تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

الفرع الثالث: وإذا كانت به علة يقدر معها على القيام، وتمنعه من الركوع والسجود، وجب عليه القيام فيقوم ويقرأ في حالة القيام. وكيف يفعل بالركوع والسجود؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يومئ للركوع من قيام ثم يقعد ويومئ للسجود من قعود وهذا هو رأي أبي طالب، ومحكي عن الشافعي.
وثانيهما: أنه يفعل ما شاء وهو بالخيار إن شاء صلى قائماً وإن شاء صلى جالساً، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والمختار: ما قاله الشافعي لقوله لعمران بن حصين: ((صل قائماً فإن لم تستطع فجالساً " )) ولأنه إذا أومأ للركوع من قيام كان أقرب إلى هيئة الركوع، وإذا أومأ للسجود من قعود كان أقرب إلى هيئة السجود، فلهذا كان أولى، و إذا بلغ إلى الركوع وعجز عن أن ينحني حنى رقبته، فإن لم يقدر إلا بأن يعتمد على عكاز أو عصا إعتمد عليها وانحنى. وإن تقوس ظهره من الكبر أو انحدب حتى صار كالراكع ولا يقدر على الإستواء فعليه أن يصلي على حالته فإذا بلغ الركوع انحنى وإن كان يسيراً ليقع الفصل بين القيام والركوع.
وإن كان بعينيه رمد وكان يقدر على الصلاة قائماً فقيل له: إن صليت مستلقياً على قفاك كان أقرب إلى عافيتك وأسرع إلى برئك، فهل يجوز له ذلك أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك وهو رأي المنصور بالله ودل عليه كلام المؤيد بالله، والمحكي عن بعض أصحاب الشافعي، وهو رأي أبي حنيفة والثوري.
والحجة على هذا: هو أنه لو كان صائماً ورمدت عيناه واحتاج إلى الفطر لسرعة العافية جاز له ذلك، فهكذا هاهنا يجوز له ترك القيام لأجل العافيه.
المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو المحكي عن مالك والأوزاعي، وهو رأي أكثر أصحاب الشافعي.

(2/508)


والحجة على هذا: ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه لما نزل في عينيه الماء كف بصره فقال له الطبيب: إن صبرت على سبعة أيام تصلي مستلقياً على قفاك داويتك ورجوت لك العافية، فأرسل إلى عائشة وأم سلمه وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة يسألهم عن ذلك، فقالوا له: إن مت في هذه الأيام ما تفعل بصلاتك؟ فترك مداواة عينيه، وفي هذا دلالة على المنع من ذلك، ولله در العلماء وأهل الفضل والمراقبة لخوف اللّه ما أشد مراقبتهم وأخوفهم لله وأقومهم بما وجب عليهم وأعظم تواضعهم، أنظر إلى ابن عباس مع علمه الباهر وتبحره في علوم الشريعه ما اكتفى بنظره حتى أرسل إلى الصحابة ولم يقبل الرخصة واعتمد على ما قالوا لما فيه من الحيطة للدين وآثر الضرر بنفسه على ترك الصلاة(1).
والمختار: الجواز لأمرين:
أما أولاً: فلقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}
[الحج: 78] وأي حرج أعظم من ذهاب البصر وفساده، وفي صحته قوام أمر الدين وتأدية العبادات على أكمل حالة وأتمها فلهذا جاز فعل الصلاة على الوجه الممكن حتى يتم هذا الغرض من الصحة.
وأما ثانياً: فلأنه إذا جاز الإفطار بعروض المرض والسفر ميلاً إلى التخفيف، فإذا جاز ترك هذه العبادة أعني الصوم لعارض المرض والسفر جاز مثله في الصلاة. بل هاهنا أجوز لأن الصوم في السنة مرة والصلاة في كل يوم وليلة فالرخصة فيها أقرب مع أنه يأتي بالصلاة بالممكن بما هو بدل عن صلاة الصحة. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا أبداً ما أبقيتنا واجعله الوارث منا.
فأما ما حكي عن فتوى الصحابة بالمنع فله تأويلان:
أحدهما: أنهم عملوا في ذلك على الإحتياط والورع دون الشرع فلهذا أفتوه بالإمتناع.
وثانيهما: أنه لم يغلب على ظنهم العافية والبرؤ لاستحكام العلة، فلهذا كان جوابهم: منع ذلك.
__________
(1) أورده في الجواهر وقال: هكذا حكاه في المهذب، ولم يذكر معهما (عائشة وأم سلمة) أبا هريرة والله أعلم، ا ه‍1/176.

(2/509)


الفرع الرابع: إذا عجز المريض عن الركوع والسجود وهو قادر على القعود فإنه يصلي بالإيماء يكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه لما روي عن ابن عمر أنه قال: إذا لم يستطع المريض السجود أومأ إيماءاً.
وقلنا: يكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه، لما روى زيد بن علي عن علي قال: دخل رسول اللّه على رجل يعوده فقال: يا رسول اللّه كيف [أصلي]؟ فقال: ((إن استطعتم أن تجلسوه فأجلسوه " وإلا فوجهوه إلى القبلة ومروه فليومئ إيماءً ويجعل السجود أخفض من الركوع وإن كان لا يستطيع أن يقرأ فاقرأوا عنه))(1).
قال الهادي في (الأحكام): ولا يُقَرِّب شيئاً من وجهه فيسجد عليه ولا يقرب وجهه إليه. وقد قال به غيرنا، وليس له عندنا معنى ولم أعرف قائلاً به من أهل العلم. وكلامه هذا محمول على أنه لا يحمل شيئاً بيديه فيسجد عليه ليطابق ما قاله القاسم في (النيروسي)، وإن أطاق السجود سجد على الأرض وإلا فعلى ما يمكنه من وسادة أو غيرها على ما فصلناه من قبل لأنه يكون ساجداً على الأرض.
الفرع الخامس: إذا عجز المريض عن الصلاة قاعداً فإنه يصلي مضطجعاً لقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}[آل عمران:191] ولما رويناه من حديث عمران بن حصين. وكيف يكون الإضطجاع، فيه ثلاثة أوجه:
__________
(1) جاء الحديث في الروض النضير شرح مجموع الإمام زيد بن علي بزيادة: ((...وإن كان لا يستطيع أن يقرأ القرآن فاقرأوا عنه)) وأورد صاحب الروض أحاديث وروايات من عدة طرق كلها تسند الحديث السابق منها ما رواه علي: ((يصلي المريض قائماً إن استطاع...إلخ)) أخرجه الدارقطني، ومنها حديث عمران بن حصين السالف ذكره، وحديث عن ابن عمر: ((يصلي المريض مستلقياً)) وغيرها من الأحاديث عن جابر وابن عباس وغيرهما، ا ه‍ملخصاً ج2/282-286.

(2/510)


الأول: أن يعترض على جنبه بين يدي القبلة كما يفعل في لحده، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن الشافعي وأحمد بن حنبل، وروي عن عمر أيضاً.
والحجة على هذا ما روي عن الرسول أنه قال: ((يصلي المريض قائماً فإن لم يستطع صلى قاعداً " فإن لم يستطع صلى على جنبه مستقبل القبلة))(1).
الوجه الثاني: أن يستلقي على قفاه ويستقبل القبلة برجليه وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن إبن عمر، والثوري، والأوزاعي وأبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول حيث دخل على المريض فقال: ((وجهوه إلى القبلة " ))(2).
وهو إذا كان مستلقياً على ظهره كان متوجهاً بجميع بدنه إليها.
الوجه الثالث: أن يكون مضطجعاً على جنبه الأيمن ويستقبل القبلة برجليه ويكون وجهه إلى جهة المشرق أو المغرب، وهذا شيء حكاه بعض أصحاب الشافعي، ولم يحك أن أحداً قال به ولم أعرف له قائلا، وإنما حكيناه لكونه ممكناً من جملة أحوال الإضطجاع.
والمختار في الإضطجاع: أن يكون لجنبه كما يكون في اللحد. وتعضده الآية في قوله تعالى: {وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} وهذا نص صريح في إضطجاعه على جنبه، وأما الخبر فقوله: ((فإن لم يستطع فعلى جنب مستقبل القبلة " )).
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روينا عن الرسول أنه قال: ((وجهوه إلى القبلة " )). وهو إذا كان على ظهره كان متوجهاً بجميع بدنه إلى القبلة.
قلنا: خبرنا يعارض خبركم وتبقى الآية لا معارض لها فيجب العمل على ظاهرها.
__________
(1) أورده الرباعي في فتح الغفار عن علي عن النبي بلفظ: ((يصلي المريض قائماً إن استطاع فإن لم يستطع صلى قاعداً، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ برأسه وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقياً))رواه الدار قطني بإسناد ضعيف. اه‍ 1/328.
(2) هذا جزء من حديث زيد بن علي عن علي وقد تقدم في الباب نفسه.

(2/511)


قالوا: إذا كان مسلقياً على قفاه كان متوجهاً بجميع بدنه إلى القبلة فيكون أولى.
قلنا: لا نسلم ما ذكرتموه بل إذا كان على جنبه فهو مستقبل القبلة بجميع بدنه، وإذا كان على قفاه كان رأسه مستدبراً للقبلة ورجلاه نحو القبلة لا غير والإستقبال للقبلة بالوجه أفضل من استدبارها بالرأس، والإستقبال بالوجه للقبلة أفضل من استقبالها بالرجلين، فلهذا كان الأفضل هو الإضطجاع على جنب.
الفرع السادس: وإذا صلى على جنبه كما أشرنا إليه فإنه يومي برأسه للركوع والسجود ويكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه لما روينا من حديث ابن عمر، فإن لم يستطع المريض السجود أومأ إيماءاً فإن عجز عن الإيماء برأسه فهل يسقط عنه فرض الصلاة أو يتوجه عليه تكليف آخر؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن المريض إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقط عنه فرض الصلاة. وهذا هو الذي حصله السيدان أبو طالب وأبو العباس لمذهب الهادي وهو قول أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن الصلاة إنما هي أعمال هذه الجوارح اليدان والرجلان والرأس، وكل واحد من هذه الأعضاء له عمل في الصلاة فإذا عجز المريض عن هذه الأمور الثلاثة سقط عنه فرضها لأن ما عداها لا يقال له صلاة.
المذهب الثاني: أن المريض إذا عجز عن الإيماء بالرأس توجه عليه الإيماء بعينيه وحاجبيه ولا يسقط عنه فرض الصلاة، وهذا هو الذي حصله الشيخ علي بن الخليل من مذهب المؤيد بالله، وهو قول الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن علي عن الرسول أنه قال: ((يصلي المريض قائماً فإن لم يستطع فقاعداً فإن لم يستطع فعلى جنب " مستقبل القبلة فإن لم يستطع صلى على قفاه وأومأ بطرفه))(1).
__________
(1) تقدم في حديث الأنصاري الذي شبكته الريح، أورده زيد بن علي في مجموعه عن علي، وفي هذه الرواية زيادة بعد كلمة مستلقياً ((...على قفاه إلى القبلة وأومأ بطرفه)) أورده ابن بهران في الجواهر نقلاً عن المهذب من رواية علي أيضاً، ا ه‍ج1/176.

(2/512)


فهذا فيه دلالة على أنه لا يسقط عنه فرض الصلاة مهما قدر على الإيماء بطرفه.
المذهب الثالث: أنه إذا عجز عن الإيماء بالعينين والحاجبين سقط عنه فرض الصلاة، وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك، وحكي عن زفر والغزالي: أنه يتوجه الإيماء بالقلب إذا عجز عن الإيماء بطرفه.
والحجة على هذا قوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم " )) وهذا يستطيع ما ذكرناه فوجب الإتيان به.
والمختار: ما حُصِّل على رأي الهادي واختاره السيدان أبو طالب وأبو العباس لمذهبه.
والحجة له: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو أن الآية اقتصر فيها على القيام والقعود والجنب ولم يزد على ذلك، وفي هذا دلالة على أن التكليف بالصلاة مقصور على ما ذكرناه من غير زيادة. وهكذا حال الخبر فإنه دال على ما ذكرناه من الإقتصار على هذه الأمور الثلاثة فلو كان شيئاً واجباً تكون صلاة لذكرها لأنه في موضع التعليم فلا يجوز تأخيره عن البيان في وقت الحاجة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن أمير المؤمنين [ما] رواه عن الرسول أنه إذا عجز عن الإيماء بالرأس أومأ بطرفه، وفي هذا دلالة على أن الإيماء ليس مقصوراً على الرأس.
قلنا: إنما كان ذلك على جهة الاستحباب حتى لا يخلو المريض من ذكر اللّه فأما أنه يعد صلاة فلا يعد صلاة، فأما ما روي عن زفر أنه يتوجه على المريض الإيماء بالقلب.
قلنا: الإجماع منعقد على بطلان هذه المقالة من جهة الصدر الأول وإن ما هذا حاله لا يعد من الصلاة.
قوله: روي عن الرسول : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم " )).
قلنا: إنما يعني ما كان من المأمورات الداخلة تحت القدرة والإمكان، وما هذا حاله فلا يعد صلاة، وأيضاً فإن المقصود هو إيقاظ المريض عن الغفلة عن ذكر اللّه وأنه مأمور بذلك فأما أنه مكلف بالصلاة إذا انتهى إلى هذه الحالة فلا قائل به، فيجب أن يكون باطلاً.

(2/513)


الفرع السابع: وإن افتتح الصلاة قائماً ثم عجز عن القيام فله أن يجلس ويبني على صلاته، وهذا قول أئمة العترة وفقهاء الأمة لا يعرف فيه خلاف بينهم، ولو قرأ الفاتحة في حال الإنحطاط إلى آخر الجلوس أجزأه لأن الإنحطاط أعلى من حال الجلوس، فإذا كانت القراءة مجزية له في حال الجلوس فلأن تجزيه في حال الإنحطاط أحق وأولى، وهكذا لو افتتح الصلاة جالساً ثم عجز عن الجلوس واضطجع في صلاته بنى عليها كما قلناه في التي قبلها، وإن افتتح الصلاة جالساً عند العجز عن القيام ثم قدر على القيام في أثناء الصلاة وجب عليه القيام. وهل يبني على صلاته أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يستأنف الصلاة ولا يبني وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن محمد بن الحسن.
و الحجة على ذلك هو: أنه قد عاد بعد زوال العذر إلى الحال التي لو كان عليها في الإبتداء لم يجز الدخول فيها وهو عليها(1) فلهذا لزمه الإستئناف كالمستحاضة إذا زال عذرها بانقطاع الدم في الصلاة وكالمتيمم إذا وجد الماء في خلالها.
المذهب الثاني: أنه يجوز له البناء ولا يلزمه الإستئناف وهذا هو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأبي يوسف.
والححة على ذلك هو: أن زوال العذر لا يورث عملاً طويلاً فلا تبطل الصلاة لأجله كالأَمَةِ إذا صلت بغير الخمار ثم اعتقت فإنه لا يلزمها استئناف الصلاة لأنه لا يورث عملاً طويلاً.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة.
والحجة لهم: ما نقلناه ونزيد هاهنا، وهو أن صلاة القاعد بدل عن صلاة القائم لأجل العذر فإذا وجد المبدل منه بدل البدل وجب عليه الإستئناف كالمتيمم إذا رأى الماء.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: زوال العذر لا يورث عملاً طويلاً فلا يلزم الإستئناف كالأَمَةِ إذا أعتقت.
__________
(1) أي: حالة الجلوس.

(2/514)


قلنا: المقصود: هو بطلان الصلاة ووجوب استئنافها مع وجود المبدل سواء كان بعمل قليل أو كثير ولا تلزم عليه الأَمَة إذا أعتقت لأن صلاتها ليست بدلاً وإنما وجب عليها الستر من عند العتق بأمر جديد لا من أول الصلاة ولهذا فإنه يجوز لها الصلاة من غير خمار من أول الصلاة فجاز لها البناء بخلاف القاعد فإنه إنما وجب عليه القعود بدلاً عن القيام فإذا وجد القيام استأنف الصلاة فافترقا.
قاعدة:اعلم أن المصلي إذا تغير حاله في الصلاة نظرت فإن تغير حاله من الأعلى إلى الأدنى جاز له البناء على ما فعله في حال العذر كالقائم يقعد والقادر إذا عجز عن القيام واللابس إذا عدم ستر العورة، فمن هذه حاله يبني على صلاته ولا يستأنفها لقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ " }[محمد:33] ولأنه إذا بنى عليها فقد أدى بعضها على التمام وبعضها على النقصان، وإذا استأنفها أداها كلها على النقصان فلهذا كان البناء أحق وأولى.
وإن انتقلت حاله من الأدنى إلى الأعلى استأنف الصلاة لأنه قد قدر على البدل فلا يجوز البقاء عليه مع وجود مبدله وتمكنه منه، كالمستحاضة إذا زال عذرها والمتيمم إ ذا وجد الماء في الصلاة. ولا يستثنى من هذه القاعدة إلا الأمة إذا صلت من غير خمار ثم أعتقت فإنه لا يلزمها الإستئناف لأن الخطاب بالستر إنما توجه عليها في الحال ولهذا فإنه يجوز لها الصلاة من غير خمار مع القدرة عليه.
الفرع الثامن: قال المؤيد بالله: يفسق المريض إذا ترك الصلاة وهو يقدر عليها بالإيماء والطهارة لا خلاف فيه.

(2/515)


واعلم أن الإكفار والتفسيق لا يكون إلا بالأدلة الشرعية؛ لأن العقل لا مجال له فيهما، وإنما مستندهما هو القطع بأدلة الشرع، إما بآيات منصوصة لا يتطرق إليها التأويل، وإما بسنة منصوصة متواترة، وإما بإجماع قاطع منقول بالتواتر، وما عدا هذه من الأمور الظنية فلا مدخل له في الإكفار والتفسيق والإجماع منعقد على ما قلناه. فإذا عرفت هذا فاعلم أن كلام الإمام محمول على أن تارك الصلاة لا يفسق إلا بصلاة يوم وليلة إذا تركها وهو قادر على الإيماء والطهارة؛ لأن مستندنا في التفسيق بما ذكرناه إنما هو الإجماع ولم ينعقد الإجماع إلا على ما قلناه. لأن من الفقهاء من قال: يفسق بصلاة واحدة ومنهم من قال: يفسق بصلاتين ومنهم من قال: بثلاث، والإجماع إنما انعقد بصلاة يوم وليلة وهو مستند التفسيق بالترك. فأما ما حكي عن الهادي من تفسيق تارك الصلاة إذا لم يجد ماء ولا تراباً ففيه نظر، لأنا قد قررنا أن التفسيق والإكفار إنما يكون بالأدلة القاطعة الشرعية، وأن التفسيق بمسائل الخلاف ومسالك الظنون فلا وجه له، اللهم إلا أن يحمل على أنه يجوز أن يكون فاسقاً عند اللّه دون ظاهر الشرع، وهذا وإن كان محتملاً لكن لا وجه للتكليف بما كان عندالله.
الفرع التاسع: قال المؤيد بالله: وإذا كان بالإنسان سيلان جرح كلما قام أو سجد سال منه الدم، ولو كان قاعداً لم يسل وبقيت له الطهارة، فالأصح عندي أن يترك القيام لضبط الطهارة وهذا جيد مطابق للأصول والقواعد، ويقوى لأمور ثلاثة:
أما أولاً: فلأن الطهارة لازمة في جميع الصلاة والقيام بعض أركان الصلاة فلهذا كانت الطهارة أحق بالمراعاة.
وأما ثانياً: فلأن الطهارة لا بدل لها، والقيام له بدل وهو الإيماء فلهذا كانت أحق بالمواظبة.

(2/516)


وأما ثالثاً: فلأن مراعاة جانب الطهارة أحق في نظر الشرع ولهذا فإن المتنفل يجوز له ترك القيام مع القدرة عليه بخلاف الطهارة فلا يجوز له تركها، وقال أيضاً: والمجروح إذا كان يغشى عليه متى أخذ في التوضي للصلاة في حال وضوءه أو صلاته بحيث لا يستمر له من الصحة وكمال العقل في وقت الصلاة قدر ما يتمكن من أدائها إلا ويغمى عليه، فالأقرب أنه لا صلاة عليه. وهذا صحيح أيضاً من وجهين:
أما أولاً: فلأن العقل ملاك التكليف فلا يعقل تكليف إلا مع كماله وبقائه.
وأما ثانياً: فلأن الإغماء يبطل الطهارة وينقضها. فهذان أصلان في سقوط الصلاة، فإذا كان المريض يغمى عليه ولا يتمكن من تأدية الوضوء والصلاة مع ملازمة الإغماء فمن هذه حاله فلا يتوجه وجوبها عليه لما ذكرناه. وقال أيضاً: والمجروح إذا اضطربت عليه الفتيلة في جرحه ولا تأخذ قرارها إذا ركع أو سجد جاز له تركهما أعني الركوع والسجود، و[كفاه]الإيماء لهما. وهذا صحيح أيضاً لما ذكرناه عنه في مسألة من به سيلان الجرح. ويجوز له الإفطار إذا كان جرحه لا يلتئم إلا مع الإفطار من جهة أن المرض يبيح الإفطار كما قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ " }[البقرة: 184] فهذه المسائل كلها صحيحة لجريها على قواعد الأدلة الشرعية.
الفرع العاشر: قال الإمام زيد بن علي: يصلي الأخرس راكعاً وساجداً ويجزيه ما في قلبه. والأمي يسبح اللّه ويذكره.

(2/517)


اعلم أن الأخرس الذي لا يسمع ومختوم على لسانه فلا ينطق، والأصم الذي لا يسمع وهو ينطق بلسانه، والأبكم الذي يسمع ولا ينطق بلسانه، والأمي هو الذي لا يحسن القراءة وهو ينطق ويسمع، والواجب عليه أن يتعلم من القرآن ما لا بد له منه في الصلاة فإن لم يمكنه وتعذر ذلك عليه فإنه يسبح اللّه تعالى ويهلله ويكون ذلك بدلاً عن القرآن لما روى عبدالله بن أبي أوفا قال: جاء رجل إلى الرسول فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً فعلمني ما يجزيني؟ قال: ((قل سبحان اللّه والحمد لله " ولا إله إلا اللّه والله اكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)) قال: يا رسول اللّه هذا لله فما لي؟ قال: ((قل اللهم ارحمني وعافني وارزقني " )) (1)
ويجب تعليمه من القرآن ما تصح به الصلاة على سبيل الكفاية لما روى رفاعة بن رافع " (2)
__________
(1) قال في (الجواهر) ما يفيد بأن الحديث ينتهي بآخره عند: ((.. ولا حول ولا قوة إلا بالله)) أخرجه أبو داؤد والنسائي. قال: وزاد أبو داؤد، قال: يا رسول الله هذا لله فمالي؟ قال: ((قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني)) فقال هكذا بيديه وقبضهما، فقال رسول الله : ((أما هذا فقد ملأ يديه بالخير)) ا ه‍1/178.
(2) رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان، أبو معاذ الزرقي، صحابي شهد بدراً، وروى عن النبي وعن أبي بكر الصديق وعبادة بن الصامت، وعنه: ابنه عبيد ومعاذ وغيرهما، مات في أول دولة معاوية.
قال العسقلاني: وأبوه أول من أسلم من الأنصار، وشهد هو وابنه العقبة، وقال ابن عبد البر: وشهد رفاعة مع علي الجمل وصفين، وقال ابن قانع: مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين. (تهذيب التهذيب) 3/243.

(2/518)


أن الرسول كان جالساً في المسجد ورجل يصلي فقال: ((إذا قمت في الصلاة فكبر " واقرأ إن كان معك قرآن فإن لم يكن معك قرآن فاحمد اللّه وهلل ثم اركع))(1).
فجعل الرسول التهليل بدلاً عن القرآن.
وأما الأبكم الذي يسمع ولا يمكنه النطق فالواجب عليه الركوع والسجود ولا يتوجه عليه شيء من أذكار الصلاة، وإذا سقط الذكر لتعذره واستحالته منه فلا تسقط أفعال الصلاة لأنها ممكنة في حقه، لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم " )) وهذا مستطيع للأفعال فلا تسقط عنه ولأن الميسور وهو الفعل لا يسقط بالمعسور وهو الذكر.
__________
(1) هذا جزء من حديث طويل عن رفاعة بن رافع أن النبي بينما هو في المسجد، قال رفاعة: ونحن معه إذ جاء رجل كالبدوي فصلى وأخف صلاته، ثم انصرف فسلم على النبي فقال النبي: ((وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل)) فرجع فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال : ((وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل)) ففعل ذلك مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يأتي النبي فيسلم على النبي فيقول النبي: ((وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل)) فخاف الناس وكبر عليهم أن يكون من أخف صلاته لم يصل، فقال الرجل في آخر ذلك: فأرني وعلمني فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فقال : ((أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به، ثم تشهد فأقم، فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وكبره وهلله ثم اركع فاطمئن راكعاً، ثم اعتدل قائماً ثم اسجد فاعتدل ساجداً ثم اجلس فاطمئن جالساً ثم قم، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئاً فقد انتقصت من صلاتك)) قال: وكان أهون عليهم من الأول، من انتقض من ذلك شيئاً انتقص من صلاته ولم تذهب كلها، هذه رواية الترمذي. ولأبي داؤد والنسائي روايات أخر، ا ه‍جواهر1/178،وزاد في فتح الغفار: وحسنه.

(2/519)


وأما الأخرس والأصم وهما اللذان لا يتأتى منهما سماع الكلام فظاهر كلام الإمام إيجاب الركوع والسجود عليهما، وقال في الأخرس: يجزيه ما في قلبه وهما سواء في تعذر السماع منهما. وهذا فيه نظر لأن مستند الوجوب في الشرائع كلها وجميع التكاليف الشرعية إنما هو قول الشارع صلوات اللّه عليه ولا بد من العلم بأنه كان في الدنيا وأنه ادعى النبوة ودعا الخلق إلى طاعته وجاء بالقرآن وأمر ونهى وبلَّغ هذه التكاليف كلها بأمره ونهيه وهذا كله مستنده السماع، والأصم والأخرس يستحيل منهما ذلك، فإذاً لا وجه لإيجاب شيء من التكاليف الشرعية عليهما لما ذكرناه.
فأما العلم بالصانع وصفاته وما يجب له ويستحيل عليه فمستنده العقل، وهما(1)
كاملان في العقل فلا تسقط عنهما التكاليف العقلية، فأما التكاليف الشرعية فلا مذهب لصحتها في حقهما بحال.
فأما قول الإمام: يصلي[الأخرس] راكعاً وساجداً فهو محمول على الاستحباب لما رأى المسلمين يفعلون ذلك فعل مثلهم إذ لا وجه لوجوب الصلاة في حقه، وقوله: يجزيه ما في قلبه. فيحتمل أن يريد العلم به تعالى وصفاته وسائر المعارف الدينية، ويحتمل أن يريد تعظيم اللّه تعالى في قلبه لما يرى من خلق هذه المكونات وعظمها فيعظم خالقها. فأما قول الإمام أبي طالب: أن كلامه محمول على النية وعلى إمرار الفاتحة وسورة معها على قلبه فلا وجه لوجوب ما ذكره في حقه كما حققناه بحال.
قال القاسم في من يشتكي بطنه أو ظهره أو شيئاً من جسده في صلاته: فلا بأس بأن يضع يده عليه ليسكنه، وهذا جيد أيضاً لما روى أنس بن مالك أن رسول اللّه اتخذ عوداً يعتمد عليه إذا قام من السجود(2)
__________
(1) الأخرس والأصم.
(2) وفي فتح الغفار: عن أم قيس بنت محصن أن النبي لما أسن وحمل اللحم اتخذ عوداً في مصلاه يعتمد عليه، رواه أبو داؤد بإسناد فيه مجهول، ا ه‍1/229.

(2/520)


ولأن في هذا صلاحاً للصلاة ومحافظة على خشوعها. فهذا ما أردنا ذكره في صلاة العليل ونذكر الآن ما يتعلق بأرباب العذر.

(2/521)


---
القسم الثاني
في بيان حكم أرباب الأعذار
وهم: الصبي إذا بلغ، والمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا، والحائض والنفساء إذا طهرتا، وإنما سموا بهذا الإسم لأنهم معذورون عن الفرض مضطرون إلى تركه. وفي معناهم: الكافر إذا أسلم، وإنما جعلناه من المعذورين لأنه إذا أسلم سقطت عنه المؤاخذة بما تركه في حال كفره. وإذا زالت أعذارهم أو عذر واحد منهم أو حصل العذر وفي الوقت بقية تعلقت بهم أحكام بالزوال والحصول على حسب ما تقتضيه الحال، وسنوضحه في هذه الفروع بمعونة اللّه تعالى.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في ابتداء العذر في الحائض إذا أتاها الحيض أو نفست المرأة أو جُنَّ الرجل أو أغمي عليه في آخر الوقت نظرت، فإن [كان] ذلك قبل فراغهم من الصلاة فإذا كان قد بقي من الوقت في النهار إلى غروب الشمس ما يتسع للطهارة وخمس ركعات لم يجب عليهم قضاء الصلاة لأنهم معذورون في الترك بالإدراك كما لو كان بعد الزوال، وإن كان قد بقي ما يتسع لركعة واحدة أو لأربع مع الطهارة وجب عليهم قضاء الظهر دون العصر لأن الظهر فائت بالتقصير فلهذا وجب قضاؤه، والعصر مدرك بالركعة، فلهذا لم يجب قضاؤه. وإن كانت هذه الأعذار حاصلة في آخر الليل قبل الصلاة للمغرب والعشاء الآخرة نظرت، فإن كان قد بقي من الوقت إلى طلوع الفجر ما يتسع للطهارة وركعة أو ثلاث وجب عليهم قضاء المغرب دون العشاء لما ذكرناه من أن وقت المغرب فائت بالتقصير فلهذا وجب قضاؤه، فإن كان قد بقي للطهارة وأربع ركعات لم يجب قضاء واحدة من الصلاتين لأنه قد أدرك المغرب بكمالها وركعة من العشاء الآخرة فلهذا لم يتوجه القضاء لإدراكهما، وإن كان ما بقي لا يتسع للطهارة وركعة وجب قضاء الصلاتين جميعاً لأنهما فائتتان بالتقصير، وإن كان العذر حاصلاً قبل طلوع الشمس بما يتسع لركعة واحدة مع الطهارة لم يجب قضاء الصلاة لأجل الإدراك، وإن كان دون ذلك وجب القضاء لفوات الوقت بالتقصير.

(2/522)


والأصل في هذا ما روي عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ركعة من العصر فقد أدركها " ومن أدرك ركعة من الفجر فقد أدركها))(1).
فظاهر الخبر دال على [أن] الإدراك بالركعة يكون إدراكاً للصلاة كلها فلما كان الأمر كما قلناه دل على أن هؤلاء إذا أدركوا من الصلاة ركعة لم يلزمهم القضاء كما فصلناه.
الفرع الثاني: في حكم زوال العذر عن هؤلاء في آخر الوقت كالحائض والنفساء إذا طهرت أو المجنون والصبي المغمى عليه إذا أفاقوا والكافر يسلم، فالعذر زائل عنهم كما فرضناه.. نظرت فإن زال وقد بقي من النهار إلى غروب الشمس ما يتسع للطهارة وخمس ركعات فالصلاتان واجبتان عليهم لأن الظهر مدرك على الكمال والعصر مدرك بركعة واحدة، فلهذا وجبا بالأداء، وإن لم تحصل الصلاة حتى خرج الوقت وجب قضاء الصلاتين معاً لأجل التقصير بفوات الوقت. وإن بقي ما يتسع لركعة واحدة أو لأربع مع الطهارة لم يجب قضاء الظهر لأن العذر حاصل بتركه ووجب العصر لإدراك وقته، فإن لم يصل وفاتت وجب قضاؤها لأجل التقصير في الأداء، وإن بقي من الوقت ما لا يتسع للطهارة وركعة لم يجب قضاء الصلاتين جميعاً لأجل العذر فلا تقصير هناك. وإن زال العذر في آخر الليل نظرت، فإن كان قد بقي من الوقت ما يتسع لأربع ركعات مع الطهارة وجب المغرب والعشاء بالأداء لإدراك وقتهما فإن خرج الوقت من غير صلاة وجب قضاؤهما جميعاً لأجل التقصير وإن بقي من الوقت ما يتسع للطهارة وركعة أو ثلاث وجب تأدية العشاء لإدراك وقته ولم يلزم المغرب لأجل العذر. فإن خرج الوقت بطلوع الفجر وجب قضاء العشاء. وإن طلع الفجر وبقي من الوقت ما يتسع لركعة واحدة من الفجر وجب عليه الصلاة بالأداء لإدراك وقتها وإن لم يصلها حتى خرج الوقت فعليه فعلها بالقضاء، وإن أدرك دون الركعة لم يكن مدركاً وقد مضى تقريره.
__________
(1) تقدم.

(2/523)


الفرع الثالث: واعلم أن المنهيات في نظر الشرع آكد من المأمورات، ولهذا فإن من شرب المسكر و[فعل] غيره من المنكرات يقتل إذا لم يتركها، بخلاف تارك الصلاة وغيرها من المأمورات فإنه لا يقتل على فعلها(1)
كما مر بيانه، وفي هذا دلالة على أن ملابسة المنكرات أدخل في فساد الدين من ترك المأمورات. فإذا ثبت هذا فنقول: من دخل عليه وقت الصلاة ورأى منكراً فإنه تجب عليه إزالته إذا كان قادراً على إزالته وحصلت في حقه شروطه ثم إما أن يكون في الوقت سعة. أو لا يكون فيه سعة فإن كان في الوقت سعة اشتغل بإزالة المنكر؛ لأن فعله يتضيق فلا يجوز التراخي في فعله، وإن كان في آخر الوقت نظرت في المنكر فإن كان مما لا يمكن تأخيره كالقتل والغرق والحَرَق فإنه يشتغل بإزالة المنكر لأنه لا يمكن تداركه ثم يرجع لتأدية الصلاة، وإن كان مما يمكن تأخيره فإنه يشتغل بالصلاة لأنها مؤقتة فيلاحظ اداءها في وقت الفضيلة ثم يأخذ في إزالة المنكر، فيكون جامعاً بين تأدية الواجبين فعل الصلاة وإزالة المنكر. فإن صلى في أول الوقت وكان هناك منكر يتضيق وقته ومضى في صلاته والحال هذه، فالقوي بطلان صلاته لأنه يكون عاصياً بالدخول فيها لأنه ترك بفعلها منكراً يتضيق وقته. وإن كان في آخر الوقت نظرت، فإن كان المنكر لا يمكن تأخيره اشتغل بإزالته وقضى الصلاة بعد فوات وقتها لأن المنكر حق لآدمي والصلاة حق للّه تعالى فإذا تعارضا وضاق الوقت عن تأديتهما فتقديم حق الآدمي أولى، كالدين والوصية.
__________
(1) يقصد على فعل تركها كما يبدو، وفي المسألة خلاف واسع.

(2/524)


الفرع الرابع: والعذر إذا عم جميع الوقت سقط القضاء بالحيض والنفاس والجنون والكفر والصبا،والسكران لا يخاطب بالصلاة في حال سكره لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}[النساء:43] وهكذا حال من زال عقله بسبب محرم نحو شرب البنج، ومن تردَّا فزال عقله فهؤلاء لا يخاطبون بالصلاة لأنها زائلة عقولهم كالسكران، وهل يجب عليهم قضاء الصلاة الفائتة بالسكر أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجب عليهم لأنه زائل العقل فأشبه المجنون والمغمى عليه وهذا هو رأي الناصريه.
وثانيهما: أنه يتوجه عليهم القضاء، وهذا هو رأي القاسمية، وهذا إنما يتوجه في حق من زال عقله بالسكر وشرب البنج والأفيون حتى لا يدري ما يقول، فأما من لم يزل عقله بشرب الخمر ولكن بدا منه أوائل النشاط والطرب، فطلاقه وعقوده صحيحه وجميع تصرفاته حاصلة [على] نعت الصحة لبقاء العقل وصحته.
والمختار: أنه إذا زال عقله بالسكر فلا يصح طلاقه ولا بيعه ولا شراؤه ولا ردته؛ لأن ملاك الأمور العقل وقد زال فلا تكليف عليه بشيء من التكاليف الشرعية والعقليه ولو أخطأ وأثم بشرب المسكر فلا يكلف بما لا يعقله ولا يفهمه كمن كسر رجله فإنه لا يكلف بالصلاة قائماً. وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام في طلاق السكران ونذكر الخلاف والإختيار والانتصار له، وقد تم غرضنا من الباب الأول وهو باب مواقيت الصلاة وما يتعلق بها وبالله التوفيق.

(2/525)


---
الباب الثاني
في الأذان و الإقامة
والأذان هو الإعلام بدخول وقت الصلاة يقال: أذن يؤذن تأذيناً. وهو قياسه في الصحيح، كما يقال: كرمه تكريماً، وجرحه تجريحاً، وهو التفعيل وقياسه من المعتل بفعله يقال: عزَّى تعزية وروَّى تروية. والأذان الإسم من التأذين فعلى هذا يقال: أذن بالصلاة تأذيناً وأذاناً أي أعلم الناس، قال اللّه تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ }[التوبة: 3]. أي إعلام. وإنما قيل: أذّن بالتشديد مبالغة في تكثير الفعل كما يقال: علّم وخبّر إذا أكثر منهما، وإنما سمي الإعلام بالصلاة أذاناً اشتقاقاً من الآذن لأن بهذه الآلة يسمع الأذان هكذا حكي عن الزجاج. والأصل في الأذان الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ }[الجمعة:9]. وقوله تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً }[المائدة: 58].
وأما السنة: فما روى ابن عمر رضي اللّه عنه عن رسول اللّه أنه قال: ((من أذّن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب اللّه له بكل أذان ستين حسنة وبكل إقامة ثلاثين حسنة))(1).
وعن ابن عباس رضي اللّه عنه عن الرسول أنه قال: ((من أذن سبع سنين محتسباً كتب له برآة من النار ))(2).
__________
(1) لفظه في جواهر الأخبار: عن ابن عمر أن النبي
قال: ((من أذن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة وبكل إقامة ثلاثون حسنة))، رواه ابن ماجة والدراقطني والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري 1/179.
(2) أخرجه الترمذي بلفظ: ((... كتب الله له...إلخ)).

(2/526)


فهذه الأخبار كلها دالة على فضله(1).
وأما الإجماع: فقد انعقد من الصدر الأول إلى يومنا هذا على كونه مشروعاً للصلاة.
فهذا تمهيد الباب فلنذكر بدأ الأذان وحكمه ومحله ثم نردفه بصفة الأذان وصفة المؤذنين فهذه فصول خمسة تنحصر فيها مسائل الباب.
__________
(1) هذان الخبران كما قال المؤلف، يدلان على فضيلة الأذان، إلا أن الباب هنا باب استدلال تبعاً لقوله في أول الباب: والأصل في الأذان الكتاب والسنة والإجماع، ولعله اكتفى بكونه واجباً غير خفي ولا موضع خلاف فلا يحتاج إلى استدلال، وأن حكمه سيأتي بعد التمهيد. اه‍.

(2/527)


---
الفصل الأول
في بيان ابتداء الأذان
وللعلماء في إثبات ابتدائه طريقان:
الطريق الأول: يعتمدها أئمة العترة وأكابر أهل البيت " ولهم في إثباتها تقريران:
التقرير الأول: تسلكه القاسمية، وهو أن ابتداء الأذان إنما كان في ليلة المعراج. وهو أن الرسول لما جاءه جبريل بالبراق وهو دابة ما بين الحمار والبغل فركبه الرسول ثم انتهى إلى السموات ومر على الأنبياء وسلم عليهم وسلموا عليه واستبشروا به واستروّا ببعثته، آدم وإبراهيم وإدريس وعيسى وموسى وغيرهم من الأنبياء، ثم انتهى إلى البيت المعمور وصلى بالملائكة والنبيين وأكمل اللّه له الشرف، وجبريل بجنبه لا يفارقه ثم انتهى إلى سرادقات الحجب والأنوار فخرج ملك من تلك الحجب وهو ينادي بصوته: اللّه اكبر اللّه اكبر. فأجابه مجيب من خلف تلك الأنوار: صدق عبدي أنا الكبير وأنا الأكبر، فقال الملَك: أشهد أن لا إله إلا اللّه. فقال المَلِك: صدق عبدي لا إله إلا أنا. فقال الملك: أشهد أن محمداً رسول اللّه. فقال المَلِك: صدق عبدي هو رسولي وأنا أرسلته. ..إلى آخر الأذان، ثم قال بعد ذلك: اللّه اكبر لاإله إلا الله(1)
__________
(1) ورد الخبر بألفاظ مختلفة ومن طرق عدة، واختلاف في ابتداء الأذان وأين تم وكيف شُرع، والذي أورده المؤلف تسنده روايات بأن ابتداءه كان ليلة الإسراء والمعراج كما جاء في أمالي أحمد بن عيسى وفي الأحكام للهادي وفي صحيفة علي بن موسى الرضى، وفي مجمع الزوائد عن علي %: لما أراد الله أن يعلم رسول الله الأذان أتاه جبريل % بدابة... وساق الحديث بطوله حتى قال: فقال الملَك: الله أكبر الله أكبر... إلخ، وقال (يعني في مجمع الزوائد): رواه البزار وفيه عن عمر: أن النبي لما أسري به إلى السماء (هكذا) أوحي إليه بالأذان فنزل به فعلمه جبريل (لعل الصواب فعلمه جبريل فنزل به) قال: رواه الطبراني في الأوسط، وكذا ما رواه الأمير الحسين في الشفاء بسنده عن علي إلى آخره.
…قال الإمام القاسم بن محمد: قال الهادي: والأذان من أصول الدين، وأصول الدين لا يتعلمها رسول الله على لسان بشر من العالمين، ا ه‍، اعتصام، باب الأذان ج1/ ص 276، وهذه الروايات تسند ما أورده المؤلف وتنكر ما روي أن الأذان شُرع برؤيا في المنام رآها عبد الله بن زيدٍ بن عبد ربه قال: لما أجمع رسول الله أن يضرب بالناقوس وهو له كاره لموافقته النصارى، طاف بي من الليل طائف وأنا نائم رجل عليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس يحمله، قال: فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعوا به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ فقلت: بلى، قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، حتى انتهى في سياق الرواية إلى قوله: فلما أصبحت أتيت رسول الله فأخبرته بما رأيت، فقال رسول الله : ((هذه الرؤيا حق إن شاء الله)) ثم أمر بالتأذين... إلى آخره في حديث طويل، أورده في فتح الغفار، وقال: رواه أحمد وأبو داؤد من حديثه. ا ه‍ج1/ ص 123.

(2/528)


.
التقرير الثاني: تعتمده الناصرية، وهو أن ابتداء الأذان ما كان إلا من جهة جبريل نزل به على الرسول وعلمه إياه كما علمه مواقيت الصلاة وغيرها من أصول الشريعة لأن الأذان من جملة الأصول والمصالح الغيبية التي استأثر اللّه بعلمها فلا يكون إلا بالتوقيف من جهة جبريل صلوات اللّه عليه.
فهذان التقريران هما المعتمدان في ابتداء الأذان عند أهل البيت " وكل واحد منهما مرشد إلى تقريره وإثباته ولا يفترقان إلا أن الأول كان في ليلة المعراج والثاني كان تعليماً من جبريل كسائر الشرائع التي نزل بها وأوضحها للرسول .

(2/529)


الطريق الثاني: يعتمده الفقهاء الفرق الثلاث الشافعيه والحنفيه والمالكيه وهو: ما رواه أبو عمير \s " \c 3(1) عن عمومته من الأنصار قال: اهتم رسول اللّه في أمر الصلاة كيف يجمع الناس لها واستشار المسلمين في ذلك فقيل له انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رآها الناس آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، فذكروا له البوق فقال: ((هو مزمار اليهود)) فذكروا له الناقوس فقال: ((هو مزمار النصارى)) فذكروا له النار فقال: ((ذلك من شأن المجوس \s " \c 2)). فانصرف عبدالله بن زيد وهو مهتم لاهتمام رسول اللّه ، فأُري الأذان في منامه فغدا إلى الرسول فأخبره بذلك فقال: يا رسول اللّه إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان قال: وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً ثم أخبر به الرسول فقال له: ((ما منعك أن تخبرنا به \s " \c 2)). فقال: سبقني عبدالله بن زيد فاستحييت فقال الرسول : ((قم يا بلال فانظر ماذا يأمرك به عبدالله بن زيد فافعله))(2)
__________
(1) أبو عمير بن أنس بن مالك الأنصاري، أكبر ولد أنس، قال الحاكم أبو أحمد: اسمه عبد الله، روى عن عمومة له من الأنصار من أصحاب النبي في رؤية الهلال وفي الأذان، وعنه أبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال ابن عبد البر: مجهول لا يحتج به، اه‍. المصدر السابق 12/206.
(2) تقدم في الحديث السالف من رواية عبد الله بن زيد، وفي آخره: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال رسول الله : ((فلله الحمد)) وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والبخاري، المصدر السالف.
فائدة: ومن ا لمفيد في هذا الباب تلخيص بعض التعليقات والفوائد الواردة حوله، ومنها: ما أورده في الجواهر بعد قول عمر: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى...إلخ، قال ابن بهران: وقد أخرج الستة إلا الموطأ حديثاً في الأذان ليس فيه ذكر المنام المذكور إلى آخر ما أورده من روايات متقاربة عن أنس وعن ابن عمر وغيرهما، قال: (فائدة) قد استشكل كثير من أصحابنا وغيرهم حديث رؤيا الأذان والعمل به، قالوا: لأن الأذان شرع، والشرع لا يبنى على الرؤيا، ثم أورد ابن بهران ما جاء في (الشفاء) من كلام الهادي السابق ذكره حتى انتهى إلى قوله (ابن بهران). قلت: وقد أشار النووي في شرح مسلم إلى الجواب عن ذلك حيث قال: ثم رأى عبد الله بن زيد الأذان فشرعه النبي بعد ذلك إما بوحي وإما بإجتهاده على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له، وليس هو عملاً بمجرد المنام، هذا ما لا شك فيه بلا اختلاف، واسترسل مؤلف الجواهر إلى ذكر (فائدة أخرى) جاء فيها ما لفظه: قال الترمذي: لا يصح لعبد الله بن زيد بن عبد ربه عن النبي شيء غير حديث الأذان، وهو غير عبد الله بن زيد بن عاصم...يعني: راوي حديث الوضوء كما تقدم، فله أحاديث كثيرة في الصحيحين، وهو عم عبادة بن تميم، ا ه‍.
ونقل عن التلخيص قول الترمذي: لانعرف لعبد الله بن زيد شيئاً يصح إلا حديث الأذان، وكذا قال البخاري قال: وفيه نظر فإن له عند النسائي وغيره حديثاً غير هذا في الصدقة، وعند احمد آخر في قسمة النبي شعره وأظفاره وإعطائه لمن لم يحصل له أضحية. ا ه‍، بتصرف ج1 ص 181.

(2/530)


قال: فأذن بلال. قال أبو عمير عن عمومته من الأنصار، وإنما لم يأمر عبدالله بن زيد بالأذان لأنه كان يومئذ مريضاً. فهذه طريقة الفقهاء في ابتداء الأذان.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من أن طريق ابتداء الأذان وحي من اللّه تعالى على رسوله إما بما كان من طريق خبر المعراج كما نقلناه لأن ابتداء فرض الصلاة كان في ليلة المعراج أيضاً وأنها فرضت خمسين صلاة وما زال موسى صلى الله عليه يردد الرسول في الرجوع إلى ربه وأن أمته لا تطيق عليها حتى بلغت خمساً، وإما من طريق الإبتداء من جبريل على طريق الوحي كما في سائر الأصول الشرعية المتلقاة من جهة جبريل، فهذا هو الأصح في طريق ابتداء الأذان.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روينا عن عبدالله بن زيد أنه أري ذلك في المنام فحكاه للرسول لما اهتم بأمر الإجتماع للصلاة فأقره الرسول على هذه الرؤيا وأمر بلالاً فأذن به، والشرع متلقى من جهة الرسول إما بقوله وإما بفعله وإما بتقريره، كما كان منه هاهنا، وإما بإشارته وقد قرر ما رآه عبدالله بن زيد فدل ذلك على كونه شرعاً.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
الجواب الأول: إنا لا ننكر ما ذكرتموه إذا حمل على وجه مستقيم وإنما أنكرنا أن يكون أصل من أصول الشريعة والإشعارات المفعولة من أجل الصلاة مبنياً على المنامات التي أكثرها أضغاث أحلام وإن مثل هذا لا يعهد له نظير فلهذا كان مستبعداً لما ذكرناه.
الجواب الثاني: أن ما عولتم عليه محمول على أن جبريل صلوات اللّه عليه قد كان نزل به على الرسول وأخبره به وقص عليه صفته ولكن اتفق أن رآه عبدالله بن زيد فكانت الرؤيا مطابقة لما نزل به جبريل من غير حاجة إلى تقريره على المنام على انفراده.

(2/531)


الجواب الثالث: أن الرواية فيه مضطربة، فمرةً رأى الرجل على ظهر الكعبة في المنام، ومرة قالوا: على حرم من أحرام المدينة، وتارة عليه بردان أخضران وجثا مستقبل القبلة، ومرة مستدبراً بيت المقدس، وهذا الإضطراب يضعف الرواية مع ما فيها من الضعف في النقل وبنائها على الأحلام.
قالوا: لو كان الأمر كما قلتموه لما كان لتعليمه بلالاً بالأذان [فائدة] إذا كان معلوماً من قبل.
قلنا: عن هذا جوابان:
الأول: أن يكون جبريل قد نزل به على الرسول وأعلمه أصحابه بما نزل عليه من أمر الأذان فطابق ما رأوه وكان بلالٌ لم يعلمه فلما رأيا(1) ذلك أمرهما أن يعلماه بلالاً فيكون لهما في ذلك فضيلة وأجر وثواب.
الجواب الثاني: أن هذا معارض بما ذكرناه من الرواية في ابتدائه فإذا حملنا ما نقوله على هذه التأويلات كانت الأدلة متوافقة من غير مناقضة بينها والله أعلم بالصواب.
قالوا: هذه الرواية قد نقلها المحدثون في كتب الحديث كالبخاري والترمذي ومسلم وغيرها من كتب الصحاح، يدل ذلك على صحتها وثبوتها.
قلنا: عن هذا جوابان:
الأول: أنا لم ننكر ما نقلتموه على جهة التكذيب للرواية وإنما قلنا: إنها ضعيفة لما قررناه.
الجواب الثاني: أنا قبلناها وتأولناها على ما حكيناه من التأويلات لتكون مطابقة لروايتنا، وهذا هو دأب العلماء في مضطرباتهم الاجتهاديه في الأخبار المروية والقياسات المعنوية في ترجيح بعضها على بعض ليتسع منهاج الاجتهاد ويعظم أمره وتتضح مسالك الشريعة.
التفريع على هذه القاعدة:
__________
(1) المقصود بضمير المثنى، عمر وعبد الله بن زيد.

(2/532)


الفرع الأول: لا يجوز الأذان قبل دخول وقت الصلاة؛ لأن الأذان إنما شرع للإعلام بدخول الوقت فلا معنى له قبل دخول وقتها. فإن أذن أعاد لأن الأول ليس مشروعاً ولا مجزياً للصلاة. ولو افتتح الأذان قبل الوقت ثم دخل الوقت استأنفه لأنه مشروع على فساد فلا يعتد به ولا يكون مجزياً كما لو صلى قبل الزوال ثم دخل وقت الزوال فإنه يستأنف فهكذا في الأذان.
وهل يؤذن لصلاة الفجر قبل طلوعه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي ومحكي عن الناصر وزيد بن علي والمؤيد بالله وأبي حنيفة ومحمد والثوري.
والحجة على ذلك: ما روي أن بلالاً أذن بليل فدعاه الرسول فقال: ((ما حملك على أن تجعل صلاة الليل في النهار وصلاة النهار في صلاة الليل \s " \c 2، عد فناد: ألا إن العبد قد نام)) فصعد بلال وهو يقول:
ليت بلالاً لم تلده أمه ... وابتل من نضح دمٍ جبينه
فنادى بلال: ألا إن العبد قد نام، وأعاد الأذان(1).
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال لبلال: ((لا تؤذن حتى ترى الفجر هكذا \s " \c 2)) (2) ومد يده عرضاً.
الحجة الثالثة: ما روى أنس بن مالك الأنصاري عن النبي أنه قال لبلال: ((لاتؤذن حتى يكون الفجر هكذا \s " \c 2)) ومد يده. فهذه الأخبار كلها دالة على النهي عن التأذين قبل الفجر، والنهي في العبادات يقتضي فسادها.
المذهب الثاني: جواز الأذان قبل الفجر لصلاة الفجر وهذا هو رأي الشافعي ومالك وأبي يوسف.
__________
(1) رواه الترمذي وأبو داؤد، وقال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ، المصدر السالف.
(2) هذا جزء من الحديث السالف عن بلال، أخرجه أبو داؤد بلفظ: ((حتى يتبين لك الفجر)).

(2/533)


والحجة على ذلك: ما روى ابن عمر عن رسول اللّه أنه قال: ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم \s " \c 2))(1).
والحجة الثانية: ما روى زياد بن الحرث الصدائي(2) قال: لما كان أول الفجر أمرني رسول اللّه أن أؤذن فأذنت فجعلت أقول: أقيم يا رسول اللّه؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق فيقول: ((لا)) حتى إذا طلع الفجر نزل وتوضأ وصلى(3). فدل هذا الخبر على جواز الأذان قبل طلوع الفجر.
__________
(1) متفق عليه كما جاء في فتح الغفار، قال: ولأحمد والبخاري ((فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر)) ولمسلم: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا، ا ه‍1/126 وفيه رواية عن عائشة أخرجه البخاري ومسلم والموطأ.
(2) قال في (تهذيب الأسماء) 1/195: صحابي مذكور في باب الأذان منسوب إلى صُداء بضم الصاد المهملة، قدم على النبي وأذن له في سفره في صلاة الصبح لغيبة بلال، وحديثه في سنن أبي داؤد، قالوا: وبعثه النبي إلى قومه ليسلموا فأسلموا، ا ه‍، وولاه رسول الله على قومه.
(3) جاء الحديث في (الجواهر) بلفظ: عن زياد بن الحارث الصدائي قال: أمرني رسول الله أن أؤذن في صلاة الفجر فأذنت فأراد بلال أن يقيم فقال رسول الله : ((إن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم)) هذه رواية الترمذي، ثم أورد في الجواهر رواية لأبي داؤد تضارع ما أورده المؤلف حتى انتهى إلى قوله: ... حتى إذا طلع الفجر نزل فبرز ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه فتوضأ فأراد بلال أن يقيم الصلاة فقال له: ... إلخ، ا ه‍1//184. وفي (فتح الغفار) في باب: من أذن فهو يقيم: عن زياد نفسه قال: قال رسول الله : ((من أذن فهو يقيم)) رواه الخمسة إلا النسائي وضعفه أبو داؤد، وله شواهد أضعف منه، وقال في الخلاصة: إن ما نعرفه من حديث الإفريقي، وهو ضعيف، وحسنه الحازمي وقواه العقيلي وابن الجوزي. ا ه‍1/128.

(2/534)


الحجة الثالثة، قياسية: وهي أنها عبادة تجب بطلوع الفجر فوجب أن يجوز تقديم سببها المنفصل عنها على طلوع الفجر قياساً على نية الصوم.
فإن كان للمسجد مؤذنان فالمستحب أن يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر والثاني بعد طلوعه، لأن بلالاً كان يؤذن قبل طلوع الفجر وابن أم مكتوم كان يؤذن بعد طلوعه. وذكر أصحاب الشافعي لمذهبه أن كل من كان في بلدة قد جرت عادتهم بالأذان بعد طلوع الفجر لم يسع أحد أن يؤذن لها في ذلك البلد قبل طلوع الفجر لئلا يغرهم بأذانه، واختلف أصحاب الشافعي في أول وقت الأذان للفجر على خمسة أقوال:
أولها: وهو المشهور: أنه يكون بعد نصف الليل كالدفع من مزدلفة.
وثانيها: أنه إذا كان في الشتاء فلسُبُعٍ يبقى من الليل، وإن كان في الصيف فلنصف سُبُع يبقى من الليل وهو رأي الجويني عبدالملك قال: وتلك سنة رسول اللّه .
وثالثها: ما ذكره المسعودي أنه يكون لوقت السحر قبل الفجر.
ورابعها: ما قاله صاحب (العدة)(1) أن الليل كله وقت لأذان الصبح، واستضعف هذا القول.
وخامسها: أن ذلك يبنى على آخر وقت العشاء المختار، فإن قلنا: إنه يكون إلى ثلث الليل، أذن للفجر إذا ذهب ثلث الليل، وإن قلنا: إنه إلى نصف الليل، أذن للفجر إذا ذهب نصف الليل. هذا كله تفريع على قولهم بأن الأذان للفجر قبل طلوع الفجر كما حكيناه عنهم.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة.
وحجتهم: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حججاً ثلاثاً:
__________
(1) كتاب (العدة).

(2/535)


الحجة الأولى: ما روى سنان(1) قال: دخلت على رسول اللّه وهو يتغدَّا فقلت: يا رسول اللّه إني أريد الصوم؟ فقال: ((وأنا أريد الصوم إن مؤذننا في بصره سوء \s " \c 2 أذن قبل طلوع الفجر وقدمه على أذانه في الليل))(2) وهذا هو مرادنا.
الحجة الثانية: ما روي عن علي % أنه قال: من أذَّن قبل الفجر أعاد ومن أذن قبل الوقت أعاد.
__________
(1) لم يحدد المؤلف نسباً أو لقباً له، ولكن موضوع الحديث رجح أن المقصود هو سنان بن سنَّة (بفتح المهملة وتشديد النون) الأسلمي المدني، له صحبة، روى عن النبي ، وعنه: حكيم بن أبي حرة، ويحيى بن هند الأسلمي، وروى له ابن ماجة حديثاً واحداً ((الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر)) قيل: توفي سنة 32ه‍. ا ه‍4/213 (التهذيب). لم يرد في ترجمته شيء عن الأذان، ولا في تراجم ابن حجر لمن اسمه سنان، ومن ثم فلعل هذا هو المقصود، والله أعلم.
(2) أورده في الجواهر بزيادة: فقال -يعني رسول الله -: ((هلموا إلى الغداء المبارك...إلخ)) اه‍1/185، وفي الحديث السالف كما أورده المؤلف زيادة: ((.. وقدمه على أذانه في الليل)) ولم يظهر في المصار ما إذا كانت من الحديث أم من كلام المؤلف إلا أنه يسند الأول ما أورده ابن بهران عقب الحديث السالف في رواية عن علي % أنه قال: من أذن قبل الفجر أعاد ومن أذن قبل الوقت أعاد، ويظهر أن هذا موقوفاً على الإمام علي، والمؤلف يعتبر ما جاء موقوفاً عن علي مأخوذاً من صاحب الشريعة صلوات الله عليه وآله.

(2/536)


الحجة الثالثة: ما روي عن علقمة \s " \c 3(1): أنه شُيِّعَ إلى مكة فخرج بليل فسمع مؤذناً يؤذن قبل الفجر فقال: أما هذا فقد خالف سنة رسول اللّه ولو كان نائماً لكان خيراً له. فهذه الأخبار كلها دالة على أن الأذان قبل الفجر خلاف السنة وأنه غير مجزي.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم \s " \c 2)).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن أذان بلال ليس أذاناً للصلاة وإنما هو تذكير، وكلامنا إنما هو في أذان الصلاة المكتوبة ولهذا قال %: ((لا يهيدنكم(2) أذان بلال عن السحور)).
وأما ثانياً: فلأن أخبارنا دالة على المنع وأخباركم دالة على الإباحة والباب باب العبادة فلهذا كانت أخبارنا أحق بالقبول لما فيها من الإحتياط للعبادة.
قالوا: روى زياد بن الحرث الصدائي أنه لما كان أول الفجر أمرني رسول اللّه بالأذان فأذنت فأردت أن أقيم فجعل ينظر إلى ناحية المشرق فيقول: ((لا)) حتى إذا طلع الفجر نزل وتوضأ وصلى.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن قوله: لما كان أول الفجر. ليس من كلام الرسول وإنما هو من كلام زياد فلا حجة فيه ولعله ظن أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع.
وأما ثانياً: فيحتمل أنه يريد بقوله: حتى إذا طلع الفجر انتشر الضوء وكثر وانكشف الظلام وكل ذلك كان بعد طلوع الفجر.
__________
(1) علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ولد في حياة رسول الله ، ورورى عن جملة من الصحابة منهم: علي وعمر وعثمان وسعد وحذيفة وأبو الدرداء وعائشة وغيرهم، وعنه: ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي وغيرهم، اشتهر بالفقه والرواية، قال أبو طالب عن أحمد: ثقة، كما وثقه ابن معين، وكان الناس بالكوفة يأتون إليه ويستفتونه، توفي سنة 62 ه‍، وقيل: غير ذلك. ا ه‍.
(2) هاده الشيء هيداً وهاداً: أفزعه وكربه، ا ه‍لسان 3-440.

(2/537)


قالوا: عبادة تجب بطلوع الفجر فيجب(1) تقديم سببها المنفصل عنها على طلوع الفجر كَنِيَّةِ الصوم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا يوجب عليكم جواز الإقامة قبل طلوع الفجر على منهاج هذا التعليل ولا قائل به.
وأما ثانياً: فعلى هذا لا يختلف الحال قبل نصف الليل أو بعده، وأنتم لا تجوزون التأذين إلا في الثلث الأخير. فبطل ما عولوا عليه.
الفرع الثاني: لا تخلو بلدة في الغالب عن متطوع بالأذان لما فيه من الأجر وإحراز الفضل ويؤيد ذلك قوله : ((المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة \s " \c 2))(2). وهذا الحديث له تأويلات خمسة:
التأويل الأول: أن يكون مراده أطول الناس رجاءً لأنه يقال: طال عنقي إلى رجائك، أي: إلى وعدك.
التأويل الثاني: أن يكون المراد منه، المؤذنون أكثر الناس أتباعاً يوم القيامة لأنهم يتبعهم كل من صلى بأذانهم يقال: جاءني عنق(3) من الناس، أي: جماعة.
التأويل الثالث: أن يكون مراده أن تكون أعناقهم تطول يوم القيامة حتى لا ينالهم العرق في ذلك اليوم لأنه قد روي أن العرق يلجم الناس.
التأويل الرابع: أن يكون الغرض أطول الناس أصواتاً، وعبر بالعنق عن الصوت لأنه منه يخرج.
التأويل الخامس: أن تكون الرواية في الخبر: إعناقاً بكسر الهمزة، أي: أشد الناس في السير إسراعاً ومنه العنق وهو ضرب من السير بين الإرقال والخبب.
فإن لم يوجد من يؤذن إلا بأخذ الجعل نظرت في حال الجعل. فإن كان حاصلاً من غير شرط جاز ذلك على جهة البر والصلة والمواساة، هكذا قاله الإمامان القاسم والهادي لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى \s " \c 1}[المائدة:2] وإن كان على جهة الشرط لم يجز.
__________
(1) يقصد: فيجوز.
(2) رواه احمد ومسلم وابن ماجة بلفظه عن معاوية كما في فتح الغفار 1/121.
(3) والعُنُق: الجماعة الكثيرة من الناس. ا ه‍لسان 10/273.

(2/538)


قال الإمام أبو طالب: التفرقة بين ما يكون على جهة البر وبين ما يكون على جهة الشرط هو أن ما كان على جهة الشرط فإن الأذان ينقطع بإنقطاعه وما كان على جهة البر فإنه لا ينقطع بإنقطاعه.
دقيقة: ثم هاهنا صور يقع التردد في أخذ الأجرة عليها مفارقة للأذان.
الصورة الأولى: القاضي. ولا خلاف في جواز أخذ الرزق له من بيت المال لأنه من جملة المصالح الدينيه فيرزقه الإمام منه، والتفرقة بينه وبين المؤذن هو أن القاضي لا يلزمه التصرف في القضاء لا على وجه الكفاية ولا على وجه التعيين وإنما يلزم الإمام لقيامه بمصالح الدين، فإذا لم يمكن الإمام القيام بالخصومات استعان بالحاكم وتوجه عليه رزقه مفوضاً إلى رأي الإمام ونظره.
الصورة الثانية: ولا خلاف في جواز أخذ الأجرة على حفر الآبار وبناء المساجد والمناهل والقناطر والخانكات(1) وحفر القبور. والتفرقة بينها وبين الأذان ظاهرة فإن هذه الأشياء قد تكون واقعة لغير القربة كمن يبنى بناء لنفسه، وحفر القبر يجوز أن يجعل لغيره فلهذا لم يمنع أخذ الأجرة عليها فصارت القربة غير متعلقة بها وإنما تتعلق القربة بجعله مسجداً أو منهلاً.
__________
(1) ليست واضحة في الأصل لعدم عجمها، ولعلها أقرب إلى ان تكون (الخانكات)، وهي ربما باللغة التركية ما يعني مباني النزل للمسافرين كما كانت تسمى في اليمن بـ (السماسر) جمع (سمسرة) وتسمى أيضاً بـ(الخان) مفردة، ولم نجد لكلمة الخانكات أصلاً في معاجم اللغة، نظراً لكونها غير عربية، ولم تدخل ضمن المفردات المعربة. والله أعلم.

(2/539)


الصورة الثالثة: الجهاد، ولا خلاف في أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنه من أعظم قواعد الدين كالصلاة والصيام والحج وهو من مهمات الإسلام لما فيه من إشادة معالمه وتقوية أمره، والإمام إنما يعطي المجاهدين والمرتزقة من أموال اللّه فليس يعطيهم على الجهاد وإنما يعطيهم ما يتقوون به من السلاح والكراع(1) والآلات التي لا تصلح أمورهم إلا بها على قدر كفاياتهم وعلى ما يراه من المصلحة في التوسعة.
الصورة الرابعة: الختان، وهو وإن كان واجباً ولكن وجوبه على المختون في ماله لأن الوجوب متعين عليه، فإن أمر به غيره جاز دفع الأجرة منه، وإن كان المختون فقيراً لا يقدر على دفع الأجرة من نفسه، توجه على الإمام ذلك لأنه من جملة ما يقوم به الإمام ويكون مفوضاً إليه لقوله : ((من ترك مالاً فلأهله ومن ترك كلاً أو عيالاً فإليَّ \s " \c 2))(2). والإمام قائم مقامه.
الصورة الخامسة: تردد الإمامان المؤيد بالله وأبو طالب في غسل الميت هل يكون لاحقاً بالأذان أو بحفر القبور فقال المؤيد بالله: لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنه مؤدٍ للواجب عن نفسه فيكون كالأذان والجهاد. وقال أبو طالب: هو غير متعين عليه فلهذا كان لاحقاً بحفر الآبار وبناء المساجد. وكلا المذهبين جيد لا غبار عليه خلا أن ما قاله المؤيد بالله أقرب؛ لأنه يفتقر إلى النية كافتقار العبادات إلى النية وإن لم ينوِ أجزأ لأن المقصود هو التطهير.
__________
(1) والكراع من الدواب وهو من ذوات الحوافر ما دون الرسغ وقد يستعمل للإبل. ا ه‍لسان 8/306.
(2) سيأتي في موضعه، وهو عن أبي هريرة بلفظ: إن رسول الله كان يقول: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً أو كلاً أو ضياعاً فإلي وعلي، ومن ترك مالاً فلورثته)) هذا طرف من حديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وفي معناه أحاديث أخر. ا ه‍جواهر 1/186.

(2/540)


الفرع الثالث: فإن لم يوجد من يقوم بالأذان إلا بشرط الأجرة فهل يجوز ذلك أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه بالشرط، وهذا هو الذي رآه الإمامان القاسم والهادي، ومحكي عن الناصر وأبي حنيفة.
والحجة على ذلك: ما روى عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه قال: يا رسول اللّه اجعلني إمام قومي قال: ((أنت إمام قومك فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً \s " \c 2))(1).
الحجة الثانية: ما روي عنه أنه قال لرجل: ((إنْهَ مؤذنك لا يأخذ على أذانه أجرة \s " \c 2))(2). فهذان الخبران دالان على ما نريده من المنع عن أخذ الأجرة على الأذان.
الحجة الثالثة: قياسية، وحاصلها هو أن الأذان قربة محضة واجبة لا يصح دخول النيابة فيها فلا يجوز أخذ الأجرة عليها كالصلاة والصيام.
فقوله: قربة، يحترز به عمن لا قربة في أذانه كالصبي والمجنون والحربي والذمي فإن هؤلاء لا يصح أذانهم لعدم القربة.
وقوله: محضة، يحترز عن حفر القبور وبناء المساجد فإنها ليست قربة محضة ولهذا يصح أخذ الأجرة عليها.
المذهب الثاني: جواز أخذ الأجرة على الأذان وهذا هو رأي الشافعي.
__________
(1) في فتح الغفار بلفظ: عن عثمان بن أبي العاص قال: آخر ما عهد إلي رسول الله أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً، رواه الخمسة وصححه الحاكم وحسنه الترمذي، وقال ابن المنذر: ثبت أن النبي قال لعثمان بن أبي العاص: ((واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)) ثم عقب الرباعي على الحديث بقوله: وأما ما أخرجه ابن حبان عن أبي محذورة أنه قال: ألقى علي رسول الله الأذان فأذنت ثم أعطاني حين قضيت التأذين صرة فيها شيء من فضة، فذلك من باب التأليف لحداثة عهده بالإسلام، وأيضاً حديث عثمان متأخر عن قصة أبي محذورة. اه‍1/129. وقد ورد الحديث في مصادر عدة.
(2) أورده في (الشفاء) ولم نعثر على مصادر لتخريجه، وربما كان حديث عثمان بن أبي العاص السالف بزيادة فيه و بلفظ آخر.

(2/541)


والحجة على هذا قولهم: نفع الأذان مما يعود إلى الغير من غير أن يودي فرض نفسه فجاز له أخذ الأجرة عليه، دليله كتابة المصاحف وبناء القناطر وحفر الآبار.
والمختار: ما قاله أئمة العترة من المنع من أخذ الأجرة عليه.
وحجتهم: ما قدمناه ونزيد هاهنا وهو ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي % أنه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني أحبك في الله. فقال: وأنا أبغضك في اللّه قال: ولم؟ قال: لأنك تتغنى في أذانك وتأخذ على القرآن أجراً وقد سمعت رسول اللّه يقول: ((من أخذ على تعليم القرآن أجراً كان حظه يوم القيامة \s " \c 2))(1).
__________
(1) جاء الحديث في (الروض النضير)، شرح مجموع الإمام زيد باختلاف في اللفظ إذ جاء بلفظ: أنه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، والله لإني أحبك في الله، قال: ولكني أبغضك في الله، قال: ولِمَ ذاك؟ قال: لأنك تتغنى بأذانك وتأخذ على تعليم القرآن أجراً، وقد سمعت رسول الله يقول: ((من أخذ على تعليم القرآن أجراً كان حظه يوم القيامة)).
قال في (الروض) ما ملخصه: أن الإمام المهدي في(البحر) قال: وندب التطريب، وقال الإمام زيد بن علي وأحمد بن عيسى والنخعي وعمر بن عبد العزيز: يكره. لنا: (زينوا القرآن بأصواتكم) ونحوه. (لأن حديث زينوا.. لم يصح لديهم كما يبدو) ا ه‍1/554، ونسب السياغي إلى الإمام يحيى قول: وإذا جاز التطريب في القرآن جاز في الأذان.
فائدة: وكما سلف من حديث علي عن النهي عن التغني بالأذان وردت أخبار وآراء لعدد من الصحابة والتابعين سواء ما كان مرفوعاً أو موقوفاً أو اجتهاداً تخالف الحديث السابق منها: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) و((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) هذا الإختلاف محمول على أن المذموم من التغني أو التطريب هو إخراج الأذان إلى صفة الألحان المعروفة عند أهل اللهو، وكراهته معلومة، بل لا يبعد القول بتحريمه وعدم إجزائه. ا ه‍، المصدر السابق ملخصاً.

(2/542)


الحجة الثانية: هي أن الأذان واجب على الكفاية كما سنقرره، فالقيام به قيام بعبادة فيحرم أخذ الأجرة عليه قياساً على سائر العبادات من الصلاة والصيام.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن نفعه راجع إلى الغير من غير أن يؤدي فرض نفسه فجاز أخذ الأجرة عليه قياساً على كتابة القرآن وعمارة المساجد.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم قولكم أنه يؤدي غير فرض نفسه بل هو مؤدٍ فرضاً عن نفسه لكونه واجباً على الكفاية كما سنوضحه، فإذا قام به فقد أدَّا فرضاً عن نفسه.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الأصل أنه ليس بقربة محضة لأنه يصلح ممن ليس من أهل القرب كالذمي والحربي ويصح وقوعه على وجه لا تتعلق به القربة وليس كذلك الأذان فإنه قربة محضة فصار كالصلاة والصيام.
الفرع الرابع: وإذا أقام المؤذن فأي وقت يفتتح الإمام الصلاة؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يفتتحها عند فراغ المؤذن من الإقامة وهذا هو رأي الهادي في (المنتخب)(1)، ومحكي عن الشافعي ومالك وأبي يوسف.
__________
(1) المنتخب) أحد كتب الهادي، وهو وكتاب (الفنون) كلاهما في الفقه مؤلف من إجابات الإمام الهادي على أسئلة القاضي العلامة محمد بن سليمان الكوفي. وقد طبع الكتابان في مجلد واحد في 1414ه‍/1993. عن (دار الحكمة اليمانية) تحقيق الباحث محمد يحيى سالم عزان.

(2/543)


والحجة على ذلك: ما روى أبو داؤد في سننه أن بلالاً أخذ في الإقامة فلما قال: قد قامت الصلاة. قال الرسول : ((أقامها اللّه وأدامها سوّوا صفوفكم \s " \c 2))(1) فدل هذا على أن الرسول لم يفتتح الصلاة إلا بعد الفراغ من الإقامة.
المذهب الثاني: أن المؤذن إذا قال: حي على الصلاة، قام الإمام والمسلمون، فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، كبر الإمام والمسلمون بعده، وهذا هو الذي ذكره الهادي في (الأحكام)(2) ومحكي عن زيد بن علي والباقر وأحمد بن عيسى وأبي حنيفة ومحمد.
والحجة على هذا: هو أن قول المؤذن: حي على الصلاة، دعاء إلى الصلاة وتصديقه: التأهب للصلاة بالقيام إليها والإشتغال بفعلها، فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، فتصديقه: الدخول فيها والشروع في أولها بالإحرام بتكبيرة الإفتتاح ليكون ذلك تصديقاً للحال.
والمختار: ما قاله الهادي في الأحكام وهو رأي زيد بن علي والباقر وغيرهم.
والحجة على ذلك: ما أسلفناه، ونزيد هاهنا وهو أن المؤذن إذا قال: قد قامت الصلاة، ولم يقم الإمام والمسلمون إلا بعد الفراغ من الإقامة لا يطابق قول المؤذن: قد قامت الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
__________
(1) روى الحديث أبو داؤد بلفظه عن أبي أمامة أو بعض أصحاب رسول الله ، ا ه‍جواهر 1/198، وجملة: أو بعض أصحاب رسول الله يبدو أنها ضمن رواية أبي داؤد إذ لم يعلق عليها مؤلف الجواهر ويؤيد ما سلف أن هذه الجملة وردت ضمن رواية أبي داؤد في مسندات منها: فتح الغفار. وزاد فيها: رواه أبو داؤد بإسناد فيه شهر بن حوشب، تكلم فيه غير واحد، ووثقه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل. ا ه‍1/127.
(2) أشهر وأكبر مؤلفات الإمام الهادي، وعنوانه الكامل: (كتاب الأحكام في الحلال والحرام) في الفقه، جمعه ورتبه أبو الحسن علي بن أحمد بن أبي حريصة، مطبوع في مجلدين طبعة أولى في العام 1410ه‍/1990م، تولى طبعه وتحقيقه الباحث محمد بن قاسم الهاشمي.

(2/544)


قالوا: إن بلالاً لما أخذ في الإقامة قال الرسول: ((أقامها اللّه ..إلى آخر الحديث))، فدل على أن قيامه إلى الصلاة كان بعد الإقامة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنا لا ننكر الجواز في الإفتتاح بعد الفراغ من الإقامة وقبلها ولكن كلامنا في الأفضل.
وأما ثانياً: فلأن الدعاء في حال الإقامة وأمرهم بتسويه الصفوف إنما هي حالة عارضة، فلعله رأى في بعض الصفوف ميلاً وازوراراً واضطراباً فأمرهم بتسويتها وسد الخلل فيها فهذه حالة عارضة والأصل هو ما ذكرناه.
الفرع الخامس: هل الأذان أفضل أو الإمامة؟ فيه أقوال أربعة:
فالقول الأول: أن الأذان أفضل من الإمامة لقوله : ((الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين \s " \c 2)) والأمين أحسن حالاً من الضمين. ومن وجه آخر، وهو أنه دعا للأئمة بالرشد وللمؤذنين بالمغفرة. والغفران أفضل من الرشد من جهة أن الرشد تحصيل الألطاف في تحصيل الطاعات والتكاليف، والمغفرة يكون بها استحقاق الجنة.
ومعنى قوله: المؤذنون أمناء، فوصفهم بالأمانة، فيه احتمالات أربعة:
الاحتمال الأول: أنهم أمناء على الأوقات فلا يؤذنون إلا بعد دخول الوقت ولا يؤذنون قبله لما فيه من الغرر والخيانة.
الاحتمال الثاني: أنهم يؤذنون على المنازل والأمكنة العالية فيكونون أمناء على الإطلاع على المحارم وعلى عورات المسلمين في بيوتهم.
الاحتمال الثالث: أنهم أمناء في تبرعهم بالقيام بالأذان من دون غيرهم.
الاحتمال الرابع: وإذا كانوا أمناء فإنه يسقط عنهم بالأذان فرض الكفايه.
وأما الأئمة فهم ضمناء إذا قاموا بفروض الصلاة وواجباتها؛ لأنهم يتحملون سهو المأمومين إذا وقع عليهم ويتحملون القراءة والقيام إذا أدركهم المأمومون في الركوع.

