|

قلنا: ليس يخلوا لحال إما أن ينوي الطهارة مطلقاً أو ينوي
الطهارة عن الحدث، فإذا نوى الطهارة مطلقاً لم يكن مجزياً له أن
يؤدي بهذا الوضوء شيئاً من الصلوات؛ لأن الطهارة المطلقة لا تعلق
لها بالصلوات كما لو نوى به التبرد، وقد حكى البويطي عن الشافعي:
أنه إذا نوى الطهارة المطلقة بوضوئه أجزأه، والصحيح عند الأكثر من
أصحاب الشافعي أنه لا يجزيه. وقالوا: إنما ذكره في (البويطي) محمول
على أنه نوى به الطهارة عن الحدث لا مطلق الطهارة، وإن أراد الثاني
وهو أنه نوى به الطهارة عن الحدث أجزأه لا محالة كما مر تقريره؛
لأنه مع نية رفع الحدث لا يحتمل إلا الصلاة، بخلاف ما إذا أطلقه
فإنه كما يحتمل الصلاة فإنه محتمل لغيرها فافترقا، فوضح بما
لخصناه: أنه مهما نوى بوضوئه رفع الحدث فإنه يكون مجزياً لتأدية
جميع الصلوات، ولولا أن الأمارات الشرعية مختلفة باختلاف قرائح
المجتهدين في مواقع الأنظار الفقهية والمضطربات الاجتهادية فحالها
كحال المغناطيس يجذب الحديد ولا يجذب الرصاص والنحاس، لكنت شديد
التعجب من نظر الإمام أبي طالب مع ما خصه اللّه تعالى به من اتقاد
القريحة وجودة الفطنة والرأي الموفق حيث قال: بأن الوضوء المقصود
به رفع الحدث لا يكون مجزياً لتأدية الصلاة على الإطلاق.
الفرع الثالث: في تقرير مسائل صفة النية على رأي المؤيد بالله.
إذا نوى المتوضئ بوضوئه رفع الحدث أو الطهارة عن الحدث أوالطهارة
من أجل الحدث أجزأه ذلك؛ لأنه قد نوى به المقصود فلهذا كان مجزياً
له، فإن نوى الطهارة المطلقة ولم ينو رفع الحدث لم يجزه؛ لأن
الطهارة قد تقع عن حدث وتقع عن نجس، فلابد من النية ليحصل الميز
بينهما، فقد حكينا ما كان في (البويطي) عن الشافعي وتأويل أصحابه
له، وإن نوى المحدث بوضوئه رفع الجنابة لم يجزه على رأي المؤيد
بالله وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر: أنه يجزيه.
(1/730)
والحجة على ما قلناه: أنه نوى غير ما هو المقصود فلم يكن مجزياً
له كما لو نوى به التبرد، وإن نوى الجنب رفع الحدث عن جميع بدنه
اجزأه ذلك، وإن نوى الجنب رفع الحدث الأصغر فهل يجزيه أم لا؟ فيه
وجهان:
أحدهما: أنه لا يجزيه وضوؤه؛ لأنه نوى به غير منويها فلا يجزيه إذ
ليس هناك حدث أصغر مع وجود الأكبر.
وثانيهما: أنه يجزيه وهذا هو الأصح، ويرتفع الحدث عن أعضاء الوضوء
لا غير، لأنه إذا كان جنباً فهو محدث أيضاً، فإذا رفع الحدث الأصغر
أجزأه لكونه متحققاً في حقه. وإذا نوى الطهارة لأمر يتعذر وقوعه من
غير طهارة أجزأه ذلك، كأن ينوي بوضوئه الصلاة على الإطلاق أو صلاة
الجنازة أو صلاة الضحى أو الطواف أو سجود التلاوة أو سجود الشكر،
على رأي من يعتبر الطهارة في هذه الأمور، فإنه يرتفع حدثه من جهة
أن فعل هذه الأشياء لا يصح من غير طهارة، فإذا نوى الطهارة لها فقد
تضمنت رفع الحدث، وإن نوى الطهارة لفعل يصح من غير طهارة ولا تستحب
فيه الطهارة كالأكل والشرب واللباس والدخول على السلطان ودخول
الحمام، وغير ذلك، لم يرتفع حدثه لأنه يستبيح فعل هذه الأشياء من
غير طهارة، فلأجل هذا لم تكن نيته لها متضمنة لرفع الحدث، وإن نوى
الطهارة لأمر يصح من غير طهارة؛ لكنه يستحب فيه الطهارة كقراءة
القرآن، والاعتكاف، ورواية الحديث، وغير ذلك، فالأقرب على رأي
المؤيد بالله: أنه لا يرتفع حدثه وهو أحد قولي الشافعي؛ وله قول
آخر: أنه يرتفع حدثه لأنه يستحب له فعل هذه الأمور وهو طاهر، فلهذا
كانت نيته لها متضمنة رفع الحدث.
(1/731)
والحجة على ما قلنا: هو أن فعل هذه الأشياء يصح من غير طهارة
فلم تتضمن نيته لها رفع الحدث كما لو نوى بوضوئه أكل الطعام، وإن
نوى بوضوئه غسل يوم الجمعة أجزأه ذلك؛ لأن غسل يوم الجمعة إنما
يراد للصلاة، لقوله ً: (( من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل
فالغسل أفضل))(1). فدل على أن الغسل قائم مقام الوضوء، وإن نوى رفع
الحدث والتبرد ففيه تردد والأقرب صحته، كما قال الهادي عليه
السلام: إن توضأ مُعَلّماً للغير أجزأه الوضوء، وهو أحد قولي
الشافعي، وله قول آخر أنه لا يجزيه من جهة أنه أشرك في النية بين
القُربة وغيرها.
والحجة على ما قلناه: وهو المنصوص للهادي، والشافعي: هو أنه قد نوى
رفع الحدث وضم إليه مالولم ينوه لحصل مقصوده، فصار كالصلاة ينوي
بها الصلاة، وينوي دفع خصمه باشتغاله، فكما أن ذلك لا يؤثر في
الصلاة فهكذا ما نحن فيه، وما ذكرناه أنه قول الهادي هو أنه إذا
نوى مع نية الصلاة تعليم الغير لا إذا نوى رفع الحدث.
الفرع الرابع: في تقرير مسائل صفة النية على رأي الإمام أبي طالب.
__________
(1) سيأتي في الغسل وصلاة الجمعة.
(1/732)
إذا نوى بوضوئه أن يؤدي به فرضاً على الإطلاق جاز أن يؤدي به ما
شاء من الفرائض؛ لأنه إذا نوى به فرضاً مطلقاً فالفرض عام وهو
متعلَّق للوضوء، لأنه مفعول لأجله فلهذا كان مجزياً له، ويجوز
تأدية النفل به؛ لأن ما صلح للفرض [فهو] صالح [للنفل] من جهة أن
الفرض نفل وزيادة؛ لأن الفرض هو: ما الأولى(1) فعله ولا يجوز تركه،
والنفل هو: ما الأولى فعله ولا يحرم تركه، فلما كان الفرض نفلاً
وزيادة جاز أن يؤدي بالوضوء الذي نوى به الفرض النافلة لما ذكرناه،
وإن نوى به فرضاً معيناً لم يجز أن يؤدي به فرضاً آخر من [جهة] أن
هذه صلاة مفروضة لم ينوها بوضوئه، فيجب أن لا تكون صحيحة كما لو
نوى للتَّبَرُدِ، ويجوز تأدية النفل بهذا الوضوء لما ذكرناه من أن
ما صلح للفرض فهو بعينه صالح للنفل، ومن أجل أن النفل في المرتبة
دون مرتبة الفرض، فإذا صلح لتأدية الفرض المعين كان صالحاً لتأدية
النفل من غير تفرقة بينهما، وإن توضأ بنية النفل فإنه لا يجوز أن
يؤدي الفرض، من جهة أن الوضوء طهارة تستباح بها الصلاة، فالمفعول
بنية النفل لا يقع عن الفرض كالتيمم، ويجوز أن يؤدي به النفل؛ لأن
ما صلح لتأدية النفل جاز أن يؤدى به نفل آخر لاندراجهما جميعاً تحت
النافلة.
__________
(1) بمعنى: ما يجب.
(1/733)
ووجه آخر يبطل أن الوضوء للنفل لا يؤدى به الفرض: وهو أن الوضوء
عبادة يبطل بالحدث، فالمفعول بنية النفل لا يقع عن الفرض كالتيمم،
فحاصل الأمر على ما ذكره السيد أبوطالب: من أن الوضوء لابد من أن
يكون له تعلق بالصلاة لقوله تعالى:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}[المائدة:6].فالمراد به
فاغسلوا وجوهكم للصلاة التي تقومون إليها، والقيام إنما يكون إلى
صلاة معينة؛ لأنه يستحيل القيام إليها أجمع ويستحيل القيام إلى
صلاة غير معينة، وإذا كان القيام مأموراً به إلى صلاة معينة وجب في
الوضوء أن يكون مخصوصاً بها موقوفاً في الصحة والثبوت عليها، وعلى
هذا لا يجوز أن يؤدي به فرضاً آخر، ويجوز تأدية النافلة، وإن نوى
وضوءه للنفل فإنه يجوز أن يؤدي [به] نافلة أخرى من جهة أن النوافل
متسعة وللشرع فيها تساهل، فهكذا يكون تقرير كلام السيد أبي طالب
فيما قاله. وقد أجبنا عن الكلمات التي أوردوها في تقرير هذه
القاعدة وأوضحنا الانتصار عليها فأغنى عن التكرير.
الفرع الخامس: في تفريق النية:
اعلم أن المراد بتفريق النية في ألسنة الفقهاء: هو إفراد النية
لغسل كل عضو من غير نية لغسل ما بعده، ومثاله: أن ينوي بالمضمضة
والاستنشاق، ثم ينوي غسل الوجه، ثم اليدين، ثم الرجلين، فهذا معنى
تفريق النية على اصطلاحهم. وهل يكون ذلك جائزاً أم لا؟ فيه لأصحاب
الشافعي وجهان:
أحدهما: أنه لا يجزيه ذلك من جهة أن الطهارة عبادة واحدة فلم يصح
تفريق النية [فيها] كالصلاة والصوم.
وثانيهما: أن ذلك صحيح ويكون مجزياً؛ لأن تفريق النية باعتبار
أعضاء الوضوء لا تبطل ما فعله أولاً منها، فلهذا كان مجزياً، وهذا
هو الذي عليه أئمة العترة أن النية إذا حصلت أولاً في أول أعضاء
الوضوء فإنها تكون مجزية؛ لأنها تكون مسترسلة بحكم الشرع على جميع
أعضاء الطهارة، وأما إذا كرر النية فذلك معنى الاستصحاب.
(1/734)
والحجة على ذلك: هو أن المقصود من نية الوضوء أن يكون مراداً به
القربة وتأدية الصلاة، وهذا حاصل بالنية في أوله فلا يفسدها
تكريرها، ولأنه لا يحصل بالإرادة الثانية إلا ما كان حاصلاً
بالأولى فلا مانع من تكريرها، وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء.
وما يحكى عن المتكلمين من المعتزلة البغدادية والبصرية: من أن
المصلي يحتاج إلى أن ينوي القربة لكل ركن من أركان الصلاة والصوم
والوضوء والحج وسائر العبادات، فليس ذلك منهم على جهة الاشتراط في
الإجزاء، فهذا لا دليل عليه، وإنما الغرض هو تكثير الثواب بتجديد
النية في كل عضو من أعضاء الطهارة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن
تفريقها على الأعضاء جائز، وأن ذلك ليس على جهة الشرط في الإجزاء
فلا دليل عليه ولا برهان من جهة الشرع بحال.
نعم.. استدامتها وتكريرها في كل وقت تفعل فيه عند غسل كل عضو، يكون
مستحباً لقوله عليه السلام: (( نية المؤمن خير من عمله ونية الفاسق
شر من عمله)). وإنما كانت أحسن من العمل لما يحصل فيها من مضاعفة
الثواب والأجر، ومن أجل أن العمل يكون متصلحاً بها، فمن أجل ذلك
كانت خيراً من العمل لا من أجل أن العبادة مفتقرة في صحتها
وإجزائها إلى تكريرها ودوامها.
الفرع السادس: في عزوب النية:
العزوب: هو البعد والانقطاع يقال: عزبت الإبل: إذا بعدت عن
مراحاتها، وعَزَبَ فلان يَعْزُبُ: إذا بعد وغاب، وعزب عن فلان
حلمه: إذا بعد عنه.
واعلم أن كل من أحدث نية الوضوء في أول أعضائه على حد اختلافهم في
الأول منها كما مر تقريره، فإذا نوى عند غسل الوجه مثلاً ثم عزبت
نيته أي انقطعت فلم يجددها مرة بعد مرة أجزأه ذلك؛ لأنه إذا نوى
الوضوء في الابتداء ثم عزبت نيته بعد إحداثها، ثم غسل باقي
الأعضاء، فإن الوضوء يكون مجزياً له، ما لم يصرفها عن منويها.
(1/735)
والحجة على ذلك: هو أنه فاعل لغسل باقي الأعضاء، والفعل من
الفاعل لا يقع إلا لغرض، ولا شك أنه لم يحصل تجدد غرض آخر يكون
مصروفاً إليه، فلهذا وجب اندراجه تحت الغرض الأول بحكم الشرع. قال
السيد أبو العباس: فإن عزبت نيته أجزأه ذلك ما لم يصرفها عن
منويها، يشير بكلامه إلى التلخيص الذي ذكرناه، فإن كان عند عزوب
النية وانقطاعها صرفها عن منويها بأن أحدث إرادة مخالفة للأولى في
متعلقها فسيأتي تقرير حكمه، وهو أنه يرجع إلى العضو الذي غير عنده
النية فيستأنف غسله مطابقة للنية السابقة من غير مخالفة لها.
فإن قال قائل: قد ذكرتم فيما سلف أنه إذا نوى الوضوء مع التبرد فإن
النية تكون مجزئة له في الوضوء ولا يضر مضامَّة النية ما ليس
بقربة، فهلاَّ كانت النية الأولى كافية، وإن قطعها بنية التبرد في
بعض أعضائه، فما التفرقة بينهما؟
قلنا: التفرقة ظاهرة، فإنه إذا ضم نية التبرد إلى نية رفع الحدث
فقد نواهما جميعاً وفي ذلك تأدية غرضه من العبادة، فلهذا كان
مجزياً له، بخلاف ما إذا نوى الحدث في أعضاء الوضوء ثم إنه نوى
التبرد في بعضها فإنه إذا نوى التبرد فقد انتقل غرضه ولم تكن
إضافته إلى الغرض الأول؛ لأجل كونه مستقلاً بنفسه لاستغنائه عنه،
ويفارق ما إذا لم ينو فإنه يكون مندرجاً تحت الأول، ويفارق ما إذا
نواهما كما قررناه فافترقا.
الفرع السابع: وإن غسل كفيه ونوى الوضوء عند غسلهما ثم عزبت نيته
قبل المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه، فهل يجزيه الوضوء أم لا؟ فيه
مذهبان:
أحدهما: أنه يجزيه ذلك، وهذا هو رأي أحمد بن يحيى، ورواية عن
القاسم، فهو إذا نوى عند غسلهما أجزأه ذلك لأنهما أول أعضاء الوضوء
عنده، كما لو نوى غسل الوجه وسنقرر حكمهما من بعد بمعونة اللّه
تعالى.
(1/736)
وثانيهما: أنه إذا نوى عند غسلهما ثم عزبت نيته عند غسل الوجه
أو المضمضة والاستنشاق لم تكن مجزية له هذه النية في وضوئه، وهذا
هو رأي السيدين الإمامين الأخوين، وغيرهما من علماء العترة.
والحجة على ذلك: هو أنه أحدث النية في غير موضعها ثم عزبت عنه عند
اشتغاله بأول أعضاء الطهارة، فلم يكن ذلك مجزياً له كما لو نوى عند
خروجه من منزله ثم عزبت نيته عند اشتغاله بأول أعضاء الوضوء.
وإن أحدث نية وضوئه عند المضمضة والاستنشاق ثم عزبت نيته قبل غسل
الوجه، فهل تكون تلك النية مجزئة أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنها مجزئة سواء عزبت نيته قبل غسل جزء من أجزاء الوجه أو
بعده، وهذا هو رأي المؤيد بالله؛ وغيره من علماء العترة.
والحجة على ذلك: هو أنه قد أحدث النية في أول عضو من أعضاء الوضوء
ثم عزبت عنه بعد شروعه فيهما، فيجب أن يكون ذلك مجزياً في الوضوء
كما لو أحدثها عند غسل الوجه، ثم عزبت عنه قبل غسل اليدين، ولأن
محل النية هو أول الأعضاء ولا يلزم استمرارها، فانقطاعها وعزوبها
لا يطرق خللاً في النية الأولى كما لو غسل الوجه وعزبت نيته بعد
ذلك.
وثانيهما: أنه ينظر في ذلك، وهذا هو المحكي عن الشافعي، فإن كان قد
نوى الوضوء عند المضمضة والاستنشاق ثم عزبت نيته وانقطعت بعد غسل
جزء من وجهه نحو غسل رأس الأنف أو شق الشفة بنيته غسل الوجه، اجزأه
ذلك ولم يؤثر انقطاع النية بعد ذلك؛ لأنها وجدت مع أول فرض من فروض
الطهارة، وإن غسل جزءاً من الوجه لا بهذه النية فهل يجزي أم لا؟
فيه لهم وجهان:
أحدهما: أنه يجزيه، لأنه فعل مشروع في الوضوء فإذا عزبت نيته عنده
أجزأه كغسل الوجه.
وثانيهما: أنه لا يجزيه، وهو الأصح من قولي الشافعي عند أصحابه؛
لأن نيته عزبت قبل غسل المفروض فلم تجز كما لو عزبت نيته عند غسل
الكف، ثم لو عزبت نيته وانقطعت بعد غسل الكف فهل تكون مجزية أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: أنها مجزية كما قاله أحمد بن يحيى.
(1/737)
وثانيهما: أنها غير مجزية كما قاله المؤيد بالله، وقد قدمنا ذكر
التوجيه في الوجهين فلا حاجة إلى تكريره.
الفرع الثامن: في صرف النية:
اعلم أن كل من نوى في أول عضو من أعضاء الطهارة، رفع الحدث أو
تأدية الصلاة على الإطلاق، ثم صرف نيته عن هذه الجهة وغَيَّرها
عنها نظرت، فإن كان صرفه للنية من جهة العبادة إلى جهة المباح كأن
يغسل بعض أعضائه بنية رفع الحدث وبعضها بنية التبرد أو بنية
التنظيف عن الأدران، فإذا فعل ذلك فإنه يجب عليه أن يعود إلى
الموضع الذي صرف النية فيه فيعيد غسله، وما بعده بنية مستأنفة
مطابقة للنية الأولى.
والحجة على ذلك: هو أن النية معتبرة في الوضوء كما أسلفنا تقريره
فإذا صرفها إلى ما ذكرناه فقد أخرجه عن نية القربة، فلهذا لم يكن
مجزياً إلا بالإعادة فيما صرف منه النية ليكون الوضوء كاملاً على
الوجه المشروع لتأدية الصلاة، ولا يلزمه غسل ما قد كان غسله بالنية
المتقدمة؛ لأنها مطابقة للمقصود فلا وجه لإعادتها.
وإن كان صرفه للنية من جهة من العبادة إلى جهة أخرى نظرت، فإن
صرفها من فرض إلى نفل أومن فرض إلى فرض فهل تكون النية مجزية أم
لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنها مجزية مع هذا النوع من الصرف، وهذا هو رأي المؤيد
بالله، وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن ما ذكرناه لا يطرق خللاً في أصل النية؛ لأنه
لو نوى هذه الأمور في أول أعضاء الوضوء كان مجزياً فهكذا إذا وقع
الصرف والتغيير إليها يكون مجزياً أيضاً.
وثانيهما: أنه إن أراد بهذا الوضوء تأدية النوافل جاز ذلك وإن أراد
به تأدية الفرائض لم يجز ويلزمه العود إلى العضو الذي غير فيه
النية، فيغسله وما بعده بنية الفرض، وهذا هو رأي السيد أبي طالب.
(1/738)
والحجة على ذلك: هو أن ما قررناه من قبل من أن للوضوء خصوصاً
بالصلاة المفعولة فإذا عينه لفرض تعين له ولم يجز تأدية فرض آخر
به، وإن عينه لفرض جاز تأدية النفل به كما مر تقريره، فإن أراد
الفرض الأول وجب أن يعود إلى العضو الذي غير النية عنده ثم يستأنف
غسله وما بعده بنية مستأنفة، وإن أراد الفرض الثاني وجب إعادة
الوضوء من الأصل ليكون الوضوء مؤدى على حالته المشروعة.
الفرع التاسع: في قطع النية، وإذا فرغ من الوضوء بنيته، ثم نوى
قطعه فهل تبطل الطهارة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو المشهو ر لأصحاب الشافعي، أن الطهارة لا تبطل؛ لأنها
عبادة فلم تبطل بنية القطع لها كالصلاة بعد فراغه منها.
وثانيهما: أنها تبطل، وهذا هو الذي ذكره بعض أصحابه؛ لأنه نوى
قطعها فوجب أن تبطل كما لو ارتد.
والمختار على رأي أئمة العترة: أن الطهارة لا تبطل بهذه النية،
لقوله تعالى:{وَلاَ تُبْطِلُوْا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33]. وقوله
تعالى:{وَلاَ تَكُوْنُوْا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ
بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثَاً}[النحل:92]. ولأنه قد تقرر الوضوء
بحكمه وإجزائه، والنية لا تأثير لها في إبطال الأعمال الصحيحة؛ لأن
النية لا تكون مؤثرة إلا في الأعمال المستقبلة، ولا تكون مؤثرة
بانعطافها على ما قبل إلا بدلالة شرعية؛ ولا دلالة هاهنا تدل على
ذلك، فبطل حكمه.
وإن غسل بعض أعضائه ثم نوى قطع الطهارة ففيه وجهان أيضاً:
أحدهما: أنها تبطل، كما لو نوى قطعها بعد الفراغ منها.
وثانيهما: أنها لا تبطل، وهذا هو المختار على رأي أئمة العترة؛ لأن
ما مضى قد تم لاستكمال شرائطه، فورود القطع عليه لا يبطل حكمه بعد
ثبوته واستقراره ولا يبطل إلا بالحدث.
(1/739)
فإن قال قائل: قد ذكرتم فيما سبق أنه لو نوى بوضوئه رفع الحدث
والتبرد جاز ذلك، وجاز تأدية الصلاة بهذا الوضوء، فلو نوى بصلاته
الفرض والتطوع وفي صومه كذلك [فيلزم] أن يكون مجزياً، وإن منعتم من
ذلك فما التفرقة بينهما؟
فجوابه: أنا نمنع من صحة ذلك في الصوم والصلاة، والتفرقة بينهما
وبين الوضوء ظاهرة، وهو أن التبرد لا يفتقر إلى نية فلو غسل أعضاءه
حصل التبرد وإن لم تكن هناك نية، فإذا أشرك بين الوضوء والتبرد لم
يكن ذلك الاشتراك مؤثراً في نيته بخلاف صلاة الفرض والنفل فإن كل
واحد منهما يحتاج إلى نية مستقلة بنفسها فكانا متغايرين، فلهذا كان
الاشتراك مانعاً فافترقا. ونظير ما ذكرناه: أنه لو صلى وقصد
بالصلاة دفع خصومة غيره فإن صلاته تكون صحيحة من جهة أن قطع خصومة
غيره لا تفتقر إلى نية، فلهذا لم يكن بينهما تغاير فلهذا كان
جائزاً.
الفرع العاشر: في حكم الأحداث إذا نوى رفع بعضها:
اعلم أن كل من أحدث أحداثاً في بعض الطهارة ونوى عند وضوئه رفعها
ارتفعت؛ لأنه قد نوى رفعها فوجب ارتفاعها بحكم الشرع، وإن نوى رفع
بعضها من غير تعيين لواحد منها وإبقاء غيره فهل يصح هذا الوضوء أم
لا؟ فيه أربعة أوجه لأصحاب الشافعي:
أحدها: أنه لا يصح وضوؤه؛ لأنه لم ينو رفع الأحداث كلها، والأعمال
بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
وثانيها: أنه إذا نوى رفع الحدث الأول ارتفع الجميع منها، وإن نوى
غيره لم يصح وضوؤه؛ لأن الذي أوجب الطهارة هو الأول فإذا نواه
ارتفع الجميع.
وثالثها: أنه إذا نوى رفع الحدث الآخر ارتفع الجميع وإن نوى غيره
لم يصح؛ لأنها تتداخل فيكون الحكم في التأثير في بعض الوضوء
لآخرها.
ورابعها: أنه يصح وضوؤه وهذا هو المختار على رأي أئمة العترة؛ لأن
الأحداث متداخلة فإذا نوى رفع واحد منها لا بعينه ارتفع الجميع.
(1/740)
ومن وجه آخر: وهو أن الواحد منها لا بعينه لما كان مؤثراً في
نقض الطهارة فيجب أن تكون نية رفع واحد منها لا بعينه، مؤثرة في
انعقاد الوضوء لا محالة، وإن نوى رفع واحد منها بعينه كان مجزياً
على رأي أئمة العترة؛ لأن الوضوء غير مختص بنوع دون نوع مع صلاحيته
وأهليته لرفع الحدث على جهة الإطلاق، وإن صلى بوضوئه صلاة بعينها
ولا يصلي به غيرها، ففيه ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي:
أحدها: أنه يرتفع حدثه للصلاة التي عينها دون غيرها، وهذا هو الذي
يأتي على رأي الإمام أبي طالب.
والحجة على ذلك: قوله ً: (( الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى )).
ونيته قد قصرها على ما ذكرناه فيجب كونها مقصورة عليه.
وثانيها: أنه يرتفع حدثه في حق جميع الصلوات، وهذا هو الذي يأتي
على رأي الإمام المؤيد بالله.
والحجة على ذلك: هو أنه لما نوى صلاة بعينها ارتفع حدثه في حق
الجميع من الصلوات، ونيته أن لا يصلي غيرها لا حكم له فيصير كما لو
نوى قطع الصلاة بعد الفراغ منها.
وثالثها: أنه لا يصح وضوؤه؛ لأنه لم ينوِ نيةً صحيحةً وهذا لا وجه
له؛ لأنه مهما أمكن لهذه النية محمل على الصحة فلا حاجة إلى
إبطالها مع إمكان صحتها.
(1/741)
الفرع الحادي عشر: إذا نوى ليُعَلِّمَ غيره فهل يجزيه لتأدية
الصلاة أم لا؟ ينظر فيه، فإن لم يكن نوى رفع الحدث لم يكن مجزياً
له للصلاة لما رواه عبد خير ) عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه)
قال: صلى بنا [أمير المؤمنين] صلاة الغداة ثم دخل الرحبة يعني ساحة
المسجد فدعا بماء، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى، ما يريد إلا
ليعلمنا، فأفرغ على يده من الإناء ثم غسل كفيه إلى آخر الحديث(2).
فظاهر الحديث أنه دال على أنه لم يرد بالوضوء إلا تعليم الناس وضوء
رسول اللّه ً، ولهذا قال في آخر الحديث: من سره أن يعلم وضوء رسول
اللّه ً فهو هذا، ولهذا فإنه لم يُرو أنه صلى بهذا الوضوء شيئاً من
الصلوات لما نوى به التعليم لا غير، ولهذا جعله
__________
(1) أبو عمارة عبدخير بن يزيد ويقال: ابن نجيد بن جوني بن عبد عمرو
بن عبد يعرب بن الصائب الهمداني الكوفي، أدرك الجاهلية، وروى عن
جماعة من الصحابة، منهم: علي، وعائشة، وزيد بن أرقم، وابن مسعود.
وثقه ابن معين كما أورد ابن حجر عن عثمان الدارمي. وقال ابن أبي
شيبة عن يحيى ابن معين: جاهلي. قيل: إنه عُمِّرَ120سنة. وذكره ابن
عبد البر وغيره في الصحابة لإدراكه، وذكره ابن حبان في ثقات
التابعين، وجزم عبدالصمد الحمصي بصحبته، ولم يذكر سنة وفاته.
(تهذيب التهذيب ج6/113).
(2) رواه أبو داود والترمذي والنسائي بألفاظ متقاربة. وفي رواية
أبي داود عن عبدخير قال: أتانا علي عليه السلام وقد صلى فدعا
بطهور، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليعلمنا، فدعا
بإناء فيه ماء وطشت فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه، ثم تمضمض
واستنثر ثلاثاً، تمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه
ثلاثاً، وغسل يده اليمنى ثلاثاً، وغسل يده الشمال ثلاثاً، ثم فعل
يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً،
ورجله الشمال ثلاثاً، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول اللّه ً
فهو هذا.
(1/742)
بعد فراغه من تأدية المكتوبة ليكون خاصاً للتعليم، وسنقرر
الحديث في صفة الوضوء بمعونة اللّه تعالى.
وإن قصد به رفع الحدث مع تعليم الغير أجزأ ذلك وجاز تأدية الصلاة
به، لما روي عن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه أنه سئل [عن] الوضوء
فدعا بماء فمال إلى الميضاة فأفرغ على يده اليمنى ثم غسل أعضاءه
كلها حتى ختم بغسل رجله اليسرى، ثم قال بعد ذلك: أين السائلون عن
الوضوء؟ هكذا رأيت رسول اللّه ً يتوضأ، ثم قال(1): (( من توضأ
وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه غفر اللّه له ما
تقدم من ذنبه ))(2). فدل ظاهر الحديث، أنه نوى مع تعليم الغير رفع
الحدث عن نفسه، ولهذا صلى بعده هذه الصلاة فمطلق التعليم لا يكفي
من غير نية، وإذا نوى به رفع الحدث أجزأ لتأدية الصلاة وإن اقترن
به التعليم.
الفرع الثاني عشر: إذا وضَّأ الرجلَ غيرُه صح وضوؤه عند أئمة
العترة والأكثر من فقهاء الأمة، خلافاً لداود فإنه منع من ذلك،
وقال: إنه غير مجزٍ له.
وحجته على ذلك: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ
فَاغْسِلُوْا}[المائدة:6]. وهذا خطاب لهم بإيجاب الغسل عليهم دون
غيرهم، وما ذكره فاسد لأمرين:
__________
(1) يعني رسول اللّه ً.
(2) رواه البخاري ج3/40، وفي فتح الغفار ج4/158، وفيه: ((لا يحدث
نفسه فيهما بشيء)).
(1/743)
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن قوله:{فَاغْسِلُوْا}. خطاب
للمتوضئين على الخصوص بل هو خطاب للمتوضئ بنفسه، ولمن يكون آمراً
بالوضوء، ولمن يكون له عناية بتحصيله، فإنه عام فيهما جميعاً(1)
صالح لهما كما في قوله تعالى: {فَانْكِحُوْا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ
النِّسَاءِ }[النساء:3]. فإنه لا فرق بين أن يعقد وبين أن يوكّل من
يعقد، في كونه ناكحاً في الأمرين جميعاً، وكقوله تعالى:
{وَأَشْهِدُوْا ذَوَي عَدْلٍ }[الطلاق:2]. فإنه لا فرق بين أن يشهد
أو يأمر من يشهد في كونه مُشهداً.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا أنه خطاب للمتوضئين بأنفسهم، لكنا
نقول: إنما جرى ذلك على جهة ما ألف من العادة واطرد على منهاج
الكثرة، في أن المتوضئ في الأغلب إنما هو الإنسان لنفسه دون غيره،
فإنما يجري ذلك على جهة الندرة لمرض أو غيره، وليس على جهة
الاشتراط فلا يكون محرّماً إذا وضأه غيره.
والحجة على ما قلناه: هو أن فعل المتوضئ ليس مقصوداً، ولهذا فإن
الإجماع منعقد على أن من قعد تحت ميزاب أو مرت به جرية الماء ثم
نوى الغسل أو الوضوء فإنه يكون مجزياً له لا محالة، فما ذكرناه من
هذا الإجماع يبين أن المقصود تحصيل الغسل والعناية فيه دون تعيين
الفعل بنفسه، كما قاله داود.
__________
(1) في المتوضئ بنفسه ومن يوضِّيه غيره ممن يصح منه.
(1/744)
الفرع الثالث عشر: قال السيد الإمام أبو طالب: إذا توضأ بنية
الفرض على الإطلاق جاز أن يؤدي به النفل وإن لم ينوه، فإن كان
الغسل واجباً عليه فاغتسل بنية الواجب فإنه لا يجزي عن النفل إلا
إذا نواه، وهذا نحو أن يغتسل واجباً للجنابة يوم الجمعة أو يوم
العيد فإنه إن نوى الجمعة أو العيد مع نية الجنابة أجزأه عن
الجميع، وإن لم ينولم يجزه إلا عن الجنابة لا غير، والتفرقة بينهما
ظاهرة، وحاصلها أن الوضوء سبب يُتوصل به إلى تأدية الفرض والنفل
جميعاً، فإذا نوى به الفرض كان النفل مندرجاً تحته؛ لأن الفرض نفل
وزيادة فلهذا لم يكن النفل مفتقراً إلى نية تخصه، فإذا نوى بوضوئه
الفرض مطلقاً جاز تأدية النوافل به من غير نية بما ذكرناه، بخلاف
واجب الغسل ومسنونه فإنه إذا اغتسل للجنابة فلم تندرج تحته الجمعة
والعيد إلا بنية محدودة لما كان الغسلان طهارتين حاصلتين على جهة
الاستقلال فلم يكن أحدهما مندرجاً تحت الآخر إلا بنية خاصة،
فالغسلان يخالفان الوضوء للفرض والنفل بما أشرنا إليه وليس الغسلان
وزاناً للوضوء(1) للفرض والنفل، وإنما وزانه أنه لو اغتسل من
الجنابة لتأدية فريضة من الفرائض جاز أن يؤدي ما شاء من النوافل
ويكون مندرجاً تحتها كما ذكرناه في الوضوء للفرض والنفل.
الفرع الرابع عشر: طهارة الصبي هل تكون شرعية أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها غير شرعية، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة،
والرواية الصحيحة عن المؤيد بالله، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
__________
(1) وزانُ الشيء: ما يعادله، وجاء في اللسان: وازنت بين الشيئين
موازنة ووزانا. ا.هـ.
(1/745)
والحجة على ذلك: قوله عليه السلام: (( رفع القلم عن ثلاثة: ، عن
الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق
))(1). ولا يعني برفع القلم إلا أنه [لا] يثاب على فعلها ولا يعاقب
على تركها، فلأجل هذا لم يكن مخاطباً بها.
المذهب الثاني: أنها طهارة في حقه شرعية، وهذا هو المحكي عن المؤيد
بالله أولاً، وهو رأي الشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: قوله ً: (( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم وهم أبناء
عشر ))(2).
ووجه الاحتجاج بهذا الخبر: هو أنه عليه السلام أمر بأن يؤمروا وهم
في سن السبع ونضربهم وهم أبناء عشر، فلولا أن ما يفعلونه صلاة
شرعية وإلا لما فعل ذلك. ولا شك أن الصلاة من شرطها الطهارة، فإذا
كانت صلاتهم شرعية كانت طهارتهم أيضاً شرعية من غير تفرقة بينهما؛
إذ لا قائل بالفرق(3).
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من أنهم غير مخاطبين بالطهارة.
والحجة: ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: هو أن الوضوء عبادة، ونية العبادة مشترطة في صحتها،
ولا تصح من جهته العبادة؛ لأنه ناقص العقل فأشبه المجنون.
الحجة الثانية: هو أن الوضوء عبادة بدنية، فوجب أن لا تكون صحيحة
من جهة الصبي كالصوم والحج، ولأنه غير كامل العقل فوجب أن لا يصح
منه فعل الطهارة كالذي يكون في الحولين.
__________
(1) أخرجه أبو داود بلفظه عدا أنه قدم المجنون وبعده النائم
فالصبي.
(2) أخرجه أبو داود عن ابن عمرو بن العاص بلفظ قال رسول اللّه ً:
((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء
عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)). وجاء بروايات أخر لأبي داود أيضاً
والترمذي.
(3) الذي يفهم من الحديث الشريف: ((مروهم...إلخ)) أنه لغرض التعليم
وأن الوجوب ساقط عنهم بنص الحديث: ((رفع القلم...إلخ)) وهو رأي
المؤلف، وسقوط الوجوب يقتضي سقوط شرعية الطهارة في حقهم كما سيأتي.
(1/746)
الانتصار: يكون بإبطال ما عولوا عليه.
قالوا: روي عن رسول اللّه ً: (( مروهم وهم أبناء سبع واضربوهم وهم
أبناء عشر)).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد بذلك المراهقون الذين يعقل منهم الاحتلام
وكمال العقل، ومن هذه حاله فلا مخالفة فيه؛ لأن من هذه حاله فيمكن
أن يكون كامل العقل مكلفاً بالعلم بالله تعالى وتصديق رسله، فإذا
لم يفعل ذلك ومات فإنه يموت كافراً عندالله أو مؤمناً، وإنما
الخلاف في من لا يعقل من حاله ذلك بأن يكون ابن خمس أو سبع أو ما
دون ذلك ممن لا يُعقل منه الفعل ولا يتصور منه بحال.
وأما ثانياً: فلأنا نقول: المراد بالحديث المروي إنما هو على جهة
التمرين والتعويد كيلا يتساهلوا في ترك(1) الصلاة ويميلوا إلى
اللعب، والمراد بذلك أمر الأولياء وليس في الحقيقة أمراً لهم؛
لأنهم لا يعقلون الشرع ولا يفهمون أوامره، ومن لا يكون صالحاً
للفهم فإنه لا يخاطب بالتفهيم ومن لا يكون عاقلاً فإنه لا يكون
مخاطباً بالأمور الشرعية لأن العقل ملاكها وشرط فيها.
قالوا: روى ابن عباس قال: كنت بائتاً عند خالتي ميمونة، فقام رسول
اللّه ً من الليل فأطلق القِربة فتوضأ ثم أوكأ القِربة وقام إلى
الصلاة، فقمت عن يساره فأخذ بيميني وأدارني من ورائه فقمت عن
يمينه(2)، فلولا أن طهارته صحيحة وإلا لما كان هناك حاجة تحمل على
إدارته؛ إذ لا طهارة له، وإذا كان لا طهارة له فلا صلاة في حقه
شرعية، فلما فعل ذلك دل على كون طهارته طهارة شرعية وهو المقصود.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فمن أين أن ابن عباس لم يكن مراهقاً في سن البلوغ؟ فإذا
كان هذا ممكناً في حقه لم يكن فيما ذكروه دلالة؛ لأن هذا مسلم،
وإنما الكلام فيمن يكون صغيراً لا يُعقل البلوغ في حقه، وعلى هذا
لا تُعقل منه الطهارة ولا الصلاة.
__________
(1) يقصد: في أداء الصلاة.
(2) سيأتي في صلاة الجماعة.
(1/747)
وأما ثانياً: فلأنا نقول: هل كان ابن عباس في ذلك اليوم مراهقاً
كامل العقل أو غير ذلك؟ فإن كان بالغاً كامل العقل فلا كلام، إذ لا
حجة لهم فيه، وإن كان غير بالغ ولا كامل العقل فإنما فعل في حقه مع
تحقق صغره بياناً وتعريفاً لأحكام الشرع، وأن الأطفال يعاملون في
هذه الأحكام معاملة البالغين العقلاء، فلهذا عامل ابن عباس مع صغره
هذه المعاملة، من أجل تعليم أحكام الشرع لا من جهة أن طهارته طهارة
شرعية، وأن صلاته صلاة شرعية، وإنما المقصود أنه لو كان كبيراً
لكان حاله على مثل تلك الحالة، ولا يمكن أن يقال لهم: إن قضية ابن
عباس لعلها كانت في صدر الإسلام، ثم نسخت بعد ذلك لأن ما هذا حاله
دأب العجزة، إذ لا يقدم على الدليل الشرعي بالنسخ إلا بدلالة
وبصيرة تدل على ذلك، فأما دعوى النسخ بالتجويز فهذا ما لا يُلتفت
إليه.
قالوا: رفع الحدث يمكن تأديته من جهة الصبي، وإذا كان الأمر كما
قلناه كانت طهارته صحيحة وهذا هو مرادنا، ولهذا قال الإمام المؤيد
بالله: والصبي إذا توضأ لإزالة الحدث صحت طهارته، فلو بلغ هذه
الحالة جاز له أن يؤدي الصلاة المفروضة بتلك الطهارة.
(1/748)
قلنا: ما تريدون بقولكم إن رفع الحدث يمكن تأديته من جهة الصبي؟
فإن أردتم أن غسل هذه الأعضاء من جهته ممكن فهذا مُسَلَّمٌ ولا
نزاع فيه، وإن أردتم أن إثباتها من جهته على الشرط الشرعي ممكن
فهذا غير مُسَلَّم، فإن من شرطها مقارنة النية، والنية إنما تعقل
من حق من كان مكلفاً عاقلاً يقصد بها القُربة ويجعلها خالصة لوجه
اللّه تعالى، وهذا غير حاصل من جهة الصبي؛ لأنه لا يعرف اللّه
تعالى فضلاً عن أن يقصد بها وجهه، ولا يمكنه تأدية المعارف العقلية
من العلم بالصانع وقادريته وعالميته، وغير ذلك من المعارف الدينية،
فمن هذه حاله فكيف يمكنه معرفة شيء من المقاصد الشرعية ويؤديها على
الوجه المطابق لمقصود الشرع؟ فحصل من مجموع ما ذكرنا أن من ذكرناه
من الصبيان لا معنى لإسلامه ولا وجه لتكليفه شيئاً من العلوم
العقلية مع نقصان عقله ولا يعقل منه تأدية شيء من الأحكام الشرعية
مما تكون طريقه العبادة.
الفرع الخامس عشر: المستحاضة ومن به سلس البول ومن فيه جرح سائل،
لا ينوي في الوضوء رفع الحدث؛ لأن الحدث دائم غير مرتفع فلا معنى
لرفعه وما يتوجه عليه فيه وجهان:
أحدهما: أنه ينوي استباحة الصلاة؛ لأن الحدث وإن كان قائماً في حقه
لكنه يستبيح الصلاة بوضوئه من جهة الشرع وهو الممكن في حقه.
(1/749)
وثانيهما: أنه ينويهما جميعاً، فينوي رفع الحدث واستباحة
الصلاة، وهذا هو الذي حكاه الشيخ أبوحامد الغزالي، عن الخضري من
أصحاب الشافعي، فيكون رفع الحدث للسابق، وتكون استباحة الصلاة من
أجل اللاحق، والذي يأتي على رأي الإمام أبي طالب: أنه ينوي من هذه
حاله تأدية الصلاة على الإطلاق، وإن نوى استباحة [صلاة معينة] جاز
ذلك؛ لأن عنده أن الوضوء لابد فيه من نية تكون متعلقة بالصلاة ولن
تكون إلا بما ذكرناه، فأما على رأي الإمام المؤيد بالله فإن نوى
استباحة الصلاة أو تأدية فرض أو نفل أو نوى رفع الحدث، فكل هذه
الأمور مجزئة على مذهبه؛ لأن كل وضوء كان متعلقه القُربة فإنه يكون
مجزياً للصلاة سواء كان متعلقاً بالصلاة مطلقاً أو بفرض معين أونفل
معين أورفع الحدث على الإطلاق أو رفعه على الخصوص، فكل هذه الأمور
متعلقة بالقُربة، فلهذا كان صحيحاً. فتنخل من مجموع ما ذكرناه، أن
نية الوضوء واقعة على أوجه ثلاثة:
أولها: أن ينوي بوضوئه استباحة الصلاة، وما هذا حاله يكون مجزياً
باتفاق من جهة أن له تعلقاً بالصلاة، فيصير كما لو نوى تأدية
الصلاة على الإطلاق، فما هذا حاله موافق لما قاله أبو طالب ولما
قاله المؤيد بالله وهو رأي الفقهاء.
وثانيها: أن ينوي بوضوئه رفع الحدث مطلقاً، فيكون ما هذا حاله
مجزياً على رأي المؤيد بالله وهو قول الفقهاء خلافاً للسيد أبي
طالب، فإنه لابد من أن يكون الوضوء متعلقاً بالصلاة كما مر تقريره،
ورفع الحدث غير متعلق بالصلاة فلهذا بطل على رأيه ولم يكن مجزياً.
(1/750)
وثالثها: أن ينوي بوضوئه القُربة بالوضوء أو أداء الوضوء أو
فريضة الوضوء، والأقرب على رأي المؤيد بالله أنه يكون مجزياً
لاشتماله على القربة كما قاله إذا نوى به رفع الحدث، وهو على رأي
الشافعي، وأما على رأي السيد أبي طالب فإنه لا يكون مجزياً؛ لأن
الوضوء لابد من أن يكون متعلقاً بالصلاة، وكونه قُربة لا تعلق له
بالصلاة، كما أن رفع الحدث لا تعلق له بالصلاة، فلهذا لم يكن
مجزياً.
والحجة على كون الوضوء قُربة: هو ورود الشرع بتجديد الطهارة وإن
كان على طهر، فلما تعلقت به القربة كان مجزياً.
الفرع السادس عشر: النية الواقعة في الطهارات على نوعين:
أحدهما: أن تكون واقعة على جهة الإجزاء بحيث لو نقص عنه لم يكن
وضوؤه مجزياً، وهذا نحو أن يقارن أول جزء من أجزاء الطهارة النية
فينوي عنده رفع الحدث أو نية تأدية الصلاة على ما مر تفصيله، فإن
أخل بما ذكرناه لم تكن نيته مجزية له.
وثانيهما: أن تكون حاصلة على جهة الكمال، وهذا نحو أن يستديمها إلى
آخر أعضاء الوضوء فيكون دوامها لكثرة الثواب، ونحو أن يضيفها إلى
اللّه تعالى فينوي بوضوئه لوجه اللّه تعالى، ونحو أن ينوي الإخلاص
والتقرب إلى اللّه تعالى، أو ينوي كونها مصلحة، وأن اللّه أمر بها
إلى غير ذلك من الوجوه الدالة على الفضيلة المقربة إلى اللّه
تعالى، فهذه الوجوه كلها ليس [شيء منها] شرطاً في كون النية مجزية،
وإنما اشتراطها لكثرة الثواب، والفضل، وإعظام الأجر، فأما الكلام
في صفة النية في الطهارات في غير الوضوء، كالغسل والتيمم فسنقرر كل
واحد منها في بابه، وهكذا القول في جميع أنواع العبادات من الصلوات
وغيرها بمعونة اللّه تعالى.
(1/751)
مسألة: غسل الوجه(1) واجب؛ لقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}..(الآية)[المائدة:6].
ولقوله ً: (( توضأ كما أمرك اللّه فاغسل وجهك )).. الحديث. ولأنه
لا خلاف في وجوب غسل الوجه مطلقاً، وإنما يتوجه الخلاف بين العلماء
في تفاصيل نذكرها بمعونة اللّه تعالى. والمستحب أن يأخذ الماء
بكفيه جميعاً، ثم يضرب بما فيهما وجهه، لما روى ابن عباس، عن أمير
المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال: قال لي أمير المؤمنين: ألا أريك
وضوء رسول اللّه ً كيف كان؟ قلت: بلى. فأصغى الإناء على يده
فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ بها على الأخرى، ثم غسل كفيه، ثم
تمضمض واستنشق ، ثم أدخل يديه في الإناء جميعاً فأخذ بهما حفنة
فضرب بهما على وجهه(2). وحكى المزني عن الشافعي: أنه يأخذ الماء
بيد واحدة، ولأنه لا يتمكن من غسل وجهه على جهة الاستيعاب
والاستيفاء إلا بما ذكرناه، لهذا كان المسنون والمستحب في الوضوء
الاشتنان لما في حديث أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه لما فرغ من
غسل وجهه وقبل شروعه في يده اليمنى أخذ كفاً من ماء فصبه على
ناصيته فتركها تشنن على وجهه ثم غسل ذراعيه، والمستحب أن يبدأ
بأعلاه لأن ظواهر الأحاديث الواردة في صفة وضوء رسول اللّه ً عن
__________
(1) يلاحظ أن المؤلف بدأ في الوضوء بغسل الوجه قبل المضمضة التي هي
مقدمة عليه في الوضوء وفي تصنيفات المؤلفين.
(2) بقية الحديث: ((.. ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم
الثانية ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بيده قبضة من ماء فصبها على
ناصيته فتركها تشنن على وجهه، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثاً
ثلاثاً، ثم مسح رأسه وظهور أذنيه، ثم أدخل يديه جميعاً فأخذ حفنة
من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل ففتلها (وفي نسخة: فغسلها)،
ثم الأخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: ((وفي النعلين)).
هذه إحدى روايات أبي داود. ا. هـ. (جواهر).
(1/752)
أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه وعن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه،
دالة على ذلك، ولأن أشرف كل شيء أعلاه، فلهذا كانت السنة البداية
به.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: في حَدِّ الوجه الذي يجب غسله. قال الشيخ
أبوجعفر: وَحَدُّ الوجه من مقاص الشعر إلى أصول الأذنين، وما أقبل
من الوجه إلى الذقن، وهذا هو الذي حكاه المزني، عن الشافعي. وهذا
فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأنه قال: من مقاص الشعر، فظاهر هذا أن مقاص الشعر من
الوجه وليس الأمر كذلك فإن المقاص من الرأس فلا تكون من الوجه،
والوجه ما دون مقاص الشعر.
وأما ثانياً: فلأنه قال: وما أقبل من الوجه. فحدّ الوجه بالوجه وفي
ذلك تحديد الشيء بنفسه، وحد الشيء يكون مغايراً له، وعن بعض
أصحابنا أنه قال في حد الوجه: من مقاص الشعر إلى الأذنين إلى
اللحيين والذقن، وهذا وإن سَلِمَ عن أن يقال: إنه حد الشيء بنفسه،
لكنه لم يسلم عن كونه أدخل مقاص الشعر في الوجه، وليست منه فسلم عن
الاعتراض الأول ولم يكن سالماً عن الثاني. والأقرب في الحد الصالح
للمذهب، أن يقال فيه: من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى ما يقبل من
الذقن في الطول ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وإنما كان مختاراً
لأمرين:
أما أولاً: فلأنه سالم عما ورد على الحَدَّيْنِ الأولين.
وأما ثانياً: فلأن فيه إشارة إلى تفصيل الحصر والضبط للوجه بالطول
والعرض بخلاف غيره، فلهذا كان هو الأقرب.
ومن وجه ثالث: وهو أنه حده بتسطيح الجبهة مبتدأه. لم يحده بمقاص
الشعر ولا بمنابته؛ لأنه ربما انحسر الشعر عن الناصية فيلزم عده من
الوجه وهو باطل إجماعاً، وربما نبت الشعر على الجبهة فيلزم إخراجه
من الوجه وهو باطل إجماعاً، فلا جرم وجب التعويل على ما قلناه.
الفرع الثاني: في بيان تفاصيل ما يدخل في حد الوجه.
(1/753)
والذي عليه علماء العترة ومن وافقهم من علماء الأمة، أن الجبهة
من الوجه وهي موضع السجود، قال اللّه تعالى: {سِيْمَاهُمْ فِي
وُجُوْهِهِمْ مِنْ أَثَرِ الْسُّجُوْدِ }[الفتح:29]. والجبينان من
الرأس أيضاً، وهما: العظمان المشرفان على الجبهة عن يمينها
وشمالها. قال اللّه تعالى: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِيْنِ
}[الصافات:103]. أي اتكاه لجبينه إلى الأرض. والعذاران من الوجه
وهما عبارة عن الشعر الخفيف الذي يكون على العظم الذي يحاذي وتد
الأذن، وهما وتدان وهما عبارة عن الغضروفين الشاخصين عند مفتح
السمع. والعارضان من الوجه أيضاً وهما عبارة عما نزل عن العذارين
من الشعر على اللحيين. والذقن من الوجه أيضاً وهو: مجمع اللحيين
والعنفقة من الوجه، وهي عبارة عن الشعر الذي على ظاهر الشفة
السفلى. والفنيكان من الوجه وهما: عبارة عن البياض الحاصل من عن
يمين العنفقة ويسارها ويقال لهما: الإفنيكان أيضاً، وفي الحديث: ((
إذا توضأت فلا تنسين الإفنيكين ))(1). وحكي عن الكسائي )
__________
(1) هذا الحديث أورده في (لسان العرب) مادة: فنك. قال: وفي حديث
عبدالرحمن بن سابط: ((إذا توضأت فلا تنس الفنيكين)). يعني جانبي
العنفقة عن يمين وشمال.
(2) هو علي بن حمزة الكسائي من أصل فارسي، ولد بالكوفة سنة 119هـ،
وأكب منذ نشأته على حلقات القراء، مثل: سليمان بن أرقم، وابن عياش،
وسفيان بن عيينة، وحمزة بن حبيب. ويقال: إنه لقب بالكسائي لأنه كان
يلبس كساءً أسود ثميناً، وقيل: بل لأنه أحرم في كساء، وكان فطناً
ذكياً، رأى أنه لن يبرع في قراءة القرآن إلا إذا عرف إعرابه، ولن
يحسن العربية إلا إذا استمع إلى معلميها بالبصرة، فجعل ينتقل بين
حلقات القراء وعلماء اللغة والنحو بالكوفة والبصرة، ومنها: حلقات
عيسى بن عمر، وأبي عمرو بن العلاء، ويونس بن حبيب، وعكف على حلقة
الخليل بن أحمد حتى أصبح أستاذاً وعلماً فاستقر في الكوفة فطلبه
المهدي ليؤدب ابنه الرشيد حتى إذا ولي الرشيد الخلافة اتخذه مؤدباً
لابنيه الأمين والمأمون. وكان يقرئ الناس في بغداد بقراءة حمزة، ثم
اتخذ لنفسه قراءة صارت إحدى القراءات السبع. له مؤلفات تتصل بقراءة
القرآن ومعانيه، وله في النحو كتابان هما: (مختصر النحو) و(الحدود
في النحو) وله كتاب (ما تلحن فيه العوام) توفي سنة 189هـ، وهو مع
الرشيد عندما خرج إلى خراسان، وتوفي معه العالم الحنفي المشهور
محمد بن الحسن الشيباني، فحزن الرشيد عليهما وقال: (دفنا الفقه
والنحو بالري). (المدارس النحوية 172، طبقات القراء لابن الجزري
ج1/535).
(1/754)
: أنه لم يعرف هذه اللفظة أعني: الفنيك، والإفنيك. فهذه الأمور
كلها يجب غسلها لأنها من الوجه، وهو عبارة عما يواجه وهي
مواجهة(1).
فأما ما لا يدخل في الوجه فالنزعتان من الرأس، وهما عبارة عن
البياض الذي انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدم الرأس، يقال: رجل
أنزع. والناصية من الرأس، وهي عبارة عن الشعر المشرف على الجبهة.
والصدغان من الرأس، وهما عبارة عن الشعر الذي يجاور موضع الأذن
المتصل بشعر الرأس مما يلي طرف الجبهة. وموضع التحذيف من الرأس في
تعارف الناس، وهو عبارة عن الشعر الذي بين أول العذار والنزعة.
والصدغ من جانبي الوجه جميعاً(2) [فيه] تردد، والذي عليه أئمة
العترة أنه من الرأس لاتصاله به وثبوت الشعر عليه، وهو أحد قولي
الشافعي، وحكى ابن سريج عنه قولاً آخر: أنه من الوجه، واعتل بأن
العادة قد جرت بتحذيفه وإزالة الشعر عنه، فقد جعلوه وجهاً وهو
فاسد، فإن اللّه تعالى قد جعله رأساً وخلقه من جملة الرأس فلا يكون
وجهاً بفعل الناس، وأيضاً فإن التحذيف ليس سنة وإنما اعتاده الناس
بإزالة الشعر عن موضعه بمخالفة السنة، فإزالة الشعر عنه لا يجعله
وجهاً.
الفرع الثالث: وإذا كان لا شعر على لحيته وعارضيه بأن كان أمردَ أو
أثط(3) وهو الذي لا تحلق له لحية فإنه يجب عليه غسل الوجه الذي
تقدم حده بالمعيار الذي ضبطناه به، لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوْا
وُجُوْهَكُمْ}. وهذه المواضع تقع بها المواجهة فيجب كونها من
الوجه.
وهل يجب تخليل اللحية أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) أي أن هذ الأعضاء التي يجب غسلها هي المواجهة من الإنسان،
وبالتالي فهي من الوجه.
(2) بياض في الأصل ولعل الكلمة المحذوفة هي: فيه.
(3) هكذا في الأصل، ولم نعثر لكلمة (واثط) أو(أثط) على أصل، ولعلها
وابط بمعنى الضعيف الخسيس إذا صح أن يوصف به الشعر لضعفه وقلته.
(1/755)
المذهب الأول: أن تخليلها واجب وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي
والناصر، وهو رأي الأخوين وغيرهم من أئمة العترة، وهو محكي عن
المزني، وأبي ثور من أصحاب الشافعي، ومحكي عن أهل الظاهر، والحسن
بن صالح.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. فالله
تعالى أمر بغسل الوجه وهذا منه؛ لأن التخليل عبارة عن إيصال الماء
إلى البشرة، فلما كان غسل البشرة واجباً من غير شعر فهكذا إذا وقع
عليها الشعر؛ لأن المواجهة تقع عليها فلهذا كانت من الوجه؛ ولأنها
كانت من الوجه قبل نبات الشعر باتفاق، فنبات الشعر لا يزيل عنها
اسمه كالرأس.
الحجة الثانية: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( أتاني جبريل فقال:
إذا توضأت فخلل لحيتك))(1). ولأنه عضو مغسول فإيصال الماء إلى
بشرته واجب كاليد والرجل، ولأنه مأمور بغسل الوجه تعبداً لا
للنجاسة فيجب إيصال الماء إلى البشرة كغسل النجاسة.
المذهب الثاني: أنه لا يجب تخليلها، وهذا هو رأي أبي حنيفة
وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وحكي عن الشافعي: أنها إذا كانت خفيفة
وجب تخليلها، وإذا كانت كثيفة لم يجب تخليلها. واختلف أصحابه في حد
الكثيف والخفيف، فمنهم من قال: إن الكثيف هو الشعر الذي لا يصل
الماء إلى باطنه إلا بمشقة، ومنهم من قال: الكثيف هو الشعر الذي
يستر بشرة اللحية أن ترى، وهذا هو المشهو ر عندهم، والخفيف على عكس
ذلك.
والحجة على ما قالوه: ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه أن النبي ً
توضأ فغرف غرفة فغسل بها وجهه، والمعلوم أن الغرفة الواحدة لا توصل
الماء إلى باطن الشعر في اللحية مع كثافتها، وقد كان الرسول ً كثيف
اللحية. رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) في
صفة خلقة الرسول ً.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من وجوب التخليل.
__________
(1) أورده في الاعتصام عن التجريد، وهو في أصول الأحكام والشفاء
والبحر عن أنس بن مالك.
(1/756)
والحجة عليه: ما نقلناه عنهم، ونزيد ههنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روى أنس بن مالك عن الرسول ً أنه كان إذا توضأ
أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته، ثم قال: (( هكذا
أمرني ربي عز وجل ))(1). فإذا تقرر وجوبه على الرسول ً بما رويناه،
وجب على الأمة إلا لدلالة خاصة، من جهة أن التأسي واجب على الأمة
إلا فيما دلت عليه دلالة في تخصيصه به.
الحجة الثانية: ما روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، أن أمير
المؤمنين (كرم اللّه وجهه) مر برجل يتوضأ فوقف عليه حتى نظر إليه
ولم يخلل لحيته، فقال: (ما بال أقوام يغسلون وجوههم قبل أن تنبت
اللحى فإذا نبتت ضيعوا الوضوء)(2) ولأن أمير المؤمنين مر برجل
يتوضأ فقال له: (خلل لحيتك)، ومثل هذا إنما يصدر عن توقيف؛ إذ لا
مساغ للاجتهاد في العبادات والطهارات مما تنسد فيه معاني الأقيسة،
وتمام تقرير هذه الدلالة تكون بإبطال ما اعتمدوا عليه من الأدلة.
الانتصار عليهم: يكون بإبطال متمسكاتهم.
قالوا: روى ابن عباس أنه(3) أخذ كفاً من [ماء]، والكف الواحد لا
يوصل الماء إلى اللحية الكثيفة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الأحاديث الواردة في صفة وضوء رسول اللّه ً التي
رواها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وغيرهما من
جلة الصحابة (رضي اللّه عنهم) كانت مطلقة، وما أوردناه من الأحاديث
دال على التخصيص بالتخليل، فيجب حمل ما أطلق على ما كان واضحاً من
هذه الأحاديث توفقة بين الأدلة وجمعاً بينها، وهذه طريقة ارتضاها
كثير من علماء العترة وفقهاء الأمة.
__________
(1) أخرجه أبو داود، وجاء بلفظه في الاعتصام والبحر.
(2) أورده في أصول الأحكام والشفاء.
(3) يعني رسول اللّه ً.
(1/757)
وأما ثانياً: فلأن لحيته عليه السلام وإن كانت كثيفة كما ورد في
صفة خلقته فإن ذلك غير مانع من إيصال الماء إليها، فإن الماء رقيق
يدخل بسهولة، فكثافتها لا تمنع من إيصال الماء إليها كما أشرنا
إليه.
قالوا: اللحية إذا كانت كثيفة صعب إيصال الماء إليها فالتكليف
بالإيصال يكون فيه حرج ومشقة، وقد قال تعالى: {ومَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الْدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78].
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن غسل الوجه أدخل في المشقة من تخليل اللحية.
وأما ثانياً: فلأن ما كان فيه مصلحة حسن التكليف به سواء كانت فيه
مشقة أولم تكن، والغرض بقوله تعالى: {ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي
الْدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ}. تعريفاً بأن هذه الأمة مرحومة عما كانت
عليه الأمم السالفة من تكليف الآصار من جهة اللّه تعالى(1).
الفرع الرابع: ما استرسل من اللحية ونزل عن حد الوجه، هل يجب غسله
أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير واجب، وهذا هو الذي ذكره الإمامان الأخوان:
المؤيد بالله وأبو طالب، وهو محكي عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: هو أنه غير ملاقٍ لمحل الفرض فلا يكون الفرض
متعلقاً به، كالذؤابة.
والمذهب الثاني: أنه واجب، وهذا هو الذي ذكره أبو العباس في نصوصه
حيث قال: ويجمع لحيته في بطون كفيه فيغسلها لأنها من الوجه. وهو
محكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنه شعر ظاهر نابت على بشرة الوجه، فكان غسله
واجباً كشعر الحاجب وأهداب العينين.
__________
(1) الآصار: على صيغة الآباط، جمع إصر، وهو العهد الثقيل كما جاء
في اللسان.
(1/758)
والمختار: ما قاله الأخوان، وحاصل ما قالاه، هو: أن تخليل
اللحية قد دللنا على وجوبه بما ذكرناه، فإن أمكن تخليل اللحية من
غير غسل ما استرسل من اللحية فلا وجه لوجوبه؛ لأن الواجب إنما هو
التخليل دون غسل ما استرسل منها، وإن كان لا يمكن تخليل اللحية إلا
بغسله فإن غسله واجب، فوجوبه ليس قصداً لنفسه وإنما هو على جهة
التبع لغيره كما أشرنا إليه.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: شعر فوجب غسله كشعر الحاجب.
قلنا: المعنى في الأصل، هو أنه من جملة الوجه فلهذا وجب غسله، وما
طال من اللحية فلا يعد من الوجه.
قالوا: الوجه عبارة عما كان مواجهاً وهذا مواجه فيجب كونه وجهاً.
قلنا: ليس الغرض أن كل ما واجه فإنه يجب غسله كالوجه، فإن الناصية
والصدر تواجهان وليسا من الوجه في وجوب الغسل، وإنما الغرض أن كل
ما كان معدوداً من جملة أجزاء الوجه فهو من الوجه فافترقا.
قالوا: الآية دالة على وجوب غسل ما استرسل، بدليل قوله تعالى:
{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا
وُجُوْهَكُمْ}[المائدة:6]. وهذا من الوجه فيجب غسله.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الآية إنما تتناول الحد الذي ذكرناه من الوجه،
وليس ما استرسل من اللحية داخلاً فيه، ولهذا فإن اسم الوجه لا
يختلف حاله بمن له لحية وبمن لا لحية له، فلا نسلم أن إطلاق اسم
الوجه مقول على طرف اللحية.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا كونه مندرجاً تحت إطلاق اسم الوجه،
لكنا نقول: إنما يجب غسله إذا كان الشعر على بشرة الوجه كشعر
الحاجب وأهداب العينين فإذا كان مجانباً للبشرة فإنه لا يجب غسله.
الفرع الخامس: وهل يجب غسل ما تحت اللحية أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب غسله، خفيفة كانت اللحية أو كثيفة، وهذا هو
الظاهر من مذهب أئمة العترة، وهو قول الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن ما تحت الذقن بشرة ظاهرة من اللحية يثبت
عليها شعر اللحية فأشبه العذار.
(1/759)
المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن ما تحت الذقن ليس من الوجه بدليل أنه غير
مواجه، فيجب أن لا يجب غسله كالناصية وغيرها مما لا يعد من الوجه.
والمختار: ما هو الظاهر من مذاهب علماء العترة من إيجابه.
والحجة على ذلك: ما روى أنس بن مالك أن النبي ً كان إذا توضأ أخذ
كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته، وقال: ((هكذا أمرني
ربي عز وجل )). فإذا تقرر وجوبه على الرسول بما ذكرناه وجب ذلك على
أمته، من جهة أن التأسي به واجب لقوله تعالى:
{فَاتَّبِعُوْهُ}[الأعراف:158]. وقوله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِي رَسُوْلِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }[الأحزاب:21]. ويحتمل عندي
على رأي أئمة العترة مثل ما قال أبو حنيفة، ولا وجه لإيراد
الانتصار فيما هذه حاله؛ لأن الانتصار إنما وضعناه حيث يكون الظن
غالباً على أحد الاحتمالين في المسألة، فأما إذا كانا في
أنفسهما(1) غالبين لا ترجيح لأحدهما على الآخر فهما مستويان
بالإضافة إلى الأمارة الشرعية، وهذا إنما يأتي على جهة الندرة.
الفرع السادس: البياض الذي بين وتد الأذن وأول العذار من جانبي
الوجه هل يجب غسله أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب غسله، وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو قول أبي
حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو ما ذكرناه في حد الوجه، فإنا ذكرنا أنه من
الأذن إلى الأذن عرضاً، والعرض من هذا التحديد هو أن الوجه ما بين
الوتدين عرضاً، فلما كان من الوجه وجب غسله لقوله تعالى:
{فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. فيجب حمل مطلق الآية على ما هو
المفهوم في اللغة، فإذا كان ما ذكرناه هو حد الوجه في اللغة وجب
حمله عليه.
__________
(1) يقصد: في نفسيهما، وجمع المثنى مثل هذا ورد في قوله تعالى:
{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}.
(1/760)
المذهب الثاني: أنه لا يجب غسله على أهل اللحى ويجب غسله على
الأمرد، وهذا شيء يحكى عن أبي يوسف، وحكي عن مالك: أنه لا يجب غسله
لا في حق الأمرد ولا في حق الملتحي.
والحجة لأبي يوسف: هو أن الشعر في العذار حال دونه فصار بمنزلة
البشرة التي تحت الشعر في أنه لا يجب غسلها.
والحجة لمالك: هو أن البياض ليس مواجهاً فلا يكون من الوجه.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم.
والحجة عليه: ما نقلناه عنهم؛ ونزيد ههنا، وهو أن حاله لا يخلو إما
أن يكون من الأذن أو يكون من الوجه، ومحال أن يكون من الأذن إذ لا
قائل بهذا، فإذا بطل كونه من الأذن فهو من الوجه لاندراجه في حده.
الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه، فأما قول أبي يوسف: بأن الشعر حال
دونه فهو بمنزلة البشرة التي تحت الشعر، فهو فاسد لأنه من جملة
الوجه، لكونه حاصلاً فيما بين الوتدين من جانبي الوجه فلم ينتقل
الفرض إلى غيره فوجب أن يكون من الوجه فيجب غسله، ويفارق ما نبت
عليه الشعر؛ لأن الفرض انتقل إلى الشعر وهذا ليس فيه شعر فلهذا كان
غسله واجباً.
وأما قول مالك: أنه غير مواجه فلا يكون من الوجه، فهو فاسد، من جهة
أن منتهى الوجه في العرض هما الوتدان، فما وراءهما يكون من الوجه
لا محالة، فإذا أطلق على الوجه في الآية وجب حمله على ما يكون
مطابقاً للغة العرب. فأما الوتدان في الأذن فليسا معدودين من جملة
الوجه فلا يجب غسلهما؛ لأن حد الوجه ينتهي بهما، والحد يجب أن يكون
غير المحدود فلا يدخل في حكمه إلا بدلالة منفصلة كما نقوله في
المرافق، فإنها غير داخلة في حد اليد إلا بدلالة منفصلة كما
سنوضحها من بعد بمشيئة اللّه تعالى. وهذا هو الأصل في كل غاية
فإنها غير داخلة في حكم ذي الغاية إلا بأمر خارجي.
الفرع السابع: هل يجب إدخال الماء في العينين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن إدخال الماء فيهما واجب، وهذا هو الذي اختاره
المؤيد بالله لمذهب الهادي.
(1/761)
والحجة على ذلك: ظاهر الآية في قوله تعالى:{فَاغْسِلُوْا
وُجُوْهَكُمْ}. ولا شك أن العينين من الوجه، ولأن العينين إحدى
المحاسن المتعلقة بالوجه فوجب غسلها كالوجنة والأنف.
وقولنا: المتعلقة بالوجه، نحترز به عن الأذن فإنها وإن كانت من
جملة المحاسن لكنها غير متعلقة بالوجه؛ لكونها غير داخلة في حده
كما مر تقريره.
المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو المحكي عن الناصر، والإمام
أبي طالب، وهو رأي الفرق الثلاث: الشافعية، والحنفية، والمالكية.
والحجة على ذلك: هو أن غسل الوجه إنما ورد مطلقاً، ولا شك أن كل من
غسل وجهه وظاهر عينيه دون باطنهما فإنه لا محالة يسمى غاسلاً
لوجهه، فيجب حمله على الإطلاق لما كان لغوياً، وفي هذا دلالة على
أن المطلق غير متناول لداخل العينين فيجب أن لا يكون مراداً
بالآية، وهذا هو المطلوب بكونه غير واجب.
والمختار: ما عول عليه الإمامان: الناصر وأبو طالب، ويدل على ذلك
ما حكيناه عنهما، ونزيد ههنا وهو: أن المعتمد فيما يكون واجباً من
العبادات كلها تأصيلاً، وفيما يستحب منها ويكره تفصيلاً إنما هو
على ما ينقل من جهة الرسول ً قولاً وفعلاً وتقريراً، والمعلوم أن
إدخال الماء لم ينقل من جهة الرسول ً لا من قوله ولا من فعله ولا
من تقريره، فيجب القضاء بكونه غير واجب؛ لأنا لو أوجبناه لكان
واجباً من غير دلالة وهذا باطل لا يعول عليه.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: قوله تعالى:{فَاغْسِلُوْا}. ظاهره الدلالة على وجوب غسل
الوجه، والعينان منه، فيجب القضاء بوجوب غسل باطنهما.
قلنا: هذا فاسد، فإنا نقول بموجب الآية ونحكم بظاهر إطلاقها،
ومطلقها دال على وجوب ما ظهر دون ما بطن فيهما فلا تكون دلالة
الآية بظاهرها إلا ما ذكرناه من ظاهر العينين دون باطنهما.
قالوا: إحدى محاسن الوجه فيجب غسلهما كالوجنة والأنف.
(1/762)
قلنا: إن ما ذكرتموه من ظاهر الآية وتقرير هذا القياس، إنما
يتناولان المطلق من الوجه ونحن لا ننكر ذلك فأنتم مساعدون إليه،
ولكنا نقول: إن ظاهر الآية وظاهر ما قلتموه من القياس لا يدلان على
غسل باطن العينين فلا يكون فيهما دلالة على مرادكم، فبطل ما قالوه.
قالوا: روي عن ابن عمر: أنه غسل عينيه حتى عمي، فلولا أنه واجب
وإلاَّ لما واظب على فعله هذه المواظبة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما فعله ليس دالاً على الوجوب، فلعله فعله على جهة
الاستحباب حتى أثَّرَ في بصره لما أكثر من فعله، فلا دلالة في فعله
على الوجوب.
وأما ثانياً: فليس فيه إلا فعل ابن عمر ولا دلالة في فعل الصحابي
إلا بأن ينقله من جهة الرسول، غاية الأمر أنه من جملة المجتهدين
فلا حجة فيه، وإنما الحجة المقبولة التي يجب الانقياد لها بالسمع
والطاعة، هي كلام اللّه تعالى وكلام رسوله وما عداهما ليس حجة من
عالم أو صحابي.
الفرع الثامن: إذا بطل كونه واجباً، فهل يكون مستحباً أم لا؟ فيه
مذهبان:
المذهب الأول: أنه وإن لم يكن واجباً فهو مستحب، وهذا هو المحكي عن
الناصر، وهو مروي عن بعض أصحاب الشافعي، حكاه صاحب (البيان)
العمراني.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. فإذا
بطل كونه واجباً فلا أقل من حمل الأمر على الاستحباب؛ لأنه هو أدنى
مراتبه.
قال الإمام الناصر: ويستحب أن يفتح عينيه عند غسل الوجه حتى يدخل
الماء فيهما وقال: إن ذلك يصح العين ويجلوها.
المذهب الثاني: أنه غير مستحب، وإنما هو هيئة في الوضوء وليس سنة.
والحجة على ذلك: هو أن السنة ما واظب الرسول على فعله، وهذا لم يكن
من جهة الرسول فيه فعل فضلاً عن كونه مواظباً عليه.
(1/763)
والمختار: أنه ليس مسنوناً؛ لأنهما جوهران صقيلان لا يعلق بهما
شيء من المكدرات، فلهذا لم يستحب غسلهما وهما مخالفان للفم والأنف
في المضمضة والاستنشاق لأنهما يلحقهما من التغير ما لا يخفى، فلهذا
شرع غسلهما ليزيل الماء تغيرهما بخلاف العين فإنه لا تغير فيها
فافترقا؛ ولأن غسلهما يؤدي إلى المضرة العظيمة ويلحق في ذلك مشقة
كبيرة، وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الْدِّيْنِ
مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78]. وقوله تعالى: {يُرِيْدُ اللّهُ بِكُمُ
الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيْدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة:185]. ولا حرج
ولا عسر أعظم من خشية العمى وإذهاب البصر وفساده، فكيف يقال: يكون
مشروعاً؟
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
قالوا: إذا بطل وجوبه كان مستحباً.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأنه لابد في الاستحباب من دلالة مستقلة ولا يكفي فيه
بطلان كونه واجباً، لأن حقيقة أحدهما أعني: الواجب والمستحب،
مخالفة لحقيقة الآخر.
وأما ثانياً: فلأنا قد أوضحنا أنه لم ينقل عن الرسول ً فيه قول ولا
فعل ولا تقرير، فكيف يقال: يكون مستحباً؟ والمستحب ما واظب الرسول
ً على فعله.
الفرع التاسع: المُؤَقُ والمَآَقُ والمَآقي، مهموزات كلها، مؤخر
العين مما يلي جانب الأنف، فأما اللحاظ فهو ما يلي مؤخر العين من
جانب الأذن، والذي عليه أئمة العترة أنه يجب غسلهما.
والحجة على ذلك: هو أنهما من الوجه وما كان من الوجه وجب غسله
لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. ولأنه يلحقهما كحل
ورمص(1) في العادة وعفونة من رطوبة العين فيجب إزالته بالماء، وحكى
ابن الصباغ صاحب (الشامل): أنه يستحب مسحهما، وهذا تصريح منه بأنه
لا يجب غسلهما.
والحجة له على ذلك: ما روي عن الرسول ً أنه كان يمسح المَأَقَين.
__________
(1) الرمص: بالصاد المهملة داء يصيب العين، وهو السائل الأبيض
الغليظ الذي تفرزه العين، والرمص محركة: وسخ أبيض يجتمع في المؤق.
ا.هـ. قاموس.
(1/764)
والمختار: ما عليه علماء العترة من وجوبهما.
والحجة على ذلك: أنهما من الوجه، وقد قال تعالى: {فَاغْسِلُوْا
وُجُوْهَكُمْ}. فأما ما قاله من أن الرسول ً كان يمسح المأقين فليس
معارضاً لما قلناه من وجوب غسلهما؛ لأن المراد أنه ً كان يزيل ما
علق بهما من العفونة من الرمص وغيره وما ينعقد فيهما من رطوبة
العين قبل الغسل ثم يغسلهما بعد ذلك، وأيضاً فإن المسح هو خفيف
الغسل، فعبر بالمسح عن الغسل لما كان موضعاً يرفق به لرقته وكونه
متصلاً بالعين، ولم يُرد حقيقة المسح وإنما أراد الغسل الخفيف لما
ذكرناه.
الفرع العاشر: والشعور التي يجب إيصال الماء إلى ما تحتها رقيقة
كانت أوكثيفة، هي خمسة: الحاجب، والشارب، والعنفقة، والعذار،
واللحية؛ لأن هذه الأمور كلها من الوجه، فلهذا وجب إيصال الماء إلى
ما تحتها. وإن نبت له شعر تحت محاجر عينيه وجب إيصال الماء إلى
البشرة؛ لأنه من الوجه ولكونه نادراً لا يوجد إلا على الندرة، وإن
نبتت للمرأة لحية وجب إيصال الماء إلى بشرتها أيضاً كثيفاً كان
الشعر أو رقيقاً، وإن خرج سبالاه وهما طرفا الشارب عن حد الوجه فهو
مقرر على الخلاف في طرف اللحية، فعلى رأي أئمة العترة لا يجب غسله
إذا كان خارجاً عن حد الوجه، وكان الماء واصلاً إلى البشرة، فأما
ما كان حاصلاً على جلدة الوجه فلابد من غسله. فأما على رأي
الشافعي: فهو واجب كما ذكرناه في طرف اللحية، وإن نبتت في وجهه
سلعة وهي: لحم زائد على الوجه وخرجت عن حده، لم يجب غسلها على رأي
أئمة العترة، وعلى رأي الشافعي: يجب غسلها، كما قلناه في غسل طرف
اللحية لأنه ليس واقعاً على الوجه، فلهذا لم يجب غسله كما قررناه
من قبل، والعنفقة إذا كانت منفصلة عن اللحية وجب إيصال الماء إلى
بشرتها، وإن كانت متصلة بها وجب تخليلها كما قلناه في اللحية؛
لأنها منها، والله الموفق للصواب.
(1/765)
مسألة: والمضمضة: أن يجعل الماء في فيه ويديره فيه ثم يمجه.
والاستنشاق: أن يجعل الماء في أنفه ثم يستطلعه بِنَفَسِهِ إلى
خياشيمه ثم يدفعه بِنَفَسِهِ فذلك هو الإستنثار، وهما كالعضو
الواحد فلا ترتيب بينهما وبين الوجه، وإنما قدمنا الكلام على الوجه
لما صدره اللّه في أول آية الوضوء حيث قال تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ
إِلَى الصَّلاةِ فَا غْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: هل يكونان واجبين من أعضاء الوضوء أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهما واجبان، وهذا هو الذي عليه أكثر أئمة العترة،
نص عليه القاسم في (النيروسي)(1)، والهادي في الجامعين: (الأحكام)
و(المنتخب)، وهو قول المؤيد بالله، وحكي عن أحمد بن حنبل، وأبي
ثور، وإسحاق بن راهويه، وعطاء وابن أبي ليلى: وجوبهما على اختلاف
بين أقوالهم نفصله بمعونة اللّه تعالى.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ
فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}[المائدة:6]. وهما من الوجه.
الحجة الثانية: حديث ابن عباس عن الرسول ً أنه قال: (( تمضمضوا
واستنشقوا والأذنان من الرأس))(2).
الحجة الثالثة: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( من توضأ فليتمضمض
وليستنشق والأذنان من الرأس)).
الحجة الرابعة: قياسية، وحاصلها أنا نقول: طهارة رفاهية فوجب أن
تكون بالفم والأنف كطهارة النجاسة. وقولنا: طهارة رفاهية، نحترز به
عن طهارة الضرورة كالطهارة بالتراب، ولأنهما عضوان يسقطان في
التيمم فوجب إيصال الماء إليهما كالرأس والرجلين.
المذهب الثاني: أنهما غير واجبين، وهذا هو قول زيد بن علي،
والباقر، والناصر، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه،
ومالك.
__________
(1) كتاب (مسائل النيروسي) للنيروسي جعفر بن محمد، روى فيه مسائل
وآراء للقاسم بن إبراهيم.
(2) أورده في شرح التجريد، وفي أصول الأحكام بلفظه.
(1/766)
والحجة على ذلك: ما روت عائشة (رضي اللّه عنها) أن النبي ً قال:
(( عشر من الفطرة : قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والمضمضة
والاستنشاق، وقص الأظفار، وغسل البراجم(1)، ونتف الإبط، وحلق
العانة، وانتقاص الماء))(2). فجعل المضمضة والإستشاق من جملة هذه
المسنونات فدل على أن الجميع أمر واحد في السنة.
الحجة الثانية: قوله ً للأعرابي حين علمه الوضوء: (( تَوَضَّ كما
أمرك اللّه، فاغسل وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك))(3). ولم
يذكر من جملة ذلك المضمضة والاستنشاق، فدل ذلك على أنهما ليسا من
الأمور الواجبة.
والمختار: ما قاله الإمام الهادي في جامعيه ومن تابعه من علماء
العترة وفقهاء الأمة، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم في الاستدلال
على وجوبه، ونزيد ههنا حججاً (خمساً):
الحجة الأولى: ما روى زيد بن علي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (كرم
اللّه وجهه) أنه قال: جلست يوماً أتوضأ فأقبل رسول اللّه ً حين
ابتدأت بالوضوء فقال: (( تمضمض واستنشق ثم استنثر))(4). وهذا أمر
وظاهره للوجوب عند أصحابنا.
الحجة الثانية: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( المضمضة والاستنشاق
من الوضوء فلا يقبل اللّه الصلاة من دونهما)). وفي رواية أخرى : ((
إلا بهما)).
__________
(1) مفاصل الأصابع من ظاهرها.
(2) وفي الجامع الكافي ورد بتغيير في الألفاظ الآتية: ((واستنشاق
الماء، وانتضاح الماء)). وجاء في الجواهر بعد إيراد الحديث: قال
مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضمة.
