تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

ووجهه أن الظهار يصح تعليقه بالوقت؛ بدلالة حديث سلمة بن صخر أنه كان ظاهر من امرأته حتى ينسلخ شهر رمضان، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبو الخبر إلى آخر الحديث، فلما لم يقل له النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تعليقه بالوقت لا يصح، كان مقاراً له على ما أخبره به من تعليقه بالوقت، وإذا ثبت ذلك، صح تعليقه بالوقت، ووجب أن يصح تعليقه بالشرط كالطلاق والعتاق والإيمان؛ لأن ما جاز تعليقه بالوقت جاز تعليقه بالشرط، ومالم يجز تعليقه بالوقت، لم يجز تعليقه بالشرط، كالنكاح، والبيع؛ لأن الوقت جارٍ مجرى الشرط، وليس يلزم عليه الإجارة؛ لأنها يجب تعليقها بالوقت، ولا يجوز إلا كذلك، ومرادنا بالصحة هو أنه يجوز أن يُعلَّق بالوقت، وأن لا يعلق، فإذا صح ما بيناه من دخول الشرط في الظهار، وجب أن يقع به الحنثِ كما يقع به الطلاق، والعتاق، والأيمان؛ لأن معنى وقوع الحنث في الطلاق والعتاق ليس أكثر من حصول الشرط الذي عُلِّقا عليه، فكذلك الظهار.
مسألة: [في الظهار قبل النكاح]
قال: ولو أن رجلاً قال: إن تزوجت امرأة ـ بعينها، أو لا يعينها ـ فهي عليَّ كظهر أمي، ثم تزوج بها، لم يقع الظهار، إذ لا ظهار قبل النكاح. وهذا منصوص عليه في /178/ (الأحكام) (1) وبه قال الشافعي، قال أبو حنيفه: يكون مظاهراً إذا تزوج بها.
ووجه ذلك ما قدمناه في منع الطلاق قبل النكاح، يكشف ذلك ما أجمعنا عليه نحن وأبو حنيفة من أنه لا ظهار للمشرك، لَمَّا لم يوقع قوله تحريماً ترفعه الكفارة، فوجب أن لا يكون قول الرجل للأجنبية: أنت عليَّ كظهر أمي إن تزوجتك ظهاراً، لأنه قول لا يليه تحريم ترفعه الكفارة، على أنه إذا ثبت بالظواهر التي ذكرناها أنه لا طلاق قبل النكاح، فلم يفصل أحد بينه وبين الظهار، فوجب أن لا يكون ظهاراً قبل النكاح.
مسألة: [في الظهار من أكثر من زوجة]
__________
(1) انظر الأحكام 1/463.

(58/19)


قال: ولو أن رجلاً عنده نساء فظاهر منهن، كفَّر لكل واحدة منهن كفارة، فإن لم يطق العتق عن كلهن، أعتق(1) عن بعضهن، وصام عن بعضهن(2)، فإن لم يطق الصيام عن كلهن، صام عن بعضهن، وأطعم عن بعضهن(3)، وجميعه منصوص عليه في (الأحكام) (4).
أما ما ذكرناه من أنه إذا ظاهر منهن، كفر لكل واحدة منهن كفارة فهو قول زيد بن علي عليهما السلام وبه قال أبو حنيفة، وقول الشافعي: إن كان ظاهر من كل واحدة منهن ظهاراً مفرداً، فأما إن كان ظاهر من كل منهن بكلمة واحدة، فذكر ابن أبي هريرة عنه قولين ـ أحدهما: أن كفارة واحدة تجزي، والآخر: أن عليه لكل واحدة منهن كفارة.
والأصل في ما ذهبنا إليه أن الظهار يوجب تحريم الوطء، فإذا ظاهر منهن، فقد حرم وطء كل واحدة منهن، [وذلك التحريم لا يرتفع إلا بالكفارة، فوجب أن لا يحل له وطء واحدة منهن] حتى يكفر لها كفارة توجب رفع التحريم، ألا ترى أنه إذا طلق عدة من نسائه، لم يرتفع التحريم الواقع إلا بأن يراجع كل واحدة منهن، فكذلك التحريم الواقع بالظهار؛ لأن لكل واحدة منهن تحريماً لا يعم، كالتحريم الذي يحصل بإحرام الرجل وصيامه، على أن الأصول تشهد لذلك؛ لأن كل امرأة حرم وطؤها لأمر يختصها لا يرتفع ذلك التحريم إلا بأمر يختصها، على أن الشافعي لا يخالف فيمن ظاهر من كل واحدة منهن ظهاراً منفرداً أن عليه لكل واحدة منهن كفارة منفردة، فكذلك إذا ظاهر منهن بكلمة واحدة، والمعنى أنه مظاهر منهن.
__________
(1) في (أ): عتق عن بعض.
(2) في (أ): بعض.
(3) في (أ): بعض.
(4) انظر الأحكام 1/463.

(58/20)


وقلنا إنه إن لم يطق العتق عن كلهن، أعتق عن بعضهن، وصام عن بعضهن، وكذلك الإطعام؛ لأن الله تعالى أوجب التكفير بالعتق، وأجاز العدول عنه لمن لم يجد إلى الصيام سبيلاً، وأجاز العدول عن الصيام لمن لم يستطع إلى الإطعام سبيلاً، وإذا(1) أعتق عن واحدة، ولم يجد رقبة أخرى، جاز له العدول إلى الصيام، كما لو لم يجد الرقبة الأولى، كان له العدول إلى الصيام، وكذلك إذاصام عن واحدة، ثم لم يستطع، جاز له العدول إلى الإطعام.
مسألة: [في تكرار الظهار]
قال: ولو أن رجلاً ظاهر عن امرأته مرات كثيرة، أجزته عن جميعها كفارة واحدة، إن لم يكن كفَّر بينهن، فإن كان ظاهر، ثم كفر، ثم ظاهر، وجب عليه كفارة بعد كفارة عن كل ظهار، قل عدده، أو كثر. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2)، قال أبو حنيفة عليه لكل ظهار كفارة إلا أن يكون نوى بالثاني الأول، وهذا هو القول الجديد للشافعي، وقوله القديم مثل قولنا، وقال زيد بن علي عليهما السلام: إن كان قال ذلك في مجلس واحد، ففيه كفارة، وإن قاله في مجالس شتى، فلكل ما قاله في مجلس كفارة.
ووجه ما ذهبنا إليه أنه لا خلاف في أنه لا فصل بين أن يقول الرجل لزوجته أنت طالق، وبين أن يقول أنت طالق، أنت طالق في أن الرجعة الواحدة تكفي لرفع ما حصل من التحريم، فوجب أن لا يكون فصل بين قوله أنت عليَّ كظهر أمي، وبين أن يقع ذلك مكرراً، في أن الكفارة الواحدة تكفي في رفع ما وقع من التحريم، والعلة أنه لفظ له مدخل في تحريم الوطء، فوجب أن يكون تكريره لايوجب تكرير ما يرفع التحريم، ويدل على ذلك أيضاً أنهم لا يختلفون في أن من كرر الظهار، وأراد بالثاني /179/ والثالث الأولَ، فليس عليه إلا كفارة واحدة، فكذلك إن نوى ظهاراً بعد ظهار،
__________
(1) في (أ): فإذا.
(2) انظر الأحكام 1/463 ـ 464.

(58/21)


والمعنى أنه كرر لفظ الظهار من غير إن كان كفر ما تقدم، فوجب أن تجزئه كفارة واحدة، يؤكد ما ذكرناه أنا وجدنا في الأصول كل لفظة ترفع حكماً، فلا تأثير لتكريرها ما لم يكن إرتفاع حكم اللفظة الأولى، كلفظ البيع، والهبة، والوقف، والإجارة، والنكاح، والطلاق، والعتاق، فإذا ثبت ذلك، وجب ألا يكون لتكرير الظهار من بقاء حكم اللفظ الأول منه تأثير، وإذا لم يكن له تأثير، لم يجب له الكفارة؛ لأنه يكون كظهار الصبي والمجنون والمشرك، ويشهد لقياسنا أيضاً الإحداث، ألا ترى أن الحدث لما منع من الصلاة إلا بعد التطهر، كان الحدث الواحد كالأحداث الكثيرة في أن الطهارة الواحدة ترفع أحكامها، وكذلك الإجتناب لما كان مانعاً من الصلاة إلا بعد الإغتسال، كان لا فصل بين أن يحصل مرة أو مرات، كذلك حصول الحيض، والجنابة، على أن قياسنا ينقل حكمها بالكفارة الواحدة عما كانت عليه من تحريم وطئها، فكان أولى، على أن قياسنا يستند إلى ظاهر قوله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}، لأنه يوجب كفارة واحدة، ولم يستثن من كرر القول ممن أفرده، وكذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أمر أوس بن الصامت، وسلمة بن صخر، بالكفارة لم يأمر إلا بكفارة واحدة من غير أن يستعلم منهما التكرار للظهار أم لا، فكل ذلك يوضح صحة ما ذهبنا إليه.
فأما إذا ظاهر منها، ثم كفر، ثم ظاهر، فلا خلاف أن عليه كفارة أخرى، ولأنه لما كفر إرتفع التحريم الأول، فأوجب القول الثاني تحريماً ثانياً لا يرتفع إلا بالكفارة، وكذلك إن تكرر، ألا ترى أنه إذ طلق ثم راجع، ثم طلق، لم يرتفع حكم الطلاق الثاني إلا برجعة ثانية، وكذلك من باع شيئاً، ثم ملكه، ثم باعه ثانياً، افتقر إلى ما يعيده في ملكه ثانياً، وعلى هذا سائر الأصول.
مسألة: [في عتق المظاهر لمدبره كفارة له]

(58/22)


قال: ولا بأس أن يعتق الرجل مدبرة في كفارة الظهار. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1).
ووجهه أن المدبر عبد عَقْد رقه باقٍ. كما كان، وإن منعنا بيعه على بعض الوجوه، ألا ترى أنا نجيز بيعه في الدَين ولغيره من الضرورات، فإذا كان ذلك كذلك، جرى عتقه مجرى عتق سائر الأرقاء في أنه يجب أن يكون مجزئاً في الكفارة.
مسألة: [في ظهار غير المسلم]
قال: ولو أن كافراً ظاهر من امرأته، لم تلزمه الكفارة تخريجاً، وهذا مما دل كلامه عليه في (الأحكام)، وهكذا خرجه أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى في (النصوص)، وبه قال أبو حنيفة، قال الشافعي: يصح ظهاره.
ووجهه ما ذهبنا إليه أن الكفارة لا تصح من المشرك؛ لأن من شرط أدائها الإيمان، فإذا ثبت ذلك، وجب أن يكون قوله لزوجته أنت عليًّ كظهر أمي لا يوجب تحريماً ترفعه الكفارة، فوجب ألا يكون ذلك ظهاراً، ولا تلزمه الكفارة، دليله لو قال لأجنبية، أو لأمته، ألا ترى أن ذلك لما لم يوقع تحريماً ترفعه الكفارة لم يكن ظهاراً، وإذا قاله المسلم لزوجته، ووقع به تحريم ترفعه الكفارة، كان ظهاراً، على أن الأصل ألاَّ ظهار، وأن الكفارة غير واجبة، وأن الوطء غير محرم، وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ}، فجعل الخطاب لنا دون المشركين، على أن قوله بعد ذلك: {مَا هُنَّ أُمُّهَاتِهِمْ}، قد علمنا أن المشرك والمسلم فيه سواء، فلم يبق لتخصيصنا بقوله تعالى: {الَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ}، فائدة إلا تخصيصنا بحكمه.
__________
(1) انظر الأحكام 2/177.

(58/23)


باب القول في الإيلاء
[مسألة: في كيفية الإيلاء ومدته]
إذا آلى الرجل من امرأته، وهو أن يحلف بالله تعالى ألا يجامعها أربعة أشهر فما فوقها تُرك أربعة أشهر، ثم وقفه الإمام، وقال له فء إلى زوجتك، وكفر يمينك، أو طلقها. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
لا خلاف أنه إذا حلف ألا يجامعها أكثر من أربعة أشهر يكون /180/ مولياً وإذا حلف أن لا يجامع امرأته أقل من أربعة أشهر لا يكون مولياً، إلا ما حكي عن قوم من المتقدمين أنهم جعلوا الإيلاء صحيحاً، وإن كان بدون أربعة أشهر.
وإنما الخلاف الآن إذا حلف على أربعة أشهر فقط، فإن أبا حنيفة يجعله مولياً، والشافعي يخالف فيه، وكذلك مالك.
والذي يدل على أنه مولٍ قوله تعالى: {لِلَّذِيْنَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ..} الآية، فجعل سبحانه هذه الأحكام جارية على كل مول من امرأته من غير اشتراط المدة، فوجب أن يكون كل حالف داخلاً فيه، قلَّت مدة حلفه أم كثرت إلا، ما منعه الدليل، لأن الألية في اللغة هي: الحلف، فكل حالف مول، فلما ثبت أن من حلف أن لا يجامعها أقل من أربعة أشهر ليس بمول حكماً، خصصناه للدلالة، وبقي الباقي على حكم العموم.
فإن قيل: الإيلاء وإن كان في اللغة على ما ذكرتم، فإن الشرع قد أكسبه حكماً وصفة لم تكن في اللغة، فمن أين لكم أن الحالف على دون أربعة أشهر يكون مولياً حتى يصح ما ادعيتم من تناول الظاهر له؟
__________
(1) انظر الأحكام 1/433.

(59/1)


قيل له: الشرع وإن جعل له حكماً زائداً، فلم يمنع أن يكون اسماً لكل حلف، فالواجب على هذا أن يعتبر ما يقتضيه الشرع، والشرع لم يقصره على مدة دون مدة، وإنما دل الإجماع على أن أحكام الإيلاء لا تتوجه على من آلى بدون أربعة أشهر، فيجب أن نقول به، ونقول فيما زاد على ذلك بما اقتضاه العموم، وليس كمخالفنا أن يقيس أربعة أشهر على مادونها إلا ولنا أن نقيسها على ما فوقها، ثم يكون قياسنا أولى؛ لإستناده إلى الظاهر؛ لأنه يفيد شرعاً وينقل.
فإن قيل: فأنتم تقولون بالوقف في الإيلاء، ولا وقف إلا بعد مضي أربعة أشهر، ولا وجه للوقف مع إنقضاء مدة اليمين.
قيل له: لسنا نسلم أنه لاوقف إلا بعد إنقضاء مدة اليمين، بل هو واجب متى دل الشرع عليه، ألا ترى أنه قد يطالب بالفيء، وإن لم يقتضِ الفيء حنثاً، وذلك إذا كان المولي ممنوعاً من الوطء لمرض أو نحوه فإنه يفيء بلسانه، ومع هذا لا يحصل حانثاً، فبان أن حكم الوقف لا يتعلق باليمين. وإذا جاز ذلك، لم يمتنع أن يوقف بعد مضي مدة اليمين حتى يفيء أو يطلق، وإن كان فيؤه لا يقتضي حنثاً.
وهذا الذي ذهبنا إليه هو قول علي عليه السلام، رواه زيد بن علي، عن أبيه عن جده، عن علي عليه عليهم السلام قال: الإيلاء: القسم، وهو الحلف، فإذا حلف الرجل أن لا يقرب امرأته أربعة أشهر أو أكثر من ذلك، فهو مول، وإذا كان دون أربعة أشهر، فليس بمول، وروي نحوه عن ابن عباس.
مسألة: [في وقف المولى بعد مضي أربعة اشهر]
والوقف ما ذهبنا إليه من أن الإمام يقفه بعد مضي أربعة أشهر حتى يفيء، أو يطلق، وهو المحفوظ عن علماء أهل البيت عليهم السلام، وبه قال مالك، والشافعي، وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام، رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنه قال كان يوقف المولي بعد مضي أربعة أشهر فيقول: إما أن يفيء، وإما أن يطلق.

(59/2)


قال أبو حنيفة يقع الطلاق بمضي المدة، وروي ذلك عن ابن مسعود، والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه قول الله تعالى: {لِلَّذِيْنَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ..} الآية.
ووجه الإستدلال منه هو أنه تعالى جعل لهم الفيء على الإطلاق، ولم يشترط لذلك قبل المدة ولا بعدها، فكان بعد المدة وقتاً له، كما أنه قبل المدة وقت له، بدلالة أنه يجوز أن يؤكد له ما قبل المدة، كما يجوز أن يؤكد ما بعدها، ويجوز أن يستثني ما بعد المدة، كما يجوز أن يستثني ما قبلها، فلما ثبت أن بعد المدة تمت إلى الفيء، كما تمت قبل المدة، علُم أن الجميع وقت له، فإذا ثبت ذلك، ثبت أن الطلاق لا يقع بإنقضاء المدة، إذ وقوع الطلاق يمنع الفيء، فثبت بذلك ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: فلو صح الفيء بعد المدة كما يصح قبلها، لم يكن لضرب المدة معنى.
قيل له: يكون له معنى صحيح، وفائدة ظاهرة(1)، وذلك أن الفيء قبل المدة جائز غير واجب على الزوج، ولا يجوز أن يطالَب به، وبعد المدة يصير خارجاً عن الجواز إلى الوجوب ويتوجه المطالبة به على الزوج، وهذا مثل أن يشتري الرجل /181/ شيئاً مؤجلاً إلى شهر، ألا ترى أن توفية الثمن في الشهر وبعد الشهر صحيحة، إلا أنها قبل إنقضاء الشهر تكون جائزة، وبإنقضاء الشهر تكون خارجة عن الجواز إلى الوجوب، ويصح المطالبة به، فيكون ذلك فائدة ضرب الأجل، فكذلك القول في فائدة ضرب مدة الإيلاء.
فإن قيل: فإن الله تعالى جعل للمولي تربص أربعة أشهر، وأنتم إذا جعلتم له الفيء بعد المدة، فقد زدتم في المدة التي ضربها الله تعالى وحدَّها.
__________
(1) في (أ): صحيحه.

(59/3)


قيل له: لسنا نزيد في هذه المدة؛ لأن المدة مضروبة لامتناع توجه المطالبة بالفيء عليه لا لوقوع الفيء، فنحن إذا قلنا: إن المطالبة تصح بعد المدة لا يكون زيادة في المدة، ألا ترى أن من لزمه أداء المال بعد شهر إذا قلنا إن التوفية تكون بعد إنقضاء الشهر، لا تكون زيادة في مدة الأجل، فكذلك لا نكون زدنا في مدة الإيلاء إذا جوزنا الفيئة بعد المدة، على أن المخالف يقول: إن أجل العِنِّين حول، وتخير المرأة بعد الحول، وليس يقول: إن ذلك زيادة في المدة، فكذلك ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: قوله تعالى: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيْمٌ}، بعد قوله سبحانه: {لِلَّذِيْنَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَربُّصُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}، يدل على أن الفيء يجب أن يكون بعد الإيلاء؛ لأن الفاء توجب التعقيب.
قيل له: لا فصل بينك وبين من يقول(1): إنه يجب أن يكون بعد مضيِّ مدة تربصٍ؛ لأن الفاء توجب التعقيب، ألا ترى أنه قال تعالى: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيْمٌ}، بعد قوله: {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}.
فإن قيل: قد ثبت أن الفيء مراداً قبل مضي المدة.
قيل له: وما في ذلك ما يمنع كونه مراداً بعدها، على أن قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ} يدل ظاهره على أن هناك مسموعاً يتعلق به الحكم، وهذا يدل على أنه لا بد من الطلاق إن لم يكن فيء.
فإن قيل: إن هذا لا يجب؛ لأن الله تعالى قال: {وَقَاتِلُوا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ}، وليس هناك مسموع يتعلق به الحكم؟
__________
(1) في (أ): قال.

(59/4)


قيل له: نحن قلنا: إن الظاهر يقتضي ما قلناه، ولم نقل: إن خلافه يستحيل، ألا ترى أن قول من يقول: أما علمت أن فلاناً يسمع، يدل على أن هناك مسموعاً، وقوله: أما علمت أن فلاناً يرى، يدل على أن هناك مرئياً، على أن الله تعالى قال: {إِذَا لَقِيْتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا}، وقال أيضاً: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيْحُكُمْ}، فقد صح أن عند القتال مسموعاً يتعلق به الأمر، ومسموعاً يتعلق به النهي، فيسقط ما سألوا عنه.

(59/5)


ومما يدل على ذلك ما أجمعنا عليه من أن من آلى من امرأته دون أربعة أشهر، لا يقع عليها الطلاق بالإيلاء، وانقضاء المدة، فكذلك من الأربعة الأشهر، والعلة أنه مُولٍ، وكل مولٍ لا يقع طلاقه بالإيلاء، وانقضاء المدة، وليس لهم أن يمتنعوا من إجراء سمة المولي على من آلى دون أربعة أشهر؛ لأنا أردنا المولي من طريق اللغة، ولا إشكال أن الألية في اللغة اسم للحلف، وأن كل حالف مولٍ في اللغة، على أنا لو عدلنا عن اسم المولي إلى اللغة لاتَّسقَ الكلام، وزال الشغب، وأيضاً لما ثبت أن الإيلاء لا يقع به طلاق معجل، لم يجز أن يقع به طلاق مؤجل، قياساً على سائر الأيمان، وعلى سائر ماليس بصريح في الطلاق، ولاكناية، على أن الطلاق لو وقع، لم يكن الموجب لإيقاعه إلا اليمين نفسها، أو انقضاء المدة المحلوف عليها، أو انقضاء أربعة أشهر، ولا يجوز أن يكون الموجب لإيقاعه هو اليمين؛ لأن اليمين لا مدخل لها في إيقاع الطلاق، ولأنها لو كانت توقع الطلاق لوجب أن تطلق المرأة في الحال إذا قال لها: والله لا أجامعك من غير ذكر المدة، ولا يجوز أن يكون لانقضاء المدة المحلوف عليها؛ لأن ذلك لو وجب لوجب أن يقع الطلاق بانقضاء ثلاثة أشهر إذا حلف عليها بانقضاء سنة إذا حلف عليها، ولأن مرور الزمان لا يوقع الطلاق، فكذلك لا يوجب ذلك انقضاء أربعة أشهر، كما لا /182/ يوجبه انقضاء ما زاد عليا أو نقص منها، وإذا ثبت ذلك، ثبت أن الطلاق لا يقع مالم يوقعه المالك للبضع.
فإن قيل: إن مرور الزمان قد يوقع البينونة، ألا ترى أن من طلق امرأته تطليقة واحدة رجعية تَبِينُ الزوجة منه بانقضاء زمان العدة، فما أنكرتم أن يكون ذلك سبيل زمان الإيلاء؟

(59/6)


قيل له: عندنا أن الموقع للبينونة هو الطلاق، وإن وقعت بشرط انقضاء زمان العدة، وقد بينا أن ذلك لا يصح أن يقال في اليمين، فلا يصح أن يقال: إن مرور الزمان شرط فيه، على أن ما كان إجماعاً لأهل البيت عليهم السلام، أو قولاً لأمير المؤمنين عليه السلام، فلا يجوز عندنا خلافه، على أن الأصل أن النكاح ثابت فلا يرتفع إلاَّ بالدليل، فوضح بجميع ذلك ما ذهبنا إليه.
مسألة: [في حبس الإمام للْمُولى]
قال: فإن أبى(1)، حبسه الإمام، وضيَّق عليه حتى يفيء، أو يطلق. وهذا منصوص عليه في (الإحكام) (2). وبه قال الشافعي في أحد قوليه، وله قول آخر، وهو أن الإمام يضيق عليه إن أبى.
ووجهه: ما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنه كان يقف المولي بعد أربعة أشهر فيقول: إما أن يفيء، وإما أن يطلق.
وفي حديث ابن ضميرة(3)، عن إبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنه كان يقول: إذا آلى الرجل من امرأته، لم يقع عليها طلاق، وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف، فإما أن يطلق، وإما أن يفيء.
__________
(1) في (أ): فإن امتنع ورأى حبسه الإمامُ حبَسه حتى يفيء.
(2) انظر الأحكام 1/433 ـ 434.
(3) في (ب): ابن أبي ضميرة.

(59/7)


وأيضاً لا خلاف أن الإمام لا يُطَلِّق على غير المولي، فكذلك لا يطلق على المولي، والمعنى أنه تفريق بطلاق، وكل تفريق بطلاق لا يلزم أحداً كرهاً، على أنا وجدنا الأصول شاهدة لذلك، وهو أن الحاكم قد يزوج الصغير ولا يُطلِّق عليه، والسيد يزوج عبده عند كثير من العلماء ولا يُطلِّق عليه، على أن الله تعالى جعل الخيار للزوج بقوله: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيْمٌ}، فلو جعلنا للإمام أن يطلق عليه، كنا قد أوجبنا قطع خياره، وذلك خلاف الآية، على أنه لا خلاف أنه ليس للإمام أن يفيء عنه قولاً، فكذلك ليس له أن يطلق عنه، والعلة أن كل واحد منهما حق على الزوج اقتضاه الإيلاء، فلم يجز أن يتولاه الإمام بغير إذنه، وليس لهم أن يقولوا إن الفيء لا يتأتى منه؛ لأن الفيء بالقول يتأتَّى منه، ولا خلاف أيضاً أن من ضار امرأته بترك الإنفاق عليها أن الإمام لا يطلِّق عليه، فكذلك المولي، والعلة أن له العدول عن الطلاق إلى غيره.
مسألة: [متى يقف الإمام المولى؟]
قال: ولا يقفه الإمام قبل مضي أربعة أشهر، وإن مضت أربعة أشهر ومضى بعدها زمان طويل لم يُرفع إلى الإمام، وقفه الإمام متى رفع إليه. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1)، ولا خلاف في ذلك بين الذين قالوا بالوقف.
والأصل فيما قلناه من أنه لا يوقف قبل مضي أربعة أشهر قول الله تعالى: {لِلَّذِيْنَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ}، فلو وقفناه قبل مضي هذه المدة، كنا قد حرمناه ما جعلت الآية له من تربص أربعة أشهر.
__________
(1) انظر الأحكام 1/433 ـ 434.

(59/8)


ووجه ما ذكرناه من أنه إذا لم يُرفع إلى الإمام بعد مضي أربعة أشهر، وقفه متى رفع إليه، ثبت أنه حق ثبت للمرأة بعد انقضاء هذه المدة فلها المطالبة به متى شاءت، كسائر حقوقها، وسبيل ما ذكرناه أن يكون للرجل حق على آخر مؤجل إلى شهر، ألا ترى أنه لا يجوز لصاحب الحق المطالبة له قبل مضي الشهر، وله /183/ المطالبة بعد مضي مدة الأجل أي وقت شاء، وأنه متى رفع إلى الإمام، طالبه به، وروى أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى في (النصوص) بإسناده عن علي عليهم السلام أنه وقف رجلاً آلى من امرأته بعد سنة.
مسألة: [في معنى الفيء]
قال: والفيء هو أن يجامع، أو يقول بلسانه: قد فئت ورجعت عن يميني، إن لم يستطع الجماع لمرض، أو سفر. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) ومروي عن القاسم عليه السلام، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وذلك لقول الله تعالى: {فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيْمٌ}، والفيء هو الرجوع، فإذا رجع عن يمينه بالقول، دخل في العموم.
قإن قيل: فهذا يوجب أن الرجوع باللسان يكفي، وإن قدر على الجماع.
__________
(1) انظر الأحكام 1/434 ـ 435.

(59/9)


قيل له: هذا هو حكم الظاهر، لكنْ لما أجمعوا على أن الفيء باللسان مع القدرة على الجماع غير كافٍ، قلنا به، وأيضاً لما وجدنا المولي له الخيار بين الفيء والطلاق في إسقاط حكم الإيلاء ، وكان يصح وقوع الطلاق من جهة القول، وجب أن يصح وقوع الفيء من جهة القول، والمعنى أن كل واحد منهما مما جعل للمولي إختياره، وليس لأحد أن يقول : إن قولكم في الطلاق إنه من جهة القول لا معنى له؛ لأنه لا يصح إلا من جهة القول، وما كان كذلك، لم يعبر عنه بأنه يصح، بل يعبر عنه بأنه يجب، وذلك أن الطلاق(1) يصح وقوعه بالكناية دون القول، فصح ما أطلقناه من العبارة، على أنه قد ثبت عندنا وعند أبي حنيفة أنه يقع القول في الرجعة موقع الوطء، فوجب أن يقع ذلك موقع الوطء في الإيلاء، والمعنى أن كل واحد منهما رجوع من الزوج في حكم ما ألزم نفسه في النكاح، وأيضاً لا خلاف أن الحاكم لا يطالبه بالوطء للمرأة في مجلس الحكم، ولا في الحبس الذي معه فيه غيره، وأنه إذا قال: قد فئت، يؤجَّل حتى ينصرف إلى موضعها، فيقع القول إذ ذاك موقع الوطء، وكذلك إذا كان مريضاً أو مسافراً، والعلة أن له عذراً في ترك الوطء وكل مولٍ له عذر في ترك الوطء، قام فيه القول مقام الوطء في اسقاط المطالبة عنه بالفيء.
مسألة: [في الفيء قبل انقضاء المدة]
قال: وإذا آلى الرجل من امرأته أربعة أشهر، ثم أراد أن يفيء قبل مضي أربعة أشهر، ولم يقدر على الجماع، فاء بلسانه، وإن قدر على الجماع، لم يجز أن يؤخر ساعة. وإن كانت المسألة بحالها، لكنْ أراد أن يفيء إليها بعد مضي أربعة أشهر، لم يضيق عليه تأخير الجماع بعد القدرة عليه. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2)، ونص فيه أيضاً على أنه إن كان آلى منها عشرة أشهر، كان القول فيها في هذا الباب كالقول إذا آلى أربعة أشهر.
__________
(1) في (أ): الطلاق وقوعه.
(2) انظر الأحكام 1/435.

(59/10)


ووجه ما ذكرناه أن حكم الإيلاء يقوى مع بقاء مدة اليمين، فلهذا قال: إنه إذا(1) قدر على الجماع بعد الفيء باللسان في المدة، لزمه الجماع، ولم يجز تأخيره، وأنه بتأخيره يكون مبطلاً للفيء الذي أتى به بلسانه، ألا ترى أن التيمم لما قام مقام الماء عند الضرورة، كان التمكن من الماء يُبطل حكم التيمم، ألا ترى أنه لو تمكن من الماء بآخر وقت الصلاة، لم يجز له تأخير الوضوء؛ لتأكد حال وجوبها في الوقت، وكذلك قال أصحابنا: إن الخطأ في القبلة وما جرى مجراها يوجب الإعادة متى علمه(2) في الوقت، ولا يوجب الإعادة متى لم يعلم به إلا بعد تصرم الوقت، لَمَّا كان تأكد وجوبها في الوقت أقوى، وأما(3) بعد انقضاء مدة اليمين، فيجب أن يكون حكم الإيلاء أخف، فلذلك(4) أجزنا تأخير الوطء إذا قدر عليه بعد(5) الفيء /184/ بلسانه؛ لتعذر الوطء، على أن ما ذهبنا إليه من أنه لا يجوز له تأخير الوطء لمدة اليمين إذا قدر عليه بعد الفيء بلسانه مما لا خلاف فيه.
فإن قيل: فَلِمَ قلتم إن حكم الإيلاء مع بقاء مدة اليمين أقوى؟
قيل له: لوجهين: ـ
أحدهما: أن بقاء حكم الإيلاء مما أجمع عليه قبل مضي أربعة أشهر، وأجمع القائلون بالوقف عليه بعد انقضاء أربعة أشهر، فصار أقوى.
والثاني: أن الإيلاء في الأصل تعلق حكمه في الحنث، ووجوب الكفارة، وإن قلنا نحن: إنه قد يحصل حكمه مع إرتفاع حكم الحنث ووجوب الكفارة، إلا أنه فرع على ذلك الأصل، فالأصل إذاً يجب أن يكون أقوى .
مسألة: [فيمن آلى ثم طلق وراجع في مدة الإيلاء]
__________
(1) في (أ): أن.
(2) في (ب): علم به.
(3) في (أ): فأما.
(4) في (ب): فكذلك.
(5) في (أ): بعدما فاء بلسانه.

(59/11)


قال: ولو أن رجلاً آلى من امرأته، ثم طلقها، ثم راجعها قبل انقضاء مدة الإيلاء، وجب أن يوقف بعد انقضاء أربعة أشهر، وكذلك لو تزوجها ثانياً، وجب أن يوقف بعد انقضاء أربعة أشهر، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق ثانياً. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1) ونص في (المنتخب)(2) على نحوه.
ووجه ما ذكرناه، أنه إذا راجعها، وتزوجها ثانياً مع بقاء مدة الإيلاء، رجع عليه حكم الإيلاء: حصول النكاح بكماله في مدة الإيلاء، ألا ترى أنه وجب أن يوقف قبل الطلاق لحصوله مولياً مع بقاء كمال النكاح، بدلالة أنه لو آلى منها، ثم طلقها، لم يوقف، فإذا ثبت ذلك، بان أن وجوب الوقوف كما ذكرناه، فلا فصل إذاً بين إبتداء الحال في ذلك وبين العود إليها، ونص أيضاً في (المنتخب) (3) على أنه لو طلقها ثانياً بعد المراجعة الأولى، ثم راجعها ثانياً في مدة الإيلاء، وجب أن يوقف.
وظاهر كلامه في (المنتخب) يدل على انه لو طلقها ثلاثاً، ثم نكحت زوجاً غيره، ثم طلقها، ثم تزوجها الأول مع بقاء مدة الإيلاء، رجع عليه حكم الإيلاء، وبه قال زفر، حكاه عنه أبو الحسن الكرخي في (المختصر).
قال أبو حنيفة: لا يرجع عليه حكم الإيلاء بعد الطلاق الثلاث.
ووجهه ما بيناه من تعلق ذلك بحصول النكاح في مدة الإيلاء.
مسألة: [في الفيء قبل انتهاء المدة]
قال: ومن فاء إلى زوجته قبل انقضاء المدة التي حلف عليها، لزمه تكفير يمينه. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (4) و(المنتخب) (5)، وهو مما لا أحفظ فيه خلافاً بين عامة العلماء، وحكي عن الحسن أنه لا كفارة عليه بقوله تعالى: {فَإِنْ فَاؤُا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيْمٌ}.
__________
(1) انظر الأحكام 1/435.
(2) انظر المنتخب 159.
(3) انظر المنتخب 160.
(4) انظر الأحكام 1/433.
(5) انظر المنتخب 159.

(59/12)


والأصل فيه: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من حلف على شيء، ثم رأى غيره خيراً منه، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه) وقد قال الله تعالى: {لاَ يُؤَآخِذْكُمُ اللَّهُ بِالْلَّغْوِ فِيْ أَيْمَانِكِمْ}.
مسألة: [فيما ينعقد به الإيلاء]
قال: ولو حلف بطلاق امرأته ألا يجامع امرأته لم يكن ذلك الإيلاء(1)، ولا يكون الإيلاء إلا إذا حلف بالله. وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (2)، ودل عليه كلامه في (الأحكام) (3)، وبه قال الشافعي في القديم ، وقال في الجديد: يكون مولياً بالطلاق، والعتاق، والنذر، وبه قال أبو حنيفة إلا في الصلاة، فإنه إن قال: لله عليَّ(4) أن أصلي إن جامعتك، لم يكن عنده إيلاء، وذكر أبو بكر الجصاص أن القياس يقتضي أنه لا يكون مولياً إلاَّ إذا حلف بالله.
والأصل في ذلك: قول الله تعالى: {لِلَّذِيْنَ يُؤْلُوْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} والألية هي اليمين في اللغة، وقد قال الله تعالى بعد ذكر الكفارة: {ذَلِكَ كَفَارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ}، واليمين الذي(5) يكون ذلك كفارة لها هي اليمين بالله تعالى.
__________
(1) في (أ): إيلاء.
(2) انظر المنتخب 160.
(3) انظر الأحكام 1/433.
(4) في (ب): عليه.
(5) في (أ): التي.

(59/13)


ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من حلف على أمر، فرأى غيره خيراً منه، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه)، فدل ذلك على أن اليمين هي التي تتعلق بها الكفارة لإيجابه صلى الله عليه وآله وسلم الكفارة على كل حالف خالف ما حلف عليه، وليس /185/ ذلك إلا اليمين بالله، فكل ذلك يبين أن اليمين في الشرع الحلف بالله دون ما عداه، ويبين ذلك أيضاً أن المفهوم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه)) هو اليمين بالله تعالى على عرف الشرع، فإذا ثبت ذلك وجب أن يحمل قوله تعالى: {لِلَّذِيْنَ يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ}، على الحلف بالله تعالى دون ما عداه.
فإن قيل: فقد يقال: إن فلان حلف بالطلاق وبالعتاق وبصدقة ما يملك ونحوه، ويجري عليه اسم الحالف، وقد ذكر ذلك صاحبكم في كتبه وذكرتموه؟
قيل له: نحن لا نمنع أن يجري ما ذكرتم من اسم الحالف واليمين، ولكن ذلك على ضرب من التجوز، لأن جميع ذلك ليس بيمين في الحقيقة، وإنما هو طلاق مشروط، أو عتق مشروط، أو صدقة مشروطة، وما ذكرتم من أن فقهاءنا وفقهاءهم قد استعملوا ذلك وأطلقوه في الكتب، فهو صحيح، إلا أنه لايمنع أن يحصل للفقهاء عرف في بعض الألفاظ فيشيع استعماله فيهم، كما يتفق ذلك باصطلاح المتكلمين والنحاة وغيرهم، ولا يجوز أن يحمل على شيء من ذلك خطاب الله سبحانه وتعالى ولا خطاب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما يجب حملهما على صريح اللغة، أو عرفها، أو عرف الشرع، وقد ثبت أن الشرع قد اقتضى أن يكون اسم اليمين على الإطلاق يتناول اليمين بالله تعالى، فوجب أن يحمل عليه خطاب الله دون ما سواه،
ومما يدل على ذلك أنه لا خلاف في أن من حلف بالكعبة، أو بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يكون مولياً، فكذلك من حلف بالطلاق والعتاق والحج وغير ذلك،

(59/14)


والعلة أنه حلف بغير الله تعالى فوجب أن لا يكون مولياً، على أن أبا حنيفة لا يخالف في أن الرجل لو قال: إن جامعتك، فعليَّ كذا ركعة من الصلاة، أنه لا يكون مولياً، فكذلك سائر ما ذكرناه للعلتين اللتين ذكرناهما ، وحكي عن مالك أنه قال: إذا حلف أن لا يجامعها غير قاصد إلى مضارتها كأن يكون بها علة تصده عن الجماع ونحوه، فإنه لا يكون مولياً، فيمكن أن يقال(1): إنه إذا حلف بالطلاق على هذا الوجه أنه لا يكون مولياً، فكذلك إذا حلف به على غير ذلك الوجه، والعلة ما ذكرناه، والأصول شاهدة لنا؛ لأنا وجدنا كل يمين يحصل بها حكم منفصل عنها، كإسقاط حق المدعي، أو إثبات حق المدعَى عليه، أو لزوم الكفارة، إنما هو اليمين بالله تعالى دون ما عداه؛ لأن الحلف بالطلاق يقع نفسه بحصول الشرط الذي عُلِّق به، وكذلك العتاق والنذر، فلما ثبت ذلك، وجدنا الإيلاء يُثبت حكماً منفصلاً عنه، كالوقف أو الطلاق، وقوعه أو لزومه على حسب الخلاف فيه، وكذلك الكفارة، وجب أن يكون ذلك يميناً بالله تعالى دون ما سواه.
مسألة: [في الإيلاء بغير ذكر المدة]
قال: وإذا حلف الرجل أنه لا يجامع امرأته ولم يذكر المدة، كان ذلك إيلاء. وهذا مما رواه يحيى عليه السلام في (الأحكام) (2) عن القاسم عليه السلام، ودل عليه بقوله: فيه الإيلاء، أن يحلف على أربعة أشهر فما فوقها مع تنصيصه على أن إطلاق اليمين تقتضي التأبيد، والمطلق ليمين الإيلاء مول للتأبيد، فهو مول لأكثر من أربعة أشهر.
__________
(1) في (أ): يقال له.
(2) انظر الأحكام 1/434.

(59/15)


وقال في (المنتخب) (1): إنه إذا(2) أطلق اليمين لم يكن مولياً، وكان أبو العباس الحسني رضي الله عنه: ينصر رواية (المنتخب) ويحمل عليه ما في (الأحكام) والصحيح عندي ما ذكره أولاً، وهو المحفوظ عن الفقهاء؛ لأن الله تعالى قال: {لِلَّذِيْنَ يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ}، فوجب أن يكون ذلك حكم كل مول إلا ما منع منه الدليل، فلما ثبت بالإجماع بأن المولي على أقل من أربعة أشهر لا يكون مولياً، خصصناه، وبَقَّيْنَا ما عداه على حكم الظاهر، والمخالف في هذا لا يجد بداً من أن /186/ يُقدِّر في الآية ما ليس فيها، وهو أن يقول تقديرها للذين يؤلون من نساءهم أربعة أشهر تربص أربعة أشهر وهذا خلاف الظاهر، على أن من يخالف في هذا لا ينكر أن يكون مولياً إذا حلف(3) على أربعة أشهر فما فوقها، فكذلك من أطلق الإيلاء، والعلة أن يمينه تناولت أربعة أشهر فما فوقها.
ووجه رواية (المنتخب) أن الإيلاء معتبر فيه اللفظ، فيمين الْمُطْلق للإيلاء وإن تناولت أربعة أشهر فما فوقها، واقتضت(4) التأبيد، فإنه غير ملفوظ به، فوجب أن لا يقع الإيلاء، ويمكنه أن يفسر ذلك على من آلى دون أربعة أشهر بعلة أنه لم يذكر في الإيلاء أربعة أشهر فما فوقها، فإن حلف على ما دون ذلك، لم يكن مولياً.
مسألة: [في من آلى على دون أربعة أشهر]
قال: ولا إيلاء إلا أن يحلف على أربعة أشهر فما فوقها، فإن حلف على ما دون ذلك، لم يكن مولياً.
__________
(1) انظر المنتخب 159.
(2) في (أ): أن.
(3) في (ب): عكف.
(4) في (ب): ولا اقتضت.

(59/16)


وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1) و(المنتخب) (2)، وقد بينا فيما مضى أن الرجل إذا حلف على أربعة أشهر فما فوقها يكون مولياً، والمحفوظ عن العلماء أجمع أنه لا إيلاء في أقل من أربعة أشهر، وحكي عن قوم من المتقدمين أنهم جعلوه إيلاء، والإجماع الحاصل بعدهم يسقط ذلك القول على أنه روى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام الحديث الذي بينا أنه قال: (إذا كان دون أربعة أشهر، فليس بمول)، وروي عن ابن عباس أنه قال: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين، فوقَّت الله تبارك وتعالى أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه دون ذلك، فليس بإيلاء، وإذا ثبت ذلك عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس رضي الله عنه، ولم يرو خلافه عن غيرهما من الصحابة، جرى مجرى الإجماع منهم، على أن ما ثبت عن علي عليه السلام فمن أصلنا أنه لا يجوز خلافه، على أنه قد ثبت أنه لا يلزمه حكم الإيلاء من الوقوف أو الطلاق على حسب الإختلاف فيه إذا حلف على أقل من أربعة أشهر عند انقضاء مدة اليمين ولا قبلها، فوجب ألا يلزمه بعدها، دليله لو حلف أيضاً أن يضارها، أو يسيء عشرتها مدة من الزمان، ألا ترى أنه لما لم يلزمه حكم الإيلاء عند انقضاء مدة يمينه هذه ولا قبلها، لم يلزم بعدها.
__________
(1) انظر الأحكام 1/434.
(2) انظر المنتخب 159.

(59/17)


باب القول في اللعان
[مسألة في شروط المتلاعنين]
اللعان يقع بين الرجل وزوجته إذا كانا حرين بالغين عاقلين مسلمين، أو كانت المرأة حرة، فإن كانا كافرين، أو مملوكين، أو كانت المرأة مملوكة، أو كان أحدهما صغيراً أو مجنوناً، فلا لعان بينهما. نص في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2) في كتاب الحدود على أنه لا حد على من قذف كافراً.
ونص في كتاب الحدود من (الأحكام) (3) على أن الصغيرة إذا قذفها زوجها، فلا حد عليه، لأنها ممن لا يحد فقلنا: إنهما إذا كانا صغيرين، أو كان أحدهما مجنوناً، فلا لعان(4) بينهما. ونص في (الأحكام) (5) و(المنتخب) (6) أن الزوج إذا كان حراً، وزوجته أمة، فقذفها، فلا لعان بينهما، ونص فيهما(7) جميعاً على أن الزوج إذا كان عبداً، وكانت الزوجة حرة، فقذفها، كان بينهما اللعان، إعتباراً بأن يكون الزوج ممن يحد لها إذا قذفها.
والأصل في ذلك: قول الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ أَزْوَاجِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسِهِمْ}، بعد قوله: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتُ}.
__________
(1) انظر الأحكام 2/ 268 ، 239.
(2) انظر المنتخب 420 ، 161.
(3) انظر الأحكام 2/268.
(4) في (أ) و (ب): حد وظنن على لعان في الهوامش.
(5) انظر الأحكام 2/269.
(6) انظر المنتخب 420 ، 161.
(7) انظر الأحكام 2/269، والمنتخب 161.

(60/1)


وورد في ذلك ما أخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، حدثنا الناصر للحق عليه السلام، حدثنا الحسين بن يحيى، /187/ حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون، عن أبي مالك الجنبي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءِ}، قال عاصم بن عُدي: أرأيت(1) يا رسول الله، لو وجدتُ رجلاً على بطن امرأتي، فقلت لها: يا زانية أتجلدني ثمانين جلدة؟ قال: كذلك يا عاصم نزلت الآية، فخرج سامعاً مطيعاً، فلم يصل إلى منزله حتى استقبله هلال بن أمية، وكان زوج ابنته خولة بنت عاصم، فقال: الشر. قال: وماذاك؟ قال: رأيت شريك بن سحماء على بطن امرأتي خولة يزني بها، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره هلال بالذي كان، فبعث إليها، فقال: (ما يقول زوجك)؟ فأنكرت ذلك، فأنزل الله تعالى آية اللعان: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ..} الآية، فأقامه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد العصر على يمين المنبر، فقال: ((ياهلال ائت بالشهادة)) ففعل، حتى قال: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فقالت: يارسول الله كذب، فأقامها مقامه، فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية، وإنه لمن الكاذبين، حتى قالت: والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرَّق بينهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: ((لا تجتمعان إلى يوم القيامة)). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن وضعت ما في بطنها على صفة كذا وكذا، فالولد لزوجها))، وإن وضعته على صفة كذا فهو لشريك بن سحماء، وقد صدق زوجها، فلما وضعت قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لولا كتاب من الله سبق لكان لي فيها رأي))، قالوا: يارسول الله وما الرأي؟ قال: ((الرجم بالحجارة)).
__________
(1) في (ب): قال عاصم بن عدي: يا رسل الله.

(60/2)


فدل الخبر على أن اللعان نزل لرفع الجلد عن الأزواج إذا رموا نساءهم، فوجب أن يكون من لا حد عليه إذا رمى زوجته لم يكن بينهما لعان.
ويدل على ذلك ما روي عن علقمة، عن عبدالله أن رجلاً من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم به جلدتموه، أو قتل، قتلتموه، أو سكت، سكت على غيض، فقال: اللهم افتح، فجعل يدعو فنزلت آية اللعان.
وروي عن عكرمه، عن ابن عباس أن هلال بن أميه لما قذف زوجته عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((البينة، أو جلد في ظهرك))؟ فدل ذلك على أن حد الزوج إذا قذف زوجته كان كحده إذا قذف الأجنبية حتى نزلت آية اللعان، فبان أن اللعان هو لدرء الحد.
وروي عن سعيد بن حبير، عن ابن عباس قال: لما لاعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين امرأة وزوجها فرق بينهما، فلما وضعت الولد وبه شبه ممن قذفت به، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لولا ما مضى من الحد، لرجمتها)) فسمى اللعان حداً، فوجب أن لا يلزم من لا يلزمه الحد، وقد روي: ((لولا كتاب من الله سبق))، وروي: (لولا الإيمان)، ويجوز أن يكون قال: كل ذلك، وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا لعان بين أهل الكفر وأهل الإسلام، ولا بين العبد وامرأته).
فإن قيل: فأنتم توجبون اللعان بين العبد وزوجته الحرة؟
قيل له: نخص ذلك من الخبر بالدلالة.
فإن قيل: قوله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ}، عام في الجميع؟
قيل له: لا ننكر /188/ أن يكون ظاهر الآية(1) يقتضي العموم، لكن يخصها ما بيناه، ويدل على ذلك ما أجمعوا عليه من أن الصبي إذا قذف زوجته قبل أن يبلغ، فلا لعان عليه، وليس لهم أن يقولو إن أفعاله لا حكم لها؛ إذ الحكم يتعلق بجنايته، على أنه إن كان لا يمنع أن يطالب باللعان إذا بلغ، فبان أن سقوط اللعان كان لما ذكرناه.
__________
(1) في (ب): ظاهر الآية العموم.

(60/3)


ويبين ذلك أنه لاخلاف بينا وبين الشافعي أن الزوج إذا إمتنع من اللعان بعد القذف، لزمه الحد ويقول إذا أكذب نفسه، فكشف ذلك أن اللعان بدل من الحد، فإذا ثبت ذلك، وثبت أن لا حد على من ذكرناهم بما نبينه في كتاب الحدود، ثبت أن لا لعان عليهم.
وأما العبد إذا كانت تحته حرة، والمحدود في القذف، فإن أبا حنيفة يذهب إلى أنه(1) لا لعان عليهما، وأنهما يحدان، وعلل ذلك بأنهما ليسا من أهل الشهادة، فإن اللعان شهادة، وهذا هو(2) عندنا فاسد من وجهين:
أحدهما ـ أن اللعان ليس شهادة، وإنما هو جار مجرى الأيمان، بدلالة أنه لو كان شهادة، لكانت شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، ولا اعتبر فيه العدالة، على أنه يجوز لعان الأعمى، والفاسق، وإن كانت شهادتهما غير جائزة، على أن العبد عندنا، والمحدود في القذف، من أهل الشهادة، وإنما يمنع من شهادة القاذف لفسقه، كما يمنع شهادة سائر الفساق، فإذا أكذب نفسه، وتاب، جازت شهاته فوضح سقوط ما اعتمده في ذلك على أصولنا.
مسألة: [في ما يوجب اللعان]
قال: (ويقع اللعان بين الرجل وزوجته، إذا نفى ولدها، أو بالزنى قذفها، ولم يأت عليها بأربعة يشهدون على لفظه). وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3)، وهذه الجملة مما لا خلاف فيها بين العلماء، وهي دالة على أن من نفى حمل امرأته لم يلاعنها إلا بأن تضع دون سته أشهر؛ ليحصل اليقين بنفي الولد على الحقيقة، وهكذا خرَّجه أبو العباس الحسني رحمة الله عليه في (النصوص)، وهو قول أبو يوسف، ومحمد.
قال أبو حنيفة: لا يلاعن وإن ولدت بعده بيوم، أو أكثر، أو أقل.
وقال الشافعي: يلاعن على الأحوال كلها، وحكي نحوه عن مالك.
__________
(1) في (أ): أن لا.
(2) في (أ): وهو عندنا.
(3) انظر الأحكام 1/470.

(60/4)


فأما الوجه فيما ذهبنا إليه من أنه لا لعان إن جاءت بولد بعد ستة أشهر خلافاً للشافعي، أنه لا يقين بأن هناك ولداً منتفياً، فوجب أن يسقط اللعان؛ لأن اللعان يجب للقذف، أو نفي الولد؛ لِمَا تضمن من معنى القذف، وهاهنا لم يحصل واحد منهما على الحقيقة، وكما لم يعلم أنه ناف للولد، لم يلزمه اللعان، دليله نفي الولد ولا حمل أصلاً بأن تكون المرأة صغيرة، أو آيسة.
فإن قيل: فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاعن لنفي الولد، وهي بعد حامل.
قيل له: في الخبر ما يدل على أنه كان قذفها بالزنا صريحاً، ومن فعل ذلك، لزمه اللعان كانت امرأته حاملاً، أو حائلاً؛ لأن اللعان يكون إذ ذاك للقذف بالزنى، لا لنفي الحمل.
فإن قيل: فالحمل محكوم به قبل الولادة بدلالة قوله تعالى: {وَأُوْلاَتِ الأَحْمَالِ أَجَلَهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}، وقوله: {وَإِنْ كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَانْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}، وأجمع الفقهاء على ذلك، وأجمعوا أيضاً على أن من إشترى جارية، فشهد النساء أنها حامل، أن للمشتري يردها بالعيب، فإذا ثبت بما بيناه أن الحمل محكوم به قبل /189/ الولادة، لم يمتنع أن يكون لنفيه قبل الولادة حكم.
قيل له: لسنا نمنع(1) مما ذكرتم من أن الحمل يحكم به، وتعلق الأحكام عليه قبل الولادة، إلا أن تلك هي الأحكام التي لا تسقط بالشبهة، ومن حكم اللعان أن يسقط بالشبهة، وإذا سقط، لم يكن كالحمل(2)؛ لأنه قائم مقام البينة في درأ الحد، والحد يسقط للشبهة، وإذا سقط، لم يكن للعان معنى، إذ قد ثبت أنه لدرأ الحد، فوجب أن يفصل بينه وبين سائر الأحكام المتعلقة بالحمل.
فإن قيل: فإن الحمل قد يُتحقق ويُتيقن، فلا معنى لقولكم إن فيه شبهة.
__________
(1) في (أ): نمتنع.
(2) في (أ) و (ب): كالحد، وظنن على كالحمل في هامش.

(60/5)


قيل له لا حمل إلا ويُجَوَّز قبل الولادة أن لا يكون حملاً، وأن يكون ريحاً، أوداء، أو غيره، سيما في الوقت الذي تحصل الولادة بعده لستة أشهر، وإذا كان هذا التجويز قائماً، صح ما بينا من الكلام عليه من أنه لا يخلو من الشبهة.
ووجه ما ذهبنا إليه من أنها إن ولدت لأقل من ستة أشهر من يوم النفي، حصل اليقين بأن النفي صادف الولد؛ لأن أقل الحمل ستة أشهر، فيجري مجرى أن ينفي الولد في انه يجب اللعان له.
فإن قيل: فإن النفي إذا لم يكن قذفاً يوم وقوعه، لم يجز أن يصير قذفاً بعده.
قيل له: لسنا نقول إنه لم يكن قذفاً حين وقع، وإن كنا لم نعلم ذلك إلا بحصول الولادة لأقل من ستة أشهر من يوم النفي، وإذا كان ذلك كذلك، سقط هذا السؤال.
فإن قيل: هو قذف معلق بشرط، فلا يجب أن يتعلق به حكم.
قيل له: ليس الأمر فيه كذلك؛ لأنه نفى الولد نفياً مطلقاً، فكان ذلك قذفاً مطلقاً متى كان هناك ولد منفي على التحقيق.
وقلنا: إن ذلك يلزم إذا لم يكن أربعة يشهدون على لفظه لقوله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ..} الآية، فأوجب الحد بشرط أن لا يكون له أربعة يشهدون، واللعان على ما بيناه قائم مقام البينة، فوجب أن لا حد به إذا لم يكن بينة، وبينة القذف شهادة أربعة؛ لما روي أن هلال بن أمية لما قذف زوجته، قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((بينتك، أو جلد في ظهرك))، وبينة الزنا إذا أطلقت، عُقل منها أربعة بعرف الشرع، كأنه قال: أربعة يشهدون، أو جلد في ظهرك.
مسألة: [في تراجع أحد الزوجين عن اللعان وفي وعظ الحاكم لهما]
قال: فحينئذٍ يحضرهما الحاكم ثم يقول: خافا ربكما، ولا تُقدما على اللعان، فإن نكل الزوج، ضُرب حد القاذف ثمانين جلدة، وألحق الولد به، وإن مضى الرجل على اللعان، ونكلت المرأة، رجمت.

(60/6)


وجميع ذلك منصوص عليه في (الأحكام)(1) و(المنتخب)(2) غير إلحاق الولد فإنه منصوص عليه في (المنتخب) (3).
قلنا: إن الإمامَ يعظِهما؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: ((إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب، وقال للزوج: إتق الله تعالى، وكذلك قال للمرأة حتى قال لها: إن كنتِ أذنبتِ ذنباً في الدنيا، فإن رجمك بالحجارة أهون عليك من غضب الله تعالى في الآخرة))؛ لأن(4) ذلك من جملة النهي عن المنكر، ومن جملة النصح.
وما قلناه من إلحاق الولد إن نكل الزوج عن اللعان، فمما لا خلاف فيه، ولأن الولد ينتفي باللعان، فإذا لم يقع اللعان، بقي على حكم الفراش.
وما ذهبنا إليه من أن من نكل منهما عن اللعان، أقيم عليه الحد، به قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يحبس الناكل حتى يُقر، فيقام عليه الحد، أو يلاعن.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قول الله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ..} الآية، فكان ذلك عاماً في الأزواج وغيرهم.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ /190/ أَزْوَاجَهُمْ..} الآية، فاستأنف حكم الأزواج، فلم يجب أن تكون الآية(5) الأولى متناولة للأزواج؟
قيل له: الآية الثانية جعلت للأزواج حجة خصتهم بها، ولم يمتنع أن تكون الآية الأولى متناولة لهم، فإذا قذف الرجل زوجته، ولم يأت بواحدة من الحجتين البينة التي دلت عليها الآية الأولى، أو اللعان التي دلت عليه الآية الثانية لزمه الحد تقتضيه الآية الأولى.
فإن قال قائل: قذف الرجل زوجته أوجب لها عليه حق اللعان، كما وجب(6) الجلد في الأجنبية، وإذا لم يأت به، أجبر عليه بالحبس كسائر الحقوق لها.
__________
(1) انظر الأحكام 1/470.
(2) انظر المنتخب 160.
(3) انظر المنتخب 160.
(4) في (أ): ولأن.
(5) في (أ): الآية متناولة.
(6) في (أ): أوجب.

(60/7)


قيل له: هذا غلط، وذلك أن قذف الزوج عندنا أوجب الحد، كما أوجبه قذف الأجنبي، وإنما ينفصل حال الزوج على الأجنبي فيما يدليان به من الحجة، فجعل للأجنبي إذا قذف أجنبية، وأنكرت المقذوفة حجة واحدة، وهي أربعة يشهدون، وجعل للزوج إذا قذف زوجته حجتان، شهادة أربعة، أو لعان يأتي به.
فأما موجب القذف، فلا فصل فيه بينهما، ويدل على ذلك حديث ابن عباس الذي ذكرناه بإسناده، قال: لما نزلت هذه الآية: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتُ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءٍ}، قال عاصم بن عدي: أرأيت يا رسول الله، لو وجدتُ رجلاً على بطن امرأتي؟ فقلت لها: يازانية، أتجلدني ثمانين جلدة؟ قال: كذلك يا عاصم نزلت.
فدل ذلك على أن قذف الزوجة كقذف الأجنبية في إيجاب الحد.
ويدل على ذلك ما روي أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم به، جلدتموه، أو قَتل، قتلتموه، أو سكت، سكت على(1) غيض؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم إفتح)) فجعل يدعو، فنزلت آية اللعان، فمقارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم له على قوله: فتكلم جلدتموه دليل على صحة ما قلناه، وكذلك ما روي عن عكرمة، عن ابن عباس، أن هلال بن أمية لما قذف زوجته عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له(2): ((البينة أو جلد في ظهرك)).
فإن قيل: فكل ذلك قد ورد الأثر به(3) فقد تغير حكمه؟
__________
(1) في (أ): عن.
(2) في (أ): قال.
(3) في (أ): بأنه قد.

(60/8)


قيل له: لم يتغير موجِب القذف، وإنما تغيَّر حكم البينة، فإنه حصل للزوج اللعان بدل إقامة الشهادة على ما سلف القول فيه، ويدل على ذلك أيضاً أنه لا خلاف في الأجنبي إذا قذف أجنبية، ثم لم يأت بحجة، أنه يلزمه الحد، فكذلك الزوج إذا قذف قذغ زوجته، والعلة أنه قاذف لم يأت بحجة، فوجب أن يكون حكمه حكم الأجنبي، والأصول تشهد بصحة قولنا، وذلك أنه لا وجه لأن يكون للإنسان حق المطالبة بما يدخل الضرر على نفسه، ألا ترى أنه إذا لاعنها حقق عليها الزنا.
وأما ما يدل على أن المرأة إذا نكلت عن اللعان بعد لعان الزوج يلزمها الحد قول الله تعالى: {وَيُدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِيْنَ..} الآية، فدل ذلك على أنها يُدرأ عنها العذاب بما تأتي به من الإلتعان، فثبت بذلك أن العذاب لازم لها متى لم تلاعن، وهو الحد، ألا ترى أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ادرأوا الحدود بالشبهات)، دال على أن الحد يجب متى لم يكن شبهة /191/ توجب(1) أن يُدرأ بحيث يكون للشبهة مساغ للدرء، فإذا ثبت أن اللعان يوجب درأ العذاب عنها، لزمها العذاب متى لم تلاعن.
فإن قيل: ومن أين لكم أن المراد بالعذاب هاهنا هو الحد، وما تنكرون على من قال لكم: إن المراد به هو الحبس؟
__________
(1) في (أ): فوجب.

(60/9)


قيل له: قلنا ذلك؛ لأن المعهود أولى أن يحمل عليه الخطاب مما لم يكن له عهد، ولم يتقدم في شيء من هذه الآيات إطلاق لفظ العذاب والمراد به الحبس، وقد تقدم إطلاق اللفظ به والمراد به الحد، وهو قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِيْ فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَائِةَ جَلْدَةٍ}، إلى قوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ}، فكان حمل قوله تعالى: {وَيُدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ}، على ما تقدم ذكره أولى من حمله على مالم يتقدم ذكره، وقد قال الله تعالى في موضع آخر: {فَإِذَا أُحِصِنَّ فَإِنْ أَتِيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلِيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}، فسمي الحد عذاباً، فأكد ذلك ما ذهبنا إليه.
ويدل على ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاعن بين هلال بن أمية وزوجته خولة بنت عاصم بن عدي، فوضعت على الصفة المنكرة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لولا كتاب من الله سبق لكان لي فيهما رأي)، قيل: وما الرأي؟ قال: (الرجم بالحجارة)، وفي بعض الأخبار (لو لا الإيمان) وفي بعضها (لو لا الحد) يعني اللعان، فدل ذلك على أنها كانت يلزمها الرجم لولا لعانها، فإذا لم تأت به، وجب ان تُرجم، ولا خلاف أنه لو قذفها وأقام عليها البينة، ولم تُدلِ هي بحجة، أنها(1) يلزمها الحد، فكذلك إذا قذفها ولاعنها وامتنعت هي من اللعان بعلة أن الزوج أقام ما جعل حجة له.
على أن ما ذهبوا إليه من حبسها لِتُقِرَّ بما يوجب الحد، أو تأتي بما يدرؤه عنها(2) لم نجده في شيء من الأصول، بل الأصول شاهدة لنا؛ لأن الواجب في الحدود أن تقام إن وجبت، أو تترك إن لم تجب، فلا يخلو لعان الزوج من أن يكون أوجب عليها الحد، أو لا يكون قد أوجب، فإن كان قد أوجب، فيجب أن يقام متى لم يعرض ما يوجب درؤه، وإن لم يكن قد أوجب، فلا معنى لحبسها.
مسألة: [في ما يوجبه اللعان]
__________
(1) في (أ): أنه.
(2) في (أ): منها.

(60/10)


قال: وإن مضيا على اللعان، فرق الحاكم بينهما، وانتفى الولد عنه.
ما ذكرناه من تفريق الحاكم بينهما منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2)، وكلامه يقتضي ما ذكرناه من انتفاء الولد، وهو منصوص عليه في (المنتخب) (3).
ما ذهبنا إليه من أن الفرق بينهما تقع بتفريق الحاكم، به قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، قال الشافعي تقع بنفس اللعان، وهو قول زفر، حكاه أبو الحسن الكرخي في (المختصر).
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أن الأخبار الواردة في هذا الباب ناطقة بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرَّق بين المتلاعنين، فمنها ما مضى، ومنها: ما أخبرنا به أبو الحسين بن اسماعيل، حدثنا الناصر، حدثنا الحسن بن يحيى الحسيني، حدثنا إبراهيم بن محمد، بن عائد، عن داوود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أخت بني عجلان إذ لاعنت زوجها أن فرَّق بينهما، وجعل لها المهر، ولفظ التفريق إذا استعمل في الشرع على هذا الحد، أفاد قطع أحكام النكاح، فوجب أن يكون ذلك دالاً على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي قطع أحكام النكاح، وفي ذلك دليل على أنها كانت ثابتة حين قطعها صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قيل: فقد يقال: إن الحاكم فرَّق بين فلان وزوجته، وإن لم يكن قطع ما بينهما من النكاح، إذا /192/ منعها منه، فما أنكرتم أن يكون ما رُوي من تفريقه صلى الله عليه وآله وسلم محمولاً على ذلك؟
__________
(1) انظر الأحكام 1/470.
(2) انظر المنتخب 160.
(3) انظر المنتخب 160.

(60/11)


قيل له: إذا كان استعمال التفريق في عرف الشرع يقتضي ما ذكرناه، فلا يحوز الإنصراف عنه إلى ما سواه إلا بالدليل، والدليل على ذلك: ما رواه أبو داود في (السنن) (1) بإسناده، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره، أن عويمر العجلاني لما فرغ من لعان امرأته قال: كذبت عليها يارسول الله إن أمسكتها، فطلقها عويمر ثلاثاً، ففي هذا بيان أن التفرقة لم تكن وقعت بنفس اللعان؛ لأنها لو كانت وقعت بنفس اللعان، لم يقاره النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قوله: كذبتُ عليها إن أمسكتها، ولا على طلاقه لها؛ لأن ذلك لا يصح أن يقال إلا فيمن يكون له بعد زوجته، وإذا ثبت أن الزوجية(2) لم تكن انقطعت بعدُ بنفس اللعان، ثبت أنها تنقطع بتفريق الحاكم على ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: ولم إدعيتم أن الفرقة لو كانت وقعت بنفس اللعان، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يقاره عليه؟
__________
(1) أخرجه أبو داود في السنن 2/280 ـ 281.
(2) في (ب): الزوجة.

(60/12)


قيل له: لأن وقوع الفرقة تقتضي تحريم البضع، وقوله هذا يتضمن إباحة البضع، ولا يجوز أن يسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يستبيح فرجاً محرماً، فلا ينكر عليه، ومما يدل على ذلك أنه لا خلاف بينا وبين الشافعي أن الإيلاء لا يوجب وقوع الفرقة، فكذلك اللعان، والعلة أن كل واحد منهما يمين، وأيضاً وجدنا اللعان تحالفاً بين المتلاعنين، فوجب أن لا يقع الفسخ بنفسه، دليله تحالف المتبايعين، والأصول(1) تشهد لنا؛ لأن اللعان إما أن يكون يميناً، أو يكون شهادة، وقد علمنا أن الأحكام المتعلقة بالأيمان والشهادات من فسخ، أو إثبات، أو غيرهما، لا تحصل بنفس اليمين، ولا بنفس الشهادة، وإنما تحصل بالحكم عند اليمين، أو الشهادة، فوجب أن يكون حكم التفريق الذي يتعلق باللعان، على أن الفرقة تقع عند الشافعي بلعان الزوج قبل لعان المرأة، ولعانه إنما هو تحقيق ما رماها به، وقد علمنا أنه لو حقق ذلك بالشهادة، لم تقع الفرقة، فكذلك إذا حققه بالأيمان، على أن الفرقة لو وقعت بلعان الرجل، لم يكن للعان المرأة معنى؛ لأنها تكون قد صارت أجنبية.
وأما زفر، فإنه يذهب إلى أن الفرقة تقع بفراغ المرأة من اللعان بعد لعان الزوج، فيقال له: إذا لم تقع الفرقة بلعان الزوج، لم يجب أن تقع بلعان المرأة؛ لأن كل واحد منهما لعان، ولأن كل واحد منهما حقق ما ادعاه، وأكذب صاحبه، فلم يجب أن تقع الفرقة، يؤكد ذلك سائر الأصول التي ذكرناها.
فأما انتفاء الولد فالأصل فيه: ما رواه أبو داود في (السنن) بإسناده، عن عكرمه، عن ابن عباس في لعان هلال بن أمية وامرأته أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرَّق بينهما، وقضى أن لايدعى ولدها لأب(2).
وفيه حديث ابن عمر أن رجلاً لاعن امرأته ففي زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ففرق بينهما وألحق الولد بأمه(3).
__________
(1) في (ب): الأصول.
(2) أخرجه أبو داود في السنن 2/284 ـ 285.
(3) أخرجه أبو داود في السنن 2/286.

(60/13)


وفي حديث سهل بن سعد، وكان يدعى الولد لأمه(1).
وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف أنه ينتفي باللعان، أو ينتفي بالحكم، وذكر أبو العباس الحسني رضي الله عنه أن انتفاء الولد يجب عند يحيى عليه السلام بحكم الحاكم، وأصله ما ثبت من أن التفريق يقع بحكم الحاكم دون اللعان، فإذا ثبت ذلك في اللعان، ثبت مثله في نفي الولد؛ إذ لم يفرق أحد بينهما، ويدل على ذلك قول ابن عباس ففرق رسول الله /193/ صلى الله عليه وآله وسلم بينهما، وقضى أن لا يدعى الولد لأب، فجعل قطع النسب قضاءً، فثبت أنه يثبت بالحاكم، على أنه قياس التفريق بعلة أنه أحد الحكمين المتعلقين باللعان.
فصل: [في أن فرقة اللعان فسخ]
خرَّج أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى أن الفرقة الواقعة باللعان فسخ، وليس بطلاق.
والأصل فيه حديث عكرمه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [فرق بين هلال بن أمية وزوجته، وقضى أن لا يدعا ولدها لأب، ولا يرمى ولدها، ومن رماها، أو رمى ولدها، فعليه الحد، وقضى أن لا بيت لها ولا قوت من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق، ولا متوفى عنها زوجها(2)، فقدصرح بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم] (3) قضى أن تفريقهما من غير طلاق، فيجب أن يكون فسخاً.
فإن قيل: ذلك قول ابن عباس، ولم يضفه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما أضاف إليه أنه قضى أن لا بيت لها و لا قوت، وبعد ذلك أدرجه ابن عباس في الحديث.
__________
(1) أخرجه أبو داود في السنن 2/281.
(2) أخرجه أبو داود في السنن 2/285.
(3) ما بين المعكوفين سقط من (أ).

(60/14)


قيل له: ليس ذلك على ما قدرت؛ لأنه أخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى بذلك من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق، وأخبر عماله قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب أن يكون قد عرف ذلك من قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن لا يكون قال ذلك برأيه، ألا ترى أنه لو قال: سجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه سهى، لم يجب أن يحمل ذلك على أن قوله: لأنه سهى قاله برأيه، وكذلك لو قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن شاهداً واحداً شهد، وحلف المدعي، لم يجز أن يحمل ذلك على أنه قاله برأيه، فكذلك قوله في هذا الموضع، على أنه لو كان قاله برأيه أيضاً، لوجب أن يكون حجة؛ لأنه لم يحفظ عن أحد من الصحابة خلافه، فجرى مجرى إجماعهم.
وأيضاً هي فرقة تقع من غير اختيار الزوج، فوجب أن يكون فسخاً، دليله سائر الفسوخ، يؤكد ذلك أن التحريم الواقع باللعان قد يتأبد؛ على وجه من الوجوه، ولا خلاف أن التحريم الواقع باللعان قد يتأبد لأن الزوج لم يكذب نفسه، ولا خلاف أن التحريم متأبد، فبان بذلك أنه(1) تحريم الفسخ دون تحريم الطلاق.
مسألة: [في اجتماع المتلاعنين بعد اللعان]
قال: (ولا يجتمعان(2) بعد ذلك أبداً)، وقال في (المنتخب) (3) إلا أن يكذب الزوج نفسه ويظهر التوبة فيقام عليه الحد فحينئذٍ يجوز لهما أن يجتمعا بتزويج جديد، وألحق الولد به.
__________
(1) في (ب): فبان بذلك أن الفسخ دون تحريم الطلاق.
(2) في (ب): ولم يجتمعا.
(3) انظر المنتخب 161.

(60/15)


ما ذكرناه من أنهما لا يجتمعان أبداً منصوص عليه في (الأحكام) (1). وما ذكرناه بعد ذلك منصوص عليه في (المنتخب). وكان أبو العباس الحسني ـ رحمه الله تعالى يجعل الروايتين رواية واحدة ـ ويقول: إنهما لا يجتمعان أبداً، ويحمل ما في (المنتخب) على أن المراد به إذا فرق الحاكم قبل لعان المرأة على وجه الخطأ، ذكر ذلك في (النصوص)، وذلك بعيد؛ لأن يحيى عليه السلام علق في (المنتخب) جواز تزويجها به بأن يتوب، ويكذب نفسه، وشرط ذلك في إثبات النسب أيضاً، ولو كان ذلك خطأ من الحاكم في التفريق، لم يكن لذلك التفريق حكم، وإن جعل له حكماً، لم يجب أن يراعى ليزوجه بها ما راعى إذا لم يجعله واقعاً على لعان صحيح، على أنه لا فرق بينه وبين من جعل الروايتين رواية واحدة، وحمل ما في (الأحكام) على ما في (المنتخب) بأن قال: تقدير الكلام أنهما لا يجتمعان أبداً، إلا أن يكذب الزوج نفسه، فيكون ما ذهب إليه أقرب؛ لأن تعسفه أقل، وإحتماله أظهر، والصحيح أنهما روايتان مختلفتان؛ لأن ذلك هو الظاهر من الكلامين، فما ذكرناه أولاً هو رواية (الأحكام)، وبه قال أبو يوسف والشافعي.
وما ذكرناه ثانياً هو رواية (المنتخب)، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد.
ووجه رواية (الأحكام) أن النبي صلى الله /194/ عليه وآله وسلم قال لما فرق بينهما: (لا يجتمعان أبداً إلى يوم القيامة). وفيما رواه أبو داود في (السنن) بإسناده عن سهل بن سعد قال: (حضرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين لاعن بينهما فمضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ولا يجتمعان أبداً)(2).
__________
(1) انظر الأحكام 1/470.
(2) أخرجه أبو داود في السنن 2/288.

(60/16)


وفيما رواه أبو داود في (السنن) بإسناده عن ابن عمر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم للمتلاعنين: (حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها) (1)، فمنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون له عليها سبيل على وجه من الوجوه، وذلك التحريم.
ويدل على ذلك مارواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنه قال: (إذا فعلا ذلك ـ يعني تلاعنا ـ فرق بينهما الحاكم، فلم يجتمعا أبداً)، وأيضاً لا خلاف أن الزوج لو لم يكذب نفسه أبداً، لم يرتفع ذلك التحريم، وكذلك إذا أكذب نفسه، والعلة أنه تحريم وجب باللعان، ويمكن أن يقاس ذلك على التحريم الواقع بالرضاع، بعلة أنه يحصل مع انتفاء الرق، ولا يرتفع بإصابة الزوج، ولا بغير دين، فوجب أن يكون مؤبداً، والأصول تشهد لذلك؛ لأنا لم نجد الإكذاب أوجب رفع شيء من التحريم الواقع بين الزوجين، ألا ترى أنه لو قال: هي لي ذات رحم محرم، أو قال: هي محرمة عليَّ للرضاع، ثم أكذب نفسه، لم يرتفع التحريم، وكذلك لو قال: طلقتها ثلاثاً، ثم أكذب نفسه، لم يرتفع التحريم، فوجب أن يكون كذلك حكم تحريم اللعان، على أن الإكذاب إذا لم يرفع التحريم الحاصل في الحال، لم يرفع التحريم المؤبد، على أنه إذا ثبت أن الفرقة الواقعة باللعان فسخ، فلا قول بعده إلا القول بأن تحريمها مؤبد.
فإن قيل: فإن اللعان يرتفع حكماً، فوجب أن يرتفع التحريم المعلق به.
قيل له: لو كان ذلك كذلك، ل رتفع تحريم الحال، ولعادا زوجين.
ووجه رواية (المنتخب) أن الزوج إذا أكذب نفسه، ارتفع حكم اللعان، بدلالة أنه يُحد، والولد إن كان نفي فإنه يلحق به، فإذا ثبت ذلك، وجب أن يرتفع التحريم المختص به، وإن لم يرتفع تحريم الحال، كما أن المطلقة ثلاثاً إذا نكحت زوجاً غير الأول، ارتفع التحريم المختص به، وإن لم يرتفع تحريم الحال.
__________
(1) أخرجه أبو داود في السنن 2/285 ـ 286.

(60/17)


ويمكن أن يقاس على التحريم الذي يقتضيه الطلاق في أنه لا يجب أن يتأبد، بعلة أنه تحريم لا يَرِج إلا على النكاح، ويمكن أن يقال: إنه تحريم لا يتعلق بحرمة نسب، ولا رضاع، ولا نكاح، فلم يجب أن يتأبد، دليله تحريم الطلاق، أو تحريم إختلاف الدينين، فإذا ثبت ذلك، فما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن أمير المؤمنين عليه السلام، من أنهما لا يجتمعان أبداً محمول على أنهما لا يجتمعان ما دام حكم اللعان باقياً، وكذلك ما روي عن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا سبيل لك عليها)، محمول على أنه لا سبيل لك عليها ما دامت على حكم اللعان، ويؤيَّد ذلك بالظواهر المتضمنة لإباحة النكاح.
مسألة:[في كيفية اللعان]
قال: وإذا أراد اللعان، قال الحاكم للزوج: قل والله العظيم إني لصادق فيما رميتها به من قذفي لها، ونفي ولدها، ويكون الولد في حجرها، ويشير الزوج إليه بيده، ثم يكرر ذلك أربع مرات، ثم يقول في الخامسة: لعنة الله عليَّ إن كنت من الكاذبين فيما قذفتك به من نفي ولدك هذا، ثم يقول للمرأة: قولي والله العظيم إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من نفي ولدي هذا، ثم تُكرر ذلك أربع مرات، ثم تقول في الخامسة: غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين، وإذا قالا ذلك، فقد تم بينهما اللعان. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2).
__________
(1) انظر المنتخب 163.
(2) انظر الأحكام 1/ 470.

(60/18)


والأصل فيه قوله تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ /195/ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِيْنَ..} الآية، وما رويناه بإسناده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اللعان على هذا الحد، ولا أحفظ فيه خلافاً، ويجب أن يبدأ بلعان الزوج؛ لأن الآية دلت على ذلك، ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ}، فعقَّب الرمي بشهادة الزوج، ولأن الخبر كذا ورد، ولأن الزوج قد وجب عليه الحد، فلا بد من إقامته، أو درئه باللعان، فلا يجب ان يتراخى عن وقت الوجوب.
مسألة: [في الرجل ينفي الولد عن زوجته]
قال: ولو أن رجلاً تحته امرأة، فجائت بولد، فنفاه عن نفسه وعن المرأة، فعلى المرأة البينة أنه ولدها، ولدته على فراشه، فإذا أتت بالبينة، ثم نفاه الرجل بعد ذلك عن نفسه، وجب بينهما اللعان.
وهذا منصوص عليه في كتاب الحدود من (المنتخب)(1).
ووجهه أنه إذا نفى أن يكون الولد ولداً له ولها فلم يقذفها، ولم ينف ولداً يجب إلحاقه به، فلم يلزمه اللعان لأن اللعان يجب للقذف أو لنفي مولود له على فراشه، فأما إذا أقامت المرأة البينة على أنها ولدته على فراشه وجب أن يلحق به، فإذا نفاه بعد ذلك لزمه اللعان كما يلزمه لو نفى ولداً يقر بأنه ولد على فراشه لأنه لا فصل بين أن يقر هو بأنه ولد على فراشه وبين أن يثبت ذلك بالبينة.
فإن قيل: أليس من مذهبكم أن إقرار المرأة بالولد جائز كإقرار الرجل فلم ألزمتموها البينة على أنها ولدته؟ قيل له: إنما يجوز ذلك إذا كان إقرارها به لا يلزم غيرها حكماً، فأما إذا كانت تلزم الزوج نسبه بإقرارها فذلك لا يثبت إلا بالبينة.
مسألة: [في قذف الرجل زوجته برجل معين]
__________
(1) انظر المنتخب 421.