(2/545)


القول الثاني: أن الإمامة أفضل من الأذان لأن الرسول والخلفاء الراشدين والأئمة السابقين والمقتصدين، كانوا أئمة في الصلاة ولم يكونوا مؤذنين، وفي هذا دلالة على فضل الإمامة ولهذا اختصوا بها.
القول الثالث: أنهما سواء في الفضل لأن الأئمة والمؤذنين قد خص الشرع كل واحد منهما بفضيلة ودرجة في الفضل ومنزلة في الثواب والأجر.
القول الرابع: أن الإمام إذا كان يعلم من نفسه القيام بحقوق الإمامة في الصلاة وما يتوجه عليه فيها فالإمامة أفضل، و إن كان يعلم من نفسه أنه لا يقوم بما يتوجه عليه من حقوقها ولوازمها فالأذان أفضل؛ لأنه أقل خطراً وأسهل حالاً في التكليف. فهذه الأقاويل كلها كما ترى في أيهما الأفضل؟ ولم أعلم لأئمة العترة في هذه المسألة قولاً في ترجيح أحدهما على الآخر.
والمختار: أن الإمامة أفضل لما روي عن الرسول أنه قال: ((الإمام وافد فقدموا أفضلكم \s " \c 2))(1). وما روي عن النبي أنه قال: ((كن إمام قومك تدخل الجنة \s " \c 2))(2). وقوله : ((أول ما تفاض الرحمة على الإمام ثم على من يليه \s " \c 2 ثم على الصف الأيمن ثم على الصف الأيسر ثم على سائر الصفوف))(3) فهذه الأخبار كلها دالة على فضل الإمامة على الأذان.
الفرع السادس: ومن جمع بين الصلاتين ممن يجوز له الجمع بينهما نظرت، فإن جمع بينهما في أول وقت الأولى منهما فإنه يؤذن للأولى ويقيم لأنها مؤداة في وقتها ثم يقيم للثانية من غير أذان، وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ويجب تقديم الأولى على الثانية.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه جمع بين الظهر والعصر في عرفة.
وإن جمع بينهما في وقت الثانية فإنه يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين كما في الأولى عند أئمة العترة.
__________
(1) هو في مسند الحارث 1/265.
(2) هو في مصنف ابن أبي شيبة 1/332.
(3) سيأتي موضعه في صلاة الجماعة.

(2/546)


والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه جمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة في أول وقت الثانية بأذان واحد وإقامتين.
وحكي عن الشافعي: أنه لا يؤذن للثانية قولاً واحداً، فأما الأولى ففيها قولان.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يؤذن للعشاء الآخرة ولا يقيم في مزدلفة.
الفرع السابع: ذهب أئمة العترة والفريقان الشافعية والحنفية ومالك إلى أنه ليس على النساء أذان للرجال ولا إقامة لهم(1).
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ليس على النساء جمعة ولا جماعة \s " \c 2 ولا أذان ولا إقامة))(2).
__________
(1) ولا لأنفسهن، كما سيأتي.
(2) ذكره ابن بهران في رواية عن ابن عباس بزيادة: ((...فإن أذنَّ كان ذِكْراً)) وفي الروض النضير ما رواه الإمام زيد بن علي عن علي % قال: ((ليس على النساء أذان ولا إقامة)).
قال: ويشهد له ما ذكره في (التلخيص) من حديث ابن عمر: ليس على النساء أذان، رواه البيهقي من حديثه موقوفاً بسند صحيح، وزاد: ...ولا إقامة.
قال ابن الجوزي: لا يُعرف مرفوعاً، ورواه ابن عدي والبيهقي من حديث أسماء مرفوعاً، وفي إسناده الحكم بن عبد الله الأيلي، وهو ضعيف جداً، ا ه‍. واستطرد السياغي -رحمه الله- إلى أن أورد ما جاء في التلخيص من حديث عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم، رواه الحاكم والبيهقي، وزاد: وتؤم النساء وتقوم وسطهن، ا ه‍، وزاد في الروض في الباب نفسه: بأن الحديث يدل على نفي وجوب الأذان والإقامة على النساء.
قال الإمام عز الدين: ولا خلاف في ذلك؛ لأنهما من الأمور الشرعية، ولم يثبت أنه أمرهن بذلك، وظاهر كلام الهادوية: تحريمه؛ لأنه يجب عليها خفض صوتها ولذلك نمنعها من الأذان والإقامة في جميع أحوالها، كما جاء في الروض من كلام القاسم، وزاد: قال القاضي زيد: و إليه ذهب الناصر والمؤيد بالله وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي.
قال الصعيتري: وتوقف أبو طالب في استحباب الأذان والإقامة للنساء...إلخ 1/553.

(2/547)


الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن علي % عن رسول أنه قال: ((ليس على النساء أذان ولا إقامة \s " \c 2))(1).
الحجة الثالثة: هو أن الأذان والإقامة أمور شرعية مستندها صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه وهي مفوضة إلى رأيه وموكولة إلى أمره ولم يثبت أنه أمرهن بذلك، وفي هذا دلالة على عدم الوجوب.
وهل يؤذنَّ لأنفسهن أو يقمن؟ فيه أقوال ثلاثة:
القول الأول: أنه ليس لها أن تؤذن لنفسها ولها أن تقيم، وهذا هو رأي الشافعي ذكره في (الأم) واختير لمذهبه.
القول الثاني: يحكى عن المروزي من أصحاب الشافعي: أنه يكره لها أن تؤذن لنفسها ولها أن تقيم لنفسها استحباباً.
القول الثالث: أن الأذان غير مسنون في حق المرأة سواء صلت بانفرادها أو كن جماعات، فإن أذنت كان ذكراً. وهذا هو المحكي عن ابن الصباغ صاحب (الشامل).
والمختار: جواز الأذان والإقامة للنساء في أنفسهن في خفية.
والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه عن النبي أنه قال: ((ليس على النساء أذان فإن أذن كان ذكراً \s " \c 2))(2). وإذا جاز الأذان جازت الإقامة في حقهن لأنها أولى وأحق.
الحجة الثانية: هو أن الأذان والإقامة مشروعان في حق المصلين والنساء من جملة أهل الصلاة فلهذا استحب لهن الأذان والإقامة.
الحجة الثالثة: هو أن المحذور من ذلك إنما هو رفع الصوت خوفاً من الإفتتان بسماع أصواتهن، فإذا أذن وأقمن في أنفسهن فلا يكره ذلك لأنه ذكر لله تعالى سواء كن منفردات أو جماعات.
الفرع الثامن: إذا أذن لصلاة المغرب فما المستحب له؟ فيه ثلاثة أقوال:
أولها: أنه يبقى قائماً حتى يقيم ولا يقعد، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
وثانيها: أنه يقف مقدار ثلاث آيات ثم يقيم، وهذه أيضاً رواية عن أبي حنيفة.
وثالثها: أنه يجلس جلسة خفيفة ثم يقيم، وهذا هو قول أبي يوسف ومحمد.
والمختار: ما قاله أبو حنيفة أولاً.
__________
(1) سبق في الحديث السالف.
(2) سبق آنفاً.

(2/548)


والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لن تزال أمتي بخير مالم يؤخروا صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم \s " \c 2)) وفي حديث آخر: ((لن تزال أمتي على الفطرة مالم يؤخروا صلاة المغرب \s " \c 2))(1).
ويستحب أن يكون المؤذن غير الإمام وعلى هذا جرت عادة السلف الصالح من الصدر الأول إلى يومنا هذا، ويحكى عن عمر أنه قال: لولا الخِلِّيفى(2) لكنت مؤذناً. فهذا يؤيد ما ذكرناه.
ويستحب أن لا يصلي المصلي منفرداً أو بجماعة إلا بأذان وإقامة.
قال القاسم بن إبراهيم: ومن نسي الأذن حتى دخل في صلاته مضى في صلاته ولا نقص عليه. ولا يعرف في هذا خلاف لأن الأذان فرض من فروض الكفايات كما سنوضحه فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، فمن تركه من آحاد الناس أجزته صلاته وكان مسيئاً لترك السنة.
وسئل الإمام أبو طالب عمن ترك الأذان هل تبطل صلاته إن كان في قرية يعلم أنه لم يؤذن فيها؟ فقال: لا تبطل لأن الأذان ليس من شروط الصلاة. قال: ويحتمل أنها تبطل لأنه ترك الذكر المفروض المفعول للصلاة متقدماً عليها في وقتها فمنع من صحتها كالخطبة في صلاة الجمعة.
وجوابه الأول هو الصحيح المعمول عليه؛ لأن المعنى في الأصل: أن الخطبتين بدلاً عن ركعتي الظهر بخلاف الأذان فافترقا. فهذه الفروع الثمانية نشأت من ابتداء الأذان ولم تدخل في الفصول الخاصة كصفة الأذان وصفة المؤذنين فلا جرم أفردناها بالذكر لما كانت غير مندرجة فيما يأتي مما نريد ذكره وبالله التوفيق.
__________
(1) تقدم في الأوقات.
(2) في حاشية الأصل ما لفظه: الخِلِّيفى: الخلافة، وكلام عمر لو أطيق الأذان مع الخليفى لأذنت، ا ه‍. وفي لسان العرب: والخلافة الإمارة وهي الخِلِّيفى، وإنه لخليفة بيِّن الخلافة والخليفى، وفي حديث عمر: لولا الخليفى لأذنت، ا ه‍لسان 9/83.

(2/549)


.

(2/550)


---
الفصل الثاني
في حكم الأذان
اتفق أهل القبلة على أن الأذان مشروع للصلوات في مساجد الجماعات وأنه شعار للدين وسنة من سنن سيد المرسلين معتمد عليه في جميع الأمصار والأقاليم بين المسلمين، ويؤيد ذلك ما روى أبو هريرة عن رسول اللّه في صحيح البخاري، قال: ((إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط " حتى لا يسمع الأذان فإذا قضي الأذان أقبل حتى إذا ثوب للصلاة أدبر حتى إذا مضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه. فيقول: أذكر كذا أذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الإنسان لا يدري كم يصلي))(1).
ورفع الصوت به مستحب أيضاً لما روى أبو سعيد الخدري في صحيح البخاري عن الرسول ، قال: قال لي رسول اللّه : ((إني أراك تحب الغنم والبادية " فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولاإنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)) (2).
قال أبو سعيد: هكذا سمعته من رسول اللّه . فهذا أمرٌ وادنى درجات الأمر هو الندب والاستحباب، هذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: هل يكون [الأذان] واجباً؟
اعلم أن الأذان قد تقرر كونه مشروعاً وسنة بالأدلة التي ذكرناها ويبقى الكلام في كونه واجباً أم لا؟ وفيه مذاهب أربعة:
__________
(1) أخرجاه (البخاري ومسلم) وأخرجه مالك وأبو داؤد والنسائي، ا ه‍فتح الغفار1/122 باختلاف يسير في بعض الألفاظ.
(2) في فتح الغفار بلفظ: وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي يقول: ((إذا كنت في غنمك أو باديتك فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مد صوت المؤذن جن ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة)) رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجة. ا ه‍1/125، وفي رواية أخرى: ((إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة...)) إلى قوله: ((...جن ولا إنس ولا شيء...إلخ)) قال: وهو في البخاري والموطأ والنسائي، اه‍المصدر السابق.

(2/551)


المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة وسادات أهل البيت القاسمية والناصرية، ومحكي عن السيدين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب وهو قول مالك والأوزاعي وعطاء، وهو قول الأصطخري من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ " }[الجمعة:9].
ووجه الإستدلال من هذه الآية، هو: أن اللّه تعالى أوجب السعي عقيب النداء بقوله: {فَاسْعَوْا} والأمر ظاهره الوجوب إلا بدلالة، وهو مرتب على النداء من جهة أن الفاء موضوعة للتعقيب والترتيب فإذا كان السعي مرتباً على النداء وهو واجب فيجب القضاء بكون النداء واجباً لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مثله، ألا ترى أن غسل الوجه لما لم يتم استيعابه إلا بجزء من الرأس وجب غسل جزء من الرأس تبعاً لوجوب غسل الوجه.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا نزلتم الغيطان فأذنوا " ))(1)،
وقوله لبلال: ((قم فأذن))(2)،
__________
(1) في (الجواهر) جاء الخبر بلفظه: ويأتي الإستدلال به هنا في غير موضعه، لأن المطلوب هو الإستدلال على وجوب الأذان، ويؤكد هذا ويوضحه تعليق ابن بهران في تخريجه لأحايث البحر بقوله: قلت: لعل هذا من روايات حديث جابر الذي حكاه النووي عن كتاب ابن السني أن رسول الله قال: ((إذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان)) ولا دلالة فيه على المطلوب هنا، فالأولى الإستدلال بحديث مالك بن الحويرث، قال في إحدى رواياته: أتيت النبي أنا وصاحب لي، فقال لنا: ((إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما)) أخرجه الستة إلا الموطأ بروايات متعددة وهذا اللفظ لمسلم ا ه‍جواهر 1/182.
(2) تقدم في الاستدلال على مشروعية الأذان وكيف شرع.

(2/552)


وقوله : ((ألقه على أبي محذورة فإنه أندا منك صوتاً))(1)،
وقوله لمالك بن الحويرت " (2)
وإبن عمه: ((إذا سافرتما فأذنا وليؤمكماوأقرؤكما " )). فهذه الأخبار كلها مشتملة على الأوامر بالأذان. وظاهر الأمر للوجوب إلا لدلالة تدل على خلافه.
المذهب الثاني: أن الأذان سنة، وهذا قول الفريقين أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه والأصطخري(3)
وابن خيران.
والحجة على ذلك: قوله لمن أساء في صلاته: ((إذا أردت الصلاة فأحسن وضوءك ثم استقبل القبلة وكبر " ))(4)
ولم يأمره بالأذان وفي هذا دلالة على كونه سنة غير واجب.
__________
(1) تقدم أيضاً مع سالفه في كيفية بداية الأذان ورؤيا عبد الله بن زيد على رأي من قال بها، وفيما ثبت من مشروعية الأذان في حديث الإسراء، إلا أن معظم الروايات تثبت أن أمر رسول الله عبد الله بن زيد بأن يلقي الأذان على بلال وليس على أبي محذورة، ولعل ما يؤكد هذا أن رسول الله ولى أبا محذورة الأذان بمكة يوم الفتح كما جاء في تهذيب التهذيب 12/244.
(2) مالك بن الحويرت بن حشيش بن عوف بن جندع، أبو سليمان الليثي الصحابي، وقيل في نسبه غير ذلك، روى عن النبي . وعنه: أبو قلابة الجرمي، وأبو عطية مولى بني عقيل، ونصر بن عاصم الليثي، وغيرهم، وذكر ابن حجر عن ابن عبد البر أنه توفي سنة أربع وتسعين. وقيل: سنة أربع وسبعين. ا ه‍. (تهذيب التهذيب) 12/10.
(3) هكذا في الأصل، وفيه نظر؛ لأن الاصطخري كما تقدم يرى وجوب الأذان، ولعل تكراره هنا خطأ من الناسخ.
(4) في جواهر الأخبار عن رفاعة بن رافع أن لنبي قال لمن علمه الصلاة: ((إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد فأقم ، فإن كان معك قرآن فاقرأ...)) إلى قوله : ((...ثم اجلس فاطمئن جالساً ثم قم، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت شيئاً فقد انتقصت من صلاتك)) رواه الترمذي، ولأبي داؤد والنسائي نحوه. ا ه‍1/277 ملخصاً.

(2/553)


الحجة الثانية: قوله : ((المؤذنون أمناء " ))(1). والأمين هو المتطوع.
المذهب الثالث: أن الأذان سنة إلا في صلاة الجمعة فإنه من فروض الكفايات، وهذا شيء محكي عن بعض أصحاب الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن الجمعة لما كانت مختصة بوجوب الجماعة اختصت بوجوب الدعاء إليها.
المذهب الرابع: أن الأذان ليس واجباً والإقامة واجبة فإن تركها المصلي نظرت، فإن كان الوقت باقياً أعاد الصلاة، وإن كان الوقت خارجاً لم يعدها، وهذا محكي عن الأوزاعي.
والحجة على هذا هي: أن الإقامة تختص الصلاة فلما كانت الصلاة واجبة وجبت تبعاً لها بخلاف الأذان فإنه شعار للدين وسنة للمسلمين.
والمختار: ما اعتمده علماء العترة والأكابر من أهل البيت من كونه واجباً.
وحجتهم على وجوبه: ما أسلفناه، ونزيد هاهنا وهو اهتمامه بأمر الأذان حتى بات مهموماً بالنظر الذي يكون سبباً لاجتماع المسلمين للصلاة، ففرج الله عنه بما أنزل من امر الأذان وبما كان منه من أمر المسلمين بالأذان في السفر والحضر وبما كان منه من أمر بلال وأبي محذورة وابن أم مكتوم بالأمر بالأذان، فاهتمامه بما ذكرناه من الأذان من هذه الأوجه فيه دلالة على وجوبه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: أمر من أساء في صلاته بالوضوء ولم يذكر الأذان فدل ذلك على أنه غير واجب.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 1/430 والشافعي في مسنده 1/33 بلفظ: (الأئمة ضمنا والمؤذنون أمناء)) وجاء الخبر عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)) أخرجه أبو داؤد والترمذي كما في جواهر الأخبار 1/182، وفي فتح الغفار: رواه أحمد وأبو داؤد والترمذي، وصححه ابن حبان، وقد أخرجه في صحيحه من حديث عائشة، وقال أبو زرعة: حديث أبي هريرة أصح من حديث عائشة إلى آخر ما أورده الرباعي ج1 ص 121.

(2/554)


أما أولاً: فإنما لم يذكر الأذان في تلك الساعة لإحتمال أن يكون قد أذن في المدينة، فلهذا لم يأمره به.
قالوا: روي عنه أنه قال: ((المؤذنون أمناء " )) والأمين: هو المتطوع. لأنه لا حرج على الأمين فيما فعله وهذا لا يتأتى إلا في السنة والنفل.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد بالأمين: المؤتمن على الأوقات في أن المؤذن لا يؤذن قبل دخولها وأنه يكون أميناً في أنه لا يكون مشرفاً على عورات المسلمين وهذا هو المراد بالأمين.
وأما ثانياً: فلأن الأمين كما يكون في المتطوع كما زعمتم فقد يكون في المؤدي للواجب لأن الأمانة يحتاج إليها في الواجبات والمندوبات لأن المقصود هو الإتيان بها على الوجه الذي أمر بها، وهذا إنما يكون في حق الأمين دون الخائن فإنه لا يوثق به في صحة أدائها على ما أمر بها.
وأما من زعم أنه سنة إلا في صلاة الجمعة فهو تحكم لا مستند له فقد وافقنا في الجمعة وخالفنا في كونه سنة وبما اجبنا به الفريقين فهو جواب له لإفراده بالحجة.
وأما من زعم أن الأذان ليس واجباً وأن الإقامة واجبة فقد وافقنا في الإقامة وخالفنا في الأذان وقد دخل جوابه في جواب الفقهاء.
الفرع الثاني: إذا تقرر وجوبه بما ذكرناه فهل يكون الوجوب على الكفاية أو يكون على الأعيان، فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الوجوب يكون على الكفاية، على معنى أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقين وبهذا يفارق الواجب على الكفاية الواجب على الأعيان، وهذا كما نقوله في دفن الموتى وحفر القبور وإصلاح الطرقات والتعلم والتعليم وإحياء معالم الشريعة بالجهاد بالسيف، فكل هذه الأمور من فروض الكفايات، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم والهادي والناصر وهو رأي الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب.
والحجة على ذلك هو: أن الأذان أمر شرعي يشتمل على التكبير ليس فيه ركوع ولا سجود لا يختص الأعيان فوجب أن يكون فرضاً على الكفاية كصلاة الجنازة.

(2/555)


فقولنا: أمر شرعي، نحترز به عما يكون من الأمور العقلية كقضاء الدين ورد الوديعة فإنهما عقليان ومن فروض الأعيان أيضاً.
وقولنا: يشتمل على التكبير، نحترز به عن الصوم.
وقولنا: ليس فيه ركوع ولا سجود، نحترز به عن سجود التلاوة.
وقولنا: لا يختص الأعيان، نحترز به عن الصلاة المفروضة.
المذهب الثاني: أنه فرض على الأعيان، وهذا هو قول أهل الظاهر، داؤد وطبقته، ثم منهم من قال: إنه من شروط الصلاة، ومنهم من قال: ليس شرطاً في الصلاة، وكلهم متفقون على أنه لا بد لكل مصلّ منه وهذا هو فائدة فرض العين.
والحجة على ذلك هي: أنه ذكر يتقدم الصلاة ليس فيه تكبير فيجب أن يكون شرطاً في صحة الصلاة كالخطبة في صلاة الجمعة.
فقولنا: ذكر يتقدم، نحترز به عن أذكار الصلاة.
وقولنا: ليس فيه تكبير، نحترز به عن الإفتتاح للصلاة. فهذا تقرير حجتهم فيما زعموه.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة.
وحجتهم: ما حكيناه، ونزيد هاهنا وهو قوله : (( إذا نزلتم الغيطان فأذنوا " )) وهذا خطاب شامل لكل أحد لا يختص به واحد دون واحد وهو الذي نريده بكونه واجباً على الكفاية.
ووجه آخر: وهو أنه فعل شرعي جعل شعاراً للإسلام من غير أن يكون مختصاً بالأعيان فوجب القضاء بكونه واجباً على الكفاية كالجهاد.
فقولنا: فعل شرعي، نحترز به عما يكون عقلياً نحو الإنصاف وشكر المنعم.
وقولنا: جعل شعاراً للإسلام، نحترز به عن النوافل.
وقولنا: من غير أن يكون مختصاً بالأعيان [نحترز به عن ما يكون مختصاً بالأعيان] كالصلاة المفروضة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: ذكر يتقدم الصلاة ليس فيه تكبير فيجب أن يكون شرطاً في صحة الصلاة كالخطبة في صلاة الجمعة.
قلنا: عن هذا جوابان:

(2/556)


أما أولاً: فلأن اعتمادكم فيما قررتموه إنما هو على القياس والأقيسة الشرعيه لا جريان لها في تقرير العبادات والصلوات لأنها أمور غيبية استأثر اللّه بالعلم بمقاديرها وأحوالها وشرائطها وحيث اعتمدنا الأقيسة فإنما هو على جهة المعارضة لما يذكره المخالف وعلى وجه الإستظهار والإعتضاد بالأدلة وتناصرها.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الأصل [هو أن الخطبتين] إنما كانتا واجبتين لكونهما بدلاً عن ركعتي الظهر فافترقا بخلاف الأذان فإنه ليس بدلاً عن غيره.
الفرع الثالث: إذا تقرر كونه واجباً على الكفاية بما أوضحناه فإذا وقع الإخلال به والترك له، فهل يتوجه الحرج والإثم عن الكل أم لا؟
والمختار فيه: تفصيل نشير إلى حقائقه فنقول: المراد بقولنا في الشيء: إنه واجب على الكفاية، هو أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهذا نحو الجهاد بالسيف والجهاد بالحجة بالعلم والتعليم وحفر الآبار وبناء القناطر والمساجد والخانكات وحفر القبور ودفن الموتى وإصلاح الطرقات وغيرها مما لا يختص به الآحاد من فروض الأعيان فمتى حصل القيام بهذه الأمور من جهة شخص من الأشخاص فإنه يسقط وجوبها عن الباقين لأنه ليس المقصود إلا فعله ووجوده، وهذا حاصل بقيام الواحد بها. فإذا لم تحصل هذه الأمور، فإلى من يكون الحرج والإثم متوجهين والعقوبة من اللّه تعالى؟.

(2/557)


فنقول: إذا اتفق الكل على تركها وإهمالها والإخلال بها والإعراض عنها، فالحرج والإثم يلزم من كان متمكناً من فعلها ولم يفعلها، ومن لا يكون متمكناً من فعلها فلا إثم عليه ولا حرج، فإن كان الواجب على الكفاية من باب ما يختص العلماء وأهل الفضل وممارسة العلوم نحو حل الشبه والتدريس في العلوم وجواب المسائل، فمتى وقع الإخلال بهذه فالإثم إنما يتعلق بالعلماء دون العوام، فإن الوجوب غير متوجه إليهم، وإن كان مما يمكن الكل فعله نحو حفر القبور ودفن الموتى وأخلوا به فإن الإثم لاحق بالكل لتركهم الواجب مع القدرة عليه والتمكن من فعله، وهكذا القول في واجبات الكفاية فإنه ينظر في حاله ولا يحكم بالإثم على تاركه على الإطلاق بل لابد من التفصيل الذي أشرنا إليه.
الفرع الرابع: إذا قلنا بأن الأذان واجب على الكفاية، فلو كان هاهنا قرية من القرى وأقليم من الأقاليم وصقع من الأصقاع تمالوا على تركه وإهماله، فهل يحاربهم الإمام على تركه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز حربهم على تركه وهذا هو رأي المؤيد بالله وأحد قولي الشافعي، ومحكي عن محمد بن الحسن.
والحجة على هذا: هو أن الأذان ركن من أركان الدين فُرِض شعاراً للإسلام فيجب على الإمام قتالهم على تركه كالصلاة والزكاة والصوم.
المذهب الثاني:المنع من قتالهم على تركه، وهذا هو قول أبي يوسف وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه سنة من السنن فلا يقاتلون عليه ولا تباح دماؤهم على تركه كسائر السنن إذا تركوها.
والمختار: أنهم لا يقاتلون على تركه.
والحجة على هذا: قوله : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه " فإذا قالوها منعوا دمائهم وأموالهم إلا بحقها))(1).
__________
(1) هذا الحديث من أشهر الأحاديث ورد من عدة طرق، أخرجه الستة والبيهقي في السنن الكبرى والدار قطني والشافعي في مسنده، والزجاج والدارمي وعبد الرزاق الصنعاني، والبزار وابن حبان وأحمد في مسنده وغيرهم كثير.

(2/558)


الحجة الثانية: قوله : ((لايحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث: " كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل النفس بغير حق))(1)
وترك الأذان ليس واحداً من هذه الأمور فلهذا لم يكن قتلهم مباحاً.
والعجب من الإمام المؤيد بالله حيث منع من قتل تاركي الصلاة وأباح قتل(2)
تارك الأذان مع أن الصلاة من فروض الأعيان، والأذان من فروض الكفايات ومع أن وجوب الصلاة آكد من وجوب الأذان فلا خلاف في وجوب الصلاة والخلاف حاصل في وجوب الأذان. والقوي عندنا أن كلامه محمول في جواز قتل الإمام لهم على أنهم تركوه على جهة الإستحلال والإنكار دون التمرد، وعلى هذا يجوز قتلهم لأن استحلال تركه وإنكار كونه مشروعاً يكون كفراً أو ردة لأن كونه مشروعاً معلوم من ضرورة الدين فإنكاره يكون رِدَّةً وجحداً للنبوة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قوله: إنه فرض جعل شعاراً للإسلام فإذا أطبقوا على تركه قوتلوا كالصلاة والصوم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن على مذهبكما أنهم لا يقتلون على ترك الصلاة والصوم، وإنما يؤدبون كما مضى تقريره ولا على أخذ الزكاة؛ لأنها تؤخذ منهم كرهاً.
__________
(1) أخرجه أبو داؤد في سننه 4/170.
(2) هكذا في الأصل، وواضح أن المقصود قتال أو حرب الإمام لتاركي الأذان لا قتلهم، إذ إن ما سبق أن أورده المؤلف عن المؤيد بالله، أنه يوجب قتال تاركي الأذان لا قتلهم، وأن من يقاتلهم جماعة كما ورد بلفظ المؤلف: ((فلو كان هاهنا قرية من القرى أو إقليم من الأقاليم ...إلخ)) فليس الغرض الفرد الواحد (تارك) كما جاء هنا، ومما يحتاج إلى التنبيه في لفظ هذا السياق هو أن ما ورد في بداية الفرع الرابع في ذكر تاركي الأذان وقوله: ((...قرية من القرى وإقليم...إلخ)) المقصود بواو العطف التخيير بمعنى (أو) لأن المقصود أنه لو ترك الأذان أهل قرية أو أهل إقليم.. وليس جميعهم مما يدخل في التمثيل بما ليس وارداً. والله ولي التوفيق.

(2/559)


وأما ثانياً: فلأن الصوم والصلاة من فروض الأعيان، والأذان من فروض الكفايات فهما مفترقان فلا يقاس أحدهما على الأخر.
الفرع الخامس: ويستحب استدعاء الأمراء إلى الصلاة عند الفراغ من الأذان، لما روي أن بلالاً كان إذا فرغ من الأذان دخل على الرسول وهو في بيته يؤذنه بالصلاة فيقول: السلام عليك يا رسول اللّه، الصلاة يرحمك اللّه، فيقوم الرسول للصلاة، وهكذا روي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه وأبي بكر وعمر وعثمان يفعلون هكذا اهتماماً بأمر الصلاة.
فإن دخل رجل مسجداً من المساجد قد أذن فيه وأقيم فالمستحب أن يؤذن ويقيم في نفسه، و لايجهر بالأذان لئلا يظن السامع أن هذه الصلاة هي المجزية وأن الصلاة كانت غير مجزية؛ لأنها كانت قبل دخول الوقت، فيفسد قلب الإمام ويوغر(1) صدره.
ويستحب إذا كان الناس في السفر في اليوم المطير والليلة المطيرة، وفرغ المؤذن من الأذان أن يقول بعده: الصلاة في الرحال، لما روى البخاري أن ابن عباس رضي الله عنه خطب يوم رزغ فلما فرغ المؤذن من الأذان أمره أن يقول: الصلاة في الرحال , والرزغ براء وزاي وغين منقوطة , هو الوحل، فنظر القوم إلى بعضهم بعض. فقال: فعل هذا من هو خير مني أراد الرسول صلى الله عليه.
وروى البخاري عن ابن عمر مثلة في الليلة البادرة والمطيرة كل هذا في السفر.
وروي عن الرسول صلى الله عليه أنه كان يأمر منادياً بعد أذان المؤذن يقول: ((إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال )) وربما أمر رسولاً بعد المؤذن يقول: ((صلوا في رحالكم)) يفعل هذا تخفيفاً على المسلمين ورفقاً بهم في السفر.
__________
(1) في الأصل: ويوحر. وهي خطأ في النسخ، والله أعلم.

(2/560)


---
الفصل الثالث
في بيان محل الأذان
ومحله الصلوات الخمس، وهو رأي أئمة العترة والناصرية، ومتفق عليه بين الفقهاء.
قال الإمام زيد بن علي : الأذان للصلوات الخمس.
والحجة على هذا ما روى عبادة بن الصامت عن رسول الله أنه قال: ((فرض الله علىعباده خمس صلوات من حافظ عليهن حين ينادى لهن وأحسن وضوءهن وأتم ركوعهن وخضوعهن وخشوعهن كان له عند الله عهداً أن يدخله الجنة، وإن لم يأت بهن وضيع حقوقهن لم يكن له عند الله عهداً، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له))(1).
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: ومن كانت عليه فوائت فأراد قضاءها في وقت واحد، فالذي عليه أئمة العترة والفريقان الشافعية والحنفية أن المسنون أن يقيم لكل واحدة منهنَّ إقامة، لما روى أبو سعيد الخدري قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوى من الليل فدعى رسول الله بلالاً فأقام لصلاة الظهر فصلاها، ثم أقام للعصر فصلاها، ثم أقام للعشاء الآخرة فصلاها(2).
وهل يسن فيها الأذان أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الأذان فيها مسنون، وهذا قول أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر، وهو قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي ثور.
والحجة على هذا ما روى عمران بن حصين قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه غزوة أو قال سرية فلما كان آخر الليل عرسنا(3)
__________
(1) تقدم.
(2) أخرجه الترمذي والنسائي عن ابن مسعود. ا ه‍جواهر 1/174.
(3) جاء في لسان العرب: والتعريس: نزول القوم في السفر من آخر الليل يقفون فيه وقفة للاستراحة، ثم ينيخون وينامون نومة خفيفة...إلخ. ج6 ص 136.

(2/561)


فما أيقظنا إلا حر الشمس فأمرنا[رسول الله] فارتحلنا ثم سرنا حتى ارتفعت الشمس، ثم نزلنا فقضى القوم حوائجهم، ثم أمر بلالاً فأذن فصلينا ركعتين، ثم أمر بلالاً فأقام فصلى صلاة الغداة(1).
المذهب الثاني: أن الأذان غير مسنون، وهذا قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: ثم يؤذن لها، وهو قول أحمد وأبي ثور.
وقال في الإملاء(2):
إن رجا اجتماع الناس أذن، وإن لم يرج اجتماعهم لم يؤذن. والكلام على الشافعي إنما يتوجه على قوله الجديد، وهو قول مالك والأوزاعي، وأما على قوله القديم فهو موافق لقولنا.
والحجة على ما قاله(3):
__________
(1) جاء الخبر بألفاظ مترادفة ومن عدة طرق، ومن رواته: البخاري والنسائي وأبو داؤد عن أبي قتادة قال: سرنا مع رسول الله ليلة فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله، قال : ((إني أخاف أن تناموا عن الصلاة)) فقال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا واسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ رسول الله وقد طلع حاجب الشمس فقال: ((يا بلال أين ما قلت؟)) فقال: ما ألقيت عليَّ نومة مثلها قط، قال : ((إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء، يا بلال قم فآذن الناس بالصلاة)) فتوضأ فلما ارتفعت الشمس وابيضت قام فصلى بالناس جماعة، وفيه زيادة لأبي داؤد: فما أيقظهم إلا حر الشمس...إلخ، وأخرجه مسلم وأبو داؤد والترمذي عن أبي هريرة في رواية، وأخرج الثانية مسلم والنسائي.
قال في جواهر الأخبار: وفي هذا المعنى روايات وأحاديث أخر، منها: ما أخرجه الموطأ عن زيد بن أسلم قال فيه: ...فاستيقظ القوم وقد فزعوا، فأمرهم رسول الله أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي. ا ه‍1/172، وفي روايات: أنهم كانوا في غزوة خيبر، وأخرى: في تبوك، وروايات لم تذكر فيها الغزوة، وإنما جاء فيها: سرنا مع رسول الله ليلة...، أو: كنا مع رسول الله في غزاة... والله أعلم.
(2) للشافعي.
(3) من أن الأذان غير مسنون في قضاء الفوائت.

(2/562)


ما روى أبو سعيد الخدري عن النبي ، فإنه لم يذكر الأذان في قصة الخندق، فدل على أنه غير مسنون.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من كون الأذان مسنوناً.
والحجة على ذلك: ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه: أن المشركين شغلوا الرسول عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأذن وأقام للظهر، ثم أقام للصلوات التي بعدها.
ومن وجه آخر، وهو ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي قال: كنا مع رسول الله فلما نزلنا قال رسول الله : ((فمن يكلأنا هذه الليلة " )) فقال بلال: أنا يا رسول الله، قال: فبات بلال مرة قائماً ومرة جالساً حتى إذا كان قبل الفجر غلبته عيناه، فنام فلم يستيقظ رسول الله إلا بحر الشمس، فأمر رسول الله صلى الله عليه الناس فتوضأوا وأمر بلالاً فأذن ثم صلى ركعتين، ثم أمر بلالاً فأقام ثم صلى بهم الفجر، وهذا الخبر كما دل على الأذان فهو بعينه دال على قضاء الفوائت في جماعة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: خبر أبي سعيد الخدري ليس فيه ذكر الأذان، فدل على كونه غير مسنون.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه قد روي عن أبي سعيد الخدري في رواية أخرى تدل على ثبوت الأذان، وأنه أمر بلالاً فأذن وأقام للظهر فسقط التعلق به.
وأما ثانياً: فلأنه محمول على أنه إنما ترك الأذن خوفاً من اللبس لا لكونه غير مسنون.
وأما ما ذكره الشافعي في الإملاء من أنه إذا رجا اجتماع الناس أذن وإن لم يرج اجتماعهم لم يؤذن، فهذا شرط لم تقم عليه دلالة، وليس كلامنا في الجواز، وإنما كلامنا في المسنون الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد دللنا على أن السنة واردة على الأذان في الفائتة، وقد أنكر ابن الصباغ صاحب الشامل هذه، وقال: لعل الشرط لم يصح عند الشافعي.

(2/563)


الفرع الثاني في النوافل: ثم إنها متفقة في أنها لا يسن فيها الأذان ولا يشرع، ثم فيها ما يسن في الاجتماع، ولا يسن فيه الأذان ولا الصلاة جامعة(1)
،
ومنها ما لا يشرع فيه واحد من هذه الأمور الثلاثة فصارت على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول منها: يسن فيه الجماعة ولا يشرع الأذان، ولكن يشرع فيه: الصلاة جامعة، وهذا نحو صلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وهو مما لا يعرف فيه خلاف.
والحجة على هذا ما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: خرج رسول لله صلى الله عليه وآله يوم العيد فصلى من غير أذان ولا إقامة.
الحجة الثانية: ما روى جابر أن النبي خرج يوم العيد فصلى من غير أذان ولا إقامة.
الحجة الثالثة: عن جابر بن سمرة " (2) قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه يوم العيد مرة أو مرتين من غير أذان ولا إقامة(3).
وإنما قلنا: أن هذه الأمور يسن فيها الإجتماع، فلأنه قد جرى عمل المسلمين بذلك، وتوارثوه خلفاً عن سلف من لدن الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا باستحباب الإجتماع فيها.
__________
(1) يقصد، ولا النداء بـ(الصلاة جامعة).
(2) جابر بن سمرة بن جندب بن حبيب، سمع النبي وروى عنه، وعن أبي أيوب الأنصاري وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب، وغيرهم من جلة الصحابة، وعنه: سماك بن حرب وتميم بن طرفة، وجعفر بن أبي ثور، وغيرهم. توفي في ولاية عبد الملك بن مروان سنة 73ه‍. وقيل: 76ه‍بالكوفة، كما جاء في (تهذيب الكمال)4/437.
(3) هذا الحديث بألفاظه ورواياته الثلاث سيأتي في موضعه من صلاة العيدين، أخرج حديث جابر، البخاري ومسلم. وحديث ابن عباس. قال في فتح الغفار: متفق عليه، ورواه أحمد ومسلم وأبو داؤد والترمذي من رواية جابر بن سمرة.

(2/564)


وإنما قلنا: إنه يسن فيها: الصلاة جامعة، فلما روى الزهري عن الرسول أنه كان ينادي في الإستسقاء: الصلاة جامعة، وهكذا يفعل في الكسوفين، وهذا يدل على كونه سنة.
نعم. يحكى عن عبد الله بن الزبير وعمر بن العزيز ومعاوية " (1)
أنهم أمروا بالأذان الشرعي في صلاة العيدين.
والحجة على ذلك: أنها صلاة يسن فيها الإجتماع والطيب ولباس الزينة، فيسن فيها الأذان الشرعي كصلاة الجمعة.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة من منع الأذان الشرعي فيهما، وإنما يقال: الصلاة جامعة.
والحجة على ذلك: هو أن هذه السنن الشرعية وجميع الآداب التعبدية مستندها صاحب الشريعة في أفعاله وأقواله وهي أمور غيبية وليس للأقيسة فيها مجرى، ولم يكن من جهته فيها إلا ما ذكرناه فيجب الإقتصار عليه من غير زيادة.
الضرب الثاني: ما يسن فيه الإجتماع ولا يسن فيه الأذان، ولا قولنا: الصلاة جامعة، وهذا نحو صلاة الجنازة. فإن عمل المسلمين قد دل فيها على الإجتماع، وفعله دال على ذلك ولم يؤثر فيها الأذان ولا قولنا: الصلاة جامعة، فيجب الإعتماد عليه. ومن وجه آخر وهو أنها في نفسها ليست من فرائض الأعيان فيسن فيها الأذان الشرعي ولا من صلاة النوافل فيسن فيها الصلاة جامعة.
__________
(1) معاوية بن أبي سفيان بن حرب. من الطلقاء الذين أسلموا يوم الفتح، ولاَّه عمر بن الخطاب الشام وأقره عثمان مدة ولايته، ثم بعد مقتل عثمان بايع المسلمون الإمام علي وتخلف معاوية عن البيعة، وخرج على الخليفة الشرعي وقاتله، ويرى المؤرخون أنه أول من حول الخلافة إلى ملك، والشورى إلى ولاية عهد.
واعتبر العلامة محمد بن مهدي المقبلي-رحمه الله-: حرب معاوية لعلي حرباً لله ولرسوله، وقال: وقد صح لدينا قوله لعلي: ((حربك حربي، وسلمك سلمي)) انظر: (الأبحاث المسددة) للمقبلي، مات معاوية في رجب سنة 60ه‍، وكانت مدة حكمه عشرين سنة.

(2/565)


قال الإمام زيد بن علي ، الأذان المشروع للصلوات الخمس ولصلاة الجمعة وليس للعيدين ولا للوتر أذان ولا إقامة، فكلامه هذا قد وضح فيه ما يسن فيه الأذان الشرعي وهو الجمعة والصلوات المكتوبة، وأشار إلى ما يسن فيه: الصلاة جامعة، ولا يؤذن فيه الأذان الشرعي وهو صلاة العيدين، وإلى ما لا يسن فيه واحد من الأمرين وهو الوتر.
الضرب الثالث: ما لا يسن فيه الأذان الشرعي ولا يسن فيه الإجتماع ولا يسن فيه: الصلاة جامعة، وما هذا حاله فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول منها: ما يتكرر بتكرر الأعوام والسنين وهذا نحو صلاة الشعبانية وصلاة الرغائب في أول جمعة من رجب.
والقسم الثاني: ما يتكرر بتكرر الأيام والليالي، وهذا نحو الصلوات في أيام الأسبوع ولياليه.
والقسم الثالث: ما ليس له وقت مخصوص، وهذا نحو صلاة التسبيح وغيرها من الصلوات التي لا تختص وقتاً دون وقت مهما اجتنبت الأوقات الثلاثة(1). فهذا حكم الأذان يجري في النوافل على ما ذكرناه.
الفرع الثالث: ويستحب إذا أذن المؤذن والرجل في غير المسجد أن يمشي على التؤده والإرواد دون الفشل والعجلة، لما روى قتادة قال: بينما نحن نصلي مع الرسول [إذ سمع] جلبة فلما فرغ من صلاته قال: ((ما شأنكم))؟ قالوا: استعجلنا للصلاة يا رسول اللّه. قال: ((فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا))(2).
__________
(1) المكروهة فيها النوافل، وهي وقت شروق الشمس ووقت غروبها وقبل زوالها عند الظهيرة.
(2) وهو بلفظه في الجواهر، أخرجه البخاري ومسلم. ا ه‍1/188.

(2/566)


ويستحب إذا كان المسجد واسعاً وسمع الرجل الإقامة أن يمشي رويداً وعليه السكينة والوقار لما روى أبو هريرة عن رسول الله أنه قال: ((إذا أقيمت الصلاة)) أو قال: ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة " ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا)). ويستحب أن لا يقوم المسلمون حتى يقوم الإمام، لما روى أبو قتاده قال: قال رسول اللّه : ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني " )) (1).
ويجوز للإمام إذا عرضت له حاجة بعد الإقامة أن يقف لها، لما روى أنس بن مالك قال: أقيمت الصلاة فعرض للرسول رجل فحبسه بعدما أقيمت الصلاة(2).
الفرع الرابع: ويجوز للإمام إذا عرض له عارض بعد الإقامة أن يخرج من الصف. لما روى أبو هريرة رضي اللّه عنه قال أقيمت الصلاة فسوَّى الناس صفوفهم وتقدم وهو جنب فقال: ((على مكانكم)) فخرج واغتسل ورجع ورأسه يقطر ماء فصلى بهم. وفي حديث آخر أن الرسول خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف، حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر، فانصرف فقال: ((على مكانكم)) فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء وقد اغتسل(3).
__________
(1) أخرجه الستة إلا الموطأ، بزيادة: ((..قد خرجت وعليكم بالسكينة)).
قال في الجواهر: إلا أن النسائي لم يذكر: ((..وعليكم بالسكينة)). المصدر السالف.
(2) وقد جاء في المصدر السالف عن أنس بلفظ: أُقيمت صلاة العشاء فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي بناحية حتى قام القوم أو بعض القوم، أخرجه الستة إلا الموطأ، واللفظ لمسلم، ا ه‍.
…ملاحظة:قوله: فقام النبي بناحية، لعل الصواب: يناجيه. والله أعلم.
(3) أورده ابن بهران بشيء من الاختلاف في اللفظ عن أبي هريرة كما جاء هنا، وقال: أخرجه الستة إلا الترمذي. ا ه‍1/189.

(2/567)


الفرع الخامس: ويستحب للإمام إذا سمع المؤذن في صلاة الفجر وهو في بيته، أن يصلي ركعتي الفجر ثم يضطجع حتى يأتيه المؤذن لما روت عائشة رضي اللّه عنها، قالت: كان رسول اللّه إذا سكت المؤذن في صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر قبل أن يستبين الفجر ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة(1).
وتستحب الصلاة بين كل أذانين، لما روى عبدالله بن مغفل عن الرسول قال: (( " بين كل أذانين صلاة)) مرتين ثم قال في الثالثة ((لمن شاء))(2). وعن أنس بن مالك قال: كان المؤذن إذا أذن للمغرب قام ناس من أصحاب الرسول يبتدرون السواري حتى يخرج الرسول يصلون الركعتين قبل المغرب ولم يكن بين الأذان والإقامة إلا شيء يسير(3).
__________
(1) تقدم.
(2) أخرجه الستة إلا الموطأ. قال في الجواهر: ولا تكرار عند الترمذي وعند أبي داؤد، مرتين، اه‍ 1/189.
(3) تقدم.

(2/568)


---
الفصل الرابع
في صفة الأذان
وصفته ظاهرة، وهي: اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد ألا إله إلا اللّه، أشهد ألا إله إلا اللّه، أشهد أن محمداً رسول اللّه، أشهد أن محمداً رسول اللّه، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، حي على خير العمل، حي على خير العمل، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلا الله. هذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في عدد كلمات الأذان وفيه مذاهب ستة:
المذهب الأول: عدد كلماته خمس عشرة كلمة، تكبيران في أوله والشهادتان أربع كلمات والحيعلات ست كلمات والتكبيرتان في آخره والشهادة كلمة كملت خمس عشرة وهذا هو رأي الهادي والقاسم والصادق.
والحجة على هذا ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي عن رسول اللّه أنه قال: ((الأذان مثنى مثنى " ..إلخ))(1).
وما روى أبو محذوره أنه قال: علمني رسول اللّه أقول في الأذان: اللّه أكبر اللّه أكبر، مثنى مثنى إلى آخره(2).
__________
(1) روى زيد بن علي عن أبيه عن علي قال: الأذان مثنى مثنى، ويرتل في الأذان ويحدر في الإقامة، ا ه‍مسند الإمام زيد ص 93، قال في الروض: والحديث أخرج نحوه في جمع الجوامع عن الهِزَنَّع بن قيس عن علي إلخ، ونقل عن (التخريج) تضعيف الدارقطني للهزنع، إلى أن قال: وفي شرح التجريد للمؤيد بالله بسنده: كان أصحاب عبد الله بن مسعود وعلي يشفعون الأذان والإقامة. ا ه‍، ورجال هذا الإسناد ثقات. ا ه‍روض ج1 ص524.
(2) هذه إحدى روايات أبي داؤد عن أبي محذورة أن رسول الله علمه لأذان يقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله)) إلى آخره.
قال في الجواهر: وقال أبو داؤد في حديث مالك بن دينار، قال: سألت ابن أبي محذورة، قلت: حدثني عن أذان أبيك عن رسول الله قال: الله أكبر الله أكبر، فقط ا ه‍ج1 ص 190.

(2/569)


وعن بلال أنه قال: أذنت خلف رسول اللّه مثنى مرتين مرتين(1).
المذهب الثاني: أن عدد كلماته سبع عشرة كلمة زاد على ما ذكره الهادي تكبيرتين في أوله وهذا هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة ومحمد.
والحجة على هذا: ما روي عن أبي محذورة " (2)
__________
(1) ورد الحديث في الروض ج1 ص 526، وفي الجواهر ج1 ص 190 من طريق عبد الرزاق الصنعاني بسنده عن الأسود [بن يزيد] عن بلال: أنه كان يثني الأذان والإقامة، وفي الجواهر: روي عن عون بن أبي حنيفة عن أبيه قال: أذان بلال وراء رسول الله بمنى مرتين مرتين وأقام كذلك. ا ه‍، وهو مروي من عدة طرق ووارد في مسندات عدة.
(2) أبو محذورة القرشي الجمحي، واسمه: أوس. وقيل: غير ذلك، صحابي مشهور، روى عن الرسول وكان أحد مؤذنيه بمكة.
قال ابن حبان: إنه مات بعد أبي هريرة، وقبل سمرة بن جندب ما بين ثمان وخمسين إلى ستين، وفي هذا إشارة إلى الحديث الشريف الذي رواه أبو محذورة قال: كنت أنا وأبو هريرة وفلان في بيت فقال النبي : ((آخركم موتاً في النار)). فمات أبو هريرة، ثم مات أبو محذورة، ثم مات ذلك الرجل، كما جاء في رواية الحديث عن أبي محذورة (علي بن زيد بن صوحان عن أوس بن خالد) (تهذيب التهذيب) 1/343، وذلك الرجل الثالث هو سمرة بن جندب كما يفهم من قول ابن حبان السالف.

(2/570)


أنه القى عليه الأذان الرسول بنفسه، وقال: اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر.. أربعاً، أشهد ألا إله إلاَّ الله مرتين أشهد أن محمداً رسول اللّه مرتين إلى آخره(1).
__________
(1) ويقابل إحدى روايات أبي داؤد السالفة في تثنية الأذان روايته هذه لهذا الحديث. ولفظه كما في الجواهر: عن أبي محذورة، قال: ألقى علي رسول الله النداء هو بنفسه، فقال: ((قل: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله)) ثم قال: ((إرجع فمد بهذه صوتك: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)) ا ه‍، المصدر السالف.
قال في الروض النضير عن حديث تثنية التكبير: وظاهر الحديث حجة للصادق والقاسم والهادي ومالك وأبي يوسف. قال: واحتجوا أيضاً بما أخرجه ابن خزيمة والديلمي عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة، أنه قال: إن النبي أمر نحو عشرين رجلاً فأذنوا، فأعجبه صوت أبي محذورة فعلمه الأذان مثنى إلا التهليل.
قال الطفاري: سنده صحيح، إلى أن قال السياغي رحمه الله: وعند الباقر والنفس الزكية وأحمد بن عيسى والناصر للحق والمؤيد بالله والإمام يحيى ومحمد بن منصور، ان التكبير في أول الأذان أربع، ونسبه في (المنهاج) والقاضي (زيد) في شرحه إلى زيد بن علي وجده علي وحمل حديث الأصل على تغليب أكثر ألفاظ الأذان، والإقامة على أقلها، واحتجوا بحديث عبد الله بن زيد إلى آخره، وقد تقدم. ا ه‍1/527 ملخصاً.

(2/571)


المذهب الثالث: أن الأذان تسع عشرة كلمة، التكبير في أوله أربع مرات، وابتداء الشهادتين أربع كلمات والترجيع فيهما أربع كلمات والحيعلتان أربع كلمات والتكبير في آخره كلمتان والتهليل في آخره كلمة و احدة كملت تسع عشرة كلمة، هذا كله في غير الفجر فأما في الفجر فتكون عدة كلماته إحدى وعشرين كلمة لأن التثويب كلمتان وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى أبو داود في سننه عن أبي محذورة قال: قلت يا رسول اللّه علمني سنة الأذان، قال: فمسح مقدم رأسي وقال: ((قل: اللّه أكبر)) وذكر ما قلناه إلى آخر.
المذهب الرابع: أن عدد كلماته سبع عشرة كلمة التكبير في أوله كلمتان وابتداء الشهادتين أربع كلمات والترجيع فيهما أربع كلمات والتكبير في آخره كلمتان والشهادة كلمة واحدة والحيعلتان (1)
أربع كلمات كملت سبع عشرة كلمة وهذا هو رأي مالك.
والحجة على هذا: أما حجته على تثنية التكبير فما حكيناه عن الهادي والقاسم. وحجته على باقي كلمات الأذان ما حكيناه عن الشافعي.
المذهب الخامس: أن الأذان خمس عشرة، التكبير في أوله أربع مرات والشهادتان أربع كلمات والحيعلتان أربع كلمات والتكبير في آخره كلمتان والشهادة كلمة واحدة فهذه خمس عشرة كلمة، وهذا هو رأي أبي حنيفة، وأسقط الترجيع من الأذان وهو أربع كلمات فإذا سقط من تسع عشرة أربع بقي خمس عشرة كلمة.
المذهب السادس: أن الأذان ثلاث عشرة كلمة، التكبير في أوله كلمتان؛ لأنه لا يقول بالتربيع، والشهادتان أربع كلمات، والحيعلتان أربع كلمات، والتكبير في آخره كلمتان والشهادة كلمة واحدة، وأسقط الترجيع من الشهادتين وأسقط تكبيرتين من أوله وإذا سقط ست كلمات من تسع عشرة بقي ثلاث عشرة، وهذا هو رأي أبي يوسف. فهذا تقرير الخلاف في أعداد كلمات الأذان.
__________
(1) في كلمات هذا المذهب تقديم التكبير وتأخير الحيعلتين (حي على الصلاة، حي على الفلاح) كما هو في الأصل.

(2/572)


الفرع الثاني: في بيان أحكام الأذان وجملتها عشرة:
الحكم الأول: في التربيع وفيه مذهبان:
المذهب الأول: أن التكبير في أول الأذان مرتين، وهذا هو رأي الإمامين الهادي والقاسم ومحكي عن الصادق وعبدالله بن الحسن وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
والحجة على هذا: ما قدمناه عن زيد بن علي وعن أبي محذورة وعن بلال، فإن أخبارهم كلها دالة على كون الأذان مثنى مثنى، ونزيد هاهنا وهو ما رواه عبدالله بن زيد الأنصاري قال: رأيت شخصاً نزل من السماء فاستقبل القبلة وقال: اللّه أكبر اللّه أكبر، وروى عمار بن سعد القرظي " (1)
عن سعد وكان مؤذناً لرسول اللّه بقبا أنه سمعه يقول: هذا أذان بلال الذي أمره به رسول اللّه، وهو: اللّه أكبر اللّه أكبر مرتين(2).
المذهب الثاني: أن التكبير في أوله أربع تكبيرات وهذا هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن الصادق في رواية ومروي عن الباقر وقول الفريقين الشافعية والحنفية(3).
__________
(1) هو عمار بن سعد القرظي المؤذن، هكذا في تجريد أسماء الصحابة ص 394، وفي تهذيب التهذيب: سعد بن عمار بن سعد القرظ المؤذن، روى عن أبيه عن جده ا ه‍1/696، وفي الجزء الثالث من التهذيب ص 202: عمار بن سعد بن عابد المؤذن المعروف أبوه بسعد القرظ (بفتحتين على القاف والراء) لذا لزم التنبيه، وأطلق عليه ابن بهران في الجواهر: عثمان بن سعد القرضي، وهو عمار.. كما سبق، ثم قال: والصواب أنه سعد القرظ بإضافة سعد إلى القرض بفتح القاف.
(2) أورده ابن بهران بزيادة.. وإقامته الله أكبر الله أكبر، لم يزد على مرتين. حكاه في (الشفاء).اه‍.
(3) في حاشية الأصل ما لفظه: قال الأمير الحسين بن محمد في كتابه (شفاء الأوام): وذهب زيد بن علي والنفس الزكية والباقر والصادق وأحمد بن عيسى وأبو عبد الله الداعي والناصر للحق والمؤيد بالله، إلى أن التكبير في أول الأذان والإقامة أربع مرات. ا ه‍.

(2/573)


والحجة على ذلك: ما روي عن أبي محذورة أنه قال: ألقى عليَّ رسول اللّه الأذان بنفسه فقال: ((قل: اللّه أكبر " ، اللّه أكبر أربع مرات)).
والمختار: ما قاله الإمامان الناصر والمؤيد بالله.
وحجتهم: ما ذكرناه عنهم، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن علي أنه قال: الأذان هكذا اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر الله أكبر أربعاً.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه من خبر زيد بن علي وأبي محذورة وبلال أن الأذان مثنى مثنى في تكبيره.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن خبرنا مشتمل على الزيادة فكان مختصاً بفائدة فلهذا كان راجحاً على غيره مما لم يفد تلك الفائدة.
وأما ثانياً: فلأن خبرنا رواه أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه، وما رواه فهو في نهاية القوة والوثاقة،والأخبار إنما تكون راجحة تارة بالإضافة إلى متنها باشتمالها على الزيادة والفائدة ومرة بالإضافة إلى قوة الراوي ووثاقته، ولا شك أن أخبارنا قد جمعت هذين الوجهين اشتمالها على الزيادة وقوة الراوي وصلابته في الدين، فما يرويه أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه لا تساويه رواية غيره لما خصه اللّه تعالى به من القوة والضبط في الرواية والورع والصلابة في الدين وهي راجحة على غيرها من كل الوجوه.
الحكم الثاني: في الترجيع. ومحله الشهادتان، وصورته: أن ينطق بالشهادتين أولاً يخفض بهما صوته ثم يرجع يمد بهما صوته. وهل يكون الترجيع مشروعاً في الأذان أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير مشروع في الأذان، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية وهو قول الحنفية.

(2/574)


والحجة على هذا: ما روي أن الرسول لما همه أمر الإعلام بالصلاة فطلب شيئاً يدعو به المسلمين للصلاة فذكروا النار فقيل إنها من عادة المجوس، ثم ذكر الشبَّور وهو البوق، فقيل إنه من عادة اليهود، ثم ذكروا الناقوس فقيل إنه من عادة النصارى، حتى كان ما كان من أمر اللّه بالمعراج به إلى السماء أو ما كان من ليلة الإسراء ففرض عليه الأذان فأمر بلالاً وسائر مؤذنيه من غير ترجيع(1).
المذهب الثاني: أن الترجيع مشروع وهذا هو رأي الشافعي ومالك.
والحجة على ذلك: ما رواه أبو سعيد القرظي(2)
أن الرسول أمره بالترجيع وأن سعداً أول من رجع.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة.
والحجة عليه ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو ما رواه أصحاب الشافعي عن عمر وعبدالله بن زيد في الرؤيا التي رأياها في ابتداء الأذان وأمرهما رسول اللّه ، ولم يذكر فيهما ترجيعاً في الشهادتين فدل ذلك على أنه غير مشروع.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روى أبو سعد القرظي أنه أذن بالترجيع.
قلنا: هذه رواية شاذة لا يعمل عليها والمشهور من الرواية هو ما ذكرناه.
قالوا: عمل أهل الحرمين على الترجيع فيجب قبوله.
قلنا: الحجة إنما هو كلام الرسول وإجماع الأمة، فأما أهل الحرمين فأقوالهم ليست حجة بحال، فبطل ما عولوا عليه وصح أنه غير مشروع.
الحكم الثالث: في التأذين بحي على خير العمل، هل هو مشروع في الأذان أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) يمكن التنبيه هنا إلى أن الإسراء والمعراج كما هو معروف كانا في ليلة واحدة في مكة، وأن الأذان فرض في تلك الليلة على أرجح أراء أئمة وفقهاء المذهب، ولكن إعلان بلال بالأذان بأمر الرسول كان في المدينة، ولذا لزم التنبيه لإزاحة أي لبس قد يفهم من كلام المؤلف غير مقصود، والله أعلم.
(2) هكذا في الأصل، والصواب: سعد القرظ، كما سبق في الترجمة آنفاً، وكما أورد المؤلف في آخر هذه الحجة بقوله: ...وأن سعداً أول من رجع.

(2/575)


المذهب الأول: أنه مشروع في الأذان معمول عليه، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية لايختلفون فيه وأنه كان ثابتاً في زمن الرسول إلى يومنا هذا، وهو رأي فرق الزيدية متفقون عليه.
والحجة على ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال: سمعت رسول اللّه يقول: ((اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة " ))(1)
وأمر بلالاً أن يؤذن بحي على خير العمل، وهذا خبر قوي لا يوازيه في صحة العمل به إلا آية من كتاب اللّه تعالى لصحة سنده ومتنه.
الحجة الثانية: ما رواه القاسم عن الرسول ، أنه أمر بالتأذين بحي على خير العمل وكان القاسم يعمل به ويجعله في أذانه، وفي هذا دلالة على صحة نقله ولهذا عمل به واختاره لنفسه كما يعمل على سائر الأخبار المنقولة من جهة الرسول .
الحجة الثالثة: ما روى محمد بن منصور في كتابه (الجامع) (2)
بإسناده عن رجال مرضيين عن أبي محذورة أحد مؤذني رسول اللّه ، أنه قال: أمرني رسول اللّه أن أقول في الأذان: حي على خير العمل(3).
فهذا نص صريح في صحة التأذين به.
__________
(1) رواه أبو العباس الحسني بسنده عن أحمد بن عيسى عن أبيه عن جده عن علي قال: سمعت رسول الله يقول: ((إن خير أعمالكم الصلاة)) وأمر بلالاً أن يؤذن بحي على خير العمل. هكذا في الاعتصام، وفيه عن أبي العباس الحسني بسنده عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول في أذانه: حي على خير العمل. ا ه‍1/309.
(2) الجامع الكافي.
(3) أورده في الاعتصام عن أبي بكر المقري بسنده إلى عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة قال: علمني رسول الله الأذان كما يؤذنون الآن: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، حي على خير العمل حي على خير العمل، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. ا ه‍. 1/309.

(2/576)


الحجة الرابعة: ما روى نافع عن إبن عمر رضي اللّه عنه، أنه زاد في أذانه: حي على خير العمل، ومثل هذا لا يقوله عن نظر واجتهاد وإنما يقوله عن توقيف من جهة الرسول لا مساغ للإجتهاد فيه بحال.
الحجة الخامسة: ما روى أبو بكر بن أبي شيبة " (1)
عن علي بن الحسين " (2)
__________
(1) واسمه: عبد الله بن محمد بن إبراهيم العبسي مولاهم، يأتي في مقدمة الأسماء المنتشرة في كتب الأسانيد والصحاح وتراجم رجال الحديث، روى عن أبي الأحوص وعبد الله بن إدريس وابن المبارك، ووكيع وابن عيينة وغيرهم. وروى عنه: البخاري ومسلم وأبو داؤد وابن ماجة، وكان مشهوراً بحفظ الحديث ورجاله، وثقه أعلام من أصحاب الصحاح ورواة الحديث، توفي سنة 235ه‍. ا ه‍ملخصاً من (التهذيب) 6/3. و(طبقات الحفاظ) 1/192.
(2) علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين، روى عن أبيه وعمه الحسن بن علي، عن جده علي، وروى عن ابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين، وروى عنه أولاده محمد وزيد وعبد الله وعمر، وطاووس والزهري وأبو الجناد وغيرهم، كان أشهر أهل عصره بالعبادة، ولذا لقب: زين العابدين، قال ابن سعد عنه: كان ثقة مأموناً كثير الحديث عالياً رفيعاً ورعاً. وابن عيينة عن الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل من علي بن الحسين، وقال حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد: سمعت علي بن الحسين وكان أفضل هاشمي أدركته...إلخ، وصفاته في التقوى والورع والزهد والعلم والعبادة مدونة في كل كتب التراجم، ولد سنة 33ه‍، وكان مع أبيه سيد الشهداء عندما استشهد بكربلاء يوم عاشوراء سنة 61 ه‍، مات سنة 100ه‍وقيل: سنة 99ه‍. ا ه‍ ملخصاً.

(2/577)


أنه كان يؤذن فإذا بلغ حي على الفلاح قال: حي على خير العمل(1).
ومثل هذه لا يصدر إلا من جهة الرسول لأنه أمر توقيفي لا مساغ للاجتهاد فيه.
الحجة السادسة: ما روى زيد بن علي عن أبيه علي بن الحسين أنه كان يقول في أذانه: حي على خير العمل. ولنكتف بما أوردناه من هذه الأخبار ففيها كفاية وفيها تصريح بما نريده من كونه مشروعاً في الأذان.
المذهب الثاني: أنه غير مشروع في الأذان، وهذا هو رأي الفقهاء عن آخرهم لا يختلفون في إنكاره ورده.
والحجة لهم على ما قالوه: هو أن خبر عبدالله بن زيد وخبر عمر فيما رويا في ابتداء الأذان في تلك الرؤيا، لم يذكرا حي على خير العمل. وفي هذا دلالة على كونه غير مشروع.
الحجة الثانية: روي عن علي بن الحسين أنه كان يؤذن في صلاته، فإذا بلغه(2)
قال: حي على خير العمل مرتين، وقال لأصحابه هذا هو الأذان الأول، وفي كلامه هذا دلالة على كونه منسوخاً.
الحجة الثالثة: أن عمر أمر بكفه عن التأذين به ولو كان مشروعاً من جهة الرسول لم يكن له أن يكفه ويأمر بتركه؛ لأن كل ما كان من جهة الرسول فلا يجوز لأحد تركه برأيه واجتهاده. فهذه الأمور كلها دالة على كونه غير مشروع في الأذان.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وعمل عليه الأكابر من أهل البيت واختاروه قولاً وعملاً.
وحجتهم على ذلك: ما نقلناه عنهم من الاحتجاج، ونزيد هاهنا وهو أن التأذين بحي على خير العمل، إجماع أهل البيت، وإجماعهم حجة.
__________
(1) جاء في الاعتصام من طريق ابن أبي شيبة قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، وهو ثقة من رجال البخاري ومسلم، عن جعفر بن محمد عن أبيه الباقر. ومسلم بن أبي مريم، وهو مسلم بن يسار المزني، وهو ثقة من رجال البخاري، أن علي بن الحسين× كان يؤذن فإذا بلغ: حي على الفلاح، قال: حي على خير العمل، ويقول: هو الأذان الأول وإنه أذان النبي. ا ه‍1/310.
(2) درج المؤلف على استخدام ضمير المذكر لكلمة (حي على خير العمل).

(2/578)


وإنما قلنا: إنهم أجمعوا فهذا ظاهر فإنه لم ينقل عن أحد منهم إنكاره وإنهم عاملون عليه معترفون بصحته ولو أنكره منهم منكر لنقل كما في سائر المسائل الخلافية، فلما لم ينقل دل على اتفاقهم عليه.
وأما أن إجماعهم حجة فللآية والخبر، أما الآية فقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً " } [الأحزاب:33]. فظاهر هذه الآية دال على تطهيرهم من جميع الأرجاس كلها، والمعاصي من جملة الرجس فيجب تبرئتهم عنها، ولا نريد بكون إجماعهم حجة إلا أنهم لا يجمعون على خطأ. وأما الخبر فقوله : ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا " كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض))(1)
فظاهر هذا الخبر دال على وجوب التمسك بالكتاب والعترة، ولن يكون الأمر هكذا إلا وهم معصومون فيما أجمعوا عليه عن الخطأ والزلل، وقد دللنا في كتبنا الأصولية على أن إجماعهم حجة وأجبنا عن الأسئلة الواردة على الآية والخبر فمن أرادها فليأخذها من كتاب (الحاوي)(2)
فإنه يجد فيه ما يشفي ويكفي من ذلك، ووضحنا أن الأدلة الشرعية الدالة على كون إجماع العترة حجة أصرح وأقوى من الأدلة الدالة على أن إجماع الأمة حجة لما فيها من التصريح بالغرض المقصود.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه حجة لهم.
قالوا: خبر عمر وعبدالله بن زيد في الرؤيا التي قررها الرسول في ابتداء الأذان ليس فيها ذكر التأذين بحي على خير العمل.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) تقدم تخريجه في المجلد الأول.
(2) الحاوي لحقائق الأدلة الفقهية) أحد كتب المؤلف المشهورة في أصول الفقه، ثلاثة مجلدات. اه‍(مؤلفات الزيدية) للسيد أحمد الحسيني 1/315.

(2/579)


أما أولاً: فلأنا قد قررنا أن الإعتماد في إبتداء الأذان إنما هو على ما أوضحناه من حديث المعراج وحديث الإسراء وأن إبتداءه ما كان إلا في هاتين الحالتين فأغنى عن التكرير والإعادة.
وأما ثانياً: فلأنه ولو لم يذكر في حديث عمر وعبدالله بن زيد فهو مذكور في غيرهما كما قررناه في تلك الأحاديث التي رويناها.
قالوا: روي عن علي بن الحسين انه كان يؤذن في صلاته فإذا بلغ إلى حي على خير العمل، قال لأصحابه هذا هو الأذان الأول، وفي هذا دلالة على كونه منسوخاً بما بعده من صفة الأذان.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فالأصل هو الثبوت ولا يقدم على نسخ الآي والأخبار إلا بدلالة تزيل حكمه ولا دلالة تدل على نسخه، ومجرد الدعوى لا يعمل عليها ولا يلتفت إليها.
وأما ثانياً: فلأنه محمول على أنه لم يكن من الأذان الأول الذي نزل به جبريل يوم المعراج أو ليلة الإسراء ولكن الرسول أوضحه من بعدُ وليس على الرسول فيما أوضحه من أمور الشريعة في التقدم والتأخر حرج، فإليه الأمر في ذلك على قدر ما يراه من المصلحة الشرعية.
قالوا: إن عمر أمر بتركه ولو كان من جهة الرسول لم يكن له أن يأمر بتركه لأن ما كان من جهة الرسول وجب امتثاله والمسارعة إلى فعله.
قلنا: عما ذكروه أجوبة ثلاثة:
الجواب الأول: أن إسقاطه من الأذان فيه دلالة على أنه كان ثابتاً في أيام الرسول وفي خلافة أبي بكر، ولولا ثبوته في هذه الأزمنة ما أمر بإسقاطه.

(2/580)


الجواب الثاني: أن إسقاطه إنما كان لغرض ديني قد رآه عمر واستصلحه للمسلمين خوفاً من الإتكال على الصلاة لما كانت خير الأعمال(1)
فيقع التساهل في الجهاد والإعتماد على الصلاة فأراد إحياء أمر الجهاد بما فعله، وإذا رأى من يلي أمر المسلمين منعهم عن بعض المسائل الاجتهادية لمصلحة رآها جاز له ذلك، ولم يكن لأحد الإعتراض عليه.
__________
(1) وفي هذا أورد ابن بهران عن علي بن الحسين زين العابدين، أنه كان يؤذن فإذا بلغ حي على الفلاح، قال: حي على خير العمل، ويقول: هو الأذان الأول، وفيه عن محمد بن علي بن الحسين أنه قال: وكانت هذه الكلمة في الأذان فأمر عمر بن الخطاب أن يكفوا عنها مخافة أن تثبط الناس عن الجهاد ويتكلوا على الصلاة. ا ه‍، قال ابن بهران: قلت: وحكى سعد الدين التفتازاني في حاشيته على شرح العضد عن عمر أنه كان يقول: ثلاث كن على عهد رسول الله أنا أحرمهن وأنهى عنهن: متعة الحج، ومتعة النكاح، وحي على خير العمل. ا ه‍جواهر 1/192، وهو في الاعتصام كما جاء، وأورد الإمام القاسم فيه عن كتاب السنام ما لفظه: الصحيح أن الأذان شرع بحي على خير العمل لأنه اتفق على الأذان به يوم الخندق، ولأنه دعاء إلى الصلاة، وقد قال رسول الله : ((خير أعمالكم الصلاة))، وقد اتفق أيضاً على أن ابن عمر والحسن والحسين وبلال وجماعة من الصحابة أذنوا به، حكاه في شرح الموطأ وغيره من كتبهم. ا ه‍1/310.

(2/581)


الجواب الثالث: أن عمر لما رأى اتساع ملك الإسلام وانفتحت الأقطار والأقاليم وقوي الأمر، خشي أن الناس يتكاسلون عن الجهاد ويتكلون على الصلاة والصيام وأنواع القربات ويتركون الجهاد، فلهذا أمر بقصره من أجل ما ذكرناه، وهذا توهم لا وجه له وإن اللّه تعالى قد خص المجاهدين بما خص فقال تعالى: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا " } [النساء:95]. فأخبر اللّه تعالى أن ثواب المجاهد أعظم من ثواب القاعد الذي ليس بمجاهد وإن كان يصلي ويصوم ويحج ويعتمر فدل ما ذكرناه على ضعف هذا التوهم. فأما ما حكاه النيروسي عن الإمام القاسم من إسقاط هذه الكلمة حي على خير العمل من الأذان فهو وهم وخطأ من النيروسي لأمرين:
أحدهما: أن الإمام إنما حكى قول المخالفين في إسقاطها من الأذان وليس مذهباً له وإنما وهم النيروسي في اضافته إليه على أنه مذهب له وهو غير قائل به و إنما نقل مذهب المخالفين ليرد عليهم ما زعموه.
وثانيهما: أن أخباره التي رواها عن الرسول وأقواله ورده على من خالف مؤذنه بخلاف ما قاله النيروسي فإذن لا وجه لما قاله.
قاعدة: اعلم أنا لا ننكر فضل الفقهاء ولا إحرازهم لمنصب الاجتهاد وهم الغواصون في أسرار الشريعة والمتبحرون في علومها، لكنا نقول إنهم ما أنصفونا في إنكار هذه الكلمة وإسقاطها من الأذان وقوتها ظاهرة من جهات ثلاث:
الجهة الأولى: ما نقلناه من الأخبار المروية عن الرسول من الرواة الذين يوثق بهم وبرواياتهم كأمير المؤمنين وزيد بن علي وعلي بن الحسين وابن عمر وأبي محذورة وبلال وغيرهم من جلَّة الصحابة والتابعين، فإنها دالة على إثباتها في ألفاظ الأذان.

(2/582)


الجهة الثانية: ما قررناه وأوضحناه من إجماع أهل البيت عن آخرهم على ثبوتها واتفاقهم على ذلك، وأن إجماعهم حجة قاطعة كإجماع الأمة ولا يفترقان في كونهما قاطعين فيما دلا عليه خلا أن إجماع الأمة مخالفه يفسق بظاهر الآية بخلاف المخالف لإجماع العترة فإنه لا يفسق ولكن يأثم ويخطئ لمخالفة القاطع.
الجهة الثالثة: المعارضة بالتثويب وهو قولهم: ((الصلاة خير من النوم " )) فإذا كانوا قد قبلوا هذه الكلمة وليس فيها نص من جهة الرسول ولا دل عليها دليل شرعي، ولكن مستندها أمران: إما استصلاح عمر من نفسه من غير نقل من جهة الرسول مخافة أن يترك الناس الجهاد ويتكلوا على الصلاة(1).
__________
(1) عبارة: مخافة أن يترك الناس الجهاد ويتكلوا على الصلاة جاءت هنا في الأصل، ويبدو أن محلها في مبحث الكلام على (حي على خير العمل) وأنها جاءت هنا خطأ، والله أعلم.

(2/583)


وإما كلام بلال لما أراد أن يؤذن الرسول للصلاة قالوا: إنه نائم. فقال: الصلاة خير من النوم(1)،
فإذا قبلوا التثويب مع ما فيه من الضعف في تقريره وثبوته، كيف لا يقبلون هذه الكلمة مع ما فيها من مزيد القوة كما أوضحناه، فلينظر الناظر فيما ذكرناه وليحقق ما بين الكلمتين من الضعف والقوة وما بينهما من التفرقة في الرد والقبول، وغاية ما نقول: تحسين الظن بأحوالهم وأن المسألة اجتهادية وكل مجتهد فيها مصيب كما في غيرها من المسائل الفقهية.
__________
(1) أورده في الجواهر بلفظه نقلاً عن الانتصار: وعلق ابن بهران على الخبر بقوله: قلت: المعروف أن هذه القصة إنما وقعت لعمر ومؤذنه كما أخرجه في الموطأ، والمروي في ذلك عن بلال ما أخرجه الترمذي عنه قال: قال رسول الله : ((لا تثوبن في شيء من الصلاة إلا في صلاة الفجر)) ا ه‍/193، وفي هذا الباب روايات كثيرة كما أشار إليها في الجواهر بأن التثويب كان على عهد عمر فيما أورده عن مالك ما بلغه أن المؤذن جاء (إلى) عمر يؤذنه بصلاة الصبح فوجده نائماً، فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أن يجعله في نداء الصبح، أخرجه الموطأ، وروي عن عمرو بن حفص أن جده سعد القرظ أول من قال: الصلاة خير من النوم بخلافة عمر ومتوفى أبي بكر، فقال عمر: بدعة، هكذا في أصول الأحكام، ومثله في الشفاء إلا قوله: وقال عمر: بدعة، وفيه عن مجاهد قال: دخلت مع ابن عمر مسجداً وقد أذن فيه ونحن نريد أن نصلي فيه، فثوب المؤذن فخرج عبد الله بن عمر من المسجد وقال: أخرج بنا من عند هذا المبتدع، ولم يصل فيه، أخرجه الترمذي، وقد رُوي عن ابن عمر أنه كان يقول في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، ا ه‍، وفي رواية أبي داؤد إن مجاهد قال: كنت مع عبد الله بن عمر فثوب رجل في الظهر والعصر، فقال: اخرج بنا فإن هذه بدعة، ا ه‍، وفي الشفاء عن طاووس أنه قال له رجل: متى قيل: الصلاة خير من النوم؟ فقال: أما إنها لم تقل على عهد رسول الله .

