا يمنع ذلك صحة الإحرام.
فإن قيل: فإنه مندوب إلى الجمع بين الحج والعمرة، وليس بمندوب إلى الجمع بين الحجتين، أو(1) /178/ العمرتين.
قيل له: كونه غير مندوب إلى الجمع بين الحجتين، أو العمرتين، لايمنع ذلك صحة الإحرام بهما عندنا؛ لأنا نذهب إلى أن من أحرم بالحج قبل أشهر الحج، يكون قد فعل مالم يُندب إليه، ويكره له، ومع هذا فإن إحرامه ينعقد بالحج.
فإن قيل: لَمَّا لم يصح أن يكون الوقوف بعرفة عن حجتين، لم يصح أن يكون الإحرام إحراماً بحجتين.
قيل له: الوقوف قد ثبت أنه لايكون في السنة الواحدة إلا بحجة واحدة دون ما سواها، فلم يصح أن يكون بحجة أخرى، والإحرام الواحد يصح أن يكون بحجة وعمرة، فلم يمتنع أن يكون بحجتين.
فإن قاسوا الدخول في حجتين في أنه لايصح، على الدخول في الصلاتين، والصيامين، قُلِب ذلك عليهم بأن يقال لهم: إن الدخول في الصلاتين، والصيامين، لايختلف بين أن تكون الصلاتان من جنس واحد، أو من جنسين، وكذلك الصيامان، فوجب أن لايختلف حكم الإحرام بين أن يكون إحراماً بجنس واحد، وبين أن يكون إحراماً بجنسين ـ وأيضاً ـ لاخلاف أن الإحرام بالحج يوجبه، كالنذر به، فوجب أن يصح وجوب حجتين بالإحرام، كما صح وجوبهما بالنذر، والعلة أن كل واحد منهما يوجب الحج.
فإن قيل: النذر يوجبهما في الذمة، فكذلك(2) جاز أن يجتمع وجوب الحجتين.
__________
(1) ـ في (أ): و.
(2) ـ فلذلك ظ.

(42/23)


قيل له: فالدخول أيضاً يوجبهما في الذمة، ثم يمضي في إحداهما بعد الأخرى، كما أنه إذا أوجب على نفسه حجتين، وجبتا، ثم يمضي(1) في إحداهما بعد الأخرى وعلى هذا النحو يجري الكلام في العمرتين فإذا ثبت ما ذكرناه فلا خلاف في أن عليه رفض إحداهما وأنه يجب عليه بعد ذلك قضاؤها، ودم لرفضها، كالمحصر الذي قد رفض ما دخل فيه لتعذر المضي في عمله.
مسألة: [في التلبية عن الأخرس]
قال القاسم عليه السلام في الأخرس الذي لايقدر على التلبية أنه لايجب أن يُلَبَي عنه.
وهذا منصوص عليه في (مسائل النيروسي).
والأصل فيه ما نذكره من بعد مِن أَنَّ تركها لايوجب شيئاً، فإذا ثبت، كان الأخرس أولى أن يكون معذوراً فيه، وأن لا تجب التلبية عنه.
مسألة: [في العمرة أهي للشهر الذي أهل بها فيه، أم للذي تحل فيه؟]
قال: والعمرة تكون للشهر الذي عقدت فيه، دون الشهر الذي يحل منها فيه، فلو اعتمر رجل من بعض البلدان في شهر رمضان، ودخل مكة في شوال، فطاف، وسعى، ورحل، وأقام بها إلى وقت الحج، لم يكن متمتعاً، وكذلك إن اعتمر بعد تلك العمرة، فإن أراد الحج، كان حكمه حكم أهل مكة، ولم يجب عليه دم. جميعه منصوص عليه في (الأحكام) (2)، وروي نحو قولنا عن عطاء، وأبي ثور.
والدليل على أن عقد العمرة إذا كان قبل أشهر الحج، لم يكن تمتعاً، ما روي أن أهل الجاهلية كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور فأنزل اللّه تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} فدل ذلك على أن المراد إيقاع العمرة في أشهر الحج؛ لما فيه من الرد على أهل الجاهلية على ما روي، تقديره: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج في أشهر الحج، ومن أوقع الإحرام بالعمرة قبل أشهر الحج، لم يكن موقعاً في أشهر الحج، وإنما يكون موقعاً بعضها فيها، فوجب أن لايلزمه حكم الآية، وأن لايجب عليه دم.
__________
(1) ـ في (أ) مضى.
(2) ـ انظر الأحكام 1/306 ـ 307 وهو بلفظ قريب.

(42/24)


وأيضاً لاخلاف أن من استوفى جميع أعمال عمرته قبل أشهر الحج أنه لايكون متمتعاً، فكذلك إذا ابتدأها قبل أشهر الحج، والمعنى أنه عقد /179/ إحرامها قبل أشهر الحج، ـ وأيضاً ـ اليسير من أعمالها لو فعل في أشهر الحج، والأكثر منها فعل قبلها، لم يكن متمتعاً، فكذلك وإن فعل الكثير(1) منها بعد أشهر الحج، والعلة أن بعض عمرته حصل قبل أشهر الحج.
فإن قاسوا من أوقع أكثر أعمال عمرته في أشهر الحج على من أوقع جميعها فيها، بعلة أن أكثر أعمالها في أشهر الحج، لم يصح ذلك، وذلك أن من استوفى جميع الأفعال، لايقال أنه فعل أكثرها، ألا ترى أنه لايقال صام أكثر شهر رمضان لمن صام جميعه، ولايقال: صلى أكثر صلاة يومه لمن صلى جميعها؟ ونظائرها اكثر من أن تعد، فإذا صح ذلك، لم يؤخذ وصفهم في الأصل، على أن قياسهم لو صح، لوجب أن يكون قياسنا أولى، وذلك أنا وجدنا كل زمان كان فيه لانتهاء(2) العمرة حكم، كان فيه لابتدائها مثل ذلك الحكم؛ لأن الأوقات التي تكره فيها العمرة، حكم انتهائه(3) حكم ابتدائها، وكذلك الأوقات التي لاتكره فيها، فإذا ثبت ذلك، فالواجب أن يكون ابتداء العمرة في أشهر الحج.
فإن قيل: التمتع هو الإحلال من العمرة في أشهر الحج، فمتى وقع الإحلال منها، حصل التمتع.
قيل له: [هذا] فاسد، وذلك أنه لو صادف آخر جزء من العمرة آخر شهر رمضان، لم يكن متمتعاً وإن كان الإحلال يقع في شوال، فبان أن الذي ذكروه لامعتبر به، على أنه لايصح لأبي حنيفة من وجه آخر، وهو أن المتمتع(4) عنده ليس من الإحلال في شيء؛ لأنه يذهب إلى أن المتمتع لو ساق هدياً، لم يكن له أن يُحل، ويكون مع ذلك متمتعاً.
__________
(1) ـ في هامش (ب): الأكثر نخ.
(2) ـ في (أ): لابتداء العمرة حكم كان فيه لانتهائنا.
(3) ـ في (أ) وهامش (ب): ابتدائها حكم انتهائها.
(4) ـ في (أ): التمتع.

(42/25)


وقلان: إنه إن اعتمر بعد ذلك لم يخرج عن حكم أهل مكة ولم يكن له تمتع لن عقد الإحرام بالعمرة في غير أشهر الحج إذا كان يسقط حكم التمتع الموجب للدم فالاعتمار بعده وهو بمكة لايعيده.
وهذا يدل على أن يحيى عليه السلام يذهب إلى أن أهل مكة لهم أن يتمتعوا، ولكن لادم عليهم، وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة: يكون من فعل ذلك من أهل مكة مسيئاً، وعليه للإساءة دم.
والذي يدل على ما ذكرناه قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} وقوله سحانه: {فَمَنْ فَرَضَ فِيْهِنَ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ}، ولم يختص مكياً من غيره، فاقتضى العموم أن لهم أن يحجوا، أو يعتمروا كما لغيرهم ذلك.
وفي حديث زيد بن علي عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( أيها الناس عليكم بالحج والعمرة، فتابعوا بينهما )) فكان ذلك خطابا طعاماً لجميع الناس، المكي منهم، وغير المكي.
وعن سمرة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: (( أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا، واعتمروا )) .
فإن قال: قال اللّه تعالى: {ذَلك لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}.

(42/26)


قيل: الخطاب مما يدل على التمتع الموجب للدم، وكذلك نقول أن التمتع الموجب للدم لا يكون لأهل مكة وإنما اختلفنا في التمتع الذي لايوجب الدم وقد قيل في هذا أن قوله ذلك راجع إلى الهدي، دون /180/ التمتع، فإذا قيل لهم: لو كان المراد به الهدي، لقال: ((ذلك على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)) ولم يقل: ((ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)). قالوا: لايمتنع أن يقال وجوب ذلك لهم، ويراد عليهم، كما يقال وجوب الحج للأغنياء، ولزوم الحج للمطيقين، ونحوه، و ـ أيضاً ـ فإن المكي قياس على غيره في أنه يصح له أن يعقد الإحرام بالحج بعد العمرة في أشهر الحج، بمعنى أنه ممن يصح أن يخاطب بالحج على أن صحة إحرامه لا يخالف فيه أبو حنيفة، وإنما يخالف في أنه يكون مسيئاً، والإساءة لادليل عليها، وهذا القياس يمكن أن يجعل قياساً على نفي الإساءة.
فإن قيل: كيف تقولون ذلك وقد قال يحيى عليه السلام في (الأحكام) (1) بعد هذه المسألة: (وحكمه حكم أهل مكة، وليس هو من المتمتعين)؟.
قيل له: مراده أنه ليس من المتمتعين الذين يلزمهم الهدي، فقد بين ذلك في آخر المسألة.
مسألة: [في الرجل يعتمر ثم يجاوز ميقات بلده، ثم يحرم بعمرة، هل يكون متمتعاً ويلزمه دم؟]
قال: فإن خرج هذا الرجل إلى ميقات بلده، فجاوزه، ثم عاود(2) محرماً بعمرة، أو عاد، وأحرم بها بمكة، أو فيما بين ذلك، صار من المتمتعين، ولزمه الدم. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3).
قال أبو حنيفة: لايكون متمتعاً إلا أن يرجع إلى أهله. وقال أبو يوسف، ومحمد مثل قولنا. ووجه ما ذهبنا إليه قول اللّه تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وهو قد حصلت له العمرة، والحج في أشهر الحج، فاقتضى الظاهر أنه متمتع، وأنه يلزمه الدم.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/307.
(2) ـ في (أ): عاد.
(3) ـ انظر الأحكام 1/307 ـ 308 وهو بلفظ قريب.

(42/27)


ويدل على ذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِيْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، وهذا أهله غير حاضري المسجد الحرام، فوجب أن يكون متمتعاً، وأن يلزمه الدم، و ـ أيضاً ـ لاخلاف أنه لو لم يكن بمكة، فاعتمر من الميقات في أشهر الحج، ثم حج، لكان حكمه حكم المتمتع، فكذلك وإن حصل بمكة، والعلة أنه اعتمر من الميقات في أشهر الحج، ثم حج سنته، ولايخالفنا أبو حنيفة في أنه لو كان رجع إلى أهله، ثم عاد، لكان متمتعاً، فكذلك إذا جاوز الميقات، ثم عاد، قياساً عليه بعلة أنه قد أنشأ العمرة من الميقات، فاعتبار الميقات في هذا الباب أولى من اعتبار الوطن؛ لأن تأثير الميقات في الحج والعمرة أوكد من تأثير الوطن، فالاعتبار به أولى من الاعتبار بالوطن؛ لأن تعلق أحكام الإحرام به أقوى.
مسألة: [فيمن أهل بعمرة وهو محرم بحجة أو هل تدخل العمرة على الحج؟]
قال: ومن جهل، فأهل بعمرة ـ وهو محرم بحجة ـ رفض العمرة، وقضاها بعد الحج، وعليه لرفضها دم.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و (المنتخب) (2).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/308 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر المنتخب 106 وهو بلفظ قريب.

(42/28)


إدخال العمرة على الحج مكروه على ما ذكره يحيى عليه السلام من قوله: ((من جهل فأهل)) وقال أيضاً في آخر هذه المسألة: ((العمرة لاتدخل على الحج)) فلم يكن لهذا الكلام مع تنصيصه على انعقادها وجه إلا الكراهة. فأما مالك فإنه يذهب إلى أنها لا تنعقد، فالذي يدل على أنها تنعقد ما قدمناه من الكلام في الإهلال بحجتين، أو عمرتين من أن الإحرام بهما يصح، وتعذر المضي في إحداهما لايمنع صحة انعقاده، على ما بيناه، ولاخلاف أن إدخال الحج على العمرة صحيح، فوجب أن يصح إدخال العمرة على الحج؛ لأنهما نسكان يصح الجمع بينهما، أو يقال يصح إدخال إحداهما على الأخرى. فأما كونه مكروهاً، فهو مما لا أحفظ فيه خلافاً، ونهيُ عمر عنها بقوله: ((متعتان كانتا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنا أنهى عنهما، وأعاقب على فعلهما)) في وفور من الصحابة، ومحضر منهم، يدل على /181/ ذلك؛ لأن إحدى المتعتين المذكورتين هي إدخال العمرة على الحج؛ إذ لاخلاف أن التمتع بالعمرة إلى الحج غير منهي عنه، وإذا ثبت بما بينا أنها تنعقد، فيجب رفضها؛ لأن المهل بالحج، قد لزمته أعمال الحج واستغرقته، ولايصح منه المضي في العمرة.
فإن قيل: أليس القارن تلزمه أعمال الحج، ويلزمه مع ذلك المضي في أعمال العمرة؟

(42/29)


قيل له: إن القارن يلزمه أعمال الحج، وأعمال العمرة معاً، فلا تكون أعمال الحج مستحَقة عليه على طريق الانفراد، والتعيين، وليس المهل بالحج كذلك، لأنه مستحق عليه أعمال الحج على الانفراد والتعيين، فلم يجز له المضي في أعمال العمرة على أنه لاخلاف بيننا وبين أبي حنيفة أن المهل بالحج لو طاف، ثم أدخل عليه عمرة، بعد الطواف أنه يلزمه رفضها، فكذلك إذا ادخل عليها قبل الطواف، والمعنى أنه ادخل عمرة على حجة، فكل من أدخل عمرة على حجة، فيجب أن يلزمه رفضها، على أنه لايخالف في أن ذلك يكره، فلو كان سبيل من أدخل العمرة على الحج قبل الطواف على ما ذهب إليه سبيل القارن، لم يكن ذلك مكروهاً، ولم يكن الفاعل له مسيئاً، على أن نهي عمر عن ذلك لايفرق بين إدخال العمرة قبل الطواف، أو بعده، فهو على الحالين فدخل عمرة على حجة، وإذا ثبت ذلك صح ما ذكرناه من أن المضي في عمل العمرة لايصح على الحالين؛ إذ لاوجه للنهي عن ذلك، ألا ترى أن القران الذي يصح معه المضي في عمل العمرة صح، والحج غير مكروه، ولامنهي عنه؟ وإذا ثبت أنه يلزمه رفضها، فلا خلاف في لزوم قضائها؛ لأن العمرة تجب بالدخول فيها بالإجماع، كالحج، وإذا رُفضت، أو فَسدت، لزم قضاؤها، ولا خلاف في لزومه الدم لذلك، ولأنه كالمحصر؛ لأنه ممنوع من المضي فيما دخل فيه فيلزمه دم، كما لزم المحصر.
مسألة: [هي العمرة أيام التشريق]

(42/30)


قال: ومن كان عليه قضاء عمرة رفضها، لم يجز له قضاؤها حتى تمضي أيام التشريق، وكذلك من أراد أن يتطوع بعمرة، فلا يتطوع بها حتى يمضي هذه الأيام. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1) و (المنتخب) (2). وذكر يحيى عليه السلام أنه مروي عن أمير المؤمنين ـ صلوات اللّه عليه ـ وقد روي ذلك عن عائشة، فإذا روي ذلك عنهما، ولم يرو خلافه عن احد من الصحابة، جرى مجرى الإجماع، على أنا لانتعدى ما ثبت عن أمير المؤمنين عليه السلام، وقد روى ابن أبي شيبة عن طاووس نحو قولهما.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/308 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر المنتخب 106 .

(42/31)


باب القول فيما ينبغي أن يفعله المفرد والقارن والمتمتع
[مسألة في الاغتسال لدخول الحرم]
يستحب للحاج والمعتمر إذا انتهى إلى الحرم أن يغتسل. وهو منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2). ووجهه ما ذكره أبو العباس الحسني رضي الله عنه في (النصوص) أنَّه روي أن علياً، والحسن، والحسين، ومحمد بن علي عليهم السلام، كانوا يغتسلون بذي طوى. وروى نحوه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولأنه لما أراد دخول ذلك الموضع الذي عظمت حرمته، كان الغسل مستحباً [لما] (3) فيه من التطهر وإماطة الروائح الكريهة، كغسل الجمعات، والعيدين، ونحو ذلك.
مسألة: [في كيفية طواف القدوم وجواز تأخيره]
قال: والمفرد للحج إذا دخل مكة، إن شاء طاف، وسعى قبل الخروج إلى منى، وإن شاء ترك ذلك حتَّى يرجع، فإن أحب الطواف، دخل المسجد متطهراً، فإن(4) اغتسل كان أولى، ثُمَّ ابتدأ الطواف من الحجَر الأسود حتَّى يأتي باب الكعبة، ثُمَّ يأتي الحجر، ثم يأتي الركن اليماني، ثُمَّ يعود إلى الحَجَر، فيفعل ذلك حتَّى يطوف سبعاً، يرمل في ثلاثة، ويمشي في الرابعة الباقية، ويستلم الأركان كلها، وما لم يقدر عليه /182/ منها، أشار بيده إليه. وجميعه(5) منصوص عليه في (الأحكام)(6).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/278 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر المنتخب 106 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ ما بين المعكوفين في هامش (ب).
(4) ـ في (ب): وإن.
(5) ـ في (ب): جميعه.
(6) ـ انظر الأحكام 1/278 ـ 279، وما ذكره من وقت الطواف والسعي فنص عليه فيه 1/282 ، 287 إلا أنه لم يذكر أنه يأتي الحجر.

(43/1)


قلنا: إنَّه إذا دخل مكة، طاف، وسعى إن شاء قبل الخروج إلى منى لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعله. وروى عن جابر أنَّه قال: أهلَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأهللْتُ معه بالحج خالصاً حتَّى قدمنا مكة، فطفنا بالبيت، وبين الصفا والمروة. وعن طاووس(1) بن شهاب، عن أبي موسى الأشعري قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: بما أهللت؟ فقلت: إهلالاً كإهلال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال: ((أحسنت، طف بالبيت، وبين الصفا والمروة)). ولا خلاف في ذلك، وإنَّما الخلاف في وجوبه، وسيأتي الكلام فيه من بعد.
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: أول ما يدخل مكة، فيأتي(2) الكعبة، فيمسح بالحجر الأسود، ويكبر، ويذكر الله، ويطوف، فإذا انتهى إلى الحجر الأسود، فذلك شوط، فليطف، كذلك سبع مرات.
ولا خلاف أن الطواف يبدأ من الحجر الأسود إلى جانب الباب، ثُمَّ الحجر، وعلى ذلك فعل الخلف والسلف.
وقلنا: إنَّه يرمل في ثلاثة، ويمشي في أربعة. لما: أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا أبو جعفر الطحاوي، حدثنا محمد بن خزيمة وفهد قالا: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني(3) الليث، حدثني بن الهاد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طاف في حجة الوداع سبعة، يرمل في ثلاثاه، ويمشي في أربعة(4).
وروى أبو جعفر(5) ـ بإسناده ـ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سعى ثلاثة، ومشى أربعة، حين قدم في الحج والعمرة حين كان اعتمر. فكثرت الروايات في ذلك.
__________
(1) ـ في (ب): وعن طارق.
(2) ـ في (ب): يأتي.
(3) ـ في (ب): حدثنا.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/181 وفيه حدثني الهاد.
(5) ـ أخرجه الطحاوي في معاني الآثار 2/181.

(43/2)


وذهب قوم إلى أن الرمل ليس بمسنون، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد فعل ذلك، وأمر به أصحابه ليُرِى المشركين جلَدهم، و[هذا لا معنى له] (1)؛ إذ قد روي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قد فعل ذلك في حجة الوداع، فمعلوم أنَّه سنة؛ لأنَّه لم يكن يحتاج يومئذٍ إلى أن يُظهر ذلك للمشركين؛ إذ كانوا قد ذلوا، وتبددوا، و ـ أيضاً ـ لو كان الغرض ذلك، لم يكن يقتصر بالرمل ابتداءً على ثلاثة أشواط، بل [و] (2) كان يزداد تارة، وينقص أخرى، فلما أطلقت الروايات بأنه رمل في ثلاثة، ومشى في أربعة، عُلم أنَّه مسنون.
وقلنا: يستلم الأركان كلها لما: أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا فهد، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير بن معاوية، حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: كنا نستلم الأركان كلها(3).
وروى أبو داود في (السنن) بإسناده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طاف في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن.
وروى مثله عن صفية بنت شيب. وذلك يقتضي العموم. وروى(4) ابن أبي شيبة عن سويد بن غفلة أنَّه كان يستلم الأركان. وروى مثله عن عطاء، عن يعلى بن أمية. وقلنا: إن لم يقدر على الاستلام أشار بيده، لما روى أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم استلم بمحجن. وذلك يجري مجرى أن يشير.
وقد روى ابن أبي شيبة بإسناده، عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طاف بالبيت على بعير، فكان إذا أتى الحجر الأسود، أشار إليه.
مسألة [فيماذا يقال عند استلام الأركان، وفي كيفية صلاة ركعتي الطواف]
__________
(1) ـ سقط من (ب).
(2) ـ زيادة في (أ).
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/183.
(4) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/366.

(43/3)


قال: ويقول عند استلامه: {رَبَّنَا آتِنَا فِيْ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِيْ الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، ويسبح الله، ويهلله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الطواف، فإذا فرغ منه، صلى ركعتين إزاء(1) مقام إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم، وقرأ في الأولى بالحمد، وقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية بالحمد، وقل هو الله أحد، وإن شاء قرأ في الأولى بقل هو الله أحد، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، أو بغيرهما من مُفَصَّل السور. وجميعه منصوص عليه في (الأحكام)(2).
وروى أبو داود في (السنن) بإسناده عن عبد الله بن السائب، قال: سمعت النبي(3) صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما بين الركنين {رَبَّنَا آتِنَا فِيْ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِيْ الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
وروى ابن أبي شيبة ـ أيضاً ـ بإسناده، عن رجل من خزاعة كان أميراً على الحاج، أنَّه خطب، وقال: إن النبي صلى الله عليه آله وسلم قال: ((يا عمر إنك رجل شديد، تؤذي الضعيف، فإذا طفت بالبيت، فرأيت خلوة، فادن منه، وإلاَّ فكبر، وهلل)) (4).
وروى ابن أبي شيبة(5) ـ أيضاً ـ بإسناده، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إذا حاذيت به، فكبر، فاذكر الله، وادع، وصل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
__________
(1) ـ في (ب): وراء.
(2) ـ انظر الأحكام 1/279 ـ 280 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ رسول الله في (ب).
(4) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/171 وفيه فرأيت من الحجر خلوة، وزاد في آخره: وامض، وإسناده حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي يعفور، به.
(5) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 3/171 وإسناده: حدثنا أبو بكر، حدثنا ابن فضيل، عن حجاج، عن عطاء، به.

(43/4)


وقلنا: يصلي ركعتين عند المقام لما روى ابن أبي شيبة(1)، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما طاف تقدم إلى المقام مقام إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيْمَ مُصَلَّى}.
عن الزهري قال: ما طاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسبوعاً إلاَّ صلى هاهنا ركعتين ـ يعني عند المقام ـ.
وعن الحسن: مضت السنة أن مع كل أسبوع ركعتين. وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه(2) السلام، قال: إذا قضى طوافه، فليأت مقام إبراهيم عليه السلام، فليصل ركعتين.
وقلنا يقرأ فيهما بقل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون، لما: روى هناد بن السري، حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن يعقوب بن زيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في ركعتي الطواف قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد.
وروى هناد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهم السلام، قال: يستحب أن يقرأ فيهما قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد.
وروى ابن أبي شيبة، عن حفص، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بهما في ركعتي الطواف. وقلنا: أو بغيرهما من المفصل؛ إذ لا خلاف في جوازه(3).
مسألة [في استقبال الكعبة بعد الركعتين، والدعاء عندها، ودخول زمزم]
قال: ثُمَّ ينهض، ويستقبل الكعبة، ويدعوا بما أحب، ثُمَّ يدخل زمزم إن أحب، ويشرب من مائها.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 3/370.
(2) ـ في (ب): عليهم.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/444.

(43/5)


وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب)(2). وقلنا: يعود إلى الكعبة بعدهما؛ لما جاء في حديث زيد بن علي، عن علي عليه السلام قال: يستلم الحجر حين يخرج إلى الصفاء(3).
وفيما روى ابن أبي شيبة، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجع إلى الركن فاستلمه. وقلنا يشرب من زمزم؛ لأنَّه لا خلاف أنَّه يبترك به(4) وأنَّه مستحب.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: ((لولا أن أشق على أمتي لنزعت منها ذنوباً، أو ذنوبين)).
وروى ابن أبي شيبة بإسناده، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ماء زمزم لما شرب له)).
وفي حديث جعفر، عن أبيه، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شرب منه(5).
مسألة [في كيفية السعي بن الصفا والمروة]
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/280 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر المنتخب 108 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ أخرجه ابن ابن أبي شيبة في المصنف 3/335.
(4) ـ في (أ): يتبركه.
(5) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/273، وإسناده حدثنا أبو بكر حدثنا سعيد بن زكريا وزيد بن الحباب، عن عبد الله بن المؤمل، به.

(43/6)


قال: ثُمَّ يخرج إلى الصفا، فإذا استوى على الصفا، فليستقبل الكعبة بوجهه، /184/ ويدعو بما حضره، ويسبح، ويهلل، ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ينزل من الصفا، ويمضي حتَّى إذا حاذى الميل الأخضر المعلوم في الجدار، هرول حتَّى يحاذي الميل المنصوب في أول السراجين، ثُمَّ يمشي حتَّى ينتهي إلى المروة، ثُمَّ يصعد عليها حتَّى تواجهه الكعبة، ثُمَّ يدعو بمثل(1) ما دعاه على الصفا، ويسبح، ويهلل، وكذلك يفعل في سعيه بين الصفاء والمروة، ثُمَّ ينحد (عنها، ويعود إلى الصفا، ثُمَّ يعود إلى المروة حتَّى سعى سبعة أشواط، ثُمَّ ينصرف من المروة. جميعه منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب)(3).
والأصل فيه ما روى ابن أبي شيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر قال: ثُمَّ خرج ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد ما رجع إلى الركن، فاستلمه، وخرج من باب الصفا، إلى الصفا، فلما دنا منه، قرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله ابدءوا بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقى عليه حتَّى(4) يرى البيت، فاستقبل القبلة، ووحد الله، وكبره، ثُمَّ دعا، ثُمَّ نزل إلى المروة حتَّى انصب(5) قدماه إلى بطن الوادي(6) حتَّى إذا صعدتا منه، مشى حتَّى أتى إلى المروة، ففعل على المروة، كما فعل على الصفا(7).
وروى ابن أبي شيبة بإسناده، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سعى في بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة(8).
__________
(1) ـ في (أ): بما دعا به على الصفا.
(2) ـ انظر الأحكام 1/280 ـ 281 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر المنتخب 108 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ في (أ): حيث.
(5) ـ في (ب): انصبت.
(6) ـ في (ب) زيادة: رمل في بعض الوادي.
(7) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/335.
(8) ـ أخرجه أن أبي شيبة في المنصف 3/251.

(43/7)


وهكذا روى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام. فلا(1) خلاف أن السعي بينهما سبعة، يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة.
مسألة [في وقت قطع التلبية]
قال: ولا يزال ملبياً إلى أول ما يرمي جمرة العقبة، وكذلك القارن لا يزال ملبياً إلى ذلك الوقت. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(2) و(المنتخب)(3). وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي. وقال مالك: تقطع يوم عرفة، وهو مذهب الإمامية.
والأصل فيه: ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثناالطحاوي، حدثنا علي بن معبد، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، حدثنا محمد بن إسحاق، عن إبان بن صالح، عن عكرمة، قال: وقفت مع الحسين بن علي عليهم السلام، فكان يهل حتَّى رمى جمرة العقبة، فقلت: يا أبا عبد الله ما هذا؟ قال: كان أبي يفعل ذلك، فأخبرني(4) أن النبي صلى الله علي وآله وسلم كان يفعل ذلك، ثُمَّ قال: فرجعت إلى ابن عباس، فأخبرته، فقال: صدق، أخبرني أخي الفضل بن العباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبى حتَّى انتهى إليها، وكان رديفه(5).
وأخبرنا المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا علي، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن الفضل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبى حتَّى رمى جمرة العقبة(6). وروى مثله عن عبد الله بن مسعود، وأسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قيل: فقد روي عن أسامة أني كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشية عرفة فلم يكن يزيد على التكبير(7) والتهليل.
__________
(1) ـ في (ب): ولا.
(2) ـ انظر الأحكام 1/286، 282 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر المنتخب 109.
(4) ـ في (ب): وأخبرني.
(5) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/224 وفيه: فكان يلبي وكذلك حتى انتهى أولاها بدل إليها.
(6) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/224 ـ 225.
(7) ـ في (ب): التهليل والتكبير.

(43/8)


قيل له: روي هذا، وروي ما ذكرناه، فأما أن يحتمل أنَّه لم يزد على التكبير، والتهليل، والتلبية؛ ليكون جمعاً بين الأخبار(1)، ويكون الغرض أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يشتغل عن الذكر، أو يحمل على أنَّه عليه السلام لم يُلَبِّ في ذلك الوقت، وهذا لا يقدح فيما ذهبناإليه، فإن التلبية لا يجب استدامتها، أو يتعارض الخبران ويبقى لنا سائر ما رويناه.
فإن قيل: روي عن ابن /185/ عمر، وأنس، أنهما قالا في يوم عرفة: كان يهل المهل منا، ويُكبر المكبر منا ولا ينكر عليه.
قلنا: هو كذلك، ولسنا نقول أن التكبير في أثناء الإهلال لا يجوز، فلا حجة فيه، على أن التلبية شعار الإحرام، فالأولى أن تستدام ما بقي الإحرام، أو يمنع منه الدليل، ولا دليل على قطعها قبل الوقت الذي ذكرنا أنَّه انقطع بانقطاع الإحرام.
مسألة [في القارن كيف يطوف ويسعى؟]
قال: والقارن إذا دخل مكة، فعل ما يفعله المفرد، وطاف، وسعى على ما وصفناه، ونوى في طوافه، وسعيه، أنَّه لعمرته، فإن أحب تعجيل طواف حجة(2)، عاد أيضاً إلى الكعبة، فطاف بها، وإلى الصفا والمروة، فسعى بينهما على ما بينا، ونوى أنهما لحجته.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (3) و(الأحكام)(4).
__________
(1) ـ في (ب): الحديثين.
(2) ـ في (ب): حجته.
(3) ـ انظر المنتخب 109 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ انظر الأحكام 1/292 ـ 293 وهو بلفظ قريب.

(43/9)


وقال الشافعي: يجزيه طواف واحد. والأصل فيه قول الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} وتمام الحج أن يطاف ويسعى له، وتمام العمرة أن يطاف ويسعى لها، فوجب على من جمع بينهما لكل واحدة منها طواف وسعى بحكم الظاهر، ويدل على ذلك: ما أخبرنا به أبو العباس الحسني ـ رضي الله عنه ـ حدثنا علي بن هارون بن إبان، حدثنا عمر بن أيوب، حدثنا محمد بن بكار بن ريان، عن حفص بن أبي داود، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي عليه السلام أنَّه جمع بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين وسعى سعيين، ثُمَّ قال له: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعل.
وروى ابن أبي شيبة ـ أيضاً بإسناده ـ عن عمرو بن الأسود، عن الحسين بن علي، عليهما السلام، قال: إذا قرنت بين الحج والعمرة فطف طوافين، واسع سعيين(1).
فإن قيل: فكيف استدللتم بما رويتم عن علي عليه السلام على أنَّه طاف لهما طوافين وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعل، وقد روي(2) أنَّه كان عليه السلام متمتعاً، وروي أنَّه كان مفرداً، فكيف يستقيم لكم هذا الاستدلال؟
قيل له: هو محمول على أحد الوجهين، إما أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة قارناً، كما روي فرآه أمير المؤمنين علي عليه السلام يطوف طوافين، ويسعى سعيين، وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر الخبر، أو يكون دخل مفرداً، أو متمتعاً فيكون معنى قوله: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعل، الأمر بذلك، وأي الوجهين ثبت، حصل ما ذهبنا إليه من أن القارن عليه طوافان وسعيان.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم هو محمول على أنَّه تطوع بأحدهما؟
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/291 وإسناده حدثا أبو بكر حدثنا حفص بن غياث عن حجاج عن حكم عن عمرو بن الحسن بن علي.
(2) ـ في (أ): وقد روى عليه السلام أنه كان.8

(43/10)


قيل له: السعي لا يُتطوع به، فبطل هذا التأويل.
فإن قيل: روي عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من جمع بين الحج والعمرة، كفاه لهما طواف واحد، وسعي واحد.
قيل له: ذكر الطحاوي(1) أن الحفاظين رووه موقوفاً على ابن عمر، وأن من رفعه، فقد أخطأ، على أنه يحتمل أن يكون مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقوله: ((طواف واحد)) نصفه واحدة إن صح الخبر، وهذا أولى لأن أمير المؤمنين عليه السلام إذا روى خلافه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهو أولى بالإتباع، أما على أصولنا، فإنا نوجب إتباعه ولا نجيز مخالفته، وأما على أصول مخالفينا، فلأنه كان أحفظ وأشد إيقاناً من ابن عمر، وكان عليه السلام أعرف بأحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبمقاصده من ابن /186/ عمر.
فإن قيل: روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((طوافك يجزيك لحجك وعمرتك)).
قيل له: إن عائشة لم تكن قارنة، وإنها أفردت الحج، ثُمَّ أفردت العمرة من التنعيم، فكيف يصح ذلك، على أنَّه إن ثبت، كان محمولاً على ما تأولنا عليه خبر ابن عمر، أن المراد به طوافك على صفة واحدة يجزيك لحجك وعمرتك.
ومما يدل على ذلك أنَّه لو أفرد الإحرام لكل واحد لزمه لكل واحد منهما طواف وسعى، فكذلك إذا جمع، والمعنى أنَّه محرم بهما جميعاً، وأيضاً لا خلاف أن الوقوف الواحد بعرفه لا يقع إلاَّ عن حجة فقط، فوجب أن يكون الطواف الواحد كذلك، والمعنى أنَّه ركن من أركان الحج، فوجب أن لا يقع واحده إلاَّ عن حجة فقط.
فإن قيل: هذا يعترضكم في الإحرام؛ لأنَّه إحرام واحد يقع عن الحج والعمرة.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/197.

(43/11)


قيل له: لسنا نسلم أنَّه إحرام واحد، بل نقول إنهما إحرامان، أحدهما عن الحج، والآخر عن العمرة، ولهذا نوجب على القارن إذا قتل صيداً جزاءين، على أنَّه لا خلاف أنَّه يحتاج إلى نيتين، نية العمرة ونية الحجة، فبان بذلك أنهما إحرامان؛ لأنَّه لو كان إحراماً واحداً لم يحتج إلى نيتين؛ لأن العبادة الواحدة لا تحتاج إلى نيتين إذا كانت تقع على وجه واحد، فإذا ثبت هذا لم يمكنهم أن يجعلوا الإحرام أصلاً يقيسون عليه الطواف.
فإن قيل: ليس يصير محرماً بهما جميعاً بتلبية واحدة، فهلا دل على أنَّه إحرام واحد؟
قيل له: لا يجب ذلك لأن التلبية ليست هي الموجبة للإحرام ألا ترى أنا نجيز الإحرام بغير التلبية فليس في الإجتزاء بالتلبية دليل على أن الإحرام واحد، بل الاعتبار إنَّما هو بالنية؛ لأن الإحرام لا ينعقد إلاَّ بالنية، وفي إجماع الجميع على أنَّه لا بد من نيتين يبين صحة ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: أليس الحلق الواحد يوجب الخروج منهما؟
[قيل له](1): ليس هو من أعمالهما، وفي الخروج لا يمتنع ما يمتنع في العمل، ألا ترى أن الإنسان يصح(2) أن يخرج عن الصيام والصلاة بفعل واحد، وإن كان عمل أحدهما لا ينوب مناب عمل الآخر، يبين ذلك أنَّه لو خرج بغير الحلق، لكان خروجاً منهما، فبان بذلك أنَّه لا يجب أن يكون سبيل الحلق سبيل الطواف والسعي، ومما يزيد قياسنا قوة وترجيحاً أنا وجدنا أفعال الحج لا تتداخل، ألا ترى أن من طاف أسبوعاً بعد إسبوع، لزمه لكل واحد منهما ركعتان؟ ولم تتداخل الصلاة، وكذلك الطواف يجب فيه التكرار، ولا يتداخل، ألا ترى أن أصل الوضوء لما كان موضوعاً على التداخل، كان التكرار فيه غير واجب؟ فدل وجوب التكرار في الطواف على أن موضوعه لا يتداخل، كالصلاة لما وجب تكرير ركعاتها لم نكن موضوعاً على التداخل.
__________
(1) ـ سقط من (أ) و (ب): وظنن عليه في الهامش.
(2) ـ في (ب): قد يصح له.

(43/12)


ومما يبين ذلك أيضاً أن طواف الدخول، وطواف النساء، وطواف الوداع، لا يتداخل بل يجب إفراد كل واحد منهما، فوجب أن يكون طواف الحج والعمرة كذلك، وقلنا إنَّه يطوف أولاً، ويسعى، وينوي أنهما لعمرته، ثُمَّ يطوف لحجته، ويسعى؛ لأن عمل العمرة مقدم على عمل الحج؛ لأن كل من أوجب عليه طوافين وسعيين، قال في /187/ ذلك: على ما قلناه، على أنَّه لا خلاف أنَّه يجوز تاخير طواف الحج والسعي إلى حين الإنصراف من منى، ولا يجوز ذلك في طواف العمرة وسعيه، فصح بذلك ما ذهبنا إليه من أن عمل العمرة مقدم على عمل الحج.
مسألة [في تأخير الطواف والسعي]
قال: فإن(1) أحب المفرد تأخير طوافه وسعيه، والقارن تأخير طوافه وسعيه إلى أن ينصرفا من منى، جاز ذلك. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) للمفرد، ودل فيه عليه للقارن. واختلفوا في طواف القدوم، فقال: مالك، وأبو ثور بوجوبه، وقال أبو حنيفة: هو سنة، وليس بواجب، وحكي عن الشافعي أنَّه قال: ليس بنسك، وإنه كالتحية للمسجد.
والدليل على وجوبه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعَلَه حين قدم، وفعلُه كان بياناً لمحمل لأن قوله تعالى: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً} مجملٌ، مثل قوله: {أَقِيْمُوا الصَّلاةَ} وفعله صلى الله عليه وآله وسلم إذا وقع بياناً لمجمل [واجب](3)، دل على الوجوب، ويدل على ذلك قوله: ((خذوا عني مناسككم)). وفي حديث طارق بن شهاب، عن أبي موسى الأشعري قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو منيخ بالبطحاء فقال: ((بم أهللت))؟ قلت(4): إهلالاً كإهلال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((أحسنت، طف بالبيت، وبالصفا والمروة)). والأمر يقتضي الوجوب على الفور.
__________
(1) ـ في (ب): وإن.
(2) ـ انظر الأحكام 1/282، 287 وهو بالمعنى.
(3) ـ سقط من (أ).
(4) ـ في (ب): فقلت.

(43/13)


فدل ذلك على وجوب طواف القدوم. وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: أول مناسك الحج أول ما يدخل مكة، يأتي الكعبة، فيمسح(1) بالحجر الأسود، ويكبر، ويذكر الله، ويطوف، فدل ذلك على أنَّه من النسك، على أنه رأي أهل البيت عليهم السلام لا أحفظ فيه بينهم خلافاً، على أنَّه لا خلاف أن المعتمر يلزمه طواف القدوم، فكذلك الحاج، والمعنى أنَّه محرم، فكل محرم يلزمه طواف القدوم، ولا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة أنَّه مفعول للإحرام، فوجب أن يكون لازماً، قياساً على طواف العمرة، وعلى طواف الزيارة؛ لأنَّه مفعول للإحرام.
فإن قيل: لو كان طواف القدوم واجباً، لم يسقط عن الحائض؟
قيل له: كذلك نقول إنَّه لا يسقط عن الحائض، وإنَّما يجوز تأخيره كما يجوز تأخير طواف الزيارة، وقياسنا في هذا الباب يقوى بالإيجاب، وبأنه يفيد شرعاً مجدداً، أو بالاحتياط، وبالاستناد إلى فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفعل الكافة.
فإن قيل: الإحرام لا يوجب سعيين، وقد ثبت وجوب السعي بعد طواف الزيارة، فلا يجب القدوم؛ إذ السعي لا يجب إلاَّ بعد طواف واجب؛ لأنَّه يجب بعد طواف الزيارة، وإن أجيز فعله بعد طواف القدوم.
قيل له: لسنا نُسَلِّم ما ادعيتم من وجوب السعي بعد طواف النسا؛ لأنه يجب عندنا بعد طواف القدوم، فكذلك السعي بعده، على أن إحرام القارن يوجب طوافين وسعيين، فوصف عليهم غير مسلم، قالوا: المكي ليس عليه طواف القدوم، فيجب أن يكون سعيه بعد طواف النسا.
__________
(1) ـ في (ب): فيتمسح.