(3) أورده في الشفاء والبحر وجواهر الأخبار وقد تقدم.
(4) أخرجه النسائي، وأورده في شرح التجريد بسنده عن علي عليه
السلام قال: جلست أتوضأ فأقبل رسول اللّه ً حين ابتدأت الوضوء
فقال: ((تمضمض واستنشق واستنثر)).
(1/767)
الحجة الثالثة: ما روى عبيدالله بن عبدالله بن عتبة ) قال: توضأ
رسول اللّه ً ثم أتى مصلاَّه فقام في الصلاة فكبر ثم انفتل فقال:
(( ذكرت شيئاً في الوضوء لابد منه فتمضمض واستنشق ثم استقبل
الصلاة))(2) فلولم يكونا واجبين لما فعل ذلك.
الحجة الرابعة: ما روى عاصم ) عن أبيه قال: قال رسول اللّه ً: ((
إذا توضأت فبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائماً))(4).
__________
(1) عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود الهذلي الفقيه، أحد
الفقهاء السبعة بالمدينة، سمع عبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر،
وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وغيرهم، وهو معلم عمر بن عبدالعزيز،
كان فقيهاً، كثير الحديث، توفي سنة 99هـ، وقيل: سنة104هـ. خرج له
الجماعة والأئمة الخمسة إلا الجرجاني. (طبقات الزيدية (خ) ج2/60،
طبقات الفقهاء للشيرازي(42).
(2) حكاه في أصول الأحكام.
(3) عاصم بن لقيط بن صبرة.
(4) أورده في الاعتصام مع اختلاف في بعض الألفاظ. وأخرج أبو داود
والترمذي والنسائي نحواً منه عن لقيط بن صبرة، قال: قلت: يا رسول
اللّه أخبرني عن الوضوء، قال: ((أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع،
وبالغ في الاستنشاق إلاَّ أن تكون صائماً)). وأورده بلفظه في
الاعتصام عن الجامع الكافي.
(1/768)
الحجة الخامسة: قياسية، وهو أنهما عضوان يسن تكرير تطهيرهما في
الوضوء فكان غسلهما مرة واحدة كالوجه واليدين، قال السيد الإمام
أبو طالب: ولابد من الاحتراز في هذا القياس بأن يقال: غير مقصود
بهما التحرز من النجاسة لئلا يرد في ذلك غسل الكفين في الابتداء
فإنه يسن تكرير تطهيرهما في الوضوء، وليس غسلهما واجباً كما سنوضحه
في ابتداء الوضوء. قال القاضي زيد: وهذا غير محتاج إليه، لأن
اليدين لا خلاف في وجوب غسلهما في الوضوء، فالقياس غير منقوض بهذه
الصورة فلا يحترز عنه. والصحيح ما قاله الإمام أبو طالب، لأن غسل
الكفين في ابتداء الوضوء مسنون على رأيه فلولم نحترز بما ذكرناه
لورد نقضاً على القياس، ولا ينفع كون غسل اليدين واجباً في الوضوء؛
إذ لا يرد نقضاً وإنما الوارد نقضاً هو غسلهما في الابتداء
فافترقا.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: خبر عائشة (( عشر من الفطرة))، وعد من جملتها المضمضة
والاستنشاق، وما كان سنة فليس واجباً.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن السنة قد تطلق على ما كان واجباً كقوله
تعالى:{يُرِيْدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ
الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ }[النساء:26]. وأراد بذلك العلم بالله
تعالى وتوحيده وحكمته، فكل هذه الأمور واجبة وقد عبر عن هذه الأمور
بالسنن.
وأما ثانياً: فلأنه قد ذكر من جملتها الختان وهو واجب، فما أجابوا
عنه فجوابنا مثله في المضمضة والاستنشاق.
قالوا: جاء في قصة الأعرابي: (( توضَّ كما أمرك اللّه فاغسل وجهك
ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك)). ولم يذكر هاهنا مضمضة ولا
استنشاقاً.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنهما من جملة الوجه، وقد قال: (( اغسل وجهك )) فلا
يحتاج إلى إفرادهما بالذكر لاندراجهما تحت غسل الوجه.
(1/769)
وأما ثانياً: فلأن قوله: (( اغسل وجهك )) فيه مضمضة واستنشاق،
[و] إذا قلنا بأنهما لا يندرجان تحت غسل الوجه كان المَعْنِيَّ ذلك
وعلى هذا لا يكون فيه حجة لهم بحال.
قالوا: لو وجبت المضمضة والاستنشاق لكان إ يجابهما زيادة على النص،
فيكون نسخاً والنسخ لا يكون بالأخبار الآحادية فيما يكون مقطوعاً
به.
قلنا: هذا بناء على أصل فاسد، فإن الزيادة على النص لا تكون نسخاً،
فإن ما هذا حاله لا يعد نسخاً في لسان الأصوليين، ولهذا فإنه لو
زيد ركعة خامسة على صلاة الظهر لم يكن ذلك نسخاً للأربع بل يكون
مقرراً لها، لأن إيجاب الأربع ركعات لا يحيل إيجاب الخامسة، فلم
يرتفع بإيجاب الخامسة إلا عدم وجوبها، وعدم وجوبها كان حاصلاً
بالعقل فلم يرفع إيجابها إلا حكماً عقلياً وهو عدم الوجوب الأصلي
فلهذا لم يكن نسخاً، وإذا لم يكن نسخاً بالتقرير الذي لخصناه جاز
إثبات ما هذا حاله بالقياس والخبر الواحد، لأن البراءة الأصلية
يجوز تغييرها بما ذكرناه لكونهما مثمرين للظن؛ لأن البراءة الأصلية
إنما يقطع بها بشرط عدم المغير، ومتى ورد الخبر أو القياس كانا
مغيرين لما ذكرناه من حكم العقل.
(1/770)
الفرع الثاني: والمستحب أن يأخذ من الإناء غرفة بيمينه، لما روى
أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) في صفة وضوء رسول اللّه ً، أنه
أدخل كفه اليمنى في الإناء فأخذ منه غرفة فتمضمض واستنشق. ولما روي
عن النبي ً، أنه يحب التيامن في شربه ووضوئه وانتعاله(1)، ولأن
اليمين مما يرجى أن يأخذ بها كتابه يوم القيامة، فلهذا استحب
تقديمها في أعمال البر. والغُرفة بالضم، اسم للماء المغروف،
وبالفتح المصدر، وهي المرة من الفعل، تقول: غرفت غرفة، كضربت ضربة،
وإن مج الماء في فيه من غير إدارة لم يعتد به؛ لأن القصد قطع
الرائحة من الفم وإزالة تغيره، وهذا لا يوجد من دون إدارة، وإن
استنشق فجذب الماء بِنَفَسِه إلى خياشيمه ولم ينثره لم يعتد بما
أتى به؛ لأن الغرض بما ذكرناه من الاستنشاق، هو إزالة العفونة من
الأنف، وهذا لا يوجد من غير استنثار، والمستحب أن يبالغ في المضمضة
والاستنشاق إلا أن يكون صائماً لقوله عليه السلام للقيط بن صبرة ):
(( بالغ فيهما إلا أن تكون صائماً )). فإن كان صائماً لم يبالغ لما
رويناه من الخبر، وإنما لم يستحب للصائم المبالغة لما كان لا
يُؤْمَنُ دخول الماء إلى خياشيمه فيكون ذلك سبباً للإفطار.
الفرع الثالث: وهل يستحب الجمع بين المضمضة والاستنشاق، أو يستحب
الفصل بينهما؟ فيه طريقان:
__________
(1) وفيه ما روته عائشة قالت: كان رسول اللّه ً يعجبه التيمن في
تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. أخرجه الستة إلا الموطأ.
(2) لقيط بن عامر بن صبرة بن عبدالله بن المنتفق بن عامر بن عقيل،
ويقال: إنه اسم لإثنين: لقيط بن صبرة ولقيط بن عامر. روى عن النبي
ً. وعنه: ابنه عاصم وآخرون. وممن جعلوه اسماً لشخص واحد، ابن معين
والأثرم عن ابن حنبل، وإليه نحا البخاري وابن حبان. والذين قالوا
بأنه اسم لاثنين، ابن سعد ومسلم والترمذي وغيرهم، والله أعلم.
(تهذيب التهذيب 8/409).
(1/771)
إحداهما: أنه يستحب الجمع بينهما، وهذا هو الذي ذكره يحيى(1) في
(الأحكام) ونص عليه الشافعي في (الأم).
والحجة فيه: ما رواه أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) في صفة وضوء
رسول اللّه ً، أنه تمضمض واستنشق بماء واحد.
وثانيتهما: أنه يستحب الفصل بينهما، وهذا هو الذي ذكره الناصر،
وذكره الشافعي في (البويطي).
والحجة على ذلك: ما روى طلحة بن مصرف ) عن أبيه عن جده أنه قال:
رأيت النبي ً يفصل بين المضمضة والاستنشاق(3)، وأراد بالفصل أنه
يتمضمض بماء ثم يستنشق بماء آخر، ولأنه أشبه بالطهارة وأبلغ في
النظافة. ثم في كيفية الجمع والفصل حالتان:
الحالة الأولى: أن يأخذ غرفة لفيه وأنفه فيجمع بينهما فيها، ثم
غرفة ثانية وثالثة، يجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، لما
روى عبدالله بن زيد ) في صفة وضوء رسول اللّه ً أنه فعل ذلك.
__________
(1) إذا قيل: (يحيى) مطلقاً، المقصود الإمام الهادي يحيى بن
الحسين.
(2) طلحة بن مصرف بن عمرو بن جحدب بن معاوية بن سعد بن الحارث
الهمداني اليامي، فقيه، محدث، روى عن أنس وعبدالله بن أبي أوفى
وآخرين، وثقه ابن معين وأبو حاتم، والعجلي وكانوا يسمونه سيد
القُرَّاء. وعن العجلي: كان عثمانياً، وكان من أقرأ أهل الكوفة
وخيارهم، توفي سنة 112هـ، وقيل عن ابن معين: لم يسمع طلحة من أنس.
(تهذيب التهذيب ج5/24).
(3) أخرجه أبو داود. وجاء في الاعتصام وجواهر الأخبار.
(4) أبو محمد عبدالله بن زيد بن أسلم العدوي المدني مولى عمر. روى
عن أبيه، وروى عنه جماعة. قال أبو طالب عن أحمد (بن حنبل): ثقة.
وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس به
بأس. وقال النسائي: ليس بالقوي. وذهب آخرون نحواً من هذه المذاهب
فيه. توفي بالمدينة سنة 164هـ. (تهذيب التهذيب ج5/195).
(1/772)
الحالة الثانية: أن يأخذ غرفة لفيه وغرفة لأنفه، ثم غرفة ثانية
وثالثة لكل واحد منهما غرفة على التكرر، لما روي عن أمير المؤمنين
(كرم اللّه وجهه) وعثمان رضي اللّه عنه في صفة وضوء رسول اللّه ً،
أنه فعل كذلك.
والمختار: ما رواه أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه)، وعثمان رضي
اللّه عنه لما فيه من الإكمال للطهارة والإتمام للنظافة(1)، وحكي
عن الشافعي في الجمع والفصل بينهما طريقتان:
الطريقة الأولى: حكاها أبو يعقوب الماوردي من أصحابه، قال: الجمع
بينهما أن يأخذ غرفة بيده فيتمضمض بها ويستنشق، ثم يأخذ غرفة ثانية
يفعل بها كذلك ثم يأخذ غرفة ثالثة يفعل بها كذلك مثل ما فعل في
الثانية. وأما الفصل فهو أن يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات
للإستنشاق، فهذه طريقة الجمع والفصل على رأي الشافعي.
الطريقة الثانية: حكاها الشيخ أبوحامد المروزي ) من أصحابه فقال:
الجمع: أن يغرف غرفة فيتمضمض بها ثلاثاً ويستنشق منها ثلاثاً يجمع
في غرفة واحدة بينهما، وأما الفصل: فيغرف غرفة يتمضمض منها ثلاثاً
ثم يأخذ غرفة ثانية فيستنشق منها ثلاثاً فهذه طريقة هؤلاء. وأما
العمراني صاحب (البيان) فقال: إن طريقة أبي يعقوب الماوردي أشبه
بكلام الشافعي، ثم قال العمراني: وكلام الشيخ أبي حامد أمكن وأثبت.
__________
(1) في الأصل، وإتمام النظافة.
(2) أحمد بن بشر بن عامر العامري المروزي، أخذ العلم عن أبي إسحاق
المروزي، ونزل البصرة وأخذ العلم عن فقهائها، شرح مختصر المزني،
وصنف الجامع في المذهب، توفي سنة 362هـ، ا.هـ. ملخصاً من طبقات
الشافعية لابن هداية اللّه ص86.
(1/773)
والمختار: جواز الأمرين جميعاً، أعني الجمع والفصل، فإن أريد
الجمع فإنه يجمعهما في غرفة واحدة ثلاث مرات، وإن أريد الفصل فإنه
يفرد الفم بغرفة والأنف بغرفة واحدة، ثم تكون الثالثة موكولة إلى
رأيه، فإن شاء أفردها للفم وإن شاء أفردها للأنف وإن شاء شرك
بينهما لأجل إحراز الوتر في الوضوء، وهذا هو الأسهل الأقرب الأعرف
في الوضوء في الجمع والفصل فيجب التعويل عليه من غير حاجة إلى أمر
وراءه.
الفرع الرابع: الذي يتحصل من الخلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة
في المضمضة والاستنشاق، يقع على أربعة أوجه:
أولها: أنهما واجبان في جميع الطهارتين الكبرى والصغرى، وهذا هو
رأي القاسمية أجمع، وهو محكي عن عطاء، وطاووس ).
وثانيها: أنهما سَيَّانِ في جميع الطهارتين كلتيهما، وهذا هو
المحكي عن الناصرية أجمع، وهو رأي الشافعي. وقد قررنا الحجة لكل
واحد من هذين المذهبين، وذكرنا المختار ونصرناه فأغنى عن تكريره.
وثالثها: أنهما إنما يجبان في الجنابة دون الوضوء، وهذا هو رأي
الإمام الشهيد زيد بن علي، ومحكي عن أبي حنيفة، والثوري.
والحجة لهم على ذلك: ما روى أبوهريرة عن النبي ً أنه قال: ((
المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثاً فريضة)).
فنقول: عما ذكرتموه جوابان:
أما أولاً: فلأن إيجابهما في الجنابة لا يناقض إيجابهما في الوضوء
بالأدلة التي ذكرناها.
__________
(1) طاووس: هو ذكوان بن كيسان اليماني أبو عبدالله الحميري
(مولاهم). الفارسي، يقال: اسمه ذكوان، وطاووس لقب له، قال ابن حجر:
فقيه، ثقة، فاضل، في الثالثة، مات سنة 106هـ. روى عن: ابن عباس،
وجابر، وابن عمر، وآخرين، وعنه: مجاهد، والزهري، وخلق، توفي ببعلبك
وقبره بها. ا.هـ. ملخصاً من تراجم الأزهار ج3/14.
(1/774)
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه يؤكد ما قلناه من إيجابهما في
الوضوء، فإنه إنما خص الجنابة بالإيجاب ليس من أجل أنهما لا يجبان
في الوضوء، وإنما غرضه أن لا يقع فيهما تساهل، ويتكل على أن تعميم
الجسم بالغسل لا يكفي عن تخصيصهما بالإيجاب، فخصهما بالذكر تنبيهاً
على ما قلناه.
ورابعها: أن الاستنشاق في الوضوء والجنابة واجب دون المضمضة، وهذا
قول يحكى عن داود وأبي ثور.
والحجة لهما على ذلك: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( بالغ في
الاستنشاق إلا أن تكون صائما ً)). فخصه بالمبالغة ليدل على كونه
واجباً دون غيره.
فنقول: عما ذكروه جوابان:
أما أولاً: فلأن الحديث الوارد (( بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا
أن تكون صائماً)) بالجمع بينهما من غير تفريق، وفي هذا دلالة على
استوائهما في الإيجاب من غير تخصيص لأحدهما بالإيجاب دون الآخر.
وأما ثانياً: فلأن تخصيص الاستنشاق بالذكر لا يدل على كون المضمضة
غير واجبة، ثم إنا نقول: إن جميع الأحاديث التي رويناها في
إيجابهما جميعاً ظاهرة في الوجوب بعيدة عن الاحتمال، وأخباركم هذه
معرضة للاحتمال فلأجل هذا كانت [أحاديثنا] أرجح من أحاديثكم.
الفرع الخامس: إذا تمضمض واستنشق ثم وجد بين أسنانه شيئاً من أجزاء
المأكولات، فهل يجزيه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه غير مجز له لحديث لقيط بن صبرة، حيث أمره رسول اللّه
ً، بالمبالغة فيهما إلا أن يكون صائماً، ولا مبالغة مع حصول الحاجز
عن وصول الماء.
وثانيهما: أنه يكون مجزياً؛ لأن أحاديث المضمضة والاستنشاق وردت
مطلقة ومع الإطلاق يحصل الإجزاء، لأن من هذه حاله فقد حصل منه مطلق
الاسم وصدق عليه أنه قد تمضمض واستنشق.
(1/775)
والمختار: هو الإجزاء، وهو الذي أشار إليه الإمام المنصور
بالله؛ لأن ما هذا حاله يصعب الاحتراز منه ويجزيه في المضمضة مج
الماء في فمه وإدارته، لحديث أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) وحديث
عثمان رضي اللّه عنه فإنه ليس في حديثهما إلا أنه مج الماء في فيه،
من [غير] دلك بالأصبع فإنه ليس مسنوناً لما ذكرناه، فإن دلك بأصبعه
فاهُ كان مبالغة في التنظيف، ويكفي في الاستنشاق دفع الماء
بِنَفَسِه عما كان استجذبه، لما في حديث علي (كرم اللّه وجهه)
وحديث عثمان، فإنه لم يزد في نثر الماء على دفعه بنفسه من غير
إدخال لشيء من أصابعه في منخريه، فإن [كان] في المنخرين شيء جامد
استحب له دفعه لما فيه من زيادة التنظيف وإيصال الماء إلى البشرة.
مسألة: ثم يغسل يديه لقوله تعالى:{فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ }[المائدة:6]. وقوله ً لمن علمه الوضوء: (( فاغسل
وجهك ويديك))، ولأنه لا خلاف بين الأمة في وجوب غسلهما.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: المرفق فيه لغتان:
الأولى منهما: مِرْفَق بكسر الميم وفتح الفاء كأنه جعل على بناء
الآلة، كقولك: مِقرض ومِفتح.
الثانية: بفتح الميم وكسر الفاء كأنه لم يسلك به مسلك الآلة. ويجوز
فيه: مَرفَق بفتح الميم والفاء. وقرئ قوله تعالى:{وَيُهَيِّئ
لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقَاً }[الكهف:16]. بكسر الميم وفتح
الفاء جعله آلة كالمقرض والمِخلب، ومن قرأه بفتح الميم وكسر الفاء
جعله من باب المسموع كالمسجد. ويجوز فيه مَرْفَق بفتح الميم والفاء
جميعاً كالمَطْلَع، ولم يُقرأ به ولكنه جائز من جهة القياس العربي،
وهو عبارة عن مجتمع عظم الساعد وعظم العضد. وهل يجب إدخال المرفقين
في غسل اليدين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب إدخالهما في غسل اليدين، وهذا هو رأي أئمة
العترة وهو قول أكثر الحنفية، والشافعية، والمالكية.
(1/776)
والحجة على ذلك: هو أن (إلى) موضوعة في كلام العرب للحد، والحد
قد يدخل تارة وقد لا يدخل، فاستعماله في اللغة جائز على الوجهين
جميعاً، فأما دخوله فقوله تعالى:{وَلاَ تَأْكُلُوْا أَمْوَالَهُمْ
إِلَى أَمْوَالِكُمْ }[النساء:2]. فالحد هاهنا داخل في المحدود،
وقد يستعمل غير داخل كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوْا الْصِّيَامَ
إِلَى الَّليْلِ }[البقرة:187]. فالليل هاهنا غير داخل، فلما كان
الحد جارياً على هذين الوجهين وجب أن يكون مجملاً في هذين
الاستعمالين، فلا يمكن العمل على ظاهره لإجماله فلابد من بيانه
ليمكن العمل عليه، وقد بينه اللّه تعالى على لسان رسوله بقول أو
فعل، بما روى جابر بن عبدالله أن الرسول ً، كان إذا توضأ أمرَّ
الماء على مرفقيه، وهذا منه ً، خارج مخرج البيان لما أُجمل في
الآية.
المذهب الثاني: أنه غير داخل، وهذا شيء يحكى عن أبي بكر بن داود
الأصبهاني، ومروي عن زفر.
والحجة لهما على ذلك: هو أن ظاهر الآية على أن المرفق غاية للغسل
ومنقطعه، ومن حق ما يُجعل غاية بأصل الوضع أن لا يكون داخلاً كقوله
تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوْا الْصِّيَامَ إِلَى
الَّليْلِ}[البقرة:187]. فلما كان الليل غاية لم يدخل.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة.
والحجة فيه: ما نقلناه عنهم؛ ونزيد هاهنا حجتين:
(1/777)
الحجة الأولى: ما قاله الزَّجَّاج ) في كتاب (معاني القرآن): أن
(إلى) قد ترد بمعنى مع، كقوله تعالى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى
اللَّهِ }[آل عمران:52]. أي مع الله، وقوله تعالى: {وَيَزِدْكُمْ
قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ }[هود:52]. أي مع قوتكم. وقوله تعالى:
{وَلاَ تَأْكُلُوْا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}[النساء:2].
أي مع أموالكم، فإذا كان الأمر فيها كما قلنا، صار التقدير:
وأيديكم مع المرافق، فصارت (إلى) دالة على المعية وهو الاجتماع،
ولا شك أن اليد اسم لجميع العضو إلى الآباط والمناكب، ومع ما
ذكرناه من التقرير يصير المعنى في الآية، غسل جميعها خلا أنه اقتطع
ما فوق المرفقين من اليد، وأدخلهما في الغسل بالدليل الذي لخصناه.
__________
(1) إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الزَّجَّاج، النحوي، اللغوي،
المفسر، أخذ عن المبرد، وثعلب، وله تفسير جليل في إعراب القرآن،
كان يخرط الزجاج فنسب إليه، توفي سنة 310هـ. ا.هـ. ملخصاً من تراجم
الأزهار للجنداري.
(1/778)
الحجة الثانية: ما حكي عن المبرد ) أنه قال: إذا كان الحد من
جنس المحدود كان داخلاً فيه، في مثل قولك: بعت هذا الثوب من هذا
الطرف إلى ذلك الطرف. فلما كان العضد من جنس الساعد وحد الساعد
بالمرفق لا جرم كان داخلاً فيه لما كان من جنسه، فحصل من مجموع ما
ذكرناه دخول الحد في المحدود لغة بما نقلناه عن أئمة اللغة، فوجب
حمل مطلق الآية عليه فصار المجمع على غسله هو عظم الساعد كله،
والذي وقع فيه الخلاف هو غسل طرف العضد مما يلي عظم الساعد؛ لأن
حده هو طرف العضد، فصار المرفق اسماً واقعاً على معنيين:
أحدهما: أنه مقول على مجمع العظمين: عظم الساعد وعظم العضد.
وثانيهما: أنه مقول على عظم الساعد لا غير، وإنما يجب غسل عظم
العضد على جهة التبع بالدلالة الشرعية.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم.
قالوا: جعل اللّه المرافق غاية لغسل اليد، فلا تكون داخلة، كقوله
تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوْا الْصِّيَامَ إِلَى
الَّليْلِ}.[البقرة:187]
__________
(1) هو محمد بن يزيد الأزدي، إمام نحاة البصرة لعصره، ولد بها سنة
210هـ، وأكب منذ نشأته على اللغة، والنحو، والتصريف على علماء عصره
مثل: أبي عمر الجرمي، ثم أبي عثمان المازني، وتتلمذ عليه كثير من
طلاب علم اللغة، ولمع اسمه وطارت شهرته، فاستدعاه المتوكل إليه سنة
236هـ يفتي في المسائل اللغوية والنحوية، واستقر ببغداد للتدريس،
وسرعان ما اصطدم بثعلبة زعيم مدرسة الكوفة وكثرت بينهما المناظرات،
وما زال مفزع طلاب اللغة والنحو ببغداد حتى توفي سنة 285هـ، وبلغ
من إعجاب المازني أن لقبه بالمبرِّد بكسر الراء، وحول الكوفيون
اللقب إلى المبرَّد بفتح الراء عنتاً له وسوء قصد، كما قال د. شوقي
ضيف في كتابه (المدارس النحوية)( راجع ترجمته للمبرد ص123، وتراجم
المبرد في كل كتب ومعاجم الأعلام. ومنها معجم الأدباء ج19/111،
والفهرست ص93، ومعجم الشعراء ص449، وتاريخ بغداد ج3/380).
(1/779)
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنا قد قررنا أن (إلى) ليست في الآية غاية وإنما هي
بمعنى (مع) فالمعية دالة على الاجتماع فلهذا كانت داخلة فيه
المرافق(1).
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا كونها دالة على الغاية لكونها أصلاً
فيها، لكنا نقول: قد قررنا إجمال الآية وحاجتها إلى البيان، وقد
حصل بيانها بما نقلناه عن جابر وبما رواه أمير المؤمنين، وعثمان بن
عفان في صفة وضوء رسول اللّه ً، حيث كان يُمِرُّ الماء على مرافقه.
قالوا: المفهوم من الغاية أنها منقطع الشيء وحده، وإذا كان هذا هو
المفهوم منها وجب أن لا تكون المرافق داخلة؛ لأنها صارت غاية ينتهي
الغسل عندها.
قلنا: إن أردتم أن الحد غير داخل من جهة اللغة فهو فاسد؛ لأنا قد
أوضحنا استعماله في اللغة تارة مع الدخول وتارة مع الخروج، فلا
دلالة لكم من جهة اللغة على خروج الحد، وإن أردتم أنه غير داخل من
جهة العقل فهذا وإن سلم لكنه خرج بدليل الشرع الذي لخصناه فبطل ما
توهموه.
قالوا: لابد من التفرقة بين الغاية وذي الغاية وبين الحد والمحدود،
ولا فرق هناك يعقل إلا بأن الحكم مقصور على المحدود دون حده وموقوف
على ذي الغاية دون غايته، فإذا كان الحكم شاملاً لهما لم يقع هناك
تفرقة بينهما.
قلنا: التفرقة بين الحد والمحدود ضرورية وبين الغاية وذي الغاية،
فهما وإن اتفقا في الحكم فلا يقدح في هذه التفرقة الضرورية، ألا
ترى أنا نفصل بين الليل والنهار في الصوم، وهكذا القول في كل حد
ومحدود فإنهما يفترقان، فلا وجه لقولكم إنهما إذا كانا متفقين في
الدلالة أنها تبطل التفرقة بينهما، فهما متميزان كما أشرنا إليه،
لكن الدلالة الشرعية قاضية بإدخال الحد في المحدود فبطل ما توهموه.
__________
(1) الذي يظهر أن (إلى) هنا، ليست للغاية، لأنها لوكانت بمعنى (مع)
للزم التغاير بين الأيدي والمرافق. ويرى الزمخشري أن (إلى) هنا هي
للغاية، وذكره في الكشاف.
(1/780)
الفرع الثاني: إذا كان للرجل أصبع زائدة أوكف زائدة في كفه أوفي
ذراعه، وجب عليه غسلها؛ لأنها في محل الفرض فوجب اندراجها تحت قوله
تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ}. لأن التقدير فيه: واغسلوا أيديكم. وإن
كان له يدٌ زائدة على يديه نظرت، فإن كان أصلها في محل الفرض وجب
غسلها مع اليد لكونها في محل الفرض، وإن كان أصلها في غير محل
الفرض كأن يكون أصلها في منكبه أو عضده بعيداً عن محل الفرض، نظرت
فإن كانت قصيرة لم تحاذ محل الفرض فإنه لا يجب غسلها لكونها بعيدة
عن محل الفرض وغير محاذية له، وإن كان منها شيء قد حاذى محل الفرض
فهل يجب غسل ما كان محاذياً لمحل الفرض مع اليد أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجب غسلها؛ لأن أصلها في غير محل الفرض وهي تابعة
له.
وثانيهما: أنه يجب؛ لأنه يقع عليها اسم اليد.
والمختار على المذهب: هو الأول وهو أنه لا يجب غسلها لبعدها عن محل
الفرض، وما قيل من أنه يقع عليها اسم اليد يبطل بما إذا كانت قصيرة
لم تحاذ شيئاً من محل الفرض فإنه يقع عليها اسم اليد، ومع ذلك فإنه
لا يجب غسلها فبطل ما قالوه.
الفرع الثالث: وإذا كان للرجل يدان متساويتان مبدأ خلقهما من
المنكب أو من المرفق وجب غسلهما جميعاً لوقوع اسم اليد عليهما،
فتكونان مندرجتين تحت قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
الْمَرَافِقِ}. وإن كان له أظفار قد طالت وخرجت عن حد اليد فهل يجب
غسل ما خرج عن حد اليد أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك واجب؛ لأنه من جملة اليد ومتصل بها.
(1/781)
وثانيهما: أنه غير واجب؛ لأنه خارج عن حد الفرض فأشبه اللحية
المسترسلة، فإن غسلها غير واجب كما مر بيانه، وإن انقشعت جلدة عن
جانب ثم التحمت من جانب آخر نظرت، فإن كان انقشاعها من الساعد
والتحامها فيه وجب غسلها؛ لأن ذلك كله في محل الفرض فلهذا وجب
غسله، وإن كان انقشاعها من العضد والتحامها فيه لم يجب غسلها؛ لأن
ذلك بمعزل عن محل الفرض، كما مر تقريره، وإن كان انقشاعها من
الساعد والتحامها في العضد وجب غسل ما يحاذي المرفقين دون ما عداه
لكونه محلاً للفرض، وإن كان انقشاعها من العضد وتدلت إلى الساعد
والتحمت به وجب غسل ما كان على المرفقين والساعد لكونه محلاً
للفرض، فلهذا وجب غسله، وإن انقشعت من الساعد والتحمت بالمرفق وبقي
ما تحتها مجوفاً وجب غسل ما تحتها؛ لأنه محل الفرض وهو الساعد،
ووجب غسلها أيضاً لكونها محاذية لمحل الفرض.
الفرع الرابع: والأقطع إذا قطعت يداه أوإحداهما نظرت، فإن كان
مقطوعاً عند الزند وجب غسل ما بقي من الذراع لكونه محلاً للفرض،
وإن كان مقطوعاً من العضد فلا فرض عليه هناك في الغسل؛ لأن العضد
ليس محلاً للفرض فلا يجب غسله، ويستحب أن يمس ما بقي من العضد ماء
حتى لا يخلو العضو عن الطهارة، وإن كان مقطوعاً من المرفقين فهل
يجب غسله أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب غسله، وهذا هو الذي ذكره الإمام المؤيد
بالله على رأي القاسم، ونقله الربيع ) عن الشافعي.
__________
(1) الربيع بن سليمان بن عبدالجبار بن كامل المرادي (مولاهم) أبو
محمد المصري المؤذن صاحب الشافعي وخادمه وراوية كتبه الجديدة. قال
الشافعي: الربيع راويتي. وقال الذهبي: كان الربيع أعرف من المزني
بالحديث وكان المزني أعرف بالفقه منه بكثير. ولد سنة ثلاث أو أربع
وسبعين ومائة، وتوفي في شوال سنة سبعين ومائتين. وهو آخر من روى عن
الشافعي بمصر. (طبقات الشافعية الأعلام).
(1/782)
والحجة على ذلك: هو أن المرفق عبارة عما قررناه من قبل عن مجتمع
العظمين، عظم الساعد وعظم العضد، فلهذا وجب غسل عظم العضد لكونه
مراداً بالآية: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}. وهي عبارة
عما ذكرناه، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف.
المذهب الثاني: أنه لا يجب غسله وهذا هو رأي مالك، ومحكي عن زفر،
ونقله المزني عن الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن المرفق عند هؤلاء صار عبارة عن عظم الساعد
فلأجل هذا لم يجب غسله، وكل موضع قلنا بأن غسله غير واجب فإنه
مستحب؛ لئلا يخلو العضوعن وظيفة الطهارة فيه.
والمختار: ما قاله الإمامان: القاسم والمؤيد بالله ومن تابعهما من
العلماء.
والحجة على ذلك: ما نقلناه، ونزيد هاهنا فنقول: ليس يخلو الحال في
ذلك إما أن يكون المرفقان مقولين على مجتمع العظمين أو يكون
[اللفظ] مقولاً على عظم الساعد لا غير، فإن كان الأول: فلا كلام في
دخول عظم العضد لكونه من مفهومها فلهذا كان واجباً غسله بإطلاق
الآية، وإن كان الثاني: فهو وإن كان الأمر فيه كما قالوه لكنا
نقول: يدخل عظم العضد على جهة التبع لعظم الساعد، فلهذا وجب غسله
على كلا الأمرين جميعاً.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: المرفق عبارة عن عظم الساعد وهو مفهومه اللغوي فلا يدخل عظم
العضد، وفي هذا دلالة على أنه لا يجب غسله.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نُسَلِّمُ أنه عبارة عما ذكروه، ولكنه عبارة
عن مجتمع العظمين عظم الساعد وعظم العضد، فيكون غسله لاندراجه تحت
الآية، وهو قوله تعالى: {إِلَى الْمَرَافِقِ}.
(1/783)
وأما ثانياً: فهب أنا سَلَّمْنَا ما قالوه من أنه عبارة عن طرف
عظم الساعد، لكن عظم العضد صار تابعاً له، فهو وإن لم يجب غسله
قصداً فإنه واجب على جهة التبع، وأكثر البغداديين من أصحاب الشافعي
على تخطئة المزني في نقله لهذه المقالة عن الشافعي، وإنما العمدة
لمذهبه ما نقله الربيع من القول بوجوب غسل عظم العضد كما هو رأي
أئمة العترة، فأما الخراسانيون من أصحاب الشافعي فقد صححوا ما قاله
المزني، وقالوا: إن له [رأياً] في المُسَلَّمَيْنِ، والتردد منه
إنما كان في وجوب غسل عظم العضد، هل يكون على جهة القصد أو يكون
على جهة التبع؟، ويؤيد ما قلناه من وجوب غسله عند القطع هو، أن
غسله كان واجباً قبل القطع فهكذا حاله إذا قطع كالزند إذا كان بعضه
مُباناً.
قالوا: طرف عضو فلا يجب غسله كالطرف الآخر مما يلي المنكب.
قلنا: إنما لم يجب غسل طرفه الآخر لما كان ليس محلاً للفرض ولا
متصلاً به، بخلاف ما يلي الساعد فإنه محل للفرض فوجب غسله لما كان
متصلاً به فافترقا.
الفرع الخامس: وإن كان الأقطع لا يتمكن من الوضوء إلا ببذل الأجرة،
وجب عليه ذلك إذا كان متمكناً منها؛ لأن ذلك تسبيب إلى تحصيل
الصلاة فلزمه ذلك، كما نقوله في شراء الماء لتأدية الصلاة، فإن بذل
له غيره أن يوضيه بغير أجرة لم يلزمه ذلك لما فيه من احتمال المنة
في تأدية العبادة كما لا يلزمه قبول الهبة في المال ليكون مؤدياً
للزكاة. وحكي عن الصيدلاني من أصحاب الشافعي: وجوب ذلك عليه،
والوجه فيه ما قررناه.
وإن لم يجد من يوضيه بأجرة ولا بغير أجرة وجبت عليه الصلاة على حسب
حاله لأمرين:
أما أولاً: فلأن الأمر بالصلاة ورد مطلقاً وهو قوله تعالى:
{وَأَقِيْمُوْا الْصَّلاَةَ}. وعلم بدليل الإجماع، الشرطية للوضوء،
فإذا تعذر الوضوء لمانع لم يبطل ما وجب من الأمر بالصلاة؛ لأن
أحدهما مغاير للآخر، فالعذر في تأدية الوضوء لا يكون مسقطاً
للصلاة.
(1/784)
وأما ثانياً: فلقوله عليه السلام: (( إذا أمرتم بأمرٍ فأتوا به
ما استطعتم )). فلما كانت الاستطاعة في حق الوضوء مفقودة لم تبطل
الاستطاعة في حق الصلاة.
وهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تلزمه الإعادة وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن
الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله نادر والنادر لا تعريج عليه،
فألحق بما لو صلى بغير وضوء مع تمكنه منه.
وثانيهما: أنها لا تلزمه الإعادة وهذا هو رأي الهادي.
والحجة على ذلك: هو أنه قد أدّى الصلاة على الوجه الممكن في حقه
وهي فرض وقته، فلا يلزمه تأديتها مرة أخرى لقوله عليه السلام: ((
لا ظهران في يوم)).
الفرع السادس: وإن توضأ ثم قطعت يده أو رجله فهل يجب عليه غسل ما
ظهر لأجل القطع أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يلزمه غسله، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة، وهو
محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن الدم ناقض للوضوء كما سنقرره في نواقض
الوضوء، وإذا كان الأمر فيه كما قلناه فقد تعلقت الطهارة بموضع
القطع كما لو أحدث، فمن أجل ذلك وجب غسله.
وثانيهما: أنه لا يجب غسله، وهذا هو المحكي عن الإمام الناصر، وهو
قول الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن خروج الدم غير ناقض على رأيهما، وإذا كان
الأمر كذلك فالطهارة هاهنا غير متعلقة بموضع القطع، وإنما تتعلق
بموضع ما ظهر من اليد فقد غسله فلا يتوجه عليه سوى ذلك، فإن أحدث
بعد ما قطعت يده أو رجله فقد اتفق الفريقان على وجوب غسل موضع
القطع، من جهة أن الطهارة قد تعلقت بموضع القطع لأجل الحدث، وإن
وقع في بعض أعضاء الطهارة جرح فتجوف وصار له قعر بعد اندمال جرحه
فلابد من غسله وجوباً؛ لأنه صار ظاهراً يمكن غسله لأنه صار في محل
الفرض.
(1/785)
ويستحب للمتوضئ إذا كان في يده خاتم أن يحركه بأصبعه إذا كان
يعلم بوصول الماء إليه ودخوله تحته، فإن كان الخاتم واسعاً فلا
يحتاج إلى التحريك لما روى أبو رافع )، عن النبي ً أنه كان إذا
توضأ حرك خاتمه في أصبعه(2)، فإذا كان الخاتم منضغطاً في الأصبع
بحيث لا يدخل الماء تحته وجب عليه إخراجه وغسل ما تحته؛ لأن ما
تحته في محل الفرض فلابد من غسله.
الفرع السابع: وغسل البراجم واجب لكونه في محل الفرض فلابد من
غسله(3). والبُرجمة: بضم الباء واحدة البراجم وهي عبارة عن [مفاصل]
أصابع الكف، وعلامتها أن الإنسان إذا قبض كفه شخصت.
فإن قال قائل: فكيف تقولون: إن غسل البراجم واجب وقد عدَّ رسول
اللّه ً غسل البراجم والمضمضة والاستنشاق وانتقاص الماء من جملة
المسنونات في حديث عائشة وهي عندكم واجبة كلها؟
قلنا: قد أوضحنا البرهان على وجوب هذه الأمور من قبل فلا مطمع في
إعادته، وإنما جاز إطلاق اسم السنة عليها على جهة الاستعارة
والتَّجوز من جهة أن المسنون في لسان حملة الشريعة، ما واظب الرسول
على فعله وتكرر من جهته تأديته، ولا شك أن الأمور الواجبة أحق
الأفعال بالمواظبة والتكرير فلأجل هذا حسن تسمية الواجب بكونه
مسنوناً، وأما الانتقاص بالماء فهو عبارة عن الاستنجاء بالماء وقد
قررنا وجوبه من قبل، وإنما سمي الاستنجاء بالانتقاص لأمرين:
__________
(1) أبو رافع القبطي، مولى رسول اللّه ً، اختلف في اسمه، أسلم قبل
بدر وشهد أحداً، وما بعدها، روى عن النبيً، وعن ابن مسعود، وعنه:
أولاده، وأحفاده، أولاد علي بن أبي رافع، وعطاء، وسليمان بن يسار،
وغيرهم، مات في المدينة بعد مقتل عثمان. ا.هـ (در السحابة ص767).
(2) رواه البيهقي في الكبرى ج1/57، وابن ماجة (449)، والدار قطني
ج1/83.
(3) هكذا في الأصل، ربما باعتبار الضمير عائداً على (محل الفرض).
والصواب: لكونها في محل الفرض فلابد من غسلها.
(1/786)
أما أولاً: فلأن المستنجي إذا استعمل الماء في غسل فرجيه فإنه
ينقص لا محالة.
وأما ثانياً: فلأن الانتقاص هو انقطاع البول، فإذا استنجى بالماء
انقطع البول فلأجل هذا سمي ما يقطع البول انتقاصاً.
مسألة: ثم يمسح رأسه لقوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ}.
ولما روى أمير المؤمنين وعثمان بن عفان من صفة وضوء الرسول ً أنه
مسح رأسه، ولقوله عليه السلام للأعرابي: (( توضَّ كما أمرك اللّه
تعالى )) ثم قال: (( وامسح رأسك )) ولأنه لا خلاف بين الأمة في
وجوب مسح الرأس.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في بيان مقدار الواجب من مسح الرأس، وفيه مذاهب
ثلاثة:
المذهب الأول: أن الواجب فيه التعميم مقبله ومدبره وجوانبه، وهذا
هو رأي الهادي نص عليه في الجامعين، والقاسم في (النيروسي)، ومحكي
عن المؤيد بالله، وهو رأي أكثر العترة، ومحكي عن مالك، والمزني؛ من
أصحاب الشافعي، وأبي علي الجبائي، وإحدى الروايتين عن أحمد بن
حنبل.
والحجة على ذلك: ما روي [عن] أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) في
صفة تعليمه الناس لوضوء رسول اللّه ً، فمسح رأسه مقبلاً ومدبراً.
الحجة الثانية: ما روى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول
اللّه ً مسح مقدم رأسه حتى بلغ القذال من مقدم عنقه.
الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنه عضو من أعضاء الطهارة فلا يكون
فرضه مقدراً بالربع كسائر أعضاء الطهارة، أو نقول: عضو من أعضاء
الطهارة فرضه المسح في إحدى الطهارتين فوجب فيه التعميم كالوجه
واليدين في التيمم، فهذه الحجج كلها دالة على وجوب التعميم في
وظيفة الرأس.
المذهب الثاني: أنه لا يجب مسح الجميع وإنما يجب منه قدر معلوم،
وهذا فيه آراء أربعة:
أولها: أن الواجب هو مسح مقدم الرأس، وهذا هو رأي الإمامين زيد بن
علي، والناصر، ومحكي عن الباقر، والصادق.
(1/787)
والحجة على ذلك: ما روى أنس بن مالك، قال: رأيت رسول اللّه ً
أدخل يده تحت العمامة ومسح على مقدم رأسه، وفي حديث آخر على
ناصيته(1)، فالآية وردت مطلقة، وهذا الحديث كالبيان له فوجب بظاهره
مسح مقدم الرأس كما ذكرناه.
وثانيها: أن المقدم جزء من الرأس، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة،
فإنه روي عنه ثلاث روايات:
الأولى منها: أن الواجب مسح ربعه.
الثانية: أن الواجب مسح الناصية.
الثالثة: أن الواجب مسح مقدار ثلاث أصابع بثلاث أصابع.
والحجة على ما قاله: ما روي عن النبي ً أنه مسح مقدم رأسه، فظاهر
الخبر دال على مسح جزء من الرأس، وهو وارد على جهة البيان لما في
الآية، فَمَرَّة قدَّره بالربع؛ لأن مقدم الرأس ربع ومؤخره ربع
وجانباه ربعان من عن يمين وشمال، فهذا وجه تقدير الربع، ومرة قدر
الناصية موافقة لظاهر الحديث فإن المقدم هو الناصية، ومرة قال:
مقدار ثلاث أصابع؛ لأن ذلك هو المفهوم من إطلاق لفظ المقدم، فمن
أجل ذلك اختلفت الروايات عنه عملاً منه على هذا التقدير والأخذ من
ظاهر الخبر.
وثالثها: أن الواجب من مسح الرأس هو الثلثان منه، وهذا هو المحكي
عن محمد بن مسلمة صاحب مالك، وإحدى الروايتين عن: أحمد بن حنبل،
والرواية الثانية: [مسحه] كله كمذهبنا.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ}. وظاهر
الآية دال على التعميم، فإذا مسح الأكثر من الرأس فإنه يكون قريباً
من التعميم، ولن يكون ذلك إلا بتقدير الثلثين، فإذا ترك ثلثاً فما
دون كان ذلك مجزياً له.
ورابعها: أن الواجب من الرأس مسح ثلاث شعرات، وهذا هو المحكي عن
الشافعي في بعض أقواله، وحكي عن عبدالله بن عمر: أنه لو مسح شعرة
أجزأه، وهذا هو المحكي عن أبي ثور أيضاً، وروى داود مثل ذلك.
__________
(1) أخرجه أبو داود عن أنس قال: رأيت رسول اللّه ً يتوضأ، وعليه
عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض
العمامة.
(1/788)
والحجة على ذلك: هو قوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ}.
فظاهرالآية دال على إجزاء ما يقع عليه الاسم، ولا شك أن الاسم؛ أقل
ما يقع على ما ذكرناه، وعن ابن الصباغ صاحب (الشامل)، أن ما هذا
حاله ليس تقديراً من جهة الشافعي، وإنما هو عمل على أقل ما يطلق
عليه الاسم، فهذا تقرير من قال من الفقهاء: بالتقدير في مسح الرأس.
المذهب الثالث: من قال إن الواجب من مسح الرأس ليس أمراً مقدراً
وإنما يُكتفى عنه بأقل ما يقع عليه اسم المسح، وعلى هذا لو مسح بعض
شعرات أجزأه.
والحجة على ذلك: هو أن اللّه تعالى أمر بالمسح في الآية ولم يقدره،
وعدم تقديره فيه دلالة على أن اللّه ما أراد شيئاً مقدراً وإنما
أراد ما يقع عليه الاسم؛ لأن المقصود هو خفة الوضوء في مسح الرأس،
وما ذكرناه من أن الظاهر أَقَلُّ ما يقع عليه الاسم هو مطابق لهذه
الوظيفة التي فرضها اللّه عز وجل في الآية، فهذا تقرير المذاهب
كلها بحججها وأدلتها، والله أعلم بالصواب.
والمختار: ما عليه الأكثر من أئمة العترة وهو تعميم مسح الرأس.
والحجة: ما نقلناه عنهم ونزيد هاهنا حججاً قوية ستاً:
الحجة الأولى: قوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ}. واعلم
أن كل واحد من مخالفينا في هذه المسألة قد استدل بهذه الآية على ما
يراه من مسح بعض الرأس لكن استدلالنا بها على التعميم في المسح أحق
من أوجه ثلاثة:
(1/789)
أما أولاً: فلأن الباء موضوعة في الأصل للإلصاق في مثل قولك:
أمسكت بالحبل أي الصقت يدي به حقيقة، ومجازاً في مثل قولك: اعتصمت
بحبل اللّه وتمسكت بعروته، فالإلصاق هاهنا مجازي، وهي(1) وإن أفادت
الاستعانة والمصاحبة والمقابلة لكن معناها الأصلي هو الإلصاق وإليه
يرجع سائر المعاني، وإذا كان الأمر كما قلناه كانت فائدة الإلصاق
في قوله تعالى:{وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ}. إلصاق المسح بكل جزء
من الرأس، فهذه هي فائدة الإلصاق، وفي هذا حصول غرضنا من كونها
دالة على تعميم المسح في الرأس خلافاً لما يزعمه مخالفونا من
دلالتها على التبعيض.
__________
(1) يقصد: الباء.
(1/790)
وأما ثانياً: فلأن الشيخ أبا الفتح بن جني ) قال: ومن زعم أن
الباء للتبعيض فشيء لا يعرفه أهل اللغة ولا ورد في شيء من كلام
العرب منظومه ولا منثوره، وفي هذا دلالة على ضعف هذه المقالة أعني
دلالتها على البعضية.
__________
(1) أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، كان أبوه مولى، رومياً،
يونانياً، وكان مملوكاً لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي، ومن ثم فهو
أزدي بالولاء. ولد حوالي سنة 320هـ بالموصل، وكان شديد الذكاء أكب
على علوم اللغة العربية والفقه والحديث، وأخذ يدرس الطلاب بالموصل
ويتعرض للأعراب الفصحاء، وحدث أن مر بحلقته أبو علي الفارسي إمام
النحاة في عصره وعمر ابن جني لم يتجاوز الثامنة عشرة، ومن ثم لحق
به ابن جني ولازمه أربعين سنة، وأتاحت له صحبته أن يستوعب آراءه في
اللغة نحوها وصرفها، وأن يتعرف ببلاط سيف الدولة على المتنبي،
وقامت بينهما صداقة رفيعة، فشرح ديوان المتنبي وفسر أشعاره حتى
اشتهرت عن المتنبي مقولته: (ابن جني أدرى بشعري مني). وابن جني ممن
أكثر في التصنيف حتى بلغت مصنفاته الخمسين، ومنها تسجيله لكلام
أستاذه الفارسي مثل: (اللمع) و(ذي القد) و(تأييد تذكرة أبي علي).
واشهر مصنفاته كتاب (الخصائص) في ثلاثة مجلدات مطبوعة. ومن أهم
مصنفاته أيضاً كتاب (المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح
عنها). وقد نشر منه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة الجزء
الأول. وله كتاب (المنصف) شرح فيه كتاب (التصريف) للمازني، نشر
بالقاهرة في ثلاثة أجزاء. وكان يأخذ بوجهة النظر الكوفية في كثير
من المسائل. وظل يوالي التأليف والتصنيف حتى توفي سنة 392هـ. وجني:
معناه بالعربية فاضل وتترجم حين تكتب بالحروف اللاتينيه ممثلة للفظ
اليوناني gennaius ، ومعناه: كريم، أو نبيل، أو عبقري، وجني بكسر
الجيم وكسر النون مشددة وسكون الياء فلا تشدد كياء النسب إذ ليست
بها. (المدارس النحوية الخصائص).
(1/791)
وأما ثالثاً: فلأنا نقول: الفعل في حالة إذا كان متعدياً بنفسه
ثم عدي بالباء، فلا وجه لتعديته بالباء إلا من جهة الإشعار
بالتعميم؛ لأنه إذا كان معدى بنفسه كان محتملاً للتعميم وغيره في
مثل قولك: مسحت رأسي، فهو محتمل لأن يفيد الشمول في مسح الرأس،
ويحتمل أن يكون مفيداً للتخصيص ببعضه، أما إذا كان معدى بالباء
وكان في الأصل معدى بنفسه فالباء لم تأت إلا دالة على التعميم لا
محالة، لأنها دالة على الإلصاق ومشعرة به فكأنها لإلصاق المسح بكل
جزء من أجزاء الرأس وهذا هو مطلوبنا، ويؤيد ما ذكرنا قوله
تعالى:{وَلاَ تُلْقُوْا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْتَّهْلُكَةِ
}[البقرة:195]. وقوله تعالى:{وَاعْتَصِمُوْا بِحَبْلِ اللّهِ
جَمِيْعَاً }[آل عمران:103]. وقوله تعالى:{بِأَيِّكُمُ
الْمَفْتُوْنُ }[القلم:6]. فهي في جميع مواردها في كتاب اللّه لا
تفيد التبعيض بحال فكيف يقال بأنها هاهنا دالة عليه مع أنها غير
مستعملة فيه؟ فحصل من مجموع كلامنا هاهنا أنه لا دلالة لمخالفينا
في الآية على مسح بعض الرأس وأنَّا أحق بالاستدلال بها على رأينا
في تعميم مسح الرأس بالماء. والعجب من نظار الفقهاء من أصحاب
الشافعي كابن الصباغ صاحب (الشامل)، وأبي إسحاق صاحب (المهذب)،
والعمراني صاحب (البيان) وغيرهم من محصلي مذهبه، كيف جعلوا الآية
عمدة لهم في التبعيض مع أنها غير موضوعة لإفادته ولا دالة عليه
بحال، ومن أجل ذلك كان أئمة الأدب من أهل اللغة والنحاة ما ذكروا
دلالتها على التبعيض ولا عدوه من جملة معانيها كالاستعانة
والمصاحبة والمقابلة وغيرها، وما ذاك إلا لأنها لا تفيده بحال.
الحجة الثانية: أن مخالفينا في هذه المسألة وإن كان قد رووا
الأحاديث في مسحه على الناصية ومقدم رأسه، لكن الحديث الذي رويناه
في التعميم رواه أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) في تعليمه لوضوء
رسول اللّه ً، ولا شك أن خبره راجح على خبر غيره لأوجه:
(1/792)
أما أولاً: فإنه لا خلاف بين أهل القبلة في أن أحداً من الأمة
لم يذهب إلى عصمة أحد من الصحابة بخلاف أمير المؤمنين فإن من
الزيدية والإمامية من يذهب إلى(1) عصمته، ولا شك أن رواية المعصوم
الذي لا يجوز عليه الخطأ أرجح من رواية غير المعصوم لا محالة.
وأما ثانياً: فلأن اللّه تعالى قد خصه بالخصال الشريفة في الدين من
العلم، والورع، والزهد، والتفقه، والعلم بالرواية، مالم يخص به
أحداً من سائر الصحابة، ومن هذه حاله فلا إشكال في أن روايته راجحة
على غيره.
وأما ثالثاً: فإنه لا منقبة لأحد من الصحابة بنص الرسول ً إلا وهي
فيه على أتمِّ شيء وأكمله، فمن أجل ذلك كان ما يرويه في غاية القوة
والوثاقة والرجحان على غيره، فمن أجل هذه الأوجه وغيرها اعتمدنا
روايته في تعميم مسح الرأس وجعلناها أصلاً في تقرير ما ذهبنا إليه.
الحجة الثالثة: ما روي عن النبي ً أنه توضأ مرة مرة ومسح على رأسه
مقدمه ومؤخره ثم قال بعد ذلك: ((هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من
دونه )).
ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أنه قال عقيب مسح رأسه وتوضيه مرة
مرة: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من دونه)). وهذه أمارة كون
الشيء واجباً؛ لأنه لولم يكن واجباً كانت الصلاة مجزية من دونه
كسائر السنن التي تختص الوضوء كما سنقررها بمعونة اللّه تعالى.
الحجة الرابعة: ما روي عن عبدالله بن زيد أنه قيل له: هل تستطيع أن
ترينا وضوء رسول اللّه ً؟ فقال: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ الماء على
يديه، ثم ساق صفة وضوء رسول اللّه ً ثم كان بعد ذلك [أن] مسح رأسه
بيديه فأقبل بهما وأدبر، بِدْءاً بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه
ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه(2)، فظاهر
هذا الخبر دال على تعميم مسح الرأس كما قلناه.
__________
(1) أي: إلى القول بعصمته.
(2) أخرجه البخاري ومسلم، عن عبدالله بن زيد بن عاصم الأنصاري.
(1/793)
الحجة الخامسة: ما روت الرُّبيِّعُ بنت معوذ بن عفراء ) قالت:
كان رسول اللّه ً يأتينا فقال يوماً: (( اسكبي وضوءاً )). فذكرت
وضوء رسول اللّه ً بصفته ثم قالت: ومسح رأسه يبدأ بمؤخر رأسه ثم
بمقدمه ثم بأذنيه بطونهما وظهورهما(2).
الحجة السادسة: ما روى المغيرة بن فروة ) عن الرسول ً، أنه توضأ
فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط
رأسه، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره ومن مؤخره إلى مقدمه، فهذه الحجج
كلها دالة على ما ذهبنا إليه من تعميم مسح الرأس. ثم نقول:
الأحاديث الواردة في صفة وضوء رسول اللّه ً، هي إما مطلقة في مسح
الرأس وإما دالة على التعميم فيجب حمل مطلقها على مقيدها؛ لأن
التقييد صفة زائدة على الإطلاق، وهي مقبولة من جهة العدل(4)، فلا
جرم وجب التعويل عليها.
الانتصار: يكون على من خالفنا في التعميم. إما بإيجاب جزء من الرأس
مقدر أو غير ذلك، فهذان تقريران:
__________
(1) الرُبَيِّعْ بنت معوذ بن عفراء، وعفراء أم معوذ وأبوه الحارث
بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غُنم بن مالك بن النجار،
الأنصارية، صاحبت رسول اللّه ً وروت عنه. وعنها: ابنتها عائشة بنت
أنس بن مالك، وخالد بن ذكوان وأبو سلمة ونافع وغيرهم. قال ابن أبي
خيثمة عن أبيه: كانت من المبايعات تحت الشجرة. (تهذيب التهذيب
ج12/447).
(2) أخرجه أبو داود.
(3) أبو الأزهر المغيرة بن فروة الثقفي الدمشقي، وقيل: إن أبا
الأزهر الشامي شخص آخر اسمه فروة بن المغيرة كما روي عن ابن معين.
ا.هـ. ذكره ابن حبان في الثقات. له في السنن حديثه عن معاوية في
الوضوء ثلاثاً ثلاثاً ولم يُسَم. (تهذيب التهذيب ج10/239).
(4) في نسخة (ق): من جهة العقل.
(1/794)
التقرير الأول: في بيان الانتصار على من قال: بجزء مقدرٍ من
الرأس، فأما ما يحكى عن الإمامين زيد بن علي، والناصر من إيجاب مسح
مقدم الرأس أو الناصية اعتماداً على حديث أنس، حيث روى أنه مسح على
مقدم رأسه أو ناصيته، فنقول(1): عن هذا أجوبة خمسة:
أما أولاً: فلأنه ليس في الخبر إلا ذكر الناصية، وليس تخصيصها
بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداها، إذ لا منافاة بين مسح الناصية
وغيرها، فيجوز أن يكون قد مسح الرأس كله خلا أن الراوي لم يشاهد
إلا مسح الناصية فنقله كما رآه.
وأما ثانياً: فلأنه يجوز أن يكون مسحه على ناصيته تسوية للناصية عن
الانقشاع، وتسوية للمفرق عن أن يكون مغطياً على العينين، ولم يقصد
به وضوءاً ولا تعليم وضوء.
وأما ثالثاً: فلأنه يجوز أن يكون مسحه على الناصية إنما كان لعذر
يمنع من مسح جميع الرأس وكلامنا إنما هو في حالة الرفاهية وزوال
الأعذار.
وأما رابعاً: فلأن الناصية قد يعبر بها عن أعلى الشيء وخياره،
ولهذا يقال: ناصية الجبل أي أعلاه، فعلى هذا يكون المعنى في قوله:
مسح على ناصيته، أي على أعلاه وهو الرأس، فلا يكون فيه حجة على
انفراد الناصية بالمسح.
وأما خامساً: فلأن أخبارنا دالة على الزيادة وخبركم غير دال عليها،
فلهذا كانت أحق بالقبول لما ذكرناه.
وأما ما روي عن أبي حنيفة: من إيجاب جزء من الرأس على اختلاف
الرواية عنه اعتماداً منه على ما روي عن النبي ً أنه مسح على مقدم
رأسه، ثم قدره تارة بالربع وتارة بالناصية ومرة بثلاث أصابع، ففيه
أجوبة:
أما أولاً: فلأن الأحاديث على كثرتها وسعتها في مسح الرأس، لم تدل
على تقدير بالربع ولا بالأصابع الثلاث، فما ذكرتموه تحكم لا مستند
له وشيء لا دليل عليه.
__________
(1) في الأصل: قلنا: إلا أن الجملة تأتي في موضع (الجواب، أو
الخبر)، عن: (فأما ما يحكى..).
(1/795)
وأما ثانياً: فلأن الباب باب العبادات والطهارات، تنسد عنها طرق
القياس، فلا وجه لاستعمال الرأي فيها مع انسداده، ولا شك أنكم قد
استعملتم الرأي في تقدير الربع وثلاث أصابع، فلا وجه له.
وأما ثالثاً: فلأن في هذه الروايات تدافعاً، فإن مقدم الرأس يمنع
من تقديره بالربع؛ لأن المقدم هو الناصية، والربع عام في جميع
الرأس فيكون فيه تدافع.
وأما رابعاً: فلأن التقدير بالربع يمنع من تقديره بأصابع ثلاث؛ لأن
الربع أكثر من الأصابع الثلاث، فإذاً لا وجه لما ذكروه من هذه
التقديرات التي لا دلالة عليها، فحصل من مجموع ما ذكرناه: أن الذي
وقع في الأحاديث إنما هو ذكر المقدم لا غير، فأما ما عداه من تقدير
الربع وثلاث أصابع فإنما هو تعويل على الرأي فلا يكون مقبولاً؛ لأن
الباب باب العبادة.
وأما ما يحكى عن محمد بن مسلمة: من أن مسح ثلثي الرأس يكون مجزياً
اعتماداً على ظاهر الآية بكونها دالة على مسح أكثر الرأس فإذا ترك
ثلثاً كان مجزياً له، فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن إيجابكم المسح لثلثي الرأس تَحَكُّمٌ لا مستند له
وقول لا دليل عليه، فإنه ليس في الأحاديث ذكر إيجاب الثلثين ولا
رواه أحد عن الرسول ً.
وأما ثانياً: فلأن إيجابكم لهذا القدر من الرأس، إما أن يكون لأنه
الأكثر والآية دالة على الأكثر فهو فاسد، فإن الآية إنما دلت على
التعميم من غير تقدير بالثلث ولا بالثلثين، وإن كان ذلك لدلالة دلت
عليه فالواجب ذكرها لننظر فيها هل تكون دالة أو غير دالة فلابد من
ذكرها لنعلم حالها. وأما ما يحكى عن الشافعي من إيجاب ثلاث شعرات
أو شعرة واحدة اعتماداً منه على أقل ما يطلق عليه اسم المسح
المأخوذ من ظاهر الآية، فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكرتموه بناء على أن الباء موضوعة للتبعيض وقد
ذكرنا من قبل أنها غير دالة عليه، ولا مشعرة به في كلام العرب،
فكيف ندعي عليهم خلاف لغتهم؟
(1/796)
وأما ثانياً: فلأنها لوكانت دالة على البعضية كما زعمتم لوجب
إذا قال الواحد منا: مسحت برأس اليتيم كله، ومسحت بالحائط كله، أن
يعد تناقضاً وهذا لا قائل به، أو لو قال: مسحت ببعض رأس اليتيم أن
يكون تكراراً لكلامه، والمعلوم خلاف ذلك من الأدباء من أهل اللغة
والإعراب، فبطل ما قالوه من دلالتها على التبعيض. فهذا هو الكلام
على من زعم أن الواجب مسح قدر من الرأس معلوم قد أبطلناه على
اختلاف القائلين به.
التقرير الثاني: في بيان الانتصار على من قال بجزء غير مقدر، وهو
المشهور من قولي الشافعي، اعتماداً منه على ظاهر الآية، فإن اللّه
تعالى أوجب مسح الرأس ولم يشر إلى جزء مقدر فيجب الاكتفاء فيه بأقل
ما قيل، كما لو مسح بعض شعره، فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد قررنا دلالة الآية على التعميم، وأن دلالتها
عليه أظهر من دلالتها على أقل ما يطلق عليه اسم المسح، فلا وجه
لتكريره.
وأما ثانياً: فلأنا نقول: إيجابكم لبعض الشعرة ليس يخلو حاله إما
أن يكون مأخوذاً من ظاهر الآية، أو من دلالة منفصلة عن الآية، فإن
[كان] الأول فهو فاسد، فإنه ليس في ظاهرها ما يدل على شعرة، ولا
على بعض شعرة فإن زعموا أنهم لم يأخذوه من ظاهر الآية وإنما اكتفوا
بأقل ما يطلق.
قلنا: فلم نعلم من صاحب الشريعة (صلوات اللّه عليه) أنه اكتفى بأقل
ما يطلق، وهو المعلم للأحكام والذي يؤخذ منه الشرع، بل تارة عمم
جميع رأسه، وتارة مسح مقدم رأسه، ومرة مسح على الناصية، فكيف يصح
ما قلتموه من اكتفائه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح؟
وإن قالوا: أخذنا ذلك من دلالة منفصلة.
قلنا: فاذكروا هذه الدلالة حتى ننظر فيها.
فقد وضح لك بما ذكرناه من تلك الأدلة أن وظيفة الرأس هي استيعابه
بالمسح خلافاً لما زعمه أكثر الفقهاء من أن الواجب منه جزء مقدر،
ثم إن لهم [أقوالاً] أخر غير هذه نجيب عنها بمعونة اللّه تعالى.
(1/797)
قالت الحنفية: طهارة في عضو فلم يجز منها ما يقع عليه الاسم،
كالغسل في سائر الأعضاء وكالمسح في التيمم.
قلنا: هذا غير لازم لنا؛ لأنا قد قررنا أن مذهبنا فيه التعميم فهذا
القياس لا يتوجه علينا؛ لأن غرضكم منه إثبات جزء مقدَّر ونحن لا
نقول به كالربع والثلاث الأصابع ومقدم الناصية، وإنما يلزم إخوانكم
الشافعية حيث قالوا: بأن المفروض هو الاكتفاء بأقل ما يطلق عليه
الاسم. وقد أجابوا عنه بأمرين:
أما أولاً: فلأنه لو كان كالأصل الذي قاسوا عليه من الغسل والتيمم
لوجب استيعاب محل الفرض فيه وأنتم لا تقولون به فبطل هذا القياس.
وأما ثانياً: فبأن قلبوا هذا القياس عليكم قائلين: طهارة في عضو
فلا تكون مقدرة بالربع كالغسل في الأعضاء والمسح في التيمم.
قالوا: قربة تتعلق بالرأس فلم يكن ما يقع عليه الاسم مجزياً فيها
كالحلق(1).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا يبطل بكشف الرأس في حال الإحرام فإنه قُربة
تتعلق بالرأس ومع ذلك فإنه يجب استيعابه.
وأما ثانياً: فلأن الحلق في حق المحرم محظور فلأجل ذلك كان الحكم
متعلقاً بقليله وكثيره بخلاف ما نحن فيه من مسح الرأس فإنه عبادة
تعلقت به، فلهذا وجب فيه الاستيعاب، دليله الكشف في حال الإحرام
فإنه لما كان محظوراً تعلق بقليله وكثيره.
قالوا: ما يقع عليه الاسم يدخل في الربع من جهة التبع فلم يكن
فرضاً في غيره كموضع الإسباغ في العضد.
قلنا: هذا غير لازم لنا؛ لأننا نقول بوجوب مسحه كله، فإنما يلزم
إخوانكم الشافعية، وقد أجابوا بأن دية اليد تدخل في النفس على جهة
التبع ومع ذلك فإنها أصل بنفسها، والسجدة الواحدة تدخل في الصلاة
على جهة التبع، ثم إنها منفردة بنفسها، فحصل من هذا أن وجوبه ليس
على جهة التبع وأنه يكتفى فيه بأقل ما يطلق عليه الاسم على هذا
القول.
__________
(1) حلق الرأس، وفي الأصل: كالحلاق.
(1/798)
قالت الشافعية: مسح المتوضئ من الرأس ما يقع عليه اسم المسح فلا
تلزمه الزيادة كما لو مسح مقدار الربع.
قلنا: هذا غير لازم لنا، لأن مذهبنا وجوب التعميم فيه فلا يكتفى
بأقل ما يطلق عليه الاسم كما هو رأيكم، ولا يكتفى فيه بالربع كما
هو رأي إخوانكم الحنفية، وقد أجابوا على ذلك: بما قد روي أنه ً مسح
على مقدم رأسه وعلى الناصية وذلك يمكن تقديره بالربع، فلهذا أوجبنا
قدر الربع من غير زيادة ولم نكتف بأقل ما يطلق عليه الاسم؛ إذ لا
دلالة عليه من جهة الآية ولا من جهة غيرها.
قالوا: هذا الذي ذكرتموه في الرأس تقدير، والتقديرات عندكم لا يمكن
‘ثباتها إلا بتوقيف من جهة اللّه تعالى، أومن جهة رسوله أواتفاق من
جهة الأمة، ولم تعتمدوا فيما ذكرتموه في هذه التقديرات على شيء من
ذلك.
قلنا: هذا غير لازم لنا، لأنا لا نقول بتقدير الربع وإنما رأينا
الاستيعاب كما مر بيانه، وإنما يلزم إخوانكم الحنفية وهم قد أجابوا
عن ذلك بأن التقدير بالربع إنما كان من جهة الرسول ً حيث مسح على
الناصية و على مقدم الرأس، فقدرنا ذلك بالربع بالرأي والمقاييس على
ما يغلب به الظن وينقدح فيه الرأي كسائر المجتهدات في المقادير.
قالوا: تقديره بالربع ليس أحق بالتقدير بالخُمُس والسُّدُس، فإذا
كان لا مخصص هناك لمقدار دون مقدار وجب إبطال الجميع وهو مطلوبنا.
قلنا: وهذا أيضاً غير لازم لنا كما مر بيانه؛ لأنا لا نقول بشيء من
هذه التقديرات وإنما يلزم إخوانكم من الحنفية، وهم قد أجابوا عن
ذلك: بأن تقدير الربع إنما كان بطريق شرعي وهو القياس دون غيره من
سائر المقادير فلهذا قدرناه به، فهذا ما أردنا ذكره من وجوب ما
يمسح من الرأس، والله الموفق للصواب.
(1/799)
الفرع الثاني: وإذا تقرر وجوب التعميم في مسح الرأس كما أشرنا
إليه، فاعلم أن الرأس عبارة عن منابت الشعور المعتادة كالهامة
والمقدم والقذال، والنزعتان منه لأنهما في سمت الناصية، والصدغان
من الرأس؛ لأنهما في منابت شعره.
والمستحب أن يأخذ الماء بكفيه ثم يرسله ثم يلصق إحدى المسبحتين
بالمسبحة الأخرى، ثم يضعهما على مقدم رأسه ويضع إبهاميه على صدغيه،
ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، لما
روى عبدالله بن زيد في وصف وضوء رسول اللّه ً، أنه مسح رأسه بيديه
فأقبل بهما وأدبر بدءاً بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ولأن
منابت الشعور مختلفة ففي ذهابه يستقبل الشعر الذي يلي مقدم رأسه
فيقع المسح على باطن الشعر دون ظاهره، وعلى ظاهر مؤخره، وإذا رد
يديه يقع المسح على باطن مؤخر رأسه وظاهر مقدمه فيكون محيطاً
بالرأس عند مسحه، فإن كان عليه شعر فمسح الشعر أجزأه، وإن لم يكن
هناك شعر فمسح البشر أجزأه المسح على البشرة؛ لأن الجميع يسمى
رأساً، فإن وضع أصبعه على رأسه أو كفه ولم يمرها على رأسه أو
قَطَّرَ على رأسه ماءً لم يجزه؛ لأن ذلك لا يسمى مسحاً، ولا هو
شامل لجميع الرأس، فلهذا بطل إجزاؤه، وإن كان محلوقاً أو أصلع فمسح
على البشرة أجزأه؛ لأنه مسح على ما يقع عليه اسم الرأس، وإن كانت
له ذؤابة قد نزلت عن حد الرأس فمسح على ما نزل منها عن حد الرأس لم
يجزه؛ لأنه لا يقع عليه اسم الرأس، وإن رد الشعر النازل عن حد
الرأس إلى وسط الهامة ثم مسح عليه لم يكن مجزياً له؛ لأنه صار
بالرد كالعمامة، وإن كان له شعر مسترسل عن منبته ولم ينزل عن حد
الرأس فمسح على رأسه أجزأه ذلك عندنا وهو القوي من قولي الشافعي،
من جهة أن اسم الرأس متناول له، ومن أصحاب الشافعي من قال: إنه لا
يجزيه لأنه مسح على شعر في غير منبته، فهو كما لو مسح على طرف
الذؤابة، والصحيح هو الأول لما ذكرناه.
(1/800)
الفرع الثالث: وإن غسل رأسه مكان مسحه فهل يكون مجزياً له أم
لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجزيه، وهذا هو اختيار السيد أبي طالب، وهو رأي
القفال من أصحاب الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنه عدول عن المشروع في وظيفة الرأس فلم يكن
مجزياً في حقه كما لو مسح على وجهه ويديه.
وثانيهما: أنه يكون مجزياً له، وهذا هو رأي العمراني من أصحاب
الشافعي، واختيار الشيخ أبي حامد الغزالي، وهو قول الإمام الناصر
للحق عليه السلام وهو المختار لأمرين:
أما أولاً: فلأن الغسل فيه المسح وزيادة، كل من غسل فقد أتى بحقيقة
المسح وزاد عليه، فلا يكون بالغسل خارجاً عن الأمر المشروع في حق
الرأس.
وأما ثانياً: فلأن اللّه تعالى بلطف حكمته وسعة رحمته جعل الوظيفة
في حق الرأس المسح، لما كان في أغلب الحالات مستوراً بالعمامة فلا
يلحقه من الغبار والتصرفات في المهن ما يلحق سائر الأعضاء، وجعل
الغسل هو المشروع فيما عداه لما كان يلحقها من الأدران بالتصرفات
كثيراً، فالمتوضئ إذا زاد على الوظيفة لم يكن خارجاً بذلك عن حد ما
شرع فيه لما ذكرناه.
ومن توضأ ثم حلق رأسه أوحلقت لحيته فهل تبطل طهارته أم لا؟ فيه
وجهان:
أحدهما: أن طهارته تبطل ولا يجوز له الصلاة إلا بإعادة وظيفة ذلك
العضو إما غسلاً كاللحية أو مسحاً كالرأس، وهذا هو المحكي عن ابن
جرير )، وابن خيران من أصحاب الشافعي.
__________
(1) أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري،
البغدادي، العلامة، المحقق، المفسر. قال الجرافي: أجمعوا أن تفسيره
أحسن التفاسير، وله في خبر الغدير مؤلف مشهور، وهو من مشائخ الحديث
الذي يُرجع إليهم في تصحيحه، وله التاريخ المشهور (الأمم والملوك)،
توفي في شوال سنة 310هـ، عن 86 سنة، (طبقات الشافعية، تهذيب
التهذيب، مقدمة الأزهار).
(1/801)
والحجة على ذلك: هو أن غسل شعر اللحية ومسح شعر الرأس إنما وجب
غسل هذا ومسح ذاك عوضاً عن البشرة، فإذا أزيلا فالواجب بحكم الشرع
إعادة الوظيفة في الغسل والمسح فإذا لم يعد ما ذكرناه من الوظيفة
كانت الطهارة مخرومة، فلهذا قلنا ببطلان الطهارة.
و[ثانيهما] ذهب أئمة العترة، والفقهاء: أبو حنيفة وأصحابه،
والشافعي وأصحابه، وغيرهم من علماء الأمة: إلى أن الطهارة لا تبطل
بما ذكرناه من إزالة الشعر.
والحجة على ذلك: هو أن الطهارة قد كملت بالمسح والغسل فإذا كملت لم
تبطل بإزالة الشعر، ولأن الطهارة إنما تبطل بعد انعقادها بشيء من
النواقض، وحلق الشعر لا يكون ناقضاً.
فإذا تقرر أنه ليس مبطلاً للطهارة فهل تعاد الوظيفة أم لا؟ فيه
وجهان:
أحدهما: أن إعادة الماء فيما يغسل أو يمسح ليس مشروعاً، وهذا هو
رأي أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أنه لم ترد بذلك دلالة من كتاب ولا سنة، فلو
كان ذلك مشروعاً لنقل، فلما لم ينقل دل على كونه غير مشروع.
وثانيهما: أنه مشروع وهذا هو الذي عليه علماء العترة.
والحجة على ذلك: هو أنه إذا أزال الشعر فقد بطلت تلك الوظيفة التي
كانت مستحقاً لها فلولم تعد تلك الوظيفة لخلا العضو عما يستحقه من
الطهارة من مسح أو غسل، وإذا قلنا بكونه مشروعاً فهل يكون واجباً
أو مستحباً؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يكون على الوجوب وهذا هو الذي ذكره الإمام أبو طالب
لمذهب الهادي.
والحجة على ذلك: هو أن غسل اللحية هو الواجب ومسح الرأس كذلك، ولا
شك أن الشعر قائم مقام البشر وخلف عنه فإذا أزيل الشعر بوجه ما كان
عليه واجباً من تلك الوظيفة وإلا خلا العضو عما كان يستحقه من
التطهير.
وثانيهما: أنه يكون مستحباً وهذا هو رأي الإمامين زيد بن علي
والمؤيد بالله.
(1/802)
والحجة على ذلك: هو أن الوضوء قد صار منعقداً، وعروض ما عرض لا
يبطل حكم الطهارة المنعقدة، فإذا كان ليس مؤثراً في بطلانها كانت
باقية على الانعقاد، فإذا ظهر كونه غير واجب كان مستحبا تأكيداً
للتطهير.
قال أبو خالد ): سألت زيد بن علي عمن قلم أظفاره بعد الوضوء، فقال:
يمر الماء على أظفاره. فظاهر هذا هو الاستحباب كما ذكرناه.
والمختار: ما عول عليه الإمامان زيد بن علي والمؤيد بالله من القول
باستحبابه وعليه دل كلام الإمام القاسم بن إبراهيم، ويدل على ذلك
هو أن موضع الحلق والتقصير صار خالياً عما يتوجه له من الوظيفة
فلأجل ذلك استحب مسحه لئلا يخلو عما كان له من التطهير.
الانتصار: يكون بإبطال ما عداه، فمن زعم أنه غير مشروع كما يحكى عن
أكثر الفقهاء فهو فاسد؛ لأن المقصود بما نريده من كونه مشروعاً من
أن الوظيفة في حقه قد زالت بتنحية الشعر فلهذا استحب إمرار الماء
عليه إكمالاً للطهارة ورغبة في إتمامها.
__________
(1) هو الشيخ، الحافظ، المحدث، أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي،
الهاشمي بالولاء، الكوفي. كان أصله بالكوفة، ثم انتقل إلى واسط،
روى المجموعين الحديثي والفقهي عن الإمام زيد بن علي، وكذا تفسير
الغريب للإمام زيد، وكتاب الحقوق له عليه السلام، توفي في عشر
الخمسين والمائة. أجمع أهل البيت على عدالته، وطعن البعض من غيرهم
في عدالته. وفي ترجمته بمقدمة الروض النضير، قال ابن مرغم في شرحه
على (البحر): أبو خالد، أهل الحديث يضعفون روايته وأهل البيت
يصححونها، وذلك لأن أهل الحديث جرحوه بحب آل محمد. وقال ابن مظفر
في (الترجمان): فمن رام جرحه (يعني أبا خالد) فقد كذب وافترى وظلم
واعتدى. تراجع ترجمته في مقدمة الروض النضير ج1/66.
(1/803)
وأما من قال: إنه واجب محتجاً بأن المسح على الشعر إنما وجب من
أجل كونه بدلاً عمَّا [كان] تحته فلما زال توجه الأمر بالوجوب في
تأدية الوظيفة، فهو غير لازم، لأنا نقول: إن العبادة قد انعقدت لا
محالة ولهذا جاز تأدية الصلاة بها، فإزالة الشعر لا تبطل الطهارة
ولا تنقضها كما مر بيانه. وأما من زعم بطلان الطهارة فقد أبعد، فإن
الشرع لم يدل على أن إزالة الشعر من جملة النواقض، فلأجل هذا قضينا
بصحة الطهارة وصحة الصلاة بها لانعقادها من أول الأمر، والله أعلم.
الفرع الرابع: فإن كان على رأسه عمامة، فالواجب عليه تنحية العمامة
ومسح رأسه كله، عند أئمة العترة لما روى أمير المؤمنين كرم اللّه
وجهه، وعثمان بن عفان رضي اللّه عنه في صفة وضوئه ً أنه مسح رأسه،
فإن اقتصر على مسح العمامة لم يجزه عند أئمة العترة، وهو قول أبي
حنيفة وأصحابه، والشافعي، ومالك.
والحجة على ذلك: قوله تعالى:{وَامْسَحُوْا
بِرُؤُوْسِكُمْ}.والعمامة لا يقع عليها اسم الرأس، ولأنه عضو لا
تلحق المشقة في إيصال الماء إليه فلم يجز المسح على حائل منفصل عنه
كالوجه واليدين.
فقولنا: لا تلحق المشقة في إيصال الماء إليه، نحترز به عن الجبائر
فإن حلها مما يلحق المشقة به.
وقولنا: حائل منفصل، نحترز به عن مسح الشعر النابت على الرأس. وحكي
عن الأوزاعي، والثوري، وأحمد، وداود: جواز المسح على العمامة
والاقتصار عليه، خلا أن أحمد والأوزاعي قالا: إنما يجوز ذلك على
شرط، ثم اختلفا في الشرط، فقال الأوزاعي: الشرط أن يكون قد لبسها
على طهارة كالخف. وقال أحمد: الشرط في ذلك أن يكون قد اختطم
باللثام بأن وضعه على عذاريه وتحت حنكه.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ً، أنه أمر بالمسح على المشاوذ
والتساخين، والمشاوذ: بالشين بثلاث من أعلاها وذال بنقطة من
أعلاها: هي العمائم. والتساخين: بالتاء بنقطتين من أعلاها وسين
مهملة وخاء منقوطة هي: الخفاف. وهو فارسي مُعَرَّب.
(1/804)
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة،
ودليلنا ما ذكرناه، ولأن العمامة لباس الرأس فلو جاز المسح عليها
لجاز المسح على الكمين لما كانا لباساً لليدين، فلما لم يجز ذلك دل
على بطلان ما زعموه.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه حجة لهم.
قالوا: مسح رسول الله ً على المشاوذ، وهي: العمائم جمع مشوذة.
قلنا: إن ما فعله رسول اللّه ً محمول على أنه مسح على العمامة مع
مسحه على الرأس، وإنما تأولناه على هذا التأويل جمعاً بين ما ذكروه
وما أوردناه من الأخبار الدالة على مسحه على رأسه وظاهر الآية.
وحكي عن الشافعي: أنه إذا كان على رأسه عمامة ولم يُرِدْ نزعها
فإنه يمسح على ناصيته وعلى العمامة. وهذا الخبر فيه حجة على من
جَوَّزَ الاقتصار على العمامة، في المسح فإنه مانع من ذلك، وهو ما
رواه المغيرة بن شعبة عن النبي ً، أنه مسح على عمامته وناصيته،
وفيه حجة للشافعي على جواز الاقتصار على بعضه، وقد قررناه من قبل
وذكرنا تأويله فأغنى عن الإعادة.
ويستحب أن يدخل بعض أصابعه في صماخ أذنيه لما روى هشام ) عن النبي
ً أنه مسح رأسه فوضع كفيه على مقدم رأسه فأَمَرَّهما حتى بلغ
القذال ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم أدخل أصابعه في صماخي
أذنيه.