(2/584)


الحكم الرابع:في التثويب في الأذان، والتثويب في اللغة هو الرجوع إلى الشيء بعد الخروج عنه، قال اللّه تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ " } [البقرة: 145] أي: يرجعون إليه مرة بعد أخرى، وقال الشاعر:
وكل حي وإن طالت سلامته ... يوماً له من دواعي الموت تثويب
وفي صفته ثلاثة أقوال:
فالقول الأول: تثويب أهل العراق، وهو أن يقول بعد الأذان: حي على الصلاة حي على الفلاح.
القول الثاني: أن يقول بعد الإقامة للصلاة: يرحمكم اللّه، وهو محكي عن أهل العراق أيضاً.
القول الثالث: أن يقول: الصلاة خير من النوم(1)،
وهو المحكي عن الشافعي وأين يكون محله؟ فيه ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه مخصوص بأذان الفجر بعد قوله حي على الفلاح، وهذا هو قول الشافعي.
القول الثاني: أنه يكون في جميع الصلوات، وهذا هو قول أبي يوسف.
القول الثالث: أنه يكون في صلاة العتمة، وهذا هو قول الحسن بن صالح. وهل يكون مشروعاً في الأذان أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير مشروع، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الشافعي في الجديد.
__________
(1) جاء في حاشية الأصل ما لفظه: قال ابن الأثير: والأصل في التثويب أن يجيء الرجل مستصرخاً ليُرى ويشتهر، فسمي الدعاء تثويباً، وكل داعٍ مثوب، وقيل: إنما سمي الدعاء تثويباً من ثاب يثوب، إذا رجع، وهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلىالصلاة، فإن المؤذن إذا قال: حي على الصلاة. فقد دعا إليها، فإذا قال: الصلاة خير من النوم. فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها، ذكره في النهاية.اه‍.

(2/585)


والحجة على هذا: ما روى سعد القرظي أن أول من قال: الصلاة خير من النوم في صلاته عمر بن الخطاب بعد وفاة أبي بكر، فقال ابن عمر: هذه بدعة، وعن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه سمع مؤذناً في أذان الفجر يقول: الصلاة خير من النوم. فقال: لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه. قال القاسم : الصلاة خير من النوم، محدث ضعيف أحدثوه في زمان عمر.
قال السيد أبو طالب: التأذين به عندنا بدعة(1).
الحجة الثانية: روى ابن أبي شيبة قال جاء رجل يؤذن عمر بصلاة الفجر فقال: الصلاة خير من النوم، فأعجب عمر بذلك فأمره أن يجعلها في أذانه. وموضع الدلالة من هذا الخبر يكون من أوجه ثلاثة:
أولها: أنه لم يكن في أذان رسول الله وأن الرجل تفرد بها وأمره عمر.
وثانيها: أنه لو كان مشروعاً في الأذان لم يعجب به عمر لأن الأذان الشرعي كان معهوداً لعمر.
وثالثها: أن عمر أمره بها، وفيه دلالة على أنه لم يؤذن بها من قبل.
المذهب الثاني: أنها مشروعة في الأذان، وهو أن يقول: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، بعد قوله: حي على الفلاح، وهذا هو قول الشافعي في القديم، ومحكي عن مالك والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور، فأما أبو حنيفة فعنه في التثويب خمس روايات:
الرواية الأولى: حكاها الجصاص من أصحابه، وهو أن يقول: الصلاة خير من النوم، بعد قوله حي على الفلاح مرتين كما هو رأي الشافعي.
الرواية الثانية: حكاها الطحاوي، وفيها تثويبان، الأول بعد قول المؤذن: حي على الفلاح، والثاني: بعد الأذان والإقامة.
__________
(1) قال في الجواهر: لفظ هذا الخبر في أصول الأحكام عن الأسود بن يزيد أنه سمع مؤذناً يقول في الفجر: الصلاة خير من النوم، فقال: لا تزيدن في الأذان ما ليس منه، ومثله في الشفاء إلا قوله: في الفجر. ا ه‍1/193.

(2/586)


الرواية الثالثة: عن محمد بن شجاع " (1)
تثويبان أيضاً، الأول في نفس الأذان والثاني بعد الأذان والإقامة.
الرواية الرابعة: تثويبان أيضاً الأول بعد الأذان والإقامة والثاني حي على الصلاة حي على الفلاح بين الأذان والإقامة.
الرواية الخامسة: عن الحسن بن زياد، أنه ينتظر بعد الأذان بقدر عشرين آية، ثم يقول حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين. فهذا تقرير الخلاف في التثويب.
والحجة على ذلك: ما روى أبو محذورة عن الرسول أنه قال له: ((حي على الفلاح " وإن كان في صلاة الفجر قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم))(2).
الحجة الثانية: روي أن بلالاً جاء إلى الرسول يؤذنه بالصلاة فقيل له إنه نائم، فقال بلال: الصلاة خير من النوم، فقال له رسول اللّه : ((إجعلها في أذانك " ))(3)
فهذا تقرير ما جعلوه عمدة لهم.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة.
وحجتهم على هذا: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن ابن عمر أنه دخل المسجد فسمع المؤذن يثوب للصلاة فقال: أخرجنا عن هذه البدعة(4)،
وروي أن رجلاً سأل طاووس فقال: يا أبا عبدالرحمن متى كان الصلاة خير من النوم؟ فقال طاووس: أما إنه لم تكن على عهد رسول اللّه .
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن رسول اللّه علَّم أبا محذورة أن يؤذن بالتثويب في صلاة الفجر.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) أبو عبد الله، ويعرف بابن الثلجي، قيل عنه: كان فقيه أهل العراق في وقته، طعن أهل الحديث في روايته، وعده صاحب الكامل في الضعفاء 6/291. مات سنة 266ه‍.
(2) أورد الرباعي-رحمه الله- في فتح الغفار عن أنس قال: من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم، رواه ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي وقال: إسناده صحيح، وقال في الخلاصة: قد أخرجه مرفوعاً ابن ماجة من رواية بلال، والنسائي من رواية أبي محذورة، وغيرهم. ا ه‍1/145.
(3) تقدم.
(4) تقدم.

(2/587)


أما أولاً: فإنما كان على جهة التنبيه للناس عن النوم لا أنه مشروع في الأذان.
وأما ثانياً: فلأنه لو كان مشروعاً لما أنكره الأفاضل من الصحابة والتابعين.
قالوا: روي أن بلالاً قال له: الصلاة خير من النوم لما آذنه بالخروج للصلاة.
قلنا: عن هذان جوابان:
أما أولاً: فإنما قاله على جهة التنبيه والإشعار بالصلاة، ولم يجعله من كلمة الأذان، كقولنا: الصلاة جامعة.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأدلة الدالة على كونه غير مأثور في الأذان.
الحكم الخامس: في التهليل. وهو مشروع في الأذان، وقد أمر رسول اللّه مؤذنيه بالتهليل في آخر الأذان، وهل يكون مفرداً أو مثنى؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن التهليل في آخره مرة واحدة، وهذا هو رأي القاسمية وعامة الفقهاء.
والحجة على هذا: ما روي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه كان يؤذن بالتهليل في آخر أذانه مرة واحدة(1)،
ومثل هذا لا يصدر عن نظر واجتهاد و إنما يصدر عن توقيف من جهة صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه إذ لا مجرى للاجتهاد فيه.
الحجة الثانية: ما كان من مؤذني رسول اللّه ، بلال وأبي محذورة وغيرهما ممن كان مختصاً بالأذان، فإنه لم يرو عن أحد منهم تكرير التهليل في آخره، وفي هذا دلالة على إفراده وتوحيده.
المذهب الثاني: أن التهليل في آخره مثنى، وهذا هو رأي الناصر والباقر والصادق وموسى بن جعفر وإسماعيل بن جعفر وعلى بن موسى الرضا.
والحجة على هذا: ما رووه عن أمير المؤمنين أنه كان يجعل التهليل في أذانه مرتين ويجعل التكبير في أوله أربعاً، وهذا إنما يكون عن شيء سمعه من رسول اللّه لأنه من جملة العبادات التي لاتعلم إلا من جهة الرسول .
والمختار: ما اعتمده أئمة القاسمية من إفراده.
__________
(1) تقدم في حديث مسند الإمام زيد بن علي في صفة الأذان، وفيه التهليل مرة واحدة.

(2/588)


وحجتهم: ما نقلناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن أبي محذورة أنه قال: لقَّنني رسول اللّه الأذان سبع عشرة كلمة(1)
ولن يكون هذا إلا والتهليل في آخره مرة واحدة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن أمير المؤمنين أنه كان يجعل التهليل في آخر أذانه مرتين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه لم يقل أنه من جملة الأذان المشروع وإنما هو على جهة الذكر لاسم اللّه كما في التسبيح والتهليل.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما ذكرناه برواية أخرى عنه دالة على إفراده.
الحكم السادس: الترتيب في الأذان. ومعنى الترتيب أن يؤتى به على الصفة المشروعة من تقديم التكبير ويتلوه كلمة التوحيد وبعدها كلمة الرسالة والشهادة بهما، والحيعلات الثلاث إلى آخر الأذان، وترتيبه واجب فإن نكسه وخالف ترتيبه لم يجزه وأعاده مرتباً، لا يعرف فيه خلاف. ويؤيد ما ذكرناه ما روي عن الرسول أنه علَّم أبا محذورة الأذان مرتباً، ولأن الأذان متميز عن سائر الأذكار بترتيبه فإذا نكس بطل ترتيبه ولم يعلم السامع أن ذلك من الأذان وما كان فيه بطلان الحقيقة فرعايته واجبة.
الحكم السابع: ويستحب رفع الصوت بالأذان لأن المقصود به الإشعار ولا يحصل إلا برفع الصوت إذا كان يؤذن للجماعة، ولقوله : ((يغفر اللّه للمؤذن مدى صوته " ويشهد له كل رطب ويابس))(2).
والمدى هو المدد لكنه أبدل من أحد حرفي التضعيف ألفاً، والمدد: هو الغاية والمنتهى وله معنيان:
__________
(1) تقدم في الخبر الذي أورده القاسم في الاعتصام، وفيه: حي على خير العمل، والتهليل مرة واحدة من طريق أبي بكر المقري بسنده.
(2) تقدم، وهو في فتح الغفار عن أبي هريرة بلفظ: أن النبي قال: ((المؤذن يغفر له مد صوته، ويشهد له كل رطب ويابس)) رواه الخمسة إلا الترمذي، ورواه ابن خزيمة وابن حبان وصححاه. ا ه‍1/145.

(2/589)


أحدهما: أن يريد أن اللّه يغفر له مدى صوته، أي يرفع له درجات عالية في الجنة فوضع المغفرة مكان جزائها لأنها سبب فيه.
وثانيهما: أن يريد أن اللّه تعالى يكرر عليه العفو والمغفرة بمقدار تقطيع صوته في الأذان. وكلاهما لا غبار عليه.
ويكره رفع الصوت بحيث يخشى انشقاق حلقه لما روي أن عمر قال لأبي محذورة وقد بالغ في رفع صوته: أما خشيت أن تنشق مريطآؤك والمريطأ ما بين السرة والعانة ويجوز فيها المد والقصر والغالب هو المد فيها. وإن أذن في نفسه لم يرفع صوته لأنه لا يحتاج فيه إلى الإعلام(1).
الحكم الثامن: ويستحب التطريب في الأذان، والتطريب هو حسن الصوت مع البيان لما روي عن الرسول أنه قال: ((زينوا القرآن بحسن أصواتكم " فإن حسن الصوت يزيد القرآن حسناً)) (2)
وإذا جاز ذلك في القرآن جاز في الأذان؛ لأن المقصود هو خشوع القلب بالإقبال إلى الصلاة، ولما روي أنه قال لأسيد بن حضير(3)
__________
(1) المريطاوان: عرقان في مراقّ البطن عليهما يعتمد الصائح، ولا يتكلم بها إلا مصفرة تصغير مرطاء. ا.ه‍. لسان 7/401.
(2) عن البراء بن عازب أن رسول الله قال: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) أخرجه أبو داؤد والنسائي.
(3) جاء في حاشية الأصل ما لفظه: القارئ هو أبو موسى الأشعري، قال له : ((لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داؤد)) أخرجه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم أن رسول الله قال له: ((ولقد رأيتني وأنا استمع لقرآنك البارحة)). ا ه‍.، وأسيد بن حضير بضم الهمزة، ابن سماك بن عتيك الأنصاري الأشهلي، أيو يحيى، كان أحد النقباء ليلة العقبة، واختلف في شهوده بدراً، روى عن النبي ، وعنه أبو سعيد الخدري، وأنس وأبو ليلى الأنصاري، وكعب بن مالك وعائشة وغيرهم.
قال ابن حجر: ذكره ابن إسحاق في البدريين، وروى الواقدي ما يخالفه، وأخرج البغوي وابن السكن وفاته سنة 20، وعن المدائني سنة 21. إ ه‍. تهذيب التهذيب 1/303.

(2/590)


وقد قرأ عنده وكان حسن الصوت: ((لقد أوتيت من مزامير آل داود " ))، ويكره تمطيط الأذان وهو تطويل الصوت وتمديده، ويقال: مط حاجبه إذا مده. ويكره البغي في الأذان، وله معنيان:
أحدهما: أن يمد صوته حتى يجاوز المقدار ويخرج عن الحد.
وثانيهما: أن يراد التشدق في الكلام يتكلم بملء فيه كما يفعله الجبَّارون. ويكره التغني في الأذان أيضاً، والتغني هو: سلوك طريق ألحان الغناء وتقطيع الكلمات، لما روي عن علي أنه كره مؤذناً كان يتغنى في أذانه(1).
الحكم التاسع: وإن جهر في شيء من الأذان وخافت بالباقي نظرت، فإن كان يؤذن لنفسه لم تضره المخافتة لأنه قد أتى بلفظ الأذان كاملاً، وإن كان الأذان في مساجد الجماعات فإنه يجهر به ولا يخافت في شيء منه لأن المقصود منه الإشعار والإعلام، فإن خافت في جميعه أعاده، وإن خافت في بعضه فإن شاء أعاد ما خافت فيه وإن شاء استأنف في الكل.
ويستحب الترتيل في كلمات الأذان لأنها عبادة تتعلق بالقول فاستحب فيها الترتيل كقراءة القرآن ولأنه لا يؤمن مع الإدراج والعجلة نقصان الأحرف والكلمات في الأذان، فلهذا كان الترتيل فيه مستحباً لما ذكرناه.
__________
(1) تقدم. رواه زيد بن علي في مسنده عن علي .

(2/591)


الحكم العاشر: ويستحب الموالاة في كلمات الأذان من غير فاصلة فإن وقع فصل بالكلام نظرت، فإن كان يسيراً لم يكره لأنه في حكم المتصل كما لو عطس أو سعل، والمستحب أن لا يتكلم في أذانه لا لمصلحته ولا لمصلحة غيره، فإن تكلم كره ولا يبطل أذانه، لما روي عن سليمان بن صرد " (1)
أنه كان يتكلم في أذانه بحوائجه وكانت [له] صحبة، وعن نافع عن ابن عمر أن الرسول أمر مؤذنه في ليلة باردة أن يقول: ألا صلوا في رحالكم. والظاهر أنه كان كلامه في حال الأذان. وإن كان الكلام كثيراً أو سكت سكوتاً طويلاً فهل يبطل أذانه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يبطل أذانه لأنه باستطالة الكلام والسكوت يخرج عن حد الأذان كما لو أكل وشرب.
وثانيهما: أنه لا يبطل لقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ " }(2).
فإن قلنا: بأنه يبطل لم يبن عليه غيره، وإن قلنا: إنه لا يبطل جاز البناء عليه، والله أعلم بالصواب.
فهذا ما أردنا ذكره في أحكام الأذان ونرجع الآن إلى تمام التفريع بمعونة اللّه تعالى ولطفه.
__________
(1) سليمان بن صرد بن الجون أبو مطرف الكوفي، روى له البغوي عن النبي وعن أبي بن كعب وعن علي بن أبي طالب والحسن بن علي، وعنه: أبو إسحاق السبيعي، ويحيى بن يعمر وعدي بن ثابت، سكن الكوفة وشهد مع أمير المؤمنين صفين وتخلف عن الخروج مع الحسين السبط مع أنه ممن دعاه إلى الخروج، ثم عاد مع آخرين يطالب بدم الحسين، والتقوا بعبيد الله بن زياد واقتتلوا فقتل سليمان ومن معه في ربيع لآخر سنة 65ه‍.
(2) محمد:23 {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}.

(2/592)


الفرع الثالث: في الإقامة، وأصلها: إقوامة. فقلبت الواو ألفاً والتقى ألفان ساكنان فحذف أحدهما، وهي مشروعة كالأذان، لما روي من مؤذني رسول اللّه بلال وأبي محذورة وأبي سامعة [أنهم] كانوا يؤذنون للصلاة ويقيمون لها، ولا خلاف بين المسلمين في كونها مشروعة للصلوات الخمس المكتوبات، وتتعلق بها أحكام:
الحكم الأول: اعلم أن الخلاف في الإقامة مترتب على الخلاف في الأذان، فمن قال: بأن الأذان سنة. قال: إن الإقامة سنة كما هو رأي الفريقين، ومن قال: بأن الأذان واجب على الأعيان، قال: بأن الإقامة واجبة على الأعيان كما هو رأي أهل الظاهر. والذي عليه أئمة العترة وسادات أهل البيت: أنهما واجبان على الكفاية وأن الأذان إذا وقع في بلدة أو محلة أو قرية أو مدينة فإنه يسقط الوجوب عن أهل تلك القرية والمدينة بخلاف الإقامة فإنه لا يسقط فرضها إلا عن أهل ذلك المسجد لا غير. والتفرقة بينهما ظاهرة فإن وجوب الأذان إنما كان من أجل أنه شعار الإسلام ومن قواعد الدين ومن سيماء المسلمين بخلاف الإقامة فإنها أمر يختص الصلاة، فلا جرم لم يسقط فرضها إلا عن أهل ذلك المسجد بخلاف الأذان فإنه يسقط الفرض بفعله عن أهل تلك القرية والمدينة.
الحكم الثاني: في بيان عدد كلمات الإقامة. وهو تابع للخلاف في عدد كلمات الأذان، فمن قال: بأن الأذان خمس عشرة كلمة كما هو رأي القاسمية والحنفية قال: إن الإقامة سبع عشرة كلمة لأنها تزداد على الأذان بكلمتي الإقامة(1)،
ومن قال: بأن عدد كلمات الأذان سبع عشرة كلمة قال: بأن الإقامة تسع عشرة كما هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله.
__________
(1) وهما: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة.

(2/593)


نعم، يمكن أن يقال: إن على رأي الناصر تكون الإقامة ثماني عشرة كلمة، لأنه يقول: بأن التهليل في آخر الأذان مرتين، فلهذا كان عدتها ثماني عشرة كلمة فإذا أضاف إليها الإقامة كانت عدة الإقامة عشرين كلمة على رأيه، فأما على رأي المؤيد بالله فإن الأذان سبع عشرة كلمة ويضاف إليها كلمتا الإقامة فتكون تسع عشرة كلمة.
فأما على رأي الشافعي فالإقامة له فيها قولان:
فالقول الأول: وهو الجديد فإنها إحدى عشرة كلمة، التكبيرتان والشهادة بالتوحيد والرسالة مرتان(1)
والدعاء إلى الصلاة والدعاء إلى الفلاح مرة ولفظ الإقامة مرتان والتكبير في آخرها مرتان والتهليل مرة، وإلى هذا ذهب الأوزاعي وأحمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه وأبي ثور.
القول الثاني: القديم، وهو كما ذكره في الجديد إلا الإقامة فإنها تكون مرة واحدة، فعلى هذا يكون عدد كلمات الإقامة في القديم عشر كلمات وفي الجديد إحدى عشرة كلمة.ورأي مالك مثل ما قاله في القديم تكون عشر كلمات. ومن قال: بأن الأذان ثلاث عشرة كلمة. قال: الإقامة تكون خمس عشرة كلمة كما هو رأي أبي يوسف. فهكذا يكون تقرير الخلاف في كلماتها.
الحكم الثالث: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " ))(2)
بخلاف الأذان فإنه يستحب بين الأذان والإقامة صلوات النوافل، وذلك لما روي عن الرسول أنه قال: ((بين كل أذانين صلاة))(3).
يعني صلاة النافلة، وكما أنه لا أذان لصلاة الجنازة وصلاة العيدين والإستسقاء والكسوف وجميع النوافل المبتدأة فلا إقامة أيضاً لها كما مر بيانه.
__________
(1) المراد بقوله: والشهادة بالتوحيد والرسالة مرتان، أي مرة لكل منهما، وهذا يؤيده رأي الشافعي والتأكيد هنا على أن رأي الشافعي في الجديد أنها إحدى عشر كلمة.
(2) أخرجه مسلم وأبو داؤد والترمذي والنسائي من رواية أبي هريرة.
(3) تقدم.

(2/594)


ومن أذَّن فهو الذي يقيم وإن أذن جماعة كان السابق أحق بالإقامة لما روي عن الرسول أنه قال: ((إن أخا صداء هو الذي أذن فهو يقيم " )) (1).
وحكي عن أصحاب أبي حنيفة: أنه يجوز أن يتولى الإقامة من لم يؤذن في حال الإختيار. ودليلنا عليهم: ما ذكرناه من الخبر.
قالوا: يحتمل أن يكون بلال لما غاب عند الأذان أراد الرسول أن يقصره عن فضيلة الإقامة عقوبة له على غيبته وتقصيره.
قلنا: هذا الاحتمال لا وجه له فإنه قد أوضح السبب بقوله: ((إن أخا صداء هو الذي أذن فهو يقيم " ))، ومع ذكر السبب لا معنى لتقدير هذا الاحتمال.
قالوا: إذا جاز أن يخطب إحدى الخطبتين خطيب ويخطب الأخرى خطيب آخر فهكذا حال الأذان والإقامة يجوز أن يتولاهما شخصان.
قلنا: كلامنا إنما هو في الأفضل لا في الجائز وعلى أنه يجوز أن يؤذن رجل ويقيم آخر لعذر وضرورة لكن كلامنا إنما هو في الأفضل والمسنون.
الحكم الرابع: ولا تجوز الإقامة على الراحله كما لا يجوز أداء الفريضة على الراحلة، لما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا على رواحلكم فإذا كانت المكتوبة فالقرار " ))(2)،
ويجوز الأذان على الراحلة كما يجوز أداء النوافل على الراحلة.
__________
(1) تقدم.
(2) روى أبو خالد الواسطي عن زيد بن علي بسنده أن رجلاً سأل رسول الله هل أصلي على ظهر بعيري؟ قال: ((نعم حيث توجه بك بعيرك إيماءً، ويكون سجودك أخفض من ركوعك، فإذا كانت المكتوبة فالقرار)) هكذا حكاه في (الشفاء)، إ ه‍. (جواهر) 1/204 وهناك روايات أخر منها: أن النبي كان يتطوع على راحلته في غير القبلة، وكذلك الإمام علي وابن عمر كما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، وأبو داؤد في أكثر من رواية.

(2/595)


ولا تجوز الإقامة من قعود لأن المعلوم من حال المؤذنين من زمن الرسول والصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، أنهم لا يقيمون للصلاة إلا قياماً، ويجوز الأذان من قعود إذا كان هناك عذر من مرض أو غيره لأن المقصود بالأذان هو الإشعار وهذا حاصل سواء كان المؤذن قائماً أو قاعداً.
والسنة في الإقامة الحدر والإدراج لأن المقصود هو الإستعجال للصلاة والدخول فيها، بخلاف الأذان فإن السنة فيه الترتيل كما مر بيانه لأن المقصود منه الإشعار، ومن جهة أن المقصود من الأذان هو الإشعار بدخول وقت الصلاة والتأهب لها والدعاء إليها فلهذا كان مرتلاً واضحاً بيِّناً بخلاف الإقامة فإن المقصود منها الدخول في الصلاة والإشتغال بها فلهذا كانت حدراً.
الحكم الخامس: وإذا أراد المؤذن أن يقيم فالمستحب أن يتحول من موضع الأذان إلى غيره، لما روى عبدالله بن زيد في الرجل الذي رآه يؤذن أنه استأخر عن موضع الأذان غير كثير ثم قال مثل ما قال في الأذان(1)،
والمستحب في الإقامة ألا يقيمها المؤذن حتى يرى الإمام، لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تقيموا الصلاة حتى تروني " )) (2).
__________
(1) وقد تقدم حديث عبد الله بن زيد في أول الباب، وفيه: أن الرجل الذي رآه قال له: تقول: الله أكبر الله أكبر إلى آخر الأذان، ثم قال: ثم استأخر غير بعيد، قال: ثم تقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر.. إلى حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة إلى آخر الخبر، أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والبخاري. اه‍فتح الغفار 1/143، وفيه: الأذان مثنى والإقامة وتراً، وليس فيه حي على خير العمل.
(2) تقدم بلفظ: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت وعليكم بالسكينة)) أخرجه الستة إلا الموطأ عن أبي قتادة، إلا أن النسائي لم يذكر: ((...وعليكم بالسكينة)).

(2/596)


ويؤذن المؤذن عند دخول الوقت من غير أمر بخلاف الإقامة فإنه لا يقيم إلا بأمر، لما روى جابر بن سمرة قال كان مؤذن رسول اللّه يمهل فلا يقيم حتى إذا رأى رسول اللّه قد خرج أقام الصلاة حين يراه(1)،
والمستحب لمن سمع الإقامة أن يقول مثل قوله إلا في الحيعلات فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وفي لفظ الإقامة يقول: أقامها اللّه وأدامها(2)
لما روي أن رسول اللّه قال ذلك عند الإقامة(3).
الحكم السادس: وإن تكلم في الإقامة بالكلام الخفيف لم تبطل إقامته عند أئمة العترة وفقهاء الأمة، وحكي عن الزهري: أنها تبطل.
__________
(1) تقدم الخبر بمعناه آنفاً، وهو عن جابر بن سمرة، أخرجه مسلم وأبو داؤد والترمذي.
(2) جاء في حاشية الأصل: وجعلني من صالحي أهلها، رواه الرافعي في الغريب.
(3) وفيه ما ورد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: ((إذا سمعتم النداء فقولوا كما يقول المؤذن)) أخرجه الستة، وعن عمر قال: قال رسول الله : ((إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة))أخرجه مسلم وأبو داؤد.
وعن أبي أمامة أو عن بعض أصحاب النبي : أن بلالاً أخذ في الإقامة فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال رسول الله : ((أقامها الله وأدامها)) وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان، أخرجه أبو داؤد. اه‍جواهر 1/198.

(2/597)


والحجة على ذلك هو: أن الخطبة أعلى حالاً من الإقامة لأنها عوض عن بعض الظهر وشرط في صحة الجمعة فإذا لم تبطل بالكلام فهكذا حال الإقامة تكون بذلك أحق وأولى.
ويستحب الدعاء بين الأذان والإقامة، لما روى أنس بن مالك عن الرسول أنه قال: ((بين الأذان والإقامة دعوة لا ترد " ))(1).
وإذا أذن المؤذن وهو في المسجد كره له الخروج منه إلا لعذر، لما روى أبو الشعثاء " (2)
قال: خرج رجل من المسلمين بعد الأذان فقال أبو هريرة: أما هذا فقد [عصى] أبا القاسم، فإن خرج بعد الإقامة كان أشد كراهة سواء كان لعذر أو غير عذر لأنه يصير كالمعرض عن تأدية الصلاة والقيام بأمرها، وفي الحديث عن الرسول أنه قال: ((من أراد البلاء عاجلاً غير آجل فليولِّ عند الدعاء وليغن عند الأذان " )).
__________
(1) جاء في الجواهر عن أنس بلفظ: ((الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد)) قيل: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: ((سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة)) أخرجه الترمذي. ا ه‍1/196.
(2) أبو الشعثاء، واسمه سليم بن أسود بن حنظلة المحاربي الكوفي، روى عن عمر وأبي ذر وحذيفة وابن مسعود وغيرهم من الصحابة، وروى عنه ابنه أشعث وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن الأسود، وثقه ابن معين والعجلي والنسائي وابن خراش، شهد مع علي رضي الله عنه مشاهده وهلك في ولاية عبد الملك أو الوليد.
قال ابن حجر رحمه الله في التهذيب تعقيباً على القائلين بأن أبا الشعثاء مات بعد وقعة الجماجم سنة 82: قلت: وقعة الجماجم كانت سنة 83 بالإتفاق، فلعل خليفة قال: مات بعد الجماجم وأرخه ابن قانع سنة 85 فهو أشبه(أقرب إلى الصحة). ا ه‍4/145.

(2/598)


الحكم السابع: وإذا أراد أن يقيم للصلاة فإنه يخفض صوته ويجعله دون أذانه لأن المقصود بالإقامة إعلام أهل المسجد بالصلاة وهذا حاصل، بخلاف الأذان فإن المقصود منه إشعار أهل القرية والمدينة فافترقا. ويستحب أن تكون الإقامة في موضع الصلاة ولا تُصْعَدُ لها الأمكنة العالية، بخلاف الأذان فإنه يكون على المنارات والسطوح لأن فيه تمام الإعلان به فافترقا. فهذا ما أردنا ذكره في الأحكام المختصة بالإقامة واللّه الموفق.
قاعدة: اعلم أن الأذان والإقامة يشتركان في أحكام ويفترقان في أحكام، ونحن نورد ما يختص كل واحد من الأمرين في تقريرين:
التقرير الأول: في بيان ما يشتركان فيه، فيشتركان في كونهما من الأذكار المشروعة للصلاة، ويشتركان في أنهما واجبان على الكفاية، ويشتركان في كونهما ذكرين يتقدمان الصلاة، ويشتركان في الجهر بهما، ويشتركان في كونهما موضوعين للإشعار بالصلاة، ويشتركان في نية التقرب بهما، ويشتركان في أنهما لا يفعلان إلا بعد دخول وقت الصلاة، ويشتركان في أن كل واحد منهما مثنى مثنى، ويشتركان في أن التارك لهما يقاتل حتى يأتي بهما، ويشتركان في الترتيب بين كلماتهما، ويشتركان في الموالاة بين كلماتهما، فهذه أحد عشر حكماً يشتركان فيها.

(2/599)


التقرير الثاني: في بيان ما يفترقان فيه، فيفترقان في أن عدد كلمات الإقامة زائدة على عدد كلمات الأذان بكلمتي الإقامة، ويفترقان في الحدر والترتيل فإن الحدر يختص بالإقامة والترتيل مختص بالأذان، ويفترقان في أن الإقامة لا تصلح بعدها إلا المكتوبة بخلاف الأذان فإنه تصلح بعده النوافل، ويفترقان في أن الأذان يتولاه أكثر من واحد بخلاف الإقامة فإنه لا يتولاها إلا واحد، ويفترقان في أن الإقامة لا تكون إلا بأمر بخلاف الأذان فإنه لا يحتاج إلى أمر، ويفترقان في أن الإقامة تستحب أن يقال عندها: أقامها اللّه وأدامها، بخلاف الأذان فإن هذا لا يقال عنده، ويجوز عنده ذكر آخر، ويفترقان في أن الأذان دعاء إلى الإشعار بوقت الصلاة بخلاف الإقامة فإنها إشعار بفعل الصلاة والدخول فيها، ويفترقان في أن الأذان يكون في المسجد وغيره بخلاف الإقامة فإنها لا تكون إلا في موضع الصلاة، ويفترقان في جواز الخروج من المسجد بعد الأذان لعذر بخلاف الإقامة فإنه لا يجوز الخروج من المسجد بعدها(1)،
فهذه جملة ما يشتركان فيه ويفترقان جمعناها هاهنا لأنها لا تخلو عن فائدة بالجمع وقد تقدم ذكر هذه الأحكام في أثناء التفريع بحمد الله، ونرجع إلى تمام التفريع بمعونة اللّه.
الفرع الرابع: والسنة في الأذان أن يقف المؤذن على آخر الكلمات بالسكون؛ لأنه روي موقوفاً.
قال أبو عبيد الهروي صاحب الغريب: وعوام الناس يضمون الراء من قوله: اللّه أكبر، ويعربون باقي الأذان بما يقتضيه الإعراب من الرفع والجر في كلماته وهو خلاف السنة لأن السنة وقفه.
وأقول: إن وقف المؤذن على الأواخر فهو السنة وإن وصله أعربه بما يقتضيه إعرابه من رفع أو جر ولا يضره إعرابه مع الوصل لأن وصله من غير إعراب يكون لحناً والأفضل اتباع السنة في الوقف.
__________
(1) جاء في حاشية الأصل: أما الجواز فيجوز، ولكن يُكْرَهُ كراهة شديدة كما ذكره في الحكم السادس قبل هذا. ا ه‍.

(2/600)


قال أبو العباس المبرد: السنة الوقف. وكان يفتح الراء ويقول: اللّه أكبرَ اللّه أكبر، فيفتحها في الكلمة الأولى ويقف [في] الثانية بالسكون، واحتج بأن الأذان سمع موقوفاً وغير معرب في مقاطعه كقولهم حيَّ على الصلاة حي على الفلاح، وكان الأصل أن يقول: اللّه أكبر اللّه أكبر بتسكين الراء فيهما لكن حولت فتحة الهمزة من اسم اللّه من اللفظة الثانية على الراء قبلها، وهذا نظر حسن من أبي العباس. ونظيره فتحة الميم فيمن قرأها مفتوحة في قوله تعالى: {الم الله} لأن الوقف على الميم هو الأصل لأجل البناء لكنها فتحت الميم لأجل إلقاء حركة الهمزة من إسم اللّه على الميم.
الفرع الخامس: والمستحب لغير المؤذن إذا سمع الأذان أن يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلات الثلاث فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لما روى عمر رضي اللّه عنه أن الرسول قال: ((من قال حين يسمع ذلك خالصاً من قلبه دخل الجنة " ))(1).
وروي عن عبدالله بن علقمه " (2)
__________
(1) تقدم آنفاً.
(2) عبد الله بن علقمة الليثي. روى عن أبيه، وعنه ابن أخيه عمر بن طلحة بن علقمة وعيسى بن عمر، ذكره ابن حبان في الثقات، انتهى بلفظه من (التهذيب) 5/283.

(2/601)


قال: إني لعند معاوية إذ أذن مؤذنه فقال: معاوية كما قال مؤذنه حتى إذا قال: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح ثم قال بعد ذلك مثل ما قال المؤذن ثم قال معاوية: سمعت رسول اللّه يقول ذاك. وإنما كان المسنون أن يقول كما يقول المؤذن في غير الحيعلات ليدل على رضاه لقوله، وأما الحيعلة فمعناها الدعاء لأن معنى حيّ على الصلاة أي: هلموا إلى الصلاة، ومعنى حي على الفلاح أي: هلموا إلى العمل الذي يوجب الفلاح وهو البقاء ومعنى حي على خير العمل: هلموا إلى خير الأعمال وهو الصلاة، وهذا المعنى لا يصلح لغير المؤذن فلهذا استحب للسامع أن يأتي بذكر لله غيره وخص قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله عند ذكر الحيعلة لأن معناها: لا حول عن معصية اللّه ولا قوة على طاعة اللّه إلا بالله أي بإقداره وتمكينه وحسن ألطافه الخفية في فعل الطاعة والإنكفاف عن المعصية، والصلاة من أعمال الطاعات.
الفرع السادس: يستحب لمن سمع النداء أن يدعو بالدعاء المأثور الذي رواه جابر عن رسول اللّه أنه قال: ((من قال حين يسمع النداء: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة " آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته) حلت له شفاعتي يوم القيامة))(1).
وروى سعد بن أبي وقاص أن الرسول قال: ((من قال حين يسمع النداء " : وأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً، غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه)) (2).
__________
(1) أخرجه الستة إلا مسلماً والموطأ، جواهر 1/197.
(2) أخرجوه إلا البخاري والموطأ، المصدر السابق.

(2/602)


وهذا يدل على أنه يقول ذلك في أثناء الأذان، وروى عبدالله بن عمرو بن العاص، أن النبي قال: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول " ثم صلوا عليَّ فإنه من صلى عليَّ مرة صلى اللّه عليه بها عشراً ثم سلوا اللّه لي الفضيلة والوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللّه وأرجو أن يكون أنا هو فمن سأل اللّه لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) (1)
وهذا يدل على أنه يقول ذلك بعد الأذان. ويحتمل أن يقول مثل ما يقول المؤذن ثم يدعو في حال تطويل المؤذن صوته وأي ذلك فعل كان جائزاً، وإن كان في أذان المغرب فالمستحب أن يقول: ((اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك " وحين أوان صلواتك وأصوات دعاتك فاغفر لي))(2)
لأن الرسول أمر أم سلمة أن تقول ذاك عند أذان المغرب. وإن كان في أذان الصبح فالمستحب أن يقول: ((اللهم إن هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك " وأصوات دعاتك فاغفر لي)).
__________
(1) أخرجوه إلا مسلماً والموطأ، وأورد ابن بهران في الهامش حول قوله: أخرجوه إلا مسلماً والموطأ في الحديث الأخير قوله: حصل للمؤلف سهو، فإن الحديث أخرجه مسلم ولم يخرجه البخاري، ا ه‍. المصدر السابق.
(2) الخبر في رواية أبي داؤد عن أم سلمة بدون: ((..وحضور صلواتك)) وعند الترمذي بلفظه إلا أن في آخره: ((...اسألك ان تغفر لي)) وهي بمعنى ما جاء في في رواية أبي داؤد، قالت أم سلمة: علمني رسول الله أن أقول عند أذان المغرب، وفي رواية الترمذي: علمني رسول الله أن أقول إذا أمسيت...إلخ. كما في الجواهر 1/197. ا ه‍، وجاء الحديث في فتح الغفار بلفظ رواية أبي داؤد، وقال: أخرجه أبو داؤد والترمذي، وقال (الترمذي): هذا حديث غريب.

(2/603)


الفرع السابع: والمستحب إذا سمع المؤذن وهو في قراءة أو ذكر لله تعالى قطع القراءة والذكر وتابع المؤذن فيما يقول لأن الأذان يفوت والقراءة والذكر لا يفوتان، وهكذا إذا سمع المؤذن وهو مشتغل بشيء من المباحات فإنه يقطعه أحق وأولى. وإن سمعه وهو في الصلاة فهل يتابعه أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يتابعه ويشتغل بالصلاة فإذا فرغ قال مثل ما يقوله لأن ذلك يقطعه عن إتمام الصلاة ويشتغل بغيرها، فإن خالف المصلي وتابع المؤذن فيما يقوله في حال صلاته وقال مثل ما يقول وقال في الحيعلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، لم تبطل صلاته لأن هذا ذكر لله وذكر اللّه لا يبطل الصلاة.
الفرع الثامن: والمستحب إذا أذن المؤذن أن ينتظر حضور الجماعة في غير المغرب، لما روي عن الرسول أنه قال: ((بين كل أذانين صلاة " )). ولأنه إذا وصل الأذان بالإقامة لم يحصل المقصود بانتظار الجماعة بزيادة الفضل بها. وإذا أذن الأول خرج الإمام ولم ينتظر أذان غيره فإذا خرج الإمام قطع أذان المؤذنين لأنه إذا صلى في ذلك الوقت أدرك الناس فضيلة أول الوقت وإذا أخره وانتظر فضيلة الأذان للباقين فاتت فضيلة أول الوقت، فلا جرم كان تحصيل فضيلة أول الوقت أولى وأحق.
الفرع التاسع: والمستحب أن يؤذن للجمعة أذاناً واحداً عند المنبر، لما روى السائب بن يزيد " (1)
__________
(1) السائب بن سعيد بن ثمامة بن الأسود، ويقال: الأسدي أو الليثي أو الهذلي، أورد ابن حجر عن البغوي عن محمد بن يوسف قوله عن السائب بن يزيد: حج أبي مع النبي وأنا ابن سبع سنين، روى عن النبي وعمر وعثمان وعائشة وغيرهم، وعنه: ابنه عبد الله وعمر بن عطاء والزهري ومحمد بن يوسف، وتوفي في المدينة سنة 91ه‍وقيل غير ذلك. ا ه‍. (تهذيب التهذيب) 1/228.

(2/604)


قال: كان الأذان على عهد رسول اللّه وأبي بكر وعمر إذا جلس الإمام على المنبر أذاناً واحداً، فلما كان في زمن عثمان وكثر الناس أمر بالأذان الثاني فأذَّن به فكان يؤذن به على الدور ولأهل الأسواق وجموع الناس(1).
والأفضل مراعاة ما كان يُفعل على عهد رسول اللّه فإن فعل ذلك لمصلحة يراها الإمام فلا بأس. ويستحب أن يكون المؤذن واحداً لأنه لم يكن يؤذن يوم الجمعة إلا بلال على انفراده.
الفرع العاشر: قال الإمام المؤيد بالله: ولو أحدث المقيم بعد الإقامة للجماعة كانت مجزية لهم وبطل إجزآؤها له كالإمام إذا دخل في الصلاة على الطهارة ثم أحدث فالحدث يبطل إجزآؤها له وصح إجزآؤها للجماعة، وعلى هذا لو أحدث المؤذن بعد أذانه كان أذانه مجزياً للجماعة ويتوضأ للإقامة للصلاة ولا يلزمه إعادة الأذان لأن الإقامة إذا كانت مجزية بعد الحدث فالأذان أحق وأولى بذلك، فهذا ما أردنا ذكره فيما يتعلق بصفة الأذان وأحكامه والله أعلم.
.
__________
(1) المقصود بالأذان الثاني الأذان الذي يسبق أذان الصلاة لغرض إبلاغ عامة الناس وإشعارهم بالتوجه إلى المسجد، وإنما أطلق عليه الثاني لأنه أضيف إلى الأول وهو أذان الصلاة للسبب المذكور، والله أعلم.

(2/605)


---
الفصل الخامس
في بيان صفة المؤذنين
اعلم أن الصفات المعتادة في الإجزاء أربع، الإسلام والذكورة والعقل والبلوغ.
والصفات المسنونة ثلاث: الطهارة والعدالة وحسن الصوت. هذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الكافر لا يصح أذانه. واعلم أن الكفار صنفان:
الصنف الأول: كفار التصريح، وهؤلاء هم الملاحدة والمعطلة والدهرية والفلاسفة والزنادقة والطبائعية وعبدة الأوثان والأصنام والنجوم وسائر الكواكب، فهؤلاء كفار لا دين لهم ولا كتاب منزل عليهم، وهكذا حال أهل الكتب المنزلة كاليهود والنصارى والمجوس على اختلاف في حالهم. فهؤلاء هم كفار التصريح، ونعني بالتصريح: أنه لا خلاف في كفرهم بين أهل القبلة وأهل الإسلام، ولا يصح أذانهم لأنهم ليسوا من أهل العبادة فلا يكونون أهلاً للقيام بشيء من أمورها، وإن أذن واحد من هؤلاء فهل يكون أذانه إسلاماً منه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يكون إسلاماً لجواز أن يأتي بالشهادتين على جهة الحكاية ولهذا فإن أبا محذورة وأبا سامعة كانا يؤذنان قبل إسلامهما على جهة الحكاية والإستهزاء بأذان المسلمين.
وثانيهما: أنه يكون إسلاماً ويحكم بصحة إسلامه وهذا هو المختار والصحيح؛ لأنه قد أتى بصريح الإسلام وهما الشهادتان فهو كالآتي بالشهادتين باستدعاء غيره منه.
الصنف الثاني: كفار التأويل، وهؤلاء هم المجبرة والمشبهة والروافض والخوارج، فهؤلاء اختلف أهل القبلة في إكفارهم فبعضهم كفَّرهم وبعضهم حكم بإسلامهم، فالذين ذهبوا إلى إكفار المجبرة والمشبهة أئمة العترة وجماهير المعتزلة والزيدية، ونعني بإكفار التأويل، هو أن هؤلاء مقرون بالله تعالى وبصفاته وبحكمته وبالنبوة ويعترفون بالشريعة ويصلون إلى القبلة وينكحون على السنة ومقرون بصدق الرسول وصدق القرآن، خلا أنهم اعتقدوا اعتقاداً يوجب إكفارهم مع كونهم على هذه الصفة.

(2/606)


والمختار: أنهم ليسوا كفاراً لأن الأدلة التي تُذكَر في إكفارهم، فيها احتمالات كثيرة، وعلى الجملة فإن من قضى بكفرهم ومن حكم بإسلامهم فإنه يقضي بصحة أذانهم وقبول أخبارهم وشهاداتهم ولا يضرهم ما اعتقدوه من الجبر والتشبيه في صحة إسلامهم وإيمانهم، وقد ذكرنا ما يتعلق بإكفار الفرق في الكتب العقلية فمن أراده باستيفاء فليطالعه من كتاب (التحقيق في الإكفار والتفسيق) فإنه يجد فيه ما يكفي ويشفي بمعونة اللّه تعالى.
الفرع الثاني: الصبي، اعلم أن الصبي إذا كان لدون خمس عشرة سنة نظرت في حاله، فإن كان مختلاً ضعيف العقل مشوش الذهن فإنه لا يصح أذانه اتفاقاً بين الأئمة والفقهاء، وإن كان كيِّساً فطناً له تمييز وجودة في الذكاء والفطنة فهل يصح أذانه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يصح أذانه، وهذا هو رأي الإمام زيد بن علي ومذهب القاسمية، ومحكي عن داؤد من أهل الظاهر.
والحجة على هذا: قوله : ((رفع القلم عن ثلاثة)) وذكر من جملتهم الصبي حتى يبلغ، والمعنى بالحديث أنه مرفوع عنه جميع التكاليف كلها فلا تعقل في حقه، وإذا كان الأمر كما قلناه كان الإجزاء مرفوعاً من أذانه، وهذا هو الذي نريده من كون أذانه غير مجزٍ ولا مسقط لوجوب الأذان.
المذهب الثاني: أنه يصح أذانه وهذا هو قول الفريقين من الفقهاء(1).
والحجة على ذلك: ما روى عبدالله بن أبي بكر " (2)
أنه قال: أمرني عمومتي أن أُوذن وأنا غلام لم أحتلم وأنس بن مالك شاهد لم ينكر ذلك، فدل ذلك على جواز أذانه.
__________
(1) الحنفية والشافعية.
(2) عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، روى عن أبيه وخالة أبيه عمرة بنت عبد الرحمن، وأنس وحميد بن نافع، وسالم بن عبد الله وغيرهم، وعنه: الزهري وابن جريج وحماد بن سلمة والسفيانان وغيرهم، كان كثير الأحاديث، وقال ابن معين وأبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: ثقة ثبت، توفي سنة 135ه‍، انتهى ملخصاً من (التهذيب) 5/143.

(2/607)


والمختار: أن أذانه مبني على صحة إسلامه وقد قررنا في بيان من تجب عليه الصلاة صحة إسلامه قبل بلوغه الحلم، وأنه مؤاخذ عند اللّه تعالى بصحة الإيمان والإسلام لكنا لا نؤاخذه في ظاهر الشرع بالأحكام الشرعية إلا بظهور أمارات البلوغ، وعلى هذا لا يحكم بصحة أذانه لأن صحته من جملة الأحكام الشرعية فلا يصح وقوعها من جهته حتى يظهر أمر البلوغ بأحد الأمارات الثلاث(1).
والحجة على هذا هو أنه غير مخاطب بالصلاة فلا يصح أذانه كابن الخمس. ولأنه غير كامل العقل فلا يصح أذانه كالمجنون.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: خبر عبدالله بن أبي بكر، أنه أذن ولم يحتلم ولم ينكر عليه أنس بن مالك فدل على الجواز.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فسكوت أنس بن مالك لا يدل على جوازه فلعله كان غافلاً أو لأنه قد سقط الوجوب بأذان غيره أو لأنه كان في مهلة النظر(2)
ومع هذا الاحتمال لا حجة فيه.
وأما ثانياً:فهب أنا سلمنا أن سكوته سكوت رضى، فكلام الصحابي ليس حجة وإنما الحجة فيما يروي من كلام الرسول دون كلامه.
الفرع الثالث: الذكورة، اعلم أنا قد أسلفنا فيما تقدم صحة أذان النساء وإقامتهن لأنفسهن فلا مطمع في إعادته، فأما صحة أذانهن للرجال فهل يصح أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه ممنوع، وهذا هو رأي الإمام زيد بن علي والقاسمية، ومحكي عن الشافعي قال الإمام زيد بن علي: ولا يجوز أذان المرأة للرجال.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ " }[النور:31].
ووجه الإستدلال من الآية هو: أن اللّه تعالى نهاهن عن ضرب أرجلهن حذراً من ظهور أصوات الخلاخيل، فإذا ورد النهي عن سماع صوت الخلخال من الزينة فكيف يجوز سماع الصوت؟ فالنهي عنه أولى وأحق.
__________
(1) وهي: الإنبات (في شعر العانة) والاحتلام، ومضي 15 سنة.
(2) لعل المراد: مهلة النظر في صحة أذان من لم يحتلم أو عدم صحته

(2/608)


الحجة الثانية: هو أن الأذان حكم شرعي وأمر ديني لا يقوم به إلا من ورد عليه الشرع بإقامته، ومن زمن الرسول إلى يومنا هذا لم يعلم أن أحداً من النساء قام بالأذان ولا تلبس به، وفي هذا دلالة على منعهن من الأذان.
الحجة الثالثة: أنه لا يؤمن وقوع الفتنة بسماع أصواتهن وما كان يؤدي إلى الفتنة فهو محظور لا يجوز فعله.
المذهب الثاني: جواز أذانهن للرجال مع الكراهة وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن المرأة من أهل الصلاة لهذا اعتد بأذانها كالرجل، وأما الكراهة فإنما كانت لأمر عارض وهو أن المأخوذ عليها التستر والخفارة، وما هذا حاله فليس يخل بالإجزاء.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من امتناع الإجزاء في الأذان.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((النساء عيٌّ وعورات فاستروا عيهن بالسكوت وعوراتهن بالبيوت " )).
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: المرأة من أهل الصلاة فلهذا جاز أذانها كالرجل.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما هذا حاله مورده الشرع ولا مدخل للأقيسة فيه لإشتماله على الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا من جهة اللّه تعالى ومن جهة رسوله .
وأما ثانياً: فلأنا قد أوردنا من أدلة الشرع في المنع من ذلك ما فيه كفاية فلا حاجة إلى التعويل على القياس، وهكذا حال الإقامة فإنه لا يجوز توليها للرجال ولم أعرف لأبي حنيفة في الإقامة للنساء جوازاً ولا منعاً، وكلامه محتمل في الإقامة للجواز والمنع.
والحجة على ما قلناه: قوله : ((من أذَّن فهو الذي يقيم " ))(1)
فإذا كانت ممنوعة من الأذان فهي أيضاً ممنوعة من الإقامة بظاهر الخبر.
__________
(1) تقدم. رواه الخمسة إلا النسائي، وضعفه أبو داؤد، وهو مروي عن زياد بن الحارث الصدائي.

(2/609)


ومن وجه آخر: وهو أنها ليست من أهل الأذان فلا تكون من أهل الإقامة كالمجنون ولأنها ممنوعة من حضور مساجد الجماعات فوجب ألا يعتد بأذانها كالصبي والمجنون ولأن المأخوذ عليها هو التستر والعفاف والخفارة، وحضورها للإقامة للرجال يناقض ذلك فبطل.
الفرع الرابع: العقل، ولا يصح أذان المجنون ولا يعتد به، واعلم أن الجنون فساد في العقل من غير مرض ويختلف حال الجنون فربما كان يعرض أحياناً كالصرع فما هذا حاله يجوز أذانه وسائر تصرفاته إذا صحى عن الصرع لأنه يكون عاقلاً وعلى هذا يجوز أذانه وعقوده ونكاحه إذا زال الصرع، وربما كان دائماً لا ينفك عنه ومن هذه حاله فإنه لا يصح شيء من عقوده ولا أذانه ويكون مولَّى عليه في كل أحواله لضلال العقل وفساده، والعقل فهو ملاك هذه الأمور كلها، ويزيد ما ذكرناه وضوحاً قوله : ((رفع القلم عن ثلاثة)) وذكر من جملتهم المجنون، وفي هذا دلالة على صحة ما قلناه من أذانه(1).
الفرع الخامس: السكران، وهو الذي زال عقله بشرب المسكر.
واعلم أن السكران ليس يخلو حاله إما أن يكون مميزاً للأمور ولم يبد منه إلا النشاط والطرب والهزَّة التي تكون من الخمر، فمن هذه حاله فهو عاقل وعقوده صحيحة وجميع تصرفاته جارية على نعت الصحة لأن عقله صحيح وأذانه وصلاته صحيحان، وإن كان قد شرب حتى صار ثملاً طائحاً لا يدري ما يقول وما يفعل ثرثاراً وقحاً فإذا انتهى إلى هذه الحالة فلا يصح شيء من عقوده لاختلال عقله فصار كالمجنون، قال الشيخ عبدالملك الجويني: وإن نظم الشارب للخمر كلمات الأذان على جهة الإستقامة فليس بسكران. وهذا جيد لأن السكران إذا استحكم سكره لم يدر ما يقول فضلاً عن نظم الأذان واستقامة كلماته، فأما شرب المزران(2)
__________
(1) أي ما قلناه من عدم صحة أذانه.
(2) المزر: نبيذ الشعير أو الحنطة. (المنجد في اللغة والأدب والعلوم). ص759/ مادة: مزر.

(2/610)


من الذرة والعسل والبر والشعير فليس مسكراً، وإنما هو مفتر للعقل من غير اختلال في العقل، وهكذا هذه الحشائش التي تغير العقل ولا تفسده، وأما البنج فإنه يفسد العقل ويخبل الجسم ويلحق بالخمر في فساد العقل، وسيأتي لهذا مزيد تحقيق في الأشربة بمعونة اللّه تعالى.
الفرع السادس: في الصفات المسنونة، وهي ثلاث: الطهارة والعدالة وحسن الصوت.
الصفة الأولى: الطهارة من الحدث الأكبر وهي الجنابة. وهل يجوز أذان الجنب أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير مجزٍ، وهذا هو الذي ذكره الإمامان القاسم والناصر، وهو محكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أنه ذكر يتقدم الصلاة فلم يصح مع الجنابة كالخطبة. أو نقول: ذكر يختص بنظام مخصوص فوجب أن تكون الجنابة مانعة منه كقراءة القرآن.
المذهب الثاني: أنه يكره ويجزي، وهذا هو رأي المؤيد بالله والشافعي، فإن كان خارج المسجد صح أذانه ولم يأثم وإن كان في المسجد أو في حجرته أثم وأجزى أذانه.
والحجة على ما قالاه: هو أن الأذان ذكر تتعلق به القربة فجاز فعله من جهة المحدث، دليله التسبيح.
والمختار: ما عول عليه الإمامان القاسم والناصر من أنه لا يعتد بأذان الجنب كما قال أبو حنيفة، وهو محكي عن مجاهد والأوزاعي وأحمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه.
والحجة: ما ذكرناه عنهم، ونزيد هاهنا ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يؤذن الرجل إلا وهو طاهر " )) (1)
__________
(1) ورد الحديث بلفظ: عن علي أنه قال: ((حق وسنة أن لا يؤذن لكم أحد إلا وهو طاهر)) حكاه في الشفاء، والمهذب، ويظهر من لفظه أنه موقوف، ومن عمومه الطهارة من الحدثين، وقد علق عليه في الجواهر في الهامش بلفظ: المعروف أن هذا الأثر من كلام وائل بن حجر، كذلك رواه الدارقطني في الأفراد وغيره، بزيادة: ولا يؤذن إلا وهو قائم، وسنده حسن على إرسال فيه.

(2/611)


فظاهر هذا الحديث دال على أن الطهارة من الجنابة معتبرة في صحة الأذان كما قلناه، وطهارة المحدث وصحة أذانه تخرج بدليل منفصل.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه.
قالوا: يرد إلى التسبيح بجامع كونه قربة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن القياس لا يعارض ما ذكرناه من الخبر فإن القياس يشترط في العمل به ألاَّ يعارض شيئاً من الأخبار المروية لأن كلام الرسول لا يعارضه كلام المجتهد.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكرناه من القياس يعارض قياسكم فيجب القضاء ببطلان الأقيسة والرجوع إلى الخبر الذي رويناه.
وهكذا حال الإقامة فإنها لا تصح من الجنب أيضاً، وظاهر كلام الشافعي: المنع من إقامة الجنب وأنها لا يعتد بها لأنه قال: وإذا كرهت الأذان على غير طهارة فأنا للإقامة أكره. ولا معنى للمبالغة في الكراهة إلا لأن الأذان مكروه والإقامة لا يعتد بها.
قال الشافعي: لأنه إذا لم يكن على طهارة فأقل ما في ذلك أنه عرض نفسه للتهمة ويستهزئ به الناس ويسخرون منه في أنه يكون مقيماً للصلاة لغيره ولا يكون مصلياً فيصير هزأة وضحكة، ويصدق ذلك قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ " }[البقرة:44].
ومن وجه آخر: وهو أن الإقامة إنما تراد لاستفتاح الصلاة فلهذا احتاج إلى أن يكون على صفة يستفتح بها الصلاة.
وأما الطهارة من الحدث الأصغر فهل يجوز أذان المحدث وإقامته أم لا؟ فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: الجواز من غير كراهة، وهذا هو رأي أئمة العترة في الأذان وحده، قال زيد بن علي: لا بأس بأن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء، وعن الناصر أنه قال: ويجوز أن يؤذن الرجل وهو محدث، وحكي عن الهادي أنه قال: ولا بأس بأن يؤذن المحدث، فأما الإقامة فاتفق هؤلاء الأئمة على أن الرجل لا يقيم إلا وهو على طهارة. فظاهر كلامهم هاهنا أن الإقامة غير مجزية ولا معتد بها.

(2/612)


قال الهادي: ولا يقيم إلا وهو على طهارة لأنه ليس بعد الإقامة إلا الصلاة.
و الحجة على جواز أذان المحدث: هي أن الأذان ذكر يقصد به القربة فلم يكن الحدث مانعاً منه كقراءة القرآن. ويدل على المنع من إقامة المحدث هو أن المعهود من مؤذني رسول اللّه أنهم ما كانوا يقيمون إلا على طهارة ولم يعلم أن أحداً أقام ثم توضأ بعد ذلك. وفي هذا دلالة على جواز أذان المحدث والمنع من الإقامة وهو المطلوب.
المذهب الثاني: كراهة أذان المحدث وإقامته، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((لا يؤذن إلا متوضئ " )) (1)
__________
(1) هذا الحديث يوضح سالفه، وقد رواه الترمذي وضعفه، ورواه أبو الشيخ في كتاب الأذان من حديث ابن عباس بلفظ: إن الأذان متصل بالصلاة، فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر، ويشهد لذلك قوله : ((إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)) أخرجه أبو داؤد من حديث المهاجر، وصححه ابن خزيمة وابن حبان. ا ه‍فتح الغفار 1/130، وفي رواية عن أبي هريرة أيضاً قال: ((لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ)).
قال ابن بهران: وهذا أصح، و نقل عن التلخيص الحديث السابق بلفظه: ((لا يؤذن إلا متوضئ)) أخرجه الترمذي من حديث الزهري عن أبي هريرة، وهو منقطع، والراوي له عن الزهري ضعيف، ورواه أيضاً من رواية يونس عن الزهري عنه (يعني: أبا هريرة) موقوفاً، وهو أصح، قال: ثم رواه أبو الشيخ كما سلف. ا ه‍جواهر 1/200 ملخصاً.
تعليق: لعل خلاصة ما سلف: أنه لا يصح أذان الجنب قياساً على الخطبة وقراءة القرآن، ولقوله : ((إلا وهو طاهر)) وهو رأي المذهب، وتكون الطهارة هنا من الحدث الأكبر، ويصح أذان المحدث كقراءة القرآن، والمقصود هنا: الحدث الأصغر، ولا تصح إقامته، وعند الشافعي: يكرهان فقط، وعند أبي حنيفة: لا كراهة فيهما، ا ه‍، ملخصاً من البحر. وعند الإمام زيد: لا بأس أن يؤذن الرجل على غير وضوء، وأكره للجنب أن يؤذن، قال: ولا يقيم إلا وهو طاهر، ا ه‍روض 1/547.

(2/613)


.
ولأنه إذا لم يكن متوضياً انصرف لأجل الطهارة فإذا جاء غيره لا يرى أحداً فيظن أن ذلك ليس أذاناً. فإن أذن وهو محدث صح ذلك مع الكراهة لأنه قد أتى بالمقصود، وهكذا حال الإقامة.
المذهب الثالث: عن أبي حنيفة وعنه روايتان:
الرواية الأولى: أنه يكرههما جميعاً.
والرواية الثانية: جوازهما من غير كراهة.
المذهب الرابع:أنه لا يعتد بهما بحال، وهذا هو المحكي عن الأوزاعي ومجاهد وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه.
والحجة على هذا هو أنهما ذكر يتقدم الصلاة فكان الحدث مانعاً منهما كالخطبة في الجمعة.
والمختار: هو الكراهة في الأذان والإجزاء، والمنع في الإقامة.
والحجة على الكراهة في الأذان ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((لا يؤذن إلا متوضي " )) فهذا نهي وأقل درجاته الكراهة. ويدل على أن إقامته غير معتد بها، هو أن المعلوم من حال مؤذني رسول اللّه أنه لم يعلم من أحدهم أنه أقام ثم خرج يتوضأ، وفي هذا دلالة على عدم الإعتداد بها إذا كان فاعلها على غير وضوء.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: ذكر يراد به القربة فلا يكون الحدث مانعاً منه، دليله قراءة القرآن.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن القياس لا يكون معارضاً للخبر الذي رويناه، ورأي المجتهد لا يساوي منصب الشارع.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الأصل: هو أنه ليس وصلة إلى الصلاة بخلاف الأذان فافترقا.
وأما من زعم أنه لا يعتد بأذان المحدث فقالوا: إنه ذكر يتقدم الصلاة فكان الحدث مانعاً من إجزائه كالخطبة في صلاة الجمعة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا نعارضه بقياس مثله وهو أن نقول: ذكر تقصد به القربة فلا يكون الحدث مانعاً منه كالتهليل والتسبيح.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الأصل: كونهما بدلاً عن الركعتين في الظهر فاشترطت الطهارة فيهما كمبدلهما فافترقا.
الصفة الثانية: [العدالة] واعلم أن اعتبار العدالة لها معنيان:

(2/614)


المعنى الأول: أن يراد بالعدل من تقبل شهادته وعلى هذا يعتد بأذان من لم تقبل شهادته لأمرين:
أما أولاً: فلأن الشهادة أغلظ حكماً من الأذان لأن الشهادة تقتطع بها الأموال وتستحل بها الفروج.
وأماً ثانياً: فلأن الشهادة قد ترد بملابسة ما ليس فسقاً كالبول في الشوارع وإفراط المزاح وسرقة بصلة وغير ذلك مما يجانب المروءة ويسقط العدالة(1) والأذان لا يرد بهذه الأمور لكونه أخف حكماً منها.
المعنى الثاني: أن يراد بالعدالة أن لا يكون فاسقاً، وعلى هذا هل يعتد بأذان الفاسق المجاهر بملابسة الكبائر كالزنا والسرقة وشرب المسكر وغير ذلك من الكبائر الفسقية؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يعتد بأذانه مع احتمال جوازه، وهذا هو المحكي عن الإمام المؤيد بالله فإنه تردد فيه ولم يمض على صرم في المسألة.
والحجة على عدم الإعتداد بأذانه قوله : ((يؤذن لكم خياركم " ))(2)
والفاسق ليس من الخيار.
المذهب الثاني: جواز أذانه مع الكراهة وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا هو: أن الفاسق من أهل الإسلام ومن المصلين إلى القبلة والمقرين بالشريعة فلهذا جاز أذانه كالتقي وإنما كره لمكان تهتكه وملابسته للكبائر الفسقية.
والمختار: أن من هذه حاله في التهتك وملابسة الكبائر والولوع بفعلها والإكباب عليها في ليله ونهاره أنه لا يعتد بأذانه.
والحجة: ما ذكرناه من الخبر فإنه مانع من الإعتداد بأذانه، ونزيد هاهنا حجتين:
__________
(1) في الأصل: (وتسقط الحالة) ولعله خطأ من الناسخ؛ لأن المعنى لا يستقيم بها.
(2) عن ابن عباس أن رسول الله قال: ((ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم أقرأكم)) أخرجه أبو داؤد. ا ه‍جواهر 1/200.

(2/615)


الحجة الأولى: هو أن المعلوم من مؤذني رسول اللّه أنهم كانوا في غاية الصلاح والوثاقة في الدين والتلبس بالورع والديانة وكانوا على أحسن هيئة في الدين وقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ " }[الأحزاب:21]. فيجب الإقتداء بمؤذنيه فمن خالف حالهم لم يعتد بأذانه.
الحجة الثانية: هو أن الفاسق المجاهر بالكبائر يفعلها فلا يبالي بالخيانة ولا بما يفعله من القبائح والمعاصي فإذن لا يؤتمن على الأوقات في تغييرها بالزيادة والنقصان فيها ولا يؤتمن على الإطلاع على عورات المسلمين في المئذنة لجرأته على اللّه تعالى وخروجه بالفسق عن طاعة اللّه وولايته.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إنه من أهل القبلة ومن المقرين بالشريعة فلهذا اعتد بأذنه كالتقي.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا نعارض قياسكم بمثله وهو أن الفاسق قد صار من أهل العداوة لله تعالى وانقطاع الولاية عنه فلا يعتد بأذانه كالكافر.
وأما ثانياً: فلانا نسلم ما ذكرتموه لكنه يبطل المقصود بملابسته الكبائر والخيانة فإنه لا يؤمن على أداء هذه العبادة بالخيانة فيما ذكرتموه، فتقرر بما لخصناه أنه غير معتد بأذان الفاسق فلا يُمكَّن من أداء عبادة الأذان بحال، والله أعلم.
الصفة الثالثة: حسن الصوت، والمستحب في المؤذن أن يكون صَيِّتَاً ونعني بالصيت: أن يكون صوته عالياً مرتفعاً، لما روي عن الرسول أنه أمر عبدالله بن زيد بالقاء الأذان على بلال وقال: ((إنه اندى منك صوتاً " ))(1)،
واختار أبا محذورة للأذان لعلو صوته، وندا الصوت: علوه وظهوره. قال الشاعر:
فقلت ادعي وأدعو إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان(2)
__________
(1) تقدم في باب مشروعية الأذان.
(2) أحد بيتين للحطيئة أولهما:
تقول حليلتي لما اشتكينا
فيدركنا بنو القرم الهجان

(2/616)


ولأن المقصود بالأذان إنما هو الإشعار والإعلام بوقت الصلاة فلهذا استحب أن يكون صوته عالياً مرتفعاً، والمستحب مع علوه وظهوره أن يكون حسناً لاشتماله على ذكر اللّه تعالى وذكر رسوله، فإذا كان صوته حسناً رطباً رقت القلوب إليه وأصغت الأسماع إلى قبوله وكان أقرب إلى خشوع القلب في الصلاة وإلى رقة القلب فيها والإقبال عليها، فهذا ما أردنا ذكره في الصفات المسنونة ونرجع إلى التفريع.
الفرع السابع: ويستحب في المؤذن أن يكون حراً لقوله : ((يؤذن لكم خياركم " )) والعبد ليس من أهل الخيار(1)
فإن منعه مولاه عن الأذان كان له منعه عن أذان النافلة لأنه مستغرق لخدمة سيده. وإن لم يكن هناك من يسقط فرض الكفاية إلا العبد، جاز من غير إذن سيده، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإسقاط فرض الكفاية متوجه على الأحرار والعبيد. فإن أعتق جاز أذانه ولم يكره لأن بلالاً كان عبداً لأبي بكر فاعتقه، واختاره رسول اللّه للأذان فكان مؤذناً له لاختصاصه بالجهاد والدين والورع، ولهذا قال : ((بلال أول من يقرع باب الجنة من الحبشة " )). ويستحب في المؤذن أن يكون عارفاً بالمواقيت لئلا يغتر الناس بأذانه، فيعرف الزوال في الشتاء والصيف ويتحقق علامة الغروب في صلاة المغرب وغيبوبة الشفق الأحمر للعشاء الآخرة ويفرق بين الفجرين الصادق والكاذب ليكون على حقيقة في أذانه.
__________
(1) أراد المؤلف كما هو واضح، أن العبد ليس من أهل الخيار؛ لأن لسيده منعه من أذان النافلة، ولعل هذا لا يخرجه عن أهل الخيار إذا كان فيه صفاتهم؛ لأن طاعته لسيده واجب وهو بأداء واجبه مثاب عليه، فلا يكون بأداء الواجب ناقصاً عن صفات أهل الخيار. والله أعلم. المحقق.

(2/617)


الفرع الثامن: ويستحب أن يجعل الأذان في أولاد من جعل الرسول الأذان فيهم، مثل أولاد بلال لأن الرسول قال: ((الأذان في الحبشة)) " (1)
إكراماً لبلال وتخصيصاً لعقبه بهذه الخصلة، ومثل أولاد أبي محذورة لأن الرسول جعل إليه الأذان بمكة وجعل الأذان إلى بلال في المدينة، وهكذا أولاد سعد القرظي؛ لأن عمر جعل الأذان إليه بعد بلال، فإن انقرض أولاد هؤلاء أو لم يكونوا عدولاً فيستحب أن يجعل في أولاد الصحابة رضي اللّه عنهم تشريفاً لهم وإكراماً لما اختصوا به، فإن لم يوجدوا جعله الإمام إلى من يراه من خيار المسلمين فإن تنازع جماعة فيه مع تساويهم في الفضل والدين، أقرع بينهم لقوله : ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه " ))(2)
__________
(1) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((الملك في قريش والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة والأمانة في الأزد)) يعني: اليمن. أخرجه الترمذي، قال: وقد روي عن أبي هريرة ولم يرفع وهو أصح. جواهر 1/201.
(2) جاء عن أبي هريرة بلفظ: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا عليه، ولو علموا ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً)) (يعني صلاتي العشاء والفجر) أخرجه الستة إلا أبا داؤد والترمذي. ا ه‍. المصدر السابق.

(2/618)


وروي أن الناس تشاجروا يوم القادسية في الأذان فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص فأقرع بينهم، وروي أنه اختصم جماعة إلى عمر في الأذان فقضى بينهم لكل واحد بأذان صلاة(1).
الفرع التاسع: ويعتد بأذان الأعمى لأن إبن أم مكتوم "(2)
كان يؤذن وهو أعمى فدل ذلك على جوازه، وهل يكره أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير مكروه، وهذا هو رأي الهادي والقاسم واختاره السيدان المؤيد بالله وأبو طالب.
قال الهادي في (الأحكام): ولا بأس بأذان الأعمى إذا كان من أهل المعرفة والأمانة.
والحجة على هذا: ما ذكرناه من أذان إبن أم مكتوم ومعرفة الرسول بحاله ولم ينكر عليه أذانه وفي هذا دلالة على جوازه.
قال الإمام أبو طالب: ولا يمتنع أن يقال: إنه أولى بالأذان من غيره لأنه لا يقع بصره على عورات المسلمين وحرمهم في دورهم إذا صعد المنارة بخلاف المبصر فلهذا كان أحق من غيره.
__________
(1) وردت رواية ا لخبرين دون إسناد أو تعليق سوى قول ابن بهران: هكذا روي والله أعلم، وواضح أن المؤلف لم يرد الإستدلال بها إلا على جواز الإستهام بين المختلفين على الأذان استناداً إلى الحديث، هذا إلى جانب التأكيد على حرص الصحابة على التسابق إلى الفضل، فاستهموا واختصموا إلى ولاتهم في هذه المسألة كل منهم يطلب السبق إليها والفوز بها، والله أعلم. ا ه‍. المحقق.
(2) عبد الله بن شريح المعروف بابن أم مكتوم، صحابي شهير، ترجم له في (التاريخ الكبير)5/7 وفي (الجرح والتعديل) 5/79 وفي (المشاهير) 1/16، وفي (الثقات) 3/214 وغيرها، قالوا: عبد الله بن أم مكتوم الأعمى القرشي ابن عمرو بن شريح بن قيس بن زائدة، من بني عامر بن لؤي بن غالب. قدم المدينة بعد بدر بسنتين مهاجراً فذهب بصره، وهو أحد مؤذني الرسول [وأشهرهم بعد بلال] وكان النبي يستخلفه على المدينة يصلي بالناس، وشهد القادسية ومعه راية سوداء وعليه درع، ثم رجع إلى المدينة ومات بها في خلافة عمر، وأمه عاتكة بنت مخزوم.

(2/619)


المذهب الثاني: أنه يكره، وهذا هو المحكي عن ابن مسعود وارتضاه الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه إذا كان أعمى فربما غر المسلمين بأذانه ولهذا قال ابن مسعود: لا أحب أن يكون مؤذنوكم عميانكم(1)،
ومثل هذا إذا صدر من جهة الصحابي كان مقبولاً لأنه إنما يقوله عن توقيف لتعذر الاجتهاد فيه. قال الشافعي: إذا وجد بصير يكون معه لم يكره أذانه؛ لأن ابن أم مكتوم كان أعمى وكان يؤذن مع بلال.
والمختار: ما عليه أئمة العترة من الجواز؛ لأن ابن أم مكتوم كان مؤذناً والرسول عالم بأذانه فلو كان مكروهاً لنهاه عن ذلك، ثم إذا كان موثوقاً بديانته وصلاحه وأمانته لم يؤذن إلا عن بصيرة وتحقق.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن ابن مسعود كراهة أذان الأعمى.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكره محمول على أذانه إذا لم يعرف الأوقات حتى تتفق الأدلة على الصحة والثبات.
وأما ثانياً: فلأن ما قاله ابن مسعود ليس فيه حجة لأن الظاهر أنه أخبر عن رأيه فلا يكون مقبولاً لأن الحجة اللازمة ما كان عن اللّه وعن رسوله فأما ما كان عن نظر واجتهاد فكل ورأيه فيما قال به.
الفرع العاشر: ويعتد بأذان ولد الزنا ومن ليس لرشده.
__________
(1) راجع كلام المؤلف حول هذه المسألة، واعتباره ما روي عن ابن مسعود اجتهاداً خاصاً به. واحتجاج المؤلف بأن ابن أم مكتوم كان يؤذن لرسول الله وهو أعمى كما هو معروف بين الصحابة الذين رووا هذا من عدة طرق، منها ما جاء عن عائشة وابن عمر وغيرهما، والأمر شائع وذائع ولم ينكره أحد من الصحابة ومن تبعهم حتى من قال بكراهة أذان الأعمى كابن مسعود الذي هو من أجلاء الصحابة رضي الله عنهم.

(2/620)


قال الهادي: ولا بأس بأذان ولد الزنا إذا كان من أهل المعرفة والأمانة، وما هذا حاله فلا يعرف فيه خلاف بين العلماء فإذا كان بهذه [الصفات] جاز أذانه ولا يضر فجور والديه فلا تزر وازرة وزر أخرى وقد قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " }[الحجرات:13].ولم يفصل بين شخص وشخص، وما عاب اللّه أحداً بنسب إلا ما كان من الوليد بن المغيرة " (1) والأخنس بن شريق " (2)
__________
(1) أبو عبد شمس بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم من قضاة العرب في الجاهلية ومن زعماء قريش ومن زنادقتها، كان ممن حرم الخمر في الجاهلية، وأدرك الإسلام وهو شيخ هرم، فعاداه وقاوم دعوته، وهلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر، وهو والد خالد بن الوليد. ا ه‍(أعلام) 8/122.
(2) الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة، واسمه: أُبي. وإنما لقب الأخنس؛ لأنه رجع ببني زهرة من بدر لما جاءهم الخبر أن أبا سفيان نجا بالعير، فقيل: خنس الأخنس ببني زهرة، وقد أسلم بعد ذلك، فكان من المؤلفة، وشهد حنيناً ومات في أول خلافة عمر، وذكر ابن عطية عن السدي أنه أظهر الإسلام، ثم هرب بعد ذلك فمر بقوم من المسلمين فحرق لهم زرعاً وقتل لهم حمراً، فنزلت [فيه]: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} إلى قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} وقال ابن عطية كما جاء في (الإصابة) 1/38: ما ثبت قط أن الأخنس أسلم، قلت: قد أثبته في الصحابة من تقدم ذكره ولا مانع أن يسلم ثم يرتد ثم يرجع إلى الإسلام، والله أعلم. ا ه‍، الآيات الثلاث الكريمة 204-206 من سورة البقرة.