(60/19)


قال: ولو أن رجلاً قذف زوجته برجل بعينه، فللرجل على زوجها الحد، سواء لاعن الرجل زوجته، أو لم يلاعنها، فإن إدعى المقذوف الولد، لم يثبت نسبه منه بدعواه، ويسقط الحد عن القاذف.
ما ذكرناه أولاً من إيجاب الحد للرجل المقذوف منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2)، وما ذكرناه ثانياً من إدعاء المقذوف الولد منصوص عليه في (المنتخب) (3). وقال الشافعي: إذا لاعن الرجل زوجته سقط حد من قذفها به على سبيل التبع.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قول الله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ..} الآية. ولا خلاف بين المسلمين أن حكم الذكور والإناث من أولي الإحصان إذا قذفوا سواء، فوجب أن يلزم الزوج الحد لقذفه الرجل الذي قذف زوجته به لاعنها أولم يلاعنها.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ..} الآية. ولم يخص من رماها مطلقاً، أو رماها برجل بعينه؟
قيل له: هذه الآية أفادت الحكم بينه وبين زوجته، دون ما بينه وبين الإجانب، فلم يكن فيها دلالة على موضع الخلاف.
فإن قيل: هلال بن أمية حين حين قذف زوجته بشريك بن سحما لم يرو أنه حد له، ولا أن شريكاً أقر بالزنا، ولا حصل عفو فدل ذلك على أن حده سقط تابعاً للعان؟
__________
(1) انظر الأحكام 2/270.
(2) انظر المنتخب 160.
(3) انظر المنتخب 160.

(60/20)


قيل له: حد القذف لا يجب حتى يطالب المقذوف به فيجوز أن يكون ترك حده لأن شريكاً لم يطالب به فيكون هذا وجهاً غير الوجه الذي ذكرتم، ويدل على ذلك أنه لا خلاف في أنه لو قذفه مطلقاً أو قذفه بغير زوجته لم يسقط حده باللعان فكذلك إذا قذفه بزوجته، والعلة أنه قذف من ليس بزوجة، أو يقال: لأنه قذف لمن لا لعان بينه وبينه فوضح ما ذهبنا إليه أن اللعان أوجب سقوط الحد عن الزوج لأنه قام مقام البينة على صحة ما ادعاه وقد علمنا أن لعانه لا يقوم مقام البينة على صحة ما ادعاه من قذف الأجنبي، فلم يجب أن يسقط حده بلعانه، ألا ترى أنه لو أقام /196/ البينة في الأجنبي، وجب أن يحد متى لم يأت بما يدرأ عنه الحد كما أنه لو أقام البينة في الزوجة، وجب أن يحد متى لم يأتي بما يدرأ عنها الحد، وعلى أنا وجدنا اللعان حكماً يختص الزوجين فلم يجب أن يكون له تأثير في غيرها كالظهار والإيلاء والطلاق.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ادرأوا الحدود بالشبهات)؟
قيل له: هاهنا لا شبهة فيوجب درأ الحد.
وقلنا: إن المقذوف لو إدعى الولد لم يثبت نسبه منه لأنه يكون مدعياً له من زنى، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقلنا: إن حده يسقط عن القاذف لأنه يكون قد صدقه في قذفه فلا يجب أن يحد له.
مسألة: [في ابن الملاعنة يموت فيُكذب الزوج نفسه]
قال: وإذا لاعن الرجل زوجته، وانتفى ولده، ثم مات الولد، وأقتُسم ميراثه، ثم أكذب الرجل نفسه، وادعى الولد، لم يرجع على الذين اقتسموا ميراثه بشيء، ولو كانت المسألة بحالها، وكان لابن الملاعنة ولداً اعتزى إلى جده، وثبت نسبه منه. وجميعه منصوص عليه في (المنتخب) (1)، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي يثبت نسبه، ويرثه أبوه.
__________
(1) انظر المنتخب 161.

(60/21)


ووجه ما ذهبنا إليه: أنه إذا مات، فلا حكم يتعلق بنسبه إلا الإرث؛ لأن إكذاب الرجل نفسه، وإقراره بالولد، لم يتضمن سوى إدعاء المال، وقد ثبت أن الإنسان لا يستحق شيئاً من الأموال بإدعائه، وقال صلى الله عليه وآله وسلم (لو أُعطي الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم).
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: إن النسب ثبت، ويجب المال تبعاً؟
قيل له: إثبات النسب إنما هو إثبات أحكام، فإذا مات ابن الملاعنة، لم يتعلق بنسبه حكم الإرث، فإذا لم يثبت غيره، لم يصح أن يقال: هو تبع، وإذا لم يصح أن يكون تبعاً لغيره، وكان إستحقاقه لا يثبت بدعوى من يدعيه، كما لا يثبت في سائر المواضع، صح ما ذهبنا إليه، وبطل القول بأنه يرث، يكشف ذلك أن اللقيط لو إدعاه مدع، صُدِّق، ولو إدعاه بعد موته، لم يكن لدعواه حكم، وكذلك من باع غلاماً وُلد عن حمل كان في ملكه، ثم إدعاه وهو حي، انفسخ البيع، وثبت نسبه، وإن إدعاه بعد الموت، لم يكن لدعواه حكم، ولم ينفسخ البيع، فكل ذلك يكشف أن دعواه الميت متى تجددت، كانت باطلة، فوجب أن يبطل مالا يثبت إلا على وجه التبع لها.
فإن قيل: فكيف تقولون إنه لو كان له ولد، ثبت نسبه؟
قيل له: لأن ولده إذا كان حياً يثبت نسبه، ويعلق الحكم عليه.
فإن قيل: ليس البائع للغلام الذي ذكرتم، لو لم يدعه حتى يكبر، ويولد له، ثم يموت، أنه إذا إدعى بعد ذلك ولداً لا يثبت نسبه، فما أنكرتم أن يكون ذلك سبيل ولد ابن الملاعنة؟

(60/22)


قيل له: الفرق بينهما ان تثبيت نسب ولد الغلام لا يكون بدعوة مبتدأة، [فإذا مات أبوه لا يصح تثبيت نسبه بدعوى مبتدأة] (1) لأنها لا تثبت إلا بعد تثبيت نسب أبيه بدعوة مبتدأة، وذلك لا سبيل إليه، وليس كذلك حال ولد ابن الملاعنة، لأن نسب أبيه كان ثابتاً بالفراش، وإنما إنتفى باللعان، فإذا أكذب الملاعن نفسه، لم يُحْتَجْ لتثبيت نسبه إلى أمر مبتدأ، فصح أن يثبت بالفراش المتقدم، ثم يثبت نسب أبيه.
مسألة:[في نفي الولد بعد الإقرار به أو السكوت عنه]
قال: فإذا أقر الرجل بولده مرة، أو سكت حين يولد على فراشه، لم يكن له بعد ذلك نفيه. ونص في (الأحكام) (2) على أنه لا إنكار له بعد الإقرار، ونص في (المنتخب) (3) على أنه إن سكت حين يولد على فراشه لم يكن له بعد ذلك إنكاره.
وأما ما قاله في (الأحكام) من أنه إذا أقر به فلا إنكار له بعده، فمما لا خلاف فيه، وسواء ولد على فراش ثابت، أوولد من أمه، أو كان مجهول النسب.
والأصل فيه: ما ثبت أن من أقر بحق لغيره، فليس له /179/ إنكاره بعد ذلك، وسواء ذلك في الأموال والجنايات، وسائر الحقوق، فكذلك إذا أقر بولج لأنه أقر بحق له، فلا إنكار له بعد ذلك.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) انظر الأحكام 2/155 ـ 156، وانظر الأحكام 2،180.
(3) انظر المنتخب 164.

(60/23)


فأما ما ذكرناه من أنه إذا سكت حين يولد على فراشه، لم يكن له نفيه بعد، فهو قول كثير من العلماء، وقال أبو يوسف، ومحمد: إن له أن ينفيه ما بينه وبين أربعين يوماً؛ لأنه أكثر مدة النفاس، والنفاس حال الولادة، وذلك لا معنى له، لأن حال الولادة حال الوضع فقط، فأما النفاس فحكم يتعلق به، ولا يمتنع في الأحكام المتعلقة أن يتراخى ويتقدم، والإعتبار به لا وجه له، وأصل ما ذهبنا إليه ما لا خلاف فيه من أنه لو سكت زماناً طويلاً بعد الولادة والعلم بها، كالسنة ونحوها، لم يكن له نفيه بعد ذلك، فكذلك إذا مضت عليه ساعة، والمعنى أنه مضى عليه من الزمان ما يمكنه نفيه فيه فلم يَنفِ، وأيضاً لا خلاف أن حق النفي يبطل بالسكوت، فوجب أن يستوي فيه قليل المدة وكثيرها، دليله حق الشفعة.
فإن قيل: فهذا يعترضه خيار الرد بالعيب، وخيار الأمة إذا أعتقت تحت زوج، وخيار المولى في النكاح الموقوف، فإنكم لم تجعلوا شيئاً من ذلك على الفور.
قيل له: شيء من تلك الحقوق عندنا لا تبطل بالسكوت بل تبطل بالرضى، ولا بد فيه من التعلق بنطق، أو ما يقوم مقامه مما يدل على الرضى، فلم يجب أن يكون بطلانه على الفور، وليس كذلك ما اختلفنا فيه من حق النفي لأنه يبطل بالسكوت، والكف عن طلبه، فوجب أن يكون حكمه حكم الشفعة.
مسألة: [في لعان المرأة في عدتها]
قال: وللرجل أن يلاعن المرأة ما دامت في عدته. وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (1) ونص فيه على أنه لا فصل بين أن تكون في عدته من طلاق رجعي، أو بائن.
__________
(1) انظر المنتخب 164.

(60/24)


ووجهه ـ ما لا خلاف فيه أنه يلاعنها ما دامت في عدته من طلاق رجعي، فكذلك ما دامت في عدة من طلاق بائن، والعلة أنها في عدة من نكاح، أو نفاس على من لم يطلق، بعلة أنها ممنوعة من التزويج لحرمة الزوجية التي انعقدت بينهما، وليس لهم أن يعترضوا ذلك بأن يقولوا: العلة بقاء الزوجية بينهما؛ لأن ذلك لا يمنع من قياسنا الذي اعتمدناه، على أن اللعان موضوعه لنفي الولد، ودفع العار، وكل ذلك حاصل ما دامت موقوفة عليه بالعدة، ألا ترى أن حكم فراشها منه ثابت، فوجب أن يكون حكمها في باب اللعان حكم الزوجة، يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ادرأوا الحدود ما استطعتم)، فلو لم يوجب بينهما اللعان، لأوجبنا إقامة الحد.
فإن قيل: واللعان ايضاً حد؛ لأنه قائم مقامه.
قيل له: لسنا نسلم ذلك، بل اللعان قائم مقام البينة، وهو يدرأ الحد؛ لأن الرجل عندنا لو أبى اللعان، حُدَّ، وقد قال الله تعالى: {وَيُدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابُ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ}، وبيَّن أن لعانها يدرأ عنها العذاب الذي هو الحد، فصح أن اللعان ليس بحد، فيسقط الإعتراض به.
فإن قيل: فاللعان عندكم يوجب التفريق، فلا معنى له بعد مفارقة الزوج لها.
قيل له: قد مضى في كتابنا أن الفرقة الواقعة باللعان فصح، والفسوخ يجوز أن تعرض في العدة، وإنما الممتنع عندنا في عدة الطلاق هو فرقة الطلاق، فلا سؤال علينا في هذه.
فإن قيل: ظاهر قوله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ}، يحجكم.
قيل له: هذا مخصوص بالأدلة التي اعتمدناها.
مسألة: [في موت القاذف قبل اللعان]
قال: وإذا قذف الرجل زوجته، ونفى ولدها، ثم مات قبل أن يلاعنها، لم يَنتفِ الولد.

(60/25)


وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1)، وهو مما لا خلاف فيه، ولأن النسب ثابت لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الولد للفراش [وللعاهر الحجر] (2))، وإنما /198/ ينتفي بنفي الحاكم له بعد اللعان الواقع، فإذا مات قبل أن يقع، فلا وجه لنفيه، فوجب أن يكون ثابتاً.
__________
(1) انظر الأحكام 2/269 ولكنه قال: (ورثها وورثته؛ لأنه لم ينفذ لعانها وهي على نكاحهما) ولم يذكر انتفاء الولد.
(2) ما بين المعكوفين سقط من (ب).

(60/26)


كتاب النفقات
باب القول في نفقة الزوجات
[مسألة: في صفة الزوة التي يجب الإنفاق عليها، خرج مقدار الصدقة]
يجب للزوجة على زوجها النفقة على قدر إيساره وإعساره سواء كانت الزوجة صغيرة أو كبيرة، مدخولاً بها أو غير مدخولاً بها، يصلح مجامعه مثلها أو لا يصلح، مالم تحبس نفسها، عنه مع التمكن من تسليمها، فإن حبست نفسها فلا نفقة لها.
[جميع ذلك منصوص عليه في كتاب الطلاق من (الأحكام) (1)].
ما ذكرناه من وجوب نفقة المرأة على زوجها على قدر إيساره وإعساره، وإن كانت غير مدخول بها، مالم تحبس نفسها، عنه، وإن حبست نفسها فلا نفقة لها ـ منصوص عليه في كتاب الطلاق من (الأحكام) (2) وما ذكرناه من وجوب نفقة الصغيرة التي لا تصلح للجماع على زوجها بنصوص عليه في كتاب النكاح من (المنتخب) (3).
والأصل في إيجاب نفقة المرأة على زوجها قول الله سبحانه وتعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ..} الآية، وقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أولادهن..} الآية.
وروى أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى، حدثنا محمد بن الحسين بن علي العلوي، حدثنا أبي، حدثنا زيد بن الحسين، عن ابن أبي أويس، عن ابن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب يوم النحر، بمنى، في حجة الوداع، فقال فيها: (استوصوا بالنساء خيراً)، إلى أن قال: (ولهن عليكم من الحق نفقتهن، وكسوتهن بالمعروف)، على أنه لا خلاف فيه بين العلماء.
فأما ما ذهبنا إليه من أن المدخول بها، وغير المدخول بها، في ذلك سواء، فبه قال أبو حنيفة.
__________
(1) ما بين المعكوفين زيادة في (ب) ينقل إلى الهامش، ولم ينص على جميعه في الأحكام.
(2) انظر الأحكام 1/494 وهو من كتاب النفقات.
(3) انظر المنتخب 127.

(61/1)


ويدل على ذلك ما ذكرناه من الكتاب والسنة، على أنه لا خلاف أن المدخول بها، إذا لم تمنع نفسها من زوجها، لزمته نفقتها، فكذلك التي لم يدخل بها، والمعنى أنها غير ممتنعة على زوجها، وتبيين صحة هذه العلة أنها لو نشزت من زوجها حتى صارت ممتنعة على زوجها، لم يلزم لها نفقة(1).
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم إن نفقتها لزمت لتسليمها نفسا؟
قيل له: قد علمنا لو سلمت نفسها، ثم امتنعت، أسقطت نفقتها، فبان أن وجوب النفقة تعلق بأن لا يكون من قِبَلها امتناع على زوجها، وإذا ثبت ذلك بان أنه لا فرق بين أن يكون التسليم حصل، أو لم يحصل.
فأما ماذهبنا إليه من أنها وإن كانت صغيرة لا تصلح للمجامعة، فإن لها النفقة، ففيه خلاف بينا وبين أبي حنيفة.
ويدل على ما ذهبنا إليه ما قدمنا ذكره من الكتاب والسنة [في الكبيرة] (2)، وكذلك الصغيرة التي ذكرنا(3)، يدل على ذلك أنها غير ممتنعة على زوجها، ويمكن أن يقاس بهذه العلة على من مرضت مرضاً لا يستطاع معه جماعها، أو أحرمت بإذن زوجها، في أن نفقتها لا تسقط.
فإن قيل: المرض عارض، وكذلك الإحرام، فلا يجب أن يكون حكمها حكم الصغيرة.
قيل له: قد علمنا أن النشوز يكون عارضاً، وإن أوجب سقوط النفقة، فدل ذلك على أن ما يوجب سقوط النفقة، لا يؤثر فيه كونه عارضاً، أو غير عارض، فلو كان تعذر الوطء يوجب سقوط النفقة لاستوى كونه عارضاً، أو غير عارض، ويدل على ذلك أيضاً ما أجمعنا عليه من أن الصِغَر لا يُسقط إستحقاق المهر، فوجب أن لا يسقط استحقاق النفقة، والعلة أن كل واحد منهما حق في مال يجب للمرأة على زوجها لأمور تتعلق بالزوجية، يبين ذلك ويوضحه، أن النفقة ليست بدلاً للبضع كالمهر، فلا يجب أن يَقِفَ وجوبها على تسليم البضع، ألا ترى أنها لو وُطئت، ثم نشزت، لاستحقت المهر، ولم تستحق النفقة.
__________
(1) في (أ): نفقتها.
(2) سقط من (أ).
(3) في (أ): ذكرناها.

(61/2)


هذا وقد يجب المهر من غير تسليم البضع على بعض الوجوه، فتارة يلزم منه الشطر، وتارة /199/ الكل، فكانت النفقة بذلك أولى.
فإن قيل: الناشزة سقطت نفقتها لتعذر وصول الزوج إلى الإستمتاع فكذلك الصغيرة.
قيل له: هذا يفسد بمن سافر عن زوجته، أو أحرمت زوجته بإذنه، فلا يصح التعويل عليه، على أن الناشزة إنما وجب سقوط نفقتها؛ لأنها عصت بالإمتناع، وليس يلزم على ذلك الأمة المزوجة التي لم تسلم إلى زوجها؛ لأن هذا إيجاب الحكم بغير تلك العلة، وهذا شائع غير ممتنع، على أنا لو زدنا في العلة بأنها ممن أوجب العقد تسليم نفسها، لزال هذا الإعتراض بواحدة؛ لأن عقد الأمة لا يوجب تسليم نفسها؛ إذ بقي عليها حق الخدمة.
ويمكن أن تحرر العلة على هذا المعنى أيضاً، فيقال: لَمَّا لم يكن من الصغيرة امتناع بمعصية في عقد أوجب تسليم نفسها، لم يجب أن تسقط نفقتها، قياساً على الحرة البالغة الممكنة(1) من نفسها.
فإن قيل: النفقة جُعلت في مقابلة الإستمتاع، فإذا فقد الإستمتاع، فلا نفقة.
قيل له: ليس ذلك كذلك، بل النفقة جُعلت في مقابلة بذل نفسها، فإذا حصل البذل، وجبت، فأما إذا حبست نفسها على الوجه الذي ذكرنا، فلا خلاف في أنها تكون ناشزة، وأن نفقتها تسقط.
ووجه قولنا: إنها بحسب الإعسار واليسار قوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سِعَتِهِ..} الآية، وقوله سبحانه: {وَالَّذِيْنَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا}، وقد علمنا أن الغني يكون بالقليل مقتراً، والفقير بالتوسعة مسرفاً، والمقادير المذكورة في هذا الباب محمولة على أنها قدرت على حسب أحوال أقوام وعاداتهم.
فصل [في منع المرأة نفسها طلباً لمهرها]
قال أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى: المروي عن القاسم عليه السلام أنها إن منعت نفسها لاقتضاء مهرها، لم تسقط نفقتها، وبه قال أبو حنيفة.
__________
(1) في (ب): المتمكنة.

(61/3)


ووجهه ما استدللنا به من الأثر والآية، وهي أيضاً غير ممتنعة بمعصية في عقد أوجب تسليم نفسها، فوجب أن تجب نفقتها، قياساً على الْمُحرِمة بإذنه، أو المريضة، على أن امتناعها في الحقيقة في حكم امتناع الزوج؛ لأن الزوج يمكنه إزالة الإمتناع بتوفير(1) المهر، فيجري ذلك مجرى ألا تكون منه مطالبة بالكون عنده مع بذلها نفسها، في أن النفقة تجب لها.
مسألة: [في مطالبة الزوج أو وليها بالنفقة]
قال: وللزوجة أن تطالب الزوج بالنفقة إن كانت كبيرة، ولوليها أن يطالب بالنفقة إذا كانت صغيرة.
قد نبه في كتاب النفقة من (المنتخب) (2) على ما ذكرناه في الكبيرة، وفي كتاب النكاح من (المنتخب) (3) على ما ذكرنا في الصغيرة. ويجب أن يكون المراد بولي الصغيرة هاهنا من يتولى عليها في مالها كالأب، أو وصيه، أو الجد، أو الحاكم، أو من يوليه دون من يتجرد لهم ولاية النكاح فقط، كالأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم، وعلى هذا خرَّجه أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى في (النصوص)، أن من قدمنا ذكرهم لهم الولاية في المال، من دون من ذكرناهم ثانياً، ووجهه أن هذه الولاية ولاية تختص المال فوجب أن تكون البالغة أولى بها كما أنها أولى بسائر أموالها وحقوقها المتعلقة بالأموال، إذ ليس لأحد أن يتولاها عليها(4).
وقلنا: إن ولي الصغيرة يطالب عنها لمثل ما ذكرناه؛ لأن له التصرف في مالها وحقوقها المتعلقة بالأموال إذا تحرى نفعها، فكذلك ما ذكرناه، على أنه إذا ثبت استحقاقها للنفقة، فلا خلاف بعد ذلك في أنه للكبيرة أن تطالب بها، وأن لولي الصغيرة أن يطالب عنها كحكمه في سائر حقوقها.
مسألة: [في الزوج يطالَب بالنفقة فيهرب، أو يغيب أو يماطل]
__________
(1) في (أ): بتوفية.
(2) انظر المنتخب 372 ، 373.
(3) انظر المنتخب 127.
(4) في (ب): فيها.

(61/4)


قال: وإذا طولب الزوج بالنفقة، وغاب مدة، أو هرب، أو غفل عنها، أو دافع بأي وجه من المدافعة، طولب بعد ذلك بنفقة ما مضى، وكذا القول إن كان الولي هو المطالب عنها. وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (1). وحقق أبو العباس الحسني رضي الله عنه في (النصوص) أنها كالدين، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يلزم إلا أن يفرض لها الحاكم، أو يقع التراضي بها. والأصل في لزومها على الأحوال كلها ماقدمنا /200/ ذكره من الآية والخبر؛ لأنهما لم يخصا حالاً من حال، ويدل على ذلك ما أجمعنا عليه أنها تصير لازمة بعد فرض الحاكم، أو حصول التراضي، فكذلك وإن لم يحكم الحاكم، ولم يحصل التراضي، والعلة أنها غير ممتنعة على زوجها على جهة المعصية، فوجب أن تكون نفقتها لازمة لزوجها، كالدَين.
ويبين أن الحكم تعلق بما ذكرناه أن الحاكم لو فرضها، أو حصل التراضي بها، ثم حصل النشوز من جهتها، لم يكن لها نفقة، ومتى أزالت النشوز عاد وجوبها، فبان أن العلة ما ذكرناه،
ويدل على ذلك أنها حق في مال جُعل في مقابلة بذل نفس المرأة، وجعل بدلاً له، فإذا سُلِّم البدل، وجب أن يستحق ما قابله من غير مراعاة حكم أو غيره، دليل سائر الأبدال.
فإن قيل: سبيلها سبيل نفقة ذوي الأرحام في أنها تسقط بالفوات.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن نفقتهم لم تُجعل عوضاً عن شيء، كما أن نفقة الزوجة جعلت عوضاً من البدل، ألا ترى أنها لو نشزت، لسقطت نفقتها، ومتى بذلت نفسها، لزمت، معسرة كانت، أو موسرة، فبان أنها لم تلزم على طريق المواصلة والمواساة، كنفقة ذوي الأرحام التي لا يحكم لهم بها إلا مع الإعسار.
فإن قيل: لا يجوز أن تكون النفقة عوضاً من البدل؛ لأن الزوج قد استحق عليها ذلك بالعقد والمهر، ولا يجوز أن تستحق هي بدل المستحق عوضاً ثانياً.
__________
(1) انظر المنتخب 372 ـ 373.

(61/5)


قيل له: المستحق بالعقد والمهر هو الوطء فقط، ألا ترى أنها لو نشزت، وكانت تُمكِّن من وطئها أوقات الحاجة إليه، لم يجب لها نفقة، وإن وجب المهر، وإنما تجب النفقة إذا حصل منها البذل، فبان أن البدل مستحق بالعقد مع المهر والنفقة، فالنفقة، إذاً في مقابلة البدل.
مسألة: [في إنفاق ولي الزوجة عليها أثناء مماطلة الزوج]
قال: وإن كان الولي أنفق عليها في المدة التي دافع الزوج فيها بالمعروف، وجب ذلك(1) له على الزوج، وإن كان أسرف في النفقة، رجع منها بمقدار ما يكون بالمعروف، وهو فيما زاد عليها متبرع، لا يرجع به، وكذلك إن كان للمرأة مال، وأنفق عليها الولي، رجع على الزوج بمقدار المعروف من النفقة.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (2).
ووجهه ما قد بيناه من أنها لازمة زوجها، وجارية مجرى الدين، فإذا امتنع من توفيتها، فإنَّ إنفاق الولي عليها، أو انفاقها على نفسها لا يسقط حقها فكذلك قلنا: إن له الرجوع بذلك على الزوج.
وقلنا: إن له الرجوع بمقدار المعروف منها؛ لأن ذلك هو الواجب دون ما زاد عليه، فلم يجز له أن يرجع على الزوج بالزيادة؛ إذ هي غير لازمة له.
مسألة: [في حبس الزوج إذا كان ماطل بالنفقة]
قال: وإن ماطل الزوج، حُبِس لها، ولا تحبس المرأة عن الزوج إن كان موضعهما من الحبس موضعاً مستوراً عن الناس، فإن لم يكن الموضع كذلك، جاز لها أن تحبس.
فهذا منصوص عليه في (المنتخب)(3).
ووجه قولنا: إن الزوج إن ماطل حبس لها؛ لأن وجوب النفقة قد ثبت، وجرى مجرى سائر الديون، فقلنا: إن الزوج متى امتنع من توفيتها، حبس كما يحبس إذا امتنع من توفية سائر الديون التي عليه.
__________
(1) فيي (أ): وجب له.
(2) انظر المنتخب 373.
(3) انظر المنتخب 373.

(61/6)


وقلنا: إن المرأة لا تحبس عنه إذا كان في الحبس موضع مستور عن الناس، لأنها لو امتنعت من غير عذر كانت ناشزة، والنشوز معصية، وهو أيضاً يسقط ما بعد ذلك من نفقتها، فأما ما وجب من النفقة قبل ذلك، فلا يسقطه النشوز الواقع من بعد، فأما إن لم يكن في الحبس موضع على ما ذكرناه، جاز لها أن تمتنع من حضوره؛ لأنها ممتنعة بحق، كما تمتنع منه إذا كانت محرمة، أو /201/ امتنعت من تسليم نفسها لاستيفاء مهرها، ولم يجب أن تسقط نفقتها فيما بعد أيضاً، لأنها ليست ناشزة، بل هي ممتنعة بحق على ما مضى القول فيه، وفي نظائره من المسائل.
مسألة: [في نفقة المطلقة ومدتها]
قال: وإذا طلق الرجل زوجته وجب عليه نفقتها ما دامت في عدته تطاول زمان العدة، أم تقاصر، فإن كانت التطليقة رجعية وجب لها السكنى مع النفقة.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2).
والأصل في إيجاب السكنى والنفقة للمعتدة قول الله تعالى بعد ذكر(3) الطلاق، ووصف أحوال العدة: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ..} الآية، على أن الجملة التي ذكرنا مما لا خلاف فيه، والمطلقة الرجعية لم يختلف المسلمون في أن لها السكنى والنفقة، وإنما الخلاف في غير ذلك مما نبين تفاصيله بعون الله تعالى، ولا خلاف أيضاً أن طويل المدة في العدة كقصيرها.
مسألة: [في نفقة البائنة]
قال: وإن كانت التطليقة بائنة، وجبت النفقة دون السكنى، وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (4) و(المنتخب) (5).
__________
(1) انظر الأحكام 1/492.
(2) انظر المنتخب 146.
(3) في (أ): ذكره.
(4) انظر الأحكام 1/492.
(5) انظر المنتخب 146.

(61/7)


واختلف أهل العلم في ذلك، فقال أبو حنيفة: لها النفقة والسكنى، وقال الشافعي: لها السكنى، ولا نفقة لها، وذهب(1) الإمامية إلى أنها لانفقة لها ولا(2) سكنى، ونحن نبين أن لها النفقة ولا سكنى لها بقول الله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}، فلم يستثن منهن البائن، فاقتضى العموم إيجاب النفقة على أولات الحمل، إلى أن تنقضي عدتهن بوضع الحمل، بائناً كانت، أو غير بائن، فإذا ثبت وجوب النفقة على المطلقة البائن إذا كانت ذات حمل بالآية التي ذكرناها، ولأنه مما لا أحقظ فيه خلافاً بين عامة الفقهاء، وجب أن يكون ذلك حكمها، وإن كانت حائلاً، بعلة أنها معتدة من طلاق، ويمكن أن يقاس بهذه العلة على المطلقة طلاقاً رجعياً [إذ لا خلاف] (3) في أن النفقة واجبة لها.
فإن قيل: في البائن الحبلى وجبت نفقتها لأنها حبلى.
__________
(1) في (ب): ذهب.
(2) في (أ): وأنه لا.
(3) سقط من (أ).

(61/8)


قيل له: قد علمنا أن الحِبَل لاتأثير له في إيجاب النفقة؛ لإجماع الكل على إستواء وجوده وعدمه في عدة تطليق الرجعة(1) على أن وجوب النفقة، إما أن يكون حق الحمل، أو حق المرأة، فإن كان حق الحمل، وجب أن ينفق عليه من مال الحمل، إن كان له مال، ولوجب أن لا(2) يراعى فيه كفاية المرأة، فلما روعيت فيه كفايتها، ولم ينفق عليها من مال الحمل، علُم أنها حق للمرأة المعتدة، فوجب أن يستوي فيه(3) الحامل والحائل، وأيضاً إذا ثبت وجوب ألنفقة للزوج لكونها محبوسة على زوجها غير نائزة، وجب أن يلزم للمعتدة البائن لكونها محبوسة عليه من غير نشوز، وليس لهم أن يمتنعوا من تسليم أنها محبوسة على زوجها، وذلك أنه وإن لم يكن في الحال زوجاً، فإنه هو الذي ملك بضعها بالنكاح، وحبسها، إنما هو للحرمة المتعلقة بذلك، فإذا ثبت غرض فيما ذكرناه، لم يَقدح فيه امتناعهم من إجراء الإسم عليه، يكشف ذلك أنها في حال الإعتداد موقوفة لحرمة الزوجية، ممنوعة من التصرف في نفسها كحالها وهي متزوجة، فوجب أن تلزم نفقتها كما لزمت في حال /202/ الزوجية.
فإن قيل: هذا ينتقض بالمختلعة إذا خالعت على النفقة.
قيل له: نحن علَّلنا لإيحاب أصل النفقة، لا أن يعتبر فيها الإبراء، فلا وجه لهذا السؤال.
فإن قيل: فقد روي عن فاطمة بنت قيس أنها قالت: طلقني زوجي البَتَّة، فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السكني والنفقة، فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وهذا نص يعترض قياسكم.
قيل له: قد روي أن زوجها لما طلَّق بعث إليها النفقة، فاستَقلَّتَها، فخاصمت، فيمكن أن يكون قولها: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجعل لي(4) نفقة محمولاً على أن المراد به أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يجعل لي نفقة زائدة على ما بعث، وإذا كان هذا هكذا، لم يكن لخصمنا التعلق به.
__________
(1) في (أ): الرجعية.
(2) في (أ): أن يراعي.
(3) في (أ): ناشزة.
(4) في (ب): لها.

(61/9)


أخبرنا بذلك أبو بكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا روح، حدثنا يحيى بن عبدالله بن بكير، حدثني الليث، عن أبي الزبير المكي، أنه سأل عبدالحميد بن عبدالله بن أبي عمرو بن حفص، عن طلاق جده أبي عمرو فاطمةَ بنت قيس، فقال له عبدالحميد: طلقها البته، ثم خرج إلى اليمن، ووكَّل عياش بن أبي ربيعة، فأرسل إليها ببعض النفقة فسخطتها، فقال لها عياش مالَكِ علينا من نفقة، ولا سكنى، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (ليس لك نفقة ولا سكنى، ولكن متاع بالمعروف) (1)، فدل ذلك على أن الذي أراده صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (ليس لك نفقة)، هو الزائد على الذي بعث إليها.
وأخبرنا أبو بكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن مرزوق، حدثنا وهب، حدثنا سعد بن أبي بكر، عن أبي بكر بن أبي الجهم، قال: دخلت أنا(2) وأبو سلمة إلى فاطمة بنت قيس فحدَّثَت أن زوجها طلقها طلاقاً بائناً، وأمر أن يرسل إليها بنفقتها خمسة أوساق، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: إن زوجي طلقني، ولم يجعل لي السكنى، ولا النفقة. (3) فدل هذان الخبران أن نفقتها(4) كانت قد بُعِثت إليها، وأنها كانت تطلب الزيادة، فمنعها عن طلبها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/65 وفيه عن طلاق جده أبي عمر وفاطمة بنت قيس وفيه أيضاً ليس لك نفقة ولا مسكن ولكن متاع بالمعروف اخرجي عنهم.. الخ.
(2) في (أ): أنا وأبو خيثمة.
(3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار، وفيه: فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت، وفيه أيضاً: حدثنا سعيد بدلاً عن سعيد.
(4) في (أ): النفقة.

(61/10)


وذكر أبو العباس الحسني ـ رحمه الله ـ في كتاب (الإبانة) أنه روى عن عبدالرحمن بن المهدي، حدثنا سفيان عن أبي بكر بن أبي الجهم قال: سمعت فاطمة بنت قيس تقول: أرسل زوجي أبو عمرو بن حفص عياشَ بن أبي ربيعة بطلاقي، فأرسل إليَّ خمسة أصوع من شعير، وخمسة أصوع من تمر، فإن قيل: فإن في الخبر الأول أنه بعث إليها خمسة أوساق، وفي الخبر الثاني بعث إليها خمسة أصوع من شعير وخمسة أصوع من تمر، وهذا ضرب من التعارض.
قيل له: لا يمتنع أن يكون الذي بعث أولاً عشرة آصع(1)، وإنه أكمل خمسة أوسق بعد ذلك، فتارة أخبرت عما حُمل إليها أولاً، وتارة عما حمل إليها ثانياً، فلا يكون في ذلك تعارض.
فإن قيل: لو كان حمل إليها خمسة أوسق(2) ما كانت تستقلها.
قيل له: يجوز أن لا يكون الجميع كان لنفقة عدتها، بل كان بعضها مما(3) لزمه من نفقتها المتقدمة، ويجوز أن يكون امتد زمان أقرآئها، فتطاولت مدة العدة، فاستقلته.
فإن قيل: فلو كان ذلك كذلك، لم ينكر عمر قولها.
قيل له: يجوز أن يكون عمر سمع ظاهر قولها: ولم يعرف ماكان وصل إليها، وأنها نفت الزائد من النفقة، فأنكر ظاهر إطلاقها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجعل لها نفقة.
__________
(1) في (أ): أصواع.
(2) في (أ): أوساق.
(3) في (أ): لما.

(61/11)


فأما ما يدل على أنه(1) لا سكنى (2)لها، فهو: ما أخبرنا به أبو بكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، حدثنا سعيد بن /203/ منصور، حدثنا هشيم، حدثنا مغيرة، وحصين، وأشعث، وإسماعيل بن أبي خالد، وداود، وسيار، ومجالد، عن الشعبي، قال: دخلت على فاطمة بنت قيس بالمدينة، فسألتها عن قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها فقالت: طلقني زوجي البتة، فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السكنى والنفقة، فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم(3)، وقال مجالد في حديثه، يابنة قيس إنما السكنى والنفقة لمن كانت له الرجعة، فقولها لم يجعل لي سكنى ـ دليل على أن المبتوتة لا سكنى لها. (4)
وكذلك ما رواه مجالد عنها أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يأبنة قيس إنما السكنى والنفقة لمن كانت له الرجعة)، نص فيما نذهب(5) إليه، وكذلك قول عبدالحميد بن عبدالله بن أبي عمرو بن حفص: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمه بنت قيس: (ليس لك نفقة ولا سكنى، ولكن متاع بالمعروف)، دليل على صحة ما نذهب إليه من أنها لا سكنى لها.
فإن قيل: فإن عمر أنكر هذا الحديث، ومن شرط قبول خبر الواحد أن لا يكون للسلف نكير فيه.
__________
(1) في (أ): أنها.
(2) في (ب): لا سكنى ولا نفقة.
(3) في (أ): في بيت أم مكتوم.
(4) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/64.
(5) في (ب): ذهب.

(61/12)


قيل له: ليس الأمر على ما ذكرت، بل يجب للمنكر أن يذكر للإنكار وجهاً يجوز أن يُنكرَ من أجله، وعمر لم يزد على أن قال: لا نقبل خبر امرأة لا ندري أصدقت، أم كذبت، في بعض الأخبار، وفي بعضها، أو سَهِيتَ،وهذا لايجوز أن يكون وجهاً للإنكار، ألا ترى أنا لو جعلنا ذلك وجهاً للإنكار، لوجب أن ينكر جميع أخبار الآحاد، لأن كل خبر الواحد يجوز على راويه الكذب والسهو، ولا ندري أصدق، أم لا، فلما كان هذا هكذا لم يكن ذلك وجهاً يُنكرَ من أجله خبر الواحد، فوجب أن يسقط إنكار عمر له.
فإن قيل: فإنه قال: لا نقبل على كتاب ربنا، وسنة(1) نبينا صلى الله عليه وآله وسلم خبر امرأة لا ندري أصدقت، أم لا، فبيَّن أنها اعترضت بخبرها(2) على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فوجب أن يسقط خبرها.
قيل له: الإعتراض على وجهين:
أحدهما: أن يعترضه إعتراض الْمُخصِّص، فهذا جائز غير ممتنع؛ لأن عمومات القرآن قد تخصص بخبر الواحد.
[والثاني] وقد تعترض إعتراضاً يوجب رفع حكمه رأساً، وهذا مما لا يجوز، ولم يثبت في كتاب الله تعالى ولا سنة(3) رسوله لفظ لا يحتمل التأويل، ويكون خبر فاطمة بنت قيس يوجب رفع حكمه رأساً، فسقط هذا الإعتراض.
على أن عمر بيَّن أنه رد خبرها، لأنه لا يدري، أصدقت، أم كذبت، فلو كان رده له؛ لأنه رافع لحكم الكتاب والسنة رأساً، لم يقل ذلك، فإنه ما يجري(4) هذا المجرى لا يقبل، وإن ورد مَن جهة من يطلق أنه ثقة عدل.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَاحْصُوا الْعِدَّةَ}، ثم قال: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بِيُوتِهنَّ}، وقال أيضاً بعد ذكره سبحانه أحكام العدة: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وَجْدِكُمْ}، فكان الآيتان عامتين في البائنة وغير البائنة في إيجاب السكنى لها.
__________
(1) في (أ): وعلى على سنة.
(2) في (ب): اعترضت على.
(3) في (أ): ولا في سنة.
(4) في (ب): فإنه يجري.

(61/13)


قيل له: لو ثبت ما ادعيتم من عموم الآيتين، لوجب أن يكونا مخصوصتين بما رويناه عن فاطمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن عبدالحميد بن عبدالله، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شأنها على ما بيناه، على أن في كل(1) واحدة من الآيتين ما يدل على أنها خاصة في المعتدة من الطلاق الرجعي، ألا ترى أن قال بعد قوله تعالى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بِيُوتِهِنَّ لَعَلَّ اللَّهُ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}، وقد روي في التفسير أن ذلك الأمر هو الرجعة، فدل ذلك على أن الآية فيمن طلقت تطليقة رجعية، على أنه ليس هناك أمر يتعلق بالعدة يَنتَظر حدوثه سوى الرجعة، فوجب(2) أن تكون هي المراد به.
فإن قيل: الرجعة هي فعل المراجع، فكيف يجوز أن يحدثه الله تعالى؟
__________
(1) في (ب): أن كل.
(2) في (أ): فيجب.

(61/14)


قيل /204/ له: المراد به أن الله تعالى يحدث ما يدعو إليها من الأسباب الداعية، وأما ما يدل على أن قوله سبحانه: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ}، ومعناه حيث سكنتم، و(من) هاهنا صلة، وقد علمنا أن الْمُطَلِّق لا يجوز له مساكنة المطلقة، إلا أن تكون التطليقة رجعية، فأما البائن فلا يجوز له مساكنتها؛ لأنها في حكم الأجانب، ألا ترى أنها لا تستباح إلا بعقد جديد، وإذا ثبت ذلك، بان بأن الآية واردة في المعتدات من الطلاق الرجعي، ويدل على ذلك أنها ممن لم يبق لمطلقها عليها حق الإستمتاع، فوجب أن لا يجب عليه لها السكنى، دليله إذا خرجت من عدتها [ويكشف أن السكنى تعلق بحق استمتاع الزوج، ولأنها ليست كالنفقة، أن المرأة لو أبرأته من السكنى] (1) كان لزوجها أن يطالبها بأن تسكن حيث يسكنها، وليس لها أن تجعل سكناها لغيرها، والنفقة لو أبرأته المرأة منها، لم يكن له أن يطالبها بالإستنفاق من نفقته، وكذلك إذا قبضت نفقتها، فلها أن تهبها من شاءت، فتصرف فيها كيف شاءت، فدل ذلك على أن السكنى يتعلق بها حق الزوج، فإذا انقطعت حقوق الزوج من الإستمتاع عنها، وجب أن يسقط وجوب سكناها.
مسألة: [في نفقة المختلفة]
قال: والمختلعة إن خولعت على النفقة، فليس لها نفقة، ولا سكنى، فإن لم تخالع على النفقة، فلها النفقة دون السكنى. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2).
__________
(1) ما بين المعكوفين سقط من (ب).
(2) لفظ الأحكام: (والمختلفة فعدتها واجبة وعلى زوجها نفقتها إلا أن يكون زوها اشترط عليها ألا يكون عليه لا نفقة ولا سكنى فإن كان ذلك جرى في الشرط فهو جائز، وقال عن جده السكنى والنفقة على قدر ما يون من مشارطة الزوج) انظر الأحكام 1/425 فليتأمل.

(61/15)


أما إن خولعت من غير اشتراط إسقاط النفقة فقد دللنا في المسألة التي تقدمت أن لها النفقة دون السكنى، فلا وجه لإعادته، وأما إذا خالعها عن(1) النفقة فإن النفقة تسقط؛ لأنها قد جعلت عوضاً للطلاق، كما سقط المهر إذا جعل عوضاً للطلاق، لأن كل واحد منهما حق في مال وجب بسبب النكاح، فوجب أن يصح اسقاطه بالمخالعة، وليس يمكن الإعتراض عليه بأن النفقة قد تدخل فيها الجهالة، فلا يصح أن تجعل عوضاً؛ لأن دخول الجهالة في أعواض الطلاق لا يبطلها كما يبطل المهر، وليس يصح أن يقال: إن إبراءها منها لا يصح؛ لأنها لم تجب بعد، ولم تصر المرأة مستحقة لها؛ لأنها تستحقها بعد الطلاق؛ لأن ذلك عندنا ليس بإبراء محض، لأنها لم يجعل العوض عنها، وقد علمنا أنها لو أعطيت نفقة العدة قبل الطلاق، صح ذلك، فلم يمتنع أن يعتاض الطلاق عن نفقة العدة قبل وجوبها.
مسألة: [في نفقة المتوخي عنها]
قال: والمتوفي عنها زوجها تجب نفقتها من جملة الميراث حتى تنقضي عدتها. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب) (3).
وذهب أكثر العلماء إلى أن لا نفقة لها، قال أبو العباس الحسني رحمه الله: وروي نحو قولنا عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، وقد روى هناد بن السري، عن الشعبي، عن علي عليه السلام، وعبدالله بن مسعود، أنهما أوجبا النفقة للحامل المتوفى عنها زوجها، وروي نحوه عن شريح.
__________
(1) في (ب): على.
(2) انظر الأحكام 1/439 ـ 440، 491.
(3) انظر المنتخب 142.

(61/16)


والدليل على صحة ما ذهبنا إليه: ما أخبرنا به أبو العباس الحسني رحمه الله، حدثنا محمد بن علي بن شروشان، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن علي بن(1) طلحة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}، قال: كان الرجل إذا مات، وترك امرأته، اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله سبحانه: {وَالَّذِيْنَ يُتَوَفُّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}، فهذه عدة المتوفى عنها زوجها، فبين أن الآية الآولى أوجبت على المتوفى عنها زوجها إعتداد سنة، وأوجب لها النفقة ما دامت في العدة، فلما نسخت المدة، بقي وجوب النفقة على ما كان عليه.
فإن قيل: فقد(2) روي عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: {مَتَاعٌ إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}، : نسخ ذلك بآية الميراث.
قيل له: يجوز أن يكون ذلك قاله لرأي رآه، إذ ليس في ظاهر آية الميراث ما يوجب نسخ ما جعل لها من المتاع، وما كان كذلك، لم يلزمنا المصير إليه إلا بحجة.
فإن /205/ قيل: فإذا كان المروي عن علي عليه السلام أنه أوجب النفقة للحامل، فكيف أوجبتموها للحائل مع قولكم: إنه لا يجوز أن يخالف؟
__________
(1) في (أ): عن علي بن أبي طلحة.
(2) في (ب): روي.

(61/17)


قيل له: ليس فيما(1) روي عنه ما يدل على أنه عليه السلام لم يكن يوجبها للحائل، وجائز أن يكون سأله سائل عن الحامل إذا توفي عنها زوجها، فأفتى بإيجاب النفقة لها، فروى السامع ما سمعه يفتي به، لا أنه عليه السلام لم يكن يرى إيجابها للحائل، على أنها إذا وجبت للحامل، فيجب أن تجب للحائل قياساً عليها، والعلة أنها معتدة من وفاة، فوجب أن يكون نفقتها من جملة الميراث، ولا خلاف أنها لو كانت مطلقة طلاقاً رجعياً، لوجبت النفقة لها، فكذلك إذا توفي عنها زوجها، والمعنى(2) أنها معتدة عن نكاح، ومحبوسة(3) بحرمة النكاح، ويؤيد هذه العلة أنها إذا كانت متزوجة، يجب لها النفقة بهذه العلة، ومتى زالت، زال الحكم.
فإن قيل: فإن الرجل إذا مات، انقطعت حقوقه عن ماله، فلا يجوز أن يتجدد ذلك بوجوب حق.
قيل له: يجوز أن يتجدد ذلك إذا كان السبب متقدماً، كما يتجدد وجوب الكفن، والوصايا؛ للأسباب التي تقدم.
مسألة: [في نفقة من أسلم زوجها أو العكس]
قال: وإذا أسلم الكافر ولم تسلم امرأته فلا نفقة لها، فإن أسلمت هي، ولم يسلم الزوج، فلها النفقة ما دامت في العدة. وهذا منصوص عليه في كتاب النفقات من (الأحكام) (4).
__________
(1) في (ب): مما.
(2) في (أ) والمعنى العلّة.
(3) في (أ): أو.
(4) انظر الأحكام 1/495.

(61/18)


ووجهه أن الكافر إذا أسلم، ولم تسلم امرأته، فهي في حكم الناشزة؛ لأنها بإقامتها على الكفر ممتنعة من زوجها بمعصية، ألا ترى أنها لو أسلمت، لحلت لزوجها، فإذا ثبت أن إقامتها على الكفر امتناع عن(1) الزوج بمعصية، وجب أن تسقط نفقتها، دليله الناشزة، فأما إن أسلمت هي، ولم يسلم، فإنها ممتنعة من زوجها بحق، وممكن لزوجها إزالة ذلك المانع بأن يسلم فسبيلها سبيل من منعت نفسها لاقتضاء مهرها. قبل الدخول في عقد أوجب تسليم نفسها، في أن نفقتها واجبة؛ لأنها امتنعت بحق، على ما سلف القول فيه، وهاتان المسألتان مبنيتان على أن الفرقة لا تقع بينهما إلا بانقضاء العدة، وقد بينا الكلام في ذلك فيما تقدم من كتاب النكاح، فلا وجه لإعادته.
باب القول في نفقة المؤسر على قريبه المعسر(2)
[مسألة: في نفقة الأبوين وذوي الأرحام]
يجب على الْمؤسر، رجلاً كان أو امرأة، صغيراً كان أو كبيراً، نفقة أبويه إذا كانا معسرين، مسلمَين كانا أو كافرين، فأما سائر الأقرباء، فلا نفقة لهم إلا إذا كانوا مسلمين. وهذا جميعه منصوص عليه في (الأحكام)(3).
ووجه قولنا: إنه لا فصل بين أن يكون الذي لزمته نفقه أبويه(4)، أو غيرهما من أقاربه، رجلاً أو امرأة، صغيراً أو كبيراً، هو أن الحقوق المتعلقة بالأموال استوى فيها الرجال والنساء، والصغار والكبار، إذا اشتركوا في السبب الموجِب لها، كذلك الجنايات التي يتعلق بها الأموال لا فصل بينهم فيما يلزم من طريق المال، فكذلك لا فصل بينهم في باب العشور، وعندنا في سائر الزكوات، فإذا ثبت ذلك، وكان الموجب للنفقات هو الرحم، والنسب، فيجب أن يستوي الرجال والنساء، والصغار والكبار فيها؛ لاشتراكهم في سببها، وهو(5) النسب، والرحم.
__________
(1) في (ب): من.
(2) في (أ): باب القول في نفقة المعسر على قريبه المؤسر.
(3) انظر الأحكام 1/496 ، 498.
(4) في (أ): نفقته.
(5) في (ب): وهي.

(61/19)


وقلنا: إن نفقة الأبوين واجبة، مسلمَين كانا، أو كافرين، لقول الله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ لِيْ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِيْ الدُّنْيَا مَعْرُوفاً}، والمصاحبة في الدنيا على سبيل المعروف يقتضي ألا يشبع ويجوعان، وألا يكتسي ويعريان، مع قدرته على أن يشبعهما ويكسوهما، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله /206/ وسلم: (أنت ومالك لأبيك)، فاقتضى ظاهره أن يكون الأب، معسراً كان أو مؤسراً، كافراً كان أو مسلماً، أن يتصرف في مال ابنه، فلما أجمعوا على أنه ممنوع من ذلك فيما زاد على قدر الحاجة عند الإعسار، بقي ذلك على مقتضى الظاهر، مسلماً كان الأب أو كافراً، وإذا ثبت ذلك في الأب، ثبت في الأم؛ لاشتراكهما في الولادة، ولأن أحداً لم يفصل بينهما في هذا الباب، وأما سائر الأقرباء فقلنا: إنهم لا نفقة لهم على المسلم إلا إذا كانوا مسلمين؛ لأنه لاخلاف فيه، ولأن الحقوق التي بينهم منقطعة.
مسألة: [في ماهية النفقة]
قال: والنفقة التي يُحكم بها هي: الإطعام، والكسوة، والسكنى، والخادم إن كان المنفَق عليه لا يطيق خدمة نفسه؛ لمرض، أو صغر، أو كِبرَ. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
ووجهه قول الله تعالى: {لا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَالِدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}، فدل على وجوب ما ذكرنا، ولأن إيجاب بعض ما قلناه ليس بأولى من إيجاب البعض؛ إذ الجميع قوام المرء وقوته الذي لا يستغني عنه.
مسألة: [في تقسيم النفقة على حسب الأرث]
__________
(1) انظر الأحكام 1/498.

(61/20)


قال: ويحكم على المؤسر بنفقة قريبه المعسر إذا كان وارثاً له على قدر موروثه منه، فإن لم يكن وارثاً، فلا نفقة له(1) عليه. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب) (3)، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب أبو حنيفة إلى أن النفقة تجب على كل ذي رحم محرم إذا كان من أهل الميراث، والشافعي قصره على الولادة فقط، وحكي عن الأوزاعي أنها على العصبة دون النساء، وحكي عن ابن أبي ليلى، وأبي ثور أنها تلزم كل وارث بسبب.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: {لا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلِدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}، ووجه الإستدلال من الآية أن الله تعالى خصص الوالدين والورثة بالمنع من المضارة بالولد، ولا مضارة يقع التخصيص بالمنع منها إلا ترك الإنفاق، وما يتبعه، فثبت أنهم قد أوجب عليهم الإنفاق.
فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إن المراد به سائر الأضرار؟
قيل له: المنع من سائر الأضرار لا يختص به الوالدان والورثة؛ لأنهم والأجانب فيه سواء، فبان أن المراد ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون المراد به وارثاً واحداً، وهو الجد؟
قيل له: الألف واللام يفيدان الجنس إذا دخلا في الكلام على هذا الحد، فلا يجوز أن يقتصر على وارث واحد إلا بالدلالة؛ لأنه يكون تخصيصاً، وتخصيص العموم لا يجوز إلا بالدلالة.
فإن قيل: نخصه بما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه).
قيل له: هذا لا يتناول موضع الخلاف؛ لأن الخلاف واقع في لزوم الإخراج، وليس كذلك في الحديث.
فإن قيل: فقد روي عن علي(4) عليه السلام أنه قال: (ليس في المال حق سوى الزكاة).
قيل له: ما استدللنا به من الأية أخص بموضع الخلاف من هذا الخبر، فلا يجوز الإعتراض به علينا.
__________
(1) في (ب): نفقة له.
(2) انظر الأحكام 1/496.
(3) انظر المنتخب 371.
(4) في (أ): عنه.

(61/21)


فإن قيل: فيجب أن تدخل فيها الزوجة، وولي النعمة.
قيل له: نخصهما بدلالة الإجماع، وقد روى هنَّاد تأويل هذه الآية على ما ذهبنا إليه، عن عطاء، وإبراهيم بأسا نيده عنهما، ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله تعالى: {وَأُلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ}، ولم يبين(1) الأمر الذي يكون بعضهم أولى ببعض فيه، فوجب أن يكون عاماً في جميع ما يجوز أن يكون مراداً به؛ إذ ليس بعض ذلك بأن يكون مراداً أولى من بعض، فإذا ثبت ذلك وجب أن يكون أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في الإنفاق عليه، وإذا ثبت ذلك صح ما ذهبنا إليه.
ويدل على صحة ما ذهبنا إليه ما أجمعنا عليه من أن الولد تلزمه نفقة /207/ أبويه، وإن كان الأبوان يلزمهما نفقة الأولاد، فوجب أن يكون كل سبب من أهل الإنفاق يلزمه ذلك للفاقة، والعلة أنه سبب، أو يقال: إن الولد يلزمه نفقة أبيه الفقير، فكذلك سائر ما اختلفنا فيهم، والمعنى أن كل واحد وارث بسبب، وعلتنا أقوى من كل ما يعلِل به المخالف؛ لأن كونه سبباً مما أجمع على أنه مراعى بكونه وارثاً قد نبه النص عليه، ويمكن أن يقوى بأنها أعم من كل ما يعلَّل به في هذا الباب، وبأن فوائدها في الشرع أزيد، وبأنها تقتضي إيجاباً يسقطه ما يعارضها من العلل، وجميع ذلك هو استدلالٌ على أبي حنيفة والشافعي في المواضع التي يخالفانا فيها، وإن كان الكلام إذا كان مع أبي حنيفة أوسع مجالاً؛ لإيجابه النفقة على كل ذي رحم محرم، على أن أصحابه استدلوا بما استدللنا به من قوله: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}، ثم قالوا فيمن له خال وابن عم: إن النفقة تلزم الخال، وإن لم يكن وارثاً، وكان ابن العم وارثا، قالوا: لأن الخال على الجملة من أهل الميراث، وهذا خلاف الظاهر، فوجب سقوطه.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون ابن العم لا تلزمه النفقة، قياساً على مولى النعمة، والزوجة؛ لأنه ليس بذي رحم محرم؟
__________
(1) في (ب): يتبين.

(61/22)


قيل له: العلة في ذلك أن كل واحد منهما ليس بذي رحم، وقد ثبت أنه مراعى في هذا الباب بالإنفاق، فإذا صح تعلق(1) الحكم بالإنفاق، لم يكن لإضافة وصف زائد إليه معنى، وهو قولهم: مُحرَّم، وكذلك من قال: إنها مقصورة على التعصيب يحجهم ما قدمناه من الآية والعبرة.
مسألة: [في فقد أحد شروط وجوب الإنفاق]
ولو أن رجلاً معسراً كان له ابن معسر، وأخ مؤسر، فلا نفقة له على واحد منهما. وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (2).
ووجهه ما بيناه في المسألة التي قبل هذه، أن النفقة تلزم بإجتماع أمرين: الرحم، والإرث، فإذا ثبت ذلك، سقطت النفقة عن الأخ المؤسر، لأنه لا يرث مع الإبن، وسقطت عن الإبن لكونه معسراً، فلم يلزم واحد منهما نفقته.
مسألة: [في المعسر له سببان وارثان مؤسر ومعسر]
قال: وإن(3) كان له أخوان أحدهما مؤسر، والآخر معسر، حكم بنفقته على الأخ المؤسر، ورواية (المنتخب) (4) يحكم بنصف نفقته على الأخ المؤسر، ولا يحكم بالنصف على واحد منهما.
ما ذكرناه أولاً هو رواية الأحكام، ووجهه أن هذا المعسر له سبب وارث ذو يسار فوجب أن يحكم له بتمام قوته عليه.
دليله لو لم يكن له غير ذا الأخ الموسر، يؤكد ذلك ويوضحه أن المرعى فيه ليس هو بتحقيق الإرث، لأنا نجوز أن يكون الموسر يموت فيرثه المعسر، أو يموت قبل أخيه الآخر فينتقل كمال الإرث عنه، أو يموت ذلك فينتقل كمال الإرث إليه، وإنما المراعَى أن يكون هو في الحال وارثاً لو مات المعسر، فإذا ثبت ذلك، لم يجب أن يسقط عنه بعض النفقة لكون غيره في حكمه في معنى الإرث.
فإن قيل: لو كان ذلك كذلك، لوجب أن يلزمه تمام النفقة، وإن كان الأخ الآخر مؤسراً.
__________
(1) في (ب): تعلق الحكم به بالإنفاق ولم.
(2) انظر المنتخب 371.
(3) في (ب): إذا.
(4) انظر المنتخب 372 وهو بالمعنى فقط ولم يذكر هذا المثال بعينه.

(61/23)


قيل له: هذا لا يلزم؛ لأن الأخ الآخر إذا كان مؤسراً، فليس أحدهما بالإنفاق أولى من الآخر، فوجب أن يستويا فيه، على أنا قد علمنا أن اليسار شرط في لزوم النفقة كالنسب والأرث، فكما أنه لوزال كونه وارثاً، بأن يصير محجوباً، سقطت عنه النفقة، ولزم الوارث تمامها، وكذلك لو قدرناه غير نسيب، وإن كان وارثاً مؤسراً، لسقطت عنه، ولزم النسيب تمامها، فكذلك إذا فقد اليسار يجب أن يسقط عنه، ويلزم تمامها المؤسر، إذ اليسار كالنسب في الإرث في هذا الباب، وأيضاً موضوع النفقة إنما هو لدفع الضرر عن المنفَق عليه، فلو(1) لم نحكم له بتمام نفقته، لم /208/ نكن دفعنا عنه الضرر، والزام الأخ المؤسر تمام النفقة أذهب في الباب الذي عليه وضعت النفقة من المواساة، ودفع الضرر، فوجب أن يكون أولى.
ووجه رواية (المنتخب) أن الأخوين لو كانا مؤسرين، للزم كل واحد منهما نصف النفقة، فكذلك إذا كان أحدهما معسراً، والعلة أن نصيبه من الإرث إنما هو النصف، ولأنه وجد النفقة مقسومة على حسب المواريث، فوجب أن يكون الذي لا يرث أكثر من النصف، لا يلزمه من النفقة أكثر من النصف، وأيضاً دفع الضرر لا يجب أن يراعى في كل وجه، ألا ترى أن من له أخ مؤسر وابن معسر، فلا نفقة له، ولا يدفع عنه ضرر الإعسار، لما لم يكن الوارث مؤسراً، فكذلك إذا كان غير وارث لبعض إرثه، لم يلزم أن يدفع عنه بعض الضرر.
مسألة: [في المعسر له ابنان معسر ومؤسر]
قال: وإن(2) كان للرجل ابنان، أحدهما مؤسر، والآخر معسر، حكم بنفقته كلها على الإبن المؤسر، في الروايتين جميعاً.
أما وجهه على رواية (الأحكام) (3) فهو الذي مضى، وهو القياس، ويمكن أن يقوى به ما مضى من رواية (الأحكام) على رواية المنتخب.
__________
(1) في (ب): فلعل الحكم بتمام نفقته لم يكن دفعنا عنه لإضرار.
(2) في (أ): وإذا.
(3) انظر الأحكام 1/496، 497 وهو بالمعنى كما سبق.

(61/24)


وأما وجهه على رواية (المنتخب) (1) فهو أن سبب الأب أوكد؛ لأنه لا خلاف أن نفقته تلزم كافراً كان أو مسلماً، وليس كذلك حال سائر ذوي الأرحام، فوجب أن يكون استحقاقه أقوى، وليس ذلك إلا الحكم بلزوم نفقته على الأحوال كلها، ويؤكد ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت ومالك لأبيك)، فاقتضى الظاهر أن يكون كل ما يملك ابنه المؤسر له، فوجب أن يحكم(2) له منه بتمام نفقته.
فصل: [في شرط المنفَقِ عليه]
لم يراع يحيى بن الحسين صلوات الله عليه لإيجاب النفقة على ذوي الأسباب غير إعسار المنفَق عليه فقط، وراعى فيه أبو حنيفة إن كان صغيراً، أو كان أنثى، الفقر فقط مثل ما راعيناه به، فإن كان ذكراً كبيراً، راعى فيه مع الفقر الزمانة.
ووجه ما ذهبنا إليه أنه ممن يستحق عليه الإنفاق للرحم والإعسار، فوجب ألا يراعى لإيجاب نفقته على قريبه المؤسر إلا الإعسار، دليله الإناث، وصغار الذكور، وأيضاً لا خلاف أن من يلزمه النفقة لقريبه(3) المعسر لا يختلف ما يراعى من حاله، سواء كان ذكراً أو أنثى، صغيراً أو كبيراً، فوجب ألا يختلف ما لا يراعى من حال من يلزمه النفقة له في ذلك، والعلة أن كل واحد منهما يتعلق به حكم نفقة الإعسار.
فإن قيل: الذكر إذا كان كبيراً أمكنه التكسب، فلا وجه لإلزام نفقته غيره.
__________
(1) انظر المنتخب 372.
(2) في (ب): يحكم له بتمام.
(3) في (ب): يلزم النفقة لقربيه لا.

(61/25)


قيل له: والأنثى أيضاً إذا كانت كبيرة، والذكر وإن كان صغيراً، إذا كان خارجاً عن حد الطفوليَّة، فإن كل واحد منهما يمكنه التكسب، ولا خلاف أن النفقة تجب لهما، وإن لم يكن بهما زمانة، على أن الزمانة لو لم تكن في الآلة التي يحتاج إليها في التكسب، أمكنه التكسب، فسقط هذا الإعتراض، ويؤكد ما ذهبنا إليه أن الحقوق التي تختص الفقراء، كالزكوات، والعشور، والكفارات، والنذور، يستوي في استحقاقها الصغار والكبار، والذكور والإناث، فوجب أن يستووا فيما ذكرناه، وأيضاً النفقات موضوعة للمواساة، والمعونة، كتحمل(1) العاقلة جناية من يعقلون عنه، ثم وجدنا ما يعقل من الجنايات لا ينفصل فيها(2) أحوال هؤلاء، بل يجب أن يستووا، فوجب أن يكون ذلك شاهداً لما ذهبنا إليه في النفقات، على أن عموم قوله تعالى: {وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}، يدل على صحة ما قلناه في هذا الباب.
باب القول في نفقة الرضيع
[مسألة: في وجوب الرضاعة على الأم]
إذا ولد المولود وجب على أمه أن ترضعه اللباء، وذلك يكون مقدار يوم إلى ثلاثة /209/ أيام، ويجب بعد ذلك على الأب أن يستأجر من يرضعه. والأم أولى أن تُسْتَأجَر لإرضاعه إن طلبته، يحكم لها بذلك على الأب بعد فراقه لها حتى يفصل الولد، ويكون ذلك إذا أتى عليه حولان. وجميعه منصوص عليه في (المنتخب) (3).
ووجه ما قلناه من أن على الأم أن ترضع ولدها اللباء ما استقر في العادة أن غير اللباء من الألبان لا يقوم مقام اللباء في التغذية والتقوية، وفي قطعه عن الولد الأضرار(4) به، وقد قال الله تعالى: {لا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}.
ووجه تقديره باليوم الواحد إلى ثلاثة أيام أن الصبي يستغني عنه في غالب العادة إذا أرضع(5) هذه المدة.
__________
(1) في (ب): كتحميل.
(2) في (ب): لا ينفصل في أحوال.
(3) انظر المنتخب 370 ـ 371.
(4) في (ب): إضرار.
(5) في (ب): رضع.

(61/26)


وقلنا: إن على الأب أن يستأجر من يرضعه؛ لأنه لا خلاف في ذلك، ولأن الإرضاع(1) ليس هو من موجب النكاح، وقد دل على ذلك قول الله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، إلى قوله: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}.
وقلنا: إن الأم أولى أن تستأجر إن طلبته؛ لأنها على الولد أحنى وأدنى إلى دفع المضار عنه؛ لأن الولد قد يعَاف لبن غير أمه، وقد نهى الله تعالى الوالد عن المضارة بالولد، كما نهى الوالدة بقوله: {وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ}، ولقوله تعالى: {فَإِن أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، فأمر (2)بإتيانهن الأجور متى اخترن الرضاع، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (لا توله والدة عن ولدها)، ولأنه منهي عن التفريق بينهما في السبي.
وقلنا: إن ذلك إلى غاية مدة الرضاع؛ لأن حكم الإرضاع قائم فيها، وجعلنا أمدها حولين لقوله سبحانه: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}، وسنورد في هذا أتم من هذا البيان في باب الرضاع بعون الله تعالى.
مسألة: [في نفقة الرضيع على من تكون]
قال: فإن لم يكن له والد، وكان له مال أنفق عليه من ماله، وإن لم يكن له مال، كانت نفقته على قريبه من ورثته، يُحكم بها على قدر مواريثهم. وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (3).
قلنا: إن لم يكن له والد وكان له مال أنفق عليه من ماله؛ لأنه لا خلاف فيه، ولأن المرء أولى بماله، ولأن إضاعته غير جائزة، ولا يلزم ورثته الإنفاق عليه ليساره، فلم يبقَ إلا أن ينفق عليه من ماله.
وقلنا: إنه إن لم يكن له مال، كانت نفقته على ورثته؛ لما بيناه قبل هذا في النفقة على ذوي الأنساب(4)، فلا جه لإعادته.
مسألة: [في نفقة الأب على ولده]
__________
(1) في (ب): الرضاع.
(2) في (ب): يأمر.
(3) انظر المنتخب 372.
(4) في (ب): الأسباب.

(61/27)


قال: وإذا كان للرجل ولد وجبت(1) عليه له النفقة حتى يبلغ، سواء كان للولد مال، أو لم يكن له مال، إذا كان مؤسراً، فإما إذا كان معسراً، فله أن ينفق على نفسه وعلى ولده من ماله بالمعروف. وجميعه منصوص عليه في (المنتخب) (2).
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه من أن الأب يلزمه الإنفاق على الولد الصغير كان له مال، أو لم يكن، قوله تعالى: {لا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ}، فنهى سبحانه الأب عن الإضرار بولده، فاقتضى ظاهره منعه من انفاق مال الولد على الوالد(3)؛ لأن ذلك يكون اضراراً، من حيث ينتقص بالمال(4)، وإذا ثبت ذلك، ثبت أنه يلزمه الإنفاق عليه من مال نفسه، وذلك عام في الأولاد أجمع على جميع الأحوال، إلا حيث منع الدليل.
فإن قيل: فإنه يلزمكم أن تقولوا: إن ذلك يلزم الوالدة والوارث فقد قال الله تعالى: {لا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}، ثم قال: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}.؟
قيل له: هو مخصوص بدلالة الإجماع والإتفاق، فلا معترض علينا به.
ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}، ثم قال تعالى: {وَعَلَى الْمُولُودِ لَهُ رِزْقَهُنَّ /210/ وَكِسْوَتَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وهذا عام في الوالدات(5) المطلقات، والزوجات، وفي الأولاد الذين لهم أموال، والذين لا أموال لهم، فإذا ثبت ذلك، لم يلزم والد الصبي لأمه المطلقة بعد انقضاء عدتها إلا على وجه الإنقاق على الولد، وإذا ثبت ذلك، ثبت وجوبه على الوالد، سواء كان الولد له مال، أو لا مال له، بعموم الآية، فثبت صحة ما قلناه.
__________
(1) في (ب): وجب عليه النفقة.
(2) انظر المنتخب 372.
(3) في (ب): الولد.
(4) في (ب): المال.
(5) في (أ): وهذا عام في الزوجات المطلقات.

(61/28)


ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة: (أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ومعي دينار فقال: أنفقه على نفسك، ثم قال: معي آخر، فقال: أنفقهه على أهلك، ثم قال: معي آخر، قال: أنفقه على ولدك، ثم قال: معي آخر، قال: أنفقه على عبدك، ثم قال في الخامسة: أنت أعلم)، فدل ذلك على وجوب الإنفاق على الولد، فقيراً كان أو غنياً؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يستثنِ غنَى الأولاد من فقيرهم.
فإن قيل: فإنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يستثن الكبير من الصغير، ومع هذا لا توجبون عليه الإنفاق على الكبير إذا كان واجداً.
قيل له: الظاهر يقتضي ذلك، لكنَّا خصصناه بالدلالة، وأيضاً هي نفقة تجب على المنفق في حال إعساره ويساره، فوجب ألا يسقطها مجرد يسار المنفَق عليه، دليله نفقة الزوجات.
فإن قيل: أليس الأب لو كان معسراً، وكان للإبن مال، لم تلزمه نفقته، فقد انتقضت العلة.
قيل له: نحن ذكرنا أن مجرد اليسار لا يسقطها، وفيما سألتم عنه سقطت لانضمام يسار الولد إلى إعسار الوالد، فسقط ما ادعيتموه من النقض، وأيضاً الوالد يملك على ولده الصغير عامة تصرفه ، فوجب أن يلزمه(1) نفقته، وإن كان واجداً، دليله الزوجة، يكشف ذلك ويوضحه أنه لا خلاف في أن العبد لو تزوج بحرة لم يلزمه نفقة ولده منها لَمَّا لم يملك عليه تصرفه، وكذلك الحر لو تزوج الأمة، واسترق ولده منها، لم يلزمه نفقته حتى يملك عليه تصرفه، فوضح بذلك أن الحكم تعلق بما ذكرناه.
وقلنا: إن الوالد إذا كان معسراً، أو كان الولد مؤسراً، سقطت نفقته؛ لأنه لا خلاف فيه.
وقلنا: إن للوالد أن ينفق على نفسه وعلى الولد بالمعروف، لما بيناه من أن نفقة الوالد(2) إذا كان معسراً تلزم الإبن المؤسر، وإن كان صغيراً.
__________
(1) في (أ): أن لا.
(2) في (ب): الأب.

(61/29)


وقلنا: إن للأب أن ينفق على نفسه؛ لأنه ولي ابنه الصغير، واشترطنا أن ينفق بالمعروف؛ لأنه الواجب دون ما زاد عليه، وليس للولي أن يأخذ من مال الصبي إلا ما يجب دون ما زاد عليه؛ لأنه لا ولاية لأحد على الصبي فيما يضره.
باب القول في الحضانة
[مسألة: في أولى الناس بحضانة الولد]
أم الصبي أولى به إلى أن يعقل ويطيق الأدب مالم تتزوج. وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (1)، وذكر اطاقة الأدب في (الأحكام) (2)، وعبر عنه في (المنتخب) (3) بأن قال: إلى أن يعقل ويقوم بنفسه، وفسر ذلك أبو العباس الحسني في (النصوص) فقال: هو أن يأكل ويشرب، ويلبس بنفسه، وحكي نحوه عن أبي حنيفة.
ما ذكرناه من أن الأم أولى مالم تتزوج مما لا أحفظ فيه خلافاً.
والأصل فيه قول الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}، وقال: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، إلى قوله: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}، فأمر تعالى بإيتائهن أجورهن إن أرضعن، ولم يُجِزْ العدول عنهن إلا عند التعاسر.
ثم ما روي(4) فيه عن النبي صلى الله عليه وآله /211/ وسلم، رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: (أن امرأة قالت: يارسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء وإن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه مني، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنت أحق به مالم تنكحي)، فجعل الحضانة لها مالم تنكح، وهذا نص فيما ذكرناه، ولأن الأم أحنى عليه وأرفق به مالم تتزوج، ولأنها إذا تزوجت اشتغلت عنه بزوجها، فلو أبقيناها على الحضانة، كنا أدخلنا على المولود الضرر، ولا ولاية لأحد على الصغير فيما يضره.
__________
(1) انظر المنتخب 371.
(2) انظر الأحكام 1/411.
(3) انظر المنتخب 371.
(4) في (ب): روى عن.

(61/30)


وقلنا: إن ذلك لها إلى أن يستقل الولد بنفسه؛ لأن الولد إذا بلغ ذلك المبلغ، استغنى عن الحضانة، فوجب أن ينقطع عنه ولاية الحضانة، ولأنه لا خلاف في الذكر أنه إذا بلغ ذلك المبلغ، انقطع عنه حق الأم من الحضانة، فكذلك الأنثى، والمعنى استقلال الولد بنفسه، وكذلك لاخلاف بيننا وبين أبي حنيفة أن حضانة الأخت والخالة تنقطع عن الذكر والأنثى إذا بلغ ذلك المبلغ فكذلك حضانة الأم للعلة التي ذكرناها، ولأن الولد إذا بلغ ذلك المبلغ، يكون الأب أقدر على تأديبه وتثقيفه، فوجب أن يكون أولى به.
مسألة: [في سقوط حق الأم في الحضانة بالنكاح]
قال: فإن تزوجت، فالأب أولى به منها ومن أمها، وكذلك لو طلقها الزوج الثاني، فالأب أولى به [من أمها] (1) وهذا منصوص عليه في باب تخيير الغلام من (المنتخب) (2)، أما ما ذهبنا غليه من أن حقها من الحضانة يبطل إذا تزوجت، فمما لا أحفظ فيه خلافاً، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت أحق به مالم تنكحي)، فجعلها أحق به بشرط أنه لا تنكح، فإذا زال الشرط، زال المشروط، ولأن في ذلك ضرراً على المولود.
وقلنا: إن الزوج الثاني وإن طلقها، لم يَعد حقها من الحضانة، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت أحق به مالم تنكحي)، فجعلها أحق به بشرط ألا تنكح، فلم يستثن حالها إن طلقها الزوج الثاني، فوجب أن يجرى ذلك على عموم الأحوال، ويدل على ذلك أيضاً ما أجمعوا عليه أن تزوجها بغير أبيه يُبطل حقها من الحضانة ما دامت زوجة له، فكذلك إذا طلقها، والمعنى حصول تزوجها بغير أبيه، وأيضاً لو أبرأت زوجها من مهرها، لم يعد وجوب المهر، وكذلك الحضانة إذا بطلت بالتزويج لم تعد، والعلة أنها أبطلت حقها بأمر هو مباح.
فإن قيل: فهذا ينتقض بإبرائها زوجهامن النفقة؛ لأن لها أن تطالب بها متى شاءت.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) انظر المنتخب 186.

(61/31)


قيل له: الإبراء لا يصح إلا مما وجب من نفقتها، ولم يرجع، وإنما لها أن تطالب بها فيما بعد، لأن الإبراء لم يتناوله فكذلك(1) القَسْم إن سألوا فيه كان الجواب ما ذكرناه.
فإن قيل: الناشزة تبطل نفقتها بالنشوز ثم إذا عادت إلى زوجها وجبت(2) نفقتها.
قيل له: هذا لا يعترض علتنا؛ لأنا اشترطنا فيها أنها أبطلت حقها بمباح، والنشوز محظور.
ويشهد لما ذكرناه سائر ما يبطل الحقوق كالعفو عن القصاص أو الدية، أو ترك الشفعة، أو إبطال الخيار فيما للإنسان فيه الخيار.
فإن قيل: إنما أوجب(3) التزوج قطعَ حقها من الحضانة؛ لأنها إذا تزوجت اشتغلت عن الولد، فإذا طلقها زوجها، زال ذلك المانع، فوجب أن تعود كما كانت.
قيل له: لا يمتنع أن الذي ذكرتم قد أوجب قطع حقها، وإن كان له موجب آخر، وهو أن تزوجها يكشف من حالها أنها قليلة الإهتمام بأمر ولدها غير مفكرة في /212/ اضاعته، وإذا كان ذلك كذلك، فطلاق الزوج الثاني لا يمنع ما انكشف من حالها، فكذلك لا يجب أن يعود حقها من الحضانة، وأيضاً لا خلاف أن فراق الزوج لا يوجب الحضانة لمن يكون معها من هو أولى بالحضانة منها، فكذلك الأم، فإذا ثبت بما بيناه أن حقها من الحضانة لا يعود بفراق زوجها لها، كان ذلك حكم أمها جدة الصبي ـ إذ لم يفصل أحد بين المسألتين، وإذ هي كالقائمة مقامها، فإذا لم يكن لها حق، لم يكن لمن يقوم مقامها.
مسألة [في ذكر أهل الحضانة على الأولوية]
__________
(1) في (ب): وكذلك.
(2) في (ب): وجب.
(3) في (ب): وجب.

(61/32)


قال: وإذا(1) ماتت الأم، كانت الجدة أم الأم أولى به، فإن لم يكن جدة، فالأب، فإن لم يكن أب، فالخالة أخت الأم، فإن لم يكن خالة، كان الأولى به الأقرب فالأقرب من قبل الأب، والجدات من قبل الأم أولى به تخريجاً. قال في (المنتخب) (2): والخالة أولى بالصبي بعد الجدة من الأب، ثم الأب أولى به بعد الخالة من غيرها. ما ذكرنا من أن الجدة أولى به من بعد الأم منصوص عليه في (الأحكام) (3) و(المنتخب) (4) وما ذكرناه من أن الأب أولى به من الخالة منصوص عليه في (الأحكام) (5)، ومروي فيه عن القاسم عليه السلام، وذكره أيضاً في (المنتخب) (6) في باب تخيير الغلام، وقال في (الأحكام) (7): ثم بعد الخالة الأقرب، وقاله أيضاً في (المنتخب)، وزاد من قبل الأب.
وقلنا: إن الجدات من قِبَل الأم أولى به تخريجاً؛ لأنه نص في (الأحكام) و(المنتخب) أن الحدة أم الأم أولى بعد الأم، وكل واحدة(8) منهن يجري عليها اسم الجدة، واسم الأم، نص علي ذلك في كتاب النكاح من (الأحكام) (9) عند ذكر تحريم الأمهات.
وأما ما ذهبنا إليه من أن الجدة هي أولى بعد الأم، فمما لا خلاف فيه، وما قلناه من أن الأب أولى بعد الجدات من الخالة، فإن الأب قد جمع الولاية والولادة، فهو أحق من الخالة التي لا ولادة لها ولا ولاية؛ لأن الإتفاق حاصل أن الجدة أم الأم أولى من الخالة، وهي إنما تتقرب بالأم، فالأب أحرى أن يكون أولى به من الخالة، ولأن حنو الآباء على الأولاد بعد الأمهات أتم، واشفاقهم عليهم أعظم، فوجب أن يكونوا أولى.
__________
(1) في (ب): إن.
(2) انظر المنتخب 186.
(3) انظر الأحكام 1/468.
(4) انظر المنتخب 186.
(5) انظر الأحكام 1/468.
(6) انظر المنتخب 186 ، 376.
(7) انظر الأحكام 1/468.
(8) في (أ): جدة.
(9) انظر الأحكام 1/343.

