تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

الانتصار
على علماء الأمصارفي تقرير المختار من مذاهب الأئمة
وأقاويل علماء الأمة


تأليف الأمام / يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم الحسيني
توفي عام 749 هـ
الجزء الأول
تحقيق
عبدالوهاب بن علي المؤيد علي بن أحمد مفضل
أعده إلكترونياً
نزار بن عبدالوهاب المؤيد طارق بن محمد الصعدي
:ملاحظة : هذه نسخة إلكترونية أولى ونرحب بأي ملاحظات على البريد الإلكتروني:
info@awahab.com
حقوق الطبع محفوظة لدى مؤسسة الإمام زيد (ع) الثقافية

(1/1)


---
مقدمة المحقق
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
والصلاة والسلام على النبي الأمي الذي أرسله اللّه بشيراً ونذيراً وداعياً إلى اللّه بإذنه وسراجاً منيرا. محمد بن عبدالله، وعلى آله الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وعلى أصحابه الذين كانوا معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من اللّه ورضوانا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود.
وبعد:
فهذه مقدمة كتاب (الانتصار) التي كانت جهد المقل ولم تكن أقل الجهد. ولم يكن كذلك، تصدير هذا الكتاب الجليل بها لمجرد تقليد سار عليه المحققون والناشرون، بقدر ما رأينا فيها قبل كتابتها، وحرصنا عليه أثناء إعدادها.. مدخلاً يمهد لبدايته، ويوثق مصادره ومراجعه، ويعرّف به مخطوطة، ويروي ملامح عزلة قرون سبعة عاشها الكتاب، مشتتة أجزاؤه، ومتناثرة مجلداته في المكتبات العامة والخاصة داخل اليمن وخارجها. وهي في نفس الوقت، مقدمة لتحقيق الكتاب في حدود ما اقتضاه الحال وسمح به الإمكان، من أغراض التمهيد والتوثيق والتعريف هذه إلى جانب ما تضمنه وتناوله التحقيق من الملاحق والهوامش الخاصة بالكتاب، ليخرج في الصورة اللائقة به ولو في الحد الأدنى. ومن اللّه تعالى نستمد العون والتوفيق، واحتسابه عملاً خالصاً لوجه اللّه في خدمة التراث الفكري الإسلامي. إنه سميع مجيب وعلى كل شيء قدير.
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً.

(1/2)


---
تمهيد
عندما كنا في المدرسة العلمية(1) طلاباً.. كنا نسمع عن كتاب (الانتصار) اسماً مجرداً وملخصاً في هذه الكلمة، مثل ما نسمع عن الإمام يحيى بن حمزة.. وذلك عند أن نسمع من أساتذة المدرسة (المشائخ)، أو فيما نقرؤه من كتب المنهج المقررة، في عبارات: (قال في الانتصار..)، (أورده صاحب الانتصار..)، (أوضحه يحيى بن حمزة)، (وخالفه يحيى بن حمزة)، (و هو ما قاله الإمام يحيى بن حمزة في الانتصار).
وقلما يرد فيما نقرؤه من هذه الكتب اسم كتاب (الانتصار) مقروناً باسم مؤلفه. ولذا فإن كثيراً من الطلاب حينها لم يكن يعرف أو يهتم بأن يعرف أن كتاب (الانتصار) هو من مؤلفات يحيى بن حمزة، أو أن يحيى بن حمزة هو مؤلف الكتاب.
وإذا اقتصر الطالب على الكتب المقررة في المدرسة العلمية، فإنه يقضي السنوات الخمس أو السبع أو التسع فيها، دون أن يعرف عن كتاب (الانتصار) أكثر من أنه كتاب في الفقه.. وعن يحيى بن حمزة أكثر من أنه واحد من كبار علماء اليمن. أما ما زاد عن ذلك من معلومات أخرى، مثلا: عن حجم (الانتصار) وأجزائه وحتى اسمه الكامل وتعليله، وعن عصر يحيى بن حمزة ومؤلفاته.. وما إلى ذلك.. فإنها أشياء لا يعرفها إلا العالمون، والسبب لا يعود إلى عدم توفر هذه المعلومات أو مصادرها فقط، بل يعود أولاً وقبل كل سبب، إلى عدم الاهتمام بشيء خارج نص الدروس المقررة.
وهذه الحال لا تخص كتاب (الانتصار) أو مؤلفه يحيى بن حمزة.. بل تعم كل الكتب والمؤلفين مما ليس مقرراً ضمن منهج المدرسة. وأكثر من هذا، أن الحال تعم أيضاً، الكتب المقررة فيما يتعلق بأسماء الكتب ومؤلفيها. حيث أن تداول أسمائها يأتي ملخصاً، ثم لا تتجاوز معارف الطلاب في الغالب، تلك الأسماء والألقاب والعناوين الملخصة.
__________
(1) في جامع الإمام الهادي بصعدة. إحدى المدارس العلمية التي كانت خاصة بتدريس علوم الفقه في اليمن.

(1/3)


وعلى سبيل المثال.. أسماء الكتب المقرونة ملخصة باسم المؤلف، كما كانت متداولة في المدرسة العلمية من الكتب المقررة مثل:
- كافل لقمان(1).
- متن ابن الحاجب. أو الحاجبية(2).
ولا نبالغ إذا قلنا بأن القليل أو النادر من طلاب المدرسة العلميه حينها، من كان يعرف أو يهتم بأن يعرف أن اسم الكتاب الأول كاملاً، هو: (الكاشف لذوي العقول عن معاني الكافل بنيل السؤول)، وأن اسم مؤلفه: أحمد بن محمد بن لقمان (أصول الفقه). وأن اسم الكتاب الثاني: (كافية ذوي الأرب في معرفة كلام العرب) (نحو). وهكذا معظم الكتب ومؤلفيها.
وهكذا ظللنا في المدرسة العلمية السنوات الثلاث الأولى من سنوات الدراسة بها(3) وتركنا المدرسة ونحن لا نعرف عن كتاب (الانتصار) أكثر من أنه كتاب في الفقه للإمام يحيى بن حمزة، ولا نعرف عن يحيى بن حمزة ما قد يتجاوز العلم بأنه مؤلف كتاب (الانتصار).
ونعتقد أن هذه الحال هي أكبر وأعمق من صورتها التي تظهر بها، وأنها ذات علاقات وآثار متعددة وواسعة في مجال التراث الفكري الإسلامي في اليمن. وأنها بالتالي.. جديرة بالبحث وما أكثر الجوانب والمجالات الجديرة بالبحث في تراثنا الإسلامي في اليمن. وهذا يلح علينا أن نمر بجانبين من هذه الحال التي كانت قائمة:
الأول: أسبابها.
ونعتقد أن من أوائل الأسباب:
1- أسلوب المؤلفين.. حيث درجوا على تداول عناوين وأسماء الكتب والمؤلفين بأساليب ملخصة، تعتمد:
أولاً: على الاقتصار في ذكر أي منها، ومنهم في حدود حاجة الاستدلال والتوضيح وذكر المرجع. فيكتفي الواحد منهم في مؤلفه بذكر ما لا بد منه في المسألة.
__________
(1) الكافل بنيل السؤول في علم الأصول) أصول الفقه لمؤلفه أحمد بن محمد لقمان المتوفى سنة 1039هـ.
(2) مختصر معروف في النحو، عليه أكثر من شرح مثل (الخبيصي) وحاشية السيد المفتي.
(3) اثنتى عشرة سنة.

(1/4)


ثانياً: استخدام أبرز وأقل الكلمات عند الإشارة إلى المرجع، فيقول مثلاً: ذكره صاحب (الغاية)(1) وقال في (الأزهار)، وهكذا.
2- كذلك فإن مؤلفي كتب التراث هذه -وبصفة عامة لا تكاد تجد فيها حالة استثناء- درجوا على قصر كل منها في نطاق موضوعه فقط، من بداية الكتاب بـ(أما بعد فإن علم (كذا)..) (وهذا ما دفع بي إلى تأليف هذا الكتاب الذي سميتة) (فأقول وبالله التوفيق..). وحتى يصل إلى نهايته في (والله تعالى أعلم، وبهذا تم الكتاب بعون اللّه تعالى في يوم...).
دون أن يعطي المؤلف أي اهتمام لمسألة التراجم أو الفهارس الملخصة لما ذكره في مؤلَّفه من أعلام ومراجع. وهي قاعدة وأسلوب شائعان لدى مؤلفي كتب التراث الإسلامي في البلدان العربية وغيرها، وإن كانت في اليمن ربما أظهر وأكثر.
قد يقال بأن صعوبة الكتابة المخطوطة باليراع والمحبرة واليد، كانت السبب الأول. ونعتقد أن هذا ليس السبب الأول ولا الأخير، فهم معروفون بالصبر على تحمل كل المشاق والصعاب من البحث عن الكتب واستيعابها قراءة واستقراءً، ومن الترحال والتنقل بين المدن والأقطار لطلبه وتلقيه عن أعلامه.. إلى الحد الذي يدفع أعلاماً من أمثال عبدالرزاق الصنعاني(2) أن يذهب إلى الشام والعراق بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، بحثاً عن بضعة أحاديث يريد أن يسمعها من رواتها أو من طرق أخرى، وأن يرحل الشافعي إلى اليمن مؤكداً إصراره بقوله المشهور: (لابد من صنعاء وإن طال السفر)، ولنفس الغرض. وغيرهما كثير.
__________
(1) غاية السؤول) في أصول الفقه للحسين بن القاسم بن محمد المتوفى سنة 1050هـ بمدينة ذمار.
(2) صاحب المسند المشهور في الحديث المعروف بـ(مصنف عبدالرزاق).

(1/5)


ولكن السبب الحقيقي كما نعتقد، هو عدم إعطاء جانب التراجم والفهارس ملحقة بالمؤلفات، أي اهتمام؛ لأنهم لا ينظرون إليها في عصورهم من الزاوية التي ننظر إليها الآن. ولا يعني هذا أنهم يطّرحون شيئاً من قيمة التراجم العلمية، أو ينقصون مكانتها في كونها فناً مستقلاً ذا وظيفة أساس في تصنيف النسيج الفكري للفنون والعلوم المتعددة، ولكن الذي يظهر من مؤلفاتهم بعامة أنهم في هذه الناحية، يحرصون على تأكيد ما يمكن أن نطلق عليه صفة التخصص والفصل في التأليف بين مختلف الفنون والعلوم. ولذا ظلت كتب ومؤلفات التراجم والمعاجم والطبقات، علماً متميزاً مستقلاً عما عداه. (ومن أراد مزيد تفصيل فليرجع إلى المطولات) (1).
والجانب الثاني:
عدم الاهتمام بتدريس كتب التراجم أو حتى بإدخالها ضمن مراجع المنهج المقرر.
__________
(1) عبارة معروفة يستخدمها المؤلفون في كتب التراث.

(1/6)


---
الانتصار لـ(الانتصار)
وكتاب (الانتصار) هذا الذي نقدمه مطبوعاً إلى مكتبة الفكر الإسلامي، بوصفه واحداً من أبرز وأشهر وأوسع مخطوطات التراث اليمنية.. هو - أيضاً - شأنه شأن سائر المؤلفات التراثية في خلوه خلواً كلياً من التراجم والهوامش فضلاً عن الفهارس، وحتى في المفردات والأعلام والعناوين التي قد تشتبه بنظائر مغايرة دون وجود قرائن مميزة يمكن الاعتماد عليها.. حتى في مثل هذه الحال فإن المؤلف لا يقطع استرساله في البحث ليوضح شيئاً منها إلا في القليل النادر. وقد سبقت الإشارة إلى أن هذه النظرة أو الأسلوب، يعود بالدرجة الأولى إلى دقة التصنيف الموضوعي في كتب هؤلاء المؤلفين بصفة عامة. ويضاف إلى ذلك أن المؤلف منهم كصاحب (الانتصار)، يكون قد استقرت في اعتقاده قاعدة ثابتة في طرق التعلم والتعليم وبالتالي التأليف.. وهي أن الكتاب (أي كتاب) ليس موضوعاً للمبتدئ في طلب العلم، ولكنه للشيخ أو الأستاذ الذي بلغ من العلم درجة تؤهله لتدريس الكتاب. ومن هنا فإن القضية تبدو محكوماً فيها ومفروغاً منها سلفاً.
وهذه القضية واحدة من القضايا أو العناصر التي جعلت تحقيق كتاب (الانتصار) يبدو لدينا أكثر صعوبة من غيره من كثير من الكتب التراثية الأخرى. وقد أعجز عن وصف المفاجأة التي أثارت في نفسي كثيراً من الدهشة والاستغراب، عند أن عرض عليَّ الأخ والصديق الأستاذ علي بن أحمد مفضل فكرة القيام بتحقيق هذا الكتاب.
وبقدر ما سببت عدم موافقتي المطلق بأسباب لا أزال أراها موضوعية.. فقد كان قادراً على إقناعي بالموافقة بأسباب هي الأخرى موضوعية. وكان السبب الأول لعدم موافقتي آتياً من حقيقة لدي تتضمن اقتناعاً وحرصاً ثابتين:
- اقتناعي بأن تحقيق المخطوطات التراثية، أصبح فناً مستقلاً من فنون العلم والفكر أكثر من كونه جزءاً من مهنة النشر في هذا العصر الذي يطلق عليه (عصر المطابع) ضمن أشهر صفاته.

(1/7)


- وحرصي على أهمية هذا الكتاب وما احتواه من علم جم ومنهج فذ أن يتم تحقيقه ونشره في الصورة اللائقة به؛ لأنني وغيري أشعر بالإشفاق والألم لكثير من المخطوطات التي صدرت تحت عبارة (تحقيق وتصحيح)، وليس فيها - وللأسف الشديد - من التحقيق شيء غير اسم لشخص كتبه بعد هاتين الكلمتين، وقد يضيف تصديراً في بضعة أسطر يستهل بها الكتاب. ومثل هذا لا يمكن أن يكون تحقيقاً، ولكنه في أحسن الحالين يكون نسخاً للمخطوطة إن لم يكن مسخاً لها، من حيث أن ما هو مقبول في المخطوطة ليس مقبولاً في نسختها عند طبعها ونشرها. ومن هنا فإن ما أعرفه من شروط يجب أن تتوفر في عمل التحقيق، هي قطعاً متوفرة لدى غيري من المهتمين بهذا الجانب أكثر مني. وليس الإلمام بأصول التحقيق وسعة الاطلاع في كتب التراث والتفرغ، كل الشروط أو ربما أكثرها أهمية.
ولأن زميلي صاحب الفكرة والمشروع لتحقيق (الانتصار)، ينظر إلى الكتاب بعين الفقيه المطلع الحريص على نشر الكتاب بوصفه الغاية الأولى، وبوصف ما عداها من غايات مجرد وسائل تسخر لخدمتها، فقد أقنعني بإصرار كثير، وعزم متين عبر عنهما بكلمات قليلة. قال ما خلاصته:
أولاً: إن الواجب لا يخص المتفرغين للتحقيق في كتب التراث؛ لأنه واجب ديني وفكري يقع على كل شخص بحسب وعيه بهذا الواجب، وبحسب قدرته على أدائه.
وثانياً: وكما أن المبدأ أو القاعدة في أداء الواجب محددة بقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إلا وُسْعَها}.. فإن المفهوم المفروغ منه في هذه الآية، أن الأداء واجب في حدود وسع النفس وقدرتها، ولا يسقط بمجرد الاحتمال المسبق لعدم القدرة على أداء الواجب كاملاً غير منقوص. فدعنا نعمل ما في وسعنا أولاً، ثم نحكم عليه بالقبول أو الرفض.

(1/8)


ومن هذه القاعدة الفقهية وترتيبها المنطقي رأيتني أشاطر هذا الزميل المفضل الإصرار والعزم داعين اللّه تعالى أن يجعل خير أعمالنا خواتمها، وأن يجعل من هذا العمل انتصاراً لكتاب (الانتصار) من عزلة المخطوطات وحالة الشتات التي باعدت بين مجلداته ونسخه وأجزائه. ومن اللّه نستمد العون.

(1/9)


---
منهج المقدمة
تدور مقدمة التحقيق للكتاب حول ثلاثة محاور تشمل في طيها أبرز الفقرات والعناصر الداخلة ضمن منهج التحقيق بالشكل الذي نحاول فيه أن لا يهمل أصلاً ثابتاً من هذه العناصر ولا يثبت مهملاً لا علاقة مباشرة له بالخط العام للتحقيق ومقاصده وغاياته الأولى.
وتتحدد المحاور الثلاثة في:
- دوافع التحقيق وغايته.
- موضوع كتاب الانتصار.
- شخصية المؤلف.

(1/10)


---
المحور الأول: دوافع التحقيق وغايته
ننطلق في تحقيقنا لهذا الكتاب من فهمنا اللغوي لكلمة (التحقيق)، وهو أنه عمل مستقل يتغيا محاولة لإظهار حقائق يحددها الغرض منه، بصورة كلية أو جزئية، أو تقتصر على أبرزها أو في حدود ما يمكن إظهاره منها. سواء أكانت هذه الحقائق من متن الموضوع أم مترتبة على وضعه، مفهومة من سياقه أم مضافة إليه بحكم علاقته بما عداه من موضوعات مماثلة من جهة، وبغاياته من جهة موازية.
وهذا الفهم يتيح لنا المضي في تحقيق الكتاب (.. في حدود ما يمكن إظهاره منها..) وهو حد أدنى لا حد لأقله. كما أن اعتبارنا هذا الفهم بهذا الحد في التحقيق يجعل التحقيق ممكناً وأكثر إمكاناً من انتهاج التحقيق، إما باعتبار الحَدّ الاصطلاحي له، وإما باعتبار الحد الموضوعي الذي يبرز القيمة العلمية للكتاب، وتميز أسلوبه ومنهجه. بينما الحد أو الفهم الأول قد يزيح شبح التَّهيب، ويتيح الإقدام على العمل في حدود ما يمكن أن يكون (أضعف الإيمان) وننطلق في تحقيق هذا الكتاب من دوافع أو أسباب أربعة:
أولها: قيمة الكتاب التراثية والفكرية في إطار الفقه الإسلامي، وهي قيمة لا يحددها موضوعه مجرداً.. بل أيضاً، ميزات قلما تتوافر مجتمعة في غيره بمثل ما هي فيه. ومنها مثلاً:
1- حجم الكتاب. حيث يقع في ثمانية عشر جزءاً.
2- منهجه الذي يجعل منه موسوعة إسلامية رائعة، سواء في أعلام الفكر الإسلامي ومدارسه ومؤلفاته، أم في تقرير آراء كل علم وفريق ومدرسة في كل مسألة، وإيراد أدلة واجتهادات وأقوال كل منهم منقحة معللة.. مما يجعل من الكتاب بحثاً شاملاً في إطار أصبح يسمى، بالفقه المقارن.
3- أسلوبه في تبويب وترتيب الموضوعات والمسائل في تصنيف وتسلسل يحدد ويحقق استقلال الموضوع من جهة، ويحافظ على الاتساق العام والترابط الموضوعي من جهة أخرى وبقدر متساوٍ ومتناسب وبارز. وسنتحدث عن الكتاب بصورة أوسع عند الحديث عن موضوعه.

(1/11)


ثانيها: نشر الكتاب، وهذا الدافع يمثل في ذات الوقت الغاية الأولى من التحقيق، ولكن نشر الكتاب يأتي دافعاً قوياً في الحالين؛ إذ أن إهمال كتاب بهذا الحجم والقيمة العلمية من التراث الإسلامي اليمني، يعد أكثر من إهمال لأهميته، وإهدار لقيمته إلى ما قد يصل به إلى حد يقرب فيه التساوي بين وجوده وعدمه، ثم لا يلبث هذا الإهمال أن يجعل منه نسياً منسياً. وخصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار:
1- أن عصر المطابع الذي نعيشه يختلف كثيراً عن عصر المخطوطات، حيث أصبح الاعتماد في عصرنا على الكتاب المطبوع المتداول المتوافر بكثرة، سواء في المدارس والمعاهد والكليات العامة والمتخصصة، أم في مراكز البحوث والدراسات. عدا القلة من الباحثين. ناهيك عن اهتمام الأفراد خارج هذه المؤسسات ممن ينحصر اهتمامهم في الغالب في جانب الاطلاع.. ومن هنا فإن الاهتمام عموماً بالكتاب المخطوط، يكاد في هذا العصر، ينحصر في غايتين:
أولاهما: في هواية اقتناء الكتاب التراثي المخطوط. وهذه الغاية ترجح جانب القيمة الأثرية التراثية التاريخية فيه على القيمة العلمية.
وثانيتهما: وفي القيمة المرجعية له.. وهذه الغاية يؤمها الباحث الحصيف. وقد أصبحت نادرة، وخصوصاً إذا استثنينا الباحثين المتخصصين في كتب التراث أو الاختصاصيين بها.
بينما -بطبيعة الحال- كان الكتاب المخطوط قبل ثلاثين عاماً في اليمن بالذات، كتاباً مقروءاً ومتداولاً، يستتنسخه الناس ويشترونه، ويتوارثونه ويحافظون عليه، لغرض القراءة، ولقيمته العلمية قبل كل شيء. ومن هذه المقارنة البسيطة بين عصر المخطوطات وعصر المطابع، تتضح أهمية النشر دافعاً وغاية وحرصاً على قيمته العلمية من النسيان وعدم الفائدة.

(1/12)


2- ثم إن أقصى ما يمكن أن يلاقيه الكتاب المخطوط من عناية، لا يتجاوز توثيقه في بعض المكتبات العامة ومراكز البحوث. وفي هذه الحال فإن وجوده لا يتجاوز كثيراً مساحة العنوان في أدلة وقوائم هذه المكتبات والمراكز.
ثالثها: ندرة الكتاب، وندرة الكتاب مخطوطاً بمعنى قلته وندرته في أيدي الناس، هي حالة تعم كل كتاب مخطوط؛ إذ أن نسخ أي مخطوطة مهما تكن نسخاً كثيرة، فإنها في الحد الأقصى لعدد نسخها لن تتجاوز العشرات. ولكن هذا الكتاب (الانتصار) هو وقليل من أمثاله، تظل فيه ندرة الكثرة أو كثرة الندرة حالة أخص به وأظهر فيه.. لسبب واحد كاف ناهيك بغيره. وهو حجم كتاب (الانتصار) الذي يبلغ ثمانية عشر جزءاً. وهذا ما جعل منه مخطوطة نادرة حيث توجد، من حيث أنها لا تكاد توجد منه نسخة كاملة بأجزائها الثمانية عشر في مكان واحد. فكل مكان بحثنا فيه عن هذا الكتاب أثناء القيام بجمع نسخ منه لغرض تحقيقه، لم نجد فيه نسخة كاملة من الانتصار، سواء في المكتبات العامة أو الخاصة. وظل السؤال عنه والبحث قائمين طيلة فترة التحقيق وحتى بداية الطبع ولا يزالان.
وقد يكون مثيراً للاستغراب القول، بأنا بدأنا في هذا المشروع بمقابلة النسختين الأوليين من حيث حصولنا عليهما، وليس بين أيدينا من كل نسخة منهما غير الأجزاء الثلاثة الأولى من الكتاب، ونحن في ذات الوقت لا نعرف من أين سنحصل على بقية الأجزاء لنسخة واحدة، فضلا عن بقية الأجزاء لكلتا النسختين ونسخ أخرى. وكان هذا تنفيذاً لمبدئنا الذي جعلناه رائدنا في هذا المشروع، وهو المبدأ الرباني الإنساني {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}.. أن نعمل بما في وسعنا، وبما يتوفر لدينا من أجزاء ونسخ، وحتى لو كان جزءاً واحداً أو نسخة واحدة. ولولا الإصرار على هذا المبدأ لما بدأنا.

(1/13)


وتقابل ندرة الكتاب هذه، ما سبقت الإشارة إليه من قيمة هذا الكتاب الموسوعة بحق، ولدرجة أنه من الكتب التي قلما أمكن لغيرها من نظائرها أن يغني عنها. ولا نريد أن نطلق حكماً يحتاج إلى كثير من التروي والنظر العلميين، فنقول باستحالة حلول أي كتاب آخر من كتب الفقه الإسلامي اليمني محله، على كثرتها واتساع مجالها.
وقيمة الكتاب لم يعد ممكناً ظهورها والإفادة منها مالم يطبع الكتاب وينشر، ويصبح في متناول العالم والمتعلم والباحث على حد سواء، وفي أي مكان وزمان، وإلا فلا نعتقد أنه يُفْرِطُ في الرأي من يقول بأن المخطوطات في هذا العصر حبيسة حبرها وجلودها، وعديمة الفائدة العامة والخاصة إلا للقلة من ملاكها، إن لم يشملها عصر النشر وزمن الطباعة والمطابع.
رابعها: غاية التحقيق.
كذلك تأتي غاية تحقيق الكتاب هنا، دافعاً لتحقيقه. وهنا، وفي كتاب (الانتصار) بصفة خاصة بالنسبة إلينا.. نعتقد أن التحقيق في مفهومه ومنهجه، أو في جانبيه النظري والعملي، يعني رأياً في هذين الجانبين نوضحه فيهما كما يلي:
أ - الجانب النظري.
نلخص الجانب النظري لنسخ المخطوطة، في فقرات ثلاث:
1- المخطوط بين عصرين:

(1/14)


نعرف أن طباعة المخطوطة من كتب التراث، تنقلها طفرة من عصرها الذي تم فيه تأليفها إلى العصر الحديث نقله واحدة لا تدرج فيها ولا تمهيد. وهذه النقلة لا يمكن أن نفهمها على أنها بسيطة وسهلة؛ لأن قضيتها هنا لا تنحصر في عملية التقنية الآلية التي يعبر عنها بأنها كتاب كانت كلماته مخطوطة باليراع والمحبرة، تم نسخه طباعة بواسطة آلة الكمبيوتر. إن القضية كما نعتقد، أعمق وأوسع وأكبر من هذا الفهم البسيط.. لأنها قضية اجتماعية تاريخية لغوية ثقافية، فليس من السهل والطبيعي تقديم هذه المخطوطة مطبوعة إلى القارئ المعاصر والعادي خصوصاً، ليتعامل معها تعاملاً طبيعياً كأي كتاب آخر، ويلغي عشرة أو ثمانية أو خمسة قرون من السنين تفصل بينه وبين تلك المخطوطة، إن فارق الزمن لا بد أن يظل مؤثراً في علاقة القارئ المعاصر بتلك المخطوطة أثراً ينعكس على مدى استفادته منها وإفادتها إياه، انخفاضاً وتدنيا وركاكة في أحسن الأحوال، إن لم ينصرف عنها انصرافاً كلياً. وهذا ما هو حاصل بالفعل وموجود، وحتى مع الاعتراف بأن هناك أسباباً أخرى تصرف الأجيال المعاصرة عن كتب التراث المطبوعة، برغم تميز هذه الفترة بالإقبال النسبي عليها، ومنها مثلاً سببان:
أولهما: تميز هذا العصر بالانتشار الكثير والواسع للعلوم والفنون والوسائل الحديثة في التعليم والتثقيف والمهن والترفيه.
ثانيهما: ارتباط العلوم الحديثة بالمعيشة ارتباطاً مباشراً.
ومع الاعتراف كذلك، بأن هذه المخطوطات بالنسبة إلى العربي ومن يتكلم العربية، هي مكتوبة بلغته، إلا أنه لا مجال من الاعتراف أيضاً، بأن الفارق الزمني يعني أشياء كثيرة ومؤثرة.. يعني الفوارق في المصطلحات والاستخدام اللغوي والتوظيف المعنوي والدلالي للمفردات واختلاف الأسلوب بصفة عامة. إضافة إلى أن لعلماء الفكر الإسلامي في كل نوع وفرع منه مصطلحات خاصة به، سواء في المسميات أو الاشتقاقات أو المجازات أو الجمل والتعابير الأخرى.

(1/15)


2- وظيفة التحقيق:
من ذلك.. نجد أن التحقيق لأي مخطوط يصل إلى ما يقارب الضرورة. ولكن على أساس أن يكون التحقيق كاملاً قدر الإمكان؛ لأن وظيفة التحقيق هنا تكون -بصفة عامة- مقربة للمسافة الفاصلة بين القارئ وحتى الباحث المعاصر من جهة، وبين الكتاب المخطوط من الجهة الأخرى. وتأكيد ضرورة التحقيق يظهر جلياً عند أن تكون وظيفته تقريب الكتاب كما سبق؛ لتتحقق الغاية من نشر الكتاب في أكبر قدر ممكن متاح، وهي إبراز قيمته العلمية وتسهيل الاستفادة منه لطالب العلم والباحث على حد سواء.
3- بين النشر والنسخ:
وقد سبقت الاشارة إلى المستوى المتدني الذي وصل إليه التحقيق للمخطوطات، وهذه الحال موضع شكوى لا في اليمن فحسب، بل في معظم الأقطار العربية والإسلامية التي توجد بها المخطوطات التراثية، بصورة تجعل من تحقيقها ونشرها عملاً متميزاً ومستقلا. والعجب ليس فقط من إقدام هؤلاء المحققين على نشر المخطوطات وهم غير مؤهلين لذلك العمل، ولكنه أيضاً يكون أكثر من حال القادرين على التحقيق ممن لديه اطلاع واسع، وتجربة سالفة، وفهم بأصول العمل. ثم نجدهم ينسخون المخطوطة طباعة دون أن يضيفوا إليها أي شيء مما هو ضروري ومهم في وجوده وسهل في إنجازه، مثل تبويب الموضوعات وفهرسها. وهؤلاء يصدق عليهم قول الشاعر: (1)
ولم أر في عيوب الناس شيئاً ... كنقص القادرين على التمام
…والذي نعرفه عن التحقيق، منذ أن فتحنا أعيننا على الكتب المطبوعة المحققة من كتب التراث عن طريق رواد التحقيق والنشر في اليمن، أمثال الأساتذة الأفاضل: القاضي عبدالواسع بن يحيى الواسعي، وعلي بن اسماعيل المؤيد رحمهما اللّه وغيرهما.
__________
(1) للمتنبي من قصيدة مطلعها:
ملومكما يجل عن الملام …ووقع فعاله فوق الخصام

(1/16)


نعرف أن التحقيق عمل متميز مستقل يضاف إلى المخطوطة يُعَرّفُ بها، مخطوطة وموضوعاً ومؤلفاً. ويسهل الاستفادة منها في فهارس وملاحق عدة. ولكن أن ينسخ الكتاب فقط.. فهذا لا يمكن أن يكون من التحقيق في شيء، وهو إلى العمل التجاري أقرب وألصق منه بالعمل الثقافي العلمي المسئول.
ب - الجانب العملي:
وهنا.. أجدني مضطراً لاستكمال الاستطراد الذي تجاوزت به بابه بحكم شدة الترابط بين هذين الجانبين. وفي هذا الجانب العملي من التحقيق، نركز موضوعه في فقرات أربع:
الأولى: النسخ والأمانة العلمية:
قلنا في الحد المبسط والعملي للتحقيق ما معناه: بأنه كشف وإضافة حقائق في الكتاب وإليه تبرز قيمته العلمية وتسهل استفادة القارئ المعاصر منه، بين أكثر قدر ممكن منها وأقل قدر لا بد منه.
ولعل في مثل هذا الحد قدراً جيداً من المرونة والتسامح عن بلوغ الحد الأعلى من ناحية، وقدراً من الحرص والتمسك بالحد الأدنى الذي يمثل أضعف الإيمان من ناحية أخرى، وفي ذلك إتاحة الفرصة لتحاشي الإفراط في شروط التحقيق التي تؤدي إلى الابتعاد عن تحقيق المطبوعة ونشرها، والسمّو عن التفريط في الاكتفاء بنسخها طباعة دون أن يلمس المطلع أي جهد للتحقيق. وبما أن حالة الإفراط المانعة من التحقيق، هي سالبة عدمية.. فإن حالة التفريط إيجابية تتمثل في عمل يحدد موضع وموضوع الحديث عنه.
ونمر به في مثالين:
أحدهما: النسخ المجرد:

(1/17)


وبين أيدينا عدد من المخطوطات النادرة التي تم طبعها دون أثر فيها للتحقيق، والغريب أن من تولوا نشرها، يصرون على أن يسموا هذا النشر تحقيقاً مكتوباً على صفحاتها الأولى ومحفوراً على أغلفتها. وكما سبق، فإن هذا الإخراج للمخطوطة يكون عدمه أفضل من وجوده؛ ذلك أنه يمنع في الغالب، إقدام شخص آخر على التحقيق مرة أخرى لذلك الكتاب. ثم إن فائدته تظل قليلة وحبيسة في داخله. وكان أقل قدر من أضعف الإيمان أن يضع الناشر تبويباً للموضوعات وفهارس لها.. ولكن الذي حدث أنه لم يضف شيئاً.. ولديَّ بعض من هذه الكتب لا أجدني قادراً على الاستفادة منها أبسط المعارف إلا بأن أتصفح الكتاب من غلافه إلى غلافه في كل حالة أبحث فيها عن عَلمٍ أو مفردة أو رأي لمؤلفه.
وثانيهما: الإخلال بالأمانة العلمية:
وهذه الحالة أو المثال أشد سوءاً و أكثر ظلماً وهضماً للكتاب ولمؤلفه. وقد ظهرت لدينا في فترات متباعدة من العشرين عاماً الأخيرة، بضعة كتب تراثية تم نشرها وإدخال إضافات إلى صميم موضوع الكتاب منها. وحذف كلمات وجمل، بل ومفردات من أماكن متفرقة فيها. وذلك لغرض التحريف المتعمد للمخطوطة الأصل، باسم إخضاع آراء وأسلوب ومصطلحات الكتاب لمفاهيم وآراء معينة حدثت أخيراً على الساحة الفكرية والثقافيه والسياسية. ومثل هذا العمل، يعتبر جريمة علمية وتاريخية وخلقية وجنائية في حق الكتاب ومؤلفه خاصة، وفي حق الفكر والتاريخ عامة.
وتمثل هاتان الحالتان قضية الأمانة العلمية والتاريخية، ولذا يجب على من يستطيع، وفي المقدمة العلماء والمثقفون.. الوقوف بحزم إلى جانبها ضد أي شخص عمل أو يحاول أن يعمل في اتجاهها والمس منها والإساءة إليها. ولا نريد أن نسمي أمثلة من هذه الكتب، حرصاً على ترك المسئولية لأصحابها المباشرين في مؤسساتها المختصة.. على أمل أن يتم تدارك القصور والخطأ في الطبعة القادمة لمثل هذه الكتب.
الثانية: العودة إلى التراث:

(1/18)


والملاحظ أن ظاهرة العودة إلى كتب التراث الإسلامي، أصبحت حقيقة تتصاعد من عام إلى آخر. وبصرف النظر عن أسبابها ودوافعها مما ليس هذا مكانها.. فإنها ظاهرة تزيد من دوافع الاهتمام بنشر كتب التراث الإسلامي من جهة، وبرفع مستوى التحقيق لهذه الكتب من جهة ثانية.
ففي كل محافظات ومدن الجمهورية في اليمن مثلاً.. تزايد الطلب على المخطوطات اليمنية في الفكر الإسلامي، بصورة أصبحت تمثل قضية لدى الجيل الشاب بصفة خاصة. ولندرة طباعة ونشر هذه المخطوطات، اعتمد الناس على تصويرها كما هي، في نسخ تتعدد وتتكاثر بين وقت وآخر، حتى أن مئات من المخطوطات أصبحت صورها المنسوخة منتشرة بشكل بارز ومميز في المكتبات الخاصة والمساجد وحلقات التدريس وغيرها، ولا يزال الإقبال يزداد ويتصاعد عليها حتى أصبحت آلات طبع المخطوطات عن طريق التصوير وآلات التجليد، مهناً وحرفاً رائجة يعيش منها ويتفرغ فيها كثير من الناس.
الثالثة: عزلة التراث اليمني:
وبالإضافة إلى ندرة الكتاب مخطوطاً كما أشرنا إلى هذا العامل بوصفه واحداً من الدوافع لتحقيق المخطوطات ونشرها، فإن موضوع عزلة التراث الفكري اليمني.. يمثل أيضاً واحداً من أبرز الدوافع لتحقيق ونشر أي مخطوطة.
ونتحدث عن هذا الموضوع من جوانب ثلاثة:
أولاً: مدى عزلة التراث اليمني في الداخل:
أعرف أن أشياخاً مطلعين وفتياناً متطلعين من أشياخنا وفتياننا العلماء والمتعلمين، قد يقدمون أكثر من اعتراض أو استدراك أو تحفظ على هذا الموضوع من حيث أن كتب التراث الإسلامي اليمنية لم تعد تعيش حالة توصف بالعزلة، بعد أن فُتح الباب على مصراعية للتحقيق والنشر، وبعد أن توفرت وسائل الطباعة ودور النشر والمهتمون بالتحقيق وخرج إلى النور مئات من المخطوطات.

(1/19)


وفي الحقيقة التي نعتقدها ونقتنع بها.. فإن هذا الاعتراض من وجهته العامة وارد ومقبول في جملته لا تفصيله؛ كونه لا يتعارض مع الحقيقة.. ولكنه لم يطرح الحقيقة كلها ومن كل جوانبها وطبقاً للأسس التي تقوم عليها والمعايير التي تقاس بها. وحقيقته بالتالي، تظل نسبية من جانب، ومنطلقة من مدى توفر الوسائل تشريعاً ومؤسسات نشر من جانب آخر.
وبطرح الحقيقة من جميع جوانبها وبأبرز أسسها ومعاييرها، يتضح صدق العزلة على الحال الذي تعيشه كتب التراث. وألخص ذلك في ملامح أربعة:

(1/20)


1- إن المقصود بتعبير العزلة، هو عزلة هذا التراث اليمني عن القارئ في داخل الجمهورية اليمنية وخارجها في الأقطار العربية خصوصاً، ثم الإسلامية عموماً، هذا جانب من العزلة.. وجانب ثانٍ، وهو عزلة كتب التراث عن حياة الناس الفقهية والثقافية عموماً. ولا نقصد بذلك فرضها على فئة أو مؤسسة أو منهج دراسي، وإنما المقصود بهذا هو عزلتها عن الناس والأماكن، في حدود الحاجة والفائدة القائمتين على الطلب والرغبة. وجانب ثالث، وهو أن المخطوطة هي في حد ذاتها ووضعها وطبيعتها، عزلة للكتاب. وتزايد الإقبال على كتب التراث بين أوساط الناس بمختلف فئاتهم وثقافاتهم، المخطوطة منها (عن طريق التصوير كما سبق) والمطبوعة.. يؤكد بما لا مجال فيه للشك، أنه لو أصبحت المخطوطة من كتب التراث مطبوعة منشورة، لشملها هذا الإقبال. ولم يعد الآن مستغرباً أن يسمع الواحد منها بين وقت وآخر أصحاب دور نشر في سورياً ولبنان بالذات، يسألونه عن مدى معرفته بشيء من التراث اليمني يمكن أن يتولوا طبعه ونشره ابتداءً أو إعادة. وهم لا يعنون كتباً بعينها ولكن أي كتب. وهذا السؤال نسمعه أكثر أثناء معارض الكتاب الدورية التي تقيمها جامعة صنعاء. وفيه دلالة كافية على رواج كتب التراث؛ إذ أن كثيراً من أصحاب هذه الدور أصحاب هدف محدد ومعروف سلفاً، وهو المردود المالي من هذا العمل. وبرغم ذلك فإنهم أصحاب هدف مشروع وعمل يستحق التشجيع والتسهيل والمساعدة لإنجازه.
المناظرة بين المشرق والمغرب:

(1/21)


ومثال آخر من الواقع.. وهو أن الحوار الذي عقده أستاذان من أبرز الباحثين العرب(1) وأدارته بينهما إحدى المجلات العربية(2) تحت عنوان عام، هو (المناظرة بين المشرق والمغرب) في حلقات خلال العام 1989م، وهذا الحوار شغل مساحة واسعة من القراء في الوطن العربي وخارجه، وظلت المطالبة باستمراره والتعليق على جوانب منه، تزداد وتتسع. كما كان من نتائجه انصراف أعداد غير قليلة من مختلف فئات الناس، إلى البحث عن كتب التراث والسؤال عن عناوين منها متعددة. وذلك ما لم يكن متوقعاً بهذه الكثرة على الأقل. ودلالة المثال في أن الحوار كان في مجال القضايا الفكرية التراثية، ثم ما استتبع ذلك من استخدام المدارس والمذاهب والإعلام في إطار الفكر الإسلامي، مادة للحوار. وإضافة إلى هذا، فإن شطر هذا الحوار - كما قرأت أخيراً قد صدر في كتاب.
2- وبما أن المخطوطة عزلة للكتاب كما سلف، ونقرؤ مثلاً: من المحقق القاضي محمد بن علي الأكوع الحوالي، حيث يقول عن مخطوطة: (العقود اللؤلؤية) (3) بأنها النسخة الوحيدة من الكتاب.. فإن ما لا يزال من تراث الفكر اليمني سجين المخطوطات، يزيد عن ما نسبته 90% تسعون في المئة أو عن تسعة أعشاره.. اعتماداً على أدنى التقديرات لعدد المخطوطات من كتب التراث اليمني(4).
3- عزلة المكتبات الخاصة:
__________
(1) د: محمد عابد الجابري، و د:حسن حنفي.
(2) مجلة (اليوم السابع).
(3) ... في تاريخ الدولة الرسولية) تأليف: علي بن الحسن الخزرجي الطبعة الثانية 1993م في مجلدين.
(4) يقدر الباحثون مخطوطات التراث في اليمن ما بين مائة وخمسين إلى مائتين وخمسين ألف مجلد.

(1/22)


ونتجاوز ما تسرب من كتب التراث اليمني إلى الخارج خلال حقب مرت من التاريخ، ولا يزال يتسرب بصورة ربما أكثر من الماضي، وبكل الوسائل والطرق المشروعة وغير المشروعة، والطرق غير المشروعة أكثر، وذلك مما هو الآن في كثير من المتاحف والمكتبات العامة وهو كثير(1)، ناهيك عما ضل عن طريق هذه المكتبات والمتاحف، والتجاوز قائم على أساس أن هذا الجانب منها يقع في متناول الباحث والمطلع القادرين.. إذا تجاوزنا هذا، فإن النسبة الكبرى من المخطوطات اليمنية في الداخل، هي التي توجد في المكتبات الخاصة، وهي واقعة تحت احتكار ملاكها الذين يمتنع كثير منهم حتى عن إعطاء بيانات كاملة وشاملة عما بحوزتهم، إلى المراكز والمكتبات العامة، فضلاً عن تقديم شيء منها إلى هذه المكتبات العامة التي تقع في متناول الباحث والمطلع.
واحتكار المكتبات الخاصة للمخطوطات، يكاد يكون عادة متوارثة لدى الأسر اليمنية كغيرها من الأسر في غير اليمن، ولعلها في اليمن أرسخ وأعمق.. ومن آيات ذلك، على طريق التمثيل ظاهرتان:
أولاهما: أن مخطوطات الأسر المالكة لها، أصبحت معروفة تقريباً، بحيث يمكن للمطلع على المخطوطات والمهتم بها.. معرفة عناوين الكتب التي تملكها الأسرة أو الأسر الفلانية، هذا من حيث أسماء وموضوعات المخطوطات في أبرزها وأشهرها على الأقل. وكذا يمكنه من حيث شكل المجلدات تمييز نسخ المخطوطات ونسبتها إلى ملاكها. حتى أشبهت المخطوطات في ملكياتها، العمارات والعقارات تقريباً، فلا تستغرب أن تسمع شخصاً يتحدث عن الفوارق والميزات بين نسخة آل فلان من الكتاب الفلاني، وبين نسخ أخرى منه للأسر الفلانية مثلاً.. من حيث جودة ونوع الخط والهوامش والتصحيح ...إلخ.
__________
(1) منها ما ذكره الباحث الدكتور حسين العمري في كتابه: (مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني).

(1/23)


وثانيتهما: ترتب على حرص الأسر على مخطوطاتها، أو تسبب فيه ونتج عنه أن انتشر واشتهر في أوساط كثير من الأسر اليمنية -ولا يزال لدى بعضها حتى اليوم- حصر توارث المخطوطات من الكتب بصفة خاصة على الذكور من أفراد الأسرة دون النساء، حتى لا يخرج موروثها من الكتب إلى أسر أخرى. ولكن دون وجود تعصب أو تحيز ضد الوارثات من النساء أو إنكار حقهن بأية صفة من الإكراه أو الحرمان، بل برضاهن أولاً، وبتعويضهن عن الكتب من المنقولات الموروثة الأخرى ثانياً، أو أن يشتري الرجل نصيب قريبته من أسرته، بعد القسمة بثمن الزمان والمكان حسب تقويم عدول مختصين، ويساعد على ذلك في الغالب، عدم اهتمام المرأة بالمخطوطات من جهة، وكثيراً ما تشاطر أسرتها الحرص على الاحتفاظ بالمخطوطات المتوارثة.
وهذه عادات وأساليب ليس هذا موضع مناقشتها، وقد لا يجد المعترض سبيلاً شرعياً إلى الطعن فيها، طالما ظلت قائمة على الصفة الشرعية التي استعرضنا جانباً منها في المثال الأخير. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى.. فإن الحرص الشديد من أصحاب المكتبات الخاصة على مجلداتهم، وهو حرص يشمل في الغالب المتعلمين وغيرهم من أفراد الأسرة الواحدة.. لا يبدو أنه آت من فراغ، ولكن له أسباباً فرضتها حالات تعرضت فيها الكتب للضياع بطرق مشروعة أو شبه مشروعة، كالعارية التي لا ترد، وكأخذها بصورة مؤقتة لبعض المدارس، ثم بعد فترة من الزمن والنسيان تصبح وقفاً بطريق الخطأ، أو تتنقل من شيخ (أستاذ المدرسة العلمية) إلى آخر، وربما من مدرسة إلى أخرى.. وبطرق غير مشروعة، كالمصادرة والنهب والابتزاز والسرقة...إلخ. ثم من ناحية ثالثة، أن اعتقاداً ترسخ لدى كثير من الأسر اليمنية يربط المحافظة على المخطوطات الموروثة بشيء من كرامة وسمعة الأسرة، وهو اعتقاد قد بدأ بانتشار المطابع بالدرجة الأولى، يتلاشى في طريقه إلى الانحسار.
4- عزلة المكتبات العامة:

(1/24)


وكما سبق، فإن وجود المخطوطات في المكتبات العامة، وإن كان وجودها فيها أقل عزلة وأكثر حضوراً، إلا أنها في حد ذاتها عزلة أيضاً، لولا تبريرها بأنها أهون الشرين كما يقال، وأن ذلك هو كل ما في الإمكان حالياً؛ ذلك أن وجودها تظل فائدته محصورة تقريباً على الباحث والدارس، بمن فيهم أصحاب الدراسات الأكاديمية العليا أو المتخصصة. ويؤكد هذه العزلة في بلادنا وما شابهها بصفة خاصة، عوامل عدة مثل:
أ - إن جمهور المكتبات العامة من المثقفين في بلادنا، جمهور لم يتجمهر بعد ولا يكاد يظهر بما يستحق أن يذكر، فما بالنا بعامة الناس.
ب - إن الحصول على نسخ أو أوراق منسوخة من محتويات المكتبات العامة، لا يزال أمراً صعباً ومرتفع التكاليف عند إمكانه. وكثيراً ما يتعذر ذلك في بعض المخطوطات لأسباب غالباً ما تكون غير منطقية ولا مقبولة.. وعلى سبيل المثال، فقد أفادنا مسئول في إحدى المكتبات العامة للمخطوطات، أثناء المحاولة للحصول على نسخ من بعض المراجع.. أفاد بأن لديه أمراً من المسئول الأول عن المؤسسة المشرفة على المكتبة يقضي بمنع تصوير المخطوطات بحجة أن ذلك يسبب التفسخ وشيئاً من الإساءة المادية (تمزق بعض الأوراق والتجليد) إلى المخطوطات، وهو عذر مقبول لو كان النسخ متعذراً إلا من المخطوطة الأصل، ولكنه غير مقبول ولا مقنع إذا عرفنا أن بالإمكان تصوير نسخة واحدة من كل مخطوط بواسطة فنيين متخصصين، ثم النسخ عن الصورة، هذا من جهة.. ومن أخرى فإن المفروض استخدام أحدث أجهزة النسخ والتصوير التي تؤدي الغرض ولا تضر بالمخطوطة، ولا تسبب لها أي إساءة. وهو احتجاج كما ترى، يعتبر دليلاً على عدم الاهتمام بحق النسخ والاطلاع، وعدم الاهتمام بصيانة المخطوطات، وعدم وضع الحل الجذري، أكثر من كونه مبرراً مقنعاً بعدم النسخ.
ثانياً: عزلة الفهم الخاطئ.

(1/25)


والجانب الثاني من الجوانب الثلاثة التي حددتها لتناول موضوع عزلة التراث الفكري اليمني.. هو عزلة الفهم الخاطئ لهذا التراث، وأطلق عليه هنا صفة العزلة.. إطلاقاً لا يستخدم ضرباً من معاني وأساليب الكناية أو المجاز، ولكن هذا الفهم قد مثل عزلة للتراث الفكري اليمني (الزيدي) بكل ما تعنيه الكلمة في دلالتها الحقيقية من دلالة لغوية. وأحاول توضيح هذا الجانب في أربعة من وجوهه:
الأول: أن هذا الفهم الخاطئ، قد ضرب عزلة شديدة على التراث الفكري اليمني لسنوات طويلة مضت ولا يزال قائماً ومفروضاً، وبأساليب شتى وإصرار عجيب.. هو صادر من بعض المدارس الإسلامية، ثم من تأثر أو قلد هذه المدارس، أو يحاول التظاهر بالتأثر والتقليد لها، لأسباب أو لأخرى. وتظهر ملامح الصورة لهذا الفهم، في العناصر الأربعة التالية:
1- أنه صادر من بعض المدارس الإسلامية كما سبق. وأنه بدأ تقريباً منذ ثلاثة قرون مضت، ولا يزال فحله مستفحلاً، ودعائم بنيانه مدعومة، ودعاوى دعوته متصاعدة.
2- نطلق عليه (فهماً) تجوزاً؛ لأنه فهم ليس صادراً عن اعتقاد بريء، ولكنه يجمع بين صفات العمد والإصرار والاستمرار.
3- يستهدف هذا الفهم الإساءة إلى الفكر الإسلامي اليمني عموماً، باسم الفكر أو المذهب (الزيدي) وهذا من العوامل التي قد تشير إلى أن دوافع الفهم ليست فكرية بحتة.
4- يصف الفهم هذا أتباع المذهب الزيدي أو اليمنيين عموماً، بأنهم أصحاب بدع.. ومن هنا، يمضي في وصفهم بالانحراف عن الدين، ينسب إليهم الشرك مرة والكفر أخرى والفسق ثالثة...إلخ.
الثاني: أنه فهم متعمد لغرض الإساءة إلى الفكر الإسلامي في اليمن، لا يقتصر فقط على تخطئة هذا الفكر، ولكنه يتعداه إلىالتحذير منه ونعته بكل الأوصاف والنعوت السيئة التي هو أبعد ما يكون عنها.

(1/26)


الثالث: أن محاولات يمنية متكررة لتوضيح الفكر اليمني أمام أعلام ذلك الفهم ومدارسه وفي كل الفترات والعهود الماضية وحتى الآن.. قد جرت من قبل كثير من علماء اليمن، منذ العلامة محمد بن علي الشوكاني والعلامة محمد بن إسماعيل الأمير، والعلامة صالح بن مهدي المقبلي.
وعرض أصحاب هذه المحاولات كتب الفكر الإسلامي اليمني الزيدي من أمهات مراجع الكتب لتوضيح أصول ومصادر وآراء هذا الفكر.. ولكنها كلها تبدأ باعتراف أصحاب هذا الفهم بخطأ فهمهم، فإذا انفض الجانبان عن المقام، أنكر أولئك ما سمعوا ورجعوا عما قالوا وعادوا إلى ما اعتادوا. ويتذرع أصحاب هذا الفهم في بعض ما يقولون وما يكتبون ضد الفكر اليمني، بمخالفة هذا الفكر لمذهبهم في آراء لا تخرج في معظمها عن الآراء الاجتهادية التي لا خلاف بين الأمة في جواز الاجتهاد فيها اختلافاً؛ والاختلاف فيها اجتهاداً. وليس هذا التعريج سوى استطراد من موضوع عزلة التراث اليمني، مما يمنعنا عن الإيغال فيه وتتبع بعض من الأمثلة في هذا والأدلة عليه.
الرابع: يُلاحَظ في السنوات العشر الأخيرة تقريباً.. ظهور مؤلفات جديدة عن بعض أعلام الفكر اليمني صادرة في فترات متفاوتة.. في دراسات عليا. وهذه المؤلفات أو الدراسات، وإن كانت موضوعاتها يظهر عليها أنها منتقاة، إلا أننا يجب أن نعتبرها بادرة جيدة على أمل أنها قد تتيح فرصاً لنظرة علمية وموضوعية نحو هذا الفكر.
وأريد التنبيه هنا.. إلى أن وضع هذا الحديث في شكل علامة تعجب من ذلك الموقف والفهم الخاطئ تجاه الفكر اليمني، لا يعني أبداً أننا نريد من الآخرين أن يقطعوا بتصويب كل التراث الفكري الإسلامي في اليمن ومذاهبه وآرائه واجتهادات أعلامه، بصفة مطلقة.. أو أن يتركوا مذاهبهم وتراثهم وينصرفوا إلى هذا التراث. فهذا غير وارد.. ولكن الغرض الذي نريده هنا، يتلخص في نقطتين:

(1/27)


أولاهما: أن لا يقول أولئك في الفكر والمذاهب وأعلامهما في اليمن رأياً أو نعتاً قبل أن يقرؤوا من مؤلفات هذا الفكر مجموعة متنوعة في موضوعها ومؤلفيها تكون كافية لتكوين نظر ورأي صحيحين، وأن لا يقولوا عنها بعد قراءتها كلاماً يتناقض مع ما رأوه وقرأوه فيها، أو رأياً مغايراً لما فهموه منها أو صفات لا تنطبق عليها. وهذا أقل ما يمكن أن لا يفرط فيه أو يتجاوزه أو يقصر عنه العالم الورع في ما ينقله ويرويه ويكتبه عن غيره من الناس.
وثانيتهما: أن يكون التعامل مع هذا الفكر على حقيقته، بوصفه فكراً إسلامياً اعتور تأليفه وتأصيله وتوسيع علومه وآرائه، علماء مجتهدون من أكبر وأشهر علماء المسلمين على مدى قرون من السنين وأجيال من الباحثين والمحققين.. وعلى أساس أن الاختلاف في الاجتهادات والمذاهب قضية واردة ومسلم بها، وموضع احترام وإجلال بين علماء الأمة ومدارس ومقاصد الشريعة، يفترض أن لا يسبب شيء منها فرقة أو تنابذاً أو سوءاً من قول أو فعل، وهي قضية قائمة معروفة غير منكرة من عهد الصحابة (رضوان اللّه عليهم)، ثم التابعين وحتى اليوم. ولم يُحدث شيءٌ منها عِدَاءً أو فُرقة بين الأمة إلا في فترات محدودة ولدى أشخاص محدودين، وذلك في حالتين تقريباً:
إحداهما: عندما دخلت طفيليات من الأغراض والمقاصد والدوافع مغطاة بدثار الإسلام ومتسمية باسم الاجتهاد وهي بعيدة عنهما.
والأخرى: عند أن حلت العصبية والحمية محل البحث العلمي والنظر الموضوعي في قضية الاجتهاد وقضايا الفكر الإسلامي عموماً.
ثالثاً: عزلة الانتشار العام:
الجانب الثالث من جوانب عزلة التراث اليمني.. عزلة الانتشار العام له في خارج اليمن. وهذا الجانب يرتبط كما نعتقد الآن، بعامل وسبب يفوق غيره من العوامل والأسباب الأخرى، وهو عزلة المخطوطات اليمنية عن المطابع وندرة ما طبع منها حتى الآن، ويأتي بعد هذا السبب أسباب ثانوية، لا أرى داعياً لاستقراء شيء منها هنا.

(1/28)


---
الرابعة: طريقة منهج التحقيق
نصل إلى الفقرة الرابعة من فقرات التحقيق الأربع في جانبه العلمي.. وهي منهج التحقيق لكتاب (الانتصار). ونقسم هذه الفقرة إلى قسمين: مصادر التحقيق، ومنهج التحقيق.
القسم الأول: مصادر التحقيق:
أ - مخطوطة الكتاب:
تُعتبر مخطوطة الكتاب أولى مصادر التحقيق؛ وذلك أنه لا يمكن أن يتجاوز التحقيق جزءاً من أجزائها أو يستغني عن شيء منها. ويعني ذلك بالنسبة لهذا الكتاب أغراضاً أساسية ثلاثة: وجوداً وقراءة واستقراءً.
أولها: وجود المخطوطة بكامل أجزائها .. وهذا الغرض قد يظهر أمراً بديهياً كونه مرتبطاً بموضع التحقيق وموضوعه وغايته بحكم الضرورة.. غير أن الضرورة التي تجعل من وجود كامل أجزاء المخطوطة أمراً بديهياً.. تجعل تجاوز بعض من أجزائها أمراً وارداً ومحتملاً، بل وحاصلاً في بعض المخطوطات عند اليأس من وجودها في مظانها على المدى الزمني الزائد والمنقطع عن فترة البحث عنها، وعن فترة التحقيق للمخطوطة. وهنا تفرض الضرورة أحد خيارين: إما إخراج ما توفر من أجزائها، وإما إهمالها وصرف النظر عن تحقيقها وطبعها. ويكون الأخذ بالأول أفضل وأرجح وأولى، من باب: إخراج البعض ولا فقدان الكل. وهو مبدأ ينسجم مع العقل والمصلحة والضرورة العلمية. ومع ما جاء في القرآن الكريم {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} و {.. إِلاَّ مَا آتَاهَا}والحديث الشريف: ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به (أو منه) ما استطعتم)). باعتبار إخراج المخطوطات واجباً علمياً دينياً يقع على القادرين بحسب مراتب القدرة والاستطاعة لديهم، وهذا ما تم مثلاً في إخراج وتحقيق كتاب (الإكليل)(1).
وثانيها: قراءة المخطوطة، قراءة متأنية ومتأملة وفاحصة، تتغيا أموراً تشارك بأهميتها في صرح التحقيق وبنائه وهي أربعة:
__________
(1) للمؤرخ اليمني الحسن بن أحمد الهمداني. تحقيق القاضي محمد بن علي الأكوع.

(1/29)


1- مقارنة المخطوطة الأم مع نسخة أو نسخ من مخطوطات الكتاب بحسب ما يتوفر منها. لتحديد الفوارق بينها، زيادة ونقصاناً وفي ما قد يظهر من اختلاف في بعض التعابير والتبويب والهوامش، وما يضارع ذلك أو يترتب عليه.. واعتماد الأصح والأصلح والأكثر كمالاً واكتمالاً وإفادة وتناسباً مع موضعه أو موضوعه في النسخة التي ستخرج إلى المطبعة، ثم إلى المكتبات والناس.
2- استفادة التمرس والدربة على طريقة الناسخ وأسلوبه في رسم الحروف والكلمات.. وهذه مسألة ليست من البساطة بحيث يمكن تجاوزها والتهاون بها، بل لا تقل أهميتها عن أي عنصر آخر من عناصر التحقيق؛ ذلك أن اختلاف طريقة رسم الحروف والكلمات في المخطوطات العربية فيما قبل قرن إلى قرنين فما فوق عنها اليوم.. هو اختلاف كبير وواسع.
أولاً: من حيث مصطلحات رسم الحروف.
وثانياً: من حيث العجم (ضبط الحروف بالنقط)، الذي أصبح جزءاً لا ينفصل عن الأحرف، بينما نجده في المخطوطات لا يكاد يبين ولا يمكن الاعتماد عليه في التمييز بين الحرف ونظائره، أو بين المعجم والمهمل في المخطوطات اليمنية القديمة. وهذا يسبب كثيراً من الخطأ في قراءة الكلمات مصحفة أو محرفة أو بلا معنى، مما يحتاج إلى كثير تأمل وفحصة، وأحياناً العودة إلى المراجع من نظائر المخطوطة للتأكد من رسم الكلمة ومعناها الصحيحين.

(1/30)


وثالثاً: أن اعتماد الناس في هذا العصر، على القراءة المطبوعة في كل أو معظم ما يقرؤونه من كتب وصحف ومنشورات البحوث، وحتى الرسائل الرسمية.. قد جعل القارئ منا مطبوعاً ومتطبعاً عليها، فلا يكاد يواجه مخطوطة قديمة حتى يبدو كالطفل في بدايات تعلمه ومحاولاته فك المكتوب وقراءة كلماته بتكرار وبطء وصعوبة. وهذا بالنسبة لجيلنا الذي بدأ حياته العلمية في الفقه واللسانيات والعلوم الدينية في كتب معظمها من المخطوطات القديمة. أما الذين بدأوا تعلميهم في المدارس الحديثة، فإن الواحد منهم يكاد يستوي هو والأمي في التعامل مع المخطوطة. ولذا فإن قراءة المخطوطات القديمة، أصبحت حتى في البلدان العربية.. خبرة مستقلة تحتاج إلى كثير من التخصص والتدرب لكسبها تماماً، كما أصبح الخبراء فيها يوازون خبراء حل (الشيفرة) أو فك نصوص (المسند) في اليمن(1).
ورابعاً: النقط والفواصل التي تميز وتفصل بين أنواع الجمل والفقرات والنصوص.. في العصر الحديث أصبحت جزءاً من الكتابة وعنصراً أساساً فيها. بينما تخلوا منها المخطوطات القديمة تمام الخلو. وهذا الخلو يسبب كثيراً من تحريف المعاني والخلط فيما بينها، وفهمها فهماً خاطئاً، عند عدم التمييز بين الجمل المتتالية. وهذه النقط والفواصل تظل مشكلاً لا سبيل إلى الحئول دون وقوع القارئ العادي على الأقل في الخطأ في كل مكان تحتمل فيه جملة أو أكثر، أكثر من تفسير أو فهم واحد لمعانيها.
3- إضافة إلى أمور أخرى ترتبط بقراءة المخطوطة، ويلزم المحقق معرفتها وتسجيلها والإشارة إليها، بحسب ما يتطلبه كل واحد منها.. مثل: التعريف بالمخطوطة وبدايات ونهايات أجزائها واسم مالكها ومكانها المحفوظة فيه واسم ناسخها وتاريخ نسخها بداية ونهاية. إلى آخره.
__________
(1) المسند) يطلق على النصوص المكتوبة باللغة اليمنيه القديمة، وهو (القلم الحميري) راجع تاريخ آداب العرب للرافعي ج1 ص78.

(1/31)


4- تصحيح الأخطاء الواردة في المخطوطة بعد التأكد منها.
ثالثاً: استقراؤها:
من خلال التجربة التي مررنا بها في تحقيق هذا الكتاب، ومن بقايا الخبرة السالفة والممارسات المتفاوتة المتقطعة فيما يتعلق بالمخطوطات اليمنية.. فإن قراءة المخطوطة لغرض التحقيق بصفة خاصة، هي كما أوضحت آنفاً عنصر يتعلق بشكل الحروف والجمل وطريقة الرسم في نَسْخِ المخطوطة، بينما أن استقراء المخطوطة، ونقصد به الاستقراء أو التتبع الداخلي لأبواب وفصول وفقرات أصل النسخة ومتنها.. يتعلق بالنصوص والأساليب والمصطلحات، توثيقاً وترجمة وتوضيحاً. ويدخل ضمن ملاحق التحقيق. أبدأ في الحديث هنا عن استقراء النصوص في المخطوطة مما هو داخل ضمن مهمة التحقيق. والنصوص التي يبرزها الاستقراء والتي نقصدها هنا.. تأتي في أنواع وحالات ثلاث:
الأولى: حالة التوثيق للنصوص الواردة في المخطوطة (الكتاب)، لغرض الاستدلال والاستشهاد والتأصيل.
الثانية: حالة الترجمة.. وتشمل الأعلام والأماكن والكتب الواردة في المؤلف المخطوط. وكذا المدارس والجماعات.
الثالثة: حالة التوضيح. وتتناول المفردات اللغوية والعبارات أو الجمل المتشابكة المتشابهة، والمعاني المبهمة أو التي تظهر متناقضة أو ناقصة أو محذوفة أو مفروغاً منها.
ب - توثيق المخطوطة:
عند دأبنا في البحث عن مصادر تحقيق المخطوطة لهذا الكتاب لغرض توثيقها والتأكد من أنها الأوفى والأصح من حيث متنها (النص الأصل) وهوامشها وبدايات ونهايات أجزائها.. واجهتنا صعوبات شتى، وكان لا بد من توثيقها بكل الممكن في الفترة الزمنية المقبولة فترة لتحقيق الكتاب هذا.. مهما تكن شدة الصعوبات، طالما كانت في إطار وحدود الممكن. وكان ما يثير القلق والحيرة منها أشد مضاضة علينا مما تعنيه الصعوبات من جهود ومتاعب مادية أو عضوية. وكان مصدر هذه الصعوبات أو معظمها، يتمثل في جوانب، منها:

(1/32)


أولاً: أن كتاب (الانتصار) ليس مثل كثير من الكتب المخطوطة، من حيث حجمه واتساعه؛ كونه ثمانية عشر جزءاً تناهز حوالي ثلاثة آلاف صفحة مخطوطة كما قدرناها من خلال النماذج الموجودة، وذلك يغني عن شرح ما تحتاجه المخطوطة من زمن وجهد لفحصها وقراءتها واستقرائها أثناء التدقيق والتحقيق.
ثانياً: وليست الصعوبات الأهم ماثلة في حجم الكتاب واتساعه، ولكنها قبل ذلك في عدم وجود مخطوطته كاملة، وعدم العثور عليها في مكان واحد. وأنها بخط أكثر من ناسخ وعبر أكثر من زمن وجيل. ومع كل هذا فإن الأجزاء والبيانات التي بين أيدينا حتى الآن، تؤكد أن بعضاً من أجزائها لا يزال مجهول المكان والوجود. والتصنيف التالي يوضح النسخ والأجزاء والبيانات التي توفرت لتوثيق وتحقيق الأجزاء الأربعة الأُوَل.
المخطوطة الأولى (و):
1- الحجم:
تقع هذه المخطوطة في أربعمائة وتسع وثمانين صفحة، مقياس الصفحة (28 × 20سم). وتحتوي الصفحة الواحدة معدل أربعين سطراً. طول السطر (16سم). ويحتوي بمعدل وسط خمساً وعشرين كلمة. أي أن سعة الصفحة ألف كلمة تقريباً. وكما هو معروف في المخطوطات بصفة عامة، فإن الصفحة الواحدة من هذه المخطوطة، لا يوجد فيها فراغ يتسع لكلمة واحدة وحتى في بدايات ونهايات الأبواب والفصول وما شابهها. فيما عدا إبراز البدايات والعناوين من الباب والفصل والفرع والحكم والمختار والانتصار، بحروف مكبرة في الموقع الذي تصادفه من السطر. ولكن دون أن يدع الناسخ فراغاً. هذا بالإضافة إلى عدم وجود الفواصل والنقط، سواء في أواسط أواخر الجمل أو نهايات الفقرات والنصوص من الأدلة. إلا أن الناسخ يستخدم في حالات نادرة، علامة الوقف المصطلح عليها أو المتبعة عادة في المخطوطات القديمة، وهي حرف الهاء منفصلة ساكنة بشكلها الموجود في الأبجدية (هـ).. مع تشويشها أو تزويقها بنقط وخطوط من داخلها، حتى لا تكاد تميزها إلا بتأمل في الغالب.

(1/33)


ويجوز أن يكون حرف (هـ) هنا، مجرد شكل لا يعني غير علامة للوقف أو الفصل. تبعاً لاطراد العادة في استخدامه لدى النساخ. كما يجوز أن يكون رمزاً ناطقاً لانتهاء الفقرة أو النص، وهو مصطلح يكثر وجوده في المخطوطات القديمة في اليمن، كونه اختصاراً لكلمة (انتهى). وهو أقصد حرف (هـ)، أول ما استخدم علامة للوقف في نهاية الآيات في القرآن الكريم. وله حالة أخرى في المخطوطات، حيث يكون مسبوقاً بحرف الألف (ا هـ). بمعنى (انتهى). إلا أنه يأتي في نهاية النصوص المقتبسة أو المتضمنة من كتب أو أقوال أخرى. وتعني أن النص انتهى بلفظه، في الأكثر. وهذا ما لم يلتزم به الناسخ لهذه المخطوطة، بل يستخدم حرف (هـ) في المكان الذي يمكن أن نضع فيه نقطة أو فاصلة. وفي النصوص الشعرية، يضعه فاصلا بين شطري البيت وفي آخره. مما يؤكد أنه يستخدمه شكلاً فقط.
2- أجزاؤها.. وهذه النسخة تحتوي على ثلاثة أجزاء، هي:
الجزء الأول: من البداية إلى نهاية الصفحة ذات الرقم (183) مائة وثلاث وثمانين. ويبدأ من أول سطر في الصفحة الثالثة، حيث شغل الصفحة الأولى عنوان الكتاب واسم مؤلفه .. ونصه ورسم أسطره كما يلي:
(السِّفر الأول من كتاب الانتصار على علماء الأمصار في تقرير المختار من كلام الأئمة ومذاهب علماء الأمة في المسائل الفقهية والمضطربات الاجتهادية).
وتحت اسم الكتاب.. اسم المؤلف:
(مما ألفه إمام الأمّة الجامع لعلوم الأئمة (......) المؤيد برب العزة يحيى بن حمزة).
وفي آخر الصفحة الأولى، ثلاثة أبيات من الشعر تقول:
ترى فيها مسائل آل طه
أدر عينيك في ورقي ففيها
وتظهر كل غاب مدلهمٍّ ... تبرهن مشكل الأمر المريج
مسائل لم تُسَوَّدْ في الدروج
وتبكم كل ذي نطق حجيج
ولم يحدد قائلها، وفي هذه الصفحة هامش نصه:
(من كتب مولانا المتوكل على اللّه رحمه الله التي لا رسم فيها ولها حكمٌ ذكره في وصيته).

(1/34)


ولم يذكر اسم المتوكل على الله(1).
وفي الصفحة هوامش أو فوائد ليست من الكتاب ولا تبدو بخط الناسخ، وبداية الكتاب في هذه النسخة من بداية السطر الأول في الصفحة الثالثة.
(بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد لله وصلاة على سيدنا محمد وآله اللهم أعن ياكريم).
وفي السطر الثاني:
(الحمد لله القيوم الذي لا تستولي على كنه جلاله عميقاتُ مذاهبِ الفِكرِ والأفهام. المتعالي بكبريائه عن أن ترتقي إليه متاهات الظنون والأوهام). والكلمتان الأخيرتان في بداية السطر الثالث.
وفي أعلى الصفحة الثالثة هذه في الزاوية اليسرى .. تأريخ الابتداء بنسخ المخطوطة كما يبدو؛ إذ يعرف هذا بمجرد الفهم فقد اقتصر نصه على:
(كان الابتداء في أول العشر الأولى من ذي القعدة سنة أربع وثمانين وثمانمائة).
3- الناسخ:
في نهاية الجزء الأول بنهاية الصفحة (183). والذي انتهى بما نصه:
(وقد نجز غرضنا من بيان الفصول الثلاثة، التي اشتمل عليها باب الوضوء، من بيان فروضها وسننها وحكم الشك عند عروضه فيها. ونندفع الآن في شرح النواقض للوضوء، مستعينين بالله وهو خير معين). وتلاه بقلم الناسخ الإشارة إلى انتهائه من نسخ الجزء الأول، ثم أضاف تاريخ الانتهاء في ما نصه:
(تم الجزء الأول من كتاب الانتصار على علماء الأمصار والحمد لله رب العالمين) (وافق الفراغ من رقم هذا الجزء المبارك إن شاء اللّه تعالى عشية يوم الأربعاء الثامن من شهر سفر (صفر) الذي هو من شهور سنة خمس وثمانين وثمانمائة (مئة) سنة(2) من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام).
ويلي هذا من أول السطر ما نصه:
__________
(1) لم نعرف من هو المتوكل هذا؛ إذ ليس هناك أية إشارة يمكن الاعتماد عليها.
(2) هكذا في الأصل حرصنا أن ننقله كما هو بكل مصطلحاته وأخطائه الإملائية.

(1/35)


(كان ذلك بخط مالكه الفقير إلى اللّه تعالى، علي بن حسن الملقب بالخلوفة، ابن حسن بن محمد بن أحمد بن وهاس..). ثم يستطرد في ذكر نسبه إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ثم تابع في ذكر النسب إلى أن انتهى إلى (قصي بن كلاب بن مرة). ثم أضاف في تعريفه بنفسه قوله: (الزيدي مذهباً، والسليماني نسباً، والصبياني بلداً..) وفي آخر سطر:
(كان ذلك في مدينة صنعاء المحروسة حرسها اللّه بصالح عباده، بمسجد داود، والحمد لله وحده).
الجزء الثاني:
يبدأ من صفحة (185)، وفي الزاوية اليسرى من أعلى نفس الصفحة بخط الناسخ: (كان الابتداء يوم الجمعة العاشر من شهر صفر سنة 885هـ).
ويبدأ الجزء الثاني من السطر الأول بدون توقف:
(بسم اللّه الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلاة على سيدنا محمد الأمين وآله وصحبه أجمعين، اللهم أعن يا كريم.
الفصل الرابع في بيان الأحداث الناقضة للطهارة، قال الهادي في الأحكام: ينقض الوضوء ما خرج من السبيلين..).
وينتهي الجزء الثاني من هذه النسخة بنهاية الفصل الخامس في بيان صفة المؤذنين، وذلك في الصفحة (345) ثلاثمائة وخمس وأربعين، ولفظ نهاية الجزء:
(وإن أغمي عليه في حال الأذان بنى على أذانه وأتمه غيره..)، وبعد هذه النهاية مباشرة على لسان الناسخ: (قال الإمام المؤيد بالله أمير المؤمنين يحيى بن حمزة (أيده الله): وقد نجز غرضنا من باب الأذان، وبتمامه يتم الكلام في الجزء الثاني من كتاب الانتصار، ويتلوه في السفر الثالث، باب استقبال القبلة. وكان الفراغ من جمعه وتأليفه في حصن هران، في العشر الثالثة من شهر رجب الأصب من سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة).
وتلا هذا بخط الناسخ:
(وكان الفراغ من رقمه يوم الخميس عند قائم الظهيرة يوم الرابع والعشرين من شهر جمادى الأخرى سنة خمس وثمانين وثمانمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم. بخط مالكه...إلخ).
الجزء الثالث:

(1/36)


يبدأ من الصفحة (347).. من أول السطر مباشرة بقوله:
(بسم اللّه الرحمن الرحيم، والحمد لله وحده وصلاته على محمد وآله. الباب الثالث استقبال القبلة، قال الإمامان القسم (القاسم)- والهادي (عليهما السلام) يجب على كل مصلٍ أن يستقبل الكعبة..).
وينتهي الجزء الثالث من هذه النسخة، بنهاية الفصل الثالث في بيان موقف الإمام والمأموم... في الصفحة (487) بقوله:
(فقد وضح لك فيما ذكرناه أنهم لم يصنعوا شيئاً في إطلاق الإكفار بهذه المسائل، وأنهم ليسوا من التحقيق في ورد ولا صدر، وقد نجز غرضنا من بيان موقف الإمام من المأموم، ونشرع الآن في حكم الاقتداء ونختم به الكلام في صلاة الجماعة).
وعند نهاية الجملة الأخيرة بخط مكبر ما لفظه:
(تم الجزء الرابع من كتاب الانتصار على علماء الأمصار).
وعن يمينه بخط صغير أشبه بهامش لا يظهر أنه بخط الناسخ، ما نصه:
(تم الجزء الثالث..صح صح) وبعده بخط الناسخ:
(كان الفراغ من رقم هذا الجزء المبارك إن شاء اللّه تعالى، يوم الثلاثاء عند قائم الظهيرة، الثامن عشر من شهر رمضان المعظم المبارك، أحد شهور سنة خمس وثمانين وثمانمائة (مئة) سنة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. بخط مالكه...) ثم يضع الناسخ اسمه ونسبه إلى (المعافا).
4- تعقيب على هذه النسخة:
نوضح هنا بعضاً من نقط التعقيب التي لا مناص منها لتوثيق هذه النسخة من كتاب (الانتصار)، وتحديد محتواها، والإبانة عن بعض مواطن الغموض التي قد تكون موضع تساؤل المطلع والباحث بصفة خاصة. ونلخصها في إشارات أربع:
الأولى: أجزاء النسخة:
هذه النسخة كما سلف تضم أجزاء ثلاثة من كتاب (الانتصار) تقع كلها في مجلد واحد بقلم الناسخ علي بن حسن وهاس. وقد رمزنا لها بحرف (و)، الحرف الأول من (وهاس).
وكما يلاحظ المطلع، فإن فيها ما يثير التساؤل في صحة نهايات وبدايات الأجزاء الثلاثة، ونشير إليها في الآتي:

(1/37)


1- في نهاية الجزء الأول، لم يشر المؤلف إلى أن انتهاء الفصل الثالث من باب الوضوء، هو نهاية الجزء الأول. وإنما جاء ذلك بخط الناسخ في قوله: (تم الجزء الأول من كتاب الانتصار).
ولم توجد في بداية الجزء الثاني أيضاً إشارة من المؤلف إلى أن ذلك هو بداية الجزء الثاني. ولم يشر الناسخ أيضاً إلى بداية الجزء الثاني، وإنما اكتفى كما يبدو بما كتبه في الزاوية اليسرى من أعلى الصفحة الأولى من الجزء الثاني بقوله: (كان الابتداء يوم الجمعة..).
من هنا فإن الذي يمكن الاعتماد عليه في توثيق بداية الجزء الثاني في هذه النسخة الثلاثية، أمور ثلاثة:
أولها: نهاية الجزء الأول في الصفحة السالفة لبداية الثاني بما جاء في كلام الناسخ.
ثانيها: ترابط موضوع وفصول الكتاب، بحيث انتهى الجزء الأول بنهاية الفصل الثالث من باب الوضوء، ويبدأ الجزء الثاني بالفصل الرابع، وهذه النهاية والبداية، موثقتان بخط المؤلف في نهاية الأول، بقوله: (وقد نجز غرضنا من بيان الفصول الثلاثة التي اشتمل عليها باب الوضوء..) ثم (.. ونندفع الآن في شرح النواقض..). ويبدأ الجزء الثاني بنواقض الوضوء.

(1/38)


ثالثها: هناك احتمال كبير، أن ما جاء بعد نهاية الجزء الأول هو من كلام المؤلف لا الناسخ، وذلك قوله: (تم الجزء الأول...إلخ) رغم أن الناسخ لم يؤكد ذلك كما أكده في نهاية الجزء الثاني بقوله: (قال الإمام)...إلخ. إذ أن هذا الاحتمال قائم رغم عدم وجود ما يفيد التأكيد من نسبة هذه العبارة إلى المؤلف أو إلى الناسخ، هذا من ناحية، ومن أخرى فإن هذه العبارة: (تم الجزء الأول... إلخ) واردة بنصها في النسخة الثانية التي سيأتي الكلام عنها وهي في الغالب قد ترجح نسبتها إلى لفظ المؤلف، ولكنها لا تعطي الدليل الكافي، وخصوصاً إذا كانت النسخة الثانية نقلاً عن الأولى كما نحتمل هذا إلى درجة الظن الغالب، وسنشير إلى هذه النقطة عند الحديث عن النسخة الثانية، وعلى فرضنا لعدم وجود أدلة أخرى، فإن في هذه الأمور أو الأمارات الثلاث ما يوثق بداية الجزء الثاني.
2- في نهاية الجزء الثاني، توجد عبارة: (تم الجزء الثالث من الانتصار ويتلوه الجزء الرابع، باب استقبال القبلة). وذلك بعد توثيق نهاية الجزء الثاني. ويليه الثالث، وأوله (باب استقبال القبلة) بلسان المؤلف، ونقلاً للفظه. وهذه العبارة لا يعول عليها لأسباب ثلاثة:
أولاً: لأنها تتناقض مع ترتيب الكتاب موضوعات وفصولاً.
وثانياً: أن نهاية الجزء الثاني، وبداية الثالث مؤكدة في نفس المكان نقلاً عن المؤلف وبلسانه ولفظه.
وثالثاً: أن العبارة مكتوبة بخط صغير هامشي، ولا يظهر أنها بخط الناسخ.
3- وقد تكرر الخطأ في نهاية الجزء الثالث، ولكنه هنا بخط الناسخ؛ حيث أثبت أنه انتهى الجزء (الرابع)، وهو الثالث، وهذه وإن كانت أكثر قوة من سابقتها، كون هذه بخط الناسخ، وبحروف مكبرة، إلا أنه يسهل الحكم بخطئها أيضاً. وتعليل ذلك يظهر في الآتي:
أولاً: للأسباب التي تدحض سابقتها.
وثانياً: أن تحتها عبارة تصححها، ولفظها كما سبق (تم الجزء الثالث، صح صح).

(1/39)


وثالثاً: أن النسخة الثانية، وقعت في نفس الخطأ الحرفي أيضاً، ثم عاد ناسخها فشطب كلمة (الرابع) وترك ما كان كتبه من انتهاء الجزء الثاني، ويتلوه الثالث، مثبتاً كما هو.
4- أن هذه النسخة هي مجموع هذه الأجزاء الثلاثة الأُول من كتاب (الانتصار) ولا يوجد فيما بين أيدينا مما أتيح لنا الاطلاع عليه حتى الآن، سواء من النسخ أو البيانات عن نسخ لماَّ نحصل عليها بعد .. بقية أجزاء الكتاب الخمسة عشر بخط هذا الناسخ، كما سنوضح هذا الجانب فيما بعد.
5- النسخة الأم.. نقصد بها النسخة التي نُقِلَت عنها هذه النسخة، فقد جاء في نهايتها ما لفظه:
(الحمد لله، نسخت من نسخة من الانتصار بخط حي(1) القاضي العلامة الورع شرف الدين حسن بن محمد بن حسن النحوي رحمه اللّه تعالى وعلى تلك النسخة تصحيح حي السيد العلامة المحدث فخر الدين(2) عبدالله بن الهادي بن الإمام يحيى بن حمزة.. رحمهم الله). وعقب يقول فيها: (انتهت مقابلة ومعارضة وتصحيحاً على (أمها الصورة الأصل) حسب الطاقة والإمكان).
الثانية: هوامشها:
__________
(1) هذا الكلمة (حَيّ) بفتح الحاء وتضعيف الياء، من مصطلحات اليمنيين في التعبير عن المتوفى ـ وذلك بإضافتها إلى اسمه. كما هي هنا.
(2) من مصطلحات الألقاب في اليمن، وتطلق (فخر الدين) على من اسمه عبدالله، ومثلها جمال الدين لعلي، وعماد الدين ليحيى...إلخ.