(2/621)


فإن اللّه عابهما بتلك الخصال القبيحة، ومن جملتها قوله تعالى: {عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ " }[القلم:13] والزنيم: الذي تداعاه الرجال وما ذاك إلا لما كان منهما من شدة العداوة للرسول وإغراقهما في أذيته وعداوته والمكر به، فتولى اللّه تعالى لنبيه الكريم المثوبة وأنزل في [مبغضه](1)
قرآناً يتلى إلى يوم القيامة.
قال الإمام المؤيد بالله: ومن لم يكن بصفة العدالة والأمانة فلسنا نمنع من الإعتداد بأذانه إذا كان من أهل الملة، لكن الأولى ما ذكرناه. وكلامه هذا دال على أن المؤذن وإن لم يكن من أهل العدالة والأمانة بأن يكون فاسقاً بفسق الجوارح أو بفسق التأويل، فإن أذانه جائز لكونه من أهل الملة وإن كان غير موثوق به في ديانته وأمانته وإن كان مكروهاً، والأولى خلافه لمن كان على خلاف صفته، وفي هذا دلالة على أن الشرع وإن دل على الإجزاء فالأولى من جهة الدين المواضبة على مراعاة أحوال الديانة.
الفرع الحادي عشر: ويستحب أن يؤذن المؤذن على موضع عالٍ، لما روى عبدالله بن زيد أنه رأى رجلاً عليه ثوبان أخضران على جدر حائط يؤذن. وجدر الحائط أعلاه. وقالت عائشة ما كان بين أذان بلال وأذان ابن أم مكتوم إلا قدر ما ينزل هذا ويرقى هذا، فأخبرت أنهما كانا يرقيان إلى موضع عند أذانهما، ولأن ذلك يكون أبلغ في الإعلام وأعظم في الإشهار.
قال الإمام المؤيد بالله: ويجوز تقليد المؤذن في أذانه والعمل عليه إذا كان أميناً عارفاً بالأوقات مع إمكان البروز من المسجد ومراعاة زوال الشمس لقوله : ((المؤذنون أمناء " ))(2)
__________
(1) هنا كلمة في الأصل غير مفهومة وغير معجمة، وهي في الشكل والمعنى والمقصود بحسب السياق، شبيهة بكلمة (مبغضه) لذا وضعناها مكانها بين القوسين إشارة إلى أنها ليست في الأصل. والله أعلم.
(2) تقدم.

(2/622)


ولا يعني بذلك إلا أمانتهم في دخول الأوقات وهذا محمول على أن السماء مصحية فمتى كان الصحو فأذانه كافٍ في العمل عليه فأما إذا كانت السماء (ملبدة)(1) بالغيم فإنه مأمور بالتحري والعمل على غالب ظنه ولا يجوز تقليده.
نعم اختلف رأي السيدين الأخوين في المؤذن إذا أقام من غير وضوء فهل تجب عليه إعادة الإقامة أم لا؟ فقال السيد أبو طالب: لا إعادة عليه، وهذا هو قول أبي حنيفة والشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه ممن يعتد بأذانه فوجب أن يعتد بإقامته كالمتطهر. أو نقول: دعاء إلى الصلاة فصح من المحدث كالأذان.
وقال المؤيد بالله: تجب عليه الإعادة(2).
والحجة على هذا: هو أن المعلوم من حال مؤذني رسول اللّه ومن الجلة من الصحابة والتابعين أنهم ما أقاموا على غير وضوء ولا اشتغلوا بعد الإقامة بالطهارة، وفي هذا دلالة على أنه لا يقيم إلا على الطهارة.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله.
وحجته: ما نقلناه عنه ونزيد هاهنا وهو قوله : ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " )) (3).
وموضع الدلالة من الخبر هو أنه عقَّب الصلاة بالفاء عقيب الإقامة فلو سوغنا له الطهارة بعد الإقامة لكان فيه إبطال ظاهر الخبر وما دلت عليه الفاء من التعقيب.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: إنه ممن يعتد بأذانه فوجب أن يعتد بإقامته كالمتطهر.
قلنا: موضوع الأذان بخلاف الإقامة فإنه لا يشتغل بعدها إلا بفعل الصلاة فافترقا.
قالوا: الإقامة دعاء إلى الصلاة فصحت من المحدث كالأذان.
__________
(1) في الأصل كلمة غير واضحة بمعنى (ملبدة) لذا تم وضع (ملبدة) مكانها بين القوسين.
(2) لعل الصواب أن إقامته لا تجزئ، إذ لا لزوم هنا لاعتبارها إعادة، فالمقيم هنا لدى المؤيد بالله أشبه بمن صلى دون وضوء، مع الإشارة هنا إلى أن التعبير بوجوب الإعادة عن عدم الصحة أو الإجزاء والعكس كثير في أسلوب المؤلف رحمه الله، ونظائره كثيرة في كتبه. والله أعلم.
(3) تقدم.

(2/623)


قلنا: المعنى في الأصل أن وقته فيه فسحة لفعل التطهر بخلاف الإقامة فإنه لا فسحة بعدها لفعل الطهارة فلهذا لم تكن جائزة من المحدث.
الفرع الثاني عشر: والمستحب للمؤذن أن يؤذن قائماً لقوله لبلال: ((قم فأذن))(1)
ولأنه إذا كان قائماً كان أظهر لصوته وأقصى لسماعه، ويستحب(2)
أن يستقبل القبلة لأن عمل المسلمين قد جرى بذلك وتوارثوه خلفاً عن سلف وقد قال : ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عندالله حسن " )). وهل يكون القيام واستقبال القبلة شرطين في صحة الأذان أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهما لا يشترطان لصحة الأذان، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن فقهاء الأمة.
والحجة على هذا: هو أن المقصود إنما [هو] الإعلان والإشهار وتعريف الغائب والحاضر بدخول وقت الصلاة، وهذا حاصل سواءً كان قائماً أو قاعداً أو مستقبل القبلة أو غير مستقبل.
المذهب الثاني: أنهما شرطان في صحة الأذان، وهذا شيء يحكى عن عبدالملك الجويني.
والحجة على هذا: هو أن مؤذني رسول اللّه وعادة الصدر الأول من الصحابة والتابعين جارية على الأذان قياماً مستقبلي القبلة فلما واظبوا عليه أشد المواظبة دل ذلك على وجوبه.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة.
__________
(1) تقدم بمعناه، وقد جاء في نهاية الحديث المطول عن مشروعية الأذان في ما رواه ابن عمر: أن المسلمين حين قدموا المدينة كانوا يجتمعون فيتحينون الصلاة، وليس ينادي بها أحد إلى أن قال: فقال عمر: ألا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله : ((قم يا بلال فناد بالصلاة)) أخرجه الستة إلا أبا داؤد. ا ه‍جواهر 1/181.
(2) جاء في حاشية الأصل ما لفظه: قال في (الهداية) ويستقبل بهما القبلة لأن النازل من السماء أذن مستقبل القبلة وتركه (أي الاستقبال) يكره لمخالفة السنة. ا ه‍.

(2/624)


وحجتهم ما نقلناه عنهم، ونزيد هاهنا أن القيام واستقبال القبلة هيئتان في الأذان وتركهما لا يخرجه عن موضوعه وهو الإعلان والإشهار فلا يمنع ذلك من الإعتداد به، ولا يلزم على هذا [عدم] استقبال الإمام الناس عند الخطبة لأن تركه يخرجه عن موضوعه لأن الغرض مخاطبة الناس فلهذا لم تجز إذا تركها(1) فافترقا.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: علمنا من حال مؤذني الرسول وعادة الصحابة والتابعين، مواظبتهم على القيام في الأذان واستقبال القبلة فدل ذلك على وجوبه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المواظبة لا تدل على الوجوب فكم من سنة كثرت المواظبة عليها ولا يخرجها ذلك عن كونها سنة.
وأما ثانياً: فلأن استمرار الداعي على القيام واستقبال القبلة في الأذان ليس من جهة الوجوب كما زعمتم إنما كان من أجل أن المقصود هو الإعلان والإشهار وهذا حاصل من دونهما فبطل أن يقال أن الأذان لا يعتد به من دونهما.
الفرع الثالث عشر: ويستحب أن يجعل أصبعيه وهما المسبحتان في صماخي أذنيه لما روى أبو جحيفة " (2)
__________
(1) لعل الصواب: (إذا تركه) ليعود الضمير إلى (الإستقبال) إلا إذا قصد المؤلف عودة الضمير إلى كلمة (مخاطبة) الناس، كونها مترتبة على الإستقبال الذي هو موضوع البحث، فهذا احتمال ربما كان وارداً. والله أعلم.
(2) واسمه وهب بن عبد الله، جاء في تاريخ بغداد (1/199): أنه رأى رسول الله وروى عنه، وهو ممن نزل الكوفة، وشهد مع علي يوم النهروان، مات في ولاية بشر بن مروان على الكوفة، وفي تهذيب الكمال 31/132 أنه كان من صغار أصحاب النبي ، قيل: مات رسول الله و[أبو جحيفة] لم يبلغ الحلم، روى عن النبي وعن البراء بن عازب وعلي بن أبي طالب، وذكر الواقدي أنه توفي في ولاية بشر بن مروان، وقال غيره: سنة 74ه‍.

(2/625)


أن بلالاً خرج يؤذن واصبعاه في صماخي أذنيه، ومن جهة أن الصوت إذا خرج من الحلق انتفش من منافذ الأذنين فإذا سدهما فإن الصوت يجتمع في الفم ويشتد حاله ويقوى جرسه ويخرج عالياً، ولأنه قد يكون هناك من لا يسمع صوته فيحصل له العلم بالأذان بمشاهدة حاله بالبصر وإن لم يسمع. ويستحب أن يترسل في الأذان وهو الترتيل ويدرج في الإقامة وهو القطع لما روى جابر أن رسول اللّه قال لبلال: ((يا بلال إذا أذنت فرسل " وإذا أقمت فاحدر واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته ولا تقوموا حتى تروني))(1).
ذكره الترمذي في صحيحه. والمعتصر هو الذي يجد في بطنه عصراً لخروج ما فيه من الطعام، وروي أن عمر قال للمؤذن: إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر.
قال أبو عبيد الهروي: والرواية في الحدر بالحاء المهملة والذال بنقطة من أعلاها(2)
وكذلك الجذم أيضاً بالجيم والذال بنقطة هو القطع أيضاً. ومن جهة أن الأذان للغائبين فكان الترسل فيه أبلغ والإقامة للحاضرين فكان الجذم فيها أولى.
__________
(1) وفي رواية الترمذي التي أوردها المؤلف: (..فترسل..) بدلاً عن (فرسل) و(..وأفصل..) بدلاً عن (..واجعل..) جاء بها في الجواهر عن الجامع الكافي، وفي فتح الغفار، رواه الترمذي وضعفه، ورواه الحاكم ومال إلى تصحيحه. ا ه‍1/130.
(2) نسب ابن منظور إلى الجوهري: وحَدَرَ في قرائته وفي أذانه حدراً، أي أسرع (انتهى كلام الجوهري) وفي حديث الأذان: ((إذا أذنت فترسَّل وإذا أقمت فأحْدُرْ)) أي أسرع، ا ه‍لسان ج4 ص 172، ومن ثم فإن ما أورده المؤلف عن الهروي في أن الحدر بالذال المعجمة فيه نظر، والله أعلم.

(2/626)


الفرع الرابع عشر: وإذا أذن المؤذن وهو قائم مستقبل القبلة فبلغ الحيعلة لوى عنقه ورأسه يميناً وشمالاً دون سائر بدنه وقدميه فلا يلتوي سواء كان أذانه على الأرض أو على المنارة، فإذا تقرر هذا فلنذكر الخلاف ثم نردفه بذكر كيفية الإلتواء فهذان تقريران:
التقرير الأول: في ذكر الخلاف وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أنه يستدير في أذانه يمنة ويسرة ويحول وجهه عن يمينه وشماله إذا قال حي على الصلاة حي على الفلاح، وهذا هو رأي القاسم، ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن عبدالله بن زيد أنه لما رأى الأذان في منامه فقال الرسول : ((القه على بلال فإنه أندى منك صوتاً " )) قال ويستدير في أذانه يمنة ويسرة ويحول وجهه عن يمينه وعن شماله عند ذكر الحيعلتين.
المذهب الثاني: أنه إن كان أذانه على المنارة إستدار بجميع بدنه وإن كان على الأرض لوى عنقه لا غير وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أنه إذا كان على المنارة كانت المنارة مانعة عن نفوذ الصوت وظهوره فلهذا استحب له الإستدارة ببدنه وإذا كان على الأرض لم يحتج إلا إلى إدارة العنق لا غير.
المذهب الثالث: أنه إن كان فوق المنارة لوى عنقه دون سائر بدنه وقدميه وإن كان على الأرض لم يحتج إلى شيء من ذلك، وهذا هو المحكي عن أحمد بن حنبل.
والحجة على ذلك: هو أنه إذا كان فوق المنارة ولوى عنقه كان أبلغ في إبلاغ الصوت ونفوذه فأما إذا كان على الأرض فالصوت فيه كفاية.
المذهب الرابع: أنه لا يستحب له شيء من ذلك سواء كان على المنارة أو على الأرض وهذا هو المحكي عن إبن سيرين.
والحجة على هذا: هو أن المقصود هو الصوت في الإبلاغ والإشهار، وهذه كيفيات لا حاجة إليها، واستقبال القبلة في جميع الأذان هو الأحق والأولى لما فيه من الفضل من غير حاجة إلى تحويل الوجه والعنق عنها.
والمختار: ما عول عليه الإمام القاسم.

(2/627)


وحجته: ما ذكرناه ونزيد هاهنا ما رواه أبو جحيفة قال: أتيت الرسول وهو في قبة حمراء من أُدُمٍ فأمر بلالاً فخرج فأذن فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر واصبعاه في أذنيه وخرج بلال بين يديه بالعَنَزَة وهي عصا فركزها بالبطحاء فصلى إليها رسول اللّه حتى لا يمر بين يديه الكلب والحمار وعليه حلة حمراء وكأني أنظر إلى بريق ساقيه(1).
__________
(1) ورد الحديث عن أبي جحيفة من طرق عدة وبألفاظ مختلفة أو مجزأة من حديث طويل منها: ما أخرجه الترمذي بسنده عن أبي جحيفة قال: رأيت بلالاً يؤذن ويدور ويتبع فاه هاهنا وهاهنا وأصبعاه في أذنيه، وفي رواية أبي داؤد عن أبي جحيفة: ثم رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح فأذن، فلما بلغ: حي على الصلاة حي على الفلاح، لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر، ا ه‍جواهر 1/194. وأورده الرباعي في فتح الغفار عن أبي جحيفة قال: أتيت النبي بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه (بفتح الواو: ماء وضوء النبي) فمن ناضح ونائل، فخرج النبي عليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضأ وأذن بلال، فجعلت أتبع فاه هاهنا وهاهنا يقول يميناً وشمالاً، حي على الصلاة حي على الفلاح، متفق عليه، ولأبي داؤد: فلما بلغ حي على الفلاح لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر، وفي رواية لأحمد والترمذي وصححه، وأصبعاه في أذنيه، ولابن ماجة، وجعل أصبعه في أذنيه، وزاد ابن ماجة أيضاً: يدور في أذانه، قال البيهقي: الإستدارة لم ترد من طرق صحيحة. قوله: فمن ناضح ونائل، الناضح: الآخذ من الماء لجسده تبركاً ببقية وضوئه ، والنائل: الآخذ مما في جسد صاحبه. ا ه‍ 1/125.

(2/628)


الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. واعلم أنهم لم يذكروا فيما ذهبوا إليه من هذه الأقوال قولاً عن رسول اللّه ولا اعتمدوا شيئاً من جهة الصحابة وإنما عولوا فيما ذهبوا [إليه] على آرائهم واستحسنوه بأنظارهم على حسب ما يعن لكل واحد منهم في ظهور الصوت وخفائه وفي بلوغه وتراخيه فوق المنارة وعلى الأرض، وما ذكرناه فهو أخبار منقولة عن الرسول فلهذا كان راجحاً على غيره خاصة في أمور العبادات وأحوالها فإنها أمور غيبية لا مدخل للآراء فيها ولا مجال للنظر في أحكامها.
التقرير الثاني: في كيفية الإلتواء وفيه حالتان:
الحالة الأولى: أن يكمل كل واحدة من الحيعلتين في كل واحد من الجانبين من غير فصل بينهما ثم هي على وجهين:
الوجه الأول منهما: أن يلوي عنقه ورأسه إلى الجانب الأيمن فيقول: حي على الصلاة حي على الصلاة، ويلوي عنقه ورأسه إلى الجانب الأيسر ويقول: حي على الفلاح حي على الفلاح.
الوجه الثاني: هو الوجه الأول خلا أنه يرد وجهه إلى القبلة متوسطاً بين الحيعلتين، فعلى هذا يلوي عنقه ورأسه فيقول: حي على الصلاة حي على الصلاة ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيسر ويقول: حي على الفلاح حي على الفلاح.
الحالة الثانية: أن يفصل بين كل حيعلة برد الوجه إلى القبلة ثم ذلك يكون على وجهين:
الوجه الأول: أن تكون كل واحدة من الحيعلتين كاملة في الجانبين جميعاً فيلوي عنقه إلى الجانب الأيمن فيقول: حي على الصلاة ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيمن ويقول: حي على الصلاة ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيسر فيقول: حي على الفلاح ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيسر ويقول: حي على الفلاح ثم يرد وجهه إلى القبلة ويتم أذانه على الكمال.

(2/629)


الوجه الثاني: أن يقسم كل واحدة من الحيعلتين على الجانبين فيلوي عنقه إلى الجانب الأيمن فيقول: حي على الصلاة ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيسر فيقول: حي على الصلاة ثم يرد وجهه إل القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيمن فيقول: حي على الفلاح ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيسر ويقول: حي على الفلاح، وإنما خصت الحيعلة بالإلتواء دون سائر ألفاظ الأذان، من جهة أن ألفاظ سائر الأذان ذكر لله تعالى ولرسوله فلهذا كان استقبال القبلة بها أولى والحيعلة إنما تراد للإعلام والإشهار بدخول الوقت فلا جرم كان الإلتواء بها أشبه.
وهل يلتوي في الإقامة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يلتوي لأنها إشعار بالصلاة كالأذان.
وثانيهما: أنه لا يلتوي لأن الإقامة للحاضرين فلا تحتاج إلى التواء بخلاف الأذان فإنه دعاء للغائبين، فلهذا استحب فيه الإلتواء ليحصل الإعلام لجميع الجهات، وهذا هو المختار لأن بلالاً وسائر المؤذنين لم يكن من جهتهم التواء لأعناقهم في الإقامة فافترقا.
الفرع الخامس عشر: وإن أراد المؤذن الأذان فارتد قبل أذانه منع من الأذان لأنه قربة فلا يصح أداءه من كافر وقد قال : ((لا قربة لكافر " )) وإن أذن ثم أرتد فهل يعتد به أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يعتد به(1)
لأن الردة تحبط الطاعات.
وإن ارتد في حال أذانه لم يصح منه إتمامه في حال ردته لأن الكافر لا يعتد بأذانه ولا يجوز لغيره أن يبني عليه لأنه قد انحبط بالردة. فإن رجع إلى الإسلام عن قريب، فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجوز البناء عليه لأنه قد بطل بالردة.
__________
(1) جاء في هامش الأصل ما لفظه: المذهب صحة أذانه والإعتداد به، وقد رجع (المؤلف) عما اختاره فيه إلى كلام أصحابنا، حيث قال في آخر الكلام: ويعتبر بأذانه؛ لأنه قد وقع على نعت الصحة. وربما كان قولاً ثانياً ليندفع التدافع ويبطل التناقض فليلمح. ا ه‍.

(2/630)


والثاني: أنه يجوز البناء لأنه تدارك نفسه بالإسلام على القرب كما لو لم يرتد.
والمختار: هو الأول لأنه قد بطل بالردة وقد قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا " }[الفرقان:23].
وإن إرتد بعد أذانه منع من الإقامة لأنه ليس من أهل الإقامة بردته ويقيم غيره ويعتد بأذانه لأنه قد وقع على نعت الصحة والمقصود به الإعلام وقد حصل ولو بطل ثوابه بالردة فقد حصل مقصود الأذان وإن مات بعد الأذان أقام غيره، وإن مات في وسط الأذان بنى على أذانه غيره، وإن أغمي عليه في حال الأذان بنى على أذانه وأتمه غيره.
وقد نجز غرضنا من باب الأذان وبتمامه يتم الكلام في الجزء الثاني من كتاب الانتصار ويتلوه في السفر الثالث باب استقبال القبلة.

(2/631)


---
ا
الباب الثالث
في إستقبال القبلة
قال الإمامان القاسم والهادي : يجب على كل مصلٍ أن يستقبل الكعبة إن أمكنه وإن لم يتهيَّأ تحرى جهتها.
اعلم أن القبلة كانت في أول الإسلام إلى بيت المقدس وقد استقبلها الرسول مدة إقامته بمكة قبل الهجرة وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لأنها قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل، وبيت المقدس هي قبلة اليهود، وكان من شدة حبه لذلك يصلي من ناحية الصفا ليستقبل الكعبة وبيت المقدس، يجعلها بينه وبين بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر عليه استقبالهما جميعاً لأن من استقبل بيت المقدس فيها استدبر الكعبة فأقام بالمدينة يصلي إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً وقيل ستة عشر فعيرته اليهود فقالوا: إنه على ديننا ويصلي إلى قبلتنا، فسأل اللّه أن يحول قبلته إلى الكعبة فنزل جبريل فأخبره أنه يجب إستقبال الكعبة فعرج جبريل صلى الله عليه وسلم والرسول يتبعه نظره ويقلب طرفه نحو السماء ينتظر نزول جبريل، فنزل عليه بقوله تعالى:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144] والمسجد الحرام هاهنا هو الكعبة قال اللّه تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ }[المائدة:97]. يعني: مقاماً لهم ولصلاتهم. وقال تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ }[الحج:26]. يعني: المصلين. وقوله تعالى: {شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي: نحوه. قال الشاعر:
ألا من مبلغ عمراً رسولاً ... وما تغني الرسالة شطر عمرو
أي: نحو عمرو، فإذا تقرر هذا فاعلم أن هذا الباب موضوع للإستقبال فلابد من بيان القبلة المستقبلة، ثم المصلي إليها يستقبلها، ثم الصلاة التي تستقبل لها، فهذه فصول ثلاثة تشتمل عليها.

(2/632)


---
الفصل الأول
في بيان القبلة في الصلاة إليها
قال الناصر في كتابه الكبير: على المصلي أن يستقبل القبلة حضرها أو غاب عنها، فمن صلى بالمدينة فعليه استقبال بيت اللّه الحرام بالنية والإرادة. وأراد بالنية والإرادة: الصلاة؛ لأن استقبال القبلة لا تأثير للنية فيه كما سنوضحه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: اعلم أنه لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة في أن النية للتوجه إلى القبلة غير واجبة إلا السيد أبا العباس فإنه أوجبها مرة واحدة، وإنما تكون النية واجبة للصلاة وسائر العبادات دون الإستقبال.

(2/633)


والحجة على ذلك: هو أن النية إنما تكون مؤثرة في وقوع الأفعال على وجوه مختلفة نحو كونها طاعة ومعصية وقربة وعبادة لله تعالى، فأما ما كان يتعلق بوجود الأفعال ووقوعها فلا تأثير للنية فيه نحو إستقبال القبلة ودخول وقت الصلاة وأعداد الركعات نحو كون الظهر أربعاً والمغرب ثلاثاً فهذه الأمور لا تأثير للإرادة فيها، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه أن كل أمر لا تأثير للنية فيه فلا يصح أن تجعل النية شرطاً في صحته كالصلاة إذا دخل وقتها لم تكن النية شرطاً في دخوله. لأنه لو قصد إلى أن الوقت لم يدخل لم يكن لقصده تأثير، وهكذا لو أزال النجاسة وقصد إلى أنها غير زائلة لم يؤثر قصده فيه، وهكذا الحال فيمن توضأ بماء طاهر أو صلى في ثوب طاهر أو صلى على موضع طاهر فنوى أنه توضأ بماء نجس أو صلى على ثوب نجس أو موضع نجس فإنه لا يخرج عما كان عليه بهذه النية، وهكذا في قضاء الدين ورد الوديعة فإنه لا تأثير للنية فيها فإذا كان لا تأثير فيه فما كان من الأفعال واقعاً على وجه دون وجه وقف وجوبه على الدليل فإن قامت دلالة على وجوبها فيه قبل به وإلا فهو باقٍ على جوازه من غير نية. وعلى هذا جميع أصول الشريعة من الوضوء والصلاة والزكاة والحج والصيام والإحرام بالحج والعمرة، فالقدرة يحتاج إليه في وقوع الفعل ووجوده، والعلم يحتاج إليه في أحكام الفعل وانتظامه والإرادة يحتاج إليها في وقوع الأفعال على وجه دون وجه.
الفرع الثاني: في بيان المعاين للقبلة. اعلم أنه لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة أن كل من كان معايناً للقبلة فإنه يجب عليه التوجه إلى عينها.

(2/634)


والحجة على هذا قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ }[البقرة:144]. وشطر الشيء: بعضه يقال: شطر المال وشطر الدار. وقوله : ((الوضوء شطر الإيمان )) أي: بعضه. وجملة المقامات التي يجب فيها التوجه إلى العين، خمسة نفصلها بمعونة اللّه تعالى:
المقام الأول: جوف الكعبة، فالمصلي فيها له أن يستقبل أي جدار شاء ويجوز لهم عقد الجماعة متدابرين مستقبلين للجدرات، ولو استقبل الباب وهو مردود(1) صح لأنه من أجزاء البيت، فإن كان مفتوحاً والعتبة(2) مرتفعة قدر مؤخرة الرحل(3) جاز ذلك وإن كانت أقل فهل يجزي أم لا يجزي؟ فيه تردد.
والمختار: أنه إذا كان قدامه جزء من البيت أجزأه، وإلا فلا يجزي لأنه ليس مقابلاً للبيت ولا لجزء من أجزائه، ولو انهدمت الكعبة والعياذ بالله فصلى في وسط العرصة فهل تجزيه الصلاة أم لا؟ فيه تردد، فحكي عن بعض أصحاب الشافعي منعه.
والمختار: جوازه لأن بين يديه أرض الكعبة وساحتها فهو مستقبل لها.
المقام الثاني: سطح الكعبة، فإن صلى على ظهرها نظرت فإن كان قدامه شيء من أجزائها صحت صلاته لأنه مقابل لجزء من أجزائها فصحت صلاته كما لو كان مواجهاً له، وإن لم يكن قدامه شيء من أجزائها فهل تجزيه الصلاة أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن صلاته غير مجزية، وهذا هو الذي ذكره الأخوان الإمامان أبو طالب والمؤيد بالله للمذهب.
__________
(1) يقصد وباب الكعبة مغلق.
(2) جاء في حاشية الأصل: والعتبة الدرج، وكل مرقاة عتبة، والعتبة أسكفة الباب، جمعها عتب وعتاب. ا ه‍.
(3) جاء في حاشية الأصل: الصحيح أن مُؤْخِرة الرحل بميم مضمومة ثم همزة ساكنة ثم خاء معجمة مكسورة بعدها رآء وهاء، وهي عبارة عما يستند إليه راكب الرحل من خلف ظهره، والرحل منزلته من ظهر الجمل البردعة من ظهر الحمار، وقال في غريب المهذب: المؤخرة بفتح الهمزة وتشديد الخاء. اه‍.

(2/635)


والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " }[البقرة:144] وإذا كان قدامه جزء منها كان متوجهاً إلى شطر منها فوجب أن يجزيه ذلك.
المذهب الثاني: أنه لا يجزيه إلا إذا كان قدامه شيء شاخص يصلي إليه مغروزاً فيصلي إليه وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: أنه لا يسمى مستقبلاً إلا إذا كان بين يديه سترة، ويخالف ما إذا كان على رأس [جبل] أبي قبيس والكعبة تحته فإنه يسمى مستقبلاً لها لخروجه منها.
المذهب الثالث: جواز الصلاة وإن لم يكن قدامه شيء منها وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " }[البقرة:115] ولم يفصل. فهذه المذاهب على ما ترى، وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام في أماكن المصلي، والانتصار له بمعونة اللّه تعالى.
المقام الثالث: الواقف في المسجد فإنه تلزمه محاذاة الكعبة فإن وقف على طرف وبعض بدنه في محاذاة ركن من أركانه فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنها غير مجزية لأنه ليس مواجهاً للبيت بكل بدنه، وإن أمتد صف مستطيل قريب من البيت فالخارجون عن سمت البيت ومحاذاته لا صلاة لهم لبطلان مواجهتهم له.
المقام الرابع: الواقف خارج المسجد أو في بيت من بيوت مكة أو يكون بينه وبينها حائل يمنعه من النظر إلى عينها فمن هذه حاله ففرضه التوجه إلى عين الكعبة لأنه في حكم المعاين لها فلا يسقط عنه فرض المعاينة لعارض يمكن زواله.
المقام الخامس: الواقف في مسجد الرسول للصلاة فإن محرابه ينزل منزلة الكعبة في حقه إذ لا يمكن الخطأ فيه ولا يجوز الاجتهاد من أجله لا بالتيامن ولا بالتياسر.

(2/636)


قال الإمام المؤيد بالله: وهذا الاعتبار إنما يصح إذا علم أن المحراب لم يُغيَّر عما وضعه الرسول لا بزيادة ولا نقصان، فأما إذا حول عما كان عليه فإنه لا يتحقق أنه متوجه إليها. وهذا نظر حسن جارٍ على القواعد والأصول. فهذه المقامات كلها دالة على اعتبار المعاينة للكعبة، والعمارة هذه في حرم رسول اللّه قد غيرت عن عمارته وهي من عمارة المستعصم " (1)
آخر خلفاء الدولة الجائرة الظالمة الذين غيَّروا الأحكام الإسلامية وتلبسوا بالمعاصي والآثام الفسقية، وقد قطع اللّه دابرهم وعفا آثارهم فبعداً لقوم لا يؤمنون.
دقيقة: اعلم أن الذي في حكم المعاين للكعبة ممن يكون من أهل مكة في بعض بيوتها ودورها التي لا تشاهد منها الكعبة ويكون بينه وبينها حائل يمنعه عن المشاهدة لها، ففرضه التوجه إلى عينها فإذا كان لا يمكنه الإطلاع عليها إلا بقطع مسافة بعيدة بطلوع جبل أو صعود هضبة فما المتوجه عليه؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: وجوب ذلك وتأخير الصلاة إلى أن يخشى فوتها فحينئذ يجوز له التحري في هذه الحالة وهذا هو رأي القاسمية واختيار السيدين أبي طالب والمؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو أن هذه الصلاة بالتحري بدل عن صلاة المعاينة فلا يجوز التلبس بها إلا بعد الإياس من المشاهدة في آخر وقتها كالمتيمم.
المذهب الثاني: أنه إن كان يمكنه الإطلاع والمشاهدة في أول الوقت وإلاَّ صلى بالتحري ولا ينتظر آخر الوقت، وهذا هو رأي المنصور بالله والفقهاء.
__________
(1) المستعصم: عبد الله بن منصور (المنتصر) بن محمد (الظاهر) بن أحمد(الناصر) من سلالة هارون الرشيد العباسي، وكنيته أبو أحمد، آخر ولاة الدولة العباسية في العراق، ولد بالعراق وتولى الخلافة بعد أبيه سنة 640ه‍، ومدة خلافته 15سنة، وقتل على يد هولاكو الذي دخل بالتتار إلى بغداد سنة 656ه‍. ا.ه‍. أعلام4/140 ملخصاً.

(2/637)


والحجة على هذا: هو أنه مخاطب بالصلاة في أول وقتها وهو معذور بترك المعاينة لأنها ليست بدلاً عن غيرها.
وهذا هو المختار.
والحجة عليه: هو أن هاهنا فضيلتين إحداهما معاينة الكعبة، والأخرى تأديته الصلاة في أول وقتها للإختيار، فإذا قامت فضيلة المعاينة بالبعد لم تغب فضيلة الوقت فلأجل هذا وجب عليه تأديتها في أول وقتها من غير انتظار للمعاينة، ولأنه لا قائل بأن أهل منى يؤخرون الصلاة إلى آخر الوقت.
الفرع الثالث: في بيان من ليس معايناً ولا في حكم المعاين فإنه يرجع إلى خبر غيره ويترك إجتهاد نفسه.
والحجة على ذلك: هو أن الأخبار المروية عن الرسول مبطلة للاجتهاد فهكذا خبر العدل الموثوق بصدقه يقبل خبره في مراعاة أحوال القبلة قبل إجتهاد نفسه فإن أخبره مخبر عن علم بأن يكون على رأس جبل وهو يشاهد الكعبة وجب عليه قبول خبره فإن أخبرته امرأة أو عبد عن مشاهدة وجب قبول خبرهما كما يقبل خبرهما في رواية أخبار الرسول لأنهما من أهل الإسلام والعدالة فلهذا كان خبرهما مقبولاً، وإن أخبره صبي عن القبلة فهل يقبل خبره أم لا؟ فيه تردد بين أصحاب الشافعي.

(2/638)


والمختار: أن خبره غير مقبول لأنه متهم ولا يعرف قبح الكذب فلا يمتنع من الإقدام عليه، وإن أخبره كافر لم يقبل خبره لأنه ليس من أهل الإسلام فلا يقبل قوله في شيء من أحكامه، وإن أخبره فاسق لم يقبل خبره لأنه متهم في دينه فلا يمتنع إقدامه على الكذب لجرأته على اللّه تعالى بملابسته الكبيرة، فمتى حصلت هذه الأمور الثلاثة المعاينة للكعبة ومن هو في حكم المعاين لها، والخبر عنها بخبر الثقة كان مبطلاً للإجتهاد فيها لأن ما ذكرناه من هذه الأمور الثلاثة أقوى من الاجتهاد نفسه فلهذا كانت سابقة عليها لقوتها وإرشادها إلى المقصود من طلب القبلة. ويؤيد ما ذكرناه هاهنا أن الأخبار المروية عن الرسول في أحكام الشريعة في التحليل والتحريم مبطلة للإجتهاد فهكذا خبر العدل الموثوق بصدقه مبطل للإجتهاد نفسه لأن طريق الاجتهاد مظنون بالنظر في الأمارات الموصلة إلى الظن بخلاف المخبر فإنه يخبر عن مشاهدة فلهذا كان أقوى من اجتهاده.
الفرع الرابع: إذا لم يكن المصلي معايناً ولا في حكم المعاين ولا أخبره مخبر فإلى ماذا يرجع وما يكون فرضه؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن فرضه الرجوع إلى الاجتهاد وطلب الأمارات في جهة القبلة، وهذا هو رأي علماء الشريعة وأهل الحل والعقد من أئمة العترة وفقهاء الأمة وهم القائلون بالقياس والمتبحرون في علومه والمظهرون لعجائبه وأسراره والمتعمقون في غوائله وأغواره.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ " }[البقرة:144].

(2/639)


ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن اللّه تعالى أمر نبيه وأمته بالتولية لشطر المسجد الحرام، والشطر: هو البعض أو الجهة. وعلى كلا التفسيرين فإما أن يكون المراد هو العلم أو الظن والعلم إنما يحصل بالمعاينة أو لمن هو في حكم المعاين لمن كان قريباً من مكة، فأما من بعد عنها من أهل الأقاليم والأمصار في المشرق والمغرب والشام واليمن فلا يحصل لهم العلم وإنما يحصل الظن بالنظر في الأمارات وهو مرادنا بالتحري، والأمارات هي: مطالع الشمس والقمر والنجوم كما قال تعالى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ " }[النحل:16] ومهاب الريح، فالنظر في هذه الأمارات به يقتدح الظن في جهة الكعبة.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " }[البقرة:115].
ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن اللّه تعالى أخبر وخبره صدق وقوله حق، أن أينما تولينا فهو المقصود للعبادة في جهة القبلة فليس يخلو الحال فيه إما أن يريد أن المصلي يصلي إلى أي جهة شاء فهذا باطل لأن المعاين للكعبة ليس له أن يصلي إلا إليها ولا خيرة له في ذلك، وإما أن يريد الصلاة إلى الجهات الأربع فهذا باطل أيضاً لأنه ليس في الآية ما يدل على ذلك ثم إن الإجماع منعقد على خلاف ذلك، فلم يبق إلا أن يكون مراده الصلاة إلى أي جهة أوصل إليها التحري والنظر في الأمارات وفي هذا حصول المقصود من العمل على التحري في طلب القبلة.
المذهب الثاني: مذهب نفاة القياس كالأصم والإمامية وغيرهم من منكري القياس، فهؤلاء قد أنكروا القياس وعولوا على الظواهر القرآنية والأخبار المروية وأنجرَّ بهم الحال إلى إنكار التحري والعمل على الأمارات. وهم فرق كثيرة قد فصلناها في الكتب الأصولية ورددنا مقالتهم هذه.

(2/640)


والحجة لهم فيما زعموه هو: أنهم أعرضوا عن محاسن القياس وعجائبه وأعرضوا صفحاً عن اقتباس معانيه وإحراز غرائبه وعولوا على الظواهر وزعموا أن القياس لا يؤمن فيه الزلل إلى غير ذلك من الأوهام التي ليس لها حاصل ولا ثمرة وراءها ولا طائل، وموضع الرد عليهم الكتب الأصولية وقد أنهينا القول عليهم فيها نهايته.
والمختار: ما عول عليه علماء الشريعة أهل الرأي والاجتهاد من التعويل على القياس فإنه مناط الاجتهاد وأصل الرأي وفيه معظم النظر في مجاري الاجتهاد في أساليب الشريعة وهو المفضي إلى الإستقلال بجميع أحكام الوقائع في المسائل الاجتهادية والمضطربات النظرية.
الانتصار: يكون بإبطال ما عولوا عليه في إنكار القياس والتعويل على الظواهر. وهم قد أشاروا في إنكاره إلى أمور موهومة وتزاييف مزخرفة وإنكارهم للقياس الذي عول عليه العلماء الراسخون فيه دلالة على الفهاهة وضيق الحواصل وأنهم فيما أتوا به على غير قرار وبنوه على شفا جرف هار فانهار.
الفرع الخامس: وإذا كان المطلوب هو التحري فهل يكون الفرض هو العين أو الجهة؟
اعلم أن الكعبة شرَّفها اللّه تعالى وأعلاها عبارة عن المكان الذي استقرت عليه قواعد إبراهيم وإسماعيل فصارت الحرمة متعلقة بالأمرين جميعاً والقواعد تابعة للقرار، فلو زالت القواعد والعياذ بالله والبناء الذي عليها بقيت الحرمة للمكان فصارت الكعبة كالنقطة في مركز الدائرة فما قرب منها فهو مسامت للعين وما بعد منها فهو مسامت للجهة، فإذا عرفت هذا فاختلف العلماء القائلون بالتحري هل يكون فرض المصلي العين أو الجهة؟ على مذهبين:
المذهب الأول: أن الفرض هو الجهة، وهذا هو رأي القاسمية ومحكي عن أبي حنيفة وعن الكرخي والجصاص من أصحابه وأحد قولي الشافعي.

(2/641)


والحجة على هذا: قوله : ((ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المشرق " ))(1).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن المراد بالخبر الجهة لا العين لأنه يستحيل أن تكون عين الجهة تحاذي ما بين المشرق والمغرب، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: قبلة العراق ما بين مشرق الشمس ومغربها، فهذا تصريح بأن الفرض هو الجهة.
الحجة الثانية: هو أنه لو كان الفرض هو العين لما صحت صلاة الصف الطويل لأن بعضهم لا محالة يخرج عن العين.
قال الإمام أبو طالب: والمراد بالتحري هو أن تطلب بالأمارات الجهة التي يغلب على الظن أنها جهة الكعبة.
__________
(1) رواه ابن ماجة والترمذي وصححه، وقواه البخاري، وهو عن أبي هريرة بلفظ: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) بدون: لأهل المشرق. فتح الغفار 1/172.
قال في الجواهر: والظاهر أن قوله: لأهل المشرق زيادة في لفظ الحديث مفسدة للمعنى، أما كونها زيادة في لفظ الحديث فلما ورد آنفاً من لفظ الحديث دون زيادة.
قال الترمذي: وقد روي هذا الحديث عن غير واحدٍ من أصحاب النبي ، منهم عمر وعلي وابن عباس، وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن شمالك فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة. وعلق ابن بهران على هذا بقوله: وكلام ابن عمر هذا [يصدق] في حق من كان في جهات المدينة ونحوها، وأما من كان في اليمن فإنما يجعل المشرق عن يمينه والمغرب عن شماله وذلك ظاهر. إلى أن قال: وأما كون تلك الزيادة مفسدة للمعنى، فلأنه لا يستقيم أن تكون الجهة التي ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المشرق، وإنما يستقيم أن تكون تلك الجهة قبلة لأهل الشام أو لأهل اليمن كما سبق في حديث ابن عمر ونحوه، وأما أهل المشرق والمغرب فقبلتهم التي بين الشام واليمن كما لا يخفى على أحد، فلا شك بأن تلك الزيادة سهو فسبحان من لا يجوز عليه السهو. ا ه‍1/203.

(2/642)


وحكي عن السيد أبي العباس أنه قال: يقصدون العين التي هي فرضهم إذا حضروا والجهة إذا غابوا، وكل هذا تصريح من هؤلاء بأن الفرض هو الجهة لا غير.
المذهب الثاني: أن الفرض هو العين حضر أو غاب عنها، وهذا هو رأي الإمامين زيد بن علي والناصر والمروزي وأحد قولي الشافعي، وحكى الشيخ أبو جعفر أن أبا عبدالله البصري حصَّل من مذهب أبي حنيفة أن الفرض هو العين في الحالين جميعاً.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ " }[البقرة:144] وشطر الشيء بعضه، يقال: شطر المال، وشطر الدار أي بعضها وهذا هو مرادنا بالعين.
الحجة الثانية: قياسية، وحاصلها هو أن من لزمه فرض التوجه إلى الكعبة لزمه إصابة العين كالمشاهد لها، فثبت بما ذكرناه أن الواجب بتحريه قصد عينها لا جهتها، فهذا تقرير كلام الفريقين في إعتبار العين والجهة كما ترى.
والمختار: تفصيل نشير إليه فيه كشف الغطاء عن المسألة، وحاصله أن نقول: إعتبار الجهة لايكفي بدليل أن القريب من الكعبة إذا خرج عن محاذاة الركن فإن صلاته غير صحيحة مع استقبال الجهة، ومحاذاة العين أيضاً ليست شرطاً فإن الصف الطويل في آخر المسجد إذا تزاحفوا إلى جهة الكعبة يخرج بعضهم عن محاذاة العين وصلاتهم لا شك في صحتها فكيف بالصف الطويل في أقصى المشرق والصف الطويل في أقصى المغرب؟ فلعل الأقرب بما قاله العلماء من الأئمة والفقهاء من العين والجهة، هو أن بين موقف المحاذي الذي يقول فيه الناظر المحقق: إنه على غاية السداد، وبين موقفه الذي يقول فيه: إنه قد خرج فيه عن اسم الإستقبال بالكلية، مواقف يقال فيها: إن بعضها أسد من بعض فإذا كان الكل سديداً فمن طلب الأسد عنى به العين، ومن طلب السديد عنى به الجهة. فهل يجب طلب الأسد أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما:أنه يجب لأنه ممكن.

(2/643)


وثانيهما:أنه غير واجب لأن حقيقة المحاذاة في المسجد ممكنة مع أنها غير واجبة، فإلى هذا ترجع حقيقة الخلاف في المسألة في العين والجهة والله أعلم بالصواب، وربما كان الخلاف راجعاً إلى عبارة من أراد الجهة فلابد له من مراعاة العين ومن أراد العين فلابد له من مراعاة الجهة، فإذا كان لابد من مراعاتهما جميعاً كان الخلاف لفظياً.
الانتصار: يكون بتصفح كلام الفريقين وانتقاد أدلتهم، وأنت إذا نظرت فيها وجدتها آيلة إلى ما ذكرناه وحققناه فلا جرم استغنت عن النظر في كل واحد منها وما يرد عليه من الاحتمال.
الفرع السادس: في بيان المعذورين من التوجه إلى القبلة، وهم في ذلك على ضروب خمسة:
الضرب الأول: الأعمى، وفرضه الرجوع إلى غيره لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " }[النحل:43] فإن وجد من يقلده عمل على قوله من حر أو عبد أو امرأة لأن كل واحد من هؤلاء من أهل الاجتهاد فجاز له تقليده فإن اتفقوا على جهة واحدة كان له أن يقلد من شاء منهم لاستوائهم في صحة القبلة، وإن اختلفوا في الجهات استحب له أن يقلد أفقههم وأعرفهم بحدود الشرع وبالأمارات فأيهم قلده جاز، ولأنه قلد من يجوز تقليده، فإن لم يجد من يقلد صلى على حسب حاله، وهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنها لا تلزمه الإعادة لقوله : ((لا ظهران في يوم)). وإن عرف القبلة باللمس للمحاريب المنصوبة التي نصبها العلماء وأهل الفضل أجزأه ذلك لأنها بمنزلة الخبر، وإن دخل الأعمى بالتقليد ثم أبصر في حال الصلاة بأن بان له حين أبصر أنه على جهة القبلة أتم الصلاة، وإن احتاج إلى الاجتهاد بطلت صلاته لأنه صار من أهل الاجتهاد، وإن دخل البصير باجتهاد في الصلاة ثم عمي في أثنائها مضى في صلاته لأن اجتهاده أولى من اجتهاد غيره، فإن تحول عنها بطلت صلاته لأنه لا يمكنه الرجوع إليها ويحتاج إلى أن يقلد وذلك لا يمكنه في حال الصلاة.

(2/644)


الضرب الثاني: الذي لا يعرف الدلائل على القبلة وإن عُرِّفَ بها لم يعرف. فمن هذه حاله فهو كالأعمى وفرضه التقليد. فإن دخل المقلد في الصلاة بالتقليد وفرغ منها ثم قال له من قلده، القبلة في غير الجهة التي صليت إليها فإن بان له ذلك باجتهاد لم تجب على المصلي الإعادة لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله، وإن بان له بيقين فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا تلزمه الإعادة لقوله : ((لا ظهران في يوم، ولا فجران في يوم، ولا عصران في يوم)).
وإن قال له آخر وهو في أثناء الصلاة: قد أاخطأتك القبلة والقبلة في جهة أخرى، فإن كان قول الثاني على اجتهاد لم يلزمه قبول قوله من جهة أن الاجتهاد لا ينقض بمثله، وإن كان الثاني كاذباً عنده لم يجب عليه الرجوع إلى قوله، وإن كان الثاني أصدق من الأول عنده فعليه أن ينحرف إلى الجهة الثانية لأن الثاني أحق من الأول عنده، وإن كان الثاني عنده مثل الأول في الصدق فعليه أن يمضي في صلاته ولا ينحرف لاستوائهما في الصدق، وقد تَلَبَّس بالصلاة فلا وجه لخروجه منها، وإن قال الثاني ذلك القول على جهة الإخبار عن مشاهدة من غير اجتهاد لزمه الإنحراف إلى الجهة الثانية ولا يلزمه الإستئناف لأن دخوله فيها كان باجتهاد والخبر كان عن مشاهدة فلهذا وجب قبوله من غير تغيير لما فعله من قبل.

(2/645)


الضرب الثالث: الذي لا يعرف الدلائل ولكنه إذا عُرِّفَ بها عرفها. فإن كان الوقت واسعاً لزمه أن يتعرفها ولا يقال: إن هذا تقليد. كما أن العامي إذا أخبره العالم بخبر عن الرسول واستدل به لا يقال: إنه قد قلده فيما يحكم به لأنه متابع للرسول دون العالم، وإن أمكنه التعلم وأخره حتى ضاق الوقت عن التعلم والاجتهاد صلى بالتقليد، فإن لم يجد من يتعلم منه إلى أخر الوقت وضاق عن التعلم والاجتهاد جاز له التقليد. وإنما قررنا هذا التقرير لتعلم بأن ما يكفي من دلائل القبلة فرض من فروض الأعيان لا يمكنه أداء الصلاة إلا به من جهة أن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، لما روى أسامة عن الرسول أنه دخل الكعبة فلم يصل فيها ثم خرج منها وصلى إليها وقال: ((هذه هي القبلة " )).
الضرب الرابع: الذي يعرف الدلائل ولكن خفيت عليه لظلمة أو غيم فهل يقلد أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يقلد لأنها قد خفيت عليه الدلائل والأمارات فصار كالأعمى.
وثانيهما:أنه لا يجوز له التقليد لأنه صار من أهل الاجتهاد.
والمختار: هو الأول لأنه وإن كان من أهل الاجتهاد فقد انسد عليه الاجتهاد لعروض هذا العارض فلهذا كان معذوراً في التقليد كالأعمى.
الضرب الخامس: المُسَايِفُ(1) والمربوط على خشبة والمريض الذي لا يجد من يوجهه نحو القبلة وراكب السفينة يتحرى جهده إلى القبلة ويدور بدورانها فإن لم يمكنه لاضطرابها صلى إلى أي جهة توجهت، والخائف سواء كان الخوف من آدمي أو سبع أو حيّة والأصل في هذا قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " }[البقرة:115]. وقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم " )).
__________
(1) في الأصل هامش: المسيف: الذي عليه السيف، والمسايفة: المجالدة. ا ه‍.

(2/646)


ومن كان من أهل العذر يمكن زوال عذره ويرجى، فهل ينتظر آخر الوقت أو يصلي في أول الوقت؟. فمن قال: صلاته بدلية وجب عليه انتظار آخر الوقت كالمتيمم، ومن قال: صلاته أصلية جازت له الصلاة في أول الوقت وقد مضى تقريره في أوقات الصلاة وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن الإعادة وبالله التوفيق.

(2/647)


---
الفصل الثاني
في بيان الصلوات التي تُستَقْبل لها القبلة
اعلم أن الصلوات التي يشرع فيها استقبال القبلة على نوعين: واجبة، ونافلة. فالواجبة: نحو الصلوات المكتوبة والصلاة المنذورة وصلاة الجنازة. والنافلة: نحو صلاة الكسوف والسنن الرواتب للصلاة ونحو سجود الشكر وسجود التلاوة. فما كان من الصلوات الواجبة فإنه يجب فيه مواجهة القبلة ولا تؤدى على الراحلة، وما كان نافلة فإنه يجوز تأديته على الراحلة ولا يشترط فيه مواجهة القبلة، هذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الصلوات المكتوبة يجب فيها مواجهة القبلة إلا لعذر كما مر بيانه، ولا يجوز تأديتها على الراحلة لما روى زيد بن علي عن أبيه عن علي " أن رجلاً سأل الرسول فقال له: يا رسول اللّه هل تصلي على ظهر بعيرك؟ فقال: ((نعم صل حيث توجه بك بعيرك " إنما يكون إيماؤك لسجودك أخفض من إيمائك لركوعك فإذا كانت المكتوبة فالقرار))(1).
فإن كان راكباً لسفينةٍ واسعةٍ أو عمارية يمكنه أن يدور ويركع ويسجد ويستقبل القبلة ويقوم، فهل يجوز أن يصلي فيها الفريضة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: المنع من ذلك لأن البهيمة لها اختيار في نفسها ولا تكاد تثبت على حالة واحدة فيؤدي ذلك إلى تغير القبلة بخلاف السفينة فإنها لا تسير بنفسها وإنما يسيرها الملاح فهي واقفة على اختياره فافترقا.
وثانيهما: الجواز كما لو صلى على سرير يحمله أربعة.
والمختار: هو الأول وهو المنصوص للشافعي في كتاب (الأم)، فأما إذا كان راكباً في محمل ضيق أو سرج أو على قتب فلا يجوز تأدية الفريضة عليه بحال.
الفرع الثاني: صلاة الجنازة هل تجوز تأديتها على الراحلة أم لا؟ فليس يخلو حالها إما أن تكون متعينة عليه أم لا؟ فإن كانت متعينة عليه لم يجز تأديتها عليها لأنها من فروض الأعيان، وإن لم تتعين عليه فهل يجوز تأديتها على الراحلة أم لا؟ فيه وجهان:
__________
(1) تقدم.

(2/648)


أحدهما: أنها غير واجبة في حقه فهي كسائر النوافل.
وثانيهما: المنع لأنها وإن لم تتعين عليه فهي واجبة في نفسها، وهذا هو المختار وهو المنصوص للشافعي.
وأما صلاة النذر الواجبة فهل يجوز تأديتها على الراحلة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما:المنع لأنها واجبة فأشبهت المكتوبة.
وثانيهما: الجواز لأنه ليس لها وقت معين فاشبهت المبتدأة.
والمختار: هو الأول، من جهة أنها لاحقة بالمفروضة من الصلاة في الوجوب. وهكذا الكلام في ركعتي الطواف فيهما الوجهان الجواز والمنع.
والمختار: هو الجواز لأنهما لاحقتان فلهذا جاز تأديتهما على الراحلة.
فأما رواتب الصلوات المكتوبة وصلاة الكسوفين وسجود الشكر والتلاوة فيجوز تأديتها على الراحلة، وهكذا حال صلاة العيدين عند من قال إنها سنة؛ لأن هذه الصلوات كلها نافلة فلا جرم قضينا بجواز تأديتها على الراحلة. وإنما جاز ذلك من جهة أن النوافل يستحب الإكثار منها فلم يضيق الشرع مسلكها فلهذا خفف الأمر فيها بالأداء على الراحلة وقائماً وقاعداً لما روي عن الرسول أنه قال: ((من صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء من أعمال الدنيا غفر اللّه له " )).
الفرع الثالث: النوافل المبتدأة. يجوز أداؤها على الراحلة لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " }[البقرة:115]. ويتوجه إلى جهة مقصده لما روي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في التطوع في السفر.
وروى ابن عمر قال: رأيت الرسول يصلي على حماره متوجهاً إلى خيبر ومن توجه إلى خيبر من المدينة فإنه يستدبر القبلة. قال الإمام القاسم: ويجوز اداء الوتر على الراحلة لأنها سنة وليست واجبة ويجوز ذلك في السفر الطويل لأن ما هذا حاله من تسهيلات السفر ورخصه فلهذا كان مختصاً بالطويل من الأسفار، وهل يجوز في القصير أم لا؟ فيه مذهبان:

(2/649)


المذهب الأول: جواز الأداء على الراحلة في النوافل في القصير من الأسفار وهذا هو رأي أئمة العترة وهو أحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الرسول كان يصلي حيث توجهت به راحلته ولم يفصل بين طويله وقصيره.
المذهب الثاني: اختصاص ذلك بالسفر الطويل دون القصير، وهذا هو رأي مالك وأحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن هذا تغيير ظاهر لهذه الصلاة فلهذا كان مختصاً بالسفر الطويل كالقصر.
والمختار: ما قاله الأئمة لما روى جابر عن الرسول أنه كان يصلي على راحلته حيث توجهت، وعن علي % أنه كان يصلي على راحلته التطوع حيث توجهت، وعن ابن عمر أنه كان يصلي على راحلته ويوتر، وقال: كان الرسول يفعله(1).
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قوله: إنه تغيير هيئة في الصلاة فلا يجوز إلا في السفر الطويل كالقصر.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأخبار فإنها لم تفصل بين الطويل والقصير والأخبار أحق بالقبول من القياس خاصة مع أن الباب باب عبادة فلا تحكم فيه إلا الأخبار المروية عن الرسول .
وأما ثانياً: فلأنه معارض بقياس مثله وتقريره: أنه مسافر فجاز له فعل النوافل على الراحلة كالسفر الطويل فضعف ما عول عليه.
__________
(1) أخرجه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم، يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه، ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة.
قال ابن بهران: وفيه لهما ولغيرهما روايات أخر. ا ه‍1/205، وفيه عن ابن عمر أيضاً بلفظ: كان النبي يسبح على راحلته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت به، وفيه نزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه، ا ه‍فتح 1/143، والتسبيح هنا: صلاة النوافل.

(2/650)


الفرع الرابع: وإذا دخل الراكب بلداً وهو في الصلاة نظرت فإن كان بلد إقامته أو نوى فيه الإقامة فعليه أن ينزل ويتم صلاته إلى القبلة ولا يكون النزول مفسداً للصلاة لأنه عمل قليل عمل لإصلاح الصلاة، وإن كان مجتازاً عن البلد فإنه يتم صلاته راكباً إلى جهة مقصده ولا تأثير للعمارة والبنيان، وإن دخله لينزل ثم يرتحل فإنه يمضي في صلاته ما دام سائراً فإذا نزل صلى إلى القبلة، وإن كان له في البلد أهل ومال نظرت فإن نوى الإقامة نزل وأتم صلاته إلى القبلة وإن لم ينو الإقامة ففيه وجهان:
أحدهما: أن يلحقه حكم المقيم تغليباً لأهله وماله.
وثانيهما: أنها في حكم الصحراء لأنه مسافر فيها.
والمختار: هو الأول لأن المال والأهل تزيل عنه حكم السفر والغربة فلهذا لحقه حكم الإقامة وإن لم يكن ناوياً لها فلهذا لزمه استقبال القبلة لما ذكرناه.
الفرع الخامس: وإذا كان المسافر ماشياً فهل يجوز له ترك القبلة والتوجه إلى جهة مقصده أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك وهذا هو الذي يأتي على رأي أئمة العترة وهو قول الشافعي.
والحجة على هذا: هو أنه أحد حالتي السفر فجاز له التنفل في غير جهة القبلة كحالة الركوب.
المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو قول أبي حنيفة ومحكي عن أحمد بن حنبل.
والحجة على ذلك: هو أن الأدلة الشرعية دالة على الرخصة في ترك القبلة لمن أراد النافلة في حال الركوب فلهذا وجب قصرها عليه دون المشي.
والمختار: جواز ذلك في حالة المشي كما جاز في حال الركوب.
والحجة على هذا: هو أن المقصود التساهل في حال النوافل واتساع مسلكها فإذا جاز ذلك في حال الركوب جاز في حال المشي من غير تفرقة بينهما بل ربما تكون الرخصة في حال المشي أدخل منها في حال الركوب.
الانتصار: قالوا: يجب قصر الرخصة حيث وردت في حالة الركوب.

(2/651)


قلنا: لا نسلم قصرها على الركوب وإنما وردت في حال الركوب لأن الغالب في الأسفار هو الركوب على الرواحل وليس من جهة كونه شرطاً و إنما جاز تعويلاً على مطرد العادة فلهذا سوغناه للماشي لما كان المقصود هو الترفه في حق النوافل واتساع نطاقها في حق من أرادها.
الفرع السادس: وإذا كان المتنفل حاضراً في غير سفر نظرت، فإن كان واقفاً من غير سير لم يجز له التنفل إلا مع استقبال القبلة لأنه لا عذر له في ترك الاستقبال مع الوقوف عن السير وأما إذا كان سائراً فهل يجوز له ترك الاستقبال في صلاة النفل أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما:الجواز لأن عادة الناس في الحضر هو المشي في حوائجهم أكثر النهار فلهذا جوَّز لهم ترك الإستقبال في النافلة مخافة أن ينقطعوا عن النوافل كما قلنا في حال السفر.
وثانيهما: المنع من ذلك لأن الغالب من حال الحضر اللبث والإقامة، وهذا هو المختار؛ لأنه ممكن فلا وجه لتركه مع المسير لسهولة الأمر فيه، والله أعلم.
الفرع السابع: في كيفية استقبال المتنفل للقبلة في حال صلاته. وليس يخلو الحال في إشتراط الإستقبال إما أن يكون في إبتداء الصلاة أو في حال الإشتغال بها أو الخروج منها فهذه حالات ثلاث:
الحالة الأولى: في إبتداء الصلاة وفيه وجوه أربعة:
أولها: أنه يجب الإستقبال عند التحريم لأنه لا حرج فيه ولا عسرة بخلاف الدوام فأشبه النية.
وثانيها: أنه لا يجب لأن هذه الحالة تعم جميع الصلاة فإذا لم يلزم في جميعها لم يلزم الإبتداء به.
وثالثها: أن العنان والزمام إن كان في يديه وجب الإستقبال لسهولته وتيسره، وهكذا حالها إن كانت مقطورة إلى غيرها، وإن كانت مرسلة لم يلزم؛ لأنه لا يملكها.
ورابعها: إن وجه الدابة إن كان في جهة القبلة فلا يجوز تحريفها وإن كان وجهها في غير القبلة لم يلزمه تحريفها إلى القبلة.

(2/652)


الحالة [الثانية]: في دوام الصلاة وحال الإشتغال بها، فلا يجب الإستقبال فيها لكن تلزمه الإستقامة على وجه الطريق لا يدل على القبلة(1) فلو كان راكباً للتعاسيف(2)
فلا يتنفل أصلاً لما كان غير مستقيم على صوب واحد(3).
الحالة الثالثة: في الخروج عن الصلاة، ولا يلزمه الإستقبال عند الخروج من الصلاة النافلة لأنه تارك للصلاة فلا يلزمه الإستقبال كما لو لم يتلبس بها.
الفرع الثامن: والمستحب لمن يصلي في الصحراء أن يجعل بين يديه سترة فلا يبالي بما مر من ورائها لما روى أبو هريرة وعائشة وابن عمر وغيرهم من جلة الصحابة رضي اللّه عنهم عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم ووضع بين يديه سترة " مثل مؤخرة الرَّحْل فليصل ولا يبالي مِنْ مَنْ مر وراء ذلك))(4).
__________
(1) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: لأنه بدل عن القبلة.
(2) قال ابن منظور: والتعسيف: السير على غير عَلَم ولا أثر، ا ه‍، لسان العرب ج9 ص245.
(3) في حاشية الأصل تصحيح للجملة لتكون: على صوب واحد.
(4) جاء الخبر من عدة طرق وبألفاظ مختلفة. منها: عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله : ((إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود)) قلت [الراوي عن أبي ذر]: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأصفر من الكلب الأحمر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله كما سألتني، فقال : ((الكلب الأسود شيطان)) أخرجه مسلم، وزاد الترمذي بعد قوله: كآخرة الرحل، ((..او كواسطة الرحل)) وجعل عوض الأصفر الأبيض، وأورد ابن بهران رواية عن ابن عباس: أن رسول الله قال: ((إذا صلى أحدكم إلى غير السترة فإنه يقطع صلاته الحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة، وتجزئ عنه إذا مروا من بين يديه على قذفة بحجر)) هذه من رواية أبي داؤد. ا ه‍. جواهر 1/205.

(2/653)


وقال هؤلاء من الصحابة: سترة الإمام سترة لمن وراءه.
ويستحب لمن يصلي إلى السترة أن يدنو منها لقوله : ((إذا صلى أحدكم إلى السترة فليدن منها " )) (1).
ويستحب أن يكون بينه وبين السترة قدر ذراع، لما روي عن الرسول أنه كان بينه وبين قبلته قدر ممر الشاة(2).
قال الشافعي: ويستحب أن يكون بينه وبين السترة قدر ثلاثة أذرع. وهذا التقدير فيه زيادة على الحد ولم يذكر المحدثون البخاري والترمذي وغيرهما إلا مقدار ممر العنز وهذا حاصل بقدر الذراع من غير زيادة. ويكره التباعد عن السترة بأكثر من قدر الذراع لما روى ابن المنذر " (3) أن مالكاً كان يصلي مبايناً للسترة فمر به رجل لا يعرفه فقال له: أيها المصلي أدن من سترتك فجعل مالك يتقدم ويقول: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ " وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}[النساء:113].
__________
(1) عن سهل بن أبي حثمة، يبلغ به النبي قال: ((إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته)) أخرجه أبو داؤد. ا ه‍جواهر 1/206.
(2) لفظه: عن سهل بن سعد قال: كان بين مصلى رسول الله وبين الجدار ممر الشاة، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي، وفي رواية أبي داؤد: كان بين مقام النبي وبين القبلة ممر عنز، ا ه‍المصدر السالف.
(3) هو محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، أبو بكر: فقيه مجتهد من الحفاظ، كان شيخ الحرم بمكة.
قال الذهبي: ابن المنذر صاحب التي لم يصنف مثلها، منها: (المقصود) في الفقه، و(الأوسط في السنن والإجماع والإختلاف -خ-) و(الإشراف على مذاهب أهل العلم-خ-) الجزء الثالث منه فقه، و(اختلاف العلماء-خ-) الأول منه، و(تفسير القرآن) وغير ذلك، ولد سنة242، وتوفي سنة319ه‍بمكة. ا.ه‍. (أعلام)5/294، راجع (تذكرة الحفاظ)3/4، و(الوفيات) 1/461، و(طبقات الشافعية) 2/126.

(2/654)


فإن كان المصلي في البنيان فالمستحب أن يدنو من الجدار، وإن كان في الصحراء فالمستحب أن يجعل سترة بين يديه، لما روي عن الرسول أنه كان إذا خرج للعيد تنصب له الحربة فيصلي إليها(1).
وهكذا كان يفعل في السفر تركز له العنزة.
ولا يستتر بامرأة ولا دابة، ويكره له ذلك لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا صلاة إلى امرأة " )) (2)
__________
(1) عن ابن عمر: أن النبي كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، وفي رواية أخرى: كان يركز الحربة قدامه يوم الفطر والنحر ثم يصلي، أخرجه البخاري ومسلم، اه‍المصدر السالف، وفيه روايات أخرى بألفاظ متقاربة للبخاري وأبي داؤد والنسائي، ومنها: أنه كان يغدو إلى المصلى والعنزة بين يديه تحمل وتنصب بالمصلى بين يديه فيصلي إليها. وعن أبي جحيفة: أن رسول الله صلى بالبطحاء وبين يديه عنزة، الظهر ركعتين والعصر ركعتين، يمر بين يديه، وفي رواية: بين يدي العنزة، المرأة والحمار، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داؤد والنسائي، وفي الجواهر ما لفظه: (حاشية) قال في النهاية: العنزة: مثل نصف الرمح أو أكثر ولها سنان مثل سنان الرمح، ا ه‍المصدر السابق، وهي بفتحتين على العين المهملة والزاي كما في لسان العرب ج5/ ص 384.
(2) لم نجد هذا الحديث بلفظه في المصادر المتاحة، وقد أورده ابن بهران في الجواهر نقلاً عن الانتصار، وقال: ولم يرد، وأورد أحاديث تتضمن النهي عن الصلاة إلى النائم وإلى المتحدث، أو الحائض أو الجنب، ا ه‍، المصدر السابق ملخصاً.

(2/655)


ويستحب للمصلي أن يداري في صلاته مخافة أن يمر بين يديه مارٌ لما روي عن النبي أنه كان يصلي ذات يوم إلى الجدار فأراد تيس أن يمر بين يديه فجعل يداريه عن المرور وهو يزحف إلى الجدار حتى لصق بالجدار ومر التيس من ورائه(1).
الفرع التاسع: والمستحب إذا لم يجد المصلي عوداً يغرزه أن يخط بين يديه خطاً، لما روي عن الرسول أنه قال: ((فإن لم يكن معه عصا فليخط خطاً " ))(2)
قال أبو داود في سننه، وليكن الخط مثل الهلال، أراد: يكون معوجاً كهيئة المحراب.
__________
(1) أخرجه أبو داؤد عن ابن عباس بلفظ: أن رسول الله كان يصلي فذهب جدي يمر بين يديه فجعل ينفيه، وفيه عن ابن عمرو بن العاص قال: هبطنا مع رسول الله من ثنية أذاخر فحضرت الصلاة فعنى إلى جدار فاتخذه قبلة ونحن خلفه فجاءت بهمة تمر بين يديه فما زال يدرأها حتى ألصق بطنه بالجدار فمرت من ورائه، أو كما قال مسدد. أخرجه أبو داؤد.
حاشية أوردها ابن بهران جاء فيها: قال في النهاية: ثنية أذاخر موضع بين مكة والمدينة وكانت مسماة بجمع الأذخر. ا ه‍، والبهمة: واحدة البهم، وهي صغار الضأن. ا ه‍1/207.
تصحيح: وردت جمع الأذخر، بالزاي في المصدر السالف، وهي بالذال المعجمة. وهي كما في لسان العرب، ثنية أذاخر موضع بين مكة والمدينة وكانت مسماة بـ: جمع الأذخر. ا.ه‍4/303، ولعل ورودها في الجواهر بالزاي خطأ مطبعي.
(2) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يجد فليخط خطاً، ثم لا يضره ما مر أمامه)) أخرجه أبو داؤد، قال: الخط بالطول، وقالوا: بالعرض مثل الهلال. ا ه‍. المصدر السابق.

(2/656)


ويكره المرور بين يدي المصلي إذا كان يصلي إلى سترة من عصا أو حربة أو خط بين يديه، لما روى أبو هريرة وابن عمر وعبدالله بن عمرو وأبو سعيد الخدري عن الرسول أنه قال: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه " لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه)) (1).
وحكى أبو عيسى الترمذي " (2)
عن النضر راوي الحديث له قال: لا أدري أربعين يوماً أو شهراً أو سنةً. والقريب: أنه أراد أربعين سنة، لما روي عن الرسول أنه قال: ((لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي " )) فإن لم يجعل المصلي تلقائه شيئاً لم يكره المرور بين يديه لأنه فرَّط في نفسه بترك الستر فبطل حقه(3).
__________
(1) روي الحديث عن بسر بن سعيد-بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله ماذا سمع من رسول الله في المار بين يدي المصلي؟ قال أبو جهيم: قال رسول الله : ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه)). قال أبو النضر: لا أدري أقال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة، أخرجه الستة.
قال الترمذي: وقد روي عن النبي أنه قال: ((لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي)). ا ه‍، المصدر السابق.
(2) محمد بن عيسى بن سورة بن الضحاك السلمي، الراوية المشهور أحد أصحاب الصحاح الست، طاف بالبلدان وصنف مؤلفات في الحديث والرجال، منها: كتاب الجامع والعلل والتواريخ، كان يضرب به المثل في الحفظ، مات بترمذ في رجب سنة 279ه‍، ترجماته منتشرة في مختلف كتب الطبقات والتراجم والمعاجم والأعلام.
(3) في هامش الأصل: ظاهر الحديث وإطلاقه الكراهة، وإن لم يكن هناك سترة. قال في (الهداية): ويدرأ المار إذا لم يكن بين يديه سترة أو مر بينه وبين السترة لقوله : فادرأوا ما استطعتم، اه‍حاشية الأصل.

(2/657)


الفرع العاشر: والمستحب للمصلي إذا صلى إلى سترة قدامه من جدار أو أسطوانة وغيرهما أن لا يصمد إليها صمداً كلياً بل يكسر بحاجبيه شيئاً قليلاً، لما روي عن الرسول أنه كان إذا صلى إلى السترة قدامه لم يصمد إليها صمداً ولكني رأيته يكسر بحاجبيه شيئاً قليلاً فإن مر مارٌ بين المصلي وبين السترة عمداً جاز له مخاصمته، لما روي عن الرسول أنه قال: ((فإن شاء أن يخاصمه فليخاصمه " )) وفي حديث آخر: ((فإن شاء أن يقاتله فليقاتله))(1).
وهل يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي وليس بين يديه سترة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يقطع صلاة المصلي ما يمر بين يديه كالكلب والمرأة والحمار، وهذا هو رأي أئمة العترة والفقهاء.
__________
(1) الخبر عن ابن عمر بلفظ:((إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين)) أخرجه مسلم. والقرين: الشيطان كما في حاشية البحر لا ما ذكره في (الجامع) بدليل الحديث الثاني عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله يقول: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان)) هكذا في رواية البخاري. وفي رواية لمسلم بزيادة: ((... وليدرأ ما استطاع فإن أبى... إلخ)). ا ه‍جواهر 1/208 ملخصاً.

(2/658)


والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس رضي اللّه عنه قال: كنت رديف الفضل بن عباس " (1)
على أتان لنا فجئنا والرسول يصلي بأصحابه في منى، قال: فنزلنا عنها فوصلنا الصف ومرت بين أيديهم فلم تقطع صلاتهم(2).
المذهب الثاني: أنه يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة، وهذا يحكى عن بعض الفقهاء.
قال أحمد بن حنبل: لا أشك أن الكلب الأسود يقطع الصلاة وفي نفسي من الحمار والمرأة شيء.
قال إسحاق بن راهويه: لا يقطعها إلا الكلب الأسود.
__________
(1) الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عم رسول الله ، وأخو عبد الله بن العباس الصحابي حبر الأمة، كان رديف رسول الله على ناقته في حجة الوداع، قتل يوم اليرموك بالشام في عهد عمر وهو ابن 22 سنة، وعليه درع النبي ، وفي (تهذيب التهذيب)8/252: قال أبو داؤد: قتل بدمشق، وقال الواقدي: مات بطاعون عمواس سنة 18، وقال ابن سعد: كان أسن ولد العباس، وثبت يوم حنين ومات بناحية الأردن في خلافة عمر، حضر غسل رسول الله ، وإلى جانب مواقفه هذه المشهورة مع رسول الله فقد كان هو وابن عمه علي الرجلين اللذين خرج رسول الله أثناء مرضه إلى بيت عائشة متكئاً عليهما كما جاء في روايات عدة، منها ما جاء عن عائشة بلفظ: فخرج رسول الله يمشي بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر، عاصباً رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتي.
قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، راوي الحديث عن عائشة: فحدثت هذا الحديث عبد الله بن العباس، فقال: هل تدري من الرجل الآخر؟ قال: قلت: لا، قال: علي بن أبي طالب. ا ه‍، من روايةابن إسحاق بسنده عن الزهري، سيرة النبي لابن هشام 4/298.
(2) هذه رواية الترمذي لحديث أخرجه الستة، وزاد أبو داؤد في إحدى رواياته: وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا فأخذهما ففرع بينهما، وفي رواية: ففرع إحداهما من الأخرى فما بالى ذلك. ا ه‍المصدر السابق.

(2/659)


والحجة على ذلك: ما روى أبو ذر عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى الرجل وليس بين يديه كواسطة الرحل " قطع صلاته الكلب الأسود والمرأة والحمار)) قال الراوي: فقلت لأبي ذر ما بال الأسود من الأحمر والأبيض؟ فقال: يا ابن أخي سألتني عما سألت رسول اللّه فقال: ((الكلب الأسود شيطان " ))(1).
والمختار: ما عليه علماء العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو ما روى أبو سعيد الخدري أن النبي قال: ((لا يقطع صلاة المرء شيء " وادرأوا ما استطعتم))(2).
__________
(1) تقدم.
(2) أورده في الاعتصام وفي جواهر الأخبار وغيرهما، وهو من مشاهير الأحاديث. جاء في المصدرين السابقين بزيادة: ((فإنما هو شيطان)) أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داؤد والنسائي عن أبي سعيد. ا ه‍اعتصام 1/251. وروى الإمام زيد بسنده عن علي % قال: كانت لرسول الله عنزة يتوكأ عليها ويغرزها بين يديه إذا صلى، فصلى ذات يوم فمر بين يديه كلب ثم حمار ثم مرت امرأة. فلما انصرف قال: ((قد رأيتم الذي رأيتم ليس يقطع صلاة المسلم شيء، ولكن ادرأوا ما استطعتم)) ا ه‍139، أخرجه محمد بن منصور في الأمالي بسنده، عن أبي كريب عن ابن أبي زائدة عن أبيه عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي قال: لا يقطع الصلاة شيء ولكن ادرأوا ما استطعتم. أورده في الروض بألفاظ وطرق عدة منها: ((لا يقطع الصلاة شيء وادرأ عن نفسك ما استطعت)) أخرجه عبد الرزاق، قال: وأخرج البيهقي بإسناه إلى سعيد بن المسيب أن علياً وعمر قالا: لا يقطع صلاة المسلم شيء وادرأوا ما استطعتم، أخرجه (البيهقي) في باب الدليل على أن مرور الكلب وغيره بين يدي المصلي لا يفسد الصلاة. كما أورده في الروض بزيادة: ((...فإنما هو شيطان)) ا ه‍روض 2/151.

(2/660)


ويكره أن يجلس رجل مستقبلاً للمصلي لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا صلاة إلى متحدث " )) فإن فعل رجلان ذلك عمداً أدبا. لما روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه رأى رجلين فعلا ذلك فضربهما(1).
الانتصار: يكون بالجواب عما رووه من حديث أبي ذر وعنه جوابان:
أما أولاً: فيحتمل أن يكون منسوخاً بحديث أبي سعيد لاتفاق العلماء على ذلك من أئمة العترة وفقهاء الأمة.
وأما ثانياً: فلأنه متأول على أنه قطع الصف عن الإتصال لا أنه قطع الصلاة عن الإجزاء وهذا التأويل وإن كان فيه بعد لكنه مغتفر في جنب مخالفة الأحاديث الدالة على صحة الصلاة واتفاق العلماء عليها، فهذا ما أردنا ذكره في بيان الصلاة التي يستقبل بها القبلة.
__________
(1) وفيه عن ابن عباس أن رسول الله قال: ((لا تصلوا خلف النيام ولا المتحلقين ولا المتحدثين)) وفي رواية: ((لا تصلوا خلف النائم ولا المتحرك)) أخرج الثانية أبو داؤد. والأولى ذكرها رزين، وفي الجواهر نقلاً عن المهذب، أن عمر رأى رجلاً يصلي ورجل جالس مستقبله بوجهه فضربهما بالدرة، ا ه‍1/207.