(61/33)


ووجه ما ذكر في (المنتخب) من أن الخالة أولى من الأب ماروي أن علياً، وجعفراً عليهما السلام، وزيد بن حارثه رضي الله عنه لما اختصموا في ابنة حمزة، فقال علي: عندي ابنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي أحق بها، وقال جعفر عليه السلام: عندي خالتها وهي أحق بها، [وقال زيد: هي ابنة أخي] (1)، فقضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن تكون مع جعفر عليه السلام عند خالتها، وهي أحق بها، [فإن الخالة أم] (2)، فلما جعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أما، وثبت أن الأم أولى من الأب قلنا: إن الخالة أولى منه. فأما اطلاقه في (الأحكام) أن الأولى بعد الخالة الأقرب فالأقرب، فالمراد به إذا كن نسوة من قبل الآباء ومن قبل الأمهات، فإن الحضانة للأقرب فالأقرب من غير مراعاة بين(3) أن، تكون من قِبَل الأب، أو من قِبَل الأم.
وأما قوله في (المنتخب): الأقرب فالأقرب من قبل الأب، فإن أبا العباس الحسني رضي الله عنه حمله على أن المراد به إذا انقطعت حضانة النساء بأن لا توجد واحدة منهن، وصارت إلى الرجال، فيكون الأولى بها العصبات، وهو صحيح؛ لأنه إذا لم يبقَ من النساء أحد، فالعصبة أولى بالحضانة من سائر رجال ذوي الأرحام لِما لهم من مزية الولاية، ولأن الولد منهم، ومنسوب إليهم، وهم الذين يعقلون عنه.
قال ابو العباس الحسني رحمه الله: هذا في الذكور، فأما في الإناث فيراعى في العصبة أن يكون مَحرَماً كالأخ والعم، فأما ابن العم، فلا حق له في حضانة الجارية، والخال وأبو الأم أولى منه، والأخ من الأم أولى منهما على ما رتبه في (النصوص).
مسألة: [في حضانة من أطاق الأدب]
قال: وإذا أطاق الصبي الأدب، فالأب أولى به، فإن لم يكن أب، فالأم مالم تزوج، أحب الصبي أم كرهه، فإن تزوجت الأم، خيِّر الصبي بين أمه وعصبته.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): مراعاة أن.

(61/34)


/213/ جميعه منصوص عليه في (الأحكام)(1) و(المنتخب)(2)، قال الشافعي: إذا بلغ الصبي هذا المبلغ خير بين أمه وأبيه، وعندنا أن الأب أولى من غير تخيير، وبه قال أبو حنيفة في الولد الذكر.
ووجه ذلك أن حق الأم من الحضانة قد انقطع لما بيناه، ولأن الشافعي أيضاً لا يجعل الحضانة لها إلا مع خيار الولد، فلو كان حقها باقياً، لم يخير الولد، كما لم يخير قبل ذلك، وإذا ثبت انقطاع حقها، كان الأب أولى، لأن ولايته عليه باقية حتى يبلغ، فيستحق الولد لما له من مزية الولاية، ألا ترى أن حقها لما انقطع بالتزويج، صار الوالد أولى منها، وإن كان الولد طفلاً، فكذلك إذا استغنى بنغسه، والعلة أن استحقاقها الحضانة على الإطلاق زائل.
فإن قيل: فقد روي عن أبي هريرة أنه قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يارسول الله إن زوجي يريد يذهب بابني، وقد سقاني من بير أبي عنبه، وقد نفعني، فقال رسول الله: استَهِمَا عليه فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت، فأخد بيد أمه، فانطلقت به فقد خيره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أمه وأبيه، وهذا خلاف مذهبكم؟
قيل له: يجوز أن يكون خيره؛ لأنه كان قد بلغ وملك أمره، ويدل على ذلك قول أمه: إنه قد سقاني من بئر كذا، والأغلب فيمن يرد الآبار ويستقي أن يكون بالغاً.
فإن قيل: لو كان قد بلغ لم يكن للتخيير معنى؟
قيل له: ليس الأمر كذلك، فإن أكثر التخيير يكون مع البلوغ وحين يملك المخير أمره، ألا ترى أنا نُخيِّر الصغيرة إذا زوجها أخوها، أو عمها، إذا بلغت وملكت أمرها، ولا خلاف بيننا وبينكم في الأمة البالغة إذا اعتقت(3) تحت العبد أنها تخير.
__________
(1) انظر الأحكام 1/411 ـ 412 ولكنه لم يذكر أن الصبي إذا طاق فالأب أولى به، وذكره في الأحكام 1/405 في أولاد الحرة من العبد إذا أعتق.
(2) انظر المنتخب 371.
(3) في (ب): عتقت.

(61/35)


فإن قيل: فقد روي عن عمارة بن ربيعة قال: قتل أبي، فخاصم عمي أمي فيَّ إلى علي عليه السلام، ومعي أخ لي صغير، فخيرني علي عليه السلام فأخترت أمي، وقال: لو بلغ هذا لخيرته.
قيل له: يجوز عندنا أن التخيير بين الأم والعصبة على ما نذكره من بعد هذا الفصل، فلا يعترض(1) علينا فيه، لأنه(2) يحتمل أن يكون قد بلغ، على أنه قد ذكر في بعض الأخبار عن عمارة أنه قال: كنت ابن سبع أو ثمان، فإن صح ذلك، حمل على ما نذكر من بعد، وقلنا: إنه إن لم يكن له أب، فالأم أولى به، مالم تتزوج حتى يبلغ؛ لأن حق الحضانة وإن كان منقطعاً، فإنها تكون أولى بإمساكها، للمزية التي لها وهي(3) فضل حنوها، وشفقتها عليه، ولأن كون الولد عندها أرفق به، فتكون(4) بالمزية لها أولى بالولد من عصبته.
وقلنا: إنها إن تزوجت خير بينها وبين عصبته؛ لأن المزية التي كانت للأم تكون(5) قد زالت على ما تقدم بيانه، لأن تزوجها يدل على قلة فكرها فيه، وضعف اشفاقها عليه، ولأنه لا رفق له في أن يكون مع زوج أمه، فإذا ثبت زوال تلك المزية، استوى حالها وحال العصبة، فلم يكن أحدهما أولى به من صاحبه، فوجب التخيير كما يخير بين الأبوين إذا بلغ لاستواء حالهما في حق الإمساك، وعلى هذا يحمل تخيير أمير المؤمنين عليه السلام عمارة بين أمه وعمه، ونقول إنه يجوز أن تكون أمه كانت قد تزوجت.
مسألة: [في حضانة ولد العبد من الحرة]
قال: وإذا كانت الحرة تحت العبد، فأولدها، كانت الأم أولى بالولد، وإن عقل، وأطاق الأدب، ما دام الأب عبداً، فإن عتق، صار أولى به من الأم. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (6).
__________
(1) في (ب): معترض.
(2) في (ب): على أنه.
(3) في (أ): هذا.
(4) في (أ): فتكون هي.
(5) في (أ): للأم قد زالت.
(6) انظر الأحكام 12/405.

(61/36)


ووجهه: ما قد بيناه من أن الولد إذا استغنى بنفسه، كان الأب أولى به من الأم لما له من مزية /214/ الولاية، وأنه إذا لم يكن له أب فالأم أولى به، وقد ثبت أن العبد لا حظ له في الولاية على وجه من الوجوه، بل(1) لا يملك أمر نفسه،فهو في هذا الباب بمنزلة الميت،فلذلك قلنا: إن الام أولى به(2).
وقلنا: إنه إذا أعتق،صار أولى به من الأم، لأنه إذ ذاك سبيله سبيل الأحرار في حصول الولاية له، فيجب أن يكون أولى بالولد(3) من الأم كسائر الأحرار.
مسألة: [في منع الزوج زوجته من حضانة ولدها من غيره]
قال: وإذا تزوج الرجل امرأة لها ولد من غيره لم يكن له أن يمنعها من تربيته، إلا أن يقيم بإذنها من يقوم مقامها في الحضانة. وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (4). ووجهه أن خلاف ذلك يؤدي إلى اتلاف الأولاد إذا لم يكن لهم من يكفلهم، ولأن حضانتهم إذا لم يكن لهم من يكفلهم واجبة على الأم، وقد قال الله تعالى: {وَلا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}، قال يحي بن الحسين عليه السلام: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما تزوج بأم سلمة أقام من يكفل ولدها برضى منها، فكذلك(5) قلنا: إن لزوجها أن يقيم من يكفل برضاء منها.
مسألة: [في استرضاع الكافرة]
قال: ولا يجوز استرضاع الكافرة إلا عند الضرورة. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (6)، وهو قول الناصر عليه السلام. ووجهه أنه قد ثبت أن الكفار أنجاس، فيجب أن يكون لبن الكافرة نجساً، والنجس محرم علينا، ولا خلاف أنه يلزمنا أن نجنب أولادنا ما يحرم علينا كشرب الخمر، وأكل الميتة، ولحم الخنزير، إلا عند الضرورة، فلذلك منعنا استرضاع الكافرة إلا عند الضرورة.
__________
(1) في (ب): إذ.
(2) في (ب): منه.
(3) في (أ): بالولاية.
(4) انظر المنتخب 132.
(5) في (ب): فلذلك.
(6) انظر الأحكام 1/485.

(61/37)


باب القول في الرضاع
[مسألة في كمية الرضاع المحرمة ومدته]
يحرم من الرضاع ما قل أو كثر، إذا رضع الصبي في الحولين. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2)، وهو قول زيد بن علي، والقاسم، والناصر عليهم السلام، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه ومالك، قال الشافعي لا يحرم أقل من خمس رضعات، وحكي عن قوم ثلاث رضعات. والأصل فيما ذهبنا إليه قول الله تعالى في آية التحريم: {وَأُمُّهَاتُكُمُ اللآتِيْ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرِّضَاعَةِ}، فعلق سبحانه التحريم بالإرضاع والرضاعة، فكلما انطلق عليه اسم الرضاعة، والإرضاع فيجب أن يكون مُحرِّماً بحكم الآية، وقد علمنا أن الإسم يقع على القليل والكثير، ويدل أيضاً على أن الإسم ينطلق على الرضعة الواحدة ما روي عن ابن الزبير قال: ((لا تحرم الرضعة والرضعتان))، فأجري الإسم وإن كان يعتقد أنه لا تحرم، وهو من أهل اللسان، وكذلك روي عن ابن عمر لما بلغه ذلك ((قضاء الله أولى من قضائه))، قال الله تعالى: {وَامُّهَاتُكُمْ اللآتِيْ أَرْضَعْنَكُمْ}، فبين أن المفهوم من قوله أرضعنكم ما يحصل من قليله أو كثيره.
فإن قيل: فإن الله تعالى قال: {وَأُمُّهَاتُكُم اللآتِيْ أَرْضَعْنَكُمْ}، ولم يقل اللآتي أرضعنكم أمهاتكم، فيجب أن يثبت الأمومة أولاً، ثم يكون لإرضاعها حكم، وهذا لا يثبت من طريق اللغة، فيجب أن يرجع فيه إلى الشرع، فبطل تعلقكم بظاهر الآية.
__________
(1) انظر الأحكام 1/482 ، 483.
(2) انظر المنتخب 137.

(62/1)


قيل له: إذا ثبت أن الأمومة تحصل بنفس(1) الرضاع، صح تعليق الحكم عليه، فلا فصل بين تقديم ذكر الأمهات على ذكر الإرضاع، أو ذكر الإرضاع على ذكر الأمهات، فإذا ثبت ذلك، بان أن تعلقنا بالآية صحيح، ويدل على ذلك أيضاً ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، وقد مضى ذكره في أول(2) كتاب النكاح، فعلق الحكم على الجنس، فوجب أن يدخل فيه القليل كالكثير، وهذا في حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أما علمت أن الله حرم من الرضاعة(3) ما حرم من النسب).
وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ((الرضعة الواحدة كالمائة الرضعة)). وروى زيد بن /215/ علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنه قال: ((ما كان من رضاع في الحولين حرم)) وهذا يقتضي القليل والكثير.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تحرم الرضعة، ولا الرضعتان)، وروي: (لا يحرم المصة، ولا المصتان)، وروي: (الإملاجة، والإملاجتان).
__________
(1) في (ب): بيقين.
(2) في (أ): في كتاب.
(3) في (ب): الرضاع.

(62/2)


قيل له: هذه الأخبار تحج الشافعي من وجه، وذلك أن مذهبه القول بدليل الخطاب فدليل الخطاب في هذه الأخبار أن الثلاث تحرم، [فإذا ثبت أن الثلاث تحرم](1) فلا خلاف بيننا وبينه أن الثالثة كالأولى؛ لأنه لا يوجب التحريم بأقل من خمس رضعات، وأيضاً قوله: (المصة والمصتان)، لا يتناول موضع الخلاف؛ لأنا لا نختلف في أن المصة لا تحرم شيئاً، وأن الْمُحرِّم هو حصول اللبن في جوف الرضيع(2)، فيحمل على هذا أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم سُئل عن المصة والمصتين إذا لم يعلم حصول اللبن في الجوف عندهما فقال: (لا تحرم المصة، والمصتان(3))، ويحتمل أن يكون من سمع ذلك رواه بلفظ الرضعة إعتقاداً بأن معناهما واحد، ولم يعلم أنه خرج على السبب، وقصر عليه.
وأيضاً روي عن ابن عباس أنه سئل عما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تحرم الرضعة، والرضعتان)، فقال: قد كان ذلك، ثم نسخ، فأخبر أنه منسوخ، فدل ذلك على أنه عرف التاريخ فيه والنسخ.
فإن قيل: روي عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل الله تعالى من القرآن (عشر رضعات يحرمن)، فنسخ (بخمس معلومات يحرمن)، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهن مما يقرأن من القرآن، وكن في صحيفة تحت السرير، فلما اشتغلنا بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدخلت داجن فأكلته.
__________
(1) ما بين المعكوفين سقط من (ب).
(2) في (ب): الصبي.
(3) في (ب): المصتان.

(62/3)


قيل له: هذا الخبر لا يصح التعلق به لوجوه: منها أن ظاهره يقضي فساده(1) وذلك أنه لو كان مما يقرأ من القرآن لم يجز أن يكون طريقه خبر الواحد، ولا يجوز أيضاً أن يضيع حتى لا تثبت إلا من طريق إمرأة، قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. ومنها أنها أخبرت أن العشر نُسخت بخمس، وهذا لا نمتنع منه، إلا أنا نقول أن الخمس لو ثبتت، لكانت منسوخة لقول ابن عباس في الرضعة والرضعتين لا تحرم، ما روي من الرضعة والرضعتين أنها لا تحرم، وأنها منسوخة، فلئن وجب أن يقبل قول عائشة أن العشر نسخت بخمس لوجب أن يقبل قول ابن العباس في النسخ، ويؤيد ذلك ما روى أبو عباس الحسني في (النصوص) بإسناده، عن الليث، عن مجاهد، عن علي عليه السلام قال: ((يحرم قليل الرضاع ما يحرم كثيره)). ويؤكد ذلك ما روي أن عقبة بن الحارث قال: يارسول الله، إني تزوجت إمرأة، ودخلت بها، فأتت امرأة سوداء فزعمت أنها أرضعتني وامرأتي، وإني أخاف أن تكون كاذبة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((فكيف به وقد قيل))؟ ففارقها الرجل، فدل ذلك على أن الحكم يتعلق بما سمي رضاعاً؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل سلها عن عدد الرضعات. ويؤكد ذلك ما روي من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما الرضاعة من المجاعة)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما الرضاع ما أنبت اللحم، وأنشر العظم) فالقليل يأخذ بقسطه من سد الجوعة، وإنبات اللحم، وإنشاز العظم، ومما يدل على ذلك أن الرضاع سبب يوجب التحريم المؤبد بنفسه، فوجب أن لا يكون التكرير شرطاً فيه، دليله الجماع في تحريم الربائب، والعقد في تحريم أمهات النساء، وحلائل الأباء والأبناء، وليس يلزم عليه التحريم الواقع بالطلاق الثالث؛ لأنه غير متأبد، ولا يلزم عليه أيضاً تحريم اللعان، وأنه يتعلق بتكرير اللعان؛ لأن ليحيى عليه السلام فيه روايتين، إحدى الروايتين
__________
(1) في (أ): بفساده.

(62/4)


أن ذلك التحريم(1) فيه غير مؤبد بجوز ارتفاعه بإكذاب الزوج نفسه، والرواية الثانية أنه مؤبد، وعلى هذه الرواية ايضاً لا يلزم؛ لأن تحريم اللعان عندنا لا يقع بنفس اللعان رواية واحدة، وإنما يقع بتفريق الحاكم، ويرجح قولنا أنه حاظر، وفيه إحتياط، واشترطنا أن يكون ذلك في الحولين لما ستذكره في المسألة التي تليها/216/.
مسألة: [في الرضاع بعد الحولين]
قال: فإن أرضع بعد استكمال الحولين، لم يحرم. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب) (3)، وهو قول القاسم، والناصر(4)، والأظهر من قول عامة أهل البيت عليهم السلام، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي، وقال أبو حنيفة: مدة ذلك ثلاثون شهراً، وحكى أبو الحسن الكرخي عن زفر أنه ما استغنى به عن التغذي بغيره، وإن كانت ثلاث سنين.
__________
(1) في (ب): التحريم غير.
(2) انظر الأحكام 1/483 ـ 484.
(3) انظر المنتخب 138.
(4) في (ب): وهو قول الإمام الناصر.

(62/5)


والدليل على ما ذهبنا إليه قول الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}، فجعل تعالى رضاع الحولين(1) تمام الرضاع، والمراد به أنه تمام شرعاً، إذ لا وجه له يصح حمله عليه غير ما ذكرناه، ولأنه لا يصح أن يقال: إنه تمام التغذية، ولأنه لا فصل في ذلك بين مدة الحولين، وبين الأقل منها، والأكثر، وكذلك لا يصح أن يقال: إنه تمام من طريق العادة؛ لأن عادات الناس في الإرضاع تختلف فمن الناس من يرضع أقل من حولين، ومنهم من يرضع أكثر من ذلك، فلم يبقَ إلا ما ذكرناه، على أن الأولى في خطاب الله تعالى وخطاب رسوله أن يحمل على ما يفيده الشرع، دون مالا تعلق للشرع به، فكان حمله على ما ذكرنا أولى، فإذا ثبت بما بيناه أن الرضاع الذي يتعلق به الحكم الشرعي يتم بانقضاء الحولين، ثبت أن ما بعده ليس برضاع يتعلق به الحكم الشرعي، لأن(2) تمام الشيء يكون بوقوع آخر جزء من أجزائه، فإذا وقع آخر جزء من أجزائه، فلا حكم لما بعده، وفي الآية وجه آخر من الدلالة وهو أنه تعالى لما قال: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الْرَّضَاعَةِ} دل ذلك على أن الرضاع قد تم من جميع الوجوه إلا ما خصه الدليل، فوجب أن يكون قد تم من حيث يتعلق به.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم إن اسم التمام قد يطلق على الشيء، وإن لم يكن تم إذا قارب التمام، كما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من أدرك عرفة، فقد تم حجه)، وكما روي: (من رفع رأسه من السجده الأخيرة فقد تمت صلاته)، كل ذلك المراد به مقاربة التمام؟
قيل له: هذا لا يصح في الموضع الذي اختلفنا فيه لوجهين:
أحدهما ـ إن ذلك وإن استعمل على سبيل التوسع والمجاز، وإنما يستعمل إذا كان الباقي يسيراً، فأما إذا بقيت ستة أشهر، فكذلك لا تستعمل فيه.
__________
(1) في (أ): حولين.
(2) في (أ): أن.

(62/6)


والوجه الثاني ـ أنه وإن استعمل فيه، فعلى سبيل الإتساع والمجاز، ولا تصرف الآية عن الحقيقة إلى التوسع إلاَّ بالدلالة.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: إن قوله تعالى: {وَأُمُّهَاتُكُمُ اللآتِيْ أَرْضَعْنَكُمْ}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، يقتضي تحريم الرضاع سواء كان في الحولين، أو بعدهما؛ لحصول الإسم؟
قيل له: هذه لا يصح لكم التعلق بها على أصولكم؛ لأنكم تجعلون ما يجري مجراها مجملاً من الآيات(1) وهكذا قلتم في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}، [وقوله تعالى]: {وَالزَّانِيَةِ وَالزَّانِيْ}، وقلتم لما ثبت أن الحكم يتعلق بالزنا والسرقة على شروط لا تُعرف من الظاهر، نحو أن لا يكون المرضع كبيراً، وأن تكون التي أرضعته(2) من لبن نفسها، فكل ذلك لا يعقل من الظاهر، فإذا ثبت ذلك، ثبت أنه لا يصح لكم التعلق بما تعلقتم به، فإن امتنع منهم من هذا الأصل ممتنع وقال: إنه يصح التعلق به، قيل له: ه مخصوص بما بيناه ونبينه من بعد.
فإن قيل: فلستم باعترضاكم بالآية التي اعتمدناها على الآية التي اعتمدتموها على الآية التي تعلقنا بها بأولى منا إذا اعترضناكم بالآية التي اعتمدتموها؟
قيل له: لا سواء، وذلك أن الآية التي اعتمدناها أخص بموضع الخلاف، وفيها بيان مقدار المدة التي تنازعناها فيها، وليس كذلك الآية التي اعتمدتموها، فصار استدلالنا بها أولى.
ومما يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا رضاع بعد فطام، ولا رضاع بعد فصام)، وقد /217/ بينا أن الرضاع الذي يتعلق به الحكم الشرعي ينقضي بانقضاء الحولين، فيجب أن يكون بعد الفطام، فإذا ثبت ذلك، ثبت ألاَّ رضاع بعده لقوله: (لا رضاع بعد فطام).
__________
(1) في (أ): اللعان.
(2) في (أ): أرضعته أرضعته.

(62/7)


فإن قيل: لو كان الرضاع يتم وينقضي بانقضاء الحولين لم يكن لقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}. معنى؟
قيل له: لسنا نقول إن كل رضاع ينقضي بانقضاء الحولين ولا ينقضي قبل انقضائهما، وإنما نقول ذلك في الرضاع الذي يتعلق به التحريم، فبطل(1) هذا السؤال.
وروي عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام في قوله تعالى: {وَالْوالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}، قال (الرضاع سنتان) فما كان من رضاع في الحولين حرَّم، وما كان بعد الحولين فلا يُحرِّم). وأيضاً لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة أن الرضاع الواقع في آخر السنة الثالثة لا يحرم، فكذلك الواقع في أولها، دليله الرابعة وما بعدها، يكشف صحة اعتبارنا السنةُ الأولى والثانية، لأن التحريم لما تعلق بالرضاع الواقع في أولهما، تعلق بالرضاع الواقع في آخرهما واستوت أحوال أولهما وآخرهما في هذا الباب، على أنه لادليل إلا ما ذكرناه يقتضي الفصل بين الزمان الذي يحرم فيه الرضاع، والزمان الذي لا يحرم فيه الرضاع، فوجب أن يكون الرجوع إليه؛ لأن الذي يذهبون إليه من التقدير لا دليل عليه، وهم أيضاً لا ينكرون أن ذلك مما لا دليل عليه، حتى قال أبو بكر الجصاص: إنه اجتهاد، وإنه لا يجب أن يكون عن دليل، ويقوى ذلك بقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ}، إلى قوله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِيْ عَامَيْنِ}، مع قوله (لا رضاع بعد فصال)، وكلما ذكرناه من الآية والخبر يحج زفر، وكذلك يحج عائشة ومن تابعها على قولها يجوز إرضاع الكبير، فأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لسهلة بنت سهيل بن عمرو زوجة أبي حذيفة بن عتبة أرضعي سالماً خمس رضعات فقد روي أنها خاص بها وانعقاد الإجماع بعدها يفسد قولها ويسقطه، واستدل يحيى عليه السلام: بما أخبرنا به أبو
__________
(1) في (أ): فيبطل.

(62/8)


عبدالله النقاش، حدثنا الناصر للحق عليه السلام، عن محمد بن منصور، حدثنا أحمد بن عيسى عن حسين، عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أن رجلاً أتى علياً عليه السلام فقال: إن لي زوجة، وإني أصبت جارية(1) فأتيتها يوماً، فقالت لقد أرويتها من ثديي، فما تقول في ذلك؟ فقال علي عليه السلام(2) انطلق فخذ بأي رجلي أمتك شئت، لا رضاع إلا ما أنبت لحماً، أو شد عظماً، ولا رضاع بعد فصال).
مسألة: [في لبن الفحل]
قال: ويحرم الرضاع على الفحل، كما يحرم على المرأة، ويحرم الرضاع كتحريم النسب سواء.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3)، وهو قول زيد بن علي، والناصر للحق عليه السلام، وعامة الفقهاء، وحكي عن صاحب الظاهر أنه لا يحرم عليه، وحكى أبو بكر الجصاص أنه قول مالك في عدة من المتقدمين.
ووجه ذلك ما روي عن عائشة ـ أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها فحجبته، ثم عرَّفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك فقال: (إئذني له)، وفي بعض الأخبار: (لا تحتجبي منه، فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، وقد مضى اسناده في أول كتاب النكاح، وزوجة أبي القعيس هي التي كانت أرضعت عائشة، فدل ذلك على أنها حرمت على أبي القعيس لكونها محرمة على أخيه أفلح، فبان به صحة ما ذهبنا إليه، ويدل على ذلك مجرد قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، فكما أن ابنة الرجل نسباً محرمة عليه، يجب أن يحرم عليه ابنته من (4)الرضاعة.
ويدل على ذلك أن الولادة لما كانت سببا ً يوجِب إنتشار /218/ الحرمة، اشترك الوالدان في حرمته، فوجب أن يشتركا في حرمة الرضاع؛ لأنه سبب يوجب انتشار الحرمة، وكذلك الوطء الموجب للحرمة يشترك في حرمته الرجل والمرأة، فوجب أن يكون الرضاع كذلك.
__________
(1) في (أ): خادم.
(2) في (ب): عليه السلام فخذ.
(3) انظر الأحكام 1/485.
(4) في (ب): رضاعاً.

(62/9)


فإن قيل: اللبن للمرأة دون الرجل؛ بدلالة أنها تأخذ بدل ارضاعها الولد.
قيل له: لا معتبر بما ذكرت، وذلك أن لبن الأمة يكون لسيدها في باب التصرف فيه، وإن كان لا يوجب الحرمة إذا لم يكن من سيدها، وإنما المعتبر أن يكون سبب نزوله من الرجل الذي يثبت لوطئه حكم.
وما قلناه: من أن تحريم الرضاع كتحريم النسب هو جملة تفصيلها قد تقدمها وتأخر عنها، فلا وجه لإفراده بالقول، وهذه الجملة هي التي نص عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
مسألة: [في المرأة ترضع أكثر من واحد في أكثر من وقت]
قال: ولو أن امرأة أرضعت صبياً وصبية في وقتين متقاربين أو متباعدين، سواء كان اللبن لولد، أو لولدين، حرم التناكح بينهما، وكانا أخوين، وكذلك لا يجوز لهما أن يتزوجا ولد هذه المرضعة، ولا ولد زوجها الذي(1) أرضعت بلبنه.
جميعه منصوص عليه في (الأحكام)(2) و(المنتخب) (3) في مواضع مختلفة.
ووجه قولنا: أنَّ تباعد وقت الرضاع كتقاربه في إيجاب الحرمة أن إليه تعالى قال: {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرِّضَاعَةِ}، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)، وليس في الآية الأولى، ولا في الخبر اشتراط تقارب مدة الرضاعين، فيجب أن يستوي حكم التقارب والتباعد.
__________
(1) في (ب): التي.
(2) انظر الأحكام 1/485 ـ 486.
(3) انظر المنتخب 137.

(62/10)


وكذلك ما روي أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن امرأة سوداء ذكرت أنها أرضعتني وزوجتي، فلم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها تسأل عن وقت إرضاعها لهما، على أن الرضاع إذا ثبت أنه كالولادة في باب التحريم، وقد علمنا أن تباعد زمان الولادة كتقاربه، وجب أن يكون الرضاع كذلك؛ إذ المعتبر بحصول الإشتراك في السبب(1) الموجب للتحريم، دون اعتبار ما بين الوقتين من المدة، على أنه لا اشتباه أنها إذا أرضعتهما معاً كانا أخوين، فكذلك إذا أرضعتهما في وقتين متباعدين لأنهما قد اشتركا في لبن امرأة.
وقلنا: إنهما لا يتزوجان ولد هذه المرضعة لما بينهما من أخوة الرضاع، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في ابنة حمزة: (إنها ابنة أخي من الرضاعة).
وقلنا: لا يتزوجان ولد زوجها الذي أرضعت بلبنه لما بينا من تحريم لبن الفحل، فلا وجه لإعادته.
مسألة: [في نكاح أخوة المرضَع لأولاد مرضعته]
قال: فإن كان لهذا المرضَع أخ أو أخت لم يرضعا معه(2)، جاز لهما أن يتزوجا ولد هذه المرضعة.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (3).
ووجه ما قلناه أنهما أجنبيان ولا اشتراك بينهما في الرضاع، فلا أخوَّة بينهما، يبين ذلك أن أقوى حال الرضاع أن يكون كحال النسب في التحريم، وقد علمنا أن رجلاً لو كانت له أخت من أبيه، وأخ من أمه، لجاز له أن يزوج أخته من أبيه أخاه من أمه، إذ لا اشتراك بينهما في الولادة، وإن كان كل واحد منهما مشاركاً لمن شارك صاحبه، فوجب أن يكون ذلك حكم الرضاع، وأن لا يكون بين الذّين ذكرناهما تحريم، كما أنه لا تحريم بينهما لو كان بدل الرضاع ولادة.
مسألة: [في سقي الرضيع ما حلب من المرأة]
قال: ولو أن امرأة سقت الصبي لبنها باللخا، كان ذلك والإرضاع سواء في التحريم.
__________
(1) في (أ): النسب.
(2) في (ب): كان.
(3) انظر المنتخب 137.

(62/11)


وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2). قال أبو العباس الحسني: وكذلك السعوط تخريجاً(3)، وذلك إن علم أنه جرى في الحلق، ووصل الجوف منه شيء.
ووجهه أن الإعتبار بوصول اللبن إلى جوف الصبي على وجه يغذي دون ما سواه، فكل لبن جرى في الحلق، ووصل إلى المعدة، حصل له حكم التحريم، يبين ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما الرضاعة من المجاعة)، وقوله: (الرضاع ما أنبت اللحم، وأنشز العظم)، ولا فصل في ذلك بين أن يرتضعه من الثدي، أو يستقي باللخاء.
فصل [في لبن الميِّتة]
حكى أبو /219/ العباس الحسني(4)، عنه القاسم رضي الله عنهما أنه قال في لبن الميتة: إنه يحرم، وبه قال أبو حنيفة، قال الشافعي: إنه لا يحرم(5).
ووجه ما ذهبنا إليه أن التحريم يتعلق بحصول اللبن في جوفه، فلا فرق بين أن يكون لبن الحية، أو الميتة.
ويمكن أن يحرر القياس فيه بأن يقال: هو لبن آدمية، فوجب أن يصح تعلق التحريم به، دليله لبن الحية، على أنه لا خلاف أنه لو أُخذ في قارورة وهي حية، ثم سقى الصبي بعد موتها أن التحريم يقع به، فكذلك إذا أخذ منها وقد ماتت؛ لأن الحكم به يتعلق.
فإن قيل: وطء الميتة، والعقد عليها، إذا لم يوجبا التحريم، فكذلك لبن الميتة؟
قيل له: قد بينا أن التحريم يتعلق بحصول اللبن في جوف الصبي، واللبن لا يلحقه حكم الموت؛ لأنه لا حياة فيه بدلالة أنه يؤخذ من الحي فلا(6) يألم به كما قلناه في الصوف والشعر فوجب أن لا يكون فرق بين أن يؤخذ من الحية أو الميتة، وليس كذلك حال الوطئ والعقد؛ لأن التي يتعلقان بها إذا ماتت تغير حكمهما، على أنه لا فرق بين أن يخرج الولد من الحية أو الميتة في الجميع، لما كان في حكم المنفصل عنها، وكذلك اللبن.
__________
(1) انظر الأحكام 1/482.
(2) انظر المنخب 137.
(3) نص عليه في المنتخب 137.
(4) في (أ): حكى أبو العباس الحسني رحمه الله عن القاسم رضي الله عنه.
(5) في (ب): لا يحرم.
(6) في (أ): ولا.

(62/12)


فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَأُمُّهَاتِكُمْ اللآتِيْ أَرْضَعْنَكُمْ}، فنسب الإرضاع، إليهن وعلَّق الحكم به، والميتة ليس لها(1) إرضاع.
قيل له: لا خلاف أنه لو أخذ من النائمة، والمغمى عليها، وسقي الصبي، يقع التحريم، وكذلك لو أخذ منها وهي حية، ثم يسقى الصبي بعد موتها، فبان أن الحكم يتعلق بحصول اللبن في جوفه دون أن يكون من صاحبة اللبن الإرضاع، على أنه لا فصل في التحريم بين الأم التي يكون منها الإرضاع، وبين الأخت التي لا ارضاع منها، فبان أن الحكم متعلق بماذكرناه دون أن يكون للمرضعة في الإرضاع فعل.
مسألة: [في إرضاع المرأة زوجها في الحولين]
قال: وإذا أرضعت المرأة زوجها في الحولين، صارت أمه من الرضاع، وانفسخ النكاح بينهما، ولم يجز للرجل الذي أرضعته بلبنه أن يتزوجها بعد ذلك. نص عليه في (المنتخب) (2).
وقال في (الأحكام) (3): له أن يتزوجها، ولا صداق لها على الصبي؛ لأن الفسخ كان من قبلها.
ما ذكرناه من انفساخ النكاح بين التي أرضعت زوجها في الحولين وبين زوجها، فلا خلاف فيه، ولا إشكال؛ لتنصيص الله تعالى على تحريم الأمهات اللآتي أرضعن بقوله تعالى: {وَأُمُّهَاتُكُمُ اللآتِي أَرْضَعْنَكُمْ}، وهذه قد صارت أمه من الرضاعة، فوجب أن يبطل النكاح الذي كان بينهما.
__________
(1) في (أ): منها.
(2) انظر المنتخب 138.
(3) انظر الأحام 1/390.

(62/13)


ووجه ما ذكره في (المنتخب) من أنها لا تحل لزوجها الذي أرضعت بلبنه هو أن المرضَع صار ولداً على ما بيناه في(1) لبن الفحل وقد قال الله تعالى: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِيْنَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ}، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، فإذا ثبت ذلك، حرمت المرأة؛ لأنها صارت حليلة ابنه، ولا خلاف أن المرضَع لو زوج بعد الرضاع امرأة أنها تحرم على الذي أرضع بلبنه، فكذلك التي ذكرناها، والعلة أنها امرأة ملكها ابنه من الرضاعة بعقد النكاح.
ووجه رواية (الأحكام) أن كونه ابناً له من الرضاعة صادف فسخ النكاح بينه وبين المرأة فلم يحصل المرضع مالكاً يعقد نكاحها مع أنه ابن من أرضع بلبنه فلم تكن المرأة على هذا قط حليله ابنه، لأن المرضَع لما صار ابنه، خرجت المرأة عن أن تكون له حليلهة فلم يجب أن تتناوله الآية وأيضاً حالها حال حليله الأجنبي وقياس عليها بمعنى أن من له بنوة(2) لم يملك عقدة نكاحها ـ يعني في حالما صار ابناً له ـ فأشبهت حليلة الأجنبي في أنه يجوز له نكاحها.
وما ذكرناه في(3) أنه لا صداق لها؛ لأن الفسخ كان من قِبَلها فهو صحيح على الروايتين، وهو مما لا أحفظ فيه خلافاً؛ لأنه قد ثبت أن كل فسخ يكون من قبل المرأة لا يوجب شيئاً من المهر للتي لم يدخل بها، كما نقول في المرتدة ونحوها.
مسألة: [في إرضاع الزوج بعد الحولين]
قال: فإن أرضعت زوجها بعد الحولين، أو سقته لبنها طالبة لفراقه، لم تحرم عليه، وجاز للزوج أن يؤدبها. وهذا على أصله في الرضاع إذا وقع بعد الحولين، لم يكن له حكم، وقد مضى الكلام فيه مستقصى، فلا وجه لإعادته، فإذا ثبت ذلك، ثبت صحة ماذكرناه من أنها لو أرضعت زوجها بعد الحولين لم تحرم عليه.
__________
(1) في (أ): من.
(2) في (أ): بنوته.
(3) في (أ): من.

(62/14)


وقلنا: لزوجها أن /220/ يؤدبها لما ذكره يحيى بن الحسين(1) عليه السلام من(2) الحديث عن علي عليهم السلام أن رجلاً سأله فقال: إن لي زوجة ذكرت أنها أرضعت جارية لي، فقال له علي (3): ائت جاريتك، فلا رضاع بعد فصال، وأنل زوجتك عقوبة ما صنعت، وفي بعض الأخبار: ((أحسن أدب زوجتك))، ولأنها قصدت ماليس لها من الإضرار بزوجها.
مسألة: [في المرأة تدعي إرضاع رجلاً وزوجته]
قال: ولو أن امرأة قالت أرضعت رجلاً وزوجته، استحب له أن يفارقها احتياطاً، فإن قامت بذلك بينه، بطل النكاح بينهما.
نص في (الأحكام) (4) على هذه المسألة، وذكر فيها أن الإحتياط(5) ما قلناه لكنه لم يصرح أن النكاح لا يبطل إلا بقيام البينة بالإرضاع، إلا أن تنصيصه في (الأحكام) في غير هذا الموضع(6) لم يصرح على أن شهدة المرأة الواحدة تقبل فيما لا يطلع عليه الرجال، كالتصريح بما ذكرناه، وعلى هذا حصَّل المذهب أبو العباس[الحسني رضي الله عنه](7).
ووجه الإحتياط فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أن عقبة بن عامر حين ذكر له أن امرأة سوداء ذكرت أنها أرضعته وزوجته، وقال: أخشى أن يكون ذلك كذباً منها قال له: كيف وقد قيل)؟، فنبه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم أن الأَولى أن يفارقها عند اعتراض الشبهة.
فأما ما قلناه من أن النكاح يبطل بقيام البينة، فهو ما ثبت في سائر ما يطلع عليه الرجال من حقوق الأموال والنكاح أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، وأن شهادة النساء وحدهن لا تقبل، إلا فيما لا يطلع عليه الرجال، فإذا ثبت ذلك، وكان، الرضاع مما يطلع عليه الرجال والنساء، ثبت أنه لا يثبت إلا بما يثبت به سائر ما ذكرناه في صحة ما /221/ قلناه.
__________
(1) انظر الأحكام 1/484 ، 487.
(2) في (أ): في.
(3) في (أ): عليه السلام.
(4) انظر الأحكام 1/410 ـ 411.
(5) في (أ): أن الاحتياط.
(6) في (أ): لم يصرح في غير هذا الموضع.
(7) في (أ) فقط.

(62/15)


تم الجزء الثالث من شرح التجريد والحمد لله المبديء المعيد وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم، وكان إكمال هذا بقلم المفتقر إلى عفو الله أحمد بن عبدالرحمن الغالبي.
وذلك لأن الأصل المصور عليه لم يكن كاملاً فأتم نسخه القاضي العلامة أحمد بن عبد الرحمن الغالبي.

(62/16)


كتاب البيوع
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أحل البيع والشراء، وأرفق بهما جميع الورى، وحرم الغصب والرباء، وصلى الله على النبي المصطفى محمد وآله أئمة الهدى، وسلم تسليماً.
كتاب البيوع
باب القول فيما يصح أو يفسد من البيوع
من اشترى شيئاً ثم باعه قبل القبض كان البيع فاسداً، ولو كان المبيع عبداً فأعتق كان العتق مردوداً.
وهذا منصوص عليه في الأحكام، وبه قال أبو يوسف، ومحمد والشافعي أعني فساد مالم يقبض في جميع مايملك بالبيع.
وقال أبو حنيفة بذلك إلا في العقارات والأرضين، قال أبو الحسن الكرخي: قول أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة.
وحكي عن مالك أجازه ذلك إلا في الطعام.
والأصل فيما ذهبنا إليه ما أخبرنا به أبو بكر المقري قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا محمد بن عبدالله بن ميمون، قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحي بن أبي كثير، قال: حدثني يعلي بن حكيم بن حزام أن أباه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: إني أشتري بيوعاً فما يحل لي منها؟ قال: (إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه).
وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ربح مالم يضمن، وعن بيع مالم يقبض)، فكان ذلك عاماً في جميع ما يباع طعاماً كان أو غيره تأتى فيه النقل أو لم يتأت.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَى}، فهو عام في جميع البيوع إلا ما قام دليله؟
قيل له: نخص الآية بالخبر ونبينها عليه لأنه أخص ولآنه يتناول موضع الخلاف على التفيين فهو أولى.
فإن قيل: خبركم يتناول ما يصح فيه القبض الحقيقي، والدور والعقار لا يصح فيها القبض الحقيقي، لأن القبض الحقيقي لا يكون إلا بالنقل والتحويل، وذلك لا يتأتى في الدور والعقار؟

(63/1)


قيل له: هذا الذي ذكرتموه فاسد، لأن القبض لا يقتضي النقل وتالتحويل، ألا ترى أن من اشترى ثوباً بين يديه فخلى البائع بينه وبينه بحيث يمكنه الإنتفاع به يكون قد قبضه، وإن لم ينقله.
على أنه لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة أن الرهن لا يصح إلا بأن يكون مقبوضاً، ورهن الدور والعقار صحيح فلولا أن القبض يتأتى فيها كان رهنها لا يصح، وكذلك عنده أن الههبة لا تصح إلا بالقبض، وهبة مالا ينقل عنده صحيحة فلولا أن القبض فيه قد حصل لم تكن تصح هبته.
وكذلك من اشترى أرضاً أو داراً فلا خلاف أن المطالبة بتسليمها واجبة مالم يقبضها فكل ذلك يدل على فساد قولهم إن القبض الحقيقي فيه لا يصح.
فإن قيل: أردنا بالقبض ما تقتضي اللغة دون ما أشرتم إليه؟
قيل له: لا معتبر في مثل ذلك بما يقتضيه أصل اللغة لأن العرف الحاصل أقوى منه والأولى أن يحمل عليه خطاب الله تعالى وخطاب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم دون أصل اللغة كمنا نقول ذلك في الأسماء المنقولة.
على أن القبض الذي هو قبض في أصل اللغة هو أن تحيط الأصابع والراحة بالشيء، وذلك لا يتأتى في اكثر الأشياء فبان بذلك كله صحة ما ذهبنا إليه، وأن الواجب في الخبر أن يحمل على ما يقتضي العرف أنه قبض.
ويدل على ذلك ما أجمعنا عليه من أن بيع الطعام قبل القبض لا يجوز، وكذلك لا خلاف بيننا وبينه في سائر الأشياء التي يصح فيها النقل والتحويل، أن بيعه قبل القبض لا يجوز، فكذلك ما اختلفنا فيه، لأنه سلعة لم يقبضها المشتري فوجب أن لا يجوز بيعها، ولا يعترض ذلك الدنانير التي في الذمة قبل القبض، لأنها ليست من جملة السلع بل هي من الأثمان، وأيضاً ما يصح فيه النقل والتحويل لم يجز بيعه قبل القبض، لأن تمام البيع الأول موقوف على القبض ألا ترى أن حق التسليم بعد باق، وهو من كمال العقد وتمامه فيجب على هذا أن لا يجوز البيع قبل القبض فيما لا يجوز فيه النقل والتحويل لما ذكرناه.

(63/2)


وليس يعترض ذلك حق استيفاء الثمن لأنه ليس من تمام العقد، ألا ترى أن الإبراء من يصح من البائع مع ثبوت العقد، وليس كذلك حق التسليم، فعلم أنه من تمام العقد.
ويمكن أن يقال: إن العلة في المنع من بيع مالم يقبض طعاماً كان أو غيره أنه سلعة مضمونة على البائع بعقد البيع فوجب أن لا يجوز بيعه قبل القبض، ولا يلزم عليه ضمان الغصب، ولا ضمان العارية إذا اشترط فيها ذلك، لأن كل ذلك مما لا يصح أن يقال فيه: إنه مضمون على البائع بعقد البيع.
فإن قيل: فأنتم تمنعون جواز بيع الخمص أو الصدقة حتى تقبض، وهما لا يصح أن يقال إنهما مضمونان على البائع بعقد البيع؟
قيل له: هذا وجود الحكم الا علة، ونحن بينا أن ذلك لا يوجب النقص، فما ذكرتموه ليس بنقض.
فإن قيل: إن ما ينقل لا يجوز بيعه قبل القبض لأنه لا يؤمن فيه فساد العقد بتلف المبيع وهذا غير موجود في العقار؟
قيل له: هذه العلة لا تنافي علتنا فلا ضرر علينا منها.
على أنه لا يمتنع أن نقول: إنه يجوز أن ينقض بيع العقار بانهدام البناء القائم، وذكر أبو عبدالله البصري في شرح مختصر الكرخي أنه لا نص فيه عن أبي حنفة فلا نسلم لهم الوصف.
وليس لهم أن يقولوا: إنه يجب أن لا يفسد البيع بانهدام العلو لجواز الإنتفاع بالقرار، ألا ترى أنه لاخلاف في أن الشاة لو ماتت قبل القبض لانتقل البيع فيها، وإن كان الإنتفاع بصوفها جائز عندنا وعندهم، وكان الإنتفاع بجلدها أيضاً جائز عندهم، فيما كان معظم الإنتفاع أو ماهو جار مجرى المعظم قد بطل.
فإن قاسوه على المهر، أو جعل الخلع أو الصلح عن دم العمد بعلة أنه يؤمن فساد عقده بتلف فهو غير مسلم في الفرع على ما بيناه.
على أنا لسنا نحفظ عن أصحابنا إجازة بيع المهر أو جعل الخلع أو الصلح عن دم العمد قبل القبض.
والأقرب على أصولهم أنه لا يجوز فصار الحكم في الأصل غير مسلم فلا يصح اعتمادهم عليه.

(63/3)


فأما ما كان يذهب إليه مالك من أن ذلك خاص في الطعام فلا معنى له. لأن ما اعتمدناه من الخبر عام في الجميع فلا وجه لتخصيص الطعام.
فإن قيل: فقد روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الطعام قبل القبض والخاص أولى؟
قيل له: إنما يقال: إن الخاص أولى إذا كان وروده ينافي الحكم الذي ورد به العام، فأما إذا لم ينافه فلا وجه لذلك، لأنه يكون ذكر بعض ما اشتمل عليه العموم، وهذا لا يمنع من التعلق بالعموم.
وروي في ذلك ما أخبرنا به أبو بكر المقري، قال: حدثنا الطحاوي، قال حدثنا ابن أبي داود، قال حدثنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا ابن اسحاق، عن أبي الزناد، عن عبيد بن حنين، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن تباع السلعة حيث تبتاع حتى يجوزها التجار إلى رحلهم فعم بذلك الطعام وغيره.
ويؤكد ما ذهبنا إليه أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ربح مالم يضمن، وما روي من قوله: (لا تبع ماليس عندك فكل ذلك يصحح ما ذهبنا إليه.
على أن العلل التي ذكرناها تحج ما لكا كما تحج أبا حنيفة.
وقلنا: إن المبيع لو كان عبداً فأعتق ككان العتق مردوداً، والمراد لو أعتقه المشتري الثاني لأن شراءه وقع فاسداً، لأنه اشترى مالم يقبضه بائعه على ما سلف القول فيه، وهذا يكون إذا أعتقه المشتري، وهو لم يقبضه، لأنه نص في الأيمان من المنتخب على أن من حلف أن لا يشتري فباع بيعاً فاسداً يجوز فيه العتق أو الهبة أنه يحنث فدل ذلك على أنه يوجب ثبوت الملك بالقبض في البيع الفاسد، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ويأباه الشافعي.
ووجهه أن البائع يستحق البدل على المشتري بتسليطه عليه عن عقد فأشبه البيع الصحيح ألا ترى أنه لما ملك عليه البدل وهو الثمن لتسليطه عليه عن عقد أن يملكه المشتري.

(63/4)


وليس لهم أن يقولوا: إن لا تأثير للتسليط في البيع الصحيح، لأن البائع يملك الثمن قبله، لأن ذلك لا يستقر إلا بعد التسلط فصح تأثيره، وليس لهم أن يمنعوا من وجود الوصف في الفرع، لأنه لا خلاف أن من اشترى شراء فاسداً، وقبض المشتري فتلف في يد أن بائعه يستحق عليه البدل الذي هو القيمة.
يوضح ذلك أن النكاح الفاسد لا حكم له في الإنفراد، ثم إذا اتصل به الوطء صار في حكم الصحيح، وصار الواطيء في حكم المالك للبضع، ألا ترى أنه لو وطئها مراراً لم تستحق إلا مهراً واحداً، وصار الوطء الثاني وما بعده في حكم الوطء الواقع في ملكه فكذلك الوطء في البيع الفاسد.
فإن قيل: فقد ثبت أن القبض المنفرد عن العقد لا يوجب التمليك فكذلك العقد المنفرد عن القبض قد ثبت أنه لا يوجب التمليك فوجب أن لا يوجب ذلك اجتماعهما.
قيل له: لا يمتنع أن يكون الشيئان لا يوجب كل واحد منهما أمراً على الإنفراد، وإن أوجباه إذا اجتمعا، ألا ترى أن النكاح الفاسد لا يوجب مهراً إذا انفرد عن الوطء، وكذلك الوطء إذا تجرد، وإن اجتمعا أوجبا المهر فكذلك الإيجاب في البيع لا يوجب الملك إذا انفرد، والقبول أيضاً إذا انفرد عن الإيجاب لم يوجب المملك، وإذا اجتمعا أوجبا فبان سقوط اعبراضهم بهذا.
فإن قيل: فلو باعه بما لا يصح بملكه على وجه من الوجوه ثم قبضه لم يملك، وهذا ينقض ما اعتمدتموه؟
قيل له: هذا ساقط من وجهين:
أحدهما ـ أنا لا نسلم أن ذلك عقد بيع، لأن البيع بما لا يصح تملكه على وجه من الوجوه غير معقول فاسم عقد البيع لا يتناوله.
والثاني ـ أنه لا يجب أن يكون ما يقبضه على ذلك مضموناً عليه عندنا، وقد ذكر أبو بكر الجصاص في شرح المختصر أن ذلك غير محفوظ عن أصحابهم،، وأنه لا يمتنع أن يقال: إنه غير مضمون عند أصحابهم، فأما على قولنا فهو الأظهر، لأن أصحابنا لا يضمنون من قبض الشيء للسوم إذا لم يجر فيه عقد على وجه من الوجوه.

(63/5)


ويشهد لما ذكرناه الهبة على عوض فاسد والإجارة الفاسدة على العمل، ألا ترى أنه يستحق ب الأجرة على العمل كما يستحق بالإجارة الصحيحة على العمل، ويشهد له أيضاً وقوع العتق بالكتابة الفاسدة.
مسألة:
قال: فإن قبضه ثم تركه عند بائعه رهناً أو وديعة، ثم باعه كان البيع جائزاً، وكذلك لا يجوز بيع الصدقة ولا الخمس قبل القبض.
وجميعه منصوص عليه في الأحكام.
ووجه قولنا: إنه إن كان قبضه ثم تركه عند بائعه رهناً أو وديعة جاز فيه البيع أنه قد حصل مقبوضاً، وصار مضموناً له، فسبيله بيل ما يودع أو يرهن عند غير بائعه في جواز البيع، لأنه لا فرق بين البائع وبين من سواه في هذا الباب، على أنه مما لا أحفظ فيه خلافاً.
وقلنا: إن بيع الصدقة والخمص لا يجوز قبل القبض لعموم ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع مالم يقبض وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الصدقة حتى تقبض وعن بيع الخمس حتى يحاز)، ولأنه لا يملكه إلا بالقبض فأشبه بيع الحيتان في النهر في أنه لا يجوز بيعها.
فإن قيل: فإذا كنتم تجوزون بيع مالا يملكه الإنسان وتوقفون على إجازة رب المال فهلا قلتم ذلك في بيع الخمس والصدقة؟
قيل له: أما الخمس فليس له مالك معين فيكون بيع من يبيعه موقوفاً على إجازته، لأن ملكه يستقر لمعين بالقبض، والصجقة لا تكون ملكاً لمالكها حتى يقبضها المتصدق عليه، وإنما سمي صدقة على سبيل التوسع فلو باعه بائع فأجازه مالكه خرج عن حكم الصدقة وصار بمنزلة سائر ما يوقف على إجازة مالكه فلم يجب أن يكون ما سألوا عنه لازماً على مابيناه فسقط التعلق به.
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع إمهات الأولاد على وجه من الوجوه سواء وضعت للتمام أو لغير تمام بعد أن وضعت مضغة أو نحوها.

(63/6)


ماذكرناه من أن بيعهن لا يجوز منصوص عليه في الأحكام والمنتخب، وهو قول القاسم عليه السلام وما ذكرناه من أنها لو وضعت لغير تمام بعد أن يكون مضغه أو نحوها منصوص عليه في المنتخب. وما ذهبنا إليه من منع بيعهن هو قول عامة الفقهاء، وهو ما أجمع عليه في الصدر الأول.
وذهبت الإمامية إلى أن بيعهن جائز، وبه قال الناصر عليه السلام، وروي القولان جميعاً عن أمير المؤمنين عليه السلام رواه عنه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام مثل قول الإماية.
وروى لنا أبو العباس الحسني مثل قولنا عنه عليه السلام، قال أبو العباس الحسني: أخبرنا محمد بن الحسين بن علي العلوي المصري، قال: حدثنا أبي الحيسن ـ يعني أخا الناصر ـ قال: حدثنا زيد بن الحسن بن زيد بن عيسى بن زيد بن علي، عن أبي بكر عبدالله بن أبي أويس، عن حسين بن عبدالله بن ضميرة، عن أبي، عن جده، عن علي عليه السلام أنه كان يقول: لا تباع أم الولد.
والأصل في ذلك ما اخبرنا به أبو العباس الحسني قال: أخبرنا أحمد بن سعيد بن عثمان الثقفي، قال: أخبرنا أحمد بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن عكرمه، عن ابن عباس، قال: ذكرت مارية أم إبراهيم عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (اعتقها ولدها وإن كان سقطاً). فدل ذلك على أنها تصير حرة بنفس الولادة، وهذا صريح مذهبنا.
فإن قيل: فأنتم لا تثبتون عتقها في حال الولادة؟
قيل له: لا يمتنع أن يكون الموجب للعتق هو الولادة، وإن وجب أن يراعى لتمامه شرط آخر، ألا ترى أن المكاتب يعتق بالكتابة، وإن كان أداء المال شرطاً في تمام العتق.
فإن قيل: فإنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أعتقها لدها)، وقد علمنا أن الولد لم يكن منه الإعتاق فلم يكن للخبر ظاهر؟

(63/7)


قيل له: لا وجه للخبر غير اعتاقها بالولادة، ألا ترى إلى قوله: (وإن كان سقطاً)، والسقط لا يكون منه القعل فبان أن الغرض فيه ليس أن فعل إعتاقها، وأن المراد أنها تعتق بولادتها له.
فإن قيل: فإذا تأولتم الخبر على وجه لا يقتضي الظاهر فلنا أن نتأوله على وجه آخر، وهو أن نقول: إنها تعتق بعتق الولد إذا مات الوالد وبقي الولد؟
قيل له: هذا التأويل ساقط من وجهين:
أحدهما ـ أن إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مات قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يجب على هذا خصول عتقها، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أعتقها ولدها).
والوجه الثاني ـ أن قوله: (ولو كان سقطاً)، يدل على أن المراد به غير ما تأولتموه.
وأخبرنا أيضاً أبو العباس الحسني رضي الله عنه قال: أخبرنا عبدالرحمن بن الحسين الأسدي قاضي همدان، قال: أخبرنا إبراهيم بن الحسين المعروق بابن ديزيل قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الجعفري من ولد الطيار صلوات الله عليه قال: حدثني عبدالله بن سلمة بن أسلم، عن الحسين بن عبدالله بن عبيدالله الهاشمي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأم إبراهيم: (أعتقها ولدها).
ويدل على ذلك ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، قال: أخبرنا الحسين بن عبدالله بن عبدالحميد البجلي الهمداني، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن زيد الواسطي، قال: حدثنا أبي وعمي علي بن أحمد، قالا: حدثنا محمد بن صبيح، قال: حدثنا عبدالله بن خراش، عن العوام بن حوشب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا ولدت جارية الرجل منه فهي له متعة حياته وإذا مات فهي حرة)، وهذا صريح مذهبنا.
وروي عن الثوري عن الإفريقي، عن مسلم بن سنان، عن ابن المسيب قال: أهات الأولاد لا يبعن، ولا يجعلن من الثلث، قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكره الجصاص في كتابه.

(63/8)


وروي أيضاً بإسناده عن خوات بن جبير، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنع عن بيعهن.
ويدل على ذلك ما روي عن عبيد السلماني، عن علي عليه السلام قال: إجتمع رأيي ورأي عمر في جماعة المسلمين على عتق أمهات الأولاد، ثم رأيت أن أرقهن فأخبر أن الإجماع حصل على ذلك.
وروى أبو العباس الحسني رضي الله عنه في كتاب الإبانة بإسناده عن الشعبي، عن علي عليه السلام قال: استشارني عمر في بيع أمهات الأولاد فرأيت أنا وهو إذا ولدت عتقت، وقضى به عمر حياته وعثمان بعده فلما وليت الأمر من بعدهما رأيت أن أرقهن.
فإن قيل: هذا عليكم من وجهين:
أحدهما ـ أن فيه ما يدل على أنهما لم يحفظا فيه النص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والثاني ـ أن علياً عليه السلام ذكر رجوعه عنه، وعندكم أنه لا يجوز أن يخالف.
قيل له: أما الأول ـ فلا معترض به لأنه لا يجب في كل حال أن يكون قد عرف جميع النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحوز أن يكونا قد عرفا النص فاشتبه عليهما المراد فأجمع الرأي منهما ومن المسلمين على مراده صلى الله عليه وآله وسلم بالخبر فانتهوا إليه.
وأما الثاني ـ فلا معنى له لأن علياً عليه السلام لا يجوز أن يخالف إجماع المسلمين فيجوز أن يكون لكلامه عليه السلام تأويل، وهو أحد الوجهين إما أن يكون مراده إني رأيت أن أبين بقاء رقهن لئلا يظن الناس أن المراد بقوله: إنهن عتقن العتق البتات فيكون كلامه عليه السلام كالتفسير لما أجمعوا عليه من قبل.
فإن قيل: فقد روي في بعض الأخبار <ثم رأيت أن أبيعهن>.
قيل له: يجوز أن يكون هذا لفظ الراوي الذي سمع قوله أرقهن فتأول فيه حقيقة الإسترقاق فعبر عنه بحكمه، وهو جواز البيع لأن أكثر من روى هذا الحديث روى بلفظ الإرقاق دون لفظ البيع.

(63/9)


والثاني ـ أنه يجوز أن يكون ذكر ما عرض له من الرأي، ولم يقل: إنه أخذ به، ومن الجائز أن يكون الرأي يعترض له ثم يمنعه عن الأخذ به ما سلف من الإجماع، وهذا نحو ما روي عن علي عليه السلام أنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره)، فبان أن الرأي يقتضي وإن كان هناك ما يمنع منه.
فإن قيل: [ما] روي عن عبيدة السلماني من قوله: فقلت له يعني علياً عليه السلام: رأيت في الجماعة أحب إليَّ من رأيك في الفرقة يقترض هذا التأويل؟
قيل له: قد ذكر جماعة من العلماء أن هذا اللفظ مما لا يصح، وإن عبيدة لم يكن له من الوزن ما يجيزه على أن شافه أمير المؤمنين عليه السلام بذلك وينسبه إلى خرق الإجماع منه، وأنه يجوز أن يكون قال ذلك في نفسه حين خفي عليه معنى قول أمير المؤمنين.
على أنه إن ثبت فلا معترض به على الوجه الثاني من التأويل، وذلك أن معنى قوله موافق لتأويلنا، لأنهما جميعاً يفيدان أن هذا الرأي لا يجوز الأخذ به لمنع الإجماع من، وقد بينا أن علياً عليه السلام لم يقل: إني أخذت بهذا الرأي وعملت به.
فإن قيل: فإن زيد بن علي روى عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام مالا يحتمل هذا التأويل، وهو قوله: وكان يقول إذا مات سيدها وله منها ولد فهي حرة من نصيبه، لأن الولد قد ملك منها شقصاً وإن كانت لا ولد لها بيعت؟
قيل له: هذا رواه أبو خالد، عن زيد بن علي عليهما السلام يرفعه إلى علي صلوات الله عليه أنه كان يجيز بيع أمهات الأولاد، ولا يمتنع أن يكون قول زيد بن علي عليه السلام أدرجه في الخبر، وإن يكون أبو خالد هو القائل، وكان يقول: كذا والمراد به زيد دون أمير المؤمنين عليهما السلام.

(63/10)


ويحتمل أيضاً أن يكون المراد به إذا كان الإستيلاد وقع في غير الملك ويكون الملك تجدد بعد الولادة، وهذه لا تكون أم ولد حكماً وإن كان جاز أن تسمى من طريق أم ولد، وحكمها عندنا هو ما تضمنه ظاهر هذا الحديث، فلا يكون قادحاً في مذهبنا.
فإن قيل: فقد روى زيد بن علي عنه عليه السلام ماهو أوضح من هذا وهو أن رجلاً أتاه فقال: يا أمير المؤمنين إن لي أمة ولدت مني أفأهبها لأخي قال: نعم فوهبها لأخيه فوطئها فأولدها فأتاه الآخر فقال: أهبها لأخ لي آخر قال: نعم فوطئوها جميعاً؟
قيل له: أما الأخ الأول فيجوز أن يكون استيلاده لها كان قبل الملك فوطئها ثم ملككها قبل الولادة، وهذه عندنا يجوز بيعها وهبتها فأجاز علي عليه السلام أن يهبها لأخيه، وأما الأخ الثاني فيجوز أن يكون ألااد بالهبة النكاح، فإن النكاح يجوز أن يعبر عنه بالهبة ألا ترى إلى قوله سبحانه: {وَامْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيْ}، والمراد به النكاح، وكذلك قلنا: إن النكاح ينعقد بلفظ الهبة فيكون وطء الثالث لها بالنكاح دون الملك.
فإن قيل: ما الفصل بينكم وبين من تأول ما روي عن علي عليه السلام أنه كان يقول: (لا تباع أم الولد) على أم الولد التي مات عنها سيدها وله منها ولد باق؟
قيل له: تأويلنا أولى لموافقة ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولما ذكر من حصول الإجماع فكنا ب أسعد.
فإن قيل: فكيف تدعون الإجماع فيه، وقد روي عن عمر أنه قال: <أم الولد إذا أسلمت وأحصنت عتقت وإن كفرت وفجرت وغدرت رقت>؟
قيل له: يحتمل أن يكون المراد به إرتدت ولحقت بدار الحرب.
فإن قيل: روي عن ابن الزبير جواز بيعهن؟
قيل له: يحتمل أن يكون من ملك بعد الولادة.
فإن قيل: روي عن ابن مسعود أنه قال: تعتق من نصيب ولدها؟
قيل له: هذا لا يمنع من القول بإعتاقها، وإنما الخلاف في جهة العتق وليس فيه دلالة على جواز البيع. على أنه قد روي عن ابن مسعود مادل على خلاف ذلك.

(63/11)


أخبرنا أبو العباس الحسني رحمه الله قال: أخبرنا الحسين بن أبي الربيع، قال: حدثنا الحسين بن علي بن الربيع، قال: حدثنا ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن زيد بن هب، قال: مات رجل من الحي وترك أم ولد فأمر الوليد بن عقيبة ببيعها فأتينا ابن مسعود فسالناه فقال: إن كنتم لا بد فاعلين فاجعلوها في نصيب ولدها، فدل ذلك أنه لم يقل ذلك عن رضى ببيعها.
فإن قيل: قد روي عن جابر أنه قال: كنا نبيع امهات الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعهد أبي بكر إلى أن نهى عنه عمر.
قيل له: هذا مما لا حجة فيه للمخالف، لأنه لم يذكر أنه فعل ذلك بإذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألا ترى إلى ما روى أبي بن كعب لما قال لعمر: قد كنا نجامع على عهد رسول الله فلا نغتسل حتى نزل، فقال له عمر: فأخبرتم بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرضيه قال: لا فلم يأخذ به.
على أن ذلك يحتمل أن يكون في أمهات أولاد ولدن قبل الملك وهذا ممالا نأبا.
ومما يدل على ذلك ما أخبرنا به أبو بكر المقري، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا ابن اليمان قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، قال: حدثني عبدالله بن محيريز الجمحي أن أبا سعيد الخدري أخبره أنه بينما هو جالس عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاءه رجل من الأنصار فقال يا رسول الله إنا نصيب سبياً ونحب الأثمان فكيف ترى في العزل فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا عليكم ألا تفعلوا ذلك فإنها ليس بنسمة كتب الله عز وجل أن تخرج إلا وهي خارجة)، فلولا أن بيعها بعد الإستيلاد غير جائز لقال صلى الله عليه وآله وسلم ليس الإستيلاد بمانع من الثمن فدل ذلك على حظر بيعهن.

(63/12)


فأما ما يذكره المخالف في هذا الباب مما يجري مجرى النظر فلا معنى له لأنه يؤدي إلى خلاف النصوص التي ذكرناها، وإلى خلاف ما أجمع عليه، وما يجري هذا المجرى من النظر فهو فاسد على أنهم لا يخالفون في أن اطلاق بيعها في حال الحمل غير جائز لأنهم فرقتان فرقة يذهبون إلى أن بيعها في حال الحمل غير جائز على وجه من الوجوه، وفرقة يذهبون إلى أن بيعها لا يجوز إلا أن يستثني مافي بطنها فحصل الوفاق في أن بيعها على الإطلاق غير جائز فوجب أن لا يجوز بيعها بعد الولادة على الإطلاق. والعلة أن مالكها أحبلها في الإسلام فكل مملوكة حبلت من مالكها في الإسلام لم يجز اطلاق بيعها، وإذا ثبت أن اطلاق بيعها غير جائز ثبت أنه لا يجوز بيعها على وجه من الوجوه إذ لم يفصل أحد بين ذلك ويؤكد ذلك بالحظر والإحتياط.
وقلنا: إنها تصير أم ولد سواء وضعت للتمام أو لغير التمام لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أعتقها ولدها ولو كان سقطاً)، واشترطنا أن تكون مضغة أو نحوها ليعلم أنه ولد وينفصل حال بين أن يكون ولداً، وبين أن يكون دماً أو غيره مما يجمعه أبداً.
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع المدبر إلا من ضرورة وهذا منصوص عليه في الأحكام والمنتخب، وبه قال القاسم، قال الناصر: يجوز بيعه على كل حال وبه قال الشافعي قال أبو حنيفة: لا يجوز بيعه بحال، وقال مالك: إنه لا يباع إلا في الدين.
والأصل في ذلك ما أخبرنا به علي بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن اليمان قال: حدثنا محمد بن الحسين بن اليمان قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن جابر قال: كان في المدينة رجل أعتق غلاماً قبطياً، عن دبر منه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر له الحاجة فأمره أن يبيعه فباعه بثمنمائة درهم من نعيم بن النحام.

(63/13)


وروى أبو داود بإسناده عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر أن رجلاً أعتق غلاماً له عن دبر منه، ولم يكن له مال غيره فأمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبيع.
فدل ذلك على أن بيعه كان للحجة ألا ترى إلى ما روي أن رسول الله سها فسجد دل على أن السجود كان للسهو، وكذلك ما روي أن ما عزاً زنا فرجم دل على أن الرجم ككان للزنا فكذلك قول جابر: أعتق غلاماً له عن دبر فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر له الحاجة فأمره أن يبيعه فيه دليل على أن بيعه كان من اجل الحاجة ومقصوراً عليها، وهذا نص فيما ذهبنا إليه.
فإن قيل: فقد روى الجصاص بإسناده عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( المدبر لا يباع ولا يشترى وهو من الثلث، وهذا عام في جميع الأحوال).؟
قيل له: لا ننكر ما ذكت وبه نحتج على الشافعي ومن قال: مثل قوله إذ أجاز بيعه إلا أنا نخصص منه مدبر المضطر بالدليل الذي قدمناه.
فإن قيل: روي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إنما باع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خجمة المدبر؟
قيل له: هذا لا يمنع ما اعتمدناه من الأخبار لأنه يجوز أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم باع خدمة المدبر مرة والمدبر نفسه مرة أخرى فليس بينهما تناف، وأكثر ما في هذا أن يكون أبو جعفر عليه السلام لم يعرف أحد البيعين وعرف الآخر.
فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إنا نجوز بيع بعض المدبر، وهو أن لا يكون عتقه علق بمجرد موت مالكه فيحمل الخبر عليه.

(63/14)


قيل له: ظاهر الخبر يقتضي خلاف ذلك لأن فيه أن رجلاً أعتق غلاماً له عن دبر، وذكر الحاجة فأمر ببيعه فذكر الإعتاق عن دبر ولم يذكر شرطاً سواه فيه ولا يمكن إثبات شرط لا يقتضيه الخبر ولم يدل الدليل عليه، فإن قيل: قد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدبر لا يباع ولا يشترى، ثم روي أنه باع مدبراً فاستعملنا الخبرين بأن حملنا بيعه المدبر على مدبر، دون مدبر وأنتم استعملتموه بأن حملتموه على اختلاف أحوال المدبر في نفسه فتساوينا فيه، وبقي لنا قوله: (المدبر لا يباع ولا يشترى)؟
قيل له: استعمالنا أولى من استعمالكم وذلك أن ما راعيناه من المدبر تضمنته الأخبار الواردة في هذا الباب، ألا ترى أن في بعض الأخبار أنه باع مدبراً في الدين، وفي بعضها ـ أن رجلاً أعتق عبده عن دبر لا مال له غيره، وفي بعضها فذكر الحاجة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وفيما رواه أبو داود في السنن بإسناده عن أبي الزبير عن جابر أن رجلاً من الأنصار يقال له: أبو مذكور أعتق غلاماً له يقال له: يعقوب عن دبر، ولم يكن له مال غيره فدعا به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من يشتريه فاشتراه نعيم بن عبدالله بثمانمائة درهم فدفعها إليه، وقال: إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه.
وفي بعض الأخبار أنه صلى الله عليه وآله وسلم باعه وقال: (الله عنه غني وأنت إلى ثمنه أحوج)، فكل ذلك يدل على أن السبب الذي بيع أجله ما ذهبنا إليه فكان استعمالنا أولى من استعمال من حمله على مالم ينطق به شيء من الأخبار.

(63/15)


ومما يدل على ذلك أنه أمر مستقر يراعى لتقييده الثلث فوجب أن لا يجوز الإعتراض علهي إلا لعذر دليله الوصية بعد الموت، وليس يلزم عليه الوصية قبل الموت لأن الوصية لا تستقر قبل الموت وإنما استقرارها بعد الموت وليس كذلك التدبير لأنه يستقر قبل الموت، ألا ترى أنه لا خلاف أن العبد يكون مدبراً في حال حياة مولاه وأيضاً وجدناه التدبير عتقاً من جهة القول معلقاً على شرط منتظر فوجب أن يكون لمالكه فسخه على حال دون حال، دليله الكتابة ألا ترى أن له أن يفسخ الكتابة إذا عجز العبد أو استقال، ولا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة أن من قال لعبده: أنت حر إن مت من مرضي هذا أن له أن يبيعه إذا إطر إلى بيعه فكذلك إن قال: أنت حر إن مت من مرضي هذا أن له أن يبيعه إذا إضطر إلى بيعه فكذلك إن قال له: أنت حر إن مت فقط والعلة أنه مدبر مضطر إلى بيعه مدبرن، وهذه العلة لها تأثير عندنا، لأنه لو لم يكن مضطراً لم يجز بيعه عندنا.
يؤكد ذلك أنا وجدنا المدبر حال المدبر أقوى في باب من حال من أوصى بعتقه، لأنه يفتقر إلى اعتاق الوصي بعد الموت، وليس يعتقر المدبر إلى ذلك، ووجدنا حاله أضعف من حال أم الولد، لأن أم الولد تعتق من جملة المال والمدبر يعتق من الثلث إلا ترى أن الوصية لما كانت أضعف حالاً من الدين نفذت من الثلث، ونفذ الدين من جميع المال، فلما ثبت ذلك وجب أن يكون حاله فاصلة بين حال الموصى بعتقه وحال أن الولد، فككانت أم الولد مما لا يجوز بيعها على وجه من الوجوه، والموصي بعتقه يجوز بيعه بكل حال، فوجب أن يكون المدبر يجوز بيعه على حال دون حال، وكان أولى الأحوال بالفصل في ذلك مادلت الآثار عليه.
وأيضاً وجدنا المدبر بعد موت صاحبه حاله متوسطه بحال أم الولد والموصى بعتقه، لأن أم الولد تعتق بكل حال عتقاً مطلقاً، والموصى بعتقه يمنع الدين من تنفيذ عتقه، والمدبر يعتق مع السعي فوجب أن يكون حال متوسططة في حال حياته بينهما على ما ذهبنا إليه.

(63/16)


فأما مالك فإنه يجيز بيعه في الدين فيجب أن يجوز بيعه في سائر الضرورات لأن الأخبار قد نبهت عليه، لأن في بعض الأخبار أنه عليه السلام باعه في الدين وفي بعضها أن الرجل ذكر الحاجة فأمر ببيعه، وفي بعض الأخبار أنه عليه السلام باعه في الدين وفي بعضها أن الرجل ذكر الحاجة فأمر ببيعه، وفي بعضها أنه قال: إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، وفي بعضها: (الله عنه أغنى وأنت إلى ثمنه أحوج)، فنبه ذلك على أن الحاجة مراعاة فيه كالدين، وأيضاً وجب أن تقاس سائر الضرورات على الدين بمعنى أنه ضرورة، على أنا وجدنا سائر الضروريات في الأصول كالدين أو أقوى من الدين، ولم نجدها أضعف من الدين، ألا ترى أنهما يستويان في باب أخذ الزكاة، وعندنا الدين أضعف في باب أداء الزكاة، لأن من عليه الدين قد يلزمه نفقة الرحم، وإن كان الفقير لا يلزمه، فإذا جاز أن يباع المدبر في الدين جاز أن يباع في سائر الضرورات إذ ليست حالها أضعف من حال الدين.
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع الضالة، ولا بيع العبد الآبق في حال أباقه، وبيعها غرر.
وهذا منصوص عليه في الأحكام، ونص في المنتخب على أن بيع الآبق لا يجوز.
والأصل في ذلك ما أخبرنا به أبو الحسين البروجردي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الدينوري، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن يحي بن عتيق، عن محمد بن سيرين، عن أيوب السختياني، عن يوسف بن ماهك المكي، عن حكيم بن حزام قال: (نهاني النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أبيع ماليس عندي)، والآبق والضالة ليساً عند البائع فوجب أن لا يجوز بيعهما لعموم النهي عن ذلك.
وروي زيد، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام: (أنه نهى عن بيع ماليس عندك والنهي عن بيع االغرر يقتضي النهي عن بيع الآبق والضالة، لأنه غرر لا يدري أيظفر به أم لا فيجري مجرى بيع الطير في الهواء والسمك في الماء.

(63/17)


شراء الموقوف
مسألة:
قال: ولا بأس بالشراء الموقوف على إذن المشتري له، وكذلك والقول في البيع الموقوف على اذن صاحب المبيح تخريجاً، نص في الأحكام في مسألة من خالف أمر الآمر على إجازة الشراء الموقوف ودل كلامه فيه وفي النكاح الموقوف على اجازته البيع الموقوف والشافعي يأباهما، وأجاز أبو حنيفة البيع الموقوف دون الشراء الموقوف وأجاز الوقف في الشراء دون البيع مالك.
والأصل في ذلك قول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَى}، والبيع اسم للإيجاب والقبول وليس لأحد أن يقول: الإيجاب يجب أن يكون من المالك لأنه لاخلاف أن اسم البيع ينطق عليه، لأنه لا يمنع أحد من أن يقول باع فلان مال غيره.
فإن قيل: البيع هو إيجاب الملك للغير والموقوف لا يكون ملكاً فلا يجب أن يكون بيعاً فثبت أن الإسم لا يتناوله؟
قيل له: البيع هو اسم الإيجاب والقبول فقط يكشف ذلك أن المتعاقدين لو تعاقدا على خيار معلوم كان ذلك كان ذلك بيعاً، وإن لم يجب الملك.
ومما يدل على ذلك حديث عروة البارقي قال: أعطاني رسول الله ديناراً لاشتري به شاة، فاشتريت به شاتين فبعت أحدهما بدينار وجئت بالأخرى فقال: أحسنت، وروي أنه قال: أعطاني ديناراً أشتري به أضحية فاشتريت به شاتين فبعت أحدهما بدينار وجازه بدينار وشاة فدعى له صلى الله عليه وآله وسلم بالبركة ف بيعه فكان لو اشترى التراب ربح، وفي بعض الأخبار قلت: هذا ديناركم، وهذه شاتكم فقال: كيف صنعت فحدثته بالحديث، فقال: اللهم بارك في صفقة يمينه فدلت هذه الأخبار على ما ذهبنا إليه من جواز البيع والشراء الموقوفين لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يشتري شاة فاشترى شاتين بغير أمره ثم باع أحدهما بغير أمره ثم باع أحداهما بغير أمره فأجازه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدل ما ذهبنا إليه من أن الإجازة تلحق البيع والشراء جميعاً.

(64/1)


ومما يدل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أعطى حكيم بن حزام دينار وأمره أن يشتري به أضحية فاشترى وباع ثم اشترى، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدينار وشاة، فقال: ما هذا؟ قال: بعت واشتريت وربحت، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (بارك الله لك في تجارتك)، فدل ذلك على ما ذهبنا إليه لآن حكيماً باع مالم يؤمر ببيعه، ثم شرى مالم يؤمر بشرائه ثانياً وأجازهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قيل: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن بيع مالم يملك، وأنه قال: لا تبع ماليس عندك، وهذا نقيض مذهبكم.
قيل له: أما عن بيع مالم يملك فلا يتناول موضع الخلاف، لأن الخلاف إنما هو في بيع مالم يملك إذا باعه غير مالكه، وأما مالا يكون ملكاً لأحد فلا خلاف أن بيعه لا يجوز، وهو الذي ورد النهي عن بيعه، وقوله: (لا تبع ماليس عندك)، أيضاً لا يدل على موضع الخلاف لأن الإنسان قد يكون عنده ملك غيره، والخلاف في بيعه قائم.

(64/2)


على أن ما ذكرتموه لو اقتضى ما ادعوه لكانت أخبارنا أولى لأنها تختص موضع الخلاف فيجب أن تكون مخصصة ملا اعتمدوه، ولا خلاف أن صاحبه لو كان رضي ببيعه جاز البيع، وكذلك إذا رضي بعد وقوع العقد، والمعنى أنه عقد بيع حصل معه رضي المالك، وأيضاً لا خلاف أن المريض لو باع وحاباً وقف البيع على إجازة الورثة، فكذلك ما اختلفنا فيه، والعلة أنه عقد بيع يتعلق به غير حق المتعاقدين فوجب أن يكون موقوفاً على اجازة من له الحق، ولا خلاف أن قول البائع: بعت بكذا وكذا موقوف على قبول المشتري فوجب أن يفق ما اختلفنا فيه على الإجازة والمعنى أنه معنى لو تقدم على العقد لنفذ فوجب أن يفق عليه إذا لم يكن تقدم ألا ترى أنه لا خلاف أنه لو قال المشتري: قد اشتريت منك كذا بكذا فقال البائع: قد بعت لنفذ، وهذا القياس الثاني يودب أن يقف الشراء على إجازة المشتري والوصية أيضاً تشهد بما ذهبنا إليه، ألا ترى أن من أوصى بجميع ماله وقفت وصيته على إيجازة الورثة لما تعلق بالموصى به حق الورثة، وليس لهم أن يقيسوه على الطير في الهواء والسمك في الماء، لأنهما ليساً ملكين لأحد فيكون بيعهما موقوفاً على إجازته.
فإن عللوا لفساد البيع، قلنا: العلة فيه أنه غير مملوك لأحد من الناس فلذلك فسد بيعه، وهذه العلة معلومة لا يصح أن يقابلها العلة المظنونة، وأما قول من قال: إن البيع يوقف والشراء لا يوقف، لأن الشراء يلزم المشتري فهو عندنا غير صحيح، لأن الذي يصح عندنا هو أن الإنسان إذا اشترى شيئاً لغيره بغير أمره لم يلزمه ووقف على اجازة المشتري له، فإن أجازه جاز، وإن لم يلزمه بعد ذلك.
فإن قيل: فالدليل على أنه يلزمه المشتري أن الوكيل إذا الوكيل إذا خالف الموكل في الشراء لزمه؟
قيل له: لسنا نسلم هذا ونقول فيه ما قلنا أولاً إن الوكيل إذا خالف كان موقوفاً على المشترى له فإن أجازه جاز، وإلا لزم الوكيل، وهل الخلاف إلا هذا فكيف يصح البناء عليه.

