تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

الفرع العاشر: وإذا صلى الإمام في المسجد الحرام إلى ناحية من نواحي الكعبة فاستدار المؤتمون حوالي الكعبة، فإن من كان منهم في جهة الإمام وكان متقدماً عليه وأقرب إلى الكعبة من إمامه فإن صلاته تبطل كما قدمناه في المسألة الأولى، وأما صلاة من كان أقرب إلى الكعبة من إمامه في غير جهة الإمام فهل تكون صحيحة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها تكون غير صحيحة كالمسألة الأولى إذا كان المأموم متقدماً على الإمام في غير المسجد الحرام، وهذا هو الذي اختاره الهادي، وهو أحد قولي الشافعي، وبالغ الهادي في المنع من ذلك وقال: لو أمكنني الله من الحرم لمنعت الناس من ذلك لما فيه من التقدم على الإمام في غير جهته والقرب من الكعبة.
والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله تقدم على الإمام في غير جهته فلم تكن الصلاة مجزية كما لو كان التقدم عليه في جهته.
المذهب الثاني: جواز الصلاة إذا كان التقدم في غير جهة الإمام بالقرب من الكعبة وهذا هو المحكي عن القاسم واختاره السيد أبو العباس ورأي أبي حنيفة والمنصوص للشافعي وارتضاه أصحابه لمذهبه.
والحجة على هذا: هو أن تقدم المأموم في غير جهة الإمام بحيث يكون بالقرب من الكعبة، لا يكاد يضبط وتشق مراعاته فلهذا كان مغتفراً في صحة الصلاة مع تقدم المأموم بخلاف ما إذا كان القرب من جهة الإمام فافترقا.
والمختار: ما قاله القاسم وارتضاه الناصر وأبو العباس من جواز الصلاة في البيت المحرم إذا كان التقدم في غير جهة الإمام.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الصلاة في حوالي الكعبة مخالفة لسائر الأماكن؛ لأنهم محدقون حوالي الكعبة مستقبلون لها فالقرب إليها لا يكون تقدماً على الإمام لما كان التقدم في خلاف جهته.

(3/524)


الحجة الثانية: هي أن المأموم إذا كان في غير جهة الإمام فليس يكون بين يديه فلهذا جازت الصلاة، وإن كان أقرب منه إلى الكعبة وإذا كان المأموم في جهة الإمام كان بين يديه فلهذا بطلت صلاته فافترقا.
الحجة الثالثة: هو أن ما هذا حاله في البيت الحرام قد سكت عليه العلماء من جهة الأقاليم والأقطار ورأوه وفعلوه من غير نكير منهم، وفي هنا دلالة على تجويزه وأنه شائع لأجل سكوتهم وقد قال : ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عندالله حسن )).
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: المأموم متقدم على الإمام في غير جهته فلم تكن الصلاة مجزية كما لو كان متقدماً عليه في جهته.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فالموجب لفساد الصلاة في جهة الإمام لما كان المأموم بين يديه بخلاف ما لو كان في غير جهة الإمام فليس كائناً بين يديه فافترقا.
وأما ثانياً: فلما ذكرناه من مخالفة البيت الحرام لسائر الأماكن من الإحداق بالبيت فلهذا لم يكن المأموم بين يدي الإمام.

(3/525)


الفرع الحادي عشر: وإذا صلى المأموم بصلاة الإمام وهما جميعاً في المسجد فإنه يعتبر في صحة صلاة المأموم علمه بصلاة الإمام إما بأن يشاهده أو يكون بحيث يسمع تكبيره أو من يكون مبلغاً عنه، وسواء كان بين الإمام والمأموم قرب أو بعد أو حائل من جدرات المسجد أو غير حائل فإن الإجماع منعقد على صحة هذه الصلاة؛ لأن المسجد كله موضع للجماعة الواحدة، ولا يشترط في صحة هذه الصلاة مشاهدة الإمام في المسجد؛ لأن ذلك غير ممكن في أكثر الأحوال لكثرة الناس خاصة في جوامع المدن والأمصار وهكذا يكون الحكم إذا صلى في رحبة المسجد؛ لأنها من جملة المسجد وإن صلى على سطح المسجد بصلاة الإمام في قعر المسجد جاز ذلك لما روي أن أبا هريرة صلى على سطح المسجد بصلاة الإمام في قراره ولأن سطح المسجد كقراراه في الحرمة ولهذا فإن الجنب لا يجوز له القعود فيه واللبث كما لا يجوز ذلك في قراره ولأن أكثر ما يقال فيه الحيلولة بينه وبين الإمام بالسقف ومثل هذا غير مانع فإن الحيلولة في المسجد غير مانعة بالجدرات في قرار المسجد، فإذا صحت الصلاة في السطح كما أشرنا إليه فينبغي أن يكون موقف المأموم وراء الإمام كما لو كان مصلياً في قراره فإن وقف المأموم بحذاء رأس الإمام كره ذلك وأجزأه؛ لأن أكثر ما فيه المساواة وهي مغتفرة كما لو كان عن يمينه وإن وقف قدام الإمام بحيث يكون سابقاً له لم تصح صلاته لأنه يكون غير مقتدٍ به فلهذا كانت الصلاة باطلة كما لو تقدمه في قرار المسجد وإن كان سطح المسجد مملوكاً بأن يكون قرار المسجد وجدراته وأساطينه مسبَّلة وجاء رجل آخر فَسَقَفَهُ ولم يسبل سقفه فصلى عليه مصل مؤتماً بالإمام في قراره لم تصح صلاته لأنه إذا كان مملوكاً فليس من جملة المسجد.

(3/526)


الفرع الثاني عشر: وإذا صلى المؤتم بصلاة الإمام خارج المسجد ولم يكن بين الإمام والمأموم حائل يمنع من الرؤية والمشاهدة فإن لم يكن للمسجد حائط أو كان له حائط قصير أو وقف المأموم بحذاء الباب والباب مفتوح جازت الصلاة لأنه لا مسافة بين الإمام والمأموم تكون قاطعة للائتمام فلهذا جازت الصلاة كما لو كان المؤتم داخل المسجد، وإن كان بين المؤتم وبين الإمام الذي يكون داخل المسجد مسافة قريبة صحت الصلاة؛ لأن القريبة لا تكون مانعة من الائتمام، وإن كانت بعيدة منعت الائتمام؛ لأن البعد يقطع الإئتمام وإن كانت المسافة البعيدة مانعة والقريبة غير مانعة فلابد من التفرقة بين المسافتين، والتفرقة بين المسافتين فيها مذهبان:
المذهب الأول: أن مقدار المسافة القريبة قدر القامة وهو مقدار ما بين الصفوف والمسافة البعيدة ما فوق ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة وعليه الاعتماد لظاهر المذهب.
والحجة على هذا: قوله : ((ليلني منكم أولو الأحلام والنُّهى )). وأراد في القرب والدنو منه في حال الصلاة ولن يكون إلا بما ذكرناه من القرب في المسافة، فأما ما زاد على ذلك فهي مسافة بعيدة لا تغتفر في الإئتمام للصلاة، ويؤيد ما ذكرناه أن كل أمر فله طرفان ووسط:
فالطرف الأول: أن يكون الإمام والمأموم في غاية البعد بحيث لا يرى أحدهما صاحبه، وهذا لا قائل به ولا يعقل معه الائتمام.
والطرف الثاني: في غاية القرب والملاصقة بحيث لا حائل بينهما، وهذا غير معتبر بالاتفاق وهذان الطرفان لا يعتبر بهما.
والوسط بينهما: هو المعتمد والمعول عليه وهو ما ذكرناه من تقدير القامة، وهو أقرب ما يكون وأخصر ولكونه مختصاً بالصلاة فلهذا كان الاعتماد عليه في مقدار المسافة القريبة والبعيدة كما ترى.
المذهب الثاني: أن مقدار المسافة القريبة المغتفرة بين الإمام والمأموم تكون ثلاثمائة ذراع والمسافة البعيدة ما زاد على ذلك، وهذا هو رأي الشافعي.

(3/527)


والحجة على هذا: ما نذكره عنه واختلف أصحابه في مأخذه في التفرقة بين المسافة القريبة والبعيدة وذكروا له مأخذين:
المأخذ الأول: ذكره ابن سريج وأنه أخذه من صلاة الخوف، وهو أن الرسول أحرم بطائفة فصلى بهم ركعة وفي رواية ابن عمر أن هذه الطائفة مضت إلى وجه العدوِّ وهي في الصلاة وكان بين الرسول وبينها مقدار ثلاثمائة ذراع ولأنهم إنما يحرسون المسلمين من وقع السهام لأنها أبعد وقعاً من جميع الأسلحة وأكثر ما يبلغ السهم ثلاثمائة ذراع.
المأخذ الثاني: ذكره ابن الوكيل(1)
وهو أن الشافعي إنما أخذه من عرف الناس وعادتهم وهذا هو منصوص الشافعي واختيار ابن الصباغ صاحب (الشامل)، وهل يكون هذا التقدير تحديداً أو تقريباً؟ فإن قلنا: يكون تحديداً لم يزد فيه ولا ينقص فتكون المسافة القريبة ثلاثمائة ذراع من غير زيادة ولا نقصان والمسافة البعيدة ما زاد على ذلك، وإن قلنا: أنه تقريب فإن زاد [بعيده]على ذلك قليلاً لم يضر في المسافة القريبة وإن زاد زيادة كبيرة فهي مسافة.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من تقدير المسافة القريبة بقدر القامة والمسافة البعيدة بما زاد على ذلك.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ونزيد هاهنا وهو أن الأصل في كل بعد عن الإمام أن يكون مانعاً عن الائتمام لأجل الإنفصال والمباينة ولم يدل الشرع إلا على ما قلناه فلهذا وجب التعويل عليه.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: أخذناه إما من صلاة الخوف وإما من العرف والعادة وكلاهما صحيح يعول عليه في قرب المسافة وبعدها.
__________
(1) أبو حفص عمر بن عبد الله المعروف بابن الوكيل، فقيه جليل الرتبة تكلم في المسائل فأحسن ما شاء فيها، وهو من كبار المحدثين والرواة وأعيان النقلة، توفي سنة310هـ ويعرف بالباب شامي نسبة إلى باب الشامي، إحدى المحال المشهورة بغربي بغداد، راجع (طبقات الفقهاء) للشيرازي ص90 و(تهذيب الأسماء واللغات)2/215، و(طبقات الفقهاء) للعبادي ص43.

(3/528)


قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن الطائفة الأولى مضت بعد صلاتها ركعة مع الرسول وهي مصلية أصلاً وإنما مضت في مقابلة العدوِّ بعد إتمامها ركعة لنفسها وركعة مع الرسول .
وأما ثانياً: فلأن العرف والعادة معيار مضطرب تختلف فيه الأحوال وما هذا حاله فلا يجعل معياراً في المسافة البعيدة والقريبة في الإئتمام للصلاة فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه لابد من اعتبار أمرين في صحة صلاة المأموم:
أحدهما: المسافة القريبة.
وثانيهما: أن يكون المأموم عالماً بالإمام وأن يكون مشاهداً له، والإجماع منعقد على ذلك من جهة العلماء أئمة العترة وأكثر الفقهاء.
وأما ما يحكى عن عطاء فإنه قال: إذا كان المأموم عالماً بالإمام صحت الصلاة وإن كان على مسافة بعيدة فهذا لا وجه له لأمرين:
أما أولاً: فلما ذكرناه من الإجماع فلا حاجة إلى مخالفته.
وأما ثانياً: فلأن المسافة البعيدة تقطع الإئتمام كما شرحناه.
الفرع الثالث عشر: وتعتبر المسافة من حائط المسجد، وعلى هذا لو وقف الإمام في محراب المسجد ومساحته تكون ألف ذراع أو أكثر من هذا ثم وقف صف خارج المسجد بينه وبين حائط المسجد مقدار القامة فما دونها وهم عالمون بصلاة الإمام صحت صلاتهم، وإن كان أكثر من ذلك بطلت صلاتهم؛ لأن ما دون القامة مسافة قريبة فلهذا صحت صلاتهم وما فوق ذلك مسافة بعيدة فلهذا بطلت الصلاة ويأتي على ما قاله الشافعي إن كان بينهم وبين حائط المسجد ثلاثمائة ذراع صحت صلاتهم، وإن كان أكثر من ذلك بطلت الصلاة.
ومساحة المسجد فلا عبرة بها في البعد، وإن كانت كثيرة؛ لأن المسجد كله موضع للجماعة فهو كالبقعة الواحدة القريبة. وإن كان بين الإمام والمأموم حائط المسجد فهل تكون الصلاة مجزية أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الحائط غير مانع لصحة الائتمام في داخل المسجد فلهذا لم يكن مانعاً صحة الائتمام لمن هو خارج المسجد.

(3/529)


وثانيهما: أنه مانع لأن هذا الحائط إنما بني من أجل الفصل بين المسجد وغيره فأشبه حائط غير المسجد.
والمختار: هو الأول لأن حائط المسجد من جملة المسجد فإذا صلى الصف وراء الحائط جازت الصلاة إذا كانوا ملاصقين للجدار وكان بينهم وبين الجدار قدر القامة فما دونها، وإن كان أكبر من القامة لم تجز الصلاة؛ لما قررناه من قبل ولأن الجدار متصل بالمسجد كاتصال رحبة المسجد فلما جازت الصلاة في الرحبة جازت الصلاة في الجهة التي وراء الحائط، وإن كان بين الإمام والمأمومين حائل يمنع الدخول ولا يمنع من مشاهدة الإمام كالجدار الذي فيه الشباك فهل يكون مانعاً للائتمام أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مانع للدخول فهو كالحائط.
وثانيهما: أنه غير مانع لأنه لا يمنع المشاهدة.
والمختار: أنه غير مانع لما ذكرناه في الجدار فإنه إذا كان غير مانع مع أنه لا مشاهدة فيه فهكذا حال الجدار الذي لا يمنع المشاهدة بل هو أحق لعدم المنع لأجل المشاهدة. وإذا كان لرجل دار بجنب المسجد وحائط المسجد هو حائط الدار جاز لصاحب الدار أن يصلي مع غيره في بيته بصلاة الإمام في المسجد إذا علم بصلاة الإمام. هذا كله إذا كان الإمام حاصلاً في المسجد يكون الكلام في الائتمام على ما قررناه.
الفرع الرابع عشر: في حكم الإمام إذا كان مصلياً في الصحراء فإن الإمام للصف الأول كالمسجد للصف الأول خارج المسجد إذا كان الإمام يصلي في المسجد فإن وقفوا من الإمام على مقدار القامة فما دونها فصلاتهم مجزية، وهكذا لو وقف بعدهم صف بينهم وبين الصف الأول قدر القامة جاز ذلك، وهكذا الكلام في الثالث والرابع يكون الكلام فيه ما ذكرناه من قدر المسافة بين الصفين.

(3/530)


قال أحمد بن يحيى في المفرد: وإذا كان الإمام من أهل الدين واصطف ورآءه قوم مخالفون ثم اصطف بعدهم أهل الدين لم تفسد صلاتهم وأراد بقوله: قوم مخالفون. يعني من أهل الجبر والتشبيه ممن يكون كفره من جهة التأويل كالذين ذكرناهم أو من يكون فاسقاً من جهة التأويل كالخوارج وغيرهم فإنه ليس هاهنا إلا أنهم تخللوا فيما بين الصفين أو فيما بين الإمام والمأموم وذلك مما لا يطرق خللاً ولا نقصاً في صلاة من خلفهم، ولا يمكن أن يقال: إنهم غير مصلين وأن صلاتهم كلا صلاة فإن صلاة هؤلاء مسقطةٌ لفرضهم عن ذممهم ولهذا فإنهم لو تابوا عن هذه الاعتقادات لم يتوجه عليهم قضاء الصلاة وأخبارهم مقبولة وشهاداتهم. فقول من قال من محصلي مذهبنا: أنهم غير مصلين. لا وجه له لما ذكرناه ولكن يقال: إنهم مصلون معتقدون بهذه الاعتقادات التي توجب إكفارهم على رأي من أكفرهم بها فلا يضر من صلى خلفهم في صلاتهم ولا ينزلون منزلة البهائم فإنهم من جملة المعتقدين للشريعة العالمين بها المكلفين بأحكامها فكيف يقال: بأنهم بمنزلة البهائم. وإن اصطف رجلان خلف الإمام وأحدهما محدث صحت صلاة المتوضي؛ لأن حدثه ليس بأبلغ من أن لا يكون مصلياً والصلاة منعقدة، وإن لم يكن مصلياً إذا كبر قبل تكبيره فهكذا هاهنا تنعقد الصلاة به وإن كان محدثاً.

(3/531)


الفرع الخامس عشر: وإذا صلى الإمام في سفينة والمأمومون في سفينة أخرى نظرت فإن كان بينهما حائل يمنع من المشاهدة لأحوال الإمام بطل الاقتداء كالجدار الحائل في الصحراء، وإن لم يكن بينهما حائل نظرت فإن كانت سفينة المؤتمين متقدمة على سفينة الإمام بطل الإقتداء بالتقدم كما مر بيانه، وإن لم تكن متقدمة نظرت، فإن كانتا متصلتين صحت الصلاة؛ لأنه لا حائل بينهما، وإن كانتا منفصلتين نظرت فإن كان الفصل مقدار القامة أو أقل صحت الصلاة؛ لأن ما هذا حاله مغتفر في البعد كما قررناه من قبل، وإن كان أكثر من ذلك بطل الاقتداء وسواء كانت الريح زعزعاً أو رخاء(1)
في صحة الائتمام على الوجه الذي ذكرناه، وحكي عن أبي حنيفة وأبي سعيد الأصطخري من أصحاب الشافعي: أن الماء يمنع الاقتداء وهذا لا وجه له فإن الماء لا يراد للحيلولة وإنما يراد للمنفعة فهو كجدار المسجد.
قال محمد بن يحيى: والنهر يكون مانعاً من صحة الإئتمام وإنما يكون مانعاً بشرطين:
__________
(1) ريح زعزع وزعزاع وزعزوع: شديدة، الأخيرة عن ابن جني، ا هـ، لسان8/142ـ والرياح الرخاء: رياح لينة طيبة لا تزعزع، اهـ كشاف 3/375، في تفسير قوله تعالى: {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب)) 36ص.

(3/532)


الشرط الأول: أن يكون النهر واسعاً بحيث تجري فيه السفن وهذا نحو دجلة والفرات وسيحون وجيحون(1)
فإن هذه الأنهار يعبر فيها بالسفن الصغار والقناطر، وعلى هذا إذا كانت حائلة بين الإمام والمؤتمين فإنها تكون مانعة من الائتمام، فإن صلى المؤتمون والحال هذه بطلت صلاتهم وصحت صلاة الإمام فأما إذا كان النهر ضيقاً بحيث يكون سمكه مقدار القامة أو دونها فإنه لا يكون مانعاً عن صحة الائتمام ولو كان الماء جارياً فيه بحيث يكون حائلاً بين الإمام والمؤتمين.
الشرط الثاني: أن النهر إنما يكون مانعاً إذا لم تكن الصفوف متصلة.
واعلم أن اتصال الصفوف يطلق في لسان الفقهاء وله معنيان:
المعنى الأول: وهو الأكثر في الإطلاق أن يكون في الطريق والشارع والنهر ناس يصلون فإذا كان الأمر هكذا فإن هذه الأمور غير مانعة من صحة الإئتمام لأجل اتصال الصفوف؛ لأنه لا حيلولة بالبعد مع اتصالها فلهذا كانت جائزة.
المعنى الثاني: أن يطلق ويراد به أن يكون بين المصلي والإمام مسافة قريبة مثل قامة المصلي فما دونها فهذان المعنيان يكون البعد مانعاً من الائتمام باعتبارهما.
__________
(1) نهر دجلة ينبع من المرتفعات الواقعة في جنوب شرق تركيا وتمده عدة روافد ويدخل الحدود العراقية بالقرب من قرية فيشخابور، والفرات أحد النهرين اللذين يرويان أرض العراق (الآخر دجلة) ويستمد الفرات مائة من منابع عديدة شرق تركيا، وسيحون نهر طوله حوالي2900كيلو متر، يتكون بوادي فرغانة بجمهورية أوزبك بالتقائه مع نهري كرين وكره داريا وينتهي إلى بحر آرال، وجيحون نهر طوله 2523 كيلو متر بوسط آسيا اسمه القديم: أو جزوس و هو بالعربية جيحون ويصب كسابقة في بحر أرال، ويلتقي نهرا دجلة والفرات في منطقة البصرة بالعراق ليشكلا شط العرب الذي يصيب في الخليج العربي، راجع (الموسوعة العربية الميسرة) صفحات (228،785،977،1278).

(3/533)


الفرع السادس عشر: في الطريق هل تكون مانعة من صحة الائتمام أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها مانعة من صحة الائتمام، وهذا هو رأي القاسم نص عليه في مسائل عبدالله بن الحسن وارتضاه السيدان الأخوان للمذهب، وإنما تكون مانعة من صحة الائتمام بشرط أن تكون واسعة بحيث تكون مساحتها أكثر من قدر القامة فإن كانت مساحتها دون القامة أو قدر القامة فإنها لا تكون مانعة سواء كانت مسلوكة أو غير مسلوكة؛ لأن الاعتبار إنما هو بالبعد دون السلوك والإستطراق فإنهما لا يعتمدان بحال.
والحجة على هذا: قوله : ((لا جمعة لمن يصلي في الرحبة ))(1).
ووجه الاستدلال بالخبر: هو أنه لا خلاف أن الرحبة إذا كانت من جملة المسجد أو لم يفصل بينها وبين الإمام طريق أو يكون بينها وبين الإمام أقل من قدر القامة فإن الصلاة فيها مجزية، فإذاً المراد إذا كان بينه وبينها طريق سائلة واسعة.
المذهب الثاني: أن الطريق غير مانعة سواء كانت واسعة أو ضيقة أو كانت الصفوف متصلة أو غير متصلة، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا)). ولم يفصل بين أن تكون الطريق فاصلة أو غير فاصلة ولأنه من الإمام على مسافة يسيرة لا حائل بينهما فأشبه ما إذا لم يكن بينهما طريق.
والمختار: تفصيل نشير إليه وهو أن الطريق ليست مانعة لكونها طريقاً ولهذا يستوي الحال فيها سواء سقط المرور عنها أو لم يسقط، وإنما الاعتبار بكونها مسافة بعيدة عن الإمام ولهذا فإنها لو كانت قريبة لم تكن مانعة كما قررناه من قبل وكل على أصله، فعندنا أنها إذا كانت قامة أودونها لم تكن مانعة وإن كانت أكثر من ذلك كانت مانعة، والشافعي المسافة القصيرة عنده ثلاثمائة ذراع والمانعة ما فوق ذلك.
الانتصار: يكون بالجواب على أوردوه.
__________
(1) حكاه في (الجواهر)1/324 و(الشفاء). قال: الرحبة: بسكون الحاء، ساحة خارج المسجد.

(3/534)


قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا)).
قلنا:عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ظاهر هذا الخبر متروك لأنه قد خرج عنه المزبلة والمجزرة وغيرهما فإذا خرجت هذه بدلالة أخرجنا الطريق الواسعة بدلالة التي تكون حائلة بين الإمام والمأموم.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الخبر وإذا تعارضا فلابد من ترجيح أحدهما ولا شك أن خبرنا أرجح لأنه حاظر وخبركم مبيح وإذا تعارض الحظر والإباحة كان ما دل على الحظر أولى بالعمل لأنه أحوط للدين.
قالوا: ولأن المأموم على مسافة يسيرة لا حائل بينهما فأشبه ما إذا لم تكن بينهما طريق.
قلنا: نحن نقول بموجب هذا القياس فإنا نسلم أن المسافة بين الإمام والمأموم إذا كانت يسيرة جازت الصلاة ولكنا لانسلم ما ذكرتموه من المسافة فإن المسافة القصيرة القامة فما دونها وعندكم أن المسافة القصيرة ثلاثمائة ذراع، فإذاً الخلاف راجع بيننا إلى مقدار المسافة وقد قررنا فيما سبق أنه لا يغتفر البعد بين الصفين في غير المساجد ولا بين الإمام والمأموم إلا مقدار القامة فما دونها فأغنى عن الإعادة.
الفرع السابع عشر:في حكم الإمام إذا صلى في موضع مرتفع أو منخفض. وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: محكي عن الهادي وعنه روايتان:
الرواية الأولى: ذكرها في (المنتخب) وهي أن صلاته تبطل إذا كان الإمام في موضع مرتفع وهم في موضع منخفض أو كانوا في موضع مرتفع والإمام في موضع منخفض فإنه قال: فإن صلى بقوم هم في الأرض وهو فوق سطح أو كان في الأرض وهم على سطح أعادوا دونه؛ لأنه تحتهم أو فوقهم لا أمامهم وهم وراءه.
والحجة على هذا: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). وفائدة هذا الخبر: المتابعة للإمام في أقواله وأفعاله ولن يكون هكذا إلا وهو متقدم عليهم وهم خلفه حتى تعقل المتابعة؛ فإذا كان مرتفعاً أو منخفضاً لم تعقل المتابعة فلهذا بطلت صلاتهم لأجل بطلان الاقتداء.

(3/535)


المذهب الثاني: أن الإمام إذا كان أسفل كره وإن كان في موضع مرتفع فإن كان ارتفاعه فوق القامة بطل الاقتداء وبطلت صلاتهم، وإن كان [مقدار] القامة فما دونها جازت الصلاة، وهذا هو الذي حصله السيدان الأخوان للمذهب.
والحجة على هذا: هي أن الإمام إذا كان أسفل فهم تابعون له ومتوجهون إليه فلهذا لم تكن صلاتهم باطلة، فأما إذا كان الإمام في مكان مرتفع فوق القامة فإنه يبطل التوجه إليه لارتفاعه فلهذا بطلت صلاتهم، وإن كان دون ذلك جازت صلاتهم وهذا كله أعني ارتفاع الإمام وانخفاضه إذا كانت المسافة بينهم قريبة فأما إذا كانت بعيدة على ما ذكرناه في حد البعيدة والقريبة فإن الصلاة تبطل مع البعد في المسافة كما حققناه.
المذهب الثالث: التفرقة بين المسجد وغيره، وهذا هو رأي الشافعي فإنه قال: إذا صلى الرجل في علو الدار بصلاة الإمام في المسجد فإنه لا تجزيه بحال، وإن كانوا يرون من في الصحن لأن الدار نائية من المسجد وليس بينهما قرار يمكن اتصال الصفوف به؛ لأن الصف لا يتصل إلى فوق وإنما يتصل بالقرار هذا نص الشافعي.
وقال صاحب (الإيضاح): ومن كان على الصفا والمروة وعلى جبل أبي قبيس(1)
__________
(1) الجبل المعروف بمكة المطل على البيت الحرام، وقد أصبح اليوم مغطى بالمباني حتى لا يكاد يرى.

(3/536)


يصلي بصلاة الإمام في المسجد فإن صلاته صحيحة وإن كان أعلى منه؛ لأن ذلك متصل بالقرار، وقد يكون القرار مستعلياً ومستقلاً ومستوياً وليس كذلك سطح الدار فإنه ليس من القرار والصف غير متصل، فإن صلى رجل على سطح الدار بصلاة الإمام في الدار في صحنها لم تصح صلاته؛ لأن بينهما حائلاً يمنع المشاهدة والاستطراق. والتفرقة بينه وبين المسجد أن المسجد يبنى كله للصلاة وسطحه منه وليس كذلك الدار؛ لأن سطحها بني للحائل ولم يبن للصلاة فحاصل كلام الشافعي أن الإمام إذا كان أسفل، فإن كان المأموم بحيث تتصل الصفوف صحت الصلاة كالأمكنة المستوية، وإن كان المأموم في سطح الدار والإمام في المسجد أو في قرار الدار بطلت الصلاة لأنه لا يمكن إتصال الصفوف إلى أعلى. ولم أقف على مذهبه إذا كان الإمام في موضع عال والمأموم أسفل منه خلا أنه قال: أختار للإمام أن يعلم من خلفه الصلاة أو يصلي في موضع مرتفع ليراه من وراءه، فكلامه هذا دال على أن ارتفاع الإمام يخالف انخفاضه وأن ارتفاعه مستحب ولم يذكر ما ذكره السيدان من اعتبار القامة أو فوقها في الصحة والفساد.
المذهب الرابع: محكي عن أبي حنيفة، وهو أنه يكره ارتفاع الإمام وانخفاضه ولا تبطل صلاة المؤتمين في الحالين.
والحجة على هذا: هو أن المأخوذ على المأمومين المتابعة للإمام سواء كان مرتفعاً أو منخفضاً في الإجزاء لكن الإستحباب أن يكون مقامهم واحداً فإذا اختلف الحال كره لهم ذلك.
والمختار: ما قاله السيدان الأخوان وحصَّلاه للمذهب وهو أعدل المذاهب وهو الكراهة إذا كان الإمام أسفل لأن التوجه باق إليه بكل حال، وهذا بشرط أن تكون المسافة قريبة فأما إذا كانت بعيدة مع الإنخفاض بطلت الصلاة، فأما إذا كان الإمام في موضع مرتفع فإن كان قدر القامة أو ما دونها صح الائتمام لأجل ثبوت المواجهة، وإن كان فوق القامة بطلت الصلاة لبطلان المواجهة.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.

(3/537)


قالوا: نص الهادي في المنتخب على بطلان الصلاة في الحالين جميعاً للمؤتمين دون إمامهم.
قلنا: هذا محمول على ما إذا كانت المسافة بين الإمام والمؤتمين بعيدة فلهذا بطل الائتمام سواء كان الإمام مرتفعاً أو منخفضاً.
قالوا: حكي عن الشافعي التفرقة بين المسجد وغيره فإذا كان الإمام في المسجد والمؤتمون أعلى منه صح الإئتمام إذا كان على حالة تتصل به الصفوف فأما إذا كان لا تتصل به الصفوف بطلت الصلاة.
قلنا: قد أوضحنا أنه لا فرق بين ارتفاع الإمام وانخفاضه إذا كانت المسافة قريبة بينه وبين المؤتمين وسوءا كان في مسجد أو في غيره فلا وجه للتفرقة بين المسجد وغيره مع كون الحال ما ذكرناه من قرب المسافة. والشافعي يذهب إلى أن الإمام إذا كان في مسجد وبينه وبين المؤتمين ثلاثمائة ذراع صحت الصلاة ونحن لا نقول بهذه المقالة لأنها مسافة بعيدة والبعد يقطع الصلاة والائتمام بالإمام.
قالوا: حكي عن أبي حنيفة أنه يقول بصحة الصلاة في ارتفاع الإمام وانخفاضه لكنه يكره لأجل المخالفة بينه وبين المؤتمين.
قلنا: هذا مسلم مع اعتبار قرب المسافة في الانخفاض للإمام فأما مع ارتفاع الإمام وعلوه فلا نسلم الكراهة [إلا] إذا كان ارتفاعه فوق قدر القامة [فإنه] يكون مبطلاً للإمام لبطلان المواجهة فأما الانخفاض فلا كراهة فيه مع قرب المسافة لأن المواجهة حاصلة بين الإمام والمؤتمين.
الفرع الثامن عشر: وإذا كان بين الإمام والمؤتمين شارع أو سكة فهل تجوز الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الشارع والسكة مانعان من الإقتداء إلا أن تتصل الصفوف، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة ورأي المسعودي من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: ما ذكرناه من قوله : ((لا جمعة لمن يصلي في الرحبة)) (1).
__________
(1) تقدم.

(3/538)


ولا وجه لذلك إلا البعد، وقلنا: إلا أن تتصل الصفوف فإن اتصلت الصفوف جاز ذلك والمراد أن يكون عرض الشارع أو السكة قدر ما بين الصفوف أو تكون أكثر من ذلك ولكن يكون بعض الصفوف واقفاً على الطريق والشارع أو السكة، فعلى هذا إن قلنا أن من وقف على السكة أو الشارع فصلاته باطلة فإنه يمنع من بطلان صلاة من ورآءه من الصفوف، وأما إذا كانت المسافة بعيدة وهي أن تكون فوق المعتاد بين الصفين من قدر القامة فإنه يوجب البطلان لأجل البعد سواء كان الناس يسلكونه أو لايسلكونه بل قد سقط عنه المرور.
المذهب الثاني: جواز الصلاة خلف الشارع والسكة وهذا هو نقل أهل بغداد عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن بين الإمام والمأموم مسافة يسيرة لا حائل بينهما فأشبه ما إذا لم يكن هناك شارع ولا سكة.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الشارع والسكة إنما تكون مانعة عن الائتمام بشرطين:
أحدهما: أن يكون عرض الشارع كبيراً يزيد على قدر القامة فإن كان دون ذلك لم يكن حائلاً بين الإمام والمأموم.
وثانيهما: أنه إذا كان زائداً على قدر القامة وكان فيه من يصلي لم يكن مانعاً فإن ما زاد على قدر ما يكون بين الصفوف بطل الإئتمام وكان قاطعاً لما ذكرناه من البعد.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: المأموم من الإمام على مسافة قريبة فلا يكون مانعاً من الإئتمام.
قلنا: إن كانت المسافة مقدار القامة فهذا غير مانع، وإن كانت المسافة على ما يراه الشافعي، وهي مقدار ثلاثمائة ذراع فما هذا حاله يكون مسافة بعيدة فيكون مانعاً عن الائتمام كما أوضحناه من قبل.

(3/539)


الفرع التاسع عشر: ومن صلى في قرار داره أو دار غيره وباب الدار مفتوح يرى منه الإمام في المسجد والمصلين نظرت، فإن كانت الدار قريبة من المسجد علىمسافة قريبة مثل ما بين المصلين في الصفوف جازت الصلاة وجاز الائتمام، وإن كان بينهما أكثر من ذلك نظرت، فإن اتصلت الصفوف على معنى أن بعض الصفوف في قدر هذه المسافة صحت الصلاة والائتمام، وإن كانت المسافة بعيدة تزيد على قدر إتصال الصفوف بطلت صلاة المؤتمين لأجل البعد المتفاوت، ويستحب لمن أراد أن يعلم الناس أمور الصلاة وأحكامها أن يكون على نشز من الأرض لما روي عن سهل بن سعد الساعدي أن الرسول صلى بنا وهو على المنبر ثم رجع القهقرى حتى نزل فسجد ثم رقى إلى المنبر فلما فرغ قال: ((إنما فعلت ذلك لتأتموا بي وتعلموا صلاتي )) (1).
وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ويكره أن يصلي على نشز من الأرض لغير التعليم لما روي أن سلمان الفارسي وأبا سعيد الخدري قدِمَا على حذيفة بالمدائن وعنده أسامة فصلى بهم حذيفة على نشز من الأرض أنشز مما هم عليه فأخذ سلمان بضبعه حتى أنزله فلما نزل قال له سلمان: سمعت رسول الله يقول: ((لا يصلي إمام القوم على أنشز مما هم عليه ))(2).
__________
(1) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وأخرج البخاري نحوه، وهو في (المنتقى) لابن الجارود1/86، ومسند أبي عوانة1/470.
(2) رواه الدارمي في سننه1/321، وأخرج أبو داود نحواً منه.
…قال في (الجواهر): وصحح في (التلخيص) الحديث الأول، قال-يعني أبا داود-: ويقويه ما رواه الدارقطني من وجه آخر عن همام عن ابن مسعود: نهى رسول الله أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه أسفل منه. اهـ.1/325.

(3/540)


فقال أبو سعيد الخدري وأسامة صدق، ويستحب لمن رأى ذلك أن يغيره وينكره لما روي أن عمار بن ياسر كان بالمدائن فتقدم عمار على دكان رقى عليه يصلي والناس أسفل منه يصلون بصلاته فقدم حذيفة فأخذ بيده واتبعه عمار فأنزله فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة ألم تسمع رسول الله يقول: ((إذا قام الرجل يصلي بالناس فلا يقم في مقام أرفع من مقامهم )) (1).
قال فلذلك اتبعتك حين أخذت على يدي، وروي أن حذيفة أمَّ الناس بالمدائن على دكان فأخذه أبو مسعود البدري بقميصه فجذبه فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك أو قال: نهي عن ذلك. قال بلى قد علمت ذلك حين حدثتني، وكل هذا إذا كان الارتفاع دون قدر القامة فإن كان فوق القامة بطلت الصلاة لأنهم صاروا غير مواجهين للإمام كما لو تقدمهم.
الفرع العشرون: في بيان حكم المواقف في الصلاة.
اعلم أن المواقف ربما كانت مشروعة ومرة تكون مكروهة وأخرى تكون محظورة فهذه ضروب ثلاثة نفصلها بمعونة الله:
الضرب الأول: ما يكون مشروعاً وهو يكون على أوجه خمسة:
أولها: عن يمين الإمام إما مساوياً له وإما متأخراً عنه.
وثانيها: خلف الإمام إذا كانا رجلين.
وثالثها: إذا كانوا جماعة في المسجد اغتفر البعد فيما بينهم وبين الإمام وفيما بين الصفوف، وإن كان البعد ألف ذراع في المسجد؛ لأن المسجد كالبقعة الواحدة للصلاة.
ورابعها: أن يكون بينهم وبين الإمام قدر القامة في غير المساجد أو مادونها.
وخامسها: أن يكون بين الصفوف قدر القامة فما دونها في غير الصحاري.
الضرب الثاني: في المواقف المكروهة [وتلك أمور] أربعة:
أولها: عن يسار الإمام إذا كان واحداً.
وثانيها: عن يمين الإمام إذا كانا رجلين.
وثالثها: أن يكون الإمام على نشز دون قدر القامة.
ورابعها: أن يكون المأموم على نشز أرفع من الإمام دون قدر القامة.
__________
(1) أخرجه أبو داود، ورواه البيهقي في سننه3/109.

(3/541)


الضرب الثالث: المواقف المحظورة. و[تلك] أربعة:
أولها: المرأة عن يمين الإمام.
وثانيها: المرأة في صف الرجال.
وثالثها: خلف الصف الذي تكون فيه المرأة على نعت المشاركة لهم في الصلاة.
ورابعها: قدَّام الإمام في جهته.، فهذه جملة المواقف تكون على هذا الوجه وقد مر تفصيلها بأدلتها فأغنى عن الإعادة.
قاعدة: نجعلها خاتمة لهذا الفصل
اعلم أن بعض المتفقهة من أصحاب الشافعي زعموا أن إمام المحراب إذا كان معتزلياً فلا تجوز الصلاة خلفه لكفره، وأن كل من قال بخلق القرآن من المعتزلة فإنه كافر، فظاهر هذا الكلام هو القول بإكفار المعتزلة، وهذه(1)
بعينها هي عقيدة أهل العدل من أئمة العترة من الزيدية ومن تابعهم من شيعتهم وأهل مذهبهم فإن الفئة العدلية هم أئمة العترة والزيدية والمعتزلة وهم لا يخالفون الزيدية في شيء من عقائدهم إلا في التنصيص على الإمامة وفي سهم ذوي القربى، وهاتان المسألتان ليس فيهما إكفار ولا تفسيق، وهم إذا قالوا بإكفار المعتزلة في هذه المسائل فهم لا محالة يذهبون إلى إكفار الزيدية وأئمتهم بهذه المسائل؛ لأن هذه عقائدهم من غير محالة. ويتضح بطلان هذه المقالة ويظهر فسادها لمسلكين:
__________
(1) يقصد الأقوال التي ينكرها المتفقهة على المعتزلة.

(3/542)


المسلك الأول: هو أن الخوض في الإكفار والتفسيق مورده الشرع ولا مجال للعقل فيه فإنه كلام في مقادير الثواب والعقاب وثبوتهما وسقوطهما، ومثل هذا لا تؤخذ من جهة صاحب الشريعة والأمر فيه صعب والإقدام عليه من غير بصيرة نافذة ولا رسوخ قدم في العلم يكون رمياً في العمى وخبطاً في العشواء وتهوراً في الضلالة وإغراقاً في الجهالة، وهذه حالة هؤلاء الذين ذهبوا إلى هذه المقالة فنعوذ بالله من استحكام الخذلان واستحواذ الشيطان والسبب لهؤلاء في قولهم بهذه المقالة التي لم تصدر عن فطانة ولا لها من جهة الله توفيق ولا تسديد هو أنهم تعلقوا بأطراف من علم الفقه ولعقوا شيئاً من أحكامه لم يعضُّوا على العلوم الكلامية بضرس قاطع ولا غمسوا أيديهم في أسابيغها ولا أحاطوا بالمباحث الإلهية بفهم واسع فتراهم يطلقون الكلام في الإكفار إطلاقاً على ما عن وسنح عملاً بالأهواء وتعويلاً على ما يعرض من سخيف الأراء وميلاً إلى نصرة المذاهب وإهمالاً للتعويل على النظر الصائب.

(3/543)


المسلك الثاني: هو أن هذه المسائل الكلامية والمباحث الإلهية لا يتعلق بها إكفار ولا تفسيق؛ لأن المتكلمين من أئمة الزيدية والمعتزلة والأشعرية وسائر فرق الجبرية قد صرحوا بأن الله تعالى موجود قادر عالم حي مريد متكلم، لكن اختلفوا في حقائق هذه الصفات هل تكون من قبيل الأحكام أو من قبيل الصفات؟ أو تكون من قبيل السلب أو الإيجاب؟ أو تكون قديمة أو حادثة؟ مع اتفاقهم على أصلها وثبوتها لله تعالى، ومثل هذا لا تعلق للإكفار به وإنما يتعلق به مجرد الخطأ لأن الحق فيه واحدٌ ولم تدل دلالة شرعية على كونه كفراً ولا فسقاً، فإطلاق الكفر والفسق بما ذكرناه من هذه المسائل يكون خطأ وجهلاً، فقد وضح لك بما ذكرناه أنهم لم يصنعوا شيئاً في إطلاق الإكفار بهذه المسائل وأنهم ليسوا من التحقيق في ورد ولا صدر. وقد نجز غرضنا من بيان مواقف الإمام من المأموم ونشرع الآن في حكم الاقتداء ونختم به الكلام في صلاة الجماعة.

(3/544)


الفصل الرابع في حكم الاقتداء بالإمام في الصلاة
إعلم أن الواجب على المؤتم متابعة الإمام في الأقوال والأفعال من غير مخالفة له إلا لدلالة خاصة لقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا)). وقوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وقوله : ((لا يأمن الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو رأس كلب أو رأس عنز))(1).
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على وجوب المتابعة والموافقة.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: ينبغي للمأموم ألا يتقدم على الإمام في أفعال الصلاة لما روي عن الرسول أنه قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد وإذا سجد فاسجدوا ولا ترفعوا قبله))(2).
وروي عن الرسول أنه قال: ((أما يخشى الذي يرفع رأسه والإمام ساجد أن يحول الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار)). فإن شاركه في التكبير والقيام والقعود والركوع السجود فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: وهذا هو رأي المؤيد بالله، فإنه قال: إذا وافق المؤتم الإمام في إبتداء التكبير أو في الركوع أو غيره فالأقرب عندي أن صلاته لا تبطل لأن الأئتمام هو أن يفعل مثل ما فعل الإمام تبعاً له وليس من شرطه أن يفعل بعد فعل الإمام. فهذا تصريح من مذهبه على جواز مشاركة المأموم للإمام في أفعاله ولا تبطل صلاته.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). ولم يفصل بين أن يكون الإمام متابعاً له أو مشاركاً له في أفعاله.
ومن وجه آخر: وهو أن الائتمام كما هو حاصل بالمتابعة فهو حاصل بالمشاركة فلهذا كانا سواء في صحة الأئتمام.
__________
(1) رواه أبو هريرة، أخرجه ا لبخاري1/245 ومسلم1/320، والترمذي2/475، وأبو داود1/169، والنسائي2/96، وابن ماجة1/308، وهو في أغلب السنن والصحاح والمسانيد.
(2) تقدم.

(3/545)


المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا وإذا ركع فاركعوا )). والفاء هذه دالة على التعقيب والترتيب وأن يكون فعله بعد فعل الإمام.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله.
وحجته: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا: وهو قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). فأطلق ولم يفصل بين أن يكون الائتمام معه أو بعده، وفي هذا دلالة على أن البَعْدية غير معتبرة وأن المشاركة له في أفعاله لا تبطل الائتمام به.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: قوله : ((فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا وإذا ركع فاركعوا)). والفاء دلالة التعقيب وفيه دلالة على اعتبار البعدية.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا ننكر البَعْدية وإنما هي الأولى، ولكن إذا شاركه لم تفسد الصلاة كما زعمتم، وليس في كلام الرسول ما يدل على بطلان المشاركة، وإنما أشار في كلامه هذا إلى البعدية؛ وكلامنا إنما هو في المشاركة.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما روينا من الأخبار، وما ذكرناه أرجح لقوة دلالته على المقصود.
ومن وجه آخر: وهو أن الفاء وإن كانت للتعقيب بأصل وضعها لكنها قد تكون دالة على المشاركة كالواو.
الفرع الثاني: وإذا لحق الإمام وقد فاته بعض الركعات فهل يجعل ما لحقه فيها أول صلاته أو آخرها؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه أول صلاته قولاً وفعلاً وحكماً، وهذا هو رأي أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وعمر، وأبي الدرداء من الصحابة رضي الله عنهم، ومن التابعين الحسن البصري، وابن المسيب، ومن الفقهاء الأوزاعي، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، والشافعي.
ومعنى قولنا: قولاً. أي أنه يقول به ويذهب إليه.
ومعنى قولنا: فعلاً. أي أنه يفعله ويعتمد عليه.

(3/546)


ومعنى قولنا: حكماً. يظهر في مسائل منها أنه إذا أدرك الإمام في الثالثة والرابعة فإنه يقرأ الفاتحة والسورة لأنه أول صلاته، ومنها أنه إذا أدرك الإمام في الركعة الثانية فإنه يقعد مع الإمام في التشهد ويتشهد الإمام ولا يتشهد لأنه ليس موضعاً لتشهده لأنها أول صلاته، ومنها أنه إذا أدرك الإمام في الركعة الثانية من الفجر فإنه لا يقنت وإن قنت الإمام لأنها أول صلاته. ومنها أنه إذا أدرك الإمام في الركعة الثانية من العيد فإنه يكبر خمساً وإن كبر الإمام أربعاً لأنها أول صلاته على حد الخلاف في أعداد التكبيرات، وهذا هو: رأي الهادي، والقاسم، والمؤيد بالله، أعني أنه أول صلاته.
والحجة على هذا: ما روى أبو رافع، عن جده، عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: إذا سبق الإمام أحدكم بشيء فليجعل ما أدركه أول صلاته مع الإمام، والصحابي إذا أطلق مثل هذا فإنما يطلقه عن توقيف من جهة الرسول إذ لا محال للاجتهاد فيه بحال.
المذهب الثاني: أن كلما أدركه مع الإمام فهو آخر صلاته، وما يقضيه بعد سلام الإمام فهو أول صلاته وهذا هو: رأي الإمام زيد بن علي، والثوري، ومالك، وأبي يوسف.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ما أدركت فصل وما فاتك فاقضه )) (1).
والذي فاته مع الإمام فهو أول صلاته وهو المقضي، فالذي يدركه مع الإمام فهو آخر صلاته؛ لأنه للإمام آخر وهو مؤتم به، والإمام حاكم عليه.
__________
(1) رواه عبد الرزاق في (المصنف)2/77.

(3/547)


المذهب الثالث: أن كل ما أدرك مع الإمام فهو آخر صلاته حكماً على معنى أنه إذا أدرك الركعة الأخيرة من الفجر مع الإمام فإنه يقنت فيها وهي أول صلاته فعلاً؛ لأنه لم يسبقها شيءٌ قبلها فهي أول ما فعله مع الإمام، وما يفعله بعد فراغ الإمام من الصلاة فهو أول صلاته حكماً على معنى أنه إذا قام إلى الثالثة والرابعة فإنه يقرأ الفاتحة والسورة؛ لأنها أول صلاته بعد فراغ الإمام وآخر صلاته فعلاً على معنى أنها آخر صلاته مع الإمام لأن بعدها التسليم وهو آخر الصلاة، وهذا هو المنقول عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أنها آخر صلاة الإمام فيجب أن تكون آخر صلاة المأموم كما لو لم يكن مسبوقاً.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم من الصحابة والتابعين والفقهاء، وهو محكي: عن الباقر، والناصر، وأحمد بن عيسى.
وحجتهم: ما نقلناه عنهم، ونزيد هاهنا وهو أن الإمام إنما كان مشروعاً في الصلاة من أجل الزيادة في فضلها وثوابها وإعظام أجرها، فكيف يقال: بأنه يكون سبباً في قلب حقيقتها، وأن صلاة المأموم تكون آخرها أولاً لما يبتدي به [و] هذا لا وجه له.
ومن وجه آخر: وهو أن كل من ابتدأ شيئاً فإنما يبتدأ به من أوله ولا يبتدأ به من آخره فلهذا قلنا: بأن صلاة المأموم إذا كان مدركاً لبعض صلاة الإمام تكون أول صلاته دون آخرها.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((ما أدركت فصل وما فاتك فاقضه)). والذي فاته مع الإمام فهو أول صلاته وهو المقضي فالذي أدركه مع الإمام فهو آخر صلاته لأنه للإمام آخر، وهو مؤتم به والإمام حاكم عليه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد ما أدركت وقته من الصلاة فصل، وما فاتك وقته من الصلاة فاقضه؛ لأن الإنسان في الحقيقة إنما يدرك وقت الصلاة لا فعل نفسه.

(3/548)


وأما ثانياً: فلأن المراد بقوله: فاقضه. الإتمام لأنه قد تغير بالقضاء عن الإتمام كما قال تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}[فصلت:14]. أي أتمهن. وقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ }[الجمعة:10]. أي تمت وفرغت.
قالوا: ما يدركه المأموم فهو آخر صلاة الإمام فيجب أن تكون آخر صلاة المأموم كما لو لم يكن مسبوقاً.
قلنا: المعنى في الأصل أنه أدرك أول صلاة الإمام فلهذا كان آخر صلاة الإمام آخر صلاته بخلاف ما نحن فيه فإنه لم يدرك أول صلاة الإمام فافترقا.
الفرع الثالث: وإن حضر المأموم وقد أقيمت الصلاة فلا يشتغل عن الدخول فيها بنافلة لما روى أبو هريرة عن الرسول : ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (1).
وإن أدرك الإمام في حال القيام وخاف أن يركع الإمام لم يشتغل بدعاء الاستفتاح لأنه نفل فلا يشتغل به عن أداء الفرض وإن أدركه راكعاً فركع معه واطمأن راكعاً فقد أدرك هذه الركعة لما روي عن الرسول أنه قال: ((من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة فليضف إليها أخرى ومن لم يدرك الركوع فليصل الظهر أربعاً)) (2).
ولأنه قد أدرك معظم هذه الركعة فلهذا كان داخلاً بها في الصلاة واحتسب له بها، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يركع المأموم فهذا يكون على أوجه ثلاثة:
__________
(1) أخرجه البخاري1/235، ومسلم1/493 في صحيحيهما، وهو في صحيحي ابن خزيمة2/169، وابن حبان5/564، وفي سنن الترمذي2/282، وأبي داود2/22، وابن ماجة1/364.
(2) أخرجه الدارقطني في سننه2/14، وموضوعه صلاة الجمعة.

(3/549)


أولها: أن يرفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يركع المأموم ثم يركع المأموم بعد رفعه ويدركه قائماً مطمئناً في القيام فما هذا حاله يكون مدركاً الركعة لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تبادرنني في ركوع ولا سجود فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت)) (1).
فسماه مدركاً بالرفع إلى القيام وفي هذا دلالة على ما قلناه من إدراك الركعة بإدراك القيام مع الإمام.
وثانيها: أن الإمام إذا تحرك للرفع من الركوع وهوى المأموم إلى الركوع فإن بلغ المأموم في ركوعه موضع الإجزاء في الركوع وهو يقدر على أن يقبض على ركبتيه واطمأن قبل أن يخرج الإمام عن حد الإجزاء في الركوع فإن المأموم يعتد بهذه الركعة لأنه قد أدرك معه الركوع، وإن لم يبلغ المأموم أول حد الإحزاء حتى خرج الإمام عن حد الركوع فإن المأموم لا يعتد بهذه الركعة كما لو أدركه بعد الرفع من الركوع.
وثالثها: أن يرفع الإمام رأسه من الركوع ثم يهوي المأموم للركوع ولا يدركه قائماً ولا يطمئن معه في القيام فإنه لا يكون مدركاً للركعة لخروج المأموم عن مشاركة الإمام في الركوع أو في القيام كما قررناه فإدراك المأموم الإمام يكون على هذه الأوجه التي أشرنا إليها وبالله التوفيق، وإن أدركه راكعاً فإنه يكبر تكبيرة الافتتاح ليكون داخلاً بها وتكبيرة أخرى؛ لأنها مشروعة في حقه كما لو أدركه قائماً.
الفرع الرابع: يشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: إذا أدرك المأموم الإمام راكعاً فهل يكبر تكبيرة أو تكبيرتين فيه مذهبان:
__________
(1) أخرجه أبو داود في سننه1/168: ((لا تبادرتي بركوع ولا سجود، فإني مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت إني قد بدنت)) جاء في (الجواهر) حاشية البحر1/320 يقال: بدن الرجل بتشديد الدال وفتحها إذا أسَنَّ، وبتخفيفها وضمها إذا سمن، والمراد هاهنا المعنى الأول. اهـ، وأخرج الحديث ابن ماجة1/309 وغيره.

(3/550)


المذهب الأول: أنه يكبر تكبيرتين إحداهما تكبيرة الافتتاح وهي الفرض، والأخرى للركوع وعلى هذا يكون مدركاً لتلك الركعة كما مر بيانه، وهذا هو رأي الهادي، والقاسم، والناصر، ومحكي عن جميع الفقهاء.
والحجة على هذا: هو ما ظهر من فعل الصحابة والتابعين أنهم كانوا إذا أدركوا الإمام كبروا بتكبيرتين تكون إحداهما فرضاً، والأخرى سنة.
المذهب الثاني: أنه لا يكبر إلا تكبيرة واحدة وهي الفرض ويركع بها من غير زيادة، وهذا هو المحكي عن زيد بن علي .
والحجة: هو أن هذه التكبيرة الثانية إنما تكون مشروعة إذا كان مدركاً للإمام في حال قيامه فأما إذا أدركه راكعاً فالمفروضة كافية.
والمختار: أنه لا بد من التكبيرتين وإحداهما لا تقوم مقام الأخرى من جهة أن إحداهما يفتتح بها الصلاة، والأخرى مسنونة من تكبيرات النقل فلا تسقط المسنونة بفعل المفروضة، كما لو أدركه المأموم في حال قيامه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أورده.
قوله: إن التكبيرة إنما تكون مشروعة إذا كان مدركاً للإمام في حال قيامه فأما إذا أدركه راكعاً فالمفروضة كافية.
قلنا: الإجماع منعقد من جهة الصحابة والتابعين على أنها لا تسقط بالمفروضة وأنها غير كافية.
المسألة الثانية: وإذا ركع الإمام فنسي تسبيح الركوع فرفع رأسه ثم رجع إلى الركوع ليكمل التسبيح فهل تبطل صلاته أو لا تبطل؟ فيه تردد.
والمختار: أنها لا تبطل؛ لأنه جاهل بالتحريم فأشبه ما لو فعلها ساهياً. وإذا قلنا بأن صلاته لا تبطل فإذا أدركه المأموم في هذا الركوع الثاني فهل يحتسب بهذه الركعة أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يكون لاحقاً بها ولا يعتد بهذه الركعة؛ لأن هذه الركعة إنما فعلت على جهة الجهل بالتحريم فلا يكون داخلاً بها لأن هذا الركوع لا يحتسب للإمام فلا يكون داخلاً معه به.
المسألة الثالثة: إذا قام الإمام إلى الركعة الخامسة غلطاً فهل يصح أن يدخل المأموم معه في هذه الركعة؟ فيه تردد.

(3/551)


والمختار: أنه لا يكون المأموم داخلاً بهذه الركعة؛ لأنها لا تحتسب للإمام فلا يكون للمأموم دخول بها غير معدودة في الصلاة.
الفرع الخامس: إذا أدركه ساجداً، ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: إذا أدركه في السجود فإنه يَخِرُّ لله تعالى ساجداً لقوله : ((من أدركني فليكن على الحالة التي أنا عليها )) (1).
وهل يكبر تكبيرة الافتتاح قبل أن يَخِرَّ ساجداً على جهة الاستحباب ويكون داخلاً في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يَخِرَّ ساجداً على جهة الاستحباب ثم يقوم فيستأنف تكبيرة الافتتاح ويدخل معه في الصلاة ولا يعتد بالسجود الأول، وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ثلاث لا يدعهن إلا عاجز عن اكتساب الأجر والثواب: رجل سمع مؤذناً فلا يقول مثل ما يقول، ورجل حضر إلى جنازة فلا يصلي عليها ولا يشيعها ولا يسلم على أهلها، ورجل لحق الإمام في السجود فترك مشاركته ومتابعته فيه))(2)
__________
(1) أخرجه البخاري ومسلم أن النبي قال: ((من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة كلها)).
…وعن علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل: ((إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام)).
…قال الرباعي في (فتح الغفار)1/303: رواه الترمذي بإسناد ضعيف، وقد أعل لانقطاع لكن يشهد له حديث معاذ عند أبي داود وأحمد... إلخ.
(2) رواه الإمام زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي".
…قال السياغي في (الروض النضير)1/549: أخرجه بهذا السياق والسند محمد بن منصور في (الأمالي) ولكل من الثلاث شواهد، الخصلة الأولى: قوله: ((رجل سمع مؤذناً ولا يقول كما يقول)) أخرج نحوه عبدالله بن أحمد بن حنبل في (زيادات المسند) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان علي بن أبي طالب إذا سمع المؤذن يؤذن قال كما يقول: الحديث، ذكره في (مجمع الزوائد) قال: وأخرجه الطبراني في (الكبير) عن ابن مسعود، وفي (التلخيص) عن أبي سعيد مرفوعاً، ورواه آخرون.
…قال السياغي: وقوله: ((ورجل لقي جنازة...إلخ)) سيأتي الكلام عليه في كتاب الجنائز، وكذا قوله: ((ورجل أدرك الإمام وهو ساجد)) سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في باب: الرجل يدرك مع الإمام بعض الصلاة. اهـ.

(3/552)


.
وإنما قلنا أنه لا يعتد بهذه السجدة ولا يكون داخلاً في الصلاة فلما روي عن الرسول أنه كان في صلاته في سجوده فسمع خفق نعل فلما فرغ من صلاته فقال: ((من ذا الذي سمعت خفق نعله ))؟. فقام رجل من أهل المدينة فقال: كنت أنا يا رسول الله فقال: ((كيف وجدتنا))؟ قال سجوداً قال: ((هكذا فاصنعوا ولا تعتدوا بها))(1).
فهذا الخبر دال على أنه يلزمه استئناف تكبيرة الافتتاح إذا قام، ولهذا قال: ((ولا تعتدوا بها)). فلو كانت تكبيرة الافتتاح مجزية له لم يقل: ((لا تعتدوا بها)).
المذهب الثاني: أنه تلزمه تكبيرة الافتتاح ثم يسجد ثم يقوم لاتمام صلاته، ولا تلزمه إعادة تكبيرة الافتتاح، وهذا هو رأي الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((يجعل ما لحق مع الإمام أول صلاته )). وفي هذا دلالة على أنه يكون لاحقاً بالمشاركة له في السجود ولا يلزمه استئناف تكبيرة الافتتاح.
والمختار: ما قاله أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أنه لو كانت تكبيرة الافتتاح معتداً بها لكانت الركعة كلها محسوبة له، فلما وقع الإجماع على أنه لا يعتد بالركعة دل ذلك على أنه لا يعتد بتكبيرة الافتتاح عكسه المدرك في الركوع فإنه لما كان مدركاً للركعة كان مدركاً لتكبيرة الافتتاح.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((يجعل ما لحق الإمام فيه أول صلاته)).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد أن يجعل أول صلاته ما كان مدركاً بإدراكه الركعة، ومن أدرك السجود فليس مدركاً للركعة فافترقا.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الخبر، وخبرنا أحق بالقبول لأنه أدل على المراد وأصرح بالمقصود من خبرهم، فلهذا كان أحق بالقبول.
__________
(1) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه 1/227.

(3/553)


المسألة الثانية: وإذا قلنا: بأنه لا تلزمه تكبيرة الافتتاح ولا يكون داخلاً في الصلاة بلحوق التشهد فهل تلزمه التكبيرة أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه غير لازم لأجل سجوده؛ لأن السجود غير معتد وإنما فعله امتثالاً لأمر اللّه، وتواضعاً لعظمته، ولقوله : ((من أدركني فليكن على الحال التي أنا عليها )). وإذا لحقه في السجدة الثانية فهل تلزمه إعادة السجدة الأولى أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أن إعادتها غير لازمة؛ لأنه لا ثمرة في إعادتها، ومن أصحاب الشافعي من ذهب إلى إعادتها وليس بشيء، ومن أدرك الإمام قاعداً للتشهد فإنه يَخِرُّ للجلوس من غير تكبير؛ لأن القعود عن القيام في الصلاة غير مشروع بحال فلهذا لا معنى للتكبير فيه بحال ويخالف الركوع والسجود فإنهما مشروعان عن القيام في الصلاة فلا ينحط المصلي عن القيام إلا إلى ركوع أو سجود فلهذا كان التكبير مشروعاً فيهما فافترقا.
المسألة الثالثة: قال المؤيد بالله: ومن أدرك الإمام وهو في التشهد الأوسط كبر قائماً ينتظر قيام الإمام وهو قائم ثم يقرأ بعد قيامه ويمضي في صلاته، وإن قعد معه جاز لقوله : ((من أدركني فليكن على الحالة التي أنا عليها)). وهل يتشهد إذا قعد أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يستحب له التشهد كما يستحب له القعود، وإن لم يكن له موضعاً للقعود.
وثانيهما: أنه لا يستحب له التشهد لأنه ليس موضعاً له في التشهد، وإذا قلنا: بأنه يستحب له التشهد. فإذا قام استحب له التكبير عند قيامه وعند قعوده. قال المؤيد بالله: ومن جلس مع الإمام في غير موضع جلوسه اتباعاً كبر إذا جلس، وإذا قام فيكبر إذا قعد اتباعاً لإمامه، ويكبر إذا قام لأنه يقوم إلى ركعة يؤديها فيستحب له التكبير كما لو كان منفرداً. وقال أيضاً: ولا يقوم لاتمام ما بقي من صلاته إلا إذا سلم الإمام التسليمتين جميعاً، فإن قام قبل فراغ الإمام من التشهد فالأقرب عندي بطلان صلاته.