(43/14)


قيل لهم(1): الذي يجيء على مذهبنا أن المكي عليه طواف القدوم بعد الانصراف من منى، /188/ كما نص أصحابنا على ذلك في المتمتع الذي تكون حجته مكية، فيسقط هذا السؤال أيضاً، فأما تأخيره إلى حين الإنصراف من منى، فالذي يدل على جوازه أنَّه لا خلاف في جواز تأخيره عن ساعة القدوم، ويوم القدوم، فعُلم أن وقته غير مضيق، فيجب(2) 0أن يكون ممتداً كوقت السعي، ولا خلاف أيضاً أنَّه لا شيءَ على من أخره لخوف فوات الوقوف، فدل ذلك على أن تأخيره جائز؛ لأن الأصل فيما لا يجوز من الحج إذا رخص فيه للعذر أن يجب جبره بالدم، فإذا ثبت أن تأخيره جائز للمعذور وإنه لا شيء عليه فيه، يثبت(3) ذلك للمختار.
مسألة [في المتمتع كيف يفعل؟]
قال: والمتمتع يفعل ما يفعله الحاج المفرد، والقارن، عند دخول الحرم، والمسجد، إلاَّ أنَّه يقطع التلبية إذا نظر إلى الكعبة، ثُمَّ يطوف بها سبعاً، ويسعى بين الصفا المروة وسبعاً، على ما ذكرناه، ويكون ذلك الطواف والسعي لعمرته، ثُمَّ يقصر من شعر رأسه، ولا يحلقه، وقد حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام من النساء، والطيب، والثياب. جميعه منصوص عليه في (الأحكام)(4).
__________
(1) ـ في (أ) و (ب): قيل له: والصواب ما أثبتناه ليوافق السؤال.
(2) ـ في (ب): فوجب.
(3) ـ في (ب): ثبت.
(4) ـ انظر الأحكام 1/294، 281 وهو بلفظ قريب.

(43/15)


وما ذكرناه من أن المعتمر إذا سعى، قصر، ولم يحلق، مروي في (الأحكام) (1) أيضاً عن القاسم عليه السلام. وقلنا: إن المتمتع يفعل ما يفعله الحاج المفرد عند دخول المسجد والحرم؛ لأنها استحبابات تتعلق بدخول الحرم، ودخول المسجد، ويستوي فيها الحاج، والمعتمر، فأما قطعه التلبية إذا نظر إلى الكعبة، فقد نص عليه أيضاً في مواضع، وقال أيضاً في (الأحكام) (2)، يقطع التلبية المعتمر إذا انتهى إلى الكعبة، ورآها عند مصيره إليها، ولا يلبي لكي يطوف بالبيت، فكان تحصيل المذهب أنَّه إذا أراد الابتداء في الطواف، لتنصيصه على أنَّه يقطعها إذا رأى الكعبة صائراً إليها للطواف، وهذا قول أكثر العلماء. وذهب قوم إلى أنَّه يقطع التليبة إذا دخل الحرم، وقوم إلى أنَّه يقطعها إذا رأى البيت على أي حال رآه، وعن عائشة أنَّها كانت إذا نظرت إلى خيام مكة، قطعت.
والأصل فيه: ما رواه ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث عمر، كل ذلك لا يقطع التليبة حتَّى يستلم الحجر. (3)
وكان القياس لا يقطع التلبية حتَّى ينقضي الإحرام، ولكن ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطعها عند استلام الحجر، ولا خلاف، فاتبعنا الأثر والوفاق، فأما قطعها قبل ذلك، فلا وجه له. وقلنا: إنَّه يطوف سبعة، ويسعى سبعة، والمراد به على ما ذكرناه من الرمل في الطواف، والركعتين بعده، والابتداء بالحجر الأسود، والاختتام به، والهرولة في السعي، والابتداء بالصفا، والاختتام بالمروة، وكل ذلك لا خلاف فيه.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/318 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر الأحكام 1/278 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/259 وإسناده، حدثنا أبو بكر، حدثنا حفص، عن حجاج، به.

(43/16)


وقلنا: يقصر، ولا يحلق؛ لحديث جعفر، عن أبيه، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لما فرغ من السعي، من كان منكم ليس معه هدي، فليُحل، وليجعلها عمرة، فحل الناس، وقصروا إلاَّ من كان معه هدي. ولأنا استحببنا أن يكون الحلق بمنى، ولا خلاف أنَّه إذا فعل ذلك /189/ صار حلالاً، وفي الحديث: ((إنهم حلوا وقصروا)).
مسألة [في المتمتع كيف ومتى يهل بحجته؟ والقول في المبيت بمنى للمتمتع والقارن والمفرد]
قال: وإذا كان يوم التروية، فليهل بالحج من المسجد الحرام، وليفعل ما فعله في ابتداء إحرامه، ويقول: اللهم إني أريد الحج فيسره لي، وينوي أن إحرامه هذا لحجته، ثُمَّ ينهض ملبياً، ويسير إلى منى ويستحب له أن يصلي بها الظهر والعصر يوم التروية، والمغرب والعشاء ليلة عرفة، وصلاة الفجر يوم عرفة، وأما الإمام فينبغي له أن لا يترك ذلك، وكذلك القول في المفرد، والقارن، ويستحب لهم إن أتوا منى في آخر ليلة عرفة أن يعرسوا بها ساعة، ويصلوا الصبح، ثُمَّ يسيروا إلى عرفة. وذلك منصوص عليه في (الأحكام) (1). وقلنا: إنَّه يهل بالحج يوم التروية، ويتوجه إلى منى، ويصلي بها خمس صلوات لحديث جعفر بن محمد الصادق عليهم السلام، عن جابر، رواه ابن أبي شيبة، وأبو داود، وغيرهما، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، وأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصبح، ثُمَّ مكث قليلاً، ثُمَّ سار(2).
وقلنا: يستحب لمن أتى منى من ليلة عرفة أن يعرس بها ويصلي الصبح؛ لأن يكون قد صلى بها من الصلوات الخمس ما أمكنه؛ إن لم يكن أمكنه أن يصليها بها أجمع، وهذه الجملة ما لا أعرف فيها خلافاً.
مسألة [في الوقف بعرفة]
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/281 ـ282 ـ 283 وهو بلفظ مقارب.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف في حديث طويل 3/334 وإسناده حدثا أبو بكر، عن حاتم، به.

(43/17)


قال: ثُمَّ يتوجه إلى عرفة، متمتعاً كان، أو مفرداً، أو قارناً، فإذا انتهى إليها نزل، وأقام حتَّى يصلي الظهر والعصر بها إن شاء، وإن شاء صلى الظهر، وارتحل إلى الموقف، وعرفة كلها موقف ما خلا بطن عرنة، ويستحب أن يدنو من موقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الجبال، فإذا وقف ذكر الله كثيراً، وسبحه، وهلله، وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ودعا لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات إلى أن تجب الشمس. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2) في كتاب الحج غير التخيير في الجمع بين الظهر والعصر، فإنه منصوص عليه في كتاب الصلاة على سبيل العموم في ذكر الوقت، وقد مضى وجهه فيه، ولا خلاف في ذلك.
وقلنا: أنَّه يرتحل إلى الموقف بعد ما يصلي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك، وعليه المسلمون إلى يومنا هذا. وقلنا: عرفة كلها موقف غير عرنة، وروي(3) عن ابن عباس موقوفاً ((من وقف ببطن عرنة، فلا حج له)).
واستحببنا له الدنو من موقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبركاً، واقتداءاً. وقلنا أنَّه يقف بها داعياً، ومهللاً إلى أن تجب الشمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك.
وفي رواية ابن أبي شيبة، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتَّى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً(4).
مسألة [في الإفاضة إلى مزدلفة والعمل فيها، والوقوف بالمشعر، والعودة إلى منى ورمي جمرة العقبة بها]
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/284 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر المنتخب 110 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ لما روى ظنن عليها في الهامش.
(4) ـ أخرجه ابن ابي شيبة المصنف 3/334.

(43/18)


قال: فإذا وجبت الشمس، أفاض ملبياً نحو مزدلفة، بالسكينة، والوقار، والذكر، والاستغفار، ولا يصلي المغرب ولا العتمة حتَّى يرد مزدلفة، ثُمَّ يجمع بها بينهما بأذان واحد وإقامتين، ثُمَّ يقف بها حتَّى يطلع الفجر، فإذا صلى الفجر مضى، ووقف عند المشعر الحرام ساعة، ودعا، وذكر الله سبحانه، وسبحه وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ثُمَّ يفيض راجعاً إلى منى ملبياً بالخشوع، والوقار والقراءة والتهليل،/190/ ويستحب له الإسراع في السير إذا انتهى إلى وادي محسر حتَّى يتجاوزه، فإذا انتهى إلى منى، حط بها رحله، ثُمَّ أتى [بها] (1) جمرة العقبة، فيرميها بسبع حصيات، يهلل، ويكبر، ويقطع التلبية مع أول حصاة يرميها. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2). قلنا: إنَّه يفيض ملبياً إذا غابت الشمس بالسكينة والوقار لما: روي عن جعفر، عن أبيه، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفاض من بعد ما غابت الشمس، وذهبت الحمرة قليلاً، ودل على ذلك قول الله تعالى: {ثُمَّ أَفِيْضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيْمٌ}. وقلنا: إنَّه يذكر الله لما: روى الطحاوي بإسناده عن ابن مسعود أنَّه قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلبي إلى أن أتى جمرة العقبة إلاَّ أن يخلط ذلك تكبيراً أو تهليلاً(3). وقلنا: إنَّه لا يصلي المغرب ولا العتمة حتَّى يأتي مزدلفة، فيصليهما بأذان وإقامتين، لما رواه جعفر، عن أبيه، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاهما بمزدلفة بأذان واحد، وإقامتين.
__________
(1) ـ سقط من (ب).
(2) ـ انظر الأحكام 1/284 ـ 285 ـ 286 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/235.

(43/19)


وروى ابن أبي شيبة بإسناده أن أسامة قال: فضت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عرفات، فلما كان ببعض الطريق قلت: الصلاة قال: الصلاة أمامك(1). فدل بقوله: الصلاة أمامك على أنَّها تجب أن تقام بجمع.
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام جمع بينهما بجَمْع.
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: لا يصلى المغرب والعتمة حتَّى يأتي مزدلفة.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/262 وإسناده، حدثنا أبو بكر حدثنا ابن مبارك، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، به.

(43/20)


يدل على أنَّه لو صلاها دونها لم تجز، كما ذهب إليه أبو حنيفة، ومحمد، ووجه ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأسامة الصلاة أمامك، وقول أمير المؤمنين علي عليه السلام لا يصلي الإمام المغرب والعشاء إلاَّ بجمع. وقلنا: إنَّه يقف بها حتَّى يطلع الفجر. لما رواه جابر من أن النبي اضطجع بها حتَّى صلى الفجر، وقلنا: إنَّه يقف عند المشعر الحرام بعد ما يصلي الفجر لما ذكر جابر من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما صلى الفجر، ركب ناقته حتَّى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا، وكبر، وهلل، فلم يزل واقفاً حتَّى أسفر، ثُمَّ دفع قبل طلوع الشمس، وقد دل على ذلك قول الله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ..} الآية. وقلنا: إنَّه يفيض إلى منى لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفع إلى منى حين أسفر وقلنا: إنَّه يستحب الإسراع في وادي مُحسِّر؛ لأن ذلك مروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث جابر وغيره. وقلنا: إنَّه إذا انتهى إلى منى أتى جمرة العقبة، فرماها بسبع حصيات يهلل، ويكبر؛ لئن النبي صلى الله عليه وآله /191/ وسلم فعل ذلك في حديث جابر وغيره، ولا خلاف فيه. وقلنا: إنَّه يقطع التلبية عند أول حصاة يرميها؛ لأنَّه مروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما مضى من القول فيه؛ ولأنه لا خلاف فيه، وإنَّما الخلاف في قطعها قبل ذلك.
مسألة [في نحر الهدي]

(43/21)


قال: ثُمَّ يعود إلى رحله ثُمَّ ينحر، أو يذبح ما يريد نحره أو ذبحه، والقارن ينحر ما كان ساقه، والمتمتع عليه أن يريق دماً، بدنة، أو بقرة، أو شاة. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1). ووجه ذلك ما في حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انصرف إلى المنحر، فنحر، ولا خلاف في ذلك، وعليه خلف المسلمين، وسلفهم. وقلنا على المتمتع أن يريق دماً، بدنة، أو بقرة، أو شاة، لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بَالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَدِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيَ} واسم الهدي يتناول البدنة، والبقرة، والشاة، فأيما أهدى، فقد أجزى، ولا خلاف في ذلك.
مسألة [في أكل الحاج من لحم الهدي وجزاء الصيد]
قال: ثُمَّ يأكلان بعضه، ويطعمان بعضه، ويتصدقان ببعضه على المساكين، وأولى المساكين من قرب من منزله ورحله. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب) في القارن والمتمتع، والمضحي، قال فيهما: ولا يجوز له الأكل من جزاء الصيد وفدية الأذى وما أشبه ذلك وهو قول أبي حنيفة. وقال الشافعي: لا يأكل إلاَّ من الأضحية، والهدي، والتطوع.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/286 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر الأحكام 1/287 وكذلك 1/326 وهو بلفظ قريب.

(43/22)


ولا خلاف أنَّه لا يجوز الأكل من جزاء الصيد. والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه من جواز أكل القارن والمتمتع من هديهما قول الله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} إلى قوله سبحانه: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبِهَا فُكُلُوا مِنْهَا} فاقتضى ظاهر الآية جواز الأكل من البدن أجمع، واجبها، وتطوعها؛ لأن اسم البدن عام في التطوع والواجب، فوجب ما ذكرنا في الجميع إلاَّ ما منع منه الدليل، ويدل على ذلك قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ..} الآية، والهدي الذي يجب أن يقضى التفث بعده لا يكون إلاَّ واجباً؛ لأن التطوع لا يختص بهذه الصفة، فلما أباح الله لنا الأكل من الهدي الذي يجب أن يقضي التفث بعده، عُلِم أن الأكل من الهدي الواجب جائز، ويدل على ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرن، وساق مائة بدنة، وأنه أشرك فيها علياً عليه السلام. وروى جعفر، عن أبيه، عن جابر، أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم نحر بيده ثلاثاً وستين بدنة، ونحر علي عليه السلام سبعاً وثلاثين بدنة، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يقطع من كل واحدة منها قطعة، فجمعت، وطبخت له، وأكل من اللحم، وحسا من المرق، فإذا ثبت بذلك أن للقارن الأكل من هديه، ثبت ذلك في المتمتع؛ إذ لم يفصل أحد بينهما.
فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن قارناً، وأنه كان مفرداً، وأن الهدي كان تطوعاً؛ إذ الناس مختلفون في كيفية حجه، والأخبار في ذلك مختلفة؟
قيل له: الذي يصح عن أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال: قرن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن ذلك ما مضى ـ بإسناده ـ عن علي عليه السلام أنَّه قرن، فطاف طوافين، وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعل.

(43/23)


وروى أبو داود في (السنن) عن البراء بن عازب قال: كنت /192/ مع علي عليه السلام حين أمَّرَه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على اليمن، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقبلتُ إليه، فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف صنعت؟ قال: قلت: أهللت بإهلال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فإني سقت الهدي، وقرنت(1).
وروى ابن شيبة ـ بإسناده ـ أن عثمان سمع رجلاً يلبي بهما جميعاً، فقال عثمان: من هذا؟ فقالوا: علي عليه السلام، فأتاه عثمان فقال: ألم تعلم أني نهيت عن هذا؟ قال: بلى، ولكن لا أدع فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقولك.
وروي عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال ـ وهو بالعقيق ـ: ((أتاني آتٍ من ربي، فقال صلِ في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة وحجة)).
أخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا يحيى بن كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالعقيق وسرد الحديث(2).
وأخبرنا المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، حدثنا فهد، حدثنا الحماني، حدثنا أبو خالد وأبو معاوية، عن الحجاج، عن الحسن بن سعد، عن ابن عباس، عن أبي طلحة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرن بين الحج، والعمرة(3).
وعن أنس رواه أبو داود وغيره أنَّه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعاً يقول: لبيك حجة(4) وعمرة، لبيك عمرة وحجاً.
فإن قيل: روي خلاف ذلك عن عائشة، وجابر، وغيرهما.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/289 وإسناده حدثنا وكيع عن مسلم البطين عن علي بن حسين، عن مرداف، به.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/146 وفيه يحيى بن أبي كثير.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/154.
(4) ـ في (ب): عمرة وحجة.

(43/24)


قيل له: أما عائشة فقد روي عنها أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم أفرد الحج.
وروى الطحاوي(1) عنها أنَّه تمتع وروى أبو بكر ابن أبي شيبة(2)، عن أبي معاوية، عن حجاج، عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرن بين الحج والعمرة.
وروي نحوه عن عمران بن حصين. فحصل فيما روي عنهما التعارض، فيكون ما روي عن علي عليه السلام وعمر، وأنس، وأبى طلحة، وعمران بن حصين؛ أولى لوجوه: أما على أصلنا فلأن رواية عليه السلام أولى من رواية غيره، كما أن اجتهاده عندنا أولى من اجتهاد غيره، وأما على أصول الجميع، فيجب أن يكون روايته أولى من رواية غيره في هذا الباب؛ إذ لا خلاف أنَّه كان مهلاً بإهلال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلا بد مِنْ أن يكون يعرف حقيقة إهلاله صلى الله عليه وآله وسلم للإقتداء به، فهذه المزية ليست لغيره ممَّن روى هذا الباب؛ ولأنه نوى لفظه صلى الله عليه وآله وسلم: ((قد سقت، وقرنت))، وفي حديث عمر: ((قل عمرة وحجة)) على أننا يمكننا أن نتأول أخبارهم، فنقول: يجوز أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم لبى في بعض الأوقات بالحج فقط، وفي بعضها بالعمرة فقط، وفي بعضها بهما جميعاً، فروَى مَن سمع إهلاله بالحج أنَّه أهلَّ به، ورَوى من سمع إهلاله بالعمرة أنَّه أهل بها متمتعاً، ورَوى من سمع إهلاله بهما أنَّه قرن، فيحصل من ذلك أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان قارناً، على أنَّه من روى عنه القران في روايته زيادة، فهي أولى، ألا ترى أن غيره يروي حجة، أو عمرة، وهو يرويهما، فإذا ثبت بما بيناه أنَّه كان قارناً، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم أكل من الهدي الذي كان ساقه، ثبت جواز الأكل منه.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/142.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 3/289 وزاد فيه وطاف بهما طواف واحد.

(43/25)


فإن قيل: فلا إشكال أن الواجب عليه كان /193/، واحداً وأن الباقي كان تطوعاً، فيجوز أن يكون أكل من الباقي.
قيل له: في الحديث أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم أمر أن يُقطع من كل بدنة منها قطعة، ثُمَّ جمعت، وطبخت، وهذا يوجب أن الواجب، والتطوع، في جواز الأكل سواء؛ لأن الواجب لو كان محَّرماً، لحرم الجميع بالخلط؛ لأن وجه الحظر، ووجه الإباحة، إذا اجتمعا، كان الحظر أولى، ولا خلاف أن هدي الأضحية(1) والتطوع يجوز الأكل منهما، فكذلك هدي القارن والمتمتع، والمعنى أنَّه لم يجبر به نقص محظور، ولم يجعله الْمُهدي للفقراء فوجب أن يكون الأكل منه جائزاً، ويعضد قياسنا قول الله تعالى: {وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةٌ وَفَرْشاً} إلى قوله: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجِ}.
فإن قيل فقد قال القاسم عليه السلام، ويحيى عليه السلام، في دم التمتع أنَّه جبران للنقص، فكان ذلك جارياً مجرى الكفارة(2).
قيل له: المراد به أنَّه جبران نقص بزيادة في النسك، وهي إراقة دم؛ لأن إراقة الدم جارية مجرى الكفارات؛ لأن الكفارات في الحج إنما تكون للأمور المحظورة، والقارن، والمتمتع، لم يرتكب محظوراً بالإحرام، ولا أبيح لهما التمتع والقران لحال العذر، فلم يجب أن يكون حكم هديهما حكم هدي سائر الكفارات، بل كانا بالأضحية والتطوع أشبه؛ لأنَّه زيادة نسك. وقلنا: يتصدق ببعضه لقول الله تعالى: {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيْرَ} وقوله تعالى: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَ} ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك. وقلنا: إن أولى المساكين من قرب من رحله ومنزله؛ لقول الله تعالى: {وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالْمُعْتَرَ}، وقد قيل: إن المعتر من يَعترَّ رحلك؛ ولأن الصدقة على من يقرب تكون أولى، ألا ترى أن المستَحب في العشور، والصدقات، ألاَّ يخرج عن بلدهم، وفيهم من يحتاج إليها؟
__________
(1) ـ في (ب): التطوع والأضحية.
(2) ـ في (ب): الكفارات.

(43/26)


مسألة [فيما يُحِل به الحاج إحرامه]
قال: ثُمَّ يحلق رأسه، أو يقصر، وقد حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام، من الطيب، والثياب، وغيرهما، إلاَّ النساء. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1) و(المنتخب)(2). قلنا: إنَّه يحلق، أو يقصر بعد الذبح، والنحر؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وقوله تعالى: {وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الْفَقِيْرَ ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} فقرن(3) قضاء التفث بإراقة الدم ـ دم الهديـ ولأنه لا خلاف في ذلك. وقلنا: يحلق، أو يقصر؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا للمحلقين، ثُمَّ دعا للمقصرين بعده(4). وقلنا: قد حل له كل شيء إلاَّ النساء؛ لأن قضاء التفث مما كان مُحرَّماً عليه، كسائر الأشياء، فلما أمر به، علمنا أنَّه قد أحل، وأن سائر الأشياء قد حل له، ولا خلاف في ذلك. وأما النساء فلا خلاف [في] (5) أنَّها لا تحل له حتَّى يطوف طواف النساء.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا علي بن معبد، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا الحجاج بن أرطأة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا رميتم، وحلقتم، فقد حل لكم الطيب، والثياب، وكل شيء، إلاَّ النساء)) (6). وروى زيد بن علين عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام نحوه.
مسألة [في وقت العودة إلى مكة للطواف والسعي لمن لم يطف ولم يسعى، وفي وقت وكيفية طواف الزيارة]
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/287، 293 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر المنتخب ص 111 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ في (ب): قرن.
(4) ـ في (ب): بعده للمقصرين.
(5) ـ ساقطة من (ب).
(6) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/228.

(43/27)


قال: ثُمَّ يرجع إلى مكة يومه، أو أي يوم شاء من أيام منى، ثُمَّ يدخل المسجد، ويطوف المتمتع، وسعى لحجه(1)، وكذلك القارن /194/ المفرد والمقرر إن لم يكونا طافا، وسعيا للحج، ثُمَّ يطوف طواف الزيارة بعد ذلك كله، مفرداً كان، أو قارناً، أو متمتعاً، وهو الطواف الفرض، ولا يَرمُل فيه، ثُمَّ قد حل له النساء. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب)(3). وحقق في المنتخب أن وقت الزيارة موسع إلى آخر أيام منى، فيكون وقته أربعة أيام، مثل وقت الرمي. وقال أبو حنيفة: وقته ثلاثة أيام، مثل وقت الأضحية، ونحن نعتبر بالرمي؛ بعلة أنَّه عبادة تختص بالحج، وآخر وقتها في أيام التشريق، فوجب أن يكون أربعة أيام، كوقت الرمي.
ويمكن أن يقاس على التكبير بعلة أنَّها عبادة لا تتعلق بالمال، تختص أيام التشريق، فوجب أن يكون آخر أيام منى من وقته، واعتبارنا بالرجى أولى من اعتبارهما بالأضحية؛ لأن الأضحية لا تختص بالحجج؛ لأن الحاج وغيره فيها سواء، واعتبارنا يفيد شرعاً؛ لأنَّه يجعل اليوم الرابع في حكم ما قبله، في أنَّه وقت للطواف.
ويمكن أن يقاس آخر يوم من أيام منى على أولها، بعلة أنَّه من أيام منى، فوجب أن يكون وقتاً لطواف الزيارة. وقلنا إنَّه إذا دخل المسجد، طاف، وسعى إن كان متمتعاً، أو كان مفرداً، أو قارناً لم يكن طاف عند القدوم؛ لأن طواف القدوم واجب عندنا، وقد دللنا على ذلك فيما مضى، ويجب أن يرمل فيه.
__________
(1) ـ في (أ): لحجته.
(2) ـ انظر الأحكام 1/287، 293 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر المنتخب 111 وهو بلفظ قريب.

(43/28)


وقلنا: إنَّه يطوف بعد ذلك طواف الزيارة لقول الله تعالى: {ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلِيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلِيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيْقِ}، ولا خلاف في أن المراد به طواف النساء، ولا خلاف ـ أيضاً ـ في أنَّه فرض، ولا يُخير بغيره، ولا خلاف أنَّه لا رمل فيه؛ إذ لا سعي بعده. وقلنا: إنَّه يحل له النساء بعده؛ لأنه لا خلاف فيه، وفي أن جميع أحكام الإحرام تنقطع به، ومن أجل ذلك سُمي طواف النساء. وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، في قوله تعالى: {وَلِيَطَّوَّفُوا بِالْبيت العتيق}، قال: ((هو طواف الزيارة، وهو الطواف الواجب، فإذا طاف الرجل طواف الزيارة، حلَّ له النساء)).
مسألة [في البينونة بمكة أيام منى، هل تجوز؟]
قال: وإذا خرج إلى مكة قبل النفر الأولُ فلَيعُد منها إلى منى، فى يومه، إن دخلها نهاراً، أو ليلته إن دخلها ليلاً، وإن دخلها ليلاً، وأصبح بها، أو دخلها نهاراً، وأمسى بها، وجب عليه دم.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/287 وهو بلفظ قريب جداً.
(2) ـ انظر المنتخب 111 وهو بلفظ قريب.

(43/29)


ونص في (الأحكام) أن من دخلها ليلاً، وأصبح بها، يجب عليه دم، إذا كان دخلها أول الليل، فكان تحصيل المذهب أن من حصل أكثر ليلته، أو أكثر نهاره في مكة، يلزمه هدي. ورُوي نحو قولنا عن إبراهيم، رواه ابن أبي شيبة وهناد، عن ابن عياش، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: من بات دون العقبة أيام منى، فعليه دم(1). والأصل فيه حديث ابن عباس، رواه هناد بإسناده، قال: لم يرخص رسول صلى الله عليه وآله وسلم لأحد أن يبيت ليالي منى بمكة إلاَّ للعباس من أجل السقاية. فدل ذلك على أن المبيت بها نسك. وروى هناد بإسناده عن ابن عمر حين سُئل عن ذلك فقال: أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبات بمنى، وظل. وفعله في الحج على [سبيل] (2) الوجوب؛ لما بيناه آنفاً. قال أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى: وروى القاسم، عن أبي إدريس، عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام أنَّه كان ينهى /195/ عن المبيت وراء الجمرة إلى مكة.
وروى ابن أبي شيبة(3) ـ بإسناده ـ عن ابن عباس أنَّه قال: لا يبيتن أحدكم من وراء العقبة ليلاً أيام التشريق.
وروي(4) ـ بإسناده ـ عن ابن عمر، عن عمر، أنَّه كان: ينهى أن يبيت أحد من وراء العقبة، وكان يأمرهم أن يرحلوا إلى منى.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/297 وإسناده، حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن مغيرة، به، وقال: فليهرق دماً.
(2) ـ سقط من (ب).
(3) ـ أخرجه ابن أبي شبة في المصنف 3/297 وإسناده حدثنا أبو بكر حدثنا ابن فضيل عن ليث عن عطاء، به.
(4) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصن 3/297 وإسناده أبو بكر، حدثنا ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكر فيه عمر.

(43/30)


وروى هناد ـ بإسناده ـ عن عمر نحوه، وزاد ((وبعث إلى أناس نزلوا خلف العقبة، فأدخلهم، فإنه كان يبعث رجالاً يدخلون الناس من وراء العقبة، ولا يتركهم يبيتون خلفها)). وكل ذلك يوجب أن المبيت بمنى من النسك الواجب، فإذا ثبت ذلك، فعلى تاركه دم. وأبو حنيفة يذهب إلى أنَّ تاركه مسيء، ولا شيء عليه. وذهب الشافعي إلى أن من بات بغيرها ثلاث ليالٍ، لزمه دم على أن الكون بمنى أقوى من الرمي، ولا خلاف أن من ترك الرمي، يلزمه دم، فوجب أن يلزم تارك المبيت، وإنَّما قلنا: أن الكون بمنى، أقوى من الرمي؛ لأنا وجدنا الرمي في الرابع يتعلق وجوبه بالمقام والمقام لا يتعلق وجوبه بالرمي على وجه من الوجوه، فيصير حكم الرمي بحكم التبع أشبه، فيجب أن يكون المقام أقوى منه في معنى النسك.
مسألة [في وقت وكيفية رمي الجمار الثلاث]

(43/31)


قال: فإذا عاد إلى منى، نهض في غد يوم النحر متطهراً بعد زوال الشمس، ويحمل معه إحدى وعشرين حصاة حتَّى يأتي الجمرة الَّتِي في وسط منى، وهي أقرب إلى مسجد الخيف، فيرميها بسبع حصيات من بطن الوادي، يهلل، ويكبر مع كل حصاة، ثُمَّ يأتي الجمرة الَّتِي تليها، فيرميها كذلك بسبع حصيات، ثُمَّ يأتي جمرة العقبة، فيرميها كذلك بسبع حصيات، ثُمَّ ينصرف إلى رحله بمنى. ثُمَّ إذا كان من الغد أتى الجمرات بعد زوال الشمس، ورماها بإحدى وعشرين حصاة، كما في اليوم الأول. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1) و(المنتخب) (2). ونص فيهما على أنَّه يقف ويدعو عند الجمرة الأولى والثانية ولا يقف عند جمرة العقبة. وقلنا: أنَّه ينهض متطهراً؛ لأنَّه مؤدي نسك، واستُحب له أن يكون متطهراً، كما استحب له ذلك عند السعي، والوقوف. وقلنا: أنَّه يفعل ذلك بعد زوال الشمس؛ لأن المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه فعل ذلك. وروى أبو داود في (السنن) بإسناده عن أبي الزبير قال: سمعت جابر يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ضُحىً، فأما بعد ذلك، فبعد زوال الشمس.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي(3)، حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر ضحًى، وما سواها بعد زوال الشمس.
وروى أبو داود ـ بإسناده ـ عن سليمان، عن عمرو بن الأحوص، عن أمه، قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرمي الجمرة من بطن الوادي، وهو راكب، يكبر مع كل حصاة.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/288 ـ 289 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر المنتخب 111 ـ 112 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/220.

(43/32)


وروى أبو داود ـ بإسناده ـ عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكث بمنى ليالي أيام التشريق يرمي الجمار إذا زالت الشمسُ كلَّ جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى، والثانية، فيطيل القيام، ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها. وروى ابن أبي شيبة(1) ـ بإسناده ـ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن /196/ جده، قال: وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الجمرة الثانية أطول مما وقف عند الجمرة الأولى، ثُمَّ أتى جمرة العقبة، فرماها، ولم يقف عندها.
وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: (أيام الرمي: يوم النحر، وهو يوم العاشر، يرمى فيه جمرة العقبة بعد طلوع الشمس بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ولا يرمي من الجمار يومئذ غيرها، وثلاثة أيام بعد يوم النحر، يوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، يرمى فيهن الجمار الثلاث(2) بعد الزوال، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الجمرتين، ولا يقف عند جمرة العقبة.
مسألة [في الفقر الأول والثاني]
قال: ثُمَّ إن أحب الرجوع إلى مكة في هذا اليوم، نفر، ورجع إليها بعد زوال الشمس، وبعد الرمي(3).
وقال القاسم عليه السلام: ويترك باقي الحصى، وهو إحدى وعشرون حصاة؛ لأن الحصا كلها سبعون حصاة. وإن أحب الخروج إلى النفر الثاني، أقام إلى الغد، فإذا ارتفع النهار، أتى الجمرات، ورماها بباقي الحصا كما رماها في الأول، والثاني، وعاد إلى مكة.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 3/293 وإسناده، حدثنا: أبو بكر حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، به.
(2) ـ في (ب): الثلاث الجمار.
(3) ـ انظر الأحكام 1/299 ـ291 وهو بلفظ قريب.

(43/33)


جميعه منصوص عليه (الأحكام) و (المنتخب) إلا ما حكياه عن القاسم عليه السلام فإنه منصوص عليه في (مسائل النيروسي)، ومروي عنه في (الأحكام) (1)، ونص في (الأحكام) و(المنتخب) (2) على أنَّه بالخيار إذا نفر في النفر الثاني بين أن يكون رمية ونفره قبل الزوال، وبين أن يكونا بعده. وهو قول أبو حنيفة، وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي: لا يرمي إلا بعد زوال الشمس. قلنا: أن له أن ينفر في النفر الأول إن شاء، وينفر في الثاني إن شاء؛ لقول الله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِيْ يَوْمَيَنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ}. وقلنا: إنَّه إن نفر في النفر الأول ترك باقي الحصا؛ لأن الرمي في اليوم الثالث يجب بالمقام، فإذا لم يقم، وخرج في النفر الأول، لم يلزمه الرمي، وإذا لم يلزمه الرمي، لم يكن للحصى حكم، فلذلك قلنا أنَّه يتركها؛ لأن سبيلها سبيل سائر الحصى، وقلنا: أن من نفر في النفر الثاني، إن شاء نفر ورمى قبل الزوال، وإن شاء بعده؛ لأن المقام لما كان موقوفاً على اختياره، جعلنا له الخيار في مقداره، وأيضاً لا خلاف أن من أصبح في منى اليوم الثالث، لم يجز له النفر إلاَّ بعد الرمي، فلولا أن الوقت وقت للرمي، لم يلزمه؛ لكونه فيه بمنى، كما لم يلزمه هذا الرمي إذا أقام في اليوم الأول، والثاني؛ لأنهما ليسا بوقت لهذا الرمي، فأما قبل طلوع الشمس، فلم يستحب لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: ((أينىَّ(3) ترموا جمرة العقبة حتَّى تطلع الشمس)). وقد روي عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا ترموا حتَّى تصبحوا)).
مسألة [في طواف الوداع]
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/316 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر المنتخب 112 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ كلمة غامضة أظنها أينىَّ كما أثبتناه. وفي المصنف قال: أبينى.

(43/34)


قال: ثُمَّ أقام بها ـ يعني بمكة ـ ما أقام، فإذا أتى الرحيل أتى الكعبة وطاف بها طواف الوداع. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2). ذكر أبو العباس الحسني ـ رضي الله /197/ عنه ـ أن على من تركه دماً، فدل ذلك على وجوبه، والأصل فيه: ما رواه هناد، عن عطاء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من حج، ليكن آخر عهده بالبيت))،.
وروي أيضاً عن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا يَصْدُرَنَّ أحدكم حتَّى يكون آخر عهده بالبيت)).
وروى ـ أيضاً ـ هناد ـ بإسناده ـ عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون على كل وجه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا ينفر أحدكم حتَّى يكون آخر عهده بالبيت)). فدلت هذه الأخبار على وجوبه؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب، وكذلك النَّهي عن الصدر إلاَّ بعد الطواف يدل على وجوبه.
فإن قيل: فليس في الخبر ذكر الطواف.
قيل له: لا خلاف أن المراد به الطواف، على أنَّه لا خلاف في أنَّه ليس عبادة تختص بالبيت إلاَّ الطواف، فثبت أن المراد به الطواف.
مسألة [في الحصى من أين تؤخذ؟ وكيف ترمى؟ وماذا يستحب للرامي؟ وما يلزم من ترك الرمي؟]
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/290 ـ 291 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ المنتخب 112 وهو بلفظ قريب.

(43/35)


قال: ويستحب للحاج أن يأخذ حصى الرمي من مزدلفة، وأن يغسلها، وإن أخذها من بعض جبال منى وأوديتها، أجزأه، ولا بأس بالرمي راكباً، ويفرق بين الحصى في الرمي، فإن نسي، ورماها مجتمعة، عاد(1)، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر، إلاَّ للنساء لضعفهن، ويستحب أن يكون الرمي على الطهر. قال القاسم عليه السلام: والمريض الذي لا يستطيع الرمي يُرمى عنه، ويهريق دماً، ورمي الماشي أفضل. جميعه منصوص عليه في (الأحكام)(2)، وما حكيناه عن القاسم عليه السلام مروي عنه في (الأحكام). وقلنا: أنَّه يستحب أن يؤخذ الحصى من مزدلفة لما: روى ابن أبي(3) شيبة ـ بإسناده ـ عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما بلغنا وادي محسر قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((خذوا حصى الجمار من وادي محسر)). وهذا الموضع هو من مزدلفة. وأخبرنا أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا الناصر عليه السلام، حدثنا محمد بن منصور، حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين بن علوان، عن أبي خالد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: حصى الجمار قدر أنملة، وكان يستحب أن يؤخذ من مزدلفة. قال أبو خالد: رأيت عبد الله بن الحسن يأخذ الحصى من منى. وقلنا: يجوز أخذ الحصى من جبال منى؛ لأنَّه لا خلاف في ذلك. وقلنا: يجوز أن يرميها راكباً؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رمى على راحلته؛ وقلنا: يفرق الحصى وإن رماها مجتمعة أعاد؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رمى بها مفترقة، وقال: ((خذوا عني مناسككم))، ولا خلاف بيننا، وبين أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، وأبي ثور، أنَّه إن رمى سبعاً مجتمعات، أعاد منها ستاً، فكذلك السابعة، والمعنى أن الرمي وقع مجتمعاً، فوجب أن لا يُعتد به.
__________
(1) ـ في (أ): أعاد.
(2) ـ انظر الأحكام 1/ 314 ـ 315 ـ 316 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/202 وبإسناده حدثنا أبو بكر حدثنا محبوب القواريري عن عبد الله بن عامر، به.

(43/36)


فإن قيل: المأخوذ عليه هو عدد الحصى، وعدد الرمي، فإذا أعاد رمى الست، وجب أن يجزئ رميه الأول عن رمية حصاة واحدة.
قيل له: لسنا نسلم أن المأخوذ عليه ما ذكرتم فقط، بل المأخوذ عليه مع ما ذكرتم /198/ التفريق بين الحصيات، فإن كان هذا هكذا، وجب أن لا يعتد بالرمية الأولى؛ لكون الحصى فيها مجتمعة. وقلنا: إن غير النساء لا يجوز لهم الرمي قبل طلوع الفجر؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا ترموا حتَّى تطلع الشمس)) (1).
أخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا محمد بن خزيمة، حدثنا الحجاج قال: حدثنا حماد، حدثنا الحجاج، عن حكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثه في الثَّقَل، وقال: ((لا ترموا حتَّى تصبحوا)) (2). وجوزنا ذلك للنساء لما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ربيع المؤذن، حدثنا أسد، حدثنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، أخبرنا عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر أنَّها قالت: ليله جمع، هل غاب القمر؟ قلت: لا، ثُمَّ تمت ساعة، ثُمَّ قالت: يابني، هل غاب القمر؟ قلت: نعم، فارتحلتُا وارتحلنا، ثُمَّ مضينا بها حتَّى رمت الجمرة، ثُمَّ رجعت، فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: لقد غلَّسْنا. فقالت: كلا يا بني، إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أذن للظُعُن.
__________
(1) ـ أخرطه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/217 وسقط فيه حدثنا حماد.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/216 وفيه فصلت ساعة مع اختلاف يسير في اللفظ.

(43/37)


وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا أحمد بن داود، حدثنا عبيد الله بن محمد(1) التيمي، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، أن يوم أم سلمة دار إلى يوم النحر، فأمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة جمع أن تفيض، فرمت جمرة العقبة، وصلت الفجر. وروي عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص في نحو من ذلك. وقلنا: يستحب أن يكون الرمي على طهر؛ لأنَّه نسك، فكان كالسعي والوقوف، ووجه ما ذكره القاسم عليه السلام أن المريض يرمى عنه ويهريق دماً أن الرمي لا خلاف فيه أنَّه يجهر بالدم إذا فات، فلما لم يمكنه الرمي، وَفَاتَه، قلنا: أنَّه يهريق لذلك دماً، ولما كان الرمي يصح فيه النيابة استحببنا أن يرمى عنه؛ ليكون الرمي قد حصل ـ أيضاً ـ كما قلنا في المعضوب أن غيره إن حج عنه، كان مستحباً.
ووجه قولنا: أن رمي الماشي أفضل، أن المشي له مسرح في فضيلة الحج، بدلالة ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه أمر من نذرت أن تمشي إلى مكة بالركوب، وأن تهدي لترك المشي.
مسألة [في أفضل أنواع الحج]
__________
(1) ـ في (أ): أحمد. أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/218.

(43/38)


قال: وأفضل الحج الإفراد لمن حج، ولمن لم يحج. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1)، وجدتُ ليحيى عليه السلام لفظة في (الأحكام)(2) تقتضي أن القران أفضل، فاختلف لذلك أصحابنا، وكان أبو العباس الحسني رحمه الله يذهب إلى أن الإفراد أفضَلُ للضَّرُورَة، والقران لمن قد حج. والصحيح على المذهب ما ذكرناه أنَّه صريح قول الهادي عليه السلام؛ ولأن تعليله وتعليل القاسم عليه السلام [يكون] (3) المتمتع أنقص حالاً بوجوب الدم فيه، فوجب أن يكون القران كذلك، ولا يختلف أصحابنا أن المتمتع دونهما. وقال أبو حنيفة وأصحابه: القران أفضل. ومذهب الإمامية، وأكثر أصحاب الحديث، أن المتمتع أفضل، وهو قول الناصر، وقول الشافعي الإفراد أحب إليَّ قد /199/ وذكره المزني، وقد قيل عنه خلاف ذلك أفضل.
ووجه قولنا: أن الإفراد أفضل إن كل عبادة تختص البدن، خيِّر الإنسان بين فعلها، وفعل غيرها من جنسها، كان أفضلهما أكبرهما عملاً، دليله التطوع بإحياء ساعة من الليل، أو ساعتين، والتطوع بصيام يوم، أو يومين، وكذلك لا خلاف أن التطوع قائماً أفضل من التطوع جالساً، فإذا ثبت ذلك، وكان الإفراد بالحج، والإفراد بالعمرة، أكثر عملاً. [كان الإفراد أفضل]
فإن قيل: كيف وأنتم تذهبون إلى أن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين، والمتمتع لا خلاف أنَّه يطوف ويسعى لعمرته ثُمَّ لحجه؟
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/310 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ الذي في الأحكام، ومن أطاق أن يقرن ويسوق معه بدنه فذلك فضل كبير وهو أفضلها للحج.
(3) ـ سقط من (ب).