(64/3)


فإن قيل: فكيف يصح أن يكون لزومه المشتري موقوفاً على امتناع المشترى له من إجازة شرائه؟
قيل له: لا يمتنع ذلك ألا ترى أنهم يقولون في الملتقط إذا تصدق باللقطة ثم جاء صاحبها كان بالخيار بين أن يجيزه ويختار الأجر، وبين أن يضمنه قيمتها فيكون تضمين الملتقط موقوفاً على امتناع صاحب اللقطة من إجازة الصدقة، وتكون الصدقة موقوفة على إجازته، فإن أجازها جازت، وإن لم يجزها ضمن الملتقظ، وكذلك المشترى له إن أجاز جاز، وإن امتنع لزم المشتري الشراء.
بيع الشيء بأكثر من سعر يومه
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً باع من رجل شيئاً بأكثر من سعر يومه يدا بيد جاز، فإن باعه بأكثر من سعر يومه مؤجلاً كان البيع فاسداً، وهو من الربا ولا يجوز ذلك وإن لم يشترط الأجل لفظاً إذا كان مضمرين له ومنطويين عليه.
ما ذكرناه من جواز بيع الشيء بأكثر من سعر يومه يدا بيد قد دل عليه في باب المزارعة، وفي نسخة أخرى في باب المرابحة من كتاب الأحكام.
ودل عليه أيضاً في مواضع من الأحكام ومنتخب.
وما ذكرناه من المنع من بيعه بأكثر من سعر يومه نسأ منصوص علي في كتاب الأحكام والمنتخب.
وما ذكرناه من أنه يجوز ذلك، وإن لم يشترطا الأجل لفظاً إذا كانا مضمرين له فنبه عليه في باب الصرف من الأحكام.
أما ما ذكرناه من كون بيع الشيء باكثر من سعر يومه لا يجوز نسأ فهو قول القاسم، رواه عن عبدالله بن الحسن، عن علي بن الحسين عليهم السلام. وبه قال الناصر، وسائر العلماء على خلافه.
والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَى}، والربا فهو الزيادة، ومنه قول الله تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِتُرْبُوا فِيْ أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يُرْبُوا عِنْدَ اللهِ}، فإذا ثبت ذلك ثبت أن ذلك البيع هو بيع الزيادة، فثبت أن بيع الربا فوجب تحريمه بظاهر التلاوة.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ}، فلستم بما تعلقتم به بأولى مننا إذا تعلقنا بما ذكناه؟

(64/4)


قيل له: تعلقنا بما تعلقنا به أولى لأنه حاظر، وما تعلقتم به مبيح، والحاظر أولى من المبيح، ألا ترى إلى ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال في الجمع بين الأختين بملك اليمين <أحلتهما آية وحرمتهما آية>، ثم غلب الحظر، ولأن الربا أخص من البيع، لأن البيع يشتمل على ماهو بيع مساواة وربا، وعندنا أن العام يجب أن يبنى على الخاص.
فإن قيل: فلم لا تحملونه على هذا المعنى في بيع الشيء بأكثر من سعر يومه يدابيد؟
قيل له: نخص ذلك بدلالة الإجماع ومن طريق السنة ما روي أن علياً عليه السلام خطب الناس، وقال: سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى: {وَلا تَنْسُوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}، ويبايع المضطرون، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع المضطرين، وبيع الغرر، وهذا منبيع الضطر، لأن الشيء لا يشترى بأكثر من سعر يومه مؤجلاً إلا لضرورة، وقد بينا تناوله النهي فيجب فساده.
فإن قيل: فمن يشتري بأكثر من سعر يومه إنما يشتريه لضرب من الضرورة، وأن كان الثمن معجلاً، وقد أجزتموه، وكذلك من يبيع الشيء بأقل من سعر يومه إنما يفعله لضرب من الضرورة، وقد أجزتموه.

(64/5)


قيل له: إنما تعلقنا بالعموم، وكل ما سألتم عنه مخصوص بالإجماع، وأيضاً روي أن امرأة قالت لعائشة: إني بعت من زيد بن أرقم خادماً بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته بستمائة درهم فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أن الله تعالى قد أبطل جهاده معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لم يتب، فقالت: ارايت إن لم آخذ إلا راس مالي فقالت عائشة: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله)، وهذا لا يجوز أن تقوله إلا توقيفاً، إذ فيه أبطال الجهاد، وذلك لا يكون للإجتهاد، وفيه مقادير الثواب والعقاب، ولا طريق لها إلا التوقيف، فإذا ثبت ذلك فليس يخلو أبطالها البيع الأول من أن يكون لأنه بيع إلى العطاء، وقد عرف من مذهبهما خلاف ذلكك، أو يكون لأنه بيع باكثر من سعر يومه مؤجلاً فإذا فسد الأول لم يبق إلا الثاني.
فإن قيل: فأجيزوا ذلك لغير المضطرين إذا تبايعا؟
قيل له: قد بينا أن موضوع هذا البيع موضوع الإضطرار فلا معتبر بحال المتبايعين، ألا ترى أنه لا خلاف في المضطرين إذا تبايعا الشي بمثل سعر يومه أنه غير مراد بالخبر، فإذا المراد أن يكون البيع موضوعه موضوع الإضطرار.
ويمكن أن يقال لأبي حنيفة والشافعي لا نختلف في أن من باع شيئاً بأكثر من سعر يومه مؤجلاً واشترط خيار بائعه أن البيع فاسد، فكذلك إذا لم يشترط الخيار والعلة أنه بيع بزيادة الثمن مؤجلاً، ويدل عليه أن من عليه الحق لو قال لصاحبه: أخرني بحقط وأزيدك لم يجز ذلك لأنه زيادة ليس في مقابلها إلا الإمام وكذلك بيع الشيء بأكثر من سعر يومه للزيادة، ألا ترى أن الزيادة لم تحصل إلا على الأيام فقط فليس يلزم عليه السلم، لأن من يسلم في أكثر مما يتبايع به لا يقال: إنه بيع بزيادة، وإنما يقال في مثله بيع بوكس، وإن كان فيه زيادة من وجه.

(64/6)


على أنه لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة أن من باع شيئاً لم يجز له أن يشتريه بأقل مما باعه به من قبل أن يستوفي الثمن الأول فكذلك ما ذهبنا إليه لأنه لا يحل في أن يحصل في الثمن زيادة لا يقابلها إلا مرور الزمان.
وقلنا: إن ذلك لا يجوز وإن لم يشترطا الأجل لفظاً إذا كانا مضمرين له لقول الله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيْرُونَهَا بَيْنَكُمْ}، وقد ثبت أنهما لم يتراضيا بما جرى بينهما من العقد الظاهر لانطوائهما على خلاف ذلك ألا ترى أن المشتري لو علم أنه يطلب بالثمن معجلاً لم يكن يشتريه بذلك الثمن ولا معتبر بظاهر ما يقع منهما ألا ترى أن المكره إذا باع لم يجز بيعه، وإن ظهر منه ظاهر الإيقاع لما قارن ما يدل على أنه غير راض به، فكذلك ما ذكرناه، ولذلك أبطلنا طلاق المكره وعتاقه.
(ذكر بيع الجزاف)
مسألة:
قال: ولا بأس ببيع الجزاف إذا لم يعرف المتبايعان قدره، فإن كان إحدهما عالماً بمقداره فسده البيع.
وهذا منصوص عليه في الأحكام.
ووجه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من النهي عن بيع الغرر، وهذا من التغرير لأنهما إذا باعا جزافاً وأحدهما عالم بمقداره والآخرة غير عالم أنه يكون العالم غاراً له، وأيضاً ما روي أبو داود بإسناده عن ابن عمر أن رجلاً ذكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يخدع في البيع فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا بايعت فقل: لا خلابة.
دليل على أن البيع الذي يككون مع الخلابة لا يجوز، وذلك هو بيع الخلابة إذ لا يجوز أن يحمل قوله صلى الله عليه وآله وسلم إلا على التعريف الذي قلنا، إذ ليس بعد ذلك إلا اشتراط إن لا خلابة، ولا خلاف أن اشترااط ذلك لا يؤثره.
فإن قيل: لو بطل هذا البيع لم يبطل إلا لجهل أحدهما وعلم صاحبه، وقد علمنا أن واحداً منهما لا يبطل البيع إذ لو جمعهما العلم والجهل ككان البيع صحيحاً بالإجماع، وإذا ثبت ذلك لم يجب أن يبطل.

(64/7)


قيل له: لسنا نقول: إنه يبطل لواحد منهما بل نقول: إنه يبطل لاجتماع علم أحدهما وجهل الآخر إذ الخداع بذلك يتم وإياه تناول قوله صلى الله عليه وآله وسلم لا خلابة.
مسألة:
قال: ولا بأس بمبايعة المشرككين إذا لم يباعوا سلاحاً ولا ركاعاً ولا بأس باشتراء بعض المشركين من بعض، وهذا منصوص عليه في الأحكام.
قلنا: إنه لا بأس بمبايعة المشركين لأنه لا خلاف في ذلك، ولقول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَى}، فلم يستثن بيعاً من بيع، ولأن كلك مال جاز أن يملككه على الغير بوجه من الوجوه جاز أن يمله عليه بالشراء واستثنينا السلاح والكراع، لأن في ذلك تقوية على المسلمين، وتكثيراً لعدتهم، وذلكك ممالا يجوز لأنه يكون كالمعاونة لهم على ذلك، وقد قال الله تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، ولا يجب أن يكون سبيل سائر الأشياء سبيل السلاح الوكراع في هذا الباب وإن ككان في بيع سائر الأشياء ضرب من التقوية، لأن موضوع سائر الأشياء ليس هو موضوع الإستعانة ب وموضوع السلاح والكراع موضوع الإستعانة به على الأعداء.
ألا ترى أن الله تعالى لما قال: (واعدو الهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل)، كان ذلك أمراً بما يكون موضوعه موضوع الإستعانة به عليهم من الأسلحة وما جرى مجراها.
وقلنا: إنه لا بأس بشراء بعضهم من بعض لأنا قد بينا فيما تقدم أن الملك في دار الحرب يكون بالغلبة فكل من غلب من المشركون ممن يصح تملكهم فمن غلب منهم على نفسه في دار الحرب صار مملوكاً للغالب فصح أ، يشترى منه.
مسألة:
قال: ويكره مبايعة الظالمين، هذا منصوص عليه في الأحكام.

(64/8)


ووجهه أ، أحسن أحوال مافي أيديهم من الأموال أن تكون من المشبهات، لأنا وإن لم نحكم بأنها حرام على القطع، فإنما كره لكثرة أمارات التحريم فيه، فإن من المعلوم من أحوالهم أن عامة ما يتصرفون فيه من الغصوب التي لا شك في تحريمها، قال: حدثنا الناصر، قال: حدثني أخي الحسين بن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، عن علي بن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي رفعه، قال: (الوقوف عند الشبهة خير من الإقتحام في الهلكة).
وروى أبو داود في السنن بإسناده عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحلال بين والحرام بين وبيهما أمور متشابهات، لا يعلمهاا كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ دينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام).

(64/9)


معاملة المماليك بيعاً وشراء
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع العبد ولا شراؤه إلا بإذن سيده، وهذا منصوص علي في الأحكام.
والأصل فيه ما قد ثبت أن العبد لا يملك شيئاً فإن سيده مالك له، ولما في يده، وقد نص الهادي عليه السلام على ذلك في كتاب الهبات وكتاب المكاتبة من الأحكام، وإذا ثبت ذلك ثبت أن تصرفه لا يجوز إلا بإذن سيده لأنه يكون في حكم من تصرف في ملك غيره في أنه لا يصح إلا بإذن المالك، وماذهبنا إليه من أن العبد لا يملك، به قال أبو حنيفة والمشهور من قول الشافعي، وحكي عنه في القديم أنه قد يملك، وهو قول مالك.
والأصل فيه قول الله تعالى: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ..} الآية. ففيه وجهان من الدلالة:
أحدهما ـ أنه قال مملوكاً لا يقدر على شيء فمنع أن يقدر على شيء فهو على عمومه إلا حيث يخصه الدليل فوجب أن لا يقدر على شيء من التصرف، وفيه أنه لا يملك.
فإن قيل: القدرة لا تنبي على جواز التصرف في حقوقة، فإن جاز أن يستعمل ذلك اتساعاً فالإتساع لا يعرف منه المراد إلا بالدلالة.
قيل له: ليس حال اللغة فيما ذكرت على ما قدرت لأن أهل اللغة لا يرجعون في معنى القادر والقدرة إلى ما يرجع إليه المتكلمون، وإنما يرجعون فيه إلى التأتي فلا يمتنعون من القول: إن فلاناً لا يقدر على كذا إذا كان لا يتأتى منه، سواء كان ذلك وهو مستطيع له، وتعذره الآلة أو لفقد الدواعي، أو لمنع سوى ذلك على وجه من الوجوه، أو كان غير مستطيع له، فإذا ثبت ذلك صح الإستدلال بما ذكرناه، وصح تعذر التصرف منهم من جميع الوجوه، إلا ما خصه الدليل.

(65/1)


ولاوجه الثاني من الإسدلال بالآية ـ أنه فصل بالواو بين العبد وبين من رزقه رزقاً حسناً فهو ينفق منه، فاقتضى الظاهر إن العبد لا يرزق رزقاً حسناً يوجب ينفق منه، وآخر عاقلاً كان الظاهر أن الذي ذكره أولاً لا يوصف بأنه عاقل، وأن الإختلال المذكور من حاله عبارة عن اختلال العقل، وإن كان الإختلال يصح تصرفه إلى غير العقل.
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانِكُمْ مِنْ شُرَكَاءٍ}، فنبه أنه ليس فيهم من يشاركنا فيما رزقناه، وهذا ينفي أن يكون لهم ملك، لأنه لو جاز أن يكون لهم ملك جاز أ، يكونوا شركاءنا في كثير من الأملاك.
فإن قيل: فإ،ه قال: (فيما رزقناكم)، والشيء إذا كان ملكاً لإنسان لم يصح أن يكون له فيه شريك حر ولا عبد، لأن اشركة تقتضي أن ذلك التصرف بكماله ليس ملكاً له.
قيل له: هذا يخرج الآية من أن تكون لها فائدة، لأن ذلك يستوي فيه الحر والعبد والله تعالى إنما قال: {هَلْ لَّكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانِكُمْ مِنْ شُرَكَاءٍ}، فخص نفي الشركة بيننا، وبين ما ملكت أيماننا.
فدل ذلك على أمر يختص ملك اليمين، وليس ذلك إلا ما ذهبنا إليه.
على أن الآية تدل على ما ذكرناه من وجه آخر، وهو أنه تعالى أراد أن يبين أن الملك كله له، وأنه ليس لنا ملك نستبد به دونه ألا ترى أنه تعالى قال: {وَلَهُ مَنْ فِيْ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}، إلى قوله: {فِيْمَا مَلَكَتْ أَيْمَانِكُمْ مِنْ شُرَكَاءٍ}، فلولا أن ما ملكت أيماننا لا يجوز أن يستبدوا بالملك دوننا لم يصح ضرب هذا المثل.

(65/2)


ويدل على ذلك ما أخبرنا به أبو الحسين البروجردي قال: حدثنا يوسف بن هارون القاضي، قال: حدثني علي بن شعيب، وأحمد بن يحي، قال: حدثنا سفيان، عن الزهيري، عن سالم عن أبيه يبلغ به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من باع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع).
وحدثنا محمد بن عثمان الناقاش، حدثنا الناصر، عن محمد بن منصور، عن عباد بن يعقوب، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، قال: قال علي عليه السلام: [من باع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع]، فدل الخبر على أن مافي يد العبد يكون لمالكه ألا ترى أنه جعل المال للبائع دون في الوقت الذي أضافه إلى العبد يبين ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما جعل مال العبد في حال زوال تملك مولاه عنه لمولاه كان الأولى أن يكون ذلك لمولاه في حال تملكه إياه.
فإن قيل: فكيف يصح لكم الإستدلال به، وفيه إضافة المال إلى العبد.
قيل له: الشيء قد يضاف إلى من هو في يده كما يضاف إلى مالكه، ألا ترى أن الله تعالى أضاف البيوت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تارة، وإلى أزواجه تارة، فإذا احتمل ذلك ما ذكرناه وجب أن يحمل ذلك على انه أضافه إليه لتقريره صلى الله عليه وآله وسلم ملكاً لبائعه.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِيْنَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ}[النور:32]، والغني يكون بالملك، فدل ذلك على أنهم يملكون؟
قيل له: يجوز أن يكون المراد به الغني بالنكاح، كما قال الله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِيْنَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ}[النور:33]، وهو أولى، لآنه خبر، وهو لا يقع بخلاف المخبر. وفي الفقراء من يتزوج فلا يستغني بالمال.

(65/3)


فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)، ولم يستثن حراً من عبد؟
قيل له: لا نسلم أن العبد هو المحيي، لأن كسبه لمولاه، فالمحيي إذا هو السيد ألا ترى أن من استأجر أجيراً على أن يعمر أرضاً يكون المحيي هو المستأجر دون الأجير، لما كان فعله يقع للمستأجر.
فإن قيل: فقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (من أعتق عبداً فماله له إلا أن يشترط المعتق)؟
قيل له: هو محمول على المكاتب، وكذلك نقول: أنه لا خلاف أنه لا يملك بالإرث فكذلك سائر جهات الملك، والعلة أنه جهة بما يملك، ولم يجز أن تكون جهة يملك بها العبد. ألا ترى أن الإرث أقوى وجوه الملك، لأنه يصير ملكاً للوارث بغير اختياره فلما لم يصح أن يملك من جهة الإرث لم يصح أن يملك من سائر جهات الملك، والعلة أنه مرقوق.
يدل على صحة ذلك أنه لو خرج من الرق ورث، فبان أن المانع منه هو الرق.
فإن قيل: فالذمي لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث الذمي، وهذا لا يمنع من صحة تملكهما الأشياء؟
قيل له: كل واحد منهما من أهل الميراث، لأن المسلم يرث من كان على ملته، ويرث المرتد، والذمي يرث من كان على ملته فلم تخرجه ذمته من أن يكون الإرث جهة تملكه فلا يلزوم ذلك على ما ذكرناه.
فإن قيل: فالمكاتب لا يملك فالإرث ملكاً صحيحاً بوجه من الوجوه، وإن جرى على مافي يده بعض أحكام الملك ألا ترى أنا لا نجيز له ان يطأ جارية يشتريها، وكذلك لو اشترى زوجته لم يوجب فسخ نكاحها فثبت بما بيناه أن العبد لا ملك له فلم يجز أن يتصرف فيما في يده إلا بإذن سيده، وأما إذا أذن له سيده جاز تصرفه فيه، وهذا ممالا خلاف فيه.

(65/4)


وأخبرنا محمد بن عثمان النقاش قال: حدثنا الناصر، عن محمد بن منصور قال: حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا وهب بن سهل الأسدي، قال: حدثنا محمد بن قيس الأسدي، بكار العنزي، قال: ارتفع رجلان إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وقال أحدهما: إن غلامي يا أمير أمير المؤمين ابتاع من هذا بيعاً وإني رددت عليه فأبى أن يقبله فقال علي عليه السلام: أتبعث غلامك بالدراهم يشتري لك لحماُ بها من السوق؟ قال: نعم، قال: قد أجزت عليك شراءه.
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع الأب على الإبن الصغير إلا إذا كان متحرياً لنفعه، وكذلك القول في الوصي نص في كتاب الزكاة من الأحكام على أن للوصي أن يتجر في مال اليتيم طلباً لصلاحه ونفعه، ونص في كتاب الوصية على أنه ليس الأب أن يبيع أملاك ولده الصغير التي هي العقار ونحوها إلا من ضرورة، وكذلك الوصي.
نص في المنتخب على ان أب الأب إذا باع الضيعة على الإبهن الصغير فله إذا بلغ أن يفسخ البيع، ونص فيه في كتااب الشفعة على أن الأب إذا ترك شفعة ابنه الصغير لعدمه لم يكن له إذا بلغ أن يطالب بها، قال: فإن كان تركها، وهو واجد لثمنها من مال ابنه كان له إذا بلغ أن يطالب بها لأن أباه قد ظلمه وترك حقه لغير علة.
قال فيه: وهكذا القول في الوصي إذا ترك شفعة الصغير فهذه المسألة تدل من مذهبه على ماا لخصناه في أول هذه المسألة.

(65/5)


ووجهه أن الأب جعلت ولايته على الصغير ثابتة لصلاح الصغير، ألا ترى أن غيره ممن يجوز أن تتوجه عليه التهمة كالأخ والعم لا ولاية لهم في ماله، وهو أيضاً إذا بلغ وصار بحيث يستقل بمصالح نفسه زالت ولاية أبيه عنه، فإذا ثبت ذلك بما بيناه وجب أن تكون ولايته عليه ثابتة فيما يؤدي لإصلاح حاله دون فسادها إذ الولاية على ما بيناه ولاية للصلاح، وليست ولاية للفساد، والوصي في جميع ذلك قائم مقام أبيه، ونائب منابه، فلذلك قلنا: إن حكمه حكم الأب في البيع على الصغير، ومما يدل على ذلك أنه لا خلاف في أن الأب لو باع من مال ابنه الصغير بدون قيمته بما لا يتغبن الناس فيه أن البيع فاسد، فكذلك ما ذهبنا إليه، والعلة أنه بيع لم يتحر فيه مصلحة الإبن فوجب أن لا يصح من المتولي عليه.
فإن قيل: ألستم تقولون: إن الأب لو أنكح ابنته الصغيرة بدون مهر مثلها نفذ ذلك فما أنكرتم أن ينفذ بيعه عليها، وإن لم يتحر صلاحها؟
قيل له: ليس موضوع البيع موضوع الإنكاح، لأن الغرض في البيع تحصيل الثمن، وليس الغرض في النكاح تحصيل المهر بل لا يمتنع أن يكون صلاحها في أن تتزوج من كفؤ صالح بدون مر مثلها، لأن المعتبر في الإنكاح هو حال الزوج، فبان بما ذكرناه الفرق بينهما.
على أنه لا خلاف أن البيع بدون القيمة على ما حكيناه لا يجوز، فبان به أيضاً الفرق بين الأمرين.

(65/6)


بيع المميز المأذون
مسألة:
قال: ولا بأس ببيع المراهق الذي لم يبلغ إذا أذن له وليه.
وهذا منصوص عليه في الأحكام، وبه قال أبو حنيفة.
والأصل فيه قول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ}، وقوله: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}، وهذه تجارة عن تراض.
ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ}، فأمر بابتلائهم فدل ذلك على ما ذهبنا إليه من وجهين:
أحدهما ـ أن التصرف في البيع والشراء ليعرف فيه حاله من االإبتلاء فوجب أن يكون جائز بظاهر قوله: {وابْتَلُوا الْيَتَامَى}.
والوجه الثاني ـ أن الإبتلاء لا يتم إلا به فصار ذلك كالمنصوص عليه.
ويدل على ذلك أنه مميز محجور عليه فوجب أن يصح بيعه إذا أذن له فيه من يتولى أمره.
دليله العبد إذا أذن له مولاه في البيع، على أنه إذا ثبت جواز البيع الموقوف بما قد بيناه وجب أن يجوز ما ذهبنا إليه، إذ لم يفرق أحد بينهما، ولأنه تصرف من مميز صح أن تلحقه الإجازة فأشبه البيع الموقوف.
بيع الرطب والبقول
مسألة:
ولا يجوز من بيع الرطب والبقول إلا ما ظهر منها وعرف، وهذا منصوص عليه في الأحكام والمنتخب، وروي نحوه عن القاسم في الأحام وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وحكي عن مالك أنه يجوز بيع مالم يظهر تابعاً لما ظهر.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الغرر، وهذا بيع الغرر، لأنه يجوز أن يختلف حال ما يظهر اختلافاً زيداً على ما ظهر.
ويدل على ذلك أيضاً نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع ماليس عند الإنسان، وهذا مما لا يصح أن يقال: إنه عند الإنسان، وإيضاً روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن بيع الضامين، وهو بيع ما يتضمنه الشيء خلفه.
والعلة أنه بيع عين لم توجد، ولا خلاف أيضاً أنه إذا لم يظهر منه شيء لم يجز، فكذلك إذا ظهر بعضه لهذه العلة.

(66/1)


فإن قاسوا على منافع الأجرة كان تمكينه شاهداً لقياسنا، لآنها ليست أعياناً، وإن تعلقوا بقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، كان ذلك مخصوصاً بما قدمناه، وليس لهم أن يقولوا: إن الضرورة تدعوا إلى ذلك إذ لا ضرورة تدعو إليه.
النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، ويؤمن فسادها، ولا يجوز بيع شيء من ذلك سنين، قال: وقال القاسم عليه السلام: وكذلك القول في ورق التوت.
ما ذكرناه أولاً منصوص عليه في النمتخب، وما حكيناه عن القاسم منصوص عليه في مسائل النيروسي.
وري نحو قولنا عن ابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة: هو جائز، وقال الشافعي: إن اشتراطنا القطع جاز، وإلا لم يجز.
وقال زيد بن علي عليهما السلام: إذا اشترطنا القطع جاز.
والأصل في ذلك ما أخبرنا به أبو بكر المقرين حدثنا الطحاوي، حدثنا علي بن معبد، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: (نهى روسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه).
وحدثنا الحسين البروجردي، حدثنا عبدالله بن محمد البغوي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا عبدالعزيز، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها.
حدثنا أبوبكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا عبدالله بن صالح، قال: أخبرني الليث، قال: حدثني يحي، عن أيوب، عن حميد الطويل، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تبايعوا بالثمار حتى تزهو، قلنا: يا رسول الله فما معنى يزهو؟ قال: أو تصفى أرأيتم إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه).
وروى زيد بن علي، عن أبيه عن جده، عن علي عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

(66/2)


وأخبرنا به أبو الحسين بن إسماعيل، حدثني محمد بن الحسين بن اليمان، حدثنا محمد بن شجاع، حدثنا روح، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها)، فكل هذه الأخبار نصوص في صحة ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد به بيع الثمار قبل حدوثها، حتى يكون بائعاً ماليس عنده، فقد روي عن سمرة، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع السنين.
قيل له: الظاهر أنه نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن بيعها حتى يبدو صلاحها، ولا يجوز حمله على ما ذهبتم إليه لأنه يبطل بتحديد البيع إلى حين يبدو الصلاح، لأنه يرتفع على قولكم.
قيل له: الظاهر أنه نهى صلى الله عن بيعها حتى يبدو صلاح، لأنه يرتفع على قولكم.
وقيل له: ذلك حين حدوث الثمرة فالواجب إذا حمل النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها على ظاهرها، والنهي عن بيع السنين على ظاهره، من غير أن يعترض بأحدهما على الآخر.
فإن قيل: ما تنكرون أن يكون خبركم مخصوص بخبرنا؟
قيل له: التخصيص إذا لم يكن استعمالنا الخبرين على ظاهرهما، فأما إذا أمكن ذلك فلا وجه للتخصيص، على أن خبركم لو اعترض به على خبرنا لم يكن ذلك تخصيصاً بل كان نسخاً، لأن خبرنا اقتضى تحديد المنع من بيعها إلى حين يبدوا صلاحها، وخبركم متى اعترض به عليه ناقتضى ابطال هذا التحديد، وهذا هو النسخ فبطل ما اعتمدوه.
فإن قيل: فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أرأيتم إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه)، يدل على أنه قصد النهي عن بيع مالم يوجد.

(66/3)


قيل له: يحتمل أن يكون المراد ما ذهبنا إليه، ويكون ذلك تنبيهاً على فساد بيعها في تلك الحال لكون المقصود به التبقية، وإذا احتمل ذلك لم يجز حمله على ما ذهبوا إليه، ولا وجه لقياسهم في هذا الباب، لأنه يؤدي إلى إبطال التحديد الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ألا ترى أنهم يسوون بين حاله قبل بدو صلاحه، وبعده، وذلك يبطل التحديد به.
فأما الشافعي فيوافقنا على فساد بيعها مالم يشترط القطع، فكذلك إذا اشترط والعلة أنه بيع ثمره لم يبن صلاحها، وهذه العلة يعضدها لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأصول تشهد لنا، لأنا لم نجد في الأصول بيعاً فسد بترك اشتراط تسليم المبيع، إلا واشتراط تسليمه غير مؤثر في صحته.
فإن قيل: العلة في فساده أن العرف يقتضي تركه متى اطلق البيع، وإذا اشترط القطع زال ذلك.
قيل له: لو سلمنا لكم علتكم لم تقدح في علتنا، لأنا نقول: بهما فيما أطلق بيعه من ذلك، ونقول بعلتنا فيما اشترط فيه القطع.
وأما ما ذكرناه من إبطال سنين فمما لا خلاف فيه، لأنه بيع الغرر، وبيع ماليس عندك، وبيع مالم يوجد، ولا وجه لأن نستقصي فيه، لأنه وفاق.
وقلنا: إن ورق التوت حكمه حكم الثمرة، لأنه في معناها، وطلب الأنتفاع فيها على وجه واحد، فلا غرض في إعادة القول فيه.
بيع اللبن في الضرع
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع اللبن في الضرع، ولا بيع ما في بطون الأنعام، ولا ما على ظهورها من الجلد والصوف والشعلا والوبر، ولا بيع الحيتان في الآجام والأنهار كل ذلك بيع الغرر، جميعه منصوص عليه في الأحكام، غير الجلد فإنه منصوص عليه في المنتخب، وإن كان قد نبه عليه في الأحكام، وبه قال أبو حنيفة.

(66/4)


وإنما قلنا: إن بيع اللبن في الضروع لا يجوز لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من النهي عن بيع المضامين، وهو اللبن مضموناً في غيره، وذكر أبو عبدالله البصري أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن بيع اللبن في الضرع، ولآن سبيله سبيل الولد في بطن أمه، لأنه مضمون خلقة.
وقلنا: إن بيع الولد في بطن أمه لا يجوز لنهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع المضامين، ولما روي من نهيه عن بيع الملاقيح، وعن بيع حبل الحبلة، فأما ما على ظهور الأنعام من الجلد والصوف والشعر والوبر فقلنا: لا يجوز بيعه لأنه لا يمكن استيفاؤه وتسليمه، فأشبه العضو من أعضائها.
فأما الحيتان في الآجام والأنهار فلا يجوز بيعها لوجهين:
أحدهما ـ أنها مباحة غير مملوكة لا يجوز بيعها مالم تملك.
والثاني ـ تعذر تسليمها فإن كانت اصطيدت وملكت، ثم أرسلت في ماء يمكن أن تؤخذ منه على غير وجه الصيد كأن يرسل في ماء يسير، فإن بيعها جائز نص عليه زيد بن علي. وقوله يحي لم يتناوله، لأنه ذكر ما كان منها في الآجام والأنهار.
وما روي من نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الغرر يتناول جميع ما ذكرناه.
بيع الناقة واستثناء مافي بطنها
مسألة:
قال: وإن باع ناقة واستثنى مافي بكنها، أو استثنى جلدها أو غير ذلك إذا كان عضواً معلوماً كان ذلك جائزاً، كل ذلك إذا كان المبيع قد ذبح قبل البيع تخريجاً، وهذا منصوص عليه في المنتخب.
وقلنا: تخريجاً لأن جواز ذلك إذا كان مذبوحاً لتنصيصه فيه على أنه لا يجوز بيع الجلد على الثور وهو قائم، فإذا لم يجز ذلك كان الأولى أن لا يجوز بيع اللحم، وهو قائم، والبائع إذا استثنى الجلد فكأنه باع ماسواه، فإذا لم يجز البيع في الأقل فالأولى أن لا يجوز في الأكثر.

(66/5)


والمراد بقولنا في هذه المسألة إن باع واستثنى مافي بطنها مقصور على ماسوى الولد من الرية والكرش ونحوهماا لتنصيصه في المنتخب على جواز بيع الناقة، وااستثناء ولدها، وهذه الجملة لا أحفظ فيها خلافاً لافي إجازة البيع في المذبوح، ولافي منعه في الحي.
أما وجه إجازة في المذبوح فهو أنه إذا ذبح لم يتعلق حكم بعض أعضائه ببعض فيجري مجرىشيئين منفصلين في أنه يجوز بيع أحدهما دون صاحبه، ويجري مجرى أشياء منفصلة في أنه يجوز بيعها مع استثناء بعضها.
وأما وجه منعه في الحي فهو أن أعضاء الحي لا يجوز أن تفرد بشيء من الأحكام لأن جملته في حكم الشيء الواحد، فلم يحز أن يستثني منه، لأن ذلك يقتضي افراده بالحكم، وذلك يتعذر.
على أن ماروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من نهيه عن بيع الغرر يتناول ذلك لأنه لا سبيل إلى تسليم المبيع دون المتثنى على وجه من الوجوه، ولا يلزم عليه الجزء الشائع في الجميع، لأن ذلك صحيح افراده بالبيع والهبة والإرث والإيجاز فكذلك التسليم.
مسألة:
فإن باعها واستثنى منها رطالاً معلومة كان البيع فاسداً، وإن باع واستثنى ربعاً وثلثاً، أو جزءاً معلوماً منه جاز البيع في الحي والمذبوح.
جميعه منصوص عليه في المنتخب، وهو أيضاً مما لا أحفظ فيه خلافاً.
وأما إذا باعها وااستثنى أرطالاً معلومة لم يدر مقدار البقي والبيع إنما تناوله دون المستثنى فلما اقتضى ذلك جهالة المبيع وجب أن يقتضي فساد البيع.
وأما ترى أن الوارث قد يرثه دون ما عداه، فكذلك يتأتى فيه الهبة والبيع والإجازة فوجب أن يصح استثناه.
ألا ترى أنه لو باع المستثنى منه منفرداً عن المستثنى لصح البيع فكذلك إذا باعها واستثنى جزأً شائعاً في جميعه.
مسألة:
قال: ولو باع ناقة حية واستثنى مافي بطنها من الولد كان البيع جائزاً، ووجب على المشتري للبائع رضعه إلى ثلاثة رضعات ترضعها الناقة فصيلها إذا نتجت.
وجميعه منصوص عليه في المنتخب.

(66/6)


أما ما ذهبنا إليه من إجازة بيع الناقة مع استثناء مافي بطنها من الولد فأكثر العلماء على خلافه أن البيع فيها يفسد.
ووجه قولنا: قول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ}، وعمومه يقتضي صحة البيوع أجمع إلا مامنع منه االدليل.
فإن قيل: لينا نسلم أنه بيع حتى يجب دخوله دخوله تحت العموم.
قيل له: لالتباس أن اسم البيع منطلق عليه من جهة اللغة، وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يتناوله العموم ولم يجب أن يراعى تسليم من يسلم أنه بيع أو امتناع من يمتنع منه وإنما يراعى ذلك في الأسماء الشرعية دون الأسماء اللغوية والبيع هو من أسماء اللغة فوجب بما بيناه صحة ما ذكرناه.
ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}، وهذه تجارة عن تراض فوجب أن يكون صحيحاً.
فإن قيل: نهيه عن بيع الغرر يقتضي فساد هذا البيع، وتخصيص ما اعتمدوه من العموم؟
قيل له: ذلك لا يتناول ما اختلفنا فيه، لأن الغرر إذا كان إنما يكون المستثنى فأما في المستثنى منه، وهو الذي تناوله البيع فلا يجوز فيه فوجب أن يكون صحيحاً، وألا يعترض هذا الخبر. ومما يدل على ذلك ما أجمعنا من ان الولد في بطن أمه يصح أن يفرد ببعض من الأحكام كالوصية والعتق لأنه لا خلاف أنه يجوز الوصية بمافي بطن الجارية دون الأم، فلما كان ذلك كذلك وجب أن يصح استثناؤه عن الأم دليله الأرض تباع وفيها الأشجار، لأن الأشجار كما يصح افرادها بالحكم صح استثناؤها عن بيع الأرض، ولم يجب به فساد العقد، وكذلك ما اختلفنا فيه.
يدل على صحة علتنا أن مالا يصح افرده بشيء من الأحكام كالعضو لم يصح استثناءه في البيع.

(66/7)


فإن قاسوه على العضو بعلة أنه لا يجوز إفراده بالبيع لم يصح، وذلك لأن إفراده بالبيع لم يصح لما فيه من الجهالة والغرر، ولا يصح أن يكون المستثنى في هذا الباب كالمبيع المستثنى منه لأن الجهالة والغرر إنما يفسدان البيع ماحصلا فيه فأما حصولهما في المستثنى فلا يوجب فساد المستثنى منه على ما بيناه.
فإن قيل: جاز ما ذكرتم في العتق والوصية لجواز ثبوتهما مع الأخطار والغرر؟
قلناا: لا يلزمنا لأنا لا نجوز بيع الولد في بطن أمه، وإنما جوزنا استثناءه، والإستثناء يثبت فيما لا يثبت فيه البيع.
فإن قيل: أليس عندكم من باع شيئاً واستثنى منه شيئاً مجهولاً يكون بيعه فاسداً فما الفرق بين ذلك وبين بيع الناقة واستثناء ولدها.
قيل له: لسنا نعتبر بكون المستثنى معلوماً أو مجهولاً، إنما اعتبرنا في فساد البيع بالإستثناء، أن لا يكون الإستثناء يوجب جهالة في المعقود عليه.
ألا ترى أن من باع مسلوخة واستثناء أرطالاً معلومة من اللحم يكون بيعه فاسداً، وإن كان المستثنى معلوماً لما كان مؤدياً إلى الجهالة في المبيع فثبت أن اعتبارنا في صحة العقد وفساده مع الإستثناء هو أن يكون المعقود عليه يصبر به مجهولاً، أو لا يصير مجهولاً فإذا كان ذلك كذلك وثبت أن استثناء الولد لا يوجب جهالة في الأم، لم يفسد بيعها على ما بيناه، وسقط الإلزام الذي ذكروه.

(66/8)


ووجه قولنا: إن على المشترى للبائع أن يمكن الناقة أن ترضع فصيلها رضعة إلى ثلاثة رضعات قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا ضرر وضرار في الإسلام)، ومن المعلوم أن الفصيل إن قطع عليه اللبا ولم يرضع منه شيئاً، فالأغلب أنه يتلف فعلى المشتري أن يمكن من ذلك أيضاً، ولا خلاف أن من خاف على نفسه التلف من الجوع فله أن يتناول من طعام غيره ويضمنه، ويجب على صاحب الطعام تمكينه منه فكذلك حال صحب الفصيل، لأنه إحياء نفس، والضي يجب فيه أن يضمن البائع للمشتري قيمة ذلك اللبن، وإن لم يكن منصوصاً، لأنه لا يصح استباحة ملك الغير بلا عوض عند خشية تلف نفس ابن آدم، فأولى أن لا يجيز ذلك عند خشية تلف الفصيل.
مسألة:
قال: ولا بأس ببيع الصوف على الجلد، وهذا منصوص عليه في الأحكام.
ويجب أن يكون المراد بذلك إذا كان الحيوان غير حي لتنصيصه في الأحكام أنه لا يجوز بيع ما على ظهور الأنعام الصوف والشعر والربر.
ووجه ما قناه فيما ليس بحي أنه إذا لم يكن حياً لم يتعلق حكم بعضه ببعض فيجري مجرى الشيئين المنفصلين في أنه يجوز بيع أحدهما دون الآخر، وإن كان بينهما اتصال.
ألا ترى أن جواز بيع أذرع من الثوب كجواز بيع أحد الثوبين دون الآخر، وليس كذلك إذا كان على الحي لأنه لا يمكن استيفاؤه كاملاً لما يلحق البهيمة من الضرر في ذلك، فإذا لم يكون أعني الجلد والصوف في حكم المنفصلين.
مسألة:
قال: ولا بأس أن يبيع الأرض ويستثني زرعها، والنخل ويستثني ثمرها، والشاة ويستثني لبنها، ولا باس أن يبيع الجارية ويعتق مافي بطنها.
جميع ذلك منصوص عليه في المنتخب.
فأما قول يحي: لا باس ببيع الأرض مع استثناء زرعها فيجب أن يكون محمولاً على أحد وجهين:
أحدهما ـ أن يقال فيه: إنه عبر بالزرع عن الغرس على سبيل التجوز.

(66/9)


والثاني ـ أن يكون فيمن باع أرضاً مع مافيها من الزرع، ثم استثنى شيئاً من جملة الزرع، لأن الأرض إذا أطلق بيعه لم يدخل الزرع، ودخلت الأشجار ذكر ذلك أبو العباس الحسني في االنصوص، وهو مما لا أحفظ فيه خلافاً فيه خلافاً فلا معنى لقول من قال: يجوز بيع الأرض واستثناء الزرع إلا على الوجهين الذين ذكرناهما، لأن الإستثناء إنماء يصح فيما لولاه لدخل في جملة المستثنى منه، وهذا مما لا خلاف فيه، وكذلك لا خلاف في جواز بيع النخيل واستثناء ثمرها إذا وقع العقد على وجه يقتضي اشتماله على الثمر.
فأما بيع الجارية واعتاق مافي بطنها من الولد فالكلام فيه هو الكلام في الذي تقدم في بيع الناقة واستثناء مافي بطنها من الولد فلا غرض في اعادته.
وبيع الشاة واستثناء لبنها مبني على هاتين المسألتين أعني بيع الناقة واستثناء مافي بطنها من الولد وبيع الدارية واعتاق مافي بطنها والكلام فيه نحو الكلام في المسألتين.
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع الكلب، قاال: وقال القاسم: إلا أن يكون كلباً ينتفع به في زرع أو ضرع أو صيد، قال القاسم عليه السلام لا بأس ببيع الهر.
نص يحي في الأحكام على تحريم ثمن الكلب، ونص القاسم في النيروسي على أن ثمن الكلب يحل إذا كان كلب صيد أو ماشية أو زرع، ورأينا أن نبني قول يحي على قول القاسم عليهما السلام، ثم تأملناه فضل التأمل فلم نجد في كلام يحي ما يقتضي ذلك فالأولى أن تكون المألة خلافاً بينهما.
فوجه ما يذهب إليه يجي عليه السلام من عدم جواز بيعه.
ما أخبرنا به أبو بكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا يونس، حدثنا سفينان، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي مسعود (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي، وحلوان الكاهن).

(66/10)


وأخبنا ابو بكر المقري، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا فهد، قال حدثنا أبوغسان، حدثنا زهير بن معاوية، حدثنا عبدالكريم الجزري، عن قيس بن حبيب، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( ثمن الكلب حرام).
وأخبرنا أبوبكر المقري، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا عمرو بن خالد، قال: حدثنا ابن لهيعة عن عبيدالله بن أبي جعفر أن صفوان بن سليم أخبره، عن نافع، ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ثمن الكلب وإن كان ضارياً.
فإن قيل: هذا كان في وقت أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتل الكلاب، ثم نسخ ذلك بأن أذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اقتناء كلب الماشية والزرع والصيد نسخ مارويتموه.
قيل له: الإذن إنما ورد في الإقتناء دون البيع، ولم يرد في شيء من الأخبار الإذن في البيع فكيف يدعى نسخ مارويناه، على أن ابن عمر روى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد، أو كلب ماشية، ثم روينا عنه صلى الله عليه وآله وسلم النهي، عن ثمن الكلب وإن كان ضارياً، فدل ذلك على أن النهي عن ثمن الكلب قائماً، وإن كان الكلب ضارياً مع إباحة إقتنائه، ودل ذلك على سقوط ما ادعوه من النسخ.
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع العذرة بيع العذر ولا الميتة ولا الخمر، وهذا مما لا خلاف فيه.
ويدل على ذلك قول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ}، وقوله: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ}، إلى قوله: {فَاجْتَنِبُوهُ}، والمنع والتحريم يتعلقان بالتصرف فيها، وهما عامان في جميع التصرف والبيع من جملة التصرف فوجب تحريمه والمنع منه.
وروى زيد بن على، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع العذرة والخمر).
مسألة:
قال القاسم عليه السلام: ولا يستحب بيع العصير والعنب ممن يتخذهما خمراً، فإن باعهما منه جاز البيع.

(66/11)


ووجه الكراهة انه عون له على الإثم والفعل الحرام، وقد قال الله تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.
ووجه جواز البيع أنهما مباحان يجوز الإنتفاع بهما فأشبه بيعهما ممن لا يتخذهما خمراً، وقد قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ}، وقال: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}، وهذه تجارة عن تراض.
فإن قيل: فهلا أبطلتموه لأنه عون على الإثم والعدوان؟
قيل له: ليس ذلك بعون على التحقيق، لأن المعين لا يكون معيناً إلا إذا قصد الإعانة ولهذا لا نقول: إن الله يعين على المعاصي وإن أقدر عليها، ومعنى قولنا: إنه عون على الأثم على التقريب والتشبيه بالعون من حيث كان تمكيناً منه لولا ذلك كان محرماً ولم يكن مكروهاً.
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع ما عقد عليه الإجارة دون انقضاء مدتها، فإن كان البائع مضطراً نقضت الإجارة وجاز البيع.
معنى قولنا: لا يجوز بيع ما عقدت عليه الإجارة أن بيعه لايتم إلا بتسليم المبيع، لأن تسليمه لا يصح لحق المستأجر.
يدل على ذلك أن المبيع لو تلف قبل التسليم تلف من مال البائع، فدل ذلك على أن ابيع لا يتم، وليس المعنى انه لا يصح لأنه إنما قال في المنتخب أن البائع إن كان موسراً كان الكراء على حاله، ولم يقل: إن البيع يبطل.
ووجه قولنا: إنه إن كان البائع مضطراً انتقضت الإجارة، وجاز البيع، ومعناه تم ونفذ وصح التسليم، لأن من مذهبنا أن الإجارة تنتقص للعذر على ما نبينه في كتاب الإجارة فإذا كان البيع للعذر انتقضت الإجارة فصح التسليم، لأن الذي منع من التسليم إنما كان حق المستأجر، فإذا انتقضت الإجارة وبطل حق المستأجر لم يكن هناك مانع من التسليم فصح التسليم، وتم البيع.

(66/12)


فأما إذا باعها لاعن ضرورة فالأقرب على مذهبنا ما روي عن أبي يوسف أنه يكون عيباً في المبيع، فإن رضي به المشتري صبر حتى تمضي مدة الإجارة، ويسلم وإن لم يرض به انفسخ البيع، وذلك إن تعذر التسليم فيه في الحال بيع العبد الآبق، لأن ذلك مما يتعذر تسليمه من غير توقيت فيجب أن يكون للمشتري الخيار في فسخه، وإن كان علمه حين اشترى ورضي به، والمستأجر يصح تسليمه بعد انقضاء مدة معلومة فتعذر التسليم إنما هو مدة معلومةفهو كالعيب، وفي الآبق لا حد لتعذر التسليم فكأنه ممنوع من تمام البيع، وحكي عن أبي حنيفة أنه ليس للمستأجر نقض البيع، ولكنه إن أجاز البيع كان في ذلك أبطال ما بقي من الإجارة.
قال أبوبكر الجصاص لا وجه لما حكي عن أبي حنيفة أولاً، وذلك أن حق المستأجر يتعلق باستيفاء المنافع، وهو يمكنه استيفاؤها مع بقاء البيع.
وقال أبوبكر: والصحيح ما رواه محمد، عن أبي حنيفة، وهذا غير بعيد، لأنه إذا أجاز البيع فقد أجاز إتمامه وتنفيذه وفي ذلك تسليم المبيع، وإذا رضي بتسليمه فقد رضي بإبطال حق المتفلق به من استيفائه منافعه. وشبهه بمن باع عبداً، فأبق قبل التسليم في أن المشتري إن شاء صبر حتى تنقضي المدة، وإن شاء فسخ الشراء، والأصح عندي ما حكيناه للفرق الذي بيناه.
بيع الصبرة
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً باع عدلاً على أن فيه مائة ثوب أو أقل أو أكثر فوجده المشتري على ما اشتراه كان ذلك جائزاً.
فإن وجده زائداً جاز أيضاً البيع ورد على البائع ما زاد من الثياب وسطاً.
وإن وجده ناقصاً كان البيع منتقضاً.
أما إذا وجده على ما اشتراه فلا خلاف في جواز بيعه.
وأما إذا وجده زايداً فعند أصحاب أبي حنيفة أن البيع يفسد، وحكي عن ابن سريج أنه إن زاد كان الخيار للبائع في تسليم جميعه بالثمن، وفسخ البيع، وإن نقص كان الخيار للمشتري في أن يرضى به بجميع الثمن، أو أن يفصخ البيع.

(66/13)


ووجه ما قلناه من صحة البيع في الزيادة أن الذين أفسدوه من أصحاب أبي حنيفة إنما أفسدوه للتفاوت االواقع فيه بدلالة أنه لا خلاف بيننا وبينهم في أن من باع صبرة على أن فيها مائة قفيز بر فوجدها تزيد قفيزاً واحداً أن البيع يصح في المائة، ويرد القفيز الزائد، وإذا كان ذلك كذلك كان يكون الوسط مزيلاً للتفاوت فوجب أن يصح البيع.
ألا ترى أن كل ما قصد فيه رفع التفاوت يقصد فيه إلى الوسط كمهر المثل، وزكاة الماشية أنه يؤخذ فيها الوسط، وما أشبه ذلك.
وإن شئت ذلك قياساً، فقلت: إن البيع تناوله، وصح رفع الزئد مع إزالة التفاوت فأشبه بيع القفزان.
وذكر أبو العباس وجهاً آخر لهذه المسألة، وهو أنه قال: متى وجب حمل بيعات المسلمين وعقودهم على الصحة ما أمكن وجب حمل هذا العقد على أنه باع من الجملة مائة جزء [من مائة جزء]، وجزء شائع، لأنه لو باع على هذا الوجه وصرح به لصح به لصح البيع بالإجماع فيجب حمل العقد على هذا الوجه.
ويجب أن يكون رد ما يرده على سبيل القسمة.
وليس لأصحاب أبي حنيفة أن ينكروا ذلك من حيث لم يتلفظ المتبايعان به لا خلاف بيننا وبينهم أن من باع سيفاً محلياً نفضه بنقرة زائدة على ما في السيف أن البيع يصح ويحمل على أنه باع نقرة بنقرة مثلاً بمثل يداً بيد، وإن الزائد من النقرة باع الحديد به، وإن لم يكن البائعان تلفظا به من حيث صح صرف العقد إلى ذلك فكذلك ما اختلفنا في، ويؤكد ذلك بالظواهر لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، وقوله: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}، وقوله: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ}.

(66/14)


فأما ما حكي عن ابن سريج أن البائع مخير بين تسليم الجميع بالثمن، وبين فسخ البيع فلا معنى له، لأن العقد لم يتناول الجميع فكيف يحكم بالتسليم بحق العقد، وليس الزائد مما يصح أن يقال: إنه يدخل في العقد على سبيل التبع كالزوائد التي تحصل من المبيع، أو ماله من الحقوق.
فأما إذا نقص فيجب أن يفسد البيع، لأنه بيع ما ليس عنده الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنه وصار ما تناوله العقد مفقوداً فأشب أن يبيع ثوباً ليس بموجود العين فوجب فساده، ولا معنى لما حكي عن ابن سريج من تثبيت الخيار للشتري لأن ما انطوى عليه العقد ليس بحاصل. والتخثيير يصح بعد حصول ما ينطوي عليه العقد.
مسألة:
قال: ولا بأس ببيع الشيء عدداً كل قدر منه بثمن معلوم، وكذلك إذا اشترى ذلك في ظرف، وقد عرف وزنه وطرح قدره كان ذلك جائزاً، وكان أبو حنيفة يقول فيمن اشترى صبرة من طعام على أن كل قفيز بدرهم: إن البيع يصح في قفيز واحد منها.
وقال أبو يوسف ومحمد، إذ العدد في هذا الباب كالكيل في المكيل.
ووجه صحة ذلك أن المبيع مما يجب صحة بيعه، وليس فيه إلا كون جملة الثمن غير معلومة، وهي تصير معلومة بالعدد في المعدود والكيل في المكيل فيجب أن يكون البيع صحيحاً.
دليله بيع التولية وبيع المرابحة. ألا ترى أن من قال: بعتك هذه السلعة برأس المال، أو بربح عشرة يصح بيعه، وإن كان حين وقوع البيع جملة الثمن غير معلومة لأنها تصير في الحال الثانية معلومة فكذلك ما اختلفنا فيه.
وأما بيع الموزون في الظرف بوزن معلوم فيجب أن يصح إذا كان وزن الظرف معلوماً وطرح مقداره، لأنه البيع يكون وزنه معلوماً في أن وزن المبيع يكون معلوماً، لأنه لا فصل بين أن يكون شيء مائة وزن، وبين أن يوزن من غيره مائة وعشرة إذا كان ذلك الغير قد علم وزنه عشرة.
بيع العرصة مع الجدار والسقوف مذارعة
مسألة:

(66/15)


قال: ولا بأس ببيع العرصة مع الجدار الميحيط بها مذارعة. فأما السقوف فلا يجوز بيعها مذارعة.
نص في المنتخب على هذا فقال: إذا اشترى رجل عرصة لدار مع الجدار المحيط به كل ذراع بشيء معروف صح الشراء ووجهه ماا قدمناه في شراء الشيء عدداً كل قدر منه بثمن معلوم، ولأن هذا أيضاً يصح شراؤه، وذالك ليس فيه إلا جهالة القدر، وهي تصير معلومة بالذرع فوجب أن يصح.
قال أبو العباس الحني: فإن قال: بعتك على أنها كذا وكذا ذراعاً، كل ذراع بكذا، صح فإن وجدها زائداً كان عليه قسط الزائد من الثمن، وإن نقص بطل، وكأنه رحمه الله شبهه بما نص عليه في المنتخب في شراء الثيابت في العدل كل ثوب بكذا في باب الصحة والبطلان، وليس ذلك ببعيد.
وفصل بينه وبين شراء الثوب في أنه ألزمه ثمن ما زاد، ولم يودب تركه على البائع كما يوجب في الثياب، لأنه علق البيع على الذرعان، وفي الثياب علق البيع على مائة ثوب في العدل، لأنه لو أمر برد الذراع الواحد ربما لم ينفع، فليس كذلك الثوب الواحد فإنه ينتفع به، والله أعلم.
قال أبو العباس الحسني رضي الله عنه: فإن باعه الدار على أنها مائة ذراع فوجدها زائدة وجب البيع، ولم يلزم المشتري شيء للزيادة، قال: كأنه اشترى عبداً على أنه أعور فوجده سليماً، لا شيء على المشتري بسلامة العين الأخرى.
ونص في المنتخب على فساد بيع اسقوف مذراعة، وعلل ذلك بالتفاوت بين الخشبات في الجودة والرداءة، القلة والكثرة والحسن والقبح، وليس كذلك بيع العرصة والجدار فليس فيهما من التقاوت ماهو في السقوف.
قول الرجل لصاحبه بع مني هذا بمثل ما تبيع للناس
مسألة:

(66/16)


قال: ولو أن رجلاً اشترى من رجل متاعاً، فقال أخذته منك بمثل ما تبيع للناس كان البيع صحيحاً إن كان صاحب المتاع باع صدراً منه بثمن معلوم على سعر واحد، ولم يكن السعر تغير، فإن كان البائع لم يبف منه شيئاً كان البيع فاسداً لأنه غرر، ولو كان باعه بأسعار مختلفة كان أيضاً فاسداً تخريجاً نص في المنتخب على فساد هذا البيع إذا لم يكن باع منه شيئاً.
وعلل فساده بأن قال: إذا لم يكن باع منه شيئاً يكون الثمن مجهولاً، ونص على صحته إذا علم الثمن بما تقدم من البيع.
وقلنا: تخريجاً إن كان باعه بأسعار مختلفة: يفسد البيع لأن الثمن يعود مجهولاً.
ووجه صحة البيع أن لفظة المستقبل استعملت فيمن كان في الفعل إذا كانت الأفعال كثيرة، وإن كان مضى منها فعل فيقال فلان يصلي، وفلان يزرع، وفلان يخيط، فيكون ذلك مصروفاً إلى الماضي والمستقبل، وإن كان قد مضى كثير منه فيحمل قوله بما يبيع الناس على هذا الوجه، وكان مصروفاً إلى ما مضى لأن عقود المسلمين محمولة على الصحة ما أمكن، وليس يمكن حمل هذا العقد على الصحة إلا على هذا الوجه الذي قلناه، ولا يجوز أن يكون ذلك مصروفاً إلى ما يبيع على الإستقبال، لأن الثمن يكون مجهولاً، ولأنه يؤدي إلى الغرر.

(66/17)


بيع السهام الموروثة غير المسماة
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً ورث سهاماً من ضيعة أو حوانيت فباعها من غير قسمة ـ تسمية نخ ـ السههام كان البيع جائزاً إذا كانت السهام معلومة، فإن لم تكن معلومة فسد البيع، وذلك أن ذكر السهام ثجب ليكون نصيبه الذي يتناوله البيع معلوماً، فإذا كان ذلك معلوماً صح أن يقول: بعت نصيبي الذي ورثته من فلان، لأنه إذا كان ورث الثلث أو النصف أو ما دونهما أو فوقهما، وكان ذلك معلوماً للبائع والشتري فلا فرق بين أن يذكر في البيع النصيب بالسهام، وبين أن يقول: نسيبي الذي ورثته فلما لم يكن بين العبارتين فرق صح البيع بإحدى العبارتين ويجب أن يصح بالأخرى إذا كانت السهام معلومة.
أما إذا لم تكن السهام معلومة لواحد منهما فوجب أن يفسد لأن البيع يكون مجهولاً لأحدهما أولهما، وذلك مفسد للبيع.
بيع المعاطاة
مسألة:
ولو أن رجلاً أخذ من رجل طعاماً أو غيره بكيل أو وزن أو عدد لم يكن ذلك بيعاً.
فإن أخذه بدراهم معلومة كان ذلك بيعاً، ولا فرق بين أن يأخذ ذلك دفعه أو دفعتين في المسألتين جميعاً.
كان القياس أن لا يكون بيعاً لأنه لم يحصل فيه إيجاب وقبول والعقود من البيوع وغيرها لا تصح إلا بالقبول والإيجاب بألفاظ موضوعة لذلك. إلا أن أصحابنا أجازوا ذلك في انشاء المحقرات كالمأكول ونحوه لما جرت العادة بين المسلمين، وظهر تعاملهم به على السلف والخلف، وهو المحكي عن أصحاب أبي حنيفة، وذلك مما أجمع عليه المسلمون.
على أن الهدايا لا تحتاج إلى لفظ القبول والإيجاب، وكذلك أجمعوا على التسمح في دخول الحمام وإن لم يكن هناك موافقة على مقدار الأجرة لما ظهر من تعامل المسلمين به فكذلك ما ذكرناه للعلة التي بناها.
المخالفة في المأمور به
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً قال للبقال: لت لي هذا السويق بأوقية دهن فلته بأوقيتين لم يجب عليه إلا ثمن أوقية، وكان في الثانية متبرعاً.

(67/1)


وإن كان قال: لته، ولم يسم الأواقي وجب عليه قيمة ما يلته به إلا أن يتجاوز في ذلك حتى يفسد السويق، فإنه يضمن السويق لصاحبه.
قلنا: إنه في الثانية متبرع لأنه صب عليه من الدهن مالم يأمره به صاحبه فيجري مجرى أن يصب عليه ابتداء في أنه لا يستحق به شيئاً، لأنه متبرع وحكمه في الثانية حكم الإبتداء، لأن صاحب السويق أمره بالأوقية الأولى فقط.
وقلنا: إنه إذا قال: لته، ولم يسم الأواقي فعليه قيمة جميع ما يصب عليه من الدهن لأنه أذن له بلفظ عام فهو يتناول جميع ما يصبه عليه مالم يفرط حتى يفسده، فلذلك أوجبنا قيمة الجميع، لأنه إذا أفسد السويق بكثرة الدهن ضمنه لصاحبه، لأنه أفسد ملك غيره بغير إذنه فيجب أن يضمنه.
الإقالة مع الحط من الثمن
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً اشترى من رجل سلعة ثم كرهها واستقال البائع فأبى أن يقيله إلا أن يحط من الثمن شيئاً لم يجز ذلك لأن الإقالة لا تكون إلا بالثمن كله.
فإن ترك المستقيل شيئاً من الثمن من غير أن يشترطه المقيل جاز ذلك.
نص على ذلك في الأحكام والمنتخب جميعاً.
ووجهه أن الإقالة عنده بيع مستأنف، وهي جارية مجرى التولية في أنها عقد بجميع الثمن فإذا قال: أقلتك هذه السلعة على أن تحطني كذا وكذا كان ذلك فاسداً، لأنه يجري مجرى أن تقول بعتك هذه االسلعة بعشرة على أن تحطني درهمين فيفسد االبيع لجهالة الثمن، لأنه لا يجوز أن يكون الثمن عشرة لأن المشتري لم يرض، ولا أن يكون ثمانية لأن العقد لم ينعقد عليها.
وكذلك إذا قال أقلتك والثمن عشرة كأنه قال: اشتريت منك بعشرة على أن تحطني درهمين، فوجب فساد الإقالة لأن ما تقع الإقالة به، وهو الثمن يصير في حكم المجهول.
وقلنا: إن المستقيل إذا ترك شيئاً تبرعاً صح ذلك لأن ذلك لم يعترض العقد فوجب أن تصح الإقالة.
شراء البائع ممن باعه نسأ
مسألة:

(67/2)


قال: وإذا باع شيئاً نظرة لم يجز أن يبتاعه من المشتري بأقل من ثمنه إلا أن تكون السلعة قد نقصت قيمتها فإنه لا بأس به نص عليه في الأحكام والمنتخب جميعاً.
والأصل فيه ما روي أن امرأة سألت عائشة فقالت: إني بعت من زيد بن أرقم خادماً بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته بستمائة درهم. فقاالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أبلقي زيد بن أارقم أن الله قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لم يتب، فدل هذا الخبر من وجهين على أنها قالت ماقالته عن نص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
أحدهما ـ أن الوعيد لا يلزم الصحابي إذا خالف الصحابي فيما طريقه الإجتهاد، ولم يكن طريقه مخالقة نخ، للنص فلما ألزمته الوعيد دل ذلك على أن زيداً خالف النص.
والثاني ـ أن مقادير أجزاء الثوب والعقاب لا يمكن العلم بها إلا من طريق النص.
وقولها: إن الله عز وجل قد أبطل جهاده ـ يدل على أن أجزاء العقاب على الفعل كانت أكثر من أجزاء ثوبه، وهذا لا بد من أن يكون طريقه النص.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الوعيد منصرفاً إلى البيع إلى العطاء.
قيل له: ظاهر كلامها أن الوعيد منصرف إلى الأمرين لأنها قالت: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت على أن البيع إلى العطاء مما اختلف فيه الصحابة، وظاهر كلام عائشة يدل على أنها إجازته لأنه لو لم يجز لكان البيع الثاني فسخاً له.
فإن قيل: فما السبب الذي من أجله أنكرت البيع الأول؟
قيل له: يحتمل أن تكون علمت أن البيع الأول أوقعاه ليتوصلا به إلى البيع الثاني المحظور.
ومن أصحابنا من قال: أنكرت البيع الأول لأنه انطوى على الزيادة، وهذا عند يحي بن الحسين جنس من الربا على ما مضى القول فيه.
فإن قيل: إنكم أبطلتم فعل زيد لقول عائشة وادعيتم أنها قالت ما قالت على النص فما تنكرون على من قال لكم: نحن نبطل قول عائشة بفعل زيد، وندعي أنه فعل ما فعل عن النص؟

(67/3)


قيل له: ليس في فعل زيد ما يدل على النص لأن الفعل قد يقع باجتهاد المجتهد، وقول عائشة: <إن الله قد أبطل جهاده>، لا يجوز أن يكون إلا عن النص، لأن ذلك لا طلايق إلى معرفته إلا من جهة النص.
فإن قيل: القياس سشهد لنا، لأن له أن يبيعه من بائعه بأكثر من ثمنه، وبمثل ثمنه، ويدوز له أن يبيعه من غيره بأقل من ثمنه فوجب أن يجوز بيعه منه بأقل من ثمنه؟
قيل له: لا يمتنح أن القياس ما ذهبتم إليه لكن النص يدل على خلافه على ما بيناه فوجب أن يسقط القياس.
على أنه لاخلاف أن القرض الذي يجر المنفعة لا يحل بل يحرم فكذلك ما اختلفنا في والعلة أنه يثمر الربا.
ويدل على صحة هذا التعليل أن التي سألت عائشة قالت: أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فقالت: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف)، فأجرته مجرى الربا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه مثل قولنا، وخالف الشافعي فقال بجوازه.
وقلنا: إلا أن تكون نقصت قيمتها، فإنه لا بأس بذلك ووجهه زوال التهمة، ولأن الخبر ورد في فعل فما يمكن ادعاء العموم فيه، ويجوز أن تكون أنكرت لكون المبيع على ما كان عليه في باب التقويم و إذا احتمل ذلك، رجعنا إلى القياس والظواهر المجيزة للبيع، لأنا كنا عدلنا عن ذلك للنص ولا نعلم ورود النص مع نقصان القيمة.
ذكر اشتمال البيع على شيء لا يصح بيعه
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً ااشترى عبدين صفقة فوجد أحدهما حراً، أو مكاتباً و مدبراً كن البيع فاسداً، فإن تميزت الأثمان صح البيع فيمن جاز بيعه دون من لم يجز.

(67/4)


وكذلك القول فيمن اشترى شاتين مذبوحتين فوجد أحداهما ذبيحة من لا يجوز أكل ذبيحته أو ميتة. في المسألتين قال أبو حنيفة كقولنا، وللشافعي قولان أحدهما ـ مثل قولنا، والثاني ـ أن البيع يصح فيما يجوز بيعه، وللمشتري الخيار بين أخذه بجميع الثمن، وبين رده، وأجرى ذلك مجرى العيب، وحكي قول ثالث ـ أنه يأخذه بقسطه من الثمن، وذلك لا يصح عندنا في هذه المسألة، وإنما يصح إذا باع عبدين أحدهما له والآخر لغيره بغير اذن صاحبه.
ووجه قولنا في هذه المسألة أن البيع وقع فاسداً لانطوائه على مالا يصح بيعه من الحر والميتة فأشبه البيع المنطوي على خيار مجهول المدة أو أجل بثمن مجهول في أنه لما انطوى على مالا يصح وجب فساده، فكذلك ما اختلفنا فيه، ولا يلازم على المسألة أن يبيع ملكه وملك غيره، لأن هذا البيع لم ينطوي على فساد لأنه عقد موقوف، ومتى أجازه المالك صح واستقر، ولا يلزم عليه أن يتزوج امرأتين في عقد واحد فوجدت أحدهما ذات رحم محرم، لأن انطواء عقد النكاح على الفساد لا يفسد ما صح منه ألا ترى أن النكاح على الخمر والخنزير يصح وإن فسد المهر وكذلك انطواؤه على الشروط الفاسدة لا يفسد كما يفسد البيع انطواؤه على الشروط الفاسدة.
وأيضاً يجب فساده لوجه آخر، وهو جهالة الثمن لأن تقسيط الثمن على قيمته لا يصح إذا كان ضامه في العقد مما لا يصح بيعه فلا يصح تقويمه كما يصح ذلك في العبدين إذا كان أحدهما ملكا لغيره.
فإن قيل: فهبكم قلتم ذلك في الحر والميتة فلم قلتم في المدبر والمكاتب، وقد قلتم إن من تزوج على مدبر أو مكاتب أو أم ولد قوم وجعل المهر قيمته؟

(67/5)


قيل له: هذا التقويم ليس بصحيح بل هو على التقدير لأن مالا يصح بيعه لا يصح تقويمه لكنا لما وجدناه أقرب من مهر المثل عدلنا إليه، والنكاح يحتمل من الحهالة مالا يحتمل البيع، فلذلك فلنا ذلك في النكاح، ومنعناه في البيع، وهذا يبطل ماقاله الشافعي من تقسيط الثمن إذاا كان ما ضامه ممالا يصح بيعه. فأما إذا كان مما يصح بيعه بإجازة مالكه فبه نقول.
وقول الشافعي: إنه يخير بين أخذه بجميع الثمن لا يصح للوجهين الذين بيناهما، لأن التخيير يكون في العقد الصحيح أو الموقوف، فأما العقد الفاسد فلا يصح التخيير فيه، لأنه لا يصح التخيير في العقود المنطوية على الشروط المجهولة والغرر، وقد بينا فساد العقد بالوجهين اللذين قدمناهما فلا معنى للتخيير.
فإن قيل: ألستم تجوزن البيع برأس المال، وإن لم يكن الثمن معلوماً في الحال للمشتري، وكذلك تجوزون بيع الشيء عدداً كل قدر من بكذا، وإن تكن جملة الثمن معلومة فما أنكرتم أن تكون جهالة الثمن لا يوجب فساد هذا العقد.
قيل له: ما أجزنا أجزناه لأن الثمن يصير في الثاني معلوماً، ونظيره ما نجيزه إذا باع ملكه مع ملك غيره، لأن ثمن ملكه يصير معلوماً في الحالة الثانية وإذا باع ما يجوز بيعه ومالا يجوز بيعه فلا سبيل إلى أن يصير الثمن معلوماً، لأنه يصير معلوماً بتقسيط الثمن على قيمته، وقيمة ما ضامه فإذا كاان ما ضامه لا قيمة له لم يصح التقسيط، ولم يصر الثمن معلوماً على وجه من الوجوه.

(67/6)


وقلنا: إن الأثمان إذا تميزت صح البيع فيما يجوز بيعه، وذلك أنه يكون بمنزلة الصفقتين المتميزتين فلا يكون منططوياً على الفساد أعنى صفقة ما يملكه، لأنه إنما قال بعتك هذين العبدين هذا بألف وهذا بخمسمائة، على أنه إذا احتمل أن يحمل على وجه يصح بأن يجعل في حكم الصفقتين، وأمكن أن يجعل في حكم صفقة فيفسده فالأولى أن يحمل على وجه الصحة كسائر ما مضى في نظائره، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: و فاسد بمنزلة لو لم تميز االأثمان.
ولا يكون الثمن أيضاً مجهولاً لأن ثمن ما جاز بيعه معلوم فلم يكن فيه واحد من الوجهين الذين أبطلنا ما أبطلناه بهما فوجب صحته.
فإن قيل: ما أنكرتم أن تكون الصفقة واحدة وإن تميزت الأثمان؟
قيل له: معنى قولنا: هما صفقتان أن كل واحد منهما منفرد بحكمه فأما ما يعرض في أحدهما من الفساد أو الصحة لا يشاركه فيه صاحبه، وهذا حاصل فيما قلناه؟
فإن قيل: ألستم تبطلون عقد من تزوج خمساً في عقدة، وإن تميزت المهور فما أنكرتم من فساد ما أجزتم في البيع؟
قيل له: لأن الخمس مشتركات في الفساد لأن نكاح الخمس لا يصح، وليست واحدة منهن إلا وهي كصاحبتها في أنها من جملة الخمس فوجب فساد نكاحهن، وليس كذلك البيع لأن أحد المبيعين لم يشارك المبيع الثاني فيما أوجب بطلان بيعه بل نظيره أن يتزوج امرأتين في عقد فيجد أحداهماا ذات رحم محرم.
ذكر بيع المشترك من الشريك وغيره
مسألة:
قال: وإذا اشترك حماعة في حمل أَدَمٍ، أو بيت طعام لم يجز لبعضهم أن يبيع حصته من غير شركائه من قبل التقليب ولارؤية، ويكره بيعها من شركائه، فإن كاان قد رآها لم يكن بأس ببيعها من غير شركائه قبل القسمة.
فأما بعد القسمة فالشريك وغيره فيها سواء.

(67/7)


هذه المسألة مبنية على أن الشركاء لا يعلم كل واحد منهم نصيبه من الأدم أو الطعاام، وذلك بأن يكون لك واحد منهم دفع دراهم معلومة إلى رجل يشتري له بها أدماً أو طعاماً على سبيل التوكيل، ولم يعلم كل واحد مقدار ما دفع صاحبه، وأذنواا للوكيل في الخلط فاشترى لهم بيت طعام، أو حمل أدم، أو يكونوا قد نسوا مالكل واحد منهم فعلى هذا لا يجوز بيعه نصيبه من الأجنبي، ولا من شركائه، لأنه لا يعلم ما الذي يبيعه، ولا يعلم المشتري ما الذي يشتريه.
وقوله: ويكره بيعه من شركائه هو على المنع لا على أن غيرهم أولى منهم، وعلى هذا لا فضل بين الأجنبي وبين الشركاء، وإن ذكر في الأجنبي بطلان البيع، وفي الشراكاء كراهة البيع لأنهما من طريق المعنى واحد.
قإن عرفوا حصصهم وهو الذي أراده بالتقليب والرؤية فله أن يبيع من شركائه، وهذا مالا اشكال فيه.
وقوله: يكره بيعها من غير شركائه، فالمراد به الكراهة التي هي ضد الإستحباب.
ووجهه أنه يوجب الشفعة في العروض، وما جرى مجراها فيكره ذلك لحق الشفعة.
ولما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا يصلح للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه)، يعني لحق الشفعة.
وأما الحال بعد القسمة فلا إشكال فيه.
بيع الحاضر للباد
مسألة:
قال: ولا بأس أن يبيع الحاضر للباد.
ووجهه أن توكيل البدوي للحضري يجوز في النكاح والطلاق والخصومة، وفي كل ما صح توكيله فيه من ليس بحضري، ويجوز للحضري قبول وكالته فيها والتصرف عنه فوجب أن يكون البيع كذلك سواء كان المبيع طعاماً أو غيره.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ( لا يبيعن حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)؟

(67/8)


قيل له: المراد بذلك حيث فيه ضرر على المسلمين، فقد روي أن أهل البادية كانوا يردون المدينة فيبيعون الطعام على ضرب من التساهل كان فيه رفق للمسلمين والضعفاء، وكان الحضري إذا تولى ذلك يتشدد فيه فنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، ومتى كان الحال هذه فنحن نكرهه ونمنع منه للضرر فيه على المسلمين فقد قال في الأحكام: إن كان كذلك نظر فيه الإمام، وهذا كالإحتكار الذي منع منه مع الضرر، ولا يمنع إذا لم يكن ضرر، ونخص الحال التي لا ضرر فيها بالقياس الذي قدمناه.

(67/9)


استقبال الجلوبة خارج المصر
مسألة:
قال: ويكره استقبال الجلوبة خارج المصر.
ووجهه ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن استقبال الجلوبة خارج المصر رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (نهانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تلقي الركبان).
وعن عكرمه، عن ابن عباس قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تستقبلوا السوق).
وعن ابن عمر قال: (نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تلقي السلع حتى تدخل الأسواق).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تستقبلوا الجلب ولا يبيعن حاضر لباد).
وأيضاً قد علمنا أن ذلك يضر المسلمين لأن العدة جارية أنه متى فعل ذلك عز الطعام وغلا وارتفع سعره، وأدى إلى الإضرار بالمسلمين، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)، فجرى ذلك خجرى الإحتكار الذي منع منه لما فيه من الضرر على المسلمين.
فإن علم أنه يسلم من الضرر فالقياس فيه أنه يجوز كالإحتكار وبيع الحاضر للباد إلا أن الأغلب أ،ه لا يكاد يسلم من الضرر.
الحلف في البيع والشراء
مسألة:
ويكره اليمين على البيع والشراء وإن كانت صادقة.
وذلك لما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اليمين تنفق السلعة وتمحق البركة)، لأن ذلك خلاف التعظيم لأسماء الله، لأنه إذا حلف الإنسان من غير حاجة إليه فكأنه لم يوف أسماءه عز وجل حق تعظيمها، ولأنه إذا استكثر منها لم يأمن أن يقع فها الحنث، وهو مما يعظم الإثم فيه.
القول في الإحتكار
مسألة:
قال: ولا يجوز االإحتكار إذا كان على المسلمين فيه إضرار، فإن لم يكن جاز.
اعتبر يحي عليه السرم في الأحكام المنع من الإحتكار بأن يكون فيه ضرر على المسلمين، وروي نحوه عن جده، وري غيره أنه لا بأس به إذا لم يكن فيه ضرر.

(68/1)


واستثنى يحي ما يحتاج الإنسان إليه لقوته وقوت عياله.
إلى نحو ما ذهبنا غليه أشار ابن أبي هريرة فيما حكاه عن االضافعي.
واعتبر أبو حنيفة وأصحابه في الحكرة على ما حكاه أبوالحسن الكرخي أن يشتريه الإنسان في المصر، ويمتنع من البيع، وذلك مما يضر الناس، وإن لم يضر فلا بأس به.
قال أبوالحسن: رواه ابن سماعة، عن أبي يوسف الإحتكار في كل ما يضر بالعامة احتكاره، وهذا قولنا.
والأصل فيه ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواه عنه ابن عمر: (من إحتكر طعاماً أربعين يوماً فقد برئ من الله عز وجل وبرئ منه).
وعن أبي أمامة قاال:(نهى روسل الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحتكر االطعام).
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (جالب الطعام مرزوق والمحتكر عاص ملعون)، وهو لا يجوز أن يكون قاله غلا بنص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه قال: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون.
وروى محمد بن منصور وأبو الحسن الكرخي بإسنادهما، عن علي عليه السلام أنه أحرق طعاماً لرجل كاان إحتكره.
فدل ذلك أجمع على تحريم االإحتكار.
فأما ما ذهبن إليه أبو حنيفة وأصحابه من أنه لا بأس به إذ لم يكن اشتراه في المصر فلا معنى له، لأن العلة فيه هو دفع الضرر عن المسلمين بالحبس عنهم ماهو أقوات لهم، ولا تأثير في ذلك للوجه الذي منه صار الطعام محتكراً، ولأن الأخبار الواردة في هذا الباب لم تفصل في ذلك فصلاً.
فإن قيل: فإذا لم يكن اشتراه في المصر فلم يفعل ما يضرهم؟
قيل له: إذا اشتراه من خارج وحبسه فقد فعل ذلك لأن الضرر على حد واحد سواء اشتراه في المصر أو خارج المصر والأخذ له من ضيعة قد أضر بهم في ترك بيعه عليهم فالضرر حاصل، ولا فصل بين أن يحصل شراؤه من المصر أو غيره في أهنه يؤمر بالبيع، لأن دفع الضرر واحد سواء كان الضرر بأن يفعل ماهو ضرر أو يدعف فعلاً هو ضرر.

(68/2)


فأما جوازه إذا لم يكن ضرر على المسلمين فلا أحفظ فيه خلافاً، ولا وجه للمنع منه، إذ وجهه دفع الضرر، وقد قال يوسف صلى الله عليه: ( تزرعون سبع سنين دأبااً فما حصدتم فذروه في سنبله)، فأمر بالإدخار إذا لم يكن فيه ضرر.
وأما استثناء يحي عليه السلام الذي يحتاج إليه لنفسه وعياله، فلأن الإنسان يلزمه دفع الضرر عن نفسه وعن عياله فلا وجه أن يؤمر بمضاره عياله دفعاً للضرر عن غيره، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أبدأ بمن تعول)، وقال يوسف عليه السلام: (ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون)، فأخبر عن إخصان الطعام للمجاعة ولم ينكره.
ولم ينص يحي عليه السلام على المدة التي يدخر فيها قوته وقوت عياله والأقرب إلى نحو سنة، أو أدراك الغلة الممنتظرة إن لحق الجدب في بعض السنة فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يدخر قوت عياله لسنة.
بيع السكران
مسألة:
قال القاسم عليه السلام في بيع السكران وشرائه: جائز إذا كان يعقلهما، وهو كما قال: لأن البائع من صحة عقوده ثبات عقله، فإن كان يعقل لم يؤثر في ذلك تغير بعض أحواله في صحة عقوده إذا كان يعقل.