(3/554)


والوجه في ذلك: هو أنه منهي عن مخالفة الإمام فإذا خالفه فقد دخل في النهي والنهي دال على الفساد، ومن أدرك الإمام في التشهد الأخير فإن أدركه ساجداً سجد معه استحباباً، وقام فأتم صلاته لنفسه.
وإن أدركه قاعداً فلا وجه لاستحباب تشهده معه ولا لقعوده؛ لأنه لا ينتظر قيامه لأن الصلاة قد فاتت، وإذا قام من التشهد الأوسط فإنه يبتدئ التكبير والقراءة، ويستحب له دعاء الاستفتاح لأنه لم يفت محله فيلزمه الإتيان به لأن محله بعد التكبير كما مر بيانه. قال المؤيد بالله: ومن قام بعد تسليم الإمام لإتمام صلاته فهل يكبر أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا تكبير عليه، وهو محكي: عن المؤيد بالله، والشافعي؛ لأنه قد كبر عند قعوده مع الإمام فلا يلزمه تكبيرٌ آخر.
وثانيهما: أنه يستحب له التكبير؛ لأن تكبير القعود إنما كان من أجل متابعة إمامه والتكبيرة عند القيام مشروعة كما لو كان منفرداً.
الفرع السادس: وإذا نوى المأموم مفارقة الإمام وأتم الصلاة لنفسه نظرت فإن كانت المفارقة لعذر جاز ذلك، والأعذار تكون على أوجه خمسة:
أولها: أن يخشى أن ترحل القافلة فيناله ضرر تخلفه عن القافلة في نفسه أو ماله فيقطع صلاة الجماعة ويسير معها.
وثانيها: إتيان القافلة وهو في إنتظار مرورها فجاءت وهو في الصلاة ويخشى من تخلفه عنها مضرة وانقطاعاً.
وثالثها: حضور حريق في مكانه وهو في الصلاة فيخشى إن أتم الصلاة وقوع الحريق في نفسه وماله فيجوز له قطع الائتمام.
ورابعها: أن يكون هناك قريب له منزول به الموت فيخشى إن أتم الصلاة أن يكون على غير تثبت عند الموت فيجوز له قطع الصلاة في الجماعة لأجل تثبيته وتحسين حاله عند الموت.
وخامسها: أن يكون هناك منكر يخشى فواته إن اشتغل بتمام الصلاة فيكون عذراً في قطعها وإتمامها لنفسه وإزالته، وإن كان من غير عذر فهل تبطل صلاته إذا خرج منها أم لا؟ فيه مذهبان:

(3/555)


المذهب الأول: أنها باطلة. وهذا هو: رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا وإذا ركع فاركعوا)). فأمر بمتابعة الإمام فمن خالفه فقد خالف الأمر، ومخالفة الأمر معصية، والمعصية تنافي الطاعة والقربة، والصلاة من شرطها القربة والطاعة.
المذهب الثاني: أن صلاته صحيحة، وهذا هو الأصح من قولي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى جابر أن معاذاً كان يصلي العشاء مع الرسول ثم يصلي بقومه في بني سلمة فصلى بهم ليلة فأطال الصلاة فقرأ سورة البقرة فخرج رجل من الصلاة لطولها وجاء إلى الرسول يسأله عن ذلك فأنكر على معاذ فعله وقال له الرسول : ((أفتان أنت يا معاذ )). ولم يأمر الرجل بالإعادة فدل ذلك على الجواز.
والمختار: ما عليه علماء العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول : ((أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس كلب أو رأس حمار أو رأس عنز)). فلو كان هذا جائزاً لما توعده عليه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أورده.
قالوا: روى جابر أن معاذاً طول القراءة فخرج الرجل ولم يؤمر بالإعادة فدل ذلك على الجواز.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه حكاية فعل لا ندري كيف وقعت، وما هذا حاله فهو مجمل يحتاج إلى البيان.
وأما ثانياً: فلأنه يحتمل أن الرجل لم يأت يستفتي إلا بعد أن قضى الصلاة لما كانت باطلة كما أشرنا إليه.
الفرع السابع: في القراءة بعد الإمام في صلاة الجماعة. قد ذكرنا فيما يتعلق بأحكامها ما يتعلق بالقراءة خلف الإمام في صلاة الجماعة، ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: هل تجب القراءة خلف الإمام أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:

(3/556)


المذهب الأول: أن القراءة واجبة على المأموم إذا كانت القراءة سراً ولا تجب عليه إذا كانت القراءة جهراً، وهذا هو: رأي الإمامين القاسم، والهادي، ومحكي: عن زيد بن علي وعبدالله بن الحسن وأحمد بن عيسى، وهو اختيار المؤيد بالله، فإنه قال: والإستماع عند جهر الإمام والقراءة عند عدم السماع تقوى عندي وعليه أعمل. وقال: والاختيار عندي أن يقرأ المأموم الفاتحة وسورة معها فيما يخافت به الإمام. وهذا هو قول الزهري، وأحمد وإسحاق بن راهويه وأحد قولي الشافعي.
ودليلنا على أنه لا يقرأ إذا سمع الإمام: قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا }[الأعراف:204]. وروي عن أبي هريرة، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري وإبراهيم والزهري ومحمد بن كعب(1):
أنها نزلت في شأن الصلاة.
ودليلنا على وجوب القراءة للمأموم إذا لم يسمع قراءة الإمام: قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}[المزمل:20]. وقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها)). وقوله : ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)). وهذا العموم يقتضي وجوب قراءتها على الإمام والمأموم والمنفرد إلا ما قامت على خلافه دلالة قضينا بها.
__________
(1) محمد بن كعب بن سليم، وقيل: ابن كعب بن حيان، وصفه في (سير أعلام النبلاء)5/65 بالإمام العلامة الصادق، أبو حمزة، وقيل: أبو عبد الله القرضي المدني، من حلفاء الأوس، سكن الكوفة ثم المدينة، قيل: ولد في حياة النبي ولم يصح ذلك، قال: وكان لمحمد جلساء من أعلم الناس بالتفسير، وكانوا مجتمعين في مسجد الربذة فأصابتهم زلزلة فسقط عليهم المسجد فماتوا جميعاً تحته، واختلف في تأريخ وفاته بين سبع عشرة وتسع عشرة وعشرين[كذا] وهو ابن سبع وثمانين سنة، روى عن أبي ذر وأبي الدرداء، وعلي والعباس وغيرهم، اهـ. وفي (تهذيب التهذيب)9/374. قال ابن حبان: كان-يعني محمد بن كعب- من أفاضل أهل المدينة علماً وفقهاً. اهـ.

(3/557)


المذهب الثاني: وجوب قراءة فاتحة الكتاب على الإمام والمأموم على كل حال، وهذا هو رأي الشافعي في الجديد.
والحجة على هذا: ما روى عبادة بن الصامت عن الرسول ، قال: صلى بنا صلاة الفجر فلما سلم قال: ((أتقرأون خلفي))؟. قالوا: نعم يا رسول الله. قال: ((فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأها)) (1).
المذهب الثالث: أن القراءة غير واجبة خلف الإمام سواء كانت القراءة سراً أو جهراً، وهذا هو: رأي أبي حنيفة وأصحابه، والثوري.
والحجة على هذا: ما روى سالم عن ابن عمر، أن الرسول قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ))(2).
وبما روى عمران بن حصين، عن النبي أنه نهى عن القراءة خلف الإمام، وبما روى عبدالله بن شداد(3)
أنه قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة )).
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من الفقهاء من وجوب القراءة خلف الإمام في الصلاة إذا كانت سراً، وامتناعها خلف الإمام في الصلاة إذا كانت جهراً.
__________
(1) جاء الخبر في (صحيح ابن حبان)5/95، وفي (المستدرك)1/364، وفي (سنن أبي داود)1/217.
(2) رواه البيهقي في (الكبرى) 2/159، والدارقطني في السنن1/323، وابن ماجة1/277.
(3) عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي أبو الوليد المدني، وأمه: سلمى بنت عميس اخت أسماء.
…قال في (تهذيب التهذيب)5/222 وفي (التأريخ الكبير)5/115: أنه سمع عمر وطلحة ومعاذ والعباس وابن مسعود. وروى عنه: سعد بن إبراهيم الشيباني، ومعبد بن خالد، والحكم بن عتيبة وغيرهم، قال: وقال الواقدي: خرج مع القراء أيام ابن الأشعث على الحجاج فقتل يوم دجيل، وكان ثقة فقيهاً كثير الحديث متشيعاً، وكان مقتله سنة 81هـ وقيل82هـ ليلة دجيل.

(3/558)


وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: كانوا يقراؤن خلف الرسول فقال لهم: ((خلطتم عليَّ فلا تفعلوا ))(1).
ولما روى أبو هريرة أن الرسول انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: ((هل قرأ منكم أحدٌ معي )). فقال رجل: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله : ((أنا أقول: مالي أنازع القرآن )) (2).
قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه الرسول بالقراءة من الصلاة ما إن سمعوا ذلك منه ، وروي: فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقراؤن فيما جهر به وهذا نص صريح فيما نذهب إليه. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قرأ فانصتوا)). ولأنه لو وجبت على المأموم القراءة خلف الإمام فيما يجهر به لوجب عليه أن يجهر كالإمام فلما لم يجهر دل على أن القراءة غير واجبة عليه مع جهر الإمام.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روى جابر بن عبدالله أن الرسول قال: ((من صلى ولم يقرأ بفاتحة الكتاب فهي خداج )). وهذا يحتج به الشافعي.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الغرض إذا كان المصلي وحده أو كان مأموماً في صلاة الإسرار، وكلامنا إنما هو في الصلاة المجهورة.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار التي رويناها فإنها دالة على ترك القراءة في الصلاة المجهورة خلف الإمام ولا شك أن أخبارنا أشهر وأكثر وأظهر فيجب التعويل عليها.
قالوا: روى سالم، عن ابن عمر أن الرسول قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة )). ولم يفصل بين المجهورة وصلاة الإسرار، وهذا هو احتجاج أبي حنيفة.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) أخرجه في (مجمع الزوائد)2/110، وفي سنن الدارقطني1/340، وفي مصنف ابن أبي شيبة1/330.
(2) رواه أبو هريرة، أخرجه الموطأ1/86، وأبو داود والترمذي والنسائي.

(3/559)


أما أولاً: فلأن هذا محمول على صلاة الجهر ولا شك أن صلاة الجهر لا يقرأ فيها المأموم، وأما إذا كانت الصلاة إسراراً وجبت عليه القراءة.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما أوردناه دلالة على وجوب القراءة إذا كانت الصلاة إسراراً.
المسألة الثانية: وإذا لم يسمع قراءة الإمام لصمم أو بُعْدٍ فالواجب عليه القراءة؛ لأنه مؤتم بغيره فإذا لم يسمع قراءة الإمام لزمه أن يقرأ كما لو كانت الصلاة عَجْماء، وهل تلزم الإعادة للمأموم إذا قرأ فيما يسمع مع قراءة الإمام أو لم يقرأ فيما لم يسمع أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها تلزمه الإعادة فيما ذكرناه، وهذا هو: رأي القاسمية.
والحجة على هذا: خبر عمران بن حصين وهو أن الرسول نهى عن القراءة خلف الإمام. والنهي يقتضي فساد المنهي عنه شرعاً، وإنما قلنا: إنه إذا لم يقرأ في صلاة الإسرار بطلت صلاته لقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها)).
المذهب الثاني: أن المأموم إذا قرأ فيما يجهر به من القراءة لم تبطل صلاته، وهذا هو: رأي المؤيد بالله، وإن جهر في موضع الإسرار كره له ولم تبطل صلاته؛ لأن الجهر والإسرار هيئتان للقراءة فإذا خالفهما لم تبطل الصلاة بالمخالفة كما يقول في سائر الهيئات كوضع اليد حذاء الخد أو حذو المنكب أو غير ذلك، وقد قدمنا المختار والانتصار له فلا وجه للإعادة.
المسألة الثالثة: قال السيد أبو طالب: وإن جهر الإمام في ركعة واحدة أجزت الصلاة؛ لأن الحمد عندنا بمنزلة القراءة والقراءة عندنا إنما تجب في ركعة واحدة فهكذا حال الجهر. قال محمد بن يحيى: وإن ترك المخافتة فيما يخافت به بطلت صلاته لأن الجهر والمخافتة عند الهادي وأولاده كأصل القراءة، وإذا أتى بالمخافتة في ركعة واحدة لم تبطل صلاته كالجهر، فأما على رأي المؤيد بالله فالجهر والمخافتة هيئتان من سنن الهيئات لا تبطل الصلاة لكل منها بتركهما كما مر بيانه.

(3/560)


الفرع الثامن: قال المؤيد بالله: وإذا وافق المؤتم الإمام في ابتداء التكبير والركوع وغيره فالأقرب عندي أن لا تبطل صلاته؛ لأن الائتمام أن يفعل مثل ما فعله تبعاً له، وليس من شرطه أن يفعل بعد فعل الإمام. فأراد بما قاله: أن المشاركة في الأفعال من جهة المأموم لإمامه لا تبطل الاقتداء؛ لأنه متابع له وإن شاركه في الأفعال.
واعلم أن الإمام إذا سبق المأموم بالإسم والصفة في قولنا: الله أكبر. جازت الصلاة لأجل المتابعة لقوله : ((فإذا كبر فكبروا)). وهذا فلا خلاف فيه، وإن سبق المأموم إمامه في الإسم والصفة بطلت الصلاة لفساد الاقتداء بالتقدم على الإمام وإن شارك المأموم إمامه في الإسم والصفة جازت الصلاة كما حكيناه عن المؤيد بالله، وإن سبق المأموم بالإسم وسبقه الإمام بالصفة جازت الصلاة مع الكراهة؛ لأن المأخوذ على المأموم المتابعة أو المشاركة دون السبق فلما سبق بالإسم كان مكروهاً، وإن سبق الإمام بالإسم وسبقه المأموم بالصفة لم تكن الصلاة جائزة لأجل سبقه لإمامه، وإن اشتركا في الصفة نظرت فإن سبق الإمام بالإسم كان جائزاً من غير كراهة، وإن سبق المأموم بالإسم كان جائزاً مع الكراهة، وإن اشتركا جميعاً في الاسم نظرت فإن سبق المأموم بالصفة لم يكون جائزاً، وإن سبق الإمام كان جائزاً، وهكذا يكون حال التسليم فإن اشترك الإمام والمأموم في التسليم كانت الصلاة جائزة لأن المشاركة بمنزلة المتابعة، وإن تابعه فسلم بعد تسليمه كانت الصلاة مجزية؛ لأن المتابعة هي المأخوذة على المأموم كما قررناه، وإن سلم المأموم قبل تسليم الإمام بطلت صلاته؛ لأنه سبقه بركنين من أركان الصلاة فيجري الحكم فيهما مثل ما ذكرناه في التكبير من غير مخالفة لأنهما سيان أعني التكبير والتسليم في كونهما ركنين من أركان الصلاة وإن اختلفا في كون أحدهما لتحريم الصلاة، والآخر لتحليلها وقد قررناه.

(3/561)


الفرع التاسع: قال المؤيد بالله: ومن لحق الإمام في بعض صلاته فلما جلس الإمام في آخر تشهده قام المؤتم لإتمام صلاته قبل فراغ الإمام من التشهد فالأقرب عندي أنه أفسد صلاته، وهذا جيد لا غبار عليه.
والوجه في ذلك: قول : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذا نهي، والنهي يقتضي الفساد خاصة في العبادات، ولأنه ترك متابعة الإمام من غير عذر كما لو تقدم عليه، والواجب على المأموم متابعة الإمام في مفروض الصلاة ومسنونها من غير مخالفة له في ذلك لقول : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). وقوله: ((لا تختلفوا على إمامكم)). فإن خالف المأموم فيما ليس مشروعاً في الصلاة جاز ذلك كما لو قام إلى الخامسة من الظهر والعصر، أو الثالثة من الفجر، أو الرابعة من المغرب، وهكذا لو قعد للتسليم على الثالثة من الظهر والعصر، أو على الركعتين من المغرب، فإن ما هذا حاله لا يجوز متابعة الإمام بل يعزل المصلي صلاته عن صلاة الإمام إذا تعذر تنبيهه عن غلطه وسهوه.
قال المؤيد بالله: وإذا قام الإمام غلطاً جلس المؤتم ولا يتابعه وليسلم لنفسه إذا تعذر تنبيه الإمام؛ لأن ما هذا حاله إنما فعله الإمام غلطاً وسهواً فلا تجوز متابعته على الغلط والسهو، وإذا سجد الإمام سجدة ونسي الثانية وقام لم يتابعه المؤتم وسجد لنفسه الثانية، فإن تنبه الإمام لما أخل به وعاد لأداء هذه السجدة لم يلزم المأموم متابعته لأنه قد سجدها فلا وجه لإعادتها، وإن لم ينتبه الإمام لهذه السجدة فهي باقية عليه يسجدها قبل فراغه من الصلاة، فإن تعذر تنبيهه لإدائها عزل المؤتم صلاته لأنه قد أخل بفرض من فروضها كما لو سلم على ثلاث من الرباعيات.

(3/562)


الفرع العاشر: في حكم المخالفة للإمام. وإذا خالف المأموم إمامه نظرت فإن كانت المخالفة فيما ليس مشروعاً في الصلاة وفيما لا يجب على المأموم موافقة الإمام فيه لم تلزمه المتابعة، وقد قررناه من قبل فأغنى عن تكريره، وإن كان فيما تجب عليه فيه المتابعة فهو مشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: في حكم المخالفة بالتقدم، وإذا سبق المأموم إمامه بتقدمه عليه نظرت فإن كان سبقه له بجزء من ركن لم يقدح ذلك في صحة الصلاة، فإذا قال المأموم: الله. قبل قول الإمام: الله أكبر. ثم يتم الإمام التكبير قبله لم تفسد صلاته؛ لأن ما هذا حاله تعظم به البلوى ويعظم الحرج فيه فلهذا رفع الشرع حكمه ولأنهم لما بادروه بالركوع والسجود نهاهم عن ذلك بقوله: ((لا تبادرونني بركوع ولا سجود )). ولم يأمرهم بالإعادة، وإن كان سبقه بركن واحد نظرت فإن كان ذلك الركن هو تكبيرة الافتتاح بطلت صلاة المؤتم لأنها أول الصلاة وبها يكون الافتتاح للتحريم فلا بد فيها من المتابعة، فإذا سبقه المؤتم بها لم يكن تابعاً له وبطل الائتمام، وإن كان غيرها من الركوع والسجود وسائر الأركان في الصلاة نظرت فإن كان ذلك على سبيل السهو لم تفسد الصلاة؛ لما روي أن الرسو صلى الظهر ثلاثاً على جهة السهو وتنبه بعد ذلك فزاد إليها واحدة وسجد للسهو ولم تبطل الصلاة؛ ولأن صلى الظهر خمساً على جهة السهو فلما نبهه ذو اليدين سجد لسهوه ولم تفسد الصلاة، وفي هذا دلالة على أن ما فعله على جهة السهو فإنه غير مفسد للصلاة، وإن كان على جهة العمل فهل تفسد به الصلام أم لا؟ فيه أقوال ثلاثة محكية عن المؤيد بالله:

(3/563)


فالقول الأول: ذكره في (الإفادة) فإنه قال: إذا رفع المؤتم رأسه قبل رفع الإمام فسدت صلاته إذا تعمد ذلك، وإن رفع ناسياً انتظر الإمام ويستوي جالساً أو قائماً فإن عاد إلى سجوده ثانياً بطلت صلاته لأنه فعل سجوداً زائداً وذلك يوجب بطلان الصلاة عندنا؛ لأن الأدلة ما فصلت في زيادة السجود الزائد على المشروع في إفساد الصلاة بين أن يكون سهواً أو عمداً.
القول الثاني: ذكره في (الزيادات) أنه لا يوجب بطلان الصلاة وإن فعل على جهة العمد وهذا هو الصحيح المرجوع إليه من قوليه وأشار إليه السيد أبو طالب، لقوله : ((لا تبادرونني بركوع ولا سجود )). وظاهر الحديث أنهم قد سبقوه بالركوع والسجود على جهة العمد ولم يأمرهم بالإعادة، وفيه دلالة على أنه غير مفسد.
القول الثالث: ذكره في موضع من (الإفادة) أنه فصل بين الرفع والخفض، فقال في الرفع: تبطل الصلاة به إذا كان عمداً؛ لما روي عن الرسول أنه قال: ((ألا يأمن الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو رأس كلب)). ولم يذكر في الخفض ذلك فدل على التفرقة بينهما.
والمختار: أن سبق المأموم بركن واحد غير مفسد للصلاة سواءً كان ذلك على جهة العمد أو على جهة السهو؛ لأنه ربما يقع كثيراً وتعظم فيه المشقة بالاحتراز فلا جرم خفف الشرع حكمه، ولا يخالف السهو العمد في أنه غير مفسد، وإنما يأثم بالعمد دون الإفساد للصلاة، وإن سلَّم المؤتم تسليمة واحدة قبل الإمام لم تفسد صلاته لأنه ركن واحد.
المسألة الثانية: في حكمه إذا خالفه بركنين، ومتى كان الأمر كما قلناه نظرت فإن كان ذلك لعذر لم تبطل الصلاة وهذا يكون في صورتين:
الصورة الأولى: في صلاة الخوف وهو أن الطائفة الأولى يسلمون قبل تسليم الإمام، ويخرجون من الصلاة إلى لقاء العدو، وتجيء الطائفة الثانية فيصلون الركعة الثانية كما سنوضح الكلام فيها بمعونة الله.

(3/564)


الصورة الثانية: في الرجل يتشهد التشهد الأخير فيخاف أن يحدث قبل تسليم الإمام فهل له أن يسلم وقد تمت صلاته أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن له ذلك وأن صلاته صحيحة وهذا هو المروي عن أمير المؤمنين.
والحجة على هذا: قوله : ((إذا قعدت فقد تمت صلاتك )). فهذا الخبر دال على صحة ما قلناه لأنه حكم بصحة الصلاة بعد القعود.
المذهب الثاني: أن صلاته تبطل إذا فعل ذلك، وهذا هو الذي يأتي على أصل القاسمية.
والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). والنهي دال على الفساد لأن هذا قد خالف الإمام من غير عذر يدل عليه دليل شرعي.
والمختار: جواز ذلك لما روينا من الخبر؛ ولأن أمير المؤمنين قد ذهب إليه وإذا صدر من جهة الصحابي شيء فإنما يكون من جهة التوقيف من الرسول لأنه لا مجال للإجتهاد في العبادات فيجب القضاء بصحته.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذه مخالفة تقتضي الوقوع في النهي وفي هذا دلالة على الفساد.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا محمول على المخالفة التي تكون قبل تمام الصلاة، فأما هذه المخالفة فإنها مخالفة واقعة بعد تمام الصلاة وإكمالها.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الخبر وإذا تعارضا وجب الترجيح، وخبرنا لا محالة أرجح لأنه دال على المقصود وأصرح بالمراد من الخبر الذي رويتموه، وأيضاً فإن خبرنا ظاهر في الدلالة على ما تدل عليه، وخبركم أقرب إلى الإجمال فلهذا كان خبرنا أقرب إلى القبول.

(3/565)


المسألة الثالثة: في حكم تخلف المأموم عن الإمام بعد دخوله معه في الصلاة لشيء تركه الإمام، فإن كان التخلف عن الإمام لشيء تركه نظرت في حاله فإما أن يكون مفروضاً أو مسنوناً، فإن كان من الفروض الواجبة في الصلاة وهذا نحو أن يترك ركعة أو سجدة فإن ما هذا حاله لا تلزمه متابعة الإمام؛ لأنه إنما يتابعه فيما كان مشروعاً في الصلاة، فأما إذا لم يكن مشروعاً في الصلاة لم تلزمه المتابعة، ويجب عليه أن يعزل صلاته عن صلاة الإمام إذا تعذر تنبيهه عن القيام بما تركه وأخل به. وإن كان المتروك من السنن المستحبة ففيه صورتان:
الصورة الأولى: أن يترك الإمام التشهد الأوسط ثم يجلس المأموم للتشهد ولا يتابع الإمام، فهذا التأخر عن متابعة الإمام يوجب بطلان الصلاة؛ لأنه عدل من مفروض إلى مسنون لأن متابعة الإمام واجبة، والتشهد من جملة المسنونات، فلهذا قلنا: ببطلانها لما ذكرناه.

(3/566)


الصورة الثانية: قال المؤيد بالله: والمؤتم إذا بقي عليه من آخر التشهد الآخر ما ليس واجباً وقد سلم الإمام فإنه يتم ما بقي من التشهد إذا لم يزد علىالمعتاد من الدعاء المسنون في آخر التشهد، والمعنى أن مشاركة الإمام في التسليم من الصلاة هو الأولى والأحق لأجل وجوب المتابعة إذا لم يكن هناك غرض أفضل منه، وإن كان هناك عرض أفضل منه جاز تركه وتقديمه عليه، والغرض الأفضل هو ما أشار إليه من إكمال الدعاء المسنون في التشهد المأثور عن الرسول وهو قوله: ((اللهم إنا نعوذ بك من عذاب النار ومن عذاب القبر ومن عذاب الفقر وأهوال يوم القيامة وسوء الحساب وسوء المنقلب وسوء المنظر في النفس والأهل والمال والولد)). والتفرقة بين هذه الصورة والصورة التي قبلها هو أن المصلي في الصورة الأولى قد بقي عليه من أعمال الصلاة ما يجب عليه متابعة الإمام فيه بخلاف المسألة الثانية فإنه لم يبق عليه من الصلاة ما يلزمه فيه المتابعة فافترقا، وإن زاد المأموم في الدعاء من غير المشروع من حوائج الدنيا والآخرة جاز ذلك ولا حرج عليه لأن الصلاة موضوعة للدعاء لما روي عن الرسو أنه كان لا يحزنه شيء مما يكرهه إلا ذكره في الصلاة.
المسألة الرابعة: في حكم التخلف عن الإمام لسبق الإمام له وإذا تخلف المأموم عن الإمام لسبقه له نظرت فإن كان سبقه له بجزء من ركن أو بركن كامل جاز ذلك؛ لأن مثل هذا لا يطرق خللاً في صحة الصلاة؛ ولأن الاحتراز عنه ربما يشق، فلهذا رفع الشرع [الحرج عنه]وإن سبقه الإمام بركنين فسدت الصلاة لأجل كثرة المخالفة وهي موجبة للفساد لقوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). إلا في صورتين قام الدليل الشرعي على أنهما لا يوجبان فساداً.

(3/567)


الصورة الأولى: أن يشتغل المؤتم بالتوجه فيكبر الإمام ويقرأ ويركع ثم يكبر المؤتم ويدرك الإمام راكعاً فقد سبقه بالتكبيرة والقراءة وهما ركنان ومع ذلك فقد قضينا بصحة صلاته لما أدرك الركوع وإنما كان الأمر كما قلناه لقوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها)). فسماه مدركاً لما أدرك الركوع وإنما كان الأمر كما قلناه لقوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها )) (1)
. فسماه مدركاً بإدراك الركوع.
الصورة الثانية: أن يسبقه الإمام بالتسليمتين فقد سبقه الإمام بركنين ولكنه غير مفسد للصلاة لأن السلام تخليل للصلاة وخروج عنها،فتخلف المأموم عن التسليم لا يطرق عليه خللاً في صلاته لأنه لم يبق بعدهما ما يوجب المتابعة فسبقه له غير مخل لما ذكرناه، والله أعلم.
الفرع الحادي عشر: في حكم الإمام إذا حدث به حادث وهو في الصلاة.
اعلم أن الإمام إذا حدث به حادث مما يبطل صلاته فالأفضل أن يستخلف من يصلي بمن كان خلفه لأن الرسو مرض مرضه الذي توفي فيه فاستخلف أبا بكر فصلى بالناس سبعة عشر يوماً وكان الرسول قد يخرج في بعض الأوقات ويصلي بهم قاعداً وإنما فعل ذلك ليبين لهم الجواز وأكثر أمره على الاستخلاف، وفي هذا دلالة على الأفضلية في الاستخلاف وهذا الفرع قد اشتمل على بيان أحكام:
الحكم الأول: أن الإمام إذا عرض له حادث في الصلاة فهل يجوز له الاستخلاف أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجوز له الاستخلاف وهو الأفضل في حقه وحقهم، وهذا هو: رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، ومحكي: عن أبي حنيفة وأصحابه، وقول الشافعي في الجديد، وهو رأي الأكثر من أصحابه.
__________
(1) يبدو الاستدلال في غير موضعه؛ لأن الموضوع هنا هو في صحة ائتمام من أدرك الإمام في ركوعه، فإنه يعتد بهذه الركعة، بينما الحديث الشريف يتعلق بإدراك الصلاة بإدراك الركعة منها قبل خروج وقتها، والله أعلم.

(3/568)


والحجة على هذا: ما رويناه عن الرسول في مرضه أنه استخلف أبا بكر يصلي بالناس فوجد خِفَّه فخرج المسجد يتهادى بين اثنين فأمَّهم في بعض صلاتهم وخرج أبو بكر من الإمامة والمأمومون من الائتمام،وفي هذا دلالة على جواز الصلاة بإمامين من أجل العذر لأن بعض صلاتهم كانت خلف أبي بكر وبعضها كانت خلف الرسول وفي هذا دلالة على جواز لإستخلاف.
المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو قول الشافعي في القديم.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه افتتح بالناس في صلاة الفجر ثم ذكر أنه جنب فانصرف واغتسل ولم يستخلف وفي هذا دلالة على أنه لا معنى للاستخلاف.
والمختار: ما عليه علماء العترة ومن تابعهم من جواز الاستخلاف.
وحجتهم: ما ذكرناه عنهم؛ ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه خرج إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فانتظروه للصلاة فأبطأ فقدموا أبا بكر ثم جاء الرسول فوقف في الصف فتأخر أبو بكر وتقدم الرسول فصلى بالقوم بقية الصلاة، ولأن صلاة الجماعة لا تنعقد إلا بالإمام والمأموم جميعاً ثم إنه لا يتغير حكمها يتغير المأموم وهو أن يخرج مأموم ويدخل مأموم آخر فهكذا يجب ألا يتغير حكمها بتغير الإمام فإذا أحدث الإمام جاز دخول إمام آخر وهذا هو فائدة الاستخلاف.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول أنه افتتح الصلاة بالناس في صلاة الفجر ثم ذكر أنه جنب فقال: ((على رسلكم)). ثم انصرف واغتسل ولم يستخلف وفي هذا دلالة على عدم الجواز في الاستخلاف.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكرتموه إنما يدل على عدم الوجوب لأنه لو كان واجباً لم يتركه ولكنه غير دال على عدم الجواز؛ لأن الجائز يجوز فعله ويجوز أن لا يفعل وإنما تركه ليعلم الناس أنه غير واجب.
وأما ثانياً: فلأن الرسول إنما ذكر كونه جنباً قبل دخوله في الصلاة وقبل دخول المسلمين فيها.

(3/569)


فإن قال القائل: إن عدم الجواز في الاستخلاف ما قاله به أحد إلا الشافعي في أحد قوليه وهو القديم والقول القديم مرجوع عنه فكيف يجعلونه مذهباً ويردون عليه مع رجوعه عنه.
قلنا: إن قول المجتهد الثاني يمنزلة قول مجتهد آخر في جواز العمل عليه للعامي ولا ينعقد الإجماع مع القول الثاني ولو كان مرجوعاً عنه وإذا كان الأمر كما قلناه استحق الكلام عليه كما لو ذهب إليه مجتهد آخر.
الحكم الثاني: أن كل واحد من المصلين لو أتم صلاته منفرداً هل يجوز أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك وهذا هو: رأي المؤيد بالله ومحكي عن الشافعي ورواية عن أبي العباس.
والحجة على هذا: هو أن المأموم خرج عن الائتمام بعد دخوله فجاز له البناء كالمسبوق لا معذور في الخروج لإتمام صلاته فهكذا هاهنا هو معذور عن الخروج لأجل بطلان صلاة الإمام.
المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو الراوية الثانية عن أبي العباس وهو الذي حصله على رأي الهادي وهو قول بعض الفقهاء.
والحجة على هذا: هو أن كل واحد منهم عقد صلاته في الجماعة ونوى الائتمام ثم خرج كل واحد منهم عن الائتمام فكانت صلاته باطلة كما لو دخلوا في صلاة الجماعة ثم خرجوا فالمخالفة مبطلة للصلاة هاهنا فهكذا تكون مبطلة لها هناك والجامع بينهما هو الخروج إلى الانفراد بعد الائتمام.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله من جواز ذلك.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الحديث إنما عرض في حق الإمام دون المؤتمين فلا جرم بطلت صلاة الإمام دون صلاة المؤتمين فلما بطل إنعقاد الجماعة للعذر فلا جرم صلوا لأنفسهم.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: خرج عن صلاة قد عقدها جماعة وانفرد فبطلت كما لو عقدها جماعة ثم انفرد من غير عذر يعذره.
قلنا: المعنى في الأصل كونه خرج من غير عذر فلهذا بطل الخروج بعد عقد الجماعة بخلاف ما نحن فيه فإنه إنما خرج لعذر فساد الطهارة في حق الإمام فافترقا.

(3/570)


الحكم الثالث: إذا تعمد الإمام الحدث فهل تبطل صلاة المؤتمين به أو لا تبطل إلا صلاته فقط؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن صلاتهم صحيحة سواء سبقه الحدث أو تعمده، وهذا هو: رأي القاسمية ومحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن صلاة المأمومين معلقة بصلاة الإمام على معنى أنهم يقومون بقيامه ويقعدون بقعوده ويقتدون به في كل أحواله وعلى زيادة الفضل بانعقاد الجماعة فهذا هو المراد بكون صلاة المامومين متعلقة بصلاة الإمام، فأما على معنى أنها إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المؤتمين فلم تدل عليه دلالة فلهذا لم يحكم [بفسادها].
المذهب الثاني: أن الإمام إذا تعمد الحدث بطلت صلاة المؤتمين، وهذا هو: رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن صلاة المؤتمين كما هي متعلقة بصلاة الإمام في صحتها وفضلها فهي متعلقة في بطلانها وفسادها لأن كل ما تعلقت صحته بصحة أمر ففساده متعلق به، ألا ترى أن الصلاة صحتها موقوف على صحة الطهارة فيجب أن يكون فسادها بفساد الطهارة من غير فرق.
والمختار: ما عليه علماء العترة ومن تابعهم من أن صلاة المؤتمين لا تفسد بفساد صلاة الإمام عند تعمد الحدث.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو ما روى البخاري في صحيحه وهو قوله : ((إنكم تصلون بهم فما صلح فلكم ولهم وما فسد فعليكم دونهم)).
ووجه الاستدلال من الخبر: هو أنه جعل الاستقامة في الصلاة(1)
للأئمة والمؤتمين بخلاف الفساد فإنه جعله على الأئمة دون المؤتمين وهذا ظاهر في صحة ما قلناه.
ومن وجه آخر: وهو أنه لو فسدت صلاة المؤتمين بفساد صلاة الإمام للزم عكسه وهو أن تفسد صلاة الإمام بفساد صلاة المؤتمين ولا قائل به، فظهر الفرق بينهما.
__________
(1) أي: الصحة.

(3/571)


ومن وجه ثالث: وهو قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). وأراد في الكمال وإحراز الفضل والأجر والثواب والإتيان بالأركان والسنن والهيئات ولم يرد بذلك الفساد وهو أن تفسد صلاة المؤتمين بفساد صلاة الإمام وفي ذلك صحة ما قلناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: صلاة المؤتمين متعلقة بصلاة الإمام في الصحة والفساد من جهة أن كلما علقت صحته بصحة شيء فهو معلق بفساده كالطهارة في حق الصلاة.
قلنا: إن صلاة الإمام لم تشرع لكونها شرطاً في صحة صلاة المؤتمين فيلزم ما ذكرتموه، وإنما شرعت إحرازاً للفضل والأجر فلا يلزم من فسادها فساد صلاتهم.
قالوا: كما أن الصلاة موقوفة على الطهارة في الصحة والفساد فهكذا تكون صلاة المؤتمين موقوفة على صلاة الإمام في الصحة والفساد.
قلنا: إن الطهارة شرط في صحة الصلاة فلهذا صحت الصلاة بصحتها وفسدت بفسادها بخلاف صلاة الإمام فإنها ليست شرطاً في صحة صلاة المؤتمين فلا يلزم من فسادها فساد صلاتهم فافترقا.
الحكم الرابع: وإذا قلنا بصحة الاستخلاف، فهل يفترق الحال في صحته بين أن يكون الحدث عمداً أو سهواً أو لا يفترق الحال؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يفترق الحال في صحة الاستخلاف بين سهو الحدث وعمده، وهذا هو: رأي المؤيد بالله واختاره للمذهب.
والحجة على ذلك: هو أن الأدلة لم تفصل في جواز الاستخلاف وصحته بين أن يكون الحدث سهواً أو عمداً فلهذا قضينا بالتسوية بينهما.
المذهب الثاني: التفرقة بين السهو والعمد في صحة الاستخلاف وهذا هو: رأي السيد أبي طالب، واختياره وذكر فيه احتمالين:
الاحتمال الأول: وهو الأظهر على أصل الهادي أنه إذا تعمد الحدث بطل استخلافه.
والحجة على هذا: هو أن الاستخلاف ولاية جعلت له لأجل عقد الإمامة وقد أبطلها تعمد الحدث فلهذا بطل استخلافه عليهم.

(3/572)


ومن وجه آخر: وهو أن الحدث مبطل لأحكام الصلاة في إبطال ثوابها وسقوط فرضها عن الذمة، فهكذا حال الاستخلاف يكون مبطلاً له أيضاً من غير تفرقة.
الاحتمال الثاني: أنه غير مبطل للاستخلاف.
والحجة على هذا: هو أنه إمام عرض له في صلاته حدث فجاز له الاستخلاف كما لو كان مسبوقاً بحدث.
والمختار: ما ذكره السيد أبو طالب من بطلان ولاية الإمام للإستخلاف بعمده الحدث.
وحجته: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أنا وجدنا الشرع والعقل يفرقان بين عمد الأفعال وسهوها فيوجبون للعمد حكماً وللسهو حكماً آخر أقل تأثيراً من العمد وإذا كان الأمر كما قلناه فالمؤاخذة حاصلة بحكم العقل والشرع في العمد دون السهو إلا لدلالة فاصلة، ومن جملة المؤاخذة بطلان هذه الولاية في الاستخلاف لأجل ما تعمده من الحدث ولأن المتعمد للحدث فيه إبطال لحرمة الصلاة وإسقاط لأمرها فلا أقل من حرمانه لهذه الولاية بالاستخلاف عليهم.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: حدث فجاز فيه الاستخلاف كما لو كان مسهواً عنه.
قلنا: قد قررنا التفرقة بين السهو والعمد في حكم العقل والشرع وقررنا أن أحدهما مخالف للآخر وإن للشرع والعقل مدخلاً في المؤاخذة في العمد دون السهو وفيه بطلان ما ذكرتموه.
الحكم الخامس: وإذا قلنا بجواز الاستخلاف كما مر بيانه، فهل يكون علىالفور أو لا؟
والمختار: أنه يكون على الفور لأن أفعال الصلاة تشترط فيها الموالاة بحيث لا فاصل بين أفعالها ولا تراخي، وإذا قلنا بوجوب الفور فبأي شيء يضبط الفور؟ فيه قولان:
فالقول الأول: أنه إن خرج الإمام من المسجد قبل الاستخلاف بطلت صلاتهم، وهذا هو الذي حصله أبو العباس لمذهب الهادي، وهو رأي أبي حنيفة، وإن استخلف قبل ذلك فهو جائز ما داموا في الركن ولو أطالوا.

(3/573)


القول الثاني:أنه يكون الاستخلاف في ذلك الركن، وهذا هو رأي المؤيد بالله، وهذا هو المختار، لأنا إذا قلنا: بالفور فلا فور هناك إلا بالاستخلاف في ذلك الركن لأن التأخر عنه لا يكون فوراً، وإذا حدث بالإمام حدث يوجب نقض الطهارة فإنه يتأخر عن مقامه لأن ذلك الموضع للصلاة وقد خرج عن الصلاة بانتقاض طهارته ويمشي القهقرى إلى وراءه لقوله : ((لا صلاة إلى متحدث )). فإن كان الذي يقدمه في الصف الأول فإنه يأخذه بيده ويقدمه للصلاة، وإن كان في الصف الآخر فإنه يتأخر إليه مستأخراً على قفاه حتى يقيمه في مقام الأول وإن استقبلهم لم يضره لأن الحال حال ضرورة، وإذا قام مقام الأول فهل تلزمه نية الإمامة أم لا؟ فيه قولان:
فالقول الأول: أن نية الإمامة تلزمه، وهذا هو: رأي السيد أبي طالب، واختاره للمذهب.

(3/574)


القول الثاني: أن نية الإمام غير واجبة سواء كان مستخلفاً أو غير مستخلف وهذا هو: رأي المؤيد بالله، وقد قدمنا وجه القولين، وذكرنا المختار والانتصار فأغنى عن الإعادة، فأما نية المؤتمين بالإمام الآخر فإنها واجبة كما وجبت في حق الأول، وإذا كان من قدمه الإمام قد فاتته ركعة فإنه يقعد في آخر صلاة القوم حتى يتشهدوا ويسلموا ويقوم هو فيقضي ما فاته من الصلاة، فإن قام وقاموا معه بطلت صلاتهم لأنها تكون لهم خامسة، وإن لم يسلم القوم حتى يقضي الإمام ما فاته ويسلم ويسلموا بتسليمه من غير مخالفة له جاز ذلك وكان أفضل حتى لا يخالفوه، ولا يجوز أن يقدم من لم يكن دخل معهم في الصلاة قبل الحدث لأنه لما عقد الإمامة عليهم كانت له ولاية فلا جرم كان من تثبت عليه الولاية أحق بالتقديم من الأجنبي، وتقدم من يصلح تقديمه ابتدءاً لأنه إذا جاز أن يكون في الابتداء جاز أن يكون مستخلفاً لاستوائهما في مقصود الصلاحية، وإن قدم من لا يصلح تقديمه ابتدءاً نحو المرأة والصبي والكافر والفاسق بطلت صلاتهم إذا ائتموا به؛ لأن هؤلاء لا تصلح إمامتهم كما قررناه من قبل على الإطلاق وإن كان لحال عارضة نحو أن يكون على غير طهارة أو يكون متطوعاً خلف الإمام والإمام لم يعلم ذلك أو يكون أمياً والقوم قراء فإذا قدم الأمي بطلت صلاة القُرَّاء وصحت صلاة الأميين، وهكذا القول فيما شاكل هذا، فإن الصلاة لمن كان على مثل حاله يصح ولا يصح لمن كان أفضل من حاله وقد أوضحناه من قبل فأغنى عن الإعادة فهذا ما أردنا في ذكر الأحكام التي تتعلق بنقض الطهارة للإمام في الصلاة.
الفرع الثاني عشر: في تصفح باقي الأحداث المبطلة للصلاة غير نقض الطهارة وإيراد ما يتعلق بها من الكلام وجملتها أمور خمسة:

(3/575)


الحدث الأول: اللحن. والإمام إذا لحن في صلاته لحناً يفسدها فإن صلاته تبطل لما قدمناه في باب ما يفسد الصلاة. قال المؤيد بالله: وصلاة المؤتمين. أراد أنها تفسد إذا فسدت صلاة الإمام وكلامه هذا ففيه إحتمالان:
الاحتمال الأول: أن تكون المسألة محمولة على ظاهرها وهو أن صلاة المؤتم كصلاة الإمام لأن صلاة المؤتم تتعلق بصلاة الإمام ولهذا فإن الإمام يتحمل عنه القراءة فإذا لحن الإمام يكون كلحن المؤتم لا محالة فلهذا حكمنا ببطلان صلاته وهذا بخلاف الحدث فإنه يختص في الفساد الإمام لا غير.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد إذا لحن الإمام واستمر على صلاته ولم يخرج منها، وهكذا المؤتمون إذا لم يعزلوا صلاتهم عن صلاة الإمام حين تكلم باللحن فإنه يجب أن لا تفسد صلاة المؤتمين وكلا الاحتمالين لا غبار عليه خلا أن الاحتمال الأول أدق، والإحتمال الثاني أحق.
الحدث الثاني: الاحصار. وهو أن يتعذر على الإمام القراءة فهل يجوز له الاستخلاف أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز الاستخلاف، وهذا هو: رأي القاسمية، ومحكي. عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا هو أنه عرض في صلاته ما يقطعه عن الاستمرار عليها من غير تغير الفرض فجاز له الاستخلاف كالحدث.
وقولنا: من غير تغير الفرض. نحترز به عمن انكشفت عورته في الصلاة فلا يتمكن من سترها فليس له إن يستخلف لأن الفرض قد تغير لأن فرض العاري الصلاة من قعود وفرض اللابس تأديتها من قيام كما سنوضحه.
المذهب الثاني: المنع من الاستخلاف، وهذا هو المحكي عن أبي يوسف، ومحمد.
والحجة على هذا: هو أن الولاية عليهم مشروطة بكمال الطهارة والسلامة من جميع ما يعرض في إبطال الصلاة فإذا أحصر بطل شرط صحة الصلاة فلا جرم قضينا ببطلان صحة الولاية في الاستخلاف وإنما أخرجنا بطلان الطهارة وإن صح الاستخلاف معها لأخبار دلت على ذلك فقضينا بها.
والمختار: ما قاله الهادي والقاسم.

(3/576)


وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن الإحصار مانع من المضي في الصلاة من أجل نقصان ركن من أركانها وهي القراءة فلا جرم كان له الاستخلاف كالحدث.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الإحصار يخالف نقض الطهارة، فلا جرم قضينا بصحة الاستخلاف بنقض الطهارة بخلاف الإحصار.
قلنا: إنا لا ننكر مخالفة الاحصار لنقض الطهارة لكنهما يستويان في صحة الاستخلاف والجامع بينهما بطلان الصلاة بكل واحد منهما عند تعذره.
الحدث الثالث: القعود. وإذا أقعد الإمام في الصلاة.
قال المؤيد بالله: وإذا عجز الإمام عن القيام في الصلاة في بعض صلاته فإنه يقدم أحد المؤتمين لأن قعوده كالحدث وأراد أنه كالحدث في حالتين في أنه لا يجوز لهم الاقتداء به وأما في حقه فإنه لا يكون حدثاً لأن الإمام باق على صلاته فلا يلزم الاستئناف لأنه إذا لم يستأنفها فإن جميع صلاته تكون من قعود وإذا بنى عليها فإن بعض صلاته تكون من قعود وبعضها من قيام فيكون أولى.
الحدث الرابع: الموت وإذا أمَّ رجل قوماً ثم مات في أثناء الصلاة فإنهم يقدمون رجلاً ويعتدون بالركعة ويطرحون الميت خلفهم.
والوجه في ذلك: هو أن الموت حدث مانع من إتمام الصلاة فجاز الاستخلاف كما لو انتقضت طهارته. قال القاسم: من اشتغل بطرح الميت وإخراجه من المسجد فإنه يستقبل الصلاة لأنها أفعال كثيرة تفسد الصلاة فلهذا وجب استئنافها، فأما غير من اشتغل بالميت فلا تكون صلاته فاسدة لأنه لم يعرض ما يوجب فسادها إلا الاستخلاف وهو غير مفسد لها كما مر تقريره في سائر الأحداث.
نعم.. لو أغمي على الإمام فهل تبطل صلاة المؤتمين أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تبطل صلاة المؤتمين لأن الإغماء مرض في العقل فأشبه الائتمام بالمجنون، فلهذا قضينا ببطلان صلاتهم.
وثانيهما: أنها لا تبطل صلاتهم لأنه مرض مبطل للحركة فأشبه القعود للإمام، وقعوده لا يبطل صلاتهم.

(3/577)


والمختار: أن الإغماء إنما يبطل صلاة الإمام دون صلاة المؤتمين لأنه لم يعرض في حقهم ما يبطل صلاتهم كما عرض في حقه ما يبطل صلاته فلهذا جاز لهم الاستخلاف كما جاز في سائر الأحداث.
الحدث الخامس: انكشاف العورة. وإذا عرض على الإمام انكشاف عورته في حال الصلاة فإنه يتمها من قعود لأن القعود فرض العريان، والعري كالحدث في حق المؤتمين على معنى أن صلاتهم صحيحة ولا يجوز لهم الاقتداء به، وأما في حقه فلا يكون حدثاً لأن الإمام باقٍ على صلاته ولا يلزمه الاستئناف لأنه لو استأنفها فإن جميع صلاته تكون من قعود، وإذا بنى عليها كان بعضها من قيام وبعضها من قعود، وهل يجوز لهم الاستخلاف أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: المنع من الاستخلاف من جهة أن الفرض قد تغير في حقه لأن فرضه قد صار إتمام صلاته من قعود وفرض المؤتمين من قيام فلهذا كان ممنوعاً من الاستخلاف.
وثانيهما:جواز الاستخلاف.
ووجهه:هو أنه قد عرض في حقه ما يمنع من إتمام الصلاة فصار كالحدث وقعوده لا يمنع من الاستخلاف كما لو قعد بالعجز والمرض.
وبتمامه يتم الكلام فيما أردنا ذكره من صلاة الجماعة. وبالله التوفيق.

(3/578)


---
الباب الثامن في سجود السهو
قال الإمامان القاسم، والهادي: سجدتا السهو واجبتان على المصلي في الأذكار والأفعال والزيادة والنقصان، وتجبان على كل من قام في موضع جلوس، أو جلس في موضع قيام، أو ركع في موضع سجود، أو سجد في موضع ركوع، أو قرأ في موضع تسبيح، أو سبح في موضع قراءة، ولا تختصان الفرض دون النفل.
فإذا عرفت هذا فلنذكر حكم النقصان في الصلاة، ثم نذكر حكم الزيادة فيها، ثم نردفه بذكر الشك في الصلاة، ونذكر على إثره أقسام السجدات وأحكامها وصفاتها، فهذه فصول أربعة نذكر ما يتوجه في كل واحد منها من التفريعات والمسائل بمعونة الله تعالى.

(3/579)


---
الفصل الأول في بيان حكم النقصان في الصلاة
اعلم أن سجدتي السهو مشروعتان لما روى ثوبان عن رسول الله أنه قال: ((لكل سهو سجدتان " )). ولا خلاف فيه، وهل تكونان واجبتين أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنهما واجبتان لأجل السهو. وهذا هو: رأي الهادي، والقاسم، والمؤيد بالله، وحكى الكرخي: أنه لا نص لأبي حنيفة في وجوب سجدتي السهو، لكن الذي يأتي على مذهبه: أنهما واجبتان.
والحجة على هذا: ما روى عبدالله بن جعفر، عن رسول الله أنه قال: ((من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم )). فهذا أمر شرعي وظاهر الأمر للوجوب إلا أن تقوم دلالة على خلافه.
المذهب الثاني: أنهما مستحبتان. وهذا هو: رأي الناصر، والشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((سجدتا السهو جبر للنقصان وترغيم للشيطان ))(1).
وروي عن الرسول أنه قال: ((هما المرغمتان " )) (2).
وما هذا حاله فليس يوصف بالوجوب لأن إرغام الشيطان من جملة المستحبات والنوافل.
المذهب الثالث: أنهما إن كانتا لنقصان فهما واجبتان، وإن كانتا لزيادة فهما مستحبتان.
والحجة على هذا: هو أن إتمام الصلاة واجب على كل مكلف فإذا نقص شيء منها فالواجب جبرانه بسجود السهو فلهذا كانتا واجبتين، وإن كان للزيادة فلا نقصان هناك في الصلاة فلهذا كانتا مستحبتين لأجل المخالفة بالزيادة.
والمختار: ما قاله الناصر، والشافعي: من أنهما غير واجبتين.
__________
(1) روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله : ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً فليطَّرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته،و إن كان صلى تماماً لأبع كانتا ترغيماً للشيطان)) رواه أحمد ومسلم1/400، وفي رواية لأبي داود بدون قوله: ((..قبل أن يسلم)) وأخرجه ابن حبان6/390 وفي سنن الدارقطني1/371، وسنن النسائي3/27.
(2) أخرجه الطبراني في (لأوسط)4/350.

(3/580)


وحجتهما: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر صلى ثلاثاً أو أربعاً فليبن على اليقين وليلق الشك وليسجد سجدتين))(1)
فإن كانت صلاته ناقصة فقد أتى بها وكانت السجدتين مرغمتين للشيطان، وإن كانت صلاته تامة كان ما زاد نافلة والسجدتان له نافلة وترغمان أنف الشيطان، وما كان نافلة ويرغم أنف الشيطان فليس واجباً.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه أتاه رجل يسأله عن فرض الله عليه فقال: ((خمس صلوات في اليوم والليلة إلا أن تطوع ))(2).
ولم يذكر وجوب السجدتين فلو كانتا واجبتين لذكرهما لأنه في موضع تعليم الشرع.
الحجة الثالثة: هو أن سجود السهو سجود لا تبطل الصلاة بتركه فلا يكون واجباً دليله سجود التلاوة، فهذه الأدلة دالة على أنه ليس واجباً كما قلنا.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: روى عبدالله بن جعفر عن الرسول أنه قال: ((من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم )). وهذا أمر والأمر الشرعي يقتضي الوجوب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن الأمر يقتضي الوجوب، وإنما يقتضي الطلب، فأما استحقاق الذم على ترك المطلوب فلا بد فيه من دلالة خارجة تدل على ذلك.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على كونه نافلة فإنها صريحة في دلالتها على المقصود وما أوردتموه ليس صريحاً فيما يدل عليه، فلهذا كان ما قلناه أحق بالقبول.
قالوا: روى ثوبان عن الرسول أنه قال: ((لكل سهو سجدتان )).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ظاهره الجبر وليس فيه دلالة على الوجوب وهو صالح للوجوب والنفل لأن الأخبار عنهما على سواء فإن الواجب له سجدتان والنافلة لها سجدتان.
__________
(1) تقدم قريباً.
(2) أخرجه البخاري1/25، ومسلم 1/40، وابن خزيمة1/158، في صحاحهم، وقد تقدم.

(3/581)


وأما ثانياً: فلأن الوجوب إنما يكون بصيغة مخصوصة دالة على الحتم والإلزام والوعيد على الترك فأما مجرد الخبر فلا تكون فيه دلالة على الوجوب على حال.
قالوا: روى عبدالله بن مسعود عن الرسول أنه قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر ثم يسجد سجدتي السهو ))(1).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فليس في هذا إلا مجرد الإخبار عن كونه يسجد سجدتي السهو وليس فيه دلالة على الوجوب على حال.
وأما ثانياً: فلأنا نحمله على الإستحباب لأنه هو المتحقق لأن الوجوب يحتاج إلى دلالة منفصلة تدل على حظر الترك أو على إستحقاق الذم والعقوبة على الترك لأن هذه هي فائدة الوجوب وثمرته.
قالوا: ولأن الصلاة عبادة يدخلها الجبران فجاز أن يكون الجبران واجباً دليله جبران الحج.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا قياس، ولا مجرى للأقيسة في العبادات؛ لأنها أمور لا تفهم معانيها، فلهذا انسدت الأقيسة فيها.
وأما ثانياً: فلأن المعنى في الأصل كونه جبراناً بالمال بخلاف ما نحن فيه، فلا يدخله جبران المال بحال فافترقا.
قالوا:ولأن هذا سجود أمر المأموم بمتابعة الإمام فيه، فلهذا كان واجباً كسجود الصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: المعنى في الأصل كون السجود ركناً من أركان الصلاة بخلاف سجود السهو فافترقا.
وأما ثانياً: فإنا نقلب عليهم هذا القياس ونقول سجود أمر المأموم بمتابعة الإمام فلا يكون واجباً كسجود التلاوة.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: نذكر فيه مسائل:
المسألة الأولى: في بيان متعلق السهو. وفيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن متعلقه هو الفرائض والسنن، وهذا هو: رأي القاسمية.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لكل سهو سجدتان )). ولم يفصل في ذلك بين الفرائض والسنن.
__________
(1) رواه الطبراني في (الكبير)9/241.

(3/582)


ومن وجه آخر: وهو أن المقصود بالسهو إنما هو جبران ما نقص في الصلاة وكما يقع النقص في الفرض فقد يكون واقعاً في النفل فلهذا كان متعلقاً بهما.
المذهب الثاني: أن متعلقه إنما هو السنن دون الفرائض فلا تعلق له بها سواء كانت السنن قولاً أو فعلاً، وهذا المحكي: عن الناصر.
والحجة على هذا: هو أن السهو إنما وضع من أجل الجبران لما نقص وهذا إنما يتصور في السنن قولاً كالتشهد والقنوت، وفعلاً كالقعدة الوسطى، فأما الفرائض فلا وجه لجبرانها بل لا بد من الإتيان بها ولا يقوم مقامها شيء من لجبرانات.
المذهب الثالث: أن متعلقه الأفعال ولا يتعلق بالقول إلا بالقنوت، والتشهد الأول قال الشافعي: ولا سجود إلا في عمل البدن. يعني في الأفعال دون ما استثناه.
والحجة على هذا: هو أن هذه الأفعال المشروعة في الصلاة سوءا كانت مفروضة كالركوع والسجود أو كانت نافلة كالقعدة في التشهد الأوسط فإنها كلها مستقلة بنفسها ليست هيئة ولا تابعة لغيرها فلأجل هذا تعلق بها سجود السهو بخلاف الأذكار فإنها تابعة لغيرها وهيئات، فلهذا لم يتعلق بها سجود السهو ولا يستثنى من هذه الأذكار إلا القنوت والتشهد الأوسط فإنما هما مستقلان بأنفسهما لا يتبعان غيرهما ولا هما هيئتان فلهذا يتعلق بهما سجود السهو لاستقلالهما بأنفسهما،وأما غيرهما من الأذكار فإنها هيئات تابعة لغيرها فلهذا لم يتعلق بها سجود، وهذا نحو دعاء الاستفتاح فإنه تابع للصلاة لا تستفتح إلا لأجلها، ونحو قراءة السورة بعد الفاتحة فإنها تابعة لها ونحو التكبير للركوع والسجود فإنه هيئة للرفع والخفض، ونحو التسبيح فإنه هيئة للركوع والسجود فلما كانت هيئات لم يتعلق بها سجود السهو هذا قوله الحديد، وحكى الشيخ أبو إسحاق من أصحابه: أن السهو يتعلق بترك كل مسنون في الصلاة سواء كان ذكراً أو فعلاً، وهذا هو الأصح من مذهبه أنه لا يفصل في تعلق السهو بين الأذكار والأفعال.

(3/583)


المذهب الرابع: أن السهو يتعلق بأمور أربعة. وهذا هو المحكي: عن أبي حنيفة:
أولها: زيادة فعل من جنسها، وهذا كما لو ركع مرتين أو سجد ثلاث سجدات ناسياً.
وثانيها: نقصان فعل ينقص فيه الذكر في موضعه وهذا كالقعدة الأولى فإنه إذا تركها نسياناً نقص الذكر عن موضعه وهو التشهد.
وثالثها: ترك ذكر مقصود طويل وهذا نحو القنوت وتكبيرات العيدين والتشهد.
ورابعها: هيئة الركن وهذا نحو الجهر والمخافتة فهذه الأمور كلها يتوجه سجود السهو لأجلها لا غير ولا يتعلق إلا بها، ولا يجوز سجود السهو في تسبيح الركوع والسجود، ولا في التكبير لها لأنها غير مقصودة وإنما هي تابعة لغيرها ولا هي طويلة كالقنوت، فهذه هي المذاهب في متعلق السهو في الصلاة.
والمختار: ما عول عليه القاسمية من كون السهو متعلقه الفرض والنفل.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو قوله : ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر صلى ثلاثاً أو أربعاً فليبن على اليقين وليلق الشك وليسجد سجدتين)). ولم يفصل بين فرض ونفل، وفي هذا دلالة على كونه متعلقاً بهما.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: متعلقه السنن دون الفرائض، كما هو محكي: عن الناصر، لأن السهو موضوع للجبران والجبران إنما يعقل في السنن دون الفرائض.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المقصود جبران المفروض إذا غير عن حاله ثم أدي على الكمال والتمام، وهذا نحو أن ينسى سجدة أو ركعة ثم يأتي بها فقد تعلق السهو بالمفروض كما أوضحناه، ولا بد من تأديته والسهو جبران لما حصل من النقص بنسيانه وأدائه.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على تعلق السهو بالمفروض والمسنون وما ذكرتموه فهو قياس والقياس لا يعارض الأخبار لأن الشرط في العمل على القياس أن لا يكون معارضاً بخبر.
قالوا: متعلقه الأفعال ولا يتعلق بالأذكار إلا في القنوت والتشهد كما هو محكي: عن الشافعي.
قلنا: عن هذا جوابان:

(3/584)


أما أولاً: فلأنا قد حكينا من مذهبه أن الأصح تعلق السهو بالأقوال والأفعال فلا وجه لتخصيص الأفعال دون الأذكار.
وأما ثانياً: فلأن السهو كما يجري في الأفعال فهو جارٍ في الأقوال والأذكار من الصلاة فلا وجه لتخصيص أحدهما عن الآخر.
قالوا: هو جارٍ في الأمور الأربعة التي ذكرناها كما هو محكي: عن أبي حنيفة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن قصر السهو على هذه الأمور الأربعة تحكم لا مستند له ولا دلالة تدل عليه.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه غير حاصر لما يقع فيه السهو، وهذا نحو القراءة في موضع التسبيح والتسبيح في موضع القراءة وغير ذلك من الصور التي يتعلق بها السهو غير ما ذكروه فلا وجه لقصره على هذه الأمور الأربعة.
المسألة الثانية: نقصان الصلاة بترك السنن المتصلة بها هل يكون مبطلاً للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يكون مبطلاً للصلاة، وهذا هو: رأي أئمة القاسمية، واختيار السيدين الأخوين، ومحكي: عن زيد بن علي، وهو: قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن التفرقة بين الفرض والسنة هو أن الفرض لا يجوز تركه ويستحق تاركه الذم والعقاب على تركه سواء كان الفرض عقلاً أو شرعاً فإن هذه هي أحكام الفرض بخلاف النفل والسنة فإن تاركها لا يستحق عقاباً ولا ذماً، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا وجه لبطلان الصلاة بتركه السنة عمداً، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه أنه لو بطلت الصلاة بترك السنة لكان لا يفترق الحال بين الفرض والسنة.
المذهب الثاني: بطلان الصلاة بترك السنة على جهة العمد، وهذا هو: رأي الناصر.
والحجة على هذا: هو أن ترك السنة على جهة يكون فيه تهاون بأمر الرسول واستخفاف بحقه، وما هذا حاله فإنه يكون مبطلاً للصلاة لأن التارك لها على جهة العمد مستخف لا محالة.
والمختار: ما عليه أئمة القاسمية، والفقهاء.

(3/585)


وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن الصلاة إذا أديت بكمالها بفروضها وشروطها فإنا نحكم عليها بالصحة، والإخلال بسنة من سننها لا يوجب بطلانها.
ومن وجه آخر: وهو أن الهيئات من السنن لما كان تركها على جهة العمد لا يوجب بطلانها كوضع الكفين حذاء الخدين، وتفريق الأصابع وضمها فهكذا في السنن المستقلة نحو القنوت والتشهد الأوسط والتسبيحات في الركوع والسجود، تركها على جهة العمد لا يكون مبطلاً للصلاة والجامع بينهما كونهما سنتين.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: ترك السنة المستقلة عمداً يكن استخفافاً بالرسول وإهانة، وما هذا حاله يبطل الصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن كل من ترك السنة فإنه مستخف بالرسول فإن ما هذا حاله يكون كفراً ورِدَّة وليس من ترك فعل السنن يقال: إنه قد كفر وارتد وخرج عن الدين فما هذا حاله فلا وجه له.
وأما ثانياً: فلأنه قد يتركها لأغراض أُخر غير الاستخفاف من اشتغال بغيرها وتكاسل عن أدائها، وإذا كان هذا محتملاً بطل أن يقال: إن ترك السنة متعمداً يكن استخفافاً بالرسول وإهانة.
قالوا: إنا لم نقل: إنه استخفاف بالرسول وإنما قلنا: إن ترك السنة على جهة الاعتماد ينزل منزلة الاستخفاف بحال الرسول والإعراض عنه.
قلنا: إن كل ما كان استخفافاً أو نازلاً منزلة الاستخفاف فلا بد فيه من القصد والنية، والتارك للسنة على جهة العمد لم يقصد الاستخفاف ولا خطر له على بالٍ وإنما آثر الترك لأمور عارضة لا يكون استخفافاً على كل حال.
المسألة الثالثة: جبران النقصان في الصلاة بسجدتي السهو هل يكون لعين السهو أو يكون لأجل النقصان؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه إنما وجب لعين السهو فلا يجب في العمد، وهذا هو: رأي المؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو قوله : ((لكل سهو سجدتان )).
وقوله : ((إذا سها أحدكم في صلاته فليبن على الأقل ثم يسجد سجدتين )).