(2/661)


---
الفصل الثالث
في بيان حال المستقبل للصلاة
اعلم أن المستقبل للصلاة نحو الكعبة لا يخلو حاله إما أن يكون قادراً على معرفة القبلة باليقين جزم عليه التحري وإن عجز عن التحري بالعمى قلد غيره وإن عجز عن اليقين وجب عليه التحري فإن صلى من غير تحرٍ أو تحرى وأخطأ أو صلى إلى جهة غير متحراة أو غلب على ظنه الإصابة أو صلى من غير تحرٍ وعلم الإصابة أو كان الوقت باقياً أو فائتاً إلى غير ذلك من اختلاف أحواله في طلب القبلة فلابد من إيراد هذه المسائل واستقصاء الكلام فيها بمعونة اللّه تعالى، هذا تقرير قاعدة الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: استقبال القبلة هل هو شرط من شروط الصلاة أو يكون ركناً من أركانها؟.
حكى المسعودي من أصحاب الشافعي فيها وجهين.
فإن قلنا بكونه ركناً من أركان الصلاة افتقر إلى النية كالقيام والقراءة.
وإن قلنا بأنه شرط لم يفتقر إلى النية كالطهارة في المكان والثياب وستر العورة.
والمختار: أنه بحقيقة الشرط أشبه لأنه لا يفتقر إلى النية كما أوضحناه من قبل من جهة أن النية غير مؤثرة فيه وما لا تكون النية مؤثرة فيه فلا تشترط فيه النية فإذا دخل في الصلاة من غير تحرٍ وهو من أهل التحري فقد أخل بشرط من شروطها فإن كان الوقت باقياً وجب عليه الإعادة لأن المعاد اسم لما أدِّيَ على نوع من الخلل مع بقاء الوقت، وإن كان الوقت فائتاً وجب عليه القضاء لأن القضاء اسم لما أعيد مع فوات وقته فلهذا توجه عليه القضاء لإخلاله بشرط من شروط العبادة مع التمكن منه.
نعم، لو دخل مسجداً من المساجد فصلى فيه المكتوبة من غير تحرٍ ولا نظر في شيء من الأمارات خلى أنه نظر إلى هذه المحاريب المنصوبة في المساجد فصلى إليها فمن هذه حاله لا يقال بأنه لم يتحر لأنه قد عول عليها في صلاته وهي أقوى من تحريه لوجهين:
أما أولاً: فلأنها بمنزلة الخبر والخبر أقوى من التحري كما مر بيانه.

(2/662)


وأما ثانياً: فلأنه إنما نصبها أهل البصر والمعرفة والفضل من أهل الدين باجتماع فهلذا صار التعويل عليها في الإستقبال للصلاة.
الفرع الثاني: إذا تحرى المصلي جهة القبلة وصلى ثم علم أنه أخطأها وصلى إلى غيرها.
قال السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب: والاعتبار في حكم المسألة بالعلم دون الظن.
واعلم أنه لا سبيل إلى العلم بإصابة القبلة أو بالخطأ فيها إلا لمن عاينها وشاهدها فأما من لم يشاهدها بالحاسة فالغرض بالعلم بأنه أخطأ: هو أنه صلى إلى جهة لا يصلي إليها أحد من أهل التحري. وإذا كان الأمر كما قلناه فما المتوجه عليه والحال هذه، فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن الإعادة واجبة عليه في الوقت ولا يجب عليه القضاء بعد فوات الوقت، وهذا هو رأي الأئمة الهادي والقاسم والناصر وهو قول مالك.
والحجة على وجوب الإعادة في الوقت وهو أحد قولي الشافعي،قوله تعالى:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144] والشطر هو الجانب والجهة، فإذا تيقن أنه لم يتوجه إلى شطره لم تكن صلاته مجزية، وما بعد مضي الوقت مخصوص من الظاهر بدلالة خارجة.
الحجة الثانية: قياسية وتقريرها: هو أنه تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء فوجب أن لا يعيد بما فعله كالحاكم إذا حكم بحكم ثم وجد النص بخلافه.
فقولنا: تعين له، نحترز به عما إذا صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين فإنه تعين الخطأ في أحدهما ولا إعادة عليه؛ لأنه لم يتعين الخطأ في أحدهما (أي لم يتحدد في أي منهما).
وقولنا: يقضي الخطأ، نحترز به عما إذا صلى إلى جهة ثم أداه اجتهاده إلى أن القبلة في جهة أخرى فإنه قد تعين له الخطأ ولا تلزمه الإعادة لأنه لم يتيقن ذلك و إنما كان ذلك من طريق الاجتهاد.

(2/663)


وقولنا: فيما يأمن مثله في القضاء، نحترز به عن الأكل في الصوم ناسياً، ومن الوقوف بعرفة في اليوم الثامن أو اليوم العاشر على وجه الخطأ فإنه لا يأمن مثله في القضاء فلهذا لم تتوجه عليه الإعادة.
وإنما قلنا: إن القضاء غير متوجه عليه بعد الوقت وفواته، فالذي يدل عليه حجتان:
الحجة الأولى: ماروى جابر قال: بعث رسول اللّه سريَّة وكنت فيها فأصابتنا ظلمة فلم نبصر معها القبلة فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة قِبَلَ الشمال. فصلوا إليها وخطوا خطاً. وقال بعضهم: القبلة نحو الجنوب. وصلوا إليها وخطوا خطا. فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط إلى غيرجهة القبلة، فلما قفلنا من السفر سألنا رسول اللّه فسكت ولم يقل شيئا فنزل قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " }[البقرة:115]. وفي بعض الروايات أنه قال لهم: ((قد أجزأتكم صلاتكم)).
الحجة الثانية: قياسية، وتقريرها هو: أنها جهة مأمور بالصلاة إليها كما لو صلى إلى غير جهة القبلة في شدة الخوف.
المذهب الثاني: أن الإعادة متوجهة عليه مع بقاء الوقت، والقضاء بعد إنقضائه. وهذا هو رأي المؤيد بالله وله في المسائل الخلافية والمجتهدات الفقهية إذا وقع الخطا فيها أقوال مختلفة وآراء مضطربة بعضها على جهة التنصيص، وبعضها على جهة التخريج، فهذان تقريران في الضبط لأقواله.
التقرير الأول: ماكان على جهة التنصيص وجملتها أقوال ثلاثة:
فالقول الأول: ذكره في (المسائل)(1)
وحاصل ماقاله هو: أن المصلي إذا نسي شيئا مما طريقه الاجتهاد في وضوءه ثم ذكره بعد مضي الوقت وجبت عليه الإعادة فهذا تصريح بأنه تجب عليه الإعادة في الوقت والقضاء بعد انقضائه.
__________
(1) جاء في حاشية الأصل: هو (الزيادات) (كتاب للمؤيد بالله).

(2/664)


القول الثاني: هو أن المصلي إذا نسي شيئاً أوتركه من فروض وضوءه جاهلاً بوجوبه أياماً كثيرة ثم علم بعد ذلك نُظر، فإن كان المتروك مما طريق وجوبه الاجتهاد لم تجب عليه إعادة ماصلى في هذه الحالة، وإن لم يكن من مسائل الاجتهاد وجبت عليه الإعادة على كل حال.
القول الثالث: ذكره في (الإفادة)(1)
.قال: إذا صلى بالتحري ثم علم خطأه في الوقت أعاد. ولم يذكر إذا علم بعد فوات الوقت، فهذه أقواله المنصوصة التي أشار إليها في كتبه.
التقرير الثاني: ما ذُكِرَ على وجه التخريج على أقواله المنصوصة، والمذكور له تخريجان:
التخريج الأول: أنه إذا ترك ما طريقه الاجتهاد فإنه تلزمه الإعادة في الوقت، ولا يجب القضاء عليه بعد فوات الوقت كما هو رأي الهادي والقاسم والناصر ".
التخريج الثاني: التفرقة بين الجاهل والناسي، فقال في الجاهل: لا تلزمه الإعادة بعد مضي الوقت فيما طريقه الاجتهاد. وقال في الناسي: تلزمه الإعادة في الوقت والقضاء بعد فواته، فهذه أقواله كما ترى بالنص والتخريج، ولعل الأقوى من مذهبه ماصرح به في المسائل.
والحجة عليه: أما وجوب الإعادة في الوقت فلقوله تعالى{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " }[البقرة:144] وهذا الذي أخطأ القبلة لم يولّ وجهه شطر المسجد الحرام لأجل خطأه.
وأما الحجة على وجوب القضاء بعد مضي الوقت: فلأن استقبال القبلة شرط من شروط[الصلاة] فإذا تعين له يقين الخطأ لزمه القضاء بعد فوات الوقت كما لو كان مشاهد اللقبلة.
__________
(1) الإفادة) تأليف الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني الديلمي. في فقه نفسه، وهو في مجلد جمعه تلميذه القاضي أبو القاسم ابن تال، ويسمى أيضاً (التفريعات) وسمي في بعض المصادر (الفائدة) ا ه‍(مؤلفات الزيدية) للسيد أحمد الحسيني 1/138 ط. أولى.

(2/665)


المذهب الثالث: أن الإعادة غير لازمة له في الوقت ولا يلزمه القضاء بعد فوات الوقت، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، والحجة على ماقاله: هو أنه قد أدّى فرضه على الوجه المأمور به فلا تلزمه الإعادة ولا القضاء لخروجه بذلك عن عهدة الأمر، ولقوله : ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم ولا فجران في يوم)). ومن جهة المعنى أن المعاد اسم لما فعل لخلل في المأمور به في الوقت. والقضاء اسم لما فعل لخلل في المأمور به بعد تقضي الوقت وزواله. والإعادة والقضاء إنما تجبان بدلالة منفصلة ولا دلالة تدل على ذلك، فهذا تقرير المذاهب كما ترى.
والمختار ماقاله الأئمة من وجوب الإعادة في الوقت وسقوط القضاء بعد فوات الوقت، وإنما اخترناه لما كان أعدل المذاهب وأقواها.
والحجة على [ذلك]: ماحكيناه عنهم آنفا ونزيد هاهنا: وهو أن الخلل إذا حصل فيما طريقه الاجتهاد فالأمر فيه أخف لأجل الخلاف فإذا كان الوقت باقياً فالخطاب متوجه إليه في سقوط العبادة عن ذمته فلهذا وجبت عليه الإعادة، بخلاف ما إذا كان الوقت فائتاً فإن الخطاب غير متوجه لفوات وقت العبادة، والقضاء إنما يجب بأمر جديد ولا دلالة تدل على وجوب القضاء فلاجرم كان الأمر به كما قلناه، ويؤيد ماذكرناه من التفرقة بين مضي الوقت وبقائه، في هذه المسألة مسائل أوردها الفقهاء نحن نوردها:
الأولى منها: إذا صلى ثم بان له أنه كان في ثوبه نجاسة لم يعلم بها حتى فرغ من الصلاة .
الثانية: إذا صلت الأمة مكشوفة الرأس ثم أعتقت في أثناء الصلاة وبقربها سترة ولم تعلم بالعتق والسترة حتى فرغت من صلاتها.
الثالثة: إذا ترك قراءة الفاتحة ناسياً لها، هل تلزمه الإعادة أم لا؟
الرابعة: إذا دفع الزكوة إلى من ظاهره الفقر ثم بان له أنه غني، هل يلزمه الضمان والإعادة أم لا؟
الخامسة: إذاصام الأسير شهرا بالاجتهاد ثم بان بعد رمضان أنه صام شعبان هل يجزيه أم لا؟

(2/666)


السادسة: إذا توضأ بسؤر الدجاجة المخلاَّة، فهل تلزمه الإعادة أم لا؟
السابعة: إذا توضأ بسؤر الطيور التي تأكل الجيف، هل تلزمه الإعادة أم لا؟
الثامنة: إذا صلى في ثوب أصابه خمر . فهل تجب عليه الإعادة في الوقت أوبعده؟
التاسعة: إذا اشتبه عليه يوم عرفة فتحرى ثم وقف قبله، إن علم بذلك يوم عرفة فعليه إعادة الوقوف، وإن علم بعد مضيه فلا إعادة عليه.
العاشرة: إذا توضأ بماء وقعت فيه نجاسة مما قد وقع في نجاسته الخلاف. فهل تلزمه الإعادة أم لا؟
فهذه المسائل وقع فيها التردد والخلاف بين العلماء الأئمة وفقهاء الأمة، في وجوب الإعادة في بقاءِ الوقت ومضيّه على حد ماذكرناه من الخلاف، وقد ذكرنا أن المختار في هذه المسائل الاجتهادية، التفرقة بين مضي الوقت وبقائه، فإن كان الوقت باقياً توجهت الإعادة، لأن الخطاب متوجه مع بقاء الوقت، وإن كان الوقت فائتاً فلا إعادة هناك. فهكذا يجري القول في هذه المسائل الخلافية.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه، والخلاف مع الإمام المؤيد بالله في أحد شقي المسألة وهو قوله: بلزوم القضاء بعد الوقت للعبادة على ما نص عليه في (المسائل) وهو المعمول عليه.
وحجته على هذا: هو أن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، ومن هذه حاله فقد خالفها بتحقق الخطأ في الإستقبال لجهتها فلهذا وجبت عليه الإعادة ولو فات وقتها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا قد أدَّى الفرض كما أمر، وتحقق الخطأ بعد ذلك لا يطرق خللاً في المؤدَّى، وهو معذور في الأداء على جهة القضاء بعد فوات الوقت فالخطاب عنه ساقط.
وأما ثانياً: فلأن بعد فوات الوقت تكون العبادة مقضية لا محالة لفوات وقتها، والقضاء إنما يتحقق بأمر جديد يشغل الذمة ولم تدل دلالة عليه فلهذا قضينا بسقوط القضاء بعد فوات الوقت.
والخلاف مع أبي حنيفة في أحد شقي المسألة وهو أنه أسقط عنه الإعادة مع بقاء الوقت.

(2/667)


وحجته على هذا: قوله : ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم)). وهذا فقد أدَّى العبادة على كمالها فلا جرم قضينا بسقوط الإعادة عنه في الوقت.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا الحديث غير معمولٍ عليه لأن من صلى صلاة من ظهر أو عصر ثم انكشف له بعد ذلك بطلان وضوءه فقد أبطل صلاته الأولى ووجب عليه ظهر أو عصر فقد حصل ظهران في يوم.
وأما ثانياً: فلأن الوقت مهما كان باقياً فإن الخطاب متوجه إليه في تأدية العبادة، والخطاب بشغل الذمة في الوقت حاصل فلهذا وجبت عليه الإعادة مع بقاء وقت العبادة.
الفرع الثالث: إذا صلى إلى جهة بغير تحرٍ فلما فرغ من صلاته استيقن أنها جهة القبلة، فهل تجزيه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: الإجزاء وهذا هو رأي الأكثر من القاسمية، ومحكي عن أبي يوسف.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ " }[البقرة:144] وهذا فقد توجه إلى حيث أمر فلهذا قضينا بإجزاء صلاته.
الحجة الثانية: قياسية، وحاصلها هو: أن هذا قد صلى إلى القبلة المتيقنة فوجب أن تجزيه صلاته كما إذا تحققها قبل دخوله في صلاته، وقد قررنا ما نريد بقولنا: إنه قد تحقق القبلة في حق من ليس مشاهداً لها فلا نعيده.
المذهب الثاني: المنع من الإجزاء، وهذا هو رأي السيد المؤيد بالله والشافعي ومحمد بن الحسن.
والحجة على هذا: هو أن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، ومن هذه حاله فقد أخلَّ بترك التحري في أول الأمر، وعِلْمُه بصحة الإستقبال بعد ذلك لا يوجب القضاء بالصحة لأن من حق الشرط أن يكون متقدماً على مشروطه.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من أئمة العترة من القضاء بالإجزاء.

(2/668)


وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ}[البقرة:144]. وهذا فقد ولَّى وجهه جهة الكعبة فوجب القضاء بإجزاء صلاته، ولأنه قد تحقق باليقين أداء العبادة على الشرط المأمور به، ومن جهة أنه قد صار حاله فيما ذكرناه كمن صلى صلاة ظن أنها عليه ثم تحقق بعد ذلك أنها عليه.
الفرع الرابع: إذا صلى إلى غير متحراه. وصورة المسألة: أن يغلب على ظنه أن جهة القبلة نحو الشجرة ثم خالف بأن صلى إلى غير جهتها، فهل تجزيه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: الإجزاء، وهذا هو المحكي عن القاسمية، إذا تحقق كونها قبلة.
والحجة على هذا:قوله تعالى:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " }[البقرة:144]. ومن هذه حاله فقد ولى وجهه القبلة بيقين لجهة القبلة فوجب القضاء له بإجزاء صلاته.
المذهب الثاني: المنع من الإجزاء، وهذا هو رأي المؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو أنه إذا خالف متحراه الذي أدَّى إليه نظره واجتهاده صار كأنه دخل في الصلاة بغير تحرٍ فلهذا يصير كأنه قد أخل بشرط الصلاة في عدم التحري فوجب القضاء بكونها غير مجزية.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله.
والحجة على ذلك: ما ذكرناه عنه ونزيد هاهنا، وهو أنه بمخالفته لمتحراه قد أخل بما وجب عليه من شرط العبادة الذي وجب عليه فلهذا لم تكن مجزية له وتحققه للقبلة بعد ذلك لا يصحح إخلاله بالشرط المعتبر في العبادة.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: الآية دالة على الإجزاء وهي قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}[البقرة:144] وهذا قد تحقق التولية فلهذا حكمنا بإجزائها.

(2/669)


قلنا: إن المراد بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}[البقرة:144] أي فول وجهك الشطر الذي يغلب على ظنك أنه شطره، وهذا فبمخالفته لمتحراه لم يول وجهه الشطر الذي أمر بمواجهته فلهذا لم تكن مجزية له.
الفرع الخامس: وإذا اجتهد جماعة في القبلة فأدَّاهم اجتهادهم إلى جهة واحدة، وإمامهم واحد منهم ثم تغير اجتهاد بعضهم في الصلاة نظرت، فإن تغير اجتهاد الإمام وجب عليه أن ينحرف إلى الجهة الثانية التي اجتهدها ولا يلزم المأمومين اتباعه بل يجب عليهم أن ينووا مفارقته في الصلاة لاعتقادهم بطلان اجتهاده، وإن تغير اجتهاد المأمومين وجب عليهم أن ينووا مفارقته وينحرفوا إلى الجهة الثانية، ويبنون على صلاتهم لأنها لم تبطل لأنهم فارقوه لعذر. ومن صلى إلى جهة بغير تحرٍ فلما فرغ من صلاته كان الأغلب من حاله إصابة القبلة، لم تجزه صلاته وهذا هو قول أئمة العترة والفقهاء وهو مما لا خلاف فيه.
وا لحجة على هذا: هو أنه أخل بما هو واجب عليه من التحري فلهذا لم تكن صلاته مجزية، وغلبة ظنه على إصابة القبلة لا تكفي لإخلاله بالتحري من أول أمره.
الفرع السادس: وإذا دخل المصلي في الصلاة باجتهاد ثم شك في أثناء الصلاة هل تلك الجهة التي هو فيها جهة القبلة أم لا؟ فالواجب عليه أن يمضي في صلاته ولا ينحرف لأنه دخل في الصلاة باجتهاد والاجتهاد إنما يتغير باجتهاد آخر أو يقين، فأما الشك فلا يؤثر في بطلان الاجتهاد بحال.
وإن صلى المصلي إلى جهة باجتهاد ثم حضرت صلاة أخرى ولم يتغير اجتهاده الأول فهل يعيد الاجتهاد الأول أم لا؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي:
أحدهما: أنه لا تلزمه الإعادة بل له أن يصلي إلى الجهة الأولى من غير اجتهاد لأنه قد عرف القبلة بالاجتهاد الأول، وهذا هو رأي السيد أبي طالب.
وثانيهما: أنه يعيد الاجتهاد الأول للصلاة الثانية كما لو حكم الحاكم في قضية بحكم ثم حضرت تلك القضية بعينها مرة أخرى فإنه يعيد الاجتهاد لها.

(2/670)


والمختار: هو الأول لأنه قد وفىَّ الاجتهاد حقه ولم يعرض ما ينقضه فلهذا وجب البقاء عليه ويخالف الحاكم فإن القضية الثانية لا تنفك عن أدنى مخالفة فلهذا وجب على الحاكم إعادة نظره في الثانية فإن لم تكن بينهما مخالفة اكتفى بالنظر الأول من غير حاجة إلى إعادة نظر ثانٍ.
الفرع الثامن: وإن اجتهد رجلان في القبلة نظرت، فإن أداهما اجتهادهما إلى أن القبلة واحدة استحب لأحدهما أن يصلي بالآخر لأن صلاة الجماعة مندوب إليها، وإن اختلف اجتهادهما فأدَّى اجتهاد أحدهما إلى أن القبلة في غير الجهة التي أدَّى اجتهاد الآخر إليها فإن كل واحدٍ منهما يصلي إلى الجهة التي أدَّاه اجتهاده إليها ولا يأتم أحدهما بالآخر. وحكي عن أبي ثور جواز ائتمام أحدهما بالآخر مع اختلاف الاجتهاد لهما في القبلة ويصلي كل واحد منهما إلى الجهة التي أدَّاه اجتهاده إلى الصلاة إليها.
والحجة على ما قلناه: هو أن كل واحد منهما يعتقد بطلان اجتهاد صاحبه فلا يجوز أن يعلق صلاته بمن يعتقد بطلان صلاته.
الفرع التاسع: إذا صلى المصلي أربع صلوات بأربعة اجتهادات في القبلة، فهل يتوجه عليه القضاء أم لا؟
فالذي عليه أئمة العترة أنه لا قضاء عليه لأن الخطأ لم يتعين في واحد منها وهو الأصح من قولي الشافعي، وحكي عن بعض أصحابه أنه يقضي الكل.
والمختار: هو الأول لأن القضاء اسم لما فات وقته مع حصول خلل فيه يمنع من إجزائه وهذا غير حاصل فيما نحن فيه فإن الاجتهادات كلها صائبة فلا وجه لإيجاب القضاء.

(2/671)


الفرع العاشر: وإذا دخل بلداً فوجد فيها محاريب منصوبة نظرت، فإن لم يعرف أنها مما بناها المسلمون فلا يجوز استقبالها لأنه لا حرمة لما عمله الكفار ولا يعرَّج عليه، وإن عرف أنها من بناء المسلمين وأهل الدين فإن كانت تلك البلدة من البلاد التي صلى فيها رسول اللّه وجب اتباعه لأنه لا يجوز عليه الخطأ، وإن كانت مما صلى فيها أكابر الصحابة رضي اللّه عنهم وجب اتباعهم لأن ذلك بمنزلة أخبارهم التي رووها فلهذا وجب العمل عليها، وإن كانوا لم يصلوا إليها نظرت فإن كان القوم الذين بنوها بحيث يقع العلم بخبرهم ويصير إجماعهم قاطعاً لوجود الاجتهاد جازت الصلاة إليها، وإن كان عددهم قليلاً أو كان في بلد تختلف فيها أحوال المحاريب وجب على المصلي الاجتهاد لصلاته.
والقويُّ في هذه المحاريب المنصوبة في الجوامع العظيمة والمشاهد المشهورة في الأمصار والأقاليم نحو بغداد والبصرة والكوفة وغيرها من المدن العظيمة تجوز الصلاة إليها من غير اجتهاد لأن ما هذا حاله لا يعمل إلا بنظر واجتهاد من جهة أهل الفضل والدين، ثم سكوت العلماء وأهل الفضل في دخول هذه الجوامع والمشاهد فيه دلالة على صحتها واستقامتها على الصحة والثبات ومطابقة الشرع وأنها أقوى من خبر من يخبر عن مشاهدة الكعبة، فإذا جاز التعويل على الخبر وهو أقوى من الاجتهاد من غير أمارة فهكذا ما نحن فيه من غير فرق.

(2/672)


الإنتصار
على علماء الأمصار
في تقرير المختار من مذاهب الأئمة
و أقاويل علماء الأمة
تأليف الأمام / يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم الحسيني
توفي عام 749 هـ
الجزء الثالث
تحقيق
عبد الوهاب بن علي المؤيد علي بن أحمد مفضل
أعده إلكترونياً
نزار بن عبد الوهاب المؤيد طارق بن محمد الصعدي
ملاحظة : هذه نسخة إلكترونية أولى ونرحب بأي ملاحظات على البريد الإلكتروني:
info@awahab.com
حقوق الطبع محفوظة لدى مؤسسة الإمام زيد (ع) الثقافية

(3/1)


---
الباب الرابع في بيان شروط الصلاة
اعلم أن الشروط في صحة الصلاة أربعة:
الشرط الأول: في الطهارة من النجاسات، الشرط الثاني: في الطهارة من الأحداث، الشرط الثالث:في إستقبال القبلة، الشرط الرابع: في ستر العورة. فهذه هي الشرائط المعتبرة في كون الصلاة مجزية نخرج بها عن عهدة الأمر. فأما الطهارة من الأحداث، واستقبال القبلة فقد مضى تقريرهما بما فيه مقنع وكفاية فلا حاجة إلى تكريرهما، والذي نذكره هاهنا هو الطهارة من النجاسات في الأثواب والأمكنة والأبدان، وستر العورة، فهذه فصول أربعة بالكلام عليها يتم المقصود في الباب بمعونة الله.

(3/2)


---
الفصل الأول طهارة الأثواب
اعلم أن الذي عليه أئمة العترة وأكثر علماء الأمة على أن الطهارة عن النجاسة في الأبدان والأثواب والبقاع شرط في صحة الصلاة، وحكي عن مالك أنه إذا صلى وعليه نجاسة أعاد في الوقت، وفي هذا دلالة على أن رأيه الاستحباب في ذلك، وروي عن ابن عباس أنه قال: ليس على الثوب جنابة وأراد أنه لا يجب غسله من النجاسة كما يجب الغسل عن الجنابة، وروي أن رجلاً سأل سعيد بن جبير عمن صلى وفي ثوبه نجاسة فقال: اقرأ عليَّ الآية التي فيها غسل الثوب من النجس، وفي كلامه هذا دلالة على أنها غير واجبة، وروي عن ابن مسعود أنه نحر جزوراً فأصاب ثوبه من دمه وفرثه فصلى ولم يغسله. هذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: النجاسات غير الدم والقيء كالخمر والبول والعذرة هل يعفى عن شيء منها أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يعفى عن شيء منها إلا ما كان لا يدركه الطرف فإنه يعفى عنه، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ }[المائدة:90].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى أمر باجتناب هذه الأمور وسمَّاها رجساً والرجس هو النجس ومن جملتها الخمر فيجب القضاء بنجاسته.
الحجة الثانية: ما روى عمار بن ياسر قال مرَّ بي رسول الله وأنا أغسل ثوبي من نخامة فقال: ((إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والودي والدم والقيء " ))(1).
الحجة الثالثة: قوله لعائشة في دم الحيض: ((حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء " )) فهذه الأدلة كلها دالة على وجوب إزالة النجاسة وأنه لا يعفى عن شيء منها.
المذهب الثاني:أنه إذا كان على ثوب المصلي من النجاسة غير الدم مقدار الدرهم فلا بأس به وإن غسله فأحسن، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
__________
(1) تقدم.

(3/3)


والحجة على هذا: هو أنها نجاسة لا تزيد على قدر الدرهم فيجب القضاء بأنها معفو عنها، دليله موضع الإستنجاء.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة وأكثر الفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا ما روي عن الرسول أنه قال: ((تنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه ))(1).
الحجة الثانية: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول مر بقبرين يعذبان فقال: ((إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير كان أحدهما يمشي بالنميمة والآخر كان لا يستنزه من بوله))(2).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الإنسان لا يعذب على ترك شيء إلا إذا كان واجباً وترك ذلك لا يجب لغير الصلاة فيجب أن يكون واجباً لأجل الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: نجاسة لا تزيد على قدر الدرهم فيجب العفو عنها كموضع الإستنجاء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أنه لا يجب غسل موضع الإستنجاء وقد قدمنا الدلالة عليه في باب الوضوء فلا نعيده.
وأما ثانياً: فلأنا لو سلمنا أنه لا يجب غسله فإنما كان ذلك لعموم البلوى به وتكرره فخفف الشرع حكمه بخلاف ما نحن فيه فافترقا. ومن وجه آخر: وهو أن الطهارات أمور غيبية وتعبدات شرعية لا تعقل معانيها فلا تجري فيها الأقيسة لانسداد معانيها.
الفرع الثاني: اختلف العلماء في الدم على قولين:
فالقول الأول: أن جميع الدماء طاهرة إلا دم الحيض والنفاس، وهذا شيء يحكى عن الحسن بن صالح.
والحجة على هذا: هو أنه خارج من أعماق البدن فيجب القضاء بطهارته كاللبن.
القول الثاني: أن كثير الدماء نجسة، وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر الفقهاء لا يختلفون في ذلك، ولا يحكى الخلاف في نجاسة الكثير إلا عن الحسن بن صالح.
والحجة على ذلك: قوله لعمار: ((إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والدم والقيء )) ولم يفصل بين قليله وكثيره.
وهل يكون قليله نجساً أو طاهراً؟ فيه مذهبان:
__________
(1) تقدم في باب الطهارة.
(2) تقدم في باب الطهارة.

(3/4)


المذهب الأول: أنه يكون نجساً، وهذا هو رأي الإمام زيد بن علي والباقر والناصر والصادق والمؤيدبالله وأبي حنيفة وأصحابه والشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الأدلة الشرعية الدالة على كون الدماء نجسة لم تفصل بين قليلها وكثيرها فلهذا قضينا بكونها نجسة، فإذا تقرر كونها نحسة كلها فهل يعفا عن قليلها أم لا؟ فيه رأيان:
فالرأي الأول: أنه لا يعفا عن قليلها، وهذا شيء حكاه المروزي عن الشافعي.
والرأي الثاني: يعفا عن قليله، وهذا هو قول من قال بكون القليل نجساً كزيد بن علي والصادق والباقر والمؤيد بالله وهو قول الفقهاء ولكن اختلفوا في مقدار القليل المعفو عنه بعد اتفاقهم على أن العفو إنما يتعلق بالقليل منه لنجاسته وعنهم فيه روايات خمس:
الرواية الأولى: عن الإمام زيد بن علي والحنفية، وهي أن القليل من الدم مقدر بالدرهم البغلي وهو أكبر ما يكون من الدراهم عندهم على ما ذكره هشام بن عبدالله الرازي(1)
فإن زاد على قدر الدرهم فهو كثير لا يعفى عنه.
الرواية الثانية: محكية عن الناصر والمؤيد بالله، وهي أن القليل من الدم مقدر بحب الخردل وهو حب أسود صغير القدر، ورؤس الإبر ومقدار اللمعة، ومرة قدره المؤيد بالله بدم البراغيث وقال: لا يجوز عندي إلا ذلك.
الرواية الثالثة: محكية عن الإمام القاسم، فإنه قال: إذا كان الدم في الصغر والقلة شبيهاً بالخردلة أو زاد قليلاً كقدر نصف الدرهم فلا حكم له في النجاسة.
__________
(1) هشام بن عبيد الله الرازي السِدي-بكسر السين المهملة- هكذا جاء في (تهذيب التهذيب) 11/43 و(لسان الميزان) 6/195 و(طبقات الحفاظ) 169 وغيرها، روى عن بسر بن سليمان ومالك والليث وحماد بن زيد وغيرهم، وروى عنه: الوليد والحسن بن عرفة وأبو حاتم الرازي، وقال: ما رأيت أعظم قدراً منه، ومن أبي مسهد بدمشق، وقال ابن حجر: ذكر الدارقطني أنه تفرد بحديث مالك....إلخ، وأورده ابن حبان في الضعفاء لمخالفته الأثبات، فبطل الاحتجاج به كما قال.

(3/5)


الرواية الرابعة: عن الشافعي فإنه قال: الدم مماله نفس سائلة من الحيوان غير الكلب والخنزير وما يولد منهما أو من واحد منهما فله فيه ثلاثة أقوال، فقال في (الإملاء) لا يعفى عن قليله ولا عن كثيره كالبول والعذرة. وقال في القديم: يعفى عما دون الكف ولا يعفى عن الكف فما فوقه لأن ما دون الكف قليل فلهذا عفي عنه والكف فما زاد عليه كثير فلا يعفى عنه. وقال في (الأم): يعفى عن القليل منه وهو ما يتعافاه الناس في العادة. وهذا هو الأصح على مذهبه، وقدره بعض أصحابه بمقدار اللمعة لأنه يشق الإحتراز منه ولا يشق الإحتراز عما زاد عليه.
الرواية الخامسة: محكية عن مالك قال في الدم والقيح: تصح الصلاة معهما إلا أن يكون فاحشاً، وحكي عنه في الكثير الفاحش: أنه يكون نصف نصف الثوب. وأراد الربع وإنما قال نصف نصف الثوب ولم يقل الربع مبالغة في تفاحشه، فذكر النصف وما دون ذلك يعفا عنه.
فهذه الروايات كلها على قول القائلين بالتنجيس، واستثنى القليل لأجل العفو عنه.
والحجة على ذلك: ما ذكر في خبر عمار عن الرسول أنه قال: ((إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والدم والقيء )). وهذا عام في قليله وكثيره، فلهذا حكمنا به.
الحجة الثانية: قياسية، وهو أنه مائع خارج من البدن يتعلق نقض الطهارة[به] فوجب أن يستوي حكم قليله وكثيره في التنجيس كالبول والعذرة. أو نقول: ما كان كثيره نجساً فقليله مثله في النجاسة كالبول والخمر وسائر النجاسات.
المذهب الثاني: أن قليل الدم طاهر، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن السيدين أبي طالب وأبي العباس، وقدره الهادي بما دون السفح مرة، وتارة بما دون القطرة، فإن سفح أو قطر فهو نجس.
وقال في (الأحكام): ما كان من الثياب قد أصابه شيء من الدم مما كان مثله لو كان على رأس الجرح لقطر لا تجوز فيه الصلاة، فدل ذلك من مذهبه على أن ما دون التقطير وما دون السيلان فهو طاهر.

(3/6)


والحجة على هذا: قوله تعالى: {أَوْ دَماً مَسْفُوحاً} فعلق التحريم بالسفح، فدل خطابه على أن ما دون السفح لا يتعلق به التنجيس.
الحجة الثانية: ما روي عن علي ، قال: خرجت مع رسول الله وقد تطهر للصلاة فأمس إبهامه أنفه فرأى عليه دماً فأعاد مرة أخرى فلم ير شيئاً وجف الدم في إبهامه فأهوى به إلى الأرض فمسحه ولم يحدث وضوءاً ومضى للصلاة. فدل ذلك على أنه ليس نجساً.
الحجة الثالثة: أنه لما تعذر الإحتراز منه خفف الشرع حكمه لما فيه من الحرج والمشقة والله تعالى يقول: {ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " }[الحج:78]. والتفرقة بين مذهبي الإمامين الهادي والمؤيد بالله هو أن ما دون القطرة أو ما دون السافح(1)
إذا وقع في مائع فإنه لا ينجسه على رأي الهادي لأنه طاهر، وعلى رأي المؤيد بالله ينجسه لأنه نجس يعفى عنه في غير المائعات فلهذا نجسها، فهذا تقرير الكلام على المذهبين جميعاً.
والمختار: تفصيل نشير إليه، وحاصله: هو أن ظواهر الأخبار كلها دالة على نجاسة [الدماء] وعلى التنزه عن ملابستها ومخالطتها وكل هذا دال على تنجيسها والبعد عن تقذيرها، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ " }[المائدة:3] ولم يفصل في التحريم بين أكلها وملابستها واستعمالها في الثياب وغيرها ولا يستثنى من ذلك إلا ما يتعذر الإحتراز منه وما يتعلق بمماسته الحرج والمشقة فإن هذا مرفوع بحكم الشرع لقوله تعالى: {يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة:185]. وقوله : ((بعثت بالحنيفية السمحة )).
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه كما حكيناه عن الهادي ومن وافقه.
قالوا: قوله تعالى: {أَوْ دَماً مَسْفُوحاً} فعلق النجاسة بالسفح فدل على أن ما عدا المسفوح يكون طاهراً بظاهر الخطاب.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) السافح من الدم: ما سال عن موضعه.

(3/7)


أما أولاً: فلأن ما ذكروه استدلال بدليل الخطاب ونحن لا نقول به.
وأما ثانياً: فقد دل الخطاب على أن ما فوق السفح نجس، ونحن ندلل بالخبر على أن ما دون السفح فهو نجس أيضاً، ومن وجه آخر وهو أن قوله: {مَسْفُوحاً} إنما ذكر على جهة التأكيد كما يقال: أمس الدابر. لأن الغالب من الدم هو السفح والسيلان فذكر الصفة تأكيد والغرض بالتحريم مطلق الدم.
قالوا: روي عن الرسول أنه أدخل إبهامه في أنفه فظهر عليها شيء من الدم ثم مسحها بالأرض ولم يعد وضوءاً. وفي هذا دلالة على طهارة القليل من الدم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ظاهر الخبر دال على العفو عنه وليس فيه دلالة على طهارته لكونه قليلاً فنحن أحق بالإستدلال به على ما نذهب إليه.
وأما ثانياً: فلعله لم يجد في تلك الحالة ما يغسله به وقد حضر وقت الصلاة فدعت الضرورة الشرعية إلى فعل الصلاة على تلك الحالة، ومن وجه آخر: وهو أن إسراعه إلى مسحه بالأرض فيه دلالة على نجاسته وإزالته عما كان ملاصقاً له.
قاعدة: اعلم أن البق هو الكتان بلسان أهل اليمن، والبراغيث هي القمل. وتردد العلما في دم البق والبراغيث إنما هو إذا قصعت فأما ما يخرج من أدبارها فهو طاهر لخروجه عن صفة الدم واستحالته في بطونها لكونه غذاء لها فأما عند قتلها فهو باق على صفة الدم فيقع التردد في كونه طاهراً أو نجساً عفي عنه، فالذي ذكره السيدان أبو طالب وأبو العباس: أنه طاهر، وهو محكي عن الكرخي. وعن السيد المؤيد بالله: أنه يجب إزالته عن الثوب إذا كان فاحشاً وهو محكي عن الشافعي.

(3/8)


والمختار: أنه معفو عنه إلا إذا كثر كثرة يندر وقوعه فيجب غسله والتنزه عنه، وربما يختلف ذلك باختلاف الأوقات والأماكن فإن الحاجة تختلف به، والاجتهاد فيه موكولٌ إلى المكلف وإلى نظره فإن رآه مجاوزاً لحد الحاجة وجب عليه غسله وإن رآه قاصراً عن حد الحاجة فليصل معه، وإن تردد احتمل أن يقال: الأصل هو العفو إلا فيما علم كثرته، أو يقال: الأصل المنع إلا فيما تحققت الحاجة إليه، وطريق الإحتياط لا يخفى والميل إلى الرخصة هاهنا هو الأليق بالفتاوى الفقهية، وطريق الحيطة أحق بالعبادات البدنية. وفيما قدمناه في ذكر الأعيان النجسة كفاية.
الفرع الثالث: قد ذكرنا أن طهارة الثوب شرط في صحة الصلاة وذكرنا الخلاف فيه، وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر الفقهاء(1).
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ " }[المدثر:4] والمراد: عن النجاسات لأن الثوب لا تتأتى فيه الطهارة عن الأحداث ولا يجب ذلك إلا للصلاة لأن ما عداها ليس واجباً.
الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم " ))(2)
وقوله : ((تنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه " )).
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله لعائشة في دم الحيض: ((حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء " )).
الانتصار: يكون بالجواب عما زعموا أنه حجة لهم.
__________
(1) أن طهارة الثوب شرط في صحة الصلاة.
(2) أورده ابن بهران بلفظه عن أبي هريرة ثم قال: هذا الحديث رواه روح بن غطيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعه، وقال النووي: هو حديث باطل لا أصل له عند أهل الحديث، وروح متروك الحديث. وانتهى ابن بهران إلى حاشية ذكر فيها ان روح بن غطيف
-بفتح الراء المهملة وسكون الواو والحاء المهملة- وغطيف 0بضم الغين المعجمة وفتح الطاء المهملة- ا ه‍1/211.

(3/9)


قالوا: قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ " }[الأعراف:31].
ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر بأخذ الزينة وهي اللباس ولا معنى لأخذها إلا للصلاة في المساجد ولم يفصل بين أن تكون طاهرة أو نجسة وفي هذا ما نريده.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فليس في الآية لفظة للعموم فيحتج بها وإذا لم يكن هناك عموم في الآية بطل الاحتجاج بها فإنه لا يمتنع أن يكون أراد الزينة التي تجزي فيها الصلاة من الأثواب الطاهرة دون النجسة.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأدلة التي تدل على طهارة الأثواب فيجب تأويل هذه الآية على ما يوافق دلالة الأخبار حذراً من تناقض الأدلة.
قالوا: قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ " }[الأعراف:32] ولم يفصل في هذا بين الطاهر من الأثواب وبين الأثواب النجسة، وفي هذا دلالة على أن الطهارة في الأثواب غير معتبرة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلم تعرض الآية لمقصود اللباس في الصلاة فيكون فيها دلالة على ما قلتموه وإنما أراد أخذ الزينة لغير الصلاة ونحن لا نمنع من جواز لبس غير الطاهر في غير الصلاة.
وأما ثانياً: فلأن ما أوردناه من الأدلة على اشتراط الطهارة في الأثواب صريحة فيما ذكرناه بخلاف هذه الآية فإنها غير دالة، فلهذا كان ما قلناه أرجح فيجب التعويل عليه. فهاتان الآيتان يحتج بهما من لم يشترط الطهارة في الأثواب في الصلاة كابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومالك، وقد أجبنا عنها فبطل تعلقهم بها، والحمد لله.
الفرع الرابع: إذا كان مع المصلي ثوب عليه نجاسة غير معفو عنها ولا يجد ما يغسله به ولا يجد سترة سواه، فهل يصلي فيه أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه يصلي عرياناً. وهذا هو رأي الإمامين الهادي والقاسم(1)
__________
(1) جاء في حاشية الأصل ما لفظه: نصاً للقاسم وتخريج أبي طالب للهادي.ا ه‍.

(3/10)


والأصح من قولي الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن طهارة ما يصلي فيه شرط في صحة الصلاة كطهارة الماء، وأجمعنا على أنه لو لم يجد إلا ماء نجساً لم يجز استعماله للصلاة فهكذا إذا لم يجد إلا ثوباً نجساً فإنه لا تصح صلاته فيه.
المذهب الثاني: جواز الصلاة فيه. وهذا هو رأي المؤيد بالله وهو أحد قولي الشافعي، ومحكي عن محمد [بن الحسن الشيباني].
والحجة على هذا: هو أنه إذا صلى فيه استفاد ستر العورة والقيام الذي هو ركن من أركان الصلاة وكل واحد من هذين شرط في صحة الصلاة فكان أولى.
المذهب الثالث: أنه مخير بين الصلاة عرياناً وبين الصلاة فيه، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف.
والحجة على هذا: هو أنه قد تعارض محظوران في هذه المسألة: الصلاة عرياناً والصلاة في الثوب النجس وكل واحد منهما لا يجوز فعله في حال الرفاهية وإنما يجوز في حال الضرورة ولا ترجيح لأحدهما على الآخر بوجه شرعي، فلهذا كان مخيراً بين هذين الأمرين.
والمختار: ما ذكره المؤيد بالله(1).
وحجته: ما ذكرناه عنه ونزيد هاهنا: أنه إذا صلى فيه فقد أحرز ستر العورة وهي من أهم مقاصد الشرع وهي واجبة في الصلاة وفي غير الصلاة، وأحرز القيام وهو فرض من فروض الصلاة ولم يبق هناك إلا أنه صلى في الثوب النجس، وللشرع تسامح في مباشرة النجاسات وتوسع فيها ولهذا فإن الإجماع منعقد على جواز ملابسة شيء من النجاسات ولكن اختلفوا في قدره كما قررناه في الأشياء النجسة، فلهذا كانت الصلاة فيه أحق وأولى.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: أجمعنا على أنه إذا لم يجد إلا ماء نجساً فإنه لا يجوز له استعماله للصلاة فهكذا إذا لم يجد إلا ثوباً نجساً لم يجز له استعماله.
قلنا: الفرق بينهما ظاهر، فإنه إذا لم يجد إلا ماء نجساً لم يجز استعماله لأن له بدلاً وهو التيمم بخلاف الصلاة في الثوب النجس فإنه لا بدل له فافترقا.
__________
(1) من جواز الصلاة في الثوب المتنجس.

(3/11)


قالوا: تعارض محظوران، الصلاة عرياناً والصلاة في الثوب النجس ولا ترجيح فلهذا وجب التخيير يفعل المصلي ما شاء.
قلنا: لا ننكر التعارض، ولكن ما ذكرناه أرجح لما فيه من الوفاء بما ذكرناه من الغرضين، وهما إحراز القيام وإحراز ستر العورة، فلأنه كان أرجح من التخيير.
الفرع الخامس: وإن وجد من الماء ما يغسله نظرت فإن كان الثوب نجساً كله وجب عليه غسله وإن كانت النجاسة في بعضه نظرت، فإن عرف موضع النجاسة لزمه غسله دون غيره وإن خفي عليه موضع النجاسة من الثوب لم يجز له أن يتحرى موضع النجاسة لأن التحري إنما يكون في عينين وهذه عين واحدة، وما الذي يلزمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يغسل موضعاً منه فإذا غسل موضعاً منه فإنه يتحقق طهارة ما غسله وصار يشك في باقيه هل هو نجس أم لا؟ والأصل بقاؤه على الطهارة.
وثانيهما: أنه يلزمه غسل جميع الثوب كما لو نسي صلاة من خمس صلوات فإنه يلزمه أن يصلي الخمس ليسقط عنه الفرض بيقين، وهذا هو الأصح والأقوى لما فيه من التحقق واليقين في إسقاط الفرض وهو لا يسقط بغسل بعضه؛ لأنه قد تحقق حصول النجاسة فيه وهو يشك هل ارتفعت بغسل بعضه ولا شك أن الأصل بقاؤها فإن شقه نصفين وأراد أن يتحرى في أحد الشقين لم يجز له ذلك لجواز أن تكون النجاسة في وسط الشق فتكون القطعتان نجستين.
وإن صلى وعلى رأسه عمامة وطرفها على نجاسة نظرت فإن كانت النجاسة تتحرك بتحرك العمامة بطلت صلاته؛ لأنه يصير كأنه بتحريكها ملابساً لها، وإن لم تتحرك بتحركه جازت صلاته، وهذا هو المختار؛ لأنه ليس ملابساً لها، وحكي عن أصحاب الشافعي أن صلاته تبطل على كل حال سواء تحركت بحركته أم لا.

(3/12)


الفرع السادس: وإن كان معه ثوب بعضه طاهر وبعضه نجس، فلبسه وصلى فيه وموضع النجاسة على الأرض نظرت، فإن كان موضع النجاسة يتحرك بحركة المصلي لم تصح صلاته، وإن كان لا يتحرك بتحركه صحت صلاته على المختار(1)
لأن موضع النحاسة إذا كان يتحرك بحركته صار ملابساً له وإذا كان غير متحرك بحركته صار كالمنفصل عنه، وعن أصحاب الشافعي أن صلاته باطلة في هذه الصورة بكل حال من غير مراعاة للحركة وعدمها.
وإن كان معه ثوبان وفي أحدهما نجاسة واشتبها عليه جاز التحري وإعمال النظر للصلاة في أحدهما فأيها غلب على ظنه عمل عليه وهو قول أبي حنيفة. وفرق أبو حنيفة بين الثياب والآنية فقال في الثياب: يتحرى في الثوبين. وقال في الآنية: إن كان عدد الطاهر أكثر تحرى وإن كانا سواء أو كان عدد النجس أكثر لم يتحر، وقد مضى تقريره في باب الوضوء، وإن كان معه ثوب طاهر يتحقق طهارته لم يتحر في الثوبين المشتبهين لأنه قد تمكن من إسقاط الفرض بيقين فلا وجه للتحري.
__________
(1) في حاشية الأصل ما لفظه: هذا اختياره في العمامة والثوب إذا كان في طرفهما نجاسة، وهو كلام الأزرقي والحقيني. وكلام القاسمية مثل كلام أصحاب الشافعي:أن صلاته باطلة.اه‍.

(3/13)


الفرع السابع: اعلم أن ظاهر مذهب أصحابنا هو التفرقة في محل التحري بين الآنية والأثواب، فإذا وقع الشك في ثوبين أحدهما طاهر والآخر نجس صلى فيهما جميعاً، وهكذا لو كانت ثلاثة، إثنان طاهران وواحد نجس فإنه يصلي في اثنين، ولو كان إثنان نجسين وواحد طاهر صلى في الثلاثة من غير حاجة إلى التحري لأن إسقاط الفرض بيقين ممكن فلهذا وجب فعله بخلاف الآنية فإن وقع الشك في واحد من اثنين فإنه يعدل إلى التيمم ولا يتحرى وإن كان إثنان نجسين والثالث طاهراً فإنه لا يتحرى ويعدل إلى التيمم وإن كان إثنان طاهرين وواحد نجساً فإنه يتحرى لأن هاهنا تعارض جانب الحظر وجانب الإباحة فإن استويا غلب جانب الحظر لأجل الإحتياط وإن غلب جانب الحظر فلا تحري وإن غلب جانب الإباحة فالتحري.
قال الإمام المؤيد بالله: فإن وجد ثوبين وعلم أن أحدهما طاهر ولم يتميز له الطاهر عن النجس صلى في كل واحد منهما وكان الوجه ما ذكرناه من سقوط الفرض بيقين فلهذا وجب التفرقة بين الآنية والأثواب.
وإن حمل المصلي حيواناً نجساً كالكلب والخنزير لم تصح صلاته لأنه حامل لنجاسةٍ غير معفو عنها، وإن كان الحيوان طاهراً ولا نجاسة عليه صحت صلاته لأن الرسول حمل أمامة بنت أبي العاص وهو يصلي، ومن جهة أن النجاسة في جوف الحيوان لا حكم لها كالنجاسة التي في جوف المصلي، وإن حمل صُرَّةً من الدنانير أو من الدراهم والفلوس في كمه أو في جيبه أو في منطقته وصلى صحت صلاته لأنها أعيان طاهرة، فإن اتصل بها نجاسة وحملها بطلت صلاته، وإن حمل المصلي حيواناً طاهراً مذبوحاً وقد غسل الدم عن موضع الذبح لم تصح صلاته؛ لأن في بطنه دماً غير دم الذبح يظهر عند نحره فيكون حاملاً للنجاسة، وإن حمل المصلي قارورة فيها نجاسة وسد على فمها بالنحاس والرصاص ففيها وجهان لأصحاب الشافعي.

(3/14)


والمختار: فساد الصلاة لأنه حامل للنجاسة وهكذا لو شد على فمها بشمع أو طين وحملها بطلت صلاته قولاً واحداً لأصحاب الشافعي لأنه حامل للنجاسة.
الفرع الثامن: وإن شد المصلي حبلاً في كلب أو خنزير ووضعه تحت رجله وصلى صحت صلاته؛ لأنه ليس حاملاً للنجاسة ولا لما هو متصل بها، وإن كان الحبل مشدوداً في يديه أو في وسطه أو في عنقه، فيه وجهان لأصحاب الشافعي.
والمختار: بطلان الصلاة لأنه حامل للنجاسة ولا يفترق الحال بين أن يكون صغيراً أو كبيراً.
وإن شد حبلاً في سفينة فيها نجاسة نظرت فإن كان الشد في موضع نجس من السفينة وكان الحبل في يده أو وسطه بطلت صلاته، وإن كان تحت قدمه لم تبطل صلاته، وإن كان شد الحبل في موضع طاهر من السفينة لم تبطل صلاته لأنه ليس حاملاً للنجاسة.
وتجوز الصلاة في ثوب الحائض إذا لم تتصل به نجاسة لها ولغيرها، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أحيض عند رسول الله ثلاث حيض ولا أغسل ثوبي(1).
وإنما أرادت أنه لم يصبه شيء من دمها. وروي أن رسول الله قال لعائشة: ((ناوليني الخُمْرَةَ من المسجد " ، فقالت إني حائض، فقال: ليست الحيضة في يدك ولا المؤمن ينجس)) (2).
فأشار بهذا الكلام إلى أنها وإن كانت حائضاً فإن عرقها ولعابها طاهران وعلى أن الحيض إذا لم يكن متصلاً بشيء من أعضائها فهي طاهرة.
وتجوز الصلاة في الثوب الذي يجامع الرجل فيه امرأته لما روي عن أم حبيبة زوج الرسول أنها قالت: كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه إذا لم تصبه نجاسة(3).
وتجوز الصلاة في ثوب الصبي الصغير إذا لم تعلم فيه نجاسة لأن الرسول كان يحمل أمامة بنت أبي العاص وعليها ثيابها.
__________
(1) تقدم في الحيض.
(2) تقدم في الحيض.
(3) أخرجه أبو داؤد والنسائي بلفظ: سأل معاوية أخته أم حبيبة زوج النبي هل كان رسول الله يصلي في الثوب الذي كان يجامعها فيه؟ فقالت: نعم، ما لم ير فيه أذى. ا ه‍جواهر 1/214.

(3/15)


ولا تجوز الصلاة في جلود الميتة دبغت أو لم تدبغ لأنها تنجس بالموت فلا تجوز الصلاة فيها وقد قررناه في كتاب الطهارة فأغنى عن تكريره.
الفرع التاسع: الصلاة في الثوب المغصوب والمسروق محرمة لقوله : ((لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه)) (1).
وهل تكون مجزية ومسقطة للفرض أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: المنع من الإجزاء، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله لا يختلفون فيه.
والحجة على هذا: ما روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((لو أن رجلاً كان معه تسعة دراهم من حلالٍ " وضم إليها درهماً من حرام فاشترى بالعشرة ثوباً فصلى فيه لم يقبل الله فيه صلاته))(2).
فقيل له: سمعت هذا من رسول الله ؟ فقال: سمعت رسول الله يقول ذلك ثلاث مرات.
المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو قول أبي حنيفة والشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن المحذور أن يكون المصلي مطيعاً بنفس ما هو عاصٍ به والأمر هاهنا ليس كذلك فإن المصلي مطيع بالقيام والقعود والذكر والخشوع والخضوع، وعاصٍ باللباس للثوب المغصوب وهو بمعزل عن نفس الصلاة، فلما كان الأمر هكذا من حصول التغاير بين الأمرين كانت الصلاة مجزية وإن كان لابساً للثوب المغصوب لأجل ما ذكرناه من حصول التغاير.
__________
(1) أخرجه أبو داؤد في سننه عن حنيفة الرقاشي بلفظ: ((لا يحل مال امرءٍ مسلم إلا بطيبة نفس منه)). ا ه‍. منتخب كنز العمال 1/69.
(2) ورد بلفظ: ((من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم يتقبل الله عز وجل له صلاة ما دام عليه)) ثم أدخل (ابن عمر) أصبعيه في أذنيه فقال: صُمتا إن لم يكن النبي سمعته يقوله، قال في فتح الغفار: رواه أحمد وعبد بن حميد والبيهقي وضعفه، وإسناده ضعيف. ا ه‍1/235. وهو في جواهر الأخبار بلفظه السالف. وقال: رواه أحمد . ا ه‍1/213.

(3/16)


المذهب الثالث: التفصيل في ذلك، وهو أنه إذا عليه ما يستره من الحلال جازت صلاته، وإن كان ليس عليه إلا الثوب المغصوب لم تصح صلاته، وهذا هو المحكي عن الشيخ أبي هاشم من المتكلمين حكاه عنه قاضي القضاه عبدالجبار بن أحمد.
والحجة على هذا هو أنه إذا كان ساتراً لجسمه بالثوب المغصوب كان عاصياً به، وإن كان قد ستر جسمه بالثوب الحلال لم يضره ذلك لأنه فضلة لا يحتاج إليه في العبادة. وهذا تقرير الخلاف والحجة لكل واحد من هذه المذاهب الثلاثة.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من عدم الإجزاء.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو أن المصلي منهيٌ عن لباس الثوب المغصوب واستعماله والنهي يقتضي فساد المنهي عنه خاصة في العبادات فلهذا قضينا ببطلان صلاته.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إنَّا معاشر الفقهاء إنما جوزنا الصلاة في الثوب المغصوب لأن المغايرة حاصلة في حق المصلي فإنه صلى به بمعزل عن لباسه فلهذا جازت صلاته ولهذا يعقل كونه لابساً من غير صلاة ويعقل كونه مصلياً من غير لباس فلما حصل التغاير حصل الإجزاء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه منهي عن الصلاة في الثوب لا محالة، ولا شك في أن النهي يقتضي الفساد في العبادات سواء فرضنا هناك مغايرة أو لم نفرض.
وأما ثانياً: فلأنه إذا كان مطيعاً بالصلاة لابساً للحلال كان عاصياً لا محالة بالصلاة لابساً للثوب المغصوب فالنهي[أنه كان] لا محالة ملابساً للصلاة في حال اللبس وفي هذا حصول غرضنا فبطل ما قالوه، فأما ما يحكى عن الشيخ أبي هاشم من التفصيل الذي ذكره عنه قاضي القضاة وهو أنه إذا كان عليه ما يستره من الحلال جازت صلاته، وإن لم يكن عليه ما يستره من الحلال بطلت صلاته.
فالجواب عنه من وجهين:
أما أولاً: فلأنه منهي عن لبسه في حال الصلاة، والنهي مقتضٍ للفساد، وهذا هو مرادنا ببطلان الصلاة لأجل كونها منهياً عنها.

(3/17)


وأما ثانياً: فلأن النهي إنما ورد عن ملابسته واستعماله في الصلاة وهذا حاصل سواء كان الثوب وحده أو معه غيره فبطل ما قاله.
الفرع العاشر: في لبس الحرير واستعمال غيره(1)
وتتعلق به أحكام عشرة:
الحكم الأول: ويباح لبس الحرير للنساء والصلاة فيه بجميع أنواعه من الديباج والأطلس وغيرهما، لما روي عن الرسول أنه خرج يوماً وفي إحدى يديه ذهب وفي الأخرى حرير فقال: ((هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثها " )) (2).
فظاهره دال على الإباحة لهن في الذهب والحرير، ولا يحرم عليهن من الذهب والفضة إلا ما كان على جهة الآلة نحو المكحلة والميل والمرآة المفضضة والمذهبة والمحك من الذهب والفضة، ويفسق الرجال والنساء باستعماله لإنعقاد الإجماع على تحريمه كسائر المحرمات الفسقية، فأما الحرير فلا يستثنى في حقهن شيء منه في اللباس والصلاة فيه وعليه والتكفين لهن به.
__________
(1) كالذهب والفضة.
(2) في (الشفاء) عن أمير المؤمنين علي قال: خرج رسول الله وفي إحدى يديه ذهب وفي الأخرى حرير فقال: ((هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثها)). وهو في (أصول الأحكام)، قال في (الاعتصام): وأخرج أبو داؤد والنسائي عنه بلفظه غير أنهما لم يذكرا((..حل لإناثها)) قال: وأخرج الترمذي عن أبي موسى أن رسول الله قال: ((حُرم الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثها)) وفي رواية النسائي: ((أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها)) ا ه‍4/409.

(3/18)


الحكم الثاني: ويحرم على الرجال لبس الحرير والديباح الصرف من غير ضرورة فإن لَبِسَهُ أحد من الرجال من غير ضرورة فإنه يحكم بفسقه لإنعقاد الإجماع على تحريمه كسائر المحرمات من الزنا والسرقة وشرب المسكر، ويباح القليل منه نحو علم الثوب ورأس التكة وحاشية الأثواب، وقد جرى عمل المسلمين على ذلك وتوارثوه خلفاً عن سلف من غير نكير، لقوله : ((ما رأه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن " )). ولا تباح الجبة من الديباج ولا القلنسوة من الحرير الخالص لظاهر الخبر المحرم، ويباح الزر في القميص والأزرار في الجبة من الحرير لقلته.
ويباح للعذر لما روي عن الرسول أنه أباح لبس الحرير لعبدالرحمن بن عوف حين كثر عليه القمل والحكة في جسمه(1).
وهل يكون مخصوصاً به أو يقاس عليه غيره ممن كان على صفته؟ فيه تردد، والقوي: إلحاق غيره به لجامع الرخصة لأجل الاستواء.
الحكم الثالث: ويباح استعمال الذهب والحرير في الجهاد مع الإمام، وتباح حلية السيف رأسه وصدره لما روي عن الرسول أنه كانت قبيعة سيفه محلاة بالفضة، وتباح حلية السكين والرُّكُب(2)
الفضية والذهبية ونحو الأبازيم(3)
__________
(1) قال في (الاعتصام): وفيه قال محمد: روينا عن النبي وعن كثير من الصحابة وعن العلماء من آل رسول الله أنهم قالوا: إن النبي قال: ((إن الذهب والديباج والحرير حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم)).
قال الإمام القاسم بن محمد: وهذا المعمومل عليه إلا عند الضرورات فقد أذن النبي للزبير بن العوام في لبس الحرير تحت الدرع في الحرب، وأذن لعبد الرحمن بن عوف في لبس قميص حرير أبيض على جلده لجرب كان به وقمل. ا ه‍4/411.
(2) الركب جمع ركاب، وهي غرز الرحل التي يضع الراكب رجليه فيها.
(3) قال في (لسان العرب): والإبزيم والإبزام: الذي في رأس المنطقة وما أشبهه وهو ذو لسان يدخل فيه الطرف الآخر، والجمع الأبازيم، ا ه‍ج14 ص 49.

(3/19)


الفضية وروؤس البراشم(1)
لمحلاة بالفضة والذهب وحلية اللبب(2)
والسرج(3)
المذهب والخياصة(4)
الذهبية والفضية وزيج(5)
البيضة وحلية المغفر(6)
كل ذلك في قتال الحق والحرب مع إمام المسلمين ما دامت الحرب قائمة ولم تضع أوزارها.
والحجة على جواز ذلك وإباحته: ما ورد في الأثر أن أصحاب الرسول كانوا يلبسون الديباج بين يديه لقتال المشركين، ولما يظهر في ذلك من الهيبة والرعب وإظهار القوة بالمسلمين لقلوب أهل الشرك رجالاً وفرساناً، وكانوا يتخذون الذهب والفضة في جميع مراكبهم وآلات الحرب ولم يظهر من جهته نكير في ذلك بل أقرهم(7)
عليه وهكذا جميع الخلفاء بعده، وجرت سنة المسلمين على هذا في مقاتلة أهل الشرك والبغي.
الحكم الرابع: في المخلوط من الحرير بالقطن والكتان والصوف فينظر فيه فإن كان الغالب هو الحرير حرم لبسه لأن الخلط صار مستهلكاً بالقلة واسم الحرير ينطلق عليه، وإن كان الخلط هو الغالب جاز لبسه لأن الحرير يصير مستهلكاً بكثرة غيره فلا يطلق عليه اسم الحرير، وإن كان الخلط هو النصف فهو الذي يقال له المنصف(8)
__________
(1) قال في (لسان العرب): البرشم: البرقع والبرشمة تلوين النقط. ا ه‍ج14 ص 47.
(2) اللبب بالضم جمع لبب بالفتح، وهو ما يوضع في السرج أو الرحل.
(3) رحل الفرس، أو ما يوضع على ظهر الفرس للراكب.
(4) تخويص التاج ماخوذ من خوص النخل يجعل له صفائح من الذهب. ا ه‍لسان ج7 ص33.
(5) الزيج كما في (لسان العرب): خيط البنَّاء وهو المطمر، فارسي معرب، قال الأصمعي: لست أدري أعربي هو أم معرب. ا ه‍2/
(6) والمغفر والمغفرة والغفارة: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القِلَنْسَوَة، وقيل: هو رفرف البيضة، وقيل: هو حلق يتقنع به المتسلح. ا ه‍لسان 5/26، المغفر، بكسر الميم وسكون الغين وفتح الفاء.
(7) في الأصل: بل قارهم.
(8) المُنَصَّف: بضم الميم وفتح النون وتضعيف الصاد المهملة.

(3/20)


فاختلف كلام الهادي في الجامعين فقال في (المنتخب): يجوز لبسه؛ لأن الحرير يصير مستهلكاً بما خلط به فيباح لبسه، وقال في (الأحكام): يحرم لبسه وهذا هو الأقوى وهو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله. قال العلماء من الأئمة والفقهاء:
والحجة على ذلك: هو أن الحاظر والمبيح اجتمعا فيجب أن يكون الحكم للحاظر دون المبيح، ويؤيد ذلك قوله : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )). ومن جهة أن الخبر الوارد في تحريم الحرير لم يفصل بين الجميع وبين المنصف فإن وقع الشك في كون الخلط أقل من النصف أو النصف فالأولى الترك عملاً على التحريم لقوله : ((المؤمنون وقافون عند الشبهات " )).
الحكم الخامس: في الصلاة في الحرير وهل يكون مكروهاً أو حراماً؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها محظورة حرام، وهو رأي الشافعي لظاهر الخبر ولأن لباسه إذا كان محظوراً كانت الصلاة أولى بالحظر.
وثانيهما: أنه يكون مكروهاً، وهذا هو رأي المؤيد بالله؛ لأن الحرير إنما حرم من أجل الخيلاء، والصلاة هي موضع خضوع وذلة فلهذا جاز مع الكراهة فإن صلى جاز لأن النهي كما ذكرناه لا يختص الصلاة، فإن لم يجد العريان إلا الثوب الحرير جازت الصلاة فيه ولا يصلي عرياناً ويخالف الثوب النجس؛ لأنه أخف حكماً باتفاقٍ من القائلين بالمنع من الصلاة في الثوب النجس فإن صلى عرياناً مع تمكنه من الثوب الحرير بطلت صلاته لأنه يصير كأنه صلى عرياناً مع تمكنه من غير عذر.
وحكي عن أحمد بن حنبل: صحة صلاته عرياناً مع تمكنه من الحرير، ولا وجه له لأن معه سترة طاهرة فلا يعذر في الصلاة عرياناً.
الحكم السادس: وتكره الصلاة في الأثواب المشبعة صبغاً. واعلم أن الإصباغ على ضربين:

(3/21)


فالضرب الأول منهما: مكروهة، وهذا نحو المعصفر والمزعفر والمورس، المصبوغة بالعصفر والورس والزعفران، فما هذا حاله يكره لبسه للرجال وتكره فيه الصلاة للرجال أيضاً، ويباح لبسه للنساء ولصلاتهن أيضاً لما روي عن الرسول أنه رأى رجلاً عليه ثوب مصبوغ فقال: ((لو وضعت هذا في تنور أهلك لكان خيراً لك " )). فلما سمع الرجل كلامه وضعه في التنور فرآه الرسول فقال له: ((ما صنعت؟)). فقال يارسول الله الذي قلت لي، وضعته في التنور، فقال: ((لو شققته على أهلك لكان خيراً لك " ))(1). فدل ذلك على إباحته للنساء وعلى كراهته للرجال.
الضرب الثاني: ما يباح من الأصباغ، وهذا نحو النيل والبقَّم والفوَّه(2)
__________
(1) وفي فتح الغفار: عن عبد الله بن عمرو قال: رأى النبي علي ثوبين معصفرين فقال: ((أمك أمرتك بهذا))؟ قلت: أغسلهما يا رسول الله، قال: ((بل احرقهما)) رواه احمد ومسلم والنسائي. وهذا لفظ مسلم، قال: وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أقبلنا مع النبي من ثنية فالتفت إلي وعلي ريطة مضرجة بالعصفر فقال: ((ما هذه))؟ فعرفت ما كره، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم فقذفتها فيه ثم أتيته من الغد فقال: ((يا عبد الله ما فعلت بالريطة))؟ فأخبرته، فقال: ((ألا كسوتها بعض أهلك)) رواه أحمد، وكذلك رواه أبو داؤد وابن ماجة وزاد: ((..فإنه لا بأس بذلك للنساء)) قال: والحديث ليس في اسناده إلا عمرو بن شعيب، وقد حسن حديثه جماعة من الأئمة. ا ه‍1/138، وقد جاء الخبر بلفظه في الجواهر.
(2) البُقَّم: شجر يصبغ به، دخيل معرب. قال الأعشى:
بكأس وإبريق كان شرابها
إذا صب في المسحات خالط بَقَّما
ا ه‍لسان 14/52، وهو مضبوط بفتح الباء الموحدة وتضعيف القاف مفتوحة.
والفوَّة: عروق نبات تستخرج من الأرض يصبغ بها، وفي التهذيب: يصبغ بها الثياب. ا ه‍لسان 15/166، وهي مضبوطة بضم الفاء وتضعيف الواو مفتوحة.

(3/22)


وغير ذلك من الأصباغ التي لا زينة فيها بخلاف الأصباغ التي ظاهرها الزينة كالذي ذكرناه فإنه لايتعاطا لبسها إلا الأرذال والذين لا ورع لهم ولا تمسك بالديانة والصلاح، فلهذا كانت مكروهة، وتكره الصلاة واللبس في الثوب الذي فيه صور الحيوان لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان لي ثوب فيه صورة وكنت أبسطه لرسول الله فقال لي: ((أخريه عني " ))(1).
فجعلت منه وسادتين.
الحكم السابع: وتستحب الصلاة في النعال إذا كانت طاهرة ولم يصبها قذر لما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا في نعالكم وخالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم " ))(2).
فإن كان فيها قذر نزعها وحلها لما روى أبو سعيد الخدري قال: بينا رسول الله يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما على يساره فلما رآه القوم خلعوا نعالهم فلما قضى رسول الله صلاته قال لهم: ((ما حملكم على إلقاء نعالكم " ؟)). فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فألقينا نعالنا فقال: ((إن جبريل أتاني فقال إن فيهما قذراً))(3). ويستحب افتقاد النعال عند دخول المسجد لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى " فليمسحه وليصل فيهما))(4).
وهذه حجة لأبي حنيفة حيث قال: بأن المسح كافٍ في إزالة النجاسة عن الكف من غير غسل.
__________
(1) وفي رواية لأبي داؤد عن عائشة بلفظ: أنها نصبت ستراً وفيه تصاوير فدخل رسول الله فنزعه، قالت: فقطعته وسادتين فكان يرتفق عليهما، قال في فتح الغفار: متفق عليه، وفي لفظ لأحمد: فقطعته مرفقتين فلقد رأيته متكئاً على إحداهما وفيها تصاوير. ا ه‍1/140.
(2) عن شداد بن أوس أن رسول الله قال: ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا نعالهم)). أخرجه أبو داؤد. ا ه‍جواهر 1/214.
(3) أخرجه أبو داؤد وزاد: ((إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذراً فليمسحه وليصل فيهما)) وفي رواية: ((خبثاً)) في الموضعين. ا ه‍. المصدر السالف.
(4) سبق آنفاً.

(3/23)


نعم، إنما تستحب الصلاة في النعال إذا كان الذابح لها(1)
من جملة المسلمين فأما إذا كان الذابح لها من الكفار أهل الشرك وعبدة الأصنام والأوثان والنجوم والمرتدين فلا تجوز الصلاة فيها، فأما ذبائح أهل الكتابين فمخالفة لغيرهم من الكفار، وسيأتي تقرير ذلك في الذبائح بمعونة الله تعالى.
وتجوز الصلاة في الثوب الواحد والقميص الواحد، لما روي عن الرسول أنه سئل عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: ((أوكلكم يملك ثوبين " ؟)) فإن صلى في القميص وكان فتحه ضيقاً جازت الصلاة وإن كان واسعاً فليزره بزرار فإن لم يكن رزار فليزره بشوكة، وإن صلى في الثوب الواحد فليعقد طرفيه في قفاه لما روي عن الرسول أنه صلى بالناس في مرضه الذي قبض فيه في شملة خيبرية عاقداً لطرفيها في قفاه(2)
فإن كان القميص رقيقاً يصف البدن أو كان مهلهل النسيج كرهت الصلاة فيه لرقته وهلهلة نسجه فيرى كأنه عريانٌ.
الحكم الثامن: قال الهادي في (الأحكام): وتكره الصلاة في الفراء إذا لم يكن معه غيره. قال السيد أبو طالب: وأصحابنا يختلفون في نقل هذه اللفظة ولها تأويلان:
التأويل الأول: أنها الفراء بالفاء والراء وهو جمع فروة يقال: فروة وفراء كقرية وقراء(3).
وهو شيء يتخذ من الجلود المدبوغة يستعمله أهل اليمن مفتوح من قدام، وإنما كرهت الصلاة [فيه] لأنه إذا كان وحده تجافى عن بدن المصلي ولم يقع عليه فيكون إذا ارتفع عن بدنه كالعريان.
__________
(1) يقصد الذابح لذات الجلد الذي صُنِع منه النعل.
(2) وفي الاعتصام: وأخرج فيه الترمذي عن أنس بن مالك أن النبي خرج وهو متكئ على أسامة بن زيد وعليه ثوب قِطْري قد توشح به فصلى بهم، وقطري-بكسر القاف فسكون الطاء-: ضرب من البرد وفيه حمرة واعلام مع خشونة. ا ه‍4/405.
(3) لا يبدو هناك تطابق بين المادتين في الإشتقاق.

(3/24)


التأويل الثاني: أنه القزُّ بالقاف والزاي، وهو الأبريسم من الحرير، فإنها تكره فيه الصلاة كما أوضحناه من قبل ومعناه إذا لم يكن معه غيره من الثياب المباحة فإنه أدخل في الكراهة أو نعني إذا لم يكن معه غيره منسوجاً فيه مخلوطاً معه والأول هو المعتمد عليه.
فالتأويل الأول: محكي عن السيد أبي طالب، والتأويل الثاني: محكي عن السيد المؤيد بالله، وكلاهما جيد لا غبار عليه خلا أن الأول أجرى على أصول الهادي ومسائله.
الحكم التاسع: والخزُّ حيوان يستعمل جلده ووبره، فأما وبره فيجوز لبسه في الصلاة وفي غيرها لما روي عن الرسول أنه كان يعتم بعمامة سوداء من خز وكان يقال لها (السحاب) أعطاها علياً وكان يعتم بها ويقال: طلع علينا أمير المؤمنين وعلى رأسه (السحاب)(1)،
وروي أن الحسين بن علي رضي الله عنه استشهد وعليه جبة من خزٍّ، وروي أن الحسن البصري رأى علي بن الحسين وعليه جبة من خزٍّ. رؤية متعجب من لباسه لها فقال له علي بن الحسين: مهٍ يا أبا سعيد قلب كقلب عيسى ولباس كلباس كسرى. وعن الناصر: أنه كان يلبس الخز ويقول: لا بأس بلباسه، وأما جلده فقال الهادي في (الأحكام): وأكره الصلاة في الخز لأني لا أدري ما هو ولا ما ذكاة دوابه ولا ما أمانة عماله، وقد أشار في هذا الكلام إلى مداخل الشك وجملتها ثلاثة:
المدخل الأول: قوله: لا أدري ما هو. فما هذا حاله يحتمل وجهين:
__________
(1) قال في (الجواهر): وفي كتاب الإحياء ما لفظه: وكانت له عمامة تسمى السحاب فوهبها من علي فربما طلع فيها فيقول : ((أتاكم علي في السحاب)) وفي النهاية ما ملخصه: أنها سُميت بالسحاب تشبيهاً بسحاب المطر لانسحابه في الهواء. ا ه‍1/215، ولعل الصواب: تعليل تشبيهها بالسحاب بجامع اللون الأسود، وكما أكد هذا رواة بزيادة صفة (عمامة سوداء من خز) كما أورده المؤلف.

(3/25)


أحدهما: أن يريد: هل هو مما يؤكل أو مما لا يؤكل؟ وهل الأصل التحريم بالعقل إلا ما دل الشرع على تحليله أو الأصل هو التحليل بالشرع لعموماته إلا ما دل الشرع على تحريمه؟
وثانيهما: أن يريد: هل هو من حيوان البر فلابد له من ذكاة أو من حيوان البحر فتكون ذكاته صيده، فقوله يحتمل ما ذكرناه.
المدخل الثاني: قوله: ولا ما ذكاة دوابه. وهذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد: هل ذكي أو لم يذكَّ.
وثانيهما: أن يريد: هل ذكاته النحر أو الذبح على قانون الشرع في الذبح والنحر لأنهما إذا لم يكونا على ما شرطه الشرع لم يحل المذبوح وكان ميتة.
المدخل الثالث: قوله: ولا ما أمانة عماله. فهو محتمل لوجهين:
أحدهما: هل هم كفار أو مسلمون؟ فإذا كانوا كفاراً لم تحل ذبائحهم.
وثانيهما: أنهم وإن كانوا مسلمين فلا يُدْرَى بحال عدالتهم فلا يؤمن أن يخلطوا فيه الميت والمذكى؛ لأن ما هذا حاله إنما يحجزه الورع والعدالة فإذا لم يكن هناك عدالة لم يؤمن ما ذكرناه، فهذه مداخل الشكوك التي أوجبت الكراهة.
دقيقة: اعلم أن السيد أبا طالب ذكر في شرحه: أن من أصحابنا من ذكر وجهاً ثالثاً في الاحتمال: وهو أنه يجوز أن يكون قد ذهب إلى أنه وإن كان مما لا يؤكل لحمه فإنه يصير طاهراً بالذبح ولكن لم يعلم حال الذابح فيجيء على هذا أن السباع التي هي طاهرة في حال الحياة إذا ذبحت فإنه يجوز الإنتفاع بجلودها والصلاة فيها، إلا أن الظاهر من المذهب: أن كل ما حرم الله أكل لحمه فلا يجوز لبس جلوده فهذا التخريج يضعف، فإذا عرفت هذا فاعلم أن هذا الاحتمال في التخريج من كلام الهادي جيد لا غبار عليه لأمرين:
أما أولاً: فلقوله تعالى عقيب ذكر المحرمات: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}. فظاهر الآية التحليل لكل ما ذكيتم لعمومه ولم يفصل بين أن يكون مما يحل أكل لحمه أو مما لا يحل.