الفرع الخامس: في التكرار في مسح الرأس، وفيه مذاهب ثلاثة:
الأول: أن السنة أن يمسحه ثلاثاً، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي
عن الشافعي وهو قول عطاء.
__________
(1) لعله هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر المتوفى
سنة 146هـ، ثقة، حافظ، سمع ابن عمر وابن الزبير، وهو موصوف بالورع،
والزهد، توفي عن 87 سنة. (راجع التاريخ الكبير، والتقريب، والجرح
والتعديل).
(1/805)
والحجة على ذلك: ما روى أُبَيُّ بن كعب أن الرسول ً توضأ مرة
مرة، وقال: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من دونه )) ثم توضأ
مرتين مرتين وقال: (( من توضأ مرتين أعطاه اللّه أجره مرتين)). ثم
توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي
ووضوء خليلي إبراهيم)). ولم يفصل بين الرأس وغيره.
والحجة الثانية: قياسية، وهو أنه أحد أعضاء الطهارة قيس فيه
التكرار كسائر الأعضاء.
المذهب الثاني: أن السنة فيه مرة واحدة، وهذا هو رأي المؤيد بالله،
ومحكي عن أبي حنيفة، وبه قال الحسن، ومجاهد، ومالك، وسفيان الثوري،
وأحمد، وأبو ثور، ومروي عن الشيخ أبي نصر(1) من أصحاب الشافعي.
والحجة على ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين وعثمان بن عفان في صفة
وضوء رسول اللّه ً، فغسلا ثلاثاً ثلاثاً ثم مسحا الرأس مرة واحدة،
فدل ذلك على أن المسنون فيه عدم التكرار كما قلنا.
المذهب الثالث: أن المسنون فيه مرتان، وهذا هو المحكي عن ابن سيرين
والإمامية.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ً أنه توضأ مرتين وقال: (( هذا
وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم)). وهذا يدل على أن
المسنون فيه مرتان، مرة فرضاً، ومرة سنة، كما في سائر أعضاء
الطهارة.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة،
وهو أن السنة في مسحه تكريره ثلاثاً.
والحجة على ذلك: ما قالوه، ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: ما رواه أبو رافع وعبدالله بن أبي أوفى ) عن الرسول
ً أنه مسح رأسه ثلاثاً.
__________
(1) هو أبو نصر بن الصباغ وقد تقدمت ترجمته.
(2) عبدالله بن أبي أوفى الأسلمي هو آخر الصحابة موتاً، توفي
بالكوفة سنة 86هـ، وقيل: سنة 88هـ، وقد قارب المائة، وهو آخر من
شهد بيعة الرضوان، فقيه، روى عنه: عطاء والأعمش. ا.هـ. سير أعلام
النبلاء 3/428.
(1/806)
الحجة الثانية: ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه عن النبي ً أنه
مسح رأسه ثلاثاً، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المسنون في مسحه
التكرار كما أوضحناه؛ ولأن الثلاث أحد الاستيعابين فسن في الرأس
كاستيعاب المحل.
الانتصار: يكون بإبطال ما عداه.
قالت الحنفية: التكرار ليس مسنوناً في الرأس، لحديث أمير المؤمنين
وعثمان فإنهما رويا التكرار في الوضوء دون مسح الرأس.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأن الرواية عن أمير المؤمنين وعثمان في التكرار قد
رواه عدة من الرواة عنهما، وإذا كان الأمر فيها كما قلناه فيجب
الحكم بالتعارض في الروايتين ويبقى حديث أُبَي بن كعب خالياً عن
المعارضة فيجب الاعتماد عليه.
وأما ثانياً: فلأن روايتنا أحق بالعمل من جهة أنها تختص بزيادة وهي
مقبولة من الراوي، ومن جهة أن رواتها أكثر فلا جرم كانت أرجح وأحق
بالعمل.
وأما ثالثاً: فلأنه محتمل أنه إنما مسح مرة واحدة على رأسه ليبين
كونه مجزياً كما روي أنه توضأ فغسل وجهه ثلاثاً ويديه مرتين ليبين
الجواز.
قالوا: مسح فلا يُسن فيه التكرار كالمسح على الخف والتيمم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن مسح الخف والتيمم بدلان عن غيرهما، فلأجل هذا ضعفا
فلم يسن فيهما تكرار، بخلاف مسح الرأس فإنه أصل ليس بدلاً عن غيره
فلهذا أكمل.
وأما ثانياً: فلأن مسح الخف والتيمم نقصا عن الأصل في المقدار
فلهذا نقصا عنه في الصفة، وهي التكرار، وهذا لم ينقص في المقدار
فلم ينقص في التكرار، على أن المسح على الخف ليس مذهباً لنا فلا
يلزمنا الجواب عنه، وإنما هو رأي الفقهاء وسنوضح القول فيه.
قالوا: لو تكرر المسح لخرج عن حقيقته؛ لأنه يكون غسلاً فيكون في
تصحيحه إبطاله، وكل ما كان في تصحيحه إبطاله فهو باطل.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الغسل يكون بالجريان، والمسح لا جريان فيه للماء
عليه؛ لأنه بتكرر المسح لا يصير غسلاً.
(1/807)
وأما ثانياً: فلأن كل مسحة بنفسها ليست غسلاً، ولا تكون محصلة
للجريان، والجريان إنما يحصل بالجريان بالمجموع وما تفضي إليه
بمجموعها فلا اعتبار به.
قالوا: لو قلنا بأن المسح يتكرر لاجتمع فيه شيئان: التكرار
والاستيعاب.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن الاستيعاب سنة، وإنما هو فرض واجب كما
مر تقريره، فهذا لا يلزمنا وإنما يلزم إخوانكم من الشافعية حيث
قالوا: بأن الاستيعاب فيه سنة.
وأما ثانياً: فلأن مثل هذا غير ممتنع كما يجتمع ذلك في الوجه
والرِّجل واليد، فالوجه: تطويل الغرة والاستنان، وفي اليد والرجل:
تطويل الغرة والتكرار، فلا مانع من اجتماع السنتين.
قالوا: روت الربيع بنت معوذ أن الرسول ً مسح رأسه ما أقبل منه وما
أدبر وصدغيه مرة واحدة، وفي هذا دلالة على أن التكرير غير مسنون.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكرناه من حديث أبيّ في تكرير المسح أحق لكونه
موافقاً للسنة في أعضاء الوضوء، ولأن الأخبار الواردة في تكرير
المسح هي الأكثر كما ورد في حديث أمير المؤمنين وحديث عثمان.
وأما ثانياً: فلأنه إنما أراد بالمسح مرة واحدة ليدل بها على جواز
الاقتصار فيه على مرة واحدة ولم يرد بيان المسنون، فلهذا مسح مرة
واحدة.
قالوا: لوكان التكرار مسنوناً لتواتر النقل به كما ورد في مسنون
الغسل، فلما لم يتواتر التكرار دل على كونه غير سنة.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا ينقلب عليكم، فإنا نقول: لو كان المسنون مرة
واحدة لتواتر النقل به كما تواتر غيره، فلما لم يتواتر دل على
بطلان ما ذكرتموه.
وأما ثانياً: فلأن الأحاديث قد وردت بالتكرير في مسح الرأس أكثر من
ورودها مرة واحدة.
الفرع السادس: إذا تقرر أن التكرار مسنون في مسح الرأس ثلاثاً، فهل
يكون ذلك التكرير بماء واحد ثلاث مرات أو يكون لكل مرة ماء واحد؟
فيه مذهبان:
(1/808)
المذهب الأول: أن تكرير مسحه يكون بأمواء مجددة مرة بعد أخرى
حتى تستوفي ثلاثاً وهذا هو رأي الهادي.
والحجة على ذلك: ما روى أُبيّ بن كعب عن رسول اللّه ً أنه توضأ مرة
مرة ثم قال: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من دونه)). ثم توضأ
مرتين مرتين ثم قال: (( من توضأ مرتين أعطاه اللّه أجره مرتين )).
ثم توضأ ثلاثاً ثم قال: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء
خليلي إبراهيم )). ثم إنه لم يفصل بين ما كان مغسولاً وبين ما كان
ممسوحاً في أن السنة تكرير غسله أو مسحه ثلاث مرات بأمواء متجدد،
وفي هذا دلالة على ما ذكرناه في ذلك.
المذهب الثاني: أن السنة في تكرير مسح الرأس يكون بماء واحد
ثلاثاً، وهذا هو المحكي عن المؤيد بالله.
والحجة على ذلك: ما في حديث الرُّبيع بنت معوذ قالت: رأيت رسول
اللّه ً مسح رأسه ومسح ما أقبل منه وأدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة،
فأخذنا من ظاهر هذا الحديث أن الماء واحد، وأخذنا من ظاهر حديث
أبيّ بن كعب تكريره ثلاث مرات، فحصل من مجموع ذلك: أنه مسح رأسه
بماءٍ واحد ثلاث مرات، وهذا هو المطلوب.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأوجه:
أما أولاً: فلأن وظيفة الرأس خفيفة، فلو كان المسنون في حقه بأمواء
جديدة لكان ذلك مناقضاً لما فهم من حقيقته في الخفة والسهولة.
وأما ثانياً: فلأن تكرير الأمواء في مسحه ثلاث مرات فيه تقريب من
ماهية الغسل وحقيقته، وفي ذلك مناقضة للمشروع في حقه.
وأما ثالثاً: فلأن المفهوم من حاله عليه السلام هو التساهل في مسح
الرأس، ولهذا فإنه روي أنه كان مُعْتَمًّا فحسر العمامة عن رأسه،
وأدخل يده فمسح على ناصيته، وروي عنه ً أنه مسح رأسه من فضل ما كان
في يده. فهذه الأخبار كلها دالة على سهولة الأمر في وظيفة الرأس،
وهذا يؤيد ما قلناه من أن مسحه ثلاث مرات بماء واحد يطابق ما ورد
في هذه الأحاديث من التخفيفات.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
(1/809)
قالوا: حديث أُبيّ فإنه لما توضأ ثلاثاً قال: (( هذا وضوئي
ووضوء الأنبياء قبلي)).
قلنا: ليس في ظاهر هذا الحديث ما يدل على أنه مسح رأسه بأمواء
ثلاثة مجددة، وإنما ظاهره دال على مسح الرأس مطلقاً، ولم يبين فيه
هل كان بماء واحد أو بثلاثة أمواء، فمن حقكم إيضاح ما قلتموه
بدلالة غير محتملة.
قالوا: حديث عثمان في صفة وضوء رسول اللّه ً أنه مسح رأسه ثلاثاً،
فدل ذلك على صحة ما قلناه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فقد ورد في حديث أمير المؤمنين في صفة وضوء رسول اللّه
أنه مسح رأسه مرة واحدة فيتعارضان.
وأما ثانياً: فليس فيه دلالة على أنه كان ذلك المسح بأمواء مجددة
والنزاع إنما وقع في ذلك، وظاهر الحديث فيه على ما قلتم من اعتبار
ثلاثٍ بأمواء مجددة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الأحاديث في صفة
مسح رسول اللّه ً لرأسه مختلفة اختلافاً كثيراً، لكن في مسحه ثلاث
مرات بماء واحد، جمع بين الأحاديث فيكون فيه وفاء بالعدد تصديقاً
لقوله عليه السلام في بعض الأحاديث، إنه مسح ثلاثاً يريد به ذلك،
وأنه مسح بماء واحد فيكون فيه تصديق لقوله(1) عليه السلام إنه مسح
مرة واحدة يعني بماء واحد، فلهذا كان المستحب في وظيفة الرأس أن
يكون ثلاثاً بماء واحد على جهة التعميم.
الفرع السابع: ومن دهن رأسه نظرت، فإن كان ذلك الدهن مما يجمد على
الرأس فيكون مانعاً من وصول الماء إليه لم يكن مجزياً له، كما لو
قطر عليه الشمع أو الشحم، فإنه إذا مسح على ذلك لم يكن ماسحاً على
الرأس ولا على شعره فلا يجزيه، كما لو مسح على العمامة، وكما لو
طين رأسه بطين ثم مسح عليه، وإن كان الدهن مما لا يمنع وصول الماء
جاز ذلك، ولم يكن مانعاً من الإجزاء، كما لو دهن رأسه بالزيت
والسليط وغير ذلك من المائعات التي هي غير مانعة من وصول الماء،
والله أعلم.
__________
(1) صوابه: لفعله.
(1/810)
الفرع الثامن: المشروع هو المسح للأذنين لباطنهما وظاهرهما،
فباطنهما مما يلي الوجه وظاهرهما مما يلي الرأس، لما روى المقدام
بن معدي كرب ) أن الرسول ً توضأ فمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل
أصبعيه في صماخي أذنيه(2)، وإذا كان المشروع هو المسح فيهما لما
ذكرناه، فهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: [أنه واجب] وهذا هو رأي القاسمية، واختيار السيدين
الإمامين المويد بالله، وأبي طالب.
والحجة على ذلك: ما روي عن أبي أمامة الباهلي ) أن النبي ً توضأ
فمسح أذنيه مع رأسه وقال: (( الأذنان من الرأس )).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن قوله: (( الأذنان من الرأس )). لا
يخلو الحال فيهما إما أن يريد أنهما متصلتان بالرأس من جهة الخلقة
والصورة فهذا لا وجه له؛ لأن ما هذا حاله ظاهر لا يحتاج إلى بيان
من جهة صاحب الشريعة وإنما يراد منه بيان الأحكام الشرعية، فإذا
بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال: إنهما من الرأس في وجوب مسحهما كالرأس
فإنه واجب مسحه كما مر بيانه من قبل.
__________
(1) المقدام بن معد يكرب بن عمرو بن يزيد بن معدي كرب. روى عن
النبي ً، وأبي أيوب، ومعاذ بن جبل، وخالد بن الوليد. وعنه: ابنه
يحيى وآخرون. ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل الشام وقال:
مات سنة87هـ، وهو ابن 91سنة، وقيل: غير ذلك. (تهذيب التهذيب
ج10/255) و(طبقات ابن سعد).
(2) زاد هشام: ((.. وأدخل أصبعيه في صماخي أذنيه)). أخرجه أبو
داود. ا.هـ. وأورده في الاعتصام والشفاء عن المقدام بن معدي كرب
بما فيه زيادة هشام دون نسبتها إليه.
(3) صُدَى بن عجلان بن وهب الباهلي، أبو أمامة، صحابي جليل. كان مع
علي عليه السلام في صفين، وسكن الشام، فتوفي بأرض حمص سنة 81هـ -
700م. وهو آخر من مات من الصحابة بالشام. له في الصحيحين 250
حديثاً. ا.هـ. أعلام 3/203. راجع تهذيب التهذيب والإصابة.
(1/811)
المذهب الثاني: أن مسحهما مسنون، وهو هذا المحكي عن الناصر، وهو
قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي.
والحجة على ذلك: قوله ً للأعرابي: (( توضَّ كما أمرك اللّه فاغسل
وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك )) ولم يذكر له مسحهما وهو في
محل التعليم، وفي هذا دلالة على كونه غير واجب.
والمختار: ما قاله الإمام الناصر ومن تابعه من فقهاء الأمة.
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: قوله تعالى في آية الوضوء: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}[المائدة:6].. إلى آخر
الآية، فإنه ذكر مسح الرأس ولم يذكر مسح الأذنين، وفي هذا دلالة
على كونه غير واجب، إذ لو كان واجباً لذكره؛ إذ لا يجوز تأخير
البيان عن وقت الحاجة.
الحجة الثانية: هو أنهما لو كان مسحهما واجباً لكان لابد عليه من
دلالة ولا دلالة هاهنا تدل على وجوبهما؛ لأن ما ورد من الأخبار في
كونه مسح أذنيه، ليس فيه دلالة على الوجوب وإنما هو دال على أن
المسح مشروع في حقهما، وأدنى الدرجات فيما يحمل عليه فعله في
العبادات هو الندب، والوجوب إنما يؤخذ من دلالة أخرى، وهذا يدلك
على أن المسح في حقهما مشروع على جهة الندب لا غير.
الانتصار: يكون بإبطال ما قالوه.
قالوا: روى أبو أمامة أنه ً، مسح أذنيه ولم يرد إلا بيان الوجوب في
حقهما.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فليس في قوله: (( الأذنان من الرأس )). ما يدل على وجوب
مسحهما، وإنما قصد أنهما يمسحان كمسح الرأس لا غير، والوجوب يحتاج
إلى دلالة واضحة.
وأما ثانياً: فلأن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) وعثمان بن عفان
رضي اللّه عنه في وصفهما لوضوء رسول اللّه ً، لم يذكرا: أنه مسح
أذنيه، وفي هذا دلالة على أنه غير واجب؛ إذ لو كان واجباً لم يتركه
كما في مسح الرأس.
قالوا: مسح لعضوين مغسولين فكان واجباً كمسح الرأس.
(1/812)
قلنا: المعنى في الأصل أنه منصوص لا من جهة كونه ممسوحاً بين
مغسولين، على أنا نقول: مسح بين مغسولين فلا يكون واجباً كمسح
الرقبة، فهذا ينقلب، وما انقلب من الأقيسة فهو باطل فبطل ما عولوا
عليه.
الفرع التاسع: وإذا تقرر أن مسحهما ليس واجباً فهل يمسحان بفضلة
ماء الرأس أو يؤخذ لهما ماء جديد؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يؤخذ لهما ماء جديد، وهذا شيء يحكى عن المؤيد
بالله، ولم أعرف فيه قولاً للإمام الناصر، وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: ما روى عبدالله بن زيد أن الرسول ً توضأ فمسح
أذنيه بماء غير الماء الذي مسح به رأسه وأدخل أصبعيه في صماخيه.
وقال الشافعي في (الأم) و(البويطي): إنه يأخذ لصماخيه ماءً جديداً
غير الماء الذي مسح به ظاهر الأذنين وباطنهما، من جهة أن الصماخ في
الأذن كالأنف والفم في الوجه، فكما انفرد الأنف والفم عن الوجه
بالماء فهكذا حال الصماخ.
المذهب الثاني: أنه يمسحهما بفضل ماء الرأس، وهذا هو رأي القاسمية،
وهو محكي عن أبي حنيفة مع أنه مخالف في أصل المسح فإنه عنده ليس
واجباً. وعندهم أنه واجب كما مر تقريره.
والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وعائشة وابن
مسعود ومعاذ ) وأبو موسى الأشعري وغيرهم من جِلَّةِ الصحابة رضي
اللّه عنهم عن النبي ً، أنه قال: (( الأذنان من الرأس )).
__________
(1) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس أبو عبدالرحمن الخزرجي الأنصاري،
صحابي جليل، من مشاهير الصحابة، أسلم وهو ابن 18 سنة، وشهد مع رسول
اللّه ً بدراً، والعقبة والمشاهد كلها، بعثه رسول اللّه ً إلى
اليمن لتعليم الناس، وإليه ينسب بناء مسجد الجَنَد بتعز، وهو أحد
الأربعة الذين جمعوا القرآن في عهد رسول اللّه ً وروى عن النبي ً
كثيراً من الأحاديث، وردت روايته في كل الصحاح والسنن، توفي سنة 18
هـ، وهو لم يبلغ الأربعين. ا.هـ. (تهذيب ج10/169).
(1/813)
ووجه الحجة من هذا الخبر: هو أنه ليس يريد أنهما متصلتان
بالرأس؛ لأن ذلك معلوم ولا يحتاج إلى بيان، وإنما أراد أنهما بعض
من أبعاض الرأس ولهذا أتى بـ(من) وهي دالة على التبعيض، وإذا كانا
بعضاً من أبعاضه كانا داخلين في حكم مسحه فيمسحان بفضل مائه من غير
إحداث ماء جديد.
والمختار: ما عول عليه الإمام المؤيد بالله ومن تابعه من علماء
الأمة.
والحجة عليه: ما نقلناه عنهم؛ ونزيد هاهنا وهو أنهما عضوان مستقلان
بأنفسهما لا يجزئ مسح أحدهما عن مسح الآخر، فلا يكونان ممسوحين
بفضل ماء الرأس كالمسح على الجبائر وكالمسح على الرقبة.
ومن وجه آخر: وهو أن المسح أحد مُسَمَّي أفعال الوضوء فلا يؤدى
المسنون فيه في عضو تام بما أدى به الفرض كالغسل في غيره من
الأعضاء.
الانتصار: [يكون] بإبطال ما اعتمدوه في تقرير مذهبهم.
قالوا محتجين بقوله ً: (( الأذنان من الرأس)).
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فلأن ظاهر هذا الحديث متروك لأنهما ليسا من الرأس في
ظاهر الخلقة فلابد فيه من تأويل، فإذا أضمروا أنهما يمسحان مع
الرأس أضمرنا أنهما يمسحان كالرأس حتى لا يظن ظانٌّ أنهما يغسلان
كالوجه لقربهما منه.
وأما ثانياً: فإن من جملة رواة هذا الحديث ابن عمر، وقد قال أبو
زرعة ): أنه موقوف عليه، وأيضاً فإنه روى عنه مولاه نافع ) أنه كان
يأخذ الماء بأصبعيه لأذنيه.
قالوا: ممسوحان متصلان بالرأس فلا يؤخذ لهما ماء جديد كجوانب
الرأس.
__________
(1) عبدالله بن عبدالكريم بن يزيد بن فروخ، أبو زرعة الرازي، محدث
شهير، توفي سنة 264هـ عن 64 سنة. (راجع طبقات الشافعية ص102 رقم
47).
(2) مولى ابن عمر، أبو عبدالله القرشي ثم العدوي العُمري، روى عن
ابن عمر وعائشة، وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم، وعنه: الزهري وابن
جريج وعبيد الله بن عمر وغيرهم. كان كثير الحديث، وثقه الرواة،
توفي سنة 117هـ. على خلاف في التاريخ. ا.هـ. سير أعلام النبلاء
ج5/95.
(1/814)
قلنا: هذا فاسد، فإن جوانب الرأس من الرأس اسماً وخلقة وحكماً،
والأذنان ليسا من الرأس اسماً وخلقة وحكماً، فلهذا لم يكونا
ممسوحين بفضلة ماء الرأس بل يؤخذ لهما ماء جديد.
الفرع العاشر: هل يكون الغسل مشروعاً فيهما أم لا؟ فيه مذاهب
ثلاثة:
المذهب الأول: أن الواجب غسلهما مع الوجه، وهذا شيء يحكى عن
الزهري.
والحجة على ذلك: قوله ً: (( سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه
وبصره ))(1). فأضاف السمع والبصر إليه، فدل ذلك على أنهما من جملة
أبعاضه؛ ولأن السمع من جملة حواس الوجه فوجب غسلهما معه كالبصر
والشم.
المذهب الثاني: أنه يجب غسلهما مع الوجه ويجب مسحهما مع الرأس،
وهذا شيء يحكى عن ابن سريج من أصحاب الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن مبنى العادة على الأخذ بالاحتياط، وإذا كان
الأمر كما قلناه فليس يخلو الحال فيهما إما أن يكونا من جملة الرأس
وجب مسحهما كالرأس، وإما أن يكونا من جملة الوجه وجب مسحهما معه،
فلهذا أوجبنا غسلهما ومسحهما مع جهة التبع للوجه والرأس.
المذهب الثالث: أنه يجب غسلهما مع ما أقبل منهما مع الوجه، ويجب
مسح ما أدبر منهما مع الرأس، وهذا شيء يحكى عن الشعبي، والحسن بن
صالح.
والحجة على ذلك: هو أن الدليل الشرعي قد قام على أن ما كان مواجهاً
فحكمه حكم الوجه في الغسل، وما أقبل منهما فهو من الوجه فلهذا وجب
غسله، وما أدبر فليس من الوجه، وأقرب ما يكون إليه الرأس فلهذا كان
حكمه في وجوب المسح، فلأجل هذا جمعنا بين المسح والغسل فيهما
توفيراً على ما يقتضيه الدليل في حقهما من الغسل لما أقبل منهما
والمسح لما أدبر.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة بأنه
لا يشرع في حقهما غسل أصلاً وأنهما ممسوحان كما مر تقريره.
__________
(1) رواه مسلم (201)، والترمذي (580، 3421)، والطبراني في الكبير
19/232.
(1/815)
والحجة على ذلك: ما تقرر من الأحاديث المروية عن الرسول ً على
لسان أمير المؤمنين (كرم اللّه وجه) وعثمان بن عفان رضي اللّه عنه
وغيرهما من جِلَّة الصحابة (رضي اللّه عنهم) الذين رووا صفة وضوء
رسول اللّه ً، فإنه لم يعرف غسل الأذنين في شيء من تلك الأحاديث
وإنما روي مسحهما، وفي هذا دلالة على أن المشروع في حقهما إنما هو
المسح دون الغسل.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
فأما ما قاله الزهري: من الاستدلال بدعاء الرسول ً حيث قال: (( سجد
وجهي للذي خلقه ))...إلخ. فهو فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأن المراد بالوجه هو الذات كقوله تعالى:{وَيَبْقَى
وَجْهُ رَبِّكَ }[الرحمن:27]. أي ذاته.
وأما ثانياً: فلأن المعلوم من حاله ً، أنه كان يمسحهما مسحاً، فدل
ذلك على أن المشروع فيهما المسح دون الغسل.
وأما ما قاله ابن سريج: من طريقة الإحتياط في إيجاب غسلهما مع
الوجه ووجوب مسحهما مع الرأس، فهو فاسد بما أوردنا على الزهري، وهو
أن الغسل غير مشروع فيهما ولأن ما ذكره وإن كان فيه احتياط من
الوجه الذي ذكره فهو خطأ من وجه آخر، وهو مخالفة السنة في غسلهما،
فلا وجه لما ذكره من الحيطة، وأما ما قاله الشعبي والحسن بن صالح
فهو فاسد بما أوردناه على الزهري، وابن سريج، ثم هو باطل أيضاً بأن
أحداً لا يعدهما من الوجه فضلاً عن أن يعد ما أقبل منهما من الوجه
وما أدبر منهما من الرأس، فإن ما هذا حاله تحكم لا مستند له ولا
برهان عليه فبطل ما قاله(1). فحصل من مجموع ما ذكرناه أن المشروع
في الأذنين فيه مذاهب ستة:
أولها: أنهما من الرأس في الاسم والحكم فيمسحان معه، وهذا هو
الاسم، فيمسحان بفضلة مائه وهذا هو الحكم وهو رأي القاسمية، وأبي
حنيفة.
__________
(1) لعل الصواب: (ما قالاه) لأن الضمير يعود إلى الشعبي والحسن بن
صالح.
(1/816)
وثانيها: أنهما ليسا من الوجه فلا يغسلان معه، ولا هما من الرأس
فيمسحان بفضلة مائه، ولكن يؤخذ لهما ماءً جديدًٌ وهذا هو رأي
الناصر، والشافعي.
والمختار: كما مر بيانه.
وثالثها: أنهما من الرأس خلا أنه يؤخذ لهما ماء جديد غير ماء
الرأس، وهذا هو رأي ابن عمر، وعطاء، ومالك؛ فقد وافقونا في الاسم
دون الحكم.
ورابعها: أنهما من الوجه فيجب غسلهما كما هو محكي عن الزهري.
وخامسها: أنه يجب غسلهما ومسحهما كما رأى ابن سريج.
وسادسها: أنه يجب غسل ما أقبل منهما مع الوجه، ومسح ما أدبر مع
الرأس، كما هو رأي الشعبي، والحسن بن صالح، والله أعلم.
مسألة: في غسل الرجلين، وهما من جملة أعضاء الوضوء بلا خلاف بين
الأمة، ولكن الخلاف إنما وقع فيما هو الواجب في حقهما، هل يكون
مسحاً، أو غسلاً، أو جمعاً بينهما، أو يكون مخيراً في ذلك كما
سنوضح القول في ذلك بمعونه اللّه تعالى.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: في بيان ما هو المشروع في الرجلين، وفيه مذاهب
أربعة نذكرها:
المذهب الأول: أن الفرض فيهما هو الغسل دون المسح فإن مسح عليهما
لم يجزه، وهذا هو قول أكثر أئمة العترة ومحكي عن الفريقين:
الحنفية، والشافعية.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ}، ووجه تقرير الحجة
من هذه الأية: هو أن فيها قراءتين:
فالقراءة الأولى: بالنصب، ولا مقال في كونها معطوفة بظاهرها، [على:
وُجُوهَكُم وَأَيْدِيَكُمْ]. ولهذا كانت منصوبة مثلها من غير حاجة
إلى تأويل.
والقراءة الثانية: بالجر، وإنما كانت مجرورة بالمجاورة [لكلمة:
برؤوسِكم]، لا بحكم العطف؛ لأنها غير ممسوحة، والجر على الجوار
سائغ في لغة العرب. قال امرؤ القيس ):
كأن ثبيراً في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل(2)
__________
(1) الشاعر الجاهلي المشهور صاحب معلقة (قفا نبك...) له ديوان
باسمه.
(2) هذا البيت من معلقة امرئ القيس التي مطلعها:
قِفَا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدَّخُول فحومل
وقد جاء في آخره كلمة (مُزَمَّلِ) مكسورة بالمجاورة لكلمة (بجاد)
المجرورة بحرف (في) بينما هي مرفوعة حكماً لكونها صفة لخبر (كأن)
وهو (كبير).
(1/817)
فإنما جر (مزملا) على الجوار لبجاد وليس وصفاً له وإنما هو وصف
(كبير أناس)، وكان القياس رفعه على أنه صفة لكبير أناس، ولكنه جره
لما جاور بجاداً.
الحجة الثانية: كل من وصف وضوء رسول اللّه ً كأمير المؤمنين وعثمان
وغيرهما من أكابر الصحابة (رضي اللّه عنهم) فإنهم قالوا: غسل
رجليه، ولم يقل أحد منهم إنه مسحهما، وهذا فيه دلالة على أن الفرض
فيهما هو الغسل دون المسح.
المذهب الثاني: أن الفرض فيهما هو المسح ولا يجوز الغسل، وهذا هو
المحكي عن الإمامية وأهل الظاهر.
والحجة على ذلك: قوله تعالى:{وَأَرْجُلِكُمْ}. بالجر فإنها معطوفة
على الرأس كما عطف الأيدي بالنصب على الوجوه، وهذه القراءة بالجر
محكية عن حمزة )، وأبي عمرو، وغيرهما من القُرَّاء، ومن قرأ بالنصب
من القراء السبعة كالكسائي، وابن عامر )
__________
(1) أبو عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات الكوفي، التيمي
بالولاء، القارئ المعروف، روى كثيراً من الأحاديث وخاصة فيما يتعلق
بقراءة القرآن، وقرأ عليه القرآن جماعة كثيرة، وله قراءة تعرف به،
هي إحدى القراءات السبع. وثقه ابن معين وغيره، وكره قراءته جماعة
من الفقهاء، ورُوي أن أحمد بن حنبل كان يكره أن يصلي خلف من يقرأ
بقراءة حمزة، ونُسب ذلك إلى ما في قراءته من المد المفرط، والسكت
وتغيير الهمز في الوقف والإمالة وغير ذلك. وقال الحافظ بن حجر، عن
الذهبي: انعقد الإجماع بآخره على تلقي قراءة حمزة بالقبول. ا.هـ.
ونقل قول أبي حنيفة: غلب حمزة الناس على القرآن، والفرائض. (تهذيب
التهذيب ج3/24).
(2) عبدالله بن عامر بن يزيد، أبو عمران اليحصبي الشامي، أحد
القراء السبعة، ولي قضاء دمشق في خلافة الوليد بن عبد الملك. ولد
في البلقاء في قرية رحاب سنة 8هـ - 630م، وانتقل إلى دمشق بعد
فتحها، وتوفي فيها سنة 118هـ - 736م.
…قال الذهبي: مقرئ الشاميين، صدوق في رواية الحديث، ا.هـ. أعلام
4/95. راجع تهذيب التهذيب، النهاية وفيات الأعيان.
(1/818)
، ونافع، فإنما يكون منصوباً على محل الجار والمجرور لتتطابق
القراءتان على مقصود، وعلى هذا تكون ممسوحة على القرائتين جميعاً.
المذهب الثالث: أن الواجب هو الجمع بين الغسل والمسح، وهذا هو
المحكي عن الإمامين: القاسم بن إبراهيم، والناصر، فالمسح بالكتاب
والغسل بالسنة.
والحجة على ذلك: هو أن ظاهر الآية دال على المسح بدليل قراءة الجر،
ولا محمل لظاهرها إلا المسح، وقراءة النصب موافقة من جهة أنها عطف
على محل الجار والمجرور، فإذن المسح حاصل بالكتاب كما قررناه، وأما
الغسل فإنما كان بالسنة؛ لأن الرواة لصفة وضوء رسول اللّه ً لم
يحكوا عنه أنه مسح، فلما كان الأمر كما قلناه لا جرم جمعنا بينهما
توفيراً على الأدلة الشرعية ما يقتضيه حكمها في الدلالة على ما يدل
عليه.
المذهب الرابع: أن الواجب هو التخيير بين الغسل والمسح، وهذا هو
المحكي عن الحسن البصري، وأبي علي الجبائي، وابن جريج ).
__________
(1) عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج (بضم الجيم وفتح الراء للتصغير
وآخره جيم)، الأموي ولاءً، أبو الوليد، أحد العلماء الأثبات،
وجهابذة الحديث والفقه، ويقال: هو أول من صنف. روى عن: عطاء،
وطاووس، وعكرمة، ونافع، وغيرهم، ونقل عنه الهادي في (المنتخب) في
باب الأوقات بواسطة عبدالرزاق. وكان ثقة، ثبتاً، حافظاً، ليس فيه
مقال. وهو أقدم شيخ لمحمد بن منصور المرادي، وروى له سائر الأئمة،
توفي سنة 150هـ. وقد نيف على التسعين، وأصله من الروم ثم سكن مكة.
(مقدمة الأزهار، تهذيب التهذيب).
(1/819)
والحجة على ذلك: هو أن الكتاب دال على المسح كما هو ظاهر من
الآية، والسنة دالة على الغسل، فلما كان الأمر فيهما كما قلنا وجب
التخيير بينهما؛ لأن كل واحد منهما أصل في الاستدلال على الأحكام
الشرعية يجب العمل بهما جميعاً ولا حاجة إلى النسخ من غير دلالة
على التاريخ، فلما بطل النسخ والترجيح لم يبق إلا أن يقال: الواجب
هو التخيير إذ لا وجه هاهنا سواه. فهذه جملة ما يعتمده كل فريق في
تقرير مذهبه وتصحيح مقالته.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من أئمة العترة ومن تابعهم من علماء
الأمة [وهو الغسل لا غير].
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حججاً ثلاثاً:
الحجة الأولى: ما روي عن النبي ً حين علَّم الأعرابي الوضوء: ((
توضَّ كما أمرك اللّه فاغسل وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك)).
فلو كان المسح في الرجلين واجباً لذكره؛ لأنه في موضع التعليم، ولا
يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة باتفاق.
الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين (كرم
اللّه وجهه) أنه قال: جلست أتوضأ فأقبل عليَّ رسول اللّه ً، إلى أن
قال: ثم غسلت قدمي فقال النبي ً: (( يا علي خلل الأصابع لا تخلل
بالنار))(1). والتخليل إنما يكون في حق من غسل لا في حق من مسح فلو
كان المسح واجباً لما قال ذلك.
__________
(1) في أمالي أحمد بن عيسى عن علي عليه السلام بسنده قال: قال رسول
اللّه ً: ((خللوا أصابعكم قبل أن تخلل بالنار)). وهكذا في شرح
التجريد وأصول الأحكام، وفيه أيضاً عن زيد بن علي، عن آبائه، عن
علي عليه السلام الحديث.
(1/820)
والحجة الثالثة: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( ويل للأعقاب من
النار ))(1). وفي حديث آخر: (( ويل للعراقيب من النار )). فلو كان
فرضهما المسح، إذن لم يقل ذلك، فهذه الحجج كلها دالة على أن الفرض
في الأرجل إنما هو الغسل دون المسح، وحكي عن جابر بن عبدالله أنه
قال: أمرنا رسول اللّه ً أن نغسل أرجلنا، ولأنهما عضوان يقطعان في
السرقة فيجب أن يكون فرضهما في الوضوء الغسل كاليدين.
الانتصار: يكون بإبطال ما سواه من المذاهب.
فأما تَمَسُّك الإمامية بقراءة الجر فهو فاسد. وجوابه: من أوجه
ستة:
الجواب الأول: أنا نقول: الظاهر من قراءة النصب هو الغسل من غير
تأويل، والظاهر من قراءة الجر هو المسح من غير تأويل، ولا تعارض
بين القراءتين إذ لا تنافي بينهما، ولهذا جاز الجمع بينهما كما هو
مذهب الناصر كما سنوضح الكلام عليه بمعونة اللّه تعالى.
__________
(1) عن أبي هريرة أنه رأى قوماً يتوضئون من المطهرة فقال: أسبغوا
الوضوء فإني سمعت أبا القاسم ً قال: ((ويل للعراقيب من النار)).
أخرجه البخاري ومسلم، والنسائي، وعن ابن عمرو بن العاص قال: تخلف
عنا رسول اللّه ً في سفرة سافرناها فأدركناه وقد أرهقتنا الصلاة
ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: ((ويل
للأعقاب من النار)). مرتين أو ثلاثاً، أخرجه البخاري ومسلم، وفي
رواية أبي داود والنسائي نحوه، وكذا للموطأ ومسلم عن عائشة. ا.هـ.
جواهر ملخصاً.
وفي قوله: تخلف عنا.. فأدركناه نظر. وفي شرح التجريد وأصول الأحكام
والشفاء بلفظي: العراقيب والأعقاب في الحديثين وكلاهما عن جابر.
ا.هـ.
(1/821)
فنقول: إذا كان لا تنافي بين القراءتين وكل واحدة منهما مقطوع
بصحتها، فطريقة الجمع بينهما هو أن النصب في الأرجل إنما كان على
طريقة العطف على الأيدي، والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه شائع
كما قال تعالى:{يَسْأَلُوْنَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ
فِيْهِ قُلْ قِتَالٌ فِيْهِ كَبِيْرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيْلِ اللّهِ
وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}[البقرة:217]. وإنما عطف
المسجد الحرام على الشهر الحرام لأن توجه السؤال إنما كان عن
القتال فيهما؛ لأن تحريم القتال في زمن الجاهلية ربما كان بالإضافة
إلى الزمان وهو تحريمه في الأشهر الحرم: ذي القعدة وذي الحجة
والمحرم ورجب، وربما كان في المكان وهو المسجد الحرام، فسألوا
الرسول ً عن ذلك، ولا يجوز عطفه على قوله: {عَنْ سَبِيْلِ اللّهِ}
لما ذكرناه، ولا يجوز أن يكون الواو فيه واو (مع) لأن هذه الواو
إنما يصار إلى النصب بها إذا كان العطف متعذراً فأما مع إمكان
العطف فالعطف أحق، وهاهنا العطف ممكن فلا حاجة بنا إلى تقدير
المعية والنصب بها ولا يجوز عطفها على المحل في
قوله:{بِرُؤُوْسِكُمْ} من جهة أن العطف على المحل لم يرد في كتاب
اللّه تعالى، فلما تعذر نصبها على هذه الوجوه لم يبق إلا نصبها
[عطفاً] على ما هو مغسول وهو الأيدي لكونه أقرب، فلهذا وجب الحكم
عليها بالغسل لعطفها عليه، ومن حق المعطوف أن يكون مشاركاً للمعطوف
عليه في إعرابه وعامله.
(1/822)
الجواب الثاني: روي عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) أنه
قرأها بالنصب، وقال: إن فيها تقديماً وتأخيراً، يشير إلى ما ذكرناه
من تقديمها على الرؤوس وتفسير الصحابي يخالف غيره فضلاً عن تفسير
أمير المؤمنين فإنه الأمين على معاني التنزيل وله اليد الطولى في
تقرير وجوه التأويل، وقرأ ابن عباس بالنصب وقال: إنه راجع إلى
الغسل، وذلك محكي عن: مجاهد، وعروة من علماء التابعين، حكاه
أبوعبيدة، فإذا كانت هذه القراءة أعني قراءة النصب محكية عن من
ذكرناه من علماء الصحابة والتابعين وجب العمل عليها على حد التفسير
الذي ذكروه من غير مخالفة، لا يقال: فأي مانع من أن يكون نصبها على
العطف على محل الرؤوس؛ لأنها في موضع المفعول، فيكون الجر عطفاً
على ظاهرها والنصب يكون عطفاً على محلها، وعلى كلا الوجهين
والقراءتين تكون ممسوحة وهو المطلوب، لأنا نقول: هذا فاسد، فإن
القرآن الكريم كالآية الواحدة وهو مفسر لبعضه بعضاً ولم يرد العطف
على المحل في القرآن، فلا يجوز تفسيره على ما لم يرد نظيره فيه
فبطل ما توهموه.
(1/823)
الجواب الثالث: هو أن العمدة في تقرير [القواعد] اللغوية وتمييز
الأسرار الإعرابية تأصيلاً وفيما يقبل ويرد من وجوه التأويلات
تفصيلاً، إنما هو على كلام أئمة الأدب من أهل اللغة والنحاة، فما
قالوه قلناه، ويجب الاحتكام لأقوالهم والرجوع إليها، وقد قال
سيبويه ) وتلميذه الأخفش وغيرهما من أئمة اللغة والنحو: إن قراءة
الجر إنما كانت على المجاورة لا بالعطف، وأنشدوا ما حكيناه عن امرئ
القيس البيت الذي أنشدناه، وحكوا أيضاً: (هذا جحرُ ضبٍ خربٍ).
فوصفوا الضب بالخراب وهو وصف للجحر، ولكن إنما كان ذلك على جهة
المجاورة من جهة اللفظ لا غير، فإذا كان هذان الرجلان هما العمدة
في علم الأدب من النحو واللغة قد فسروا الآية بما ذكرناه وجب
الاعتماد عليه.
__________
(1) اشتهر بلقبه سيبويه وهو لقب أعجمي يدل على أصله الفارسي واسمه:
عمرو بن عثمان بن قنبر من موالي الحارث بن كعب. ولد بقرية من قرى
شيراز تسمى البيضاء، وفيها تلقى دروسه الأولى، وطمح في الاستزادة
من الثقافة في اللغة والدين فقدم البصرة، والتحق بحلقات الفقهاء
والمحدثين، ولزم حلقة حماد بن سلمة بن دينار المحدث المشهور حينئذ،
وحدث أن لفته إلى أنه يلحن في نطقه ببعض الأحاديث فصمم سيبويه على
التزود أكثر من علوم اللغة، ولزم حلقات النحويين واللغويين ومنهم:
الأخفش، ويونس بن حبيب، واختص بالخليل بن أحمد، حتى استوعب علمه في
النحو والصرف، ولما توفي الخليل خلفه سيبويه في حلقته، وكان قد
أصبح عالماً ومرجعاً في علوم اللغة خاصة، وألف كتابه المشهور
(الكتاب) وتألق نجمه في البصرة وبغداد وغيرهما، وهو صاحب مدرسة
مشهورة في النحو واللغة، وكتابه يتضمن آراءه ونظرياته وكشوفه في
هذا المجال. توفي في شيراز وقيل: في همذان، واختُلِف في تاريخ
وفاته والأرجح أنه توفي سنة 180هـ. (المدارس النحوية ص57 د. شوقي
ضيف).
(1/824)
الجواب الرابع: حكي عن الشيخ أبي علي الفارسي )، أنه قال: قراءة
الجر وإن كان ظاهرها عطفاً على الرؤوس فالمراد بها الغسل هاهنا، من
جهة أن العرب تسمي خفيف الغسل مسحاً، ولهذا فإنهم يقولون تمسحت
للصلاة ويريدون به الغسل للأعضاء في الوضوء والغُسل من الجنابة.
الجواب الخامس: أنا نقول: ما كان من الأعضاء ممسوحاً فإنه غير
مفتقر إلى التحديد كالرأس، وما كان مغسولاً فإنه ورد محدداً
كاليدين، فلما ورد الرجلان محدوداً غسلهما إلى الكعبين دل ذلك على
وجوب غسلهما. لا يقال: فالوجه مغسول ومع ذلك فإنه لم يرد محدوداً
فكيف قلتم بأن كل مغسول فإنه محدود؟ لأنا نقول: إنما أطلق الوجه من
غير حد لأن حد الوجه معلوم وهو ما واجه، فلهذا أغنى ذلك عن تحديده
بخلاف اليد والرجل فإنه لا حد لهما فلهذا وردا محدودين.
__________
(1) الحسن بن أحمد بن عبدالغفار الفارسي أباً وأمه عربية من سدوس
شيبان ولد بفسا من شيراز سنة 288هـ، وشب فطناً ذكياً فأكب على
التعليم ورحل إلى بغداد سنة 307هـ، وعكف على حلقات البصريين مثل:
ابن السراج، والأخفش الصغير، والزَّجَّاج، وابن دريد، ونفطويه،
ودرس مؤلفاتهم ومؤلفات سابقيهم مثل: سيبويه، واعتنق مذهب المعتزلة،
ونقل أنه كان شيعياً لغلبة التشيع حينئذ على أهل العراق وفارس،
ودخل حلب سنة 341هـ، ومعه تلميذه ابن جني الذي شغف بأستاذه ثم عاد
إلى بغداد سنة 346هـ، وكانت شهرته قد طارت إلى كل مكان، وأصبح
علماً في علوم اللغة، وتوفي بها سنة 377هـ. (المدارس النحوية طبقات
القُرَّاء لابن الجزري الفهرست لابن النديم).
(1/825)
الجواب السادس: أنا نقول: إن قراءة الجر ظاهرة في المسح كما
زعمتم، ولكن الذي حملنا على الغسل في الأرجل إنما هو عمل الرسول ً،
فإنه لم يؤثر عنه أنه مسح رجليه، فلو كان مفهوماً من ظاهر الآية
وقد قرأه لفهمها الرسول ً لأنه أعرف الخلق بمقاصد كتاب اللّه تعالى
والإحاطة به. فهذا ما أردنا من الكلام على الإمامية في إيجابهم
المسح في الرجلين.
وأما ما يحكى عن الإمامين: القاسم، والناصر من الجمع بين المسح
والغسل، ففيه جوابان:
أما أولاً: فإنا نقول: قد أقررتم بوجوب الغسل فلا منازعة فيه،
فأخبرونا عن إيجابكم المسح، هل كان بالآية أو من دليل آخر؟ فإن
أخذتموه من الآية بقراءة الجر فقد أفسدناه وأظهرنا البرهان الشرعي
[على] أن جره إنما كان على المجاورة لتطابق قراءة النصب، وأوردنا
عليه الشواهد اللغوية فلا مطمع لإعادته، وإن أخذتموه من دلالة أخرى
غير الآية فلابد من إظهاره لننظر في صحته وفساده.
وأما ثانياً: فلأنا نقول: هل توجبون المسح أو تستحبونه؟
فإن قالوا: بالاستحباب فلا مقال عليه، لأن كلامنا في بيان ما يكون
واجباً في الوضوء.
وإن قالوا: بوجوبهما جميعاً.
فنقول: فهل توجبونهما على جهة الجمع أو على جهة التخيير؟
فإن قالوا: بوجوبهما على جهة التخيير، فسيأتي الكلام على مقالة من
خير في الوجوب بينهما.
وإن قالوا: بوجوبهما على جهة الجمع، وهي مقالتهم.
فنقول: مستند إيجابهما جميعاً إن كان من جهة الكتاب فهو فاسد، لأن
الآية إنما تناولت المسح لا غير كما زعمتم، وإن كان من جهة السنة
فهي إنما تناولت الغسل لا غير، فكل واحد منهما ليس دالاً إلاَّ على
المسح وحده أو على الغسل وحده، فمن أين أخذتم بدلالة الجمع بينهما؟
فإن قالوا: أخذناها من مجموع الكتاب والسنة، ولم نأخذها من كل واحد
منهما على الإفراد.
قلنا: إنا قد أوضحنا أن الكتاب الكريم غير دال على المسح فلا وجه
لضمه إلى دلالة السنة، والسنة، إنما دلت على الغسل لا غير.
(1/826)
فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا، أن دلالة الجمع بين المسح
والغسل لا تؤخد من الكتاب ولا من السنة فإذن آل الأمر إلى أنه لا
دلالة على وجوب الجمع بينهما، وما لا دليل عليه فلا وجه لإثباته،
وأما ما يحكى عن الحسن البصري، وأبي علي الجبائي من التخيير بين
الغسل والمسح، فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد أوضحنا أن الآية غير دالة على وجوب المسح
وأوردناه على الإمامية، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا وجه للتخيير
بين ما هو واجب وما ليس واجباً.
وأما ثانياً: فلأن المسح والغسل في الرجلين لو كان واجباً على
التخيير كما زعموا لكان رسول اللّه ً أحق من عمل به، فلما لم يعمل
به دل على أنه غير واجب، ولأن الصحابة (رضي اللّه عنهم) لو فهموا
ذلك من الآية لعملوا على المسح برهة، ولعملوا على الغسل برهة من
الزمان، لأن هذا هو الأصل في الواجبين المخيرين، أن يعمل على هذا
مرة، ويعمل على هذا مرة فلما تحققنا أن الصحابة لم يمسح أحد منهم
على رجليه عوضاً عن الغسل دَلَّ على بطلان التخيير بينهما، فهذا ما
أردنا ذكره على من خالفنا في هذه القاعدة.
الفرع الثاني: في بيان كيفية غسل الرجلين.
فإن كان المتوضئ هو الغاسل بنفسه فإنه يبدأ بصب الماء من أطراف
أصابعه إلى كعبيه، وإن كان غيره هو الغاسل له صب الماء من كعبه إلى
أطراف أصابعه لأن ذلك يكون أمكن في الغسل وأبلغ في الاستيعاب، فإن
كانت أصابع رجليه ملتصقة لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالتخليل
فإنه يجب عليه التخليل وإيصال الماء إلى باطنها، لقوله ً: (( خللوا
بين أصابعكم لا يخلل اللّه بينها بالنار )). وإن كانت متفرقة بحيث
يصل الماء إليها من غير تخليل استحب تخليلها لقوله ً للقيط بن
صبرة: (( وخلل بين الأصابع )).
(1/827)
وكيفية استحباب التخليل بين الأصابع أن يبدأ بخنصر رجله اليمنى
ثم يختمها بإبهامها، ويبدأ بإبهام رجله اليسرى ويختمها بخنصرها،
فإن خلقت أصابعه مرتقة فإنه لا يجب عليه فتقها لما في ذلك من الحرج
والمشقة فلا يدخل تحت تكليفه.
ويجب إدخال الكعبين في الغسل عند أئمة الآل وهو قول أكثر الفقهاء
من الشافعية والحنفية والمالكية خلافاً لزفر بن الهذيل، ولأبي بكر
بن داود.
والحجة لنا ولهم، وذكر المختار من ذلك والانتصار على من خالفنا ما
قد ذكرناه في اليدين فأغنى عن الإعادة، وقد قال تعالى:
{وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبِيْنِ }[المائدة:6]. وقد قال علماء
التفسير: أي مع الكعبين، وقد قال ً: (( ويل للأعقاب من النار)).
أراد التي لا يصيبها الماء.
الفرع الثالث: الكعبان هما العظمان الناتئان في مفصل القدم والساق
عند أئمة العترة، وهو قول أكثر الفقهاء: أبي حنيفة وأصحابه،
والشافعي وأصحابه، ومالك.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}
ولم يرد حد جميعهما لأنه لو أراد لقال: إلى الكعاب كما قال
تعالى:{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} فدل ذلك على أنه أراد
الرِّجْلَ الواحدة، وليس للرِّجْلِ الواحدة كعبان إلا على ما
قلناه، وعلى قولهم ليس للرِّجْلِ الواحدة إلا كعب واحد.
(1/828)
الحجة الثانية: ما روى النعمان بن بشير ) قال: أقبل علينا رسول
اللّه ً بوجهه فقال: (( أقيموا صفوفكم وسدوا الخلل))(2). فلقد رأيت
الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه، وهذا لا يكون إلا
على الاعتبار الذي اعتبرناه في الكعب، وحكي عن محمد بن الحسن،
والإمامية أنهم قالوا: معقد الشراك هو الكعب، وأراد به الشراك
العربي وهو ظهر الكف، وقد أنكر الأصمعي ) هذه المقالة وتأوله أصحاب
محمد بن الحسن على أن المراد بما قاله هو مقطع الخفين إذا لبسها
المحرم، وهذا التأويل يقرب لأنه كان
__________
(1) أبو عبدالله النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي
المدني، له ولأبويه صحبة، وأمه عمرة بنت رواحة، روى عن النبي ً،
وعن خاله عبدالله بن رواحة، وعمر، وعائشة. وروى عنه: ابنه محمد
ومولاه حبيب بن سالم، وعروة بن الزبير، وآخرون. قال الواقدي: ولد
على رأس أربعة عشر شهراً من الهجرة وهو أول مولود في الأنصار بعد
قدوم النبي ً، وقيل: غير ذلك. قال ابن معين: ليس يروي عن النبي ً
حديثاً يقول فيه: سمعت، إلاَّ في حديث الشعبي: ((الجسد مضغة)).
والباقي من حديثه إنما هو عن النبي ً، وليس فيه سمعت، كان عاملاً
على حمص فبايع لابن الزبير بعد موت يزيد، فلما تمرد أهل حمص خرج
هارباً فاتبعه خالد بن خلي الكلاعي فقتله سنة 66هـ. (تهذيب التهذيب
ج10/399).
(2) سيأتي في صلاة الجماعة.
(3) عبدالملك بن قريب الباهلي المعروف بالأصمعي، ولد في البصرة، من
مشاهير لغويي العرب، تعلم في البصرة على الخليل، وعيسى بن عمر،
وأبي عمرو بن العلاء، وعليه تعلم أبو الفضل الرياشي، وأبو عبيدة،
والسجستاني، والسكري. حفظ لغة البدو ولهجاتها، عهد إليه هارون
الرشيد بتعليم الأمين. من مؤلفاته: (الفرس)، و(الأراجيز)،
و(الميْسر)، ومجموعة (الأصمعيات). ولولاه لكنا فقدنا الكثير من
دواوين العرب وأشعارهم. (راجع الأعلام، ووفيات الأعيان).
(1/829)
كثير الدرية بكلام العرب، وأخلق بمن كان شيخه أبو حنيفة أن يكون
أديباً، واحتج الإمامية لما زعموه بأن قالوا: إن قوله تعالى:
{إِلَى الْكَعْبَيْنِ} غاية للغسل وغاية الشيء هي منقطعه ومن حق ما
يكون غاية، أن يكون منقطعاً عن ذي الغاية؛ فلأجل ذلك حكمنا على أن
الغسل ينتهي بالكعبين فلا يكونان داخلين، وإذا لم يكونا داخلين كان
غاية الغسل ما دونهما وليس ما دونهما إلا معقد الشراك العربي،
فلهذا كان هو الواجب لا غير.
وجوابه من وجهين:
أما أولاً: فلأنا قد قررنا دخول الحد في المحدود فأغنى عن تكريره.
وأما ثانياً: فلأنا نقول: لِمَ أوجبتم غسل معقد الشراك دون غيره،
هل كان ذلك بدلالة خاصة فلابد من ذكرها لننظر فيها، فإن كانت صحيحة
اتبعناها وإن كانت فاسدة اتبعتمونا، وإن كان إيجاب معقد الشراك من
جهة أن الحد في الغسل هو الكعبان، ومن حق أن الحد لا يكون داخلاً
في المحدود فهذا شيء قد فرغنا من تقريره وأظهرنا بفعل الرسول ً
وأدلة خطابه وجوب إدخال الحد في المحدود.
والمختار: ما عول عليه علماء أئمة العترة ومن تابعهم من علماء
الأمة، ودليله ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا وهو ما روي عن أمير
المؤمنين في تعليم وضوء رسول اللّه ً، عن ابن عباس قال: دخل علينا
علي بن أبي طالب وقد اهراق الماء فدعا بوضوء، فأتينا بتور(1) فيه
ماء حتى وضعناه بين يديه فقال: يابن عباس ألا أريك كيف كان رسول
اللّه ً يتوضأ؟ فغسل جميع أعضائه إلى أن قال: ثم غسل رجليه إلى
الكعبين. فأفعال رسول اللّه ً دالة على إدخال الكعبين في غسل
الأرجل.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم وعند هذا يصح المختار.
__________
(1) التور (بتاء مثناة فوقية مفتوحة، فواو ساكنة، فراء): من
الأواني، عربي،وقيل: دخيل. وهو إناء معروف لدى العرب يشربون فيه،
أي: إناء للماء وقد يتوضأ فيه. ا.هـ. ملخصاً من اللسان.
(1/830)
قالوا: الآية دالة على وجوب كون الكعبين غاية للغسل، ومن حق ما
هو غاية أن ينقطع به الحكم.
قلنا: قد مر الجواب على ما أوردتموه فلا حاجة إلى تكريره.
قالوا: عبادة تتعلق بالأرجل كقطع الخف في حق المحرم فوجب تعلقها
بمعقد الشراك.
قلنا: هذا فاسد، فإن ذلك إنما وجب في الأصل لما كان الإحرام
متعلقاً بالكف من الرِّجل بخلاف الغسل في الأرجل فإنه متعلق بإدخال
الكعبين بالآية.
قالوا: الكعب إنما سمي كعباً لظهوره، ومعقد الشراك شاخص من كف
الرِّجل فلهذا وجب تسميته كعباً فيجب أن تتناوله الآية من غير
زيادة.
قلنا: إنما سمي كعباً لشخوصه من جانبي مفصل القدم وهذا غير حاصل في
كف الرِّجل فلا يجوز تسميته كعباً فبطل ما توهموه.
مسألة: وكيفية التطهير لهذه الأعضاء فيها مذاهب ثلاثة:
الأول: أن الواجب في تطهيرها مرة واحدة، وهذا هو قول أئمة العترة
ومحكي عن الفريقين: الحنفية، والشافعية.
والحجة على ذلك: ما روى أُبَيُّ بن كعب عن رسول اللّه ً أنه توضأ
مرة واحدة ثم قال: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة بدونه )).
والمرتان فضيلة لما روي في خبر أُبي أنه توضأ مرتين ثم قال: (( من
توضأ مرتين أعطاه اللّه أجره مرتين)). وفي هذا دلالة على كثرة
الأجر بزيادة الثواب. والثلاث هي السنة لما روي في خبر أبي أنه
توضأ ثلاث مرات ثم قال: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء
خليلي إبراهيم )). (صلوات اللّه عليهما) فالخبر دال على ما ذكرناه
من الواجب والفضيلة والسنة.
المذهب الثاني: أن الواجب هو الثلاث، وهذا شيء يحكى عن بعض الناس
هكذا حكاه العلماء ولم أعلم قائله بعينه.
(1/831)
والحجة لهم على ما قالوه: ما روى عمرو بن شعيب )، عن أبيه، عن
جده، عن الرسول ً أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: (( هكذا الوضوء فمن
زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم))(2). فمعنى قوله: (( فقد
أساء)). لمخالفته ما وجب إذا نقص عن الثلاث، ومعنى قوله: (( ظلم)).
يعني إذا زاد عليها جاوز الحد؛ لأن الظلم مجاوزة الحد.
ووجه الاستدلال بالخبر على الوجوب: هو أنه سمى النُّقْصَان إساءة
والزيادة ظلماً، وهذا إنما يكون في الأمور الواجبة.
المذهب الثالث: أن الواحدة كما هي الفرض الواجب فهي السنة من غير
زيادة، وهذا هو المحكي عن مالك.
والحجة على ذلك: هو أنه لما قال: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي
ووضوء خليلي إبراهيم)). ً جميعاً، فانصرف هذا إلى أول الخبر وهو
أنه توضأ مرة واحدة، لأنه المبدوء به، فلهذا كان قوله هذا وما تعلق
به منصرفاً إليه؛ لأنه أحق بالإنصراف إليه لكونه صدراً فهذا تقرير
المذاهب بأدلتها.
__________
(1) أبو إبراهيم عمرو بن شعيب بن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاص
القرشي السهمي. روى عن: أبيه، وعمته، والرُبَيِّع بنت معوذ، ومن
التابعين: مجاهد، وطاووس، وعطاء، وآخرون. وروى عنه: جماعة من
التابعين ضعفه بعض رواة الحديث، وعاب عليه البعض أنه كان لا يسمع
شيئاً إلا حدث به. وروي أن أحمد قال: له أشياء مناكير. وقيل: روى
عنه الثقات وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن جده، واختلف
الرواة والفقهاء في مدى نسبته إلى التابعين، فقال الدارقطني: قال
النقاش: عمرو بن شعيب ليس من التابعين وقد روى عنه عشرون من
التابعين. وقال الحافظ ابن حجر: ضعفه ناس مطلقاً ووثقه
الجمهور...إلخ. (تهذيب التهذيب 8/43).
(2) أخرجه أحمد، وابن ماجة، عن ابن عمر.
(1/832)
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من تقرير الواجب
بالمرة الواحدة والفضيلة بالمرتين والسنة بالثلاث لما ذكرناه من
حديث أبيّ، فإنه صريح في ذلك، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن النبي ً
أنه قال: (( لا يقبل اللّه صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل
وجهه ويديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه))(1). ولا شك أن من غسل هذه
الأعضاء مرة واحدة فإنه يصدق عليه أنه غاسل لها، فلهذا كان الفرض
غسلة واحدة وما عداها فهو على الفضيلة والسنة كما شرحناه من قبل.
الانتصار: يكون بإبطال ما عدا ذلك، فأما قول من أوجب الثلاث فهو
فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأنه لا دلالة لكم في ظاهر الحديث؛ لأنه قال: (( فمن
زاد على الثلاث أونقص)). ولم يبين حال الثلاث هل هي واجبة أو غير
واجبة، فمعنى إساءته على ما نقوله هو أنه أساء لمخالفته السنة في
نقصانه عن هذه العدة، ومعنى ظلمه بالزيادة هو أنه تجاوز الحد حتى
خرج عن المسنون والواجب والفضيلة، وهذه الإساءة بالزيادة والظلم
بالنقصان لا يقتضيان الإثم والمعصية وإنما يحملان على الكراهة
لمخالفتهما للمشروع(2).
وأما ثانياً: فلأن قوله في حديث أبيّ لما غسل مرتين قال: (( ومن
توضأ مرتين أعطاه اللّه أجره مرتين )). وقوله لما غسل الثلاث: ((
هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي )). وقوله لما غسل الأولى: (( هذا
وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من دونه )). فهذا تصريح بحكم كل واحدة
من هذه الغسلات وإيضاحه، فكيف يقال بكونها واجبة؟ فأما الإساءة
بالزيادة والظلم بالنقصان، فقد تأولناه على وجه موافق لما نحن فيه
فبطل ما توهموه.
وأما من قال: بأن الواحدة فرض وسنة. فعنه جوابان:
__________
(1) أورده في الجواهر، وشرح التجريد، والمهذب، بلفظ: ((حتى يضع
الوضوء مواضعه، يغسل وجهه...)).
(2) في الحديث آنف الذكر، أفاد أن الإساءة بالنقص والظلم بالزيادة،
وهنا عكس الصنفين مع النقيضين، وهو هكذا في الأصل، لذا لزم
التنويه.
(1/833)
أما أولاً: فلأنا نستفسره عن هذه المقالة، فنقول: ما تريد
بقولك: إن الغسلة الواحدة تكون فرضاً وسنة؟ أتريد أن الرسول ً ما
مسح أعضاءه ولا غسلها إلا مرة واحدة؟ فهذا فاسد، فإن أمير المؤمنين
(كرم اللّه وجهه)، وعثمان بن عفان رضي اللّه عنه وغيرهما من أكابر
الصحابة رووا عنه: أنه غسل أعضاءه ومسحها ثلاث مرات، وإن أراد أن
الرسول ً غسلها ثلاث مرات، لكن الغسلة الواحدة قائمة مقام الثلاث،
فهذا فاسد أيضاً، فإن الفرض لا يقوم مقام السنة والفضيلة لتغاير
هذه الصفات فلا يقوم أحدها مقام الآخر، وإن أراد الغسلة الواحدة
تكون فرضاً ونفلاً ولعله مراده فهذا فاسد أيضاً، فإن الفعل الواحد
لا يكون موصوفاً بالفريضة والفضيلة(1) لما في ذلك من اجتماع
النقيضين؛ لأنه إذا كان نفلاً جاز تركه وإن كان فرضاً لم يجز تركه
فيلزم أن يجوز تركه ولا يجوز تركه.
وأما ثانياً: فلأن الظاهر من حديث أُبَيّ أن الرسول ً غسل ثلاث
غسلات ومَيَّز كل واحدة منها بصفة في الوجوب والفضيلة والندب، فكيف
يقال بأن الغسلة الواحدة قائمة مقام الثلاث؟ فبطل ما توهمه مالك.
مسألة: إذا تقرر بما لخصناه وجوب غسل هذه الأعضاء، فمفهوم الغسل ما
هو؟
ولا يقع تردد في أن مفهومه ومعقوله: إمساسه الماء. وهل يعتبر فيه
سيلان الماء عنه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لابد من اعتبار السيلان فيه فلا يعقل الغسل إلا
بإمساسه الماء بحيث يسيل عنه، وهذا هو رأي القاسمية، ومحكي عن
الفريقين: الحنفية، والشافعية.
والحجة على ذلك: هو أن أهل اللغة يفرقون بين المسح والغسل ولا فرق
هنا يعقل بينهما إلا أن الغسل إمساس العضو الماء بحيث يسيل عنه
والمسح إمساسه الماء بحيث لا يسيل عنه فلو لم يجعل ما ذكرناه فرقاً
بينهما لم تعقل التفرقة بينهما وهي معلومة لا محالة.
__________
(1) الفضيلة هنا تعني: السنة كما يفهم من السياق، إذ إن الفريضة
والفضيلة ليستا نقيضين، والله أعلم.
(1/834)
المذهب الثاني: أنه لا يعتبر السيلان في الغسل، وهذا هو المحكي
عن الناصر. وهو قول محمد بن الحسن الشيباني.
والحجة على ذلك: هو أن مفهوم الغسل ليس السيلان وإنما مفهومه
الاستيعاب للمغسول سواء سال الماء عنه أولم يكن سائلاً، فهذه هي
التفرقة بينه وبين المسح فإن حقيقة المسح، إمساس العضو الماء بحيث
يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ بخلاف الغسل فإنه لابد فيه من
الاستيعاب، وفي ذلك ظهور التفرقة بينهما بذلك دون السيلان فلا عبرة
به في ماهية الغسل.
والمختار: ما قاله القاسمية، وهو رأي الإمامين الأخوين: المؤيد
بالله، وأبي طالب.
والحجة عليه: ما قالوه؛ ونزيد هاهنا: وهو أن المعلوم من عادة أهل
اللغة التفرقة بين البلة الحاصلة بالمسح وبين الغسل، فإن البلل لا
يعتبر فيه إلا إيصالها بالمحل من غير مسيل بخلاف الغسل فإن حقيقتة
السيلان عن محله لا محالة، ويؤيد ما ذكرناه هو: أن اللّه تعالى أمر
بغسل بعض أعضاء الوضوء وأمر بمسح بعضها فقال تعالى: {فَاغْسِلُوْا
وُجُوْهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوْا
بِرُؤُوْسِكُمْ}[المائدة:6]. ولا فصل هناك يعقل بينهما إلا بما
ذكرناه من سيلان الماء؛ لأن الاستيعاب شامل لهما، فلولم تكن
التفرقة بما ذكرنا لم يعقل الفصل بينهما.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: المعتمد بالتفرقة بينهما إنما هو بما أشرنا إليه من
الاستيعاب في الغسل دون المسح، فأما سيلان الماء فلا عبرة به في
واحد منهما.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأن الاستيعاب في الآية شامل لهما فلو لم تكن التفرقة
بما ذكرنا لم يُعْقَل الفصل بينهما.
(1/835)
[وأما ثانياً: فلو](1) لم يعتبر السيلان الذي هو أصل ومفعول
حقيقة الغسل وجزء من ماهيته لبطل ما ذكرناه من التفرقة بينهما.
مسألة: وهل يكون الدلك من معقول الغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الدلك من مفهوم حقيقته، وهذا هو رأي القاسمية،
وهو محكي عن مالك.
والحجة على ذلك: هو أن أهل اللغة لا يسمون إمساس العضو الماء بحيث
يكون سائلاً عنه غسلاً، إلا إذا قارنه الدلك، فإن لم يقارنه الدلك
فإنهم لا يسمونه غسلاً.
المذهب الثاني: أنه لا يعتبر في ماهية الغسل الدلك، وهذا هو رأي
المؤيد بالله؛ ومحكي عن الفريقين: الحنفية، والشافعية.
والحجة على ذلك: هو أن الأحاديث الواردة في صفة وضوء رسول اللّه ً
على لسان أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) وعثمان وغيرهما من
الصحابة (رضي اللّه عنهم) [أنهم] ذكروا الغسل لهذه الأعضاء والمسح
لما يمسح منها ولم يذكروا الدلك في الأعضاء، فلوكان الدلك معتبراً
في الغسل لذكروه؛ لأنه لا تعقل حقيقة الغسل عند من اعتبره إلا به،
فلو كان شرطاً في الغسل لذكروه في حال ذكرهم للغسل؛ لأنه جزء من
ماهية الغسل ولم يُذكر في حديث واحد من أحاديث الوضوء، وفي هذا
دلالة على عدم اشتراطه وأن حقيقة الغسل حاصلة من دونه.
والمختار: ما قاله الإمام المؤيد بالله ومن تابعه من علماء الأمة
في عدم اشتراطه.
والحجة على ذلك: هو أن حقيقة الدلك مخالفة لحقيقة الغسل، ولهذا
يقال: غسل جسمه وما دلكه، فلو كان جزءاً من ماهية الغسل كما زعموه،
إذن لم تعقل ماهية الغسل من دونه، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن
حقيقة الغسل على قول القاسمية مركبة من وصفين:
أحدهما: سيلان الماء على المحل.
__________
(1) ما بين القوسين إضافة من المحقق لأن ثاني الأمرين لم يذكر في
الأصل من النسختين، ويظهر أن (أولاً) احتوى الأمرين، ولعل عدم
الفصل بينهما سهو من المؤلف أو الناسخ، فكان الفصل بينهما هنا
بإضافة (ثانياً) إلى الأمر الثاني.
(1/836)
وثانيهما: الدَّلك، فلا تفهم حقيقة الغسل إلا بمجموع هذين
الأمرين.
وعند المؤيد بالله وسائر الفقهاء أن ماهية الغسل مفهومة عند سيلان
الماء عن المحل وأنها حقيقة مفردة غير مركبة، وأنه لا يحتاج فيها
الدلك بحال.
ووجه آخر: وهو أن الدلك عبارة عن تكرير اليد على الجسم واشتقاقه من
قولهم: فلان يدالك غريمه بالدين إذا كان يطالبه مرة بعد مرة، ومنه
الدلوك؛ لأنه يدلك به الجسم مرة بعد أخرى، فلما كان الأمر فيه كما
ذكرناه لا جرم كانت حقيقته مخالفة لحقيقة الغسل(1).
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: أهل اللغة لا يسمون إمساس العضو الماء غسلاً إلا إذا كان
مقترناً بالدلك.
قلنا: هذه دعوى فلابد من تصحيحها بنقل من جهة أهل اللغة وليس عنهم
شيء مأثور في ذلك، وأيضاً فإنا قد أوضحنا مفارقة الدلك للغسل فلابد
في اشتراطه في الغسل من دليل شرعي أو لغوي.
قالوا: من طرح الثوب في الماء من غير عرك لا يقال بأنه غاسل له.
قلنا: لا ننكر كون الدلك قد يضامُّ الغسل لتأكيد النظافة، ولكنا
ننكر كونه شرطاً في الغسل بحيث لا يعقل الغسل من دونه، ولهذا يقال:
غسل يده وما دلكها، وغسل جسده وما دلكه، وغسل الثوب وما عركه، فدل
ذلك على أن حقيقة أحدهما مخالفة لحقيقة الآخر.
قالوا: طاهر عن حدث فيجب أن يكون من شرطها إمرار كالتيمم.
قلنا: عنه جوابان:
__________
(1) جاء في لسان العرب في مادة (دلك): دلك الشيء: مرسه وعركه،
وتدلك بالشيء: تخلق به، وتدلك الرجل: أي دلك جسده عند الاغتسال،
وقال الزَّجَّاج: دلوك الشمس زوالها في وقت الظهر، ودلك الرجل حقه:
مطله، ا.هـ ملخصاً.
(1/837)
أما أولاً: فإنا نقول بموجب هذا القياس، وهو أن الغسل طهارة عن
حدث فيجب أن يكون من شرطها إمرار اليد كالتيمم، ولكنا لا نقول
بالدلك فإن الدلك عبارة عن تكرير اليد مرة بعد أخرى والمتكرر مخالف
لإمرار اليد، فأين أحدهما عن الآخر؟ ولهذا فإنه يقال: أمرَّ يده
على جسمه فغسله ولم يدلكه، وفي هذا دلالة على المغايرة بينهما.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكرتموه اعتبار للغسل بالمسح وأحدهما مخالف
للآخر، فطهارة التراب من شرطها المسح، وطهارة الماء من حكمها الغسل
فلا يؤخذ أحدهما من الآخر، ولأن المقصود من طهارة الماء هو رفع
الحدث، والمقصود من طهارة التراب هو استباحة ما كان محظوراً
فافترقا، ومن جهة أن التراب طهارة ضرورية، والطهارة بالماء طهارة
اختيارية، وأيضاً فالطهارة بالماء تعم جميع الأعضاء، والطهارة
بالتراب تختص بعضها، فمع هذه المخالفة كيف يقاس أحدهما على الآخر؟
قالوا: روي عن النبي ً: (( بلوا الشعر وأنقوا البشر فإن تحت كل
شعرة جنابة))(1). والإنقاء لا يحصل إلا مع الدلك فلهذا وجب
اعتباره.
__________
(1) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة، وفيه ما روي
عن علي عليه السلام أن رسول اللّه ً قال: ((من ترك موضع شعرة من
جنابة لم يغسلها فُعِلَ به كذا وكذا في النار)). قال علي عليه
السلام: ((فمن ثم عاديت رأسي)). قالها ثلاث مرات. ا.هـ.
اعتصام1/250. قوله: عاديت رأسي: يعني كرهت طول شعره فحلقته.
(1/838)
قلنا: ليس في ظاهر الخبر ما يدل على الدلك فلا وجه للتعلق به،
وأما الإنقاء فإنه كما يحصل بالدلك على زعمكم فإنه حاصل بالتعميم
للمحل وإمساسه الماء وسيلانه عنه، فإذا كان الإنقاء يحصل بما ذكرنا
فلا حاجة إلى اعتبار الدلك. فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه لا يجب
اعتبار الدلك، وأما سيلان الماء عن محله فلابد منه لأن معقول الغسل
ذلك، وأما قطره على الأرض فلا عبرة به، وإنما المعتبر هو سيلانه عن
محله وليس الغرض هو سيلانه وقطره على الأرض، لما روي عن النبي ً،
أنه قال: (( وضوء المؤمن كدهنه ))(1). يعني في التعميم والاستيعاب
للعضو لا في الدلك وتقطيره على الأرض.
فإن قال قائل: قد أوضحتم بما ذكرتموه هاهنا أن الدلك غير واجب في
الوضوء، وأن الغسل إمساس العضو الماء بحيث يسيل عنه ولا يلزم
تقطيره على الأرض، فما ترون في حال من علق به الوسواس في وضوئه حتى
أسرف في استعمال الماء وخرج عن حد المشروع وجاوز عدة الثلاث وأتى
بأعداد مضاعفة وكرر ذلك في هذه الأعضاء حتى خرج عن وقت الاختيار
بفعله لهذه الأمور كلها، فما يقضي الشرع في أمره؟
__________
(1) جاء في (جواهر الأخبار) - تخريج أحاديث البحر الزخار: (( وضوء
المؤمن كدهنه)). حكاه في (الانتصار). ا.هـ. وعن ذي مخبر ابن أخي
النجاشي، خادم النبي ً في جملة حديث أخرجه أبو داود ما لفظه: فتوضأ
- يعني النبي ً - وضوءاً لم يلت منه التراب. ا.هـ. (جواهر ج2/67)،
وهو في معنى سابقه وفي باب مقدار ما يتوضأ به.
(1/839)
فالجواب: أن الذي يظهر هو القطع بخطأه لمخالفته المألوف من عادة
الشرع بما ورد في الأخبار من التحذير من الزيادة على الثلاث، وأنه
موصوف بالظلم لخروجه عن الحد بالزيادة ويقطع بكونه أتى بدعة مضادة
للسنة وأن السنة على خلاف ما هو عليه، فهذا هو الذي يظهر من حكم
الشرع في حاله، فأما الكفر أو الفسق بما أتى من هذه البدعة ومخالفة
السنة فمعاذ اللّه عن ذلك وحاشا وكلا مع التزامه للأحكام الدينية
واستمراره على الإتيان بالواجبات الشرعية وانكفافه عن المحرمات؛
لأن التفسيق والإكفار إنما يكون بأدلة قاطعة شرعية وبراهين يقينية،
وليس في إتيانه لهذه البدعة ما يوجب ذلك بحال. وعن عبدالله بن مغفل
قال: سمعت رسول اللّه ً يقول: (( إنه سيكون في هذه الأمة قوم
يعتدون في الطهور والدعاء))(1).
قالوا: روى المستورد بن شداد ) قال: رأيت رسول اللّه ً إذا توضأ
يدلك أصابع رجليه بخنصره(3)، فهذا نص في وجوب اعتبار الدلك في
الوضوء.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فإنا لا ننكر استعماله ووجوبه وليس فيما ذكرتموه دلالة
على وجوبه.
وأما ثانياً: فلأن ذلك حكاية فعل لا يدرى حاله ولعل في رجله نجاسة،
فلهذا كان دلكه للتنقية والنظافة لا من أجل كونه واجباً، ويجوز
حمله على أنه أراد بيان الاستحباب في الدلك لا من أجل بيان وجوبه.
مسألة: وهل يتقدر ما يحتاج إليه من الماء في الوضوء والغسل أم لا؟
فيه مذهبان:
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده وابن ماجة وابن حبان. وهو في المستدرك عن
عبدالله بن مغفل.
(2) المستورد بن شداد بن عمرو بن حسل بن الأحب القرشي الفهري. ذكره
في الصحابة في (أسد الغابة ج4/278).
(3) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة.
(1/840)
المذهب الأول: أنه لا معنى لتقديره وإنما يكون على مقدار الحاجة
في التطهير في الوضوء والغسل وغسل الأثواب ما لم يكن هناك إسراف،
وهذا هو الذي ذكره الهادي في (الأحكام) فإنه استقل الصاع في الغسل
وقال: إن التحديد لم يتضمنه الكتاب والسنة، وقال: إن المقصود هو
الإتيان بالطهارتين على ما أوجبه الشرع، وكلامه هذا يشير به إلى أن
الغرض هو الكفاية من الماء من غير أن يكون هناك خروج عن الحد
بالإسراف وتجاوز الحد في إهراق الماء من غير حاجة إليه.
المذهب الثاني: أنه مقدر وهذا هو المحكي عن زيد بن علي، وعليه أكثر
العلماء، وحكي عنه أنه قال: لا يجزي المرأة إذا أرادت الاغتسال أقل
من صاع ونصف الصاع، والصاع: خمسة أرطال وثلث. والمد: رطل وثلث،
وقيل: رطلان، والأول أصح، والصاع بالكيل أربعة أمداد.
(1/841)
والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وهو أن الرسول ً إنما أشار
في التقدير إلى ما لا يكون مجزياً دونه، فروى عبدالله بن زيد
الأنصاري: أن الرسول ً، توضأ بثلثي المد(1). وهذه الرواية هي أقل
ما روي في تقدير الماء في الوضوء، وروت عائشة (رضي اللّه عنها) عن
النبي ً أنه كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد، وهكذا روى جابر: أن
الرسول ً، كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، وعن أنس بن مالك: أن
الرسول ً، كان يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع(2)، وقد حكي:
عن أحمد بن حنبل: أن الصاع خمسة أرطال لا غير، ولعل هذه الرواية
أعني رواية أنس، على رأي من يقول: المد رطلان لتتفق الروايتان،
وروت عائشة قالت: اغتسلت أنا والرسول ً، من إناء فيه قدر الفَرق،
والفَرق ثلاثة أصواع، فعلى هذا يكون الفَرق ستة عشر رطلاً، فالرسول
ً إنما أشار بهذا التقدير إلى ما لا يكفي دونه ولهذا قال محمد بن
الحسن الشيباني: إنه لا يمكن المغتسل أن يعم جميع بدنه بأقل من صاع
ولا يكفي المتوضئ أن يسبغ وضوءه بأقل من مدٍّ، فالإشارة بهذه
التقديرات إنما هي لأقل ما يجزي لا غير ولم يشر إلى ما يكفي فيما
فوق ذلك؛ لأن الأمر في ذلك يختلف حاله باختلاف الشعور والأبدان
والخرق والرفق بالماء، فلهذا ترك الشارع الإشارة إلى ما فوق ذلك،
وإلى ما اخترناه يشير كلام الهادي في عدم التقدير وهو قول الشافعي
فإنه قال: واجب ألا ينقص مما روي عن الرسول ً أنه توضأ بالمد
واغتسل بالصاع، وقد روي عن جابر: أنه سئل عن الغسل فقال: يكفيك
صاع، فقال رجل: ما يكفيني، فقال له جابر: فيكفي من هو خير وأوفر
شعراً، يشير به إلى الرسول ً.
__________
(1) ونحوه عن أم عمارة، أخرجه أبو داود، وعن عائشة وجابر: كان
النبي ً يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد. أخرجه أبو داود.
(2) هذه إحدى روايتي أبي داود، وفي رواية للترمذي: أن رسول اللّه ً
قال: ((يجزئ في الوضوء رطلان من ماء)). قال في جواهر الأخبار: وفيه
روايات أخر.
(1/842)
فتنخل من مجموع ما ذكرناه هاهنا أنه لا ينقص في الوضوء والغسل
مما ذكره الرسول ً، فأما الزيادة فلم يقدرها، وما ذاك إلا لأنها
مباحة ما لم يقع فيها إسراف وخروج عن الحد، وهو الذي يدل عليه كلام
الهادي، والمؤيد بالله، والشافعي، والله أعلم.
مسألة: وهل يجوز أن يمسح الخفاف عوضاً عن غسل الرجلين أم لا؟ فيه
مذهبان:
المذهب الأول: أن ذلك جائز، وهذا هو رأي الفريقين: الحنفية،
والشافعية، ومحكي عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه)، وعمر بن
الخطاب، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس؛ من الصحابة (رضي
اللّه عنهم)، فأما مالك فعنه فيه روايات خمس:
الأولى منها: يجوز المسح كمقاله أبي حنيفة، والشافعي، مؤقتاً
باليوم والليلة في الحضر، وبالثلاث في السفر.