(3/586)


ووجه الدلالة من هذين الخبرين: هو أنه علق وجوب السجود بعين السهو فلا حاجة إلى تغيير هذا الظاهر من غير دلالة.
المذهب الثاني: أن وجوب السجدتين إنما يتعلق بالنقصان ولهذا فإنه يجب على العامد كما يجب على الساهي، وهذا هو: رأي السيد أبي طالب.
والحجة على هذا: هو أن المقصود من خطاب الله تعالى، وخطاب رسوله إنما هو التعويل على المعاني دون الألفاظ ولهذا ورد التعبد بالقياس بخلاف خطاب الخلق فإن وقع اضطراب إلى قصودهم بخطابهم عول عليه، وإن لم يكن هناك اضطرار إلى قصودهم وجب التعويل على ما تدل عليه الألفاظ، ولا شك أن السابق إلى الفهم من قوله : ((لكل سهو سجدتان " )). إنما وجبا من أجل ما وقع في الصلاة من النقص بتغيير أحوالها عما شرعت عليه ولأجل هذا كان التعويل على جبران ما نقص، وسواء كان النقص واقعاً على جهة العمد أو على جهة السهو بل نقول: إن جبران ما وقع على جهة العمد أحق بالجبران لمن كان العمد به، وأن المؤاخذة بالعمد أكثر من المواخذة بالسهو فلهذا وجب التعويل على مجرد النقصان لما ذكرناه.
والمختار: ما ذهب إليه السيد أبو طالب.
ووجهه: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن المقصود إنما هو جبران ما نقص من الصلاة والنقص كما يحصل لسهو فهو حاصل بالعمد بل هو أدخل في الجبران من السهو. ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً }[النساء:10].فالوعيد إنما توجه ليس على من أكل بل على من أتلف بالإغراق والإحراق فالسابق إلى الفهم إنما هو الإتلاف، وقوله : ((لا يقض القاضي وهو غضبان " ))(1).
__________
(1) الحديث جاء هنا كما هو واضح في غير موضع الاستدلال في بابه وإنما أورده المؤلف على سبيل المقارنة والتمثيل، وسيأتي إن شاء الله في موضعه، وقد أخرجه الترمذي في سننه3/620، وهو في (المحلى) لابن حزم9/365، و(الأحكام) للآمدي3/285.

(3/587)


فليس المقصود هو عين الغضب وإنما القصد هو ما يلحق بالدهشة، وهذا حاصل بالجوع والعطش والألم، وحقن البول ومدافعة الغائط، وهكذا القول في جميع الخطابات من جهة اللّه، ومن جهة رسوله، فإن التعويل فيها على المعاني السابقة إلى الأفهام فهكذا ما نحن فيه يجب التعويل على ما ينقض الصلاة عمداً كان أو سهواً.
الانتصار: يكون بالجواب عما يخالفه.
قالوا: الأحاديث كلها دالة على تعليق الجبران بالسجود إنما هو يعين السهو فلا يدخل فيه العمد.
قلنا: نحن لا ننكر تعليقه بالسهو لكنا نقول: كما يتعلق بالسهو فهو متعلق بالعمد بجامع نقصان الصلاة وجبرانها، وهكذا فإنا لا نخرج الغضب في قضاء القاضي، ولا نخرج الأكل في مال الأيتام بل نقول: كما يتعلق بها فهو يتعلق بغيرها بجامع أعم منها فجامع السهو النقصان، وجامع الغضب الدهشة التي تنقض اجتهاد القاضي، وجامع الأكل إتلاف الأموال التي للأيتام فقد صارت هذه المعاني مقصودة لصاحب الشريعة من خطابه فلهذا وجب التعويل عليها.
الفرع الثاني: في بيان حكم المتروك في الصلاة.
اعلم أن الصلاة لها أركان وأبعاض وهيئات، والنقصان والترك متعلق بكل واحد من هذه الأنواع ونحن نذكر ما يتعلق بها ونجعله على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: في نقصان الأركان وفيه مسائل:
المسألة الأولى: إذا قام المصلي من الركعة الأولى إلى الركعة الثانية ثم تيقن أنه ترك سجدة من الأولى ففيما يفعل مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه لا يحتسب بما فعل من الركعة الثانية حتى يتم الأولى، وهذا هو: رأي القاسمية، ومحكي: عن الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن ما فعله من الأولى فهو صحيح فلا تبطل بترك ما بعده وعلى هذا تصح له ركعة واحدة بكمالها وتبطل أعمال الركعة الثانية بعد أخذ السجدة منها.

(3/588)


والمذهب الثاني: أنه إذا قام إلى الثانية ثم ذكر أنه ترك سجدة من الأولى فإن ذكر ذلك بعد أن اطمأن في الركوع في الثانية أو بعدما سجد فيها فإنه لا يعود إلى إتمام الأولى بكل تكون الأولى باطلة وتكون الثانية صحيحة وهذا هو المحكي: عن مالك.
والحجة على هذا: هو أنه اطمأن في الركوع في الثانية أو بعدما سجد لها فإنها تكون أحق بالإتمام، والأولى تكون ناقصة فلا عبرة باعمالها.
المذهب الثالث: أنه إن ذكر بعد القراءة حصلت له الثانية وكانت الأولى باطلة، وإن كان ذكره قبل القراءة في الثانية سجد لتمام الأولى، وهذا هو المحكي: عن أحمد بن حنبل.
والحجة على هذا: هو أنه إذا كان مشتغلاً بالقراءة وأتمها كانت الركعة الثانية أحق بالإتمام؛ لأن القراءة ركن من أركان الصلاة فإذا ذكرها بعد فراغه من القراءة كانت الثانية أحق بالإتمام بخلاف ما إذا كان ذكره لها قبل القراءة كانت الأولى أحق بالإتمام ويبطل ما عمل في الثانية من الأعمال.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إن اطمأن في الركوع في الثانية أو بعدما سجد لها كانت الثانية أحق ولا يعود إلى إتمام الأولى.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن إتمام الركعة الأولى أحق لما ذكرناه لأن الركعة الثانية لا تكون تامة إلا بتمام الركعة الأولى ولأنه لا يمكن بناء الصحيح على الفاسد.

(3/589)


وأما ثانياً: فلأنا إذا أخذنا سجدة من الركعة الثانية فقد حصل هناك بها فائدة وثمرة بخلاف ما إذا أبطلنا الركعة الأولى فلم تحصل فيها فائدة وقد قال تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33]. فلهذا كانت الركعة الأولى أحق بالإتمام لما ذكرناه فإذاً لا وجه لما قاله مالك وأحمد بن حنبل، فإذا عرفت هذا نظرت فإن سجد المصلي السجدة الأولى من الركعة الأولى وترك الجلوس بين السجدتين والسجدة الثانية وذكر ذلك وهو قائم في الركعة الثانية فإنه يجب أن يقعد ثم يسجد ومن أصحاب الشافعي من قال إنه لا يلزمه القعود لأن القعود بين السجدتين إنما وجب لأجل الفصل بينهما وقد قام القيام مقام القعود في الفصل.
والمختار على المذهب: أنه لا بد من القعود لأن القعود بين السجدتين هو فرض واجب كما مر بيانه فلا يقوم القيام مقامه كما لو قصد القيام بين السجدتين للفصل فإنه لا يعول عليه فهكذا هاهنا، وإن كان قد قعد بعد السجود الأول للفصل ثم قام ولم يسجد السجدة الثانية فإنه يتم الركعة الأولى بسجدة من الركعة الثانية ويلغي الباقي، وإن ترك من الركعة الأولى سجدة ثم صلى الركعة الثانية فسجد لها سجدة فإنه تصح له ركعة واحدة.
ووجهه: ما ذكرناه، وهو أن كل واحدة من الركعتين ناقص عن الكمال الشرعي والنقص إنما يتطرق إلى الثانية لأنها لا تتم إلا بعد كمال الأولى، فلأجل هذا أكملنا الأولى بالسجدة الثانية وكملت الركعة الأولى ويأتي بثلاث ركعات على الكمال والتمام ويلغي ما بقي من أعمال الركعة الثانية.
المسألة الثانية: وإن ترك من أربع ركعات أربع سجدات نقص من كل ركعة سجدة ففي الواجب عليه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أنه يصح له ركعتان ولا يعتد بما تخلل بين السجدتين من الأفعال، وهذا هو: رأي الهادي، والمؤيد بالله، ومحكي: عن الشافعي.

(3/590)


والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه صلى الظهر خمساً على جهة السهو فلما تحقق ذلك استقبل القبلة وكبر وسجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع وقال: ((هما المرغمتان )).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه لم يعتد بالعارض بين الركعة الرابعة وبين التشهد لما كان مفعولاً على طريق السهو.
المذهب الثاني: أنه يأتي بأربع سجدات متواليات وتصح صلاته، وهذا هو رأي: الناصر، ومحكي: عن أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي.
والحجة على هذا: هو أن السجدات قد مضى محلهن بالنسيان، وإذا كان ماضياً فالواجب الإتيان بهن على جهة التوالي من غير فصل بينهن لما ذكرناه.
المذهب الثالث: أن الصلاة لما كانت ناقصة عن هذه السجدات والصلاة الشرعية لا تكون صلاة إلا بتمامها وكمالها بسجودها وركوعها فلما بطلت هذه السجدات كانت الصلاة باطلة، ويجب عليه الاستئناف خلا أن تكبيرة الافتتاح تكون صحيحة لأنه لم يعرض لها ما يبطلها فلا جرم كانت التحريمة صحية ويصلي أربع ركعات بركوعهن وسجودهن، وهذا هو المحكي عن: الليث، وأحمد بن حنبل.
والمختار: ما عول عليه الهادي، والمؤيد بالله، من أنه تصح له ركعتان لأن الركعة الأولى تتم بالثانية والثالثة تتم بالرابعة فقد صح له ركعتان وبقي عليه ركعتان، فإذا عرفت هذا نظرت، إن كان قد أتى بالقعدة بين السجدتين فقد تمت له الركعتان بكمالهما بسجودهما وحصول القعدة بينهما، وإن كان قد ترك سجدة من كل ركعة ثم ترك القعدة بين السجدتين فإنه يجب عليه الإتيان بهذه القعدة لأنها فرض واجب لتكون السجدة عقيب القعود، وعلى هذا تحصل له ركعة إلا سجدة وعليه سجدة يأتي بها حتى تكمل الركعة الأولى فتحصل له ركعتان وإن كان قد تشهد في الرابعة يظن أنه التشهد الأخير فإنه يعتد به عن التشهد الأول ثم يأتي بركعتين يتشهد في آخرهما ويسلم ويراعى في هذا التقرير أصلان:

(3/591)


الأصل الأول: أن كل ما أخذ منه شيء لإتمام غيره فإنه يلغو ويبطل ولا يكون له حكم، وبيانه أنا إذا أتممنا الركعة الأولى بسجدة من الثانية تعطل الباقي من أعمال الثانية، وإذا أتممنا الثالثة بسجدة من الرابعة بطل ما بقي منها.
الأصل الثاني: أنه لا يخرج من ركن من الصلاة إلا بعد كماله وتمامه لأن الترتيب مستحق في أعمال الصلاة فإذا كانت الركعة الأولى ناقصة والثانية تامة لم يحكم بتمام الثانية إلا بعد كمال الأولى لأن التام لا ينبني على الناقص.
قال السيد أبو طالب: فإن سجد في الركعة الثانية السجدة الثانية التي تركها في الأولى وسجدة معها أخرى فإن سجدها سهواً أجزت صلاته لأنه معذور في فعلها، وإن سجدها عمداً بطلت صلاته لأن زيادة سجدة تكون مخالفة للمشروع في الصلاة فلهذا كانت مبطلة لها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إذا نسي أربع سجدات من أربع ركعات فإنه يأتي بأربع سجدات متواليات كما هو المحكي عن الناصر وغيره من الفقهاء لأن هذه السجدات قد بطل محلها بالنسيان فلأجل هذا أوجبنا عليه التوالي.
قلنا: الترتيب مستحق في أعمال الصلاة والسجود فعل واجب في الصلاة لا تكون صلاة شرعية واقعة على صفتها إلا بإكماله فلأجل هذا أوجبنا عليه مراعاة الترتيب ولن يكون إلا بما ذكرناه حتى تكون الصلاة واقعة على صفتها المشروعة.
قالوا: إذا نسي هذه السجدات فقد أخل بترتيب الصلاة والإتيان بها على موضوعها الشرعي فيجب القضاء بإبطالها واستئناف الصلاة كما لو أخل فيها بركعة أو سجدة على جهة العمد.
قلنا: إن الله تعالى تهى عن إبطال العمل بقوله: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ }[محمد:33]. وما ذكرتموه فيه إبطال العمل.
ومن وجه آخر: وهو أن الرسول قد زاد في الصلاة على جهة السهو وتداركها بسجود السهو ونقص من الصلاة وتدارك صحتها بإكمالها بما نقص منها، ولم يبطل العمل كما قاله: الليث، وأحمد بن حنبل فبطل ما قالاه.

(3/592)


المسألة الثالثة: في الحكم إذا لم يعلم مواضع ما نسي من السجدات بعد تحقق نسيانها، وفي كيفية الجبران لما تركه مذهبان:
المذهب الأول: أنه إذا ترك بعضاً من السجدات سهواً ولم يعلم مواضعها فإنه يأتي بها مطلقة من غير التفات إلى أنها من الركعة الأولى أو من الركعة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، فإن كان المتروك سجدة واحدة فإنه يأتي بها، وإن كان المتروك سجدتين فإنه يأتي بهما مع ركعتهما وهذا هو الذي اختاره السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب، وعلى هذا إذا ترك سجدة من ثماني سجدات صح له أربع ركعات إلا سجدة فيأتي بها، وإن ترك سجدتين صحت له ثلاث ركعات ثم يأتي بركعة بسجدتيها، وإن ترك ثلاث سجدات صحت له ثلاث ركعات إلا سحدة وعليه سجدة واحدة وركعة واحدة بسجدتيها، وإن ترك أربع سجدات صحت له ركعتان وبقي عليه ركعتان، وإن ترك خمس سجدات صحت له ركعتان إلا سجدة وعليه ركعتان وسجدة، وإن ترك ست سجدات صحت له ركعة واحدة وعليه ثلاث ركعات بسجودهن، وإن ترك سبع سجدات صحت له ركعة إلا سجدة وعليه ثلاث ركعات وسجدة، وإن ترك ثماني سجدات وجب عليه الإتيان بأربع ركعات بسجودهن إلا ركوع واحد، فقد صح له فيبني عليه.
والحجة على هذا: هو أن المقصود جبران الفائت من السجدات من غير التفات إلى مواضح الفوائت فإذا أتى على النحو الذي ذكرناه فقد خرج عن جهة الأمر وأتى بما يتوجه عليه. ويؤيد ما قلناه: ما روي عن الرسول أنه سلم في الظهر على ثلاث ركعات على جهة السهو ثم جبر النقصان بزيادة ركعة وسجوداً لسهو. قال المؤيد بالله: من صلى أربعاً من الظهر بخمس سجدات ونسي ثلاث سجدات ولا يعلم مواضعها من كل ركعة نسي سجدة أم كيف نسيها صحت له ثلاث ركعات إلا سجدة وعليه سجدة وركعة بسجدتيها وهكذا إن ترك ستاً صحت له ركعة وعليه ثلاث ركعات بسجودهن.
المذهب الثاني: محكي عن الشافعي وأصحابه.

(3/593)


وتقرير ما قالوه: هو أن المصلي إذا صلى أربع ركعات وذكر قبل أن يسلم أنه ترك سجدة منها وليس يعلم من أي موضع تركها فإنه يلزمه أن يأتي بركعة على تمامها لأن أحسن أحواله أن يكون قد تركها من الرابعة فيأتي بسجدة لا غير، وأسوأ أحواله أن يكون قد تركها مما قبلها فيلزمه أن يأخذ بأسوأ أحواله ليسقط الفرض بيقين، وإن ترك سجدتين ولم يعلم موضعيهما لزمه ركعتان لجواز أن يكون قد ترك من الأولى سجدة ومن الثانية سجدة فيتم الأولى من الثانية والثالثة من الرابعة ويلغو ما أخذ منه ويبطل، إلى تفصيلات طويلة تشتمل على شرحه كتبهم.
والمختار: هو ما ذكرناه في الإحتجاج من أن المقصود هو جبران الفائت من غير التفات إلى كون السجدة من الركعة الأولى أو من الثانية لأنا قد فرضنا أن مواضع السجدة غير معلوم فلهذا وجب جبرانها على ما ذكرناه في الاحتجاج.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إذا ترك سجدة واحدة ولم يعلم مكانها احتمل أن تكون من الركعة الأولى أو من الثانية وما بعدها وإذا كان الأمر كما قلناه أخذ بأسوأ الأحوال فتكون من الأولى ويكملها من الثانية ويلغو ويبطل ما أخذ منه فلهذا أوجبنا ركعة واحدة إذا كان الفائت سجدة واحدة.

(3/594)


قلنا: لما كان موضع السجدة غير معلوم فالواجب هو الإئتيان بها مجردة عن الركعة لأن الركعة قد أتى بها والفوات إنما كان في سجدة واحدة فلهذا أوجبناه من غير زيادة والتفرقة في فوات السجدة الواحدة بين أن يكون مكانها معلوماً أو غير معلوم هو أنه إذا كان مكانها معلوماً أتمت مما يليها، فإذا فات من الركعة الأولى سجدة أتمت من الركعة الثانية لتكون أعمال الصلاة مرتبة بخلاف ما إذا كان فوات السجدة موضعه غير معلوم فإنه يأتي به ويكمل له أربع ركعات إلا سجدة فيأتي بها من غير زيادة لأنها هي الفائتة. والتفرقة بين كلام أصحابنا وكلام الفقهاء هو أن عند أصحابنا إذا كان المتروك سجدة واحدة فإنه يؤتى بها من غير زيادة الركعة، والفقهاء أوجبوا زيادة الركعة إذا كان المتروك سجدة واحدة لأنهم جوزوا تركها من الركعة الأولى أم من الركعة الثانية، وجعلوا ما لم يعلم مكانها بمنزلة ما علم مكانها في أنهم يتمونها مما يليها على جهة التقدير فلهذا أوجبوا ركعة واحدة إذا كان المتروك سجدة واحدة، وللفقهاء تفاصيل فيما إذا كان المتروك مع السجدة القعدة بين السجدتين والتشهد يطول شرحها.

(3/595)


المسألة الرابعة: قال الإمام زيد بن علي: إذا نسي ركوعاً من آخر الظهر وذكره في التشهد عاد إلى الركوع ويركع ويتم ما بعده وإن نسي من الأولى فتذكر في آخره يعيد ركعة مع القراءة والركوع والسجود وهذا جيد فإن الرسول ترك ركعة من آخر الظهر فذكرها ثم أتى بها جبراناً لما نقص من صلاته، وإن كان المتروك من آخر الصلاة قبل التسليم فإن المصلي يأتي بالركوع من غير قراءة لأن القراءة قد تقدمت في أول الصلاة ثم يقعد بعد الركوع ويتشهد ويسلم وإن نسي الركوع الأول ولم يكن قد قرأ في الركعات الأخر فإنه يأتي بركعة مع القراءة فيكون بإتيانه بالركعة مع القراءة قد أتى بالمفروض والمسنون، وإن نسي ركوعين متواليين من أربع وعلم أنه قد أتى فيما صلى من الركوعين الآخرين في كل ركعة بسجدتين صحت له ركعتان بكمالهما ويلزمه الإتيان بركعتين بكمالهما وعليه سجود السهو بعد الإتيان بما ذكرناه لأجل المخالفة.
قال الإمام القاسم: لو نسي المصلي ركعة من صلاته ثم ذكرها قبل التسليم فإنه يقوم ويأتي بركعة تامة ويتشهد ويسلم وعليه سجدتا السهو في ذلك.
قال الإمام المؤيد بالله: ولو انحط المصلي من قيامه إلى السجود ثم ذكر أنه نسي الركوع فالواجب عليه الركوع، فإن استوى قائماً ثم ركع لم يبعد جواز صلاته.
وقال أيضاً: ولو انحط عن ركوعه إلى سجوده قبل الاستواء والإعتدال فإن كان فعله سهواً رجع إلى الاستواء ثم انحط ساجداً، وإن كان فعله عمداً فالأقرب بطلان صلاته، وهذا جيد أيضاً لأن الركوع فرض من فروض الصلاة وركن من أركانها فلا بد من الإتيان به كما قاله القاسم، وهكذا الحال فيما ذكره المؤيد بالله إذا انحط ولم يركع عاد إلى الركوع ليأتي به من غير انتصاب لأنه هو الفائت والقيام فرض قد أدَّاه فإن قام وركع لم يضره لأنه فعل قليل وعليه سجود السهو.

(3/596)


وعن زيد بن علي أنه قال: إذا دخل الرجل في الصلاة فنسي أن يقرأ حتى ركع فليستو قائماً ثم يقرأ ثم يركع ويسجد سجدتي السهو. وهذا جيد كما ذكر لأن القراءة فرض من فروض الصلاة ومحلها القيام فإذا نسيها وجب عليه أن يؤديها في محلها وهو القيام ثم يسجد سجدتي السهو لأجل ما وقع من المخالفة.
قال الإمام أبو طالب: ومن نسي القراءة في صلاته ثم تذكرها قبل التسليم قال: فالأولى على المذهب أن يأتي بركعة واحدة يقرأ فيها فاتحة الكتاب وسورة والأمر كما ذكر من جهة أن القراءة فرض فإذا نسيها وتذكرها وجب عليه الإتيان بركعة للقراءة بفاتحة الكتاب والسورة ويلغو ركعة وتبطل لأنها كلا ركعة لما خلت عن القراءة، وإن نسي المصلي الجهر والمخافتة في الصلاة ثم ذكرها قبل التسليم فالذي يأتي على رأي الهادي: أن صفة القراءة كالقراءة فالواجب الإتيان بالجهر والمخافتة في ركعة واحدة لأنها فرض ويسجد للسهو. وعلى رأي المؤيد بالله: الجهر والمخافتة هيئتان من هيئات الصلاة فإذا أخل بهما فلا سهو فيهما وهذا هو المختار، وقد ذكرناه من قبل، وإن قعد للتشهد الأخير ثم ذكر أنه لم يعتدل بين السجدتين فالواجب عليه إذا قعد للتشهد أن يعيد السجدة الأخيرة لتكون حاصلة بعد الإعتدال ثم يتشهد بعد السجود ويسلم وذلك لأن الإعتدال بين السجودين فرض لا بد من الإتيان به فلهذا قلنا: بوجوب إعادته وقد تم غرضنا من نقصان فروض الصلاة.
المرتبة الثانية: في بيان نقصان السنن. وهي الأبعاض ونذكر فيه مسائل:
المسألة الأولى: إذا قام من الثانية ناسياً إلى الثالثة وترك التشهد فما الواجب عليه؟ فيه مذاهب خمسة:
المذهب الأول: أنه إن ذكر بعد أن انتصب قائماً لم يعد إليه، وإن ذكر قبل أن ينتصف قائماً عاد إليه، وهذا هو رأي القاسمية، واختاره السيدان الأخوان، وهو محكي عن الشافعي.

(3/597)


والحجة على هذا: ما روى المغير ة بن شعبة عن الرسول أنه قال: ((إذا قام أحدكم إلى الركعتين فلم يستتم قائماً فليجلس فإذا استتم قائماً فلا يجلس))(1).
المذهب الثاني: محكي عن مالك، وعنه روايتان:
الرواية الأولى: وهي المشهورة أنه إن قام أكثر القيام لم يرجع، وإن قام أقل القيام رجع.
الرواية الثانية: عنه حكاها ابن المنذر أنه إذا فارقت إليتاه الأرض لم يرجع.
والحجة على هذا: هو أن القعود سنة، والقيام فرض فإذا قام أكثر القيام فهو في حكم القائم بحصول أكثر القيام فلا يعود من مفروض إلى مسنون، وإن قام أقل القيام فهو في حكم من لم يقم فيعود إلى تمام المسنون.
وأما وجه الرواية الثانية: فهو أن القيام من أوله إلى آخره وقليله وكثيره هو فرض فإذا فارقت إليتاه الأرض صار في حكم القائم، فلهذا لم يكن له الرجوع.
المذهب الثالث: محكي عن الأوزاعي، وهو أن له الرجوع ما لم يستفتح القراءة.
والحجة على هذا: هو أن القيام صار محلاً للقراءة، إما فرضاً وإما نفلاً فلا يكون القيام له حكم إلا بما شرع فيه من القراءة فإذا لم يستفتح القراءة كان له الرجوع لما ذكرناه.
المذهب الرابع: أن له الرجوع ما لم يركع، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري.
والحجة على هذا: هو أن القيام محل الرجوع ما لم يستتم القيام فلا يحصل استتمام القيام إلا بالرجوع إلى ركن آخر، وهو الركوع فمهما بقي على حالة القيام فله الرجوع.
المذهب الخامس: محكي عن أحمد بن حنبل: أن الواجب عليه أن يرجع قبل أن يستوي قائماً فإن استوى قائماً فهو بالخيار إن شاء رجع وإن شاء لم يرجع.
__________
(1) أخرجه أبو داود، وهو في سنن الدارقطني1/378، وابن ماجة1/381، ومصنف عبد الرزاق 2/310، ومسند أحمد4/253.

(3/598)


والحجة على هذا: هو أنه قبل أن يستوي قائماً فلم يخرج إلى ركن آخر فلهذا توجه عليه القعود قبل الإستواء لظاهر الخبر الذي رويناه عن المغيرة، فأما إذا استوى قائماً فهو بالخيار لأنه بعد الإستواء هو في مفروض وقد ضيع ما هو مسنون فهو بالخيار إن شاء واضب على السنة ورجع لأداء المسنون، وإن شاء وقف علىالمفروض، فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها.
والمختار: ما عول عليه الهادي، واختاره الأخوان للمذهب.
وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو أنه إذا استتم قائماً فقد حصل في فرض فلم يجز أن يرجع منه إلى سنة لأن الفرض بالمواضبة أحق من السنة.
الانتصار: يكون بالجواب عما يخالفه.
قالوا: إن قام أكثر القيام لم يجز له الرجوع، وإن قام أقل القيام جاز له الرجوع كما حكي عن مالك.
قلنا: هذا موافق لما قلناه لأن الغرض بأكثر القيام هو أنه قد استتم القيام، والغرض بأقل القيام هو أنه لم يستتم القيام، فقد حصل المقصود والخلاف مرتفع.
فأما الرواية الثانية عنه: إذا فارقت إليتاه الأرض لم يرجع.
فجوابه: هو أنه مهما كان أقرب إلى الدنو إلى الأرض فهو في حكم القاعد فلهذا كان له الرجوع للوفاء بالمسنون، فلا وجه لهذه المقالة.
قالوا: له الرجوع ما لم يستفتح القراءة كما حكي عن الأوزاعي.
قلنا: إنه لا يستفتح القراءة إلا بعد إتمام القيام فلهذا لم يكن له الرجوع بعد استكمال القيام سواء قرأ أو لم يقرأ كما دل عليه ظاهر الحديث.
قالوا: له الرجوع ما لم يركع كما هو محكي عن الحسن البصري.
قلنا: استتمام القيام هو المانع من الرجوع كما دل عليه ظاهر الخبر سواء ركع أو لم يركع إن لم يستو رجع، وإن استوى فهو بالخيار كما هو محكي عن أحمد بن حنبل.

(3/599)


قلنا: قد وافقنا على أنه إذا لم يستوِ للقيام رجع كما قلناه ولكنه قال: إذا استوى فهو بالخيار فما هذا حاله لا وجه له لأنه بعد الإستواء قد استقل لفرض آخر فلا وجه للتخيير لأنه يكون عوداً من فرض إلى نفل، فإذن لا وجه للتخيير الذي ذهب إليه، فإذا تقررت هذه القاعدة وانتصب قائماً ولا يعود لما حققناه فإنه يمضي في صلاته ويسجد للسهو ولما حصل من النقصان بترك القعود والتشهد للسنة، فإن خالف ورجع إلى القعود نظرت فإن كان رجوعه على جهة السهو والجهل بالتحريم لم تبطل صلاته لأنه معذور بالنسيان والجهل ولأنها زيادة من جنس الصلاة، وإن كان فعله على جهة العمد بطلت صلاته كما ذكره السيدان الأخوان، وهو رأي الشافعي لأنه قعد في موضع القيام ولأنه زيادة مفروضة على جهة العمد فأشبه ما لو زاد ركعة أو سجدة معمودة فإن ذكر ما نسيه في حال القعود فالذي يقتضيه قياس المذهب أنه يلزمه أن يقوم ولا يتشهد؛ لأن التشهد قد سقط عنه بالقيام وقد صار القيام فرضه ولكنه يجب عليه السجود بالزيادة والنقصان بالسهو أما الزيادة فجلوسه بعد القيام، وأما النقصان فلأجل تركه للقعود والتشهد فيه، وإن كان إماماً لغيره نظرت فإن انتصبوا معه للقيام لم يعودوا؛ لأنهم قد صاروا في فرض آخر، وإن لم يكونوا قد انتصبوا معه للقيام، وإنما انتصب وحده ثم رجع فالذي يقتضيه قياس المذهب أن المأموم يقوم ولا يتابعه في الجلوس لأن المأموم وإن لم يكن قد انتصب فقد وجب عليه الإنتصاب لأجل انتصاب الإمام فإذا رجع الإمام ولم يسقط ما وجب على المأموم من الانتصاب فإن خالفوا ورجعوا عن الانتصاب نظرت فإن فعلوه على جهة السهو لم تبطل صلاتهم، وإن فعلوه على جهة العمد بطلت صلاتهم لأنهم معذورون في السهو وغير معذورين في العمد. فإن تذكر الإمام قبل أن ينتصب ورجع إلى القعود فهل يجب عليه السجود للسهو أم لا؟ فيه قولان:

(3/600)


فالقول الأول: أنه يجب عليه سجود السهو وهذا هو رأي أئمة العترة، وأحد قولي الشافعي، ومحكي عن أحمد بن حنبل.
والحجة على هذا: ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه تحرك للقيام في الركعتين الآخرتين من العصر على جهة السهو فسبحوا له فقعد ثم سجد للسهو.
القول الثاني: أنه لا يلزمه سجود السهو وهو أحد قولي الشافعي، ومحكي عن الأوزاعي، وعلقمة، والأسود.
والحجة على هذا: ما روي عن المغيرة بن شعبة، أن الرسول قال: ((إذا شك أحدكم فقام في اثنتين فإن ذكر وقد استتم قائماً فلا يجلس وإن ذكر قبل أن يستتم قائماً جلس ولا سهو عليه))(1). ولأنه عمل قليل فلم يقتض سجوداً للسهو كالخطوة اليسيرة والالتفات اليسير.
والمختار: هو الأول لأنه زاد في الصلاة زيادة من جنسها ساهياً فوجب عليه سجود السهو كما لو زاد سجوداً أو ركوعاً، فإن ذكر نسيانه قبل أن ينتصب وخالف وانتصب لم تبطل صلاته لأنه ترك السنة ويجب عليه سجود السهو، فإن رجع الإمام من القيام قبل أن ينتصب وكان قد سبقه المأموم بالانتصاب فهل يجب على المأموم أن يرجع إلى القعود أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجب عليه الرجوع لأنه متابع للإمام ومتابعته فرض.
وثانيهما: أنه لا يلزمه الرجوع لأنه قد حصل في فرض فلا يرجع إلى مسنون والأول أقوى لقوله : ((لا تختلفوا على إمامكم )).
نعم.. والذي يأتي على كلام المؤيد بالله أنه إذا كان دعاء الاستفتاح مشروعاً بعد التكبير عنده فنسيه وقد تلبس بالقعود، أو ترك التعوذ فذكره وقد استفتح بالقراءة فإنه لا يعود إلى فعلهما؛ لأنهما ذكر مسنون فات محله فلم يأت به كما لو ترك تسبيح الركوع والسجود لم يذكر حتى فات محله ويلزمه سجود السهو لأنه ترك ذكراً مسنوناً يستحب له فعله فلزمه سجود السهو كسائر المسنونات.
المسألة الثانية: في القنوت.
__________
(1) ذكره في (شرح معاني الآثار)1/440 وفي (المعجم الكبير)20/399.

(3/601)


قال القاسم فيمن نسي القنوت في الفجر والوتر: يسجد سجدتي السهو. وهو رأي الفريقين الشافعية، والحنفية.
والحجة على ذلك: قوله : ((لكل سهو سجدتان )). ولم يفصل ولأنه ذكر مسنون ترك في الصلاة فلزم فيه سجود السهو كما لو ترك التشهد الأول.
وقوله: إن أحب ذلك(1).
فيه احتمالان:
أحدهما: أن يكون المراد إن اختار وجوب سجدتي السهو؛ فإن وجوبهما مختلف فيه كما هو محكي عن الناصر، والشافعي: استحبابهما. كما سنوضحه.
وثانيهما: أن يكون المراد أن سجود السهو مستحب فكلامه محتمل لما ذكرناه، فإن ذكره بعد الإنحطاط وقبل السجود عاد إليه كما ذكرناه في التشهد الأوسط إذا ذكره قبل إتمام القعود كما فصلناه، فإن نهض لفعله قبل استتمام القيام لما ذكره ثم عاد إلى القعود سهواً لزمه سجود السهو لأنه تارك له فأشبه ما لو تركه من أول وهلة.
المسألة الثالثة: في حكم المسنون إذا ترك عمداً(2).
ومن ترك السنة من أعمال الصلاة نظرت في حاله فإن تركه على جهة الاستخفاف بحرمة الرسول والتهاون بأمره والإعراض عن شريعته كان كفراً ورِدَّة ورجوعاً عن الإسلام إلى الكفر ووجب قتله لقوله : ((من بدل دينه فاقتلوه ))(3).
لأن المعلوم ضرورة من الدين تعظيم أمره فما خالف ذلك ردة وكفر مع العمد والقصد إلى ذلك، وإن كان تركه المسنون متعمداً لعذر جاز ذلك من مرض أو ضعف لأن ما هذا حاله فله مدخل في إسقاط الفرض فضلاً عن المسنونات، وإن تركه عمداً من غير عذر فهل يكون فاسقاً بالترك أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) يبدو أن الكلام عائد إلى المؤيد بالله.
(2) هذا الكلام سبق في الحديث عن ترك السنن.
(3) هذا الحديث من غير بابه، وإنما أورده المؤلف عن طريق الاستطراد في حق من استهان بالسنن واستخف بها كما هو واضح، وقد أخرجه البخاري3/1098 وابن حبان10/327 والترمذي في السنن4/59 وابن ماجة2/848.

(3/602)


المذهب الأول: أنه يكون فاسقاً بترك السنن متعمداً، وهذا شيء حكاه أصحابنا عن المعتزلة ولم أعرف قائله على التعيين.
والحجة على هذا: هو أن الإجماع منعقد من جهة الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم ومن التابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا على تعظيم حال الرسول واقتفاء آثاره في أقواله وأفعاله والمواضبة على فعل ما أُثر عنه من قول وفعل، ويؤيد هذا قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }[الأحزاب:21]. وقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ}[الأعراف:158]. ولم يفصل بين فرض ونفل، وإذا كان الأمر كما قلناه فمن ترك سنة وأعرض عنها من غير عذر تعذر به متعمداً كان خارقاً لهذا الإجماع وخرق الإجماع يكون فسقاً لاستحقاقه للوعيد كما دلت عليه الآية.
الحجة الثانية: قوله : ((من رغب عن سنتي فليس مني ))(1).
فظاهر هذا الخبر دال على البراءة منه، ويريد بالبراءة الخروج عن الدين وأدنى الخروج هو الفسق.
المذهب الثاني: أن ذلك لا يكون فسقاً، وإنما يجب النكير عليه وأمره بذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله ذكره في (الإفادة)، ومحكي عن قاضي القضاة، فإنه قال: من تهاون بكل النوافل فإنه يلزمنا أن نأمره بها من حيث أنه ظهر منه ما يدل على قلة الرغبة في الثواب. وعن الفضل بن شروين أنه قال: من جعل ترك السنة عادة وجب الإنكار عليه.
والحجة على هذا: هو قوله : ((من رغب عن سنتي فليس مني )). والمراد به أنه ليس من عملي وشأني لا أنه على البراءة منه وظاهر الخبر دال على كونه خطأ وإن لم يكن فسقاً، فهذه أقاويل العلماء في حكم ترك السنن عمداً من غير عذر.
__________
(1) روي في صحيح البخاري5/1649، ومسلم2/1020، وابن خزيمة1/99، وابن حبان1/190.

(3/603)


والمختار في هذا: تفصيل نشير إليه. وتقريره أنا نقول: أما سنن الصلاة المتصلة بالفروض منها، وهذا نحو القراءة في سائر الركعات، ونحو تسبيح الركوع، وتسبيح السجود، والتحميد، والتسميع، وتكبير النقل، والتشهد الأوسط، والقنوت فمتى ترك هذه السنن متعمداً على جهة الإستمرار فالواجب الإنكار عليه وتأديبه على تركها لأنه وإن لم يفسق بتركها لأنها غير واجبة ولكنه مخالف للمشروع في الصلاة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي )). ولأن هذا يؤدي إلى تغيير مشروع الصلاة التي شرعت عليه وفي هذا تهاون بالصلاة وإبطال لهيئتها التي قررها صاحب الشريعة واستحسنها ورضيها.
وأما السنن المنفصلة في الصلاة وهذا نحو رواتب الصلاة نحو سنة الظهر وسنة المغرب والفجر والوتر فهذه وإن كانت سنناً منفصلة فهي مخالفة للسنن المتصلة وهي دونها لأن تركها لا يخل بالصلاة المفروضة ولا يغير هيئتها لكن تاركها يؤمر بفعلها وينهى عن تركها إذا كان تركها من جهته عمداً من غير عذر لأن تركها على هذه الصفة يدل على ركة في الدين وتهاون في الهمة ونزول قدر في الرغبة عن سنن الرسول وعن إمتثال أمره والإعراض عن المحاسن التي رضيها لأمته واختارها لهم في مضاعفة الثواب وتكثير الأجر.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الإجماع منعقد من جهة الصدر الأول والتابعين على اقتفاء أثر الرسول واتباع سنته فمن ترك سنته كان مخالفاً لهذا الإجماع وهو موجب للفسق كما حكيناه عن المعتزلة.
قلنا: عن هذا جوابان:

(3/604)


أما أولاً: فلأن الذي يقطع به هو خطأه لإعراضه عما جاء به الرسول من هذه السنن الحسنة والوظائف المحببة التي ترتاح لها القلوب، وتشرئب إليها النفوس، وتصفوا لفعلها الخواطر، فأما الفسق فإنما يكون بالأدلة القاطعة والمسالك العلمية ولسنا نجد مسلكاً قاطعاً من نص كتاب ولا من جهة سنة متواترة مقطوع بظاهرهما ولا إجماع قاطع على فسق من هذا حاله، والفسق لا يكون إلا بمسلك قاطع فلما لم يوجد شيء من ذلك لا جرم لم نقطع بالفسق لعدم الدلالة عليه، والإقدام على الفسق من غير دلالة يكون خطأ لا محالة لأن الإسلام مسترسل على كل من كان في دار الإسلام فإخراجه عن الإسلام إنما يكون بأمر موقوف به من الأدلة الشرعية القاطعة كما مهدناه، فأما ما حكيناه عن الإمام المؤيد بالله، وقاضي القضاة من وجوب النكير على تارك السنن فهو جيد لا غبار عليه لأن النكير شيء والفسق شيء آخر، والنكير يتوجه عليه لكونه آتياً لقبيح لم تدل دلالة على كونه فسقاً، وهذا أصل عظيم في الإكفار والتفسيق يجب مراعاته وهو أنه إذا لم تدل عليهما دلالة قاطعة وجب التوقف في حالهما حتى يتضح الأمر فيهما وقد ذكرنا في كتاب التحقيق أسراراً بديعة في الإكفار والتفسيق فمن أرادها فعليه بمطالعته فإنه يجد فيه بحمد الله تعالى ما يشفي غليل الصدور، ويكشف اللبس، ويعين على درك المقصود.
المرتبة الثالثة: في بيان النقصان في الهيئات من السنن
اعلم أنا نعني بالهيئة مما يكون مسنوناً ما يكون تابعاً لغيره ولا يكون على جهة الاستقلال، وذلك لأن السنن الواردة في الصلاة نوعان:
فالنوع الأول: حاصل على جهة الاستقلال، وهذا نحو التشهد الأوسط، والقنوت، والاستفتاح للصلاة وغير ذلك من السنن المستقلة بنفسها.

(3/605)


والنوع الثاني: ما يكون تابعاً لغيره ويكون هيئة، وهذا نحو الجهر، والمخافتة في الأذكار على رأي من يجعلهما هيئة، وهو المحكي عن المؤيد بالله لأنهما تابعان لنفس الذكر، ومن الهيئة في الأفعال نحو وضع اليدين على الخدين أو المنكبين، ونحو تفريق الأصابع على الركبتين عند الركوع، ونحو ضم الأصابع عند السجود، ونحو بسط الكف على الفخذ عند التشهد، ومثل قبض الكف وإرسال المسبحة والإبهام، فهذه الأمور وما شابهها كلها هيئات للأفعال والذكار في الصلاة تابعة لغيرها، وهل يجب فيها سجود السهو أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن الهيئات الواقعة في أفعال الصلاة لا سهو فيها، وهذا هو رأي الإمامين الهادي، والمؤيد بالله.
ووجه ذلك: أنها أمور تابعة لغيرها وأمور إضافية مسنده إلى غيرها فلا سجود فيها، وقد خفف الشرع حكمها بكونه لم يجعل فيها سجوداً للسهو، وهذا نحو وضع اليدين حذاء الخدين أو المنكبين، فأما الجهر والإسرار في القراءة فاختلف رأيهما فيهما، فالذي رآه الهادي: أن صفة القراءة كالقراءة وأنهما فرضان كفرض القراءة، وهو محكي عن ابن أبي ليلى، والذي رآه المؤيد بالله: أنهما هيئتان للقراءة لا يجب فيهما سجود سهو كسائر الهيئات، وانقسمت الهيئة على رأي المؤيد بالله إلى: هيئة قول كالجهر والإسرار، وإلى هيئة فعل. وأما على رأي الهادي: فلا هيئة إلا في الأفعال التي لا يجب فيها سجود السهو.
المذهب الثاني: محكي عن الشافعي، وعنه قولان:
فالقول الأول: وهو القديم، أن سجود السهو يكون لترك كل مسنون في الصلاة سواء كان قولاً أو عملاً من أعمال البدن قال: وهكذا إذا جهر فيما يسر به أو أسر فيما يجهر به.
القول الثاني: وهو الجديد لا سجود للسهو إلا في عمل البدن لا غير فاستحبه في الأفعال دون الأذكار إلا في القنوت والتشهد فإنه مشروع فيهما سجود السهو.

(3/606)


المذهب الثالث: محكي عن أبي حنيفة، وهو أنه إذا ترك تكبيرات العيد سجد للسهو ولا يسجد لترك سائر التكبيرات، وإن ترك الجهر والإسرار سجد إذا كان إماماً فهذه مذاهب الناس فيما يعد من الهيئات وما لا يعد.
والمختار: ما رآه المؤيد بالله لأن الجهر والإسرار وصفان إضافيان للقراءة كما أن الأوصاف الإضافية في الأفعال هيئة لها فكما لا يجب السهو في هيئات الأفعال فهكذا لا يجب السهو في هيئات الأذكار من الجهر والإسرار لأن المصلي قارٍئ لا محالة سواء جهر بالقراءة أو أسر، ويحكى عن أنس بن مالك، أنه جهر في صلاة العصر فلم يعد الصلاة ولا سجد للسهو ولأن هذه هيئات فلم تقتض الجبران كالرمل والاضطباع(1) في أعمال الحج.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
فأما القول الأول القديم للشافعي فهو موافق لنا إلا في قوله: إن الجهر والإسرار فإنه يجب فيهما سجود السهو على رأيه في القديم وهو مخالف لمذهب يحيى، والمؤيد بالله كما قررناه من قبل.
وأما قوله الجديد في أنه لا يجب سجود السهو إلا في القنوت والتشهد فقد قررناه فيما سلف فأغنى عن الإعادة، وحكي عن أبي حنيفة أنه لم يوجب سجود السهو إلا في تكبيرات العيد دون غيرها من التكبيرات فلا وجه له لأنها من جملة المسنونات فوجب فيها سجود السهو كسائر السنن المتروكة سهواً.
__________
(1) اضطباع المحرم أن يدخل الرداء من تحت إبطه الأيمن، ويرد طرفه على يساره، ويبدي منكبه الأيمن، ويغطِّي الأيسر؛ سمي به لإبداء أحد الضَّبْعَيْن (القاموس المحيط ص 956،957).

(3/607)


وقوله: إنه لا يجب سجود السهو في الجهر والإسرار إلا إذا كان إماماً فقد دللنا على أنهما من جملة رأي السيد أبي طالب وهو الأصح من قولي الشافعي أنه يجب لأنه إذا وجب مع السهو فمع العمد أولى وأحق، وعلى رأي المؤيد بالله، وأحد قولي الشافعي، ومحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يجب عليه سجود السهو لأن السجود معلق بإسم السهو،والعمد ليس فيه سهو فلهذا لم يكن واجباً. وقد تم غرضنا من بيان النقصان بما ترك من الصلاة في المفروض والمسنون والهيئات.
www.awahab.com

(3/608)


---
الفصل الثاني في بيان حكم المزيد في الصلاة
اعلم أن الزيادة في أعمال الصلاة ليس يخلو حاله، إما أن يكون من جنس المفروض أو يكون من جنس المسنون، أو تكون الزيادة لا من جنس المفروض، ولا من جنس المسنون، فهذه مراتب ثلاث نذكر ما يتعلق بكل واحدة منها:
المرتبة الأولى: في بيان حكم الزيادة من جنس المفروض ونورد فيه مسائله المختصة به.
المسألة الأولى: قال المؤيد بالله: إذا تيقن المصلي أنه زاد في صلاته ركعة بطلت صلاته.
اعلم أن زيادة الركعة تقع على أوجه ثلاثة:
الوجه الأول: أن تكون واقعة على جهة السهو والنسيان فمتى وقعت على هذه الصفة فالصلاة صحيحة لقوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)). ولا يقع خلاف بين الهادي، والمؤيد بالله في صحة الصلاة، ولأنه معذور في النسيان فلا يطرق ذلك خللاً في صلاته، ولأن الرسول زاد ركعة فلم تبطل صلاته بزيادتها، ويجب على المصلي سجود السهو لأجل الزيادة.
الوجه الثاني: أن تكون هذه الركعة واقعة على جهة العمد، وما هذا حاله فهو مبطل للصلاة بإجماع العترة والفقهاء لأنه غير معذور في الزيادة المخالفة للمشروع في الصلاة فلهذا كانت مبطلة للصلاة.
الوجه الثالث: أن تكون حاصلة في أول الأمر على جهة التظنن ثم تحقق بعد ذلك زيادتها فقد أجتمع فيها عدم العلم في أول الأمر وهو التظنن، وحصل فيها العلم والتحقق بعد فعلها فأيهما يكون الأغلب؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الأغلب على حالها التظنن فلا تكون مبطلة للصلاة، وهذا هو رأي المؤيد بالله.
والحجة على هذا: هو أنها تقررت من أول فعلها على التظنن، وعلى عدم العلم بزيادتها فهلذا كانت لاحقة بالمسهو عنها بجامع كونها غير متحققة من أول الأمر.
المذهب الثاني: أنها لاحقة بالمعمودة، وهو رأي أبي العباس، وأبي طالب.
والحجة على هذا: هو أنها لما تحققت في آخر الأمر أنها زائدة كانت لاحقة بالعمد، فلهذا كانت مبطلة للصلاة.
والمختار: ما ذكره المؤيد بالله لأمرين:

(3/609)


أما أولاً: فلأن الله تعالى نهى عن إبطال العمل بقوله: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33]. وإذا قلنا: بفساد الصلاة فقد أبطلناها.
وأما ثانياً:فلأنها تقررت الصلاة من أول وهلة على الصحة بالتظنن، وحصول العلم بعد هذا لا يبطل ما قد تقرر من صحتها فلهذا كان الحكم بصحتها هو الأولى.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن المصلي قد تحقق في آخر الأمر أنها زائدة فأشبه ما لو تحقق زيادتها من أول الأمر فلهذا كانت مبطلة للصلاة.
قلنا: قد تعارض هاهنا أمران:
أحدهما: التظنن من أول الأمر.
الثاني: التحقق في آخر الأمر لكن التظنن أغلب لأنه هو السابق، وقد تقرر أن الصلاة صحيحة فلا يبطلها ما عرض من العلم بالزيادة لأن العلم طارئ بعد التظنن الموجب للإقدام على الزيادة للركعة.
المسألة الثانية: وإن قام المصلي من الركعة الرابعة إلى الركعة الخامسة ساهياً ثم تذكر في حال القيام أو في حال القراءة [أو] في الركوع فإنه يلزمه العَوْد إلى الجلوس ويُتِمَّ الصلاة ويلزمه سجود السهو.
قال المؤيد بالله: ومن صلى الظهر أربعاً فقام بعد الرابعة غلطاً فلما ركع ذكر أنها الخامسة فرجع إلى الجلوس وتشهد وسلم صحت صلاته وعليه سجدتا السهو. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة، والشافعي، ولا خلاف فيه.
والحجة على هذا: ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن الرسول صلى الظهر خمساً ولم يعد وسجد سجدتي السهو، وإن قيد هذه الركعة بسجدة أو تشهد للركعة الخامسة، فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن صلاته صحيحة، وإن قيدها بسجدة وسواء تشهد في الركعة الرابعة أو لم يتشهد، وهذا هو الذي حصله السيدان المؤيد بالله وأبو طالب للمذهب، وهو محكي عن الشافعي.

(3/610)


والحجة على هذا: ما روي عن ابن مسعود رضي اله عنه أن الرسول صلى الظهر خمساً فلما انصرف توسوس الناس فقال: ((مالكم))؟. قالوا: صليت خمساً. فسجد سجدتين. وقال: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون " ))(1).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه أتم صلاته ولم يفسدها ولم يفصل الخبر بين أن يكون قد قيد الركعة بسجدة أو لم يقيدها.
المذهب الثاني: محكي عن أبي العباس وهو أنه إذا قيد الركعة الخامسة بسجدة فسدت صلاته.
والحجة على هذا: هو أنه إذا لم يقيد الخامسة بسجدة فإنها في حكم القليل بخلاف ما إذا أتى بالسجود فقد أتى في صلاته بالعمل الكثير والعمل القليل مغتفر في الصلاة بخلاف العمل الكثير فإنه غير مغتفر فلهذا قضينا بالفساد.
المذهب الثالث: محكي عن أبي حنيفة وهو: أنه إذا كان قد تشهد في الركعة الرابعة فإنه يضيف إلى الركعة الخامسة ركعة أخرى وتكون الركعتان له نافلة، وإن لم يكن قد قعد للتشهد في الرابعة فإنه ينظر فإن كان قد قيدها بسجدة بطلت الصلاة، وإن لم يكن قد قيدها بسجدة فإنه يعود ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو.
__________
(1) رواه الجماعة إلاَّ الترمذي بلفظ: صلى رسول الله فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: ((وما ذاك))؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجله و استقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: ((إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليبن عليه ثم ليسجد سجدتين)) وفي رواية لمسلم: صلى بنا رسول الله خمساً.....، وبزيادة: ((...أذكر كما تذكرون...)) و((....فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب...)).

(3/611)


والحجة على هذا: هو أنه إذا تشهد في الرابعة قد تمت صلاته بالقعود لقوله : ((إذا قعدت فقد تمت صلاتك " )). فإذا قام إلى الخامسة فقد صارت له نافلة؛ لأنها حصلت بعد تمام الصلاة، ولقوله : ((إذا شك أحدكم في صلاته " فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً فليضف إليها ركعة أخرى فإن كانت قد تمت صلاته فالسجدتان والركعة نافلة)). فسمى الخامسة نافلة ولو كانت ملغاة لم تكن نافلة وإذا صح كونها نافلة فلن تكون نافلة على انفرادها لأن الركعة الواجبة لا تكون صلاة مشروعة فلهذا قلنا: بأنه يضيف إليها ركعة لتكون صلاة، وإن لم يكن قد تشهد في الرابعة فإنه ينظر فإن قيد الخامسة بسجود بطلت صلاته لأنها تكون أعمالاً كثيرة والأعمال الكثيرة مبطلة للصلاة، وإن لم يقيدها بسجدة صحت الصلاة لأنها عمل قليل والعمل القليل غير مبطل للصلاة فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها.
والمختار: ما قاله السيدان من صحة الصلاة سواء قيدت الركعة بسجدة أو لم تقيد.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ما روى زيد بن علي عن الرسول أنه صلى بهم الظهر خمساً فقام ذو الشمالين فقال: يا رسول الله هل زيد في الصلاة أم نسيت؟ فقال: ((وما ذاك))؟. قال: صليت بنا خمساً فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس وسجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع وقال: ((هما المرغمتان)).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه لما قام إلى الخامسة لم يعتد بالعارض بين الركعة والتشهد ولأنه عمل زائد في الصلاة من جنسها سهواً فوجب أن تكون لغواً غير مفسد للصلاة كما لو لم يعقد الركعة بسجدة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إذا قيدها بسجدة فهي أعمال كثيرة والأعمال الكثيرة مبطلة للصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الإعتبار في إفساد الصلاة بالأعمال الكثيرة إنما يكون في الأفعال الخارجة في الصلاة التي لا تعد من مفروض الصلاة ومسنونها، فأما ما يكون من جنس أعمال الصلاة فلا يقال فيه كثرة ولا قلة.

(3/612)


وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على صحة الصلاة، وما ذكرتموه من القياس فلا يكون معارضاً للإخبار لأن الأقيسة تكون باطلة بمعارضة الأخبار فإذن لا وجه لما قاله أبو العباس.
قالوا: إذا أتم التشهد في الركعة الرابعة فإنه يضيف إلى الخامسة ركعة وتكون نافلة كما حكي عن أبي حنيفة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن إثبات الركعة نافلة تحكم لا مستند له وتقرير عبادة من غير برهان ولا دلالة.
وأما ثانياً: فلأن هذه النافلة لم يؤمر بها وقد قال : ((كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد " )). فإذن لا وجه لإثباتها عبادة من غير دلالة شرعية.
قالوا: وإن كان لم يتشهد في الركعة الرابعة وقيدها بسجدة بطلت صلاته لأن هذه أفعال كثيرة تبطل معها الصلاة.
قلنا: قد قررنا فيما سبق أن هذه الأفعال لا يكون فيها إبطال الصلاة وكيف لا والرسول قام إلى الخامسة وأكملها ورجع إلى التشهد ولم يعد الصلاة، وما زاد على سجدتين للسهو سجدهما، وفي هذا أكمل دلالة على بطلان ما قالوه من فساد الصلاة مع السجدة.
المسألة الثالثة: وإذا صلى المغرب فزاد فيها ركعة ساهياً؟ ففيما يتوجه عليه مذهبان:
المذهب الأول: أنه تجزيه سجدتا السهو، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه صلى الظهر خمساً فلما قيل له إنك زدت في الصلاة سجد لسهوه ولم يضف إليها أخرى ليكون شفعاً.
المذهب الثاني: أنه يضيف إليها ركعة أخرى ويسجد لسهوه، وهذا هو المحكي عن قتادة، والأوزاعي.
والحجة على هذا: هو أنه إذا لم يضف إليها ركعة أخرى صارت شفعاً وهي وتر.
والمختار: ما عليه علماء العترة، وفقهاء الأمة.

(3/613)


وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((لكل سهو سجدتان " تجبان لكل زيادة ونقصان))(1).
فهذا نص صريح فيما ذهبنا إليه من أن هذه الزيادة مجبورة بالسهو من غير حاجة إلى زيادة ركعة.
ومن وجه آخر: وهو أن هذه الزيادة في الركعة لم يؤمر بها فلا وجه لزيادتها.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه.
قالوا: لو لم يزد الركعة لأدَّى إلى كونها شفعاً وهو خلاف موضعها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنه لما صلى الظهر خمساً لم يزد على سجدتي السهو من غير زيادة، ولو زاد ركعة لكانت شفعاً مثل موضوعها.
وأما ثانياً: فلأن هذه الركعة لا دلالة عليها ولا ورد أمر بفعلها فلهذا قضينا ببطلانها.
المسألة الرابعة: في التسليم.
وإذا سلم المصلي تسليمة واحدة في غير محلها سهواً بنى على صلاته ولم تكن مفسدة لها لا خلاف فيه، ولما روي عن الرسول أنه قال: تحليلها. والغرض بالتحليل ما كان على الصفة المشروعة في التسليم وهو تسليمتان، فأما الواحدة فلا تحليل فيها لمخالفتها المشروع ولأنها زيادة غيرة مفسدة فوجب أن يتعلق بها سجود السهو كما لو زاد سجدة على جهة السهو، وإن سلم تسليمتين سهواً فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه إذا سلم تسليمتين في غير موضعهما ساهياً بنى على صلاته ولم تبطل، وهذا هو رأي الناصر، ومحكي عن مالك، والشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه صلى الظهر خمساً ولم يزد على أنه سجد لسهوه فهكذا في زيادة التسليم في غير موضعه لاشتراكهما جميعاً في كونهما فرضين من فروض الصلاة.
المذهب الثاني:أنها مبطلان للصلاة، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب وحصله للمذهب.
__________
(1) أورده في (جواهر الأخبار)1/332 بلفظ: عن ثوبان أن رسول الله قال: ((لكل سهو سجدتان بعد السلام)) أخرجه أبو داود والنسائي.

(3/614)


والحجة على هذا: قوله : ((تحليلها التسليم " )). والتحليل هو الخروج من الصلاة فإذا فعل ما هو تحليل لها فهو خروج عنها لأن الرسول لم يفصل بين أن يكون التحليل على جهة السهو أن وعلى جهة العمد.
ومن وجه آخر: وهو أن هذا مما يقع به الخروج من الصلاة فيجب أن لا يختلف الحال في كونه مفسداً بين العمد والسهو كالأكل والشرب.
المذهب الثالث: أنه إن قصد بالتسليم الخروج من الصلاة كان مبطلاً لها وإن لم يقصد لم يكن مبطلاًلها، وهذا هو رأي زيد بن علي، والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله : ((تحليلها التسليم " )). والمعلوم أن التحليل لا يكون تحليلاً إلا بنية الخروج من الصلاة فلهذا وجب اعتبار هذه النية في كون التسليمتين أصلاً في فساد الصلاة.
والمختار: ما ذهب إليه الناصر ومن تابعه على ذلك.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ما قدمنا من أن كلام الساهي لا يبطل الصلاة،فإذا كان كلام الساهي لا يبطل الصلاة فهكذا تسليم الساهي لايكون مبطلاً لها لقوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)).
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((تحليلها التسليم " )). وإذا كان التسليم تحليلاً لم يكن له البناء بعد ذلك لما كان مفسداً للصلاة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد بكون التسليم تحليلاً للصلاة إذا كان واقعاً في محله ولهذا فإنه لو سلم تسليمة واحدة لم يكن مبطلاً للصلاة لما لم يكن واقعاً على صفته المشروعة.
وأما ثانياً: فلأنه قال: ((تحريمها التكبير " )). والإجماع منقعد على أنه لا يكون محرماً إلا إذا كان واقعاً على صفته المشروعة، ولهذا فإنه لو كبر في موضع السجود والركوع لم يكن تحريماً لما لم يكن واقعاً على الوجه الذي شرع من أجله.
قالوا: إن صاحبته نية الخروج من الصلاة كان مبطلاً، وإن لم تصاحبه لم يكن مبطلاً كما هو محكي عن زيد بن علي، والمؤيد بالله، والحنفية.

(3/615)


قلنا: قد أوضحنا فيما سبق أن نية الخروج من الصلاة لا تكون شرطاً في التسليمتين إذا وقعا في محلهما فهكذا تكون النية في الخروج لا تكون شرطاً في الفساد للصلاة إذا وقعا في غير محلهما وذكرنا في باب ما يفسد الصلاة حكم الأفعال بالإضافة إلى النية فيما يفسد بانضمامها وما لا يفسد فلا وجه لتكريره.
المسألة الخامسة: ومن زاد في التكبيرات عند إفتتاح الصلاة وكررها مراراً لم يلزمه سجود السهو وسوءا كان التكرير عمداً أو سهواً لأنها إن كانت من الصلاة كما هو رأي الهادي، والشافعي.
والمختار عندنا: فلا سجود لأن السهو والنقصان إنما يكونان بعد انعقاد الصلاة والدخول فيها وليس داخلاً في الصلاة إلا بعد انعقاد التكبير وتمامه، وإن كانت ليست من الصلاة كما هو رأي المؤيد بالله فأبعد لأن ما لا يكون من الصلاة فلا وجه لجبران السهو فيه، والنقصان كما لو سهى في الأذان والإقامة، وإن كرر التشهد لزمه سجود السهو سواء كان التكرير عمداً أو سهواً لأنه قد خالف المشروع فيه وهكذا لو كرر التشهد مراراً فإنه يلزمه سجود السهو بالعمد والسهو لأجل النقصان بمخالفته المشروع فيه ولا يكون مبطلاً للصلاة ولو كانت فروضاً لأنها مجبورة بالسجود.
المرتبة الثانية: في حكم الزيادة من جنس المسنون. وفيه مسائل:
المسألة الأولى: ومن زاد في صلاته من جنس مسنونها فإما أن يكون مقصوداً مبتدأ أو مبتدأ غير مقصود، ونعني بالمقصود ما كان معموداً إليه غير مسهو عنه، ونعني بالمبتدأ ما كان في غير محله مع العلم بكونه في غير محله.
قال السيد أبي طالب: وذلك يكون على أوجه ثلاثة:
أولها:أن يفعل زيادة من جنس المسنون مقصودة مبتدأة وهذا نحو أن يفعل في صلاته تكبيرات متعمدة في حال القراءة أو في حال تسبيح الركوع والسجود أو في حال التشهد.