(43/39)


قيل له: إنه وإن كان كذلك، فمن المعلوم أن الإفراد أكثر عملاً؛ لأنَّه محرم للحج من الميقات، ثُمَّ محرم للعمرة بعد ذلك من ميقاته، والمتمتع تكون حجته مكية، والقارن لا يلزمه إلاَّ عقد واحد، وإحرام واحد من جهة الفعل، وإن كان ذلك من طريق الحكم إحرامين، فبان بذلك أنَّه أكثر عملاً، والإفراد بالحج والعمرة يكون فيهما حلاقان، وليس للقارن إلاَّ حلاق واحد، وأيضاً لا خلاف أن أدا الصلاتين كل واحدة منهما في وقتها المختار أفضل من الجمع بينهما مع السلامة، فكذلك الحج والعمرة، والمعنى أنهما عبادتان من جنس واحد تختص الأبدان، فوجب أن يكون كل واحد منهما أفضل من الجمع بينهما. يؤكد ما ذهبنا إليه أن التمتع، والقران يجريان مجرى الترفيه والرخصة، ألا ترى أن المتمتع رُخص له التمتع بما يتمتع به الحلال في وقت، وهو محظور على الحاج، والقارن رخص له في أن يعقد العمرة والحج بإحرام واحد في دفعة واحدة، وهو محظور على المفرد ، فإذا كان ذلك كذلك، لم يجز أن تكون الرخصة أعلى حالاً من الأصل، والعبادات حكمها كلها على ما ذكرنا.

(43/40)


ومما يبين أن ما ذكرناه ضرب من الترفيه أن كثيراً من العلماء يكرهون لأهل مكة فعله، لَمَّا كانوا عن الترفيه أغنى، ولم يكره لأهل الآفاق، لَمَّا كانوا إلى الترفيه أحوج، فكان ذلك كالوِتر على الراحلة لما كان ترفيهاً خُصَّ به المسافر، إذ هو أحوج إلى الترفيه، دون المقيم الذي هو أغنى عنه. ويؤكد ما ذهبنا إليه قول الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} وعندنا أن الواو توجب الترتيب شرعاً على ما بيناه في مسألة ترتيب الوضوء من كتاب الطهارة، فكأنه قال تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله، وذلك لا يكون، إلاَّ إفراداً، وأقل أحوال الأمر أن يقتضي الندب، فأوجبت الآية أن الإفراد مندوب إليه ندباً زائداً على غيره. ومما يدل على ذلك أنا وجدنا الدم لا يدخل في الحج إلاَّ لجبر النقص، دليله جزاء الصيد، وفدية الأذى، ونحوهما، فوجب أن يكون كذلك دم القران، والتمتع، وإذا ثبت ذلك، ثبت أن فيهما نقصاً عن الإفراد، وهذا الدليل الذي اعتمده القاسم ويحيى عليهم السلام.
فإن قيل: فأنتم مجوزون الأكل من هدي القارن، والمتمتع للمهدي، فهلا دَلَّكم ذلك على أنَّه ليس للنقص، بل لزيادة النسك؟
قيل له: لا يمنع عندنا أن يكون ذلك زيادة نسك، وإذا كان مع ذلك جبراً للنقص، كما أن سجدتي السهو لم تجب من حيث كانتا جبراً للنقص ألا تكون عبادة زايدة، وكونه جبراً للنقص لا يمنع الأكل منه، ويكون ذلك بحسب قيام الدلالة عليه، ولا يمتنع أن يكون النقص على ضربين، ضرب منه محظور بالإحرام، فيكون ما يجبر به لا يجوز أكله للمهدي، وضرب منه نقص مفسوخ له في الإتيان به، وإن لم يكن له عذر، فيكون ما يجبر به مباحاً أكله.
فإن قيل: لو كان ذلك خيراً للنقص لكان يكون على المكي الدم إذا تمتع، فإنه مع /200/ النقص إتيان لما كره له، فإذا لم يلزمه، فقد ثبت أنَّه لم يكن للجبر.

(43/41)


قيل له: لا يمتنع أن يكون هذا الجبر لم يجعل لأهل مكة تشديداً عليهم، وليس يلزمنا ما ذكرت في قولنا إنَّه جبر للنقص فيما ذكرتموه، إلاَّ ويلزمكم مثله في قولكم إنَّه زيادة نسك فقط؛ لأن المكي إلى زيادة النسك أحوج متى تمتع للوجه الذي ذكرتموه، على أنا لسنا نقول أن ذلك يكره لأهل مكة، وقد مضى الكلام فيه، ونقول أن الدم يسقط عنه؛ لأن حجه حصل من ميقاته؛ لأن مكة ميقات لأهل مكة.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: إن القران فيه مبادرة إلى فعل الحج والعمرة، فوجب أن يكون أفضل؟
قيل له: المبادرة لا تدل على أنَّها أفضل في كل موضع، ألا ترى أن أهل العراق يرون أن تأخير العصر أفضل من تقديمه، وكذلك الإسفار بالفجر أفضل من التغليس به، ولا خلاف أن تأخير الوتر أفضل من تقديمه، ونحن نذهب إلى تأخير العصر إلى وقته أفضل من تقديمه في أول وقت الظهر على سبيل الجمع للمعذور، فكل ذلك يبين فساد تعلقهم بما تعلقوا به.
فإن قيل: قوله ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي)) يدل على أن التأسف على التمتع، وهذا يدل على أن التمتع أفضل.
قيل له: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ذلك تطبيباً لأنفسهم)) لما رآهم قد شق عليهم الإحلال مع بقائه عليه السلام على الإحرام، وهذا كما يقول الإنسان لمن رُخِّص له في غدر عرض له، لو كنت مثلك، لترخصت ، وإن لم يدل ذلك على أنَّه رغبة في حصول العذر والعدول إلى الرخصة، فكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي)).
فإن قيل: كيف تقولون أن الإفراد أفضل مع قولكم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرن؟

(43/42)


قيل له: فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل حال لا يدل على أنَّه هو الأفضل، بل يدل على أنَّه جائز، ألا ترى أنَّه أفطر في السفر، وقد دل الدليل على أن الصوم فيه أفضل، وكذلك أوتر على الراحلة، وقد دل الدليل على أن الإتيان على الأرض أفضل.، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه طاف راكباً، ورمى راكباً، ولا خلاف أنهما على القدمين أفضل، على أنَّه لا يكون الأخذ بالرخصة أفضل خصوصاً له من حيث كان ذلك بياناً للناس، ولا يوجب أن يكون الرخصة أفضل للكافة، فلا تعلق بها على وجه من الوجوه.
ويدل على أن القران أفضل من التمتع، وهو المراد بقوله في (الأحكام) (1): (والقران أفضلها) أن القارن(2) حجته ميقاتية وحجة التمتع مكية، ويكون سفر المتمتع إلى مكة للعمرة، ويكون سفر القارن للحج والعمرة إلى منى، وأيضاً الرخصة للمتمتع أكثر منها للقارن، ألا ترى أن المتمتع ينتفع بالنساء، والطيب، والثياب، وغيرها، مع كونها أجمع محظورة على القارن، وإذا ثبت ذلك، ثبت بما قدمناه أن العدول عن الرخصة أفضل، كان الأمر الذي فيه الرخص أقل أفضل من الذي فيه الرخص أكثر، فوجب بذلك أن يكون القران أفضل من التمتع. فأما ما كان يميل إليه أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى من الفرق بين من حج ومن لم /201/ يحج، في أن الإفراد أفضل لمن لم يحج، والقران أفضل لمن قد حج، فهو بعيد؛ لأن جميع الوجوه الَّتِي ذكرناها لا فصل فيها بين من حج وبين من لم يحج، وتصريح يحيى عليه السلام أن الإفراد أفضل لمن حج ولمن لم يحج في (الأحكام)، يوضح ما ذكرناه، وأنه لم يذكر الحال مفصلاً ولم يترك الاقتصار على قوله: الإفراد أفضل إلاَّ لإزالة هذه الشبهة.
مسألة [في أعمال العمرة]
__________
(1) ـ انظر الأحكام 310.
(2) ـ في (أ): القران.

(43/43)


قال: والمعتمر يفعل ما يفعله المتمتع في عمرته من الإحرام، والتلبية، وقطعها، والطواف، والسعي، وغيرها. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) وهو مما لا خلاف فيه، وبه وردت الأخبار، فلا وجه للإطالة فيه.
مسألة [فيمن دخل الحجر في طوافه]
قال: والطائف لا يدخل الحجر في طوافه، فإذا دخله ناسياً، أو جاهلاً، فلا شيء عليه، وإن دخله معتمداً عالماً بالكراهة، وجب عليه دم. وهذا منصوص عليه في (المنتخب)(2). والوجه في ذلك أن الحِجْرَ من الكعبة لما: أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي(3)، حدثنا ربيع المؤذن، حدثنا أسد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة، قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحجر، فقال: هو من البيت. فإذا ثبت أنَّه من البيت فيجب على الطائف أن يطوف حوله لقول الله تعالى: {وَلِيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيْقِ} فمن دخله، يكون قد قطع طوافه، ويكون سبيله سبيل من خرج من المسجد وهو في الطواف، في أنَّه يكون قاطعاً للطواف، فلذلك قلنا أنَّه إذا فعل ذلك معتمداً، فعليه دم؛ لأنَّه قد أخل بالمتابعة، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم تابع بين الطواف، وقال: ((خذوا عني مناسككم)) ولأن ذلك هو المأخوذ به عند المسلمين، فإذا ثبت ذلك، لزمه دم لإخلاله بما هو نسك واجب من المتابعة بين الطواف. وقلنا: إن فعل ذلك ناسياً، أو جاهلاً، فلا شيء عليه؛ لأنَّه يكون في حكم المعذور، ولا خلاف أن من قطع الطواف لإقامة الصلاة لا شيء عليه؛ لأنَّه يكون في حكم المعذور، فكذلك ما ذكرناه، وهذا يجب أن يكون في الطواف الواجب إذا لم يعد، فأما الطواف الذي ليس بواجب، والطواف الواجب إذا عاد، فليس عليه شيء؛ لأن دخول الحجر في الطواف ليس بأكثر من
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/293 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر المنتخب 107 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/184.

(43/44)


أن لا يفعله.
فإن قيل: فكيف قلتم أنَّه إن أعاد الطواف أجزاه، وقد حكى يحيى عليه السلام عن قوم أنهم قالوا: يعيد، ويذبح إن أمكن ذلك؟
قيل له: إنه أنكر قول من قال بوجوب إعادة الطواف، والذبح، وذلك كما قال لا معنى له، وإنَّما يقول: إنَّه إن عاد فلا ذبح عليه، فوجب عليه أحد الأمرين الإعادة أو الدم.
مسألة [فيمن طاف أكثر من سبعة أشواط]
قال: ولو أن رجلاً غلط، فطاف ثمانية أشواط، رفض الثامن إن شاء، ولم يكن عليه شيء. وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (1).
ووجهه أن الدخول في الثامن لا يوجبه عليه، كما يقول فيمن دخل في صلاة غير واجبة، ثُمَّ قطعها، أو في صوم غير واجب، فقطعه، أنَّه لا شيء عليه، والمعنى أنَّه عبادة ليس من شرط صحتها الإحرام. المحفوظ على أنَّه إذا دخل في الطواف /202/ ونوى طوافاً واحداً، فإن نيته تكون لسبعة أشواط، فإذا طاف الثامن بغير عقد نية له، فيجب أن لا يكون له حكم، ويكون بمنزلة من سعى في موضع الطواف لحاجته في أنَّه لا يكون طائفاً، فوجب أن يكون وجوده كعدمه.
مسألة [في تقديم الحلق على الذبح]
قال: ولو أنَّه نسي، فحلق قبل الذبح، فليس عليه شيء.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (2). وهو قول أبي يوسف، ومحمد، والشافعي، والأصل فيه ما: أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا محمد بن شجاع، حدثنا المعلى بن منصور، أخبرنا هشيم، عن منصور، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُئل عمن حلق قبل أن يذبح، ونحو ذلك، فجعل يقول: ((لا حرج)) (3).
__________
(1) ـ انظر المنتخب 108 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر المنتخب 111 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/235.

(43/45)


وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا أبو بكرة، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ريبعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي عليه السلام، قال: جاء(1) رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلٌ فقال: يا رسول الله: إني أفضت قبل أن أحلق، قال: ((أحلق ولا حرج)) قال: وجاءه رجل آخر، فقال: يا رسول الله: إني ذبحت قبل أن أرمي، قال: ((ارم، ولا حرج)). والحرج الضيق، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم يفيد جوازه، ويجري مجرى قول القائل: لا حرج في تأخير الظهر إلى وقته. يريد أنَّه جائز ويجري مجرى قوله: ((لا حرج في تأخير الحج)) أي أنَّه جائز، فإذا ثبت جوازه، فيجب أن لا يكون على من فعله شيء، خلافاً لأبي حنيفة في إلزامه إياه دماً.
فإن قيل: فقد روي عن ابن عباس أنَّه قال: من قَدَّم من حجه شيئاً، أو أَخَّر، فليهرق دماً.
قيل له: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى بأن يستعمل، ونبني عليه قول ابن عباس، حتَّى يكون خاصاً في غير ما ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قيل: فهذا يوجب أن يكون ذلك جائز للمتعمد والناسي، وقد قال في (المنتخب)(2): إن ذلك يجب أن يتعمد، وكرهه.
قيل له: أما التعمد فلا خلاف في أنَّه يكره له ذلك، ويدل(3) عليه قوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يبلغ الهدي محله} فصار الخبر متناولاً للناسي وللجاهل، وقد روي ما يدل على أن المراد هو الناسي والجاهل.
__________
(1) ـ في (ب): أتى.
(2) ـ انظر المنتخب 111.
(3) ـ في (ب): دل.

(43/46)


أخبرنا المقرئ، حدثنا الطحاوي(1)، حدثنا ابن أبي داود، حدثنا أبو ثابت محمد بن عبد الله، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بين أبي رافع، عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سأله رجل في حجته، قال: إني رميت، وأفضت، ونسيت ولم أحلق، قال: ((احلق ولا حرج))، ثُمَّ جاء رجل آخر فقال: إني رميت، وحلقت، ونسيت أن أنحر، قال: ((انحر، ولا حرج)).
وروي عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو ذلك، وفيه ثُمَّ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((عباد الله، وضع الله الحرج والضيق، فتعلموا مناسككم)) فدل ذلك على أن الخطاب ورد في الجاهل والناسي.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون المراد في ذلك من يكون هديه تطوعاً.
قيل له: ابن عباس روى في الحديث الأول أنَّه قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من حلق قبل أن يذبح، فلا حرج)) وهذا عام لا /203/ يُخص إلاَّ بالدليل، وجوابه صلى الله عليه وآله وسلم للسائل من غير أن يتعرف(2) حال هديه. قال زيد بن علي: الواجب والتطوع في ذلك سواء.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون ذلك على رفع الإثم؟
قيل له: لا تختص هذه المسألة؛ لأن الناسي لا إثم عليه في شيء مما يقع منه على جهة النسيان، فلا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة أنَّه من قدم الحلق على الذبح الذي للتطوع، لا يلزمه دم، وكذلك إذا قدمه على ذبح الواجب، والمعنى أنَّه تقديم الحلق على الذبح، ولا خلاف أنَّه إن فعلهما مرتباً، فلا شيء عليه، فكذلك إن قدم الحلق، والمعنى أنَّه وقع كل واحد من هذين النسكين في زمان هو زمانه.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/237 وفيه: أبو ثابت محمد بن عبيد الله، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، أراه، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي عليه السلام.
(2) ـ في (ب): يعرف.

(43/47)


مسألة [فيمن يطوف طواف الزيارة جنباً، أو حائضاً أو ينسى الطواف جنباً ناسياً]
ولو أنَّه طاف طواف النساء، أو طافت امرأة حائضاً، فعليهما إعادته إن كانا بمكة، وإن كانا قد لحقا بأهلهما، فعلى كل واحد منهما بدنة، ومتى رجعا قضيا ذلك الطواف، ولو أنَّه نسي طواف النساء، فعليه الرجوع من حيث كان، ويكون حاله حال المحصر، فإن جامع قبل أن يعود فيقضيه، كانت عليه بدنة، ولا يجزي الطواف إلاَّ بالطهور. ما ذكرناه فيمن طاف طواف النساء جنباً منصوص عليه في (الأحكام) (1)، ونص أيضاً فيه أنَّه إن طاف من غير أن يستكمل الطهارة، استكملها، وأعاد الطواف.
وتحصيل المذهب على أن من طاف من(2) غير طهور يكون طوافه ناقصاً نقصاً لا بد معه من الإعادة، أو الجبر بالدم، وهذا هو المراد بقولنا: لا يجزي الطواف إلاَّ بطهور؛ لا أن الطهور شرط فيه كالصلاة، وهذا هو مذهب أبي حنيفة. قال الشافعي: هو شرط في الطواف. والدليل على ذلك قول الله تعالى: {ثُمَّ لِيُقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلِيُوفُوا نُذُورَهُمْ..} الآية، فأمر بالطواف، ولم يشترط الطهارة، ولا خلاف أن الوقوف، والإحرام، لم تُجعل الطهارة شرطاً فيهما، فكذلك الطواف، والمعنى أنَّه ركن من أركان الحج، وهو قياس سائر العبادات، بمعنى أن الكلام لا يجزم فيه، فوجب(3) أن لا تكون الطهارة شرطاً فيه، ويقوي علتنا هذه سائر ما يختص الحج من الذكر وغيره.
فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمى الطواف صلاة لقوله: ((الطواف بالبيت صلاة إلاَّ أن الله عز وجل أباح لكم أن تتكلموا فيه)) ثُمَّ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا صلاة إلاَّ بطهور)) فوجب أن ينتف الطواف بغير طهور.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/327 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ في (أ): على.
(3) ـ في (أ): فيجب.

(43/48)


قيل له: اسم الصلاة يتناول الطواف على سبيل المجاز، بدلالة أنَّه إذا أطلق لم يعقل في الشريعة إلاَّ العبادة المخصوصة ذات الركعات والسجدات، والمجاز لا يدخل في الخطاب إلاَّ بالدليل، فلم يجب أن يكون الطواف مراداً بقوله: ((لا صلاة إلاَّ بطهور)).
فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طاف على طهارة، وقال: ((خذوا عني مناسككم)) فدل ذلك على وجوب الطهارة للطواف.
قيل له: نحن لا ننكر أنَّها تجب للطواف، وإنَّما اختلفنا في أنَّه شرط فيه أم لا، وأنه يجبر بالدم إذا ترك، أم لا، وما تعلقتم به إنَّما يقتضي وجوب الطهارة، وذلك مما لا نختلف فيه، فأما موضع الخلاف، فإن هذا الاستدلال لم يتناوله.
فإن قيل: قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: ((افعلي ما يفعله الحاج غير أن لا تطوفي /204/ بالبيت))، يدل على أن الطهارة شرط فيه.
قيل له: لا يدل ذلك على ما ذكرتم، وإنَّما منعها من الطواف وهي حائض؛ لأن الطواف لا يكون إلاَّ في المسجد، والحائض ممنوعة من دخول المسجد، على أنا لا نختلف في أن غير المتطهر ممنوع من الطواف، وإنَّما الخلاف في كونه شرطاً، وفي أنَّه يجبر بالدم.
فإن قيل: فإن الطواف مُضمن بالطهارة، وكل عبادة مضمنة بالطهارة، فإنها تبطل إذا فعلت بغير طهارة، دليلنا الصلاة.

(43/49)


قيل له: لا نسلم أن الطواف مضمن بها؛ لأن ذلك يفيد كونها شرطاً فيه، وفيه اختلفنا، وأما وجوبها، فلا خلاف فيه، وقوله صلى الله عليه آله وسلم: ((خذوا عني مناسككم)) مع أنَّه طاف متطهراً يدل على ذلك، وكل من ذهب إلى أنَّه ليس شرطاً فيه، يذهب إلى أنَّه يجبر بالدم إذا كان الطائف قد لحق بأهله، وأنه إذا كان بمكة يعيد؛ فلذلك قلنا به، على أنه إذا كان بمكة يمكنه الإتيان به من غير مشقة، فلا وجه؛ لأن يُجْبَر بالدم مع إمكان الإتيان به ثانياً. وألزمنا من طاف طواف الزيارة جنباً، ثُمَّ لحق بأهله، بدنةً؛ لأن البدنة موضوعة في الحج لكل ما كان أغلظ في جنسه، ثُمَّ كان طواف الزيارة فرضه آكد، وكان لا يجبر بالدم عند أحد، فعلمنا أن حكمه أغلظ، فكذلك الجنابة، فلذلك أوجبنا في جبره البدنة. وقلنا: إن من خرج، ولم يطف طواف النساء، لزمه العود، وأنه يكون في حكم المحصر إلى أن يعود، فيطوف؛ لأنَّه لا خلاف فيه، ومعنى قولنا: إنَّه يكون محصراً، أنَّه يكون ممنوعاً من النساء فقط دون سائر الأشياء. وقلنا: إنَّه إن جامع قبل ذلك لزمته بدنة؛ لأنَّه لا خلاف في أنَّه يلزمه دم، وسبيله سبيل من جامع بعد ما رمى جمرة العقبة قبل طواف النسا في أنَّه يلزمه البدنة.
مسألة [في الكلام حال الطواف]
قال القاسم عليه السلام: ويكره الكلام في الطواف، فإن تكلم، لم يفسد. وهذا منصوص عليه في (مسائل النيروسي). ووجهه أنَّه موقف عظيم، وعبادة تشتمل على الذكر فاستحببنا ترك الكلام فيها. وروى ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ عن ابن عباس أنَّه قال: ((الطواف بالبيت صلاة، فأقلوا الكلام فيه)) (1).
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/137 وإسناده أبو بكر حدثنا ابن عيينة، عن ابن طاووس عن أبيه، به.

(43/50)


وروي أيضاً ـ بإسناده ـ عن طاووس أنَّه قال: ((إني لأعدها(1) غنيمة أن أطوف بالبيت أسبوعاً، لا يكلمني أحد)) ولا خلاف في أن الكلام لا يفسده.
مسألة [في من نسي السعي بين الصفا والمروة ما عليه؟]
من نسي السعي بين الصفا والمروة استحب له الرجوع ليقضيه، فإن لم يمكنه، أجزأه دم، ومتى عاود الحج، قضاه، ومن طاف بينهما من غير وضوء، لم يكن عليه شيء.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2). وهو قول زيد بن علي عليهما السلام؛ لتنصيصه على أن فروض الحج ثلاثة. ورواه ابن أبي(3) شيبة عن الحسن، وعطاء، أنهما أوجبا على تاركه دماً فقط، وإليه ذهب أبو حنيفة. وقال الشافعي هو شرط في الحج مثل طواف الزيارة.
والذي يدل على ذلك قوله [صلى الله عليه وآله وسلم] (4): ((الحج عرفة، فمن أدركها أدرك الحج))، فظاهره يدل على أن الحج هو الوقوف بعرفة فقط، وأن من أدركه، فقد أدرك /205/ الحج، وهو يوجب أن ترك السعي لا يمنع تمام الحج، ويدل على ذلك أن السعي تابع للطواف، فوجب أن يكون من فروض الحج كالمبيت بمزدلفة، وكالمبيت بمنى، والعلة أنه تابع لغيره.
فإن قيل: لسنا نسلم أنَّه تابع للطواف، وإن كان مرتباً عليه، كما لا نقول في صلاة العصر أنَّها تابعة للظهر، وإن كانت مرتبة عليه، ولا نقول في طواف النساء أنه تابع للوقوف، وإن كان مرتباً عليه.
__________
(1) ـ في (أ): ألا أعدها غنيمة، وفي هامشها غنية، وفي (ب): إني لأعدها غيية. والصواب: ما أثبتناه وهو في المصنف هكذا.
(2) ـ انظر الأحكام 1/328 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/281.
(4) ـ سقط من (ب).

(43/51)


قيل له: صلاة العصر لها وقت يجب أن تفعل فيه إذا انتهى الإنسان إليه، وإن لم يكن فعل الظهر، وقد تجب صلاة العصر على الإنسان مفردة عن الظهر، فلم يصح أن يقال: إنها تابعة، ووجب أن يقال: إنَّها مرتبة عليه، وطواف النساء لا يتعلق بالوقوف؛ لأن وقت كل واحد منهما غير وقت صاحبه، وليس كذلك السعي؛ لأنَّه لا يفعل إلاَّ عقيب الطواف، ويكره أن يفرق بينهما بزمان طويل، وهو عند مخالفينا لا يختص بطواف بعينه؛ إذ قد يفعل عقيب طواف القدوم، وقد يفعل عقيب طواف الزيارة، فبان أنَّه تابع له على ما ذكرناه، على أنَّه عندنا لا يكون إلاَّ تابعاً لطواف القدوم، ولا يجوز أن يكون التابع أوكد حالاً مما هو تابع له، فوجب أن لا يكون شرطاً في صحة الحج، كطواف القدوم، وأيضاً قد ثبت أنهما من الشعائر بقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله}، فوجب أن لا يكون شرطاً في الحج، كسائر الشعائر الَّتِي هي البُدن، والمشعر الحرام، ونحوها.
فإن قيل: فقد سعى بينهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: ((خذوا عني مناسككم))، وقال ـ أيضاً ـ ((إن الله كتب عليكم السعي، فاسعوا)) وهذا يقتضي الوجوب.
قيل له: لَعمري، إن ذلك يقتضي الوجوب، ونحن لا ننكره، ولا نخالف فيه؛ لأن السعي بينهما عندنا واجب، وإنَّما نقول إنَّه إذا فات ناب الدم عنه، وليس شرط في الحج، وما استدللتم به، لا يدل على موضع الخلاف.

(43/52)


فإن قاسوه على الطواف بعلة أنَّها عبادة يوجبها الإحرام في موضع مخصوص، فوجب أن لا ينوب عنها الدم، كان ذلك منتقضاً بالرمي. وحكي عن قوم أنهم قالوا: غير واجب، وذلك غير صحيح، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((خذوا عني مناسككم)) مع سعيه بينهما، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله كتب عليكم السعي، فاسعوا)) فإذا ثبت وجوبه، وثبت أنَّه ليس بشرط في صحة الحج، ثبت أنَّه يجب أن يجبر بالدم إذا فات؛ إذ لم يخالف أحد فيه مع إثبات هذين القولين؛ فلذلك قلنا به. وقلنا: إنَّه إن عاد إلى مكة بعد ذلك، قضاه استحباباً؛ ليكون قد حصل له الأصل؛ ولأنه أحوط. وأما جواز السعي بغير طهور، فلا خلاف فيه، فلذلك قلناه.
مسألة [في البناء على السعي والطواف إذا قطعه عارض]
قال: وإن(1) عرض عارض، فقطع سعيه، ثُمَّ عاد، بنى على سعيه، وكذلك القول في الطواف: إن عرض عارض فقطعه. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2). وقد بينا أن من قطع طوافه لعذر، جاز له البناء، ولم يلزمه شيء في مسألة دخول الحِجْر في الطواف، فوجب أن يكون السعي بذلك أولى؛ لأن الأمر فيه أخف.
مسألة [فيمن نسي رمى الجمار]
قال: وإن نسي رمي الجمار، ثُمَّ ذكره في آخر أيام التشريق، فليرمها لما ترك من الأيام، وليُرِقْ دماً، وإن لم يذكره حتَّى مضت أيام التشريق، أراق دماً، ولم يكن /206/ عليه رمي. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3) وهو قول أبي حنيفة.
__________
(1) ـ في (ب): فإن.
(2) ـ انظر الأحكام 1/328 حيث ذكر فيه البناء على السعي، وأما البناء على الطواف، فنص عليه فيه 1/319.
(3) ـ انظر الأحكام 1/328 وهو بلفظ قريب.

(43/53)


ووجه ما ذهبنا إليه من إيجاب الدم على من تركه، أنَّه نسك لا خلاف فيه، وإذا تركه، وجب فيه [دم] (1)، ولا خلاف أنَّه إذا تركه حتَّى تمضي أيام التشريق أن عليه دماً، فكذلك إذا تركه إلى آخر أيام التشريق، والمعنى أنَّه ترك الرمي حتَّى مضى وقت أدائه. وقلنا إنَّه يقضي إن ذكره في أيام التشريق مع إراقة الدم؛ لأن ما بقي من أيام التشريق وقت قضائه، وإن لم يكن وقت لأدائه، لا خلاف فيه، فأما إذا مضت الأيام كلها، فلا رمي عليه، ويجزيه إراقة الدم؛ لأن ما بعدها ليس بوقت للأداء، أو القضاء.
فإن قيل: لا معنى للدم مع القضاء.
قيل له: هذا غير ممتنع، ألا ترى أن من أفسد حجه، أو عمرته، فعليه الدم مع القضاء، وعندنا أن المتمتع إذا أخر الذبح، لزمه مع الذبح دم للتأخير، وعند مخالفينا من أفسد صوم رمضان بجماع، لزمه كفارة مع القضاء.
مسالة [فيمن نسي أن يرمي بحصاة أو حصاتين إلى أربع]
قال: وإن نسي أن يرمي بحصاة، أو بحصاتين، أو ثلاث، أو أربع، ثُمَّ ذكر في أيام التشريق، رمى ما نسيه، وأطعم عن كل حصاة مسكيناً مسكيناً، لكل مسكين مُدَّين من طعام، وإن نسي أن يرمي كل جمرة بأربع حصيات، ورماهن بثلاث، أراق دماً، ورمى إن ذكره في أيام الرمي، وإن ذكره بعد، أجزأه الدم. جميعه منصوص عليه في (الأحكام) (2).
__________
(1) ـ سقط من (ب).
(2) ـ انظر الأحكام 1/328 ـ 329 وهو بلفظ قريب.

(43/54)


ووجهه أنَّه لا خلاف فيمن حلق بعض رأسه، وهو محرم، أنَّه يلزمه دم، وأنه لو حلق من رأسه شعرة، أو شعرتين، لزمه أن يتصدق، فصار ذلك أصلاً في جملة من الأفعال، يوجب تركها الدم، ويوجب ترك اليسير منه صدقة، وكذلك لا خلاف في أن قتل الصيد يوجب دماً، وإن أخذه، ونتف شيئاً يسيراً من ريشه ووبره، وجبت صدقة، فلما ثبت ذلك، وثبت فيمن ترك الرمي جملة أن يلزمه الدم، قلنا: إن مَن ترك حصاة، أو حصاتين، إلى أن يصير المتروك أقل من أربع، يلزمه عن كل حصاة صدقة، وإذا صار المتروك أكثر، لزمه دم؛ لأن الأكثر في حكم الكل في الحلق وغيره.
مسالة [في أي وقت يكره الطواف]
قال: ولا يكره الطواف في شيء من الأوقات، إلاَّ في الأوقات الثلاثة الَّتِي تكره فيها الصلاة. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
ووجهه أن من السنة أن يصلي عقيب كل أسبوع ركعتين، وهذه الأوقات نهى عن الصلاة فيها على ما ذكرناه في باب الصلاة والطائف في هذه الأوقات لا بد له من الدخول في أحد الأمرين اللذين ذكرنا، إما أن يطوف ويصلي، وقد كرهت الصلاة فيها، أو يطوف ولا يصلي عقيب الطواف، وقد كره أيضاً ذلك؛ فلذلك قلنا: إن الطواف فيها مكروه، فأما [في] (2) غيرها من الأوقات، فلا يكره الطواف في شيء منها؛ لأنها لا تكره الصلاة فيها، وفي ذلك: ما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا محمد بن الحسين بن اليمان، حدثنا محمد بن شجاع، حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه(3)، عن جبير بن مطعم، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: ((يا بني عبد مناف لا /207/ تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت، وصلى، أي ساعة من ليل، أو نهار)).
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/319 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ سقط من (ب).
(3) ـ في (أ): ماتاه.

(43/55)


وروى ابن أبي شيبة(1) ـ بإسنادهـ عن أبي سعيد أنَّه رأى الحسن، والحسين، عليهم السلام قدما مكة، فطافا بالبيت بعد العصر، وصليا. وروي أيضاً ـ بإسناده(2) ـ عن ابن عباس وابن عمر، نحوه. وروي أيضاً(3) عن ابن عمر، وابن الزبير، أنهما طافا بعد العصر، وصليا.
فإن قيل: فإن هذا يحجكم في الأوقات الثلاثة.
قيل له: هو مخصوص بالدليل الذي ذكرنا، يؤكد ذلك أن النَّهي عن الصيام يوم الفطر، ويوم الأضحى، لما ثبت استوت البقاع في ذلك، فكذلك الصلاة في الأوقات الثلاثة، والمعنى أنَّها عبادة، نُهى عن إيقاعها في زمن مخصوص، فوجب أن يستوي فيها البقاع.
مسألة [فيمن يطوف أسبوعين فأكثر، هل يصلى ركعتين لكل أسبوع؟]
قال القاسم عليه السلام فيمن أراد أن يطوف إسبوعين، أو ثلاثة، أو أكثر، أنَّه يصلي ركعتين لكل إسبوع عند فراغه منه. وهذا منصوص عليه في (مسائل النيروسي).
ووجهه الأخبار المروية في هذا الباب، قد ذكرناها في مسألة ركعتي الطواف في أول المناسك، فلا غرض في إعادتها.
مسألة [في نسيان التلبية]
قال القاسم عليه السلام: ولو أن رجلاً نسي التلبية حتَّى يقضي المناسك كلها، لم يكن عليه شيء، ولا ينبغي أن يتركها متعمداً. وهذا ما رواه يحيى عليه السلام في (الأحكام)(4). وعند أبي حنيفة يلزمه دم.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 3/180 وإسناده: أبو بكر حدثنا محمد بن فضيل عن ليث عن شعبة أنه رأى.. الخ ولم يذكر أبا سعيد.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/180 وإسناده: حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو الأحوص، عن ليث، عن عطاء.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/181، وإسناده حدثنا يعلى عن الأجلح عن عطاء.
(4) ـ انظر الأحكام 1/320 وهو بلفظ قريب.

(43/56)


ووجهه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: ((الحج عرفة، فمن أدرك عرفة، فقد أدرك الحج)) ودخول الألف واللام يدل على أنَّه هو الواجب فقط، كأنه قال: الحج عرفة، ولا خلاف أن تكرارها مسنون، فكذلك الابتداء، والمعنى أنَّها ذكر(1) وسائر أذكار الحج تؤكد ما ذكرنا، أو يقال لأنَّه من أذكار(2) الحج، و ـ أيضاً ـ الحج عبادة للمال فيها مدخل، فوجب أن لا يجب الذكر فيها قياساً على الصيام، أو يقال: عبادة تجب بالمال، فهي قياس الزكاة.
فإن قيل: هو قياس الصلاة؛ بعلة أنَّها عبادة يرتبط بعضها ببعض.
قيل له: فترك أركانها(3) لا يوجب الدم، فنقيس الحج عليها بعلتكم هذه، نقول: كل ذكر لا يفسد الفعل تركه متعمداً، فلا يجبر إذا ترك متعمداً، قياساً على أذكار الصلاة.
فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((أتاني جبريل عليه السلام، وأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية)).
قيل له: ظاهره يوجب رفع الصوت، وهو غير واجب بالإجماع، والأمر به يجب أن يكون ندباً. وقال: لا ينبغي أن يتركها متعمداً؛ لأنَّه لا خلاف فيه، ولأنها إن لم تكن واجبة، فلا خلاف في أنَّها مسنونة.
__________
(1) ـ في (ب): تلبية.
(2) ـ في (أ): أركان.
(3) ـ في (ب): أذكارها.

(43/57)


باب القول فيما يجب على المحرم توقيه
[مسألة في بيان الرفث، والفسوق، والجدال]
يجب على المحرم أن يتوقى الرفث، والفسوق، والجدال. والرفث هو: الجماع، واللفظ بالقبيح. والفسوق هو: الفسق.
والجدال هو: المجادلة بالباطل. وجميعه منصوص عليه في (الأحكام) و(المنتخب). وذلك لقوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيْهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِيْ الْحَجِّ} [وهذا منصوص عليه في الأحكام](1).
وروى ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ عن ابن عباس، قال: (لا رَفَثَ) الجماع، و(لا فسوق)، المعاصي، (ولا جدال في الحج)، لا /208/ تمار صاحبك حتَّى تُغضبَه.
ولا خلاف أن الجدال بالحق مأمور به؛ لقول الله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بَالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فإذاً الجدال المنهي عنه هو المجادلة بالباطل. ويبين ـ أيضاً ـ أن الرفث هو الجماع قول الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصَّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ويبين أن الرفث هو اللفظ بالقبيح قول الراجز: عن الخنا ورفث التكلم.
مسألة [في لبس المحرم الثوب المصبوغ أو القميص]
قال: ولا يلبس ثوباً مصبوغاً، ولا يلبس قميصاً بعد اغتساله لإحرامه، فإن فعله ناسياً، أو جاهلاً، شقه، وخرج منه. [وهذا منصوص عليه في الأحكام] (2)
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/275 ـ276 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر الأحكام 1/299 وأما الثوب المصبوغ فنص عليه فيه 1/276.

(44/1)


وروي هناد ونحوه، عن محمد بن الحنفية، وإبراهيم، والحسن، والشعبي. وليس لقائل أن يقول: إنَّه يؤدي إلى إضاعة المال، وقد نهى عنه؛ لأنَّه لا معنى لذلك مع ورود الأثر، على أنَّه لا خلاف أن من لم يجد النعلين يقطع الخفين، ويلبسهما، فكان شق القميص مثل ذلك. وقلنا ذلك أن لبسه بعد اغتساله لإحرامه؛ لأنَّه إذا اغتسل ناوياً للإحرام، يحصل محرماً؛ لأنا قد بينا فيما مضى أن عقد الإحرام لا يفتقر إلى اللفظ، وإنَّما ينعقد بالنية إذا ضامت فعلاً يختص الإحرام، كالاغتسال، أو تقليد البدن، ونحوهما.
وأوجبنا الدم على من لبس الثوب متعمداً؛ لأنَّه لا خلاف في ذلك؛ إذ لبس ثوباً، فكذلك إذا لبس دونه، فأما الناسي، فلم نوجب عليه شيئاً، وهو قول الشافعي، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما لبس الثوب ناسياً، شقه، وخرج منه، ولم يُرو أنَّه فدى. وكذلك رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعرابياً محرماً عليه جبة، فأمره بنزعها(1)، فلم(2) يأمره بالفدية.
مسألة [في جز شعر المحرم]
قال: ولا يجز من شعره بنفسه، ولا بغيره. قال القاسم عليه السلام: ولا بأس إن يجز من شعر الحلال. وقد نص في (الأحكام)(3) على ما ذكرناه، ورَوى عن القاسم عليه السلام فيه ما حكيناه عنه. أما جَزُّ شعر المحرم، فلا خلاف في أنَّه لا يجوز، وجَزُّ المحرم شعر الحلال قد اختُلف فيه، قال الشافعي فيه مثل قولنا: وقال أبو حنيفة فيه صدقة.
__________
(1) ـ في (أ): ينزعها.
(2) ـ في (ب): ولم.
(3) ـ انظر الأحكام 1/276، 287 و 320، 321 وهو بلفظ قريب.

(44/2)


ووجه قولنا فيما ذهبنا إليه أن شعر الحلال لا حرمة له، فجرى مجرى الطير الأهلي، والأنعام، في أن قتلها لا يوجب شيئاً ، والعلة فيه أنَّه استهلك ما لا حرمة له، فوجب أن لا يكون فيه فرق بين الحلال والحرام، ولا خلاف أن الحلال إذا جَزَّه، لم يلزمه فيه شيء، فكذلك إذا جزَّه المحرم، والمعنى أنَّه شعر الحلال، ولا يشبه ذلك صيد الحلال؛ لأن للصيد حرمة، وإن كان ملكاً للحلال، ألا ترى أن الحلال لا يجوز له ذبحه في الحرم؟ وليس كذلك شعر الحلال؛ لأنه يحلقه في الحرم، يوضح ذلك أنَّه لو ألبسه قميصاً، لم يلزمه شيء، لما لم يكن الحلال ممنوعاً من لبسه، فكذلك قص شعره.
فإن قيل: هو منهي عن قص شعر نفسه وشعر، غيره.
قيل له: لسنا نسلم أنَّه منهي عن قص شعر غيره.
مسألة [في محظورات الإحرام من الطيب والكحل وقتل القمل]

(44/3)


قال: ولا يتداوى بدواء فيه طيب، ولا يكتحل، ولا يقتل من القمل شيئاً، وإن أراد تحويله(1) من مكان إلى مكان، فعل، وإن قتلها، تصدق بشيء من الطعام. جميعه منصوص عليه في (الأحكام)(2). أما الطيب، فلا خلاف في أن المحرم ممنوع منه، فوجب أن يمتنع منه، وإن كان في الدواء؛ لأن كونه في الدواء لا يخرجه من أن يكون طيباً. /209/ وأما الكحل، فإنه منع منه؛ لأنَّه زينة، والمحرم قد أُخذ عليه ترك الزينة. وأما القمل، فقلنا: لا يلقيه عن نفسه ولا يقتله؛ لأنَّه جار مجرى أخذ الشعر، والظفر من جسده؛ لأنَّه منه، وفي أخذه إماطة الأذى عن نفسه، ولا خلاف أن المحرم لا يغلي ثوبه، ولو كان له قتل القمل، لكان له فَلْيُه، كما له غسله. وقلنا أنَّه إذا نقله من موضع، من جسده إلى موضع فليس عليه فيه شيء؛ لأنَّه لم يقتله، ولم يُمط الأذى عن نفسه. وقلنا: أنَّه إذا قتله تصدق بشيء من الطعام؛ لأنَّه إذا ثبت أنَّه ممنوع منه لإحرامه، فلا يلزمه(3) إذا قتله دم بالإجماع، ولزمه التصدق، كما نقول ذلك فيمن قصر ظفراً، أو حلق شعرة، أو شعرتين، أو نسي رمي حصاة، أو حصاتين.
وروى ابن أبي شيبة(4) في القمل نحو قولنا، عن ابن عمر، وسعيد بن جبير. وهو المروي عن جعفر بن محمد عليهما السلام.
مسألة [في التزوج والتزويج للمحرم]
__________
(1) ـ في (ب): تحويل قملة.
(2) ـ انظر الأحكام 1/276 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ في (ب): الفدية إذا قتله وهو دم بالإجماع.
(4) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/426.