(1/40)


في الملحوظة الثانية هذه، من الملحوظات على المخطوطة الأولى من كتاب (الانتصار) ضمن هذا التعقيب.. نرى الابتداء بتعريج جدير بالتسجيل، وهو أن ما يكاد يكون عادة متبعة وسنة ثابتة وسمة شائعة في المخطوطات اليمنية، هو وجود التعليقات والإضافات على هوامش كل مخطوطة. بل وعلى كثير من المخطوطات بعد طباعتها ونشرها، ولا نعني بهذه الهوامش التي تطبع مع المخطوطة فهي مفروغ منها، ولكن إضافة هوامش جديدة تُخَطُّ على جوانب صفحات الكتاب المطبوع من كتب التراث الفقهي بصفة خاصة. كما نجد مثلاً في (شرح الأزهار)(1) و (البحر الزخار) (2) وغيرهما.
ومن هنا.. يمكن أن نصنف هوامش المخطوطات بصورة عامة، في أصناف أو أنواع ثلاثة من حيث علاقتها بأصحابها بحسب ما لاحظناه:
الأول: ما يضيفه المؤلف نفسه إلى كتابه بعد أن ينتهي من تأليفه. وهذا النوع لا يكاد يخرج عن موضوع الكتاب وآرائه وغايته؛ إذ يقتصر على استدراكٍ أو توضيح موضوعي أو لفظي، أو رفع إبهامٍ محتمل، أو إيهام غير وارد، أو تنبيه إلى مواضع سابقة أو تالية، أو ما يرادف أياًّ منها ويجري في اتجاهه.
الثاني: ما يضيفه الفقيه المطلع أو الشيخ المدرس أو الدارس المدقق للكتاب أو مجموع هؤلاء وغيرهم من الفقهاء والدارسين، سواء في عصر المؤلف أو بعده، وسواء أكان ذلك بإيعاز أو إذن من المؤلف أم لم يكن بهما ولا بأيهما، وسواء اتفق مع رأي المؤلف أم اختلف معه، وهذا النوع يشمل كل أنواع وأصناف الهوامش وموضوعاتها وغاياتها.
__________
(1) للعلامة ابن مفتاح على متن الأزهار للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى. مطبوع في أربعة مجلدات.
(2) للإمام أحمد بن يحيى سالف الذكر. مطبوع في ستة مجلدات.

(1/41)


الثالث: شرح وتفسير وتأصيل الكتاب في أحد اتجاهين عامين: في اتجاه رأي المؤلف توضيحاً وتعليلاً وإثباتاً. أو في الاتجاه المخالف بطرح المآخذ، وتتبع الثغرات والهفوات للمؤلف، كشفاً ونقداً وتحليلاً واعتراضاً. وغالباً ما يكون الأول من تلامذة أو مدرسة المؤلف، ويكون الآخر من جماعة الرأي أو المدرسة المقابلة المختلفة مع أبرز مذاهب المؤلف ومدرسته.
وفي هذه الحال فإن أياًّ من الحاشيتين (الهامشين) أو كلتيهما، غالباً ما تتحول إلى كتاب مستقل يرتبط عنواناً وموضوعاً، بعنوان وموضوع الكتاب المشروح أو المنقود. و (الحواشي) في كتب التراث العربي الإسلامي، أعرف من أن تُعَرَّف وأكثر من أن تُحَدّ، واشتهرت الحواشي أكثر في النحو وعلوم اللغة العربية والتفسير. فنجد مثلاً (حاشية المفتي)، (حاشية السيوطي)، و(حاشية أحمد)، وغيرها مما تعرف بحاشية (فلان على كتاب كذا) أكثر مما تعرف بعنوانها الذي وضعه مؤلفها، ولا تكاد تُعرف هوامش المخطوطات بغير الحواشي.
وأنبه هنا.. إلى أن الحواشي أو هوامش المخطوطات في اليمن، وحتى الآن لا تتوقف عند حد أو أحد. عند حد موضوعي أو زمني أو أحد من العلماء والفقهاء.. بل تستمر حتى بعد أن يُطبع الكتاب كما سبق إشارة وتمثيلاً، وذلك عادة وأسلوب واهتمام قائم على أسس نظرية ثابتة، لعل من أهم ما يجب ذكره منها هنا، ثلاثة أسس:
1- أن وضع الحواشي من اختصاص العلماء والمجتهدين بالذات، وليس لأي ملاحظ أو ذي رأي أن يخط على هامش الكتاب. ولذا فإن معظم -إن لم أقل كل الحواشي- تنسب إلى أصحابها وكتبها، وذلك أيضا، لأغراض علمية لا يستهان بها لديهم.

(1/42)


منها: توثيق الحاشية بإسنادها إلى صاحبها حتى تتحقق الثقة بها وباعتمادها، أو تفنيدها ضمن آرائه الموثقة، وتمييزها عن رأي المؤلف، وإدراجها ضمن مجموعة الآراء والاعتراضات والمآخذ على المؤلف التي تستخدم مجتمعة بصيغتها، مثل: (وخالفه فلان) في حاشيته، (أو تعليقه) على المسألة. بقوله: (...)، ويتم نسخ الحواشي مع الأصل عند نسخ الكتاب، كما ينقلها ويتناقلها الفقهاء والتلاميذ وغيرهم، في ما لديهم من نسخ الكتاب.
2- أن الحواشي لديهم جزء لا ينفصل عن الكتاب. فهم يراعونها في القراءة، والتدريس والنُّسَخ، خلا أنهم يؤخرونها في النسخ إلى ما بعد الانتهاء من الأصل. ويعتبرون النَّسْخ المجردة من الحواشي خصوصا فيما له حواشٍ كثيرة، نسخة ناقصة، فيقال مثلاً: اقرأ نسخة كذا فهي أكمل لأنها (محوشاة).
3- كما اصطلحوا على توثيق الحاشية بنسبتها في آخرها إلى صاحبها أو كتابها، مهما ظهرت صغيرة أو بسيطة، وذلك بأن يضاف في نهايتها رمز انتهائها، واسم مصدرها رمزاً أو تلخيصاً. مثل: (أهـ انتصار) بمعنى انتهى مأخوذاً من كتاب الانتصار. وقد تضاف إحدى كلمتي (ملخصاً) أو (بلفظه). أو ما يرادفهما، مثل (مختصراً) أو (بنصه). وهذا في آخر الحاشية. و (ملخص) أو (مختصر ما جاء في كذا) أو (ما أورده أو أفاده، أو ذكره...إلخ).
إلى جانب اعتماد البعض وضع عنوان للحاشية من العناوين العامة المتداولة. مثل (حاشية، نكتة، تعليق، فائدة، تنبيه).
حواشي المخطوطة:
أعود إلى هوامش النسخة الأولى المخطوطة من كتاب (الانتصار). وقد رأينا البدء بالتنبيه إلى الهوامش في المخطوطات اليمنية بصفة عامة، تناولة جديرة بإدراجها في هذا المكان، وذلك لإيضاح بعضٍ من أصول وصور الهوامش هذه، حتى يظهر الحديث عن حواشي أو هوامش المخطوطة الأولى مكتملاً وموثقاً ومؤصلاً بالقدر المتناسب مع موضع التناولة هذه وموضوع فقرتها.

(1/43)


وهنا.. يلاحظ المطلع أن هذه النسخة التي رمزنا لها بحرف (و) كما سبق إثبات هذا.. قليلة الهوامش، خصوصاً في الجزء الأول، وقد يَعِنُّ تساؤلان عن سبب قلة هوامشها:
- هل السبب آت من أن الناسخ لم يستكمل استقصاء ونسخ الهوامش كاملة كما جاء في الأصل؟
- أم أنها حالة تعود إلى الكتاب في أجزائه الثلاثة هذه التي تضمها النسخة؟ ونحن نرجح الاحتمال الذي تضمنه التساؤل الأخير، ودافع هذا الترجيح يتمثل في الاستدلال عليه من نواحٍ ثلاث:
الأولى: أن الذي أفدناه من قراءة واستقراء هذه النسخة الثلاثية الأجزاء، هو انطباع عن طابع عام لها، يؤكد حصافة الناسخ، ودقته في النسخ، وسنتحدث عنه في نهاية الحديث عن هذه النسخة، مما يؤكد أنه لم يدع شيئاً من الهوامش الموجودة في الأصل التي نقل عنها.
الثانية: أن النسخة التي تمت عليها مقابلة هذه النسخة بما احتوته في أجزائها الثلاثة، لا يكاد يوجد فيها شيء يتجاوز الندرة والنزر اليسير؛ إذ لم يستكمل ناسخها كتابة الهوامش، أو بتعبير أقرب إلى حالها، لم يبدأ الناسخ في نسخ الهوامش.
الثالثة: اتساع الكتاب (الانتصار) وقدرة مؤلفه على استيعاب كل الآراء والتخريجات والأقوال، كما سيأتي الحديث عنه بإذن اللّه.. لم يدع كبير مجال للهوامش. فهذه النواحي الثلاث لتأكيد استكمال الحواشي في هذه النسخة، قد تكون كافية لترجيح ذلك الاحتمال. وهي نواح تتعلق الأولى بحصافة الناسخ، والثانية باستقراء التحقيق، والثالثة باستيعاب المؤلف.
ونتناول حواشي هذه النسخة من جوانب ثلاثة شاملة للحديث عنها. وهي: الأنواع، والموضوعات، والغايات.
الأول: أنواع حواشي النسخة:
وتنحصر في ثلاثة أنواع:

(1/44)


1- إبراز عناوين الأصل في الهامش. والغرض من هذا تقريب البحث والتفتيش عن أبواب وفصول ومسائل الكتاب لرجوع القارئ إليه، وهي طريقة أو أسلوب متبع في المخطوطات، يحل محل الفهرسة للموضوعات، وإن كان لا يؤدي الغرض بنفس مستواها. ومن أمثلة ذلك في هذه النسخة:
(الباب الأول في المياه) ص28 (مسألة: إذا وقعت نجاسة في بئر نظرت) ص92.
(الفرع الثامن: المرأة إذا تمت ولادتها بوضع جميع ما في بطنها، وفيه ضروب خمسة) ص290.
وهذا النوع ليس شاملاً كل العناوين الواردة في المتن (القلب) هذا من ناحية، ومن أخرى فإن الناسخ لم يثبتها في كل النسخة، بل اقتصر على الجزء الأول، وحوالي مائة صفحة من الجزء الثاني. ولم يتجاوز في فهرس الحواشي هذه صفحة (290) من المخطوطة.
وبمناسبة كلمة المتن (القلب) التي أوردتها آنفاً، نشير إلى أنها مصطلح في قاموس المخطوطات المتداول، تعني قلب الصفحة، أو أصل الكتاب. ويقابل المتن.. الحاشية.
2- تصحيح وتدارك ما سقط سهواً من الناسخ، من كلمات أو جمل من الأصل وله رموز تحل محل الأرقام المشتركة بين الأصل والهامش في الطريقة الحديثة، وهي رموز عامة، سواء من حيث استخدامها في المخطوطات عموماً أو من حيث استخدامها لتصحيح النقص أو للهوامش الإضافية، ويستخدم ناسخ المخطوطة هذه في الأكثر رمزين يتناوبان في الهوامش: أحدهما على شكل حرف الحاء المربوطة في أول الكلمة (حـ)، إلا أنه يبالغ في مد خطها الأفقي. وهذا الرمز أكثر استخداماً لدى الناسخ هنا. والثاني متعامدان.. ولكنه لا يستخدم أحدهما في كل الهوامش، ولم يستخدم أياً منهما في إبراز العناوين، وهذا النوع من الهوامش وهو التصحيح لما سقط من الأصل، لا يدخل ضمن اسم الحواشي بمعناه الذي يتبادر إلى الذهن والفهم عند ذكر الكلمة؛ إذ أن معنى الحواشي مقصور على الإضافات.
3- الحواشي بمعناها المقصود الذي يعني الإضافات بمختلف موضوعاتها، وغاياتها.
الثاني: موضوعات الهوامش:

(1/45)


وموضوعاتها التفصيلية أكثر من أن تُحَدَّ كما هو معروف. ولكنا نقصد بهذا موضوعاتها من حيث متعلقاتها العامة. وعلى هذا فبالإمكان تحديدها في المفيد لتحقيق الغرض من إعطاء جانب الصورة الذي يلي الموضوعات من جوانب الصورة العامة للهوامش، ومن هنا، فإن الغرض سيتحقق من تصنيفها إلى ثلاثة أصناف من الموضوعات:
1- ما يتعلق باللغة.. أي بتفسير مادة أو مفردة،ٍ دلالة واشتقاقاً وتركيباً وشكلاً. فيقول مثلاً: في الدلالة (السبرة، الغداة الباردة، وجمعها سبرات) ص366. وفي الاشتقاق: (قال ابن الأثير: الأصل في التثويب، أن يجيء الرجل مستصرخاً فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر، فسُمي الدعاء تثويباً، وكل داعٍ مثوب. وقيل: إنما سمي الدعاء تثويباً من ثاب يثوب إذا رجع) ص 335. وفي الشكل: (ملحق، بكسر الحاء على المشهور، ويقال بفتحها، ذكره ابن قتيبة) ص 414. وفي التركيب أن يوضح أحرف الكلمة تمييزاً للمعجم عن المهمل... إلخ.
2- ما يتعلق بشكل الأسماء والأعلام. بتوضيح الطريقة الصحيحة، أو الطرق المختلفة لنطقها. وتركيبها، ومثل ذلك: (قلت: المقدس، كذا ضبطه الجوهري، وضبطه ابن بري المَقْدِس) ص347. وقد ضبط الشكل في الحاشية لكلمة (المقدس) في ذكر بيت المقدس، بحيث تنطق في الأولى بضم الميم، وفتح القاف، وتشديد (تضعيف) الدال المهملة مفتوحة. وفي الثانية بفتح الميم، وسكون القاف، وكسر الدال.
3- ما يتعلق بالمعاني المختلفة الأخرى.
الثالث: غايات الهوامش. وهي كثيرة، ولكن أبرز نماذجها قد لا يتجاوز غايات خمساً هي:
1- التوضيح لما جاء مبهماً في الأصل (القلب) مثل ما جاء في الأصل: (لما روي عن الرسول ً أنه جاءه رجلان أخوان أحدهما أكبر من الآخر..) ص461. فجاء الهامش وفيه: (وهما حويصة ومحيصة ابنا مسعود بن كعب، خزرجيان أنصاريان.. ذكره في الاستيعاب).

(1/46)


2- الاستدراك لما اشتهر أو ورد على غير وجهه الصحيح. مثل ما نقل بعض أصحاب الإمام الشافعي عنه من تفسيره لقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ واْنحَرْ} بأن المراد به وضع اليد على اليد تحت النحر في الصلاة، وهو ما نقله المؤلف، فجاء في الهامش: (قال صاحب (الفصيح) لثعلب: عهدة هذا التفسير على قائله، وأنكره على الشافعي جداً وزيفه) ص397.
3- التتمة لرأي أو قول أو نص.. مثل (قال في التحرير: إلا أن يتعمدهما) ص441. تتمة للرأي الوارد في الأصل بأن السعال والعطاس لا يفسدان الصلاة.
4- التصحيح لسهو وقع فيه المؤلف أو الناقل للرأي أو الراوي للحديث أو الحدث. وذلك مثل ما ورد في الأصل حول عدم كراهة الصلاة خلف العبيد والموالي. محتجاً بأدلة، منها أن عمر بن الخطاب جعل الخلافة شورى في ستة منهم سالم مولى أبي حذيفة. وجاء الهامش مصححاً بقوله: (المعروف أن عمر رضي اللّه عنه قال: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لاستخلفته..) ص462. ليؤكد أن سالماً لم يكن ضمن الستة.
5- التعقيب على قول أو رأي لزيادة معناه إيضاحاً، ويدخل ضمن التنبيه والاعتراض. وهي غايات متداخلة ومتقاربة، وفي هذه النماذج إشارة كافية.
الثالثة: خطها:
والمقصود بكلمة (خَطِّها) هنا، المصدر من الفعل (خَطَّ) مضافاً إلى مفعوله، والغرض من العنوان، هو محاولة رسم صورة لشكل النسخة هذه من خلال الملامح البارزة لها، وتتركز هذه الفقرة في شقين هما: طريقة الناسخ، والشكل الخارجي للنسخة.
الشق الأول: طريقة الناسخ:
وهي في معظم إن لم نقل في كل ملامحها، طريقة ليست خاصة به، بل تشمل في مجموعها كل المخطوطات التراثية اليمنية. والفوارق تظل نسبية فيما بينها، بالقدر الذي يمكن به تمييز كل مخطوطة وناسخ عن مخطوطة أخرى وناسخ آخر. ولذا نحرص على أن نركز على إبراز هذا القدر المميز بصفة خاصة وفي الملامح الآتية لهذا الشق وبدون كثير اهتمام بترتيب شيء منها:

(1/47)


1- نوع الخط. لا يكاد يخرج كثيراً عن النوع المسمى (بالنسخ) وهو أشهر وأكثر أنواع الخط في المخطوطات اليمنية، والفوارق في نوعه هنا لا تتعدى الطابع العام له في تلك المخطوطات والطابع الخاص الذي يميز ناسخاً عن آخر.
2- حجم الحرف. يمكن أن يحدد بطريقة تقريبية، بأنه يتراوح بين مقاسي (12 - 14) في مقاس الطباعة القديمة، وهو مقاس المتن العام في النسخة، ويكبر الحروف في ثلاثة أحجام تقريباً، وذلك في العناوين الكبيرة والمتوسطة والصغيرة لموضوعات الكتاب. مثل: الباب والفصل والمسألة والفرع، والمذهب والقول... إلخ. ويستخدم الحبر الأحمر في معظم هذه العناوين، والأسود فيما عداها من المتن عموماً.
3- حجم الصفحة، وقد سبقت الإشارة إلى أن المعدل العام للصفحة الواحدة أربعون سطراً، سعة السطر خمس وعشرون كلمة، أي بمعدل ألف كلمة في الصفحة، ومقاس الصفحة (28 × 20) لكامل الصفحة، تشغل الأسطر منها (23 × 16 سم)، والبقية للهوامش. مع الأخذ في الاعتبار لأمرين:
أولهما: أن النسخة قد تآكلت من أطرافها؛ إذ يزيد عمرها عن خمسمائة سنة (885-1412هـ).
وثانيهما: أن الناسخ لا يتوقف في أثناء السطر عند انتهاء فقرة وبداية عنوان موضوع آخر، ولا يدع سطراً واحداً من الفراغ، بل يواصل الأسطر متتالية من بداية النسخة إلى آخرها، فيما عدا نهايات أجزائها الثلاثة. ويحسن التنبيه إلى ملاحظتين تتعلقان بالصفحات:
أولاهما: عدم وجود الترقيم للصفحات، وقد تم ترقيم النسخة هذه عند تصويرها، وهي الأرقام التي نشير إليها عند تسجيل موضع النص.
ثانيتهما: الاستغناء عن الأرقام بكتابة الكلمة الأولى من الصفحة في نهاية الهامش الأسفل من الصفحة السابقة لها، وهو ما يسمى في مصطلح المخطوطات بـ(القيد) بمعنى ربط الصفحات بحسب تتاليها، بحيث يعول على هذا التقييد في ترتيب الصفحات.

(1/48)


وكلتا الملاحظتين داخلة ضمن طريقة القدماء في نسخهم للكتب. والاستغناء بالقيد عن الترقيم، يماثل الاستغناء بإبراز العناوين أو بعضها على الهامش، عن الفهارس في المخطوطات. وهذا ينطبق أيضاً على هذه النسخة كما أسلفت، إضافة إلى عدم وجود أية ملاحق أخرى فيها مما يرتبط بموضوع ومتن الكتاب.
4- الفواصل، والنقط. حظ هذين الملمحين في هذه النسخة، حظ عاثر وغائر، فالفواصل غير موجودة إطلاقاً، لدرجة أنه يكتب العنوان بخط بارز مكبر، مثل: الباب، الفصل، المختار، الانتصار، ...إلخ، بعد الكلمة الأخيرة من المبحث السالف، دون نقطة أو فاصلة بينهما. إلا أنه يضع أحياناً في نهاية المبحث علامة الانتهاء الشائعة في بعض المخطوطات، وهي حرف (هـ) أو ما يشبهها. وهي رمز مختصر لكلمة(انتهى) كما سبق المرور بها. وهذه حالة نادرة لا تقوم عليها قاعدة بالنسبة لهذه النسخة. ومعروف أن الفواصل جاءت في عصور متأخرة، وأنها منعدمة في المخطوطات التراثية بأشكالها وصفاتها ووظائفها الموجودة الآن. ولكن كثيراً من المخطوطات يُستخدم فيها بعض العلامات الفاصلة بين العناوين الرئيسية والفرعية على الأقل. كما سبق الحديث عنها.

(1/49)


وفيما يخص النَّقْطَ، أو العَجْمَ للحروف (المستعمل للتمييز بين المعجم والمهمل منها) فإن حظها أسوأ من سابقتها، ليس لانعدامها فهي موجودة في هذه النسخة، ولكن لقلتها إلى حدود الندرة، نظراً للحاجة إليها أكثر من نقط وفواصل الجمل؛ كون الأبجدية كما هو معروف ثمانية وعشرين حرفاً، منها اثنان وعشرون حرفاً لا تتميز عن الاشتباه بين معجمها ومهملها إلا بالنقط. (وما يتميز بدون ذلك منها، ستة فقط؛ هي: الألف مطلقاً ومهموزاً، والكاف واللام والميم والواو والهاء) وهذا ما يجعل اشتباه القارئ وتشابه الحروف يتكرر في كل كلمة أو كلمتين أو ثلاث على الأكثر. وهي مشكلة تواجه المحقق أيضاً لا يتجاوزها إلا بالإلمام النسبي بالموضوع أولاً، وبمعرفة الكلمة من سياق المعنى ثانياً، وبالفهم لمصطلحات وأساليب المؤلفين القدماء من جهة، والمؤلف لهذا الكتاب من جهة ثانية ثالثاً، وبالدربة على طريقة الناسخ في رسم الحروف رابعاً.
ولا نقصد بهذا أن نصور النسخة، وكأنَّ قراءتها ضرب من فَكِّ الألغاز وحل (الشيفرات)، لا.. ليس هذا المقصود، فالخط واضح وبإمكان أي قارئ قراءته، ولكن المقصود هو توضيح شكل النسخة في هذا الجانب بحيث تصعب قراءتها بفهم الكلمات كما وضعها المؤلف لمن لم يتوسل إليها بالوسائل الأربع الآنفة الذكر، ولو في أدنى حالاتها؛ إذ أن النسبة المحذوفة من نقط الحروف في هذه النسخة يصل معدلها إلى أكثر من النصف، وهو معدل يحتمل الزيادة لا النقصان.
وتجدر الإضافة هنا، لملامح مصطلح عليها في عَجْم الحروف في المخطوطات والوثائق التراثية في اليمن. وتكاد تنحصر كما أعرف حتى الآن في نوعين:
أولهما: عجم أو نقط حروف مهملة وغير معجمة في مصطلح الأبجدية الشائع اليوم في كل الأقطار العربية، وهما حرفان: الدال والطاء المهملان. بحيث يُعجم كلاهما بنقطة من تحت تقابل عجم نظيره (الذال والظاء) في النقطة، وتخالفه في الموقع.

(1/50)


وثانيهما: علامة بعض الحروف المهملة، والعلامة المصطلح عليها، تشبه رقم سبعة. عدا أنها تكون صغيرة تشبته أحياناً بالنقط الثلاث، وتوضع على بقية الحروف المهملة مما له منها نظير في المعجم. وهي حروف خمسة: (الحاء والراء والسين والصاد والعين). وكلا النوعين يستخدمه ناسخ المخطوطة، ولكن بصفة نادرة جداً.
وهذان النوعان من شكل الحروف، أذكر أنا تعلمناهما في الكُتَّاب أو (المعلامة) باللهجة اليمنية. وكانا شائعين في كتاتيب الأرياف اليمنية خصوصاً. حيث لا توجد كتب مدرسية. ولكن لا نعرف مدى إيغالهما في الماضي، ومدى علاقتهما بالأبجدية في غير اليمن، إلا أننا نعرف أنهما ليسا من المصطلح الموثق في الأبجدية العربية في شيء. وفي هذه المخطوطات أيضاً، يُهمل هذان النوعان عند إيضاح أي منها لشكل وتركيب أية مفردات من الغريب أو المتشابه، فيقال في المخطوطات، ومنها هذه النسخة، مثلاً في كلمة (عطر): بعين مكسورة مهملة، وطاء ساكنة مهملة فراء مهملة...إلخ.
وقد يكون مستغرباً إهمال العجم، أو بتعبير أكثر دقة، التساهل في عجم الحروف من قبل نُساخ المخطوطات اليمنية؛ إذ لا يحمل مثل هذا على غير التساهل والإهمال. فإذا كانت الفواصل والنقط فيما بين الجمل والتعابير والفقرات وضعت في فترة متأخرة، فإن نقط أو عجم الحروف يعود ربما إلى القرن الهجري الأول(1). وهذا التساهل يسبب كثيراً من التصحيف والخلط والخطأ والتشويش والقلب والتحريف للمفردات شكلاً ومعنى، مما يقع فيها القارئ العادي على الأقل، ولا يسلم منها الفقيه المطلع المتمرس.
5- الإملاء:
نستطيع حصر الملاحظات على الإملاء في هذه النسخة الثلاثية في أنواع خمسة:
__________
(1) راجع كتاب تأريخ آداب العرب للرافعي ج1/100 وما بعدها.

(1/51)


أولها: في قصر الممدود ومد المقصور وحذف الهمزة. أي ثلاثة ملامح لهذه الناحية من الإملاء، وهي في بعض الألفاظ طاغية على النسخة بحيث تشكل شبه ثابتة يلتزمها الناسخ التزامه للقاعدة، إلا أنها في الملمحين الأولين أقل منها في الثالث، وهو التزام في كلمات محددة تقريباً، وليس عاماً.
فالمثال على الملمح الأول: (صلاة الاستسقى) و (الأسمى الحسنى) ص422.
والمثال على النوع الثاني: (ولا غنا) عنها (الأعلا).
والمثال على الثالث: (أمنا، وضمنا) بمعنى أمناء وضمناء. والأخير شائع في هذه النسخة في معظم مواقع الهمزة بدون استثناء لشيء من الكلمات، على عكس الأولين حيث يختصان ببعض الكلمات، بينما في غيرها يلتزم مد الممدود، وقصر المقصور في الغالب.
ثانيها: في تذكير المؤنث وتأنيث المذكر، وهو ملمح يميز أسلوب الناسخ في هذه النسخة، وإن كان نادراً، وفي كلمات تكاد تكون محصورة.
مثال الأول: أحدهما (للمؤنث) فتجيء مثلاً في (الصلاتين، أو في أحدهما) و (من ناحيتين أحدهما) أو (أحدها) بدلاً من إحداهما وإحداها. و (تأتي على ثلاثة أحوال، الحالة الأولى..) ص463. وفي الحديث أن رسول (اللّه ً ) (قام حتى اسمعرت قدماه.. أي انتفخا) ص 430 بدل انتفختا.
وفي الأفعال كثير من هذا، ومنه مثلاً في هذه النسخة (وإن صلاها ظهراً أجزأه) (وهل يلزمه الإعادة)؟
ومثال الثاني: المثالان السابقان في صفحتي (463 - 430) وهو أقل من سابقه بكثير.
اعتراضان:
ونتوقف هنا أمام اعتراضين نحتمل طرحهما، وهما لا شك واردان:
أولهما: لماذا لا ننسب هذه المآخذ إلى المؤلف، بدلاً من اعتبارها ملامح من طريقة الناسخ؟ وخصوصاً ما نعرفه في النساخ عموماً من تحري النقل الحرفي لدرجة أنهم ينقلون الخطأ كما ورد في الأصل، ويكتفون بالتنويه عنه في الهامش إن كانوا يعرفونه، أو يتركونه لمن يعرف. هذا من ناحية.

(1/52)


ومن ناحية أخرى: فإن مثل هذه النسخة التي مر عليها أكثر من خمسة قرون وتداولها وتناقلها وتناسخها لا شك، أكثر من واحد من الفقهاء وأساتذة الفقه. فكيف يمكن أن يجدوا مثل هذه الأخطاء، ثم لا يصلحوها أو يشيروا إليها في الهوامش؟
ثانيهما: ثم إن مثل هذه المآخذ أو الأخطاء التي ورد التمثيل عليها والحديث عنها، هي في معظمها بحسب أمثلتها مما يمكن تأويله بدلاً من اعتباره خطأ، فلماذا لا تعاد إلى التأويل مهما أمكن، وهو وارد وممكن في أكثرها؟
وهنا.. أفضل تأجيل الرد على هذين الاعتراضين حتى نكمل بقية الملامح المأخوذة على نسخ هذه المخطوطة؛ لأن فيها ما يمكن أن يتضمنه الاعتراضان ويشمله الرد.
ثالثها: في شكل ونسق الكلمات، وهو أصناف ثلاثة: لحن وسقط وتكرار، وهو أيضاً قليل ونادر جداً، ولا يكاد يبين.
مثال الأول: (..والمماسة، ولم تعتبر (تواري). وفي هذا دلالة ص211. و (.. فإن لم يبول اغتسل..) ص216، و (..الدم إذا كان أسود ثخين أو كان أحمر رقيق) ص276. (.. وكان أسوداً و أحمراً..) ص277.
وفي الصنفين الأخيرين،سقوط حرف من كلمة أو كلمة من جملة، وتكرير حرف أو كلمة أو جملة، ولا يحتاج إلى التمثيل؛ كونه ناتجاً عن السهو المجرد، وهو أمر يرد في كل مخطوطة ومطبوعة. وخصوصاً ما كان منه نادراً ويسيراً جداً، كما هو الحال في هذه النسخة.
رابعها: في طريقة النسخ، ونقصد بهذا النوع بعض ما هو شبه مصطلح عليه في الإملاء بين النَّساخ القدماء، وهذا ليس خطأ لا في الاصطلاح على قاعدته لديهم ولا في هذه النسخة. وإنما أوردناه هنا بوصفه ملمحاً بارزاً في هذه النسخة كغيرها تقريباً. ويأتي في مثل حذف حرف الألف الثابتة، وإثبات المحذوفة في قواعد الإملاء المتبعة. وتنحصر هذه القاعدة في كلمات قد لا تتجاوز العشر، بصرف النظر عن تكررها في هذه الكلمات كلما وردت إحداها.

(1/53)


ومن الكلمات التي يحذف منها الألف: (قال تعلى) تعالى، (والقسم) و (عثمن) و (سفين) وهي ونظائرها تطرد مع قاعدة (بسم) و(الرحمن) في البسملة و (اسمعيل وإسحق والملئكة) في قاعدة نسخ المصحف.
وفي عدم الحذف مثل كلمات: (هاذان) (وهاؤلاء) (وأولائك) (وذالك) وقد لا تتجاوز هذه الحال أسماء الإشارة.
خامسها: طريقة الناسخ:
و نحن ننسبها إلى الناسخ كطريقة خاصة به، أخذاً بأرجح الاحتمالات الواردة لدي الآن. وهي طريقة حذف (سنة) الياء أو الهمزة عند اجتماعهما في كلمة واحدة. مثل (هية) و (هيات) بمعنى هيئة وهيئات، ولا يمكن الجزم بحذف إحداهما بعينها لعدم وجود الهمزة في خطه إلا نادراً. إلا أن الاحتمال الأرجح هو أن (سنة) الهمزة هي المحذوفة استغناء بالألف عنها في حالة الجمع.
تعقيب على الاعتراضين:
وأعود إلى الرد على الاعتراضين، ونركزه في نواح ثلاث:
الأولى: أن احتمال ورود الملحوظات المشار إليها من قبل الناسخ أو من قبل المؤلف، احتمال أو احتمالان كلاهما وارد؛ ولكن الأول أكثر رجحاناً لدينا حتى الآن على الأقل. ولذا رأينا أن نضعها في موضع الحديث عن الصورة العامة للشكل فما يتعلق بهذه النسخة.
الثانية: أن الأسس التي اعتمدناها في ترجيح الاحتمال الأول، هي أدلة تكاد تتجاوز غلبة الظن لو أن بين غلبة الظن والجزم درجة وسطاً، فضلاً عن قدرتها على مجرد الترجيح.
وهذه الأسس (الأدلة) هي:
أولاً: أن الناسخ لم ينقل عن المؤلف مباشرة إملاء أو إجازة أو نقلاً عن نسخته، أو بأية طريقة من طرق النقل المباشر.. بل أخذ الناسخ عن نسخة، والنسخة عن سالفة ربما. وهكذا.. إذ أن بين تاريخ وفاة المؤلف (749هـ)، وتاريخ الانتهاء من نسخها (885هـ) مائة وستاً وثلاثين سنة، وتتالي النسخ والنساخ عليهما حري بأن تتخللها الأخطاء والأغلاط اللغوية واللفظية والنقص والتحريف والتصحيف في بعض كلماتها وجملها.

(1/54)


ثانياً: أن الناسخ مظنة للوقوع في مثل تلك الأخطاء اللفظية والمعنوية على حد سواء، فاللفظية لا يمكن أو يستبعد المطلع نسبتها إلى المؤلف؛ لأنها جزء من خط الناسخ وأسلوبه وسهوه. والمعنوية كذلك من حيث أن المؤلف من علماء الاجتهاد المشهورين قبل أن يؤلف كتابه هذا، ليس في الفقه فحسب، بل وهو بعلمه ومؤلفاته في علوم اللغة، من مشاهيرها. ثم إن المعروف عن معظم النساخ استعانتهم بمن يملي عليهم من النسخة الأم، تسهيلاً لعمل النسخ وإسراعاً في إنجازه، ولا يشترطون في من يستعينون بهم في الإملاء أكثر من قدرتهم على الإملاء.
ومن هنا فإن الناسخ أقرب إلى احتمال وقوعه في الخطأ.
ثالثاً: أن لو احتملنا وقوع المؤلف في بعض الأخطاء سهواً، فهو لا شك بشر يجوز عليه السهو والخطأ، ولكن يصعب على المطلع العارف أن ينسب بعضاً من الأخطاء المعنوية إلى المؤلف، وخصوصاً من التي لا يمكن تأويلها.
وأكتفي بهذه الأسس، أو الأدلة الثلاثة.
الثالثة: أنه لو أمكن تأويل بعض الأخطاء الواردة، فإنه يصعب وربما يستحيل تأويلها كلها، ولا يجد الباحث الحصيف بُداً من نسبة معظمها إلى الناسخ، وخصوصاً أن كثيراً منها اختصت به هذه النسخة مما وضحته مقارنتها بالنسخة الأخرى التي سنتحدث عنها، وإن كانت بعض الدلائل تشير إلى أن النسخة الثانية قد نسخت عن هذه النسخة التي هي موضوع الحديث. وهنا انتهى الحديث عن الشق الأول من الفقرة الخاصة بخط المخطوطة.
الشق الثاني: شكل النسخة من خارجها:
وقد سبق عرض مقاساتها حروفاً وصفحات وهوامش، وتبقى الإشارة إلى أنها منسوخة على ورق (جِلد) ناعم يساوي مقاس (100 جرام) تقريباً. ولكن لون الورق قد مال إلى الصفرة، وظهرت على أطراف الورق شروخ بحكم التقادم. وتقع بأجزائها الثلاثة في مجلد واحد قديم مغلف بقماش قد انحسر معظمه عن دفتيها من الخارج، وصفات أخرى لا تعدو كثيراً نظائرها من المجلدات المخطوطة القديمة.
الرابعة: مصدرها:

(1/55)


حصلنا على هذه النسخة الثلاثية الأجزاء من مكتبة آل الذاري التي كانت في منزلهم في منطقة الذاري(1) ثم نقلوها إلى صنعاء.
ب - النسخة الثانية (ق):
رمزنا للنسخة الثانية بحرف (ق) لتمييزها عن غيرها بمميز رمزي يسهل ذكره وتكراره. واختيار (ق) جاء من لقب ناسخها (القدمي) بنفس طريقة اختيار الرمز (و) لسابقتها.
أود التنبيه في البداية إلى عدم الحاجة في الحديث عن هذه النسخة والنسخ الأخرى التالية لها، لاستقصاء التفاصيل كما مر في الأولى، حيث سنكتفي في هذه النسخ، بذكر المميزات لكل منها فيما لا بد من ذكره، ونشير في الصفات والأشكال والملحوظات المشتركة بين أي منها وبين النسخة الأولى، إلى ما مر من توصيف وتصنيف لتلك؛ اختصاراً للورق ولزمن وجهد المطلع أو القارئ، وتجنبا للتكرار الذي لا طائل من ورائه، وقد حرصنا على التفاصيل في الحديث عن النسخة الأولى (و) لسببين:
أحدهما: تعريفاً بالنسخة وتوثيقاً لها بوصفها النسخة المختارة أصلا لطباعة الكتاب في أجزائه الثلاثة الأولى التي تحويها هذه النسخه.
والآخر: لتكون شبه نموذج نرجع إليه عند توصيف وتصنيف نظائرها من النسخ الأخرى فيما تشاركها فيه من الصفات.
ونبدأ بتطبيق ذلك النموذج في الحديث عن هذه النسخة الثانية (ق)، الذي نتناولها فيه من خلال نفس النواحي الأربع، وهي الداخلة ضمن التعقيب على النسخة بعد تعريفها أو التعريف بها من جوانب رئيسة ثلاثة، هي: حجمها وأجزاؤها وناسخها. ثم التعقيب جانباً رابعاً، ونبدأ بنموذج الاستقراء هذا من أوله:
أولاً: حجم النسخة (ق):
__________
(1) من أعمال يريم التابعة لمحافظة إب في اليمن وإليها ينتسب آل الذاري.

(1/56)


تقع هذه النسخة في (908) صفحات هي صفحات أجزائها الثلاثة، عدا عشر صفحات في أولها مشغولة ببعض الموضوعات الشعرية والنثرية المختلفة الواقعة قبل بداية الكتاب دون وجود أية علاقة موضوعية أو عضوية لها به. وهذه الصفحات السابقة لبداية الكتاب والتالية لنهايته في نفس المجلد، عادة يتبعها المختصون بتجليد المخطوطات. ويطلق عليها في مصطلحهم: (الحامية)، وهو اشتقاق يوضح الغاية منها، وهي حماية صفحات الكتاب قبل بدايته وبعد نهايته، ولكن صفحات الحامية البيضاء لا تظل بيضاء.. بل يشغلونها، أو معظمها بنتف وقصاصات مختلفة، وهي في الغالب لا تعدو الأنواع الأربعة التالية:
1- تحديد تناقل المجلد عن طريق الملك أو العارية من شخص لآخر، ولها تعابير وصيغ أصبحت شبه ثابتة ومتعارفاً عليها مثل: (هذا المجلد من كتاب .. في نوبة (ملك) الفقير إلى اللّه تعالى.. وذلك بالشراء الصحيح من ...)...إلخ، أو (هذا الكتاب لديَّ عارية من ... يعاد إليه بعد الاستغناء عنه أو عند طلبه). أو (أكملنا بعون اللّه تعالى قراءة هذا الكتاب على يد... وذلك يوم....). ويدخل ضمن هذا النوع إبراز بعض من عناوين محددة لموضوعات في الكتاب، وتحديد صفحاتها، وقد تُسبق بعبارة: (راجع ما قاله المؤلف رحمه اللّه في...).
2- تسجيل تاريخ المواليد وحالات الرضاع المتبادلة بين الأمهات، إضافة إلى توثيق بعض المناسبات الاجتماعية الأخرى! وللشق الأول من هذا النوع أيضاً، تعابير وصيغ شبه ثابتة منها مثلاً: (وجد بمن اللّه وكرمه الولد المبارك) أو (الولد المباركة) للبنت، (المرجو فيه الصلاح والفلاح بإذن الله.. فجر أو صباح أو ظهر ...إلخ يوم... الموافق... جعل اللّه على قدومه الخير، وجعله صالحاً باراً بأبويه .... ورضع من .... زوجة... واللبن له..) إضافة إلى مناسبات الزواج والطلاق، وتاريخ حج وسفر وعودة ووفاة أحد أفراد الأسرة أو أقاربهم أو أكابر الناس...إلخ.

(1/57)


3- طرائف ونكت مختارة من أحاديث وحكم ووصايا شعرية ونثرية مختلفة.
4- وصفات طبية، ورقى مختلفة، بعضها من الطب النبوي، والآخر منسوباً إلى أساطينه من الحكماء (علماء الطب) مثل جالينوس، وابن سينا، والأنطاكي. فتقرأ مثلا( فائدة لضعف الكبد، يؤخذ مقدار ثلاثة دراهم من الفلفل الأسود مع مقدار درهم من الحبة السوداء ثم يدق جميعة دقاً ناعماً، ويخلط بمقدار أربعة أضعافه من العسل المصفى، ثم يستعمل منه ثلاث لعقات في الصباح وفي المساء قبل النوم؛ فإنه يزيل ديدان البطن ويقوي الكبد بإذن اللّه تعالى، وهو مجرب، والله المعافي والشافي).
ولا شك أن هذه الأنواع مما يكتب على حامية المخطوطات لا تكتب في عصر واحد، أو من قبل شخص واحد، بل تعتورها فترات وأشخاص، بصفة مستمرة لا تتوقف، حتى لا يبقى مكان فيها يمكن أن يكتب فيه في كثير من الحالات.
وحجم صفحة هذه النسخة وأسطرها كالآتي:
1- حجم النسخة مجلدة من خارجها (5و30 × 3و21 × 5و5 سم). وهي صورة للنسخة الأصل (فوتو كوبي). ويراعى فيها زيادة على الأصل تقدر بـ 5% تقريباً في كل المقاييس والأبعاد.
2- حجم الصفحة من الداخل (7و29 × 21 سم).
3- حجم الصفحة المكتوب فيها: (22 × 14 سم) والزائد هامش الصفحة.
4- حجم الحرف: حوالي 14 بمقياس حرف الطباعة تقريباً. ما عدا العناوين فهي تقارب أحجام النسخة الأولى وطريقتها في إبراز العناوين وفي عدم ترك فراغات في نهاية أو بداية الباب أو الفصل أو الفرع أو غيرها.
5- تحتوي الصفحة على واحد وثلاثين سطراً بمعدل وسط دقيق لا يكاد الاختلاف يسجل نقصاً أو زيادة تستحق الذكر، بمعدل 18 كلمة للسطر الواحد.
ثانياً: أجزاؤها:
أجزاء هذه النسخة ثلاثة كسابقتها، تبدأ بنفس بداياتها، وينتهي كل منها كتلك. وهي الأجزاء الأول والثاني والثالث من كتاب (الانتصار).
ثالثاً: الناسخ:
نتناول اسم الناسخ لهذه النسخة وتاريخها، من نص ما سجله فيها:

(1/58)


1- في نهاية الجزء الثاني صفحة (628 بحسب ترقيم صفحات الصورة، إذ إن الأصل غير مرقمة الصفحات). جاء بخط الناسخ ما لفظه: (وكان الفراغ من رقمه يوم الجمعة لعله رابع شهر المحرم الحرام في سنة اثنين وخمسين بعد الألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم. برسم السيد الفاضل عماد الدين(1) يحيى بن الحسين بن أمير المؤمنين(2)، وذلك بخط أسير ذنبه ورهين كسبه، الراجي عفو ربه جل وتعالى، محمد بن داود الريعاني نسباً، والزيدي مذهباً..).
2- وفي نهاية الجزء الثالث صفحة (908) إشارة إلى انتهاء الكتاب بانتهاء الجزء الثالث، ثم ما أوردنا لفظه آنفاً، والزيادة هنا هي بعد (برسم.. بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي أعاد اللّه من بركاته على جميع المسلمين آمين). ثم أضاف في هامش جانبي: (كان الفراغ من تحصيل هذا الجزء المبارك الذي هو أربعة أجزاء من كتاب الانتصار في يوم الجمعة عقيب صلاة الظهر، في العشر الأولى من شهر ربيع الأول في سنة اثنين وخمسين بعد الألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم...). هذا سجله الناسخ في هامش جانبي أيمن. وفي هامش جانبي أيسر كتب اسمه مضيفاً (القدمي المعروف بالريعاني) وذلك بعد الاسم (محمد بن داود بن محمد..).
رابعاً: تعقيب على النسخة (ق):
يتضمن هذا التعقيب كسابقه بعض الجوانب التي نرى تسجيلها للتوضيح والتوثيق الخاصين بهذه النسخة، ونلخصها في إشارات أربع:
الأولى: أجزاء النسخة:
وقد سبق المرور بها من حيث عددها، وهي ثلاثة في (908) صفحات.
__________
(1) سبقت الإشارة إلى أن عماد الدين لقب في اليمن يطلق على من اسمه يحيى.
(2) يقصد الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد مؤسس دولة القاسميه في اليمن عام 1006هـ.

(1/59)


1- الجزء الأول يبدأ من الصفحة الأولى الخاصة باسم الكتاب واسم مؤلفه فقط، ويبدأ في الثانية بـ( بسم اللّه الرحمن الرحيم، رب يسر وأعن يا كريم) في السطر الأول كاملاً، ويبدأ الكتاب في السطر الثاني بـ(الحمد لله الحي القيوم..) كسابقتها. وينتهي هذا الجزء في صفحة (324) بنفس ما انتهى به في النسخة الأولى، عدا ما أضافه الناسخ من تسجيل اسمه بدون تاريخ. والفرق في البداية بين النسختين لا يتجاوز جملتي الدعاء بعد البسملة مباشرة، وفي نفس السطر من كل منهما.
2- الجزء الثاني، يبدأ من صفحة (327) وقبلها صفحتان فارغتان. وينتهي في صفحة (628). وبدأ وانتهى بنفس البداية والنهاية الموجودتين في النسخة الأولى. والغريب ربما أن كلتا النسختين يشير ناسخها في نهايتي الجزأين الثاني والثالث إلى انتهائهما، ثم يضيف في نهاية الثاني، أن الذي انتهى هو الثالث، وفي نهاية الثالث إلى أنه الرابع، ثم يشطبه بطريقة لا تخفي شيئاً من حروفه أو يدعه ويصححه في الهامش كما في هذه النسخة. وهذا أثار لدينا شكوكاً حول الجزء الرابع سنتحدث عنها عند الحديث عنه بإذن اللّه تعالى.
3- الجزء الثالث. ويبدأ بنفس بدايته في الأولى من صفحة (630) وينتهي في صفحة(908).
الثانية: هوامشها.

(1/60)


هذه النسخة الثانية ذات الأجزاء الثلاثة الأُوَل، تقل في هوامشها كثيراً عن سابقتها. فبينما لا تكاد تخلو صفحة، أو صفحتان في النسخة الأولى من هامش أو أكثر، وبالأخص في الجزأين الثاني والثالث.. تظهر هذه النسخة نادرة الهوامش قليلتها جداً إلى درحة أن هوامشها قد لا تعادل نسبة 5 - 10% إلى هوامش الأولى. إلا أن هوامش الثانية وإن كانت لا تتعدى أنواع الهوامش الرئيسة التي سبق تحديدها في الحديث عن الهوامش أو الحواشي، إلا أن نصوصها وأماكنها وموضوع كل منها لا تتطابق مع هوامش الأولى، بصرف النظر عن تطابق أو تشابه اليسير منها، مما يؤكد التغاير بينهما في الهوامش، وهو أمر وارد بين نسخ الكتاب الواحد كما سبق تقريره، ونقول هذا رغم أن الغالب في الظن لدينا أن هذه النسخة قد تكون نسخت عن الأولى، وغلبة الظن جاءت من التشابه الكبير بينهما في الأخطاء اللفظية والمعنوية في كثير من الحالات التي قد لا يمكن أن تكون بفعل الصدفة والتشابه التلقائي.
وهذا احتمال وارد وراجح.. وهناك احتمال آخر، وهو أن تكون كلتا النسختين أُخذت عن نسخة ثالثة. ولا يمكننا الجزم بأحد الاحتمالين إلا بإحدى طريقين:
أولاهما: أن يحدد ناسخ الثانية النسخة الأصل التي نقل عنها، وهذا غير موجود فيها. وهنا يسقط الاعتماد على هذه الطريقة.
ثانيتهما: أن نجد نسخاً أخرى أو أجزاء أخرى من النسخة الثانية يحدد أي منها دليلاً قاطعاً أو مقرباً.
وبالطبع.. لا يمكن احتمال العكس في العلاقة بين النسختين، وهو أن الأولى نسخت عن الثانية؛ لأن بينهما في تاريخ النسخ، مائة وسبعاً وستين سنة تسبق بها الأولى كما أسلفنا تحديد تاريخ كل منهما.
ويجدر هنا إثبات ما جاء في صفحات (حامية الكتاب)، في أول مجلد هذه النسخة قبل بداية الكتاب، وهو نوعان.
أحدهما: (تمليكات) النسخة، أو تسجيل تناقل ملكيتها من شخص لآخر، وهذا سنتحدث عنه عند الحديث عن مصدرها.

(1/61)


والآخر: قصيدة شعر تقع في حوالي ثلاثمائة بيت من الشعر الآتية مقاطعه على حروف (الألف باء) كل حرف بحسب ترتيبها، يكون مقطعاً من عشرة أبيات، يبدأ وينتهي كل بيت بنفس الحرف. يقول ناقلها:
(بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذه القصيدة للشيخ الرئيس شهاب الدين أحمد بن حنش، قالها في مولانا أمير المؤمنين يحيى بن حمزة قدس اللّه روحه في الجنة آمين). ثم يبدأ قافية الألف:
إذا برق ليل الدجن في ليلة شرا ... أزال وميض البرق عن عيني الكرا
وتستمر قافية الألف عشرة أبيات، ثم قافية الباء، وهكذا. وتقع في ثمان صفحات، وهي كما ترى أول أبياتها من بحر الطويل.
وبالنسبة للملاحق، فهي كسابقتها بدون أية ملاحق أو فهارس كما هي لا توجد في كل المخطوطات تقريباً، إلا أن هذه النسخة لا يوجد فيها إبراز لبعض أو أكثر العناوين على الهامش في محاذاة مكانه في القلب، وهذا ما تميزت به الأولى وإن كان قليلاً.
الثالثة: خطها.
خط هذه النسخة من نوع النسخ أيضاً، وخطها جميل ومقروء بوضوح، وعناوينها بارزة بخط مكبر أنيق، وهي واقعة في نفس الأخطاء والأغلاط اللفظية واللغوية والإملائية التي سبق الحديث عنها في استقراء النسخة الأولى. ليس فقط من قبيل المضارعة الكلية.. بل في نفس الأخطاء بكلماتها وأماكنها، وذلك في معظمها إن لم نقل كلها، وهذا ما دفعنا إلى احتمال أن تكون منسوخة عن الأولى. إلا أن هذه تخالف الأولى في النقص، وبعض ملامح الشكل في جوانب، نحصرها في أربعة منها:
1- النقص في هذه النسخة قد يكون أبرز علامة لنسخها، ويظهر في ملامح ثلاثة:
أولها: نقص في الهوامش عن نظيرتها الأولى كما سبق ذلك.

(1/62)


ثانيها: نقص كثير في مواقع كثيرة، ووحدات هذا النقص الشائع متساوية في حجمها، مما يؤكد أن الناسخ يسقط سطراً من النسخة الأصل التي نقل عنها وكثرة إسقاط الأسطر فيها، لدرجة أننا كنا نواجه أثناء معارضتها على الأولى، بمعدل كل عشر صفحات تقريباً يوجد فيها السقط، وهناك سقط فيها حجمه سطران وثلاثة وأربعة، ولكنه بهذا الحجم قليل.
ثالثها: سقط من النسخة هذه حوالي إحدى عشرة صفحة بحجم هذه النسخة، أي أن السقط هذا وقع في مكان واحد بما يساوي حوالي خمسة آلاف وثمانمائة كلمة تقريباً. ومكان السقط هذا ينحصر بين الفرع التاسع من كلمة (في حق) ضمن عبارة (كما يباح في حق الحائض..) وهي قبل الفرع التاسع بسطر تقريباً من الفصل الثاني: (في حكم المرأة عند الولادة) وحتى ما بعد الفرع الخامس بسطرين، وفي جملة: (ولقد كرمنا بني آدم). من البحث الرابع (في بيان من وجبت عليه الصلاة). وضمن المحذوف عناوين أبرزها اثنان، يأتيان بحسب ترتيبهما:
الأول: الفصل الثالث في بيان المستحاضات، وفي الجزء الثاني من أجزاء النسخة.
الثاني: كتاب الصلاة.
إضافة إلى المباحث والفروع والمسائل والمراتب من العناوين البارزة ضمن ما سقط.
وقد تأكدنا من أصل النسخة في مكتبة الجامع الكبير (لأن الموجودة بين أيدينا هي صورة لها) وكنا ظننا أن النقص آت من الصورة ومقصور عليها، وخصوصاً أن أرقام الصفحات هي خاصة بالصورة، إلا أننا اكتشفنا وللأسف، أن النقص هذا بحجمه كاملاً هو من الأصل، هذه ناحية.

(1/63)


والناحية الثانية: أن النقص ليس من أصل المخطوطة ومن جهة ناسخها، ولكنه سقط من تجليد النسخة، إذ أن (قيد الصفحات) الممثل بكتابة كلمة في هامش الصفحة الأسفل، هي الكلمة التي تبدأ بها الصفحة التالية، قد كشف هذا، حيث انتهت الصفحة (538) بجملة (..كما يباح في حق) والقيد في هامشها كلمة (الحائض) التي هي بداية اهصفحة التالية. ولكن الصفحة التالية (539)، بدأت بجملة (حيث قال: ولقد كرمنا بني آدم) ولا عبرة بالترقيم كما سبق، كونه ليس أصلاً في النسخة، وإنما هو ترقيم المكتبة ربما أو غيرها بعد التجليد الذي أسقط هذه الصفحات.
2- اللون: استخدم الناسخ اللون الأحمر في العناوين، ولكن في آخر الجزء الثالث من صفحة(887)، مع شيء من التزويق المزدوج.
3- ظهر في صفحة (160) إلى (960) بداية تميع وفيشان في حبر هذه المخطوطة يزداد سوءاً كلما توغلت الصفحات في اتجاه النهاية، وهو ناتج عن سوء الحفظ في المكتبة ربما؛ إذ يقول مسئول مكتبة الجامع الكبير بصنعاء: بأن ذلك ناتج عن الرطوبة التي أصابت النسخة فبدأ حبرها يسيح ويفيش، وهو خطر يهدد النسخة بالتلف إن لم تعالج بالوسائل التي تضمن توقفه كما هو على الأقل.
4- لا تختلف عن سابقتها في عدم النقط والفواصل إلا نادراً، وبالنسبة لعجم الحروف فإنها في هذه النسخة أكثر من سابقتها، ولكنه ناقص بحيث يمكن تقدير نسبة العجم فيها بـ75% من مجموع حروف المعجم في أجزائها الثلاثة.
الرابعة: مصدرها:
مصدر هذه النسخة مكتبة الأوقاف بالجامع الكبير بصنعاء، وهي أغنى مكتبة للمخطوطات اليمنية، وهذه النسخة مودعة فيها برقم (981) وفي صدر النسخة قبل بداية الكتاب (تمليكات) عدة، نورد نماذج منها في الإشارات الثلاث التالية:

(1/64)


1- كما سبق في نص ما كتبه الناسخ في نهايتها، فإنها نسخت لصالح (برسم) يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد، وهذا يعني أنه أول مالك لها، وفي الصفحة الأولى تحت اسم الكتاب، ما يزيد ذلك تأكيداً، وهو قصاصة بخط مالكها يحيى بن الحسين ما نصه: (استكتبت هذا الكتاب الجليل وأنا الفقير إلى اللّه يحيى بن الحسين بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي لطف اللّه به، في شهر صفر(1052هـ).
2- وهناك تمليكات أخرى بخط أصحابها، ولكن لا يوجد فيها تاريخ، وربما أن بعضها مكرر. ومما وضح منها تمليك باسم المحسن بن المؤيد بالله (بن القاسم). وآخر بِاسْم محمد بن المتوكل على اللّه اسماعيل (بن القاسم). وثالث بِاسْم حميد بن أمير المؤمنين المنصور بالله.
3- وفي الصفحة الثالثة من الورق الذي تحتويه النسخة، توثيق وقفية النسخة، وفيها ما لفظه: (الحمد لله تعالى، من وقف سيدي المالك المولى أمير المؤمنين المنصور بالله رب العالمين، حفظه اللّه وأعلى شأنه، على قبة والده(1) الإمام المهدي (رضوان اللّه تعالى عليه) التي بحافة طلحة(2)، بتاريخ شهر شعبان سنة 1252هـ، وكتبه الفقير إلى اللّه تعالى، محمد بن صالح العصامي لطف اللّه به).
ويتضح من الإشارات الثلاث السابقة، ثلاث إشارات غير مباشرة من خلاصة النصوص الواردة:
أولاها: أن التاريخ الوارد في الأولى بخط مالكها الأول يحيى بن الحسين، هو تاريخ استكتابه الناسخ لهذه النسخة، وذلك يظهر من تاريخ النسخة؛ لأن فترة نسخها كانت قبل شهر ربيع الأول عام(1052هـ).
ثانيتها: أن تنقلها من شخص لآخر، كان بين أفراد الأسرة الواحدة من أحفاد القاسم، ولم تخرج إلى غيرهم.
__________
(1) يقصد والده المهدي عبدالله المتوفى عام 1251هـ. والمنصور بالله هنا هو: علي بن المهدي عبدالله.
(2) إحدى حارات مدينة صنعاء القديمة ولا تزال معروفة بهذا الاسم إلى اليوم.

(1/65)


ثالثتها: أن تحويلها من الملكية الخاصة إلى الوقف كما جاء في توثيق وقفيتها على الصفحة الثالثة الآنفة الذكر، كان من جهة المنصور علي بن المهدي عبدالله (ولاية المنصور بن علي في منتصف القرن الثالث عشر الهجري) الواقف لها على مسجد (قبة) والده المهدي.
ج - مخطوطة الجزء الرابع:
بدأنا المقارنة بين نسختي الأجزاء الثلاثة الأولى السالفتي الحديث عنهما، مقدرين صعوبة الحصول على أكثر من نسخة عن بقية الأجزاء، إما مجزأة في خمسة عشر مجلداً، (بقية الثمانية عشر)، وإما مجموعاً بعضها في مجلدات في شكل ثنائي وثلاثي...إلخ. ولذا توقفنا عن الاستمرار في قراءة ما توفر لدينا من أجزاء غير مرتبة من الكتاب، وصرفنا الاهتمام إلى البحث عن نسخ مغايرة لهذه الأجزاء التي لم تتوفر بعد، وقضينا قرابة ثلاثة أشهر نبحث ونسأل في المكتبات العامة والخاصة التي نعرفها، أو يدلنا عليها الآخرون مما هي مظنة توفر شيء من أجزاء الكتاب، ثم في المراجع التاريخية القديمة والبحوث الحديثة التي تتحدث عن هذا الكتاب وأجزائه وأماكن شيء من مخطوطاتها في الداخل والخارج، وبدأنا نحس بما يشبه استحالة وجود نسختين كاملتين من أجزاء الكتاب الثمانية عشر، بعد أن اقتنعنا بعدم وجود نسخة كاملة منه في مكان واحد، سواء أكان مكتبة عامة أو خاصة، وفي الداخل أو الخارج طبعاً.. بحسب ما استطعنا الحصول عليه من معلومات الكتب والبحوث والأدلة التي تتناول الكتاب وأماكن مخطوطاته.

(1/66)


وهنا.. كنا قد بدأنا نشك في بعض القناعات والمعلومات عن الكتاب، التي كانت شبه مسلم بها ومفروغ منها.. مثل مدى توفر نسخة كاملة منه في مجموع شتات أجزائه ومدى تطابق النسخ المكررة بنقص الأجزاء من حيث البداية والنهاية، وحتى عدد أجزائه لم يسلم من الشك، وخاصة أن مخطوطة الجزء الرابع أو إحدى مخطوطاته بالأصح، تشير إلى أنه عشرون جزءاً، ولكن الشك في عدد الأجزاء لم يلبث أن زال؛ لأن مراجعه من البحوث والتراجم والفهارس تؤكد أنه 18 جزءاً. هذا أولاً.
وثانياً: أن التبويب الفقهي للأجزاء الموجودة تشير إلى هذه الحقيقة.
وثالثاً: وهذا الأهم.. أن أحد الأجزاء التي عثرنا عليها، هو الجزء الثامن عشر وهو مخطوط بخط المؤلف رحمه الله وفيه نهاية الكتاب.
وندع الحديث عن مخطوطة الجزء الرابع ثم ما يليه إلى أن يصل مسار التحقيق إلى كل منها، وهنا نتوقف قليلاً عند أبرز الفهارس والبحوث التي استقرأ أصحابها أجزاء الكتاب ومخطوطاته وهي ثلاثة، نتصفحها هنا بدون ترتيب:
أولها: كتاب (مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني).
وفيه يفيد مؤلفه البحاثه الدكتور حسين عبدالله العمري، بأن الموجود من (الانتصار) في (مكتبة المتحف البريطاني) ثمانية أجزاء في سبعة مجلدات، هي الثاني والثالث والخامس والسادس والثامن، والجزءان السادس عشر والسابع عشر في مجلد واحد، والسابع عشر مكرر في مجلد. ص177.
وثانيها: دليل مكتبة الأوقاف بالجامع الكبير بصنعاء(1).
__________
(1) هذا الفهرس طبعته وزارة الأوقاف عام 1984م في أربعة مجلدات.

(1/67)


ويحدد الموجود من (الانتصار) في مكتبة الأوقاف بالجامع الكبير، بستة عشر جزءاً في أربعة عشر مجلداً. وهي: الأول والثاني والثالث في مجلد واحد، النسخة الأولى التي سبق الحديث عنها لهذه الأجزاء الثلاثة، والثاني مكرراً في مجلدين، والرابع والخامس والثامن والعاشر والحادي عشر والثالث عشر والخامس عشر والسادس عشر، والأجزاء المكررة إضافة إلى النسخ الثلاث من الثاني، وهي: الخامس والثامن والحادي عشر(1).
وثالثها: كتاب: (مصادر الفكر العربي والإسلامي في اليمن) للباحث المعروف الأستاذ عبدالله محمد الحبشي(2).
ولم يتجاوز فيه ما جاء في دليل وزارة الأوقاف، بل لم يستوف ما جاء في الدليل، حيث أورد خمسة أجزاء في سبعة مجلدات، هي: الثاني والخامس والثامن، والحادي عشر، والخامس عشر، إضافة إلى نسختين مكررتين للثاني والخامس عشر.
ولا نسبق الحديث عن كل جزء على حده وفي موضعه بحسب تسلسلها، ويلاحظ من مجموع هذه الأجزاء، غياب أجزاء خمسة هي: السابع والتاسع والثاني عشر والرابع عشر والثامن عشر. وقد سبق القول: بأننا عثرنا على الثامن عشر صورة مخطوطة بخط المؤلف.. فيبقى أربعة أجزاء غير متوفرة سنتحدث عن كل منها في مكانه.
ومن بداية الجزء الرابع سنخصص لكل جزء مقدمة ملخصة تتضمن فقط، الحديث عن مخطوطته الأم، وما يتعلق بها خارج نطاق الحديث العام عن مخطوطات الكتاب، الذي نرى أن المقدمة قد استوعبت أهم جوانبه، والله ولي التوفيق {رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً وَهِيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدا}.
__________
(1) فهرس الأوقاف (ج2) ص913 ـ 918.
(2) من أشهر الباحثين في مخطوطات التراث اليمني وأكثرهم تفرغاً للبحث، وعدداً في البحوث والمخطوطات التي حققها وأخرجها؛ وإلماماً بمحتويات المكتبة اليمنيه من المخطوطات.

(1/68)


---
المحور الثاني: موضوع الكتاب
المحور الثاني من المحاور الثلاثة لمقدمة كتاب (الانتصار).. يخص موضوع الكتاب، وسنتناول فيه ملامح عامة عن موضوعه، توضح كلياته العامة ومنهجه وأسلوب مؤلفه في تأليفه، ثم صوراً مركزة عن موضوع الكتاب في رأي العلماء والباحثين، كل ذلك في الحدود التي تقدم خلاصة وفكرة عن موقع الكتاب وأثره في وسط الفكر والفقه الإسلامي في اليمن.
ذانك قسمان أساسيان لهذا المحور، نبدأ بأولهما بعون اللّه تعالى.
أولاً: (القسم الأول) ملامح عامة عن موضوع الكتاب:
نتناول هذه الملامح من جوانب ثلاثة، هي: موضوع الكتاب ومنهجه، وأسلوبه.
أولها: موضوع الكتاب:
وموضوع الكتاب هو الفقه الإسلامي.

(1/69)


وكتاب (الانتصار)، كما أنه أكبر وأوسع كتاب في الفقه الإسلامي التراثي الزيدي، في موضوعه وموضوعاته، وفي كتبه وفصوله ومسائله وأصوله وفروعه، وفي مباحثه وحقائقه ودقائقه وأحكامه.. فهو كذلك أوسع وأكبر كتاب من كتب التراث الإسلامي في اليمن، في منهجه واستدلاله، وفي أوجهه وآرائه وأقواله التي جمع المؤلف في كتابه هذا شتاتها وأدنى بعيدها، ورتب قواعدها، ووثق شاردها وواردها، وأبرز دقيقها ووضح غامضها وفك مبهمها، وحل عقيلها، واستنطق أسرارها وأنطق قيلها، وجمع أولها بآخرها وقديمها بجديدها، ولم يقتصر في (الانتصار) على إيراد آراء وأقوال المجتهدين من الأئمة والعلماء والفقهاء في اليمن ممن وافق مذهبه وجايل عصره، بل شمل كل المدارس وجل المذاهب الفقهية الإسلامية بأعلامها ومجتهديها وآرائها وأدلتها وطرق استدلالها في كل العصور التي سبقته، بدءاً بخير الأجيال والعصور، وهو جيل الصحابة الأجلاء (رضوان اللّه عليهم) فالتابعين وتابعيهم، ثم من تلاهم من أجيال الأعلام والمجتهدين.فهذا الكتاب يعتبر بحق وكما سنبرز بعضاً من آراء ونعوت العلماء والباحثين فيه.. موسوعة نادرة للمدارس والمذاهب الفقهية الإسلامية.. بل يتميز عن الموسوعة ويتفوق عليها ويتجاوزها من حيث أنه عالَم حي بحوار الأفكار والآراء وتقارع الحجج والبراهين وباتفاق واختلاف الآراء والمذاهب، فهو بحث واسع للفقه المقارن الذي يستخدم في منهجه إيراد الآراء، ثم فحصها ومقارنتها في كل مسألة، ثم يعود إلى تقرير (المختار) لديه ممعنا في الاستدلال عليه بأسلوب العالم المتجرد من كل الأهواء، ويختم كل مسألة بإيراد (الانتصار) الذي يناقش آراء وأقوال مخالفيه بحصافة الناقد البصير، وبصيرة الناقد الحصيف وعمق المجتهد المطلع، وإنصاف الورع الذي لا يتغيا غير الحق، ولا يستهدف سوى الحقيقة، وهي طريقة من يعرف أنه ليس بعد الحق إلا الضلال، وليس وراء الحقيقة إلا الخيال.

(1/70)


ويمكن الحديث عن موضوع كتاب (الانتصار)، من خلال تحديد مؤلفه فيه لعنوانه وغايته وموضوعاته:
1- العنوان:
(كتاب الانتصار على علماء الأمصار، في تقرير المختار من مذاهب الأئمة، وأقاويل علماء الأمة، في المسائل الشرعية، والمضطربات الاجتهادية).
والعنوان كما ترى، مصوغ على طريقة المؤلفين القدماء من حيث الشكل، في بلاغته وجزالة وانتقاء ألفاظه، والتزامه السجع، ومن حيث المحتوى، في أنه تضمن الغاية والموضوع والمنهج، بمعان منطوقة ومفهومة، توضحها قراءة الكتاب، وهي معان تكاد تتمثل ملخصة في الصيغة التالية.
(كتاب) يتغيا (الانتصار) بالأدلة طبقاً للمنهج الأصولي(1) وقواعده الثابتة، (على) المخالفين لمذهبه في كل مسألة، ومع كل مجتهد من (علماء الأمصار) (في تقرير المختار) الذي يحدد به رأيه ضمن ما يورده من الآراء، وهو مختار (من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة) الإسلامية (في المسائل الشرعية) الإسلامية الفقهية. (والمضطربات الاجتهادية). وتأتي العبارة الأخيرة معطوفة على المسائل الشرعية في مكان النعت لها، لعدم وجود التغاير الذي يسوغ التعاطف بين المسائل الشرعية والمضطربات الاجتهادية، وقد نفهم من ذلك أنه أراد إبراز شيئين:
أولهما: تحديد موضوع الكتاب لمسائل الفقه التي يجوز فيها الاختلاف عن طريقة الاجتهاد.
وثانيهما: استثناء علم أصول الدين.
__________
(1) نسبة إلى منهج أصول الفقه في طرق الاستدلال.

(1/71)


والذي نريد توضيحه أكثر، هو أن المؤلف في عنوان الكتاب، لم يقصد أنه انتصار على مجموع علماء الأمصار ومجمل آرائهم، بمعنى أنه يختلف في كل مسألة مع كل علماء الأمصار، ثم ينتصر عليهم بالاستدلال ونقد الرأي، وإنما قصد أنه يورد في كل مسألة (مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة) ثم يختار منها رأيه الذي يحدده منهجه في الاستدلال النقلي والعقلي، ثم يسبب في الانتصار اختياره لذلك الرأي. مبرراً انصرافه عن آراء مخالفيه بطرح ومناقشة جوانب الضعف في أدلتها، أو في طريقة الاحتجاج بها.
ولعل توضيحنا هذا، جاء تحصيلاً لحاصل، ولكنا رأينا أنه قد يوضح لبسا وارداً، ولو بنسبة ضئيلة واحتمال بعيد.
2- الغاية من الكتاب.. حددها المؤلف في بداية الكتاب في غرضين:
أولهما: ديني، وهو أن يكون (لي بعد الموت ما عسى أن يبقى ثوابه، ولا ينفد أجره..).
ثانيهما: موضوعي، وهو أنه لما ألف كتابه (العمدة)، كان قد اقتصر فيه (على ذكر المذهب ودليله وذكر من خالف مذهبنا، أو وافق من علماء الأمة وفقهاء العامة. وألغيت ذكر أدلة المخالفين، وذكر المختار من الأقاويل في المسألة وتقرير الحجة عليه). وأنه وعد في صدر كتاب (العمدة) إن مد اللّه في أجله أن يؤلف هذا الكتاب، يستوفي فيه آراء المخالفين وحججهم. وكان أن مد اللّه في عمره فوفى بوعده وعهده، من اللّه الذي جعل لكل أجل كتاباً، ولكل كتاب أجلاً.
3- موضوع الكتاب في نهاية كتاب الحج في الجزء السابع ص(245) من المخطوطة، حدد المؤلف مضمون الكتاب في أربعة أقسام أو أرباع:
أ - (الربع الأول: العبادات، ويشتمل (على ما كان قربة من الصلاة والزكاة والصوم والحج).
ب - (الربع الثاني: مشتمل على ما كان مألوفاً من العادات، كالنكاح والطلاق والإيلاء والرضاع والظهار، وغير ذلك).
ج - (الربع الثالث: مشتمل على المعاوضات من البيع والشراء والإجارة والشفعة والفرائض. وغير ذلك).

(1/72)


د - (الربع الرابع: مشتمل على المعاملات للكفار والبغاة، وأنواع الجهاد).
فهي أربعة أقسام ملخصة: في العبادات والعادات والمعاوضات والمعاملات للكفار والبغاة.
(المذهب) في فقه الزيدية.
يلاحظ القارئ المطلع على هذا، ورود كلمة (ذكر المذهب) في الغرض الثاني لتأليف الكتاب، ولعل المطلع غير الباحث على الأقل يظن بأن إطلاق كلمة (المذهب) في كلام المؤلف، تعني مذهبه وحده، وخاصة أن بعدها مباشرة عبارة: (وذكر من خالف مذهبنا أو وافق). وكلمة (مذهبنا) قد تعطي مفهومات ثلاثة محتملة، وهي:
1- توضيح كلمة (المذهب) التي أطلقها المؤلف، وتؤكد أنه قصد مذهبه هو، بإطلاقه الأولى ونسبته للثانية إلى ضمير الجماعة الذي كثيراً ما يأتي ويفهم بمعنى المتكلم.
2- صرف كلمة (المذهب) عن المؤلف منفرداً إلى جماعة علماء الزيدية، التي عبر عنها بضمير الجماعة في كلمة (مذهبنا)، وهو أقرب الاحتمالات إلى الصواب وإن لم يكن بالدقة التي دفعت إلى هذا التوضيح دون تمييز للغرض، والمقصود والمدلول لكل منهما، وهنا.. يأتي موضع التوضيح لكلمة (المذهب) إذا أطلقت في الفكر الفقهي الزيدي، وهي مسألة واسعة نحاول تلخيصها في ثلاثة جوانب:

(1/73)


أولها: تكثر كلمة (المذهب) في كتب الفقه الزيدي، ويكاد ذكرها ينحصر في جمل وصيغ محددة، يأتي كل منها بحسب المواقع والمواضع والحالات وسياق المعاني، مثل: (رأي المذهب) و (على قاعدة المذهب) و (به قال أهل المذهب) و (نقله للمذهب) و (رواه أو أخرجه للمذهب)...إلخ. وله مصطلح رمزي، يمثل اختصاراً للكلمة في حرفي (هب) مع نقطة فوق حرف الباء الموحدة ضمن الرمز، ويكتفى في كتابة المخطوطة بحرف الهاء ممدودة إلى اليسار (هـ) ويعني وجود هذا الرمز فوق المسألة أو الرأي، أنه على رأي (المذهب). ويكثر وجود المصطلح الرمزي هذا في أشهر كتب الفقه الزيدي، مثل: (شرح الأزهار). ويرادفه في حواشي الكتب المطبوعة رمز (قرز) وهي حروف القاف والراء مكرراً، والنقطة فوق الأخيرة منها علامة (المذهب).
ثانيها: أن (المذهب) يمكن القول بأنه ذو دلالتين: عامة وخاصة. فالعامة تعني: أنه يمثل المذهب الزيدي في مجمله وعمومه، والخاصة لا تعني ذلك، إذا كان القصد بها أنه يوافق في كل مسائله آراء كل عالم من علماء الزيدية، أو حتى بعضهم، أو واحداً منهم.
ثالثها: ويوضح ما قد يكون ظهر من لبس في الجانبين السالفين نتيجة التركيز ربما.. أن (المذهب) يعني قواعد وأسساً وأصولاً عامة، تجتمع عليها آراء أئمة وعلماء الزيدية تم وضعها لتؤدي غرضين أساسين:
أحدهما: أن تكون محاوراً للرأي، ومعياراً لمدى موافقته للمذهب في أية مسألة، ثم تتفرع وتتسع الآراء، وتتشعب في اتجاه تلك القواعد والأصول الثابتة، هذه هي القضية المبدئية الأولى. ثم تأتي قضية اختيار رأي المذهب في وسط الآراء والخيارات والأقوال المختلفة في المسألة الواحدة. وهنا.. يمكن القول بأن هناك شبه اتفاق بين علماء الزيدية في مختلف العصور وتتالي أجيال أعلامها.. بأن يتم اختيار رأي المذهب من بين الآراء المختلفة طبقاً لمبادئ أو أسس ثانوية محددة تقريباً، منها على سبيل المثال:

(1/74)


- الأخذ بالأحوط، فالإختلاف مثلاً بين العلماء في المضمضة والاستنشاق بين من يقول بوجوبها بوصفها من أعضاء الوضوء استناداً إلى فعل الرسول (عليه وآله الصلاة والسلام) ومن يقول: بأنها سنة استناداً إلى عدم تضمن آية الوضوء لها، فالمختار للمذهب يؤخذ فيه الأحوط، وهو الوجوب باعتبارهما من غسل الوجه.
- أقرب الآراء إلى تطبيق الدليل والعمل به أكثر.
- أرجح الأقوال وأكثرها اتفاقاً في المسألة.
ومثل هذه المبادئ ليست قواعد مطردة في كل الأحوال، بل يدخل عليها الترجيح بين المبدأ وما يقابله، فيرجح مثلاً، أيسر وأسهل الآراء تناولاً أو أداء أو إلزاماً أو تسامحاً على مقابله الذي قد يكون القائلون به أكثر.
ثانيهما: أن تمثل هذه الأسس العامة (المذهب) الثابت والسائد في الأغلب، في مجالات المعاملات والعلاقات وقضاياها ومسائلها ومشاكلها العامة في مجتمعات عامة الناس، مثل: مجالي القضاء والإفتاء، ووضع القوانين المختلفة ذات العلاقة المباشرة بالفقه الإسلامي؛ وذلك تجنباً لتناقضها عند تركها للاجتهادات والأقوال المختلفة.
ويجدر التعريج هنا على موضوع أسس وقواعد (المذهب)، وذلك من ناحيتين:
الأولى: إيراد نماذج من هذه الأسس والقواعد التي يتم وفقاً لها، تخريج واختيار رأي المذهب في مسألة ما، بحيث لا يقبل تخريج من يخرج للمذهب بخلافها، ومنها ما يمكن اختياره ضمن أطر عامة في الصورة التالية(1) :
1- قضية الاجتهاد:
- مطلوب اللّه من عباده الاجتهاد.
- إذا تعذر الاجتهاد، جاز التقليد.
- يعتبر الجاهل فيما فعله معتقداً صحته ولم يخرق الإجماع، مقلداً لمن وافقه.
- الخلاف في المسألة، يصيرها ظنية.
2- التعارض والتناقض:
- إذا اجتمع حظر وإباحة، فالحظر أولى لأنه الأصل.
__________
(1) هذه الأسس مأخوذة من أصول المذهب الزيدي التي وضعها العلامة أحمد بن محمد الشرفي وألحقها العلامة الجنداري بمقدمته لشرح الأزهار ـ ج1ـ ص46.

(1/75)


- إذا تعارض واجب ومحظور، فترك الواجب أهون من فعل المحظور.
- إذا تقارن أصل وظاهر، قُدِّم الظاهر.
- إذا كان فعل الحسن سبباً لفعل القبيح، وجب تركه.
- إذا اجتمع في العقد وجها صحة وفساد، حمل على الصحة.
- إذا تعارض أصلان قريب وبعيد، فالقريب هو المعمول عليه.
- إذا تعارضت مصلحة ومفسدة مساوية أو راجحة، وجب توقي المفسدة.
- إذا التبس موت الشخص وحياته، فالحياة هي الأصل.
3- العلم والظن:
- ما كان من الأحكام الشرعية يمكن الوصول إليه بالعلم، لم يكف الظن فيه، وما لا سبيل منها إلى تحصيل العلم فيه، فالظن معمول عليه.
- الظن لا ينقض الظن.
- علم الإنسان أقدم (أولى) من علم غيره.
- و علم الغير أقدم من ظن نفسه.
- وظن نفسه أقدم من ظن غيره بالنظر إلى العمل.
- خبر العدل معمول به في العبادات على كل حال(1).
4- في الواجب، وفصل القضاء:
- ما لا يتم الواجب إلا به، يجب على حدّ وجوبه.
- الإقدام على ما لا يؤمن قبحه، قبيح.
- العبرة في العبادات بالانتهاء، وفي المعاملات بالابتداء.
- الإكراه يُصَيِّر الفعل كَلاَ فعل.
- نية المكره تُصَيِّر الإكراه كَلاَ إكراه.
- لا يجتمع على الشخص غرمان في ماله وبدنه.
- يلحق الضمان المباشر لا المسبب، إلا إذا لم يوجد المباشر، فعلى المسبب.
- يُعمل بالعرف في الصحة والفساد واللزوم والسقوط، ما لم يصادم نصاً.
- البينة المركبة غير مقبولة.
__________
(1) هذا الأصل منسوب للمؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني، وهو أصل يغاير أصل المذهب في هذه المسألة؛ إذ ينص على أن (يقبل خبر العدل في الصحة وفي الفساد مع الشك).

(1/76)


الثانية: كيف تم وضع هذه القواعد والأسس؟ وهذا السؤال في هذه الناحية، يصعب استقصاؤه ويطول استعراضه دون حاجة إلى التوسع فيه، كون التعريج عليه هامشياً، ولغرض التوضيح السريع، ثم إن شيئاً من هذا يحتاج إلى عالم مطلع استقرأ المذهب من حيث بداية وضعه وواضعي أسسه ومن اقتفى أثرهم في تخريج أصوله وتوسيع قواعده واطراد مسائله وتصنيف اختياراته؛ لأن الحصيلة التي يمكن أن نجمعها من كل جوانبها، ليست كما نعتقد منحصرة في مرجع واحد، بل إن كثيراً منها (تحديد بداياتها، وواضعيها استطراداً واختياراً وتخريجاً وزمناً).. لا يزال شتاتاً وموضوع تحقيق وتسجيل، وكنت قبل عامين تقريباً قد سجلت جملاً في صيغ أسئلة تتناول أصول (المذهب) وبداياته واختياراته وتخريجاته وأعلامه وما يتعلق بها، وقدمتها إلى واحد من أكبر علماء الزيدية المعاصرين، ومن أكثرهم اطلاعاً وتحقيقاً وتدقيقاً في الفكر الزيدي بمختلف علومه، وهو المولى العلامة الوالد مجدالدين بن محمد بن المنصور المؤيدي (مد اللّه في عمره) والتمست منه إمكان الرد على تلك التساؤلات لتكون مرجعاً في تحقيق أصول (المذهب). برغم ما أعرفه من مشاغله بالتأليف والتدريس والفتيا وغيرها، ولا يزال الأمل موجوداً.
ويمكن القول باختصار، بأن أسس المذهب بدأت من قبل الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم، ثم من بعده ابناه: المرتضى محمد والناصر أحمد. ومن أعلام واضعي هذه الأسس وناقليها تخريجاً واختياراً، السيدان الأخوان: الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني، وأبو طالب يحيى بن الحسين، والقاضي زيد(1) وغيرهم.
ثانيها: منهج الكتاب:
__________
(1) زيد بن علي الكلاري. ترجمته موجودة ضمن تراجم أعلام الكتاب.