(3/616)


وثانيها: أن يفعل زيادة من جنس المسنون مقصودة غير مبتدأة كان يزيد في صلاته تكبيرات عند الركوع والسجود ظناً منه أنه لم يفعلها ثم تيقن أنه فعلها، لا يقال: إن هذه مقصودة مبتدأة لأنها في غير محلها لأن الركوع ليس بمحل للتكبير. لأنا نقول: بل هو محل له لمن لم يكن قد كبر حال الإهواء إليه وهذا ظن أنه لم يكبر فجاء بالتكبير حال الركوع لظنه أنه تركه حال الإهواء.
وثالثها: أن يفعل هذه الزيادة غير مقصودة ولا مبتدأة نحو أن يريد أن يسبح فيكبر أو يريد أن يكبر فيسبح قال: وهذه الوجوه كلها لا تكون مفسدة للصلاة ويتعلق بها سجود السهو إلا في الوجه الأول فإنه إذا انتهى إلى أن يكون ذلك فعلاً كثيراً أفسدها، وإن لم ينته إلى ذلك تعلق به سجود السهو، والأصل في ذلك قوله : ((لكل سهو سجدتان " بعدما يسلم)). وهو في الوجه الثاني والثالث قد سها في صلاته فوجب أن يتعلق به سجود السهو، وإذا ثبت فيهما قِسنا عليهما الوجه الأول فإنه زاد في صلاته من جنس المسنون ما لا يفسدها فوجب أن يتعلق به سجود السهو كما لو زادها سهواً، هذه ألفاظه وهو كلام جيد لا غبار عليه خلا أن فيه نظراً من وجهين:
أحدهما: أنه أسقط منها رابعاً مما تحتمله القسمة وهو ما كان مبتدأ غير مقصود فلم يذكره من جملة الأقسام، ومثاله: أن يقرأ في موضع التسبيح أو يسبح في موضع القراءة على جهة السهو دون العمد.
وجوابه: أن هذا القسم غير مقصود لما قدمنا أن للمبتدأ شرطين أن يكون مقصوداً، وأن يكون في غير محله، فإذا كان كذلك لم يتصور مبتدأ غير مقصود لأنه لا يكون متبدأ إلا وهو مقصود.
وثانيهما: أنه أوجب السهو في هذه الأمور وقاس الوجه الأول على الثاني والثالث، ولا معنى للقياس على رأيه ومذهبه لأنها كلها مسنونة في كونها إما مقصودة، وإما غير مقصودة، وإما مبتدأة، وإما غير مبتدأة، والسهو واجب لا لأجل كونه سهواً كما قررناه من قبل واخترناه فإذن لا وجه لقياس أحدهما على الآخر.

(3/617)


المسألة الثانية: قال المؤيد بالله: وإن أتم التشهد الأول سهواً فالأقرب عندي أن عليه سجود السهو.
واعلم أن إتمام التشهد الأول خلاف المشروع في الصلاة والسنة فيه الوقوف على الشهادتين لا غير فإذا خالف المشروع فيه بالإتمام نظرت فإن كان على جهة السهو وجب عليه سجود السهو لأجل المخالفة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني اصلي)). والسنة فيه ترك الإئتمام له وإن زاد فيه بإتمامه على جهة العمد فهل يجب عليه سجود السهو أم لا؟ فيه تردد بين السيدين الأخوين.
فالذي اختاره المؤيد بالله:أنه لا يلزمه سجود السهو إذ ليس سهواً لأن الجبران معلق بإسم السهو.
وعلى ما ذكره السيد أبو طالب: أنه يلزمه سجود السهو لأن الجبران معلق بمعنى السهو وهو النقصان، وهذا نقصان بمخالفته المشروع فلهذا وجب فيه سجود السهو.
قال القاسم: من قرض أظفاره أو لحيته ناسياً أو ذاكراً في صلاته أنه يسجد سجدتي السهو ولا تفسد صلاته. وهذا جيد وإنما لم يكن مفسداً للصلاة لأنه عمل قليل والأعمال القليلة قد اغتفرها الشرع في الصلاة، وإذا لم يكن مفسداً للصلاة فسواء كان مفعولاً على جهة السهو أو العمد فليس فيه إلا سجود السهو لأجل الجبران لما عرض في الصلاة من الأعمال المباحة التي تخالف موضوعها.
وقال أيضاً: من قرأ في صلاته ولم يعلم السورة التي قرأها فلا سهو عليه. ومراده بما ذكره السورة غير فاتحة الكتاب فإنها متعينة في الصلاة كما مر بيانه، وإنما أراد غيرها من سائر سور القرآن، فإن القرآن كله كالسورة الواحدة فإذا كان عالماً أنه قد قرأ سورة مع الفاتحة ولم يعلمها بعينها أجزآه ذلك ولا سهو عليه إذ لا نقص يلحقه في صلاته.

(3/618)


المسألة الثالثة: قال محمد بن يحيى: من قرأ في تشهده لم يضره وعليه سجدتا السهو. وأراد بما ذكره التشهد الأوسط فإذا قرأ فيه فنهاية الأمر أنه كأنه لم يأت به وليس في تركه إلا سجود السهو فهكذا إذا خالف المشروع فيه بالقراءة ليس فيه إلا سجود السهو لأجل الجبران. وأما التشهد الأخير فإن قرأ فيه فإن أتى به بعد القراءة ففيه سجود السهو لأجل الزيادة، وإن لم يأت به حتى سلم بطلت صلاته لأنه ركن من أركان الصلاة فإذا لم يأت به بطلت صلاته كما لو ترك ركوعاً أو سجوداً، وإن سبق الإمام المأموم ببعض الركعات قام المأموم فأتم ما نقص عليه ولم يلزمه سجود السهو لأنه لم يكن من جهته تقصير في سهو ولا عمد فلهذا لم يلزمه السجود والتقصير، وإن حصل منه بتأخره حتى فاته الإمام بأول الصلاة فالتقصير إنما كان من أجل إدراك فضل الجماعة لا من جهة نقص في الصلاة نفسها. وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: أدركوا حَدَّ الصلاة. أراد تكبيرة الافتتاح مع الإمام، وإن سبقه الإمام بركعة فلما كان في آخر التشهد قام المأموم لقضاء ما فاته نظرت فإن قام عمداً بطلت صلاته لمخالفته الإمام في قيامه، وإن قام سهواً لم تبطل صلاته وعليه سجدتا السهو، فإن قعد المأموم قبل تسليم الإمام لم يعتد بتلك الركعة التي أتى بها لأنه جاء بها في غير موضعها فيقوم فيأتي بها بعد تسليم الإمام وإن سلم الإمام في حال قيامه فهل يجب أن يعود إلى القيام(1)
أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يجب عليه القعود، ولا يجوز له العود إليه لأن الواجب عليه القيام وقد صار قائماً فلا معنى لعوده إلى القعود بعد تسليم الإمام.
المسألة الرابعة: قال القاسم%: إن سهى فسلم على شماله قبل يمينه فلا سهو عليه.
__________
(1) في الهامش: إلى القعود ا هـ. وهو أولى باعتباره قائماً، فكتب يعود إلى القيام، وكما هو واضح من السياق، والله أعلم.

(3/619)


اعلم أن المشروع في التسليم هو البداية باليمين قبل الشمال لقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فإن خالف الترتيب فسلم على شماله قبل يمينه فهل تبطل صلاته بمخالفة الترتيب أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الترتيب بينهما واجب وهذا هو الذي حصله المؤيد بالله لمذهب الهادي، فإذا خالف بطلت صلاته لتركه فرضاً من فروض الصلاة وواجباتها.
قال القاضي زيد: ولا يبعد إذا قلنا بوجوب الترتيب بينهما وسلم على شماله قبل يمينه ثم يسلم على يساره أن تصح صلاته لأنه قد ذكر أن تسليمة واحدة لا تبطل الصلاة فإذا سلم على شماله بعد ذلك فقد وفَّى بالترتيب فلهذا لم تبطل صلاته وعليه سجود السهو لما وقع من التكرار بالتسليم.
المذهب الثاني: أن الترتيب بينهما غير واجب، وهذا هو رأي القاسم، والحقيني، فإذا أخل به لم تبطل صلاته ولا يلزمه سجود السهو وإنما لم تبطل صلاته لأنه أتى بالتسليم المفروض فلم تبطل صلاته وإنما يلزمه سجود السهو لأنه تغيير هيئة، والهيئات أمور إضافية لا يحصل بها نقص في الصلاة وأفعال تابعة.
والمختار: ما أشار إليه القاسم لأنه قد أتى بالفرض من التسليم عن اليمين والشمال وهذا هو المشروع ولم يتأخر عنه إلا هيئة الترتيب بينهما وهو أمر إضافي تابع للتسليم فنزل منزلة الجهر والإسرار في الصلاة ومنزلة وضع اليد حذاء المنكب والخد فإن هذه الأمور لا يحصل بها نقص في الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: التسليم فرض من فروض الصلاة كما قررناه من قبل على هيئته المشروعة، فإذا أخل به بطلت صلاته.
قلنا: إن المصلي قد أتى به لا محالة ولم يتأخر إلا صفته وهو الترتيب والترتيب أمر إضافي لا يخل بأصل الفرض المؤدى كما لا يخل التجافي بمطلق السجود إذا تأخر عنه لأن المقصود شيء والأمر الإضافي شيء آخر، فإذا أخل بالأمر الإضافي لم يلزم منه الإخلال بالمقصود.

(3/620)


المسألة الخامسة: قال أحمد بن يحيى في (المفرد)(1):
لو أن رجلاً صلى ركعتين فلما كان في الثالثة نسي القراءة وسبح ثم ذكر قبل أن يركع فإنه يقرأ، وإن كان بعد الركوع لم يقرأ وهذا يريد به في صلاة الوتر لأن التسبيح في الركعتين الأخيرتين من الرباعية والثالثة من المغرب هو الأفضل على رأي الهادي وأولاده فلهذا قلنا إنه أراد الوتر لأنه لا ثلاثية من النوافل إلا الوتر، وما ذكره فيه مبني على أصلين:
الأصل الأول: أن هذا على أن مذهبه أن الأفضل في الثالثة من الوتر هو القراءة كما دل عليه كلام القاسم بخلاف الفرائض فإذا ركع من غير قراءة فقد فاته موضع القراءة فلهذا جبره بسجود السهو لأنه زاد في صلاته ذكراً لا يبطلها فلهذا تعلق به سجود السهو.
الأصل الثاني: أن النوافل كالفرائض في تعلق سجود السهو إذا زاد فيها أو نقص كما سنقرره على أثر هذا بمعونة الله، وإذا سهى في صلاة النفل فهل يسجد للسهو أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يسجد في الزيادة والنقصان في النوافل المنفصلة كالوتر وركعتى الظهر والمغرب والفجر، وهذا هو رأي أئمة العترة.
قال: لا يختصان الفرض دون النفل. وهو قول الشافعي في الجديد، ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله : ((لكل سهو سجدتان " )). ولم يفصل بين الفرض والنفل، وقوله : ((من شك في صلاته " فليسجد سجدتين بعدما يسلم)).
المذهب الثاني: أنه لا يسجد في صلاة النفل وهو قول الشافعي القديم، ومحكي عن ابن سيرين.
__________
(1) لعل المقصود هو الإمام الناصر لدين الله أحمد بن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، المتوفى سنة 325هـ، فإن له كتاباً يحمل هذا الاسم.

(3/621)


والحجة على هذا: هو أن الفروض الشرعية الغرض بتأديتها الخروج عن عهدة الأمر والإلزام وليس يمكن ذلك إلا بتأديتها على أكمل الوجوه وأتمها ليخرج المكلف بها عن عهدة اللزوم، فإذا عرض في بعضها عارض من زيادة أو نقصان وجب جبرانها بسجود السهو بخلاف النوافل فإن المقصود منها هو القربة إلى الله تعالى وإحراز الثواب، والأجر حاصل سواء كانت ناقصة أو كاملة فلهذا لم يتوجه فيها سجود السهو للجبران.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة، وهو رأي الأكثر من فقهاء الأمة.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أنها عبادة يدخل الجبران في فرضها فدخل في نفلها كالحج.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الفروض الغرض بها الخروج عن عهدة الأمر فلا بد من إكمالها وتمامها بسجود السهو بخلاف النوافل.
قلنا: قد حصل الأمر بالواجبات وحملناه على الوجوب وورد الأمر بالنوافل وحملناه على الندب والغرض الخروج عن عهدة الأمرين جميعاً، تارة بالوجوب، وتارة الددب، فإذا عرض النقص في النوافل توجه إكمالها بسجود السهو كالفرائض.
المسألة السادسة: وإن كرر قراءة الفاتحة مرتين وهكذا السورة والتشهد إذا كررهما لزمه سجود السهو لمخالفته للمشروع كما لو زاد أو نقص من المسنونات، وإن قرأ السورة قبل الفاتحة فهل يلزمه سجود السهو أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن السجود لازم له لأنه خالف المشروع في ترتيب الفاتحة على السورة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وهذا هو رأي أبي حنيفة.
وثانيهما: أنه لا سجود في تغيير الترتيب لأنه تغيير هيئة فلا يتوجه فيه سجود السهو كالسجود على الجبهة والأنف فإنه لا ترتيب فيهما وهذا هو المختار. لأن المقصود هو حصول القراءة في السورتين والترتيب بينهما أمر إضافي لا عبرة به.

(3/622)


وحكي عن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله: أنه إذا قرأ الفاتحة في الركعتين الأوليين مرتين فعليه سجود السهو فإن قرأها في الآخريين مرتين فلا سهو عليه والفرق بينهما أن القراءة بالفاتحة في الأخيرتين بمنزلة الدعاء دون القراءة بدليل أنه لو سبح جاز وهذه التفرقة جيدة فإن الله تعالى جعل سورة الفاتحة بين العبد وبين ربه نصفين فالنصف الأول ثناء والنصف الآخر دعاء فإذا كررت في موضع الدعاء اغتفر التكرير، ولم يلزم فيه سجود السهو، وإن خالف المصلي وجعل تسبيح الركوع في السجود، وتسبيح السجود في الركوع، لزمه سجود السهو؛ لأنه خالف المشروع في المسنون.
المرتبة الثالثة: في بيان حكم الزيادة التي ليست من جنس المفروض ولا من جنس المسنون.
واعلم أن ما كان على هذه الصفة من الأفعال فلا يخلو حاله، إما أن يكون قليلاً أو كثيراً، فإن كان قليلاً كالحركة اليسيرة ودرء المار وتسوية الرداء فإن الصلاة لا تبطل بفعله سواء كان عمداً أو سهواً لأن فعلها عمداً قد اغتفر الشرع وعفى عنه، وإذا كان عمده لا يبطل الصلاة فسهوه أولى بذلك وأحق، وإن كان كثيراً فعمده وسهوه يبطلان كالأكل والشرب وما شاكلهما.
قاعدة: تجمع ما يتعلق بسجود السهو في الزيادة والنقصان على جهة الإجمال وجملة ذلك أن السهو تارة يقع بالزيادة، وتارة يقع بالنقصان فهذان قسمان نفصلهما بمعونة الله تعالى.
القسم الأول: ما يتعلق بالزيادة، وتارة يتعلق بالأفعال، ومرة بالأقوال فهذان ضربان:

(3/623)


الضرب الأول: ما يتعلق بالأفعال فهو كل فعل إذا أتى به عمداً في الصلاة أبطلها فإذا أتى به على جهة السهو تعلق به سجود السهو، وقد يكون من جنس أفعال الصلاة، وقد يكون من غير جنسها، فأما ما يكون من غير جنس أفعال الصلاة فإنه لا يتعلق به سجود السهو فإن كان قليلاً فإنه لا يبطل الصلاة وهذا نحو درء المار، وتسوية الرداء، ونحو الحركة اليسيرة، وإن كان كثيراً فإنه يكون مبطلاً للصلاة وهذا نحو الأكل والشرب كما مر بيانه، وأما ما يكون من جنس أفعال الصلاة فالعمد منه يفسد والسهو لا يفسد وهذا نحو أن يزيد ركعة كما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه[صلى الله عليه وآله وسلم] صلى الظهر خمساً فقيل له في ذلك فسجد سجدتين للسهو بعد التسليم، وهكذا إذا ركع في موضع السجود أو سجد في موضع الركوع سهواً فإنه يسجد للسهو.
الضرب الثاني: ما يتعلق بالأقوال، وهذا نحو أن يسلم تسليمة واحدة أو يسلم تسليمتين على جهة السهو فإنه يسجد لسهوه وإن قرأ في موضع الركوع والسجود ساهياً سجد لسهوه وإن سبح تسبيح الركوع في السجود أو سبح تسبيح السجود في الركوع سجد لسهوه لمخالفته للمشروع كما قررناه من قبل.

(3/624)


القسم الثاني: ما يتعلق بالنقصان. وجملة الأمر فيه أنه إن ترك ركناً من أركان الصلاة فإنه لا يحكم بصحة صلاته حتى يأتي به ولا ينجبر بسجود السهو، وإن ترك سنة من سنن الصلاة نظرت في حالها، فإن كانت سنة مستقلة وجب فيها سجود السهو، وهذا نحو ترك التشهد الأول، ونحو ترك القنوت، ونحو أن يترك تسبيح الركوع، أو تسبيح السجود، أو يترك أول التشهد الأخير أو آخره، فإن ما هذا حاله يجبر بسجود السهو، وإن كان المتروك هيئة، وهذا نحو ترك التجافي، ونحو ترك الجهر والإسرار على رأي من يجعلهما هيئة، ونحو أن يجعل الكفين حذاء الخدين أو المنكبين إلى غير ذلك من الهيئات التي ليس لها حظ الإستقلال في كونها سنة ولكنها تابعة لغيرها فإن ما هذا حاله لا يتعلق به سجود السهو وهذا كله قد أوردناه من قبل وأوضحنا مسائله التي يتعلق بها، ولكنا أوردناها هاهنا على جهة الإجمال لتكون من الناظر على خاطر وبال.

(3/625)


---
الفصل الثالث في حكم الشك في الصلاة
اعلم أن الشك حظور أمر بالبال مع خلوه عن الاعتقاد والظن والعلم، فإذا شك المصلي هل صلى ثلاثاً أو أربعاً فلا يخرج عن حالة الشك إلا بأحد أمور ثلاثة: إما بالعلم بأحد الإحتمالات، وإما بالظن لأحدها، وإما بالاعتقاد، فمتى حصل أحد هذه الأمور الثلاثة زال الشك بكل حال، وحاصل الأمر فيه أن يتعارض تجويزان على التناقض لأسباب عارضة توجب التناقض، وقد ذكر الشيخ أبو حامد الغزالي في كتابه (الوسيط): أن يتعارض اعتقادان على التناقض. وهذا فاسد فإن الشك لا يصاحبه الاعتقاد ولا الظن ولا العلم كما أشرنا إليه ولكنه تصور للحقيقة مجردة عن الاعتقادات والظنون والعلوم ونجردها لعدم القرائن الموجبة للترجيح، فإذا حصل الرجحان زال الشك وهو مخالف للظن في ماهيته، فإن الظن تغليب بالقلب على أحد الإحتمالين، والشك لا تغليب فيه، والتصور هو الشك خلا أن التصور يصاحب هذه الأمور الثلاثة، والشك لا يصاحبها.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: اعلم أن الشك لا يكون مستنداً لشيء من الأحكام العقلية ولهذا فإنه لو أخبره مخبر بأن في هذا الطريق سبعاً وشك في صدقه وكذبه ولم يحصل له غلبة ظن على الصدق فإنه لا يقدم على المضي في تلك الطريق بناء على الأصل لا عملاً على الشك ولا يكون طريقاً إلى تقرير الأحكام الدينية فإنه لو شك في كفر شخص أو فسقه فإنه يواليه عملاً على الأصل في أن من وجد في دار الإسلام فهو مسلم لا من جهة العمل على الشك، ولا يكون أصلاً في شيء من الأحكام الشرعية العملية ولهذا فإنه لو شك في كون هذا الماء طاهراً أو نجساً فإنه يعمل على الطهارة عملاً على الأصل لا عملاً على الشك فإذن لا عمل على الشك في جميع هذه الأحوال والذي يقع التعويل عليه في العمل بأحكام الشريعة طريقان:

(3/626)


الطريق الأول: العلم. كما نقوله في الشهادات فإنه لا مستند للشهادة سوى العلم ولا تجوز الشهادة على غلبة الظن إلا في صورة نقررها في باب الشهادة لضرورة الحال كالشهادة فيما يشهد فيه الإشتهار كالنكاح، والنسب، وكالشهادة على الإفلاس، وعلى العدالة، وعلى أروش الجنايات، وقيم المتلفات.
الطريق الثاني: غلبات الظنون في باب العبادات والعادات والمعاوضات وأنواع المعاملات في أبواب الشريعة، فإنه أعظمها جرياناً وأوسعها خطوا وأكثرها مضطرباً، فإذا عرفت هذا فطروء الشك لا يخلو إما أن يكون واقعاً في حال الصلاة أو بعد الفراغ منها، فإن وقع في حال الصلاة فسيأتي تقرير الحكم فيه، وإن وقع بعد الفراغ من الصلاة ففيه ثلاثة أقوال:
الأول: أن ذلك محطوط عنه ولا تجب عليه الإعادة، وهذا هو الذي ارتضاه السيدان الأخوان، وهو أحد أقوال الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الشك يكبر بعد الفراغ من الصلاة فلا سبيل إلى تتبعه والعمل عليه.
القول الثاني: أنه يكون كالشك في أثناء الصلاة فإن الأصل فيه أنه لم يفعل فإن قرب الزمان قام إلى التدارك وسجد للسهو لأنه سلم في غير محله، وإن طال الزمان فلا وجه إلا القضاء والإستئناف، وهذا قول ثان محكي عن الشافعي.
القول الثالث: أنه إذا شك بعد تطاول الزمان فلا اعتبار به، وإن قرب الزمان اعتبر به، وهو محكي عن بعض أصحاب الشافعي.
والمختار: ما قاله الأخوان.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن المصلي إذا فرغ من الصلاة فالظاهر هو العمل على صحتها فذكر الشك بعد التسليم لا يطرق خللاً فيما قد تقرر من صحتها.
ومن وجه آخر: وهو أن الأخبار دالة على الرجوع إلى الأقل عند الشك، أو على تغليب الظن على الصحة وهذا إنما يكون في حال اشتغاله بالصلاة وتلبسه بها فأما بعد الخروج منها فلا وقع له.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إنه بعد الفراغ يكون كالشك في إثباتها في تغليب الظن والبناء على الأقل.

(3/627)


قلنا: إنه في أثناء الصلاة أعمالها متصلة بخلاف ما إذا كان قد فرغ عنها فلا وجه لإعمال النظر ولا فائدة فيه.
قالوا: إن شك بعد تطاول الزمان فلا اعتبار به، وإن كان الزمان قريباً اعتبر به.
قلنا: إن قرب الزمان وبعده سيان في أنه لا اعتبار به بعد تقضي الصلاة وفراغه منها فإذن التعويل إنما هو على كون المصلي مشتغلاً بالصلاة ومتلبساً بها.
الفرع الثاني: في حكم الشك إذا عرض في حال الصلاة.
فإذا عرض له الشك في ركعة بكمالها فيحصل المقصود منه بأن نرسم فيه مسائل:
المسألة الأولى: إذا شك المصلي فلم يدر هل صلى ركعة أو ركعتين أو ثلاثاً أو أربعاً ففيما يجب عليه مذاهب خمسة:
المذهب الأول: أنه إذا شك فلم يدر عدد الركعات، وكان الشك أول ما عرض له، والغالب من حاله السلامة والشك نادر، فإنه يستأنف الصلاة، هذا هو الذي حصله السيد أبو طالب للمذهب وارتضاه.
والحجة على هذا: هو أن المقصود من العبادات أداؤها على اليقين إذا كان متمكناً أو على غالب الظن إن لم يتمكن من العلم ليكون بذلك خارجاً عن عهدة الأمر ويسقط لزومها للذمة وذلك يوجب أنه إذا كان الشك أول عرض له أن يستأنفها لما روي عن الرسول أنه قال: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). وهو إذا استأنفها فقد عدل عما يريبه من اللزوم إلى ما لا يريبه من اللزوم.
المذهب الثاني: محكي عن الشافعي: أنه يأخذ بالأقل ويبني على صلاته ويسجد سجدتي السهو. وهذا هو قول مالك، وربيعة من فقهاء التابعين، ومحكي عن أمير المؤمنين وأبي بكر وعمر وابن مسعود من الصحابة رضي الله عنهم.
والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري أن الرسول قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته " فليلق الشك وليبن على اليقين فإذا استيقن التمام سجد سجدتين فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان للجبران، وإن كانت صلاته ناقصة كانت الركعة تماماً للصلاة والسجدتان ترغمان أنف الشيطان))(1).
__________
(1) تقدم قريباً عن ابن مسعود من رواية مسلم.

(3/628)


المذهب الثالث: محكي عن الحسن البصري: أنه يذهب على وهمه ويسجد للسهو. وهو محكي عن أبي هريرة، وأنس بن مالك من الصحابة رضي الله عنهم.
والحجة على هذا: هو أن الإستئناف إبطال للعمل وقد قال تعال: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33]. وإن كان الأمر هكذا وجب الذهاب على الوهم ومعناه أن يبني على الأقل ولا يلتفت إلى عارض شكه، ويكون الشك كأن لم يكن، ولأنه إذا ذهب على وهمه كان أقرب إلى انسداد أبواب الشك وإبطال التوهمات والشكوك العارضة، والتفرقة بين هذا المذهب وبين مذهب الشافعي هو أن الشافعي يبني على الأقل عند عروض الشك لأنه هو المستيقن. والحسن البصري ومن قال بقوله يقولون: يذهب على وهمه. أي أنه يبني على ما يذكر من حاله فيبني عليه ولا يلتفت إلى الأقل المستيقن فهذه هي التفرقة بين المذهبين.
المذهب الرابع: محكي عن أبي حنيفة وهو أن المصلي له ثلاثة أحوال، فإن كان ذلك الشك أول مرة استأنف الصلاة، وإن كان الشك غالباً عليه تحرى أكثر رأيه فيبني عليه وسجد للسهو، وإن لم يكن يدري لغلبة الشك عليه بنى على اليقين في الأقل.
والحجة على هذا: هو أنه في الحالة الأولى الغالب من حاله السلامة فإذا عرض له الشك فإنه يؤثر اليقين على الشك ويستأنف الصلاة ليكون الفرض ساقطاً عن ذمته بيقين وتحقق، وفي الحالة الثانية أو أكثر غلبة الشك تحرى أكثر رأيه فبنى عليه لأنه روي عن النبي أنه قال: ((إذا شك أحدكم ولم يدر أثلاثاً صلى أو أربعاً " فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب)). وفي الحالة الثالثة إذا لم يكن له رأي ولا تحرى لغلبة الشك عليه فإنه يبني على اليقين ويرجع إلى الأقل لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا شك أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثاً أم أربعاً " فليبن على اليقين وليدع الشك)). وليس يكون البناء على اليقين إلا بالرجوع إلى الأقل فهذا تقرير المذاهب بأدلتها على ما ذكرناه.

(3/629)


المذهب الخامس: محكي عن الناصر، والإمامية، وهو أنه إذا شك في الركعتين الأوليين من الفرائض فلم يدر صلى واحدة أو اثنتين فعليه الإعادة، وإن شك في الركعتين الأخيرتين فكلامه محتمل أنه يتحرى ويبني على ما يغلب على ظنه ويحتمل أن يبني على الأقل.
والحجة على هذا: هو أنه إذا شك في الأوليين فهما أول الصلاة لم يسبقهما شيء فيصير كما لو شك في أنه صلى أو لم يصل، فكما أن هاهنا يستأنف فهكذا في الشك في الأوليين،فأما إذا كان شكه في الأخيرتين فقد صار في آخر الصلاة على شرف إتمامها فليس له إلا التحري إن كان من أهله، وإن لم يكن من أهل التحري فإنه يبني على الأقل وهو المستيقن.
والمختار: ما قاله السيد أبو طالب وقرره للمذهب: من أنه إذا كان الشك أول ما عرض له فإنه يستأنف الصلاة.
وحجته: ما ذكرناه، وهو مروي عن العبادله من الصحابة رضي الله عنهم ابن عمر وابن عباس وابن عمرو ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته " فلم يدر أصلى ثلاثاً أو أربعاً فليستأنف)). وهذا نص فيما ذهبنا إليه، وهو مروي عن الشعبي، وشريح، وعطاء، والأوزاعي من فقهاء التابعين، وإذا استأنف الصلاة فهل يستأنف تكبير الافتتاح أم لا؟ فيه قولان:
فالقول الأول: أنه يستأنف تكبيرة الافتتاح. وهذا هو الذي نصره السيد أبو طالب، وعليه الأكثر من أصحاب أبي حنيفة.
وحجتهم على هذا: هو أن التحريمة لا تراد لنفسها، وإنما تراد لما بعدها من الصلاة فإذا بطل ما بعدها من الصلاة بعروض الشك فصار كأنه لم يفعل تلك التحريمة.
والقول الثاني: محكي عن أصحاب أبي حنيفة: وهو أنه لا يلزمه من استئناف تكبيرة الافتتاح.
والحجة على هذا: هو أن الشك إنما عرض في الصلاة دون تكبيرة الافتتاح فلهذا لم يلزم استئنافها، وهذا هو الأقوى والمرتضى للمذهب لأمرين:
أما أولاً: فلأنه على يقين من تكبيرة الافتتاح وعلى شك من الصلاة فلا يلزم من فساد الصلاة فساد التكبيرة.

(3/630)


وأما ثانياً: فلأن التكبيرة من جملة الصلاة ولم يعرض لها ما يفسدها كما لو شك في القعدة الأخيرة وكما لو شك في التسليم فإنه يأتي به ولا يعترض الشك فيه الشك فيما تقدمه، فهكذا هاهنا إذا عرض الشك في عدد الركعات وأوجبنا عليه الاستئناف لأجل الخبر فلا تفسد التكبيرة بحال بل يبني عليها صلاته ولا يفتقر إلى إعادتها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: يبني على الأقل كما حكيناه عمن قال من الصحابة والفقهاء من التابعين، ومحكي عن الشافعي.
قلنا: إن ظاهر الخبر دال على إزالة الشك من جميع الوجوه، وإذا بنينا على الأقل من الصلاة لم يأمن أن يكون قد زاد في صلاته ركعة فيكون الشك باقياً من هذا الوجه، وإذا استأنف الصلاة فقد أدَّاها على اليقين من كل الوجوه فلهذا كان أحق.
قالوا: أخذنا بالأقل كما حكي عن أمير المؤمنين وغيره من الصحابة، ومن فقهاء التابعين لحديث أبي سعيد الخدري.
قلنا: عما ذكروه جوابان:
أما أولاً: فلما ذكرناه من أنه إذا أخذ بالأقل لا يأمن زيادة ركعة فيكون الشك باقياً، وإذا عاد زال هذا الاحتمال.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما ذكرناه من الحديث فإنه مصرح بالاستئناف، وخبر أبي سعيد الخدري ليس فيه تصريح بالمطلوب لأجل دخول الشرط فيه، والشرط محل للشك فلأجل هذا كان خبرنا أرجح فيجب العمل عليه.
قالوا: يذهب على وهمه. كما حكي عن الحسن البصري ومن تابعه من الفقهاء.
قلنا: إن المعنى أنه يذهب على وهمه أنه يبني على المستيقن كما حكي عن القاسم أنه قال في الشك: دواؤه المضي عليه. يريد أنه يبني على ما يستيقن من نفسه وليس الغرض أنه يبني على الأقل [كما]حكيناه عن الشافعي، وإنما أراد أنه مال إلى ما يتحقق من حاله فيبني الصلاة عليه وهذا لا وجه له فإنه لا يتحقق من حاله شيء مع الشك اللهم إلا أن يريد أنه يرجع إلى الأقل كما قاله الشافعي وقد ذكرنا ما يتوجه عليه من الإحتمال فأغنى عن الإعادة.

(3/631)


قالوا: حكي عن الناصر أنه قال: إذا كان الشك في الركعتين الأوليين فعليه الإعادة، وإن كان الشك في الآخرتين بنى على الأقل أو تحرى وعمل على تحريه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الأدلة الشرعية من الأخبار النبوية لم تفصل بين أن يكون الشك عارضاً في الأوليين أو الآخرتين فلا وجه لهذا التفصيل.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه مطابق لما قلناه من أنه إذا كان الشك أول ما عرض له وكان مبتدأ فإنه يعيد الصلاة ويستأنفها وما ذكره في الركعتين الآخرتين من احتمال البناء على الأقل والتحري فسنقرر الكلام فيه، وإنما الغرض هاهنا هو الاستئناف في حق من عرض له الشك من أول أمره، وهكذا ما حكي عن أبي حنيفة من الأحوال الثلاثة فإنه موافق لنا في الحالة الأولى إذا كان المصلي مبتدأ بالشك فإنه يستأنف الصلاة فلا وجه للرد عليه.
المسألة الثانية: في المصلي إذا كان الغالب من حاله الشك وكان يمكنه التحري والبناء على غالب الظن فمن هذه حاله هل يعمل على ما يؤدي به التحري أو يبني على الأقل؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يبني على ما أداه إليه التحري وتغليب الظن، وهذا هو الذي نصره السيد أبو طالب وقرره للمذهب، وهو محكي عن ابن عمر وأبي هريرة وجابر بن زيد وإبراهيم النخعي.
والحجة على هذا: ما روى علقمة بن عبدالله أن الرسول قال: ((إذا صلى أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثاً أو أربعاً " فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب وليتمه ثم يسلم ويسجد سجدتي السهو)).
المذهب الثاني: أنه يبني على الأقل، وهذا هو المحكي عن عطاء، وعبد الرحمن بن عوف.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثاً أو أربعاً " فليبن على اليقين وليدع الشك)). وظاهر هذا الخبر دال على أنه لا يعول على التحري ولكن يبني على الأقل، وهذا هو مرادنا.
والمختار: ما قاله السيد أبو طالب ونصره.

(3/632)


وحجته: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا كنت في الصلاة فشككت في ثلاث أو أربع " وأكثر ظنك على أنها أربع تشهدت وسلمت وسجدت سجدتي السهو)) (1).
وروي عنه أنه قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته " فليتحر ثم ليتم ثم ليسجد سجدتي السهو)). فهذه الأخبار كلها دالة على أن التحري هو الواجب على المصلي عند الشك إذا كان ممكناً له.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم وشك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً " فليبن على اليقين وليدع الشك)).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا الخبر محمول على من تعذر عليه التحري ولا يمكنه تغليب الظن فلأجل هذا كان له الرجوع إلى العمل على الأقل أو إلى الاستئناف كما ذكرناه من قبل.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأخبار الدالة على تغليب الظن والعمل عليه، وأخبارنا أحق بالعمل عند التعارض لظهورها وكثرتها فلهذا كانت أحق بالعمل.
ومن وجه ثالث: وهو أن التحري يجب العمل عليه واستعماله في العبادات متى تعذر العلم فيها بدليل صور نذكرها:
الصورة الأولى: الصوم إذا التبس على الأسير في دار الحرب في شهر رمضان فإنه يعمل على التحري، وإعمال الظن في مطابقة صومه لرمضان.
الصورة الثانية: التحري في الأثواب إذا كان بعضها طاهراً وبعضها نجساً فإنه يتحرى ويعمل على غالب ظنه فما أدَّاه ظنه إليه عمل عليه.
الصورة الثالثة: الأواني إذا كان فيها ماء طاهر وبعضها نجس فإنه إذا أراد التوضيء فإنه يعمل أمارة الطهارة والنجاسة والتغليب على ظنه ويتوضى ولا يتيمم لأن التحري هو منتهى تكليفه.
الصورة الرابعة: القبلة. فإنه إذا اشتبه عليه الأمر في الصلاة إلى القبلة والتبست عليه الأمارات الموصلة إلى الكعبة فإنه يتحرى ويعمل على ما يؤدي إليه اجتهاده من أي الجهات صلى إليها.
__________
(1) أخرجه البيهقي في (الكبرى)2/336، والدار قطني1/378، وأبو داود 1/270.

(3/633)


الصورة الخامسة: وقت الصلاة إذا التبس عليه الأمر لدوام الغيم وأراد الصلاة فإنه يعمل رأيه في حصول الأمارات التي ينقدح بها الظن في دخول وقت الصلاة فيعمل عليه.
الصورة السادسة: تقويم قيم المستهلكات وأروش الجنايات ونفقة الزوجات فإنها مبنية كلها على التحري، وطلب الأمارات في هذه الأمور كلها، وإذا كان الأمر كما قلنا في تحكيم غلبات الظنون على التحري والنظر في الأمارات فهكذا يكون التعويل عليه عند عروض الشك في الصلاة وكان ممن يمكنه التحري.
المسألة الثالثة: في حكم المصلي إذا كان ممن يمكنه التحري وتغليب الظن لكن استوى في حقه الأمران جميعاً فلم يترجح له أحدهما دون الآخر فمن هذه حاله فإنه يجب عليه استئناف الصلاة، وهذا هو الذي نصره السيد أبو طالب واختاره للمذهب.
والحجة على هذا: هو أن حكم التحري قد بطل في حقه لاستواء الأمرين، وإذا كان الأمر هكذا وجب عليه الاستئناف وليكون مؤدياً للصلاة بيقين ويخرج عن عهدة الأمر بما ذكرناه وينزل منزلة من كان مبتدأ بالشك في أول مرة فإذا أوجبنا عليه استئناف الصلاة حتى يكون مؤدياً للصلاة بيقين فهكذا من استوى في حقه الأمران فإنه يلزمه الاستئناف من غير فرق بينهما والجامع بينهما أن كل واحد منهما لا معنى للتحري في حقه فلهذا وجب عليه الاستئناف لأن هذا تعارض في حقه الأمران بحيث لا ترجيح والمبتدأ الأغلب من حاله أنه لم يأت بشيء من الصلاة فلهذا وجب عليهما جميعاً الإعادة، لما ذكرناه ويدل على ما قلناه ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثاً أو أربعاً فليستأنف الصلاة)) فهذا كما يدل على استئناف في حق الشاك لم يغلب على ظنه شيء فهو دال على أن المصلي إذا كان يمكنه التحري واستوى عنده الأمران من غير ترجيح فإنه يلزمه الاستئناف.
المسألة الرابعة: في حكم من كان مبتلى بكثرة الشك ولم يمكنه التحري وتغليب الظن لاستحكام الشك عليه فإنه يبني على الأقل.

(3/634)


والحجة على هذا ما روى عبدالرحمن بن عوف عن الرسول أنه قال: سمعت رسول الله يقول: ((إذا شك أحدكم في صلاته فشك في الواحدة والثنتين " فليجعلهما واحدة، وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثاً حتى يكون الوهم في الزيادة)). فهذا الخبر دال على الرجوع إلى الأقل فيجب حمله على من ذكرناه وقد استعملنا الأخبار كلها من غير رد لشيء منها، وحملنا كل واحد منها على ما يقتضيه الدليل فمن أمكنه التحري عمل عليه ومن لم يمكنه التحري فإنه يبني على الأقل لكثرة شكه واستيلائه عليه وهذه طريقة مرضية أعني الجمع بين الأخبار وتنزيل كل واحد منها على ما يقتضيه الدليل الشرعي من غير رد لشيء منها كما ذكرناه.
المسألة الخامسة: في حكمه إذا بنى على الأقل ثم أيقن أنه صلى خمساً فهل يعيد الصلاة أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: أنه يلزمه إعادة الصلاة إذا تحقق زيادة الخامسة، وهذا هو الذي ذكره السيدان أبو طالب وأبو العباس وارتضياه.
القول الثاني: أنه لا تلزمه الإعادة، وهذا هو الذي أشار إليه المؤيد بالله وقد ذكرنا وجه القولين فيما مضى وذكرنا المختار وأوضحنا الانتصار له فأغنى عن التكرير.

(3/635)


قال المؤيد بالله: ومن اعترض له الشك فلم يتحر حتى فرغ من صلاته ثم غلب على ظنه أن صلاته صحيحة لم تكن عليه الإعادة وذلك لأن المقصود هو الخروج عن عهدة الأمر بأداء الصلاة فإذا غلب على ظنه صحتها فقد حصل الغرض المطلوب بصحتها وغلبة ظنه كافية في ذلك فإن خرج من صلاته وكان عنده أنه أتمها ثم عرض له الشك بعد ذلك لم يكن للشك العارض حكم لأنه قد حصل له من جهة نفسه إتمامها وهو الأصل المعمول عليه فلا وجه لعروض الشك فإن كان الشك قبل الخروج منها تحرى وبنى عليها سواء كان ذلك في الأوليين أو الأخريين لأن الشك يقوى تأثيره إذا كان قبل الخروج منها فيعمل على ما يقوى له من التحري أو الرجوع إلى الأقل أو إلى الاستئناف على ما قد قررناه من قبل، وإن سها في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثاً أو أربعاً فبنى على تحريه ثم حصل له اليقين أنه قد أدَّاها صحيحة وزال الشك لم تكن عليه الإعادة لكونها مؤداة على الصحة ولم تلزمه سجدتا السهو لأن مع اليقين لا وجه للجبران بسجود السهو لأنه إنما يلزمه إذا شك ثم أدَّاها بغلبة الظن فأما مع اليقين فلا.
الفرع الثالث: في حكم الشك إذا وقع في ركن من أركان الصلاة.
قال المؤيد بالله: ومن شك في تكبيرة الافتتاح أو القراءة أو الركوع أو السجود فإنه يتحرى ويعمل على غالب ظنه.

(3/636)


واعلم أن كل من ترك ركناً من أركان الصلاة نحو القيام والركوع والسجود وغير ذلك من الأركان العشرة المفروضة التي أسلفنا ذكرها فليس يخلو حاله إما أن يمكنه التحري وتغليب الظن أو لا، فإن كان يمكنه التحري وتغليب الظن عمل على ما أدَّا إليه التحري سواء كان مبتلى بكثرة الشك أو كان الشك أول عارض في حقه وإن كان لا يمكنه التحري وتغليب الظن فإنه يبني على الأقل فيما كان يتكرر كالسجود فإنه إذا شك أنه سجد سجدتين أو سجدة واحدة فإنه يبني على الأقل، وإن كان فيما لا يتكرر نحو أن يشك في أنه ركع أو سجد فإنه يبني على إعادته وهكذا لو شك في القراءة وتكبيرة الافتتاح.
فحصل من هذا أن حكم الركن مخالف لحكم الركعة فإنه إذا شك في ركن من أركانها فإنه يلزمه أن يأتي به ولا يلزمه الاستئناف وليس كحال حكم الركعة فإنه إذا شك فيها وكان الغالب من حاله السلامة فإنه يلزمه الاستئناف والتفرقة بينهما من وجهين:
الفرق الأول: ذكره السيد أبو طالب وتقرير ما قاله هو: أن الركعة لا تكون إلا مقصودة وسائر الأركان قد تكون مقصودة وقد تكون غير مقصودة وما يكون من الأركان زيادة مقصودة في محلها يفسدها وسائر ما لا تكون مقصودة لا يفسدها، وإذا كان الأمر كذلك فالشك في زيادة لا تكون إلا مقصودة من الفرائض يجب أن يكون أبلغ في فساد الصلاة من الشك فيما يكون مقصوداً وقد لا يكون مقصوداً وذلك يقتضي الفصل الذي ذكرناه، هذه ألفاظه.
الفرق الثاني: هو أن الركعة مشتملة على أركان متعددة كالقيام والركوع والسجود والقراءة والقعدة بين السجدتين فالركن بعض أجزاء الركعة وجزء الشيء لا يكون مساوياً لكله فلأجل هذا كان حكم الركعة مخالفاً لركنها فإذا شك في الركعة وكان مبتدأً أعاد الصلاة بخلاف الركن فإنه يبني على الأقل فافترقا.

(3/637)


الفرع الرابع: قال المؤيد بالله: ومن شك في ركوعه أو سجوده وعلم من عادة نفسه سجدة التحري في الصلاة والتحفظ لأركانها جاز له الأخذ بما عهد من حاله بعدما ثبت له ذلك ولم يقابله ما ينافيه.
واعلم أن العلم باستمرار الأمور العادية ضروري لا مرية فيه، وهذا نحو العلم بما تجري به العادة من هذه الأشياء المعتادة، نحو طلوع الشمس والقمر وغروبهما وسائر الكواكب ونحو توالد الحيوانات كل جنس من جنسه، ونحو النباتات كل جنس من جنسه، فهذه الأمور كلها طريقها العادة فإذا كانت العادة موصلة إلى العلم فيما هو معلوم فإيصالها إلى غلبات الظنون فيما هو مظنون أحق وأولى، فإذا عرفت هذا فالعادة ليست من التحري ولا من النظر في الأمارات في ورد ولا صدر ولكنها أصل في تغليب الظن بصحة ما تعلقت به وإنما يعول عليها في صحة الصلاة بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون المصلي قد أتى بشرائط صحة الصلاة في الأقوال والأفعال من غير إخلال بشيء منها.
الشرط الثاني: أن لا يعارضها ما يناقضها من وجوه الفساد، وإذا كان الأمر كما قلناه جاز التعويل عليها في صحة الصلاة على ما جرت عليه عادة المصلي في التحفظ والإحتراز.
قال المؤيد بالله: ومن شك في صلاته فأدَّاها على التحري وغلبات الظنون وجب عليه سجود السهو إلا أن يتيقن أنه أتى بها صحيحة وكلامه هذا يشير به إلى أن للمصلي حالتين عند الشك في الصلاة:
الحالة الأولى: أن يتحقق بعد الشك أنه أدَّاها على الصحة والخروج عن عهدة الأمر وعند هذا لا يلزمه سجود السهو لأن العلم لا يجوز خلافه ولا وجه لتطرق النقصان إليها فتجبر بالسهو(1).
الحالة الثانية: أن يؤديها على التحري وتغليب الظن وعلى هذا تكون مجزية له ويخرج بها عن عهدة الأمر بالظن وهو غاية تكليفه لكنه يجب عليه سجود السهو للجبران من جهة أن الظن يجوز خلافه فلهذا جبره بالسجود.
__________
(1) يقصد لا يلزم جبرانها بسجود السهو. و الله أعلم.

(3/638)


قال المؤيد بالله: ومن اعترض له الشك في صلاته فلم يتحر حتى فرغ منها ثم غلب على ظنه أنها صحيحة فلا إعادة عليه. وهذا جيد فإن الشك إذا عرض فلا بد من دفعه إما بالتحقق بالأداء على الصحة وإما بغلبة الظن فكل واحد من هذين كاف في الخروج عن الشك ودفعه فإذا غلب على ظنه بعد الفراغ منها صحتها فقد حصل الإجزاء وبطلت الإعادة لأن الإعادة إنما تكون بما فسد وكان الوقت باقياً لكن يجب عليه سجود السهو.
الفرع الخامس: ومن شك في ركعة فتحرى في أخرى وبنى عليها فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: أن صلاته صحيحة، وإن تأخر تحريه من ركعة إلى أخرى أو تأخر تحريه إلى آخر الصلاة، وهذا هو رأي المؤيد بالله.
وحجته على هذا: هو أنه إذا شك في ركعة فإن المقصود بالتحري هو تغليب الظن بالأمارات الصحيحة على كون الصلاة صحيحة وكونها مجزية وهي في انتظامها تنزل منزلة الفعل الواحد ولهذا كانت الموالاة معتبرة فيها فلا فرق بين أن يتحرى في الركعة المشكوك فيها أو في الثانية أو في آخر الصلاة في حصول الإجزاء والخروج عن عهدة الأمر.
القول الثاني: أن التحري إنما يكون على الفور، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو العباس.
وحجته على هذا: هو أن المصلي إذا دخل في الصلاة وشك في ركعة من ركعاتها فلا سبيل إلى البناء عليها إلا بعد أدائها على الصحة والثبات فإذا خرج منها من غير تحر كان بناؤه عليها في الركعة الثانية أو بعد فراغه من الصلاة إخلالاً بشرط الصحة فلهذا كانت فاسدة.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأمرين:
أما أولاً: فلأن المقصود هو تأدية الصلاة على نعت الصحة بالتحقق أو غلبة الظن وهذا حاصل سواء كان عقيب الشك أو بعده إذا كانت الصلاة مشتملة عليه.
وأما ثانياً: فلم تدل دلالة على وجوب الفور في التحري فيعمل عليها وإنما المقصود حصوله قبل فراغه من الصلاة.

(3/639)


الفرع السادس: قال المؤيد بالله: ولو شك المؤتم خلف الإمام لم يكن له أن يتحرى بل يتبع الإمام ولا يلتفت إلى عارض شكه فإنما وجب ذلك لأمرين:
أما أولاً: فلقوله : ((الإمام ضامن)) ولا معنى لضمانه إلا بحمله لما عرض من النقصان في الصلاة.
وأما ثانياً: فلقوله : ((إنكم تصلون بهم فما صح فلكم ولهم " وما فسد فعليكم دونهم)). وفي هذا دلالة على ما قلناه.
ومن وجه آخر: وهو قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). ولم يفصل. فظاهر الخبر دال على أنه لا معنى لإنفراد المصلي بالتحري لأن ذلك يكون مخالفة للإمام.
وقال أيضاً: في رجل كثير السهو في صلاته صلى بجهده فلما بلغ آخر الجلسة أيقن أن صلاته صحيحة ثم بعد إتمام التشهد لم يذكر غير ما هو فيه أنه إذا ذكر عند التشهد تمام صلاته لم تلزمه الإعادة.
واعلم أن هذا إنما يكون في حق من غلبه السهو وكثرة الوسوسة في الصلاة، فإذا حصل له اليقين في آخر الصلاة أن صلاته صحيحة وذهل عن ذكر أول صلاته ولم يذكر إلا ما هو فيه اجزأه ذلك لأن الأصل في الإجزاء وسقوط الإعادة في الوقت والقضاء بعد فواته هو تحققه أن صلاته صحيحة وهذا حاصل ونسيانه وذهوله لما سبق من أعمال الصلاة لا يطرق خللاً بعد تحققه لصحة الصلاة ولا يلزمه سجود السهو مع التحقق كما مر في نظائره.
وقال أيضاً: ويكره لمن شك في صلاته الخروج منها لإعادتها إذا أمكنه التحري فيها وإنما كره ذلك لما فيه من إبطال العمل، وقد قال تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33]. وهذا إنما هو في حق من يمكنه التحري في الصلاة.
الفرع السابع: اعلم أن العبادات التي تُعِبِّدنا بأدائها والتكاليف التي أمرنا بفعلها منقسمة بالإضافة إلى طرقها إلى ثلاثة أقسام:

(3/640)


القسم الأول منها: ما كان ثابتاً بطريق معلوم وهذا نحو أصل الصلاة والزكاة والحج والصوم فإن هذه العبادات أصولها ثابتة بطرق معلومة ضرورة من الدين وإنكارها يكون كفراً ورِدَّة، والشك فيها يكون شكاً في النبوة، وأما تفاصيلها فثبوتها يكون بطرق مظنونة وهو أخبار الآحاد وعليها التعويل في تقريرها والأقيسة حيث يكون لها مدخل فيها فإذا وقع الشك فيها جاز الأخذ فيها بغالب الظن والأمارات.
القسم الثاني: ما يكون أصله ثابتاً بطريق مظنون وهذا نحو أصل النية في الصلاة والقراءة وتعيين فاتحة الكتاب وغير ذلك مما وقع فيه الخلاف في مسائل الصلاة، فما هذا حاله يجوز أداؤها بغالب الظن وإذا دخل الشك جاز تحكيم الظن في أدائه، وأما تفاصيلها فثابتة أيضاً بطرق مظنونة وهذا نحو كيفية النية ومقدار القراءة وغير ذلك من تفاصيل مسائل الصلاة وما يتوجه فيها من مسائل الخلاف فإذا دخل الشك فيها جاز أداؤها بغالب الظن لأن أصلها إذا كان ثابتاً بطريق مظنون فتأدية التفاصيل بالطرق المظنونة أولى وأحق.
القسم الثالث: ما يكون أصله ثابت بطريق معلوم فلا يجوز دخول الشك فيه ولا يجوز دخول النظر في تقرير أصله وهذا نحو الوضوء فإن أصله معلوم بالضرورة من الدين لا يقع فيه خلاف، وأما تفاصيله فهل يجوز تأديتها بغلبة الظن إذا وقع الشك فيها أم لا؟ فيه قولان:
فالقول الأول: أنه لا يجوز الأخذ فيها بغالب الظن إذا وقع الشك في تطهير عضو من أعضاء الوضوء التي طريق العلم بوجوبه النص والإجماع، فإذا وقع الشك فيها وجبت الإعادة فيه وفيما بعده حتى يتحقق فعله يقيناً سواء كان قبل دخوله في الصلاة أو بعد دخوله فيها وسواء كان الوقت باقياً أو قائتاً، وهذا هو رأي الهادي.

(3/641)


القول الثاني: أنه إذا وقع الشك في تطهير عضو من هذه الأعضاء التي طريق وجوبها النص والإجماع فإنه يجوز أداؤه بغالب الظن والأمارات الصحيحة، وهذا هو رأي المؤيد بالله وقد قدمنا الكلام فيها وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن الإعادة.
قاعدة: اعلم أن الجمع بين الأحاديث طريقة مرضية باتفاق الأصوليين من أئمة العترة وجماهير المعتزلة والأشعرية المعولين على العمل على أخبار الآحاد والمصرحين بقبولها في أحكام الشريعة من العبادات وأنواع المعاملات فإذا كان الجمع بينهما ممكناً فلا مزيد على حسن هذه الطريقة لأنه يكون قبولاً بجميعها، وإن تناقضت ولم يمكن الجمع بينها فلا بد من إعمال النظر في ترجيح بعضها على بعض بالإضافة إلى سنده ومتنه، وغير ذلك من طرق الترجيح التي أودعناها الكتب الأصولية. فإذا عرفت هذا فاعلم أن الأحاديث والأخبار الواردة في شأن الشك في الصلاة واردة على مراتب ثلاث:
المرتبة الأولى: في الأخبار الدالة على استئناف الصلاة إذا وقع الشك في الصلاة وهي محمولة على وجهين:
أحدهما: فيمن كان حاله السلامة والشك أول ما ورد عليه، فمن هذه حاله يجب عليه استئناف الصلاة ليكون مؤدياً للفرض على حقيقة ويقين من حاله.
وثانيهما: أن يكون وارداً في حق من استوى عنده الأمران أنه صلى ثلاثاً ولم يترجح له أحدهما على الآخر فمن هذه حاله يجب عليه استئناف الصلاة ليخرج عن عهدة الأمر بالصلاة بما ذكره من الإستئناف.
المرتبة الثانية: أن تكون الأحاديث واردة على وجوب التحري والنظر في الأمارات الموجبة لانقداح الظن وهي محمولة على من يمكنه التحري والنظر في الأمارات الدالة على ترجيح أحد الأمرين على الآخر وهو أكثر ما ورد من الأحاديث وذلك لأن الغالب من حال الشك القوة على الترجيح فلهذا وردت الأخبار الكثيرة على استعمالها والمواضبة عليها.

(3/642)


المرتبة الثالثة: في الأحاديث الدالة على العمل علىالأقل وهي محمولة على من لا يمكنه التحري وتغليب الظن على أحد الاحتمالين، فمن هذه حاله فإنه يبني على الأقل فالأحاديث الواردة في الشك في الصلاة لا تخرج عما ذكرناه من هذه المراتب الثلاث وقد حملنا كل واحدة منها على ما يقتضيه حكمه من غير حاجة إلى قبول بعضها ورد البعض أو النظر في الترجيح لأنا إذا حملناها على ما ذكرناه من هذه المعاني الجامعة لها فلا حاجة بنا إلى تناقضها وترجيح بعضها على بعض لأن في حملها على ما ذكرناه من الأمور الجامعة غنية عن حملها على المناقضة والترجيح، فهذا ما أردنا ذكره في ذكر الشك الوارد على المصلي في الصلاة وأحكامه.

(3/643)


---
الفصل الرابع في بيان أنواع السجدات
اعلم أن أنواع السجدات خمسة: سجدة فريضة، وسجدة نافلة، وسجدة سهو، وسجدة تلاوة، وسجدة شكر، وسجدة خشوع واعتراف بالذنب.
فأما سجدة الفريضة والنافلة، فقد ذكرنا حكمها من قبل، والذي نذكره هاهنا سجدة السهو، وسجدة التلاوة، وسجدة شكر وخضوع واعتراف بالذنب، فهذه أنواع ثلاثة نذكر ما يتوجه في كل واحدةٍ منها بمعونة الله تعالى.
النوع الأول: في بيان أحكام سجود السهو.
اعلم أن الذي نذكره هاهنا إنما هو ما يتعلق بأحكام السجود نفسه، فأما ما يتعلق بأحكام الصلاة التي وقع السهو فيها فقد ذكرناه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في بيان حكمه ومحله.
أما حكمه: فقد ذكرناه في أول الباب فأغنى عن الإعادة.
وأما محله: فهل يكون قبل التسليم أو بعده؟ فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أن محله بعد التسليم، وهذا هو رأي زيد بن علي، والقاسم، والهادي، والمؤيد بالله، ومحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعمار من الصحابة رضي الله عنهم. ومروي عن الحسن البصري من التابعين، والثوري، وإبراهيم النخعي، وابن أبي ليلى، وهو رأي أبي حنيفة من الفقهاء.
والحجة على هذا: ما روى ثوبان عن الرسول أنه قال: ((لكل سهو سجدتان بعدما تسلم)) (1).
فهذا نص فيما ذهبنا إليه.
المذهب الثاني: أنه يكون محله قبل التسليم، وهذا هو المشهور عن الشافعي في عامة كتبه، وهو مروي عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، والزهري، وربيعة، والليث، والأوزاعي سواء كان للزيادة أو للنقصان.
والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه سجد للسهو قبل التسليم.
__________
(1) تقدم آنفاً، وهو في سنن أبي داود1/272، وابن ماجة1/385، ومصنف عبد الرزاق2/322، ومسند أحمد5/280.

(3/644)


والحجة الثانية: ما روى عبدالله بن بُحينة،(وبحينة هذا من الصحابة وهو بالباء بنقطة من أسفلها، وحاء مهملة وبالتصغير ساكنة، ونون، والباء مضمومة)، أنه قال: صلى بنا رسول الله إحدى العشائين فقام من اثنتين فقام الناس معه فلما جلس انتظر الناس تسليمه فسجد قبل أن يسلم، وروى ذلك عمر، وابن عباس عن الرسو (1).
المذهب الثالث: أنه إن كان السهو للزيادة فبعد التسليم، وإن كان للنقصان كان محله قبل التسليم، وهذا هو رأي الناصر، وجعفر الصادق، ومحكي عن مالك، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، والمزني من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: هو أن الأخبار المروية عن الرسول بعضها دال على سجود قبل التسليم، وبعضها دال على سجود بعد التسليم فجمعنا بين هذه الأخبار وقلنا: ما دل على السجود قبل التسليم فهو للنقصان، وما دل على السجود بعد التسليم فهو للزيادة فيكون جمعاً بينها وهذه طريقة مرضية لما فيها من قبول الأخبار كلها من غير رد لشيء منها.
المذهب الرابع: حكى الطبري من أصحاب الشافعي أن الشافعي ذكر في القديم: أن المصلي مخير بين أن يسجد قبل التسلم أو بعده.
والحجة على هذا: أن الأخبار واردة على كلا الأمرين فلأجل هذا قضينا بالتخيير جمعاً بين الأخبار في الدلالة والقبول، فهذه المذاهب كما ترى في محل السهو.
والمختار: ما ذهب إليه الإمام زيد بن علي، والقاسمية، وحكاه الكرخي عن ابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وطاووس، والسائب وغيرهم ممن رويناه عنه.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى عبدالله بن مسعود عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثاً أو أربعاً فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليتمه ثم يسلم ثم يسجد سجدتي السهو)). وروي عنه قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر " ثم يتم ثم يسجد سجدتي السهو)).
__________
(1) جاء في صحاح البخاري1/285، ومسلم1/399، وابن حبان5/265، وفي سنن الترمذي2/235 وأبي داود1/271.

(3/645)


وروي عنه أنه كان إذا سها سجد سجدتين بعدما يسلم. وعن المغيرة بن شعبة، وعمران بن الحصين، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، أن الرسول سجد بعد التسليم.
وروى عبدالله بن مالك(1) أنه رأى رسول الله قام في الركعتين ونسي أن يقعد فمضى في صلاته ثم سجد سجدتين بعد الفراغ من صلاته(2). فهذه الأخبار كلها دالة على ما اخترناه من فعل السجدتين بعد التسليم.
ومن وجه آخر: وهو أن سجود السهو ليس هو من مقتضى تكبيرة الافتتاح ولا من مقتضى ما أوجبته التحريمة فوجب أن يكون محله بعد التسليم دليله تكبير التشريق.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روى أبو سعيد الخدري أن الرسول سجدهما قبل التسليم، كما حكي عن الشافعي.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المراد أنه سجدهما قبل التسليم المشروع في حقهما دون التسليم المشروع للصلاة المفروضة.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بالأخبار التي رويناها، وإذا عارضها فلا بد من الترجيح، وما رويناه من الأخبار فهو أرجح لكثرتها واشتهارها وتصريحها بما دلت عليه فلهذا كانت أحق بالقبول.
قالوا: روى معاوية، أنه سجدهما قبل التسليم.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن خبر معاوية غير مقبول ولا يعمل عليه لفسقه وسقوط عدالته وحربه لأمير المؤمنين كرم الله وجهه وخروجه عليه.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بما رويناه عن جلة الصحابة وأكابرهم، وخبر معاوية لا يعارضها بحال.
__________
(1) يوجد في المصادر المتاحة أكثر من شخص باسم عبد الله بن مالك، ومنهم من الصحابة: عبد الله بن مالك بن بُحينة، ولعله الأقرب وقد سبقت ترجمته باسم عبد الله بن بُحينة، والله أعلم. راجع (التأريخ الكبير)5/10 و(تهذيب التهذيب)5/332 وما بعدها.
(2) أخرجه البيهقي في (الكبرى)1/208، والطبراني في (الأوسط)2/142.

(3/646)


قالوا: إن كان السهو للزيادة فهو مفعول بعد التسليم في الصلاة، وإن كان للنقصان فمحله قبل التسليم من الصلاة، كما هو محكي عن الناصر ومن تابعه جمعاً بين الأخبار لأن بعضها دال على فعله قبل التسليم، وبعضها دال على فعله بعد التسليم فجمعنا بينهما بما ذكرناه، وهي طريقة مرضية في الأخبار.
قلنا: إن صاحب الشريعة صلوات الله عليه لم يقل سلموا في السهو قبل تسليم الصلاة في النقصان، وبعد التسليم في الزيادة. وإنما ورد بعض الأخبار بالتسليم قبل الخروج من الصلاة، وفي بعضها بعد الخروج من الصلاة، لكنا رجحنا أن أخبار التسليم بعد الفراغ من الصلاة لكثرتها واشتهارها.
قالوا: هو مخير في تسليم السهو بين أن يجعله قبل التسليم من الصلاة أو بعد التسليم منها كما حكى الطبري عن الشافعي.
قلنا: وهذا من الطراز الأول فإن الرسول لم يؤثر عنه التخيير قولاً صريحاً وإنما ورد بعض الأخبار مرة بالتسليم قبل الخروج من الصلاة، ومرة بعد الخروج عنها. فحصل الترجيح للأخبار الدالة على التسليم بعد الخروج من الصلاة فقضينا به، فإذا تقرر أن محل السهو بعد التسليم من الصلاة المكتوبة فلو سجدهما قبل الفراغ من الصلاة فهل تبطل صلاته أم لا؟.
فعلى رأي القاسمية أن صلاته تبطل لأنه خالف المشروع بزيادة السجود على جهة العمد، وأما على رأي الناصر فلا تبطل صلاته إذا كان سجوده لسهو النقصان، وهكذا على رأي الشافعي: لا تبطل صلاته لأن محله قبل التسليم على قول. ومخير بين أن يكون قبله أو بعده على قول [آخر].
الفرع الثاني: في بيان مفروضه ومسنونه.
والمفروض منه: أمور خمسة: النية، وتكبيرة الافتتاح، والسجود، والقعود بين السجدتين، وهو الاعتدال، والتسليم.