(44/4)


قال: (ولا يُزَوِّج، ولا يَتزوج، فإن فعل، كان النكاح باطلاً)، وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2)، وهو مذهب الإمامية، وقول الشافعي. قال أبو يوسف: لا بأس بذلك. والأصل في ذلك ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أن مالكاً، وابن أبي ذئب(3) حدثاه، عن نافع، عن نبيه بن وهب، عن إبان بن عثمان بن عفان، قال سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لاَ ينكح المحرم، ولا يُنكِح، ولا يخطب)) (4). وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا جعفر بن محمد، حدثنا يوسف القطان، حدثنا سلمة بن الفضل، عن إسحاق بن راشد، عن زيد بن علي، عن إبان بن عثمان بن عفان، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((المحرم لاَ ينكح، ولا يُنكِح))(5).
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن علياً عليهم السلام، وعمر، قالا: ((لاَ ينكح المحرم، ولا يُنكِح، فإن نكح، فنكاحه باطل)) (6). وروى ابن أبي شيبة بإسناده، عن ابن عمر، قال:((لا يتزوج المحرم ولا يزوج))، فلما نهى صلى الله عليه وآله وسلم المحرم عن النكاح، والإنكاح، دل ذلك على فساد النكاح.
فإن قيل : هو محمول على الوطء.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/276، 299.
(2) ـ انظر المنتخب 97 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ في (ب): فؤيب.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار.
(5) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/268 وفيه محمد بن جعفر، وكذلك حدثنا أبو سلمة.
(6) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/152 وإسناده: حدثنا عبدة بن سليمان، عن يحيى، عن نافع.

(44/5)


قيل له: النكاح عندنا هو حقيقة في العقد، ومجاز في الوطء، فوجب أن يحمل الحديث على العقد وإن حمل على الوطء، على أن قول علي عليه السلام، وعمر، ((فإن نكح، فنكاحه باطل)) يمنع من هذا التأويل؛ لأن سمة الباطل تقع على العقد دون الوطء، وكذلك ما في الحديث الأول من وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ولا يخطب)) يمنع التأويل.
فإن تعلقوا بظواهر الكتاب نحو قوله: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} {وَأَنْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} {وَلا تَعْظُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}.
قيل له: هذه الظواهر كلها مبنية على قوله: ((المحرم لا يَنكح، ولا يُنكح، ولا يخطب)).
فإن قيل: فقد(1) صرتم أولى بتخصيص هذه الظواهر، وبنائها على الخبر، منا بتأويل الخبر على ما ذكرناه من الوطء، بنائه على الظواهر.
قيل له: نحن أولى باستعمالكم(2) من جهتين: إحداهما أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب))، فذكر الخطبة، فدل على أن المراد به العقد؛ إذ الخطبة لا /210/ تتعلق بالوطء.
والثاني: أن الخبر أخص بموضع الخلاف، والمقصد به(3) بيان ما اختلفنا فيه، وليس كذلك حال الظواهر، فصار استعمالنا بما ذكرنا أولى.
فإن قيل: فقد روي عن ابن عباس أنَّه قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بميمونة، وهو محرم.
قيل له: قد عارض ذلك: ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن مرزوق، حدثنا حبان بن هلال، حدثنا حماد بن زيد، عن مطر، عن ربيعة بن عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة حلالاً، وبنى بها حلالاً، وكُنتُ الرسول بينهما(4).
__________
(1) ـ في (ب): فكيف.
(2) ـ في (ب): باستعمالنا.
(3) ـ في (ب): فيه.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/270 وفيه ربيعة بن أبي عبد الرحمن.

(44/6)


وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ربيع المؤذن، وربيع الجيزي، قالا: حدثنا أسد، حدثنا حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد الأصم، عن ميمونة بنت الحارث، قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ بسَرِف ـ ونحن حلالان بعد أن رجع من مكة(1).
وروي في هذا ـ أيضاً ـ ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أن مالكاً حدثه عن ريبعة بن أبي(2) عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا رافع ـ مولاه ـ ورجلاً من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث، وهي بالمدينة قبل أن يخرج. قلنا: في هذه الأخبار ثلاث طرق: إما أن نقول أنَّها تعارضتُ فسقطتُ ووجب الرجوع إلى قوله: ((المحرم لا ينكح، ولا ينكح)). وأما أن نقول: إن حديث ميمونة، وحديث أبي رافع، أولى أن يعمل به؛ لأن أبا رافع ذكر أنَّه كان الرسول بينهما، وهو أولى أن يكون تَحقَق الحال، وعرف الصورة، وكذلك ميمونة هي المعقود عليها، فقولها أولى بذلك؛ لأنها عرفت من الحال ما لم يعرف غيرها، ألا ترى أنَّها ذكرت الموضع، والوقت. وإما أن نقول: ذلك كان يجوز أن يكون خاصاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقوله أولى أن يعمل به؛ لأنه يتناول غيره، وفعله يخصه.
ويعضد هذه التأويلات قول علي عليه السلام، وقول عمر على ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عنهما.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/270.
(2) ـ في (أ): بن عبد الرحمن.

(44/7)


والإحرام مقيس على عدة المتوفى عنها زوجها، والمعنى أنَّه عبادة يجب معها ترك الطيب، والزينة، فوجب أن لا يصح معها عقد النكاح، كعدة المتوفى عنها زوجها، وهذا القياس لا ينتقض بعدة المختلعة؛ لأنها عندنا لا يلزمها ترك الزينة، وأيضاً عقد النكاح سبب يختص بتعديه الحرمة إلى غير من خصه، فوجب أن يمنع منه الإحرام قياساً على الوطء، وليس يعترض ما ذكرناه من الرضاع؛ لأنَّه يوجب الحرمة لمن يخصه، وإن كان يعد بها إلى غيره. وأيضاً وجدنا المحرم ممنوعاً من الاستمتاع بالمرأة من كل وجه، فوجب أن لا يصح له عقد النكاح عليها، قياساً على ذي الرحم المحرم، وما يذكره المخالف من القياس في هذا الباب يشهد لقياسنا، ألا ترى أنهم إن قاسوا الإحرام على الحيض، والنفاس، لما لم يكونا مما يصح أن يقال فيهما أنهما عبادة، ولما كان الاعتكاف عبادة، لا يلزم معها ترك الطيب والزينة، لم يمنع من عقد النكاح. وكذلك إن قاسوا النكاح على شراء الأمة، كان ذلك شاهداً لقياسنا النكاح على الوطء، ألا ترى أنَّه لما لم يُعَدّ الحرمة، لم يمنع منه الإحرام، ولا نختلف في المحرم، إذا طلق زوجته طلاقاً بائناً أنَّه لا يجوز له العقد على /211/ أختها، فكذلك الأجنبية، والمعنى أنَّه محرم، فوجب أن لا يصح عقد نكاحها، ولا يمكنهم دفع هذا القياس بعدم التأثير؛ إذ هو مؤثر على أصولنا: يؤكد ذلك، ويوضحه، أنا وجدنا المحرم ممنوعاً من القبلة، والضمة، والمباشرة، لَمَّا كانت أسباباً تختص بأن تدعو إلى الجماع، فوجب أن يكون ممنوعاً من عقد النكاح؛ لأنَّه سبب يختص بالدعاء إلى الجماع، ولا يمكنهم أن يدعوا ذلك في شراء الجواري؛ لأن الشراء للجواري(1) لا يختص بأن يكون سبباً داعياً إلى الجماع، ألا ترى أن الإنسان يجوز أن يشتري ذوات المحارم الَّتِي لا يطأهن، وقد يشتريهن للتجارة، والخدمة، ولا يريد وطئهن، وليس كذلك عقد النكاح؛ لأنَّه يختص بأن يكون
__________
(1) ـ في (ب): شراء الجواري.

(44/8)


سبباً داعياً إلى الجماع، كما ذكرناه في القبلة، والضمة، من الشهوة. وأيضاً وجدنا الجماع أغلظ في باب الحج من سائر مَا منع منه الإحرام، كحلق الرأس، ولبس الثياب، واستعمال الطيب، وقتل الصيد؛ لأن شيئاً من ذلك لا يفسد الحج إذا أتى به المحرم، والجماع يفسده، وكذلك هو ممنوع منه ما بقي للإحرام حكم، وإن أبيح له سائر هذه الأشياء، ألا ترى أنَّه إن رمى جمرة العقبة، فإن جميع هذه الأشياء تحل له قبل طواف النساء، فلما حصل للجماع هذا التغليظ، وجب أن يجعل لسببه المختص به ضرب من التغليظ، وليس هو إلاَّ المنع منه.
مسألة [في أكل المحرم للصيد]
قال: ولا يأكل صيداً صيد له، ولا لغيره، مُحِلٌ اصطاده، أو محرم. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1) و(المنتخب)، وهو قول القاسم عليه السلام. ويجوز ذلك عند أبي حنيفة إذا لم يكن المحرم اصطاده، و لا دل عليه، ولا أشار إليه. وعند الشافعي إذا لم يصطاد، ولم يُصطَد له.
والأصل في ذلك قول الله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلِيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} وهذا نص في أن تحريمه كتحريم الميتة ولحم الخنزير وكتحريم الأخوات والأمهات، ويدل على ذلك قول الله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيْمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلِيْكُمْ}.
وأخبرنا أبو الحسين عبد الله بن سعيد البروجردي، حدثنا سفيان بن هارون القاضي، حدثنا أحمد بن يحيى الجلال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيدالله(2) بن أبي عياش، عن الصعب بن جثامة، قال: مر بي رسول(3) الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأبواء، أو بِوَدَّان فأهديت له لحم حمار وحش، فرده علي، فلما رأى في وجهي الكراهة قال: إنه ليس بنا ردّ عليك ولكنا حُرُم.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/276 ونص على الققرة الأخيرة فيه 1/299.
(2) ـ في مصنف ابن أبي شيبة، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن الصعب، انظر 3/307.
(3) ـ في (أ): النبي.

(44/9)


وروى ابن أبي شيبة، حدثنا معاوية، عن الأعمش، عن حبيب(1)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أهدى الصعب بن جثامة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حمار وحش، فقال: لولا أنا محرمون لقبلنا منك. ففيما رويناه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رده؛ لكونه محرماً فقط، من غير استعلام وجه اصطياد الصعب بن جثامة، فدل ذلك على أن التحريم تعلق بالإحرام فقط على أن رده صلى الله عليه وآله وسلم لا يجوز أن يكون لكونه مشيراً إليه، أو دالاً عليه، أو آمراً به لأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لا يفعل ذلك، وقول الصعب: أهديت له، يدل على أنَّه لم ين اصطاده له؛ إذ لو كان اصطاده له، لقال: كنت اصطدت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذا، /212/ فحملته ولم يقل ذلك، فدل على أن الرد لم يكن إلاَّ لكونه محرماً فقط على ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم، وتحقيق ذلك: ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن الحسين الصواف، أخبرنا عمار بن رجاء، أخبرنا هدبة، عن همام بن يحيى، عن علي بن زيد بن جدعان، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، أن أباه ولى طعام عثمان، قال: فكأني أنظر إلى الحِجَل حول الحفان، فجاءه رجل فقال: إن علي عليه السلام يكره هذا، فأرسل إلى علي عليه السلام، فجاءه وذراعاه ملطخان بالخبط، فقال: إنك رجل كثير الخلاف علينا، فقال علي عليه السلام: أُذَكِّرُ الله رجلاً شهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أُتى بعجز حمار وحش فقال: ((إنا محرمون، فأطعموه أهل الحل)) فقام عدة رجال، فشهدوا، ثُمَّ قال: أُشْهِدُ الله رجلاً شهد النبي صلى الله عليه
__________
(1) ـ في (أ) و (ب): حلب، وفي الهامش: الأعمش يروي عن سعيد بلا واسطة، فينظر في توسط حلب هنا، ولم نجد في أسماء الرجال من يسمى الاسم. وما أثبتناه نبه عليه في الهامش، وهو كذلك في المصنف لابن أبي شيبة انظره 3/308 حيث أخرجه فيه.

(44/10)


وآله وسلم أتي بخمس بيضات من بيض النعام، فقال: ((إنا محرمون، فأطعموها أهل الحل)). يدل على أن التحريم تعلق بالإحرام دون وجه الاصطياد، ولأن الأمر لو كان على ما ذهبوا إليه، لقال صلى الله عليه وآله وسلم: أطعموه من لم يأمر بصيده، ولم يدل عليه، ولم يُصطَد له.
فإن قيل: روي عن أبي الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((صيد البر حلال لكم، وأنتم محرمون، ما لم تصطادوا، أو يصد لكم)).
قيل له: يحتمل أن يكون المراد صيد البر، وأنتم حرم، حلال لكم إذا حللتم، ما لم تصطادوه، أو يصاد لكم، فيكون الغرض بياناً أن وقوع الإصطياد في حال إحرامهم لا يستديم التحريم عليهم بعد إحلالهم إذا لم يكونوا اصطادوه، وذبحوه، أو صِيدَ لهم في حال إحرامهم.
فإن قيل: فقد روي عن عبد الله بن أبي قتادة، قال: كان أبو قتادة في نفر محرمين، وأبو قتادة مُحل، فرأى أصحابه حمار وحشُ فلم يره كلهم حتَّى أبصره، فاختلس من بعضهم سوطاً، فصرعه، فأكلوا منه، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسألوه عنه فقال: ((هل أشار أحدكم إليه؟ قالوا: لا. قال: ((فكلوا)).
قيل له: يحتمل أن يكون صلى الله عليه آله وسلم أباح لهم ذلك لكونهم مضطرين، وليس يمكن ادعاء العموم فيه؛ لأنَّه قضية في قوم بأعيانهم، وحالة بعينها.
فإن قيل: فما معنى قوله: هل أشار إليه أحدٌ منكم(1)؟
قيل له: يجوز أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يعلمهم ما يلزمهم من الجزاء بالإشارة، أو الدلالة لو كانوا فعلوها.
__________
(1) ـ في (ب): أحدكم.

(44/11)


وقد أخبرنا أيضاً أبو الحسين ابن إسماعيل، حدثنا الناصر عليه السلام، حدثنا الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي، حدثنا إبراهيم بن محمد، عن محمد بن فضيل، عن زيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، قال: خرجت مع علي عليه السلام، وعثمان حتَّى إذا كنا بمكان كذا وكذا، قُرِّبت المائدة وعليها يُعاقَب، وحِجَل، فلما رأى علي عليه السلام ذلك قام، وقام معه أناس، فقيل لعثمان ما قام هذا إلاَّ كراهة لطعامك، فأرسل إليه، فقال: ما كرهَت من هذا، فوالله ما أشرنا، ولا أمرنا، ولا صدنا. فقال علي عليه السلام: أُحِل لكم /213/ صيد البحر إلى قوله: وحُرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً. فقيامه عليه السلام على وجه الاستنكار يدل على أنَّه كان عنده من التحريم نص، فإنه لم يكن يجريه مجرى ما يجوز الاجتهاد فيه؛ لأن ما يجري هذا المجرى أكثر ما عليه أن يكف عنه دون أن يظهر الإنكار والكراهة له، على أن ما يرويه أمير المؤمنين عليه السلام، ويفتي به، لا يجوز عندنا أن يُخَالف، ويجب أن يتبع.

(44/12)


وقد روي نحو ذلك عن ابن عباس، وابن جبير، ولا خلاف أنَّه إذا صيد للمحرم، وبأمره، لم يحل له أكله، فكذلك إذا صيد لغيره، وبغير أمره، والمعنى أنَّه صيد، فيجب أن يحرم على المحرم أكله، على أن الصيد محرم على المحرم، فوجب أن لا يؤثر في تحريمها اختلاف وجوه التمليك له، كالطبيب لما كانت عينه محرمة على المحرم، لم يؤثر في تحريمها اختلاف وجوه التمليك لها، وأيضاً هو قياس على الجماع، واستعمال الطيب، والعلة أنَّه معنى محرم على المحرم، فوجب أن يعم التحريم جنسه، فيجب أن يكون جميع الأكل للصيد محرماً مع سلامة الحال، وكذلك كل حيوان يمنع المسلم من تذكيته لا لحق الآدمي، فإنه لا يحل أكله، وإن ذكاه غيره، كالخنزير، وسائر ما لا يؤكل لحمه، فوجب أن يكون ذلك حكم الصيد للمحرم. ومما يؤكد قياساتنا هذه أنا وجدنا التحريم إذا تعلق بمعنى، وبالسبب المؤدي إليه في باب الحج، لم يجز أن يكون حكم السبب أغلظ من حكم ما يؤدي السبب إليه كالجماع لم يجز أن يكون حكم ما يؤدى إليه من المباشرة أو عقد النكاح؛ لأن المباشرة وإن كانت محرمة بالإجماع فلا خلاف أن الجماع أغلظ من حكمها والعقد قد اختلف في جوازه، ولا خلاف عند أي القائلين بالمنع منه أن الجماع أغلظ حكماً منه، وكذلك طرد الصيد وإفزاعه أخف حكماً من قتله، لمَّا كان الطرد، والإفزاع، كالسببين للقتل، فإذا ثبت ذلك لم يجز أن يكون ذبح الصيد أغلظ حكماً من أكله؛ لأن الذبح هو المؤدي إلى الأكل، فإذا ثبت أن الذبح محرم عليه على كل وجه، لم يجز أن يكون الأكل أخف حكماً منه، وجب أن يكون الأكل أيضاً محرماً على كل وجه.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم أن الأكل أخف حكماً من الذبح، بدلالة أن الحلال يأكل من الصيد في الحرم، ولا يذبحه؟

(44/13)


قيل له: هذا السؤال لا يصح، وذلك يصح أن يقال في شيئين أن أحدهما أخف حكماً، أو أغلظ حكماً إذا كان الحكم فاصلاً لهما جميعاً، فأما إذا حصل الحكم لأحدهما، ولم يحصل للآخر رأساً استحال أن يقال ذلك فيهما، ووجدنا الحلال قد أبيح له أكل الصيد في الحرم، ولم يُمنع منه، وإنَّما منع من الاصطياد، والذبح، فلم يصح أن يقال في ذبحه وأكله أن أحدهما أغلظ حكماً من الآخر، إذ أحدهما مباح له، والآخر محظور عليه، ألا ترى أنا لا نقول أن الخمر أغلظ حكماً من الماء، لما كان أحدهما حلالاً، والآخر حراماً، وإنَّما يقول من يحرم الأنبذة إن الخمر أغلظ حكماً من الأنبذة لحصول التحريم والمنع منهما جميعاً.
وهذا الترجيح مما اعمتده يحيى بن الحسين صلوات الله عليهما في (الأحكام) في باب جزاء الصيد، ويوضح أيضاً ما ذهبنا إليه أنا وجدنا سائر ما مُنع منه /214/ المحرم لا يباح له منه شيء إلاَّ عند الضرورة، فأما غير الضرورة، فلا تأثير لها، فوجب أن يكون أكل لحم الصيد كذلك، وقياسنا يقتضي الحظر، ويستند إلى ظاهر كتاب الله عز وجل، وهو أذهبُ في الباب الذي وُضع للإحرام عليه، فوجب أن يكون أولى.
مسألة [في الصيد هل يحل للمحرم إمساكه؟]

(44/14)


قال: ولا يمسك شيئاً من الصيد. وهو منصوص عليه في (الأحكام)(1) و(المنتخب) (2) ،قال أبو حنيفة: إن كان في يده، لزمه إرساله، وإن كان في منزله، لم يلزمه ذلك. والمسألة للشافعي على قولين، ولا يفصل بين أن يكون في يده، أو في منزلة، في(3) كلا القولين وفاقاً لإطلاق يحيى عليه السلام في (المنتخب) و(الأحكام) (4) أنَّه لا يجوز للمحرم أن يحبس شيئاً من الصيد. يدل على أنَّه لا يفصل يبن أن يكون في يده، أو في منزله، في أنَّه يلزمه إرساله، ويؤكد ذلك تنصيصه على أن الحلال لو أخذه، منه فأرسله/ لم يكن عليه شيء، يؤكد ذلك، ويبين أنَّه يرى أن ملكه يزول عنه.
والدليل على صحة ذلك قول الله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلِيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} وقوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} فاقتضى ظاهر ذلك تحريم جميع التصرف في الصيد على المحرم، وحبسه من التصرف، فإذا حرم ذلك، ثبت وجوب(5) إرساله، ولا فرق(6) بين أن يكون حبسه في سفره، أو بيته.
فإن قيل: إذا كان الصيد في بيته، لم يكن هو المتصرف فيه، فلم يجب أن يكون ممنوعاً منه.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/299 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر المنتخب 100 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ في (أ): على.
(4) ـ في (ب): الأحكام والمنتخب.
(5) ـ في (ب): وجب.
(6) ـ في (ب): فضل.

(44/15)


قيل له: إذا كان هو الذي حصَّلَه في بيته، ثُمَّ تصرف فيه أهله، كان ذلك التصرف في الحكم كأنه واقع منه؛ لأن المتصرف عنه يجري مجرى الآلة له، ولا خلاف أنَّه لو اصطاده في حال الإحرام، لزمه إرساله، فكذلك إذا اصطاده قبل ذلك، والعلة أنَّه محرم أمسك صيداً، فوجب أن يلزمه إرساله، وأن لا يؤثر فيه كونه معه، أو في منزله. وأبو حنيفة يوافقنا على أنَّه إن كان في يديه، لزمه إرساله، وإن كان اصطياده له متقدماً، فكذلك إذا كان في منزله، بالعلة الَّتِي ذكرناها، وأيضاً لا خلاف أنَّه ممنوع من ابتداء أخذه مع الإحرام، وكذلك يجب أن يكون ممنوعاً من الاستمرار عليه، دليله الغاصب، لَمَّا كان ممنوعاً من ابتداء أخذ المغصوب، كان ممنوعاً من الاستمرار على أخذه.
فإن قيل: كونه غاصباً ليس بضارٍ على المغصوب بعد كونه في يديه، فكذلك لم يفترق حال ابتداء الحج والاستمرار عليه؛ لأن الابتداء لم يقع إلاَّ وهو غاصب، وهذا نظيره أن يأخذه وهو محرم، ثُمَّ يستمر عليه، أنَّه لا يكون فرق بين ابتداء الأخذ، والاستمرار عليه، وليس هذا موضع الخلاف، وإنَّما الخلاف إذا أخذه وهو غير ممنوع من أخذه ثُمَّ طرأ الإحرام عليه.
قيل له: أما أصحاب أبي حنيفة، فلا يصح لهم هذا السؤال؛ لأن أبا حنيفة يوجب إرساله إذا كان في يديه، سواء طرأ الإحرام على الأخذ، أو طرأ الأخذ على الإحرام، وأما أصحاب الشافعي فيقال لهم: لا فرق بين أن يقع الأخذ ابتداءً على وجه الغصب، وبين أن يطرو الغصب عليه، ألا ترى أن الشيء يكون في يد الإنسان عارية، أو وديعة، ويكون أخذه، له من حيث جاز له أخذه ثُمَّ يَحصُل غاصباً، فيمنع [من] (1) إمساكه حتَّى يكون طرو الغصب عليه كوقوع أخذه على وجه الغصب، فإذا صح ذلك بطل،/215/ الفرق الذي اعتمدوه.
فإن قيل: الإحرام لا يوجب إزالة سائر الأملاك، فوجب أن لا يزيل ملك الصيد.
__________
(1) ـ سقط من (أ).

(44/16)


قيل له: لأنَّه لم(1) يمنع ابتداءً التمليك(2) لسائر الأشياء، فلم يزل ملكه خاصاً، ولما منع ابتداء الملك للصيد، وجب أن يزيل التمليك الحاصل له.
فإن قيل: فهذا يعترض نكاح المحرم؛ لأن المحرم يُمنع ابتداءً العقد عندكم، ولا يمنع البقاء.
قيل له: النكاح لا يكون تملكاً للعين، وإنَّما هو تمليك المنافع، وكلامنا في تملك الأعيان فلا يصح الاعتراض الذي ذكرتم.
ويدل على ذلك أنا وجدنا المخيط لما كان المحرم ممنوعاً من إمساكه، لم يكن فرق بين أن يطرو الإحرام عليه، وبين أن يطرو هو على الإحرام، فوجب أن يكون الصيد كذلك، والمعنى أن المحرم ممنوع من إمساكه.
فإن قيل: فإن الذي تذهبون إليه يؤدي إلى الضرر بالمحرم.
قيل له: قد كان يمكنه إخراجه قبل الإحرام من ملكه على وجه لا يضره، فإذا لم يفعل، فهو الذي ضر نفسه.
مسألة [فيما يجوز للمحرم قتله]
قال: ولا بأس أن يقتل المحرم الحِدأة، والغراب، والفأرة، والحية، والعقرب، والسبع العادي، إذا عدى عليه، والكلب العقور إذا خشي عقره، والبرغوث، والبَقَّ، والدبر، وكل دابة خشي ضررها. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3) و(المنتخب) (4).
وتحصيل المذهب أن الخمس المذكورات يقتلها المحرم على كل حال، وهي الحدأة، والغراب، والفأرة، والحية، والعقرب. وما عداها من سائر المذكورات، وما أشبهها، لا تقتل إلاَّ إذا خشي ضررها. نص على ذلك في الضبع(5) في (المنتخب) والقاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي) على النملة، والبعوض، واشترط في السبع إن عدا عليه، وفي الكلب إن خشي عقره، وأطلق القول في تلك الخمسة. فيحصل(6) المذهب على ما رتبناه، أما تخصيص تلك الخمسة، بأن تُقتل على كل حال، فلما ورد فيها من الأثر.
__________
(1) ـ في (ب): لا.
(2) ـ في (ب): التملك.
(3) ـ انظر الأحكام 1/277 وهو بلفظ قريب جداً.
(4) ـ انظر المنتخب 98 وهو بلفظ قريب.
(5) ـ في هامش النسختين: السبع.
(6) ـ في (ب): فتحصيل.

(44/17)


أخبرنا أبو الحسين البروجردي، حدثنا عبد الله بن محمد البغوي حدثني علي بن الجعد، حدثنا عبد العزيز بن الماجشون، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((لا جُناح في قتل خمس من الدواب: العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب، والحدأة)).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا محمد بن خزيمة، حدثنا علي بن معبد، حدثنا موسى بن أعين، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن أبي نعيم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يقتل المحرم الحية، والعقرب، والفأرة الفويسقة)). قال يزيد: عَدَّ غير هذا، فلم أحفظه(1).
وروى ابن أبي(2) شيبة، حدثنا ابن فضيل، عن زيد بن أبي زياد، عن ابن أبي نعيم، عن أبي سعيد الخدري أنَّه قال: يقتل المحرم الحية والعقرب والسبع العادي والكلب العقور والفأرة.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/166 وفيه حدثنا محمد بن حميد.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/351 وفيه عن ابن أبي نعم، وقال فيه: والفأرة الفويسقة فقيل له: لم قيل الفويسقة؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استيقظ بها وقد أخذت فتيلة تحر بها البيت.

(44/18)


وروى ابن أبي(1) شيبة حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((خمس من الدواب، لا جُناح على من قتلهن، وهو محرم: الفأرة والعقرب، والغراب، والحدأة، والكلب العقور)). فلما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إباحة قتل هذه الخمسة، قلنا: إن للمحرم قتلهن على كل حال. وأما الكلب، فلم يذكر في شيء من الأخبار /216/ مطلقاً، وإنَّما ذكر مقيداً بالعقر، فلذلك قلنا: إن قتله يجوز إذا خشي عقره، وليس هو شيء يختص المحرم به؛ لأن المحرم، وغير المحرم فيه سواء؛ لأنَّه ليس من الصيد، ولا يبعد أن يكون المراد به الذئب، فإن الذئب قد يقال فيه(2): إنَّه كلب، هذا إن حصل للمحرم بإباحة قتله ضرب من الاختصاص. فإن قيل: فكيف قلتم أن الغراب يقتله المحرم، وروى أبو داود يرفعه إلى يزيد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي نعيم، عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عما يقتل المحرم، فقال: ((الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب، ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي)).
قيل له: روي في أخبار كثيرة قتل الغراب، فيجوز أن يكون وجه الجمع بين هذين الخبرين، وبين غيره، أن المحرم مخير بين أن يرميه ولا يقتله، وبين أن يقتله، كأنه قال صلى الله عليه وآله وسلم إن شئت، فارمه، ولا تقتله، وإن شئت، فاقتله؛ ليكون ذلك جمعاً بين الأخبار، ولتصير الأخبار كلها كاللفظة الواحدة، فأما سائر السباع فلا خلاف أن للمحرم قتلها إذا عَدَتْ، وخشي ضررها وإنَّما الخلاف إذا لم يخش ضررها. قال الشافعي: يجوز قتل مالا يؤكل لحمه. وقال أبو حنيفة: لا يجوز قتلها إلاَّ أن تعدو عليه.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 3/349 وفيه عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن جبير، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله...
(2) ـ في (ب): له.

(44/19)


ووجه ما ذهبنا إليه قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} وقوله تعالى: { غَيْرَ مُحِلِّي اْلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} والصيد اسم كل متوحش، الأصل الذي لا يؤخذ إلاَّ على وجه الصيد، ولا يتميز المأكول من ذلك من غير المأكول.
فإن قيل: في الآية ما يدل على أن المراد به المأكول؛ لأنَّه تعالى قال: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ..} الآية، فكان التحريم من صيد البر، كمثل ما أحل من صيد البحر.
قيل له: هذا لا يجب، وذلك أنَّه لا يمتنع أن يكون المراد بآية التحليل المأكول من صيد البحر، ويكون المراد بالتحريم من صيد البر ما يتناوله الاسم على طريق العموم، بل هذا هو الواجب؛ لأنَّه لا يجب أن تحمل بعض، الآيات على بعض إذا كان الكل منها يصح أن يستقل بنفسه.
فإن قيل: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((والكلب العقور)) يشتمل الأسد، والذئب، ونحوهما.
قيل له: اسم الكلب لا يتناول هذه السباع إلاَّ على ضرب من المجاز، فلا يجوز حمل الحديث عليه، على أن وصفه بالعقور يقتضي جواز قتله لصفة زائدة.
وروى ابن أبي(1) شيبةّ، حدثنا نمير بن حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن علي عليه السلام قال في الضبع: ((إذا عدا على المحرم، فله قتله، فإن قتله من قبل أن يعدو عليه، فعليه شاة مسنة)) ولا خلاف أن المحرم لا يجوز له قتل بقر الوحش، والظبي، وكانت العلة فيهما أنهما متوحشان في الأصل، لم يَخْشَ المحرم ضررهما، والذي يدل على أن الحكم تعلق في الأصل بالتوحش أنا وجدنا بقر الوحش قد شارك البقر الأهلي في صفاته إلاَّ لتوحش، وكذلك الضبي شارك المعز في صفاته إلاَّ لتوحش، فبان بذلك صحة ما ادعيناه من تعلق الحكم به.
فإن قيل: علتكم تنتقض بالغراب والحدأة.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/425 وفيه حدثنا ابن نمير عن حجاج.

(44/20)


قيل له: إن شئنا، قلنا أن الاحتراز قد وقع منها إن كان المحرم لم يخش الضرر، وهما مما نبه الشرع على أنَّه خشي ضررهما على كل حال، وإن /217/ شئنا قلنا: تخصيص العلة، فإنه ليس يبعد على أصولنا، فنقول: إن النص خصهما من جملة القياس.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم أن سائر ما لا يؤكل لحمه يقاس على الحدأة، والكلب العقور؟
قيل له: المخصوص من القياس لا يجوز القياس عليه؛ لأنَّه يؤدي إلى إبطال القياس الذي وقع التخصيص منه، على أنَّه إن قيس عليه، كان قياسنا أولى؛ للحظر، والاستناد إلى الظواهر الَّتِي ذكرناها؛ ولأنه أذهب في الباب الذي وضع الإحرام عليه من توقي القتل. وحُكي عن قوم أن السبع فيه الجزاء، وإن عدا، وهذا لا معنى له؛ لأن الله تعالى قرن إيجاب الجزاء بالمنع من القتل، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ..} الآية، فإذا ثبت ذلك، وثبت أن السبع إذا عدا على المحرم أن له قتله، ولم يلزمه الجزاء. وهو قياس على الجزور، والبقر الأهلي، أنَّه غير منهي عن قتله للإحرام، وهذا قياس أولى من القياس من قاسه على الحلق للأذى في إيجابه الفدية؛ لأن القتل بالقتل أشبه ولا خلاف في أن رجلاً لو أراد قتله، فقتله دافعاً له عن نفسه، لم يضمن له شيئاً، وكذلك نقول فيمن صال عليه جمل، فقتله، أنَّه لا يضمنه، فصارت هذه الأصول شاهدة لنا.
وأما سائر هوام الأرض، فقلنا أنَّه يقتلها إذا خشي ضررها؛ لأنَّه لا خلاف فيه، وأما إذا لم يخش ضررها، وقتلها، فيجب أن يتصدق عنها بطعام على ما نص عليه القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي) في النملة، والبعوضة، ووجه ذلك أنَّه مما توحش، ولا يستأنس.
وروى ابن أبي(1) شيبة ـ بإسناده ـ عن ابن عمر أنَّه كان يقول في الجرادة قبضة من طعام.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/425 وإسناده حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن سفيان، عن علي بن عبد الله، به.

(44/21)


وروي(1) عن محمد بن علي عليهما السلام، وعطاء، ومجاهد، وطاووس، أنهم كانوا يقولون في الجنادب والقطة(2) والجراد، والذر، إن قتله عمداً، أطعم شيئاً، وعن عمر تمرة خير من جرادة.
وروى ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ عن الضحاك، عن ابن عباس قال: ((في الجرادة قبضة من الطعام)) (3).
مسألة [في عصر الدماميل، ونزع الشوك، وقلع الضرس، للمحرم]
قال: ولا بأس أن يعصر الدماميل، إذا آذاه وعيها وأن يخرج من رجله الشوك، وإن احتاج لإخراجه إلى قطع شيء من جلده حتَّى يدمي الموضع، فعليه دم، وإن دمىلأثر الشوكة وإخراجها،لا للقطع، فلا شيء عليه، وإن ضرب عليه ضرسه، قَلعه وعليه دم. نص في (الإحكام) (4) على أن للمحرم أن يعصر الدماميل، ويخرج من رجله الشوك. ونص في (المنتخب) (5) على سائر ما ذكرنا إلى آخر الفصل.
قلنا: إن للمحرم(6) يعصر الدماميل، لما ثبت أن النبي صلى الله عليه آله وسلم احتجم، وهو محرم، وسنذكر ما ورد فيه بعد هذا، فإذا ثبت ذلك، ثبت ما ذكرناه من جواز عصر الدماميل؛ لأن عصرها ليس أكثر من الاحتجام، وليست المدة فيها غير دم متعين، فإذا جاز إخراج الدم جاز إخراج ما فيها.
وكذلك الشوك هو دون الدم؛ لأنه شيء حصل فيه من خارج، وليس هو من جملته، فهو أولى بأن يجوز إخراجه، على أنَّه لا أحفظ في ذلك خلافاً، فأما قطع الجلد على الوجه الذي ذكر فيه، فوجه وجوب الفدية فيه ما ثبت من وجوبها في حلق الشعر، فوجب أن يثبت في قطع الجلد؛ لأن جلد المحرم قد ثبت له حرمة، كما ثبت لشعره؛ لأن كونه من جملة المحرم أوكد من كون الشعر من جملته.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/426.
(2) ـ في (أ): العظا.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/426، ولكن أخرجه عن الضحاك بإسناد، وعن ابن عباس بآخر، ولم يذكر في سند عن الضحاك، عن ابن عباس.
(4) ـ انظر الأحكام 1/297 وهو بلفظ قريب.
(5) ـ انظر المنتخب 101 وهو بلفظ قريب.
(6) ـ في (أ): للمحرم.

(44/22)


فإن قيل: حلق الشعر، وجب فيه ما وجب؛ لأنَّه قضاء التفث، وإماطة الأذى.
قيل له: هذا المعنى قد يحصل في الجلد، على أن من /218/ الشعر ما إذا حلقه لم يكن فيه مميطاً للأذى، ومع هذا يلزمه الفداء، فبان أن الحكم قد نطق بحرمته، وإن تعلق بإماطة الأذى، فصح ما ذهبنا إليه. وأما قلع الضرس، فقد روى ابن أبي شيبة، عن الشعبي فيه مثل قولنا(1).
ووجهه ما ذكرنا في قطع الجلد من ثبوت الحرمة له، وتنبه أيضاً بتقليم الظفر للوجه الذي ذكرناه.
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: ((لا ينزع المحرم ضرسه، ولا ظفره، إلاَّ أن يؤذياه))، فدل ذلك على أن له حرمة، وأنه كالظفر والشعر.
مسألة [[في لبس المحرم الخفين والسراويل والقمصان إذا لم يحد غيرها]
(وإن أضر برجليه الحفا، ولم يجد نعلين، فلا بأس أن يقطع الخف من تحت الكعبين، ويلبس، ولا بأس له إذا لم يجد مئزراً أن يحرم في السراويل، يحترم به احتراماً، وإن لم يجد رداءً، ارتدى بكمي القميص، أو بجانبيه معترضاً).
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/133.

(44/23)


وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1). وعن القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي) في المحرم إذا لم يجد رداءً ولا نعلين، قال: يقطع الخف أسفل من الكعبين، وينكس السراويل، ويئتز به ائتزاراً. أما ما ذكرناه من قطع الخف لمن لم يجد النعلين، فوجهه ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بذلك، وقد ذكرنا ما ورد فيه في أول مسألة الإحرام. وقلنا: إنَّه يحترم بالسراويل إن لم يجد إزاراً يكسيه، على ما روي عن القاسم عليه السلام؛ لأنَّه نهى عن لبس السراويل، وما وردمنه فيه فقد مضى، ولا خلاف فيه مع الإمكان، وكذلك وجه قولنا: إنَّه إن لم يجد رداءً ارتدى بكمي قميصه، أو بجانبيه معترضاً، ولم يلبسه للنهي الوارد في ذلك؛ ولأنه لا خلاف فيه، وأما السراويل فإن لم يمكنه أن يئتزر به لضيقه، فإن عليه أن يفتقه، كما روي ذلك في شق القميص إذا لبسه المحرم، وقطع الخف لمن لم يجد النعلين، فإن علم أن مع الفتق لا يمكنه ذلك لضيق السراويل، فتحصيل المذهب أنَّه يلبس، ويفدي، كما ذهب إليه أبو حنيفة، خلافاً للشافعي؛ لأن أصحابنا لما ذكروا عوز الإزار، قالوا: يلبس السراويل محترماً، ومئتزراً ؛ ولأن يحيى عليه السلام لما ذكر في (الأحكام) لبس السراويل أوجب فيه الفدية، ولم يستثن لابسه لعدم الإزار. والأصل فيه: ما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا محمد بن شجاع، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، يذكر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عما يلبس المحرم قال: ((لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا البُرنُس، ولا السراويل، ولا الخفين)). فلما نهى عن لبس السراويل كما نهى عن لبس الخفين، وأمر بقطع الخفين عند الضرورة، وجب أن يفتق السراويل عند الضرورة، قياساً عليه؛ لأنَّه لباسٌ منهي عنه لما هو به، فوجب أن يُرد إلى الصفة الَّتِي يزول النَّهي معها، فإذا ثبت وجوب الفتق،
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/297.

(44/24)


ثبت وجوب الفداء إذا لم يمكن الفتو؛ إذ لا أحد فصل بينهما.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إباحة لبس السراويل لمن لم يجد الإزار من غير ذكر الفدية، فبان أن الفدية لا تجب إذا لبسه عند الضرورة.
قيل له: قد روى مثل ذلك في الخفين، ولم يمنع ذلك من وجوب الفدية، أو القطع إن لبسها للضرورة، فوجب أن يكون حكم السراويل كذلك.
أخبرنا أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا محمد بن شجاع حدثني محمد بن بكر، حدثني ابن /219/ جريج، حدثني عمرو بن دينار، أن أبا الشعثاء حدثه، حدثني ابن عباس أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول وهو يخطب: ((من لم يجد إزاراً، ووجد سراويل، فليلبسه، ومن لم يجد نعلين، ووجد خفين، فليلبسهما)).