(3/26)


وأما ثانياً: فلأن فائدة التذكية الشرعية، هو طهارة الجلد ويبقى حال الأكل موقوفاً على الدلالة الشرعية، فإن دلت على حل أكله أكل، وإن لم تدل على حل أكله انتفع بجلده وكان طاهراً، فهذا الاحتمال لا مانع منه. ولا أدري من يعني بقوله: بعض أصحابنا، أخاه السيد المؤيد بالله أو غيره من أهل التخريج لمذهب الهادي؟ فحصل من مجموع ما ذكرناه طهارة شعر الخز ووبره ذكي أو لم يذك.
وعن الشعبي أنه قال: رأيت الحسن بن علي يلبس الخز، وعن جماعة رضي الله عنهم من الصحابة سعد بن أبي وقاص وجابر بن عبدالله وأنس بن مالك وأبي هريرة، أنهم كان يلبسون الخز وأن جلده يطهر بالذكاة الشرعية سواء حل أكل لحمه أو لم يحل على ما قررناه.
الحكم العاشر: اعلم أن لبس الحرير الصرف مع العلم بتحريمه في حال الرفاهية من غير عذر، معصية لله تعالى ومخالفة لما عليه المسلمون، وتحصل منه ثمرتان:
الثمرة الأولى: إجماعية، وهي فسق اللابس لأن الإجماع منعقد على فسق من لبسه من غير عذر.
الثمرة الثانية: خلافية، وهي نقض الوضوء بلبسه فإنا قد قدمنا أن الكبائر الفسقية والكفرية هل تكون ناقضة للوضوء أم لا؟ وذكرنا الخلاف والمختار والانتصار فأغنى عن تكريره، فأما لبسه في حال الصلاة فلا سبيل إلى الفسق بالمسائل الخلافية، وهل يكون محرماً أو مكروهاً؟ فيه روايتان:
الرواية الأولى: التحريم، وهي رواية (المنتخب) تقتضي بطلان الصلاة، وهو محكي عن الناصر واختيار السيد أبي طالب.
والحجة على ذلك: هو أنه منهي عن لبسه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه وهو إذا كان مصلياً فيه فهو لابسٌ له، فوجب أن يكون النهي متناولاً له في حال الصلاة كحاله في اللباس.
الرواية الثانية: رواية (الأحكام)، وهي الكراهة، وهذا هو رأي المؤيد بالله وهو رأي أكثر الفقهاء.

(3/27)


والحجة على ذلك: هو أنه ثوب طاهر غير مغصوب فصحت الصلاة فيه كما لو كان الغالب هو القطن، أو نقول: ولأنه ثوب تصح صلاة المرأة فيه فجازت صلاة الرجل فيه.
والمختار: جواز الصلاة فيه؛ لأن النهي إنما تعلق به لما يختص به من الخيلاء، والصلاة تنافي الخيلاء لما فيها من الخضوع والذلة للمعبود.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: النهي يقتضي الفساد.
قلنا: النهي ليس مختصاً بالصلاة لعينها وإنما كان لما ذكرناه من الخيلاء فلهذا جازت الصلاة فيه، فهذا ما أردنا ذكره في الأحكام المختصة بلبس الحرير وما يتعلق به، ونرجع إلى الفصول والله الموفق للصواب

(3/28)


---
الفصل الثاني في بيان الأمكنة التي يصلى عليها
طهارة الموضع الذي يصلى عليه شرط في صحة الصلاة.
قال الإمامان القاسم والناصر: وعلى كل مصلٍ فريضةً أو نافلة ألا يصلي [في أي] من البقاع إلا في بقعة نقية. وحكي عن الهادي مثل ذلك، وهو رأي سائر أئمة العترة، ومحكي عن الفريقين الشافعية والحنفية. فأما أبو حنيفة فقد قال: إذا كان موضع قدمي المصلي طاهراً صحت صلاته، وإن كان موضع ركبتيه نجساً. وفي موضع الجبهة روايتان.
وحكي عن مالك: أن من صلى في موضع نجس استحسن له أن يقضي، وفي هذا دلالة على جواز الصلاة عليه.
والحجة على ما قاله القاسم: وهو قوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}[البقرة:145].
ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت لكل طائف وعاكف، وشرع من قبلنا لازم لنا ما لم ينسخ عنا، هذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة.
والمختار: أن كتابنا ناسخ لما قبله من الكتب السالفة وأن شريعتنا ناسخة لما تقدمها من الشرائع.
والحجة على ما قلناه: هو أن الإجماع على ما ذكرناه من نسخ كتابنا لكل كتاب وشريعتنا لكل شريعة، وإذا كان الأمر هكذا فكيف يصح الاحتجاج بالمنسوخ وقد رفع حكمه.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه رأى كراسة من التوراة في يد عمر ينظر فيها فاغتاظ واحمر وجهه وقال: ((والله لو كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي " )) . وفي هذا دلالة على أن الكتب المتقدمة لا يلتفت إليها في تقرير حكم من أحكام الشريعة بل ما أثر عن الرسول ونطق به كتابنا فهو كاف عن طلب حكم الحادثة من غيرهما من الكتب السابقة.
التفريع على هذه القاعدة:

(3/29)


الفرع الأول: المواطن التي نهي عن الصلاة فيها سبعة، لما روى عمر رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((سبعة مواطن لا تجوز الصلاة فيها: المزبلة والمجزرة والمقبرة ومعاطن الإبل والحمام وقارعة الطريق وفوق بيت الله العتيق))(1) .
وإنما منع من الصلاة في المجزرة والمزبلة لنجاستهما فدل ذلك على أن كل بقعة فيها نجاسة فلا تجوز الصلاة فيها، وإنما منع من الصلاة في قارعة الطريق والكعبة لمعان أخر غير النجاسة وسيأتي تقريرُهُ بمعونة اللّه.
ومن صلى على الأرض أو على بساط وكان بحذائه(2)
على الأرض أو على البساط نجاسة ولم تصبها ثيابه ولا بدنه فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: جواز الصلاة وهو الأصح من مذهب الشافعي؛ لأنه غير مباشر للنجاسة ولا حاملٍ لها ولما هو متصل بها فوجب القضاء بجوازها، وإن صلى على موضع طاهر من البساط وفي موضع منه نجاسة لا تحاذيه صحت صلاته، وحكي عن أبي حنيفة: أنه إن كان البساط لا يتحرك بتحركه صحت صلاته وإن كان يتحرك بتحركه بطلت صلاته.
__________
(1) هذه رواية ابن عمر وليس عمر، وهذا أثبته تصحيحاً ابن بهران عن رواية الحديث في الجامع، وفيه أحاديث أخرى تضمنت المواطن المنهي عن الصلاة فيها متفرقة، ومنها: عن أبي سعيد: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) رواه الخمسة إلا النسائي.
قال في فتح الغفار: وقد اختلف في وصله وارساله، وأخرجه الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه ابن حزم، وأشار ابن دقيق العيد في الإمام إلى صحته، وقال في الخلاصة: قال الترمذي: روي مرسلاً، وكأنه أصح، قلت: صححه مرفوعاً ابن حبان والحاكم من طرق على شرط الشيخين. ا ه‍1/161.
(2) أي بمحاذاته.

(3/30)


والحجة على ما قلناه: هو أنه غير حامل ولا مباشر للنجاسة ولا لما هو متصل بها فصار كما لو صلى على أرض طاهرة وفي طرف منها نجاسة، وإن أصابت الأرض نجاسة فإن عرف موقعها تجنبها وصلى في موضع آخر غير ذاك، وإن فرش فوقها بساطاً طاهراً وصلى عليها صحت صلاته. وحكي عن أبي حنيفة: أن البساط إن كان يتحرك بتحركه لم تصح صلاته.
والمختار: ما قلناه وقد مضى الدليل عليه فلا وجه لتكريره.
وإن خفي عليه موضع النجاسة وجب عليه أن يتباعد إلى موضع يتحقق أن النجاسة لا تبلغ إليه، وإن كانت النجاسة تحت قدميه بطلت صلاته عندنا، وهو قول أبي حنيفة لكونه مباشراً للنجاسة، وإن كانت النجاسة في موضع ركبتيه أو موضع سجوده بطلت صلاته عندنا، وحكي عن أبي حنيفة: أنه إذا كان موضع قدميه طاهراً صحت صلاته ولو وقعت ركبتاه على النجاسة، وفي جبهته روايتان.
والحجة على ما قلنا: هو أنه موضع يلاقيه بدن المصلي فلم تصح صلاته كما لو كانت النجاسة تحت قدميه.
الفرع الثاني: والمصلي إذا كان مربوطاً إلى خشبة أو كان محبوساً في حشٍ، والحش: موضع إلقاء العذرة بالحاء المهملة والشين بثلاث من أعلاها، أو كان في موضع نجس وهو متوضىء، فإذا كان على هذه الحالة فهل تلزم الصلاة ويؤديها على حالته هذه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يؤديها على حالته هذه، وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر علماء الأمة.
والحجة على هذا: قوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم )) .
الحجة الثانية: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}[النساء:103]. والمعنى أنها موقتة بأوقاتها فيجب تأديتها على حد حالته ولا يجوز إسقاطها من غير عذر في سقوطها.
المذهب الثاني: أن الصلاة ساقطة عنه في هذه الحالة، وهذا هو الذي حكاه الطحاوي عن أبي حنيفة.

(3/31)


والحجة على هذا: هو أنه مأمور بالصلاة في الأثواب الطاهرة والأمكنة الطاهرة فإذا لم يتمكن من ذلك سقط عنه وجوب الصلاة كما لو كان زائل العقل أو أغمي عليه لأن [المكان] الطاهر شرط في الصحة كما أن العقل شرط في التكليف بها.
والمختار: ما قاله الأئمة والعلماء.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ }[النساء:103]. ومع هذه فهو متمكن من أداء الصلاة ولم يتأخر عنه إلا بنجاسة الموضع، وهو معذور فيه، فلهذا توجه عليه أداء الصلاة، ولعل هذه الرواية محمولة على أنه لا يلزمه السجود على القذر ولا التلوث بالنجاسة وإنما يلزمه الإيماء كما سنوضح ما يتوجه عليه، فأما سقوط الصلاة عنه بالكلية فقدره(1)
أعلى من إنكار ما هذا حاله لكونه مخالفاً للإجماع المنعقد على وجوب تأدية الصلاة على هذه الحالة، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه هو أن من لزمه فرض الوقت فإنه يلزمه الإتيان به على حسب حاله كالمريض فإنه يصلي على قدر ما يمكنه من غير سقوط الفرض عنه فهكذا هاهنا.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكره.
قال: إنه مأمور بتأدية الصلاة في أمكنة طاهرة وأثواب طاهرة فإذا لم يتمكن منها سقط عنه فرضها كما لو زال عقله.
قلنا: إن العقل ملاك التكليف وهو شرط في جميع التكاليف العقلية والشرعية وهذا فإنه كامل العقل [ولم يتعذر عليه من شروطها](2)
__________
(1) يقصد أبا حنيفة.
(2) في الأصل: (ولم يسقط عنه إلا الأمكنة الطاهرة) وتم استبدالها بعبارة: (ولم يتعذر عليه من شروطها إلا الأمكنة الطاهرة) لأن الأولى غير واضحة.

(3/32)


إلا الأمكنة الطاهرة فلا تسقط عنه الصلاة كما لو لم يتمكن من القيام لزمه القعود وكما لو لم يتمكن من ستر العورة صلى عرياناً. فإذا تقرر لزومها له فإنه يحرم للصلام ويأتي بالقيام إن قدر عليه، والقراءة والركوع فإذا أراد أن يسجد فإنه يدني رأسه من الأرض إلى القدر الذي لو زاد عليه لاقى النجاسة ولا يضع جبهته وأنفه ولا يديه ولا ركبتيه على موضع النجاسة. ولا يفترق الحال في الإمتناع عن ملاقاة النجاسة بين أن تكون رطبة أو يابسة لأنه إذا سجد على النجاسة حصلت على جبهته وكفيه وأنفه فلهذا كانت مباشرته للنجاسة بقدميه أهون من مباشرته لها بجبهته وأنفه وكفيه، ومهما أمكن تقليل المخالطة للنجاسة فهو أولى، فإذا صلى على هذه الحالة ثم قدر فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها لا تلزمه الإعادة لأنه صلى على حسب حاله فهو كالمريض.
وثانيهما: أنها تلزمه الإعادة لأن ما هذا حاله فهو عذر نادر فلا يسقط عنه الفرض.
والمختار: هو الأول لقوله : ((لا ظهران في يوم)) . ولكن تستحب له الإعادة لأنه قد تمكن من أدائها على الوجه الذي كلف [به] من غير مانع، فأما الشافعي فقد أوجب عليه الإعادة وهو الأصح من قوليه واختلف قوله في المعاد فقال في (الأم): الفرض هو الثانية لأنا إنما أمرناه بالأولى ففعلها لحرمة الوقت. وقال في القديم: الفرض هو الأولى لأنها هي التي أسقطت الفرض. وقال في (الإملاء): الجميع فرض عليه لأنه يجب عليه فعل الجميع وهو اختيار إبن الصباغ في كتابه (الشامل) . فإن صلى الأولى من غير طهارة لا بالتراب ولا بالماء فالفرض هو الثانية لندور العذر وقلته.
الفرع الثالث: والمصلي إذا فرغ من صلاته فرأى على بدنه أو ثوبه أو البقعة التي صلى عليها نجاسة غير معفو عنها نظرت، فإن كان قد علم قبل الصلاة لكنه نسيها فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أن صلاته صحيحة لقوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " ))(1) .
__________
(1) تقدم.

(3/33)


وإن لم يعلم نظرت، فإن جوز وغلب على ظنه أنها وقعت بعد الصلاة لم تلزمه الإعادة لأن الأصل عدم مصاحبته لها في الصلاة خلا أن المستحب أن يعيدها لجواز أن تكون مصاحبة له في حال صلاته. وإن كانت مما لا يجوز حدوثه بعد الصلاة فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه تردد.
والمختار فيه تفصيل: وهو أن هذه النجاسة إن كانت مما وقع فيه الخلاف والاجتهاد وجبت عليه الإعادة في الوقت ولا يلزمه القضاء بعد فوات الوقت، وإن كانت النجاسة مما وقع الإجماع عليها وجبت عليه الإعادة في الوقت، والقضاء بعد فوات الوقت كما قررناه من قبل. فهذا أصل يجب اطراده في مسائل الخلاف ومسائل الإجماع يجب أن يكون الحكم فيها ما ذكرناه وهو أعدل المذاهب وأولاها.
الفرع الرابع: قال الإمامان القاسم والهادي: وتكره الصلاة في المقابر لكرامة أهلها إن كانوا مؤمنين وإيثاراً لتجنب قذرهم إن كانوا فاسقين.
واعلم أن المقابر لها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: المقبرة التي قد تحقق أنها قد نبشت وجعل أسفلها أعلاها، فهذه لا تصح الصلاة فوقها لما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه قال: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام " ))(1) .
ولأنه قد اختلط بها صديد الموتى وبقيت(2)
فيها عظامهم ولحومهم فصارت نجسة.
الحالة الثانية: المقبرة التي لم يتحقق أنها نبشت، فهذه تكره الصلاة بينها وعليها لنهي عن الصلاة في المقبرة ولم يفصل بين حالة وحالة، فإن صلى صحت الصلاة مع الكراهة، وحكي عن أحمد بن حنبل: بطلان الصلاة. وإنما صحت الصلاة لأن النجاسة مندفنة فيها فصار(3)
كبساط على نجاسة. وحكي عن داود: بطلان الصلاة.
__________
(1) تقدم آنفاً.
(2) لعل الكلمة في الأصل: (وتفتتت) لكنها غير معجمة وبدون تاء ثالثة.
(3) موضع المصلي فيها.

(3/34)


والحجة على صحتها: ما روى أبو ذر عن الرسول قال: سألت النبي عن أول مسجد وضع على الأرض " ؟ فقال: ((المسجد الحرام)) . قلت: ثم أيُّ؟ قال: ((المسجد الأقصى)) . فقلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون عاماً وحيث ما أدركتك الصلاة فصل))(1) .
ويكره استقبال القبر عند الصلاة لما روي عن الرسول أنه قال: ((لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ))(2) .
الحالة الثالثة: المقبرة التي لم يقع الشك فيها هل هي جديدة أو دارسة، فهل تصح الصلاة فيها أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: جواز الصلاة فيها مع الكراهة لأن الأصل هو عدم النبش وبقاء الأرض على الطهارة.
الفرع الخامس: الصلاة في الحمام. وقد نهى رسول الله عن الصلاة في الحمامات، لما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه قال: ((الأرض كلها مسجد وطهور إلا الحش والحمام " )) . ثم اختلف العلماء في الوجه الذي وقع [فيه] النهي عن الصلاة في الحمامات على قولين:
فالقول الأول: أنه إنما نهى عن الصلاة فيها لأجل ما يهراق من النجاسات فيها فعلى هذا تكون على أوجه ثلاثة:
الوجه الأول: أن يتحقق أن جميع بيوتها نجسة، فعلى هذا لا تجوز الصلاة فيها لأجل النجاسة.
الوجه الثاني: أن يتحقق أنها ليس فيها شيء من النجاسة، فعلى هذا تجوز الصلاة فيها مع الكراهة.
__________
(1) أورده الرباعي بزيادة: قلت: ثم أيّ؟ قال: ((حيثما أدركتك الصلاة فصل فكلها مسجد)) متفق عليه. ا ه‍.
(2) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داؤد عن أبي هريرة، وفي رواية للنسائي بلفظ: ((قاتل الله اليهود والنصار...)) وجاء الخبر عن عائشة وعنها وعن ابن عباس بمعناه وبلفظ: لما نزل برسول الله جعل يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يحذر مما صنعوا. أخرجه البخاري ومسلم. اه‍. جواهر 1/216.

(3/35)


الوجه الثالث: أن يقع الشك في طهارتها ونجاستها، وعلى هذا تصح الصلاة فيها لأن الأصل في الأرض هو الطهارة وعدم النجاسة. فأما المخلع(1)
فلا يدخل في النهي لأنه بمعزل عن النجاسة التي تهراق في البيوت الداخلة.
القول الثاني: أنه إنما نهى عن الصلاة فيها لأنها مأوى الشياطين لما يكشف فيها من العورات ويحصل بالإجتماع فيها من الرفث بالكلام، كما روي عن النبي أنه عرَّس(2)
هو وأصحابه في موضع في وادٍ فناموا فيه فلم يوقضهم إلا حرُّ الشمس فقال لهم الرسول : ((ارتفعوا عن هذا الوادي فإن فيه شيطاناً " ))(3) .
ولم يصل فيه فعلى هذا تكره الصلاة في بيوتها وإن تحققت طهارتها. وحكي عن أحمد بن حنبل: بطلان الصلاة فيها وفي سطوحها.
والحجة على صحة الصلاة فيها، ما روى أبو ذر: ((وحيث أدركتك الصلاة فصل " )) . ولم يفصل، ولأنها أمكنة طاهرة فصحت الصلاة فيها كالمساجد.
الفرع السادس: قال الإمام الهادي: وأكره الصلاة في الطرق السابلة، لحديث ابن عمر. ثم اختلف العلماء في النهي ومتعلقه في الطرق السابلة على قولين:
فالقول الأول: أنه إنما نهى عن الصلاة فيها لما يقع فيها من النجاسات لأجل المارة لأنها تداس بالنعال فعلى هذا تكون على ثلاثة أوجه كما ذكرناه في الحمامات والمقابر، فإن تحقق النجاسة لم تجز الصلاة، وإن تحقق الطهارة جازت الصلاة، وإن وقع الشك جازت الصلاة لأن الأصل طهارة الأرض إلا أن تطرأ النجاسة.
المذهب الثاني: أنه إنما نهي عن الصلاة في قارعة الطريق لأجل حق الغير وهو الضرر بالمارة وعلى هذا يتصل(4)
فيها رأيان للإمامين الأخوين أبي طالب والمؤيد بالله:
__________
(1) المخلع: المكان الذي يخلع فيه المستحمون ثيابهم، حسب عرف أهل المدن في اليمن.
(2) عرس المسافر: نزل في وجه السحر، أو في آخر الليل. ا ه‍لسان ج6 ص 136.
(3) تقدم.
(4) هكذا في الأصل، وهي غير مفهومة، ولعلها: يتضاهى، ومعناها: يقع. والله أعلم.

(3/36)


فالرأي الأول رأي السيد أبي طالب: أنها لا تجوز الصلاة فيها واسعة كانت أو ضيقة. والظاهر من كلامه هو منع الإجزاء وبطلان الصلاة.
وحجته على هذا: قوله : ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " ))(1) .
مع نهيه عن الصلاة في الطريق، والنهي يقتضي الفساد خاصة في العبادات.
الراي الثاني ما قاله المؤيد بالله: وهو أن الطريق إذا كانت واسعة فلا ضرر على أحد فيها فلهذا جازت الصلاة [فيها]، والظاهر أنه لا كراهة مع سعتها. فإن كانت ضيقة كانت الصلاة مكروهة مع الإجزاء. هذا كله إذا لم يكن المصلي مانعاً بصلاته عن المرور، فأما إذا كان مانعاً بصلاته عن المرور بطلت صلاته لأنه يصير مانعاً بصلاته عن حق الغير كما لو صلى في دار مغصوبة. فحصل من مجموع ما ذكرناه أن المختار هو: رفع الكراهة مع السعة، وحصول الكراهة مع الضيق والإجزاء، والبطلان مع منع المارة.
الفرع السابع: في الصلاة في الدار المغصوبة. قال الإمام القاسم: ولا تجوز الصلاة في الدار المغصوبة.
واعلم أن الكلام في هذا الفرع تتعلق به أحكام ثلاثة نفصلها بمعونة الله تعالى.
الحكم الأول: تكره الصلاة في الدار المغصوبة، لا خلاف فيه بين أئمة العترة وفقهاء الأمة وذلك لقوله : ((لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه)) . وهل تكون مجزية مسقطة للفرض أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) أورده الإمام عبد الله بن حمزة في (المهذب) ص 280، وكذا في (النور الأسنى) .

(3/37)


المذهب الأول: أنها غير مجزية، وهذا هو رأي أئمة العترة لا يختلفون فيه ومحكي عن الشيخين أبي على وأبي هاشم وغيرهما من المتكلمين المعتزلة البصرية والبغدادية وهو قول أبي سمرة(1)
من فقهاء البصرة، وداود من أهل الظاهر.
والحجة على ذلك: هو أن الصلاة في الدار المغصوبة منهي عنها، والصلاة مأمور بها فلو قضينا بكونها مجزية لمن فعلها لأدَّى إلى أن يكون الفعل الواحد مأموراً به منهياً عنه، وهذا محال. ومن وجه آخر وهو: أن الفعل إذا كان مأموراً به وجب أن يكون مراداً، وإذا كان منهياً عنه وجب أن يكون مكروهاً، ومحال في الشيء أن يكون مراداً مكروهاً لما في ذلك من إجتماع الضدين وما هذا حاله فهو محال.
والحجة الثانية: أنا نقول: الكون في الدار المغصوبة مع التمكن من الخروج منها معصية، والصلاة في نفسها قربة وعبادة وطاعة، ومحال في الفعل الواحد أن يكون طاعة معصية لما في ذلك من التناقض والتضاد.
الحجة الثالثة: وهي أن نقول: القيام ركن من أركان الصلاة لا تتم الصلاة من القادر إلا به وهو فعل واحد والفعل الواحد لا يكون طاعة معصية، حسناً قبيحاً، مثاباً معاقباً عليه، ولا شك أن القول بصحة الصلاة في الدار المغصوبة يقضي بما ذكرناه فيجب القضاء بفساده وبطلانه.
__________
(1) أحمد بن سالم بن خالد أبو سمرة، كوفي. جاء في (الكامل في ضعفاء الرجال)1/169: ليس بالمعروف، وله أحاديث مناكير، روى عن هشيم بن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله : ((إن الله ليبتلي عبده بالبلاء والهم والغم حتى يتركه من ذنبه كالفضة المصفى)) قال الشيخ: هذا الحديث لا أعرفه، وضعفه ابن الجوزي في (الضعفاء والمتروكين) 1/72، وقال: يروي عن الثقات الطامات لا يجوز الاحتجاج به.
…لم نجد في المراجع المتاحة غير هذا، ويبدو أن المقصود غيره؛ لأن المؤلف وصفه بأنه من فقهاء البصرة بينما المترجم له كوفي محدث، والله أعلم.

(3/38)


المذهب الثاني: أن الصلاة في الدار المغصوبة مكروهة لكنها مجزية مسقطة للفرض فلا يلزم قضاؤها، وهذا هو رأي الفريقين الشافعية والحنفية.
والحجة على ذلك: هو أنها أرض طاهرة والمنع منها ليس راجعاً إليها وإنما هو لحق المالك وما هذا حاله فليس مانعاً لأنه بمعزل عن كونها صلاة فلهذا لم يعد مانعاً عن الإجزاء.
الحجة الثانية: قالوا: الإيمان من أعظم القرب وأولاها وهو أصلها وقاعدتها فإذا كان جائزاً في الدار المغصوبة فهكذا الصلاة من غير فرق بينهما.
الحجة الثالثة: قالوا: الصلاة عبادة وقربة وطاعة، وايقاعها على وجه الحظر لا يكون مانعاً من إجزائها إذا لم يكن الحظر مما يخل بشرط من شرائطها فأما إذا كان يخل فإنه يكون مانعاً من الإجزاء.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو أن القول بإجزاء الصلاة في الدار المغصوبة يفضي إلى المحال وما أفضى إلى المحال فهو محال. فالقول بإجزائها محال، وإنما قلنا: أن القول بإجزائها يفضي إلى المحال فلأنه يؤدي إلى إجتماع الأمور المتضادة فتكون العين الواحدة مأموراً بها منهياً عنها ومرادةً مكروهة وطاعة معصية وحسنة قبيحة وقربة وغير قربة، وهذه الأمور المتضادة قد اجتمعت في الصلاة في الدار المغصوبة واجتماعها من أعظم المحال، وإنما قلنا: إن ما أفضى إلى المحال فهو محال، فما هذا حاله معلوم بضرورة العقل فإنه لو كان صحيحاً لم يكن مؤدياً إلى المحال. فهذا مسلك قوي يجمع جملة الإلزامات التي يوردها الفقهاء متفرقة جمعناها هاهنا.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: هي أرض طاهرة والمنع منها ليس راجعاً إليها وإنما هو لحق المالك وهو بمعزل عن كونها صلاة.
قلنا: إن ما هذا حاله فليس وجهاً في التغاير لأن الذي وقع به منع حق الغير هو نفس كونها صلاة وفي هذا دلالة على أنه مطيع بنفس ما هو عاصٍ به وهو محال.

(3/39)


قالوا: الإيمان جائز في الدار المغصوبة فهكذا حال الصلاة من غير فرق.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإن عنيتم بالإيمان مجرد التصديق فلا نسلمه وإنما الإيمان ما عليه السلف الصالح وهو أنه اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان والصلاة من جملته وفيها وقع النزاع.
وأما ثانياً: فلو سلمنا أن الإيمان هو التصديق فلا تعلق له بالمكان فافترقا.
قالوا: الصلاة عبادة وقربة وإيقاعها على وجه الحظر لا يكون مانعاً من إجزائها إذا لم يكن الحظر مما يخل بشرطٍ من شرائطها.
قلنا: وأي إخلال أعظم من بطلان القيام في الصلاة فإنه ركن من أركانها لأنه عاصٍ به فلهذا بطل، ومن وجه آخر وهو أنه إذا كان الشرط مبطلاً للصلاة فبطلانها ببطلان ركن من أركانها أحق وأولى.
الحكم الثاني: هل تكون هذه المسألة قطعية أو اجتهادية، وفيها تقريران:
التقرير الأول: أنها قطعية، ونعني بكونها قطعية: أن الحق فيها واحد، وهذا هو رأي الشيخين أبي علي وأبي هاشم وغيرهما من شيوخ المعتزلة وعلماء الكلام.
والحجة على هذا: هو أن المختلفين في المسألة كل واحد منهم أخذ بحجته من مسلك قاطع، وفي هذا دلالة قطعية لا مجال للإجتهاد فيها، وبيانه: هو أن من قال بكون الصلاة في الدار المغصوبة غير مجزية فإنه يأخذ حجته من دليل العقل وهو أن هذه الصلاة غير مجزية لكونها معصية لله تعالى لكونه حائلاً بينها وبين مالكها وما يكون معصية فلا قربة فيه والصلاة من شرطها القربة لكونها عبادة لله تعالى، ومن قال بكونها مجزية كما هو رأي الفريقين من الفقهاء، فإنه يأخذ مذهبه من الإجماع، وهو أن الإجماع منعقد على أن أحداً من العلماء لم يأمر الظلمة بإعادة ما صلوا في هذه الدور المغصوبة، وفي هذا دلالة على كونها مجزية مسقطة للفرض عن ذممهم. فقد عرفت بما ذكرناه أن كل واحد من المذهبين يأخذ مذهبه من مسلك قاطع، وفي هذا دلالة على كونها قاطعة خارجة عن مسائل الاجتهاد.

(3/40)


التقرير الثاني: أنها إجتهادية، وهذا هو الذي قرره السيد أبو طالب وهو المختار.
والحجة على هذا: هو أن كلاً من الفريقين غير منكر على صاحبه مذهبه ورأيه، وهذه أمارة كون المسألة إجتهادية لأن الرأي المقطوع به والحق الذي لا معدل عنه هو تصويب الآراء في المسائل الاجتهادية والمضطربات النظرية.
ومن وجه آخر: وهو أن الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم ما زالت الحوادث في أيامهم غضة طرية وكل واحد منهم يجتهد رأيه ويخالف صاحبه ولم يعلم من أحد منهم إنكارٌ لمذهب صاحبه ولا تحريج عليه فيما يذهب إليه وهذا مسلك قاطع في التصويب يعقله الأكياس ويغفل عنه الأكثر من طبقات الناس.
الحكم الثالث: هل تكون الصلاة في الأرض المغصوبة كالصلاة في الدار المغصوبة أم لا؟
والمختار: التفرقة بينهما لدلالة المنع في الدار دون الأرض.
ولتحريم الصلاة فيها وجهان:
أحدهما: أن التحريم إنما يكون لأجل الكراهة من مالكها، وهذا هو رأي المؤيد بالله، فإنه قال: إن من صلى في أرض مغصوبة جازت صلاته إلا أن تظهر منهم الكراهة في ذلك فحينئذ لا يجوز الدخول ولا الصلاة لأن المصلي يكون في حكم الغاصب لأجل ما يظهر من الكراهية، فإذا لم يعلم منهم الكراهة جاز الدخول والصلاة، وهي مخالفة للدور لأن الغالب من حال الأرض أن أربابها لا يكرهون الصلاة فيها.
وثانيهما: أن الاعتبار في التحريم إنما هو بالضرر فإذا لم يكن هناك ضرر جاز الدخول والصلاة، وهذا هو المختار لما روي أن الرسول دخل أرضاً ليهودي فكره دخوله فيها فقال الرسول : ((ما ضررناك يا يهودي " )) . فعلق التحريم بالضرر فدل على أن الاعتبار به لا غير.
الفرع الثامن: قال الإمامان القاسم والهادي: وتجوز الصلاة في مرابض الغنم لما روى عبدالله بن المغفل أن الرسول قال: ((إذا أدركت الصلاة وأنت في مراح الغنم فصل فيه فإنها سكينة وبركة))(1) .
__________
(1) أخرجه أبو داؤد عن البراء بن عازب.

(3/41)


ومراح الغنم: هو الموضع الذي تأوي إليه. [و] لما روي عن الرسول أنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا " )) (1) .
ولم يفصل، ولأنه موضع طاهر لا نجاسة فيه فليس مغصوباً فلهذا جازت الصلاة. دليله: المساجد.
وتكره الصلاة في أعطان الإبل لما روي عن الرسول أنه قال لعبدالله بن المغفل: ((إذا أدركتك الصلاة في أعطان الإبل فاخرج منها " وصل فإنها جن من جن خُلِقت ألا تراها إذا نفرت كيف تشمخ بآنافها))(2) .
والعَطَن بوزن الوَطَن، واختلف أهل الأدب في معناها على وجهين:
أحدهما: أن أعطان الإبل هي مواضع قرب الحوض الذي تشرب منه تُنَحَّى إليه الإبل حتى يرد غيرها للشرب.
وثانيهما: أن أعطان الإبل هي المواضع التي تناخ فيها الإبل في الصيف إذا شربت المرة الأولى ثم يملأ الحوض مرة أخرى ثم ترد إليه فتعل، والشرب الأول يسمى: النهل، والشرب الثاني يسمى: العلل. قال لبيد:(3)
__________
(1) تقدم في التيمم، عن زيد بن علي عن علي وعن جابر، أخرجه النسائي.
(2) أخرجه النسائي عن عبد الله بن مغفل، وأخرج الترمذي عن أبي هريرة: ((صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل)) .
قال ابن بهران: وقد روي موقوفاً على أبي هريرة، وهذا الحديث في (نيل الأوطار) للعلامة الشوكاني من حديث عبد الله بن مغفل عن أحمد بإسناد صحيح وبلفظ: ((لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خُلقت من الجن، ألا ترون إلى عيونها وهيأتها إذا نفرت)) ا ه‍ج2 ص 137.
(3) لبيد بن ربيعة العامري، أبو عقيل، قال في (الإستيعاب)2/1325: قدم على النبي سنة وفد قومه بنو جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة الراوي [فأسلم] وحسن إسلامه، وروي عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل))، من مطلع قصيدة له، شطره الآخر: وكل نعيم لا محالة زائل، وقد قال أكثر أهل الأخبار أنه لم يقل شعراً منذ أسلم إلا قوله:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي
حتى اكتسيت من الإسلام جلبابا
وفي (تهذيب الأسماء)2/379: لبيد الشاعر الصحابي رضي الله تعالى عنه، من فحول شعراء الجاهلية، ثم ذكر حديث أبي هريرة السابق، وقال: كان لبيد من المعمرين عاش 154 سنة. توفي سنة 41 من الهجرة، وقيل: غير ذلك.

(3/42)


تكره الشرب فلا يعطنها ... إنما يعطن من يرجو العلل(1)
فجعل ذلك عطناً لما كانت ترجو أن تشرب مرة ثانية.
واختلف العلماء في وجه التفرقة بين مراحات الغنم وأعطان الإبل من جهة المعنى فقال بعضهم: لأنها جن من جن خلقت، والصلاة بقرب الشياطين مكروهة، والغنم فيها سكينة وبركة. وقيل: إن الغنم من دواب الجنة دون الإبل، وقيل: إنما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل لما يخاف من نفورها وذلك يقطع الخشوع ولا يخاف ذلك في الغنم، وقيل: إنما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل لأنها مأوى الجن والشياطين بخلاف الغنم. وقيل: إنما نهى عن ذلك لأن أعطان الإبل يكثر فيها القذر في العادة من جربها ومن عفونتها، ومراحات الغنم طيبة في العادة لأن الغنم إنما تراح إلى كل موضع استعلت أرضه وطابت تربته ولا تصلح إلا على ذلك. والإبل لا تراح إلا [إلى] الدقعاء من الأرض والأراضي الرخوة ولا تصلح إلا على ذلك، والدقعاء من الأرض هي كثيرة الترب.
ولا بأس أن يجعل البعير سترة عند الصلاة لما روى نافع عن ابن عمر أن الرسول كان يصلي إلى بعيره، وروى عبادة بن الصامت أن الرسول صلى إلى بعير من المغنم.
الفرع التاسع: وتكره الصلاة خلف النائم والمتحدث والحائض والجنب، لما روي عن الرسول أنه قال: ((لاصلاة إلى نائم " لا صلاة إلى متحدث لا صلاة إلى حائض لا صلاة إلى ميت)) (2) .
__________
(1) من قصيدة للبيد العامري، ويروى الشطر الأول من هذا البيت بأنه:
عافت الماء فلا يعطنها... إلخ
(2) تقدم حديث أبي ذر في اتخاذ المصلي سترة بين يديه ((فإنه يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الأسود)) وجاء في (نيل الأوطار): وقد ذهب مجاهد وطاؤوس ومالك والهادوية إلى كراهة الصلاة إلى النائم، واستدلوا بحديث ابن عباس عند أبي داؤد وابن ماجة بلفظ: ((لا تصلوا خلف النائم والمتحدث)) وقد قال أبو داؤد: طرقه كلها واهية، وقال النووي: هو ضعيف بإتفاق الحفاظ. ا ه‍ج3/ ص 8 ملخصاً.

(3/43)


فهذا كله محمول على الكراهة. وإن صلى إليها أجزت الصلاة إذ لا وجه يقتضي فسادها فلهذا حملنا هذه الأخبار على الكراهة، وتكره الصلاة على بساط أو حصير فيه تماثيل الحيوانات، لما روي أن الرسول دخل الكعبة فوجد فيها حمامة مصورة فكسرها، فإذا كان هذا في غير حال الصلاة كان أدخل في الكراهة في الصلاة، وإن قطعت رؤوسها حتى صارت كالأشجار لم تكره لما روي عن علي أنه قال: ما بقاء الجسد بعد ذهاب الرأس، ولما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((أتاني جبريل فقال " : يا محمد جئتك البارحة فلم استطع أن أدخل البيت لأنه كان في البيت تمثال رجل فَمُرْ بالتمثال فليقطع رأسه حتى يكون كهيئة الشجرة))(1) .
فتقرر بهذا الخبر على أنه لا كراهة في تصوير ما ليس بحيوان وإن ما قطع رأسه فلا كراهة فيه، وإن جعلت الصورة تحت القدمين فلا كراهة لما روت عائشة. قالت: جعلت ستراً فيه تصاوير الحيوان إلى القبلة فأمرني رسول الله فنزعته وجعلت منه وسادتين، وكان يقعد عليهما. وإن كانت التصاوير [بين] يديه وركبتيه أو موضع جبهته كرهت لحديث عائشة؛ لأن التصوير كان بحذاء القبلة فأمرها بإزالته، فإذا كانت مكروهة في القبلة فكراهتها في مواضع السجود أدخل في الكراهة، وإن كانت الصورة فوق القامة لم تكره لحديث عائشة لأنه غير مستقبل لها، وإن كانت الصورة في موضع منخفض وبينه وبينها حائل لم تكره، وإن لم يكن هناك حائل كره.
__________
(1) جاء الخبر عن أبي هريرة، أخرجه أبو داؤد والترمذي بزيادة في آخره: ((... ومر بالقرام فيجعل منه وسادتان توطآن. ومر بالكلب فليخرج)) قال: وكان الكلب جرواً للحسن أو الحسين يلعب به كان تحت نضد له فأمر به فأخرج. ا ه‍جواهر 1/218.

(3/44)


قاعدة: اعلم أن تصوير الحيوانات مستوية في الكراهة، ويؤيد ذلك ما روي أن الرسول دخل الكعبة فرأى إبراهيم مصوراً يستقسم بالأزلام فقال: ((قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام " ))(1) .
لكنها تختلف باختلاف مجالها في صورها وأشكالها فمنها ماله شبح قائم يتخذ من النحاس والرصاص والخشب والأحجار وهذا أدخلها في الكراهة. وأحقها بالتغيير والإزالة، ومنها ما يكون بالرقوم والطرز على الوسائد والثياب بخيوط الذهب والفضة والحرير، ومنها ما يعمل بألوان الأصابيغ المموهة في الجدرات والألواح والسقوف، ومنها ما يكون بالحفر على الجدر والخشب وكلها مستوية في الكراهة والتنزه عنها أفضل، وبعضها أدخل في الكراهة من بعض كما أوضحناه.
الفرع العاشر: أفضل البقاع المساجد لما روي عن الرسول أنه قال: ((ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا " ويرفع به الدرجات، إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة))(2) .
والغرض من الإكثار والتردد إليها من أجل الصلاة فيها. وروي عنه أنه قال: ((إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه " ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة ولم يضع قدمه اليسرى إلا حطت عنه سيئة))(3) .
وروي عن الرسول أنه قال: ((يا جبريل فيم يختصم الملأ الأعلى " ؟ فقال جبريل: في ثلاث: نقل الخُطا إلى مساجد الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات(4)
وإنتظار الصلاة بعد الصلاة))(5) .
ويتعلق بالمسجد أحكام [عشرة]:
الحكم الأول: المسجد لا يكون مسجداً إلا باجتماع شروط أربعة:
__________
(1) أخرج ابن أبي شيبة 7/403 عن جابر نحوه برقم (36905) .
(2) أخرجه مسلم في صحيحه ج1/219 برقم (251) عن أبي هريرة، والموطأ والنسائي والترمذي.
(3) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. جواهر 1/219.
(4) في حاشية الأصل: السَّبَرة: الغداة الباردة وجمعها سَبَرات.
(5) أخرج الترمذي نحوه عن ابن عباس. 5/366.

(3/45)


أولها: أن تكون البقعة لمالكها(1)
حتى يصح وقفها وتسبيلها للصلاة.
وثانيها: أن يخرجها من ملكه بالوقف للصلاة فإن لم يسبلها لم تكن خارجة عن ملكه ولا تكون مسجداً.
وثالثها: أن يكون بابها مشروعاً إلى سكة أو شارع من شوارع المسلمين ليكون الناس فيها على سواء من غير مانع عنها لمصلٍّ.
ورابعها: أن يكون العلو والسفل(2) مسجداً.
قال الإمام القاسم: من بنى مسجداً ولم يشرع بابه إلى الطريق فليس بمسجد ويورث بعده ولا يكون مسجداً حتى يشرع بابه إلى شارع أو إلى سكة وإنما وجب ذلك ليكون المسلمون متمكنين من دخوله والصلاة فيه من غير إذن أحدٍ، ويكون الناس فيه شرعاً، فإذا كانت الطريق إليه مملوكة لم يكن مسجداً وهكذا إذا لم يشرع بابه إلى سكة أو شارع.
قال الإمام المؤيد بالله: وإذا بنى رجل مسجداً على طريق أو جعل سفله حانوتاً والعلو مسجداً فالأقرب عندي أنه لا يصير مسجداً إذا لم يكن القرار مسجداً وإذا كان لرجل سفل بيت وعلوه فجعل السفل مسجداً دون العلو فإنه يصير السفل مسجداً ويرفع عنه العلو فإن جعل العلو مسجداً دون السفل لم يصر واحد منهما مسجداً أما السفل فلبقائه على ملك صاحبه وأما العلو فإنما لم يصر مسجداً لما كان قراره غير مسجدفلهذا بطلا جميعاً.
الحكم الثاني: أنه إذا كان لرجل سفل بيت وعليه علو لرجل آخر فجعل صاحب السفل حقه مسجداً فهل يصح أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو رأي الإمامين القاسم والمؤيد بالله، وهو قول أبي حنيفة ومحمد.
والحجة على ذلك: هو أن البقعة ليست خالصة لله تعالى لوقوع الشركة فيها وذلك يبطل كونه مسجداً لقوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ }[الجن:18]. فظاهر الآية دال على خلوصها لله تعالى من الحقوق والأملاك.
المذهب الثاني: الجواز، وهذا شيء يحكى عن أبي يوسف.
__________
(1) يقصد أن تكون ملكاً لواقفها.
(2) قال في اللسان: السفل نقيض العلو في البناء. ا ه‍.

(3/46)


والحجة: هي أن السفل قد صار ملكاً له وجعله مسجداً فانعقد مسجداً ولا يضره ما فوقه من ملك الغير كما لو بنى على ظهر المسجد بيتاً لم يبطل فهكذا هاهنا.
والمختار: ما قاله الإمامان لما فيه من إبطال حق الغير فلهذا بطل كونه مسجداً.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قوله: إن السفل صار ملكاً له.
قلنا: لا ننكره ولكنه يبطل حق الغير بجعله مسجداً.
قوله: كما لو بنى على ظهر مسجد.
قلنا: إنه إذا بنى على ظهر مسجدٍ فإنه يؤمر بخرابه بخلاف ما نحن فيه فإنه حقٌ للغير فلا يؤمر بخرابه فافترقا.
الحكم الثالث: وأفضل المساجد أربعة:
مسجد الرسول لأنه مهبط الوحي ومقام التنزيل ومحط الملائكة ومدارس الآيات والسور ومهاجر الرسول ومغرس الدين ومكان الشريعة وقرار الصالحين ومحل البركة ومكان الأَعْظُم الشريفة.
وبيت الكعبة فإنه بيت الله المعظم المكرم وقبلة المسلمين وبه يتعلق الحج والعمرة وقد روي أنه زاره الأنبياء وحجوا إليه من لدن آدم إلى زمان الرسول ، ومهبط الوحي ومبدأ النبوة.
ثم مسجد بيت المقدس فإنه مسجد الخليل وموضع البركة حيث قال الله تعالى: {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ " }[الإسراء: 1]. وهو موضع الإسراء حيث قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى " }[الإسراء:1].
ثم مسجد الكوفة، ففي الحديث أنه صلى فيه سبعون نبياً، فهذه المساجد الأربعة هي أفضل من جميع مساجد الدنيا
لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تشد الرحال إلاَّ إلى أربعة(1)
__________
(1) في حاشية الأصل: المشهور في الحديث : ((إلى ثلاثة...) وقد ذكره المؤلف في آخر الجزء الأول.

(3/47)


مساجد " مسجدي هذا الذي أسس على التقوى من أول يوم، والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس، ومسجد الكوفة))(1) .
الحكم الرابع: وأفضل هذه المساجد الأربعة، الكعبة ومسجد الرسول ، لما روى أبو ذر أنه قال: ((يا أبا ذر صلاة في مسجدي تعدل مائة صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام " ، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره من المساجد))(2) .
__________
(1) أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة بلفظ: (( لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) ولم يرد ذكر مسجد الكوفة، ورواه أحمد والطبراني وابن حبان وغيرهم. اه‍فتح الغفار 1/295.
وقد ذكر بعض الأئمة فضل مسجد الكوفة إستناداً إلى أن في الأثر أنه صلى فيه سبعون نبياً كما جاء في (شرح الأزهار) وفي (البحر) للإمام المهدي المرتضى، قال في هامش الشرح تعليقاً على ما سلف: أي صلى في مكانه سبعون نبياً؛ لأنها [الكوفة] إنما عمرت في زمان عمر. كما جاء في الحاشية نفسها، أن مسجد قبا يأتي في الأفضلية بعد مسجد الكوفة أي الخامس، لقوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} إلى آخر الآية الكريمة 108 من سورة التوبة. ا ه‍ج1 ص200.
(2) جاء في فتح الغفار ما ملخصه: عن أبي هريرة: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) رواه الجماعة إلا أبا داؤد. وفي رواية بمعناه عن ابن عباس عن ميمونة، وثالثة عن جابر بن عبد الله بزيادة ((... وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه)) رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وفيه روايات أخر عن عبد الله بن الزبير وأبي الدرداء وأنس. ا ه‍1/295، ولم تتضمن أي من هذه الروايات لفظ: ((تعدل مائة صلاة)) كما أورد المؤلف، وتلك الروايات السالفة أوردها ابن بهران في الجواهر 1/220.

(3/48)


وفي حديث آخر: ((صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام " ، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره من المساجد وأفضل من هذا كله صلاة يصليها الرجل في بيت مظلم حيث لا يراه إلا الله عز وجل يطلب بها وجه الله تعالى)) .
والصلوات المكتوبة في المساجد أفضل لما يحصل فيها من جماعات المسلمين ونزول الرحمة وكونها مبنية لهذه العبادات مقصودة لأجلها ولما يحصل باجتماع أهل الصلاح والدين بمعرفة فروضها وسننها.
وأما النوافل فالذي عليه أئمة العترة أنها كالفرائض وأن تأديتها في المساجد أفضل.
والحجة على هذا: هو أن الأخبار الدالة على أن الصلوات في المساجد أفضل لم تفصل بين الفريضة والنافلة ولأن النافلة يكثر فضلها في المساجد كما يكثر فضل الفريضة.
وحكي عن أصحاب أبي حنيفة: أن تأدية النوافل في البيوت أفضل لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا فرغ من الفرض فالنوافل في البيوت أفضل " )) . فإنما أراد أن إخفاءها في البيوت يكون أبعد من الرياء، ولما روي عن الرسول أنه قال: ((إجعل في بيتك قسطاً من صلاتك " ))(1) .
وفي هذا دلالة على أن أكثر تأديتها في المساجد.
الحكم الخامس: والأفضل من هذين المسجدين هو المسجد الحرام لما رويناه من الحديث الدال على فضله على مسجد الرسول فلا نعيده، ثم ما المراد بالمسجد الحرام؟ فيه أقوال [ثلاثة]:
__________
(1) هذا الحديث جاء بمعناه عن جابر: ((إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته قسطاً من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً)) أخرجه مسلم، وعن زيد بن ثابت: ((صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة)) أخرجه أبو داؤد والترمذي، ورُوي موقوفاً على زيد. ا ه‍جواهر 1/220، والحديث هذا في نيل الأوطار عن زيد بن ثابت بلفظ: ((أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) رواه الجماعة إلا ابن ماجة. ا ه‍3/76.

(3/49)


فالقول الأول: أن المراد هو الكعبة وما حولها من المسجد وسائر بقاع الحرم.
والحجة على هذا قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى " }[الإسراء: 1]. والمعلوم أنه أسري به من بيت خديجة، وكل موضع أطلق عليه المسجد الحرام فالمراد به جميع الحرم المُحَرَّمِ وله أعلام منصوبة معلومة من كل جهة في مكة.
القول الثاني: أن المراد بالمسجد الحرام إنما هو الكعبة وما في الحجر من البيت لما روت عائشة قالت: يا رسول الله إني نذرت أن أصلي في البيت؟ فقال: ((صلي في الحجر فإنه من البيت " ))(1) .
فلو كان المسجد وسائر بقاع الحرم يساوي الكعبة في الفضل لم يكن لتخصيصها بالبيت معنى بالنذر ولأمرها رسول الله أن تصلي في سائر بقاع الحرم، وإذا تقرر أن البيت الحرام إنما هو الكعبة فهكذا الكعبة فهكذا المسجد الحرام، وهذان القولان محكيان عن الفقهاء.
القول الثالث: أن المسجد الحرام: الكعبة والحرم وما وراء ذلك إلى المواقيت، وهذا هو رأي أئمة العترة ذكروه في تأويل قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " }[البقرة:169].
__________
(1) أخرجه الخمسة إلا ابن ماجة وصححه الترمذي من حديث عائشة بلفظ: كنت أحب أن ادخل البيت أصلي فيه، فأخذ رسول الله بيدي فأدخلني الحِجر، فقال لي: ((صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت)) ا ه‍فتح الغفار 1/568. وفي الحديث روايات بألفاظ أخر عن عائشة وعن جابر. وقد اورده المؤلف هنا في سياق الحديث عن أماكن الصلاة بينما موضعه الحج على الأرجح، والله أعلم.

(3/50)


والمختار: أن المراد بالمسجد الحرام هو الكعبة لأنه الظاهر والأشهر عند الإطلاق لقوله تعالى: {جَعَلَ الله الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ " }[المائدة:97]. ولا فصل بين البيت الحرام والمسجد الحرام، فأما الآية(1)
فإنما سمي بيت خديجة المسجد الحرام على جهة المجاورة لما كان متصلاً به.
الحكم السادس: ويجب النهي عن البيع والشراء في المساجد وذلك مما لا يحفظ فيه الخلاف من زمن الرسول إلى يومنا هذا لقوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهَُّ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ " }[النور:36]. والبيع والشراء ليسا من ذكر الله تعالى في شيء، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهَِّ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ " }[البقرة:114] وإذا شغلت بالبيع والشراء فقد منعت عن ذكر الله وذكر اسمه، وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ " }[التوبة:18]. ولم يقل: إنما يعمر مساجد الله من باع فيها واشترى. وهكذا القول في سائر الأمور المباحة من الخياطة والنساجة والوراقة، ولما روي عن الرسول أنه قال لمن سأله عما يجوز فعله في المساجد فقال: ((إنما المساجد لذكر الله تعالى وللعبادة " ))(2)
__________
(1) يقصد الآية الأولى من سورة الإسراء.
(2) أسنده ابن بهران في (الجواهر) إلى (الانتصار)، ويستفاد من مجموع الأخبار الواردة في هذا الموضوع ومن أقوال واجتهادات الأئمة والفقهاء: أنه لا يجوز في المساجد إلاَّ الطاعات إجماعاً، واستثني بعض المباحات ذات الصلة بالطاعة أو بالضرورة كالتشاور في أمر يهم المسلمين ونوم عابر السبيل والأكل والشرب وما إليها. اه‍. المحقق.
ومنما ورد من الأخبار في معنى الحديث السالف ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله نهى عن البيع والشراء في المسجد، وأن تُنْشَد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن الحلق قبل صلاة يوم الجمعة، أخرجه أبو داؤد والترمذي. وفيه عن أبي هريرة: ((إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا رد الله عليك))، وعن ابن عمر عن النبي قال: ((خصال لا ينبغين في المسجد لا يتخذ طريقاً ولا يشهر فيه سلاح ولا ينتضل فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل، ولا يُمر فيه بلحم ني، ولا يضرب فيه حد، ولا يقتص فيه من أحد، ولا يتخذ سوقاً)) رواه ابن ماجة. ا ه‍جواهر 1/221.

(3/51)


.
ولأن عمل المسلمين قد جرى على المنع من ذلك وتوارثوه خلفاً عن سلف وفي هذا دلالة على كراهته. فإن باع واشترى فلا خلاف في انعقاد البيع مع الكراهة(1) .
الحكم السابع: قال الإمام الناصر : ولا تغلق أبواب المساجد في أوقات الصلوات ليلاً ولا نهاراً لأنها إذا أغلقت في أوقات الصلوات ليلاً أو نهاراً كان منعاً للمسلمين عن الصلاة والذكر والعبادة فيها، وهذا هو الظلم الذي أراده الله تعالى بقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ الَّلهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا " }[البقرة:114]. فقوله: {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}: يحتمل أن يكون المراد به منعها عن الصلاة والعبادة والذكر لأن هذا هو عمارتها، ويحتمل أن يراد به هدمها وإزالة عمارتها. ولا بأس بإغلاق أبوابها لحفظ بسطها وحصرها وقناديلها وسرجها من اللصوص والسُّراق، ويعهد إلى السرادار في فتح أبوابها للصلاة ليلاً ونهاراً فإذا خرج المسلمون بفراغهم من الصلوات أغلق الأبواب وأطفأ القناديل إذا لم يكن هناك من يدرس عليها أو يطالع في العلوم، ويتعهدها بالكنس والتنظيف وإزالة العفونات عنها والإنكار على من في بدنه أو ثوبه نجاسة تؤدي إلى تنجيس المسجد، ويتعهدها بالروائح الطيبة من أموالها، ولا بأس بدخول الصبيان إذا كان لا يخشى منهم تنجيس المساجد، يشهدون الصلوات ويكون تمريناً لهم على المحافظة عليها عند دخولهم. ويُنهى الداخلون عن رفع الأصوات والأحاديث المباحة التي لا مصلحة فيها ولا يكون اشتغالهم إلا بما فيه طاعة الله تعالى، لما روي عن الرسول أنه قال: ((من دخل المسجد فحظه لما دخل " ))(2) .
الحكم الثامن: ويكره نقش المساجد بالذهب والفضة وألوان الصباغات، سقوفها ومحاريبها، وإنما كره لأمرين:
__________
(1) جاء في حاشية الأصل: داؤد وطبقته قالوا: (لا ينعقد البيع) . فلا يكون إجماعاً.
(2) ورد معناه في الأحاديث السالفة الذكر.

(3/52)


أما أولاً: فلأن ما هذا حاله يشغل المصلي عن التفكُّر في الصلاة ويشوش قلبه عن الخشوع.
وأما ثانياً: فلأن هذا إضاعة للمال وسرف من غير فائدة تعود على المسلمين، والمساجد فلا حاجة إليه، فأما نقش الكعبة ومسجد الرسول فلم يكن بإذن من أحد من الأئمة ولا من أحد من العلماء وإنما فعله أهل الدول الجائرة من غير مؤاذنة لأحد من أهل الفضل، وسكت المسلمون والعلماء على ذلك من غير رضا، وكرهوا خراب ذلك لما فيه من التبذير بالخراب، وتكره الستور على جدرات المساجد لأنه لا مصلحة فيه لا للمسلمين ولا للمساجد ولأن فيه تشبيهاً بالبيوت في وضع الستور على جدراتها، فأما أستار الكعبة فهي مخصوصة بالإجماع على ذلك فلهذا كانت خارجة عن حكم المساجد؛ لأن ذلك كان مشروعاً في حقها في الأزمنة الماضية قبل الإسلام وأقرها الإسلام على ذلك. ويستحب بياضها، لما روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((أُمِرْنا أن نبني مساجدنا بيضاء " ))(1) .
يعني من غير نقش وزينة.
وروي أن الأنصار جاؤا إلى الرسول فقالوا له: زيِّن مسجدك. فقال: ((إنما الزينة للكنائس والبِيَع بيضوا مساجدكم " )) (2) .
وعن علي أنه قال: من علامات القيامة، زخرفة المساجد، وتطويل المنارات، وإضاعة الجماعات.
__________
(1) جاء في الجواهر ما حكاه في الانتصار عن علي أنه قال: من علامات القيامة زخرفة المساجد...)) إلى آخره، ا ه‍1/222، وعن ابن عباس مرفوعاً: ((ما أمرت بتشييد المساجد)) قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى، أخرجه أبو داؤد. قال في (نيل الأوطار): الحديث صححه ابن حبان ورجاله رجال الصحيح، إلى أن قال: وقد أخرج البخاري في صحيحه قول ابن عباس المذكور تعليقاً إلى آخره. ا ه‍ 2/149.
(2) سبق معناه في الحديث السالف؛ لأن زخرفة اليهود والنصارى كانت للكنائس والبيع.ا ه‍.

(3/53)


الحكم التاسع: في المنارات والصوامع. والمنارات: أبنية على شكل الصوامع وهي دونها في السمك والطول تُجعل على سطوح المساجد يصعد عليها المؤذنون تكون فوق القامة. وأما الصوامع فهي أعظم حالاً منها في السمك والإرتفاع للتأذين أيضاً، فالصوامع تكون في الجوامع العظيمة، والمنارات تكون في سائر المساجد. وهل تكره عمارتها ويؤمر بهدمها أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها مكروهة ويؤمر بهدمها وهذا هو رأي أئمة العترة. وروي عن علي أنه قال: رفع المنارات من البدع، وذم من فعله على فعله.
وحكي عن الهادي: أنه أمر بهدم الصوامع المشرفة على دور المسلمين [لمنع] التطلع على عوراتهم لمن يرتقي عليها، وهكذا حكي عن الناصر أنه قال: لا ترفع المنارات فوق سطوح المساجد، وهكذا الصوامع لإشرافها على دور المسلمين.
والحجة على هذا: هي أن رفع هذه المنارات والصوامع إنما تعمر لمصالح المسلمين في التأذين فإذا كان لا يؤمن فيها الإشراف على عورات المسلمين والإطلاع على حُرمهم وجب هدمها لأنها من جملة المنكرات، ويخالف رفع الرواشن(1)
والأبنية للمالكين لها فإنه لا يجوز هدمها لأنها ملك لمن ملكها فلا يمنع عن رفعها وإشادتها ويؤمر الجيران بالستر عليهم إذا أضر عليهم ذلك بخلاف هذه الصوامع والمنارات فإنها عمرت لمصالح المسلمين، فإذا كانت فيها مفسدة بطلت لأن من حق المصلحة الدينية ألاَّ يعارضها شيء من المفاسد.
المذهب الثاني: أنه لا بأس بها ولا يؤمر بهدمها وهذا هو رأي الفقهاء.
والحجة على هذا: هي أن عمل المسلمين قد جرى بها وسكت العلماء في كل وقت على عملها وعمارتها وفي هذا دلالة على جوازها.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من كراهة العمارة للمنارات والصوامع.
والحجة لهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا حجتين:
__________
(1) في (لسان العرب) و(القاموس) الروشن: الكوة والرف. ا ه‍. مادة (رشن) .

(3/54)


الحجة الأولى: أنها لم تعمر في زمن الرسول ، فإحداثها يكون بدعة فلو كانت المنارات سنة لأمر بعمارتها كما أمر بعمارة المساجد ولفعلها لمسجدِهِ نفسه كما أمر برفع حيطانه وسقفه ومحرابه.
الحجة الثانية: هو أن المقصود منها إنما هو ظهور أصوات المؤذنين وارتفاعها وهذا حاصل بالأذان في سطوح المسجد وحجراته المرتفعة، وكيف لا وما يحصل في عمارتها من المفسدة بالإطلاع على عورات المسلمين وحرمهم كافٍ في هدم ما عمر منها والكف عما يعمر منها.
الانتصار: يكون بإبطال ما يوردونه حجة لهم.
قالوا: حرم مكة فيه أربع منارات وما علم من أحد من العلماء وأهل الفضل إنكارها وفي هذا دلالة على الجواز.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنهم عمروها بغير إذن من جهة أهل العلم والفضل بالدول الجائرة، وسكت العلما بعد ذلك ولم يروا خرابها بعد عمارتها مصلحة.
وأما ثانياً: فلأن كلامنا إنما هو في الكراهة وطلب الأفضل دون التحريم وربما كانت هذه المنارات بحيث لا يطلع منها على عورات المسلمين بسد الطاقات التي فيها وعند هذا تسلم من المفسدة التي ذكرناها.
قالوا: هذه المنارات والصوامع فيها إشادة بذكر الله وذكر رسوله بالشهادتين، وجمال للمسلمين فيجوز عمارتها لهذه المصلحة كعمارة المساجد.
قلنا: هذا المقصود حاصل من دون عمارتها، وإشادة ذكر الله وذكر الرسول بالشهادتين حاصل من سطوح المساجد كما كان في زمن الرسول فإن جميع المؤذنين في زمانه ما كانوا يؤذنون إلا على السطوح المرتفعة كبلال وأبي محذورة وفي ذلك كفاية عن إحداث الصوامع والمنارات التي لا تؤمن منها المفسدة.
الحكم العاشر: في بيان ما يفعل في المساجد. فتارة تكون محظورة، ومرة تكون مكروهة وتارة تكون مستحبة. فهذه ضروب ثلاثة:

(3/55)


الضرب الأول: الأمور المحظورة، فلا يجوز البول في المسجد لما روي أن أعرابياً بال في المسجد فأمر رسول الله بأن يُصب عليه ذنوبٌ من الماء. فلولا أنه ينجس المسجد لما أمر بتطهيره عنه، ويحرم التغوط في المسجد لأنه أقذر من البول وأشد عفونة منه فإذا حرم البول فحرمة الغائط أولى وأحق. ويحرم الجماع في المسجد لأنه يؤدي إلى تنجيس المسجد بما ينفصل من المني ولأن الجنب ممنوع من دخول المسجد فكيف يجتنب فيه، ويحرم البقاص والمخاط في المسجد لما روي أن الرسول قال: ((إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار " ))(1) .
ويحرم غرس الأشجار المثمرة وغير المثمرة في داخل المسجد وفي عرصته لأن ما هذا حاله يبطل الغرض من المسجد لأن المسجد إنما عمر من أجل الصلاة والعبادة وهذا يبطلها ولأن عرصة المسجد منه فلا يجوز شيء من ذلك فيها. ويحرم أيضاً حفر الآبار في المسجد لأن ذلك يكون مانعاً للصلاة وسواء كانت تلك البئر للشرب والوضوء والغسل أو كانت للخلاء(2) أ
__________
(1) وعن أبي أمامة عن النبي قال: ((من تنخم في المسجد فلم يدفنه فسيئة وإن دفنه فحسنة)) أخرجه أحمد بإسناد حسن، وعن أنس: ((البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)) أخرجاه. وعنه: أن النبي رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه فقام فحكها بيده، فقال: ((إن احدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه أو إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدميه)) ثم أخذ طرف ردائه وبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض فقال: ((أو يفعل هكذا)) رواه البخاري، قال في (فتح الغفار): وهو له: أي للبخاري من حديث أبي سعيد مختصراً، وفيه: رأى نخامة في حائط المسجد. وفي لفظ: في قبلة المسجد. اه‍ 1/167.
(2) للحمامات.

(3/56)


و كانت بئراً يحفظ فيها الحب ويدفن. أما الشرب والوضوء فإنها تكون مانعة من الصلاة، وأما بئر الخلاء فلأنها تؤدي إلى تنجيس المسجد. أو كانت بئراً للحب يحفظ فيه لأن حفره لما ذكرناه يبطل الغرض به من الصلاة والعبادة.
وهل يحرم دخول المشركين وأهل الذمة وسائر أصناف الكفار المساجد أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: تحريم ذلك على جميع المشركين وأهل الكفر من أهل الذمة وغيرهم وهذا هو قول الإمامين الناصر والهادي ومحكي عن مالك.
والحجة على هذا قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ " فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}[التوبة:28].
ووجه الدلالة: أن الله تعالى منعهم من أن يقربوا المسجد الحرام لنجاستهم وهذا المعنى موجود في سائر المساجد.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[البقرة:114]. وجميع أصناف الكفار يريدون قتالنا ويمنعوننا عن ذكر الله في مساجدنا فيجب أن يكونوا ممنوعين عن دخولها إلا خائفين أن نوقع بهم بالقتل والإهانة.
المذهب الثاني: جواز ذلك وإباحته، وهو رأي الإمام المؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قدم إليه وفدُ ثقيف فأنزلهم المسجد وصرف لهم فيه خيمة

(3/57)


فقالوا له(1):يا رسول الله إنهم قوم مشركون أنجاس. فقال: ((إنما نجاستهم على أنفسهم " ))(2) .
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه اسرى سرية فوجدوا ثمامة بن أثال فأتوا به أسيراً فربطه الرسول إلى سارية من سواري المسجد وكان يمر عليه في أوقات الصلاة، ثم أسلم بعد ذلك(3) ففي هذا دلالة على جواز دخول أهل الشرك المسجد.
المذهب الثالث: أن الكفار يُمنعون عن دخول المسجد الحرام فأما سائر المساجد فإن عوهدوا على الإمتناع منه لم يدخلوه وإن لم يعاهدوا على الإمتناع منه جاز دخولهم، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على منعهم من دخول المسجد الحرام، ظاهر الآية فإنها صريحة في منعهم عن دخوله وأما سائر المساجد فهي موقوفة فإن وقع العهد على منعهم عنها وجب امتناعهم وإن لم يعاهدوا جاز دخولهم لما ذكرناه من وفد ثقيف ولما رويناه من قصة ثمامه فإنها دالة على جواز دخولهم، فهذا تفصيل المذاهب كما ترى.
__________
(1) أي: فقال له أصحابه أو المسلمون.
(2) هذا طرف من حديث يروي حكاية وفد ثقيف لما قدموا على النبي فضرب لهم قبة في المسجد، فقال المسلمون: يا رسول الله قوم أنجاس، فقال : ((إنه ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء، إنما أنجاس الناس على أنفسهم)) رواه في حاشية البحر، وهو في (أصول الأحكام)ا ه‍جواهر 1/14.
(3) ربط ثمامة بن أثال الحنفي في سارية مسجد رسول الله، تقدم في كتاب الطهارة.

(3/58)


والمختار: ما عول عليه الإمامان الهادي والناصر ومن تابعهما، وتقرير حجتهم هو أن الآية صريحة في منع الكفار وأهل الشرك عن دخول المسجد الحرام فلا حاجة إلى تأويلها ومن جهة أنهم قوم أنجاس لا يتنزهون عن ملابسة النجاسات فيجب تنزيه المسجد عن دخولهم لأنه لا فرق بين تنجيس المسجد وبين إدخال من ينجسه، ويؤيد ذلك ويوضحه ما روي عن الرسول أنه قال: ((المؤمن والكافر تتراءى نيرانهما " )) والغرض من الخبر هو التباعد وقطع العلائق بين الكافر والمؤمن، وإذا كان الأمر هكذا فلا وجه لإيناسهم بدخولهم مساجدنا وتحكيمهم فيها، ومع ذلك فإنه لا حاجة لهم إليها لأنها إنما تدخل للعبادة والصلاة وليسوا من أهل الصلاة والعبادة فلهذا وجب القضاء بامتناعهم عنها.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
فأما ما روي عن الإمام المؤيد بالله من احتجاجه بوفد ثقيف وبما كان من قصة ثمامة بن أثال فعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه حكاية فعل مجملة لا يُدرى على أي وجه وقعت وهي مجملة فلا يصح الاحتجاج بها إلا بما يوضحها ويبينها.
وأما ثانياً: فلعلها واردة قبل وقوع النهي وإذا كان هذا محتملاً لم يصح الإعتراض به على ما استدللنا به من صريح الآية الدالة على المنع والتحريم.
وأما ما روي عن الشافعي فقد سلم منعهم عن دخول المسجد الحرام وقال: إن عوهدوا جاز وإن لم يعاهدوا لم يجز.
قلنا: ليس للإمام أن يعاهدهم على مخالفة نص الكتاب ولا يباح له ذلك.
الضرب الثاني: في بيان الأمور المكروهة، فقد قدمنا كراهة النقوش لها وكراهة الستور على جدرانها، وتكره النخامة في المسجد ويكره إنشاد الضالة في المسجد لما روي عن الرسول أنه سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فقال له: ((لا وجدتها إنما بنيت المساجد لذكر الله " )) (1) .
ويكره النوم في المسجد إلا لمن كان معتكفاً، ليلاً ونهاراً لأمرين:
__________
(1) تقدم.

(3/59)


أما أولاً: فلأنه من الأعمال المباحة والمساجد إنما عمرت للصلاة والعبادة وذكر الله تعالى.
وأما ثانياً: فلأنه لا يؤمن أن يتنجس المسجد بالاحتلام، فإن وقع اضطرار إلى ذلك ارتفعت الكراهة إما لخوف أو مطر أو مسلم لا يجد أين يأوي لغربته، ويكره دخول المجانين والصبيان وسل الأسلحة وارتفاع الأصوات في الخصومات، والبيع والشراء لما روى واثلة بن الأسقع عن الرسول أنه قال: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانيكم وشرائكم وبيعكم " وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم، وجمروها في الجمع واعدوا على أبوابها المطاهر)) .
الضرب الثالث: في بيان الأمور المستحبة. فيستحب خلاف ما يكره، ويستحب إذا رأى نخامة أن يحكها ويجعل مكانها شيئاً من الطيب لما روي عن الرسول أنه رأى نخامة في جدار المسجد فقال لمن كان حوله: ((أروني عبيراً " ))(1) .
__________
(1) عن جابر قال: أتى رسول الله مسجدنا هذا وفي يده عرجون أبن طاب، فرآى في قبلة المسجد نخامة فحكها بالعرجون ثم أقبل علينا فقال: ((أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ فخشعنا، ثم قال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ فقلنا: لا أينا يا رسول الله، فقال: فإن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه وليبصق عن يساره أو تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا)) ثم لوى ثوبه على بعض وقال: ((أروني عبيراً)) فثار فتى من الحي يشتد إلى أهله فجاء بخلوق في راحته فأخذ رسول الله الخلوق فجعله على رأس العرجون ثم لطخ به على أثر النخامة، قال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم، أخرجه أبو داؤد كما جاء في الجواهر 1/224، وهو طرف من حديث طويل أخرجه مسلم.
…الخلوق بالخاء المعجمة والقاف: نوع من الطيب يتخذ من الزعفران وغيره، وابن طاب: نوع مخصوص من النخل، والعرجون: العود الأصفر المنحني الذي يكون فيه شماريخ الرطب.

(3/60)


والعبير: أخلاط الطيب من الزعفران وغيره، وكان في يده عرجون من النخل فحكها به وحضر العبير فلطخها به، ويستحب أن يجعل في المحاريب شيء من الطيب لأن عمل المسلمين قد جرى عليه وعمدتهم في ذلك هو هذا الحديث الذي حكيناه، ويستحب عقد الأنكحة في المساجد، ويستحب إذا جرت على الإمام والمسلمين نائبة أن يجتمعوا للإشتوار في المسجد؛ لأن ما هذا حاله من الأمور المرضية لله تعالى والمقربة إليه فجرت مجرى سائر النوافل، ويستحب التدريس في المساجد وأخذ العلم وإعطائه لأنه لا يخلو إما أن يكون واجباً فهو كالواجبات من الصلوات، وإما أن يكون مندوباً فهو كالنوافل من العبادات فلهذا استحب فعله في المساجد لما قررناه، وتستحب المناظرة في العلوم في المساجد لطلب الصواب سواء كانت المناظرة في العلوم العقلية أو في العلوم الشرعية إذا كان فيها إنصاف بالوصول إلى الحق من غير أن يكون هناك طول أصوات ولغط وعدم إنصاف فربما يكره ذلك لما فيه من إيغار الصدور وجرح القلوب لعدم الإنصاف، ويستحب للمسلمين إذا لم يكن في بقعتهم مسجد أن يشتروا عرصة ويعمروها؛ لأن الرسول لما دخل المدينة اشترى مسجده وكان مربداً(1)
لابني أخ لأبي أيوب فباعاه منه وشراه وجعله مسجداً له(2)،
__________
(1) المربد: موضع يجفف فيه التمر. ا ه‍لسان. مادة ربد.
(2) جاء في سيرة النبي لابن هشام ج1 ص 141، قصة هجرة رسول الله إلى المدينة وأنه نزل على أبي أيوب الأنصاري وكانت ناقته قد بركت على باب مسجده وهو يومئذٍ مربد فسأل النبي عن المربد لمن هو؟ فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو، وهما يتيمان لي (كانا في حجره يعولهما) وسأرضيهما منه فاتخذه مسجداً، قال: فأمره به رسول الله أن يبنى مسجداً. ا ه‍. بتصرف.

(3/61)


ويستحب إذا كان ضيقاً أن يوسعه المسلمون فيكون فسيحاً للصلاة وإجتماع المسلمين فيه، ويستحب إذا كان في أمواله سعة أن يتخذ منه بركة أو يحفر بئر للوضوء(1)
لما في ذلك من تمهيد قاعدة الوضوء للصلاة وتسهيل أحوالها، ويستحب إيضاً إذا كان في أمواله فضلة أن ينفق على من يشتغل بالقراءة والذكر والصلاة في المسجد، والتدريس لأن ذلك من أعظم القرب عند الله وأزكى الأعمال، وإن أُوصي للمسجد بعمارة، كانت العمارة بالذكر واجتماع المسلمين من أعظم العمارات لقوله [تعالى]: {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الّلهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ " وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الَّلهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}[التوبة:18]. ولنقتصر على هذا القدر مما يتعلق بالمساجد ففيه كفاية لمقدار غرضنا ونرجع إلى التفريع.
الفرع الحادي عشر: والمصلي في السفينة إذا كان لا يمكنه القيام لشدة جريها، صلى قاعداً وأجزأه لقوله : ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً " ))(2) .
وإذا أمكنه(3) فصلى قاعداً فهل تلزمه الإعادة في الوقت أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: الإعادة لازمة، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي ومالك ومحكي عن أبي يوسف ومحمد.
__________
(1) خارج المسجد كما سلف.
(2) تقدم.
(3) أن يصلي على السفينة قائماً.

(3/62)


والحجة على هذا: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول بعث جعفر(1)
__________
(1) جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم رسول الله ، صحابي مشهور من الأوائل، ترجم له أصحاب كتب الحديث والتراجم باستقصاء واسترسال في معظمها، جاء في مجملها: جعفر بن أبي طالب بن هاشم القرشي الهاشمي أبو عبد الله الطيار، ابن عم رسول الله، أخو علي وعقيل وأم هاني، أسلم قديماً وهاجر الهجرتين، واستعمله رسول الله على غزوة مؤتة بعد زيد بن حارثة، واستشهد بها وهي بأرض البلقاء، كان ثالث من أسلم من الرجال، لم يشهد بدراً مع من معه من المهاجرين في الحبشة إذ تأخر قدومهم إلى ما بعدها، ولكن النبي ضرب لجعفر بسهمه وأجره، روى عن النبي وعنه ابنه عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن مسعود وعمرو بن العاص، وأم سلمة، وبعض أهل بيته، وهو وعلي وعقيل بنو أبي طالب، أمهم: فاطمة بنت أسد بن هاشم. ا ه‍(تهذيب الكمال) 5/50-63، وقد عرف بالطيار؛ لأنه عندما استلم الراية في مؤتة بعد استشهاد زيد بن حارثة تكاثر عليه جيش الروم، فاقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم تقدم فقاتل حتى بُتر ساعده الأيمن، فتلقى الراية بالأيسر، وظل يقاتل حتى بُتر فانكفأ على الراية حتى قُتل.
قال في (الإصابة) 1/485: وقال ابن إسحاق: هو أول من عقر في الإسلام، وروى الطبراني من حديث نافع عن ابن عمر قال: كنت معه في تلك الغزوة فالتمسنا جعفراً فوجدنا فيما أقبل من جسمه بضعاً وتسعين بين طعنة ورمية، وفيه قال النبي : ((رأيت جعفراً يطير في الجنة مع الملائكة)) و((ملكاً ذا جناحين مضرجاً بالدماء)) رواه الطبراني من حديث ابن عباس، وكان يحب المساكين ويخدمهم، فكان رسول الله يكنيه أبا المساكين، وقال له النبي : ((أشبهت خلقي وخُلقي)) رواه البخاري ومسلم، وكانت غزوة مؤتة في جمادى من سنة 8 للهجرة وكان عمر جعفر حينها 41 سنة.