(3/647)


ويدل على وجوب النية: قوله : ((الأعمال بالنيات " )). وقوله: ((لا قول ولا عمل إلا بنية " )). ويدل على وجوب التكبير: قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ " }[المدثر:3]. ولم يفصل. ويدل على وجوب سائر الأفعال، ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه سهى في صلاته فتشهد ثم سلم ثم كبر فسجد ثم كبر ورفع رأسه من السجود ثم تشهد وسلم. وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وظاهر الأمر للوجوب إلا ما قامت الدلالة على خلافه(1).
وأما المسنون منه: فأمور ثلاثة: التشهد لأن في حديث أبي هريرة: أنه تشهد. وفي حديث علقمة: أنه تشهد في سجود السهو، وفي سائر الأحاديث الواردة في السهو: أنه لم يتشهد. وقوله : ((لكل سهو سجدتان)). ولم يذكر التشهد، وفي هذا دلالة على كون التشهد مسنوناً لأنه لو كان مفروضاً في السهو لم يتركه كما لم يترك التكبيرة والسجدتين وتسبيح السجود مسنون فيه وتكبير النقل مسنون فيه أيضاً لأنه إذا كان مسنوناً في الصلوات المكتوبة فهو في سجود السهو أحق وأولى.
قال زيد بن علي في سجدتي السهو: يتشهد المصلي مثل ما يتشهد في الركعتين ثم يسلم(2).
وعلى الجملة فما قلناه في أن المشروع في سجدتي السهو مثل المشروع في سجدتي الفريضة، هو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة عليه: ما قلناه.
الفرع الثالث: في بيان أحكام السهو. ويشتمل على أحكام خمسة:
الحكم الأول: وإن اجتمع على المصلي في صلاته سهوان أو أكثر فهل يكفيه للجميع سجدتان أم لا؟ فيه مذهبان:
__________
(1) المقصود هو القاعدة الفقهية أن ظاهر الأمر أي أمر كان للوجوب والنهي أي نهي للتحريم إلا ما خرج بدلالة خاصة، وليس المقصود كما قد توحي به العبارة، بأن ظاهر الأمر للوجوب في الحديث الشريف: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والله أعلم.
(2) يقصد كما في التشهد الأوسط. والله أعلم.

(3/648)


المذهب الأول: أنه يكفيه سجدتان. وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية، والناصرية، ومحكي عن الفريقين الشافعية، والحنيفة، وهو قول كافة العلماء.
والحجة على هذا:ما روي عن الرسول أنه سلم في الظهر على اثنتين، وكلم ذا اليدين ساهياً، وخرج من المسجد فلما تحقق ذلك سجد سجدتين ولم يزد عليهما شيئاً.
المذهب الثاني: أن السهو إذا كان من جنسين لم يتداخلا، وإن كان من جنس واحد تداخلا.
والحجة على هذا: هو أن السهو إنما شرع من أجل الجبران للنقص فإذا كان النقص من جنس واحد كفى فيه سجدتان، وإن كان النقص من جنسين تكرر السجود. فالأول كأن يترك تسبيح ركوعين، والثاني كأن يترك القنوت وسجدة واحدة، وهذا كمن يسرق مرات كثيرة فإنه لا يجب عليه إلا حد واحد، ولو سرق وزنا وجب عليه حَدَّانٍ.
والمختار: ما عليه أكثر العلماء من الأئمة والفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أن السهو إنما شرع في آخر الصلاة ليجبر به كل سهو وقع فيها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قوله: السهو إنما شرع لجبران النقص فإن كان من جنس واحد تداخلا، وإن كان من جنسين لم يتداخلا كالحدود.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد دللنا على أن الخبر قد دل على أن السهو غير متكرر والأخبار لا تعارض بالإقيسة.
وأما ثانياً: فلأن الحدود من باب العقوبات فلأجل هذا تكررت لما اختلفت أنواعها لما كانت الجنايات مختلفة بخلاف السهو فإنه شيء واحد شرع من أجل النقصانات في الصلاة ومخالفة المشروع سواء كان من زيادة أو نقصان فافترقا.
الحكم الثاني: ومن سها في سجدتي السهو فلا سهو عليه للسهو ومعنا هذا أن كل من شك فلم يدر هل سجد سجدة واحدة أو سجدتين فإنه سواء بنى على الأقل أو رجع إلى التحري فإنه لا يجب عليه سجود السهو، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.

(3/649)


والحجة على هذا: أن الشرع إنما ورد بجبران بعض الصلاة بسجود السهو ولهذا قال : ((لكل سهو سجدتان)). ولم يرد الشرع بجبران السهو نفسه.
ووجه: يأتي وهو أنه لم يؤثر عنه أنه أمر بالسجود لأجل السهو، وفي هذا دلالة على أنه غير مشروع، ولأنا لو التزمنا سجود السهو في السهو للزم ذلك إلى غير غاية، وما يلزم عليه الفساد فهو فاسد ولأنه سهو عرض بعد ارتفاع التحريم بالصلاة فوجب أن لا يكون له حكم كما لو عرض بعد الفراغ عن سجود السهو، ويحكى عن الكسائي، ومحمد بن الحسن الشيباني: أنهما حضرا في مجلس. فقال الكسائي: العلوم كلها جنس يستدل ببعضها على بعض، ويستمد بعضها من بعض. فقال محمد: ليس بجنس واحد، ولا يستمد بعضها من بعض، ولا يستدل ببعضها على بعض. فقال الكسائي: بلى. فقال محمد: ما تقول في رجل سها في سجود سهوه هل يلزمه السجود أم لا؟ فقال الكسائي: لا سجود عليه. فقال محمد بن الحسن: ولم؟ قال الكسائي: لأن العرب لا تصغر المصغر، فهكذا لا سهو في السهو، وكلام الكسائي في أن العلوم متلازمة أغوص في التحقيق، وكلام محمد بن الحسن أسهل وأخلص ولقد كان الأخلق بعلماء الدين ألا يحضروا مجالس الظلمة ولا يأنس أهل الفضل بهم إمتثالاً لما ورد به الشرع من البعد عنهم وطردهم وإيحاشهم.
الحكم الثالث: ومن نسي سجدتي السهو فإنه يسجدهما إذا ذكرهما لقوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها " )).فإن كان قريباً من مصلاه عاد إليه استحباباً لأن الرسول لما أخبر بأنه صلى الظهر خمساً بعد خروجه من المسجد عادة إلى المسجد فسجدهما، وإن كان قد بَعُد سجد حيث يمكنه لأن لزومهما متحقق فلا يبطل بالبعد، وإن ذكرهما بعد طول المدة وجب عليه سجودهما، وإن أحدث سجدهما بعدما يتوضأ لما ذكرنا من توجه اللزوم، ومن سها في صلاته ثم اعترض له الشك هل يسجد لسهوه أم لا؟ وجب عليه سجودهما لأن وجوبهما قد تحقق فلا يبطل بالشك.

(3/650)


الحكم الرابع: في سهو الإمام والمأموم، وذلك يقع على أوجه ثلاثة:
الوجه الأول: إذا سها الإمام دون المأموم نظرت فإن سجد الإمام لسهوه وجب على المأموم السجود عند أئمة العترة، ومحكي عن فقهاء الأمة ولا يعرف فيه الخلاف سواء كان خلفه في حال سهوه أو دخل معه بعد سهوه لقوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)).لأنه إذا لم يسجد معه فقد خالفه. ولقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). وهذا يقتضي متابعته. وروي عن الرسول أنه قال: ((إذا سها الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو " )). ولأن صلاة المأموم معقودة بصلاة الإمام، وما يجري من النقص في صلاة الإمام فهو جار في صلاة المأموم فلهذا وجب عليه السجود مع إمامه، فإن لم يسجد مع الإمام فهل تبطل أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: بطلان صلاته لأجل مخالفة الإمام ولأجل مخالفة الإجماع، فإن كان الإمام قد سبق المأموم بركعة فإن الإمام يسجد لسهوه حين يسلم من صلاته، وأما المأموم ففيما يفعله ثلاثة أقوال:
فالقول الأول: أن الماموم لا يسجد لسهوه حتى يقضي ما فاته فإذا قضى ما فاته سجد سجدتي السهو لسهو إمامه، وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن ابن سيرين، والظاهر من كلامه في المنتخب: أنه لا ينتظر فراغ الإمام من سجدتي السهو بل يقوم فيقضي ما فاته من الصلاة.
وحجته على هذا: هو أن زيادة سجدة في الصلاة تبطلها، فلهذا قلنا: إنه لا يسجد حتى يفرغ من صلاته. وإنما قلنا: أنه لا ينتظر فراغ الإمام من سجوده لأن إتمامه لصلاته يكون على الفور فلا حاجة به إلى انتظاره.
القول الثاني: أنه ينتظر سجود الإمام للسهو ويسجد معه فإذا سلم الإمام من سجدتي السهو قام المؤتم فيقضي ما فاته فإن لم يسجد مع الإمام حتى قام للقضاء فإنه يسجد في آخر صلاته، وهو رأي أبي حنيفة.
وحجته على هذا: هو أن المأموم لزمه السجود لأجل سهو الإمام فلهذا وجب عليه إنتظاره.

(3/651)


القول الثالث: أنه يسجد مع الإمام قبل قضائه لما فاته ولا ينتظر سجود الإمام، وهذا هو رأي الشافعي.
وحجته على هذا: هو أن انتظاره يوجب المخالفة للإمام فلهذا وجب عليه السجود معه ثم يؤدي ما فاته بعد ذلك فإن لم يسجد الإمام لسهوه فهل يسجد المأموم أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: أنه يجب على المأموم أن يسجد، وهذا هو قول القاسمية، ومحكي عن مالك، والشافعي، ومروي عن الليث، والأوزاعي.
والحجة على هذا: هو أن صلاة المأموم قد نقصت بنقصان صلاة الإمام، فإذا لم يجبر الإمام صلاته وجب على المأموم جبران صلاته.
القول الثاني: أنه لا يجب على المأموم سجود، وهذا هو رأي الناصر، ومحكي عن زيد بن علي، وأبي حنيفة، والنخعي، والمزني، وأبي حفص من أصحاب الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). ومهما سجد دون الإمام فقد خالفه، وقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)).
والمختار: أنه لا يجب على المأموم سجود مع ترك الإمام لسجود السهو لأن الإمام لو ترك القعدة الأولى فالمأموم لا يقعدها، وإن كانت القعدة مسنونة فهكذا إذا ترك سجوداً لم يجب على المأموم سجوده.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إن صلاة المأموم قد نقصت بنقصان صلاة الإمام فإذا لم يجبر الإمام صلاته وجب علي المأموم جبران صلاته.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الإمام قد تحمل سهو المأموم لقوله : ((الإمام ضامن)). ولا يعقل الضمان إلا مع تحمله للسهو سواء قام به الإمام أو أسقطه، فلهذا لم يتوجه على المأموم.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأخبار، والأقيسة لا تعارض الأخبار.
الوجه الثاني: إذا سها المؤتم ولم يسه الإمام فهل يسجد المأموم لنفسه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك وأنه لا سجود على المأموم، وهذا هو رأي زيد بن علي، والناصر، والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.

(3/652)


والحجة على هذا: ما روى ابن عمر عن الرسول أنه ليس على من خلف الإمام سهو وهذا نص فيما ذهبنا إليه.
المذهب الثاني: أنه يتوجه عليه السهو، وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن مكحول من الفقهاء.
والحجة على هذا: هو أن المؤتم قد لزمه السجود لسهوه فلا يسقط عنه إلاَّ بتأديته له.
والمختار: ما قاله أئمة العترة، زيد بن علي، والناصر، والمؤيد بالله، وغيرهم من فقهاء الأمة.
وحجتهم: ما حكيناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((ليس على من سها خلف الإمام سهو " )). ومعنى هذا هو أنه ليس لسهوه حكم إذا لم يسه الإمام.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: المؤتم قد لزمه السجود لسهوه فلا يسقط عنه إلا بتأديته.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا يتكرر لزومه للمأموم لكن الشرع قد أسقطه عنه بتحمل الإمام له.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه قياس والأقيسة لا وقع لها مع ورود الأخبار على خلافها وقد دللنا على أن الأخبار واردة بسقوط السهو عن المأموم وتحمل الإمام له.
الوجه الثالث: إذا سها الإمام والمأموم جميعاً فهل يتوجه على المأموم سجود واحد أو سجودان، فنقول أما سجوده لسهو الإمام فهو الواجب عليه ولا خلاف فيه كما مر بيانه، وأما سجوده لسهوه فهل يجب أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو رأي الهادي.
والحجة على هذا: هو أن سهوه منفصل عن سهو إمامه فلأجل هذا وجب عليه سجود السهو لأجل سهوه.
المذهب الثاني: أنه لا يتوجه عليه سجوده لأجل سهوه، وهذا هو رأي زيد بن علي، والناصر، والمؤيد بالله.
والحجة على هذا: ما رويناه من الخبر الدال على بطلان سهو المأموم خلف الإمام، وأن الإمام يتحمل سهوه، وقد قررنا المختار، وذكرنا وجه الانتصار فأغنى عن الإعادة.
نعم.. إذا قلنا بأنه يجب على المؤتم سجودان على رأي الهادي، وأراد المؤتم فعلهما، فأيهما يكون أحق بالتقديم؟ فيه إحتمالان نذكرهما:

(3/653)


الاحتمال الأول: أنه يسقط الترتيب بينهما لأنهما واجبان معاً كما نقوله في قضاء الفوائت، وعلى هذا يبدأ بأيهما شاء.
الاحتمال الثاني: وهو المختار أن يقدم ما وجب عليه لسهو إمامه لأن ذلك أسبق في الوجوب، فلهذا كان أحق بالتقديم، وهذا كله فيمن سبقه الإمام بركعة أو أكثر.
الحكم الخامس: والإمام إذا أحدث في حال الصلاة وقد سهى فاستخلف غيره ثم سهى المقدم في صلاته فإنه يكفيه سجدتان لسهوه وسهو إمامه الأول، أما إجزاؤهما على نفسه فهو ظاهر لقوله : ((لكل سهو سجدتان)). وأما إجزاؤهما عن الإمام الأول فلأنه لما كان خليفة عنه لقيامه مقامه في إتمام الصلاة كان متحملاً لسهوه فلأجل هذا كانت السجدتان مجزيتين عن نفسه وعن الإمام الأول، ولا يتكرر السجود بتكرر السهو بل يكفي لجميع السهو سجدتان كما ورد عن الرسول : ((لكل سهو سجدتان " )). وحكي عن ابن أبي ليلى: أن السجود يتكرر بتكرر أنواع السهو. وهذا لا وجه له لأن لفظ الخبر ليس معناه تعميم السجود على أنواع السهو بالتكرير في السجود، وإنما الغرض أنه خبر في معنى الأمر كأنه قال: اسجدوا لسهو الصلاة فيها كما يقال: لكل ذنب توبة. فإن التوبة كافية عن جميع الذنوب كما أن السهو يكفي فيه وإن تكرر سجدتان. وقد تم سجود السهو.
النوع الثاني: في سجود التلاوة.
وهو مشروع في حق القارئ والمستمع، وهو الذي يطلب السماع ويقصده لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: كان رسول الله ، يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بسجدة كبر وسجدنا معه. ولا خلاف في كونه مشروعاً بين أئمة العترة، وفقهاء الأمة. وهل يكون مشروعاً في حق السامع وهو الذي يسمع من غير قصد للإستماع أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه مشروع في حق السامع أيضاً كما هو مشروع في حق القارئ والمستمع وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة.

(3/654)


والحجة على هذا: قوله [تعالى]: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ}[الانشقاق: 20،21]. ومحكي عن بعض أصحاب الشافعي من أهل خراسان.
المذهب الثاني: ذكره في البويطي أنه قال: لا أؤكده على السامع الذي لم يقصد الاستماع فإن سجده فحسن.
والحجة على هذا: هو أن السبب في السجود إنما تحقق في حق القارئ لأجل القراءة والمستمع لأجل قصد الاستماع، فأما السامع فلم يحصل في حقه السبب في السجود.
المذهب الثالث: أنه لا يشرع السجود إلا في حق القارئ دون السامع والمستمع، وهذا هو المحكي عن مالك.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((في سورة الحج سجدتان " فمن لا يسجدهما لا يقرأهما))(1).
فعلق السجود بالقراءة فدل ذلك على أن السبب في شرع السجود إنما هو القراءة لا غير.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم، من كونه مشروعاً في حق القارئ والمستمع والسامع.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن الأدلة التي دلت على كون السجود مشروعاً لم تفصل بين القارئ والمستمع والسامع.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إنما شرع في حق القارئ والمستمع دون السامع، كما حكي عن الشافعي، وإنما يكون في حق القارئ دون السامع والمستمع كما حكي عن مالك.
__________
(1) القصد: فلا يقرأ الآيتين، والله أعلم، وهما الآيتان (18 و 77)، ويظهر من الخلاف الوارد ضمن هذا المبحث حول وجوب سجود التلاوة أن النهي في هذا الحديث هو للإرشاد إلى فضل السجود، وعند قراءة الآيتين وليس لتحريم قراءتهما إذا لم يسجد قارئهما، والله أعلم.
…أخرجه أبو داود و الترمذي عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، أفي [سورة] الحج سجدتان؟ قال : ((نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما)) وهو في سنن البيهقي2/317، والدارقطني1/408.

(3/655)


قلنا: لا نسلم ما ذكروه بل نقول: إن الأدلة التي ذكرناها لم تفصل بين هؤلاء الثلاثة، وفي هذا دلالة على كونه مشروعاً في حقهم.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: إذا تقرر كونه مشروعاً بما أوردتموه من الأدلة فهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن سجود التلاوة سنة مؤكدة، وليست واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وعمر بن الخطاب وابن عباس من الصحابة رضي الله عنهم، ومن الفقهاء مالك والأوزاعي.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن ثابت أنه قال: عرضت {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى " }[النجم:1] على رسول الله فلم يسجد منا أحد، ولو كان واجباً لفعله وفعلناه.
المذهب الثاني: أن سجود التلاوة واجب. وهذا هو رأي أبي حنيفة، فإنه قال: إنه واجب على القارئ والمستمع.
والحجة على هذا: هو أن بعض السجدات بلفظ الأمر كقوله تعالى في سورة النجم: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا}[النجم:62]. وقوله تعالى في سورة العلق: {كَلاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ }[العلق:19]. وظاهر الأمر للوجوب، وربما ورد على جهة التوبيخ على تركه، لقوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ}[الاشنقاق:20،21]. والتوبيخ إنما يكون على ترك الواجب وما عداها مقيس عليها إذ لا فصل هناك.
المذهب الثالث: محكي عن زيد بن علي وهو أن عزائم السجود أربع: {ألم تنزيل} السجدة، و{حم}السجدة(1)،
وسورة {القلم}(2).
__________
(1) المقصود حم: فصلت وآيتا السجود في السورتين، في الأولى 15 وفي الثانية 38.
(2) المقصود بحسب اسم السورة أنها سوة العلق، أول سورة نزلت من القرآن الكريم، وموضع السجود في آخرها، وكلما وردت هنا باسم القلم فيما يخص سجود التلاوة فهي العلق.

(3/656)


واختلفت الرواية عنه في الرابعة فمرة قال: هي سورة والنجم. ومرة قال: هي سورة انشقت(1).
والحجة على هذا: هو أنا لا نعني بكونه عزيمة إلا وجوبه، وإنما قيل للواجب عزيمة لأنه معزوم على فعله ولا داعي إلى تركه، وإنما كانت هذه الأمور عزائم لأن بعضها أوامر كما مر في سورة النجم والقلم، وبعضها ورد عليه الذم والذم لا يرد على على ما كان واجباً متى يستحق الذم على تركه.
قال زيد بن علي: حدثني أبي عن أبيه عن علي" أنه قال: عزائم السجود في القرآن حم السجدة، والجرز(2)،
وسورة النجم، وسورة القلم. وسائر ما في القرآن إن شئت فاسجد، وإن شئت فلا تسجد، ومثل هذا لا يصدر عن توقيف من جهة الرسول لأنه لا مساغ للإجتهاد فيه بحال لكونه من باب العبادات التي مستندها ما كان توقيفاً من جهة الرسول .
والمختار: ما عول عليه علماء العترة، من كون سجود التلاوة سنة مؤكدة.
__________
(1) هي سورة الانشقاق في الآية 21.
(2) وهي سورة السجدة.

(3/657)


وحجتهم: ما ذكرناه؛ وهو رأي الشافعي، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ على المنبر سورة فيها سجدة فنزل وسجد وسجد الناس معه فلما كان في الجمعة الثانية قرأها فتهيأ الناس للسجود فقال: أيها الناس على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء وهذا مجمع من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد فجرى مجرى الإجماع، وروى عن الرسول زيد بن ثابت قال: قرأت على الرسول سورة (النجم) فلم يسجد فيها فلو كان السجود واجباً لسجد ولأمر به، وروى ابن عمر عن الرسول أنه قرأ سورة و(النجم) فسجد وسجد المسلمون معه والمشركون حتى تراكم الناس في السجود فلما سجد في حال دون حال دل ذلك على أن السجود غير واجب، وروى أبو هريرة عن الرسول أنه قرأ سورة و(النجم) فسجد وسجد الناس معه إلا رجلين أرادا الشهرة فلو كان واجباً لأنكر ذلك عليهما ولم يقرهما عليه، وروى زيد بن أسلم أن غلاماً قرأ عند الرسول حم (السجدة) فانتظر الغلام الرسول ليسجد فلم يسجد فقال يا رسول الله أليس فيها سجدة؟ قال: ((بلىولكنك إمامنا فلو سجدت لسجدنا " )) (1).
فلو كان السجود واجباً لسجد ولأمر به.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: بعض الأخبار دال على الأمر بالسجود عقيب التلاوة، وهو بظاهره دال على الوجوب وربما ورد بعض الأخبار بالتوبيخ، وهو دال علىالوجوب كما حكي عن أبي حنيفة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن الأمر بظاهره للوجوب، وإنما يدل على الطلب والوجوب مأخوذ من دلالة أخرى، والطلب لا دلالة فيه على الوجوب، وهكذا حال التوبيخ فلا نسلم أنه توبيخ وإنما هو حث على الاستحباب فلا دلالة فيه على الوجوب بحال.
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه3/346، وأبو داود في (المراسيل) عن زيد بن أسلم وهو في مصنف ابن أبي شيبة1/379، و(فتح الباري)1/408.

(3/658)


وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأخبار الدالة على كونه سنة ومستحباً، وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح، وأخبارنا راجحة لظهورها وكثرتها واشتهارها.
قالوا: عزائم السجود أربع كما حكي عن زيد بن علي.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن المراد بالعزائم الواجبات وإنما كلامه محمول على تأكد الإستحباب وكثرة الأجر والثواب في فعلها لا أن المراد الوجوب.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأخبار فإنها دالة على الاستحباب فلأجل هذا قضينا برجحانها على غيرها لقوتها وظهورها.
الفرع الثاني: في بيان أعداد السجدات في القرآن. وفيها مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أن أعدادها أربع عشرة سجدة، وهذا هو الظاهر من المذهب، ومحكي عن أبي حنيفة ومالك وابن أبي ليلى وقول الشافعي في الجديد.
الأولى: في سورة (الأعراف) عند قوله في آخرها: {وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ }[الأعراف:206].
الثانية: في سورة (الرعد) عند قوله: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ}[الرعد:15].
الثالثة: في سورة (النحل) عند قوله: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }[النحل:50].
الرابعة: في سورة (بني إسرائيل)(1) عند قوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً }[الإسراء:109].
الخامسة: في سورة (مريم) عند قوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً}[مريم:58].
السادسة: في سورة (الحج) عند قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(2)[الحج:77].
__________
(1) وهي الإسراء.
(2) وهي الأخيرة في الحج.

(3/659)


السابعة: في سورة (الحج) أيضاً عند قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ " }. إلى قوله: {إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}(1) [الحج:18].
الثامنة: في سورة تبارك(الفرقان)عند قوله تعالى:{وَزَادَهُمْ نُفُوراً }[الفرقان:60].
التاسعة: في سورة (النمل) عند قوله تعالى: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ }[النمل:26].
العاشرة: في سورة (الجزر) عند قوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً}. إلى قوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}[السجدة:15].
الحادية عشرة: في سورة حم (السجدة) عند قوله تعالى: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ }[فصلت:38].
الثانية عشرة: في سورة (النجم) في آخرها عند قوله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا }[النجم:62].
الثالثة عشرة:في سورة (الانشقاق) عند قوله: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ }[الانشقاق:21].
الرابعة عشرة: في سورة (القلم) عند قوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}[العلق:19].
والحجة على استحباب السجود عند التلاوة: قوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ}[الإنشقاق:20،21].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله حثهم على الإيمان بالله وبرسوله، وبالسجود عند قراءة القرآن وجمعهما جميعاً، وفي هذا نهاية الحث على السجود عند التلاوة، وما روي أنه كان يسجد إذا تلي ما فيه سجدة من القرآن من الآي التي ذكرناها فدل ذلك على استحباب السجود في هذه الآيات.
__________
(1) وهي الأولى في الحج.

(3/660)


المذهب الثاني: أن عزائم السجود إحدى عشرة آية، وهذا هو المحكي عن ابن عباس، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت من الصحابة رضي الله عنهم، ومن الفقهاء سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحكي عن مالك.
والحجة على هذا: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول لم يسجد في شيء من المفصل(1)
منذ تحول إلى المدينة، والذي في المفصل ثلاث سجدات فتبقى إحدى عشرة التي ذكرناها.
المذهب الثالث: أن السجدات خمس عشرة سجدة، وهذا هو المحكي عن عمرو بن العاص قال: اقرأني رسول الله خمس عشرة سجدة في القرآن تلك أربع عشرة سجدة التي أوضحناها وسجدة في سورة (ص) في قوله: {وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ " }[ص:24]. فهذه مذاهب العلماء في سجدات القرآن كما ترى.
الفرع الثالث: في ذكر الخلاف في هذه السجدات. ويقع الخلاف فيها في مواضع:
الخلاف الأول: ذهب أبو حنيفة: إلى أن سجدة (ص) من عزائم السجود وعزائم السجود عنده أربع عشرة فأثبت سجدة (ص) وأسقط الثانية من سورة الحج. وذهب الشافعي: إلى أن سجدة (ص) لا تعد من عزائم السجود وإنما هي سجدة شكر لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول قال: ((سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكراً )) (2).
__________
(1) قال السيوطي: والمفصل ما ولي المثاني من قصار السور، سمي بذلك لكثرة الفصول التي بين السورة بالبسملة، وأورد الخلاف حول أوله ومنها (ق) و(الحجرات) و(الصافات) و غيرها. إلى 14 قولاً، اهـ 1/63.
(2) رُوي الحديث في سنن البيهقي2/318 والدارقطني1/407، والنسائي2/159، وفي (جواهر الأخبار)1/344 عن ابن عباس أن النبي سجد في (ص) وقال: ((سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكراً)) هذه رواية النسائي، وفي رواية البخاري وأبي داود والترمذي عن عكرمة عن ابن عباس قال: ليست (ص) من عزائم السجود، وقد رأيت النبي يسجد فيها.

(3/661)


الخلاف الثاني: ذهب الشافعي إلى أن سورة الحج فيها سجدتان لما روى عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله في الحج سجدتان؟ قال: ((نعم من لم يسجدهما فلا يقرأهما)). وروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وابن عمر وابن عباس: أنهم يسجدون في سورة الحج سجدتين. وعن عمر: أنه سجد في الحج سجدتين. وقال: فضلت على غيرها بسجدتين. وعن أبي حنيفة أن الواجب في سورة الحج السجدة الأولى عند قوله: {إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ }[الحج:18]. دون الثانية وهي قوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77].
الخلاف الثالث: ليس في شيء من مواضع السجود خلاف إلا في سجدة حم (السجدة) فإن الشافعي يذهب إلى أن محل السجود فيها عند قوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ}[فصلت:38]. وحكي عن أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل وإحدى الروايتين عن الثوري: أن موضع السجود منها عند قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}[فصلت:37].
الخلاف الرابع: سجدة سورة (ص) إذا تقرر كونها سجدة شكر بما روى أبو سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله على المنبر فقرأ على المنبر الآية التي فيها سجدة (ص) فلما بلغ السجود تشزَّن الناس للسجود. فقال: ((إنما هي توبة نبي ولكن قد استعددتم للسجود ))(1).
فنزل وسجد وسجد الناس. فبين بكلامه أنها توبة وليست من عزائم سجدات القرآن. والتشزن بالتاء بنقطتين من أعلاها وشين بثلاث من أعلاها وزاي ونون والتشزن يطلق على معنيين:
أحدهما: الاستعداد والتهيؤ. وقد فسره الرسول بقوله: ((قد استعددتم للسجود)). وروي عن عثمان أنه سئل أن يجلس محضر المذاكرة فقال: حتى أتشزن. أي استعد للاحتجاج.
__________
(1) ورد الحديث في صحيح ابن خزيمة2/354،و ابن حبان6/470، وسنن أبي داود2/59، وفي المستدرك على الصحيحين1/421.

(3/662)


وثانيهما: أن يطلق ويراد به الانزعاج والفشل. كما حكي عن الحجاج أنه قال: نِعْمَ الحالة الإمرة لولا قعقعة البرد والتشزن عند الخطب. فلو سجدها ساجد في غير الصلاة على وجه الشكر جاز ذلك، وإن سجدها في الصلاة، فإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته، وإن كان عالماً بأنها ليست من عزائم السجود فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: بطلان الصلاة لأنها سجدة شكر فإذا فعلها في الصلاة عالماً أبطلها كما لو بلغه شيء يشزيه في الصلاة فسجد فإنه يبطلها.
وثانيهما: أنها لا تبطل لأنها سجدة متعلقة بالتلاوة فلم تبطل الصلاة كسائر السجدات في القرآن.
والأول هو المختار لأن سجدات العزائم محصورة وهذه ليست معدودة منها فلهذا بطلت الصلاة.
الفرع الرابع: ويشترط في سجود التلاوة ما يشترط في الصلاة: من الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، لأنها صلاة في الحقيقة فلهذا اشترط ما ذكرناه كما يشترط في الصلاة.
قال المؤيد بالله: الساجد للتلاوة(1)
يجب أن يكون على طهارة، ويكون ما سجد عليه وفيه طاهراً كالمصلي.
__________
(1) في الأصل: الساجد للطهارة، وتم وضع (التلاوة) بدلاً عنها كونها المقصودة كما يؤكد السياق والموضوع، والله أعلم.

(3/663)


وقال أيضاً: ومن كان محدثاً فليس له أن يسجد للتلاوة ولا لغيرها ولا لوقوع زلزلة وهو المعمول عليه عند أئمة العترة وفقهاء الأمة. فإن قرأ آية فيها سجدة أو سمعها وهو محدث. فقال النخعي: يتيمم ويسجد. وعن بعض أصحاب الشافعي: أنه يتوضأ ويسجد. وهذا هو المختار لأنه قادر على الطهارة بالماء فلا يجوز له التيمم. وعن عثمان، وابن المسيب: أن الحائض إذا سمعت آية فيها سجدة فإنها تُومئ برأسها للسجود وتقول: اللهم لك سجدت. وهذا جيد لأنه لا معنى للطهارة في حقها فلهذا استحب لها ذلك. فإن لم تسجد في مكان السجود لم تسجد بعد ذلك لأنها متعلقة بسبب فإذا فات سقطت كالكسوف إذا انجلى قبل الصلاة فلا وجه للصلاة بعد إنجلائه، وإن أخر السجود وهو في مجلسه نظرت فإن لم يطل الفصل سجد، وإن أطال الفصل لم يسجد.
والتفرقة بين الإطالة وعدم الإطالة هو أن الإشتغال بفعل يعد إعراضاً عن السجود، وإن سجد للتلاوة في مجلس ثم أعاد تلك السجدة في ذلك المجلس فهل يعيد السجود أم لا؟ فحكي عن الشافعي أنه يعيد السجود لأن كل ما اقتضى السجود في مجلسين اقتضاه في مجلس واحد كالآيتين.
وقال أبو حنيفة: لا يسجد لأن السجود قد وقع بوقوع سببه ولم تدل دلالة على التكرير فلهذا بطل، والوجهان جائزان خلا أن ما ذكره الشافعي أحق، لأن تكرير الآية بمنزلة آيتين مختلفتين في توجه السجود، وإن سجد قبل أن ينتهي إلى موضع السجدة لم يصح سجوده كما لو سجد قبل التلاوة، وإن سجد بعد الزيادة على موضع السجود جاز ذلك.
الفرع الخامس: قال السيد أبو طالب: وإذا أراد أن يسجد للتلاوة في غير الصلاة فإنه يستقبل القبلة ثم يكبر لافتتاح السجود. وهل يرفع يديه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يرفع يديه، وهذا هو المحكي عن القاسم لأن رفع اليدين ليس مسنوناً عند القاسمية في الصلاة المفروضة، فلا يسن خارج الصلاة بحال.

(3/664)


وثانيهما: أن المستحب رفع اليدين لافتتاح السجود ثم يكبر تكبيرة ثانية للسجود لا يرفع بهما يديه ثم يكبر إذا رفع رأسه من السجود، وعن بعض أصحاب الشافعي أنه يكبر تكبيرة واحدة لا غير والأول أصح لأن التكبير مسنون في كل رفع وخفض، والمستحب أن يقول في سجوده من الأذكار أموراً ثلاثة:
الذكر الأول: أن يقول في سجوده: ((سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته تبارك الله أحسن الخالقين))(1).
لما روته عائشة عن الرسول أنه كان يقول ذلك في سجود التلاوة.
الذكر الثاني:ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول كان يقول في سجوده للتلاوة: ((اللهم اكتب لي بها عندك أجراً " واجعلها لي عندك ذخراً وضع بها عني وزراً وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ))(2).
الذكر الثالث: أن يقول ما يقوله في سجوده للصلاة، وهذا هو الذي اختاره السيد أبو طالب، فهذه الأذكار كلها مستحبة لكن الأول والثاني أدخل في الاستحباب لأنها خاصة في التلاوة ومأثورة عن الرسول . وهل تفتقر إلى التشهد والسلام أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه لا يفتقر إليهما، وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة على هذا: هو أن المعتمد ما أثر عن الرسول في هذه العبادات لم يؤثر عنه أنه تشهد في سجدة التلاوة ولا سلم، وهو محكي عن بعض أصحاب الشافعي.
المذهب الثاني: يتشهد ويسلم، وهو المحكي عن بعض أصحاب الشافعي.
وحجتهم على هذا: هو أنه سجود افتقر إلى الإحرام، فلهذا كان مفتقراً إلى التشهد والسلام.
المذهب الثالث: أنه يفتقر إلى السلام دون التشهد، وهذا هو قول بعض أصحاب الشافعي.
وحجتهم على هذا: هو أنه سجود يحتاج إلى الإحرام فلا يخرج عنه إلا بالتسليم كسجود الصلاة.
فإن كان القارئ سائراً في السفر فهل يكفيه الإيماء، أو يحتاج إلى وضع جبهته على الأرض؟ فيه وجهان:
__________
(1) أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي.
(2) أخرجه الترمذي2/472.

(3/665)


أحدهما: أنه يستحب وضع جبهته على الأرض لأن المستحب هو السجود ولا يعقل السجود الشرعي إلا بما ذكرناه فلهذا توجه عليه.
وثانيهما: أنه يكفيه الإيماء لأن السفر عذر فأشبه المرض.
وهل يكفى الركوع على السجود أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن السجود هو المتعين فلا يقوم الركوع مقامه، وهذا هو الذي يأتي على المذهب، وهو محكي عن الشافعي لأن المعتمد فيه هو فعل الرسول ولم يكن يركع عوض السجود.
وثانيهما: أنه بالخيار إن شاء سجد وإن شاء ركع، وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة.
وحجته على هذا: هو أن القصد بالسجود إنما هو الخضوع والخشوع وامتثال الأمر وهذا كما يحصل بالسجود فهو حاصل بالركوع.
الفرع السادس: وإن كان سجود التلاوة في أثناء الصلاة نظرت فإن كان في صلاة النفل جاز ذلك ولم يبطلها السجود، وهذا هو رأي القاسم، والهادي والمؤيد بالله ومحكي عن الناصر، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن مبنى النوافل على التخفيف من جهة الشارع، ولهذا فإنه يجوز أداؤها من قعود مع القدرة على القيام ومسلكها واسع فلهذا جاز فيها ما لا يجوز في الفرائض، وإن كان سجود التلاوة في الصلاة المفروضة فهل يجوز أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن ذلك غير جائز، وإن وقع فيها أفسدها، وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله.
والحجة على هذا: ما روى نافع عن ابن عمر، قال: كان رسول الله يقرأ علينا السورة من القرآن فإذا كان فيها سجدة فيسجد ونسجد معه في غير الصلاة وهذا تصريح بأنه لم يكن يسجد إذا قرأ فيها السجدة إذ لولا ذلك لكان لا معنى لقوله في غير الصلاة.
الحجة الثانية: قوله لمن علمه الصلاة: ((افتتح وكبر واقرأ إن كان معك قرآن " ))(1).
ولم يقل واسجد ما فيه سجدة فلو كانت السجدة من مفروضاتها أو مسنوناتها لأمره بها لأن القصد بالخبر بيان مفروضها ومسنونها.
__________
(1) أخرجه النسائي وأبو داود من حديث رفاعة بن رافع، وقد تقدم.

(3/666)


الحجة الثالثة: هو أنه زاد في الصلاة ذكراً زيادة ليست منها لو نقص مثلها في موضعها لبطلت فوجب أن تفسدها دليله إذا زاد ركعة.
المذهب الثاني: أن زيادة سجدة التلاوة لا تبطل الصلاة فريضة كانت الصلاة أو نافلة فيجب عليه أن يسجدها على رأي أبي حنيفة، ويستحب له أن يسجدها على رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قرأ في صلاة الصبح حم (السجدة) فسجد لها وفي هذا دلالة على جواز سجود التلاوة.
الحجة الثانية: هو أن النوافل كالفرائض في الصحة والفساد فما أفسد إحداهما أفسد الأخرى، وما جاز في إحداهما جاز في الأخرى، ولا شك أن النوافل يجوز فيها سجود التلاوة فهكذا في الفرائض من غير فرق بينهما.
الحجة الثالثة: هو أن هذه السجدة من الصلاة، فجازت زيادتها كزيادة القراءة، فهذه الأدلة كلها دالة على جواز سجود التلاوة في الفرائض.
والمختار: جواز تأدية سجود التلاوة في الفريضة كما قاله الفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن سجود التلاوة كبقية في القراءة لأنها سبب في السجود فإذا جاز زيادة القراءة في الصلاة المكتوبة جاز زيادة السجود.
ومن وجه آخر: وهو أن الآيات الدالة على سجود التلاوة كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77]. وقوله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا }[النجم:62]. وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً}[الرعد:15]. وغيرها من الآيات الدالة على كون سجود التلاوة مشروعاً لم يفصل بين أن يكون في الصلاة أو في غير الصلاة ولا فرق بين أن يكون في الصلاة المكتوبة أو في صلاة النافلة، وفي هذا دلالة على جوازها في الفروض.

(3/667)


ومن وجه ثالث: وهو أن التلاوة سبب في السجود والسبب جار مجرى العلة فلا يجوز تأخر أمر حكم السبب عن سببه كما لا يجوز تأخر حكم العلة عن العلة، وإذا كان الأمر كما قلناه فحيث وجدت القراءة التي هي سبب في السجود لم يجز تأخر السجود، ونظير هذا أن السرقة سبب في القطع والزنا سبب في الرجم، وهكذا سائر الأسباب فإنها مؤثرة في وجود مسبباتها فيجب أن تكون التلاوة مؤثرة في حصول السجود ولا تختص محلاً دون محل ولا مكاناً دون مكان وفي هذا حصول غرضنا.
ومن وجه رابع: وهو أن التلاوة ذكر فجاز السجود عقيبها كالقراءة في الصلاة.
ومن وجه خامس: وهو أن هذه السجدة زيادة مشروعة في الصلاة لأجل وجود سببها فلم تكن مفسدة للصلاة كزيادة الركوع في صلاة الخسوف.
فهذه الأوجه كلها دالة على أن سجود التلاوة غير مفسد للصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: روى ابن عمر عن الرسول أنه يقرأ السورة التي فيها سجدة فيسجدها ويسجد معه في غير الصلاة، وفي هذا دلالة على أنها غير مشروعة في الصلاة المفروضة وأنها مفسدة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن التلاوة وقعت في غير الصلاة وهي تابعة لسببها ولهذا قال في غير الصلاة فمن أين أنها لو وقعت في الصلاة لم يسجدها فلا بد من دلالة على هذا.
وأما ثانياً: فلأن هذا الإستدلال يبطل جوازها في صلاة النافلة وأنتم قد جوزتموه فيها، فإذا جاز في النافلة لدلالة خاصة جاز في الفريضة لدلالة خاصة.
ومن وجه ثالث: وهو أنه إنما قال: في غير الصلاة ليدل على أنه في الصلاة أدخل في الجواز لأن السجود بالصلاة أخص وبها أمس فما ذكرتموه إذن أدل على ما ذهبنا إليه.
قالوا: الرسول قال لمن علمه الصلاة: ((افتتح الصلاة وكبر واقرأ إذا كان معك قرآن )). ولم يقل واسجد إذا كان فيها سجدة فلو كانت السجدة مشروعة لذكرها لأنه في محل التعليم.
قلنا: عن هذا جوابان:

(3/668)


أما أولاً: فلأن ما ذكرتموه إنما يدل على أن السجدة للتلاوة غير واجبة، ونحن نقول: بذلك، وليس فيه دلالة على أنها غير مشروعة في الصلاة وهو المقصود.
وأما ثانياً: فلأنه إنما لم يذكره لمن علمه الصلاة لأن غرضه ذكر الفروض دون النوافل، فلهذا لم يذكره.
قالوا: إن هذه السجدة زيادة في الصلاة على جهة الذكر والعمد لسبب فيها فيجب أن تكون مفسدة لها كما لو زاد ركعة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه لا مجرى للأقيسة في العبادات فإنها أمور غيبية مستندها كلام صاحب الشريعة وما ورد عنه، فأما الأقيسة فلا وقع لها في تقريرها وإثباتها.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكرتموه من القياس معارض بمثله، فإنا نقول: زيادة غير مفسدة للنافلة فلا تكون مفسدة للفريضة كالقراءة فقد وضح لك بما ذكرناه أن السجود للتلاوة غير مفسد للصلاة المفروضة بما ذكرناه.
الفرع السابع: إذا قرأ صبي آية فيها سجدة ولم يسجد فهل يتوجه على المستمع السجود أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يستحب له السجود، وهذا هو قول أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن المستحب السجود لهما جميعاً لحصول سبب السجود وهو التلاوة، فإذا حصل في القارئ عارض عن السجود إما إعراضه عن السجود وإما لأنه غير صالح للسجود كالصبي والكافر لم يسقط الاستحباب عن المستمع.
المذهب الثاني: أنه لا يسجد، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى زيد بن أسلم أن غلاماً قرأ عند رسول الله السجدة فانتظر الغلام الرسول لعله يسجد فلم يسجد فقال: يا رسول الله أليس فيها سجدة؟. فقال: ((بلى ولكنك إمامنا فلو سجدت سجدنا " )).

(3/669)


والمختار: هو الأول. قال زيد بن علي في الرجل يسمع السجدة من الذمي والمرأة والصبي أنه يسجد. وهذا مطابق لما اخترناه، ومن قرأ السجدة الواحدة وأعادها مراراً في مجلس واحد فعليه سجدة واحدة، فإن أعادها في مجالس فعليه لكل تلاوة سجدة، وإن كانت سجدات مختلفة فلكل تلاوة سجدة في مجلس كان أو مجالس، وإن تلى سجدة فسجدها ثم أعادها في ذلك المجلس فلا سجود عليه ولا تكره قراءة السجدة في الصلاة عند الشافعي.
وقال مالك: تكره.
وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: تكره قراءتها في السريَّة دون الجهرية.
والمختار: هو الأول لقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}[المزمل:20]. ولم يفصل بين ما فيه سجدة وبين ما ليس فيه سجدة.
والمستحب: للمصلي إذا مر بآية رحمة أن يسألها، وإذا مر بآية عذاب أن يتعوذ منه سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً عند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يستحب ذلك في النفل دون الفرض.
والمختار: هو الأول لما روى حذيفة بن اليمان أنه قال: صليت خلف رسول الله فقرأ البقرة فما مر بآية رحمة إلا سألها، ولا بآية عذاب إلا استعاذ منه، وكذلك سورة آل عمران والنساء حتى هممت بأمر سوء، فقيل: وما هو؟ قال: أردت أن أقطع الصلاة. وسواء كان ذلك في فرض ونفل لأن ما لا يكره في النفل ولا يفسده، فلا يكره في الفرض ولا يفسده.
النوع الثالث: في سجود الشكر.
لا خلاف أنه ليس واجباً إذ لا قائل بوجوبه، وهل يكون مستحباً أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه مستحب ممن تجددت عليه نعمة ظاهرة مثل أن يرزقه الله ولداً أو يصيب مالاً أو وجد ضالة أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة مثل أن يكون محبوساً فيفك عنه حبسه أو مريضاً فيشفى أو يكون له عسكر في مقابلة عدو فيهزم. فالمستحب له أن يسجد، وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو محكي عن الشافعي، وأحمد بن حنبل.

(3/670)


والحجة على هذا: ما روى حذيفة بن اليمان قال: كنت مع رسول الله فتقدمني فتبعته فوجدته ساجداً فوقفت أنتظره فأطال السجود ثم رفع رأسه. فقلت: خشيت أن يكون الله قد قبض روحك في سجودك؟ فقال: ((إني قد كنت وضعت رأسي فلقيني جبريل فأخبرني عن الله تعالى أنه قال: من صلى عليك صلاة صليت عليه مائة صلاة))(1).
المذهب الثاني: أن سجود الشكر مكروه، وهذا هو رأي مالك.
والحجة على هذا: هو أن نعم الله كانت على الرسول متواترة والآؤه لديه متوالية ظاهرة، ومننه عليه سابلة غامرة من حين بعثه الله إلى أن قبضه، ومما أنعم الله عليه اجتباؤه واصطفاؤه للنبوة والرسالة وائتمنه على وحيه وجعله سفيراً بينه وبين خلقه وجعله خاتم النبيين وسيد المرسلين، وأيده بالبراهين الباهرة والحجج الواضحة الزاهرة والمعجزات الدالة على صدقه وصحة نبوته من عند ربه وصحة ما جاء به من الشرائع النيرة وتقرير أمور الآخرة، ولم ينقل أنه سجد لشيء من ذلك شكراً لله تعالى واعترافاً بما أنعم الله عليه، فلو كان مستحباً لنقل ولما تركه عند تجدد هذه النعم، ولو فعل لنقل فلما لم ينقل دل على أنه لم يفعل. والكراهة هي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة مثل مقالة مالك.
المذهب الثالث: أنه غير معروف لا باستحباب ولا بكراهة، وهذا هو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة لأنه قال: لا أعرف سجود الشكر.
__________
(1) أورده في (مجمع الزوائد)2/287 ورواه من طريق أخرى احمد وصححه الحاكم، وأخرجه البزار وابن أبي عاصم عن عبد الرحمن بن عوف بلفظ: ((من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه)) الحديث، وفي رواية ((أخبرني جبريل أنه من صلى علي مرةً صلى الله عليه عشراً، فسجدت لله شكراً)).

(3/671)


والحجة على هذا: هو أن المعتمد في معرفة حكم الأشياء في الوجوب والندب والكراهة والاستحباب، إنما هو ما كان من جهة الله أو عن رسوله، وليس عن غيره، إذ لم ينقل عن صاحب الشريعة في سجود الشكر إيجاب ولا ندب ولا كراهة، وفي هذا دلالة على أن حكمه غير معلوم، ويؤيد ما ذكرناه أنه رُوْي عن الرسول أنه قال: ((إذا رأيتم البلاء فاسألوا الله العافية " ))(1).
ولم يذكر السجود فدل ذلك على أنه لا يعرف حكمه.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم على استحباب سجود الشكر.
وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((سجد أخي داود توبة ونحن نسجد شكراً " )) (2).
الحجة الثانية:(3)
خر ساجداً لله تعالى، وعنه أنه رأى شيئاً أعجبه فخر لله تعالى شكراً.
__________
(1) جاء في (جواهر الأخبار)1/345 نقلاً عن (التلخيص) أن رسول الله رأى رجلاً نغاشيَّاً فخر ساجداً، ثم قال: ((أسأل الله العافية)) قال: هذا الحديث ذكره الشافعي في (المختصر) بلفظ: سجد شكراً لله، ولم يذكر إسناده، وكذا صنع الحاكم في (المستدرك) واستشهد به على حديث أبي بكرة، وهو في سنن أبي داود.
…والنغاشي-بضم النون فغين وشين معجمتان-: هو القصير جداً، الضعيف الحركة، الناقص الخلق.
(2) تقدم.
(3) محل الفراغ غير واضح في الأصل، ويقارب الفراغ في المخطوطة سطراً كاملاً.

(3/672)


الحجة الثالثة: وروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه لما هزم الخوارج وطلبوا ذا الثدية في القتلى فلم يجدوه فجعل يعرق جبينه ويقول والله ما كذبت ولا كذبت فطلبوه فوجدوه تحت القتلى في ساقية أو جدول فلما رآه خر لله ساجداً. وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه لما بلغه فتح اليمامة وقتل مسيلمة الكذاب(1)
خر لله ساجداً فهذه الأدلة كلها دالة على استحباب سجود الشكر وأنه مشروع بما أوضحناه عن الرسول وعن الصحابة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قد خصه الله بما خص من الكرامات وإظهار المعجزات فلم يسجد لشيء من ذلك ولا فعل ولو فعل لنقل وكل ما ليس عن الرسول ولا عن الله تعالى فهو بدعة مكروه.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، أبو ثمامة، عُرف بـ: مسيلمة الكذاب؛ لأنه ادعى النبوة باليمامة حيث ولد ونشأ، في أواخر أيام سول الله ، وكان رسول الله هو الذي لقبَّه بالكذاب، وذلك أنه كتب رسالة إلى النبي : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد فإني قد أُشركت في الأمر معك وإن لنا نصف ا لأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون، فأجابه رسول الله : ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)) وذلك في أواخر سنة10 للهجرة، وقد أكثر من وضع أسجاع يضاهي بها القرآن، وتوفي رسول الله قبل القضاء على فتنته، فلما انتظم الأمر لأبي بكر بعث إليه خالد بن الوليد على رأس جيش قوي هاجم ديار بني حنيفة، وصمد هؤلاء فكان عدة من استشهد من المسلمين ألفاً ومأتي رجل، منهم أربعمائة وخمسون صحابياً كما في (الشذارت) وانتهت المعركة بظفر جيش المسلمين وهزيمة مسيلمة الكذاب سنة 14هـ، (الأعلام)7/226، وحكاية مسيلمة وترجمته منتشرة في الكثير من المراجع.

(3/673)


أما أولاً: فلأنا لم نقل إن السجود يفعل عند كل نعمة فيلزم ما قلتموه، ولهذا فإن خلق الواحد منا نعمة، وحياته نعمة، وعقله نعمة، والعلم والقدرة والشهوة نعم من الله تعالى ولا حاجة إلى السجود لها.
وأما ثانياً: فإنا قلنا إنه مخصوص بتجدد نعمة وزوال نقمة فما كان بهذه الصفة استحب في حقه السجود كما قررناه من قبل فظهر بما قلناه بطلان كلام مالك في كونه مكروهاً.
قالوا: المعرفة التي نعتمد عليها في حكم الأشياء بما ورد به الشرع عن الله أو عن رسوله وسجود الشكر لم تدل عليه دلالة فبطل حكمه كما حكي عن أبي حنيفة.
قلنا: قد أوضحنا ما ورد فيه من الأخبار عن رسول الله وعن الصحابة فلا وجه لأن يقال لم يرد فيه شيء عن الله ولا عن رسوله، وكيف لا وقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن الرسول مر برجل به زمانة فنزل وسجد شكراً لله تعالى، ومر برجل أعمى فنزل وسجد شكراً لله تعالى.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: والذي اعتبرناه في سجود التلاوة من الطهارة من الأحداث، والطهارة من النجاسات، في الثياب، والأبدان، والأمكنه، وسجوده في موضع طاهر، واستقبال القبلة، وستر العورة، فإنه معتبر في سجود الشكر لأنهما مستويان في كونهما سجوداً يقصد به القربة، وهذا هو الذي قرره السيد أبو العباس والمؤيد بالله للمذهب، فأما السيد أبو طالب فقد قال: لو فعل هذين السجودين سجود التلاوة وسجود الشكر من غير طهارة لكان مجزياً، وما أرى هذا القول بعيداً من الصواب، ويدل على ذلك هو أن هذه الأمور إنما تشترط إذا كان السجود للصلاة فأما إذا كان سجوداً مجرداً عن كونه من الصلاة فلا وجه لاشتراط ما ذكرناه من اشتراط سجود الصلاة.

(3/674)


ومن وجه آخر: وهو أن سجود التلاوة وسجود شكر النعم وسجود دفع البلوى تكاد تعرض كثيراً فلو اعتبرنا فيه ما ذكرناه من اشتراط الطهارة من الحدث والنجس وسائر شروط سجود الصلاة لشق ذلك على كثير من الناس فيؤدي إلى تركه. وإذا قلنا: بأن الطهارة غير معتبرة في حقه خف محمله وسهل فعله خاصة في النوافل فإن الشرع قد بنى أمرها على الخفة ليسهل فعلها ويرغب في تحصيلها.
الفرع الثاني: ومن أراد فعل سجود الشكر نظرت فإن كان ذلك خارجاً عن الصلاة فإنه يكبر للافتتاح للسجود ثم يكبر للسجود ويسبح في حال سجوده تسبيح السجود، وإن قال في سجود شكر النعمة: الحمد لله الذي خصنا بفواضل نعمه وألهمنا شكرها وذكرها. وفي دفع البلوى: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به غيري وأصح جسمي. لكان حسناً، وإن كان في الصلاة لم يسجد لأن سبب السجدة ليس من الصلاة في شيء بخلاف سجدة التلاوة فافترقا، فإن سجد في الصلاة بطلت.
الفرع الثالث: وهل يظهر سجود الشكر أو يخفيه؟ فينظر فيه فإن كان لتجدد النعمة فإنه يظهره لقوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ }[الضحى:11]. والمعنى فحدث بشكرها والاعتراف بحقها. ولقوله : ((إن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته عليه ، ويكره البؤس والتباؤس))(1)،
وإن كان السجود لرفع بلية، نظرت فإن رأى فاسقاً أو كافراً فسجد لله حين عصمه من فسقه وكفره فإنه يظهر ذلك ليراه الغير فيفعل مثل فعله، وإن رأى مبتلى ببلية فسجد شكراً لله حين عآفاه مما ابتلى غيره فإنه يخفيه مخافة أن يراه المبتلى فيسخط ويحزن ويقع في نفسه ضيق وحرج. وبتمامه يتم الكلام في باب السهو وما يتعلق به والحمد لله.
__________
(1) أخرجه ابن حبان 14/234، والبيهقي3/271.

(3/675)


الإنتصار
على علماء الأمصار
في تقرير المختار من مذاهب الأئمة
وأقاويل علماء الأمة
تأليف الأمام / يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم الحسيني
توفي عام 749 هـ
الجزء الرابع
تحقيق
عبدالوهاب بن علي المؤيد علي بن أحمد مفضل
أعده إلكترونياً
نزار بن عبدالوهاب المؤيد طارق بن محمد الصعدي
ملاحظة : هذه نسخة إلكترونية أولى ونرحب بأي ملاحظات على البريد الإلكتروني :
info@awahab.com
حقوق الطبع محفوظة لدى مؤسسة الإمام زيد (ع) الثقافية

(4/1)


---
كتاب صلاة الجمعة
وفي لفظها لغتان: ضم الميم وسكونها، وقد قرئ بهما جميعاً.
اعلم أن يوم الجمعة يوم فاضل، والدلالة على فضله قوله تعالى: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ.، وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}[البروج:2،3]. فاليوم الموعود: يوم القيامة. والشاهد: يوم الجمعة يشهد بما عُمِل فيه من الأعمال الصالحة في يوم الجمعة، وبالمواضبة عليها والحث على فعلها، والمشهود: يوم عرفة لأن الخلائق ممن حج البيت يشهدونه، فأقسم الله تعالى بهذه الأيام لعظمها وفضلها.
وروى أبو هريرة عن الرسول÷ أنه قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة.، يوم خلق الله فيه آدم وفيه أهبط من الجنة وفيه تاب الله عليه وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مسيخة من حين يطلع الفجر إلى حين تطلع الشمس يوم الجمعة شفقاً من قيام الساعة إلا الثقلين الجن والإنس)). والمسيخة بالسين بثلاث من أسفلها وياء بنقطتين من أسفلها وخاء بنقطة من أعلاها. ويقال مصيخة بالصاد المهملة أي مصغية أخذاً من قولهم: أصاخ بإذنه. إذا أصغاها للسماع، وفيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه))(1).
وقد اختلف العلماء في هذه الساعة فقيل: إن أصحاب رسول الله اجتمعوا وتذاكروا فيها فتفرقوا ولم يختلفوا في أنها آخر ساعة يوم الجمعة.
وقيل: من بعد العصر إلى غروب الشمس.
وقيل: من الفجر إلى طلوع الشمس.
__________
(1) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله÷: ((خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، ففيه خلق الله آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه)).
قال ابن بهران: أخرجه الستة إلا البخاري ومسلم بروايات عدة، في بعضها قصة، وفي معناه أحاديث أخر. اهـ. (تخريج البحر) 2/3.

(4/2)


وقيل: من زوال الشمس إلى أن يدخل الإمام في الصلاة.
وقيل: من خروج الإمام إلى فراغه من الصلاة.
وقال كعب: لو قسم إنسان جمعة في جمع أتى على تلك الساعة. وأراد: أنه يدعو في كل جمعة في ساعة حتى يأتي على جميع اليوم.
وكانت العرب تسميه: العروبة. وهو عندهم اليوم الذي بين الخميس والسبت، يقول الشاعر:
نفسي الفداء لأقوام هم خلطوا
يوم العروبة أوراداً بأوراد
فإذا عرفت هذا فلنذكر من تجب عليه الجمعة، ومن لا تجب عليه، ثم نذكر الشرط في صحتها، ثم نردفه بذكر صفتها وهيئتها، ثم نذكر حكم الصلاة إذا اختل شرط من شروطها بعد التلبس بها. فهذه فصول أربعة نذكر ما يختص كل واحد منها من الأسرار والتفاصيل

(4/3)


---
الفصل الأول في بيان من تلزمه الجمعة، ومن لا تلزمه
والأصل في وجوب الجمعة الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]..الآية. ودلالتها على الوجوب من أوجه ثلاثة:
الأول منها: أنه أمر بالسعي وظاهر الأمر يدل على الوجوب.
الثاني منها: أنه نهى عن البيع وقت النداء إليها، ولا ينهى عن المباح [إلا] إذا ترك به الواجب، وما ترك به الواجب فهو محظور.
الثالث: أنه وبخ على تركها بقوله في آخر الآية: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا}[الجمعة:11]..الآية. ولا يوبخ إلا على ترك واجب.
فهذه الأوجه كلها دالة على وجوبها كما ترى.
وأما السنة: فما روى جابر عن رسول اللّه÷ أنه قال: ((من ترك الجمعة ثلاثة أسابيع من غير عذر طبع الله على قلبه " ))(1).
وروى جابر عن رسول اللّه÷ أنه قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة ))(2).
__________
(1) روى نحوه الخمسة بلفظ: ((من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه)) عن أبي الجعد الضمري، وأخرج حديث جابر أحمد وابن ماجة والنسائي وابن خزيمة والحاكم بلفظ: ((من ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه)) قال الدار قطني: هو أصح من أبي الجعد. اهـ (فتح الغفار) 1/337.
(2) رواه البيهقي 3/184، والدار قطني 2/3، وابن أبي شيبة 1/446.

(4/4)


وعن جابر أيضاً أن رسول اللّه÷ قال على المنبر وهو يخطب: ((أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغَلوا، وأكثروا الصدقة ترزقوا وتؤجروا، واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة في عامكم هذا في شهركم هذا في ساعتكم هذه فريضة مكتوبة، فمن تركها جاحداً لها واستخفافاً بحقها، فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له ولا حج له ولا صوم له، ولا بِرَّ له، إلا أن يتوب، فإن تاب تاب الله عليه))(1).
وروي عن الرسول÷ أنه قال: ((الجمعة واجبة على كل مسلم إلا على أربعة: الصبي والعبد والمرأة والمريض)) (2).
وروى كعب القرظي عن رسول الله÷ أنه قال: ((الجمعة واجبة ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة ، إلا على المرأة، والصبي، والمملوك، والمريض)).
وأما الإجماع: فهو منعقد من الصدر الأول إلى يومنا هذا على وجوبها لا مخالف فيه، وعلى فضلها، ومما يدل على فضلها قوله÷: ((إن لله في كل يوم جمعة ستمائة ألف عتيق كلهم قد استوجب النار))(3).
__________
(1) وروى الحديث أبو سعيد قال: خطبنا رسول÷ فقال: ((... الحديث)) أخرجه الطبراني في الأوسط، وبين اللفظين بعض الاختلاف، ورواه البيهقي 3/171، وابن ماجة 1/343.
(2) رواه البيهقي في سننه 3/183، وابن أبي شيبة 1/446، والطبراني في (الأوسط) 6/23، و(الكبير) 8/321.
(3) ذكره ابن أبي يعلى في مسنده 6/156، وهو في (شعب الإيمان) 3/114.

(4/5)


وفي حديث آخر: ((سيد البقاع مكة وسيد الشهور شهر رمضان وسيد الأيام يوم الجمعة)) (1).
وفي حديث آخر: ((الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما من الذنوب ))(2).
وفي حديث آخر: ((من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد)) (3).
وفي حديث آخر: ((من مات يوم الجمعة وقاه الله عذاب القبر))(4).
وفي حديث آخر: ((ألا وإن الجمعة حج المساكين، ألا وإن الجمعة جهاد كل ضعيف)) (5).
وعن الرسول÷، أن جبريل أتاه [و] في يده مرآة بيضاء فقال: ((هذه يوم الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون عيداً لك ولأمتك ))(6). وفي حديث آخر: ((إذا كان يوم الجمعة نزل جبريل في كوكب من الملائكة معهم صحف من فضة وأقلام من ذهب يقعدون على أبواب السكك والطرقات يكتبون الأول فالأول)) (7).
التفريع على هذه القاعدة:
__________
(1) وروى أحمد وابن ماجة نحوه عن أبي لبابة البدري أن رسول الله÷ قال: ((سيد الأيام يوم الجمعة، وأعظمها عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى، فيه خمس: خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله تعالى آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا آتاه الله تعالى ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلاَّ هن يشفقن من يوم الجمعة)).
(2) أخرجه مسلم 1/209، وابن ماجة 1/345، وعبد الرزاق في (المصنف) 3/267.
(3) ذكره في (تحفة الأحوذي) 4/160، وفي (كشف الخفا) 2/370.
(4) رواه عبد الرزاق في مصنفه 3/269، وأحمد في مسنده 2/176.
(5) جاء الحديث في (مسند الشهاب) 1/81، وفي (شرح السيوطي) 3/90، وفي (ميزان الاعتدال) 5/373.
(6) ذكره في (مجمع الزوائد) 10/421، وفي (السنة) لعبد الله بن أحمد بن حنبل 1/250، وفي (الترغيب والترهيب) 4/310.
(7) أخرجه البخاري 1/314، ومسلم 2/587 عن أبي هريرة، وهو في سنن البيهقي 5/229، ومسند أحمد 2/239.