(44/25)


وأخبرنا أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا ابن اليمان، حدثنا ابن شجاع، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من لم يجد إزاراً، فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين، فليلبس خفين)). ألا ترى أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك في السراويل على نحو ما قال في الخفين، فلم يجب سقوط حكم الفدية للفتق عن عادم الإزار، كما لم يجب سقوط حكم الفدية في القطع عن عادم النعلين، فلا خلاف أن لبس القميص للعذر، يوجب الفدية، والعلة أنَّه استعمال منهيٌ عنه لغير عذر، فوجب أن يبيحه لعذر مع إيجاب الفدية، فإن قاسوه على لبس المرأة بمعنى أنَّه ستر العورة، جعلنا علتهم شاهداً لنا، بأن نقول، لَمَّا لم يمنع المرأة من لبس القميص مع حال الرفاهية، فلم يجب الفدية فيه، فبان أن الفدية تعلقت بكون لبسه محظوراً في حال الرفاهية، وجب أن يستوي في لبس الرجل السراويل حال العذر، وحال الرفاهية ولا يمكنهم أن يقيسوه على من لبس ساعة؛ لأن الفدية عندنا تتعلق بنفس اللبس دون مضي اليوم وتشهد لنا الأصول لئن كل ما منع منه الإحرام لأمر يخصه ولا يتعلق بحرمة الغير(1) إذا أبيح له العذر، لزمته الكفارة، والفدية، كقص الشعر، وتقليم الظفر، ولبس المخيط، ولا يلزم عليه قتل الصيد إذا صال؛ لأن المنع من قتله يتعلق بحرمته، فإذا صال، زالت حرمته. وأيضاً وجدنا الأصل فيما يجب من جميع المناسك أنَّه إذا تُرك منه شيء لعذر، وجب أن يجبر، فكذلك لبس السراويل؛ لأن ترك لبسه من النسك، أو جارٍ مجرى النسك، وقياسنا فيه زيادة شرع، وإيجاب، وفيه الاحتياط، فهو أولى.
مسألة [في فيمن أخذ صيداً، ما يجب عليه]
__________
(1) ـ في (ب): العين.

(44/26)


قال: (ولا يجوز أن يأخذ صيداً(1) فإذا، أخذه وجب عليه إرساله، ويتصدق بشيء من الطعام بقدر إفزاعه). هذا منصوص عليه في (الأحكام)(2) و(المنتخب) (3). أما أخذ الصيد للمحرم، فلا خلاف في أنَّه لا يجوز، وقد استقصينا ما تعلق بهذه المسألة، وأوضحناه بما لا غرض في إعادته، وقلنا: يتصدق بشيء من الطعام بقدر إفزاعه؛ لأنَّه منهي عن الإضرار بالصيد، فإذا أضر به في الإفزاع، تصدق بقدره، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يُنَفَّرُ صيدها)) وليست حرمة الإحرام دون حرمة الحرم.
وروى هناد بإسناده، عن عطاء، وابن أبي ليلى، مثل قولنا في إفزاع الصيد.
مسألة [في قطع المحرم الشجر الأخضر في الحرم]
__________
(1) ـ في (ب): فإن.
(2) ـ انظر الأحكام 1/299، 327.
(3) ـ انظر المنتخب 100 ـ 101وهو فيه بلفظ قريب.

(44/27)


قال: (ولا يجوز أن يقطع الشجر الأخضر، إلاَّ أن يكون شيئاً يأكله، أو يعلفه راحلته). وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1)، وقال في (المنتخب) (2): لا بأس للمحرم أن يحش حشيشاً لناقته، أو يختلى لها بقلاً، أو يقطع لنفسه مسواكاً من الأراك، وغيره. فدلت هذه الجملة على أن ما ذكره في (الأحكام) أراد به شجر الحرم دون ما يكون في سائر المواضع. وقال القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي): ويحش المحرم لدابته إلاَّ في الحرم. فأكد ما ذكرناه وهو الأولى؛ لأن المحرم ممنوع من استهلاك ما يثبت له حرمة، دون ما لم يثبت له حرمة، والأشجار لا حرمة لها إلاَّ ما نبت في الحرم، وفيها ورد المشهور من قوله /220/ صلى الله عليه وآله وسلم: ((هي حرام إلى يوم القيامة، لا يُعضَد شجرها، ولا يُنَفَّر صيدها، ولا تَحِل لُقَطَتُها))، وفي بعض الأخبار ((لا يختلى خلاؤها)) فقال العباس: يا رسول الله، الأذخر، فإنه لقبورنا وبيوتنا. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إلا الأذخر فقط)). وقول يحيى بن الحسين عليهم السلام: إلاَّ أن يكون شيئاً يأكله، أو يعلفه راحلته، يحتمل أن يكون المراد به ما يزرعه الناس لذلك ويحتمل أن يكون المراد أن ذلك القدر عفو قياساً على الأذخر؛ لمساس الحاجة إليه، على أن القاسم عليه السلام قال في (مسائل النيروسي): يحتش المحرم لدابته إلاَّ في الحرم، وأقوى الوجهين اللَّذَين ذكرناهما أن يكون المراد به ما يزرعه الناس.
مسألة [في المحرم إذا اضطر، يأكل من الصيد أم من الميتة؟]
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/299.
(2) ـ انظر المنتخب 101 وهو بلفظ قريب.

(44/28)


قال: ولو أن محرماً اضطر إلى أكل صيد ذبحه محرم، أو إلى ميتة، أكل من الميتة دون الصيد، وإن اضطر حلال إليهما، لكان فيهما بالخيار. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1). ونص في (المنتخب) (2) على أن المحرم المضطر يأكل من الميتة دون الصيد. ونص(3) فيهما جميعاً على أن ما ذبحه المحرم من الصيد ميتة، لا يحل أكلها للذابح، ولا غيره، وأن ذبحه ليس بذكاه. ونص فيهما ـ أيضاً ـ على أن الحلال إذا ذبح صيداً في الحرم، لم يحل له أكله، ولم يكن ذبحه ذكاه. وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي في المحرم، فأما الحلال إذا ذبحه في الحرم فهو عنده جائزٌ.
والدليل على أن ذبح المحرم لا يكون ذكاةً قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} والنَّهي يدل على فساد المنهي عنه، وعلى أنَّه لا يقع موقع الصحيح، فاقتضى ظاهر الآية أن قتل المحرم للصيد لا يقع موقع الصحيح، فوجب أن يكون غير مذكىً.
ويُستَدل من الآية من وجه آخر، وهو أن القتل في الشرع، والعرف، عبارة عما لا يكون ذكاةً، وقد ثبت أن المراد بالآية الذبح وغيره من أنواع القتل، فوجب أن لا يكون شيء منه ذكاة، ولا خلاف أن المحرم ممنوع من ذبح الصيد، فوجب أن لا يكون ذبحه له ذكاة؛ قياساً على ذبح المجوس، والمعنى أنَّه ممنوع من ذبحه منعاً يختصه على الإطلاق، لا لنحو الآدمي، فوجب ألا يكون ذبحه ذكاة، ويمكن أن يقاس بهذه العلة على ذبح المسلم حماراً، أو بغلاً، أو على الذبح بالسن والظفر واعتمد يحيى عليه السلام هذه العلة، وقاس ذبح المحرم بها على من قتل البهيمة بغير الذبح.
__________
(1) ـ انظر الأحكام إلى 300 ـ 301، ولكنه أجازه إن خافه على نفسه من أكل الميتة وأوجب عليه الفدية.
(2) ـ انظر المنتخب 103 ولكنه ذكر أيضاً مثل ما في الأحكام.
(3) ـ انظر الأحكام 1/300 والمنتخب 100 ـ 101 وهو بلفظ قريب.

(44/29)


فإن استدلوا بظواهر قوله تعالى: {إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} وقوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل إذا نهر(1) الدم)) كانت مخصوصة بقوله تعالى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ومبنية عليه؛ لأنَّه أخص، ويستفاد منه الحكم المختلَف فيه على سبيل التعيين، ونخصها أيضاً بالقياسات الَّتِي ذكرناها، وليس يمكنهم أن يناقضوا علتنا بالهدي، أنَّه ممنوع من ذبحه قبل يوم النحر، ولو ذبحه جاز أكله؛ لأنَّه غير ممنوع من ذبحه على الإطلاق، ألا ترى أنَّه إن خاف تلفه، جاز له ذبحه؟ وليس كذلك الصيد، وليس يلزم عليه ـ أيضاً ـ ذَبْحُ من صادف وقت الصلاة عليه مضيقاً في أنَّه ممنوع منه، ولو فعل، جاز أكل المذبوح؛ لأن المنع لا يختص الذبح، بل هو ممنوع من سائر التصرف الذي ينافي الصلاة.
__________
(1) ـ في (ب): كل ما أنهر الدم.

(44/30)


وكذلك /221/ الجواب إن(1) ألزمنا عليه القطع بالسكين المغصوب؛ لأن المنع لا يختص الذبح، بل هو ممنوع من سائر التصرف في السكين، على أن المانع فيه حق الآدمي، فلا تلزم على علتنا، وقياساتنا تقوى وتَرجُح على قياسهم المحرم على من ليس بمحرم من المسلمين بعلة أنه ذَبْح ما يحل أكل لحمه، وقياسهم الصيد على الشاة بعلة أنَّه ذبيحة مسلم، أو بالعلة الأولى؛ لأن قياساتنا تتضمن الحظر، والاحتياط؛ ولأنا وجدنا كل ذبح منهي عنه إذا لم يراع فيه حق الآدمي وتغير الأزمنة، فإنه لا يكون ذكاة، فصارت الأصول شاهدة لما ذكرناه في ذبيحة المحرم، فإذا ثبت ما ذكرناه، قلنا: إن المحرم إذا(2) اضطر إلى الميتة، أو الصيد الذي ذبحه المحرم، أكل من الميتة دون الصيد؛ لأن الصيد حصل فيه وجهان من التحريم عليه: أحدهما أنَّه ميتة. الثاني أنَّه صيد، والصيد مُحرَّم عليه، فقد ساوى الميتة، وصارت له مزية في باب التحريم عليه. وقلنا أن الحلال إذا اضطر إليهما، فهو فيهما بالخيار؛ لأن تلك المزية في باب التحريم لم يحصل عليه فهو وسائر الميتة عليه سواء.
فصل [الاستدلال على عدم شرعية ذبيحة الحلال للصيد في الحرم]
فأما ذبح الحلال الصيد في الحرم، فالذي يدل على أنَّه لا يكون ذكاة أنَّه منهي عنه بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((ولا يُنَفر صيدها)) والنَّهي عن تنفيره يقتضي النَّهي عما فوقه من الذبح، وهذا كما نقول: إن قوله تعالى: {وَلا تَقُلْ لَّهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} يقتضي النَّهي عن شتمهما، وضربهما، فإذا ثبت أنَّه منهي عنه، ثبت أنَّه لا يقع موقع الصحيح، وأنه لا يكون ذكاه، ولا خلاف أنَّه لو اصطاده في الحرم، لم يحل له ذبحه فيه، فكذلك إذا ملكه في الحل، ثُمَّ أدخله الحرم، والمعنى أنَّه صيد في الحرم، فوجب ألا يحل ذبحه.
__________
(1) ـ في (أ): أن ألزمها عليه بالسكين المغصوب.
(2) ـ في (ب): إن.

(44/31)


فإذا ثبت بما ذكرناه من أنَّه ممنوع من ذبحه، استمر فيه سائر ما ذكرناه في تحريم ذبيحة المحرم.
وروي ابن أبي(1) شيبة ـ بإسناده ـ عن عطاء أنَّه سُئل عن الصيد يوجد في الحل، فيُذبح في الحرم، فقال: كان الحسين بن علي عليهما السلام، وعائشة، وابن عمر، يكرهونه.
مسألة [في الحجامة للمحرم]
قال: ولا بأس للمحرم بالحجامة، فإن حلق شيئاً من الشعر، أو قطعه، وكان سيراً، ففيه صدقه، وإن بان أثره، ففيه الفدية. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2).
قلنا: إنَّه يحتجم للحديث الذي اعتمده يحيى بن الحسين عليهم السلام وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجم وهو محرم، بلحي جمل. وروى ابن أبي(3) شيبة ـ بإسناده ـ عن طاووس، عن ابن عباس، وعن أبي الزبير، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجم وهو محرم.
وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: يحتجم المحرم إن شاء.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/348 وإسناده حدثنا وكيع عن ابن أبي ليلى، وقال فيه: كان الحسن بن علي.
(2) ـ انظر الأحكام 1/311 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 30/ 320 عن عطاء، عن طاووس، عن ابن عباس، ولم يذكر عن أبي الزبير، عن جابر.

(44/32)


وأما الفدية، فأوجبناها في الحلق لقول الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيْضَاً أَو بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} ولا خلاف أن المراد به فحلق [رأسه](1) ففدية، ولحديث كعب بن عجرة، على ما نثبته من بعد إن شاء الله تعالى. وقلنا :إن اليسير منه يجب فيه الصدقة؛ لأنَّه لا خلاف في قطع الشعرة، والشعرتين، أنَّه لا يجب فيه الفدية، والأصل فيه: ما وجب في جملة منه الدم أنَّه يجب في اليسير منه صدقة. فلذلك قلنا: إن فيه صدقة، وقلنا: إنَّه إذا حلق ما يبين أثره، ففيه الفدية؛ لأنه ينطلق عليه اسم الحلق، ولا خلاف فيمن حلق الأكثر من رأسه أنَّه يلزمه الفدية، فكذلك إذا حلق ما بان أثره، /222/ والمعنى أنَّه حلق بعض رأسه، وأتى ما سُمى حلقاً، وهذا أولى من اعتبار من اعتبر الأكثر من رأسه، أو الربع؛ لأنَّه يؤدي إلى أن الأصلح، الذي يكن صلعه قد صار في أكثر رأسه أو أكثر من ثلاثة أرباعه لو حلق رأسه لم تلزمه الفدية، وهذا أولى ممَّن اعتبر ثلاث شعرات؛ لأن نسبة ثلاث شعرات إلى شعرتين ـ المتفق على أن لا دم فيهما ـ أقوى من نسبته إلى حلق أكثر الرأس المتفق عليه أن فيه دماً.
مسألة [في القبلة، ومس المرأة، والظلال، يأتيها المحرم]
__________
(1) ـ سقط من (ب).

(44/33)


قال: ولا يُقبِّل المرأة، ولا يمسها، إلاَّ من ضرورة، ولا بأس أن يستظل بظل العماريات، والمحامل، والمظال، والمنازل، ويجب أن لا يصيب رأسه شيء من ذلك. قال القاسم عليه السلام ويستحب له التكشف إن أمكن. ما ذكرناه في هذا الفصل منصوص عليه في (الأحكام) (1). قلنا: إن المحرم لا يقبل امرأته؛ لأنَّه لا خلاف أنَّه محظور عليه أن يقبلها لشهوة، فإنه إذا قبلها، كان عليه دم، سنذكر ما ورد فيه في موضعه. وقلنا: إلاَّ أن يمسها من ضرورة؛ لأن المسيس لا يُؤْمَن أن تضامه الشهوة، وإذا ضامته الشهوة، كان حكمه حكم القبلة، والضمة. وأما الاستضلال بظلال العماريات، والمحامل، فهو مذهب أكثر العلماء، وروي عن ابن عمر أنَّه كره ذلك، والإمامية يذهبون إلى أنَّه لا يجوز.
والدليل على أنَّه يجوز: ما رواه أبو داود في (السنن) بإسناده عن يحيى بن الحصين، عن أم الحصين قالت: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع، فرأيت أسامة، وبلال، أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتَّى رمى جمرة العقبة. وقد أجمعوا أن له أن يستظل بظلال المنازل، فوجب أن يكون ظلال العماريات كذلك، والمعنى أنَّه محرم لم يغط رأسه، فكل استظلال لم يغط المحرم به رأسه، فهو جايز.
ووجه استحباب التكشف أنَّه مستحب للحاج أن يكون أغبر أشعث، والتكشف أقرب إلى ذلك، روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال في أهل عرفة: ((إن الله تعالى يباهي بكم الملائكة، يقول عبادي أتوني شُعْثاً غُبْراً)) وعن عمر: ((إنَّما الحاج الأغبر الأذفر)).
مسألة [فيما لا يجوز للمحرم فعله من لباس وغيره]
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/311، 309 وهو بلفظ مقارب.

(44/34)


قال: (ولا تلبس المحرمة ثوباً مصبوغاً بزعفران، ولا ورس، ولا غيره مما كان مشبعاً ظاهر الزينة، ولا تتنقب، ولا تبرقع؛ لأن إحرامها في وجهها، ولا بأس أن ترخي بثوب على وجهها ، ولا تلبس الحلي، وتتجنب سائر ما يتجنبه المحرم، ولا تزاحم الرجال في الطواف والسعي وغيرهما، وليس عليها أن تهرول في السعي والطواف).
وجميعه منصوص عليه في (الأحكام) (1). قلنا: إن المحرمة لا تلبس ثوباً مصبوغاً بورس، أو زعفران؛ لحديث ابن عمر الذي ذكرناه في أول باب الإحرام أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مس الورس، والزعفران، من الثياب؛ ولأنهما طيب وزينة. وقلنا: لا تنتقب؛ إذ في الحديث النَّهي عن النقاب، ولا خلاف أن إحرامها في وجهها. وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: ((إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها)).
وروى ابن أبي(2) شيبة، عن حفص بن غياث، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام أنَّه قال: ((كان يكره أن تتلثم المرأة المحرمة تلثماً، ولا [باس](3) أن تسدله على وجهها)) فكذلك قلنا: إنه لا بأس به أن ترخي /223/ الثوب على وجهها من حيث لا تمسه، على أن التغطية مما يمس الوجه الَّتِي منعت منها، كما نقول في الرجل أن الممنوع منه أن(4) يغطي رأسه بما يمسه. وأما البرقع، فمنعنا منه؛ لأنه بمنزلة النقاب يمس الوجه، كما يمس النقاب. وقلنا: إنها لا تلبس الحلي، وما كان من الثياب ظاهر الزينة؛ لأنهما خلاف الشعث والغبرة.
وروى ابن أبي(5) شيبة نحوه، عن عطاء.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/303.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/283.
(3) ـ سقط من (أ) و (ب)، ونبه عليه في هامش (ب) وهو كذلك في مصنف ابن أبي شيبة.
(4) ـ في (أ): مما.
(5) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/282.

(44/35)


وروى أبو العباس الحسني ـ رحمه الله ـ في (النصوص)، عن زيد بن علي عليه السلام نحو ما ذكرناه في المحرمة. وقلنا: تتجنب سائر ما يتجنبه المحرم؛ لأنَّه لا خلاف فيه؛ ولأن حكم الإحرام في الرجال والنساء سواء إلا فيما ذكرناه. وقلنا: لا تزاحم الرجال في الطواف والسعي؛ لأن الواجب عليهن التحفظ من مماسة الرجال. وقلنا: ليس عليها أن تهرول في السعي في الطواف، لذلك؛ ولأن أصل الهرولة على ما روي كان لإظهار القوة والْجَلَد، وليس ذلك على النساء. وروى ابن أبي شيبة عن وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ليس على النساء رمل بالبيت ولا بين الصفا والمروة(1).
مسألة [في استعمال المحرم للطيب أو الرياحين ومسهما ومسهما]
قال: ولا يجوز للمحرم استعمال شيء من الطيب، ولا أن يمسه، ولا يشم شيئاً من الرياحين والفواكه، ولا بأس بمسها. ما ذكرناه في الطيب منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب)(3)، وما ذكرناه في الرياحين والفواكه منصوص عليه في (المنتخب)(4).
أما الطيب، فلا خلاف في أنَّه لا يجوز للمحرم استعماله في حال إحرامه، وإنَّما الخلاف في التطيب للإحرام، وسيأتي الكلام فيه في موضعه. وقلنا في الرياحين: إنها في حكم الطيب، وإنها لا تحل للمحرم؛ لأن المقصد مع ذكاء رائحتها هو الشم، فكان بمعنى الطيب، على أن كثيراً من الرياحين إذا جَفَّ، كان طيباً، وقد علمنا أن الجفاف لا يغير حكمه، وكذلك يؤخذ من كثير من الرياحين ماءٌ فيكون الماء طيباً، فوجب لما ذكرناه أن يجري مجرى الطيب.
وروى ابن أبي(5) شيبة، عن معاوية، عن حجاج، عن ابن الزبير، عن جابر، قال: ((إذا شم المحرم ريحاناً، أو مس طيباً، أهراق لذلك دماً)).
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 3/151.
(2) ـ انظر الأحكام 1/276 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر المنتخب 97 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ انظر المنتخب 101 وهو بالمعنى.
(5) ـ أخرجه ابن ابي شيبة في المصنف 3/322.

(44/36)


وروى(1) ـ بإسناده ـ عن ابن عمر أنَّه كان يكره شم الريحان للمحرم.فأما الفاكهة،فلا خلاف أنَّها لا تجري مجرى الطيب؛ لأن المقصد بها ليس التشمم؛ ولا لها ذكاه رائحة الطيب، ولا يصير منها شيء طيباً.
مسألة [في ذبح المحرم للبهائم والطيور الأهلية ولو تحشت، وفي المتوحش فيها إذا استأنس]
قال: ولا بأس للمحرم أن يذبح الشاة، والإبل، والبقر، والطيور الأهلية، وكذلك إن توحش شيء منها، فلا بأس بأخذه، وذبحه، وما كان في الأصل متوحشاً مثل حمار الوحش والظبي، والوعل، والنعامة وما جرى مجراها، فلا يجوز للمحرم أن يتعرض لها، وإن استأنست. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب) (3). وهو مما لا خلاف فيه؛ لأن الحرمة تعلقت بتوحش الأصل، فما كان منها متوحشاً في الأصل، فاستئناسه لا يزيل حرمته، وما كان منها مستأنساً في الأصل، فاستيحاشه لا يجعل له حرمة، وهكذا(4) حكمها في الصدقات، والجزاء، والأضاحي، وإنَّما يعمل في جميع هذه الأحكام على حالها في الأصل.
مسألة [في غسل المحرم واستياكه، وقتل الجراد، والقراد، والقملة، والبعوضة، وفي المحرم المصدع يعصب جبينه]
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/322، وإسناده حدثنا ابن علية عن أيوب عن نافع، به.
(2) ـ انظر الأحكام 1/326 ـ 327 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر المنتخب 103 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ في (ب): وهذا هو.

(44/37)


قال القاسم عليه السلام: ولا بأس للمحرم أن يغتسل، ويستاك، ولكن لا يغمس رأسه في الماء. وقال في الجراد، والقراد لا يقتلهما، فإن قتلهما، تصدق بشيء من الطعام، كفاً، أو أقل، أو أكثر. وقال في القملة، والبعوضة: إن قتلهما لضررهما، فلا /224/ شيء عليه، وإن قتلهما لغير ذلك تصدق بشيء من الطعام. قال: ولا بأس للمحرم الْمُصَدِّع أن يعصب جبينه بخرقة. جميعه منصوص عليه في (مسائل النيروسي). قلنا: لا بأس للمحرم بالإغتسال، والإستياك؛ لأنَّه لا خلاف فيه، والإغتسال قد يكون فرضاً، وقد يكون سنة مؤكدة، فلا يجوز تركه، قال الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} فلم يخص حالاً من حال، والإستياك أيضاً منه، ولم يَرِد فيه كراهة للمحرم.
وروى ابن أبي(1) شيبة، عن وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، قال: سألت محمد بن علي عليهما السلام، وعامراً، وعطاء، وطاووساً، ومجاهداً، وسالماً، والقاسم، وعبد الرحمن بن الأسود، فلم يروا به بأساً. وقلنا: لا يغمس رأسه في الماء؛ لأنَّه يكون قد غطاه بما مسه، وقد مُنِع المحرم عن ذلك. وقتل الحرشات قد مضى الكلام فيه. وقلنا: لا بأس للمحرم أن يعصب جبينه؛ لأن الجبين من الوجه حكماً، والمأخوذ عليه كشف الرأس على ما نص عليه في (المنتخب) (2) خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن إحرام الرجل في وجهه ورأسه، وقال الشافعي فيه مثل قولنا.
والأصل فيه حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: ((إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها)).
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/133.
(2) ـ انظر المنتخب 97 وهو بلفظ قريب.

(44/38)


وروى ابن أبي(1) شيبة بإسناده عن الفرافصة بن عمير، قال: رأيت عثمان وزيداً، وابن الزبير يغطون وجوههم، وهم محرمون، إلى قصاص الشعر. وقد روى(2) أيضاً ـ بإسناده ـ عن ابن طاووس، عن أبيه، أنَّه كان إذا نام غطى وجهه إلى أطراف شعره. فهذه الأخبار كلها تدل على ما ذهبنا إليه؛ لأن هولاء النفر من الصحابة، إذا رُوى عنهم، ولم يُحفظ عن غيرهم خلافه، جرى مجرى الإجماع منهم، على أنا نذهب إلى أن علياً عليه السلام إذا قال قولاً، وجب اتباعه، على أني وجدت في تعليق ابن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: ((إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها))، فإن ثبت ذلك، فلا قول إلاَّ ما ذهبنا إليه، والمشهور أن المحرم الذي وقصته ناقته أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يغطى رأسه.
فإن قيل: فقد روي ((ولا وجهه)).
قيل له: الأول أشهر، فإن ثبتت الرواية الثانية، فيجوز أن يكون المراد بها ما يتصل من الوجه بالرأس.
فإن قاسوا وجه الرجل على وجه المرأة، بعلة أنَّه وجه محرم، فوجب أن يتعلق عليه الإحرام.
قيل له: والرجل شخص محرم، فوجب أن لا يتعلق الإحرام على عضوين منه، دليله سائر البدن، والمعنى أنَّه عضو لا يتعلق عليه حكم الخلاف ممَّن يلزمه حكم الخلاف.
فإن قيل: هو إذا عصب جبينه، عصب معه مؤخر رأسه.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/285 وإسناده حدثنا أبو معاوية، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن القاسم، به.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/285 وإسناده حدثنا وكيع عن إبراهيم، به.

(44/39)


قيل له: عليه أن ينزل العصابة عن رأسه إلى قفاه؛ لئلا يكون قد عصب رأسه، وقد نص على ذلك القاسم عليه السلام، فقال: ويكره له عصب الجمجمة لما يغطي العصابة من رأسه وشعره. وروى ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ عن عطاء أنَّه سئل عن المحرم يصدع رأسه فقال: يعصب رأسه إن شاء(1).
مسألة [في التطيب عند الإحرام]
قال القاسم عليه السلام: ولا يتطيب عند الإحرام. وهذا منصوص عليه في (مسائل النيروسي). وخالف في ذلك أبو حنيفة، والشافعي، وحكي عن مالك، ومحمد، مثل قولنا.
والأصل في ذلك: ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا أبو بكرة، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت قيس بن سعد، يحدث عن عطاء، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، أن رجلاً أتى /225/ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجعرانة، وعليه جبة، وهو مُصْفَرُّ اللحية والرأس، فقال يا رسول الله: إني قد أحرمت وأنا كما ترى. قال: ((أنزع عنك الجبة، وأغسل عنك الصفرة، وما كنتَ صانعاً في حجتك؛ فاصنعه في عمرتك)) وفي بعض الأخبار: ((اغسل عنك اثر الخلوق، والصفرة)) (2).
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون أمره صلى الله عليه وآله وسلم بغسله؛ لأنَّه كان صفرة، لا لأنَّه كان طيباً، والصفرة تكره للمحرم والمحل(3)، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن التزعف للرجال.
وعن أنس: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن التزعفر.
__________
(1) ـ أخرجه ابن ابي شيبة في المصنف 3/184 وإسناده حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الملك، به.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/126 وفيه زيادة: وعليه جبة صوف.
(3) ـ في (ب): للمحل والمحرم.

(44/40)


قيل له: ظاهر الخبر يدل على أنَّه أمره بغسله للإحرام؛ لأن الرجل أتاه، فقال له: أنا محرم، وأنا كما ترى، فقال له: افعل كذا وكذا، وما كنتَ صانعاً في حجتك، فاصنعه في عمرتك، فصار الكلام على أحكام الإحرام، ولو كان ذلك لغير الإحرام، لَبيَّن ذلك صلى الله عليه وآله وسلم، ودل عليهـ على أن الصفرة قد ورد فيها ما يدل على خلاف ما ذكروا.
[و](1) روى أبو داود في (السنن)، حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنهي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، أن ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة، حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة، فقيل له: لم تصبغ بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصبغ بها [لحيته] (2) كلها حتَّى عمامته. ويحتمل النَّهي الوارد عن التزعفر أن يكون المراد به في حال الإحرام، فإذا ثبت ما ذكرناه في الصفرة، ثبت أن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الرجل بغسل ما كان على لحيته وثيابه لأجل الإحرام، فدل ذلك على أن الطيب عند الإحرام غير جائز.
وروى أن عمر وجد ريح طيب، وهو بذي الحليفة، فقال: ممَّن هذا؟ فقال معاوية: مني. فقال عمر: منك لعَمري، فقال: لا تعجل علي، فإن أم حبيبة طيبتني، وأقسمت علي، قال: ((أنا أقسم عليك، فلترجع إليها، فلتغسله عنك)) فرجع إليها، فغسلته. فدل إنكاره على معاوية، وإقسامه عليه ليغسله علىأمنه قال: ذلك توقيفاً ؛ لأن ما طريقه الإجتهاد لا يجوز أن يُنكَر على من خالفه. وعن عثمان أنَّه رأى رجلاً بذي الخليفة يريد أن يحرم، وقد دهن رأسه، فأمر به، فغسل رأسه بالطين.
فإن قيل: روي عن عاشة أنَّها قالت: كأني أنظر إلي وبيض الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو محرم.
__________
(1) ـ سقط من (أ).
(2) ـ سقط من (أ) و (ب).

(44/41)


قيل له: يحتمل ذلك أن تكون رأته بعد ما رمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمرة العقبة، فأرادت بقولها: ((هو محرم)) أن حكم الإحرام كان باقياً عليه، فقد روي ما يوضح هذا التأويل: عن ابن عباس رضي الله عنه أنَّه قال: ((إذا رميتم الجمرة، فقد حل لكم كل شيء إلاَّ النساء))، فقال له رجل: والطيب. فقال: أما أنا، فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضمخ رأسه بالمسك، أو طيب(1) هو؟ ويحتمل أيضاً أن يكون أجزاء بقيت من الطيب في رأسه بعدما غسل، وذهبت رائحته. ويحتمل أيضاً أن تكون تلك الأجزاء بقيت وهو لا يعلم ذلك كما روي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم اغتسل، فبقيت لمعة من جسده، ولا شك أنَّها بقيت وهو لا يعلم ذلك.
فإن قيل: روي عن عائشة أنَّها قالت: طيبت، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعالية. وروي طيبته لإحرامه.
قيل له: ليس في الحديث أنَّها فعلت ذلك بأمره صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أنَّه استيقن ذلك، ولم يمطه، ويجوز أن تكون طيبته /226/ قبل إحرامه، ثُمَّ لما أراد صلى الله عليه وآله وسلم الإحرام، غسله عن نفسه، فقد روي أيضاً أنها قالت: طيبته قبل أن يحرم.
أخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي(2)، حدثنا علي بن معبد، حدثنا شجاع بن الوليد، حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثني القاسم، عن عائشة أنَّها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي لإحرامه قبل أن يحرم.
__________
(1) ـ في (ب): أفطيب.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/130.

(44/42)


فيكون ما روي من قولها عند إحرامه، وحين إحرامه، محمولاً عند قرب إحرام، وحين قرب إحرامه. يؤكد هذا التأويل ويوضحه: ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا فهد، حدثنا أبو غسان، حدثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن المنتصر، عن أبيه، قال: سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال: ((ما أحب أن أصبح محرماً ينضح مني ريح المسك)) (1)، فأرسل ابن عمر بعض بنيه إلى عائشة ليسمع ما قالت: فقال: قالت عائشة: ((أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثُمَّ طاف بنسائه، فأصبح محرماً)) فدل هذا الجبر على أن التطيب كان قبل الإحرام، والاغتسال توسط بينه وبين الإحرام؛ لأنَّه لا يجوز أن يكون طاف على نسائه ولم يغتسل، ولا خلاف أنَّه لو أحرم، وعليه قميص، فالواجب عليه إزالته، وكذلك الطيب، والمعنى انه إذا استعمله في الإحرام على الوجه المحظور، وجبت إزالته، أو يقال: إن إماطته تجب إذ طرأ على الإحرام، فكذلك إذا طرأ عليه الإحرام، دليله اللباس.
فإن شبهوه بالحلق في أنَّه يجوز طرو الإحرام عليه، وإن لم يجز طروه على الإحرام، كان الطيب باللباس أشبه؛ لأنَّه مما يَتَأَتَّى الإزالة فيه، والحلق مما لا يتأتى الإزالة فيه، كذلك إذا طرأ على الإحرام لم يكن للإزالة فيه حكم، على أن الشعر إزالته محظورة في الإحرام، والطيب مثل اللباس استعماله هو المحظور، فكان حكم الشعر على الضد من حكم الطيب، فكان ما ذكرناه أولى، على أن المحرم غير ممنوع من جميع التصرف في الطيب من نحو الشراء، والبيع، والإمساك، وما جرى مجراه، وإنَّما المحظور(2) كالقميص، والسراويل، والقلنسوة، والخف.
مسألة [في الخاتم هل هو من لاحلي؟ وفي المحرم يغسل ثيابه، أو يحك رأسه، أو يلبس الهميان]
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/132 وفيه إبراهيم بن محمد المنتشر.
(2) ـ هو التنعم فقط سواءً طرأ الإحرام عليه أو طرأ هو على الإحرام، فيجب أن يكون التنعم به محظوراً.

(44/43)


قال القاسم عليه السلام: وليس الخاتم من الحلي، ولا بأس للمحرم بغسل ثيابه، وإن أيقن أن فيها دواب تلفت لغسله، يصدق بقدر ما يرى. قال: ويجوز له أن يحك رأسه، وبدنه، ولكن برفق؛ لكيلا يقطع شعراً، ولا بأس بلبس الهميان له. وجميعه منصوص عليه في (مسائل النيروسي).
وجه ما قال أن الخاتم ليس من الحلي، أن الحلي لا يجوز لبسه للرجال، ولا بأس لهم بلبس الخواتيم.
وروى ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، قال: لا بأس بالخاتم للمحرم(1).
وروى نحوه، عن عطاء، ومجاهد، وسالم بن عبد الله. وقلنا: لا بأس للمحرم بغسل ثيابه؛ لأنَّه من الطهارة، ولا خلاف فيه.
وقد رواه(2) ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، وابن عمر، وجابر، وعطاء، وإبراهيم.
فأما وجه ما ذكرنا من أن الدواب لو تلفت بغسله، تصدق، فقد مضى من قتل المحرم للقمل ما لا غرض في إعادته. ولا خلاف أن المحرم غير ممنوع من حك جسده، وقلنا: برفق، لئلا يقطع شعراً؛ لأن قطع /227/ الشعر قد منع المحرم منه، وقد مضى القول فيه. وقلنا: لا بأس له بلبس الهميان؛ لأن عقده ليس بأكثر من عقد الإزار.
وروى ابن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن حجاج، قال: سألت أبا جعفر، وعطاء، عن الهميان للمحرم فقالا: لا بأس به.
وروي نحوه عن عائشة، وعن طاووس، وعن سالم، والقاسم، وسعيد بن جبير(3).
__________
(1) ـ أخرجه عنهم ابن أبي شيبة في المصنف 3/283.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة عنهم في المصنف 3/352.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة عنهم في المصنف 3/410.

(44/44)


باب القول فيما يجب على المحرم من الكفارات
[مسألة: في المحرم يلبس ولا يجوز له، وفي مقدار الفدية، وفي استعمال المحرم لدواء فيه طيب]
إذا احتاج المحرم إلى لبس ثياب لا يجوز له لِبسُها لعلة من العلل، لَبِسَها، وعليه الفدية، والفدية صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين مدان من الطعام، أو دم يريقه، وأقل ذلك شاة، وكذلك إن(1) احتاج إلى دواء فيه مسك ساطع الريح، أو نحوه، وكذلك إن احتاج إلى لبس العمامة أو(2) الخف. وهذا جميعه منصوص عليه في (الأحكام) (3) غير تقدير الإطعام فإنه منصوص عليه في (المنتخب) (4)، ونص ـ أيضاً ـ فيه على ما ذكرنا من حكم اللباس.
والأصل في ذلك قول الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيْضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ..} الآية، وحديث كعب بن عجرة في رواية بن أبي شيبة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم(5) قال له حين آذاه [هوام] (6) رأسه فقال: أذبح شاةً نسكاً، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، بين كل مسكينين صاع من بر.
وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام فيمن أصابه أذى من رأسه، فحلقه، يصوم ثلاثة أيام، وإن شاء أطعم ستة مساكين لكل مسكين من نصف صاع من بر، وإن شاء نسك بشاة يذبحها.
وقد ذكر ذلك أبو حنيفة بيوم، وحكي عنه أكثر اليوم، وذلك لا معنى له؛ لأن الحكم تعلق باللبس، والطيب، دون زمان بقائهما، فاليوم فيه كالساعة، وإذا اتفقنا على إيجاب الفدية على من لبس، أو تطيب يوماً، كان ما دونه قياساً عليه، والمعنى أنَّه حصل لابساً أو متطيباً على سبيل العمد في الإحرام، على أن ما ذهبوا إليه تقدير لم يرد توقيف به، فوجب سقوطه.
__________
(1) ـ في (ب): إذا.
(2) ـ في (ب): و.
(3) ـ انظر الأحكام 1/277 ـ 278 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ انظر المنتخب 97 وهو بلفظ قريب.
(5) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/235، وقال فيه: صاعاً من تمر.
(6) ـ سقط من (ب).

(45/1)


مسألة [في المحرم يلبس أكثر من محظور من اللباس في وقت واحد، أو أوقات متفرقة، وفي حلق الرأس]
قال: وإن احتاج إلى لبس جميع ما ذكرنا في وقت واحد، لزمته فدية واحدة، وإن احتاج إلى لبسهما جميعاً(1) في أوقاتٍ متفرقة، فعليه للبس الرأس فدية، وللبس البدن فدية، وللبس القدمين فدية، وكذلك إن احتاج إلى حلق رأسه، فحلق، ففيه فدية. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب) (3). قلنا: إنَّه إذا جمع لباس البدن كله في وقت واحد، كان عليه فدية واحدة؛ لأنَّه لا خلاف أنَّه لو طيب جسده كله، أو أزال التفث كله عن جسده في وقت واحد، فليس عليه إلاَّ فدية واحدة، وكذلك لا خلاف أنَّه إذا حلق رأسه كله، فعليه فدية واحدة، وإن كان حلق في وقت بعضه، وفي وقت آخر بعضه، لزمه لكل حلق فدية، وإنَّما كان ذلك كذلك؛ لأنَّه جنس واحد مجموع في وقت واحد، فوجب أن يكون لو غطى رأسه، وبدنه(4) ورجليه، في وقت واحد لا يلزمه إلاَّ فدية واحدة، وهذا مما يوافقنا عليه أبو حنيفة، والشافعي، ويؤكد ذلك أن الجسد كله فيما يختص من الحكم في وقت واحد يصير بمنزلة عضو واحد في الإتلاف، وفي الاغتسال، ألا ترى أنَّه لو أتلف، كانت له دية واحدة، ولو أتلفت له أعضاء متفرقة، كانت لكل عضو دية، وكذلك الغسل لا ترتيب فيه كالعضو الواحد، والماء /228/ لا يصير مستعملاً إلاَّ إذا كان ذلك في الوضوء(5) الذي يختص بعض الأعضاء. فأما إذا لبس هذه الملابس في أوقات متفرقة، فحكي عن الشافعي فيه قولان:
أحدهما أن عليه كفارة واحدة. والآخر مثل قولنا.
__________
(1) ـ في (أ): إلى لبسها أوقات.
(2) ـ انظر المنتخب 96 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر الأحكام 1/278، 308، 309 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ في (أ): ويديه.
(5) ـ في (ب): العضو.

(45/2)


والأصل فيه: أن لبس الرأس له حكم على الإنفراد، وكذلك لبس البدن، ولبس القدمين؛ لأنَّه إذا أتى بكل واحدٍ فيه على الانفراد، لزمت له فدية، وهذا مما لا خلاف فيه، فإذا أتى بكل واحد منفرداً في وقت واحد، فإتيانه بالآخر في وقت آخر، لا يمنع أن يجب لكل واحد منهما فدية، دليله: إذا كان ما توجبه الفدية من جنسين، وليس يعترض على ذلك إذا فعل ذلك أجمع في وقت؛ لأن ذلك يكون لبسة واحدة، ألا ترى أن من حلف ألا يلبس في هذا اليوم إلاَّ لبسة واحدة، فلبس لباس الرأس، والبدن، والقدمين أجمع في وقت واحد، لم يحنث، وإن لبس لباس البدن، ثُمَّ لبس في وقت آخر منفصل عنه لباس اليدين، أو لباس القدمين، حنث، وكذلك من حلف ألا يأكل إلاَّ أكلة واحدة، فأكل ما شاء في وقت واحد، فإنه لا يحنث، ولو أنَّه فرق ذلك المأكول بعينه، فأكل بعضه في وقت، ثُمَّ أكل الباقي في وقت آخر، حنث، فبان أن الأفعال إذا وقعت في حالة واحدة، ووقت واحد، تصير كالشيء الواحد، إذا كانت من جنس واحد، وإذا فُرِّقت في الأوقات الكثيرة، لم يكن لها ذلك الحكم.
فإن قيل: أليس كفارة اليمين عندكم تتداخل إذا كانت من جنس واحد، وإن وقعت الإيمان في أوقات متفرقة.
قيل له: الكفارات عندنا لا تتداخل، وإنما الواجب فيما ذكرت كفارة واحدة؛ لأن الموجب للكفارة عندنا الحنث، والحنث حنث واحد، فلم يجب فيه إلاَّ كفارة واحدة.وما ذكرناه من إيجاب الفدية في حلق الرأس، فلا خلاف فيه، والأصل فيه ما قدمناه من الآية والخبر.
مسألة [في المحرم يلبس أنواع لباس البدن، أو أنواع لباس الرأس، أو أنواع لباس القدمين، سواء في وقت واحد أو متفرق]
قال: وإذا لبس المحرم قميصاً، ثُمَّ لبس بعد ذلك جبة، أو سراويل، أو قباء، أو درعاً، أو غير ذلك، أجزته كفارة واحدة، لبس ذلك معاً، أو متفرقاً.