(1/77)


منهج الكتاب (الانتصار) أو منهج المؤلف في كتابه هذا، هو منهج يكاد يكون متميزاً عن غيره ممن سبقه وتلاه من المؤلفين والكتب في الفقه في اليمن على كثرتهم وكثرة مؤلفاتهم، وهو تميز لا نعني به العادي الذي يمكن به التفريق بين مؤلف وآخر، ولكنه تميز رائد في المنهج عامة شكلاً وتصنيفاً وتبويباً ومحتوىً ورأياً واختياراً، وطريقة بحث واستنتاج واستدلال.
ولا نشك في قصورنا عن القدرة على إعطاء الكتاب حقه عامة، وفي جانب منهجه خاصة، ولكنا لا نزال وسنظل متمسكين بمبدئنا السالف ذكره، وهو {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. ومع بذل الوسع ندعوا اللّه تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدَا}.
ونخلص إلى منهج الكتاب للحديث عنه في فقرات ثلاث:
الأولى: منهجه في تصنيف الموضوعات.
سبقت الإشارة إلى أنه تتركز مقدمة الكتاب عموماً، على أبرز الملامح والجوانب لصور الكتاب العامة، وخاصة ما جاء منها ضمناً أو شائعاً، بصفة يصعب معها تحديده عن طريق غير القراءة والاستقراء للكتاب ومصادره ومراجعه المتاحة؛ وذلك حرصاً على أن تظل المقدمة ضمن مفهومها العام وإطارها المحدد؛ إذ إن الخروج عن نصوص وأصول منهج الكتاب الواردة فيه مفصلة، يخرج المقدمة عن غرضها إلى الاستطرادات الواسعة الداخلة في باب لزوم ما لا يلزم دون حاجة تدعو إليه، وتتحول إلى شبه عرض لمحتوى الكتاب، وهذا العرض قد يكون مطلوباً في موضعه حيث يُستغنى به عن الكتاب في تقديم صورة وصفة ملخصتين عنه، وهذا ليس مكانه؛ لأننا هنا نقدم الكتاب إلى القارئ بذاته كاملاً كما هو، والصورة لا تُستخدم للتعريف بالذات مع وجودها.
ولذا.. نكتفي في الحديث عن منهج الكتاب في تصنيف وتبويب الموضوعات، بإحالة المطلع إلى الصفحة أو الصفحات الأولى منه، حيث تناوله المؤلف مركزاً وافياً، وكافياً لتحديد ذلك في جانبين:

(1/78)


أولهما: تبويب وتصنيف موضوعات الكتاب عند قوله: (فلما أنجز اللّه العِدَة وصدَّق الرجاء بتنفيس المدة، ابتدأت بتأليف هذا الكتاب فأجعله كتبا ثم أضمن الكتب أبواباً ثم أحشو الأبواب فصولاً...إلخ).
وثانيهما: أنواع المسائل، وطريقة تناوله إياها وتقريره المختار منها لرأيه واجتهاده، وتعليل وإثبات مذهبه فيها بالأدلة النقلية والعقلية المناسبة الكاملة، ولخصها في المراتب الثلاث التالية لتحديده الكتب والأبواب والفصول.
ولنا هنا، وقفة نتأمل فيها طريقة المؤلف في التصنيف والتبويب للكتاب في عناصر ثلاثة:
الأول: أسسه العامة في التصنيف.
يلاحظ من تحديده في بداية الكتاب لأسس منهجه، في تصنيف الموضوعات وتبويبها.. أن الأسس التي حددها هي الرئيسية، ولذا حرص على ذكرها وتسميتها، وضرب صفحاً عن ذكر الأسس الأخرى التي تعتورها، بوصفها أسساً فرعية أو متفرعة عن الأولى التي هي الرئيسية وجملتها أربعة: الكتب والأبواب، والفصول والمسائل.
وبحسب ما حدده وطبقه المؤلف.. فإنها تبدأ في هذا الترتيب، بالأعم فالأخص، بداية بالكتب وانتهاء بالمسائل. وكما يعني هذا الترتيب التدرج من الأعم إلى الأخص.. فإنه يعني أيضاً أن الأسس الفرعية الأخرى التي لم يذكرها ولكنه استخدمها في التبويب، ستظل فروعاً للأسس العامة الأربعة، وضمن تقسيماتها التفصيلية في مختلف الموضوعات، إما بشكل مباشر عن أي من الأسس العامة، أو متدرجة عن مجموعها، وهذا هو الذي يُفهم من تصدير المؤلف.

(1/79)


وقد ظل كذلك في الأسس الثلاثة الأولى، وهي: الكتاب والباب والفصل، في الغالب السائد. وأما الرابع وهو المسألة، فلم تظل أساساً في معظم الكتاب، وخاصة من الجزء الثاني منه؛ إذ أصبحت (القاعدة) و(الفرع) بصفة خاصة إطارين كلاهما أوسع وأشمل وأعم من المسألة، وأصبح (التفريع على هذه القاعدة الفرع الأول)، يلي الكتاب والباب والفصل مباشرة، ثم تأتي المسائل ضمن الفروع بينما ظهرت المسألة في أماكن أخرى كالجزء الأول مثلاً، أعم من الفرع، فيبدأ بالمسألة ثم يصنفها في فروع مسلسلة.
الثاني: اتساع أطر منهجه.
من يقرأ كتاب الانتصار من المهتمين بأسس المنهج الحديث في البحث.. يقف مأخوذاً باتساع منهج المؤلف فيه، وبخصوبته وغناه وتنوع وتعدد جوانبه. وبقدرة المؤلف على بناء منهجه في متانة ومرونة، بناء فنياً وعلمياً محكماً ودقيقاً وقائماً على قواعد منطقية وموضوعية، فلا يكاد واحد من موضوعاته يبدأ حتى يتسع ويتسلسل في أطر وعناوين تتفرع وتنمو وتتعدد في اتساق وانسجام، ينساب موضوعه في مجراهما انسياباً سهلاً وثرياً ومتنامياً بتنامي القضايا والمسائل من داخلها، تنامياً يتناسب مع أصل واتساع الموضوع العام، ومع العلاقات الطبيعية القائمة بين المضامين وأطرها ومسمياتها، حتى لا تكاد تُحِسُّ نوعاً من التكلف في تصنيفها أو الإقحام لشيء منها على غيره أو بعيداً عن موضعه، ولا فراغاً بين أي منها أو إهمالها لدقيقة قد تشذ عنها، أو أي شيء آخر من سهو أو تكرار أو انحراف عن جادة المنهج وأسسه العامة والمتفرعة عنها.
ولعل النظائر كالأضداد في القدرة على توضيح التميز والتفوق والفوارق بين الأشياء، ولذا نلاحظ مثلاً، أن منهج كتاب (الانتصار) منهج رائد وفذ، في سبقه واستخدامه، سواء في شكله من حيث تنوعه، وتعدد أسسه وبنائه، أو في محتواه من حيث اتساعه ودقته وانسجامه وشموليته وغناه، ويزداد الإعجاب بهذا المنهج، إذا أخذنا في الاعتبار الظروف والنظائر في أمثلة:

(1/80)


1- أن تأليفه تم في الربع الثاني من القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي). وهو وقت مبكر بالنسبة لعلاقته بأصول وأسس منهج البحث في الفكر الإسلامي؛ إذ ظل المنهج التقليدي مسيطراً على التأليف والبحث حتى بداية القرن الحالي بصفة عامة، وفي شبه الجزيرة العربية بصفة خاصة، حتى منتصفه تقريباً.
2- أن مؤلفه بدأ في تأليفه، في ما يمكن تقديره ببداية العشرين عاماً الأخيرة من عمره، هذا من ناحية، ومن أخرى، أنه توقف عن الاستمرار في تأليفه عند شطر من الجزء الثاني منه(1) فترة امتدت على التوالي، اثنتي عشرة سنة، ثم عاد ليستأنفه من مكان توقفه منوهاً بذلك ومعتذراً عما قد يظهر من تكرار بسبب الانقطاع؛ ومن ناحية ثالثة، فقد أكمله بخطه كما يظهر من بعض الأجزاء في سنوات عمره الأخيرة. وكان انتهاؤه من الجزء الأخير (الثامن عشر) في أواخر عام (748)، أي قبل وفاته بأشهر معدودة(2) وقد بلغ الثمانين من العمر. ومن ناحية رابعة.. فقد أكمله، لا في حالة دعة من العيش ورخاء من الحياة، بل وهو في حالة من المعاناة وقسوة الحياة والظروف، حيث كان مرابطاً في أحد الحصون(3) مواصلاً جهاده ودعوته إلى اللّه، ومثابرته على نشر العلم والعدل والسلام.
3- أن من تلاه زمناً، أو اقتفاه أثراً في منهجه من المؤلفين في مجاله وبلده، لم يبلغوا في اقتفائهم إياه ما بلغ من سبقه وتفرده بهذا المنهج المتميز(4).
الثالث: نماذج من منهجه.
__________
(1) آخر باب التيمم.
(2) جاء تاريخ انتهاء المؤلف من تأليف الكتاب، في العشر الوسطى من شهر ذي الحجة سنة 748هـ. وتاريخ وفاته في العام التالي 749هـ.
(3) حصن هران) في مدينة (ذمار) التي تبعد 100كم جنوب صنعاء وقد أشار المؤلف في أثناء الكتاب وفي نهايته إلى حالة الحصار التي عاشها في الحصن المذكور.
(4) راجع ما كتبه د: أحمد محمود صبحي عن منهج المؤلف في كتابه (الزيديه في اليمن).

(1/81)


في آخر هذا الملمح عن منهج الكتاب، قد يكون مفيداً حصر نماذج أطره التي استخدمها المؤلف في رؤوس موضوعاته، وأصناف تفريعاته، وهي بحسب ترتيبها في طريقة استخدامه إياها.. أساليب تتنوع نماذجها من حيث اتساعها في ما يمكن أن نلخصه في تقسيمات أربعة هي:
الأول: التقسيم العام، وهو الذي حدده في بداية الكتاب، ويبدأ (بكتاب ...)، ثم يقسمه إلى أبواب، والأبواب إلى فصول، والفصول إلى مسائل، وهذا ما يمكن أن نسميه بالتركيب الجذري، أو التقسيم المبدئي للكتاب (الذي هو جزء من كتاب الانتصار).
ثم يتوصل إلى النتائج ومناقشتها وتحديد المذاهب فيها، بالتفريع على المسألة، وهو تقسيمها إلى فروع يذكر في كل فرع جانباً من المسألة، يبدأ غالباً بالجانب الأكبر، ثم تتدرج جوانبها في الاتساع بتعدد وتتالي الفروع، تدرجاً من الأعلى والأقرب والأكبر إلى الأدنى والأبعد والأصغر، فيورد في الفرع، فرع المسألة، ويقسمها إن لزم تقسيمها، إلى حالات أو أقسام أو أضراب أو أحكام أو أركان أو تقارير أو أصناف أو أنواع، بحسب التقسيم الذي تقتضيه أجزاء وجزئيات المسألة في أي من فروعها.
ثم يذكر أهم أوجه الخلاف حولها في آراءٍ أو أقوال أو مذاهب، وقد يقسم أصحاب الخلافات إلى فرقاء أو طوائف أو فئات أو اجتهادات، موضحاً ومعللاً كل رأي أو قول بما يتطلبه من موضوعية ودقة وشمولية، مع إيراد حججه وأدلته وأوجه الاستدلال بها، ولا يُغفل ما قد يترتب على المسألة من أسس أو شروط، ثم يصل إلى تقرير المختار من هذه الأقوال والمذاهب الذي يراه ويختاره مذهباً له، فالانتصار الذي يبرر به اختياره لهذا الرأي أو ذلك القول أو المذهب، مُظهراً جوانب التفوق والقوة والصحة فيه مقابل ما يراه من أوجه الضعف في الآراء المخالفة الأخرى، ثم لا يتجاوز المسألة حتى يستطرد إلى ما قد يراه مترتباً عليها، أو مشاراً إليه فيها أو مرتبطاً بها من (قاعدة) أو (دقيقة) أو (فائدة) أو (تنبيه) أو نحو هذا.

(1/82)


الثاني: التقسيم المضارع لسابقه، ويختلف عنه من ناحية أن المسائل تلي الأبواب مباشرة بدون توسط الفصل بين الباب والمسألة.
الثالث: التقسيم المباشر، حيث يأتي التفريع بعد الباب مباشرة، ملغياً للفصول وسابقاً للمسائل التي تأتي أثناءه متخللة الفروع.
الرابع: التقسيم الأصغر، وفي هذا النموذج يبدأ بإيراد الفصل، ثم يدخل في مناقشة الموضوع أو القضية ويذكر أحكامها والأقوال وحججها، ثم يخلص إلى المختار، فالانتصار. ويورد بعد ذلك، التفريع والمسائل التي يتضمنها الفصل.
ويجدر هنا التنبيه إلى ما يلي:
1- أن هذه النماذج الأربعة، ليست حصراً لنماذج المؤلف في تصنيف منهجه، وإنما هي أبرز نماذجه التي تغلب على عامة الكتاب.
2- أن النماذج الثلاثة الأخيرة، تتساوى مع الأول بصفة عامة فيما بعد التفريع من تقسيمات واستطرادات واستقراء لعناصر وأطر المنهج، في الآراء والمذاهب والأقوال والحجج وما إليها. وقد أغنى ذكرها في النموذج الأول، عن تكرارها في الثلاثة التالية له.
3- لم نقصد باختلاف النماذج الأربعة لمنهج المؤلف وما ينتج عن توصيفها من فوارق بينها، الإشارة إلى خروج المؤلف عن أسس وأطر منهجه العامة، بل إن العكس هو الصحيح، وهو أن الغرض من التوصيف تأكيد اتساع وغنى وشمولية هذا المنهج، وقدرة المؤلف على اختيار الأطر المناسبة لكل باب أو فصل أو تفريع، وفي حدود اللازم الذي يميز أسلوبه في تفصيل الأطر وعناوينها على أجزاء الباب أو الفصل أو المسألة بحسب موضوعاتها، تعدداً وتنوعاً واتساعاً، وبدقة متناهية وتلاؤم دقيق، يؤكدان عمقاً في النظر ووضوحاً في الرؤية وسعة في الآفاق ومهارة في التشكيل، بصفة نادرة باهرة.
الثانية: مبادئ منهجه العامة.

(1/83)


في هذه الفقرة الثانية من الفقرات الثلاث الخاصة بالحديث عن منهج الكتاب.. نخلص إلى المبادئ والأصول العامة لمنهج الكتاب، أو منهج المؤلف في هذا الكتاب، وهي لا شك تعم كل مؤلفاته في هذا الموضوع، ولكنا نسبناها إلى (الانتصار) لسببين:
أولهما: أنه موضوع هذا الحديث الذي يهمنا هنا، عن منهجه.
ثانيهما: أن منهج المؤلف في (الانتصار) أوسع وأوضح وأشمل وأكمل، وفيه الإضافات والجدة والريادة والتميز عن سواه، وبالتالي فإن مبادئ وأصول منهج المؤلف هنا، أكثر ظهوراً وشمولاً، وأشمل ظهوراً وكثرة، ثم إن نسبة المبادئ والأصول إلى هذا الكتاب من كتب المؤلف، هي نسبة اشتراك وعموم لا نسبة تغاير وحصر. ثم من جانب آخر، فإن مبادئ وأصول المؤلف في منهج كتابه وكتبه، ليست مبادئ و أصولاً خاصة به ومقصورة عليه، بل إن من المقطوع به سلفاً أنه يلتقي في كلها أو جلها مع أعلام مدرسته الذين توارثوا العلم حتى أوصلوه إليه، ومع غيرهم من نظرائه وزملائه، ومع أعلام الفكر الإسلامي عموماً، ثم مع تلامذته ودارسي فكره، ومؤلفاته والمتأثرين بآرائه ومنهجه، ويظل مع كل ذلك محتفظاً بما له من قصب السبق وحق الريادة، وجديد ما أضافه وإبداع ما تميز به بحثه وأوصله إليه اجتهاده، وهو الجانب الذي نركز فيه على أبرز مبادئ وأصول منهجه في (الانتصار).

(1/84)


وكما أن الحديث عن مبادئ وأصول منهج (الانتصار)، لا بد أن يكون في جوانب منه حديثاً عن منهج المؤلف عموماً، فإن الحديث عن منهج المؤلف من حيث مبادئه وأصوله، لا بد وأن يكون كذلك حديثاً في بعض جوانبه عن منهج الفكر أو الفقه الزيدي في اليمن، لعمومية وتداخل هذه المبادئ والأصول فيما بينها متفرقة ومجتمعة، وهذا الترابط أو التداخل يفرض شيئاً من الإشارة إلى المبادئ والأصول المنهجية العامة في فكر المدرسة الزيدية، لتكون شبه مدخل للحديث الذي قد يظهر بدونها مبتوراً وذلك بالقدر الذي يهمنا هنا، من هذه المبادئ والأصول العامة، ونركز في مبادئ عامة ثلاثة تميز المدرسة الزيدية.
الأول: وحدة المبدأ في (علم الأصول):
يجمع أئمة وعلماء الزيدية، على مبدأ واحد في علم الأصول (أصول الدين) ويمثل اتفاقهم على كل مسائله (الإلهية) اتفاقاً متطابقاً لا يكاد يوجد بينهم خلاف في أية واحدة من مسائل الأصول الأساسية، مثل: مسائل العدل والتوحيد، والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويجمعون كذلك على أن القضايا أو المسائل الأولى العامة والكلية من أصول الدين، هي مسائل لا مجال فيها للاجتهاد واختلاف الرأي في مبدأ الإثبات والنفي الكليين؛ لأن الحق فيها كلٌ لا يتجزأ وواحد لا يتعدد، وإذا وجد بين بعضهم خلاف في الرأي حول أي شيء منها، فإنه لا يتجاوز المسائل الفرعية التي تترتب عليها وتنشأ عنها من فعل أو نظر أو اعتقاد أو تعامل، مثل: هل يجب إكفار أو تفسيق المخالف في الأصول، أم أن بحثه ونظره اللذين أوصلاه إلى الاجتهاد فالاعتقاد برأيه، يحصنانه من ذلك؟
الثاني: حرية الرأي في الاجتهاد:
فالزيدية يرون بالإجماع، أن مجال الاجتهاد فيما عدا الأصول المشار إليها، مجال متاح وأن بابه مفتوح في كل مسائل الفقه من الفروع، مهما توفرت وسائل الاجتهاد وأسسه وشروطه، ولعل أهم ما يجب توفره منها لديهم ثلاثة:

(1/85)


1- العلم عن طريق الاطلاع الكامل والاستقراء الواسع، لكل العلوم الدينية وغيرها مما لا تتحقق بدونه.
2- العقل، ويراد به العقل القادر على البحث والنظر ومعرفة الأدلة واستنباط الأحكام.
3- المنهج الصحيح، سواء في معرفة طرق الاجتهاد أو الإلمام بأسس الاستدلال، وأنواع الأدلة النقلية والعقلية وأصنافها وحالاتها من الأولويات والتناسخ والتساقط والتعارض والترجيح، وفي هذه الحال فإن كل مجتهد مصيب.
الثالث: العقل:
إذ ترى الزيدية أن العقل السليم هو معيار الأدلة ومناط التكليف ومدار الأحكام ووسيلة البحث والنظر والاجتهاد.. ومن هنا يتميز المذهب الزيدي بأمرين شائعين فيه أكثر منهما في غيره، وهما:
1- عدم ظهور التناقض في البحث والنظر والرأي والاعتقاد، في كل القضايا والاجتهادات برغم كثرتها وانتشارها واختلافها، ولذا يندر أن تجد لأي منهم في المسألة، أكثر من قول ورأي واحد.
2- الاختلاف الواسع بين علمائه في الأقوال والآراء في مجال الفقه، على اختلاف وتعدد أعلامه ومؤلفاته وأجياله ومسائله.
وكما أن كتاب (الانتصار) هذا، واحد من أشهر وأوسع كتب التراث الفقهي للمدرسة الزيدية، فإن مؤلفه الإمام يحيى بن حمزة، واحد من أئمتها وعلمائها المجتهدين المشاهير. ولذا فإن الحديث عن مبادئ وأصول منهجه في الانتصار، يدخل ضمن المبادئ والأصول العامة للزيدية، كما أشرنا إليها سلفاً. ولكنا نحاول إكمال الصورة في هذا الجانب عن منهجه، بما نستطيع إيراده من مبادئه وأصوله التفصيلية التي تميزه بصفة أو بأخرى. وأعود لتطبيق المبادئ الثلاثة السالفة في جوانبها التفصيلية، وفي محيط منهج المؤلف في هذا الكتاب:
أولها: في أصول العقيدة:
نختار ثلاثة نماذج من مبادئ الإمام يحيى بن حمزة الأصولية التفصيلية، الواردة في كتاب (الانتصار).
1- في الفصل الخامس من باب (الأذان) جاء في التفريع عليه: (الفرع الأول.. الكافر لا يصح أذانه..). ثم صنف الكفار إلى صنفين:

(1/86)


الصنف الأول: كفار التصريح، ثم ذكر منهم الملاحدة وعبدة الأوثان والنجوم (والمعطلة والدهرية والفلاسفة والزنادقة والطبائعية، وكذا حال أهل الكتب المنزلة، كاليهود والنصارى والمجوس). (فهؤلاء لا خلاف في كفرهم بين أهل القبلة وأهل الإسلام، ولا يصح أذانهم).
الصنف الثاني: كفار التأويل. وذلك أنهم من المسلمين، يُقِرُّون بوحدانية اللّه وحكمته، ويصدقون بالنبوءة والقرآن والشريعة، (خلا أنهم يعتقدون اعتقاداً يوجب إكفارهم، مع كونهم على هذه الصفة) ومثَّل عليهم بأربع فرق (المجبرة والمُشَبِّهة والروافض والخوارج..)، (فهؤلاء اختلف أهل القبلة في إكفارهم..) (فالذين ذهبوا إلى إكفار المجبرة والمشبهة، أئمة العترة وجماهير المعتزلة والزيدية..). ثم وبحسب أسلوب منهجه، يوضح رأيه في قوله: (والمختار أنهم ليسوا كفاراً؛ لأن الأدلة التي تُذكر في إكفارهم، فيها احتمالات كثيرة..).
2- في القسم الثاني: في بيان من لا تجوز إمامته في الصلاة.. جاء ضمنه إيراد المؤلف للأقوال في حكم صحة الصلاة خلف المخالف في مسائل أصول الدين، والمخالف في الأراء الاجتهادية، وذلك في فرعين. ملخص ما نريده منهما كالآتي:
أولهما: (الفرع الخامس في حكم أهل البدع والضلالات..)، ويقصد بهم المخالفين في أصول الدين، لما عليه إجماع (العترة والمعتزلة والزيدية). وذكر أمثلة ونماذج منهم، ثم انتهى إلى: والمختار أن الصلاة خلف هؤلاء جائزة، إذا سلموا من ملابسة الكبائر وظهور الخلل في العدالة. مع كونها مكروهة، فأما الإجزاء فهي مجزية).
ثانيهما: (الفرع السادس)، الذي يلي سابقه، وفيه شرح مسألة الصلاة خلف المخالف في المسائل الاجتهادية والأقوال فيها، وانتهى إلى الفرع السابع في ذكر المختار لرأيه، فقال: (فنقول: القوي من جهة النظر الشرعي والتصرف الأصولي، جواز الإئتمام بمن خالف مذهبه مذهب المؤتم، سواء علم المؤتم بالمخالفة أم لم يعلم).

(1/87)


3- في الفصل الثالث في بيان حكم الاجتهاد، وفيه ناقش المؤلف مسألة المخالفين في العقائد الإلهية (أصول الدين) هل يُعتد بآرائهم في أية مسألة في انعقاد الإجماع أو عدمه. وانتهى إلى طرح رأيه بقوله: (.. نقول: بأن جميع أهل القبلة سواء في كونهم معدودين من أهل الإجماع إذا كانوا مجتهدين، وأن خلافهم في هذه المسائل الإلهية وغيرها لا يقطع الاجتهاد، ولا يبطل كونهم معدودين من أهل الإجماع والاجتهاد في المسألة، بعد إحراز منصب الاجتهاد في كل واحد منهم..).
ثانيها: في قضية الاجتهاد:
لعل ما سبق آنفاً إيراده من نصوص المؤلف في كتابه هذا، يُعتبر كافياً في تحديد أصول منهجه في هذه القضية. ونشير هنا إلى أمور وأقوال ومواقف للمؤلف في انتصاره، تؤكد عدة مبادئ في جانب قضية الاجتهاد منها:
1- سعة مبدأ الزيدية في حرية الاجتهاد إذا توفرت شروطه وذلك فيما عدا الأصول، ويظهر المؤلف نموذجاً واضحاً ومقنعاً من نماذج هذه المدرسة.
2- يختار المؤلف رأيه من بين الأقوال التي يوردها في كل مسألة من مختلف اجتهادات علماء الأمة، بحسب ما يراه مطابقاً لمنهج اجتهاده ومنطق أسس وأصول هذا المنهج، دون اعتبار بأصحاب الأقوال الذين سيخالفهم من أعلام مدرسته، أو الذين سيلتقي معهم من أعلام المدارس والمذاهب الأخرى. وانظر في مثل آرائه السابقة الذكر التي خالف فيها ما يشبه إجماعاً للزيدية.

(1/88)


3- يلاحظ المستقرئ لمختاراته في (الانتصار)، رداً نظرياً وتطبيقياً للقول الشائع في أوساط بعض المدارس والمذاهب الفقهية، بأن المذهب الزيدي ومجتهديه يتميز بمخالفته في الفقه لآراء الحنفية والشافعية، وهذا القول تظهر مجانفته للحقيقة في جانب كبير منه؛ لأنه لم يقم على أسس موضوعية ونتيجة بحث ونظر، ولكنه أشبه بالرجم بالغيب منه بالقاعدة المطردة في أغلب أحوالها، وهذا ما يؤكده المؤلف بصورة عملية في هذا الكتاب بصفة ضمنية وغير متعمدة لذاتها، فتراه في عموم (مختاره) يلتقي مع الشافعية تارة ومع الحنفية أخرى أكثر - ربما - مما تلتقي الشافعية والحنفية في أقوالهما في المسألة الواحدة.
4- كما يلاحظ المستقرئ لمختارات المؤلف في هذا الكتاب من ناحية، وأقوال أئمة علماء الزيدية من ناحية ثانية، أيضاً.. فساد القول الشائع الآخر، وهو أن النظرة العامة إلى فقه الزيدية، أنه قائم على قاعدة شبه مطردة، هي التشدد في الأقوال والآراء، فترى آراء المؤلف في (المختار) وآراء أئمة وعلماء الزيدية في أغلب المسائل، أقل تشدداً من آراء المذاهب الأخرى، برغم أن أكثر من يعرض المؤلف لأقوالهم من أعلام الزيدية، هم الهادي والقاسم والناصر والأخوان(1). وهؤلاء الأئمة في مقدمة من يؤخذ عليهم شيء من التشدد في الرأي في هذه المدرسة ومذاهبها.
ثالثها: في إعمال العقل:
كما سبق.. فإن العقل لدى أئمة وعلماء الزيدية، هو مناط التكليف وأساس البحث والنظر، وهو كذلك لدى المؤلف بصفة عامة وخاصة، فهو رائده في الاختيار والاجتهاد وفي عرض الأقوال ونقدها والمقارنة فيما بينها فالحكم في مدى التساوي فيما بين أدلتها، أو ترجيح بعضها على بعض.
__________
(1) المؤيد بالله وأبو طالب أحمد ويحيى ابنا الحسين الهاروني.

(1/89)


ولذا فإن من أصول منهج المؤلف في المسائل الدقيقة القابلة لأكثر من احتمال، أو لاختلافها في بعض الحالات أو الظروف.. عدم البت فيها بقول واحد، بل كثيراً ما يحدد المختار بقوله: (والمختار تفصيل نشير إليه..)، أو (والمختار. إذا عرضت هذه المسألة .. نظرت فإن كان.. وإلا فإنها..).
الثالثة: طريقته في الاستدلال (أسلوبه):
الفقرة الثالثة من التصنيف الخاص بمنهج (الانتصار) هي أسلوبه أو طريقته في الاستدلال، ونحن بالتأكيد لا نقصد من هذه الفقرة، الحديث عن طريقة المؤلف في الاستدلال بصفة عامة؛ إذ أن ذلك موضوع بحث مستقل، ولكن الغرض هو الاتساق مع الفقرات السابقة في تناول العناصر والمبادئ والأصول التفصيلية في أغلبها، المميزة لمنهج المؤلف في هذا الكتاب.
نتناول هذه الفقرة عبر ملامح عامة ثلاثة، تشمل اللغة، وعنصري الاستدلال الرئيسين: (النص والعقل) والمبادئ والأسس العامة للاستدلال.
الملمح الأول: لغة الكتاب:
معروف سلفاً، أن الإمام يحيى بن حمزة من أكبر علماء اللغة في مختلف علومها، وأن له مؤلفات وبحوثاً، منها ما هو واسع ومشهور، مثل: (كتاب الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز). وهو (يعد من أهم المراجع في البلاغة، والذي يعول عليه الباحثون والدارسون في هذا المجال ..) كما يقول الدكتور أحمد محمود صبحي(1).
وفي جانب لغة الكتاب، يمكن الاقتصار على إيراد نماذج ثلاثة عن المؤلف، من علمه باللغة، وأسلوبه العام، ومصطلحاته المميزة.
__________
(1) في كتابه (الإمام يحيى بن حمزة وأراؤه الكلامية).

(1/90)


الأول: علم المؤلف في اللغة، وهو عَلَم من أعلامها كما سبق ذلك، وباعه الطويل وبحثه الواسع وآراؤه المميزة في علوم اللغة العربية، كل هذه وغيرها جعلت من هذا الإمام إماماً في نهجها، وواحداً من الرواد في كشف أسرارها واجتلاء حقائقها، ومدرسة في فنونها مميزة بمعالمها، ومن يبحث في كتابه (الطراز) الآنف الذكر، يعتقد أن مؤلفه لم يشغل حياته بغير اللغة العربية.. نحوها وصرفها ومفرداتها ومعانيها وبديعها وقواعدها وأقيستها وعروضها وشعرها ومؤلفاتها وأعلامها.
ونعرض هنا لنموذج ثلاثي من آرائه المميزة:
1- من القواعد التي أثبتها المؤلف في كتابه (الطراز) أن المفردات أسماء وصفات وأفعالاً، المنقولة من معناها اللغوي (الأصلي) إلى الدلالة على معان شرعية مثل الصلاة والزكاة والحج والمسلم والمؤمن والكافر والفاسق وغيرها وما تصرف عنها.. تعبر عن معانيها الشرعية هذه تعبيراً حقيقياً، وتعتبر فيها حقيقة لغوية، لا مجازية كما يقول جمهور الأشاعرة وغيرهم.
وجاء في (المطلب الثاني) من التمهيد لبداية هذا الكتاب، فأكد هذه القاعدة وعللها وأورد آراء المخالفين وناقشها، وهذه المسألة موضوع بحث ونقاش وخلاف واسع بين أعلام ومدارس الفكر الإسلامي، وهي وإن كانت قضية لغوية وبداية الخلاف فيها لغوياً، فإن جوهرها وجوهر الخلاف حولها، يجعلها قضية أساساً في (أصول الدين) و (أصول الفقه) والفقه.
2- في مسألة الخلاف في مسح كل الرأس في الوضوء، من حيث دلالة صيغة آية الوضوء {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُم}، هل توجب الآية الكريمة مسح كل الرأس، أم بعضه؟ فذهب جمهور الفقهاء تقريباً، إلى الدلالة على البعضية، بحجة أن (الباء) في {بِرُؤُوسِكُم}، تأتي في مثل هذا المكان للتبعيض، وتدل عليه في دلالتها ومعناها اللغويين، وعارض المؤلف هذا القول رأياً وتفسيراً، وذهب يعرض أوجه الاستدلال ضد مخالفيه بطريقة شيقة بقدر ما هي شاملة وعميقة ومقنعة وواضحة، في أوجه ثلاثة:

(1/91)


أولها: أن الباء تأتي للإلصاق، وهو معناها الأصلي الذي يجب الرجوع إليه، فهي تعني عكس ما ذهب إليه مخالفوه، وهو إلصاق المسح بكل جزء من الرأس.
ثانيها: استشهد بابن جني، وهو واحد من أبرز فلاسفة اللغة العربية والمجددين في علومها.. وأورد رأي ابن جني الذي قال فيه: (ومن زعم أن الباء للتبعيض، فشيء لا يعرفه أهل اللغة، ولا ورد في شيء من كلام العرب منظومه ولا منثوره) (1).
وثالثها: أورد المؤلف قاعدة في غاية الدقة والأهمية، ومفادها، أن الباء في {بِرُؤُوسِكُم}، تدخل على المفعول به لغرض التعميم لا التبعيض، ذلك أن الفعل إذا كان متعدياً بنفسه فله حالتان:
الأولى: إذا جاء دون تعديته بالباء في مثل: مسحته، فإنه هنا يفيد التعميم والتخصيص.
والثانية: إذا جاء مع الباء في مثل (مسحت به) فإنه لا يفيد إلا التعميم؛ لأن الفعل المتعدي بنفسه لا يحتاج إلى الباء لغرض التعدية، ولكن لتفيد معنى جديداً هو التعميم.
ثم يؤكد بأن (باء التبعيض) لم ترد في القرآن الكريم على الإطلاق.
__________
(1) راجع كتاب (الخصائص) للعلامة ابن جني، مطبوع في ثلاثة مجلدات.

(1/92)


3- وكما أثبت القاعدة السلبية السالفة في القرآن الكريم بعدم وجود الباء للتبعيض فيه، أثبت قاعدة مماثلة أخرى في القرآن، هي عدم وجود العطف على المحل، وذلك في تفسير آية الوضوء في {وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الكَعْبَيْن} منصوبة، بأن نصبها ليس عطفاً على المحل من {بِرُؤُوسِكُم} بفعل {وَامْسَحُوا}. فهو يرى أن (.. الظاهر من قراءة النصب هو الغسل من غير تأويل، والظاهر من قراءة الجر هو المسح من غير تأويل، ولا تعارض بين القراءتين ولا تنافي بينهما..). ثم يقول: (وطريقة الجمع بينهما، هو أن النصب في الأرجل إنما كان على طريقة العطف على الأيدي). وذلك بالفعل {فَاغْسِلُوا}، من قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا..} ثم يمضي في توضيح القاعدة (.. والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه شائع أو (سائغ) كما قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍٍ فِيْهِ قُلْ قِتَال فِيهِ كَبِيْر وَصَدٍّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْر بِه وَالْمَسْجِدِ الْحَرَام}. وإنما عطف المسجد الحرام على الشهر الحرام؛ لأن توجه السؤال إنما كان عن القتال فيهما..). ولذلك فإن عطف {الْمَسْجِد الْحَرَام} كما يقول، على {عَن سَبِيلِ الله}، غير جائز لمجيء التعاطف في الجواب، طبقاً لتوجه السؤال.
وأتوقف هنا قليلاً للتنبيه على أمرين أراهما جديرين بذلك في هذا الموضع:

(1/93)


الأمر الأول: أن علوم اللغة العربية في منهج الزيدية، أساس العلوم ومفتاحها وفأسها، ولذا فإنهم يبدأون باستيعابها والتحقيق الدقيق والعميق فيها، في سن مبكرة، فلا يكاد أحدهم يصل إلى درجة الاجتهاد، إلا وقد أصبح واحداً من كبار أعلام اللغة في شتى فنونها وعلومها وآدابها، لأنهم يرونها رائدة كل العلوم الأخرى، والسبيل والوسيلة الوحيدين لفهم ومعرفة العلوم معرفة كافية، وفهماً صحيحاً وسليماً يُسَهِّلُ كشف حقائقها وإبراز دقائقها على أقوم الطرق وأصح الوجوه، أي أن اللغة العربية لديهم كالعقل، فكلاهما يحظى لدى الزيدية بالاعتماد عليه رائداً لكل العلوم، فإذا كانت اللغة في منهجهم بمنزلة اليدين في تناول العلوم، فإن العقل فيه بمنزلة العينين المبصرتين في الإنسان، سواء بسواء.
الأمر الثاني: أن لدى الزيدية مصطلحات في تسمية العلوم تبين مدى نظرتهم إلى كل علم ودرجة اعتمادهم عليه وموقعه في أولويات منهجهم. ومن هذه المصطلحات، الأسماء:
1- (أصول الدين) لعلم الحقائق الإلهية أو علم الكلام، ومفهوم التسمية أن الدين يقوم على هذه الأصول، وهو لديهم كذلك.
2- (أصول الفقه)، لعلم الاستدلال وأصول الأدلة وأنواعها وأوجه وحالات الدلالات فيها ومصطلحات التشريع.. أو مصادر التشريع.
…وسر تسميتها بـ(أصول الفقه) توحي بدلالتها على أن الفقه يقوم عليها، وأن فقهاً بلا أصول كبناء بلا أساس، لا يمكن أن يقوم و إذا قام شيء منه، فلا يلبث أن يتداعى وينهار.
3- (الأصولان) بمعنى علمي الأصول: أصول الدين وأصول الفقه.
4- (علم الآلة) لعلوم اللغة العربية وعلم المنطق. وتوحي التسمية بأن علوم اللغة بمنزلة الآلة لكل العلوم لا تتحقق معالجتها بدونها.
5- (الفروع) وتطلق على الفقه. وهي تسمية آتية من تأثير المقابل فيها، وهو الأصول أو الأصولان.
الثاني. من نماذج لغة الكتاب.. أسلوبه العام.
وفي الأسلوب العام للغة الكتاب، ميزات ثلاث:

(1/94)


أولاها: الأسلوب العام لعصره ومدرسته، من ميل إلى الجزالة في اللفظ، والاهتمام بجمال التعبير وبلاغة القول.
ثانيتها: تميز المؤلف بأن أسلوبه في جزالة لفظه وبلاغة تعبيره يأتي مقروناً بأسلوب العالم الحصيف في اختيار مفرداته، بحيث يستوعب ويستفرغ توظيف كل منها معناها الكامل، وأن يظهر جمال التوظيف وبلاغة التعبير، ضمن سياق متسق ومتناغم وسهولة ظاهرة وراقية وبعيدة عن الهبوط، قدر بعدها عن أي تعقيد أو تكلف.
ثالثتها: قِصَرُ الجمل المتتابعة في السياق، مع قدرة فيها على دقة التعبير واستيعاب المعاني المقصودة بما تفيده مباشرة وإيحاء وتصريحاً وإشارة، منطوقاً ومفهوماً. إلى جانب سرعة تناولها للموضوعات الكبيرة والصغيرة والأصلية والفرعية، وما يترتب عليها من دقائق وتنبيهات وفوائد وتوخي احتمالات وتساؤلات واردة، وتوقي أية ثغرات أو شروخ أو تجاوز قد يحدث أو يحتمل حدوثه أو يفهم احتماله.
الثالث من النماذج الثلاثة - مصطلحاته المميزة:
للمؤلف مصطلحات مثل غيره من أمثاله خاصة به، ولا نقصد بذلك أنها مصطلحات بالمفهوم العلمي المنهجي، وإنما نعني بذلك جُمَلاً وتعابير يكثر إيرادها في مواضعها مما لا يجعلها تظهر تكراراً، بل هي من نوع تلك التعابير التي لا يلبث القارئ أن يستحليها ويولع بها ويحفظها ويرتاح لاستعارتها وترديدها، وهذا لون من التعبير تُطلق عليه عموماً، صفة (السهل الممتنع). وفيه دلالة على الأصالة الفنية وغنى القاموس اللغوي وسرعة البديهة وتألق الذاكرة، وكل هذا الكلام قليل في ذاته كثير في قصوره عن استيعاب صفة من صفات هذا الإمام العالم الجليل، بالرغم من أننا نقول هذا عنه، وهو في عقد الثمانين من عمره، قد آدت كاهله السنون، وأنقضت ظهره تبعات العلم والتعليم والجهاد والدعوة إلى الله. ومن جُمَلِهِ التي تجدها أينما ذهبت في صفحات كتابه (الانتصار)، هذه التي نوردها مثالاً تلقائياً، لم نتوخَّ فيها انتقاء أو ترتيباً:

(1/95)


- (وهذه من الأمور الغيبية التي استأثر اللّه بها، فلا مجال فيها للعقل أو النظر أو الاجتهاد). يورد هذه العبارة في أماكن الحاجة إليها مثل موضع الرد على من يحاول تعليل شيء من العبادات ثابت بالدليل السمعي فقط، مثل عدد الركعات في الصلاة، وغُسل الجنابة، والتثليث في غَسل أعضاء الوضوء.
- (قلنا عن ذلك وجهان: أما أولاً..). في بداية رده على أقوال مخالفيه.
- (والمختار تفصيل نشير إليه..).
- (وقد ذكرناه في موضعه، وذكرنا فيه تقرير المختار والانتصار، فأغنى عن الإعادة).
- (قلنا: دليلنا حاظر، ودليلكم مبيح، فلا جرم كان الأخذ بالحاظر أحق وأولى).
- (الانتصار يكون بإبطال ما عولوا عليه، أو ما جعلوه عمدة لهم).
- (وقد نجز غرضنا من هذا الباب، ونشرع الآن بعون اللّه في الباب الذي يليه).
الملمح الثاني من ملامح الفقرة الثالثة: عنصرا الاستدلال: (النص والعقل).
غني عن التوضيح القول: بأن منهج المؤلف في استخدام هذين العنصرين الرئيسيين في الاستدلال، هو منهج أئمة وعلماء الزيدية عموماً، وهو أسلوب في منهج الاستدلال، اشتهرت به الزيدية بين المدارس الإسلامية الأخرى، وهو أسلوب تميزت به الزيدية كما يشهد بذلك أعلام وباحثون من خارج هذه المدرسة. ولكن الذي قد يكون ملفتاً للنظر أو مثيراً للإستغراب، أن نسمع من يحاول قلب هذه الميزة، لغرض الطعن بها في هذا المنهج الزيدي من ناحيتين بصفة عامة، يظهر التزيد أو الجهل في كلتيهما:
أولاهما: القول بأن الزيدية يقدمون العقل على النص.
ثانيتهما: انصرافهم إلى الفقه وكتب الفقه عن مسندات الحديث وكتب السنة.

(1/96)


ولئن كانت هذه المسألة تتردد في هذا العصر، فإن علماء وأعلام مدرسة الزيدية، قد فرغوا من مناقشتها والبت فيها في الكثير من كتبهم وكتاباتهم، ولسنا بمن يُنتظر تصديهم للرد عنها بالقول الفصل وفصل الخطاب، ولكنا وجدناها على جادة منهج هذه المقدمة، قضية تطرح نفسها من جديد، فكان لا بد من المرور عليها مرور الكرام بما قد يسد ثغرة في هذا المنهج، ويصل فقراته ويحافظ على اتساق سياقه. ولا نريد أن نستطرد في المناقشة بأكثر مما يحقق الغرض المشار إليه ضمناً، وذلك بحصرها في ثلاث نقط:
الأولى: أن القول بأن الزيدية يقدمون العقل على النص، هو ادعاء غير دقيق؛ كونه يتضمن عدة معان محتملة من حيث منطق صيغته ومفهومه المباشر.
فهل يعني أنهم يأخذون برأي العقل، ويتركون النص؟ فهذا غير وارد ولا يقبله عقل قائله؛ لأن العقل الذي يأخذ برأيه ويترك النص، لا يمكن أن يكون عقلاً ولكنه الهوى وحده؛ لأن العقل لدى الزيدية، من بعض صفاته أنه الذي يهدي به اللّه تعالى صاحبه إلى الحق والصواب، والحق والصواب هو التمسك بالدليل السمعي مهما أمكن ذلك، أما ترك النص والإعراض عنه، فإنه اتباع الهوى الذي يقود إلى الضلال.
أم يعني أنهم يأخذون بالعقل، فإذا لم يجدوا فيه ما يريدون عادوا إلى النص؟ وهذا قول يرفضه الإسلام عقيدة وأصولاً وفقهاً وأدلة وعقلاً ونقلاً وتشريعاً وعملاً.

(1/97)


الثانية: وبصرف النظر عَمَّا قد يمكن طرحه من احتمالات أخر، فإن العقل لدى الزيدية، ولدى كل أمة محمد كما هو مفروض، لا يسبق الدليل السمعي ولا يتجاوزه، ولكنه يرتبط به ارتباطاً مباشراً، بوصفه وسيلةَ تَلَقِيّ النص وفهمه وتحديد موجبه وعلاقته بما قد يوجد من نظائره ونقائضه، وتفاوتها قوة وضعفاً وتمايزها عموماً وخصوصاً، ثم تحديد حالات وكيفية تطبيقه وإعماله أو إسقاطه وإهماله بحسب مدى ثباته من عدمه، وهذا كله يتم طبقاً لقواعد ومنهج علم أصول الفقه المعتمدة لديهم ولدى علماء الأمة، مع عدم الالتفاف إلى ما يعتورها من اختلافات قليلة أو فرعية.
الثالثة: وحول القول عن انصرافهم إلى كتب الفقه عن مسندات الحديث يمكن التعليق بثلاث حقائق ثابتة:
1- أن مسندات الحديث موجودة ضمن تراث الفقه الزيدي، منها ما هو خاص وملحق بالمسندات نصوصاً ورجالاً ورواية، مثل: (مجموع الإمام زيد بن علي) (1) ومنها ما هو وارد ضمن ما يسمى بالأماليات(2)، ومنها ما هو خاص بقواعد وأصول ومصطلحات الحديث، وبمنهج وطرق وأنواع الرواية ورجالها وطبقاتهم، وبطرق ومنهج التوثيق رواية ورجالاً (الجرح والتعديل ...إلخ) وكتب الفقه تطفح بالأدلة من الكتاب والسنة في كل مسألة(3).
__________
(1) المسمى بالمجموع الفقهي، من حيث أنه تضمن آراء الإمام زيد وتمييزاً له عن المجموع الحديثي، وإلا فإنه من كتب الحديث.
(2) مثل أمالي الإمام أحمد بن عيسى بن زيد، وأمالي أبي طالب، وأمالي المرشد بالله وغيرها. والأمالي لغة: جمع أملية أو إملاءة، وهي: ما يمليه الشيخ على تلامذته، ثم يجمعه في كتاب.
(3) وهذا الكتاب خير مثال، ففيه آلاف الأحاديث من السنة النبويه المطهرة.

(1/98)


2- معروف أن جمع السنة النبوية الشريفة ورواية الأحاديث ونقدها، علم مستقل وقائم بذاته، هو (علم الحديث) وأن إعمال السنة وحالات طرق تطبيقها، علم مستقل بذاته مَعْنِيٌّ به علماء الفقه وأصول الفقه وكتبها ومولفاتها، ويسمى في مصطلحها، علم (الدراية). كما يطلق على سابقه، علم (الرواية). ومن هنا، فإن مسندات الحديث وأمهاته، لم تؤلف من قبل مدرسة محددة من مدارس الفقه، بل كانت مدرسة مستقلة بذاتها، وليس الأخذ منها والاستدلال بما جاء فيها خاصاً بفرقة أو فرق محددة من الفرق والمذاهب الإسلامية، ولكن لكل الحق في ذلك. ومن هنا فإن القائلين على الزيدية ذلك القول، ليسوا في مدارس فقههم بأكثر من علماء الزيدية مسندات، ولا أحق بالأخذ من أمهات الحديث أو غيرها ولا أكثر استدلالاً بالنصوص الواردة فيها من هؤلاء.
3- ثم إن كل كتب الفقه الزيدي في كل كتاب وكل باب وفصل، بل وفي كل مسألة جليلة ودقيقة كبيرة وصغيرة، بدءاً من مسائل أركان الإسلام الخمسة، وانتهاء بمسائل الاستجمار وتخليل الأظافر ومسح الرقبة، مدارها ومناطها والأصل فيها الدليل السمعي من الكتاب والسنة بدون استثناء. وهذا الكتاب (الانتصار) خير شاهد وأكبر دليل وأعظم رد على كل قول.
الملمح الثالث: مبادئه، وأسسه العامة في الاستدلال.
يتميز كتاب (الانتصار) بعناصر شاملة وواسعة في قضية الاستدلال، قد لا توجد مجتمعة في غيره بمثل هذه الصورة، سواء في أسسها وأصولها، أو في أسلوب طرحها وترتيب عناصرها، أو في شمولها واستيعابها لكل الأطراف والعناصر، ويتضح أبرز الجوانب لهذه الطريقة وصورتها، في معالم ثلاثة:
المعلم الأول: طريقته في الاستدلال:

(1/99)


1- وهي طريقة تتميز بقدرتها على الإقناع حتى لدى المخالف الذي لا يريد الأخذ بها، فإنه يقتنع بحق المؤلف وحجيته في الاختيار للرأي (المختار) بعد أن أبلغ في عرض الآراء وأدلتها ومناقشتها، حتى تَوَصَّل إلى تحديد رأيه. وميزة طريقة المؤلف، أن بإمكانه إنهاء المسألة أية مسألة بالمختار لأصله(1).
2- ولكنه لا يتوقف عند هذا الحد، بل يذهب لتأكيد صحة (المختار) بمناقشة جديدة تتضمن كل ما يمكن الاستدلال به من الأدلة النقلية والعقلية، في عرض غني بالنكت والقواعد والفوائد، وإيراد النماذج من النظائر والأشباه والأنداد والأضداد، وباستقراء واستنباط كل أوجه وعناصر الدلالات فيها من منطوق ومفهوم بأنواعه ومدى قوة كل منها، وجوانب الإفادة منه ومن عكس الدلالات وطردها، ومن مناقشة حجج مخالفيه وتفنيدها مرة وإسقاطها أخرى، وقلبها حجة عليهم ثالثة، وإبراز ما قد يكون من تناقض أصحابها فيها نظراً إلى أقوال وآراء لهم سابقة عن طريق طرد هذه الأقوال في النظائر، وعكسها في النقائض...إلخ.
3- ومناقشة آراء وحجج مخالفيه والاحتجاج عليهم، يركز عليه ويمحصه في (الانتصار) وذلك يكون حسب منهجه في نهاية المسألة.
المعلم الثاني: معالم طريقته في الاستدلال وهي:
1- في الصورة العامة لمنهج البحث، يفصلها مرتبة في العناصر الأربعة:
- يبدؤها بالباب أو الفصل أو المسألة أو الفرع أو القاعدة أو الحكم أو التقرير.
- بعد طرح المسألة، يورد الأقوال المختلفة فيها وحجج كل قول.
- ثم يقرر المختار لأصله، موضحاً لأدلته وحججه.
- فالانتصار الذي يمحضه لتفنيد أقوال مخالفيه، والاحتجاج عليهم.
2- وقد يلحظ المطلع، أن المؤلف يحرص بصفة دقيقة وشديدة، على أن لا يطعن في صحة الدليل الذي يورده مخالفه، حتى من الأدلة التي لا يقبلها المؤلف لضعفها أو عدم صحتها لديه لأي سبب من الأسباب، بل يحاول إبطالها بطرق أخرى غير مباشرة لا تمس الدليل، مثل:
__________
(1) لمذهبه.

(1/100)


- الطعن في طريقة الاستدلال التي يستخدمها مخالفه.
- إلزام المخالف من متن دليله، بدلالة أخرى تخالف مذهبه أو قوله في مسألة أخرى أو في جانب آخر من نفس المسألة.
- رده عن طريق العلاقة بين العام والخاص أو الأولويات.
- صرفه عن غرض المخالف بسبب لغوي لتفسير بعض مفرداته، أو لما يتعلق بحيثياته.
- الاحتجاج عليه بدليل أقوى منه لدى المخالف.
- بتساقط الأدلة عند استوائها في القوة والدلالة.
- بإحدى الأولويات المعروفة، كأولوية الحاظر على المبيح، والخاص على العام.
3- كما يلحظ ما هو أبعد من هذا، وهو إيراده واحتجاجه ببعض الأحاديث التي لم تصح لديه لأي سبب، ولكنه لا يعتمد على شيء منها إلا إذا كانت دلالته ثابتة لدى المؤلف بأدلة أخرى، أو جاء الحديث متطابقاً مع المقاصد والحيثيات العامة للمسألة بما يوافق أصله فيها، أو جاء لإثبات فرع في مسألة يستوي طرفاها لدى المؤلف في اختيار الأخذ به.
…وإيراد المؤلف للحديث في مثل هذه الأحوال، يمكن اعتباره إلى الاستئناس بالدليل، أقرب منه إلى الاستدلال، علماً بأن طريقة الاستئناس بالنص، ظهرت مصطلحاً جديداً في القانون تطلق على إيراد نص من قانون قد ألغي، أو نسخ أو عُدِّل بقانون تالٍ له.
4- ومثل براعة المؤلف في بحث ومناقشة وتعليل الأدلة النقلية، فهو نموذج متميز في المناقشة والتحليل والكشف والاستنباط وأساليب الاحتجاج، ورده في مجال الاستدلال العقلي، مستخدماً قدراته الواسعة في اللغة والمنطق وأصول القياس ومبادئ العقل والنظر.
المعلم الثالث: مداخل الاختلاف في القول.

(1/101)


كما سبق الحديث مركزاً عن اتساع الآراء والأقوال في المذهب الزيدي، وعن الاختلاف في الفروع (الفقه) بين أئمته وعلمائه بصورة قد لا توجد بين أعلام المذاهب الفقهية الأخرى.. فإن كتاب (الانتصار) ربما يدل أكثر من غيره لتوسعه في الأقوال والحجج وطرق الاستدلال، يدل على مداخل عامة للاختلاف الذي يكثر بين أقوال أئمة الزيدية وعلمائها وفقهائها. وقبل أن أورد نماذج من هذه المداخل، أشير إلى أن الاختلاف بينهم في حد ذاته، يؤكد أمرين:
أحدهما: الاعتماد على البحث والنظر في اختيار كل مجتهد لرأيه في المسألة؛ كونهم لا يجيزون التقليد للمجتهد ولا يوصدون طريقاً عنه إذا توفرت شروطه، ولأنهم يرون في قواعدهم وأصولهم، (أن الاجتهاد هو مطلوب اللّه تعالى من عباده)(1).
وثانيهما: غنى واتساع وعمق المذهب الزيدي بالكتب والمؤلفات والبحوث، في مختلف فنون وعلوم الفكر الإسلامي.
ونورد الآن نماذج من هذه المداخل، وهي مجرد أمثلة على المداخل التي يبدأ منها اختلاف الأقوال في الفروع بين طرفين قد يكون كلاهما مقراً بمبدأ الاحتجاج في أصل تلك المسألة:
1- الأحوط في مقابل الأصل، وذلك في مثل النجاسة الخفية، متى جفت فإن وجودها يصبح حكماً شرعياً فقط، لا وجوداً مادياً، وبالتالي فإن النجاسة لا تنتقل منها بواسطة الرطوبة، ومع اتفاق الطرفين على هذا الأصل، فإن أحدهما يذهب إلى ترجيح اعتبارها منجسة من باب الأحوط، وهو أحوط غير مطلق، بل لا يخلو في الأغلب من دليل عام، فيأتي في مثل هذه الحال بقوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُر}. والهجر لا يتحقق إلا بتجنب موقع النجاسة حتى يزول حكمها بغسلها.
2- الاجتهاد في قضية من قضايا العبادات. ويرى الطرف الآخر أن الاجتهاد غير وارد فيها بوصفها من الأمور الغيبية التي استأثر اللّه تعالى بها، وذلك في مثل الفعل الكثير في الصلاة أو تحديد بلوغ الصبي بالعقل.
__________
(1) أصول المذهب، مقدمة شرح الأزهار ص46.

(1/102)


3- الاحتجاج بقول الصحابي. ويكون الاختلاف في أن يرى أحد الطرفين أن قول الصحابي في المسألة اجتهاد، واجتهاد الصحابي لنفسه لا يلزمنا الأخذ به، ويرى الطرف الآخر أن قول الصحابي هذا، لا يكون إلا توقيفاً من جهة صاحب الشريعة...إلخ.

(1/103)


---
المحور الثالث: شخصية المؤلف
هذا هو المحور الثالث والأخير من المحاور العامة لمقدمة الكتاب. وكنا في بداية المحور الثاني قد قسمناه ضمن تصنيف منهج المقدمة، إلى قسمين:
أولهما: ملامح عامة عن الكتاب، وهو الذي انتهى ببداية هذا المحور.
وثانيهما: نُبذٌ من أقوال وآراء المؤرخين والباحثين في الكتاب، وقد تجاوزنا القسم الأخير لإدراجه ضمن هذا المحور اختصاراً للمقدمة، وتجنباَ لتكرار الأقوال والآراء عن الكتاب مرة، ثم عن المؤلف أخرى، لتَوَحُّد هذه النبذ عن الكتاب والمؤلف في موضع واحد، ثم للترابط اللصيق بين ما كتبه المؤرخون والباحثون عن الموضوع بشقيه.
هذا.. لمجرد التنبيه عن التجاوز وتداركه. ونعود إلى شخصية المؤلف في جوانب ثلاثة لهذا المحور تتناول شخصية المؤلف وحياته ومؤلفاته:
أولا: شخصية المؤلف:
لعل هذا هو الجزء الوحيد من هذه المقدمة، الذي نجد العجز عن القول فيه بأي لون من ألوان القول المتاحة للذهن أن يمد القلم بشيء منها؛ لأن النظرة الخاطفة إلى مقام هذا الإمام الذي تجمعت فيه خلال قلما تجتمع لغيره، تخرس الألسن والعقول، وتجعل العالم النحرير يتطلع مذهولاً إلى جوانب شخصيته التي يبدو في كل جانب منها فارساً فذا وعلماً متميزاً، في علمه واجتهاده وجهاده ومؤلفاته وإخلاصه وورعه وشجاعته، وفي زهده وتنسكه وتقواه، وفي كل واحدة من هذه الفضائل تتركز وتجتمع كل فضائله وخلاله المميزة، وهذه الفضائل والخلال، لم تكن أو شيء منها صفات خلعها عليه مديح شاعر، أو إطراء ناثر، أو حب قريب لصيق، أو إعجاب تلميذ أو شهادة صديق، بل كانت تعبيراً عن شمائل شخصيته، وترجمة لسيرة حياته.
وأمام شخصية تذهل العالِمَ النحرير، فكيف بنا ونحن أحوج إلى قراءة شيء من مؤلفاته، والتأمل في جانب من أسلوبه ومنهجه، واستقراء جزء من هممه ومثابرته، منا إلى ما يمكن أن نقول عنه؟

(1/104)


ولذا نصمت برهة لنطالع خلالها نُبَذاً ملخصة مما كتب المؤرخون والباحثون عن هذه الشخصية، ونكتفي بما رُوي عن المتنبي في الإمام علي بن أبي طالب، جد هذا الإمام.
وتركت مدحي للوصي تعمدا .... مذ صار نوراً مستطيلاً ماثلاً
وإذا استطال الشيء قام بنفسه .... وصفات ضوء الشمس تذهب باطلاً

(1/105)


---
نسبه
ترجم للمؤلف فضيلة الوالد العلامة مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي في كتابه (التحف شرح الزلف)، فقال:
(هو الإمام المؤيد بالله أبو إدريس، يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم بن يوسف بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن إدريس بن جعفر الزكي بن علي التقي بن محمد الجواد بن الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن سيد (زين) العابدين علي بن الحسين السبط ابن الإمام الوصي (علي بن أبي طالب) عليهم السلام)(1).
هذه نعتبرها الرواية المعتمدة لنسبه.
أولاً: لأن المؤلف (العلامة مجدالدين) معروف بطول الباع في أنساب الأئمة وسيرهم، وذلك هو موضوع كتابه هذا (التحف) إضافة إلى علمه الجم في سائر علوم الفكر الإسلامي وتاريخه ولغته.
ثانياً: فإن ما جاء في (التحف)، يتفق مع (مشجر) الأنساب الذي يحتفظ بنسخ وأجزاء منه، بعض الأسر في اليمن(2).
والتركيز نوعاً ما على هذه النقطة، ناتج عن ما لا حظناه من نقص وخطأ في بعض المراجع التي أوردت نسب المؤلف، ومنها مثلاً: (البدر الطالع) للعلامة الشوكاني (3). وكذا في كتابي الدكتور الباحث المعروف أحمد محمود صبحي، وهما: (الإمام يحيى بن حمزة وآراؤه الكلامية)(4) و (الزيدية)(5) وهو لاشك سقط عابر لا رأياً في رواية النسب، ولعله حدث أثناء الطباعة.
ويضيف في (التحف) عن ترجمته:
__________
(1) ص185 الطبعة الثانية.
(2) المشجرات في اليمن تطلق على تسلسل أنساب الأسر التي تصمم على شكل شجرة تبدأ بالجد الأعلى من الجذع ثم من يليه في شكل فروع وأغصان الشجرة. ومن هنا سميت: مشجرات.
(3) محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة 1250هـ. وكتابه (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع) طبع في مجلدين عام 1348هـ، وطبع عام 1990م.
(4) طبع في مجلد واحد.
(5) الزيديه في اليمن) صدر في عدة طبعات أولاها سنة 1984م.

(1/106)


(.. ولما بلغت دعوته بعض العلماء قام خطيباً، وحث الخلق على إجابته، وأقسم بالله ما يعلم من أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) إلى وقته، من هو أعلم منه..).

(1/107)


---
مولده وحياته
ترجم له كثير من المؤرخين اليمنيين تراجم مختلفة، ولكنها تتفق في إضفاء وصفه بالإمام العالم المجتهد المجاهد الزاهد الناسك. ونقتصر كما قلنا على نبذ من هذه التراجم، بما يعطي أبرز المعالم عن المؤلف. ومن المترجمين له:
1- الشوكاني:
يقول عنه العلامة محمد بن علي الشوكاني في (البدر الطالع): (ولد بمدينة صنعاء، سابع وعشرين من صفر سنة669هـ تسع وستين وستمائة، واشتغل بالمعارف العلمية وهو صبي، فأخذ في جميع أنواعها على أكابر علماء الديار اليمنية، وتبحر في جميع العلوم، وفاق أقرانه، وصنف التصانيف الحافلة في جميع الفنون، فمنها: الشامل، ثم ذهب يورد مؤلفاته، ويعقب عليها بالقول: (..وله غير ذلك من المصنفات الكثيرة حتى قيل: إنها بلغت إلى مائة مجلد، ويروى أنها زادت كراريس تصانيفه على عدد أيام عمره، وهو من أكابر أئمة الزيدية بالديار اليمنية، وله ميل إلى الإنصاف مع طهارة لسان، وسلامة صدر، وعدم إقدام على التكفير والتفسيق بالتأويل، ومبالغة في الحمل على السلامة على وجه حسن، وهو كثير الذَّب عن أعراض الصحابة المصونة (رضي اللّه عنهم) وعن أكابر علماء الطوائف رحمهم الله..)(1).
ثم يواصل العلامة الشوكاني الحديث مختصراً عن دعوة المؤلف إلى نفسه، وعن معارضيه، وينتهي إلى القول: (.. ولكن أجاب الناس في الديار اليمنية دعوة صاحب الترجمة، ولم يلتفتوا إلى غيره، وكان من الأئمة العادلين الزاهدين في الدنيا المتقللين منها، وهو مشهور بإجابة الدعوة، وله كرامات عديدة، وبالجملة فهو ممن جمع اللّه له بين العلم والعمل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومات في سنة 705هـ خمس وسبعمائة بمدينة ذمار، ودفن بها، وقبره الآن مشهور مزور)(2).
__________
(1) ج2/331
(2) ومدينة ذمار من أشهر مدارس الزيديه في اليمن.

(1/108)


ويلاحظ أن هناك خطأ في تاريخ وفاته المضبوطة في هذا الكتاب؛ إذ إن تاريخ وفاته كان في عام 749هـ تسعة وأربعين وسبعمائة للهجرة، أي بعد التاريخ الوارد هنا بأربعة وأربعين عاماً وهذا يكاد يتفق عليه المؤرخون لحياته والمترجمون لشخصيته، ولم نجد فيما بين أيدينا من المراجع ما يخالف هذا التاريخ لوفاته (749هـ) فيما عدا كتاب (غاية الأماني) ليحيى بن الحسين، الذي عد وفاة المؤلف ضمن أحداث عام747هـ(1). فالمؤلف لم ينته من تأليف كتابه (الانتصار). إلا في أواخر عام748هـ. وكذا تتفق الروايات على أن تاريخ دعوته إلى الإمامة، كانت في عام729هـ، عقب وفاة الإمام محمد بن المطهر.
2- يحيى بن الحسين بن القاسم:
يعيد يحيى بن الحسين بن القاسم في كتابه (غاية الإماني في أخبار القطر اليماني)، دعوة المؤلف إلى أحداث عام 730هـ، (..وفيها كان قيام أربعة أئمة من أئمة العترة الزكية ٍ وهم: علي بن صلاح بن إبراهيم بن تاج الدين، والإمام الأعظم المؤيد بالله يحيى بن حمزة، والواثق بالله المطهر بن الإمام محمد بن المطهر بن يحيى، وأحمد بن علي بن أبي الفتح..)(2).
(...وأما الإمام يحيى بن حمزة فظهر في جهات صنعاء، وبلغت دعوته بلاد الظاهر وصعدة، والشرف، واستقر في حصن هران قبلي ذمار..).
(..وكان الإمام يحيى بن حمزة أفضلهم وأشرفهم علماً وعملاً، له التصانيف المفيدة، والمناقب العديدة..)(3).
3- العلامة مجدالدين بن محمد المؤيدي.
__________
(1) غاية الأماني ـ ج2ـ ص511.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر.

(1/109)


وعن دعوة الإمام يقول مؤلف التحف: (.. قال في دعوته: إني قد تسنمت غارب هذه الدعوة مستكملاً لشرائطها، غير خارج عن استحقاقها، وقد لزمتكم الإجابة، ولكم البحث والاختيار..) إلى آخر كلامه. قال السيد الهادي بن إبراهيم (1) في كتاب (كاشف الغمة): (قال الإمام الناصر صلاح بن علي بن محمد: وكان الواجب عليهم اختياره؛ لأنه الأسبق بالدعوة، وكلامه داع إلى الصوب سالك منهج السنة والكتاب..)(2).
4- الدكتور حسين عبدالله العمري:
وقال عنه الباحث اليمني الدكتور حسين العمري، في كتابه (مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني): (.. الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة، أحد أعاظم أئمة اليمن، وأكابر علماء الزيدية. ولد بصنعاء، واشتغل بالمعارف الإسلامية من صغره، دعا لنفسه بالإمامة عقب موت الإمام المهدي محمد بن المطهر سنة 728هـ ..)(3). (.. أما كتبه ومصنفاته فكثيرة، ويروى أن كراريس تصانيفه زادت على عدد أيام عمره، ولعل أجلها كتاب (الانتصار) في 18 مجلداً...) (4)، (..يعتبر كتاب الانتصار من أعظم كتب الفقه عند الزيدية، بل لقد وصِف بأنه لا نظير له في كتب المتقدمين والمتأخرين..)(5).
5- الأستاذ عبدالله محمد الحبشي:
__________
(1) الهادي بن إبراهيم بن علي الوزير المتوفى سنة 822هـ.
(2) التحف شرح الزلف) ص185 الطبعة الثانية.
(3) ص176 الطبعة الأولى.
(4) المصدر السابق.
(5) المصدر السابق.

(1/110)


(..الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن علي؛ مولده سنة 669هـ، حكمه سنة 729هـ، وفاته سنة749هـ. من أجلِّ حكام اليمن وعظمائهم، ولد بصنعاء في 27 صفر، وحفظ القرآن، واشتغل بالمعارف الإسلامية من صغره، وصحب الإمام المتوكل على اللّه المطهر بن يحيى في حربه سنة 689هـ، في (جبل اللوز) و (تنعم) من (خولان) العالية، فقال الإمام المطهر: (في هذا الولد ثلاث آيات: علمه، وخطه، وخلقه) (1) ومن أجلِّ شيوخه الإمام يحيى بن محمد السراجي، والفقيه عامر بن زيد الشماخ وغيرهما..)(2).
__________
(1) مصادر الفكر الإسلامي في اليمن) ص564 ـ 570.
(2) نفس المصدر.

(1/111)


---
مراجع الترجمة:
1- سيرة الإمام يحيى بن حمزة، نبذة في ترجمته، ومهمتان في 7 ورقات، جامع مخطوطة رقم10.
2- الترجمان المتفتح بكمائم البستان.
3- مآثر الأبرار.
4- اللآلئ المضية. طراز أعلام الزمن.
5- العقود اللؤلؤيه ج2 ص142.
6- غاية الأماني ج2 - ص511 - 554.
7- تكملة الإفادة.
8- الجامع الوجيز.
9- البدر الطالع ج2 ص331 - 333.
10- فرجة الهموم والحزن ص194 - 195.
11- أئمة اليمن ص 228 - 235.
12- إتحاف المهتدين ص65.
13- التحف شرح الزلف ص120 - 123.
14- المقتطف من تاريخ اليمن ص 80(1).
6- الدكتور أحمد محمود صبحي:
الأستاذ الدكتور أحمد محمود صبحي، من أكثر الباحثين في العصر الحديث إيغالاً في المذهب الزيدي، دراسة وبحثاً لشخصيات وأعلام أئمته وعلمائه ومؤلفاتهم، وفي تصديره لكتاب (المعالم الدينية في العقائد الإلهية) للمؤلف.. (تحقيق : سيد مختار محمد أحمد حشاد). يقول الدكتور صبحي: (عدة أمور جذبتني إلى الإمام يحيى بن حمزة، حين قمت بدراسة عن أشهر مفكري الزيدية، والتي ضمنتها كتابي (الزيدية).
الأمر الأول: تواضعه الجم، إذ لا يعرض لنفسه رأياً، إلا بعد عرض آراء الفرق المختلفة في الموضوع، ثم يعقب قائلاً: (والأرجح عندنا هو...)
الأمر الثاني: منهجه الفريد في عرضه للموضوعات الكلامية، فقد أتاحت له مقدرته الفائقة في علوم اللغة وبخاصة البلاغة، أن يقيس الآراء الكلامية، بمعايير أربعة للاستخدام الصحيح للفظ: اللغة والدين والعرف والاصطلاح.
الأمر الثالث: ويحيى بن حمزة موسوعة علمية ندر أن يكون له نظير..
(أما كتابه الانتصار في الفقه، فهو الينبوع الذي اغترف منه ابن المرتضى، فأخرج للناس بحره الزخار، وتتالت من بعده المؤلفات لا في فقه الزيدية فحسب، بل في فقه مختلف الأمصار).
(وبعد: فإن يحيى بن حمزة في نظري، مغبون أشد الغبن، غبنه الزمان إن صح هذا التعبير، حين ظلت معظم مؤلفاته حبيسة الأقبية لا ترى النور..).
__________
(1) نفس المصدر.

(1/112)


(مرة أخرى.. هذه دعوة للاهتمام بتراث هذا العَلَم الشامخ من أئمة الزيدية وكبار مفكريهم، عسى أن يسهم ذلك في إلقاء الضوء على أراء فرقة من أكثر فرق المسلمين اعتدالاً، وأقومهم قصداً)(1).
ونفس هذا الكلام تقريباً مع اختلاف في بعض الألفاظ.. أورده الدكتور صبحي في مقدمته لكتابه (الإمام يحيى بن حمزة وأراؤه الكلامية). وفي هذه المقدمة يشير إلى كتاب (الانتصار) بقوله: (.. يكفي للدلالة على ذلك أن أشير بصدد يحيى بن حمزة إلى أمرين:
الأول: أن كتابه (الانتصار الجامع لمذاهب علماء الأمصار)، يعد أول موسوعة فقهية شاملة لجميع المذاهب الإسلامية، وكل من ألف بعد ذلك في هذا الموضوع كانوا عيالاً عليه.
الثاني: أن كتابه (الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز) يعد من أهم المراجع في البلاغة، والذي يعول عليه الباحثون، والدارسون في هذا المجال)(2).
__________
(1) راجع كتاب الدكتور صبحي (الإمام يحيى وآراؤه الكلامية).
(2) نفس المصدر.

(1/113)


---
مؤلفاته
تمثل مؤلفات المؤيد بالله يحيى بن حمزة، مكتبة نموذجية للفكر الإسلامي في أشمل وأبلغ وأوسع علومه. وعندما يراجع المطلع، عناوين مؤلفاته وموضوعاته وبعض مخطوطاتها، يخيل إليه أنه أمام جيل من أعلام وعلماء المفكرين والمؤلفين. كذلك يجد الإنسان وهو يقرأ للإمام يحيى بن حمزة في علم معين، أن هذا المؤلف لم يبرع في أي علم آخر مثلما برع في هذا، وهكذا. فتقرأ له في علم الكلام، فتأخذه عالماً ومفكراً متخصصاً في علم الكلام أكثر من أي علم غيره، وتعود إلى مؤلفاته في أصول الفقه، فتظنه تفوق فيه أكثر منه في أي ميدان آخر.. وكذا في اللغة العربية وعلومها المختلفة، بما في ذلك منطق اللغة وفلسفتها، وهكذا.
وكذا.. فلا يكاد الإنسان يراجع شيئاً من مؤلفاته في جانب من جوانب هذه العلوم، إلا اعتقده تفرغ لهذا العلم طيلة حياته دون أن يشتغل بشيء آخر سواه من علم أو عمل، ولذا يجد العالم النحرير فكيف بنا؟ .. يجد نفسه مذهولاً أمام شخصية هذا الإمام، فلا يلبث أن يعود إلى نفسه شاكاً في مواهبها وقدراتها. فإذا كان يحيى بن حمزة قد ألَّف ما مجموع كراريسه بعدد أيام حياته، كما يقول أمثال الشوكاني، فكيف عاش طفولته أولاً؟ ثم كيف قضى فترة طلبه للعلم تلميذاً محصلاً ومطلعاً ومنقباً عن مواقع العلم ومواطن العلماء، وفي بواطن الكتب ومصادر العلم والمعرفة، وكيف عاش داعياً إلى بيعته مضطلعاً بأعباء الحكم، حاكما بكتاب اللّه وسنة رسوله، منفذاً لأحكامهما ومقتفياً لنهجهما، ومجاهداً في سبيل اللّه ينشر العلم والعدل والحق، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر. وكيف استطاع مع كل هذا، أن يظل إمام علم لا ينفك عن التعليم والمناقشات والفتيا والقضاء، حتى كَوَّنَ جيلاً من التلاميذ الذين أصبحوا علماء؟ ناهيك بتهجده وعبادته وبحياته الخاصة. إنها بالفعل حياة إنسان مقلة الحياة، ونموذج فذ وعلم مفرد من نماذجها وأعلامها.
سبعون مؤلفاً:

(1/114)


نجد بين أيدينا مما هو مسجل ضمن مؤلفات هذا الإمام، زهاء سبعين مؤلفاً نسردها هنا مصنفة قدر الإمكان، بحسب موضوعات محتوياتها من العلوم، ثم نعود للتعقيب على مصادرها من حيث مواطن الخلاف حول تسجيل وحجم ومواقع ما يوجد فيه الاختلاف منها.
وذلك بحسب مجالاتها الأربعة العامة: أصول الدين وأصول الفقه والفقه واللغة، دون ذهاب في التصنيف إلى تفصيلاتها، وبحسب ما أورده الحبشي في كتابه (مصادر الفكر الإسلامي في اليمن) ثم مقارنته مع غيره من المصادر الأخرى لتوخي وتحري الصحة في تسجيل كل المعلومات المتعلقة بمؤلفات الإمام يحيى بن حمزة، مجتمعة ومنفردة، ثم نورد في قسم خاص في آخرها، ما كان من المؤلفات خارج نطاق هذه المجالات الأربعة العامة، ونضع بين قوسين ما ذكر منها في مصادر أخرى.
أولاً. أصول الدين (علم الكلام):
1- الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام.
منه نسخة مخطوطة سنة 817هـ، ضمن مجموعة من ورقة (155) إلى (204) بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء. (فهرست وزارة الأوقاف ص537).
2- التحقيق في أدلة الإكفار والتفسيق.
منه نسخة مخطوطة سنة 724هـ، في حياة المؤلف، في (140) ورقة بمكتبة الأستاذ حسين السياغي، نسخة أخرى بمكتبة الجامع الكبير (مجلد واحد كما هو في البدر الطالع ج2 ص331، وفي التحف ص185.
3- التمهيد لأدلة مسائل التوحيد.
منه نسخة مخطوطة سنة 733، في (112) ورقة بمكتبة الجامع برقم (61) علم الكلام. (ص575 فهرست الأوقاف).
نسخة أخرى بمكتبة الجامع (الكتب المصادرة)، وهو مجلدان كما في البدر الطالع ج2 ص331، وكذا في التحف ص185.
4- الجواب الرائق في تنزيه الخالق. (ص 585 فهرست الأوقاف. وفي البدر الطالع).
منه نسخة مخطوطة بمكتبة الجامع برقم (10) مجاميع.
5- الجواب القاطع للتمويه عما يرد على الحكم والتنزيه (585 فهرست الأوقاف).
منه نسخة مخطوطة ضمن المجموعة السابقة، بمكتبة الجامع (ذكره في البدر الطالع).

(1/115)


6- الجواب الناطق بالصواب، القاطع لعرى الشك والارتياب.
منه نسخة مخطوطة ضمن المجموعة السابقة في 6 ورقات (ص 586 فهرست الأوقاف).
7- الرسالة الوازعة لذوي الألباب، عن فرط الشك والارتياب.
منه نسخة مخطوطة ضمن مجموعة من ورقة (60) إلى (63) بمكتبة الأمبروزيانا برقم (205g) (فهرست الأوقاف ص 1235 وذكره في البدر الطالع).
8- الشامل لحقائق الأدلة وأصول المسائل الدينية.
منه نسخة مخطوطة سنة 1066هـ بمكتبة الجامع برقم (24) (الكتب المصادرة).
نسخة أخرى بنفس المكتبة (قسم المكتبة المتوكلية) مخطوطة سنة 1069هـ في (283) ورقة، برقم (70) علم الكلام. (ذكره الشوكاني في البدر الطالع ج2 ص 331، وأنه 4 مجلدات، وفي التحف ص185).
9- القسطاس.
في علم الكلام جزآن. ذكره زبارة في (أئمة اليمن) ص329، وفي (إيضاح المكنون) لإسماعيل باشا، ج2 ص226 (ذكره في مقدمة شرح الأزهار ص42 ج3).
10- مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار.
منه نسخة مخطوطة سنة 817هـ، بمكتبة الجامع الكبير برقم (131) علم الكلام مع كتاب (المعالم الدينية) للمؤلف، طبع بتحقيق: محمد السيد الجليندي سنة 1382 - 1962م بالقاهرة، عن دار الفكر الحديث في (300) صفحة. (فهرست الأوقاف ص 750 ذكره في التحف ص185).
11- المعالم الدينية في العقائد الإلهية.
منه نسخة مخطوطة سنة 817هـ في (197) ورقة، مع كتاب (مشكاة الأنوار) بمكتبة الجامع برقم (131) علم الكلام، وقد طبع سنة 1408هـ 1988م، بتحقيق: سيد مختار محمد أحمد حشاد، عن دار الفكر المعاصر. لبنان بيروت في (150) صفحة، (فهرست الأوقاف ص 755، وذكره الشوكاني بأنه مجلد واحد، في البدر الطالع ج2 ص331، وذكره في التحف ص185).
12- مشكاة الأنوار للسالكين الأبرار.
منه نسخة مخطوطة بمكتبة الجامع (الكتب المصادرة) ضمن مجموعة برقم 89. 13 ق رقم (10) مجاميع جامع في 832. (فهرست الأوقاف ص 750).
ثانياً: أصول الفقه:

(1/116)


1- الحاوي لحقائق الأدلة الفقهية، وتقرير القواعد القياسية.
في أصول الفقه (الترجمان) (ذكره في البدر الطالع ج2 ص 131: 3 مجلدات، وذكره في التحف ص185).
2- الكوكب الوقاد في أحكام الاجتهاد.
جواب على سؤال الفقيه محمد بن مرزوق، من بيت قعد بجبل مسور. منه نسخة مخطوطة سنة 832هـ في (7) ورقات، بمكتبة الجامع ضمن المجموعة رقم (10).
نسخة أخرى مخطوطة سنة 864هـ، بمكتبة الجامع ضمن المجموعة رقم (66) (الكتب المصادرة) (فهرست الأوقاف ص 850).
3- نهاية الوصول إلى علم الأصول.
ذكره المؤرخ زبارة في (أئمة اليمن) ص 229، وهو في ثلاثة أجزاء (كما جاء في البدر الطالع للشوكاني ج2 ص 331، وعده ضمن أصول الدين، وذكره في التحف بأنه مجلدان ص185).
4- المعيار لقرائح النظار في شرح الأدلة الفقهية وتقرير القواعد القياسية.
منه نسخة مخطوطة سنة 746هـ في (141 ورقة بمكتبة الجامع برقم (1094) فقه.
نسخة أخرى بنفس المكتبة، مخطوطة سنة 726هـ برقم (84) (فهرست الأوقاف ص860).
ثالثاً: الفقه (علم الفروع):
1- الانتصار الجامع لمذاهب علماء الأمصار في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة في المباحث الفقهية والمضطربات الشرعية.
…فهرست الأوقاف ص 913 ذكره في البدر الطالع ج2 ص331).
أ - نسخة الجزء الثاني في (140) ورقة في مكتبة الجامع، برقم (138) فقه.
ب - نسخة الجزء الأخرى (ثانية) يبتدئ من أثناء نواقض الوضوء، إلى أثناء الآذان. خط قديم في (243) ورقة، برقم (139). فقه.
ج - الجزء الخامس، يبتدي من كتاب الزكاة، إلى باب مستحق الزكاة.
… مخطوط بقلم المصنف سنة 743هـ في (185) ورقة برقم (140).
د - الجزء الثامن، أوله كتاب الطلاق، إلى كتاب النفقات.
مخطوط سنة 757هـ في (190) ورقة برقم (308).
هـ - الجزء الحادي عشر، يبدأ من أثناء كتاب الإجارة إلى أثناء الرهن، مبتور أوله. بخط المصنف سنة 746هـ في (188) ورقة برقم (309).

(1/117)


و - الجزء الخامس عشر، أوله: الفصل الثالث في البينات إلى كتاب الحوالة، مبتور آخره بخط المصنف في (150) ورقة برقم (310).
ز - الجزء الخامس عشر (مكرر). يبتدئ بأثناء كتاب الكفالة إلى حد السارق، بخط المؤلف سنة 748هـ في (153) ورقة، برقم (311) فقه. جميع هذه الأجزاء مخطوطة بمكتبة الجامع.
2- أسئلة الفقيه أحمد بن سليمان الأوزري، والأجوبة عليها من المؤلف. مخطوطة ضمن مجموعة رقم (11) بمكتبة الجامع (الكتب المصادرة).
3- الإيضاح لمعاني المفتاح في الفرائض.
ذكره زبارة في (أئمة اليمن) الترجمان. ص 230، وذكره الشوكاني في البدر الطالع بأنه مجلد، وجاء ذكره في التحف ص185.
4- العدة في المدخل إلى العمدة.
…ذكره المؤرخ زبارة في (أئمة اليمن) ص229، وقال: إنه في الفقه مختصر بالغ الأهمية يقع في جزأين.
5- عقد اللآلي في الرد على أبي حامد الغزالي.
رد عليه في مسألة إباحته للسماع. منه نسخة مخطوطة سنة 1064هـ بمكتبة الجامع (الكتب المصادرة) ضمن مجموعة برقم (66)، ونسخة أخرى مخطوطة سنة 832هـ، ضمن مجموعة برقم (10) بمكتبة الجامع، 22 ق(فهرست الأوقاف ص683).
6- العمدة في الفقه.
ذكره زبارة، وقال: إنه يقع في ستة مجلدات. (أئمة اليمن ص229). (وكذا في التحف ص 185: 6مجلدات).
7- فتاوى.
منه نسخة مخطوطة سنة 832هـ، ضمن مجموعة بمكتبة الجامع(1).
8- الكاشف للغمة عن الاعتراض على الأئمة.
9- مختصر الأنوار المضية في شرح الأربعين السيلقية.
ذكره الزركلي في الأعلام ج9، ص (174)، وأشار إلى أنه موجود بإحدى المكتبات.
10- المصلح للدين الموضح سبيل المرسلين.
ذكره زبارة في (أئمة اليمن ص230 (فهرست الأوقاف ص1025).
11- من كلام الإمام يحيى في جواز التقليد.
منه نسخة مخطوطة سنة 832هـ، ضمن مجموعة برقم (10) بمكتبة الجامع.
12- من كلام الإمام يحيى في المنع بالفتوى بمذهب الإمام الناصر.
منه نسخة ضمن المجموعة السابقة.
__________
(1) فراغ في الأصل

(1/118)


13- من كلام الإمام يحيى في سؤال ورد عليه، في رجل أرجع زوجته على مذهب الإمام الناصر، وفي أن الطلاق بدعة لا يقع.
منه نسخة ضمن المجموعة السابقة.
14- الأنوار المضية شرح الأخبار النبوية شرح الأربعين الحديث السيلقية.
ذكره زبارة في (أئمة اليمن ص 229) فرغ منها سنة 736هـ. نسخة مخطوطة سنة 1330هـ في (306) 1230. حديث مصادر. (فهرست الأوقاف ص 296، وفي البدر الطالع: مجلدان ص332، وفي التحف ص185).
رابعاً: اللغة
1- الأزهار الصافية شرح مقدمة الكافية. (في النحو).
منه نسخة مخطوطة سنة 826هـ، بمكتبة الجامع (الكتب المصادرة) برقم (2) و (3) نحو، في جزأين. وورد ذكره في (أئمة اليمن) ص229 باسم (الأنهار الصافية).
2- الاقتصار (في النحو).
ذكره زبارة في (أئمة اليمن) ص 229 (وذكره في البدر الطالع: في مجلد، وكذا في التحف ص185، وكلاهما ضبطه (الاقتصاد) بالدال المهملة.
3- الإيجاز لأسرار كتاب الطراز، في علوم البيان ومعرفة إعجاز القرآن.
نسخة مخطوطة سنة 744هـ، بخط المؤلف في (160) ورقة بمكتبة الجامع برقم 4 بلاغة، نسخة أخرى مخطوطة سنة 905هـ، في 96 ورقة بمكتبة دار الكتب برقم (4299). (فهرست الأوقاف ص 1580، وفي البدر الطالع ذكره الشوكاني بأنه مجلدان).
4- الحاصر لفوائد المقدمة في حقائق الإعراب.
شرح المقدمة المحسنية في علم العربية. لابن بشاذ المتوفى سنة 469هـ.
منه مخطوطة في (196) ورقة بمكتبة الجامع، ونسخة مخطوطة سنة 785هـ في (174) ورقة بنفس المكتبة برقم (185) لغة، نسخة مخطوطة رابعة سنة 799هـ في (170) ورقة برقم(122) لغة، نسخة أخرى مخطوطة سنة 798هـ في (124) ورقة بمكتبة المتحف البريطاني برقم(3824)، نسخة سادسة بمكتبة الأمبروزيانا برقم (102g) (فهرست الأوقاف ص1465، وذكره في البدر الطالع ص 332 باسم (الحاصر في مقدمة طاهر)، مجلد. وفي التحف ص185.
5- الطراز، المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز.