(68/3)


القول في تلف المبيع قبل القبض
مسألة:
وإذا اشترى رجل شيئاً ثم تلف عند بائعه قبل التسليم فإنه من مال البائع، وهذا لا أحفظ فيه خلافاً إلا ماحكي عن مالك أنه قالك يضمن البائع قيمته.
ويحجه ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن بعت من أخيك ثمراً ثم أصابه جائحة فلا تأخذ منه شيئاً، ولأنا لو ألزمنا البائع قيمة السلعة كان ذلك استحقاقاً يختص عقد البيع، وذلك يوجب أن يكون القيمة مبيعة، لأن الإستحقاق المختص بعقد يوجب كون المستحق مبيعاً، ولا يجومز بيع قيمة في الذمة.
وحكي عنه أنه فرق بين الطعام وغيره لو كانت مبيعة لكان ذلك والقومة يدخل في الربا، لأن القيمة قد تزيد على الثمن، وقد تنقص منه، لأن البيع بينهما لم يتم لأن التسليم هو من شرط اتمام البيع، فإذا لم يقع التسليم لم يتم البيع، فإذا تلف والبيع غير تام في يد البائع فيجب أن يكون تعيين ماله، لأن ملكه عنه لم يزل. وكذلك يده لم تزل عنه.
قال: فإن كان تسلمه من البائع ثم تركه رهناً فتلف فهو من مال المشتري، وذلك أن القبض إذا حصل تم البيع واستقر ملك المشتري وزال ملك البائع، فإذا رهنه عند البائع كان ذلك وسائر الرهون سواء.
قال: وإن وضعاه على يدي عدل إلى أن يأتي المشتري بالثمن فتلف فهو من مال البائع، وذلك أن الباضع لم يسلمه إذ وضعه على يدي عدل لأنه لا يكون خلى بينه وبين المشتري، فلا يكون البيع قد تم كما بينااه في المسألة الأولى.
مسألة:
وإن وكل المشتري البائع يقبضه من يفسه له فقاال: اعزله أو كله إن كان مكيلاً أو نحو ذلك ففعل البائع، ثم تلف كان من مال المشتري.
هذا مبني على أن قبض البائع من نفسه يصح.
ووجهه: أنه ليس بين القابض والمقبض خصومة، فوجب أن يصح قبض االإنسان من نفسه كما أنه لو لم يكن بين المزوج والزوج خصومة جاز أن يزوج الإنسان الحرمة من نفسه. وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون ما تلف من مال المشتري.
باب القول في بيع الأجناس بعضها ببعض

(69/1)


إذا اتفق الشيئان في الجنس والكيل لم يجز بيع أحدهما بصاحبه إلا مثلاً بمثل يداً بيد، فإن اختلفا في الجنس واتفقا في الكيل جاز التفاضل ويحرم النسأ، وإن اختلفا قيهما جميعاً جاز التفاضل والنسأ.
والقول في الوزن كالقول في الكيل سواء خلا الذهب والفضة فإنه يجوز أن يشتري بهما الموزون معجلاًومؤجلاً غير الذهب بالفضة والفضة بالذهب فإنه يجوز بيع أحدهما بالأخر متفاضلاً إذا كان يداً بيد وأما إذا كان مؤجلاً فإنه لا يجوز مؤجلاً.
والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طرق شتى وألفاظ مختلفة: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل يداً بيد، والفضة بالفضة مثلاً بمثل يداً بيد، والبر بالبر مثلاً بمثل يداً بيد، والشعير بالشعير مثلاً بمثل يداً بيد، والتمر بالتمر مثلاً بمثل يداً بيد، والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد)، رواه عبادة بن الصامت وغيره، وفي بعض الألفاظ: (والفضل ربا)، وفي بعضها: (فمن زاد فقد أربى)، وفي بعضها: (هاوها)، وفي بعض الأخبار: (فإذا اختلف الجنس فبيعوا كيف شئتم يداً بيد)، وفي بعضها: (قبيعوا الحنطة بالشعير كيف شئتم يداً بيد).
وروى زيد بن علي عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (أهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تمر فلم يرد منه شيئاً قال لبلال: دونك هذا التمر حتى أسألك عنه فانطلق بلال فأعطى التمر مثلين وأخذ مثلاً فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: آتنا خبئتنا التي استخبأناك فأخبره بالذي صنع فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحرام الذي لا يصلح انطلق فاردده على صاحبه وأمره أن لا يبيع هكذا، ولا يبتاع ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، والر بالبر مثلاً بمثل، والشعير بالشعير مثلاً بمثل، والذرة بالذرة مثلاً بمثلا، زاد في المجموع يداً بيد، فمن زاد أو ازدااد فقد أربى).

(69/2)


فدلت هذه الأخبار على تحريم التفاضل والنسأ بين هذه الأجناس إذا كان الجنس بجنسه، وعلى تحريم النأ واباحة الزيادة إذا اختلف الجنسان مع الإتفاق في المعنى المضموم إليه.
وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: لاربا إلا في النسية. ويرويه عن أسامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان يجيز الذهب بالذهب متفضاً يداً بيد، وقد روي عن عدة من الصحبة أن ابن عباس كان قد رجع عن هذا القول.
والإجماع المنعقد على خلاف ذلك يبطل قوله.
ويجوز أن يكون مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك إذا اختلف الجنسان ليكون موافقاً لما تواتر عنه صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، ولما أجمعت الأمة عليه، إذ لا خلاف بينها في هذه الأجناس المنصوص عليها، واختلفوا في ما عداها فذهب كثير من نفاة القياس إلى أنه لا ربا فيما عداها، وأجمع القائسون على خلاف ذلك، وفي من نفى القياس من لا يخالفنا في ذلك، وهم الإمامية.
ويرجعون فيه إلى الظواهر الواردة في هذا الباب كالنهي عن الصاع بالصاعين.
ويبطل قولهم من وجهين ـ أحدهما: هذه الظواهر. والثاني: إثبات القول بالقياس.
فأجمع الفقهاء من مثبتي القياس أن الجنس مراعى في باب الربا.
وكذلك أمر آخر مضموم إليه وإن اختلفوا في ذلك الأمر ماهو فلا خلاف أنه إذا اجتمع الجنس والأمر المضموم إليه أنه يحرم التفاضل والنسأ، ولا أعرف خلافاً في أن الجنس إذا اختلف واتفق الأمر المضموم إلي حرم النسأ وجاز التفاضل لقوله: (فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد)، فأجااز صلى الله عليه وآله وسلم التفاضل لعدم الجنس، ومنع النسأ، فوجب أن يكون ذلك حكم الجنس إذا انفرد، فلا يصح بيع الثوب بجنسه من الثوب نسأ، وبه قال أأبو حيفة.
قال الشافعي: ذلك لا يحرم على انفراده، وقد بينا أنه إذا اختلف الجنس واتفق الأمر المضموم إليه ترتب تحريم النسأ على المعنى المضموم إليه من الكيل أو الوزن.
فإن قيل: ألستم تجوزون بيع الموزون بالنقد مع النسأ؟

(69/3)


قيل له: نجعل علة النسأ أحد وصفي العلق في قبيل المثمنات، أو يجوز تخصيص العلة فليس ببعيد على أوضاعنا، أو نقول في قبيل ما يتعين، فأما المنع من بيع الذهب والفضة بعضه ببعض فلا يقال، لأنه إجماع منصوص عليه فلا نقيص عليه سواه.
فأما الأمر المضموم إلى الجنس فعندنا أنه الكيل أو الوزن، ونو قول زيد بن علي، والمروي عن جعفر بن محمد، ولا أعرف فيه خلافاً، بين علماء أهل البيع عليهم السلام، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال مالك: هو الإقتيات.
وقال الشافعي: هو الأكل.
والذي يدل على صحة قولنا ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم روى أبو بكر الجصاص: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم عليه تمر من خيبر فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ قالوا: لا والله يارسول الله إنا نشتري الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا تفعلوا ولكن مثلاً بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذاا وكذلك الميزان).
فأما المنع من بيع الذهب والفضة بعضه ببعض فلا يعلل لأنه أجماع منصوص عليه ولا نقيس عيه سواه,
وروى أيضاً أبو بكر بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يصح صاعان بصاع ولا درهمان بدرهم).
ورى بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لاتبيعوا الدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين ولا الصاع بالصاعين، فقام إليه رجل فقال: يارسول الله أنبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل؟ فقال: لا بأس إذا كان يداً بيد).
فدلت هذه الأخبار على صحة تعليلنا بالكيل والوزن.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لاتبيعوا الصاع باصاعين)، قد علمنا أن المراد به ليس هو بيع الآلة المخصوصة، وإنما المراد به ما يكال بها، ليكون تحصيل هذا الكلام المنع من بيع ما يكال مثلاً بمثلين.

(69/4)


وكذلك قوله صلى االله عليه وآله وسلم: (وكذلك الميزان)، ليس المراد به عين الموازين، وإنما المراد به مايوزن، فأوجب ذلك المنع من بيع ما يكال بما يكال إلا مثلاً بمثل، وما يوزن بما يوزن إلا مثلاُ بمثل، يدا بيد، فبان صحة تتليلنا.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل، فهلا دلكم ذلك على أن العلة هي الأكل على ما قلتم في الكيل والوزن؟
قيل له: لفظ الطعام يتناول شيئاً مخصوصاً من المأكولات من جهة العرف، ولايتناول السقمونيا والصبر، وضحم الحنظل، وما جرى مجراه، ألا ترى أن سوق الطعام لا يستعمل في صنف الصيدلانيين، وكذلك سوق الفواكه فبان أنه يتناول هذه الأجناس المنصوصة التي يقع الإقتيات بها.
وفي الحديث: (سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: الطعام بالطعام مثلاً بمثل)، وكان طعامنا يومئذٍ الشعير.
وروي عن أبي سعيد الخدري: (كان طعامنا التمر والزبيب والشعير)، كان طعامنا لم يجب أن يستمر اللفظ في كل مأكول من الأشربة والفواكه والأدوية ونحوها ووجب اختصاصه بما بيناه، وذلك مما لانأبى وجوب الربا قيه.
فإن قيل: فأجرت اسم الطعام على الماء؟
قيل له: ذلك محمول على سبيل التجوز، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم محمول على الحقيقة.
والحقيقة من طريق عرف اللغة هو ما ذكرناه.

(69/5)


على أنها إنما سمته طعاماً لمقارنته التمر، كما قالوا: الغدايا والعشايا، وإن كانت الغداة لا تجمع على الإنفراد غداياً، فكذلك الماء لا يقال فيه على الإنفراد: إنه طعام، وكان شيخنا أبو الحسين بن إسماعيل يستدل على ذلك بقول الله عز وجل في قصة شعيب عليه السلام: (أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيائهم)، فكان يقول: لا يخلو النهي من نأن يكون متناولاً للتطفيف على وجه الخيانة، كما حكى الله عز وجل عن قومه من قولهم: (ياشعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء)، فبين أنهم كانوا نهوا عما كانوا يفعلون في الكيل والوزن على وجه التراضي إلا ما كان ربا فبان أن الربا تعلق بالكيل والوزن.
ومما يدل على أن علتنا أولى من علة سائر المخالفين ـ أن ما جعلناه علة له تأثير في التحريم بدلالة أن زيادة الكيل في المنصوص عليه مع الجنس، وكذلك الوزن فيه مع الجنس يمنع من جواز البيع، وعدم الزيادة فيهما يوجب صحة البيع، وما كان له تأثير في صحة البيع وفسااده أولى أن يكون علة للتحريم مما ليس له ذلك التأثير.
ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من أسلم فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم)، فجعل للكيل والوزن تأثيراً في صحة البيع فبان بذلك أن علتنا أاولى، لأنا لم نجد هذا التأثير في علل المخالفين.
يبين ذلك أن المأكولين يتفاوتان في كونهما ماكولين بأن يكون أحدهما خيراً من صاحبه في باب الأكل، وكذلك المقتاتين، ولم يؤثر ذلك في التحليل والتحريم فعلمنا أن ما عللناه أولى من سائر علل المخالفين.
فإن قيل: فالحكم يتعلق بالأكل أيضاً، لأن من اشترى حنطة تفوجدها متغيرة بالعفونة أو نحوها حتى يؤثر ذلك في الأكل كان لصاحبها الخيار في الرد؟

(69/6)


قيل له: ذلك خيار الرد، وذلك حكم كل ما أدى إلى نقصان القيمة مأكولاً كان أو غير مأكول، على أن لهذا التأثير مع أنه لا يختص بالأكل تأثيراً في خيار الرد، لافي تحريم البيع وتحليله، فلم يجب أن يكون ذلك معارضااً لتأثير علتنا.
وليس لم أن يتعلقوا بقوله عز وجل: {وَلا تَأْكُلُو الرِّبَا}، لأن الربا يجب أن يثبت أولاً يثبت أولاً ثم يعلق الحكم عليه.
فإن قيل: فإنا نجد النبات حشيشاً لابا فيه، ثم نجده مأكولاً فيه الرا، فعلمنا أن العلة فيه الأكل كما قلنا في العصير: إنا نجده لا شدة فيه وهو مباح، ثم تصير فيه الشدة فيصير حراماً بعد أن كان مباحاً فعلمنا أن العلة فيه الشدة.
قيل له: ومثل هذا يستقيم لنا أن نجده حشيشاً لاربا فيه، ثم يصير مكيلاً فيحصل فيه الربا، فعلمنا أن الكيل علة الربا، على ان الحشيش مأكول لا ربا فيه فبان أن العلة ليست هي الأكل وهذا ينقض علتكم، لأن الحشيش مأكول لا ربا فيه فبان أن العلة ليست هي الأكل.
بيع الجنس بمثل جنسه مع اختلاف أنوعه
مسألة:
قال: ولا يجوز أن يباع كر حنطة بكري حنطة وإن اختلفت أنواعهما، ولا بأس بكري شعير، وكذلك القول في الأرز والشعير وسائر الحبوب والتمر والعنب وغيرهما من الفواكه وغيرهما، وهذا مما قد مضى بيانه، وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فإذا اختلف الجنس فبيعوا كيف شئتم يداً بيد). ولأن تحريم التفاضل إنما ورد إذا كان الجنس واحداً، ألا ترى إلى ترى إلى قوله: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، حتى أتى على الأجناس المنصوص عليها، وإذا كان تحريم التفاضل يتناول الجنس الواحد فما عداه يكون على أصل الإباحة.
وهذه الجملة لا خلاف فيها بيننا وبين أبي حنيفة والشافعي وسائر العلماء، ألا مالك فإنه ذهب إلى أنه لا يجوز بيع الشعير بالبر متفاضلاً، وما قدمناه يحجه.

(69/7)


ويجب فيما عدا المنصوص عليه مثله قياساً عليه كنحو الأرز والعنب وغيرهما بعلة أنها أجناس مختلفة فوجب أن يحرم بيع بعضها ببعض متفاضلاً. وقياساً على ما أجمع عليه من الذهب والفضة أن بيع أحدهما بالآخر جائز متفاضلاً والعلة أنهما جنسان مختلفان.
مسألة:
قال: والحنطة مع تنوعها جنس واحد، وكذا، وكذا الشعير والتمر والعنب، وكذا من الفواكه والرمان والسفرجل وغيرهما.
يدل على ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما ذكر هذه الأجناس قال بعده: (فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد).
وقوله: (بيعوا الحنطة بالشعير كيف شئتم يداً بيد)، فدل ذلك على أن جميع هذه المذكورات أجناس مختلفة، وإن كان لكل واحد منها أنواع يشتمل عليها الجنس، ولا خلاف أن الذهب والفضة جنسان مختلفان، فإذا ثبت ذلك في المنصوص عليه ثبت فيما عداه من الأرز وغيره من الحبوب والفواكه. والعلة استبداد كل واحد منهما بالاسم الأخص، والإتفاق في تقارب المعنى المقصود إليه، والتقارب في المنطر والهيئة.
ويدل على استبداد كل منه بالإسم االأخص أن تميز أنواعه يكون بإضافة صفة إليه كمء العنب الأبيض والأسود والملاحي، وكذلك التمر وسائر ماقلنا فيها إنها أجناس.
فأما التقارب في المعنى المقصود إليه والتقارب في المنتظر والهيئة فمما لا إشكال فيه، لأن العلم به شرورة فكل ذلك يوضح ماقلناه.
على أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (في زكاة الفطر صاع من تمر، أوصاع من شعير، أوصاع من ذرة، أو صاع من زبيب)، يدل على أن كل واحد من ذلك جنس برأسه.
ألا ترى أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يذكر أنواع التمر كالصيحاني والبرني والأزاذ، وكذلك لم يذكر أنواع الزبيب، وإنما ذكر أجناس التمر والعنب وغيرهما.

(69/8)


بيان المعتبر في الكيل
مسألة:
قال: والمعتبر في كيل التمر ووزنه البلدان.
ووجهه أنا وجدنا الشرع فيه تابعاً للعرف، لأن الشرع لم يرد بوزن شيء مما كان العرف فيه قبل الشرع ألا يوزن. وكذلك لم يرد بكيل شيء مما كان العرف فيه قبل الشرع ألا يكال، فعلمنا أن الشرع جاء بحسب العرف في باب الكيل والوزن.
فإذا ثبت ذلك وجب أن يجري الحكم في هذا الباب بحسب عرف البلدان كما قلنا ذلك في الإيمان.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في التمر: (مثلاً بمثل كيلاً بكيل).
قيل له: هو محمول على البلد التي عرف أهل8ا في التمر الكيل لما بيناه.
ويوضح ما بيناه ما أجمعوا عليه أن كل بلد له عرف يعتبرونه في النقد، وأجمعو أنه إذا قال البائع للمشتري بعتك هذا الشيء بكذا درهماً على أنه محمول على ذلك النقد، وأن النقد الذي يتعامل به عرفاً إذا كان مختلفاً كاتن البيع فاسداً إذا لم يعين النقد، فإذا وجب أن يتبع حكم الشرع في باب النقد العرق وجب أن يكون ذلك حكم الكيل والوزن، لأن النس قد خلوا واختيارهم في الكيل والوزن كما قد خلوا واختيارهم في النقود.
فإن قيل: فكيف يجوز أن يحل بيع في بلد ويحرم في بلد؟
قيل له: كما يصح بيع في بلد ويفسد في بلد، ويقع الحنث في لفظ وقول لواحد، ولا يقع لآخر الأمر يرجع إلى العرف والعادة.
على أن أبا حنيفة ذهب فيما يختلف حالة في البلدان في الكيل والوزن أن المعتبر به العرف خلا الأشياء التي كانت بالمدينة على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم توزن أو تكال. وهذا مما يمكن أن يحتج به عليهم فيما خالفوا فيه.

(70/1)


وحكي عن بعضهم أنه قال: إذا اختلف الوزون والكيل في البلدان كان الوزن أولى لأنه أخص المماثلة، وهذا لمعنى له، لأنه لو وجب أن يعمل بأخص المماثلة وجب أن يوزن جميع ما يكال لهذه العلة، على أنهم جوزوا التمرة بالتمرتين، لأن ذلك ممالا يكال عرفاً إلا أن الشرع منع منه، أو كان ذلك مستحيلاً لأنه كان يمكن ان يعمل مكيال صغير لقدر التمرة الواحدة لكنهم اتبعوا العرف.
وكذلك أجازوا التفاضل في المعمولل، ولم يجيزوه في الذهب المعمول والفضة المعمولة لا لأمر سوى العادة الجرية فيه، فيصح بجميع ذلك ما قلنا، وما قاله أصحابنا أقوى من جهة النظر إذ لم يؤد إلى خلاف الإجماع، وقيه نظر والله أعلم.
جناس اللحوم
مسألة:
قال: واللحوم مختلفة الأجناس فلحم البقر جنس واحد، ولا فصل بين لحم الجواميس وبقر الوحش والبقر الأهلي.
ولحوم الضأن والماعز والظبا كلها جنس واحد.
ولحم الإبل جنس مع إختلاف أنواعها.
والقول في الألبان والسمون كالقول في اللحوم.
قلنا في البقر والضأن والإبل: إنها أجناس مختلفة لأن الشرع دل على ذلك لإطلاق أحكامها في الصدقات ولاختصاص كل منها بالإسم الأخص، ولإتفاق كل ما قلنا فيه: إنه جنس منها في تقارب المعنى إليه في بابه، والتفاوت في امنظر والهيئة، فدل ذلك على اختلاف اجناسها.
وأما المعز فإنا جعلناه من جنس الضأن لأن الشرع أجراهما مجرى جنس واحد في باب الصدقات، ولما بينهما من التقارب فيما ذكرناه، وإن لم يشتركا في الإسم الأخص.
قسنا في هذا الظبا على الماعز لتقاربهما يف المنظر والهيئة، وعلى هذه الطريقة يجري الكلام في الجواميس، وبقر الوحش، وكذلك الكلام في الإبل.
فإذا ثبت ذلك وجب أن يلحق بها لحومها وألبانها وسمونها لأنها جزء منها، فتجري مجرى أبعاضها.
ألا ترى أن خبز البر وخبز الأرز وخبز الضعير كانت أجناساً مختلفة لكونها من حبوب مختلفة، فكذلك اللحوم والألبان والسمون.

(70/2)


فإن قيل: فإن قيل: قد اشتركت اللحوم في الإسم الأخص، وكذلك الألبان والسمون فهلا جعلتم كلاً منها جنساً واحداً؟
قلنا: كما أن الخبز وإن اشترك في الإسم الأخص لم نجعله جنساً لاختلاف أجناس ماهو منها، وكذلك اللحوم والألبان، لأن جميع ذلك فروع لأصول مختلفة فوجب أن يعتبر بأصولها.
على أن الشرع جعل أصولها أجناساً مختلفة، فكان الحاقها بالأصول أولى من إلحاقها بالفروع بحكم الإجتهاد، ولأن النص أولى من الإجتهاد، فعلى هذا لا بأس ببيع لحم البقر بلحم الضأن والإبل، ولحم الإبل بلحم متفاضلاً يداً بيد، ولا يجوز بيع بعضها ببعض نسأ، وهذا مما قد مضى بيانه فلا وجه لإعادته.

(70/3)


بيع الحيوان بعضه ببعض
مسألة:
قال: ولا بأس ببيع الحيواان بعضه ببعض مثلاً بمثل، ومتفاضلاً يداً بيد، ولا يجوز بيع بعضه ببعض نسأ، ولا فرق في ذلك بين ن يكون الحيواان جنساً واحداً أو أجناساً مختلفة.
أما إذا كان الحيواان جنساً واحداً فإنا أجزنا بيع بعضه ببعض مثلاً بمثل ومتفاضلاً؛ لأن فيه أحد وصفي علة الرا، وهو الجنس، وليس فيه الوصف المضموم إلأى الجنس، ولا يصح فيه الكيل والوزن، والجنس عندنا إذا تعرى عن الكيل والوزن لا يمنع التفاضل على ما مضى القول فيه.
وقلنا: إنه يجوز يداً بيدٍ ولا يجوز نسأ لوجهين:
أحدهما ـ أن أحد وصفي علة االرا عندنا وعند أبي حنيفة إذا تعرى عن الوصف الثاني حرم النسأ.
والثاني ـ أنا لا نجيز السلم في حيوان على ما نبينه في باب السلم.
ويدل على هذه الجملة ما روي أن رجلاً قام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يارسول الله أنبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال: (لابأس إذا كان يداً بيد)، فأجاز صلى الله عليه وآهل وسلم شرط أن يكون يداً بيد، وهذا نص فيما ذهبنا إليه. وأما إذا اختلف جنس الحيوان فلا بأس ببيع بعضه ببعض مثلاً بمثل ومتفاضلاً، لأنه ليس فيه شيء من أوصاف علة الربا لا الإتفاق في الجنس، ولا الكيل ولا الوزن، فلم يكن في جواز بيع بعضه ببعض متفاضلاً أشكال.
ومنعنا بيع بعضه ببعض نسأأ بوجه واحد، وهو لما ثبت من أنه لا يجوز السلم في الحيوان على ما سنبينه.
بيع مالا يكال ولايوزن مع الإتفاق في الجنس
مسألة:
قال: وإذا اتفق الشيئان في الجنس ولم يكونا مكيلين ولا موزنين جاز بيع بعضه ببعض يداً بيد مثلاً بمثل ومتفاضلاً، ولا يجوز نسأ كنحو الرمان والسفرجل وغيرهما.
ولا بأس أن يبتاع رمانه برمانتين يداً بيد وسفرجلة بسفرجلتين يداً بيد، ولا يجوز ذلك نسأ، وكل هذا قد مضى بيانه فلا غرض في إعادته.
النهي عن بيع الحب القائم بالحب والمحصود وبيع المحافلة
مسألة:

(71/1)


قال: ولا يجوز أن يشترى زرع من بر محصود في سنبله ببر سواه، ولا أن يشترى اللَّبن الرائب بالزبد إلا أن يكون الزبد الذي في اللبن أقل من الزبد المشترى به اللبن، أو كان ما يجرد من السنبل عن البر له قيمة فيجب أن يكون سبيله سبيل بيع اللبن الرائب بالزبد في أن البيع يفسد متى لم يكن البر المشترى به أكثر من البر الذي في السنبل، فإن كان أكثر من ذلك صح البيع.
ما ذهبنا إلي في اللبن والزبد أكثر من الزبد الذي في اللبن به قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول زيد بن علي عليهما السلام، والخلاف منه بيننا وبين الشافعي.
فأما إن كان ما ينفرد عن السنبل مما لا قيمة له فالبيع فاسد على كل وجه، لأنه يكون بيع البر بالبر جزافاً وهو فاسد بالإجماع، والأثر الوارد فيه وهو نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن المحاقلة، وقيل: إنها بيع الحب القائم بالحب المحصود.
وقيل: إنها المزارعة، وهما لايتنافيان إذ لابد فيه من اعتبار المماثلة.
وأما مسألة الخلاف فوجه ما ذهبنا إليه أن الزبد إذا كان أكثر من الزبد الذي في اللبن كان مقدار ذلك الذي في اللبن من الزبد بمثله من الزبد، والفضل ثمن اللبن.
والدليل على ذلك قول الله تعاالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، وقله عز وجل: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}.
فإن قيل: إنه ربا فيحرم؟
قيل له: إذا اعتبرنا المساواة على ما ذكرنا لم يكن فيه ربا.
فإن قيل: فهلا منعتموه من حيث قيمة الزبد المشترى به اللبن المخيض بمثله من الزبد الذي في اللبن واللبن، وهذا يمنع المساواة التي سححتم البيع بها، لأن الزبد المشترى به إذا قسم على ما قلناه لم يمتنع أن يكون الزبد يلاقي الزبد مع الزيادة والنقصان، كرجل اشترى حنطة وشعيراً بأرز وسمسم أن ما يشتري به من الأرز والسمسم يقسم على قيمة الحطة فلا تحصل المساواة؟

(71/2)


قيل له: هذا الإعبار لا يجوز على ما ذكرت لكونه مؤدياً إلى فساد العقد،، وعقود المسلمين محمولة على الصحة ما أمكن، وإنما يعتبر هذا الإعتبار في العقود التي لا يؤدي هذا الإعتبار إلأى فسادها.
ويدل على ذلك أن المكيل والموزون إذا لاقى جسه فإنما يكون قميه مثله مقدارهن لأن الشرع اقتضى ذلك،، إذ حضر الشرع بيعه بأكثر منه، والمتبايعان دخلاً فيه على حكم الشرع فوجب أن يكون محمولاً على ما اعتبرناه من كون الزبد المشترى به مقسوماً على أن يكون مافي اللبن منه بمثله والباقي منه ثمناً للبن دون الإعتبار الذي ذكرتم.
وأيضاً عقد البيع إذا وقع محتملاً لوجهين: أحدهما ـ إذا حمل عليه فسد البيع، والثاني ـ إذا حمل عليه صح البيع يجب حمله على الوجه الذي يصح البيع لوجوب حمل عقود المسلمين على الصحة ما أمكن.
دليله ـ إذا باع بدراهم مطلقة، ولم يصف النقد لا خلاف أنه يجب حمله على نقد البلد الذي تجري التعامل به، وإن كان حمله على غير ذلك من النقود، ولأن حمله على نقد البلد يوجب صحة البيع، وحمله على غير ذلك من يوجب فساد البيع فكذلك ما اختلفنا فيه يجب حمله على الإعتبار الذي قلنا، ونجعل ذلك كأنه نطق به ليصح البيع، ولا يجب حمله على الإعتبار الذي ذكره المخالف لئلا يؤدي إلى فساد البيع.
ويشهد لذلك جميعاً الأرطال والأمناء والمكاييل إذا بيع الشيء على ذلك، أو أسلم يجب حمله على ما يجري التعامل به ليصح العقد دون ما عداه لئلا يفسد العقد.
فإن قيل: العرف كالنطق، فلذلك وجب حمله عليه.
قيل له: وما ذكرنا أيضاً كالمنطوق به، لأنهما دخلا في العقد لتصحيحه فصار ما يصحححه كالمنطوق به إذا كان يحتمله.
فإن قيل: فهلا حملتم بيع درهمين بدرهم على أن درهم بدرهم، والدرهم الثاني هبة.
قيل له: لأن عقد لم يدخل فيه فلا يصح أن يلزمهما، وليس كذلك مسألتنا، لأن ما صلافنا العقد إليه حد الوجهين الذين احتملهما العقد فلم نلزمهما عقداً لم يدخلا فيه.

(71/3)


فإن قيل: جوزوا على اعتباركم صاعاً من تمر بصاعين منه على أن يكون نوى أحدهما بتمر صاحبه ونواه بتمر الأخر؟
قيل له: لا يجوز ذلك لأنه يؤدي إلى خلاف النص الوارد، وإذا سقط ذلك الإعتبار في موضع لكونه مؤدياً إلى خلاف النص لم يجب أن يصقط في كل موضع.
ألا ترى أن تقسيط الثمن لما سقط في الموضع الذي اختلفنا فيه لكونه مؤدياً إلى فساد البيع لم يجب أن يسقط في كل موضع، وكذا القياس قد سقط في مواضع لأحوال ثم لا يجب سقوطه في كل موضع.
وأيضاً النوى لا حكم له إذا كان في التمر بدلالة أنه لا فرق بين التمر الذي يغلظ نواه، وبين التمر الذي يدق نواه.
فإن قيل: فجوزوا بيع مائة دينار في كاغد بمائتي دينار على أن تكون المائة بالمائة، والمائة الباقية بالكاغد؟
قيل له: إذا كان الكاغد مما يجوز تقويمه، ومما يفصد بالبيع، وقال: بعتك المائة مع الكاغد الذي فيه صح ذلك، وإن كان الأمر بخلافه لم يصح.
على أن يحي بن الحسين عليه السلام قال في كتاب الصرف: إن أراد أن يبدل ديناراً بدينارين فأدخل بينهما قطعة فضة لم يجز، فإن حمل هذا على ظاهره لم يجز ما سألتم عنه، لأن ظاهره يقتضي أن لا يجوز البيع إلا بأن يرضياه، وبيع الكاغد بخمسين ديناراً لا يرضى بالتفرق عليه، وإن حمل على أنه أراد إذا كان الفضة ضعيفة لا يصح تقويمها بالذهب كان الجواب بحسب ذلك.
فإن قيل: روي عن فضاالة بن عبيد أنه اشترى يوم حنين قلادة فيها ذهب بالذهب فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تبيعوها حتى تفصل)؟
قيل له: ذلك محمول على أن قدر الذهب المشتري به لم يكن معلوماً أنه زائد على الذهب الذي كان في القلادة فقد روى الجصاص بإسناده عن فضالة بن عبيد أنه قال: غشتريت قلادة فيها ذهب وخرز يوم حنين باثني عشر ديناراً ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (لا تباع حتى تفصل)، فكان النهي للمعنى الذي ذكرنا.

(71/4)


وعلى هذا يحمل قوله في الأحكان في باب الصرف في المنع من بيع السيف المحلي بالفضة.
بيع الزبد بالسمن ونحوه
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع الزبد بالسمن، ولا بيع اللبن بالحليب باللبن المخيض، وهو الذي فيه الماء، وبه قال الشافعي، ويقرب أن يكون قول أبي يوسف ومحمد،
ووجه أن الزبد فيه أجزاء من اللبن تذهب عند الإذابة فينقص عن السمن في تلك الأجزاء مما لا حكم لها ولا قيمة فيشبه الرطوبة التي في الرطب التي من أجلها منع من بيع الرطب بالتمر.
وهذا هو الوجه في المنع من بيع اللبن الحليب باللبن المخيض الذي فيه الماء.
وهذا كله مبني على منعنا بيع الرطب بالتمر.
بيع الرطب بالتمر
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع الرطب بالتمر، وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي.
قال أبو حنيفة: هو جائز مثلاً بمثل يداً بيد.
والأصل فيه ماروي عن زيد أبي عياش، عن سعد بن أبي وقاص قالك شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الرطب بالتمر؟ فقال: (أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم قال لا اذن)، وكرهه، وهذانص في المنع من بيع الرطب بالتمر، وفيه تنبيه على العلة التي من أجلها منع البيع، وهذا يبطل اعتراض من يعترض الحديث بأن يقول: لامعنى لاستفهام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ماهو معلوم ضرورة، لأن ذا ليس باستفهاماً بل هو تقرير على أمر ينبه به على علة المنع، وهذا مثل قول الله عز وجل لموسى صلى الله عليه: (وما تلك بيمينك يا موسى)، أراد تقريره على هذا الحديث بأن زيداً أبا عياش مجهول وليس كذلك، فإن هذا الحديث قد رواه العلماء وستعملوه وأخذوا بموجبه، ولم يطعنوا فيه، فصح أنه لم يكن عندهم مجهولاً.
على أن أمره أشهر وأظهر من أمر أبي االحوراء السعديء وحديثه فلا وجه لهذا الطعن.
على أنه قد روي عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع التمر بالرطب أو بالتمر كيلاً. قد شككت في اللفط، وعن بيع العنب بالزبيب كيلاً.

(71/5)


فدل ذلك على ماقلناه؛ لأن اللفظ وإن كان عن بيع التمر فالمعنى أنه كان أحدهم رطباً إذ لو لم يكن كذلك فلا خلاف في جوازه يدل عليه قوله: ( عن بيع العنب بالزبيب كيلاً).
فإن قيل: فقد روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الرطب بالتمر نسية ـ فدل ذلك على أن علة المنع هو النسأ؟
قيل له: هذا لا يمنع ما ذكرناه، ولا يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الرطب بالتمر يداً بيد ونسأ جميعاً فيكون منع من بيعهما يداً بيد للعلة الأولى، ومنع من النسأ للجنسين.
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن عليه عليهم االسلام أنه كره بيع التمر الحديث بالعتيق.
فإن قيل: كان في الحديث فضل رطوبة فكذلك أنواع التمر؟
قيل له: ذلك قدر يسير من التفاوت لا معتبر به، لأن مثله يكون في المكيل والموزون، ولهذا قالت العلماء: إن الوزن أخص من الكيل، ولهذا أجازوا الذهب بالذهب وإن وزناً بالميزان وإن جوزنا أن يقع فيه تفاوت لو وزنا بالطفان لم يضر ذلك القدر فبان أن مثل ذلك معفو عنه، وليس كذلك حال الرطب إذا جف، لأنه يتنااقص تناقصاً بيناً، ويقع بين حالتيه في النقصان تفاوت عظيم.
وكذلك العنب والزبيب فلم يجب أن يكون حكمهما حال التمر الحديث والعتيق وأنوااع االتمور.
فإن قيل: إذا كان الرطب والتمر متساويين في الحاال فلم وجب أن يعتبر الحال المآل نخ؟
قيل له:: لسناا نسلم أنهما متساويان في التمر االجاف، وإنما ساوه بالرطوبة التي هي أجزاء الماء فسقط ما سألتم عنه؟
قال: ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق. والمراد به إذا كان الدقيق دقيق الحنطة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، ولا أحفظ فيه خلافاً.
ووجهه أن أجزاء الحنطة تكون أكثر لأن الحنطة إذا طحنت ازداد كيلها، وهذا مما يوضح قولنا في الرطب بالتمر والعنب بالزبيب.

(71/6)


قال: ولا بأس ببيع العجين، أو الخبز بالدقيق أو الحنطة، وإن حصل فيه التفاضل، وذلك أنه ليس فيهما إلا الجنسية لأن الخبر قد خرج عن االكيل إلى أن صار موزوناً، وكذلك العجين فلم يحصل فيهما إلا جزء من علة الربا، وإنما يمنع النسأ دون التفاضل.
قاال: ولا يجوز بيع الحنطة المبلولة بالحنطة المقلوة، وذلك لما بينهما من التفاوت، لأن المبلولة أجزاؤها أقل من أجزاء المقلوة، لأن المبلولة لا تساوي المقلوة لما فيها من أجزاء الماء. فالكلام في الرطب بالتمر.
بيع الأقمشة وبيان أجناسها)مسألة:
قال: والثياب مختلفة الأجناس، فالخز مع تنوعه جنس واحد، وكذلك المروية جنس واحد، وكذلك القصب والوشي.
قال: ولا بأس ببيع الثياب إذا اختلفت أجناسها واحداً بواحد، وواحداً باثنين معجلاً ومؤخراً. فإن ككان من جنس واحد جاز التفاضل وحرم النسأ، وكذلك القول في غير الثياب.
ما قلناه من الإختلاف والإتفاق في أجناس الثياب لأنها فروع من أصول هي مختلفة الأجناس، لأنها تكون من القطن والكتان والإبريسم والخز ونحو ذلك.
والذي يبين أنها أجناس مختلفة أن الزكااة تجب في بعضها ولا تجب في بعض، لأنها لا تجب في الإبريس والخز والصوف، وتجب في الكتان والقطن. ثم االقطن والتكان لا يجب ضم بعضها إلى بعض كما لا يجب ضم الشاء إلى الإبل والبقر، وذلك أنهما جنسان مختلفاان، وكذلك اختلاف أحوالهما على المناظر دال على ذلك، والإبريسم والخز والصوف أيضاً مختلفة، لأن الصوف من الضأن، وهو مخالف للدود والخز، وكذلك االدود والخز مختلفان لما ذكرنااه.
فإذا ثبت ما قلناه في اصول الثياب ثبت ذلك في الثياب مكا قلنا في اللحوم والألبان.
وأما ما ذكرنااه من كيفية جواز بيع بعضهاا ببعض فقد تقدم القول فيه فلا وجه لإعادته.
قال: والحديد كله جنس واحد، وكذلك النحاس والرصاص.
ووجهه أنها لا تختلف على الناظر في المعاني المقصودة بها إليها، وفي الإسم الأخص على ما مضى القول فيه فلا وجه لإعاادته.

(71/7)


مسائل في أنواع من البيوع
مسألة:
قال: ولا بأس أن يشتري حيوان بحيوان مثله أو خلافه مع نقد.
قد بينا فيما تقدم أنه لا بأس أن يشتري الحيوان بالحيوان سواء كانا جنسين أو مختلفين يداً بيد فإذا ثبت ذلك فدخول النقد إن لم يزد البيع تأكيداً لم يكسبه ضعفاً فوجب أن يكون ذلك على ما قال.
قال: ولا بأس أن يشتري ثوباً ودرهماً بدينار، وهذا صحيح على ما بيناه.
قال: ولو قال: اشتريت منك هذا الثوب بدينار إلا درهماً كان ذلك والأول سواء.
أعلم أنه أجرى قوله: اشتريت منك هذا الثوب بدينار إلا درهما مجرى قوله اشتريت الثوب والدرهم بدينار.
ووجه أن من أصلنا حمل عقود المسلمين على الصحة منى أمكن ذلك واحتمل اللفظ معنى يصح، أو احتمل صرفه إلى معنى صحيح.
فإذا ثبت ذلك وأردنا حمل هذا اللفظ على معنى صحيح لم يخل من أن يقول قد بعتك هذا الثوب بدينار قد حط منه ما قيمته الدرهم، أو يقول: إن معناه بيع الثوب ودرهم بدينار، ولم يجز حمله على أنه ثوب بدينار قد حط منه ما يكون قمية لدرهم لما فيه من الجهالة، ولأنه يحتاج إلى ضرب من الإجتهاد فلم يبق إلا ما قلناه فكان حمل اللفظ عليه أولى.
قال: ولا بأس على هذا أن يشتري ثوباً بدينار إلا مكوك طعام.
ووجهه ما بيناه في المسألة التي قبلها.
مسألة:
قال: ولا بأس بالشتراء أرض بالحنطة أو الدراهم والحونطة إذا لم يكن فيها حنطة قائمة.
وهذا لا اشكال فيه إذ ليس مع المبيع شيء من جنس الثمن.
قال: فإن كان فيها حنطة قائمة لم يجز أن يشترى بالحنطة وحدها ولامع غيرها، فإن كانت الحنطة التي اشتري بها الأرض أكثر من الحنطة القائمة في الأرض جاز ذلك تخريجاً.

(71/8)


وهذا محمول على أنه لا يعلم أن الحنطة المشترى بها أكثر من الحنطة القائمة القائمة في الأرض إن اشتري بالحنطة وحدها، وإن كانت اشتريت بها مع غيرها من العين أو الورق كان محمولاً على أن تكون الأرض اشتريتوحدها بالعين أو الورق، والحنطة بالحنطة من غير أن يعلم التساوي فيهما فيكون الفساد راجعاً إلى الشراء بالحنطة، ويصح بيع الأرض بالعين أو الورق.
فأما إن شريت الأرض وفيها حنطة بالحنطة فيجب ان لا يصح البيع إلا أن تكون الحنطة مثلاً بمثل، وما فضل من الحنطة كان ثمناً للأرض على ما بيناه في مسالة الزبد باللبن والزبد.
قال: ولا بأس أن يشترى بغير الحنطة مما يكال يداً بيدٍ ولا يجوز نسأ، وذلك لأن ما يكال لا يجوز أن يباع بما يكال نسأ على ما مضى القول فيه.
وإن باع أرضاً فيها حنطة بأرز نسأ كان قد باع حنطة بأرز نسأ وذلك لا يجوز، وإنما يجوز ذلك يداً بيد.
قال: وأما ما يوزن فلا بأس أن يشترى به يداً بيد ونسأ.
وذلك أنه لم يحصل بينهما شيء مما يوجب الربا لا الجنس ولا الكيل، لأن أحدهما إذا كان مكيلاً، والآخر موزوناً لم يشتركا في شيء من أوصاف علة الربا.
قال: وكذلك القول في سائر الزروع القائمة في الأرض، وقد مضى بيانه فلا حاجة بنا إلى إعادته.
قال: فإن بيعت الأرض واستثنى زرعها فلا بأس بجميع ذلك، وذلك أن الزرع إذا استثني، ولم يعقد البيع عله كان الألاض هي المبيعة على الإنفراد فصح بيعها بجميع ما تقدم يداً بيد ونسأ إذ لم يحصل هناك شيء من أوصاف علة الربا.
إعادة الكيل والوزن للبيع والشراء
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً اشترى مكيلاً أو موزوناً بكيل معلوم أو وزن معلوم لم يكن له أن يبيعه حتى يستوفيه بكيله أو وزنه، وإذا باعه وجب إعادة كيله أو وزنه.
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري).

(71/9)


ومن طريق الإعتبار أنه لا يتعين حقه إلا بأن يكتاله لجواز أن يزداد أو ينقص إذا كيل، فصار قبل الكيل وإن قبض في حكم مالم يقبض إذ الإستيفاء يجب أن يقع بالكيل فما لم يكتل فكأنه لم يقبض في الحكم.
وكذلك الموزون يجوز أن يزداد أو ينقص إذا وزن، فإذا اشتراه وزناً ولم يزنه لم يكن في الحكم قابضاً.
وهكذا المشتري الثاني إذا اشترى منه مكيلاً أو موزوناً لا يتم بيعه إلا أن يكيل المكيل، أو يزن الموزون، لأن القبض لا يتم إلا بهما على ما بيناه، ولا يتم البليع إلا بالقبض، ألا ترى أن المكيل إذا كيل مرة أخرىلم يمتنع أن يزيد أو ينقص فلذلك قلنا: إن المشتري الثاني أيضاً لابد له من كيل أو وزن.
على أنه إذا ثبت انه قبل الكيل أو الوزن لا يكون قابضاً حقه على التحقيق أبطلنا البيع قبلهما لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( أنه نهى عن البيع قبل القبض)، وما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم: (نهى عن بيع الطعام قبل القبض).
ورى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنه قال: ( إذا اشتريت شيئاً مما يكال أو يوزن فقبضته فلا تبعه حتى تكتاله أو تزنه)، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
قال: والبيع والإقالة والتولية فيه سواء.
أما التولية فهي بيع لا خلاف فيه فوجب أن تكون هي والبيع في ذلك لاتختلف.
وأما الإقالة فهي عندنا بيع على الوجوه كلها.
قال زيد بن علي عليهم السلام: الإقالة بمنزلة البيع والتولية بمنزلة البيع.
وحكي عن مالك أنه يقول به.
وقال أبو حنيفة: الإقالة فسخ في حق المتعاقدين قبل القبض وبعده، وعن أبي يوسف بعد القبض بيع مستقل، وكذلك إذا وقعت قبل القبض.

(71/10)


ويدل على أنها بيع قول الله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}، فاقتضى الظاهر تحريم أكل مال الغير إلا أن تكون تجارة عن تراض والتجارة اسم للبيع والشراء. فلما ثبت أن البائع يحل له ما باع بالإقالة عن تراض ثبت أنها بيع عن تراض. وأيضاً لما عاد إلى صاحبه الأول بتراضيهما على عوض معلوم وجب أن يكون ذلك بيعاً مستأنفاً.
دليله لو عاد بثمن من غير جنس الثمن الأول، أو عاد إليه بلفظ البيع.
وأيضاً قد ثبت أنها بيع في حق الشفيع يثبت بها وجوب الشفعة فوجب أن يكون بيعاً في حقهما دليله البيع لما كان بيعاً في حق غير المتعاقدين كان بيعاً في حق المتعاقدين.
دليله أيضاً الهبة على العوض كما كان بيعاً في حق الغير كان بيعاً في حقهما.
فإن قيل: الإقالة رفع لذلك كما قيل: أقال الله عثرته فوجب أن يكون ذلك رفع البيع وهو الفسخ؟
قيل له: ليس الأمر على ما ذكرت، لأن إقالة العثرة ليست رفع العثرة، لأن العثرة قد حصلت فلا يصح رفعها وإنما المراد بها اسقاط العقاب المستحق فكذلك الإقالة في البيع تتضمن اسقاط الثمن المستحق فكذلك الإقالة في البيع تتضمن اسقاط الثمن المستحق بالبيع سواء كان على وجه المقاصة بأن يستحق المشتري عليه بمثل ثمنه، أو بغير ذلك، وإذا كان هذا هكذا لم يكن في لفظ الإقالة دليل على أنها فسخ، وإنما يدل على ما قلنا.
فإن قيل: إنها تصح بغير تسمية الثمن ولو كان بيعاً لم يصح بغير تسمية الثمن؟
قيل له: الإقالة تتضمن التسمية وإن لم يتلفط بها على ما بينا من أن معناها اسقاط المستحق من الثمن، وإذا كان ذلك كذلك لم يمتنع أن تكون بيعاً.
ألا ترى أن التولية تصح من غير تسمية مقدار الثمن وإن كان ذلك لا يصح في سائر البياعات لما ان معنى التولية يتضمنه حتى يكون في حكم المنطوق، فكذلك الإقالة يتضمنها معنى تسمية الثمن.
فإن قيل: لو كانت الإقالة بيعاً مستأنفااً لما صحت قبل القبض؟

(71/11)


قيل ل: الأظهر على مذهب أصحابنا أنها لا تجوز قبل القبض لتنصيص يحي عليه السلام في المسألة التي نحن فيها أن الإقالة لا تصح فيما يكال حتى يكال فيسقط عنا هذا الإلزام.
على أن الأقرب أنه قول زيد بن علي، لأنه قال عليه السلام يصححها ما يصحح البيع، وفسدها ما يفسد البيع، على أن جميع ما ألزمونا يلزمهم في حق الغير، لأنها عندهم في حق الغير بيع مستأنف.
فإن قيل: لو كان بيعاً لم يجز في السلم قبل القبض.
قيل له: لا يمتنع أن نقول: إنه في السلم قبل القبض فسخ، لأنه لا يتعلق عليه شيء من أحكام البيع المستأنف، ولأنه لا يعود إلى ملك صاحبه شيء عن من خرج من ملكه أعني المسلم إليه وإنما يسقط عن ذمته ما كان ثابتاً فيها فلم يصحل فيها إذا كانت في المسلم شيء مما دللنا على أنها بيع فلم يجب أن يكون بيعاً فيه.
مسألة:
قال: والمستحب لمن باع مكيلاً أن لا يشتري بثمنه مكيلاً سواه قبل الثمن ومعناه مكيلاً من جنسه.
ووجه الإستحباب فيما ذكر أنه يكون أبعد من تهمة الربا ومشابهته، لأنه إذا أعطاه صاعين تمراً ردياً، وعقد عليه البيع بثمن معلوم ثم اشترى بذلك الثمن صاعاً من تمر جيد قبل قبض الثمن يكون كأنه توصل إلى معنى الربا بذكر الثمن، لأنه لا يبطل البيع بذلك، لكن استحب ما ذكرناه للوجه الذي بيناه.
قال: فإن اشترى بثمنه قبل قبضه موزوناً أو شيئاً مما لا يكال ولا يوزن لم يكن به بأس.
وكذلك القول في من باع موزناً، وذلك أنه إذا اشترى بثمن المكيل الموزون لم يكن فيه تهيمة الربا، إذا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً، فأولى أن يجوز ولا يكره لدخولا الثمن بينهما.
وأما الموزون في هذا الباب في أنه لا يشترى به موزوناً من جنسه من قبل قبض الثمن استحباباً فهو كالمكيل للوجه الذي بيناه.
بيع اللحم بالحيوان
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع اللحم من أي جنس كان بحيوان يؤكل لحمه.

(71/12)


الأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن بيع اللحم بالحيوان، وكان القياس أن ذلك يجوز، لأن الحيوان لايجري فيه تحريم التفاضل على ما مضى القول فيه، لأنه لا يحصل فيه وصفاً علتي الربا.
ألا ترى أنه لا يتأتى فيه الكيل والوزن، بل لا يحصل فيه إلا الجنسية، فكان الواجب أن يحمل ذلك على المذبوح، واللحم الذي من جنسه كما كان يذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف. ثم روي أن جزوراً نحرت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني منه بهذا النعاق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا.
وقيل: ذلك عن ابن عباس أيضاً. ولا يجوز أن يكونا قالاه إلا نصاً إذ النظر لا يقتضيه.
على أنهما لو كانا قالا ذلك اجتهاداً فلا يعرف فهما مخالف في الصحابة فجرى مجرى الإجماع. فلما ثبت ذلك حملنا قوله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك.
وقلنا: لا يجوز بيع اللحم من أي حنس كان بشيء من الحيوان الذي يؤكل لحمه، وبقينا مالا يؤكل لحمه على القياس.
وقلنا: بإجازته لأنهما قلا لا يصلح لحم الجزور بعناق فكأن فيه أن اللحم وإن كان من جنس مخالف لذلك الحيوان، فإنه لا يجوز أن يشترى به إذا كان مما يؤكل لحمه.
وما قلنا في هذا به قال الشافعي.

(71/13)


بيع المزابنة
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع المزابنة وهي بيع التمر في رؤس النخيل بتمر مكيل، أو غير مكيل، وأشار القاسم إلى أنه يجوز في العريا.
قال: وهي النخلة والنخلتان والثلاث والعشر.
قال: والعرايا هي العطايا يعطيها صاحبها فعجني رطباً.
والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن بيع المزابنة، وهي بيع التمر في رؤس النخل بتمر، وروي ذلك بطرق شتى.
ورواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المحاقلة والمزابنة).
ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر إلا مثلاُ بمثل كيلاُ بكيل، ولأنه لو كان موضوعاً على الأرض كان لا يجوز أن يباع بتمر مجازفة حتى يستويا في الكيل، فكذلك إذا كان على رؤس النخل، وهذه الجملة لا خلاف فيها، وهو أيضاً مقيس على ما زاد على خمسة أوسق.
والعلة أنه بيع التمر بالتمر من غير تجقق المساواة بينهما، أو لأنه بيع تمر على لاؤس النخل بتمر.
واختلف في العرايا فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن العرية هي العطية، وبه قال مالك.وإياه عنى القاسم فيما ذكر.
وقال الشافعي: هي بيع التمر على رؤس النخل بخرصها من التمر فقال: وهي مشتقة من أعراء بعض النخيل من بعض، وهو الإفراد، قال: وذلك جائز فيما دون خمسة أوسقق فكل ما ذكرنا من الأثر والنظر يدل على فساد ما قال، وفيه أيضاً أنه مقيس على بيع الحنطة في المزرعة بخرصها حنطة قد حصدت بعلة أنهما جنس مكيل فلا يجوز بيع ببعض إلا مثلاً بمثل.
فإن قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص في العرايا، روي عن ابن عمر: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص في العرايا ونهى عن بيع التمر بالتمر).
وحدثنا زيد بن ثابت: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص في العرايا).

(72/1)


وروي عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص في العرايا بالتمر أو الرطب، وروي نحوه عن جابر وأبي هريرة: أنه صلى الله عليه وآله وسلم رخص في العريا فيما دون خمسة أوسق، أوفي خمسة أوسق، شك الراوي.
قيل له: هذه الأخبار تحتمل ثلاثة أوجه: أحدهما ـ ما ذكره أبو العباس الحسني رضي الله عنه في النصوص أن معناه أن يعطي الرجل نخلات من النخيل لتجني رطباً بثمن مؤجل، وفيه ترخيص للمحتاجين الذي يشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الرطب يأتيهم ولا نقد في أيديهم فرخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شراء ما دون خمسة أوسق بثمن مؤجل لئلا يلحقهم الضرر بإخراج العشر، لأن من أصل يحي عليه السلام أن المشتري إذا اشترى ما يجب فيه العشر كان عليه أن يخرج العشر، وأن يرجع بثمنه على البائع.
قال: والخرص راجع إلى ما على رؤس النخل، ومعنى الخرص الإحتراز من لزوم العشر.
وحكى الطحاوي، عن عيسى بن أبان أنه قال: إن العرية هي الهبة قبل التسليم، وهي لم تصر ملكاً للمعرى، قال: ولا يجوز لأحد أن يأخذ بدلاً لما لا يملك فيملكه، والتمر الذي يأخذ المعري بدلاً عن عريه لم يملكها. يطيب له، ويملكه بهذه الرخصة التي في هذا الخبر.
وذُكِرَ فيه وجه ثالث، وهو أن المعري هو الواهب لتلك النخل أراد الرجوع قبل التسليم، وقد كان حين وهب تضمن تلك الهبة التسليم فكأنه وعده، ويكره للمسلم الإخلاف في الوعد، وكذلك للموهوب له أخذ عوض مالم يملكه فأجاء الخبر ذلك، فأخرج المعري من ان يكون خالف الوعد، وأجاز للمعري تناول مالم يملكه، ويسمى ذلك بيعاً على طريق المجاز لاشتماله على المعاوضة.
فإن قيل: كيف يستقيم هذان الوجهان على مذهبكم وعندكم أن الهبة تصح من غير قبض.
قيل له: يصح ذلك من وجهين: أحدهما ـ أنا نجوز الرجوع فيها وإن كرهناه.
فدل هذا الخبر على أنه لا يكره إذا عوض المعري.

(72/2)


والثاني ـ أنا لانصحح الهبة إلا بالقبول فنجعل بدل قولهم التسليم القبول كان ذلك قبل القبول فتستتم التأويلات والله أعلم.
فإن قيل: لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (نهى عن بيع المزابنة ورخص في العرايا) وجب أن يكون ذلك مستثنى من جملة البيع.
قيل ل: لا يجب ذلك، لأن كل واحدة من اللفظتين يستقل بنفسه، فلا يجب أن يجري مجرى الإستثناء، ويجوز أن يكون بعض الرواة تأول ذلك على ما قاله الشافعي، واستثنى ذلك من عند نفسه.
فإن قيل: فما فائدة ذكر الأوساق على التأويلين الآخرين؟
قيل له: يجوز أن تكون تلك الرخصة اتفقة في ما دون خمسة أوسق فروى أبو هريرة على ما شاهد لا لأن للأوساق فيه تأثيراً، على أن حمل الخبر على ما قلناه أولى، لأن سائر الأخبار تعضده، والقياسات تؤكده، والأصول تشهد له.
لأن شيئاً من المكيل ولا الموزون عندنا، ولا المكيل عند الشافعي لا يجوز بعضه ببعض خرصاً، بل لا يجوز إلا مع العلم بالمساواة.
ويؤكد ذلك ما روي: (تحققوا الخرص فإن في المال العرية والوصية)، وقد علمنا أن المراد به ليس هو البيع، لأن التخفيف (التحقيف) لا يجب من أجل البيع.
فإن قيل: فقد روي أنه رخص في بيع العرايا، وشيء مما ذكرتموه ليس ببيع؟
قيل له: لا سمتنع أن يجري عليه اسم البيع كما قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ}، ثم قال: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِيْ بَايَعْتُمْ بِهِ}، وقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِيْ لَهْوَ الْحَدِيْثِ}، وقال: {وَلا تَشْتَرُوا بَآيَاتِيْ ثَمَناً قَلِيْلاً}، ومنه قيل للبيعة بيعة وكل مستعمل على طريق التجوز على التشبيه بالبيع، وكذلك ما سألتم عنه للأدلة التي بيناها.

(72/3)


على أنهم إذا قالوا بذلك قالوا بتخصيص العلة مع إنكارهم له، لأنهم لا يجيزون المأكول الجنس إلا مثلاً بمثل، ولا يجيزون الوصول إلى التماثل بالخرص فقد أجازوا في هذه المسألة فقد ناقضوا أصولهم.
والبيع على غير المماثلة والتوصل إلى المماثلة بالخرص.
[توضيح المراد بلإفتراق في البيع]

(72/4)


باب القول في خيار البيعين
البيعان بالخيار مالم يفترقا تفرق الأقوال، ولا معنى لتفرق الأبدان.
وهو قول زيد بن علي عليهما السلام، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك. وقالت الإمامية: التفرق تفرق الأبدان، وبه قال الشافعي.
والذي يدل على صحة قولنا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، وقد عقداً البيع بينهما من غير شرط الخيار فلو جعلنا لهما الخيار كنا أجزنا لهما ترك الوفاء بما عقدا، وذلك خلاف ما تضمنت الآية.
ويدل على ذلك قول الله تعالى: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}، والتجارة هي البيع والشراء، وقد حصلا عن تراض فوجب أن يجوزللمشتري أكله واستهلاكه، والقول بخلافه للخيار مخالف للآية.
وقال: (وأشهدوا إذا تبايعتم)، والغرض به التوثقة وإثبات الخيار له بعد العقد، والإشهاد أبطال للتوثقة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه)، فتضمن ذلك أجازة البيع بعد القبض من غير ذكر الخيار.
ومثله ما روي: (أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري).
وروي عنه عليه السلام: (أنه لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه)، فعلق العتق بالشراء من غير اشتراط الإفتراق بدل على أن الملك يستقر بنفس العقد.
ويؤكد ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (المسلمون عند شروطهم)، لأن كل واحد منهما دخل في العقد للتمليك بنفس العقد.
وروي: (من باع عبداً فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع)، فجعله للمبتاع بالشرط من غير التفرق.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (البائعان بالخيار مالم يتفرقا)، فجعل لهما الخيار قبل التفرق.

(73/1)


قيل له: وقد روي: (المتبايعان بالخيار)، وهذان الإسمان لا يكونان ثابتين لهما إلا في حال الفعل، لأن اسماء الفاعلين إنما يكون اسماء للفاعلين على الحقيقة في حال الفعل، وأما بعد تقضي الفعل، فإنما يجري ذلك الإسم عليهما على سبيل المجاز، وهذا كقول القائل في رجلين: إنهما متحاربان أو متقاتلان أو متضاربان في أن ذلك لا يستعمل إلا في حال كونهما كذلك.
يؤكد ذلك أنهما لو تفاسخا بعد البيع كانا متفاسخين فلو كان الإسم يبقى بعد الفعلا كانا في الحقيقة متفاسخين متبايعين، وذلك تناقض فصح ما قلناه.
وإذا صح ذلك ثبت أن المراد بقوله: (البيعان)، وقوله: (المتبايعان)، االمتساومان لأن السوم يعبر به عن البيع كما روي عنه عليه السلام: (لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه)، وفي خبر آخر: (لا يسومن على سسوم أخيه)، فعبر عن السوم تارة بالبيع، وتارة بالسوم فعلم أن البيع يستعمل في السوم، وروى نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كل بيعين لا بيع بينهما حتى يفترقا إلا بيع الخيار)، فلم يجعل بينهما عليه السلام بيعاً حتى يفترقا، وقد سماهما متبايعين، فعلم أن المراد به المتساومان. إذ لا خلاف أن البيع واقع بنفس عقد الإيجاب والقبول.
قال الله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الِّذِيْنَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةِ}، وقال: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِيْنَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا}، وقال: {إِنَّ الَّذِيْنَ فَرَّقُوا دِيْنَهُمْ وَكاَنُوا شِيَعاً}.
وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)، والمراد بجميع ذلك تفرق الأقوال فوجب أن ينقطع الخيار عند حصول أول جزء منه، كما ان إباحة الأكل والشرب لما جعلت غايتها للصائم وقت طلوع الفجر كان أول جزء من الفجر قاطعاً للغاية، وذلك حكم العادات أأجمع.

(73/2)


فدل ذلك على إنقطاع خيارهما عند حصول تفرق االأقواال على أن تفرق الأبداان لا تأثير له مع عدم تفرق الأقوال فبان أن الحكم يتعلق بتفرق الأقول، إذ التاثير له دون تفرق الأبدن لم يجب فيه ما ذهب إليه مخالفنا، لأنه يحتمل أن يكون المراد به أن البائع إذا قال: بعتك فللمشتري قبوله في المجلس مالم يفارقه إذا لم يعرضا عنه، ويأخذا في غيره، وللبائع االرجوع فيه مالم يقبله المشتري فإن افترقا قبل القبول عن المجلس بطل لإيجاب، ولم يكن للمشتري القبول فيكون هذا الخيار مقصوراً على المجلس.
فإن قيل: التفرق إذا أريد به الحقيقة فهو تفرق الأبدان دون تفرق الأقوام فعليها يحمل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك قوله: (البيعتان بالخيار)، فهذا الإسم لا يكون حقيقة إلا بعد حصول البيع.
قيل له: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك قول الله تعالى حملهما على ما جعله العرف حقيقة دون ما يوجبه أصل اللغة والإشتقاق والعرف عرفان عرف اللغة وعرف الشرع كما قلنا ذلك في الغائط والدابة والصوم والصلاة.
فإذا ثبت ذلك فقد علمناا أن عرف اللغة قد جعل التفرق حقيقة في الأقوال إذا استعمل فيما يكون مخاطبة ومفاوضة حتى لا يعقل عند الإطلاق إلا ذلك فوجب حمل قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيماا اختلفنا فيه على تفرق الأقوال، كما يجب أن يحمل قول القائل: فلان وفلان اتفقا في كذا ثم افترقا على تفرق القول، لتعلق ذلك بالأقوال، كذلك البيعان فلا بد من أن يدخلهما المجاز على المذهبين جميعاً، لأن حقيقة الأسماء المشتقة من االأفعال لا تستعمل حقيقة في الفاعلين إلا حال الفعل كالمصلي والقائم والقاعد، وما جرى مجاها، والبيع لا يحصل إلا بخروجهما من حقيقة البيعين فلا بد من أن يكون ذلك على مذهبهم مجازاً، كما أنه إذا استفمل في اسم السوم كان مجازاً، فلما استويا في هذا الوجه لم يكن لهم به تعلق.

(73/3)


فإن قيل: فقد روي في بعض الأخبار: (حتى يفترقا عن مكانهما الذي عقدا فيه).
قيل له: ذلك محمول على الوجه الذي قلناه من خيار الشرط في المجلس.
فإن قيل: فقد روي: (البيعان بالخيرار مالم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه إختر).
قيل له: معناه أن الخيار يبطل بالتفرق إلا أن يجعل أحدهما لصاحبه شرطاً كان الخيار ثابتاً، أو يستعمل بمعنى إلا أن كما تقول: لا تدخل الدار أو يأذن لك صحبها معناه إلا أن يأذن لك، وكذلك تقول: لا تصل أو تتطهر، معناه إلا أن تتطهر، ويدل على ذلك أن البيع هو الإيجاب والقبول فمتى حصلا أوجب أن يكون البيع تاماً لا خيار فيه دليله الخلع والنكاح.
والمعنى أن كل واحد منهماا إنما هو القبول والإيجاب فلم تفتقر صحة واحدة منهما إلى غير القبول والإيجاب فكذلك البيع.
ويشهد له العتق على مال والكتابة، وإن شئت قلت: هو عقد معااوضة فيجب أن لا يفتقر صحته إلا إلى الإيجاب والقبول، وليس يلزم على ذلك الهبة إذ الهبة عندنا غير مفتقؤة إلى القبض وصحتها بالقبول والإيجاب عندنا فقط.
وأيضاً لو كان الخيار موجباً عن عقد البع كان يجب أن لا يصح عقد االصلاف، لأن من شرط صحته أن يتفرقا وليس بينهما شيء، كما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الصلاف لا بأس مالم يفترقا وبينهما شيء فلو لم ينبرم العقد حتى يفترقا وكان التفرق وبينهما خيار يفسد الصرف كان لا يصح الصرف بتة على وجه من الوجوه.
ويمكن أن يجعل الصرف أصلاً نقيس عليه فنقول: لما كان قعد الصرف لا يفتقر صحته إلى تفرق الأبداان، ولا يثبت به الخيار فكذلك ما اختلفنا فيه.
والمعنى أنه عقد بيع أو عقد معاوضة.
وحديث مجاهد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا باع أو اشترى خير صاحبه دليل على ما بيناه، لأن الخيار لو كان ثابتاً بالعقد لم يكن للتخيير معنى.

(73/4)


ولا يجوز أن يقال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يريد قطع الخيار لأنه من الإستقصاء والتشدد، وخلاف التفضل، وخلاف ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يحب العبد يكون سهل البيع سهل الشراء).
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً اشترى ثياباً أو سلاحاً أو طعاماً أو حيواناً أو غير ذلك من غير أن كان رآه ورؤية مثله فله الخيار رؤيته. فإن شاء فسح البيع، وإن شاء أمضاه.
وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول زيد بن علي عليهما السلام، وأحد قولي الشافعي كذلك، وله قول آخر: إن البيع باطل إذا لم يكن رأي المبيع والحجة فيما ذهبنا إليه قول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَمَ الرِّبَى}، ولم يشترط الرؤية، وقال: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}، وقال: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}، ولم يذكر الرؤية.
ويدل على ذلك ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن تلقي الجلب وقال: (لاتلقوا الجلب فمن تلقى فاشترى شيئاً فهو بالخيار إذا أتى السوق)، ولا وجه لهذا الخيار إلا خيار الرؤية، لأن العادة أن المتلقي يشتري الطعام وهو في الوعاء، ثم يفتحه إذا دخل السوق، ولم تجر العادة بأن تفتح الأوعية، وهي على الظهر، وهم في الطريق.
وروي أن عثمان باع مالاً بالكوفة من طلحة بن عبيدالله فقال طلحة: لي الخيار لأني اشتريت مالم أره، وقال عثمان: لي الخيار لأني بعت مالم أره فحكما بينهما جبير بن مطعم فقضى بالخيار لطلحة، وأجمع هؤلاء الثلاثة على أن الإنسان يجوز له شراء مالم يره، ولا يعرف مخالف في الصحابة فجرى مجرى الإجماع.
فإن قيل: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الغرر، وشراء مالم يره من الغرر، ونهى عن بيع الملامسة: وهو الثوب المطوي.
قيل له: ليس يدخل في الغرر بأن لا يكون المشتري رآه فقد يعلم الشيء من غير الرؤية، ويتحقق، ويخرج عن حد الجهالة.

(73/5)


ألا ترى أنه لا خلاف في جواز البيع بثمن لم يره، وكذلك السلم يجوز العقد عليه ولم ير فبان أن ذلك ليس بغرر فلم يصح إدخال ذلك في النهي عن بيع الغرر.
وأيضاً فبيع الملامسة فليس هو بيع الثوب المطوي، بل ذكر العلماء أنه بيع كان في الجاهلية، وذلك أنه كان يتساوم الرجلان السلعة فأيهما لمس صاحبه وجب عليه البيع منه، وقيل: إذا لمس المبيع أو أمأ بيده إليه وجب البيع فلا معنى لحمله على ما قالوا.
وأيضاً النكاح على مال لم ير، والخلع على مالم لم ير جائز فكذلك البيع، والمعنى أنه عقد معاوضة فلم يجب أن تكون الرؤية شرطاً في جواز، وأيضاً لا خلاف أن الثمن يصح وإن لم يره البائع كذلك المبيع، وإن لم يره المشتري.
والعلة أن رؤية من يملك ليس بشرط في صحة تملكه إذ لا خلاف في جواز شراء الباقلاء في قشره والجوز واللوز، وإن كان المشتري لم ير المقصود بالشراء، وكذلك سائر الأشربة، على أن عدم الرؤية من جهالة الصفة، وجهالة الصفة ليس أكثر من عدمها، ويجوز شراء العبد على أنه صحيح، وإن كان به عمى أو كان مقطوع اليد أو ما أشبه ذلك فأولى أن يجوز الشراء وإن لم يره.
فإن قيل: لو كان العقد جائزاً لم يرد بخيار الرؤية.
قيل له: هذا منتقض بجواز رده بخيار العيب وخيار الشرط، وإن كان العقد جائزاً، فإذا صح العقد بما بيناه فلا خلاف بين المجيزين له أن له خيار الرؤية.
وما روي أن جبير بن مطعم حكم به على عثمان دليل على ما قلناه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من اشتراء جلباً أن له الخيار إذا دخل السوق).
قال يحي بن الحسين عليه السلام في الفنون: إنه إذا وجده على الصفة التي وصفت له فلا خيار له.

(73/6)


وحكى ابن أبي هريرة أن ذلك قول بعض أصحابهم إذا قالوا بخيار الرؤية، وضعف ذلك فقال: الصحيح هو أن للمشتري الخيار على كل حال وهو الصحيح الذي ذكره، وأطلقه في الأحكام دون ما ذكره في الفنون لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل لمشتري الجلب الخيار إذا دخل السوق ولم يشترط أن يكون ذلك له إذا لم يجده على النعت الذي نعت، وكذلك جبير بن مطعم وطلحة، ولم يشترطا فيه أن يكون المشترى على النعت الذي نعت أو لا يكون فصح ما قلناه.
الشروط لصحة الخيار
مسألة:
قال: وكل بيع يعقد على خيار لا يعلم أمده فوه فاسد، وهذا مما لا خلاف فيه لأنه يقتضي الجهالة في العقد، لأنه لا يدري متى يستقر العقد إن استقر، ولا متى يبطل إن بطل فيصير العقد مجهولاً، ويشتمل أيضاً على الغرر، وإلى تعليق حكم المبيع والثمن أبداً فلذلك بطل.
خيار الشرط
مسألة:
قإن عُقِدَ البيع على خيار إلى أمد معلوم جاز البعي والخيار سواء تطاول الأمد أو تقااصر بعد أن يكون محدوداً معلوماً.
أما خيار الثلاثة فلا خلاف فيه.
والأصل فيه ما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من اشترى مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثاً، وإن رجلاً أتاه فقال: يارسول الله إني أخدع في البيع واالشراء)، فجعله فيما باع واشترى بالخيار ثلاثاً، وما زاد على الثلاثة وإن كان معلوماً ففيه خلاف قال زيد بن علي عليما السلام: ولا يجوز الخيار أكثر من ثلاثة أيام، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال أصحابنا: يجوز إن كان إلى وقت بعينه وإن طال أمده. وبه قال أبو يوسف ومحمد.
ووجهه ما أجمعوا عليه من أن شرط خيار ثلاث يصح ويصح البيع معه فكذلك. ما زاد على ذلك إذا كانت مدة الخيار مدة معلومة، والعلة أنه اشترط لنفسه الخيار إلى أمد معلومه فثبت أن الخيار المعلوم إلى المدة يجب أن يكون صحيحاً.

(73/7)


يدل على صحة ذلك أن الخيار متى لم يكن معلوم المدة فسد البيع فبان أن صحته تعلق بكون المدة معلومة.
ويدل على ذلك ما روى بان عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: البيعان بالخيار مالم يفترقا، إلا بيع الخيار، وما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (البيعان بالخيار مالم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار)، فأثبت صلى الله عليه وآله وسلم بيع الخيار وصفقة الخيار من غير اشتراط فيه الخيار على أي وجه يشترط، وبقي الباقي على مقتضى الخبرين.
ويدل عليه قوله صلى االله عليه وآله وسلم: (البعان بالخيار مالم يفترقا)، أو يقول أحدهما لصاحبه إختر ولم يشترط أن يكون الخيار في قليل المدة أو كثيرها فكان دليله كدليل الخبرين الأولين.
فإن قيل: اشتراط الخيار فيه غرر والنبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الغرر فوجب أن لا يجوز من ذلك إلا مقدار ماورد الأثر به، وحصل عليه الإجماع وهو خيار الثلاثة، وبقي ما زاد عليه داخلاً في جملة النهي عن بيع الغرر.
قيل له: الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما ـ أن مثل هذا لو ثبت فيه ما قلتم لم يجب الإمتناع من القياس عليه فنحن نقيس ما زاد على الثلاث على ما ورد فيه وحصل عليه الإجماع فنخرجه بالقياس من جملة النهي عن الغرر.
والثاني ـ أن اشتراط الخيار إذا كان معلوم المدة فلا يجب أن يكون غرراً، لأنه أبعد من الغرر من خيار الرؤية الذي أجزناه وأجازه أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، ومن خيار الرد بالعيب الذي لا خلاف فيه بين المسلمين، فإذا لم يكن فيهما غرر فأولى أن لا يكون في الخيار المعلوم المدة غرر، لأن هذين الخيارين لا يعلم أمدهما، ومالا يعلم أمده أدنى إلى الغرر مما يعلم أمده.

(73/8)


وأيضاً البائع والمشتري دخلا في خيار الشرط على بصيرة، وعلى العلم بغاية مدة الخيار فوجب أن يكون أبعد من الغرر من خيار الرد، لأنهما لزمهم ذلك من غير إختيارهما، ومن غير بصيرة به، ولأنه لا علم بأنه يحصل أولا يحصل، ولا علم بالمدة، وكذلك خيار الرؤية على ما بيناه فبطل تعلقهم بما تعلقوا به.
مسألة:
قال: ولا فصل بين أن يكون الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما جميعاً فيما يفسد به العقد أو يصح، وهذا مما لا خلاف فيه، لأن تاثير الخيار يرجع إلى العقد، ولا معتبر فيه بأحوال المتعاقدين فوجب ان يستوي فيه احوالهما.
مسألة:
قال: وإذا اشترى شيئاً وقبضه واشترط لنفسه خياراً إلى أمده معلوم ثم تلفت السلعة نحو أن يكون حيواناً أو ما جرى مجراه قبل انقضاء مدة الخيار، ولم يكن اختار الرد لزم الثمن، وكانت السلعة من ماله، وكذا إن نقصت السلعة عند المشتري والخيار له، وقال أبو حنيفة مثل قولنا.
وقال ابن أبي هريرة يحتمل وجهين: أحدهما ـ أن على المشتري القيمة.
والثااني ـ أن عليه الثمن مثل قولنا.
أراد بالنقصان حدوث العيب فيها.
والوجه في المسألتين جميعاً أن العيب إذا حدث في السلعة والخيار للمشتري بطل خياره وتم البيع، لأن بطلان الخيار يوجب إتمام البيع، وإذا تم البيع لزمه الثمن.
وإنما قلنا: خياره يبطل لأنه قبضه صحيحاً فلا يجوز رده معيباً، وإذا بطل الرد بطل الخيار، لأن الخيار إنما هو للرد، وكذلك إذا مات بطل خياره في آخر جزء مضى من حياته، لأنه يصير معيباً، ولا يمكن رد المعيب فيلزمه البيع، فإذا مات وجب عليه الثمن، وأيضاً إذا مات أو تلف ن كان ثوباً أو نحوه بطل الخيار، لأن الرد فيه تعذر فبطل الخيار المتعلق به.
فإن قيل: فإذاا قلتم: إن خيار الرد بالعيب لا يبطل بحدوث عيب آخر عند المشتري فلم قلتم: إن خيار الرد المشروط يبطل إذا حدث في يد المشتري عيب فيه؟

(73/9)


قيل له: لأن المعيب إذا سلمه البائع فلم يسلم ما اقتضاه العقد لأنه اقتضى تسليم الصحيح فكأنه في الحكم قد سلم بعض ما اقتضا العقد تسليمه، والعيب فيه يجري مجرى فوات جزء منه، وليس كذلك التسليم مع خيار المشتري لأنه قد سلم ما اقتضى العقد تسليمه موفراً صحيحاً، فإذا حدث فيه العيب لم يجز له رده معيباً، وقد أخذه صحيحاً فبطل خياره، ولزمه البيع، وإذاا صح ذلك بطل قول من يقول: إن على المشتري القيمة دون الثمن، لأنا قد بينا أن البيع قد تم وبطل الخيار قوجب لزوم الثمن له.
مسألة:
قال: ولو تلفت السلعة عند المشتري والخيار للبائع كانت السلعة من مال البائع ولا يلزم المشتري شيء.
قال أبو حنيفة: هو من مال البائع وأوجب القيمة على المشتري، وقال الشافعي بوجوب القيمة.
وإنما قلنا: إنه من مال البائع لأن البائع لم يطلق البيع لم جعل لنفسه خياراً فيه، ولم يرض بخروج الشيء عن ملكه مالم يبطل الخيار. كما لو ساوم ولم يوقع العقد لم يخرج عن ملكه مع أن الخيار له لو وجبت فيه أيضاً الشفعة، ويكشف ذلك أن الخيار إذا كان للمشتري فللشفيع فيه الشفعة لأن الملك قد انتقل إلى المشتري.
ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا)، وهما لم يتفرقا لأن التفرق حكماً، وإذا ثبت أنه من مال البائع وجب أن لا يلزم المشتري فيه إذا تلف شيء كالوديعة والعارية والعبد المستأجر.
والمعنى أنه قبضه بإذن صاحبه، وهو على ملكه فيمكنه الرجوع فيه متى شاء من غير إن كان حفظه مضموناً عليه، وليس يلزم عليه المغصوب لأن قبضه بغير إذن مالكه ولايلزم عليه المقبوض على بيع فاسد لأنه قد ملكه المشتري، وخرج عن ملك صاحبه عندنا، ولا يلزم الرهن عليه، لأن صاحبه لا يمكنه الرجوع فيه متى شاء، ولا يلزم عليه ضمان الأجير المشترك، ولا العارية المضمونة، لأن الحفظ مضمون فيهما على القابض.
فإن قيل: فقد قبضه على الضمان.

(73/10)


قيل: ذلك غير مسلم لأنه ضمن بشرط انقطاع خيار البائع، ولو صح ذلك أيضاً لم يجب ضمانه، لأنهليس كل مقبوض على الضمان يجب ضمانه كما أن المضارب لو قبض مال المضاربة على الضمان لم يجب الضمان، وكذلك المودع لو قبض على الضمان لم يجب الضمان.
فإن قيل: روي أن عمر أجرى فرسااً أراد أن يشتريه فتلف فحكم عليه شريح بالقيمة، فإذا لزمته القيمة لأنه تلف في يده، وقد أراد أن يشتريه فأولى أن يلزم المشتري، المشتري، وإن كان للبائع فيه خيار لأنه أوكد حالاً ممن أراد الشراء.
قيل له: يحتمل إيجابه أن يكون عمر كان منه في إجراء الفرس جناية، وإن تلفه كان لتلك الجناية فلذلك ضمنه شريح.
مسألة:
قال: فإن زادت السلعة والخيار للبائع كان على خياره ولو نقصت كان للمشتري فيها الخيار.
وذلك أنا قد بينا أن السلعة على ملك البائع فإذا كانت على ملكه لم يوجب زيادتهاا ولا نقصانها خروجها عن ملكه، ولو أبطلنا خياره أوجبنا خروجه عن ملكه.
وقلنأ: إنها إن نقصت صار للمشتري فيها الخيار؛ لأن العيب حدث فيها وهي في ملك البائع فوجب أن يكون للمشتري خيار رد العيب كما أنه لو اشترى معيباً كان له ذلك لأنه يملك بانقطاع خيار البائع والعيب حدث قبل ذلك.
مسأألة:
قال: ولو كان الخيار للبائع والمشتري جميعاً فماتا أو مات أحدهما بطل الخيار وثبت البيع.
تحصيله أن من مات منهما بطل خياره. فإن ماتا جميعاً بطل خياراهما ومن بقي بقي خياره منهم وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: الخيار يورث.
ووجهه أنه حق يسقطه مرور االازمان مع السكوت فوجب أأن لا يورث.
دليله خيار القبول، ويقاس عليه، وعلى خيار الوصي بفسخ الوصية في أنه لا يورث بعلة أنه خيار لا يجوز أن يتحول مالاً كخيار الرد بالعيب، أألا ترى أن العبد المعيب لو مات في يد المشتري رجع على البائع بأرش العيب فيتحول خياره مالاً ويجوز أيضاً أن يصالح عنه على مال فيتحول مالاً.