(45/3)


وكذلك القول إن لبس قلنسوة، ثُمَّ لبس عمامة، أو مغفراً، أو غيرهما. وكذلك القول في الخف، والجورب، وإن لبس شيئاً من ذلك لعلة، أو سبب، فله أن يلبس إلى أن يخرج عنه، ولا يلزمه(1) إلاَّ فدية واحدة. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(2). قلنا: إنَّه إن لبس ثوباً بعد ثوب، لم يلزمه للثاني فدية؛ لأنَّه لا يكون مغطَياً به، والمأخوذ عليه ترك التغطية، فإذا غطى رأسه، أو بدنه، أو قدميه بالأول، لم يكن للثاني حكم. وقلنا: إنَّه إن لبس شيئاً من ذلك لعلة، فله لبسه إلاَّ(3) أن يخرج منها، ولا يلزمه له إلاَّ فدية؛ لأنَّه أبيح له اللبس بشرط الفدية عند العلة، فيحصل اللبس مباحاً له على الوجه الذي بيناه، على أنا لو قلنا خلاف ذلك، لأوجبنا عليه للبّس في كل ساعة فدية، بل في كل لحظة، وذلك لا يُضبط، ويؤدي إلى المشقة العظيمة.
مسألة [في المحرم بجامع أهله]
(فإن جامع المحرم أهله، فقد أبطل(4) إحرامه، وأفسد حجه، وعليه أن ينحر بدنة بمنى، وأن يمضي في حجة الفاسد، وعليه الحج من قابل، وعليه أن يحج بامرأته الَّتِي أفسد عليها حجها).
/229/ وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (5) و(المنتخب) (6) غير ما قلنا به من أنَّه يحج بامرأته، فإنه منصوص عليه في (الأحكام) دون (المنتخب).
__________
(1) ـ في (ب): تلزمه.
(2) ـ انظر الأحكام 1/308 ، 809 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ في (ب): إلى.
(4) ـ في (أ): بطل.
(5) ـ انظر الأحكام 1/299.
(6) ـ انظر المنتخب 103 وهو بلفظ قريب.

(45/4)


والأصل في ذلك أنَّه مروي عن غير واحد من الصحابة من ذلك: ما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا الناصر للحق عليه السلام، حدثنا محمد بن منصور، حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين، عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، قال: ((إذا وقع الرجل على امرأته، وهما محرمان، تفرقا حتَّى يقضيا مناسكهما، وعليهما الحج من قابل، ولا ينتهيا إلى ذلك المكان الذي أصابا الحدث(1) فيه إلاَّ وهما محرمان، فإذا انتهيا إليه، تفرقا حتَّى يقضيا مناسكهما، وينحرا عن كل واحد منهما هدياً))، وفي كتاب أبي خالد الحديث على وجهة، إلا أنه قال: وينحر كل واحد منهما هدياً.
وروى ابن أبي(2) شيبة، حدثنا حفص، عن أشعت، عن الحكم، عن علي عليه السلام قال: ((على كل واحد منهما بدنة، فإذا حجا من قابل، تفرقا من المكان الذي أصابها فيه.
وروى ابن أبي(3) شيبة ـ بإسناده ـ عن مجاهد أنَّه سئل عن المحرم يقع على امرأته فقال: كان ذلك على عهد عمر فقال: ((يقضيان حجهما، والله أعلم بحجهما، ثُمَّ يرجعان حلالان كل واحد منهما لصاحبه، فإذا كان من قابل، حجا، وأهديا، وتفرقا من المكان الذي أصابها فيه)). وروى ابن أبي شيبة(4) ـ بإسناده ـ عن ابن عباس أنَّه قال: ((الله أعلم بحجكما، امضيا لوجهكما، وعليكما الحج من قابل، فإذا انتهيت إلى المكان الذي واقعت فيه، فتفرقا، ثُمَّ لا تجتمعا حتَّى تقضيا حجكما.
__________
(1) ـ في (ب): فيه الحدث.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/164.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/164 وإسناده: حدثنا ابن عيينة، عن يزيد بن يزيد، به.
(4) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/164 وإسناده: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد العزيز، عن عبد الله بن وهبان، به.

(45/5)


وروي أيضا(1) ـ بإسناده ـ عن ابن عباس وابن عمر، في محرم وقع على امرأته أنَّه قد أبطل حجه، ويخرج مع الناس، فيصنع ما يصنعون. وأن عبد الله بن عمرو قال: مثل قولهما. فلما روى ذلك عن هولاء الجماعة من الصحابة، ولم يرو خلافه، عن أحد منهم، كان إجماعاً، فلذلك قلنا: قد أفسد حجه، وعليه الحج من قابل.
فإن قيل: ففي حديث عمر، وإحدى الروايتين، عن ابن عباس: ((الله أعلم بحجكما))، فلم يحكما بفساده.
قيل له: يحتمل أن يكون المراد بذلك الله اعلم بثوابه، وحكمه في الآخرة، وقد أطبقا على إيجاب الحج عليه، فدل ذلك على أن الأول لم يقع موقع الصَّحيح، على أنه لا خلاف أنَّه إذا جامع قبل الوقوف أن حجه فاسد، وعليه الحج من قابل، واختلفوا إذا جامع بعد، ذلك، فمذهب أبو حنيفة إلى أن حجه قد تم، وعليه بدنة، وعند يحيى عليه السلام أنَّه إذا جامع قبل أن يرمي جمرة العقبة، بطل حجه، وهو مذهب الشافعي.
والأصل في ذلك أن الصحابة الذين أفتوا بفساد حجه، وإيجاب الحج عليه من قابل، لم يفصلوا بين أن يكون ذلك قبل الوقوف، أو بعده، فوجب أن يستوي الحكم فيه، كما يستوي لو كان ذلك قبل طواف القدوم، والسعي، أو بعدها.
ومما يعتمد في هذا الباب ما(2) أجمعنا عليه من أنَّه لو جامع قبل الوقوف بطل حجه، وكذلك(3) إذا جامع قبل الرمي، والمعنى أن جماعه صادف إحراماً مطلقاً، ولا خلاف أن قتل الصيد، والتطيب، واللمس، لما مُنع منه، وجب أن /230/ يستوي حكم فِعلهما قبل الوقوف، وبعده إلى أن يرمي، فوجب أن يكون الجماع كذلك، أو بعلة أنَّه محظور بالإحرام.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/164.
(2) ـ في (ب): مما.
(3) ـ في (ب): فكذلك.

(45/6)


فإن قاسوا الوطء قبل الرمي، عليه بعد الرمي بعلة أنَّه وطء بعد الوقوف، كان قياسنا أولى؛ لأن الأصل الذي رددنا إليه أصلٌ متفق عليه بين الأمة، والأصل الذي ردوا إليه فيه خلاف على ما نبينه من بعد [إن شاء الله تعالى] (1)، فكان القياس المستنِد إلى النص، أو ما يجري مجراه من الإجماع، أولى من القياس المستند إلى الاجتهاد، على أن قياسنا موجِب، فهو أولى، كالخاص، وتشهد العبادات لقياسنا، ألا ترى أن الجماع لما كان مبطلاً للصيام، والاعتكاف، كان لا فصل يبن وقوع الجماع في أولهما وآخرها. فإن ادعوا أن قياسهم مستند إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحج عرفة، فمن أدرك عرفة، فقد أدرك الحج)).
قيل له: هذا لا يمنع من طرو الفساد عليه، كما أن قوله: ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر)) لا يمنع من طرو الفساد عليه، وإنَّما المراد [به] (2) لا تفوت من جهة الوقت على شرط السلامة، على أن قياسنا مستند إلى قوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيْهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ} فما يحصل فيه الرفث، لا يكون حجاً.
فإن قيل: إذا أمن فواته من جهة الوقت، فيجب أن يأمن من فواته من جهة الفساد.
قيل له: لا يمتنع أن يأمن الفوات من جهة الوقت، وإن لم يأمن الفوات من جهة الفساد كالعمرة؛ لأنها لا تفوت من جهة الوقت [وتبطل بالفساد] (3).
فإن قيل: قد علمنا أن النسك الذي بين الوقوف وطواف الزيارة لو عدم، لم يبطل الحج، فوجب أن لا يبطل بطرو الفساد عليه؛ لأن ما لا يبطل الحج عدمه، ففساده أولى ألا يبطله.
قيل له: لسنا نسلم ما ادعيت من الأصل، وذلك أن بقاء الإحرام إلى أن يرمي جمرة العقبة من النسك الذي ذكرت، وعندنا أن ما أبطله، أبطل الحج، فكيف يصح ما اعتمدته.؟
__________
(1) ـ سقط من (ب).
(2) ـ سقط من (ب).
(3) ـ سقط من (أ).

(45/7)


فإن قيل: أليس إذا فات الرمي بفوات وقته، ثُمَّ جامع، لم يبطل حجه، فما أنكرتم أن يكون الجماع قبل الرمي لا يبطله؟
قيل له: لا يستوي الوقتان؛ لأن الوقت الذي يفوت فيه الرمي يكون الإحرام قد انحل فيه، فيكون سبيله سبيل من رمى، ألا ترى أن له أن يتطيب، ويلبس، ويصيد، وقبل وقت الرمي الأول يكون على كمال إحرامه، فكذلك وجب أن يكون الجماع فيه مبطلاً للحج، وهذا مما يقوي ما ذكرناه من القياس، ألا ترى أن الجماع لما لم يصادف إحراماً مطلقاً عند فوات الرمي، لم يبطل الحج. فأما إيجاب البدنة، فهو قول الشافعي. وأبو حنيفة يقول: إن جامع قبل الوقوف أجزأه دم شاة، وإن جامع بعد الوقوف، لزمته بدنة.
والأصل فيما ذهبنا إليه قول علي عليه السلام على كل واحد منهما بدنة، ولا مخالف له فيه من الصحابة، ولا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة أنَّه إذا جامع بعد الوقوف، لزمته بدنة، فكذلك إذا جامع قبل الوقوف، والمعنى أنَّه جماع صادف إحراماً مطلقاً، وهو قياس سائر ما حضرة الإحرام من الطيب وغيره من أن كفارته لا تتغير بوقوعه قبل الوقوف، أو بعده.
فإن قيل: لا يجتمع عليه تغليظ في الدم، وتغليظ في الإفساد.
قيل له: لم قلت ذلك؛ وما تنكر من ذلك إذا دلت الدلالة عليه؟ على أن الأصل في الجنايات أنَّها إذا عظمت، كان تغليظ كفاراتها أولى، فكان الواجب على هذا أن يكون الوطء الذي يبطل الحج بالتغليظ أولى؛ لأنَّه في باب الجنايات أعظم، على أنَّه لا فصل عندنا على ما بيناه بين الجماع قبل الوقوف /231/ وبعده، في إفساد الحج، فلا سؤال علينا فيه. وأما ما قلناه من أنَّه يحج بامرأته الَّتِي أفسد عليها حجها، فالمراد به إذا(1) كانت مكرَهة، فأما إذا طاوعت فهي الَّتِي أفسدت على نفسها الحج دون الزوج. وما ذهبنا إليه في المكرهة قول عطاء.
__________
(1) ـ في (ب): إن.

(45/8)


وروى ابن أبي(1) شيبة ـ بإسناده ـ عنه أنَّه قال في المكرهة يستكرهها زوجها حتَّى يواقعها، فحجها من ماله.
وحكى نحو ذلك أبو بكر الجصاص (في شرح المناسك) لمحمد، عن الأوزاعي. وروي نحوه هناد بإسناده، عن الحسن، وهو إطلاق المزني، عن الشافعي، وحكى أبو علي بن أبي هريرة أن أصحاب الشافعي اختلفوا في تفسير ذلك الإطلاق، فذهب بعضهم إلى أنَّه يغرم نفقتها، وذهب بعضهم إلى أنَّه يُصَيِّر لها محرماً لتحج.
ووجه ذلك أن الزوج هو الْمُتلِف عليها حين اكرهها، فوجب أن يضمن كما(2) لو أتلف عليها غير ذلك من مالها، أو غَرَّمها بالشهادة عليها ما لا يلزمها، ضمن.
فإن قيل: منفعة الوطء قد حصل لها، فلا يجب للزوج أن يضمن غرامته.
قيل له: هذا ينتقض بالرجل يحرق للمرأة مالاً ثميناً بحضرتها مع كراهتها، فإن(3) حصل لها بذلك بعض الترفيه، على أن وطئها لو كان نفعاً لها حكماً، ما كان يجوز أن يستحق عليه العوض؛ لأن الإنسان لا يستحق العوض على ما يناله من النفع.
فإن قيل: أليس الزوج لو وطء امرأته في شهر رمضان، ثُمَّ عجزت عن القضاء، لم يلزمه أن يغرم عنها الفدية، فما أنكرتم أن لا يغرم نفقة الحج.
قيل له: إن الفدية هي بدل القضاء، وهو لم يتلف الفدية نفسها، ولا هي بدل من فساد صومها، فلم يجب أن يغرمها الزوج، وليس كذلك النفقة؛ لأنَّه بالوطء قد أتلف نفقتها، فيجب أن يَغرَمها، ويقال لمن أنكر ذلك من أصحاب الشافعي قد اتفقنا على أن للزوج أن يغرم عنها ما يلزمها من البدنة، فكذلك النفقة، والمعنى أن كل واحد منهما غُرْمٌ، لزم بسبب ذلك الوطء، وليس للمخالف أن يقيس الإكراه في ذلك على الطوع؛ لأنها إذا طاوعت، فقد رضيت بأن يتلف عليها، فلا يضمن المتلف.
مسألة [في المحرم يجامع أهله طوعاً، أو كرهاً]
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/186، وإسناده: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا حماد، عن حجاج، به.
(2) ـ في (ب): كما أنه.
(3) ـ في (ب): وإن.

(45/9)


قال: وإن كانت طاوعته، فعليها ـ أيضاً ـ بدنة، وإن كان الزوج غلبها على نفسها، لم يلزمها البدنة، ولزمت زوجها [عنها] (1). نص في (الأحكام)(2) على أنَّها إن كانت تطاوعته، فعليها من الكفارة مثل ما عليه. ونص في (المنتخب)(3) ـ أيضاً ـ على أنَّها إن كانت طاوعته، فعليها البدنة، ونص فيه على أنَّها إن لم تكن طاوعته، وكان زوجها أكرهها، كان على الزوج بدنتان، بدنة عنها، وبدنة عن نفسه. أما إيجاب البدنتين، فهو قول أبي حنيفة. قال الشافعي: ويجزي عنهما بدنة واحدة.
والأصل فيما ذهبنا إليه قول أمير المؤمنين عليه السلام ((على كل واحد منهما بدنة)).
ولا خلاف أن الزوج يلزمه بدنة بدلالة أنَّه لو جامع من ليست بمُحْرمة، كان(4) البدنة لازمة له، فكانت العلة فيه مصادفة جماعه إحراماً مطلقاً، فوجب أن يلزم المرأة أيضاً بدنة لمشاركتها إياه في العلة الموجِبة، ولا خلاف(5) أن المرأة ـ أيضاً ـ لو كانت محرمة، ولم يكن الزوج محرماً، فوطئها لكان يلزمها دم، فكذلك إذا كان الزوج محرماً، والعلة ما ذكرناه، يوضح ذلك، ويؤكده، أن الدم تعلق بهتك حرمة الإحرام، فوجب أن يستوي فيه حال الاجتماع، وحال الانفراد، ألا ترى أنهما لو تطيبا، أو لبسا، لزم كل واحد منها جزاءً على الانفراد؟ فكذلك إذا جامع /232/ على أنا وجدنا سائر أحكام الوطء يلزم كل واحد منهما على الانفراد، من(6) فساد الحج، ووجوب قضائه، وكذلك الاغتسال، والحد إذا كان الوطء زنىً، فوجب أن تكون الكفارة كذلك.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون سبيل الكفارة سبيل النفقة(7) والمهرة في أنَّها تلزم الزوج دونها؛ لأنها حق في مال؟
__________
(1) ـ سقط من (أ).
(2) ـ انظر الأحكام 1/299 وهو بلفظ قريب، ونص فيه أن لا كفارة على المكرهة.
(3) ـ انظر المنتخب 104 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ في (أ): كانت.
(5) ـ في (ب): ولا خلاف أيضاً أن المرأة لو.
(6) ـ في (أ): عن.
(7) ـ في (ب): المهر والنفقة.

(45/10)


قيل له: إنَّما كان ذلك كذلك؛ لأنهما حق للمرأة، ولا يصح أن يلزمها حق نفسها، وما ذكرناه حق الله تعالى فأشبه سائر ما ذكرناه في أنَّه يلزم كل واحد منهما على الانفراد.
فأما ما ذهبنا إليه من أن الزوج إذا استكرهها لزمته بدنة عن نفسه، وبدنة عنها، فهو(1) قول الشعبي، وعطاء، روى ذلك عنهما ابن أبي شيبة ، وقالا: إن كانت مطاوعة فعلى كل واحد منهما بدنة، وإن كانت مستكرهة، فعلى الزوج بدنتان، بدنة عنها، وبدنة عن نفسه. وهو أيضاً تحصيل مذهب الشافعي في النيابة؛ لأنَّه وإن أوجب بدنة واحدة، جعلها عنهما وألزمها الزوج دونها، إلاَّ أنَّه لا يفصل بين المطاوِعة والمستكرَهة. وقال أبو بكر الجصاص في (شرحه المناسك) لمحمد: رأى بعض أصحابنا أن المرأة ترجع على الزوج بما لزمها من الدم.
ووجه هذه المسألة ما تقدم في إيجابنا على الزوج نفقة زوجته إذا أفسد بالوطء حجتها، فلا غرض في إعادته.
مسألة
قال: فإذا حجا في السنة الثانية، لزمهما الافتراق إذا صارا إلى الموضع الذي أفسدا فيه الإحرام، والافتراق ألاَّ يركب معها في مَحمَل، ولا يخلو معها في بيت، ولا بأس أن يكون بعيرها قاطراً إليه، أو يكون بغيره قاطراً إليها. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(2) و(المنتخب)(3). وهو قول أمير المؤمنين [علي](4) عليه السلام، وقول عمر، وابن عباس، ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، فجرى مجرى الإجماع، وهو قول ابن المسيب، وعطاء، والحكم، وحماد، وهو أحد قولي الشافعي، ولا وجه لإبطال اجتهاد إذا ثبت عن عدة من الصحابة من غير أن روي عن أحد خلافه منهم سيَّما وعندنا أنَّما ثبت عن علي عليه السلام، وجب القول به، على أنَّه لا يمنع(5) أن يكون ذلك ضرباً من العقاب؛ إذ هو من جنس التغريب.
__________
(1) ـ في (ب): وهو.
(2) ـ انظر الأحكام 1/99م وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر المنتخب 104 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ سقط من (ب).
(5) ـ في (ب): منع.

(45/11)


فإن قيل: وأنتم توجبون ذلك، وإن جامعا ناسيين.
قيل له: لا يمتنع أن يثبت ذلك في الأصل على سبيل العقوبة، ثم يلزم من لا يلزمه العقوبة، كما نقول في إيجاب الحد على التائب، على أنه لا يمتنع، أن يكون ذلك يجب للإحتياط وخشية أن يقع منهما المعاودة.
فإن قيل: هذه الخشية قائمة وإن لم يكن وقع منهما جماع.
قيل له: إلاَّ أنَّها خشية لا أمارة عليها، وإذا(1) فعلا ذلك مرة، حصلت هذه الخشية أمارة، كشهادة الزور، إذا لم تقع ممَّن ظاهره الستر، لم تتوجه التهمة بها عليه، وإذا وقعت مرة، وجهت التهمة إليه، فأما قولهم إن التفرق ليس بنسك، فلا وجه لإلزامه، فمما لا معنى له؛ لأنَّه لا يمتنع أن يلزم وإن لم يكن نسكاً على أنَّه لا يمتنع أن يكون نسكاً في حال دون حال، وعلى وجه دون وجه، وكذلك الرمي والحلاق.
مسألة [في المحرم يُقبل فيمي، أو يمذي، أو يلتذ]
قال: ولو أن محرماً قَبَّل، فأمنى فعليه بدنة، وإن أمذى، فعليه بقرة، وإن لم يكن من ذلك شيء، وكان مع القبلة شهوة، وحركة لذة فعليه شاة، وإن قبل لغير شهوة، لم يلزمه شيء، وإن حمل المحرم امرأته وكان منه لحملها حركة لذة، فسبيلها سبيل القبلة في المني، والمذي، وغيرهما. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(2) و (المنتخب) (3). ولا خلاف أن المحرم إذا قبل لشهوة، فعليه دم.
وروى ابن أبي شيبة(4) عن شريك، عن جابر، عن أبي جعفر، عن علي عليهم السلام، قال: إذا /233/ قبَّل المحرم امرأته، فعليه دم.
وروى نحوه بإسناده، عن ابن المسيب [و] (5) وعن ابن سيرين والشعبي، وعبد الرحمن بن الأسود.
__________
(1) ـ في (أ): فإذا.
(2) ـ انظر الأحكام 1/311 ـ 312 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر المنتخب 103 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/138.
(5) ـ ما بين المعكوفين سقط من (ب).

(45/12)


فإذا ثبت ذلك في القبلة بالإجماع، كان الغمز، واللمس مثلها؛ إذ الحكم في ذلك لا يتغير في سائر المواضع؛ ولأن العلة فيها أنَّها لمس بالشهوة، فلما ثبت أن في القبلة، والغمز ـ إذا كانا عن شهوة ـ دماً، وكان أقل الدم شاة، أوجبناها فيهما.
وقلنا: إن في المذي بقرة؛ لأن القبلة الَّتِي تؤدي إلى خروج المذي أغلظ حكماً من القبلة الَّتِي لا تؤدي إليه، ووجدنا الكفارات في الحج مبنية على أن الجناية كلما كانت أغلظ، كانت الكفارة أغلظ، وكذلك، عامة العبادات، فلما كان ذلك كذلك أوجبنا في القبلة الَّتِي تؤدي إلى خروج المذي بقرة؛ لنكون قد غلظنا الكفارة بحسب غلظ الجناية، ولهذه الطريقة قلنا: إن من أمنى وجبت(1) عليه بدنة؛ لأن خروج المني أغلظ حكماً في جميع الأحكام من خروج المذي، ولم يوجب فساد الحج بالإمناء على ما حكي عن مالك وعطاء؛ لأن فساد الحج أقصى غاية التغليظ، فلم نوجبه إلاَّ بما يكون أقصى غاية الجناية في بابه، ووجدنا الجماع أغلظ من الإمناء؛ لأنَّه يتعلق بالجماع أحكام لا تتعلق بالإمناء، نحو الحدود، والصداق، فلم يلحق حكم الإمناء به، ولا فصل في جميع ما ذكرناه بين القبلة واللمس على ما بيناه. وقلنا: إن القبلة، واللمس، إذا لم يكونا لشهوة، فليس على المحرم لهما شيء؛ لأنه مُنِع من فعلهما على سبيل الشهوة؛ ولأنهما إذا لم يكن معهما شهوة، كان ذلك كلمس الجمادات، والبهائم، أو نحوها، فلا يلزمه شيء.
مسألة [في المحرمة تخضب يديها ورجليها، أو أصبعاً، وفي المحرم يقص ظفراً]
__________
(1) ـ في (ب): وجب.

(45/13)


قال: ولو أن محرمة خضبت يديها ورجليها في وقت واحد، فعليها فدية واحدة، وإن خضبت يديها، ثُمَّ خضبت رجليها، فعليها فديتان، وإن خضبت إصبعاً من أصابعها، فعليها في خضابها صدقة، نصف صاع من بر، وإن طَرَّفت أُنملة من أناملها، تصدقت بمقدار نصف مد، وكذلك إن طرفت أنامل يديها، أو بعضها، فعليها عن(1) كل أنملة خضبتها نصف مد. وإذا قصر(2) المحرم ظفراً، استُحِب له أن يتصدق بنصف صاع من طعام. جميعه منصوص عليه في (الأحكام) (3).
__________
(1) ـ في (ب): في.
(2) ـ في (ب): قص.
(3) ـ انظر الأحكام 1/321 وهو بلفظ قريب.

(45/14)


ووجه إيجاب الفدية في الخضاب أن الحناء طيب يُستَلذ رائحته، كما يستلذ برائحة الزعفران، ولا خلاف أن المحرم ممنوع من الطيب، وقد مضى القول فيه، وأيضاً أن الخضاب زينة، وعندنا أن المحرم ممنوع من الزينة بدلالة أنَّه ممنوع من اللباس، والمرأة ممنوعة من القفازين، ولما روي أن النبي صلى الله عليه آله وسلم قال في أهل عرفة: ((إن الله يباهي بكم الملائكة يقول عبادي أتوني شعثاً غبراً)) والشعث والغبرة خلاف الزينة، فإذا ثبت ذلك، جرى الخضاب مجرى قص الأظفار، ومجرى اللباس، واستعزال الطيب، فقلنا: أنَّها إذا خضبت يديها، ورجليها، في وقت واحد، فعليها فدية واحدة، كما قلناه فيمن لبس لباس البدن كله في وقت واحد على ما بيناه. وقلنا: إن خضبت يديها، ثُمَّ خضبت رجليها، فعليها فديتان؛ لأن اليدين في حكم العضو الواحد، وكذلك الرجلين، ألا ترى أن حكم الرجلين في لبس الخف حكم عضو واحد، فكذلك قلنا إن خضاب اليدين، وخضاب الرجلين، إذا كانا في وقتين، وجب لهما فديتان. وقلنا: إن خضبت إصبعاً، فعليها صدقة، نصف صاع من بر؛ لأن نصف صاع قائم مقام عُشْر شاة في الجزاء، والأصبع الواحدة حكمها حكم عشر اليدين، وقدرنا تطريف الأنملة بربع الإصبع، فإذا زاد الخضاب، أو نقص، كان التقدير بحسابه. وقلنا في الظفر: إذا قصه المحرم نصف صاع لما بيناه في الخطاب، وليس ذكر الاستحباب فيه لنفى /234/ الوجوب، وإنَّما هو إشارة إلى أن التقدير فيه طريقه الاجتهاد، ويجب على هذا أن يكون حكم قص الأظفار كلها، اليدين، والرجلين ـ في وقت واحد، أو وقتين، حكم الخضاب على ما بيناه.
مسألة [في المحرم يتعمد قتل الصيد، وهو ذاكراً للإحرام أو ناسٍ له]

(45/15)


قال: ولو أن محرماً تعمد قتل صيد، ناسياً لإحرامه، أو ذاكراً له، فعليه الجزاء، والجزاء دم يريقه، أو إطعام، أو صيام. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2).
والأصل فيه قول الله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءُ مِثْلَ مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ..} الآية.. وهذا مما لا خلاف فيه. وجعلنا له الخيار بين الكفارات الثلاث؛ لأن الآية تضمنت التخيير؛ إذ نسق بعضها على بعض بأو، مثل كفارات اليمين الثلاث. وقد اختُلف فيه إذا قتله خطأ، فذهب القاسم إلى أنَّه لا جزاء فيه، وعليه يدل كلام يحيى عليه السلام، وحُكِى أنَّه مذهب صاحب الظاهر، وحكاه ابن جرير في (الاختلاف) عن أبي شور.
ووجهه أنَّه قال تعالى: {وَمَنْ قَتَلُهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءُ مِثْلَ مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ} فأوجب الجزاء بشرط التعمد، فكان ذلك دليلاً على أنَّه لا جزاء مع فقد التعمد الذي هو شرط فيه.
فإن قيل: ألستم توجبون الكفارة على قاتل العمد، وإن كان النص ورد في قاتل الخطأ، فما تنكرون على من أوجب الجزاء على قاتل الصيد خطأ، وإن كان النص ورد في العامد؟
قيل له: لا يمتنع أن يَرِد النص في الأدنى، فيُعرَفُ به حال الأعلى، وليس كذلك إذا ورد في الأعلى؛ لأنَّه لا يقتضي التنبيه على الأدنى؛ ولأنه قَتلٌ يصدر عنه حكم يختص نفس القاتل، فوجب أن لا يستوي عمده وخطؤه، فيما يقتضيه القتل، دليله قتل المسلم.
فإن قيل: قتل العبد يعترضه؛ لأنَّه يستوي [فيه](3) خطؤه وعمده، لأنكم لا توجبون فيه القصاص، وإنَّما توجبون فيه القيمة، وهو يستوي فيه العمد والخطأ؟
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/322 وفيه أن المتعمد وهو ذاكر للإحرام يجب عليه التوبة مع الجزاء.
(2) ـ انظر المنتخب 98 ـ 99 وفيه أيضاً ما في الأحكام.
(3) ـ سقط من (أ).

(45/16)


قيل له: تحصيل(1) الافتراق من وجه آخر، وهو أن القيمة في العمد من ماله، وفي الخطأ على عاقلته، فلم يحصل الاستواء.
فإن قيل: فنحن ـ أيضاً ـ نقول أن حكم العمد والخطأ في قتل الصيد لا يستوي؛ لأن التوبة تلزم مع العمد، ولا تلزم مع الخطأ؟
قيل له: نحن إنَّما أوجبنا ألا يحصل التساوي فيما يوجبه القتل، والتوبة لا تجب للقتل، وإنَّما تجب لوقوعه على وجه قبيح مع أوصاف مخصوصة، ألا ترى أن كل فعل وقع على وجه يقبح، اقتضى التوبة؟ والقتل إذا تعرى من ذلك، لم يوجب التوبة، فبان أنَّها ليست مما يقتضيه القتل. ويقال لأصحاب الشافعي: هو قياس على من لبس مخيطاً، أو تطيب، بمعنى أنَّه فِعْلٌ حظره الإحرام، ولا يقع به فساد الحج، فوجب ألا يلزمه فيه الجزاء إذا وقع على وجه الخطأ، على أنَّه قد حكي عن الشافعي أن المسألة عنده على قولين، وحكى القطبي في (مسائل الخلاف) أن الشافعي عَلَّق القول فيه، وقياسهم في هذا الباب يضعف؛ لأنَّه يرفع حكم النص؛ لأن النص جعل العمد شرطاً فيه، وهم يرفعون ذلك قياساً.
فإن قيل: ألستم تقيسون قاتل العمد على قاتل الخطأ في إيجاب الكفارة، وإن كانت الآية وردت في قتل(2) الخطأ فما تنكرون مِنْ قياسنا قاتل الخطأ في جزاء الصيد على قاتل العمد؟
__________
(1) ـ في (ب): يحصل.
(2) ـ في (ب): قاتل.

(45/17)


قيل له: مِن أصحابنا مَن منع ذلك، ولم يوجب على قاتل العمد الكفارة، فيسقط(1) عنه هذا السؤال، فأما نحن فنرى الكفارة تلزم قاتل العمد، وقاتل الخطأ، ونفصل بين الموضعين بما مضى آنفاً في صدر هذه المسألة، وهو أن النص الوارد في حكم أدنى الأمرين من جنس واحد يكون منبهاً على حكم الأعلى منهما، إذا تضمن /235/ التغليظ، وما جرى مجراه، كما أن قوله تعالى: {وَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} يقتضي النَّهي عن الضرب والشتم لهما، وكما(2) أن نهيه عن البول في الماء الراكد، يقتضي النَّهي عن التغوط فيه، وإذا كان ذلك كذلك، لم يجب أن يضعف القياس الموجب لإلحاق حكم الأعلى بالأدنى، وليس كذلك النص الوارد في حكم أعلى الأمرين؛ لأنَّه لا يقتضي التنبيه على حكم الأدنى منهما، على أن قياسنا يستند إلى قوله تعالى: {وَلا جُنَاحَ عَلِيْكُمْ فِيْمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} وحكي عن مجاهد أنَّه كان يقول: لا جزاء على العامد؛ لأن جرمه أعظم من أن يُكَفِّر، وذلك ساقط فجميع(3) ما ذكرناه، ورتبناه، من مقتضى الآية. ولم يفصل يحيى ـ عليه السلام ـ بين العائد ـ والمبتدئ، فاقتضى ظاهر كلامه أنهما نسِيَّان في الجزاء، وحكى ذلك أبو العباس الحسني، عن محمد بن يحيى عليهم السلام، وهو الصحيح.
__________
(1) ـ في (ب): فسقط.
(2) ـ في (ب): كما.
(3) ـ في (أ): لجميع.

(45/18)


وذهبت الإمامية إلى أَنْ لا جزاء على العائد؛ لأن الله تعالى ذكر الإنتقام [من العائد] (1) ولم يذكر الجزاء، وهو مذهب داود. والذي يدل على ما ذهبنا إليه عموم قوله سبحانه {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءُ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}، وهذا عموم في العائد والمبتدئ، وتخصيصه سبحانه العائد وبالانتقام لا يمنع هذا العموم من الاستغراق، وهو ـ أيضاً ـ قياس على المبتدئ، بعلة أنَّه مُحْرِمٌ قتل الصيد متعمداً، والأصول شاهدة لقياسنا؛ لأن الجنايات لا تختلف أحكامها بالابتداء والعود، وهذا أكثر من أن يحصى.
مسألة [في الاستدلال على أن الاعتبار في الجزاء مماثلة الخلقة دون القيمة]
قال: فمن وجبت عليه بدنة، وأحب العدول عنها إلى الطعام، أطعم مائة مسكين، وإن اختار الصيام، صام مائة يوم، ومن وجبت عليه بقرة، واختار الإطعام، أطعم سبعين مسكيناً، وإن اختار الصيام، صام سبعين يوماً، ومن وجبت عليه شاة، واختار الإطعام، أطعم عشرة مساكين، وإن اختار الصيام، صام عشرة أيام. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب) (3).
__________
(1) ـ سقط من (أ).
(2) ـ انظر الأحكام 1/322، 323، 324 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر المنتخب 99 وهو بلفظ قريب.

(45/19)


وهذه الجملة مبنية على أن المماثلة المطلوبة في جزاء الصيد مماثلة الخلقة دون القيمة، فنبدأ الكلام فيه، فنقول الدليل على ذلك قول الله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءُ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} فجعل سبحانه جزاء الصيد المقتول ما كان مثلاً له، فالمثل إذا أطلق في اللغة والعرف، جميعاً أراد ما ماثل الشيء، وسدَّ مسدَّه فيما يختصه من هيئته، أو خلقةٍ، أو نحوهما، ولم يرد به الإستواء في القيمة، يكشف ذلك أن القيمة ليست مما يختص(1) المقوم، وإنَّما هو تقدير الْمُقدَّر، وفعله، واختباره، ولذلك(2) تختلف أحوالها بحسب اختلاف الناس في أنفسهم، وأمكنتهم، وأزمنتهم، وأيضاً قد فصل العلماء بين ذوات الأمثال، وذوات القيم لفظاً، كما فصلوا بينها معنىً، وحكماً، فبان أن المماثلة إذا أطلقت، لم تفد المساواة في القيمة، وبمثله نطق لسان الشرع حيث يقول صلى الله عليه وآله وسلم: ((البر بالبر مِثلاً بمثل)) والمراد به المماثلة من جهة القلة والكثرة اللتين يختصانه دون القيمة، فإذا ثبت ما بيناه لغة، وشرعاً، وعرفاً، وجب أن يُحمل قوله تعالى: {فَجَزَاءُ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} على ما ذكرناه في(3) الخلقة، وما جرى مجراها، دون القيمة.
فإن قيل: فقد قال كثير ممَّن ذهب إلى مذهبكم أن الْحَمَام مثل الشاة في العب(4) والهدير(5) وهما ليسا بخلقة، بل هما من جملة عاداتهما وأفعالهما، وإذا جاز أن يراد بالمماثلة ذلك، فَلِمَ لم يجز أن يراد بهما القيمة؟
__________
(1) ـ في (أ): يختص في المقوم.
(2) ـ في (ب): فلذلك.
(3) ـ في (ب): من.
(4) ـ العَبُّ: شرب الماء من غير مص كشرب الحمام والدواب. تمت قاموس
(5) ـ هدر الحمام: صوَّت، وهدر البعير ردد صوته في حنجرته. تمت قاموس.

(45/20)


قيل له: قد بينا أن المماثلة بين الشيئين إنَّما تستعمل إذا سد أحدهما مسد صاحبه بأمر يختصه، وأن القيمة لا تختص من جُعلت له /236/ لأنها اختبار المقوِّم، وتقديره، وليس كذلك العب والهدير؛ لأنهما يختصان الحمام والشاء، وليس يمتنع أن نقول(1): فلان مثل فلان في عمله، وإقدامه، وكثرة فضله وبذله، وكل ذلك من جملة الأفعال والعادات، ولسنا نمنع أن المماثلة تفيدها، ولكن امتنعنا من أن تفيد القيمة؛ لما بيناه ، فإن استعملت في شيء من المواضع على معنى المساواة في القيمة، فهو على سبيل المجاز، والاستعارة.
فإن قيل: والمماثلة إن استعملت على الوجه الذي تذهبون إليه، وجب أن يدخلها التخصص(2)؛ إذ في الصيد ما لا مثل له في الخلقة، وما جرى مجراها، فإذا حملناها على التقويم، لم يجب أن يدخلها التخصيص؛ لأن التقويم ممكن، ومتأتٍ، في كل صيد، وحمل الآية على ما لا يوجب تخصيصها أولى من حملها على ما يوجب تخصيصها.
قيل له: وأنتم أيضاً فلا بد لكم من تخصيصها(3)؛ لأن من الصيد ما لا يبلغ قيمته قيمة شيء من النَعم، فلا بد من أن تخصوه، فإذا ساوينا في التخصيص لها على بعض الوجوه، كان ما ذهبنا إليه أولى؛ لأنَّه حقيقة المماثلة.
فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم المماثلة يجوز أن يراد بها في السِمَن، والعجف، والسن، وأنتم لا تقولون بذلك؟
قيل(4) له: خصصناه بدلالة الوفاق.
فإن قيل: فأنتم ترجعون فيما لا مثل له من جهة الخلقة ونحوها إلى التقويم، فثبت أن التقويم مراد بالمماثلة، فإذا(5) ثبت ذلك، لم يجب أن يكون غيرها مراداً بالآية، سيما على ما ذكرتموه من أن التساوي في القيمة يطلق عليه لفظة المثل مجازاً.
__________
(1) ـ في (أ): يقال.
(2) ـ في (ب): التخصيص.
(3) ـ في (أ) و (ب): تخصيصاً، والصواب ما أبتناه.
(4) ـ في (ب): قيل.
(5) ـ في (ب): وإذا.

(45/21)


قيل له: هذا السؤال ساقط عنا؛ لأنا نُجَوِّز أن يراد باللفظة الواحدة المجاز، والحقيقة معاً، وقد ذكرنا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا، على أنا لا نمنع أن يقال: إن حكم ما لا مِثل له من الأنعام من جملة الصيد في التقويم غير مأخوذ من الآية، فسقط السؤال.
فإن قيل: وأنتم تبطلون حكم ذوي عدل، وقد أمر الله تعالى به؛ لأن الاعتبار إذا كان بالخلقة، وما جرى مجراها، لم يحتج إلى الحكم.
قيل له: لسنا نخرج في شيء من ذلك عن حكم ذوي عدل؛ لأن الصيد ينقسم ثلاثة أقسام: إما أن يكون له مثل قد حكم به السلف، فيُرجع إلى حكمهم أو يكون له مثل، ولا يُحفظ عن السلف فيه شيء، فيرجع في طلب المماثلة فيه إلى حكم ذوي عدل في الزمان. أو يكون مما لا مثل له، فيرجع في التقويم إلى حكم ذوي عدل. فلم نخرج عنه في شيء من الأحوال.
فإن قيل: المماثلة الَّتِي تذهبون(1) إليه طريقها الحس وما جرى مجراه(2)، فلا يُحتاج فيها إلى حكم ذوي عدل.
قيل له: لهذا تفاصيل ودقائق لا يمتنع أن يحتاج لها إلى اجتهاد مجتهد، وحكم حاكم، على أنَّه لو كان الأمر على ما تقولون، كان لا يمتنع أن يَرِد الشرع به، كما أنَّه لم يمتنع إن ورد الشرع بأن لا يحكم الحاكم بكثير مما يعلمه، حتَّى تقَع الشهادة به عنده.
فإن قيل: فإنه جعل للمساكين، ولا حظ لهم في إعتبار الخلق.
__________
(1) ـ في (ب): ترحبون.
(2) ـ في (أ): مجراها.

(45/22)


قيل له: لا يمتنع ذلك، ألا ترى إلى ما اشترط في الهدايا والأضاحي، من سلامه العين والأذن، وأن يكون من الأزواج الثمانية، وأن يكون لها سن دون سن، ولا حظ في شيء من ذلك للمساكين، ومما يدل على ذلك: ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا محمد بن خزيمة، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا جرير بن حازم، حدثنا عبيد الله بن عبيد بن عمير، حدثنا ابن أبي عمار، عن جابر ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الضبع، فقال: ((هي من الصيد)) (1)، وجَعَل فيها كبشاً إذا أصابها المحرم. فلما جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الضبع كبشاً من غير اعتبار قيمتها، ولا اعتبار الأحوال في الأزمنة والأمكنة، دل على أنَّه صلى الله عليه وآله لم /237/ يعتبر فيها القيمة، وإنَّما اعتبر فيها الخلقة.
فإن قيل: فإن بينه وبين الشاة في الخلقة فرقاً.
قيل له: من المعلوم أنَّه بالشاة أشبه منه بالبعير، والبقر، ألا ترى أنَّه مع بعض الالتباس يشتبهان عليه و[ليس](2) كذلك الضبع والبقر.
ومما نعتمده(3) في هذا الباب أنَّه إجماع الصحابة، يدل على ذلك: ما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام أنَّه قال في النعامة: بدنة.
وروى ابن أبي(4) شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن ابن جريج، عن عطاء، أن عمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، قالوا في النعامة بدنة.
وفي حديث زيد بن علي عليه السلام أن علياً عليه السلام قال في الظبي شاة.
وروى ابن أبي شيبة ـ بأسانيده ـ أن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، حكما في الظبي بشاة. وروى بإسناده أن عبد الرحمن، وسعداً، حكما في الظبي بشاة(5).
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/164 وفيه عبد الله بن عبيد.
(2) ـ سقطت من (ب) وظنن عليها في الهامش.
(3) ـ في (ب): يعتمد.
(4) ـ أخرجه ابن ابي شيبة في المصنف 3/302 وزاد فيه ومعاوية.
(5) ـ في (ب): تيساً.