(1/119)


فرغ منه مؤلفه سنة 728هـ.. طبع بالقاهرة سنة 1332هـ -1914م هـ بمطبعة المقتطف في ثلاثة أجزاء. (ذكره الشوكاني أنه مجلدان، البدر الطالع ج2 ص331، وفي التحف ص185).
6- الفائق المحقق في علم المنطق.
ذكره المؤرخ زبارة في (أئمة اليمن) ص230، والترجمان.
7- القانون المحقق في علم المنطق.
ذكره زبارة في (أئمة اليمن) و (ذكره الشوكاني في البدر الطالع).
8- المحصل في كشف أسرار المفصل.
منه نسخة مخطوطة سنة 728هـ بمكتبة الجامع، برقم 98. (فهرست الأوقاف ص1512) وذكره في البدر الطالع وأنه 4 مجلدات، وكذا في التحف 185).
9- المنهاج الجلي في شرح جمل الزجاج.
منه مخطوطة سنة 1310هـ في (200) ورقة بمكتبة الجامع (الكتب المصادرة)، برقم (66) نحو. (ذكره في البدر الطالع للشوكاني ج2 ص 331: المنهاج مجلدان، وكذا في التحف).
خامساً: مؤلفات ورسائل في فنون متفرقة:
1- إجازة للفقيه أحمد بن سليمان.
…نسخة بخط المؤلف بجانب (المعيار) بمكتبة الجامع برقم (84) (علم الكلام).
2- الاختيارات المؤيدية.
…ذكره المؤرخ زبارة في (أئمة اليمن) ص229، ولعله مخطوط بإحدى مكتبات الهند (ذكره محقق المعالم الدينية ص13).
3- أطواق الحمامة في حمل الصحابة على السلامة.
…منه مخطوطة في (7) ورقات ضمن مجموعة بمكتبة آل يحيى بمدينة تريم بحضرموت.
4- جواب على سؤال ورد إليه من الشام، يسأل عن أحواله ومقروءاته ومصنفاته.
…منه مخطوطة ضمن مجموعة برقم (10) بمكتبة الجامع الكبير (الكتب المصادرة)، نسخة أخرى ضمن مجموعة بخط حفيده بنفس المجموعة.
5- جوابات ثمانية وثلاثين سؤالاً.
…نسخة مخطوطة سنة 832، بخط حفيد المؤلف: أحمد بن عبدالله بن يحيى بن حمزة، بنفس المجموعة.
6- الجواب الناطق بالصواب، القاطع لعرى الشك والارتياب.
…منه مخطوطة ضمن المجموعة السابقة في (6) ورقات.
7- الجوابات الوافية بالبراهين الشافية.
…نسخة ضمن المجموعة السابقة في سنة 821هـ، في 13 ورقة. ذكره في البدر الطالع.

(1/120)


8- خلاصة السيرة.
…لخص فيه سيرة ابن هشام.
9- الدعوة العامة.
منه نسخة مخطوطة ضمن مجموعة برقم (69) بمكتبة الجامع.
10- الرسالة المفيدة.
…منه مخطوطة ضمن مجموعة برقم (93) بمكتبة الجامع. (فهرست الأوقاف ص635) في علم الكلام.
11- الرسالة الوازعة لصالح الأمة عن الاعتراض على الأئمة.
…منه مخطوطة سنة832هـ بخط حفيده، ضمن مجموعة برقم (10) بمكتبة الجامع (فهرست الأوقاف ص1892).
12- الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب صحابة سيد المرسلين.
…طبعت بعناية المؤرخ زبارة سنة 13هـ بمصر في المطبعة المنيرية في 36 صفحة (ذكره الشوكاني في البدر الطالع).
13- صورة كتاب فيه تولية الفقيه مسعود الحويت.
…منه مخطوطة سنة 832هـ، ضمن مجموع برقم (10) بمكتبة الجامع.
14- صورة كتاب إلى الفقيه مسعود الحويت.
…مخطوطة ضمن المجموعة السابقة.
15- عهد الإمام إلى بعض قضاته.
…مخطوطة سنة 832هـ، ضمن المجموعة السابقة.
16- اللباب في محاسن الآداب.
…مخطوطة ضمن مجموعة من ورقة 169 - 173. مكتبة الأمبروزيانا، برقم (124g)
17- من كلام الإمام يحيى، وقد طالع كتاب التصفية للفقيه محمد بن حسن الديلمي.
…مخطوطة ضمن مجموعة برقم (10) بمكتبة الجامع.
18- نسخة كتاب تعزية في الفقيه أحمد بن يحيى إلى الفقهاء بيت حنش.
…مخطوطة سنة 832هـ، ضمن المجموعة السابقة (فهرست الأوقاف ص1389 . (في الفهرست: بني حبيش).
19- نسخة كتاب تعزية إلى الشيخ أحمد بن حسن الرصاص، بوفاة الشيخ علي محمد الرصاص.
مخطوطة ضمن المجموعة السابقة. (فهرست الأوقاف ص1823).
20- نسخ ثلاثة كتب:
- أحدها: إلى السادة بالجهات الظاهرية. (فهرست الأوقاف ص1780).
- الثاني: إلى من وقف عليه من القبائل.
- الثالث: إلى السادة أهل حوث.
مخطوطاتها ضمن المجموعة السابقة.
21- وصية.
…أورد جزءاً منها المؤرخ زبارة في ص231 - 233. من (أئمة اليمن).
22- وصية الإمام يحيى بن حمزة إلى أولاده وزوجاته.

(1/121)


…مخطوطة سنة 832هـ، ضمن المجموعة السابقة. (فهرست وزارة الأوقاف ص1402).
23- تصفية القلوب عن درن الأوزار والذنوب.
…قسمها إلى عشر مقالات:
…منه ست نسخ مخطوطة. (فهرست الأوقاف ص1315) أفاد في البدر الطالع ج2 ص334 أنه مجلد.
- الأولى: سنة 1048هـ في (222) ورقة بمكتبة الجامع برقم (72). تصوف.
- الثانية: في (268) ورقة برقم (71) بنفس المكتبة.
- الثالثة: سنة 1060هـ في (225) ورقة بنفس المكتبة رقم (36) تصوف.
- الرابعة: ضمن الكتب بالجامع (وقف للمدرسة).
- الخامسة: سنة 1064هـ بمكتبة الأمبروزيانا برقم (63b).
- السادسة: سنة 1339هـ في(307) ورقات بمكتبة المؤرخ زبارة بصنعاء.
24- الديباج الوضي في الكشف عن أسرار كلام الوصي.
…شرح كتاب (نهج البلاغة). مخطوطة منه سنة 1073هـ في (400) ورقة بمكتبة الجامع برقم (306) أدب.
(فهرست الأوقاف ص1646 وفي البدر الطالع: (.. كلام الرضي) ج2 ص331، وفي التحف ص185 (الوصي) كما في الفهرست و المصادر).
كتب المؤلف في مصادر أخرى:
هذا نص ما أورده الأستاذ عبدالله الحبشي، في كتابه: (مصارد الفكر العربي الإسلامي في اليمن). مع حذف طفيف جداً لبعض الجمل والكلمات المكررة، وفي تصنيفها إلى خمسة أصناف فيما هو خاص بمؤلفات المؤلف، وأضفنا بين قوسين، ما هو موجود منها بفهرست وزارة الأوقاف بمكتبة الجامع الكبير، أو بعض المصادر الأخرى، ونورد ما تفرد به الفهرست عند الحديث على محتوياته.
وأعود للتعقيب على مؤلفات الإمام يحيى بن حمزة، بحسب النص السابق لها، من خلال أشهر مصادرها المتوفرة لدينا، وسيقتصر هذا التعقيب على:
1- إضافة مؤلفات أخرى.
2- تغيير في أسماء أو عناوين شيء منها.
3- زيادة أو نقصان في عدد أجزاء المخطوطة.
4- وجود نسخ أخرى أو مكررة لشيء منها في مصادر أخرى.

(1/122)


5- مدى تحقيق وطبع شيء من مخطوطاتها، تالٍ لما هو مسجل بهذا المصدر، أو أية إضافات أخرى تستحق التناول، تسهيلاً للباحث والمطلع وأدلة المكتبات وغيرها. ونشير هنا إلى أن ما قدمه الأستاذ الحبشي، هو جهد عظيم وكبير ولائق بباحث متفرغ في مستوى اطلاعه وتفرده في هذا المجال، إلى الحد الذي يدفعنا وغيرنا إلى القول بحق: بأنه فذ متفرد في الاطلاع وتسجيل المخطوطات الفكرية ومؤلفيها وأعلامها في اليمن، وما قدمه من خدمة لها، هو أجل من الثناء وأكثر من الوصف، فجزاه اللّه عنها خير الجزاء. والذي نريد الإشارة إليه، أن كتاب الأستاذ الحبشي في ما يخص مؤلفات يحيى بن حمزة، بوصفها موضوع هذا الحديث.. قد اقتصر على تسجيل ما هو منها بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء، فيما عدا ذكره بضع مرات لبعض منها في خمسة مصادر. هي: (الأمبروزيانا، والمتحف البريطاني، ومكتبة بالهند، ومكتبتا كل من المؤرخ زبارة والقاضي حسين السياغي، ومكتبة آل يحيى بتريم - حضرموت).
وكما قلت.. فإن ما ذكره في هذه المصادر الخمسة، لا يتجاوز بضع مخطوطات من مؤلفات الإمام يحيى بن حمزة، وهذا لا ينال كتاب الأستاذ الحبشي بشيء، إذ أن ذلك مرتبط ربما بطبيعة كتابه من ناحية، ثم إنه جهد رائد وعظيم، وسيظل كذلك، وهذا من ناحية ثانية.
ولأن ما سوف يضاف هنا، يقتصر على ما يدخل ضمن إطار النقط الخمس السابقة.. فإننا سنتناول المخطوطات من مؤلفات المؤلف، في هذا الإطار وخارج التصنيف الموضوعي السابق وبحسب تسلسلها، إلا أننا سنبدأ بكتاب (الانتصار).
1- كتاب الانتصار.
ذكر الأستاذ الحبشي كما سلف.. خمسة أجزاء من الانتصار هي: الثاني، والخامس، والثامن، والحادي عشر، وجزأين مكررين هما: الثاني، والخامس عشر. وذيلها بقوله: (جميع هذا الأجزاء مخطوطة بمكتبة الجامع)، ولفظه هذا لا يفيد الحصر والقصر، إلا أن موضوع كتابه القائم أساساً على الاستقراء، قد يفيد ذلك.

(1/123)


و (فهرست مخطوطات مكتبة الجامع الكبير بصنعاء) يسجل من أجزاء (الانتصار) بمكتبة الجامع خمسة عشر جزءاً، تضم المسجل في كتاب الأستاذ الحبشي والمكرر، ونوضح الجديد في التالي:
أولاً: فهرست مخطوطات الجامع الكبير:
وينحصر ما يضيفه هذا الفهرس من (الانتصار)، في عشرة أجزاء.
1- مجلد الأجزاء الثلاثة الأُوَل: الأول والثاني والثالث، التي سبق اعتمادها ضمن هذا التحقيق برمز (ق). وهي بخط الريعاني القدمي، ويتفق في نسختين من الثاني مع ما سبق.
2- الجزء الرابع: وهي أولى المخطوطتين التي تم اعتمادها أصلاً للتحقيق.
3- الجزء الخامس: مخطوطة سنة 783هـ. ق: (220) م: (28).
4- الجزء الثامن: مخطوطة سنة 784هـ. ق: (253) م: (21).
5- الجزء العاشر: أول المخطوطة: القول في خيار النقيصة.
آخرها: والمستقر من الأراضي والدور وسائر العقارات. في ربيع الآخر784هـ. ق(227) م:(26).
6- الجزء الحادي عشر: مخطوطة سنة 1091هـ. ق: (179) م: (29).
7- الجزء الثالث عشر: مخطوطة بخط المؤلف في 10 ربيع الأول سنة 747هـ .ق: (156)م: (29).
8- الجزء السادس عشر: مخطوطة بخط المؤلف في 10 جمادى الآخرة سنة 748هـ. ق: (160) م: (35).
ثانياً: (مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني) للدكتور حسين عبدالله العمري. وفيه ثمانية أجزاء من (الانتصار) بما فيها المكرر، وهي:
1- الجزء الثاني:
……مخطوطة بخط المؤلف سنة 742هـ في العشر الثالثة من رجب. ق: (174).
2- الجزء الثالث: مخطوطة في منتصف ذي الحجة سنة 947هـ. ق: (274) برقم:3980.
3- الجزء الخامس: مخطوطة في 154 ق. برقم 3981.
4- الجزء السادس: مخطوطة في 188ق. برقم 3982.
5- الجزء الثامن: مخطوطة في 224ق. برقم 3978.
6- الجزء السادس عشر: مخطوطة في 374 ق. برقم 3983.
7- الجزء السابع عشر: داخل ضمن مخطوطة السادس عشر السابقة، وضمن عدد صفحاتها.

(1/124)


8- الجزء السابع عشر: (نسخة ثانية) مخطوطة في آخر أيام شهر رمضان سنة 748هـ في 162 ق، برقم 3984.
ثالثاً: المكتبات الخاصة:
وهي المخطوطات التي استطعنا الحصول عليها من بعض المكتبات الخاصة في اليمن. تضمنت هذه المقدمة تسجيل ما حصلنا عليه من نسخ للأربعة الأجزاء الأولى من الكتاب، وكما أشرنا سابقاً، فإننا ندع المعلومات المفصلة عن مخطوطات الأجزاء من الخامس فما يليه، لتكون في مقدمة كل مجلد على حدة بصفة مستقلة، وهذا تجنباً للتكرار والإطالة، قدر الإمكان.
رابعاً: المؤلفات التي لم يتضمنها كتاب الحبشي:
نورد هنا مؤلفات الإمام يحيى بن حمزة التي لم تتضمنها مصادر الأستاذ الحبشي، الذي اعتمدناه أصلاً لعرض هذه المؤلفات.
ونود الإشارة أولاً: إلى أن اللبس الذي قد يؤدي إلى تكرار أو إهمال من قبلنا، يعود إلى بعض المخطوطات التي ليس لها عناوين محددة، أو التي تتشابه عناوينها العامة، مثل: الرسائل والجوابات والوصايا ونحوها، وهذه يصعب تجنب الخطأ فيها، وقد حرصنا على العمل لتمييزها بواسطة الأسماء أو عدد الأوراق أو التاريخ مهما أمكن ذلك، وبعده لا نجد سبيلاً إلى ضبط الخطأ وجل من لا يخطئ.
وثانياً: أن مصادر الأستاذ الحبشي لمؤلفات المؤلف، هي أشمل وأوسع، وفيما هو منها في مكتبة الجامع الكبير، فيمكن تمييز ما أورده الحبشي مما ليس موجوداً في فهرست وزارة الأوقاف، بعدم وجود الإشارة إلى موقع المخطوطة بين قوسين في قائمة المؤلفات السالفة.
وهذه مجموعة المؤلفات التي لم توجد في مصادر الحبشي.
أولاً: فهرست مكتبة الجامع الكبير (فهرست وزارة الأوقاف):
مسلسل ... عنوان الكتاب ... رقم الصفحة
1 ... إكليل التاج وجوهرة الوهاج. مخطوطة عام 832هـ. ق: 146 - 175. ... 1444
2 ... رأي يحيى بن حمزة في أبي بكر وعمر (ض) ق:202-206. ... 916
3 ... جوابات مسائل ... 1025
4 ... جوابات مسائل حول الشفعة والجوار ... 1079

(1/125)


5 ... نبذة من سيرة الإمام يحيى بن حمزة ... 1820
6 ... نسخة من كتاب يحيى بن حمزة إلى سلطان اليمن المجاهد ... 1824
7 ... نسخة من دعوة يحيى بن حمزة إلى أمراء آل عماد الدين ... 1824
8 ... نسخة من دعوة يحيى بن حمزة إلى سلطان اليمن ... 1770
9 ... كتاب يحيى بن حمزة إلى الأمير عبدالله بن أحمد بن قاسم ... 1823
ثانياً: المؤلفات التي يظهر فيها شيء من التشابه والاشتباه:
وهذه حرصنا على إيراد أبرزها هنا، لتحقيق أكبر قدر ممكن من الدقة في تحديد مؤلفات الإمام يحيى بن حمزة وعناوينها، ثم إن إيرادها لا يعدم الفائدة من تصحيح ما يحتاج منها إلى تصحيح، عن طريق لفت نظر المهتمين والباحثين على أقل احتمال لحجم الفائدة.
وهذه الكتب أعني مؤلفات هذا الإمام كلها، يلحظ فيها بعامة، تشابه كبير بين عناوينها لدرجة تجعل المستقرئ لها، يظن أن الكتاب الوارد في مصدرين، كتابان، أو العكس. وأعود لما رأينا تسجيله هنا نموذجاً لذلك التشابه والاشتباه.
1- الشامل لحقائق الأدلة العقلية وأصول المسائل الدينية:
حول هذه الكتاب توجد الملاحظات الآتية:
الأولى: أورد الكتاب بهذا العنوان، سيد مختار، في (المعالم الدينية والعقائد الإلهية) ص6،12. الطبعة الأولى 1988م. بينما أورده الحبشي في (المصادر) ص 567، بنفس العنوان. ما عدا الكلمة الأخيرة (الدينية)، فقد جاءت (الدنيوية)، كما جاء ذكره في (البدر الطالع) ص331، و(التحف شرح الزلف) ص185 بأسم (الشامل) مجرداً، اختصاراً للاسم، والصحيح ما أوردناه هنا، استناداً إلى الاستقراء، وهي كلمة (الدينية)، ولتناسبها مع موضوع الكتاب.
الثانية: قال الدكتور أحمد محمود صبحي في تصديره لكتاب (المعالم) ص6: بأن مؤلّف الإمام يحيى بن حمزة (المعالم الدينية في العقائد الإلهية)، يتضمن تلخيصاً لمؤلفه الضخم (الشامل).

(1/126)


الثالثة: لم نجد هذا الكتاب ضمن فهرست الأوقاف لمخطوطات الجامع الكبير، برغم أن مصادر الأستاذ الحبشي تؤكد وجود مخطوطته في مكتبة الجامع كما سبق.
2- الحاوي لحقائق الأدلة الفقهية وتقرير القواعد القياسية:
وحوله الملاحظات الآتية:
الأولى: جاء ذكره في (مصادر الفكر العربي الإسلامي في اليمن ص567). ولم يحدد مجلداته ولا مكان مخطوطته وليس في مكتبة الجامع، كما يظهر من عدم وروده في فهرست الأوقاف.
الثانية: جاء ذكره في (البدر الطالع) و (التحف شرح الزلف)، وأنه ثلاثة مجلدات مخطوطة، وكذا في (المعالم الدينية ص12)، ولم يحدد أي منها مكانه. وأفاد مصدر آخر بأنه من الكتب المفقودة.
الثالثة: عرفنا أن منه مجلدين هما: الأول: صورة مخطوطة لدى القاضي محمد سعد الشرقي بمكتبته الخاصة، والثاني: مخطوطة لدى الأستاذ محمد بن محمد بن يحيى مطهر.
الرابعة: أن مخطوطة (المعيار لقرائح النظار في شرح الأدلة الفقهية، وتقرير القواعد القياسية)، لنفس المؤلف من جهة، وفي نفس الموضوع من جهة ثانية، وبنفس العنوان عدا الكلمتين الأوليين من (الحاوي)، والثلاث الأولى من المعيار، مما يوحي بأن هناك علاقة ما بين الكتابين، قد تكون مثلاً، في أن الأخير هو ملخص أو منتزع من الأول، كما جاء في مقدمة المعيار شيء من هذا.
3- الاقتصار (في النحو):
هكذا أورده في المصادر ص565، بحرف الراء في آخره، بينما جاء في البدر الطالع، وفي التحف، بالدال المهملة كما سبق، إلا أن تراجم شرح الأزهار ج3 ص42، تؤكده بالراء. وهذه التراجم للعلامة أحمد بن عبدالله الجنداري (رحمه الله).
4- العمدة (في الفقه):

(1/127)


ذكره المؤلف في مقدمة (الانتصار) وورد في المصادر عن (أئمة اليمن)، بأنه ستة مجلدات، وكذا في التحف، ويشتبه بكتاب (العدة في المدخل إلى العمدة) للمؤلف أيضاً، ذكره في (المصادر) عن (أئمة اليمن) وأنه جزآن في الفقه أيضاً، ويظهر أنه مختصر (العمدة) بناء على ما جاء في أئمة اليمن بأنه مختصر بالغ الأهمية، ولكن لم نطلع على ما يؤكد ذلك، أو يحدد سبق أحدهما للآخر.
5- الأزهار الصافية شرح مقدمة الكافية:
جزآن في النحو، وكما سبق فقد ذكره في (أئمة اليمن)، باسم (الأنهار الصافية). وبرغم ذكرها في جملة مخطوطات الجامع الكبير، فلم يرد ذكرها في فهرست الأوقاف، ولعل عنوانها الصحيح: (الأزهار الصافية) كما جاء في (المصادر)، وكما جاء في تراجم شرح الأزهار.
6- الإيجاز لأسرار كتاب الطراز في علوم البيان ومعرفة إعجاز القرآن:
وتبدو العلاقة واضحة في العنوان بينه وبين كتاب (الطراز) للمؤلف، ولكن دون معرفة نوع هذه العلاقة، إلا فيما إذا كان (الإيجاز) مختصر (الطراز). وقد صدر كتاب الطراز في مجلدات ثلاثة، وبين أيدينا نسخه صادرة عن (دار الكتب العلمية) ببيروت عام 1980م. وبرغم أن على ورقته الأولى: (أشرفت على مراجعته وضبطه وتدقيقه جماعة من العلماء بإشراف الناشر) إلا أن أولى صفحات الكتاب، مقدمة المؤلف، فلم يقدم هؤلاء (الجماعة من العلماء) للكتاب، وكل ما أضافوه لا يكاد يتجاوز فهارس الموضوعات، وبعض الهوامش القليلة، مع ظهور لهجة تجنٍ وعسف في هذه الهوامش على المؤلف مثل ما في ص3 هامش(1) ج1، تعليقاً على استخدام المؤلف جمع (أكتبة) للقلة، عن (كتب) مفردها كتاب.. فجاء نص الهامش: (هذا جمع لم تستعمله العرب). هذه الأربع أو الخمس الكلمات فقط، دون أن يستند فيها إلى أحد.

(1/128)


ومثل الهامش على قول المؤلف: (.. فالمعاني جمع معنى كمضارب ومقاتل، والمعنى مفعل، واشتقاقه من قولهم: عناه أمر كذا إذا أهمه ..) فجاء التعليق على كلمة (مفعل) في الهامش، بلفظ: (1) هذا كلام من لا يدري، والصواب أنه مشتق من عنيت الأمر، كرميت إذا كنت قاصداً له، فمعنى الكلام مقصده. كتبه سيد المرصفي) انتهى ص10 ج1.
وأسلوب صاحب الهوامش هذا، لا يوحي بأنه أسلوب عالم أو عارف، وهو يقول عن المؤلف: بأن كلامه كلام من لا يدري، وكأنه يخاطب تلميذاً في الفصل لم يحرز بعد أبجديات اللغة، لا عَلَماً من أبرز أعلام اللغة بكل علومها، وكأن صدره موغور على المؤلف، وليته أصاب في اعتراضه، ولكنه عبر فعلاً عن قصور في اللغة من جهة، وفي قدرته على فهم المعنى الذي أورده وأراده المؤلف من جهة ثانية؛ إذ أن أصل الفعل (عنى) سواء من (أهم) أو (قصد).
وعن (الإيجاز) يقول محقق (المعالم الدينية): (يبدو أنه لأحد تلامذته)، ولم يوضح ما بنى عليه هذا الاحتمال.
7- الفائق المحقق في علم المنطق:
8- القانون المحقق في علم المنطق:
كما سبق ذكرهما في (المصادر) ص568 برقمي (39 - الفائق) و (41 - القانون).. على أنهما كتابان استند في ذلك إلى (أئمة اليمن). وقد ذكر (القانون) الشوكاني في (البدر الطالع) ص332، ولم يذكر أي من هذه المراجع مكاناً أو حجماً أو تاريخاً لأي من الكتابين. وحتى يظهر ما يؤكد الحقيقة، فإن الذي يمكن ترجيحه الآن، هو أنهما كتاب واحد، هو (القانون) الذي ذكره الشوكاني، ويسند هذا أن التشابه بين الكلمتين في الشكل مهد للتَّصحيف وتحويل كلمة (القانون) إلى (الفائق).
9- خلاصة السيرة:
وهي خلاصة لسيرة النبي (ص) لابن هشام، كما ظهر من مصادر الأستاذ الحبشي، ولكن لم نطلع على ذكر له حتى الآن فيما توافر لنا من مراجع.
10- الديباج الوضي في الكشف عن أسرار كلام الوصي:

(1/129)


في (المصادر) (الوصي) بالواو والصاد المهملة، فياء، وكذا (التحف شرح الزلف) إلا أن الشوكاني ضبطها في (البدر الطالع)، بـ(الرضي) بالراء والضاد المعجمة فياء، ولعل الأصح (الوصي).

(1/130)


---
خاتمة
نكتفي بهذا العرض السريع لمؤلفات الإمام يحيى بن حمزة؛ إذ ليس هذا مقام الوقوف عندها أكثر للبحث والفحص، فذلك مقام بحث خاص بمؤلفاته، يصل إلى أدق المعلومات عنها وعن أماكنها وعناوينها وموضوعاتها إلى آخره، وقد حرصنا أن نضمن هذه المقدمة ما أمكن مما هو متناسب مع موضوعها وغايتها وطبيعتها، آملين أن يكون ذلك مقارباً لحدود المطلوب منها.
ونعود إلى تضمين هذه الخاتمة إشارتين:
أولاهما: منهج تحقيق الكتاب.
وفي هذا الجانب فقد وضعنا منهج تحقيق (الانتصار) على الأسس العامة التالية:
1- المقدمة: بمحاورها الثلاثة السالفة.
2- ملاحق الكتاب المتعلقة بالفهارس والتراجم والتخريجات.
3- الهوامش الخاصة بالكتاب.
4- وضع التصحيح أو التصويب للأخطاء الإملائية أو اللغوية أو النقص، مما رأينا تركه كما هو بالمخطوطة الأصل، بين قوسين في (القلب)، عقب الكلمة المتغيا تصحيحها أو تصويبها في مكان النقص المحتمل.
أما ما عدا ذلك من توضيح أو تصويب أو إشارات إلى غرض المؤلف أو ما يضارعها، فإن مكانها الهامش.
ثانيتهما: رموز وألقاب الأعلام والأسماء الواردة في الكتاب.
في البداية لهذه الإشارة نود القول بأن مؤلفات الزيدية في اليمن، والفقهية منها خاصة، لها رموز مصطلح عليها من حرف أو حرفين أو ثلاثة، تمثل اختصاراً لأسماء بعض الأعلام والكتب، وبعض الفرق التي يكثر إيرادها، وترديدها، وكذا ألقاب مصطلح على تحديد المراد بها إذا أطلقت. ونورد هنا مجموعة هذه الرموز والألقاب الموجودة في هذا الكتاب فقط، موزعة ومتناثرة في أماكن ذكر كل منها، كما هي كذلك في مختلف كتب المخطوطات اليمنية الفقهية خاصة، وهي نوعان: الألقاب المطلقة، والرموز.
أولاً: ألقاب الأعلام:
1- الإمام الهادي، أو الهادي: يحيى بن الحسين.
2- القاسم، أو الإمام القاسم: القاسم بن إبراهيم.
3- الناصر، أو الإمام الناصر: الحسن بن علي الأطروش.

(1/131)


4- العبادلة الثلاثة: عبدالله بن عباس، وعبدالله بن مسعود، وعبدالله بن عمر.
…والأربعة: يضاف إليهم عبدالله بن عمرو بن العاص.
5- السيدان، الأخوان: المؤيد باللّه وأبو طالب.
6- السادة الثلاثة: المؤيد بالله وأبو طالب وأبو العباس.
7- المؤيد بالله: أحمد بن الحسين الهاروني.
8- أبو طالب: يحيى بن الحسين الهاروني.
9- المنصور بالله: عبدالله بن حمزة.
10- أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن الحسن.
ثانياً: رموز الأعلام:
1- (ص) بالله: الإمام المنصور بالله.
2- (م) بالله: الإمام المؤيد بالله.
3- (ط): أبو طالب.
4- (ع): أبو العباس.
5- (ح): الإمام أبو حنيفة.
6- (ش): الإمام الشافعي.
7- (ك): الإمام مالك.
8- (ص ح): أصحاب أبي حنيفة.
9- (ص ش): أصحاب الشافعي.
10- (ف): الفقيه أبو يوسف.
11- (ث): سفيان الثوري.
(وقد نجز غرضنا من هذه المقدمة) بحسب مقولة المؤلف عليه السلام راجين أن نكون قد وفقنا في تقديم أقل ما يجب تجاه هذا الكتاب الموسوعة النادرة للفقه الإسلامي، ومؤلفه الإمام العالم المجتهد المجاهد المؤيد بالله يحيى بن حمزة، وحققنا شيئاً من الانتصار لكتاب (الانتصار) ليخرج من غياهب العزلة التي ظل فيها حبيس المخطوطات المشتتة قرابة سبعة قرون، بالشكل والأسلوب اللائقين به، ولو في أدنى حد ممكن، آملين من اللّه تعالى أن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم، وأن يكفر عنا بحسنات حسنِةٍ سيئات سيئةٍ إنه جواد كريم وغفور رحيم، والرجاء من كل قارئ قادر على أن يسد خللاً أو يصحح خطأ تقع عليه عيناه، أن يفعل ذلك بقدر الإمكان، وأن يتجاوز عنا فيما تجاوزه السهو والخطأ منا، وحسبنا أنا قد تمسكنا فيه بمبدئنا بأن نبذل الجهد بما في وسعنا. وإن كان يسيراً وقليلاً، فإن اللّه يضاعف لمن يشاء. {ولا يكلف اللّه نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}.

(1/132)


{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو اخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}.
(وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين)
…… عبد الوهاب بن علي بن محمد بن إبراهيم حورية المؤيد
……………صنعاء - أكتوبر 2000م.

(1/133)


---
مقدمات المؤلف
الحمد لله وصلاة على سيدنا محمد وآله، اللهم أعن يا كريم.
الحمد لله القيوم الذي لا تستولي على كنه جلاله عميقات مذاهب الفكر والأفهام، المتعالي بكبريائه عن أن ترتقي إليه متاهات الظنون والأوهام، المنزه في ذاته عن مشاكلة المكونات من الأعراض والأجسام، البعيد عن الحصول في الأماكن والجهات على حد تَحَيُّز الأجرام، المقدس بالصفات الإلهية الشريفة العظام، المسبَّح بالأسماء على ألسنة الملائكة الكرام، المنعم الذي ضرب علينا من فضله سرادقات نعمه الجسام، وأرخى علينا من جوده سرابيل المنن والإنعام، بما ألهمنا من معرفة معالم الدين والإسلام، وخصنا بما عرَّفَنا من حقائق الشرائع والأحكام، وتمييز الحلال من الحرام.. وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، شهادة تكون سبباً لإحراز عفوه وغفرانه، وذريعة إلى الفوز بثوابه وعظيم رضوانه. والصلاة على رسوله المؤيد بالواضحات من الأعلام، الهادي إلى الرشد الداعي إلى دار السلام، محمد المحمود في طرائقه وآثاره، وإمام من اهتدى بهديه وعلم مناره، وعلى آله الطيبين الذين أشرق بضياء علومهم عن الدين كل ظلام، وانحسر بنور أنظارهم عنه كُدُورة كل قتام، حتى رسخت عروقه وتقررت منه مواضع الأقدام، فتجلَّت أنواره عن حقائقها وأسرارها، وطلعت شموسه واضحة فأسفر وجه نهارها. فجزاهم اللّه عن حميد سعيهم في دينه أعظم رضوانه، وأحلهم أعلى الدرجات من فضله ومزيد إحسانه.
أما بعد: فإن أفضل ما شغل الإنسان به نفسه وأفنى فيه عمره، هو طلب العلم وإعطاؤه، فإنه أفضل الأعمال وأشرفها، سواء وفق لإحرازه طالبه أو أخطأه. ثم إن الباعث على هذا الإملاء غرضان:

(1/134)


فالغرض الأول منهما هو: أن العلم لما كان من أعلى المراتب وأسناها وأشرف المناقب وأرفعها وأحظاها، وأنفس الأعمال وأزكاها، وأشرف ما يخلفه الإنسان بعد الموت، لشرفه وعلو فائدته في الدين .. فأحببت أن يكون لي بعد الموت ما عسى أن يبقى ثوابه ولا ينفد أجره، تصديقاً لقوله تعالى: {إنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ }[يس:12]. وفي الحديث عن صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه: (( إذا مات ابن آدم انقطع عنه سائر عمله إلا ثلاثة : علم ينتفع به، أو صدقة تجري، أو ولد صالح يدعو له ))(1).
والغرض الثاني: أن اللّه تعالى لما وفقني لإتمام كتاب (العمدة في المباحث الفقهية)(2) وكنت قد اقتصرت فيه على ذكر المذهب ودليله، وذكر من خالف مذهبنا أو وافق من علماء الأمة وفقهاء العامة، وألغيت ذكر أدلة المخالفين، وذكر المختار من الأقاويل في المسألة، وتقرير الحجة عليه، ووعدت في صدر الكتاب أن اللّه تعالى إن نفس لي في المهلة وتراخى الأجل ضممت إليه كتاباً، فلما أنجز اللّه العِدَةَ، وصدق الرجاء بتنفيس المدة، ابتدأت بتأليف هذا الكتاب فأجعله كتباً، ثم أضمن الكتب أبواباً، ثم أحشو الأبواب فصولاً، والفصول مسائل، فأذكر في كل مسألة من خالف فيها، وأورد لكل مجتهد حجته من الأدلة، ولم آل جهداً في تقرير كل مذهب من تلك المذاهب بدليله وإيراد أحسن ما أجده في نصرته وتقرير مقالته، حتى إذا أكملت المذاهب بأدلتها في المسألة، ذكرت المختار من تلك المذاهب وقررته بحجته، وأوردت الانتصار بإبطال ما خالفه، فصار في سياقه مرتباً على مراتب ثلاث:
__________
(1) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي.
(2) كتاب (العمدة) في الفقه، ستة مجلدات كما جاء في مصادر الحبشي عن (أئمة اليمن) للعلامة زبارة.

(1/135)


المرتبة الأولى: أن تكون المسألة قد وقع فيها خوض من أئمة العترة وفقهاء الأمة، وتكرر فيها النظر، وطالت فيها الخصومة، وحصل فيها النزاع بينهم. وهذا هو الأكثر المطرد من جهة أن معظم المسائل قد خاضوا فيه، وأفتى كل واحد منهم على حسب ما يعن له من النظر ويقوى من الدليل الشرعي، وما هذا حاله من المسائل، أذكر لكل واحدٍ منهم دليله وأوضحه، ثم أشفعه بذكر المختار من تلك المذاهب، وأذكر ترجيحه على غيره من تلك المذاهب المذكورة.
المرتبة الثانية: أن لا يكون لأئمة العترة فيها قول وللفقهاء فيها خوض.. وما هذا حاله فهو مغفور قليل ولا يُعثر عليه إلا على جهة الندرة، بالإضافة إلى ما قد خاضوا فيه، فأذكر المسألة وأوضحها ببراهينها الشرعية لكل واحد من المخالفين، ثم أذكر المختار من تلك الأقاويل، وما أراه صالحاً للمذهب منها بمعونة اللّه، فأما ما كان مجمعاً عليه فأذكره، ثم أوضحه بحجته من غير زيادة.
المرتبة الثالثة: ما لا يكون لأئمة العترة ولا لعلماء الأمة فيها قول، وما هذا حاله فإنما يُعثر عليه في الندرة ويوجد على جهة القلة، وهو أدخل في الندور من الذي قبله. وما هذه صفته، فأذكر المسألة وأوضحها بالحجة الشرعية على حد ما أجده وأعثر عليه، فلما نزلته على هذه الهيئة، ورتبته على هذا الترتيب، وصار معتمداً في معرفة المذاهب وحجج التأويل، ووسيلة إلى تمييز الصحيح المختار من الأقاويل.. سميته بكتاب:
(الانتصار على علماء الأمصار في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة)
وأنا أسأل اللّه بجلاله وعلو شأنه وجبروت ملكوته وقاهر سلطانه، أن يوفق فيه القصد ويخلص فيه النية، ويحقق فيه الأمل ويصدق الأمنية، ويجعله خالصاً لوجهه، مطابقاً لرضاه بمنه وطوله، إنه قريب مجيب.

(1/136)


---
تمهيد
واعلم أنّا قبل الخوض فيما نريده من مقاصد الكتاب، نذكر تمهيداً يشتمل على مقدمات خمس تكون قاعدة لمهادِه، وعوناً على إحراز أسراره ومراده، ولا غنى عنها لمن خاض في المسائل الفقهية، وتكرر نظره في المذاهب الخلافية، وأكثَر الكتب الفقهية خالية عنها، ونحن نوردها ونشرحها بمعونة اللّه تعالى.
وكتابي هذا متميز عن سائر الكتب المصنفة في هذا الفن بخصال لا تخفى على الناقد البصير، ويدري بمواقعها كل ألمعي نحرير.

(1/137)


---
المقدمة الأولى: في بيان ماهية الحكم وصحة نقل الأسماء
اعلم أنه يتعذر أنا نتكلم في الأحكام الشرعية، كالقبح والحسن والوجوب والندب والإباحة والكراهة، وتحصيلها بأدلتها الشرعية، ولم نفهم ماهية الحكم وحقيقته؛ لأن الكلام على ثبوت الشيء ووجوده، فرع على الكلام على تصور ماهيته وبيان معناه. ويتعذر أن نتكلم في أن الصلاة مقولة على هذه الأفعال وغيرها من الأسماء الشرعية، ولم نقدم صحة نقل الأسماء، فهذان(1) مطلبان تشتمل عليهما هذه المقدمة. والعجب من نظار الفقهاء حيث تكلموا على هذه الأحكام ولم يظهروا هذه الأسرار، ولا أبرزوا خفاياها مع شدة الحاجة إليها.
المطلب الأول: في بيان ماهية الحكم ومعناه.
__________
(1) في الأصل: فهذه.

(1/138)


والذي ذهب إليه نظار الأشعرية(1) والمحققون منهم، كالجويني (2) والغَزالي ) وابن الخطيب الرازي ) أن المرجع لما(5) ذكرناه من هذه الأحكام ليس إلا مجرد إيصال الخطاب بالفعل من غير أمرٍ وراء هذا.
فالقبيح عندهم: ما قيل فيه: لا تفعلوه.
والواجب: ما قيل فيه: افعلوه، وحرام تركه.
والمندوب: ما قيل فيه: افعلوه، ولا حرج في تركه.
والمباح: ما قيل فيه: لا حرج عليكم في فعله ولا تركه.
والمكروه: ما قيل فيه: اتركوه، ولا حرج في فعله.
فهذه هي ماهية الحكم عندهم، ونفس معقوله من غير أمر وراءه(6).
__________
(1) الأشعرية: أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، المتوفى سنة 324هـ. (راجع الملل والنحل للشهرستاني ج1/94).
(2) أبو المعالي، عبدالملك بن عبدالله الجويني الأشعري، المعروف بإمام الحرمين، شيخ الأشعرية ومتكلمهم، ولم يكن أشعرياً؛ لأنه يقول: فعل العبد بقدرة العبد مستقلة ولا كسب. له مصنفات مشهورة في الأصولين: (البرهان)، و(الورقات) و(المنتخب). وكان له عدد كبير من الطلبة. ا.هـ مقدمة الأزهار.
(3) أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الأشعري الطوسي(450 - 505هـ). ولد في طوس سنة450هـ، قرأ على الجويني بطوس حتى توفي الجويني، فانتقل إلى العراق. وله مؤلفات مشهورة منها: (إحياء علوم الدين) و(المستصفى) و(المنتخب) وغيرها، وكان أشعري المذهب ثم انتقل إلى مذهب الزيدية، وصح رجوعه برواية الشيخ محيي الدين الجيلاني، ومثله قال الإمام الشرفي، ويشهد بذلك كتابه (سر العالمين)، واشتغل آخر عمره بالزهد والعبادة. وتوفي في جمادى الآخرة سنة 505هـ. (مقدمة الأزهار - طبقات الشافعية - تهذيب التهذيب).
(4) هو فخر الدين محمد بن عمر الرازي، أحد العلماء الذين جمعوا بين علمي الأصول والفروع والفلسفة، وله أكثر من ثلاثين مؤلفاً، توفي بمدينة هراة (بإيران) سنة 606هـ.
(5) في الأصل: بما.
(6) في الأصل: واراه.

(1/139)


والذي عليه الجماهير من المعتزلة من أصحاب الشيخ ) وعليه علماء الزيدية، أن هذه الأحكام أمور إضافية زائدة على ذات الأفعال، تتصف لها لأجل وقوعها على أوجه مخصوصة.
فقبح الظلم والكذب حكمان زائدان على هذين الفعلين مُؤثَرَان عن وقوع الفعل على صفة الظلمية والكذبية، وهكذا وجوب الصلاة والزكاة، فهي أمور إضافية إلى هذه الأفعال زائدة عليها، وهكذا غيرها من سائر الأحكام.
__________
(1) أبو هاشم، عبدالسلام بن محمد بن سلام (مخففاً) بن خالد بن أبان بن حمران الجبائي المعتزلي. قال ابن خلكان: هو الإمام في مذهب الاعتزال، المتكلم ابن المتكلم العالم ابن العالم. ولادته سنة246هـ، وتوفي يوم الأربعاء اثنتي عشرة بقيت من شعبان سنة321هـ، ببغداد ودفن في مغار البستان، وهو من أشهر علماء المعتزلة ومتكلميهم. (مقدمة الأزهار، وفيات الأعيان). ويلحظ المطلع أن تاريخ مولد أبيه هو في العام (235 هـ) أي الفارق بين الأب والابن في الميلاد هو: 11 أو 12 سنة فقط، وهذا مثار شك في صحة التاريخ لميلاد أحدهما أو كليهما، إلا أن المراجع التي استندنا إليها أكدت هذا.

(1/140)


وذهب الشيخان أبو الحسين ) ومحمود الخوارزمي ) إلى أن هذه الأحكام ليست أمراً زائداً على ذات الأفعال على حد ما يقوله الشيوخ من أصحاب أبي هاشم
فالحسن عندهما: ليس إلا أنه لا حرج على فاعله في فعله.
والقبيح: أمر يستحق عليه الذم. فقبح الظلم: ليس إلا أنه يستحق عليه الذم.
وحسن التفضل: ليس إلا أنه لا حرج على فاعله.
ووجوب شكر المنعم: ليس إلا أنه يستحق الذم(3) بتركه، وهكذا القول في سائر الأحكام كلها.
__________
(1) أبو الحسين، محمد بن علي الطيب البصري المعتزلي. قال الإمام يحيى بن حمزة: هو الرجل فيهم. وقال ابن خلكان: كان جيد الكلام، مليح العبارة، غزير المادة، إمام وقته، وله التصانيف الفائقة، منها (المعتمد) في أصول الفقه، ومنه أخذ الرازي كتاب (المحصول)، وله (تصفح الأدلة) في مجلدين و(غرر الأدلة) في مجلد كبير و(شرح الأصول) وكتاب في الإمامة، وله مذهب في علم الكلام منفرد عن البهشمية (أتباع أبي هاشم الجبائي).وله كتاب(الانتصار) في الرد على ابن الراوندي. توفي يوم الثلاثاء خامس شهر ربيع الآخرة سنة 437هـ ببغداد (مقدمة الأزهار).
(2) أبو محمد، محمود بن محمد بن العباس بن رسلان الخوارزمي. أحد علماء المعتزلة، وأعلام علم الكلام. قال في (طبقات الشافعية) عنه: إنه مهر في الأصول، وصار فريد الزمان في انتزاع البرهان من الأصول العقلية والقرآن. ولد بخوارزم في رمضان سنة 492هـ، له كتاب (الكافي). توفي في صفر سنة 503هـ عن أربعين سنة .ا.هـ ملخصاً من (طبقات الشافعية ج2/351).
(3) في الأصل: الظلم.

(1/141)


والمختار عندنا: ما عول عليه الشيخان: أبو الحسين والخوارزمي من المعتزلة (1).
ويدل على ما اخترناه: هو أن هذه الأحكام في الحقيقة راجعة إلى أمور سلبية والسلب نفي، والنفي لا يكون أمراً ثبوتياً، فضلاً عن أن يكون صفة زائدة على الفعل، وحكماً راجعاً إليه.
وبيان ذلك: أن المرجع بالحسن ليس إلا أنه لا حرج على من فعله كالأكل والشرب.
والمرجع بالقبح: هو أنه يحسن ذم فاعله ولا حرج على من ذمه عليه.
ويرجع بالوجوب على أنه لا حرج على من ذم تاركه.
وترجع حقيقة الندب: إلى أنه يحسن فعله ولا حرج على تاركه.
والمكروه: راجع إلى أنه لا يستحق تاركه ولا فاعله مدحاً.
والمباح: لا حرج على من فعله أيضاً ولا على من تركه.
فإذا كانت هذه الأحكام راجعة إلى ما ذكرناه من هذه السلوب(2) فلا وجه لجعلها أموراً ثبوتية وصفات راجعة إلى هذه الأفعال، وإنما تكون مزايا وإضافات تختص بالأفعال من غير أن يكون هناك وصف زائد على الفعل يختص به زائداً على ذاته لما أشرنا إليه.
فإذا تقرر أن الحكم المرجع به إلى ما ذكرناه، فالذي عليه أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة البصرية والبغدادية، أن هذه الأحكام منقسمة إلى ما يستقل العقل بدركه، وإلى ما لا يستقل العقل بدركه.
__________
(1) سميت بالمعتزلة؛ لاعتزال واصل بن عطاء لحلقة الحسن البصري عند الخلاف في الحكم على مرتكب الكبيرة، أمؤمن أم كافر! كما جاء في سؤال أحد الداخلين إلى المسجد على الحسن البصري، وقبل أن يجيب قال واصل: إن صاحب الكبيرة ليس مؤمناً ولا كافراً ولكنه في منزلة بين منزلتين، ثم قام واعتزل الحسن إلى إحدى اسطوانات المسجد فقال الحسن: اعتزلنا واصل، فسمي وأصحابه بالمعتزلة. وأبرز ما يميزهم: قولهم باختيار الإنسان في أفعاله.
(2) السلوب هنا، ربما قصد المؤلف بها جمع سَلْب، وهي بمعنى سالبة، أي نقيض: موجبة.

(1/142)


فالذي يستقل به العقل ينقسم أيضاً إلى ما يكون معلوماً بالضرورة، فلا يفتقر إلى نظر وتفكر، وهذا هو نحو قبح الظلم والعبث، ونحو وجوب شكر المنعم وحسن الإنصاف، وغير ذلك من الأحكام التي تُعلم ضرورة من جهة العقل.
وإلى: ما يكون معلوماً بنظر العقل وتفكره، وهذا نحو قبح الكذب النافع، وحسن الصدق الضار، فإن ما هذا حاله يحتاج إلى تأمل وفكر، فإن هذا الكذب يكون قبيحاً مع كونه نافعاً؛ لأن الوجه في قبحه كونه كذباً، سواء كان معه نفع أو لم يكن، وهكذا القول في حسن الصدق الضار، فإن الوجه في حسنه ليس إلا كونه صدقاً، سواء كان ضاراً، أو لم يكن ضاراً. فلا بد من تقرير البرهان على ما ذكرناه من حسن هذا وقبح ذاك، والرد لهما إلى الأصل في قبح أحدهما وحسن الآخر.
وأما الذي لا يستقل العقل بدركه: فهو سائر المقبحات والمحسنات الشرعية، فقبح الزنا والربا وشرب المسكر قبيح من جهة الشرع لا مجال للعقل فيه بحال، وحسن الصلاة والصوم والحج معلوم من الشرع لا تصرف للعقل فيه، ولا له هداية إليه، بل هو تحكم جامد للشرع لا يهتدي العقل إلى تفاصيل هذه المحسنات والمقبحات الشرعية.
والذي عليه محققو الأشعرية وجميع فرق المجبرة(1): أن الأحكام كلها شرعية، وأنه لا مجال للعقل في تقريرها وإثباتها، لا بضرورته ولا بنظره، وإنما مستندها الأدلة الخطابية، والأمور النقلية قطعيّها وظنيّها، وزعموا أنه لا حكم للعقل أصلاً، وإنما التصرف كله للشرع.
والمختار عندنا: ما عول عليه أصحابنا والمعتزلة.
__________
(1) المجبرة أو الجبرية: نسبة إلى القول بالجبر، وهو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى اللّه تعالى. والجبرية أصناف: فالجبرية الخالصة هي القائلة بهذا، والمتوسطة التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة، والجبرية التي تثبت للقدرة الحادثة أثراً في الفعل وتسميه كسباً، وهي الأشعرية. راجع (الملل والنحل) للشهرستاني ج1/85.

(1/143)


ويدل على ما اخترناه: هو أن هذه الأحكام لو كانت شرعية لكان لا يعلمها إلا من علم طريقها، ونحن نعلم قطعاً أن منكري النبوات والشرائع قاطعون بصحة هذه الأحكام من استحسان الصدق، وتقبيح الكذب والظلم، ونعلم بالضرورة كونهم عالمين بها ولو كان مستندها النقل لانْسَدَّ عليهم العلم بها.
وفيما ذكرناه كفاية على التنبيه في تحسين العقل وتقبيحه، وهو المقدار اللائق بالكتب الفقهية. وقد أودعنا الكتب العقلية ما فيه كفاية، ورددنا على الشيخ أبي حامد الغَزالي وغيره من نظار الأشعرية، وكشفنا عن غلطاته والحمد لله تعالى.
المطلب الثاني: في صحة نقل الأسماء من اللغة إلى الشرع.
واعلم أنه لا خلاف بين أهل القبلة من علماء الأمة في جواز ذلك وصحته، وما يحكى عن الصيمري ) من أن دلالة اللفظ على معناه لذاته، فلا يصح نقله، فلا يلتفت إليه لضعفه؛ لأن حقيقته آيلة إلى تغير الدواعي وهو تابع للاختيار، سواء قلنا: إن إفادة الألفاظ لمعانيها بالتوقيف أو بالمواضعة، فلا مانع من مثل هذا، ولا حرج من جهة العقل أن يختار مختار نقل اسم من معناه إلى معنى آخر لغرض من الأغراض، وإنما الخلاف في وقوعه سمعاً. وقد وقع فيه تردد ونزاع بين العلماء.
__________
(1) أبو عبدالله، أحد معتزلة بغداد، وكان في بداية أمره بصرياً إلاً أن كراهته لأبي هاشم جعلته يرحل إلى بغداد. وقال القاضي عبدالجبار: وله الكثير من التصانيف في علم الكلام، والصيمري في الطبقة التاسعة من طبقات المعتزلة.

(1/144)


فالذي ذهب إليه أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة أن في الشرع أسماء منقولة عن معانيها اللغوية إلى معان أُخَر قد وقعت المواضعة الشرعية، وصار نقلها تاماً، حتى صارت معانيها اللغوية نسياً منسياً لا تفهم منها بحال، ثم تنقسم إلى أسماء شرعية، نحو الصلاة والزكاة والحج والصوم .. وغير ذلك من الأسماء المفيدة لمعانٍ شرعية. وإلى دينية، نحو قولنا: مؤمن، كافر، فاسق، منافق. ونعني بكونها دينية هو أنها قد صارت تفيد مدحاً وذماً بتصرف الشرع ونقله.
وحكي عن بعض فرق المرجئة(1): أنها باقية على معانيها اللغوية من غير أن يكون للشرع تصرف فيها بحال، وعلى هذا قالوا: بأن الفاسق مؤمن لكونه مصدقاً بالله ورسله، وإلى هذا ذهب بعض النظار من الأشعرية، كما هو محكي عن أبي بكر الباقلاني ).
__________
(1) المرجئة: قال الشهرستاني: وقيل: الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه بحكم ما في الدنيا من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار. ا.هـ (الملل والنحل ج1/139).
(2) أبو بكر، محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم الباقلاني، متكلم الأشعرية. توفي سنة (403هـ). شذرات الذهب. ج3/16، الفلك 217 هامش، ألَّفَ أكثر من خمسين كتاباً في الفقه وأصول الأشعرية والدفاع عنها والرد على المذاهب الأخرى. منها (التمهيد) و(الأصول الكبيرة) و(هداية المسترشدين) وكتابه المعروف (إعجاز القرآن).

(1/145)


وحكي عن الشيخ أبي حامد الغَزالي أنه قال: لا سبيل إلى إنكار تصرف الشرع في هذه الأسماء، ولا سبيل إلى دعوى كونها منقولة عن معانيها اللغوية بالكلية. وحاصل هذه المقالة أنها دالة على معانيها اللغوية مع اشتراط أمور من جهة الشرع، كالصلاة مثلاً، فإنها كما هي دالة على الدعاء بوضعها اللغوي، فهي دالة على هذه الأفعال من الركوع والسجود والأذكار وسائر معانيها. وحكي عن ابن الخطيب الرازي من الأشعرية: أنها دالة على هذه المعاني الشرعية من جهة المجاز، وعلى معانيها اللغوية على جهة الحقيقة. وحاصل هذه المقالة أنها دالة على المعنيين جميعاً: أحدهما بطريق الحقيقة، والآخر من طريق المجاز. والتفرقة بين مذهبه ومذهب الغَزالي، أن الغَزالي يقول: بأنها مفيدة للمعنيين جميعاً على جهة الحقيقة ولا مجاز فيها، بخلاف مقالة ابن الخطيب كما ترى.
والمختار عندنا: تفصيل نشير إلى أسراره وهو: أن هذه الأسماء وإن أفادت معاني شرعية قد دلت عليها بتقرير الشارع عليها، لكنها دالة على معانيها اللغوية، وغير خارجة عن كونها دالة عليها.
ويدل على ما اخترناه من ذلك: هو أن دلالتها على معانيها اللغوية هو الأصل، فمن يدعي إخراجها عنها فهو مدعٍ خلاف الأصل، فلابد من دلالة على ذلك. فإذا دل الشرع على إفادتها لمعانٍ شرعية فليس بينهما تعارض ولا تدافع، فيجب القضاء بحصولهما جميعاً، فتكون دلالة الصلاة على الدعاء بالوضع اللغوي، وتكون دلالتها على هذه الأفعال المفترضة فيها بالاصطلاح الشرعي، ولا معنى للاقتصار على معناها اللغوي كما هو رأي بعض فرق المرجئة، ولا وجه للاقتصار على معناها الشرعي كما هو رأي أصحابنا والمعتزلة.

(1/146)


فأما من زعم أنها دالة على معناها اللغوي بطريق الحقيقة، وعلى معناها الشرعي بطريق المجاز، فهو تحكم لا وجه له كما حكيناه عن ابن الخطيب الرازي؛ لأن معناها الشرعي سابق إلى الفهم فلا وجه لعده في المجاز كما زعم، فلا غنى للفقيه عن هذه المسألة، وقد اقتصرنا على ذكر الوجه المختار بدليله، وأعرضنا عن ذكر أدلة المخالفين ونقضها؛ لأنها مترددة بين المباحث الكلامية والأسرار الأصولية، فهي بمعزل عن المباحث الفقهية التي تصدينا لكشفها وبيانها والله تعالى الموفق للصواب.

(1/147)


---
المقدمة الثانية: في بيان المستند لنا في تقرير أحكام الشريعة التى قدمنا ذكرها
واعلم أن الذي نذكره في هذه المقدمة، هو الكلام في بيان الأصل في تقرير هذه الأحكام الفقهية، وفي بيان التفرقة بين المسائل الأصولية والمسائل الفقهية، فهذان فصلان تحتهما فوائد جمة لابد للخائض في المسائل الخلافية من إحرازها.

(1/148)


---
الفصل الأول: في بيان عمدتنا في تقرير الأحكام الفقهية
والمعتمد في تقريرها هو الرسول وما يصدر عنه.
والصادر عنه: إما خطاب، أو مفهوم الخطاب، أو معقول الخطاب، أو استصحاب، فهذه مراتب أربع لا يخلو مستندنا في الأحكام الشرعية عن واحدة منها، نذكر ما توجه في كل واحدة منها بمعونة اللّه تعالى.

(1/149)


---
المرتبة الأولى: في تقرير الأدلة الخطابية
ونعني بالخطاب: ما كان مأخوذاً من لسان صاحب الشريعة، إما بنفسه كالكتاب والسنة، أو ما يكون مستنداً إليهما كالإجماع؛ فإنه وإن لم يكن من الخطاب، لكنه معتمد على الكتاب والسنة في تقرير كونه حجة، فلهذا كان لاحقاً بهما وإن لم يكن خطاباً. فهذه ضروب ثلاثة معتمدة في تقرير الأحكام.
الضرب الأول منها: أدلة الكتاب، ولا خلاف في كونه عمدة في تقريرها، ودلالتنا عليها: إما من جهة النص، وإما من جهة الظهور، وإما من جهة الإجمال، وقد أورد بعض الأصوليين دلالة العموم، وزادها على ما ذكرنا ولا وجه له، فإن دلالة العموم إنما هي ظاهرة فهي مندرجة تحت الظاهر، فلا وجه لإفرادها بالذكر من الظواهر.
فأما النص: فهو اللفظ الذي لا يحتمل التأويل بحال قريباً كان أو بعيداً، وهذا كقوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } [البقرة: 163] وغير ذلك مما لا يحتمل سوى معناه الموضوع من أجله.

(1/150)


وقد حكي عن بعض المتفقهة: إنكاره، وأنه لا يكاد يوجد، وأظنه أبا علي الطبري ) من أصحاب الشافعي، وهو فاسد(2)، فإنا لا نريد بالنص: ما كان الاحتمال منتفياً عنه من جميع الوجوه، وإنما نريد به: ما لا يحتمل التأويل في المعنى الذي هو صريح فيه. وقد تكون الآية الواحدة مشتملة على النص والظاهر والمجمل. ومثاله قوله تعالى:{أَقِيْمُوا الصَّلاَةَ وآتُوا الزَّكَاةَ }(3).[البقرة:43، 83، 110] فإنهما نص في مطلق الطلب لما أمره به، وهما ظاهران في الوجوب؛ لأنه يحتمل غيره، وهما مجملان في كيفية المأمور بها.
فما كان منصوصاً عليه لا يجوز العدول عنه إلا بأمر ينسخه أو يعارضه.
وأما الظاهر: فهو ما كان محتملا لأمرين: أحدهما أسبق إلى الفهم من الآخر.
فما كان له ظاهر في اللغة فإنه يحمل على ظاهره إلا لدلالة، وهذا كقوله تعالى: {وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بَأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ }[ البقرة: 228]. فإنه ظاهر في كل مُطَلَّقة لغة، لكنا أخرجنا الآيسة من الحيض لصغر أو كبر، والحامل والمرتدة.
وما كان ظاهراً بالشرع، فإنه يحمل على ظاهره شرعاً إلا لدلالة، وهذا نحو الصلاة، فإنها تحمل عند الإطلاق على ظاهرها الشرعي إلا لدلالة؛ لأنها صارت ظاهرة في معناها الشرعي، فلا تصرف عنه إلا لأمر يقتضيه ويدل عليه، فلا تحمل الصلاة على الدعاء إلا لدلالة خاصة، وهكذا القول في الصوم وغيره، تحمل على معانيها الشرعية عند إطلاقها.
__________
(1) أبو علي الحسن بن القاسم الطبري، يعرف بصاحب (الإفصاح) وهو شرح على (المختصر). وله مصنفات في الأصول ومسائل الخلاف والجدل. مات سنة خمسين وثلاثمائة للهجرة. ويعد من فقهاء بغداد كونه تفقه بها. ومن فقهاء طبرستان التي ينسب إليها. (طبقات الشافعية، وطبقات الفقهاء).
(2) يعني: الرأي لاصاحبه.
(3) هكذا في الأصل بدون الواو قبل {أقيموا} ولم نجدها في القرآن الكريم مجردة من الواو.

(1/151)


وأما المجمل: فهو الذي لا يفهم المراد من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره. ثم هو على وجهين:
أحدهما: لا عرف فيه من جهة اللغة، ومثاله قوله تعالى:{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ }[الأنعام: 141]. لاعرف فيه من جهة اللغة. فما(1) هذا حاله [فهو] مجمل لا يمكن الاحتجاج به؛ لأنه لا يمكن فيه معرفة جنس الحق ولا قدره فلا يمكن العمل عليه إلا لدلالة موضحة لقدره وجنسه وكيفية تأديته.
وثانيهما: أن يكون له عرف من جهة اللغة. وما هذا حاله يمكن العمل عليه فيما كان متعارفاً فيه. ومثاله قوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ }[ النساء: 23]. فإن ما هذا حاله يمكن العمل عليه؛ لأنه قد صار متعارفاً في الاستمتاع من كل الوجوه فيمكن امتثاله، ولا يكون مجملا لما ذكرناه، فهذه جملة أدلة الكتاب التي تدل عليها.
فأما العموم فلا حاجة إلى إفراده بالذكر، لاندراجه تحت ما ذكرناه من الظاهر؛ لأن دلالة العموم من جهة الظهور، ولا يكون نصاً إلا في صورة قد ذكرناها في الكتب الأصولية، وهو : إذا كانت الاحتمالات منسدة إلا احتمالاً واحداً.
الضرب الثاني: أدلة السنة. ودلالتها على ما تدل عليه إما من جهة القول، وإما من جهة الفعل، وإما من جهة التقرير.
أما القول: فهو نص وظاهر ومجمل كما ذكرناه في دلالة الكتاب.
فالنص: كقوله ً: (( في كل أربعين من الغنم شاة ))(2). وكقوله ً: (( في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة )) (3). فهذا وما أشبهه نص في الحكم يجب المصير إليه ولا يجوز العدول عنه بتأويل؛ لأنه لا يحتمله وإنما يجوز تغييره بناسخ أو معارض له.
__________
(1) في الأصل: فأما ما.
(2) سيأتي في محله في كتاب الزكاة.
(3) سيأتي في محله.

(1/152)


والظاهر من السنة: فهو جميع الأوامر الشرعية، فإن ظاهرها دال على الوجوب وليس نصاً في الوجوب، كقوله عليه السلام لأسماء: (( حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء ))(1). وكقوله: (( إذا فضخت(2) الماء فاغتسل )). وهكذا جميع المناهي الشرعية فإنها دالة بظاهرها على التحريم كقوله: (( لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن )). مع احتماله لغيره.
والمجمل: كقوله عليه السلام: (( أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)). فما هذا حاله مجمل لا يمكن الاحتجاج به إلا بدلالة توضح ما ذكره من الحق الذي استثناه.
وأما الفعل: فهو شرع لدلالة العصمة عليه(3)، ثم إما يرد مستقلاً بنفسه، وإما يرد بياناً لغيره.
فإن ورد على جهة الابتداء فإن لم يكن فيه قربة فهو دال على الجواز كالبيع والشراء، والأكل والشرب؛ لأن أدنى درجاته الجواز، فأما الحظر فلا يجوز في حقه لأجل العصمة.
وإن كان فيه قربة فقد وقع فيه تردد بين العلماء، فمنهم من حمله على الوجوب، ومنهم من حمله على الندب، و منهم من وقف في حاله وجوز الأمرين جميعاً. هذا كله إذا ورد على جهة الإبتداء والاستقلال.
وإن كان وارداً على جهة البيان فحاله معتبر بالمبين في الوجوب والندب والجواز عند قوم، ومنهم من قال بأنه إذا كان بياناً فهو واجب بكل حال، سواء كان بياناً لواجب أو مندوب أو جائز؛ لأن البيان لا بد منه على كل حال وإلا كان الخطاب لغواً لا فائدة فيه.
وأما التقرير: فهو على وجهين:
__________
(1) سيأتي في محله.
(2) فضخت: قال في اللسان: الفضخ: كسر كل شيء أجوف نحو الرأس والبطيخ.. وانفضخ الدلو: إذا دفق ما فيه من الماء ج3/45 - 46.
(3) على الرسول ً .

(1/153)


أحدهما: أن يرى رسول اللّه ً أمراً فيقر عليه، فما هذا حاله يكون جائزاً؛ لأنه لو كان قبيحاً لم يجز أن يقره عليه، ومثاله: ما روي أن قيس اً(1) صلى ركعتين بعد الفجر، فقال ً: (( ما هاتان الركعتان ))؟ فقال: هما ركعتا الفجر، فلم ينكر عليه.
وثانيهما: أن يُفْعَل بعهده ً لا بحضرته، فإن كان من الأمور الظاهرة التي لا يخفى حالها، فيكون بمنزلة ما لو فُعل بحضرته وسكت عليه؛ لأن الغرض هو علمه به وتقريره عليه، وإن كان مما يجوز أن يخفى، لم يدل على جوازه، ومثاله: ما روي عن بعض الصحابة أنهم قالوا: كنا نجامع ونكسل. [والإكسال: هو الإيلاج من غير إنزال]. على عهد رسول اللّه ً ولا نغتسل. فما هذا حاله [فهو]مما لا يجوز الاحتجاج به؛ لأنه من الأمور الخفية، ويجوز أن يكون الرسول ً لم يشعر به، ولهذا لم يعمل به الصحابة ولم يرجعوا إليه.
فهذه وجوه أدلة الكتاب والسنة.
الضرب الثالث: دلالة الإجماع، وهو في دلالته على وجهين:
أحدهما: أن يكون إجماعاً عاماً، وهذا نحو إجماع الأمة كافة على وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، فما هذا حاله يجب المصير إليه والعمل به، ومن خالف ذلك مع العلم به فإنه يحكم بكفره؛ لأن ذلك معلوم بالضرورة من دين صاحب الشريعة صلوا ت الله عليه فمخالفه يجب الحكم بردته وخروجه عن الدين.
وثانيهما: إجماع خاص، وهو إجماع الأمة، أو العترة على حكم الحادثة، فما هذا حاله يجب العمل به والمصير إليه عندنا.
__________
(1) قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي الساعدي صاحب رسول اللّه وابن صاحبه، سيد وأمير وقائد ووالٍ وعاقل كريم. كان صاحب لواء النبي ً في بعض مغازيه. شهد فتح مصر، ووليها لعلي، ثم لزم علياً حتى استشهد فبايع الحسن بن علي، ثم رجع بعد الصلح إلى وطنه، ومات في آخر حكم معاوية على الأصح. (در السحابة 664).

(1/154)


فأما إجماع الأمة فمتى حصل على حكم من الأحكام فإنها تحرم مخالفته؛ لكونه قاطعاً ويفسق المخالف له لما في ظاهر الآية من الوعيد على من خالفه(1). وأدنى الدرجات في الوعيد الفسق، ويحرم وقوع الاجتهاد على مخالفة حكمه من جهة أن الاجتهاد على مخالفة المقطوع ممنوع، كما لو اجتهد على مخالفة النص كان فاسداً فهكذا هاهنا.
وأما إجماع العترة فهو حق وصواب لظاهر الآية والخبر(2) ولا يفسق من خالفه لعدم الدلالة على فسقه. والفسق إنما يكون بدلالة قاطعة شرعية، وليس في ظاهر الآية والخبر ما يدل على فسق من خالفه(3).
وهل يكون قاطعاً فيما تناوله أم لا؟ فيه نظر وتردد، والأقرب أن دلالته ظنية كالظواهر القرآنية ونصوص السنة المنقولة بالآحاد، وكالإجماعات من جهة الأمة التي نقلت على طريق الآحاد لما في ظاهر الآية والخبر - الدالين على كونه حجة - من الاحتمال، وإذا كان مظنوناً جاز مخالفته بالاجتهاد، ولهذا فإنك ترى كثيراً من المسائل التي وقع فيها إجماع العترة، الخلاف من جهة الفقهاء فيها ظاهر، والاجتهاد فيها مضطرب من غير نكير هنا في المخالفة ولا تأثيم للمخالف ولا تحريج عليه، ولو كان إجماعهم قاطعاً لحرم الاجتهاد ولكان الخطأ مقطوعاً به. وفي هذا دلالة على كونه ظنياً وأنه لا يحرم الاجتهاد.
وهذا ما أردنا ذكره في تقرير أدلة الخطاب من الكتاب والسنة والإجماع.
المرتبة الثانية: في بيان دلالة المفهوم من الخطاب
__________
(1) وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ}.
(2) الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}. والخبر: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا، كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي)).
(3) ولكن الدلالة في مفهومهما.

(1/155)


وهو أن يكون الحكم مستفاداً من غير ظاهر اللفظ وصريحه، فما كان على هذه الصفة فهو في لسان الأصوليين يقال له: المفهوم. ثم إنه يأتي على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول منها: فحوى الخطاب.
وحقيقة هذا الضرب آيلة إلى أن المسكوت (عنه) يكون أقرب إلى الفهم من المنطوق به، ودلالة اللفظ عليه من جهة التنبيه، ومثاله قوله تعالى في حق الوالدين: {فَلاَ تَقُلْ لَّهُمَا أُفٍّ }[الإسراء: 23]. فنص بتصريح اللفظ على المنع من التأفيف، ونَبَّه بطريق الفحوى على منع الضرب والشتم وسائر الإيذاء من طريق الأولى، ومثله قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِيْنَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ }[آل عمران: 75]. فنص على القنطار ونبه به على ما دونه من جهة الأحق والأولى، ونص على الدينار ونبه على ما فوقه بطريقة الأولى. وكقوله عليه السلام: (( لا تضحوا بالعوراء ولا بالعرجاء )) فنص على العور والعرج، ونبّه بذلك على ما فوقه من العمى وقطع الرجلين من طريق الأَولى، فما هذا حاله (فهو يُفهم) عند الخطاب لا من جهة الخطاب وصيغة لفظه.. ثم تردد الأصوليون، فمنهم من قال: إن المنع من الضرب مستفاد من جهة عرف اللغة، ومنهم من زعم أنه مفهوم من جهة معنى اللفظ وفحواه، وهل يسمى قياساً أم لا؟ فمنهم من جوز ذلك ومنهم من منعه، وحكي عن الشافعي أنه سماه: القياس الجلي.

(1/156)


والمختار عندنا: أن هذه المعاني كلها مفهومة من جهة فحوى اللفظ لا من جهة صيغته؛ لأنه ليس هناك صيغة تدل عليها، وفي هذا دلالة على ما قلناه من أخذها من جهة المعنى دون اللفظ، وأن ما هذا حاله يسمى قياساً أيضاً؛ لأن حقيقة القياس، فهم المسكوت (عنه) من شيء منطوق به، وهذا ها هنا حاصل على هذه الصفة، ولا يضر في تسميته قياساً كونه مفهوماً بطريق الأحق من المنطوق به؛ لأن في بعض الأقيسة ما يكون جلياً وبعضها يكون غامضاً، فلا يمنع كونه جلياً سابقاً إلى الفهم من تسميته قياساً. والله أعلم.

(1/157)


الضرب الثاني منها: لحن الخطاب، وهو المضمر الذي لا يتم ويكون مفيداً إلا به، ومثاله قوله تعالى: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَاْنَفَلَقَ }(1)[ الشعراء: 63]. ومعناه: فضرب فانفلق. فحذف قوله: فضرب لدلالة الكلام عليه من جهة لحنه. ومنه قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيْضاً أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر }[ البقرة: 184]. والمعنى: فيه فأفطر. فحذفه لما كان الكلام لا يكون تاماً إلا بتقديره، وهذا من باب حذف المسبب لدلالة السبب عليه، ولهذا جاءت الفاء منبهة على المسببية. ومنه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكثيراً ما يقع في الكلام الفصيح كقوله تعالى: {وَاسْأَلِ ال قَرْيَةَ }(2)[يوسف:82]. المراد: أهل القرية؛ لأن القرية يتعذر سؤالها وخطابها، فلو لم يقدر المضاف لم يكن للكلام فائدة ولا أفاد معنى ولهذا كان تقديره واجباً، هذا كله إذا كان غير تام(3) من دون تقديره وجب تقديره، فأما إذا كان الكلام يتم من دون إضماره فلا وجه لإضماره، وهذا كقوله تعالى: {قَالَ مَنْ يُحْيي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيْمٌ }[يس:78]. فلا يجوز أن نقول: المراد منه أهل العظام إلا بدلالة منفصلة من جهة أن الكلام مستقل فصيح من دون إضمار، فلا حاجة إلى الإضمار من غير دلالة تدل عليه.
__________
(1) تمام الآية: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّودِ العَظِيْمِ} وأول الآية: {فَأَوْحَيْنَا إِلى مُوْسى أَنِ...}.
(2) تمام الآية: {الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُون}.
(3) هذه الكلمة استبدلنا بها كلمة جاءت في الأصل غير مفهومة، ولكن معناها هو: (غير تام) كما يفهم من السياق.

(1/158)


الضرب الثالث: دليل الخطاب، وهو أن يكون معلقاً على شيء مذكور فيدل ذلك على انتفائه عما عداه، وقد يكون الحكم معلقاً إما على الصفة كقوله عليه السلام: (( في سائمة الغنم زكاة )). فدل ذلك على نفيها عن المعلوفة. وإما على العدد كقوله ً: (( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ً )). فدل ذلك على أنه إذا كان الماء دونهما فإنه يحمل الخبث، وإما على جهة الشرط كقوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }[الطلاق: 6]. فدل ذلك على أن من كانت خلواً عن الولد فلا نفقة لها إذا طُلِّقَت. وبين الأصوليين نزاع فيما هذا حاله، فحكي عن أبي العباس بن سريج أن تعليق الحكم بأحد الوضعين لا يدل على انتفاء الحكم فيما عداه. وهو محكي عن أصحاب أبي حنيفة )
__________
(1) هو النعمان بن ثابت التيمي الكوفي فقيه العراق وزعيم أهل الرأي، اشتهر بكنيته. قال عنه ابن المبارك مقولته المشهورة: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. وقال عنه مالك: رأيت أبا حنيفة لوكلم في سارية من سواري المسجد أنها من ذهب لقام بحجته. وله مناقب كثيرة أفردها الذهبي في جزء خاص. وهو من أوائل من وضعوا أسس الفقه واشتهر مذهبه بالاحتجاج والرأي. ومن أشهر مؤلفاته: مسنده في الحديث. كان زاهداً في سلوكه يتكسب ولا يقبل جوائز السلطان، وقد أبى أن يتولى القضاء فضربه يزيد بن عمر بن هبيرة وسجنه. التقاه الإمام زيد بن علي وقرأ عليه بعضاً من مسائله الفقهية ونسب إليه قوله: قرأ عليَّ زيد فاستفدت منه أكثر مما استفاد مني. وعند خروج زيد وإعلانه الدعوة والثورة أيده أبو حنيفة، وعضده وظل يفتي الناس بالخروج مع زيد. وتلتقي الزيدية والحنفية في الفقه في كثير من مسائله الأصولية وفي الفروع، حتى قال الباحثون: الزيدية أحناف في الفقه. كما تلتقي الفرقتان في كثير من مسائل علم الكلام (أصول الدين) حتى اشتهرت في المدرسة الزيدية مقولة: أكثر علماء المعتزلة أحناف. توفي سنة 150هـ. (مقدمة الأزهار، مقدمة البحر، المحقق).

(1/159)


. ومن أصحاب الشافعي (1) من زعم: أن الحكم المعلق على الاسم دال على نفي ما عداه، والأكثر منهم على أنه غير دال.
والمختار عندنا: أن دلالة المفهوم مختلفة وأعلاها الشرط والغاية، فهذان يدلان على نفي الحكم عما عداهما وأدناه الاسم واللقب، فإنهما غير دالّين على نفي الحكم عما عداهما، والمتوسط بينهما هو الصفة، فكل هذه درجات المفهوم بعضها أقوى من بعض كما أشرنا إليه، وكلها مأخوذة من مفهوم اللفظ دون لفظه وصريحه، وهذه الدرجات قد أشرنا إلى تفاوتها وحصرها في الكتب الأصولية بحمد الله.
المرتبة الثالثة: في بيان دلالة المعقول، وهو القياس في أنواعه وضروبه.
__________
(1) أبو عبدالله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن يزيد بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي المكي نزيل مصر. شهرته معروفة بلغت الآفاق علماً وفقهاً واجتهاداً ورواية ورأياً. وعُرف الإمام الشافعي بالبحث المستمر، وهذا واحد من أسباب شهرته بتعدد الأقوال في المسألة الواحدة، تتلمذ على مالك وحفظ كتابه الموطأ، وبلغ درجة من العلم وهو صبي، وأفتى وهو ابن 15سنة. ويعتبر من الرواد في تقعيد أصول الفقه، وكان واحداً من دعاة الإمام يحيى بن عبدالله بن الحسن المثنى، وقد امتحن بسبب ذلك. ولد عام 150هـ ليلة اليوم الذي توفي فيه أبو حنيفة، بمدينة غزة. وتوفي يوم الجمعة آخر شهر رجب سنة 204هـ بمصر ودفن بالقرافة الصغرى. (مقدمة الأزهار، تهذيب التهذيب).

(1/160)


وهو تحصيل مثل حكم الشيء أو نقيضه في غير محله باعتبار تعليل غيره، فهذه الماهية جامعة لجميع أطراف القياس كله لا يشذ منها شيء، وقد أَقَرَّ بكونه طريقاً من طرق أحكام الشريعة، كل محصل من علماء الأمة ، وإنما يحكى الخلاف فيه عن شذوذ وطوائف من الأمة لا عبرة بهم، جمدوا على الظواهر الشرعية والنصوص النقلية، وأعرضوا عن محاسن الشريعة وأسرارها المأخوذة من القواعد القياسية، وقد رددنا مقالتهم في الكتب الأصولية وأفسدنا ما جاءوا به والحمد لله.
وجملة ما يكون معتمداً عليه في تقرير الأحكام الشرعية من الأقيسة، ضروب خمسة نفصلها ونشير إليها على جهة الإجمال:
الضرب الأول منها: قياس الطرد، وهو في لسان الأصوليين مقول على تحصيل، مثل: حكم الشيء في غيره بجامع غير مخيل ولا مشتمل على مخيل، وما هذا حاله فهل يكون معتمداً في تقرير الأحكام الشرعية أم لا؟ فأكثر أهل التحقيق من الفقهاء والأصوليين على منعه، ورده على ترك استعماله في الجدل والنظر، ومن الفقهاء من قبله، واستعمله في تقرير الأحكام الشرعية، وهذا شيء يحكى عن بعض أصحاب أبي حنيفة، ومنهم من رده في النظر واستعمله في الجدل، وهو المحكي عن أبي الحسن الكرخي ).
__________
(1) أبو الحسن عبدالله بن الحسن الكرخي من أعلام فقهاء الحنفية، وإليه انتهت رئاسة العلم في أصحاب أبي حنيفة، وعنه أخذ أبو بكر الرازي وأبو عبدالله البصري، وأبو القاسم التنوخي وغيرهم. (طبقات الشافعية، طبقات الحنفية).

(1/161)


والمختار عندنا: رده، وأنه لا يعول عليه في إثبات شيء من الأحكام الشرعية، وإنما يعول في تقريرها على المعاني المخيلة والأقيسة الشبهية، فأما الأقيسة الطردية فقد أنكرها المحققون ولم يعولوا عليها، ومثاله ما قاله أصحابنا والحنفية في التكرير في مسح الرأس أصل يؤدى بالماء، فيكون التكرار فيه مشروعاً قياساً على سائر الأعضاء، ونحو قول الشافعي في عدم تكريره: مسح فلا يسن بثلاث كالمسح على الخفين. فما هذا حاله من الأقيسة الطردية التي لا يلوح فيها تخايل المعاني، ولا يرشد إليها خائض الأشباه، وكمن تعلل أن النجاسة لا تزال بغير الماء كاللبن تعويلاً على قوله: مائع لا يبنى القطرة على حسه فلا تزال النجاسة به كالدهن.
الضرب الثاني: قياس العكس، وهو: تحصيل نقيض حكم الشيء باعتبار تعليل غيره، وهو معتمد في تقرير الأحكام الشرعية، وهو عند التحقيق راجع إلى قياس الدلالة، ومثاله ما قال أصحابنا والحنفية في شرطية الصوم في الاعتكاف: لو لم يكن الصوم من شرط الاعتكاف لما كان من شرطه وإن نذر، قياساً على الصلاة فإنه كما لم يكن من شرطها لم يكن من شرطها وإن نذر، وحاصل الأمر فيه أنا أخذنا وجوب شرط الصوم في الاعتكاف من عدم اشتراطه في الصلاة باعتبار ما ذكرناه من التعليل، والغرض من ذكره هو الإشارة إلى أنه معتمد في تقرير الأحكام الشرعية، وأنه من جملة المضطربات الاجتهادية، وأما تقرير كونه حجة على منكريه فموضعه أصول الفقه (1).
__________
(1) ومعناه ملخصا: لما وجب الصيام في الاعتكاف بالنذر وجب بغير نذر، كالصلاة، فإنها لما لم تجب فيه بالنذر لم تجب بغير النذر. ا.هـ كافل لقمان. ص 89.