(3/63)


إلى الحبشة فقال له: ((صل في السفينة قائماً إلا أن تخشى الغرق " ))(1) .
الحجة الثانية: ما روى ابن عمر أن الرسول سئل عن الصلاة في السفينة فقال للسائل: ((صل قائماً إلا أن تخشى الغرق " )) .
المذهب الثاني: جواز ذلك(2) وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: ما روى ابن سيرين(3)
قال: صلى بنا أنس بن مالك في السفينة قاعداً على شاطئ السفينة وإنها لتخر بنا خرَّاً من شدة جريها.
الحجة الثانية: قالوا: كل صلاة جاز أداؤها في حال السفر فإن فرض القيام يسقط فيها كالصلاة على الراحلة.
__________
(1) هذا الحديث رواه الدارقطني، والحاكم في المستدرك، عن ابن عمر قال: سئل النبي كيف أصلي في السفينة؟ قال: ((صل فيها قائماً إلا أن تخشى الغرق)) قال في فتح الغفار: قال في المستدرك: وهو على شرط مسلم، وفي المنتقى على شرط الصحيحين، ويشهد له قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وحديث: ((إذا أمرتم بأمر فاتوا منه ما استطعتم)) وقد تقدم. ا ه‍1/163.
(2) يقصد: جواز الصلاة في السفينة من قعود، وعدم لزوم الإعادة في الوقت.
(3) محمد بن الحسن بن سيرين. ترجم له في (سير أعلام النبلاء) 4/606-622 فقال: الإمام شيخ الإسلام أبو بكر الأنصاري الأنسي البصري، مولى أنس بن مالك، إلى أن قال: سمع أبا هريرة وعمران بن حصين، وابن عباس وعدي بن حاتم، وابن عمر وغيرهم، روى عنه: قتادة وأيوب ويونس بن عبيد وغيرهم. روي عن أخيه أنس أنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، توفي عن نيف وثمانين سنة، وقيل: ثمان وسبعين، وكان يوصف بالعلم والحفظ، يأتي بالحديث على حروفه كما روي عن ابن عون، وعن عون بن عمارة حدثنا هشام: أصدق من أدركت محمد بن سيرين، كما اشتهر بسعة العلم في الفرائض والقضاء والحساب، راجع (تقريب التهذيب) و(تاريخ بغداد) 5/331.

(3/64)


والمختار: ما اعتمده علماء العترة من منع ذلك(1) .
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو قوله لعمران بن حصين: ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً " )) . وروي عن علي أنه قال: يصلي صاحب السفينة قائماً إلا أن لا يستطيع ذلك صلى قاعداً وإن توجهت به السفينة كل جهة(2) .
وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: صل في المركب قائماً. ومثل هذا إذا صدر من جهة الصحابي فلا يقوله إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن ما هذا حاله من جملة العبادات فلا يعرف من طريق الاجتهاد والمقاييس النظرية وإنما بابها التوقيف من جهة صاحب الشريعة صلوات الله عليه.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: روي عن أنس بن مالك أنه صلى في سفينة قاعداً.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا نهاية الأمر فيه أن يكون مذهباً لأنس فلا يلزمنا اجتهاده.
وأما ثانياً: فلعله محمول على عدم القدرة على القيام لشدة جريها وسعيها.
قالوا: كل صلاة جاز أداؤها في حال السفر فإن فرض القيام يسقط كالصلاة على الراحلة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن القيام على الراحلة وظهر الدابة مما يتعذر ويشق فلهذا قلنا بأنه لا يلزمه، بخلاف مسألتنا فإنه مستطيع للقيام من غير مشقة فلهذا لزمه فرضه.
وأما ثانياً: فلأن الراحلة لو كانت واقفة لا يلزمه القيام فهكذا إذا كانت سائرة بخلاف مسألتنا فإن القيام لازم في الحالين جميعاً فافترقا.
__________
(1) القصد المنع من الصلاة قاعداً في السفينة للمتمكن من القيام، ولزوم الإعادة في الوقت.
(2) تقدم معناه في الحديث السالف.

(3/65)


الفرع الثاني عشر: قال الإمام الهادي في (الأحكام): ولا تجزي الصلاة في البيع والكنائس التي لأهل الكتابين، فالبيع للنصارى والكنائس لليهود. وإنما لم تكن الصلاة مجزية في هذه الأماكن لما يظهر فيها من النجاسات بأقذارهم وخمورهم وما يتعلق بها من العفونات برطوباتهم فلأجل ذلك كانت الصلاة غير مجزية، فإذا طهرت عما ذكرناه جازت الصلاة كسائر المواضع التي تطهر عن النجاسة بعد وقوعها فيها، ولا تجوز الصلاة في الحشوش لأنها موضع الأقذار والنجاسات وملتقاها فلهذا لم تكن الصلاة فيها مجزية كسائر المواضع النجسة وإذا كانت بالوعة وقد ردمت جازت الصلاة عليها لأنها بإلقاء الطين الطاهر عليها قد تغيرت عن النجاسة وصار ما يلاقي المصلي طاهراً، وما تحتها فلا يضر المصلي ولو كان نجساً لملاقاته الطاهر.
قال الهادي في (الأحكام): والمصلي إذا كان مضطراً إلى الوقوف في الماء نظرت فإن كان الماء ذا كدر يستر عورته فإنه يصلي قائماً لأن القيام فرض فلا يجوز سقوطه مع إمكان الإتيان به ويؤمي للركوع والسجود ويكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه إذا لم يستطع خلاف ذلك، وإن كان الماء صافياً لا يستر عورته في حال قيامه فإنه يصلي قاعداً إلا أن يكون الماء غمراً فلا يتمكن من القعود لكثرته فإنه يومي لركوعه وسجوده لقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم " )) . ومن هذه حاله فلا يستطيع إلا ما ذكرناه ويُنَزَّلُ منزلة العليل في الإتيان بالممكن من حاله.
الفرع الثالث عشر: نجعله خاتمة لما يصلَّى عليه يشتمل على ما يحرم وما يكره وما يستحب، فهذه ضروب ثلاثة:
الضرب الأول: في بيان ما تحرم الصلاة فيه.
قال الإمام المؤيد بالله: ومن صلى على سطحٍ جذوعه مغصوبة أو فراديجه(1)
__________
(1) الفردج: الأخاسي، ويقال: خاساه: لاعبه بالجوز. ا ه‍. قاموس.

(3/66)


والطين غير مغصوب، فالأقرب أن لا تجوز صلاته. وإن كان البيت على قواعد مغصوبة لا يمتنع أن تصح الصلاة، والتفرقة بينهما هو: أن القواعد قد بعدت عن الغصب، والسقوف والجلال(1)
مستقلة حائلة من دونها بخلاف الخشب فإن الفراديج غير مستقلة فلهذا جازت الصلاة في مسألة القواعد ولم تجز في مسألة الفراديج لما ذكرناه.
قاعدة: اعلم أن المصلي إذا لاقى الغصب في حال صلاته فصلاته غير مجزية سواء كانت الملاقاة في دار أو سرير أو عريش أو ثوب أو بساط أو غير ذلك من الآلات سواء كانت موضوعة على حلال أو غصب، لكونه ملاقياً لها، تقريراً على ما أصَّلنا من بطلان الصلاة في الدار المغصوبة وعلى الثوب المغصوب والثوب المسروق، فأما إذا لم يكن الغصب ملاصقاً للمصلي فإن المسائل النظرية والمضطربات الاجتهادية تختلف فيه، وعلى هذا لو صلى على سرير مباح في دار مغصوبة، أو صلى على عريش في سفينة مغصوبة فما هذا حاله يقع فيه التردد والنظر في الصحة والفساد.
وإن أراد المصلي أن يصلي في بيتين وكان أحدهما نجساً واشتبها عليه نظرت فإن كان هناك بيت ثالث طاهر صلى فيه لأن طهارته متيقنة وإن لم يكن هناك بيت ثالث فهل يتحرى ويعمل على غالب ظنه أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا وجه لتحريه لأن الحظر والإباحة قد تعارضا فوجب التعويل على جانب الحظر والإمتناع عن التحري لما ذكرناه.
__________
(1) الطين الموضوع على الخشب في السقوف.

(3/67)


الضرب الثاني: في بيان ما تكره الصلاة إليه، وتكره الصلاة إلى الأقذار لأن المأخوذ على المصلي أن يكون خالصاً في حال صلاته على أحسن هيئة في الثياب النقية والبقعة الطاهرة، وإذا كان الأمر كما قلناه من كراهة استقبال الأقذار نظرت، فإن كان بين المصلي وبين القذر مثل ما بين الإمام والمأموم كره ذلك، وإن كان فوق ذلك لم تكره، ومن صلى على نشز من الأرض وتحته قذر كره له استقباله إذا كان بينه وبين النجاسة مثل ما بين الإمام والمأموم، فإن كانت النجاسة في موضع مرتفع نظرت، فإن كانت فوق قدر القامة فلا كراهة لعدم المواجهة لها، وإن كانت دونها كره ذلك ولا يفترق الحال بين أن تكون النجاسة في الموضع المنخفض أو المستوي في زوال الكراهة إن كان بينها وبين المصلي أكثر مما بين الإمام والمأموم، وإن كان دون ذلك كره، وإن كانت النجاسة في موضع مرتفع اعتبر في زوال الكراهة أن تكون فوق قدر القامة، فإن كان دونها كره. [والمصلي إذا كان مضطراً إلى الوقوف في الماء نظرت فإن كان الماء كدراً يستر عورته فإنه يصلي قائماً ويؤمي للركوع والسجود إنما يكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه إذا لم يكن مستطيعاً لأكثر من ذلك، وإن كان الماء صافياً لا يستر عورته فإنه يصلي قاعداً إلا أن يكون الماء غمراً فلا يتمكن من القعود فيه لكثرته فإنه يؤمي للركوع والسجود. والوجه في ذلك: قوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما ستطعتم )) . ومن هذه حاله فلا يستطيع إلا ما ذكرناه وينزل منزلة العليل في الإتيان بالصلاة بالممكن من حاله](1) .
وهل تكره الصلاة في السرير المعلق بالحبال إلى السقف أو تكون باطلة؟ فيه تردد.
والمختار: بطلانها لأنه غير مستقر على الأرض كما لو صلى على الأرجوحة، ولا تشبه السفينة لأن قرارها على الماء فافترقا.
__________
(1) ما بين القوسين مكرر في الأصل. وقد سبق في الفرع الثاني عشر قبل هذا.

(3/68)


قال الإمام القاسم في الطهارات: ومن شاق الله تعالى بكبيرة فواجب ألا يُتَّخَذ سترة ولا قبلة في الصلاة(1)
وواجب إعادتها.
قال الإمام أبو طالب: وهذا محمول على الاستحباب يعني في وجوب الإعادة، فأما وجوب العدول عن إتخاذه سترة فهو على ظاهره لأن التبرؤ من أصحاب الكبائر الكفرية والفسقية والبعد عنهم واجب على المسلمين، ولله در هذا الإمام ما أقومه بأمر الله وأشد شكيمته على أعداء الله بالبعد عنهم والطرد لهم والإيحاش حتى آل أمره إلى أن من ارتكب كبيرة من الكفر والفسق فواجب أن يُتَجنب ولا يخالط المسلمين في مساجدهم ولا يكون قبلة لأحد في المساجد، ومصداق ما قاله القاسم قوله تعالى: {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الَّلهَ وَرَسُولَهُ " وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ}[المجادلة:22]. إلى آخر الآية، فهذه الآية أعظم آية في كتاب الله تعالى، في انقطاع الموالاة والمودة والمحبة، لمن حاد الله ورسوله بارتكاب الكبائر الفسقية والكفرية.
قال القاسم: وأحب ألا أُصلى إلا في موضع مستوٍ. وأراد: أنه يكره ما خالف ذلك لأن المكان إذا كان منحدراً فإن المصلي ينكس رأسه ويرفع عجيزته وإرتفاعها مكروه، وإن كان المصلي متصعداً فإن المصلي يرفع رأسه وفيه نقص لهيئة السجود فلهذا كره.
قال الهادي: ولا تسجد على كور العمامة، واعلم أن الكُور بضم الكاف: هو كور الناقة وهو سرجها، والكَور بفتحها: طاقات العمامة، ويطلق على الزيادة أيضاً ومنه الحديث: ((أعوذ بك من الحور بعد الكور " ))(2) .
أراد النقصان بعد الزيادة. وهل يكون السجود على العمامة مفسداً للصلاة أو يكون مكروهاً؟ فيه مذهبان:
__________
(1) في الأصل: في صلاته.
(2) أخرجه الترمذي عن عبد الله بن سرخس. 5/250.

(3/69)


المذهب الأول: أنه يكون مفسداً للصلاة، وهذا هو المحكي عن محمد بن يحيى، ورأي السيدين أبي طالب وأبي العباس إذا لم يخش حراً أو برداً فإن خشي ذلك جاز له ولم يكن مفسداً.
والحجة على ذلك: ما روى رفاعة عن الرسول أنه قال لمن علمه الصلاة: ((ثم تستقبل القبلة ثم تكبر)) إلى أن قال: ((ثم تسجد فتمكن جبهتك من الأرض))(1) .
وإذا كان على الأرض شيء مبسوط فهو مخصوص بالدلالة وليس كلامنا في هذا وإنما كلامنا في كور العمامة.
الحجة الثانية: قياسية: وهي أن هذا فرض يتعلق بالجبهة فوجب مباشرة الجبهة له من غير عذر. دليله: الطهارة عن الحدث.
المذهب الثاني: جوازه مع العذر وكراهته من غير عذر، وهذا هو رأي المؤيد بالله، وحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه سجد على كور العمامة.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة القاسم والهادي والناصر ومحمد بن يحيى وأبو طالب وأبو العباس وهو رأي الشافعي.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا: وهو ما روى خباب بن الأرت(2)
قال شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء في جباهنا وأكفِّنا فلم يُشْكِنَا(3)
فدل ذلك على وجوب السجود على الجبة من غير حائل.
الانتصار: يكون بالجواب عما قالوه.
__________
(1) تقدم.
(2) أبو عبد الله خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد التميمي، صحابي معروف شهد بدراً، وكان قيناً في الجاهلية، روى عن النبي ، وروى عنه أبو أمامة الباهلي وابنه عبد الله وقيس بن أبي حازم وغيرهم. وفي (تهذيب التهذيب) 3/115: قال ابن سعد: أصابه سبأ فبيع بمكة، ثم حالف بني زهرة وأسلم قبل أن يدخل رسول الله دار الأرقم، وكان من المستضعفين الذين يعذبون بمكة، وحكى الباودردي: أنه أسلم سادس ستة، وحكى ابن عبد البر في (الإستيعاب) أنه شهد صفين مع علي، مات بالكوفة سنة 37ه‍وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وصلى عليه علي بن أبي طالب، وقيل غير ذلك.
(3) في حاشية الأصل: تمامه: وأمرنا أن نصلي إذا زالت الشمس.

(3/70)


قالوا: روي عن الرسول أنه سجد على كور العمامة.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأن الخبر محمول على أن هناك عذراً من حرٍ أو بردٍ ولا خلاف بيننا إذا كان مع العذر.
وأما ثانياً: فلعله سجد على كور العمامة وبعض الجبهة، ومثل هذا فهو مجزٍ فإنه ليس الواجب السجود على كل الجبهة.
وأما ثالثاً: فلأن ما أوردناه من الأخبار أظهر من هذا الخبر فلهذا كان ما قلناه أرجح لأن الرواية فيه أشهر وأظهر.
قالوا: إن الرسول أمر الأعرابي بالسجود، وهذا فقد سجد على الكور وهو يسمى ساجداً.
قلنا: أمره بالسجود الشرعي لأنه إنما يتكلم بشرعه، والظاهر أن السجود الشرعي إنما هو بكشف الجبهة كما قال لمن علمه: ((مكن جبهتك من الأرض )) .
قالوا: إذا جاز السجود مع الحائل المنفصل جاز مع الحائل المتصل والكور متصل والبساط والحصير منفصلان.
قلنا: ولاسواء فإن الحصير والبساط مما لا خلاف في السجود عليهما مع الإنفصال بخلاف كور العمامة فإن فيه النزاع، وهي مسألة الخلاف فافترقا بدليل خبر خباب بن الأرت.
الضرب الثالث: في بيان ما يستحب، ويستحب خلاف ما يكره.
قال الإمامان القاسم والهادي: ويستحب السجود على حضيض الأرض وهو التراب لما روى زيد بن علي عن علي عن الرسول أنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا )) . فتبين بهذا الحديث أن الله خص رسول الله بأن جعل له الأرض موضعاً للسجود. وفي هذا دلالة على الترغيب في السجود عليها، ويستحب السجود على الرمل والحصى والرضراض(1)
__________
(1) الرضراض: ما دق من الحصى. ا ه‍لسان، وفي القاموس: الحصى أو صغارها. ا ه‍.

(3/71)


لما روي عن الرسول أنه رأى أصحابه يدخلون [إلىالمسجد] شيئاً من الرمل والحصى والرضراض فقال: ((ما أحسن هذا))(1) .
فدل ذلك على استحبابه. ويستحب لكل مُصَلٍ تعفير الوجه بالسجود لله تعالى وأن يضع جبهته على التراب والحضيض لما روي عن الرسول أنه قال لأعرابي: ((عفر جبينك بالتراب " ))(2) .
وروي عن علي بن الحسين أنه كان يقوم على البساط ويسجد على التربة، وروي عن عمر بن عبدالعزيز أنه كان لا يسجد إلى على التراب. فإذا كان يصلي على حصير في المسجد أو في غيره أُدخل له تراب يسجد عليه. ويستحب أن يسجد على ما أنبتت الأرض من حصير أو قطن أو كتان، لقوله : ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) . وهذا من الأرض فلهذا كان مستحباً.
وروى ابن عباس عن رسول الله أنه كان يسجد على الحصير، وروي عن الهادي أنه كان يقوم على الحصير ويسجد على التراب. وتستحب الصلاة في البساتين لما روى معاذ بن جبل أن النبي كان يستحب الصلاة في البساتين. حكاه الترمذي.
وتجوز الصلاة على الثلج والجليد إذا كانا ملبدين؛ لأنهما عين طاهرة صالحة للسجود ولا يعرف فيه خلاف.
قال الإمام المؤيد بالله: وتجوز الصلاة على الفرش المرتفعة إذا كانت جبهة المصلي مستقرة على موضع سجوده لأنها عين طاهرة تصلح للسجود فأشبه الصلاة على الحصير والبساط.
وهل تكره الصلاة على الشعر والوبر والصوف والمسوح واللبود؟ فالصوف من الغنم والشعر من المعز والوبر من الإبل واللبد: هو الصوف الملبد، والمسح: هو ثوب من شعر، فيه مذهبان:
__________
(1) أخرجه أبو داؤد عن ابن عمر 1/145 بلفظ: عن أبي الوليد قال: سألت ابن عمر عن الحصى الذي كان في المسجد فقال: إنا مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة فجعل الرجل يجيء بالحصى في ثوبه فيبسطه تحته فلما قضى رسول الله صلاته قال: ((ما أحسن هذا)) .
(2) أخرج الترمذي عن أم سلمة قالت: رأى النبي غلاماً لنا يقال له أفلح إذا سجد نفخ، فقال : ((يا أفلح ترب وجهك)) .

(3/72)


المذهب الأول: أن ذلك يكره، وهذا هو المحكي عن الإمامين القاسم والهادي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) . وما روي عن الرسول أنه صلى على حصير.
ووجه الدلالة من هذين الخبرين: هو أنهما دالان على السجود على الأرض وعلى ما أنبتته الأرض، والتعفير بالأرض فيه نهاية الخضوع فيجب أن يكون مستحباً وما عدا ذلك يجب أن يكون خارجاً عن حكم الاستحباب. ولا نعني بالكراهة إلا ذلك فهذا معنى قولنا: أنه مكروه. فإن صلى على ما ذكرناه كان مجزياً لأنه صلى على موضع طاهر فصار كما لو صلى على ما أنبتت الأرض، وحكى بعض أصحاب الشافعي عن الرافضة: أنه لا يجزئ، وهذا قول خارق للإجماع فلا يلتفت إليه، فإن الإجماع منعقد على أن الصلاة [على ما ذكرناه] مجزية ومسقطة للفرض.
المذهب الثاني: أن الصلاة غير مكروهة على الصوف والوبر والشعر والمسوح واللبود، وهذا هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله وهو قول كافة العلماء.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه كان يصلي على نمرة، والنمرة: كساء من صوف فيه خطوط. وهذا هو المختار، ويدل عليه ما روى ابن عباس أن الرسول كان يصلي على الخُمرة، والخمرة: ثوب من صوف. وحكى الترمذي في صحيحه أن أكثر أهل العلم من الصحابة رضي الله عنهم لم يروا بالصلاة على البسط والطنافس(1) بأساً.
__________
(1) الطنفسة: مثلثة الطاء والفاء وبكسر الطاء وفتح الفاء والعكس، واحدة الطنافس للبُسُط والثياب والحصير من سعف، عرضه ذراع. ا ه‍. قاموس.

(3/73)


ويؤيد ذلك ما روي عن الرسول أنه كان له كساء يصلي عليه من صوف وكان فيه خطوط فشغلته تلك الخطوط في الصلاة فقال: ((أرسلوا به إلى أبي جهم (1)
وائتوني بانبجانية))(2) .
والإنبجاني: كساء أبيض ليس فيه خطوط.
ومن وجه آخر: وهو أن لباس الصوف فيه خشوع وتذلل وهو لباس الصالحين وأهل الدين والنسك فإذا جاز لباسه جازت الصلاة عليه من غير كراهة، ولأنه ثوب حلال طاهر فجازت الصلاة عليه كالحصير وما أنبتت الأرض.
والمصلي إذا صلى على حصير غليظ وكانت النجاسة متصلة به أو صلى على ثوبين قد خيط أحدهما إلى الآخر وكان ما يلي الأرض نجساً فهل تجوز الصلاة في الحصير وفي الثوبين أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أن الصلاة غير مجزية فيما ذكرناه وهو اختيار السيد المؤيد بالله ورأي الحنفية؛ لأن الحصير وإن غلظ فهو كالشي [الواحد] والثوبان قد صارا بالخياط كالثوب الواحد فلهذا لم تجز الصلاة لأجل الإتصال.
وثانيهما: أن الصلاة جائزة، وهذا هو رأي الإمام المنصور بالله والحقيني(3)
__________
(1) أبو جهم بن حذيفة بن غانم، ينتهي نسبه إلى عدي كعب القرشي العدوي. قيل اسمه: عامر، أسلم عام الفتح وصحب النبي ، وكان مقدماً في قريش وأحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ منهم علم النسب، قيل: إنه شهد بنيان الكعبة في الجاهلية، وشهد بنيانها في أيام ابن الزبير، وتوفي في ذلك العهد، وقيل: بعده.
(2) أخرجه البخاري عن عائشة. ج1 ص 146.
(3) علي بن جعفر بن الحسن بن عبيد الله بن علي بن الحسين المعروف بالحقيني، نسبة إلى قرية سكن بها يقال لها: حقينة بالقرب من المدينة. ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب" قال في تراجم رجال الأزهار 3/24: أبو الحسن الإمام الهادي المعروف بالحقيني الصغير والكبير والده.
قال حميد الشهيد: أجمع أهل عصره على أن سبع علمه [كاف] للإمامة، قام في أرض الديلم سنة 472ه‍، وكان فقيهاً متكلماً، قائماً بأمر الله إلى أن وثب عليه رجل حبشي في المسجد فقتله في يوم الاثنين في رجب سنة 490ه‍. ا ه‍له مؤلفات وآراء واجتهادات كثيراً ما ترد في مؤلفات رجال المذهب.

(3/74)


ومحكي عن الشافعي؛ لأن غلظ الحصير يبعده عن مباشرة النجاسة كما لو ردمت الأرض بالتراب لم يضر المصلي ما في باطنها من النجاسة، وهكذا حال الثوبين ولو خيطا وكان أحدهما نجساً فإنه ينزل منزلة ما لو بسط ثوباً على بساط نجس فكما أن هذا يصح فهكذا ما ذكرناه وهذا هو المختار، لأن المقصود أن يكون ما يلاقي المصلي طاهراً وهذا حاصل في الحصير الغليظ وفي الثوبين المخيط أحدهما إلى الآخر فإنه يلاقي الطاهر فلهذا كانت صلاته مجزية. فهذا ما أردنا ذكره فيما يتعلق بطهارة الأثواب

(3/75)


---
الفصل الثالث في بيان ما يتعلق بطهارة الأبدان
اعلم أن الأثواب كما يجب تطهيرها للصلاة فهكذا حال الأبدان. ويتعلق بالبدن طهارتان، طهارة الحدث، وطهارة النجاسة.
فأما طهارة الحدث: فقد مضى الكلام عليها.
وأما طهارة البدن من النجاسة: فهي واجبة على كل مصلٍ لقوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ }[المدثر:5]. ولم يفصل، ولأنه إذا وجب تطهير البقعة والثوب عن النجاسة للصلاة فتطهير البدن أولى وأحق لأن طهارته أخص بالصلاة وأكثر ملابسة لها من الثوب والبقعة ولأنا قد دللنا على وجوب إزالة النجاسة من البول والغائط من البدن فهكذا سائر النجاسات يجب إزالتها من الأبدان، هذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: وإذا كان على بدن المصلي نجاسة غير معفو عنها نظرت، فإن وجد ما يغسلها به وجب عليه غسلها لأنه ممكن فلهذا لم يسقط وجوبه، وإن لم يجد ما يغسلها به صلى على حالته كمن لم يجد ماء ولا تراباً، وهل يعيد الصلاة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تلزمه الإعادة لأن ما هذا حاله فهو عذر نادر فلا يعتد به فصار كأنه ترك الصلاة من غير عذر.
وثانيهما: لا تلزمه الإعادة، وهذا هو المختار لقوله : ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم)).
فإن كان على جرحه دم يخاف من غسله تلف النفس أو تلف عضو من أعضائه أو خشي زيادة في علته أو حدوث علة أخرى أو خشي إبطاء العلة، فإنه يغسل ما أمكنه غسله ويتيمم لأجل الجراحة إن كان جنباً. وإن كان محدثاً والجراحة في أعضاء الوضوء. فهل تلزمه الإعادة إذا قدر على الغسل أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الإعادة غير لازمة وهذا هو قول أبي حنيفة واختيار المزني من أصحاب الشافعي؛ لأنه صلى على حسب حاله وعلى ما أوجب عليه الشرع فلا إعادة عليه كما لو كان صحيحاً.
وثانيهما: أنها تلزمه الإعادة لأن ما هذا حاله فهو عذر نادر.
والمختار: هو الأول لما ذكرناه من الخبر في قوله: ((لا ظهران في يوم)).

(3/76)


الفرع الثاني: في من انكسر عظمه أو سقطت ثنيته فأراد أن يبدلهما عظماً آخر نظرت، فإن كان المبدل [به] عظماً طاهراً كعظم الحيوان المأكول بعد الذكاة جاز ذلك لأن فيه منفعة ولم يمنع منه مانع، وإن كان عظماً نجساً نحو عظم الكلب والخنزير والميتة إذا قلنا بأنها تحلها الحياة فهي نجسة، فإن ما هذا حاله لا يجوز له فعله لأجل النجاسة فإن فعل جرأة على الله تعالى في استعمال النجاسة أو كان لا ينفعه غيره فهل يجب عليه كسره وإخراجه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يلزمه إخراجه، وهذا هو رأي المؤيد بالله، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله ليس بأكثر من نجاسة الدم الذي في باطنه لأنه صار في اتصاله واندمال اللحم عليه بمنزلة الدم الحاصل في العروق.
المذهب الثاني: وهو رأي الشافعي، أنه يلزمه قلعه إذا لم يخش التلف فإن امتنع أجبره السلطان على قلعه فإن مات قبل قلعه لم يلزم قلعه لأن الجميع قد صار نجساً بالموت والله تعالى حسبه فيما فعل من الصلاة مع النجاسة في حال حياته. فإن خيف من قلعه التلف فقد اختلف فيه أصحابه، فمنهم من قال: لا يقلع لأن حكم النجاسة قد سقط لأجل الضرورة كما يقول في دم المستحاضة وسلس البول، ومنهم من قال: يقلع فإن مات بالقلع فالحق قتله كما يقول فيمن قطعت يده بالسرقة ثم مات.
والحجة للشافعي فيما ذهب إليه، ما حكيناه عنه، وهو قوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ " }[المدثر:5]. والعظم النجس من جملة الرجز فوجب هجرانه.
والمختار: ما قاله الإمام المؤيد بالله.

(3/77)


والحجة عليه: ما أسلفناه ونزيد هاهنا، وهو أن هذه النجاسة لا يمكن إزالتها إلا بحرج ومشقة واحتمال ألم فلهذا سقط حكمها في الإزالة لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78]. وقوله تعالى: {يُرِيدُ الَّلهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة:185]. ولا حرج ولا عسر أعظم من تقطيع الجسم لإزالة هذه النجاسة، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: هو أن النجاسة في الفرجين سقط غسلهما عند الفقهاء وما ذاك إلا من أجل عموم البلوى فإذا كان غسلهما ساقطاً لعموم البلوى فكيف لا يسقط ما هذا حاله لأجل ما فيه من الحرج والمشقة بالتقطيع للجسم.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن الله تعالى يقول: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}[المدثر:5] فيجب القضاء بهجرانه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه ليس في الآية ما يقتضي العموم لأن الإسم المفرد لا دلالة فيه على العموم إلا بقرينة ولا قرينة هاهنا تقتضي عمومه.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا كونه دالاً على العموم فهو مخصوص بالدلالة بصور كثيرة وما ذكرناه من الأدلة يعارض عمومه ويقضي بخلافه.
قالوا: العروق لا تنفك عن اتصال الدم بها فسقط حكمه فلا يلزم إخراجها منها للضرورة وليس كذلك في مسألتنا فإنه لا ضرورة تدعو إلى ترك العظم النجس في بدنه.
قلنا: إذا انجبر العظم ونبت اللحم عليه كانت الضرورة داعية إلى تركه من حيث يخشى الضرورة والتلف بتقطيع جسده.
ومن وجه آخر: وهو أنها نجاسة حاصلة في باطن بدنه فلم يجب إخراجها كما لو شرب الخمر وتناول الميتة فإنه لا يلزمه إخراجها بالتقيء.
قالوا: نجاسة وصلت إلى موضع لا يحتملها فوجب أن يلزمه قلعها عند عدم الضرورة كما لو ألصقها بظاهر البدن.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المعنى في الأصل: هو أن النجاسة لم تحصل في باطن البدن بخلاف مسألتنا.

(3/78)


وأما ثانياً: فلأن مقصود المسألة والذي عليه التعويل هو ما يلزم من الحرج والمشقة بتقطيع الجسم وإتلافه بإخراج العظم وهو خلافٌ لمقصود الشرع في رفع المشاق والآلام عن الخلق بالتيسير والتسهيل المعروفين من قصد صاحب الشريعة صلوات الله عليه.
الفرع الثالث: فإن شرب خمراً أو أكل ميتة من غير ضرورة فهل يلزمه التقيؤ أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يلزمه التقيؤ، وهو المنصوص للشافعي.
وحجته على هذا: ما ذكرناه في العظم فإنه أوجب نزعه بكل حال.
وثانيهما: أنه لا يلزمه التقيؤ لأن المعدة معدن النجاسات وقد صار متصلاً بها فلا يلزم إخراجه منها، وهذا هو المختار على المذهب لأن المعلوم من حال الشَّرَبة للخمر وأَكَلَة الأموال الحرامية من الربا وسائر المظالم، أنهم لم يؤمروا بالتقيؤ لما شربوه وأكلوه بل تجري عليهم الحدود في شرب الخمر ولا يؤمرون بإخراجها من بطونهم، وهذا معلوم من حال السلف والخلف فوجب التعويل عليه.
قالوا: أكل الميتة وشرب الخمر محرمان، واستدامتهما في المعدة محرم أيضاً؛ فلهذا أوجبنا التقيؤ لإزالتهما عن المعدة.
قلنا: إن الله تعالى يريد من الخلق اليسر في جميع الأحوال، والتقيؤ فيه حرج ومشقة؛ فلهذا كان مرفوعاً برحمة الله ولطفه؛ ولهذا فإن من كسر رجله وجنى عليها فإنه لا يكلف أن يصلي قائماً؛ فهكذا ما نحن فيه من شرب الخمر وأكل السحت فإنه لا يلزمه التقيؤ لها.
قالوا: روي أن أبا بكر رضي الله عنه أكل من أجرة غلام له رقى عليه برقى الجاهلية، فلما أخبره بذلك أدخل يده في فيه وتقيأه ثم قال بعد ذلك: اللهم لا تؤاخذني بما في العروق. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه شرب لبناً فقيل له: إنه من إبل الصدقة فتقيأه. وفي هذا دلالة على ما ذكرناه من إخراجه من المعدة.
قلنا: إن كلامنا في فتوى الشرع وما هو المتوجه من جهة أوامر الشرع ونواهيه وليس كلامنا في أبواب الورع فإن له طريقةً تخالف فتوى الشرع.

(3/79)


ومن وجه آخر: وهو أن هذا نهاية الأمر فيه أن يكون مذهباً لأبي بكر وعمر واجتهاداً لهما فلا يلزمنا قبوله، ومذهب الصحابي ليس حجة وإنما الحجة فيما قاله صاحب الشريعة صلوات الله عليه.
الفرع الرابع: ومن أدخل تحت جلده دماً زائداً على مقدار ما يعفى عنه ونبت عليه اللحم فإنه لا يلزمه إخراجه ولا قلعه، كما ذكرناه في مسألة العظم لما في ذلك من الحرج والمشقة، وهما مرفوعان من جهة الشرع.
وحكي عن الشافعي أنه قال في (الأم): يجب عليه أن يخرجه ويقلعه من جلده ويعيد كل صلاة صلاها مع ذلك الدم.
والمختار:ما قررناه في حكم العظم؛ لأنهما مستويان في الحرج والمشقة.
والعجب من الشافعي رضي الله عنه في تهالكه في إيجاب إخراج العظم والدم اللذين انجبر عليهما اللحم وصارا من جملة الجسد ولم يغتفر نجاستهما مع الاتصال، مع علمه بقول الرسول : ((بعثت بالحنيفية السمحة)). وبالتساهل والمسامحة في شيء من النجاسات واغتفارها في صور متعددة كالعفو عن محل النجو بعد الاستجمار على رأيه في السبيلين جميعاً وبالعفو عن طين الشوارع وزبلها المتحقق نجاسته وبالعفو عن دم البراغيث والبق وبالمسامحة عن القيح والصديد في البثرات التي تبدو في الوجه، فكيف أصر على نزع العظم والدم مع الاتصال والإقدام على الحرج والمشقة، ولم يغتفره كما اغتفرها في هذه الصور.
الفرع الخامس: قال الإمام الهادي: ولا يجوز للمرأة أن تصل شعرها بشعر النساء.
اعلم أن الشعور في تحليلها وتحريمها تجري على ضروب أربعة:
الضرب الأول منها: شعر طاهر لا خلاف في طهارته، وهو شعر ما يؤكل لحمه بعد الذكاة أو الجز في حال الحياة فما هذا حاله فلا خلاف في طهارته إذا لم يتصل به شيء من النجاسات.
الضرب الثاني: شعر نجس ولا خلاف بين أئمة العترة في نجاسته إلا الناصر، وهذا [هو] شعر الكلب والخنزير فإنه [لا] يستثنى شيء منهما سواءً كان مما تحله الحياة أو لا تحله.

(3/80)


الضرب الثالث: شعر طاهر في حال الحياة والممات عند أئمة العترة وهذا هو شعور بني آدم سواءً أخذ في حال الحياة أو في حال الموت.
الضرب [الرابع]: شعر طاهر في حال الحياة والموت، وهذا نحو شعر ما لا يؤكل لحمه ونحو شعر الميتة والكافر.
فإذا عرفت هذا وأرادت المرأة أن تصل شعرها بشعر طاهر من أحد الشعور التي ذكرناها نظرت في حالها، فإن كانت غير ذات زوج ولا سيد في حق الأمة فهل يحرم أو يكره؟ فيه احتمالان:
الاحتمال الأول: أنه يحرم عليها الوصل بالشعور الطاهرة أو بالخرق.
والحجة على هذا: ما روت أسما بنت أبي بكر أن امرأة أتت الرسو فقالت: يا رسول الله إن ابنتي أصابتها حصبة فتمزق شعرها أوَ أَصله؟ فقال الرسول : ((لعن الله الواصلة والمستوصلة " والواشمة والمتشمة والنامصة والمنتمصة والمفلِّجة للحسن المغيرة خلق اللّه، والمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال))(1).
فأما الواصلة: فهي التي تصل شعرها بغيره، وأما المستوصلة: فهي التي يوصل لها الشعر، وقيل: إن الواصلة هي التي تصل بين الرجال والنساء لفعل الفاحشة، والأول أظهر، وأما الواشمة: فهي المرأة التي تجعل في وجه غيرها من النساء وكفيها ويديها خالاً للحسن بغرزه بالإبرة وبدفنه بالنؤور(2)
وهو الصدأ، والموشومة: هي الطالبة للوشم أن يفعل بها هكذا. هذا هو تفسير أئمة اللغة والمذكور في غريب الهروي(3) وغيره.
__________
(1) راجع لسان العرب ج11 ص 727، والحديث المروي عن عائشة.
(2) في هامش الأصل: النؤور: النيلح وهو دخان الشحم يعالج به الوشم حتى يخضر. ا ه‍.…ر. ا ه‍.
(3) أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الباشاني، أبو عبيد الهروي صاحب الغريبين، غريب القرآن وغريب الحديث، وقد سبقت ترجمته. أعلام الزركلي 1/210.

(3/81)


وأما في العرف في ديارنا هذه فالواشمة هي التي تغرز حنك المرأة بالأبرة وتدفنه بالنؤور، والمستوشمة هي الطالبة لأن يفعل بها هكذا، وكل هذا إنما يفعل لطلب الحسن، وأما النامصة من النساء فهي التي تزيل الشعر من وجه غيرها وتدقق حاجبها مأخوذ من المنماص وهو الملقاط الذي يزال به الشوك، وأما المنتمصة فهي [التي] يفعل بها ما ذكرنا، وأما الواشرة من النساء فهي التي تشر أسنانها وتدققها تفعل ذلك الكبار من النساء تشبهاً بالصغار، وأما الموشرة فهي التي يفعل بها ذلك، وأما المتفلجات في قوله : ((لعن الله المتفلجات من النساء " )). فهن اللواتي يفرقن بين الأسنان عن الإتصال. فهذا الخبر دال على التحريم لما فيه من الوعيد باللعن ومثل هذا إنما يكون على الأفعال المحرمة.
الاحتمال الثاني: أن يكون مكروهاً لأنها تغر غيرها بكثرة الشعر وبما ذكرناه من هذه الأفعال وقد نهى رسول الله عن الغرر والتدليس وفي الحديث: ((ليس منا من غش " )). ولا يحرم ذلك عليها لأنه من الزينة بالأمور الطاهرة.
والمختار: هو الأول لما دل عليه ظاهر الحديث وهو دال على التحريم، ولأنها إذا كانت لا زوج لها ولا سيد فالإشتغال بهذه الأفعال يوجب الريبة ويدعو إلى فعل الفاحشة فلهذا كان محرماً.
وإن كان للمرأة زوج أو سيد في حق الجارية فهل يجوز ولا يكره أو لا يجوز؟ فيه احتمالان:
الاحتمال الأول: أنه يجوز ولا يكره.
والحجة على هذا: هو أن لها أن تَزَّين وهذا من الزينة المباحة.
الاحتمال الثاني: أنه لا يجوز، والدليل عليه هو ظاهر الخبر الذي رويناه فإنه لم يفصل بين أن يكون لها زوج أو لم يكن.
والمختار: في ذوات الأزواج وفي الإماء الموطوءات بالملك: تفصيل نشير إليه وحاصله أنا نقول: المأخوذ على من ذكرناه هو استعمال الزينة في كل الأحوال لأجل الدعاء إلى الوطء والاستمتاع.

(3/82)


والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ}[النور:31]. فقدم البعولة على غيرهم، لما كان استعمال الزينة إنما هو لأجلهم، ولأن غيرهم من سائر الأرحام المحارم لا ثمرة للزينة في حقهن وإنما الغرض ذكر ما يباح من إظهار الزينة. وقوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}[النور:31]. وفي هذا دلالة على استعمال الزينة وأنه لا يبدو فيها لغير الأزواج من الأرحام المحارم إلا ما ظهر وهو موضع الكحل والخاتم والخلخال. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها لبست فتخاً(1)
في أصابعها فرآها رسول الله فقال لها: ((ما هذا يا عائشة " )). قالت: هذه فُتُخ أتجمل بهن لك. فقال: ((أحسنت يا عائشة)).
ومن وجه آخر: وهو أن المأخوذ على ذوات البعول من النساء التجمل بالحلية واستعمال الطيب والتنظف، وكل ما كان داعياً إلى الوطء، وهذا معلوم لا يقع فيه نكير بين المسلمين في جميع ما ذكرناه. فإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول: الزينة في الوجه هي تحميره وتصفيف الطرة وترحيج(2)
الحواجب وتدقيقها وتفليج الأسنان(3)
ووشم الحنك بغرز الإبرة ودفنه بالنؤور ليكون أسود في مقابلة بياض الأسنان، وإزالة الشعر عن الوجه ليظهر رونقه وبهاؤه فإزالته من ملتقى الحاجبين وهو البلج. وثقب الأذن لتعليق الأخراس(4)
__________
(1) خاتم يكون بفص وبغير فص، اه‍لسان العرب ج3/40.
(2) في هامش الأصل: الرحج دقة في الحاجبين وطول، ورحجت المرأة حاجبها: دققته وطولته.
(3) في اللسان: وفلج الأسنان تباعد بينها، وثغر مفلج أفلج، ورجل أفلج إذا كان في أسنانه تفرق. اه‍2/346.
(4) يقصد الأخراص بالصاد المهملة. وفي لسان العرب: الخُرص والخِرص: القرط بحبة واحدة، والجمع: خرصة، وهي حلقة صغيرة من الحلي وهي من حلي الأذن. ا.ه‍.7/22.

(3/83)


ونقش الوجه بالحبر، والزينة في اليدين يكون بالخضاب بالحناء وتسويدهما بالحبر وهكذا الرِّجلان. فهذه الأمور كلها تكون مستحبة في حق ذوات البعول من النساء ومن كان لها سيد من الإماء، وهكذا القول في استحباب استعمال الطيب ولبس الثياب الغالية، وكل ما يكون داعياً إلى الوطء والإستمتاع فإنه يكون مستحباً لما ذكرناه. فأما الخبر الذي رويناه عن أسما بنت أبي بكر فإنه محمول على وجهين:
أحدهما: أن ذلك إنما ورد في حق من لا زوج لها لأن استعمال هذه الأمور في حق من لا زوج لها لا وجه يدعو إليه ولا ثمرة له فلهذا كان محرماً.
وثانيهما: أنه محمول على من تفعل ذلك لغير الأزواج وهذه عادة الزواني والمومسات، وعلى الجملة فإن هذه الأفعال جارية في حق نساء المسلمين من غير نكير، وفي هذا دلالة على إباحته وعلى كونه مستحباً لقوله : ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن " )). وبتمامه يتم الكلام على [ما] يتعلق بطهارة الأبدان والله الموفق للصواب

(3/84)


---
الفصل الرابع في بيان العورة ووجوب سترها للصلاة
ستر العورة واجب في غير الصلاة لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حيٍّ ولا ميت ))(1)،
فإن اضطر إلى كشفها للمداواة جاز ذلك؛ لأنه موضع حاجة وضرورة، وهل يجب ستر العورة في حال الخلوة في غير الصلاة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك غير واجب لأنه ليس هناك من ينظر إليها، ولم يحرم إلا النظر إليها.
وثانيهما: أنه يجب لقوله : ((لا تبرز فخذك )). ولم يفصل بين أن يكون هناك من ينظر إليها أو لا يكون. وهذا هو المختار لقوله لما سأله رجل فقال: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال له: ((احفظ عورتك إلا على امرأتك أو ما ملكت يمينك)). فقال الرجل: أرأيت لو كان أحدنا في خلوة؟ قال: ((فالله أحق أن يستحيى منه))(2).
فدل ذلك على المنع في الخلوة.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في بيان عورة الرجل وفيها مذهبان:
المذهب الأول: أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول الفريقين ومحكي عن مالك.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ما بين السرة والركبة عورة ))(3).
المذهب الثاني: أن العورة من الرجل ليست إلا القبل والدبر، وهذا هو رأي داود وطبقته من أهل الظاهر.
والحجة على هذا: قوله : ((احفظ عورتك إلا على امرأتك أو ما ملكت يمينك )).
__________
(1) أخرجه الترمذي عن ابن عباس.
(2) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وكانت له صحبة، قال: قلت: يا رسول الله...إلخ، أخرجه أبو داود والترمذي.
(3) لفظه في (المهذب) كما في (جواهر الأخبار): لما روى أبو سعيد الخدري عن النبي قال: ((عورة الرجل ما بين سرته وركبته)).
قال في(التلخيص): حديث أبي أيوب: ((عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته)) أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عنه، واسناده ضعيف، فيه عباد بن كثير، وهو متروك، ا ه‍1/226.

(3/85)


ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أن السابق إلى الفهم من اسم العورة إنما هو القبل والدبر فلهذا وجب قصرها عليهما.
والمختار: ما قاله علماء العترة وفقهاء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((الفخذ عورة ياعلي لاتنظر إلى فخذ حي ولا ميت))(1).
فأثبت بما ذكرناه أن غير القبل والدبر عورة وفي هذا دلالة على بطلان ما قالوه من قصر العورة على القبل والدبر.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: السابق إلى الفهم من العورة هو القبل والدبر فلهذا حملنا ما ورد من الأخبار عليه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أنه مقصور على إفادة القبل والدبر فما قلتموه لابد عليه من دلالة ولا دلالة على ما قالوه.
وأما ثانياً: فلو سلمنا ما ذكروه من أن السابق[إلى الفهم] عند الإطلاق من اسم العورة القبل والدبر لكنا نأخذ ما سوى القبل والدبر من دلالة ثانية فبطل ما قالوه.
الفرع الثاني: في السرة والركبة، هل تكونان عورة كلتاهما أو إحداهما؟ فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن الركبة عورة والسرة ليست بعورة، وهذا هو رأي الإمامين الهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وعطاء.
والحجة على هذا: ما نقرره، فأما الركبة فالذي يدل على كونها[عورة] قوله : ((كل شيء أسفل من سرته إلى ركبته فهو عورة " ))(2).
ووجه الحجة من هذا الخبر: وهو أن ظاهره دال على أن ما تحت السرة عورة ثم قال: ((إلى الركبة)). فدل ظاهره على أن ما دونهما ليس عورة فبقيت الركبة في الجملة التي هي عورة.
ومن وجه آخر: وهو أن الحد قد يدخل في المحدود وقد لا يدخل فهو موقوف على الدلالة الشرعية وكلا الأمرين محتمل، لكنا نُغَلِّب جانب الحظر على جانب الإباحة من جهة أن الحظر أحوط للدين خاصة فيما يتعلق بجانب العبادات فهو لا محالة أرجح من الإباحة.
__________
(1) أخرجه أبو داود عن علي.
(2) حكاه في(الشفاء).

(3/86)


وأما السرة فالذي يدل على أنها ليست من العورة، أمران:
أما أولاً: فقوله في هذا الخبر: ((كل شيء أسفل من سرته إلى ركبته فهو عورة " )) فعلق العورة على ما كان أسفل من السرة فبقيت السرة على حكم الأصل في أنها ليس عورة.
وأما ثانياً: فلما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال للحسن بن علي: أرني الموضع الذي كان رسول الله يقبله منك: فكشف عن ثوبه فقبل أبو هريرة سرته، فدل ذلك على أنها ليست عورة.
المذهب الثاني: أن السرة والركبة جميعاً ليستا من العورة، وهذا هو الأصح من أقوال الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته " ))(1).
ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أنه جعل عورة الرجل ما بين السرة والركبة ولفظ البين يستعمل في الوسط بين الشيئين، فيقال: فلان بيني وبينك. فإذن العورة ما بينهما وهما غير داخلين في العورة.
المذهب الثالث: أنهما جميعاً من العورة وهذا هو أحد أقوال الشافعي.
والحجة على هذا: أما عورة الركبة فقد ذكرنا دليله وأما عورة السرة فالحجة عليه ما روى أبو أيوب الأنصاري عن رسول الله أنه قال: ((ما فوق الركبتين عورة " )). وأجمعنا على أن ما فوق السرة ليس بعورة فبقيت السرة تحت العموم في كونها عورة.
المذهب الرابع: أن السرة عورة والركبة ليست بعورة وهذا هو أحد أقوال الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((ما بين السرة إلى الركبة عورة )).
ووجه الدلالة من هذا: هو أنه جعل الركبة غاية للتحريم وحداً له فيجب ألا يدخل الحد في المحدود لأن غاية الشيء حده ومنقطعه.
__________
(1) رواه] الحارث بن أسامة في مسنده من حديث أبي سعيد وفيه شيخ الحارث داود بن المحبر، رواه عن عباد بن كثير، عن أبي عبد الله الشامي، عن عطاء عنه، وهي سلسلة ضعف إلى عطاء. اه‍بلفظه من الجواهر 1/226.

(3/87)


والحجة على أن السرة عورة: ما ذكرناه من حديث أبي أيوب الأنصاري وهو قوله : ((ما فوق الركبة عورة )). ولم يفصل فدل على دخوله في العورة. فهذه هي المذاهب في بيان عورة الرجل قد ذكرنا وجوهها.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة من كون الركبة عورة والسرة غير عورة.
والحجة: ما ذكرناه عنهم، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن علي أنه قال: سمعت رسول الله يقول: ((الركبة عورة))(1).
وهذا نص في كونها عورة لا يحتمل التأويل.
فأما الدلالة على أن السرة غير عورة فهي أن الأدلة إنما تناولت الركبة في التحريم فبقي ما عداها على أصل الإباحة إلا ما دلت عليه دلالة شرعية.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
واعلم أن معتمدنا فيما ذهبنا إليه إنما هو سنن منقولة عن الرسول ، وما ذكروه أقيسة ضعيفة والأقيسة لا تعارض الأخبار خاصة في باب العبادات في الطهارة وستر العورة فإنه لا مجرى للأقيسة فيها.
قالوا: روي عن رسول الله أنه قال: ((ما بين السرة إلى الركبة عورة " )).فجعل الركبة غاية للتحريم وقد تدخل الغاية كقوله [تعالى]: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ }[المائدة:6]. وقد لا تدخل كقوله[تعالى]: {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ }[البقرة:187]. وإذا كان الأمر هكذا بطل الاحتجاج لأجل ما ذكرناه من الاحتمال.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد أجمعنا على تحريم الفخذ وأنه من العورة. والفخذ: عبارة عن العظم من عند الورك إلى ملتقى الساق، وقد علمنا أن بعضه داخل في الركبة، وبعض الساق أيضاً داخل فيه من جهة أن المفصل يجمعهما فلهذا وجب دخولها؛ لأنه لا يتم تحريم الفخذ إلا بدخول جزء من الركبة، ومن قال بتحريم البعض قال بتحريم الكل فلهذا وجب دخولها في التحريم.
__________
(1) حكاه في (الشفاء).

(3/88)


وأما ثانياً: فلو سلمنا أن الركبة حدٌ وأن الحد ربما دخل في المحدود وربما لم يدخل، لكن الدلالة التي ذكرناها وروينا فيها الأخبار دالة على دخولها فوجب القضاء بدخولها للدلالة وبطل الاحتمال لما ذكرناه.
قالوا: روى أبو أيوب الأنصاري عن الرسول أنه قال: ((ما فوق الركبتين عورة )). وفي هذا دلالة على خروج الركبة من العورة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن قوله: ((ما فوق الركبتين )). أن الفوق إنما ذكر على جهة الصلة والتأكيد. والغرض: الركبتان فما فوقهما عورة كما قال تعالى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ }[الأنفال:14]. أي: الأعناق.
وأما ثانياً: فهب أنه محتمل هاهنا، لكن الأخبار التي رويناها ترفع هذا الاحتمال لكونها صريحة في المقصود فلهذا حمل هذا عليها وفيه حصول الغرض.
الفرع الثالث: في بيان عورة المرأة، وفيها مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين، وهذا هو رأي الهادي في (الأحكام) والذي حصله السيدان الأخوان للمذهب، وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}[النور:31]. وقيل في تفسيرها: إنه موضع الكحل والخاتم. وهو الذي اختاره القاسم في رواية النيروسي وهو أن القدمين من المرأة عورة كرأي الهادي وما عدا ذلك من شعرها وبشرها فهو عورة لقوله : ((النساء عيٌّ وعورات ))(1).
ولم يخرج عن هذا إلا ما قام الدليل على كونه [غير] عورة ولم يقم إلا على ما ذكرناه، فبقي ما عدا الوجه والكفين على المنع والتحريم.
__________
(1) حكاه في (الشفاء)، وأخرج الترمذي عن ابن مسعود أن النبي قال: ((المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان)) ا ه‍. واستشرف الرجل الشيء: إذا نظر إليه نظر متطلع متحقق، كما فسره في (الجواهر).

(3/89)


المذهب الثاني: أن جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين، وهذا هو رأي الإمام القاسم الذي حكاه عنه أبو العباس، وهو محكي عن الثوري ورواية ثانية عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}[النور:31]. وقد قيل في تفسيره: موضع الكحل والخاتم والخلخال.
المذهب الثالث: أن جميع بدنها عورة إلا الوجه، وهو الذي حصله السيدان الأخوان لمذهب الهادي، وهو محكي عن أحمد بن حنبل وداود من أهل الظاهر.
والحجة على هذا: هو أن الشرع قد دل على أن جميع بدنها عورة إلا ما استثني ولم يقع الإستثناء بالشرع إلا وجهها من جهة أن الإجماع منعقد على كشفه للإحرام وعلى كشفه للنظر عند تحمل الشهادة، فبقي ما عدا الوجه على الحظر الشرعي.
المذهب الرابع: أن جميع بدنها عورة حتى ظفرها، وهذا شيء يحكى عن بعض أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((النساء عيٌّ وعورات )). فظاهره دال على أن جميعها عورة ولم يفصل بين عضو وعضو ولا بين شعر وبشر، وفي هذا دلالة على ما قلناه من عموم العورة في كلها.
والمختار: ما قاله الإمامان القاسم والهادي في (الأحكام) و(النيروسي) واختاره السيدان الأخوان من [أن جميع بدنها](1)
عورة ما خلا الكحل والخاتم.
__________
(1) ما بين القوسين غير موجود في الأصل، وهو كما يفهم من السياق بهذا المعنى إن لم يكن باللفظ نفسه.

(3/90)


والحجة لهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا تفصيلاً نشير إليه. وحاصله أن الله تعالى أعظم الأمر وشدد في حفظ العورات فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ}[الأحزاب:59]. وقال تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ }[النور:31]. وقال تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ }[النور:31]. وقال تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}[النور:31]. وقال تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ}[النور:31]..إلى آخر الآية. وفي الحديث عن الرسول أنه قال: ((أغروا النساء يلزمن الحجال )).
وقوله : ((صلاة المرأة في مخدعها أفضل من الصلاة في حجرتها ))(1).
وظواهر الكتاب والسنة دالة على حفظ عورات النساء والتأكيد في ذلك والمبالغة في البعد عن الإطلاع عليها، فإذا عرفت هذا فالظاهر أن جميع بدن المرأة عورة إلا ما أباحه الشرع ولم نجد الإباحة إلا في هذين العضوين وجهها وكفيها فيجب الإقتصار عليه والباقي داخل تحت الحظر كما قررناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: القدمان لاحقان بالوجه والكفين في كونهما ليسا من العورة لما ذكرناه من تفسير الآية بموضع الكحل والخاتم والخلخال.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فالتفسير المشهور عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}[النور:31]. إنما عنى الكحل والخاتم ولم يزد عليه ولا شك أن تفسير الصحابي أرجح من تفسير غيره فلهذا كان التعويل عليه.
__________
(1) أخرجه أبو داود عن ابن مسعود بلفظ: ((صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها)).

(3/91)


وأما ثانياً: فلأنه مُعَارَضٌ بالأحاديث الدالة على كونهما من العورة وإذا تعارض جانب الحظر وجانب الإباحة كان الميل إلى جانب الحظر أحق لما فيه من الحيطة للدين لقوله : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)).
قالوا: روي عن ابن مسعود أنه فَسَّرَ قوله[تعالى]: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}[النور:31]. بالثياب والقرط والدملج والخلخال والقلادة، فذكر الخلخال والمقصود موضعه، وفي هذا دلالة على أنه ليس عورة.
قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فنهاية الأمر أن هذا مذهب لابن مسعود ولا يلزمنا قبوله لأن قول الصحابي ليس حجة وإنما الحجة كلام صاحب الشريعة صلوات الله عليه.
وأما ثانياً: فلأنه أراد هذه الحلية ولم يرد مواضعها ليكون أدخل في النهي وأبعد عن الريبة لأنه إذا كان النهي متناولاً لهذه الحلية فكيف حال محالّها يكون أبعد لا محالة.
وأما ثالثاً: فلأنه لو أراد بذكر الخلخال موضعه للزم مثله في القلادة والقرط فيجوز الإطلاع عليه ولا قائل به.
والذي يدل على كونهما عورة ما روت أم سلمة قالت سألت رسول الله : هل تصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: ((نعم إذا خمرت الذراعين والقدمين)). وفي حديث آخر: ((إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها))(1).
وفي هذا دلالة على كونهما من العورة، ولأنه عضو سقط في التيمم فوجب أن يكون عورة من المرأة كالرأس.
قالوا: جميع بدنها عورة إلا الوجه.
__________
(1) لفظه في (الجامع): عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه أنها سألت أم سلمة زوج النبي ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تصلي في الخمار والدرع السابغ إذا غيب ظهور قدميها، أخرجه الموطأ وأبو داود، وفي رواية أخرى لأبي داود عن أم سلمة أنها سألت النبي أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال : ((إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها)) قال أبو داود: رواه جماعة موقوفاً على أم سلمة، ولم يذكروا النبي .

(3/92)


قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلقوله تعالى: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}. وأراد الكحل والخاتم هكذا جاء في التفسير.
وأما ثانياً: فلقوله : ((إذا أراد أحدكم أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها ))(1).
وفي هذا دلالة على أنهما ليسا عورة كما قلناه.
قالوا: جميع بدنها عورة حتى ظفرها محتجين بقوله : ((النساء عيٌّ وعورات )).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا نقول بموجبه وهو أن النساء كلهن عورات إلا ما خرج عن كونه عورة بدليل شرعي.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأدلة المبيحة لما تناولته فيجب العمل بموجب الأخبار فيما تناولته حذراً من تناقضها وتدافعها، وهذه طريقة مرضية أعني الجمع بين الأدلة الشرعية.
الفرع الرابع: في الأمَة.
قال الإمام القاسم: ولها أن تصلي بغير قناع لما روي أن عمر رضي الله عنه رأى أمة لآل أنس بن مالك قد قنعت رأسها فجذب قناعها وضربها بالدرة وقال: يالكاع اكشفي رأسك ولا تشبهي بالحرائر. فإذا عرفت هذا فما حد العورة من الأمة؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن عورتها ما بين السرة والركبة وهذا هو رأي أئمة العترة وهو الأصح من أقوال الشافعي.
قال الإمام أبو طالب: والأمة كالرجل في العورة.
والحجة على ذلك: ما روي أن أبا موسى الأشعري تكلم على المنبر وقال: لا أعرف أحداً أراد أن يشتري أمة فينظر ما بين السرة والركبة لا يفعل ذلك أحد إلا عاقبته. ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فجرى مجرى الإجماع على حكم المسَلَّمة لسكوتهم عن النكير عليه وفي هذا دلالة على كونه حجة.
__________
(1) وأخرج أبو داود عن جابر أن رسول الله قال: ((إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)) قال: فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها.

(3/93)


المذهب الثاني: أن جميع بدنها عورة إلا مواضع التقليب عند شرائها وهو ما يبدو عند مباشرة الخدمة مثل الكفين والذراعين والساقين والرأس، لأن ذلك تدعو الحاجة إليه وتمس إلى كشفه وما سواه لا تدعو الحاجة إليه ولا إلى كشفه فهو ممنوع منه، وهذا محكي عن بعض أصحاب الشافعي.
المذهب الثالث: أن عورتها كعورة الحرة خلا أنها تكشف رأسها لحديث عمر وهذا أيضاً يحكى عن الطبري من أصحاب الشافعي.
والمختار: ما قاله علماء العترة لما ذكرناه من حديث عمر وحديث أبي موسى وسكوت الصحابة رضي الله عنهم عليه وفي هذا دلالة على صحته.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: جميع بدنها عورة إلا مواضع التقليب.
قلنا: قد قررنا أن عورتها ما بين السرة إلى الركبة فإن كان مواضع التقليب تدخل فيما بين السرة إلى الركبة فلا وجه له لحديث أبي موسى، وإن كان مواضع التقليب ما وراء ما بين السرة والركبة فهذا مسلم ولا ننكره وهو موضع اتفاق.
قالوا: إن عورتها عورة الحرة خلا أنه لابد من كشف رأسها.
قلنا: هذا فاسد فإن المعلوم من حال الخلف والسلف من المسلمين بل الإجماع منعقد على أن حال الإماء مخالف لحال الحرائر من النساء في العورة وأن أحداً من العلماء لم ينكر تقليب الأمة في حال شرائها لما ذكرناه من أعضائها، وفي هذا دلالة على جواز الإطلاع على ما ذكرناه من الإماء بخلاف عورة الحرائر فافترقا.
الفرع الخامس: الأمة المدبرة والمكاتبة وأم الولد. فنذكر ما يتعلق بهن ثم نذكر ما يتعلق بعورة الخناثى ثم نردفه بعورة غير البالغين، فهذه أحكام ثلاثة نذكر ما فيها بمعونة الله:
الحكم الأول: في المدبرة والمكاتبة. وحكمهما حكم المملوكة في العورة لأن كل واحدة من هاتين بصدد الرق على تقدير العجز في المكاتبة وتقدير إفلاس السيد في حق المدبرة.
فأما أم الولد فهل تكون لاحقة بالمملوكة أم لا؟ فيه وجهان:

(3/94)


أحدهما: أنها لاحقة بالمملوكة في حق العورة وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة.
ووجهه: أنها مضمونة بالقيمة فأشبهت المملوكة.
وثانيهما: أنه يجب عليها التقنع، وهذا محكي عن مالك وابن سيرين.
ووجهه: أنها قد ثبت فيها سبب الحرية بمطلق الإستيلاد على رأي من يمنع من بيعها، وإما بموت السيد على رأي من جوَّز بيعها.
والمختار: هو الأول: لأنها بصدد الرق ولهذا يجوز بيعها كما سنوضحه في التدبير بمعونة الله تعالى.
الحكم الثاني: في الخناثى الذين التبس حالهم في الذكورة والأنوثة. فينظر في حاله فإن كان رقيقاً كانت عورته كعورة الأمة من السرة إلى الركبة، وإن كان حراً فإنا نأمره بستر جميع بدنه إلا الوجه والكفين لجواز أن يكون امرأة فإن خالف وستر ما بين السرة والركبة ثم صلى فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها غير لازمة لاحتمال أن يكون رجلاً.
وثانيهما: أنها لازمة له الإعادة لأن ذمته قد اشتغلت بفرض الصلاة وهو شاك في إسقاطها والأصل بقاؤها في ذمته.
والمختار: هو الأول لقوله : ((لا ظهران في يوم)).
الحكم الثالث: في عورة الصبي والصبية. فينظر في حالهما فإن كانا في حال التربية جاز الإطلاع على عورتهما؛ لأنهما غير مستقلين بأنفسهما ومحتاجان إلى المعالجة لأحوالهما والتعهد لمصالحهما، وفي الستر مشقة وحرج فلهذا سقط، وإن كانا قبل التسع وجب الستر للقبل والدبر لأن ذلك ممكن في حقهما فلهذا لم يكن ساقطاً، وإن كانا بعد التسع كانت عورتهما عورة البالغين من الرجال والنساء لأن ذلك زمان البلوغ فلهذا وجب الستر كالبالغين.
الفرع السادس: اعلم أنا قد ذكرنا وجوب ستر العورة في غير الصلاة، وأوضحنا أحوال العورة في الرجال والنساء والمماليك واللبَّس والأطفال، ونحن الآن نذكر وجوب ستر العورة في الصلاة وما يتعلق بها، ويتم المقصود بذكر أحكام:
الحكم الأول: هل يجب ستر العورة في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:

(3/95)


المذهب الأول: أن سترها واجب في الصلاة وهذا هو رأي أئمة العترة وهو محكي عن الفريقين.
والحجة على ذلك قوله تعالى:{يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } [الأعراف:31]. وظاهر الأمر للوجوب وأدنا الزينة: ستر العورة في الصلاة، وليس يتعلق بالمساجد إلا الصلاة والعبادة فلهذا كانت واجبة.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ }[المدثر:4]. وإذا وجب تطهيرها للصلاة وجب لبسها لستر العورة لأنه لا فائدة في تطهيره للصلاة إلا بلباسه.
الحجة الثالثة: ما روت عائشة عن الرسول أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ))(1).
ومعناه: التي بلغت المحيض، وإذا وجب ذلك في حق النساء وجب في حق الرجال إذ لا قائل بالفصل.
المذهب الثاني: أنه لا يجب ستر العورة في الصلاة. وهذا هو المحكي عن مالك وعنه في ذلك ثلاث روايات:
الرواية الأولى منها: حكي عنه أنه من صلى مكشوف العورة لم تجب عليه الإعادة وفي هذا دلالة على أن الستر للعورة غير واجب.
الرواية الثانية: أنه إن قصد أن يصلي مكشوف العورة بطلت صلاته.
الرواية الثالثة: أن ستر العورة غير واجب في الصلاة وإنما هو مستحب.
والحجة على هذا: هو أن شروط الصلاة إنما تجب بأمر شرعي فما ورد من الأدلة على اشتراط الستر في الصلاة بلفظ الأمر فإنه محمول على الاستحباب وما رود من ذلك بغير لفظ الأمر فليس فيه دلالة على الوجوب فلما كان الأمر هكذا قضينا بامتناع اشتراط ستر العورة في الصلاة.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة من وجوب اشتراط ستر العورة.
وحجتهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا، وهو ما رواه القاسم عن الرسول أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة امرأة بلغت بغير خمار ))(2).
__________
(1) أخرجه أبو داود والترمذي عن عائشة، والحائض هنا: التي بلغت الحيض، أي المكلفة سواء كانت من ذوات الحيض أم لا.
(2) سبق معناه في الحديث السابق، ولعلهما حديث واحد مع اختلاف في اللفظ.

(3/96)


وما روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فليستتر بثوبه )). فهذه الأخبار كلها دالة على وجوب سترة العورة في الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكره مالك.
قوله: إن شروط الصلاة إنما تجب بأمر شرعي، ولا دلالة شرعية على وجوب ستر العورة في الصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن نهاية الأمر في هذه الحجة هو عدم الدلالة على هذا الشرط ولسنا ننكر ذلك فإنا لا نوجب شرطاً في الصلاة من غير دلالة، فإذن النزاع بيننا وبين مالك مرتفع فهو يسلم إذا كانت هناك دلالة شرعية وجب قبولها ونحن نسلم أنه إذا لم يكن هناك دلالة شرعية فلا معنى لإيجابه، فقد ارتفع النزاع على هذه الصورة.
وأما ثانياً: فلأنا قد دللنا على وجوبه بما أوردنا من الآيات والأخبار الدالة على وجوب اشتراطه في الصلاة بما لا مدفع له إلا بالمكابرة والجحود.
ومن وجه آخر: قياسي، وهو أن الصلاة عبادة لها تعلق بالكعبة فوجب اشتراط ستر العورة فيها كالطواف.
الحكم الثاني: إذا انكشفت عورة المصلي في الصلاة فهل تبطل أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه إذا انكشف شيء من العورة مع القدرة على الستر بطلت الصلاة، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن هذا حكم يتعلق بالعورة فاستوى فيه القليل والكثير كالنظر.
المذهب الثاني: أنه إن انكشف من العورة المغلظة قدر الدرهم لم تفسد صلاته، وإن انكشف أكثر من ذلك بطلت صلاته، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.
والحجة على هذا: قولهم: كلما صحت الصلاة مع كثيره حال العذر فرق بين قليله وكثيره في غير حال العذر كالمشي والعمل.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه أن رسول الله قال: ((لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت )).

(3/97)


ووجه الدلالة من هذا: هو أنه نهى عن كشف الفخذ والنظر إليها ولم يفصل بين أن يكون في الصلاة أو في غيرها ولا بين قليل العورة وكثيرها والنهي يقتضي الفساد خاصة في العبادات.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: كلما صحت الصلاة مع كثيره للعذر فرق بين قليله وكثيره في غير حال العذر كالمشي والعمل.
قلنا: عن هذا جوابان:
أحدهما: من جهة الفرق. وحاصله: أن العمل اليسير إنما لم يكن مبطلاً للصلاة لأنه لا يمكن الإحتراز منه وتلحق به المشقة بخلاف ستر القليل من العورة فإنه يمكن التحرز منه ولا يلحق به مشقة، فلهذا لم يعف عنه فافترقا.
وثانيهما: من جهة المعارضة، وهو أن ما ذكروه يبطل بترك غسل أعضاء الطهارة فإنه يجوز ترك جميعها حال العذر عند عدم الماء ثم لا يفرق بين ترك القليل والكثير في غير حال العذر.
الحكم الثالث: اعلم أن الذي عليه أئمة العترة القاسمية والناصرية، أن العورات كلها مستوية من الرجال والنساء في أنه إذا انكشف شيء منها مقدور على ستره في ركن من أركان الصلاة بطلت عليه صلاته ووجب عليه استئنافها. وهو رأي الشافعي، ولا ينفعه أن يعيد بعد ذلك سترها لأنها قد بطلت كما لو ابتدأها مكشوفة أو انتقض وضوءه فإنه يجب استئنافها.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: العورة ضربان: مغلظة ومخففة، فإذا انكشف من المغلظة وهي السوءتان القبل والدبر من الرجال والنساء وما بين السرة والركبة من النساء، أكثر من قدر الدرهم بطلت الصلاة فأما مقدار الدرهم فما دونه فمعفو عنه لا يبطلها. وأما المخففة منها كالفخذ من الرجال وكالرأس والشعر والبطن والظهر والعضد والشعر من الحرائر، فإذا انكشف شيء منها فإنه لا يبطلها عند أبي حنيفة ومحمد إلا أن يكون المنكشف ربع العضو أو أكثر فإنه يبطلها. وقال: ولا يبطلها إلا أن يكون المنكشف من كل عضو كله أو نصفه، ذكره في (الجامع الصغير)(1).
__________
(1) لعله جامع الأصول لابن الأثير المتوفى سنة 606ه‍.

(3/98)


وحكي عنه أيضاً: أنها لا تبطل الصلاة إلا أن يظهر العضو الكامل أو أكثر من نصفه، وهذا كله إذا [لم] يسارع إلى سترها وصلى عارياً، فإن سترها على الفور صحت صلاته ومضى عليها ولهم على ما زعموه حجتان:
الحجة الأولى: قولهم: إن كشف العورة جارٍ مجرى النجاسة، وقد تقرر أن النجاسة يختلف قليلها وكثيرها فيعفا عن قليلها دون كثيرها فهكذا حال العورة والجامع بينهما هو: أن كل واحدة منهما شرط في صحة الصلاة.
الحجة الثانية: قالوا: العورة لا يتعدى حكمها عن محلها وموضع كشفها فصارت كالنجاسة في أنها لا يتعدى حكمها عن محلها إلى غيره، وثمرة هذا: أن النجاسة يجب غسلها عن محلها ولا تجب فيها إعادة الوضوء فهكذا حال العورة يجب سترها ولا يجب لأجلها إعادة الصلاة.
والمختار: ما قاله علماء العترة ومن وافقهم.
والحجة على ما قالوه: قوله : ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار )). ولم يفصل بين يسير الرأس وكثيره، وقال للذي رآه مكشوف الفخذ: ((غط فخذك))(1)
ولم يخص موضعاً دون موضع، وإذا ثبت أن تغطية الجميع واحدة فمن ترك تغطية شيءٍ منها مع القدرة على ستره بطلت صلاته كما لو ترك أكثر من قدر الدرهم أو ترك أكثر من النصف والربع.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: كشف العورة جار مجرى النجاسة فيجب أن يفترق الحال بين قليلها وكثيرها فهكذا حال العورة.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) نقل في (الاعتصام)1/350 عن (أصول الأحكام) و(الشفاء)، أن رسول الله مر بخزيمة وهو كاشف فخذه، فقال: ((غطها فإن الفخذ عورة)).

(3/99)


أما أولاً: فمن جهة الفرق، وهو أنا لا نسلم أن ستر العورة كالنجاسة بل هما مختلفتان من جميع الوجوه، وبيانه: أن الإنسان إذا كان معه ثوب جميعه نجس وهو لا يجد ثوباً غيره فإنه يصلي فيه ولا يصلي عارياً لأن حكم العورة آكد من حكم النجاسة على ما قررناه من قبل، وهكذا فيمن وجد ثوباً ديباجاً ولم يجد غيره فإنه يصلي فيه ولا يصلي عارياً لأن تحريم كشف العورة أشد من تحريم لبس الديباج على الرجال. وإذا تقرر هذا فلا يمتنع أن يعفى عن يسير النجاسة، ولا يعفى عن يسير العورة فافترقا.
وأما ثانياً: فمن جهة الجمع، وهو أنا لو خلينا والقياس لسوينا بينهما ولم نعف عن يسيرهما جميعاً لأنهما من شرط صحة الصلاة خلا أن الدلالة الشرعية وردت بتخصيص يسير النجاسة، فلا جرم استحسنا جوازه لعموم البلوى فيه وشدة الحاجة، ولم تقم دلالة على العفو عن يسير العورة فلهذا بقي على أصل القياس في التحريم.
قالوا: العورة لا يتعدى حكمها عن موضع كشفها فصارت كالنجاسة فإنه لا يتعدى حكمها عن محلها إلى غيره.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن النجاسة لا يتعدى حكمها عن محله، ولهذا فإن من بال وجب عليه تجديد الوضوء في غير محل النجاسة وهكذا خروج المني فإنه يوجب الغسل في غير محل النجاسة ونحو قطرات الحيض والنفاس فإنهما يوجبان الغسل في غير محل النجاسة.
وأما ثانياً: فلأنا لا نقول: بأن النجاسة نجاستان مغلظة ومخففة. ولا نقول في العورة: عورتان مغلظة ومخففة. بل نقول: إن جميعها عورة يجب سترها بكل حال وجميع النجاسات يجب إزالتها من غير تفصيل كما ذكروه، وإذا تقرر هذا وجب أن يكون حال العورة كحال النجاسة في مساواة القليل للكثير.

(3/100)


الحكم الرابع: ذكر السيد أبو العباس، أن المصلي إذا انكشفت عورته وقد أدى من الركن مقدار الفرض ثم أعاد سترها قبل أن يأخذ في ركن آخر أجزته صلاته، وإن لم يكن قد أدى من الركن قدر الفرض أو لم يعده حتى أخذ في ركن آخر لم تجزه الصلاة وعليه الإعادة، وما ذكره محكي عن أصحاب أبي حنيفة وهو نظر دقيق حسن وحملوا ما حكي أن أبا جهل(1)
القى جيفة على الرسول وهو يصلي فجاءت فاطمة فأزالتها عنه ومر في صلاته ولم يقطعها على هذا التفصيل(2).
وحاصل ما قالوه، وهو أن النجاسة وقعت بعد إكمال الركن فلا يؤثر طريانها بعد كماله وقبل الشروع في الركن الثاني حتى لا يقع من أوله على فساد، فإن وقعت على خلاف هذين الوجهين إما قبل تمام الأول وإما بعد الشروع في الثاني كانت مفسدة للصلاة لا محالة.
فأما الإمامان الأخوان، فلم يفصلا هذا التفصيل بل قالا: إن إنكشاف العورة مبطل للصلاة قليلها وكثيرها(3)
__________
(1) هو: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أشد الناس عداوة للنبي في صدر الإسلام [وحتى قتل مع المشركين في معركة بدر في السنة الثانية للهجرة 624م] وأحد سادات قريش وأبطالها في الجاهلية، قال صاحب عيون الأخبار: سودت قريش أبا جهل ولم يغض شاربه فأدخلته دار الندوة مع الكهول، أدرك الإسلام، وكان يقال له أبا الحكم، فدعاه المسلمون أبا جهل، ضل على عناده وتحريضه لقريش ولقبائل العرب ضد الإسلام رغم ما ظهر من يقينه بصدق رسول الله ، واستمر على هذا الحال حتى قتل في وقعة بدر الكبرى. ا ه‍الأعلام للزركلي 5/86 بتصرف.
(2) وهو قياس كشف عورة المصلي إذا عاد وسترها على وقوع النجاسة عليه أثناء الصلاة فأزالها بحكم أن كليهما مفسد لها إذا لم يفعل ذلك، والله أعلم، وهذا طرف من حديث أخرجه بكماله البخاري ومسلم.
(3) يقصد: قليل العورة وكثيرها.