الثانية: المسح مطلقاً، من غير توقيت كما هو رأي الشافعي في
القديم.
الثالثة: تجويز المسح في الحضر دون السفر.
الرابعة: تجويز المسح في السفر دون الحضر رواها عنه ابن أبي ذؤيب
).
الخامسة: إبطال المسح مطلقاً كما هو رأينا، والخف نعل من أدم(2)
يغطي الكعبين، والجرموق يلبس فوق الخف وهو خف كبير فوق خف صغير،
والجورب يتخذ من جلود تغطي الكعبين أيضاً، وهو فوق الجرموق، ويمسح
على هذه الأمور الثلاثة، فأما النعال فهي وإن كانت من الجلود وهي
تكون دون الكعاب فلا مسح عليها؛ لأن نزعها يخف ولا يكون فيه مشقة
مثل الخف، والنظر عند القائلين به يكون في حكمه وفي شرطه وفي وقته
وفي كيفيته وفي الحجة عليه. فهذه مواقع النظر وجملتها خمسة:
الموقع الأول: في حكمه.
__________
(1) أبو الحارث محمد بن عبدالرحمن بن مغيره بن الحارث بن أبي ذؤيب
القرشي، كان فقيهاً، عالماً، من فقهاء المدينة، وممن عاصر مالك بن
أنس، توفي بها سنة 159هـ. (طبقات الفقهاء).
(2) جمع أديم: وهو جلد الحيوان بعد دبغه.
(1/843)
وهو إباحته لمن لبس الخف وهو على طهارة في حضر كان أو في سفر،
وهي رخصة من اللّه تعالى لعباده لما في نزعهما من المشقة لأجل
المطر والوحل والبرد الشديد فلهذا اغتفر المسح عليهما، فإذا نزعهما
بعد وفاء المدة المقدرة في السفر والحضر وجب عليه غسل الرجلين. وهل
يجب عليه استئناف الوضوء أم لا؟ فيه قولان مبنيان على أن المسح هل
يرفع الحدث أم لا؟
فإن قلنا: بأنه غير رافع للحدث فإنه يكفيه غسل الرجلين.
وإن قلنا: بكونه رافعاً له فقد عاد الحدث بالنزع فلهذا وجب
استئنافه، فلو لبس فردة خف وكانت الرجل الأخرى سقط نصف كفها فلا
يجوز المسح على ما بقي منها إلا إذا كان عليها ساتر كالخف، فإن
سقطت الرجل من مفصل القدم جاز المسح مهما بقي منها بقية إذا كان
مستوراً، والمسح جائز على كل خف صحيح يمكن متابعة المشي عليه
لحوائجه.
فقولنا: صحيح، نحترز به عن الخف المخرق الذي لا يمكن المشي عليه
لتخرقه؛ لأن الحاجة لا تدعو إلى مثل ذلك.
وقولنا: يمكن المشي عليه، نحترز به عن الخف الذي لا يمكن المشي
عليه إما لرقتة كالخف الذي يكون من الخرق الرقيقة، وإما لثقله، فإن
ما هذا حاله لا يجوز المسح عليه فإن لبس خفاً من زجاج جاز المسح
عليه، وإن بدا منه لون الرجل عندهم، وفرقوا بينه وبين ستر العورة
بالزجاج فإن ذلك غير صحيح، لأن القصد من ستر العورة هو أن لا يراها
الناس بخلاف الخف فإن المقصود منه هو إمكان المشي فيه فافترقا،
والواجب في الخف الذي يمسح عليه أن يكون ساتراً للقدم مع الكعب من
الجوانب كلها إلا من أعلى الكف فإنه غير لازم ستره.
الموقع الثاني: في شرطه، وله شرطان:
الشرط الأول: أن يكون لابساً للخف على طهارة تامة قوية.
فقولنا: على طهارة، نحترز به عما إذا لبسه على غير طهارة فإنه لا
يجوز المسح عليه بحال بل يجب غسله.
(1/844)
وقولنا: تامة، نحترز به عما إذا غسل رجله اليمنى ثم أدخلها الخف
قبل غسله للثانية فإنه لا يجوز الاعتداد بهذا اللبس لما كانت
الطهارة غير تامة بغسل جميع الأعضاء كلها.
وقولنا: قوية، نحترز به عن طهارة المستحاضة فإنها لو طهرت ولبست
الخف ولم تصلِّ بهذا الوضوء ثم أحدثت وأرادت أن توضأ وتمسح لتصلي
به فريضة، فإن ما هذا حاله غير جائز لكون طهارتها ضعيفة ناقصة.
الشرط الثاني: أن يكون الخف ساتراً قوياً مانعاً للماء عن النفوذ
إلى الرجل، حلالاً(1).
فقولنا: أن يكون الخف قوياً، نحترز به عَمَّا إذا كان الخف مخرقاً
قد بدا منه محل الفرض فإنه لا يجوز المسح عليه لانخراقه.
وقولنا: ساتراً، نحترز به عما إذا كان دون الكعبين فإنه لا يجوز
المسح عليه؛ لأن ما هذا حاله من سواتر الرجل لا يصعب مسحه.
وقولنا: مانعاً من نفوذ الماء، نحترز به عن الخف المنسوج، فإنه وإن
كان ساتراً فإنه لا يمنع من نفوذ الماء فيه، فإن ما هذا شأنه فإنه
لا يجوز المسح عليه.
وقولنا: حلالاً، نحترز به عن الخف المغصوب، فإنه مأمور بنزعه
وإعطائه مالكه والمسح مانع من الاستدامة فمتى حصلت هذه القيود كلها
كان المسح جائزاً.
الموقع الثالث: في وقته.
__________
(1) يقصد مباحاً.
(1/845)
حكى الزعفراني، عن الشافعي: جواز المسح على الخفين مطلقاً من
غير توقيت، وهذا هو المحكي عن عمر، وابن عمر، وعائشة، وبه قال
الليث، ثم رجع الشافعي عن هذه المقالة في قوله الجديد، وقال: يمسح
المقيم يوماً وليلة ويمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وهذا هو
قول أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه)، وابن عباس، وابن مسعود من
الصحابة (رضي اللّه عنهم)، ومروي عن عطاء، وشريح )، والأوزاعي،
وأبي يوسف، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. قال الشافعي في (الأم): ولو
مسح المسافر يوماً وليلة ثم إنه دخل في الصلاة فنوى الإقامة في حال
الصلاة بطلت صلاته؛ لأنه قد استكمل مسح المقيم، فإذا نوى الإقامة
بطل مسحه فلهذا بطلت صلاته، وإن لبس الخف في الحضر ثم سافر قبل أن
يحدث ثم إنه أحدث في السفر فإنه يمسح مسح المسافر، وإن أحدث في
السفر ومسح ثم أقام فإنه يتم مسح المقيم لا غير، فإن أقام بعد
استكمال مدة مسح المقيم نزع الخفين لا محالة، وإن أقام قبل
استكماله كان له أن يتم مسح المقيم لا غير.
الموقع الرابع: في كيفيته.
__________
(1) أبو مضر شريح بن المؤيد القاضي الجيلي، علامة الشيعة، وحافظهم،
من أتباع المؤيد بالله، وهو صاحب التصانيف في الفقه منها: (أسرار
الزيادات)، و(لباب المقالات لقمع الجهالات). قال الإمام المهدي:
وهو سبعه أو ثمانية مجلدات، والناس يغترفون منه. (مقدمة الأزهار).
(1/846)
قال الشافعي: وإذا أراد المتوضئ أن يمسح على الخفين فأحب إليَّ
أن يغمس يديه في الماء ثم يضع كفه اليسرى باطنها تحت عقب الخف وكفه
اليمنى على أطراف أصابعه ثم إنه يمر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى
أطراف أصابعه، وهذا هو المحكي عن ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعمر
بن عبدالعزيز، والزهري ومالك، وابن المبارك ). وقال الليث، وأبو
حنيفة، والأوزاعي، وأحمد: المستحب أن يمسح على أعلى الخف دون أسفله
وكيف ما أتى بالمسح على الخف سواء كان بيده أو ببعضها أو بخشبة أو
بخرقة وسواء مسح منه قليلاً أو كثيراً فإنه يجزيه؛ على رأي
الشافعي، وحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يجزيه إلا إذا مسح منه قدر
ثلاث أصابع بثلاث أصابع، وحُكِيَ عن زفر: أنه لا يجزيه إذا كان قدر
ثلاث أصابع بأصبع واحدة، وعن أحمد بن حنبل: أنه لا يجزيه إلا إذا
مسح أكثر المقدم، وهل يمسح على عقب الخف أم لا؟
فحكى البويطي، عن الشافعي: أنه يمسح عليه، وقال المزني: إن ذلك غير
مسنون.
الموقع الخامس: في ذكر الاحتجاج على جواز المسح على الخفين.
__________
(1) أبو عبدالرحمن بن المبارك المروزي، تفقه على سفيان (الثوري)،
ومالك، وكان فقيهاً، زاهداً، عالماً، عابداً، كما قال عنه سفيان بن
عيينة. توفي سنة نيف وثمانين ومائة. (طبقات الفقهاء).
(1/847)
والحجة على ذلك: ما روى بلال ) عن النبي ً أنه توضأ فغسل وجهه
ويديه ومسح رأسه ومسح خفيه(2)، وروى المغيرة بن شعبة: أن النبي ً
مسح على الخفين، فقلت: يا رسول اللّه نسيت؟ قال: (( بل أنت نسيت ،
بهذا أمرني ربي ))(3). وروى الحسن البصري قال: حدثني سبعون من
أصحاب رسول اللّه ً أنه مسح على الخفين، ولأن الحاجة تدعو إلى لبسه
وتلحق المشقة في نزعه فجاز المسح عليه كالجبائر.
قالوا: ولا يجوز مسح الخفين في الغسل من الجنابة والغسل من الحيض،
ولا يجوز المسح على الخفين في الغسل المسنون كالغسل يوم الجمعة
والعيدين، ولكن يمسح من الغائط والبول والنوم، إن كان في حضر
فيوماً وليلة وإن كان في سفر فثلاثة أيام بلياليها، فهذا ما أردنا
ذكره في المسح على الخفين على رأي الفقهاء، وإنما أوردته في كتابي
هذا وإن كان مشتملاً على أسرار ودقائق وتفاصيل اشتملت عليه كتب
الفقهاء ليكون الناظر متمكناً من الاطلاع على بعض تفاصيله.
__________
(1) هو بلال بن رباح الحبشي، أبو عبدالله، مؤذن رسول اللّه ً، وأحد
السابقين الأولين إلى الإسلام الذين أوذوا وعذبوا فاحتسبوا ذلك لله
دون أن تنال قريش من إيمانهم شيئاً، شهد مع رسول اللّه ً كل
المشاهد، بعد وفاة رسول اللّه ً خرج مجاهداً إلى الشام مع البعوث
الإسلامية، وتوفي بدمشق أو داريا كما أورد الشوكاني في ترجمته،
وقال: له أربعة وأربعون حديثاً منها في الصحيحين أربعة.
(2) أخرجه مسلم بلفظ: أن رسول اللّه ً مسح على الخفين والخمار.
(3) وهذه إحدى روايات أبي داود.
(1/848)
المذهب الثاني: أنه لا يجوز المسح على الخفين، وهذا هو رأي أئمة
العترة القاسمية والناصرية لا يختلفون في ذلك، ومحكيٌّ عن
الإمامية، والخوارج، وأبي بكر بن داود من أهل الظاهر، وإحدى
الروايات عن مالك، وعن أبي نصر من أصحاب الشافعي: أن غسل الرجلين
أفضل من المسح على الخفين، على قياس قول الشافعي، وحكي عن الشعبي،
والحكم، وحَمَّاد: أن المسح على الخفين أفضل من غسل الرجلين لقوله
عليه السلام: (( إن اللّه يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ
بعزائمة))(1).
والحجة على بطلان المسح: قوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ }[المائدة:6].
ووجه الاستدلال بهذه الآية على بطلان المسح على الخفين: أن اللّه
تعالى أوجب بظاهر الآية إما غسل الرجلين على ما نقوله وإما مسحهما
على رأي من قال بالمسح فيهما، ولم يذكر المسح على الخفين، فلوكان
واجباً كما زعموا لذكره؛ لأنه في محل التعليم للوضوء، فلما لم
يذكره دل على كونه غير واجب ولا مشروع.
الحجة الثانية: قوله ً لمن علمه الوضوء: (( توضَّ كما أمرك اللّه
فاغسل وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك)). فلوكان واجباً لقال مع
قوله: (( واغسل رجليك )). وامسح خفيك، لأنه مشروع كما زعموا.
الحجة الثالثة: ما روي عنه ً أنه توضأ مرة فقال: (( هذا وضوء لا
يقبل اللّه الصلاة من دونه )). ثم توضأ مرتين إلى أن قال: ثم توضأ
ثلاثاً.
ووجه الاستدلال بهذا الخبر: هو أنه كرر الوضوء مرتين وثلاثاً
بالغسل ولم يذكر مسح الخف مفرداً ولا مكرراً فدل ذلك على بطلان
كونه مشروعاً في الرجلين.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة، من
كونه -أعنى المسح على الخفين- غير مشروع في الرجلين، ومعتمدنا في
الدلالة على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حججاً:
__________
(1) تقدم برواية عن ابن عباس للبزار والطبراني وابن حبان.
(1/849)
الحجة الأولى: ما روي عن النبي ً أنه رأى قوماً تلوح أعقابهم،
فقال: (( ويل للعراقيب من النار )). وفي حديث آخر: (( ويل للأعقاب
من النار )). وفي حديث آخر: (( أسبغوا الوضوء )).
ووجه الاحتجاج بهذه الأخبار: هو أن ظاهرها أمرٌ بالغسل في الأعقاب
فلوكان المسح على الخف واجباً أو مندوباً أو مباحاً لم يكن للوعيد
وجه على ترك غسل الأعقاب، لأن له بدلاً وهو ما ذكروه من مسح
الخفين، فلما أطلق الوعيد على ترك غسل الأعقاب دل على بطلانه.
الحجة الثانية: قوله ً: (( لا يقبل اللّه صلاة امرئٍ حتى يضع
الوضوء مواضعه يغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه)).
ووجه تقرير الحجة من هذا الخبر: هو أنه عليه السلام لم يذكر مسح
الخفين من جملة مواضع الوضوء كما ذكر غسل الرجلين لما كانا من
مواضع الوضوء كالوجه واليدين، فلما لم يذكره دل على بطلانه.
الحجة الثالثة: قوله عليه السلام: (( خللوا أصابعكم لا يخللها
اللّه بالنار)).
ووجه تقرير الحجة من هذا الخبر: هو أنه توعد على ترك تخليل
الأصابع، فلوكان المسح على الخفين مشروعاً إذن لذكره، فدل ظاهر
الأخبار على بطلان المسح على الخفين.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: قد وردت الأحاديث من طريق المغيرة بن شعبة ومن طريق ابن
مسعود ومن طريق بلال، على أن الرسول ً مسح على خفيه في الحضر
والسفر، ففي الحضر يوماً وليلة وفي السفر ثلاثة أيام بلياليها، وفي
هذا دلالة على كونه مشروعاً من جهة الرخصة.
قلنا: إنا لا ننكر رواية هذه الأخبار عمن ذكرتموه من الصحابة (رضي
اللّه عنهم) وغيرهم من الرواة، ولكنا نقول: إنها أخبار منسوخة
بقوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى
الْكَعْبَيْنِ}. ومهما كانت منسوخة فلا يعرج عليها لبطلانها، والذي
يدل على كونها منسوخة وجوه خمسة:
(1/850)
أما أولاً: فلأن المسح على الخفين كان سابقاً في مكة، وآية
المائدة، نزلت في المدينة، ولا شك أن كل ما كان من الأحكام مدنياً
فإنه متأخر عما كان ثابتاً في مكة.
وأما ثانياً: فلما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين (كرم
اللّه وجهه) قال: لما كان في ولاية عمر جاء سعد بن أبي وقاص فقال
لعمر: يا أمير المؤمنين ما لقيت من عمار؟ فقال له: وما ذاك؟ فقال:
خرجت وأنا أريدك ومعي الناس وأمرت منادياً ينادي بالصلاة ثم دعوت
بطهور فتطهرت، ثم مسحت على خفيَّ وتقدمت أصلي فاعتزلني عمار، فلا
هو صلى ولا هو ترك، وجعل ينادي من خلفي: يا سعد، صلاة من غير وضوء،
فقال عمر: يا عمار أخرج مما قلت، فقال: نعم، كان المسح قبل
المائدة، فقال عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أقول كان المسح من
رسول اللّه ً في بيت عائشة والمائدة نزلت في بيتها، فأرسل عمر إلى
عائشة، فقالت: كان المسح قبل المائدة. فقل لعمر: والله لأن تقطع
قدماي بعقبيهما أحب إليَّ من أن أمسح عليهما. فقال عمر: لا نأخذ
بقول امرأة.
وأما ثالثاً: فلما روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال: أنشد اللّه
امرءاً شهد المسح من رسول اللّه ً إلا قام، فقام ثمانية عشر رجلاً
كلهم رأى رسول اللّه ً يمسح، وعليه جبة شامية ضيقة اليدين فأخرج
يديه من تحتهما ثم مسح على خفيه، فقال عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟
فقال: سلهم أقبل المائدة أم بعدها؟ فسألهم فقالوا: لا ندري.
(1/851)
وأما رابعاً: فلما روي [عن] أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه)
[أنه] قال: أنشد اللّه امرءاً مسلماً علم أن المسح كان قبل المائدة
إلا قام، فقام اثنان وعشرون رجلاً فتفرق القوم وهؤلاء يقولون: لا
نترك ما رأينا، وهولاء يقولون: لا نترك ما رأينا(1).
وأما خامساً: فلما روي سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه
لما قيل له: هل مسح رسول اللّه ً على الخفين؟ فقال: اسألوا الذين
يزعمون ذلك هل كان قبل المائدة أو بعدها؟ ما مسح رسول اللّه ً
بعدها، ولأن أمسح على ظهر عير في الفلاة أحب إليَّ من أن أمسح على
الخفين(2).
وأما سادساً: فلما روى الصادق عن أمير المؤمنين أنه قال: سبق
الكتاب الخفين(3).
وأما سابعاً: فلما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: سبق الكتاب
الخفين.
وأما ثامناً: فلما روي عن عائشة أنها قالت: لأن أحزهما بالسكاكين
أحب إليَّ من أن أمسح عليهما(4).
__________
(1) هذا وما قبله حديث واحد، وهو من الأحاديث المشهورة عند رجال
الحديث وفي مسنداتهم، وهو مروي هنا عن الإمام زيد من طريق محمد بن
منصور، عن أحمد بن عيسى، وهذه الرواية بلفظها تتفق مع ما جاء في
شرح التجريد وفي الاعتصام نقلاً عنه، وفي الروض النضير.
(2) أخرجه المؤيد بالله عن شيخه أبي العباس الحسني بسنده، كما جاء
في الروض النضير ، وقال: وفيه عمرو بن حصين العقيلي وهو ضعيف جداً،
ولكنه منجبر بما رواه عبدالله بن أحمد بن حنبل في مسند عبدالله بن
عباس، من كتاب أبيه أحمد بن حنبل، فقال:.. وأورده بلفظه، ا.هـ.
(روض ج1/433).
(3) أورده في الروض من رواية المؤيد بالله بلفظه، وجاء برواية
أخرى، عن (مسند علي من جمع الجوامع) وبلفظ آخر، وقال نهايته: أخرجه
ابن جرير. ا.هـ. وأعل بأن الراوي عن علي، مجهول.
(4) وفي رواية أخرى عن عروة: لأن أجذهما أو أجذ أصابعي بالسكين
..إلى آخره. كما جاء في الروض.
(1/852)
وأما تاسعاً: فلما روي عن أبي هريرة: ما أبالي على ظهر خفي مسحت
أو على ظهر حماري(1).
وأما عاشراً: فلما روي عن ابن مسعود أنه لما قال: رأيت رسول اللّه
ً يمسح على الخفين، فقال له أمير المؤمنين: أكان ذلك قبل نزول
المائدة أو بعدها؟ فسكت ابن مسعود ولم يعد شيئاً ولم يقل: وما
الغرض بذلك(2).
فتقرر بما ذكرناه من هذه الأوجه أن المسح كان قبل نزول آية المائدة
بشهادة من شهد من هؤلاء الصحابة ولم يرو عن أحد منهم أنه كان بعد
نزول المائدة، وفي هذا دلالة على كونها ناسخة له وهو المطلوب.
قالوا: دعواكم النسخ إنما تكون صحيحة إذا كان بين المسح والغسل
تنافٍ فلهذا توجه نسخ أحدهما بالآخر، فأما ما يصح الجمع فيه بينهما
فلا وجه لتقدير النسخ فيه، ولهذا فإنه يغسلهما عند نزع الخفين
ويمسحهما عند سترهما بالخفين فيكون في [ذلك] جمع بين الآية والخبر،
وفي ذلك استعمالهما جميعاً وفي المسح استعمال لأحدهما دون الآخر،
ومهما أمكن الجمع بينهما كان أولى.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأن المعتبر في كون هذا ناسخاً لذلك هو قيام الدلالة
الشرعية على ذلك سواء كان بينهما تنافٍ، أولم يكن بينهما تنافٍ،
ولهذا فإن صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء وليس بينهما تنافٍ؛ لأنه
يمكن الجمع بينهما، وهكذا فإن الصلاة إلى الكعبة ناسخة للصلاة إلى
بيت المقدس ومع ذلك فإنه يمكن الجمع بينهما، وكذلك الجَلد والرجم
يمكن الجمع بينهما في حق المحصن على قولكم ومع ذلك فإن الرجم ناسخ
للجلد على قولكم، إلى غير ذلك من المسائل التي يمكن الجمع فيها بين
ما هو ناسخ ومنسوخ.
__________
(1) أورده في الروض عن أبي رزين، قال: قال لي أبو هريرة...إلخ.
قال: ورجاله على شرط مسلم. ا.هـ ج1/434.
(2) أخرجه الذهبي عن زاذان. وفي آخره: قال (ابن مسعود): لا أدري.
قال (علي): لا دريت.. إنه من كذب على رسول اللّه متعمداً فليتبوأ
مقعده من النار. ا.هـ. (المصدر السابق).
(1/853)
وأما ثانياً: فلأنا لا نسلم عدم المنافاة بينهما بل نقول: إنهما
في الحقيقة متنافيان، وبيانه: أن التضييق إذا كان وارداً على أمر
مخير فيه بين أمرين فإنه يكون ناسخاً للتخيير، وهذا قد ورد التضييق
على التخيير [فيه] فيجب أن يكون ناسخاً له، ومثاله: أن كفارة
اليمين مخير فيها بين العتق والكسوة والإطعام، فلو قدرنا أنه تعالى
قال: حتمت عليكم التكفير بالعتق لكان نسخاً لما تقرر من التخيير
بينها، لأنه لم يمكن للمكلف من قبل الإخلال بالكسوة والإطعام إلا
إلى بدل هو: العتق، فلما ضيقه بالعتق جاز له الإخلال بهما على جهة
الإطلاق، وهذه إزالة حكم شرعي بحكم مثله شرعي فيجب كونه نسخاً.
وأما ثالثاً: فلأن أمير المؤمنين وغيره من جِلَّة الصحابة وأكابرهم
قد صرحوا بكون الآية ناسخة فيجب التعويل على أقوالهم في ذلك من غير
مبالاة بالتنافي وعدم التنافي، فبطل ما توهموه.
قالوا: روى جرير بن عبدالله البجلي ) إني رأيت رسول اللّه ً، يمسح
على خفيه(2)، وكان جرير هذا إسلامه متأخراً عن نزول المائدة، وفي
ذلك صحة ما نريده من كون المسح رخصة عن الغسل.
قلنا: عن هذا أجوبة أربعة:
__________
(1) جرير بن عبدالله بن جابر البجلي القسري، اليماني، أمير يماني،
كامل الجمال والحسن، هاجر إلى رسول اللّه ً سنة 9للهجرة، وبايعه
على النصح لكل مسلم. مسنده نحو 100 حديث. اتفق الشيخان على 8 منها،
وانفرد البخاري بحديثين منها، ومسلم بستة، سكن الكوفة وأرسله علي
عليه السلام إلى معاوية فلما وقعت الحرب بينهما خرج جرير، وعدي بن
حاتم، وحنظلة الكاتب إلى قرقيسيا وسكنوها وبها مات. (در السحابة
682).
(2) وهو من رواية همام بن الحرث النخعي وغيره: أن جريراً بال ثم
توضأ ومسح على الخفين وقال: ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول اللّه
يمسح، قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، قال: وما أسلمت إلا
بعد نزول المائدة. ا.هـ. (روض ج1/437).
(1/854)
أما أولاً: فلأن ما ذكره جرير لا يعارض ما رواه أمير المؤمنين
وابن عباس وابن مسعود وعائشة وغيرهم من الصحابة رضي اللّه عنهم بل
نقول: لا وزن لرواية جرير بالإضافة إلى رواية هؤلاء الجلة من
الصحابة رضي اللّه عنهم، بل نقول: روايتهم أرجح والعمل عليها أقوى،
والتعارض إنما يكون حيث يكون التساوي فأما ما لا تساوي فيه فلا
تعارض في حقه.
وأما ثانياً: فلأن الذي رواه جرير حكاية فعل يمكن حمله على أوجه
كثيرة فلا يمكن الاحتجاج بظاهره لما فيه من الاحتمالات الكثيرة،
فلعله مسح على الخفين لعلة عارضة مانعة من غسل الرجلين، فليس في
ظاهر الحديث أنه مسح على الخفين وهو محدث ثم صلى، وهذا لا حجة فيه
إلا إذا كان على هذه الصفة.
وأما ثالثاً: فلعله رآه يمسح على خفيه قبل نزول آية المائدة فروى
ذلك وكان إسلامه بعد نزولها فإسلامه بعد نزولها لا يدل على تأخرها
بعد المسح.
وأما رابعاً: فجرير هذا ضعيف العدالة مطعون فيه، ويروى أنه كان في
أيام أمير المؤمنين وكان قد لحق بمعاوية ووالاه بعد ظهور عداوته
وحربه لأمير المؤمنين، ومن هذه حاله فأدنى درجاته سقوط عدالته وعدم
قبول روايته؛ لأن من شرط صحة الرواية الوثوق بالعدالة والتحرز من
الأمور المكروهة في الدين، فإذا لم يكن فاسقاً بموالاة من ثبت فسقه
وتمرده عن الدين وخروجه على أئمة الحق فلا أقل من إسقاط روايته
واطراحها.
(1/855)
قالوا: روي عن الحسن البصري أنه قال: حدثني سبعون رجلاً من
أصحاب رسول اللّه ً أنه مسح على الخفين وفي هذا دلالة على قوته
ووضوحه(1).
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأن رواية هؤلاء السبعين ربما كانت قبل نزول آية
المائدة كما رويناه من حديث أمير المؤمنين وحديث عمر فلا وجه
لتكريره؛ لأن كثرة الرواة لا تبطل ما ذكرناه من الاحتمال.
وأما ثانياً: فإنه وإن رواه سبعون رجلاً من الصحابة فقد روى مثل
هذه العدة وأكثر أن المسح كان قبل نزول المائدة كما أشرنا إليه.
وأما ثالثاً: فلأنا نقول: ما تريدون بذكر هذه العدة؟ هل تريدون أن
المسألة إجماعية؟ فهذا فاسد، فإن المسألة اجتهادية فلا وجه لذكر
الإجماع فيما كان معدوداً في المسائل الاجتهادية، وإن أردتم
الاستظهار بهذه العدة والتقوية بها فقد ذكرنا أن مثلها بل أكثر في
جانبنا، فإذاً لا وجه لذكر هذه العدة.
قالوا: الحاجة تدعو إلى لبس الخفين، وتلحق المشقة في نزعهما فجاز
المسح عليهما كالجبائر.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن مشقة نزع الخف بمنزلة حل الجبائر؛ لأن
أحدهما مخالف للأخر فلا مقايسة بينهما لظهور التفرقة؛ لأن الجبائر
مشدودة على جرح فمن أجل ذلك صعب حلها بخلاف الخف فإنه لا حرج هناك
فيهما فافترقا.
__________
(1) وممن رويت عنه الرخصة، في (مصنف ابن أبي شيبة)، وعبدالرزاق
الصنعاني بالطرق الحسان، عمر وعلي وعبدالرحمن، وسعد، وابن مسعود،
وابن عمر، وابن عباس، وأبو مسعود، وأنس، والبراء، وحذيفة، وسلمان،
والمغيرة، وبلال، وخزيمة، وعمرو بن أمية، وجرير بن عبدالله،
وعبدالله بن جزء، وأبو أيوب، وأبو موسى، وسهل بن سعد، وأبو هريرة،
ا.هـ. (روض)، وأورد الزمخشري (رحمه اللّه) في الكشاف: وعن عطاء:
والله ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول اللّه ً مسح على القدمين.
ا.هـ. ج1/598.
(1/856)
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بقياس مثله، وهو أنا نقول:
عضو من أعضاء الطهارة فلا يجوز المسح فيه على حائل منفصل كالبرقع
والقفازين، أو نقول: إحدى الطهارتين فلا يجوز المسح فيها على
الخفين كالغسل من الجنابة، أو يقال: مسح على الخفين فلا يكون
جائزاً كما لو أدخلهما من غير طهارة، أو يقال: مسح على الخفين فلا
يكون مجزياً عن غسل الرجلين كما لو مسح عليهما في اليوم الرابع،
إلى غير ذلك من القياسات المعارضة لما ذكروه، فبطل ما توهموه، وقد
نقل كثير من أصحاب الشافعي، كابن الصباغ صاحب (الشامل)، والعمراني
صاحب (البيان)، عن أمير المؤمنين: المسح على الخفين. ونقل أصحابنا
إنكار ذلك عنه عملاً وفتوى، والحكايتان يمكن حملهما على الصحة؛ لأن
ما نقلوه يمكن حمله على أنه كان قبل نزول آية المائدة، وما نقله
أصحابنا يمكن أن يكون بعد نزول المائدة، فلهذا كان القولان متفقين
كما أشرنا إليه.
مسألة: وهل يجب الترتيب في أعضاء الوضوء أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الترتيب في أعضاء الوضوء واجب، فيغسل وجهه ثم
يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل رجليه، وهذا هو رأي أئمة العترة. قال
المؤيد بالله: ولا أحفظ عن أحدٍ منهم خلافاً فيه، وبه قال الشافعي،
ومحكي عن أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وقتادة ).
__________
(1) قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، سمع أنس
ابن مالك، وعبدالله بن سرحين، وأبا الطفيل من الصحابة، ومن
التابعين: ابن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعكرمة، وروى عنه:
الأعمش، وشعبة، وحميد الطويل، وغيرهم. قيل: كان أحفظ الناس، وكان
ثقة، حجة، مأموناً في رواية الحديث، وكان في التفسير لا يتقدمه
غيره. ولد سنة 61هـ، ومات سنة 117هـ، روى له أئمتنا كلهم،
والجماعة، قال المنصور بالله (عبدالله بن حمزة): كان قتادة ممن
يقول بالعدل والتوحيد وهو مشهور عنه. ا.هـ. ملخصاً من تراجم
الأزهار ج3/31.
(1/857)
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ
فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}[المائدة:6].. إلى آخر الآية، وتقدير
الدلالة من هذه الآية يكون على أوجه خمسة:
أولها: قوله تعالى: {فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ} والفاء للتعقيب،
فعطف الغسل على القيام معقباً، فمن قال إنه يبدأ بغسل اليد أو
الرجل عقيب قيامه للصلاة فقد خالف ما دل عليه ظاهر القرآن من غير
دلالة تدل على تأويله.
وثانيها: أن اللّه تعالى بدأ بغسل الوجه ثم باليدين بعده، والرأس
أقرب إلى الوجه فلو كانت البداية به جائزة لذكره [تعالى] بعد الوجه
لأنه أقرب إليه، فلما جعل بعده غسل اليدين دل ذلك على أن الترتيب
مستحق من جهة التعبد.
وثالثها: أن اللّه تعالى أدخل ممسوحاً بين مغسولين، فأدخل مسح
الرأس بين غسل اليدين وغسل الرجلين، وقطع النظير عن النظير، وكان
الترتيب اللائق بالإعجاز عطف الشيء على ما يماثله(1)، فلا يقال:
رأيت زيداً وضربت بكراً ورأيت عمراً، فلما وسط بين المتماثلين ما
يخالفهما دل ذلك على أنه لغرض وفائدة، وليس ذلك إلا لأنه مقصود
متعبد.
ورابعها: قوله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوْسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
إِلَى الْكَعْبَيْنِ}.
فقوله: {وَأَرْجُلَكُمْ}: يشتبه الأمر فيه لاحتماله أن يكون
مغسولاً عطفاً على المغسول بقراءة النصب، ويحتمل أن يكون ممسوحاً
عطفاً على الممسوح بقراءة الجر، ولو عدل عن هذا الترتيب
فقال:فاغسلو وجوهكم وأيديكم وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم.
لكان الاحتمال زائلاً، فلما عدل إلى هذا النظام في الآية المورث
للاحتمال دل ذلك على أنه إنما عدل إليه لغرض وفائدة، وليس ذلك إلا
مراعاة للترتيب الواجب في الوضوء.
__________
(1) يقصد: لو لم تكن هناك حكمة في ترتيبها على ما ورد في الآية
الكريمة.
(1/858)
وخامسها: أن الواو موضوعة للترتيب مستعملة في اللغة والشرع
والاستعمال والحكم، أما من جهة اللغة، فقد روي عن يحيى بن زياد
الفرَّاء )، وأحمد بن يحيى ثعلب )، وأبي عبيد القاسم بن سلام )
__________
(1) أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، الكوفي، النحوي، اللغوي، نزيل
بغداد، أحد أعلام المدرسة الكوفية في النحو واللغة له مصنفات
فيهما، وروى الحديث في مصنفاته عن: قيس بن الربيع وأبي الأحوص، وهو
أجل أصحاب الكسائي، وناظر سيبويه مع الكسائي (في مسألة العقرب
والزنبور) وله تصانيف في إعراب القرآن. توفي سنة 207هـ. (مقدمة
الأزهار).
(2) أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، كان أبوه من موالي بني شيبان
ويغلب أن يكون فارسي الأصل، ولد ببغداد سنة200هـ، وألحقه أبوه
بالكتاب فتعلم فيه الكتابة، وحفظ القرآن، وبعض الأشعار، وانطلق إلى
حلقات العلماء، وخاصة علماء اللغة والنحو وهو في التاسعة، وعكف على
حلقة سلمة بن عاصم حيث كان يملي كتب الفرَّاء. وفي اللغة حلقات ابن
الأعرابي، وأخذ كتب الأصمعي عن تلميذه أبي نصر ابن حاتم، وكتب كثير
من العلماء في النحو واللغة، وتزود بالكثير من القراءات في الحديث،
والفقه، والشعر، والأخبار. وفي بعض الروايات عنه أنه سمع مائة ألف
حديث، وحضر حلقات ابن حنبل أكبر المحدثين والفقهاء في عصره، وأخذ
في الأخبار والشعر عن جماعة من مشاهيرهما ومنهم عمر بن شبه، وابن
سلام الجمحي، وكان طوال حياته في بحبوحة من العيش لما كان يفيض
عليه من هبات أصحاب الجاه والثراء والأمراء، له كثير من المؤلفات
لم يصل منها إلا كتابه (المجالس)،توفي سنة 291هـ (المدارس
النحوية244 معجم الأدباء 5/102).
(3) أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي، ذكره الشيرازي في فقهاء
بغداد، ولقَّبه مرة بأبي عبدالله ومرة بأبي عبيد، وقال: قال
إبراهيم الحربي: كان أبو عبيد كأنه جبل نُفِخَ فيه الروح يحسن كل
شيء، ولي القضاء لطرسوس، ومات بمكة سنة 224هـ، عن سبع وستين سنة.
(طبقات الفقهاء).
(1/859)
: أنها موضوعة للترتيب لغة، ورووا ذلك عن العرب، وليس عمدتنا في
مثل هذه الأمور إلا نقلهم عن أهل اللغة(1)
__________
(1) قال ابن هشام في المغني، عن الواو العاطفة: إن معناها مطلق
الجمع، فتعطف الشيء على مصاحبه وعلى سابقه وعلى لاحقه، وأورد عن
ابن مالك: وكونها للمعية راجح وللترتيب كثير ولعكسه قليل. وقال ابن
هشام: وقول السيرافي: إن النحويين واللغويين أجمعوا على أنها لا
تفيد الترتيب مردود، بل قال بإفادتها إياه، قطرب، والربعي،
والفراء، وثعلب، وأبو عمرو الزاهد، وهشام، والشافعي، ونقل الإمام
(الجويني) في البرهان عن بعض الحنفية: أنها للمعية. ا.هـ. (مغني
ج1/391).
…وقال ابن عقيل في شرحه: قالوا ولمطلق الجمع عند البصريين، فإذا
قلت: جاء زيد وعمرو، دل ذلك على إجتماعهما في نسبة المجيء إليهما،
واحتمل كون عمرو جاء بعد زيد، أو جاء قبله، أو جاء مصاحباً له،
وإنما يتبين ذلك بالقرينة، إلى أن قال: ومذهب الكوفيين أنها
للترتيب، ورُدَّ بقوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا
الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَى}. وجاء في الهامش: لو كان الواو دالة
على الترتيب، كما يقول الكوفيون، لكان هذا الكلام اعترافاً من
الكفار بالبعث بعد الموت... إلخ. ا.هـ. (شرح ابن عقيل ج3/226).
(تنبيه): كون الواو العاطفة للترتيب ليس رأي المؤلف كما قد يفهم من
السياق هنا، بل يرى أنها ليست للترتيب كما سيأتي، ولكنه يرى وجوب
الترتيب بين أعضاء الوضوء بالأدلة الشرعية التي أوردها.
(1/860)
، وأما من جهة الشرع، فلما روي عن ابن عباس أن رجلاً سأله فقال:
يابن عباس هل أبدأ بالصفا أو بالمروة؟ فقال: ابدأ بما بدأه اللّه
تعالى وخذ ذلك من القرآن فإنه أجدر أن يحفظ قال اللّه تعالى:
{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ
اللّهِ}.[البقرة:158] فالصفا قبل المروة، ولما روى جابر أن الرسول
ً لما دنا من الصفا قرأ:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ
شَعَائِرِ اللّهِ }، وقال: (( أبدأ بما بدأ اللّه به )). فبدأ
بالصفا.
ووجه الاحتجاج بما ذكرناه من هذه الأخبار: هو أنه عليه السلام جعل
المقدم في اللفظ هو المقدم في الحكم، والمؤخر في اللفظ هو المؤخر
في الحكم مع الواو، وفي هذا دلالة على كونها مرتبة؛ لأنها لوكانت
غير مرتبة لكان لا معنى لقوله: (( أبدأ بما بدأ اللّه به)) لأنهما
أعني: الصفا والمروة في الحكم على سواء إذا كانت غير مرتبة، وأما
من جهة الاستعمال فإنه يقال: دخلت البصرة والكوفة، فإنه دال على
أنه دخل إحداهما قبل الأخرى لأنه يستحيل أن يدخلهما جميعاً [في وقت
واحد]، وأما من جهة الحكم فلأنه إذا قال لامرأته: أنت طالق وطالق،
فلو كانت الواو للجمع من غير ترتيب لوجب تطليقتان، كما إذا قال:
أنت طالق تطليقة معها أخرى، فإنه يقع على أصلهم ثنتان، وفي مسألتنا
قد أجمعنا على أنه يقع واحدة، فدل ذلك على أنها للترتيب لا للجمع،
وقد احتج القاضي زيد من أصحابنا على أن الواو مرتبة، بما روي عن
الرسول ً أنه سمع رجلاً يخطب فقال: من يطع اللّه ورسوله فقد رشد
ومن يعصهما فقد غوي، فقال له الرسول ً: (( بئس الخطيب أنت ، هلا
قلت: ومن يعص اللّه ورسوله فقد غوى)) فقال: لوكانت الواو للجمع لا
للترتيب ما نهاه ولا أنكر عليه؛ لأنه قد جمع بينهما، فلما نهى عن
ذلك دل على أنها للترتيب، وهذه غفلة وإهمال للنظر لأمرين:
(1/861)
أما أولاً: فلأن الواو غير مذكورة في الكلام فلا وجه لإيراده
حجة فيها، فالاحتجاج بما هو خال عن صورة المسألة وحقيقتها يكون
غفلة وذهولاً عن المراد لا محالة.
وأما ثانياً: فلأن الإنكار إنما وقع من جهة جمعهما في ضمير واحد،
وهو قوله: ومن يعصهما فقد غوى، فقد ساوى بينهما في صورة الضمير،
والله تعالى أجل وأعلى عن المساواة لخلقه من جهة اللفظ ومن جهة
الحقيقة، فحصل من هذا أن الإنكار إنما وقع من أجل المساواة في
الضمير وليس من الواو في إيراد ولا إصدار ولا لها علقة في الكلام،
فضعف ما قاله القاضي زيد (رحمه اللّه تعالى). والعجب من غفلته عن
هذا على جليته وظهو ره فهذا تقرير مقالة الترتيب.
المذهب الثاني: أنها غير مرتبة، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة
وأصحابه، وهو قول مالك، والثوري، والأوزاعي، وابن مسعود من
الصحابة، ومن التابعين: الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعطاء،
والزهري، والنخعي، ومكحول، وحكي عن داود من أهل الظاهر، والمزني من
أصحاب الشافعي.
والحجة لهم على ذلك: ما روى ابن عباس أن الرسول ً توضأ ثم غسل وجهه
ويديه، ثم رجليه، ثم مسح رأسه ووجهه.
والحجة من هذا الخبر: هو أنه مسح رأسه بعد غسل رجليه، فلو كان
الوضوء مرتباً على ما هو في ظاهر الآية إذاً لم يكن مجزياً؛ لأنه
قد خالف ما في ظاهر الآية، وفي هذا دلالة على [أن] الترتيب غير
مراعى وهو المقصود.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة.
والحجة على ذلك: ما قلناه عنهم ونزيد هاهنا حجتين:
(1/862)
الحجة الأولى: خبرية، وهو ما روي أنه ً لما فرغ من الوضوء مرة
مرة قال: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من دونه)). وفي رواية
أخرى: (( لا يقبل اللّه الصلاة إلا به )). فليس يخلو الحال في ذلك
إما بقوله في وضوء مرتب أو غير مرتب، فإن قال ذلك في وضوء غير مرتب
فهو باطل؛ لأنه لوكان كذلك لوجب أن تكون الصلاة بوضوء مرتب غير
مقبولة وهو خلاف الإجماع، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يكون مراده
بوضوء مرتب فيجب القضاء بوجوبه وهو المقصود.
الحجة الثانية: قياسية، وحاصلها أن الوضوء عبادة تشتمل على أفعال
متغايرة مرتبط بعضها ببعض، فيجب فيها الترتيب كالصلاة والحج،
ولنفسر مقصودنا بهذه القيود.
فقولنا: عبادة. نحترز به عن غسل النجاسة فإنه ليس عبادة.
وقولنا: تشتمل على أفعال، نحترز به عن الخطبة فإنها مشتملة على
أقوال متغايرة فلا يجب ترتيبها.
وقولنا: متغايرة يعني فرضاً، ونفلاً، ومسحاً، وغسلاً، نحترز به عن
غسل الجنابة والنجاسة والعضو الواحد من أعضاء الوضوء فإنها مشتملة
على أفعال، ولكنها غير متغايرة؛ لأنها مشتملة على فعل واجب وهو
الغسل لا غير.
وقولنا: مرتبط بعضها ببعض، نحترز به، عن: فعل الصلاة والزكاة
فإنهما مشتملان على أفعال متغايرة لكن بعضها غير مرتبط بالبعض
فلهذا لم يجب بينها ترتيب.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: روى ابن عباس رضي اللّه عنه أن الرسول ً توضأ فغسل وجهه
ويديه، ثم رجليه ثم مسح رأسه(1) وفي هذا بطلان الترتيب كما قلناه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد قررنا وجوب الترتيب بالأمور الشرعية قولاً
وفعلاً فلا يعارض بفعل لا ندري كيف كان وقوعه لما فيه من
الاحتمالات.
__________
(1) أورده في الروض نقلاً عن الانتصار. وفيه (الروض): ما رواه
أحمد، وأبو داود عن المقدام بن معدي كرب، أن رسول اللّه ً توضأ
فغسل وجهه، ثم ذراعيه، ثم تمضمض واستنشق. ا.هـ. ج10/234.
(1/863)
وأما ثانياً: فلأنه يمكن أن يحمل فعله هذا على أنه وقع في طهارة
مجددة ولم يكن في طهارة عن حدث، فلا تكون فيه حجة على ما زعموه.
قالوا: روت الرّبيّع بنت معوذ بن عفراء عن الرسول ً أنه مسح رأسه
بفضل وضوئه، وفي هذا دلالة على عدم الترتيب؛ لأنه مسحه بعد فراغه
من الوضوء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الحديث الواقع في سنن أبي داود عن الربيّع هو أنه
ً مسح رأسه بفضل ما في يده(1) فما ذكروه على ناقله تصحيحه، وهي
إنما روت أحاديث في مسح قد ذكرناها من قبل فأغنى عن تكريرها.
وأما ثانياً: فلأن الغرض بما ذكره أنه إنما مسحه على جهة التبرك
بأثر العبادة، وهو الوضوء، لأن الغرض هو تأدية الفرض كما وردت
السنة بترك التنشيف عن أثر الوضوء لما كان أثر العبادة.
قالوا: ما سقط فرضه دفعة واحدة لم يجب فيه الترتيب، كالغسل واليمين
والشمال.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن الوضوء يسقط فرضه دفعة واحدة، بل يجب
فيه الترتيب مرة بعد أخرى.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الغسل أنه كالعضو الواحد، ولهذا فإنه
يسقط فرضه بماء واحد ويخالف ما ذكرناه في أعضاء الوضوء فإنها
متغايرة ولهذا فإنه لا يستعمل ماء عضوٍ في عضوٍ آخر فافترقا.
وأما ثالثاً: فلأنا لا نسلم ما ذكروه في اليمين واليسار بل يجب
الترتيب بينهما كما سنوضح القول فيهما بمعونة اللّه تعالى، ثم لو
سلمنا أنه لا ترتيب بينهما كما زعموه وكما هو رأيهم فيهما، فلأنهما
صارا كالعضو الواحد، ولهذا جمع بينهما المسلمون وعدوهما عضواً
واحداً حيث قالوا: أعضاء الطهارة أربعة: اليدان، والرجلان، والوجه،
والرأس.
ومن وجه آخر: وهو أن الماسح على الخف على مذهبكم إذا ظهرت عن الستر
بالخف إحداهما بطل المسح فيهما لما كانا كالعضو الواحد فلا جرم لم
يجب الترتيب بينهما بخلاف أعضاء الوضوء فإنها أعضاء متغايرة مرتبط
بعضها ببعض فلهذا وجب الترتيب بينها كالصلاة.
__________
(1) وهو عند الدارقطني.
(1/864)
قالوا: ما جاز أن ينفرد بعضه عن بعض لم يجب فيه الترتيب كإزالة
النجاسة، وتفرقة الزكاة، والقطع في المحاربة، لا يجب فيها الترتيب
لما كان بعضها منفصلاً عن بعض.
قلنا: عما ذكروه جوابان:
أما أولاً: فلأن الظهر والعصر ينفرد أحدهما عن الآخر، ثم إن
الترتيب بينهما واجب عند الاجتماع، فهكذا حال أعضاء الوضوء ينفرد
بعضها عن بعض، فإذا كانت مجتمعة وجب الترتيب بينها وهو المطلوب.
وأما ثانياً: فلأن إزالة النجاسة إنما بطل الترتيب بينها لما كان
كل جزء منها عبادة على الانفراد، فلهذا لم يشترط فيها الترتيب
وهكذا حال تفرقة الزكاة والقطع في المحاربة فهما كالصلوات في
تعددها وكونها متغايرة، وأعضاء الوضوء عبادة واحدة يرتبط بعضها
ببعض فصارت كالصلاة الواحدة في الاتصال والترتيب بينها فافترقا.
ومن وجه ثالث: وهو أن القصد في إزالة النجاسة إنما هو تركها
واجتنابها والقصد بالزكاة إيصالها إلى الفقراء، والقصد في قطع
المحارب وصلبه وقطع يده إنما هو العقوبة، وذلك يحصل من غير ترتيب،
بخلاف الوضوء فإن المقصود به التعبد فلهذا اعتبر فيه جهة التعبد
وهو الترتيب كالصلاة والحج.
دقيقة: اعلم أنا قد ذكرنا أن المختار هو الترتيب في أعضاء الوضوء
ونصرناه بالأدلة الشرعية التي أسلفناها وأجبنا عن شكوك المخالفين
لنا في هذه المسألة، فأما الدلالة على الترتيب من جهة أن الواو
دالة على الترتيب وموضوعة له كما ذكره بعض أصحابنا فهو ضعيف لأوجه
خمسة:
أما أولاً: فلأنها لو كانت للترتيب لما جاز ورودها في المساواة
كقوله تعالى: {سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ }[الجاثية:21].
وكقولك: تضارب زيد وعمر. فإن ما هذه حاله لا يجوز ورود الفاء فيه
لما كانت مرتبة؛ لأنه يزول حكم الاستواء.
(1/865)
وأما ثانياً: فلأنها قد وردت عاطفة للمتقدم على ما كان متأخراً
كقوله تعالى: {نَمُوْتُ وَنَحْيَى }[المؤمنون:37]. وكقوله
تعالى:{وَعِيْسَى وَأَيُّوْبَ }[النساء:163]. فلو كانت موضوعة
للترتيب كما زعموا لما جاز ذلك كما لا يجوز في الفاء.
وأما ثالثاً: فقوله تعالى:{وَادْخُلُوْا الْبَابَ سُجَّدَاً
وَقُوْلُوْا حِطَّةً }[البقرة:58]. والقصة واحدة فلو كانت مرتبة
لكان المعنى مختلاً.
وأما رابعاً: فلأن أكثر النحاة وأهل اللغة كالخليل، وسيبويه،
والمبرد، والمازني )، من نحاة البصرة وأكثر نحاة الكوفة كالكسائي
وغيره، على أنها غير مرتبة وهكذا المتكلمون وأكثر الفقهاء، ولم
يخالف في ذلك إلا ما يحكى عن الفرَّاء يحيى بن زياد، وثعلب، وأبي
عبيد، ومن الفقهاء: الشافعي، فإنهم زعموا أنها مرتبة.
وأما خامساً: فقول الشاعر:
حتى إِذَا رَجَبٌ تَوَلى فَانقضى ... وَجمَادَيَانِ وجاء شهر
مُقْبِلُ
فعطف جمادى على رجب وهما قبله، وفي هذا دلالة على أنها غير مرتبة،
فحصل من مجموع ما ذكرناه أن دلالة الترتيب في الوضوء ليست مأخوذة
من الواو، وإنما هي مأخوذة من أدلة خارجة كما قررناه من قبل، فأما
وضع الواو فليس دالاً على الترتيب بحال، وترتيبها إنما يكون على
جهة المجاز دون الحقيقة، والله أعلم بالصواب.
مسألة: وهل يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليد والرجل أم لا؟
فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الترتيب بينهما واجب، فتقدَّم اليمنى على اليسرى
في اليد والرجل وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الإمامية.
__________
(1) أبو عثمان بكر المازني، من أعلام اللغة في البصرة، أخذ علم
العربية عن الأخفش، وروى عن أبي عبيدة والأصمعي، وتعلم عليه
المبرد، والفضل اليزيدي، كان إماماً في العربية، وله مؤلفان هما:
كتاب (التصريف) وكتاب (ما يلحن فيه العامة). ا.هـ.(أعلام المنجد
628).
(1/866)
والحجة على ذلك: ما قدمناه من وجوب الترتيب بين الأعضاء في
الوضوء، فإن ما دل على وجوب ذلك فهو بعينه دال على وجوب الترتيب
بين اليمنى واليسرى من اليد والرجل، وهو قوله عليه السلام بعد
توضيه مرة مرة: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة من دونه )).
الحجة الثانية: ما رواه أبو هريرة عن الرسول ً، وهو قوله: (( إذا
توضأتم فابدأوا بميامنكم ))(1). إلى غير ذلك من الأدلة على وجوب
الترتيب بينهما.
المذهب الثاني: أن ذلك غير واجب وإنما هو مستحب، وهذا هو: رأي
الشافعي، فأما أبو حنيفة فإنه مخالف في الأمرين جميعاً كما مر
تقريره.
والحجة له على ذلك: قوله تعالى: {فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ}. ولم يفصل بين اليمنى واليسرى، وقوله تعالى:
{وَأَرْجُلَكُمْ} ولم يفصل بينهما، وفي هذا دلالة على أنه لا ترتيب
بينهما بظاهر الآية.
والمختار: ما قاله أئمة العترة من وجوب الترتيب بينهما، ويدل على
ذلك ما حكيناه عنهم، ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: قوله عليه السلام: (( إذا لبستم أو توضأتم فابدأوا
بميامنكم))(2). فهذا أمر، والأمر بظاهره دال على الوجوب فلا يحمل
على الندب إلا لدلالة.
الحجة الثانية: قياسية، وهي أنهما عضوان منفصلان يؤخذ لكل واحد
منهما ماء جديدٌ فوجب الترتيب بينهما كالوجه واليدين.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: ظاهر الآية دال على بطلان الترتيب بينهما كما قررناه.
__________
(1) حكاه في أصول الأحكام والشفاء والمهذب، ونسبه في التلخيص إلى:
أحمد، وأبي داود، وابن ماجة، وابن خزيمة، وابن حبان. وزاد ابن
حبان، والبيهقي، والطبراني: ((إذا لبستم..)) الحديث كما سيأتي.
ا.هـ. روض.
(2) أورده في الاعتصام، وشرح التجريد.
(1/867)
قلنا: الآية مجملة في كيفية الغسل باليد والرجل وبيانها موكول
إلى فعل الرسول ً، وقد بينه بما فعله من الترتيب بينهما، ثم قال
بعد ذلك: (( هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به )) والمعلوم أنه
لم يتوض إلا مرتباً لليمنى على اليسرى من اليد والرجل فدل ذلك على
وجوبه.
قالوا: روت عائشة (رضي اللّه عنها) أن النبي ً كان يحب التيامن في
كل شيء حتى في وضوئه وانتعاله، وما كان مستحباً فليس واجباً، فدل
على أن البداية باليمين في اليد والرجل إنما كان على جهة الندب.
قلنا: ليس في هذا إلا أنه بدأ بيمينه من يده ورجله، والبداية بهما
لا تدل على عدم وجوب الترتيب بينهما كما زعموا.
ومن وجه آخر: وهو أن المحبة قد ترد على جهة الوجوب كما قال تعالى:
{إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْتَّوَّابِيْنَ وَيُحِبُّ
الْمُتَطَهِّرِيْنَ}[البقرة:222]. فالمحبة لا تدل على عدم الوجوب؛
لأن قبول التوبة واجب، والتطهر واجب، فالمحبة لا تدل على عدم
ذلك(1).
قالوا: روي عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) أنه قال: ما أبالي
بيميني بدأت أو بشمالي إذا أكملت الوضوء(2)، وفي هذا دلالة على
كونه غير واجب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكروه محمول على أنه عليه السلام أراد غسل
الكفين عند إدخالهما الإناء؛ لأن الشرع لم يدل على ترتيب بينهما.
__________
(1) ربما كان الأولى القول: لأن الإقبال على التوبة واجب، أو لأن
التوبة واجبة...إلخ. حتى تكون المحبة من اللّه بمعنى إيجاب التوبة
والتطهر على العبد؛ لأن مفهوم قول المؤلف: (لأن قبول التوبة
واجب...)، يجعل الوجوب هنا على اللّه تعالى، وربما كان الخطأ من
الناسخ، والله أعلم.
(2) نسبه في التلخيص إلى الدارقطني وهو في جواهر الأخبار وأصول
الأحكام عن علي عليه السلام. وفي الروض: رواه الدارقطني، والبيهقي
من رواية زياد مولى بني مخزوم، قال ابن معين فيه: لا شيء، وهو مقل
لم يرو له أحد من الستة. ا.هـ. ج1/233.
(1/868)
وأما ثانياً: فلأنه عليه السلام أراد أن ذلك جائز من جهة العقل
خلا أن الشرع دل على وجوبه.
واعلم أن كثيراً من نظار فقهاء أصحاب الشافعي نقلوا عن أمير
المؤمنين (كرم اللّه وجهه)، القول: بأن الترتيب في أعضاء الوضوء
غير واجب، ولم أعثر على هذه الحكاية في شيء من كتب أصحابنا ولا
حكوها عنه، بل المنقول خلافها وهو وجوب الترتيب، ولا شك أن أولاد
الرجل أعرف بمذهب أبيهم من غيرهم من الأجانب، فلهذا كان ما نقله
أصحابنا هو الأعرف والأشهر من مذهبه، ويمكن أن يكونوا قد عثروا على
ذلك بل يكون له في المسألة قولان، فالمسألة لا محالة اجتهادية، وقد
حكى هذه المقالة منهم ابن الصباغ صاحب (الشامل) والعمراني صاحب
(البيان)، ويجب حملها على ما ذكرناه.
فأما غسل الفرجين هل يعدان من أعضاء الوضوء أم لا؟ فقد قررناه في
باب الاستنجاء، وذكرنا المختار، والانتصار له، وقد نص على وجوبه
الهادي وصرح بكونهما أعني الفرجين عضوين(1) من أعضاء الوضوء
وأظهرنا الحق فيه فأغنى عن الإعادة.
مسألة: وهل تعد الملة من فرائض الوضوء أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها غير معدودة من فروضه، وهذا هو قول الأكثر من
أئمة العترة، وهو قول الفقهاء الحنفية، والشافعية، والمالكية.
والحجة على ذلك: الآية والخبر، فأما الآية فقوله تعالى: {إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. ولم يذكر
الملة، وأما الخبر، فقوله ً لمن علمه الوضوء: (( توض كما أمرك
اللّه فاغسل وجهك ويديك) ) ولم يذكر فيه الملة.
المذهب الثاني: أنها مشترطة في فروضه، وهذا شيء يحكى عن السيد أبي
العباس، حكاه عنه السيد أبو طالب حيث قال: ومن أصحابنا من عدَّ من
فرائضه الملَّة.
__________
(1) صوابه: عضواً، باعتبار عَدّ الفقهاء لأعضاء الوضوء أربعة،
ومنها: اليدان عضو، والرجلان عضو، بدون تثنية.
(1/869)
والحجة له على ما ذكره: هو أن ما دل على وجوب التأسي فهو بعينه
دال على ما ذكرناه من اشتراطه الملة؛ لأنا لا نريد بالملَّة إلا
ملَّة الرسول ً، وهو قوله تعالى: {وَاتَّبِعُوْهُ}[الأحزاب:21].
وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُوْلِ اللّهِ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ}[الأعراف:158]. إلى غير ذلك من الآيات الدالَّة على وجوب
الاتباع والتأسي به.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة ومن تابعهم من علماء
الأمة [من عدم اشتراط الملة في الوضوء].
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا: وهو أن المعتمد في
تقرير الفروض في الوضوء إنما هو تقرير الشرع ودلالته من جهة
الكتاب، أو من جهة السنة، أو غير ذلك من الأدلة الشرعية، وهاهنا لم
يدل دليل على الملة في شيء من ذلك، فلهذا قضينا بكونها غير واجبة
ولا مشترطة في الوضوء، فلو جوزنا إثباتها من غير دلالة لأدى ذلك
إلى اثبات أمور كثيرة وهذا لا قائل به.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: روي عن الرسول ً أنه قال: (( كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد
))(1). يعني أن كل فعل من الأفعال ليس على ملته وشريعته فهو مردود
على فاعله.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد بالخبر أن كل فعل من الأفعال ليس على
شريعته وما جاء به من أمر التوحيد والاعتراف بالألهية، فمن ليس على
هذه الصفة فعمله رد عليه، لا يزن عند اللّه قلامة ظفر.
وأما ثانياً: فلأن المراد بالملة الدين والإسلام، وما هذا حاله فهو
شرط في جميع العبادات كلها؛ إذ لا يختص بالوضوء وحده وإنما هو عام
في جميع ما يفتقر إلى النية من الأفعال، ولهذا فإن ما هذا حاله فلا
تكون تأديته من جهة الكفار، فبطل ما توهموه من ذلك. والله أعلم.
__________
(1) رواه البخاري وغيره من أهل السنن، وروي عن عائشة، وجاء في
(اللسان) ج3/173 بلفظ: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)). أي
مردود عليه. ا.هـ.
(1/870)
واعلم أن كلام السيد أبي العباس في اشتراط الملَّة يحتمل وجوهاً
ثلاثة:
أولها: أن يكون مراده التأسي بالرسول ً واتباعه.
وثانيها: الدين والإسلام.
وثالثها: التوحيد والنبوة على الخصوص، وهذه الأمور وإن كانت واجبة
فلا وجه لِعَدِّهَا من فروض الوضوء؛ لأنها غير مختصة بها، فحصل من
مجموع ما ذكرناه أن فرائض الوضوء ضربان مجمع عليه ومختلف فيه:
فالضرب الأول منها: مجمع عليه بين علماء العترة وفقهاء الأمة لا
يقع فيه خلاف، وهو ما تضمنته الآية، وهو الأعضاء الأربعة: الوجه
واليدان، والرجلان، ومسح الرأس، وقد قررنا ذكر كل واحد من هذه
الأعضاء، وما فيه من المسائل الفقهية، وميزنا مواضع الإجماع عن
مواضع الخلاف فيه.
الضرب الثاني: ما هو مختلف فيه بين أئمة العترة وفقهاء الأمة، وهذا
نحو غسل الفرجين، والنية، والترتيب، والملة والموالاة في أعضاء
الوضوء، وقد ذكرنا كل واحد منها، وأوضحنا الخلاف فيه، وقررنا
المختار من ذلك، والانتصار له.
وقد تم الكلام على الفصل الأول وهو بيان المفروض في الوضوء وبالله
التوفيق.
(1/871)
---
الفصل الثاني في بيان السنن المشروعة في الوضوء
والسنة في اللغة: هي الطريقة والسيرة. قال أبو ذؤيب الهُذل ي (1):
فلا تعجبن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها
وفي مصطلح الفقهاء: عبارة عما ليس واجباً من الأفعال ويجوز تركه،
واشتقاقه مما يكون متكرراً لأن المسنون ما واظب الرسول على فعله
وتكرر منه وجوده، وهو مخالف للمستحب من الأفعال فإنه لا يشترط فيه
التكرر، ومنه قيل: سنن الطريق لما كان السير يتكرر فيه، وقيل
للحجر: مسن لما تكرر فيها شحذ الشفرة، وجملة ما نذكره من ذلك ثلاث
وعشرون [سُنَّةً]:
__________
(1) خويلد بن خالد الهذلي شاعر مخضرم قدم المدينة بعد وفاة النبي ً
فأسلم ثم خرج إلى مصر والتحق بالجيش الفاتح، وقيل: إنه عاد مع
عبدالله بن الزبير والجماعة ببشرى الفتح، مات بمصر، وقيل: في
أفريقية، وهو في شرخ شبابه ويُروى أن قبره في جزيرة صقلية. ا.هـ.
(الموسوعة الإسلامية ج3/36).
(1/872)
---
السُّنة الأولى: السواك
لما روي في تفسير قوله تعالى:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيْمَ
رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ }[البقرة:124]. وتلك الكلمات عشر، خمس في
الرأس، وخمس في الجسد، فالتي في الرأس: السواك، والمضمضة،
والاستنشاق، وقص الشارب، وفرق الشعر، والتي في الجسد: الختان، وحلق
العانة، والاستنجاء، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: هل يكون السواك واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير واجب وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول أبي
حنيفة وأصحابه، والشافعي.
والحجة على ذلك: قوله ً: (( لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم
بالسواك))(1). فلو كان واجباً لأمرهم به، شق عليهم أو لم يشق،
كسائر الواجبات المكلف بها(2).
المذهب الثاني: أنه واجب وهذا عن داود، وطبقته من أهل الظاهر.
__________
(1) مروي عن أبي هريرة، أخرجه مالك، والبخاري، ومسلم، وأبو داود،
والترمذي، والنسائي، زاد في رواية: ((.. مع كل وضوء)). وفي أخرى:
((.. عند كل صلاة)). و ((.. مع كل صلاة)). قال في الجواهر: أخرجه
الستة واللفظ للبخاري. وجاء الحديث من طريق أخرى عن زيد بن خالد
الجهني مضافاً إليه: ((.. عند كل صلاة)).
(2) لا يفهم كلام المؤلف هنا على أنه أراد به إلغاء السبب المصرح
به في الحديث الشريف لعدم إيجاب السواك، وهو المشقة، ولكن لعل
المؤلف يرى أن المعنى المقصود في الحديث هو أن الرسول ً لولا أن
يشق على أمته بفرض ما ليس واجباً، لأمرهم بالسواك، وهنا تكون العلة
أو السبب في عدم فرضه، عدم كونه واجباً، والله أعلم.
(1/873)
والحجة على ذلك: ما روى العباس عن النبي ً أنه قال: ((
استاكوا))(1). والأمر ظاهره الوجوب وقوله ً: (( استاكوا عرضاً
))(2). إلى غير ذلك من الأحاديث التي يذكر فيها الأمر.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة.
والحجة: ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا أموراً تدل على كونه سنة.
الحجة الأولى: قوله ً (( ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت أن
يحفى دردري))(3). والدردر من قعر الأسنان والإحفاء إزالة لحمها.
الحجة الثانية: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( السواك مطهرة
للفم))(4).
الحجة الثالثة: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( السواك يزيد في
الفصاحة ))(5).
__________
(1) تمامه: ((.. ولا تدخلوا علي قلحاً)). وفيه: ((استاكوا عرضاً
وادهنوا غباً، واكتحلوا وتراً)).
(2) تمامه: ((.. ولا تستاكوا طولاً)). حكي هذا الخبر وسابقه في
الشفاء وأوردهما في البحر وجاء في الجواهر: ذكره في التلخيص بلفظ:
((إذا شربتم فاشربوا مصاً، وإذا استكتم فاستاكوا عرضاً)). ونسبه
إلى أبي داود في مراسيله وأشار إلى ضعفه.
(3) وجاء بمعناه في الاعتصام ما روى الطبراني في الكبير، عن ابن
عباس أن النبي ً قال: ((أُمرت بالسواك حتى خشيت على أسناني)). ذكره
السيوطي في الجامع الصغير ج1/224. ا.هـ.
(4) رواية الحديث عن عائشة بلفظ: ((السواك مطهرة للفم مرضاة
للرب)). أخرجه النسائي وقد تقدم.
(5) روي عن علي عليه السلام عن النبي ً أنه ذكر في السواك اثنتي
عشرة خصلة: ((هو من السنة، ومطهرة للفم، ويرضي الرحمن، ويبيض
الأسنان، ويذهب بالحفره، ويشد اللثة، ويشهي الطعام، ويذهب بالبلغم،
ويزيد في الحفظ، ويضاعف الحسنات، وتفرح به الملائكة، ويقرب
الملائكة)). أورده في الاعتصام والشفاء. قال في الاعتصام والحفر
بالفتح: وجع يصيب الأسنان في أصولها.
(1/874)
الحجة الرابعة: ما روي عن أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) أنه
قال: (السواك يجلب الرزق). وهذا من الأمور التوقيفية التي علمها من
جهة الرسول ً.
الحجة الخامسة: ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه قال: في
السواك عشر خصال: مطهرة للفم، مرضاة للرب، مفرحة للملائكة، مسخطة
للشيطان، مذهب للحفر: (والحفر بالحاء المهملة والفاء والراء بسكون
العين وهي اللغة الكثيرة(1) وبفتحها لغة بني أسد، وهو فساد في أصول
الأسنان)(2)، ويجلو البصر، ويشد اللثة، ويقطع البلغم، ويطيب الفم،
ويزيد في الحسنات، وهو من السنة. فهذه الأمور كلها دالة على أنه
مستحب غير واجب.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
قالوا: قد أمر به والأمر ظاهره الوجوب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن ظاهر الأمر الوجوب فما برهانكم على
ذلك؟ وإنما هو نص في الطلب متردد بين الوجوب والندب فلا يحمل على
أحدهما إلا لدلالة ولا دلالة هاهنا على وجوبه فبطل ما عولوا عليه.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا كون ظاهر الأمر للوجوب، لكنا نخصه بهذه
الأحاديث التي ذكرناها، وأنها دالة على كونه مستحباً.
الفرع الثاني: إذا تقرر كونه سنة فهل يختص بالوضوء، أو يكون فيه
وفي غيره سنة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه إنما يسن عند الوضوء، وهذا هو الظاهر من مذاهب أئمة
العترة، وهو أحد قولي الشافعي.
__________
(1) الاستعمال الشائع في اللغة.
(2) هكذا في الأصل، ورد توضيح الحفر أثناء الحديث.
(1/875)
والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين
(كرم اللّه وجهه) أنه قال: قال رسول اللّه ً: (( من أطاق السواك مع
الطهور فلا يدعه))(1).
وثانيهما: أنه لا يختص الوضوء بل يكون مسنوناً عند كل صلاة، وهذا
شيء يحكى عن الشافعي في أحد قوليه.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( أفواهكم طرق
القرآن، فطهروها بالسواك))(2). وهذا عام سواء كان متوضئاً أو غير
متوضٍ.
__________
(1) رواه في مجموع الإمام زيد، وفي أمالي أحمد بن عيسى، عن زيد ابن
علي، وفي شرح التجريد: وهو آخر حديث: ((لولا أن أشق على أمتي
لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)). كما جاء في الاعتصام قال: وأخرج
مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة،
قال: قال رسول اللّه ً: ((لولا أن أشق ..))الحديث. ولم يذكر: (ومن
أطاق..). ا.هـ.
(2) رواه في شرح التجريد بسنده إلى علي عليه السلام.
(1/876)
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من كونه مختصاً بالوضوء،
ويدل على ذلك ما روي عن النبي ً أنه قال: (( يا علي عليك بتلاوة
القرآن على كل حال وعليك بالسواك لكل صلاة))(1). فخص الصلاة،
والصلاة إنما تكون بالوضوء، فلهذا كان مخصوصاً بالوضوء، ومما يقوي
الوجه الأول قوله ً: (( السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)). ولم يفصل
بين الوضوء وغيره، وقوله عليه السلام لأمير المؤمنين: (( يا علي في
السواك اثنتا عشرة خصلة: هو من السنة، وهو مطهرة للفم، ويرضي
الرحمن، ويبيض الأسنان، ويذهب بالحفر، ويشد اللثة، ويشهي الطعام،
ويذهب بالبلغم، ويزيد في الحفظ، ويضاعف الحسنات، وتفرح به
الملائكة، ويقرب الملائكة)). ولم يفصل في ذلك بين أن يكون مع
الوضوء أو من غير وضوء، وروي عن أصحاب رسول اللّه ً، أن السواك كان
على أذن أحدهم بمنزلة القلم من أذن الكاتب، وقوله ً: (( صلاة بسواك
خير من سبعين صلاة من غير سواك))(2). والمعنى في هذا أن صلاة بسواك
ثوابها أكثر من ثواب سبعين صلاة بغير سواك، ولم يفصل هناك بين أن
يكون عند الوضوء أو بعده.
الفرع الثالث: أن السواك يستحب عند خمسة أحوال:
__________
(1) أخرجه الموفق بالله في كتاب (الاعتبار وسلوة العارفين) في باب
كلمات النبي ً لعلي عليه السلام.
(2) أورده في الاعتصام بلفظه نقلاً عن الشفاء.
(1/877)
أولها: عند القيام إلى الصلاة، لما روى حنظلة بن أبي عامر ) أن
الرسول ً أُمِرَ بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق
ذلك عليه أُمِرَ بالسواك لكل صلاة، فكان ابن عمر يرى أن له قوة
فكان لا يدع الوضوء لكل صلاة. قال أبو سلمة ): رأيت زيداً يجلس في
المسجد، وإن السواك لعلى أذنه موضع القلم من أذن الكاتب فكلما قام
إلى الصلاة استاك.
وثانيهما: عند اصفرار الأسنان، لما روي عن النبي ً أنه قال: ((
استاكوا لا تدخلوا عليَّ قُلَحاً )). والقلح: بالقاف والحاء
المهملة هو اصفرار الأسنان وعينه مفتوحة.
وثالثها: عند تغير الفم، وتغيره يكون بأكل الثوم والبصل والكراث
وقد يتغير بالأزم، والأزم: بالزاي قد يكون بطول إطباق الفم وقد
يكون بالجوع، ولهذا يقال: نعم الدواء الأزم، يريد الجوع.
__________
(1) حنظلة بن أبي عامر عمرو بن صيفي الأنصاري، الأوسي، المعروف
بالغسيل لأنه استشهد يوم أحد، فقال الرسول ً: ((إن صاحبكم لتغسله
الملائكة)). يعني حنظلة، فسئلت زوجته فأخبرتهم أن المعركة استعجلته
فخرج جنباً لم يجد وقتاً للغسل، وعُرف أبوه بالراهب قبل الإسلام،
فسماه النبي ً: بالفاسق؛ لأنه نزح من المدينة إلى مكة، ثم قدم مع
قريش محارباً يوم أحد، وظل بمكة إلى أن فُتحت، فهرب إلى هرقل ومات
هناك كافراً. (در السحابة 720).
(2) أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف بن عبد غوث الزهري، المدني، قيل:
اسمه عبدالله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته، روى عن: أبيه،
وعثمان، وأبي قتادة، وأبي الدرداء، وأسامة، وأبي هريرة، وعائشة
وغيرهم، وعنه: عروة بن الزبير، والزهري، والشعبي، وغيرهم كثير،
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من المدنيين، وقال: كان ثقة،
فقيهاً، كثير الحديث، وأنه مات سنة94هـ. وقال الواقدي: سنة 104هـ.
عن 72 سنة. ا.هـ. ملخصاً من تهذيب التهذيب ج12/127.
(1/878)
ورابعها: عند القيام للوضوء، وهذا هو الأكثر في العرف، لما روت
عائشة (رضي اللّه عنها) أن النبي ً كان إذا قام من النوم يشوص فمه
بالسواك(1).
وخامسها: عند قراءة القرآن، لما روي عن النبي ً أنه قال: (( طهروا
أفواهكم بالسواك فإنها طرق القرآن))(2).
__________
(1) ومثله: عن حذيفة بن اليمان قال: كان رسول اللّه ً إذا قام من
اليل يشوص فاه بالسواك. أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود،
والنسائي. ولفظ حديث عائشة فيما أخرجه أبو داود عنها: أن النبي ً
كان لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ.
(2) وفيه عن علي عليه السلام قال: قال رسول اللّه ً: ((إن أفواهكم
طرق القرآن فطهروها بالسواك)). وقال في التلخيص: رواه أبو نعيم
ووافقه ابن ماجة. وهو في شرح التجريد، وأصول الأحكام، والاعتصام
بهذا اللفظ.
(1/879)
الفرع الرابع: ويستوي الرجال والنساء في استحباب السواك؛ لأن
الأدلة الشرعية لم تفصل في ذلك بين الرجال والنساء، ويستحب أن يؤمر
الصبيان بالسواك تعويداً وتمريناً كما يؤمرون بالصلاة والوضوء،
ويجوز للرجل أن يستاك بسواك غيره، ويستحب له غسل السواك لما روت
عائشة (رضي اللّه عنها) قالت كان رسول اللّه ً يستاك فيعطيني
السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك ثم أغسله وأدفعه إليه (1)، فصار
خبرها دليلاً على ما ذكرناه من الأمرين جميعاً، ويستحب للرجل إذا
دخل منزله للوضوء أن يكون أول ما يفعل أن يستاك، لما روى المقدام
بن شريح ) قال: قلت لعائشة: بأي شيء كان يبدأ رسول اللّه إذا دخل
بيته؟ قالت: بالسواك (3)، ويجوز للرجل أن يستاك وهو يقرأ لما روى
ابن عباس رضي اللّه عنه قال: بيَّت عند رسول اللّه ً ليلةً، فلما
استيقظ من منامه أتى طهوره فأخذ سواكه فاستاك وجعل يتلو هذه
الآيات:{إِنَّ فِي خَلْقِ الْسَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ }[آل
عمران:190]. حتى ختم السورة.
وهل يكره السواك للصائم بعد الزوال أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يكره وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي
حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن جميع الظواهر الشرعية التي وردت في استحباب
السواك لم تفصل في ذلك بين وقت ووقت، فلا وجه للتخصيص من غير
دلالة.
المذهب الثاني: أنه يكره بعد الزوال وهذا هو المحكي عن الشافعي
وأصحابه.
__________
(1) أخرجه أبو داود.
(2) المقدام بن شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفي، روى عن أبيه.
وعنه: ابنه يزيد والأعمش والثوري وآخرون. ذكره ابن حبان في الثقات.
(تهذيب التهذيب ج10/255).
(3) أخرجه الستة.
(1/880)
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( لخلوف فم الصائم
أطيب عند اللّه من ريح المسك)). والخلوف بضم الخاء بنقطة من أعلاها
وضم اللاّم، هو تغير فم الصائم. يقال: خلف فمه خلوفاً إذا تغير،
والمعنى أن اللّه إذا أدرك خلوف فم الصائم فهو في حقه مما كان طاعة
أطيب من رائحة المسك في حقنا، فيجب تأويله على ما ذكرناه لأنهما
يختلفان في حق اللّه تعالى في حقيقة الإدراك، فيدرك هذا طيباً كما
ندرك هذا كريهاً، لكون الخلوف لما كان مثاباً عليه نازلاً منزلة
المسك في حقنا في طيبه ومحبة رائحته.
والمختار: أنه غير مكروه للصائم بعد الزوال كما قاله أصحابنا
لأمرين:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم زوال الخلوف بالسواك.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا زواله بالسواك، لكن المواظبة على
السواك أفضل وإن زال الخلوف، لكثرة ما ورد في السواك من الأحاديث
وتكرر فعل الرسول له؛ فلهذا كان التعويل عليه أحق، فالحديث في
الصائم لا يناقض ما ذكرناه من استحباب السواك للصائم بعد الزوال.
الفرع الخامس: في بيان ما يُستاك به.
(1/881)
ويحرم الاستياك بقضبان أشجار السمومات لما فيها من المضرة
وإتلاف النفس، وقد قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوْا أَنْفُسَكُمْ
إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيْمَاً}[النساء:29]. ويكره بما كان
يجرح اللثة كالعيدان اليابسة والحديد، وغير ذلك مما يكون صلباً ليس
فيه تنقية للقلح، ويستحب بقضبان الأراك، لما روت عائشة أن الرسول ً
استاك في مرضه بسواك من أراك(1)، ويجوز أن يستاك الرجل بقضبان
الأشجار الرطبة بما يكون فيه تنقية للفم وإزالة القلحة، وإن استاك
بالخرقة الخشنة أجزأه ذلك لمشاركتها للقُضُب في الإزالة، فإن أمرَّ
يده على أسنانه لم يجزه عن السنة لعدم إطلاق اسم السواك عليها،
وحكي عن مالك جوازه، لما روي عن النبي ً أنه قال: (( يجزئ الرجل أن
يستاك بأصبعه ))(2)
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي في باب وضوء النبي ً.
(2) قال في جواهر الأخبار ما لفظه: هكذا في الانتصار. وفي التلخيص
ما لفظه: ((يجزئ من السواك الأصبع)). رواه ابن عدي والدارقطني
والبيهقي من حديث عبدالله بن المثنى، عن النضر بن أنس، عن أنس وفي
إسناده نظر، وقال في الضياء: لا أرى بسنده بأساً. وقال البيهقي:
المحفوظ عن ابن المثنى، عن بعض أهل بيته، عن أنس نحوه، ورواه أيضاً
عن طريق ابن المثنى، عن ثمامة، عن أنس، ورواه أبو نعيم، والطبراني،
وابن عدي من حديث عائشة، وفيه المثنى بن الصباح، ورواه أبو نعيم من
حديث كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، وضعفه
كثيرون. وأصح من ذلك ما رواه أحمد في مسنده من حديث علي بن أبي
طالب عليه السلام: (أنه دعا بكوز من ماء فغسل وجهه وكفيه ثلاثاً
وتمضمض فأدخل بعض أصابعه في فِيْهِ). الحديث. وفي آخره: (هذا وضوء
رسول اللّه ً). وروى أبو عبيد في كتاب الطهور عن عثمان أنه كان إذا
توضأ سَوَّك فاه بأصبعه. وروى الطبراني في الأوسط من حديث عائشة،
قلت: يا رسول اللّه الرجل يذهب فوه أيستاك؟ قال: ((نعم)). قلت: كيف
يصنع؟ قال: ((يدخل أصبعه في فيه)). رواه من طريق الوليد بن مسلم،
حدثنا عيسى بن عبدالله الأنصاري، عن عطاء عنها (عائشة) وقال: لا
يروى إلا بهذا الإسناد. قلت: وعيسى ضعفه ابن حبان وذكر ابن عدي هذا
الحديث من مناكيره. ا.هـ. جواهر.
(1/882)
. والحق ما قلناه، وهو رأي أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي؛ لأن
اليد غير مزيلة لعفونة الفم من أجل لينها، فلهذا لم يكن سواكاً.
ويكره للرجل إذا استاك أن يدخل سواكه في وضوئه؛ لأنه بمنزلة من
يبصق في وضوئه، ومثل هذا تعافه النفوس وتستقذره، ويستحب إذا أراد
السواك مرة ثانية أن يغسله، لما رويناه من حديث عائشة حيث استاكت
بالسواك ثم غسلته وناولته رسول اللّه ً، ويستحب الخلال لما فيه من
إزالة ما بين الأسنان فأشبه السواك في إزالته لعفونة القلح، ويجوز
اتخاذ عود الخلال مما يتخذ منه السواك؛ لأنهما سيان في تطهير الفم،
وإزالة ما كان فيه.
الفرع السادس: في كيفية الاستياك.