(4/6)


الفرع الأول: الجمعة فرض من فروض الأعيان عند أئمة العترة وفقهاء الأمة.
ونقل بعض أصحاب الشافعي عن الشافعي أنه يقول: بأنها فرض على الكفاية. لأنه قال: ومن وجبت عليه صلاة الجمعة وجبت عليه صلاة العيدين، وقد غلطه سائر أصحاب الشافعي في هذا الوهم، وقالوا: إن مراد الشافعي: أن كل من وجبت عليه الجمعة على جهة الوجوب فهو مخاطب بالعيدين على جهة الاستحباب.
وهذا جيد لأمرين:
أما أولاً: فلأن المنصوص له في سائر كتبه: وجوبها على الأعيان.
وأما ثانياً: فلأنه لا يخالف ما وقع عليه الإجماع قبله وبعده على كونها فرض عين، فبطل ما ذكره هذا المتوهم من أصحابه.
ونعني بكونها فرضاً من فروض الأعيان: هو أنه لا يختص بها شخص دون شخص عند تكامل شروطها، وأن الحرج والإثم لازمان لكل من أخل بها بخلاف فرض الكفاية فإنه مخالف لما ذكرناه.
فإذا ثبت هذا فإن الجمعة لا تجب إلا على من وجدت فيه شروط سبعة: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورة، والحرية، والصحة، والاستيطان .
ونعني بالإسلام: أن لا يكون كافراً.
ونعني بالبلوغ: أن لا يكون صبياً صغيراً.
ونريد بالعقل: ألا يكون مجنوناً ولا معتوهاً.
ونعني بالذكورة: ألا يكون امرأة، ولا خنثى لبسة.
ونعني بالحرية: ألا يكون عبداً مملوكاً.
ونعني بالصحة: أن لا يكون مريضاً ولا مقعداً ولا أعمى.
ونريد بالاستيطان : أن لا يكون مسافراً.
فصارت هذه الشروط باعتبار العبادات، الجمعة وغيرها، على أربعة أضرب:
الضرب الأول: يعم الجمعة وغيرها من العبادات البدنية كالصلوات الخمس والصوم والحج، وهي أمور ثلاثة: الإسلام والبلوغ والعقل. فهذه الشروط الثلاثة لا بد من اعتبارها في جميع العبادات كلها فلا بد من اشتراط الإسلام، لأن من هو كافر فلا يخاطب بهذه العبادات، وهكذا البلوغ فإن الطفل الصغير لا يخاطب بها ولا يمكن حصولها من جهته، وهكذا حال العقل فإن المجانين لا تعقل في حقهم العبادات.

(4/7)


الضرب الثاني: يشترط في الجمعة وحدها وذلك أمور أربعة: الذكورة، والحرية، والصحة، والاستيطان ، واشترطنا الذكورة من جهة أن النساء لا جمعة لهن، واشترطنا الحرية لأن العبيد لا جمعة لهم، واشترطنا الصحة فإن المريض والمقعد والأعمى لا تجب عليهم لأجل ضعف الحال، واشترطنا الاستيطان فإن المسافر لا تتوجه عليه الجمعة.
الضرب الثالث: ما يشترط في الوجوب دون الإجزاء وذلك أمور خمسة: البلوغ والحرية والذكورة والصحة والاستيطان ، فهؤلاء(1)
لا تجب عليهم الجمعة لكنهم إذا حضروها أجزتهم لأنهم من أهلها ولكن الشرع خفف الأمر في حقهم فأسقط وجوبها عنهم.
الضرب الرابع: يشترط في الوجوب والإجزاء وذلك شرطان وهما: الإسلام، والعقل، فالكافر لا تجب عليه الجمعة. وهل يكونون مخاطبين بالشرائع أم لا؟ فيه خلاف قد استقصيناه في كتاب الصلاة، وذكرنا المختار، والانتصار له، فأغنى عن الإعادة. ولا تجب الجمعة على صبي ولا مجنون لفقد العقل الذي هو ملاك التكليف.
الفرع الثاني: ولا تجب الجمعة على المرأة لما روى جابر: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة ، إلا على امرأة أو مريض أو مسافر أو عبد)). ولقوله÷: ((ليس على النساء جمعة، ولا جماعة )). وروى أبو عمرو الشيباني(2)،
__________
(1) واضح أنه يقصد: عكس أهل هذه الصفات وهم: الصبية والعبيد والنساء والمرضى والمسافرون.
(2) سعد بن إياد الكوفي من بني شيبان بن ثعلبة، سمع بالنبي÷ وهو يرعى لأهله، روى عن علي وابن مسعود وأبي مسعود الأنصاري، وحذيفة بن اليمان، وعنه: أبو إسحاق الهمداني، وسلمة بن كهيل، ومنصور والأعمش وغيرهم.
…جاء في (الجرح والتعديل) عن يحيى بن معين أنه سئل عن أبي عمرو الشيباني فقال: كوفي ثقة. اهـ 2/417، وفي (مشاهير علماء الأمصار) 1/100: أنه حج في الجاهلية حجتين، وكان في أيام النبي صبياً يعقل وليست له صحبة، مات سنة 101 عن 140 سنة.

(4/8)


قال: رأيت ابن مسعود يخرج النساء من الجامع يوم الجمعة، ويقول أخرجن إلى بيوتكن هو خير لكن.
ولا بأس بحضور العجائز اللاتي لا رغبة للرجال فيهن، لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((إلا عجوزاً بمنقليها)) (1).
راد بنعليها.
قال الشافعي في الأم: وأحب للعجائز إذا أذن لهن أزواجهن حضور الجمعة؛ لأنها لا تشتهى. وقد قال÷: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد اللّه )). [وهو] محمول على ما ذكرناه.
ولا تجب الجمعة على الخنثى؛ لأنه يحتمل أن يكون ذكراً فتجب عليه، ويحتمل أن يكون امرأة فلا تجب عليه، وإذا احتمل الأمران لم تجب الجمعة بالشك.
وهل تجب الجمعة على المسافر أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها غير واجبة عليه، وهذا هو رأي زيد بن علي والباقر والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك.
والحجة على هذا: ما رويناه من حديث ابن عباس(2)
فإنه صريح في إسقاطها عن المسافر، ولأنه مشغول بالسفر وقضاء مآربه فلا يكلف الجمعة لما في ذلك من المشقة عليه.
المذهب الثاني: أنه إذا سمع النداء وجبت عليه الجمعة، وهذا هو رأي الهادي والقاسم وأبي طالب وأبي العباس، ومحكي عن الزهري والنخعي.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. وهذا قد سمع النداء فلهذا توجه عليه الحضور.
__________
(1) أورده ابن بهران في (تخريج البحر) 1/306 عن (المهذب) و(الشفاء).
قال: وفي (التلخيص) ما لفظه: قوله: أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى النساء عن الخروج إلى المساجد في جماعة إلاَّ عجوزاً في منقلها، والمنقل: الخف، لا أصل له [يقصد: الحديث]. ثم قال: لكن أخرج المسعودي عن ابن مسعود قال: والله الذي لا إله إلاَّ هو ما صلت امرأة صلاة خيراً لها من صلاة تصليها في بيتها إلا المسجدين، إلا عجوزاً في منقلها، وكذا ذكره أبو عبيد في غريبه، والجوهري في (الصحاح). انتهى. اهـ.
(2) صوابه: جابر.

(4/9)


والمختار: ما عول عليه الأئمة وأكثر الفقهاء [من كونها غير واجبة عليه].
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا، وهو أن الرخصة حاصلة في حق المسافر بإسقاط نصف الفروض عنه من أجل مشقة السفر فلا يكلف بالجمعة لما فيها من مزيد المشقة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الآية دالة على وجوبها عليه لأنه قد سمع النداء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الآية عامة، وما ذكرناه من حديث جابر فهو خاص فيجب بناء العام على الخاص وتنزيله عليه.
وأما ثانياً: فإنه يخرج المسافر لخبر جابر، ويبقى ما عدى المسافر داخلاً تحت العموم فيكون عملاً عليهما جميعاً، وأنتم عولتم(1)
على ظاهر الآية واطرحتم حديث جابر، فلهذا كان ما ذكرناه أرجح لما فيه من العمل على الآية والخبر.
ويستحب إذا كان في بلدة وقت الجمعة أن يحضرها لأنه متمكن من ذلك من غير مشقة عليه في الحضور، وإن حضر الجمعة فهل يتعين عليه الوجوب بالحضور أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لايتعين عليه لأن الرخصة في حقه قائمة بالسفر.
وإن نوى الأقامة عشرة أيام وجبت عليه الجمعة لأنه قد صار مقيماً غير مستوطن فلا جرم توجه عليه الوجوب.
الفرع الثالث: وهل تجب الجمعة على العبد والمكاتب أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنها لا تجب عليهما جمعة، وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر الفقهاء الفريقين(2)
ومالك.
والحجة على هذا: ما في حديث جابر ((إلا على إمراة أو عبد مملوك )): وما هذا حاله فهو نص في إخراج العبد.
المذهب الثاني: أنها واجبة على المكاتب وعلى العبد الذي يؤدي الضريبة وهذا هو رأي الحسن البصري وقتادة.
والحجة على هذا: هو أن المكاتب قد صار مالكاً لنفسه بالكتابة مشغولاً بالتكسب فأشبه الحر، وهكذا حال العبد الذي عليه الضريبة لسيده يؤديها له فإنه قد صار مشغولاً بتحصيلها فيشبه الحر في ذلك.
__________
(1) في الأصل: وأنهم عولوا.
(2) الحنفية والشافعية.

(4/10)


المذهب الثالث: وجوبها على العبد مطلقاً سواء كان مكاتباً أو غير مكاتب أو كانت عليه ضريبة أو لم تكن، وهذا هو المحكي عن داود من أصحاب الظاهر.
والحجة على هذا: هو أن ظاهر العموم بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} متناول للأحرار والعبيد فيجب أن يكون مندرجاً تحت العموم، ولأنه مكلف عاقل فأشبه الحر.
والمختار: ما عليه الأئمة والأكثر من الفقهاء من سقوطها عن العبد والمكاتب ومن كانت عليه ضريبة.
والحجة على هذا: ماذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن العبد صار مشغولاً بخدمة السيد فلا يضار السيد بإهمال خدمته. والمكاتب بقوله÷: ((المكاتب عبد مابقي عليه درهم ))(1).
فهو مندرج تحت العبد. والعبد الذي عليه ضريبة فهو مملوك ولو كانت عليه ضريبة يؤديها، ولأنه مشغول بتحصيل الضريبة فهو في الحقيقة مشغول بخدمة السيد.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: المكاتب ومن كانت عليه ضريبة قد أشبها الحر في التكسب لأنفسهما فلهذا توجه الوجوب عليهما.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ملك الرقبة حاصل في حقهما، والتكسب فإنما هو أمر عارض.
وأما ثانياً: فلأن التكسب إنما هو في حق السيد وليس لأنفسهما فلهذا كانا في حكم العبد الذي يخدم سيده فلا يدخل عليه ضرر بالحضور للجمعة.
قالوا: العبد مكلف عاقل فأشبه الحر كما حكي عن داود.
قلنا: التكليف والعقل وإن حصلا في حقه فهو عبد لا محالة تجري فيه أحكام المعاوضات من البيع والصدقة والهبة، فلما كان الرق مستولياً عليه كان داخلاً في الخصوص الذي خرج به عن الوجوب بقوله÷: ((إلا على عبد مملوك )).
__________
(1) قد يظهر الحديث في غير بابه، ولكن الغرض من إيراده هنا كما هو واضح، تعريف المملوك الذي تسقط عنه الجمعة ويشمل المكاتب ما بقي عليه درهم لسيده، وقد أورد الحديث ابن حزم في (المحلي) 9/231، وهو في (المغني) 8/224.

(4/11)


ويستحب له: إذا أذن له سيده بحضور الجمعة أن يحضرها لأن المنع إنما كان لحق السيد فإذا أذن أسقط حقه.
والمدَبَّر لا يجب عليه الحضور لأن الرق باق في حقه ولهذا فإنه يجوز بيعه على حال.
وأما من عتق بعضه فهو في حكم الحر عندنا لأجل السراية، فلهذا وجب عليه الحضور، وأما على رأي الشافعي في جواز عتق البعض، فإذا كان بينه وبين سيده مهاباة فإن كان يوم الجمعة في خدمة السيد لم يجب عليه الحضور، وإن كان يوم الجمعة في خدمة نفسه وجب عليه الحضور. وسنوضح الكلام في السراية في العتق بمعونة الله.
الفرع الرابع: ولا تجب الجمعة على المريض لقوله تعالى: {وَلاَ على الْمَرِيضِ حَرَجٌ }[النور:61]. ولما رويناه من حديث جابر: ((إلا على مريض )). ولأنه مما يشق عليه المشي إلى الجمعة فلهذا سقط عنه.
وهل يجب على الأعمى الحضور أم لا؟ فينظر في حاله فإن كان لا يجد قائداً لم يجب عليه حضورها لقوله تعالى: {لَيْسَ على الأَعْمَى حَرَجٌ}[النور:61]. ولأنه غير مستطيع فلا يكلف الحضور.
وحكى الشاسي عن القاضي حسين(1)
من أصحاب الشافعي: أنه يجب عليه الحضور إذا كان يمكنه بالعصا المشي إليها. وأراد: أنه إذا كان يعتاد المشي من غير قائد وجب عليه. وهذا لا وجه له فإن الرخصة حاصلة في حقه بالعمى، فلا وجه لتكليفه ما لا يقدر عليه.
فإن وجد قائداً فهل يجب عليه الحضور أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجب عليه الحضور وإن وجد قائداً. وهذا هو رأي أبو حنيفة.
__________
(1) الإمام المحقق القاضي حسين المروروذي من كبار فقهاء الشافعية، له (التعليقة) المشهورة في الفقه، وصفه الجويني إمام الحرم بحبر المذهب أي المذهب الشافعي، توفي ليلة 23 من المحرم سنة 462هـ. اهـ (طبقات الشافعية) ص 164 لابن هداية الله.

(4/12)


والحجة على هذا: هو أن الشرع قد عذره بقوله: {لَيْسَ على الأَعْمَى حَرَجٌ}[النور:61]. ولأن في حضوره مشقة وحرجاً، وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78].
المذهب الثاني: أنه إذا وجد قائداً فإنه يجب عليه الحضور، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن أبي يوسف ومحمد.
والحجة على هذا: هو أنه إذا وجد قائداً فإنه يصير كالبصير.
والمختار للمذهب: ما قاله أبو حنيفة: فإن الأعمى قد عذره الله تعالى في كثير من التكاليف، وهذا من جملتها فلهذا سقط عنه الوجوب سواء وجد قائداً أو لم يجد، لأن وجود القائد لا يوجب الحضور لأنه دخول تحت مِنَّة الغير في أداء عبادة كما لا يجب عليه قبول هبة المال ليزكيه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: إذا وجد قائداً فهو بمنزلة البصير فلهذا توجه عليه الحضور.
قلنا: إنه مع وجود القائد فالوجوب ساقط عنه لما فيه من الدخول تحت مِنَّة الغير في أداء عبادة.
الفرع الخامس: فإن حضر هؤلاء الذين سقط عنهم فرض الجمعة كالعبد والمرأة والمريض والمسافر والصبي، وحضوره على وجه التمرين والتعويد إذ لا واجب عليه لأجل صغره، فهل تجزيهم الجمعة أم لا؟. فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يسقط عنهم فرض الجمعة، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة، والشافعي.
والحجة على هذا: هو أنهم قد أتوا بالجمعة على وجهها وهم مكلفون بها فيجب أن يكون فرضها ساقطاً عنهم كالذين ليس لهم عذر.
المذهب الثاني: أنهم لا يسقط عنهم فرض الظهر ولا تجزيهم الجمعة، وهذا شيء يحكى عن زفر حكاه عنه الشيخ أبو عبدالله البصري من المعتزلة.
والحجة على هذا: هو أن الشرع لما أسقط عنهم فرض الجمعة بقوله÷: ((إلا على المرأة والعبد والصبي والمريض )). وحضورهم الجامع لا يرد ما سقط عنهم بالشرع.
والمختار: ما قاله الأئمة ومن تابعهم من الفقهاء.
وحجتهم: ما ذكرناه.

(4/13)


ونزيد هاهنا، وهو أنه إنما سقط عنهم فرض الجمعة على جهة الرخصة والتسهيل في حقهم فإذا عدلوا عن الرخصة والتزموا فعلها سقط عنهم فرضها كما لو صام المسافر، والمريض إذا تكلف القيام في الصلاة أجزأهم ذلك.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قد سقط عنهم فرضها بنص الخبر، فحضورهم المسجد لا يوجب الفرض عليهم.
قلنا: إن الشرع إنما أسقط الفرض على جهة الرخصة والرفق بحالهم، ويؤيد هذا: أنهم من أهل الجمعة لكن الشرع خفف عليهم الحال في إسقاطها.
الفرع السادس: الأعذار التي ذكرناها في صلاة الجماعة أنها أعذار في ترك الجماعة فهي في ترك الجمعة عذر في سقوطها فلا تجب الجمعة على خائف على نفسه أو ماله أو عرضه، فخوفه على نفسه بالقتل والجرح والضرب، وخوفه على ماله بالأخذ والخراب والنقص، وخوفه على عرضه بالأذية والسب، فهذه الأمور كلها تكون عذراً في إسقاط وجوبها لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " }[الحج:78].
والمطر أيضاً عذر في إسقاطها لقوله÷: ((إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرِّحَال ))(1).
ولا تجب الجمعة على من له مريض يخاف ضياعه أو يرجو توبته عند الموت، أو يثبته في وصيته كما ذكرناه في الجماعة.
ولا تجب الجمعة على من له قريب مات فيريد دفنه وتجهيزه؛ لأنه معذور في ذلك.
فإن حضر المريض الجامع أو الأعمى أو من في طريقه مطر أو كان خائفاً، وجبت عليهم الجمعة؛ لأن المشقة قد زالت بالحضور فلا وجه لإبطال ما وجب عليهم من فرض الصلاة.
وإن أحرم المسافر أو المريض للجمعة وأرادا الانصراف عنها لم يكن لهما ذلك؛ لأنها قد تعينت عليهما بالدخول، عندنا وهو رأي الشافعي.
وإن أحرم العبد والمرأة ثم أرادا الإنصراف عنها إلى الظهر، فهل يجوز لهما ذلك أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: جواز ذلك؛ لأنهما ليسا من أهل الجمعة ولا من أهل فرضها.
__________
(1) تقدم.

(4/14)


وثانيهما: أنه لا يجوز لهما ذلك؛ لأنها قد تعينت بالدخول، وهذا الفرق لأصحاب الشافعي، وهو جيد لا عثار عليه إلا أن الأولى على المذهب أنه لا يجوز لهما الإنصراف بعد التلبس بالصلاة؛ لأن هؤلاء لو حضروا لأجزتهم الجمعة، فلهذا لم يجز لهم الإنصراف عنها.
الفرع السابع: والمستحب لأهل الأعذار ألا يصلوا الظهر حتى تنقضي جمعة الإمام، وانقضاؤها يكون برفع الإمام رأسه من الركوع في الثانية، وإنما كان ذلك مستحباً لأمرين:
أما أولاً: فلأن الجمعة فرض الجماعة، والظهر فرض الخصوص، فلهذا استحب تقديم فرض الجماعة.
وأما ثانياً: فلأن فيهم من ربما يزول عذره فيكون فرضه الجمعة.
فإن صلى المعذور الظهر ثم زال عذره قبل صلاة الإمام الجمعة، فهل تجب عليه الجمعة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تجب عليه الجمعة؛ لأنه قد زال عذره فتوجه عليه الخطاب بالجمعة كما لو لم يفعل الظهر قبلها، وهذا هو المحكي عن أبي بكر الحداد من أصحاب الشافعي، وهو الذي يأتي على قول من قال من أصحابنا: أن الأصل في يوم الجمعة هو الجمعة، والظهر بدل عنها.
وثانيهما: أنه لا تجب عليه الجمعة؛ لأنه قد سقط فرضه بصلاة الظهر في حال العذر، فلهذا لم تجب عليه الجمعة.
وهذا هو المختار وهو الذي يجيء على رأي أبي طالب؛ لقوله÷: ((لا ظهران في يوم)). والجمعة بمنزلة الظهر، فلهذا لم تجب إعادتها.
وإن صلى الخنثى الظهر في أول الوقت ثم بان أنه رجل قبل صلاة الإمام الجمعة، لزمه أن يصلي الجمعة، والتفرقة بينه وبين سائر المعذورين هو أنّا تبينا أنه كان رجلاً في وقت الصلاة بخلاف غيره من أهل العذر فافترقا.
وهل تكره الجماعة للمعذورين في يوم الجمعة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها تكره، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب وأبو العباس، وهو محكي عن أبي حنيفة ومالك، لما في ذلك من تهوين أمر الإمام والإعراض عن جمعته، ويوهم أنهم ليسوا من أمره في ورد ولا صدر، ولهذا كره ذلك.

(4/15)


وثانهيما: أن الجماعة مستحبة لأهل العذر، وهذا هو رأي الشافعي؛ لأن الأدلة التي دلت على فضل الجماعة لم تفصل في ذلك، ولهذا كانت مستحبة لأهل العذر.
قال الشافعي: وأحب لهم إخفاء ذلك لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام.
والمختار في ذلك: تفصيل، وهو أن عذرهم إذا كان ظاهراً يعرفه كل واحد كالعمى والمرض والزمانة وغير ذلك من الأعذار التي لا تخفى على أحد فإنه لا تكره لهم الجماعة لأن عذرهم واضح فالتهمة زائلة عنهم. وإن كان عذرهم خفياً كالخوف على النفس والمال وغير ذلك من الأمور الخفية فإنها تكره لهم الجماعة لما يظهر من التهمة في حق الإمام.
الفرع الثامن: فأما من كان من أهل فرض الجمعة ممن لا عذر له، وصلى الظهر قبل فوات الجمعة، فهل يصح ظهره ويلزمه السعي إلى الجمعة أم لا؟ فيه أربعة أقوال:
القول الأول: محكي عن الشافعي في الجديد، أنه لا يصح ظهره وتلزمه الجمعة، فإن لم يصلها حتى فاتت وجب عليه إعادة الظهر. وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وزفر، لأن ظهره وقع على فسادٍ؛ والجمعة ممكنة فوجب عليه أداؤها، فإن فاتت الجمعة وجب الظهر لأنه بدل عنها عند فواتها وفوات شرطها.
القول الثاني: محكي عن أبي حنيفة: [أنه] يصح ظهره قبل فوات الجمعة ويلزمه السعي إلى الجمعة، فإذا سعى إليها بطل الظهر وإن لم يسع إليها أجزأه ظهره الذي صلاه، وإنما صح ظهره لأنه مخاطب به فإذا كان وقت الجمعة باقياً لزمه أداؤها لأنها ممكنه في حقه فإذا سعى إليها بطل ظهره لأنه لا ظهران في يوم، وإن تأخر عن السعي إليها أجزاه ظهره لأنه قد خرج به عن عهدة الأمر.
القول الثالث: محكي عن الشافعي في القديم؛ أنه يصح ظهره ويجب عليه السعي إلى الجمعة. مثل رأي أبي حنيفة، لكنه قال: إذا صلى الجمعة احتسب الله بأيهما شاء، فإذا فاتته الجمعة أجزأه الظهر.

(4/16)


والوجه في ذلك: ما حكيناه عن أبي حنيفة، وإنما قال: يحتسب الله بأيهما شاء. لأنهما فرضان قد وقعا على نعت الصحة والإمكان، فالأمر فيهما إلى الله تعالى في إسقاط الفرض واستحقاق الثواب والأجر.
القول الرابع: محكي عن أبي يوسف ومحمد فإنهما قالا: يصح ظهره ويبطل بالإحرام بالجمعة، وإنما صح الظهر لأنه مخاطب به إذا لم تكن هناك جمعة فإذا أحرم بالجمعة بطل ظهره لأنه لما أحرم بالجمعة انكشف الأمر أنها هي فرض الوقت.
ومنشأ الخلاف والتردد في هذه الأقوال إنما حصل من أن المخاطب به في وقت الجمعة هل هو الظهر أو الجمعة؟ وفيه مذهبان:
المذهب الأول: أن الأصل هو الجمعة، وهذا هو رأي المؤيد بالله وتحصيله لمذهب الهادي، ومحكي عن أبي العباس، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن والشافعي في الجديد.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا }[الجمعة:9].
ووجه الدلالة من الآية: هو أنه أمر بالسعي إليها، وفي هذا دلالة على أنها هي الأصل.
الحجة الثانية: قوله÷: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا )). فظاهر هذا الخبر دال على أنها هي الأصل، وأنها فرض الوقت والمخاطب بها.
المذهب الثاني: أن المخاطب به في يوم الجمعة هو الظهر، وهذا هو الظاهر من مذهب الهادي والقاسم، واختيار السيد أبي طالب، وهو قول الناصر ومحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف.
والحجة على هذا: قوله÷: ((إن للصلاة أولاً وآخراً وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس ))(1).
فأثبت الظهر ولم يفصل بين يوم الجمعة وغيره من سائر الأيام.
الحجة الثانية: هو أن هذا الوقت وقت للظهر في سائر الأيام فيجب أن يكون وقتاً لها في يوم الجمعة كسائر أوقات الصلوات، فهذا تقرير أدلة الفريقين كما ترى.
والمختار: ما قاله السيد أبو طالب، وارتضاه الإمامان القاسم والهادي ومن وافقهم على هذه المقالة.
وحجتهم: ما نقلناه عنهم.
__________
(1) تقدم.

(4/17)


ونزيد هاهنا حججاً أربعاً:
الحجة الأولى: ما كان من حديث فرض الصلاة في ليلة الإسراء فإن الصلاة فرضت خمسين، وما زال موسى يردد الرسول÷ حتى نقصت إلى خمس صلوات، ثم قال موسى: إن أمتك يا محمد لا تطيق على هذا. فقال الرسول÷: ((إني قد استحييت من ربي))(1).
فوجه الدلالة من هذا الخبر: هو أن الظهر فرض من أول مرة في يوم الجمعة وفي غيرها من الأيام وهو السابق، وفي هذا دلالة على أن الظهر هو الأصل وأن الجمعة طارئة عليه والظهر سابق.
الحجة الثانية: هو أن الرسول÷ لما قدم المدينة مهاجراً نزل قُبَا على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً إلى المدينة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن وادٍ لهم فصلى الجمعة، فكانت أول جمعة جمَّعها رسول اللّه÷(2).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الظهر كان سابقاً على الجمعة لأن الصلاة فرضت في مكة، والجمعة فرضت بعد هجرته إلى المدينة ففي هذا دلالة على أن الظهر في يوم الجمعة هو الأصل، وأن الجمعة حاصلة بعده.
__________
(1) تقدم في الصلاة.
(2) ذكره في (صفوة الصفوة) 1/144، وفي (الثقات) 1/133، وفي (تأريخ الطبري) 2/7.

(4/18)


الحجة الثالثة: هو أن الأنصار اجتمعوا وقالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه في كل أسبوع، وللنصارى مثل ذلك، فهلموا نجعل لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونصلي. فقال قوم: السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة. فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة (1)
فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم. فسموه يوم الجمعة لإجتماعهم، فأنزل الله آية الجمعة، فهي أول جمعة جُمِّعت في الإسلام.
ووجه الدلالة: هو أن الله تعالى أنزل سورة الجمعة تقريراً لما فعله الأنصار واستحسنوه، وصوبهم على ذلك رسول اللّه÷ ولم ينكره عليهم.
الحجة الرابعة: أخبار المواقيت عنه÷ أنه قال: ((أمَّني جبريل عند باب البيت ، وصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، فلما كان في اليوم الثاني صلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله)).
ووجه الحجة من الخبر: هو أنه جعل ميقات الظهر في اليومين محدوداً معلوماً، ولم يذكر الجمعة، وفي هذا دلالة على أن الأصل هو الظهر وأن الجمعة طارئة، وعلى هذا تتفرع المسائل في كون الظهر هو الأصل كما حققناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. فأمر بالسعي إليها، وفي هذا دلالة على أنها هي الأصل.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) أسعد بن زرارة بن عدس النجاري من الخزرج، أحد الشجعان الأشراف في الجاهلية والإسلام، من سكان المدينة، قدم مكة في عصر النبوة ومعه ذكوان من عبد قيس فأسلما وعادا إلى المدينة، فكانا أول من قدمها بالإسلام، وهو أحد النقباء الاثني عشر، كان نقيب بني النجار، مات قبل وقعة بدر ودفن بالبقيع، اهـ (أعلام) 1/300، انظر ترجمته في (الطبقات) لابن سعد. وسعد بن زرارة هو أخوه.

(4/19)


أما أولاً: فلأنا لا ننكر السعي في يوم الجمعة، ولكنا نقول: إن الظهر سابق على السعي إلى [صلاة] يوم الجمعة، وفيه دلالة على أنه هو الأصل لسبقه.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما أوردناه من الأخبار الدالة على أصالة الظهر، وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح وأخبارنا فهي أظهر وأشهر وأقوى فلهذا وجب الإعتماد عليها.
قالوا: روي عن الرسول÷ أنه قال: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا )). وفي هذا دلالة على أن الأصل هو الجمعة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا ننكر فرض الجمعة في مقامه وفي يومه كما قال، ولكن الظهر سابق عليها وهي بعده.
وأما ثانياً: فلأن فرض الصلوات كان مكِّيَّاً، وفرض الجمعة كان مدنياً، وما كان في مكة فهو سابق لما كان في المدينة وفيه دلالة على أصالة الظهر.
الفرع التاسع: في بيان من تجب عليه الجمعة.
وتجب على المكلف الحر الذكر المقيم الصحيح فمن أتصف بهذه الصفات وجبت الجمعة عليه، ومن فقدت في حقه لم تجب عليه كما مر تقريره.
وتجب الجمعة على من كان في الأمصار والمدن عند أئمة العترة وفقهاء الأمة سواء سمعوا النداء أو لم يسمعوا.
والحجة على هذا: هو أن الرسول÷ خاطب أهل المدينة بوجوبها ولم يفرق بين أن يسمعوا النداء أو لا يسمعوا، ولقوله÷: ((لا جمعة ولا تشريق إلى في مصر جامع ))(1).
ولم يعتبر سماع النداء، ولأن المصر والمدينة كالدار الواحدة بدليل: أن كل من سافر منه فإنه لا يقصر الصلاة حتى يفارق جميعه كما سنقرره في صلاة القصر.
فأما من كان خارج المصر من أهل القرى والمحال والدروب فهل يعتبر في الوجوب عليهم سماع النداء أو قرب المسافة أو الإيواء ليلاً؟ فيه مذاهب خمسة:
__________
(1) رواه البيهقي في (الكبرى) 3/179، وابن أبي شيبة 1/439، وعبد الرزاق 3/167.

(4/20)


المذهب الأول: أن الجمعة لا تكون واجبة إلا في مصر جامع ولا تجب على أهل القرى، وهذا مروي عن زيد بن علي والباقر والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا تجب الجمعة على أهل القرى ولو كمل العدد فيهم، وإنما تجب على أهل الأمصار. وحدَّ المصر عنده أن يكون هناك سلطان قاهر يقيم الحدود ويستوفي الحقوق أو خليفة من قبله، ويكون فيه سوق قائم وجامع ومنبر ونهر جاري.
فأما المؤيد بالله: فقد أطلق: أن الجمعة لا تجب إلا على أهل المصر. ولم أقف له على شيء في صفة المصر وبما يكون مصراً، وربما يكون رأيه مثل رأي أبي حنيفة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع )). فظاهر الخبر دال على سقوطها عن أهل القرى والمحال.
المذهب الثاني: أن الجمعة كما تجب على أهل المصر فهي واجبة على أهل القرى والمحال والمناهل كما تجب على أهل الأمصار، وأردنا بالمناهل: الذين يسكنون على الأنهار والبرك العظيمة، إذا كان هناك مسجد تقام فيه الجمعة، وهذا هو رأي الهادي والناصر، ومحكي عن مالك.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9].ولم يفصل بين المصر والقرية والمحلة. وقوله÷: ((من سمع النداء فعليه الجمعة ))(1).
وقوله÷: ((من كان الليل يؤيه إلى أهله فعليه الجمعة))(2).
__________
(1) أخرجه أبو داود عن ابن عمرو بن العاص بلفظ: ((الجمعة على من سمع النداء)) وهو في (السنن الصغرى) 1/375، و(الكبرى) 3/175، وفي سنن أبي داود 1/278.
(2) أخرجه الترمذي 2/374 عن أبي هريرة بلفظ: ((الجمعة على من آواه الليل إلى أهله)) وضعفه.

(4/21)


فدلت ظواهر هذه الأخبار على وجوب الجمعة ولم تفصل بين مكان ومكان إلا ما قامت عليه دلالة كأصحاب الخيام وأهل المواشي الذين ليس لهم مستوطن ولا يستقرون وإنما يطلبون الكلا أينما وجدوه، فهؤلاء لا تجب عليهم الجمعة لما ذكرناه.
المذهب الثالث: أن كل من كان خارج المصر فهم على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: الذين تجب عليهم الجمعة بأنفسهم ولا يحتاجون إلى غيرهم وهم أهل القرية إذا كانوا أربعين رجلاً وتكاملت في حقهم الشروط التي ذكرناها، فهؤلاء تلزمهم إقامتها في موضعهم سواء سمعوا النداء أو لم يسمعوه في المصر فإن أقاموها في موضعهم فقد أحسنوا وإن أتوا المصر وصلوا الجمعة فيه أجزأهم وقد أساؤا لأن إقامة الجمعة في موضعين أفضل من إقامتها في موضع واحد، وهذا هو المنصوص للشافعي.
وحكي عن الصيدلاني من أصحاب الشافعي: أنهم لا يكونون مسيئين بذلك لأن من العلماء من قال: لا تنعقد الجمعة وإنما تنعقد في المصر فإذا دخلوا المصر وصلوا فقد خرجوا من الخلاف.
الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة بأنفسهم وتجب عليهم بغيرهم فهم الذين ينقصون عن الأربعين ويسكنون في موضع يسمعون النداء فيه من البلد الذي تقام فيه الجمعة.
الضرب الثالث: الذين لا تجب عليهم الجمعة بأنفسهم ولا بغيرهم وهم الذين ينقصون عن عدد الأربعين ويسكنون في الموضع الذي لا يسمعون فيه النداء من المصر الذي تجب فيه الجمعة، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن عبدالله بن عمرو بن العاص وابن المسيب وأحمد بن حنبل وأبي ثور.

(4/22)


والحجة على هذا: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. فأوجب السعي إلى الجمعة على المؤمنين ولم يفصل بين أهل المصر وأهل القرى وأهل السواد، وظاهر الآية يقتضي وجوب السعي على من كان خارج المصر سواء كان قريباً أو بعيداً لأن الرسول÷ قيده بمن سمع النداء، فروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الجمعة على من سمع النداء )) لأن أهل المصر تجب عليهم سواء سمعوا النداء أو لم يسمعوا بالإجماع، وروي [عن] ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أول جمعة بعد جمعة المدينة جمعت في قرية من قرى البحرين يقال لها: جواثا. وجواثا بالجيم المضمومة وبثاء منقوطة بثلاث من أعلاها.
المذهب الرابع: أن الجمعة تجب على من يمكنه إتيان الجمعة ويأوي إلى منزله بالليل، وهذا هو رأي ابن عمر، ومحكي عن أنس بن مالك وأبي هريرة.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((من كان الليل يؤيه إلى أهله فعليه الجمعة )).
المذهب الخامس: الذين قدروا بالمسافة، وفيه أقوال أربعة:
القول الأول: يحكى عن عطاء، وهو أن الجمعة واجبة على من كان من المصر على عشرة أميال.
القول الثاني: محكي عن الزهري، أنها واجبة على من كان من المصر على ستة أميال.
القول الثالث: محكي عن ربيعة، وهو أنها واجبة على من كان من المصر على أربعة أميال.
القول الرابع: أنها واجبة على من كان على ثلاثة أميال، وهذا هو المحكي عن مالك.
والحجة على هذا: هو أن أهل القرى الذين كانوا حول المدينة كانوا يحضرون جمعة الرسول÷ لا يتخلفون عنها وبعضهم يقرب وبعضهم على هذه المسافات المختلفة، فهذا هو السبب في هذا الإختلاف حتى اعتبروا هذه المقادير نظراً إلى ما ذكرناه.
فهذا تقرير المذاهب بأدلتها كما أشرنا إليه.

(4/23)


والمختار: ما عول عليه الهادي والناصر ومن تابعهما من الفقهاء وهو وجوب الجمعة على أهل القرى والمحال والدروب إذا كملت في حقهم الشرائط التي ذكرناها.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو قوله÷: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا)). وقوله÷: ((من سمع النداء فعليه الجمعة )). وقوله: ((من كان الليل يؤيه فعليه الجمعة )). فهذه الأخبار كلها دالة على وجوب الجمعة ولم تفصل بين القرية والمصر وهي عامة في جميع المواضع إلا ما استثني من أصحاب الخيام وأهل المواشي الذين يتبعون الكلا والماء ولا يستقرون في مكان.
الحجة الثانية: ما روي عن ابن عباس أن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة الرسول÷ جمعة جمعت في جواثا من قرى البحرين، وما روي أن أول من جمع في المدينة أسعد بن زرارة في حرة بني بياضة وهي قرية ليست مصراً.
الحجة الثالثة: قياسية، وهي أن القرى مواضع استيطان فيجب أن تصح فيها الجمعة كالأمصار، أو نقول: مواضع استيطان المسلمين وإقامة جماعتهم فجازت فيها الجمعة كالأمصار ولأنها مواضع لإقامة جماعة الصلوات الخمس فكانت مواضع لإقامة الجمعة.
قال الهادي: ويجب أن يكون في الموضع. يعني المحلة والقرية، مسجد يجمع فيه لأنه لم يروَ أن الرسول÷ أقام الجمعة إلا في المساجد دون البراري والصحاري، وتوارثه الخلف عن السلف فيجب الإعتماد عليه. والظاهر من كلامه هذا أنه جعل المسجد شرطاً في وجوب الجمعة على أهل القرية، فإن لم يكن هناك مسجد لم تجب عليهم إقامتها لعدم المسجد كأهل الخيام، ولم يجعله شرطاً في تأديتها، وعلى هذا إذا كان المسجد ضيقاً جاز إقامتها خارج المسجد في الصحراء والبرية لأنه لا يتسع لجماعة المسلمين كما قال المؤيد بالله، فإنه اعتبر المصر في الوجوب ولا بد في صحة المصر من المسجد لكنه جَوَّزَ إقامتها في الصحراء، وهو قول محكي عن الشافعي وأبي حنيفة.

(4/24)


قال الكرخي: ولا يجوز إقامة الجمعة إلا في المصر أو خارجاً عنه قريباً من المواضع التي جعلت مصلى لصلاة العيد ونحو ذلك.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((الجمعة حق واجب ))(1).
ولم يخص موضعاً من موضع إلا ما قامت عليه دلالة في المنع منه، ولقوله÷: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا )). ولم يفصل.
سؤال: أراه÷ خص الدلالة على وجوب الجمعة بقوله: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في شهري هذا في عامي هذا في مقامي هذا " فريضة مكتوبة)). ولم يقل مثل هذا في سائر العبادات كالصلوات الخمس والصوم والحج، فما الوجه في ذلك؟
وجوابه: من وجهين:
أما أولاً: فلأن ما هذا حاله من أسرار العبادات التي لا تعقل معانيها، كما كانت الظهر أربعاً والمغرب ثلاثاً والفجر ركعتين، ولأمر ما يسود من يسود.
وأما ثانياً: فلعل هذا إنما كان توكيداً في أمر الجمعة وتنبيهاً على فضلها وعلى الإهتمام بحالها، ولهذا فإنها مختصة بأسرار وتحكمات لا تختص بها سائر الصلوات المكتوبة من الخطبة ولباس الزينة والغسل والطيب وغير ذلك من الأدوات المشروعة في يوم الجمعة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول÷ أنه قال: ((لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع)). كما حكي عن الباقر، والمؤيد بالله وأبي حنيفة، وبالغ أبو حنيفة في اشتراط المصر حتى روي عنه أنه قال: لو كان بين المصلي وبين المصر خطوة لم تجب عليه الجمعة.
قال محمد بن الحسن الشيباني: قلت لأبي حنيفة: هل تجب الجمعة على أهل زُبادة؟ ـ وزُبادة: بضم الزاي وفتحها وبالباء بنقطة من أسفلها ودال بنقطة من أسفلها: محلة من محال الكوفة بينها وبين الكوفة نهر. فقال: لا تجب.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) أخرجه أبو داود 1/280، ورواه الحاكم في (المستدرك) 1/425، والبيهقي في (السنن الكبرى) 3/172.

(4/25)


أما أولاً: فلأن المراد بالخبر نفي الفضل والكمال دون الإجزاء، كما قال÷: ((لا صلاة لجار المسجد إلا فيه)).
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما أوردناه من الأخبار الدالة على جواز إقامة الجمعة في القرى والمحال، وإذا تعارضا وجب الترجيح ولا شك أن اخبارنا التي رويناها أكثر وأشهر، فلهذا وجب العمل عليها.
قالوا: روي عن الرسول÷ أنه قال: ((من سمع النداء فعليه الجمعة)). كما حكي عن الشافعي، فقد وافقنا في جواز الصلاة في غير المقر لكنه اعتبر سماع النداء وبكون العدة أربعين.
قلنا: أما العدد فسيأتي تقرير ما يعتبر منه في صحة صلاة الجمعة.
وأما اشتراط سماع النداء فلا نسلم وجوب اعتباره، فإن الجمعة واجبة عن من في المصر سواء سمعوا أو لم يسمعوا، وأيضاً فقوله÷: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة)). ولم يشترط سماع النداء. وقوله÷ : ((من ترك صلاة الجمعة ثلاثة أسابيع من غير عذر طبع الله على قلبه)). ولم يشترط سماع النداء، فقد دلت هذه الأخبار على بطلان اشتراط سماع النداء.
قالوا: روي عن الرسول÷: ((من كان الليل يؤيه إلى أهله فعليه الجمعة )). وهذا محكي عن ابن عمر وأنس بن مالك وأبي هريرة.
قلنا: هذا جيّد في تقدير المسافة التي تجب فيها الجمعة كما سنوضح القول فيه.
قالوا: روي عن أقوام؛ تقدير ذلك بالأميال، فروي عن قوم عشرة أميال وعن قوم ستة وعن قوم أربعة وعن قوم ثلاثة.
قلنا: هذه التقديرات تحكمات لادلالة عليها، وإنما التعويل على ما كان من جهة صاحب الشريعة كما سنوضح المختار فيه بمعونة الله تعالى.
الفرع العاشر: اعلم أن القائلين بأن الجمعة لا تجب إلا في الأمصار فلم يعتبروا أمراً آخر وإنما اعتبروا المصر لا غير، وسواء سمع النداء أو لم يسمعه كما حكيناه عن الباقر والمؤيد بالله وزيد بن علي والحنفية وقد قررنا ما عليهم من الكلام فلا نعيده.

(4/26)


وأما من قال بأن الجمعة واجبة على أهل القرى والمحال والدروب والأودية وهكذا حال البيوت المصنوعة من العيدان كبيوت أهل تهامة، فإنها تجب عليهم الجمعة ولا يشبهون حال أهل الخيام لأنها لا تنتقل كما ينقلها أهل الخيام إذا رحلوا، فاختلفوا في أمارة الوجوب على من يكون خارج المصر على ثلاثة أقوال:
القول الأول: محكي عن القاسم والهادي والناصر: أن الأمارة في الوجوب: سماع النداء. قال الناصر في اعتبار حال النداء: هو أن يقوم المؤذن على سور المصر فيؤذن، ويكون صيتاً، ولا يكون المستمع أصم، والأصوات هادئة والريح راكدة، وهكذا حكي عن الشافعي في سماع النداء.
القول الثاني: محكي عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس بن مالك: أن الإعتبار في الوجوب على أهل القرى خارج المصر بإيواء الليل، لما روي عن ابن عمر: ((من كان الليل يؤيه إلى أهله فعليه الجمعة)).
القول الثالث: الذين اعتبروا المسافة بتقدير الأميال كالعشرة والستة والأربعة والثلاثة كما هو محكي عن جماعة من الفقهاء قد ذكرنا تسميتهم، اعتماداً على القرى التي كانت حول المدينة وهي على هذه المسافات فاعتبروها لأنهم كانوا لا يتأخرون عن جمعة الرسول÷ في المدينة، فلأجل هذا قدروا الوجوب بهذه المقادير التي قررناها.
والمختار في تقدير المسافة في الوجوب لمن كان خارج المصر: ما رواه ابن عمر وأبو هريرة وأنس بن مالك من تقديرها ((بمن كان يؤيه الليل إلى أهله فعليه الجمعة))، وإنما كان هذا هو المختار لأمور ثلاثة:
أما أولاً: فلأنه رواه هؤلاء من الصحابة وهم من ثقاة الرواة وعدول الصحابة ولهم اليد البيضاء في صحة الرواية ونقل أحاديث الرسول÷.
وأما ثانياً: فلأنهم رووا هذا الحديث وعملوا به، والصحابي إذا روى الحديث وعمل به فإنه يزداد وثاقة وقوة على غيره من الأحاديث.

(4/27)


وأما ثالثاً: فلما فيه من الإحتياط للعبادة فإنه أبعد المقادير وهو مخالف لما روي: ((من سمع النداء)). ولما روي: من اعتبار عشرة أميال فما دونها، لمَّا كان إيواء الليل زائداً على هذه التقديرات فلهذا كان العمل عليه أحق وأولى لما فيه من الإحتياط والباب باب العبادة.
الفرع الحادي عشر: وإن اتفق عيد وجمعة فهل يجبان جميعاً أو يكتفى بأحدهما دون الآخر؟ فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أنهما يجبان جميعاً على الإمام، ولا يسقط فرض الجمعة بصلاة العيد، وهذا هو رأي الإمامين الناصر والهادي، وارتضاه السيدان الأخوان خلا أنه يجوز أن يقام فرض الجمعة ببعض من حضر صلاة العيد ويسقط فرض الجمعة عن الباقين.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول÷ أنه قال: ((قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه عن الجمعة وإنا مجمِّعون ))(1).
ووجه الدلالة من الخبر: هو أن ظاهره دال على سقوطها عن بعض من حضر العيد ووجوبها على الباقين، وظاهره دال على وجوبها على الإمام.
المذهب الثاني: أن فرض الجمعة لا يسقط بصلاة العيد، وهذا هو المحكي عن الشافعي، وبه قال أكثر الفقهاء.
__________
(1) رواه أبو داود 1/281، وابن ماجة 1/416، والحاكم 1/425.

(4/28)


والحجة على هذا: ما ذكرناه من دلالة الظواهر الشرعية على وجوب الجمعة ولم تفصل في ذلك بين يوم العيد وغيره فيجب القضاء بذلك. فأما أهل السواد ومن هو خارج عن المصر الذين تجب عليهم الجمعة بسماع النداء من المصر إذا حضروا العيد فإنهم يروحون ولا يجب عليهم حضور صلاة الجمعة في يومهم ذلك، وهكذا حال أهل العالية وأهل السوادات فإنهم يصدرون ولا حرج عليهم في ترك الجمعة لما روي عن عثمان أنه قال في خطبة: أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم هذا فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا الجمعة فليفعل ومن أحب أن ينصرف فليفعل. ولأنهم إذا قعدوا لانتظار صلاة الجمعة في المصر فاتتهم لذة العيد ورفاهيته، وإن راحوا بعد صلاة العيد إلى منازلهم ثم رجعوا لصلاة الجمعة كانت عليهم مشقة، والجمعة تسقط بالمشقة كما أوضحناه من قبل، بخلاف أهل المصر فإن ذلك لا يوجد في حقهم، وظاهر كلام الشافعي موافق لما قلناه خلا أنه يقول: إنما رخص في ترك الجمعة لأهل العوالي والسوادات بخلاف غيرهم من أهل المصر. وظاهر كلام أصحابنا أن فرض الجمعة ساقط عن بعض أهل المصر إذا حضر الباقون.
المذهب الثالث: محكي عن أبي حنيفة: وهو أنهما لا يسقطان جميعاً، وإن كل من وجب عليه فرض الجمعة في غير العيد وجب عليه في العيد، وأن الإمام والمأموم في ذلك سواء في الحضور.
والحجة على هذا: هو أن الدلالة التي دلت على فعل كل واحد منهما على الإنفراد فهي بعينها دالة على فعلهما مع الإجتماع من غير تفرقة بينهما في ذلك.
المذهب الرابع: محكي عن عطاء، وهو أن العيد يؤدى والجمعة ساقطة لا يجب أداؤها.
والحجة على هذا: ما روي عن عبدالله بن الزبير أنه صلى العيد وترك الجمعة فعابه عليه بعض بني أمية. فقال: هكذا كان يفعل عمر بن الخطاب. فبلغ ابن عباس فعل ابن الزبير وكان غائباً في اليمن فقال: أصاب السنة. وحكي عن عطاء أنه قال: لا صلاة في هذا اليوم إلا العصر.

(4/29)


والمختار: ما قاله الإمامان الهادي والناصر، وارتضاه الأخوان للمذهب، وهو أن العيد والجمعة واجبان، على الإمام حضورهما كسائر الأيام في الجمعة، وأن الرخصة إنما هي في حق المؤتمين فتقام الجمعة ببعض من حضر صلاة العيد.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو ما روي أن معاوية سأل زيد بن أرقم فقال: هل شهدت مع رسول اللّه÷ عيدين اجتمعا في يوم؟ فقال: نعم. فقال: كيف صنع؟ فقال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة. فقال: ((من شاء أن يصلي فليصل)).
الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه اجتمع عيدان في يوم فصلى بالناس في الجبان صلاة العيد ثم قال بعد خطبته: أما بعد فإنا مجمِّعون بعد الزوال فمن أحب أن يحضر فليحضر فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومن ترك فلا حرج عليه.
دقيقة: اعلم أن الرخصة إنما وقعت في حق المؤتمين في أنهم لا يجب عليهم حضور الجمعة بعد حضور العيد ولا يجب عليهم سماع خطبة الجمعة للاكتفاء بسماع خطبة العيد، فلا تتكرر عليهم الموعظة خوفاً من الإملال والسآمة فلهذا رخص لهم في الحضور، ويجب عليهم تأديتها ظهراً.
فأما الإمام فلا رخصة له في حضورهما جميعاً لأن واحدة من الصلاتين لم تسقط إجماعاً وإنما رخص في تركها لبعض المؤتمين.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
فنقول: أما الشافعي فقد ذكرنا موافقته لمذهبنا، وذكرنا التفرقة بيننا وبينه فيما قررناه فلا وجه للكلام عليه، وإنما يتوجه الانتصار على غيره.
قالوا: العيد والجمعة لا يسقطان، وإن كل واحد منهما يؤدى. كما حكي عن أبي حنيفة، وحاصل كلامه إنكار الرخصة في حق المؤتمين وأنه لا وجه للرخصة لأحد ممن حضر العيد في إقامة الجمعة، وأن الإمام والمأموم في ذلك سواء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنا لا ننكر وجوب الجمعة وأنها غير ساقطة عن الإمام؛ ولكنا نقول: يسقط وجوبها عن بعض المؤتمين ممن حضر العيد إكتفاء بالعيد ويؤديها ظهراً.

(4/30)


وأما ثانياً: فإنا قد دللنا على حصول الرخصة بما أثر عن الرسول÷ وصرح به في كلامه، وبما قاله أمير المؤمنين في خطبة العيد من العذر لهم في الحضور والترخيص فيه فلا وجه لإنكاره، فأما الجمعة فلا رخصة في تركها لبعض من حضر العيد.
قالوا: الجمعة ساقطة لا يجب أداؤها وأنه لا صلاة بعد العيد إلا العصر كما حكي عن عطاء لما روي عن عمر بن الخطاب وابن عباس وابن الزبير.
قلنا: هذا الآن خلاف معنوي، وعنه جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكر مذهب لهؤلاء الصحابة واجتهاد فلا يكون حجة علينا، والحجة: ما كان عن الله وعن رسوله÷ فلا يلزم قبول اجتهادهم.
وأما ثانياً: فلأنه محمول على سقوط فرض الجمعة ركعتين وتأديتها ظهراً رخصة لهم في حق الحضور للجمعة مرة ثانية في حق بعض المؤتمين، فأما أن الجمعة ساقطة وبدلها ظهراً فلا وجه له لأنها فرض الوقت عند الزوال في يوم الجمعة إذا تكاملت شروطها فإذا نقص شرط من شروطها وجب الرجوع إلى بدلها وهو الظهر لأنه الأصل كما أوضحناه.
الفرع الثاني عشر: ومن أراد السفر في يوم الجمعة فهل يجوز له ذلك أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: جواز ذلك على الإطلاق وهذا هو الظاهر من المذهب وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.

(4/31)


والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه جهز جيش مؤتة يوم الجمعة مع جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة(1)،
فخرج جعفر ماضياً فيما أمره الرسول وتخلف عبد الله بن رواحة فصلى الجمعة فرآه الرسول÷ فقال: ((ما الذي أخرك يا عبد اللّه)) ؟ فقال: الجمعة. فقال له الرسول÷: ((غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها))(2).
فانطلق سائراً.
المذهب الثاني: محكي عن الشافعي وله ثلاثة أقوال نفصلها:
القول الأول: أنه لايجوز السفر بعد طلوع الفجر يوم الجمعة وهذا هو المحكي عن ابن عمر وعائشة.
__________
(1) أحد أبرز الصحابة الأجلاّء الذين جاهدوا في الله حق جهاده مع رسول الله÷ وهو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة، خزرجي أنصاري، أحد النقباء في العقبة، شهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية وعمرة القضاء والمشاهد كلها إلاَّ الفتح وما بعده؛ لأنه استشهد يوم مؤتة، وكان قائد جيش رسول الله فيها زيد بن حارثة، ثم هو بوصية رسول الله÷ ثم جعفر بن أبي طالب، وهو أحد الشعراء الذين كانوا ينافحون عن دين الله ورسوله، وفيه وفي صاحبيه حسان بن ثابت وكعب بن مالك نزلت: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا الله كَثِيراً} الآية 227 من سورة الشعراء،. اهـ (الاستيعاب) 3/898.
(2) أخرجه الترمذي عن ابن عباس بلفظ: بعث رسول الله÷ عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة، فغدا أصحابه وقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله ثم ألحقهم فلما صلى مع رسول الله رآه فقال: ((ما منعك أن تغدوا مع أصحابك)) فقال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال: ((لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم)) وأخرج الحديث بلفظ: ((غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)) البخاري 3/1028، ومسلم 3/1499، وابن حبان 10/461، وعبد الرزاق 5/259، واحمد 1/256، والطبراني في (الكبير) 6/158.

(4/32)


القول الثاني: أن السفر جائز قبل الزوال، ويروى ذلك عن عمر وابن الزبير وأبي عبيدة بن الجراح.
القول الثالث: أنه لايجوز السفر بعد الزوال إلى بلد لا تقام فيه الجمعة. فهذه كلها محكية عن الشافعي.
والحجة على هذه الأقوال: هو أن الصلاة قد وجبت عليه فلا يجوز تفويتها بالسفر.
المذهب الثالث: أنه إن كان السفر للجهاد جاز ذلك وإن كان لغير الجهاد لم يجز، وهذا شيء يحكى عن أحمد بن حنبل.
والحجة علىهذا: ما في حديث عبدالله بن رواحة فإنه لما كان في سفر الجهاد أمره الرسول بالخروج.
والمختار في المسألة: تفصيل نشير إليه، لأني لم أقف على نص لأحد من أئمة العترة فيها، وحاصله أنا نقول: من أراد السفر في يوم الجمعة نظرت في حاله، فإن كان يخاف فوت السفر عليه لذهاب القافلة ولا يمكنه السير وحده لخوف الطريق فإنه يجوز له السفر وترك الجمعة سواء كان قبل الزوال أو بعده لأن عليه مشقة في التأخير للصلاة، والجمعة تسقط للأعذار. وإن كان لا يخاف فوت السفر نظرت، فإن كان يسافر إلى بلدة تقام فيها الجمعة جاز سفره بعد الزوال، وإن كان سفره إلى بلدة لا تقام فيها الجمعة لم يجز السفر بعد الزوال لأن الصلاة قد وجبت عليه فلا يجوز له إسقاطها بالسفر كما لو دخل فيها وتلبس بها.
الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه.
قالوا: يجوز السفر على الإطلاق كما حكي عن أبي حنيفة، لحديث عبدالله بن رواحة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنه إنما أمره بعد أن صلى فلهذا أمره بالخروج لما قضى الصلاة.
وأما ثانياً: فلو سلمنا أنه لم يصل فإنما أمره بالخروج قبل الزوال.
قالوا: حكي عن الشافعي أنه لا يجوز السفر بعد طلوع الفجر، وحكي عنه جواز السفر قبل الزوال.
قلنا: إنه بعد طلوع الفجر ليس وقتاً للصلاة فلهذا جاز السفر كما لو كان سفره في الليل ولأنه إذا جاز السفر على القول الثاني قبل الزوال جاز بعد طلوع الفجر أيضاً. وأما القول الثالث فهو موافق لما اخترناه للمذهب.

(4/33)


قالوا: إن كان السفر للجهاد جاز كما حكي عن أحمد بن حنبل.
قلنا: يجوز أن يكون الأمر في الجواز وعدمه على التفصيل الذي ذكرناه سواء كان للجهاد أو لغيره.
الفرع الثالث عشر: في حكم البيع وقت النداء.
اعلم أن الاشتغال عن الصلاة في يوم الجمعة بعد سماع النداء منهي عنه لشيء من الأمور المباحة سواء كان بيعاً أو إجارة أو أكلاً أو شرباً، والنص إنما وقع في البيع وقسنا عليه سائر ما يشغل بجامع كونه مانعاً من الصلاة بعد النداء إليها كما قسنا على الغضب في قوله÷: ((لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان )). سائر ما يدهش العقل بجامع كونه مانعاً عن استيفاء الاجتهاد، من الجوع والعطش وغيرهما من شواغل القلب، فإذا عرفت هذا فإذا وقع البيع في يوم الجمعة نظرت فيه، فإن كان واقعاً قبل الزوال لم يكره لأنه وقع البيع قبل وقت الصلاة فلم يكره كما لو وقع من الليل وإن وقع البيع بعد الزوال وقبل النداء ولم يظهر الإمام على المنبر كره البيع ولم يحرم.
وقال الضحاك(1)،
وربيعة، وأحمد بن حنبل: يحرم.
وحجتنا على ذلك: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ}[الجمعة:9]. فتقرر أن النهي عن البيع يتعلق بحال النداء.
__________
(1) جاء في تراجم العلامة أحمد بن عبد الله الجنداري لرجال (شرح الأزهار)3/18 ما لفظه: الضحاك: أين ما ورد في كتب أئمتنا، هو الضحاك بن مزاحم الحلالي أبو القاسم وأبو محمد الخراساني، حدث عن ابن عباس، وعنه جويبر وأبو إسحاق وآخرون، وثقه المؤيد بالله وابن معين وابن حنبل وأبو زرعة، وقال ابن حجر: صدوق من [الطبقة] الخامسة، مات بعد المائة. رحمه الله. اهـ.

(4/34)


وإن ظهر الإمام الأعظم على المنبر وأذن المؤذن حرم البيع لظاهر الآية، فإذا تقرر هذا فإن التحريم إنما يختص من كان من أهل فرض الجمعة فأما إذا تبايع رجلان ليسا من أهل فرض الجمعة كالعبدين والمسافرين والمرأتين لم يحرم عليهما البيع.
وحكي عن مالك أنه يحرم البيع.
وحجتنا على ذلك: هو أن الله تعالى أمر بالسعي إلى الجمعة ونهى عن البيع لأجلها فلما كان السعي غير واجب على هؤلاء ثبت أن النهي عن البيع لا يتوجه عليهم ولا يدخلون فيه.
وإن تبايع اثنان بعد النداء وبعد ظهور الإمام على المنبر، أحدهما من أهل فرض الجمعة والآخر ليس من أهل فرضها فإنهما يأثمان جميعاً لأن من كان من أهل فرض الجمعة فقد تناولته الآية والآخر أعان على المعصية فكان عاصياً بذلك، فلأجل هذا قلنا بأنهما آثمان.
وكل موضع نهي عن البيع فإنه إذا وقع فيه البيع فإنه يكون منعقداً.
وحكي عن أحمد بن حنبل ومالك وداود أنه لا يصح.
والحجة على هذا: هو أن النهي لم يتعلق بالبيع وإنما كان متعلقاً بالصلاة، فلما كان النهي راجعاً إلى الغير لا جرم كان البيع منعقداً، وكمن ذبح لله بسكين مغصوبة فإن الذبيحة تحل لأن النهي راجع إلى غيرها، بخلاف من ذبح بعظم أو ظفر فإنها لا تحل الذبيحة لما كان النهي راجعاً إلى المذبوح نفسه فافترقا.
وقد تم الكلام فيمن تجب عليه الجمعة ومن لا تجب والحمد لله وحده.

(4/35)


---
الفصل الثاني في بيان شروط الجمعة
أعلم أن الجمعة مختصة بشرائط قد دل الشرع على اعتبارها من بين سائر الصلوات وأنها لا تكون جمعة ولا مجزية إلا بوجودها، وهي الإمام، والزمان، والمكان، والعدد، والخطبتان، ونحن نذكر كل واحد من هذه الشروط بكلام يخصه:
القول في الإمام: اعلم أن لا خلاف في وجوب اعتبار إمام المحراب في صلاة الجمعة لأن الإجتماع شرط في صحتها وذلك لا يكون إلا بإمام يجمع شملهم، وإنما الخلاف في الإمام الأعظم هل هو شرط في صحتها وانعقادها أم لا كما سنوضح القول فيه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الإمام الإعظم قائم بأمر اللّه تعالى وبأمور المسلمين، هل يكون شرطاً في إنعقادها وصحتها أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه شرط في صحة انعقادها ووجوبها، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، واختاره الأخوان السيدان المؤيد بالله وأبو طالب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ}[الجمعة:9]. ولا شك أن لفظ الصلاة مجمل يحتاج إلى بيان من معرفة صفتها وشروطها وبيانها موكول إلى الرسول÷ لأن الشرع مأخوذ منه، وقد تقرر أنه÷ لم تقم الجمعة إلا به أو بمن يقوم مقامه والياً من جهته.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((أربعة إلى الولاة الجمعة والحدود والفيء والصدقات.))(1).
أراد بالولاة من يلي أمر المسلمين في أمور الدين والدنيا وقسمة الغنائم والفيء والصدقات.
الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنها عبادة لا يجوز أن ينفرد بها كل أحد في إقامتها، فيجب أن يكون الإمام شرطاً في إقامتها كإقامة الحدود.
__________
(1) وفي بعض الروايات: ((أربعة إلى الأئمة....)) أورده ابن أبي شيبة في (المصنف) 5/506، بلفظ: ((... الجمعة والحدود والزكاة والفيء)).