(45/23)


وقضى علي، وابن عباس، وعمر، في الضبع بكبش(1). وقضى عمر، وعبد الله، في اليربوع بجفزة.
وروى هناد بإسناده، عن عمر، أنَّه قضى في الضب بجدي. وروى ـ بإسناده ـ عن عمر، وابن عباس، وعثمان، في الحمام بشاة، وروى نحوه، عن ابن عمر، وروى هناد بإسناده، عن عطاء، عن ابن عباس، كل حمامة سمتها(2) العرب حمامة، ففيها شاة. وروى ـ أيضاً بإسناده ـ عن عطاء، عن ابن عباس، قال في القمري، والدبسي، والحجل، واليعقوب، والحمام الأخضر، شاةً شاة، فلما وجدنا الصحابة حكموا في هذه الأشياء بما ذكرنا حكماً واحداً، ولم يراعوا اختلاف الأحوال، والأزمنة، والأمكنة، مع علمنا أن القيم تختلف باختلاف ما ذكرنا، علمنا أنهم لم يراعوا التقويم بتة، فإذا بطلت مراعاة التقويم، صح ما ذهبنا إليه من أن الواجب مراعاة الخلقة، وما جرى مجراها، ومما يكشف أنهم لم يراعوا التقويم، أنَّه لم يُروَ عن أحد منهم أنَّه حين سُئل عن قتل شيء منها، تَعرَّفَ حاله، في صغره، وكبره، وسمنه، وهزاله، ومكانه، بل أطلق القول والجواب، وكل ذلك مما يتغير به القيم، فلو كانت القيم تراعى، لكانوا يسألون عن أحولها الموجبة لتغيير قيمتها، وفي إغراضهم عن ذلك دلالة على أنهم راعوا الخلقة، وما جرى مجراها.
ومما يدل على أنَّه لا يجب أن يراعى فيها القيم، أنَّه إتلاف حيوان، أوجب إتلاف حيوان فوجب أن لا تراعى فيه التقويم، دليله القصاص بين العبدين، ويدل على ذلك أنَّها كفارة قتل يدخل فيها الحيوان، فوجب أن لا يراعى فيها القيمة، دليله كفارة القتل.
فإن قاسوا ما اختلفنا فيه على ما استُهلك من سائر الحيوان في باب الضمان، كان ذلك شاهداً لقياسنا؛ لأنَّه لما لم يكن إتلاف حيوان وجب عليه إتلاف حيوان، وجب أن يراعى فيه القيمة، وكذلك لما لم يكن الضمان ضمان الكفارة(3) وجب أن يراعى فيه القيمة.
__________
(1) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/254 ولم يذكر عمر.
(2) ـ في (ب): تسميها.
(3) ـ في (أ): الكفارة.

(45/24)


فصل [في من لزمته شاة وأحب العدول إلى الإطعام والصيام]
فإذا ثبت ما ذكرناه من أن الاعتبار في الجزاء مماثلة الخلقة، قلنا: من لزمته شاة، وأراد العدول عنها إلى الصيام، صيام عشرة أيام، وإن أراد العدول عنه إلى الإطعام، أطعم عشرة مساكين؛ لأن الله تعالى قال: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَىْ الْحَجِّ مِمَّا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وقد عُلم أن أدناه شاة، لا خلاف في ذلك، ثم قال تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِيْ الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}، وقيل في التفسير كاملة في معادلة الشاة، ثُمَّ جعل تعالى في كفار الظهار بدل كل يوم من الصيام إطعام مسكين بقوله تعالى: {فَمَنْ لَّمْ /238/ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مَتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِيْنَ مِسْكِيْناً}، وهكذا ورد، والسنة في كفارة شهر رمضان، ولا خلاف في فدية صوم رمضان إن إطعام مسكين يقوم مقام صيام يوم، فلذلك قلنا: أنَّه إن عدل عن الصيام إلى الإطعام، أطعم عشرة مساكين.
فإن قيل: فهلا اعتبرتم بصيام فدية الأذى، وإطعامه(1)؟
قيل له: أما الإطعام، فلا خلاف أنَّ الاعتبار فيه ما اعتبرناه؛ لأن الجميع على اختلافهم في أحكام الجزاء، لم يختلفوا أن صيام يوم، وإطعام مسكين، يقوم كل واحد منهما مقام صاحبه، فلا سؤال علينا فيه، وأما صيام الفدية فهو أيضاً، مما لم يعتبره أحد في بدل الشاة إلاَّ في الموضع الذي ورد فيه النص على أن فدية الأذى ورد حكمها مخالفاً المأصول؛ لأنا لم نجد في شيء من الأصول إطعام مسكين مقام صوم يوم واحد، فلما كان حكمه وارداً بخلاف حكم الأصول، كان الاعتبار الذي اعتبرناه أولى من الاعتبار بحكمها.
__________
(1) ـ في (ب): طعامه.

(45/25)


فإن قيل: فما الدليل على أن الاعتبار الذي ذكرتم أولى من اعتبار قيمة الشاة والطعام، أو اعتبار قيمة الصيد والطعام؟
قيل له: الدليل على ذلك أنا وجدنا الجزاء الذي هو الهدي(1) لا يدخله التقويم [فكذلك الإطعام] (2) قياساً عليه، والمعنى أنَّه جزاء صيد له مَثل مطلوب، فكل جزاء صيد له مثل مطلوب لا يدخله التقويم، وأيضاً وجدنا كفارة الأذى متى عدل فيها من جنس إلى جنس، عدل بغير تقويم، فوجب أن تكون كذلك كفارة قتل الصيد؛ والعلة أنَّها كفارة [قتل](3).
فإن قيل: فكيف قستم على فدية الأذى، وقد قلتم أن حكمها ورد مخالفاً لحكم الأصول؟
__________
(1) ـ في (أ): الإطعام.
(2) ـ سقط من (أ).
(3) ـ سقط من (ب).

(45/26)


قيل له: إنَّما أردنا بذلك حكماً واحداً، وهو تقدير الصيام، بالإطعام، والنسك ، فأما في الوجه الذي قسنا عليه، فلم نقل ذلك، كيف والكفارة كلها شاهدة لما ذكرناه ألا ترى أن كفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة اليمين، وكفارة صيام شهر رمضان، متى عُدِل في شيء منها إلى جنس، لم نعتبر فيه القيمة. ومما يؤكد ما ذهبنا إليه أن اعتبارنا يستند إلى النص، واعتبارهم يستند إلى اجتهاد بعد اجتهاد، والاعتبار المستند إلى النص يجب أن يكون أقوى من الاعتبار المستند إلى الاجتهاد، كما(1) أن النص أقوى من الاجتهاد، يكشف ذلك أنا رجعنا في اعتبارنا إلى الصيام المنصوص عليه في بدل الشاة، وهم رجعوا في اعتبارهم إلى تقويم الجزاء أو الصيد على حسب الخلاف فيه، والتقويم ضرب من الاجتهاد، ثُمَّ رجعوا بعد هذا التقويم إلى اجتهاد آخر وهو تقويم الإطعام، ثُمَّ أسندوه إلى تقديره بالصيام الذي هو المنصوص عليه، فبان أن اعتبارنا وليه النص، وأن اعتبارهم وليه الاجتهاد بعد اجتهاد وليه النص، فوضح ما ادعيناه من قوة اجتهادنا، وترجيحه على اجتهادهم، ووجه آخر وهو أنا اعتبرنا الإطعام، وهو أضعف رتبة في الكفارات، بالصيام الذي هو أقوى رتبة فيها، وهم اعتبروا الصيام الذي هو الأقوى، بالإطعام الذي هو الأضعف، وهذا خلاف موضوع الاعتبار؛ لأن لاعتبار موضوع على أن يُرد الأضعف إلى الأقوى.
فإن قيل: ولم ادعيتم أن الإطعام أضعف رتبة في الكفارة من الصيام؟
قيل له: لأنا وجدنا الصيام ثبت في أغلظ الكفارات دون الإطعام وهو كفارة القتل، ووجدنا كفارة الظهار رُتب فيها الصيام على الإطعام، وكذلك كفارة الصيام عند أكثر العلماء، فدل ذلك على ما ذكرناه من قوة /239/ رتبة الصيام في الكفارات.
فإن قيل: فقد أُخِرت رتبه الصيام في كفارة اليمين عن(2) رتبة الإطعام؟
__________
(1) ـ في (أ): كما.
(2) ـ في (ب): على.

(45/27)


قيل له: قد حصلت له قوة أخرى، وهي أنَّه جعل صيام ثلاثة أيام بدل إطعام عشرة مساكين، ووجدنا أيضاً في فدية الأذى قد حصلت له هذه المزية، ولا مزية إلاَّ ما ذهبنا إليه من استيفاء تقدير الإطعام منه، فصح ما ذكرناه.
فصل [فيمن لزمته بدنة أو بقرة، وأحب العدول إلى الصيام أو الإطعام]
فإذا ثبت في الشاة ما ذكرناه، وجب أن يَعدل عن البقرة ـ من أراد الصيام ـ إلى صيام سبعين يوماً؛ لأنَّه لا خلاف أن البقرة تقوم مقام سبع شياة في الهدايا عند عامة العلماء، وقد دلت الدلالة على ذلك على ما نبينه في موضعه. وجب(1) أن يَعدل عن البدنة من أراد الصيام إلى صيام مائة يوم؛ لأن الدلالة عندنا قد دلت على أن البدنة تقوم مقام عشر شياة في الهدايا نستقصي الكلام فيه في مواضعه(2) إذا أتينا إليه إن شاء الله تعالى، فإذا ثبت أن من أراد العدول في المسلمين عن الصيام إلى الإطعام، أطعم المساكين بعدد الأيام، إذ لا خلاف أن الإطعام يجب أن يكون بعدد الصيام، وقد دلت الدلالة على ذلك على ما بيناه.
مسألة [في جزاء قتل النعامة، وحمار الوحش، وبقرة الوحش، والظبي، والوعل، والثعلب، والحمام، والدبس، والقمري، والرحمة، واليربوع، والضب، والضبع].
قال: ومن قتل نعامة، فعليه بدنة. وفي حمار الوحش بقرة، وكذلك في بقرة الوحش، وفي الظبي شاة، وكذلك في الوعل، والثعلب، والحمام، وكذلك في الدبسي، والقمري، والرحمة شاة شاة. وفي اليربوع، والضب، عناق من المعز. ومن قتل ضبعاً، فعليه شاة إن قتله في موضع لا يفترس فيه، فإن(3) قتله في موضع يفترس فيه، فليس عليه فيه شيء. وهذه الجملة منصوص على بعضها في (الأحكام)(4) وعلى بعضها في (المنتخب) (5).
__________
(1) ـ في (أ): فوجب.
(2) ـ في (ب): موضعه.
(3) ـ في (ب): وإن.
(4) ـ انظر الأحكام 1/234.
(5) ـ انظر المنتخب 150 وهو بلفظ قريب.

(45/28)


أما النعامة فأوجبنا فيها البدنة، لما رويناه فيما مضى عن أمير المؤمنين عليه السلام، وعمر، وغيرهما، ولم يختلفوا فيه. وأوجبنا في بقرة الوحش بقرة؛ لأنها أشبه الحيوان بها خلقةً وهيئة، وروى ذلك عن كثير من العلماء. وقلنا: إن في حمار الوحش بقرة؛ لأن خلقه بخلق البقرة أشبه منه بخلق البعير، والناس فيه على أحد القولين(1) ـ أعني الذين اعتبروا الخلقة ـ فقائل قال فيه بدنة، وقائل قال: فيه بقرة، ووجدنا البقرة أشبه، فأوجبنا فيه بقرة، على أنا وجدنا بقرة وحش، خيراً من حمار وحش، فلم نوجب فيه أفضل مما أوجبنا في البقرة [الوحشية] (2)، وليس يعترض علينا إيجابنا البدنة في النعامة؛ لأن النعامة لم(3) يختلف فيها، وليس يتجاذبها في الشبة البدنة والبقرة، بل كانت بالبدنة أشبه، فلذلك أوجبنا فيها البدنة، على أن القائلين فيه بالبدنة يجوز أن يكونوا أرادوا بذلك البقرة؛ إذ البقرة يعبر عنها باسم البدنة، إذ روى في بقر الوحش بدنة، ومن البعيد أن يكون المراد به الجزور مع القول باعتبار الخلقة في الجزاء وظهور الشبه بين البقر، وبقر الوحش. وقلنا في الظبي شاة، لما رويناه عن السلف فيه؛ ولأنه أشبه الصيد بالشاة، خلقة وهيئة، وكذلك قلنا في الوعل للشبه الذي ذكرناه، والثعلب ـ أيضاً ـ فقد روي فيه ذلك. وأما الحمام، فقد روي عن عدة من الصحابة أن فيه شاة، وروي ذلك عن أمير المؤمنين كرم(4) الله وجه ولا خلاف فيه يبن القائلين باعتبار الخلقة، والقمري والدبسي ونحوهما، فقد(5) روي ذلك عن ابن عباس على ما سلف القول فيه، وروي عن عمر وعبد الله في اليربوع ما ذكرناه، وروي /240/ عن عمر في الضب مثله على ما قدمناه، والضبع قد ذكرنا فيما مضى ما ورد فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن أمير المؤمنين، ثُمَّ عن سائر الصحابة، واعتبرنا فيه
__________
(1) ـ في (ب): قولين.
(2) ـ سقط من (ب).
(3) ـ في (أ): لا.
(4) ـ في (ب): عليه السلام.
(5) ـ في (ب): قد.

(45/29)


الفَرْس لما روى عن أمير المؤمنين عليه السلام فيما مضى؛ ولأنه لا خلاف أن الضبع وغيره من السباع إذا عدا على المحرم، وخشي المحرم ذلك، فلا شيء عليه في قتله.
مسألة [في حكم دلالة المحرم على الصيد]
قال: وإذا دل المحرم غيره على الصيد، فقتله بدلالته، فعليه الجزاء. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب)(2). وهو قول سعيد بن جبير، وعطاء، والشعبي.
والدليل على ذلك: ما رواه هناد ـ بإسناده ـ أن امرأة جاءت إلى ابن عباس رضي(3) الله عنه فقالت: إني رأيت أرنباً، وأنا محرمة، فأشرت إلى الكِرَي، فقتلها، فحكم ابن عباس عليها بالجزاء.
وروى ـ بإسناده ـ أن محرَمين أحاش أحدهما ضبياً، قتله وقلته الآخر، فحكم عليهما عمر، وعبد الرحمن بن عوف، بشاة شاة.
وروى ـ بإسناده ـ عن نافع، عن ابن عمر قال: ((المحرم لا يشير [إلى الصيد](4) ولا يصيد ولا يدل عليه)) وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: ((لا يقتل المحرم الصيد، ولا يشير إليه، ولا يدل عليه)). فلما ثبت ذلك عنهم، ولم يُروَ عن أحد من الصحابة خلافه، كان إجماعاً، ويؤكد ذلك ما في حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: هل أشرتم؟، هل أعنتم؟ ولا وجه إلاَّ إيجاب الجزاء عندنا، إذ قد ثبت انه لا تأثير لعدم الإشارة والإعانة في جواز الأكل، فكل ذلك يدل على وجوب الجزاء على الدال، ومما يدل على ذلك أنا لا نختلف أن مُحرِماً لو أمسك الصيد حتَّى يقتله الحلال، أن عليه الجزاء، فكذلك الدال؛ لأن كل واحد منهما قد فعل السبب المؤدي إلى قتله.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/325 وزاد وقيمته.
(2) ـ انظر المنتخب 100 وهو بلفظ مقارب.
(3) ـ في (ب): رحمه الله.
(4) ـ سقط من (ب).

(45/30)


فإن قاسوه على من دل آخر على قتل رجل حتَّى قتله، أن الضمان على القاتل دون الدال؛ بعلة أنَّه لم يفعل إلاَّ الدلالة، كان قياسنا أولى؛ لأن موضوع جزاء الصيد أن يلزم بالسبب والإعانة، ألا ترى أن المحرِم لو طرد صيداً مع الحلال، وقتله الحلال، أنَّه يلزم(1)؟ الجزاء، وليس كذلك حال الإنسان، فإن رجلين لو تعاونا على قتل رجل، وباشر القتل أحدهما، كان الضمان على المباشر دون من أعانه، وليس كذلك الحال في الصيد، فلما كان الأمر على ما وصفنا، وكان قياسنا أذهب في الباب الذي وضع عليه جزاء الصيد، فكان أولى، ومما يؤكد ما ذهبنا إليه: ما أخبرنا به أبو الحسين البروجردي، حدثنا أبو بكر الدينوري، حدثنا أبو بكر محمد بن الفرج، ومحمد بن غالب بن حرب، قالا: حدثنا عازم، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن إبان بن تغلب، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الدال على الخير كفاعله)). فجعل حكمَ الدال حكمَ الفاعل، فوجب أن يكون الدال على قتل الصيد كقاتله.
مسألة [في الصيد في الحرم ما يوجب؟ وهل يسقط الجزاء القيمة؟]
قال: وإن(2) كان في الحرم، فعليه القيمة مع الجزاء، فإن أُفزع بدلالته، أو إشارته، فعليه الصدقة بقدر ذلك، ولو أن محرماً قتل شيئاً مما ذكرناه في الحرم، فعليه قيمة ما قتل، مع الجزاء. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3) و(المنتخب) (4).
اعلم أن هذه الجملة تشتمل على أن المحرم إذا قتل صيداً، فعليه الجزاء، وهذا مما لا خلاف فيه، ونطق به نص القرآن، وقد مضى الكلام /241/ فيه، وعلى أن قتل الصيد في الحرم يوجب القيمة، وهو الذي يخص هذا الموضع، وعلى أن وجوب الجزاء لا يسقط وجوب القيمة، وسنبينه من بعد إن شاء الله تعالى.
__________
(1) ـ في (ب): ويلزمه.
(2) ـ في (ب): فإن.
(3) ـ انظر الأحكام 1/324 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ انظر المنتخب 99 ـ 100 وهو بلفظ مقارب.

(45/31)


والذي يدل على أنَّه لابد فيه من الضمان ـ خلافاً على ما حكي من قول داود أنَّه لا شيء عليه ـ ما رواه هناد بإسناده، عن عطاء، عن ابن عباس أنَّه قال في بيضتين من بيض حمام مكة درهم، ولا مخالف له في الصحابة، وـ أيضاً ـ وجدنا صيد الحرم قد مُنع من قتله لحق الغير منفرداً به عن المقتول، فوجب أن يكون مضموناً.
دليله الحيوانات الَّتِي لا يؤكل لحمها إذا لم يكن منها على أحد ضرر، سواء كانت ملكاً لأحد، أو لم تكن ملكاً، وذلك أن المنع من قتلها لا من شيء يرجع إلينا، وهو أنَّه لأمر يُفعل بها لا لعوض، فيكون ظلماً، وليس كذلك حال الصيد في الحرم؛ لأنَّه لو كان في غير الحرم، لجاز ذبحه، فالمانع من قتله ليس هو لأمر يرجع إليه، وإنَّما هو لأمر(1) يرجع إلى الحرم، فوجب أن يكون تعليلنا صحيحاً.
فإن قيل: ولِم قلتم إنَّه ممنوع من قتله في الحرم إذا كان القاتل حلالاً؟
قيل له: لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((هي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها، ولا يُنَفَّرُ صيدها)).
فإن قيل: أليس أصحابكم يقولون في الجمل إذا صال على إنسان، فقتله، لا يضمن، فكيف تصح علتكم؟
قيل له: نحن شرطنا في علتنا أن يكون المقتول ممنوعاً من قتله، وفي الحال الذي(2) ذكرتم لا منع من قتل الجمل، بل يصير قتله واجباً، فكيف يعترض ذلك على علتنا؟ فثبت بما ذكرنا، وجوب الضمان فيه.
__________
(1) ـ في (ب): أمر.
(2) ـ في (ب): التي.

(45/32)


واختلفوا في ماهية ضمانه، فذهب الشافعي إلى أن ضمانه ضمان الصيد إذا قتله المحرم سواء، وهو قول مالك. وعن أبي حنيفة فيه روايتان، أحدهما الرواية المشهورة أنَّه مخير بين الهدي، والإطعام، وهو قول أبي يوسف. والرواية الثانية: ذكرها أبو بكر الجصاص في (شرحه المناسك) لمحمد، ذكر أن الحسن بن زياد، روى عن أبي حنيفة أن عليه الصدقة(1)، وأن الهدي لا يجزيه، إلاَّ أن يكون قيمته مذبوحاً حين تصدق به(2) قيمة الصيد. قال: وهو قول زفر، ولا خلاف عنه أنَّه(3) لا يجزي الصيام وهو قريب مما نص عليه يحيى عليه السلام.
والدليل على صحته أنَّه منع من ذبحه(4) واستهلاكه لحق الغير من دون أمر يختص القاتل، فوجب أن يُشهد لهذا الاعتبار بسائر الأموال الَّتِي تستهلك على أربابها في أن الواجب فيها هو القيمة.
فإن قيل: إن القياس إنما يسوغ ما لم يرفع النص، وهاهنا نص مخالف مذهبكم، وهو قول الله تعالى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} الآية.
قيل له: إن المحرم إذا أطلق في عرف الشرع، عُقِل به من انعقد عليه الإحرام دون من يدخل الحرم، وإن كان لا يبعد أن يقال لمن أتي الحرم محرم من جهة اللغة، كما يقال: مُنَجِّد، ومُتَهِّم، لمن أتى نجد، أو تهامة، إلاَّ أن الخطاب الوارد عن الله تعالى يجب حمله على عرف الشرع، فإذا ثبت ذلك، لم يجب أن يكون من دخل الحرم مراداً بالآية، على أن الاسم لو كان يتناولهما على التحقيق، كان لا يمتنع أن يخصى منه الحلال إذا قتل صيداً في الحرم بالقياس الذي ذكرناه، ويقال لأصحاب أبي حنيفة: إذا قالوا بالرواية عنه المشهورة ـ في هذا الباب ـ لا نختلف أنَّه لا يجزي في جزائه الصوم، فوجب أن لا يجزي فيه غير القيمة، دليله صيد المملوك.
فإن قيل: فهلا قستموه على الكفارة بعلة أن المانع من قتله ليس بحق الآدمي؟
__________
(1) ـ في (ب): لصدقه.
(2) ـ في (أ): فيلزمه قيمة.
(3) ـ في (ب): أن الصيام لا يجزي.
(4) ـ في (ب): قتله.

(45/33)


قيل له: لأنا وجدنا الكفارات إنَّما تلزم فيما يكون المنع منه حقاً للمقتول، أو أمراً يختص القاتل، وقيم المتلفات تجب على غير هذين الوجهين، فوجدنا استهلاك الصيد في الحرم أشبه بالاستهلاك(1) الواجب للقيمة منه بالاستهلاك للكفارة، على أن القياس المجمع على صحته أولى من القياس المختلف في صحته، ولا خلاف [في] (2) أن إثبات القيم قياس /242/ جائز، واختلفوا في إثبات الكفارة قياسنا، فصار قياساً متفقاً على جوازه، فكان أولى، على أن الأصل في الضمانات، والاستهلاكات، القيم دون ما سواها، فكان ما ذهبنا إليه أجرى على الأصول، فوجب أن تكون القيمة هي اللازمة فيه، وإن جزاء الصيد الذي يقتله المحرم ليس بعوض له، بل هو كفارة فعله؛ لأن قتل الصيد في غير الحرم مباح، وإنَّما حُظِر على المحرم لإحرامه، وليس كذلك الصيد في الحرم؛ لأنَّه غير مباح فيه على وجه من الوجوه.
فإن قيل: [لم] (3) أجزتم جزاءه في باب اللزوم، والأذى، مجرى الكفارات، فأوجبتموه على الدال، وأوجبتموه تاماً على كل واحد من المشتركين فيه على ما ذهب إليه مالك؟
__________
(1) ـ في (ب): باستهلاك الموجب.
(2) ـ سقط من (أ).
(3) ـ سقط من (أ).

(45/34)


قيل له: لأنا وجدناه في باب الأذى، واللزوم، بالكفارات أشبه منه بالضمانات؛ لأنا وجدناه لا يتوجه على القاتل المطالبة، فلا مساغ فيه للأبراء والصفح، فوجب أن يكون سبيله سبيل الكفارات، على أنه لا خلاف أن في الأذى يجري مجرى الكفارات؛ لأن الشافعي يجعله كفارة في التقدير واللزوم والأذى، وأبو حنيفة يجعله في حيز الكفارة أيضاً؛ لأنَّه يجوز فيه الهدي، وإن اختلفت الرواية عنه في حكم الهدي، فلا معتبر بامتناع من إجراء سمة الكفارة عليه إذا جعل حكمه حكمها، على أنا وجدنا الأذى فيه في حكم أذى سائر الحقوق الَّتِي هي لله تعالى، فذلك أجريناه مجرى الكفارات. وقلنا: إن المحرم إذا قتل صيداً في الحرم لا يسقط عنه القيمة؛ لوجوب الجزاء، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، وموافقة لزيد بن علي عليهما السلام؛ لأنا وجدنا جهتي وجوبهما مختلفتين على ما بيناه، فوجب أن تلزمه القيمة مع الجزاء، قياساً على المحرم إذا قتل صيداً مملوكاً في أنَّه يلزمه القيمة مع الجزاء، وقياساً على من قتل عبداً لغيره في أنَّه يلزمه القيمة مع الكفارة، والعلة أنَّه اختلاف الوجهين ووجوبهما(1)، ويقال لأبي حنيفة: قد اتفقنا أن القارن إذا قتل صيداً، فعليه جزاءان، فكذلك إذا قتله المحرم في الحرم، والمعنى أنَّه هتك حرمتين، على أن أبا بكر حكى في (شرح الناسك) لمحمد، عن أصحابهم، أنهم قالوا: إن القياس أوجب(2) أن القيمة لا تسقط الجزاء، لكنهم أسقطوه استحساناً، على أنا وجدنا الأصل في حقوق الأموال لا تداخل فيها، وإن بعضها لا يسقط بعضاً، فكان ما ذهبنا إليه أولى، وفيه إيجاب، واحتياط، فهو أولى، وقد مضى الكلام فيما يجب بالإفزاع.
مسألة [في المفرد، والقارن، والحلال يشتركون في قتل صيد في الحرم]
__________
(1) ـ في (ب): في وجوبهما.
(2) ـ في (ب): يوجب.

(45/35)


قال: ولو اشترك مفرد، وقارن، وحلال، في قتل صيد في الحرم، فعلى القارن جزاءان، وقيمة الصيد، وعلى المفرد جزاء واحد، والقيمة، وعلى الحلال القيمة. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1) و(المنتخب)(2).
وقد بينا أن الذي يلزم لحرمة الحرم هي القيمة، وأن سبيلها في باب اللزوم، والأذى، سبيل الكفارات، وسنبين الكلام بعد هذه المسألة في أن على القارن جزاءين، والذي يجب أن يُبين في هذا الباب هو أن الجماعة من المحرمين لو اشتركوا في قتل صيد، فعلى كل واحد منهم جزاء واحد، وهو قول الشافعي.
والدليل على ذلك قول الله(3) تعالى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءُ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنَ النِّعَمِ} و((من)) من ألفاظ العموم الموجبة للاستغراق، فاقتضى العموم إيجاب الجزاء على كل من يحصل قاتلاً للصيد وهو محرم، اجتمعوا، أو تفرقوا.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/ 325 وهو بلفظ قريب، ونصه في الظبي.
(2) ـ انظر المنتخب 100 وهو بلفظ قريب كالأحكام.
(3) ـ في (ب): قوله تعالى.

(45/36)


فإن قيل: فإن الله تعالى أوجب فيه جزاء واحداً بقوله: {فَجَزَاءُ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنَ النِّعَمِ}، فوجب أن يكون الذي يلزم لقتل كل صيد جزاء واحداً على كل قاتل صيد، بقوله: {فَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءُ}، كما أوجب على كل قاتل مؤمن رقبة، بقوله: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ} فكان الحكم راجعاً إلى كل واحد من القاتلين، فكذلك المذكور في آية الصيد، يبين ذلك أن قائلاً لو قال: من دخل الدار، ألبسته ثوباً، كان الثوب المذكور ـ وإن كان واحداً ـ راجعاً إلى كل من دخل الدار، ولم يجب أن يشترك جماعة الداخلين في الثوب الواحد، فكذلك يجب أن يكون جزاء الصيد، على أن الجزاء مصدر، وهو لا يختص بعدد، فلا معنى لقولهم أنَّه أوجب مِثلاً واحداً، ومما يدل على ذلك أنَّه كفارة قتل، فوجب أن لا يقع فيها الاشتراك، دليله كفارة قتل المؤمن.
فإن امتنعوا من إطلاق اسم الكفارة عليه، كان ذلك باطلاً، لقوله تعالى: {أَوْ كَفَارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِيْنَ} ولا خلاف أن عِدةً من المحرمين لو اجتمعوا على عدة من الصيد، فقتل كل واحد منهم صيداً، أنَّه يلزم كل واحد منهم جزاء، فكذلك لو اجتمعوا، والصيد واحد، والعلة أن كل واحد منهم أدخل نقص الصيد على إحرامه، فوجب(1) أن يلزمه جزاء كامل، ومما يبين صحة هذا العلة، أنا قد علمنا أن الاعتبار إنَّما هو بالنقص الداخل على الإحرام، ألا ترى أن المانع من القتل هو حرمة الإحرام. وأن حلالاً لو شارك المحرم في القتل، لم يكن على الحلال شيء؟
فإن قيل: على القياس الأول، ما أنكرتم أن ذلك لا يجوز أن يكون كفارة؛ لأنَّه يزيد وينقص بحسب المقتول، ولا يستقر على أمر واحد؟
__________
(1) ـ في (أ): وجب.

(45/37)


قيل له: هذا الاعتبار يرده النص، على أنَّه لا يمتنع أن تكون الكفارة تزيد وتنقص، وإن كان فيها ما لا يزيد، ولا ينقص، كما أن في غير الكفارة ما لا يزيد، ولا ينقص، وقياسنا يقتضي الإيجاب، والاحتياط، ومزية القرب، فكان أولى.
مسألة [في القارن إذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام، كم عليه من الجزاء؟]
قال: والقارن إذا قتل صيداً في غير الحرم، فعليه جزاءان، وكذلك إن لبس ما لا يجوز له لبسه، أو تداوى بدواء فيه طيب، فعليه في كل ذلك جزاءان.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1) و(المنتخب) (2). وهو قول زيد بن علي عليهما السلام، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. وقال مالك، والشافعي، عليه جزاء واحد.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/321، 325 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر المنتخب 100 وذكر فيه جزاء الصيد فقط.

(45/38)


ووجه ما ذهبنا إليه أنَّه هتك حرمة إحرامين بقتل الصيد، فوجب أن يلزمه جزاءان، كما إنه لو كان مفرداً لكل واحد من الاحرامين، لزمه ذلك، لهتك كل واحد منهما، وقد بينا في مسألة وجوب الطوافين على القارن أنَّه محرم بإحرامين، واستدللنا عليه بافتقاره إلى تبيين نية الحج، ونية العمرة، ومما يبين ذلك أن الإحرام جزءٌ من العمرة، وجزءٌ من الحج، والقول بأن القارن ليس له إلاَّ إحرام واحد، يؤدي إلى القول بأن الحج والعمرة شيء واحد، وفي هذا إخراج له من أن يكون قارناً إلى أن يكون مفرداً، على أن قولهم هذا، يؤدي إلى أن لا يكون بين القارن وبين المفرد فرقٌ بوجه من الوجوه؛ لأنهم لا يوجبون على القارن إلاَّ ما يجب على المفرد، وعلى هذا لا معنى لوجوب الدم على القارن، على(1) أنا نعبر عن الفرض بعبارة لا يمكنهم الممانعة فيها، وإن كانت ممانعتهم ظاهرة الفساد فنقول: لَمَّا ثبت أنَّه قد /244/ أدخل النقص بذلك على الحج والعمرة، وجب أن يلزمه لكل واحد منهما جزاء، كما في حال الانفراد، ولا خلاف أن القارن إذا جامع، أدخل الفساد على الحج والعمرة جميعاً، بدلالة أنَّه يلزمه قضاؤهما، فكذلك إذا قتل صيداً، يجب أن يكون قد أدخل النقص على كل واحد منهما، فصح بذلك ما عبرنا، واطرد قياسناً.
فإن قاسوه على المفرد؛ بعلة أن الصيد المقتول واحد، فوجب أن يلزمه جزاء واحد، كان قياسنا أولى؛ لأنا قد بينا ـ في المسألة الَّتِي تقدمت هذه ـ أن الاعتبار إنَّما هو بالنقص الحادث في الإحرام، دون الصيد، يكشف ذلك أنَّه لا نقص يطرو على الإحرام إلاَّ ويوجب حكماً، وليس كذلك قتل الصيد؛ لأن الصيد قد يقتله الحلال، ولا يلزمه شيء، فإذا صح أن الاعتبار هو بإدخال النقص على الإحرام على ما بيناه، أن قياسنا أولى من قياسهم.
__________
(1) ـ في (ب): على ما نعبر على الفرص ولا يمكنهم الممانعة فيها. ونبه في الهامش على ما ذكرناه نقلاً عن شرح القاضي زيد.

(45/39)


فإن قيل: أليس القارن لا يلزمه إلاَّ حلق واحد، أو تقصير واحد، ولو كان مفرداً بالحج، أو العمرة، لزمه لكل واحد منهما حلق، أو تقصير، فما أنكرتم أن يكون لا يلزمه إذا قتل الصيد [لا يلزمه] (1) إلاَّ جزاء واحد، [وإن كان مفرداً لزمه جزاءان] (2).
قيل له: لأن الحلق، أو التقصير، خروج من الإحرام، فإذا خرج بواحد منهما لم يتأتَ الخروج بالثاني؛ لأن الثاني يقع وهو خارج من الإحرام، ولذلك(3) لم يصح أن يلزمه حلقان، أو تقصيران، وليس كذلك الجزاء في قتل الصيد؛ لأنَّه قد أدخل النقص به عليهما، فعليه أن يجبر كل واحد منهما بما بيناه؛ إذ هو متأت، وممكن.
فإن قيل: فقد قال(4) تعالى: {فَجَزَاءُ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ولم يشترط أن يكون مفرداً، فوجب أن لا يلزم القارن، والمفرد، إلاَّ جزاء واحد.
قيل له: قد بينا أن الجزاء مصدر لا يختص بعدد، على أنَّه لو أوجب جزاء واحد، فلا يمتنع أن يوجب الجزاء(5) على ما ذكرناه من الاعتبار، على أن اعتبارنا يقتضي الإيجاب، والاحتياط، فهو أولى، وجميع ما ذكرناه في إيجاب الجزاءين على القارن إذا قتل الصيد في الحرم، لم(6) يلزمه إلاَّ جزاء واحد، لا يوجب عليه جزاءين، ولا يسقط أحدهما بالآخر على ما سلف القول فيه.
مسألة [في المحرم يقتل صغار الطيور]
قال: وعلى المحرم في صغار الطيور، كالعصفور، والقنبرة، والصعوة، أن يتصدق بمدين من الطعام(7)، إلاَّ أن يكون قيمته أكثر من ذلك، فيبلغ به القيمة.
__________
(1) ـ زيادة في (أ).
(2) ـ زيادة في (أ).
(3) ـ في (ب): فلذلك.
(4) ـ في (ب): الله عز وجل.
(5) ـ في (ب): أن يوجب الجزاء الثاني ما ذكرناه.
(6) ـ في الهامش ((لم يلزمه إلا قيمة واحدة، ولا يوجب عليه قيمتين)) ظن.
(7) ـ في (أ): طعام.

(45/40)


وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (1)، وذكْرُ الْمُديَّن إنَّما هو على سبيل التقويم، فقد نبه عليه بقوله إلاَّ أن يكون قيمته أكثر من ذلك، فيبلغ به القيمة، وهو قول عامة الفقهاء من إبراهيم، وأبي حنيفة وأصحابه، والشافعي، وغيرهم(2)، وهو قول عامر.
والأصل فيه ما روى الصحابة، من ذلك: حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال في الجرادة قبضة من طعام. ورواه ابن أبي شيبة(3) بإسناده أن مروان بن الحكم سأل ابن عباس فقال: الصيد يصيده المحرم لا يجد له نداً من النَّعم، فقال ابن عباس: ثمنه يهديه إلى مكة وروى أيضاً بإسناده، عن ابن عباس وابن عمر،قالا: في محرم قتل قطاة ((ثلثاً مد)) وثلثاً مد أخرى في بطن مسكين خير من قطاة(4).
وروى أيضاً بإسناده، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، وعن إبراهيم، عن عمر أنهما قالا ((في بيض النعام قيمته)) (5)، وعن عمر(6) تمرة خير من جرادة، فكل ذلك يبين صحة ما ذهبنا إليه من أنَّه يطعَم عما لا ند له من الصيد ما يقارب قيمته. وحكى عن داود أنَّه قال: لا شيء عليه، وهو باطل؛ لما حكيناه عن الصحابة ؛ ولأنه استهلك ما منع من استهلاكه لحرمة الإحرام، فلا بدمن الجزاء قياساً على ما له /245/ من الصيد، مثل أو لأنَّه أتى في الإحرام بما هو محظور به، فلا بد من الجزاء، قياساً على اللبس، والطيب.
مسألة [في المحرم يشتري الصيد، أو يحمله إلى بلده، ما عليه؟]
__________
(1) ـ انظر المنتخب 100 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ في (أ): غيرهما.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/309 وإسناده: حدثنا أبو الأحوص عن سماك، عن عكرمة، به.
(4) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/344، وإسناده: حماد بن خالد، عن عبد الله بن مؤمل، عن ابن أبي مليكة، به، ولفظه: ((ثلثاً مد وثلثاً مد خير من قطاة)).
(5) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف.
(6) ـ تقدم تخريجه.

(45/41)


قال: ولو أن محرماً أخذ صيداً شراءً، أو اصطياداً، ثُمَّ لم يرسله حتَّى مات في يديه(1)، فعليه الجزاء، ولو أنَّه اصطاده، ثم حمله إلى بلده، فعليه أن يرده إلى حيث أخذه، ثُمَّ يرسله، ويتصدق بصدقة لحصره وإفزاعه، فإن لم يرسله حتَّى مات، فعليه الجزاء.
وجميعه منصوص عليه في (المنتخب)(2). ولا خلاف أن ما أخذه المحرم من الصيد على سبيل المباشرة، فهو ضامن له وإنه مات في يده فعليه الجزاء؛ لأنَّه يكون سبب تلفه وهلاكه، فكأنه قتله. وقلنا: إن عليه أن يرده إلى حيث أخذه منه؛ ليكون قد رده إلى مأمنه، وليكون قد أزال الضر ر عنه، ألا ترى أنا نوجب الصدق في إفزاعه وحصره لما فيه من إدخال لضرر عليه، ولا خلاف أنَّه إذا نفره لزمه جزاء إن لم يعد إلى ما كان عليه.
والأصل في جميع ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا ينفر صيدها)) وليس في التنفير إلاَّ إدخال الضرر عليه.
مسألة [هل يجزي ذبح الجزاء في غير مكة؟]
قال: وعليه أن يبعث الجزاء إلى مكة، ولا يجزيه ذبحه في بلده. وهذا منصوص عليه في (المنتخب)(3). ونص أيضاً فيه على أنَّه يتصدق بمكة. ونص في (الأحكام) (4) على أن من خاف تلف هديه في الطريق، باعه، واشترى بدله، فإن فَضُل من ثمنه شيء، اشترى بثمنه طعاماً، وتصدق به في منى. فدل على أنَّه يوجب التصدق(5) به في الحرم، كما ذهب إليه الشافعي. قال أبو حنيفة: يذبحه بمكة وإن تصدق به في غير مكة، أجزأه.
__________
(1) ـ في (ب): يده.
(2) ـ انظر المنتخب 101، 102 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر المنتخب 102 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ انظر الأحكام 1/330 وهو بلفظ قريب.
(5) ـ في (ب): المتصدق.

(45/42)


والأصل في هذا قول الله تعالى: {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فوجب أن يكون بالغ الكعبة من جميع وجوهه، فيجب(1) أن يكون التفرقة [بها] (2) وعندها، وأيضاً قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذبح عن القران، وأمر علياً بالذبح، وفرَّق على المساكين لحم الهدي بالحرام، وقد قال [صلى الله عليه وآله وسلم] (3): ((خذوا عني مناسككم)) فأوجب الإقتداء به في المناسك، فوجب أن تكون التفرقة حيث فرَّق صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قيل : قوله سبحانه: {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} يقتضي بلوغه الكعبة فقط دون ما سواها.
قيل له: بل يجب أن يكون بالغها من جميع الوجوه، ألا ترى أنَّه لا خلاف أن الآية أوجبت ذبحه عند الكعبة؟ ولم يقل أحد إن بلوغه الكعبة هو المراد وأن نحره بعد ذلك خارج الحرم جائز.
وأيضاً لا خلاف في الأضاحي أن حكم نحرها وتفرقة لحمها في باب البقاع واحد، فوجب أن يكون الهدي كذلك، والمعنى أنَّه حيوان تعلقت القربة بنحره، على أن الغرض بالنحر نفع المساكين، فإذا خص النحر بموضع، علم أن المقصد به نفع المساكين في ذلك الموضع؛ لأن الغرض لو لم يكن كذلك، كان مقصوراً على تنجيس الموضع فقط، وهذا بعيد، وليس لهم أن يقيسوا مساكين غير الحرم على مساكين الحرم؛ لأنَّه قد صار حقاً لمساكين الحرم على ما بيناه.
فإن قيل: لو كان ذلك حقاً لهم، لكان لهم أن يطالبوا به.
قيل له: هذا لا يمنع أن يكون حقاً لهم، على أنَّه لا خلاف أن نحره في غير الحرم لا يجزي، فوجب أن تكون تفرقته كذلك، والمعنى أن كل واحد منهما تعلق بالهدي من حيث كان هدياً بعد بلوغه الحرم، ويقوي ما ذهبنا إليه أنَّه يقتضي إيجاباً، وحظراً، واحتياطاً، وفيه أنا رددنا حكم /245/ الهدي إلى حكم الهدي، وهم ردوا حكمه إلى غيره، فما ذهبنا إليه أولى.
مسألة [في المحرم ينتف ريش الصيد أو يقصه]
__________
(1) ـ في (ب): فوجب.
(2) ـ سقط من (ب).
(3) ـ سقط من (ب).