ويستحب لمن أراد السواك أن يبدأ بالجانب الأيمن من فيه، لما روي عن
النبي ً أنه كان يحب التيامن في كل شيء، ويستحب أن يستاك عرضاً
لقوله ً: (( استاكوا عرضاً وادهنوا غباً واكتحلوا وتراً )). وادهان
الغبّ أن يدهن يوماً ويترك يوماً حتى يجف رأسه عن الدهن ثم يدهن،
لما روي عن النبي ً أنه نهى عن الإرفاه، قال أبو عبيدة: هو كثرة
الدهن، واكتحال الوتر هو أن يكتحل لكل عين ثلاثة أطراف، لما روي
أنه كان للنبي ً مكحلة يكتحل في كل ليلة في كل عين ثلاثة أطراف،
والطول في الاستياك هو أن يكون في الفم إلى جهة الأنف والذقن،
والعرض جانبا الفم خلاف ذلك، وإنما كره الطول لما فيه من قلع لحم
الأسنان وإزالته، هذا كله إذا كان فاعلاً لأحدهما كان العرض أحق
لما ذكرناه وإن جمع بينهما جاز عرضاً وطولاً برفق لئلا يؤدي إلى ما
ذكرناه من قلع لحم الأسنان، ويحتمل أن يكون الطول منهياً في
الاستياك سواء كان منفرداً أو مضموماً، لما روي عن النبي ً أنه
قال: (( استاكوا عرضاً ولا تستاكوا طولاً)). ولم يفصل في النهي عن
الطول بين أن يكون منفرداً أو مضموماً إلى العرض، والأول أقرب؛ لأن
النبي ً، قد روي أنه كان يستاك عرضاً وطولاً.
(1/883)
---
السنة الثانية: أن يوالي بين غسل أعضائه ولا يفرق بينها
لما روي عن أمير المؤمنين وعثمان بن عفان أنهما توضيا على جهة
الموالاة والتتابع من غير تفريق، وقالا: هذا وضوء رسول اللّه ً،
وأدنى درجاته الاستحباب.
وهل يكون ذلك واجباً أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه غير واجب وإنما هو مستحب كما أشرنا إليه، وهذا
هو رأي أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في الجديد، إذا
كان الزمان كثيراً بحيث يجف العضو، فأما إذا كان يسيراً فلم يختلف
قوله في جواز التفريق.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ
فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ}.
وتقرير الحجة من هذه الآية: هو أن اللّه تعالى أمر بغسل هذه
الأعضاء على جهة الإطلاق من غير تقييد ولا إشارة إلى التتابع، فإذا
ورد الأمر مطلقاً من غير تفصيل دل على جوازه سواء كان متتابعاً أو
متفرقاً، وظاهر الآية هو أدنى متمسك في حق من جوَّز التفريق حتى
تدل دلالة من جهة الخصم على وجوب اشتراط التتابع كما زعموا.
(1/884)
الحجة الثانية: ما روى خالد بن معدان )، عن الرسول ً أنه رأى
رجلاً على قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره بإعادة
الصلاة بعد أن قال: (( إن كنت أمسسته الماء فامض في صلاتك وإن لم
تكن أمسسته فاخرج من صلاتك)). فقال:يا رسول اللّه كيف أصنع؟ استقبل
الطهور؟ فقال: (( لا بل اغسل ما بقي ))(2). وهذا نص صريح فيما
ذهبنا إليه من جواز التفريق، وقد روي عن ابن عمر، والثوري.
__________
(1) أبو عبدالله خالد بن معدان بن أبي كليب الكلاعي الشامي الحمصي،
روى الحديث عن: ثوبان، وابن عمر، ومعاوية، وأبي أمامة، وعبادة بن
الصامت، وأبي الدرداء. يعتد من الطبقة الثالثة من فقهاء الشام بعد
الصحابة، وروي عنه أنه أدرك سبعين رجلاً من أصحاب النبي ً. وثقه
العجلي والنسائي، اشتهر بالعلم والعبادة. توفي وهو صائم سنة 103هـ.
(تهذيب التهذيب ج3/102).
(2) أورده في جواهر الأخبار بلفظ: أنه رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه
لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره النبي ً أن يعيد الوضوء
والصلاة. أخرجه أبو داود، وعلق عليه صاحب الجواهر بقوله: ولا دلالة
فيه على المطلوب، بل ظاهره دليل للمخالف، لكن في أصول الأحكام عن
علي عليه السلام أنه قال: بينا أنا ورسول اللّه ً جالسان في المسجد
إذ دخل رجل من الأنصار حتى سلم وقد تطهر وعليه أثر الطهور فتقدم في
مقدم المسجد ليصلي فرأى رسول اللّه جانباً من عقبه جافاً، فقال لي:
((يا علي هل ترى ما أرى))؟ قلت: نعم، فقال ً: ((يا صاحب
الصلاة...)) إلخ. وفي نهايته: فقلت: يا رسول اللّه لو صلى هكذا
أكانت صلاته مقبولة؟ فقال: ((لا حتى يعيدها)). ا.هـ. وجاء بلفظه في
الجامع الكافي وأورده في الاعتصام.
(1/885)
المذهب الثاني: امتناع التفريق، وهذا هو قول الشافعي في القديم
ويحكى عن أحمد بن حنبل، والأوزاعي، ثم اختلف أصحاب الشافعي في حد
التفريق، فمنهم من قال: حد الكثير منه الذي يفسد الوضوء هو جفاف
العضو قبل أن يغسل ما بعده في زمان معتدل مع استواء الحال.
فقولنا: في زمانٍ معتدل، نحترز به عن شدة الحر والبرد والريح، فإن
هذه الأمور يتسارع فيها الجفاف.
وقولنا: واستواء الحال، نحترز به عما إذا كان المتوضئ محموماً فإن
الجفاف يسرع إليه لأجل الحمَّى، فأما التفريق اليسير فلا عبرة به،
ولا يكون مخلاً بالوضوء، ومنهم من قال: الاعتبار إنما هو بالتفريق
الفاحش المتطاول زمانه.
والحجة على ذلك: قياسهم على الأذان، وتقرير قياسهم عليه هو قولهم:
عبادة ذات أركان مختلفة تتقدم على الصلاة فلا يجوز فيها التفريق
كالأذان، وقياسهم له على الصلاة، وتقرير ما قالوه: بأنها عبادة
تبطل بالحدث أو ترد إلى الشطر(1) في حال العذر، فكان التتابع شرطاً
فيها كالصلاة. فهذه زبدة ما أوردوه في نظرية القول بامتناع
التفريق.
المذهب الثالث: محكي عن مالك وله فيه روايتان:
الأولى منهما: أنه إن فرق بين أعضاء الوضوء لعذر لم يبطل وإن فرق
بينها من غير عذر بطل، وهذا مروي عن أبي ليلى، وعن الليث أيضاً.
الثانية: أنه إن تعمد التفريق بطل وإن نسي لم يبطل.
__________
(1) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: الشرط.
(1/886)
والحجة على ما قاله: هو أن الأصل في الوضوء التتابع؛ لأن الرسول
ً لم يفعله إلا كذلك، فلا يجوز العدول عن فعله؛ لأن التأسي به
واجب، والتأسي لا يكون إلا بأن يفعل مثل ما فعله؛ لأنه فعله على
الوجه الذي فعله وقد فعله متوالياً، فيجب فعله متوالياً وإذا كان
الأمر فيه كما قلناه فلا يجوز العدول عن هذا إلا لعذر، أما للنسيان
فهو عذر لقوله عليه السلام: (( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان )).
وأما لغيره كما فعل الرسول ً فيما فعل في الجنازة وغيرها من
الأعذار الموجبة لتفريق أعضاء الوضوء في الغسل.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم، من جواز التفريق
وهو الصحيح المعتمد لمذهب الشافعي، ومحكي عن الحسن البصري، وعطاء،
وطاووس، وإبراهيم النخعي، وابن المسيب، وسفيان.
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حججا ثلاثاً:
الحجة الأولى: نقلية. وهي قوله تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبَ اً
فَاطَّهَّرُوْا } فأمر بالتطهر مطلقاً من غير تفصيل ولم يشترط
التوالي وفي هذا دلالة على كونه غير مشترط.
الحجة الثانية: ما روى ابن عمر عن النبي ً، أنه توضأ في السوق فغسل
وجهه ويديه، ومسح على رأسه، ثم دُعِيَ إلى جنازة فأتى المسجد فدعا
بماء فمسح على خفيه ثم صلى عليها، ولا شك أن ذهابه إلى المسجد فيه
تفريق كثير وفي هذا دلالة على جوازه مطلقاً.
الحجة الثالثة: قياسية، وهي أن الوضوء عبادة ليس من شرطها الاشتغال
فلا يشترط فيها التوالي كالطواف، أو نقول: تفريق في الوضوء فوجب
الحكم بإجزائه كالتفريق اليسير، ولأنها عبادة يجوز تفريق النية
عليها فجاز تفريقها كالزكاة.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم، فأما قياس أصحاب الشافعي
على الأذان فعنه جوابان:
أما أولاً: فبطريقة منع الحكم في الأصل، وهو أن الأذان لا يشترط
فيه التتابع والموالاة ويجوز فيه التفريق، وهذه طريقة مفسدة للقياس
أعني منع حكم الأصل.
(1/887)
وأما ثانياً: فبطريقة الفرق، وهو أنا نسلم وجوب التتابع في
الأذان لكن التفرقة بينهما ظاهرة، وهو أن الأذان لما لم يكن شرطاً
في الصلاة ولا طريقاً إلى صحتها فلهذا لم يجز تضييق طريق تحصيله
باشتراط الموالاة والتتابع فيه فافترقا. وأما قياسهم على الصلاة
فعنه جوابان:
أما أولاً: فبالفرق، وهو أن يسير التفريق في الوضوء غير مفسد له
بخلاف يسير التفريق للصلاة فإنه مفسد لها، فافترقا.
وأما ثانياً: فبالمعارضة من الأقيسة فيجب اطراحها جميعاً، أو
الترجيح لأقيستنا وهي راجحة بما أوردناه من الظواهر الشرعية التي
أسلفناها، فأما ما قاله مالك فهو فاسد، لأن اعتبار الموالاة لا
تخلوا حالها: إما أن لا تكون شرطاً في الوضوء وهو الذي نقوله، وإما
أن تكون شرطاً فيه كما زعمه وجب الإتيان بها، سواء كان هناك عذر أو
لم يكن هناك عذر، وسواء كان ساهياً أو متعمداً، كما نقول في النية،
فإذاً لا وجه لكلام مالك في أن الموالاة شرط في الوضوء لكنها تسقط
عند العذر وفي حال السهو، وكما لا تشترط الموالاة في الوضوء كما
قررناه فلا تشترط الموالاة أيضاً في الغسل والتيمم؛ لأن الأدلة
الشرعية في الأمر بالغسل والتيمم مطلقة غير مشترط فيها الموالاة
كما ذكرناه في الوضوء.
(1/888)
فأما أصحاب الشافعي، فقد اختلفوا فيهما، فحكى ابن القاص ): أن
التفريق لا يبطلهما قولاً واحداً، وأكثر أصحابه على أن فيهما قولين
كالوضوء وهو الأصح عندهم، فإذا فرق تفريقاً فاحشاً فعلى قوله
القديم: يلزمه استئناف الطهارة. وعلى قوله الجديد: لا يلزمه
استئناف الطهارة مثل مذهبنا، والله أعلم.
__________
(1) أحمد بن أبي أحمد الطبري، أبو العباس ابن القاص، أخذ العلم عن
ابن سريج، وله مؤلفات كثيرة منها: (التلخيص) مختصراً، وكتاب
(المفتاح)، و(أدب القاضي)، و(المواقيت)، توفي بطرطوس سنة 335هـ.
ولم نجد تاريخاً لمولده. ا.هـ. (طبقات الشافعية ج1/107، طبقات
الشيرازي 120، له ترجمات في الأعلام، ووفيات الأعيان، وتاريخ بغداد
وغيرها).
(1/889)
---
السُّنة الثالثة: التسمية
وهي مشروعة في الوضوء لقوله ً: (( كل أمر لا يبدأ فيه ببسم اللّه
فهو أبتر ))(1). وقيل: أجذم، فظاهر الخبر دال على استحباب شرعها(2)
في جميع الأفعال كما ترى، فالطهارة تكون أحق بذلك؛ لأنها تعنى
للصلاة وفيها محادثة القلوب بذكر اللّه تعالى والوقوف بين يديه
لأعظم الرغائب، وهو إحراز الثواب.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: هل تكون التسمية مع كونها مشروعة واجبة أو تكون
مستحبة؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن داود
وطبقته من أهل الظاهر، وبه قال إسحاق بن راهويه، وإحدى الروايتين
عن أحمد بن حنبل.
والحجة على ذلك: ما روى أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) عن النبي
ً، أنه قال: (( لا صلاة إلا بطهور ولا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه
عليه ))(3). وقوله ً: (( لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم
يذكر اسم اللّه عليه))(4).
الحجة الثانية: قياسية، وهي أنها عبادة هي أصل يبطلها الحدث فكان
من شرطها الذكر كالصلاة.
وقولنا: هي أصل، نحترز به عن التيمم فإنها غير واجبة فيه، كما
سنوضح القول فيه فيخرج لما كان بدلاً عن أصل.
المذهب الثاني: أنها مستحبة غير واجبة وهذا هو أحد القولين للهادي
في (الأحكام). فأما ما قاله في (المنتخب) فقد صرح بوجوبها فيه، وهو
قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومحكي عن مالك وربيعة،
أعني: الاستحباب.
__________
(1) أخرج نحوه عبدالقادر الرهاوي في الأربعين عن أبي هريرة
مرفوعاً: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم اللّه الرحمن الرحيم،
أقطع)).
(2) هكذا في الأصل. والمقصود (على استحبابها).
(3) وهو في أصول الأحكام والشفاء بلفظه عن علي عليه السلام.
(4) أخرجه أبو داود عن أبي هريرة، وأخرج الترمذي من رواية أخرى:
((لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه)). وأورده السيوطي ضمن
الأحاديث المتواترة.
(1/890)
والحجة على ذلك: ما روى ابن عمر عن النبي ً أنه قال: (( من توضأ
وذكر اسم اللّه كان طهوراً لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اللّه
عليه كان طهوراً لما مرَّ عليه الماء))(1).
ووجه تقرير هذه الدلالة: هو أن الرسول ً صحح الطهارتين جميعاً،
وإنما جعل الطهارة التي ذكر اسم اللّه عليها طهارة لجميع بدنه من
الذنوب، والتي لم يذكر اسم اللّه عليها طهارة لما مر عليه الماء من
الذنوب، لأن رفع الحدث لا يتبعض، فهما رافعان للحدث جميعاً خلا أن
ما ذكر اسم اللّه عليه فهو أفضل وأكمل في الرفع وكثرة الثواب، فهذا
تقرير كلام العلماء في المذهبين جميعاً.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة،
ولقد كان ينبغي منا إيرادها في الفروض الواجبة في الوضوء لما كانت
واجبة، ولكنا اخترنا إيرادها في السنن لما كانت ذكراً، وما تقدم من
الفروض في الوضوء إنما هي أفعال وليست أذكاراً ولهذا تلائم إيرادها
في السنن لما كان في السنن أذكار مشروعة مستحبة كالأدعية عند غسل
الأعضاء وغيرها كما سنوضحه، فهذا هو الوجه في إيرادها في سنن
الوضوء مع كونها واجبة.
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: ما رواه ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول
اللّه ً يقول: (( إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم اللّه عليه فإنه يطهر
جسده كله وإن لم يذكر اسم اللّه عليه، فإنه لا يطهر من جسده إلا ما
مرَّ عليه الماء )). فهذا أمر والأمر ظاهره الوجوب إلا لدلالة تدل
عليه.
الحجة الثانية: قياسية، وهي أن الوضوء عبادة ذات أركان مختلفة تبطل
بالحدث فالذكر فيها يكون واجباً كالصلاة.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم.
__________
(1) ونحوه في رواية عن أبي هريرة منسوبة إلى الدارقطني والبيهقي،
وفي شرح التجريد وأصول الأحكام والشفاء نحوه عن ابن مسعود.
(1/891)
قالوا: روى ابن عمر ما ذكرناه من الحديث وفيه دلالة على صحة
الطهارتين اللتين ذكر اللّه عليها والتي لم يذكر اللّه عليها، وفي
هذه دلالة على أن التسمية ليست فرضاً واجباً.
قلنا: ليس في ظاهر الحديث ما يدل على بطلان التسمية، ونهاية ما فيه
هو أنه حكم بكونها طهارة من غير تسمية لبعض العوارض وهذا لا ننكره،
وسنوضح القول في تركها عند النسيان، فالأخبار مصرحة ودالة على
بطلان الوضوء عند ترك التسمية(1) بقوله: (( لا وضوء لمن لم يذكر
اسم اللّه عليه )) وفي هذا دلالة على كونها فرضاً خاصة على قولنا
في تقرير الأسماء الشرعية، فأما على رأي من أنكرها فالخبر يكون
مجملاً يحتاج إلى بيان.
قالوا: لو كانت التسمية واجبة لكان لا فرق في تركها بين العمد
والنسيان كغسل الوجه واليدين فلما افترق الحال في تركها بين العمد
والنسيان دل ذلك على كونها غير واجبة وهو مطلوبنا.
قلنا: عما ذكرتموه جوابان:
أما أولاً: فلأن العمد مخالف للنسيان في العقوبة وانحطاط العذر
فيه، وقد أشار إليه الشرع بقوله: (( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان
)). فإذا كان الأمر فيه كما ذكرناه، لم يمتنع أن يكون حال ترك
التسمية مع العمد مخالفاً لحكمها مع النسيان فبطل الجمع بينهما كما
زعموه.
__________
(1) هذا القول فيه نظر، لأن غاية التسمية في حال وجوبها أن يكون
تاركها عمداً آثماً، لكن لا يبطل وضوؤه؛ لأنها ليست عضواً منه ولا
شرطاً في صحته. وفي شرح الأزهار: فإن تركها عمداً أعاد من حيث ذكر،
ثم قال: وإن ذكرها ثم نسيها قبل أن يغسل شيئاً حال ذكره فلا إعادة.
ا.هـ. ج1/81.
(1/892)
وأما ثانياً: فإنا نعارض ما ذكروه بصورة على أبي حنيفة
والشافعي، وهو أن من أكل في رمضان ناسياً لا يفسد صومه وإن أكل
عامداً أفسده، وبصورة على رأي أبي حنيفة، وهو أن من ترك الترتيب في
قضاء الفوائت ساهياً جاز، وإن تركه عامداً لم يجز، وبصورة على
الشافعي، وهو أن من تكلم في الصلاة على جهة السهو لم تفسد صلاته
وإن تكلم على جهة العمد فسدت، فإذا كنتم قد فرقتم في هذه المسائل
بين السهو والعمد فهكذا نفرق في ترك التسمية بين العمد والنسيان.
قالوا: عبادة لم يكن الذكر شرطاً في المقام عليها والخروج منها،
فلا يكون شرطاً في ابتدائها كالصوم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن رد الوضوء إلى الصلاة أولى من رده إلى الصوم؛ لأن
الصوم أصله ومبناه على التروك، والوضوء أفعال متغايرة فرضاً ونفلاً
فلأجل هذا كان إلحاقه بالصلاة أحق، بجامع اشتماله على أفعال وأقوال
متغايرة، فلهذا كان الذكر من شرطه كالصلاة.
وأما ثانياً: فيبطل ما قالوه بالفرق، وهو أن الصوم لا يرد إلى
الشطر في حال العذر ولا يبطله الحدث بخلاف الوضوء فإنه يبطل بالحدث
ويرد إلى الشطر عند العذر فأشبه الصلاة، فلا جرم كان رده إليها
أحق، ثم إن هذا ينتقض على أبي حنيفة بالحجج، فإن الذكر شرط في
الابتداء فيه ولم يكن شرطاً في المقام عليه والخروج منه، فبطل ما
توهموه.
(1/893)
الفرع الثاني: إذا تقرر كونها فرضاً فقد قال السيد أبو العباس:
فإن نسيها ناسٍ أجزأه أن يؤدي بذلك الوضوء فرضاً ثانياً كما جاز
الأول، أما إجزاؤه مع النسيان فالذي يدل على ذلك قوله عليه السلام:
(( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)). فظاهر الخبر دال على إسقاط الإثم
والغرامة مع النسيان إلا لدلالة خاصة مخرجة لما تناولته، وأما جواز
تأديته فرضاً آخر بذلك الوضوء، فالذي يدل على ذلك هو أن وضوؤه قد
وقع على نعت الصحة رافعاً للحدث فجاز أن يؤدي به فرضاً آخر كالفرض
الأول فإن نسيها في ابتداء وضوئه وذكرها في أثنائه وجبت عليه
التسمية لما ذكرناه من قبل من أن التسمية فرض على ذاكرها فإذا
نسيها في الابتداء ثم ذكرها، توجهت عليه عند الذكر بالدلالة
المتقدمة.
الفرع الثالث: في صفة التسمية.
(1/894)
وصفتها أن يقول: بسم الله، لأن هذا هو العرف الجاري في ذكر اسم
اللّه تعالى على كل فعل من الأفعال. قال الهادي في (الأحكام):
واليسير من ذكر اللّه يجزيه(1) لقوله عليه السلام: (( ولا وضوء لمن
لم يذكر اسم اللّه عليه)). ولم يفصل بين قليله وكثيره، فإن قال: لا
إله إلا اللّه، أو اللّه أكبر أو قال: الحمد لله، كان ذاكراً لله
وأجزأه في الوضوء، لأن الأدلة الشرعية لم تفصل في ذلك بين ذكر وذكر
لأن الأحاديث الواردة في الوضوء في التسمية: (( لا وضوء لمن لم
يذكر اسم اللّه ولا وضوء لمن لا يذكر اسم الله))(2). ومن هذه حاله
فهو ذاكر لله تعالى وذاكر لاسمه فلهذا كان مجزياً، فإن قال: اللهم
اغفر لي، لم يجزه في الوضوء، لأن ما هذا حاله فليس ذكراً لله تعالى
وإنما هو ذكر لنفسه بالدعاء والمغفرة فافترقا.
ويستحب أن يكرر التسمية في أثناء وضوئه. قال الهادي في (الأحكام):
ويستحب أن يذكر اللّه تعالى عند مبتدأ طهوره وفي وسطه وآخره(3)،
لأن الوضوء أفعال مختلفة فمن أجل ذلك استحب أن يكون الذكر لله
مقارناً لكل واحد من أعضائه ليكثر ثوابه وفضله.
__________
(1) هنا نهاية ما قاله الهادي، وتتمته: ولو نسيه ناسٍ لم يكن لينقض
عليه وضوءه، ولا يفسد عليه طهوره؛ لأن الملة تكفيه والإقرار بتوحيد
اللّه يجزيه. ا.هـ. ج1/50.
(2) هكذا في الأصل. ولعله سهو من الناسخ. فالأقرب أن يكون ((لا
صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه)). وهو
الحديث الشريف الذي يجري البحث في سياقه. إذا لا وجه لتكرار الشطر
الأخير منه.
(3) هنا نهاية كلام الهادي في الأحكام ج1/49.
(1/895)
---
السُّنة الرابعة: غسل الكفين
وغسلهما مشروع في الوضوء، لما روى أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه)
أنه علم الناس الوضوء فأُتِيَ له بإناء فيه ماء فأفرغ الماء على
يمينه فغسل يديه ثلاثاً ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول اللّه ً
فهو هذا، و روي عن عثمان مثله، أنه توضأ فأفرغ الماء على يديه
ثلاثاً ثم قال: رأيت رسول اللّه ً توضأ وضوئي هذا.
وهل يكون مستحباً أو واجباً؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو الذي ذكره الإمام القاسم في (كتاب
الطهارة)، وهو الذي يشير إليه كلام الهادي في (الأحكام)، ومحكي عن
محمد بن يحيى نص عليه في (المفرد)، واختاره أبوالعباس. قال الحسن
البصري: إنما يجب لأجل النجاسة، فإن غمس يده في الإناء قبل غسلها
تنجس، وقال داود: هو واجب على جهة التعبد، فإن غمس يده في الإناء
قبل أن يغسلها صار الماء مجهوراً(1) وليس نجساً، وقال أحمد بن
حنبل: إن كان قام من نوم النهار فهو مستحب غسلها، وإن قام من نوم
الليل فهو واجب.
والحجة لهم على الوجوب: ما روي عن النبي ً أنه قال: (( إذا استيقظ
أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا
يدري أين باتت يده منه))(2). فهذا أمر والأمر ظاهره الوجوب إلا
لدلالة.
__________
(1) جاء في (لسان العرب) ج4/152 في مادة جهر: جهرت البئر
واجتهرتها، أي نقيتها وأخرجت ما فيها من الماء.
وجاء فيه أيضاً: والمجهور: الماء الذي كان سدماً فاستسقى منه حتى
طاب...إلخ، فمعناه: طهارة الماء ونقاؤه.
(2) أخرجه البخاري من رواية أبي هريرة.
(1/896)
الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة عن النبي ً أنه قال: (( إذا
استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها
ثلاثاً))(1). فإذا تقرر ذلك في الوضوء الذي يفعل للصلاة عقيب
النوم، وجب أن يحكم بوجوبه كسائر الصلوات؛ لأن كل ما كان شرطاً في
الوضوء لصلاة كان شرطاً لغيرها، دليله غسل سائر الأعضاء.
المذهب الثاني: أنه مستحب غير واجب، وهذا هو الذي أشار إليه الهادي
في (المنتخب)، وهو رأي السيدين الإمامين الأخوين، وهو قول أبي
حنيفة وأصحابه، و الشافعي وأصحابه، قال أبو الحسن الكرخي: والمسنون
في الوضوء غسل كفيه ثلاثاً.
والحجة على ذلك: آية الوضوء، وهي قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ
إِلَى الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}[المائدة:6]. ولم
يذكر فيه غسل اليدين.
الحجة الثانية: قوله ً، لمن علمه الوضوء: (( توض كما أمرك اللّه
فاغسل وجهك ويديك )). ولم يأمره بغسل الكفين، إلى غير ذلك من
الأدلة الدالة على استحبابه.
والمختار: ما عول عليه السيدان الإمامان وغيرهما من علماء الأمة،
من استحبابه.
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم، ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روي عن النبي ً، أنه قال: (( لا يقبل اللّه صلاة
امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ويغسل
رجليه))، ولم يأمره بغسل كفيه.
__________
(1) تمامه: ((.. فإنه لا يدري أين باتت يده))كما في رواية مسلم
والنسائي، وفيه عدة روايات.
(1/897)
الحجة الثانية: قياسية، وهي أن اليدين من أعضاء الوضوء، فلو
أوجبنا غسل الكفين قبل الوجه لكنا قد أوجبنا غسلهما دفعتين وهذا لا
قائل به، فعلى هذا إذا قام إلى الصلاة نظرت، فإن قام من النوم وعلى
يده نجاسة، وجب عليه غسلهما لأجل النجاسة، وإن قام من النوم وشك في
النجاسة استحب له غسلهما إذ لا يتحقق الوجوب إلا بتحقق النجاسة،
فإذا لم يتحقق فالاستحباب حاصل في غسلهما، وإن لم يقم من النوم ولا
كان شاكاً في النجاسة فهو بالخيار فإن شاء أدخلهما الإناء من غير
غسل وإن شاء أفاض عليهما الماء قبل إدخالهما الإناء، لأن ظاهر
الأحاديث دالٌّ على أن الاستحباب متعلق بالقيام من النوم دون ما
عداه والله أعلم، كما ورد في حديث أبي هريرة: (( إذا استيقظ أحدكم
من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً)). فهذا الحديث
مشتمل على فوائد خمس:
الأولى منهن: استحباب غسل اليد ابتداء ثلاثاً قبل الطهارة، لأن
القوم كانوا يستنجون بالأحجار ويقتصرون عليها وبلادهم في الحجاز
حارة، فإذا ناموا لم يأمنوا أن تطوف أيديهم على تلك الآثار التي لم
تفللها(1) الحجارة.
الثانية: أن ذلك ليس واجباً لأنه قال: (( لا يدري أين باتت يده
منه)). وفي حديث آخر: (( أين طافت يده منه)). فبين أنه احتياط
للنجاسة.
الثالثة: أن النجاسة إذا وردت على ماء قليل فإنها تنجسه، كما هو
رأي الأكثر من أصحابنا كما مر بيانه.
الرابعة: أن الماء القليل إذا ورد على النجاسة أزالها، لأنه حكم
بطهارة اليد بإيراد بعض ماء الإناء عليها.
الخامسة: أن النجاسة تجب إزالتها؛ لأنه إذا اسْتُحِبَّ الغسل فيما
تُوُهِّمَتْ فيه، فالوجوب متحقق فيما كان مقطوعاً بنجاسته.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه في الوجوب.
قالوا: روي عن الرسول ً أنه قال: (( إذا استيقظ أحدكم من منامه
فليغسل يده)) والأمر للوجوب.
قلنا: عنه جوابان:
__________
(1) يقصد: لم تنفها.
(1/898)
أما أولاً: فلا نسلم أن الأمر للوجوب، وإنما حقيقته للطلب لا
غير.
وأما ثانياً: فهب أننا سلمنا أن ظاهره للوجوب لكن حملناه هاهنا على
الندب لأجل أدلتنا، توفقة بين الأدلة وجمعاً بينها لئلا تتناقض.
قالوا: روى أبو هريرة: (( فلا يُدْخِل يده الإناء حتى يغسلها
ثلاثاً)). فنهى عن ذلك والنهي ظاهره للتحريم فإذا كان ترك الغسل
حراماً كان فعله واجباً وهذا هو مطلوبنا.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن النهي للتحريم وإنما هو للمنع لا غير فلا
دلالة لكم.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا دلالته على التحريم، لكنا نحمله على
المنع لأجل أدلتنا، لئلا يؤدي إلى تدافعها فيكون مكروهاً بدلالتكم،
وفعله يكون مستحباً بأدلتنا لأن ترك المستحب يكون مكروهاً.
قالوا: الأحاديث التي رواها أمير المؤمنين وعثمان بن عفان وعبدالله
بن زيد الأنصاري رضي اللّه عنهم في تعليم وضوء رسول اللّه ً
وتعريفهم إياه، لم يختلفوا في غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء،
وهذه الأخبار التي رووها في صفة وضوء رسول اللّه ً. وهي إنما وردت
بياناً للآية، فما فعله فالظاهر وجوبه إلا ما خصته دلالة وغسل
الكفين من جملتها، فيجب القضاء بوجوبهما لما ذكرناه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما رووه إنما هو صفة ما فعله رسول اللّه ً في
الوضوء، وليس في الفعل دلالة على وجوب ما قالوه، والفعل قد اشتمل
على بيان المسنون والواجب فلا نقضي بالوجوب من غير دلالة(1).
وأما ثانياً: فلأنه ً، قد كرر غسل أعضائه ثلاث غسلات فيجب القضاء
بوجوبها ومسح رقبته فيلزم أن تكون هذه الأمور واجبة وهم لا يقولون
به، فحصل من مجموع ما ذكرناه، أنه لا يقضى بوجوب الفعل من أجل أنه
فعله مطلقاً، بل لا بد فيه من دلالة، فبطل ما توهموه.
__________
(1) لعل الصواب، أن فعله عليه السلام يحمل على الوجوب إلا بدلالة
على كونه مسنوناً.
(1/899)
---
السُّنة الخامسة: تكرير الوضوء ثانية وثالثة
فالثانية فضل والثالثة سنة، وقد قررنا فيما سبق التفرقة بين الغسلة
الثانية والغسلة الثالثة، وأظهرنا أن الواجب مرة واحدة، وزيفنا
مقالة من قال بوجوب الثلاث ووجوب السُّنن، فأغنى عن الإعادة.
(1/900)
---
السُّنة السادسة: أن يتولى فعل الوضوء بنفسه وأن لا يستعين بغيره
لقوله ً: (( أما أنا لا أستعين على الوضوء بأحد ))(1). وهذا هو قول
أئمة العترة والفريقين: الحنفية والشافعية، فإن استعان بغيره نظرت،
فإن كان بتحصيل مقدمات الوضوء نحو نزح الماء إن كان في بئر أو نقله
من الجرة إلى المتوضّئ لم يكره ذلك بحال؛ لأن ما هذا حاله ينزل
منزلة غسل الثوب لتأدية الصلاة.
وإن استعان بغيره فيما سوى ذلك نظرت، فإن استعان بغيره لصب الماء
جاز ذلك، لما روي أن أسامة بن زيد )، والمغيرة بن شعبة، والربيع
بنت معوذ، صبوا على الرسول ً، الماء وهو يتوضأ. وإن وضأه غيره ولم
يوجد من جهة المتوضئ إلا النية، فهل يجزيه ذلك أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يكون مجزياً له، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي
عن الفريقين: الحنفية، والشافعية، ومحكي عن مالك.
والحجة على ذلك: هو أن فعل المتوضئ غير مستحق في الطهارة، ولهذا
فإنه لو وقف تحت مصب الماء أو مطر أو ميزاب، ونوى الطهارة ومر
الماء على أعضاء الطهارة، أجزأه.
__________
(1) جاء في جواهر الأخبار ما لفظه: وقد قال في التلخيص: حديث أنه ً
قال: ((أنا لا أستعين على الوضوء بأحد)). قاله لعمر وقد بادر ليصب
على يديه الماء. قال النووي في شرح المهذب: هذا حديث باطل لا أصل
له.
(2) أسامه بن زيد بن حارثه. ترجم له الشوكاني فقال: المولى الأمير
الكبير حِبُّ رسول اللّه ً ومولاه وابن مولاه أبو محمد، ولد بمكة
قبل الهجرة ونشأ على الإسلام؛ لأن أباه كان من أول الناس إسلاماً،
وكان رسول اللّه ً يحبه حباً جماً، وينظر إليه نظره إلى سبطيه
الحسن والحسين (عليهما السلام). أمَّره النبي قبل أن يبلغ العشرين
من عمره وكان في الجيش أبو بكر وعمر والكبار من الصحابة، مات
بالمدينة عام 54هـ.، روى له البخاري ومسلم 128حديثاً (در السحابة
ملخصاً).
(1/901)
المذهب الثاني: أنه لا يجزيه، وهذا شيء يحكى عن داود وطبقته من
أهل الظاهر.
والحجة على ذلك: قوله تعالى:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ
فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ}. وهذا خطاب للمؤمنين بفعل الغسل
وتحصيله.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة، من
القول بإجزائه، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا، وهو أن
المقصود، هو حصول المصلي متوضئاً وهذا حاصل سواء كان بفعله أو فعل
غيره.
الانتصار: قالوا: الآية دالة على أن المتوضئين مخاطبون بفعل
الوضوء.
قلنا: هذا فاسد، فإن المراد من الآية، هو تحصيل الغسل بدليل ما
ذكرناه وسواء كان حاصلاً بفعله أو فعل غيره، فإنه لا تفرقة بينهما
فبطل ما توهموه.
(1/902)
---
السُّنة السابعة: مسح الرقبة
وذلك سنة عند أئمة العترة ومحكي عن الفريقين: الشافعية، والحنفية،
ومروي: عن مالك.
والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين
(كرم اللّه وجهه)، عن رسول اللّه ً أنه قال: (( من توضأ ومسح
سالفتيه بالماء وقفاه أمن من الغل يوم القيامة))(1). وروي عن أمير
المؤمنين، أنه لما مسح رأسه مسح عنقه.
وفي كيفية مسحها مذهبان:
أحدهما: أنه يمسح بباقي ماء الرأس، وهذا هو رأي الهادي.
وحجته على هذا: هو أن المأثور عن أمير المؤمنين أنه كان يمسح رأسه
ويجيل يديه على عنقه، ولم يؤثر في مسح الرقبة أنه أخذ لها ماء
جديداً(2).
وثانيهما: أنه يؤخذ لها ماء جديد، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي
عن الفريقين: الحنفية والشافعية.
__________
(1) رواه أحمد بن عيسى في الأمالي بلفظه عن علي عليه السلام وحكاه
عنه أيضاً في الشفاء. الغل: بضم الغين: ما تغل به اليدان إلى
العنق، وبكسرها: الحقد والكراهية. (الاعتصام 1/225).
(2) هذا الحديث روي من عدة طرق، ومنها: عن وائل بن حجر في صفة وضوء
النبي ً، وفيه: ثم مسح رأسه ثلاثاً، ومسح ظهر أذنيه، ومسح رقبته،
وباطن لحيته. رواه الطبراني في الكبير، والبزار. ا.هـ. (روض
ج1/199).
(1/903)
والحجة على ذلك: هو أن الماء الواحد لا يجتمع كونه فرضاً
ونفلاً، فإذا أخذ لهما ماءً جديداً، كان قد فصل بين الفرض والنفل،
وهذا هو المختار لما ذكرناه في الاحتجاج ولأن ظاهر الأحاديث التي
وردت في مسح الرقبة دالة على استقلالها بالمسح وأنه يؤخذ لها ماء
جديد، وإذا مسحت الرقبة فلا تكرير في مسحها؛ لأنه لم يرد التكرير
فيها من جهة الرسول ً، قولاً ولا فعلاً كما ورد التكرير في أعضاء
الوضوء مغسولها وممسوحها، ومسح الرقبة أقل السنن الواردة في
الوضوء، لأن الأحاديث الواردة في الوضوء على لسان أمير المؤمنين
وعثمان وعبدالله بن زيد، وغيرهم من جلة الصحابة، ليس فيها ذكر
تكرير مسح الرقبة، وقد روى أمير المؤمنين عن رسول اللّه ً فيها ما
حكيناه، وهو حديث منفرد عما روي في الوضوء، وهو مصدق فيما قال
ونقل، والسنة في مسح الرقبة، هو ما تضمنه الحديث الذي رواه أمير
المؤمنين (كرم اللّه وجهه)، بأن يمسح القفى والسالفتين، فالقفى
مقصور يُذَكَّرُ ويؤنث، وهو مؤخر العنق والسالفتان، هما جانبا
الرقبة من عن يمينها وشمالها، إحداهما من ناحية مقدم العنق من لدن
معلق القرط إلى قَلْتِ الترقوة(1). والثانية كذلك من الجانب الآخر،
وأما باطن العنق فلا سنة في مسحه، وهو من ثغرة النحر إلى الحلقوم،
وهو موضع الذبح، فيأخذ غرفة من الماء ثم يرسلها، ويضع على قافيته
يديه، ثم يسحبهما على سالفتيه بباطنهما، فإذن هو قد مسح رقبته على
السنة، فأما ما روي من أنه يؤخذ بشيء من الماء فيوضع في الحلق ثم
في مؤخر العنق، فلم أقف عليه في شيء من كتب أصحابنا الفقهية ولا
رأيته في كتب الأحاديث ولا عرفته لأحد من الفقهاء، إلا شيئاً حكاه
العمراني من أصحاب الشافعي عن بعض الناس ولا أعرف قائله.
__________
(1) الترْقُوتان: العظمان المشرفان بين ثغرة النحر والعاتق تكون
للناس وغيرهم. وجمعها: التراقي. ا.هـ. لسان 10/32.
(1/904)
---
السُّنة الثامنة: التنشيف للأعضاء
من بلل الوضوء والغسل وأي شيء يكون في حكمه، فيه مذاهب أربعة:
أولها: أنه جائز في الغسل والوضوء جميعاً، وهذا هو المحكي عن الحسن
بن علي وعثمان وأنس بن مالك وبشير بن أبي مسعود ) كلهم من الصحابة
رضي اللّه عنهم وهو مروي عن مالك، والثوري.
والحجة على ذلك: ما روى قيس بن سعد قال: أتانا رسول اللّه ً،
فوضعنا له غسلاً فاغتسل به ثم أتيناه بملحفة مورسة(2)، فالتحف بها
فرأيت أثر الورس على عُكَنِه(3)، والعكنة: بالضم هي معاطف البطن
تكون من شدة السمن.
وثانيها: أنه يكون مكروهاً، وهو المحكي عن عمر رضي اللّه عنه فإنه
كرهه في الوضوء، والغسل جميعاً، وبه قال ابن أبي ليلى.
__________
(1) واسمه: عقبة بن عمرو البدري الأنصاري المدني، قيل: إن له صحبة،
روى عن أبيه، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وعروة بن الزبير، وهلال بن
جبر الكوفي، ويونس بن ميسرة.
قيل: إنه قتل بالحرة سنة 63هـ. وثقه العجلي وابن شاهين وابن حبان.
تهذيب الكمال 4/172.
(2) مصبوغة بالورس. وهو نبات يصنع منه صباغ أصفر.
(3) وروي نحوه في أمالي أحمد بن عيسى، عن ثوبان، وروايتان أخرجهما
الترمذي، عن عائشة، وعن معاذ، (راجع الاعتصام ج1/232).
(1/905)
والحجة على ذلك: ما روت ميمونة (رضي اللّه عنها) قالت: دخل
علينا رسول اللّه ً، فوضعت له غسلاً فاغتسل به، فلما فرغ ناولته
المنديل فلم يأخذه وأعرض عنه(1).
وثالثها: ما حكي عن ابن عباس رضي اللّه عنه: أنه جائز في الغسل دون
الوضوء.
والحجة على ذلك: هو أن البلل في الغسل يكثر فلهذا جاز التنشيف فيه
بخلاف الوضوء فإن بلله قليل فلا حاجة إلى إزالته.
ورابعها: أنه مستحب، وهذا شيء حكاه الشيخ أبو حامد الغزالي عن بعض
الفقهاء.
والحجة على ذلك: هو أن في إزالة البلل في الوضوء والغسل جميعاً
التصاون عن الغبار الذي يلصق من أجلهما فلهذا كان مستحباً ولا أعرف
لأئمة العترة نصاً فيه.
والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، والذي يقتضيه قياس المذهب أنه
يكون جائزاً لحديث قيس بن سعد، وأن يكون المستحب تركه لما رويناه
من حديث ميمونة، ولأنه أثر عبادة فاستحب تركها كخلوف فم الصائم.
__________
(1) أخرجه الستة إلا الموطأ بلفظ: ((.. فناولته المنديل فلم يأخذه
ودخل ينفض الماء عن جسده)). واللفظ لأبي داود، وهذا الحديث يختلف
في ظاهره عما روته عائشة: ((كان لرسول اللّه خرقة يتنشف بها بعد
الوضوء)). أورده أحمد بن عيسى في الأمالي. وأخرجه الترمذي وفيه عن
معاذ قال: رأيت رسول اللّه يمسح وجهه بطرف ثوبه، ومثله عن ثوبان
مولى رسول اللّه ً. ولعل الجمع بين الحديثين يتطابق مع ما عليه
جمهور الفقهاء من أن التنشف بعد الوضوء أو الغسل جائز وليس سنة، مع
العلم بأن أدلة فعل النبي له أكثر وأقوى من إعراضه عنه. ويرى
المؤلف أن التنشيف جائز. وأن تركه مستحب كخلوف فم الصائم عملاً
بالجمع بين ما ورد في أحاديث الفعل والترك.
(1/906)
---
السُّنة التاسعة: الجمع بين المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة
اعلم أنا قد ذكرنا في بيان المفروض والمسنون فيهما، قولاً بالغاً
يطلع على الأسرار والفوائد، والذي نذكره هاهنا، هو إفراد المسنون
عن المفروض منهما، فالذي عليه أئمة العترة أن المسنون فيهما هو
جمعهما في غرفة واحدة، وهو الذي نقله المزني عن الشافعي.
والحجة على ذلك: ما رواه أمير المؤمنين (كرم اللّه وجهه) في وصف
وضوء رسول اللّه ً، أنه تمضمض واستنشق من غرفة واحدة جمعهما
فيها(1).
ونقل البويطي عن الشافعي: أنه يفصل بينهما، هذا هو المسنون فيهما.
والحجة على ذلك: ما رواه طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت
رسول اللّه ً يفصل بينهما، قال المحاملي: وهو الأصح على رأي
الشافعي، وقد سبق ذكر المختار والانتصار له.
__________
(1) قال في الروض ج1/208: أخرجه أحمد، والبزار، وابن ماجة، وغيرهم،
إلا أن التصريح بكون الثلاث من كف واحد إنما هو عند ابن ماجة.
ا.هـ. ولكنه في الغرفة الواحدة جمع بينهما، مروي من أكثر من طريق.
(1/907)
---
السُّنة العاشرة: الاشتنان
وصفته: ما رواه ابن عباس عن أمير المؤمنين في صفة وضوء رسول اللّه
ً وهو أنه لما فرغ من المضمضة والاستنشاق، وغسل وجهه، أخذ بكفه
اليمين قبضة من ماء فصبها على ناصيته فتركها تشنن على وجهه، ثم غسل
ذراعيه بعد ذلك حتى أتم وضوءه. فحديث الاشتنان إنما كان عن أمير
المؤمنين دون غيره من الصحابة ممن وصف وضوء رسول اللّه ً، كعثمان
وغيره من الصحابة فقد انفرد به كما ترى.
(1/908)
---
السُّنة الحادية عشرة: الموالاة في غسل الأعضاء
وقد قررنا بطلان وجوب الموالاة، وإذا تقرر بطلان وجوبها فهي من
الأمور المسنونة، وهو القول الأخير للشافعي، وحكي عنه قول قديم في
إيجابها، وقد مضى تقريرها فلا معنى لإعادة الكلام فيه.
(1/909)
---
السُّنة الثانية عشرة: إذا فرغ من وضوئه فلا ينفض يديه
وهكذا إذا فرغ من غسل يديه فلا ينفضهما، لما روي عن النبي ً أنه
قال: (( إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم)). وفي حديث آخر: (( لا
تنفضوها فإنها مراوح الشيطان ))(1). وإنما شبهها بالمراواح؛ لأنها
لا تزال تضطرب في جذب الهواء فلهذا شبهها بها.
__________
(1) هذا الحديث ضعفه ابن حبان، وابن أبي حاتم، والنووي في شرح
المهذب، ورجح إباحة ذلك. قلت ويؤيده ما جاء في حديث ميمونة حيث
قالت: ((.. وجعل ينفض الماء عن جسده)). ا.هـ. (جواهر).
(1/910)
---
السُّنة الثالثة عشرة: تكرير المسح في الأذنين ظاهرهما وباطنهما
يستحب كما كان ذلك في الرأس.
وقد دللنا على وجوب مسحهما وذكرنا الانتصار له فأغنى عن الإعادة،
لما روي عن أمير المؤمنين في صفة وضوء رسول اللّه ً، أنه ألقم
بإبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية، ثم الثالثة.
وكيفية المسح فيهما على السنة، أن يدخل مسبحتيه في صماخي أذنيه،
ويدير إبهاميه على ظاهر أذنيه، ثم يضع الكف على الأذنين استظهاراً
على تعميم مسحهما.
(1/911)
---
السُّنة الرابعة عشرة: ويستحب إدخال الماء في العينين
قال الإمام الناصر: ويستحب أن يفتح عينيه عند غسل الوجه حتى يدخل
الماء فيهما، وقال: إن ذلك يصحح العين ويجلوها.
وقد ذكرنا قول من أوجب ذلك وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن
تكريره.
(1/912)
---
السُّنة الخامسة عشرة: غسل ما استرسل من اللحية
لأنه ليس من الوجه وإنما يفعل زيادة في التنظيف.
وقد ذكرنا أنه ليس بواجب واخترناه وذكرنا الانتصار له.
(1/913)
---
السُّنة السادسة عشرة: مسح الذوائب من الرأس مستحب
لأن الواجب ما كان على تدوير الرأس، فأما ما نزل عن تدويره فإنما
هو مستحب غير واجب زيادة في التنظيف.
(1/914)
---
السُّنة السابعة عشرة: يستحب تطويل الغرة والحجلة
لما روي عن النبي ً [أنه] قال (( تحشر أمتي يوم القيامة غراً
محجلين من آثار الوضوء )) (1) فالغرة: ما كان في الوجه كغرة الفرس.
والتحجيل: ما كان في اليد والرجل أخذاً له من تحجيل الفرس، وذلك
إنما يكون فيما زاد على الفرض من الوجه، واليدين، والرجلين، فأما
الفرض فهو خارج عن ذلك بدليل آخر.
__________
(1) وهو عن أبي هريرة بلفظ: ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً
محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل))،
وفي رواية أخرى: ((أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ
الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله)). أخرجه البخاري
ومسلم.
(1/915)
---
السُّنة الثامنة عشرة: ويستحب إذا كان في يده خاتم بحيث يدخل الماء
تحته، أن يحركه
لما روى أبو رافع أن رسول اللّه ً، كان يحرك خاتمه في يده، فإن كان
واسعاً لم يستحب تحريكه وإن كان بحيث لا يمكن دخول الماء تحته وجب
إخراجه وغسل ما تحته، وقد قررنا موضع الوجوب منه ودللنا عليه.
(1/916)
---
السُّنة التاسعة عشرة: ويستحب أن يكون استعمال الوضوء بيمينه دون
يساره
لما روي عن النبي ً، أنه كان يحب التيامن في كل أفعاله، وفي حديث
آخر: كانت يمين رسول اللّه ً لطعامه وشرابه ووضوئه، ويساره لما عدا
ذلك، ولقوله ً في حديث الخاتم: (( اليمين أحق بالزينة ))(1) فإذا
كانت أحق بالزينة في لبس الخاتم، كانت أحق بفضل الطاعة في الوضوء
وغيره.
__________
(1) قوله: كان رسول اللّه يحب التيامن...إلخ. روته عائشة وأخرجه
الستة إلا الموطأ وقد تقدم، وقوله: كانت يمين رسول الله...إلخ. عن
عائشة أيضاً. أخرجه أبو داود، وفي رواية أخرى عن حفصة: أن رسول
اللّه كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وأخذه وإعطائه، ويجعل شماله
لما سوى ذلك. أخرجه أبو داود، وأشار في الجواهر إلى أن في إسناده
مقالاً.
وحديث: ((اليمين أحق بالزينة))سيأتي في موضعه.
(1/917)
---
السُّنة العشرون: ويستحب تجديد الطهارة لكل صلاة
لما روى ابن عمر رضي اللّه عنه. قال: سمعت رسول اللّه ً، يقول: ((
من توضأ على طهر كتب اللّه له بذلك عشر حسنات))(1) ، وفي حديث آخر
عن النبي ً أنه قال: (( الوضوء على الوضوء نور على نور ))(2).
وهل يجب أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن
الفريقين: الحنفية، والشافعية، وهو قول مالك.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ً أنه كان يتوضأ لكل صلاة،. وكنا
نصلي الصلوات بوضوء واحد(3). ومثل هذا لا يخفى حاله عن الرسول ً،
فلو كان واجباً لأنكر عليهم تركه فلما لم ينكره دل على عدم وجوبه.
المذهب الثاني: أنه واجب، وهو محكي عن أقوام، وهذا الخلاف يليق
بأهل الظاهر، وقد حكي عن غيرهم.
والحجة لهم على ذلك: قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا
إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الْصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا
وُجُوْهَكُمْ}[المائدة:6]..إلى آخر الآية.
__________
(1) أخرجه أبو داود والترمذي، وهو مروي عن ابن عمر بلفظه دون كلمة
((...بذلك)).
(2) أورده في البحر والشفاء وجواهر الأخبار والاعتصام بلفظه وغمز
في صحته بعض الرواة. وفي جواهر الأخبار ما لفظه: قال الحافظ
عبدالعظيم في هذا الحديث: لا يحضرني له أصل من حديث النبي ً ولعله
من كلام بعض السلف. قلت: لكن في الجامع عن عثمان: أن النبي ً توضأ
مرتين مرتين وقال: ((هو نور على نور)). ذكره رزين. ا.هـ. (جواهر).
(3) وفيه أنه ً: كان يتوضأ لكل صلاة إلا يوم فتح مكة فإنه صلى
الصلوات الخمس بوضوء واحد. أورده في (الاعتصام) وفي (الجامع
الكافي)، و(شرح التجريد) بروايات إحداها عن علي عليه السلام.
(1/918)
وتقرير وجه الدلالة من الآية: هو أن اللّه تعالى أمر كل من قام
إلى الصلاة بالوضوء، ولم يفصل في ذلك بين أن يكون على طهارة أو غير
طهارة في إيجاب الوضوء عليه عند قيامه، ولهم حجج غير هذه الآية
سنوضحها عند الكلام على الانتصار عليهم.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة من كونه غير
واجب.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ً، أنه كان يتوضأ لكل صلاة فلما
كان يوم الفتح صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، فحملنا تكرير الوضوء
لكل صلاة على الأفضلية والندب، وحملنا ما خالف ذلك على الجواز
توفقة بين الأدلة وعملاً عليها.
الحجة الثانية: ما روى جابر بن عبدالله، قال: ذهب رسول اللّه إلى
امرأة من الأنصار ومعه أصحابه فقدمت له شاةً مقلية فأكل وأكلنا، ثم
حانت صلاة الظهر فتوضأ وصلى ثم رجع إلى فضل طعامه، فأكل ثم حانت
العصر فصلى ولم يتوضأ(1).
الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنه لم يقع من المتوضئ شيء بعد انعقاد
وضوئه إلا فعل المباحات، وفعل المباح لا يعد ناقضاً في العادة ولا
من جهة الشرع، فلا يجوز نقض الوضوء بحال.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: آية الوضوء دالة على وجوب فعل الوضوء لكل صلاة.
قلنا: هذا فاسد لوجهين:
أما أولاً: فلأن الآية إنما تناولت من كان غير متوضئ، فأما المتوضئ
فالإجماع منعقد على خروجه عن ظاهر الآية.
وأما ثانياً: فإنهم معارضون بما ذكرناه من الأخبار، ولن تكون طريقة
التوافق بينها إلا بما ذكرناه من حمل الأخبار على الاستحباب، وحمل
ظاهر الآية على من كان محدثاً، وهذه طريقة مستقيمة، أعني الموافقة
بين الأدلة حذراً عن التعارض والإبطال لها.
قالوا: روي عن الرسول ً، أنه قال لمن علمه الوضوء: (( توضَّ كما
أمرك الله )). ولم يفصل بين أن يكون على طهارة أو غير طهارة.
__________
(1) أخرجه ابن حبان في كتابه (التقاسيم والأنواع)، (راجع الروض
النضير ج1/314).
(1/919)
قلنا: أمره إنما يكون لمن كان محدثاً دون من كان طاهراً كما وضح
بالدلالة التي ذكرناها في الآية، فبطل ما قالوه.
قالوا: روي عن النبي ً أنه كان يتوضأ لكل صلاة، ولم يؤثر أنه صلى
بوضوء واحد إلا يوم الفتح لأمر عارض، وفي هذا دلالة على وجوبه.
قلنا: قد نقلنا من الأخبار ما دل على أنه صلى صلوات عدة بوضوء
واحد، وهذا يبطل ما قالوه، وإنما كان ذلك من جهته عليه السلام
إيثاراً للفضل وعملاً على الاستحباب لكل صلاة بوضوء، فلو كان
واجباً كما زعموه لم يؤثر عنه خلاف ذلك، كما لم يؤثر عنه أنه صلى
بغير وضوء.
وهل يشترط في تجديد الطهارة لكل صلاة اشتغاله ببعض المباحات أم
لا(1)؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك مشترط، وهذا هو الذي صرح به الإمامان: الهادي
والمؤيد بالله، قال الهادي: وأحب لمن توضأ ثم اشتغل بشيء من
المباحات من أمور الدنيا أن يعود لتطهيره فليتطهر. قال المؤيد
بالله في (التجريد) وشرحه: ويستحب تجديد الطهارة لمن اشتغل بسائر
المباحات مصرحاً بالاشتراط بالاشتغال.
وثانيهما: أنه لا يشترط ذلك في تجديدها بشيء من الإشتغال بالأمور
المباحة.
والحجة للإشتراط: هي أنه لم يُرو عن أحد من السلف أنه جدد الطهارة
مع الجمع بين الفرضين أو اتباع فرض بنفل أو نفل بفرض، فدل ذلك على
أنه شرط في الاستحباب للتجديد.
والحجة لعدم الاشتراط وهو المختار: هو ما رويناه عن ابن عمر، وما
رويناه عن غيره من قوله: (( الوضوء على الوضوء نور على نور)).
وقوله: (( من توضأ على طهر كتب اللّه له بذلك عشر حسنات)). فهذان
الخبران دالان على استحبابه من غير شرط.
وإذا قلنا بأنه مشترط، فهل يكون ذلك الأمر المباح مقدراً أم لا؟
فيه وجهان:
__________
(1) صواب العبارة: وهل يشترط تجديد الطهارة بعد اشتغاله ببعض
المباحات.
(1/920)
أحدهما: أنه لا بد من أن يكون مقدراً، وهذا هو رأي الإمام
الهادي، فإنه قال: وأُحِبَّ لمن توضأ ثم اشتغل بشيء من أمور الدنيا
فأطال في ذلك حتى نسي ماله توضأ، من بيع أو شراء أو حديث. فقدره
بالطول والنسيان.
وثانيهما: أنه غير مقدر، وهذا هو رأي المؤيد بالله، لأنه أطلق من
غير تقييد، والتفرقة بين المذهبين ظاهرة، فعلى هذا يستحب الوضوء
إذا كان قد اشتغل بالأمور المباحة مطلقاً من غير تقييد على رأي
المؤيد بالله، فأما على رأي الهادي فلا يستحب إلا إذا كان جامعاً
بين الأمرين: الإطالة والنسيان.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله إذا قلنا بالاشتراط؛ لأنه إذا
اشتغل فكأنه قد صرفه عن مقصوده من العبادة، وهذا حاصل في كل فعل من
الأمور المباحة من غير تقدير.
(1/921)
---
السُّنة الحادية والعشرون(1): يستحب للمتوضئ أن يدعو عند اشتغاله
بغسل أعضائه
__________
(1) الدعاء عند غسل أعضاء الوضوء، مستحب كما أكده المؤلف بقوله:
(يستحب للمتوضي).. وليس بسنة، وكذا كثير مما سبقه من تعداد للسنن
ولعل تعدادها بلفظ: (السُنَّة..) فيما ندب إليه الرسول ً، أو
استحبه العلماء وباعتبار المعنى اللغوي للسنة جاء تغليباً لما
تضمنته من السنن مثل السواك، والتسمية، والولاء، والدعاء ...إلخ
مما يستند إلى قول أو فعل يفيد الندب والاستحباب في السنة المطهرة.
وهذا ما أوضحه المؤلف بعد فراغه من تعداد السنن.
(1/922)
لقوله تعالى:{أدْعُوْنِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }[غافر:60]. فيدعو
عند كل عضو بما يكون مختصاً به، فيقول عند غسل فرجيه: اللهم استر
عورتي في الدنيا وحصن فرجي من النار، وعند المضمضة والاستنشاق:
اللهم لقني الشهادة عند الموت وشممنا روائح الجنة، وعند غسل وجهه:
اللهم بيض وجهي يوم تبيض الوجوه، وعند غسل يديه: اللهم اعطني كتابي
بيميني ولا تؤتنيه بيساري ولا من خلفي ولا من وراء ظهري، وعند مسح
رأسه: اللهم حرم شعري وبشري على النار، وعند مسح أذنيه: اللهم
اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعند غسل قدميه:
اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام(1)
__________
(1) جاء في الاعتصام ما لفظه: وروى أبو حاتم عن أنس قال: دخلت على
النبي ً وبين يديه إناء من ماء فقال لي: ((يا أنس ادْن أُعلمك
مقادير الوضوء)). فدنوت من رسول اللّه ً، فلما أن غسل يديه قال:
((بسم اللّه وبالله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله)). فلما
استنجى قال: ((اللهم حصن لي فرجي، ويسر لي أمري)). فلما أن تمضمض
واستنشق قال: ((اللهم لقني حجتي ولا تحرمني رائحة الجنة)). فلما أن
غسل وجهه قال: ((اللهم بيض وجهي يوم تبيض الوجوه)). فلما أن غسل
ذراعيه قال: ((اللهم اعطني كتابي بيميني)). فلما أن مسح يده على
رأسه قال: ((اللهم غشنا برحمتك وجنبنا عذابك)). فلما أن غسل قدميه
قال: ((اللهم ثبت قدمي يوم تزول فيه الأقدام)). ثم قال النبي ً:
((والذي بعثني بالحق نبياً ما من عبد قالها عند وضوئه لم يقطر من
خلل أصابعه قطرة إلا خلق اللّه منها ملكاً يسبح اللّه بسبعين
لساناً يكون ثواب ذلك التسبيح له إلى يوم القيامة)). ورواه ابن
حبان في تأريخه في ترجمة عباد بن صهيب. قال الشيخ سراج الدين: لكن
قال أبو داود: قدريٌ صدوق فيما يروي. قال أحمد: ما كان بصاحب كذب.
قال: وله طرق أخرى موضحة ذكرتها في تخريج حديث الرافعي. ذكر هذا
الشيخ سراج الدين في كتابه (تحفة المحتاج) واحتج به. ا.هـ.
(1/923)
.
(1/924)
---
السُّنة الثانية والعشرون: والمستحب لمن فرغ من الوضوء أن يستقبل
القبلة
ويقول، ما روي عن عمر رضي اللّه عنه، أن النبي ً قال: (( من توضأ
فأحسن وضوءه ثم قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له،
وأن محمداً عبده ورسوله -صادقاً من قلبه-، اللهم اجعلني من
التوابين واجعلني من المتطهرين، فتح اللّه له ثمانية أبواب الجنة
يدخل من أيها شاء))(1) . أو يقول ما روى أبو سعيد الخدري عن النبي
ً قال: (( من توضأ فقال بعد فراغه من ضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك
أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق وطبع عليها
بطابع فلم ينكسر إلى يوم القيامة))(2)
__________
(1) فيه روايات لمسلم وأبي داود والنسائي. وفي جواهر الأخبار
استناداً إلى رواية الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه
ً: ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد ألاَّ إله إلا اللّه وحده
لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين
واجعلني من المتطهرين، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها
شاء)). وروي نحوه أحمد بن عيسى في أماليه، وورد الحديث في البحر
والاعتصام.
(2) جاء في روايات عدة مع اختلاف في بعض اللفظ، ونسب في بعض
رواياته إلى الطبراني والنسائي، وقال صاحب الجواهر: وذكر في
الترغيب والترهيب نحوه ونسبه إلى الطبراني والنسائي، وصوب وقفه على
أبي سعيد. ا.هـ. والذي يظهر هو خلاف ذلك وهو أن الحديث ورد في
أمالي أحمد بن عيسى بسنده عن علي عليه السلام وبلفظ: ((ما من مسلم
يتوضأ ثم يقول عند وضوئه مرة: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألاَّ إله
إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم اجعلني من المتطهرين واغفر لي
إنك على كل شيء قدير، إلاَّ كتبت في رق ثم ختم عليها، ثم وضعت تحت
العرش حتى تدفع إليه بخاتمها يوم القيامة)). ا.هـ. وهو في الشفاء،
وفي الأمالي أيضاً بسنده عن أبي جعفر قال: قال رسول اللّه ً: ((..
ومن قال إذا فرغ من وضوئه: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من
المتطهرين إنك على كل شيء قدير، وجبت له الجنة وغفرت له ذنوبه ولو
كانت مثل زبد البحر)).
(1/925)
. أي ختم عليها بخاتم.
(1/926)
---
السُّنة الثالثة والعشرون: والمستحب لمن أحدث وضوءاً أن يصلي بعده
ركعتين
، لما روي عن النبي ً أنه قال: (( رأيت ليلة أُسريَ بي جارية في
الجنة، . فقلت: لمن هذه يا جبريل؟ فقال: لبلال، فقلت لبلال: أي شيء
تصنع؟ فقال: لا شيء، إلا أني ما أحدثت وضوءاً إلا صليت بعده
ركعتين))(1). ويستحب الاجتهاد في الإخلاص فيهما، وتفريغ القلب من
أجلهما، لما روى عقبة بن عامر )، قال: أدركت رسول اللّه ً، يخطب
الناس فسمعته يقول: (( ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقوم
فيركع ركعتين يقبل عليهما بقلبه وبوجهه إلا أوجب))(3)
__________
(1) قال الشوكاني في مناقب بلال: وأخرج أحمد والطبراني في المعاجم
الثلاثة، عن أبي أمامة، ورجال بعض أسانيدها ثقات، قال: قال رسول
اللّه ً: ((إني دخلت الجنة فسمعت خَشْفَةً بين يدي فقلت: يا جبريل
ما هذه الخشفة؟ قال: بلال يمشي أمامك)). والحديث في الصحيحين من
حديث أبي هريرة وفي البخاري من حديث جاء بأطول من هذا، وفيه أنهً
سأله (يعني بلالاً) بأرجى عمل عمله في الإسلام. فقال: لا أتطهر إلا
صليت بذلك الطهور ما كُتِب لي أن أصلي. ا.هـ. (در السحابة 369).
وجاء الحديث في (جواهر الأخبار) قال: أخرجه البخاري، ومسلم.
(2) عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو الجهني، صحابي مشهور اختلف في
كنيته، ولي مصر لمعاوية سنة 44هـ، لثلاث سنوات. روى عنه: جابر،
وابن عباس، وأبو أمامة، وقيس بن أبي حازم. توفي سنة 60هـ آخر أيام
معاوية. ودفن بالمقطم. ا.هـ. (تهذيب التهذيب ج7/216). (در السحابة
ص799).
(3) أخرجه أبو داود، والنسائي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللّه
ً: ((ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين يقبل بقلبه ووجهه
عليهما إلا وجبت له الجنة)). أورده ابن بهران (رحمه اللّه) في
(الجواهر). وأورد بعده ما لفظه: وعن زيد بن خالد الجهني، أن رسول
اللّه ً قال: ((من توضأ فأحسن وضوءه ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما
غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)). أخرجه أبو داود، وفي ذلك
أحاديث أخر. ا.هـ. ج2/80.
(1/927)
. ومعنى قوله: أوجب أي: وجبت له الجنة.
دقيقة: اعلم أن هذه الأمور المشروعة في الوضوء مما ليس فرضاً،
يجمعها كلها أنها ليست شرطاً في صحة الصلاة، ثم إنها على ثلاثة
أضرب:
فالضرب الأول: المسنونات التي تكرر فعلها من جهة الرسول ً، وكان
مجمعاً على كونها سنة يداوم على فعلها، وهذا نحو السواك، ومسح
الرقبة، وإدخال الماء في صماخيه، وتكرير الوضوء ثانية وثالثة،
وتجديد الطهارة، وتطويل الغرة وأن يستعمل يمينه في وضوئه، ونعني
بالإجماع: كونها متفقاً على كونها سنة عند أئمة العترة وعلماء
الأمة، الفرق الثلاث: الحنفية والشافعية والمالكية دون من عداهم.
الضرب الثاني: ما وقع فيه خلاف في فرضيته وكونه مسنوناً، وهذا نحو
غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء، والمضمضة، والاستنشاق، وتخليل
اللحية الكثيفة، ومسح جميع الرأس، ومسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما،
فهذه الأمور كلها قد وقع فيها تردد، فعندنا أنها مفروضة وخالفنا في
ذلك الشافعي وغيره من الفقهاء، وزعموا أنها مسنونة وقد قررنا
البرهان الشرعي على كونها مفروضة فأغنى عن الإعادة.
الضرب الثالث: المستحبات، وهي التي لم تكثر مواظبة الرسول ً على
فعلها، وهذه في الرتبة دون رتبة المسنونات، لما ذكرناه من عدم تكرر
فعلها من جهة الرسول ً، وهذا نحو الاشتنان والجمع بين المضمضة
والاستنشاق بغرفة واحدة فإنه قد فعله وفعل خلافه، ولهذا عددناه في
الأمور المستحبة، ونحو الدعاء عند غسل الأعضاء فإنه يعد من
المستحبات إلى غير ذلك من الأمور التي يكون استعمالها دون استعمال
غيرها من الأفعال المسنونة في الوضوء.
فأما الفقهاء فقد قالوا: إن جميع ما اشتملت عليه أعمال الوضوء
منقسمة إلى أقسام ثلاثة: واجبات ومسنونات وهيئات:
(1/928)
فأما الواجبات: فهي ما كان شرطاً في صحة الصلاة وكان معتبراً في
صحة الوضوء أيضاً، وهي إما مجمع عليها وهو غسل الوجه واليدين ومسح
الرأس وغسل الرجلين، وإما مختلف فيها، نحو النية، وغسل الفرجين،
والترتيب، والموالاة، فهذه هي الفرائض الواجبة.
وأما المسنونات: فهي كل ما كان ليس شرطاً في الصلاة ولا في صحة
الطهارة، وهذا نحو المضمضة، والاستنشاق، وتخليل اللحية، واستيعاب
مسح الرأس، ومسح الأذنين والرقبة، وتكرير الوضوء ثانية وثالثة في
الغسل، والمسح، والبداية باليمين.
وأما الهيئات عندهم: فهي التي تُعنَى(1) بالمستحبات، وهي دون
المرتبة في المسنونات كما مر تقريره، وهذا نحو تخليل الأصابع،
والمبالغة في المضمضة والاستنشاق، وتطويل الغرة، والدعاء عند غسل
الأعضاء، هذا كله تقرير أصحاب الشافعي من الفقهاء، وقد وقع بينهم
تردد في التسمية وغسل الكفين قبل إدخالهما الإناء، هل يعدان من
المسنونات أو يكونان معدودين من الهيئات؟ ولهم فيهما وجهان، والأمر
في ذلك قريب بعد إدراك المعنى المقصود من هذه العبارات والوقوف على
حقائقها، والله أعلم.
__________
(1) في (ق): تُعرف.
(1/929)
الإنتصار
على علماء الأمصار
في تقرير المختار من مذاهب الأئمة
وأقاويل علماء الأمة
تأليف الأمام / يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم الحسيني
توفي عام 749 هـ
الجزء الثاني
تحقيق
عبدالوهاب بن علي المؤيد علي بن أحمد مفضل
أعده إلكترونياً
نزار بن عبدالوهاب المؤيد طارق بن محمد الصعدي
:ملاحظة : هذه نسخة إلكترونية أولى ونرحب بأي ملاحظات على البريد
الإلكتروني:
info@awahab.com
حقوق الطبع محفوظة لدى مؤسسة الإمام زيد (ع) الثقافية
(2/1)
---
الباب السابع في الغسل وبيان خواصه
الغسل بفتح الفاء(1) في اللغة- هو المصدر فنقول: غسل يغسل غَسْلاً
كما نقول: ضرب يضرب ضرباً،وبضمها الاسم من الاغتسال الذي يكون في
مقابلة المصدر، وبكسرها ما يغسل به من سدر أو أشنان أو صابون أو
غير ذلك مما يغسل به ويستعمل في النظافة.
وهو في لسان حملة الشريعة:عبارة عن إفاضة الماء على جميع البدن من
قمة الرأس إلى قرار القدم باطناً وظاهراً مع الدلك مقروناً بالنية.
فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر الأمور الموجبة للغسل ثم نذكر صفة
الغسل ثم نردفه بما يجوز للجنب فعله وما لا يجوز ثم نبين الغسلات
المسنونة فهذه فصول أربعة:
__________
(1) الفاء: أول الكلمة من (فعل) كما هو معروف في مصطلح الصرف.
(2/2)
---
الفصل الأول في بيان الأمور الموجبة للغسل
المني إذا خرج لشهوة وجب الغسل عند أئمة العترة وفقهاء الأمة من
الصحابة والتابعين ولا يعرف فيه خلاف.
والحجة على ذلك: قوله : ((الماء من الماء ))(1).
لأن من خرج منه المني عن شهوة فهو جنب، وقد قال تعالى: {وَإِنْ
كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}[المائدة:6]
والجنابة في اللغة:خروج المني على جهة الشهوة فإن خرج المني من غير
شهوة فإنه يكون ناقضاً للوضوء عند أئمة العترة وفقهاء الأمة لا
يعرف فيه خلاف، لقوله : ((الوضوء مما خرج " )). ولم يفصل ولأنه
خارج من أحد السبيلين فنقض الوضوء كالبول. وهل يوجب الغسل أم لا؟
فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يوجب الغسل سواء كان خروجه لشهوة أو من غير
شهوة، وهذا هو الذي ذكره أبو العباس لمذهب الهادي، وهو محكي عن
الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن النبي أنه قال: ((إذا كان ففيه الغسل "
)). ولم يفصل بين حالة وحالة في كونه موجباً للغسل.
الحجة الثانية: قياسية: وهو أنه مني فيجب أن يكون خروجه موجباً
للغسل كما إذا كان خارجاً مع الشهوة.
المذهب الثاني: أنه لا يوجب الغسل إلا إذا كان خارجاً لشهوة وهذا
هو قول أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة ومالك، وأحمد بن حنبل.
والحجة على ذلك: ما روى أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه حيث قال:
أمرت المقداد يسأل لي رسول اللّه عن المذي فقال: ((يا مقداد هي
أمور ثلاث " إلى أن قال: والمني الماء الدافق إذا كان مع الشهوة
وجب الغسل)). وهذا نص يرفع الخلاف.
الحجة الثانية: قياسية: وهو أنه خارج من قصبة الذكر متنوع نوعين:
أعلى وأدني.
فأعلاه: ما كان خارجاً بشهوة.
وأدناه: ما كان خارجاً من غير شهوة.
فإذا وجب في أعلاه الغسل لم يجب في أدناه، دليله الحيض والاستحاضة
فإن الحيض موجب للغسل وهو أعلى والاستحاضة غير موجبة وهي أدناه.
__________
(1) أخرجه النسائي عن أبي أيوب، وأخرج مسلم نحوه من رواية أبي سعيد
كما جاء في البحر 1/97.
(2/3)
والمختار: ما قاله السيد أبو العباس أنه موجب للغسل بكل حال وهو
رأي الشافعي.
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهما من الاحتجاج، ونزيد ههنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا فضخت الماء فاغتسل
))(1).
ولم يشترط كونه حاصلاً عن شهوة، فالعموم في الخبر لجميع الحالات
حاصل حتى تدل دلالة، ولا دلالة هاهنا في ظاهر الخبر على قيد من
القيود.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((الماء من الماء)). ولم
يفصل في ذلك، فوجب إبقاء هذه الأخبار على ظاهرها من غير تأويل.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: روي في حديث أمير المؤمنين عن النبي أنه قال: ((والمني
الدافق إذا كان مع شهوة " )). فاشترط الشهوة في وجوب الغسل.
قلنا: عما ذكروه جوابان:
أما أولاً: فلأن ما قاله من تقييد الشهوة ليس وارداً على جهة
الاشتراط فيلزم ما قالوه، وإنما أورده على أنه على جهة الغلبة
والكثرة لا أنه شرط في وجوب الغسل وانتفائه مع عدمها.
__________
(1) هذا تتمة الحديث السالف عن علي أنه قال: (( كنت رجلاً مذاءً.
إلى أن قال: فذكرت ذلك للنبي أو ذُكِرَ له فقال: ((لا تفعل إذا
رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة فإذا فضخت الماء
فاغتسل)) أخرجه الستة بروايات عدة، وهذه لأبي داؤد، ذكر في
(الجواهر تخريج آحاديث البحر) بعد هذا الحديث حاشية لفظها: فضخت
الماء بالفاء ثم ضاد ثم خاء معجمتين، أي: دفقت المني.اه. ج1/11.
(2/4)
وأما ثانياً: فلأن حديث المقداد إنما ورد على جهة التفرقة بين
الأنواع الثلاثة: الودي والمذي والمني، فذكر الشهوة في المني ليس
على جهة الاشتراط ولكنه وارد على جهة التمييز والتفرقة بين هذه
الأمور الثلاثة، وإذا كان هناك محمل لذكرها ضعف الاحتجاج به،
والأحاديث التي رويناها في إيجاب الغسل من المني على الإطلاق في
ورودها فلهذا كانت أرجح(1).
قالوا: متنوع إلى أعلى وأدنى فلا يكون الأدنى مؤثراً في وجوب الغسل
كالحيض والاستحاضة.
قلنا: عنه جوابان:
أما أولاً: فلأن المعنى في الأصل أن دم الحيض مخالف لدم الاستحاضة
فلا جرم كان الحيض موجباً للغسل دون الاستحاضة، ولهذا أشار صاحب
الشريعة إلى التفرقة بينهما بقوله في دم الاستحاضة ((إنه دم عرق "
)) بخلاف المني فإنه شيء واحد لا اختلاف فيه سواء كان عن شهوة أو
غير شهوة.
وأما ثانياً: فلأنه في جنسه موجب للغسل فلا يختلف حاله بين أن يكون
من شهوة أو غير شهوة، كالبول فإنه موجب لنقض الوضوء لا يختلف حاله
في ذلك.
قالوا: ولأنه يخرج من البدن لا على جهة الشهوة والدفق فلا يكون
موجباً للغسل كالمذي.
قلنا: المعنى في الأصل كونه غير مني فلا يوجب غسلاً بخلاف المني
الخارج من غير شهوة فإنه مني كالخارج مع الشهوة فافترقا.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: إذا أمنت المرأة من فرجها وجب الغسل عليها عند أئمة
العترة وفقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه ومالك.
والحجة على ذلك:
ما روت أم سليم الأنصارية(2)
__________
(1) يبدو من لفظ الحديث أن الشهوة شرط في إيجاب الغسل؛ لأنها
اقترنت فيه بأداة الشرط، ثم إن بالإمكان القول بأن هذا الحديث مخصص
أو مقيد للإطلاق أو العموم في الحديث السابق، والله أعلم.
(2) أم سليم بنت ملحان والدة أنس بن مالك، وزوج أبي طلحة الأنصاري،
روت عن النبي وعنها ابنها أنس بن ملك، وعبد الله بن عباس وعمرو بن
عاصم الأنصاري وغيرهم.
قال ابن عبد البر: كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية فولدت له
أنساً، فلما جاء الله بالإسلام أسلمت وعرضت عليه الإسلام فغضب
عليها وخرج إلى الشام فتزوجت بعده أبا طلحة. إ ه. تهذيب التهذيب
ملخصاً ج12/497.
(2/5)
قالت: يارسول اللّه إن اللّه لا يستحي من الحق،
أرأيت المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل، أتغتسل أم لا؟
فقال الرسول : ((فلتغتسل إذا وجدت الماء ))(1)
وللمرأة ماء كماء الرجل لما روت عائشة عن الرسول أنه قال: ((إن
للمرأة ماء كماء الرجل " ولكن اللّه أسر ماءها وأظهر ماء
الرجل))(2)
والشبه بين الرجل(3) وأبويه أو أحدهما، يكون على حسب غلبة الماء
لما روت عائشة عن النبي أنه اجتمع إليها نسوة من قريش ومن الأنصار
فقالت عائشة: يا رسول اللّه هؤلآء النسوة جئنك يسألنك عن أشياء
يستحين عن ذكرها فقال: ((إن اللّه لا يستحيي من الحق " )) فقالت:
ترى المرأة في منامها ما يرى الرجل فهل عليها غسل؟ فقال: ((عليها
الغسل إن لها ماء كماء الرجل فإذا ظهر ماؤها على ماء الرجل ذهب
الشبه إليها وإذا ظهر ماء الرجل على مائها ذهب الشبه إليه وإذا
اختلط كان الشبه منه ومنها، فإذا ظهر منها ما يظهر من الرجل
فلتغتسل))(4).
وحكي عن إبراهيم النخعي: أنه لا يجب عليها الغسل.
والحجة له على ذلك: ما روي من حديث عائشة ((وأن اللّه أسر ماءها
وأظهر ماء الرجل)).
__________
(1) الماء: المني.
(2) هو والحديث السابق له والتالي من بعده حديث واحد سيأتي.
(3) المقصود: المولود أو الرجل والمرأة.
(4) هذا الحديث روي من عدة طرق وبألفاظ مختلفة منها روايتان لمسلم،
ومنها عن عائشة أن نسوة من الأنصار...إلخ، ومنها عن عائشة أن أم
سليم سألت رسول الله، وفيه روايات أخر للموطأ وأبي داؤد و النسائي،
بما يفيد أن المرأة إذا رأت في منامها ما يرى الرجل فعليها الغسل
إذا وجدت الماء أي: المني.
(2/6)
ووجه تقرير الحجة: هو أن الغسل إنما يجب بظهور الماء كالرجل
فإذا كان مستتراً فلا وجه لإيجاب الغسل عليها، وما ذكره النخعي
فاسد فإنا لا ننكر أن الأغلب في العادة استتار مائها ولكنا نقول:
إذا برز وجب الغسل، فإذاً الخلاف مرتفع بيننا وبينه في المسألة
فإنا نقول: إذا لم يخرج منها فلا وجه لإيجاب الغسل، وهو لا يخالفنا
في ذلك وهو يسلم لنا [أنه] إذا خرج وجب الغسل عليها، اللهم إلا أن
يقول: إنه لا يجب عليها سواء خرج أو لم يخرج كان هذا خطأ فإن
الرسول قال: ((الماء من الماء)) ولم يفصل بين الرجل والمرأة. ولأنه
ماء خرج لشهوة عند الوقاع فكان موجباً للغسل كالمني.
الفرع الثاني: المني الذي يوجب الغسل من الرجل، هو ماء أبيض غليظ
له ريح الطلع إذا كان رطباً وله ريح العجين إذا كان يابساً أو
البيض، فهو متميز بالريح واللون والغلظ، وقد يتغير عما ذكرناه لعلة
تحدث فيخرج رقيقاً أصفر لمرض، وقد يخرج متلوناً بالحمرة إذا أجهد
[الرجل] نفسه في الجماع. وأما ماء المرأة فهو أصفر رقيق فإذا خرج
وعرفته بانقطاع شهوتها فإنه يجب عليها الغسل كما أوضحناه، وإنما
سمي منياً لأنه يراق ويصب في الأرحام ولهذا يسمى الموضع منا(1)
لما يراق فيه من الدماء ويصب،فأما المذي والودي فليس فيهما غسل
وإنما يجب الوضوء منهما وقد مر الكلام على صفاتهما وعلى أنهما لا
يوجبان الغسل فأغنى عن الإعادة.
وإن استدخلت المرأة مني الرجل في فرجها ثم خرج فإنه يجب عليها
الوضوء، لقوله : ((الوضوء مما خرج)) ولم يفصل، ولا يجب عليها الغسل
لأنه إنما يجب إذا كان المني حاصلاً عن الجماع ولا جماع هاهنا
وإنما هو خارج كما لو أدخلت في فرجها دم حيض، فإنما يجب عليها
الوضوء عند خروجه منها ولا يجب عليها الاغتسال.
وإن أمذى الرجل فهل يجب عليه مع غسل موضع المذي، [غسل] ذكره
وأنثييه أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) جاء في حاشية الأصل: مِناً مُنَوَّناً أينما وقع ذكره.
(2/7)
أحدهما: أنه لا يجب عليه غسلهما، وهذا هو قول أئمة العترة،
ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال في بعض الأخبار: ((وينضح
على فرجه ويتوضأ ))(1)
يعني بالنضح: غسل ما أصابه المذي لاغير.