(4/36)


المذهب الثاني: أن الإمام ليس شرطاً في صحة الجمعة وانعقادها، وتجوز إقامتها خلف من يكون إماماً في الصلاة المكتوبة، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أقام الجمعة وعثمان محصور في داره وكان الخليفة في ذلك الوقت، وفي هذا دلالة على أن الإمام ليس شرطاً.
الحجة الثانية: قياسية، وهي أنها صلاة مفروضة فيجب أن لا يكون الإمام شرطاً في إنعقادها كالصلوات المكتوبة.
المذهب الثالث: أن الإمام مشترط في الجمعة لا تتم إلا به لكن عدالته غير مشترطة فيجوز توليها من جهة الظلمة وسنفرد عليهم كلاماً يخصه على أثر هذا بمعونة الله.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من اشتراط الإمام في إقامة الجمعة فإنها لا تنعقد من دونه.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((إن اللّه افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا فمن تركها استخفافاً بحقها وحجوداً لها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع اللّه شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ولا حج له ولا صوم له ولا بر له إلا أن يتوب فإن تاب تاب اللّه عليه)).
الحجة الثانية: هو أن المعلوم من حال الرسول÷ أنه أقامها في أيامه وهكذا حال الخلفاء من بعده، فإن كل واحد منهم أقامها في أيامه من غير توقف في ذلك، وفي هذا دلالة على أنهم معتقدون لوجوب الإمام في إقامتها وأنه شرط.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه أقام الجمعة وعثمان محصور وهو الخليفة، وفي هذا دلالة على أن الإمام ليس شرطاً في وجوبها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنما أقامها لأن عنده وعندنا أنه هو الإمام بعد الرسول÷ وأن إمامته ثابتة بالنص فلهذا أقامها لأن الولاية فيها وفي غيرها إليه فلهذا أقامها على هذه النية.

(4/37)


وأما ثانياً: فلأن أمير المؤمنين لما رأى إخلال عثمان بإقامة الجمعة لم يسعه عند اللّه تعالى أن يفوت فرضها على المسلمين فلهذا أقامها. كما روي أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط(1)
لما شرب الخمر وصلى بالناس سكران ولم يحدَّه عثمان فأراد أمير المؤمنين أن يحده فقال ولده الحسن: لا حاجة إلى حدِّه يتولى حارها من تولى قارها، فإنه يشير بذلك إلى أن عثمان أحق بحدِّه لأنه هو الخليفة بزعمه. فقال أمير المؤمنين: ما كان ليضيع حدٌ من حدود اللّه وأنا على الدنيا فحدَّه حد الشارب والحسن يعد الجلدات حتى أتمها.
قالوا: إنها صلاة مفروضة فيجب أن لا يكون الإمام شرطاً في إنعقادها كالصلوات الخمس.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الأقيسة لا مجرى لها في العبادات لأن معانيها منسدة ونحن وإن استعملناها فإنما هو على جهة المعارضة لا على جهة الإعتماد.
وأما ثانياً: فلأن الرسول÷ نزلها منزلة الحدود بقوله: ((أربعة إلى الولاة)). وعد من جملتها الجمعة، فدل ذلك على مفارقتها للصلوات المكتوبات في إشتراط الإمام فيها.
__________
(1) الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أبو وهب القرشي ابن عمرو بن أمية بن عبد شمس، روى عن النبي÷ وعنه أبو موسى عبد الله الهمداني وعامر الشعبي وحارثة بن مضرب، قال ابن سعد بسنده: أسلم الوليد يوم الفتح وبعثه رسول الله على صدقات بني المصطلق، وولاه عمر صدقات بني تغلب، وولاه عثمان الكوفة [بدلاً عن سعد بن أبي وقاص] ثم عزله، فلما قتل عثمان تحول إلى الرقة فنزلها حتى مات بها سنة 61هـ على خلاف، وكان أخبر النبي÷ عن بني المصطلق أنهم ارتدوا عن الإسلام وأبو أداء الصدقة، وذكلك أنهم خرجوا إليه فهابهم ولم يعرف ما عندهم، فبعث رسول الله خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت فيهم فأخبروه أنهم متمسكون بالإسلام، فنزلت: {ياأيها الذين أمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا...} الآية 6 من الحرجات، راجع (تهذيب التهذيب) 11/125 (وتهذيب الكمال) 31/53.

(4/38)


قالوا: الآية دالة على أن الإمام غير مشترط في صحة الجمعة لأنه تعالى قال: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. ولم يذكر اشتراط الإمام.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد أوضحنا أن الآية مجملة وأن بيانها إلى الرسول÷، وقد أوضحها في شروطها وأبان كيفيتها ومن جملة بيانه لها أن تولاها إماماً بنفسه، وقد ظهر ذلك في فعله وأما قوله فقد بينها بقوله: ((فمن تركها وله إمام عادل أو جائر)). فقد حصل بما ذكرناه بيان هذه الصلاة بالقول والفعل من جهته.
وأما ثانياً: فلأن الخلفاء ومن بعدهم خلفاً عن سلف معتمدون على وجوب اشتراط الإمام في الجمعة وما ذاك إلا لأنهم فهموا ذلك من جهة الرسول÷ في أقواله وأفعاله فلهذا وجب الإعتماد على ذلك.
الفرع الثاني: إذا تقرر اعتبار كون الإمام شرطاً في صحة صلاة الجمعة فهل يعتبر كونه عدلاً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب اعتبار عدالته، وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة على هذا: هو قوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}[هود:113].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن اللّه تعالى نهى عن الركون إلى الظلمة وأهل الجور والفساد، ومن صلى خلف ظالم أو جائر فقد ركن إليه في صحة صلاته وفي كونه ضامناً للصلاة كما هو جار في حق أهل العدالة من الآئمة.
الحجة الثانية: قوله÷: ((لا يؤمكم ذو جرأة في دينه)). ولا جرأة أعظم من ظلم العباد وملابسة المحظورات وأكل الأموال الحرامية إلى غير ذلك من أنواع الجور والفساد.
المذهب الثاني: جواز الصلاة في يوم الجمعة خلف الظلمة وأهل الفساد والجور، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: قوله÷: ((فمن تركها وله إمام عادل أو جائر)). فظاهر الخبر دال على جواز الصلاة خلف الجائر من الظلمة وأهل الفساد والجور كما تجوز خلف العادل.

(4/39)


والمختار: وجوب اشتراط العدالة في إمام الجمعة كما ذكره أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن الإمام الأعظم هو الشرط في وجوبها وليس يكون إماماً للمسلمين إلا إذا كان مختصاً بصفات حاصلاً على شرائط، ومن جملتها: العدالة لأنه إذا كان عدلاً كان متولياً لمصالح الدين جامعاً لشمل المسلمين واضعاً للحقوق في مواضعها غير مفرط في شيء من الأموال في غير وجهه، ذاباً عن الجوزة، وكل ذلك معتمده العدالة فإذا لم يكن عدلاً بطلت هذه المصالح كلها وبطل الغرض به ولم يكن صالحاً للإمامة بحال.
الحجة الثانية: هو أن الشهادة لا خلاف في وجوب اعتبار العدالة فيها ولا يحكم الحاكم إلا بشهادة عدلين في الحقوق والأموال، فإذا كانت العدالة معتبرة في الدرهم الواحد وفي العشرة ويجب اعتبارها في الحقوق من الوكالة والوصاة فكيف لا تعتبر في أجلّ الإشياء وأخطرها وأعظمها حقاً عند اللّه تعالى وهي الإمامة وهي تتعلق بمصالح الدين والدنيا وعليها يدور صلاح الخلق.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول÷ أنه قال: ((وله إمام عادل أو جائر)). فلم يفصل بين العادل والجائر في صحة الإمامة في صلاة الجمعة، وفي هذا دلالة على جواز إمامة الظالم ومن كان جائراً خارجاً عن التمسك بالدين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الآية والخبر دالان على وجوب اعتبار العدالة وقد تعارضا وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن الآيات لا يمكن أن تعارضها الأخبار بل يجب الإعتماد على ما تدل عليه الآيات لأنها مقطوع بأصلها والأخبار مظنونة فلهذا كان العمل عليها أرجح من العمل على الأخبار.
وأما ثانياً: فلأن المراد بقوله: ((عادل أو جائر)) في الباطن؛ لأن الظاهر إذا كان هو العدالة فلا حاجة إلى العلم بالباطن فإن لا يطلع عليه إلا اللّه تعالى ولسنا مكلفين بعلم اللّه تعالى، وإنما نكلف بعلمنا وظننا.

(4/40)


الفرع الثالث: اعلم أنا قد أوضحنا فيما سبق انعقاد الإجماع من جهة أئمة العترة على كون الإمام شرطاً في إنعقاد الجمعة وصحتها واشتراط عدالته وقررنا ذلك بأدلة شافية، والذي بقي علينا من ذلك هو البحث عن كون هذا الإجماع مقطوعاً أو مظنوناً وهل يكون مانعاً من الاجتهاد أم لا؟ وهل يفسق مخالفه أم لا؟ فهذه أحكام ثلاثة لا بد من كشف الغطاء عنها وبها يظهر نور المسألة ويبدو رونقها.
الحكم الأول: في طريق هذا الإجماع هل يكون معلوماً أو مظنوناً.
فاعلم أن طريق الإجماع على وجهين:
أحدهما: أن يكون متواتراً نقله، ومتى كان على هذه الصفة كان موجباً للعلم كما نقوله في مكة وبغداد فإن طريقنا إلى العلم ليس بالمشاهدة فإنا لم نشاهدهما ولكن طريقها إلى العلم بهما إنما هو التواتر، وهكذا الحال في العلم بالرسول÷ وبالقرآن وأصول الشريعة فإنه لا طريق لنا إلى العلم إلا التواتر.
وثانيهما: أن يكون منقولاً بالآحاد ومتى كان على هذه الصفة فهو أمر ظني يعمل به في الأمور الظنية والأحكام العملية ولا يعمل به فيما كان مقطوعاً به، فإذا عرفت هذا، فالإجماع المنقول على اشتراط الإمام في الجمعة واشتراط عدالته ليس منقولاً بطريق التواتر ولا هو مقطوع به وإنما نقله بطريق الآحاد، فلا جرم كان مثمراً للظن معمولاً به في الأمور العملية ومن جملة الأمور العملية اشتراط الإمام واشتراط عدالته في القيام بالجمعة، فأما كون إجماعهم حجة فهو أصل من أصول الأدلة الشرعية وقد قررناه في الكتب الأصوليه ودفعنا عنه الأسئلة الواردة عليه وهذه الأحكام الثلاثة كلها متفرعة عليه.
الحكم الثاني: هل يكون [الإجماع] مانعاً من الاجتهاد أم لا؟ إذا وقع في مسألة من مسائل الشريعة.

(4/41)


فنقول: متى كان منقولاً بالتواتر كان موجباً للعلم لا محالة وكان مانعاً من الاجتهاد كالنص فإنه مانع من الاجتهاد، وإنما منع لكونه مقطوعاً بظاهره فأما إذا كان نصاً وليس مقطوعاً بأصله فإنه لا يكون مانعاً من الاجتهاد كما نقوله في أخبار الآحاد، فإنه وإن كان بعضها نصاً في المسألة فلا يكون هناك مانع من مخالفته، ومتى كان منقولاً بطريق الآحاد فإنه يكون مظنوناً ومتى كان مظنوناً لم يكن مانعاً من الاجتهاد كما نقوله في المسائل المأخوذة من جهة الأخبار فإنها معترك للظنون في مسائل التحليل والتحريم، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه أن هذا الإجماع في اشتراط الإمام في الجمعة لما كان مظنوناً من جهة نقله بطريق الآحاد لم يكن مانعاً من الإجتهاد، فإن المسألة خلافية بيننا وبين الفقهاء، ولو كان الإجماع مقطوعاً بطريقة لم يكن لخلافهم وجه كما لو خالفوا نصاً مقطوعاً به فلما خالفوا من غير نكير دل على أن طريق الإجماع مظنون، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن كل ما كان طريقه القطع بنص متواتر أو إجماع متواتر فإنه يكون مانعاً من الاجتهاد على خلافه.
الحكم الثالث: هل يفسق من خالف إجماع العترة أم لا؟ فنقول المخالف لإجماع العترة لا يفسق سواء كان طريقه مظنوناً أو مقطوعاً، أما إذا كان مظنوناً فلا إشكال فإن الفسق لا يكون إلا بطريق معلوم، وأما إذا كان مقطوعاً فلم يرد الوعيد على مخالفته فلهذا لم يقطع بفسق من خالفه، ويخالف إجماع الأمة وإن اشتركا في كونهما قاطعين فيما تواترا فيهما لما ورد الوعيد على مخالفة إجماع الأمة فلا جرم قضينا بفسق من خالف إجماع الأمة دون من خالف إجماع العترة، لكن نقطع بخطأه لا غير لكونه قد خالف قاطعاً، وقد نجز غرضنا من بيان هذه الأحكام التي ذكرناها ونرجع إلى التفريع.

(4/42)


الفرع الرابع: وإذا كان وجود الإمام شرطاً في إنعقاد الجمعة وكان بعض المسلمين في بعض الأقاليم والأمصار قد بلغب دعوته إليه ولا يمكنه الوصول إليه، فهل يجوز له إقامة الجمعة من غير تولية له من جهة الإمام ولا إذن أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك، وهذا هو الذي نصه الهادي في المنتخب، واختاره السيد أبو طالب رضي اللّه عنه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن)). فإذا رأى هذا النائي عن الإمام مع بلوغ دعوته إليه واستكمال الشرائط فيه أن يقيم له الجمعة من غير ولاية إذا كان هناك مانع من الوصول إليه وأخذ الولاية منه، جاز له ذلك لأن اختيار المسلمين له وراضاهم بإقامته للجمعة للإمام قائم مقام ولاية الإمام له. ويؤيد ما ذكرناه: ما روي عن الرسول÷ لما خرج إلى بني عمرو بن عوف يصلح بينهم قدَّم المسلمون أبا بكر يصلي بهم ولم ينكره الرسول÷ وصوبه. وفي غزوة مؤتة لما جهزهم وأمَّر عليهم زيداً(1) وقال: ((إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبدالله بن رواحة)). فلما قتلوا جميعاً اختار المسلمون خالد بن الوليد(2)
__________
(1) زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى، مولى النبي÷ صاحبي جليل من السابقين إلى الإسلام، تبناه رسول الله÷، وقال ابن عمر: ما كنا ندعوه إلاَّ زيد بن محمد حتى نزلت: {ادعوهم لآبائهم} وكان اشتراه حكيم بن حزام من سوق عكاظ بأربعمائة درهم لعمته خديجة رضي الله عنها، فلما تزوجها رسول الله وهبت زيداً له، ونقل ابن سعد في (الإصابة) عن عبد الرزاق بسنده: ما نعلم أن أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة، وكان يعرف بأنه حِبُّ رسول الله÷ كان قائد جيش رسول الله في مؤته، واستشهد فيها بعد أن أبلى فيها بلاءً عظيماً سنة 8 من الهجرة. اهـ. 2/895.
(2) أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي، أسلم قبل الفتح بعد الحديبية، وكان أميراً على الجيش في أكثر من غزاة أثناء الفتوحات، و هو قائد محنك وفارس معروف، كان مع المشركين يوم أحد واستغل ومن معه نزول الرماة وانشغالهم بتعقب المشركين فالتف على جيش المسلمين وكان سبب هزيمتهم يوم أحد الناتج عن مخالفة الرماة لأمر رسول الله÷، كان في جيش المسلمين يوم مؤتة، وهو الذي تولى قيادة الجيش بعد استشهاد قادته الثلاثة زيد وابن رواحة وجعفر، وقفل بالجيش عائداً إلى المدينة، مات سنة 22 بحمص ودفن بها، انظر: (مشتاهير علماء الأمصار) 1/31، و(تقريب التهذيب) 191، و(الاستيعاب) 2/427.

(4/43)


فأمرَّوه عليهم ولم ينكر الرسول÷ ما فعلوه، وفي هذا دلالة على ما قلناه من الجواز، فإن كان النائي يمكنه الوصول لم يجز له إقامة الجمعة إلا بإذنه وتوليته.
المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله وتأول ما قاله الهادي في المنتخب على أن الإمام ولاه سراً.
والحجة على هذا: هو أن إقامة الجمعة عبادة من شرط صحتها الإمام فوجب أن يعتبر في صحة إقامتها إذن الإمام كالحدود فإنه لا يجوز إقامتها من غير تولية الإمام وإذنه، وهكذا أخذ الزكاة وغير ذلك مما يكون أمره إلى الإمام فلا يجوز فعله إلا برضاه وأذنه.
والمختار: ما قاله [الهادي] في المنتخب، وارتضاه السيد أبو طالب من جواز ذلك إذا كان هناك مانع يمنع من الوصول لأخذ الولاية، وهو محكي عن أصحاب أبي حنيفة، وحكي عن الكرخي: أنه لا تجوز الجمعة إلا بإذن الإمام وتوليته إلا أن يكون هناك مانع يمنع من الوصول إليه جاز ذلك. وهذا يؤيد ما قاله أبو طالب وذكره الهادي في المنتخب.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة:2]. ومعلوم أن ما هذا حاله فهو من المعاونة على البر لأن ظهور جمعة الإمام والدعاء إلى طاعته وإشتهار أمره في تلك الناحية وذلك الأقليم، فيه أعظم المصالح لأن بظهور أمره يقوم الأمر بالمعروف وترتفع المنكرات ويضعف أمر الظلم ويهيئ(1)
جانب الظلمة خوفاً من سطوة الإمام وتوقعاً لنكاله.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إقامة الجمعة عبادة من شرط صحتها الإمام فلا بد من اعتبار إذنه وولايته كالحدود وأخذ الأموال وأمور الجهاد.
قلنا: هذا مسلم إذا كان ممكناً لا يتعذر الوصول إلى الإمام ولكن إذا كان الوصول متعذراً لم يجز بطلان هذه المصلحة التي ذكرناها بإظهار شعار الإمام وتقوية أمره وإشتهار ولايته وبما يصلح في ذلك من المصالح الدينية والدنيوية.
__________
(1) هكذا في الأصل غير واضحة، ولعلها: يوهن.

(4/44)


قال الشافعي: ويستحب أن لا تقام الجمعة إلا بإذن الإمام لأن الجمعة لم تقم في عهد رسول اللّه÷ إلا بإذنه، ولا أقيمت في أيام الخلفاء إلا بإذنهم وولايتهم. وهو محكي عن مالك وأحمد بن حنبل وكثير من الفقهاء، وإنما قالوا بااإستحباب لما كان الإمام غير شرط في صحة الجمعة عنده، وعن أبي حنيفة والأوزاعي، وجوب ذلك. كما مر بيانه.
الفرع الخامس: وإذا كان الإمام محبوساً، فهل يجوز إقامة الجمعة للمسلمين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة على هذا: هو أن وجود الإمام من شرط صحة الجمعة كما مر بيانه، فإذا كان محبوساً بطل تصرفه وبطل وجوبها على المسلمين لبطلان الإمام وتصرفه.
المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: إذا مات الإمام جاز للمسلمين أن يقيموا من يصلي بهم الجمعة لأن هذا موضع ضرورة.
والحجة على هذا: هو أن الجمعة فرض عين، فإذا حبس الإمام أو مات جاز للمسلمين إقامتها لئلا يفوت عليهم هذا الفرض المتعين.
والمختار: ما قررناه أولاً من اشتراط وجود الإمام في إيجاب الجمعة لما قدمنا من الأدلة فإذا مات أو حبس فقد بطل شرط إقامتها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الموت والحبس من جملة الأمور النادرة ومواضع الضرورة، فلهذا قلنا بجواز إقامتها من جهة المسلمين.
قلنا: إن كل ما كان شرطاً في صحة أمر وثبوته وقامت الدلالة [عليه] فإنه لا يجوز حصوله من دونه لأن صحته من دونه تؤذن بكونه شرطاً تقف صحته على وجوده وثبوته.
الفرع السادس: والإمام إذا اجتمع له صلاة جمعة والكسوف والإستسقاء والجنازة فإنه يبدأ بصلاة الجمعة لأمرين:

(4/45)


أما أولاً: فلأنها من فروض الأعيان وما عداها إما واجب على الكفاية كصلاة الجنازة، وإما سنة مؤكدة كصلاة الكسوف والإستسقاء، وإن اجتمع صلاة الجنازة والكسوف والإستسقاء فإنه يبدأ بصلاة الجنازة لقوله÷: ((ثلاث لا ينبغي التأني فيهن: الجنازة إذا حان وقتها، والصلاة إذا حضر وقتها، والأيم إذا حضر كفؤها)) (1).
إلا أن يخشى فوات الكسوف بالإنجلاء فالبداية به، وإن حضر الكسوف والإستسقاء فهما سواء إلا أن يخاف فوات الكسوف بالإنجلاء فهو أحق بالبداية.
ويستحب للإمام أن يأتي الجمعة راجلاً لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة))(2).
ولأن الثواب بالمشي أكثر أجراً وأعظم ثواباً من الركوب.
ويستحب أن يأتيها حافياً غير منتعل لما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه كان يأتي الجمعة حافياً، وهذا كله في الرواح في الجمعة فأما بعد الفراغ منها فيفعل ما شاء من الركوب والإنتعال لأن الفضل إنما يكون في القصد إليها لا في المراح بعد إنقضائها، ولا يجوز الإئتمام في صلاة الجمعة بالصبي لأنه غير مكلف بالصلاة، ويجوز عند الشافعي في أحد قوليه، ويجوز الإئتمام بالأعمى لما روي عن الرسول÷ أنه كان يستخلف ابن أم مكتوم يصلى بالناس في المدينة، ويجوز الإئتمام بالعبد في صلاة الجمعة لأنها صلاة مفروضة فجاز الإئتمام به كصلاة الظهر، وحكي عن مالك أنه لا يجوز أن يكون العبد إماماً لأن إمامة الصلاة فيها علو ورفعة والرق في غاية النزول والركة فلأجل هذا تناقض حكمهما.
والمختار: جواز ذلك لأنه مسلم نقي عاقل مكلف فجازت الصلاة به كالحر.
__________
(1) تقدم.
(2) وروي الحديث بزيادة: ((.... المشائين في الظلمات)) و ((... في الظلم)) و((...في ظلم الليل)) أخرجه بهذه الزيادات ابن خزيمة في صحيحه 1/331، والترمذي 1/435، وأبو داود 1/154، وابن ماجة 1/257.

(4/46)


الفرع السابع: والإمام إذا كان من أهل الظلم والجور والفسق، والخطيب إذا كان متولياً من جهتهم ويخطب لهم ويدعو لهم على المنابر، فإذا كانوا على هذه الصفة تعلق بهم حكمان:
الحكم الأول: أنه لا يجوز حضور جُمَعِهم عند الأكابر من أئمة أهل البيت" ويأثم الحاضرون لها، وقد حكي عنهم روايات في المنع من ذلك والتشديد على من حضر والنكير، ونحن نذكرها ليتحقق الناظر ما خصهم اللّه به من الصلابة في ذات اللّه والتشدد في أمر الدين والبعد عن أهل الجور والظلم.
الرواية الأولى: مأثورة عن زيد بن علي، ومحمد بن عبدالله النفس الزكية(1): أ
ن كل من حضر خطبهم فهو آثم.
الرواية الثانية: عن إبراهيم بن عبدالله(2)
أنه سئل عن الجمعة هل تجوز مع الإمام الجائر؟ فقال: إن علي بن الحسين، وكان سيد أهل البيت كان لا يعتد بها معهم ويُؤَثِّم من حضرها.
الرواية الثالثة: محكية عن جعفر الصادق أنه سئل عن ذلك فقال السائل: أصلي خلفه وأجعلها تطوعاً؟ فقال: لو قبل التطوع قبلت الفريضة.
الرواية الرابعة: عن القاسم بن إبراهيم أنه قال: من صلى معهم فقد أثم.
الرواية الخامسة: عن الناصر أنه قال لشالوس(3)
ـ وكان ممن يحضر جُمَعَ الظلمة وأهل الجور والفسق ـ: إنكم تحضرون الجمعة وهي فرض من فرائض اللّه مع الظلمة فيأتي خطيبهم فيقول: اللهم أصلح عبدك وخليفتك والقائم بأمرك وبالحق في عبادك، وهو في حال دعاءه خِمِّير فاسق فيكذب مثل هذه الكذبات في خطبته التي هي نصف الصلاة فما أحد منكم يشري نفسه من اللّه فيكذبه في قوله وينكر عليه. فهذا كله تصريح بأنه لا يجوز لأحد من المسلمين حضور هذه الجمعة إذا كان الخطيب يخطب للظلمة.
الرواية السادسة: عن المؤيد بالله قال: يكره الحضور معهم فهذه الروايات كلها دالة على تأثيم الحاضرين.

(4/47)


الرواية السابعة: عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال: من سوَّد علينا فقد شرَّك في دمائنا. ومعنى كلامه هذا من كثر جماعة أعدائنا وزاد في سوادهم علينا، فكلامه هذا دال على أنه لا يجوز حضور جُمَعِهم. ويدل على البعد منهم والمجانبة لهم، ومن كان له إلى اللّه أدنى وسيلة ووثاقة في الدين فإنه يعتمد على ما رويناه، ومصداق هذه المقالة ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((من دعا لظالم بالبقاء فقد أعان على هدم الإسلام))(1).
وقوله÷: ((إذا مدح الفاسق أهتز العرش))(2).
وقوله÷: ((من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى اللّه في أرضه))(3).
الحكم الثاني: أنهم إذا صلوا وجبت عليهم الإعادة لأن الإمام شرط في إنعقاد الجمعة وصحتها، ولا شك أن إمامتهم باطلة فلهذا بطلت الجمعة ووجب عليهم إعادة الظهر، فأما على قول من قال: بأن المعاصي تكون ناقضة للوضوء. فإنه ينتقض وضوءه بكذبه وتعظيمه للظلمة وأهل الفسق، فلا جرم أوجبنا عليهم إعادة ما صلوا وهم على هذه الحالة، وهل يجب القضاء بعد فوات الوقت؟ فيه تردد والقوي أنه لا يجب عليهم القضاء بعد فوات الوقت لأنها من المسائل الخلافية، كما حكي عن شيوخ المعتزلة والحنفية: أنه لا يجوز التأخر عن الجمعة وإن كان الخطيب يخطب للآئمة والظلمة وأهل الفسق المتغلبين.
الفرع الثامن: والإمام إذا كان واقفاً في بلدة أو محلة متقاربة الأطراف فهل يجوز أن تقام الجمعة في مسجد واحد أو في كل مسجد؟
فالذي عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء: على أنه لا يجوز أن تقام الجمعة فيها إلا في مسجد واحدٍ.
__________
(2) رواه عن أنس بن مالك أبو يعلى في معجمه 1/165 بلفظ: ((إذا مُدح الفاسق غضب الرب واهتز العرش)) وهو في (ميزان الاعتدال) بلفظه في الأصل 3/161، وكذا في (لسان الميزان) 3/2.
(3) ورد على أنه كلام بعض السلف، وقد ذكره ابن حنبل في (الورع) 1/97، وهو في (شعب الإيمان) 7/53.

(4/48)


والحجة على هذا: قوله÷: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والمعلوم من حالهم في المدينة وحاله أنه ما صلى فيها إلا في مسجد واحدٍ، وهي بلدة كبيرة ومصر من الأمصار، فإذا كان هذا واقعاً في المدينة مع سعتها ففي المحلة والقرية أحق وأولى.
وحكي عن عطاء وداود من أهل الظاهر: أنه يجوز إقامتها في كل مسجد كسائر الصلوات المفروضة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن من شرط الجمعة الجماعة، واجتماع الناس في القرية والمحلة الصغيرة سهل فلهذا وجب اجتماعهم على صلاة واحدة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إنها صلاة فجازت إقامتها في كل مسجد كالصلاة المكتوبة.
قلنا: إن المعنى في الأصل أن الإجتماع ليس شرطاً في الصلوات المكتوبة فلهذا جازت تأديتها في كل مسجد بخلاف الجمعة فإن من شرطها الجماعة فافترقا، وإن كان مقام الإمام في مصر كبير متباعد الأطراف فهل يجوز أن تقام الجمعة فيه في مسجد واحدٍ أو أكثر من ذلك؟ فيه أقوال خمسة:
القول الأول: جواز ذلك وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب للمذهب.
والحجة على هذا: هو أن المصر إذا كان متباعد الأطراف مثل بغداد أو البصرة فإن إجتماعهم في مكان واحدٍ تلحقهم به المشقة والحرج في التزاحم والضيق والله تعالى يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج}[الحج:78]. فلهذا جاز فعلها في موضعين وثلاثة على قدر الحال في ذلك.
القول الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو المحكي عن الشافعي فإنه قال: ولا يُجَمَّع في مصر وإن عظم وكثرت مساجده إلا في مسجد واحدٍ.
وحجته على هذا: هو أن الرسول÷ والخلفاء بعده ما أقاموا الجمعة إلا في موضع واحدٍ وقد قال÷: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
القول الثالث: محكي عن أبي يوسف، وهو أن البلدة إذا كان لها جانبان وفي وسطها نهر عظيم يجري مثل مدينة السلام ـ يعني بغداد، وواسط ـ جاز أن يصلي في كل جانب منها جمعة. وهو محكي عن أبي الطيب من أصحاب الشافعي.

(4/49)


القول الرابع: محكي عن محمد بن الحسن، أن القياس أنها لا تقام إلا في مسجد واحد لكنه يجوز إقامتها في البلد في مسجدين استحساناً، ولا يجوز إقامتها في ثلاثة مساجد.
القول الخامس: الذي يأتي على كلام أبي حنيفة إذ ليس له في المسألة نص فحكي أن مذهبه مثل مذهب الشافعي، وقيل: إن مذهبه مثل قول محمد بن الحسن في الإستحسان.
واعلم أن الإستحسان وآدٍ من أودية القياس لكنه أخص من القياس وأدخل في غلبات الظنون والقياس إقامتها في مسجد واحدٍ لأن ذلك هو الواجب، والذي دلت عليه أدلة الشرع والإستحسان إقامتها في مسجدين لأن الحاجة تدعوا إلى ذلك من غير زيادة عليه فإذن لا حاجة إلى ثالث إذ لا دلالة لا من جهة القياس ولا من جهة الإستحسان.
والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وهو أن الأمر في ذلك على ما يراه الإمام الأعظم أو من يقوم مقامه بأمره في الجمعة، فإن كان الإجتماع في مسجد واحدٍ ممكناً فلا حاجة إلى إقامتها في غيره لأن ذلك يؤدي إلى تفرق الكلمة وتشتت الشمل، وإن كان غير ممكن أو كان في الإجتماع مشقة على المسلمين في الإجتماع بالإزدحام والتضايق جاز إقامتها في مساجد لأجل الضرورة الداعية إلى ذلك لأن العذر إذا كان ظاهراً فمداخل الإحن والبغضاء منسدة لا يظنها ظان وإذا لم يكن العذر ظاهراً تطرقت إليهم الإحن وأنواع العداوة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: لم تقم الجمعة إلا في مسجد واحد في زمن الرسول÷، كما حكي عن الشافعي المنع من ذلك. وعن أبي يوسف: الجواز إذا كان للبلدة جانبان كبغداد أقيمت في مسجدين، والإستحسان إقامتها في مسجدين كما حكي عن محمد. فأما أبو حنيفة: فرأيه في ذلك إما على ما قاله الشافعي، أو على ما قاله محمد.

(4/50)


قلنا: الجواب عن هذه المذاهب بحرف واحد: وهو تقرير الحال على ما تدعو إليه المصلحة في ذلك، ولا وجه للمنع مع دعاء الضرورة إليه، ولأن الأمر إذا إنتهى إلى مثل هذه الحالة فالأولى تحكيمها على ما يكون فيه مصلحة للمسلمين أو للصلاة، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والحمدلله.
الفرع التاسع: في حكم الجمعتين إذا اجتمعتا، وإن أقيمت جمعتان في البلدة الصغيرة التي لا يصح إقامتها فيها؟ نظرت فإن كان لإحداهما مزية على الأخرى بأن كان في إحداهما الإمام الأعظم فإن كان مع الأولى فهي الصحيحة لأنها الأولى ومعها الإمام الأعظم، وإن كان الإمام في الثانية فأيهما تكون أحق بالصحة؟ فيه تردد.
والمختار: الثانية هي الصحيحة لأنها جمعة الإمام ولأنا لو حكمنا بصحة الأولى لكان في ذلك إعراض عن الإمام وتهاون بجمعته، فلأجل هذا كان الحكم بصحة الثانية هو الأحق والأولى، وإن لم يكن لإحداهما مزية على الأخرى بأن أقيمتا بإذن الإمام فذلك يكون على خمسة أوجه:
الوجه الأول: أن تسبق إحداهما الأخرى، فالأولى السابقة هي الصحيحة، لأنها أقيمت بشرائطها فمنعت صحة الثانية والثانية باطلة، وهل يعتبر السبق في الأولى بالإحرام بالصلاة أو بالإبتداء بالخطبة؟ والأولى أن الإبتداء بالخطبة يعتبر به السبق لأنهما قائمتان مقام الركعتين.
الوجه الثاني: إذا أحرموا بهما جميعاً في حالة واحدة حكم ببطلانهما جميعاً لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى فتكون مرجحة، ولا وجه للجمع بينهما لأن الفرض إنما هو واحدة، فإذا كان لا ترجيح بينهما وجب الحكم ببطلانهما جميعاً.
الوجه الثالث: إذا لم يعلم هل سبقت إحداهما الأخرى أو كانتا في وقت واحدٍ فإنه يحكم ببطلانهما جميعاً لما ذكرناه في الوجه الثاني إذ لا مزية لإحداهما على الأخرى، ويجب عليهم أن يعيدوا الجمعة إذا كان الوقت واسعاً لأن فرضها لازم لهم فلا بد لهم من أدائه.

(4/51)


الوجه الرابع: إذا علم أن إحداهما سابقى لكنه غير معلوم بعينه، ومثاله: أن يسمع تكبير أحد الإمامين بالإحرام بالصلاة ـ إذا قلنا: الإعتبار بالسبق بالإحرام ـ ثم كبر الثاني ولا يُعلم الذي كبر أولاً.
الوجه الخامس: إذا عُلِم عين السابقة من الصلاتين ثم نسيت، ومثاله: أن يعلم عين المكبر أولاً لكنه نسي فالحكم في هذين الوجهين أعني الرابع والخامس واحد، وهو أن الجمعتين باطلتان، وإذا كان الأمر كما قلنا فالواجب على المسلمين قضاء الجمعة لأنا إذا حكمنا ببطلانهما معاً صار كأنه لم تقم في المصر جمعة فلهذا وجب عليهم إقامتها لأنا نعلم أن إحداهما باطلة والأخرى صحيحة، وإذا لم يعلم عين الصحيحة من الباطلة فالأصل بقاء الفرض في ذممهم فلهذا توجه عليهم الإعادة.
الفرع العاشر: والإمام إذا مر بمصر من الأمصار فصلى فيه الجمعة بأهله، فالذي يأتي على المذهب أن صلاة الإمام والمأمومين صحيحة مجزية، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الصفات المعتبرة في صحة الصلاة لهم جميعاً حاصلة فلأجل هذا قضينا بصحة الصلاة لهم جميعاً، وحكي عن زفر: أنها غير مجزية للإمام والمأمومين جميعاً، وإنما لم تصح صلاة المؤتمين لأنهم مقيمون والإمام مسافر، وقد قال÷: ((لا تختلفوا على إمامكم)). وإنما لم تصح صلاة الإمام لأنها لما بطلت في حقهم بطل العدد الذي هو شرط في صحة الصلاة فلأجل هذا بطل إجزاؤها في حق الإمام والمأمومين معاً.
والمختار: هو الأول لما ذكرناه من كمال الشرائط في حقه وحقهم، وما ذكره زفر فلا وجه له لأمرين:
أما أولاً: فلأنه لا خلاف في صحة الصلاة للمقيم خلف المسافر.
وأما ثانياً: فلأن الفرض في حق الإمام والمأموم متفق وهو فرض الجمعة لأنها ركعتان في حق المقيم والمسافر.

(4/52)


الفرع الحادي عشر: وإن صلى الإمام ثم ذكر أنه كان جنباً بطلت صلاته لبطلان طهارته وبطلت صلاة المؤتمين، ولا يقع هاهنا خلاف في بطلان صلاة المؤتمين كما وقع الخلاف في صلاة الجماعة كما قررناه لأن الإمام هاهنا شرط في صحة صلاة الجمعة بخلاف صلاة الجماعة، ولو صلى في صلاة الجمعة بجماعة ثم بان أنهم محدثون فإن صلاتهم باطلة لبطلان طهارتهم فتلزمهم الإعادة، فأما صلاة الإمام فهل يحكم بصحتها أم لا؟ فمن أصحاب الشافعي من حكم بصحة صلاة الإمام لأنه لم يكلف بالعلم بطهارة من خلفه من المؤتمين فلهذا حكمنا بصحة صلاته.
والمختار: بطلان صلاته لبطلان العدد لأنه شرط في صحة صلاة الجمعة كالإمام، وبالله التوفيق.
القول في العدد: وهو شرط في صحة الجمعة، ولا خلاف أن الجمعة لا تنعقد إلا بعدد لقوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. وهذا خطاب للمسلمين بخطاب الجمع.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: اختلف العلماء في أقل العدد الذي تنعقد به الجمعة على مذاهب ثمانية:
المذهب الأول: أن أقل ما تنعقد به الجمعة أربعة: الإمام، وثلاثة مأمومين، وهذا هو الذي ارتضاه السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب للمذهب، وهو محكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن قوله تعالى: {فاسعوا} إنما هو خطاب للجمع وأقل الجمع ثلاثة لأن ما دون الثلاثة فليس جمعاً وما فوقها زائد على الجمع، فلهذا قلنا: إن أقله يكون ثلاثة غير الإمام لأن الخطاب للمسلمين، والسعي إنما هو إلى الإمام فلهذا كان مغايراً للساعين إليه.
المذهب الثاني: أن أقل ما تنعقد به: ثلاثة، إمام ومأمومان. وهذا هو الذي اختاره أبو العباس، وحصله لمذهب الهادي، وهو محكي عن أبي يوسف وأبي ثور والأوزاعي والثوري.

(4/53)


والحجة على هذا: هو أن قوله: {فاسعوا} إنما هو خطاب للإمام مع المأمومين ولا شك أنهم ثلاثة فيجب أن يكون الخطاب متوجهاً إليهم، ويمكن أن يقال: إن الخطاب للمأمومين لكن أقل الجمع إثنان عند جماعة من أهل اللغة.
المذهب الثالث: أنها لا تنعقد إلا بأربعين رجلاً ولا تنعقد بدون ذلك، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن عمر بن عبدالعزيز وغيره، وهل يكون الإمام من جملة الأربعين أو يكون زائداً؟ فيه وجهان: أجودهما: أنه يكون من جملة الأربعين.
والحجة على هذا: ما روى عبدالرحمن بن كعب بن مالك(1)
قال: كنت قائداً لأبي بعدما كف بصره فكان إذا سمع الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة، فقلت له: إنك تترحم عليه في نداء كل جمعة؟ فقال: نعم.. كان أول من جَمَّع بنا في بني بياضه. قلت: كم كنتم؟ قال: أربعين رجلاً. وروي عن جابر بن عبدالله أنه قال: مضت السنَّة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة.
المذهب الرابع: أنها تنعقد بأثني عشر رجلاً محكي عن ربيعة، وعن عكرمة: أنها تنعقد بتسعة. وحكي عن الحسن البصري: أنها تنعقد بإمام ومأموم. وهو محكي عن داود وعن الحسن بن صالح: أنها تنعقد بالإمام وحده. وعن مالك: أني لا أجد في ذلك حداً وإنما يعتبر في ذلك عدد يمكنهم المقام في قرية ويتمكنون فيها.
والمختار: ما أرتضاه الأخوان وحصَّلاه للمذهب: من أنها تنعقد بثلاثة مع الإمام.
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) أبو الخطاب عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري السملي، روى عن أبيه وأخيه عبد الله بن كعب وأبي قتادة وجابر وعائشة وغيرهم، وعنه: ابنه كعب وأبو أمامة بن سهل والزهري وغيرهم، ولد على عهد النبي÷ ولم يرو عنه شيئاً، توفي في ولاية سليمان بن عبد الملك بن مروان، وقيل: في ولاية هشام. اهـ (تهذيب التهذيب) 6/233، وقال في (الإصابة): قال ابن سعد: كان ثقة وأكثر حديثاً من أخيه. اهـ. 5/47.

(4/54)


ونزيد هاهنا: وهو أن الروايات في الأخبار متعارضة فروي عن أسعد بن زرارة أنه جَمَّعَ في أربعين، وروي عن مصعب بن عمير(1): أنه جَمَّعَ في اثني عشر رجلاً(2)
__________
(1) أبو عبد الله مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، من جلة الصحابة ومشاهيرهم وفضلائهم، هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى، شهد بدراً، وكان رسول الله÷ قد بعثه إلى المدينة قبل الهجرة بعد العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وكان يدعى القارئ المقرئ، ويقال: إنه أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة، ذكر في (الاستيعاب) عن الواقدي ما عُرف به مصعب بن عمير في مكة بأنه كان فتاها شباباً وجمالاً، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب، وكان رسول÷ يذكره ويقول: ((ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عيمير)) ولما بلغه أن رسول الله يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم جاءه وأسلم وظل يختلف إلى رسول الله سراً، فبصر به عثمان بن طلحة يصلي فأخبر به قومه وأمه، فأخذوه وحبسوه فلم يزل محبوساً إلى أن خرج مهاجراً إلى الحبشة، استشهد في أحد رحمه الله ورضي عنه، وكانت راية رسول الله معه يوم بدر ويوم أحد حتى استشهد فأخذها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، راجع (الاستيعاب) 4/1473، و(الإصابة) 6/123.
(2) جاء في (جواهر الأخبار) 2/13: عن جابر، بينما نحن نصلي مع رسول الله إذ أقبلت عير تحمل طعاماً فالتفوا إليها حتى بقي مع النبي إلاَّ اثني عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً} [الجمعة:11] وفي رواية أن الرسول÷ كان يخطب قائماً فجاءت عير من الشام، وذكر نحوه، وقال: إلاَّ اثني عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر، وفي أخرى: إلاَّ اثني عشر رجلاً أنا فيهم، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، قال: وقوله في الكتاب: (يقصد: كتاب البحر): وبقي معه ثمانية، وقوله كذلك فقي (الانتصار) مخالف لما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم.

(4/55)


،
وروي: أنهم انفضوا حين دخلت العير ولم يبق منهم إلا ثمانية رجال إلى غير ذلك من الإختلافات، وإذا كانت الأخبار متعارضة وجب الرجوع إلى ما تدل عليه الآية بقوله تعالى: {فاسعوا} ولا شك أن أقل الجمع ثلاثة مع الإمام فيجب التعويل عليه، ولم أعثر في البخاري والترمذي على شيء يدل على العدد في الجمعة.
ومن وجه آخر: وهو أن التعويل على ما تدل عليه الآية وترشد إليه أحق من التعويل على هذه الأخبار المتعارضة، فإن الآية مقطوع بأصلها وظواهرها مظنونة فلهذا كان التعويل على ما تدل عليه أحق بالقبول لما ذكرناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. وهذا جمع، وأقل الجمع إثنان مع الإمام كما حكي عن أبي العباس.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن أقل الجمع إثنان، ويدل على ذلك أن للتثنية صبغة في الأسماء الظاهرة فيقال: رجلان وفرسان وللجمع صبغة فيقال: رجال وأفراس، وفي الأسماء المضمرة فيقال في التثنية: هما وضربا. ويقال في الجمع: هم وضربوا. وفي هذا دلالة على أن التثنية ليست جمعاً.
وأما ثانياً: فلأن التثنية إذا كانت جمعاً فيجب أن يكون واحد مع الإمام كافياً في إنعقاد الجمعة لأنهما إثنان.
قالوا: لا تنعقد الجمعة إلا بأربعين كما حكي عن الشافعي اعتماداً على ما حكي عن أسعد بن زرارة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا مذهب لأسعد بن زرارة لأنه لم ينقله عن الرسول÷ فليس الحجة إلا في كلام اللّه وكلام رسوله÷، فأما مذاهب المجتهدين فلا تلزمنا.
وأما ثانياً: فإنه قد روي أن مصعب بن عمير أقام الجمعة في اثني عشر رجلاً، فما ذكروه معارض لهذا العدد فليس أحدهما أحق بالقبول من الآخر.

(4/56)


قالوا: روي: أنها لا تنعقد إلا بأثني عشر رجلاً. كما روي عن ربيعة، وعن عكرمة: بتسعة رجال، وعن الحسن البصري: أنها تنعقد بالإمام مع واحدٍ. وعن الحسن بن صالح: أنها تنعقد بالإمام وحده. وعن مالك: أنه لا يجد في ذلك حداً بعدد مخصوص، وإنما الإعتبار بعدد يمكنهم المقام في قرية.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه مذاهب مختلفة وآراء مضطربة لا تستند إلى دليل شرعي، ولا تتأيد بمسلك نقلي.
وأما ثانياً: فلأن هذه المقدرات أمور غيبية وعبادات شرعية لا يمكن إثباتها بطرق القياس، ولا بمسالك النظر، وإنما مستندها من جهة صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه من قوله وفعله، ولا يمكن فيها تحكيم الآراء ولا تجري فيها الأقيسة باستنباط المعاني لإنسدادها فيها ولا يمكن تقريرها بطرق الأشباه لتعذرها فيها وبعدها عنها، وإنما التعويل في إثباتها على ما ذكرناه من ظواهر القرآن والسنة، والأقوى فيها ما ذكرناه فيجب الإعتماد عليه.
الفرع الثاني: في صفة العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وفيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهم ضربان:
الضرب الأول: تنعقد بهم الجمعة ويجب فعلها وهؤلاء هم الرجال البالغون الأحرار المسلمون، فمن جمع هذه الأوصاف فإنها تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي.
الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا وهؤلاء هم العبيد والمرضى والمسافرون والصبيان والنساء فإن هؤلاء لا تجب عليهم الجمعة، وإذا حضروا انعقدت بهم الجمعة.
قيل للسيد أبي طالب رضي اللّه عنه: هل يجب أن يكون العدد [من] الذين يعتبرون في الجمعة أحراراً بالغين عقلاء؟ فقال: يجب أن يكونوا مكلفين.
قيل: فهل يعتبر أن يكونوا رجالاً أحراراً؟ فقال: بل لو كانوا نساء وعبيداً وجب أن تصح وتنعقد بهم الجمعة لأن عندنا أن هؤلاء إن حضروا أجزتهم الجمعة.

(4/57)


المذهب الثاني: أن العدد بالإضافة إلى انعقاد الجمعة وعدم انعقادها على ضروب أربعة:
الضرب الأول: تنعقد بهم الجمعة وتجب عليهم، وهؤلاء إذا كانوا رجالاً بالغين عاقلين مسلمين أحراراً، وكانت عدتهم أربعين رجلاً مقيمين لا يظعنون شتاء ولا صيفاً إلا لحاجة.
الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة ولا تنعقد بهم وهؤلاء هم المسافرون والنساء والصبيان والخناثا والعبيد، فهؤلاء لو اجتمع من صنف واحد منهم أربعون رجلاً أو من كل صنف منهم أربعون رجلاً لم تنعقد بهم الجمعة.
الضرب الثالث: الذي لا تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا وهؤلاء هم المرضى ومن في طريقه مطر ومن يخاف من حضور الجامع فإن حضر هؤلاء انعقدت بهم الجمعة وتوجه عليهم وجوبها.
الضرب الرابع: تجب عليهم الجمعة وفي انعقادها بهم وجهان، وهؤلاء هم المقيمون في المصر لدرس العلم والفقه، ولطلب التجارة والأرباح، فقيل: تنعقد بهم الجمعة لأن كل من وجبت عليه انعقدت به. وقيل: إنها لا تنعقد بهم لأن الرسول÷ لم يقمها بعرفات بأهل مكة، وإن كانت دار إقامتهم لأنها ليست وطناً لهم. وهذا هو رأي الشافعي، فهذا تقسيم العدد المعتبر في من تنعقد الجمعة وصفاتهم وقد مضى الخلاف فيما يجزي من هذه الصفات، وما يجب اعتباره وما لا يجب فأغنى عن تكريره.
الفرع الثالث عشر: إذا كان العدد لا بد من اعتباره، فهل يكون شرطاً في إبتداء الخطبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن العدد شرط في إبتداء الخطبة، وهذا هو الذي يأتي على رأي الهادي، وهو محكي عن الشافعي، لأن الخطبتين عنده بمنزلة الركعتين.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. والذكر هاهنا هو الخطبة.
المذهب الثاني: أن العدد ليس شرطاً في إبتداء الخطبة، وهذا هو الذي يأتي على رأي المؤيد بالله، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة.

(4/58)


والحجة على هذا: هو أن المقصود هو الصلاة والخطبتان ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن العدد شرطاً في إبتداء الذكر كصلاة الجماعة، وعلى هذا لو خطب وحده وحضر العدد وصلى بهم الجمعة جاز ذلك وانعقدت الجمعة.
والمختار: ما ذكره الهادي، وارتضاه الشافعي من أن العدد شرط في إبتداء الخطبة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن المقصود بالخطبتين إنما هو الوعظ والتذكير وتعريف الحاضرين فضل الجمعة، وهذا لا يمكن ولا يتأتى إلا بسماعهم وحضورهم، فإذا كانوا غير حاضرين عند ابتداء الخطبة بطل الغرض بهم.
الانتصار: يكون بالجواب عما اعتمدوه.
قالوا: ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن العدد شرطاً في الإبتداء كصلاة الجماعة.
قلنا: المعنى في الأصل هو أن الجماعة ليست شرطاً في صحة انعقاد الجماعة بخلاف ما نحن فيه فإن الجماعة شرط في انعقاد الجمعة فافترقا، ولأنه ذكر يتقدم الصلاة شرط فيها فكان من شرطه حضور الجماعة، دليله: تكبيرة الإفتتاح في الجمعة، فإذا تقرر هذا فإنما يشترط حضور العدد عند الواجبات من الذكر في الخطبة على ما يأتي في تقريره دون ما سواها فلا عبرة به، فإن انفضوا بعد فراغه من الواجبات، فإن عادوا قبل تطاول الفصل بنى الإمام على الخطبة وأحرم بهم للجمعة وصحت الجمعة، وإن رجعوا بعد تطاول الفصل وحدُّ التطاول ما يكون في تعارف الناس تطاولاً، وجب على الإمام أن يعيد الخطبة ثم يصلي بهم الجمعة، وكمال العدد شرط في ابتداء الصلاة، وشرط في إستدامتها كالوقت والمكان، فإن نفر الناس قبل شروعه في الخطبة نظرت فإن عادوا في وقت الجمعة فهي جمعة، وإن لم يعودوا إليها أتمها ظهراً، وإن كان نفورهم بعد شروعه في الصلاة فسيأتي تقرير الكلام في حكم الصلاة إذا اختل أحد شروطها المعتبرة فيها.

(4/59)


---
القول في الإمام
اعلم أنه لا خلاف في وجوب اعتبار إمام المحراب في صلاة الجمعة لأن الإجتماع شرط في صحتها وذلك لا يكون إلا بإمام يجمع شملهم، وإنما الخلاف في الإمام الأعظم هل هو شرط في صحتها وانعقادها أم لا كما سنوضح القول فيه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الإمام الإعظم قائم بأمر الله تعالى وبأمور المسلمين، هل يكون شرطاً في إنعقادها وصحتها أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه شرط في صحة انعقادها ووجوبها، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، واختاره الأخوان السيدان المؤيد بالله وأبو طالب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا} [الجمعة:9]. ولا شك أن لفظ الصلاة مجمل يحتاج إلى بيان من معرفة صفتها وشروطها، وبيانها موكول إلى الرسول÷ لأن الشرع مأخوذ منه، وقد تقرر أنه÷ لم تقم الجمعة إلا به أو بمن يقوم مقامه والياً من جهته.
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((أربعة إلى الولاة الجمعة والحدود والفيء والصدقات))(1).
أراد بالولاة: من يلي أمر المسلمين في أمور الدين والدنيا وقسمة الغنائم والفيء والصدقات.
الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنها عبادة لا يجوز أن ينفرد بها كل أحد في إقامتها، فيجب أن يكون الإمام شرطاً في إقامتها كإقامة الحدود.
المذهب الثاني: أن الإمام ليس شرطاً في صحة الجمعة وانعقادها، وتجوز إقامتها خلف من يكون إماماً في الصلاة المكتوبة، وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روي أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أقام الجمعة وعثمان محصور في داره وكان الخليفة في ذلك الوقت، وفي هذا دلالة على أن الإمام ليس شرطاً.
__________
(1) وفي بعض الروايات: ((أربعة إلى الأئمة....)) أورده ابن أبي شيبة في (المصنف) 5/506، بلفظ: ((... الجمعة والحدود والزكاة والفيء)).

(4/60)


الحجة الثانية: قياسية، وهي أنها صلاة مفروضة فيجب أن لا يكون الإمام شرطاً في إنعقادها كالصلوات المكتوبة.
المذهب الثالث: أن الإمام مشترط في الجمعة لا تتم إلا به لكن عدالته غير مشترطة فيجوز توليها من جهة الظلمة وسنفرد عليهم كلاماً يخصه على إثر هذا بمعونة الله.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من اشتراط الإمام في إقامة الجمعة فإنها لا تنعقد من دونه.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا فمن تركها استخفافاً بحقها وحجوداً لها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ولا حج له ولا صوم له ولا بر له إلا أن يتوب فإن تاب تاب الله عليه)).
الحجة الثانية: هو أن المعلوم من حال الرسول÷ أنه أقامها في أيامه وهكذا حال الخلفاء من بعده، فإن كل واحد منهم أقامها في أيامه من غير توقف في ذلك، وفي هذا دلالة على أنهم معتقدون لوجوب الإمام في إقامتها وأنه شرط.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه أقام الجمعة وعثمان محصور وهو الخليفة، وفي هذا دلالة على أن الإمام ليس شرطاً في وجوبها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فإنما أقامها لأن عنده وعندنا أنه هو الإمام بعد الرسول÷ وأن إمامته ثابتة بالنص فلهذا أقامها لأن الولاية فيها وفي غيرها إليه فلهذا أقامها على هذه النية.

(4/61)


وأما ثانياً: فلأن أمير المؤمنين لما رأى إخلال عثمان بإقامة الجمعة لم يسعه عند الله تعالى أن يفوت فرضها على المسلمين فلهذا أقامها. كما روي أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط(1)
لما شرب الخمر وصلى بالناس سكران ولم يحدَّه عثمان فأراد أمير المؤمنين أن يحده فقال ولده الحسن: لا حاجة إلى حدِّه يتولى حارها من تولى قارها، يشير بذلك إلى أن عثمان أحق بحدِّه لأنه هو الخليفة بزعمه. فقال أمير المؤمنين: ما كان ليضيع حدٌ من حدود الله وأنا على الدنيا فحدَّه حد الشارب والحسن يعد الجلدات حتى أتمها.
قالوا: إنها صلاة مفروضة فيجب أن لا يكون الإمام شرطاً في إنعقادها كالصلوات الخمس.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الأقيسة لا مجرى لها في العبادات لأن معانيها منسدة، ونحن وإن استعملناها فإنما هو على جهة المعارضة لا على جهة الإعتماد.
__________
(1) الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أبو وهب القرشي، ابن عمرو بن أمية بن عبد شمس، روى عن النبي÷ وعنه أبو موسى عبد الله الهمداني وعامر الشعبي وحارثة بن مضرب، قال ابن سعد بسنده: أسلم الوليد يوم الفتح وبعثه رسول الله على صدقات بني المصطلق، وولاه عمر صدقات بني تغلب، وولاه عثمان الكوفة [بدلاً عن سعد بن أبي وقاص] ثم عزله، فلما قتل عثمان تحول إلى الرقة فنزلها حتى مات بها سنة 61هـ على خلاف، وكان أخبر النبي÷ عن بني المصطلق أنهم ارتدوا عن الإسلام وأبوا أداء الصدقة، وذلك أنهم خرجوا إليه فهابهم ولم يعرف ما عندهم، فبعث رسول الله خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت فيهم فأخبروه أنهم متمسكون بالإسلام، فنزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا...} الآية 6 من الحجرات، راجع (تهذيب التهذيب) 11/125 (وتهذيب الكمال) 31/53.

(4/62)


وأما ثانياً: فلأن الرسول÷ نزلها منزلة الحدود بقوله: ((أربعة إلى الولاة)). وعد من جملتها الجمعة، فدل ذلك على مفارقتها للصلوات المكتوبات في إشتراط الإمام فيها.
قالوا: الآية دالة على أن الإمام غير مشترط في صحة الجمعة لأنه تعالى قال: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. ولم يذكر اشتراط الإمام.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا قد أوضحنا أن الآية مجملة وأن بيانها إلى الرسول÷، وقد أوضحها في شروطها وأبان كيفيتها ومن جملة بيانه لها أن تولاها إماماً بنفسه، وقد ظهر ذلك في فعله، وأما قوله فقد بينها بقوله: ((فمن تركها وله إمام عادل أو جائر)). فقد حصل بما ذكرناه بيان هذه الصلاة بالقول والفعل من جهته.
وأما ثانياً: فلأن الخلفاء ومن بعدهم خلفاً عن سلف معتمدون على وجوب اشتراط الإمام في الجمعة، وما ذاك إلا لأنهم فهموا ذلك من جهة الرسول÷ في أقواله وأفعاله فلهذا وجب الإعتماد على ذلك.
الفرع الثاني: إذا تقرر اعتبار كون الإمام شرطاً في صحة صلاة الجمعة، فهل يعتبر كونه عدلاً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب اعتبار عدالته، وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة على هذا: هو قوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}[هود:113].
ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى نهى عن الركون إلى الظلمة وأهل الجور والفساد، ومن صلى خلف ظالم أو جائر فقد ركن إليه في صحة صلاته وفي كونه ضامناً للصلاة كما هو جارٍ في حق أهل العدالة من الآئمة.
الحجة الثانية: قوله÷: ((لا يؤمكم ذو جرأة في دينه)). ولا جرأة أعظم من ظلم العباد وملابسة المحظورات وأكل الأموال الحرامية إلى غير ذلك من أنواع الجور والفساد.
المذهب الثاني: جواز الصلاة في يوم الجمعة خلف الظلمة وأهل الفساد والجور، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.

(4/63)


والحجة على هذا: قوله÷: ((فمن تركها وله إمام عادل أو جائر)). فظاهر الخبر دال على جواز الصلاة خلف الجائر من الظلمة وأهل الفساد والجور كما تجوز خلف العادل.
والمختار: وجوب اشتراط العدالة في إمام الجمعة كما ذكره أئمة العترة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن الإمام الأعظم هو الشرط في وجوبها وليس يكون إماماً للمسلمين إلا إذا كان مختصاً بصفات حاصلاً على شرائط، ومن جملتها: العدالة. لأنه إذا كان عدلاً كان متولياً لمصالح الدين جامعاً لشمل المسلمين واضعاً للحقوق في مواضعها غير مفرط في شيء من الأموال في غير وجهه، ذاباً عن الجوزة، وكل ذلك معتمده العدالة فإذا لم يكن عدلاً بطلت هذه المصالح كلها وبطل الغرض به ولم يكن صالحاً للإمامة بحال.
الحجة الثانية: هو أن الشهادة لا خلاف في وجوب اعتبار العدالة فيها ولا يحكم الحاكم إلا بشهادة عدلين في الحقوق والأموال، فإذا كانت العدالة معتبرة في الدرهم الواحد وفي العشرة ويجب اعتبارها في الحقوق من الوكالة والوصاة فكيف لا تعتبر في أجلّ الإشياء وأخطرها وأعظمها حقاً عند الله تعالى وهي الإمامة وهي تتعلق بمصالح الدين والدنيا وعليها يدور صلاح الخلق.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول÷ أنه قال: ((وله إمام عادل أو جائر)). فلم يفصل بين العادل والجائر في صحة الإمامة في صلاة الجمعة، وفي هذا دلالة على جواز إمامة الظالم ومن كان جائراً خارجاً عن التمسك بالدين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الآية والخبر دالان على وجوب اعتبار العدالة وقد تعارضا وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن الآيات لا يمكن أن تعارضها الأخبار بل يجب الإعتماد على ما تدل عليه الآيات لأنها مقطوع بأصلها والأخبار مظنونة فلهذا كان العمل عليها أرجح من العمل على الأخبار.

(4/64)


وأما ثانياً: فلأن المراد بقوله: ((عادل أو جائر)) في الباطن؛ لأن الظاهر إذا كان هو العدالة فلا حاجة إلى العلم بالباطن فإنه لا يطلع عليه إلا الله تعالى ولسنا مكلفين بعلم الله تعالى، وإنما نكلف بعلمنا وظننا.
الفرع الثالث: اعلم أنا قد أوضحنا فيما سبق انعقاد الإجماع من جهة أئمة العترة على كون الإمام شرطاً في إنعقاد الجمعة وصحتها، واشتراط عدالته وقررنا ذلك بأدلة شافية. والذي بقي علينا من ذلك هو البحث عن كون هذا الإجماع مقطوعاً أو مظنوناً؟ وهل يكون مانعاً من الاجتهاد أم لا؟ وهل يفسق مخالفه أم لا؟ فهذه أحكام ثلاثة لا بد من كشف الغطاء عنها وبها يظهر نور المسألة ويبدو رونقها.
الحكم الأول: في طريق هذا الإجماع هل يكون معلوماً أو مظنوناً.
فاعلم أن طريق الإجماع على وجهين:
أحدهما: أن يكون متواتراً نقله، ومتى كان على هذه الصفة كان موجباً للعلم. كما نقوله في مكة وبغداد، فإن طريقنا إلى العلم ليس بالمشاهدة فإنا لم نشاهدهما، ولكن طريقنا إلى العلم بهما إنما هو التواتر، وهكذا الحال في العلم بالرسول÷ وبالقرآن وأصول الشريعة فإنه لا طريق لنا إلى العلم إلا التواتر.
وثانيهما: أن يكون منقولاً بالآحاد ومتى كان على هذه الصفة فهو أمر ظني يعمل به في الأمور الظنية والأحكام العملية ولا يعمل به فيما كان مقطوعاً به.
فإذا عرفت هذا، فالإجماع المنقول على اشتراط الإمام في الجمعة واشتراط عدالته ليس منقولاً بطريق التواتر ولا هو مقطوع به وإنما نقله بطريق الآحاد، فلا جرم كان مثمراً للظن معمولاً به في الأمور العملية ومن جملة الأمور العملية اشتراط الإمام واشتراط عدالته في القيام بالجمعة.
فأما كون إجماعهم حجة فهو أصل من أصول الأدلة الشرعية وقد قررناه في الكتب الأصوليه ودفعنا عنه الأسئلة الواردة عليه، وهذه الأحكام الثلاثة كلها متفرعة عليه.