(3/101)


على أي وجه وقعت وهذا هو الأقيس والأحسن. وما قاله أبو العباس هو الأدق والأغوص. فهذا ما أردنا ذكره في الأحكام المتعلقة بالعورة ونرجع إلى التفريع.
الفرع السابع: وأقل ما يجزي المرأة في ستر العورة من الثياب: الدرع والخمار إذا كان الدرع سابغاً لما روت أم سلمة قالت: يا رسول الله فالمرأة، لما ذكر الإزار، قال: ((ترخي شبراً لا تزيد عليه " )). قالت: إذاً ينكشف عنها. قال: ((فذراع))(1).
ولما ذكرناه من حديث عائشة: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " )).
والمستحب أن تصلي المرأة في ثلاثة أثواب قميص سابغ يغطي بدنها وقدميها، وخمار يغطي رأسها وعنقها، وإزار غليظ فوق القميص والخمار.
روي ذلك عن عمر وابن عمر وعائشة ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف من جهة الرسول ، ويستحب أخذ الجلباب فوق الدرع والخمار لما فيه من زيادة الستر والحفظ على العورة ولقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ}[الأحزاب:59].
قال أبو عبيد: الجلباب: هو الخمار والإزار.
وعن الخليل بن أحمد: الجلباب أوسع من الخمار وألطف من الإزار، وهذا هو الأصح؛ لأنه زيادة عليهما فيجب أن يكون مغايراً لهما.
ويستحب أن يكون الجلباب كتافاً أي موضوعاً على كتفيها أو يكون كفاتاً أي جامعاً لثيابها أخذاً من قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً " }[المرسلات:25]. أي: تكفت الأحياء في البيوت وتكفت الأموات في القبور.
__________
(1) جاء بلفظه في (الشفاء) و(الأحكام).

(3/102)


الفرع الثامن: وأقل ما يجزي الرجل أن يصلي فيه ثوب واحد فإذا صلى فيه وحده فالمستحب أن يستر منكبيه وهما رأسا الكتف وهما من الإنسان المنكب ومن الفرس المنسج ومن الجمل الجارك(1) والغارب. ويستر هبريتيه. والهبرية: هي القطعة من اللحم، وهما عبارة عن اللحمتين اللتين على لوح الإنسان. ويستر ظهره والظهر معروف لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء " ))(2).
ويروى: ((على منكبه)). والقميص الواحد يجزي، فإن كان فتحه واسعاً فإنه يزره بشوكة وإن كان ضيقاً لم يزره لما روى سلمة بن الأكوع(3)
قال: قلت يا رسول الله إنا نكون في الصيد أفيصلي أحدنا في القميص الواحد؟ قال: ((نعم وليزره ولو لم يكن إلا أن يخله بشوكة )). وإن كان في القميص خرق وستره بيده جاز ذلك لأنه ستر طاهر فأشبه الثوب فإن لم يجد إلا الإزار فإنه يأتزر به على حقويه، ويستحب أن يجعل على عاتقه شيئاً فإن لم يجد طرح عليه حبلاً فإن لم يجد إلا السراويل فإنه يصلي فيه ويجعل على عاتقه شيئاً لما ذكرناه. هذا كله كلام في أقل ما يجزي.
__________
(1) المنسج بكسر الميم: للفرس بمنزلة الكاهل للإنسان، والجارك من البعير. ا ه‍لسان 2/377.
(2) أخرجه الستة إلا الموطأ والترمذي عن أبي هريرة بلفظه.
(3) سلمة بن عمرو بن سنان الأكوع الأسلمي، صحابي من الذين بايعوا تحت الشجرة، غزا مع النبي غزوات منها: الحديبية وخيبر وحنين، وكان شجاعاً بطلاً رامياً عداءً، وهو ممن غزى إفريقية أيام عثمان، له 77 حديثاً، توفي بالمدينة عام 74ه‍693م. ا ه‍(الأعلام) 3/113، عن طبقات ابن سعد وطبقات أفريقية والروض الآنف، وتهذيب ابن عساكر وغيرها.

(3/103)


وأما ما يستحب، فالمستحب للرجل أن يصلي في قميص ورداء أو قميص وإزار أو قميص وسراويل أو إزار ورداء. لما روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق من تزين له))(1).
فإن اجتمع قميص وثوب وأراد أن يصلي في أحدهما فأيهما يكون أولى؟ فالقميص أولى لما روي أنه كان أحب الثياب إلى الرسول القميص، ولأنه أعم في الستر وأصون للعورة، فإن لم يكن هناك قميص واجتمع إزار ورداء وأراد الصلاة في أحدهما فأيهما يكون أولى؟ فالرداء أولى لسعته فليحتف ويخالف بين طرفيه على عاتقيه. وإن اجتمع إزار وسراويل فأيهما يكون أولى؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الإزار أحق لأن السراويل تصف العورة بخلاف الإزار.
وثانيهما: أن السراويل أحق لأنها أجمع للستر.
والمختار: أنهما سواء.
ويكره اشتمال الصماء لما روي عن الرسول أنه نهى عن اشتمال الصماء. واختلف في صفتها على تفسيرين:
فالتفسير الأول: رأي أهل اللغة، وصفتها: أن يشتمل الرجل في ثوب واحد فيجلل به جسده ويدخل يديه من داخل الثوب ولا يترك ليديه منفذاً من أحد الجانبين يخرجهما منه. وإنما سميت صماء؛ لأنه سد على يديه المنافذ مأخوذ من الصخرة الصماء التي ليس فيها صدع. ولم يذكر ابن الصباغ في تفسيرها في كتابه الشامل إلا هذا الوجه.
التفسير الثاني: حكاه أبو عبيد عن الفقهاء. وصفتها: هو أن يشتمل الرجل بالثوب الواحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجة.
قال أبو عبيد: والفقهاء اعلم بالتأويل.
والمختار: أن ما قاله أهل اللغة أحسن من جهة الإشتقاق، وما قاله الفقهاء أجود من جهة الفتوى لمطابقته للنهي من جهة الرسول لما فيه من ظهور العورة.
ويكره السدل وأن يغطي فاه في الصلاة لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه نهى عن السدل وأن يغطي فاه في الصلاة.
__________
(1) حكاه في (المهذب) عن ابن عمر.

(3/104)


قال أبو عبيد: والسدل أن يرخي الرجل إزاره من جانبيه ولا يضم طرفيه بيده. ويقال لإرخاء الستر: سدل.
ويكره للمرأة أن تتنقب في الصلاة لأن وجهها ليس عورة، والنقاب: هو شيء من الثياب ترخيه المرأة على وجهها فيه ثقبان لموضع العينين، ويكره البرقع للمرأة في الصلاة لمثل ما ذكرناه في النقاب. والبرقع: هو شيء رقيق ترخيه المرأة على وجهها تبصر من ورائه لرقته.
الفرع التاسع: فإن لم يجد ما يستر عورته إلا ورق الأشجار والحشيش فإنه يلزمه أن يستتر بذلك لأنها سترة طاهرة يمكنه الستر بها فوجب عليه استعمالها في ستر العورة كالأثواب، فإن لم يجد إلا طيناً طاهراً فهل يلزمه أن يستتر به أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: وجوبه، وهو الأصح من قولي الشافعي؛ لأنها سترة طاهرة فأشبه الثوب. ذكره المحاملي من أصحاب الشافعي، وعلى هذا يلزم استعماله سواء كان غليظاً أو رقيقاً إذا كان ساتراً للعورة ويلصق بجسمه، فإن لم يجد من الأثواب إلا ما يستر بعض العورة فإنه يستر القبل والدبر لأنهما أغلظ من غيرهما وأفحش في الإنكشاف، فإن لم يجد إلا ما يستر به أحدهما فأيهما يكون به أحق؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن القبل أحق لأنه لا يستتر بغيره والدبر مستور بالإليتين ولأنه يستقبل به القبلة.
وثانيهما: أن الدبر أحق لأنه أفحش في العورة في حال الركوع والسجود.
والمختار: أنهما سواء فيكون مخيراً في ستر أيهما شاء، ويؤيد هذا ما روي عن الرسول أنه قال: ((احفظ عورتك إلا عن زوجتك )) ولم يفصل بينهما، فإن خالف وستر بذلك فخذه أو سائر عورته غير الفرجين جاز ذلك لأن حكم الجميع واحد في وجوب الستر ولكنه قد خالف المستحب من ذلك.

(3/105)


الفرع العاشر: قال الإمام الهادي في الأحكام: ومن ابتلي بالعري صلى قاعداً متربعاً ويضع على عورته ما أمكن وقدر عليه من الحشيش وغيره فإن لم يجد ذلك ستر عورته بيده اليسرى ويومئ كإيماء المريض ولا يستقل من الأرض، واعلم أن هذا الفرع قد اشتمل على أحكام تتعلق بالعورة نفصلها بمعونة الله تعالى:
الحكم الأول: إذا كان عارياً فهل يصلي قائماً أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه يصلي قاعداً متربعاً، وهو رأي الإمامين الهادي والمؤيد بالله ومحكي عن مالك والأوزاعي والمزني من أصحاب الشافعي وحكاه المسعودي عن الشافعي.
والحجة على هذا، هو أن القيام والقعود والركوع والسجود لها أبدال يرجع إليها عند تعذر الإتيان بها بخلاف ستر العورة فإنه لا بدل له فلهذا كان أحق بالتقديم.
ومن وجه آخر: وهو أنه قادر على ستر العورة المغلظة بالقعود فلا يجوز له تركه كما إذا وجد ثوباً.
المذهب الثاني: أنه يصلي قائماً وهذا هو رأي الشافعي ومحكي عن زفر.
والحجة على هذا: قوله : ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً )). ولم يفصل بين العريان وغيره.
ومن وجه آخر: وهو أنه قادر على القيام فلا يجوز له تركه كما لو كان لابساً.
المذهب الثالث: أنه مخير بين أن يصلي قائماً أو يصلي قاعداً، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن ستر العورة فرض واجب على المصلي والقيام فرض من فروض الصلاة وقد دفع العريان إلى ترك أحدهما ولا مزية لأحدهما على الآخر فلهذا كان مخيراً بينهما ولا ترجيح لأحدهما على الآخر.
والمختار: ما عول عليه الإمامان الهادي والمؤيد بالله ومن تابعهما على هذه المقالة.
والحجة لهم ما ذكرناه من قبل. ونزيد هاهنا وهو أنا وجدنا نظر الشرع إلى تأكيد المحافظة على ستر العورة وصيانتها عن الظهور والإطلاع عليها شديد وأن الوعيد على إبرازها عظيم ولو لم يكن إلا ما نزل في سورة (النور)(1)
وما ورد في الأخبار من التأكيد على حفظها.
__________
(1) النور: 30-31.

(3/106)


ومن وجه آخر: وهو أنا نرى الشرع قد واضب على ستر العورة وأسقط القيام، فلهذا فإنه يجوز تأدية النوافل على الراحلة مع القدرة على القيام ولم يرخص في سترة العورة في سفر ولا حضر ولا نافلة ولا فريضة مع القدرة عليها.
ومن وجه آخر: وهو أن ستر العورة يحتاج إليه في جميع الصلاة بخلاف القيام، فإنه إخلال بركن من أركانها وفرض من فروضها للعذر.
ومن وجه آخر: وهو أن القيام له بدل يقوم مقامه بخلاف ستر العورة فإنه لا بدل له. فهذه الأوجه كلها دالة على أن ستر العورة أحق بالمحافظة من القيام.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي أنه قال لعمران بن حصين: ((صل قائماً)). فأمره بالقيام فدل على وجوبه إذا كان عارياً.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا محمول على ما إذا كان مستور العورة.
وأما ثانياً: فلأن هذا مُعَارض بما ذكرناه من التفات الشرع إلى المحافظة على ستر العورة بما لا مطمع في إنكاره.
قالوا: العاري مستطيع للقيام والقعود والركوع والسجود فيجب الإتيان بها ولا يعذر في تركها.
قلنا: العاري لا يمكنه الإتيان بجميع الفروض ولا بد له من ترك بعضها لأجل العذر والإتيان بالبعض، فيجب أن يأتي بآكدها ووجدنا ستر العورة آكد من الجميع فلهذا وجب الإتيان به كما قررناه من قبل.
قالوا: القيام والقعود والركوع والسجود أركان الصلاة فلا يجوز إسقاطها بالعجز عن ستر العورة كسائر الأركان.
قلنا: إنما لا يجوز الإخلال بهذه الأركان مع كون العورة مستورة، فأما مع العذر في كشفها فيجوز الإخلال بها لما ذكرناه من الترجيح الذي أوضحناه من قبل.
قالوا: إذا صلى قائماً فقد حصل له الوفاء بثلاثة أركان، القيام والركوع والسجود. وإذا صلى قاعداً فإنما يحصل له سترة العورة لا غير.
قلنا: إذا صلى قاعداً حصل له ستر العورة المغلظة التي يحتاج إليه في جميع أفعال الصلاة وما عداها فحكمه أخف فلهذا كانت المحافظة عليها أحق من غيرها.

(3/107)


وأما من قال بالتخيير كما حكي عن أبي حنيفة فقد قال: هما فرضان واجبان لا تصح الصلاة إلا بفعلهما فلا ترجيح لأحدهما على الآخر.
قلنا: إنه لا مقال في كونهما واجبين وفرضين من فروض الصلاة لكنا قد دللنا على أن ستر العورة أحق بالمحافظة وأولى بالمواضبة فلهذا كان أحق.
الحكم الثاني: أن الواجب أن يصلي قاعداً متربعاً، وقد قررنا صفة التربيع في صلاة العليل والمعذور فأغنى عن الإعادة، ويضع على عورته شيئاً من حشائش الأرض لأن الواجب ستر العورة بكل ممكن، فإذا تعذر اللباس لم تتعذر الحشائش ويومئ للركوع والسجود، يكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه لما ورد في الخبر عن الرسول فيمن علمه ممن لا يقدر على القيام. فإن صلى عرياناً قاعداً فهل تجب عليه الإعادة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تجب عليه الإعادة لأن ما هذا حاله فهو عذر نادر كما لو لم يكن له عذر.
وثانيهما: أن الإعادة غير واجبة عليه وهذا هو المختار. لقوله : ((لاظهران في يوم )). ولأن العري عذر عام وربما اتصل ودام وقد يعدم اللباس في السفر والحضر فلو ألزمناه الإعادة لكان في ذلك مشقة وحرج.
الحكم الثالث: في المصلي إذا لم يجد سترة فدخل في الصلاة وهو عريان ثم وجد السترة في أثناء الصلاة. أوصلت الأمة مكشوفة الرأس فأعتقت في أثناء الصلاة ثم وجدت ما تستر به رأسها، فإن كانت السترة قريبة منهما فالواجب عليهما تناولها واستتارهما بها ويتمان صلاتهما لأن ذلك عمل قليل يفعل لإصلاح الصلاة، وإن كانت السترة بعيدة منهما تحتاج إلى أن يمشي إليها خطوات فإن كان هناك من يناولهما السترة فإن ناولهما سريعاً صحت صلاتهما، وإن طال الإنتظار فصبرا إلى أن ناولهما الغير فهل تبطل صلاتهما أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها لا تبطل الصلاة لأنه انتظار واحد فلم تبطل به الصلاة كالإمام إذا انتظر المأموم في الركوع.
وثانيهما: أنها تبطل لأنهما تركا السترة مع القدرة عليها.

(3/108)


وإن لم يكن هناك من يناولهما السترة فهل تبطل صلاتهما أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: بطلان الصلاة لأنهما يحتاجان إلى عمل كبير وذلك ينافي أعمال الصلاة.
وثانيهما: أنها لا تبطل ويلزمهما المسير إلى السترة ويستتران لأن هذه أفعال يقصد بها إصلاح(1)
الصلاة فلا تكون مفسدة لها.
وإن اعتقت الأمة ولم تعلم بالعتق حتى فرغت من الصلاة أو علمت بالعتق وجهلت وجوب السترة عليها فهل تلزمها الإعادة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تجب عليها الإعادة لأنها قد أخلت بشرط من شروط الصلاة وهو السترة.
وثانيهما: أنها لا تجب عليها الإعادة لأنها معذورة بالجهل وقد قال : ((لا ظهران في يوم)).
والمختار في مثل هذه المسائل التي وقع فيها الخلاف: أن الوقت إذا كان باقياً وجب عليها الإعادة لأن الخطاب مع بقاء الوقت متوجه إليها، وإن كان الوقت فائتاً لم يجب عليها القضاء، وقد قررناه من قبل فلا وجه للإعادة.
الحكم الرابع: وإذا اجتمع جماعة عراة رجال ونساء فإن النساء لا يصلين مع الرجال لأنا إن قلنا: يقفن مع الرجال في صف خلفهم فإنهن يبصرن عورات الرجال لأنهن لا يمكنهن غض أبصارهن، وإن كان هناك حائل بينهن وبين الرجال وقفن فيه وصلى الرجال وحدهم وصلى النساء وحدهن وكان أحق لما فيه من غض البصر عن العورات. وإن لم يكن هناك حائل فهل يصلي الرجال جماعة أو فرادى؟ فيه طريقان نذكرهما:
الطريق الأول: التخيير بين أن يصلوا جماعة أو فرادى، ووجهه أنه قد تقابل هاهنا أمران فضيلة الجماعة وترك نظر بعضهم إلى عورة بعض فلهذا حصل التخيير، والأولى إحراز فضيلة الجماعة لأنه لا مندوحة عنها، وترك نظر بعضهم إلى عورة بعض يمكن إحرازه بغض البصر عن ذلك.
الطريق الثاني: استحباب الإنفراد، ووجهه أن الجماعة فضيلة وترك النظر إلى العورة واجب، فلا جرم قدمنا الواجب على ما هو فضيلة.
__________
(1) في الأصل: أفعال، ولعله خطأ من الناسخ.

(3/109)


فإذا صلى الرجال جماعة فإن الإمام يقف وسطهم ويكونون صفاً واحداً لأن ذلك يكون أغض لأبصارهم، فإن لم يمكن إلا صفين فلا بأس في صلاتهم صفين ويغضون أبصارهم.
فأما النساء فإنهن يصلين جماعة لأن سنة الموقف في حقهن لا تتغير بالعري كما سنوضحه في صلاة الجماعة بمعونة الله.
الحكم الخامس: وإن كان مع الرجال رجل يصلح للإمامة معه سترة، فالأولى أن يصلوا جماعة لأنه يمكنهم الجمع بين فضيلة الجماعة وسنة الموقف بأن يكون الإمام متقدماً عليهم، وإن كان مع رجل سترة يزيد على ستر عورته استحب له أن يعير العراة لأنها إعانة على تأدية الواجب لقوله : ((الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه )). فإن أعار واحداً منهم فهل يلزمه قبول العارية أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يلزمه قبول العارية لما فيه من الدخول تحت مِنَّة الغير. وإن وهبت له السترة لم يلزمه قبولها لما فيه من المِنَّة والمنة لله في قبول الصلاة عارياً.
وإن اجتمع رجل وامرأة عاريين، ومع رجل سترة تكفي أحدهما وأراد الصدقة بها على أحدهما، كانت المرأة أحق لأن عورتها أغلظ فسترها يكون أحق. وإن أعار صاحب السترة جميع العراة أو أباحها لهم فإنهم يصلون فيها واحداً واحداً فإن كانت النوبة لا تفضي إلى أحدهم إلا وقد فات الوقت جاز انتظارها وإن فات الوقت لأنه لا تجوز الصلاة عارياً مع وجود السترة كما لو وجد الماء وخاف من استعماله في الوضوء فوات الوقت فإنه يستعمله وإن فات الوقت لأنه واجدٌ للماء فلا يجوز له العدول إلى غيره كما مر بيانه في التيمم.

(3/110)


الحكم السادس: قال الإمام الناصر: ولا يجوز للعبد أن ينظر إلى شعر مولاته ولا إلى شعر الحرة لأن رأس الحرة وشعرها عورة بالإجماع وليس بينها وبين مملوكها نكاح ولا ملك يبيح الوطء، والنظر إلى العورة إنما يجوز للضرورة والعذر، ويجوز النظر إلى وجه الحرة وكفيها له ولسائر الأجانب لقوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}[النور:31].
وهل يشترط في النظر إلى الوجه والكفين للأجانب ألاَّ تقترن به شهوة؟ فيه تردد. فظاهر الآية دال على الإباحة من غير شرط، وعدم اقتران الشهوة لابد فيه من دلالة ولا دلالة هاهنا تدل على ذلك فبقي ما ذكرناه على الإباحة من غير شرط.
ويجوز للمولى أن ينظر إلى جميع مملوكته ومدبرته وأم ولده، ويجوز له وطئهن بملك اليمين، ولا يجوز له وطء المكاتبة ولا النظر إلى عورتها ما دامت على كتابتها لأنها قد صارت أملك بنفسها لأجل كتابتها.
والمملوكة إذا زوجها من مملوكه أو من غيره لا يجوز له الإطلاع على عورتها ولا وطئها لأن زوجها قد صار أملك بها كالأجنبية.
ويجوز لكل واحد من الزوجين أن ينظر إلى عورة صاحبه، وهكذا حال الخصيان من العبيد الذين هم قد ذهبت مذاكيرهم لا يجوز لهم الإطلاع على عورات النساء ولا الدخول عليهن من غير إذن لأنهم قد صاروا أجانب من جملة الرجال الأجانب في العورات، والمثلة التي حصلت فيهم بإذهاب آلة النكاح في حقهم لا تبيح لهم الإطلاع على عورات النساء لأن الرجولية والأجنبية والشهوة حاصلة في حقهم فلا وجه لإباحة الإطلاع.

(3/111)


الحكم السابع: في مسألة ذكرها ابن الصباغ في كتابه (الشامل) قال: إذا قال لأمته: إن صليت مكشوفة الرأس فأنت حرة الآن. فإنها إذا صلت مكشوفة الرأس صحت صلاتها ولم تعتق قبل الصلاة لأن هذه صفة باطلة من جهة أن تقدم المشروط على الشرط محال فيكون بمنزلة إيقاع العتق في الزمان الماضي. هذه ألفاظه، وأراد أن قوله: فأنت حرة الآن. لا معنى للعتق في الحال لأنه جواب للشرط فلا تعتق إلا بحصول الصلاة مكشوفة الرأس فلو قضينا بعتقها في الحال لبطل التعليق وكان المشروط متقدماً على الشرط.
قاعدة: اعلم أن جميع ما أسلفناه من الشرائط المعتبرة في صحة الصلاة كالطهارة من الحدث والطهارة من النجس في الثوب والمكان والبدن وستر العورة واستقبال القبلة ودخول الوقت فهو عام في الرجال والنساء ولا يخرج عن ذلك إلا ما استثني في حق النساء ودلت دلالة على خروجهن عنه، كلبس الحرير والذهب وغير ذلك مما قامت عليه الدلالة الشرعية ونحو المنع من دخول المساجد لما يلحق من التهمة وظهور الريبة. وما ورد عن الرسول : ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله )). فإنه محمول على ما كان في زمنه فأما بعد زمانه فقد وقع الإختلاط وحصلت الجرأة وكثر الفسوق، ويؤيد ما ذكرناه ما روي أن عمر رضي الله عنه لما روى هذا الحديث وكان رأيه جواز دخولهن المساجد وتسويغه، قال له ولده عبيدالله بن عمر(1)
__________
(1) عبيد الله بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي، صحابي من أنجاد قريش وفرسانهم، ولد في عهد رسول الله وأسلم بعد إسلام أبيه، ثم سكن المدينة، وغزا إفريقية مع عبد الله بن سعد، ورحل إلى الشام في أيام علي، فشهد صفين مع معاوية وقتل فيها سنة 37ه‍. ا ه‍أعلام 4/195 عن طبقات ابن سعد والنووي والاستيعاب ومقاتل الطالبيين، وغيرها.

(3/112)


: والله لنمنعهن. فقال: يالكع أحدثك عن رسول الله وتحدثني عن رأيك؟ فقال: إنه لم يدر ما أحدثن بعده. فدل ذلك على جواز المنع لما يحصل فيه. وقد تم غرضنا فيما نريده من شروط الصلاة والحمدلله.

(3/113)


---
الباب الخامس في بيان صفة الصلاة
واعلم أن الصلاة الشرعية مشتملة على أركان و مسنونات وهيئات وشرائط.
فالشرائط:عبارة عن الأمور الواجبة وجملتها خمس: الطهارة من الحدث، والطهارة من النجس في الثوب والمكان والبدن، وستر العورة، واستقبال القبلة، ودخول وقت الصلاة.
فأما الأركان: فهي عبارة عما كان واجباً داخل الصلاة فكل ركن فهو شرط وكل شرط فليس ركناً. وإنما قلنا: كل ركن فهو شرط من جهة أن الصلاة لا تصح إلا به. وإنما قلنا: وكل شرط فليس ركناً من جهة أن الشرط ما كان واجباً خارج الصلاة.
وأما الأركان التي تشتمل عليها الصلاة ففي كل ركعة من كل صلاة واجبة أركان مفروضة ففي الركعة الأولى خمسة عشر ركناً: تكبيرة الافتتاح، والنية، والقيام، وقراءة الفاتحة والسورة معها، والركوع والطمأنينة، والرفع من الركوع والطمأنينة فيه، والسجدة الأولى والطمأنينة فيها، والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه، والسجدة الثانية والطمأنينة فيها، والترتيب في أفعال هذه الركعة.

(3/114)


وأما الركعة الثانية: ففيها اثنا عشر ركناً نقص عنها مما كان في الأولى ثلاثة: النية، وتكبيرة الافتتاح والقراءة، وكذلك الثالثة والرابعة في كل واحدة منهما اثنا عشر ركناً، وفي الجلوس الأخير خمسة أركان: الجلوس والتشهد فيه والصلاة على الرسول وعلى آله والتسليمة الأولى والتسليمة الثانية. فعلى [هذا] يكون في الصلاة الرباعية ستة وخمسون ركناً، وفي الصلاة الثلاثية وهي المغرب أربعة وأربعون ركناً: في الأولى خمسة عشرة وفي الثانية والثالثة أربعة وعشرون ركناً، وخمسة في القعدة. الجملة أربعة واربعون ركناً، وفي الفجر اثنان وثلاثون ركناً: في الأولى خمسة عشر ركناً وفي الثانية اثنا عشر ركناً وفي القعدة خمسة. الجملة اثنان وثلاثون ركناً. وتختلف هذه الأعداد في زيادتها ونقصانها بحسب الإختلاف في الأركان، فهل يكون التسليم ركناً أو ركنين وهل تكون الصلاة على الرسول وعلى الآل ركناً أو ركنين، وعلى من يرى الطمأنينة في الركوع والسجود ركناً واحداً أو ركنين. والأمر في ذلك قريب مع الإتفاق في المقاصد والإحاطة بها.
وأما المسنونات: فقد يقال لها: الأبعاض كما يقال للأركان: الفروض، وهذا نحو الجلوس الأول والتشهد فيه والصلاة على الرسول، والقنوت في الفجر.
وأما الهيئات: فهي ما عدا ذلك، وهذا نحو وضع اليدين حذاء الخدين في السجود ونحو تفريق الأصابع عند الركوع وضمها عند السجود ونحو الجهر والمخافتة على رأي من يقول أنهما هيئتان. والتفرقة بين ما يكون سنة وما يكون هيئة هو أنه إذا أتى بالهيئات فقد أكمل صلاته وإذا تركها لم يلزمه سجود السهو لأنها ليست سنة مستقلة وإنما هي أمور إضافية، بخلاف السنن المستقلة فإنه إذا أتى بها فقد أكمل صلاته وإذا تركها توجه عليه سجود السهو جبراناً لما نقص بتركها.فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر مقدمات الصلاة ثم نردفه بذكر مقاصدها ثم نذكر لواحقها، فهذه فصول ثلاثة اشتمل عليها هذا الباب.

(3/115)


---
الفصل الأول في بيان مقدمات الصلاة
واعلم أن أول ما يبتدئ به المصلي من الأذكار في الصلوات، الاستفتاح فيقول بعد الإقامة: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. وأما المنقول في الخبر عن الرسول فيقول: ((وأنا أول المسلمين)). وهذا لا يقوله إلا الرسول لأنه أول المسلمين من هذه الأمة، هذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في حكم الاستفتاح وهل يكون مشروعاً للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه مشروع لأجل الصلاة، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية وهو قول الفريقين.
والحجة على هذا: ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: كان الرسول إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إلى قوله: وأنا من المسلمين)). فهذا نص صريح فيما قلنا برواية أمير المؤمنين وهي أوثق الروايات وأوضحها.
المذهب الثاني: أن الاستفتاح للصلاة غير مشروع وهذا هو المحكي عن مالك فإنه قال: لا وجه له في الصلاة.
والحجة على هذا: هو أن الاستفتاح لا يخلو حاله إما أن يكون قبل الدخول في الصلاة أو بعده فإن كان قبل الدخول في الصلاة فلا وجه له لأنه ليس بعد الإقامة إلا التلبس بالصلاة، وإن كان بعد الدخول في الصلاة فلا معنى له لأن الله تعالى يقول: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى }[الأعلى:15]. والمعنى أنه كبَّر ودخل في الصلاة. فحصل من هذا أن الافتتاح بالتوجه ليس مشروعاً.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وعلماء الأمة.

(3/116)


وحجتهم: ما نقلناه، ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسول أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما -إلى قوله- وأنا من المسلمين)). وروت عائشة عن الرسول أنه كان يقول عند الافتتاح: ((سبحانك اللهم وبحمدك ))(1).
وفي هذا دلالة على كونه مشروعاً لأنه لا معنى لكون الفعل مشروعاً إلا أن الرسول فعله غير مرة فدل ذلك على كونه مشروعاً ومسنوناً.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: لو كان الافتتاح مشروعاً لكان لا يخلو فعله إما أن يكون قبل الدخول في الصلاة أو بعده، وقد بطلا بما ذكرناه.
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه قد ورد فعله قبل التحريم بالتكبير وبعده كما سنوضحه، واختلاف العلماء في وقته لا يبطل كونه مشروعاً.
وأما ثانياً: فلأنه قد كثر النقل فيه وتناقله الخلف والسلف من جهة الصدر الأول من الصحابة والتابعين قولاً وفعلاً فلا وجه لإنكار كونه مشروعاً عند افتتاح الصلاة.
الفرع الثاني: في بيان صفة الافتتاح، وفيه اختيارات لأكابر أهل البيت وغيرهم من علماء الأمة ونحن نذكرها بمعونة الله:
الاختيار الأول: محكي عن الهادي وهو رأي زيد بن علي والصادق والباقر. وهو الاستفتاح بقوله تعالى:{وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً ــ مسلما ــ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[الأنعام:79] {إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام: 162،163].
والحجة على هذا الاختيار: ما رواه علي عن الرسول أنه كان إذا افتتح الصلاة قال:((وجهت وجهي -إلى قوله- ولم يكن له وليٌّ من الذل )).
__________
(1) أخرجه صاحب المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري 1/360، والبيهقي في السنن الكبرى2/33، والدار قطني في سننه 1/299.

(3/117)


الاختيار الثاني: محكي عن القاسم أنه مخير بين افتتاحات ثلاثة:
أولها: أن يقول المصلي: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ}[الإسراء:111]. وهذا هو الذي اختاره السيد أبو طالب في الافتتاح.
وثانيها: أن يقول: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين).
وثالثها: أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. فرأيه التخيير بين هذه الأذكار في الافتتاح للصلاة.
الاختيار الثالث: محكي عن الناصر، وتقريره هو: أن المؤذن إذا فرغ من الإقامة استقبل المصلي القبلة ثم يستفتح بثلاث تكبيرات يقول: الله أكبر اللهم بك آمنت وبك أسلمت وعليك توكلت أنت ربي وأنا عبدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله بيديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت لا منجا منك إلا إليك سبحانك وحنانيك، تباركت ربي وتعاليت، ثم يقول: الله أكبر ويقرأ: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وأما أنا من المشركين، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم يكبر الثالثة للإفتتاح للصلاة.
والحجة على هذا: ما روي عن علي أنه كان يستفتح الصلاة على هذه الصفة، ومثل هذا إنما يصدر عن توقيف من جهة الرسول لأن ما هذا حاله لا مجال للاجتهاد فيه.
وروي عن الناصر أيضاً أنه يبتدئ فيقرأ: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ــ إلى قوله ــ وأنا من المسلمين، ثم يقول: الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليٌّ من الذل. ثم يتعوذ ثم يكبر ويقرأ.

(3/118)


الاختيار الرابع: محكي عن المؤيد بالله. وهو أن المصلي إذا قام للصلاة يكبر للإفتتاح للصلاة ثم يقرأ: وجهت وجهي -إلى قوله- وأنا من المسلمين، ثم يتعوذ ثم يبتدئ {بسم الله الرحمن الرحيم} ويقرأ فاتحة الكتاب.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي أنه كان إذا افتتح الصلاة كبر وقال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ــ إلى قوله ــ وما أنا من المشركين، ثم يتعوذ ثم يبتدئ القراءة.
الاختيار الخامس: محكي عن أبي حنيفة فإنه قال: يستحب إذا كبر المصلي أن يقول عقيب التكبيرة: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك ولا إله غيرك.
والحجة على هذا: ما روت عائشة رضي الله عنها أن الرسول كان يقول ذاك إذا كبر وافتتح الصلاة.
الاختيار السادس: محكي عن الشافعي، وهو الذي استحسنه ورآه، وهو أن يقول المصلي إذا استفتح الصلاة: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ثم يقول: اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفرلي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدني لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله بيديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت أنا بك وإليك لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك تباركت وتعاليت استغفرك وأتوب إليك.
قال ابن الصباغ صاحب (الشامل): فإن كان المصلي منفرداً أتى بذلك كله وإن كان إماماً أتى به إلا أن يكون في ذلك مشقة على المأمومين.
الاختيار السابع: محكي عن الطبري من أصحاب الشافعي قال: والمستحب للمصلي أن يقول: الله أكبر كبيراً والحمدلله كثيراً وسبحان الله بكرةً وأصيلاً وجهت وجهي -إلى قوله- وما أنا من المشركين.

(3/119)


والحجة: ما روي عن الرسول أنه كان يقول ذاك. فهذه أقاويل العلماء في اختيار الافتتاح للصلاة وكلها منقولة عن الرسول .
والمختار: ما ذكره الهادي واستحسنه لأوجه:
أما أولاً: فلأن هذا من ألفاظ القرآن وما كان من ألفاظ القرآن فهو أرجح على غيره من سائر الأدعية؛ لأن القرآن أفضل الأذكار؛ لأنه كلام رب العزة.
وأما ثانياً: فلأن أمير المؤمنين كرم الله وجهه نقله عن الرسول وخبره لا يوازيه خبر غيره لما خصه الله تعالى من الورع والثقة في الرواية والثقة في الدين، إلى غير ذلك من الخصال التي خصه الله بها.
وأما ثالثاً:فلأنه فعله ودعا به، واستفتح الصلاة بفعله، واختاره لنفسه، فلهذا كان راجحاً على غيره.
وأما رابعاً: فلكونه مشاكلاً لحالة المصلي التي هو عليها من كونه مقبلاً إلى الله تعالى متوجهاً نحو القبلة راجياً للمغفرة من الله تعالى بتوجهه بالعبادة إليه بقوله: وجهت وجهي.
وأما خامساً: فلأنه مختص بزيادة بينة على العظمة والكبرياء بما أشار إليه من خلق السموات والأرض وفطرها، بخلاف سائر أذكار الصلاة فإنها ليست فيها إشارة إلى ما قلناه.
وأما سادساً: فلما فيه من الإشارة بالتحنف إلى الله تعالى والتقرب إليه بطاعته التي هي العبادة والخضوع والتذلل لجلاله.
وأما سابعاً: فلما فيه من ذكر الإسلام الذي هو أعظم الوسائل إلى الله تعالى في التقرب إليه وأقوى الأسباب في إحراز الرقبة عن القتل والمال عن السحت.
وأما ثامناً: فلما فيه من البرآءة عن الشرك والبعد عنه لقوله: وما أنا من المشركين.
وأما تاسعاً: فبما فيه من ذكر الإخلاص بالعبادة لوجه الله تعالى بقوله: إن صلاتي ونسكي.

(3/120)


وأما عاشراً: فبما فيه من الإشارة بالتسلم إلى الله تعالى في المحيا والممات بقوله: ومحياي ومماتي لله، فإنه مفوض أمره إلى الله تعالى في حياته ومماته لا تصرف له في نفسه وأنه متسلم منقاد. فهذه الوجوه كلها دالة على ترجيح هذا الاستفتاح على غيره من سائر الاستفتاحات التي أشرنا إليها.
الفرع الثالث: اعلم أن بعض المتفقهة من أصحاب الشافعي زعم أن قوله في الخبر المأثور عن رسول الله وهو قوله: ((والخير كله بيديك والشر ليس إليك )). يقتضي أن الخير من فعل الله وأن الشر ليس من فعل اللّه، وزعم أن أحداً من الأمة لم يفرق بينهما لأن أصحاب الحديث يقولون: إن الخير والشر من فعل اللّه، والمعتزلة يقولون: إنهما من فعل العبد. لكن الخبر له تأويلان:
التأويل الأول: ذكره المزني وحاصل كلامه أن معنى قوله: والشر ليس إليك أي: لا يضاف إليك وإن كنت خلقته لأنه لا يضاف إليه إلا الحسن من أفعاله، فيقال: ياخالق النور والشمس والقمر، ولا يقال: يا خالق القردة والخنازير وإن كان خالقاً لها، ولا يضاف إليه الشر وإن كان خالقاً له.
التأويل الثاني: محكي عن ابن خزيمة(1)
من أصحاب الشافعي أيضاً، وأراد: أن الشر لا نتقرب به إليك وإنما نتقرب إليك بالخير. هذا تقرير كلامه في تأويل الخبر.
__________
(1) محمد بن إسحاق بن المغيرة، أبو بكر السلمي المعروف بابن خزيمة، فقيه ومحدث واسع الشهرة، اخذ عن المزني، وقال عنه ابن حبان: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأنها بين عينيه إلا ابن خزيمة.
…وقال الدار قطني: كان إماماً ثبتاً معدوم النظير، وقال الحاكم: ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتاباً سوى المسائل والمسائل المصنفة أكثر من مائة جزء، ولد سنة223، وتوفي سنة311، راجع ترجماته في (الأعلام)6/253، وطبقات الشافعية1/100 تحت رقم45، و(طبقات الفقهاء) للشيرازي ص86، و(البداية والنهاية)11/49.

(3/121)


واعلم أن ما ذكروه رمز منهم وإشارة إلى ما يهذون به في نصرة الخبر وإيضاح منهاجه وتقويم زيغه وأوده وإعوجاجه، يالها والله من عقيدة كاذبة ونحلة خبيثة وفرية على الله ما فيها مرية عنوانها الإنكار المحض وثمرتها العناد الصرف، يا لله لقد عموا عن طريق الحق واتباع مسالكه وتاهوا في غمرات الباطل فوقعوا في مهالكه {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ}[المؤمنون:71]، ولنا معهم في إبطال هذه المقالة مقامات ثلاثة: المطالبة والرد والإلزام.
المقام الأول: في المطالبة، فنقول: ما حملكم على هذا التأويل الذي لفقتموه والإحتمال الذي اخترصتموه من غير دلالة عليه ولا عليه علم قائم يستند إليه.
قالوا: لا قائل بالتفرقة وظاهر الخبر دال على التفرقة.

(3/122)


قلنا: إن المقصود من الخبر هو أن ما كان من الخيرات من أفعال الله فإنها حاصلة من عنده ومضافة إليه وإفاضة الخيرات بيده، وأفعاله كلها حسنة وحكمة ومصلحة لا يتطرق إليها شيء من الخلل والنقصان والفساد والقبح، فالخيرات كلها بيده والشر من أفعال العباد من الكفر والفسق وسائر أنواع المعاصي من الشرك وعبادة الأوثان والأصنام وتكذيب الرسل وغير ذلك من المعاصي الكفرية والفسقية لاتضاف إليه ولا تكون متعلقة بقدره ولا منسوبة إليه، وإذا كان الأمر هكذا فلا حاجة به إلى التأويلات التي ليس لها حاصل ولا ثمرة لها ولا طائل، فأما قول المزني: إن الله تعالى خلق الشر ولكنه لا يضاف إليه. فهذا كلام من لم يغمس يده في أصابيغ المباحث الكلامية ولا شم رائحة منها، فكيف يقال بأنه خلقها ولكنها لا تضاف إليه؟ وليت شعري أيهما أبلغ خلقها وإيجادها أو إضافتها؟ فعرفت أنه لم يتحاش عن التصريح بهذه المناقضة، ولا نزه نفسه عن إطلاع النظار على خطئها وعوارها وما درى ولا أشعر نفسه أن بضاعة الفقهاء والإطلاع على أسرار الحيض والنفاس لا تكفي في الإحاطة بالمباحث الإلهية والأسرار الدينية، ولقد صدق من قال: ربما كان العمى خيراً من بصيرة حولا.
وأما قول صاحبه ابن خزيمة: إن الشر لا نتقرب به إليه وإن كان خالقاً له فقد ظهر فساده لأمرين:
أما أولاً: فلأن الله تعالى إذا كان خالقاً للشر من أفعال العباد فلا يعقل في حقه نفي القربة بها ولا إثباتها لأن القربة إنما يعقل ثبوتها ونفيها فيما كان فاعلاً له.

(3/123)


وأما ثانياً: فلأن هذا إنما يعقل على قول أهل العدل من الزيدية والمعتزلة لأن أفعال العباد إذا كانت موجودة بقدرهم وفاعلين لها، انعقل انتفاء التقرب بما كان شراً منها، فأما إذا كانت بقدرة الله تعالى وفاعليتها مضافة إليه لم يعرف نفي التقرب بهذه، فعرفت بما ذكرناه هاهنا ضعف كلام هذين الرجلين وبطلان ما ذكراه في تأويل هذا الحديث وأنهما لم يصنعا شيئاً في الإقدام على ما لا يحيطان بمعرفته، رميٌ في العمى وخبط في العشواء.

(3/124)


المقام الثاني: في الرد عليهم فيما زعموه وحاصله أن نقول: إن هذا التأويل مبني على أصل منهارٍ وهو أن أفعال العباد كلها طاعاتها ومعاصيها مخلوقة بقدرة الله تعالى وأنه لا تعلق لقدرة العبد بها. وهذا له من الفساد غرر وحجول فإن البراهين العقلية والسمعية قد دلت على اختصاص العبد بفعله وأنه قادر على إيجاده ومتعلق بقدرته وواقف على قصده وداعيته والأمر والنهي متوجهان إليه والمدح والذم متعلقان به وكل هذه الأمور دالة على تعلق أفعال العباد تعلق إيجاد وتحصيل، وعلى الجملة فالعلم بكون العبد موجداً وفاعلاً هو علم ضروري وإنكاره يكون عناداً وميلاً عن الحق. والمجبرة فهم متفقون على تعلق قادرية العبد بأفعاله ولكن اختلفوا في وجة التعلق فمنهم من تعلق بالكسب كما يحكى عن ابن أبي بشر الأشعري ومنهم من قال: التعلق بالقدرة لكونه طاعة ومعصية كما هو محكي عن القاضي أبي بكر الباقلاني وهو من حُذَّاقهم، ومنهم من قال: التعلق بالعبد من جهة الوجود كما هو محكي عن عبدالملك الجويني. فهؤلاء قد أثبتوا هذه التعلقات حتى تكون مستنداً للأمر والنهي والمدح والذم وتكون واقعة على القصد والداعية، ويجوز في حق بعضهم أن يجعل وجه التعلق هو الوجود، وهذا لا مانع منه. فحصل من مجموع ما ذكرناه أن دعوى الضرورة في تعلق أفعال العباد بهم صحيح لا يمكن دفعه ولا يسع إنكاره، وإذا كانت أفعال العباد متعلقة بهم بطل ما قالوه من إضافتها إلى قادرية الله تعالى.
المقام الثالث: في بيان ما يتوجه عليهم من الإلزامات. اعلم أن الإلزامات المتوجهة عليهم على القول بخلق الله تعالى لأفعال العباد كثيرة شنيعة.

(3/125)


فقولهم هذا يؤدي إلى بطلان المدح والذم والأمر والنهي؛ لأن هذه الأمور إنما تكون متوجهة على من له فعل تضاف إليه هذه الأحكام فأما من ليس له فعل فلا وجه لتوجهها إليه، ويؤدي إلى بطلان بعثة الأنبياء لأن الله تعالى إذا كان هو المتولي لفعلها فلا وجه لبعثة الرسل وإرسالهم لأن بعثتهم إنما تكون لطلب الطاعات من العباد والإنتهاء عن المعاصي فإذا كانت هذه الأفعال حاصلة بقدرة الله تعالى بطل الغرض بالبعثة لأن الله تعالى لا يبعث الرسل لأن يفعل فعلاً من الأفعال من جهته.
ويؤدي إلى بطلان الشرائع لأن حاصل الشريعة هو الأمر والنهي وهذا لا يتأتى إلا ممن يقدر على الفعل حتى يتعقل كونه مأموراً منهياً، فإذا كانت حاصلة من جهة الله تعالى بطل الشرع وكان لامعنى له.
ويؤدي إلى إفحام الرسول. وبيانه أن الله تعالى إذا بعث الأنبياء إلى الخلق كان للخلق أن يقولوا: إنا لا نصدقكم فيما قلتموه ولا ننقاد لكم فيما أمرتموه لأن الله تعالى لم يخلق فينا قدرة التصديق ولا قدرة الإنقياد لكم فلا وجه لدعائكم لنا. فهذا ما أردنا ذكره على ما قالوه في تأويل الخبر وهو أمر عارض وإنما أحوج إليه كلامهم في المخلوق وقد أودعنا الكتب العقلية ما يكفي ويشفي في إبطال مقالاتهم وما يتوجه عليهم من الإلزامات.
الفرع الرابع: في وقت الافتتاح وهل يكون قبل التكبير للصلاة أو بعده؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن وقت الافتتاح يكون قبل التكبير وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي ومحكي عن السيدين أبي طالب وأبي العباس.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً، وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}[الإسراء:110،111].

(3/126)


ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر عقيب هذا الافتتاح بالتكبير، وفي هذا ما نريده من أن الافتتاح مشروع وقته قبل التكبير وإلى هذا ذهب الناصر.
المذهب الثاني: أن وقت الافتتاح إنما هو بعد التكبير، وهذا هو رأي زيد بن علي والباقر والصادق والمؤيد بالله، ومحكي عن الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه كان إذا افتتح الصلاة بالتكبير قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا المشركين. وفي هذا دلالة على أن وقته بعد التكبير.
والمختار: هو التخيير بين الافتتاح قبل التكبير أو بعده، فقد ورد في تقدمه على التكبير أحاديث، منها ما روت عائشة رضي الله عنها أن الرسول كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمدلله رب العالمين(1)،
وفي هذا دلالة على أن الافتتاح قبل التكبير، ومنها ما روي في سنن أبي داود أن الرسول قال: ((إذا قمت إلى الصلاة فارفع يديك وكبر واقرأ ما بدالك))(2).
فدل ظاهره على تقديم الافتتاح، ومنها ما روى أبو رفاعة(3)
عن الرسول أنه كان جالساً في المسجد فقال له الرسول : ((إذا قمت في صلاتك فكبر ثم اقراء ما بدالك)). فهذه الأخبار كلها دالة على أن الافتتاح مشروع قبل التكبير كما ذكره الهادي.
__________
(1) أخرجه الدارمي في سننه 308 عن عائشة، والبيهقي في السنن الكبرى 2/15، وجاء في سنن أبي داود 1/208، ومصنف ابن أبي شيبة1/360، ومصنف عبد الرزاق وغيرها.
(2) سنن أبي داود 1/226.
(3) أبو رفاعة العدوي تميم بن أسد، وقيل: ابن أسيد، وقيل: اسمه عبد الله بن الحارث بن أسد بن عدي، روى عن النبي وعنه: حميد بن هلال وصلة بن أشيم العدويان البصريان.
…قال ابن حجر: قال ابن عبد البر: كان من فصحاء الصحابة بالبصرة، قتل بكابل سنة 44.

(3/127)


ووردت أحاديث دالة على كونه مشروعاً بعد التكبير، منها ما روى عبدالله بن رافع(1)
عن علي قال: كان الرسول إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والإرض )). ومنها ما روى زيد بن علي عن علي أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: الله أكبر وجهت وجهي. ومنها ما روي من طريق أبي رافع أن رسول الله كان إذا افتتح الصلاة قال: ((وجهت وجهي)). وظاهره دال على أن افتتاحه بعد التكبير وفيه دلالة على أن الافتتاح بعد التكبير. فهذه الأحاديث كلها متعارضة فيما دلت عليه وهي متقاربة في ترجيحها بالإضافة إلى المتن والسند فلهذا كان الأقرب التخيير. نعم يمكن أن يقال: إنما ذكره الهادي من الإستدلال بالآية الدالة على أن الافتتاح قبل التكبير راجح على ما ذكره المؤيد بالله ومن كان معه لأن الآية لا يوازيها شيء من الأخبار في القوة؛ لأنها مقطوع بأصلها ودالة على المقصود بظاهرها، فلا جرم كان ما ذكره الهادي راجحاً على غيره.
الفرع الخامس: في بيان محله. ومحله الفرض والنفل لأن الأدلة الشرعية لم تفصل في الافتتاح بين الفرض والنفل لكنه في الفرض آكد في الاستحباب من النفل لأمرين:
أما أولاً: فلأن الإهتمام بالفرض أكثر وآكد في نظر الشرع من الإهتمام بالنفل لأن الشرع قد خفف في النوافل كثيراً من التخفيفات كالأداء على الراحلة وترك القيام في النافلة مع القدرة عليه.
وأما ثانياً: فلأن النوافل كثيرة يتسع فيها، فربما شق الافتتاح فيها مع كثرتها واتساعها، وسواء كان إماماً أو مؤتماً أو منفرداً في إستحباب الافتتاح، والإجماع منعقد على ذلك، وسواء في ذلك الرجال والنساء لأن الأدلة ما فصلت.
__________
(1) في (تهذيب) التهذيب)5/181 اثنان باسم عبد الله بن رافع، الأول: عبد الله بن رافع المخزومي مولى أم سلمة، والآخر: الحضرمي المصري، كلاهما روى عن بعض من الصحابة منهم أبو هريرة، ولعل الأول هو الأقرب إلى المقصود من كلام المؤلف.

(3/128)


الفرع السادس: في التعوذ. ويقع النظر في حكمه وصفته ووقته و الجهر به ومحله، فهذه أحكام خمسة نذكر ما يتعلق بكل واحد منها بمعونة الله:
الحكم الأول: في حكمه. وهل يكون مشروعاً في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه مشروع في الصلاة وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، وهو محكي عن الفريقين.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[النحل:98].
الحجة الثانية: ما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه كان يتعوذ إذا أراد الصلاة فيقول: ((أعوذ بالله من الشيطان الرحيم )) (1).
المذهب الثاني: أن التعوذ غير مشروع في الصلاة وإنما يكون مشروعاً في قيام شهر رمضان وهذا هو المحكي عن مالك حكاه الأبهري(2)
عنه في شرح المختصر.
والحجة على هذا: هو أن التعوذ إنما كان مشروعاً في قراءة القرآن بدليل قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ}[النحل:98]. ولم تدل دلالة على كونه مشروعاً في غير القراءة، ولا شك أن الصلاة غير القراءة فلهذا لم يكن مشروعاً فيها، وأما رمضان فإنما كان مشروعاً فيه لدلالة قامت عليه.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة من كونه مشروعاً في الصلاة كما شرع الاستفتاح.
والحجة: ما ذكرناه عنهم. ونزيد هاهنا وهو أن الرسول كان يتعوذ قبل القراءة وما كان من الأخبار دالاً على الاستفتاح فهو دال عليه.
__________
(1) أخرجه البيهقي في الكبرى2/35، وعبدالرزاق في مصنفه 2/75.
(2) محمد بن عبدالله بن محمد بن صالح، أبو بكر التميمي الأبهري، شيخ المالكية في العراق، سكن بغداد، وسئل أن يلي القضاء فامتنع، له تصانيف في شرح مذهب مالك، والرد على مخالفيه، منها: (الرد على المزني) و(الأصول) و(إجماع اهل المدينة) و(فضل المدينة على مكة) وفي الحديث (العوالي) و(الأمالي). راجع (الأعلام)6/225، و(تاريخ بغداد)5/432.

(3/129)


الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قوله: إن التعوذ لم يشرع إلا في القرآن بدليل الآية.
قلنا: عن هذا جوبان:
أما أولاً: فلا نسلم أنه لم يشرع إلا في القراءة فإنه قد ورد عن الرسول أنه كان يتعوذ في الاستفتاح للصلاة.
وأما ثانياً: فهب أنه لم يرد التعوذ إلا في حال القراءة فالاستفتاح هو نوع من القراءة فإنه آية من كتاب الله تعالى وهو قوله: {وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ }[الأنعام:79]..إلى آخره، فلهذا قضينا بكونه مشروعاً.
الحكم الثاني: في صفته. وفيه اختيارات أربعة:
الاختيار الأول: أن يقول فيه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وهذا هو رأي المؤيد بالله، وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[النحل:98].وما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه كان يقول في تعوذه: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم )).
الاختيار الثاني: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وهذا هو رأي الإمام الناصر، ومحكي عن الحسن بن صالح.
والحجة على هذا هو أن ما ذكرناه جمع بين الآيتين الواردتين في التعوذ وهو قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[فصلت:36]. وقوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98]. فما ذكرنا هو جمع بينهما.
الاختيار الثالث: محكي عن الإمام الهادي وهو قوله:أعوذ بالله السميع العليم.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[النحل:98]. فخص هذه العوذة بقوله:{السميع العليم}. ولم يذكر فيها الشيطان الرجيم.

(3/130)


الاختيار الرابع: محكي عن سفيان الثوري وهو قوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم. فهذه الاختيارات كلها واردة في صفة التعوذ.
والمختار من هذه العوذ: ما عول عليه الناصر وإنما اخترناه لأن فيه الجمع بين ما ورد في الكتاب وما ورد في السنة فلهذا كان مختاراً وغير تعويل على أحدهما دون الآخر ولا شك أن الجمع بينهما أقوى وآكد وكلها مرشدة إلى المطلوب لكن هذا راجح على غيره.
الحكم الثالث: في بيان وقته. وفيه مذاهب:
أولها: أن وقت التعوذ قبل الاستفتاح وهذا هو رأي الهادي والقاسم في رواية أبي العباس.
والحجة على هذا قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[النحل:98]. أراد فإذا أردت القراءة. كقوله تعالى:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ }[المائدة:6]. والمعنى إذا أردتم.
وثانيها: أن وقته بعد الاستفتاح وقبل التكبير، وهذا هو رأي الناصر.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ}. والفاء دلالة التعقيب، والتوجه من القرآن، فلهذا كان التوجه بعده لظاهر الآية.
وثالثها: أن وقته بعد الاستفتاح وبعد التكبير، وهذا هو رأي الإمامين القاسم في النيروسي والمؤيد بالله وهو محكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه كان يكبر للصلاة ثم يستفتح ثم يتعوذ.
ورابعها: أنه يتعوذ بعد القراءة وهذا شيء يحكى عن أبي هريرة وابن سيرين والنخعي.
وخامسها:أنه يتعوذ قبل القراءة وهذا محكي عن سفيان الثوري.
وسادسها: أنه لا يتعوذ [إلا في] قيام رمضان وهذا هو رأي مالك، يفعله بعد القراءة.

(3/131)


والمختار من هذه المذاهب: هو أن التعوذ يكون بعد الاستفتاح لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ }. والفاء للتعقيب والترتيب فظاهر الآية دال على أن التعوذ عقيب الاستفتاح من غير فصل وأنه مرتب عليه لا يفعل قبله.
الحكم الرابع: الجهر والمخافتة فيه، وحكي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يجهر به وحكي عن ابن عمر أنه كان يسر به. وعلى هذا أيهما فعل كان مجزياً في السنة، والذي يأتي على كلام الهادي: أن صفة القراءة كالقراءة، وعلى هذا إذا كانت الصلاة سراً كان التعوذ سراً وإن كانت الصلاة مجهورة كان التعوذ جهراً.
وأما الشافعي فله قولان: قال في (الإملاء): أنه مخير بين الجهر والإسرار. وقال في (الأم): أن السنة أن يجهر بالتعوذ، وهذا هو الصحيح من مذهبه لما روي أن الرسول كان يتعوذ قبل القراءة فلولا أنه يجهر به لما سمع منه، وحكي عن أبي علي الطبري من أصحاب الشافعي أن السنة أن يسر بالتعوذ لأن السنة هو الجهر بالتأمين والقراءة دون غيرهما من الأذكار.
الحكم الخامس: في بيان محله، يستحب عند أئمة العترة أن يكون محله في الركعة الأولى، وهو أحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنه ذكر مشروع قبل القراءة وقبل الاستفتاح فلم يكن مسنوناً في غير الركعة الأولى كدعاء الافتتاح، وهل يستحب فيما سواها من الركعات أم لا؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي:
أحدهما: أنه يستحب الإتيان [به]في كل الركعات لقوله تعالى: {{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[النحل:98]. ولم يفصل بين ركعة وركعة لأن في كل ركعة واحدة قرآناً.
وثانيهما: أنه لا يستحب لما ذكرناه أولاً، وإذا قلنا بأنه يستحب في الركعة[الأولى] لا غير فإذا تركه ناسياً أو جاهلاً أو عامداً لم يكن عليه الإعادة ولا يلزمه سجود السهو. وقد تمت المقدمات بما ذكرناه والحمد لله.

(3/132)


---
الفصل الثاني في بيان المقاصد للصلاة
ونعني بالمقاصد: فروضها وأركانها، وجملتها فروض عشرة: النية والتكبيرة والقراءة والقيام والركوع والإعتدال منه مع الطمأنينة فيهما والسجود والقعدة بين السجدتين مع الطمأنية والتشهد الأخير والقعود فيه والصلاة على الرسول والتسليمتان. ونحن نذكر كل واحد من هذه الفروض ونذكر ما يختص كل واحد منها بمعونة الله.
القول في النية: والإجماع منعقد على وجوبها في الصلاة إلا عن شذوذ نذكرهم في الفرع الثالث، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين " }[البينة:5]. والإخلاص هو نية العبادة خالصة لله تعالى. وقوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرءٍ ما نوى " )). وفي حديث آخر: ((لا قول إلا بعمل " ولا قول ولا عمل إلا بنية ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة)).
واعلم أنه قد أشار في هذا الحديث إلى قواعد الإيمان وهي ثلاثة:
القاعدة الأولى: إحراز الاعتقادات الدينية بتحصيل المعارف الإلهية وهذا نحو العلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما يجب له وما يستحيل عليه، ونحو العلم بصدق الرسول فيما جاء به من أمور الديانة.
القاعدة الثانية: الإقرار بالشهادتين وبصحة ما جاء به الرسول من أمور الدين وأحكام الآخرة فإن هذه الإقرارات أصل في كمال الإيمان؛ لأن في الإقرار بها إحراز الرقبة عن القتل وإحراز الأموال عن الأخذ والسحت.
القاعدة الثالثة: العمل بتأدية هذه الأفعال التي ورد بها الشرع ودل على وجوبها العقل من العبادات وغيرها فمتى حصلت هذه القواعد فقد كمل الإيمان، فأشار إلى أن القول غير نافع إلا بانضمام العمل إليه وأن القول والعمل غير نافعين إلا بانضمام النية إليهما وأن الأقوال والأفعال والنيات غير مجزية إلا بإصابة السنة. والغرض بإصابة السنة: هو اعتقاد(1)
__________
(1) لعل الصواب هو: أداؤها كما جاءت به السنة، والله أعلم.

(3/133)


أن كل ما جاء به الرسول فهو حق وصدق. وهذا تمهيد الفصل.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في حقيقة النية وجنسها.
أما حقيقتها فهي: الإرادة المقارنة التي تؤثر في وقوعه على وجه دون وجه.
فقولنا: هي الإرادة، عام في سائر الإرادات.
وقولنا: المقارنة، نحترز عما تقدم من الفعل من الإرادات فإنه يكون عزماً ولا يكون نينة، والعزم مخالف للنية.
وقولنا: التي تؤثر في وقوعه على وجه دون وجه، لأن هذا هو حكم النية وثمرتها والذي يؤتى بها لأجله ولهذا فإن السجدة الواحدة يمكن إيقاعها للصنم ويمكن إيقاعها لله تعالى ولا تميزها لأحدهما إلا النية، وهكذا حال الصلاة وجميع العبادات فإنه لا يمكن إيقاعها على جهة القربة والإخلاص لله تعالى إلا النية، ولهذا أشار إلى ما قلناه بقوله:((لا قول ولا عمل إلا بنية)) فنفى على جهة العموم أنه لا ثمرة للقول والعمل إلا بواسطة النية، وإعمالها في الأقوال والأعمال وأنها هي العمدة في إيقاع الأفعال على الوجوه المختلفة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن تأثير مطلق الإرادة في وجوه الأفعال من كونها حسنة وقبيحة وكون الكلام أمراً ونهياً وخبراً. وأن النية مختصة من بين سائر الإرادات بالتأثير في كون الأفعال عبادة وقربة وخالصة لوجه الله تعالى.
وأما جنسها: فهي نوع مخصوص مخالف للعلم والظن والاعتقاد؛ لأن الاعتقاد ربط القلب على معتقده سواء كان معتقده مطابقاً أو غير مطابق فلا بد من الجزم بالاعتقاد.
وأما الظن فهو تغليب بالقلب على أحد المجوزين ظاهري التجويز.
فقولنا: ظاهري التجويز: نحترز به عن اعتقاد التقليد فإن المقلد وإن كان يعتقد خلاف ما هو عليه لكنه ليس ظاهراً لأجل التصميم على ما هو عليه وإنما هو أمر خفي، يخلاف محتملي الظن فإنهما ظاهران، والظن ترجيح أحدهما على الآخر مع ظهورهما.

(3/134)


وأما العلم فهو اعتقاد مع سكون النفس واطمئنان القلب على معتقده، فحاصله أنه جزم مع سكون لا يتطرق إليه تجويز ولا احتمال بحال.
وأما الإرادة فهي مخالفة لهذه الأجناس الثلاثة في حقيقتها وفي تأثيرها كما أشرنا إليه.
قال الإمام المؤيد بالله: ولو صلى الظهر وهو عالم بأنه ظهر فإنه لا يجوز أن يقال إن ذلك نية لأن العلم من جنس الاعتقاد. وهذا الكلام نشير به إلى ما لخصناه من كون النية مخالفة للعلم والظن والاعتقاد وأنه لا يؤثر في كون العبادة عبادة وقربة وخالصة لله تعالى إلا النية، وذكر الصلاة ليس نية فيها. وحكى المؤيد بالله أن بعض الناس(1)
قال: إذا كان ذاكراً لما يفعله فهو نية. ذكره في (الزيادات). قال: وهذا غير صحيح وإنما كان فاسداً لأن الذِّكرُ هو تجدد العلوم بما كان غافلاً عنه، وقد قررنا أن النية مخالفة للعلوم والاعتقادات. والنية مخالفة للكلام، وعلى هذا فاللفظ باللسان مجرداً لا يكون نية، فإن نوى بقلبه وتلفظ بالنية بلسانه أجزأه، وإن نوى بقلبه ولم يلفظ بلسانه كان مجزياً له وكان أفضل من الأول لأن الكلام بين الإقامة والتكبير يكره وإن لفظ بلسانه بالنية دون قلبه لم يكن مجزياً له لفقد النية التي اعتبرناها وكما أن النطق بالنية غير معتبر فهكذا تصور الحروف بالقلب وترتيبها في الذهن غير معتبر أيضاً من جهة أن النطق بالحروف لما كان غير معتبر في النية بصريحه، فهكذا حال تصور الحروف غير معتبر أيضاً لأنها تابع للنطق، ومحل النية القلب لأنه من جملة أفعال القلوب كالعلوم والاعتقادات والظنون ولأنها مؤثرة في الإخلاص والإخلاص إنما يكون بالقلب.
الفرع الثاني: النية هل تكون ركناً من أركان الصلاة أو تكون شرطاً كاستقبال القبلة وستر العورة؟ فيه لأصحاب الشافعي طريقان:
الطريق الأول: أنها ركن من أركان الصلاة وهذه طريقة أهل بغداد.
__________
(1) حاشية الأصل: قيل إنه الناصر ، وقيل أبو العباس الحسني.

(3/135)


الطريق الثاني: أنها شرط من شروط الصلاة وهذه طريقة أهل خراسان لأنها لو كانت ركناً لافتقرت إلى النية كسائر الأركان.
والمختار على مذهبنا وعليه الجلة من أصحاب الشافعي: أنها ركن بل هي أجلُّها وأعظمها ولا تنصلح الصلاة إلا بها وإنما لم تكن النية مفتقرة إلى نية لأمرين:
أما أولاً: فلانعقاد الإجماع على أنها غير مفتقرة إلى النية.
وأما ثانياً: فلأن النية إرادة مخصوصة تقصد لايقاع الأفعال على أوجهٍ مخصوصة، والإرادة لا تراد، إذ لا فائدة في إرادتها، والصلاة إنما تكون مفتقرة إلى نية في ابتدائها ولا يضر عزوبها بعد انعقادها في أولها، فلو نوى المصلي في صلاته قطعها والخروج منها مع كونه متلبساً بها فهل تبطل صلاته بهذه النية أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن صلاته لا تبطل بمجرد نية الخروج إذا لم يفعل فعلاً يفسدها ويبطلها لكنه يبطل ثوابها عند الله تعالى، وهذا هو رأي الهادي والناصر والمؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن حقائق هذه الأفعال موجودة وصورها ثابتة مع وجود نية الخروج منها، ولهذا فإن من قرأ القرآن ونوى به أنه غير قارئ، وهكذا من حج وصام وصلى وجاهد ونوى أنه غير فاعل لهذه العبادات فإنه لا يكون خارجاً عن فعلها بمجرد هذه النية، فهكذا في الصلاة لا يكون خارجاً عنها ولا مبطلاً بمجرد نية الخروج عنها.
المذهب الثاني: أن مجرد نية الخروج يكون مبطلاً لها، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو العباس ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الصلاة عبادة تفتفر إلى النية فيجب أن تكون نية الخروج منها مبطلاً لها كالوضوء.
والمختار: ما عول عليه الأئمة.
وحجتهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا وهو قوله : ((لا يقطع الصلاة شيء " )). فيجب بحكم العموم أن لا تكون منقطعة بهذه النية.

(3/136)


ومن وجه آخر: وهو أن المصلي غير داخل في الصلاة بمجرد النية فيجب أن لا يكون خارجاً عنها بمجرد نية الخروج عنها، وقد وافقنا الشافعي على أن نية الخروج من الصوم لا تكون مبطلة له والتفرقة بينه وبين الصلاة هو أن حقيقة الصوم راجعة إلى الكف عن المفطرات وليس له عقد وتحلل ولكنه ينتهي بغروب الشمس مع الكف عما يفطر.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الصلاة عبادة تفتقر إلى النية فنية الخروج منها يجب أن تكون مبطلة لها كالوضوء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الوضوء وصلة، والصلاة هي المقصود فلا يلزم إذا كانت نية الخروج مبطلة للوضوء أن تكون مبطلة للصلاة لافتراقهما.
وأما ثانياً: فإن الوضوء يتعين فعله لأجل الصلاة بدليل قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَة " }[المائدة:6]. فلهذا كان صرفه عما عين له مبطلاً له بخلاف سائر العبادات من الصلاة والصوم والحج فافترقا. نعم لو علق نية الخروج من الصلاة بدخول شخص أو خروجه فهل تبطل الصلاة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: البطلان لأن هذا الشرط يبطل الجزم بالصلاة ويقطع الاستمرار عليها.
وثانيهما: أنها لا تبطل، وهذا [هو] المختار لأنه مستمر في الصلاة ولسنا على قطع في وقوع الدخول والخروج فلهذا لم تكن باطلة بهذه النية.
الفرع الثالث: قد ذكرنا من قبل أن النية جنس الإرادات وأنها إذا تقدمت فهي عزم، وإن قارنت الفعل فهي قصد، وإن أثَّرت في وجوه الأفعال فهي نية، فإذا تقرر ذلك فهل تكون واجبة في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية ومحكي عن فقهاء الأمة الشافعية والحنفية والمالكية لا يختلفون في ذلك ولم يحك الخلاف في وجوب النية في الصلاة عن أحد من العلماء من الصدر الأول من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم إلى أن نبغ الخلاف من هؤلاء المخالفين(1).
__________
(1) أصحاب المذهب الثاني.

(3/137)


والحجة على ذلك: ما قررناه من الآية والأخبار التي رويناها فإنها دالة على وجوبها، ثم [إن] الإجماع في كل وقت من جهة العلماء فيه دلالة كافية على الوجوب وهي من الأدلة الشرعية المعتبرة في تقرير الأحكام الشرعية.
المذهب الثاني: محكي عن الأصم وإسماعيل بن عُلَّيه(1) فإنهما زعما أن النية غير واجبة وأن الذكر في الصلاة غير واجب وإنما الواجب ليس إلا الأفعال كالقيام والقعود والركوع والسجود.
والحجة على ما زعموه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا " " }[الحج:77].
ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر بهذه الأفعال الشرعية في العبادة ولم يوجب غيرها من النية وسائر الأذكار في الصلاة فلهذا كان الوجوب مقصوراً عليها.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وعلماء الأمة من إيجاب النية والذكر في الصلاة. وسنقرر وجوب الأذكار في الصلاة في مواضعها اللائقة بها، وأما النية فقد دللنا عليها بالآية والخبر فلا فائدة في تكريره.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه من أوجه ثلاثة:
الجواب الأول: أن هذه الآية(2)
وإن دلت على وجوب هذه الأفعال فقد دلت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على وجوب النية وسائر الأذكار فليس في الآية ما يدل على أنه لا واجب في الصلاة إلاَّ ما دلت عليه الآية فيلزم ما قالوه.
__________
(1) إسماعيل بن إبراهيم بن عُلَيَّة،قال في (الجرح والتعديل): ابن إبراهيم بن مقسم، أبو بشر الأسدي، وأمه عُلَيَّة. روى عن أيوب وعبد العزيز بن صهيب، وحميد الطويل، وروى عنه شعبة وأحمد بن حنبل. اهـ. 2/153، وثقه عدد من رجال الحديث، ووصفوه بأنه ثبت، ومنهم يحيى بن معين، ويحيى القطان، واحمد، وغيرهم.
(2) في الأصل: النية. ولعله سهو أو خطأ من الناسخ؟

(3/138)


الجواب الثاني: أن الإجماع منعقد من جهة علماء الشريعة أهل الحل والعقد من أئمة العترة وفقهاء الأمة، على بطلان هذه المقالة وأن خلافهم ساقط للإجماعات السابقة لهم من الصدر الأول إلى أن نبغ الخلاف منهم ثم الإجماعات اللاحقة بعدهم على سقوط مقالتهم وبطلانها.
الجواب الثالث: أن من هذه حاله في الغباوة والجهل بمقاصد الشريعة وعلومها لا يعتد بخلافه بل يكون من جملة العوام الذين لا عبرة بكلامهم ولا يعتد كلامهم، وإذا كان نفاة القياس لا يُعَدُّون من علماء الشريعة المطلعين على أسرارها والمتبحرون في علومها لإنكارهم القياس وإنما تعويلهم على الظواهر القرآنية والأخبار المروية فهؤلاء الذين نفوا الأذكار أدخل منهم في الغباوة وأكثر جرأة في الإنكار لما ظهر أمره في الصلاة واشتهر حاله.
الفرع الرابع: في وقت النية، وهو وقت التكبير وفيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: جواز المخالطة بالنية للتكبير، وجواز التقديم على التكبير إما بأوقات يسيرة كما ذكره المؤيد بالله، وتقديره: إما بقدر عطاس أو سعال يعرض قبل التكبير، وإما بأوقات كثيرة كما ذكره السيد أبو طالب، ومقداره: ألاَّ يحول بينها وبين التكبير قول أو فعل ليس من الصلاة فلا بأس بقدر التوجه، وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله والسيد أبي طالب. فأما أبو حنيفة فقد حكى عنه الطحاوي وجوب المقارنة للتكبيرة وكان الجصاص ينكر ذلك ويقول: أن مذهبه جواز التقديم؛ فإذن الظاهر أن مذهبه كمذهبنا في جواز التقديم والمقارنة.
والحجة على ذلك: قوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى " )). فاقتضى ظاهر هذا الخبر أن النية متى وقعت على منويها كانت مطابقة ولم يفصل بين أن تكون مقارنة له أو متقدمة عليه.
المذهب الثاني: أن تكون النية مع التكبير لا قبله ولا بعده ولكن تكون مخالطة للتكبير، وهذا هو رأي الشافعي ويقع على أوجه ثلاثة:

(3/139)


أولها: أن يبسط النية على التكبير بحيث ينطبق أولها على أوله وآخرها على آخره.
وثانيها: أن تقترن النية بالهمزة. وهل يشترط استدامتها إلى آخر التكبير أم لا؟ فيه وجهان.
وثالثها: أن يكون المصلي مخيراً بين البسط للنية على التكبير وبين تقديم النية.
والحجة على هذا: هو أن النية من حقها أن تكون مطابقة لمنويها ولا تعقل المطابقة إلا إذا كانت على وفق منويها من غير تقدم لأوله ولا تأخر عن آخره.
المذهب الثالث: وجوب تقديم النية على المنوي، وهذا هو المحكي عن داود.
والحجة على هذا: هو أن النية إذا كانت متقدمة على منويها كان محرزاً لأن لا يمضي شيء من التكبير من غير نية. فهذا تقرير المذاهب.
والمختار: تفصيل نشرحه ونشير إليه، وحاصله: أن النية حضرة في القلب يحصل فعلها على القرب تؤثر في كون المنوي قربة وعبادة وظهراً وأداءً. وهذا أمر يحصل على القرب والسهولة، ولقد عرفنا من حال صاحب الشريعة صلوات الله عليه، ودأب الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم، التساهل في أمرها حذراً عن المشقة وميلاً عن استدعاء الشكوك وبعداً عن الوسوسة، وكان من عادتهم أن المؤذن إذا قال: قد قامت الصلاة. أمرهم بتسوية الصفوف ثم أقبل إلى محرابه وكبر على الخفة وكبر المسلمون خلفه على أسرع ما يكون وأقرب، وفي هذا دلالة على التساهل في حال أمر النية وبناء الأمر على الخفة فيها، سواء كانت مخالطة للتكبير أو متقدمة عليه، فالأمر فيها مبني على التيسير والسهولة. وإلى ما ذكرناه يشير كلام أئمة العترة إذا تصفحت كلامهم في مصنفاتهم وجدتها مبنية على الإنشراح من غير اشتراط مشقة.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالف ما ذكرناه.

(3/140)


فنقول: اشترط الشافعي أن تكون النية مع التكبير لا قبله ولا بعده وتكون مخالطة للتكبير بحيث ينطبق أولها على أوله وآخرها على آخره أو تكون النية مقترنة بالهمزة ويشترط إدامتها إلى آخر التكبير أو يكون المصلي مخيراً بين البسط وبين التقديم على ما أثر من اختلاف أقواله في وقت النية.
قلنا: النية من أعمال القلب وفعلها يحصل على القرب والسهولة وتأثيرها فيما ذكرناه في كون الصلاة عبادة وقربة وظهراً وأداءً. وهذا أمر يسهل تحصيله بالتقدم والمخالطة من غير حاجة إلى اشتراط ما ذكره من انطباق أولها على أول التكبير وآخرها على آخره وأنها لا تكون قبل التكبير ولا بعده، فما هذا حاله فيه صعوبة وعسرة وربما أورث الوسوسة وحصول الشك وتغير الحالة وكان شاغلاً للقلب عن الإقبال والخشوع، ولقد رأينا من أغرق في ملاحظة الإنطباق وأن النية لا تتقدم ولا تتأخر حتى خرج إلى البدعة في تكرير التكبيرات الكثيرة والخروج إلى اللحن بمدها وتطويلها حتى أخرجها عن قانونها الشرعي الذي أشار إليه صاحب الشريعة صلوات الله عليه بقوله: ((التكبير جزم والتسليم جزم " )). وأراد: أنه يكون قطعاً وحتماً من غير مدٍ فيه ولا تطويل.
وما قاله داود أيضاً من اشتراط التقدم للنية على التكبير لا وجه له ومقصوده المحاذرة عن أن يمضي جزء من التكبير من غير مصادفة النية فلا تكون الصلاة مجزية.
قلنا: الأمر كما