وثانيهما: أنه يجب عليه غسل ذكره وأنثييه، وهذا هو المحكي عن أحمد
بن حنبل، أو غسل ذكره وهذا هو رأي مالك.
والحجة على ما قالاه: ما روي عن المقداد بن عمرو(2) في حديث أمير
المؤمنين لما سأله عن المذي فقال: ((يغسل ذكره ويتوضأ " )). وفي
حديث آخر: ((يغسل ذكره وأنثييه " )).
والمختار: ما قاله أصحابنا والفقهاء من جهة أنه خارج لا يوجب غسل
جميع البدن فلا يوجب غسل ما لم يصبه كالبول، وما قالوه محمول على
الاستحباب لا غير.
الفرع الثالث: قال الهادي في الأحكام: من رأى في منامه أنه يجامع
ثم انتبه ولم ينزل فلا غسل عليه(3) ، لقوله : ((فإذا فضخت الماء
فاغتسل " )). وهذا لم يفضخ ماء فلم يجب عليه غسل.
وإن رأى في منامه أنه يجامع فاستيقظ فلمس رطوبة فنظره (4)
فوجده مذياً وأيقن أنه لم ينزل فإنه لا غسل عليه ;لأنه على يقين من
الطهارة ولم يتحقق ما يوجب الغسل من إنزال المني
وإن شك في الإمناء لم يجب عليه الغسل لأن الطهارة ثابتة بيقين فلا
يزول حكمها بالشك.
__________
(1) سبق في حديث علي.
(2) جاء في ترجمته للعلامة السياغي: هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة،
من اليمن، وكان الأسود بن عبد يغوث ادعاه لأنه كان حليفاً له فنسب
إليه ورجع إلى نسبه. وكان فارس رسول الله يوم بدر، إلى أن قال:
ويكنى: أبا معبد، مات بالجرف فحمل على رقاب الرجال حتى دفن
بالمدينة سنة 33هوهو ابن سبعين سنة أو نحوها. اه(الروض النضير)
ج1 ص367.
(3) لفظ الأحكام: ولو أن رجلاً رأى في المنام أنه يجامع ثم انتبه
ولم ينزل لم يكن عليه في ذلك غسل.ا ه. ج1ص59.
(4) أي: الخارج.
(2/8)
قال المؤيد بالله: ومن استيقظ من نومه فوجد بللاً فلا غسل عليه
ما لم يعلم أنه مني، وهكذا إذا غسل البلل قبل أن يتحقق حاله لم يجب
عليه الغسل وإن وجد بللاً مع ذكر الاحتلام.
والوجه في هذه المسائل كلها: أنه على يقين من الطهارة وشاك في
الإمناء.
وحكي عن أبي حنيفة ومحمد: أنه إذا رأى بللاً ولم يذكر الاحتلام
فعليه الغسل، وهو محكي عن الثوري و مالك؛ لأن الغالب من حال البلة
عند النوم أنها مني.
وحكي عن أبي يوسف أنه لا غسل عليه كمقالتنا حتى يتيقن الاحتلام،
وعندنا لا بد من اعتبار تحقق الإنزال مع يقين الاحتلام ولا يغني
أحدهما عن الآخر.
وحكي عن الحسن بن صالح: أنه إذا وجد البلة حين استيقظ وجب عليه
الغسل.
وإن وجدها بعدما يقوم ويمشي فلا غسل عليه لأنه لا يحتمل البلل عقيب
النوم إلا أن يكون منياً بخلاف ما إذا وجده بعدما قام فإنه يحتمل
أن يكون مذياً.
قال الشافعي: الأحب أن يغتسل، وظاهر كلامه دال على الاستحباب إذ لا
وجوب هناك لعدم التحقق للإمناء.
الفرع الرابع: قال الهادي في الأحكام: وإن وجد في ثوبه منياً ولم
يذكر جنابة وجب عليه الاغتسال(1).
لما روته عائشة أن الرسول سئل عن الرجل يجد بللاً ولا يذكر
احتلاماً قال: ((يغتسل))(2).
__________
(1) لأنه قد رأى في ثوبه ما يجب فيه الغسل. ا.هبلفظه من كلام
الهادي في الأحكام. ج1ص59.
(2) هذا الحديث جاء في (جواهر الأخبار) عن عائشة أن رسول الله سئل
عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً، قال: ((يغتسل))، وعن الرجل
يرى أنه احتلم ولا يجد بللاً، قال: ((لا غسل عليه)). قالت أم سلمة:
والمرأة ترى ذلك أعليها غسل؟ قال: ((نعم النساء شقائق الرجال))
أخرجه أبو داؤد والترمذي. اه. 1/99.
والخلاصة كما جاء في (متن الأزهار) للإمام المهدي أحمد بن يحيى
المرتضى: أن الغسل على من تيقن المني وظن الشهوة لا العكس.
(2/9)
والظاهر من كلام الهادي هو الإطلاق وحمله السيد أبو طالب أنه لا
يلبسه سواه. فإن كان يلبسه غيره لم يجب عليه الاغتسال، وهذا جيد
لأنه إذا كان يلبسه غيره لم يتحقق كونه من جهته لأجل الاحتمال،
وإذا كان مقصوراً عليه فالظاهر أنه منه وإن لم يكن ذاكراً له.
وإن رأى رجلٌ في نومه أنه جامع ولم يجد البلل فإنه لا غسل عليه،
لما روته أم سليم: أن المرأة ترى ذلك هل عليها غسل؟ فقال الرسول :
((نعم إنما النساء شقائق الرجال " ))(1).
ومن شك في الإمناء فلا غسل عليه من جهة أن الطهارة إذا كانت ثابتة
بيقين فلا يزول حكمها بالشك.
وإن خرج المني من رجل فاغتسل ثم خرج منه المني ثانياً فهل يجب عليه
الغسل أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
أولها: أنه لا غسل عليه بحال سواء كان خارجاً قبل البول أو بعده،
وهذا هو المحكي عن مالك والزهري والليث وعطاء وأحمد بن حنبل وإسحاق
بن راهويه، وهذا هو الذي يأتي على كلام الإمامين الهادي والمؤيد
بالله وأكثر العترة.
والحجة على ذلك: هو أن المني عندهم ليس موجباً للغسل إلا إذا كان
خارجاً عن شهوة على جهة الدفق فإذا خرج دفعة ثانية لم تكن الشهوة
مقارنة له، ولهذا لم يكن موجباً للغسل.
وثانيها: أن الغسل واجب عليه بكل حال سواء كان قبل البول أو بعده،
وهذا هو الذي يشير إليه كلام أبي العباس الحسني وهو رأي الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن المني موجب للغسل على أي وجه خرج فالدفعة
الثانية كالدفعة الأولى في إيجاب الغسل.
وثالثها: أنه ينظر فيه فإن كان قبل البول فإنه يوجب الغسل وإن كان
بعد البول فإنه غير موجب له، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة له على ذلك: هو أنه إذا خرج قبل البول فهو من المني الأول
الخارج بالشهوة، فلهذا أوجب الغسل، وإن كان بعد البول لم يجب فيه
الغسل لأنه لم يخرج بدفق وشهوة.
__________
(1) تقدم في الحديث السابق.
(2/10)
والمختار: إيجابه للغسل بكل حال لما قررناه من قبل من أن المني
موجب للغسل سواء خرج لشهوة أو من غير شهوة(1)،
وقد قررناه من قبل، ولأن الغالب من المني أنه لا يخرج إلا عن شهوة
وخروجه من غير شهوة إنما يكون على جهة الندرة والنادر لا حكم له
وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام في تقديم البول على غسل
الجنابة، ولأن ما هذا حاله مني آدمي انفصل عن محله فأوجب الغسل كما
لو خرج ابتداء.
الفرع الخامس: وإن أحس الرجل بانتقال المني منه ولم يخرج منه شيء
فلا غسل عليه عند أئمة العترة وهو قول أكثر فقهاء الأمة.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه سئل عن الرجل يرى أنه احتلم
ولا يجد البلل فقال: ((لا غسل عليه " ))(2).
وحكي عن أحمد بن حنبل أنه قال: يجب عليه الاغتسال.
وحجته على ما قاله هو: أن إيجاب الغسل إنما هو معلق بانفصال المني
والغالب من حاله أنه إذا انفصل فهو خارج لا محالة فإذا تأخر خروجه
في بعض الأحوال فهو نادر. فلأجل هذا علقناه بالأمر الأكثري وهذا
غلط، فإن كل ما أوجب الطهارة فالاعتبار فيه بالظهور لا بالإنتقال
كالحدث، ويؤيده كلام صاحب الشريعة حيث قال: ((إذا فضخت الماء
فاغتسل)). والفضخ إنما يكون عند الظهور لا غير.
وإن وجد المني على فخذه أو في ثوب لا ينام فيه غيره ولم يتيقن
خروجه منه، وجب عليه الغسل عند أئمة العترة وهو قول الأكثر من
أصحاب الشافعي.
__________
(1) في آخر الفرع الثالث السابق، قال المؤلف ما لفظه: عندنا لا بد
من اعتبار تحقيق الإنزال مع يقين الاحتلام ولايغني أحدهما عن
الآخر. إ.ه. وهنا يرى في (المختار) أن خروج المني موجب للغسل سواء
خرج لشهوة أو لغير شهوة. وهذا قد يظهر تناقضاً ولا تناقض فيه وذلك
لأمرين:
أحدهما: أن قوله الأول يتعلق بإمناء النائم.
وثانيهما: أنه يرى أن المني لا يخرج إلا لشهوة إلا في النادر الذي
لا حكم له. فتأمل والله أعلم. إ.ه.
(2) تقدم قريباً.
(2/11)
والحجة على ذلك: ما روته عائشة رضي اللّه عنها أن الرسول سئل عن
الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام فقال: ((يغتسل)) فإذا أوجب
الغسل عند البلل مع تجويز كونه غير مني فلأن يجب الغسل لمن تحقق
كونه منياً أولى.
وحكي عن بعض أصحاب الشافعي: أنه لا يوجب الغسل لأنه لم يتحقق كونه
منياً ولأن الظاهر أنه خارج منه، فعلى هذا يجب عليه إعادة كل صلاة
صلاها قبل الاغتسال بعد أقرب نومة نامها لأنه هو المتحقق بيقين
والمستحب أنه يعيد كل صلاة صلاها من الوقت الذي تحقق أنه لم يكن
معه المني إلى أن يراه.
وإن احتلم ولم يجد البلل أو شك هل خرج منه المني أم لا. فإنه لا
يجب عليه الاغتسال كما ذكرناه من حديث عائشة، وإن رأى المني على
فراش أو ثوب يتبذله هو وغيره لم يجب عليه الغسل لجواز أن يكون من
غيره. والمستحب أن يغتسل لجواز أن يكون من جهته.
وإن تحقق[أن] المني خرج منه في النوم ولا يعلم متى خرج منه وجب
عليه أن يغتسل لتحققه لما يوجب الاغتسال، ويجب عليه أن يعيد كل
صلاة صلاَّها بعد أقرب نومة نامها لأن ذلك هو المتيقن، ويستحب له
أن يعيد ما صلى من الوقت الذي تيقن أنه حدث بعضه(1).
ولا يجب الاغتسال من خروج المذي لحديث المقداد بن عمرو وقد مر فلا
نعيده.
ولا يجب الاغتسال من الودي أيضاً وهو الذي يخرج بعد البول لأنه إذا
لم يجب الغسل من خروج المذي لكونه أقرب إلى صفة المني فلأن لايجب
بخروج الودي وهو أقرب إلى البول أولى وأحق.
الفرع السادس: وإن خرج من رجل شيء يشبه المني والمذي والودي ولم
يتميز له واحد منها ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجب عليه الوضوء لا غير لأن غسل أعضاء الوضوء متيقن على
الأحوال كلها، فلهذا كان واجباً، وما زاد على ذلك من وجوب الغسل
فهو مشكوك فلم يكن واجباً.
__________
(1) لعل الصواب (بعده) لأن المعنى غير واضح.
(2/12)
وثانيها: أنه مخير بين أن يجعل حكمه حكم المني فيجب الغسل منه
ولا يجب غسل الثوب وبين أن يجعل حكمه حكم المذي فيجب الوضوء مرتباً
ولا يجب غسل الثوب منه لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.
وثالثها: أن يجعل حكمه حكم المني وحكم المذي جميعاً فيجب عليه غسل
جميع بدنه، ويجب عليه الترتيب في الوضوء، ويجب عليه غسل الثوب.
فهذه الأقوال كلها محكية عن الشافعي وأصحابه، وهذا هو المختار
عندنا على رأي أئمة العترة، فيجب عليه غسل بدنه وغسل الثوب جميعاً
ويجب عليه الوضوء مرتباً لأنا إذا أوجبنا الغسل وجب عليه الوضوء
لأن الصلاة ثبت وجوبها بيقين فلا بد مما ذكرناه ليسقط فرضها بيقين.
فلهذا وجب غسل بدنه وثوبه جميعاً كما ذكرناه.
وإن خرج من قُبُلَي الخنثى المشكل وجب عليه الغسل لأن المني قد خرج
من الفرج الأصلي بيقين، وإن خرج من أحدهما فهل يجب عليه الغسل أم
لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه غير واجب لجواز أن يكون ذكراً وقد خرج المني من عضو
زائد غير الذكر. أو يكون أنثى ويكون المني قد خرج من عضو زائد غير
الفرج، فلما كان الأمر فيه كما قلناه لم يجب الغسل مع الشك.
وثانيهما: أنه واجب بكل حال لحديث النبي مع أمير المؤمنين حيث قال
له: ((يا علي إذا فضخت الماء فاغتسل " )).
وإن خرج المني من الدبر فهل يجب الغسل أم لا؟ فيحتمل أن يقال: إنه
واجب كما يشير إليه كلام أبي العباس لأنه اعتبر خروج المني من غير
شهوة موجباً للغسل.
وأما على كلام الهادي فلا غسل عليه لأنه قد اعتبر الشهوة ولا شهوة
في خروجه من غير الذكر. وعن الشافعي فيه وجهان(1).
والمختار: أنا إذا قدرنا وقوع هذه الصور النادرة وجب الغسل عند
خروج المني سواء قارن الشهوة أم لم يقارنها تعويلاً على الظواهر
الشرعية والإطلاقات النقلية فإنها لم تفصل في ذلك بين محل ومحل في
خروجه، ولا بين حالة وحالة. والله أعلم بالصواب.
__________
(1) وجوب الغسل وعدمه.
(2/13)
مسألة: التقاء الختانين: هو إيلاج الحشفة في الفرج من غير
إنزال، واعلم أن الحشفة من الرجل هي موضع القطع عند ختانه المنحسر
قليلاً عن الحشفة، والكمرة هي طرف الذكر وفيها ثقبة البول، فالحشفة
متقدمة على قطع الختان،
والذكر والإحليل عبارتان(1)
عن مجموع العضو،وأما المرأة ففي فرجها ثقبتان، فالثقبة الأولى: في
أعلى فرجها وهي مخرج البول وفوقها جلدة تشبه عرف الديك مغطية لمخرج
البول تقطع عند ختانها. والثقبة الثانية: في أسفل فرجها هي مدخل
ذكر الزوج ومخرج الولد والحيض. والملاقاة هي المحاذاة. يقال: التقى
الفارسان إذا تحاذيا. فإذا لاقى ختان الرجل ختان المرأة فقد تقابلا
وذلك لا يكون إلا بعد تواري الكمرة وهي طرف الذكر وتواري الحشفة
أيضاً لأنها متقدمة على ختان الرجل وهو بعدها، فإذا حصل الإيلاج
على هذه الصفة من غير إنزال المني فهل يكون موجباً للغسل أم لا؟
فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه موجب له وهو قول أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه
والخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من جلَّة الصحابة رضي اللّه
عنهم وعائشة، وهو قول أئمة العترة وفقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه
والشافعي وأصحابه وغيرهم من جلة الفقهاء.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي
سَبِيلٍ " }[النساء:43]. والجنابة إنما تقال لغة على الجماع سواء
كان معه إنزال أو لم يكن.
__________
(1) هكذا في الأصل.
(2/14)
الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين عن
النبي أنه قال: ((إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل
" أنزل أم لم ينزل))(1). وهذا نص فيما ذهبنا إليه.
المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو المحكي عن جماعة من الصحابة
كأبي سعيد الخدري وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وسعد بن أبي وقاص وزيد
بن أرقم ومعاذ بن جبل ورافع بن خديج " (2)
وأبي أيوب الأنصاري وبه قال عروة. وروي عن داود وطبقته من أهل
الظاهر. وقيل: إن أبي بن كعب وزيد بن أرقم رجعا عن ذلك وقالا
بإيجاب الغسل عليه وإن لم ينزل.
والحجة على ذلك: ما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه قال: ((من
جامع ولم يمن فلا غسل عليه " ))(3).
وفي حديث آخر أنه قال : ((من أقحط فلا غسل عليه " ))(4)
والمعنى في الإقحاط هو الإيلاج من غير إنزال أخذاً له من القحط وهو
إنقطاع المطر.
__________
(1) رواه زيد بن علي عن آبائه، عن علي وهو حديث مشهور، ورد من عدة
طرق، وهو مروي كما جاء في (الروض) عن أبي هريرة وابن عمر ورافع بن
خديج، قال: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وفي أكثر
الروايات بلفظ: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)) بدون ((أنزل أم
لم ينزل)) وهي جملة مؤكدة لا يؤثر حذفها على الحكم بشيء.
(2) رافع بن خديج (بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة) بن رافع
الأوسي الأنصاري، صحابي شهد أحداً والخندق. روى عن النبي وعن جماعة
من الصحابة، وروى عنه فقهاء من التابعين منهم: سعيد بن المسيب،
ونافع مولى ابن عمر، توفي سنة 73ه(تهذيب التهذيب) ج3ص198.
(3) حكاه في (الشفاء) وضعفه.
(4) روي الحديث عن أبي سعيد أنه خرج مع رسول الله إلى قبا إلى آخر
الحديث، رواه مسلم، وللبخاري رواية أخرى بمعناه.
(2/15)
الحجة الثانية: ما روي أنه جاء إلى بعض الأنصار فاستخرجه من
بيته وكان الرجل مخالطاً لامرأته فلما سمع قرع الرسول خرج وزال عن
مخالطتها فلما بصر به الرسول قال له: ((عجلت عجلت ولم تنزل فلا
تغتسل فإن الماء من الماء " ))(1).
وأراد أن الغسل بالماء لا يجب إلا على من أنزل المني وهو الماء.
المذهب الثالث: هو التوقف. وهذا هو المحكي عن الإمام القاسم بن
إبراهيم فإنه قد صحح فيه الفتوى، وفي كلامه احتمال للوجوب وعدمه
فإنه قال: قد اختلف فيما هذا حاله عن الرسول وعن أمير المؤمنين،
واختلف فيه المهاجرون والأنصار وكثرت فيه الأحاديث والروايات. وهذا
فيه دلالة على أنه واقف في حكمه. وقال: إن الإحتياط الغسل. وقال:
ومن ترك الغسل منه وتوضأ وأخذ بما ذكر عن رجال من الأنصار لم يكن
كمن لم يغتسل بعد الإنزال.
وأقول: إن مثل هذا التوقف غير بدع فإنه لا يمتنع تعارض الأمارات
الظنية على المجتهد فيقف(2)،
ولا يكون له في المسألة قطع على أحد الاحتمالين. فأما السيد أبو
طالب فقد حمل كلامه(3) على موافقة كلام ولده(4)
الهادي من القول بإيجاب الغسل. وغلط من حمل كلامه على خلاف ذلك
وهذا فيه نظر، فإن ظاهر كلامه ونصه على الوقف كما نقلناه عنه ورواه
الناقلون لمذهبه من أصحابه، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا وجه
لتخطئة من حمل كلامه على ظاهره(5)،
__________
(1) هذا الحديث والسابق له حديث واحد، والاختلاف لا يكاد يتجاوز
الرواية وبعض الألفاظ.
(2) أي فيتوقف عن القطع برأي معين.
(3) أي كلام القاسم بن إبراهيم.
(4) يقصد حفيد القاسم وهو الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم.
(5) في نسخة: من حمله على ظاهر كلامه.
(2/16)
ولا حرج عليه في ذلك خاصة مع قيام الاحتمال وتعارض الأدلة. فأما
قوله: غير أن الإحتياط هو الغسل(1)،
فهو مما يؤيد وقفه في المسألة لأنه لو صفا له دليل الوجوب قال به،
فلما لم يَصْفُ عن المعارض له وقف، وهذه هي أمارة التقوى حذراً من
الهجوم على القطع من غير بصيرة، وأمارة قوة الفهم حيث أحاط بالأدلة
الشرعية وتحقق أنها متعارضة.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة وفقهاء الأمة ويؤيد
ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا حججاً ثلاثاً:
الحجة الأولى: ما روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: ((إذا قعد بين
شُعَبِهَا الأربع وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل " أنزل أم لم
ينزل))(2)
__________
(1) وكلام القاسم في هذه المسألة من بدايته هو كما رواه الهادي
قال: حدثني أبي عن أبيه في الرجل يجامع المرأة فلا يُنزل، هل
عليهما الغسل أم لا؟ فقال (يعني القاسم) قد اختلف في ذلك عن النبي
وعن علي رحمة اللّه عليه، واختلف المهاجرون والأنصار وكثرت فيه
الروايات، غير أن الإحتياط أن يغتسل. وقد قيل إن ما أوجب الحدَّ
أوجب الغسل. ا.ه. بلفظه من الأحكام ج1ص58.
(2) هذا الحديث روي عن أبي موسى أنه سأل عائشة عما يوجب الغسل
فقالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله: (( إذا جلس بين شعبها
الأربع ومس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل)) أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((إذا جلس بين شعبها الأربع ثم
جهدها فقد وجب الغسل)) زاد في رواية: ((وإن لم ينزل)) أخرجه
البخاري ومسلم، وللنسائي نحوه، وهو بلفظه الذي أورده المؤلف في
رواية لأبي داؤد. اه(جواهر)1/100.
(2/17)
.والشعب الأربع : شعبتا رجليها وشعبتا شفريها وهما جانبا
فرجها(1) هكذا فسره الأزهري" (2)،
وروي عن أمير المؤمنين أنه قال: كيف يجب الحد ولا يجب الغسل.
الحجة الثانية: ما روي أن الصحابة لما اختلفوا في ذلك سألو أزواج
رسول اللّه فأخبرن أن رسول اللّه كان يغتسل منه، وروت عائشة قالت:
فعلته أنا ورسول اللّه فاغتسلنا. وعن محمد بن علي الباقر أنه قال:
اجتمعت قريش والأنصار فقالت الأنصار: ((الماء من الماء)). وقالت
قريش: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل " )) فتدافعوا إلى أمير
المؤمنين فقال: يامعشر الأنصار أيوجب الحد؟ قالوا: نعم. فقال لهم:
فما بال ما يوجب الحد لا يوجب الغسل؟ فأبوا إلا ما قالوه وأبى إلا
ما قاله، وهذا فيه دلالة على أن مذهبه وجوب الغسل.
الحجة الثالثة: قياسية وهو أن كل حكم يتعلق بالإنزال فإنه لا محالة
يتعلق بالإيلاج كالحد والعدة والإحصان والإحلال للزوج الأول، ولأن
الغسل حكم يتعلق بالإنزال فوجب أن يكون متعلقاً بالإيلاج، دليله:
فساد الصوم.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
__________
(1) وبين شعَبها الأربع هي يداها ورجلاها أو رجلاها وشفرا فرجها،
كَنَّى بذلك عن تغييب الحشفة في فرجها. ا.هقاموس.
(2) محمد بن أحمد بن الأزهر، أبو منصور: أحد الأئمة في اللغة
والأدب، مولده ووفاته في هراة بين282و370هحرية بخراسان، نسبته إلى
جده الأزهر، عني بالفقه واشتهر به أولاً، ثم غلب عليه التبحر في
العربية، فرحل في طلبها وقصد القبائل وتوسع في أخبارهم، ووقع في
أسار القرامطة، فكان مع فريق من هوازن (يتكلمون بطباعهم البدوية
ولا يكاد يوجد في منطقهم لحن) كما قال في مقدمة كتابه (تهذيب
اللغة-ط-) ومن كتبه: (غريب الألفاظ التي استعملها الفقهاء-خ-)
و(تفسير القرآن) و(فوائد منقولة من تفسير للمزني-خ-). ا.ه(أعلام)
5/311، راجع (الوفيات1/311).
(2/18)
قالوا: الحديثان اللذان رويناهما(1)
دالان على أن وجوب الغسل لا يتعلق إلا بالإنزال فيجب الإعتماد
عليه.
قلنا: هذان الحديثان منسوخان فلا يعمل عليهما، وإنما قلنا إنهما
منسوخان فلما روى سهل بن سعد أنه أخبره أبي بن كعب أن رسول اللّه
جعل: ((الماء من الماء))(2).
رخصة في أول الإسلام من البرد لعدم الأثواب ثم نهاهم عن ذلك وأمرهم
بالاغتسال منه(3)،
وإنما قلنا: إن كل ما كان منسوخاً فلا يعمل عليه فلأن الشرط في
العمل عليه هو أن لا يرد له ناسخ، ومن وجه آخر وهو أن الغسل منه
فيه احتياط، خاصة في أمور العبادات، فيجب التعويل على الأخبار
الدالة على وجوب الاغتسال منه لما ذكرناه، وقد قال : ((دع ما يريبك
إلى ما لا يريبك " )) فإذا لم يكن الإحتياط واجباً فلا أقل من كونه
راجحاً على غيره وهذا هو الغرض الأقصى في الأحكام الاجتهادية.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: وهل يعتبر تواري الحشفة في إيجاب الغسل أم لا؟
فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا بد من تواريها في وجوب الغسل، وهذا هو رأي
الأكثر من أئمة العترة، ومحكي عن الفريقين أبي حنيفة والشافعي
وأصحابهما، وعلى هذا يكون قوله : ((وتوارت الحشفة)) يفيد فائدة
جديدة غير قوله: ((إذا التقى الختانان)) وقوله: ((إذا لاصق الختان
الختان)). من جهة أن الملاصقة لا توجب الغسل إلا بشرط تواري
الحشفة.
والحجة على ذلك: حديث زيد بن علي عن آبائه عن الرسول أنه قال:
((إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل)). فظاهر الحديث
دال على اعتبار تواريها في وجوب الغسل فلا يجوز إبطاله بالتأويل.
__________
(1) وهما: ((من جامع ولم يمن فلا غسل عليه)) و((من أقحط فلا غسل
عليه)).
(2) أي: لا من الإيلاج.
(3) من الإيلاج الذي نهاهم عنه دون أن يغتسلوا.
(2/19)
المذهب الثاني: أن ذلك غير معتبر وإنما المعتبر هو المماسة
والمجاوزة(1)
وهذا هو الذي يشير إليه كلام الهادي حيث قال: ولو دنى يقظان من
يقظان حتى مس ختان ختاناً فالواجب الغسل، وذلك سواء في الرجال
والنساء، وظاهر كلامه دال على أنه لو مس ختان المرأة مثله أو ختان
الرجل مثله أو ختان الرجل [ختان] المرأة فإنه موجب للغسل في حقهما
جميعاً،وبه قال مالك، فإنه صرح بأنه إذا تماس الختانان وجب الغسل
وحمله ابن القاسم(2)
من أصحابه على تواري الحشفة، وظاهر كلامه الإطلاق.
والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال: ((إذا جاوز الختان
الختان وجب الغسل " ))(3). وقوله : ((إذا قعد بين شعبها الأربع فقد
وجب الغسل " )). وقوله : ((إذا أُلصِق الختان بالختان وجب الغسل "
))(4). وقوله : ((إذا ماسّ الختان الختان فقد وجب الغسل " )).
ووجه تقرير الحجة من هذه الأخبار هو: أنه أوجب الغسل بالمماسة
والمجاوزة والملاصقة ولم يعتبر تواري الحشفة وفي هذا دلالة على أنه
غير معتبر في وجوب الغسل(5).
__________
(1) يظهر أنه يقصد بالمجاوزة مجاوزة الختان للختان كما سيأتي في
الحديث الشريف: ((إذا جاوز الختان الختان...))إلخ. وربما قصد
المجاورة بالراء المهملة وهي الرادفة للمماسة.
(2) هناك عدد غير قليل من الأعلام يطلق على كل منهم: ابن القاسم،
ومنهم على سبيل المثال: عبدالرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر،
والحسن بن القاسم بن الحفظ الدمشقي، ومحمد بن القاسم الطائي
الشامي، وغيرهم. راجع( سير أعلام النبلاء) ج6 ص 5، ص 404، ج15 ص
309، (والكنى والأسماء)ج1 ص 63، ص 130. و(التاريخ الكبير)ج1 ص 214.
(3) تقدم.
(4) تقدم.
(5) أما المجاوزة ففيها نظر. لأن مجاوزة الختان للختان قد لا تحصل
إلا بتواري الحشفة، بخلاف المماسة والملاصقة.
(2/20)
والمختار: ما عليه الأكثر من أئمة العترة وفقهاء الأمة من
اعتبار تواري الحشفة وغيبوبتها في الفرج، وعلى هذا يكون ذكر
التواري شرطاً كما أشرنا إليه من قبل، وعلى قول من لا يشترطه يكون
ذكر التواري على جهة البيان والإيضاح من غير أن يكون شرطاً لأن
الغسل واجب من دونه على رأي من لا يعتبره.
والحجة: ما حكيناه عنهم من الاحتجاج بخبر زيد بن علي، ونزيد ههنا
وهو أن جميع الأحكام المتعلقة بالوطء من الحد والإحصان وغيرها لا
بد فيه من اشتراط التواري دون الإمساس والملاقاة فهكذا الغسل من
غير تفرقة بينهما.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: الأحاديث التي رويناها دالة على بطلان التواري فإنه لم يذكر
فيها إلا الملاقاة والإلصاق والإلزاق والمماسة ولم يعتبر توارياً،
وفي هذا دلالة على بطلان اعتبار التواري.
قلنا: قد روينا من حديث زيد بن علي وأبي هريرة في الخبرين اللذين
رويناهما ذكر التواري، وسكوته عن ذكره فيما رووه من الأحاديث لا
يدل على بطلان اعتباره بل إنما سكت عنه لأن يكون مردوداً إليه
بالقياس كغيره مما يكون حكمه معلوماً بالقياس على غيره.
ومن وجه آخر: وهو أن الأحاديث التي رووها من غير ذكره، نهاية أمرها
أنها مطلقة. وما ذكرناه من حديث زيد بن علي وأبي هريرة مقيد بما
ذكرناه من اشتراط التواري فيجب حملها عليهما جمعاً بين الأدلة
وحذراً عن المناقضة بينها.
الفرع الثاني: إذا أولج ذكره في دبر امرأة أو دبر رجل أو دبر خنثى
مشكل وجب عليه الغسل عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة والشافعي
وأصحابهما.
والحجة على ذلك هو: أنه أحد السبيلين فوجب الغسل بتغييب الحشفة
كالفرج.
فإن أولج ذكره في دبر بهيمة أو فرجها أو في فرج امرأة ميتة أو
دبرها فهل يجب عليه الغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يجب عليه، وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي، وهو
محكي عن الشافعي.
(2/21)
والحجة على ذلك هو: أنه يقع عليه اسم الفرج فوجب بتغييب الحشفة
فيه الغسل كفرج المرأة الحية، وهل يجب غسل المرأة الميتة أم لا؟
والأقرب أنه غير لازم وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر أنه يلزم.
والحجة على ذلك هو: أن الإيلاج في الميتة ليس يخلو حاله إما أن
يكون قبل غسلها للموت أو بعده فإن كان قبل غسلها من الموت كان غسل
الموت كافياً كما لو ماتت وهي حائض أو جنباً، وإن كان الإيلاج بعد
غسلها للموت فلا وجه لإعادة غسلها لأن وجوبه إنما يكون للصلاة ولا
صلاة في حقها لبطلان التكليف بالموت.
وثانيهما: أن الإيلاج في الميتة غير موجب للغسل في قُبُلٍ كان أو
دبر، وهذا هو رأي المؤيد بالله، وهو قول أبي حنيفة.
والحجة على ذلك هو: أن هذا الإيلاج غير مقصود به التلذذ فلا يكون
موجباً للغسل كما لو أدخل أصبعه.
وهل يجب الحد على من أولج في فرج الميتة أم لا؟ فيه أوجه ثلاثة:
أحدها: أنه يجب الحد لأنه فرج محرم فوجب بالإيلاج فيه الحد كالمرأة
الأجنبية الحية.
وثانيها: لا يجب لأنه فرج غير مقصود كما لو أدخل الأصبع.
وثالثها: أنه ينظر فيه فإن كانت زوجته أو جاريته فلا حد عليه لأجل
الشبهة وإن كانت أجنبية وجب عليه الحد لأنه لا شبهة هناك.
والمختار: سقوط الحد عنه لأنه غير مقصود فأشبه ما لو أولج في فيها
أو أدخل يده في قبلها أو دبرها والله أعلم.
الفرع الثالث: قال الإمام المؤيد بالله: والصبية إذا جومعت وهي
صغيرة لم تحض فلا يجب عليها الغسل من جهة أن وجوب الغسل إنما يكون
من أجل وجوب الصلاة والصلاة غير واجبة عليها لفقد البلوغ في حقها،
وهكذا حال الصبي إذا جامع فإنه لا يجب عليه الاغتسال لما ذكرناه في
حق الصبية، ويستحب أن يؤمرا بذلك أعني بالاغتسال لقوله : ((مروهم
بالصلاة وهم أبناء سبع " واضربوهم وهم أبناء عشر))، والصلاة من
شرطها الطهارة وهما جنبان لا محالة، فلهذا أمرا بتقديم الغسل لما
ذكرناه.
(2/22)
وإن أرادا قراءة القرآن منعا عن قراءته وعن دخول المساجد لأن
كونهما جنباً متحقق في حقهما لقوله : ((إذا التقى الختانان فقد وجب
الغسل)). ولم يفصل هناك بين كبير وصغير وذكر وأنثى، فإن اغتسلا جاز
لهما قراءة القرآن ودخول المسجد لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ
جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}[المائدة:6].
فإن جومعت الصغيرة أو جامع الصغير في حال صغرهما ثم بلغا فهل يجب
عليهما الاغتسال لما كانا من الجنابة في حال صغرهما أم لا؟ فيه
وجهان:
أحدهما: أن ذلك غير واجب لقوله : ((رفع القلم عن ثلاثة "))(1).
ومن جملتهم الصبي حتى يبلغ ولم يفصل بين حكم وحكم، وفي هذا دلالة
على رفع وجوب الاغتسال عنهما لأجل صغرهما، فإذا رفع في حال الصغر
لم يرجع بعد البلوغ إلا بجنابة طارئة بعده، وهذا محكي عن القاضي
أبي يوسف " (2) من أصحابنا.
__________
(1) هذا من الأحاديث المشهورة، وهو مروي في معظم الصحاح والمسانيد،
ومنها: صحيح ابن خزيمة، وابن حبان، والمستدرك، وفي سنن البيهقي
ج3ص83، والدارقطني وأبي داؤد ج4 ص139، وابن ماجة ج1 ص658، ومسند
أحمد وأبي يعلى وغيرها.
(2) هو القاضي أبو يوسف الخطيب من أصحاب الهادي. كما جاء في هامش
شرح الأزهار للإمام المهدي 1/111، وليس الفقيه يوسف صاحب الثمرات؛
لأنه متأخر عن زمن المؤلف. ورأي القاضي أبي يوسف هنا هو أيضاً رأي
المنصور بالله عبد الله بن حمزة.
(2/23)
وثانيهما: أنه يجب عليهما الاغتسال بعد البلوغ لأن الجنابة في
حقهما محققة في التقاء الختانين وإن لم يكن هناك إنزال لكن عرضت
حالة الصغر عن الأداء فسقط فلما بلغا توجه الغسل عليهما بزوال
العارض وهو الصغر كما لو اجتنب العاقل ثم جن ثم ثاب إليه عقله فإنه
يجب عليه الاغتسال فهكذا ههنا، وهذا هو الذي ذكره القاضي أبو مضر
من أصحابنا. وهذا هو المختار من جهة أن الموجب للغسل حاصل في حقهما
وهو الإيلاج، وعروض الصغر لا يبطل حكم الجنابة فلما بلغا توجه
الأمر عليهما بالغسل كسائر التكاليف الشرعية. والله اعلم.
الفرع الرابع: وإن أولج رجل ذكره في فرج خنثى مشكل لم يجب الغسل
والوضوء على واحد منهما لجواز أن يكون الخنثى رجلاً والذي أدخل فيه
ذكره خلقة زائدة، فإذا كان هذا محتملاً فلا وجه لإيجاب الوضوء
والغسل بحال لا بالإيلاج ولا بالإخراج للإحتمال الذي ذكرناه، فإن
أولج الخنثى ذكره في دبر رجل لم يجب الغسل على واحد منهما لجواز أن
يكون الخنثى امرأة والذي أولجه خلقة زائدة فلا يجب بإيلاجها غسل.
فأما الوضوء فإنه واجب على الرجل المولج فيه بالإخراج لا بالإيلاج،
وقد قال : ((الوضوء مما خرج)). وأما الخنثى فلا وضوء عليه لما
ذكرناه من احتمال كونه امرأة والذكر عضو زائد فلا يجب بإيلاجه وضوء
عليه.
وإن أولج خنثى ذكره في قبل خنثى مثله لم يجب على كل واحدٍ منهما
وضوء ولا غسل لاحتمال أن يكونا رجلين والفرجان زائدان.
وإن أولج الخنثى ذكره في دبر خنثى مثله لم يجب على المولج غسل ولا
وضوء لجواز أن يكونا امرأتين، وأما المولج فيه فإنه يجب عليه
الوضوء بالإخراج لا بالإيلاج.
(2/24)
وإن كان هاهنا خنثيان فأولج كل واحد منهما ذكره في فرج صاحبه لم
يجب على واحد منهما وضوء ولا غسل لجواز أن يكونا رجلين والفرجان
عضوان زائدان فلا يجب بإيلاجهما شيء، وإن أولج كل واحد منهما ذكره
في دبر صاحبه وجب على كل واحدٍ منهما الوضوء لأنهما إن كانا رجلين
أو كان أحدهما رجلاً وجب الغسل عليهما وإن كانا جميعاً امرأتين صار
الذكران كالميلين فيجب الوضوء بإخراجهما لا بإيلاجهما، الوضوء على
المولج فيه وكل واحد منهما مولج فيه، فلهذا وجب عليهما الوضوء لأنه
هو المستيقن.
مسألة: والحيض موجب للغسل عند أئمة العترة وهو قول فقهاء الأمة،
ولا يعرف فيه خلاف لقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ
قُلْ هُوَ أَذًى " فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ
تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}[البقرة:222].
وتقرير وجه الحجة يكون من وجهين:
أحدهما: على قراءة التشديد في قوله تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ
فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
" }[البقرة:222]. وليس المراد بالتطهير إلا استعمال الماء
للإغتسال.
وثانيهما: على قراءة من قرأها بالتخفيف(1)،
ومعناه انقطاع الحيض. وقوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}. أراد
فإذا استعملن الماء للطهارة. فقد حصل مقصودنا من الدلالة وهو وجوب
الغسل من الحيض من الآية، وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام فيما
يحل من الحائض وما لا يحل، فهذا تقرير الحجة الأولى من الآية.
الحجة الثانية: قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي
الصلاة " ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي))(2).
وهل يجب الغسل برؤية الدم أو بانقطاعه؟ فيه وجهان:
__________
(1) قراءة التشديد والتخفيف في فعل {حتى يطهرن} أما فعل {فإذا
تطهرن} فلا كلام هنا حوله كونه مشدداً أي مُضَعَّفاً.
(2) تقدم.
(2/25)
أحدهما: أنه واجب بانقطاع الدم لأنه لا فائدة للغسل قبل انقطاع
الدم فلو كان واجباً لجاز أداؤه وهو محال.
وثانيهما : أنه إنما يجب برؤية الدم لأن كل ما أوجب الطهارة فإنه
يوجب بالخروج لا بالإنقطاع كالمني (1).
والمختار: هو الأول. لقوله : ((فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي "
)). فأمر بالاغتسال والصلاة عند الإدبار فدل على أنه واجب بذلك،
ويمكن نصره [بما جاء في] الوجه الثاني: بأن الوجوب قد تقرر بخروج
الدم وإنما أمر بالغسل في الوقت الذي يصح فيه، فالوجوب سابق والفعل
متأخر مقدر بانقطاع الدم. والله أعلم.
التفريع على هذه القاعدة: وجملة ما نورده فروع ثلاثة:
أولها: إذا استدخلت المرأة دم الحيض ثم خرج من رحمها فإنه غير موجب
للغسل لأن دم الحيض عبارة عن الدم الذي ترخيه الرحم وهذا منفصل غير
مرخي وهو بمنزلة الجرح في الرحم.
وثانيها: إذا أصابتها جنابة ثم حاضت لم [يجب عليها] أن تغتسل، من
جهة أن غسلها غير صحيح فإذا انقطع دمها اغتسلت لهما غسلاً واحداً.
وثالثها: إذا كان في باطن فرج المرأة جرح ثم خرج منها دم في وقت
إمكان الحيض فالتبس بدم الجرح فإنها ترجع في ذلك إلى الفصل بين
الدمين، لأن دم الجرح رقيق صافٍ ودم الحيض أسود خبيث الرائحة فإن
حصل بما ذكرناه التمييز بينهما عملت عليه، وإن لم يحصل ذلك لم
يلزمها غسل لأن الطهارة متحققة في حقها فلا يمكن إيجاب الغسل إلا
بيقين، والواجب عليها الوضوء بخروج دم الجرح لا غير.
مسألة: ودم النفاس موجب للغسل لما روي عن الرسول أنه قال : ((تقعد
النفساء أربعين يوماً " ))(2)،
__________
(1) في الأصل: لا بالإنقطاع والمني.
(2) روي الحديث عن أنس قال: قال رسول الله : ((تقعد النفساء أربعين
يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك)).
(2/26)
ولأنه دم حيض اجتمع واحتبس من أجل الولد، والحيض يسمى نفاساً،
لما روي عن النبي أنه قال للمرأة التي أردفها خلفه فحاضت فقال:
((مالك نفست " ))(1).
فسمى الحيض نفاساً فلا جرم وجب الغسل على النفساء كما يجب على
الحائض.
التفريع على هذه القاعدة: وجملة ما يختص هذا الموضع فروع ثلاثة:
أولها: الغسل على النفاس، هل يجب بخروج الدم أو بانقطاعه؟ فيه
الوجهان اللذان ذكرناهما في الحيض فقد قررناه فلا نعيده.
فإن ولدت المرأة ولم تر دماً فهل يلزمها الغسل أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجب عليها الغسل، وهذا هو الذي ذكره الشيخ علي بن
الخليل من أصحابنا، وهو أحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن الولد مخلوق من مائها وماء الزوج فخروجه
كخروجهما فلهذا وجب عليها الغسل.
وثانيهما: أنه لا يجب عليها غسل وهذا هو الذي ذكره السيد أبو
العباس، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك هي: أنه جامد فأشبه خروج الحصا والنواة من فرجها
وهذا هو المختار، لأن الولد لا يقع عليه اسم المني، وعلى هذا لا
يجب عليها إلا الوضوء لا غير كما لو خرج من فرجها ميل أو مسمار،
ومن جهة أن النفاس حيض فكما أنه لا يجب الغسل على الحائض إلا إذا
رأت الدم فهكذا في النفساء.
وثانيها: أن الذمية إذا نفست أو حاضت ثم اغتسلت فهل يلزمها الغسل
بعد إسلامها؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يلزمها إعادة الغسل بعد الإسلام لأن غسلها قد تعلق به
حقان: حق الآدمي، وحق اللّه تعالى.
__________
(1) ورد هذا الحديث في رواية عن أم سلمة أنها حاضت فأخذت ثياب
حيضتها فلبستها فقال لها رسول الله وكانت مضطجعة معه في الخميلة:
((أنفست...إلخ)) أخرجه مسلم، وفي رواية عن عائشة. وفي كلتا
الروايتين عن أم سلمة وعن عائشة أنها كانت مضطجعة مع رسول الله لا
رديفة خلفه، والمؤلف يقصد صفية بنت ملحان، كما سيأتي في النفاس،
اه(جواهر-البحر)ج1 ص 145.
(2/27)
فحق الآدمي: من أجل استباحة الوطء وهو صحيح من جهة أنه لا يفتقر
إلى النية فلا جرم حكمنا بصحته في حق الآدمي.
وحق اللّه تعالى: قربةٌ تفتقر إلى النية، فلهذا لم يصح في حق اللّه
تعالى لافتقاره إلى النية، والنية لا تصح منها فإذا أسلمت لزمها
إعادة الغسل من أجل حق اللّه تعالى.
وثانيهما: أنه لا يلزمها إعادة الغسل بعد إسلامها بحق اللّه لأنه
لا حق للآدمي في غسلها، وإنما حقه متعلق بالوطء وشرط استباحة الوطء
صحة الغسل بحق اللّه تعالى فلو لم يصح غسلها بحق اللّه لما جاز
استباحة الوطء لأنه لو كان حقاً للآدمي لجاز سقوطه بإسقاط الزوج،
وإنما صح غسلها في حال كفرها لأجل الحاجة وهو الوطء، فلأجل هذا لم
يلزمها إعادة الغسل بعد الإسلام. وهذان الوجهان محكيان عن الشافعي.
والمختار: هو الأول على المذهب(1) ويصير هذا كمن وجبت عليه الزكاة
فامتنع من إظهارها فإن الإمام يكرهه على أخذها ويأخذها قهراً منه،
فإذا أخذها على هذا الوجه فقد سقط حق الآدمي وهو وجوب دفعها ثانياً
فلا يتوجه ذلك عليه. ولا يسقط حق القربة لما كان حقاً لله تعالى،
فقد تعلق بها حقان:
حق الآدمي: وهو مطلق الدفع وقد حصل بالإكراه.
وحق اللّه تعالى: وهو القربة لم يسقط بالدفع بالإكراه.
وثالثها: قال الهادي في الأحكام: إذا اجتنبت المرأة ثم حاضت قبل
الاغتسال فإن كان الدم مُقَصِّراً اغتسلت(2).
وهذا الكلام إذا اجتنبت ثم نفست. قال السيد أبو طالب: وهذا محمول
على الاستحباب من جهة أن رفع الحدث عنها محال مع بقاء الدم فيها.
__________
(1) يظهر من مصطلح المؤلف أن كلمة (المذهب) إذا أطلقها فإن المقصود
بها مذهب الزيدية أو أكثر أئمتهم وعلمائهم أو أرجح أقوالهم وأقوى
ترجيحاتهم.
(2) بقية كلام الهادي: (.. لجنابتها وإن غلب دم طمثها أجزأها أن
تغتسل عند وقت طهرها غسلاً واحداً لطهرها وجنابتها..). ا.ه. بلفظه
من الأحكام ج1ص61.
(2/28)
ووجه الاستحباب فيه: هو أن النظافة مستحبة في حقها من جهة أن
تجديد الطهارة مستحب وإن لم يكن هناك رفع للحدث، ومن أجل ذلك أمر
رسول اللّه عائشة بالاغتسال للإحرام وهي حائض، وهذا إذا كان الدم
مقصراً، فأما إذا كان [الدم] غالباً فلا وجه له كما قال أبو طالب؛
لأنه لا يؤثر في النظافة، والأقرب استحباب الغسل من أجل التنظيف في
حقها لأن الرسول أمرها بالغسل للإحرام ولم يسأل عن كونه مقصراً أو
غير مقصر فدل ذلك على أنه غير معتبر في استحباب الغسل في حقها خاصة
إذا كان لها زوج فالاستحباب يكون آكد.
مسألة: إذا أسلم الكافر ولم يكن قد وجب عليه الغسل في حال كفره إما
للجنابة إن كان رجلاً أو امرأة، وإما بالحيض والنفاس إن كانت
امرأة، فهل يجب عليه الغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير واجب عليه في هذه الحالة، وإنما يستحب له
الاغتسال وهو رأي الأكثر من أئمة العترة وهو قول أكثر الفقهاء أبي
حنيفة والشافعي وأصحابهما.
والحجة على ذلك هو: أنه قد أسلم في زمانه خلق كثير ولم يأمرهم
بالغسل فلو أمرهم بذلك لكان منقولاً نقلاً ظاهراً لأنه قد نقل ما
هو دونه من أحكام الشريعة.
المذهب الثاني: أنه واجب، وهذا هو المحكي عن أحمد بن حنبل وأبي ثور
وابن المنذر.
وأقول: إنه ظاهر نص القاسم لأنه قال: المشرك نجس من وجهين:ـ
أحدهما: شركه.
والآخر: ما هو منغمس فيه من رجسه في مأكله ومشربه. فإذا أسلم زالت
نجاسة شركه وبقي ما هو عليه من التضمخ(1)
بالنجاسات في كل أحواله فلهذا وجب عليه الغسل من أجل ذلك، وقد قال
السيد أبو طالب: إن هذا وجه في إيجاب الغسل على مذهبه يشير إلى ما
قلناه من مذهبه في الوجوب.
__________
(1) التضمخ: التلطخ، ولكنه خاص بالطيب كما هو مستعمل وكما جاء في
القاموس. واستخدامها هنا للتلطخ بالنجاسة دال على أن المؤلف يرى
أنها بمعنى التلطخ مطلقاً، نظراً لشدة التصاق المشركين بالنجاسات؛
لأن علمه في اللغة لا يقل عن علمه في الفقه.
(2/29)
والحجة على ذلك: ما روي أن الرسول أمر قيس بن عاصم المنقري "
(1) بالاغتسال لما أسلم، وثمامة بن أثال، وقال لقيس بن عاصم:
((اغتسل بماء وسدر " ))(2). وظاهر الأمر للوجوب إلا لدلالة.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من عدم الإيجاب في الغسل لمن هذه
حاله.
والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم، وهو أن الأصل هو عدم الإيجاب فلا
يقدم على الإيجاب إلا لدلالة ولا دلالة هاهنا تدل على وجوبه، وهذا
دليل ظاهر نستعمله في كثير من المسائل وحاصله: أن الأصل براءة
الذمة عن الوجوب حتى تدل دلالة شرعية على شغل الذمة بالواجب.
الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم في الوجوب.
قالوا: روي عن الرسول أنه أمر قيساً بالاغتسال بماء وسدر وأمر
ثمامة، والأمر ظاهره الوجوب إلا لدلالة.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) هو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر التميمي السعدي،
ويقال: أبو علي وأبو قبيصة وأبو طلحة المنقري. وفد على النبي في
وفد تميم سنة 9هفأسلم، وقال النبي : ((هذا سيد أهل الوبر)) وكان
عاقلاً حليماً، روى عن النبي ، وعنه: ابناه حكيم وحصين وابن ابنه
خليفة والأحنف بن قيس والحسن البصري وغيرهم.. نزل البصرة وبنى بها
داراً، وبها مات عن اثنين وثلاثين ذكراً من أولاده. اه. راجع
تهذيب التهذيب 8/357.
(2) جاء في (جواهر الأخبار) عن قيس بن عاصم قال: أتيت رسول الله
أريد الإسلام فأمرني أن اغتسل بماء وسدر، هذه رواية أبي داؤد، وفي
رواية الترمذي والنسائي: أنه أسلم فأمره النبي بذلك.
قلت: أما ثمامة فهو بالثاء المثلثة المضمومة، بن أثال الحنفي،
وحديثه معروف وليس فيه: أن النبي أمره أن يغتسل، لكنه لما أطلقه من
الأسر انطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فأسلم،
أخرج حديثه الستة إلا الموطأ والترمذي من رواية أبي هريرة،
اه(البحر ج1/101).
(2/30)
أما أولاً: فلأن ما ذكرناه من إسلام كثير من الخلق ولم يؤمروا
بالغسل يعارض ما ذكروه، وزوال التعارض بينهما يكون بحمل ما كان من
الأمر في حق قيس وثمامة [أنه] إنما كان على جهة الاستحباب دون
الوجوب، وعلى هذا تتفق الدلالتان على عدم الوجوب وهو مطلوبنا.
وأما ثانياً: فإنه محمول على أنه قد علم من حالهما أشياء موجبة
للغسل وليس كلامنا في هذا وإنما كلامنا فيمن لم يعلم من حاله سبب
يوجب الغسل فهل يجب عليه الغسل أم لا؟ وسيأتي تقرير الكلام فيمن
هذه حاله هل يجب عليه أم لا.
قالوا: الكافر نجس لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ "
}[التوبة:28]. ولأنهم متلوثون بالنجاسات في كل أفعالهم من أكل
وشرب، فلهذا قلنا بوجوب الاغتسال عليهم بعد الإسلام.
قلنا:هذا لا ننكره ولكنا نقول: أما نجاسة الشرك فقد زالت بالإسلام
لا محالة وهو أقوى الأسباب، وأما تلوثهم بالنجاسات فهو زائل أيضاً
بالإسلام لأن الإسلام إذا كان مزيلاً لنجاسة الشرك فكيف لا يكون
مزيلاً لنجاسة الرطوبات وهي أخف حكماً منه. وقد قال : ((الإسلام
يَجُبُّ ما قبله " ))(1). ولم يفصل بين حكم وحكم، وأيضاً فإنا قد
قررنا فيما سبق أن رطوبة المشركين وسائر أصناف الكفار طاهرة فلا
وجه لتكريره.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: أن الكافر والكافرة قد وجب عليهما الغسل في حال
كفرهما ثم إنهما أسلما قبل الاغتسال فهل يجب عليهما الغسل أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: أن الغسل عليهما واجب، وهذا هو الظاهر من مذهب العترة وهو
المشهور عن الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ
وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ " وَلاَ
جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}[النساء:43].
__________
(1) أورده في (مجمع الزوائد) ج1 ص 31.
(2/31)
وثانيهما: أنه غير واجب عليهما الغسل وهذا شيء حكاه الشاشي "
(1) من أصحاب الشافعي، وهو مروي عن المنصور بالله.
والحجة على ذلك: قوله : ((الإسلام يجب ما قبله " )). ولم يفصل بين
حكم وحكم.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ
جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}[المائدة:6] إلى غير ذلك من الأدلة.
الفرع الثاني: أن الكافر والكافرة إذا كانا قد اغتسلا من الأسباب
الموجبة للغسل كالجنابة والحيض والنفاس ثم أسلما فهل يجب عليهما
إعادة الغسل أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجب عليهما إعادة الغسل وهذا هو رأي أئمة العترة وهو
أحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك هو: أن الغسل عبادة بدنية تفتقر إلى النية فلم يصح
من جهة الكافر كالصلاة والصوم.
وثانيهما: أنه لا يجب عليهما إعادة الغسل وهذا هو قول أبي حنيفة
ومحكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك هو: أن غسل الكافر صحيح بدليل أن المسلم إذا تزوج
ذمية ثم اغتسلت من الحيض فإنه يحل وطئها، فلولا أن الغسل صحيح لم
يحل وطئها.
والمختار: هو الأول لما قدمنا من أن وضوء الكافر غير صحيح فهكذا
غسله، وإذا كان غير صحيح وجب عليه إعادة الغسل كما قررناه.
__________
(1) أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي، من أصحاب
الشافعي الذين رووا أقواله ونشروا مذهبه، قال الشيرازي في طبقاته:
وكان إماماً وله مصنفات كثيرة ليس لأحدٍ مثله، وهو أول من صنف
(الجدل الحسن) من الفقهاء، وله كتاب في أصول الفقه وله شرح
الرسالة، وعنه انتشر فقه الشافعي فيما وراء النهر. ا.ه. طبقات
الشيرازي ص120، وفي طبقات أبي بكر المصنف: أنه ولد بمدينة شاش فيما
وراء النهر سنة 291ه، وتوفي بها في ذي الحجة سنة 365ه. ا هص209.
(2/32)
الفرع الثالث: الكفر المانع من صحة الغسل لأجل عدم القربة إنما
هو الكفر الصريح المعلوم من الدين كونه كفراً بالضرورة كالشرك
بالله وعبادة غيره ونحو اليهودية والنصرانية والمجوسية وغير ذلك من
الأديان الكفرية، فأما كفر التأويل نحو الجبر والتشبيه عند من قال
بكونهما كفراً، فإنه ليس مانعاً من صحة الغسل فلو اغتسل من الجنابة
وهو مجبر أو مشبه ثم تاب عن ذلك فإنه لا يجب عليه إعادة الغسل
إجماعاً لأن من هذه حاله مصدق بالله وبرسله ومؤمن بالشرع وناكح على
القرآن و مصل إلى القبلة ولكنه اعتقد اعتقاداً يوجب كفره فلهذا لم
يكن ما اعتقده مانعاً من الغسل لما ذكرناه.
مسألة: ومن الأسباب الموجبة للغسل، الموت إذا لم يكن الميت شهيداً،
عند أئمة العترة، وهو(1)
قول فقهاء الأمة لا يعرف فيه خلاف لما روي عن النبي أنه قال في
الرجل الذي سقط من بعيره: ((اغسلوه بماء وسدر " ))(2).
وهو من فروض الكفايات التي إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين. وهل
يغسل الشهيد أم لا؟ فيه تردد وخلاف للفقهاء.
وإن غسل الميت ثم خرج من فيه أو أنفه أو دبره أو قبله شيء فهل يعاد
غسله أم لا؟ فيه كلام نستقصيه في كتاب الجنائز بمعونة اللّه تعالى.
فهذا ما أردنا ذكره في الأسباب الموجبة للغسل والله الموفق للصواب.
__________
(1) يقصد غسل الميت لا الشهيد كما يوحي به السياق.
(2) سيأتي في الجنائز.
(2/33)
---
الفصل الثاني في بيان ما يجوز فعله للجنب وما لا يجوز وما يستحب
فعله وما يكره
مسألة: يجوز للجنب أن ينام قبل أن يغتسل عند أئمة العترة وفقهاء
الأمة لما روت عائشة قالت: كان النبي ينام وهو جنب لا يمس ماءً(1)،
ويجوز له أن يصافح غيره لما روي عن النبي أنه قال: ((تصافحوا
))(2).
ولم يفصل بين حالة وحالة، وروى أبو هريرة عن الرسول أنه لقيه ذات
يوم وأبو هريرة جنب، [قال] فانتجشت منه، يعني: تنحيت، فاغتسلت ثم
جئت فقال: ((أين كنت))؟ فقال: كنت جنباً. فقال: ((المؤمن لا ينجس
))(3).
ويجوز للجنب أن يدهن وأن يخضب رأسه ولحيته بالحناء والكتم وغير ذلك
مما يكون فيه تغيير الشيب، وإن احتاج إلى خضاب يديه ورجليه بالحناء
جاز له ذلك لما روي عن الرسول أنه ما جاء أحد إليه يشكو وجع رأسه
إلا أمره بالحجامة، ولا أحد يشكو وجع رجليه إلا أمره بخضاب
رجليه(4).
والوجه في جواز هذه الأمور للجنب هو: أنها باقية على أصل الإباحة
ولم يرد فيها نهي شرعي فيغير حكمها فبقيت على ما كانت عليه من
الإباحة، ويجوز له أن يعاود أهله وعدة منهن من غير أن يغتسل أو
يتوضأ، وحكي عن ابن عمر وجوب الوضوء على من أراد المعاودة.
__________
(1) تقدم.
(2) وروى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أن النبي صافح حذيفة بن
اليمان وهو جنب، فقال: يا رسول الله إني جنب، فقال له: ((إن المسلم
ليس بنجس)) وهو مروي من طرق وبألفاظ عدة. اه(الروض النضير)ج1ص372.
(3) قال في (الروض): ذكره البخاري تعليقاً عن ابن عباس ((المؤمن لا
ينجس حياً ولا ميتاً))، وجاء في إحدى الروايات لحديث حذيفة السابق:
أن رسول الله قال له: ((يا حذيفة أبرز ذراعك فإن المؤمن ليس بنجس))
اه(روض) ج1 ص372.
(4) في نسخة(و): ما جاء أحد يشكو وجع رأسه إلا أمره بخضاب رجليه
اه، وما أثبتناه هنا زيادة وردت في حاشية النسخة (ق).
(2/34)
والحجة على ما عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة: ما روي عن النبي
أنه طاف على نسائه في غسل واحد(1)،
ولأن الوطء من جملة المباحات فلا يجب له الوضوء كالوطء الأول أو
لأنه مباح فجاز من غير وضوء كالأكل والشرب.
وحجة ابن عمر على وجوب الوضوء للوطء: ما روي عن الرسول أنه قال:
((إذا أتى أحدكم امرأته ثم بدا له أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءاً
))(2).
فإن ما هذا حاله محمول على الاستحباب ليكون جمعاً بين الأدلة فلا
تناقض.
ويجوز للجنب أن يحمل المصحف بعلاقته وغلافه عند أئمة العترة، وهو
قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن العلاقة والغلاف ليسا من جملة المصحف لأنهما
غير داخلين في المصحف على جهة التبع في البيع، فلهذا جاز حمله
بهما، وحكي عن الشافعي المنع من ذلك وقد قررناه فيما سبق في مس
المصحف للمحدث فأغنى عن الإعادة.
ويجوز للجنب أن يذبح ما يجوز ذبحه وينحر ما يجوز نحره وأن يغسل
الأثواب لأن هذه الأمور كلها من جملة المباحات فجاز فعله لها
كالأكل والشرب.
__________
(1) عن أبي رافع أن رسول الله طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه
وعند هذه، فقلت: يا رسول الله ألا تجعله غسلاً واحداً آخراً، قال:
((هذا أزكى وأطيب وأطهر)) أخرجه أبو داؤد.
(2) جاء الحديث بلفظه هنا عن أبي سعيد الخدري. أخرجه مسلم وأبو
داؤد والترمذي، قال في (الجواهر حاشية البحر) 1/102، ولفظ رواية
النسائي: ((إذا أراد أحدكم أن يعود فليتوضأ)).
(2/35)
مسألة: يستحب للجنب إذا أراد الأكل والشرب أن يتوضأ، لما روي عن
النبي أنه كان إذا أراد أن ينام توضأ وضوءه للصلاة إذا كان
جنباً(1)،
قال الإمامان القاسم والهادي: والجنب إذا أراد الأكل غسل فرجه
ويديه وتمضمض استحباباً لما روته عائشة رضي اللّه عنها عن النبي
أنه كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يده وتمضمض(2)،
__________
(1) قال أبو سلمة: سألت عائشة هل كان رسول الله يرقد وهو جنب؟
قالت: نعم ويتوضأ، وفي رواية عروة عنها قالت: كان إذا
أراد...الحديث، أخرجه البخاري، ولمسلم نحوه، وفي رواية الترمذي أنه
كان ينام وهو جنب ولا يمس ماءً، ثم قال: وقد روي عنها: أنه كان
يتوضأ قبل أن ينام، وهو أصح، والحديث أخرجه الستة بروايات متقاربة،
اه(جواهر) ج1ص102.
(2) أخرجه النسائي وفيه روايات عن أم سلمة، وعن مجاهد وابن خزيمة
وغيرهما عن عروة عن عائشة. راجع (الروض النضير 1/384).
(2/36)
والمضمضة في معنى غسل اليدين لأن الغرض في غسلهما أن يكون العضو
الذي استعمله في الأكل مغسولاً، ويستحب إذا أراد المعاودة لأهله أن
يتوضأ لما روى أبو سعيد الخدري عن النبي أنه قال: ((إذا أتى أحدكم
أهله ثم بدا له أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءاً )). فالحاصل أن
عائشة روت عن النبي فيما يستحب للجنب المضمضة وغسل اليدين
والفرجين، وروت أيضاً استحباب الوضوء كوضوء الصلاة، فيجب القضاء
بالاستحباب في الأمرين جميعاً، وأن أحدهما فاضل والآخر أفضل،
فالفاضل غسل اليدين والفرجين والمضمضة، والأفضل هو وضوء الصلاة،
وإنما كان أفضل لما روي عن الرسول أنه قال: ((من بات على طهر بات
ومعه ملك ومن بات على غير طهارة بات ومعه شيطان)). وإنما استحب غسل
الفرجين للجنب لما روى ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ذكر
للرسول أنه تصيبه جنابة من الليل، فقال له رسول اللّه :((إغسل ذكرك
ثم نم ))(1)،
ويستحب الغسل فيما بين الوطئين لما روى أبو رافع أن النبي طاف على
نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه، فقلت: يا رسول اللّه ألا جعلته غسلا
واحداً؟ فقال: ((هذا أزكى وأطيب وأطهر ))(2).
وروى أنس بن مالك عن الرسول أنه طاف على نسائه في غسل واحد. قال
أبو داود في سننه حديث أنس أصح من هذا.
والمختار: أن كل واحد من الحديثين صحيح لاستكماله لشرائط الصحة،
لكن ما رواه أنس بن مالك بناء على تسهيل الأمر على الأمة وما قاله
أبو رافع بناء على الأفضل في الأمة من جهة أن تجديد الطهارة على
الطهارة قد ورد الشرع باستحبابه وهذا منه، ويستحب للجنب أن يتطيب
ويكتحل لأن ما [هذا] حاله قد ورد الشرع باستحبابه في حق الطاهر،
والجنابة غير مانعة منه فيجب بقاء الاستحباب في حق الجنب.
__________
(1) في رواية للترمذي عن عائشة أنه كان ينام وهو جنب ولا يمس ماءً،
وعنها كان يتوضأ قبل أن ينام. اهجواهر 1/102.
(2) تقدم.
(2/37)
مسألة: ولا يجوز للجنب أن يصلي لقوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُوا
الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } ثم قال: {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ
عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا}[النساء:43]، ولا يجوز له أن
يطوف بالبيت لما روي عن النبي أنه قال: ((الطواف بالبيت صلاة
))(1).
وقد بينا تحريم الصلاة على الجنب فيجب أن يحرم الطواف.
وهل يحرم عليه قراءة القرآن أم لا؟ فيه مذاهب أربعة:
أولها: أنه لا يجوز له قراءة شيء من القرآن قل أو كثر، وهذا هو رأي
الأكثر من أئمة العترة نص عليه الإمامان القاسم والهادي وهذا هو
قول الشافعي.
والحجة على ذلك: ما روى أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه عن الرسول
أنه كان يخرج من الخلا فيقرئنا القرآن وكان لا يحجزه عن القرآن شيء
سوى الجنابة(2).
الحجة الثانية: ما روي عن ابن عمر قال: قال رسول : ((لا يقرأ الجنب
ولا الحائض شيئاً من القرآن ))(3).
وهذا عام في القليل والكثير.
وثانيها: أنه يجوز له قراءة ما دون الآية وهذا هو قول أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: هو أن القرآن إنما كان قرآناً لكونه معجزاً
والإعجاز إنما يكون بالآية فما فوقها، فأما ما دون الآية فليس
معجزاً ولا يعد من القرآن.
__________
(1) سيأتي في الحج.
(2) تقدم.
(3) أخرجه الترمذي موقوفاً على ابن عمر في (الجامع) و(المجتبى)
وأخرج أبو داؤد بسنده عن عائشة قوله في حديث طويل: ((وجهوا هذه
البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب)) وفي شرح
التجريد عن نافع عن ابن عمر.. وذكر الحديث السابق. اه(اعتصام)
ج1ص256.
(2/38)
وثالثها: أنه يجوز له قراءة القرآن إذ لم يقصد به القرآن وهذا
هو المحكي عن المؤيد بالله وهو مروي عن بعض أصحاب أبي حنيفة وعلى
هذا يجوز له أن يقرأ: {يَانُوحُ اهْبِطْ }[هود:48]. و{يَايَحْيَى
خُذِ الْكِتَابَ }[مريم:12]. و {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ
}[آل عمران:43]. إذا قصد به خطاب هؤلاء الأشخاص ولم يكن قاصداً به
القرآن. وهكذا يجوز له أن يقرأ ما جرى في ألسنة الناس من التحميد
نحو قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }[الفاتحة:2].
وقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ
تُصْبِحُونَ }[الروم:14]. وقوله تعالى: {سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ
لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}[الزخرف:13]. فهذه قد
صارت معتادة في كلام الناس بغير تلاوة القرآن وهكذا ما شاكلها من
العوذ والتحميدات والتسبيحات.
والحجة على ذلك: قوله ((الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)) فإذا
نوى بهذه الآيات ما ذكرناه لم يكن قارئاً للقرآن.
ورابعها: ما حكي عن داود وطبقته من أهل الظاهر، وهو أنه يجوز للجنب
قراءة القرآن كله وما شاء منه، والجنابة غير مانعة من التلاوة.
والحجة على ذلك: ما حكي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه كان يقرأ
ورده من القرآن وهو جنب. قال ابن المسيب: قلت لابن عباس: أيقرأ
الجنب القرآن؟ قال: نعم أليس هو في صدره.
وقال مالك: يقرأ الجنب الآية والآيتين على جهة التعوذ. وقال
الأوزاعي: يقرأ الجنب آية الركوب، قوله تعالى: {سُبْحانَ الَّذِي
سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ }[الزخرف:13].
وآية النزول، قوله تعالى: {رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكًا
وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ }[المؤمنون:29].
(2/39)
والحجة لهما على ذلك: ما حكيناه عن المؤيد بالله من أن هذه
الآيات جارية على ألسنة الناس على جهة التعوذ والتسبيح والتهليل،
وحاصل ما قالاه: أن القرآن يخرج عندهما عن كونه قرآناً بالقصد
والنية،فهذه مذاهب العلماء في قراءة القرآن للجنب كما ترى.
والمختار: ما عول عليه الإمام المؤيد بالله من أن ماكان جارياً على
جهة العادة في ألسنة الناس فإنه يجوز للجنب قراءته، وحاصل ذلك أنه
يكون بالقصد، فما قصد به غير القرآن من الخطابات التي تصلح أن تكون
خطاباً لغير من هي له كقوله: يا نوح، ويا يحيى إلى غير ذلك، وماكان
جارياً على ألسنة الخلق في الإستعاذة والتهليل والتسبيح فإنه يجوز
للجنب ذكره، ويدل عليه ما ذكرناه عنه ونزيد هاهنا حجتين:
الحجة الأولى: هو أن ما ذكرناه إذا كان جارياً على الألسنة على جهة
الاضطراد فإما اغتفر الشرع حكمه ورفعه وإما أنه يكون في الحكم كأنه
خارج عن القرآن جارياً مجرى العوذ والتسبيحات والتهليلات من غيره،
فلهذا جاز فعله من جهة الجنب لما ذكرناه.
الحجة الثانية: هو أن ما ذكره المؤيد بالله فيه جمع بين الأدلة
الشرعية فما ورد من الأخبار دالاً على المنع من القرائة فإنه محمول
على ما كان خارجاً مما يعتاده الناس في تصرفاتهم، وما ورد دالاً
على الإباحة فإنه يكون محمولاً على ما جرى في ألسنة الناس من ذلك.
وما كان جامعاً بين الأدلة فلا شك في كونه طريقاً مستقيمة راجحة
على غيرها من الطرق كما ذكرناه في أثناء الكتاب.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمده كل فريق، فأما من منع من ذلك على
الإطلاق فقد قالوا: روى أمير المؤمنين أنه كان لا يمنع الرسول من
قراءة القرآن إلا الجنابة وهذا عام في كل شيء منه.
قلنا: عن هذا جوا بان:
أما أولاً: فلأن ما ذكروه مخصوص بالآيات الصريحة التي هي غير جارية
على ألسنة [الناس] وليس في هذا إلا تخصيص عموم وأكثر العمومات كلها
مخصوصة، فلا جرم كان مخصوصاً بما ذكرناه.
(2/40)
وأما ثانياً: فلأنه معارضٌ بما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير
المؤمنين أنه قال: يقرأ الجنب الآية والآيتين، والحائض ويمسان
الدرهم [الذي] فيه اسم اللّه ويتناولان الشيء من المسجد(1).
قالوا: روى ابن عمر عن النبي أنه قال: ((لا يقرأ الجنب ولا الحائض
شيئاً من القرآن ))(2).
وهذا عام في القليل والكثير.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم اندراج ما ذكرناه في القرآن بل هو خارج
عنه بالطريقة التي ذكرناها من طريق الحكم.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا اندراجه تحت حقيقة القرآن لكنه عموم
مخصوص بالأدلة التي أشرنا إليها.
قالوا: روي عن أمير المؤمنين أنه قال: ((يقرأ أحدكم القرآن مالم
يكن جنباً فإن كان جنباً فلا ولا حرفاً واحداً))(3).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه معارض بما روى زيد بن علي وقد قدمناه.
__________
(1) جاء في (الروض) بأن هذه الرواية أخرجها بلفظها في (الأمالي) من
طريق أبي خالد موقوفة على علي وقال: بأنه قد روي عن علي ما يشعر
بالتعارض مثل ما روي أنه سئل عن الجنب يقرأ؟ قال: لا ولا حرفاً،
راجع(الروض) 1/494، وقال في (الجواهر) بعد أن أورد الحديث: حكاه في
مجموع زيد بن علي، وذكر القاضي زيد أن هذه الرواية غير صحيحة، وفي
(الشفاء) نحو ذلك، اه/103 ولم يذكر تعليلاً لعدم صحة الرواية.
(2) تقدم آنفاً.
(3) رواه الدار قطني وأخرجه البيهقي وأورده السيوطي وغيره بألفاظ
مختلفة، وهو في (الشفاء) و(المهذب).
(2/41)
وأما ثانياً: فلأن الغرض بذلك ما لم يكن معتاداً في كلام الناس
كآيات التعوذ والإسترجاع عند المصيبة وغير ذلك، ومن جهة أن الجنابة
تعرض كثيراً والتعوذ والتسبيح والتهليل عند عروض العجائب في العالم
فلا ينبغي تضييق ذكره بمانع الجنابة، وأما أبو حنيفة فقد جوز قراءة
ما دون [الآية] محتجاً بأن القرآن إنما كان قرآناً لكونه معجزاً
والإعجاز إنما يتعلق بالآية فما فوقها فأما ما دون ذلك فلا يتعلق
به الإعجاز كالحرف الواحد والكلمة الواحدة.
قلنا:هذا فاسد لأوجه ثلاثة:
أما أولاً: فلأن ما دون الآية وإن لم يكن معجزاً لكنه من جنس
المعجز فساواه في المنع كالسجدة الواحدة ليست بصلاة لكنها لما كانت
من جنسها منع منها الجنب.
وأما ثانياً: فلأن ما دون الآية جزء من القرآن فلا يجوز للجنب
قراءته كالآية التامة.
وأما ثالثاً: فلأن قراءة القرآن عبادة تمنعها الجنابة فيستوي فيه
حكم القليل والكثير كالصلاة.
وأما مالك فإنه قد جوز للجنب قراءة الآية والآيتين على جهة التعوذ،
وفي معناه ما حكي عن الأوزاعي، فما ذكراه يقرب مما حكيناه عن
المؤيد بالله وهو المختار.
مسألة: ولا يجوز للجنب اللبث في المسجد عند أئمة العترة وفقهاء
الأمة أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا أحل المسجد لجنب
ولا حائض ))(1).
وحكي عن داود وطبقته من أهل الظاهر جواز اللبث في المسجد للجنب.
__________
(1) أخرجه أبو داؤد عن عائشة بلفظ: ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد
فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)). اه(بحر1/104) وقد تقدم.
(2/42)
والحجة له على ذلك: قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ
وَأَنْتُمْ سُكَارَى } ثم قال: {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي
سَبِيلٍ}[النساء:43]. وذا جاز العبور للسبيل للجنب جاز اللبث فيه
لأنهما مستويان في الكون في المسجد والحصول فيه، وما ذكره فاسد
فإنا نمنع العبور ونمنع اللبث جميعاً فلا يلزمنا ما قاله وإنما
يلزم الشافعي حيث جوز العبور دون اللبث كما سنحكيه عنه ونبطله،
ومثل ما حكيناه عن داود من جواز اللبث محكي عن المزني من أصحاب
الشافعي.
وحكي عن أحمد وإسحاق بن راهويه جواز اللبث في المسجد للجنب أيضاً
إذا توضأ.
والحجة لهما على ذلك هو: أن المقصود من منع الجنب من المسجد ليس من
أجل تنجيسه فإن الجنب لا نجاسة فيه وليس مثل الحائض فإنها ممنوعة
من المسجد من أجل أنها تنجسه، وإذا كان الأمر كما قلناه دل على أنه
إنما منع من أجل أنه لا يلابس المسجد وهو محدث ويلاصقه بالأعضاء
المحدثة فإذا توضأ زال الحدث من الأعضاء التي تلاصق المسجد وتتصل
به. وهذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأنه لو كان الأمر كما زعموه للزم أن لا يغسل وجهه
لأنه لا يلابس المسجد، ولا يمسح رأسه.
وأما ثانياً:فلأن المعنى في منعه أنه حدث أكبر بخلاف الحدث الأصغر
فإنه غير مانع لدخول المسجد، فبطل ما قالا.
وهل يجوز العبور فيه للجنب أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجوز العبور فيه له، وهذا هو رأي أئمة العترة
وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك.
والحجة على ذلك: قوله : ((لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض )) ولم
يفصل بين العبور وغيره.
الحجة الثانية: قياسية، وهي: أن العبور كون في المسجد وحصول فيه
للجنب من غير ضرورة فلم يكن جائزاً كاللبث.
المذهب الثاني: أن ذلك جائز، وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه، ومحكي
عن ابن عباس وابن مسعود من الصحابة رضي الله عنهم.
(2/43)
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا
مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى
تَغْتَسِلُوا}[النساء:43].
ووجه تقرير الحجة هو: أن المراد مواضع الصلاة، فعبر بالصلاة عن
مواضعها فحاصل معنى الآية على هذا: لا تقربوا المساجد التي هي
مواضع الصلاة وأنتم سكارى ولا جنباً إلا على جهة العبور ، فأباح
العبور للجنب دون اللبث وهذا هو المقصود.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم وهو المنع منه لما
قالوه، ونزيد هاهنا وهو أن كل حكم تعلق باللبث فإنه متعلق بالعبور
كالتحريم على الحائض وملك الغير وإدراك الحج بعرفة فإنه كما يحرم
على الحائض اللبث يحرم عليها العبور وهكذا ملك الغير أيضاً وكما
يكون مدركاً للحج باللبث في عرفة فهكذا يكون العبور أيضاً، وإذا
كان الأمر كما قلناه فكما حرم اللبث حرم العبور من غير تفرقة
بينهما.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالف ما قلناهُ في ذلك، فأما الشافعي
وأصحابه فقد قالوا: الآية دالة على جواز العبور بظاهرها فلهذا
قضينا بجوازه.
قلنا: عن هذا جوابان:
(2/44)
أما أولاً: فلأن المراد من الآية: {َلاَ تَقْرَبُوا} نفس الصلاة
كما هو مفهوم من ظاهرها من غير حاجة إلى التأويل كما قال تعالى:
{وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى }[الإسراء:32] والمراد بقوله: {إِلاَّ
عَابِرِي سَبِيلٍ} أي إلا مسافراً فإنه يقربها وهو جنب بالتيمم من
جهة أن انقطاع الماء في الأسفار يعرض كثيراً، فالمعنى: لا تقربوا
وأنتم أجناب في أي حالة من الحالات إلا في حال عبور السبول(1)
في الأسفار لانقطاع الماء بالتيمم.
وأما ثانياً: فيحتمل أن يكون المراد: لا تقربوا مواضع الصلاة التي
هي المساجد في حال الجنابة إلا أن تحتلموا في المساجد فتعبروا فيها
للخروج منها، ففي هاتين الحالتين(2) يحوز العبور في المساجد فأما
من غيرهما فلا وجه، فأما ما يحكى عن داود والأوزاعي فقد أفسدنا
كلامهما فأغنى عن تكريره.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: قال الإمام المؤيد بالله: من اجتنب في المسجد تيمم
إذا وجد التراب ثم يخرج فإذا لم يجد فعليه الخروج، هذا إذا كان
زمان التيمم أقصر من زمان الخروج فإن كان أطول فليس عليه إلا
الخروج.
__________
(1) هكذا في الأصل، ولعله خطأ من الناسخ وأن الصحيح هو (السبيل) أو
(السُّبُل)، أو أن المراد بـ(السُّبُول) الطريق السالكة على صيغة
فعول، والأقرب أن تكون (سُبُول) جمع سبيل لو لا أنه جمع لم يرد في
الأمهات من المعاجم وإن كان جاء في بعض المعاجم الحديثة. راجع
(القاموس المحيط) و (لسان العرب) و (العين).
(2) يبدو أن المقصود بالحالتين، حالة المسافر وحالة المحتلم في
المسجد، مع أن ظاهر كلام المؤلف أن الاستثناء في الآية لعابر
السبيل هو جواز الصلاة بالتيمم وليس عبور المسجد أو دخوله، إلا أن
دخول المسجد قد يأتي ضمن متعلقات الصلاة.
(2/45)
والمختار: أنه يجب عليه الخروج من المسجد مطلقاً سواء كان زمان
الخروج أضيق أو أوسع ولا يحتاج إلى التيمم لخروجه، لقوله تعالى:
{وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}[النساء43]. ولأن التيمم
إنما يتوجه لمن أراد اللبث وهذا تارك له فلا يجب عليه التيمم لما
هو تارك له.
الفرع الثاني: الذي ذهب إليه أئمة العترة أنه لا يجوز للمشركين
دخول المسجد الحرام، وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ}[التوبة:28].وقوله : ((لا
ينبغي لمسلم أن يؤدي الجزية ولا لمشرك أن يدخل المسجد الحرام))(1).
وحكي عن أبي حنيفة أن ذلك جائز.
والحجة له على ذلك: هو أن كل موضع جاز للمسلم دخوله فإنه يجوز
للكافر قياساً على سائر المواضع، وهذا فاسد فإن التفرقة بين المسلم
والكافر ظاهرة، من جهة أن المسلم معظم الحرمة، والكافر لا حرمة له،
فلا يجوز قياس أحدهما على الآخر لما بينهما من التفرقة، والحرم
مخالف لسائر البقاع ولهذا فإنه يجب التوجه إليه في الصلاة ويمتنع
القصاص ممن التجأ إليه عندهم فافترقا.
الفرع الثالث: هل يجوز للمشرك دخول ما سوى المسجد الحرام أم لا؟
وهذه المسألة من فروع رطوبة الكفار وقد أسلفنا القول فيمن جوز
رطوبتهم [أنه] جوز لهم دخول المساجد لكونها طاهرة عنده وهذا هو رأي
المؤيد بالله، وهو محكي عن الفقهاء أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما،
ومن قال بتنجيس رطوباتهم فإنه يمنعهم من دخول المساجد، وهذا هو رأي
القاسم والناصر والهادي ومحكي عن مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن
راهويه، وقد قررنا فيما سبق ذكر الاحتجاج للقولين وبيان المختار
والانتصار له فأغنى عن تكريره.