(45/43)


قال: ولو أنَّه اشترى صيداً، أو أخذه، فنتفه، أو قصه، فالواجب عليه أن يعلفه، ويقوم عليه(1) حتَّى ينبت جناحاه، ثُمَّ يرسله، وعليه لما نتف صدقة. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(2) و(المنتخب)(3). قلنا: إنَّه إنه نتفه، أو قصه، فالواجب عليه أن يعلفه، ويقوم عليه حتَّى ينبت جناحاه، ثُمَّ يرسله؛ لأن الواجب عليه أن لا يضر به؛ بدلالة أنَّه يحرم عليه صيده، ويجب عليه أن يدفع عنه الضر الذي فعله به، بدلالة ما أُجمع عليه من وجوب إرساله عليه إن اصطاده، وإعادته إلى ما كان عليه. وقلنا إنَّه يتصدق بشيء لنتفه على مقدار ما كان من ضرره، وهو قول أبي يوسف؛ لأن عِظَم ذلك الضرر الذي فعل، قد لزمه، بدلالة أنَّه إن لم يعد إلى ما كان عليه، فلا خلاف أنَّه يضمنه، وكذلك إذا عاد خلافاً لأبي حنيفة؛ ولأنا إذا أوجبنا لإفزاعه صدقة على ما مضى، فالأولى أن توجب للنتف والقص؛ إذ هما أعظم ضرراً من الإفزاع، وقد بينا أن الأصل في جميع هذا المجرى قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((لا يُنَفَّرُ صيدها)).
مسألة [في المحرم يصطاد صيداً ثم يرسله الحلال)
قال: ولو أن محرماً اصطاد صيداً، ثُمَّ أخذه منه حلال، فأرسله، لم يكن عليه فيه شيء، ولكن عليه صدقة بقدر إفزاعه. وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (4).
وتحصيل المذهب أنَّه لا جزاء على المحرم، ولا ضمان على المرسل.
__________
(1) ـ في (ب): به.
(2) ـ انظر الأحكام 1/327 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر المنتخب 101 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ انظر المنتخب 102 وهو بلفظ قريب.

(45/44)


ووجه قولنا أنَّه لا جزاء على المحرم؛ لأنَّه قد عاد ـ أعني الصيد ـ على(1) ما كان عليه، ولم يستهلكه، فيجب ألا يكون عليه الجزاء، كما أنَّه لو كان هو المرسل [وأما ظمانه] (2) فقد اختلف فيه؛ فقال أبو حنيفة: إن كان اصطاده وهو محرم، فأخذه حلال، فأرسله، فلا ضمان عليه، وإن كان اصطاده وهو حلال، فأرسله، ضمن. وقال الشافعي: لا يضمن المرسل على القول الذي تقول أن إرساله واجب على المحرم، وقال أبو يوسف، ومحمد: لا يضمن في شيء من الأحوال، مثل قولنا.
ووجه ما ذهبنا إليه ما بيناه فيما مضى من أنَّه لا يجوز إمساكه بوجه من الوجوه، وأن سبيله في إمساكه سبيل الغاصب، فإذا ثبت ذلك، لم يلزم المرسل ضمانه؛ لأنَّه بمنزلة من أخرج الغصب من يد غاصبه، ورده إلى حيث استحق، وإذا لم يخالف أبو حنيفة أن المحرم إذا اصطاده في حال إحرامه، فلا ضمان على مرسله، وجب ألا يضمنه المرسل، وإن كان المحرم اصطاده قبل الإحرام، والمعنى أنَّه أزال يداً ظالمة عن الشيء، ورده إلى حيث استحق، وليس يمكنهم أن يقولوا: إنَّه أبطل ملكه؛ لأن الصَّحيح عندنا أن ملك المحرم زائل عن الصيد على ما بيناه فيما تقدم، فسبيله عندنا سبيل المسلم إذا كان في يده الخمر فأراقه غيره أنَّه لا يضمنه؛ لأنَّه فعل ما كان يلزم مَنْ كان في يديه(3) فعله بعينه، من غير أن يكون صحة فعله من شرطها النية.
فإن قيل(4): أليس لو جاء رجل فأخذ زكاة مال غيره، فأخرجها إلى الفقراء بغير إذنه، ضمنها لصاحب المال، فما أنكرتم على من قال: إن ذلك حكم المرسل للصيد؟
__________
(1) ـ في (أ): إلى.
(2) ـ ما بين المعكوفين سقط من (أ) و (ب): وظنن عليه في الهامش.
(3) ـ في (ب): يده.
(4) ـ في (أ): قال.

(45/45)


قيل له: وجب الضمان في الزكاة؛ لأن عين ما أخرجه إلى الغير لم يلزم صاحب المال، بل كان له الخيار في أن يخرجه، أو يخرج غيره إن شاء، وليس كذلك حال الصيد، فإن المحرم قد تعين عليه فرض إرساله، فكان حكمه حكم الخمر التي يريقها الغير، وحكم الغصب إذا أخرجه غير الغاصب من يد الغاصب، ورده إلى حيث استحق، على أن الزكاة تفتقر إلى النية؛ ليكون بها قربة وزكاة، وليس كذلك حكم إرسال الصيد؛ لأن المحرم لا يحتاج لإرساله إلى نية، ألا ترى لو انفلت من /247/ يده وطار، أجزأه، فهو بحكم إراقة الخمر، وإخراج الغصب من يد الغاصب أشبه، على أنا إذا دللنا على أن ملك المحرم يزول عنه، فلا كلام بعده في المسألة. وأما الصدقة بقدر إفزاعه، فقد تكرر الكلام فيه في مواضع، فلا حاجة لنا إلى إعادته.
مسألة [في حكم الجماع بعد رمي جمرة العقبة والحلق، وفي حكم جماع المتمتع قبل التقصير]
قال: وإن جامع الحاج بعد ما رمى جمرة العقبة، وحلق، لم يفسد حجه، ووجب عليه دم، وكذلك المتمتع إذا جامع قبل أن يقصر، وقد طاف وسعى، فأكثر ما عليه دم.
وقال القاسم عليه السلام في المتمتع الذي يجامع بعد الطواف والسعي، وقبل التقصير، إن لم يرق دماً، فأرجو ألا يكون عليه بأس.
قال: وإراقته أحب إليَّ. ما ذكرناه أولاً منصوص عليه في (الأحكام) (1)، وما حكيناه عن القاسم عليه السلام مروي عنه في (الأحكام)(2) وروي نحوه عن النيروسي.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/313 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر الأحكام 1/313 وهو بلفظ قريب.

(45/46)


و(1) تحصيل المذهب أنَّه إذا جامع بعد الرمي لا يفسد حجه، وإن لم يكن حلق، وقد ذكره أبو العباس الحسني في (النصوص)، ودل عليه كلام يحيى عليه السلام أن المتمتع إذا جامع قبل أن يقصر، وقد طاف، وسعى، فأكثر ما عليه دم؛ لأن التقصير والحلق للمعتمر بعد السعي، كالتقصير والحلق للحاج بعد الرمي، فتصريحه بأن حصول الجماع للمعتمر قبل التقصير لا يفسد عمرته، أبانه أن حصوله للحاج قبل الحلق لا يفسد حجه، وهو قول عامة الفقهاء.
وروى ذلك(2) ابن أبي شيبة ـ بإسناده ـ عن ابن عباس. وذهب محمد، وزيد، ابنا علي عليهم السلام إلى أن من جامع قبل طواف الزيارة، كان عليه الحج من قابل. وروى ابن أبي شيبة ذلك عن محمد بن الحنفية، وابن عمر(3).
__________
(1) ـ في (أ): وعند تحصيل.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/238.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/360 ـ 361.

(45/47)


ووجه ما ذهبنا إليه أن هذا الوطء لم يصادف إحراماً صحيحاً، فكان حكمه كحكمه لو وقع بعد طواف الزيارة، أو يقال: هو وطء صادف حالاً يجوز فيها اللبس والطيب، فوجب أن لا يفسد الحجْ قياساً عليه إن جامع بعد طواف الزيارة، وليس لهم أن يقولوا: إن بعد طواف الزيارة لم يبق شيء من الحج؛ لأن من طاف طواف الزيارة يوم النحر يكون قد بقي عليه رمي في باقي أيام التشريق، ويكون قد بقي عليه طواف الوداع، على أن الجماع إنَّما كان مفسداً للحج من حيث أفسد الإحرام المقتضى، وكذلك إذا وقع بعد الاعتكاف، لم يجب أن يفسد الاعتكاف المقتضى كما أن من أحد تعبد الخروج من الصلاة لم تفسد صلاته، وإن صادف ذلك حال بقاء حرمة الصلاة ووجوب سجدتي السهو، وكذلك الجماع قبل فعله وإن كان لو جامع لم يفسد صلاته إذا حصل الجماع بعد الخروج من الصلاة. فأما(1) المتمتع إذا جامع قبل التقصير بعد الطواف والسعي فإن عمرته لا تفسد لما بيناه من قبل، وهو أن إحرامه قد انقضى بالطواف والسعي، والجماع إذاً لم يصادف حال الإحرام، إلاَّ أنَّه لما بقي عليه نسك وهو التقصير، أو الحلق، قلنا أنَّه يريق دماً.
ووجه ما ذكره القاسم عليه السلام من أن هذا الدم مستحب، وأنه ليس بواجب، أنَّه لم يبقَ عليه ما هو ركن للعمرة كما بقي على الحاج ما هو ركن للحج، وهو طواف الزيارة ، ويعني بالركن ما لم يتم الحج والعمرة دونه، فلما كان هذا هكذا، رأى أن الأمر في الجماع بعد سعي العمرة قبل التقصير أخف، فجعل الدم فيه استحباباً.
مسألة [في المحرم يكسر بيض النعام]
وقال: وفي بيض النعام إذا كسره المحرم، أو وطأته راحلته، في كل بيضة صيام يوم، أو طعام مسكين. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2). وقد روى ابن(3) أبي شيبة /248/ مثل قولنا، عن ابن مسعود، وابن سيرين.
__________
(1) ـ في (ب): وأما.
(2) ـ انظر الأحكام 1/325 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/389 ـ 390.

(45/48)


وذكر أبو العباس الحسني رحمه الله في كتاب الإبانة(1) أنَّه قول الشعبي. وروى هناد في (المناسك) نحو ذلك عن أبي موسى.
والعمدة فيه: ما أخبرنا به أبو العباس الحسني رحمه(2) الله تعالى، أخبرنا علي بن الهيثم السعدي، حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، حدثنا محمد بن آدم المصصي(3)، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن جريج عن أبي الزناد(4)، عن ابن الزبير أو أبي الزبير ـ الشك مني ـ عن عائشة أن رجلاً وطئ بعيرُه بيضَ نعام، فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإطعام مسكين، أو صيام يوم.
وأخبرنا أبو العباس الحسني، أخبرنا علي بن محمد السعدي، أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة، قال فرات علي دحيم: حدثكم الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه آله وسلم قال في بيضة نعام يكسرها المحرم صيام يوم، أو إطعام مسكين. وروى ابن أبي شيبة(5)، عن حفص، عن ابن جريج، عن عبد الله بن ذكوان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن محرم أصاب بيض نعام، فرأى عليه في كل بيضة صيام يوم، أو إطعام مسكين.
فإن قيل: روى ابن أبي (6) شيبة وهناد جميعاً، عن عبيدة، عن أبي عروبة، عن مطر الوراق، عن معاوية بن قرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قضى في بيض النعام يصيبه المحرم بقيمته.
قيل له: يحتمل أن يكون قضى بذلك على المحرم إذا أصابه في الحرم لحرمة الحرم، ولم يذكر الجزاء الذي هو لهتك حرمة الإحرام تعويلاً على أن المقضى عليه قد عرف ذلك، ليكون جمعاً بين الأخبار.
فإن قيل: فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال عليه في كل يبضة ضراب ناقة، فما نتجت، أهداه إلى الكعبة.
__________
(1) ـ في (أ): الإمامة.
(2) ـ في (ب): رضي الله عنه.
(3) ـ في (ب): المصيصي.
(4) ـ في (أ): الزياد.
(5) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/389.
(6) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/389.

(45/49)


قيل له: ذكر يحيى عليه السلام هذا الحديث واستضعفه، وعدل عنه إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنَّه أكثر وأشهر على ما بيناه؛ ولأن أحد من روى ذلك معاوية بن قرة، وقال في حديثه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمن أفتى له علي عليه السلام بذلك: ((هلم إلى الرخصة، عليك بكل بيضة صيام يوم، أو إطعام مسكين))، فيحتمل أن يكون ما قاله عليه السلام قد صار منسوخاً؛ إذ السائل سأله قبل، ثُمَّ جاء بعد ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما رواه معاوية بن قرة.
فإن قيل: فقد روي أن علياً عليه السلام أفتى به في ايام عمر، فلو كان منسوخاً، لم يفتِ به.
قيل له: يحتمل أن يكون نسخ تعيين الوجوب فيه، فإنه لو أخذ به، كان قد فعل أحد الواجبين، وينبه عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((هلم إلى الرخصة))، ويحتمل أن يكون أيضاً حكى الحكم فيه قبل أن ينسخ، فظن السامع أنَّه أفتى به، كما نقول ذلك فيما روى عنه علي عليه السلام أنَّه قال: ((لو كان الدين بالرأي لرأيت أن باطن الخفين أولى بالمسح من ظاهرهما، لكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح ظاهرهما))، على أن ما ذهب إليه يحيى عليه السلام أولى؛ لأن البيض مما له نفع عاجل، فاعتبار جزائه لما له نفع عاجل أولى من اعتباره بما لا نفع فيه عاجلاً، ولعله ألا يحصل آجلاً، وعلى أنَّه قياس سائر الأجزاء؛ بعلة أنَّه يجب أن يكون بما لَه نفع فيه حاصل، وهو أولى أيضاً من اعتبار القيمة؛ لأنه(1) الجزاء المنصوص عليه، وهو(2) أولى من اعتبار القيمة على ما سلف القول فيه من تقديم النص على الاجتهاد في مسألة العدول عن النهي.
مسألة [في المحرم يأكل لحم الصيد ما عليه؟]
__________
(1) ـ في (أ): لأن الجزاء منصوص.
(2) ـ في (ب): فهو.

(45/50)


قال: وإذا أكل المحرم لحم صيد فعليه قيمته، والفدية(1)، وهو(2) صيام ثلاثة /249/ أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو دم يريقه، فإن كان هو الذي ذبحه، أو أمر بذبحه، لزمه مع ذلك الجزاء. وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (3).
وتحصيل المذهب: أن القيمة تجب إذا أكله في الحرم؛ لتنصيص يحيى عليه السلام في غير موضع من (الأحكام) و(المنتخب) على أن القيمة تجب لحرمة الحرم دون حرمة الإحرام، فأما إذا أكله خارج الحرم وهو محرم، فالذي يلزمه الكفارة الَّتِي ذكرها(4).
ووجه ما ذهبنا إليه أنَّه انتفع بما حظر الإحرام الانتفاع به، فوجب أن يلزمه الفدية، قياساً على من انتفع باللبس، والطيب.
فإن قيل: إن ذلك من ذبيحة المحرم، وهي عندكم ميتة، فكيف قلتم أنَّه محظور بالإحرام، وهو محظور على غير المحرم أيضاً؟
__________
(1) ـ في (ب): مع الفدية.
(2) ـ في (ب): هي.
(3) ـ انظر المنتخب 103 وهو بلفظ قريب.
(4) ـ في (ب): ذكرناها.

(45/51)


قيل له: يمكننا أن نجعل الدليل في الصيد الذي ذبحه الحلال خارج الحرم، ثُمَّ يلحق به غيره باعتبار ثانٍ، أو لأن أحداً لم يفصل بينهما، على أن الذي ذكروه لا يمنع أن يكون محظوراً بالإحرام، وأن يلزم فيه الفدية؛ لأن الشيء الواحد قد يحصل له وجهان من الحظر، ألا ترى أنَّه لو لبس مخيطاً من جلد خنزير، أو كلب، أو ميتة، لم يخرج من أن يكون قد أتى ما حظره الإحرام، وكانت الفدية لازمة، وإن كان لبس هذه الأشياء محظوراً على غير المحرم، وكذلك لو تطيب بطيب معجون بخمر، فبان سقوط اعتراضهم، وصحة قياسنا. وأما وجه إيجاب القيمة إذا أكله في الحرم فهو(1) أنه استهلك ما منع استهلاكه لحرمة الحرم، فوجب أن يضمن قيمته، دليله الصيد إذا قتله في الحرم، والشجر إذا عضده فيه، وهذا مما قد مضى القول فيه. ووجه إيجاب الجزاء عليه إذا كان قتله، أو أمر بقتله وهو محرم ما سلف القول فيه، فلا وجه لإعادته، على [أن] (2) إيجاب الجزاء لا خلاف فيه.
مسألة [في المحرم يرمي صيداً في الحل فيموت في الحرم، والعكس]
قال: ولو أن محرماً رمى صيداً في الحل، فأصابه، فطار حتَّى مات في الحرم، كان عليه الجزاء دون القيمة، وإن أصابه في الحرم، فطار حتَّى مات في الحل، فعليه الجزاء والقيمة معاً. وهذا منصوص عليه في (المنتخب)(3).
__________
(1) ـ في (أ): أن.
(2) ـ سقط من (أ).
(3) ـ انظر المنتخب 104 وهو بلفظ قريب.

(45/52)


أما إلزامه الجزاء لكونه محرماً على الوجهين جميعاً فلا إشكال فيه. وأما القيمة، فالمراعى لإيجابها وقوع القتل وهو في الحرم فمتى حصل أحد الأمرين، لزمت القيمة؛ لأنَّه يكون قد قتل صيداً في الحرم، أو جنى عليه وهو في الحرم جناية أدت إلى القتل، والجنايات الواقعة على الصيد في الحرم إذا أدته إلى القتل، كان سبيلها سبيل القتل كما بيناه في الحلال والحرام إذا دل غيره على قتل صيد في الحرم، فأما إذا لم يقع القتل، ولا الجناية المؤدية للصيد إلى القتل وهو في الحرم، وإنَّما وقعا، والصيد خارج الحرم، فيجب أن لا تلزمه القيمة؛ لأنَّه يكون قتل صيداً في غير الحرم، فإذا ثبتت هذه الجملة على الأصول المتقدمة المبينة في كتابنا هذا، وجب ما ذكرناه من أنَّه إذا رمى صيداً في الحل، فأصابه ثُمَّ طار، ومات في الحرم، فلا قيمة عليه؛ لأن الجناية وقعت في الحل، وطيرانه بعد ذلك حتَّى يحصل في الحرم ليس من فعل الرامي، وكذلك موته فيه، ويجب ـ أيضاً ـ ما ذكرناه بعد ذلك من أنَّه إذا أصابه في الحرم، فطار حتَّى مات في الحل، فعليه القيمة؛ لأن الجناية المؤدية إلى التلف وقعت والطير في الحرم، فوجب أن يلزمه القيمة.
مسألة [في المحرم يخلى كلبه فيقتل صيداً في الحرم]
قال: ولو أنَّه خلى كلبه على ظبي في الحرم، فلحقه الكلب خارج الحرم، وقتله، فعليه القيمة مع الجزاء، وكذلك(1) إن خلى كلبه عليه في الحل، فلحقه في الحرم، وقتله، فعليه القيمة مع الجزاء. وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (2).
__________
(1) ـ في (أ): وكذلك إذا.
(2) ـ انظر المنتخب 100 وهو بلفظ مقارب.

(45/53)


المراد بقولنا: إذا خلى كلبه على ظبي في الحرم: هو أن يكون الظبي في الحرم حين الإغراء حتَّى يكون الكلب هو الذي /250/ يطرده حتَّى يخرج عن الحرم، فإذا كان هذا هكذا، فيجب أن تلزمه القيمة؛ لأن الجنايات المؤديات إلى تلف الصيد وقعت والصيد في الحرم. يبين ذلك أن إغراء الكلب مثل الرمي؛ بدلالة أنَّه إذا أغراه من لا تؤكل ذبيحته، لم يجز أكل ما قتله، وإن أغراه من تؤكل ذبيحته، جاز أكله، فبان أن الإغراء مثل الرمي، على أن الإغراء أوكد من الدلالة، فإذا قلنا إنَّه يلزمه القيمة إذا دل، كان إذا أغرى الكلب أولى أن يلزمه. وكذلك إذا خلى الكلب في الحل، فلحق الصيد في الحرم، وقتله؛ لأن القتل وقع والصيد في الحرم، فوجب أن يلزمه قيمته؛ لأن قتل الكلب الذي أغراه بمنزلة ما يتولاه هو من القتل، على ما أوضحناه من أن الإغراء كالرمي. وأبو حنيفة فصل في هذه المسألة الأخيرة بين الرمي والإغراء فقال: إذا رمى وهو في الحل، فأصاب صيداً، وهو في الحرم، فعليه الجزاء، وإن أغرى كلباً في الحل، على صيد في الحل، فلحقه في الحرم، وقتله فيه، أنَّه لا جزاء عليه، وفصل أصحابه فيهما بأن مرور السهم من فعله، ومرور الكلب في الحرم ليس من فعله، وهذا لا معنى له؛ لأن الذي أوجب ضمانه في الرمي، أن الصيد حصل مقتولاً في الحرم بسبب من جهته، على أنا قد بينا أن قتل الكلب المغرى يقوم مقام قتل المغري، ألا ترى أنَّه إذا كان المغري ممَّن لا تؤكل ذبيحته، لا يؤكل ما قتل كلبه، وإذا كان ممَّن تؤكل ذبيحته، أُكِل ما قتله كلبه، وكذلك إن ترك التسمية معتمداً عند الاعزاء، لم يؤكل ما قتله كلبه، كما لا يؤكل إذا تركها عمداً عند ذبحه، فوضح بذلك أن قتل الكلب المغرى قائم في الحكم مقام قتل المغري بنفسه(1)، فوجب أن يضمن، على أنه لا خلاف أنه إذا أغرى كلبه على بهيمة غيره، فقتلها، أنَّه يضمن، فكذلك ما اختلفنا فيه؛ لأن قتله يجري مجرى فعل المغري.
__________
(1) ـ في (ب): نفسه.

(45/54)


مسألة [في المملوك يحرم بإذن سيده هل يجب عليه ما لزمه من كفارات؟]
قال: وإذا أحرم العبد، أو الأمة، بإذن سيدهما، فما لزمهما من كفارة، أو فدية، فعلى سيدهما متى لم يفعلاه تمرداً، فإن كان فعله ناسياً، أو مضطراً، فلا شيء عليه، وما فعله تمرداً، فكفارته دين عليهما يؤديانها إذ عتقا(1)، فإن كانا أحرما بغير إذن سيدهما، فليس على سيدهما من فعلهما شيء، فعلا ما فعلا، على طريق النسيان، أو الضرورة، أو على سبيل التعمد والتمرد، بل هو دين عليهما يخرجان منه إذا عتقا. وجميعه منصوص عليه في (الأحكام) (2)، وذكر فيه أن سيده إن شاء أطعم عنه، وإن شاء أهدى، وإن شاء أمره بالصوم.
ووجهه: أنَّه مما طريقه المال المحض مضمون عليه بالجناية لا يتضمن ما يجري مجرى السبب، يلزم العبد، فجاز أن يكون لوجوب حمل السيد عنه مسرح، قياساً على سائر الجنايات الَّتِي يضمنها السيد، ولا يعترضه ما يلزم العبد مما يفعله على سبيل العمد والتمرد، أنا لم نعلل لأعيان المسائل، وإنَّما عللنا لأن نبين أن لوجوب حمل السيد مسرحاً فيه، وـ أيضاً ـ فهو مال لزم بسبب عبد يراعى(3) فيه إذن السيد من غير أن أثم العبد فيه، فوجب أن يلزم السيد ضمانة، دليله المهر، والنفقة في النكاح.
فإن قيل: فهذا يلزمكم في كفارة الظهار، وقد نص يحيى عليه السلام في (الأحكام) على أنَّه لا يجزي العبد فيها إلاَّ الصيام.
قيل له: أما العتق، فليس يجوز أن يلزم العبد على وجه، ولا يصح أن يعتق السيد عنه؛ لأن العتق يوجب الولاء لمن أعتق، فامتناع حصول الولاء للعبد يمنع حصول العتق عنه؛ لأن ما منع حصول الحكم، منع حصول العلة الموجبة له، وقد احترزنا من ذلك في قياسنا بقولنا: إنه لا يتضمن ما يجري مجرى السبب، والولاء جارٍ مجراه.
__________
(1) ـ في (ب): أعتقا.
(2) ـ انظر الأحكام 1/333 وهو بلفظ مقارب.
(3) ـ في (ب): مراعى.

(45/55)


وأما /251/ الإطعام فلم يجوزه؛ لأن العبد قادر على الصيام، ولا يجزي الإطعام في كفارة الظهار إلاَّ بعد العجز عن الصيام.
فإن قيل: فيلزمكم هذا في العبد الذي يعجز عن الصيام(1)، فلا يمتنع أن يقول: إنَّه يجوز أن يحمل عنه السيد الإطعام، إن عجز عن الصيام. وأما كفارة اليمين فلا يعترض على ما قلناه؛ لأن الكفارات الثلاث لا تلزم إلاَّ مع التخيير، ولا يصح تخيير العبد فيها؛ لما بيناه من أن العتق يمتنع وقوعه منه، وليس بعد الكفارات الثلاث إلاَّ الصيام، يؤكد ما ذهبنا إليه أن أذن السيد له بالإحرام جارٍ مجرى تظمن ما يجري بسببه، كما قلنا ذلك في المهر، والمتعة، والنفقة، ألا ترى أن أذنه له بالنكاح يجرى مجرى تضمنهما؟ وكذلك الأذن له في البيع والشراء يجري مجرى تضمن ما يجب بسببهما.
فإن قيل: فلِمَ فرقتم بين ما يفعل من ذلك تمرداً أو بين ما يفعله على وجه لا يأثم فيه؟
قيل له: لأن الأصل فيما يرتكبه العبد من المحظورات الَّتِي لا يتعلق بها حق آدمي بعينه إنَّه لا يضمنه السيد عنه، وليس يمتنع من باب التحمل أن يفرق بين الجناية الواقعة على وجه يستحق بها المآثم، والجناية الواقعة على وجه لا يستحق المآثم بها، ألا ترى أن العاقلة تتحمل جناية الخطأ، ولا تتحمل جناية العمد؟ وليس يمتنع أن يقول في وجه الفرق بينهما أنا لو أوجبنا التحمل في العدوان والتمرد، كان ذلك إغراءً للعبد بمثله، وهذا ممتنع لا يحسن، ويشهد لصحة هذه التفرقة بحمل العاقلة دية الخطأ، ولا يجب أن يستبعد ما ذهبنا إليه من تحمل المولى عنه الكفارة؛ لأنا وكثيراً من العلماء قلنا: إن المحرم إذا أكره زوجته على الجماع يحمل البدنة عنها، وهو قول الشافعي في غير الإكراه ـ أيضاً ـ وبه قال في كفارة الجماع في رمضان.
مسألة [في الصبيان إذا أحرموا هل تلزمهم الجزاءات؟]
__________
(1) ـ في الهامش لعل صدر الجواب ساقط.

(45/56)


قال: والصبيان إذا أحرموا، فليس عليهم فداء، ولا كفارة في شيء مما يفعلونه، وإن حماهم أولياءهم عن ذلك، كان حسناً، ولا يلزم ذلك. وهو منصوص عليه في (الأحكام) (1).
والأصل في هذا أن الصبي لا ينعقد إحرامه، فلم يحصل له حرمة الإحرام، فلهذا قلنا: إنَّه لا يلزمه شيء فيما يأتيه من ذلك.
ووجه استحبابنا أن يمنعهم عنه أولياؤهم: أنَّه مستحب للرجل أن يأخذ ابنه إذا صار له سبع سنين ونحوه، ويحثه بالصلاة، وأن يأخذه بالصيام إذا أطاق، على وجه التأديب، ليتعود على ذلك، ويستمر عليه، فكذلك أدب الإحرام.
فإن قيل: ولم قلتم إن إحرامهم لا ينعقد؟
قيل له: لأنهم ليسوا من أهل العبادات، فوجب أن لا ينعقد إحرامهم، كالذمي، ألا ترى أنهم لا يؤاخذون بصوم، ولا صلاة، ولا يلزمهم القضاء لما فات منها.
فإن قيل: أليس قد قلتم الزكاة لازمة لهم؟
قيل له: الزكاة حق لازم في المال(2) ولا يمتنع في الحقوق الَّتِي تلزم في المال أن تثبت في أموال من لم يكن من أهل العبادات، يكشف ذلك أن الحج لا يلزمه على وجه من الوجوه، لا في نفسه، ولا في ماله، فبان أن إلحاق حكم إحرامهم بحكم إحرام الذمي أولى من إلحاق حكمه بحكم زكواتهم.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن امرأة رفعت إليه صبياً فقالت: ألهذا حج؟ فقال: ((نعم، ولك أجر)).
قيل له: المراد أنَّه مستحب أخذه به على ما ذكرناه من طريق التأديب والتعويد، ألا ترى أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم نبه على ذلك بقوله: ((ولك اجرٌ)) فبان أن لها الأجر بأخذه بذلك.
فإن قيل: فقد أثبت له النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجاً، وأنتم لا تثبتون له الحج على وجه من /252/ الوجوه، فيبقى كلامه صلى الله عليه وآله وسلم على مذهبكم معرى عن الفائدة؟
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/333 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ في (ب): فلا.

(45/57)


قيل له: معناه أنَّه يحسن أن يؤخذ بأعمال الحج، وهذا وجه الفائدة؛ لأنَّه لولا قوله صلى الله عليه وآله وسلم، لم نكن نعلم أنَّه يحسن منا إلزامهم تلك المشاق.

(45/58)


باب القول في الاحصار وفي من يأتي الميقات عليلاً
[مسألة: فيما يجب على المحصر، وبم يكون الإحصار؟]
إذا أحصر المحرم لمرض مانع من السير أو عدوٍ يخافه، أو حبس من ظالم، بعث بما استيسر من الهدي، والهدي أقله شاة. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب)(2). وروى النيروسي، عن القاسم عليه السلام: أقل الهدي شاة. ولا خلاف أن الاحصار يكون بالعدو.
واختلفوا في المرض، فكان ما ذهبنا إليه من أنَّه يوجب الاحصار قول زيد بن علي عليهم(3) السلام، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي: لا حصر إلاَّ بالعدو. وروي نحو قولنا عن عطاء، وابن مسعود، وابن عباس، رواه عنهم(4) الطحاوي. والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيَ} ولا خلاف عند أهل اللغة أن الاحصار يستعمل في المرض، والحصر في العدو، وقد قال تعالى: {فَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ} فإذا ثبت ذلك، وجب أن يكون المرض المانع مراداً بالآية، فأما حصر العدو، فإذا أثبتناه مراداً بالآية، فإنما يثبت بالدلالة، والظاهر يوجب أن يكون المراد به منع المرض، فصح ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم أن الآية وردت في سبب، وذلك أنها إنما نزلت في حصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في الحديبية، وكان ذلك حصر العدو، فيجب حمل الآية على ذلك؟
قيل له: لسنا نذهب إلى أن الآية إذا وردت بسبب، وجب قصرها عليه، بل يجب أن تكون محمولة على عمومها؛ إذ لا يمتنع أن يخاطبنا الله تعالى خطاباً يشتمل على السبب وغيره، ويكون الجميع مراداً، وإن كان ورودها صادف حال السبب.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/294 وهو قريب.
(2) ـ انظر المنتخب 105 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ في (ب): عليهما.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/249 ـ 252.

(46/1)


فإن قيل: ففي سياق الآية ما دل على أن المراد به حصر العدو، وهو أنَّه تعالى استأنف بعد حكم المرض، فقال سبحانه: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيْضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ}.
قيل له: [هذا] (1) لا نمنع من أن يكون المرض مراداً بالآية الأولى؛ إذ لا يمتنع أن يَرِدَذ عمومٌ يشتمل على أمور، ثُمَّ يذكر بعض تلك الأمور، ويذكر له بعدُ أحكاماً لم تقتضيها اللفظة الأولى، فإذا ثبت هذا، لم يمتنع أن يكون الله تعالى ذكر في الآية الأولى حكم المنع الواقع من جهة المرض، وجهة العدو، ثُمَّ علم تعالى أن في المرض مع كونه مانعاً ما يُحتاج معه إلى أمور محظورة بالإحرام، وإن كان في المرض مالا يحتاج معه إلى ذلك، فبين حكمه، يكشف ذلك أنَّه سبحانه في الآية الثانية لم يذكر حكم المرض المطلق، وإنَّما ذكر حكم مرض خاص يُحتاج معه إلى أمور يحظرها الإحرام، ونظير هذا أن يقول القائل: ((مَنْ كان من أهل هذه الدار، فليصم غداً تطوعاً))، ثُمَّ يقول: ومن كان منهم امرأة ذات زوج فلتستأذن زوجها في التطوع. إن قولهم من كانت منهم امرأة ذات زوج لا يدل على أن قوله من كان من أهل هذه الدار لم يشتمل على النساء مع الرجال، فكذلك قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيْضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ} /253/ لا يدل على أن المرض غير مراد بقوله {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيَ}.
فإن قيل: فقوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} يدل على أن المراد بقوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} حصر العدو؛ لأن الأمن لا يكون إلاَّ من الخوف.
__________
(1) ـ ما بين المعكوفين سقط من (أ).

(46/2)


قيل له: هذا السؤال ساقط؛ لأن الأمن كما زعمت ينبه على زوال الخوف، إلاَّ أن الخوف قد يكون من المرض كما يكون من العدو، ولأن(1) الإنسان قد يخاف من أن يتلفه مرضه إن سار، كما يخاف أن يتلفه عدوه، فقد بان أن الأمن قد يكون من خوف المرض، كما قد يكون من خوف العدو، وهذا يسقط تعلقهم بما تعلقوا به، على أن الأمن لو كان على(2) ما ادعوا مقصوراً على مقابلة خوف العدو، كان(3) لا يمتنع أن يكون خص تعالى بالذكر، والحكم، بعضَ ما يتناوله العموم.
فإن قيل: لا تعلق لكم بالظاهر؛ لأن الظاهر هو الإحصار والحكم غير متعلقاً به، وإنَّما يتعلق بالمضمر فيه.
قيل له: الحكم لم يتعلق إلاَّ بالاحصار، وهو المنع والحبس، وإن اختلفت وجوههما، و(4) خص منه بعضه، فقد بان أن التعلق به صحيح.
فإن قيل: فإن الاحصار ظاهر لأحدهما عند أهل اللغة؛ إذ قد فصلوا بين الاحصار والحصر، فلا يمكنكم ادعاء العموم فيه.
قيل له: نحن لا ننكر أن ظاهره لأحدهما، وهو المرض، كما حكى عن أهل اللغة، وإن قلنا العدو مراداً به للدلالة، وهذا لا يمنع أن يكونا مرادين جميعاً بالآية، وأن تكون الآية عامة فيهما، وإن عرفنا كون أحدهما مراداً بالظاهر، وكون الآخر مراداً بالدلالة، ومما يدل على ذلك: ما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا محمد بن الحسين بن اليمان، حدثنا محمد بن شجاع، حدثنا روح بن عبادة، أخبرنا الحجاج بن دينار، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني عكرمة، حدثني الحجاج بن عمر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من كُسر، أو عرج، فقد حل، وعليه حجة أخرى)). فأوجب الخبر أن الإحلال يتعلق بالكسر والعرج، وهو نص مذهبنا.
فإن قيل: فأنتم لا تقولون أن الإحلال يقع بالمرض نفسه؛ إذ لا خلاف في أنَّه لا يتحلل إلاَّ(5) أنَّه يُنحر الهدي عنه.
__________
(1) ـ في (ب): لأن.
(2) ـ في (ب): كما.
(3) ـ في (أ): وكان.
(4) ـ في (ب): أو.
(5) ـ في (ب): إلى.

(46/3)


قيل له: معناه قد جاز له أن يحل كما يقول القائل: قد حلت للأزواح إذا خرجت من عدتها، والمراد قد جاز لها أن يحل للأزواج بالنكاح، ولا خلاف أن المنع الواقع من جهة العدو يجيز التحلل، فكذلك المنع الواقع من جهة المرض، والمعنى اعتراض منع يؤدي المقام معه على الإحرام إلى المشقة العظيمة. وأيضاً وجدنا التيمم لما كان بدلالة لا يجوز إلاَّ لعذر، واستوى فيه عذر العدو، وعذر المرض، فوجب أن يكون إحلال المحصر كذلك؛ لأنَّه بدل لا يجوز إلاَّ مع العذر، والأصول شاهدة معنا؛ لأنا وجدنا كل عذر له حكم، إذا كان من جهة العدو، يكون له ذلك الحكم إذا كان من جهة المرض، نحو الإخلال بأركان الصلاة، وترك الحج، وإفساد الصوم، على أن عذر المرض يجب أن يكون أقوى من عذر العدو، ولأن الخائف للعدو قد يمكنه أن يأتي(1) مما يلزمه في بعض الأحوال، مع ضرب من الاحتراز، والاستخفاء، ولا حيلة في المرض.
فإن قيل: قد حصل للمريض أحد الترفيهين، وهو الطيب، واللباس، إذا احتاج إليهما، فلا يجب أن يحصل له الترفيه الآخر وهو الإحلال.
قيل له: والخائف من العدو قد يحصل له هذا الضرب من الترفيه، وهو أنَّه يلبس الدرع، والمغفر، إذا احتاج إليهما، كما /254/ يحصل للمريض، ولم يمنع ذلك من أن يحصل له الترفيه بالإحلال، فكذلك المريض. وقلنا: إن أقل الهدي شاة؛ لقوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيَ} ولا خلاف أن اسم الهدي يتناول الشاة. وروى ابن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: ((ما استيسر من الهدي، شاة)) (2).
وروى ابن أبي (3) شيبة، عن ابن عباس، وابن عمر، ذلك، وهو مما لا خلاف فيه.
مسألة [هل يواعد المحصر الرسول يوماً منه أيام النحر لنحر الهدي أم لا؟]
__________
(1) ـ في (ب): ما.
(2) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف 3/135 وفيه سقط جعفر من السند.
(3) ـ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/134 ـ 135.

(46/4)


قال: ويواعد الرسول يوماً من أيام النحر، ويأمره بنحره عنه بمنى. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1).
والمراد به أنَّه إذا كان المحرم حاجاً، فإن كان معتمراً، فيجزيه إذا بلغ الحرم. ووجه ما ذكرناه من نحر الهدي بمنى يوم النحر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذبح هديه بمنى يوم النحر، وقال: ((خذوا عني مناسككم}، فيجب أن يكون ذلك حكم هدي المحصر؛ لأنَّه هدي منع الحلاق قبله للحاج، وأبو يوسف، ومحمد، يوافقان على أنه ينحر يوم النحر.
وروى هناد بن السري نحوه عن عطاء. وفيه الاحتياط؛ لأنَّه لا خلاف أنَّما ذكرناه يجزي، واختلف في غيره. وأبو حنيفة يوافق في هدي التمتع أنَّه لا يجزي قبل يوم النحر، فوجب أن يكون كذلك هدي المحصر؛ لأنَّه هدي يتوصل به إلى الإحلال من الحج.
مسألة [في تحديد المحصر لوقت نحر هديه من يوم النحر]
قال: ويذكر له وقتاً من ذلك اليوم بعينه، فإذا كان بعد ذلك الوقت بقليل أو كثير، حلق رأسَه المحصرُ، وأَحلَّ من إحرامه، ويستحب له أن يحتاط في تأخير الحلق عن الوقت الذي واعد رسوله أن ينحر فيه. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب)(3) غير ما ذكرناه من الاستحباب، فإنه منصوص عليه في (الأحكام). وهو قول زيد بن علي عليهما السلام، وروى نحو قولنا عن عطاء، رواه هناد بإسناده، وعند غيرنا لا يُحل حتَّى يعلم أنَّه قد نحره.
ووجه ما ذهبنا إليه أنَّه لم يؤخذ عليه العلم في ذلك؛ لأنَّه لا خلاف أنَّه لا يلزمه مشاهدته، وإن لا يراعى تواتر الأخبار عنه، وهذان هما طريقا العلم، فإذا ثبت ذلك، ثبت أن المأخوذ عليه فيه غالب الظن، فإذا كان ذلك كذلك، وغلب في ظنه أن النحر قد وقع، جاز له أن يحل.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/294 وهو بلفظ قريب جداً.
(2) ـ انظر الأحكام 1/294 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ انظر المنتخب 105 وهو بلفظ قريب.

(46/5)


فإن قيل: أنتم تقولون أن الظن لا يكون له حكم حتَّى يكون حصوله عن أمارة، ووقوع النحر لا أمارة له عليه.
قيل له: نحن لا نجوز الإحلال إلاَّ إذا كان هناك أمارة، والأمارة تكون سلامة الطريق، وأن لا يكون بلغة، عائق عرض للرسول مع جريان العادة أنَّه إذا عرض له، نُقِل، وَحُدِّثَ به، وأن يكون من واعده موثوقاً به، فإذا حصلت هذه الأمارات جاز أن يحصل له ظن يتعلق به الحكم، ويمكن أن تحرر العلة بأن يقال: لا خلاف أنَّه إذا بلغه أن النحر قد وقع عن نفسين، أو ثلاثة، جاز له الإحلال، فكذلك ما ذكرناه، والمعنى حصول غالب الظن بوقوع النحر عن أمارة صحيحة، ومعنى قولنا صحيحة أن العادة جارية بكون مثلها أمارة للعقلاء.<