(73/11)


فإن قيل: الخيار إنما جعل لتدارك ندامة إن لحقت، أو عيب إن ظهر، والوارث والموروث في هذا سواء؟
قيل له: وكذلك خيار القبول جعل ليقبل المشتري إن رأى حظاً، أو يترك إن رأى عيباً، ويستوي في هذا الوارث والموروث، ولا يجب أن يورث فكذلك خيار الشرط.
فإن قيل: هو حق ثبت إلى أن مات من هو له فيجب أن يورث كسائر الحقوق؟
قيل له: هذا منتقض بخيار القبول وخيار الوصية.
قال: وكذلك إن جاز الوقت الذي هو أمد الخيار وسكت بطل الخيار، وهذا مما لا لاف فيه، ولا اشكال، لأن العقد وقف على الخيار إلى تلك المدة فإذا مضت المدة والخيار لم يحصل بطل الخيار، وإذا بطل االخيار ثبت العقد واستقر كما أنهما لو أبطلا الخيار قبل المدة ثبت البيع.
ويقال في الخيار لا يورث إذا مات من له الخيار سقط حقه من الفسخ فوجب أن يستقر البيع دليله إذا سقط بمضي مدة الخيار.
فإن قيل: لسنا نسلم أن حقه سقط لكنا نقول: إنه تحول إلى الوراث؟
قيل له: معنى قولنا: سقط أنه لا يصح منه استيفاؤه على وجه من الوجوه، وهذا الواجب في جميع حقوق الميت.
ألا ترى أنه لو وكل وكيلاً يقوم مقامه في استيفاء حقه بطلت وكالته بموته، ولم يجز أن يستوفيه فبان أن حقه قد سقط.
يوضح ذلك أنه لا فصل بين أن يعقدا على أن له خيار كذا، وبين أن يعقدا على أه إن اختار الفسخ إلى كذا فسخ، لأن كل واحد من اللفظي يقوم مقام صاحبه، وقد علمنا أنه عقد على أنه يفسخ إن اختار وإذا مات بطل الشرط؛ لأنه لا يصح منه الإختيار إذاً بعد الموت، وإذا بطل الخيار بموت البائع ثبت البيع، كما أنه يثبت مبضي المدة لبطرن الخيار.
مسألة:
قال: وإن كان الخيار اللمشتري ومات قبل انقضاء مدته بطل الخيار، لأن الخيار لا يورث، فإن كانت المسألة بحالها ومات البائع كان المشتري على خياره، وإن كان الخيار للبائع ومات قبل مدة الخيار بطل الخيار، وإن مات المشتري والخيار للبائع فهو على خياره، وإن مات البائع والمشتري بطل خيارهما.

(73/12)


وهذه المسائل كلها مبنية على أن الخيار لا يورثن وقد مضى الكلام فيه فلا معنى لإعادته.
مسألة:
قال: وإذا زال عقل من له الخيار ثم ثاب إليه قبل مدة الخيار كان على خياره، وإن لم يثب إليه عقله كان الخيار لورثته.
قلنا: من كان منهم ولياً وبه قال الشافعي.
ووجهه أن حقوقه أجمع باقية، وزوال عقله لا يبطل منها شيئاً، وهو بمنزلة الطقل في أن حقوقه ثابتة، فإذا عجز عن استيفاء حقه وليه فيه مقامه، كالطفل لما لم يصح منه استيفاء حقه قام وليه فيه مقامه، والولي هو الأب أو الجد، أو من نصبه الحاكم له.
مسألة:
قال: ولو أنه ارتد عن الإسلام، ولحق بدار الحرب صار الخيار لورثته، فإن رجع إلى الإسلام قبل مدة الخيار كان على خياره، وإن رجع بعدها بطل خياره، وذلك أن لحوقه بدار الحرب وإن كاان بمنزلة الموت في كثير من الأحكام فليس هو موتاً بالحقيقة، ولا خلاف أن ماله لو اقتسم وهو باق بعينه فرجع إلى الإسلام أنه أولى بمله فبان أن حقوقه لم تنقطع كما تنقطع بالموت لأنه ممن يصح له الرجوع إلى حقوقه على بعض الوجوه فجاز أن يقوم وليه مقامه في مدة الخيار مادام حياً وإن عاد في مدة الخيار فهو أولى بحقه إن كان باقياً. كما أنه ألوى بما كان باقياً من سائر أملاكه وحقوقه.
فإن جاز بعد مدة الخيار فلا خيار له، لأن خياره يكون قد بطل بمضي المدة لأن الخيار لا يبقى بعد مضي المدة.
واالذي يوجبه القياس أن من زال عقله أو اارتد إن كان وليهما أبطل ما كان لهما من الخيار ثم رجع إلى المجنون عقله، وعاد المرتد إلى الإسلام أنهما لا خيار لهما لأن فعله عليهما يجوز في تلك الحال.
مسألة:
قال: وإذا اشترى رجل حيواناً، واشترطا أو اشترط أحدهما الخيار فاختار من له الخيار الرد كان علفه على البائع في أيام الخيار، وإن كان له لبن كان أيضاً للبائع.
وكذلك القول إذا كان المبيع مما يستغل حيواناً كان أو غيره.

(73/13)


ووجهه أن العقد ينفسخ إذا حصل خيار الرد كانه لم يقع يوم وقع فيجب أن تكون السلعة كأنها كانت على ملك صاحبها كما كانت فيجب أن تكون منافعها له ومؤنها عليه كسائر االأملاك لهن ولا يجب أن يكون المشتري متبرعاً بما أنفق، لأنه هو والبائع دخلا فيه على سبيل المعاوضة فيجب أن يستحق العوض بما أنفق.

(73/14)


باب القول في شروط البيع
الشروط التي ينعقد عليها البيع ثلاثة: فشرط يفسد البيع، وشرط مع البيع، وشرط يثبت البيع دونه.
وهذه قسمة لا يخرج عنها شيء من الشروط، ولا خلاف في هذه الجملة، وإنما الخلاف في تفاصيلها، ونحن نبين ما نذهب إليه في كل واااحد من هذه الوجوه.
مسألة:
فالشرط الذي يفسد به البيع هو ما اقتضى جهالة في المبيع نحو أن يبيع الرجل غنماً أو ثياباً أو غير ذلك، واستثنى واحداً لا بعينه، وهذا ممالا خلاف فيه إذ لا خلاف أن الجهالة في البيع يفسده، والجهالة في البيع يفسده، والجهالة في الثمن، وإما أن يكون جهالة في المبيع.
ولا خلاف أن كل واحد من هذه الجهالات تفسد البيع لأنه من الغرر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الغرر، وإذا باع غنماً أو ثياباً واستثنى وااحداً لا بعينه صار المبيع مجهولاً؛ لأنه لا يدري واحد منهما ما الذي تناوله العقد فلا يتميز الذي تناوله العقد من الذي لا يتناوله، وليس هذا مثل ما قلناه في من باع عدلاً على أن فيه مائة ثوب فوجده مائة ثوب، وثوباً فيكون المردود واحداً وسطاً لأن كون االمردود وسطاً يزيل التفاوت فيشبه المكيل والموزون، وها هنا يستثني ما يختاره البائع فيبقى التفاوت الموجب للجهالة.
على أنا ذكرنا هناك وجهاً آخر، وهو أنا قلنا: إنه يحمل على أنه باع مائة جزء وجزء، هذا لا يتأتى في هذه المسألة لأنه اشترط أن يستثني ما يختاره.
مسألة:
قال: وكذلك إن باع وااشترط لنفسه أو للمشتري خياراً إلى أمد غير معلوم، ويكون أيضاً ذلك فاسداً، وهذا أيضاً لا خلاف في فساده، وذلك أن العقد يكون مجهولاً لأنه لا يستقر ولا يدري غاية وقت تأتي الفسخ، ولا وقت تمام البيع.
مسألة:
قال: وكذلك إن باع تمراً في ظرف على أرطال معلومة وااشترط المشتري أن يطرح للظرف مقداراً معلوماً من غير أن يعرفا وزن الظرف كان البيع فاسداً، وذلك أن االتمر المبيع يكون مجهولاً لأنه لا يدري كم قدره.
مسألة:

(74/1)


قال: وكذلك إن باع شيئاً يكون بكذا وكذا دينار على ان يدفع بالدنانير كذا وكذا قفيزاً من االطعام كان البيع فاسدااً.
وهو أيضاً لا خلاف في فساده لأن الثمن يكون في حكم المجهول، لأن العقد وقع على الدنانير، وااشترط غيرها فلم يستقر واحد منهما.
وأيضاً نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيعتين في بيع، وعن شرطين في بيع، وهذا من تلك الجملة.
ويجري مجرى هذا أأن يقول: بعتك نقداً بكذا، وإلى الفطر بكذا والأضحى بكذا.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام، وإذا ااشترى شيئاً بكذا واشترط أنه يرجحه كان ذلك أيضاً فاسدااً، لأنه يكون الثمن مجهولاً لا يدري معه مقدار الرجحان، وقد اشترى بكذا وكذا مع الرجحان، وإن كان ااشتراط الرجحان في السلعة صار المبيع مجهولاً.
قال: وإن لم يشترط ثم استرجحه وطابت به نفس البائع كان ذلك جائزاً، وذلك أن العقد وقع صحيحاً، ولا يؤثر فيه الرجحان الواقع بعد، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشترى سراويل فقال لواازن الثمنك زن وأرجح.
مسألة:
قال: والشرط الذي يثبت مع العقد هو ماكان صفة للمبيع، أو البيع من غير أن يقتضي جهالة فيه، أو كان مما يصح عقده على العوض منفرداً.
وذلك أنه لا خلاف أن البيع يصح مع اشتراط صفة المبيع والمبيع، كأن يشتري جارية على أنها طباخة، والعبد على أنه حجام أو خباز، الدابة على أنها هملاج، وكذلك البيع على خيار الثلاث، وذلك صفة البيع.
وكذلك أن يكون اثمن نقدااً بعينه، أو إلى أجل مسمى فصار ذلك أصلاً ف جواز البيع على اشتراط صفة المبيع أو صفة الثمن أو البيع إذا لم يؤد ذلك إلى الجهالة فلذلك قلنا بهز
وأما ماا يصح افراده بالعقد فيجوز أن نضم إلى العقد كمنا أن أن الشيئين لما صح أن نفرد كل واحد منهما بالعقد جاز أن يجمع بينهما في عقد واحد، وسنوضح هذا بأكثر من هذا عند ذكر المسائل.
فإن قيل: فقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن شرطين في بيع، وعن بيعتين في بيع.

(74/2)


قيل له: معناه ما ذكرناه من البيع على أنه بكذا نقداً، أو بكذا نسية، وما يجري مجاه إذ لا خلاف أن المبيع يجوز أن يشرط فيه شروط بعد أن لا يؤدي إلى الجهالات كأن يبيع العبد على أنه خياط، وخباز، ويشترط مع ذلك خيار الثلاثة للبائع، وأن يكون الثمن مؤجلاً، وكذلك شروط سواها، ولا خلاف في أن البيع يصح معها، وتصح هي وإن اجتمت فبان أن المراد بالنهي عن شرطين في بيع ما قلناه ويمكن أن يجعل ذلك أصلاً يقاس عليه سائر ما اختلفنا فيه.
مسألة:
قال: وكذلك إن اشترى الرجل من الإبل والبقر والغنم ما يحلب على أنها تحلب قدراً من اللبن أو على انها حامل فإن يثبت البيع، ويجب الشرط يفسد البيع عند أبي حنيفة.
ووجه صحته أن كونها مما تحلب قدراً من اللبن، وكونها حاملاً صفة لها لا يقتضي الجهالة فوجب أن يصح البيع ويجب الشرط.
دليله إذا اشترى الجارية على أنها طباخة، والعبد على أنه خباز، والدابة على أنها هملاج، بعلة أنه اشتراها واشترط من صفاتها مالا يؤدي إلى الجهالة.
فإن قيل: فقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع المضامين والملاقيح؟
قيل له: معناه بيع اللبن في الضرع دون الناقة وشراء الحمل دون الحامل، وذلك مما لا نجيزه، ولا خلاف أنه يجوز أن يشتري شاة حلوباً وناقة حاملاً فجاز أن يشترط ذلك.
فإن قيل: فاللبن مجهول القدر، وكذلك الحمل ممالا يصح أن يعلم؟
قيل له: هذا وإن كان كذلك فإنه لا يقتضي جهالة في المعقود عليه لأنه إن وجد على الصفة التي ذكر تم البيع، وإن لم يوجد كان للمشتري الخيار في الرد.
على أن اللبن قدره مما يضبط ويعرف من طريق العادة حتى لا يتعترض الجهالة إلا في اليسير الذي لا معتبر به منه، وذلك القدر من الجهالة قد يعرض في الطبخ والخياطة إذا ابتعت جارية على أنها طباخه والعبد على أنه خياط لأن الصبخ يتفاوت وكذلك بخياطة ولا يمنكن أن يضبط ذلك حتى لا يكون فيه جهالة يسيرة، لأنها لا معتبر بها فكذلك ما قلناه.

(74/3)


والحبل مثل الصحة لأنه يعلم بغاالب الظن، الا ترى أنه يصح بيع العبد على أنه صحيح والجارية على أنها صحيحة، وإن جاز أن يكون في باطنها علة أو داء يسير لا معتبر بمثله فكما صح البيع على شرط الصحة صح على شرط الحمل لما بيناه.
والعلة أن كل واحد منهما يصح كل واحد منهما يصح أن يعلم بغلب الظن.
وإذا صح بما بيناه أن البيع على ذلك يصح ولم يجده ما شرط جاز له ان يرده لأنه لا خلاف أن من اشترى سبأ على صفه يصح البيع عليها فوجده على خلاف تلك الصفة فله رده إذا كان ما عليه السلعة أنقص مما شرط له.
وقلنا: إذا رده وقد حلب اللبن واستهلكه رد معه عوضاً من لبنه لأنا قد قدمنا أن الرد بالخيار يوجب فسخ المبيع فتصير في الحكم كأن المبيع لم يكن وقع، وكأن الشيء لم يزل عن ملك البايع فيجب أن تكون منافعه له.
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثاً فإن رضيها وإلا رد معها صاعاً من حنطة).
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في من اشترى مصراة أنه بخير النظرين بين أنه يختارها، وبين أن يردها وأناء من طعام).
وفي بعض الأخبار صاعاً من تمر، وفي بعضها صاعاً من لبن.
وروى الجصاص عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من باع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيامن فإن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحاً.,
فدلت هذه الأخبار كلها على أن اللبن يجب أن يكون للبائع، وأن المشتري إذا كان قد استهلكه فعليه عوضه.
ويدل على ذلك أنا لو جعلنا اللبن للمشتري، وقد انفسخ البيع كنا قد جعلناه بغير عوض، ولا يجوز أن يجعله بغير عوض دخلاً في العقد على سبيل المعاوضة.

(74/4)


وقول أبي حنيفة: إن من اشترى شيئاً من ذلك، وبقي عنده وحلبه، وأراد رده بعيب فليس له ردهن وإنم يرجع على البائع بأرش النقصان، وهو قول محمد، وروي عن أبي يوسف يرده، ويرد معه صاعاً من تمر على مافي الأخبار التي قدمناها، وبه قال الشافعي.
فأما أبو حنيفة فالأخبار التي قدمناها تحجه، وقد اضطرب فيها أصحابه فروى الطحاوي في شرح الآثار عن محمد بن شجاع أنه قال: إنها منسوخة بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم البيعان بالخيار مالم يفترقا، قالك فقطع الخيار بالتفرق فيجب أن لا يكون له خيار الرد بالعيبن ولا خلاف بين المسلمين أن التفرق لا يقطعه، ولا ما يجري مجراه من خيار الرد إذا لم يجده على الصفة التي شرطت للمشتريز
وحكي عن عيسى بن أبان أنه كان حين كانت العقوبة بالأموال، ولما نسخه للوجه أوجبه عوضاً عن اللبن الذي استهلكه، لا على سبيل العقوبة فكيف نسخه للوجه الذي ذكره.
على أنه جعل وجه العقوبة فيه أن جعل اللبن المحلوب ثلاثة أيام عوضه صاع من تمر، ولعلة يساوي أضعاف ذلك فيقال له، ولعل اللبن لا يساوي ربع صاع من تمر، وهو لا ذنب له، الذنب للبائع الغار فبان بذلك بطلان هذا الوجه.
وقال أبو جعفر الطحاويك يجب نسخه بنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الدين بالدين، وذلك مما رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن بيع الكالي بالكالي.
قال: وذلك أن اللبن كان في الضرع يوم العقد وتناوله العقد فجعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمشري وهو مستهلك بصاع من تمر يرده مع الشاة والصاع أيضاً دين.
قيل له: الصاع ليس بدين، لأنه يرده مع الشاة فكيف يكون ديناً، وهذا أبعد مما تقعدم.
وقال أبو بكر الجصاص: يحتمل أن يكون المراد بذلك بيع فاسد، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم برد عوض اللبن.
قيل له: كيف يصح هذا التأويل، وفي الخبر أنه بخير النظرين إن شاء رضيها، وفي بعض الأخبار: (وإن شاء أمسكها).

(74/5)


فأما ما ذهب إليه أبو يوسف والشافعي أنه يردهااا ويرد صاعااً من تمر فالأخبار الواردة تدل على خلاف ذلك، بل تدل أن قصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان رد العوض لأنهم كانوا بذلك يتعاملون ويتبايعون لعوز الدراهم وقلتها، فكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى ماهو عوض للبن ألا ترى في بعض الاخبار( إنا من طعام)، وفي بعضها: (صاع من تمر)، وفي بعضها: (صاع من بر)، وفي بعضها: (مثلي لبنها من قمح)، وهذه الأخبار متى حملت على ما قلناه كانت محمولة على موافقة الأصول لأن الأصول توجب أن لا يضمن الإنسان إلا مقدار ما يستهلك من مال الغير.
ومتى حملت على ما قالوه كانت محمولة على أن اللبن الذي يساوي صيعاناً عدة من التمر إذا استهلكه ضمن عنه صاعاً من تمر وإلى أن يكون الذي لا يساوي مع الشاة التي حلب منها صاعاً من تمر يضمن المشتري عنه صاعاً من تمر فوضح أن الصحيح ما ذهبنا إليه.
وليس لأصحاب أبي حنيفة أن يستدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الخراج بالضمان)، لإبطال ضمان المشتري لأن أخبار المصراة قد أوجبت ذلك كما لا خلاف في أن الغاصب وإن كان ضامناً فإن اللبن لا يكون له، وكذلك من أخذ الشاة ببيع فاسد فحلبها.
مسألة:
قال: وكذا من اشترط في البيع الخيار مدة معلومة ثبت الشرط مع البيع، وهذا لأنه صفة للعقد، ولم يقتض فيه جهالة، وقد مضى الكلام في باب خيار البائع فلا طائل في إعادته.
مسألة:
قال: وكذا إن اشترى طعاماً على أن يحمله البائع إلى منزله، أو حنطة على أن يطحنها أو ثوباً على أن يخيطه، أو ناقة على أن ترضع فصيلاً للبائع مدة معلومة ثبت الشرط في جميع ذلك مع البيع، لأن ذلك مما يصح عقده على العوض منفرداً فصح أن يضم إلى عقد البيع.

(74/6)


والأصل فيه مارواه الشعبي عن جابر بن عبدالله أنه كان يسير مع رسول الله على جمل له فأعياً فأدركه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (ما شأنك ياجابر؟ قال: أعيا ناضحي يارسول الله، فقال: معك شيء فأعطاه قضيباً أو عوداً عنخسه، أو قال: فضربه فسار سيراً لم يكن يسير مثله، فقال في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعينيه بأوقية؟ فقلت: يارسول الله ناضحك، قال: فبعته بأوقية واستثنيت حملانه حتى أقدم إلى أهلي)، فلما اشترى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناضحه على الشرط الذي ذكره صار ذلك أصلاً في صحة كل بيع بيع مع شرط أمر يصح أن يعقد عليه بالعوض على الإنفارد على مابيناه.
فإن قيل: في آخر الخبر أنه لما أتى المدينة أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبعير فقال: هذا بعيرك فقال: ترى أني إنما حئتك لأذهب ببعيرك يابلال اعطه أوقية، وقاال: أنطلق ببعيرك فإنها لك.
فدل ذلك على أن البيع لم يكن وقع.
قيل له: ليس فيه دليل على ذلك بل الظاهر منه أن البيع كان انعقد وصح، ولهذا أمر بتوفية الثمن لكنه صلى الله عليه وآله وسلم على عادة كرمه منحه البعير بعد أن ملكه عليه، وكيف يصح هذا التأويل مع قول جابر: فبعته منه بأوقية واستثنيت حملان.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن شرطين في بيع، وهذا من ذلك، وكذلك عن بيعتين في بيع؟
قيل له: معناه عندنا أن بيع السلعة على انها بالنقد بكذا، أو بالنسبة بكذا، أو على أنها إلى أجل كذا بكذا، وإلى أجل كذا بكذا درهماً، على أن تعطيني بها دنانير.
فإن قيل: عموم ما ذكرناه يقتضي فساد البيع الذي اختلفنا فيه.
قيل له: لو كان ذلك كذلك كان يخصه حديث جابر، ومن أصلنا بناء العام على االخاص، ويكون من اشترى طعاماً على أن يحمله البائع، تقديره من اشترى الطعام واستأجر البائع يحمله، فيكون الثمن ثمناً للطعام، وأجره للحامل مقسطاً عليهما، وكذلك سائر ما ذكرناه إلى آخر المسألة.

(74/7)


فإن قيل: إذا كان الطعام في حال ما يستأجر المشتري صاحبه على حمله يكون بعد في ملكه فكيف يصح هذه الإجارة، لأنه لا يصح أن يتأجر الإنسان على أن يبني دار نفسه، ويخيط ثوب نفسه، ويحمل طعام نفسه.
قيل له: لا تمتنع صحتها إذا كانت الإجارة يصادف تمامها استقرار الشيء في ملك المشتري فلا تكون الإجارة واقعة على ملك البائع، بل على ملك المشتري.
يوضح ذلك أن أهل العراق يجوزون شراء آلة النقل على أن يشركها البائع، ولا وجه لصحتها غير ماقلناه.
وعلى هذا النحو جوابنا إن قيل فيما رويناه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشترى بعيراً من جاابر، واشترط جابر ظهره إلى أن يعود إلى المدينة فكيف يجوز ظهر البيع ثمناً له، وهو بعد في ملك البائع لأنتا نقول: إن ذلك لا يستقر كونه ثمناً إلا مع استقرار ملك المشتري للبعير.
وروي أيضاً عن جابر أنه قال: بعت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ناقة وشرط لو حملانها إلى المدينةن فدل ذلك أيضاً على صحة ما ذهبنا إليه في هذا الباب، وهو كالنص فيما قلناه من بيع الناقة على أن ترضع فصيلاً للبائع مدة معلومة، على أن ما أجازه من بيع النعل بشرط التشريك يمكن أن نجعله أصلاً فيما ااختلفنا فيه، فنقول: إذا كان بيعاً قد شرط فيه ما يصح افراد عقده على عوض ولم يقتض جهالة وجب أن يصح البيع والشرط فكذلك سائر ما اختلفنا فيه، ويستدل عليه بقول الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، وقد عقدوا للبيع والشرط فيجب الوفاء بهما، وبقوله عز وجل: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}، وهذه تجارة عن تراض وبقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (المسلمون عند شروطهم).
مسألة:
قال: وكذلك إن اشترى عبداً واشترط على البائع ثمنه إن أبق إلى وقت معلوم صح البع والشرط جميعاً.
معنى قوله: واشترط ثمنه أن لا يابق العبد ويفسخ البيع ويسترد الثمن.

(74/8)


ووجه صحة هذا أنه اشترط أن لا يأبق العبد إلى ذلك الوقت، وجعل تركه الإباق في تلك المدة صفة للمبيع فوجب أن يصح البيع والشرط كبيع العبد على أنه خياط واالدابة على أنها هملاج، وهذا قد مضى بيانه في نظائره.
مسألة:
قال: والشرط الذي يثبت البيع دون ما خلف الشروط التي بيناها بأن لا يكون صفة للمبيع ولا للبيع، ولم يقتض جهالة في العقد، ولا كان مما يصح عقده منفرداً نحو أن يشتري جارية على أن يتعخذها أم ولد، فإن البيع يصح دون الشرط.
والأصل في هذا ما روي أن عائشة اشترت بريرة على أن تعتقها، وشرط البائع الولاء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الولاء لمن أعتق)، وفي بعض الأخبار أن عائشة قالت لرسول الله صلي االله عليه وآله وسلم: إن أهلها يقولون: نبيعكها على أن ولاءها لنا، فقال: (لا يمنعك ذلك، فإنماا الولاء لمن أعتق)، فثبت بهذه الأخبار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أثبت البيع وأبطل الشرط.
فإن قيل: روي أن بريرة كانت كوتبت فجاءت عائشة تستعين فقالت: إن أحب أهلك أعطيتهم ذلك جملة، ويكون ولاؤك لي؟ فذهبت إلى أهلها فعرضت ذلك عليهم فأبوا. وليس في هذا الحديث أنهم كانوا يشترطون ذلك في البيع.
قيل له: يجوز أن يكون اختصر الرواي ذلك وسائر الرواة رووه على مابيناه.
ويدل على أنهم اشترطوا في البيع ـ ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قام عند ذلك فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد ما بال اقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق)، فكيف يقول صلى الله عليه وآله وسلم لولا أنهم كانوا اشترطوا الولاء.
فإن قيل: روي أن زينب زوجة عبدالله بن مسعود باعت عبدالله جارية واشترطت خدمتها فذكرت لعمر فقال: لا تقربنها ولأحد فيها مثنوية.

(74/9)


فدل ذلك من قوله على فساد البيع، وتابعه على ذلك عبدالله، ولم نحفظ فيه خلافاً. قيل له: ليس في االحديث أن عبدالله تابعه على ذلك، ولعل ذلك كان اجتهاد عمر، ولا يجب أن لا يخالف.
على أنه يجوز أن يكون كراهة وطئها للخلاف، فقد استحب الإحتياط في أمر الفروج.
على أنه ليس في الحديث أنه اشترط خدمتها مدة معلومة، وذلك يقتضي الجهالة ويوجب فساد البيع.
ودل كلامه في الأحكام والمنتخب عند ذكر خبر بريرة، على أن من باع عبداً واشترط الولاء لنفسه ثبت البيع والشرط يبطل، ووجه النص الوارد فيه.
مسألة:
قال: وكذلك إن اشتراها على أن لا يطأها ثبت البيع دون الشرط.
ووجهه ما مضى من انه لا يوجب الجهالة، وليس هو مما يجوز أن يفرد بالعقد على العوض فوجب أن يسقط الشرط ويثبت البيع.
قال: وإن كان البائع قد نقص من الثمن شيئاً لهذه الشروط فله أن يرجع فيه، وهذا لفظ المنتخب، وكان أبو العباس يقول: إن كان ترك من القيمة شيئاً، ويجعل الثمن عبارة عن القيمة، وشبهه بمن تزوج امرأة على مالا يلزمه الوفاء به، ونقصته من أجل ذلك الشرط من مهر مثلها في أهنا ترجع بما نقصته منى لم يف الزوج لها به.
ويمكن أن يقال فيه: أنه إذا باعها بألف على ذلك الشرط، ثم أبرأه من مائة لذلك الشرط أنه يرجع فيها إذا لم يف لأن البراءة لم تقع مطلقة، وإنما وقعت مشروطة، فإذا لم يوجد المشروط لم يثبت البراء، وهذا هو الأول لموافقة لفظ المنتخب في ذكر الثمن دون القيمة.
قال: ويستحب الوفاء بهذه الشروط مالم تؤد إلى الملآثم لا خلاف فيه، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (المسلمون عند شروطهم).

(74/10)


بالب القول في المرابحة
ولو أن رجلاً اشترى سلعة ثم باعها ثم اشتراها ثانياً بأكثر من ثمنها رغبة فيها فإنه لا يبعها مراحبة، إلا على الثمن الأول، أويبيعها مساومة.
ووجهه أن الناس يتبايعون ما يتبايعون بحسب قيمة السلعة، أوبما يقع التغابن به في الزيادة والنقصان، فإذا اشتراه لغرض له يختصه بأكثر من ثمنه وباعه على ذلك كان ذلك خيانة، وذلك أن معنى الخيانة أن يكون البيع في الظاهر أفضل، وفي الباطن أنقص للمشتري، وقد حصل ذلك في هذا البيع، لأنه في الظهر مشترٍ بمثل قيمته على العرف والمعتاد، وفي الباطن مشترٍ بأكثر من ذلك، فهو في الباطن أنقص للمشتري، فلم يجز بيع ذلك مرابحة لما فيه من الخيانة، وأجاز بيعه مرابحة على الثمن الأول ليسلم من الخيانة، أو يبيعه مساومة، لأن له أن يبيع ماله بما شاء.
مسألة:
قال: واو أن رجلين اشتركا في سلعة فابتاعاها بخمسين ديناراً، واسترخصاها فتقاوماها بينهما بستين ديناراً، واشترى أحد الشريكين نصيب صاحبه بثلاثين ديناراً فإنه لا يبيعها مرابحة على الستين ديناراً، وإنما يبيعها على خمسة وخمسين ديناراً.
ووجهه أنه اشترى بخمسة وخمسين ديناراً، لأنه اشترى نصيبه الأول بخمسة وعشرين دينااراً، والثاني الذي اشتراه من شريكه بثلاثين ديناراً فحصلت السلعة له بخمسين وخمسين ديناراً، فجاز له أن يبيعه مرابحة على ذلك، ولا يجوز له أن يبيعه مرابحة على ستين، لأن ذلك يكون خيانة لأن بيع المرابحة هو على الثمن دون القيمة، لأنه ملكه بالثمن أعني البائع.
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع الثياب على الرقوم مرابحة، إلا أن يكون رقمه رقماً صحيحاً بعد أن عرف ماغرم فيه من الثمن والقصارة والكراء وغير ذلك، ويبينه للمشتري، فإذا كان ذلك كذلك فلا بأس ببيعه كذلك مرابحة.
اعلم أن بيع الثياب على الرقوم يكون ذلك على أوجه:

(75/1)


أحدهما ـ أن يكون الرقم غير معلوم لهما بأن يكون ثوباً مطوياً، أو يكون لا يتفقان على الرقم فالبيع على هذا باطل نص عليه في الأحكام، وذلك أن الثمن مجهول لهما، أو يجري مجرى المخاطرة والقمار، وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً.
والوجه الثاني ـ أن يكون يفرفان الرقم ومقداره، ولا يعفان هل هو صحيح أم لا كأن يكون الرقم مائة، ولا يدرى أن الثوب اشترى بمائة أو أقل أو أكثر، فهذا يجوز البيع عليه مساومة، لأنه لا فرق بين أن يقول: بعتك هذا الثوب بمائة، وبين أن يقول بهذا الرقم، وهما يعلمان أن الرقم مائة فيجب صحة االبيع لأن الثمن معلوم بينهما على ما بيناه فلا وجه لإفساد االبيع.
االثالث ـ أن يكون عارفين بالرقم، ويكون الرقم صحيحاً على ما ذكره في الكتاب فيجوز البيع على ذلك مرابحة، لأن رأس المال يكون معلوماً فيصح بيع المرابحة عليه، ويبين ذلك للمشتري، أو يقول: قام علي بكذا، ولم يقل اشتريت فإنه كذب.
ومعنى قوله: الثمن والقصارة وغير ذلك ما جرت عادة التجار أن يضم إلى التجارة نحو الصبغ وأجرة الصباغ والسمسار والمضارب أيضاً تضم ما انفقه على التجارة مما لا بد منه إذا كان ذلك قسطاً، ولم يكن اسرافاً.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً اشترى ناقة فعلفها وحلبهاا مثل قيمتها جاز له أن يبيعها مرابحة إذا علم المشتري أن مثلها تحلب.
وذلك أن المشتري إذا عرف أن مثلها تحلب ورضي أن يرابحه على الثمن صح ذلك بينهما، لأنه ليس فيه ما يجري مجرى الخيانة.
ويجيء على هذا من اشترى ثوباً بعشرة، ثم باعه باثني عشر، ثم اشتراه بعشرة، جاز أن يبيعه مرابحة على العشرة، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يبيعه بثمانية يحط من الثمن قدر ماربح وهو درهمان.
ووجهه ـ أنه وإن انتفع به من وجه، فالثمن الذي اشتري به عشرة، وتقع المرابحة عليه والمشتري يعلم أن الإنسان قد يتصرف في الشيء يبيعه مراراً، وقد يربح ويخسر.
(فصل)

(75/2)


لا نص ليحي بن الحسين عليه السلام في بيع المرابحة إذا كان فيه خيانة لكنه ذكر في الأحكام في رد المعيب أنا جعلنا للمشتري الخيار، لأنه دلس عليه، وخيانة ضرب من التدليس على المشتري فوجب أن يكون له الخيار على تعليل يحي بن الحسين بين أن يرضى بجميع الثمن، أو يرده ويفسخ البيع.
وبه قال أبو حنيفة ومحمد، وهو أاحد قولي الشافعي مادامت السلعة قائمة بعينها.
قال زيد بن علي عليهما لاسلام يحط االخيانة عن المشتري، وبه قال أبو يوسف في الأاصل والربح.
ووجه ما ذهبناا إليه أن ظاهر العقد خير للمشتري من باطنه في بيع صحيح فوجب أن يكون للمشتري الخياار في فسخ البيع.
دليله الرد بالعيب أو اشترى مؤجلاً، وباع مرابحة معجلاً، ولا خلاف أن للمشتري فيه الخيار دون الحط فكذلك ما اتلفنا فيه، فأما إذا كانت السلعة تالفة فلا شيء للمشتري فيه على البائع.
والذي يجيء على قول يحي بن الحسين عليه السلام أنه يحط عنه الخيانة لتنصيصه على أن المبيع إذا تلف في يد المشتري وبه عيب، يرجع بنقصان العيب، وبه قال الشافعي.
ووجه المسألة ما نقوله في الرد بالعيب.

(75/3)


باب القول في الرد بالعيب
من اشترى معيباً، وهو عالم بعيبه لم يكن له رده بذلك العيب.
وكذلك إن علمه بعد البيع فرضيه لم يكن له أن يرده بعد ذلك، وهذا مماا لا خلاف فيه.
ووجهه أن شراء المعيب يصح كالصحيح، وثبوت الخيار للمشتري في فسخ المبيع إنما كان للتدليس، فإذا اشتراه وهو عالم بالعيب لم يكن فيه تدليس فودب أن لا يكون له الخيار، وكذلك إن علم بالعيب بعد البيع ورضي به بطل خياره، لأنه كان مخيراً بين الرضاء والفسخ، فإذا اختار الرضاء ورضي به بطل حكم الفسخ، كما لو اختار فسخه بطل حكم الرضاء.
قال: وكذلك إن استعمله بعد علمه بعيب نحو أن يكون مملوكاً فيستخدمه، أو مركوباً فيركبه، أو ملبوساً فيلبسه، أو أرضاً فيستغلها، كان ذلك رضى وبطل خياره في الرد، وهذا مما لا خلاف فيه وذلك أن استعماله يدل على رضاه بالعيب فهو جار مجرى أن يقول: رضيت بالعيب.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام: إن عرضه للبيع بعد علمه بالعيب لم يكن ذلك رضاً، وكان له رده بعد ذلك، وبه قال زيد بن علي عليهما السلام، وعند أبي حنيفة يكون ذلك رضاً، وعند الشافعي خيار الرد على الفور، وسكوت المشتري بعد العلم بالعيب يكون رضاء.
والأصل في أن خيار الرد ليس على الفور، وأن السكوت لا يدل على الرضاء ماروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها فليحلبها فإن رضي حلابها أمسكها وإلا ردهاا ورد معها صاعاً من تمر).
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من اشترى مصراة فهو فيها بالخيار إلى ثلاثة أيام)، فجعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخيار هذه المدة، ولم يجعل خياره في الرد على الفور، ولم يجعل السكوت رضاء فوجب أن يكون ذلك حكم الرد بالعيب لأنهما جميعاً خيار الرد بالعيب.
فإن قيل: خيار المصراة مدة مضروبة فلذلك وجب ألا يكون خيار على الفور.

(76/1)


قيل له: لا يكون السكوت في المدة رضاء كذلك لايكون رضاء أبداً مع الإطرق لأن خيار الرد هو الإطلاق، ونعني به أنه ليس له مدة مضروبة كما لخيار الشرط.
فإن قيل: إذا عرف العيب فليس يخلو من أن يرضى به أو يسخطه، فإن رضي به أمسكه، وأن سخطه لم يكن له اسماكه.
قيل له: هذا يفسد من وجهين:
أحدهما ـ أنه لا يمتنع أن يسخط ولا يلزمه الرد في الحال كالمصراة، وخيار الشرط.
والثاني ـ أنه لا يمتنع أن يحصل له حال ثالثة، وهو أن يرى او ينظر هل له حظ في الإجازة والرضاء، او في الرد كما في المصراة ومن له خيار الشرط على أنا لسنا نسلم أن السكوت في كل حين دلالة الرضاء، لأن الساكت قد يسكت لترو، وقد يسكت مع السخط لأغراض له، وإن كان قد يسكت للرضاء، فلم يجب أن يجعل السكوت في كل حاال رضاء، فإذا ثبت ذلك وجدنا العرض للبيع مثل السكوت، لأن الإنسان قد يعرض الشيء للبيع، وهو لايريد البيع بل يريد أن يعرف حال الشيء فيما يساوي، ولأن العيب هو الذي ينقص من القيمة فلا يمتنع أن يعرض المبيع ليعرف مقدار ما ينقصه ذلك العيب لينظر هل يصلح له فيرضى أولا يصلح فيرد فوجب أن لا يكون ذلك رضاء، وأن لا يبطل به خيار الرد.
وتحرير العلة أن يقال: إن العرض للبيع قد يكون عن رضاء، وعن غير رضاء فلم يجب أن يجعل في كل حال رضاء كما في السكوت، وهذا الكلام إنما هو مع أبي حنيفة لأن السكوت ليس يكون على كل حال رضاء على ما تقدم بيانه.
مسألة:

(76/2)


قال: وللمشتري الخيار بين أان يرضى البيع، وبين أن يرده، وبين أن يمسكه ويأخذ من البائع نقصان العيب فإن أبا البائع ذلك حكم عليه برد الثمن وااسترجاع المعيب، وإما الرضى بالعيب فلا خلاف أنه للمشتري وكما يصح أن يشتري المعيب مع علمه بالعيب كذلك له الرضى بالعيب، وقوله: أو يأخذ من البائع نقصان العيب فإنه أراد على المصالحة وكان غرضه أن يبين أن هذا الصلح جائز متى تراضياه عليه، إذ من الصلح مالا يجوز وإن تراضيا به، يبين هذا قوله في آخر هذه المسألة في الأحكام فإن أبى البائع ذلك حكم عليه برد المبيع ـ الثمن ـ وأسترجاع الثمن ـ المبيع ـ وقد غلط في هذا بعض أصحابنا فظنوا أن للمشتري أن يجبر البائع على رد نقصان المعيب وهذا فاسد لما بيناه من قوله في آخر المسائل أن البائع إن أبى ذلك حكم عليه برد المبيع ـ الثمن ـ واسترجاع الثمن ـ المبيع، فبان أن قوله يأخذ نقصان العيب: المراد إن تراضيا به وتصالحا عليه على أن أخذ النقصان إنما يكون على وجهين أحدهما الحط من الثمن من أجد العيب إن كان المأخوذ من جنس الثمن وكان الثمن نقداً أو على وجه إلحاق الزيادة في المبيع بأصل العقد إن كان المأخوذ من غير جنس الثمن وكل واحد من الوجهين لا يصح إلا مع رضى البائع فبان أنه لا يجوز أن يحكم عليه بذلك وأنه إن أبى ذلك فلا يحكم عليه إلا برد الثمن واسترجاع المبيع على أن هذه الجملة أعنى أنه لا يحكم إلا بما قلنا ون ذلك جائز على طريق الصلح لا أحفظ فيه خلافاً بين العلماء.
فإن قيل: ألستم تقولون فيمن اشترى جارية فوطئها ثم وجد بها عيباً أنه يحكم على البائع بنقصان العيب.
قيل له: لأنه إذاثبت أنه لا سبيل إلى الحكم بردها ولم يجز أن يقر المشتري على الرضى بالعيب مع أنه اشترى على أنه صحيح لم يبق فيه إلا إجباره على الحط بمقدر نقصان العيب.
مسألة:

(76/3)


قال: ومن اشترى جارية فوطئها ثم ظهر له فيها عيب وجب له على البائع نقصان العيب وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي:
له ان يردها بالعيب والأصل في ذلك ما روى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام في رجل اشترى من رجل جارية فوطئها ثم وجد بها عيباً فألزمها االمشتري ثم قضى له على البائع بعشر الثمن، قال زيد عليه السلام كان نقصان العيب العشر، فإن قيل: فقد روي عن عمر أنه حكم بردها ورد عشر ثمنها إن كانت بكراً ونصف العشر إن كانت ثيبا،ً فما تنكرون على من قال ذلك؟
قيل له: عندنا أن علياً عليه السلام أولى بالأتباع، وقوله عندنا حجة وليس كذلك قول غيره، على أن قول عمر لا أعرف به اليوم قائلاً لأن أبا حنيفة يقول مثل قولنا والشافعي يقول في الثيب يردها بالعيب ولا يجعل للوطء حكماً ويقول في البكر مثل قولنا فإذا سقط قوله بقي قول علي وحده، فجرى مجرى الإجماع منهم لأنه لم يرو عنهم في ذلك إلا قول علي وقول عمر وتابعه ابن مسعود وسقط قول عمر وابن مسعود فلم يبق إلا قول علي عليه السلام، فأما ما ذهب إليه الشافعي في الثيب فهو مخالف لإجماع الصحابة لأن الكل منهم يحكم بخلافه على ما بينااه فوجب سقوطه في هذا الوجه وأيضاً لو ردها بعد الوطء بالعيب كاان ذلك فسخاً للبيع ولو فسخه لعادت إلى البائع كما كانت وصار البيع كأن لم يكن فيحصل الوطء في الحكم كانه وقع في ملك البائع وكل من وطء في ملك الغير لا بد فيه من حد أو مهر فلو ردها لوجب أن يرد معها المر وذلك باطل بالإجماع فبطل الرد إذ يصح إلا مع أمر صح بطلانه.
فإن قيل: أليس للبائع إن رضي باخذها مع العيب صح ذلك ولا ـ هو ـ يؤدي على ما ذكرتموه أن يحصل الوطء في ملك الغير بغير حد ولا مهر وهذا نقض ما اعتمدتموه.

(76/4)


قيل له: هذا غير منصوص عليه ولو صح ذلك كان رضى البائع بأخذها معيبة إبراء للمشتري من جميع حقوقه المتعلقة بالجاارية فجرى مجرى إبرائه من مهرها، وليس كذلك إذا حكم عليه بذلك لأنه لا يرضى بإبرائها من حقوقه المتعلقة بها.
فإن قيل: أليس لو استخدمها ثم وجد بها عيباً فله أن يرددها كذلك يكون إذا وطئها؟
قيل له: الفرق بين الخدمة والوطء أن الإستخدام يصح في ملك الغير بغير عوض ولا يصح الوطء وأيضاً الوطء مبطل خيار الشرط والإستخدام لا يبطله فوجب أن يبطل خيار الرد بالعيب وإن لم يبطله الإستخدام.
فإن قيل: وطء الثيب لا يكون فيه عيباً.
قيل له: لسنا ننكر ذلك ولم نمنع الرد لأن ذلك عيب، بل للوجوه التي بيناهاا وإنما ذلك علة أصحاب أبي حنيفة.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً اشترى معيباً فلم يعرف عيبه حتى حدث فيه عنده عيب آخر كان المشتري بالخيار إن شاء رد السلعة ورد نقصان العيب الحادث وإن شاء لزمها وأخذ من البائع نقصان القيب الأول، لا خلاف في أن الدان لدان يلزم السلعة ويأخذ ارش العيب، وإنما الخلاف في أن يرد أرش العيب، قال أبو حنيفة والشافعي: ليس له إلا أخذ أرش العيب ولزوم السلعة وقال مالك يردها ويرد أرش االعيب الحادث عنده، وكل ذلك إن لم يرض االبائع برد الثمن.
وإنما قلنا إن له الخيار لأنه شترى صحيحاً فلا يجوز أن نلزمه معيباً، بل يجب أن يكون له رده وفسخ البيع، دليله: لو لم يكن حدث عنده عيب آخر والعلة أنه اشتراها صحيحة فوجدها معيبة.
فإن قيل: فكيف يردها وفد حدث فيها عيب لم يكن قيل لخ يردها مع ارش العيب فيكون كأنه قد ردها سليمة من ذلك العيب يدل على ذلك أن حاال المشتري لا يجب أن يكون أسوأأ حالاً من حال الغصب ولو كان غصبها ثم حدث عند الغاصب عيب فيها كان له أن يردها مع أرش العيب فكذلك المشتري لأن العيب حدث وهي في ضمانه فلا يجب أن يبطل ما كان له من الرد.
فإن قيل: الغاصب لا يمكن فيه غير ذلك.

(76/5)


قيل له: قد كاان يجوز أن يلزم ويضمن القيمة.
فإن قيل: فإنه لم يرض أن يملك بالعوض؟
قيل له: والمشتري لم يرض أن يملك المعيب بالعوض، فأما لزوم السلعة والرجوع على البائع بأرش العيب فلا أحفظ فيه خلافاً ووجهه أنه قد ملكه بدلالة أنه لو رضي بالعيب لم يحتج إلى تجديد عقد فلا وجه لأن يلزمه لأن يلزمه الفسخ ولا وجه لأن يلزمه المعيب وقد دخل في الشراء على أنه صحيح فوجب أن يكون له لزومه والرجوع بأرش العيب، وليس للغاصب أن يمسكه ويعطيه القيمة لأنه لم يملكه كما ملكه المشتري.
فإن قيل: على المسألة الأولى لو جاز أن يردها ناقصة مع الأرش جاز أن يرد البيع وإن تلفت ويرجع بالثمن ويضمن القيمة.
قيل له: ذلك لا يجوز لأن الفسخ لا يمكن مع تلف السلعة وإذا لم يمكن لم يصح يبطل الرجوع بالثمن فيبطل ما قلتموه، ويقال للشافعي كما جاز لمشتري المصراة أن يردها ويرد عوض لبنها كذلك ما اختلفنا فيه لأنه عوض ما فات وهو في ضمان المشتري، فأما إن رضي البائع بأخذها مع العيب الثاني رد جميع الثمن فوجب أن لا يكون للمشتري فيه خيار غير الرضى بالعيب لأنه لا وجه أن يلزم الأرش وقد رضي بأخذه معيباً وهذا ممالا أعرف فيه اختلافاً.
مسألة:

(76/6)


قال: ولو أن رجلاً اشترى سلعاً كثيرة صفقة واحده من عبيد وإماء وغير ذلك فوجد ببعضها عيباً كان له أن يرد السلع كلها أو يرضى بها وليس له أن يرد المعيب دون صاحبه، وقال أبو حنيفة: إن كان ذلك قبل القبض لم يجب وإن كان بعد القبض فرق الصفقة ورد المعيب دون الصحيح، لنا أن نقيسه بعد القبض عليه قبل القبض فنقول لا يجوز إلا رد الجميع، أو الرضى بالجميع لأن خلافه يؤدي إلى تفريق الصفقة للرد بالعيب، وقولهم فيما يكال ويوزن إذا اشترى مجتمعاً فإنه لا يجوز رد بعضه دون بعض وكذلك قولهم فيمن اشترى شيئين لا يصلح أحدهما إلا بالآخر مثل خفين أو مصراعي باب فوجد بأحدهما عيباً أو بهما ردهما جميعاً أو أخذهما، حكى ذلك يؤكذ ما ذهبنا إليه ويمكن أن يجعل أصلاً يقاس عليه.
فإن قيل: إذا كنتم تقولون إن تفريق الصفقة يجوز للشفيع إذا اشترى المشترى ماله فيه شفعة ومالا شفعة فيه فما أنكرتم أن يجوز تفريقها للرد بالعيب.
قيل له: لا خلاف بيننا وبينكم إن خيار الشرط وخيار الرؤية لا يسوغان تفريق الصفقة، وأن من له الخيار يجيز البيع في الجميع أو يرده في الجميع فكان ما ذهبنا إليه في الرد بالعيب بذلك أشبه لأنه خيار في فسخ البيع الصحيح ويمكن أن يجعل أصلاً يرد ما ذهبنا إليه بعلة أنه خيار الفسخ لبيع صحيح فيجب ألا يجوز تفريق الصفقة وليس كذلك الشفيع لأن سبيل المشتري سبيل الوكيل في أن بيعه ينتقل إلى الشفيع ما ينتقل شراء الوكيل إلى الشفيع كما ينتقل شراء الوكيل إلى الموكل ولا خلاف أن الوكيل لو اشترى شيئين أحدهما لنفسه والآخر لموكله، إن الموكل يأخذ ماهو حقه دون ماهو حق الوكيل ويفرق الصفقة فكان حال الشفيع بحال الموكل أشبه فلهذا قلنا أنه يفرق الصفقة.
فإن قيل: إن الإنسان إذا باع ما يملك وما لا يملك يوجب أن يفرق الصفقة ويثبتون البيع فيما يملك دون مالا يملك فما أنكرتم مثله فيما اختلفنا فيه.

(76/7)


قيل له: الفرق بينهماا أن البيع يتناولهما على حد واحد لأنه صح فيما يملك ووقف فيما لا يملك فصارب الصفقة كأنهاا صفقتان، فجاز أن يعرض الفسخ في الموقوف دون الصحيح، وليس كذلك الرد بالعيب لأن عقد البيع يتناول المبيع كله على حد واحد فكانت الصفقة على التحقيق صفقة واحدة، وحكى بعض الشافعية أنهم مختلفون فيه فمنهم من يرى أن الصفقة تفرق في الرد بالعيب ومنهم من رأى أنها لا تفرق وأنهم لم يفصلوا بين أن يكون ذلك قبل القبض أو بعده ووجدت في كلام ابن أبي هريرة ما دل على أن قولهم مثل قولنا.
(فصل)
قال في الفنون: إذا اشترى رجلان عبداً ثم وجدا بالعبد عيباً فأراد أحدهما أن يرضى به وأراد الأخر أن يرد، إن من يريد أن يرضى بالعيب يلزمه أن يرد مع شريكه، أو يأخذ نصيب شريكه ويأخذ أرش العيب، وعند أبي حنيفة إذا رضي أحد الشريكين بطل الرد وعند الشاافعي أن الصفقة تفرق، ويرد من يريد من يريد الرد ووجه ما قاله يحي عليه السلام أن تفريق الصفقة للرد لا يجوز للوجوه التي مضت ولا يمكن إبطال حق الشريك الذي يريد الرد وفي الشريكين يعتق أحدهما نصيبه من العبد ولأن الحق فيه كالعين فكما انه لو استهلك نصيب شريكه بأي وجه من وجوه الإستهلاك ضمنه وكذلك إذا بطل حقه في العين.
فلهذا قلنا أنه يأخذه وله أن يرجع بأرش ما أخذه عن ابن شريكه على البائع لأنه لم يرض بالعيب في نصيبه ويطل حكم الرد لرضاه بالعيب في رصيد نفسه كماا قلنااه في من وطء جارية مشتراة ثم وجد فيها عسار أنه إذا بطل خياره في الرد يرجع على البائع بأرش العيب إذا لم يكن رضي بالعيب، وكذلك القول فيمن اشترى عبداً ثم مات قبل الرد إنه يرجع بأرش العيب.
مسألة:

(76/8)


دقال: وإذا قال البائع برئت إليك من كل عيب لم يبرأ بقوله هذا من العيوب التي لم يبينها للمشتري، قال أبو حنيفة: يبرأ من جميع العيوب، واختلفت أقوال الشافعي فيه ومن جملتها أن ذلك يبطل البيع لأن البيع يكون مجهولاً لأنه يشتريه بعشرة ولا يدري كم النقصان فيه لأنه لا يدري مقدار الأرش ولا مقدار قيمته وهذا لا معنى له، لأن أكثر ما فيه أن يشتريه وهو لا يعرف قيمته ويجوز أن يكون قيمته تسعة أو ثمانية، أو أقل، وذلك لا يوجب فساد البيع فبطل هذا القول.
ولا يصح أن يقال أن يقال انه شرط مجهول فيجب أن يفسد البيع لأنه لا يوجب جهالة في البيع ولا المبيع ولا الثمن وكل شرط لا يوجب ذلك فلا يجب أن يكون مفسداً للبيع عندنا على ما بيناه فيما تقدم.
فإن قيل: هو يوجب جهالة في المبيع لأن لا يدري ما هو وما الذي فيه من العيوب.
قيل له: لو كان ذلك كذلك لوجب أن يفسد البيع وإن لم يشترط البراءة إذا كان فيه عيب لم يفرقه المشتري والبائع، وذلك فاسد فوجب سقوط هذا السؤال.
وعلى القول الذي يجيز البيع يختلف أقواله فمرة يفرق بين الحيوان والثياب ونحوها ومرة يجمع بينهما ومرة يفرق بين عيب يعلمه البائع وبين مالم يعلم ومرة يجمع بينهما والدليل على أن هذه الراءة غير صحيحة أنها في البيع اشتراط ترك حق له وقد مضى الكلام في مثاله في باب شروط البيع وبينا أن الشرط إذا لم يكن صفة للبيع ولا المبيع ولا الثمن ولا كان مما يصح أن يعقد عليه العوض منفرااداً ثبت البيع دون الشرط، وذلك بأن يبيع ويشترط الولاء لنفسه لأنه شرط ترك حق للمشتري من غير أن يكون ذلك صفة للبيع أو المبيع، أو الثمن، وكذلك من اشترى جارية على الا يطئها ثبت لبيع وبطل الشرط لأنه اشترط على نفسه ترك حق هو له على الوجه الذي بينا فوجب أن يسقط الشرط في ما اختلفنا فيه لأنه اشترط على المشتري ترك حق هوله وهو الرد بخيار العيب.
فإن قيل: أليس لو نص على عيب بعينه ورضي به المشتري صح ذلكز

(76/9)


قيل له: بين هذا وذاك فرق لأن هذا شراء المعيب وشراء المعيب وشراء المعيب جئز، وليس ذلك كذلك لأنه لم يجعله معيباً يتعلق البيع به مع العيب، وإنما شرط عليه أن يترك حقاً يكون له، وهو الرد بالعيب، وأيضاً لا خلاف انه لو قال قد أبرأتك من عيب واحد، أو عيبينأو كثر من ذلك ولم ينص عليه كاان ذلك بااطلاً والعلة أنها برأه من عيب مجهول فكذلك ما اختلفنا فيه.
فإن قيل: فيما ذكرنااه أولاً من الوجه الأول أنه أبرأه من العيوب وليس هو اشترااط ترك حق له.
قيل له: إنه وإن كان بلفظ البراءه فالمعنى في هو ااشتراك ترك حق له لأن تخصيله أنه اشترط عليه ألا يرده بعيب إن وجد فيه وما يراعى في صحة لابيع والشرط وفسادهما إنما هو في المعاني دون العبارات.
مسأألة:
قال: ولو أن رجلاً اشترى من رجل سلعة فحملها إلى بلد غير البلد الذي وقع الابيع فيه فوجد بهاا عيباً ولقي البائع في ذلك البلد كان له أن يردها عليه فيه ولم يكن للبائع أن يطالب المشتري بردها إلى البلد الذي انعقد فيه البيع.
ووجهه أن الرد حق للمشتري لا تعلق له بالمواضع فله أن يستوفيه من البائع في أي موضع وجده فيه دليله سائر الاحقوق كالدين والقصاص والكفالة لأنها أجمع حقوق لا تعلق بالمواضع التي وجبت فيها وغنما احترزنا بقولنا لا تعلق له بالمواضع من السلم فإن السلم إذا كان من شرطه تسليم المسلم فيه في موضع يعينه صحت المطالبة بتسليمه في ذلك الموضع.
مسألة:
قال: ولو أن وجد بها عيباً وأشهد على ذلك وتوجه إلى البلد الذي فيه البائع ليردها فتلفت في الطريق كان له أن يرجع على صاحبها بنقصان العيب تخريجاً التخريج فيه قولناا بنقصان العيب لأن إطلاق اللفط في المنتخب ما يقتضي الردوع بالثمن إلا أن مسائله تدل على الرجوع بأرش النقصان فكان قوله الثمن عبارة عن أرش النقصان.

(76/10)


والوجه في ذلك أن المشتري إذا اشترى معيباً وهو لا يعلم وحدث ما يمنع الرد وجب أن يرجع عليه بالنقصان على ما بيناه في من اشترى جارية معيبة ثم وطئها ثم علم بالعيب أنه يرجع بأرش النقصان لتعذر الرد فكذلك في هذه المسألة لأن الرد فيها قد تعذر لأنه لا سبيل إلى رد التالف فوجب أن يكون له الرجوع بأرش النقصان قياساً على ما ذكرناه، وأيضاً المشتري لم يستوف حقه إذ كان حقه أن يسلمه تسليماً صحيحاً من العيوب فوجب أن لا تبطل ظلامته ولا سبيل إلى إستدراكها إلا بالرد أو الرجوع بالأرش لأنا لولم نفعل ذلك كنا قد أبطلنا ظلامته وقد قال الله تعالى: {لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ}.
ويجب أن يكون ما ذهبنا إليه به قال أبو حنيفة وأصحابه لأنهم جعلوا قولهم في هذا الباب بأنهم قالوا الرد إذا تعذر لغير فعل كان من المشتري أو بفعل منه غير مضمون فيجب أن يكون له الرجوع بأرش العيب عندهم ويدل على ذلك وعلى أن الشافعي يجب أن يكون ذلك قوله؛ قولهما أن المشتري إذا حدث عنده عيب آخر كان له الرجوع بأرش العيب الأول لتعذر الرد إذ لا يصح عندهما رد المعيب.
مسألة:

(76/11)


قال: ولو أن رجلاً اشترى من رجل شيئاً من الفواكه التي لا يتوقف على عيبها إلا بعد كسرها فوجد فيهاا عيباً فله أن يرجع على البائع بنقصان العيب إن كان له مع العيب قيمة وإن كان ممالا قيمة له كنحو البيض وشبهه فله أن يرده ويرجع بالثمن على البائع وبه قال أبو حنيفة وأصحابه واختلفت أقاويل الشافعي اختلافاً كثيراً، والذي يقتضيه مذهب يحي عليه السلام أن للمشتري خيارين إن كان له بعد الكسر قيمة أحدهما ما ذكره ههنا من الرجوع بأرش العيب، والثاني أن له أن يرده ويرد أرش الكسر على ما نص عيه في السلعة إذا وجد المشتري بها عيباً بعد أن حدث عنده عيب آخر لأن الكسر بمنزلة حدوث عيب آخر عنده ولا يجب أن يكون سبيله سبيل الغصب يعتبر فيه أن يكون الكسر أزال معظم منافعه على الوجه الذي يذكره في مسألة الغصب فيضمنه ولا يكون له سبيل إلى رده لأنه متعد فيه وكذلك النجار إذا كسر والدباغ إذا أفسد الأديم لأنهما متعديان والمشتري ليس بمتعد في الكسر لأنه مأذون فيه فكان حكمه حكم السلعة يحدث فيها عيب عند المشتري ثم يجد فيها عيباً والوجه في هذا ما مضى في الكتاب فلا غرض في إعادته، وأما إن لم يكن له بعد الكسر قيمة فعليه أن يرده ويرجع بالثمن لأنه لا يستحق ثمن مالا قيمة له لأن بيعه لا يصح ولأن بيعه لا يصح ولأنه لا يصح أن يقدر فيه الأرش، لأن الأرش مبني على القيمة فإذا لم يكن قيمة بطل البيع ورجع بالثمن.
مسألة:

(76/12)


قال: ولو أنه اشترى من رجل بذراً على أن بذر البصل فنبت كراثاً فله على البايع ما بين القيمتين إن كان البائع لم يعتمد ذلك فإن كان تعمد فهو أولى بما نبت وعليه للمشتري ثمن البذر وما غرم عليه في أرضه، ووجهه أن البائع أعطاه المبيع وله دون الصفة التي اشترط للمشتري فهو بمنزلة أن يبيعه المعيب، فإذا استهلكه المشتري ثم علم به لزمه ما بين القيمتين لأنه أرشه على ما بيناه فيما مضى، وعلى هذا يجب على مذهبه أنه لو اشترى طعاماً فأكله ثم وجد به عيباً أنه يرجع بأرش العيب.
وقال أبو حنيفة: لا يرجع بأرش العيب وقال أبو يوسف ومحمد يرجع به وهو الصحيح لأنهم أجمعوا في من اشترى فاكهة فكسرها ثم وجد بها عيباً انه يرجع بأرش العيب وإن كان كسره فعله، فكذلك الأكل والزرع لأن ذلك استهلاك حصل بفعل المشتر فيجب أن لا يمنعه ذلك من الرجوع بأرش العيب، وكذلك يقتضيه مذهبه أنه لو كان عبداً فأعتقه ثم وجد به عيباً انه يرجع بأرش العيب وبه قال أبو حنيفة وأصحابه لأنه عندهم فعل غير مضمون، وكذلك على مذهبن القتل وهم خالفوا فيه إلا رواية حكاها الطحاوي في المختصر عن أبي يوسف والأصل في جميع ذلك أنه لم يسلم ما استحقه المشتري وتعذر الرد فوجب أن يكون له الرجوع بالأرش كما قلنا في من وطء جارية ثم وجد بها عيباً والوطء أيضاً مضمون عليه ولم يبطلوا الرجوع بأرش العيب مع الوطء فكيف يبطلون مع سائر ما ذكرنا.
فأما إن تعمده البائع فللمشتري الخيار في أن يسلمه إلى البائع ويرجع عليه بالثمن وما غرم، لأم المشتري مغرور، والمغرور يرجع بما غرم بغرور على الغار على ما يجي من بعد.

(76/13)


قال: وإن اشتراه على أنه بذر الكراث فأنبت بصلاً فعلى المشتري للبائع ما بين القيمتين إن كان البائع لم يتعمد ذلك فإن تعمد فهو متبرع بالزيادة وذلك أنه بمنزلة من زاج المشتري على ما استحقه بعقد البيع والبائع أولى بالزيادة إن علم قبل الإستهلاك فكذلك زيادة الصفة وليس يشبه هذا أن يبيعه عبداً على أن به داء فوجده صحيحاً لأن البيع تناول عين العبد ورضي المشتري به معيباً فإذا لم يكن معيباً لم يجب عليه شيء وما قلنا محمول على أن البيع لم يقع على عين البذر فيشبه أن يبيعه عشرة أقفزة فيعطيه على سبيل أن يكون زاد فوق ما استحقه متعمداً كما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشترى سراويل ثم قال للوازن: زن وأرجح، فكان عليه السلام متبرعاً بالرجحان فكذلك ما ذهبنا إليه.
مسألة:
قال: وإذا ادعى المشتري عيباً في السلعة فأنكره البائع فعلى المشتري البينة وعلى البائع اليمين، والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وها هنا المشتري هو المدعي لأن8 يدعي خلاف الظاهر ويحاول إلزام البائع ما لا يلزمه في الظاهر، والبائع دافع لذلك ومستند إلى الظاهر لأن الظاهر في البياعات الصحة والسلامة حتى يثبت خلافه وبما بيناه يفرق بين المدعي والمدعى عليه، وأيضاً المشتري يدعي انطواء المبيع على العيب ونحن لا نعلمه والبائع منكر ولابد من تصحيحه بالبينة، وعلى هذا لو أن أحد المتبايعين ادعى انطوء العقد على خيار لا يعرفه فصاحبه منكر وهذه الجملة لا أحفظ فيها خلافاً.
قال: وكذلك إن أقر البائع بالعيب وادعى حدوثه عند المشتري فعليه البينة وعلى المشتري اليمين، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وهذا المراد به عيب يجوَّز حدوثه في يد المشتري.

(76/14)


ويجوز أيضاً أن يكون كان وهو عند البائع قبل وقوع البيع لأن العيوب ثلاثة: عيب علم أنه لا يحدث مثله في مثل المدة التي وقع فيها البيع، فهذا لزم البائع لا محالة، وعيب يعلم انه عيب حادث من قريب، ولا يجوز أن يكون كان عند البائع فهذا يلزم المشتري لا محالة، وذلك كالجراحات الطرية، وما أشبه ذلك، والعيب الثالث: ما يجوز أن يكون كان عند البائع ويجوز أن يكون حدث عند المشتري، والمسألة مبنية على هذا الثالث، وهذا مما لا خلاف فيه أن البينة فيه على المشتري واليمين على البائع لما بيناه في المسألة التي تقدمت لأن المشتري هو المدعي لادعائه مالا يعلم صحته وما هو خلاف الظاهر لأنا نجد العيب في يده وهو يدعي أنه كان في يد البائع وأن العقد وقع مع حصوله، وكل ذلك خلاف الظاهر والبائع منكر له فوجب أن تكون اليمين على الباائع والبينة على المشتري، قال: فإن أخذه البائع ثم ادعى عيباً حدث عند المشتري فالبينة على البائع واليمين على المشتري.
ووجهه ما مضى من أن الظاهر خلافه وأن البائع يحاول إلزام المشتري مالاً يلزمه في الظاهر فلزمته البينة وكان القول فيه قول المشتري مع يمينه إذا لم يكن للبائع بينة.

(76/15)


باب القول في استحقاق المبيع
إذا استحق المبيع على المشتري فرده على المستحق لم يكن له أن يرجع بالثمن على بائعه إلا أن رده على المستحق بحكم الحاكم، أو إذن البائع وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً.
ووجهه أنه إذا رده على المدعي باختيار نفسه أو بإقراره لم ينفسخ البيع الذي كان بينه وبينه البائع لأن إقراره لا يلزم بائعه ولأن استهلاكه ماا اشترى باختيار لا يعترض العقد الذي تقدم فإما إذا رده بحكم الحاكم فله الرجوع بالثمن على البائع لأن الحاكم إذا حكم به للمدعي فقد تضمن حكمه إبطال البيع الذي جرى بين من كاان الشيء في يده وبين البائع فإذا بطل ما بينهما من البيع وأخذ الشيء من يد من كان في يده حكماً صار ما أعطى البائع من الثمن بمنزلة دين له على البائع فصح أن يرجع عليه، وكذلك إذا أذن البائع للمشتري في رده ورضي به المشتري جرى ذلك مجرى إقرارهما جميعاً ببطلان البيع وبان المبيع قد استحقه المدعي فإن رده رجع عليه بالثمن للوجه الذي بيناه.
وروي عن علي عليه السلام أن إنساناً عرف ملكاً له في يد مشتر له فصححه فقضى عليه السلام بتسليمه إلى المدعي وقال للمشتري: اتبع صاحبك بما أعطيته حيث وجدته.
مسألة:

(77/1)


قال: وإذا اشترى سلعاً في صفقة واحدة فاستحق بعضها رجع على البائع بثمن المستحق، وصح البيع فيما سوااه وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وأما الشافعي فقد اختلفت أأقواله، وقد ذكرناها في مسألة بيع العبد مع الحر في صفقة واحدة ووجه ما ذهبنا إليه أن هذا البيع غير منطو على الفساد لأنه قد نفذ في نصيب البائع لأنه باع ما ملكه ولم يجب أن يفسد في نصيب من سواه لأنه وقع موقوفاً على إجازته على مذهبنا في البيع الموقوف فوجب أن يستقر البيع في نصيب البائع دون نصيب المستحق، دليله الشفقة في الضيعتين إذا اشتراهما المشتري وللشفيع حق في إحداهما فإنه إذا طلبها واستحقها استقر البيع فيما لا حق فيه فوجب أن يستحق الشفيع ماله حق الشفعة بشفعته ووجب تفريق الصفقة فكذلك ما ذهبنا إليه، وليس يلزم على ما قلناه من فساد البيع إن باع عبداً وحراً صفقة واحدة وذكية وميتة لأن الثمن لا يمكن توزيعه عليهما إذ لا يصح تقويم الحر والميتة، وليس كذلك في مسألتنا هذه، إذ يصح توزيع الثمن على قيمتهما فوجب أن يكون ما ذكرناه صحيحاً.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً اشترى عبداً صائغاً واستغله ثم استحق حكم به لمستحقه، ولم يكن له أن يطالب المشتري بما استغله منه وذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم الخراج بالضمان والمشتري قد ضمن العبد وضمن منافعه لإيجابنا عليه لصاحبه كرى مثله، فوجب أن يكون الخراج له وهو الغلة ولأنه إذا ضمن منافعه ولزمه كر المثل فلا وجه لإستحقها كان قد أخذ عوض منافعها مرتين مرة كر المثل، ومرة حين يأخذ الغلة وذلك باطل وذلك مبني على أن يحكم عليه بكرى المثل، وتكون الغلة له، وبه قال أبو حنيفة قال: ولو أنه اشتراه مريضاً فأنفق عليه حتى برأ ثم استحق فإنه يقضى به للمستحق، ولم يرجع المشتري عليه بما أنفق على العبد وذلك أنه متبرع بما أنفق لأنه لم ينفقه بإذن مولاه ولا بإذن الحاكم ولا بحكم ولاية له فأشبه سائر يتبرع به في أنه لا يرجع على صاحب العبد.

(77/2)


مسألة:
قال: ولو أن رجلاً اشترى ثوباً فقطعه قميصاً ثم استحق قضى به لمستحق، ولم يرجع بنقصان الثوب إلا على من غصبه إن كان المشتري لم يعلم أنه مغصوب.
واعلم أن المراد بهذا أن الضماان لا يتقرر آخراً إلا على الغاصب لأن المستحق يطالب المشتري بما نقص من ثوبه لكنه إن طالبه به كان له الرجوع على الغصب البائع لأن مغرور، والمغرور يرجع بما يضمنه لغروره على الغار على ما نبينه بعد هذه المسألة في هذا الباب.
فأما المستحق فله أن يطالب المشتري به لأنه استهلك بعض مااله بالقطع ومن استهلك مال غيره بغر إذنه فإنه يضمنه سواء استهلكه عالماً أو جاهلاً لا خلاف فيه، لأن الضمان لا يؤثر فيه العلم والجهل، وإنما يؤثر في المآثم.
قال: فإن كان المشتري علم أنه مغصوب كان المستحق مخيراً بين أخذ قيمته صحيحاً، وبين أخذه مقطوعاً، ورجع المشتري على البائع بالثمن دون ماا سوااه، ووجهه أن المشتري إذا علم أنه مغصوب كان هو أيضاً غاصباً، ولم يرجع على البائع إلا بالثمن لأنه ليس فيه بمغرور، وإنما أقدم على ما أقدم مع العلم بهز
ووجه التخيير فيه ما نذكر في كتاب الغصوب فإنه أخص بذلك الموضع.
قال: وكذلك القول فيمن اشترى شاة. فذبحها ثم استحقت، والوجه في جميع ذلك ما قد مضى إذ لا فضل في هذه المسائل غير ما ذكرناه.
مسألة:
قال: وكل من استحق شيء في يده فعليه تسليمه إلى المستحق سواء أمكنه الرجوع على البائع أم لم يمكنه.
وهذا مما لا خلاف فيه، وعليه دل كلام أمير المؤمنين عليه السلام: (اتبع صاحبك حيث وجدت وأمره بتسليم ما استحق إلى المستحق، وأيضاً إذا استحقه المستحق فإن يد من هو في يده تصير يد الغاصب، فليس له احتباسه بحق له على البائع لأنه ليس برهن عليه ولا في حكم الرهن فيصح ذلك.
مسألة:

(77/3)


قال: وإذا اشترى رجل جارية فوطئها فأولدها ثم استحقت فإنه يقضى بالجارية للمتحق ويقضى على المشتري بقيمة الأولاد، ويرجع المشتري بالثمن على البائع، وكذلك يرجع عليه بما لزمه من قيمة أولاده، وقولنا أنه يقضي بها للمستحق لا خلاف فيه، لأن المالك أولى بملكها ولأن استيلادها ليس باستهلاك لها فكان حكمها حكم سائر المغصوبات إذا استحقت وكون الولد حراً فمما أجمع عليه الصحابة والفقهاء بعدهم لأن الوطء كان عن شبهة فلم يكن لاسترقاق الولد سبيل وما قلناه من أنه يقضى على المشتري بقيمة الأولاد مما أجمع عليه الصحابة لأنهم أجمعوا أن المشتري يضمن الأولاد، وإنما اختلفوا في تفسير الضمان.

(77/4)


وري عن ابن عمر أنه قالك غلام كالغلام، أو جارية كالجارية. وذهب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن المضمون هو القيمة والذي ذهب إليه قالت به العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما ويبين صحته ما ثبت من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم في عبد بين رجلين أعتقه أحدهما بنصف قيمته للشريك على المعتق إن كان موسراً، ولم يحكم بنصف عبد مثله، فصار ذلك أصلاً في أن ضمان العبد يكون بالقيمة دون المثل، ولا خلاف في العبد المغصوب إذا مات في يد الغاصب أن عليه قيمته دون مثله، وكذلك إن قتله خطأ فبان أنه من ذوات القيم دون ذوات الأمثال، ولأن الدلالة دلت على أن السلم في العبد لا يجو فثبت أنه لا يجوز تثبيته في الذمة. فوضح بجميع ما قلناه أن الصحيح فيه قول علي عليه السلامن فأما رجوع المشتري بالثمن على البائع فمما لا خلاف فيه لأن حكميهما حكم سائر ما استحق في أن المشتري يرجح بالثمن على البائع لأن ما بينهما من البيع يبطل ما بيناه في صدر هذا الباب، وأما رجوعه عليه بقيمة الأولاد به قال أبو حنيفة وأصحابه، وحكى أنه أحد قولي أصحاب الشافعي، وأن الوجد الآخر أنه لا يرجع، والذي يدل على صحة ما قلناه من أنه يرجع على البائع الغار بقيمة الأولاد التي ضمنها ما أجمعنا عليه أن الشهود إذا شهدوا بعتق عبد ثم رجعوا أنهم يضمنون وكذلك لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشافعي أن من أعار غيره عرصة ليبني فيها مدة ثم أمره برفعها قبل انقضاء المدة في أنه يضمن للباني قيمة البنا، وكذلك لاخلاف في ضمان الدرك، فصار جميع ذلك أصلاً في أن كل من غر غيره فلحق المغرور غرم لم يستوف المغرور عوض ما غرم كان ضامناً للمغرور ما لحقه من الغرم، فلذلك قلنا أنه يرجع بما غرم من قيمة الأولاد على البائع لأنه غره في المبيع حتى صار ماليس بمال وهم الأولاد في حكم المال.

(77/5)


والذي يقتضي المذهب أنه يضمن للمستحق العقر، على ما نص عليه في الأحكام في الأمة إذا دلست نفسها فتزوجت على أنها حرة لأنه وطء لِشبْهة، ولا يرجع بالعقر على الغار، لأنه قد استوفى لنفسه عوض العقر وهو الوطء، وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً، والذي ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه ان قيمة الولد قيمته يوم الخصام ويجب أن يكون ذلك مذهبنا لاتفاقناا أجمعين على أن ولد المغصوب لا يضمن إلا بعد أن يمتنع الغصب من رده فيوجب ذلك أن يكون الغاصب لا يصير ضامناً لقيمته حتى يطالب لأنه إذ ذاك يكون في حكم الممتنع، فإن مات الولدد قبل فيجب أن لا يضمن المضتري قيمته لأنه مات قبل توجه الضمان عليه كما نقوله في ولد المغصوب وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
قال: ولو أنه حين اشتراها لم يطأها لكنه زوجها من عبده فاولدها العبد قضى بها وبأولادها للمستحق، وذلك أن الولد إذا كان من العبد لم تجب له الحرية، وإذا لم تجب له الحرية كان ملكاً لسيد الأمة ألا ترى أن حراً لو تزوج أمة عالماً بأنها أمة فأولدها كان الولد مملوكاً ليسد الأمة لأن حريته لم تجب فوجب أن يملكه سيدها.
قال: ولو أنه حين اشتراها علم أنها مغصوبة فأولدها قضى بها وبولدها للمستحق، وذلك أنه إذا علم أنها مغصوبة كان وطؤه لها زناً، ولم يثبت منه نسب، وكان الولد بمنزلة جارية تاستولدت من زناً في أنه يكون مملوكاً ليسد الأمة، وهذا لا خلاف فيه.
مسألة:
قالك ولو أنه اشترى عبداً فوجده حراً قضى له بالرجوع على البائع ولم يكن له على الحر المبيع شيء وذلك أن بيع الحر باطل فعلى البائع رد ما أخذه من المشتري لأنه أخذه بالباطل، وقد قال الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)، ولم يجب على الحر الامبيع شيء لأن المال لم يدفع إليه ولا سبيل على رقبته لأن الحر لا يملك، قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا ملك على حر).

(77/6)


قاال: فإن لم يكن بالغاً لم يضمن ما أخذه إن كان مستهلكاً وذلك أن الذي ليس ببالغ ليس له قبض ويكون صاحب المال بإعطائه المال يكون في حكم الراضي بتصرفه والمبيح له إياه فلهذا لم يضمنه فأما إذا كان قائماً بعينه فلا إشكال في وجوب رده.
قال: ويؤدب كل من فعل ذلك عالماً به، ووجهه أنه اارتكب أمراً أمراً محظوراً عظيماً، وكل من ارتكب مثل ذلك كان أمر تأديبه موكلاً إلى اجتهاد الإمام.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام:
ولو أن رجلاً ااشترى شيئاً كيلاً أو وزناً أو عددااً فاستوفاه على ما اشتراه ثم وجده في منزله زائداً على ما ابتاعه وجب عليه أن يرد الزيادة على صاحبه، وذلك أنه أخذ فوق ما استحقه بالشراء فيلزمه رده، وهذا إذا لم يكن تبرع به صاحبه فإن كان صاحبه تبرع به لم يلزمه رده لتنصيصه فيما مضى على أن من اشترى شيئاً فاسترجحه فأجابه البائع إلى ذلك أنه جائز إذا لم يكن مشروطاً في العقد.

(77/7)


باب الصرف
لا يجوز أن يصرف الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، يداً بيد سواء تبره ودنانيره، وجيدة ورديئة، ومضنوعه ومكسوره وكذا القول ذلك يداً بيد، ولا يجوز نسأ.
وهذه الجملة مما لا خلاف فيه بين العلماء إلا ما روي فيه عن ابن عباس من قوله: (لا ربا غلا في النسيئة)، وقد بينا فيما مضى فساده وما روي من رجوعه عن هذا القول.
والأصل في هذا ما ذكرناه فيما مضى من الأخبار المتظاهره الوارده بطرق مختلفة من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل يداً بيد)، وفي بعض الأخبار والفضل رباء وفي بعضها من زاد أو ازداد فقد أربا وفي بعضها (هاوها) وفي بعبضها (فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد)، وما روى ابن عمر من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لاتبيعوا الدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين).
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً كان معه دنانير فاراد أن يصرفها بدراهم ولم يحضر تماماً الدراهم لم يجز الصرف إلا بمقدار ما يحضر والزائد إما أن يسترده أو يتركه عند صاحبه وديعة أو قرضاً وهذا مما لاخلاف فيه.
ووجهه ما قدمناه من أن يفترقا إلا بعد أن يقبض كل واحد منهما تمن صاحبه ما وجب له عليه بصرفه وهذا مما خلاف فيه.
والأصل فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ابن عمر سأاله فقال:(يارسول الله إني أبيع لإبل بالذهب فآخذ الدراهم وبالدراهم فآخذ الدنانير. فقال: لا باس إذاا لم تفترقا وبينكما شيء).