ويكره للجنب ضد ما يستحب له، وهو ترك غسل يديه وفمه عند الأكل.
__________
(1) سيأتي في موضعه.
(2/46)
ويكره له معاودة الجماع من غير توضي ويكره له النوم من غير
توضي، والمراد بالكراهة هو التنزيه من غير تحريم، وأن خلاف ذلك(1)
هو الأفضل له كالشرب باليسار والإستنجاء باليمين إلى غير ذلك من
الكراهات المقصود بها التنزيه.
مسألة: ويستحب للجنب أن يبول قبل الاغتسال، قال الإمام زيد بن علي:
أحب للجنب أن يبول قبل الاغتسال لما روي عن النبي أنه قال: ((إذا
جامع الرجل فلا يغتسل حتى يبول " وإلا تردد بقية المني فكان منه
داء لا دواء له))(2).
وهل يجب عليه ذلك أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن البول عليه واجب قبل أن يغتسل(3)
وهذا هو الذي نص عليه الهادي في الجامعين (الأحكام) و (المنتخب)
وهو رأي المؤيد بالله وهو مبني على أصل وهو أن بقية المني مقطوع به
في الإحليل بعد الإنزال ما لم يبل فمن أجل ذلك أو جبنا عليه البول
ليكون دافعاً لما بقي منه.
والحجة على ذلك: هي أن المني خروجه موجب للغسل فلا جرم كان بقاؤه
مانعاً من صحة الغسل كدم الحيض.
المذهب الثاني: أنه غير واجب وهو رأي زيد بن علي وأحمد بن يحيى،
وهو اختيار السيد أبي طالب وهو مبني على أصل وهو أن بقية المني غير
مقطوع به في الإحليل، وهو محكي عن أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما.
__________
(1) خلاف ذلك: يعني مخالفة الفعل المكروه الذي فيه الأكل
باليسار..الخ، إلى الأكل باليمين، هو الأفضل.
(2) أخرجه في الشفاء، و(الروض النضير) 1/368، ووجه الاستحباب في
البول قبل الغسل يستند إلى الحديث الذي احتج به القائلون بوجوب
البول قبل الغسل وهو حديث: ((إذا جامع الرجل فلا يغتسل حتى يبول
وإلا تردد بقية المني فكان فيه داء لا دواء له)) وقد ضعفه كثيرون
لطعن بعضهم في بعض رواته فيما اعتبره البعض موضوعاً، وآخرون
اعتبروه من المراسيل.
(3) بمعنى أن البول شرط في صحة الغسل لا واجباً لذاته.
(2/47)
والحجة على ذلك هي: أن موجب الطهارة إذا كان كامناً في البدن
فإنه غير موجب للطهارة إلا أن يخرج كسائر الأحداث فإذا اغتسل من
غير بول ولم يتحقق بعده خروج المني فإن الغسل غير لازم له من جهة
أن الطهارة لا تزول إلا بحدث متيقن.
والمختار: ما قاله الإمام زيد بن علي والسيد أبو طالب ومن وافقهما
من أن البول غير واجب وإنما هو مستحب فإذا تعرض له الجنب استحب له
أن يبول فإن لم يبل اغتسل ولا حرج.
والحجة على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا، وهو قوله تعالى:
{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا }[المائدة:6].
وتقرير هذه الحجة من الآية هو أن اللّه تعالى أوجب الاغتسال
للجنابة من غير اشتراط أمر من الأمور وعقب الاغتسال بالفاء من غير
فاصلة، وقوله لأمير المؤمنين: ((فإذا فخضت الماء فاغتسل )). ولم
يشترط بين الفضخ والاغتسال أمراً من الأمور وفي هذا دلالة على أن
البول قبل الاغتسال غير واجب.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: بقية المني مقطوع بها في الإحليل فكانت مانعة كبقية الحيض
في الرحم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن بقية المني مقطوع بها في الإحليل بل
خروجه يكون على وجه الدفق فلا يبقى له أثر.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا أن له بقية لكنه معفو عنه فلا يكون
موجباً للغسل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: هو أنا إذا قلنا بوجوب البول قبل الاغتسال كما هو رأي
الهادي و المؤيد بالله، فإن بال أجزأه الغسل سواء كان في أول الوقت
أو في آخره لأنه بالبول قد زال أثر المني المانع من صحة الغسل
فلهذا كان مجزياً له، وإن لم يبل بعد التعرض له فهل يلزمه تأخير
الغسل إلى آخر الوقت أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول:أنه يجب عليه تأخير الاغتسال إلى آخر الوقت، وهذا هو
رأي الهادي.
(2/48)
والحجة على ذلك هي: أن البول شرط في صحة اغتساله وما من وقت إلا
وهو متوقع لحصول البول [فيه] فلهذا وجب عليه التأخير، لتكون صلاته
كاملة كالمتيمم فإنه يؤخر [الصلاة إلى آخر] الوقت لأنه مامن وقت
إلا وهو يرجو وجود الماء [فيه]، فإن تعذر البول اغتسل وصلى مخافة
أن تفوته الصلاة لفوات وقتها، وتجب عليه إعادة الغسل لهذا البول
لأن بقية المني مقطوع به في الإحليل على رأيه(1)،
فإذا زال اندفع بقية المني مع البول وبقاؤه يمنع من صحة الاغتسال.
وهل تجب عليه إعادة الصلاة على رأيه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا تلزمه إعادة الصلاة وهذا هو الذي ذكره المؤيد
بالله، لأنه قد أداها كاملة وقد قال : ((لا ظهران في يوم ))، وهو
الذي يأتي على رأي الهادي من جهة أن المسألة اجتهادية بين العلماء،
والمسائل الخلافية على مذهبه لا يلزم فيها الإعادة مع فوات وقتها.
وثانيهما: أنه تلزمه الإعادة للصلاة، وهذا هو الذي ذكره الشيخ علي
بن الخليل وغيره من أصحابنا على رأي الهادي، ووجهه: أنه وقع غسله
على فساد من جهة أن بقية المني مانع من إجزاء الغسل فلم تكن الصلاة
مجزية كما لو لم يغتسل.
المذهب الثاني: أنه يستحب له التأخير، وهذا هو الذي رآه المؤيد
بالله، ووجهه: محاذرة عن تكرر الغسل عليه إذا بال؛ لأن غسله يقع
صحيحاً لا محالة، فلم يكن الاستحباب في التأخير إلا لما ذكرناه.
المذهب الثالث: أنه لا يلزمه التأخير ولا يستحب له، وهذا هو الذي
ذكره السيد أبو طالب مذهباً لأحمد بن يحيى(2)،
__________
(1) يعني:على رأي الهادي.
(2) ابن الإمام الهادي يحيى بن الحسين.
(2/49)
واختاره مذهباً لنفسه لأن الصلاة مؤقتة لقوله تعالى: {إِنَّ
الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً
}[النساء:103]. فلا وجه لتأخيرها عن وقتها المضروب لها، ومن جهة أن
المني غير مقطوع بأثره في الإحليل فإذا تعرض للبول ولم يبل فعليه
أن يغتسل للجنابة ويصلي ولا تلزمه إعادة الغسل والصلاة جميعاً
لأنهما جميعاً قد وقعا على نعت الصحة فلا وجه لإعادتهما.
والمختار: ما قاله الإمامان أبو طالب وأحمد بن يحيى لما ذكرناه من
قبل، وهو أن بقية المني غير مقطوع به في الإحليل وقد دللنا عليه
بالآية والخبر وإذا كان لا أثر له صح الاغتسال والصلاة.
الفرع الثاني: إذا قلنا بأن بقية المني مقطوع به في قصبة الإحليل
فهل يكون مانعاً من صحة الغسل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه مانع من صحة الاغتسال، وهذا هو الذي يأتي على
رأي الهادي، وعلى هذا إذا اغتسل في آخر الوقت من غير بول جازت
الصلاة مخافة فواتها ويكون معذوراً في تأديتها، ولا يجوز له دخول
المسجد ولا قراءة القرآن لأنه في الحقيقة جنب فلا يجوز له فعل هذه
الأمور بحال.
المذهب الثاني: أن بقية المني وإن كان مقطوعاً به في الإحليل لكنه
إذا اغتسل صح اغتساله وجاز له دخول المسجد وقراءة القرآن، لأن غسله
وقع صحيحاً وزالت عنه الجنابة وذلك مستمر حتى يبول فإذا بال عاد
عليه حكمها من جهة اندفاع بقية المني عن الإحليل، وهذا هو رأي
المؤيد بالله. ووجهه ما ذكرناه.
الفرع الثالث: إذا اغتسل في أول الوقت ولم يبل فإنه تجب عليه إعادة
الغسل والصلاة جميعاً على رأي الهادي.
(2/50)
ووجه ذلك: هو أنه قد أخل بشرط الصلاة وهو الطهارة فلهذا وجبت
عليه الإعادة لهما لوقوعهما على فساد، والتفرقة بين أول الوقت
وآخره على رأيه حيث قال: بوجوب إعادة الغسل والصلاة إذا وقعا في
أول الوقت بخلاف ما إذا وقعا في آخر الوقت فإنه لا يعيد إلا الغسل
دون الصلاة، هو أنه إذا كان في آخر الوقت فهو معذور في تأدية
الصلاة فلهذا كانت مجزية بخلاف ما إذا وقعت في أول الوقت فإنه غير
معذور في تأديتها فلهذا وجبت عليه الإعادة لهما جميعاً فافترقا.
الفرع الرابع: إذا اغتسل في أول الوقت ولم يبل ولم يتعرض للبول
فإنه تجب عليه إعادة الغسل والصلاة جميعاً، وهذا هو الذي يأتي على
رأي أحمد بن يحيى، وظاهر كلامه أن التعرض للبول شرط في صحة الصلاة
والغسل جميعاً فكأنه قد أخل بشرط، فلا جرم لم يكونا مجزئين في حقه،
فأما على كلام السيد أبي طالب فلا يجب عليه ذلك بل يلزمه أن يستقصي
في إنزال بقية المني، فإذا فعل ذلك واغتسل وصلى في أول الوقت فقد
أدى ما وجب عليه.
قال الإمام المؤيد بالله: ولا بأس للرجل أن يدخل المسجد وعلى ثوبه
أو بدنه نجاسة أو معه شيء نجس وهو لا ينجس المسجد، لما روي عن
النبي أنه دخل المسجد وعلى ثوبه نجاسة فأمر به إلى عائشة من المسجد
فغسلته في بيتها ثم أمرت به إليه(1)،
ولأنه لا يخشى منه نجاسة المسجد فجاز ذلك كما لو كان طاهراً، وإن
كان يخشى منه تنجيس المسجد لم يجز ذلك، لما روي عن النبي أنه أراد
دخول المسجد فخلع نعليه من رجليه فلما رآه أصحابه من بعده حَلُّوا
نعالهم فقال: ((ما بالكم))!؟ فقالوا: رأيناك حللت فحللنا. فقال:
((إن جبريل أخبرني أن فيها قذراً ))(2)،
فدل ذلك على أنه لا يجوز الدخول بها المسجد مخافة تنجيسه.
__________
(1) تقدم.
(2) تقدم.
(2/51)
الفرع الخامس: ما ذكرناه من وجوب تقديم البول قبل الاغتسال من
الجنابة، إنما يكون شرطاً في حق الرجال، فأما في حق النساء فلا
يكون شرطاً لأن مخرج الحيض والمني في حقهن غير مخرج البول كما
وصفناه من قبل، فلا يحصل لهن في تقديم البول استنزال بقية المني
لما كان المخرجان مختلفين.
قال السيد أبو العباس: فإن بال ثم خرج مَنيٌّ بعد الغسل فإنه لا
يلزمه [إعادة]الغسل إلا باستحداث شهوة، لأنه ليس بمني. وهذا يلائم
ما ذكره الهادي في (الإحكام)، فأما اختياره لنفسه فقد قررناه فيما
تقدم أنه موجب للغسل واخترناه وهو رأي الشافعي.
قال أبو حنيفة ومحمد: إذا جامع الرجل واغتسل من ساعته قبل أن يبول
ثم خرج بقية المني فعليه الغسل لأنه من آثار المني الأول.
قال أبو يوسف: لا غسل عليه.
وحكي أيضاً: أنه لو احتلم الرجل فأمسك على ذكره فلم يخرج منيه على
الفور ثم خرج بعدما سكنت شهوته، ففي قول أبي حنيفة ومحمد: عليه
الغسل كما لو خرج على الفور.
قال أبو يوسف: لا غسل عليه.
قال الشافعي وزفر: يجب عليه الغسل متى خرج بال أو لم يبل.
قال أبو يوسف ومالك: ليس عليه غسل بال أو لم يبل. وقد قدمنا الكلام
في هذه المسألة وذكرنا المختار من ذلك والانتصار لما ذكرناه فأغنى
عن الإعادة. والله الموفق.
الفرع السادس: إذا لَفَّ على ذكره خرقة ثم أولجه في فرج امرأته ولم
ينزل الماء فهل يجب عليه الغسل أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه محكية عن
أصحاب الشافعي:
أحدها: أنه لا يجب عليهما غسل لأن كل ما أوجب الطهارة عندهم من
الملامسة من غير حائل فإنه لا يوجبها مع الحائل كالطهارة الصغرى.
وثانيها: أنه يجب عليهما الغسل لأنه يسمى مولجاً كما لو كان من غير
حائل.
وثالثها: أنه إذا كانت الخرقة رقيقة وجب عليهما الغسل لأن وجودها
كعدمها وإن كانت صفيقة لم يجب عليهما الغسل.
(2/52)
والمختار عندنا على المذهب: وجوب الغسل عليهما جميعاً لقوله :
((إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل))، ولم يفصل بين
أن يكون هناك حائل أو لم يكن. وإذا قلنا بوجوب الغسل عليهما فهل
يكونان جنبين(1)
محدثين فيتوجه عليهما الوضوء والغسل جميعاً أو يكونان جنباً من غير
حدث فلا يجب عليهما إلا الغسل لا غير؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي:
أحدهما: أنهما يكونان جنباً من غير حدث، وهو محكي عن الشيخ أبي
حامد الإسفرائيني منهم، لأنه يقال له جنب ولا يقال له محدث.
وثانيهما: أنهما يكونان جنبين محدثين وهذا هو المحكي عن الشيخ أبي
الطيب الطبري، وهذا هو الذي نختاره للمذهب من جهة أن الحدث يكون
بخروج الخارج من السبيلين، وا لجنابة تكون بخروج المني فاجتمع فيه
العلتان، ولأنه إذا وجب الغسل استحال بقاء الطهارة الصغرى. وثمرة
الخلاف في المسألة: هو أن كل من أوجب الوضوء والغسل لكونه جنباً
محدثاً فإنه يوجب الوضوء مرتباً، ومن قال بأنه لا يجب الوضوء،
لكونه جنباً غير محدث فإنه لا يجب عليه الوضوء بحال.
__________
(1) هكذا في الأصل هنا، وردت (جنباً) في صيغة المثنى وهي في الجملة
التي تليها مفردة. وعلى اعتبار أنها إسم للجنس فإنها لا تثنى ولا
تجمع كما جاء في القرءان الكريم: {وإن كنتم جنباً فاطهروا}. وفي
القاموس: (.. وهو جنب يستوي للواحد والجمع، أو يقال: جنبان و
أجناب). إ.ه. بلفظه.
(2/53)
الفرع السابع: وإذا قلنا بأن الرجل إذا أولج ذكره مع الحائل
فإنه يكون جنباً من جهة أن الختانين قد التقيا وذلك موجب للغسل كما
مر شرحه، ويكون محدثاً أيضاً من جهة أن الإيلاج مظنة الحدث وإن لم
يحدث كما أن النوم مظنة بخروج الناقض وكما أن الخلوة مظنة لشغل
الرحم، وإن لم يكن هناك وطء فلما كان الشرع يقيم مظنة الشيء مقامه
لا جرم كان الإيلاج قائماً مقام خروج الخارج، فلأجل ذلك كان موجباً
للوضوء. وإذا كان الرجل جنباً محدثاً بأن جامع فأنزل أو احتلم
فأنزل أو أولج ذكره من غير إنزال فقد وجب عليه الوضوء والغسل
جميعاً، فهل يجزيه الغسل فقط عن الوضوء أو لا بد من الوضوء؟ فيه
كلام نستوفيه في واجبات الغسل وصفته بمعونة اللّه تعالى.
مسألة: قال الإمام القاسم، في ثلاثة(1)
أنفس في بيت واحد، جنب وحائض وميت، وهناك ماء في كوز ولا يقدر(2)
على غيره. الأحق بالماء من كفاه، ومن لم يكفه فالتيمم بالصعيد
الطيب، فإن كان يكفي كل واحد منهم على الإنفراد ولا يكفي جماعتهم
فالحائض أحق به.
واعلم أن هذه المسألة قد اشتملت على فروع خمسة نذكرها ونفصلها
بمعونة اللّه تعالى:
الفرع الأول: أن يكون الماء مباحاً أو كان لغيرهم وأراد أن يجود به
على أحدهم وكان كافياً له فأي هؤلاء الثلاثة يكون أحق به؟ فيه
مذهبان:
المذهب الأول: أن تكون الحائض أحق به وهذا هو رأي القاسم كما حكينا
في ظاهر المسألة وهو اختيار السيد أبي طالب.
والحجة على ذلك: هو أن الحائض إنما يراد من غسلها لحق الآدمي وهو
الوطء بخلاف الجنب والميت فإن المراد بغسلهما هو لحق اللّه تعالى
وهو أداء العبادة عليهما وإذا ازدحم حق اللّه تعالى وحق الآدمي،
كان حق الآدمي أحق بالتقديم كالدَّيْنِ والوصية.
المذهب الثاني: أن الميت أحق، وهذا هو المحكي عن الشافعي.
__________
(1) هكذا في الأصل. ولعل تذكير الأنفس باعتبار الأشخاص المعبر
عنهم.
(2) بمعنى: ولا يوجد غير الماء الذي في الكوز.
(2/54)
والحجة على ذلك هي: ما قاله الشافعي: وهو أن هذه خاتمة أمر
الميت ولا ترجى له طهارة بعد هذا، والجنب و الحائض ترجى لهما
الطهارة بعد ذلك.
والمختار: أن الأحق بالماء الميت كما قال الشافعي، ليس لما قاله
ولكن من جهة أن غسله لا يراد به رفع الحدث للصلاة وإنما المقصود به
التنظيف وذلك لا يحصل بالتراب، والقصد من طهارة الجنب والحائض إنما
هو رفع الحدث واستباحة الصلاة ولا شك أن التيمم يقوم مقام الماء في
استباحة الصلاة فلهذا كان [الميت] أحق بالماء لما ذكرناه. وأما ما
ذكره الشافعي من التعليل فهو فاسد، لأن ظاهره دال على أن وجوب
الطهارة متعلق به وليس الأمر كما ظنه ولكن التكليف بتطهيره متعلق
بالأحياء إذ لا يعقل في حقه تكليف لانقطاعه بالموت، والحي إذا
اجتمع عليه حقان يتعلقان بالعبادة، يتعلق أحدهما بنفسه والآخر
يتعلق بغيره، قدم ما يختصه في نفسه كالصلاة في آخر الوقت والصلاة
على الجنازة إذا اجتمعا. وكالصحيح إذا تضيق عليه وقت الصلاة وهناك
مريض مدنف يحتاج إلى الوصية والوضوء إلى غير ذلك.
ويمكن الانتصار لما قاله القاسم وهو: أن الحائض قد بعد عهدها
بالتنظيف وتكاثفت نجاستها في بدنها وأثوابها فلا جرم كانت أحق
بالماء لتطهيرها مما هي [عليه]، وكلامه في ترجيحها بالأحقية إنما
هو إذا كان لها زوج فأما إذا لم يكن لها زوج فسيأتي الكلام فيه.
الفرع الثاني: إذا اجتمع هؤلاء الثلاثة وكان الماء ملكاً لأحدهم
نظرت، فإذا كان الذي يملكه هو الميت فإنه يكون أحق به ولا يجوز
بذله لمن كان حياً إلا أن يخشى الحيان التلف من العطش فلهما أن
يشتريا ذلك بقيمته من الورثة لأنه ملك لهم، وييمم الميت بالتراب
ويوارى في حفرته لأن حفظ مهجة الحي وتدارك حشاشته أهم في مقصود
الشرع من التطهر في حق الميت الذي له بدل يقوم مقامه، وإن كان
الماء للحائض فإنها تكون أحق به لكونه ملكاً لها.
وهل يجوز بذله للميت؟ فيه وجهان:
(2/55)
أحدهما: أن ذلك غير جائز، وهذا هو الذي يأتي على رأي أئمة
العترة وهو الأصح من قول الشافعي لأنها محتاجة إليه لأداء العبادة
فلا يحل لها بذله.
وثانيهما: أن الميت يكون أحق به، وهذا شيء يحكى عن الشيخ أبي إسحاق
من أصحاب الشافعي وقد أنكره ابن الصباغ في (الشامل) وقال: هذا لا
يعرف للشافعي، لأنه محتاج إليه(1)
كما أشرنا إليه فلا يحل له بذله(2)،
وإن كان الماء للجنب فهو أحق به ولا يجوز له بذله مع حاجته إليه
فإن خالف الجنب والحائض وبذلا الماء للميت مع حاجتهما إليه وأخذا
ثمنه لهما من مال الميت كانا مخطئين لما لهما فيه من الحاجة ولم
يزل ملكهما عنه، فإن تيمما وصليا نظرت فإن كان مع وجود الماء لم
يصح تيممهما لكونه تيمماً مع وجود الماء وإن كان مع عدمه جاز ذلك،
وهل تلزمهما الإعادة أم لا؟ والأقرب على المذهب: أنه لا تلزمهما
الإعادة لما صليا بالتيمم لقوله : ((لا ظهران في يوم )) وحكي عن
الشافعي قولان.
__________
(1) محل هذه الجملة بعد قوله: وثانيهما أن الميت يكون أحق به.
(2) بمعنى: فلا يجوز أخذه.
(2/56)
الفرع الثالث: إذا اجتمع هؤلاء الثلاثة وكانت الحائض لا زوج
لها، فالأقرب على ما اخترناه من قبل، وعلى رأي القاسم: أن الميت
يكون أحق بالماء لما ذكرناه من أن المقصود بطهارة الميت هو
التنظيف، ولا بَدَلَ لَهُ، بخلاف الحائض فإن المقصود بطهارتها رفع
الحدث وله بدل وهو التراب، وعلى رأي القاسم أيضاً لأنه إنما رجح
الحائض لأجل حق الآدمي وهو الوطء وهذه لا بعل لها فلا وجه للترجيح
به، فلا جرم سلم المعنى المقصود في حق الميت فلهذا قضينا بكونه أحق
بالماء من غيره، وإن اجتمع حي على بدنه نجاسة وميت، والماء يكفي
أحدهما، فالذي يأتي على رأي الشافعي: أن الميت أحق، والأقرب: أن
الحي أولى من جهة أن طهارة الميت لها بدل بخلاف طهارة النجاسة فإنه
لا بدل لها، وإن كان الماء لا يكفي واحداً من هؤلاء الثلاثة فقد
قال القاسم: ومن لم يكفه الماء فالتيمم بالصعيد الطيب. وهذا ظاهر
لأن كلامنا في الأحق بالماء إنما هو مع كمال التطهير بالماء فأما
مع أن الطهارة لا تكمل به فالواجب العدول إلى بدله.
الفرع الرابع: وإن اجتمع جنب وحائض قد طهرت وهناك من الماء ما يكفي
أحدهما، فأيهما يكون أحق به؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الحائض أحق، لأنها تستبيح بالغسل أكثر مما يستبيح به
الجنب وهو إباحة الوطء، وهذا هو الذي يأتي على رأي القاسم فيما إذا
اجتمع الثلاثة.
وثانيها: أن الجنب أحق من جهة أن غسل الجنابة معلوم بنص القرآن
وغسل الحيض مأخوذ من أخبار الآحاد وطرق الاجتهاد(1).
وثالثها: أنهما سواء من جهة أن كل واحد منهما مفتقر إلى الطهارة
بالماء، والتراب بدل عنهما(2)
__________
(1) لم يسند المؤلف هذا الوجه إلى مذهب أو قائل معين، والمعروف أن
الغسل من الحيض ثابت بالإجماع، وليست فقط بأخبار الآحاد وطرق
الاجتهاد، والله أعلم.
(2) هكذا في الأصل، والمراد معلوم وهو أن التراب بدل عن الماء في
الغسل للجنب والحائض عند انعدام الماء أو تعذر استعماله.
(2/57)
جميعاً فلهذا كانا مستويين.
والمختار: أنهما سواء من جهة أنه لا يشار إلى أحدهما بخصوصية إلاَّ
ويمكن حصولها للآخر، ولهذا حكمنا عليهما بالإستواء.
وإن كان رجل على بدنه نجاسة وهو محدث ومعه من الماء ما يكفي أحدهما
دون جميعهما فإنه يغسل النجاسة بالماء ثم يتيمم للحدث، من جهة أن
التيمم لا يصلح لإزالة النجاسة ولا بدل لها(1)
والتيمم ينوب عن الحدث فلهذا وجب استعمال الماء فيما لا يقوم غيره
مقامه.
الفرع الخامس: وإذا اجتمع جنب ومحدث وهناك ما يكفي أحدهما دون
الآخر نظرت فإن كان يكفي المحدث ولا يكفي الجنب فالمحدث أحق به
لأنه يرفع حدثه ويسقط فرضه، والجنب لا يرفع حدثه ولا يسقط فرضه على
رأي بعض أهل الاجتهاد كما سنوضحه بعد هذا بمعونة اللّه تعالى.
وإن كان الماء يكفي الجنب ويفضل عنه ما يغسل به المحدث بعض أعضائه،
ويكفي المحدث ويفضل عنه ما لا يكفي الجنب فالجنب أحق به، من جهة أن
حدث الجنابة أغلظ من حيث أنه لا يقدر على الحصول في المسجد ولا على
قراءة القرآن، وإن كان الماء يكفي الجنب ولا يفضل منه شيء ويكفي
المحدث ويفضل عنه ما يغسل به الجنب بعض أعضائه ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الجنب أولى من جهة أن حدثه أغلظ.
وثانيها: أن المحدث أحق به لما فيه من التشريك بينهما(2).
وثالثها: أنهما سواء لأنه يُرْفَعُ به حَدَثٌ عن كل واحد منهما.
والمختار على المذهب: أن المحدث أحق به لما فيه من مزيد الفائدة
وهو أن كل واحد منهما يصلي وقد ارتفع عنه الحدث بالطهارة المائية،
فهذا ما أردنا ذكره في هذه المسألة وبتمامه يتم الكلام على الفصل
الثاني وهو ما يجوز للجنب فعله وما لا يجوز وبالله التوفيق.
__________
(1) أي: لغسلها أو لتطهيرها.
(2) بين النجاسة والحدث.
(2/58)
---
الفصل الثالث في بيان واجبات الغسل وذكر كيفيته
وقد أوضحنا أن الواجب من الغسل أنواع أربعة: الجنابة، والحيض،
والنفاس، والموت، وما يتعلق [بها]. والذي نذكره هاهنا هو الأمور
الواجبة في الغسل الذي لا يكون غسلاً شرعياً مجزياً في العبادة
إلاَّ به(1)
فالنية في غسل الجنابة وغيره واجبة عند أئمة العترة لا يختلفون في
ذلك، وهو قول الشافعي ومالك وعند أبي حنيفة وأصحابه، ومحكي عن
سفيان الثوري أنها غير واجبة، والخلاف فيه وفي الوضوء واحد إذ لا
قائل بالتفرقة بينهما، فمن أوجب النية أوجبها فيهما جميعاً، ومن
منع النية منعها فيهما جميعاً، والأدلة التي أشرنا إليها في الوضوء
في إيجاب النية جارية هاهنا، وذكر الإختيار والانتصار له قد
أسلفناهُ فأغنى عن تكريره.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: النية في الجنابة، يجب أن تكون لرفع الجنابة أو رفع
الحيض أو رفع النفاس أو غير ذلك من الأسباب الموجبة للغسل لأن ذلك
السبب هو المؤثر في وجوب الغسل فلأجل ذلك أثر تعيينه في كون الغسل
مجزياً، وهكذا لو نوى في غسله أنه للصلاة مطلقاً أو لصلاة معينة أو
لرفع الحدث الأكبر أجزأه ذلك.
__________
(1) هنا فراغ في الأصل يتسع لكلمة واحدة لعلها: فنقول.
(2/59)
قال السيد الإمام أبو طالب: لأن نية الغسل لا تعلق لها بالصلاة
بخلاف نية الوضوء فإن لها تعلقاً بالصلاة فلأجل ذلك أنه إذا نوى في
الغسل ما ذكرناه من تلك الأمور أجزأه بخلاف الوضوء كما مر بيانه،
وإنما لم يكن للغسل تعلق بالصلاة من جهة أنه لا تؤدى به الصلاة حتى
ينضم إليه الوضوء، فمن أجل ذلك افترقا. وهكذا لو نوى بغسله قراءة
القرآن أو دخول المسجد اجزأه ذلك، أو غير ذلك من الأفعال التي تمنع
من فعله الجنابة، ولو نوى رفع الحدث الأصغر لم يكن غسله مجزياً من
جهة أن الجنابة لا ترتفع بارتفاع الحدث الأصغر، ولهذا فإنه لو توضأ
وهو جنب لم يكن حدث الجنابة مرتفعاً بالوضوء وهذا على رأي السيد
أبي طالب وأبي العباس في التفرقة بين الوضوء وغسل الجنابة بالوجه
الذي ذكرناه.
فأما على رأي المؤيد بالله وهو المختار عندنا، فإنه لا تفرقة
بينهما في أنه لو نوى رفع الحدث أو نوى صلاة معينة أنه يكون مجزياً
له في الوضوء والغسل جميعاً كما قررناه في الوضوء.
الفرع الثاني: نية الغسل يجب أن تكون مقارنة لأول جزء من أجزائه
كما ذكرناه في الوضوء من جهة أن المقارنة في النية هي الأصل في كل
فعل، وإنما جوزنا التقديم والتأخير في بعض النيات لدليل دل عليه
وأمر اقتضاه، فإن لم تدل دلالة ظاهرة على جواز التقديم والتأخير
وجب القضاء بالمقارنة لأنه هو الأصل كما أشرنا إليه.
قال الإمام المؤيد بالله: ومن كان جنباً فاغتسل من غير أن ينوي رفع
الحدث أو أداء الصلاة لم يكن اغتساله صحيحاً وإنما كان الأمر كما
قلناه من جهة أن النية شرط في صحة الاغتسال كما قررناه من قبل فإذا
لم يأت بها فإنه يكون مخلاً بشرط من شروط الاغتسال فلهذا لم يكن
غسله مجزياً له.
الفرع الثالث: قال الإمام المؤيد بالله: فإن صلى فعليه الإعادة إذا
أعاد الغسل.
واعلم أن كل ما كان من المسائل الاجتهادية التي وقع فيها الخلاف
بين العلماء [في هذه المسألة] ففيه وجهان:
(2/60)
أحدهما: أنه تلزمه الإعادة على رأيه ولا يراعى في ذلك بقاء
الوقت وخروجه.
وثانيهما: أن يُراعى في وجوب الإعادة بقاء الوقت فإن كان قد مضى
الوقت لم تجب عليه الإعادة، وهذا هو رأي الهادي، وقد قررنا هذه
المسألة في باب الوضوء وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن
تكريره.
الفرع الرابع: قال المؤيد بالله: ومن اغتسل للعيد أو للجمعة ثم ذكر
أنه كان جنباً وجب عليه إعادة الاغتسال للجنابة من جهة أن النية
واجبة كوجوبها في الوضوء ولأنه اغتسل لغير الجنابة فلا يجزيه عن
غسلها كما لو نواه للتبرد. وقال أيضاً: فإن اغتسل وهو شاك في
جنابته ثم إنه تيقن بعد ذلك جنابة أجزأه غسله لأنه قد نوى الجنابة
عند الاغتسال فوجب أن يكون مجزياً له كما إذا كان متيقناً لها عند
الغسل.
مسألة: المضمضة والإستنشاق مشروعان في غسل الجنابة عند أئمة العترة
وهو قول فقهاء الأمة لما روت عائشة عن النبي أنه كان إذا اغتسل من
الجنابة تمضمض واستنشق(1).
وروى ابن عباس عن خالته ميمونة أنها قالت: وضعت لرسول اللّه غسلاً
فتمضمض واستنشق(2).
__________
(1) هذا الحديث جاء ضمن رواية عائشة في وضف غسل النبي من الجنابة،
أخرجه النسائي، والتأكيد واضح على المضمضة والإستنشاق عند الغسل من
الجنابة إذ ورد ذكرهما في فعل رسول الله ضمن الأحاديث المروية في
صفة غسله، ومنها ما روته عائشة وميمونة وعلي في حديث تعليم النبي
لمن سأله عن غسل الجنابة. وفي (الانتصار) حديث أبي هريرة عن النبي
أنه قال: ((المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثاً فريضة) كما سيأتي.
(2) ولفظ الحديث: عن ميمونة قالت: وضعت للنبي ماء يغتسل به فأفرغ
على يديه فغسلها مرتين أو ثلاثاً ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل
مذاكره ثم دلك يده بالأرض، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه ثم
غسل رأسه ثلاثاً، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى من مكانه فغسل قدميه.
هذه إحدى روايات البخاري ومسلم. اه(جواهر- هامش البحر 1/106).
(2/61)
وهل يكونان واجبين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهما واجبان، وهذا هو قول الأكثر من أئمة العترة،
ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه وعطاء وطاووس وابن أبي ليلى وإسحاق
وسفيان الثوري.
والحجة على ذلك:قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا
فَاطَّهَّرُوا}[المائدة:6].
ووجه دلالة الآية هو:أنه تعالى أمر بالتطهير وظاهرها دال على وجوب
التطهير في كل عضو يلحقه التطهير من غير تخصيص، ولا شك أن الفم
والأنف من جملة الأعضاء التي يلحقها التطهير بالماء فيجب القضاء
بوجوب تطهيرهما.
الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((تحت كل شعرة
جنابة " فبلوا الشعر وأنقوا البشر))(1). ولا شك أن في الأنف شعراً
وفي الفم(2) بشراً قال ثعلب: البشرة هي الجلدة التي تقي اللحم من
الأذى.
المذهب الثاني: أنهما سنتان، وهذا هو رأي الإمام الناصر والشافعي
وأصحابه، ومحكي عن مالك.
والحجة على ذلك: قوله لأم سلمة لما سألته عن غسل الجنابة: ((إنما
يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء " ثم تفيضي عليك الماء
فإذا أنت قد طهرت))(3).
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من القول بوجوبهما في غسل
الجنابة ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا حجتين:
__________
(1) أخرجه أبو داود والترمذي بلفظ: ((تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا
الشعر...إلخ)).
(2) في الأصل: الأنف وهو تكرار لعله خطأ من الناسخ.
(3) رواه مسلم، وفيه روايات أخر، والحديث عن أم سلمة قالت: قلت: يا
رسول الله إني امرأة أشد ظفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: ((لا
إنما يكفيك...الحديث)) (جواهر)1/106.
(2/62)
الحجة الأولى: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا
فَاطَّهَّرُوا}[المائدة:6]. فالآية مجملة إذ لا يمكن امتثال الأمر
من ظاهرها، وبيانها موكول إلى الرسول وقد أوضحها عليه الصلاة
والسلام بقوله: ((المضمضة والإستنشاق فريضة في غسل الجنابة ثلاثاً
" ))(1).
وبفعله، فإنه كان إذا اغتسل من الجنابة تمضمض واستنشق.
الحجة الثانية: قياسية، وهي أن نقول: عضو من أعضاء الطهارة بدليل
ما تقدم أنه يجب إيصال الماء إليه في الوضوء ويجب غسله من النجاسة
فوجب غسله من الجنابة كالأذن وداخل اللحية ولأنهما عضوان يلحقهما
حكم التطهير من النجاسة فوجب غسلهما من الجنابة كالرأس والرجل،
ولأنه يُسُّن تكرير غسلهما في الجنابة فكان غسلهما مرة فرضاً
واجباً كسائر الأعضاء.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: الآية في قوله تعالى: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي
سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا " }[النساء:43]. فأمر بالغسل ولم يأمر
فيه بالمضمضة والإستنشاق فدل ذلك على أنهما غير واجبين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الآية على ما قلناه أدل لأن ظاهرها لم يفصل بين
عضو وعضو فهي بأن تكون دلالة لنا أحق من أن تكون دلالة لكم.
وأما ثانياً: فلأنها تقتضي وجوب تطهير جميع ما يلحقه التطهير من
البدن، وهذان العضوان من جملة ما يلحقه التطهير فلا جرم قضينا
بوجوب غسلهما.
قالوا: حديث أم سلمة دال على أنهما غير واجبين لأنه قال لها:
((إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات " فإذا أنت قد طهرت))
ولم يذكرهما.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ظاهر الحديث متروك لأنه دال على أن الوجه غير
مغسول لأنه لم يذكره في الحديث.
فإن قالوا: قد علم بالدلالة وجوب غسله.
قلنا: المضمضة والإستنشاق معلوم غسلهما بالدلالة.
__________
(1) أورده في (الجواهر-هامش البحر) 1/106 عن أبي هريرة.
(2/63)
وأما ثانياً: فلأنا قد دللنا على وجوب غسلهما بما ذكرناه من
الأخبار فيجب الجمع بينها وبين ما أوردوه. وعلى هذا يكون التقدير
فيما روته أم سلمة، أما أنا فأتمضمض وأستنشق ثم أحثي على رأسي ثلاث
حثيات، وإذا كان الأمر فيه كما قلنا بطل ما توهموه.
قالوا: عضو باطن من أصل الخلقة دونه حائل معتاد فأشبه داخل العين.
قلنا: أما من قال بوجوب غسل داخل العين فلا يلزمه هذا القياس لأنه
يمنع من الحكم من الأصل فلا يمكن القياس عليه، وأما من قال بأن غسل
داخلهما غير واجب كما هو المختار عندنا وهو رأي أكثر العترة
فالجواب عنه: أن في غسل داخل العين مشقة وحرجاً، وهذا غير حاصل في
العضوين، ثم إنه معارض بما ذكرنا من الأقيسة المذكورة فيجب القضاء
بتساقط الأقيسة والرجوع إلى الأدلة النقلية التي مهدناها.
قالوا: عضو ينطبق انطباق الخلقة أو عضو منطبق فلا يجب إيصال الماء
إليه كداخل العينين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الطهارات كلها جارية على جهة التحكم من جهة
الشارع، والمعاني فيها منسدة فلا تلوح فيها مخايل المعاني ولا
تنقدح فيها مسالك الأشباه وإنما مستندها تحكمات الشارع في أقواله
وأفعاله.
(2/64)
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا جري الأقيسة فيها لكن ما ذكرتموه
ليس من قبيل المعاني ولا من قبيل الأشباه المعتمدة، وإنما هو من
قبيل الأوصاف الطردية التي لا يعول عليها محصل، ولهذا فإنه يعارض
بأدنى معارضة على القرب، فيقال فيه: عضوان لهما أثر في جمال الوجه
وكمال الخلقة فيجب غسلهما في الجنابة كالعين والشفة، أو عضوان تجب
الدية الكاملة بقطعهما فيجب غسلهما في الجنابة كالعينين والشفتين
إلى غير ذلك من الهذيانات الركيكة والركاكات المتروكة التي لا يعلق
شيء من أحكام الشريعة عليها، ولولا أن القاضي زيد من أصحابنا حكاه
عنهم لما تكلمنا عليه بالإبطال لكونه من الطرديات المهجورة. ولم
أعلم أن أحداً من نظار أصحاب الشافعي أورده وما ذاك إلا لركته
ونزول قدره وأنه صار في حيز الهجران باتفاق الفقهاء الخائضين بحر
القياس الممهدين لقواعده.
قالوا: غسل واجب فلا يجب غسلهما فيه كالغسل من الموت.
قلنا: عما ذكروه جوابان:
أما أولاً: فنمنع الحكم في الأصل ونقول: بل يجب غسلهما في حق الميت
لأنهما من جملة جسمه وهذا إنما يلزم الحنفية حيث لم يوجبوه.
وأما ثانياً: فلأنهما عضوان يجب غسلهما من النجاسة ولا يبطل الصوم
بترك [بقايا من] الطعام فيهما فيجب غسلهما في الجنابة كسائر
الأعضاء فبطل ما توهموه.
مسألة: ويجب تخليل [شعر اللحية] وشعر الرأس وإيصال الماء إلى جميع
البدن، ظاهره وهو ما لا يكون مستوراً بغيره، وغامضه وهو ما يكون
مستوراً بغيره كالمعاطف و الأرفاغ(1)
__________
(1) الرَّفغ والرُّفغ أصول الفخذين من باطن وهما ما اكتنفا أعالي
جانبي العانة عند ملتقى أعالي بواطن الفخذين وأعلى البطن، وهما
أيضاً أصول الإبطين. وقيل: الرفغ من باطن الفخذ عند الأربية،
والجمع أرفغ و أرفاغ ورفاغ. قال الشاعر:ـ
قد زوجوني جَيْأَلاً فيها حدب
دقيقة الأرفاغ ضخماء الركب
إ.هلسان. والجَيْأَلُ: الضبع.
(2/65)
في البدن، نص الهادي على ذلك في المنتخب. وهو قول أئمة العترة
وفقهاء الأمة وذلك لما روي عن الرسول أنه قال: ((بلوا الشعر وأنقوا
البشر " فإن تحت كل شعرة جنابة)). وقوله : ((من ترك موضع شعرة في
جسده من جنابة فُعِلَ به كذا وكذا في النار " ))(1).
ويجب عليه غسل ظاهر أذنيه وباطنهما لأنهما من الأعضاء الظاهرة.
ويدخل الماء فيما ظهر من صماخيه لما ذكرناه من الخبر، ولا يجب عليه
غسل ما بطن كالعين وداخل الأنف على الرأي المختار وهو قول أكثر
الفقهاء وأكثر أئمة العترة.
فأما على رأي المؤيد بالله فإنه يجب عليه غسل عينيه كما ذكره في
الوضوء وقد سبق تقريرها فيه، ولو كان داخل عينيه شعر فإنه لا يجب
عليه غسله لما ذكرناه من عدم وجوب غسلهما.
وهل يجب الدلك لما يمكن دلكه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب دلك ما يمكن دلكه من الجسم في غسل الجنابة،
وهو رأي أئمة العترة وهو محكي عن مالك.
والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين كرم
اللّه وجهه قال: لما كان في ولاية عمر قدم وفد من العراق عليه
فقالوا: جئنا نسألك عن أشياء.
فقال: هاتوا.
فقالوا: نسألك عن الغسل من الجنابة.
__________
(1) الحديث مروي عن علي أخرجه أبو داؤد بلفظه، ثم قال: فقال علي :
فمن ثم عاديت راسي، قالها ثلاث مرات، وكان يجز [شعر] رأسه
(الاعتصام) 1/250.
(2/66)
فقال: ويلكم أسحرة أنتم! ما سألني عنهن أحد منذ سألت رسول اللّه
. ثم قال: ألست شاهداً يا أبا الحسن؟. قال: بلى. قال: فماذا أجابني
رسول اللّه فإنك أحفظ مني. فقال: سألته عن الجنابة فقال: ((تصب على
يديك الماء قبل أن تُدخل يدك إناءك " ثم تضرب بيدك إلى مرافقك
فتنقي ثم تضرب بيدك إلى الأرض ثم تصب عليها من الماء ثم تتمضمض
وتستنشق ثلاثاً وتغسل وجهك وذراعيك وتمسح رأسك وتغسل قدميك وتفيض
الماء على جانبيك وتدلك من جسدك ما نالت يدك))(1).
فذلك أمر والأمر يقتضي الوجوب.
الحجة الثانية: قياسية وهو: أن الغسل إزالة مانع من الصلاة بماء
فوجب أن يكون من شرطه إمرار اليد أو ما يقوم مقامها كغسل
النجاسة(2).
المذهب الثاني: أنه لا يجب الدلك وهذا هو رأي الناصر وهو محكي عن
الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: ما في حديث أم سلمة حين قال لها: ((أما أنا فأحثي
على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " )). ولم يشترط الدلك.
الحجة الثانية: قياسية وهي: أنها طهارة حكمية فكان المسح مجزياً
فيها كالتيمم.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة من اشتراط الدلك.
__________
(1) هذا من الأحاديث المشهورة. رواه زيد بن علي عن آبائه. راجع
(الروض النضير) (الاعتصام)1/245.
(2) جاء في حاشية الأصل: فإن لم تصل يده إلى موضع جسده فعن المنصور
بالله يجب عليه استعمال [ما يقوم مقامها] وعن الأمير شمس الدين
وجوبه، فإن قطعت يده أو يبست فعن المنصور بالله يجب الإستعمال وعن
بعضهم لا يجب.
(2/67)
والحجة عليه: ما قالوه ونزيد ههنا وهو أن المفهوم من الغسل لغة
وشرعاً هو إمرار اليد على الشيء المغسول ولهذا فإنه من طرح الثوب
في الماء حتى جرى عليه فإنه لا يوصف بكونه غاسلاً له، وهكذا فإن من
قعد بين الماء ولم يمر يده على جسده فإنه لا يكون غاسلاً له ولا
يوصف بالغسل، ولأنه غسل مأمور به من أجل أداء الصلاة فلا بد فيه من
الدلك أو ما يقوم مقامه كغسل النجاسة.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: حديث أم سلمة لم يشترط فيه الدلك(1).
قلنا: إنما لم يذكره اتكالاً في بيانه على ما هو المفهوم من الغسل
في اللغة والعرف فلهذا لم يشترطه.
قالوا: طهارة فكان المسح مجزياً فيها كالتيمم.
قلنا: المعنى في الأصل كونها طهارة بالماء فلهذا وجب اشتراط الدلك
فيها ثم إنا نعني بالدلك إمرار اليد مع جري الماء فإذا كان هذا
مسلماً منكم ارتفع الخلاف.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: إذا قعد الغاسل من الجنابة تحت ميزاب يصب عليه ونوى
عنده [غسل الجنابة] أجزاه ذلك لأنه قد حصل ما هو أبلغ من إمرار
اليد وهو قوة الماء فلهذا كان كافياً، وهو الظاهر من كلام الإمامين
القاسم والمؤيد بالله. والخلاف في وجوب الدلك في الوضوء والغسل
واحد وقد قررناه في باب الوضوء وأن أهل اللغة يفرقون بين المسح
والغسل فيقولون:
الغسل هو: إمساس العضو الماء حتى يسيل عنه مع الدلك.
والمسح: إمساسه الماء بحيث لا يسيل عنه.
وعلى رأي من لا يعتبر الدلك [شرطاً] يجعل الغسل مسحاً وتكون
التفرقة عندهم بين الغسل والمسح هو أن التعميم مشترط في الغسل دون
المسح فلا يعتبر فيه بل يصيب ما أصاب ويخطيء ما أخطأ، فصارت واجبات
الجنابة خمسة عند أئمة العترة: النية، والمضمضة والإستنشاق(2)،
__________
(1) في الأصل: الغسل، وهو سهو.
(2) اعتبر المؤلف المضمضة والإستنشاق في عدد الواجبات الخمسة فرضين
اثنين لا واحداً كما جرت العادة.
(2/68)
وتخليل شعر اللحية والرأس ليصل الماء إلى مغارز الشعر، ودلك
جميع البدن كله، ونقص أبو حنيفة النية والدلك، ونقص الشافعي
المضمضة والإستنشاق والدلك، وقد قررنا الأدلة على ما ذكرناه من هذه
الأمور الواجبة فكان مغنياً عن الإعادة.
الفرع الثاني: ومن كان جنباً ونسي الجنابة واغتسل عن الحدث أجزأه
ذلك الغسل في أعضاء الوضوء دون غيرها من سائر جسده، وهكذا إذا توضأ
عن الحدث أجزأه ما غسله من أعضاء الوضوء عن الجنابة. وكذلك لو غسل
الجنب جميع بدنه إلا رجليه ونسي الجنابة وغسلهما بنية الوضوء أجزأه
عن الجنابة، لأن فرض الطهارة في أعضاء الوضوء من الجنابة والحدث
واحد، فلهذا أجزأه غسلهما. وهكذا لو تيمم عن الحدث ونسي الجنابة
أجزأه ذلك، لأنه لو ذكر الجنابة لم يكن عليه أكثر مما فعل، وكذا لو
توضأ ينوي أن حدثه ريح فكان بولاً أو غائطاً. أو لو اغتسلت المرأة
بنية الغسل عن الحيض أو كانت نفساء أو جنباً أجزأها ذلك لما
ذكرناه.
الفرع الثالث: إذا غسل الجنب جميع بدنه إلا أطراف شعره ثم إنه قطع
ما بقي من الشعر مما لم يغسله فهل يجب غسله أم لا؟ فيه وجهان
لأصحاب الشافعي:
أحدهما: أنه يجب عليه غسل ما قطعه لقوله تعالى: {وَلاَ جُنُبًا
إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا}[النساء:43]. والقطع
لا يسمى غسلاً.
وثانيهما: أنه لا يجب عليه شيء، وهذا هو المختار للمذهب لأنه قد
زال عنه ما وجب عليه غسله فصار كما لو توضأ وترك غسل رجله ثم قطعت
من نصف الساق فإنه لا يجب عليه غسل ما قطع. فهكذا هاهنا ولأنه غير
مخاطب بغسل الرجل ولا مندرجاً تحت الخطاب بعد القطع.
الفرع الرابع: في التسمية في الغسل هل تكون واجبة أم لا؟ فيه
مذهبان:
أحدهما: أنها واجبة، وهذا هو المحكي عن الشيخ الأستاذ(1)
من أصحابنا.
والحجة على ذلك هو: أنها طهارة مفعولة من أجل الصلاة أو طهارة عن
حدث فكانت التسمية فيها واجبة كالوضوء.
__________
(1) هو الشيخ علي بن الخليل، وقد سبقت ترجمته.
(2/69)
وثانيهما: أنها غير واجبة وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب،
وهو محكي عن الفريقين الحنفية والشافعية ، وهذا هو المختار، لأن
الأصل هو عدم وجوبها وإنما يُقضَى بوجوبها لدلالة خاصة شرعية ولا
دلالة هاهنا على الوجوب، والتفرقة بينه وبين الوضوء هو أن التسمية
في الوضوء إنما شرعت ليرتفع الحدث عن سائر الجسد بغسل بعضه وقد دل
على ذلك قوله : ((إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم اللّه فإنه يطهر جسده
كله " ))(1).
بخلاف الاغتسال فإن الماء جار على الجسم كله فلهذا كان مستغنياً عن
التسمية.
الفرع الخامس: الترتيب في الغسل غير واجب عند أئمة العترة وفقهاء
الأمة ولا يعرف فيه خلاف لأنه فعل واحد مختص بجميع البدن فهو
كالعضو الواحد في الوضوء.
__________
(1) تمام الحديث: ((...وإلَّم يذكر اسم الله عليه لم يطهر إلآَّ ما
مر عليه الماء)) أورده في (شرح التجريد). وجاء في غيره وبروايات
أخر عن أبي هريرة وابن مسعود وهو في (الجامع الصغير) للسيوطي كما
في (الاعتصام) 1/203.
(2/70)
مسألة: فإذا أراد الجنب أن يغتسل من الجنابة فالمستحب له أن
يقول: بسم اللّه. على جهة الذكر ولا ينوي بذلك التلاوة، ثم ينوي
الاغتسال من الجنابة أو الغسل لأمر لا يستباح إلا بالغسل كقراءة
القرآن أو دخول المسجد أو ينوي الصلاة أو غير ذلك، ثم يغسل كفيه
ثلاثاً قبل إدخالهما [الإناء] ثم يغسل ما على من فرجه من الأذى ثم
يضرب بيده على الأرض حتى تحمل التراب ثم يغسل فرجه ثم يضرب الأرض
بها ضربة أخرى فيغسلها بما تحمل من التراب ثم يتمضمض ويستنشق
ثلاثاً ثم يتوضأ وضوء الصلاة إلا غسل الرجلين ثم يدخل أصابعه العشر
في الإناء فيحثي على رأسه ثلاث حثيات من ماء ثم يفيض الماء على
سائر جسده ثم يدلك ما قدر عليه من بدنه ثم يدخل الماء في أصول
الشعر من رأسه ولحيته. والأصل في هذه الكيفية ما روت عائشة وميمونة
عن الرسول في كيفية الغسل من الجنابة قالت ميمونة: وضعت لرسول
اللّه غسلاً يغتسل به من الجنابة فأكفأ الإناء على يده اليمنى
فغسلها مرتين أو ثلاثاً ثم صب الماء على فرجه فغسله بشماله ثم ضرب
بيده الأرض فغسلها ثم ضرب بيده على الأرض فحمل بها من التراب
فغسل(1) به فرجه.
قالت عائشة: إن شئتم أريتكم أثر يد رسول اللّه في الحائط حيث كان
يغتسل من الجنابة ثم إنه تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه ثم صب على
رأسه وجسده ثم تنحى ناحية فغسل رجليه ثم ناولته المنديل فلم يأخذه
وجعل ينفض الماء عن جسده(2).
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: أن الرجل إذا كان جنباً إما جامع فأنزل أو أولج
فلم ينزل أو احتلم في ليل أو نهار فأنزل الماء فقد وجب عليه الوضوء
والغسل جميعاً، فوجوب الوضوء لأجل الصلاة لقوله : ((لا صلاة إلا
بوضوء " )). والغسل من الجنابة لما روي عنه أنه قال: ((فإذا فضخت
الماء فاغتسل)). فهما شيئان مختلفان كما أوضحناه، وفيما يجزيه من
ذلك مختلف فيه على مذاهب خمسه:
__________
(1) أي: فمسح.
(2) تقدم.
(2/71)
المذهب الأول: أنه يجب عليه الوضوء والغسل جميعاً ولا يتداخلان،
وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة، الهادي، والمؤيد بالله وهو
اختيار السيدين أبي العباس وأبي طالب.
قال الهادي:والوضوء واجب على كل من أراد الصلاة. وهو أحد أقوال
الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ
فَاغْسِلُوا " ..}[المائدة:6] الآية إلى أخرها، وقال: {وَإِنْ
كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}[المائدة: 6].
ووجه تقرير هذه الدلالة هو: أن اللّه تعالى أوجب الوضوء على من
أراد الصلاة وهو عبارة عن مسح وغسل مرتباً، وأوجب الغسل على من كان
جنباً من غير ترتيب فيه، ولا شك أن إحدى الطهارتين مخالفة للأخرى
فيجب أن لا تسقط إحداهما بالأخرى كحد الزنى والسرقة.
المذهب الثاني: إذا اغتسل بنية الجنابة وأَمَرَّ الماء على أعضاء
الطهارة مرة واحدة من غير ترتيب أجزأه ذلك عنهما جميعاً فيتداخلان،
وهذا هو الذي حكاه بعض أصحاب الناصر عنه، وحكي عنه أيضاً وجوب
الوضوء. والمنصوص للشافعي أنهما يتداخلان، وهو محكي عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا
فَاطَّهَّرُوا}[المائدة:6]. ولم يفصل بينهما، وقوله لأمير
المؤمنين: ((إذا فضخت الماء فاغتسل)) ولم يأمره بشيء سواه ولأنهما
طهارتان فتداخلتا كالحيض والجنابة.
المذهب الثالث: أنه يجب عليه الوضوء مرتباً ويجب عليه غسل سائر
بدنه ما خلا أعضاء الوضوء فلا يجب عليه تكرير غسلها لأنهما متفقان
في الغسل مختلفان في الترتيب فتداخلا فيما اتفقا فيه، وعلى هذا
يجزيه إمرار الماء على أعضاء الطهارة مرة واحدة لهما من غير تكرير
وتجزيه نية الجنابة عن نية الوضوء، وهذا هو المحكي عن الشافعي في
بعض أقواله.
(2/72)
والحجة على ذلك هو:أنه إذا توضأ مرتباً فقد أدى فريضة الوضوء
وقد ارتفعت الجنابة بغسل هذه الأعضاء لأن المأخوذ عليه غسلها وقد
غسلها بالتوضؤ فإذا غسل باقي جسده كان طاهراً ولم يلزمه تكرير
غسلها مرة ثانية.
المذهب الرابع: أنه يجب عليه أن ينويهما معاً ولا يجب عليه إلا
إمرار اليد على سائر الأعضاء كلها من غير ترتيب، وهذا هو المحكي عن
الشافعي في بعض أقواله.
والحجة على ذلك هي: أنهما عبادتان مختلفتان فيجب أن ينويهما جميعاً
ويفصل بينهما في نيته كالحج والعمرة فيمن جمع بينهما.
المذهب الخامس: وهو أنه ينظر فيه فإن أحدث ثم اجتنب فعليه الوضوء
والغسل جميعاً وإن اجتنب ثم أحدث كفاه الغسل عن الوضوء، وهذا هو
المحكي عن الشافعي في بعض أقواله.
والحجة: هو أنه إذا أحدث ثم اجتنب كان فيه طرؤ الأكبر من الطهارتين
على الأصغر فلا يتداخلان، بخلاف ما إذا اجتنب ثم أحدث فإن فيه طرؤ
الأصغر على الأكبر فوجب الحكم عليهما بالتداخل.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة وهو وجوب الوضوء
والغسل جميعاً.
(2/73)
والحجة عليه: ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا وهو أن اللّه تعالى
ذكر حكم الجنابة وبيّن ما يجب فيها وذكر حكم الحدث وبيّن ما يجب
فيه فلو كانا يتداخلان كان لا وجه لتخصيص كل واحد منهما بحكم يخصه،
وما روي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال: من اغتسل من
جنابة ثم حضرت صلاة فليتوضأ لها(1)، روى زاذان(2) عن ميسرة(3) أنه
كان يفعل ذلك، وفي هذا دلالة على وجوبه.
الفرع الثاني: إذا تقرر كونه واجباً بالأدلة التي ذكرناها فهل يكون
وجوب فعله قبل الغسل أو بعده؟ فيه مذهبان:
__________
(1) أورده في (الاعتصام)1/253 عن (شرح التجريد) من رواية زاذان عن
علي وليس فيه ميسرة. وجاء في (الأحكام) 1/57 للهادي عن أبيه عن
جده: أن النبي أعاد الوضوء بعد الغسل من الجنابة، وهو رأي المذهب.
(2) زاذان، وقيل: اسمه: دينار، وقيل: مسلم، وقيل: زبان، وقيل:
عبدالرحمن بن دينار، أبو يحيى القتات الكوفي الكناني، روى عن مجاهد
بن جبر وعطاء بن أبي رباح، وعنه الأعمش وإسرائيل والثوري وأبو داؤد
وسليمان بن قرم بن معاذ النحوي وغيرهم، ضعفه شريك وابن معين، وقال
عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال
يعقوب بن سفيان: لا بأس به. ا هملخصاً نهذيب التهذيب 12/303.
(3) جاء اسم ميسرة لأكثر من واحد من الرواة من الصحابة والتابعين،
فهم مثلاً: أربعة في (تجريد أسماء الصحابة ص89) للذهبي، وخمسة في
(التاريخ الكبير 7/377) وسبعة وثمانية في مراجع أخرى، منها: (الجرح
والتعديل) 8/252، ونعتقد أن المقصود به هنا: ميسرة بن يعقوب أبو
جُميلة الطهوي (بضم الجيم والطاء) الكوفي صاحب راية الإمام علي؛
لأن زاذان، روى عنه هذا الحديث ولأنه رواه عن علي كما روى أحاديث
أخرى عن عثمان والحسن بن علي، وعنه ابنه عبد الله وعطاء بن السائب
وحصين بن عبد الرحمن وغيرهم، قال في التهذيب: وذكره ابن حبان في
الثقات. ا.ه. 10/345.
(2/74)
المذهب الأول: أن فعله يجب أن يكون قبل الغسل، وهذا هو المحكي
عن الناصر من أئمة العترة، ومروي عن أبي ثور من الفقهاء.
والحجة على ذلك:قوله تعالى:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ
فَاغْسِلُوا " }[المائدة:6]،الآية ولم يفصل بين أن يكون جنباً أو
محدثاً فالوضوء قبل الاغتسال واجب بظاهر الآية وفي هذا دلالة على
أن الوضوء يقع وإن كان جنباً وأن الجنابة غير منافية للقربة وأن
بدن الجنب محل للقربة كالمحدث.
المذهب الثاني: أنه لا يجب إلا بعد فعل الغسل وهذا هو رأي الهادي.
والحجة على ذلك هو:أن الوضوء على رأيه لا يقع إلا على طاهر البدن،
وإذا كان الأمر عنده كما قلناه لم يجز الوضوء إلا بعد غسل الرجلين
من الجنابة لتكون الطهارة كاملة وعند هذا يقع الوضوء بعد ذلك لما
كانت الجنابة زائلة عنه. قال الهادي في (الأحكام) بعد ذكر
الاغتسال. ثم يتوضأ للصلاة فإن الوضوء لا يقع إلا على طاهر البدن،
ونص أحمد بن يحيى في (المفرد) على أن الرجل الجنب لا يتوضأ إلا بعد
غسل قدميه أولاً.
والمختار: أن الغاسل مخير في تقديم وضوءه قبل الغسل لما رويناه من
حديث ميمونة،وبين تأخيره بعد الغسل لما رويناه في حديث أمير
المؤمنين وفعله وأن الوضوء كما يقع على بدن المحدث فإنه يقع على
بدن الجنب وأن الجنابة غير منافية للوضوء وإنما الذي ينافيه هو
الكفر فلا ينعقد الوضوء من جهة الكافر لعدم القربة كما مر بيانه،
وقد ذكر القاضي أبو مضر من أصحابنا:أن ظاهر مذهب القاسم ويحيى
يقتضي أن الجنابة غير منافية للقربة بالوضوء،وعلى هذا يصح الوضوء
قبل غسل الجنابة.
(2/75)
وقال: وهو الذي يقتضيه رأي المؤيد بالله، فأما القاضي زيد من
أصحابنا فقد قال: إن رأي الإمامين الهادي والقاسم يقتضي أن الوضوء
لا يقع إلا على طاهر البدن، وما ذكره القاضي زيد هو الأقرب إلى
بلاغة نصوص القاسم ويحيى لأن الهادي قد نص على ذلك وصرح به فلا وجه
لأن يقال: إن مذهبه خلاف ما نص عليه، ولا يبعد أيضاً أن يكون رأي
المؤيد بالله مثل ما اخترناه من جواز تقديمه وتأخيره وأن الوضوء
يقع على بدن الجنب كوقوعه على بدن الطاهر، ويدل على ذلك أيضاً:هو
أن الغرض الوصول إلى الصلاة بالوضوء، فهذا حاصل سواء كان قبل غسل
الجنابة أو بعده من جهة أن قوله تعالى في آية الوضوء: {إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}[المائدة:6].
ولم يفصل في ذلك بين تقدمه وتأخره عن الغسل فلهذا كان الوجه
التخيير بين تقديمه وتأخيره.
الفرع الثالث: إذا كان الإجماع منعقداً على استحباب الوضوء فإنما
يكون ذلك على رأي من أوجب الوضوء بعد الغسل كما هو رأي الهادي
وابنه أحمد، ويحمل حديث ميمونة على الاستحباب، ولهذا قال في
(الأحكام): الوضوء قبل الاغتسال مستحب وبعده فرض على من أراد
الصلاة.
وقال في (المنتخب): وهو أحب إلينا، يريد به الوضوء بعد الاغتسال.
فخفف الأمر فيه، والرواية المعتمدة على رأيه هي رواية (الأحكام)
وهو وجوبه بعد الغسل، فأما على رأي من أوجب الوضوء قبل الاغتسال
كما هو رأي الناصر وغيره من الفقهاء فلا وجه لاستحبابه إذ لا قائل
بتكرر الوضوء مرتين من غير فاصل بينهما.
ويحمل حديث ميمونة على الوجوب في تقديمه. وأما على ما أخترناه من
كونه مخيراً بين تقديمه وتأخيره فإن أخَّر الوضوء بعد الغسل كان
واجباً للصلاة واستحب تقديم الوضوء قبل الاغتسال أيضاً وإن قدم
الوضوء فلا وجه لاستحباب إعادة الوضوء لما ذكرناه من أنه لا قائل
بتكرر الوضوء من غير فاصلة بين الوضوئين.
(2/76)
وأما من قال: بأن الوضوء يندرج تحت الغسل وتتداخل الطهارتان فلا
مانع من استحباب تقديم الوضوء قبل الاغتسال أيضاً عندهم والمتداخل
عندهم إنما هو الوضوء الواجب دون المستحب فإن أتى به فقد أتى بما
هو مسنون وإن تركه أجزأه الوضوء الواجب للصلاة.
الفرع الرابع: والمرأة فيما ذكرناه كالرجل، فإن كان لها ظفائر نظرت
فإن كان الماء يصل إليها فيبُلَّها لم يجب عليها نقضها لأن المقصود
حاصل وهو بَلَّ الطفائر والوصول إليها، وإن كان الماء لا يصل إليها
إلا بنقضها وجب عليها نقضها لقوله : ((بلوا الشعر)) وبله لا يمكن
إلا بالنقض فلهذا وجب.
وحكي عن إبراهيم النخعي أنه قال: يجب عليها نقضها بكل حال.
وحجته على ما قاله قوله : ((بلوا الشعر)) والبل لا يمكن إلا بنقضها
فلهذا وجب.
وحكي عن الحسن البصري وطاوس: أنه يجب عليها نقضها في غسل الجنابة
دون غسل الحيض لأن غسل الجنابة ثابت بالكتاب والسنة، وغسل الحيض
إنما تقرر بالسنة لا غير، ولأن الرسول أكد الأمر في غسل الجنابة
بقوله: ((بلوا الشعر وأنقوا البشر)) ولم يذكر ذلك في غسل الحيض
فلهذا قالا بالفرق بين الغسلين.
(2/77)
والحجة على ما قلناه: ما روي عن أم سلمة أنها قالت: إني امرأة
أشد ظفر رأسي أفانقضه للغسل من الجنابة؟ فقال: ((لا إنما يكفيك أن
تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء " فإذا أنت قد طهرت)) وإنما لم
يأمرها بنقضه لعلمه بأن شعرها خفيف غير مانع من وصول الماء إلى
أصوله من غير نقض لأن شعور العرب خفيفة فإذا كان في رأسها حشو كما
يفعلونه في حق العرائس من النساء ذوات البعول نظرت في حاله، فإن
كان رقيقاً لا يمنع من وصول الماء إلى باطنه لم يلزمها نقضه ولا
حله ولا اعتبار بأن يصل الماء إلى باطنه صافياً غير متغير لأن تغير
الماء على العضو غير مؤثر، وإن كان الحشو غليظاً يمنع من وصول
الماء إلى باطنه وجب إزالته ليصل الماء إلى باطن الشعر لقوله :
((تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشر)). وإن كان على
الرجل شعر فحكمه حكم المرأة كما فصلناه.
الفرع الخامس: وإذا اغتسلت المرأة من الحيض فعليها أن تنقض شعرها
عند أئمة العترة وفقهاء الأمة وهكذا القول في النفاس بخلاف الجنابة
فإنه على التفصيل الذي أسلفناه ولأن الحيض والنفاس أغلظ من الجنابة
من جهة بعدهما عن الماء وانقطاعهما عن ملابسته في أكثر أوقاتهما.
والحجة على ذلك: ما روته عائشة رضي اللّه عنها أن النبي قال لها في
الحيض: ((انقضي شعرك واغتسلي))(1). وهل يجب عليها ذلك أم لا؟ فيه
مذهبان:
أحدهما: أنه واجب وهذا هو الظاهر من مذهب الهادي ورواه عن جده
القاسم.
والحجة على ذلك: خبر عائشة وهو قوله: ((انقضي شعرك واغتسلي " ))
وهذا أمر منه والأمر ظاهره الوجوب إلا لدلالة.
__________
(1) أورده في (الروض) أن النبي قال ذلك لعائشة في حجة الوداع، وهو
موضع خلاف بين الفقهاء في وجوب نقض الشعر في الغسل من الحيض
والنفاس، فالموجبون استندوا إلى هذا الحديث، والقائلون بعدم الوجوب
استندوا إلى حديث أم سلمة عندما سألت النبي فقال: ((يكفيك ثلاث
غسلات)) راجع (الروض) 1/115.
(2/78)
وثانيهما: أنه لا يجب وهذا هو الذي رواه النيروسي عن القاسم وهو
اختيار السيدين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب وهذا هو المختار
أيضاً.
والحجة على [ذلك] هي: أنه غسل واجب على المرأة فلا يجب عليها فيه
نقض شعرها كالجنابة ولأن المقصود هو إيصال الماء إلى أصول الشعر
وهذا حاصل من غير حله فلهذا لم يكن واجباً، فأما ما روته عائشة من
الخبر فإنه محمول على الاستحباب لدليل القياس الذي ذكرناه.
الفرع السادس: ويستحب للمرأة إذا اغتسلت من حيضها أو نفاسها أن
تأخذ قطعة من مسك فتتبع بها آثار الدم، لما روته عائشة أن امرأة
جاءت إلى الرسول تسأله عن الغسل من الحيض فقال : ((خذي
فِرْصَةَ(1)من مسك فتطهري بها " ))(2)
فقالت: كيف أتطهر بها؟ قال: ((سبحان اللّه تطهري بها)). قالت
عائشة: فاجتذبتها وعرفتها الذي أراد. فقلت: تتبعي بها آثار الدم،
وذلك لأن دم الحيض والنفاس خبيث الرائحة يلحقه نتن وقذر فلهذا
استحب تطييب المحل من أجل ذلك، فإن لم تجد مسكاً فطيباً غيره، لأن
المقصود هو إزالة الريح وهذا حاصل بغير المسك كحصوله به، فإن لم
تجد طيباً فالمستحب أن تأخذ قطعة من طين تتبع بها آثار الدم لأن
رائحة الطين أطيب من رائحة الحيض(3)،
فإذا حصل الطين مع الماء فإنه يكون مزيلاً للرائحة لا محالة.
__________
(1) الفرصة بالفاء: القطعة من الصوف أو القطن. اهلسان العرب.
(2) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داؤد والنسائي عن عائشة ان امرأة من
الأنصار...إلخ. قال في (الاعتصام)1/253 و(الجواهر)1/108: واللفظ
للبخاري ومسلم.
(3) المقصود أن الطين يزيل رائحة الحيض، كما أوضحه في العبارة
التالي.
(2/79)
الفرع السابع: ويجوز أن يتوضأ الإثنان والثلاثة من إناء واحد،
لما روى أنس بن مالك قال: رأيت النبي أُتِيَ بوضوء في إناء فوضع
يده في ذلك الإناء فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فأمر الناس أن
يتوضأوا فتوضأ الناس من عند آخرهم، وكانوا نحواً من سبعين رجلاً،
وهذا من جملة معجزات الرسول وهو أبلغ في الإعجاز من انفجار الماء
لموسى من الصخرة لأن العادة جرت بخروج الماء من الأحجار ولم تجر
العادة بخروجه من بين الأصابع فلهذا كانت أدخل في الإعجاز.
ويجوز أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد لما روت عائشة قالت:
كنت أغتسل أنا ورسول اللّه من إناء واحد(1)،
ويجوز أن يغتسل الرجل ويتوضأ بفضل غسل المرأة ووضوءها خلافاً لأحمد
بن حنبل.
والحجة على ذلك: ما روت ميمونة أنها قالت: اجتنبت فاغتسلت من جفنة
ففضلت منها فضلة فجاء رسول اللّه ليغتسل بها. فقلت له: إني اغتسلت
منه. فقال: ((الماء ليس عليه جنابة " )) ثم اغتسل منه.
وحجة أحمد ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يتوضأ الرجل بفضل وضوء
المرأة " )). وهذا عندنا محمول على الكراهة، أو محمول على أنه قد
أصابته نجاسة منها، ولأنه ماء فضل عن العبادة فجاز للرجل أن يتوضأ
به كفضل الرجل، وعكسه الماء النجس. وجملة الأمر أن الفاضل من الماء
على وجهين:
أحدهما: ما نزل من أعضاء المتطهر في الغسل والوضوء وهذا هو الماء
المستعمل وقد مر بيانه في المياه فأغنى عن الإعادة.
وثانيهما: ما يفضل في الإناء، وقد حكي عن أحمد: أنه منع من الإجزاء
فيما يفضل من المرأة، وروي عنه الكراهة فيه لا غير. وحكيت الكراهة
عن الحسن البصري وابن المسيب وإسحاق بن راهويه.
__________
(1) رواه مسلم والنسائي بلفظين متقاربين عن عائشة.
(2/80)
وحكي عن ابن عمر: أنه لا يكره فضل ما بقي منها إلا أن تكون
جنباً أو حائضاً. وهذا كله لا وجه له. والوجه هو: الجواز كما هو
رأي أئمة العترة وأكثر فقهاء الأمة لما رويناه من حديث ميمونة وقد
رواه أبو داود والبخاري في صحيحه وصححه الدار قطني في مسنده
وغيرهم.
الفرع الثامن: وإن أدخل الرجل الجنب أو المرأة الحائض أيديهما في
الإناء ولا نجاسة في أيديهما لم يضرهما ذلك، وحكي عن أبي يوسف أنه
قال: إن ادخل الجنب يده في الإناء لم يفسده، وإن ادخل رجله أفسده
من جهة أنه زعم أن الجنب نجس لكنه عُفي عن يده لموضع الحاجة وبقيت
رجله على الأصل في النجاسة، وهذا فاسد لما روى أبو هريرة، قال:
لقيني الرسول وأنا جنب فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد ثم انسللت
فاغتسلت ثم جئت وهو قاعد فقال: ((أين كنت أبا هر " ))؟ فقلت: كنت
جنباً فكرهت أن أجالسك وأنا جنب. فقال: ((سبحان اللّه المؤمن لا
ينجس)). وفي حديث آخر: ((المؤمن ليس بنجس)). وما ذكره من التفرقة
بين اليد والرجل فهو خطأ لأن يده وجميع بدنه سواء في أنه لو أصابته
نجاسة فأدخلها الماء فإنه يفسده كما لو أدخل رجله من غير فرق، فهذا
ما أردنا ذكره فيما يجوز للجنب وما لايجوز [له] و[ما]يجب عليه فعله
وبالله التوفيق.
(2/81)
---
الفصل الرابع في بيان الغسلات المسنونة
مسألة: يستحب الغسل في يوم الجمعة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة
ولا يعرف خلاف في استحبابه لما روي عن الرسول أنه قال: ((من توضأ
يوم الجمعة فبها ونعمت " ، ومن اغتسل فالغسل أفضل))(1).
وهل يجب أم لا؟ فيها مذهبان:
أحدهما: أنه ليس واجباً وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو قول أكثر
الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: ما رويناه من الحديث ((من توضأ يوم الجمعة فبها
ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)).
ووجه الحجة من الحديث هو: أنه جعل الغسل في يوم الجمعة فضيلة وفي
هذا دلالة على أنه غير واجب وفي بعض الأحاديث: ((فبها ونعمت فقد
أدَّا الفرض)) فصرح بأن الوضوء هو الفرض وغيره يكون فضيلة، والضمير
في قوله: ((فبها)) يعني فبالفريضة أخذ ونعمت الخلة الفريضة، وحكي
عن الهروي أبي عبيد " (2)
أن الأصمعي فسره بقوله: فبالسنة أخذ. وقال بعض الأدباء: إنه راجع
إلى الرخصة أي بالرخصة أخذ(3).
والمختار هو: الأول. لأمرين:
أما أولاً: فلأن كلامه إنما سبق من أجل تعريف الواجب والفرض، فمن
أجل ذلك كان عود الضمير إلى الفريضة أحق.
__________
(1) عن سمرة بن جندب أن رسول الله قال: ((من توضأ...))إلخ الحديث،
أخرجه أبو داؤد والترمذي والنسائي. وأورد في (الجواهر) حاشية على
الحديث لفظها: معنى (فبها ونعمت): فبالسنة أخذ ونعمت الخصلة، جواهر
1/109.
(2) أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الباشاني أبو عبيد الهروي، باحث[في
اللغة] من أهل هراة في خراسان، له كتاب الغريبين، غريب القرآن
وغريب الحديث -خ- توفي سنة 401ه. أعلام الزركلي 1/211.
(3) وهنا يمكن القول بأن المؤلف لم يقصد أن الغسل وهو السنة أفضل
من الوضوء وهو الفريضة، ولكن الفضيلة أن الغسل يضاف إلى الوضوء ولا
يكتفى به وحده على عكس الوضوء. اه.
(2/82)
وأما ثانياً: فلأن الثناء على من أتى بالفرض أحق من الثناء على
غيره، فلأجل ذلك كان أخلق بما ذكرناه من التفسير الأول.
المذهب الثاني: أنه واجب، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري وعن داؤد
وطبقته من أهل الظاهر، وروي عن بعض المحدثين.
والحجة لهم على ما قالوه: ما روي عن الرسول أنه قال: ((غسل يوم
الجمعة واجب على كل محتلم " ))(1).
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((حق اللّه على كل مسلم
أن يغتسل في كل ثمانية أيام يوماً " ))(2).
والمختار: ما عول عليه علماء العترة.
والحجة عليه: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روي أن عثمان دخل المسجد وعمر يخطب على المنبر
فقال: أية ساعة هذه؟ فقال عثمان: كنت في السوق فلم أشعر أن سمعت
النداء فما زدت على أن توضأت وجئت، فقال عمر: والوضوء أيضاً!؟ قد
علمت أن الرسول كان يأمر بالغسل، فأقره عمر على ترك الغسل بحضرة
الصحابة رضي اللّه عنهم، فلو كان واجباً لم يجز تركه ولا حسن
إقراره عليه.
الحجة الثانية: قياسية. وهي أنه غسل مأمور به في يوم زينةٍ واجتماع
فيه خطبة فلم يكن واجباً كغسل العيدين.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: روي أنه قال: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)).
قلنا: قد يعبَّر عن الأمر المسنون بالواجب تأكيداً لتحصيله
والتزاماً للمواظبة على فعله وليس الغرض حقيقة الوجوب الذي يستحق
الذم على تركه، وعلى هذا يكون الوجوب اختياراً وليس الزامياً.
__________
(1) روي الحديث عن أبي سعيد الخدري، قال في (الجواهر) 1/110: وفي
رواية: ((الغسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم)) أخرجه الستة إلا
الترمذي، واللفظ للبخاري.
(2) الخبر عن أبي هريرة. أخرجه البخاري ومسلم بلفظ: ((حق الله على
كل مسلم أن يغتسل كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده)) قال في
(الجواهر1/110): هكذا في رواية الجامع موقوفاً على أبي هريرة.
(2/83)
قالوا: قد روي عن الرسول : ((حق على كل مسلم أن يغتسل في كل
ثمانية أيام يوماً " )).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فليس في ظاهره ما يشعر بالوجوب فيحتاج إلى التأويل.
وأما ثانياً: فلأن الغرض بقوله: ((حق))، ترغيب في كثرة الثواب
وإعظامٌ لحق هذا اليوم كما يقال: يحق على كل مسلم أن لا يدع ركعتين
في آخر الليل، وليس الغرض على جهة الوجوب.
وهل يتعلق الغسل باليوم أو بالصلاة؟ فيه تردد نستوفيه في صلاة
الجمعة بمعونة اللّه تعالى.
مسألة: ويستحب الغسل ويسن للعيدين الفطر والأضحى، عند أئمة العترة
وفقهاء الأمة، ولا يعرف في كونه مسنوناً خلاف، لما روي عن الرسول
أنه قال في جمعة من الجمع للناس: ((إن هذا يوم جعله اللّه عيداً
للمسلمين " ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم
بالسواك))(1).
وعن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال: أمرنا رسول اللّه أن
نغتسل للعيدين، ومن جهة القياس وهو أنه يوم زينة واجتماع لصلاة
مخصوصة في موضع مخصوص فكان الغسل فيه مسنوناً كيوم الجمعة.
وهل يكون واجباً أم لا؟
والذي عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة أبو حنيفة وأصحابه والشافعي
وأصحابه أنه غير واجب لما روى زاذان، قال: سألت أمير المؤمنين عن
الغسل في يومي العيد. فقال: ((اغتسل إذا شئت " ))(2)
__________
(1) تقدم في الوضوء.
(2) أورده في (الاعتصام) 1/254 عن زاذان أنه سأل علياً عن الغسل
فقال: إغتسل إذا شئت. فقال: إنما أسألك عن الغسل الذي هو الغسل،
قال: يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر. وهو في (شرح التجريد)
و(أصول الأحكام) و (الجواهر) و(الروض).
(2/84)
فلو كان واجباً لم يكله إلى إرادته كسائر الواجبات. ولما روى
زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال:
((الغسل من الجنابة واجب ومن غسل الميت سنة " وإن تطهرت اجزاك وغسل
العيدين وما أحب أن أدعهما))(1).
ولم أقف على مذاهب الظاهرية وأصحاب الحديث في وجوبه، والأقرب أنهم
يميلون إلى وجوبه اعتماداً منهم على ظواهر الأحاديث وإعراضاً عما
في أيدي مخالفيهم من آداب الشريعة، فلأجل ذلك قضوا بالوجوب من غير
التفات على ما في أيدي مخالفيهم، ونحن حملنا الأدلة التي دلت على
الندب على ظاهرها وتأولنا ما ورد من الأخبار الدالة على الأمر
عليها فلا جرم جمعنا بين الدليلين، وهم أعرضوا عن ادلتنا كل
الإعراض وعولوا على ما نقل من الأوامر فكنا أسعد حالاً لعملنا على
الدليلين جميعاً وهم عملوا على أحدهما دون الآخر، فمن أجل ذلك كان
تصرفنا أسد.
مسألة: والسنة الاغتسال في يوم عرفة، لما روى أمير المؤمنين كرم
اللّه وجهه أنه قال: ((أمرنا رسول اللّه بغسل يوم عرفة " ))(2)
__________
(1) هذا الحديث رواه زيد بن علي في (المجموع). وجاء في تخريجه في
(الروض): أخرجه محمد بن منصور في (الأمالي) عن أحمد بن عيسى عن
حسين بن علوان عن أبي خالد عن زيد بن علي، عن آبائه عن علي إلى
قوله: (وفي (مجمع الزوائد): عن علي قال: يستحب الغسل يوم الجمعة
وليس بحتم. رواه الطبراني في (الأوسط) ورجاله ثقات.
(2) ولفظه في (الجواهر هامش البحر) 1/110: أمرنا رسول الله بغسل
يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم العيد.