(1/162)


الضرب الثالث: قياس المعنى. وحاصله: التعويل في المعاني المختلفة والأوصاف المناسبة للحكم، وهو مشتمل على أصل وفرع وعلة وحكم، ولن يكون معدوداً في المعاني إلا إذا كان الوصف الجامع بين الفرع والأصل مخيلاً ووصفياً مناسباً، ومثاله ما قاله أصحابنا والفقهاء، هو: أن العلة في قطع يد السارق، كونه أخذ مال من حرز على جهة الخفية، وهذا حاصل في النباش للقبور فيجب قطع يده إذا كان الكفن نصاباً. ومثال آخر، وهو: أن العلة في ضمان الأعيان بالغصب إنما هو إثبات يدٍ عادية، وهذا حاصل في المنافع فيجب ضمانها بالغصب أيضاً. فهذان المثالان خاصان للقياس المعنوي، وأكثر الأقيسة الجارية في المعاوضات جارية على نعت الإخالة وحاصلة على المناسبة، وهكذا القول في الإجارات والشفعة والمغارسة والمساقاة تجري على جهة الإخالة، والله أعلم.
الضرب الرابع: قياس الشبه، وحقيقته آيلة إلى التعويل على الأوصاف الشبهية، وقد عمل أكثر القياسيين به، وإنما أنكره أقوام حذراً من الطرد، فإنهم لما ردوا الطرد لقبحه توهموا أن الشبه في معناه، وليس الأمر كما ظنوه، وهو مشتمل على الأصل والفرع والعلة والحكم بجامع غير مخيل، ومثاله ما قاله أصحابنا و الشافعي في إيجاب النية في الوضوء أخذاً له من التيمم: طهارة حكمية فيجب فيها اشتراط النية كالتيمم.
فقولنا: حكمية. نحترز به عن طهارة النجاسة فإنها عينية.
فقولنا: طهارة حكمية. علة شبهية ليس فيها شيء من الإخالة وإنما هو تعويل على أخص الأشباه، وأقربها إلى المعاني وأكثرها ملائمة للحكم، فكلما ازداد الوصف خصوصية فهو أقوى ما يكون من الأشباه، وكلما بعد عن الإخالة فهو أضعف ما يكون من الأشباه، فما قوي منها فهو لاحق بالمعاني المخيلة فيجب قبوله، وكل ما ضعف منها فهو لاحق بالطرد فيجب رده.

(1/163)


الضرب الخامس: قياس الدلالة، وهو من جملة الأقيسة المعول عليها في اقتباس الأحكام الشرعية، وحاصله: الاستدلال على الشيء بخاصيته ونتيجته ونظيره. فالخاصية مثل: استدلال أصحابنا والشافعي على كون الوتر غير واجب، بأنها صلاة تؤدى على الراحلة، فلو كانت فرضاً لما جاز أداؤها على الراحلة كسائر الفرائض، خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه حيث زعم أنها واجبة. وأما النظير فكقولنا: من صح طلاقه صح ظهاره، استدلالاً من الشافعي على صحة الظهار من الذمي، خلافاً لما ذهب إليه أصحابنا وأبو حنيفة وأصحابه، فالظهار والطلاق نظيران في تعلقهما بالزوجة وكونهما يتعلقان بالأقوال، فإذا صح أحدهما صح الآخر. وأما النتيجة فكما يقول الشافعي في البيع الفاسد في حق الجارية: فلو كان منعقداً لجاز وطؤها، فلما لم يجز وطؤها دل على كونه غير منعقد؛ لأن حل الاستمتاع من نتائج العقد، وقد تعذر وطؤها فدل على بطلانه.
فهذا ما أردنا ذكره في دلالة ما عقل من الخطاب على الأحكام الشرعية.
المرتبة الرابعة: في بيان دلالة الاستصحاب.
وهو عمدة في تقرير حكم الحادثة إذا عدم المغير الشرعي، وهو آخر قدم يخطو به المجتهد إذا عدم مسلكاً شرعياً استصحب البراءة الأصلية وحكم بها، وأكثر العلماء على اتباعه وجعله حجة، وزعم قوم أنه لا يكون حجة وإنما هو صالح للترجيح.
والمختار: ما ذكرناه وعليه أكثر الأصوليين من الزيدية(1) والمعتزلة والأشعرية. ثم هو على وجهين:
__________
(1) ينسبون إلى الإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين ٍ لاتفاقهم معه في الإمامة والخروج على الظلمة. وهذا المذهب موجود في اليمن ويعرف أتباعه بالاعتدال والتوسط والتزام النص والعقل وحرية الاجتهاد والابتعاد عن التعصب، وهم عدلية في الأصول. راجع طبقات الزيدية للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، والزيدية في اليمن للدكتور أحمد محمود صبحي.

(1/164)


أحدهما: أن يكون الحال عقلياً، فيستصحبه المجتهد، وذلك أن الأصل هو البراءة العقلية عن كل ما كان يشغلها من جميع الإلزامات في الضمانات وغيرها من العبادات، وفراغ الذمة معلوم عقلاً، وطريق شغلها إنما يكون من جهة الشرع، وقد طلبت المسالك الشرعية فلم أجد شيئاً، فلا جرم حكمت بفراغها. وعلى هذه القاعدة حكمنا بصلاة سادسة، فهذا مسلك صحيح لا عثار عليه، والاستدلال به جائز.
وثانيهما: أن يكون الحال شرعياً، فيجب استصحابه حتى يرد ما يغيره وينقله عما كان عليه، وهذا نحو استصحاب العموم حتى يرد مخصص، ونحو استصحاب العقود الثابتة حتى يرد ما ينقضها ويبطلها، ومثل استصحاب شغل الذمة بالإتلاف حتى يرد ما يزيله ويبطله من الغرامات المالية، إلى غير ذلك من الاستصحابات الصحيحة الثابتة المستقرة.
فأما استصحاب الإجماع في موضع الخلاف ونحو استصحاب النص بعد ورود ما ينسخه، فهو خطأ لا وجه له ولا تعويل عليه؛ لأن ما هذا حاله يكون استصحاباً للدليل بعد بطلانه؛ لأن الإجماع يرفعه الخلاف، والنص يرفعه ناسخه فلا معنى لاستصحابهما على جهة الإجمال، وقد فصلنا هذه القواعد وأتينا فيها على الغرض الشافي وأودعناه الكتب الأصولية، وما ذكرناه هاهنا فهو كاف للفقيه المجرد، فأما الأصولي ففي فهمه أكثر من ذلك.

(1/165)


---
الفصل الثاني: في بيان التفرقة بين المسائل الأصولية والمسائل الفقهية والميز بينها
اعلم أن هذا الفصل ينبغي الاهتمام بحاله والاعتناء بإيضاحه، لما يشتمل عليه من الفوائد الغزيرة، والنكت الكثيرة. وجملة الأمر أن المسائل منقسمة بالإضافة إلى ما يتعلق بأمور الديانة إلى عقلية ونقلية.
فأما العقلية: فهي ما كان متعلقاً بالعقائد الإلهية، نحو العلم بالذات وصفاتها وأحوال الحكمة والوعيد وأحوال المعاد وغير ذلك، وما هذا حاله فالحق فيه واحد والتعبد فيها بالعلم القاطع وما عداه خطأ وجهل، وقد قررناه في الكتب الكلامية.
وأما النقلية: فهي ما كان متعلقاً بالسمع لا مجال للعقل فيه. ثم هي منقسمة بالإضافة إلى قطعية وظنية.
فما كان مقطوعاً به منها فهي المسائل الأصولية القطعية.

(1/166)


وما كان غير مقطوع به فهي المسائل الظنية الاجتهادية. والمعيار الصادق والفصل الفارق بين ما يكون مقطوعاً به فيكون من فن الأصول، وبين ما يكون ظنياً فيكون من الفقه. فما كان المعتمد في تقريره وإثباته مسلك قاطع، إما نص الكتاب وإما نص السنة المتواترة أو الإجماع المقطوع المتواتر أو تصرف العقل وحكمه، فهو قاطع وما هذا حاله فهو لاحق بالمسائل الأصولية والحق فيه واحد، وما عداه محكوم عليه بالخطأ؛ لأن العلم ونقيضه لا يكونان صواباً، بل لا بد من أن يكون أحدهما خطأ وجهلاً، وما كان من المسائل مستندُ إثباته وتقريره مسلك ظني نحو ظاهر الكتاب أو نص السنة الآحادية أو ظاهر نصها المتواتر، أو إجماع منقول بالآحاد أو غير ذلك من المسالك المظنونة، فهو لاحق بالمسائل الظنية الاجتهادية، ولهذا فإن القياس وخبر الواحد وأن الأمر للوجوب والنهي للتحريم كلها معدودة من المسائل الأصوليةح لأن المستند في تقريرها هو الإجماع القاطع والنصوص الواردة الشرعية على إثباتها، ولم تستند إلى مسلك ظني، وعلى هذا يكون ما يكون مستنداً إلى الأخبار الآحادية، نحو مسائل الصلاة، وأحوال العبادات والمعاملات من البيع والشراء والإجارات وغير ذلك من المسائل الشرعية، كلها تكون ظنية اجتهادية، ومن ثم قضينا بأن في اللغة لفظة موضوعة للعموم ولوقوع الاشتراك في اللغة بكونها أصولية لما كان مستندها دليلاً قاطعاً وهو الإجماع، فيكون الحق فيها واحداً، وما لا قاطع فيه فهو من فن الاجتهاد والكل فيه مصيب كما سنوضحه بعد هذا ونفرد له كلاماً يخصه.

(1/167)


وإن وقع الإجماع على مسألة من مسائل التحليل والتحريم وإن لم تعدَّ من المسائل الأصولية، نحو جواز الصلاة في الثوب الواحد، فإنه يكون قاطعاً ولا يعد من المسائل الاجتهادية لإسناده إلى الإجماع القاطع. فتنخل من مجموع ما ذكرناه أن الحكم الاجتهادي هو ما كان مستنداً إلى مسلك ظني من المسائل الشرعية، فإذا أراد الناظر الوقوف على حقيقة التفرقة وإدراك ما هيتها فليمتحن المسائل النقلية بنظره، فإن وجد هناك مسلكاً قاطعاً عرف أنه ليس مجتهداً فيها بحال، وأنها ترده عن الاجتهاد مقطوعاتُها، وأن الخطأ في خلافها، سواء كان ذلك المسلك عقلياً أو نقلياً أو غير ذلك من القواطع المفردة أو المركبة. فإذا تقرر فيها مسلك قاطع فإن كانت متعلقة بالأصول فهي من مسائله، وإن كانت من المسائل العملية فهي قاطعة بكل حال، وإن لم يجد فيها مسلكاً قاطعاً فهي من المسائل الاجتهادية التي لاحق فيها معيناً، فأكثر المسائل الخلافية مجتهد فيها ولا يمكن حصرها ولا ضبطها. وما كان منها قاطعاً، فهو محصور يُؤْثر في أمكنة معدودة، والمسائل الأصولية كلها قاطعة لاستنادها إلى مسالك في تقريرها قاطعة، ولهذا فإنك ترى خوض من خاض فيها من الأصوليين خوضَ قاطعٍ، بأن الحق في جانبه وما عداه خطأ، كما كان خوضهم في المسائل الدينية عقليها ونقليها من غير تفرقة بينها في ذلك. ولنقتصر على هذا القدر في التفرقة بين ما ذكرناه ففيه كفاية للفقيه، وما عدا ذلك نحيله على الكتب الأصولية.

(1/168)


---
المقدمة الثالثة: في تصويب الآراء في المسائل الخلافية والأنظار الاجتهادية
واعلم أن هذه المقدمة لابد للفقية الخالي من علم الأصول من إحرازها والإحاطة بها لأوجه ثلاثة:
أما أولاً: فلأن يُعلم فضل هذا الرسول ً، على غيره من الأنبياء بما خصه اللّه تعالى بمالم يخص به غيره من الرسل، وفضل هذه الشريعة على غيرها من سائر الشرائع المتقدمة باتساع طرقها وامتداد أطرافها، وفضل هذه الأمة على غيرها من الأمم السابقة بأن جعلهم حاكمين في كل حادثة بأنظارهم الثاقبة، وفاصلين في كل قضية بمواد فكرهم الصائبة.
وأما ثانياً: فلئلا (1) يستوحش الناظر لما يرى من كثرة الخلاف في كل مسألة من المسائل الاجتهادية، فإذا تحقق أنها كلها صائبة هان عليه الأمر ولم يعظم عليه الخطب فيبقى في حيرة من أمره، فإذا عرف أنها كلها على الحق زال عنه الخوف وزاح عنه الطيش والفشل.
وأما ثالثاً: فلئلا يستعجل إلى تخطئة من يخالفه في المسالك، فيحكم له بخطأ أو بهلاك من غير بصيرة، ومع إدراك هذه الخصلة أعني معرفة التصويب لا يستعجل بهلاك من يخالفه، وكيف يقع الهلاك والآراء كلها صائبة وكلها حق وصواب، وهذا من فضل اللّه ورحمته وعظيم منته على الخلق وجزيل نعمته.
فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن كل مسألة ليس فيها دلالة قاطعة فالأمة فيها فريقان:
__________
(1) كثيرا ما تأتي (لئلا) مفكوكة في طريقة قدماء النساخ. وكما جاءت في أصل هذا الكتاب، مفكوكة هنا (لأن لا). والصواب الإدغام كما جاءت في قاعدة المصحف.

(1/169)


الفريق الأول: قائلون بأن الواقعة ليس فيها حق معين، وأن الآراء كلها حق وصواب، فهؤلاء هم المصوبة، أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة والمحققون من الأشعرية، وعليه جمهور الفقهاء أبوحنيفة والشافعي ومالك ) وأتباعهم.
ثم أهل التصويب لهم مذهبان:
__________
(1) أبو عبدالله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عمرو بن الحارث بن عثمان بن حثيل بن عمرو بن الحارث الأصبحي الحميري المدني الفقيه، أحد أعلام الإسلام إمام دار الهجرة. روى عن جعفر الصادق، ونافع والزهري وآخرين. وروى عنه ابن جريج وشعبة والثوري وغيرهم كثيرون. روي عن الشافعي: مالك حجة اللّه على خلقه. وقال أبو حاتم: ما ضعفه أحد. كان عالماً. قيل عنه المقولة المشهورة: لا يفتى ومالك في المدينة. وكان شديد التمسك بآرائه. ضُرِبَ 170سوطاً؛ لأنه لا يجيز بيعة الظلمة، وبعدها لزم بيته 20سنة، توفي صبيحة الرابع عشر من ربيع الأول سنة 179هـ عن 70سنة. روى له الأئمة والجماعة، وله كتاب (الموطأ) في الحديث. (مقدمة الأزهار - تهذيب التهذيب).

(1/170)


أحدهما: أن في المسألة أشبه، وهذا هو المحكي عن أصحاب أبي حنيفة: محمد بن الحسن ) وأبي الحسن الكرخي، ويحكى عن قاضي القضاة ) والشافعي والمروزي ) وغيرهم من الفقهاء.
ومعنى الأشبه: أن اللّه لو نص لما نص إلا عليه.
__________
(1) أبو عبدالله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني بالولاء الفقيه الحنفي صاحب المؤلفات الكثيرة. أصله من قرية بغوطة دمشق. ولد بواسط سنة 135هـ، ونشأ بالكوفة، وحضر مجلس أبي حنيفة لعدة سنين، ثم تفقه على أبي يوسف. ومن مصنفاته (الجامع الكبير والصغير). وجمع موطأ مالك، عده المنصور بالله من رجال العدلية، قال: وهو الذي غضب لله في أمر يحيى بن عبدالله لما أراد الرشيد أن ينقض أمانه، فقال: هذا لا ينقض ومن نقضه فعليه لعنة اللّه، فرماه الرشيد بالدواة فشجه. وكان يقول: أنا على مذهب زيد بن علي مهما أمنت على نفسي فإن خفت فإني على مذهب أبي حنيفة. توفي بالري سنة 189هـ في اليوم الذي مات فيه الكسائي، فكان يقول الرشيد: دفن الفقه والعربية في يوم واحد. (مقدمة الأزهار).
(2) قاضي القضاة عبدالجبار بن أحمد بن عبدالجبار أبو الحسن الأستراباذي، شافعي المذهب، وهو مع ذلك شيخ الاعتزال، ولي قضاء الري حتى وفاته، له مصنفات كثيرة في علم الكلام وأصول الفقه. قال ابن كثير في طبقاته: ومن أجل مصنفاته (دلائل النبوة) في مجلدين، مات في ذي القعدة سنة 415هـ.. (طبقات الشافعية ج1/187).
(3) أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم التميمي الحنظلي المروزي الإمام الحافظ عالم نيسابور. قال عنه أحمد: لا أعلم لإسحاق في العراق نظيراً، وقال أبو داود: أملى علينا إسحاق من حفظه أحد عشر ألف حديث، ثم قرأها علينا فما زاد حرفاً ولا نقص حرفاً. ولد سنة 166هـ، وقيل: سنة 161هـ، ومات ليلة نصف شعبان سنة 238هـ. روى عنه أحمد وابن معين والستة سوى ابن ماجة.

(1/171)


وثانيهما: إبطال الأشبه، وهذا هو المحكي عن أكابر الشيوخ من المعتزلة: الشيخين أبي علي ) وأبي هاشم، وأبي الهذيل ) وقاضي القضاة، وهو قول بعض أئمة الزيدية، ورأي أبي حامد العزالي، وهو رأي أكثر المصوبة.
الفريق الثاني: أن في الواقعة حكماً لله تعالى معيناً، وما عداه من الأقوال فهو باطل، ثم اختلفوا بعد ذلك، فمنهم من قال: إنه لا دلالة عليه قطعاً ولا ظناً، وإنما هو كدفين يعثر عليه.
ومنهم من قال: عليه دلالة ظنية.
ومنهم من غلا، وقال: إن عليه دلالة قاطعة.
__________
(1) محمد بن عبدالوهاب بن سلام بن خالد بن حمزة أبو علي المشهور في علم الكلام، أخذ العلم عن أبي يوسف يعقوب بن عبدالله الشحام البصري. وابنه أبي هاشم. قال الحاكم: هو الذي سهل علم الكلام وذلله. وله مؤلفات كثيرة منها: شرح على مسند ابن أبي شيبة. وتفسير القرآن في مائة جزء، وقيل: جملة مصنفاته مائة ألف وخمسين ألف ورقة، الورقة نصف كراس، وله مناظرات طويلة في الرد على الفلاسفة والملاحدة وتقرير العدل والتوحيد. ولد سنة 235هـ، وتوفي في شعبان سنة 302هـ، والجبائي نسبة إلى مدينة جُبَّى في خوزستان. (مقدمة الأزهار).
(2) أبو الهذيل محمد بن الهذيل بن عبدالله بن مكحول البغدادي العلاف شيخ البصرة من أشهر علماء المعتزلة، سمي بالعلاف لقرب داره من سوق العلف بالبصرة. ولد سنة 131هـ، أخذ علم الكلام عن عثمان الطويل، عن واصل، وروى الحديث عن محمد بن طلحة، وأخذ عنه علم الكلام أبو يعقوب الشحام. قال ابن خلكان: له مجالس ومناظرات وهو من موالي عبدالقيس، حسن الجدل، قوي الحجة، كثير الاستعمال للأدلة الإلزامية، قال الحاكم: أسلم على يديه سبعة آلاف نفس. توفي بسر من رأى سنة 235هـ. (مقدمة الأزهار - وفيات الأعيان).

(1/172)


فهذه أقوال المخطئة على ما ترى ، وهذه نبذة من الخلاف في الآراء في المسائل الخلافية قد أشرنا إليها على جهة التنبيه والإجمال، وتفاصيلها تحال على الكتب الأصولية. فلنذكر المختار في التصويب ثم نردفه بذكر المختار في حكم الأشبه، فهذان تقريران نذكر ما يتوجه في كل واحد منهما بمعونة اللّه تعالى:
التقرير الأول: في بيان المختار في التصويب للآراء في الاجتهاد.
والذي نرتضيه هو ما قاله أصحابنا والمعتزلة وذهب إليه محققو الأشعرية والفقهاء، وهو أن الواقعة ليس فيها لله حكم معين وإنما هو يكون على نظر المجتهد ورأيه، فإذا نزلت به الحادثة وأعمل فيها نظره وأتعب فيها فكره وسأل من اللّه تعالى توفيقاً وتسديداً لإصابة الحق، وكان جامعاً لعلوم الاجتهاد محرزاً لها على شروطها المعتبرة التي فصلناها في الكتب الأصولية، فإنه متى أدى نظره إلى حكم من الأحكام من تحليل أو تحريم أو غيرهما من سائر الأحكام الشرعية العملية، فإن ما هذا حاله يكون حقاً وصواباً عند اللّه تعالى.
والبرهان على ما قلنا يتضح بمسلكين:
المسلك الأول منهما: أنا نقول لمن زعم أن في الواقعة حكماً معيناً هو مقصودٌ لِله ومطلوب. لو كان الأمر كما زعموه من تعينه لكان لا يخلو الحال فيه، إما أن ينصب اللّه عليه دلالة أو لا ينصب، والقسمان باطلان، فيجب القضاء ببطلان كونه معيناً.
وإنما قلنا: إنه لا يخلو من الوجهين، فلأنها قسمة دائرة بين النفي والإثبات فلا واسطة بينهما، وهي من العلوم العقلية التي لا يجوز خلافها، فإثبات متوسط باطل بالضرورة.
وإنما قلنا: إنه يستحيل أن عليه من اللّه دلالة منصوبة؛ فلأنها لو نصبها لكانت ظاهرة لكل من قصدها كسائر الأدلة الظاهرة العقلية والنقلية، والمعلوم باطراد العادة وجريانها، أن مثل ذلك لم ينقل ولا له أثر، وفي هذا دلالة على أنه ما كان، ولو كان لنقل كما نقل ما هو أخفى منه وأدق.

(1/173)


وإنما قلنا: إنه يستحيل ألا ينصب اللّه عليه دلالة؛ فلأنه لو كلف به من غير أن ينصب عليه دلالة، لكان تكليفاً بما لا يعلم وهو قبيح.
فتقرر بما ذكرناه فساد القسمين اللذين فصلناهما، وهما نصب الأدلة عليها وعدم نصبها، ويلزم من بطلانهما بطلان أن يكون هناك حكم معين في الحادثة وهو المطلوب.
المسلك الثاني: أن الصحابة (رضي اللّه عنهم) ما زالوا مجتهدين في الحوادث التي ليس عليها دلالة من جهة الكتاب، ولا من ظواهر السنة في الفتاوى والأقضية، والوقائع غضة طرية على ممر الأزمنة وتكرر الأعصار، وما برحوا مختلفين في الفتاوى والأحكام التي يصدرونها عن أنظارهم، وتفترق بهم المجالس عن المخالفة في الآراء، وكل واحد منهم مصوب لما قاله الآخر غير منكر عليه في رأيه واجتهاده، ولو كان في الواقعة حكم معين لطلبوه ولجدوا في طلبه وتحصيله، وما سمع عن واحد منهم أنه قال لصاحبه: هذا خلاف حكم اللّه، وحكم اللّه شيء آخر غير ما ذهبت إليه، بل من حكم بقضية وأبرمها فلا اعتراض عليه بحال، ويتشددون في التحرز عن بعض القضايا الصادرة عن الأحكام مع مخالفة الآراء، بل وربما يصدر من جهتهم التصريح بالتصويب في الأراء، وفي هذا دلالة قاطعة من إجماعهم على أنه ليس هناك حكم معين، هو شوف(1) المجتهد ومقصده ومقصد نظره، وإنما هي كلها آراء صائبة وظنون صادقة على تحصيل مراد اللّه في الحادثة، وهذا المسلك يدريه من مارس طرفاً من سير الصحابة رضي اللّه عنهم وما كان منهم من الفتاوى في التحليل والتحريم وإصدار القضايا عن الآراء الصائبة، فعند ذلك نعلم قطعاً ويقيناً صحة ما ادعيناه من تصويب الآراء الاجتهادية في جميع الحوادث التي لا نص فيها. ولنقتصر على هذا القدر من الدلالة ففيه مقنع وكفاية.
التقرير الثاني: في بيان المختار في الأشبه من الاجتهاد.
__________
(1) الشوف هو: الجَلْوُ والنظر والتطلع، كما لخصناه من اللسان. وهو هنا، بمعنى: النظر والاختيار.

(1/174)


اعلم أن جماعة من المصوبة زعموا مع القول بكون الآراء صائبة في الاجتهاد، أن فيها أشبه على معنى أن اللّه تعالى لو نص على الحادثة لما نَصَّ إلا عليه، وعلى معنى أنه الأجزل ثواباً عند الله تعالى، وهو محكي عن جماعة من الحنفية، منهم: أبو الحسن الكرخي، ومحمد بن الحسن الشيباني، ومروي عن الشافعي.
والمختار عندنا: أنه لا معنى للأشبه وأن جميع الآراء في تلك الحادثة كلها أشبه إلى قائله، وأنها كلها مقصودة لله، وإنما تقوى وتضعف بحسب قوة الأمارة وضعفها، وهذا هو رأي أهل التحقيق من المصوبة، أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة: أبي علي وأبي هاشم وأبي الهذيل. وإلى بطلان الأشبه ذهب المحققون من الأشعرية، كالباقلاني، وأبي حامد العزالي، وشيخه عبدالملك الجويني، فأما الشيخ من المعتزلة، فليس له فيه تصريح بإثبات ولا نفي، وكلامه فيه احتمال.
والبرهان على ما اخترناه يظهر بتقرير حجتين:

(1/175)


الحجة الأولى: هو أنا نقول: إن الشبه والأشبه سِيَّان في تعليق الحكم بهما، فيجب أن لا يكون للأشبه مزية على الشبه، وفي هذا ما نريده من بطلان القول بالأشبه. وبيان ذلك: أنا نفرض الكلام في مسألة تعليل الربا في الفضل، فالكيل على رأي أصحابنا وأبي حنيفة شبه وهو طرد عند القائلين بصحة الطرد، والطعم شبه على رأي الشافعي وهو طرد عند من يقبل الطرد، فمن قبل الوصف الذي لا يناسب الحكم، فهو شبه، ومن رده فهو طرد، فمن قبل الطرد قال: بأنه طرد، ومن رد الطرد قال: بأنه شبه، ومن رد الشبه فقال إنه أشبه، فالطرد والشبه والأشبه في مسألة كلها تعليلات وأوصاف غير مناسبة. لكنها تختلف الألقاب عليها بالإضافة إلى ردها وقبولها من غير أن يكون هناك بينها تفرقة من جهة الذات لعدم المناسبة فيها، وأن التعويل فيها إنما هو على أمر غير مخيل من جهة المشابهة الخاصة، فإذا كان لا تفرقة بينها من جهة الذات دل ذلك على أن الطرد والشبه والأشبه في حكم واحد، وأن الشبه في حق القائلين هو الأشبه في قول آخرين، وأنهما جميعاً طردان عند القائلين بالطرد.. فإذاً لا وجه لما قاله هؤلاء في تقرير الأشبه بحال.
الحجة الثانية: في بطلان الأشبه، أن نقول للقائلين ونستنطقهم عما يرون من إثباته فنقول:
ليس يخلو حال الأشبه عندكم إما أن يكون مكلفاً به أو لا يكون مكلفاً به.
فإن قالوا: إنه غير مكلف به.

(1/176)


قلنا: فإذا كان غير مكلف به فلا حاجة إلى طلبه؛ لأنه على هذا لا يتناوله التَّعَبُّد ولا يعد في الأمور العملية، وإن كان مكلفاً به فليس يخلو حاله إما أن ينصب اللّه عليه دلالة أو لا، فإن لم ينصب عليه دلالة كان التكليف به تكليفاً بما لا يعلم وهو محال لا يجوز على اللّه تعالى لأجل حكمته، وإن نصب عليه دلالة، فليس يخلو حالها، إما أن تكون علمية أو ظنية، ومحال أن تكون علمية؛ لأنه كان يلزم أن يكون أمراً معيناً وأنتم لا تقولون به، ويلزم أن يكون مخالفه مخطئاً وهو خلاف مذهبكم.
وإن كانت ظنية فهذا جيد، لكن نقول: إن كل واحد من المجتهدين يدعي فيما قاله وغلب على ظنه أنه علة الحكم وَوَصَفه أنه أشبه، فليت شعري بم يكون التمييز بين وصف ووصف وأمارة وأمارة، وفي ذلك بطلان الأشبه، وأنه لا حقيقة له ولا وجود.
فهذا ما أردنا تقريره في حكم الآراء في المسائل الاجتهادية، وأن المذهب تصويبها لا محالة.

(1/177)


---
المقدمة الرابعة: في بيان ما يعرف به مذهب المجتهد وبيان الطريق إليه
اعلم أن هذه المقدمة تمس إليها حاجة الخائض في الأبواب الفقهية؛ لأنه لا يزال يردد نظره ويكرره في مذاهب المجتهدين ومعرفة مستنداتهم فيها.
وقبل الخوض فيما نريدهُ من ذلك نذكر ماهية المذهب وحقيقته، وهو: كل اعتقاد صادر عن دلالة أو أمارة أو شبهة أو تقليد، فمتى كان الاعتقاد صادراً عما ذكرناه فهو مذهب لصاحبه، ولهذا فإن اعتقاد حدوث العالم وإثبات صانعه، مذهب الموحدة من أهل الإسلام، واعتقاد من خالفهم في ذلك مذهب الملاحدة والدهرية وغيرهم من الفرق الكفرية لما كان صادراً عن شبهة فاعتقدوهُ لأجلها، واعتقادات المجتهدين لما ذهبوا إليه من مذاهبهم في التحليل والتحريم، تصير مذاهب لهم لما كانوا محصلين لها عن الأمارات. وهكذا حال المقلدة فإنها مذاهب لكونها صادرة عن اعتقاد التقليد، فصار المذهب لا يكون مذهباً إلا بما ذكرناه من الاعتقاد، ولهذا [فـ]إن ما كان صادراً عن العلوم الضرورية لا يكون مذهباً، وإن كان من جملة الاعتقادات لما لم يكن العلم الضروري من فعله، فصار المذهب يكون مذهباً لاستناده إلى الاعتقاد من فعله، فلا بد من اعتبار هذين الوصفين في كونه مذهباً.
فإذا عرفت هذا، فلنذكر الطريق إلى معرفة مذهب المجتهد، ثم نردفه بكيفية التخريج على مذهبه، وحكم القولين في المسألة، فهذه مباحث ثلاثة تختص ما نحن فيه وبعدها تفاصيل يليق ذكرها بالكتب الأصولية، ولكنا نورد ما يكون عوناً للفقيه على إحراز مذاهب المجتهدين وأقاويلهم وكيفية إحرازه لها بمعونة اللّه تعالى.

(1/178)


---
البحث الأول: في بيان الطريق إلى معرفة مذهب المجتهد.
وقد يدرك من جهة النطق، وقد يدرك من جهة الضرورة، وقد يكون معلوماً من جهة الاستدلال، فهذه طرق ثلاث نذكر ما يتوجه في كل واحدة منها بمعونة اللّه تعالى:
الطريق الأول: ما يكون معلوماً من جهة النطق، وهذا كأن يصرح المجتهد بأن يقول: هذا مذهبي، أو هذا الذي أقول به وهو اعتقادي في المسألة، من تحليل أو تحريم أو غير ذلك، سواء كان في الاعتقادات الإلهية أو في المباحث الأصولية أو كان في المسائل الفقهية، وأقوى ما يعرف به مذهب القائل، هو تصريحه من لسانه؛ لأن ما عداه من الطرق لا يكاد يسلم عن الاحتمال. وقد يقول المؤيد بالله ): هذا هو الذي أذهب إليه، وكما قال الشافعي: إذا تعارض الخبر والقياس فمذهبي هو القول بالخبر، يعني أنه لا يذهب إلى القياس ولا يرى له وزناً عند وجود الخبر وثبوته، بخلاف غيره فإنه ربما قال بالقياس وأعرض عن الخبر. وحكي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال: اجتمع رأيي ورأي عمر في تحريم بيع أمهات الأولاد، وأنا أرى الآن بيعهن(2)
__________
(1) المؤيد بالله أحمد بن الحسين بن هارون بن محمد الحسني الآملي الإمام المؤيد بالله وهو المعني بهذا اللقب عند أن يطلق، يوصف بأنه بحر العلوم وهو إمام علم الكلام وإمام أئمة الفقه، روى عن أبي العباس، وقاضي القضاة، وروى عنه السيد مانكديم، والقاضي يوسف وغيرهما، من مؤلفاته: (شرح التجريد) من أبرز المراجع، وله كتب أخرى منها: (الإفادة) (وهو غير كتاب الإفادة في التاريخ لأخيه السيد أبي طالب) و(الزيادات) و(التفريعات) و(إعجاز القرآن) في الكلام و(الأمالي الصغرى). ولد بآمل طبرستان 333هـ، وبويع له بالخلافة سنة 380هـ. وتوفي يوم عرفة 411هـ..
(2) الظاهر من رأي أئمة وعلماء الزيدية، تحريم بيع أمهات الأولاد، وقد روي إجماعهم على تحريمه في (البحر) عن الإمام يحيى بن حمزة (المؤلف). وجاء ما نصه: فصل. ويحرم بيع الأمة دون ولدها والعكس. إذ يحرم التفريق بينهما في الملك (ي) إجماعا، حتى يستغني بنفسه.ا.هـ. ص 317. وجاء في هامش (البحر) ما نصه:
…وعن علي عليه السلام أنه قال: وهب لي رسول اللّه ً غلامين أخوين، فبعت أحدهما، فقال لي رسول اللّه ً: ((ما صنع غلاماك))؟ فأخبرته. فقال: ((رُدَّه، رُدَّه)) أخرجه الترمذي. ا.هـ. وعن علي عليه السلام أنه فرق بين والدة وولدها، فنهاه رسول اللّه ً عن ذلك ورد البيع، أخرجه أبو داود.ا.هـ 318. وهذا كما تراه يناقض ما أورده المؤلف هنا من رأي الإمام علي بجواز بيع أمهات الأولاد، ولعله أورده للتمثيل فقط.

(1/179)


. وهذا تصريح منه بما يراه ويعمل به ويفتي، وهكذا القول في سائر المعتقدات.
الطريق الثاني: من جهة الضرورة.
وهذا ظاهر.. فإن كثيراً من المعتقدات [هو] مما يعلم بالضرورة، بالممارسة، ويعلم الحب والبغض والموالاة والمعاداة وغير ذلك من المقاصد الضرورية، ولهذا فإنا نعلم قطعاً بالضرورة، بغض العباسية للمروانية، وبغض الفريقين للفاطمية وعداوتهم، ونعلم أيضاً انقطاع الموالاة بينهم، وهكذا حال العدلية والجبرية في البغض وعدم الموالاة، ونضطر إلى قصودهم في الانقطاع وبطلان مذهب كل واحد من الفريقين لصاحبه(1) وهكذا القول في غيره فإنا نضطر إلى أن المجبرة يعتقدون تجوير اللّه ونسبته إلى فعل الظلم وسائر القبائح، كما نضطر إلى أن المشبهة يعتقدون مشابهة اللّه للأجسام وإن لم ينطقوا بذلك، ولكنا نضطر إلى مقاصدهم في الاعتقاد لذلك والعمل عليه وانطواء أفئدتهم على التصميم على ذلك ولا يزعهم عن ذلك وازع ولا يصدهم صاد. وهكذا القول في حال الإمامية من الشيعة فإنا نعلم بالضرورة إعظام أمير المؤمنين وموالاته، وتفسيق من خالفه في الإمامة وإكفاره، وإن لم يصرحوا بهذا الاعتقاد لما يظهر من أخلاقهم وشمائلهم، بل يصرحون بذلك ويدينون به.
الطريق الثالث: ما يُعلم من جهة الاستدلال.
اعلم أن الاستدلال على مذهب المجتهد ينبني على انسداد الاحتمالات، فإذا كان غير مصرح بمذهبه ولكنا نعلم من ضرورة قصده حكماً لها، وكانت الاحتمالات منسدة سوى احتمال واحد قوي على الظن، كون ذلك الاحتمال مذهباً له، وهذا يكون على أوجه ثلاثة:
__________
(1) لدى صاحبه.

(1/180)


أولها: أن يعلل الحكم المخصوص بعلة مخصوصة فيجب طرد(1) الحكم مع تلك العلة أينما وجدت؛ لأنه قد نص على العلة، والحكم تابع للعلة سواء كان قائلاً بتخصيص العلة أو مانعاً من تخصيصها؛ لأنه إذا كان مانعاً من التخصيص كان الحكم مساوياً للعلة في كل محل من محالها، وهكذا إذا كان قائلاً بالتخصيص؛ لأنه إنما يقول بالتخصيص لدلالة، فإذا لم توجد هناك دلالة، كان مذهبه التعميم لا محالة، فهذا وجه في معرفة مذهب المجتهد وإن لم يكن ناصاً عليه.
وثانيها: أن يعلم من جهته بتصريحه أنه لا يفرق بين المسألتين، أو ينعقد الإجماع من جهة على أنه لا تفرقة بينهما، ثم إنه نص على إحدى المسألتين فإنه يعلم بما ذكرنا أن حكم إحداهما حكم الأخرى، ومثاله أن يقول: الشفعة للجار، فيندرج تحت ذلك جميع الصور في الجيرة؛ لأنه قد حكم بالشفعة للجار على طريقة العموم فلا يجوز تخصيصه إلا لدلالة ولا دلالة ها هنا قائمة، فلهذا كان مذهبه التعميم في جميع الصور، أو يحكم مثلاً بالشفعة لجار الدار، فيعلم بذلك أن مذهبه وجوب الشفعة في جار العقار والأراضي إذ لا أحد من الأمة فصل بينهما، فعلمنا بمذهبه في شفعة الجار مع انضمام قرينة ألا أحد فصل بينهما من الأمة.. وجوب كونه قائلاً بالشفعة في كل جار من غير تفرقة بينهما.
__________
(1) يعني إجراء الحكم طرداً مع العلة.

(1/181)


وثالثها: أن يُعلم له مذهب مقرر في الأصول، فيفرع على ما يذهب [إليه] من ذلك وإن لم يصرح به، ومثاله: إذا كان يقول ويعرف من مذهبه القول بالعموم، وهو أن في اللغة صيغة موضوعة له، فإذا ورد قوله عليه السلام: (( كل مسكر حرام )). فنقول: مذهبه تحريم كل مسكر مما سوى الخمر؛ لأنه من القائلين بالعموم ولا مخصص هناك، فنعلم مذهبه في ذلك. وهكذا إذا ورد قوله ً: (( الشفعة في كل شيء )). فإنا نقول: يكون من مذهبه وجوب [الشفعة] في المنقولات؛ لأن هذا عموم وهو من القائلين به فيجب القضاء بأنه من مذهبه وإن لم يكن مصرحاً به، فهذا جملة ما يعرف به مذهب المجتهد إما من جهة التصريح، أو من جهة الإضطرار إلى قصده، أو بطريق الاستدلال على ما فصلناه لانسداد الاحتمالات فيها، وأنه لا محمل له إلا أنه قائل به فيجب كونه مذهباً له.

(1/182)


---
البحث الثاني: في بيان حكم التخريج على مذهب المجته
اعلم أن من الأصوليين من زعم أنما عدا ما قدمناهُ من الأوجه الثلاثة فإنه لا يعد مذهباً للمجتهد ولا ينسب إليه.
والمختار عندنا: تفصيل نشير إليه، وهو أن كل ما كان يقتضيه قياس قول الإمام أو المجتهد في المسائل الفقهية والمضطربات الاجتهادية، فإنه يجوز أن يجعل قولاً له، وإن لم ينص عليه إذا كانت أصوله دالة عليه وتقريراته تشير إليه وتفهم من تصرفاته. نعم .. إنما يكون منسوباً إليه على جهة التخريج ولا بد من التصريح بذلك إذا عزي إليه لئلا يكون موهماً للكذب، فيقول المخرج: هذا يكون مذهباً له على جهة التخريج. وليكون تفرقة بين ما يكون صريحاً من مذهبه وبين ما يكون على جهة التخريج. والبرهان على صحة ما قلناه هو: أن الأمة مجمعة على جواز ذلك وحسنه فيجب كونه معمولاً عليه مقبولاً. وإنما قلنا: إن الأمة مجمعة على ذلك؛ فلأن جميع الفرق من الزيدية والحنفية والشافعية مطبقون على تخريج المسائل التي هي غير منصوصة على ما يكون أصلُ واحدٍ من الأئمة مقتضياً له و[على] بيان ذلك. أما أئمة الزيدية فلأن أصحاب القاسم )
__________
(1) الإمام القاسم بن إبراهيم بن اسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ٍ أبو محمد ترجمان الدين. ولد سنة 170هـ، وروى عن أبيه وآخرين. وكان إمام زمانه ومن رواد تقعيد المسائل الفقهية ومن أوائل الدعاة إلى الاعتماد على العقل في استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها، روى عنه أولاده محمد والحسن والحسين وداود، وكذا محمد بن منصور وجعفر النيروسي وغيرهم. قال في الطبقات: كان مبرزاً في أصناف العلوم و(بارعاً) في تصنيفها.. وكان عالماً مجتهداً دقيقاً في انتزاع الأحكام وترتيب الأخبار ومعرفة الرواة والمذاهب والآراء، وبارعاً في الكلام واستخلاص حقائقه وإبراز نتائجه. بويع بالإمامة سنة 220هـ.، في بيت محمد بن منصور، وكان ممن بايعه أحمد بن عيسى بن زيد، وعبدالله بن موسى، والحسن بن يحيى فقيه الكوفة، ثم سكن جبل الرس شمال المدينة. اعتمد حفيده الهادي يحيى بن الحسين على الكثير من تراث القاسم الفكري في الاجتهاد والرأي والرواية، وهذا واضح في الجامعين (الأحكام والمنتخب)، لحق القاسم بربه عام 244هـ في الرس. (مقدمتا الأزهار والبحر والطبقات).

(1/183)


ناقلون لمذهبه، مخرجون على ما تقتضيه أصوله مما لم ينص عليه ويصرحون بذلك، وهكذا القول في حال الناصرية (1) فإنهم قد دونوا نصوصه في كتبه، وما زالوا مخرجين على تلك النصوص ملحقين بمذهبه على جهة التخريج مالم يقل به وجعلوه من جملة مذهبه في الصحة والعمل. وأما اليحيوية(2) فإنهم إيضاً مخرجون على رأيه محصلون له على ما يفهمون من تصرفه وعلى حد ما يعهدون من أدائه في الحوادث المنصوص عليها من جهته، وأعظم من عني في التخريج على أصول هؤلاء الأئمة وعنى في ذلك بجده ومبلغ جهده، السادة الثلاثة: المؤيد بالله و أبو طالب )
__________
(1) الناصر: الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين السبط، أبو محمد الإمام الناصر (الكبير) المعروف بالأطروش. ولد سنة230هـ، وإليه تنسب الناصرية. كان عالماً ورعاً شجاعاً، وكان جامعاً لعلم القرآن والكلام والفقه والحديث والأدب والأخبار واللغة جيد الشعر، أسلم على يديه خلق كثير. توفي في شعبان سنة 304هـ.
(2) اليحيوية: أتباع مذهب الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم، أول أئمة الزيدية باليمن ومؤسس مذهبها، خرج إلى اليمن بدعوة من زعمائها عام 283هـ، وكان بالرس من أعمال المدينة المنورة وبايعه الناس على الجهاد في سبيل اللّه وإحياء علوم وأحكام الشريعة، وتمركز بمدينة صعدة ويسمى إمام الأئمة، وهو أشهر أئمة اليمن بدون استثناء قضى حياته في الجهاد والعلم والتعليم، وله مؤلفات أشهرها (الأحكام) و(المنتخب والفنون) مطبوع. ترجم له كل المؤرخين ومؤلفي السير. وحياته ملخصة في كتاب (سيرة الهادي) توفي عام 298هـ، وقبره مشهور مزور بمسجده بصعدة.
(3) هو يحيى بن الحسين بن هارون، أبو طالب، الناطق بالحق أخو المؤيد بالله، له مؤلفات من أشهرها: (التحرير) في الفقه، وله تخريجات على مذهب الهادي، وكان يرى أن مالم يوجد فيه نص للهادي فمذهبه فيه كأبي حنيفة، وله (المجزي) في أصول الفقه، وفي علم الكلام (الدعامة في الإمامة)، وكتاب (الأمالي) المشهور بأمالي أبي طالب، مولده حوالي سنة 340هـ . بويع له بعد موت أخيه المؤيد بالله سنة 411هـ، وتوفي بآمل بطبرستان سنة 424هـ (مقدمتي البحر، والأزهار).

(1/184)


و أبو العباس ). وغيرهم من أصحاب كل إمام من هؤلاء الأئمة الثلاثة، فإن نصوصهم قليلة بالإضافة إلى المسائل المخرجة على أصولهم، وربما تختلف آراؤهم في التخريجات على حسب ما يعن من فهم مراده في تلك الحادثة، ويأتي كل واحد منهم بما يغلب على ظنه أنه غرضه ومراده.
__________
(1) أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن علي بن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. عالم، زاهد، ورع، قال عنه المنصور بالله عبدالله بن حمزة: هو الفقيه المناضل المحيط بألفاظ العترة أجمع غير منازع، حدَّث عن أبي زيد عيسى بن محمد العلوي، وعبدالرحمن بن أبي حامد ويحيى بن محمد بن الهادي، وعليه سمع كتابي الهادي (الإحكام والمنتخب) في الفقه، ومنه اتصل إسناد أهل اليمن، وروى عنه الأخوان (المؤيد بالله وأبو طالب) جميع كتب الزيدية، وله مؤلفات منها: (شرح الأحكام) و(شرح الإبانة) و(المصابيح)، وكان إمامياً ثم رجع إلى مذهب الزيدية، وقيل: لم يرجع. توفي سنة 353هـ.

(1/185)


وأما أصحاب أبي حنيفة، فنصوصه وإن كانت كثيرة في المسائل، لكن أبا يوسف ) ومحمد بن الحسن الشيباني، في غاية الجد والجهد في تقرير مذهبه وتلخيص مسائله وإلحاق غير المنصوص بالمنصوص، وهكذا حال الشيخ أبي الحسن الكرخي والجصاص )، فإن هؤلاء هم العمدة في نقل مذهب أبي حنيفة والتخريج عليه، وغيرهم من عظماء الحنفية وزعمائهم الذين أصلوا مذهبه وفصلوا مسائله وأظهروا أسراره، وهكذا الطحاوي ) فإنه كان إماماً في مذهب الرجل(4) وكلهم جاهد في ضبط المذهب، وتقرير قواعده وتفريع مذهبه على حد ما يفهمون من آرائه وشيمه وأخلاقه، وعلى فهم مذهب صاحبهم في الأصول. فيكون ذلك مفرعاً عليه كما تراه في تصرفاتهم الفقهية.
__________
(1) أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الكوفي صاحب أبي حنيفة، قاضي القضاة وهو أول من دعي بهذا اللقب، تفقه على يد أبي حنيفة، قال عنه المزني: أبو يوسف اتبع القوم للحديث. وقال يحيى بن معين: كان أبو يوسف يصلي بعدما ولي القضاء في كل يوم مائة ركعة، وقال: ليس في أصحاب الرأي أكثر حديثاً ولا أثبت من أبي يوسف. توفي في بغداد في ربيع الآخر سنة 182هـ. (مقدمتي البحر والأزهار).
(2) زياد بن أبي زياد الجصاص الواسطي أبو محمد بصري الأصل. محدث مجمع على ضعفه، روى عن الحسن ومعاوية بن قرة. وعنه: هشيم ومحمد بن يزيد وعبدالوهاب الحفاف.
قال عنه يحيى بن معين: ليس بشيء وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وتركه النسائي والدار قطني. ا.هـ. د. حسين العمري: تراجم، در السحابة للشوكاني.
(3) الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامه الطحاوي الأزدي أبو جعفر، صاحب التصانيف البديعة، كان شافعياً، تفقه على المزني، وانتقل إلى جعفر بن عمران. وانتهت إليه رئاسة الحنفية. وكان ثقة وثبتاً وفقيهاً عاقلاً كما وصفه ابن يونس، توفي في مستهل القعدة سنة 321هـ.
(4) يعني: أبا حنيفة.

(1/186)


وأما أصحاب الشافعي المتقدمون كالبويطي ) وحرملة ) والحسين الكرابيسي ) والمزني ) وغيرهم ممن عاصره فإنهم إما مخرجون(5) على نصوصه مع كثرتها وانتشارها، أو يستنبطون مسائل لم ينص عليها في أصوله المقررة، ومسائله المدونة عندهم. وهكذا القول في المتأخرين من أصحابه كأبي بكر بن الحداد (6)
__________
(1) يوسف بن يحيى القرشي أبو يعقوب البويطي المصري، قال في طبقات الشافعية: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من أبي يعقوب، وليس أحد من أصحابي أعلم منه. ا.هـ . أبى أن يقول بخلق القرآن فسجن وقيد حتى مات سنة 231هـ ببغداد. ا.هـ . ط. ش. ج1/71 . ط. الشيرازي ص109.
(2) أبو حفص حرملة بن يحيى بن عبدالله بن حرملة بن عمران التجيببي، أحد الحفاظ المشاهير من أصحاب الشافعي وكبار رواة مذهبه الجديد. قال الشيرازي: كان حافظاً للحديث وصنف (المبسوط) و(المختصر)، ولد سنة 166هـ، ومات في شوال سنة ثلاث وقيل: أربع وأربعين ومأتين. والتُجيْبي: نسبة إلى تُجِيب بتاء مثناة من أعلى مضمومة وقيل: مفتوحة، ثم جيم مكسورة بعدها مثناة من تحت ثم باء موحدة: وهي قبيلة نزلت مصر. (طبقات الشافعية، طبقات الفقهاء).
(3) أبو علي الحسين بن علي بن يزيد البغدادي الكرابيسي، كان جامعاً بين الحديث والفقه، سمي بالكرابيسي؛ لأنه كان يبيع الكرابيس وهي الثياب الخام (الأقمشة). مات سنة 245هـ. (طبقات الفقهاء 191، طبقات الشافعية ج1/63).
(4) إسماعيل بن يحيى المزني الشافعي أبو إبراهيم البصري، أخذ عن الشافعي وأخذ عنه الطحاوي. كان فقيهاً عالماً، وله مؤلفات كثيرة، ومذهب مستقل، وهو أكبر أصحاب الشافعي، خرَّج له المرشد بالله، وهو منسوب إلى مزينة. توفي في رمضان سنة264هـ.
(5) مخرجون بالتضعيف من خَرَّج، وهو تخريج الرأي ونسبته إلى صاحبه من مجمل نصوصه.
(6) أبو بكر محمد بن أحمد بن جعفر الكناني المصري المشهور بابن الحداد، قال عنه صاحب طبقات الشافعية: كان إماماً مدققاً في العلوم سيما في الفقه، وكان كثير العبادة يصوم يوماً ويفطر يوماً، ويختم القرآن في كل يوم وليلة، صنف كتاب (الباهر) في الفقه في مائة جزء، وكتاب (الفروع المولدات). مات بمصر لأربع بقين من المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. عن تسع وسبعين سنة، ودفن في سفح جبل المقطم عند أبويه. (طبقات الشافعية).

(1/187)


وابن الصباغ ) صاحب (الشامل) وأهل العراق أيضاً، فما من واحد من هؤلاء إلا وقد خرج على مذهبه، وألحق بالمسائل المنصوصة في (الأم)(2) أكثر منها، وما يزالون في الأعصار الخالية والآماد المتمادية مخرجين على نصوصه لا يصرفهم عن ذلك صارف. وأصحابه أدق الفقهاء نظراً، وأكثرهم خوضاً، وأحكمهم في تقرير القواعد وتحرير الضوابط.
وأما أصحاب مالك فأول من صنف في الحديث مالك؛ فإنه وضع (الموطأ)(3) وقرأ عليه وسمعه الناس، وقد عني أصحابه بمذهبه أشد العناية، وخرجوا وأصلوا وفصلوا وأكثر أهل المغرب على اتباع مذهبه؛ وكان مستوطنا المدينة ولكنه شاع مذهبه في ناحية المغرب، وولع حذاق المغاربة به، ولهم تصانيف في الأصول والفروع كلها على رأي مالك.
فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا، أن الأمة مجمعة على القول بالتخريج وعلى جوازه وحسنه، وفي هذا دلالة على كونه معمولاً به على رأي كل ذي مذهب من المذاهب كما أشرنا إليه، وإذا كان الأمر كما قلناه، كان صحيحاً وكيف لا؟ وقد قال صاحب الشريعة (صلوات اللّه عليه): (( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن )). فهذه دلالة تقرر ما ادعيناه من صحة القول بالتخريج والعمل عليه. لا يقال: فإذا خرج بعض أصحابه ذلك الإمام على مذهبه وخرج آخر ما يخالفه، فعلى أي التخريجين يكون عمل العامي الذي يقلده، وما يكون حكم الفتوى على رأيه، والحال ما ذكرناه؟
__________
(1) أبو نصر عبد السيد بن محمد البغدادي المعروف بابن الصباغ الشافعي، برع في علوم الفقه والحديث حتى اشتهر، وهو ثقة حجة، من مصنفاته كتاب (الشامل)، وهو من أجود وأشهر كتب الشافعية، كف بصره في آخر عمره، وتوفي ببغداد سنة477هـ.
(2) كتاب حديثي فقهي مطبوع في خمسة مجلدات.
(3) كتاب (الموطأ): مسند مالك، مطبوع في مجلد واحد.

(1/188)


لأنا نقول(1): إذا كان هذان المخرجان عالمين بمذهبه مخلصين له، فتخريجهما مقبول لا محالة، ويجب نقلهما للعامي ويخير في العمل بأحدهما كما لو كان له في المسألة قولان والتبس التاريخ بينهما، فإنهما ينقلان للعامي يعمل بأيهما شاء، فهكذا هذا من غير تفرقة بينهما، والله أعلم بالصواب.
ولابد أن يكون بين المسألة المخرجة والمخرج عليها قرب ومداناة، بحيث لا يكون التخريج مبايناً لما خَرَّج عليه ولا مناقضاً له، جارياً على نعت الملائمة لنصوصه وتصرفاته.
نعم.. إذا قال المجتهد في الحادثة بقول، ثم قال بعد ذلك: ولو قال قائل فيها كذا وكذا لكان مذهباً، فإن ما هذا حاله لا يكون مذهباً له بمجرد قوله هذا، ومن أصحاب الشافعي من زعم أنه يكون مذهباً له، ولكن إنما يكون مذهباً له إذا كان جارياً على أصوله ملائماً لها جاز ذلك لا بمجرد قوله وحكايته بما ذكرناه. وهكذا لو نص على واقعة بحكم معين، ونص في مثلها على نقيض ذلك الحكم، لم يجز نقل أحد القولين إلى الآخر، ومثاله أن يقول: الوضوء يفتقر إلى نية، ثم يقول: الغسل لا يفتقر إلى النية. فهذان قولان متنافيان في هاتين المسألتين لا يجوز نقل أحدهما إلى الأخرى لما فيهما من المخالفة، وحكي عن بعض أصحاب الشافعي جواز نقل حكم إحداهما إلى الأخرى وتخريجهما على القولين، وهذا يكون على التفصيل الذي أشرنا إليه.
__________
(1) في الأصل: (لا نقول).

(1/189)


---
البحث الثالث: في كيفية القولين للمجتهد في المسألة الاجتهادية وحكمهما
اعلم أن من الأصوليين من جوز أن يقال: للمجتهد في هذه الواقعة قولان، ومنهم من منع ذلك على الإطلاق وقال: إنه لا معنى لذلك.
والمختار عندنا: تفصيل نشير إليه؛ إذ لا وجه للنفي أو للإثبات على الإطلاق، والحق الذي نعول عليه في القول بأن للمجتهد في المسألة قولين، هو أنه إذا نظر في المسألة فحدث له فيها قول، ثم عاود النظر فيها مرة أخرى فقال فيها بقول آخر، لكن جُهِل التاريخ بينهما ولم يُعرف المتقدم منهما من المتأخر، فلا جرم نحكي القولين جميعاً عنه من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، فهذا هو الوجه الصحيح الذي يحمل عليه قول العلماء: إن للمجتهد في المسألة قولين، وعلى هذا ينقلان للعامي المقلد له في المسألة، ويخير بينهما إذ لا ترجيح لأحدهما على الآخر. وإذا كان الأمر كما قلناه، وجب أن يحمل ما يحكى عن المؤيد بالله وغيره من أصحابنا من اختلاف القولين أو الأقوال، ويحمل ما يحكى عن الشافعي من اختلاف القولين أو الأقوال، فمتى عرف المتقدم منهما على المتأخر(1) فإنه يكون العمل عليه واجباً ويكون ناسخاً له، أو يعرف الصحيح منهما من الفاسد، فيكون القول هو الصحيح دون غيره، فأما ما لا يعرف فيه التاريخ ولا يعلم صحة أحدهما من فساد الآخر، فإنه يقال فيه: إن له قولين على هذا الوجه، وأكثر أقوال الشافعي قد ميزها أصحابه، وعرفوا المتقدم منها من المتأخر، وأوضحوا الصحيح منها من الفاسد، والذي اعتاص عليهم فيها تاريخ تقدم أحدهما على الآخر هي مسائل قليلة حكاها أبو إسحاق الأسفرائيني )
__________
(1) في الأصل: (الآخر).
(2) إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإمام ركن الدين أبو إسحاق الإسفرائيني المتكلم، الأصولي، الفقيه، شيخ أهل خراسان، له مصنفات كثيرة منها: (جامع الحلي) في أصول الدين خمسة مجلدات، وله مؤلفات أخرى. توفي يوم عاشوراء سنة 418هـ. ا.هـ ملخصاً من طبقات الشافعية برقم 131.

(1/190)


يرتقي عدها إلى سبع عشرة مسألة، فحكوا فيها قولين، وما عدا هذا الوجه فهو خطأ، فلا يجوز أن يقال: إن للعالم المجتهد قولين، على معنى أنه يقول إن هذا الشيء في نفسه حلال حرام على جهة الجمع بينهما؛ إذ لا يجوز أن تكون العين الواحدة حلالاً حراماً في وقت واحد من جهة شخص واحد، ولا يجوز أن يقال: إن له في المسألة قولين على جهة التخيير فيقول: بأن هذه العين حلال أو حرام، إذ لا وجه للقولين على هذه الصفة، ولا على أن يقال: إن المسألة محتملة لأوجه كثيرة فيبطل كل واحد منها سوى اثنين فعلى [القول] بأن له في هذه الحادثة قولين، فإن مثل هذا قد صححه أبو إسحاق الشيرازي ) من أصحاب الشافعي، وزعم أن ذلك معنى صحيح في صحة حمل قول المجتهد في المسألة على وجهين وهذا فاسد أيضاً، فإنه إذا كانت محتملة لما ذكره من الاحتمالات ثم بطلت كلها إلا اثنين منها، فإنه يكون شاكاً فيما ورائهما، فكيف يقال بأنهما قولان له؟ فما هذا حاله يكون خطأ، فإذاً لا تعويل في أن للمجتهد في المسألة قولين إلا على ما ذكرناه دون سائر الأوجه، والله أعلم بالصواب.
وهذا ما أردنا ذكره في التنبيه على ما اشتملت عليه هذه المقدمة مما لا يتسع جهله للفقيه الخالي عن علم الأصول، والله الموفق للرشاد.
__________
(1) هو إبراهيم بن علي بن يوسف، يكنى بأبي إسحاق، ولقبه جمال الدين، ولد سنة 393هـ في بلدة فيروز آباد بالقرب من شيراز، وهو من أعلام فقهاء الشافعية، درس في شيراز والبصرة وبغداد حتى برع في علوم الفقه والحديث، وتتلمذ عليه كثيرون من أعيان المذهب الذين تجاوز عددهم أربعين فقيهاً. من مؤلفاته: (المهذب) في الفروع، و(التنبيه) في الفقه، و(اللمع) وشرحه في أصول الفقه، و(طبقات الفقهاء) في التراجم، توفي سنة 476هـ. (ملخصاً من طبقات الفقهاء).

(1/191)


---
المقدمة الخامسة: في جواز التقليد للعوام في المسائل الخلافية وذكر من هو أحق بذلك من العلماء
اعلم أن الذي عليه أهل التحقيق من أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة ومحققي الأشعرية، أنه لا يجوز التقليد في المسائل الدينية نحو: العلم بالصانع وصفاته، والعلم بحكمته ومعرفة صدق الرسول إلى غير ذلك من مسائل الديانة، والواجب على كل مكلف الوصول فيها إلى العلم اليقين، بالنظر في الأدلة القاطعة.
وذهب كثير من الفقهاء إلى جواز حصول هذه المعارف كلها بالتقليد لمن علمها بالنظر والاستدلال، وهو محكي عن أبي إسحاق النصبي ) ويأتي على رأي عبدالله بن الحسن العنبري ) وإلى هذه المقالة ذهب أهل الحشو والتعليمية(3) وزعموا أن الطريق إلى معرفة الحق إنما تكون بالتقليد، وأما النظر فهو موضع حيرة.
__________
(1) إبراهيم بن عياش البصري النصيبي المعتزلي (أبو إسحاق) من علماء المعتزلة، قال في (المنية والأمل): كان من الورع والزهد والعلم على حد عظيم وهو من الطبقة العاشرة من المعتزلة، وله كتاب في إمامة الحسنين وكتب أخرى . ا.هـ (مقدمة الأزهار).
(2) صوابه عبيدالله، من تميم، قاضٍ من الفقهاء العلماء بالحديث وهو من البصرة وُليَّ قضاءها وعزل سنة 166هـ، وتوفي في هذه السنة. الأعلام 4/192.
(3) من الأشعرية والإسماعيلية.

(1/192)


والمختار: هو الأول؛ لأن المقلد في هذه الأمور ليس يخلو حاله [إما] أن يكون مقلداً لجميع الفرق المخالفة، أو يكون مقلداً لفريق دون فريق، وباطل أن يكون مقلداً لجميع الفرق، لما يؤدي إليه ذلك من الإعتقادات المتناقضات، فإن منهم من أثبت الصانع ومنهم من زعم نفيه، وما هذا حاله يستحيل الجمع بينهما، وإن قلد بعضاً دون بعض، فإما أن يكون ذلك التخصيص لمرجح أو لا لمرجح، وباطل أن يكون ذلك من غير مرجح؛ لأن اعتقاد أحد الجائزين من غير مرجح يكون باطلاً عقلاً، وإن كان لمرجح فليس ذلك يكون إلا بالنظر لبطلان ما سواه من الطرق، إذ لا يمكن الوقوف على حقيقة الأمر إلا به، وفيه بطلان التقليد بكل حال وهو المقصود.
فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر جواز التقليد من جهة العوام للعلماء في المسائل الخلافية، ثم نذكر من هو أحق بالتقليد في ذلك، فهذان مطلبان نذكر ما يتوجه في كل واحد منهما بمعونة اللّه تعالى:

(1/193)


---
المطلب الأول: في بيان جواز التقليد من جهة العوام للعلماء في المسائل الخلافية والأحكام العملية
زعم جماعة من معتزلة بغداد أنه لا يجوز للعامي التقليد في المسائل الخلافية العملية، وقالوا: إن الواجب على العامي هو أن يعرف حكم الحادثة بدليل الشرع الموضوع له، ويحرم عليه التقليد، وحاصل هذه المقالة: إلحاق المسائل الفقهية بمسائل العقائد الدينية، وقالوا على أثر هذه المقالة: إنه إنما يجب عليه الرجوع إلى قول المفتي إنما كان ليعرفه طريقة النظر لا من أجل أنه يتبعه في قوله، إلى هذه المقالة ذهب الجعفران من المعتزلة: جعفر بن حرب ) وجعفر بن مبشر )، وأما الشيخان: أبو علي الجبائي وأبو عبدالله البصري ) فقد فرقا بين المسائل الشرعية وقالا: إن كان في المسألة الشرعية دلالة قاطعة
__________
(1) جعفر بن حرب الهمداني المعتزلي من معتزلة بغداد. قال المتوكل على اللّه (أحمد بن سليمان): هو من شيعة المعتزلة المفضلين لعلي عليه السلام. ونقل السيد أبو طالب في (الإفادة): إن جعفراً دخل على القاسم بن إبراهيم فجاراه في دقيق الكلام ولطيفه، فلما خرج من عنده قال: أين يتاه بأصحابنا عن هذا الرجل؟ والله ما رأيت مثله. وله مصنفات كثيرة منها: كتاب (الإيضاح) و(نصيحة العامة). توفي سنة 237هـ.
(2) جعفر بن مبشر الثقفي المعتزلي البغدادي، عده المتوكل على اللّه من شيعة المعتزلة. قال في مقدمة الأزهار: وليس للجعفرين رواية في الحديث ولا ترجمة، وإنما شهرتهما في علم الكلام. توفي سنة 234 هـ.
(3) هو الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبدالله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام الأسدي أحد أئمة الشافعية. قال في طبقات الشافعية: كان أعمى، وله مصنفات كثيرة منها: (الكافي) مات قبل سنة 320هـ، وأرخ الذهبي وفاته سنة 317هـ. ا.هـ (طبقات الشافعية ج1/94، وترجم له الشيرازي في طبقاته وابن خلكان في وفيات الأعيان، وغيرهما).

(1/194)


فإنه لا يجوز للعامي التقليد فيها، ويجب عليه إمعان النظر في تحصيله، وإن لم يكن فيها مسلك قاطع فإنه يجوز له التقليد فيها، وإلى هذه المقالة ذهب الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من أصحاب الشافعي.
والذي عليه أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة والنظار من الأشعرية، هو جواز التقليد في المسائل الشرعية مطلقاً للعوام ومن هو قاصر عن النظر كالنساء والعبيد، سواء كان فيها مسلك قاطع أو لم يكن.
وهذا هو المختار عندنا، والمعتمد فيه أنا نعلم قطعاً بتواتر النقل من جهة الصحابة والتابعين لهم إلى يومنا هذا والذي وقع فيه الخلاف أنهم كانوا مسوغين للعوام العمل على أقوال المجتهدين من الصحابة، ولم يؤثر عن أحد منهم أنه كلفهم طلب الأدلة الغامضة، ولا يفرقون في ذلك بين ما كان فيه دليل قاطع وبين ما ليس فيه دلالة قاطعة في تسويغ العمل، وهذا ظاهر من عادة الصحابة ومن بعدهم من التابعين لا يختلفون فيه، وأيضاً فإنا لو كلفنا العوام النظر في المسائل ومعرفة أحكامها ومنعناهم عن التقليد، لاحتاج كل واحد منهم إلى معرفة ذلك وإدراكه والوقوف على حقيقته، وفي ذلك تكليفهم ما ليس في وسعهم، ويؤدي إلى اشتغالهم عن طلب المعاش وإبطال كل أعمالهم، وهذا ساقط لا يعول عليه، فثبت بما ذكرناه جواز تقليد العوام للعلماء وبطلان كونهم ناظرين في هذه الأدلة لما ذكرناه، وسواء كان من يقلدونه في المسائل العملية حياً أو ميتاً إذا كان بالغاً درجة الاجتهاد، فإنه يجوز لهم ذلك، وحكي عن الجماهير من العلماء أنه لا يجوز تقليد الميت ولا العمل على رأيه، وأن تقليد الحي أولى وأحق، وزعموا أنه لا قول لميت، بدليل أن الإجماع ينعقد من دونه ولا ينعقد مع كونه حيَّاً.
ووجه آخر: وهو أن الميت لا يُدرَى حاله هل يكون مستمراً على اجتهاده لو كان حياً أو يكون راجعاً عنه، فالعمل عليه والحال هذه يكون عملاً على الشك وهو باطل.

(1/195)


والمختار عندنا: هو جواز العمل على رأي من مات من أهل الاجتهاد من علماء العترة وفقهاء الأمة، كأبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه (رحمهم اللّه تعالى) ومعتمدنا في الدلالة على ذلك أمران:
أحدهما: من جهة الضرورة، وحاصله أن الاجتهاد لما كان متعذراً في زماننا هذا لقصور همم أهله عن بلوغ غايته، فلا جرم تحكم الضرورة بتقليد من سلف من الأئمة والفقهاء، إذ لو لم نقلدهم لأدى ذلك إلى بطلان التقليد في حق العوام، لشغور الزمان عمن يكون من أهل الاجتهاد، إذ لا خلاف في صلاحية من سلف من علماء العترة وفقهاء الأمة للاجتهاد، وكونهم من أهله، وأن أحداً في زماننا هذا لا يلحق بأدناهم درجة في ورع ولا تقوى ولا نفوذ بصيرة، فلهذا كانوا أحق من غيرهم فضلاً عن جواز ذلك.
وثانيهما: أن الإجماع منعقد من أهل العصر هذا على جواز ذلك، والإجماع حجة في كل عصر من الأعصار، فلأجل هذا كانوا أحق وأولى بالتقليد، ووجه آخر: وهو قوله ً: (( من عام إلى عام ترذلون ))(1) فإذا كانوا على تكرار الأعصار وتخرم الزمان لا يزدادون إلا نقصاً في كل أحوالهم من جهة الدين والدنيا، كان من سلف أكمل منهم درجة وأعلى همة في جميع الأمور، فلا جرم قضينا بكون من سبق أحق بالتقليد وأولى بالمتابعة؛ لأن كمالهم في العلم أكثر، واختصاصهم بالتقوى والورع أعظم وأوفر.
قوله: الميت لا يُدرَى حاله هل يرجع عن المسألة أم هو باق على القول بها؟ قلنا: الظاهر هو استمراره على القول بها التي مات وهو قائل بها وقد انقطع اجتهاده بموته.
قوله: الميت لا قول له في المسألة.
__________
(1) أخرج نحوه الترمذي عن أنس مرفوعاً: ((ما من عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم)).

(1/196)


قلنا: هذا خطأ، فإن قوله معتبر في المسألة ولهذا فإن القوي أنه لا ينعقد إجماع مع مخالفته وإن كان ميتاً، ولا تعد المسألة إجماعاً مع خلافه، وفيه خلاف ذكرناه في الكتب الأصولية، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن تقليد من سلف جائز من الأئمة والفقهاء، بل يكون أحق لما ذكرناه.

(1/197)


---
المطلب الثاني: في بيان من هو أحق بالتقليد ومن يكون أولى بالمتابعة ممن حاز منصب الاجتهاد من العلماء
اعلم أن العوام لما كانوا لا هداية لهم إلى القيام بهذه التكاليف الشرعية وتأدية هذه العبادات العملية بأنفسهم فلا بد لهم من قدوة يعتمدونها وإمام يهتدون بهديه، ثم هل يكون العامي مخيراً في تقليد من شاء من أهل الاجتهاد، أو لابد له من مزيد نظر في طلب الأفضل؟ فيه تردد ونظر.
والمختار عندنا: أن عليه تكليفاً في طلب الأفضل؛ لأن الذي دل على أنه واجب عليه التقليد فهو بعينه دال على أن عليه مزيد تكليف من تعرف من يكون أحق بالتقليد في الفضل وهذا ظاهر.
فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر ما يكون معتمد التقليد من المذاهب، فنقول:
أجمع العلماء واتفق رأي الفضلاء من أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة والأشعرية وغيرهم من سائر فرق الأمة، على أن الصحابة (رضي اللّه عنهم وأرضاهم) وإن كان فضلهم لا ينكر، ومزيد علمهم لا يجحد، لعلو منصبهم في الدين، وإحراز المناقب، واختصاصهم بالصحبة، فإنه ليس للعوام ولا من فرضه التقليد من أنواع الخلق، تقليدهم لوجهين:
أما أولاً: فلأنهم لم يكن من جهتهم اعتناء بتذليل مسالك الاجتهاد وترتيب أبوابه وإيضاح طرقه وتأسيس أصول النظر فيه، وإنما كان همهم إحياء معالم الدين وتقرير قواعد الإسلام بالذب عنه بالسيف.
وأما ثانياً: فلم يدونوا أبواب الفقه ولم يكن من جهتهم اهتمام [في] تقرير مسائله، بل كان همهم من ذلك إرسال الاجتهاد وإيضاح الفتاوى في الأقضية والأحكام على جهة الإجمال من غير نظر في التفاصيل.

(1/198)


نعم.. إنما الذين خاضوا غمرات الاجتهاد، وسبروا مسالك الأدلة بالتفصيل والتهذيب، وترتيب المسائل وتبويب الأبواب وسطرها في الكتب وإثباتها في الصكوك، هم العلماء من بعدهم من زمن التابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا من أئمة العترة وفقهاء الأمة، فإن عنايتهم في ذلك غير خافية على من له في ذلك أدنى مسكة من الفضل، وكَفَوْا مَن بعدهم النظر في مذاهب الصحابة (رضي اللّه عنهم) لأن السابق وإن كان له حق الوضع والتأصيل. فللمتأخر الناقد حق التكملة والتنخيل والتفصيل فلأجل ذلك كان من بعدهم أحق بالاتباع.
فإذا وضحت هذه الجملة، فنحن الآن نعلوا ذروة لا يُنَال حضيضها في ترجيح مذاهب أئمة العترة على غيرهم من فقهاء الأمة وعلماء العامة، ونوضح بالبراهين الباهرة والأدلة القاهرة، أنهم أحق بالتقليد وأولى بالمتابعة، وجملة ما نشير إليه من ذلك طرق ثلاث نذكر ما يتوجه في كل واحدة منها:
الطريقة الأولى منها: ورود الثناء من جهة اللّه تعالى ومن جهة رسوله ً.
أما من جهة اللّه تعالى: فقوله تعالى: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرَاً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي القُرْبَى }[الشورى:23].
ووجه الاستدلال بهذه الآية على فضلهم هو أن اللّه تعالى لما كان من أعظم نعمه على الخلق وأجلها وأعلاها وأكملها هو بعثه الرسول ً لهداية الخلق وإرشادهم إلى السعادة الأخروية وإزاحتهم عن العمى وهدايتهم إلى طرق الهداية ً، فما يكون في مقابلة هذه النعمة يكون لا محالة جليل القدر عظيم المنزلة؛ لكونه جعل في مقابلته هذه النعمة، والله تعالى قد جعل في مقابلة النعمة بالرسول والجزاء على عنايته في الخلق، هو المودة والمحبة لمن كان قريباً إليه، وما هذا حاله فليس يخفى مزيد فضله، وعلو حاله وأمره من جهة كونها واردة في معرض المدح والتنبيه على مزيد فضل القرابة وعلو قدرهم واهتمام أمر الله تعالى بهم، حتى قال فيهم ما قاله.

(1/199)


وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيْدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَطْهِيْرَا }[الأحزاب:33]. فظاهر هذه الآية دال على إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم من سائر الأدناس على جهة المبالغة، حيث صدَّر الآية بإنَّما وهي موضوعة للتحقيق في الجملة؛ لأنها في معنى النفي والإثبات(1) كأنه قال: ما يريد اللّه إلا إذهاب الرجس عنكم، ولأنه أكد الفعل بالمصدر حيث قال: {يُطَهِرَكُمْ تَطْهِيْرَا} كأنه قال: تطهيراً لا زيادة فوقه، ولا شك أن كل من أخبر اللّه عنه بإذهاب الرجس وتطهيره عن كل مكروه، فلا مرية في اختصاصه بالفضل على غيره.
وأهل البيت ٍ هم: أمير المؤمنين (علي)، وفاطمة، والحسن والحسين(2)، وأولادهما في كل عصر، بدليل خبر الكساء حيث خصهم ً به وقال: (( اللهم هؤلاء أهل بيتي ))(3). فدل ذلك عل صحة ما قلناه، فهاتان الآيتان قد دلتا على فضلهم وعلو مرتبتهم من الوجه الذي لخصناه وأشرنا إليه.
وأما من جهة السنة: فقد ورد في ذلك أحاديث نذكرها:
__________
(1) وكذا تفيد (إنما) في مصطلح النحاة الحصر والقصر، وهذا ظاهر ما أراده المؤلف من قوله: (لأنها في معنى النفي والإثبات) وكأنه قال: لا يريد اللّه بهذا إلا ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.
(2) لم نضع أية ترجمة أو تعريف لأهل الكساء، لكونهم أشهر وأظهر من كل ترجمة أو تعريف.
(3) هذا من الأحاديث المشهورة والمتواترة. روته أم سلمه (رضي اللّه عنها) قالت: لما نزلت الآية: {إِنَّمّا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت}.. الآية، دعا النبي ً فاطمة وعلياً والحسن والحسين، فجللهم بكساء وقال: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)). أخرجه كل أصحاب السنن والصحاح وعامة المحدثين.

(1/200)


أولها: قوله عليه السلام: (( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا ً، كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ، إن اللطيف الخبير نَبَّأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض))(1).
وثانيها: قوله ً: (( أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ، فإذا ذهبت نجوم السماء أتى أهل السماء ما يوعدون، وإذا ذهب أهل بيتي من الأرض أتى أهل الأرض ما يوعدون))(2).
__________
(1) جاء في (الفلك الدوار) للسيد صارم الدين في تخريج المحقق محمد يحيى سالم عزان لهذا الحديث: أنه روي بألفاظ مختلفة. فممن أخرجه وفيه لفظة (العترة): الإمام زيد بن علي، والإمام علي بن موسى الرضى، والدولابي، والبزار، عن علي عليه السلام. وأخرجه مسلم، والترمذي، وابن خزيمه، والطحاوي، وابن أبي شيبة، وابن عساكر، وغيرهم كثيرون حرصنا على تجاوز المصادر وعدم الاسترسال في ذكر رواة الحديث ومؤلفاتهم التي أوردها المحقق في هذا الكتاب تجنباً للإطالة. راجع (الفلك الدوار ص9).
(2) أخرجه أحمد بن حنبل، عن علي وعمَّار، وأخرج معناه الطبراني، والحاكم، ورواه الهادي، والرضي، وأبو طالب، والمرشد بالله، وغيرهم من أئمة وعلماء أهل البيت. قال في (لوامع الأنوار): ورواه صاحب (جواهر العقدين) عن سلمه بن الأكوع، وقال: أخرجه: مسدد، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى، والطبري، في (ذخائر العقبى) عن سلمه أيضاً، وصاحب الجواهر أيضاً عن أنس قال: قال رسول اللّه ً ... الحديث ا.هـ ملخصاً (لوامع ج1/65 للعلامة مجدالدين المؤيدي).

(1/201)


وثالثها: قوله ً: (( مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى))(1).
ورابعها: قوله ً: (( أهل بيتي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ))(2).
وخامسها: قوله ً: (( أحبوا اللّه لما يغذوكم به من النعم، وأحبوني لحب اللّه، وأحبوا أهل بيتي لحب ي))(3).
وسادسها: قوله ً: (( ما أحبنا أهل البيت أحد فزلت به قدم إلا ثبتته أخرى حتى تنجيه ))(4).
وسابعها: قوله ً: (( أهل بيتي باب حطة، فادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم ، وهم كالكهف لأصحاب الكهف، وهم باب السلم فادخلوا في السلم كافة))(5).
__________
(1) أخرجه الإمام الهادي في الأحكام والإمام أبو طالب في (الأمالي) والإمام المرشد بالله في (الأمالي الخميسية) وابن المغازلي في (المناقب) والحموئي في (فرائد السمطين) والطبراني في الكبير والحاكم في (المستدرك) عن أبي ذر الغفاري. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه. وأخرجه أبو نعيم في الحلية .ا.هـ ملخصاً من الفلك الدوار ص10.
(2) أورد في (لوامع الأنوار): ما روي في (الشافي)، عن علي عليه السلام، عن الرسول ً: ((مثل أهل بيتي مثل النجوم كلما مر نجم طلع نجم)). وهو مروي في عدة مصادر باختلاف قليل في اللفظ. قال: وفي (الأمالي): عن نصر بن مزاحم قال: سمعت شعبة يقول: قال رسول اللّه ً: ((مثل أهل بيتي..)).. الحديث.
(3) أخرجه الترمذي والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن ابن عباس. ا.هـ. (در السحابة 276، تحفة ج10/292، المستدرك ج2/150).
(4) أخرجه الهادي في الأحكام.
(5) أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد وهو الحديث الثامن عشر من الأربعين والخامس والعشرون من الأربعين للنبهاني ص216. (المراجعات 44).

(1/202)


وثامنها: قوله ً: (( اللهم اجعل شرائف صلواتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد))(1).
وتاسعها: قوله عليه السلام: (( من أسبغ وضوءه، وأحسن صلاته، وأدى زكاة ماله ، وكف غضبه، وسجن لسانه، وبذل معروفه، واستغفر لذنبه، وأدى النصيحة لأهل بيتي. فقد استكمل حقائق الإيمان))(2).
وعاشرها: قوله ً: (( لا يبغض أحد أهل بيتي إلا كبه اللّه على وجهه في النار ))(3).
وحادي عشرها: قوله ً: (( نحن أهل بيت شجرة النبوة، ومعدن الرسالة، ليس أحد من الخلائق يفضل أهل بيتي غيري))(4).
وثاني عشرها: قوله عليه السلام: (( احفظوني في عترتي أهل بيتي ))(5).
وثالث عشرها: قوله ً: (( أُعْطيت الكوثر. قيل يا رسول اللّه وما الكوثر؟ قال: نهر في الجنة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب لا يشرب منه أحد فيظمأ، ولا يتوضأ منه أحد فيسغب، لا يشرب منه إنسان خفر ذمتي وقتل(6) أهل بيتي))(7).
__________
(1) أورده في (الاعتصام) وفي (أمالي أبي طالب) بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: حدثتني أم سلمة (رضي اللّه عنها): أن النبي ً قال لفاطمة (عليها السلام): ((ائتيني بزوجك وابنيكِ)). قال: فجاءت بهم فألقى عليهم كساءً فدكياً ثم قال: ((اللهم إن هؤلاء آل محمد فاجعل شرائف صلواتك..)).. الحديث.
(2) أخرجه الناصر في البساط وابن المغازلي في (المناقب) ومحمد بن محمد بن الأشعث الكوفي في الأشعثيات.
(3) أخرجه الحاكم في (المستدرك) ج4/352، والهيثمي في (مجمع الزوائد) ج7/296.
(4) أخرجه الملاَّ والطبري عن أنس، وأخرجه الديلمي .ا.هـ ج1/73 لوامع.
(5) وروى نحوه محمد بن سليمان الكوفي في (المناقب) عن أبي سعيد الخدري بلفظ: ((احفظوني في قرابتي)).
(6) في الأصل ولا قتل. وهو خطأ من الناسخ.
(7) رواه أحمد في مسنده ج3/153، 247، وفي (مجمع الزوائد) ج10/366.

(1/203)


ورابع عشرها: قوله ً: (( ثلاثة أنا شفيع لهم يوم القيامة: الضارب بسيفه أمام ذريتي، والقاضي لهم حوائجهم حين اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه))(1).
وخامس عشرها: قوله ً: (( حرمات من حفظهن حفظ اللّه له أمر دينه، ومن ضيعهن لم يحفظ اللّه له شيئاً. قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: حرمة الإسلام، وحرمتي، وحرمة رحمي))(2).
وسادس عشرها: قوله ً: (( حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وقاتلهم، وعلى المعين عليهم ، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم اللّه ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم))(3).
وسابع عشرها: قوله ً: (( لا تزول قدما العبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله ممن اكتسبه وفيم أنفقه، وعن حبنا أهل البيت))(4).
__________
(1) أخرجه أبو طالب في الأمالي، وعلي بن موسى الرضى.
(2) رواه المنصور بالله عبدالله بن حمزة، بسنده إلى الإمام المرشد بالله، بسنده إلى أبي سعيد الخدري، وأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، وأبو الشيخ في الثواب وأبو نعيم عن أبي سعيد. أفاده في تفريج الكروب. ا.هـ ج1/73 لوامع.
(3) أخرجه الإمام علي الرضا في الصحيفة بسنده، وأخرجه عنه الإمام أبو طالب في الأمالي، وأخرجه ابن عساكر وابن النجار عن علي عليه السلام وأخرجه بلفظ آخر أبو سعيد عن علي.. رواه المحب الطبري انتهى من التفريج. ا.هـ. لوامع ج2/611.
(4) أخرجه الإمام أبو طالب عن علي، وابن المغازلي والطبراني عن ابن عباس، والكنجي عن أبي ذر والخوارزمي عن بريدة. ا.هـ. لوامع ج1/72.