(78/1)


وروي عن ابن عمر قال: كنت أبيع الذهب بالفضة واالفضة بالذهب، فقال لي رسول الله صلى الله علي وآله وسلم: (إذا بايعت رجلاً فلا تفارقه وبينك وبينه شيء).
وري: (لا تشفقوا بعضه على بعض ولا تبيعوا غائباً منه بناجز)، والأخبار في هذا كثيرة متظاهرة وقال في الأحكام فيمن ااشترى ديناراً بدراهم فلم يكن عنده تمام الدراهم فاستقرض تمامها فأوفاه جميع حقه قبل ان يفترقا فالصرف تام صحيح فدل ذلك على أن تمام الصرف لو لم يحصل عند العقد جاز إذا حضرووفى قبل التفرق وبه قال أبو حنيفة واصحابه، ووجهه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا بأس إذا لم تتفرقا وبينكا شيء) حين سأله ابن عمر عن بيع ما في الذمة من الفضة بالدنانير والدنانير بالفضة ثبت أن المراعى حصول التفرق مع استيفاء كل ذي حق حقه من الصرف، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم يداً بيد، وقوله: هاوها، وهذا محمول على منع جواز الأجل في الصرف.
مسألة:
قال: ولا يجوز بيع الذهب بالذهب جزافاً، ولكذلك لا يجوز بيع الفضة بالفضة جزافاً ولا أن يشتري بذهب موزون ذهباً جزافاً ولا أن يشتري بفضة موزونة بفضة جزافاً ولا بأس بيع الفضة بالذهب جزافاً وكذلك لا بأس أن يكون أحدهما موزنا والأخر جزافاً، وهذا مما لا خلاف فيه، ووجهه ما ثبت من تحريم الذهب بالذهب إلا أن يكون مثلاً بمثل وكذلك تحريم الفضة بالفضة إلا مثلاً بمثل فإذا اشترى ذهبا جزافاً بذهب جزافاً لم يحصل العلم بتماثلهما لجواز أن يكون أحدهم أكثر والآخر أقل وذلك يحرم نصاً وإجماعاً، وكذلك الفضة بالفضة وهذا هو الوجه في منع الصرف إن كان أحد الذهبين جزافاً والآخر موزناً فأما الذهب بالفضة فإنه يجب أن يكون الصرف جائزاً لا خلاف فيه، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد وليس كونهما جزافين، أو كون أحدهما جزافاً أكثر من حصول التفاضيل وذلك جائز مع اختلاف الجنسين.

(78/2)


قال: ولا يجوز أن يشتري تراب معادن الذهب بالذهب، ولا تراب معادن الفضة بالفضة، ووجهه أنه لا يعلم المساواة والتماثل. فبطل البع لأن الذهب بالذهب لا يجوز إلا مثلاً بمثل، وكذلك الفضة بالفضة.
فإن قيل: هلا أجزتم ذلك كان الذهب المشتري به أكثر من الذهب الذي في التراب على أن يكون االذهب بمثله من الذهب والفاضل ثمناً للتراب كما قلتم ذلك في الزبد باللبن.
قيل له: لأن التراب لا يقصد بالبيع ولا قيمة له فخالف حكمه ما أجرناه من الزبد باللبن لأن اللبن بعد أخذ الزبد عنه له قيمة وهو مقصود بالبيع ولاشراء.
قال: ولو أن رجلاً اشترى تراب معادن الذهب بالفضة، أو تراب معادن الفضة بالذهب كان هو والبائع بالخيار عند بيان ما يخرج فمن شاء منهما فسخ البيع، فإن أحبا أمضياه. ووجهه أن البيع لم يستقر فيه لا شتماله على الغرر لأن كل واحد منهما لا يعلم المقصود بالبيع فيه على طريق الإجمال والتفصيل، فأشبه البيع الموقوف والمعنى أنه بيع غير مستقر فلذلك جعل الخيار فه لكل واحد منهما ولا تمنع على هذاا أن يكون ذلك سبيل من باع عبد آبقاً في أن لكل واحد من البائع ولا تمنع على هذا أن يكون ذلك سبيل من بااع عبد آبقاً في أن لكل واحد من البائع والمشتري الخيار في فسخ الابيع مالم يظفر بالعبد ويسلمة المشتري بعلة أنه بيع غير مستقر لاشتماله على الغرر في باب التسليم.
فإن قيل: هلا أبطلتم البيع فيه لاشتماله على الغرر.

(78/3)


قيل له: ليس بغرر في الحقيقة لأن الغرر في الآبق إنما هو في التسليم دون العبد والغرر في تراب المعادن إنما هو في مقدار ما فيها من ذهب أو فضة فلم يكن غرراً تاماً كما يكون بيع الثمرة سنين وبيع ما في بطون الأنعام وضروعهاا وبيع ما ينتظر خروجه من الزرع على أن المسلمين قد أجازوا بعي تراب المعادن فلم يكن إلى إبطاله سبيل فجعلنا لهما الخيار كماا أن السنة لماا وردت بإجازة البيع الموقوف لم يكن إلى إبطاله سبيل فجعلنا لهما الخيار فيه. وإذا اختلط تراب معادن الذهب بتراب معادن الفضة لم يجز شراؤه بالذهب والفضة وهذا محمول معادن الفضة لم يجز شراؤه بالذهب ولا بالفضة وهذا محمول على أنه لا يجوز إذا لم يعلم أن المشتري به من الذهب والفضة أكثر مما في التراب من جنسه، فإن علم ذلك وجب أن يكون صحيحاً كماا بيناه في مسالة شراء اللبن بالزبد على أن يكون الفاضل مما يقابل جنسه ثمناً للجنس الآخر.
مسألة:
قال: ومن أراد أن يصرف ذهباً بذهب لم يجزه أن يدخل بينهما فضة دون قيمتهما فلا بد من أن يصرف الذهب بالفضة صرفاً صحيحاً يرضيان التفرق عليه ويقبض الدراهم ثم يصرف الدراهم ثم يصرف الدراهم بالذهب صرفاً ثانياً إذا رأيا ذلك، وكذلك القول فيمن أراد أن يصرف فضة بفضة.
والوجه في هذا قول الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، ولم تجر بينهما تجارة عن تراض فيجب أن يكون ما بينهما باطلاً لأن من المعلوم أن من قال بعتك مائة دينار بنصف دانق من فضة أنه لا يرضى بذلك وإنما قصد به للربا الداخل في ذلك الفضة على طريق الإستحلال فإذا بطل ذلك صح إن ذلك ربا لأنه في الحقيفة مائة بمائة وعشرة.

(78/4)


وأيضاً روى محمد بن منصور بإسناده يرفعه إلى محمد بن سيرين عن ابن عباس قال: إياك أن تشتري دراهم بداراهم بينهما جريرة، قال محمد: يعني الذي يستحل بها ولم يرو خلافه عن غيره من الصحابة فجرى مجرى الإجماع منهم على أنه يحتمل أن يكون مراده عليه السلام الكارهة دون إبطال البيع، ووجه الكراهه أنه يوهم الربا كما في غيره من المسائل منها بيع المكيل بالثمن ثم يشتري بثمنه مكيل من جنسه أكثر منه بذلك الثمن قبل القبض للثمن ونحو ذلك.
ويحتمل أن يقال: أن المراد إذا كان فضة يسيرة دون مقدار الشعيرة حتى يكون مما لا يقصد بالبيع والشراء ولا يمكن تقويمه ولا تقويمه ولا تقويم شيء به، وإذا كان المراد أحد الوجهين الآخرين فيقال: إن ذلك تجارة عن تراض لأن الرضى المعتبر في البياعات هو ما يظهر منه دون ما يكون في الضمائر وظاهر الرضى قد حصل به.
ويحمل قول ابن عباس على جرير لا يكون له قيمة كأن يكون أقل من أصبع أو نحوه، ويؤكذ ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لما قيلك إنا نبيع الصاع من التمر الجيد بالصاعين والصاعين بالثلاثة، نهى عن ذلك، وقال: لاتفعلوا ولكن بيعوا هذا واشتروا هذا بثمنه ولم يشترط أن يكون الثمن قيمة، فاقتضى جواز البيع بأقل أو أكثر من الثمن، فأن سأل سائل عن هذا الوجه الأول فقال: إذا كان البيع لا يصح إلا على التراضي الذي يرضيان التفرق عليه فكيف أجزتم بيع الزبد باللبن الذي فيه الازبد إذا كان الزبد الخارج أكثر من الزبد الذي في اللبن وأجزتم بيع السيف المحلى بالذهب بذهب أكثر منه ومن الجائز أن يكون الزبد فوق قيمة اللبن أو السيف بحيث لا يرضيان التفرق عليه؟

(78/5)


قيل له: الفرق بينهما أن هذا عقد واحد والرضا بالتفرق عليه قد حصل وليس كذلك ما ختلفنا فيه لأنهما عقدان والأول مما لا يرضياان التفرق عليه فوجب أن يبطل، وإذا بطل الأول بطل الثاني لأن صحته مبنية على صحة الأول، وأما منعه من االتصرف في ثمن الذهب من االفضة وثمن الفضة من الذهب قبل القبض فذلك ممالا خلاف فيه، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن عمر: (لابأس إذا لم تفترقا وبينكما لبس)، وفي بعض الأخبار: (وبينكما شيء)، فيكون الصرف غير واقع حتى يقع القبض وإذا لم يكن وقع لم يجز الصرف فيه لأنه في حكم مالم يملك، والمسألة وفاق، وأظنه منصوصاً عليه في المنتخب.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً استسلف من رجل دراهم والصرف على عشرين درهما بدينار ثم تزايد الصرف، أو تناقص، أو تناقص، أو كاان على حاله لم يكن للمسلف عند المستسلف إلا دراهم مثل دراهمه وهذا مما لا خلاف فيه لأن ماا أخذه قرضاً ولا يلزمه إلا مثله على أنه لو أخذه أيضاً على أنه قد باعه بها دنانير كان الصرف باطلاً ويعود الأمر فيه إلى أن المأخوذ بمنزلة القرض، فيكون الجواب ما ذكرنا.
مسألة:
قال: ولو اشترى رجل من رجل دراهم على أنها جيدة فوجد فيها رديأ لم يجب له على البائع إلا إبدال ما كان فيها من الردئ بالجيد ولم يكن لواحد منهما أن يطالب صاحبه بنقض الصرف من أصله، وكذلك القول لو كان بدل الدراهم دنانير.

(78/6)


وروي عن أبي حنيفة أن الصرف ينتقض إذا كان البدل النصف ولا ينتقض إذا كان أقل من النصف وروى أنه ينتقض بالثلث ولا ينتقض في أقل منه قال أبو بكر صح الروايات أنه ينتقض في النصف ولا ينتقض في أقل منه، وقول أبي يوسف ومحمد مثل قولنا أن الصرف لا ينتقض في قليل البدل أو كثيره وحكي عن الشافعي أنه إذا كان باعه بدراهم بعينها فوجد فيها رديئاً فله الخيار إن شاء رد ما أخذ وفسخ العقد وإن شاء رضي به ناقصاً ولا سبيل إلى استبداال، وهو على قوله: إن الدراهم والدنانير يتعينان بالعقد.
وخرج أصحابه على أقاول إن كان باع بدراهم غير معينة وفي بعضها قالوا أنه كالبيع بالدراهم المعينة، وفي بعضها قالوا: يستبدل قبل التفريق، وفي بعضها قالوا مثل قولنان ثم خرجوا على ذلك أقاويل متفاوتة، ووجدنا ما ذهبنا إليه أن الصرف كان قد تم منهما إذا تفريقاً وليس بينهما شيء كما ورد به الأثر.
والدليل على ذلك أنه لا خلاف في أن المشتري الدراهم لو رضي بالمعيب كان له ذلك ولم يجب أن ينقض الصرف وإذا صح أن ذلك الصرف قد تم فمتى رد المعيب كان ذلك ديناً يصير في ذمته، ويجري مجرى صرف ثان وإذا أخذ البدل قبل التفرق جاز.

(78/7)


وإنما قلنا أنه يجري مجرى صرف ثان ولم نجعله على التحقيق صرفاً ثانياً، لأنه لا خلاف أنه ليس له أن يرد المعيب ويترك أخذ البدل في المحلين ـ المجلس ـ ولا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة في أقل من النصف أو الثلث أنه يستبدل ولا ينقض الصرف فكذلك إذا زاد على النصف وحكي عنه أن القياس ألا ينتقض الصرف في القليل واالكثير لكنه استحسن في القليل ألا ينتقض لجواز الردي بالجيد من العين الذهب والورق مثلاً بمثل، وهذا غير مسلم لأن القياس على ما بيناه ألا ينتقض الصرف فوجب أن يستوي فيه القليل واالكثير وأيضاً هذا القول يدل على أأن يحي بن الحسين عليه السلام يرى أن الدراهم والدنانير لا تتعين بالعقد لأنها لو تعينت لجرت مجرى السلع المبيعة في أنها إذا وجد فيهاا عيب لم تستبدل فإذا صح ذلك فإن الصرف لم يتعلق بدراهم بأعيانها فيدب أن يجوز استبدالها كما يجوز استبدال السلم إذا وجد فيه عيب وليس لهم أن يقولوا أن الصرف ينتقض لأن الصرف قد تم على ما بيناه فرده لا يوجب فيه النقض وأيضاً هما لم يفترقا إلا عن قرض ولم يقصدا فيه إلى أن يكون قبض بعد افتراق وما يطرؤ على العقد بعد الإنبرام يخالف ما تنطوي العقود عليه، ألا ترى أن المشتري يرد السلعة بالعيب ولو بعد حين ويثبت خياره فيه ولو انطوى البيع على خيار مجهول فسد البيع فكذلك حال الصرف وكذلك إذا رجع بأرش العب على البائع يكون ذلك حطاً من الثمن ويصير الثمن ما بقي ولو باعه بكذا إلا ما ينقص منه من أرش العيب فسد البيع وكذلك لو قصدا في الصرف ألا يتم القبض قبل الإفتراق بطل الصرف.
ونكتة الباب أن الصرف الأول قد تم لما بينا وأأن الذي يعرض بعده لا يؤثر فيه.
مسألة:

(78/8)


قال: وإذا اشترى دراهم بدنانير على أن يرد على البائع ما وجد في الدراهم من الردئ كاان ذلك جائزاً إذا نقد كل واحد منهما صاحبه ما صارفه عليه وهذا إذا أخذ الدراهم على أنها جيدة، ووجهه أن ما أوجبه الصرف لو اشترط رده فيجب أن ينتقض الصرف بمقداره لأنه لم يأخذ في الظاهر ما أوجبه الصرف فكأنهما افترقا من غير تقابض تمام الصرف وقد نبه على ما قلناه وفسرنا قوله إذا نقد كل واحد منهما صاحبه ما صارفه عليه، ووجه المسألة الأولى أنهما تقابضاً في الظاهر ما أوجبه الصرف الذي جرى بينهما بدلالة أن آخذ الدراهم لو رضي بالردئ الذي يجده جاز ذلك بالإجماع وكان الصرف تاماً وكان عقد الصرف أوجب أن يبدل كل واحد منهما ما وجد فيما أخذه من الرديء على ما بيناه فيما تقدم فإذا اشترطا ما اقتضاه العقد لم يضره ذلك لأن ذلك من موجب عقد الصرف فكذا من اشترط لمشتري السلعة ضمان الدرك لم يضر ذلك لأنه اشترط ما أوجبه عقد البيع فكذلك اشتراط استبدال ما يجد فيها من الردئ لا يضر إذا كان على الوجه الذي فسرناه لأن ذلك مما أوجبه عقد الصرف فأما إن أخذ الردئ على أنه ردئ وهو غير راض في الظاهر فذلك يوجب انتقاض الصرف بمقداره على ما بيناه.
مسألة:

(78/9)


قال: وإذا كان لرجل على رجل دراهم جاز له أن يأخذ منه بصرفها دنانير ولو كان له عليه دنانير جاز له أن يأخذ عنها بصرفها دراهم، وهذا إذا لم يكن الذي في الذمة من ثمن الصرف كأن يكون الرجل اشترى من آخر دراهم بدنانير فإنه لا يجوز أن يأخذ منه بدل الدراهم التي في ذمته دنانير وكذلك لا يجوز أن يأخذ بدل الدنانير التي في ذمة الآخر دراهم، وهذا ممالا خلاف فيه لأن الصرف الأول لم يتم لأن تمامه أن يقع التقابض في المجلس حتى أنهما لو تفريقاً قبل القبض بطل الصررف الذي كان بينهما لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لابن عمر حين سأله عن بيع الدراهم بالدنانير فقال: (لابأس إذا لم تفترقا وبينكما لبس)، وجملة الأمر أنه لا خلاف في جواز التصرف فيماا في الذمم قبل لاقبض إلا في شيئين: أحدهما ـ ما كان من ذلك من ثمن الصرف لوجه الذي بيناه، والثاني: ما كان منه في ذمه المسلم إليه عن السلم فإنه لا يجوز التصرف فيه قبل القبض لماا نبينه بعد هذا في باس السلم فأما إذا باع رجل رجلاً عبداً بألف درهم أو بخمسين ديناراً فإنه يجوز أن يأخذ منه بدل الدراهم دنانير وبدل الدنانير دراهم لا خلاف فيه لما روي عن ابن عمر أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ الدنانير وبالدنانير فنأخذ الدرراهم، فقال: لا بأس إذا لم تفترقا وبينكما لبس، قال: ولو أن لكل واحد منهما على صاحبه دراهم ودنانير جاز لهما أن يصرفا ما في الذمم من الدراهم بالدنانير والدنانير بالدراهم، إذا وفى كل واحد منهما صاحبه ما وجب له عليه قبل افتراقهما، ووجهه ما قد مضى وذلك إذا لم يكن ما في ذمتهاا من ثمن الصرف على ما بيناه.

(78/10)


فإن قيل: فهلا نعتم من ذلك لأنه بيع الدين بالدين، وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الكالي بالكالي. قيل له: ليس هذا من الدين بالدين وذلك أن مافي الذمتين في حكم المقبوض من كل واحد منهما، ألا ترى أن كل واحد منهماا لا يحتاج إلى تجديد قبض تمام هذا الصرف فقد بان أنه بيع المقبوض بالمقبوض إما تحقيقاً وإما حكماً وليس هو بيع الدين بالدين وإنما الكالي هو أن يبيع الرجل من رجل شيئاً نسيئه ثم يسلم ذلك الثمن الذي في ذمته في شيء آخر فيكون قد باع ديناُ بدين ولا يجوز ذلك لأنه من الكالي بالكالي ونظائره كثيرة.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً دفع إلى رجل ديناراً فاشترى منه ببعضه ذهباً مثله وبعضه دراهم بقيمته كان ذلك جائزاً، وهو صحيح لأنه باع ذهباً بذهب مثلاً بمثل، وذلك جائز لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الذهب بالذهب مثلاً بمثلٍ يداً بيد)، باع بالبعض منه دراهم، وقد قال عليه السلام: (إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد)، وهذه الجملة لا خلاف فيها، ومن شرط صحة ذلك أن يقع االتقابض في المجلس قبل التفرق على ما بيناه فيما تقدم.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً اشترى من رجل دراهم بدنانير فأعطاه فيها مكحلة أننقص من الصرف بمقدار ما في الدراهم من الكحل إلا أن يبدله بدراهم جيدة قبل التفرق، فأن نقص المشتري عن الدراهم المكحلة كحلها لم يجب لصاحبه الدراهم عليه شيء للكحل الذي نقص عنها إلا أن يكن له قيمة فإنها تلزم االمشتري وذلك أن المكحل هو فضة مع كحل متميز عنه فجرى مجرى أن يشتري خاتماً على أنه فضة بذهب فيجد في حضوه قيراً في أن الصرف ينتقض بمقدار القير لأنه لم يعطه ما استحق بصرفه.
فإن قيل: ألستم تجوزون بيع الدراهم الرديئة بالجيدة؟ ولاردئ إنما يكون رديئاً بما يخالط النقرة من الغش.

(78/11)


قيل له: ما يخالطها ليس سبيله سبيل ما يتميز عنه ويجري مجرى الحشو له فلهذا فصلنا بينهما، وقلنا ما ينقصه من الكحل، إن كان لا قيمة له لم يضمنه وإن كان له قيمة ضمنه البائعن لأن التضمين في الأموال إنما يصح على التقويم، ومالا يصح تقويم لا يصح تضمينه، وذلك مثل إنسان يكسر لآخر رأس قلم، أو يتناول من دواته مدة في أنه لا يصح تضمينه، لأن ذلك مما لا يصح تقويمه، فأما إذا كان للكحل قيمة فيجب أن يضمنه، ولهذا قال يحي بن الحسين عليه السلام فيمن اشترى بيضاً فكسره فوجده عفنا لا قيمة له بأنه يرجع بجميع الثمن على االبائع.
مسألة: قال: ولا يجوز للرجل أن يشتري سيفاً عليه حلية بدراهم إلا أن يفصل بين السيف وبين ماا عليه من الفضة فيشتري الفضة بوزنها من الفضة، والسيف بقيمته إلى آخر المسألة، اعلم أن المراد بقوله والسيف بقيمته، السيف بثمنه، لأن الشيء يجوز أن يشتري بدون قيمته وفوق قيمته يداً بيد إذا تراضى به البيعان وهذه المسألة مبنية على وجهين إما أن تكون الدراهم التي يشتري بها مثل الفضة التي على السيف، أو المصحف أو دونهان وإما ألا يعلم أن الدراهم أكثر من تلك الفضة، ومتى كان كذلك لم يجز البيع بالإجماع لأن الفضة يكون بمثلها من الدراهم، والباقي من الفضة إن كانت زائدة مع السف تبقى ولا عوض في مقابلتها، وكذلك إذا لم تعلم الحال في ذلك فأما إذا علم أن الدراهم التي يشتري بها اكثر من الفضة، فيجب أن يصح البيع على مذهبه على أن تكون الفضة بمثلها من الدراهم، والباقي من الدراهم ثمناً للسيف كما نص عليه ف مسألة شراء اللبن المخيض بالزبد في وإن الشراء جائز إذا كان الزبد المشترى به أكثر من الزبد الذي في اللبن، فيكون الزبد الذي في اللبن بمثله والفاضل من الزبد يكون ثمناً للبن، وهذا قد مضى الكلام فيه مستوفى فلا غرض في إعدته، والكلام في مسألة السيف المحلى كالكلام في تلك المسألة.

(78/12)


قال: فإن اشترى المحلى بالفضة بالدنانير، أو المحلى بالذهب بالدراهم صح ذلك، ولكن يجب أن يكون ذلك يداً بيد لأن بيع الذهب والفضة يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً يداً بيد لا خلاف فيه.
مسألة:
قال: وإذا اشترى رجل من رجل دراهم لم يجز أن يستوفيها عدداً إلا أن يكون ابتاعها عدداً، فإن كان ابتعها وزناً لم يجز إلا أن يستوفيها وزناً، وذلك أن الموزون لا يصح قبضه إلا بالوزن إذا اشترى وزناً كالمكيل إذا اشترى كيلاً فإن كان اشترى جافاً، أو عددا فلا بأس باستيفائه كما ابتاع وذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من اشترى طعاماً كيلاً فلا يبعه حتى يجري فيه الصاعان)، صاع البائع وصاع المشتري، هذه إذا انت الدراهم مشتراه بغير الدراهم فإن كانت اشتريت بالدراهم فلا يجوز أن يشتري إلا وزناً بوزن مثلاً بمثل، ولا بد من أن يجري فيه ألوزن لأنه لا يجوز بيع الذهب، والفضة بالفضة إلا وزناً بوزن ولا يجوز جزافاً.
مسألة:
قال: وإذا استقرض رجل من رجل دراهم فرد عليه أكثر من ذلك جاز ذلك لهما إلا أن يكون اشترطا الزيادة فإن كانا اشترطاها حرمت وذلك أن الزائد إحسان من المعطي، وليس يكون ربا ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للوازن زن وأرجح لأن الرجحاان كان إحساناً وأما إن شاترط ذلك فهو رباً لا خلاف فيه ويجب أن يكون محرماً لقول الله عز وجل: {وَحَرَّمَ الرِّبَى}، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الذهب بالذهب مثلاً بمثلاً يداً بيد، والفضة بالفضة مثلاً يداً بيد فمن زاد أو ازداد فقد أربى).
فإن قيل: فهلا قلتم إنه إذا زاد من غير اشترااط الزيادة يكون قد أربى؟
قيل له: لا يكون قد أربى بعقد الربا، ولا ما يقوم مقامه كأن يكون بينهما في ذلك إشارة تقوم مقام القول.
مسألة:

(78/13)


قال: ولو أن رجلاً باع من رجل مسكة من ذهب فيها ستة مثاقيل بخمسة دنانير كان البع فاسداً، فإن كان الذي أخذ الدنانير تصدق بها أو ابتاع بها شيئاً لم يلزم استرجاعها بأعيانها فأما أن يرد على البائع خمسة مثلها ويسترجع مسكته، أو يأخذ منه دينار آخر.
أما فساد هذا البيع فلا خلاف فيه لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل يداً بيد، والفضل ربا)، فلا خلاف في أن ذلك ربا فوجب فساد ذلك العقد فأما قوله لا يجب استرجااع الدنانير الخمسة فعلى أصله، أن البيع الفاسد إذا ضامه القبض وقع التمليك به وهذا قد مضى شرحه في أول كتاب البع فلا غرض في إعادته.
وإذا وقع التمليك جاز تصرفه فيه، وعليه رد مثله إذا أرادا نقض الصرف، وإن أراد أن يبتدئاه استانفا صرفاً ثانياً، وأأخذ صاحب المسكة ديناراً آخر ليكون باع المسكة بمثلها فيصح الصرف.
مسألة:
قال: االقاسم عليه السلام: لا يجوز إنفاق الزائف إلا أن يكون الآخذ له يعلم ذلك ووجهه أأن ذلك خيانة وغش، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من عشنا فليس منا)، وأجاز إذا علم الأخذ لأنه يجري مجرى شراء المعيب إذا علم المشتري بالعيب ورضي به وهذا مما لاخلاف فيه فكذلك حال الزاائف إذا علمه الآخذ ورضي به.
(فصل)

(78/14)


كان الأولى أن يذكر في أول الباب اختلف العلماء في بيع الدينارين الصحيحين بدينار صحيح ودينار مكسور وفي بيع دينارين نسياً بوريين بدينار عتق، ودينار طري، فأجاز ذلك أبو حنيفة، ولم يجزه الشافعي، ولا نص فيه ليحي عليه السلام إلا أن تسويته بين الصحيح والمكسور والجيد والرديء فيما رواه عن جده القاسم وإطلاقهما القول في ذلك يدل على صحة ماا ذكرناه كما ذهب إليه أبو حنيفة، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل يدااً بيد)، والألف واللام دخلا للجنس فأجاز النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيع الذهب بالهب مثلاُ بمثل وزناً بوزن على أي حال كانا فااقتضى العموم جواز بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة بالمماثلة في الوزن فقط، أو بالقيمة على االإنفراد، أو مع الوزن، ولا خلاف أنه لا معتبر بالقيمة على وجه من الوجوه للإجماع على جواز بيع دينار قيمته عشرون درهماً بدينار قيمته عشرة دراهم فلم يبق إلا أن يكون الإعتبار بالوزن وعليه دل لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإذا تماثلا في الوزن صح الصرف، وبطل ما ذهب إليه الشافعي، ولا خلاف في جواز بيع دينارين صحيحين بدينارين مكسورين، وكذلك في جواز بيع دينارين عتيقين بدينارين طريين، فوجب أن يصح وإن كان أحد الدينارين صحيحاً والأخر مكسوراً، وكذلك إن كان أحدهما طرياً والأخر نيسابوريا والعلة تماثلهما في الوزن، والنص منبه على هذه العلة، فوجب صحتها وكذلك الإعتبار الذي قدمناه.

(78/15)


فإن قيل: هذ لا يصح لأن أحد الدينارين إما الصحيح وإما المكسور أو الطري، أو النيسابوري، لو استحق لوجب أن يقسم الدينارين عليهما بحسب قيمتهما وإذا فعلنا ذلك صار ماا يقابل الدينارين أقل من وزن الدينار، أو أكثر فوجب أن يدل ذلك على فسد هذا الصرف، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منع من بيع الرطب بالتمر حين علم أن الرطب يجق فيعود في المال إلى بيع التمر بالتمر متفاضلاً، فكذلك مسألتنا.
قيل له: أما التقسيط الذي ذكرتم فإنه غير مسلم في هذا الموضع لأن الذهب والفضة إذا لاقى كل وااحد منهما جنسه فقيمته مثله في الوزن ولا قيمة للصنعه والجوده، كذلك لا يجوز أن يشترى دينار مضروب بدينار ودانق، ولا دينار جيد بدينار ودانق رديء فإذا ثبت ما قلنا ووجب ما حكيناه شرعاً، كان أحد الدينارين لو استحق لم يجب أن يكون بقيمته من الثمن بل بمثله من الوزن فيسقط جميع ماعولوا عليه في هذا الباب على ان ما ذكروه من تشبيههم له ببيع التمر بالرطب، لا معنى له لأن الرطب فيه أجزاء من الرطوبة التي ليست أجزااء التمر الجاق ولهذا بطل البيع فيه فأشبه الحنطة المبلولة بالحنطة المقلوه، وأيضاً من المعلوم أن الرطب لا محالة يجف إذا بقي وتناقص أجزاؤه، وأحَدُ الدينارين ربما لم يستحق فلا يشبه ما ذكرتم على أن أصحاب الشافعي قد قالوا في غير موضع أن ما يطرأ على العقد يجب أن يكون سبيله سبيل ما ينطوي عليه العقد، ذكروا ذلك في خيار الرد بالععيب وفي تبديله الردئ في صرف وفي نصرة قولهم إن رأس مال المسلم يجوز أن يكون جزافاً حين سألوا أنفسهم لو بطل السلم.

(78/16)


باب القول في السلم
لا يصح السلم إلا بأمور خمس، وهو إن يسلم كذا وكذا من نقد، أو عرض أو غير ذلك في كذا وهو الذي يسلم فيه ثم يذكر صفته ومقداره، ويذكر الوقت الذي يقبض المسلم فيه والمكان الذي يقبضه فيه.
قوله: لابد من أمور خمس، إنماا يريج في المسلم فيه دون رأس المال الذي يعجله، وإنما قال: في شروطه خمسة، لأنه جعل النوع والصفة شيئاً واحداً وعبر عنهما بالصفة، وفي الحقيقة لا بد من ذكر جنس ما يسلم فيه، كأان يقول: التمر، وذكر نوعه بأن يقول: إلا زاذ أو االبرني أو الصيحاني، ويذكر صفته في الجودة والرداءه وذكر مقداره، والمكاان الذي يسلم فيه، والوقت الذي يحل السلم فيه فيكون ذلك ستة، وربما يحتاج إلى أن يجعل ذكر المكيل والميزان بأن يقول: بالصاع الفلاني، والوزن الفلاني، وما جرى مجراه، وذكر زيد بن علي عليهما السلام أنه لا بد من أن يذكر فيه ثلاثة أشياء، الأجل والمكان وصفة ما يسلم فيه، فعبر عن الجنس والنوع والصفة والمقداار بالصفة، وجعل ذلك كله شيئاً واحداً، هذه كلها عبارة تختصر وتبسط والحقيقة ما ذكرناه، وجملة ما ذكرناه في المسألة الخلاف فيها في أربعة مواضع، فأول ذلك رأس مال السلم، قال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك أن يكون جزافاً كما يجوز في سائر البياعات، إن كان موزوناً فلا بد أن يعرف وزنه وكذلك إن كان مكيلاً أو معدوداً فلا بد من أن يعرف كيله، أو عدده، وهو أحد قولي الشافعي، قال أبو يوسف، ومحمد يجوز أن يكون ذلك جزافاً كما يجوز في سائر الأثمان، وهو القول الأخر للشاافعي، وظاهر ما ذكره يحي في الأحكام والمنتخب يجب أن يكون ذلك قوله لأنه لم يذكر في شيء من المسائل أنه يجب أن يكون مضبوطاً بوزن أو كيل، أو عدد، وهذا هو الظاهر من قول زيد بن علي عليهما االسلام لأنه لم يوجب فيه الوزن ولا الكيل ولا العدد، والثاني: اشتراط المكان لماله حمل ومؤنة، والثالث: اشتراطه لمالاً حمل له ولامؤنه، والرابع: اشتراط الأجل، والأصل في

(79/1)


ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من أسلم فليسلم في كيل معلوم، أو وزن معلوم إلى أجل معلوم)، فقصد صلى الله عليه وآله وسلم ضبط أوصاف المسلم فيه دون رأس المال، وأطلق القول فيه فوجب أن يجوز ذلك خص بالوزن أو الكيل أو العدد، أولم يخص، وإنماا يضارع هو مال يعجل قبضه عند العقد فوجب أن يصح كونه جزافاً دليله سائر الأثمان والمبيعات وشهد له مالاً يعجل قبضه في االحال وثبت في الذمة من الأثمان أو المسلم فيه المبيع انه لا يجوز أن يكون جزافاً لأن كونه جزافاً يمنع من استقراره في الذمة بالعقد وصحة المطالبة به فلا يصح أن يتناوله العقد.
فإن قيل: الجزاف قد ثبت في الذمة وذلك أن يشتري الرجل سلعة بثمن جزافاً ثم تستحق أو تتلف بعد قبض الثمن، أو استهلاكه فيستحق البائع على المشتري الثمن الذي قبضه جزافاً وثبت في ذمته.
فإن قيل: كما لم يجز أن يكون المسلم فيه جزافاً وجب أن يكون عوضه وهو الثمن المعجل لا يكون جزافاً.
قيل له: العوض إذ لم يشارك المعوض فيماله امتنع من كونه جزافاً جاز أن يكون جزاافاً، وإن كان عوض المبيع جزافاً كما لم يشارك الثمن المبيع فيما له امتنع كونه جزافاً وهو أنه مما يتعجل قبضه ولا يثبت في الذمة لقعد وأيضاً لاخلاف أن الثمن في السلم يجب تعجيله وأن المسلم فيه يجوز أن يحب تأجيله فإذا جز أن يختلفا في هذا لم يمتنع أ، يختلفا فيما ذكرنا على أنه منتقض برأس مال السلم إذا كان عرضاً كالثوب ونحوه لا يجب عند أبي حنيفة أن يكون مضبوطاً بالصفة كما يجب ذلك في المسلم فيه.

(79/2)


فإن قيل: ما يجوز أن يطرأ على المسلم مما يجوز أن يؤول إليه مما يوجب جهالة في المعقود عليه مراعى في حال العقد ومتقضى فساده بدلالة ما أجمعوا عليه من أنه لو أسلم في ملء إناا معين مجهول القدر كان السلم فااسداً، والعلة فيه جواز أن يسكر لإناء فيصير السلم مجهولاً، فكذلك الثمن المعجل إذا كان جزافاً يجب أن يفسد عقد االسلم لجواز أأن يعرض ماا يوجب فساد السلم فيصير الثمن مجهولاً.
قيل له: إن الذي ذكرتم يجب في المسلم فيه دون الثمن لأنه الذي يجب تأجيله وثبوته في الذمة بعقد البيع، وقد قلنا إن ما كان كذلك فلا يجوز كونه جزافاً وهذا غير حاصل في الثمن المعجل يكشف ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاله شدد أمر المسلم فيه فقال: فليسلم في كيل معلوم أووزن معلوم إلى أجل معلوم، ولم يأمر بذلك في الثمن المعجل، فإن راموا تقوية كلامهم بأن قالوا قد ثبت أنه يجوز أن يباع عبد بملء إناء مجهول القدر من البر فكذلك بملء سكرجة مجهولة القدر من الدراهم، وكذلك يجوز أن يشتري ملء إناء مجهول بمال موزون من الدراهم فاستوى في جواز ذلك الثمن والمبيع فبان ان فساد عقد السلم إذا كان المسلم ملء إناءٍ مجهول القدر إنما كان لأن عقد السلم فوجب أن يستوي فيه السلم والمسلم فيه.
قيل له: ليس الأمر على ما ظننتم وذلك أن الثمن لو كان مؤجلاً في بيع العين لم يجز ان يكون ملء إناء مجهول إنما يجوز ذلك إذا كان الجميع من الثمن والمبيع معجلين فبان أن العلة هي ما ذكرناه من أن ما ثبت في الذمة بعقد البيع لا يجوز أن يكون جزافاً.
فإن قيل: فإنا نجوز ذلك في ثمن البيع المعين وإن كان مؤجلاً وارتكبوا ذلك.
قيل له: لم يضرنا لأنا إذا لم نسلم ذلك لهم لم يتم كلامهم بارتكابهم ما ارتكبوا فوضح بذلك سقوط كلامهم على أن رأس المال إذا كان عرضاً يعترض هذا أيضاً.

(79/3)


وأما اشتراط المكان الذي يستوفي فيه السلم فقد اختلف فيه على ثلاثة أوجه: قال أبو حنيفة ـ يجب اشتراطه إذا كان السلم مما له حمل ومؤنة فإنه لم يكن له حمل ومؤنة لم يجب اشتراطه وقال أبو يوسف ومحمد لا يجب اشتراط المكان سواء كان السلم له حمل ومؤنة أو لم يكن ويجب أن يستوفى جين يعقد السلم والأظهر عن زفر والثوري والشافعي أنه لا بد من اشتراط المكان على الوجهين حقاً وعلى هذا مذهب يحي، وهو الظاهر من قول زيد بن علي عليهماا السلام لأنهما قالا: لا بد من اشتراط المكان ولم يفصلا بين ماله حمل ومؤنه وما ليس له ذلك والأصل فيه أنه لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة وأصحابه أن الأجل يجب تعيينه واشتراطه فكذلك المكان والعلة أن كل وااحد منهما يوجب جهالته فساد السلم لأنه لو قال أوفيك متى شئت واشترط ذلك فسد السلم فكذلك إذا قال أوفيكه حيث شئت واشترطا ذلك بطل السلم وكذلك إن لم يتعين المكان يجب أن يفسد كما يفسد إذا لم يتعين الزمان ويمكن أن يرد ذلك إلى الكيل والزون في أنه لا بد فيهما من الحصر بعلة أنه مسلم فيه فأما ما ليس حمل ومؤنة فإنه يرد إلى ماله حمل ومؤنه، مع أبي حينفة بعلة أن قيمته تختلف بحسب اختلاف الأماكن فوجب أن يشترط له المكان كما يشترط لماله حمل ومؤنه وبهذه العلة أيضاً يرد إلى الأجل مع أبي يوسف ومحمد على أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم اقتضى وجوب نفي الجهاالة عن المقدار كما أن أن قوله إلى أجل معلوم اقتضى نفي الجهالة عن القبض وجهالة المكان الذي يقبض فيه يقتضي جهالة في القبض أما االأجل فالخلاف فيه بينناا وبين الشفعي لأن أبا حنيفة وأصحاابه أوجبوا اشتراطه وهو قول زيد بن علي عليهم السلام ويدل على ذلك ن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع ماليس عند الإنسان فاقتضى ظاهر الخبر بطلان السلم ثم قال صلى االله عليه وآله وسلم من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم اشتمل

(79/4)


النهي عليه ووجب فساده لأن التخصيص ورد في سلم له صفة وهي اشتراط الأجل فأما تعلقهم بالظواهر نحو قول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَى}، وقوله: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}، فهو مدفوع بما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم إنه نهى عن بيع الإنسان ماليس عنده وسائر ما نذكره من بعد.
فإن قيل: ليس يخلو قوله من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم من أن يكون ذلك كله بمجزوعه شرطاً لصحة االسلم لأن المكيل لا يجب أن يوزن، والموزون لا يجب أن يكال بالإجماع، والإجماع على صحة السلم فيما لا يكال ولا يوزن كالمزروع والمحدود، ولا يجوز أن يكون كل واحد منهما على الإنفراد شرطاً في صحة السلم لأنه يجب أن يكون المكيل والموزون يصح فيهماا السلم بمجرد أن يشرط فيهما الأجل ولا يصح ذلك بالإجماع ولأن الكيل والوزن لا يصحان السلم عندكم إذا انفردوا عن الأجل فلم يبق إلا أنه جعل بعض أوصاف السلم.
قيل له: هذا الكلام الطويل يسقط بأيسر كلام وهو أن نقول أن المسلم في مكيل معلوم في المكيل ووزن معلوم في الموزون وأجل معلوم في كل السلم لا أن الأجل يختص بنوع دون نوع فوجب أن يعم جميع المسلم فيه، والكيل والوزن يختصان الأشياء فقصرناهما على ما اختصا به.
فإن قيل: كما جاز العدول عن المنصوص عليه من المكيل والموزون إلى المذروع والمعدود جاز العدول من المنصوص عليه من المؤجل إلى الحال.
قيل له: ليس الأمر على ما ذكرتم لأن النص الذي ذكر المكيل لم يتناول إلا المكيل بل لا يصح غير ذلك والنص الذي ذكر الموزون لم يتناول إلا الموزون فألحقنا بهما غيرهما بالدلالة وليس كذلك الأجل لأن الأجل لا يختص بنوع دون نوع فوجب أن يعتبر.
فإن قيل: الحال من المسلم أبعد من الغرر فيجب أن يكون أجوز.

(79/5)


قيل له: هذا الإعتبار ساقط بالإجماع لأنا لم نعتبره في السلم ولم تعتبروه في الكتابة لأنكم تبطلون الكتابة الحالة على أن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحق أن يتبع، وقد قال إلى أأجل معلوم.
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشترى جملاً بتمر موصوف في الذمة بقرب المدينة ثم ساقه إلى المدينة، ووفى التمر بها وهذا يدل على السلم الحال.
قيل له: التمر مما يجوز ثبوته في الذمة وهو فيما ذكرتم كان ثمناً فجرى مجرى النقود ولم يجر مجرى السلم فلا يصح التعلق به وذلك أن المكيل والموزون متى لاقى العروض وصحبته كانت ثمناً كالدنانير ولم يكن مبيعاً وأيضاً لا خلاف أن المقدار يجب أن يكون مشروطاً ليصح السلم وكذلك الأجل والعلة أن كل واحد منهما قد ورد الشرع باشتراطه في السلم ويمكن أن يقاس على المقدار وعلى المكاان بعلة أن جهالته توجب فساد السلم فوجب الا يصح السلم إلا باشتراطه ولأنه بدل يستحق بعقد السلم فوجب ألا يصح فيه ألا احد أمرين التعجيل أو الأجل قياساً على رأس المال ولا يصح فيه العكس بأن يقولواا فوجب ألا يكون من شرطه الأجل لأنه منتقض بالسلم في المعدوم ويمكن أن يجعل السلم في المعدوم أصلاً للمسألة ويقاس عليه غيره بعلة أنه مسلم فيه وإن كان لا يصح ذلك لأبي حنيفة لأنه لا يرى السلم في المعدوم وغيره وكل عللهم تنقض بالسلم في المعدوم ويؤكد ذلك أن يقال لهم إن السلم يختلف بعمل رأس المال وتاميل المسلم منه وذلك أن السلم والسلف في المعنى واحد فلو جاز في السلف الحال أن يسلم في الحال لبطل معنى السلم إذ يكون رأس المال والسلم معجلين فلم يصح أن يقال فيه إنه سلم وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم من أسلم المال والسلم معجلين فلم يصح أن يقال فيه إنه سلم وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم فعبر عنه بالسلم إلى المسلم إليه على هذه الشروط صح السلم إن كان السلم فيما يصح فيه السلم أما

(79/6)


إذا أسلم على الشروط التي ذكرناها فلا خلاف في صحة السلم وإنما الخلاف إذا سقط شرط من جملة هذه الشروط وقد تكلمنا في جميعها ما أغنى وكفى، وإنما اشترطنا أن يكون السلم فيما يصح فيه السلم لأنه لا خلاف أن من أسلم فيما لا يصح فيه السلم لم يصح السلم وإن حصلت الشروط والكلام فيما فيما السلم، أو لا يصح فيه السلم يجيئ في االمسائل التي نذكرها بعد.
مسألة:
قال: ولا يجوز لهما أن يفترقا إلا بعد قبض المسلم إليه من المسلم فإن تفرقا قبل ذلك بطل السلم وكذلك إن تركا شرطاً واحداً من هذه الشروط الخمسة كان االمسلم باطلاً إلا أن يذكراه قبل افتراقهما أما تعلق صحة السلم بقبض رأس المال في المجلس فهو مما لا خلاف فيه بين العلماء ونص عليه زيد بن علي عليهم السلام إلا ما يحكى عن مالك إنه أجاز ذلك يوماً أو يومين ولم يجزه في مدة طويلة وإذا ثبت أن المسلم فيه يجب أن يكون مؤجلاً فلو أجزنا أأن يكون رأأس المال غير مقبوض كان من الكالي بالكاالي وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولأن السلم يقتضي تعجيل رأس المال وتأجيل المسلم فيه على ما م ضى بياانه ولأن ظاهر قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أسلم فليسلم)، يقتضي تعجيل رأس المال، وأيضاً لا يجوز فيه اسشتراط الخيار فوجب أن يجب تعجيله كالصرف ويمكن أن يقاس مع ذلك يومان أو نحوهما بالمدة الطويلة وأما قولنا أنه إن ترك شرطاً من هذه الشروط التي ذكرناها كان السلم باطلاً فقد مضى الكلام فيه، وقلنا: إلا أن يذكر ذلك قبل افتراقهما لأن ذكر الشروط ليس بأوكد من قبض رأس المال لأن الجميع شرط في صحة السلم فلا بد أن يقع التقابض قبل التفرق، فيجب أن له يخل يذكر الشروط قبل التفرق ولأن العقد لم ينبرم بعد سقوط بعض الشروط ولم يفسج لأن التفرق لم يحصل فوجب أن يكون موقوفاً والموقوف يجوز أن يرد عليه ما يصححه كما يجوز أن يرد عليه ما يفسده على أن العقد لو كان انبرم لكان يجوز أن يلحقه غير ما

(79/7)


ذكر على أصلنا في أن العقد يجوز أن يزاد فيه ويحط عنه.
مسألة:
قال: وإذا أسلم الرجل سلماً فاسداً لم يكن له عند المسلم إليه إلأ راس ماله فإذا أردا تصحيح السلم فليقبض المسلم من المسلم إليه رأس ماله ثم ليدفعه إليه ثانياً ويبتدأ بالعقد على الصحة أما إذا أسلم سلماً فاسداً فإن رأس المال يكون للمسلم لأنه لم يستحق بدله على المسلم إليه فلا يجوز أن يكون المسلم غليه يستحق بدله، وهو راس المال وإذا لم يستحقه وجب أن يكون للمسلم، إلا أن على مذهب يحي عليه السلام لا يبعد أن يقال أن المسلم إليه يكون قد ملكه لأن من مذهبه أن لاتسليم إذا وقع مع الفساد يملكه المتسلم وإذا ملكه صار ضامنا فيوكون ديناً عليه، فلا يجوز أن يجعله في السلم ثانياً حتى يقبضه لأنه يكون من الكالي.
مسألة:

(79/8)


ولو أن رجلاً كان له على رجل دين، أو عنده وديعة لم يجز له يجز له أن يجعله سلماً حتى يقبضهمنه ثم يدفعه إليه سلماً أما الدين فقد قلنا فيه ما كفى وهو ممالا خلاف فيه، وأما الوديعة فالذي أحفظه عن العلماء انهم أجازوا فيهاا أن يكون سلماً لأنهاا إذا كانت في يد المودع كانت مقبوضة حاصلة فيده والأقرب عندي أن مراد يحي عليه السلام في ذلك إذا لم يعلم يقيناً بقاء الوديعة في يده بعينها ويجوز أن يكون قد جرى فيها الإستهلاك وأنها قد صارب ديناً على المودع فيكون الوجه في ذلك ما ذكرناه في الدين أو يقال أنها في يد المودع بمنزله كونها في يد المالك لأن يد المودع يد المالك في يجوز أن يجعلهاا سلماً لأن الإقباض لا يكون حصل حكماً إلا أن يأذن له في قبضه من نفسه فيقبضه بأن ينقله من موضع إلى موضع نفسه لأن من مذهبه أنه يصح من الإنسان أن يقبض الشيء من نفسه لغيره نص عليه في المنتخب في مسألة شراء، وإذا جاز ذلك جاز أن يقبضه من نفسه لنفسه، فعلى هذا لا يصح أن يجعل سلماً ما دامت على صفة الوديعة حتى يحصل النقل في المجلس قبل أن يتفرقا على ما قلناه من أنه لا بد من تعجيل رأس مال السلم قبل التفرق.
مسألة:

(79/9)


قال: ولو كان عليه عشرة دنانير ديناً، أو عنده وديعه فدفع إليه عشرة أخرى على أن يكون العشرون سلماً صح نصف سلمه وبطل نصفه، ووجهه ماا بيناه فيهما مضى فيمن باع ملكه وملك غيره أن البيع يصح في ملكه لأن الفساد لم يعترض فيه حين وقع لصحته فيما يملك، ووقوفه فيما لم يملك فكذلك في هذه المسأالة لأن السلم صح فيما لم يقبضه إلى نحين التفرق فلم يقع العقد منطوياً على الفساد إلا ترى أنه لو استوفى دينه أو وديعته في المجلس نوأاقبضه قبل التفرق لصح السلم، وإنما يفسد لو لم يجر فيه القبض حتى يقع التفرق وعلى هذا نقول: لو باع ديناراً بعشرة دراهم فقبض خمسة منها في المجلس ولم يقبض الخمسة حتى تفرقا إن الصرف يصح في نصف ديناار المقبوض بدله ويفسد في نصفه.
مسألة:
قال: وإذا أسلم الرجل سلماً فاسداً فأراد أخذ ما دفعه إلى المسلم إليه أخذه إن وجده بعينه، وإن كان قد استهلكه وجب عليه مثله إن كان ما أعطاه نقداً أو مكيلاً أوموزوناً فإن كان ما أعطاه عرضاً أو حيواناً أخذ منه قيمته يوم استهلكه، وهذه الجملة لا خلاف فيها لأن السلم إذا فسد كان المسلم أولى بما دفع إن كاان قائماً بعينه لأن العقد قد بطل ولم يكن هناك إلا القبض فوجب أن يكون حكم المقبوض حكم الوديعه والغصب أن صاحبه يكون أولى به بعينه إن كانت عينه باقيه وإن كان قد استهلكه وكان من ذوات الأمثال كان عليه مثله لا خلاف في أن ذلك حكم ذوات الأمثال، وذوات القيم لأن ذلك أقرب إلى إلى أن يكون ذو الحق قد استوفى حقه ويكون أبعد من التفاوت ومعنى قوله يوم استهلكه إذا كاان الإستهلاك يوم القبض لأنه حين يقبضه يصير مضموناً عليه على ما نقوله في المغصوب.
مسألة:

(79/10)


قال: فإن عجز المسلم إليه عن إيفاء السلم كان المسلم بالخيار إن شاء انظره إلى وقت مقدرته وإن شاء استرجع منه ما أعطاه إن كان قائماً بعينه أو مستهلكاً على ما بيناه في المسألة الأولى ولم يجز له أن يأيخذ قيمة ما اسلم منه وذلك ان المطالبة قد صحت بحلول الأجل والعقدصحيح كما كان فااشبه بيع العين إذا تعذر على البائعتسليم المبيع في أن المشتري بالخيار بين أن يصبر إلى أن يمكن فيه التسليم وبين أن يفسخ البيع وبه قال أبو حينفة، وأصحابه إذا كان سبب التعذر إنقطاعه من أيدي الناس ولست أحفظ قولهم إذا تقذر لإفلاس المسلم غليه ويمكن أن يقاس عليه تعذر لإفلاس على تعذر تسليم المبيع وليس لهم أن يقيسوا تعذر التسليم للإفلاس على تعذر الثمن لأن حكم الثمن في هذا الباب خلاف حكم المبيع لصحة التصرف في الثمن قبل القبض وإن كان لا يصح ذلك في المبيع فلا يصح في المبيع أمر من الأمور قبل التسليم كما يصح في الثمن، وقلنا: أنه ليس له أن يأخذ قيمة ما أسلم فيه لأنه يكون تصرفاً في المسلم فيه قبل القبض ولا خلاف أن ذلك لا يجوز كما لاجوز في الصرف، وإن كان العلة في الصرف أنه يؤدي إلى إبطال القبض المستحق في المجلس والعلة في المسلم فيه أنه بيع قبل القبض كما لا يجوز التصرف في المبيع قبل القبضن وكذلك المسلم فيه لأنهما جميعاً مبيعان.
وروى زيد بن علي، عن أبيه عن جده، عن علي عليهم السلام قال: من أسلف في طعام إلى أجل فلم يجد عند صاحبه ذلك الطعام فقال: خذ مني غيره بسعر يومه لم يكن له أن يأخذ إلا الطعام الذي اسلم فيه، أو رأس ماله، وليس له أن يأخذنوعاً من الطعام غير ذلك النوع وهذا يوجب ـ يحقق نخ ـ أن التصرف فيه قبل القبض غير جائز ولا يحفظ عن غيره من الصحابة خلافه فجرى مجرى الإجماع منهم.

(79/11)


قال: فإن عجز عن بعضه أخذ بعضه، وكان القول في المعجوز عنه كالقول فيا مضى أمامالم يعجز عنه فإنه يقبضه لأنه مستحق عليه، وأما المعجوز عنه فوجهه قد مضى، يكشف ذلك ان من اشترى عبدين أحدهما آبق وجب تسليم الباقي وفسخ البيع في الغائب، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنه قال: لا بأس أن تأخذ بعض رأس مالك، وبعض سلمك ولا تأخذ شيئاً من غير سلمك.
مسألة:
قال: وتجوز الإقلة في االسلم وفي بعضه الإقالة عندنا بيع في سائر الأشياء، وإن قلنا في السلم إنه فسخ على ما بيناه فيماا مضى من البع وإذا ان الإقاالة فسخاً وبينا أن الفصخ يصح في السلم وفي بعضه فكذلك الإقالة وذلك فيه خلاف وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وحكي عن مالك أنها تجوز في الجميع ولا تجوز في البعض.
مسألة:

(79/12)


قال: ولا يجوز أن يسلم في الحيواان ولا في شيء مما يتفاوت تفاوتاً فاجشاً، وكذلك لا يجوز السلم في الجواهر والفصوص تخريجاً، أما الفصوص والجواهر فلا أحفظ خلافاً في أن السلم لا يجوز فيها، ووجه التحريم أن يحي عليه السلام قال عند المنع من السلم في الحيواان على طريق التعليل أنه يتقاوت تفاوتاً عظيماً، فدل على أن ما يتفاوت تفاوتاً عظيماً لا يجوز السلم فيه عنده ومن المعلوم أن الجواهر والفصوص تتفاوت تفاوتاً عظيماً، فأما الحيوان ففي قول ابي حنيفة وأصحابه لا يجوز فيه مثل قولها وهو قول زيد بن علي عليهم السلام وقال الشافعي: السلم في جائز والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه نهى عن بيع الحيوان بعضه ببعض نسيئة)، وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تبيعوا الديناار بالدينارين، والصاع بالصاعين)، فقام إليه رجل فقال: يارسول الله، إنا الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل، فقال: (لابأس إذا كان يداً بيد)، وليس لأصحاب الشافعي أن يحملوه على أنه يمتنع النسأ للجنسيه لأنه لا يوجب المنع من النسأ لأحج وصفي علة الربا، ويدل على ذلك ماا روي عن ابن عمر أنه قال: إن من الربا أبواباً لا تخفى منها السلم في السن، ولم يرو خلافه عن غيره من الصحابة فجرى مجرى الإجماع وتسميته إياه بالربا لا يخلو من أن يكون لغة أو شرعاً فإن كان لغة تناوله قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَى}، وأن كان شرعاً فالشرع طريقه التوقيف فهو في حكم من أسنده، وروي عن النبي صلى االله عليه وآله وسلم من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم فاقت ضى ظاهره منع السلم فيما لا يتأتى فيه االكيل والوزن والحيوان داخل فيه، وأيضاً الجواهر لا يجوز فيها السلم لما يحصل فيها من التفااوت العظيم نص أصحاب الشافعي على اللؤلؤ والزمرد والياقوت فكذلك الحيوان لهذه العلة وذلك انه معلوم في الحيواان وإن اتفق الجنس والنوع والسن فإن التفاوت يعظم

(79/13)


بينها وهو الذي اعتمده يحي عليه السلام، وليس يلزم الثياب والبسط على ذلك لأنه ينضبط بالصفة واالذرع حتى يصير التفاوت يسيراً متعذراً لا سبيل إلي فهو باللألئ واليواقيت أشبه.
فإن قيل: ضبطه بالصفة ممكن بدلالة ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه يراها).
قيل له: لا يمتنع أأن يضبط بالصفة بعض الضبط ولسنا ننكر ذلك ألا ترى أن الياقوت واللؤلؤ يمكن ضبطها بالصفة ولكن لا يمكن ضبط شيء من ذلك بحيث يقل التفاوت وهذا معلوم ضرورة فقوله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أن يصفها بغاية ما يمكنها وليس فيه دليل على أنها إذا بلغت الغية قل التفاوت.
فإن قيل: غية أوصافه ان يضبط بالصفة.
قيل له: الأوصاف المقصودة منه لا يمكن ضبطها ألا برى أن االجاريتين تتسااويان في الجنس والحسن ـ واالسن ـ ومع ذلك لاتساويان في الثقل والخفة على القلب ودقائق المحاسن والأثمان تتفاوت لهذه المعاني، وكذلك حكم العبدين لأنهما يتفقان فيما ذكرناا ويختلفان في حفظ الأسرار والذكاء وضحة االتمييز والعقل والقوة والهداية إلى الأعمال ودقائق المحااسن والكسل والكسل والنشاط وكل ذلك مما يتفوت الثمن من أجله، وليس كذلك حكم الثياب وكذلك سبيل الفرسين فبان صحة ما قلناه من عظم التفاوت بين الحيوان.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه استسلف بكراً من االإبل فجائت إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يعطيه من الصدقة.
قيل له: يمكن أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم أخذه على وجه الضمان للقيمة والسوم، ثم أعطاه من إبل الصدقة على المراضاه وليس فيه ما يدل على أنه أثبت البكر في الذمه، وقول الراوي استسلف على وجه التجوز.

(79/14)


وقد قيل: إن القرض على إبل الصدقة جائز لجواز أن يثبت في الصدقة حيوان مجهول ولا يمتنع أن يثبت عليها حيوان مجهول، وقد قيل: إنه منسوخ بما ثبت من النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة بما روي أنه من الربا، ويحتمل أن يكون ذلك كان قبل تحريم الربا وقبل المنع من الآجال المجهولة إذ في بعض الأخبار أخذ البعير بالبعيرين في إبل الصدقة وذلك أجل مجهول، كل ذلك يدل على أنه كان سلفاً على التحقيق فهو منسوخ.
فإن قيل: كيف تجزون في الدية والنكاح الحيوان أن يكون مجهولاً في االذمة ثابتاً فجوزوا ذلك في السلم.
قيل لهك لأن الدية تحتمل من الجهاالة ماالا يحتمل السلم وكذلك المهر ألا ترى أن الذي يجب في الدية إنماا هو الأسنان فقط ولا يجب ضبطه بسائر الأوصاف والنكاح يصح على مهر المثل والسلف لا يجوز على القيمة وقد يجوز النكاح بغير ذكر الامهر أصلاً فصح االفرق على أن ماا روينااه من الهنهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة أولى مما رووه من أنه صلى الله عليه وآله وسلم استسلف لوجهين: أحدهما ـ الحظر وهو أولى من الإباحة، والثاني ـ احتمال أن يكون ذلك كان خاصاً له صلى الله عليه وآله وسلم قال: ولا بأس أن يسلم جميع ذلك في غيره وهذا مما لا خلاف فيه لأن التعجيل يزيل حكم التفاوت، ألا ترى أنه يجوز أن يشتري بها الأشياء المعينة إذا عدل قبضها فكذلك حكم السلم.
مسألة:
قال: ولا بأس أن يسلم الأشياء المختلفة في الشيء الواحد نحو أن يسلم عرضاً مع حيوان أو نقداً مع طعام، أو غير ذلك، والأصل فيه أن الذي جاز أن يكون ثمناً معجلاً في بيع العين جاز أن يكون ثمناً في السلم على ما بيناه في كون ثمن السلم جزافاً فكذلك هذه المسألة على أن النقد والطعام يجوز أن يكونا ثمن بيع العين، وإن كانا مؤجلين فأولى أن يصح ما ذهبنا إليه.
مسألة:

(79/15)


قال: ولا بأس أن يسلم ماا يكال فيما يوزن، أوما يوزن فيما يكال، ولا يجوز أن يسلم ما يكال فيما يكال، أو ما يوزن فيما يوزن، خلا الذهب والفضة، فإنهما يسلمان في الموزون، وغيره.
ما قلناه من أنه يجوز أن يسلم ما يكال فيما يوزن وما يوزن فيما يكاال المراد به إذا كانا من جنسين فأما إذا كانا من جينسن فأم إذا كانا من جنس واحد لم يجز ذلك كأن يسلم خبز الحنطة في الحنطة، و خبز الأرز في الأرز وما جرى مجراهما لأن عندنا أن حصول أحد وصفي علة الربا يمنع النسأ ويجيز التفاضل على ما مضى في باب بيع الأجنسا بعضها ببعض ولهذا لا نجيز بيع ثوب بثوب أو ثوبين نسأ، إذا كانت من جنس واحد والجنسية أحد وصفي علة الربا، وقد استوفينا الكلام فيه والخلاف، فلا وجه لإعادته، وكذلك ماا يوزن لا يجوز أن يسلم فيما يوزن ولا ما يكال فيما يكال لجصول أحد وصفي علة الربا، وهو الوزن أو الكيل، فأما الذهب والفضةفقد بين فيم مضى أنه يخصهما بالإتفاق، أو نزيد في العلة على مالا يشتمل على الذهب والفضة على ما سلف القول فيه.
مسألة:

(79/16)


قال: ولا بأس أن يسلم في الفواكه الرطبة واليابسة ومالم يبق منه ومن غيرها إلى الحول أجمع جاز فيه السلم إذا كان أجله إلى الوقت الذي يوجد ذلك فيه فإن كان غير ذلك الوقت بطل السلم أما الفواكه اليابسة التي لا تتفاوت أحوالها ويمكن ضبطها فعند أبي حنيفة السلم فيها جائز وعندنا يجوز السلم في الجميع لأن ضبط الجميع بالصفة والوزن مما يمكن ويقل معه التفاوت وما جرى هذا المجرى يجب أن يصح السلم إلى وقت حلوله في شيء من الأوقات فلا يجوز السلم فيه عند أبي حنيفة وإن وجد في بعض تلك الأوقات وعندنا وعند الشافعي ومالك الإعتبار بوجوده وقت حلوله لأنه هو الوقت الذي يجب فيه تسليمه فإذا كان مماا يوجد في وقت وجوب التسليم فلا معتبر بسائر الأوقات دليله الأوقات التي هي قبل عقد السلم وبعد حلولها لأنه لمالم يجب فيه التسليم لم يبق في وجوده أو عدمه فيه معتبر.
فإن قيل: لما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، وكان معلوماً من مراده صلى الله علي وآله وسلم أنه الكيل المعلوم عند الناس كان ذلك مانعاً من السلم في ملء إناء مجهول القدر لجواز هلاكه قبل استيفاء السلم فوجب أن يكون انقطاعه قبلحلوله بمنزلة كونه منقطعاً كما كان جوازهلاك الإناء بمنزلة كونه معدوماً.
قيل له: ليس العلة في المنع من السلم في ملء إناء مجهول ما ذكرت بل هو جواز تعذر التسليم في الأغلب لأن االإناء قد ينكسر كثيرً، وإذا انكسر بطل التسليم وليس كذلك السلم فيما هو في الحال منقطع أو يجوز انقطاعه إذا علم أنه ويجد في قت حلوله لأنه لا يخشى فيه تعذر التسليم.
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسلف رجلاً دنانير في تمر مسماً، فقال من حائط فلان؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من حاائط فلان فلا ولكن تمر مسمى وكيل مسمى وأجل مسمى).

(79/17)


فدل هذا الخبر على نفي جواز السلم فيما يجوز انقطاعه لأن تمر حائط بعينه قد يجوز أن ينقطع.
قيل له: لا دليل لأنه صلى الله عليه وآله وسلم منع منه لما جاز أن ينقطع في وقت الحول فيؤدي إلى تعذر التسليم فإنه انقعطع بعد عقد السلم أو كان منقطعاً عنده فالتسليم لا يتعذر إذا وجد وقت حلوله فلا يلزم ما ذكرتم به.
فإن قيل: لو لم يكن موجوداً من حين االعقد إلى حين الحلول لكان يفوت المسلم فيه فيحل السلم وهو معدوم فيجب أن يفسد إذ لا خلاف فيؤ فساد السلم إذا كن معدوماً في وقت الحلول.
قيل له: عندنا أن المؤجل لا يصير حالاً بموت من عليه الحق فلا يلزم هذا السؤال على أنا لو لم نقل ذلك أيضاً كان لا يلزم ذلك فإن الفساد يجب إذا عقد السلم على أن يكون حلوله في وقت انقطاعه فإما إن كان صادف ذلك لعارض ندر فلا يجب أن يفسد لجواز أن يعرض ذلك ألا ترى أن المسلم إليه يجوز أن يموت مفلساً في وقت الحلول وذلك يوجب تعذر التسليم إلا أنه لا معتبر به، وقد يجوز أن يتعذر التسليم في وقت الحلول لإفلاس المسلم إليه أو لغيبة أحدهما منقطعة فلا معتبر به، فإذاً الإعتبار إنما هو بما قلناه من أنه يفسد إذا اقتضى العقد حلوله في وقت الإنقطاع فأما ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم دخل المدينة وهم يسلمون في الثماار قبل محلها فنهى عن ذلك، فذلك محمول على أنهم لم يكونوا يجعلون الأجل في وقت الوجود فإن قيس على بيع الأعيان في أن بيعه لا يجوز إذا كان معدوماً في حال العقد لم يصح ذلك لأن العلة في بيع الأعيان أن تسليمه يجب في حال العقد وليس كذلك في السلم وليس لهم أن يقيسوه على ما يكون معدوماً في حال الحلول بعلة أأنه مسلم في معدوم لأنه إذا أسلم في موجود يبقى ثم يعدم في حال الحلول فسد وإن يكن سلماً في موجود فبان أن الإعتبار إنما هو بحال الحلول.
مسألة:

(79/18)


قال: ولا بأس بالسلم في اللحم والشواء إذا كانا موصوفين بصفة معروفة بينة أما السلم في اللحم فلا يجوز عند أبي حنيفة، ويجوز عند أبي يوسف، ومحمد إن سمى مكاناً معلوماً من الحوان، ونحو ذلك عند الشافعي وأجازه أبو حنيفة في الشحوم والدليل على صحة السلم في اللحم قوله صلى الله عليه وآله وسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم فلم يخص موزوناً من موزون كما لم يخص مكيلاً من مكيل فوجبت صحته في جميع الموزونات كما وجبت في جميع المكيلات واللحم موزون فوجب أن يصح فيه السلم.
فإن قيل: لا خلاف أن وقوع التفاوت فيما يسلم فيه يبطل السلم واللحم يتفاوت.
قيل له: أن يسير التفاوت معفو عنه في السلم لولا ذلك لبطل السلم رأساً لآن شيئااً منه لا يسلم من يسير التفاوت، واللحم إذا ذكر الحيوان وجنسه ونوعه كان يقال لحم شاة أو بقة او جمل، ويذكر المعلوف منها والسائم منها، ويذكر جلب ناحية إن كان يتفاوت ذلك، ويذكر العضو والسمن واالهزال، ويذكر العظم الذي فيه، أو يذكر مخلوعاً من العظم زال التفاوت في مجرى االعادات ولم يبق بعد ذلك من التفاوت إلا االقدر اليسير الذي يكون دوه تفاوت الثياب، والبسط والأكيسة التي لاخلاف في جواز السلم فيها فوجب أان يصح السلم فيها وألا يبطله التفاوت على أأنه إذا ضبط بصفة لا تتغير معها القيمة في اللحم، وجب أن يصح السلم قياساً على سائر ما يجوز السلم فيه من المكيل والموزون والثياب، على ان أبا حنيفة يجوز الاسلم في االبيض عدداً ونحن نعلم أن التفاوت فيه من الصغر والكبر أعظم من التفاوت في اللحم إذا وصف بما ذكرنا وأما االشوي فالطريقة في تصحيح السلم فيه هي الطريقة التي بيناها في اللحم فلا وجه لإعادته، والشافعي لا يجيز السلم فيه.
فإن قيل: إنه يختلف ويتفاوت لأنه لا يمكن ضبط ما تأخذ االنار منه.

(79/19)


قيل له: يمكن ذلك حتى يقل االتفاوت ويكون أقل من سائر التفوات لمعفو عنه في السلم، ألا ترى أن االثياب المصبوغ يصح فيها السلم، وإن كان لا يمكن أن يضبط حتى يعلم تأثير الصبغ فيها على التحقيق إذا وصف بحيث يكون التفاوت فيه يسيراً وكذلك تأثير ونظائره كثيرة نحو تأثير الشمس في النضج في الفواكه وتأاثير االخرز فيماا يخرز وتأثير النسيج فيما ينسج ولا خلاف أن االتفاوت اليسير في جميع ذلك معفو عنه فوجب أن يكون كذلك تأثر النار في الشواء وكذلك تأثير الجفاف في االحبوب يشهد لما قلناه على أن الشافعي يجيز السلم في االسمن، وإن كانت النار تأخذ منه، وهو ينقض تعليمهم للشواء.
قال: ولا بأس بالسلم في الرؤوس والبيض ولكن يجب أن يكون ذلك بالوزن والوجه في ذلك ما تقدم والذي يجيء على قياس قوله أنه يجوز فيها السلم نياً ومشوياً إذ قد نص على صحة السلم، وأما البيض فلا يجوز السلم فيه عدداً لم يقع فيه من التفاوت في الصغر والكبر والثقل والخفة خلافاً لما قاله أبو حنيفة، ولا خلاف فيه بيننا وبين الشافعي.
فإن قيل: العادة الجارية أنها تباع وتشترى عدداً فدل ذلك على قلة االتفوات فيه.

(79/20)


قيل له: النس يتبايعون وتشارون في الأعيان على حد لا يجوز مثله في السلم فلا يكون بيع العين عياراً على بيع السلم ونحن قد قدمنا أنه يقع التفوت فيه إذا عد، ويقل التفاوت إذا وزن فكان الوزن أولى، لأن التفاوت الذي يعفى عنه في باب السلم هو التفاوت الذي يتعذر وتغير ضبطه فإذا أمكن ضبط بعض تفاوت البيض بالوزن ولم يكن ذلك معفواً وجب ضبطه بالوزن قال: وكذلك القول في الحطب والقصب والافواكه التي لا تكال ولا توزن وما أشبه هذه الأشياء لا يسلم فيه إلا وزناً ووجهه أن جميع ذلك يمكن ضبطه بالصفة والوزن والجفاف والرطوبة فيقل التفاوت فيه ولا بأس بالسلم في اللبن والأدهان ووجهه ما مضى وييجب أن يوصف اللبن بجنس االحيوان والصفة وبأنه حلب يومه، أو غير ذلك وكذلك الدهن يجب أن يضبط بجنسه وصفته وكل ما يتفاوت حاله بترك ذكره أو يختلف من أجله قيمته أو رغبة الناس فيه من كونه جديثاً أو عتيقاً، وما جرى مجرى ذلكن قال: ولا بأس بالسلم في الثياب وفي البسط والأكسية وغيرها مما لا يتفاوت تفاوتاً غظيماً فلا يصح السلم في شيء منها إلا بعد أن يوصف بصفة معروفة بينة وهذه الجملة ممالا خلاف فيها ويجب أن يوصف طوله وعرضه ودقته وغلظه، ولونه، وكل ما تتغير به قيمته وتختلف أغراض الناس فيه.
مسألة:

(79/21)


قال: ولا يجوز أن يشترط في شيء مما يسلم خير ما يكون، بل يشرط الوسط، يدل على أن مذهبه أنه لا يجوز أن يشترط رديء ما يكون وحكي عن الشافعي أن اشتراط الأجود لا يجوز وإن اشترط الأردأ عنده على قولين ووجه ما ذهبناا إليه أن اشتراط الأجود يدخله في باب الجهالة وكذلك الأردأ لأنه ليس للأجود والأردأ حد يضبط بل الأظهر في كل ما يقال فيه أنه جيد أن يوجد ما هو أجود منه، وكذلك ما يقال فيه أنه رديء فلما كان اشتراط ذلك يؤدي إلى الجهالة وعظم التفاوت وجب أن يكون مبطلاً للسلم كما يبطله سائر ما يعظم تفاوته فأما إذا اشترط الوسط من الجيد أو الوسط من الرديء فقد سلم من الجهالة مومن أن يكون اشترط مالا يمكن الوقوف عليه.
فإن قيل: لا يمتنع أن يقول المسلم إليه قد تعذر وجود الأردى بأن يقول في كل رديء يجوز أن يكون أردى منه فيؤدي إلى تعذر التسليم.
مسألة:

(79/22)


قال: ولا يجوز إن كان المسلم فيه مما تنبت الأرض أن يشترط فيه ما يخرج من مزرعة بعينهاا، وإن كان لحماً و لبناً ما يكون لإبل بأعيانها أو بقر أو غنم بأعيانها وإن كانت ثياباً أو ابريسما ما كانت صنفة رجل بعينه، أو ما يكون في محلة بعينها ولا بأأس أن يشترط ما يكون في بلد بعينه، وكذا القول في سئر ما جرى هذا المجرى ولا يجوز أن يشترط فيه ما يجوز تعذره على هذا الحد وبه قال أبو حنيفة والشافعي، والأصل فيه الحديث الذي ذكره يحي عليه السلام في الأحكام عن النبي صلى االله عليه وآله وسلم أن يهودياً قال له: يا محمد إن شئت أسلمنا إليك وزناً معلوماً في كيل معلوم من تمر معلوم إلى اجل معلوم من حائط معلوم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يا يهودي ولكن إن شئت فأسلم وزناً معلومااً إلى أجل معلوم لا أن نسمي لك حائطاً فصار ذلك حجة فيماا ذكرنااه من أن السلم لا يصح فيما يجوز انقطاعه من أيدي الناس عند الحلول، وقلنا إنه لا بأس أن يشترط م يكون في بلد بعينه لأنه البلدان الكبار لم تجر العادة في أن يخلى أهلها دفعه واحدة وأن يصيبها جائحة دفعه والشيء إذا اشترط أن يكون من بلد لا يجوز اانقطاعه لما ذكرناه فذلك يصح السلم فيه ولا نألو جوزنا السلم مع شرط أن يكون ذلك من مزرعة أو حائط معينين كان ذلك غرراً ووجب له بطلان السلم كما أن االسلم إلى برء مريض لما كان غرراً وجب بطلانه.
مسألة:

(79/23)


قال: وإذا أسلم إلى يوم بعينه فعلى المسلم إليه أن يوفيه حقه في أول ذلك اليو ووسطه وآخره وذلك لما ذكره يحي عليه السلام في حديث اليهودي الذي أسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن اليهودي جاءه عند انتهاء آخر الأجل تقاضاه فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا يهودي إن لناا بقية يومنا هذا، فدل ذلك على أأن االحق إذا وجب في اليوم كان اليوم كله وقتاً له وإن الخيار للمسلم إليه في أن يوفيه في أي وقت من اليوم شااء، وكان القياس أن يوفيه في أول ذلك اليوم لأنه وقت المحل لكنه ترك القياس فيه للأثر الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن المسليمن لا يستحسنون حبس من يقول لغريمه أوفيه بعد ساعتين أو ثلاث أو بعد أن أصلي ويمكن أن يقاس على النية لما وجبت للصوم في آخر جزء من الليل وتعذر ضبطه صار الليل كله وقتاً لها وكذلك القول في النهار بعلة أنه في أحد طرفي الليل والنهار وتعذر ضبطه.
قال: فإن أسلم إلى رأس الشهر وجب أن يأخذ حقه في الليلة االأولى إلى طلوع الشمس من الشهر الثاني.
قال: وكذلك القول إن أسلم إلى رأس السنة وذلك أن رأس الشيء أوله وما علامته، لذلك يقال: رأس الجبل ورس الرمح لما علا ولأن ما بعده يكون في جنب النقصان وكذلك رأس الشهر ورأس السنة ولا يجوز فساد السلم لتجويز أن يعبر عن آخر الشهر لأن التفاوت فيه يقل لأنه يكون قدر ساعة، أو أقل ولأن العدة والعرف جااريان بأن يعبر برأس الشهر عم علا منه وعن اول، فكان القياس أن يكون إلى طلوع الفجر إلا أنه جعله إلى طلوع الاشمس لأن التصرف في أعم الأحوال يكون بالنهار فجعل بعض النار من وقته.
مسألة:
قال: ولا بأس أن يسلم إلى يوم الفطر أو يوم الأضحى، أو يوم عرفه، أو يوم التروية، أو ما أشبه ذلك من الأيام المشتهورة وهذاا مما لا خلاف فيه لأن الأجل إلى هذه الأياام أجل معروف مضبوط لا يقع فيه التفاوت والغرض بضرب الأجل هو ضبط الوقت وحصره.

(79/24)


قال: ولا يجوز السلم إلى قدوم غائب أو خروج حاضر، أو برء مريض، أو مشي صغير وما أشبه ذلك ولا إلى وقت الحصاد، أو الجذاذ أو إلى مجاز الحااج، أو إلى رجوعهم، أو إلى شيء من هذه الأوقات التي تتقدم أو تتأخر، وهذا أيضاً مم لا خلاف فيه لأنهاا أوقات غير مضبوطة ولا محصورة بل تتقدم تقدماً كبيراً، أو وتتأخر أم تفاوتا، فيصير الأجل المضروب إليه مجهولاً، فوجب أن يكون ذلك مفسداً للسلم ونص في المنتخب على أنه لا يجوز السلم إلى النيروز، وصوم النصارى وما أشبهه، وكل ذلك مبني على أن هذه الأوقات تتقدم وتتأخر، ويكون الأجل إليها مجهولاً فإن كان يمكن ضبط شيء منها حتى يصير وقتاً معلوماً لا يتقدم ولا يتأخر وجب أن يصح السلم إليه.
مسألة:
قال: ويجوز للمسلم إليه أن يعجل السلم قبل وقت محله على أن ينقصه المسلم ولا يجو تأخيره على الزيادة إنما جاز التعجيل على النقصان لأن الحط مماا يجوز تأخيره سواء كان في الوقت أو في المسلم إليه فيه فإذا جاز ذلك على الإنفراد حااز على الجميع وتقدم الشرط في ذلك لا يؤثر كما أن رجلاً لو شارط رجلاً أن يبيع منه ثوبه إن هو باع منه عبده ووقع البيعان صحا ولم يؤثر فيهما تقدم الشرط فأما في الزيادة فإنه لا يجوز لأنه لا تجوز الزيادة للأجل لأنه لا يجوز أن يبع عشرة بخمسة عشرة إلى سنة على ما مضى في كتاب البيع فهذه الزيادة لو وقعت إبتداء عنده تفسد العقد فلم يصح إلحااقه به وليس كذلك الحط لأنه لو ابتدأ به في العقد لم يفسده فكذلك إذا لحق.
قال: ولا يجوز للمسلم أن يسلم في الاشيء ما يمتنع أن يكون ثمناً له في الأوقات كلها وذلك بأن يسلم درهماً في قفير من بر، والجه فيه ما مضى في البيع من بيع الشيء بزيادة لا يتغبن بمثلها للأجل فإذا ثبت ذلك في بيع العين ثبت في بيع السلم.

(79/25)


قال: ولا بأاس لكل واحد من المسلم والمسلم إليه أن يترك بعض ما وجب له على صاحبه من السلم قبل القبض وبعده وذلك أنه قبل القبض يكون حطاً وهو جائز، ويكون بعد القبض هبة، وهي جائزة فإذاً لا إشكال فيما ذكره.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً أسلم إلى رجل دراهم في شيء موصوف ثم شرك غيره في سلمه وأخذ منه بعض ما نقد المسلم إليه كان ذلك فاسداً سواء شركه بعد ما قاول السمسلم غليه قبل أن ينقده الدراهم او بعده، ووجهه أنه متى فعل ذلك كان قد باع السلم قبل القبض، ولا خلاف ان التصرف في السلم قبل القبض لا يصح كما لا يصح في الصرف وقد مضى الكلام فيه.
قال: ولو أن المسلم إليه شرك رجلاً في ما عليه للمسلم على أن يأخذ منه نصف السلم ويرده على المسلم كان ذلك باطلاً وذلك حاول بطلانه.
قال: ولو أن المسلم استوفى حقه من المسلم إليه ثم شرك فيه غيره جاز وكان بيعاً جديداً، وهذاا كما ذكر، ووجهه ما ذكر في الكتاب من أنه بيع جديد.
قال: ولو أن المسلم إليه اسلم نصف ما أخذه من المسلم إلى رجل ليأخذ منه نصف ما يجب للمسلم عليه كان ذلك جائزاً، ووجهه أن المسلم إليه أسلم بعض ما أخذه وملكه إلى غيره سلماً مستأنفاً فوجب أن يصح.
مسالة:
قال: وإذا اختلف المسلم والمسلم إليه جنس ما أسلم فيه، أو مقداره، أو المكان الذي يتقابضان فيه، ولم يكن لأحدهم بينة حلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه وبطل السلم وإن أتيا جميعاً بالبينة كانت البينة بينة المسلم.
وجه قولنا أن كل واحد منهما يحلف على دعوى صاحبه إن كل واحد منهماا مدع ومدعى عليه لأن المسلم يدعي على المسلم إليه جنساً هو له منكر، أو قدراً هو له منكر، أو استحقاق قبض في مكان هو له منكر والمسلم إليه يدعي أنه يلزمه قبض جنس أو مقدار، أو في مكان عوضاً مما قبضه من رأس المال والمسلم منكر لذلك.