(2/85)
وعن زاذان قال: سألت أمير المؤمنين عن الغسل، فقال: اغتسل إذا
شئت فقال: إنما اسألك عن الغسل الذي هو الغسل. فقال: ((يوم عرفة
ويوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى " ))، فظن أنه سأله عن الغسل
المباح فأجابه بأن وكَّلَهُ إلى خِيَرَتِه، وذلك فائدة المباح.
فقال: إنما سألتك عن الغسل الذي هو الغسل يعني عن الغسل المستحب.
فقال : إنما هو يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم الفطر ويوم الأضحى.
وهل يكون واجباً أم لا؟ ولم نعرف قائلاً بوجوبه ولكن قياس قول أهل
الظاهر وأصحاب الحديث وجوبه لاعتمادهم على مجرد ظواهر الأخبار من
غير جمع بينها كما مر بيانه.
مسألة: ويستحب أن يغتسل للإحرام. لما روى جابر بن عبدالله في صفة
حج رسول اللّه أنه قال أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عُميس
محمد بن أبي بكر " (1)
فأرسلت إلى رسول اللّه كيف أصنع فقال: ((اغتسلي واستثفري بثوب
وأحرمي " ))(2).
__________
(1) محمد بن أبي بكر الصديق، وأمه أسماء بنت عميس، ولدته عام حجة
الوداع، القرشي التيمي، روى عن أبيه مرسلاً وعن أمه أسماء، وروى
عنه ابنه القاسم، قال ابن يونس: قدم مصر أميراً عليها من قبل علي
بن أبي طالب في رمضان سنة 37ه، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب:
كان علي يثني عليه ويفضله؛ لأنه كان له عبادة واجتهاد. وكان على
رجالة علي يوم صفين، وقال ابن حبان: قيل إن محمداً قتل في المعركة،
وقيل: إن عمرو بن العاص قتله بعد أن أسره، ا هتهذيب 9/69، وفي
الكاشف 2/160 أنه قتل بمصر سنة 38 ه. ا.ه.
(2) أخرجه مسلم وأبو داؤد والنسائي.
(2/86)
ووجه تقرير الحجة من الخبر هو: أنه أمرها بالغسل وهي نفساء، وفي
ذلك دلالة على كونه مسنوناً، وفي حديث آخر أنه قال لعائشة حين حاضت
وكانت مهلَّة بالعمرة: ((انقضي رأسك وامتشطي واغتسلي وأهلِّي بالحج
" )). فدل ذلك على ما قلناه، ولأن الإحرام بالحج عبادة لا تشترط
الطهارة في البقاء عليها فلا تكون شرطاً في ابتدائها كالصيام،
وعكسه الصلاة فإن الطهارة شرط في ابتدائها فكانت شرطاً في البقاء
عليها. والله أعلم.
مسألة: ويستحب الغسل لدخول الحرم عند أئمة العترة، وهو محكي عن
أكثر الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك.
والحجة على ذلك: ما روى نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنه أن رسول
اللّه لما أتى ذا طوى، وهو موضع بمكة، بات به حتى صلى الصبح ثم
اغتسل ودخل مكة من أعلاها، وروت عائشة أنه لما أراد دخول مكة،
اغتسل بذي طوى(1)،
ولما روي [عن] أمير المؤمنين وأولاده الحسن والحسين ومحمد بن علي،
كانوا يغتسلون بذي طوى، ومثل هذا لا يصدر إلا عن توقيف من جهة
الرسول لانسداد المعاني فيما هذا حاله فلا يؤخذ إلا توقيفاً من جهة
اللّه تعالى، وحكي عن داؤد وطبقته من أهل الظاهر أنه غير مستحب.
وحجته على ذلك: أنه دخول مكان لأداء عبادة من فريضة أو نافلة فلا
يستحب فيه الغسل كدخول المسجد.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من استحبابه.
والحجة على ذلك: ما نقلناه من فعل الرسول .
الانتصار: يكون بإبطال ما قاله وهو: أن ما ذكره إنما هو من جهة
القياس فلا يكون معارضاً لما نقل من صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه
لأن ما ينقل من الرسول أمور غيبية استأثر اللّه تعالى بالعلم بها
ولا هداية للعقول إليها فلا تعارض بالأقيسة الظنية ومنصب الشارع
فيما قال لا يعارض بمنصب القايس فيما قاس.
__________
(1) أخرج مسلم عن ابن عمر أنه كان لا يقدم [مكة] إلا بات بذي طوى
حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة، اه(جواهر-هامش البحر)1/111.
(2/87)
مسألة: ويستحب الغسل من غسل الميت عند الأكثر من أئمة العترة،
وهو محكي عن مالك والشافعي في أحد قوليه، وهو إحدى الروايتين عن
الناصر.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه كان يأمر بغسل من غسل
الميت(1)،
وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والليث: أنه غير مستحب.
والحجة على ذلك: ما روي عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه :((لا غسل
عليكم من غسل ميتكم " حسبكم أن تغسلوا أيديكم))(2).
وفي هذا دلالة على أنه غير مستحب كما قلناه.
والمختار فيه: الاستحباب كما قاله أصحابنا.
والحجة على ذلك: ما روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: ((من غسل
ميتاً فليغتسل ومن مسه فليتوضأ " ))(3).
وإلى ما اخترناه من الاستحباب ذهب ابن عباس وابن عمر وعائشة، وما
ورد من الأمر بالغسل فإنه محمول على الاستحباب جمعاً بينه وبين
رواية ابن عباس.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه من رواية ابن عباس فإنه إنما ذكر
ذلك رداً على من قال بالوجوب فأما الاستحباب فلم يدفعه.
وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير واجب، وهذا هو رأي أكثر العترة وغيرهم كما
قررناه في الاستحباب.
__________
(1) في نسخة الأصل: أنه كان يغتسل من غسل الميت. وفي نسخة (ق)
تصحيح للجملة كما هي هنا وهو الأقرب إلى الصواب، والله أعلم.
عن عائشة قالت: كان رسول الله يغتسل من أربعة: من الجنابة وللجمعة،
ومن الحجامة، ومن غسل الميت، أخرجه أبو داؤد، وفي (جواهر الأخبار):
عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((من غسل الميت فليغتسل)) أخرجه
أبو داؤد، وفي رواية الترمذي: ((من غسله الغسل ومن حمله الوضوء)).
(2) قال ابن بهران في جواهره: حكاه في (الانتصار) من رواية ابن
عباس، ولفظه في (التلخيص): ((ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا
غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهراً وليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا
أيديكم)). قال البيهقي: هذا ضعيف. اه/111.
(3) تقدم في الحديث السالف.
(2/88)
والحجة على ذلك: ما رويناه عن ابن عباس، ولما روي عن عائشة أنها
قالت: أأنجاس أمواتكم؟ تريد بذلك الإنكار على من قال بالوجوب للغسل
من غسل الميت.
المذهب الثاني: أنه واجب، وهذا قول يحكى عن أمير المؤمنين وأبي
هريرة من الصحابة، ومحكي عن الناصر في أحد قوليه وهو رأي الإمامية
وبعض المحدثين.
والحجة على ذلك: ما رويناه عن أبي هريرة أنه قال: ((من غسل ميتاً
فليغتسل)). والأمر ظاهره الوجوب إلا لدلالة.
والمختار: أنه غير واجب لأن الميت طاهر فلو أوجبنا غسله لم يكن إلا
لمس الميت ومس الميت لا يوجب الغسل كما إذا مسه لا للغسل، وهكذا لو
مس سائر الحيوانات الميتة ولأن ابن آدم لا يكون حاله أسوأ من حال
سائر الحيوانات الميتة حيث كانت لا توجب الغسل ثم لمَّا انعقد
الإجماع على أن مس سائر الحيوانات [الميتة] لا يوجب الغسل خاصة
الكلب والخنزير فلأن لا يوجب مس ابن آدم أحق وأولى.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: حديث أبي هريرة حيث قال: من غسل ميتاً فليغتسل)) والأمر
للوجوب.
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه محمول على الندب والاستحباب بدليل ما رويناه عن
ابن عباس.
وأما ثانياً: فلأنه قال: ((ومن مسه فليتوضأ)) وأنتم لا توجبون بمسه
الوضوء فهكذا لا يجب على فعله الاغتسال فيحمل الغسل على الاستحباب
ويحمل مسه على غسل اليد.
ووجه الاستحباب في غسله: هو أن من غسله فلا يكاد يسلم عما يتنضح
عليه من غسالة الميت ما ينجسه وفي رواية أخرى ((ومن حمله
فليتوضأ)). وكل ذلك محمول على غسل اليد لأنه لا يكاد يسلم عن
النجاسة في أغلب الأوقات، خاصة من طال مرضه، فإن الغالب من حاله
تلوثه بالنجاسة فلهذا استحب الغسل لمن غسله، والوضوء لمن حمله أو
مسه.
مسألة: ويستحب الغسل من الحجامة لما روى زيد بن علي عن آبائه عن
أمير المؤمنين أنه قال: ((الغسل من الحجامة سنة وإن تطهرت أجزأك "
))(1)،
__________
(1) تقدم في حديث المجموع.
(2/89)
ويستحب الغسل لدخول الكعبة ولدخول المدينة لأن الكعبة مكان شريف
له حرمة لكونه قبلة للصلاة ولكونها قياماً للخلق كما قال اللّه
تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً
لِلنَّاسِ " }[المائدة:97] فاستحب الاغتسال لدخولها كالحرم المحرم،
والمدينة أيضاً هي مهبط الوحي وموضع المهاجرة ومكان حفرة الرسول
وموضع أعظمه فلا جرم استحب الغسل من أجل دخولها كالحرم، ويستحب
الغسل من الحمام؛ لأن الحمامات مواضع الشياطين ولهذا كُرهت الصلاة
فيها، فلهذا استحب الغسل من دخولها، ويستحب الغسل في أوتار النصف
الأخر من رمضان تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاثاً وعشرين وخمساً
وعشرين، لما روي أن الرسول كان يعتزل النساء ويغتسل في هذه
الأوتار، ولأنها تختص بفضل عظيم فاشبهت الجمعة والعيدين.
ويستحب الغسل لمزدلفة لأنها مكان شريف اختص بعبادة فأشبه الحرم
المحرم، ويستحب الاغتسال في أيام التشريق لأنها أيام فاضلة تختص
بأداء العبادة وأعمال الحج فلا جرم استحب فيها الغسل كيوم الجمعة،
ويستحب الاغتسال لطواف الوداع لأن الطواف عبادة تختص بالقربة
فاستحب الاغتسال لها كأداء فرض الجمعة، ويستحب للمجنون الاغتسال
إذا أفاق لأن الجنون هو فساد العقل وزواله فلا يأمن عند زواله من
مباشرة النجاسات والتلوث بها فلا جرم كان الغسل مستحباً له فصار
جملة الغسلات الواجبة أربعاً، غسل الجنابة والحيض والنفاس والموت،
وما عداها فهو مستحب غير واجب كما أوضحناه. ثم إنها واقعة على أضرب
ثلاثة:
فالضرب الأول منها: يختص بالأزمنة كيوم الجمعة والعيدين وأوتار
رمضان ويوم عرفة وغيرها.
الضرب الثاني: يختص بالأمكنة وهذا نحو دخول الحرم، ودخول مكة،
ودخول المدينة، ومزدلفة وغيرها.
الضرب الثالث: ما يختص بالأحوال، وهذا نحو الحجامة والإحرام وزيارة
قبر الرسول وغيره من الأئمة والفضلاء وأهل الصلاح.
(2/90)
قال الإمام القاسم : ولا بأس للرجل أن يقراء القرآن في
الحمام(1)
إذا كان لا يجهر به، وهذا جيد لما روي عن النبي أنه قال: ((نعم
البيت الحمام ينفي الدرن ويذكر بالآخرة " ))(2)
ومن جهة أنها بيوت تستر من دخلها وتوقيه فجازت القراءة فيها كالدور
والخانات وإنما كره رفع الصوت فيها لما يحصل في ذلك من الأذية
للقاريء ولغيره، ويكره للنساء دخول الحمامات إلا لنفساء أو مريضة
لما روي عن الرسول أنه قال: ((يا علي من أطاع امرأته في أربع كبه
اللّه على وجهه في النار " في الذهاب إلى الحمامات والعرسات
والمناحات ولبس الثياب الرقاق))(3).
وبتمامه يتم الكلام على باب الغسل وما يتعلق به وبالله التوفيق
والحمدلله رب العالمين وصلى اللّه وسلم على سيدنا محمد وعلى آله
وسلم.
__________
(1) معروف أن الحمَّام هنا هو الحمام العام الذي يوجد في المدن
الكبيرة.
(2) جاء في (الروض النضير): أن هذا الكلام لأبي الدرداء وأبي أيوب
الأنصاري، وكانا من جملة الصحابة الذين دخلوا الحمام في الشام،
وأورد أحاديث تنفر من الحمامات وتحذر من دخولها. ومن ذلك ما روي عن
ابن عباس عن النبي أنه قال: ((شر البيوت الحمام...إلخ)) وغيره (روض
1/285-286) وجاء في (الجواهر هامش البحر 1/114: ان الحديث من كلام
الصحابة وليس من كلام النبي.
(3) أخرج أبو داؤد معنى الحديث بلفظين: أحدهما: ((وامنعوا النساء
إلا مريضة أو نفساء)) والآخر: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فلا يدخل حليلته الحمام إلا من عذر)) وجاء بروايات أخر للطبراني
وغيره، راجع (الروض) 1/287.
(2/91)
---
الباب الثامن في الطهارة بالتراب
وهو التيمم، ومعناه في اللغة: القصد. تقول العرب: تيممت فلاناً إذا
قصدته لحاجة. قال امرئ القيس الطائي:
تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي(1)
يعني بذلك: قصدتها. والعرمض: شجر يطفو على الماء، وضارج: إسم موضع.
وفي لسان حملة الشريعة: عبارة عن مسح الوجه و اليدين بالتراب
مرتباً مقرونا بالنية.
فإذا تمهدت هذه القاعدة [فاعلم] أن هذا الباب قد اشتمل على معرفة
الأسباب الموجبة للتيمم وبيان ما يجوز به التيمم وما لا يجوز وما
يستباح به وما لا يستباح وبيان مفروضه ومسنونه وبيان وقته وصفته
وبيان أحكامه، فهذه خمسة فصول نذكر ما يتعلق بكل واحد منها من
المسائل والله الموفق.
__________
(1) راجع لسان العرب ج2ص187 -مادة عرض.
(2/92)
---
الفصل الأول في بيان الأسباب الموجبة للتيمم
اعلم أن التيمم طهارة ضرورية بدلية، ونعني بكونها ضرورية: هو أنها
لا تباح إلا لضرورة من إعواز الماء أو تعذر استعماله، ونعني بكونها
بدلية: هو أنها لا تقصد إلا عند اليأس من الطهارة الأصلية بالماء،
والأصل أن التيمم لا يباح إلا عند العجز عن استعمال الماء لقوله
تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
}[النساء:43]
وقوله
لأبي ذر الغفاري((1)):((الصعيد الطيب طهور لمن لم يجد الماء ولو
إلى عشر حجج))(2)
. لكن العجز له ستةأسباب السبب الأول: عدم الماء قال السيد الإمام
أبو طالب: التيمم مشروط بعدم الماء في سفر كان أو حضر، والعدم يكون
بعد الطلب والإستقصاء بثمن أو بعين، إلا أن يكون الثمن يجحف بحاله
ويجب أن يطلبه ممن يجوز أنه يجده عنده.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: التيمم لعدم الماء في حال السفر واجب للصلاة عند
أئمة العترة وفقهاء الأمة ولا يعرف فيه خلاف.
__________
(1) جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد من بني غفار من كنانة بن
خزيمة، صحابي من كبارهم قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة وكان
خامساً، يضرب به المثل في الصدق [لما روي عن النبي ÷ أنه قال: ((ما
أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر))]..
هاجر إلى الشام بعد وفاة النبي لما لقيه من الجفاء والنبذ.. سكن
دمشق وظل يحرض الفقراء على أخذ مالهم من أموال الأغنياء، فشكاه
معاوية إلى عثمان، فاستقدمه عثمان ثم نفاه إلى الربذة فمات بها
وحيداً سنة 32هم، ولم يكن في داره ما يكفن به.. روى له البخاري
ومسلم 281 حديثاً. راجع (الأعلام) 2/140، وطبقات ابن سعد 4/161.
(2) تمام الحديث: ((...فإذا وجدت الماء فامسه جلدك فإن ذلك خير))
أخرجه أبو داؤد، وجاء في (الجواهر) بلفظ: ((الصعيد الطيب وضوء
المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء...إلخ))، قال: وللترمذي
والنسائي قريب من ذلك.
(2/93)
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ
عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ
لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا
صَعِيدًا طَيِّبًا}[المائدة:6]. وهل يجوز التيمم لعدم الماء في حال
الحضر أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن ذلك جائز، وهذا هو قول أئمة العترة ومحكي عن
الشافعي ومالك وأبي يوسف ومحمد والأوزاعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى
سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ
لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا
صَعِيدًا طَيِّبًا}[المائدة:6]. ولم يفصل هناك بين الحضر والسفر.
الحجة الثانية: من جهة القياس، وهو أنه عادم للماء فوجب أن ينتقل
فرضه إلى التيمم كالمسافر، أو نقول: محدث عادم للماء لزمه فرض
الصلاة فوجب انتقاله إلى التيممم كما لو كان مسافراً.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز له التيمم ولا يصلي حتى يتمكن من الماء
وهذا هو قول أبي حنيفة ومحكي عن زفر من أصحابه.
والحجة على ذلك: أن اللّه تعالى حصر الآية بالمسافرحيث قال: {وَإنْ
كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}
(1) فرتب حكم التيمم على من كان عادماً للماء في حال سفر وبقي حكم
المقيم على الأصل فلا يجوز له التيمم في حال حضره.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء من جوازه في حال
الحضر إذا عدم الماء.
والحجة عليه: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا حججاً ثلاثاً.
الحجة الأولى: ما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين أن
النبي قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )) (
__________
(1) هكذا في الأصل جاءت الآية منقوصة، ولا توجد في القرآن الكريم
آية بهذه الصيغة تبدأ بالسفر كما أشار المؤلف، وهو لا شك سهو أو
سقط من الناسخ، وصيغة الآية الكريمة كما هي في المذهب الأول السابق
لهذا.
(2/94)
( ) أخرجه النسائي. وجاء في مجموع زيد بن علي عن علي عن النبي
÷: ((أعطيت ثلاثاً لم يعطهن نبي قبلي: جعلت لي الأرض مسجداً
وطهورا...إلخ)). ) ولم يفصل في ذلك بين حضروسفر.
الحجة الثانية: ما روى أبو ذر الغفاري عن الرسول أنه قال: ((الصعيد
الطيب طهور لمن لم يجد الماء ولو إلى عشر حجج))، ولم يفصل في ذلك
بين الحضر والسفر.
الحجة الثالثة: ما رُوي عن الرسول أنه قال: ((التراب كافيك ولو إلى
عشر حجج ))
(1). فهذه الأمور كلها دالة على جواز التيمم عند عدم الماء من غير
اشتراط السفر.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: الآية واردة في السفر فيجب قصرها عليه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: كما وردت في السفر فقد وردت أيضاً في حال الحضر كما قال
تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ
لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا
صَعِيداً طَيِّباً} [المائدة:6]. فأوجب على كل من جاء من الغائط
التيمم إذا لم يكن واجداً للماء.
وأما ثانياً: فلأنه إنما ذكر السفر ليس من أجل أنه لا يجوز التيمم
إلا معه ولكن ذكره لما كان عدم الماء يسنح فيه كثيراً وإعواز الماء
لا يكاد ينفك عنه لا من أجل كونه شرطاً في جواز التيمم، ولأنه قد
أغفل كثيراً من الأعذار المبيحة للتيمم لتُقاس على عدم الماء فهكذا
أغفل ذكر الحضر ليكون مردوداً بالقياس إلى السفر.
قالوا: التيمم وارد على جهة الرخصة والرخص لا تعقل معانيها فيجب
إقرارها حيث وردت لا يقاس عليها.
قلنا: عما ذكرتموه جوابان:
أما أولاً: فلأنا لم نثبت ما قلناه بالأقيسة وإنما قررناه بالظواهر
الشرعية كما مر بيانه وهي دالة على جواز التيمم في الحضر والسفر.
__________
(1) جاء في الحديث عن أبي ذر في (الاعتصام 1/259) قال: قلت: يا
رسول الله أصبت أهلي ولا أقدر على الماء. قال: ((أصب أهلك ولو لم
تجد الماء عشر سنين فإن التراب كافيك)).
(2/95)
وأما ثانياً: فالمعاني القياسية يجب اتباعها سواء كانت واقعة في
رخصة أو غير رخصة وههنا الجامع هو عدم الماء وهو حاصل في الحضر
كحصوله في السفر فلهذا قضينا به.
قالوا: ليس الحضر كالسفر ولهذا جاز قصر الصلاة في السفر ولم يجز
قصرها في الحضر ولو حصلت المشقة لم يجز القياس كما في المريض فإنه
لا يجوز له القصر بخلاف المسافر فافترقا.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأن المعنى المقصود من إباحة التيمم إنما كان من أجل
عدم الماء وقد استوى الحاضر والمسافر في ذلك فلا جرم استويا في
الإباحة.
وأما ثانياً: فلأنا لا نقيس إلا حيث تكون المعاني منقدحة والأوصاف
الشبهية ظاهرة، فنقول: عدم الماء هل هو حاصل في الحضر أم لا؟ فإن
لم يكن حاصلاً فالآن ارتفع النزاع الأصولي، فإنا لا نقيس حيث لا
علة جامعة. وإن كان حاصلاً فأي مانع عن القياس على السفر بواسطته
فبطل ماتوهموه.
الفرع الثاني: إذا قلنا بأنه يجوز التيمم في الحضر، فهل يجب عليه
الإعادة لما صلى بالتيمم أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة، وهذا هو رأي الأكثر من
أئمة العترة وهو أحد قولي الشافعي و محكي عن مالك والمزني
والأوزاعي والليث.
والحجة على ذلك: هو أنه صلى بالتيمم حا ل اليأس من الماء فوجب أن
لا تلزمه الإعادة ولا القضاء كالمسافر، ولأنه أتى بالفرض على الوجه
الذي أمر به فلا يلزمه القضاء كما إذا كان مريضاً أو مسافراً.
المذهب الثاني: أنه يلزمه القضاء إذا مضى الوقت، والإعادة إذا كان
الوقت باقياً وهذا هو المحكي عن أبي يوسف و محمد، وهو أحد قولي
الشافعي والذي يأتي على رأي المؤيد بالله(1).
__________
(1) جاء في حاشية الأصل ما لفظه: (أخذه % من المسافر الناسي للماء
في رحله فأجراه مجراه).
(2/96)
والحجة على ذلك: هو أن عدم الماء في حال الحضر إنما يأتي على
جهة الندرة والقلة وما هذا حاله لا يعرج عليه فيكون في الحقيقة
كأنه صلى من غير طهارة ويكون كمن صلى بغير ماء ولا تراب.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة ومن وافقهم من
الفقهاء من أنه لا يجب عليه القضاء.
والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا، وهو قوله : ((لا ظهران
في يوم)). فلو أوجبنا عليه الإعادة والقضاء لكان مناقضة لظاهر هذا
الحديث.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه.
قالوا: العذر نادر فيصير كما لو صلى من غير طهارة.
قلنا: هذا فاسد، فإنه قد أتى بما أمر به من الطهارة البدلية فلا
يجب عليه القضاء كالمسافر.
قالوا: لو كانت طهارة صحيحة لما أمر بالإعادة فلما أمر بالإعادة دل
على فساد طهارته.
قلنا: ما تعنون بفساد طهارته؟ [هل] تعنون أن حدثه غير مرتفع؟ فهذا
مسلم كما سنقرره ولكنا نريد بصحة الطهارة أنه متيمم وهذا حاصل لا
نزاع فيه، وإن أردتم بعدم صحة طهارته أنه مأمور بالإعادة فلا نسلمه
ولو سلمناه لكان أول المسألة فإنه لم يقع النزاع إلا فيه.
الفرع الثالث: والمشروع طلب الماء قبل التيمم لأن تأدية الصلاة
بالوضوء أفضل ولأن الوضوء رافع للحدث بخلاف التيمم، ولا يعرف في
ذلك خلاف. وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو قول أئمة العترة وهو محكي عن
الشافعي، وحكي عن أبي يوسف أنه إذا عرفه عند رفيقه وجب عليه طلبه
عنده، وظاهر كلامه وجوب الطلب كما قلناه.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا
}[لمائدة:6] وهذا الوصف وهو عدم الوجدان إنما يتناول من طلب فأما
من لم يطلب فلا يقال إنه غير واجد، ولهذا يقال لمن قال: لم أجد
طعاماً في بيتي، من غير طلب: لو طلبت وجدت، وفي هذا دلالة على أنه
لا يقال لم أجد إلا بعد طلب الماء.
(2/97)
الحجة الثانية:ما روي عن أمير المؤمنين أنه قال: يتلوم الجنب ما
بينه وبين آخر الوقت(1) )؛ والتلوَّم: الإنتظار والمكث، وفي هذا
دلالة على أنه لا وجه للإنتظار إلا توقع وجود الماء وذلك لا يكون
إلا بعد الطلب له.
المذهب الثاني: أنه لا يجب الطلب، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة
وأصحابه.
والحجة على ذلك هو: أنه عادم للماء في الظاهر فلا يلزمه الطلب
كالفقير فإنه لا يلزمه طلب الرقبة في الكفارة.
والمختار: ما قاله علماء العترة من وجوب طلب الماء قبل التيمم.
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا، وهو ما رواه ابن
مسعود رضي اللّه عنه عن النبي ليلة الجن، أنه قال له: ما في
إداوتك؟ وسؤال الناس مكروه إلا عن ضرورة ولا ضرورة بالرسول ÷ هناك،
فدل ذلك على أن الداعي هو أمر الشرع وإيجابه بالطلب، وما روي عن
النبي ÷ أنه أمر أمير المؤمنين في طلب الماء(2) فلو لم يكن واجباً
لكان لا وجه للطلب خاصة مع تحقق البدل عنه.
الحجة الثانية: قياسية، وهي أنه لم يثبت عنده عدم الماء فلم يجز
تيممه بحكم العدم المطلق كما لو طلع عليه ركب، ولأن من شرط عدمه في
حقه عند الإنتقال إلى غيره فإنه لا يجوز له الإنتقال قبل ثبوت عدمه
كالنص في الحادثة والرقبة في الكفارة.
الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه.
قالوا: عادم للماء في ظاهر الأمر فلا يلزمه الطلب كالفقير فإنه لا
يلزمه طلب الرقبة في الكفارة.
__________
(1) أورده في (الروض) بلفظ: عن أمير المؤمنين % أنه قال: يتلوم
الجنب إلى آخر الوقت، فإن وجد الماء اغتسل وصلى، وإن لم يجد الماء
تيمم وصلى، فإذا وجد الماء اغتسل ولم يعد. وقال: أخرج البيهقي
بإسناده إلى الحرث عن علي % أنه قال: اطلب الماء حتى يكون آخر
الوقت، فإن لم تجد ماء تيمم ثم صل. قال (يعني البيهقي): وهذا لم
يصح عن علي.
(2) أخرجه البخاري ومسلم.
(2/98)
قلنا: العدم في الظاهر لا يكفي حتى يستبرئ بالطلب كما أن الحاكم
عادم لفسق الشاهد في الظاهر ولا يحكم بشهادته حتى يستبرئ بالسؤال
عن حاله في العدالة، وكذلك المرأة فإنها عادمة للحمل في الظاهر ثم
إنها يجب عليها الإستبراء بالعدة، ويخالف الفقير لأن في طلبه
الرقبة ضرراً في بذل الوجه والدخول تحت مِنَّةِ الغير، ولا ضرر في
طلب الماء خاصة بالقيمة فهو كالمؤسر في طلب الرقبة في السوق، ويجب
عليه أن يطلبه ممن يجوز وجوده معه لأنه لا فائدة للطلب إلا إذا كان
على هذه الصفة فلا يجوز أن يطلبه ممن هو طالب له ولا من طفل لا
يعقل ولا من بهيمته(1) ) لأن من هذه حاله فلا يظن وجوده معه، فإن
دخل قرية لطلب الماء ثم إنه لم يسأل أو سأل من ذكرناه ثم تيمم وصلى
ثم أخبر بالماء أعاد صلاته لأن الطلب شرط وقد أخل به حيث لم يسأل
عنه، فلهذا لم يكن في الحقيقة طالباً له.
الفرع الرابع: في كيفية الطلب، وإذا كان معتبراً كما أوضحناه.
فكيفيته تكون بأن يبدأ يفتش رحله لأنه أقرب الأشياء إليه وأوفر ما
يظن تحصيله، فإن لم يجد شيئاً من الماء نظر إلى الناحية التي هو
فيها يميناً وشمالاً وخلفاً وأماماً هذا إذا كان في السهول والأرض
المستوية التي لا يحول دون نظره من أقصاها شيء، وإن كانت الأرض غير
مستويه إما بالهبوط في الأودية وإما بالصعود إلى موضع عال فإنه
يلزمه الصعود والهبوط والنظر إلى ما حوالي تلك الأمكنة فإذا نظر
وتلفت ولم ير الماء فإنه يجب عليه أن يسأل ويستخبر من يظن أن عنده
علماً من الماء فإذا دل على موضع يعلم أو يغلب على ظنه أن فيه ماء
وجب عليه وصوله باعتبار شرائط أربع:
الشريطة الأولى: أن لا يخاف على نفسه تلفاً أو ضرراً من سبع أو
عدوٍ، وأن يكون آمناً على متاعه(
__________
(1) هكذا في الأصل. ولعل المراد أن الوجوب لا يسقط بمجرد الطلب، بل
يجب طلبه في نطاق وجوده.
(2/99)
( ) في الأصل: كلمة غير مفهومة أبدلناها بكلمة ((متاعه)) لأنها
المقصودة بحسب السياق، ولعلها (أدواته) للتشابه الكبير بينهما. )
وراحلته من اللصوص لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي
الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ }[الحج:78].
الشريطة الثانية: أن لا ينقطع عن الرفقة والقافلة لما يلحقه من ذلك
من المشقة والحرج بتأخره عن الرفقة في الطريق.
الشريطة الثالثة: أن يعلم أو يغلب على ظنه إدراك المقصود بالماء
وهو الوضوء والصلاة جميعاً في الوقت إذ لا فائدة في الوصول إليه
إلا لهما، فإن علم أو غلب على ظنه أنه يدرك الوضوء في الوقت دون
الصلاة فهل يجب عليه الوصول أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يجب عليه، وهذا هو رأي المؤيد بالله، لأن من هذه حاله
فهو موصوف بوجود الماء في حقه، فلهذا وجب عليه الوصول إليه
والتوخي.
وثانيهما: أنه غير واجب عليه، وهذا هو رأي السيد أبي طالب لأن
الوضوء إنما تعين من أجل الصلاة لا لنفسه فإذا لم يكن مدركاً
للصلاة فلا وجه لإيجابه.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأن الشرط في فعل التيمم إنما هو
عدم الماء وهذا غير عادم والأدلة الشرعية لم تفصل بين أن يكون
مدركاً للصلاة والوضوء جميعاً أو لأحدهما في أنه لا معنى لفعل
التيمم مع وجود الماء، والتعويل على الظواهر أحق من التعويل على
المعاني.
الشريطة الرابعة: أن لا تكون المسافة التي بينه وبينها بعيدة
طويلة، فما هذا حاله لا يجب ويعدل إلى التيمم، لما فيه من المشقة
وبطلان المقصود، فلا يجب لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ
الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ \s \c 1}[البقرة:185].
ولا قائل به.
فإن كان بحيث يمكنه إدراكهما معاً ولكن لا بد من قطع مسافة فكم
مقدار تلك المسافة؟ فيه أربعة أوجه:
أولها: أن تكون تلك المسافة مقدار الميل فما دونه، فإن كان فوق ذلك
لم يلزم وجاز له العدول إلى التيمم، وهذا شيء يحكى عن الإمام
المنصور بالله.
(2/100)
وثانيها: أن حد المسافة مقدر بموضع محتطب القرية ومرعاها فهذه
المسافة وما دونها يلزمه الوصول إليها إذا كان عالماً بوجود الماء
فيها، وهذا محكي عن بعض أصحاب الشافعي.
وثالثها: أن المسافة مقدرة بالمكان الذي يلحقه فيه الغوث إذا
استصرخ من عدوٍ أو لص، وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد الغزالي.
ورابعها: أن ذلك مقدر بالزمان دون المكان والجهة، فمن كان يعلم أنه
يلحق الماء ويبلغه قبل مغيب الشمس من النهار وقبل طلوع[الفجر] من
الليل فإنه يجب عليه طلبه في مقدار هذه المدة، وهذا هو الذي ذكره
الهادي فإنه قال في الأحكام: ومن أصابته جنابة في ليله أو نهاره
والماء عنه على مسافة يعلم أنه يلحقه أو يبلغه قبل طلوع الفجر أو
في آخر النهار قبل مغيب الشمس وجب عليه طلبه والمصير إليه إلا أن
يمنعه عنه مانع أو يقطعه عن بلوغه قاطع(1).
__________
(1) الأحكام ج1 ص71.
(2/101)
والمختار: ما قاله الإمام المنصور بالله من تقدير المسافة
بالميل من جهة أن الميل معيار معلوم قد روعي في تقدير البريد لحد
القصر وروعي في حد القصر من الخروج من المنزل وغير ذلك، فمن أجل
ذلك كان التقدير به أولى، وما ذكرناه من المحتطب والمرعى والتقدير
بموضع الإغاثة عن الفقهاء، فهو قريب مما ذكره المنصور بالله مع أن
المحتطب أبعد من موضع الإغاثة لكنها تختلف الحال فيها بالإضافة إلى
البلدان والقرى والأصقاع، وأما الميل فهو تقدير غير مختلف فلا جرم
كان أحق، وأغربها ما حكيناه عن الهادي وحاصله وجوب السعي للطلب من
وقت الزوال إلى قبل غروب الشمس ومن أول الليل[إلى] قبل طلوع الفجر،
ولم أعرف أحداً قال بهذه المقالة قبله وإنما المحكي عن العلماء ما
نقلناه، والوجه له فيما ذكره على غرابته هو أنه إذا دخل عليه وقت
الزوال فإنه مخاطب بتأدية الصلاة وجوباً موسعاً بوضؤ، فإذا كان
يعلم أنه يحصل الوضوء في مقدار هذه المدة فإنه يجب عليه بحكم الأمر
بالصلاة، السعي في تحصيله ليكون مؤدياً للصلاة الواجبة إلا أن يحول
عنه حائل.
الفرع الخامس: اعلم أن حاصل الأمر فيما ذكرناه من إيجاب الطلب على
من عدم الماء أن له أربعة أحوال:
الحالة الأولى: أن يكون متحققاً لعدم الماء حواليه فمن هذه حاله
فإنه يتيمم من غير طلب إذ لا فائدة للطلب ولا معنى له مع اليأس عنه
وهذا إنما يكون في الخبير بالمواضع السهلية والجبلية فيمكنه القطع
بعدم الماء فيها.
(2/102)
الحالة الثانية: أن يتوهم وجود الماء حواليه فيلزمه الطلب الحصر
ومع الرفاق ويصعد ويهبط كما شرحناه من قبل، ثم إن ذلك يختلف
باختلاف الأراضي والبقاع فليجتهد المكلف وليعمل رأيه في تحصيله بكل
ممكن يجد إليه سبيلاً. فإن صلى صلاة بهذا الطلب ثم دخل وقت صلاة
أخرى وأراد أداؤها بالتيمم فهل يلزمه تجديد الطلب أم لا؟ والأقرب
أن حالته إن كانت قد تغيرت بأن صعد جبلا أو هبط وادياً أو طلع ركب
أو غير ذلك مما يظن فيه وجود الماء وجب عليه إعادة الطلب لأنه لا
يأمن وجوده مع تغير الحال، وإن كانت حاله غير متغيرة فلا وجه
لإعادة الطلب لأن الأمارة باقية بعدمه.
الحالة الثالثة: أن يكون متيقناً لوجود الماء ويلزمه أن يسعى إليه
إذا يعلم أو يغلب على ظنه إدراك الوضوء والصلاة جميعاً في الوقت،
وحد المسافة التي يجب السعي إليها هو الميل كما قررناه من قبل فما
دونه، فأما ما فوقه فلا يلزمه ذلك، وإن طلب الماء فلم يجد فتيمم ثم
طلع عليه ركب قبل أن يدخل في الصلاة لزمه أن يسألهم عن الماء فإن
لم يجد معهم ماء أعاد التيمم لأنه لما توجه عليه الطلب بطل تيممه
لأن التيمم في صحته مشروط بتقديم الطلب فلهذا بطل، فإن وجد معهم
ماء واشتراه ثم اهراق أو تنجس أعاد التيمم والصلاة جميعاً لأن
تيممه كان قد بطل بوجود الماء.
الحالة الرابعة: أن يكون الماء حاضراً كماء البئر إذا تنازع عليه
النازحون ثم غلب أن نوبته لا تنتهي إ ليه إلا بعد فوات وقت الصلاة
فيكون على ما حكيناه من الخلاف بين السيدين، فعلى رأي المؤيد بالله
يجب عليه الوضوء وإن فات وقت الصلاة لكونه واجداً للماء وهو منصوص
الشافعي. وعلى رأي أبي طالب يجوز له التيمم وهو القول المخرج على
أصل الشافعي.
الفرع السادس: وإن وُهِبَ له الماء فهل يجب عليه [قبوله] أم لا؟
فالذي عليه أئمة العترة أنه يجب عليه قبوله، وهو أحد قولي الشافعي.
(2/103)
والحجة على ذلك: هي أنه لا منة في ذلك لأن العادة جارية في
التسامح في الماء وأن الفقير يبذله للغني، وحكي عن أبي حنيفة أنه
لا تجب عليه قبوله ولا يلزمه.
والحجة على ذلك: هو أنها عبادة لها بدل فلا تجب ببذل الغير لها كما
لا يلزمه قبول الرقبة في الكفارة.
والمختار: ما قاله علماء العترة، لأن الرسول ÷ سأل ابن مسعود
وضوءاً وقال: ((ما في أدواتك)) وهو أجل وأعلى من الدخول تحت منة
غيره، ولأنه صار متمكناً من الوضوء بطريق تلزمه فوجب عليه ذلك كما
لو دله غيره على الماء.
وإن بذل له ثمن الماء لم يلزمه قبوله لما فيه من الدخول تحت منة
الغير في آداء عبادة لها بدل، وإن بذلل له الماء بثمن مثله وكان
واجداً للثمن غير محتاج إليه في سفره لزمه شراؤه، ولا يجوز له
التيمم. وإن كان غير واجد لثمن مثله، أو كان واجداً له إلا أنه
يحتاج إليه لخاصته في سفره جاز له أن يتيمم لأن الماء الذي معه
محتاج إليه لإحياء نفسه فصار كما لو كان معه ماء وهو محتاج إليه
لأجل العطش. فإن كان بيع الماء بثمن المثل وأنظره البائع إلى بلده
وكان له في بلده مال وجب عليه شراؤه ولم يجز له التيمم لأنه لا ضرر
عليه في ذلك، و إن كان مع غيره ماء وهو غير محتاج إليه لنفسه ولم
يبذله له بقيمة ولا بغيرها لم يجز له أن يكرهه على أخذه(1) لقوله
÷: ((لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه \s " \c 2)). ولأن له
بدلاً فلا يجوز اكراهه عليه، وإن وجد الماء بأكثر من ثمن مثله نظرت
فإن كان يحجف بحاله لم يلزمه شراؤه عند أئمة العترة وفقهاء الأمة
ولا يعرف فيه خلاف لأنه يلحقه في ذلك مضرة وحرج، وقد قال تعالى:
{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ \s \c
1}[الحج:78]. وإن كان لا يجحف بحاله فهل يجب عليه شراؤه أم لا؟ فيه
مذهبان:
أحدهما: أنه يجب عليه شراؤه وهذا هو رأي أئمة العترة.
__________
(1) بمعنى: على بذله.
(2/104)
والحجة على ذلك: قوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا \s \c 1}[النساء:43]. ومن كان
يمكنه شراء الماء بأكثر من ثمن مثله فإنه لا يوصف بأنه غير واجدٍ،
ولأنه متمكن من الأصل فلا يجوز له العدول إلى البدل كما لو كان
بثمن مثله.
وثانيهما: أنه لا يلزمه ذلك، وهذا هو المحكي عن فقهاء الأمة أبي
حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أنه غير واجد للماء بثمن مثله فلا يلزمه شراؤه
كما لو كان مجحفاً به.
والمختار: ما قاله علماء العترة من وجوب شرائه بأكثر من ثمنه.
والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا، وهو أن الأدلة الشرعية
من الكتاب والسنة دالة على أن من هذا حاله فإنه يوصف بكونه واجداً
للماء، ومن وجه آخر، وهو أن الأموال بدل لا قيمة لها في نظر الشرع
فإن كان متمكناً من تحصيله بالقيمة وجب عليه ذلك سواء كان بثمن
مثله أو بأكثر من ذلك مالم يكن مجحفاً بحاله فإن من هذا حاله فإنه
مخرج بدليل شرعي وهو قوله تعالى: {لاَ يُكَلِفُ اللَّهُ نَفْسًا
إِلاَّ وُسْعَهَا \s " \c 1}[البقرة:286]. وقوله تعالى: {وَمَا
جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78] إلى غير ذلك
من الأدلة الشرعية الدالة على أن كل ما كان فيه ضرر على النفوس
فإنه لا يتوجه تحمله في أداء العبادة.
الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه حجة لهم.
قالوا: إذا لم يكن لازماً له مع الإجحاف فلا يلزمه وإن عدم الإجحاف
والجامع بينهما هو أنه عادم للماء.
قلنا: هذا فاسد فإن مع الإجحاف ضرراً على النفس لا يحصل من غير
إجحاف فافترقا، والفرق مِنْ أَدْخَلِ ما توجه في إفساد العلة
وإبطالها فبطل ما توهموه.
الفرع السابع: وفي كيفية اعتبار المثلية في الماء وجهان:
(2/105)
أحدهما: أنه يعتبر مثله في موضعه الذي هو فيه دون غيره فإن كان
ثمنه درهماً على مجرى العادة توجه شراءه، وإن زاد على قدر الدرهم
كان ذلك على الخلاف بيننا وبين الفقهاء فنحن نوجبه وهم لا يوجبونه.
وثانيهما: أن الماء لا قيمة له بحال ولكن يراعى في ذلك أجرة مثله
فيمن يحمله إلى موضعه لأن أصل الماء على الإباحة وهذا هو المحكي عن
بعض أًصحاب الشافعي.
والمختار: جواز الأمرين جميعاً، فحيث تكون له قيمة تعتبر قيمته في
موضعه، وإن كان لا قيمة له فإنه يعتبر أجرة من يحمله من موضعه
فالأمران جائزان كما ترى لأن المنافع لها قيمة كالأعيان، والمثلية
جارية فيهما جميعاً وسواء كانت القيمة زائدة على ثمن مثله أو
مساوية فإنه يلزم تحصيله لما لم يكن مجحفا بحاله.
السبب الثاني: أن يكون الماء موجوداً ويخاف من استعماله ضرراً في
نفسه فمن هذا حاله يجوز له التيمم.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: هو أن المريض إذا كان لا يخاف فيه من استعمال
الماء تلف نفسه ولا تلف عضو من أعضائه ولا حدوث مرض مخوف ولا إبطاء
البرء ولا زيادة في علته ومثل هذا كالصداع في الرأس ووجع الضرس
والحمى فما هذا حاله من الأمراض لا يجوز لأجله التيمم عند أئمة
العترة وفقهاء الأمة الفريقين الحنفية والشافعية.
والحجة على ذلك: قوله ÷: ((لا يقبل اللّه صلاة امرء حتى يضع الوضوء
مواضعه \s \c 2)) فهذا عام في جميع الأحوال إلا ما قامت عليه
دلالة، ويروى عن الرسول ÷ أنه قال: ((الحمى من فيح جهنم فأبردوها
بالماء \s \c 2)). وفي حديث آخر: ((فاطفئوها بالماء)) فندب إلى
إطفاء حرها بالماء فلا يجوز أن تكون هي سبباً في ترك الماء.
وحكي عن بعض أصحاب مالك وعن داؤد وطبقته: جواز ذلك.
والحجة لهم على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ
عَلَى سَفَرٍ \s " \c 1}[النساء:43]. وهذا عام في جميع أحوال المرض
لأنه لم يخص مرضاً من مرض فيجب الإعتماد عليه.
(2/106)
وا لمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من المنع من
استعمال التراب فيما ذكرناه، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد
ههنا وهو قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ
فَاغْسِلُوا \s " \c 1 وُجُوهَكُمْ}[المائدة:6]. وهذا عام في كل
مرض إلا ما دلت عليه دلالة تخرجه عنه. وما قلناه فيما هذا حاله من
المرض فإنه لاحق بالصحة فلا وجه لإخراجه عن عموم الآية لما ذكرناه.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: عموم الآية في قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} دال على
إباحته في كل مرض.
قلنا: قد تعارضت هذه العمومات، ولنا عنها جوابان:
أما أولاً: فلأن عموماتنا موافقة للقياس وهو أن هذا واجد للماء لا
يخاف الضرر على نفسه من استعماله فأشبه الصحيح.
وأما ثانيا: فلأنا نقول المراد بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى}،
المرض الذي يخاف منه الضرر على الروح أو على بعض الأعضاء من
استعماله.
الفرع الثاني: هو أن المرض إذا كان يخشى من الوضوء معه تلف النفس
أو تلف عضو من الأعضاء، فما هذا حاله يجب فيه التيمم عند أئمة
العترة وأكثر فقهاء الأمة الحنفية والشافعية والمالكية.
والحجة على ذلك: ما روي أن رجلاً كان في بعض الغزوات فاجتنب فسأل
الناس فقالوا: ما نجد لك رخصة عن الغسل فاغتسل فمات، فبلغ ذلك
الرسول ÷ فقال: ((قتلوه قتلهم اللّه \s " \c 2 هلا سألوا إذا لم
يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على
رأسه خرقة ويمسع عليها ويغسل سائر بدنه))(1) وهذا نص فيما نحن فيه.
وحكي عن الحسن البصري وعطاء أنهما قالا: لا يجوز له التيمم مع وجود
الماء.
__________
(1) أخرجه أبو داؤد عن جابر.
(2/107)
وا لحجة على ما قالاه: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى
أَوْ عَلَى سَفَرٍ \s \c 1} إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}[المائدة:6]. فأباح للمريض التيمم
عند عدم الماء وهذا واجد له فلا يكون مندرجاً تحت الآية لما
ذكرناه.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة.
والحجة عليه: ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا حديث عمرو بن العاص \s \c
3(1) وهو أنه تيمم لخوف التلف من البرد مع وجود الماء فعلم به رسول
اللّه÷ فعاتبه على ما فعل فقال له: إني سمعت اللّه تعالى يقول:
{وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ
رَحِيمًا \s \c 1}[النساء:29] فسكت الرسول ÷(2) فلو لم يكن جائزاً
لما أقره عليه.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: الآية دالة على أنه لا يجوز التيمم إلا مع عدم الماء وهذا
واجد له فلا يجوز استعمال التراب.
قلنا: عما ذكروه جوابان:
__________
(1) عمرو بن العاص بن وائل القرشي السُّهمي، أبو عبد الله، توفي
سنة 42 ه، داهية قريش، أسلم عام الحديبية سنة ثمان، وكان فاتح مصر
وواليها، وأخباره كثيرة. ا ه، در السحابة للشوكاني 803، وجاء في
(التاريخ الكبير) أنه توفي إحدى وستين أو اثنتين وستين في ولاية
يزيد، سكن مصر ومات بها 6/303، وهو ابن تسع وسبعين سنة كما في
(معرفة الثقات) 2/178.
(2) جاء في (الجواهر-تخريج البحر)1/115: عن عمرو بن العاص قال:
احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إذا اغتسلت أن
أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فَذُكر ذلك للنبي ÷ فقال:
((يا عمر، صليت بأصحابك وأنت جنب))؟ فأخبرته بالذي منعني من
الاغتسال وقلت: ...إلخ، فضحك رسول الله ولم يقل شيئاً، وفي رواية
أخرى: فغسل مغابنه وتوضوأ وضوءه للصلاة ثم صلى. وذكر نحو ما سبق
ولم يذكر التيمم، أخرج الروايتين أبو داؤد.
(2/108)
أما أولاً: فلأن المراد من الآية أمر مضمر وأن التقدير فيها:
وإن كنتم مرضى فلم تقدروا على استعمال الماء أو كنتم على سفر فلم
تجدوا ماء فتيمموا، وكثير ما يضمر في كتاب اللّه تعالى ما يدل عليه
سياق الكلام كقوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ
فَانفَجَرَتْ \s " \c 1}[البقرة:60] فالتقدير: فضرب فانفجرت.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا أنه لا إضمار فيها فالمراد به المرض
الذي لا يخشى منه التلف فإن من هذه حاله لا يجوز له التيمم كما مر
تقريره.
الفرع الثالث: إذا كان المرض لا يُخشى منه تلف النفس ولا تلف عضو
من أعضائه ولكن يُخشى منه إبطاء البرء وزيادة الألم لا غير فهل
يجوز له التيمم أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجوز له التيمم وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو
المحكي عن الشافعي في القديم و(الإملاء)، وحكاه البويطي عنه وهو
قول أبي حنيفة ومالك.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى
سَفَرٍ \s " \c 1}[النساء:43]. وهذا عام لجميع الأمراض من غير
تخصيص إلا بدلالة.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز له التيمم وهذا هو المنصوص عليه
للشافعي في (الأم) و(المختصر).
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ
الْغَائِطِ \s " \c 1 أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا
مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}[النساء:43] فأباح التيمم
لمن لا يجد الماء، وهذا واجد فلهذا لم يبح له التيمم.
والمختار: ما عليه علماء العترة ومن وافقهم من فقهاء الأمة من جواز
التيمم لمن هذه حاله.
والحجة: ما قالوه ونزيد ههنا، وهو أن من هذه حاله فإنه يتضرر
بالماء فجاز له التيمم فأشبه من خاف التلف.
الانتصار على من خالفنا: يكون بإبطال ما اعتمدوه وإلى ما حكيناه عن
الشافعي في (الأم) و(المختصر) ذهب الحسن البصري واحمد بن حنبل
وعطاء.
(2/109)
قالو: ظاهر الآية دال على أن التيمم إنما يباح لمن لا يجد الماء
وهذا واجد فلا يباح له.
قلنا: الآية مشتملة على جملٍ كل واحدة منها مستقلة بنفسها،
والتقدير فيها: وإن كنتم مرضى ولم تقدروا على استعمال الماء أو
كنتم على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فتعذر
عليكم استعمال الماء فتيمموا، أو لم تجدوا الماء بلا فرق بين عدم
الماء وتعذر استعماله في جواز ما ذكرناه من التيمم.
الفرع الرابع: إذا كان لا يخشى من استعما الماء زيادة علة و
لاحدوثها ولا استمرارها ولكن يخشى الشين وقبح المنظر في جسمه فهل
يباح له التيمم من أجل ذلك أم لا؟ فيه لأصحاب الشافعي قولان:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز لأنه لا يخشى تلفاً ولا إبطاء علة عن البرء
فهو كما لو خاف من البرد.
وثانيهما: أن ذلك جائز لأن قبح المنظر في الخلقة وتشويه الوجه ربما
كان ضرره أكثر من ضرر بعض الآلام وزيادتها واستمرارها.
والمختار عندنا في ذلك: تفصيل نشير إليه لأنها غير منصوصة
لأصحابنا، وهو أنه ينظر في حال ذلك الشين الذي يلحق المتوضي فإن
كان شيئاً يسيراً لا يشوه خلقة الإنسان ولا يقبحها في المنظر كآثار
الجرب وآثار الجدري أو قليل حمرة أو خضرة فإنه لا يجوز له التيمم
لأنه لا يتضرر بذلك ولا يكون له موقع، وإن كان يحصل منه شين كثير
وقبح عظيم في الوجه وغيره نحو أن يسود وجهه كله أو بعضه أو يحصل
فيه آثار تقبح المنظر، فمن هذه حاله يجوز له التيمم لأن الإنسان
يألم قلبه ويحصل عليه من الغم مثل ما يحصل من زيادة العلة
واستمرارها، بل ربما كان هذا أعظم من ذلك لا محالة.
الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه.
قالوا: هو لا يخشى على نفسه ولا يؤدي إلى ضرر في أعضائه فلا يباح
له التيمم.
قلنا: ربما كان الشين أعظم ضرراً من الألم كما أوضحناه فكما أبيح
لأجل الضرر أبيح لأجل ما يلحقه من الشين وقبح المنظر.
(2/110)
السبب الثالث: تعذر الوصول إلى الماء وذلك يكون بعروض أمور تمنع
منه وهذه نحو عدو أو لص أو سبع عادٍ أو غير ذلك من الأمور العارضة
عن استعماله مع كونه موجوداً، فما هذا حاله يجوز [معه] التيمم.
التفريع لهذه القاعدة:
الفرع الأول منها: إذا كان الخوف من عدو أو لص أو سبع، فإن كان
الخوف على تلف الروح أو على قطع الأوصال أو حصول الضرر أو شين
يلحقه جاز له التيمم عند أئمة العترة، وهو قول جماهير الفقهاء أبي
حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك إلا ما يحكى عن الحسن البصري
وعطاء فإنهم قالوا: لا يجوز له التيمم، والاحتجاج عليهم والانتصار
قد ذكرناه من قبل فأغنى عن الإعادة.
الفرع الثاني: أن لا يخاف ضرراً في نفسه ولكنه خاف أخذ ماله وسلب
أثوابه كلها، فينظر فيه فإن كان أخذ المال مجحفاً بحاله جاز له
التيمم، وإن كان غير مجحف بحاله لم يجز له التيمم. وفي اعتبار حال
الإجحاف وجوه ثلاثة:
أولها: أن يكون بحيث لا يجد عوضاً عما أخذ منه فمن هذه حاله يجوز
له التيمم.
وثانيها: أن يكون غمه بما أخذ منه مثل غمه لو أصابه ضرر في نفسه من
جرح أو قطع عضو من أعضائه.
وثالثها: أن يكون ما أخذ منه يبيح له السؤال لأجل فقره وضيق حاله،
فهذا هو حد الإجحاف. والأول أقواها وأحسنها لأن كل من لا يجد عوضاً
عما سلب عنه من الأثواب وأخذ منه فذلك إجحاف بحاله، والإجحاف هو
الذهاب يقال: سيل جحاف إذا جرف كل شيء لاقاه وأصابه، وكل ما كان من
الأمور مُذهِبَاً للمال وللنفوس فهو مجحف.
(2/111)
الفرع الثالث: أن يكون الماء في بئر وليس معه حبل ولا دلو يخاف
إن نزل إليها(1) على نفسه التلف، ونحو أن يكون الماء في حفرة أو
مطهرة وعلى بدنه نجاسة ولا يتمكن من الوضوء به إلا بتنجيسه، فإن من
هذه حاله فإنه يجوز له التيمم، وإن عجز عن تسخين الماء لبرده وكان
يضره جاز له التيمم لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ
عَلَى سَفَرٍ \s " \c 1}[المائدة:6].
السبب الرابع: أن يكون محتاجاً إلى الماء خوفاً من العطش في الوقت
أو يتوقع الحاجة إليه في باقي الحال أو لعطش رفيقه أو لعطش حيوان
محرم أكله، وكل ما ذكرناه يبيح له التيمم مع وجود الماء لما ذكرناه
لأن تدارك الحشاشات عن التلف أو الأضرار عمن ذكرناه أهم في مقصود
الشرع من الوضوء بالماء، من جهة أن الوضوء له بدل وهو التيمم
فتسكين العطش بالماء لا بدل له، وأيضاً فإنه لو كان مع رجل ماء
فمات ومعه رفقة يحتاجون إليه من أجل العطش جاز لهم أن ييمموه
ويشربوا الماء ويجب عليهم صرف ثمنه إلى ورثته إذا كان له قيمة في
مثل ذلك الموضع، ويكون صرف قيمته أحق لأن مثله حقير في غير ذلك
الموضع، فلأجل ذلك كان العدول إلى القيمة أولى، وهكذا لو كان معه
رفيق ومات الرفيق ومعه ماء جاز أخذه بالقيمة، ويعدل إلى التيمم
لأجل المصلحة إلحاصلة بتدارك حشاشة النفس عن العطش فمتى خشي تلف
نفسه من أجل العطش وجب عليه التيمم لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا
أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا \s \c
1}[النساء:29]. ولا يعرف خلاف في ذلك [إلا] ما حكيناه عن الحسن
وعطاء، وإن خشي الضرر جاز له التيمم لأجل دفع الضرر. قال السيد أبو
طالب: وكان أبو العباس يقول: إذا خشي التلف وجب عليه التيمم وإن
خشي الضرر بالعطش والتألم جاز له التيمم، والوضوء أفضل، يشير به
إلى ما فصلناه من أن صيانة النفس عن التلف بالعطش أهم، وإن لم يكن
هناك إلا الضرر والتألم فالوضوء أفضل، وهذا جيد لأن
__________
(1) في الأصل: عليها.
(2/112)
التكليف لا ينفك عن ضرارة(1) وثقل على النفوس فلا جرم كان
الوضوء أفضل، وإن كان في العطش مشقة.
السبب الخامس: العجز بسبب فقدان العلم وفيه صور خمس:
الصورة الأولى: النسيان، وهو أن ينسى الماء في رحله بعد ان كان
علمه فتيمم وصلى ثم يعلم بعد ذلك فهل تلزمه الإعادة مع بقاء الوقت
أو يلزمه القضاء بعد فواته أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه تلزمه الإعادة مع بقاء الوقت والقضاء بعد فواته،
وهذا هو رأي المؤيد بالله وهو المنصوص عن الشافعي في عامة كتبه،
ومحكي عن أبي يوسف.
والحجة على ذلك: هو أن الوضوء شرط في صحة الصلاة فلا يسقط بالنسيان
كالركوع والسجود وستر العورة ولأنها طهارة تستباح بها الصلاة
فعدمها لأجل النسيان يمنع من صحة الصلاة كما لو كان على بدنه نجاسة
ونسيها وصلى فإنه تلزمه الإعادة فهكذا هذا.
المذهب الثاني: أن لا تلزمه الإعادة ولا القضاء، وهذا هو المحكي عن
أبي حنيفة ومحمد.
والحجة على ذلك: هو أنه غير قادر على استعمال الماء لعذر من جهة
اللّه تعالى وسقط عنه الفرض بالتيمم كما لو حال بينه وبين الماء
سبع أو مرض.
المذهب الثالث: أنه إن كان الوقت باقياً وجبت عليه الإعادة، وإن
كان فائتاً فلا إعادة عليه، وهذا هو رأي الهادي والذي يأتي على أصل
الناصر وهو قول مالك من الفقهاء.
وا لحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً \s \c 1}[المائدة:6]. والناسي
للشيء غير واجد له لأن الوجود عبارة عن التمكن من استعمال الماء
والقدرة عليه، وهذا غير متمكن من استعماله، هذا كله إذا كان الوقت
باقياً فإن كان فائتاً لم تجب عليه الإعادة.
و الحجة على ذلك: هو أن هذا مبني على أن التيمم إنما يجب في آخر
الوقت كما سنوضحه، فإذا صلى بالتيمم وبقي من الوقت بقية ثم علم
بالماء في رحله فإنه إنكشف الآن أن تيممه وقع على فساد فلهذا وجبت
عليه الإعادة.
__________
(1) ضرارة: النقصان يدخل في الشيء. اهلسان.
(2/113)
والمختار: ما قاله الهادي والناصر من التفرقة بين بقاء الوقت
وزواله.
والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهما ونزيد ههنا، وهو أن الوقت إذا كان
فائتاً فلا وجه لإيجاب القضاء على من هذه حاله من جهة أن الناسي لا
يعقل تكليفه في حال نسيانه لفقد علمه وهو من شرائط التكليف لأنه
يستحيل أن يقال له استعمل الماء وأنت ناسٍ له. وإذا تيمم وصلى فقد
أدَّى الفرض على الوجه الذي أمر به وخرج عن عهدة الأمر فلا يلزمه
القضاء.
ووجه آخر وهو: أن القضاء إنما يجب بأمر جديد ودلالة منفصلة ولا
دلالة ههنا على وجوب القضاء عليه لأنا سنورد الجواب على الشكوك
التي يذكرونها دلالة على وجوب القضاء عليه، وإنما توجب عليه
الإعادة إذا كان الوقت باقياً فلأن الخطاب متوجه نحوه بقوله تعالى:
{إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا
مَوْقُوتًا}[النساء:103]. يريد موقتاً بوقت محدود لا تجوز مخالفته،
فمهما كان في وقت الصلاة فهو مخاطب بأدائها، فلا جرم كان أداؤها
لازماً له ولا ينفع أداؤها بالتيمم لأنا قد بينا وقوعه على فساد
بالعلم بوجود الماء.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. أما من قال بسقوط الإعادة عليه
والقضاء على الإطلاق كما هو المنصوص لأبي حنيفة وهو رأي محمد.
قالوا: روي عن الرسول ÷ أنه قال: ((لا ظهران في يوم)). فلو قلنا
بوجوب الإعادة عليه لكان ذلك مدافعة لنص الحديث، وهو باطل.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا نقول بظاهر الحديث فإنا لا نوجب عليه إلا ظهراً
واحداً، وأما أداءه بالتيمم فليس في الحقيقة ظهراً عليه لكونه وقع
فاسداً فقد وفينا بما دل عليه ظاهر الحديث.
(2/114)
وأما ثانياً: فلأنا قائلون بموجب الخبر فإنا نقول: لا ظهران في
يوم على جهة الأداء فأما أن يكون أحدهما معاداً والآخر أداءً فلا
مانع من ذلك، ويؤيد ما ذكرناه أنه إذا جاز أن يكون أحدهما مؤدى
والأخر مقضياً لمن عليه فائتة فهكذا لا يمتنع أن يكون أحدهما
معاداً لفوات شرطه والأخر مؤدى كما ذكرناه.
قالوا: إنه غير قادر على استعمال الماء لعذر من جهة اللّه تعالى
فسقط الفرض عنه بالتيمم فلا تلزمه الإعادة كما لو حال بينه وبين
الماء مرض أو سبع.
قلنا: هذا فاسد فإنا لا نسلم عدم قدرته على استعمال الماء بل هو
قادر على استعماله لأنه يمكنه التوصل إليه من غير مشقة ولا ضرر
عليه بأن يطلبه عند توجه الفرض عليه ويشكك نفسه فيتذكر الماء
و[هذا] يخالف السبع والمرض فإنه لا يقدر على دفعهما، ولهذا فإنه لا
يحسن أن يقال له: لا تمرض ولا يمنعك السبع، ويحسن في العادة أن
يقال له: لا تنس، ويلام على ما وقع منه من النسيان، فيقال: لم
نسيت؟ ولا يقال له: لم مرضت ولم منعك السبع؟
قالوا: فقد العلم بموضع يتيح له الصلاة بالتيمم ويمنع من وجوب
القضاء كمن بجنبه بئر وهو لا يعلمها.
قلنا: إن كان يعلم بها وجبت الإعادة والقضاء لوقوع تيممه على خلل
وفساد، وإن لم يعلم فلأن ذلك خارج من يده فاكتفي فيه بالظاهر، وليس
هكذا حال الرجل فإنه في يده فلم يُكتف فيه بالظاهر فلأجل ما ذكرناه
فارق مسألة الرجل مسألة البئر، ويؤيد ما ذكرناه أنه يرجع فيما حكم
به غيره إلى الظاهر بالشهادة ولا يرجع فيما حكم به هو إلا إلى
اليقين والإحاطة فهذا هو الكلام على أبي حنيفة إذا قال بسقوط
الإعادة عنه إذا كان الوقت باقياً وهو رأي محمد، فأما سقوط القضاء
عند تقضي الوقت فهو المختار عنه كما مر تقريره.
وأما من قال بلزوم الإعادة في الوقت والقضاء بعده كما هو رأي
المؤيد بالله والشافعي فقالوا: إن الوضوء. شرط من شرائط الصلاة فلا
يسقط بالنسيان كالركوع والسجود وستر العورة.
(2/115)
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكروه معارض بالقياس الذي أوردناه، وهو أن عروض
النسيان عن استعمال الماء كعروض اللص والسبع، وإذا كان هذا مجزياً
معه التيمم فهكذا ما قلنا، فإما أن يتساقطا لتعارضهما وإما أن يرجح
أحدهما على الآخر، وقياسنا أرجح لأنه يشهد له قوله ÷: ((رفع عن
أمتي الخطأ والنسيان \s " \c 2)) فلو أوجبنا عليه القضاء مع فوات
الوقت لم يكن النسيان مرفوعاً كما دل عليه ظاهر الخبر.
وأما ثانياً: فلأن هذه الأمور إنما وجبت الإعادة والقضاء مع
نسيانها من جهة أنه لا بدل لها بخلاف ما نحن فيه فإن الطهارة
بالماء لها بدل وهو التيمم فافترقا.
قالوا: ولأنه بدل لو أتى به مع العلم بحال المبدل لم يعتد به فإذا
أتى به مع النسيان لم يعتد به كالصوم في الكفارة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم الأصل المقيس عليه فإنه إذا نسي الرقبة
وصام أجزأه ذلك وهو الذي حكاه الكرخي عن أبي حنيفة. قال السيد أبو
طالب: والمسألة غير منصوصة لنا فإن قلنا بأن الصوم يجزي مع نسيان
الرقبة فإنه لا يلزمنا قياسهم.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا أن الصوم غير مجز له فالتفرقة بينهما
ظاهرة فإن الاعتبار تملك الرقبة لا بالتمكن منها على كل وجه ولهذا
فإن من لا يملك الرقبة لو وهبت له لم يلزمه قبولها وأجزأه الصوم،
وإذا كان الأمر كما قلنا فالاعتبار في الماء بالتمكن لا بالملك
ولهذا فإنه إذا وهب له وجب عليه قبوله، ولم يجز له التيمم كما مر
تقريره، ومع النسيان فهو غير متمكن فلهذا كان التيمم مجزياً له
فافترقا.
قالوا: ولأنه تطهير واجب فلم يسقط بالنسيان كما لو نسي بعض أعضائه.
(2/116)
قلنا: المعنى في الأصل أنها طهارة أصلية بخلاف التيمم فإنها
طهارة بدلية فهذا فرق واضح يبطل فيه الجمع وأعظم فساد الأقيسة هو
الفرق، فهذا كله دال على بطلان مقالة من قال: إنه يتوجه عليه
الإعادة والقضاء مع بقاء الوقت وزواله، وبعد ذلك يصح ما قلناه من
التفرقة بين بقاء الوقت وزواله، فإذا كان [الوقت] باقياً توجهت
الإعادة وإن كان فائتاً بطل القضاء من جهة أن مع بقاء الوقت يقوى
أمر الخطاب بالصلاة كما مر بيانه.
الصورة الثانية: إذا أدرج في رحله ما يملكه ولم يكن شاعراً به
فتيمم ثم صلى هل تلزمه الإعادة أم لا؟ فإن قلنا: إنه في معنى
الناسي جاء الخلاف الذي ذكرناه في الناسي، فعلى رأي الهادي إن
الوقت إن كان باقياً وجبت عليه الإعادة وإن كان فائتاً فلا إعادة،
وعلى رأي المؤيد بالله و الشافعي يتوجه عليه الإعادة وعلى رأي أبي
حنيفة لا إعادة عليه كما مر بيانه من قبل، وإن قلنا بأنه يخالف
الناسي فلا إعادة عليه ولا قضاء، وهذا هو المختار من جهة أنه لا
تقصير من جهته فلهذا لم يكن مشبهاً للناسي لأن الناسي قد يلام ويعد
مقصراً وهذا مخالف له فافترقا.
الصورة الثالثة: لو أضل الماء في رحله فالتبس بسائر الأقمشة مع
توهم وجوده فتيمم ثم صلى، فإن لم يكن قد أمعن في طلبه وجب عليه
القضاء لكونه قد أخل بشرط التيمم وإن كان قد أمعن في طلبه فلم يجده
وغلب على ظنه فقدانه فهل يجب عليه القضاء أم لا؟ فيه احتمالان:
أحدهما: إلحاقه بالناسي فيكون على الخلاف.
وثانيهما: أنه بخلاف الناسي فلا تلزمه الإعادة.
الصورة الرابعة: لو ضل رحله في رحال القافلة فلم يدر به في جنح
الليل فتيمم ثم صلى فهل يلزمه القضاء أم لا؟ فيه احتمالان أيضاً:
(2/117)
الصورة الخامسة: إذا ضل الزمالة والرفقة الذين معهم متاعه ورحله
فتيمم ثم صلى فهل يتوجه عليه القضاء أم لا؟ فيه احتمالان كما ذكرنا
في غيره. فهذه صور متقاربة يقع فيها التردد بين الحاقها بالناسي
ومفارقتها له فعلى الناظر إمعان نظره على ما يوفق اللّه له من
الصواب فيه.
السبب السادس: إذا خاف فوت صلاة العيدين بانقضاء وقتها وفوت صلاة
الجنازة لأجل الجماعة فهل يجوز التيمم مع وجود الماء أم لا؟ فيه
مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك وهذا هو الذي نص عليه الهادي % في
(الأحكام) و(المنتخب) وهو رأي أبي حنيفة وأصحابه.
وا لحجة على ذلك: ما روي عن ابن عمر أنه قال: مر رجل على رسول
اللّه ÷ في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول فسلم عليه فلم يرد
السلام حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيده على الحائط
ومسح بها على وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ثم رد السلام على
الرجل وقال: ((إنه لم يمنعني ألا أرد عليك السلام \s \c 2 إلا أني
كنت على غير طهر فلم أحب أن أذكر اسم اللّه إلا على طهارة))(1).
ووجه تقرير هذه الحجة هو أن رد السلام فرض على الكفاية على الفور
فإذا تراخى سقط، فالرسول ÷ لما خشي الفوت جاز له التيمم فهكذا صلاة
الجنازة إذا خشي فوتها مع الجماعة جاز له التيمم لأدائها.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز له التيمم مع وجود الماء لهاتين
الصلاتين وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنها صلاة فلا يجوز التيمم لها مع القدرة على
الماء كسائر الصلوات.
__________
(1) أخرجه أبو داؤد عن ابن عمر، وأورد في (الروض) ما أخرجه البخاري
في صحيحه عن أبي جهيم الأنصاري قال: أقبل رسول الله ÷ من نحو بئر
جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي حتى أقبل على الجدار
فمسح بوجهه ويديه ثم رد %. الحديث، قال الحافظ ابن حجر: زاد
الشافعي: ((فحته بعصى)) اه. 1/474. أي: فحت الجدار.
(2/118)
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من جواز التيمم لما ذكرناه
من هاتين الصلاتين للعذر الذي ذكرناه فيهما وهو فوات الجماعة في
صلاة الجنازة وفوات الوقت في صلاة العيدين.
والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا حججاً ثلاثاً:
الحجة الأولى: ما روى ابن عمر رضي اللّه عنه عن النبي ÷ أنه قال:
((إذا جاءتك الجنازة وأنت على غير طهر فتيمم وصل عليها \s " \c 2))
(1). وهذا نص فيما نحن فيه وهو مقرر على أنها إذا فاتت فإنها لا
تقضى كما سنوضحه من بعد بمعونة اللّه تعالى.
الحجة الثانية: قياسية وهي أن هذه الصلاة تفوت إما بانقضاء وقتها
كصلاة العيدين وإما بفوات شرطها وهو الجماعة فإذا جاز التيممم لخوف
فوات الوقت في السفر فلأن يجوز لخوف فوات أصل الصلاة أولى وأحق،
ولأنا لو أمرنا بالطهارة لما ذكرناه من هاتين الصلاتين مع بطلانهما
وفواتهما لكنا قد أمرنا بالطهارة لا لصلاة وهذا محال فإن الطهارة
لا تراد ولا تعنى إلا للصلاة لأنها غير مقصودة لنفسها، فإذا كانت
الصلاتان فائتتين بما ذكرناه فلا وجه لإيجاب الطهارة، ولأن من لا
صلاة له فلا وضوء عليه كالحائض والنفساء وهذا لو تطهر بالماء لم
يتمكن من أدائها بهذه الطهارة.
__________
(1) سيأتي في صلاة الجنازة.
(2/119)
الحجة الثالثة: هي أن صلاة الجنازة ليست صلاة على الإطلاق لأنه
لا ركوع فيها ولا سجود، ولهذا فإن الشعبي \s \c 3(1) وابن جرير
زعما أنها تجوز من غير طهارة(2) فلهذا جاز فيها التيمم مع وجود
الماء.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: إنها صلاة فلا تجوز بالتيمم مع القدرة على الماء كسائر
الصلوات.
قلنا: هذا فاسد فإن التفرقة بينها وبين سائر الصلوات ظاهرة فإن
غيرهما من الصلوات إذا استعمل الماء فإنه يمكنه الإتيان بها أو
ببدل يقوم مقامها وفي مسألتنا لو اشتغل بالتوضي فإنه لا يمكنه
الإتيان بهما ولا بما يقوم مقامهما فافترقا.
قالوا: إذا لم يجزِ التيمم لخوف فوات صلاة ا لجمعة وفرضها أوكد
فلأن لا يجوز التيمم لخوف فوت صلاة الجنازة وصلاة العيدين أولى
وأحق وفرضهما لا شك أضعف وأبعد.
قلنا: الجمعة لها بدل وهو الظهر ولهذا لم يكن فرضها فائتاً بخلاف
ما ذكرناه فإنه لا بدل لهما فافترقا.
قال السيد أبو العباس: وإذا حدث مع الإمام في صلاة العيدين لم
يتيمم لها لأنه يمكنه تأديتها منفرداً ولا يجوز له التيمم إلا إذا
خشي فوت وقتها.
__________
(1) هو: عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري، أبو عمرو،
راوية من التابعين، يضرب المثل بحرصه، ولد ونشأ بالكوفة ومات بها
فجأة، عاش بين 19هو103ه. كان نديم عبد الملك بن مروان ورسوله إلى
ملك الروم، استقضاه عمر بن عبد العزيز، وكان فقيهاً شاعراً، نسبته
إلى شعب وهو بطن من همدان. إ. ه(أعلام3//251) راجع (تهذيب التهذيب
5/65)، و(الوفيات 1/244).
(2) في حاشية الأصل: وهو تخريج المؤيد بالله على أصل الهادي %.
(2/120)
قال أبو حنيفة: إذا دخل الرجل في صلاة العيد في الجبان فسبقه
الحدث جاز له أن يتيمم، وقال صاحباه: لا يجوز له ذلك ولكن يعود إلى
المصر فيتوضأ ويصليها، والذي يأتي على القاعدة التي ذكرناها: أنه
إذا كان يخشى فوت وقتها جاز ذلك، فأما إذا خشي فوتها مع الإمام
فإنه لا يباح له التيمم لأنها تصلى منفردة عندنا من غير إمام وإنما
جاز التيمم إذا كان يخشى فوات الوقت لأنها غير مقضية عندنا كما
سنقرره في كتاب الصلاة.
لا يقال: كيف تقولون بأن صلاة العيدين لا يجب قضاؤها وقد حكى أبو
العباس عن الإمام القاسم بن إبراهيم أن صلاة العيد تقضى من الغد
وهذا تصريح بأنه يجب قضاؤها.
لأنا نقول: هذا فاسد فإن ما ذكره محمول على أن الهلال غُم ذلك
اليوم ثم أنه تحقق بعد الزوال برؤيته في الليلة الماضية فعلى هذا
يصلي من الغد، فما هذا حاله ليس قضاء وإنما هو أداء لما روي عن
النبي ÷ أنه قال: ((فطركم يوم تفطرون وعرفتكم يوم تعرفون \s \c
2))(1). فدل ذلك على أنه ليس قضاء وإنما هو أداء. والمسألة مفروضة
في حق من عرف أن ذلك اليوم هو يوم العيد فإنه لا يقضيها بحال
فافترقا بما ذكرناه. فهذه جملة الأسباب الموجبة للتيمم ويندرج
تحتها صور كثيرة لا حاجة بنا إلى إفرادها بالذكر لإندراجها بالذكر
في أثناء التفريع بمعونة اللّه وحسن توفيقه.
التفريع لهذه القاعدة:
الفرع الأول: الجبائر عبارة عن الأخشاب التي توضع على الكسر ولا
يشترط في وضعها أن يكون المجبَّر على وضوء عند أئمة العترة، وحكي
عن الشافعي اشتراط كونه على وضوء.
__________
(1) سيأتي.
(2/121)
والحجة على ما قلناه: ما روي عن أمير المؤمنين أنه كسرت إحدى
زنديه وجبرها فاستفتى رسول اللّه ÷ في الوضوء فأفتاه بالمسح على
الجبائر(1). ولم يسأله عن كونه واضعاً لها على وضوء أو غير ذلك.
وتوضع الجبائر على[الموضع] الصحيح والعليل على قدر الحاجة عندنا
وحكي عن الشافعي أنها لا توضع إلا على العليل.
والحجة على ذلك: أن وضع الجبائر إنما يكون على قدر الحاجة في إصلاح
الحال في برء العضو وإصلاحه وشده ومده وهذا لا يكون إلا إذا دعت
الحاجة إلى موضع البرء والصحة فإن ذلك جائز وقد حمل أصحاب الشافعي
كلامه على منع ذلك، أن الحاجة غير داعية إلى شده على موضع الصحة
وعلى هذا يكون كلامه موافقاً لما قلناه.
فإذا وضع الجبيرة ثم أراد الواضع الوضوء أو الغسل فإن كان لا يخاف
من نزعها ضرراً نزعها وغسل ما تحتها لقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ
إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا \s " \c 1} [المائدة:6] وقوله %:
((توضأ كما أمرك اللّه \s " \c 2)). وإن خاف من نزعها تلفاً للنفس
أو تلف عضو أو إبطاء البرء أو الزيادة في العلة أو في الألم لم
يلزمه حلها، وما يلزمه من ذلك فيه وجهان:
أحدهما: غسل ما جاور الشد والمسح على الجبيرة، وهذا رأي المؤيد
بالله وهو مذهب الشافعي.
والحجة على ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين أنه قال: إنكسرت إحدى
زندي مع رسول اللّه ÷ فسألته كيف أفعل بالوضوء فأمرني أن أمسح على
الجبائر.
وإذا قلنا بوجوب المسح كما هو المختار كما مر في الوضوء فيمن كسر
وجبر فهل يلزمه الإستيعاب أم لا؟ والأقرب على المذهب أنه يلزمه
الإستيعاب وهو أحد قولي الشافعي وله قول أخر أنه لا يلزمه
الإستيعاب.
والحجة على ما قلناه: هو أنه لا ضرر عليه في إستيعاب المسح فلزمه
كالتيمم.
__________
(1) أخرجه السيوطي في (جمع الجوامع) من مسند علي %، وعبد الرزاق في
مصنفه، والدار قطني، وابن السني، وأبو نعيم معاً في الطب، وسنده
حسن، اه(روض) 1/445.
(2/122)
وهل يتعدد المسح بالأيام أم لا؟ والأقرب أنه لا وجه لتقديره
بالأيام كالمسح على الخفين إذ ليس مذهباً لنا، وهو أحد قولي
الشافعي وله قول آخر أنه يتقدر مسحه كما قررناه.
والحجة على ما قلناه من بطلان تقديره، وعليه الأكثر من أصحاب
الشافعي، هو أن الحاجة داعية إلى استدامة اللبس للجبائر والمسح
عليها إلى البرء فلهذا وجب استدامته ولا يكون مقدراً.
وثانيهما: أنه لا يلزمه المسح وهذا هو الذي ذكره السيدان أبو
العباس وأبو طالب لمذهب الهادي، وقد مرَّ دليله فلا وجه لتكريره.
الفرع الثاني: إذا عدم الماء في سفر المعصية فهل يجوز له استباحة
الصلاة بالتيمم أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أن ذلك جائز وهذا هو رأي أئمة العترة وهو المشهور من قول
الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى
سَفَرٍ \s \c 1} إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا
صَعِيداً طَيِّباً}[المائدة: 6]. ولم يفصل في ذلك بين سفر وسفر
وعلى هذا لا تلزمه إعادة ما صلى بالتيمم لأنه صلى صلاة صحيحة بتيمم
في سفر طويل ولا يلزمه الإعادة كما لو صلى في سفر مباح.
وثانيهما:أنه لا يجوز له استباحتها بالتيمم وهذا شيء محكي عن
الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن التيمم إنما ورد على جهة الرخصة كما في أكل
الميتة، والوجه أن يقال له: تب إلى اللّه تعالى من هذه المعصية
واستبح الصلاة بالتيمم كما يقال: تب وكل الميتة إن كنت مضطراً.
(2/123)
والمختار: ما عليه أئمة العترة للآية التي تلوناها، والخبر وهو
قوله ÷: ((الصعيد الطيب طهور لمن لم يجد الماء ولو إلى عشر حجج)).
ولم يفصل هناك بين سفر وسفر ولا بين حضر وسفر، وإذا قلنا إنه لا
يجوز له استباحة الصلاة بالتيمم في سفر المعصية كما نقل عن الشافعي
فهو إذا صلاها والحال هذه فإنه تجب عليه الإعادة لأن سقوط الفرض
بالتيمم رخصة تختص بالسفر، والرخص إ نما تكون مشروعة في الأمور
الحسنة المباحة دونما كان معصية لأنا لو سوغناها في المعاصي لكان
في ذلك إعانة على المعاصي وهو محظور شرعاً.
الفرع الثالث: إذا كان مع الرجل ماء ومعه ثوب نجس والماء لا يكفي
إلا أحدهما فأيهما يكون به أحق؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أن الأحق به غسل الثوب ثم يتيمم للصلاة وهذه هو رأي أئمة
العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه ولشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: أن إزالة النجاسة عن الثوب ليس لها بدل والوضوء له
بدل، وقد تردد هذا الماء في الإستعمال بين ما له بدل وبين ما ليس
له بدل فلأجل هذا كان صرفه إلى ما ليس له بدل، كما إذا كان معه ماء
وهو يخاف العطش على نفسه فإنه يجب استعماله في النفس التي لا بدل
لها.
وثانيهما: أنه يستعمله في الوضوء ويصلي في الثوب النجس وهذا شيء
يحكى عن أبي يوسف وحم
|