(1/204)


وثامن عشرها: قوله ً: (( من أحب أن يحيى حياتي ويموت ميتتي فليتولَّ علي بن أبي طالب وذريته الطاهرين أئمة الهدى، فإنهم لن يخرجوكم من باب الهدى إلى باب الضلالة))(1).
وتاسع عشرها: قوله ً: (( لما أسري بي رأيت على باب الجنة مكتوباً بالذهب لا بماء الذهب: لا إله إلا اللّه محمد حبيب الله، علي ولي الله، فاطمة أمة اللّه، الحسن والحسين صفوة الله، على باغضهم لعنة الله))(2).
العشرون: عنه ً أنه قال: (( إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني قد تركت فيكم الثقلين ، كتاب اللّه ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي فإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا ما تخلفوني فيهما))(3).
__________
(1) أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي سعيد الخدري، ورواه الهيثمي في (مجمع الزوائد). ا.هـ فلك ص10. وجاء في الاعتصام: وأخرجه أبو يعلى في مسنده، والطبراني في الصغير والأوسط من غير طريق، والفقيمي وأبو نعيم كذلك وأبو يعلى عن أبي ذر. ا.هـ ملخصاً ج1/159 اعتصام.
(2) أخرجه محمد بن سليمان الكوفي في المناقب وابن المغازلي، ورواه أبو سعيد الخدري عن أم سلمة ضمن حديث الكساء وقد سبق.
(3) روي من عدة طرق وبعدة ألفاظ، وهو إحدى روايات حديث الثقلين المشهور وقد تقدم.

(1/205)


فهاتان الآيتان اللتان تلوناهما والأخبار التي أوردنا، كلها دالة على فضلهم وعلو درجتهم عند اللّه تعالى، وعلى كونهم أحق بالمتابعة لما ورد من الثناء من اللّه تعالى، ومن جهة رسوله عليهم، وعلى التحذير عن مخالفتهم، وكما هي دالة على ما ذكرناه، فهي دالة على كون إجماعهم حجة في الأحكام الشرعية. وقد قررناه في الكتب الأصولية، فإذا تقرر هذا فوجه الاستدلال بما ذكرناه من الآيات والأخبار هو ورود الثناء من جهة اللّه تعالى ومن جهة رسوله عليهم وإبانة فضلهم، وفي هذا دلالة على تزكيتهم وإظهار عدالتهم، ولا تزكية أعظم من تزكية اللّه تعالى، وتزكية رسوله، وأدنى الدرجات مما ذكرناه، كونهم أحق بالمتابعة وأولى بالتقليد في أمور الدين من غيرهم من سائر الفرق بما ذكرناه من هذه الشواهد الشرعية والأمور النقلية.
الطريقة الثانية: النظر في الخصال العالية والسير المحمودة وإحراز الشيم الظاهرة في العلم والدين والورع، ولا شك أن ما هذا حاله من الخصال الدينية يدور عليها معظم الترجيح لمن ينبغي تقليده من العلماء، ونحن نبين أنها في حقهم حاصلة على الكمال والتمام أكمل منها في حق غيرهم من علماء الأمة. وجملة ما نشير إليه من ذلك ضروب ثلاثة:
الضرب الأول منها: الفضل بإحراز العلم، وليس يخفى على منصف غوصهم في العلوم الشرعية وتبحرهم في أسرارها واطلاعهم على حقائقها وإحاطتهم بأسرارها ودقائقها، وينكشف غرضنا من هذه القاعدة بإيضاح مسلكين:
المسلك الأول منهما: على جهة الإجمال، وذلك من أوجه خمسة:
أما أولاً: فلأن الآية واردة بالثناء عليهم في التطهير، وهي عامة في النزاهة لهم عن كل ما يسوء، ولا مساءة أعظم من الجهل وعدم البصيرة في الدين فيجب تنزيههم عن ذلك، وهذا هو الغاية في إحراز العلم النافع في الآخرة والسعادة الأبدية.

(1/206)


وأما ثانياً: فلأن الرسول ً، قرنهم بالكتاب حيث قال: (( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ))، وأعظم الهداية في الدين، والنفع مأخود من كتاب اللّه تعالى، وهكذا يكون حال العترة ومن كان حاله على حد كتاب اللّه في النور والشفاء من العمى والبيان وإيضاح كل ملتبس، فلا علم أنفع منه ولا شرف فوقه ولا مرتبة أعلى منه.
وأما ثالثاً: فقوله ً: (( مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى)). فاستعار لهم أسم السفينة وشبههم بها فصاروا لذلك أماناً من الغرق في بحر الجهالات، كما أن سفينة نوح أمان من الغرق في بحر الماء، ولن يكونوا كذلك إلا بإحراز العلم الشافي من الجهل وهذا هو المراد.
وأما رابعاً: فقوله ً: (( إني تارك فيكم الثقلين، كتاب اللّه وعترتي ، إنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض)). وظاهر الخبر دال على أنهما متفقان غير مفترقين فيما يدلان عليه، فإذا كان القرآن صحيحاً دالاً على كل العلوم الدينية والدنيوية فيجب ذلك في حق العترة.

(1/207)


وأما خامساً: فقوله: (( هم كالكهف وهم باب حطة )). وغير ذلك من الأحاديث التي تدل من جهة ظاهرها على كونهم أئمة الخلق دعاة إلى اللّه هداة لخلقه، فهي بعينها دالة على علو درجاتهم في العلم وإحرازه، وأقوى دلالة على جهة الإجمال، على علمهم، قوله ً: (( الأئمة من قريش ))(1). فما هذا حاله يكفي في الدلالة على إحرازهم للعلم من طريق الإجمال.
المسلك الثاني: من طريق التفصيل، وهذا إنما يكون بالوقوف على موضوعاتهم والاطلاع على مصنفاتهم في علوم الشريعة والفتاوى النقلية والمضطربات الاجتهادية، فالناظر متى وقف على ما ذكرنا، لاح له على القرب أنهم قد أحاطوا بعلوم الشريعة وقادوها بأزمتها ودُعوا بأهلها وأصحابها، وكانوا سادة لأئمتها، ويشهد لذلك تصرفهم في المسائل الاجتهادية ومكالمة الخصوم في المضطربات الفقهية مع ما شُغلوا [به] من عداوة أهل البغي في أزمانهم وإقصاء أخدان الظلم في أوانهم، وإظهار حجة اللّه وإعلاء كلمته بالسيف، لأجل تقلدهم للأمانة ونهوضهم بأحكام الزعامة، فكانوا لهم في غاية الطرد والإبعاد عن الشغل بالتدريس وإظهار العلم خوفاً على دنياهم ومحاذرة عن انثلام ظلمهم للخلق، وإكبابهم على البغي وأنواع الفسوق، فهذا ما يتعلق بجانب العلم.
__________
(1) جاء في الروض النضير ج5/18: وفي (الجامع الكافي) قال محمد: بلغنا عن النبي ً أنه قال: ((الأئمة من قريش ما إذا حكموا عدلوا وإذا أقسموا أقسطوا وإذا استرحموا رحموا فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين )). وأورده بزيادة في بعض الروايات من حديث أبي موسى. وقال في (الروض): رواه أحمد، قال الحافظ عبدالعظيم: ورواته ثقات. ورواه البزار والطبراني.

(1/208)


الضرب الثاني: ما يتعلق بجانب الدين، وذلك أن كل من اطلع على أحوالهم وعرف طرفاً من سيرهم، عرف قطعاً ويقيناً مراقبتهم لله تعالى في الإقدام والإحجام، وشدة تحرزهم في الأخذ والإعطاء، ووقوفهم على حدود الشريعة في التحليل والتحريم، والجري على مراسمها والمحاذرة عن مخالفة شيء من أدلتها القاطعة، وحصروا نفوسهم على التدوار في مواردها ومصادرها، ولم يطمح لأحد منهم نظر إلى مخالفتها، ولا تشوقت قلوبهم إلى غيرها، شددوا على أنفسهم بأخذ العزائم وأخذوا الخلق بما فهموا من اللّه رخصة فيه لخلقه، واقتحموا موارد الموت في نصرة دين اللّه تعالى وإعلاء كلمة الحق بين مقتول ومصلوب ومأسور ومطرود، لا يزيدهم ما يرون في أنفسهم وأهليهم من القتل والطرد إلا صبراً لله تعالى واحتساباً في إعزاز دينه وعلو(1) كلمته وتصلباً على من خالف أمر اللّه وحكمه، ومن كانت هذه حاله فقد تمسك بالدين بالعروة الوثقى التي ليس لها انفصام ولا يخاف عليها نقض ولا يخشى لجانبها إهضام.
الضرب الثالث: الورع، ومن أراد الاطلاع على رفضهم للدنيا وإعراضهم عنها وحرصهم على إيثار الآخرة وسلوكهم لجانب الحيطة في الأخذ والترك، وبعدهم عن المآثم وازورارهم عن الوقوع في المحرمات والمكروهات، فليطالع سيرهم وأخبارهم، فإنه يتحقق لا محالة أن تعويلهم ما كان إلا على رفض الدنيا وإيثار رضوان اللّه، وإحراز طاعته، والعمل لوجهه وتحصيل مرضاته، فإن حصلت الدنيا آثروا بها وإن زويت عنهم صبروا على ما أصابهم من مشقة لأْوَائها، علماً بما لهم عند اللّه من عظيم الزلفة، ورفيع الدرجة، فيزيدهم رغبة فيما عند اللّه وشوقاً إلى لقائه، وهذه هي حقيقة الورع وغاية أمره وقصارى حاله وسره.
__________
(1) لعل الصواب: (إعلاء) تناسباً مع العطف على المصدر المتعدي في: (إعزاز).

(1/209)


الطريقة الثالثة: تشتمل على نظر كلي بالإضافة إلى صحة العقائد في أمور الديانة، وفيه سلامة عن الزلل، وعصمة عن الخطأ في مجاري الأنظار الاجتهادية في أحكام الشريعة.
واعلم أن الذين نصبوا أنفسهم للفتوى، واقتعدوا درس العلماء، واشتهروا بالاجتهاد وطبقت مذاهبهم طبق الأرض ذات الطول والعرض، هم هؤلاء العلماء الثلاثة: مالك وأبو حنيفة والشافعي، فأما أحمد بن حنبل ) وسفيان الثوري ) فهما وإن بلغا درجة الاجتهاد، لكنهما لم يشتهرا كشهرة هؤلاء ولم يختصا بكثرة الأتباع مثلهم، وكل واحد من هؤلاء الثلاثة قد نأى عن الصواب نظره، وانمحى عن رسم الحق أثره، إما في عقيدته وإما في أثناء تصرفه في المسائل الاجتهادية.
__________
(1) أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني، أحد الأئمة الأربعة اشتغل بجمع الأحاديث وروايتها، وهو في رأي الفقهاء من علماء الرواية، وله مسند يعرف باسمه (مسند أحمد).ا.هـ. (طبقات الفقهاء). قال عنه الشافعي: خرجت من بغداد فما خلَّفت بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه من أحمد بن حنبل، أفرد البيهقي جزءاً خاصاً لمناقبه.
(2) أبو عبدالله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أحد الأعلام والعلماء قيل: إنه روى وحفظ ثلاثين ألف حديث، كان زيدياً مشدداً على أئمة الجور. توفي بالبصرة سنة 161هـ. عده السيد صارم الدين في ثقات محدثي الشيعة. وقال الواقدي: كان سفيان زيدياً، ذكره الإمام أبو طالب.

(1/210)


فنقول: أما مالك بن أنس فإنه لا يُشَقُّ غباره في ضبط الأخبار وتمييز صحيحها ومعرفة قويها من ضعيفها، وكان شديد الاحتراز في الرواية والتصون في النقل وحصر وقائع الصحابة (رضي اللّه عنهم). ولا تُدْرَكُ آثاره في انتقاد الرواة ومعرفة أحوالهم، وهو أول من عني في جمع الأحاديث وضبطها في كتابه (الموطأ) وكان كثير التعظيم للعلم، شديد الورع، خلا أنه استرسل في القول بالاستصلاح حتى أداه ذلك إلى إهدار الدماء، وإتلاف الأموال لمصالح إيالية(1) وانتهى حاله إلى تقرير أمور منوطة بالسياسة، حتى آل نظره في ذلك إلى أن قال: (اقتل ثلث الأمة في استصلاح ثلثيها)، وهذا يعد في الخطأ، فإنا نعلم بالضرورة من حال الصدر الأول انكفافهم عن مثل هذا وتصونهم عن الفتوى بمثل هذا، ونعلم من حالهم أنهم لا يتجاسرون على إراقة كفٍ من دم إلاّ بحقها.
وأما الشافعي محمد بن إدريس، فنظره لا يجارى وفضله لا يبارى، في تقدير أصول الأدلة وتنزيلها منازلها وترتيبها على أحسن هيئة، وفي ذلك دلالة على سعة علمه وتبحره في علوم الشريعة مع حدة نظره وجودة ذكائه، وتشهد لفضله مسائله التي أنشأها، وعلله التي قررها واستنبطها، ولقد كان عمره يقصر عن إحراز مثل فضله، فاخترم وقد نيف على الخمسين، لكنه قال بالرؤية ونقلها عنه البويطي من أصحابه، وهذا خطأ في الاعتقاد. فإن كانت الرؤية مكيفة أدى ذلك إلى التشبيه؛ لأن المرئي لا يُعْقَل إلا متحيزاً أو حاصلاً في المتحيز، وكله محال على اللّه تعالى، وإن كانت الرؤية غير مكيفة فهو لا يعقل على كلا الوجهين فلا يخلو عن خطأ.
__________
(1) من الفعل: آل يئول. والمراد هنا من كلمة (إيالية) تأسيس الإمام مالك بعض الأحكام باعتبار ألاء يالة وهي السياسة.

(1/211)


وأما أبو حنيفة النعمان بن ثابت فلا يُنْكَرُ فضله في اتقاد القريحة وجودة الفطنة وإدراك الأسرار الشرعية واستنباط المسائل الدقيقة واستيلائه على الإحاطة بأسرار الحكومات والأقضية، والتمكن من وضع المسائل والتصدي للأسئلة والجوابات في المضطربات الاجتهادية، لكنه قد حُكي عنه القول بإيجاب القدرة، وهذا خطأ، فإن مثل هذا يجر إلى الجبر وبطلان الاختيار للعبد ويؤدي إلى تكليف مالا يطاق، وهذا يطرق خللاً في قاعدة الحكمة(1)، وحُكي عنه بطلان القصاص بالمثقل(2)، وهذه تهدم عصمة الدماء، وحُكي عنه حل
__________
(1) أورد الإمام المهدي في مقدمة (الأزهار) مسألة صحة العقائد لدى الأئمة الأربعة فجاء في شرح الأزهار: (ولم يسمع عن أحد من الناس أنه نقل عن واحد من مجتهديهم - يعني أئمة أهل البيت - ما يخالف العدل والتوحيد، بخلاف الأئمة الأربعة فإنهم وإن كانوا منزهين سيما أباحنيفة والشافعي ومالك، فقد نقل عنهم آحاد من الناس ما يقتضي الخطأ في مسائل أصول الدين، فأشرنا إلى ذلك، بقولنا: وننزههم عما رواه البويطي من أصحاب الشافعي وغيره عن غيرهم، وذلك الغير هو الشافعي وأبوحنيفة ومالك وابن حنبل ..) إلى أن قال: (أما القول بإيجاب القدرة فروي عن أبي حنيفة، وأما تجويز الرؤية فرواه البويطي عن الشافعي، والتجسيم مروي عن ابن حنبل. وأما المصالح فروي عن مالك. قال مولانا عليه السلام: ونحن ننزهم عن هذه الرذائل؛ لأنها تقتضي اختلال الإيمان، ونحن من إسلامهم على يقين فلا ننتقل عن هذا اليقين إلا بيقين. ولا يقين، في مثل ذلك إلا التواتر ولا تواتر عنهم بذلك سيما الثلاثة، لكن قد قيل في المثل: من يسمع يخل).ا.هـ. ج1/16. مقدمة الأزهار.
(2) بضم الميم فثاء مثلثة مفتوحة وتضعيف القاف (المُثَقَّل) ويعني القتل بالمثقل من الحجر أو نحوه. ولعل تعليل أبي حنيفة ببطلان القصاص بالمثقل، بأن المثقل ليس من أدوات القتل عادة وعرفا، فتنتفي بذلك نية القتل عن القاتل.

(1/212)


المُثَلَّثِ والمُنَصَّفِ، وقد عُلم من جهة الشرع والعقل قطعاً صيانة العقول عن الإهدار والإفساد.
وإذا تأملت عُلوم العترة وجدتها مصونة عن مثل هذه الأشياء التي حكيناها عن غيرهم، وفي هذا دلالة على عصمة اللّه لهم عن الوقوع في مثل هذه المواقع التي يعلم خطؤها، وأنهم باقون على رسوم الشريعة غير خارجين عن حدودها في اعتقاد ديني، ولا خطأ في مضطرب اجتهادي، وما ذاك إلا من لطف اللّه تعالى بهم وتأييده لهم في كل إقدام وإحجام وقول وفعل.

(1/213)


فحصل من مجموع ما ذكرناه صحة تقدمهم في هذه الخصال العالية في الدين والورع والتقوى، ومناقب العترة أكثر من أن تحصى، وقد أفرد فيها العلماء كتباً على حيالها ولكنا سمحنا من ذلك بمقدار ما يليق بترجيح تقليدهم على تقليد غيرهم من علماء الأمة في الأمور العملية، وكيف لا يكون تقليدهم راجحاً على تقليد غيرهم من علماء الأمة؟ وقد قال ً: (( تعلموا من قريش ولا تعلموها ))(1) وفي حديث آخر: (( ولا تعالموها)) وأراد: ولا تغالبوهم في علومهم، وقال عليه السلام: (( عالم قريش يملأ الأرض علماً ))(2)، وقال ً: (( الناس في هذا الشأن تبع لقريش ، فمسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم))(3). فلا جرم كان اتباعهم أحق من اتباع غيرهم لما قررناه من الأدلة على فضلهم، وهم السر والخلاصة واللباب من قريش، ولم نرد بما ذكرنا من حال فقهاء الأمة وعلمائها في الاعتقادات الدينية وانحراف أنظارهم في المسائل المجتهدة حطًّاً لما رفع اللّه من منارهم، ولا وضعاً لما أشاد اللّه من رفع أقدامهم(4)، ولكن غرضنا الكشف عما اختص به علماء العترة من إصابة الحق والهداية لوجه الإصابة في معتقداتهم ومجاري أنظارهم، مع علمي بأنهم الغواصون على علوم الشريعة والخائضون في بحور أسرارها.
ولا يقال: فمن الآل والأهل من الذرية والعترة؟ وهل من تفرقة بين هذه الألفاظ من جهة اللغة أو من جهة الشرع؟
__________
(1) رواه ابن أبي شيبة ج12/169، وابن حجر في المطالب 4171.
(2) العجلوني في كشف الخفاء ج2/68.
(3) أورده السياغي (رحمه اللّه) في (الروض النضير) ج5/19 عن أبي هريرة بلفظ: (الناس تبع لقريش). دون بقيته.
(4) لعلها: (.. من رفع أقدارهم)، وإذا كانت (أقدامهم) فالمراد: درجاتهم.

(1/214)


لأنا نقول: أما الآل والأهل فهما سواء في صحة إطلاقهما على الزوجات والعيال، والهاء مبدلة من ألف الآل، خلا أن الآل قد تطلق على الأتباع، قال اللّه تعالى: {أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ }[غافر:46]. وأهل البيت وآل النبي سواء لما ذكرناه، وهما عبارتان عن هذه البطون الأربعة: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس، لما روي عن النبي ً أنه لما قيل له: من أهل بيتك يا رسول الله؟ قال: (( آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس ))(1).
وأما العترة والذرية فهما سواء، وهما عبارتان عن أولاد الرجل، خلا أن العترة قد تطلق ويراد بها رهط الرجل الأدنون منه، وعترة الرسول ً وذريته هم أولاد فاطمة، الحسن والحسين وأولادهما،لما روى جابر ) عن النبي ً أنه قال: (( إن اللّه عزوجل جعل ذرية كل نبي من صلبه ، وذريتي من صلبك يا علي))(3). فإذا كانت العترة والذرية هم الأولاد كما قررناه، فلا يعلم ولد للرسول ً إلا من فاطمة، فلهذا كانوا هم العترة والذرية لا محالة، فأما لفظ العشيرة فإطلاقه على القبيلة الأقرب والأبعد، لقوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيْرَتَكَ الأَقْرَبِيْنَ }[الشعراء:214] فخص الأقربين لما لهم من الحق بالعلاقة بالنسب مع صحة إطلاقه على الأبعد.
__________
(1) أخرجه الكنجي والنسائي من رواية زيد بن أرقم.
(2) جابر بن عبدالله الأنصاري السلمي (بفتحتين) صحابي جليل من علماء الصحابة، غزا مع رسول اللّه ً تسع عشرة غزوة، وتوفي بالمدينة بعد سنة سبعين من الهجرة عن أربع وتسعين سنة. وهو من أكثر الصحابة الذين يروى عنهم الحديث.
(3) أورده الشوكاني في (در السحابة..) برقم 25 في منا قب علي. قال: وأخرج الطبراني عن جابر: أنه ً قال: ((إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه وإن الله تعالى جعل ذريتي في صلب على بن أبي طالب)).

(1/215)


تنبيه: نجعله خاتمة لهذه المقدمات، في معرفة ما يعتمد من الأدلة المتقدمة في تقرير الأحكام الشرعية وإثبات الأمور العملية في المسائل الخلافية ومواقع الأنظار في المضطربات الاجتهادية، وقد أسلفنا ما يعتمد من الأدلة الشرعية، ونردفه بما لا يعتمد منها بمعونة اللّه تعالى.
واعلم أن هاهنا أموراً قد وقع الخلاف فيها بين العلماء، هل تكون عمدة لتقرير الأحكام الشرعية أم لا! فلا بد من ذكرها ليكون الناظر متمكناً من معرفة ما وقع فيه الخلاف مما ليس فيه خلاف، وجملة ما نورده من ذلك مآخذ عشرة:
المأخذ الأول: يتعلق بالقرآن.
وحاصل الأمر أن كل ما كان منقولاً بطريق الآحاد فإنه لا يعد قرآناً، ولا يكفر من رده، ولا يكون متلواً مثل ما تواتر نقله.
وهل يعول عليه في تقرير الأحكام العملية أم لا؟ فيه تردد وخلاف بين العلماء، ولنورد من ذلك ثلاثة أمثلة:
المثال الأول: ما روته عائشة ) في عدد الرضعات قالت: كان فيما أنزل اللّه، عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس رضعات معلومات يحرمن. ومات رسول اللّه ً وهي مما يتلى في القرآن. فاعتمده الشافعي في تقرير مذهبه في تحريم الرضاع بخمس، وأباهُ أصحابنا وأبو حنيفة لأمرين:
أما أولاً: فلأن القرآن إنما يثبت بطريق التواتر دون الآحاد.
وأما ثانياً: فلأنه لو كان قرآناً لكان متلواً من جملة القرآن مكتوباً في المصاحف، فلما بطل ذلك تعذر كونه معدوداً في القرآن.
__________
(1) أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة. زوج رسول اللّه ً تزوجها قبل الهجرة وهي بنت ست، وقيل: سبع، ودخل بها بالمدينة وهي بنت تسع. توفيت بالمدينة سنة 55هـ. وقيل: 58هـ عن خمس وستين سنة ودفنت بالبقيع. وهي من أكثر الرواة رواية للحديث. (مقدمة الأزهار).

(1/216)


المثال الثاني: ما روي [عن] ابن مسعود ) رضي اللّه عنه: أنه كان يقرأ: {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ - مُتَتَابِعَاتٍ - }. فاعتمده أصحابنا وأبو حنيفة في إيجاب التتابع في كفارة اليمين، وروي عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال: لولا أن يقال: زاد عمر آية في كتاب اللّه، لكتبت آية الرجم: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة والله عزيز حكيم}. وقال: لا تتركوا آية الرجم فتهلكوا، أي لا تتركوها عن العمل بها فتهلكوا، فأثبتها من طريق الحكم دون التلاوة.
المثال الثالث: ما روي عن أبيِّ بن كعب ) أنه كان يقرأ في آية الإيلاء: {فَإِنْ فَاءُوُا - فِيْهِنَّ - فَإِنَّ اللّهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ}. فاستدل به أبو حنيفة وأصحابه على أن الفيئة إنما تكون في مدة الإيلاء، وأباهُ أصحابنا والشافعي وأجازوا الفيئة بعد تقضي مدة الإيلاء.
فما هذا حاله لا خلاف في أنه غير معدود في القرآن لما ذكرناه، وإنما الخلاف في أنه: هل يجوز تقرير الأحكام العملية به أم لا؟ فأما كونه قرآناً فلا يثبت بحال.
__________
(1) أبو عبدالرحمن عبدالله بن مسعود الهذلي صحابي جليل، ومن أشهر من يُروى عنه الحديث من الصحابه. وروي أن علياً عليه السلام قال عنه: علم القرآن والسنة. وروى يزيد بن عميرة عن معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة قيل له: أوصنا. قال: التمسوا العلم عند أربعة وذكر منهم عبدالله بن مسعود، وهو ممن شهد بدراً، ولد لبضع وثلاثين قبل الهجرة، وتوفي بالمدينة سنة 32هـ.
(2) أبو المنذر أُبيّ بن كعب بن المنذر بن كعب أنصاري من بني النجار، مات سنة 22هـ على أصح الأقوال، وهو صحابي جليل عني بحفظ الكتاب والسنة حتى أصبح من أبرز من يروى عنه الحديث، وكانت له مكانة عظيمة لدى الصحابة، وكان يقضي في كثير من القضايا ويفتي في كثير من المسائل التي يرجع إليه فيها.

(1/217)


المأخذ الثاني: زعم بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي أن النافي لا دليل عليه، وجعل هذه طريقة في الاستدلال بأن يقول: أنا نافٍ فلا يلزمني إقامة دليل على ما نفيته، وإنما يتوجه الدليل على من كان مثبتاً لشيء من الأحكام، وقرر هذا بأن قال: من نفى نبوءة غيره لم يلزمه إقامة دليل على ذلك، وإنما يلزم من كان مثبتاً للنبوءة، وهذا فاسد في الاستدلال لا يعول عليه، فإن القطع بالنفي لا يجوز التعويل عليه إلا بدلالة، كما أن القطع بالإثبات لا بد فيه من دلالة، فهما مستويان في تقرير الدلالة عليهما، ولهذا فإن النفي قد يكون معلوماً بالضرورة، فإنا نقطع بأنا لسنا في لجة بحر ولا جناح نسر، ويُعلم بالنظر، فإنا قطعنا بأن المطلقة غير المدخول بها لا عدة عليها لقوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوْهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّوْنَهَا }[الأحزاب:49]. ويستدل على أنه لا نفقة للمتوفى عنها زوجها بأن النفقة تكون في مقابلة الاستمتاع وقد انقطع بالموت.
قوله: بأن النافي للنبوة لا دلالة عليه.
قلنا: هذا خطأ، فإن المنفي عليه دلالة، وهو عدم المعجز الدال عليها(1) فإذا عدم كانت منتفية لا محالة، فبطل التعويل على مثل هذه الطريقة في تقرير الأحكام كما زعموا.
__________
(1) النبوة.

(1/218)


المأخذ الثالث: سكوت صاحب الشريعة وتقريره من غير أن يكون له شعور بالفعل وتفطن به، ومثاله: ما يزعمه بعض أهل الظاهر (1) في إسقاط الغسل من الإيلاج من غير إنزال، لما روي عن بعض الصحابة أنه قال: كنا نكسل على عهد رسول اللّه ً ولا نغتسل، وفي هذا دلالة على أنه لا يجب الغسل منه، وما هذا حاله من الاستدلال يضعف ولا يُلتفت إليه؛ لأن هذا أمر يفعل على جهة الخفية ولم يشعر به الرسول ً فيقر عليه أو ينكره، والأمر فيه محتمل، فلا يجوز تقرير الحكم بما فيه احتمال، وعن هذا قال عمر رضي اللّه عنه لمن احتج بهذا، وجرى الخوض بحضرة الصحابة: هل علم رسول اللّه ً بذلك فأقركم عليه؟ فقالوا: لا. فرده. فدل ذلك على أن هذه الطريقة غير معتمدة ولا تعويل عليها، ولأن الحجة بما يصدر من جهة الشارع، وهاهنا لم يصدر من جهته شيء أصلاً فيعول عليه في كونه شرعاً.
المأخذ الرابع: استصحاب الإجماع في محل الخلاف.
فما هذا حاله من الاستدلال غير معتد به؛ لأن حاصل أمره عند التحقيق في الصحة إبطاله، وما هذا حاله من الأدلة فلا عبرة به، وهذا نحو استدلال بعض أصحاب الشافعي في المتيمم إذا رأى الماء وهو في الصلاة، فإنه زعم أنه يمضي فيها ولا يخرج، محتجاً بأنا أجمعنا على صحة إحرامه وانعقادها صلاة، فأنا أستصحب هذا الإجماع في إثباتها، فمن زعم أنه برؤية الماء يبطل إحرامه فإنه يفتقر إلى الدلالة.
وقد بطل ما عول عليه من الاستدلال، فإن أصحابنا و أبا حنيفة يبطلونه من جهة أن الإجماع إنما كان منعقداً قبل رؤية الماء فأما مع رؤيته فلا إجماع هناك؛ لأن الإجماع لا يمكن تقريره مع الخلاف، فكأنه أراد أن يصحح الإجماع فأبطله لاستعماله في محل الخلاف، فلهذا قلنا: إن في تصحيحه إبطاله.
__________
(1) الذين يتمسكون بظاهر الأدلة، وهم أتباع داود المشهور بالظاهري، ومن أعلامهم: ابن حزم صاحب كتاب (المحلى).

(1/219)


المأخذ الخامس: استعمال العموم مع قيام المخصص، ومثاله: استدلال الشافعي على وجوب المتعة في حق المدخول بها بقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوْفِ }[البقرة:241] . فما هذا حاله يكون مردوداً؛ لأنه استدلال بالعموم مع قيام دلالة التخصيص وهو قوله ً: (( فلها المهر بما استحل من فرجها )) فأوجب للمدخول بها المهر لا غير، فلا تكون مندرجة تحت قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوْفِ} فلا يصح الاحتجاج به مع قيام ما ذكرناه من المخصص، وإنما يكون دلالة فيما عداه، وهو المطلقة غير المدخول بها ممن لم يسم لها مهر، ويبطل هذا الاستدلال بما ذكرناه من استصحاب الإجماع في محل الخلاف؛ لأنهما سيان في الإبطال؛ وكمن يحتج بقتل المرتدة بقوله ً: (( من بدل دينه فاقتلوه )). فما هذا حاله في الرجال والنساء على العموم، فيجب قتله بظاهر هذا العموم، وهذا غير صحيح، فإن قوله ً: (( نهيت عن قتل النساء )). قد أخرجه عن العموم فلا يصح الاحتجاج بالعموم مع وجود هذا المخصص؛ لأنه يدل على خروجه عنه فلا يكون مقصوداً به.
المأخذ السادس: قول الواحد من الصحابة، هل يكون حجة أم لا؟
فحكي عن الشافعي في القديم: أنه جعله حجة وقدمه على القياس، ومثاله: ما روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال فيمن ظاهر من نسوة له أربع: إنه يلزمه كفارة واحدة عن جميعهن، ورجع الشافعي في الجديد عن هذا وقال: إنه لا يكون حجة بحال.

(1/220)


وحكي عن أبي حنيفة: أنه إذا خالف القياس كان توقيفاً من جهة الرسول ً ومثاله: ما استدل به أصحاب أبي حنيفة فيمن اشترى شيئاً بثمن ثم باعه بأقل من ذلك الثمن قبل أن ينقد الثمن في البيع الأول، أن ذلك غير جائز، لما روي أن عائشة (رضي اللّه عنها) أنكرت ذلك على زيد بن أرقم )، وقالت لأم ولده: أخبري زيداً أنه أحبط جهاده مع رسول اللّه ً إلا أن يتوب، فدل ذلك على أنها لم تغلظ في القول بإحباط الجهاد والإثم إلا عن توقيف، وهذه تسمى العينة(2).
وحكي عن مالك: أنه حجة مع مخالفة القياس كمقالة الشافعي في القديم.
وقد عول أصحابنا على ما قاله أبو حنيفة من حجة أن قول الصحابي إذا كان موافقاً للقياس، فظاهر الحال أنه على رأي له فلا يكون فيه حجة، بخلاف ما إذا كان مخالفاً للقياس فلا تكون مخالفته للقياس إلا لأمر أحق من القياس وأولى وهو التوقيف من جهة الشارع.
والمختار: أنه لا يكون حجة معتمدة؛ لأنه لا دلالة على كونه حجة من جهة أدلة الشرع، وإنما يكون صالحاً للترجيح لا غير، ولأنه كما لا تعويل عليه إذا وافق القياس، فهكذا لا تعويل عليه مع مخالفة القياس أيضاً، والجامع بينهما: أنه قول من لا دلالة على كون قوله حجة.
__________
(1) أبو عمرو زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري، صحابي غزا مع رسول اللّه ً سبع عشرة غزوة، وروى عنه ً وعن علي وأنس وغيرهم، وهو الذي أنزل اللّه تصديقه في سورة المنافقين، وشهد صفين مع علي عليه السلام وكان من خواصه. مات بالكوفة أيام المختار سنة 66هـ، وقيل: غير هذا. (تهذيب التهذيب 3/341).
(2) وقد روي نهي الرسول عن بيع العينة. والعينة: بكسر العين وهي أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها منه به، وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العين. ا.هـ (فتح الغفار) ملخصاً ج2/43.

(1/221)


قولهم: إنه مع مخالفة [القياس] يدل على التوقيف لأجله خالف القياس.
قلنا: هذا فاسد، فإنه لو كان هناك توقيف لوجب ذكره في ذلك الوقت أو في وقت آخر.
قولهم: إن عائشة أغلظت عليه فيدل على التوقيف.
قلنا: هذا فاسد، فإنه قد يحصل التغليظ في الاجتهاد كما روي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه: من أراد أن يقتحم جراثيم(1) جهنم فليقض بين الجد والأخوة برأيه، أو كما قال ابن عباس(2): ألا يتقي اللّه زيد بن ثابت ) بأن يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً. فالتغليظ قد
__________
(1) الجراثيم: جمع جرثومة، وهي أصل الشيء وأسفله. والمراد منها هنا: قعر جهنم.
(2) هو أبو العباس عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب بن هاشم، حبر الأمة، وابن عم رسول اللّه ً توفي رسول اللّه ً وله ثلاث عشرة سنة، ومات بالطائف سنة 68هـ عن إحدى وسبعين سنة. دعا له رسول اللّه فقال: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)) فاستوعب الكتاب والسنة تفسيراً وتأويلاً ورواية، وكان أعلم الناس بأشعار العرب وأيامها وأمثالها ولغتها، وكان يعود في تفسير القرآن إلى اللغة، وإلى الشعر في توثيق اللغة. وهو القائل: الشعر ديوان العرب، فما التبس علينا من لغتهم رجعنا إلى ديوانهم. روى له السيوطي إجابات مرتجلة في مقام واحد على ثلاثمائة سؤال ألقاها عليه نافع بن الأزرق من غريب القرآن، وكان يستشهد في إجابته عن كل سؤال بالشعر، وهو من أشهر الصحابة رواية للحديث. قال عنه ابن عمر: ترجمان القرآن ابن عباس.
(3) أبو سعيد وأبو خارجة زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي النجاري المقرئ الفرضي، كاتب الوحي، وأحد فقهاء الصحابة. حين قدم النبي ً المدينة، كان ابن إحدى عشرة سنة، وكان عالي الذكاء، تعلم العبرية بأمر النبيً، وكان يكتب بها وبالعربية، وله كتابات في الفرائض والديات، وكان عمر يستخلفه على المدينة إذا حج، وهو أحد الذين جمعوا القرآن. مات عام 45هـ. (در السحابة 663).

(1/222)


يرد على جهة المبالغة في مسائل الاجتهاد كما أوضحناه والله أعلم.
المأخذ السابع: في شرع من قبلنا من أهل الكتابين، التوراة والإنجيل، هل يكون شرعاً لنا إذا لم ينسخ عنا أم لا؟ فيه خلاف بين العلماء.
فالذي ذهب إليه أصحابنا والشافعي جواز ذلك، ولهذا سوغوا أن تكون المنافع مهراً بما في قصة شعيب ً، حيث قال لموسى صلى اللّه عليه وسلم: {إِنِّيْ أُرِيْدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْن ِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ }[القصص:27]. وقالوا: إن شرع من قبلنا لازم لنا ما لم ينسخ عنا وأستعملوه في كثير من المسائل الفقهية.
وكما قال الشافعي في تسوية القصاص في الأطراف بين المرأة والرجل محتجاً بقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيْهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ }..الآية[المائدة:45]، ولأنها كتب منزلة من السماء على ألسنة الرسل فما لم ينسخ فهو شرع في حقنا كالقرآن.
وأبى ذلك أبو حنيفة وأصحابه محتجين بأن الرسول ً، شريعته ناسخة لجميع الشرائع وذلك معلوم من دينه بالضرورة.
والمختار عندنا: ما قاله أبو حنيفة وأصحابه ويدل على ذلك وجوه ثلاثة:
أما أولاً: فلأن الرسول ً، لم يُعلم من حاله أنه كان يطالع شيئاً من الكتب المتقدمة في شيء من الحوادث، ولا كان يسألهم عن ذلك، فلو كان ذلك شرعاً في حقنا لكان يعرفنا ما هو المنسوخ من ذلك من غير ما يكون منسوخاً، فلما علمنا إعراضه عنها، دل على أنه لا يكون شرعاً في حقنا.
وأما ثانياً: فلأنه رأى يوماً في يد عمر كراسة من التوراة فاحمر وجهه وتغير لونه وقال: (( والله لو كان أخي موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي ))(1).
__________
(1) مختصر العلوم ص61 بلفظ: ((والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني)).

(1/223)


وأما ثالثاً: فلأن ما كان من شرعنا مطابقاً لحكم التوراة وغيرها من الكتب فإنما يكون بتقرير الشارع له وتنصيصه عليه لا بحكم التوراة على الإطلاق، وفي هذا دلالة على أنها غير معتمدة في كونها شرعاً لنا، وهذا هو مطلوبنا.
المأخذ الثامن: الاستدلال بالقرائن، وهو محكي عن المزني من أصحاب الشافعي، ومثاله: استدلال أصحاب أبي حنيفة، وهو محكي عن بعض أصحابنا، في نجاسة الماء المستعمل، بأن الرسول ً قال: (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه ))(1). ففرق بين البول فيه والاغتسال فيه، لما كان البول فيه ينجسه ويفسده، وهكذا حال الاغتسال. ومثل هذا لا يعد طريقاً لتقرير الأحكام الشرعية من جهة احتماله؛ لأن عطف الشيء على غيره لا يوجب أن يكون حكمه مثل حكمه؛ لأن المعطوف يغاير المعطوف عليه، فقد يعطف المستحب على ما يكون محرماً كقولك: لا تظلم أخاك ولا تؤاخذه بذنبه. فإذا كان كما قلناه، لم تكن القرينة وهي اتصال أحدهما بالآخر على جهة العطف، دالة على تساويهما في الحكم، بل لابد هنالك من علة جامعة أو دلالة منفصلة تدل على تنجيس الماء بالاستعمال من غير ما ذكروه، وقد عول أصحاب أبي حنيفة على هذه القرينة في غير هذه المسألة، وزعموا أن عطف الخاص على العام يوجب تخصيصه، كما قالوا في قوله عليه السلام: (( لا يُقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده))(2) فلما أوجب أن يكون الثاني مخصوصاً بالكافر الحربي لتساوي دماء أهل الذمة، وجب أن يكون الأول مخصوصاً أيضاً بالكافر الحربي، وجوزوا على أثر هذا أن يقتل المسلم بالذمي، وقد أوضحنا الرد عليهم في الكتب الأصولية وأبطلنا مقالتهم هذه.
__________
(1) سيأتي في محله.
(2) سيأتي في محله.

(1/224)


المأخذ التاسع: زعم بعض الأصوليين، أن نسخ بعض أحكام الآية يكون نسخاً لها، فلا يجوز الاحتجاج بها فيما وراء ذلك. وهذا فاسد. ومثال ذلك: استدلال القاسمية(1) على وجوب النفقة للمتوفى عنها زوجها أخذاً من قوله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُوْنَ أَزْوَاجَاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعَاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}[البقرة:240]. فنسخ الحول لا يدل على نسخ المتاع، فإذا كان الحول منسوخاً بالأربعة الأشهر فلا وجه لنسخ النفقة، بل هي واجبة بنص الآية، ومن أسقطها فإنما يسقطها بدليل آخر كما هو رأي الفقهاء والمؤيد بالله لا من جهة أن بعض أحكام الآية منسوخ فيجب نسخ جميعها. وكاستدلال أصحابنا والشافعي على كون المهر يجوز أن يكون منفعة الحر بقوله تعالى: {إِنِّي أُرِيْدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}[القصص:27]. فإذا نسخ كون المهر للأب كانت الآية الحجة فيما وراءه ولم يكن نسخ بعضها نسخاً لجميعها كما زعموه.
__________
(1) أصحاب القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ٍ.

(1/225)


المأخذ العاشر: تأخر البيان عن وقت الخطاب لا يكون دليلاً على عدم الحكم أصلاً؛ لأن تأخر البيان عن وقت الخطاب جائز كما قررناه في الكتب الأصوليه، ومثاله: استدلال أصحابنا والحنفية على إسقاط الكفارة في قتل العمد، بأن اللّه تعالى ذكر العمد ولم يوجب فيه كفارة، فلو كانت واجبة لذكرها كما ذكرها في قتل الخطأ، فلما لم يذكرها، دل على عدم الوجوب فيها، فما هذا حاله لا يكون معتمداً في نفي وجوبها وإنما يؤخذ عدم وجوبها من دلالة أخرى غير هذه، خلافاً لرأي الشافعي في وجوبها، لأنه لا يمتنع كونها واجبة لكن بيان وجوبها متأخر عن بيان قتل الخطأ انتظاراً لوقوع الحاجة، وهذا يخالف الاستدلال على أن المرأة لا يجب عليها كفارة الظهار، من جهة أن الرسول ً أوجبها على الرجل ولم يوجبها على المرأة، فلو كانت واجبة لذكرها؛ لأنه لو لم يذكرها لكان في ذلك تأخير للبيان عن وقت الحاجة وهو غير جائز، فظهرت التفرقة بينهما بما ذكرناه.
ولا أورد من الأحاديث إلا ما صح بطريقة شرعية يعتمدها أهل الحديث ويستقويها الأصوليون، ولا اعتمد من الأقيسة إلا ما كان ظاهر الإخالة قوي المشابهة من غير تعريج على حديث ضعيف أو قياس طردي ركيك.
ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على مالا يعتمد من الأدلة في تقرير الأحكام الاجتهادية ففيه كفاية، وبتمامه يتم الكلام على ما أردنا ذكره من هذه المقدمات التي يحتاج إليها الفقيه الخائض في الفقه من غير أن يكون له حظوة وافرة في علم الأصول والحمد لله.

(1/226)


---
كتاب الطهارة
وهو مشتمل على مسائل خمس:
المسألة الأولى: في لفظ الطهارة
وهي مصدر من قولهم: طَهَر الشيء يَطهر، نحو كَتَب يكتب، وطَهُرَ يَطْهُر، نحو شَرُفَ يَشْرُف، طهارة.
والاسم: الطهر، وطهرت الشيء تطهيراً، وتطهرت بالماء تطهراً.
ومعناها: التنزه من الأدناس.
قال امرؤ القيس:
ثياب بني عوف طهارى نقيَّة ... وأوجههم بيض المسافر غران(1)
وطهارى: جمع طاهر، على غير قياس كأنه جمع لطهران، نحو كسلان وكسالى، وحيران وحيارى(2)، والمَسَافِرِ: جمع مسفر، وهو ما ظهر من الوجه.
والتفرقة بين المصدر والاسم، هو أنك إذا قلت: طهارة، فإنها مشعرة بالفعل، كأنك قلت: طهر الشيء طهارة، بخلاف قولك: الطهر، فإنه غير دال على الفعل ولا مشعر به، فهو في إطلاقه كإطلاق الرجل في عدم إشعاره بالفعل ودلالته عليه، فهذه هي التفرقة بين المصدر والاسم إذا أطلقه الفقهاء وأهل اللغة، وتحتها أسرار وفوائد لا يخفى حالها على الأذكياء.
والطاهر في اللغة: هو الجاري على نعت الاشتقاق من غير أن يكون فيه مبالغة كالضارب، فإنه الفاعل للضرب من غير مبالغة.
والطهور هو الجاري على جهة الاشتقاق مع اختصاصه بالمبالغة، كضروب وضحوك، فهو في إفادة ما ذكرنا من المبالغة كفَعَّال، نحو ضَرَّاب وقتال.
فالطاهر ما كان مختصاً بالطهارة في نفسه لا غير.
والطهور هو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره.
__________
(1) جاء في لسان العرب: وجمع الطاهر: أطهار وطهارى والأخيرة نادرة، وثياب طهارى على غير قياس، كأنهم جمعوا طهران. قال امرؤ القيس:
ثياب بني عوف طهارى نقية وأوجههم عند المشاهد غُرانُ
ا.هـ لسان ج4/504. وهكذا ورد لفظ البيت في ديوان امرئ القيس، لا كما أورده المؤلف.
(2) لا يبدو أن (كسالى) من هذا الباب؛ لأنه مضموم الأول، إلا أن الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى} قال: قُرئ بضم الكاف وفتحها. ا.هـ كشاف.

(1/227)


فالطاهر: وصف لا زم غير متعد إلى غيره.
والطهور يتعدى إلى غيره، وهو أنه مطهر لغيره، ونعني بتعديته أمرين:
أحدهما: من طريق التأثير، وهو أنه مؤثر في غيره التطهيرَ، كما أن الضارب، مؤثر في غيره الضرب والقاتل مؤثر في غيره القتل، فتأثيره حاصل في جهة الغير كما ذكرناه.
وثانيهما: من جهة اللفظ، وهو أنه متعد إلى مفعول بحرف جر، كقولك: مررت بزيد، بخلاف قولنا: طاهر فإنه لا يفيد واحداً من هذين الوجهين فلهذا كان لازماً، فهذا هو مراد الفقهاء بقولهم: إن الطاهر لازم، والطهور مُتَعَدٍ. وهل يفترقان من جهة الحكم أم لا؟ فيهما مذهبان:
أحدهما: أنه لا تفرقة بينهما، وعن هذا قالوا: إن كل شيء من المائعات كان طاهرا فإنه يجوز التطهر به للجنب والنجس، دون الحدث(1) كالخل واللبن وغيرهما، وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة وأصحابه وأبي بكر بن داود الأصم ).
والحجة لهم على ما زعموه: ما عرف من عادة العرب من عدم التفرقة بين فاعل وفعول في الإطلاق، فما كان الفاعل منه لازماً فالفعول مثله في اللزوم، كالقاعد والقعود، والنائم والنؤوم، وما كان الفاعل منه متعدياً فالفعول مثله في التعدي، كالضارب والضروب والقاتل والقتول، وهكذا حال الطاهر والطهور لا تفرقة بينهما، وإن كانا في اللزوم على سواء، فلهذا قضينا بأن كلَّ ما كان طاهراً فهو طهور من غير تفرقة.
__________
(1) لعله يقصد دون الاستنجاء من الحدث.
(2) أبو بكر عبدالرحمن بن كيسان الأصم. عده الإمام المرتضى من الطبقة السادسة (طبقات المعتزلة ص56) وقال: وكان من أفصح الناس وأفقههم وأورعهم خلا أنه كان يخطئ علياً عليه السلام في كثير من أفعاله ويصوب معاوية في بعض أفعاله. قال القاضي (عبدالجبار): ويجري منه حيف عظيم على أمير المؤمنين، وكان بعض أصحابه يعتذر له.. وله تفسير عجيب، وكان جليل المقدار يكاتبه السلطان. ا.هـ. ملخصاً ولم يذكر تاريخ وفاته.

(1/228)


وثانيهما: وجوب التفرقة بينهما، فالطاهر ما كان طاهراً في نفسه كما مر تقريره، والطهور ما كان مطهراً لغيره، وعن هذا قالوا بأن غير الماء من المائعات لا يكون طهوراً لما كان غير مطهِّرٍ لغيره، وهذا هو رأي أئمة الزيدية ومن تابعهم من فقهائهم، وهو مذهب الشافعي وأصحابه.
والحجة لهم على ذلك: قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوْرَا ً }[الفرقان:48].
ووجه الحجة من الآية: هو أن الآية واردة مورد الامتنان بما أنعم اللّه به من نزول الماء للتطهير وخصه بالذكر وجعله من أعظم النعم، فلو كان الطاهر والطهور على سواء لكان لا فائدة في تخصيصه بالذكر ووروده على جهة الامتنان، وقوله تعالى:{وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابَاً طَهُوْرَاً }[الإنسان:21].
ووجه الحجة للدلالة من هذه الآية هو: أنها واردة على جهة المدح والثناء على شراب أهل الجنة وتميزه عن شرابات الدنيا، بأن شراب أهل الجنة طاهر في نفسه مُطَهِّر لغيره كالماء، بخلاف شراب الدنيا فإنه ليس على هذه الصفة، فلو كان الطاهر والطهور سواء لكان الشرابان مستويين في ذلك، وفي هذا دلالة في حصول التفرقة بينهما.

(1/229)


والمختار: ما عول عليه أصحابنا و الشافعي لما رواه أبو هريرة ) قال: سأل رجل رسول اللّه ً فقال: إنا نركب رماثاً لنا في البحر - الرِّمَاثُ جمع رَمَثٍ بالتحريك وهو زورق صغير يركب عليه في البحر - ومعنا القليل من الماء إن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال: (( هو الطهور ماؤه والحل ميتته ))(2). فخص الماء باسم الطهور، وفي هذا دلالة على أن غيره لا يطلق عليه اسم الطهور، وكما هو دلالة على ما ذكرناه من اختصاصه من اسم الطهور، ففيه دلالة أيضاً على أن الماء يُتَطَهَّر به؛ لأنهم سألوه عما يُتَطَهَّر به، فأجابهم بأنه طهور، وما رواه أبو سعيد الخدري )
__________
(1) عبدالرحمن بن صخر الدوسي، أسلم في فتح خيبر وهو أكثر من روى الحديث من الصحابة حتى زاد عدد الأحاديث التي رواها على خمسة آلاف حديث، وهو من أكثر من روى عنه الستة، شكك في بعض أحاديثه عدد غير قليل من أصحاب المسندات، أخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة أنها قالت لأبي هريرة: ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي ً؟ هل سمعت إلا ما سمعنا؟ وهل رأيت إلا ما رأينا؟ فقال: يا أُمَّه إنه كان تشغلك المرآة والمكحلة وما كان يشغلني عنه شيء. وقال عن نفسه: حفظت من حديث رسول اللّه أحاديث لو حدثتكم بحديث منها لرجمتموني بالحجارة، أخرجه الحاكم أيضاً. وأنكر عليه ابن عمر حديثاً حدَّث به في فضل من تبع الجنازة فاستشهد أبو هريرة بعائشة على صحة الحديث. (المستدرك، در السحابة).
(2) قال في هامش البحر ما لفظه: عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول اللّه ً فقال: يا رسول اللّه إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء، فإن توضأنا منه عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ قال رسول اللّه ً: ((هو الطهور ماؤه والحل ميتته) أخرجه مالك في (الموطأ) وأبو داود والترمذي والنسائي.ا.هـ ج2 ص30.
(3) سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري (أبو سعيد الخدري) أحد أصحاب رسول اللّه ً وأعلام الأنصار، استصغر يوم أحد، وغزا بعد ذلك اثنتي عشرة غزوة، روى عن النبي ً وعن علي وزيد بن ثابت وأبي قتادة الأنصاري وجابر وابن عباس وغيرهم. روى عنه ابن عباس وابن عمر وجابر وزيد بن ثابت وغيرهم. قال حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله أفقه من أبي سعيد. توفي سنة 64هـ عن 74سنة على خلاف في تاريخ وفاته. (تهذيب التهذيب).

(1/230)


عن النبي ً أنه قال: (( خُلِقَ الماءُ ط َهُوراً لا يُنَجِسُهُ إلا ما غَيَّر رِيحَه أو لونَه))(1).
ويدل على ذلك من جهة اللغة قولُ جرير:
عِذاب الثنايا ريقهن طهور(2)
وأراد أن ريقها طاهر يتطهر به؛ لأنه قصد به المبالغة في مدحها، فلو كان الطهور هو الطاهر لا غير، لكان لا مدح موجود لها في ذلك، فإن ريق البهائم يشاركها في كونه طاهراً، وهذا هو المقصود، ثم إن الخلاف في هذه المسألة له ثمرتان:
الأولى منهما: أنه لا يجوز إزالة الأشياء النجسة ولا رفع الأحداث بشيء من المائعات سوى الماء لاختصاصه بالتطهير عندنا، وهو رأي الشافعي، وعندهم أن ذلك جائز(3).
__________
(1) هكذا الحديث مروي عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول اللّه، إنه يستسقى لك من بئر بضاعة وتلقى فيها لحوم الكلاب وخرق المحائض وعذر الناس. فقال رسول اللّه ً: ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)). وفي الشفاء: ((خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه)). وفي البحر: إن الذي في المهذب: ((الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه)). قال في المهذب: فنص على الطعم والريح وقسنا عليهما اللون؛ لأنه في معناهما.ا.هـ.
ونقل في التلخيض: وأما الاستثناء فرواه الدارقطني من حديث ثوبان، وفيه رشد بن سعد وهو متروك، ثم أورد رواية عن البيهقي بلفظ: ((إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه))..إلخ. ا.هـ.
(2) أول البيت: ألا إن في نجد وأكناف بيشةٍ ا.هـ . وجرير: هو الشاعر المعروف، جرير بن عطية اليربوعي (640 - 728م). ولد ومات باليمامة. عاش متكسباً بالمدح، واتصل بولاة العراق، وصار شاعر الحجاج الذي وصله بعبدالملك بن مروان، وله مدائح شهيرة فيه، وله النقائض مع الفرزدق.
(3) يعني أبا حنيفة وأصحابه وأبا بكر بن داود الأصم.

(1/231)


الثانية: أنه إذا تغير الماء بشيء من الطاهرات فإنه لا يجوز الوضوء به ولا الغسل ولا رفع النجاسات، وعندهم أن ذلك جائز كما [ذكرناه].
فأما قولهم: إن العرب لم يفرقوا بين فاعل وفعول، وبنوهما من الفعل اللازم والمتعدي جميعاً، فهو فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأنا نعلم قطعاً تفرقتهم بينهما حيث جعلوا فعولاً للمبالغة دون فاعل، فإذا جاز أن يفرقوا بينهما فيما ذكرناه، جاز أن يفرقوا بينهما في كون أحدهما وهو فعول، موضوعاً للتعدي دون فاعل.
وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه تعويل على أمر لفظي في وضع الصيغة، وما ذكرناه تعويل على أمر معنوي. ولا شك أن التعويل على المعاني أحق من التعويل على الألفاظ، واسم الطهارة قد صار منقولاً بالشرع عما كان عليه في اللغة؛ لأنه موضوع في الأصل للتنزه عن الأنجاس ومفيد للنقاء، ثم صار مقولاً في الشرع على إفادة معان شرعية كالغسل والمسح والجفاف والنزح وغير ذلك من المعاني الشرعية، فصار فيما يفيده كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من الأسماء التي نقلها الشرع، وهل تكون مفيدة لمعانيها اللغوية ما أفادتها من معانيها الشرعية أم لا؟ فيه تردد وخلاف قد ذكرناه من قبل، وأخبرنا فيما سبق أنه مع إفادتها لما نُقِلَتْ إليه من المعاني الشرعية، فلا تنفك عن إفادتها لما وضِعَت له من معانيها اللغوية، لكن الشرع قد غَيَّرها وزاد فيها زيادة غير مخلة بمعانيها اللغوية كما أشرنا إليه، فهذا ما أردنا ذكره في بيان ما يفيده لفظ الطهارة وشرح معانيه الدالة عليها.

(1/232)


---
المسألة الثانية: في بيان حقيقة الطهارة وشرح معانيها المفيدة لها بوضع الشرع
قد وضح لك أن الطهارة اسم شرعي، واعلم أن الناس بالإضافة إلى شرح حقيقة الطهارة وإبانة ماهيتها فريقان:
فالفريق الأول: تكلموا في بيان معناها وإبانة ماهيتها، بالإشارة إلى تفاصيل مسائلها، وشرح أحكامها على جهة التفصيل من غير إشارة منهم إلى ضبطها بالحدود والتعريفات الحقيقية والرسمية، وإنما كان همهم من ذلك ذكر المسائل المشتملة عليها على جهة التفصيل، وهؤلاء هم أكثر الفقهاء، أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما، وزعموا أن ماهية الشيء وإدراك حقيقته كما يحصل بالتعريفات الحقيقية واللوازم الرسمية، فإنها تحصل أيضاً بحصر المسائل وضبط الأحكام.
الفريق الثانى: وهم الذين رغبوا في حصرها بالحدود والتعريفات وصانوها عن النقوص بالاحترازات. ثم هم حزبان:
الحزب الأول منهم: اقتصروا من مفهوم الطهارة على طهارة الماء من حدث أو نجس ، وعلى طهارة التراب من الحدث من غير إشارة منهم إلى ما وراء هذين النوعين من الطهارات كلها، وهذه هي طريقة السيد الإمام أبي طالب وغيره من فقهاء المذهب، فإنهم قصروا أنظارهم فيما أوردوه من التعريفات على الطهارة المائية والطهارة الترابية، ولم يخرجوا عن شيء سواهما من سائر أصناف الطهارات مع أنها طهارة ، كالجفاف والاستحالة(1) وغيرهما، ثم إنهم ذكروا لها تعريفات ثلاثة:
التعريف الأول : ذكره السيد أبو طالب فى (التذكرة)(2)، وحاصل ماقاله:
الطهارة هي: الشرعية المزيلة للأحداث. فقوله: الشرعية، يخرج منه مايفيد التنقية وليس مشروعاً كغسل الحائض ووضوئها فإن هذه طهارة، ولكنها غير شرعية؛ لأنها لاتفيد رفع الحدث ولا إزالة النجس.
__________
(1) الطهارة بالجفاف، كالأطفال والبهائم، وبالاستحالة كالخمر يستحيل إلى خل، كما جاء في (الأزهار).
(2) التذكرة في الفقه لأبي طالب (يحيى بن الحسين الهاروني. توفي سنة 424هـ)

(1/233)


وما ذكره من التعريف ينتقض بأمور ثلاثة:
أما أولاً: فلأن هذا تخرج منه الطهارة من النجس، وهي من جملة الطهارات الشرعية.
وأما ثانياً: فلأن هذا تخرج عنه الطهارة بالتراب؛ لأنها غير مزيلة للحدث على رأيه، وهي من جملة ما يُتَطَهَّر به.
وأما ثالثاً: فلأن هذا منقوض بالطهارة على الطهارة، فإنها من جملة الطهارات وقد ورد بها الشرع كالوضوء على الوضوء وليس مزيلاً للحدث فانتقض هذا الحد.
التعريف الثاني: ذكره في (الشرح)(1)، وحاصل كلامه أنه قال:
الطهارة: هي الشرعية الواجبة لأجل الأحداث، وهذا وإن كان سالماً من الاعتراض بطهارة التراب كما ورد على الحد الأول، لكنه منقوض بالأمرين الآخرين، إما بطهارة النجس فإنها من جملة الطهارات وليست واجبة لأجل الأحداث، وإما بالطهارة على الطهارة فإنها من جملة الطهارات الشرعية وليست واجبة مع كونها طهارة، فخرجت عنها، فلهذا كان ما ذكرهُ منقوضاً بما أشرنا إليه.
وذكر القاضي زيد ) أن الأَوْلَى أن يقال فيها: الطهارة هي: المفعولة للأحداث، وهذا وإن كان سالماً عن النقض بطهارة التيمم، لكنه منقوض بالطهارة عن النجس والطهارة على الطهارة، فإن هاتين من جملة الطهارات وليستا مفعولتين من أجل الحدث.
__________
(1) شرح التحرير في الفقه لأبي طالب أيضاً.
(2) زيد بن محمد الكلاَّري بن الحسن، قال في (الفلك الدوار): (نسبة إلى كلاَّر من بلاد الجيل) بفتح الكاف وتشديد اللام، وفي تراجم رجال (الأزهار) بالتخفيف. قال الجنداري في ترجمته: وهو القاضي زيد المشهور علامة الزيدية وحافظ أقوالهم وفقيههم، قال في (الانتصار): كان من أتباع المؤيد بالله ولم يعاصره. كان القاضي من حفاظ ألفاظ العترة، وله العناية العظمى في خدمة المذهب الشريف، وهو مؤلف (الشرح) (شرح كتاب التجريد للمؤيد بالله) وإذا أطلق (الشرح) في (المنتزع) فهو شرحه إلا في موضع في السير فشرح أبي طالب.

(1/234)


التعريف الثالث: أن يقال: الطهارة عبارة عن مسح وغسل أو عن أحدهما بصفة مشروعة، وهذا وإن كان سالماً عن النقض بطهارة التيمم والطهارة على الطهارة، لكنه منقوض بسائر أنواع الطهارات، كالجفاف والاستحالة وغيرهما مما يكون طهارة وليس مسحاً ولا غسلاً، وهذه كلها تعريفات لمن قصر الطهارة على هذين النوعين ولم يعرج على ما سواهما مما يكون طهارة.
الحزب الثاني: الذين أغرقوا في حصر أنواع الطهارات وراموا اندراجها تحت حد واحد بإدخال جميع الصور، كما هو محكي عن الشيخ أبي عبدالله محمد بن أحمد النجراني )، فإنه قال:
الطهارة عبارة عن: مسح وغسل وجفاف ونزح واستحالة، فما هذا حاله قد اندرج تحته ما يقال: إنه طهارة في الشرع من الحدث والنجس، وطهارة التراب وجفاف الأطفال عند الولادة، ونزح الآبار عند وقوع النجاسة فيها، والأمور النجسة إذا استحالت كالعذرة إذا صارت رماداً، والكلب إذا صار ملحاً، وغير ذلك، وهذا ما أردنا ذكره من مذاهب الفقهاء في سلوكهم طريق الضبط لماهية الطهارة، والإشارة إلى تعريفها.
__________
(1) الشيخ محمد بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن محمد النجراني، كان فقيهاً عالماً قرأ على الأميرين: بدر الدين وشمس الدين وغيرهما. وعاصر الإمام المهدي أحمد بن الحسين. كان من المجتهدين والمتكلمين. أخذ عنه ولده الشيخ عطية والأمير علي بن الحسين صاحب (اللمع). توفي سنة 603هـ. (مقدمة الأزهار).

(1/235)


والمختار في ذلك: تفصيل نشير إلى أسراره يلتفت إلى القواعد العدلية ويشم رائحة من المباحث الكلامية. وحاصله أنَّا نقول: اسم الطهارة واقع على حقائق مختلفة وأنواع متفاوتة لا يمكن اندراجها تحت حد واحد، وما هذا حاله من الألفاظ المشتركة فلا تشملها ماهية واحدة ويستحيل ذلك في حقها، فلو قال قائل: ما حقيقة المَلَك والجني والإنسان والحجر؟ فإنه لا يمكن أن يجاب بحقيقة واحدة لاختلاف هذه الحقائق في أنفسها، وهكذا حال من يسأل عن ماهية الطهارة فلا يمكن أن يجاب بماهية واحدة لإختلاف حقائقها في أنفسها وسائر أنواعها، فإنها مقولة على طهارة الحدث وطهارة النجس وطهارة التراب وطهارة النزح والجفاف والاستحالة، فصارت لفظة مشتركة واقعة على حقائق مختلفة يستحيل اندراجها تحت ماهية واحدة، فإذا سأل السائل عن ماهية الطهارة لم يستحق جواباً على الإطلاق، ولكن يقال له: عن أي أنواع الطهارة تسأل؟
فإذا قال: عن طهارة الماء؟
قيل له: هي استعمال الماء لحدث أو نجس.
وإن قال: عن طهارة التراب؟
قيل له: هو استعمال التراب للحدث.
وهكذا القول في سائر أنواع الطهارة إذا كان سائلاً عن كل واحدٍ منها بعينه فإنه يستحق جواب كل واحد منها بعينه، ويجري ما ذكرناه في جميع الألفاظ المشتركة التي تندرج تحتها حقائق مختلفة، كالعين والإدراك وغيرهما مما لا بد فيه من الاستفصال، فإن أنف آنف عما ذكرناه من هذا التقسيم وأراد اندراجها تحت ماهية واحدة، فالأغوص أن يقال في ماهيتها: عبارة عن غسل ومسح، أو عن أحدهما أو ما في حكمهما بصفة مشروعة، فلا يبعد أن يكون هذا ضابطاً لجميع مجاريها الشرعية.

(1/236)


نعم هذا كله، إذا قلنا: بأن لفظ الطهارة يطلق على ما ذكرناه من هذه الحقائق المختلفة من غير أن يكون تعارفاً، فأما إذا قلنا: بأن لفظ الطهارة قد صار متعارفاً [عليه] في ألسنة الفقهاء فيما كان من طهارة الماء وطهارة التراب، فعلى هذا يقال في ماهية الطهارة: هي استعمال أحد المشروعين: الماء أو التراب. وعلى هذا يكون الحد مطابقاً لَمَّا كان التطهير قد صار متعارفاً فيهما.
وإذ قد أتينا على المقصود من تعريف ماهية الطهارة وذكر خلاف الفقهاء فيها، فلنردفه بذكر حقائق الألفاظ التي تمس الحاجة إليها عند الخوض في المسائل الخلافية، والاستدلالات الخطابية، والاستنباطات القياسية، ويعظم دورها في ألسنة الفقهاء، وجملة ما نذكر من ذلك أمور عشرة نفصلها بمعونة اللّه تعالى:
أولها: النظر، وهو: ترتيب مقدمات علمية أو ظنية، لِيُتَوصَّل [بها] إلى الوقوف على الشيء بعلم أو ظن.
وثانيها: الدليل، وهو: ما كان النظر فيه مؤدياً إلى العلم بالمطلوب. والأمارة: ما كان النظر فيها مؤدياً إلى تغليب الظن.
وثالثها: العلم، وهو: إدراك الشيء على ما هو به مع سكون النفس إليه. والظن: تغليب بالقلب على أحد المجوَّزَين ظاهري التجويز.
ورابعها: الحجة، وهو: ما يدل على صحة الدعوى.
وخامسها: الخبر، وهو: ما كان محتملاً للصدق والكذب. والصدق: ما كان مُخْبَرُهُ على ما هو به، والكذب: ما كان غير مطابق لِمُخْبرِهِ.
وسادسها: الظاهر، وهو: ما كان محتملاً لأمرين، أحدهما أقوى من الآخر. والتأويل: صرف الكلام عن ظاهره. والمطلق: اللفظ الصالح لما تناوله. والمقيد، هو: الذي خُصِّصَ ببعض صفاته.

(1/237)


وسابعها: النسخ، وهو: بيان أن مثل الحكم الشرعي غير ثابت بدليل مثله مع تراخيه عنه. والأمر: قول القائل لغيره: افعل. والنهي: قول القائل لغيره: لا تفعل. والحقيقة: ما أفاد معنى مصطلحاً عليه في غير ذلك الوضع. والواجب والفرض: ما تعلق العقاب بتركهما. والعبادة هي: الطاعة. والطاعة: موافقة الأمر. والمعصية: مخالفة الأمر.
وثامنها: الصحيح، وهو: ما كان معتداً به في مقصوده. والفاسد: ما خالف الشرط المعتبر فيه. والمجزي من الأفعال: ما كان خارجاً به من عهدة الأمر. والمتواتر: ما حصل به العلم الضروري.والآحادي: ما أثمر الظن. والصحابي: من خالط الرسول. والتابعي: من صحب الصحابة.
وتاسعها: المرسل، وهو: ما انقطع إسناده. والمسند: ما اتصل إسناده. والموقوف من الأحاديث: ما كان مقصوراً على الصحابة. والمرفوع: ما كان إسناده متصلاً بالرسول ً. والاجتهاد: بذل الوسع في تحصيل الغرض. والرأي: استخراج صواب العاقبة.
وعاشرها: القياس، وهو: حمل فرع على أصل بعلة جامعة بينهما. والأصل: ما ثبت حكمه بنفسه. والعلة، هي: المقتضية للحكم. والمعلل، هو: الناصب للعلة. والطرد، هو: وجود الحكم بوجود العلة.والعكس، هو: عدم الحكم بعدم العلة. والنقص: وجود العلة من غير حكمها. والمعارضة: مدافعة الخصم بمثل دليله أو بما هو أقوى منه. والترجيح: إثبات مزية توجب تقديم إحدى الأمارتين على الأخرى. والانقطاع: هو العجز عن نصرة المذهب. ولنقتصر على هذا القدر ففيه كفاية عن مقدار غرضنا من ذلك. والله الموفق.

(1/238)


---
المسألة الثالثة: في بيان تقسيم الطهارات
واعلم أن لها تقسيمات كثيرة باعتبارات متفاوتة، ولكنا نقتصر منها على تقاسيم أربعة:

(1/239)


---
التقسيم الأول: باعتبار ذاتها إلى ما يفتقر إلى النية وإلى ما لا يكون مفتقراً إليها
فالذي يفتقر إلى النية من الطهارات، هو التيمم والوضوء والغسل عندنا على اختلاف فيه بين الفقهاء سنذكره فى موضعه ونوضح المختار بمعونة اللّه تعالى.
والذي لايفتقر إلى النية، هو غسل النجاسة.
وإنما كان تقسيمها باعتبار النية تقسيماً راجعاً إلى ذاتها ، من أجل أن الطهارة [حكم] اسميٌّ شرعي كما مر تقريره من قبل، فلما كان لاحكم للطهارة من غير نية، لمَّا كان الشرع قد اعتبر فيها النية، فلأجل هذا كانت من غير نية لا صورة لها ولاتوجد حقيقتها، فمن ثم كان ذلك راجعاً الى الذات.
واعلم أن النية هي العزم. يقال: نويت السفر إذا عزمت عليه. والنية القصد. يقال: إلى أين نيتك؟ والغرض إلى أين قصدك. وعينها واو، واشتقاقها من النوى وهو البعد؛ وإنما سميت بذلك لكونها غائبة عن الناس، ولكونها فى القلب مستورة. وأنشد الجوهري ):
صرمت أميمة خلتي وصِلاتي ... ونوت ولما تنتوي كنواتي
__________
(1) هو أبو نصر إسماعيل الجوهري، ولد في فاراب، من أصل تركستاني في نيسابور حوالي سنة 400هـ، وارتحل إلى العراق ودرس اللغة العربية وأخذ عن أئمتها في القرن الرابع. له مؤلفات منها: الصحاح، ومختصره (مختصر الصحاح). ا.هـ. الموسوعة الإسلامية ج5/148.

(1/240)


أي ولم يكن قصدها قصدي، ولا كانت عزيمتها مثل عزمي في المودة وحسن المواصلة ولزوم الإخاء، ولها(1) موقع عظيم في العبادات الشرعية، لما روي عن عمر رضي اللّه عنه عن النبي ً، أنه قال: (( إنما الأعمال بالنيات ))(2). ولايكون العمل صالحاً إلا بها ولا مقبولاً إلا معها، لما روي عن النبي ً أنه قال: (( لا عمل إلا بنية ))(3). فظاهر الخبر دال على أن ماليس معه نية من الأعمال فهو مردود، وهي أفضل الأعمال لما روي عن النبي ً أنه قال: (( نية المؤمن خير من عمله ، ونية الفاسق شر من عمله)) (4) وهذا الخبر له معان خمسة:
__________
(1) أي النية.
(2) عن عمر قال سمعت رسول اللّه ً يقول: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)). أخرجه الستة إلا الموطأ. وهذا الحديث أول حديث في كتاب البخاري. ا.هـ. بحر. ونقل في الهامش أنه ورد في الموطأ برواية محمد بن الحسن.
(3) روي عن علي عليه السلام قال: قال رسول اللّه ً: (لا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة). ذكره في البحر وأشار إلى ذكره في أصول الأحكام والشفاء، وفي التلخيص موقوفاً على الحسن البصري مع اختلاف في لفظه، وأورده في الاعتصام عن شرح التجريد بلفظه.
(4) رواه الطبراني في الكبير، وفي الفوائد للشوكاني، وجاء بلفظ: ((نية المؤمن أبلغ من عمله)) رواه الزبيدي في الإتحاف، وأضاف: ((ونية الفاجر خير من عمله، وعمل الكافر خير من نيته)) وكذا في مجمع الزوائد للهيثمي.

(1/241)


المعنى الأول: أن العمل متناول للأفعال الظاهرة القولية والفعلية، ولا شك أن ما هذا حاله فإنه يدخله الرياء، بخلاف النيات فإن محلها القلوب ولا يطلع عليها الخلق ولا يكون فيها رياء، وعمل قليل بعلم أفضل عندالله من عمل كثير بجهل ورياء، فلأجل هذا كانت النية أفضل من العمل.
المعنى الثاني: أن يكون مراده عليه السلام من ذلك أن العمل مفتقر إلى النية، بحيث لو خلا عنها لكان لا وزن له عند الله تعالى، بخلاف النية فإنها غير مفتقرة إلى العمل، فالنية يُؤْجَرُ عليها بمجرد فعلها، بخلاف العمل فإنه لا يؤجر عليه ولا يكون مستحقاً للثواب عليه إلا بانضمام النية إليه، فلهذا كانت خيراً من العمل لهذا الاعتبار.
المعنى الثالث: أن المراد من قوله: نية المؤمن خير من عمله، على معنى أن المؤمن قد ينوي الفعل ولا يتفق له العمل، فيحصل له الثواب على مجرد النية وهي أسهل من العمل، بخلاف العمل فإنه لا يحصل إلا بتكليف ومشقة في فعله، فيكون المعنى بكونها خيراً أنها أسهل مؤنة وأخف محملاً، بخلاف الفعل فإن فيه من المشقة ما ليس فيها، ويؤيد هذا المعنى ما روي عن النبي ً أنه قال: (( إن المؤمن إذا نوى خيراً كتبت له حسنة فإذا فعله كتب له عشر حسنات)).
المعنى الرابع: أن هذا الحديث وارد على سبب خاص، وهو أن الرسول ً، ذُكِرَ له صلاةُ بعض المنافقين وأنه طول فيها قنوته، فقال الرسول ً: (( نية المؤمن خير من عمله))، أي من عمل الكافر، فالضمير في عمله راجع إلى الكافر؛ لأنه لا ثواب له على صلاته، وأراد أن نية المؤمن على قلتها وصغر قدرها وخفة مؤنتها، خير من عمله وإن كان شاقاً يحتاج إلى مؤونة كثيرة، كما روي عن النبي ً أنه قال: (( إن اللّه خلق آدم على صورته ))، فالضمير في صورته راجع إلى آدم، وقد غلط فيه بعض المجسمة الحشوية فأعاد الضمير إلى اللّه تعالى.

(1/242)


المعنى الخامس: أن المراد من ذلك: أن نية المؤمن وإن كانت قليلة في عددها، فهي خير من جملة عمله وإن كان كثيراً، فتكون الفائدة في ذلك أنها مساوية للعمل في كونه عبادة وفي كونه مستحقاً عليه الأجر والثواب، فهذه المعاني كلها يحتملها الخبر ويدل عليها كما أشرنا إليه.

(1/243)


---
التقسيم الثاني: باعتبار ما يُتَطَهَّر به
اعلم أنما يتطهر به ينقسم إلى: مائع وجامد.
فالمائع هو: الماء، لقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ }[الأنفال:11]. وما روي أنه عليه السلام قال: (( خلق الماء طهوراً)).
والجامد هو: التراب، يكون طهوراً عند عدم الماء في سفر أو حضر، لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوْا مَاءً فَتَيَمَّمُوْا صَعِيْداً طَيِّبَاً }[النساء:43]. وقد يكون بالحجر عند أثر الغائط والبول، لقوله ً: (( ثلاثة أحجار ينقين المؤمن ))(1). كما سنوضحه بعد هذا بمعونة اللّه تعالى.
وهل يجوز التطهر بنبيذ التمر أم لا؟ فيه مذهبان:
الأول: أنه لا يجوز التطهر بشيء من الأنبذة بحال، وهذا هو رأي أئمة العترة ومن تابعهم من فقهائهم، وبه قال الشافعي ومالك ومحكي عن أحمد بن حنبل وأبي عبيد ) وداود (3).
__________
(1) حكاه في البحر وفي أصول الأحكام والشفاء، وجاء في رواية عن ابن عباس بلفظ: ((إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب)) ا.هـ ملخصاً من البحر.
(2) أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي، ذكره الشيرازي في فقهاء بغداد ولقبه مرة بأبي عبدالله ومرة بأبي عبيد. وقال: قال إبراهيم الحربي: كان أبو عبيد كأنه جبل تُنفخ فيه الروح يحسن كل شيء، ولي القضاء لطرسوس ومات بمكة سنة 224هـ عن سبع وستين سنة. (طبقات الفقهاء).
(3) داود بن علي بن خلف الظاهري العلامة الفقيه الزاهد. نشأ في بغداد بلغ في الزهد كما روى المرشد بالله: أنه أُعطي دراهم كثيرة وردها وكان يأكل في العيد البقل ولا يقبل من أحد شيئاً، عده الإمام المهدي من العدلية، توفي ببغداد في ذي القعدة سنة 270هـ.، وفي طبقات الشافعية وطبقات الشيرازي أنه ولد سنة 200هـ، وتوفي سنة 290هـ.

(1/244)


والحجة على ذلك: قوله تعالى في آية الوضوء: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا }[المائدة:6]. ثم قال: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوْا مَاءً فَتَيَمَّمُوْا صَعِيْدَاً طَيِّبَاً }. فنقلهم عند عدم الماء إلى التراب، فلو كان غيره جائزاً لم يقصرهم في النقل إليه ولكان نقلهم إلى غيره أقرب من نقلهم إلى التراب؛ لأن النبيذ أقرب إلى صفة الماء وخلقته من التراب. ولقوله ً: (( التراب طهور المؤمن مالم يجد الماء ))(1).
وتقرير الحجة فيه: ما ذكرناه في تقرير الآية، ولأن التطهر ورد من جهة الشرع مقصوراً على الماء والتراب، فلا يجوز نقله إلى غيرهما إلا بدلالة شرعية.
المذهب الثاني: أنه يجوز التطهر بنبيذ التمر، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه، ثم اختلفت الرواية فيه عن أبي حنيفة، وله فيه ثلاث روايات:
الرواية الأولى: مثل مذهبنا، أنه لا يجوز التطهر به، إلا في كونه نجساً [فإنه] قال بطهارته مع أنه لا يجوز التوضؤ به، وهو قول أبي يوسف، وعند أصحابنا والشافعي: أن كلما انْتُبِذَ يكون نجساً.
الرواية الثانية: أنه يجوز التوضؤ به والتيمم بعده، وهذا هو المحكي عن محمد بن الحسن.
الرواية الثالثة: أنه يجوز التوضؤ به إذا طبخ وانتبذ عند عدم الماء في السفر، والحجة على ذلك حديث ابن مسعود ليلة الجن، فإنه قال: كان مع الرسول ً في تلك الليلة، فلما أراد الصلاة لفرض الفجر، فقال له: (( أمعك وضوء))؟ فقال: لا. معي إداوة(2) فيها نبيذ. فقال: (( تمرة طيبة وماء طهور ))، فتوضأ به.
__________
(1) مكانه باب التيمم.
(2) الإداوة: المَطْهَرَةُ، وعن ابن سيده: إناء للماء، وتجمع على أداوي. ا.هـ لسان.

(1/245)


والمختار: ما عول عليه أصحابنا والشافعي، لما ذكرناه عنهم من الأدلة الشرعية، ولأن الكتاب والسنة ظاهرهما دال على عدم النقل من الماء إلى غير التراب، فلو كان التطهر بالنبيذ جائزاً إذاً لذكره؛ لأنه في موضع تعليم الشرع وهو وقت الحاجة فلا يجوز تأخيره عن الذكر، والإعراض عنه.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه، أما ما ذكره من الاحتجاج بحديث ابن مسعود، فعنه أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأن هذا الحديث، رواه أبو زيد )، عن ابن مسعود وهو مجهول عند رواة الحديث، فلا يكون مقبولاً.
وأما ثانياً: فلأن الرسول ً قال: (( تمرة طيبة وماء طهور))(2). فأطلق اسم الماء عليه، فلو [كان] نبيذاً لم يطلق عليه اسم الماء.
وأما ثالثاً: فلأنه ً قال: (( تمرة طيبة)). فلو كان التمر قد صار نبيذاً لم يطلق عليه [اسم] التمر بعد تغيره، فأما قول ابن مسعود جواباً له، حيث قال له: ما في إداوتك ؟ فقال: نبيذ تمر، فلا حجة فيه؛ لأنه كلام لصحابي، وقد قررنا أنه لا حجة في قول الصحابي فأغنى عن تكريره.
__________
(1) جاء في (التهذيب): المخزومي مولى عمرو بن حريث. وقيل: أبو زائد أو أبو زيد بالشك. روى عن ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ ليلة الجن. وعنه أبو زرارة رشد بن كيسان. قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال الحاكم أبو أحمد: لا يوقف على صحة كنيته ولا اسمه ولا له راوٍ غير أبي فزارة، ولم يرو هذا الحديث من وجه ثابت، وأبو زيد مجهول. وقال أبوداود: كان أبو زيد نباذاً بالكوفة. وقال الترمذي: مجهول عند أهل الحديث لا تعرف له رواية غير هذا الحديث. قلت: وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: أبو زيد مجهول لا يُعرف ولا أعرف كنيته ولا أعرف اسمه.. إلخ. تهذيب التهذيب ج12/113.
(2) أخرجه الترمذي وكذا أبو داود إلا قوله: فتوضأ منه. ا.هـ. البحر: ج2/11.