(79/26)


وقلنا إنهما إن أتيا بالبينة كانت البينة بينة المسلم، لأنه لا يخلو من أن يجب إسقاط البينتين أو اثباتهما أو اثبات أحدهما لا يجوز اسقاطهما لأن المسلم قد ثبتت له بينة ما ادعاه على المسلم إليه ولا سبيل إلى إسقاط بينته، ولا يجوز إثباتهما لكنا قضينا للمسلم بأكثر مما يدعيه لأنه إن ادعى بُراً، واالمسلم إليه يدعي شعيراً، وقبلنا البينتين قضينا للمسلم بالبر والشعير، وذلك مالم يدعه فلما فسد ذلك ثبت أن الواجب قبول إحدى البينتين فإذا ثبت ما ادعاه المسلم ببينته أثبتنا بينته، وألغينا بينة المسلم إليه، وأيضاً لو قبلنا الابينتين قبلناهما على أن كل واحد عقد للسلم مخلف لعقد الآخر فإذا ثبت العقد أن دفعنا إلى المسلم ما يدعيه لثبوت عقده الذي ادعاه ولم يدفع إليه ما ثبت بالعقد الآخر لأنه لا يدعيه ويبطل إقرار المسلم إليه فيما أقر له به فبطلت بينته لأنه بمنزلة من يقر لغيره بحق، ويقيم عليه البينة وهو مبطل لإقراره في أن بينته تبطل.
فإن قيل: فيلزمكم على هذا ألا تقبلوا بينة المسلم إليه وإن لم يكن للمسلم بينة.
قيل له: لا يلزم ذلك لأنه بتجرد دعوى المسلم إليه يلزمه قبض ذلك عما قبضه من راس المال فتسمع بينته، ولأنه لا يؤدي أن يدفع إلى المسلم إليه أكثر مما يدعيه.
مسألة:
قال: وإذا قال المسلم أسلمت سلماً فاسداً، وقال المسلم إليه لا بل أسلمت سلماً صحيحاً فأيهما أقام البينة، قبلت بينته، فإن أقاماها جميعاً كانت البينة بينة المسلم إليه، وإن لم يكن لواحد منهما بينة فالقول قول من حلف منهما وإن حلفا جميعاً فالقول قول من يثبت السلم، وإن نكلا جميعاً بطل السلم.
قلنا: أيهما أقاما البينة قبلت بينته لأنه لم يثبت إلا عقد واحد فأيهما أقام البينة على صفة ذلك العقد وجب أن تكون مقبولة ويجب على هذا أن المدعي للصحة لو ادعى عقداً ثانياً يحلف له المنكر لصحة السلم.

(79/27)


وقلنا: إنهما إن أقاما جميعاً البينة، كانت البينة بينة المسلم غليه لأنه المدعي لصحته وكذلك لو كان المدعي لصحة السلم هو المسلم كانت البينة بينته فالإعتبار بمن يدعي صحة السلم في أن البينة بينته.
ووجهه أنا نصدق البينتين لأن ظاهر أحوال المسلمين السلامة ومتى صدقناهما وجب أن تحمل شهادتهما على عقدين أحدهما فاسد والآخر صحيح، فيجب أن يلغى العقد الفاسد، وإن قامت به البينة، والعقد الصحيح يجب أن يقرر متى قامت بنته فصار الحكوم به بينة المدعي لصحة السلم لما بيناه. وقلنا: إن لم يكن لواحد منهما بينة فالقول قول من حلف منهما لأن كل واحد منهما مدع، ومدعى عليه، فأيهما حلف لصاحبه سقطت دعوى خصمه عنه، ومن لم يحلف تثبت عليه دعوى صاحبه لنكوله فيكون القول قول من حلف منهما على ما بينااه،
فإن قيل: فكيف صار كل واحد منهما مدعياً ومعدى عليه؟
قيل له: لأن تالمدعي لصحة السلم يدعي حقاً بعينه بموجب سلمه إلا أنه إن كان هو المسلم فهو يدعي مبيعاً عليه بعينه، وإن كان هو المسلم إليه فإنه يدعي عليه أنه يلزمه قبض مبيع معين عوضاً عن رأس ماله والمدعي لفساد الاسل مقر بالسلم ويدعي فساداً لم يظهر فصار مدعياً من هذا الوجه فوضح ما ذكرناه من أن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه.
وقلنا: إن حلفا جميعاً كان القول قول المثبت لصحة السلم لأنه يدعي خلاف الظاهر فعليه البينة، وعلى خصمه اليمين، فكما أن من ادعى على غيره حقاً فأنكر المدعى عليه، لا يلتفت إلى يمين الدعي لأنه مدع خلاف الظاهر لأن المدعي فساد السلم مدعي عليه.
وقلنا: إن حلفا جميعاً كان القول قول المثبت لصحة لاسلم لأنه يدعي خلاف الظاهر فعليه البينة، وعلى خصمه اليمين، فكما أن من ادعى على غيره حقاً فانكر المدعى عليه، لا يلتفت إلى يمين المدعي لأنته مدع خلاف الظاهر لأن المدعي فساد السلم مدعي خلاف الظاهر.
مسألة:

(79/28)


قال: ولا بأس للمسلم أن يأخذ الكفيل والرهن من المسلم إليه على ما أسلم إليه والأصل فيه قول الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}، فدل على أخذ الرهن في الدين والسلم من جملة الديون.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (الزعيم غارم)، والزعيم هو الكفيل فإذا كفل السلم فيجب أن يكون غارماً، وذلك يقتضي صحة الكفالة فيه ولا خلاف في صحتها في سائر الحقوق فكذلك في السلم والعلة أنه من حقوق الأموال.
فإن قيل: أليس روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كره ذلك؟
قيل له: ذلك محمول على استحباب الترفيه والتوسعة بين الناس إذا لم يخف ضياع المال وتلفه.
وروي عن ابن عباس انه قاال: أشهد أن السلم المؤجل في كتاب الله ثم تلا قوله تعالى: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمىً}، على أن الرهن مقبوض للإستيفاء وعقد السلم يوجب الإستيفاء، فصح الرهن كسائر الديون.

(79/29)


كتاب الشفعة
باب القول فيمن تجب له الشفعة وكيفية وجوبها
تجب الشفعة في الدور والبقاع والضياع إذا بيعت للشريك في أصل المبيع.
هذه الجملة لا خلاف فيها إذا كان المبيع مما تصح القسمة فيه فأما مالا يحتمل الفسمة مثل الحمام، والرحى فذهب الشافعي إلى أنه لا شفعة فيه، وأوجب فيه الشفعة أبو حنيفة وأصحابه وعندن في جميع ذلك الشفعة وكذلك في المماليك والحيوان والعروض وهي في هذه الأشياء للشريك في أصل المبيع دون غيره، والأصل في ذلك حديث ابن أبي مليكه، عن ابن عباس، عن رسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (الشريك شفيع والشفعة في كل شيء)، وعن ابن أبي مليكة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (في العبد الشفعة وفي كل شيء)، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (في العبد الشفعة، وفي كل شيء)، وعن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الشفعة في كل شرك وحائط لا يصلح لشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باع فهو أحق به.
وحديث جابر قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشفعة فيمالم يقسم وكل هذه الأخبار معامة فيما ذهبنا إليه.
وفيه أن موضوع الشفعة لدفع الأذى لضرر المشاركة والمجاورة، ولا يختلف فيه العلماء وقد علمنا أن مالا يتأتى فيه القسمة يكون الأذى بالمشاركة فيه أشد لأنه لا يزول كما يزول فيما تأتي فيه القسمة إذا قسم.
فإن قيل: المقصد منها دفع الأذى في ما يدوم وهذا غير موجود في العروض والحيوان.

(80/1)


قيل له: ولا يتحصل الدوام في شيء من الأشياء وإنما بطول المشاركة في بعض الأشايء على أن العروض والحيوان قد يجوز أن يبقى مدة طويلة وربما يتهدم العقار قبل تلف الحيوان والعروض فلا معنى لماا ذكروا على أن ذلك لو صح لكان لنا أن نقول إن ذكر الدوام لا معنى له لأن الغرض هو دفع الأذى ويمكن أن يقاس على ما أجمع عليه بحصول الشركة، وما يتعلقون به من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الشفعة في كل شريك في أرض أو ربعه، أو حائط وما أشبه ذلك مخصوص بما ذكرنا.
مسألة:
قال: ثم الشفعة للشريك في الشرب ثم للشريك في الطريق ثم للجار الملازق، كل من أثبت شفعة الجواز فلا يخالف في الشرب والطريق وأنهما يتقدمان عليه ولا خلاف أنه لا شفعة للجار إذا لم يكن ملازقاً، وإنما الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة وأصحابه في الشرب والطريق فإنهم يسوون بينهما ونحن نقدم الشرب على الطريق، والوجه فيه أن الشرب يجمع حقين حق الماء وحق المجرى فهو أوكذ من الطريق الذي ليس فيه إلا حق الإستطراق، وأيضاً موضوع الشفعة على الإختصاص، ألا ترى أنه لا خلاف أنه لا شفعة للجار مع الشريك في الأصل لأنه أخص بالمبيع بدلالة أن من كان له حق في الطريق فله أن يفتح من داره تلك إلى الطريق من الأبواب ما شاء، وليس كذلك من كانت لأرضه فوهة إلى نهر أنه ليس له أن يفتح إليه فوهة أخرى، فبان أن التخصيص في الشرب أوكد فوجب أن يكون الشفيع فيه مقدماً على الشفيع في الطريق فتأذى شركة الشرب أشد من تأذي شركة الطريق، فوجب أن يكون ذلك أولى فلهذا قدم الشريك في الأصل.
مسألة:

(80/2)


قولنا وقول أبي حنيفة وأصحابه في الشفعة بالجوار واحد والخلاف فيه بيننا وبين ابن أبي ليلى والشافعي والإمامية، حكى الكرخي أن ابن ابي ليلى كان يقول في ذلك مثل قول أبي حنيفة ثم رجع عنه، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه في ذلك الأخبار المشهورة منها حديث عطاء، عن جابر قالك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً)، وحديث عمرو بن شعيب، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: قلت يا رسول الله أرض ليس لأحد فيها شرك ولا قسم، إلا الجوار، قال صلى الله علي وآله وسلم: (الجار أحق بصقبه)، وهذا يبطل كل تأويل يتأوله المخالف.

(80/3)


وحديث سعد بن أبي وقاص لولا أني يمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول الشريك أحق بالشفعة والجار أحق ممن وراءه ما اشتريته، أو كما قال فقد صرح بإيجاب الشفعة للشريك دون الجار وللجار دون من رآه وحديث ابن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (جار الدار أحق بشفعة الدار)، وعن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (جار الدار أحق بالدار)، وحديث جابر: (الشفعة في كل شرك توجب الشفعة ف شرك الشرب والطريق، فأما استدلالهم بما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (الشفعة في مالا يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة، وفي بعض الأخبار فغذا وقعت الحدد وصرحت الطريق فلا شفعة، فيضعف لأن أكثر ما في قوله الشفعة فيما لم يقسم إيجاب الشفعة للخليط وهذا مالا ننكره ولا خلاف فيه فأما قول من قال: فإذا قعت الحدود فلا شفعة فقد قيل أنه من لفظ الراوي أدرجه في الحديث فلو ثبت أنه من لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحتمل أن المراد أن الشفعة لا تجب بالقسمة ووقوع الحدود فيكون المقصد بيان أن ذلك لا يوجب الشفعة ولو كانت القسمة جارية مجرى البيع ومشبهة ل ويحتمل أيضاً أن بعض الشركاء إذا باع حصته ثم وقعت القسمة بطلت الشفعة بينهما على أن ترك الشفعة إلى أن تقع القسمة مبطل لها ليعلم أن طلب الشفعة على الفور، فأما تأويلهم الجار على الشيك فهو بعيد لأن الشريك في اللغةى لا يسمى جاراً وما حكي أن المرأة عبر عنها بالجار فذلك لا للشريكة إذ لا شركة بينهما وبين الزوج، وإنما هو للقرب بالحسد بينهما فتشبه بالجار وعلى هذا يحمل قول الشاعر:
... ... ... أجارتنا بيني فإنك طالقة

(80/4)


على أن ما ذهبنا إليه أولى لأنه يفيد شرعاً مجدداً، وتأويلهم هو ينقي الأمر على ماكان عليه والناقل أولى بالتأويل من الثاني كالعلة ولأن ماذهبنا إليه أحرى في دفع التاذي لأن التأذي بالجار قد يكون قريباً من التاذي بالشريك وربما كان التأذي به أشد لأن الجار له أن ينفرد بالأبنية المؤذية، وليس ذلك للشريك على أن في أخبارنا نصوصاً لا تحتمل التأويل فصار قولنا أولى.
مسألة:
قال: وكل مصر مصره المسلمون فلا شفعة فيه للذمي، ووجهه أن المصر لا حق لهم فيه إلا ما يملكون فلا يفسح لهم في الشفعة ليكون تفرقة بين المصرين، لوما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه وقال تبارك وتعالى: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذَيْنَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةَ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا}، ولا يفح لهم في مصر مصره المسلمون ليتحكموا فيه ويعلو.
مسألة:
قال: فإن كان مصر مصره الكفار كان لأهل الذمة أن يشفع بعضهم على بعض ولم يكن لهم شفعة على المسلمين، ووجه منعهم أن يشفعوا على المسلمين ما قدمنا ولأن الشفعة موضوعة لدفع التأذي وقد أذن لنا في بعض الإيذاء لهم، قال الله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كنتم معهم في طريق فألجؤهم إلى المضيق)، وعن علي عليه السلام أنه حاكم نصرانياً إلى قاضيه شريح فجلس إلى جنب شريح وأجلس النصراني بين يديه، وقال: لولا أنك ذمي ما جلست إلا معك فلم يسو بين مجلسه ومجلس خصمه لأنه كان ذمياً، وإن كان فيه بعض الإيذاء فلما كان ذلك كذلك لم يجعل للذمي شفعة على المسلم إذ لا يدفع عنه جميع الأذى كما يدفع عن المسلم.
مسألة:
قال في المنتخب: والشفعة تجب لأهل الذمة في الضياع والدور والحيوان والعروض إلا الضياع التي تجب في غلاتها الأعشار.

(80/5)


الصحيح عنمدي هو ما ذكره في المنتخب لأن الأخبار الواردة في الشفعة ليس فيها تخصيص الذمي من المسلم ولأن سائر الأحكام لا فرق فيها بين الذمي والمسلم فوجب أن تكون الشفعة كذلك، ولأن هذا الجنس من الأذى مما يعظم ويبقى فيجب أن يكون مرفوعاً عن أهل الذمة كما يرفع عن أهل الملة مثل الرد بالعيب وخيار الرؤية وخيار الشرط وضمان رهونهم، وما يجري مجراه، وقوله: الإسلام يعلى ولا يعلى عليه ، ليس المراد به الحقوق والأحكام.
فأما منعهم الشفعة فيما تجب فيه الأعشار، فالمراد به إذا كان المشتري مسلماً ووجهه أنه يؤدي إلى إسقاط حقوق الفقراء لأن الذمي لا عشر عليه فإن كان المشري ذمياً توجهت الشفعة عليه للذمي، ولا شفعة للذمي في العبد المسلم تخريجاً؛ ووجهه أنا نمنعه من إمساك العبد فيجب أن نمنعه من أخذه بالشفعة، هذا إذا قلنا لا يصح أن يملكه بالشراء، وإن قلنا أنه يصح أن يملكه بالشراء ولكن يجبر على بيعه لم يمتنع أن تثبت فيه شفعة.
مسألة:

(80/6)


قال: ولا شفعة في الصداق وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وعند الشافعي فيه الشفعة ولا شفعة في الصدقة والهبة وعند ابن أبي ليلى ومالك في الهبة الشفعة، والأصل في ذلك أن الشفيع يأخذ الشيء بالبدل الذي حصل على المشتري من المال فإذا حصل الشيء له بغير بدل هو مال لم تجب فيه الشفعة فيه، والدليل على ذلك أنه لولم يكن الأمر على ما ذكرنا لكان الشيء يؤخذ بقيمته فلما لم يؤخذ بقيمته وأخذ بالثمن صح ما ذهبنا إليه ولا خلاف أنه لا شفعة في الإرث وكذلك الصدقة، والهبة لأنهما دخلا في ملكه بغير عوض، وربما قاسوه على البيع بعلة أنه دخل في ملكه بإختياره وهذا لا معنى له لأن الإختيار لا تأثير له في هذا الباب، ألا ترى أن الشيء يدخل في ملك اليتيم والمجنون بالشراء ولا إختيار لهما ومع هذا تجب فيه الشفعة، وأما الصداق فإنه وإن كان في مقابلة البضع فإن البضع لا قيمة له في الحقيقة ولأن المهر لا يملك به البضع وإنما يستباح البضع به على أنا لو أوجبنا أخذ المبيع بمهر المثل كنا قد أوجبنا أخذ العوض بحسب أحوال المالكه في حسنها وشبابها وتزوجها ونسبها وثروتها وهذا في نهاية البعد لأن إيجاب العوض بحسب أحوال المشتري خلاف موضوع الشفعة بل خلاف ما يتملك بالأعواض على أن المحكى أن ابن أبي ليلى كان يوجب أخذ المبيع بقيمته وهذا وإن كان بعيداً وبخلاف موضوع الشفعة فهو أقرب مما ذهب إليه الشافعي، وهذا يقتضي ألا شفعة في الخلع، وفي عوض المستأجر وما أشبهه مما لا يكون عوضه مالاً ومنه ما صولح به عن دم العمد، ويقاس ذلك على الصداق أو يجعل دم العمد أصلاً.
مسألة:

(80/7)


قال: والهبة على عوض يجب فيها الشفعة ويؤخذ بقيمة العوض وقول أبي حنيفة مثل قولنا إلا أنه يوجب الشفعة بعد حصول التقابض وفيهما جميعاً أعني الهبة والعوض، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال زفر تجب الشفعة إذا حصل الإيجاب والقبول وإن لم يحصل التقابض، والأشبه ان يكون قولنا كقول زفر، والأصل فيه أن الهبة على العوض كالبيع فكما أنه لو باع بعرض وجبت الشفعة ولزمه قيمة العرض كذلك إذا وهب على عوض لأنه عقد معاوضة أوجب تمليك البدل، والمبدل ولا يشترط التقابض فيها كما لا يشترط في البيع إذ قد بينا أن ذلك مثل البيع على أن من أصلنا أن الهبة تثبت من غير قبض فلم يكن لاشتراط القبض في هذا معنى.
مسألة:
قال: وإذا بيعت أرض بأرض دار بدار وجبت الشفعة بقيمة العوض دون المأخوذ بالشفعة وقيمته قيمته يوم عقد البيع وهذا ممالا أحفظ فيه خلافاً.
والأصل فيه إيجاب الشفعة بالثمن دون القيمة فوجب أن يلزم قيمة العوض لأن العوض هو الذي يجري مجرى الثمن ولأن الشفيع لو أجبنا عليه الأخذ بقيمة المبيع دون الثمن كان ذلك يؤدي إلى دخول الضرر على المشتري إن كان أعطى ما قيمته تزيد على قيمة المأخوذ بالشفعة موضوعة على أن يخرج المشتري كفافاً حتى يكون سبيله سبيل الوكيل من غير أن يلحقه ربح أو خسران، وقلنا إن قيمته قيمته يوم عقد البيع لئلا يلحق المشتري فيه الربح والخسران فكذلك المسألة الأولى ولأن الحق تعلق به يوم العقد فوجب أن تعتبر قيمته يوم العقد.
مسألة:

(80/8)


قال: وإذا اشترى رجل ضيعتين متفرقتين في صفقة واحدة ولإحدى الضعتين شفيع أخذ ماله فيه الشفعة وفرق الصفقة، وحكي عن الناصر أنه قال: يأخذ الجميع، أو يترك الجميع، والصحيح ما ذهبنا إليه وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وذلك أن حق الشفيع تعلق بإحدى الضيعتين فوجب أن يكون المأخوذ إحداهما كالرد بالعيب، ألا ترى أن إحدى الضيعتين لو وجد فيها عيب لكانت هي المردودة دون الأخرى لأن حق الإستحقاق بها تعلق، فكذلك الشفعة يجب أن يكون المأخوذ بها أحدهما على أن الموجب للشفعة هو الشركة في المبيع، أو في طريقة أو في شربه أو الجوار الملاصق، وليس بينه وبين الضيعة الأخرى شيء من ذلك فيجب أن لا يؤخذ بالشفعة قياساً على ما يشتري في صفقتين.
مسألة:
قال: وإذا كانت للصبي شفعة كان له أن يطالب بها إذا كبر وإن كانت للغائب كان له أن يطالب بها إذا حضر وذلك أن حقهما ثابت فلا يبطل للصغر ولا للغيبة، لأن الصغر والغيبة لا يبطلان شيئاً من الحقوق الثابتة فكذلك حق الشفعة إلا أن يكون عرض ما يبطله على ما نبينه من بعد.
مسألة:

(80/9)


قال: وإذا كانت أرض بين رجلين فباع أحدهما حصته من رجل آخر ولم يعلم شريكه ثم باع الشريك الآخر حصته من آخر ولم يعلم ببيع شريكه الذي باع قبله فليس للبائع الأخير ولا لمبتاعه فيه شفعة على المشتري الأول ووجهه أن ما كان يستحق به الشفعة قد خرج عن ملكه فبطلت شفعته كالآجنبي، ألا ترى أنه لما لم يكن بينه وبين المشتري شيء من حقوق الشفعة قائم لم يكن له شفعة فكذلك الشريك إذا باع نصيبه على ان الشفعة موضوعها والله أعلم لدفع ضرر المشاركة والمجاورة، فإذا باع الشريك نصيبه خرج من أن يخاف أذى أو ضرراً بالمشاركة فزال سبب الشفعة فوجب ألا تكون له شفعة وأما مشتريه فإنه ملك بعدما ملك المشتري الأول فلميكن له عليه شفعة لأن الشفعة لم تدخل عليه في شربه أو جواره ويجب أن يكون للمشتري الأول الشفعة على المشتري الثاني لأنه داخل عليه في الشركة كما ثبت له على مشتر ثالث لو دخل عليه في الشركة والعلة دخوله عليه في الشركة.
مسألة:
قال: والشفعة ـ على عدد الرؤوس لا على عدد الأنصباء، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي وله قول آخر أنها على عدد الأنصباء، ووجهه ما ذكره يحي بن الحسين عليه السلام من أن صاحب النصيب الأقل لو انفرد لاستحق الجميع كما يستحقه صاحب الأكثر فإذا اجتمعا وجب ان يقسم المشفوع فيه بينهم بالسوية كالرجلين يدعيان شيئاً ولأحدهما شاهدان وللآخر ثلاثة من الشهود يقسم الشيء بينهم بالسوية والعلة أن كل واحد منهما لو انفرد لاستحق الجميع وكذلك الإبنان والإخوان في الإرث ولا خلاف ف الجارحين لو جرح أحدهما جراحه واحدة والآخر خراجات عدة فمات المخروج إن الدية تلزما على سواء وكذلك العبد إذا كان بين ثلاثة لأحدهم السدس وللآخر الثلث وللآخر النصف فأعتق صاحب السدس والثلث أن النصف يقوم بينهما على سواء والعلة في الجميع إن كل واحد منهم لو انفرد لقضي عليه بذلك فلو اجتمعا قضى عليهما على سواء فكذلك في الشفعة.

(80/10)


فإن قيل: في المدعيين ان الحق وجب بالشاهدين لصاحب الشهود الثلاثة والثالث لا تأثير له.
قيل له: العلة في الجراحات أنها تسري في البدن ولا نعلم أيها كان سبب القتل فسوينا بينهما على عدد الرؤوس.
قيل له: لو كانت العلة ما ذكرت لوجب أن يجعل لكل جراحة حظ السراية فكان الواجب توزيع الدية على الجارحات، لكن العلة ما ذكرنا.
مسألة:
قال: وإذا اشترى أرضاً وقام فيها شفيع لم يكن للمشتري أن يقيل فيها البائع إلا أن يترك الشفيع شفعته، المراد بهذا أنه يكره له الإقالة فيما بينه وبين الله لأنه يكون مانعاً في الحال للشفيع شفعته، او يكون المراد به أن الإقالة لا تبطل شفعته لأن الإقالة تقع، قد نص يحي عليه السلام أنها كالبيع، والبيع الثاني لا يسقط الشفعة فالإقالة تقع إن أقال المشتري مالم يؤخذ المشتري، وله أن يتصرف فيه بما شاء من بيع، أو هبةنن، أو مؤاجرة أو استهلاك لا سمنع من شيء منه حكماً وإن لم يستحب له فيما بينه وبين الله تعالى إلا التسليم والتشفيع فكذلك الإقالة يجب أن تقع صحيحة وإن كرهت فإن أقال وكان الشفيع قد أبطل شفعته في البيع الأول فله الشفعة بالإقالة تخريجاً لأن يجي بن الحسين عليه السلام قال: الإقالة كالبيع سواء، ولو سلم الشفيع الشفعة حين اشترى المشتري ثم باع المشتري ما اشتراه كان للشفيع الشفعة في البيع الثاني، فكذلك الإقالة على مذهبه إذ هي بيع.
مسألة:

(80/11)


قال: وإذا اتغلى الشفيع فترك الشفعة ثم استحط المشتري شيئاً من الثمن فحط البائع عنه كان للشفيع أن يأخذها من المشتري بالثمن الثاني لأن الحط يلحق الثمن فإذا صار الثمن أقل فله أخذه به لأنه ترك حين كان الثمن أكثر، فإن ترك الجميع من الثمن كان الواجب أنيأخذ بجميع الثمن، لأنه إذا اترك الجميع، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأيضاً الحط والزيادة يلحقان العقد حتى يكونا في الحكم كأن كل واحد منهما كان مع العقد وحط الجميع لا يصح أن يلحق العقد لأنه يكون بمنزلة عقد بلا ثمن فيجب أن يكون أبراء وإذا كان ابراء وجب على الشفيع أن يأخذه بجميع الثمن.
مسألة:
قال: وخيار المشتري إذا كان مشروطاً في العقد فإنه لا يمنع الشفعة لأن الشفيع يصير أولى بالعقد وحقوقه من المشتري وقد انقطع عنه حق البائع وخرج الشيء عن ملكه فوجب أن يكون للشفيع أخذه وإبطال خيار المشتري وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي، قال ابن أبي هريره في التعليق، ويحتمل على قول له آخر أن لا يكون للشفيع أخذه حتى يختار المشتري إمضاء البيع، قال: لأن له أن يقول لا أضمن عهدة شيء لا أختار، وهذا لا معنى له لأنه لا يدخل في العهد باختياره وإنما العهد قد لزمته حين استحق الشفيع بانقطاع ملك البائع عنه كما أنه لو كان به عيب كان للشفيع أن يرضى به، ويأخذه ويبطل خيار المشتري فيه فكذلك الخيار المشروط فأما إذا كان الخيار للبائع أو لهما فلا شفعة فيه حتى ينقطع خيار البائع لأن ملك البائع لم يزل عنه بعد، بل هو على ملكه وهذا مالا أعرف فيه خلافاً، ومتى اختار البائع إمضاءه وجبت الشفعة للشفيع.
مسألة:

(80/12)


قال: وإذا أخذ الشفيع شفعته ثم حضر شفيع أولى منه وطلب الشفعة أخذها من الشفيع الأول لأن الشفيع الأول إنما ثبتت له الشفعة بأن يتركها من هو أولى فإذا لم يتركها وطلبها من هو أولى كانت الشفعة للأولى دون من أخذها أولاً، ألا ترى أنهما لو حضرا جميعاً سقطت شفعة أحدهما فكذلك إذا حضر الأولى بعد أخذه وهذا ممالا خلاف فيه.
مسألة:
وإذا بيعت الدار في زقاق لا منفذ له كانت الشفعة للأقرب إليها فاالأقرب.
إعلم أن المراد به الأخص في شركة الطريق كزقاق فيه ثلاث دور، اثنان مشتراكان في موضع من الطريق لا شركة فيه للثالث، والباقي شرك للجميع وكذلك إن كثرت الدور في الزقاق، والأصل فيه أن الخليط لما كان أخص بالشركة من الشريك في الطريق كان أولى بالشفعة من الشريك في الطريق لأن الشريك في الأصل له الشركة حيث لا شركة فيه للشريك في الطريق، وللشريك في الأصل حيث فيه الشركة للشريك في الطريق فكذلك ما ذكرناه للوجه الذي بيناه.
مسألة:
قال: والمضارب إذا اشترى حائطاً وبيع إلى جنبه حائط نظر فيه فإن كانت قيمة الحائط الأول زائدة على رأس المال كانت الشفعة للمضارب، ولصاحب المال جميعاً، وإن كانت لا تزيد على ذلك كانت الشفعة لصاحب المال دون المضارب ووجهه أن الزيادة على رأس المال يكون بين الضارب وصاحبه فمتى زادت القيمة حصل فيه شركة للمضارب فوجب أن يكون له فيه شفعة كالشريكين في دار إذا يبعت إلى جنبها أخرى كان لكل واحد منهما فيها شفعة، فأما إذا لم يكن في ذلك زيادة على رأس المال فلا حق فيه للمضارب فلذلك أبطلنا شفعته لأنه ليس شريكاً في الحائط المشترى أولاً هذا إذا كانت المضاربة صحيحة فأما إذا كانت فاسدة فالشفة على الوجوه كلها لصاحب المال دون المضارب تخريجاً لأن من مذهب يحي عليه السلام إذا كانت المضاربة فاسدة فإنما له أجرة عمله فعلى هذا لا يكون له شرك في الحائط على وجه من الوجوه فلذلك قلنا أنه لا شفعة له بتة.

(80/13)


باب القول فيما تبطل به الشفعة
إذا حضر الرجل عقد بيع له فيه شفعة فلم يطالب ساعة ينعقد البيع بطلت شفعته، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشفعي، والأصل فيه ما روي عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (الشفعة كنشطة عقال فإن قيدهاا مكانه ثبت حقه وإلا فاللوم عليه، وما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (الشفعة لمن واثبها)، ولا خلاف بين العلماء أن من ترك طلبها مدة طويلة من غير عذر بطلت شفعته فكذلك إن تركها مدة قصية والعلة اعراضه عن طلبها لغير عذر، ولأنه يؤدي إلى تعليق حق المشتري فوجب أن يكون ذلك مبطلاً لشفعته قياساً على تركه مدة طويلة، ويمكن أن يقاس بهاتين العلتين على قبول البيع في المجلس إذ الإعراض عنه في المدة القصيرة مبطل لحقه بالإجماع أعني في القبول فإن كان المانع من ذلك عذراً كالخوف من ظالم أو ما أشبه ذلك لم تبطل شفعته فإذا زال العذر عاد الأمر كما كان في أنهاا تبطل إن لم يطلبها وذلك ان المعاذر لها تاثير في مثل هذا ألا ترى أنه لو باع واشترى أو مكرهاا لم يقع شيء من ذلك وكذلك عند الطلاق والعتاق والنكاح فكذلك السكوت عن طلب الشفعة إذا كان لما ذكرنا والذي يجب أن يعتبر في الخوف هو ما نعتبره في باب الإكراه وغن كان خوفاً يسيراً كالخوف من الوحشة أو ما جرى مجراها لم يؤثر، وبطلت الشفعة كما نقول ذلك في الإكراه.

(80/14)


وحكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة أن الشفعة تبطل إذا سكت خوفاً وشبهوه بخيار القبول في المجلس والفصل بينهما أن العذر لا يؤثر فيه لا ترى أن الشفيع لو تركها ظناً منه أن البيع بألف ثم علم أن البيع بأقل لم تبطل شفته وليس كذلك خياار القبول، والغائب إذا بلغه خبر البيع إن لم يشهد على أنه مطالب شفعته ولم يبعث بذلك إلى المشتري أسرع ما يمكنه بطلت شفعته على ما بينا إلا أن يمنعه ما ذكرنا وذلك أن طلب الغئب هو بالأشهاد والإخفاذ فمتى قصر في واحد من الأمرين بطلت شفعته على ما بيناه، والصغي إذا بلغ فقصر بطلت شفعته على مابيناه، قال: ولو أنهم تركوا ما يجب عليهم في ذلك وتهاونوا يوماً أو يومين، أو أقل أو أكثر لجهلهم بذلك لم تبطل شفعتهم، وهذا عندي ضعيف لأن سائر ما قدمنا ذكره يوجب إبطالها بهذا، ووجه مع ضعفه أن الشفعة موضوعه لدفع الضرر فلو ضيقنا على الشفيع حتى تبطل الشفعة لأمر جهله، ولم يحط به علمه لم نكن دفعناا عنه الضرر، ولا اعرف خلافاً في تاجيل الشفيع مُدَيْدَةً تحمل المال، وقد تسومح في ذلك ليتم دفع لضرر عنه فكذلك ما ذكره ويمكن أن يتعلق لذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه)، ولأن جهله بالبيع يمنع من سقوط حقه فكذلك جهله بما يلزمه في الطلب فأما ما يوضح الوجه الأول فهو أنه لا شبهة في المشتري لو جهل أن قبوله الإيجاب في المجلس من البائع يبطل حق القبول وكذلك القابل النكاح لم يمنه ذلك من بطلان حقه وكذلك من ااشترط خيار الثلاث لو جهل أن سكوته إلى ان تمضي المدة يبطل خياره فسكت حتى تنقضي مدة الخيار لم يمنع ذلك سقوط خياره والأصل في هذا أن هذه أمور تتعلق بالأقوال والأفعال فقط فلا يؤثر فيها الجهل والعلم ويوضح ذلك ماا رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده عليهم السلام أن رجلاً أتى علياً عليه السلام، فقال: عبدي تزوج بغير إذني فقال علي: (فرق بينهما)، فقال السيد لعبده: طلقها

(80/15)


ياعدو الله فقال له علي عليه السلام: (قد أجزت النكاح فإن شئت أيها العبد فطلق وإن شئت فأمسك)، ومن المعلوم أن سيد العبد لم يعلم أن قوله ذلك موجب لتثبيت نكاح عبده لذلك قال وعلي عليه السلام لم يعتبر جهله وأوجب وقوع ما عقتضاه لفظه وإن وقع بغير علم فكذلك ما مضى فيما يبطل الشفعة لا يعتبر فيه علمه ولا جهله فأما صفة الخبر الذي إذا بلغه تعلق الحكم به فقد اختلف فيه فحكى أبو الحسن الكرخي عن أبي حنيفة وزفر أن الخبر يجب أن يكون من رجلين عدلين أو رجل وامرأأتين عدول، وحكي عن بعض أصحابه أنه يجي على قياس قوله أن يخبر رجل عدل وحكي عن أبي يوسف ومحمد أنهما اعتبرا في الخبر أن يكون الخبر حقاً سواء كان المخبر حراً أو عبداً أو صبياً أو امرأأة أو عدلاً أو غير عدل بعد أن يكون الخبر صدقاً ولا أحقظ فيه عن أسحابنا نصاً والذي عندي فيه أن الخبر يجب أن يكون ما يغلب على ظنه انه سدق من غير مراعات حوال المخبر لأن أكير احوال المعاملات يتعلق به كقبول الهدايا وطهارة الشيء ونجاسته وكالإستباحاات التي تكون بين الناس وما اشبه ذلك هذا فيما للإنسان وعليه فيما بينه وبين الله تعالى، فإن أاراد أن يلزم أمراً غيره فلا بد من شهادة تامة وعدالة، وما ذكرنا من امر الشفعة هو شيء بينه وبين الله تعاالى، ويسقط حقه وليس فيه إلزام الغير شيئاً فوجب أن يراعى في الخبر أن يكون مغلباً للظن على أن الأخبار التي لا تغلب الظن لا تأثير لها في سائر الأحكام فوجب أن يكون خبر الشفعة كذلك ولأن 1لك ليس بحكم فلا يجب أن تراعى فيه العدالة كما قلنا في قبول الهدايا وماا أشبهه فإذا بلغ الرجل خبر بيع على صفة فكان عنده أنه بيع فاسد فترك الشفعة كان ذلك تسليماً وإن علم بعد ذلك إن الحاكم قد أجاز ذلك البيع لأن تسليمه لكونه على صفة كان عليها والصحة والفساد حكمان يتبعان تلك الصفة فيجري مجرى أن يعتقد أن لا شفعة بالجوار فيترك شفعة دار بيعت إلى جنب داره في أنه ليس

(80/16)


له أن يعود إلى طلب الشفعة در بيعت إلى جنب داره في أنه ليس له أن يعود إلى طلب الشفعة إذا علم أن الحاكم يحكم له بها وكذلك لو بلغه أن الشرى بعرض فقدر أن لا شفعة فتركها كان ذلك تسليماً.
مسألة:
قال: ويؤجل الحاكم الشفيع بالثمن يوماً إلى ثلاثة أيام وإن رأى الصلاح في أن يزيده فعل وإن لم يوفر الشفيع بعد الأجل بطلت شفعته بهذا القدر من التأجيل وهو ثلاثة أيام رأي أكثر العلماءن ووجهه أن االثلاث جعلت تقديراً في كثير من الأشياء جعلت تقديراص في استتابة المرتد، وفي قصة موسى صلوات الله عليه حين قال في المرة الثالثة: {قَدْ بَلَغْتُ مِنْ لَّدُنِّي عُذْراً}، فكان ذلك تقديراً حسناً ولأن الشفعة وضعت لدفع المضارة فلو ضيقنا على الشفيع ولم نفسح له في القدر كناا قد أدخلناا الضرر عليه وكذلك لو فسحنا له في مدة طويلة كنا قد أدخلنا الضرر على المشتري ورأينا هذا القدر تقديراً حسناً لما بيناه ولما بيناه ولما عليه معااملات الناس فإن لم يأت بالمال في هذه المدة نظر فيه فإن كان الحاكم قد أجله تأجيلاً مطلقاً لم تبطل شفعته وإن كان حكم ببطلان شفعته إن لم يأت بالمال واشراط المشتري عليه بطلت شفعته، قلنا: إن التأجيل المطلق لا يوجب بطلان الشفعة إذا لم يحصل الثمن لأنه قد استحق اشفغعة بالطلب وتأخير التوفير لا يؤثر فيه كما أن الحاكم لو كان حكم له بها لم يؤثر ذلك فيه وأما إذ حكم الحاكم ببطلان الشفعة إن لم يحصل الثمن فيجب أن ننفذ الحكم لأنه لا بد من قطعه الأمد، وإذا قطع الحاكم صح ذلك وكذا إن اشترط الشفيع ذلك لأنه بطلب التسليم له تعلق بهما جميعاً كأن يقول إن كان المشتري هو زيد فقد سلمت الشفعة فيكون زيد هو المشتري تكون شفعته قد بطلت.
مسألة:

(80/17)


قال: وإذا ثبت عند لحاكم عدم الشفيع لم يحكم له بالشفعة قد نبه بذلك أن الحاكم له أن يحكم قبل إحضار المال لهذا استثنى المعدم وإن كان الأولى ألا يحكم إلا بعد إحضار المال لئلا يقع فيه التوى والضرر على المشتري وبه قال محمد بن الحسن أعني أن الحاكم لا ينبغي له أن يحكم إلا بعد إحضار المال فأما إذا صح إعدامه عند الحاكم فلا يجوز أن يحكم له بالشفعة لأنه يكون قد أدخل الضرر على المشتري وعرض ماله للتوى وعلى الحاكم أن ينظر للتخصمين نظراً يوفي كل واحد منهما حقه.
مسألة:
قال: وإذا طلب الشفيع الشفعة فقال له المشتري أحمل الثمن فمضى ولم يعد يكونن على شفعته متى عاد والمشتري يطالبه عند الحاكم وهذا هو الأشهر من قول أبي حنيفة والشافعي وقال محمد إن عاد فيما بينه وبين شهر وإلا بطلت شفعته، وقال يحي بن الحسين عليهم السلام في الفنون نحو هذا القول ولم يحده بشهر والأصح ما ذكره في الأحكام من أنه يكون أبدا على شفعته حتى يسلم، او يحكم الحاكم بإبطالها، ووجهه ما مضى من أن قد استحق بالطلب ووجب حقه والسكوت وتأخير توفير الثمن لا يبطلها كمالا يبطل لذلك سائر الحقوق الواجبة ولأن أجدً لا يقول إن ذلك على الفور بل يفسح له في المجة فوجب أن يكون كثير المدة كقليلها كسائر الحقوق وكما نقول إن كثير المدة كيسيرها في ترك الطلب، ووجه القول الآخر أنه يؤدي إلى تعليق ملك المشتري وقد بينا أن له أن يرافعه إلى الحاكم فيمنع ملكه عن التغليق فإن لم يفعل يكون هو الذي علق ملكه وحق الشفيع يكون ثابتاً كما بيناه.
مسألة:

(80/18)


قال: وإذا أعرض الشفيع عن مطالبة المشتري بالشفعة وطلب البائع بطلت شفعته إلا أن يكون قعل ذلك جهلاً لأن الملك قد صار للمشتري وخرج عن البائع واشفيع عليه يستحق الملك بالشفعة فيجب أن يكون هو المطالب أعني المشتري بالشفعة، ولا خلاف أنه بعد القبض وتراخي الزمان لا يجوز له إلا مطالبة المشتري فكذلك قبل القبض والعلة ما ذكرناه من حصول الملك للمشتري وإذا صح ذلك ثم أعرض عن المشتري وطالب البائع لما بيناه وأما اعتبار الجهل في ذلك فوجهه ما تقدم على أنه يضفع لما بيناه قبل هذا.
مسالة:
قال: ولا يجوز للشفيع أن يأخذ جعلا على تسليم شفعته ولا على أن يبيعها ولا أإن يهبها لغيره، وقلنا في جميع ذلك إن فعل أبطل شفعته تخريجاً ووجهه أن الشفعة حق وليست عيناً، فيتأتى فيه المعاوضة أو البيع، أن الهبة ولأنه يستحقها بسبب لا يصير ذلك السبب لغيره بأخذ لجعل أو ببيع الشفعة، أو هبتها فوجبأن يكون باطلاً دليله الولاء والنسب، وقلنا إن فعل ذلك بطلت شفعته لأنه يكون مسلماً لها ومعرضاً عن المطالبة بها، ومخرجاً لنفسه عن استحقاقها ألا ترى أنه إذا أخذ الجعل على التسليم فقد حصل التسليم وإذا باعها، أو وهبها يكون قد أخرج نسفسه من الشفعة، وفي إخرجه نفسه منها تسليمها كما أنه لو قال: بريت من هذه الشفعة كان ذلك تسليماً والعلة أنه إخراج نفسه منها.
فإن قيل: فإذا قلتم إن هبتها وبيعها لا يصح فكيف يكون مخرجاً لنفسه منه، والثاني تحصيله لغيره، والشفيع وغن لم يصح منه تحصيل الشفعة لغيره يصح إخراج نفسه منها وإذا تضمن البيع والهبة ذلك لم يثبت مالا يصح وثبت ما يصح.
فإن قيل: فهل تقولون في سائر الحقوق أنها تبطل بهذا القدر.
قيل له: لا نقول ذلك في سائر الحقوق لأنها لا بتطل بقول القائل: أخرجت نفسي منه وأسلمته والشفعة تبطل بذلك ولأن الشفعة تبطل بالدلالة كم بتطل بصريح اللفظ.
نقص مسألة قال: فإذا مات من له الشفعة .............. إلى قوله :
مسألة:

(80/19)


قال: وولي اليتيم وولد الصغير إذا ترك الشفعة تحرياً لغبطة اليتيم، أو لعدم ماله بطلت شفعته، وإن تركا لغير ذلك كان الصغير على شفعته إذا بلغ ووجهه أن ما يفعله الوصي أو الأب جائز على الصغير من البيع والشرى متحرياً لغلبط الصغير وليس تسليم الشفعة بآكد من ذلك فيجب أن يجوز فكذلك إن سلمها لعدم مال اليتيم لأن ذلك في تلك الحال لا يمكن غيره فهو كأن يبيع ماله للإنفاق عليه من ضرورة فإنه جائز إذ لا يمكن غيره فأما لو تركاها تهاوناً فقد ضيعا حقه فلا يصح ما فعلا، ألا ترى أنهما لو باعا ماله بمالاً يتغابن لا يصح البيع فكذلك لو وهبنا شيئاً من ماله لم تصح هبتهما فكذلك تسليمهما شفعته لا على الوجهين اللذين بينا يجب أن يكون غير صحيح فوجب إذ ذاك أن يكون الصغير على شفعته إذا بلغ فإن بلغ الصبي وطلبها وادعى المشتري أن أباه، أو وصيه قد سلمها للوجهين أو لأحدهما كانت البينة على الصبي واليمين على المشتري لأن الأصل فيما يفعله الأب والوصي في مال اليتيم الجواز حتى يثبت خلاف ذلك.
قال: وإذا وهب أبو الصبي شيئاً للصبي واستحق الصبي بها شفعة فسلمها الواهب جااز تسليمه وهذا أيضاً يجب أن يكون محمولاً على ما بينااه ومفسراً على ما قدمناه.
مسألة:
قال: ولو سلم ذو الشفعة شفعته قبل وجوب البيع لم يكن ذلك إسقاطاً وكان على شفعته بعد البيع لأنه سلم مالا حق له فيه فأشبه تسليم الأجنبي، وإذا بطل التسليم صح ما قلناه من أنه يكون بعد البيع على شفعته يؤكد ذلك ما ثبت من أن الواهب لو وهب ما لا يملك كانت الهبة باطلة.
باب القول في كيفية أخذ المبيع بالشفعة
إذا كان لرجل شفعة فليس له أخذها إلا برضى المشتري، أو بحكم الحاكم لأن الإملاك إذا كانت في دار الإسلام لا يخرج عن ملك الملاك إلى غيرهم مع سلامة الأحوال إلا برضى الملاك، أو بحكم الحاكم.
مسألة:

(80/20)


قال: وللشفيع أخذ المبيع ممن وجده في يده كسائر الأملاك إذ لا خلاف أن الشفيع إذا حكم الحاكم له بالشفعة ملك المبيع وكان أولى به من المشتري فإذا أخذه من المشتري كان الأحوط أن يحضر البائع ليلاً يقع فيه التجاحد بين البائع والشفيع.
مسألة:
قال: وإذا اشترى عدة من الناس ضيعة لرجل فيها شفعة في جميع الحصص فله ان يطالب من شاء بالشفعة، ويسلمها لمن شاء، فإن اشترى الجميع رجل واحد فليس للشفيع إلا أن يأخذ الجميع أو ترك الجميع وذلك أن الشرى إذا وقع من عدة كانت بياعات مختلفة كل واحد منا منفرد عن صاحبه فوجب أن يكون للشفيع الخيار في كل واحد منها بين الأخذ والترك كالبيع الواحد إذا وقع وللشفيع فيه شفعة كان الخيار في ذلك إليه فأما إذا كان المشتري واحداً فليس له إلا أخذ الجميع أو تركه كالدار الواحدة إذا بيعت واشتراها رجل واحد الا ترى أن الشفيع ليس له إلا أخذها كلها أو تركها وليس له أن يأخذ البعض منها ويترك البعض فكذلك الضيفة الواحدة، وقال الشافعي إذا اشترى رجل من رجلين حصبين كان للشفيع ان يأخذ ما شاء منهما ويترك ما شاء لأنهما كالصفقتين وقد بيناا فساده، والذي يجي على هذا أن الإعتبار بالمشتري لنفسه اشترى أو لغيره من الناس أن البيع إذا كان صفقة واحدة فليس للشفيع إلا أخذ الجميع، أو ترك الجميع، فإن كان المشتري عده فله أن ياخذ نصيب من شاء سواء اشتروا لأنفسهم أو لغيرهم لواحد أو لجماعة، وسواء كان البائع واحداً أو جماعة لا إعتبار بهم وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ولا فرق بين الدار والواحدة والدور المتلاصقة إذا لم يكن بين الدور حائل لم يدخل في الشراء وكان الشفيع داره ملا صقة لكل واحدة من الدور.
مسأالة:

(80/21)


قال: وإذا اشترى المشتري داراً أو أرضاً بمائة دينناار فجاء الشفيع وقد استهلك من أبوابها وأشجارها ما حصته خمسون ديناراً أخذ الشفيع الباقي بخمين ديناراً وهكذا لو اشترى نخلاً وعليها تمر، ووجهه أنه يستحق الجميع بجميع الثمن فإذا استهلك المشتري بعض ما انطوى عليه البيع وحب أن يحط حصته من الثمن قل أو كثر فإن كان ذلك تلف بغير جناية من المشتري كأن تلف بالحرائق أو الريح، أو السيل فليس للشفيع إلا أخذ الباقي بجميع المثن أو تركه لأن يصير أولى بالعقد بجميع الثمن يوم عقد فإن اختار أخذه كان في الحكم كأنه أخذه من يوم عقد البيع فيكون الضرر داخلاً عليه في ملكه فإذا اختار أاخذه كان في الحكم كأنه أتلف حق الشفيع فلزمه الشمان وإنما لم نضمنه القيمة لأنه لم يكن متعدياً فيه وكان متصرفاً في ملكه وأوجبنا حط ما خصه من المثن عن الشفيع ويوضح ذلك أأنه لا يخلو من أحوال ثلاثة: إما أن يقول للشفيع آخذ االباقي بقيمته، أو يضمن المشتري قيمة ما أخذ على التحقيق أو يقول للشفيع خذ الباقي بحصته من الثمن، ولا يجوز أن يقول له خذ الباقي بقيمته لأتنه يؤدي إلى أن يربح المشتري أو يدخل عليه الخسران وكلا الأمرين فاسد لأنه يخالف موضوع الشفعة لأن موضوعها أن يأخذ الشفيع ما يأخذه بما بذله المشتري اشتراه بدون قيمته فيكون قد انتفع بما انتفع وأخذ من قيمة الأرض فوق ماا اشترااه به، ووجه الخسران أن يكون اشتراه بأزيد من قيمته، فإذا أعطاه القيمة كان قد أخسره، وهذا الربح والخسران يجوز أن يتفاوتا ويعظما، ففسد ذلك، ولا يجوز أن يقول للمشتري إضمن قيمة ما أخذت لأمرين: أحدهما ـ أنه يؤدي إلى ما ذكرنا من الربح والخسران وربما أدى إلى أن يجب للشفيع أخذ الباقي بغير بدل بأن تكون قيمة المستهلك محيطة بالثمن، وهذا لا معنى له، والوجه الثاني ـ أن المشتري استهلك ملك نفسه فلا وجه لتضمينه، فإذا بطل هذان الوجهان لم يبق إلا الوده الثالث، وهو ما قلناه: أن

(80/22)


الشفيع يأخذه بحصته من الثمن، وليس كذلك إذا كان التالف تلف بغير فعل المشتري لأنا لو قلنا للشفيع: خذه بدون الثمن ـ كنا ألزمناا المشتري الخسران وهو خلاف موضوع الشفعة وعلى هذا يجب إن كان المستهلك غير المشتري بأن استهلكه غاصب أن يأخذه بجميع الثمن، فإن كان المشتري أخذ من الغاصب قيمة ما استهلك أخذ الباقي بحصته من الثمن، وهكذا حكم الثمر والزرع إن كان اشتراهما مع الأصل ثم قام الشفيع.
مسألة:
قال: فإن اشتراها ولا ثمر فيها ثم أثمرت فاستهلك الثمر ثم جاز الشفيع فإنه يأخذه بجميع الثمن، ووجهه أن الثمرة خرجت في ملك المشتري فانتفع هو بها وليست الثمرة مما انطوى عليه عقد البيع الذي صار الشفيع أولى به فوجب أن تكون خاالصة للمشتري كثمار سائر أملاكه التي لا حق فيها للشفيع وهكذا يجب أن يكون حكم الزرع فإن جاء الشفيع والثمرة قائمة في الأشجار فالشفيع أولى بهاا ويغرم للمشتري ما غرم فيها لأن الثمر وجدها الشفيع قائمة فيما استحقه من االأشجار فجرى مجرى ما انطوى عليه لاعقد ولآنه زيادة في عين ما استحقه الشفيع كما نقول في الزيادة الذي يلحقها البائع في ماله إذا وجده عند المفلس ويمكن أن يتعلق له بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الشفعة فيما لم يقسم)، وهذا لم يقسم، لأنه يزايل الشجر فالزمناا الشفيع ما غرمه المشتري لئلا نلزم المشتري ضرراً فيما انتفع به الشفيع.
مسألة:

(80/23)


قال: وإذا جاء الشفيع وقد بنى المشتري أو غرس فإنه إن كان فعل ذلك ولا شفيع هناك لزم الشفيع قيمة البنا والغرس يوم يستحق الرقبة بالشفعة، وودهه أن المشتري بنى في ملكه المستقر ولم يتعد فيه فلا وجه لإدخال الضرر عليه فيما يمكن الشفيع الإنتفاع به وإن بنا والشفيع قد طلب الشفعة ألزم نقض ما بنى وقلع ما غرس، ويترك الأرض كما شترى، ووجهه أنه بنى وغرس وقد تعلق ملكه لتوجه الإستحقاق عليه ولأنه أيضاً هو المعرض ماله للضرر وفعل ما يكره له حين لم يسلم للشفيع واستمر على إمساك الشيء وعمارته فكان ذلك ضرباً من التعرض ـ التعدي، نخ ـ ولهذا ألزمناه تفريغ الأرض وأما إذا بنا ما لا ينتفع به في غالب الأحوال ألزم المشتري النقض على الوجيهن لأن ما يلزم الشفيع من الغرم إنما يلزم بشرط انتفاعه على ما بيناه فإذا لم يكن فيه نفع لم يلزم.
مسألة:
قال: وإذا اشترى المشتري بثمن معجل فعلى الشفيع تعجيل الثمن لا خلاف فيه، وإن اشترى بثمن مؤجل أخذه الشفيع مؤجلاً قلناه في التجريد تخريجاً ثم وجدناه في الفنون منصوصاً وحكي مثل قولنا عن مالك وذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي إلى أن الشفيع يخير بين أن يأذه ويعجل الثمن، وبين أن يصبر إلى حلول الأجل فيأخذه إذ ذاك ويوفر الثمن، ووجه ماا ذهبنا إليه أن الشفيع يصير أولى بالعقد من المشتري على جميع وجوهه حتى يكون المشتري فيه كالوكيل، ألا ترى أنه لو اشتره بثمن له صفة استحقه المشتري بثمن على تلك الصفة وكذلك يكون فيه للشفيع من خيار الرؤية ما كان للمشتري، وكذلك إن كان علم بعيب رضيه المشتري وأخذه لم يكن له إلا ما كان للمشتري فوجب أن يكون كذلك حاال تأجيل الثمن.
فإن قيل: هذا يؤدي إلى أن يلزم المشتري ذمة لم يرض بها.

(80/24)


قيل له: وما في ذلك إن ألزمه الحاكم وليس لهم أن يردوا ذلك إلى الدين المؤجل إذا مات من هو عليه لأن عندن أنه يثبت على الورثة مؤجلاً ولا يجب فيه التأجيل ـ التعجيل، نخ ـ نص عليه القاسم عليه السلام في مسائل النيروسي على أناا وحدنا في الأصول إلزام ذمة لا يرضاها الخصم فلا وجه للتعليق بما تعلقوا به.
فإن قيل: فما تقولون في المشتري إذا كان له الخيار فجاء الشفيع هل يأخذ مع الخيار أو يبطل الخيار؟
قيل له: لا نحفظ في ذلك نصاً عن أصحابنا والأقرب على أوضاعهم أن يأخذه الشفيع وله الخياار الذي كان للمشتري وإن كان أصحاب أبي حنيفة قد نصوا على أن الشفيع يأخذه ويبطل الخيار الذي كان للمشتري.
مسألة:
قال: وإذا اشترى المشتري داراً بألف ثم باعه بألف ومائة، ثم باعها المشتري الثاني بألف ومائتين، ثم باعها المشتري الثالث بألف وثلاثمائة، وكذلك لو تنوسخت وكثر ذلك ثم جاء الشفيع فإنه يقضي له بالدار فإن كان طلب الشراء الأول فإنه يخرج إلى المشتري الأخير ألفاً ويرجع هو على بائعه بثلاثمائة، ويرجع هو على بائعه بماشتين ويرجع هو على بائفه وهو الأول بمائة، ووجهه أنه استحق الشرااء الأول فطالب به وفسخ سائر الأشرية إذ وقعت بعده، ولزمه الثمن الأول لمن أخذ المبيع منه ووجب له الرجوع فيما زاد على الألف على من باعه لأنه استحق عليه ماا اشتراه فوجب أن يرجع بباقي الثمن على من باعه ليرجع إليه جميع ما خرج عنه وكالمغتصب منه إذا استحق الدار على المشتري من الغاصب يرجع على البائع بجميع الثمن ليرجع إليه جميع ما خرج عن، وكذلك إن كان البائع الأول باع وفيها ثمر فأستهلكه المشتري الأول أو باع منها بعضاً للشفيع أن يأخذ الدار من المشتري الأخير ويعطيه الثمن، وقد حط عنه قيمة المستهلك ثم هو يرجع على بائعه به إن كان اشتراه بمثل ما اشتراه الأول والوجه ما بيناه فيما تقدم.
مسألة:

(80/25)


قال: وإذا أخذ الشفيع المبيع كتب العهدة على من أخذ المبيع منه وأعطاه الثمن من البائع أو المشتري أما إذا أخذه من المشتري فلا إشكال فيما ذكرنا لأن البائع قد أزال ملكه وانتقل إلى المشتري الملك تاماً ولا معاملة بين الشفيع والبائع وأما إذا أخذه من البائع وجب أن يكتب عليه العهدة لأن البيع الذي كان بين البائع والمشتري يبطل بأخذ المبيع من البائع لأن تمام البيع موقوف على التسليم فإذا بطل التسليم بطل البيع، ألا ترى أن تلف البيع يوجب بطلان العقد بفوات التسليم فإذا كان ذلك كذالك صار كأن البيع بين البائع والشفيع، وبري المشتري من المعاملة فلذلك قلنا: إن العهدة تكتب على البائع دون المشتري، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا كان المبيع في يد البائع لم يقض الحاكم بالشفعة إلا بحضور البائع والمشتري لأن الحكم يتوجه عليهما لأن المشتري يجب أن يفسخ عليه شراءه ويحكم عليه بذلك والبائع يجب أن يحكم عليه لأن المبيع يؤخذ من يده قالوا: والمشتري لولم يحضر لكان فيه قضاء على الغئب وذلك لا يجوز وأما على أصولنا فجاءز لأنا نرى القضاء على الغائب.
مسائل ليست من التجريد:
لكن رأينا هذا موضعها:
قال أبو حنيفة: إذا قال المشتري: الدار التي ت شفع بها ليست لك إنما أنت فيها ساكن فالبينة على الشفيع أنها ملكه، وقال أبو يوسف ومحمج: البينة على المشتري أنها ليست له، ويروى عن محمد أنه قال: القياس ما قال أبو حنيفة لأن البينة التي يقيمها المشتري إما أن تكون بينة على النفي أو يبنة على أنها دعواه فوجب أن تكون هي الأولى، وأيضاً الشفيع هو المدعي لأنه يريد أن يلزم الغير حقاً لكون الدار ملكاً له والمشتري منكر فوجب أن تكون البينة على الشفيع واليمين على المشتري.
مسألة:

(80/26)


قال: والإشهاد على طلب الشفعة يحتاج إليه لئلا يقع التجاحد وقت الطلب أو الإلتباس فأما للبوت والإستحقاق فيكفي الطلب نص في الفنون على أن الكرى لا شفعة فيه ونص فيه على أن طلب الشفيع الشفعة من المشتري لا ترخص له في منع البائع من الثمن ونص في الأحكام في غير موضع على أن الشفيع يلزمه دفع ما أخرجه المشتري ونص على أن من اشترى أرضاً فقام الشفيع فيها أو فيهما لزمه قيمة التي هي عوض لما طلبها فدلت هذه الجملة على أن الثمن إن كان مما له مثل من الدراهم أو النانير أو ما يكال، أو يوزن فعلى الشفيع مثل ذلك الثمن، وإن كان الثمن مما يجب تقويمه لزمه قيمة ذلك أرضاً كانت أو عبداً أو ثوباً، أو غير ذلك مما أشبهه، وهذه الجملة ممالا أعرف فيه خلافاً ونص في المنتخب على أنه إن كان اشترى بما يكال أو يوزن كالحنطة والشعير ونحوهما فللمشتري على الشفيع مثله.

(80/27)


كتاب الإجارة
باب القول فيما يصح من الإيجارة أو يفسد
الإجارة الصحيحة: أن يستأجر الرجل شيئاً معلوماً له نفع معلوم بأجرة معلومة إلى مدة معلومة أو لها كذا وآخرها كذا، أو أن يتقبل عملاً معلوماً بأجره معلومة فإن دخلت الجهالة في شيء من ذلك فسدت الإجارة.
قولنا: له نفع معلوم ليس المراد أن يكون النفع معلوم القدر على التحقيق بل يقول ذلك في المدة والأجرة، بل يكفي أن يكون النفع معلوماً على الجملة كأن يعلم أن الأرض تكترى للزرع أو للبنا، أو الدار للسكنى أو الرحا للطحن، ولا يجب أن يكون مقدار الزرع معلوماً، ولا من سكن في الدار مع المستأجر من الأهل والولد وغيرهم معلوم العدد ولا الطحن معلوم القدر لأن ذلك لا يمكن ويتعذر فيه الحصر فاما أول المدة فإن ذكره كان أوكد وإن سكت عنه كان من حين يقع عقد الإجارة وأما ذكر آخر المدة فلا بد من ذكره وإلا فسدت الإجارة.
فإن قيل: إلى شهر أو إلى سنة كان آخر المدة مذكوراً لأن انقضاء الشهر أو السنة يكون آخر المدة وأما استئجار الدواب فذكر المسافة فيه يقوم مقام ذكر المدة والأصل في تثبيت الإجارة قول الله تعاالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، وقال موسى لصاحبه: {لَوْ شِئْتَ لأتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}، وقال شعيب لموسى عليهم السلام على ما ورد في التفسير: (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تاجرني ثماني حجج)، وقال صاحب يوسف: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيْرٍ}، وهذا يكون على سبيل الأجرة فدل جميع ذلك على أن الإستئجار كان في شريعتهم صلوات الله عليهم.
وروي أن النبيس صلى الله عليه وآهل وسلم لما أراد الهجرة استأجر رجلاً خريتاً فاخذ به صلى الله عليه وآله وسلم وبأبي بكر على طريق الساحل وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اشترى بمنى سراويل وثم وازن يزن بالأحرة فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الثمن ثم قال ارجح.

(81/1)


وفي حديث ابن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص أن تكرى الأرضون بالذهب والفضة على أنه إجماع الفقهاء وعمل توارثه الخلف عن السلف من الصدر الأول إلى يومنا هذا وأما وجه ما ذهبنا إليه من أن المدة والفع والأجرة والعمل والمستأجر يجب أن تكون معلومة فهو ما أجمعوا عليه من أن الإجارة بيع المنافع، وأنها جارية مجرى البيوع في أن دخول الجهالة يفسدهاا وقد علمنا أن دخول الجهالة في بعض ما ذكرنا ليس باولى بالإفساد من بعض فقلنا أن الجهالة يجب أن تنتفي عن جميع ما ذكرناه وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من استأجر أجيراً فليعلمه أجره)، فأوجب أن تكون الأجرة معلومة، وإذا وجب كونها معلومة وجب كون ما يقابلها من العوض معلوماً كالبيع والسلم لم وجب كون المسلم فيه معلوماً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فليسلم في كيل معلوم إلى أجل معلوم)، وجب أن يكون ما يقابله من العوض وهو الثمن الذي يعجله المسلم معلوماً.
مسألة:
والإجارة الصحيحة تنتقض لغير عذر وانتقاضها لغير عذر يحكى عن بعض القدماء يقال إنه قول شريح وليس بذلك الظاهر والأجماع قد قطع ذلك فأسقط ويجح قائله، قول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (المؤمنون عند شروطهم)، وعن الشاافعي إنها لا تنتقض للعذر، وما ذهبنا إليه به قال أبو حنيفة وأصحاابه، ووجهه ما لا إشكال فيه أن من كان عنده مسبوت فظنه ميتاً واستأجر الحفار ليحفر قبره ويدفنه ثم علم أنه حي أنه لا يجب أن تمكن الأجير من دفنه فيستحق الأجرة وكذى من استأجر أن يقلع ضرسه لوجع به أو يكون له عضوا أليماً ثم زال العارض من الوجع والعلة أنه لا يجب تمكين الأجير مماا استأجر عليه فيستوفي االأجرة فوضح بما بيناه من أن الإجارة تنتقض، ثم وجوه المعاذير كثيرة.
مسألة:

(81/2)


وإذا أجر الرجل داره من رجل ثم باعها من رجل آخر قبل انقضاء مدة الإجارة فإن كان باعها من ضرورة انفسخت الإجارة وسلمها البائع إلى المشتري وإن كان باعها لا من ضرورة لم بنفسخ الإجاارة، وكان المستأجر أولى به إلى انقضاء المدة، ووجه ذلك ما بيناه من أنها تنتقض لعذر ولا تنتقض لغير عذر والضرورة التي أرأيناها، ووجههه أنه باع لسد رمق جوعه أو جوع أهله فوجب أن يصير عذراً فيه كان ولا مال له سواه ويحبسه الحالكم ويعجز عن مؤنة أهله وعياله وغير ذلك فإن كان باعه غير عذر فالأقرب ما روي عن أبي يوسف أن ذلك يكون كالعيب في الدار فإن شاء المشتري صبر إلى حين انقضاء الإجارة وإن شاء فسخ البيع لتعذر التسليم إن لم يكن عرف ذلك قبل البيع ولو أن رجلاً استأجر داراً ليسكنها شهراً معلومااً لم يكن له تسليمها قبل إنقضاء المدة ولا لمن أجرها عنها قبل ذلك سواء تقابضا الأجرة أم لا وهذا على ما بيناه من كونهما معذورين أو غير معذورين.
مسألة:

(81/3)


قال: فإن انهدمت الدار وجب على صاحبها إعادة بنائها إن كان مسراً لِيَتِمَّ سكنى المستأجر وكذا قال الشافعي وعند أبي حنيفة تسقط أجرة ما قي من المدة ويحكى عن أبي ثور أن الأجرة كلها لازمة، ووجه ما ذهبنا إليه أن العاقد على نفسه لغيره عقد معاوضة يلزمه تسليم ما إلتزم تسليمه بالعقد فإن كانت له مؤنه غرمها دليله من أسلم في شيء لحمله مؤنة واشترط تسليمه في مكان أن صاحب السلم يلزمه أن يغرم مؤنة الحمل ليصح تسليمه ما إلتزم بعقد المعاوضة تسليمه ويمكن أن يقال يلزمه ذلك لأنه إنفاق على مال نفسه ليصح منه تسليم ما إلتزم بعقد المعاوضة تسليمه وأصله ما ذكرناه في السلم ثم الأصول تشهد لذلك لأن من باع ثوراً نفوراً عليه تسليمه إلى المشتري وغرامه تسليمه وكذلك الصائغ والنجار وغيرهما من الصنع إن استؤجروا على عمل لهم يلزمهم مؤنة ألا تهم ليتم لهم تسليم م يتقبلونه من العمل وهكذا لو تزوج رجل بامرأة وهي جائض فطهرت مع طلوع الشمس فطالبها الزوج بالدخول فعليها مؤنة الإغتسال ليتم تسليم البضع الذي إلتزم تسليمه بعقد النكاح ونظائره كثير، وأما ما يذهب إليه أبو ثور فبعيد لأنم الإجارة هي بدل الممنافع فإذا تلفت المنافع بطلت الأجرة كما أأن السلعة المشتراه إذا تلفت قبل التسليم بطل الثمن فإن كان معسراً انفسخت فإن ايسر قبل انقضاء مجة الإجارة حكم عيه بالبناء وذلك أن الإجارة على ما بيناه تنفسخ للغذر والإعدام عذر ومعنى ينفس إنما هو أن قسط مدة الإعسار ينفسخ ولا ينفس أصل العقد لأن أصل العقد لو انفسخ لعاد فيما يسكن إلى كرى المثل فإذا كان ذلك كذلك فهو مطالب بالبناء إذا يسر في مدة الإجارة لأن العذر قد زال والعذر إنما أثر في المدة التي كان فيها معسراً.
مسألة:

(81/4)


قال: ولو أن المستأجر لم يفرغها لصاحبها ولم يسلمها إليه بعد إنقضاء مدة الإجارة وجبت عليه أجرة ما سكنها هذا إذا لم يفرغها بعد انقضاء المدة يكون في حكم الغاصب في إيجابة الأجرة عليه وتكون أجرة المثل ونصه على إيجاب كرى المثل عليه يدل على أن من مذهبه إيجاب كرى المثل على الغاصب إذا استعمل المغصوب أو عطله على صاحبه قال: وإن تعذر عليه لغيبة صاحبها أجزأه أن يفرغها ويشهد على ذلك ولو لزم المفتاح ووجهه ان يكون حافظاً لها لصاحبها ولا يكون في حكم الغااصب كالملتقط إن إلتقط لنفسه يكون غاصباً وإن إلتقط للحفظ على صاحب اللقطة لم يكن غاصباً.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام: ولا بأس أن يستأجر الأرض بطعام معلوم من حنطة أو شعير، أو غيرهما ووجهه أن هذا يجخل في جملة الأعواض في العقود كالبيع والنكاح والخلغ وإستئجار الصناع ويجرى مجرى الذهب والفضة في أن العقد يصح به فكذلك في الإجاراات والمعنى أنه مما يجوز أن يجعل عوضاً في سائر العقود على أن هذا معروف في تعامل المسليمن، والخلاف فيه شاذ.
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص في إجارة الأرض بالذهب والفضة.
قيل له: وماا في ذلك مما يمنع من كون الطعام مثلهما إذا دل دليل.
مسألة:
قال: ولا تنفسخ الإجارة بموت المستأجر ولا المتأجر منه وبه قال الشافعي وخالف فيه أبو حنيفة وأصحابه وإنما قلنا ذلك لأنه عقد صحيح أوقعه العاقد في ملكه فيجب ألا ينفسخ بموته دليله من زوج أمته ثم مات وإن شئت قلت دليله الرهن، فإنه لا ينفسخ بموت الرااهن ولا المرتهن.
فإن قيل: نكاح الأمة ينفسخ بموت الزوج.
قيل له: هذا لا يعترض قياسناا ولا يمكنهم أن يجعلوه أصلاً لأن هذا مما لا تجوز فيه النيابة ولا فيه يقوم غيره كالوكيل والوارث وتشهد سائر العقود لما ذهبنا إليه كعقد البيع وعقد الهبة، وعقد الوصية على أن الوارث لا يجبأن كيون أوكد حالاً من الموروث فإذا لم يكن للموروث فسخ الإجارة فكذلك الوارث.

(81/5)


فإن قيل: فما تقولون في الموقوف عليه إذا أجر الوقف إذا مات هل تبطلون إجارته.
قيل له: الوقف عندنا على ضربين وقف لا يقوم الورثة فيه مقامه من جهته فذلك يبطل ووقف يقوم الورثة فيه مقامه من جهته فإدارته لا تبطل على أن هذا لا يعترض علينا لأن هذا عقد لم يوقعه العاقد في ملكه لأن الوقف ليسس بملك.
فإن قيل: الوقف منتقل إلى الوارث والنفع حادث على ملكه فوجب أن تبطل الإجارة إذ غير جائز إستيفاء المنافع من ملك من لم تنعقد في ملكه.
قيل له: هذا منتق ض بالجارية يزوجها صاحبها ثم يموت لأن الزوج يستوفي منافع البضع من ملك من لم يعقد في ملكه وكذلك المكاتب إذاا مات المولى لم تنفسخ الكتابة واستوفى المنافع ولا خلاف أن رجلاً أن رجلاً لو أوصى بخدمة عبده لرجل صح ذلك ولم تنفسخ الوصية لإنتقال الملك إلى الوارث فكذلك الإجارة على أن رجلاً لو أجر عبده ثم باعه ورضي المشتري بتأخير التسليم لكان المستأجر عندنا وعند أبي يوسف يستوفي المنافع في ملك غير من عقد في ملكه.
فإن قيل: إذا مات المستأجر فقد أنتقل ملكه إلى الوارث فلا كون أنتستحق عليه الأجرة بعد موت الموروث، لأن ذمته قد بطلت بالموت فلا يلحقه الدين.
قيل له: لسنا نزعم أن الدين يلحقه بعد الموت وغنما نقول أنه ينتقل إلى الوارث لإنتقال المنافع إليهم كالأعيان إذا انتقلت إليهم انتقلت اثمانها إليهم على أن المنافع المعدزمة في باب الإجارات كالأعيان الموجودة فيجب أن تنتقل إلى الوارث.
مسألة:

(81/6)


قال: ولو أن رجلاً اكترى من رجل جملاً بعينه أو لا بعينه عل حمل بعينه، فحمله الماري فتلف الجمل وجب على المكاري حمله على غير ذلك الجمل إلى حيث تشارطا عليه ولم يتعين الجمل وحكى الكرخي مثله عن أصحابه وهذا إذاا كان الغرض المقصود هو تسليم الحمل إلى الحمال، ولم يتعلق الغرض بالجمل وإنما ذكر الجمل على سبيل التبع، فإذذا كان ذلك كذلك كان الحمال كاالأجير المشتري في جميع أاحكامه ولزمه حمل ذلك الحمل إن شاء على ذلك الجمل وإن شاء على غيره، وذكر كرى الجمل هو على التوسيع في هذه المسألة، والأصل فيه أن الناس في هذه العقود يحملون عل العرف والعادة، وعادة الناس أن إغرااضهم في حمل اموالهم دون المحمول عليه.
قال: وكذلك إن وكَّلَ رجل رجلاً بأن يكري جماله ويحمل عليها فأكراها على مابيناه ثم تلفت الجمال وجب عليه أن يشتري أو يكتري بدلها لتبلغ الأحمال إلى حيث اشترط ويكون ذلك من مال الموكل وهذا كله إذا كانالإستئجار وقع على الحمل وتعين ذلك، قال: وإن استأجر جمالاً بعينها على أن يحمل عليها المستأجر ما يحمل على مثلها من غير تعيين الحمل وقب ضها المستأجر ثم تلفت لم يجب على الجمال شراء بدلها تخريجاً، قلنا ذلك لتنصيصه على أن من استأجر عبداص للخدمة وقبضه فمرض العبد أو مات لم يجب على المستأجر منه إبداله وذلك أن الإستئجار لم يقع على الحمل وإنما وقع على لجمل والعبد فغذا تلف لم يلزم المستأجر منه شيء وهذا مما لا خلاف فيه.

(81/7)


قال: فإن استأجر على هذا الحد جمالاً ليست للمستأجر منه بطلت الإجارة، وذلك أن هذه الإجارة تكون متعينة في الجمال، وليس يصح أن يؤجر ماليس عنده كما ليس يصح أن يبيع ماليس عنده لأنا قد بينا أن الإجارة تجري مجرى بيع الأعيان، قاال: وغن استأجر منه جمالاً ليست عنده على أن يشتري الجمال ويحمل عليها أحمالاً بعينها صحت الإجارة، وتعينت في االأحمال ولزم الجمال كما بينا في المسألة الأولى فلا معتبر أن يكون عند المكاري جمالٌ أو لا يكون، لأن الواجب عليه هو حمل الأحمال فقط وليس عليه تسليم الجمال فجاز له أن يكتري لهذه الأحمال جمالاً إن شاء أو يشتعريها.
مسألة:
قال: وغن كانت عنده رجل جماال فأكراها بعينها رجلاً على أن يحمل عليها أحمالاً ثم أكراها كذلك رجلاً آخر كان المكتري أولاً أولى بالجمال فإن إلتبس أيهما اكترى أو لا، كانت الجمال بينهما وهذاا إذا تعينت الإجارة في الجمال ولزم الحمال تسليمها لأن الإجارة الثانية تكون فاسدة كمن باع سلعة من وااحجة ثم باعها من خر يكون البيع ااثاني فاسداً قلنا إن ألتبس الأمر كانت االجمال بينهما الشيء يكون في أيديهما أولاً يكون في أيديهما ويقيم كل واحد منهما بينة أنه يكون بينهما.
مسألة:
قال: وغن استأجر رجل من رجل شيئاً واشترطا فسخ الإجارة متى أراد كان لهما أن يفسخاها متى أرادا، قال: ولو أن رجلاً استأجر عبداً من رجل على أن يستخدمه وقبضه من صاحبه فمرض العبد أو مات أو أبق لم يجب على المستأجر منه أن يدفع بدله إلى المستأجر ويتحاسبان على ما خدم العبد، قلنا ذلك لأن الإجارة تعينت في العبد وبطلت منفعته عل وجه لا يمكن صاحبها إعادتها، فوجب ما قلناه، ولم يكن سبيلها سبيل الدار المستأجرة تنهدم لأن تلك المنافع يمكن إعادتها، ولا يجب تبديله لتعيين الإجارة فيه وليس سبيل سبيل الجمل الذي يجب تبديله لعيين الإجارة في الحمل دون المحمول عليه.
مسسألة:

(81/8)


قال: ولو أن رجلاً استأجر من رجل دابة لتحمله من موضع إلى موضع، ثم بان لهما أن الطريق مخوف لا يؤمن على النفس أو المال كان لكل واحد منهما أن يفسخ الإجارة، وعلى المستأجر قسط الأجرة. إن كان سار بعض الطريق، وقد بينا أن الإجارة تنفسخ للعذر ومن أبين العذر لا يأمن الإنسان على ماله وحرمه، فلذلك قلنا إن الإجارة تنفسخ، وليس الخوف المذكور ما يعترض مثله في أكثر الطرق والمسالك، ولكنه الخوف الضديد الذي يغلب على الظن فيه العطب ويضعف رجاء السلامة وأوجبنا قسط الأجرة إلى حيث انتهى، لأن المستأجر استهلك المنافع فيجب أن يوفي ما قابها من العوض.
مسألة:
قال: وغذا اختلفا في الكرى، فقال المكري أكريت بعشرة، وقال المكتري إكتريت بخمسة فالبينة على المكاري واليمين على المكتري، وذلك أن المكاري مدع لزيادة خمسة، والمكتري منكر، وقد قال صلى االله عليه وآله وسلم: (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه)، وهكذا قوله في البائع والمشتري إذا اختلفا في زيادة الثمن.
مسألة:
قال: وغذا دفع رجل إلى رجل حديداً ليعمل منه سكاكين بثلثه أو ربعه، أو جزء منه معلوم، أو دفع إليه طعاماً على أن يحمله بثلثه أو ربعه أو جزء منه معلوم كان ذلك جائزاً، وودهه أنه إذا عين منه جزءاً معلوماً للأجرة وبين للباقي عملاً معلوماً كانت الإجارة صحيحة، ألا ترى أنه لو استأجره على ذلك العمل بشيء سواه صح، فكذلك إذا استأجره بجزء منه معلوم يبين ذلك أنه لو اشترى بذلك الجزء شيئاً صح الشراء فكذلك إذا استأجر به صحت الإجارة.
مسألة:

(81/9)


قال: ولو أن رجلاً استأجر ظئراً لصبي على الإرضاع مدة معلومه فسقته مدة نحو النصف من تلك المجة من لبن السائمة كان له أن يفسخ تلك الإجارة، وللمرأة قيمة ما سقت، واستئجار الظئر مما نبه عليه قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، وهو مما لا خلاف فيه، وأجاز فسخ الإجارة إن كانت سقته لبن السائمة، فإذا عرف منها خلاف الواجب في الظؤرة وقلة الفكر في مصالح الصبي خيف منه على الصبي، فصار ذلك عذراً يجوز معه فسخ الإجاارة، وأوجبنا فيمة اللبن لأنه يغذوه، وإن كان دون لبن المرأة والظئر دخلت فيما دخلت بعقد الإجارة وإلتماس العوض فلم تكن متبرعة.
قال: وإن مرضت المرأة كان لكل واحد من الظئر وأهل الصبي فسخ الإجارة الظؤرة، وهذا من أبين المعاذير: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}، ولأهل الصبي فسخ الإجارة لوجهي