(1/246)


وله تأويل، وهو أنه إنما قال: نبيذ تمر. جرياً على عادة العرب في نبذهم في الأمواء تُمَيْرَاتٍ تجتذب ملوحته وتطيبه؛ لأن الغالب الملوحة في أمواء الحجاز، فلهذا قال: نبيذ تمر، من أجل ذلك أجابه الرسول بقوله: (( تمرة طيبة)). جرياً على ما هو المألوف من عادات العرب في ذلك كما أشرنا إليه، فإطلاق اسم التمرة والماء من جهة صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه، فيه دلالة ظاهرة على أنهما لم يتغيرا عما هما عليه من صفة المائية والتمرية؛ لأن إطلاق اسم الماء والتمر على ما تفاحش تغيره وزال عن صفته يشابه إطلاق الماء على المرق والعصيدة وهو محال لا وجه له.
ثم إنا نقول: إنه لم يجر من عادة العرب أنهم يستصحبون الأنبذة في أسفارهم إذ لا حاجة لهم إليها، وإنما يستصحبون الأمواء لحاجتهم إليها في المفاوز، فلا وجه لاستصحاب ابن مسعود النبيذ في السفر، وفيه دلالة وأمارة قوية علىأن ما كان في إداواته إنما هو الماء المنبوذ فيه تمرات لا غير.
لا يقال: لو كان في إداوته ماء لم يكن لنفيه للوضوء [معنى] لما سأله الرسول ً: ((هل معك وضوء))؟ فقال له: لا، لأنا نقول: هذا فاسد، لأن الحجة إنما هي في كلام صاحب الشريعة دون كلام ابن مسعود، فلا حجة فيه، وقد قال: (( تمرة طيبة وماء طهور)). ولعله إنما نفى الماء الذي يتوضأ به اعتقاداً منه أن كل ما خالطه الطاهر ولم يغير شيئاً من أوصافه فإنه لا يجوز التوضؤ به، فبطل ما توهموه.

(1/247)


---
التقسيم الثالث: باعتبار مايُفْعَلُ التطهر من أجله
والذي يُحْدَثُ التيمم له منقسم إلى: فريضة ونافلة.
فأما الفريضة، فمنقسمة إلى ما يكون واجباً على الأعيان كالصلوات الخمس، وإلى ما يكون وجوبه على الكفاية كصلاة الجنازة، وهكذا صلاة العيدين على رأي من يجعلهما فرضاً، إما على الكفاية وإما على الأعيان كما سنقرر الخلاف فيهما ونوضح المختار بمعونة اللّه تعالى.
ثم ما كان واجباً على العين، منقسم إلى ما يكون قضاء وهو الذي فات وقته فأُدِّيَ بالتطهر، وإلى ما يكون وقته باقياً، وهو المؤدى، هذا كله تقسيم في حق ما يكون واجباً مما يكون مؤدى بالتيمم.
وأما النافلة: فهي على وجهين:
أحدهما: أن تكون تابعة، وهذا نحو ركعتي الظهر وسائر الرواتب التي للصلاة المفروضة.
وثانيهما: أن تكون مستقلة، إما متكررة بتكرير الأعوام كصلاة العيدين، وإما بتكرر الحوادث كصلاة الكسوفين والاستسقاء، وإما غير ذلك، كسائر النوافل المبتدأة في جميع الأوقات ما خلا الأوقات المكروهة، فهذه الصلوات كلها تجوز(1) لأجلها الطهارة وتكون مشترطة فيها، وهذه الأمور كلها نذكر أحكام أدائها بالطهارة، ونورد مسائلها باستقصاء بمعونة اللّه تعالى.
__________
(1) بمعنى: تجب.

(1/248)


---
التقسيم الرابع: باعتبار كيفية استعمال الطهارات
(وينقسم) إلى:
ما يكون الواجب فيه المسح، وهو التيمم كما سنذكر كيفيته، وإلى ما يكون الواجب فيه الغُسْل، وهو الطهارة من الجنابة وطهارة الميت وغير ذلك من الاغتسالات الواجبة.
وإلى ما يجب فيه الأمران، وهو الوضوء، فالغسل في الأعضاء الخمسة والمسح في الرأس.
ثم تنقسم الطهارات إلى:
ما يكون له بدل مشروع، وهذا نحو الوضوء والغسل عند تعذرهما أو عدم الماء، فإن لهما بدلاً وهو التيمم بالتراب.
وإلى مالا يكون له بدل، وهو الطهارات من النجاسات كما سنوضحه.
ثم للطهارات تقسيمات كثيرة باعتبارات مختلفة، ولكنا نقتصر من تقسيماتها على ما أوردناه ففيه كفاية لقصدنا، والله أعلم.

(1/249)


---
المسألة الرابعة: في بيان حكم الطهارة من النجاسات هل تكون معقولة المعنى أم لا؟
اضطرب رأي الخائضين في علوم الاجتهاد في المسائل الخلافية، في أن الطهارة من النجاسة هل يعقل معناها أم لا؟
فالذي ذهب إليه الأكثر من أئمة العترة ومن تابعهم من العلماء من شيعتهم أنها غير معقولة المعنى، ونعني بكونها غير معقولة المعنى، هو أنها مشروعة على جهة التعبد من غير أن يفهم معناها، ومن أجل كون معناها غير معقول، تعين الماء لها، فلا يجوز إزالتها بغير الماء، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه ) وداود وزفر ) ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة.
__________
(1) أبو يعقوب إسحاق بن محمد الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، ترجم له الشيرازي في (طبقات الفقهاء) ضمن فقهاء خراسان وقال عنه: جمع بين الحديث والفقه والورع، سكن نيسابور ومات بها سنة 238هـ. وسئل عنه أحمد بن حنبل. فقال: ومن مثل إسحاق؟ إسحاق يسأل عنه؟ وقال إيضاً: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. وقال إسحاق: أحفظ سبعين ألف حديث وأذاكر بمائة ألف حديث، وما سمعت شيئاً إلا حفظته ولا حفظت شيئاً قط فنسيته.
(2) أبو الهذيل زفر بن الهذيل بن قيس بن مسلم العنبري، أحد الفقهاء والعباد. قال ابن حبان في الثقات: كان متقناً حافظاً لم يسلك مسلك صاحبيه، وكان أقيس أصحابه وأكثرهم رجوعاً إلى الحق. ا.هـ، وهو أول من قدم من البصرة برأي أبي حنيفة. توفي سنة 158هـ.، عن ثمانية وأربعين سنة. (مقدمة البحر).

(1/250)


والحجة لهم على ذلك: هو أن الطهارة لا تجب لغير الصلاة ولا يفهم من جهة الشرع وجوب إزالة النجاسة إلا من أجلها، والمعنى الذي من أجله وجبت لأجل الصلاة غير معقول ولا ترشد إليه مخائل المعاني ولا تجري فيه مسالك الأشباه، وفي هذا دلالة على أنها غير معقولة، ويؤيد كونها غير معقولة المعاني، وجوب الاغتسال من المني دون البول والغائط، وهما أكبر وأقذر منه، فدل ذلك على انسداد معانيها بكل حال، ولأن إزالة النجاسة طهارة تراد للصلاة وتقصد من أجلها، فلا يجوز فهم معناها كالوضوء، وإذا كانت غير مفهومة المعنى تعين الماء لها، فلا يجوز إزالتها بغير الماء، وهذه هي الفائدة في كونها غير معقولة المعنى، وزعم أبو حنيفة وأصحابه أن طهارة النجاسة معقولة المعنى، وأن مقصود الشرع منها إزالة عينها واستئصال أثرها، وهذا يحصل بما كان يرفع ويقلع من المائعات كالخل واللبن، فقد حصل معناها المعقول، وإلى هذا ذهب أبو عبدالله الداعي ).
والحجة لهم على ما قالوه: ما ذكرناه من تقرير معناها المعقول من الرفع والقلع، وإذا كان معناها معقولاً وهو حاصل بكل ما كان يرفع أثرها ويزيل عينها من المائعات، فقد تقرر مقصود الشرع بفهم المعنى، وينوي على هذا إزالتها بغير الماء من كل مائع رافع لها.
__________
(1) أبو عبدالله محمد بن الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبدالرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الإمام المهدي بويع له بالإمامة ثم كاتبه أهل الديلم فوصل إليهم سنة 353هـ.، وهو الذي أظهر في الديلم أن كل مجتهد مصيب. وكانت الناصرية تخطئ القاسمية والعكس، فرجعوا إلى قوله بعد مناظرات كثيرة، ولم يزل مجاهداً حتى قبضه اللّه بهوسم مسموماً سنة 360هـ. ومن مشائخه في الفقه: أبو الحسن الكرخي، وفي علم الكلام: أبو عبدالله البصري. (مقدمة الأزهار).

(1/251)


والمختار: ما عول عليه أصحابنا والشافعي ومن وافقهم في كونها غير معقولة المعنى، ومن أجل ذلك تعين لها الماء، ولم يجز إزالتها بغيره من سائر المائعات. ويدل على ذلك أنها جارية على صرف التعبد والاحتكام، فلا تفهم فيها مخائل المعاني وطرقها منسدة فيها، فلا يُضطَرَبُ فيها بالخطوات الواسعة لضيق مسلكها ودقة مجراها، وما هذا حاله فإنه يجب الجمود فيها على حكم الشرع واقتراحه، لما كان معناها غير مُفْهَم فيجب قصر الإزالة على الماء.
الانتصار: يكون بتزييف(1) ما اعتمدوه.
قالوا: الغرض والمقصود هو الإزالة، فتجب إزالتها بكل قالع للأثر.
قلنا: هذا فاسد فإنا لا نُسَلِّمُ أن المقصود هو الإزالة، فإنه قد تجوز الصلاة مع الآثار النجسة وإن بقي أثرها بعد غسلها بالماء كما سنوضح الأمر فيه، ثم إنا وإن سلمنا أن الغرض هو الإزالة، لكن لا نُسَلِّم أنه كل المقصود، بل هو المقصود مع نوع تعبد، كما أن الغرض بالعدة هو براءة الرحم، لكن ليس كل المقصود منها. وإذا كان الأمر كما قلنا من كونها غير معقولة المعنى، وجب تَعَيُّنُ الماء لها، وهذه هي الفائدة بكونها غير معقولة المعنى. والذي يقطع شجارهم ويحسم مادة سعيهم، أنا نقول لهم: إزالة النجاسة لا تجب لغير الصلاة، فأخبرونا عن وجه وجوبها للصلاة.
فإن قالوا: المفهوم من جهة الشرع أن المصلي مأمور بأن يأخذ في الصلاة أبهى زي وأحسن هيئة فهكذا يكون مأموراً بالتنقية من الأقذار والنجاسات أحق وأولى.
قلنا: هذا تكرير للسؤال، فلم تجب التنقية في الصلاة؟ وعنه نسأل.
__________
(1) بمعنى كشف زيف (عدم صحة) ما اعتمدوه.

(1/252)


فحصل من مجموع ما ذكرناه أن اشتراط إزالة النجاسة في الصلاة لا يعقل معناه، بل هو جار على صرف التعبد فهكذا حال النجاسة نفسها لا يعقل معناها. وإذا كان أمرها جارياً على ما ذكرناه من التعبد، وجب تعين الماء لها كما قررناه من قبل، لأجل إشارة ظواهر الشرع إلى قصره على الماء فلا وجه لإعادته، وإزالة النجاسة ليس من قبيل العبادات فلا تكون مفتقرة إلى النية، وتصح تأديتها ممن ليس من أهل العبادة كالكافر والصبي. وإن نوى التقرب بها كان مثاباً على فعلها؛ لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، كما جاء في الحديث، وهو رأي أصحابنا والفقهاء لا يختلفون فيه، والوجه فيه ما أشرنا إليه.

(1/253)


---
المسألة الخامسة: في بيان حكم الطهارة من الحدث هل يعقل معناها في ذلك أم لا؟
ذهب علماء العترة ومتبعوهم إلى أن طهارة الحدث غير معقولة المعنى، وأرادوا بما ذكروه من ذلك هو أنها جارية على صرف التعبد من جهة اللّه تعالى، منسدة عنها مسالك المعاني ومنحسمة فيها طرق القياس، وعن هذا قالوا: إنها مقصورة على الماء بحيث لايقوم غيره في تحصيلها من المائعات مقامه، وبه قال: أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ولايختلفون في ذلك.
والحجة على ذلك: هو أن الطهارة من الأحداث مختصة بأوقات وجارية على كيفيات مقررة من جهة الشرع، بحيث لاتهتدي العقول إلى معرفة أسرارها ولاتنتهي إلى غاياتها، فخصها بوقت الحدث دون غيره، وأوجبها في أعضاء مخصوصة عن موضع الحدث، ثم أوجب غسلها من غير نجاسة فيها لأجل نجاسة خارجة من غيرها، ثم أوجب غسل الأكثر منها، ومسح بعضها على هيئة مقدرة وكيفية مرتبة لاتخفى، وكل ماذكرناه من هذه التصرفات الجارية من جهة الشرع، فيها دلالة على أنها جارية على جهة التحكم من غير أن يكون للعقول إليها تطلع في فهم معناها، ومن أجل ذلك احتُكِمَ فيها بأنه لايجرى غير الماء في تأدية المقصود منها مجراه.

(1/254)


وذهب بعض متبعي الشافعي إلى أن طهارة الحدث معقولة المعنى، وزعموا أن الغرض هو تنقية هذه الأعضاء من القاذورات، وعن هذا قالوا: تجوز بغير الماء لَمَّا كان المعنى فيها مفهوماً، كماء الورد وغيره من الأمواء الطاهرة. وحكي عن الأوزاعي ): جواز التوضؤ بجميع الأنبذة بخلاف ماقاله أبو حنيفة فإنه قصره على نبيذ التمر دون غيره من سائر الأنبذة، وقد حكى عنه ابن أبي مريم ): رجوعه عن جواز التوضؤ به.
وحكي عن الحسن بن حي ): جواز التوضؤ بالخل وماء الورد ونحوه.
__________
(1) أبو عمرو عبدالرحمن بن عمرو بن محمد الدمشقي الأوزاعي الحافظ شيخ الإسلام وإمام أهل الشام، وقيل عنه: عالم الأمة وإمام عصره، ولد عام 88هـ، واشتغل بالعلم ودراسة الفقه والحديث حتى أصبح له مذهب مميز في الشام. سكن آخر عمره ببيروت مرابطاً، وتوفي بها ثاني صفر 157هـ. (مقدمة البحر).
(2) أبو رجاء محمد بن أحمد بن الربيع بن سليمان بن أبي مريم الأسواني. قال ابن يونس: كان أديباً فقيهاً على مذهب الشافعي، وكان فصيحاً (وشاعراً) له قصيدة يذكر فيها أخبار العالم وقصص الأنبياء نبياً نبياً، قيل: إنها بلغت ثلاثين ومائة ألف بيت، وأنه قال بعد هذا: بقي عليَّ فيها أشياء احتاج إلى زيادتها، ونظم فيها الفقه وكتاب المزني وكتب في الطب والفلسفة، توفي في ذي الحجة سنة 335هـ (طبقات الشافعية).
(3) أبو عبدالله الحسن بن صالح بن حي الهمداني الكوفي، الإمام القدوة الفقيه العابد. قال أبو زرعة: اجتمع في الحسن بن حي إتقان وفقه وعبادة وزهد، وكان عالماً وصاحب رأي مستقل وزيدياً. وإليه تنسب الصالحية من الزيدية.

(1/255)


والحجة لهم على ما قالوه من كونها معقولة المعنى: هو أن الغرض من الطهارة التنقي عن الأدران، والنظافة عن الأوضار وإزالة الغبرات، ولا شك أن الأعضاء الظاهرة في المهن والتصرفات هي الوجه واليدان إلى المرفقين والقدمان، والإنسان في تصرفاته في مهنه وتقلباته في قضاء مآربه، يصادم الغبرات وتعلق به الأدران، فورد الشرع بغسل هذه الأعضاء على كيفيات مخصوصة وأوقات محددة مقدرة، والرأس لما كان مستوراً بالعمامة غالباً، خفف الشرع وظيفته فجعلها مسحاً. وقرروا هذا الاستدلال بقوله جل جلاله، في سياق آية الوضوء: {وَلَكِنْ يُرِيْدُ لِيُطَهِّرَكُمْ }[المائدة:6]. فأشار بذلك إلى التوقي عن القاذورات والبعد عن مصادمة الغبرات. هذا ملخص ما قالوه في تقرير هذه المقالة.
والمختار: ما عول عليه أصحابنا والفريقان من الحنفية والشافعية: في أن طهارة الحدث لا يعقل معناها، ويدل على ذلك أن الطهارات كما أشرنا إليه، جارية على منهاج العبادات البدنية التي لا يلوح فيها معنى مخصوص ولكنها مشتملة على أمور غيبية استأثر اللّه تعالى بعلمها وأحاط علمه بها.

(1/256)


نعم.. قد يخيل منها معانٍ كلية ومقاصد عامة تحمل على المثابرة على وظائف الخيرات ومجاذبة القلوب بذكر اللّه وصرف النفوس عن المطالب الدنيوية، والحض على أخذ الأهبة لدار الآخرة، وقد أشار إليه بقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِيْنَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِيْنَ }[البقرة:222]. وقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ }[العنكبوت:45]. فهذه أمور مفهومة ولكنها غير منحصرة في أنفسها فلا يمكن القياس، ويتعذر استنباط المعاني المختلفة التي يتقرر القياس عليها. وإذا كانت المعاني منسدة طرقها ويصعب جريها فيها بطل استعمال الأقيسة فيها فلا يلحق بها شيء، ويبطل أن يقوم مقام الماء غيره في تأدية العبادات به لانحسام مسالك القياس وجريها على مرارة التعبد، وفي ذلك بطلان ما قالوه. ويؤيد ما ذكرناه، هو أن أبا حنيفة لَمَّا لمْ يَصْفُ له المعنى في طهارة الحدث وافقنا في كونها غير معقولة المعنى، وأن غير الماء لا يقوم مقامه في تأديتها بخلاف طهارة النجس، فإنه قد زعم كونها معقولة المعنى، وأن الغرض القلع للآثار والتنحية لها، وهذا حاصل بما يقلع من المائعات كما أوضحناه من قبل.
الانتصار عليهم: يكون بإبطال ما توهموه.
فأما ما زعموه من المعنى الذي توهموه في إيجاب غسل هذه الأعضاء ومسحها، فهو من الإقناعات التي يقبلها من ليس له قدم راسخة في علم الأصول، وحاصلها خيال منقشع بأدنى مطالبة، ويبطل ما قالوه بما قررناه من قبل من كونها جارية على مذاق التحكمات الجامدة، فلا ينقدح فيها معنى معقول فيقاس عليه، ثم نبطل ما ذكروه بالمعارضة بأمرين:

(1/257)


أحدهما: أنا نقول: لو استقام ما ذكرتموه في الوضوء وأن الغرض به التنقي عن كل ما يعرض من القاذورات والتنزه عنها، لكان يلزم فيمن أسبغ وضوءه وأتمه بكماله ثم عمد إلى تراب فتعفر به وتلطخ بالطين الطاهر ثم صلى وهو على تلك الحالة، أن لا تكون صلاته صحيحة؛ لأن سر الوضوء ومعناه غير حاصل، فلو صح المعنى الذي زعموه لما كانت صلاته صحيحة وهو مخالف للإجماع.
وثانيهما: أن التيمم هو تعفير الوجه بالتراب وإزالة رونقه بملابسته ومسحه به، فلو صح ما ذكرتموه من معنى الطهارة لكان لا وجه لكونه مشروعاً عند عدم الماء؛ لكونه مناقضاً لمعنى الطهارة وسرها.
فهذان الأمران مبطلان لهذه القاعدة التي ذكروها، وتنخل من مجموع ما ذكرناه، أن طهارة الحدث والنجس لا يعقل معناهما، وأن المعنى الذي ذكره أبو حنيفة في طهارة النجاسة وهو القلع، يبطل بما سلمه في طهارة الحدث، فإن التعميم حاصل فيها بماء الورد وقد منع منه، فهكذا يمنع مما كان مانعاً للأثر، ويجب قصرهما على التطهير بالماء كما أشرنا إليه، وممن قال معنا بأنهما لا يعقل معناهما، الشيخ عبدالملك الجويني وتلميذه أبو حامد الغزالي.
فهذا ما أردنا ذكره من المسائل التي اشتمل عليها اللقب في قولنا: كتاب الطهارة.
ونشرع الآن في الأبواب التي اشتمل عليها الكتاب مستعينين بالله وهو خير معين، وجملة ما يشتمل عليه من الأبواب عشرة

(1/258)


---
الباب الأول في المياه
واعلم أن أنظار الفقهاء مختلفة في تقديم الأسبق من أبواب الطهارة في التصانيف،
فمنهم من يقدم الكلام في آداب قضاء الحاجة؛
لأن الطهارة إنما تقصد للصلاة وأول ما يشتغل(1) به الإنسان هو قضاء الحاجة ليحصل بعدها التطهير، وهذه طريقة المحدثين في كتب الأحاديث ويسمونه باب التخلي، وباب الاستطابة، ويعنون به قضاء الحاجة.
ومنهم من يقدم الكلام في الاستنجاء؛ لأن أول التطهير هو الاستنجاء، وهو غسل الفرجين،
وهذه هي طريقة السيد أبي طالب في التحرير(2) وشروحه.
ومنهم من يقدم الكلام في المياه؛ لأن أعظم ما يقع به التطهير هو الماء من بين سائر المطهرات، وهذه هي طريقة أكثر الفقهاء، وهذا هو المختار، لأن الاعتبار بذكر الطهارات المائية هو الذي تكون لأجله تأدية الصلوات في أغلب الحالات، ولأنه أحق المطهرات بالتطهير وما عداه بدل منه، فلهذا كان أحق بالتقديم، والأمر فيه قريب وليس فيه كبير فائدة.
ثم إن الطهارة مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما في طهارة الحدث فهو رأي أصحابنا والفرق الثلاث الشافعية والحنفية والمالكية، خلافاً لشذوذ(3) من الفقهاء، وطوائف قد ذكرناهم من قبل، وأما في طهارة النجس كما رأى أصحابنا والشافعي ومالك خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه.
وجهة اختصاصه بذلك من وجهين:
أما أولاً: فمن أجل كونه مختصاً بنوع من اللطافة والرقة وتفرده بتركيب لا يشاركه فيه غيره من الجوهرية والصقالة.
__________
(1) في الأصل: (يستعمل) استبدلنا (يشتغل) بها لعدم تناسب الأولى مع موضوعها، ولعله خطأ من الناسخ.
(2) كتاب معروف في الفقه. (وهو تحت الطبع).
(3) شذوذ هنا، جمع شاذ. وهي صيغة يجتمع فيها المصدر وجمع المذكر المكسر. مثل حضور.

(1/259)


وأما ثانياً: فلأنه تعبد في صفة لا يعقل معناه، وهذا هو الأقوى كما مر تقريره، ودليله ماورد من الإشارات الشرعية بكونه مطهراً وانحصار التطهر به، كقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}[الأنفال:11].
وقوله عليه السلام: (( خلق الماء طهوراً ))
إلى غير ذلك من الظواهر الشرعية الدالة على التعبد في التطهير به من سائر المائعات.
فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر تقسيم الأمواء، ثم نردفه بذكر ما يجوز الوضوء به وما لا يجوز، ثم نذكر كيفية الاجتهاد عند الشك في طهارة الماء ونجاسته، ثم نذكر حكم الآنية في الاستعمال، فهذه فصول أربعة:

(1/260)


---
الفصل الأول: في بيان تقسيم الأمواء
وهي منقسمة إلى طاهرة، ونجسة، ومستعملة، فهذه أقسام ثلاثة:

(1/261)


---
القسم الأول: في بيان الأمواء الطاهرة
مسألة: كلما بقي على الخلقة من سماء أو نهر أو بئر أو برد أو ثلج أو بركة أو مستنقع للماء، فما لم تلاقه نجاسة أو تغلب عليه أو يكون مستعملاً في الطهارة، فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره عند أئمة العترة وفقهاء الأمة، ولا يعلم خلاف في هذه الجملة.
أما ماء السماء فالحجة على طهارته: قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوْرَاً}[الفرقان:48]. وقوله: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِرَكُمْ بِهِ}[الأنفال:11].
وأما ماء الأنهار فالحجة عليها: ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي ً أنه قال: (( الماء طهور لا ينجسه شيء )) ولأنه ماء لم يشبه شائب فجاز التطهر به كماء السماء.
وأما ماء الأبار فالحجة فيه: ما روي عن النبي ً، أنه توضأ من بئر بضاعة.
وأما البَرَدُ والثلج. فالحجة فيه: ما روى أبو هريرة، قال: كان رسول اللّه ً. يقول في سكوته بين التكبير والقراءة: (( اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، ونقني من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني بماء البَرَد والثلج )) (1). فلولا أنهما مطهران لما جاز الغسل بهما(2).
وأما البُرُك والمستنقعات وغيرهما من الأمواء الطاهرة؛ فالحجة على طهارتها: عموم الآية التي تلوناها، والخبر الذي رويناه، فأغنى عن إفرادهما بالذكر.
__________
(1) موضوعه الدعاء في الصلاة.
(2) ظاهر الدعاء الشريف أنه استخدم لفظي (البرد والثلج) للمجاز. وهذا قد ينأى بهما عن موضع الاستدلال على جواز التطهر بهما. ثم إنهما ماء تجمد، فأصلهما ماء ولا يمكن التطهر بأيهما إلا بعد أن يعود إلى الماء بتحوله إلى السيولة، من ثم فهما داخلان في حكم الماء وليسا بحاجة إلى حكم واستدلال خاصين بهما.

(1/262)


فأما البَرَدُ والثلج والماء إذا صار صروفاً جامداً، فإذا توضأ به متوضئ نظرت، فإن كانت جامدة على حالها لم يكن التوضؤ بها؛ لأنها يستحيل جريها على الأعضاء، فلا يكون فيها غسل، وإن مسح بها رأسه أجزأه في المسح من جهة أن المسح يكفي به إصابة البلل وهو حاصل فيها، وإن كانت ذائبة أو رخوة بحيث تكون جارية على الأعضاء، جاز التوضؤ بها؛ لأن المقصود من الغسل حاصل بها كالماء. وحكي عن الأوزاعي: جواز التوضؤ بماء البَرَدِ والثلج والجامد وهي على حالها في الجمود إذا أمرَّها على العضو المغسول، وما قاله فاسد بما قررناه، ولأنها جامدة صلبة فلا يجوز التوضؤ بها كالأحجار والخشب، وما قلناه في هذه القاعدة هو قول أئمة العترة والجماهير من الفقهاء لا يختلفون فيه.
مسألة: وهل يجوز التطهر بماء البحر أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يجوز التطهر به، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الصدر الأول من الصحابة رضي اللّه عنهم ورأي الفرق الثلاث: الحنفية والشافعية والمالكية.
والحجة على ذلك: ما رواه أبو هريرة رضي اللّه عنه من الحديث الذي قدمنا ذكره، وهو قوله: (( هو الطهور ماؤه والحل ميتته)) لما سئل عنه، وما رواه أيضاً أبو هريرة عن الرسول ً أنه قال: (( من لم يطهره البحر فلا طهره الله ))(1).
__________
(1) ذكره في موسوعة أطراف الحديث للدارقطني في سننه، والبيهقي في السنن الكبرى. ا.هـ. وحكاه في البحر عن الانتصار.

(1/263)


وثانيهما: ما روي عن عبدالله بن عمر )، وعبدالله بن عمرو بن العاص )، أنهما قالا في ماء البحر: التيمم أعجب إلينا منه. وحكي عن سعيد بن المسيب (3) أنه قال: إذا ألجئت إليه فتوضأ منه. وروي عن عبدالله بن عمر أنه قال: تحت بحركم هذا نار، وتحت النار بحر حتى عدد تسعة أبحر وتسعة أنور(4). وكلامهم هذا دال على
__________
(1) أبو عبدالرحمن عبدالله بن عمر بن الخطاب، القرشي، العدوي، أسلم في مكة مع إسلام أبيه وهو ابن عشر، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد، وكان زاهداً، عابداً، يروى عنه أنه قال: ما ندمت على شيء مثل ندمي على قتال الفئة الباغية (مع الإمام علي)، مات بمكة سنة 73هـ وهو ابن 84 سنة. وهو من أشهر رواة الحديث ومن أصحاب الألوف. روى له الستة. (مقدمة الأزهار، تهذيب التهذيب).
(2) أبو محمد عبدالله بن عمرو بن العاص السهمي القرشي، عالم، فقيه، أحد المكثرين. قيل: أسلم قبل أبيه. روى عن النبي ً وعن كثير من الصحابة. وتوفي عن 72 سنة (تراجم در السحابة 791. د. حسين العمري).
(3) أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر. قال في الطبقات: كان سيد التابعين من الطراز الأول، حدث عن علي عليه السلام وأبي ذر وسلمان، وروى عن أبي بكر مرسلاً، وعن عمر وعثمان وابن عباس وابن عمر وأبي سعيد وأبي هريرة، وعائشة وأسماء بنت عميس، وغيرهم كثير. وعنه ابنه محمد وسالم بن عبدالله والزهري وآخرون. قال قتادة: ما رأيت أحداً قط أعلم بالحلال والحرام منه، ولما بايع عبدالملك بن مروان لابنيه الوليد وسليمان أبى سعيد أن يبايع فضربه هشام المخزومي ثلاثين سوطاً وألبسه ثياباً من شعر وسجنه. توفي سنة 94هـ، وقد ناهز الثمانين. (مقدمة الأزهار، تهذيب التهذيب، الطبقات).
(4) الظاهر من السياق أن الكلام لعبدالله بن عمر، وفي المضمون ما يحتمل أن يكون رواه مرفوعاً.

(1/264)


كراهة استعماله للطهارة، وعلى أنه لا يجوز التطهر به إلا عند الضرورة.
والمختار: ما قاله أصحابنا، وهو الذي عليه الجلة من الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وتدل عليه الظواهر القرآنية والأخبار المروية في الأمواء، فإنها دالة بظواهرها على جواز استعماله في التطهر، فأما ما روي عن ابن عمر فإنه يحمل على أنه يصير يوم القيامة ناراً، ويصدقه قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ }[التكوير:6]. أراد: أُحْمِيَتْ، ومنه تسجير التنور إذا كانت محماة(1)، أو يحمل على أن البحر مهلكة كما أن النار مهلكة.
فإن قال قائل: فهل ينعقد الإجماع بعد هؤلاء الثلاثة على جواز التطهر بماء البحر فلا يجوز لأحد أن يذهب إلى قولهم، أو تكون المسألة خلافية فلا ينعقد الإجماع مع مخالفتهم؟
جوابه: أن قوماً من الأصوليين زعموا أن الإجماع ينعقد بعدهم، وأنه لا يجوز العمل على قول من خالف بعد إجماع مَن بَعْدَه على خلاف قوله، وهذا فاسد، فإن الإجماع منعقد على جواز الأخذ بقول كل واحد ممن خالف في هذه المسألة، فلو انعقد الإجماع من بعدهم لحرم اتباعهم، وفي ذلك تناقض الإجماعين فلهذا نقول: فلو أجمع من بعدهم فلا يكون إجماعاً؛ لأن الإجماع صادر عن بعض الأمة، بالإضافة إلى هذه المسألة، فلا جرم كان الحق جواز العمل على قول من سبق ولا ينعقد الإجماع على مخالفته.
__________
(1) المعروف أن (التنور) يلفظ مذكراً، كما في قوله تعالى: {وَفَارَ التَّنُّور}.

(1/265)


مسألة: ذهب علماء العترة وفقهاء الأمة: أبوحنيفة وأصحابه و الشافعي وأصحابه وغيرهم من العلماء إلى أن الماء إذا خالطه شيء يُتَطَهَّر به، وتغير به فإنه لا يخرجه عن كونه طاهراً يُتَطهر به، وهذا نحو الملح البحري فإن أصله ماء، لكنه انعقد فصار كالملح إذا ذاب، وكالماء الجامد إذا خالط ماء آخر، وكالتراب إذا خالط الماء فإنه لا يخرجه عن كونه طهوراً مع تغيره، فإن طرح التراب في الماء لم يؤثر فيه وكان طهوراً كما كان قبل اتصاله فيه؛ لأنه يوافق الماء في كونه طهوراً.
والحجة على ذلك: ما ذكرناه من الظواهر الشرعية، من جهة الكتاب والسنة فإنها دالة على جواز التطهر بما هذا حاله من الأمواء، ولا يُعْرَفُ فيه خلاف بين الأمة.
وإن خالطه طاهر لا يُتطهر به ولم يكن مغيراً لشيء من أوصافه نظرت، فإن كان عدم تغيرها لأجل قلته(1)، لم يمنع التطهر به عند أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، ولا يعرف فيه خلاف، كقطرة ماء ورد وزعفران لا يظهر عليه أثر لقلته، أو غير ذلك من المائعات الطاهرة التي هي غير مغيرة له، من جهة أن الماء باق على إطلاقه فكان مندرجاً تحت الظواهر الشرعية الدالة على أن ما هذا حاله فإنه يكون طاهراً مطهراً.
وإن كان عدم تغيره لموافقته لما في طعمه ولونه ورائحته كماء ورْدٍ انقطعت رائحته، فالذي عليه أئمة العترة وهو أحد قولي الشافعي وبه قال أبوحنيفة وأصحابه: أنه إذا كانت الغلبة للماء جازت الطهارة به.
والحجة على ذلك: هو أن اسمَ الماء المطلق جارٍ عليه فلأجل هذا جاز كونه طاهراً يُتَطَهَّر به.
وإن كانت الغلبة للمخالط لم تجز الطهارة به لزوال اسم الماء عنه.
__________
(1) أي: لقلة المخالط.

(1/266)


وللشافعي قول آخر، وحاصله: أنه إذا كان قدراً لو كان مخالفاً للماء في صفاته لم يغيره، لم يكن مانعاً للتطهر به، وإن كان قدراً لو كان مخالفاً له غَيَّره، فإنه يكون مانعاً عن التطهر به؛ لأنه لما لم يكن اعتباره بنفسه لأجل مماثلته للماء ومشاكلته له فيما ذكرناه من الأوصاف، اعتبر بغيره كما نقول في الجناية التي ليس لها أرش مقدر على الحر لما لم يكن اعتبارها بنفسها، اعتبرت بغيرها. إما بتقريبها من الموضحة وإما بحال الجناية على العبيد كما سنقرره بمعونة اللّه في الجنايات. والتفرقة بين الضبطين في الوجهين ظاهرة، فإن الأول اعتبار بحال نفس الماء من كونه غالباً أو غير غالب، بخلاف الثاني فإنه يعتبر بخلاف غيره، وهو الأمر المخالف للماء.
والمختار: ما قاله أصحابنا في الضد بخلاف نفسه؛ لأن حال نفس الماء في الغلبة وعدمها أخص من حال غيره وأمس للمقصود، فلهذا كان التعريج عليه أكثر.
مسألة: وإن تغير أحد أوصافه من طعم أو لون أو ريح نظرت، فإن كان من الأمور التي لا يمكن صون الماء عنها كالتي تكون في أصله كالنورة والزرنيخ والشب والكحل والطحلب وغير ذلك(1)، فما هذا حاله يجوز التطهر به عند أئمة العترة وهو قول الفقهاء ولا يعرف فيه خلاف.
والحجة عليه: أن مثل هذا يتعذر صون الماء عنه فرفع حكمه كالنجاسة اليسيرة وكالعمل القليل في الصلاة، ولأن اجتناب هذا يكون فيه حرج ومشقة، وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ }[الحج:78]. ولأنه يعسر تجنبه، وقد قال ً: (( بعثتُ بالحنيفية السمح ة ))(2).
__________
(1) النورة: الجص. والشب: بشين معجمة مفتوحة فباء موحدة تحتانية مضعفة وهو ملح معدني. والطحلب: الذي يطفو على الماء نتيجة طول مكثه وركوده. والزرنيخ: مادة سامة تختلط مع الكلس وتستخدم لحلق الشعر.
(2) أورده ابن الأثير في النهاية ج1/451.

(1/267)


وإن كان المغير من الأشياء التي يمكن صون الماء عنها كالزعفران وماء الورد الذكي في الرائحة والحنا والعصفر والأشنان(1) وغير ذلك من الأمور المغيرة لأوصافه وإن لم تكن غالبة عليه، فهل يجوز التطهر به أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه لا يجوز التطهر به، وهذا هو قول بعض أئمة العترة ومحكي عن الشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أنه زال عنه إطلاق اسم الماء بمخالطة ما ليس مطهراً مع استغناء الماء عنه فلم يجز التطهر به كماء اللحم وماء الباقلا.
فقولنا: بالمخالطة. نحترز به عما ليس مخالطاً ولكنه مجاور كالماء المبخر بالعود والعنبر.
وقولنا: ما ليس مطهراً. نحترز به عما إذا خالطه التراب والملح البحري، فإنه لا يمنعه من التطهير مع تغيره.
وقولنا: مع استغناء الماء عنه. نحترز به عما إذا تغير الماء بما في أصله ومقره مما يتعذر صونه عنه، فإنه لا يمنع من تطهيره.
وثانيهما: أنه يجوز التطهر بما هذا حاله، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه ومحكي عن الإمامين: القاسم بن إبراهيم والمنصور بالله عبدالله بن حمزة ).
__________
(1) الأشنان: جمع شَنّ. وهو الأديم من جلود الحيوانات.
(2) أبو محمد الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة بن سليمان بن علي بن حمزة بن أبي هاشم الحسني القاسمي، ولد بعيشان سنة 561هـ ونشأ نشأة عظيمة في العلم والزهد والورع، وله مؤلفات تنوف على الأربعين وأشهرها: (الشافي)، وهو من أشهر المؤلفات. وهو شاعر وأديب، برع في علوم شتى، واشتهر بالشجاعة والفروسية. قال عن نفسه في (الشافي): أنا أحفظ خمسين ألف حديث. بويع له سنة 594هـ على خلاف في ذلك. وتوفي محصوراً في كوكبان سنة 614هـ، ودفن بها ثم نقل إلى ظفار المطل على ذيبين. (مقدمة الأزهار، والبحر).

(1/268)


والحجة لهم على ذلك: هو أن المغير إذا لم يكن غالباً للماء فالحكم للماء فصار كاليسير الذي لم يغيره من هذه الأشياء؛ لأن اليسير إنما لم يكن له حكم لما كان الماء غالباً له فهكذا حال الماء إذا تغير وكان غالباً جاز به التطهر.
والمختار: ما قاله أصحاب أبي حنيفة وما قاله الإمامان القاسم والمنصور بالله، من أن الطاهر إذا كان مخالطاً للماء غير غالب له، فإنه يجوز التطهر به؛ لأنه إذا كان غير غالب له فإطلاق اسم الماء باق عليه، ولأن الإجماع منعقد في المخالط إذا لم يظهر له أثر فلا عبرة به، كاليسير من الزعفران الذي لا يظهر له أثر في الأوصاف الثلاثة، فهكذا المخالطة وإن ظهر أثرها فلا حكم له إلا أن يكون غالباً، فإن كان المغير الطاهر غالباً على الماء في الكثرة لم يجز التطهر به عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه و الشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن التطهير إنما يكون متعلقاً باسم الماء، وفي هذه الصورة قد زال عنه اسم الماء لَمَّا كان غالباً عليه، فأما قول أصحابنا والشافعي: أنه قد خالطه ما ليس مطهراً، فلا يجوز التطهر به كماء الباقلاء.
قلنا: هذا غير مُسَلَّم، فإنا ننكر أن يكون مطلق المخالطة مانعاً من التطهر، بدليل أن اليسير مما يكون مخالطاً لا يمنع وإنما المانع هو الغلبة لغير الماء فهي المانعة، ولهذا لم يجز التطهر بماء اللحم وماء الباقِلاء لما كانا غالبين للماء فافترقا، والباقِلاء - هو حب الفول -، فإذا شُدِّدت لامه فهو مقصور، وإذا خُفِّفَ فهو ممدود، هكذا قاله الجوهري.

(1/269)


مسألة: والماء إذا خالطه شيء من الأشياء الطاهرة فغيَّر أوصافه أو بعضها كالقَرَضِ(1) والحِنَّا والأشنان والدقيق وغير ذلك، حتى صار غالباً عليه فإنه لا يجوز التطهر به كما أسلفنا تقريره، لخروجه عن كونه ماء، ويجوز شربه واستعماله في العجين وعقد الأدوية وغير ذلك، عند أئمة العترة وفقهاء الأمة: أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك، ولا يعرف فيه خلاف.
والحجة على ذلك: هو أن المأخوذ فيما يجوز شربه ليس إلا كونه طاهراً لا يضر من شربه.
وقولنا: طاهر. نحترز به عن سائر النجاسات فإنه لا يجوز شربها.
وقولنا: لا يضر [من شربه]. نحترز به عن السمومات فإنه يحرم(2) تناولها كما نقرره في الأطعمة بمعونة اللّه تعالى، ولقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوْا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيْمَاً }[النساء:29] وما ذكرناه ليس فيه واحد من هذين الأمرين، فلهذا جوزنا شربه واستعماله فيما ذكرناه، بخلاف التوضؤ به والغسل، فإن التعبد وارد في التطهير أن يكون بالماء منحصر فيه كما مر تقريره فافترقا.
وإن وقع في الماء مالا يختلط به فغير رائحته كالدهن المطيب والعود والكافور، فهل يجوز التطهر به أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: يجوز التطهر به، وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن هذا التغير إنما كان بالمجاورة دون المخالطة فلهذا لم يكن مانعاً من التطهر به؛ لأن ما يعبق به من الرائحة إنما هو على جهة الانفصال.
وثانيهما: أنه لا يجوز التطهر به، وهذا هو الذي حكاه البويطي عن الشافعي، والأول حكاه المزني عنه.
والحجة فيه: هو أنه ماء متغير فلا يجوز الوضوء به كما لو تغير بما يخالطه كالزعفران.
__________
(1) القَرَض: بفتحتين على القاف والراء، وهو ورق شجر القرض أو الغضا، تدبغ به الجلود.
(2) في الأصل: لا يحرم تناولها، وهو خطأ واضح لعله من النسخ.

(1/270)


والمختار: ما قاله أصحابنا وأبوحنيفة، وهو رواية المزني؛ لأن أصل الماء باق على التطهير فهو الأصل فيه وما عرض فيه غير مغير لهذا الحكم وما علق به في حكم المزايل له، فلهذا قضينا بكونه طاهراً مطهراً.
قال السيد المؤيد بالله: والقمقم إذا سُخِّن فيه الماء فوجدت فيه رائحته فإنه لا يضره؛ لأنه ليس مما يخالط أجزاءه الماء، وكذلك الكوز الذي توجد فيه رائحة المثلث، فإنه لا يضر الماء بعدما غسل ولا بأس به لأن ذلك للمجاورة لا للمخالطة.
وإن تغيرت رائحة الماء برائحة ميتة بقربه، فإن ذلك لا يخرجه عن كونه مطهراً عند أئمة العترة وهو قول الفقهاء: أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، ولا يعرف فيه خلاف، لأن تلك الرائحة إنما كانت على جهة المجاورة دون المخالطة؛ لأنها غير متصلة به على جهة المخالطة فتكون مانعة عن تطهيره.
مسألة: وإذا أخذ الطحلب وجُفف ثم دُق ووضع في الماء فتغير به، وهكذا حال الزرنيخ والشب والكحل، فإن هذا الأشياء إذا خالطت الماء وغيرته فإنه لا يجوز التطهر به عند أئمة العترة وجميع الفقهاء؛ لأن تغييرها إنما يكون مغتفراً إذا كانت حاصلة في المنابع بحيث لا يمكن الاحتراز منها، وهكذا يكون حال الطحلب فإنه يغتفر تغير الماء به إذا كان نابتاً فيه، وأما إذا كانت منفصلة عنه ثم خالطته، فإنما يصير كالزعفران والعصفر(1) في تغير الماء وانفصالها عنه، بخلاف التراب فإنه سواء كان في مقره أو ممره أو حمل إليه فتغير به فإنه لا يضر التطهر عند أئمة العترة وفقهاء الأمة.
__________
(1) الزعفران: مسحوق أحمر كان يخلط به الماء ليزيل منه السموم ويطيب رائحته. جاء في القاموس: الزعفران: م (مُعَرَّب) وإذا كان في البيت لا يدخله سام أبرص، ومن الحديد صدؤه، جمعه: زعافر. وزعفره: صبغه به. ا.هـ.
والعصفر: بالضم نبت يهرئ اللحم الغليظ وبزرة القرطم. وعصفر ثوبه: صبغه به فتعصفر. ا.هـ. قاموس.

(1/271)


والحجة على ذلك: هو أن المعلوم من حال السلف أنهم كانوا لا يحترزون عن الأمواء التي يختلط بها التراب ولا يتصونون عنها.
وقد حكي عن بعض الفقهاء أنه إذا حمل على الماء على جهة القصد فتغير به أنه لا يجوز التطهر به، وهذا لا وجه له لما ذكرناه من عادة السلف؛ ولأن اتصاله إنما يكون على جهة المجاورة دون المخالطة ولهذا فإنه يرسب في القرار ويصفو الماء عليه.
والمختار: هو الأول من قول العترة وفقهاء الأمة؛ لأن التراب طهور في نفسه، لقوله ً: (( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )) (1). فاتصاله بالماء إن لم يزدهُ قوة في التطهير لم يزدهُ ضعفاً.
وإن تغير الماء بطول المكث فهو طاهر مطهر، هذا هو قول أئمة العترة وفقهاء الأمة ، ولا يعرف فيه خلاف.
ووجهه: هو أن الماء باق على أصل التطهير والطهارة في نفسه ولم يعترض له ما يخرجه عن ذلك بمخالطة ولا ممازجة يغير حكمه، فلهذا وجب الحكم عليه بما ذكرناه من الطهارة.
مسألة: وإن تناثرت أوراق الشجر في الماء فتغير بها بعض أوصافه، ففيه مذاهب ثلاثة:
__________
(1) والحديث: عن جابر قال: قال رسول اللّه ً: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة )) رواه البخاري ومسلم. وجاء الحديث في مجموع الإمام زيد عن علي عن النبي ً: ((أعطيت ثلاثاً لم يعطهن نبي قبلي: جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا..إلخ )).

(1/272)


أحدها: أنه تصح الطهارة به، وهذا هو الذي رواه الفقيه محمد بن منصور الكوفي ) عن السلف، وارتضاه الإمام أبوطالب وهو أحد أقوال الشافعي.
والحجة على هذا: أن الأوراق [هي] مما لا يمكن صون الماء عنها ويتعذر الاحتراز منها، فجرت مجرى أصول الأشجار والطحلب وغيره مما لا يمكن صون الماء عنه، ومما يكون في مقره وممره.
الثاني: أنه لا يصح التطهر به، وهذا هو الذي ذكره السيد المؤيد بالله وعول عليه الأكثر من أصحابنا، وأحد أقوال الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله مانع طاهر اختلط به فمنع كونه طهوراً كما لو خالطه الأشنان والصابون، وهذا إذا كانت مما ينعصر في الماء لرطوبتها، فإنها تكون مانعة، فإن كانت مما لا ينعصر كاليابسة لم يمنع التطهر به.
المذهب الثالث: التفصيل، وهو أنه يُنْظَر، فإن كانت من أوراق الربيع فإنه لا يجوز التطهر به؛ لأنه قليل يمكن صون الماء عنه، وإن كان من ورق الخريف فلا بأس؛ لأنه يكثر ويتعذر صون الماء عنه، وهذا ذكره بعض أصحاب الشافعي.
__________
(1) محمد بن منصور بن يزيد المرادي الكوفي أبو جعفر مؤرخ محدث مفسر، من فقهاء الزيدية وهو جامع أمالي الإمام أحمد بن عيسى بن زيد المعروف، وله كتاب (الذكر) تحت التحقيق، وله التفسير الكبير والتفسير الصغير، وهو أحد الأئمة الخمسة في الحديث عند الزيدية. تعمر طويلاً قيل: 150سنة، ومات سنة 290هـ. (انظر طبقات الزيدية (خ)، الجداول (خ)، لوامع الأنوار، فهرست ابن النديم ص244. وغيرها).

(1/273)


والمختار في ذلك: أنه ينظر، فإن كان المتغير من الماء بمخالطة الأوراق هو لونه وطعمه لم يجز التطهر به؛ لأن ما هذا حاله يكون مخالطاً ممازجاً للماء، وإن تغير بالرائحة فما هذا حاله يكون مجاوراً فيجوز التطهر به، فتغيره باللون والطعم ينزل منزلة تغيره بالخل واللبن في المخالطة، وتغيره بالرائحة بمنزلة تغيره بالعنبر والمسك في المجاورة دون المخالطة، وإلى ما اخترناه يشير كلام المؤيد بالله حيث قال: إذا تغير لون الماء بعمى البيت(1) من الدخان ونحوه فإنه لا يتطهر به، لأنه تغير باختلاط؛ لأن تغير اللون يبعد أن يكون من غير اختلاط، ولأن أصل الماء على الطهارة والتطهير فلا يمكن قطع كونه مطهراً إلا بخروجه عن كونه ماء، وهذا لا يمكن إلا لأجل المخالطة، فلا جرم كانت التفرقة هي الوجه المختار.
مسألة: والملح إذا طُرِحَ في الماء فتغير به أحد أوصافه، ففيه احتمالات ثلاثة:
أحدها: أنه يصح التطهر به، والحجة أن كل ملح فهو منعقد من الماء في الأصل، فلهذا لم يفترق الحال فيه بين أن يكون بحرياً أو جبلياً في أنه غير مغير للماء.
وثانيها: أن كل واحد من المِلْحَين مغير للماء؛ لأنه قد خرج عن صفة الماء فصار كالزعفران والأشنان، فلهذا كان مغيراً بالمخالطة.
__________
(1) هكذا في الأصل.

(1/274)


وثالثها: التفرقة بين الملحين، فإن كان بحرياً لم يمنع التطهر به، وإن كان جبلياً فهو مانع للتطهر به، وهذا هو المختار كما مر تقريره؛ لأن ما كان بحرياً فهو ماء في الأصل فينزل منزلة الثلج إذا ذاب(1)، وإن كان جبلياً منع من التطهر، لأنه بمنزلة الأشياء الطاهرة إذا كان الماء متغيراً بها في منع التطهر به، وقال الشافعي في (الأم): والقطران(2) يجوز التطهر به، ثم قال بعد ذلك: إنه مانع من التطهر به.
والمختار فيه: تفصيل نشير إليه وهو أن ما كان اتصاله بالماء على جهة المخالطة فإنه مانع من التطهير، وما كان اتصاله بالماء على جهة المجاورة فإنه غير مانع للطهارة.
ووجه التفرقة التي ذكرناها: تكون إما باعتبار حالين: وهو أن القطران جنس واحد خلا أنه ربما اشتد اتصاله بالماء حتى صار مخالطاً فلهذا منع التطهر به، وربما لم تشتد مخالطته فكان مجاوراً فجاز التطهر به.
وإما باعتبار جنسين، وهو أن من القطران ما يرق فيخالط وربما غلظ فكان مجاوراً.
__________
(1) لا يظهر وجود تشابه بين الملح البحري والثلج من حيث أن أصلهما من الماء؛ لأن الملح يتكون من عدة عناصر توجد في ملوحة الماء تحولت بتفاعلها إلى مادة صلبة لا تذوب بذاتها منفصلة عن الماء، بينما الثلج ماء تجمد يعود إلى السيولة بمجرد ارتفاع درجة الحراة في محيطه، فافترقا.
(2) القطران: سائل أسود معروف يستخرج من جذوع بعض الأشجار عند حرقها. وفي لسان العرب: وفي التنزيل العزيز: {سَرَابِيلُهُم مِن قَطِرَانٍ}. قيل والله أعلم: إنها جعلت من القطران، لأنه يبالغ في اشتعال النار في الجلود. وقرأها ابن عباس {مِن قِطْرٍ آنٍ}. والقطر: النحاس. والآني: الذي انتهى حرُّه. والقطران اسم لرجل سمي به، لقوله:
أنا القطران والشعراء جربى وفي القطران للجربى هناء
انتهى بلفظه.

(1/275)


والحجة في ذلك: هو أنه إذا صار مخالطاً فالمخالطة مخرجة له عن اسم الماء، و إذا صار مجاوراً فالمجاورة لا تخرجه عن صفة الماء، فلهذا كان الاعتبار في جواز التطهر وعدمه، إنما يكون بالمخالطة والمجاورة كما أوضحناه.
مسألة: كل ما جاز التطهر به من الأمواء جاز إزالة النجاسة به عندنا، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، ودليله ما مر فلا نعيده. وكل ما تزال به النجاسة من المياه فإنه يجوز التطهر به عند أئمة العترة، وهو محكي عن الشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن كل واحد منهما طهارة تراد للصلاة تعبدية لا يعقل معناها فكانت مقصورة على الماء لما حكيناه من الظواهر الشرعية خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه فإنهم زعموا إزالة النجاسة بغير الماء مما يكون قالعاً مزيلاً لها كالخل واللبن، والتطهر بنبيذ التمر ليس من جهة كون طهارة الحدث معقولة المعنى عندهم، كما زعموه في طهارة النجاسة، ولكنه جائز بتخصيص الخبر له، ولهذا قصروه على نبيذ التمر دون غيره من الأنبذة، فصارت الأمواء الطاهرة على ثلاثة أضرب نفصلها:
الضرب الأول منها: الماء القراح الباقي على أصل خلقته لم يشبه شائب ولا غيره مغير في عينه ولا حكمه، كالمياه النازلة من السماء وماء العيون والأنهار وأمواء البحار وغير ذلك مما يشاكلها في الصفاء والرقة، وقد قررنا أدلة كونها طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها فأغنى عن الإعادة.
الضرب الثاني: ما تغير وصفه عن أصل خلقته ولكنه يعد يسيراً لا يوجب إزالة اسم الماء المطلق عليه، فما هذا حاله فهو طاهر مطهر لغيره كالماء المتغير بطول المكث والمتغير بزعفران يسيرٍ أو صابون أو أشنان، بحيث لا يظهر أثره عليه، وهكذا حال ما تغير ريحه بالعود والعنبر والكافور، أو كان في مقره أو ممره كالزرنيخ والكحل كما مر تفصيله.

(1/276)


الضرب الثالث: ما تفاحش تغيره بمخالطة غيره من الأشياء الطاهرة بحيث لا يطلق اسم الماء عليه، فإن استجد إطلاق اسم الماء عليه لم يجز التطهر به، كالمرق والنيل والنقم(1) في طهارة الحدث ولا في طهارة النجس إجماعاً بين أئمة العترة وفقهاء الأمة لخروجه عن صفة المائية، وإن لم يستجد اسماً منفرداً يطلق عليه ولكنه خالطه وسواء غلب عليه أو لم يغلب، فلا يجوز التطهر به عند الأكثر من أئمة العترة و الشافعي، خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه، فقالوا: يجوز التطهر به إذا لم يكن غالباً عليه، وهو المختار كما أوضحناه من قبل، وقد فصلنا هذه الجملة وأوردنا ما تحتمله من المسائل المفصلة والله الموفق للصواب.
__________
(1) النقم: بضمتين على النون والقاف، شجر يظهر له ثمر كثمر الحنظل إلا أنه أصغر حجما منه.

(1/277)


---
القسم الثاني: في بيان الأمواء النجسة
إذا وقعت النجاسة في الماء فغيرت ريحه أو لونه أو طعمه، فإنه يكون نجساً قليلاً كان أو كثيراً، عند أئمة العترة، وهو قول الفرق الثلاث: الحنفية والشافعية والمالكية.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول ً أنه كان يتوضأ من بئر بضاعة (بضم الباء، فالضاد المعجمة والعين المهملة، بئر في المدينة)، فقيل: يا رسول اللّه إنك تتوضأ من بئر بضاعة وإنه يطرح فيها المحايض ولحوم الكلاب وعذر الناس. (والمحايض: خرق الحيض، والعذر: جمع عذرة، وهو ما يخرج من أدبار بني آدم). فقال رسول اللّه ً: (( خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء، إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه )). فنص عليها جميعاً فلا حاجة إلى القياس مع هذا.
ووجه الدلالة: أن الرسول ً، أوجب للماء أنه خلق على الطهارة، وحصر نجاسته على تغير أحد هذه الأوصاف الثلاثة، فدل ذلك على أن النجاسة متعلقة بها.
فإن قال قائل: كيف يُطْرَحُ ذلك في بئر يتوضأ منها رسول اللّه ً وحرمته أجل وأعلى من أن يفعل ذلك في حقه؟
وجوابه: من أوجه ثلاثة:
أما أولاً: فيحمل [على] أن البئر كانت في موضع منخفض من الأرض، وكانت السيول تحملها إليها لقربها من مجراها.
وأما ثانياً: فيحتمل أن يكونوا طرحوها قبل أن يتوضأ منها ولم يعلموا منه نهياً في ذلك.
وأما ثالثاً: فيحتمل أن الذي فعل ذلك أهل النفاق من اليهود وغيرهم لما يحملون عليه من العداوة.

(1/278)


دقيقة: اعلم أن اللون والطعم والرائحة أعراض مدركة موجودة بمحالها على جهة الحلول، واتصالها بالماء لا يكون إلا على جهة المجاورة.. أجزاؤها لأجزاء الماء لاستحالة الانتقال على الأعراض، وإذا كان الأمر فيها كلها على ما ذكرناه من المجاورة ولا يعقل خلاف ذلك فيها، فلا معنى لكلام الفقهاء أن الرائحة إذا كانت مجاورة فإنها لا تنجس كغدير بجنبه ميتة عبق بمائه منها رائحة، بخلاف ما لو كانت فيه فإنها تنجسه لو كانت مخالطة له، وهكذا حال الزعفران إذا ذيف(1) في الماء فإنه ينجسه إذا كان نجساً لما كان مخالطاً، فإذاً لا تعقل في اتصالها بالماء إلا على جهة المجاورة، و إذا كان لا يعقل فيها إلا المجاورة فلا وجه لتقسيمها إلى ما يجاور فلا ينجس ما كان مجاوراً له، وإلى مخالط ممازج، فينجس ما اتصل به.
__________
(1) ذيف: خلط، في أحد معانيها كما في اللسان ملخصاً.

(1/279)


فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن غرض الفقهاء بما قالوه مع التسليم في أنه لا يعقل في اتصاله بالماء إلا على جهة المجاورة ويستحيل عليها الانتقال، فعلى هذا تكون التفرقة بين المجاورة والمخالطة، هو أن المجاورة عبارة عن الاتصال بالماء مع حصول الخلل بين الأجزاء، ومن أجل ذلك قالوا: بأن اتصال النجاسة بالماء على جهة المجاورة لايوجب تنجيسه بخلاف المخالطة فإن اتصال أجزاء النجاسة بالماء على جهة المخالطة اتصال من غير أن يكون هناك خلل بينهما، بل هو جار على جهة الالتصاق. وعن هذا قالوا: بأن المخالطة توجب التنجيس، فإلى هذا يرجع وجه التفرقة عند الفقهاء بين المجاورة والمخالطة لا غير، مع كون المجاورة معتبرة فيهما لا محالة كما أوضحناه، فإذا حصلت المجاورة مع حصول الخلل اغتفر الشرع النجاسة في الماء، وإذا حصلت على جهة المخالطة من غير خلل لم يغتفرها، وكان محكوماً عليه بالتنجيس، فهذا هو سر التفرقة بين المجاورة والمخالطة في ألسنة الفقهاء، فأما ما يتعلق بالمباحث العقلية فلا يقع هناك تفرقة بين المتكلمين بين ما يكون مخالطاً ممازجاً وبين ما لا يكون كذلك في أنه كله مجاورة، وما قاله الفقهاء من التفرقة بين ما يكون من النجاسة مخالطاً و بين ما يكون مجاوراً لكونه مأخوذاً من جهة الظواهر الشرعية ومتفرعاً على الأقيسة المخيلة الظنية، فلهذا كان التعويل عليه وكان أحق وأقيس.
مسألة: فإن كان الماء كثيراً وتغير بعضه بوقوع النجاسة، فالمتغير يكون نجساً لا محالة لما ذكرناه في المسألة الأولى، عند أئمة العترة وفقهاء الأمة.
والحجة: ما رويناه من الخبر فإنه لم يفصل بين أن يكون متغيراً كله أو بعضه من جهة أن الموجب للتنجيس إنما هو التغير، وهذا حاصل ها هنا.
وهل ينجس ما يكون متصلاً به وإن لم يكن متغيراً؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه لا يكون نجساً، وهذا هو قول أئمة العترة والفرق الثلاث: الحنفية والشافعية والمالكية.

(1/280)


والحجة على ذلك: ما رواه أبو سعيد الخدري، قال: سمعت رسول اللّه ً يقول: (( إن الماء طهور لا ينجسه شيء)). وقوله ً: (( خلق الماء طهوراً لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو طعمه))، وهذا لم يتغير أحد أوصافه فيجب القضاء بطهارته، وما رواه ابن عباس عن النبي ً أنه قال: (( إن الماء لا يجنب ))(1) فهذه الأحاديث كلها دالة على أن مالم يتغير فهو طاهر لا محالة.
وثانيهما: أنه يكون نجساً وإن لم يتغير لَمَّا كان متصلاً بالنجاسة، وهذا شيء يحكى عن بعض أصحاب الشافعي، منهم: أبو إسحاق الإسفرائيني وابن الصباغ صاحب (الشامل)، وعن صاحب (المهذب)، وصاحب (المقنع) أيضاً.
وحجتهم على هذا: هو أن ما تغير فهو نجس بالاتفاق لظاهر الأحاديث، وإذا كان نجساً كان ما اتصل به نجساً؛ لأنه ماء واحد فلا يجوز أن ينجس بعضه دون بعض فلأجل هذا حكمنا عليه بالنجاسة في جميعه.
__________
(1) عن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي في جفنة، فجاء رسول اللّه ً ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت: إني كنت جنباً، قال: ((إن الماء لا يجنب)). أخرجه الترمذي. ويجنب: بضم الياء وكسر النون في رواية، وفي أخرى: بفتح الياء وضم النون، ومعناها: لا يصير جنباً. ا.هـ بحر.

(1/281)


والمختار: ما عول عليه أصحابنا والفقهاء لما رويناه من الأخبار، فإنها كلها دالة على أنه لا ينجس من الماء إلا ما تغيرت أوصافه، وما هذا حاله فإنه لم يتغير إلا بعضه وما عداه باق على أصل التطهير وقد حمل بعضهم ما قالوه، على أن الماء الذي لم يتغير دون القلتين، فأما إذا كان فوق القلتين فإنه لا ينجس جميعه، وهذا فاسد لا وجه له، فإن ابن الصباغ نص على خلاف ذلك في كتابه (الشامل)، فقال: إذا كان هاهنا ماء راكد متغير بالنجاسة وبجنبه قلتان متصلتان بالراكد غير متغيرتين فقياس المذهب أنه كله ينجس؛ لأنه كالماء الواحد فلهذا كان الكل نجساً وإن كثر، فَلِمَا نقلناه يضعف هذا الحمل. وحاصل هذه المقالة أن كل ما كان متصلاً بالنجس فإنه يكون نجساً مثله وإن لم يتغير لكونه ماء واحداً، ويضعف ما قالوه من وجهين:
أما أولاً: فيلزم هؤلاء إذا كانت بجانب البحر جيفة ميتة فتغير بعض البحر بها أن ينجس جميعه، وهذا لا يلتزمه أحد، وغالب ظني أنهم يفرقون على قولهم بهذه المقالة بين البحر والبرك فتنجس البرك وما شاكلها ولا ينجس البحر، وكله فاسد.
وأما ثانياً: فلأنا إنما حكمنا بنجاسة ما تغيرت أوصافه لدلالة الخبر؛ فأما ما لم يتغير فهو باق على أصل حكم الماء في الطهارة، ويزعمون أن البحر مخصوص بقوله عليه السلام: (( من لم يطهره البحر فلا طهره الله ))، ولم يفصل بين أن يكون متغيراً بالنجاسة أو غير متغير.
مسألة: وإن وقعت النجاسة في ماء كثير ولم تغير شيئاً من أوصافه، فهل ينجس ما لاقى النجاسة واتصل بها أم لا؟ فيه مذهبان:

(1/282)


المذهب الأول: أن جميع الماء كله طاهر ولا ينجس الماء إلا بالتغير لأحد أوصافه، وهذا هو المحكي عن جماعة من الصحابة، كابن عباس، وأبي هريرة، وحذيفة بن اليمان )، ومروي عن جماعة من التابعين، كالحسن البصري )، وسعيد بن المسيب، وعكرمة )، وابن أبي ليلى )
__________
(1) حذيفة بن اليمان العبسي الأنصاري (حليفهم). أصله من اليمن، أسلم هو وأبوه وهاجرا وشهدا أحداً، وقتل والده يومئذ بأيدي المسلمين خطأً،فقال حذيفة:غفر اللّه لكم ووهبت دمه. وأسلمت أمه وهاجرت، وكان صاحب رسول اللّه ً وأحد الفقهاء وأهل الفتوى. وصاحب رسول اللّه ً في المنافقين، أي المختص بتتبع أخبارهم. وله مقامات محمودة في الجهاد أعظمها ليلة الأحزاب.توفي رحمه اللّه سنة36هبالمدائن، وكان يحث على الخروج مع أمير المؤمنين عليه السلام.
(2) الحسن بن سيار البصري، ويعرف بالحسن بن أبي الحسن البصري، علاَّمة التابعين، ورأس الطبقة الثالثة، كان ثقة، حجة، عظيم القدر، حدث عن: أنس، وأبي برزة، وابن عمر. وفي أمالي أبي طالب: أنه أخذ عن علي عليه السلام، وأنكره بعضهم. ولد لسنتين بقتا من خلافة عمر، وتوفي سنة 116هـ.
(3) أبو عبدالله عكرمة بن عبدالله البربري، مولى ابن عباس، أصله من البربر، وهب لابن عباس فاجتهد في تعليمه القرآن والسنة، حدَّث عن: ابن عباس، وعلي، وابن عمر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، والحسن بن علي، وعائشة، وغيرهم، وهو أحد فقهاء المدينة وتابعيها، قال له ابن عباس: افت الناس. وقيل لسعيد بن جبير: هل أحد أعلم منك؟ قال: عكرمة. وقد تكلم فيه بعضهم، ولم يسمع؛ لأن عكرمة احتج به أهل الأسانيد والسنن، ومات ابن عباس وهو على الرق، فباعه علي بن عبدالله بن عباس من خالد بن يزيد بأربعة آلاف. وقال له عكرمة: ما خير لك بعت علم أبيك بأربعة آلاف. فاستقال البيع ورده وأعتقه، توفي سنة 107هـ. (مقدمة الأزهار، تهذيب التهذيب).
(4) أبو عيسى عبدالرحمن بن أبي ليلى واسمه: يسار الأوسي الكوفي ولد لست بقين من خلافة عمر بالمدينة، من رواة الحديث. احتج به الستة، واستعمله الحجاج على القضاء، ثم عزله، ثم ضربه ليسب علياً عليه السلام، خرج مع عبدالرحمن بن الأشعث، وغرق في نهر الدجيل سنة 83هـ. (مقدمة الأزهار).

(1/283)


، وجابر بن زيد ) وغيرهم، وإليه يشير كلام القاسم، فإنه روى محمد بن منصور قال: حضرت القاسم بن إبراهيم، وكان يُسْتَسْقَى له من بئر كان يتوضأ منها، فأصابوا يوماً في البئر حمامة ميتة فَأُعْلِم القاسم بذلك فقال لغلمانه: انظروا هل تغير منها ريح أو طعم أو لون؟ فنظروا فلم يروا تغيراً فتوضأ منها، ولم يعتبر مجاوراً للنجاسة أصلاً، وإليه يشير كلام الهادي. فإنه قال: حدثني أبي عن أبيه في البيار والغدران يقع فيها الشيء النجس فقال: لا تفسد إلا أن تغلب النجاسة عليها ولا ينجسها ما وقع فيها من ميتة أو ما أشبهها إذا لم يغلب عليها النجس في لون أو ريح أو طعم، وهذا محكي عن أبي يوسف.
والحجة على ذلك: ما رواه أبو سعيد الخدري من قوله ً: (( خلق الماء طهوراً لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه )). فظاهر الخبر دال على أن الماء لا ينجس منه إلا ما تغير بأحد هذه الأوصاف الثلاثة أو بمجموعها، وما ذكرنا ليس متغيراً فلهذا وجب الحكم عليه بالطهارة كله من غير أن يكون نجساً بالمجاورة.
المذهب الثاني: أن ما يلي تلك النجاسة محكوم عليه بالتنجيس، ثم اختلفوا في ذلك على أقوال ثلاثة:
أولها: أن المجاور الأول للنجاسة نجس، والمجاور الثاني مما جاورها نجس أيضاً، وهذا هو المحكي عن المؤيد بالله.
__________
(1) الإزدي البصري أبو الشعثاء (جابر بن زيد)، تابعي فقيه من أهل البصرة صحب ابن عباس وكان من بحور العلم. وقال عنه أحمد في كتاب الزهد: لما مات جابر بن زيد، قال قتادة: اليوم مات أعلم أهل العراق. توفي سنة 93هـ. ا.هـ. الأعلام2/104.

(1/284)


وحجته على ما قاله: ما رواه أبو هريرة عن الرسول ً أنه قال: (( إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً ))(1). فلولا أن المجاور الثاني ينجس، وإلا لكان لا فائدة في الغسلة الثالثة والأمر بها، والقياس في الغسالة الثالثة أن تكون نجسة لاتصالها بالنجس، لكنا قضينا فيها بالطهارة لحديث أبي هريرة فإنه قصره على الثالثة، فلو كانت نجسة لم تكن مطهرة لما قبلها، والتعبد في الطهارات وارد على خلاف الأقيسة المطردة في الاتصال.
وثانيها: أنه لا ينجس إلا المجاور الأول وهو ما لاصق النجاسة وباشرها دون غيره من المجاورات فإنها طاهرة، وهذا هو الذي يشير إليه كلام السيد أبي طالب وهو قول أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: هو أن السبب في التنجس للماء إنما هو عين النجاسة، والمتصل بها ليس إلا المجاور الأول فإنه ملاصق لها بخلاف المجاور الثاني فإنه غير ملاصق، فلأجل هذا قضينا بنجاسة الأول دون غيره لاتصاله بها وملاصقته لها.
وثالثها: أنه ينظر في الماء المتصل بالنجاسة فإن كان دون قلتين فهو نجس وإن لم يتغير، وإن كان قلتين فما فوقهما فهو طاهر، وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه.
__________
(1) نقله في موسوعة الأطراف عن البيهقي والكامل لابن عدي، وعن النسائي في سننه. وجاء بلفظ: ((فلا يضع يده في الوضوء...إلخ)).

(1/285)


والحجة على ذلك: ما رواه عمر رضي اللّه عنه عن الرسول ً، أنه قال: (( إذا كان الماء قلتين لم ينجس ))(1). فالقلتان عنده كثير وهو غير متغير فلهذا لم يكن نجساً لمجاورة النجاسة؛ لأنه كثير كما سنقرره من بعد، وإن كان دون القلتين فهو قليل فيجب الحكم بنجاسته وإن لم يكن متغيراً لكونه قليلاً. فهذا تقرير المذاهب في هذه المسألة.
والمختار: ما عول عليه الإمامان: القاسم والهادي ومن وافقهما من علماء الأمة الصحابة والتابعين.
والحجة على ذلك: من أوجه ثلاثة:
أما أولاً: فحديث ابن عباس (( الماء لا يجنب )).
وأما ثانياً: فحديث أبي سعيد الخدري حيث قال: (( خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء )). أخرجنا ما تغير بعض أوصافه بالنجاسة أو كلها بدليل خاص غير ظاهر هذين الخبرين، فبقي ما عداها مندرجاً تحت ظاهرهما فيجب القضاء بطهارته إذ لا تغير فيه.
وأما ثالثاً: فلأن المجاور الثالث كالثاني والأول في عدم التغير بالنجاسة، فلو قضينا بنجاسة الأول والثاني لوجب القضاء بنجاسة الثالث وما وراءه لاشتراكها كلها في عدم تغيرها بالنجاسة؛ إذ لا فاصل هناك، فإذا لم يكن هناك مخصص وجب القضاء بطهارة الكل من المجاورات وهذا هو المقصود.
وأما ما احتج به الإمام المؤيد بالله من حديث أبي هريرة، فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأنه ليس في ظاهر الحديث ما يدل على نجاسة شيء من المجاورات بصريحه فلا تكون فيه حجة.
__________
(1) جاء من عدة طرق وبألفاظ مختلفة. وفيه: ((إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء). ونحوه عن ابن عمر: ((... لم يحمل الخبث)). وفي رواية لأبي داود: ((... فإنه... إلخ)). وزاد في الشفاء: ((.. لم يحمل الخبث ولم ينجس)). ا.هـ . بحر . بتصرف.

(1/286)


وأما ثانياً: فلأنه إنما ذكر الثلاث مبالغة في التنظيف كما أشار في الغسلات السبع من ولوغ الكلب و التعفير بالتراب مبالغة في التنظيف وإزالة الأثر، فكما أن الشيء لا يكون نجساً بالمجاورة فهكذا حال الغسالة الثالثة والأولى لا تكونان نجستين لما ذكرناه.
وأما ما احتج به الإمام أبو طالب. فجوابه: أن مطلق الاتصال بالنجاسة لا يوجب تنجيسه إلا بظهور أثرها فيه، فأما إذا لم يظهر أثرها عليه فلا وجه للحكم بنجاسته، فإذاً لا وجه لنجاسة المجاور الأول كما ذكر بحال، ولأنه يلزم الحكم بنجاسة المجاور الثاني لاستوائهما جميعاً في عدم التغير، وهو لا يقول به، فليس إلا الحكم بطهارة الماء كله من غير حاجة إلى تنجيس شيء من المجاورات.
وأما ما احتج به الشافعي، فهو مبني على أن القلتين كثير وما دونهما قليل، ومبني على أن القليل ينجس عند ملاقاة النجاسة وإن لم يتغير، وسنقرر الكلام عليه في هذين الأصلين بعد هذا بمعونة اللّه تعالى.
مسألة: الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغير أوصافه وكان قليلاً، فهل ينجس لوقوعها فيه أم لا؟ فيه مذهبان:

(1/287)


المذهب الأول: أنه يكون نجساً وإن لم يتغير، وهذا هو قول الأكثر من أئمة العترة، الهادي والناصر والأخوين(1) وغيرهم، ومحكي عن ابن عمر من الصحابة، ومن التابعين عن سعيد بن جبير )، ومجاهد ) وأحمد وإسحاق بن راهويه، وهو مروي عن الفريقين: الحنفية والشافعية. والحجة على ذلك: من جهة الكتاب والسنة والقياس.
__________
(1) الأخوان أو السيدان، حينما تطلق إحداهما، فهي تعني المؤيد بالله وأخاه أبا طالب، كما سبق في الرموز بالمقدمة.
(2) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي، مولى بني والبة (بطن من أسد)، ابن خزيمة، الكوفي، قال في الطبقات: هو أحد أعلام التابعين. وثقه المؤيد بالله، وعده السيد صارم الدين من ثقات محدثي الشيعة. وقال ابن حجر: ثقة، ثبت، فقيه، من الطبقة الثالثة، وروايته عن: عائشة وأبي موسى، ونحوهما مرسلة. وروى عن ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن معقل، وعدي بن حاتم، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، والضحاك بن قيس الفهري، وروى عنه: ابناه عبدالملك وعبدالله، ويعلى بن حكيم، ويعلى بن مسلم، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو الزبير المكي، وعطاء بن السائب، وغيرهم كثير. خرج مع ابن الأشعث في جملة القرَّاء فلما هزم ابن الأشعث هرب سعيد إلى مكة فأخذه خالد القسري وبعث به إلى الحجاج فقتله سنة 95هـ، وهو ابن تسع وأربعين سنة. وروي أنه دعا عند أن أمر الحجاج بقتله فقال: اللهم لا تسلطه على أحد بعدي، فمات الحجاج بعده بأيام. (مقدمة الأزهار، تهذيب التهذيب).
(3) أبو الحجاج مجاهد بن جبر المخزومي (مولاهم)، المكي، المقرئ المفسر، الحافظ. قال الذهبي: أجمعت الأمة على إمامته والاحتجاج به، قرأ عليه عبدالله بن كثير، وأبو عمرو بن العلاء، وابن محيسن، وكان يكبر من سورة الضحى. توفي ساجداً، واختلف في وفاته على أقوال منها سنة 100هـ. (مقدمة البحر).

(1/288)


الحجة الأولى: من جهة الكتاب، قوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ }[المدثر:5]. وقوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ }[الأعراف:157]. وقوله تعالى: {إِنَّمَا الخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ }[المائدة:90]. إلى قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوْهُ}. فدلت هذه الظواهر على المنع من استعمال النجاسة ووجوب تجنبها، واستعمال هذا الماء يؤدي إلى استعمال النجاسة، فوجب المنع منه.
الحجة الثانية: من جهة السنة، قوله عليه السلام: (( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله .. ))(1)، وقوله عليه السلام: (( إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً )). وقوله ً: (( لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يتوضأ فيه ))(2). فجميع هذه الأخبار دالة [على المنع] مما هذا حاله ولم يغير طعماً ولا لوناً ولا ريحاً(3).
__________
(1) عن أبي هريرة أن النبي ً قال: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب)). وفي رواية ((.. إحداهن بالتراب)) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي، وروايات أخر للبخاري. وفي رواية عن عبدالله بن مغفل (مغفل: بضم الميم وفتح الغين المعجمة ثم فاء مشددة) ((.. فاغسلوه سبع مرات وعفروه في الثامنة بالتراب)) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، والنص لمسلم.
(2) هذا الحديث فيه روايات عدة بألفاظ مختلفة، منها ما روي عن أبي هريرة أنه سمع رسول اللّه ً يقول: ((نحن الآخرون السابقون.. )) قال: ((ولا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ويغتسل فيه )). رواه البخاري ومسلم. وفي لفظ (( ..ثم يتوضأ منه)) رواه الترمذي. وفي رواية للنسائي ((.. الماء الراكد.. )).
(3) دالة على وجوب تجنب استعمال الماء إذا ظن أنه سيؤدي إلى مخالطة النجاسة.

(1/289)


الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنه ماء قليل خالطته النجاسة فوجب أن ينجس كما لو تغير، ولأنه ماء قد تيقن استعمال النجاسة باستعماله فكان نجساً كما إذا ظهرت عليه النجاسة، ولأنه اجتمع فيه الحظر والإباحة فوجب تغليب الحظر ومنعه على جانب الإباحة، كالجارية بين الرجلين في تحريم وطئها لأحدهما، والصيد قتله مسلم وكافر، وهذه الأدلة الشرعية دالة على منعه وتنجيسه.
المذهب الثاني: أنه طاهر في نفسه ولا يحكم بنجاسته إلا إذا تغير، وهذا محكي عن جلة من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان، وعن جماعة من التابعين، الحسن البصري وسعيد ابن المسيب وعكرمة وابن أبي ليلى وجابر بن زيد والأوزاعي وداود والثوري والنخعي )، واختاره مالك، وهو مروي عن الإمام القاسم بن إبراهيم، حكاه النيروسي ) عنه، فإنه قال: كل ما لا تظهر فيه النجاسة لا ينجس بما وقع فيه من النجس وإن كان قليلاً. والحجة على ذلك تكون من جهة الكتاب والسنة والقياس:
الحجة الأولى: من الكتاب، قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوْرَاً}[الفرقان:48]. وقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}[الأنفال:11]. فظاهر هاتين الآيتين دال على أن كل ما نزل من السماء فهو طاهر يُتطهر به من غير فصل بين قليله وكثيره، سواء اتصلت به النجاسة أو لم تتصل، لكنه خرج ما تغير أحد أوصافه أو كلها بدلالة منفصلة.
__________
(1) إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي التابعي أبو عمران، من كبار فقهاء التابعين، أُدخل على عائشة وهو صغير، وأرسل عن علي عليه السلام، وخرَّج له الجماعة وأئمة الزيدية.
(2) جعفر بن محمد بن شعبه النيروسي كان من العلماء الفضلاء، صحب القاسم بن إبراهيم وروى عنه، وله كتاب (مسائل النيروسي). وروى عنه محمد بن منصور المرادي والناصر للحق. ا.هـ. (تراجم الأزهار).

(1/290)


الحجة الثانية: من جهة السنة، وهو حديث ابن عباس (( الماء لا يجنب )). وحديث أبي سعيد الخدري حيث قال: (( خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء )). فهذان الخبران دالان على أن الماء كله طاهر إلا ما خرج بدليل خاص في نجاسته بتغيره.
الحجة الثالثة: القياس، وهو أنه مالم يتغير بوقوع النجاسة عليه فيجب القضاء بتطهيره كالماء الكثير، ولأنه باق على أصله في التطهير لم يعرض له ما يغيره من لون أو طعم أو ريح فكان طاهراً كالماء الكثير، فهذا تمام تقرير أدلة الفريقين قد أوضحناها.
والمختار: الحكم بتطهيره كما أشار إليه القاسم وغيره من علماء الصحابة والتابعين، وإنما يتضح بتقويته بالدلالة وبالجواب، فهذان تقريران نفصلهما:
التقرير الأول: في إيراد البراهين الشرعية على طهارته، وجملتها حجج خمس:
الحجة الأولى: هو أن المعلوم من حال الصدر الأولى من عصر النبي ً إلى آخر عصر الصحابة رضي اللّه عنهم أنهم لم تنقل عنهم واقعة في الطهارة ولا سؤال عن كيفية حفظ الماء عن النجاسات، وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء والذين لا يحترزون عن النجاسات وتكثر ملابستهم لها، ولم يعلم تصونهم عن مداخلة هؤلاء ولا نقل احترازهم عنهم وانقباضهم عن تأدية(1) المياه ومعاناتهم لها في حملها ونقلها مع شدة الورع عن الوقوع في المناهي وبعدهم عن ما حرم اللّه، وبلوغهم في العبادة الغاية القصوى، وكل ذلك دال على اعتمادهم في تطهير الماء على عدم تغيره، فمهما كان على هذه الصفة فهو باق على أصله في التطهير، وهذه حجة يدين بها كل منصف.
__________
(1) جلْب.

(1/291)


الحجة الثانية: الحمامات، فإنها لم تزل في الأعصار الخالية والآماد المتمادية مستعملة في جميع الأمصار والأقاليم، يدخلها العلماء والأفاضل من غير نكير ولا مدافعة، ويتعاطاها الخاص والعام ويغمسون الأيدي في تلك الحياض الخارجة والداخلة مع قلة الماء فيها، ومع العلم بأن الأيدي النجسة والطاهرة كانت تتوارد عليها وهم ساكتون عن الكلام في نجاستها مكبون على استعمالها، وما ذاك إلا لما يعلمون من أن الماء لا ينجسه إلا ما غَيَّر أحد أوصافه، وأنه مخلوق على هذه الهيئة، وقد قال عليه السلام: (( ما رآه المسلمون حسناً فهو عندالله حسن ))(1). فاستعمالهم مع علمهم بحالها واشتمالها على ما ذكرناه من القلة وملابسة النجاسة، دلالة على ما ذكرناه.
الحجة الثالثة: ما عُلم من حال صاحب الشريعة (صلوات اللّه عليه)، أنه أصغى الإناء للهرة حتى شربت، وعدم تغطيتهم للآنية منها بعد أن تراها(2) تفترس الحيوانات من الفأرة وغيرها، والمعلوم من حالهم قطعاً أنهم ما كانوا يجعلون للسنانير(3) حياضاً على انفرادها ولا كانت تنزل الآبار للشرب، فإرسالهم إياها على ما في الآنية من الأمواء مع قلتها واستعمالهم لها بعد ولوغها فيها، فيه أمارة ظاهرة ودلالة قوية على أن الماء لم يكن نجساً بعد ولوغها فيه، وكل ذلك تعويل على عدم تغيره مع كونه قليلاً.
__________
(1) رواه الحاكم في مستدركه، وهو من الأحاديث المشهورة ومروي في كثير من كتب الحديث والفقه.
(2) الفعل مسند للمخاطب، كأنه قال: بعد ما هو معروف من حالها أنها...إلخ.
(3) جمع سَنُّور: وهي القطط.

(1/292)


الحجة الرابعة: ما روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه توضأ بماء في جرة نصرانية مع العلم بقلة الماء، وملابسة النصرانية للنجاسة، وتعاطيها له في جميع أحوالها، وفي هذا دلالة على أنه لم يعول إلا على عدم تغير الماء، ولا شك أن نجاسة النصرانية تعلم بأدنى ظن قريب، فأعرض عما ذكرنا وعول على طهارة الماء بما يظهر من حاله من عدم تغيره، وكانت هذه هي الأمارة القوية في طهارته التي لا يعارضها معارض(1).
الحجة الخامسة: إذا وقع رطل من البول في ماء كثير، إما القلتان على رأي من قال بهما، وإما الكثير عند من أعرض عنهما، ثم أخذ من ذلك الماء في صحاف مختلفة، فكل واحدة منها ما فيها من الماء طاهر لا محالة باتفاق، فليت شعري أتعليل طهارته لعدم تغيره أولى، أو بقوة كثرة الماء مع أنا قد فرضنا انقطاع الكثرة بحصوله في صحاف كثيرة مع العلم بأن البول حاصل فيه لا محالة وإن خفي أمره؟ وفي هذا دلالة على أن التعويل إنما كان على عدم تغيره، فهذه الحجج كلها دالة على أن المراعى في طهارة الماء ونجاسته إنما هو على ما يظهر من حاله من التغير وعدمه، والله أعلم.
وممن قال بطهارة الماء القليل عند وقوع النجاسة عليه، الشيخ أبو حامد الغزالي فإنه اختاره مذهباً، وقال: كنت أود أن يكون مذهب الشافعي مثل مذهب مالك، يعني أن الماء وإن قل لا ينجس إلا بالتغير من غير حاجة إلى تقدير الكثرة بالقلتين كما هو رأيه.
__________
(1) في الأصل: في طهارة التي.

(1/293)


الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه وهو التقرير الثاني في بيان الجواب عن ما أوردوه من الأدلة على نجاسته، وقد تمسكوا بما حكيناه عنهم من الظواهر، الآي القرآنية والأخبار المروية والأقيسة المستنبطة، وقد عارضناها بما تلوناه من الآيات ورويناه من الأخبار وقررناه من علل الأقيسة، وليس بعد الانتهاء إلى هذه الغاية إلا التصرف الأصولي، إما العمل على تساقطها لما كانت متعارضة، والعمل على دليل آخر، وإما ترجيح أدلتنا على أدلتهم، فهذان تصرفان:
التصرف الأول: وهو القول بالتساقط، فإذا حكمنا بتساقط الأدلة من الجانبين جميعاً وجب الرجوع إلى الأصل وهو طهارة الماء؛ لأنه هو الأصل، والحكم عليه بالنجاسة إنما يكون بعارض يعرض له كما رجعنا إلى البراءة الأصلية عند تعارض الأدلة الشرعية المعتبرة، وهكذا هاهنا يجب ما قلناه من الرجوع إلى طهارته، وهو مطلوبنا.
التصرف الثاني: وهو الترجيح لأدلتنا على أدلتهم، فنقول: ما أوردوه من الظواهر إنما سيقت لأغراض أُخَر غير ما نحن بصدده، كقوله تعالى: {إِنَّمَا الخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ}[المائدة:90]. وقوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}[المدثر:5]. وهكذا ما أوردوه من الأخبار مسوقة لمقاصد مخصوصة، فتناولها لهذا الماء يضعف من جهة كونها مسوقة لبيان غيره، بخلاف ما ذكرناه من الآيات والأخبار فإنها مسوقة لبيان غرض التطهير، كقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوْرَاً}[الفرقان:48]. وقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ }[الأنفال:11]. وهكذا حال الأخبار التي رويناها فإنها مسوقة من أجل غرض التطهي لا لغرضٍ سواه، كقوله عليه السلام: (( خلق الماء طهوراً))، وقوله: (( الماء لا يجنب)). وقوله: (( الماء لا ينجس)). إلى غير ذلك من الأخبار المؤدية بالتصريح بالمقصود، فلهذا كان التعويل على ما كان صريحاً دون ما ليس صريحاً.

(1/294)


ثم نقول: الماء الجاري وإن كان قليلاً فإنه يخالف الراكد كما هو محكي عن المنصور بالله، وهو رأي الشافعي وأصحابه وغيرهم من جلة الفقهاء في أنه لا ينجس بوقوع النجاسة فيه مع قلته، فإذا وقع بول في ماء جار ولم يتغير به فإنه يجوز التطهر به وإن كان قليلاً، فليت شعري أي فرق بين الراكد والجاري، وهل تكون الحوالة على عدم التغير أم على قوة الماء بسبب الجريان، ثم ما حد تلك القوة فإنها تكون مختلفة الأحوال في القوة والضعف؟ فالإحالة عليها يكون رداً إلى عماية وجهالة، فإذا كان التعويل فيما كان جارياً وإن ضعفت جريته على تغيره في التنجيس، فهكذا يكون في الراكد قليلاً كان أم كثيراً من غير تفرقة بينهما.
قولهم في القياس: إنه المردود إلى المتغير بجامع وقوع النجاسة فيه بأقيسة مختلفة في صورها.
قلنا: الجواب عن هذه الأقيسة وإن كانت مختلفة الصور بحرف واحد وهو الفرق بوصف مخيل، وهو أقوى ما يعترض به على الأقيسة في الإبطال، وهو أنا نقول: المعنى في الأصل أنه متغير وهذا غير حاصل فيما ذكرتموه من الماء القليل فإنه لم يتغير بوقوع النجاسة، وهذا الفرق يبطل الجمع الذي ذكرتموه ويُلحق القياس بالعدم والبطلان.
فأما ما يحكى عن الناصر من تأويل مذهب القاسم في طهارته فلا وجه له لأمرين:
أما أولاً: فلأنهم لم ينقلوا عنه إلا ما قاله ولو تطرق إليهم الوهم في هذه الحالة لتطرق إليهم الوهم في سائر ما ينقلونه في مذهبه كله، وأيضاً فإنهم وإن كانوا عجماً لا تخفى عليهم مقاصده ومراداته خاصة مع الممارسة الكثيرة وطول الإقامة معه.

(1/295)


وأما ثانياً: فإنما كان يجب تأويل كلامه إذا كان هناك مخالفة لنص قاطع وإجماع متواتر، أو غير ذلك من النصوص المقطوعة التي لا يمكن مخالفتها، فأما وللنظر في المسألة مسرح وللاجتهاد فيها مضطرب فلا وجه للتأويل، بل ينقل مذهبه على حد ما غلب على ظنه بعد توفية الاجتهاد حقه، فإذا كان قد نظر في المسألة وأمعن فكل ما أتى به فهو حق وصواب كما مر تقريره، وهكذا ما يحكى عن السيد الإمام أبي طالب من أن كلام القاسم لا يعول عليه وأن المأخوذ به ما قاله الهادي والناصر وسائر أصحابنا، فإن لكلٍ اجتهاده ولا ضير عليه في المخالفة، ولقد أود أن يكون مذهبهما مثل ما يحكى عن القاسم في أنه لا ينجس القليل إلا بالتغير، فضلاً عن أن يقال: إنه لا يعول على مقالته في ذلك.
قالوا: قد تعارض فيه الحظر والإباحة فوجب حظره.
قلنا: إنا لا نسلم التعارض، بل ما ذكرناه من الإباحة الشرعية أرجح لما مر بيانه، ثم إنا نقول: إذا تعارضا من غير ترجيح، وجب القضاء بالتساقط والعمل على ما هو الأصل من طهارة الماء، وفي ذلك حصول غرضنا.
مسألة: حكم الماء الكثير لا ينجس بملاقاة النجاسة إذا لم يتغير، وحكم الماء القليل أنه ينجس بملاقاتها وإن لم يكن متغيراً على رأي من قال به، فلا بد من بيان حد القليل والكثير ليُعرف هذان الحكمان اللذان يتعلقان به، فأما من لا يقول بالقليل فلا يفتقر إلى معرفة حد القليل والكثير، وإنما الضبط عنده في التنجس وعدمه، إنما هو بما أشار إليه الشرع من التغير قليلاً كان أم كثيراً كما اخترناه فيما مضى.
وقد اختلف العلماء في حد القليل والكثير من الماء ولهم في ذلك مذاهب أربعة:

(1/296)


المذهب الأول: أن ما كان من الماء قلتين فهو كثير وما كان دونهما فهو قليل، وهذا هو قول الإمامين الناصر والمنصور بالله وهو رأي الشافعي وأصحابه، ثم اختلف أصحاب الشافعي في حد القليل(1)، فمنهم من قال: هما خمسمائة مَنا(2) وهو يأتي ألف رطل بالبغدادي، وقال أبو عبدالله الزبيري ): هما ثلاثمائة مَنا وهما ستمائة رطل بالبغدادي، وهو محكي عن القفال )، واختاره المسعودي )، وقال أبو حامد:
__________
(1) هكذا في الأصل، والصواب: في حد القلتين.
(2) الضمير في (هما) عائد على القلتين. والمفرد منه (مَنَا) مقصوراً بفتح الميم، وهو الكيل أو الوزن كما جاء في اللسان، والجمع منه: أَمْنَاء..
(3) أبو عبدالله الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبدالله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام البصري، وقد سبقت ترجمته باسم (أبو عبدالله البصري)
(4) أبو بكر عبدالله بن أحمد بن عبدالله المروزي المعروف بالقفال؛ لأنه كان يصنع الأقفال في ابتداء أمره. قال ابن خلكان: كان وحيد زمانه فقهاً وحفظاً وورعاً، وله عناية بالمذهب الشافعي، وله تصانيف نافعة. ا.هـ، صار إماماً يقتدى به في مذهب الشيخ أبي زيد الفاشاني المروزي، قيل عنه: لم يكن في زمان القفال أفقه منه. توفي بمرو في جمادى الآخرة سنة417هـ، وعمره تسعون سنة. من تصانيفه (شرح التلخيص) مجلدان، و(شرح الفروع)، وكتاب (الفتاوى). راجع (تهذيب التهذيب، الوفيات، طبقات الفقهاء).
(5) هو أبو عبدالله محمد بن عبد الملك بن المسعود بن أحمد المروزي المعروف بالمسعودي، وفي طبقات الشافعية الكبرى ج4/171: محمد بن عبدالله بن مسعود، ومثله في وفيات الأعيان، كان عالماً، فاضلاً، تفقه على القفال، وشرح (المختصر) توفي سنة نيف وعشرين وأربعمائة. وهو غير المسعودي صاحب كتاب الإبانة الذي كثيراً ما يشتبه به. والإبانة: كتاب في اللغة. راجع طبقات الشافعية لابن هداية اللّه الحسيني ص137.

(1/297)


وأكثر أصحاب الشافعي: هما خمسمائة رطل بالبغدادي وهو المنصوص. قال الشافعي: والاحتياط أن يجعل كل قلة قربتين ونصفاً، والقربة في الحجاز مقدار ما تسعه مائة رطل، فصار ذلك خمسمائة رطل وهل يكون ذلك تقريباً أو تحديداً؟ فيه لهم وجهان:
أحدهما: أنه تقريب، وعلى هذا لو نقص منهما رطل أو رطلان أو ثلاثة لم يضر ذلك.
وثانيهما: أنه تحديد، فلو نقص منهما نصف رطل تنجس بوقوع النجاسة فيه لكونه قليلاً، فإذا تقرر هذا، فإذا وقع في القلتين نجاسة لم تنجس إلا أن يتغير، وإن كان الماء دون القلتين تنجس بوقوع النجاسة وإن لم يتغير، فهذه هي فائدة التحديد بالقلتين وما دونهما.
والحجة على ذلك: ما رواه عمر رضي اللّه عنه عن النبي ً، أنه قال: (( إذا كان الماء قلتين بقلال هجر(1) لم يحمل خبثاً)). وفي حديث آخر: (( إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء ))(2). ومعنى قوله: لم يحمل خبثاً: أي أنه لا يقبله ولا يلتزمه بدليل الحديث الآخر.
__________
(1) قيل: هجر بفتحتين: مدينة بالبحرين، وقيل: قرية قرب المدينة (المنورة). معجم البلدان لياقوت.
(2) هذا الحديث مروي بعدة ألفاظ منها هاتان الروايتان. ويصفه بعض الرواة ورجال الحديث بالإضطراب في إسناده ومتنه رواه أحمد، والدارقطني، عن ابن عمر. والحاكم، وابن حبان، والدارمي، وغيرهم.

(1/298)


المذهب الثاني: أن حد الكثير من الماء هو الذي جرت العادة في مثله، أنه لا يُستوعَب شرباً وتطهراً، كالأنهار الجارية والبيار النابعة والبرك العظيمة، وحد القليل ما كان دونه وهو الذي يُستوعب في مجرى العادة شرباً وتطهراً، كالحفائر الضيقة والأنهار النزرة والعيون الراكدة، وهذا حكاه السيد الإمام أبوطالب والشيخ أبو جعفر ) من أصحابنا لمذهبهم كالقاسمية، ولم أعرفه قولاً لأحد من الفقهاء.
والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله من الأمواء إذا كان لا يُستغرق في مطرد العادة في الشرب والتطهر فإنه يوصف بكونه كثيراً، وإذا كان على خلاف ذلك فإنه يوصف بكونه قليلاً، وإنما جعلنا المعيار الضابط في القِلَّة والكثرة بما ذكرناه من اطراد العادة؛ لأن أكثر ما يحتاج الناس الماء في أغلب أحوالهم في الشرب والتطهر، لأنهما هما اللازمان في أكثر الحالات وأغلبها، وما عداهما فليس أمراً غالباً بل هو أمر نادر بالإضافة إليهما، فلهذا وجب ضبطه به.
المذهب الثالث: أن حد الكثير ما كان يغلب على الظن أن النجاسة غير مستعملة باستعماله. والقليل ما كان يغلب على الظن أن النجاسة مستعملة باستعماله، وهذا هو الذي حكاه الكرخي عن أبي حنيفة، واختاره الأخوان الإمامان المؤيد بالله وأبوطالب للمذهب(2).
__________
(1) محمد بن يعقوب الهوسمي الزيدي، قال في تراجم الأزهار: أبو جعفر العلامة الفقيه، له تصانيف منها: (شرح الإبانة) أربعة مجلدات في مذهب الناصر، و(الكافي) مجلدان، وله: (كتاب الديانات) في علم الكلام، ولم أجد لأبي جعفر تاريخ وفاة. ا.هـ. ملخصاً من تراجم الأزهار.
(2) إذا أطلق المذهب، فالمراد به هنا، قواعد المذهب الزيدي في الفقه خاصة.

(1/299)


والحجة على ذلك: هو أن المقصود من معرفة حد القليل [وهو] تنجيسه وإن لم يتغير، والغرض من معرفة حد الكثير هو أن لا يحكم بنجاسته إلا إذا تغير، وإذا كان الأمر كما قررناه وجب أن يكون للنجاسة مدخل في معرفة حد القليل والكثير، فلأجل ذلك جعلناها أصلاً في معرفتهما لما لهما بها من الاتصال، وجعلنا الظن هو المعيار الفارق بين القليل والكثير في النجاسة؛ لأنه هو المعتمد في الأكثر والمعول عليه في التكاليف العملية في العبادات وغيرها، فإذا تقرر هذا فكل ما وقعت فيه نجاسة وغلب على ظن المستعمل له أنه مستعمل لها باستعماله، فهو قليل ينجس بملاقاة النجاسة وإن لم يكن متغيراً، وكلما وقعت به نجاسة وغلب على ظن من يلابسه ويستعمله أن النجاسة لا يستعملها عند استعماله، فهو كثير لا ينجس بملاقاتها، فلا جرم جعلنا غلب ظنه في الاستعمال وعدمه معياراً فارقاً بين قليل الماء وكثيره، هذا ملخص هذه المقالة وزبدتها وثمرة ما عولوا عليه فيها.
المذهب الرابع: حكاه أبو يوسف عن أبي حنيفة في التفرقة بين قليل الماء وكثيره، وحاصل ما قاله: هو أن الحوض والبركة إذا كانا بحيث إذا تحركت منه ناحية لم تضطرب الناحية الأخرى، فما هذا حاله يكون من الكثير فلا ينجس بوقوع النجاسة عليه، وإذا كان بحيث إذا تحرك منه جانب اضطرب الجانب الآخر فهو قليل متنجس إذا لاقته النجاسة.
والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله من الأمواء إذا كان قليلاً فإنه يضعف عن احتمال المصاكَّة فلهذا يضطرب كله لقلته، بخلاف ما إذا كان كثيراً فإنه إذا وقعت فيه المصاكة فإنه يحتملها، فلهذا لم يضطرب إلا ما قرب من الضرب دون ما بعد منه، فلأجل ذلك جُعِلَ المعيار الفارق بين قليله وكثيره هو الاضطراب والمُصَاكَّة التي حكيناها، فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها بحسب الإمكان.

(1/300)


والمختار: ما قررناه آنفاً، من أن التعويل في نجاسة الماء وطهارته، إنما هو على تَغَيُّرِ أحد أوصافه بالنجاسة، أو كلها، فأما مالم تتغير أوصافه فهو باق على أصل الطهارة كما تشير إليه الظواهر الشرعية.
وتأييد هذا الاختيار إنما يكون بتقريره بالحجة وإيراد الاعتراض على ما يخالفه، فهذان مسلكان:
المسلك الأول: في تقريره بالحجة، وقد أوضحنا فيما سبق أن التعويل في ذلك إنما هو على التغير بالنجاسة من غير أمر وراءه، وهذا هو الضابط الشرعي الذي يسترسل على جميع الصور، وهو الذي تشير إليه الظواهر الشرعية من الكتاب والسنة التي حكيناها، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا حاجة بنا إلى ضبط القليل والكثير من الأمواء؛ لأنهما إنما يرادان من أجل معرفة النجس والطاهر من الأمواء، وهذا يمكن معرفته وإدراكه بالأمارة التي ذكرناها، وهي التغير المشار إليه من جهة صاحب الشريعة، فلا حاجة بنا إلى تكلف غيره لضبط قليل الماء من كثيره، إذ لا ثمرة هناك مع ما ذكرناه من أمارة التغير، فلا جرم اكتفينا به وكان المعول عليه، ويؤيد ما ذكرناه أن جميع ما عولوا عليه في هذه الضوابط التي ذكروها بين قليل الماء وكثيره ما خلا القلتين، إنما عولوا على عادات عرفية وأمور استنباطية وأقيسة خيالية، والباب باب تعبد، والأمور التعبدية تنسد فيها طرق القياس وتضيق مسالكه وإنما تحكم فيه الأمور النقلية والظواهر السمعية من جهة اشتماله على أسرار غيبية استأثر اللّه بها، كما أشرنا إليه في طهارة الحدث والنجس فأغنى عن الإعادة.
المسلك الثاني: في إبطال ما اعتمدوه في تقريره فنقول:
أما الكلام على أهل القُلَّتين فقد اعتمد السيد أبوطالب في إفساده على وجوه كثيرة، وحاصل ما قاله من جهة الرد والمعارضة والتأويل، فهذه مقامات ثلاثة نذكر ما يتوجه فيها:
المقام الأول: في الرد، وذلك حاصل من وجهين:

(1/301)


أحدهما: من جهة الاضطراب في سنده، فإن بعضهم يقول: إنه مروي عن محمد بن عباد )، وبعضهم يرويه عن محمد بن جعفر بن الزبير )، ومنهم من قال: عن عبدالله بن عبدالله بن عمر، وبعضهم يقول: عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر )، وهذا الاضطراب في سنده يدل على ضعفه وترجيح غيره عليه في هذا الوجه.
وثانيهما: من جهة متنه، فإنه يروى (( إذا بلغ الماء أربعين قلة لم يحمل الخبث)) وفي بعض الروايات: (( إذا كان الماء قلة أو قلتين)). وفي بعضها: (( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً)). وفي بعضها: (( إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس)). فانظر إلى وقوع هذا الاختلاف في متنه باختلاف ألفاظه وعباراته، وكل ما ذكرناه مما يطرق إليه الضعف ويكون غيره راجحاً عليه إذا كان سالماً عما ورد على هذا، فلهذا لم يكن معتمداً.
المقام الثاني: من جهة المعارضة، وذلك من أوجه ثلاثة:
__________
(1) لعله: محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبدالله بن عباد القاضي أبو عاصم العبادي الهروي، قال في طبقات الشافعية الكبرى: أحد أعيان الأصحاب.. صنف كتاب (المبسوط) وكتاب (الهادي) وكتاب (المياه) وكتاب (الأطعمة) وكتاب (الزيادات، وزيادات الزيادات) و(طبقات الفقهاء). كان إماماً مثبتاً مناظراً دقيق النظر، مات في شوال سنة 458هـ. ا.هـ ملخصاً ج1/2 ص237.
(2) محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي، روى عن عميه عبدالله وعروة. وعنه: ابن إسحاق وابن جريج وغيرهما. كان من فقهاء المدينة وقرائها، وذكره البخاري في الأوسط في فصل من مات بين عشر ومائة إلى عشرين ومائة. (تهذيب التهذيب 9/81).
(3) عبيدالله بن عبدالله بن عمر بن الخطاب القرشي، المدني، العدوي، أبو بكر، أخو عبدالله، وسالم، وزيد، وحمزة، سمع أباه عبدالله بن عمر، ونافع، وعنه: الزهري. قال ابن سعد: قليل الحديث، مات قبل أخيه سالم، حديثه في الحجازيين. (انظر طبقات الزيدية (خ) ج2/60).

(1/302)


أما أولاً: فما روى ابن عباس عن الرسول ً أنه قال: (( إن الماء لا يجنب)).
وأما ثانياً: فما رواه أبو سعيد الخدري: (( الماء طهور لا ينجسه شيء)).
وأما ثالثاً: فلأنه قد روي: (( إذا بلغ الماء أربعين قلة)) وروي: (( ثلاث قِلال)) إلى غير ذلك من الاختلافات، وهذه الأحاديث كلها معارضة لحديث القلتين، من جهة أن ما دون القلتين عندهم ينجس بملاقاة النجاسة وإن لم يكن متغيراً، وظاهر حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري يدلان على أن القليل لا ينجس إذا لم يكن متغيراً، وهكذا حديث الأربعين فإنه معارض لحديث القلتين من جهة المعنى، فقد حصل لك بما ذكرناه أن حديث القلتين غير سالم عن المعارضة بما أشرنا إليه وفي ذلك ضعفه وبطلانه.
المقام الثالث: في التأويل ويمكن تأويله على أوجه ثلاثة:
أما أولاً: فلعل المراد من قوله عليه السلام: (( إذا بلغ الماء قُلتين لم يحمل خبثاً)). المراد به أنه يضعف عن حمل الخبث والنجاسة، وهذا موافق لما قلناه من ذلك؛ لأنه قليل فلهذا لم يقو على حملها.
وأما ثانياً: فلعل المراد بالقُلَّة: اسم لرأس الجبل وقامة الرجل، فإن القلة قد تطلق عليهما، وعلى هذا لا يمتنع أنه أراد إذا بلغ الماء قلة الجبل أو قامة الرجل، وعلى هذا يتباعد إليه [الاحتمال] لأن ما هذا حاله يكون كثيراً لا محالة؛ لأن المعتاد هو تقدير الماء بالقامات والأذرع أكثر من تقديره بالأرطال والأمناء لكثرته.

(1/303)


وأما ثالثاً: فلأن قُلة الشيء أعلاه، فيحتمل أن يكون مراده أعلى الشيء ورأسه، ومتى كان على هذه الصفة فهو كثير وإنما بناه عملاً على تثنية الأسماء المشتركة باعتبار لفظها مع اختلاف معناها، ولهذا فإنه يقال: قُرءانِ. للطهر والحيض جميعاً يكونان مرادَين به، كما يقال: قُرءان. لطُهْرين أو حيضين، فلا جرم قال: قلتين. لأعلى الشيء ورأسه، وتثنية الأسماء المشتركة باعتبار لفظها دون معناها يضعف، لكنه يحتمل أن يؤول عليه الحديث هاهنا، فهذا تقرير كلام السيد أبي طالب على القائلين بالقلتين، مع تلخيص منا لكلامه و[تجاوز] تهذيب لم نذكره، والله الموفق للصواب.
وأما الكلام على المعيار للمذهب الثاني في حد الكثير بما لا يُستوعَب في مجرى العادة شرباً وتطهراً والقليل بخلافه. فاعلم أنما قالوه يضعف لأمرين:
أما أولاً: فإن ردوه إلى عدد مقدر فهو تحكم لا مستند له ولا دلالة عليه، وإن ردوه إلى أمر مبهم فهو رد إلى عماية، فإن العادة فيما هذا حاله مختلفة في السفر والحضر فلا يعول على ما ذكروه.
وأما ثانياً: فإن الطرفين واضحان، فما يكفي مائة ألف يكون كثيراً لا محالة، وما يكفي الواحد والاثنين قليل بلا مرية، وما بين هذين الطرفين وسائط كثيرة ومراتب متفاوتة فلا يختص بعضها دون بعض إلا بدلالة ظاهرة وأمارة قوية، وما قالوه ليس يرشد إليها، فيحصل من مجموع ما ذكرناه أن ماعولوا عليه معيار مضطرب لا يُعَوَّلُ عليه في إثبات المميز بين قليل الماء وكثيره.
وأما الكلام على المعيار للمذهب الثالث في حد الكثير بما لا يغلب على الظن أن النجاسة مستعملة باستعماله، والقليل بخلافه، فاعلم أن ما قالوه وإن كان أَسَدَّ من الذي قبله وأدخل في الضبط والحصر وأكثر تأدية للمقصود، فإنه غير منفك عن نظر من وجهين:

(1/304)


أما أولاً: فلأن طهارة الماء ونجاسته صفتان تختصان بالماء فلا يجوز تعليقهما بظن المستعمل للماء، فأحدهما بمعزل عن الآخر، فلا يجوز أن يجعل ظن المستعمل للماء سبباً في المميز بين قليل الماء وكثيره؛ لمجانبته للغرض وميله عن المقصود.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه من الظن يختلف باختلاف الظانين، ولهذا فإن من الناس من ظن أن ما دون القلتين قليل والقلتان كثير، ومنهم من قال: إن القلتين في أنفسهما قليل وما فوقهما قد يكون قليلاً وقد يكون كثيراً، فمراتب الظنون في مثل هذا مختلفة جداً فلا يجوز أن [تكونا] فاصلاً بين قليل الماء وكثيره.
ثم إنا نقول: ما تريدون بقولكم في القليل: إن النجاسة مستعملة باستعماله؟ (هل) تعنون به أنه قد تحقق وصول جرم النجاسة إليه؟ فهذا خطأ، فإنا نعلم قطعاً أن قطرة خمر أو قطرة بول وقعتا في قدر القلتين خمسمائة رطل فإنه قليل عندكم، ونحن نعلم قطعاً أن جرم النجاسة غير متصل به، وإن أردتم أن جرم النجاسة غير خال عما اُستُعمل من الماء فهذا حاصل في الماء الكثير كالبركة، فإنه لو بال فيها رجل فإنا نعلم أن أجزاء النجاسة فيها، ومع ذلك لم تمنعوا الوضوء منها مع تحققنا لوقوع النجاسة ومخالطتها لها، وإن أردتم معنى ثالثاً، فاذكروهُ حتى ننظر فيه بصحة أو فساد. فبطل ما توهموه.
وأما الكلام على المعيار للمذهب الرابع في حد الكثير بما كان لا تضطرب جوانبه عند تحريك جانب منه والقليل بخلافه. فاعلم أن هذا أضعف مما قبله، وفساده يظهر من وجهين:
أما أولاً: فلأن ما قالوه مبني على التحريك والاضطراب والمصاكَّة لأجزاء الماء، وما هذا حاله فلا مناسبة له بكونه قليلاً أو كثيراً؛ إذ لا اختصاص للحركة بالتطهير والتنجيس والقِلَّة والكثرة.

(1/305)


وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه راجع إلى قوة الاصطكاك وضعفه وامتداد الماء وقبضه، فكم من ماء يعظم قعره ويكون رأسه ضيقاً يضطرب كله عند الضرب وتتحرك أطرافه، ومع ذلك فإنه يعد في الكثرة والعظم، وكم من ماء قليل لا قعر له لسعة أطرافه إذا حُرك لم تصطك أطرافه، ومع ذلك فإنه معدود في القِلة، فَعُرِفَ بما ذكرناه أنه لا أثر لهذا الضابط ولا تعويل عليه في قِلة الماء وكثرته.
ثم إنا نقول لهم: هذا يختلف حاله باختلاف قوة الضارب، فإذا خف الضرب ضعف الاصطكاك مع كونه قليلاً، وإذا قوي الضرب عظم الاصطكاك وإن كان كثيراً فهذا لا يعول عليه، فحصل من مجموع ما ذكرناه ضعف هذه الضوابط كلها، وإذا كانت فاسدة كما قررناه وجب التعويل على ما أشرنا إليه من أنه لا قليل هناك نجس إلا ما كان متغيراً بالنجاسة، فأما من غير تغير فلا وجه للحكم بنجاسته كما أشار إليه القاسم.

(1/306)


والعجب من الإمام الناصر حيث حمل كلام القاسم على أنه وقع فيه نجاسة ولم يرها فليس عليه في ذلك شيء، وقال: إنه كان كثير الأخذ بالاحتياط فيما تعبد اللّه به عباده، وهذا لا وجه له، فإن المقصود بلوغ الغاية في الاجتهاد وتوفيته حقه فما أدى إليه فهو حق وصواب سواء كان في تحليل أو تحريم أو إباحة، ثم لا فرق بين أن يُبيح شيئاً مما حرمه اللّه أو يحرم شيئاً مما أباحه اللّه، أو يضيق مسلكاً فَسَّحَهُ اللّه علىعباده بالإباحة، أو يفسح مسلكاً ضيقه اللّه على عباده بالتحريم، فكلها مستوية في ذلك، ثم إن الماء مخصوص من بين سائر المائعات بالتطهير لغيره كما مر بيانه، ثم يختص بأنه لا ينجسه إلا ما غير أحد أوصافه أو كلها سواء كان قليلاً أو كثيراً، وهو مختص بالغلبة لكل شيء، فإذا وقع فيه شيء من النجاسات وكان غالباً لها لم يسلبه اسم الماء، فهو باق على الطهارة والتطهير لغيره، وهذه الخاصة لا تحصل في شيء من المائعات، ومن أجل هذا فإنه لو وقع في لبنٍ أو عسلٍ أو خلٍ أو غيرها من المائعات كثير قطرة بول أو خمر فإنها تنجس الماء(1) لما لم يكن لها غلبة على النجاسة مثل غلبة الماء لها، سواء كانت متغيرة بالقطرة أو غير متغيرة، ولم تكن مختصة بما اختص به الماء من الصقالة والرقة، فلهذا لم تقدر على حمل النجاسة كقدرته على حملها.
مسألة: في الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة.
اعلم أن جميع ما أسلفنا فيه الكلام إنما هو مختص بالماء الراكد، واعلم أن كل من قال من العلماء من أئمة العترة وغيرهم من علماء الأمة، بأن القليل من الماء لا ينجس إلا بالتغير، فإنه لا يفصل بين أن يكون الماء راكداً أو جارياً، ويَطَّرد هذا الحكم في جميع المياه راكدةً كانت أو جارية، وعلى هذا إذا وقعت ميتة في نهر جارٍ فإنه يُنظر، فإن تغير فهو نجس، وإن لم يتغير فهو طاهر مُطَهِّر. وينشأ من ذلك فروع ثلاثة:
__________
(1) في الأصل تنجس الماء. والصواب: المائعات.

(1/307)


الفرع الأول: إذا وقعت قطرة من خمر أو بول في قربة أو مشعل(1) أو جرة نظرت، فإذا كان متغيراً بها فهو نجس، وإن لم يتغير بها فهو طاهر؛ لأن الاعتماد في هذا المذهب على تغير الماء بوقوع النجاسة وعدم تغيره لا غير من غير أمر ورائه، وإليه تشير ظواهر الأحاديث كما قررناه من قبل.
الفرع الثاني: إذا كان الماء راكداً في حفير أو بركة أو غيرهما ثم وقعت فيه ميتة نظرت أيضاً، فإن كان متغيراً بها فهو نجس لأنه قد تغير بها، وإن كان غير متغير فهو طاهر كله من غير حاجة إلى مجاور أول ولا إلى مجاور ثانٍ كما قررناه فيما سبق، فاتصالها بالماء لا يكون له حكم في التنجيس إلا مع التغير.
الفرع الثالث: إذا وقعت ميتة في نهر جارٍ فإنه ينظر في حالها، فإن غيرت الماء فهو نجس كله ما انفصل منه وما لم ينفصل، وإن لم يكن متغيراً فهو طاهر كله، حافة النهر ووسطه، والجرية التي تمر على النجاسة طاهرة أيضاً إذا لم تكن متغيرة سواء كان الجاري قليلاً أو كثيراً. فهذه المسائل كلها متفرعة على رأي من يذهب إلى أن الماء لا ينجس إلا مع التغير وهو المختار، وقد قررناه بالأدلة فأغنى عن الإعادة والتكرير.
فأما القائلون بنجاسة الماء القليل وإن لم يكن متغيراً فقد اضطربت أنظارهم، فمنهم من قال: إن الجاري مخالف للراكد، ومنهم من قال: بأنهما مستويان. فهذان فريقان نذكر ما يختص كل فريق:
الفريق الأول: الذين ذهبوا إلى أن الجاري لا ينجس وإن كان قليلاً بخلاف مقالتهم في الراكد، وهذا هو المحكي عن الإمام المنصور بالله فإنه قال: إن الجرية تلحقه بالكثير في الحكم، وهو أحد قولي الشافعي الذي حكاه الخراساني عنه، وحكى عنه البغداديون من أصحابه قولاً آخر: أنه ينجس.
__________
(1) المشعل: المراد به الدلو. والمشعل بميم مكسورة فشين معجمة ساكنة فعين مهملة مفتوحة: شيء من جلود له أربع قوائم ينتبذ فيه. قال ذو الرمة:
أضعن مواقت الصلوات عمداً وحالفن المشاعل والجرارا
ا . هـ لسان.

(1/308)


والحجة على ذلك: هو أن الجاري يخالف في طبعه الراكد من جهة أن الراكد يتدافع بعضه على بعض من غير نفوذ بخلاف الجاري فإنه يدفع بعضه بعضاً من غير مرادَّةٍ، فالنجاسة إذا وقعت في الجاري اندفعت على حسب الجرية فلم يكن له حكم في البقاء بخلاف الراكد فإنه يرتد بعضه على بعض، فإذا وقعت فيه النجاسة كان حكمها أقوى في البقاء بخلاف الجاري فافترقا.
الفريق الثاني: وهم الذين ذهبوا إلى أن الجاري مثل الراكد في أن القليل منه ينجس، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والقول المشهور عن الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن الأدلة التي دلت على تنجس القليل من الماء لم تُفَصِّل بين الجاري والراكد، فإذا وقعت النجاسة في الماء الجاري فكل على أصله في القِلَّة والكثرة فيُنظر في الماء، فإن كان متغيراً بوقوع النجاسة فيه فهو نجس بكل حال قليلاً كان أو كثيراً، وإن كان غير متغيرٍ، فعلى قول الناصر والمنصور بالله والشافعي: أن الذي يمر بالنجاسة من الماء إن كان قُلتين فما فوقهما فهو طاهر، وإن كان دون القُلتين فهو نجس. وعلى ما حكيناه عن الإمامين والأخوين(1) تحصيلاً للمذهب، أن الماء الذي يمر بالنجاسة إن كان يغلب على الظن أن النجاسة مستعملة باستعماله فهو قليل فينجس، وإن كان لايغلب على الظن أن النجاسة مستعملة باستعماله فهو كثير فلا يكون نجساً، وهكذا القول في تلك الضوابط التي حكيناها في القليل والكثير، فما كان قليلاً فهو نجس وإن لم يتغير، وماكان كثيراً فهو طاهر إن لم يتغير كما مرَّ تفصيله.
والحجة على ماقالوه: قد اسلفناها.
__________
(1) الإمامان: الناصر والمنصور بالله، والأخوان: المؤيد بالله وأبو طالب.

(1/309)


والمختار: هو الحكم بطهارة الماء إذا لم يكن متغيراً سواء كان جارياً أو راكداً قليلاً كان أو كثيراً، بل هو في الجاري أحق من جهة أن الجرية تذهب بالنجاسة، بخلاف الراكد فإنه يرتد بعضه على بعض، والعذر لمن قال بتنجيس الماء القليل في الراكد أظهر منه في الجاري لما ذكرناه.
فأما على ما اخترناه فهما سيان، ويؤيد ذلك ما نعلم من حال السلف فإنهم مازالوا يستنجون من الأنهار القليلة من غير نكير، وفي هذا دلالة على أن الجاري يخالف الراكد وأنه لاينجس مع كونه قليلاً.
فإذا تمهدت هذه القاعدة، فاعلم أن الماء الجاري إذا وقعت فيه النجاسة يكون على أوجه ثلاثة، على رأي من يرى تنجيس الماء وإن لم يكن متغيراً:
الوجه الأول منها: أن تكون النجاسة جارية بِجُرِيّ الماء، فتكون معه لكونها خفيفة لاتثقل عليه كالمنبذ مثلاً، فالماء الذي [كان] قبل النجاسة يكون طاهراً لامحالة من جهة أن النجاسة غير واصلة إليه، فهو كالماء الذي يصب من إبريق على نجاسة، والماء الذي يكون بعدها طاهراً لأنها غير متصلة به، وأما مايختلط بالنجاسة من تحتها ومن فوقها وعن يمينها وعن شمالها، فإنه ينظر فيه فإن كانت الجرية متغيرة بالنجاسة فهو نجس بلا مرية، وإن كانت غير متغيرة، فهل تنجس أم لا؟ فيه أقوال ثلاثة:
فالقول الأول: يأتي على رأي الأكثر من أئمة العترة، وهو أنه يكون نجساً إلا أن يكون كثيراً، واعتبار كثرته باعتبار الأوجه التي قررناها لهم اعتماداً على أن الماء القليل ينجس وإن لم يكن متغيراً، قال المؤيد بالله: لو كان هاهنا ميتة كبيرة وقعت في نهر حتى سدت جانبيه وعُلِمَ أن جميع الماء يمر عليها ويجاورها، يجب تنجيسه(1) بخلاف ما إذا كان حال الجرية عظيماً ولم يتغير فإنه لا ينجس لأجل كثرته.
__________
(1) المراد: أنه يجب الحكم بنجاسته.

(1/310)


القول الثاني: وهو الذي يأتي على رأي أهل القُلتين، الناصر، والشافعي، وهو: أنه يُنْظَرُ في حاله، فإن كان الذي عن يمينها وشمالها ويجري فوقها يأتي قُلتين، فهو طاهر؛ لأنه صار مقداراً للكثرة، وإن كان دونهما فهو نجس لكونه قليلاً ولا يجوز التطهر به بعد انفصاله إلا أن يركد ويصير قلتين فما فوقهما، وهذا هو المشهور عن الشافعي، وقد روي عنه قول آخر أنه يكون طاهراً إذا كان غير متغير من غير اعتباره بالقلتين.
القول الثالث: أن الجرية وما فوق النجاسة وما تحتها وما عن يمينها وشمالها يكون طاهراً من غير حاجة إلى اعتباره بالقُلتين، وهذا هو المحكي عن الإمام المنصور بالله، وهو أحد أقوال الشافعي من جهة: أن الجرية لها حكم يخالف الركود فلأجل ذلك لم تقو النجاسة على تنجيس الماء من غير تغير.
الوجه الثاني: أن تكون النجاسة واقفة غير جارية بجرية الماء، فالماء الذي قبلها يكون طاهراً، والماء الذي بعدها [يكون] طاهراً إذا لم يتصل بها ويجاورها، فأما الجرية التي تكون فوق النجاسة ومن تحتها فإنه يُنظر فيها، فإن كانت متغيرة فهي نجسة، وإن كانت غير متغيرة فالأقوال الثلاثة التي حكيناها في الوجه الأول حاصلة هاهنا، فمن اعتبر الكثرة قال: هو نجس إلا أن يكون كثيراً، ومن اعتبر القُلتين قال: هو نجس كله إلا أن يكون قلتين، ومن عول على الجرية في الطهارة قال بكونه طاهراً على أية حال كان، سواء كان قلتين أو أكثر كما حكيناه عن المنصور بالله.

(1/311)


الوجه الثالث: أن يكون هاهنا نهر جار فوسطه يجري على سنن جريته، وعن يمين الجرية وشمالها ماء راكد متصل بجرية الوسط، فوقعت في الراكد نجاسة فيُنظر فيه، فإن كان متغيراً بالنجاسة فهو نجس، وإن لم يتغير فيجب تخريجه على تلك الأقوال الثلاثة، فعلى قول الأكثر من أصحابنا أنه يُنْظَرُ فيما ركد، فإن كان قليلاً فهو نجس لملاصقته النجاسة ولا تنفعه الجرية المائلة عن سمته، وعلى قول أهل القلتين إن كان الراكد قلتين فهو طاهر وإلا فهو نجس. وأما على رأي الإمام المنصور بالله فإنه ينظر فيه، فإن دخل عليه الجاري وخرج منه فإنه يكون له حكم الجاري فلا ينجس إلا بالتغير لا غير، وإن كان بحيث لا يتصل به الجاري ولا يدخل عليه. فإنه ينظر فيه، فإن كان قلتين فهو طاهر وإن لم يجر، وإن كان دونهما فهو نجس.
فهذه الأوجه الثلاثة كلها حادثة على رأي من ينجس القليل من غير تغير.
فأما على رأي القاسم والذي اخترناه، فكل ما ذكرناه في هذه الأوجه في هذه الأمواء فإنها طاهرة مالم تكن متغيرة من غير اعتبار ضابط آخر على أي صفة كانت، ومن أجل تنجيس القليل من غير تغير وقع الاختلاف في هذه الصور كما أوضحناه، ومع اعتبار التغير لا يقع هناك اختلاف في الصور، وهذا يدلك على أنه معيار لا تنثلم له حافة ولا تشذ عنه صورة دون صورة، ويسترسل على جميع الصور ويحيط بكل الحالات.
مسألة: إذا حكم بنجاسة الماء لوقوع النجاسة فيه وأريد تطهيره جاز ذلك؛ لأنه كالثوب إذا وقعت فيه نجاسة فإنه يجوز تطهيره بالغَسل، وليس يخلو حاله عند ذلك من أوجه ثلاثة:

(1/312)


الوجه الأول: أن يكون الماء كثيراً، واعتبار كثرته إما أن يكون بحيث لا تكون النجاسة مستعملة باستعماله كما رأى بعض أئمة العترة، وإما بحيث لا يُستوعَب شرباً وتطهراً في مُطَّرد العادة ومجراها، وإما بأن يكون قلتين فما فوقهما على رأي من يعتبر الكثرة بالقلتين كما هو رأي الإمامين الناصر والمنصور بالله والشافعي، فإذا كان كثيراً بهذه الاعتبارات وتغير بوقوع النجاسة عليه وأريد تطهيره، فإنه يطهر بزوال تغيره؛ لأنه هو المؤثر في نجاسته، فإذا زال تغيره وجب الحكم بطهارته لأنه خلق طهوراً، وإنما عرض له عارض فبزوال ذلك العارض تعود له الطهارة، وذلك يكون: إما بطول الإقامة والمكث، وإما بهبوب الريح، وإما بطلوع الشمس عليه، وإما بأن يضاف إليه ما هو أعظم منه وأوسع في الكثرة فيزول تغيره به، وإما بأن يؤخذ بعضه فيكون أخذه سبباً في زوال تغيره، فما هذا حاله يعود طاهراً عند أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي.
والحجة على ذلك: قوله ً: (( خلق الماء طهوراً )). وفي حديث آخر: (( لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه )). فإذا كان التنجيس متعلقاً بالتغير فهو إذا زال بطل حكم النجاسة.
نعم.. إذا طُرِحَ فيه شيء فزال التغير لأجل طرحه، فإن كان المتغير هو الطعم فطرح فيه ماله طعم فغلب طعمه طعم النجاسة، أو كان المتغير هو اللون فطُرِحَ فيه ماله لون فغلب لونه لون الماء، أو كان المغير هو الريح فَطُرِح فيه ماله ريح فغلب ريحه ريح الماء، فما هذا حاله لا يحكم بطهارته(1) للماء عند أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنه يجوز أن تكون صفة الماء المتغير بالنجاسة باقية، وإنما لم تظهر لغلبة ما طرح فيه، وتحقيق ذلك أن النجاسة متحققة الحصول في الماء، والشك حاصل في زوالها فلا وجه للحكم بزوالها بالشك.
__________
(1) أي بتطهيره.

(1/313)


وإن طُرح فيه تراب فأزال تغير الماء بالنجاسة، فهل يطهر أم لا؟ الأقرب على المذهب أنه غير مطهر(1)، وهو أحد قولي الشافعي الذي اختاره المحاملي ) لمذهبه.
والقول الثاني: أنه يطهر، حكاه الإسفرائيني من أصحابه.
والحجة للأوّل: هو أنه زال تغيره بوارد عليه غير مزيل للنجاسة، فأشبه ما لو طُرحَ فيه كافور أو مسك فزالت رائحته به.
والحجة للثاني: هو أنه قد زال التغير فأشبه ما لو زال بنفسه أو بماء.
والمختار: هو الأول، وهو ما ذكرناه من قبل، أن النجاسة متحققة والتراب لا يُعلَم حاله هل هو مزيل أو ساتر، فلا يجوز الحكم بطهارته مع الشك.
وإن طرح في الماء المتنجس غير التراب من الجوامد التي لا ريح لها ولا طعم ولا لون كالأحجار الصلبة فزال تغيره بها، فهل يطهر أم لا؟ فيه لأصحاب الشافعي وجهان:
أحدهما: أنه لا يطهر وهو محكي عن الشيخ أبي حامد من أصحابه.
وحجته: أنه زال تغيره بغير مطهر فأشبه الزعفران وماء الورد.
وثانيهما: أنه يطهر؛ لأنه قد زال التغير بطارئ عليه فأشبه ما لو زال بالماء.
والمختار للمذهب: هو الثاني.
والحجة على ذلك: هو أن هذه الأحجار ليس لها طعم ولا ريح ولا لون، فإذا زال تغير الماء بها كان طاهراً كما لو زال بهبوب الريح وطلوع الشمس.
__________
(1) هكذا في الأصل. والصواب: أنه لا يطهر.
(2) أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبي المحاملي البغدادي، أحد أئمة الشافعية، درس الفقه على الشيخ أبي حامد الإسفرائيني، وبرع في المذهب الشافعي، وله مصنفات كثيرة في الخلاف والمذهب، منها: (المقنع)، و(المجرد)، و(المجموع) و( رؤوس المسائل)، ولد سنة 368هـ، وتوفي في ربيع الآخر سنة 415هـ. (طبقات الشافعية).

(1/314)


الوجه الثاني: أن يكون على قدر مخصوص من الكثرة، بحيث لا يزيد عليها ولا ينقص منها على رأي أكثر العترة، أو يكون قلتين من غير زيادة عليهما فيكون كثيراً(1) ولا ناقص عنهما فيكون قليلاً، ومتى كان الأمر فيه على هذه الصفة فأُريد تطهيره فإنه يطهر بجميع ما ذكرناه، بهبوب الريح وجري الشمس، أو بأن يُزاد عليه من الماء ما هو أعظم منه ولا يخرج عن هذا إلا تطهيره بالنقصان عنه؛ لأنه متى نقص عن حد الكثرة كما يقوله أصحابنا، أو عن القلتين عند من يعتبرهما، كان نجساً، وتطهير الشيء النجس لا يكون بنقصان بعض أجزائه، وإنما يكون هذا إذا كان موصوفاً بالكثرة.
الوجه الثالث: أن يكون الماء ناقصاً عن حد الكثير، إما بأن يكون يغلب على الظن بأن النجاسة مستعملة باستعماله، أو بأن يكون ناقصاً عن القلتين عند من اعتبرهما في الكثرة، فإذا وقعت فيه نجاسة وغيرت أوصافه أو بعضها وأريد تطهيره، فإذا كوثر الماء فَصُبَّ عليه حتى بلغ حد الكثرة، فهل يطهر أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه لا يطهر، وهذا هو رأي أكثر أئمة العترة، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن كل واحد من الزائد والمزيد عليه نجس لكونهما قليلاً بانفراد كون كل واحد منهما، فلا يطهران باجتماعهما، كالمتولد بين الكلب والخنزير، فإنه يكون حراماً مثلهما.
وثانيهما: أنه يطهر، وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه.
__________
(1) في الأصل: فيكون قليلاً منها.

(1/315)


والحجة له على ذلك: هو أنها وقعت فيه نجاسة، وقد بلغ حد الكثرة بالقلتين من غير تغير فيه، فكان طاهراً كما لو وقعت فيه نجاسة وهو قلتان ولم تغيره فإنه يحكم بطهارته فهكذا هذا. قالوا: وهكذا لو كان هاهنا قلتان منفردتان في كل واحدة منهما نجاسة قد غيرتها، فخلطا جميعاً فزال التغير بالخلط حكم بطهارتهما، وقالوا أيضا: إذا كان هاهنا قلتان فوقعت في كل واحدة منهما نجاسة على انفراد كانت نجسة، فإذا اجتمعتا صارتا طاهرتين، فإذا تفرقتا كانتا على أصل الطهارة، وإن طرأ عليهما نجاسة بعد افتراقهما تنجستا لا محالة.
والمختار: أن هذه التفاصيل التي قررناها إنما تليق على رأي من أثبت نجاسة القليل من غير تغير، فأما على ما أَصَّلنا من أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فجميع هذه الصور كلها طاهرة سواء كان قليلاً أو كثيراً، أو كان قلتين أو زائداً عليهما أو ناقصاً عنهما فلا عبرة في طهارته ونجاسته بِطُرُوِّ النجاسة عليه إلا بتغيره لا غير.
نعم.. إذا كان لا بد من إثبات القليل من الماء يكون نجساً وإن لم يتغير، فحصره بالقلتين أولى من حصره بغيرهما(1) تفريعاً على قول أهل القليل؛ لأن القلتين قد دل الشرع على كونهما وما فوقهما معياراً للكثير من الماء، ودل على أن ما دونهما فهو معيار للقليل، فلهذا كان القلتان فما فوقهما لا ينجسان بوقوع النجاسة فيهما إذا لم تتغيرا وكان ما دون القلتين قليلاً فينجس بوقوع النجاسة وإن لم يتغير، بخلاف غيرهما من الضوابط للكثرة والقلة، فإنما تقررت بالمقاييس والظنون والأمارات وذلك يكون من جهة القياس، ولا شك أن منصب الشارع أعلى من منصب القائس؛ لأن عصمة الشارع معلومة مقطوع عليها، بخلاف القائس فإنما يصدر قياسه عن ظنون وأمارات خيالية، فلهذا كان القلتان أحق من جهة التقدير لو قلنا به. والله أعلم.
__________
(1) في الأصل: لغيره، ورأينا الصواب: بغيرهما، إشارة إلى حصر القليل بالقلتين.

(1/316)


مسألة: وإذا وقع في الماء نجاسة ولم تغيره ووقع الشك في الماء، هل هو قليل أو كثير، أو قلتان أو أقل منهما على رأي من قال بهما، حكم بنجاسته على رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي، من جهة أن الأصل فيه القِلة، والكثرة عارضة. فلهذا كان التعويل على كونه قليلاً فينجس.
وإن تحقق كون الماء كثيراً، أو قلتان فما فوقهما، ثم أُخِذَ [منه] مقدار فوقع الشك في كونه قليلاً أو كثيراً، ثم وقعت فيه نجاسة لم تغيره، كان طاهراً من جهة أن الأصل هو الكثرة؛ لأنها هي المتحققة من قبل، والشك إنما وقع في القِلة فلهذا حكمنا بطهارته.
وإن كان الماء كثيراً فنقص منه مقدار قربة أو غرب(1)، أو كان قلتين فنقص منهما مقدار كوز ثم أكمل بماء الورد ثم وقعت فيه نجاسة، كان الماء كله نجساً، وإن لم يتغير، من جهة أنه نقص عن مقدار ما تحمل النجاسة وهو الكثرة، وإن أكمل بماء قد تغير بالزعفران ثم وقعت نجاسة فيه، فإن الماء يكون طاهراً.
والتفرقة بينهما هو: أن ماء الورد عرق وليس بماء بخلاف ما تغير بالزعفران فإنه ماء كان مطهراً، فإذا أكمل بماء الورد فقد أكمل بغير الماء، وإذا أكمل بماء الزعفران فقد أُكْمِلَ بالماء فإذا زال تغيره بالخلط صار طاهراً مطهراً فافترقا.
وإن صَبَّ على القليل من الماء أو على ما دون القلتين خمراً أو بولاً، حكم بنجاسة الماء وإن لم يتغير، وهكذا إذا صَبَّ على القليل ماءً نجساً حكم بنجاسة الماء أيضاً، وإن صب ما حكم بقلته من الماء أو كان دون القلتين على الخمر والبول فاستهلك الخمر والبول بالماء، فهل يحكم بطهارة الماء أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يكون نجساً، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أنه ماء قليل خالطته النجاسة فيجب القضاء بنجاسته كماء لو ورد عليه البول والخمر.
__________
(1) المراد بالغرب هنا، القربة الكبيرة.

(1/317)


وثانيهما: أنه يكون طاهراً، وهذا هو المحكي عن الشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: قوله ً: (( إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً)). فنهى عن إيراد اليد النجسة على الماء وأمر بإيراد الماء عليها، فدل ذلك على أن إيراد الماء على النجاسة يستهلكها فلهذا طهرهاً بخلاف ما إذا أوردت عليه فإنها تكون مستهلكة له.
والمختار: هو الأول على رأي أهل القليل؛ لأنه إذا كان قليلاً فإنه يغلب على الظن أن النجاسة مستعملة باستعماله، فلهذا كان نجساً كما لو كانت النجاسة واردة على الماء، فهذه التفاصيل إنما تليق بمن قال بالتقدير في قليل الماء وكثيره كما فصلناه من تلك الضوابط لهم، فأما من جعل الضابط هو التغير فلا يفتقر إلى هذه التفاصيل وإنما معياره هو التغير لا غير، سواء كان الماء جارياً أو راكداً، فالتغير هو المعيار الذي لا يختلف حاله، وإنما وقع الاضطراب في هذه المسائل التي ذكرناها من أجل الضبط بالقليل والكثير بالقلتين وبغيرهما، فأما ضابط التغير فإنه لا اختلاف فيه.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه، فأما ما رواه أبو هريرة من قوله عليه السلام: (( إذا استيقظ أحدكم من منامه)). الحديث، فقد احتج به الشافعي على أن الماء إذا أُوْرِدَ على النجاسة طهّرها بخلاف ما إذا وردت عليه، وجوابه من وجهين:
أما أولاً: فلأنه إنما قال: (( فلا يُدخلها الإناء حتى يغسلها ثلاثاً)) ليس من أجل التفرقة بين أن ترد النجاسة على الماء أو يكون وارداً عليها، ولكن الغرض هو التنزيه، وإدخالها الإناء يناقض التنزيه ويبطله فلهذا أمر بإيراد الماء عليها من أجل ذلك.

(1/318)


وأما ثانياً: فلأنه لا يُؤمن أن تكون في يده نجاسة تفسد الماء، فلا جرم أمر بإيراد الماء عليها، ولأن الماء إذا ورد عليها كانت الغسالات منفصلة عن الماء بخلاف مالو كانت اليد واردة على الماء، فإنها تكون متصلة به، فحصل من هذا أنه لم يأمر بإيراد الماء على النجاسة من جهة التفرقة، فهما سيان في التنجيس على رأي من يفسد الماء بالقليل من النجاسة وإن لم تغيره.
وقد احتج بالخبر من زعم أن الماء القليل ينجس من غير تغير؛ لأنه لولا أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة لما نهى عن إدخالها الإناء من غير غسل، لأنه إذا كان إدخالها الأناء لا ينجس الماء فلا فائدة في نهيه عن إدخالها الإناء، وجوابه من وجهين:
أما أولاً: فليس في ظاهر الحديث ما يدل على أن في اليد نجاسة، وإنما ورد التعبد في المنع من إدخالها الإناء وإن كانت طاهرة، وليس وارداً على جهة المنع وإنما ورد على جهة التنزيه والاستحباب، ولهذا قال ابن عباس لما روى أبو هريرة هذا الحديث: فما نصنع بمهراسنا؟ يشير إلى أنه ليس وارداً عل جهة الحظر وإنما مقصوده التنزيه.
وأما ثانياً: فلأنا نقول: لعل النجاسة التي توهم اتصالها باليد كانت تغير الماء وتنجسه بالتغيير له، وكلامنا إنما هو في نجاسةٍ لا تُغَيِّر الماء، فلا جرم لم تكن منجسة له. والنزاع إنما وقع فيما كان من النجاسات غير مغير للماء هل تنجسه أم لا؟ فأما ما كان مغيراً له، فهو منجس له لا محالة فافترقا.
مسألة: إذا وقع في الماء القليل نجاسة لا يدركها الطرف أو في الثوب، فقد حكي عن أصحاب الشافعي فيه طرق خمس:
الأولى منها: أنه يعفى عنها؛ لأنه يتعذر الاحتراز مما هذا حاله فلهذا عفي عنه.
الثانية: أنه لا يعفى عن شيء منها من جهة أنها نجاسة متيقنة فهي كالنجاسة التي يدركها الطرف.
الثالثة: أن فيها قولين:
أحدهما: أنه يعفى عنها.
وثانيهما: أنه لا يعفى، ووجههما ما ذكرنا من قبل.

(1/319)


الرابعة: التفرقة بين الماء والثوب، فيعفى عن الثوب ولا يعفى عن الماء.
ووجه التفرقة بينهما: هو أن الثوب أخف حكماً في النجاسة ولهذا فإنه يعفى عن قليل الدم والقيح فيه، بخلاف الماء فافترقا.
الخامسة: أنه يعفى عن الماء ولا يعفى عن الثوب.
ووجه التفرقة بينهما: هو أن الماء يزيل النجاسة عن غيره، فلهذا دفع النجاسة عن نفسه بخلاف الثوب فافترقا.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من العفو عن ذلك، وهو أول هذه الطرق.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78]. فلو أوجبنا تنجيس الماء لكان في ذلك أعظم حرج، وأي حرج أعظم من المعاملة بنجاسة ما لا تُعْلَمْ نجاسته ويعلمها اللّه تعالى، والتكليف فيما هذه حاله، بما يدرك بالحس ويعلم بالإدراك. وقوله ً: (( بعثت بالحنيفية السمحة ))(1). ولا مسامحة فيما هذا حاله، إنما السموحة في إسقاط نجاسته والعفو عنها كما قلناه.
ومن جهة القياس، وهو أن ما هذه صفته فإنه يلحق بما لا نفع فيه؛ لأنه في الحكم كأنه غير واقع من جهة أنه غير مُدرَك ولا مرئي، فهذا ما أردنا ذكره في الأمواء النجسة وما تحتمله من المسائل، والله الموفق.
ا
__________
(1) رواه أحمد في مسنده، ونسبه صاحب موسوعة أطراف الحديث إلى الحاوي للسيوطي وتفسيري القرطبي وابن كثير وغيرهما.

(1/320)


---
القسم الثالث: في بيان المياه المستعملة
اعلم أن الماء المستعمل الذي وقع فيه التردد بين العلماء في كونه مطهراً أو غير مطهر، إنما يصير مستعملاً باعتبار معنيين.
المعنى الأول منهما: تأدية العبادة به، فرضاً كانت أو نفلاً، فما كان [من الماء] منفصلاً عن أعضاء المحدث في فرض الطهارة ونفلها، وما كان منفصلاً عن بدن المحدث في غسل الجنابة، فإنه يصير مستعملاً بما أوضحناه.
المعنى الثاني: ما أزيل به النجاسة، فهذا نحو الغُسالة الثالثة على رأي المؤيد بالله فإنها طاهرة، وقد صارت مستعملة في إزالة النجاسة بها، ونحو الغسالة الثانية والثالثة على رأي الشافعي فإنهما طاهرتان، وقد حصل لهما وصف الاستعمال بإزالة النجاسة بهما، فأما الغُسالة الأولى على رأي المؤيد بالله والشافعي فهي نجسة، فلا كلام عليها، وهكذا حال الغُسالة الثانية على رأي المؤيد بالله فإنها نجسة أيضاً، وإنما كلامنا فيما كان طاهراً من الماء وقد عرض [له] وصف الاستعمال. فمتى حصل هذان المعنيان صار الماء مستعملاً، وسيأتي تقريره، ومتى انتفيا جميعاً فليس مستعملاً، وإن حصل أحدهما دون الآخر فالماء مستعمل لا محالة. ومثال حصولهما جميعاً: هو أن المحدث لو كان على أعضائه نجاسة فطهرها من النجاسة، ثم لما كان عند الغسلة الثالثة نوى رفع الحدث فصار ما تساقط من الماء المستعمل يستعمل في رفع الحدث وإزالة النجاسة جميعاً.
ومثال ما انتفى عنه الأمران جميعاً، فالغُسالة الرابعة فإنها غير مستعملة في رفع حدث ولا إزالة نجس، فلا جرم لم يتعلق بها حكم الاستعمال، فما هذا حاله من الأمور يجوز فيه رفع الحدث وإزالة النجس؛ لأنه لم يتغير عن وصفه لا بعارض حسي ولا بعارض حكمي يزيل وصف التطهر به، فلهذا جاز التطهر [به] اتفاقاً. ومثال ما حصل به رفع الحدث دون إزالة النجس، الماء الذي تُؤَدَّى به العبادة من فرض أو نفل فإنه يكون مستعملاً لما حصل به من تأدية العبادة.

(1/321)


ومثال ما حصل به إزالة النجاسة، نحو الماء الذي تزال به النجاسة عن الثوب مثلاً، فإنه إنما كان مستعملاً بإزالة النجاسة لا غير وليس هناك حدث. وهل يصير الماء مستعملاً بالتبرد أم لا؟
والذي عليه أئمة العترة وهو قول الشافعي: أنه لا يصير مستعملاً. وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة: أن الماء يصير مستعملاً بالتبرد وأنكره الجصاص من أصحابه.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة، واختاره الفريقان أبوحنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أنه باق على أصل الطهارة لم يعرض ما يخرجه عن كونه مطهراً من شائب في عينه ولا حكمه، فوجب الحكم عليه بكونه طاهراً مطهراً كالماء الذي لم يخالطه شيء، ولأنه لم يعرض له إلا مباشرته للجسم من غير أن يتعلق به حكم شرعي فلا يكون مغيراً له كما اتصل بمجراه وممره.
فإذا عرفت حقيقة الماء المستعمل وما المراد به في ألسنة العلماء، فلنذكر مسائله المتعلقة بأحكامه.
مسألة: الماء المستعمل، هل يكون طاهراً أو نجساً أو موقوفاً في حاله؟ فيه ثلاثة مذاهب نفصلها:

(1/322)


المذهب الأول: أنه طاهر، وهذا هو الذي عليه أكثر أئمة العترة وهو المنصوص للشافعي والرواية المشهورة عن أبي حنيفة التي حكاها عنه محمد بن الحسن، وهو محكي عن مالك، ومحكي عن زيد بن علي )، والناصر، والمؤيد بالله، وأبي
__________
(1) أبو الحسين الإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ٍ إمام الزيدية وعلمها. كان عالماً مجتهداً وعابداً زاهداً شجاعاً، خرج مجاهداً لرفع راية الحق، وإزالة سلطة الظلم والجبروت، فاستشهد عام 122هـ، وقيل: سنة121هـ، وعمره 42سنة، قال أخوه الباقر (محمد): والله لقد أوتي أخي علم الدنيا فاسألوه فإنه يعلم ما لا نعلم. وقال الصادق (جعفر بن محمد): كان زيد أفقهنا وأقرأنا وأوصلنا للرحم. وقال أبو إسحاق السبيعي: لم أر مثل زيد أعلم ولا أفضل ولا أفصح في أهل البيت. وقال الشعبي: ما ولدت النساء أفضل من زيد ولا أشجع ولا أزهد. وقال أبوحنيفة: ما رأيت أفقه من زيد ولا أعلم. وقال ابن عنبة: مناقبه أجل من أن تحصى، وفضله أكثر من أن يوصف. روى عن: أبيه، وأخيه الباقر، وأبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وعبيدالله بن أبي رافع. وروى عنه: ابناه حسين وعيسى وابن أخيه جعفر بن محمد (الصادق)، والزهري، والأعمش، وشعبة، وسعيد بن خثيم، وإسماعيل السدي، وزبيد اليامي، وزكريا بن أبي زائدة، وعبدالرحمن بن الحارث بن عياش، وأبو خالد الواسطي، وابن أبي الزناد، وعدة. بايعه خمسة عشر ألفاً، ثم تفرق عنه أصحابه حتى بقي في ثلاثمائة وبضع عشرة وواصل الجهاد حتى رمي في جبينه وفاز بالشهادة فدفنه أصحابه في مجرى ماء، ولكن غلاماً دل جيش هشام عليه، فأخرجوه وصلبوه أربع سنين. أعانه أبوحنيفة عند خروجه من ماله وكان يفتي الناس بالخروج معه. له المجموعان: الحديثي والفقهي والأخير عليه شرح (الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير) للعلامة القاضي حسين بن أحمد السياغي وهو مطبوع في خمسة مجلدات. (مقدمة الأزهار تهذيب التهذيب).

(1/323)


طالب.
والحجة على ذلك: الظواهر القرآنية كقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوْرَاً}[الفرقان:48]. وقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}[الأنفال:11]. والماء المستعمل مندرج تحت هذه الظواهر فيجب القضاء بطهارته.
والحجة الثانية: الأخبار المروية كقوله ً: (( خلق الماء طهوراً لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو طعمه أو لونه)). وقوله ً: (( الماء لا يجنب)). وقوله ً: (( الماء طهور )). فهذه الأخبار كلها دالة على كونه طاهراً، ويدل على ذلك: ما روي أن الصحابة (رضي اللّه عنهم) كانوا لا يحترزون عنه، فلو كان نجساً لكانوا يحترزون عنه كما يفعلون في سائر النجاسات.
المذهب الثاني: أنه نجس، وهذه هي الرواية الثانية عن أبي حنيفة التي رواها أبو يوسف واختارها مذهباً لنفسه، وهو الذي حصله السيد أبوالعباس لمذهب الهادي.
والحجة على ذلك: ما رواه أبو هريرة عن النبي ً أنه قال: (( لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه ))، فجمع بين الأمرين في النهي، فلما كان البول في الراكد ينجسه فهكذا الاغتسال ينجسه، ولهذا عطف أحدهما على الأخر لما كانا مستويين في تنجيس الماء جميعاً.
الحجة الثانية: أن الأمة مجمعة على إراقته في السفر والحضر وإضاعته، فلولا أنه نجس وإلا لما فعلوا ذلك فيه كسائر الأمواء النجسة كالأبوال والأمواء التي خالطتها النجاسات.
والحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أنه ماء أزيل به مانع من الصلاة كالحدث والنجس، فيجب أن ينتقل المنع إليه كالماء المتغير بالنجاسة، وهذه الأمور كلها دالة على تنجيسه.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة وفقهاء الأمة ويدل على طهارته حجتان:

(1/324)


الحجة الأولى: ما عُلِمَ من حال الصحابة (رضي اللّه عنهم) أنهم كانوا يبتدرون إلى غُسالة وضوء رسول اللّه ً فيغسلون بها وجوههم وأيديهم ويتمسحون بها ويستشفون بمخالطتها، فلو كانت نجساً(1) لما فعلوا ذلك، ولأنكر عليهم رسول اللّه ما فعلوه لما فيه من مخامرة النجاسة ومخالطتها.
الحجة الثانية: وهي أن الماء باق على أصل الطهارة بالظواهر الشرعية وليس ينجس إلا بما يلاقيه، والماء المستعمل لم يعرض له ما يوجب تنجيسه من المخالطة للنجاسات، فيجب القضاء بكونه طاهراً؛ ولأنه ماء طاهر لاقى محلاً طاهراً فوجب أن يكون طاهراً كما لو غُسل به ثوب طاهر.
المذهب الثالث: الوقف في حاله، وهذا شيء حكاه أبو ثور ) عن الشافعي.
ومن توقف في مسألة فليس له مذهب فيها من جهة أن المذهب ليس إلا الاعتقاد أو الظن، ومن وقف فليس معتمده إلا تعارض الأدلة واستواؤها في حقه من غير ترجيح، فلهذا توقف فهو لا يفتقر إلى إيضاح مذهبه بالدلالة، إذ لا مذهب له كما قررناه، وغالب ظني أن توقف الشافعي في الماء المستعمل، إنما هو في كونه مطهراً لا في طهارته، ولهذا فإن تردده إنما هو في كونه مطهراً رافعاً للأحداث ومزيلاً للنجاسات في اختلاف أقواله كما سنحكيها، لا في كونه طاهراً فإنه لم يُحْكَ عنه تنجيسه، وظاهر توقفه مطلقاً، والأقرب أنه يجب حمله على ما قلناه.
مسألة: وإذا وجب الحكم بطهارته كما قلناه، فهل يكون مُطَهِّراً لغيره أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) يظهر أنه بنى العبارة على حذف الموصوف، وهو كلمة (ماء) أي: فلو كانت الغسالة ماء نجساً. إذ يستبعد أن يكون أراد (نجساً) بفتح الجيم؛ لأنها تطلق غالباً على النجس أصلا كالمشرك.
(2) إبراهيم بن خالد الكلبي، البغدادي، الإمام، الحافظ، المجتهد، يكنى بأبي عبدالله ولقبه أبو ثور. قال ابن حبان في الثقات: كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وورعاً وفضلاً، صنف الكتب، وفرع على السنن، وذب عنها، توفي سنة 240هـ.

(1/325)


المذهب الأول منهما: أنه طاهر مطهر، وهذا هو رأي المؤيد بالله أخيراً، ومحكي عن الحسن البصري والزهري ) والنخعي وداود، وهو مروي عن الإمامية، وحكى عيسى بن أبان )، عن الشافعي: أنه مطهر، ورواية عن مالك، ورواية عن أبي حنيفة.
والحجة [الأولى] على ذلك: ما روي عن النبي ً، (( أنه اغتسل من الجنابة فبقي في يديه لمعة فأخذ الماء الذي بقي في شعره فدلكها به))، وهذه هي صورة الماء المستعمل فإن أصل ذلك قد كان أدى به غُسل الجنابة ولا فائدة للمستعمل إلا ما ذكرناه، فما هذا حاله نص لا احتمال فيه.
الحجة الثانية: ما ذكرناه من قبل، أن الصحابة كانوا يبتدرون وضوء رسول اللّه ً، فيغسلون به وجوههم وأيديهم، فكما هو دال على طهارته كما أسلفنا تقريره، فهو دال على كونه مطهراً وهو مرادنا.
الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أنه أحد ما يشترط في تأدية الفروض فلا يخرج عن حكمه بتأدية الفرض به كالثوب فإنه يُصلَّى به مراراً.
__________
(1) أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب بن عبدالله بن الحارث القرشي، الزهري (نسبة إلى بني زهرة)، أحد فقهاء التابعين، رأى عشرة من الصحابة، وروى عنه: مالك، وابن عيينة، والثوري، وروى عن ابن عمر، وعبدالله بن جعفر، وأنس، وجابر، وأبي أمامة، والحسن وعبدالله ابني محمد بن الحنفية، وآخرين، وشنع عليه أبو حازم الأعرج وغيره لمخالطته هشام بن عبدالملك، ويقال: إنه كان على حراسة خشبة زيد بن علي. ضعفه الإمام المؤيد بالله، واحتج به أكثر الأئمة لتبحره في السنة، وحفظه. توفي لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة 124هـ. (مقدمة الأزهار).
(2) عيسى بن أبان بن صدقة أبو موسى. صحب محمد بن الحسن الشيباني وتفقه عليه، تولى القضاء بالبصرة حتى مات سنة 221هـ. له رسائل كثيرة واحتجاج لمذهب أبي حنيفة. (تاريخ بغداد ج10/175).

(1/326)


المذهب الثاني: أنه غير مُطّهّر لغيره، وهذا هو رأي أكثر العترة، الهادي والناصر والمنصور بالله، وهو محكي في رواية عن أبي حنيفة، ورواية عن مالك، والمشهور عن الشافعي، وبه قال الليث ) وأحمد بن حنبل والأوزاعي.
__________
(1) أبو الحارث الليث بن سعد بن عبدالرحمن المصري، الفهمي (نسبة إلى بطن من بيت قيس غيلان، سكن قرية أسمها فهم في مصر). وقيل: أصله من الفرس من أصبهان. روى عن: عطاء، ونافع، وابن الزبير، وآخرين، نقل عن الشافعي قوله: كان الليث أفقه من مالك، ولكن ضيَّعه أصحابه. وعن ابن بكير: كان فقيهاً، عربي اللسان، يحسن القرآن، والنحو، والشعر، والحديث، وقال ابن سعد في (الطبقات): ولد سنة 94هـ، وكان ثقة، كثير الحديث، صحيحه، واشتغل بالفتوى في مصر، توفي سنة 6 أو 177هـ. عن إحدى وثمانين سنة، وقيل: سنة 175هـ على ما في التهذيب. ودفن بمصر وعلى قبره قبة بالقرب من قبر الإمام الشافعي. (تهذيب التهذيب، مقدمة الأزهار، طبقات ابن سعد).

(1/327)


والحجة [الأولى] على ذلك: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( لا يتوضأ أحدكم بفضل وضوء المرأة ))(1). وقد تقرر أنه لم يرد مانع في الإناء؛ لأن ذلك مطهر بالإجماع وليس مستعملاً، وإنما يكون مستعملاً إذا تساقط من أعضاء الوضوء، وقد نُهي عنه، فدل ذلك على أنه غير مطهر. وفي حديث آخر: (( لايتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة ، ولا المرأة بفضل وضوء الرجل))(2). وكل ذلك دال على المنع من التطهر والوضوء بالماء المستعمل في قُربة من فرض أونفل.
الحجة الثانية: هو أن المعلوم من عادة الصحابة رضي اللّه عنهم والتابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا، [أنهم] كانوا يسافرون ويعدمون الماء فيعدلون إلى التيمم بعد عدمه، وما روي عن أحد منهم أنه توضأ بالماء المستعمل، فلو كان جائزاً لفُعل على قِلة الأمواء وضيقها في الأسفار.
__________
(1) روي عن الحكم بن عمرو، أن النبي ً: نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. أخرجه أبو داود، والترمذي، وهو مروي عن أبي هريرة. أورده في البحر وقال: وزاد مسدد (وليغترفا جميعاً).
(2) أفاد في البحر: بأن راوي هذا الحديث ضعيف، وأسنده إلى مجهول وأنه معارض بحديث عائشة (كنت أغتسل أنا ورسول اللّه من إناء بيني وبينه واحد) إلخ. ا.هـ. ويؤيد الأول ما روي بأن النبي ً، نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. وقد أشار المؤلف إلى ضعف الحديث. وراويه حُميد الحميري قال: لقيت رجلا صحب رسول اللّه أربع سنين كما صحبه أبو هريرة، قال: نهى رسول الله ... الخبر. ا.هـ.

(1/328)


الحجة الثالثة: ما روي عن عمر أنه كان له مولى يقال له: أسلم ) كان يأكل الصدقة، فقال له عمر: تأكل غُسالة أوساخ الناس؟ أرأيت لو توضأ إنسان بماء أكنت شاربه؟ فكرَّه شربه، فلو كان استعماله جائزاً لما كره شربه، فهذا تقرير كلام الفريقين كما ترى.
والمختار: القول بطهارته كما مر تقريره، فأما من قال بنجاسته فقد أبعد في نظره، ومن ادعى إجماعاً في طهارته لم يكن مجازفاً، فإنا نعلم من عادة السلف والخلف من الصدر الأول إلى يومنا هذا، عدم تحرزهم عن الأمواء المستعملة وهم يباشرونها مباشرة الأشياء الطاهرة وهم لا يخالفوننا في جواز شربه واستعماله في غير التطهر، ولو كان نجساً لما جاز ذلك فيه، كما لا يجوز في الأشياء المتنجسة من الأبوال والأرواث وغيرها.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: روى أبو هريرة: (( لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه)).
قلنا: جوابه من وجهين:
أما أولاً: فلأنا قد قررنا فيما سبق أن الاستدلال بهذه الطريقة تضعف من جهة أنها تعويل على الاقتران من غير علة جامعة بينهما، فلا يقبل ما هذا حاله، وهي طريقة لأصحاب أبي حنيفة؛ لأنهم عولوا فيها على أن البول لما كان منجساً للماء فهكذا الاستعمال لما كان معطوفاً عليه؛ لأن من حق المعطوف أن يكون مغايراً للمعطوف عليه، ولهذا استحال عطف الشيء على نفسه، فإذا كان من حقهما التغاير فكيف يقال إن من حقهما الاستواء في الحكم!.
وأما ثانياً: فلأنه محمول على كون الماء قليلاً قد تغير بمخالطة البول فلا يجوز الاغتسال به ولا فيه؛ لأجل نجاسته بالبول لا من أجل كونه مستعملاً، فبطل ما توهموه.
__________
(1) أسلم العدوي (مولاهم)، أبو خالد، ويقال: أبو زيد. قيل: إنه حبشي، وقيل: من سبي عين التمر، مولى عمر بن الخطاب، ابتاعه سنة 11هـ، روى عن: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، توفي سنة 70هـ، وقيل: سنة 80هـ. (تهذيب التهذيب).

(1/329)


قالوا: الأمة مجمعة على تضييعه في السفر والحضر وإراقته، وفي هذا دلالة على كونه نجساً.
قلنا: [هذا القول] فاسد لأوجه ثلاثة:
أما أولاً: فلأن ما ذكروه من دعوى الإجماع فإنما هو إجماع مرسل لا يُدرى بقصد الأمة فيه، فإنهم لم يصرحوا بمرادهم فيه، وما هذا حاله من الإجماعات فإنه لا حجة فيه.
وأما ثانياً: فهب أنهم أراقوه فلم يريقوه من أجل كونه نجساً، فما دليلكم على نجاسته؟ وليس الكلام إلا في نجاسته.
وأما ثالثاً: فلأنا نقول: لعلهم أراقوه من أجل استغنائهم بغيره، أو من أجل كراهتهم واستقذارهم منه، فمطلق الإراقة له لا يكون حجة على تنجيسه.
قالوا: هو ماء أزيل به مانع من الصلاة، وهو الحدث والنجاسة، فانتقل المنع إليه كالماء المتنجس.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأن هذا القياس باطل بالفرق، لأنا نقول: المعنى في الأصل أن الماء تغير بالنجاسة، والمستعمل لم يكن متغيراً بالاستعمال، فما هذا حاله من الفرق يبطل فيه الجمع ويلحق الجامع بالفساد والبطلان من جهة كون الفرق مخيلاً والجامع أمر شبهي.
وأما ثانياً: فلأن هذا القياس معارض بمثله، فإنا نقول: شيء يؤدى به الفرض فلا يخرج عن حكمه بتأدية الفرض، كالثوب يُصَلَّى فيه مراراً فبطل ما توهموه، فإذاً تقرر كونه طاهراً بما أوردنا من الأدلة وبإبطال ما جعلوه حجة لهم على نجاسته.
والمختار أيضا: كونه مطهراً كما قاله المؤيد بالله كما سبق تقريره من الأدلة ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: أنا نقول: إنه ماء طاهر لم يَشِبْه شيء من النجاسات ولا ما يخرجه عن كونه ماء، فجاز التطهر به كالماء القراح.
فقولنا: ماء. نحترز به عن الخَلِّ واللبن [ونحوهما] فإنها غير مطهرة كما مر بيانه.
وقولنا: لم يشبه شيء من النجاسات. نحترز به عما غيَّر أحد أوصافه أو كلها فإنه لا يجوز التطهر به.
وقولنا: ولا ما يُخرجه عن كونه ماء، نحترز به عما خالطه شيء من المائعات الطاهرة فأزال عنه اسم الماء.

(1/330)


والحجة الثانية: هو أنا قد أوضحنا أن الماء القليل لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إذا لم تكن مغيرة لأحد أوصافه، بالبراهين الشرعية الظاهرة، فإذا كان ما هذا حاله من الأمواء يكون طاهراً مطهراً، فهكذا ما كان الشائب له أمراً حكمياً وهو الاستعمال يكون طاهراً مطهراً من جهة أن الشائب العيني أقوى وأظهر أمراً من الشائب الحكمي، فإذا كان لا يخرجه عن التطهير، فالمستعمل لا يخرجه الاستعمال عن التطهير أحق وأولى.
وإذا تقرر بما ذكرنا كونه مطهراً، جاز رفع الحدث به وجازت إزالة النجاسة به؛ لأن كل ما يرفع الحدث فإنه يرفع النجس، كالماء القراح فإنه كما يرفع الحدث عن أعضاء الطهارة وجب أن يكون رافعاً للنجاسة.
وإذا قلنا: بأنه غير مطهر، لم يجز رفع الحدث به، وهل يجوز إزالة النجاسة به أم لا؟ فيه لأصحاب الشافعي وجهان:
أحدهما: وهو المحكي عن أبي القاسم الأنماطي )، وعلي بن خيران )، أنه يجوز إزالة النجاسة به ولا يجوز إزالة الحدث، من جهة أن للماء حكمين، رفع الحدث وإزالة النجاسة، فإذا بطل رفعه للحدث بما ذكروه من الأدلة، بقي الحكم الآخر وهو إزالة النجاسة.
__________
(1) أبو القاسم عثمان بن سعد بن بشار البغدادي الأنماطي، كان فقيهاً، أخذ عن المزني، والربيع، وهو السبب في بساط الأخذ بمذهب الشافعي. مات ببغداد سنة 288هـ. (طبقات الفقهاء).
(2) علي بن أحمد بن خيران البغدادي، أبو الحسين، له كتاب اللطيف يشتمل على ألف ومائتين وتسعة أبواب وهو غير أبي علي بن خيران المعروف بالكبير، وعده صاحب طبقات الشافعية الكبرى من الطبقة السادسة، ولم يذكر تاريخ وفاته. راجع ترجمته برقم 99.

(1/331)


وثانيهما: وهو المعوّل عليه عند أبي إسحاق صاحب (المهذب)(1) وارتضاه صاحب (البيان)(2) لأن ما لا يجوز رفع الحدث به فلا يجوز إزالة النجاسة به كالماء النجس.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: روي عن الرسول ً أنه قال: (( لا يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة ولا المرأة بفضل وضوء الرجل)) وفي هذا دلالة على أنه غير مطهر.
قلنا: الكلام على هذا الخبر من أوجه [سبعة]:
أما أولاً: فلأن هذا الحديث رواية داود بن عبدا