(4/65)


الحكم الثاني: هل يكون [الإجماع] مانعاً من الاجتهاد أم لا؟ إذا وقع في مسألة من مسائل الشريعة.
فنقول: متى كان منقولاً بالتواتر كان موجباً للعلم لا محالة وكان مانعاً من الاجتهاد كالنص فإنه مانع من الاجتهاد، وإنما منع لكونه مقطوعاً بظاهره. فأما إذا كان نصاً وليس مقطوعاً بأصله فإنه لا يكون مانعاً من الاجتهاد كما نقوله في أخبار الآحاد، فإنه وإن كان بعضها نصاً في المسألة فلا يكون هناك مانع من مخالفته، ومتى كان منقولاً بطريق الآحاد فإنه يكون مظنوناً ومتى كان مظنوناً لم يكن مانعاً من الاجتهاد كما نقوله في المسائل المأخوذة من جهة الأخبار فإنها معترك للظنون في مسائل التحليل والتحريم.
ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: أن هذا الإجماع في اشتراط الإمام في الجمعة لما كان مظنوناً من جهة نقله بطريق الآحاد لم يكن مانعاً من الاجتهاد، فإن المسألة خلافية بيننا وبين الفقهاء، ولو كان الإجماع مقطوعاً بطريقه لم يكن لخلافهم وجه كما لو خالفوا نصاً مقطوعاً به. فلما خالفوا من غير نكير دل على أن طريق الإجماع مظنون. فحصل من مجموع ما ذكرناه أن كل ما كان طريقه القطع بنص متواتر أو إجماع متواتر فإنه يكون مانعاً من الاجتهاد على خلافه.
الحكم الثالث: هل يفسق من خالف إجماع العترة أم لا؟
فنقول: المخالف لإجماع العترة لا يفسق سواء كان طريقه مظنوناً أو مقطوعاً، أما إذا كان مظنوناً فلا إشكال فإن الفسق لا يكون إلا بطريق معلوم، وأما إذا كان مقطوعاً فلم يرد الوعيد على مخالفته فلهذا لم نقطع بفسق من خالفه.
ويخالف إجماع الأمة، وإن اشتركا في كونهما قاطعين فيما تواترا فيهما، لمَّا ورد الوعيد على مخالفة إجماع الأمة فلا جرم قضينا بفسق من خالف إجماع الأمة دون من خالف إجماع العترة، لكن نقطع بخطئه لا غير لكونه قد خالف قاطعاً.
وقد نجز غرضنا من بيان هذه الأحكام التي ذكرناها ونرجع إلى التفريع.

(4/66)


الفرع الرابع: وإذا كان وجود الإمام شرطاً في انعقاد الجمعة وكان بعض المسلمين في بعض الأقاليم والأمصار قد بلغت دعوته إليه ولا يمكنه الوصول إليه، فهل يجوز له إقامة الجمعة من غير تولية له من جهة الإمام ولا إذن أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك، وهذا هو الذي نصه الهادي في المنتخب، واختاره السيد أبو طالب رضي الله عنه.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)). فإذا رأى هذا النائي عن الإمام، مع بلوغ دعوته إليه واستكمال الشرائط فيه، أن يقيم له الجمعة من غير ولاية إذا كان هناك مانع من الوصول إليه وأخذ الولاية منه، جاز له ذلك. لأن اختيار المسلمين له ورضاهم بإقامته للجمعة للإمام، قائم مقام ولاية الإمام له. ويؤيد ما ذكرناه: ما روي عن الرسول÷ لما خرج إلى بني عمرو بن عوف يصلح بينهم قدَّم المسلمون أبا بكر يصلي بهم ولم ينكره الرسول÷ وصوبه. وفي غزوة مؤتة لما جهزهم وأمَّر عليهم زيداً(1)
__________
(1) زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى، مولى النبي÷ صحابي جليل من السابقين إلى الإسلام، تبناه رسول الله÷، وقال ابن عمر: ما كنا ندعوه إلاَّ زيد بن محمد حتى نزلت: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} وكان اشتراه حكيم بن حزام من سوق عكاظ بأربعمائة درهم لعمته خديجة رضي الله عنها، فلما تزوجها رسول الله وهبت زيداً له، ونقل ابن سعد في (الإصابة) عن عبد الرزاق بسنده: ما نعلم أن أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة، وكان يعرف بأنه حِبُّ رسول الله÷ كان قائد جيش رسول الله في مؤته، واستشهد فيها بعد أن أبلى فيها بلاءً عظيماً سنة 8 من الهجرة. اهـ. 2/895.

(4/67)


وقال: ((إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبدالله بن رواحة)). فلما قتلوا جميعاً اختار المسلمون خالد بن الوليد(1)
فأمَّروه عليهم ولم ينكر الرسول÷ ما فعلوه، وفي هذا دلالة على ما قلناه من الجواز، فإن كان النائي يمكنه الوصول لم يجز له إقامة الجمعة إلا بإذنه وتوليته.
المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله وتأول ما قاله الهادي في المنتخب على أن الإمام ولاه سراً.
والحجة على هذا: هو أن إقامة الجمعة عبادة من شرط صحتها الإمام، فوجب أن يعتبر في صحة إقامتها إذن الإمام كالحدود فإنه لا يجوز إقامتها من غير تولية الإمام وإذنه، وهكذا أخذ الزكاة وغير ذلك مما يكون أمره إلى الإمام فلا يجوز فعله إلا برضاه وأذنه.
والمختار: ما قاله [الهادي] في المنتخب، وارتضاه السيد أبو طالب، من جواز ذلك إذا كان هناك مانع يمنع من الوصول لأخذ الولاية، وهو محكي عن أصحاب أبي حنيفة، وحكي عن الكرخي: أنه لا تجوز الجمعة إلا بإذن الإمام وتوليته إلا أن يكون هناك مانع يمنع من الوصول إليه جاز ذلك. وهذا يؤيد ما قاله أبو طالب وذكره الهادي في المنتخب.
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي، أسلم قبل الفتح بعد الحديبية، وكان أميراً على الجيش في أكثر من غزاة أثناء الفتوحات، و هو قائد محنك وفارس معروف، كان مع المشركين يوم أحد واستغل ومن معه نزول الرماة وانشغالهم بتعقب المشركين فالتف على جيش المسلمين وكان سبب هزيمتهم يوم أحد الناتج عن مخالفة الرماة لأمر رسول الله÷، كان في جيش المسلمين يوم مؤتة، وهو الذي تولى قيادة الجيش بعد استشهاد قادته الثلاثة زيد وابن رواحة وجعفر، وقفل بالجيش عائداً إلى المدينة، مات سنة 22 بحمص ودفن بها، انظر: (مشاهير علماء الأمصار) 1/31، و(تقريب التهذيب) 191، و(الاستيعاب) 2/427.

(4/68)


ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا على الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة:2]. ومعلوم أن ما هذا حاله فهو من المعاونة على البر لأن ظهور جمعة الإمام والدعاء إلى طاعته وإشتهار أمره في تلك الناحية وذلك الأقليم، فيه أعظم المصالح لأن بظهور أمره يقوم الأمر بالمعروف وترتفع المنكرات ويضعف أمر الظلم ويخفى جانب الظلمة خوفاً من سطوة الإمام وتوقعاً لنكاله.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إقامة الجمعة عبادة من شرط صحتها الإمام فلا بد من اعتبار إذنه وولايته كالحدود وأخذ الأموال وأمور الجهاد.
قلنا: هذا مسلم إذا كان ممكناً لا يتعذر الوصول إلى الإمام ولكن إذا كان الوصول متعذراً لم يجز بطلان هذه المصلحة التي ذكرناها بإظهار شعار الإمام وتقوية أمره وإشتهار ولايته وبما يصلح في ذلك من المصالح الدينية والدنيوية.
قال الشافعي: ويستحب أن لا تقام الجمعة إلا بإذن الإمام لأن الجمعة لم تقم في عهد رسول اللّه÷ إلا بإذنه، ولا أقيمت في أيام الخلفاء إلا بإذنهم وولايتهم. وهو محكي عن مالك وأحمد بن حنبل وكثير من الفقهاء، وإنما قالوا بالاستحباب لما كان الإمام غير شرط في صحة الجمعة عنده.
وعن أبي حنيفة والأوزاعي: وجوب ذلك. كما مر بيانه.
الفرع الخامس: وإذا كان الإمام محبوساً، فهل يجوز إقامة الجمعة للمسلمين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة.
والحجة على هذا: هو أن وجود الإمام من شرط صحة الجمعة كما مر بيانه، فإذا كان محبوساً بطل تصرفه، وبطل وجوبها على المسلمين لبطلان الإمام وتصرفه.
المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: إذا مات الإمام جاز للمسلمين أن يقيموا من يصلي بهم الجمعة لأن هذا موضع ضرورة.
والحجة على هذا: هو أن الجمعة فرض عين، فإذا حبس الإمام أو مات جاز للمسلمين إقامتها لئلا يفوت عليهم هذا الفرض المتعين.

(4/69)


والمختار: ما قررناه أولاً من اشتراط وجود الإمام في إيجاب الجمعة لما قدمنا من الأدلة. فإذا مات أو حبس فقد بطل شرط إقامتها.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الموت والحبس من جملة الأمور النادرة ومواضع الضرورة، فلهذا قلنا بجواز إقامتها من جهة المسلمين.
قلنا: إن كل ما كان شرطاً في صحة أمر وثبوته وقامت الدلالة [عليه] فإنه لا يجوز حصوله من دونه لأن صحته من دونه تؤذن بكونه شرطاً تقف صحته على وجوده وثبوته.
الفرع السادس: والإمام إذا اجتمع له صلاة جمعة والكسوف والاستسقاء والجنازة فإنه يبدأ بصلاة الجمعة لأمرين:
أما أولاً: فلأنها من فروض الأعيان وما عداها إما واجب على الكفاية كصلاة الجنازة، وإما سنة مؤكدة كصلاة الكسوف والاستسقاء.
وإن اجتمع صلاة الجنازة والكسوف والاستسقاء فإنه يبدأ بصلاة الجنازة لقوله÷: ((ثلاث لا ينبغي التأني فيهن: الجنازة إذا حان وقتها، والصلاة إذا حضر وقتها، والأيِّم إذا حضر كفؤها)) (1).
إلا أن يخشى فوات الكسوف بالانجلاء فالبداية به.
وإن حضر الكسوف والاستسقاء فهما سواء إلا أن يخاف فوات الكسوف بالانجلاء فهو أحق بالبداية.
ويستحب للإمام أن يأتي الجمعة راجلاً لما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة))(2).
لأن الثواب بالمشي أكثر أجراً وأعظم ثواباً من الركوب.
ويستحب أن يأتيها حافياً غير منتعل لما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يأتي الجمعة حافياً، وهذا كله في الرواح في الجمعة فأما بعد الفراغ منها فيفعل ما شاء من الركوب والانتعال لأن الفضل إنما يكون في القصد إليها لا في المراح بعد انقضائها.
__________
(1) تقدم.
(2) وروي الحديث بزيادة: ((.... المشائين في الظلام)) و ((... في الظلم)) و((...في ظلم الليل)) أخرجه بهذه الزيادات ابن خزيمة في صحيحه 1/331، والترمذي 1/435، وأبو داود 1/154، وابن ماجة 1/257.

(4/70)


ولا يجوز الائتمام في صلاة الجمعة بالصبي لأنه غير مكلف بالصلاة، ويجوز عند الشافعي في أحد قوليه.
ويجوز الائتمام بالأعمى لما روي عن الرسول÷ أنه كان يستخلف ابن أم مكتوم يصلي بالناس في المدينة، ويجوز الائتمام بالعبد في صلاة الجمعة لأنها صلاة مفروضة فجاز الائتمام به كصلاة الظهر.
وحكي عن مالك: أنه لا يجوز أن يكون العبد إماماً لأن إمامة الصلاة فيها علو ورفعة والرق في غاية النزول والركة فلأجل هذا تناقض حكمهما.
والمختار: جواز ذلك لأنه مسلم تقي عاقل مكلف فجازت الصلاة به كالحر.
الفرع السابع: والإمام إذا كان من أهل الظلم والجور والفسق، والخطيب إذا كان متولياً من جهتهم ويخطب لهم ويدعو لهم على المنابر، فإذا كانوا على هذه الصفة تعلق بهم حكمان:
الحكم الأول: أنه لا يجوز حضور جُمَعِهم عند الأكابر من أئمة أهل البيت" ويأثم الحاضرون لها، وقد حكي عنهم روايات في المنع من ذلك والتشديد على من حضر والنكير، ونحن نذكرها ليتحقق الناظر ما خصهم الله به من الصلابة في ذات الله والتشدد في أمر الدين والبعد عن أهل الجور والظلم.
الرواية الأولى: مأثورة عن زيد بن علي، ومحمد بن عبدالله النفس الزكية: أن كل من حضر خطبهم فهو آثم.
الرواية الثانية: عن إبراهيم بن عبدالله أنه سئل عن الجمعة هل تجوز مع الإمام الجائر؟ فقال: إن علي بن الحسين، وكان سيد أهل البيت كان لا يعتد بها معهم ويُؤَثِّم من حضرها.
الرواية الثالثة: محكية عن جعفر الصادق أنه سئل عن ذلك فقال السائل: أصلي خلفه وأجعلها تطوعاً؟ فقال: لو قبل التطوع قبلت الفريضة.
الرواية الرابعة: عن القاسم بن إبراهيم أنه قال: من صلى معهم فقد أثم.

(4/71)


الرواية الخامسة: عن الناصر أنه قال لشالوس -وكان ممن يحضر جُمَعَ الظلمة وأهل الجور والفسق-: إنكم تحضرون الجمعة وهي فرض من فرائض الله مع الظلمة فيأتي خطيبهم فيقول: اللهم أصلح عبدك وخليفتك والقائم بأمرك وبالحق في عبادك، وهو في حال دعائه خِمِّير فاسق فيكذب مثل هذه الكذبات في خطبته التي هي نصف الصلاة فما أحد منكم يشري نفسه من الله فيكذبه في قوله وينكر عليه. فهذا كله تصريح بأنه لا يجوز لأحد من المسلمين حضور هذه الجمعة إذا كان الخطيب يخطب للظلمة.
الرواية السادسة: عن المؤيد بالله قال: يكره الحضور معهم فهذه الروايات كلها دالة على تأثيم الحاضرين.
الرواية السابعة: عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: من سوَّد علينا فقد شرَّك في دمائنا. ومعنى كلامه هذا: من كثر جماعة أعدائنا وزاد في سوادهم علينا. فكلامه هذا دال على أنه لا يجوز حضور جُمَعِهم. ويدل على البعد منهم والمجانبة لهم.
ومن كان له إلى الله أدنى وسيلة ووثاقة في الدين فإنه يعتمد على ما رويناه، ومصداق هذه المقالة ما روي عن الرسول÷ أنه قال: ((من دعا لظالم بالبقاء فقد أعان على هدم الإسلام)). وقوله÷: ((إذا مدح الفاسق اهتز العرش))(1).
قوله÷: ((من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه))(2).
__________
(1) رواه عن أنس بن مالك، أبو يعلى في معجمه 1/165 بلفظ: ((إذا مُدح الفاسق غضب الرب واهتز العرش)) وهو في (ميزان الاعتدال) بلفظه في الأصل 3/161، وكذا في (لسان الميزان) 3/2.
(2) ورد على أنه كلام بعض السلف، وقد ذكره ابن حنبل في (الورع) 1/97، وهو في (شعب الإيمان) 7/53.

(4/72)


الحكم الثاني: أنهم إذا صلوا وجبت عليهم الإعادة لأن الإمام شرط في إنعقاد الجمعة وصحتها، ولا شك أن إمامتهم باطلة فلهذا بطلت الجمعة ووجب عليهم إعادة الظهر، فأما على قول من قال: بأن المعاصي تكون ناقضة للوضوء. فإنه ينتقض وضوءه بكذبه وتعظيمه للظلمة وأهل الفسق، فلا جرم أوجبنا عليهم إعادة ما صلوا وهم على هذه الحالة.
وهل يجب القضاء بعد فوات الوقت؟ فيه تردد والقوي أنه لا يجب عليهم القضاء بعد فوات الوقت لأنها من المسائل الخلافية.
كما حكي عن شيوخ المعتزلة والحنفية، أنه لا يجوز التأخر عن الجمعة وإن كان الخطيب يخطب للأئمة والظلمة وأهل الفسق المتغلبين.
الفرع الثامن: والإمام إذا كان واقفاً في بلدة أو محلة متقاربة الأطراف، فهل يجوز أن تقام الجمعة في مسجد واحد أو في كل مسجد؟
فالذي عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء: على أنه لا يجوز أن تقام الجمعة فيها إلا في مسجد واحدٍ.
والحجة على هذا: قوله÷: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والمعلوم من حالهم في المدينة وحاله أنه ما صلى فيها إلا في مسجد واحدٍ، وهي بلدة كبيرة ومصر من الأمصار، فإذا كان هذا واقعاً في المدينة مع سعتها ففي المحلة والقرية أحق وأولى.
وحكي عن عطاء، وداود من أهل الظاهر: أنه يجوز إقامتها في كل مسجد كسائر الصلوات المفروضة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن من شرط الجمعة الجماعة، واجتماع الناس في القرية والمحلة الصغيرة سهل فلهذا وجب اجتماعهم على صلاة واحدة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: إنها صلاة فجازت إقامتها في كل مسجد كالصلاة المكتوبة.
قلنا: إن المعنى في الأصل أن الإجتماع ليس شرطاً في الصلوات المكتوبة فلهذا جازت تأديتها في كل مسجد بخلاف الجمعة فإن من شرطها الجماعة فافترقا.
وإن كان مقام الإمام في مصر كبير متباعد الأطراف فهل يجوز أن تقام الجمعة فيه في مسجد واحدٍ أو أكثر من ذلك؟ فيه أقوال خمسة:

(4/73)


القول الأول: جواز ذلك وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب للمذهب.
والحجة على هذا: هو أن المصر إذا كان متباعد الأطراف مثل بغداد أو البصرة فإن إجتماعهم في مكان واحدٍ تلحقهم به المشقة والحرج في التزاحم والضيق والله تعالى يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج}[الحج:78]. فلهذا جاز فعلها في موضعين وثلاثة على قدر الحال في ذلك.
القول الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو المحكي عن الشافعي فإنه قال: ولا يُجَمَّع في مصر وإن عظم وكثرت مساجده إلا في مسجد واحدٍ.
وحجته على هذا: هو أن الرسول÷ والخلفاء بعده ما أقاموا الجمعة إلا في موضع واحدٍ وقد قال÷: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
القول الثالث: محكي عن أبي يوسف، وهو أن البلدة إذا كان لها جانبان وفي وسطها نهر عظيم يجري مثل مدينة السلام -يعني بغداد وواسط-، جاز أن يُصلى في كل جانب منها جمعة. وهو محكي عن أبي الطيب من أصحاب الشافعي.
القول الرابع: محكي عن محمد بن الحسن، أن القياس: أنها لا تقام إلا في مسجد واحد لكنه يجوز إقامتها في البلد في مسجدين استحساناً، ولا يجوز إقامتها في ثلاثة مساجد.
القول الخامس: الذي يأتي على كلام أبي حنيفة، إذ ليس له في المسألة نص، فحكي: أن مذهبه مثل مذهب الشافعي، وقيل: إن مذهبه مثل قول محمد بن الحسن في الاستحسان.
واعلم أن الاستحسان وادٍ من أودية القياس لكنه أخص من القياس وأدخل في غلبات الظنون. والقياس: إقامتها في مسجد واحدٍ لأن ذلك هو الواجب، والذي دلت عليه أدلة الشرع. والاستحسان: إقامتها في مسجدين لأن الحاجة تدعو إلى ذلك من غير زيادة عليه فإذن لا حاجة إلى ثالث إذ لا دلالة لا من جهة القياس ولا من جهة الاستحسان.

(4/74)


والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وهو أن الأمر في ذلك على ما يراه الإمام الأعظم أو من يقوم مقامه بأمره في الجمعة، فإن كان الإجتماع في مسجد واحدٍ ممكناً فلا حاجة إلى إقامتها في غيره لأن ذلك يؤدي إلى تفرق الكلمة وتشتت الشمل، وإن كان غير ممكن أو كان في الإجتماع مشقة على المسلمين في الإجتماع بالازدحام والتضايق، جاز إقامتها في مساجد لأجل الضرورة الداعية إلى ذلك لأن العذر إذا كان ظاهراً فمداخل الإحن والبغضاء منسدة لا يظنها ظان، وإذا لم يكن العذر ظاهراً تطرقت إليهم الإحن وأنواع العداوة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: لم تقم الجمعة إلا في مسجد واحد في زمن الرسول÷، كما حكي عن الشافعي: المنع من ذلك. وعن أبي يوسف: الجواز إذا كان للبلدة جانبان كبغداد، أقيمت في مسجدين، والاستحسان: إقامتها في مسجدين كما حكي عن محمد. فأما أبو حنيفة، فرأيه في ذلك إما على ما قاله الشافعي، أو على ما قاله محمد.
قلنا: الجواب عن هذه المذاهب بحرف واحد: وهو تقرير الحال على ما تدعو إليه المصلحة في ذلك، ولا وجه للمنع مع دعاء الضرورة إليه، ولأن الأمر إذا إنتهى إلى مثل هذه الحالة فالأولى تحكيمها على ما يكون فيه مصلحة للمسلمين أو للصلاة، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والحمد لله.
الفرع التاسع: في حكم الجمعتين إذا اجتمعتا.
وإن أقيمت جمعتان في البلدة الصغيرة التي لا يصح إقامتهما فيها؟ نظرت، فإن كان لإحداهما مزية على الأخرى بأن كان في إحداهما الإمام الأعظم فإن كان مع الأولى فهي الصحيحة لأنها الأولى ومعها الإمام الأعظم. وإن كان الإمام في الثانية فأيهما تكون أحق بالصحة؟ فيه تردد.
والمختار: الثانية هي الصحيحة لأنها جمعة الإمام، ولأنا لو حكمنا بصحة الأولى لكان في ذلك إعراض عن الإمام وتهاون بجمعته، فلأجل هذا كان الحكم بصحة الثانية هو الأحق والأولى.

(4/75)


وإن لم يكن لإحداهما مزية على الأخرى بأن أقيمتا بإذن الإمام فذلك يكون على خمسة أوجه:
الوجه الأول: أن تسبق إحداهما الأخرى، فالأولى السابقة هي الصحيحة، لأنها أقيمت بشرائطها فمنعت صحة الثانية والثانية باطلة. وهل يعتبر السبق في الأولى بالإحرام بالصلاة أو بالإبتداء بالخطبة؟ والأولى أن الإبتداء بالخطبة يعتبر به السبق لأنهما قائمتان مقام الركعتين.
الوجه الثاني: إذا أحرموا بهما جميعاً في حالة واحدة حُكم ببطلانهما جميعاً لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى فتكون مرجحة، ولا وجه للجمع بينهما لأن الفرض إنما هو واحدة، فإذا كان لا ترجيح بينهما وجب الحكم ببطلانهما جميعاً.
الوجه الثالث: إذا لم يُعلم هل سبقت إحداهما الأخرى أو كانتا في وقت واحدٍ، فإنه يحكم ببطلانهما جميعاً كما ذكرناه في الوجه الثاني، إذ لا مزية لإحداهما على الأخرى، ويجب عليهم أن يعيدوا الجمعة إذا كان الوقت واسعاً لأن فرضها لازم لهم فلا بد لهم من أدائه.
الوجه الرابع: إذا علم أن أحدهما سابق لكنه غير معلوم بعينه، ومثاله: أن يسمع تكبير أحد الإمامين بالإحرام بالصلاة - إذا قلنا: الإعتبار بالسبق بالإحرام- ثم كبر الثاني ولا يُعلم الذي كبر أولاً.
الوجه الخامس: إذا عُلِم عين السابقة من الصلاتين ثم نسيت، ومثاله: أن يعلم عين المكبر أولاً لكنه نسي. فالحكم في هذين الوجهين أعني الرابع والخامس واحد، وهو أن الجمعتين باطلتان، وإذا كان الأمر كما قلنا فالواجب على المسلمين قضاء الجمعة لأنا إذا حكمنا ببطلانهما معاً صار كأنه لم تقم في المصر جمعة فلهذا وجب عليهم إقامتها لأنا نعلم أن إحداهما باطلة والأخرى صحيحة، وإذا لم نعلم عين الصحيحة من الباطلة فالأصل بقاء الفرض في ذممهم فلهذا توجه عليهم الإعادة.

(4/76)


الفرع العاشر: والإمام إذا مر بمصر من الأمصار فصلى فيه الجمعة بأهله، فالذي يأتي على المذهب أن صلاة الإمام والمأمومين صحيحة مجزية، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الصفات المعتبرة في صحة الصلاة لهم جميعاً حاصلة فلأجل هذا قضينا بصحة الصلاة لهم جميعاً. وحكي عن زفر: أنها غير مجزية للإمام والمأمومين جميعاً.وإنما لم تصح صلاة المؤتمين لأنهم مقيمون والإمام مسافر، وقد قال÷: ((لا تختلفوا على إمامكم)). وإنما لم تصح صلاة الإمام لأنها لما بطلت في حقهم بطل العدد الذي هو شرط في صحة الصلاة فلأجل هذا بطل إجزاؤها في حق الإمام والمأمومين معاً.
والمختار: هو الأول لما ذكرناه من كمال الشرائط في حقه وحقهم. وما ذكره زفر فلا وجه له لأمرين:
أما أولاً: فلأنه لا خلاف في صحة الصلاة للمقيم خلف المسافر.
وأما ثانياً: فلأن الفرض في حق الإمام والمأموم متفق وهو فرض الجمعة لأنها ركعتان في حق المقيم والمسافر.
الفرع الحادي عشر: وإن صلى الإمام ثم ذكر أنه كان جنباً بطلت صلاته لبطلان طهارته وبطلت صلاة المؤتمين، ولا يقع هاهنا خلاف في بطلان صلاة المؤتمين كما وقع الخلاف في صلاة الجماعة كما قررناه، لأن الإمام هاهنا شرط في صحة صلاة الجمعة بخلاف صلاة الجماعة.
ولو صلى في صلاة الجمعة بجماعة ثم بان أنهم محدثون فإن صلاتهم باطلة لبطلان طهارتهم فتلزمهم الإعادة، فأما صلاة الإمام فهل يحكم بصحتها أم لا؟ فمن أصحاب الشافعي من حكم بصحة صلاة الإمام لأنه لم يكلف بالعلم بطهارة من خلفه من المؤتمين فلهذا حكمنا بصحة صلاته.
والمختار: بطلان صلاته لبطلان العدد لأنه شرط في صحة صلاة الجمعة كالإمام، وبالله التوفيق.

(4/77)


---
القول في العدد
وهو شرط في صحة الجمعة، ولا خلاف أن الجمعة لا تنعقد إلا بعدد لقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. وهذا خطاب للمسلمين بخطاب الجمع.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: اختلف العلماء في أقل العدد الذي تنعقد به الجمعة على مذاهب ثمانية:
المذهب الأول: أن أقل ما تنعقد به الجمعة أربعة: الإمام وثلاثة مأمومين، وهذا هو الذي ارتضاه السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب للمذهب، وهو محكي عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن قوله تعالى: {فَاسْعَوْا} إنما هو خطاب للجمع، وأقل الجمع: ثلاثة؛ لأن ما دون الثلاثة فليس جمعاً وما فوقها زائد على الجمع، فلهذا قلنا: إن أقله يكون ثلاثة غير الإمام لأن الخطاب للمسلمين، والسعي إنما هو إلى الإمام فلهذا كان مغايراً للساعين إليه.
المذهب الثاني: أن أقل ما تنعقد به: ثلاثة، إمام ومأمومان. وهذا هو الذي اختاره أبو العباس، وحصله لمذهب الهادي، وهو محكي عن أبي يوسف وأبي ثور والأوزاعي والثوري.
والحجة على هذا: هو أن قوله: {فَاسْعَوْا} إنما هو خطاب للإمام مع المأمومين ولا شك أنهم ثلاثة فيجب أن يكون الخطاب متوجهاً إليهم، ويمكن أن يقال: إن الخطاب للمأمومين لكن أقل الجمع إثنان عند جماعة من أهل اللغة.
المذهب الثالث: أنها لا تنعقد إلا بأربعين رجلاً ولا تنعقد بدون ذلك، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن عمر بن عبدالعزيز وغيره.
وهل يكون الإمام من جملة الأربعين أو يكون زائداً؟ فيه وجهان: أجودهما: أنه يكون من جملة الأربعين.

(4/78)


والحجة على هذا: ما روى عبدالرحمن بن كعب بن مالك.(1)
قال: كنت قائداً لأبي بعدما كف بصره فكان إذا سمع الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة، فقلت له: إنك تترحم عليه في نداء كل جمعة؟ فقال: نعم.. كان أول من جَمَّع بنا في بني بياضه. قلت: كم كنتم؟ قال: أربعين رجلاً. وروي عن جابر بن عبدالله أنه قال: مضت السنَّة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة.
المذهب الرابع: أنها تنعقد بإثني عشر رجلاً، محكي عن ربيعة.
وعن عكرمة: أنها تنعقد بتسعة.
وحكي عن الحسن البصري: أنها تنعقد بإمام ومأموم. وهو محكي عن داود.
وعن الحسن بن صالح: أنها تنعقد بالإمام وحده.
وعن مالك: أني لا أجد في ذلك حداً وإنما يعتبر في ذلك عدد يمكنهم المقام في قرية ويتمكنون فيها.
والمختار: ما ارتضاه الأخوان وحصَّلاه للمذهب، من أنها تنعقد بثلاثة مع الإمام.
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) أبو الخطاب عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري السلمي، روى عن أبيه وأخيه عبد الله بن كعب وأبي قتادة وجابر وعائشة وغيرهم، وعنه: ابنه كعب وأبو أمامة بن سهل والزهري وغيرهم، ولد على عهد النبي÷ ولم يرو عنه شيئاً، توفي في ولاية سليمان بن عبد الملك بن مروان، وقيل: في ولاية هشام. اهـ (تهذيب التهذيب) 6/233، وقال في (الإصابة): قال ابن سعد: كان ثقة وأكثر حديثاً من أخيه. اهـ. 5/47.

(4/79)


ونزيد هاهنا: وهو أن الروايات في الأخبار متعارضة، فروي عن أسعد بن زرارة أنه جَمَّعَ في أربعين، وروي عن مصعب بن عمير(1):
__________
(1) أبو عبد الله مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، من جلة الصحابة ومشاهيرهم وفضلائهم، هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى، شهد بدراً، وكان رسول الله÷ قد بعثه إلى المدينة قبل الهجرة بعد العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وكان يدعى: القارئ المقرئ، ويقال: إنه أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة، ذكر في (الاستيعاب) عن الواقدي ما عُرف به مصعب بن عمير في مكة بأنه كان فتاها شباباً وجمالاً، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب، وكان رسول÷ يذكره ويقول: ((ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير)) ولما بلغه أن رسول الله يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم جاءه وأسلم وظل يختلف إلى رسول الله سراً، فبصر به عثمان بن طلحة يصلي فأخبر به قومه وأمه، فأخذوه وحبسوه فلم يزل محبوساً إلى أن خرج مهاجراً إلى الحبشة، استشهد في أحد رحمه الله ورضي عنه، وكانت راية رسول الله معه يوم بدر ويوم أحد حتى استشهد فأخذها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، راجع (الاستيعاب) 4/1473، و(الإصابة) 6/123.

(4/80)


أنه جَمَّعَ في اثني عشر رجلاً(1).
وروي: أنهم انفضوا حين دخلت العير ولم يبق منهم إلا ثمانية رجال إلى غير ذلك من الإختلافات، وإذا كانت الأخبار متعارضة وجب الرجوع إلى ما تدل عليه الآية بقوله تعالى: {فَاسْعَوْا} ولا شك أن أقل الجمع ثلاثة مع الإمام فيجب التعويل عليه، ولم أعثر في البخاري والترمذي على شيء يدل على العدد في الجمعة.
ومن وجه آخر: وهو أن التعويل على ما تدل عليه الآية وترشد إليه أحق من التعويل على هذه الأخبار المتعارضة، فإن الآية مقطوع بأصلها وظواهرها مظنونة فلهذا كان التعويل على ما تدل عليه أحق بالقبول لما ذكرناه.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ.}[الجمعة:9]. وهذا جمع، وأقل الجمع إثنان مع الإمام، كما حكي عن أبي العباس.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن أقل الجمع اثنان، ويدل على ذلك أن للتثنية صيغة في الأسماء الظاهرة فيقال: رجلان وفرسان. وللجمع صيغة فيقال: رجال وأفراس، وفي الأسماء المضمرة فيقال في التثنية: هما وضربا. ويقال في الجمع: هم وضربوا. وفي هذا دلالة على أن التثنية ليست جمعاً.
__________
(1) جاء في (جواهر الأخبار) 2/13: عن جابر، بينما نحن نصلي مع رسول الله÷ إذ أقبلت عير تحمل طعاماً فالتفوا إليها حتى ما بقي مع النبي÷ إلاَّ اثني عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً} [الجمعة:11] وفي رواية أن الرسول÷ كان يخطب قائماً فجاءت عير من الشام، وذكر نحوه، وقال: إلاَّ اثني عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر، وفي أخرى: إلاَّ اثني عشر رجلاً أنا فيهم، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، قال: وقوله في الكتاب (يقصد: كتاب البحر): وبقي معه ثمانية، وقوله في (الانتصار) ولم يبق معه إلاَّ ثمانية مخالف لما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم.

(4/81)


وأما ثانياً: فلأن التثنية إذا كانت جمعاً فيجب أن يكون واحد مع الإمام كافياً في إنعقاد الجمعة لأنهما إثنان.
قالوا: لا تنعقد الجمعة إلا بأربعين، كما حكي عن الشافعي اعتماداً على ما حكي عن أسعد بن زرارة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا مذهب لأسعد بن زرارة لأنه لم ينقله عن الرسول÷ فليس الحجة إلا في كلام الله وكلام رسوله÷، فأما مذاهب المجتهدين فلا تلزمنا.
وأما ثانياً: فإنه قد روي أن مصعب بن عمير أقام الجمعة في اثني عشر رجلاً، فما ذكروه معارض لهذا العدد فليس أحدهما أحق بالقبول من الآخر.
قالوا: روي: أنها لا تنعقد إلا باثني عشر رجلاً. كما روي عن ربيعة، وعن عكرمة: بتسعة رجال، وعن الحسن البصري: أنها تنعقد بالإمام مع واحدٍ. وعن الحسن بن صالح: أنها تنعقد بالإمام وحده. وعن مالك: أنه لا يجد في ذلك حداً بعدد مخصوص، وإنما الإعتبار بعدد يمكنهم المقام في قرية.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذه مذاهب مختلفة وآراء مضطربة لا تستند إلى دليل شرعي، ولا تتأيد بمسلك نقلي.
وأما ثانياً: فلأن هذه المقدرات أمور غيبية وعبادات شرعية لا يمكن إثباتها بطرق القياس، ولا بمسالك النظر، وإنما مستندها من جهة صاحب الشريعة صلوات الله عليه من قوله وفعله، ولا يمكن فيها تحكيم الآراء ولا تجري فيها الأقيسة باستنباط المعاني لانسدادها فيها، ولا يمكن تقريرها بطرق الأشباه لتعذرها فيها وبعدها عنها، وإنما التعويل في إثباتها على ما ذكرناه من ظواهر القرآن والسنة، والأقوى فيها ما ذكرناه فيجب الإعتماد عليه.
الفرع الثاني: في صفة العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وفيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهم ضربان:

(4/82)


فالضرب الأول: [الذين] تنعقد بهم الجمعة ويجب عليهم فعلها. وهؤلاء هم الرجال البالغون الأحرار المسلمون، فمن جمع هذه الأوصاف فإنها تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي.
الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا وهؤلاء هم العبيد والمرضى والمسافرون والصبيان والنساء فإن هؤلاء لا تجب عليهم الجمعة، وإذا حضروا انعقدت بهم الجمعة.
قيل للسيد أبي طالب رضي الله عنه: هل يجب أن يكون العدد [من] الذين يعتبرون في الجمعة أحراراً بالغين عقلاء؟ فقال: يجب أن يكونوا مكلفين.
قيل: فهل يعتبر أن يكونوا رجالاً أحراراً؟ فقال: بل لو كانوا نساء وعبيداً وجب أن تصح وتنعقد بهم الجمعة لأن عندنا أن هؤلاء إن حضروا أجزتهم الجمعة.
المذهب الثاني: أن العدد بالإضافة إلى انعقاد الجمعة وعدم انعقادها على ضروب أربعة:
الضرب الأول: تنعقد بهم الجمعة وتجب عليهم، وهؤلاء إذا كانوا رجالاً بالغين عاقلين مسلمين أحراراً، وكانت عدتهم أربعين رجلاً مقيمين لا يظعنون شتاء ولا صيفاً إلا لحاجة.
الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة ولا تنعقد بهم وهؤلاء هم المسافرون والنساء والصبيان والخناثا والعبيد، فهؤلاء لو اجتمع من صنف واحد منهم أربعون رجلاً، أو من كل صنف منهم أربعون رجلاً لم تنعقد بهم الجمعة.
الضرب الثالث: الذين لا تجب عليهم الجمعة، وتنعقد بهم إذا حضروا وهؤلاء هم المرضى ومن في طريقه مطر ومن يخاف من حضور الجامع، فإن حضر هؤلاء انعقدت بهم الجمعة وتوجه عليهم وجوبها.
الضرب الرابع: تجب عليهم الجمعة، وفي انعقادها بهم وجهان. وهؤلاء هم المقيمون في المصر لدرس العلم والفقه، ولطلب التجارة والأرباح، فقيل: تنعقد بهم الجمعة لأن كل من وجبت عليه انعقدت به.

(4/83)


وقيل: إنها لا تنعقد بهم لأن الرسول÷ لم يقمها بعرفات بأهل مكة، وإن كانت دار إقامتهم لأنها ليست وطناً لهم. وهذا هو رأي الشافعي.
فهذا تقسيم العدد المعتبر في انعقاد الجمعة وصفاتهم. وقد مضى الخلاف فيما يجزي من هذه الصفات، وما يجب اعتباره وما لا يجب فأغنى عن تكريره.
الفرع الثالث: إذا كان العدد لا بد من اعتباره، فهل يكون شرطاً في ابتداء الخطبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن العدد شرط في ابتداء الخطبة، وهذا هو الذي يأتي على رأي الهادي، وهو محكي عن الشافعي، لأن الخطبتين عنده بمنزلة الركعتين.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ.}[الجمعة:9]. والذكر هاهنا هو الخطبة.
المذهب الثاني: أن العدد ليس شرطاً في ابتداء الخطبة، وهذا هو الذي يأتي على رأي المؤيد بالله، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن المقصود هو الصلاة؛ والخطبتان ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن العدد شرطاً في ابتداء الذكر كصلاة الجماعة، وعلى هذا لو خطب وحده وحضر العدد وصلى بهم الجمعة جاز ذلك وانعقدت الجمعة.
والمختار: ما ذكره الهادي، وارتضاه الشافعي، من أن العدد شرط في ابتداء الخطبة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن المقصود بالخطبتين إنما هو الوعظ والتذكير وتعريف الحاضرين فضل الجمعة، وهذا لا يمكن ولا يتأتى إلا بسماعهم وحضورهم، فإذا كانوا غير حاضرين عند ابتداء الخطبة بطل الغرض بهم.
الانتصار: يكون بالجواب عما اعتمدوه.
قالوا: ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن العدد شرطاً في الإبتداء كصلاة الجماعة.
قلنا: المعنى في الأصل: هو أن الجماعة ليست شرطاً في صحة انعقاد الجماعة بخلاف ما نحن فيه فإن الجماعة شرط في انعقاد الجمعة فافترقا، ولأنه ذكر يتقدم الصلاة شرط فيها فكان من شرطه حضور الجماعة، دليله: تكبيرة الإفتتاح في الجمعة.

(4/84)


فإذا تقرر هذا فإنما يشترط حضور العدد عند الواجبات من الذكر في الخطبة على ما يأتي في تقريره، دون ما سواها فلا عبرة به.
فإن انفضوا بعد فراغه من الواجبات، فإن عادوا قبل تطاول الفصل بنى الإمام على الخطبة وأحرم بهم للجمعة وصحت الجمعة، وإن رجعوا بعد تطاول الفصل. وحدُّ التطاول: ما يكون في تعارف الناس تطاولاً، وجب على الإمام أن يعيد الخطبة ثم يصلي بهم الجمعة.
وكمال العدد شرط في ابتداء الصلاة، وشرط في إستدامتها كالوقت والمكان.
فإن نفر الناس قبل شروعه في الخطبة نظرت فإن عادوا في وقت الجمعة فهي جمعة، وإن لم يعودوا إليها أتمها ظهراً، وإن كان نفورهم بعد شروعه في الصلاة فسيأتي تقرير الكلام في حكم الصلاة إذا [اختل] أحد شروطها المعتبرة فيها.

(4/85)


---
القول في الوقت للجمعة
أول وقت الخطبة وصلاة الجمعة زوال الشمس، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الرسول لم يصل الجمعة ولم يخطب لها إلا بعد الزوال، وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولأنهما فرضا وقت فلهذا لم يختلف وقتهما كصلاة الحضر والسفر.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: وهل يكون لهما وقت آخر في الجواز غير هذا أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجوز فعلهما قبل الزوال، وهذا هو المحكي عن أحمد بن حنبل، ثم اختلف أصحابه في وقتهما فمنهم من قال: وقتهما أوله وقت صلاة العيد. ومنهم من قال: يجوز فعلهما في الساعة السادسة.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. ولم يفصل بين وقت ووقت لكنا أخرجنا طلوع الشمس وعند قائم الظهيرة لما كانا وقتين لا تجوز فيهما الصلاة، وما بعد العصر فليس وقتاً لهما.
المذهب الثاني: أن الخطبة يجوز فعلها قبل الزوال، وأما صلاة الجمعة فلا يجوز فعلها إلا بعد الزوال، وهذا هو رأي مالك.
والحجة على هذا: هو أن الخطبة ذكر فجاز فعله قبل الزوال كسائر الأذكار.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من الفقهاء.
وحجتهم: ما نقلناه.
ونزيد هاهنا: وهو ما روى أنس بن مالك عن الرسول : أنه كان يصلي الجمعة إذا مالت الشمس(1).
وقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[الأحزاب:21]. ولأنها صلاة مفروضة فلا يجوز تأديتها قبل الزوال كالظهر ولأنها بدل عن الظهر فيجب أن يكون وقتهما واحداً كسائر الأبدال والمبدلات.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
__________
(1) رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي بلفظ: حين تميل الشمس.

(4/86)


قالوا: أول وقتها كصلاة العيد لقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. ولم يفصل، فيجب أن تكون مثل صلاة العيد وفي الساعة السادسة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن قوله تعالى: {فاسعوا} أمر مجمل وقد أوضحه بفعله وقوله فلا يصح الإحتجاج بالأمور المجملة.
وأما ثانياً: فلأن تخصيصها بأن تفعل في هذين الوقتين لا دلالة عليه من جهة الشرع فيجب بطلانه.
قالوا: روى سلمة بن الأكوع(1)
أنه قال: كنا نصلي مع رسول اللّه صلاة الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل(2).
في هذا دلالة على جواز فعلها قبل الزوال.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا الحديث قد روي وليس للحيطان ظل يستظل به. وفي هذا دلالة على أنه أول الزوال.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من فعله لها بعد الزوال، وإذا تعارضت وجب الترجيح ولا شك أن العمل على الفعل أرجح لأنه هو الأظهر والأشهر لأنه فعله طوال عمره فبطل ما قاله أحمد بن حنبل.
قالوا: الخطبة يجوز فعلها قبل الزوال لأنها ذكر فجاز فعله قبل الزوال كسائر الأذكار كما حكي عن مالك.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن المعلوم من حال الرسول طوال حياته: أنه كان لا يخطب إلا بعد الزوال.
وأما ثانياً: فلأن الخطبة ذكر مفروض فلم يجز فعله قبل الزوال كالصلاة.
ومن وجه آخر: وهو أن المعنى في الأصل أنه غير مفروض بخلاف الخطبة فافترقا.
الفرع الثاني: في آخر وقت الجمعة. وفيه مذاهب ثلاثة:
__________
(2) أخرجه البخاري 4/1526، والبيهقي في (الكبرى) 3/191، وأحمد 4/54.

(4/87)


المذهب الأول: أن آخر وقت الجمعة هو آخر وقت الظهر، وهذا هو رأي القاسمية والناصرية، فإذا صار ظل كل شيء مثله وهو في الجمعة فإنه يتمها جمعة، لأن وقتها وقت الظهر في الإشتراك مع العصر فلا تبطل الجمعة فإذا زاد قليلاً خرج وقت الجمعة، فهل يتمها جمعة أو يتمها ظهراً أو يبني؟ فيه تردد بين السيدين الأخوين نذكره في بيان ما يعرض للصلاة في البطلان.
قال الهادي في الأحكام: ولا ينبغي أن يبطيء بصلاة الجمعة أحد ولا أن يعجل بها قبل الزوال.
والحجة على هذا: هو ان الجمعة بدل عن الظهر فوقتها وقته كسائر الأبدال والمبدلات.
المذهب الثاني: أن آخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله، وهذا هو رأي الشافعي، فإذا صار ظل كل شيء مثله وهو في الجمعة بنى عليها الظهر وصلى أربعاً، وهل يحتاج إلى نية كونها ظهراً أم لا؟ فيه وجهان.
والحجة على هذا: هو أن للجمعة وقتاً مضروباً وهو قبل أن يصير ظل كل شيء مثله فإذا دخل وقت العصر بالمثل بطلت الجمعة لبطلان وقتها، وإذا بطلت وجب الظهر لأنه هو الأصل فلهذا يبنى عليها الظهر.
المذهب الثالث: أن آخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثليه، وعند هذا يدخل وقت العصر، فتبطل الجمعة وعليه أن يستأنف الظهر أربعاً وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على هذا: هو أن الجمعة مؤقتة بوقت مخصوص فإذا بطل وقتها بطلت ووجب الظهر من غير أن يبني عليها لأنهما فرضان مختلفان، فهذا تقرير المذاهب كما ترى.
والمختار: ما ذهب إليه أئمة العترة وهو مبني على ثبوت وقت المشاركة وهو أن وقتاً واحداً يجمعهما فلهذا كان آخر وقت الجمعة صيرورة ظل كل شيء مثله وإذا زاد على ذلك بطلت الجمعة لبطلان وقتها، وقد قررنا ثبوت وقت المشاركة في الأوقات فأغنى عن الإعادة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
واعلم أن كلام الفريقين مبني على بطلان الإشتراك بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في وقت واحد قد أوضحناه.

(4/88)


الفرع الثالث: وإن أحرم بالجمعة وشك وهو فيها هل خرج وقتها أم لا؟ ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يتمها جمعة لأن الأصل بقاء الوقت، فلا يمكن الخروج عنه بالشك.
وثانيهما: أنه يتمها ظهراً لأن الأصل هو الظهر كما مر بيانه وإنما جوز فعل الجمعة بشروط فلا يجوز فعلها إلا بعد تحقق تلك الشروط والأول هو الوجه لأن الأصل وإن كان هو الظهر لكن الجمعة الظاهر هو حصول شروطها فلهذا كان العمل عليها هو الأولى.
وإن خرج من الصلاة ثم شك هل خرج الوقت وهو فيها أو بعد فراغه منها لم تجب عليه الإعادة لأن الظاهر هو أداؤها على الصحة فلا وجه للعمل على الشك.
والمسبوق بركعة إذا قام ليأتي بركعة ثم خرج الوقت، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يتمها ظهراً كالإمام والجماعة إذا خرج الوقت بعد إتيانهم بركعة.
وثانيهما: أنه يتمها جمعة لأن هذه الركعة تبنى على جمعة قد تمت لقوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها)). وهذا هو الوجه في الإتيان بها جمعة. وإن تشاغل المسلمون والإمام عن القيام بالجمعة حتى ضاق الوقت نظرت، فإن علم الإمام أنه إذا خطب أقل ما يجزي من الخطبتين وصلى أخف ما يكون من الركعتين فإنه يدخل العصر قبل الفراغ، فإنهم يصلونها ظهراً لأنهم قد تعذر عليهم تحصيل الجمعة فوجب عليهم الإتيان ببدلها وهو الظهر، وإن علم أنه يفرغ قبل دخول وقت العصر صلاها جمعة لأنها هي الفرض وقد تمكنوا من أدآئه وقد قال : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)).

(4/89)


القول في المكان: ولا بد من مراعاته، وهل يجب أن يكون مصراً أو قرية أو محلة أو درباً؟ فيه التردد الذي ذكرناه بين الأئمة والفقهاء فإنه قد مر الخلاف فيه وذكرنا من قبل أن القاسمية يذهبون إلى أن المصر غير معتبر وأنها كما تقام في المصر فإنها تقام في المحلة والدرب مما يكون مستوطناً لأهله وأخرجنا من كان من أهل الخيام الذين يظعنون بالمواشي ولا يكون لهم قرار في موضع دون موضع وهو رأي مالك، ومحكي عن الشافعي والناصر، فأما زيد بن علي والباقر والمؤيد بالله وأبو حنيفة فيذهبون إلى: أن الجمعة لا تقام إلا في الأمصار والمدن وقد مضى الكلام في الأدلة للفريقين، وذكر المختار والانتصار له فأغنى عن الإعادة.
القول في الخطبتين: والخطبتان مشروعتان لما روي عن الرسول أنه كان يخطب في الجمعة خطبتين يقعد بينهما ولا خلاف في كونهما مشروعتين. وهل تكونان واجبتين أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنهما واجبتان وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، ومحكي عن الشافعي ومالك.
والحجة على هذا: هو أن الرسول لم يصل الجمعة إلا بخطبتين وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
المذهب الثاني: أن الخطبتين مستحبتان، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري وعبدالملك الجويني وداود من أهل الظاهر.
والحجة على هذا: هو أن الرسول فعلهما والفعل ليس فيه دلالة على الوجوب وإنما يحمل فعله على الإستحباب.
المذهب الثالث: أن الخطبة الواحدة كافية في الوجوب وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن المقصود بالخطبة إنما هو التعريف بفضل الجمعة والحث عليها وتذكير الناس بالوعظ والخوف، وهذا حاصل بالخطبة الواحدة فلهذا كانت كافية.
والمختار: ما عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء من القول بوجوبهما.
وحجتهم: ما ذكرناه.

(4/90)


ونزيد هاهنا: وهو قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. وظاهر الأمر للوجوب وأحوال الجمعة مجملة وهي موكولة إلى بيانه، وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولم يكن يصلي الجمعة إلا بالخطبتين فلهذا قضينا بوجوبهما ولأنهما خلف عن الركعتين، قال عمر رضي اللّه عنه: إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبتين.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الفعل لا يدل على الوجوب.
قلنا: إنا لم نقل إن الفعل دلالة على الوجوب وإنما الفعل بيان لما أجمل في الجمعة ودلالة الوجوب هي قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. وقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فهاذان أمران، والأمر ظاهره يدل على الوجوب إلا لدلالة تدل على كونه ندباً.
قالوا: الخطبة الواحدة كافية كما حكي عن أبي حنيفة.
قلنا: الذي دل على وجوب الخطبة هو بعينه دال على كونهما خطبتين وهو الأمر بقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
قالوا: روي عن عمار أنه خطب فأوجز. وفي هذا دلالة على أن الذكر القليل من الخطبة فيه كفاية فلهذا قلنا: بأن الواجب واحدة.
قلنا: الإيجاز لا يدل على عدم الوجوب فالواجب خطبتان ويستحب إيجازهما.
قالوا: روي أن عثمان أرتج عليه على المنبر في الخطبة فقال: أيها الناس إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً وإنكم إلى إمام فعَّال أحوج منكم إلى إمام قوال وأنا أستغفر اللّه لي ولكم ونزل عن المنبر، وفي هذا دلالة على أن الذكر القليل كاف فلهذا قدرنا الخطبة الواحدة.
قلنا: عن هذا أجوبة:
أما أولاً: فأكثر ما في هذا أن هذا مذهب لعثمان واجتهاد له فلا يلزمنا قبوله.
وأما ثانياً: فلعله ارتج عليه بعدما أتى بالقدر الواجب الذي نذكره في الخطبتين.
وأما ثالثاً: فلعل هذا الكلام إنما كان في الخطبة الثانية بعد ذكر الواجب منها وإذا كان ما قلناه محتملاً بطل ما ذكروه.
التفريع على هذه القاعدة:

(4/91)


الفرع الأول: الطهارة من الحدث والنجاسة وستر العورة مشروعة في الخطبتين لأن الرسول كان يخطب على هذه الصفة، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولأن الخلفاء الراشدين والأئمة السابقين كانوا يفعلون ذلك، وقد قال : ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)). وهل تكون الطهارة من الحدث والنجس واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن ذلك واجب، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو العباس وأبو طالب، وهو قول الشافعي في الجديد.
والحجة على هذا: هو أنه ذكر في الصلاة فاشترط فيه الطهارة دليله تكبيرة الإحرام للصلاة.
المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو قول مالك، ومحكي عن أبي حنيفة، وهو قول الشافعي في القديم.
والحجة على هذا: هو أنه ذكر يتقدم الصلاة فلم تشترط فيه الطهارة كالأذان.
والمختار: ما قاله السيد أبو طالب وأبو العباس ومن تابعهما.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو قوله : ((صلوا كما رأيتموني)).
وستر العورة واجب بالأدلة التي قدمناها في الصلاة على الوجوب وهو أحد قولي الشافعي، وقوله القديم: أنه غير واجب في الخطبة فإن أحدث في خطبته مسبوقاً أو متعمداً بطلت وعليه أن يستأنفها لأن الخطبتين بمنزلة الركعتين اللتين اسقطتا من الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: ذكر يتقدم الصلاة فلم يجب كالأذان.
قلنا: المعنى في الأصل أنه ليس شرطاً في الصلاة بخلاف ما ذكرنا في الخطبتين فإنهما شرط في صحة صلاة الجمعة فافترقا.
الفرع الثاني: والقيام مشروع في الخطبة لما جرت عليه عادة الرسول ومن بعده أنهم كانوا يخطبون قياماً وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه ليس واجباً، وهذا هو الذي ذكره أبو العباس، ومحكي عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل.

(4/92)


والحجة على هذا: هو أن الوجوب لا بد من دلالة عليه ومطلق الفعل لا يدل على الوجوب لأنه لا ظاهر للفعل والذي يقطع من الفعل على كونه مباحاً فأما دلالته على الوجوب والندب فلا بد من دلالة خارجة.
المذهب الثاني: أنه واجب وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى جابر بن سَمُرة أنه قال: كان الرسول يخطب الخطبتين وهو قائم ثم يجلس ثم يقوم فمن حدثك أنه كان يخطب قاعداً فقد كذب فقد صليت خلفه أكثر من ألف صلاة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فإن قعد لعذر أو مرض أجزأه كما جاز ذلك في الصلاة.
والمختار: هو الوجوب كما قاله الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن المعلوم من حال الرسول وحال الخلفاء بعده وحال الأئمة أنهم ما كانوا يخطبون إلا قياماً، ولم يحك عن أحدٍ منهم أنه خطب قاعداً فلو كان جائزاً لفعل على ممر الدهور وتكرر الأعصار وفي هذا دلالة على الوجوب.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الفعل لا دلالة فيه على الوجوب بمطلقه بل لا بد من دلالة غير مطلقة ولا دلالة فلهذا قضينا بالإستحباب فيه لفعل الرسول .
قلنا: تكرر العادات من جهة الرسول وعادة الخلفاء والأئمة دلالة زائدة على مطلق الفعل، فلأنه لو كان مستحباً لجاز تركه على العادات المتكررة.
الفرع الثالث: القعود بين الخطبتين مشروع لفعل الرسول وهل هي(1)
واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها سنة مستحبة وهذا هو الذي ذكره السيدان أبو طالب وأبو العباس، وهو محكي عن أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل.
والحجة على هذا: هو أنا لم نأخذ الدلالة عليها إلا من جهة فعل الرسول ، ومطلق الفعل ليس فيه دلالة على الوجوب وإنما دليل على كونها سنة مستحبة.
المذهب الثاني: أنها واجبة وهذا هو المحكي عن الشافعي.
__________
(1) ربما أراد الجلسة أو القعدة فأنث الضمير وهو هنا عائد على القعود.

(4/93)


والحجة على هذا: ما روى جابر بن سمرة أن الرسول كان يفصل بين الخطبتين بجلسة، فإن خطب قاعداً لأجل العجز والمرض فصل بينهما بسكتة، وإن كان لا يقدر على القعود فصل بينهما بسكتة أيضاً.
والمختار: هو الوجوب.
والحجة عليه: هو أن الذي دل على وجوب القيام في الخطبتين هو بعينه دال على وجوب القعدة بينهما فلا وجه لتكريره.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الفعل لا دلالة فيه على الوجوب.
قلنا: قد أجبنا عن هذا في الدلالة على وجوب القيام فأغنى عن تكريره.
الفرع الرابع: في الذكر الذي تشتمل عليه الخطبتان.
وتشتمل على أحكام(1)
نفصلها.
والذكر مشروع في الخطبتين لا خلاف فيه وإنما الخلاف فيما يكون واجباً وما يكون مسنوناً:
الحكم الأول: المشروع من الذكر في الخطبة الأولى أمور أربعة:
أولها: حمدالله تعالى.
وثانيها: الصلاة على الرسول .
وثالثها: الموعظة لمن حضر من المسلمين وتعريفهم فضل الجمعة وحثهم على فروضها وسننها.
ورابعها: قرآة سورة من المفصل أو ثلاث آيات.
والمشروع في الخطبة الثانية أمور أربعة:
أولها: حمدالله تعالى.
وثانيها: الصلاة على الرسول .
وثالثها: الدعاء للإمام المخطوب له بالإعانة له على ما يحمله من أمور المسلمين، وإن خاف من ذكره كنى عنه.
ورابعها: الدعاء للمسلمين والمسلمات.
فهذه الأمور كلها مشروعة لأنه قد جرى عمل المسلمين على فعلها والمواضبة عليها.
الحكم الثاني: قرآة سورة من المفصل أو ثلاث آيات، وهل تكون واجبة أم لا؟ فالظاهر من المذهب وجوبها على ما ذكره السيد أبو طالب وهو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى سمرة بن جندب عن الرسول أنه كان يخطب قائماً ويقرأ آيات(2)،
__________
(1) أحد عشر حكماً.
(2) رواه النسائي 3/110، وابن ماجة 1/351، وأحمد 5/107 بلفظ: كان يخطب قائماً ثم يجلس ثم يقوم ويقرأ ...إلخ.

(4/94)


وحكي عن الشافعي أنه ذكر في (الإملاء) أنها غير واجبة، والصحيح من مذهبه ما ذكره في (الأم): من وجوبها، وفي محل القرآة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن محلها هو آخر الخطبة الأولى دون الثانية، وهذا هو المحكي عن السيد أبي طالب، وهو المذكور في (الإيضاح) عن الشافعي.
القول الثاني: أن محلها في كل واحدةٍ من الخطبتين لأن كل ما كان واجباً في إحدى الخطبتين فهو واجب في الأخرى، وهذا محكي عن بعض أصحاب الشافعي.
القول الثالث: أن محلها إحدى الخطبتين لا على جهة التعيين وهذا أيضاً مذكور عن بعض أصحاب الشافعي، والأمر في هذا قريب لكن الأولى ما قاله أبو طالب لأن عمل الأئمة قد جرى عليه و((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن)).
الحكم الثالث: الذكر للإمام المخطوب له مشروع، وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه رأيان:
الرأي الأول: أنه واجب، ذكره السيد أبو طالب فيذكره إما بالتصريح، وإما بالكناية لأن عمل المسلمين قد جرى بذلك.
والرأي الثاني: أنه غير واجب. وهذا هو الذي ذكره المؤيد بالله.
قال المؤيد بالله: فالتولية هي الواجبة، وأما ذكر الإمام المخطوب له فلا أراه شرطاً في صحتها ولا أرى له تأثيراً، وسئل عطاء عن ذكر الإمام فقال: إنه محدث.
وأما الدعاء للمسلمين وللإمام فهل يكون واجباً أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه واجب، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب، وهو محكي عن المزني من أصحاب الشافعي.
ثوانيهما: أنه غير واجب؛ لأنه لا يجب في غير الخطبة فلا يجب في الخطبة، وإن خطب بالناس رجل وصلى بهم آخر، فهل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: يجزي وهذا هو ظاهر المذهب، ومحكي عن أبي حنيفة والشافعي في الجديد.
ووجهه: أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة فأشبه الأذان وقد تقرر أنه يجوز أن يؤذن رجل ويصلي بالناس آخر.
وثانيهما: أن ذلك غير جائز وهو محكي عن الشافعي في القديم.
ووجهه: أن الخطبتين صارا عوضاً عن الركعتين فكما لا يجوز ذلك في الصلاة فهكذا الخطبتين.

(4/95)


والمختار: هو الأول، وإنما لم يجز ذلك في الصلاة لأن الشرط فيها الموالاة بخلاف الخطبة مع الصلاة.
الحكم الرابع: الحمد يتعين لفظه ولا يقوم غيره مقامه، والصلاة على النبي تتعين ولا يقوم غيرها مقامها، وأما الوعظ والتذكير فلا يتعين لفظهما لأن المقصود هو التخويف والتحذير وأبواب المواعظ وإن اتسعت مسالكها فهي راجعة إلى الأمر بالطاعة والتحذير عن المعصية، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات فلا يتعين لأن المقصود بالدعاء هو الفوز بالجنة والبعد عن النار، والمستحب ألا يقتصر على الدعاء على حظوظ الدنيا ويجب رفع الصوت بالخطبة لأن المقصود هو إسماع الحاضرين الوعظ والتذكير وسائر الأذكار وهذا لا يحصل بالإسرار فلهذا وجب اشتراط الجهر وأقل ما يجزي في الخطبة أن يقول الخطيب: الحمدلله والصلاة على رسول اللّه أطيعوا اللّه يرحمكم اللّه، ويقرأ آية، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يجزيه سبحان اللّه ولا إله إلا اللّه. وعن أبي يوسف ومحمد: أنه لا يجزيه حتى يأتي بكلام يسمي خطبته في العادة، وعن مالك روايتان:
إحداهما: أن كل من سبح أو هلل أعاد ما لم يصل.
والثانية: أنه لا يجزيه إلا ما يسميه العرب خطبة.
والمختار: ما قاله أصحابنا من تلك الأنواع الأربعة.
والحجة على ما قلناه: قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. ولم يبين كيفية الذكر، وكيفيته مأخوذة من فعل الرسول وقد روي عن الرسول أنه كان يأتي في الخطبتين بجميع ما ذكرناه.

(4/96)


الحكم الخامس: ويستحب أن تكون الخطبة قريبة من الأفهام بليغة في الوعظ خلية من غريب الكلام ووحشيه مؤداة على ترتيل مائلة إلى القصر لما روى ابن عباس رضي اللّه عنه أن الرسول خطب يوماً فقال: ((الحمد لله نستعينه ونستنصره ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد اللّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، من يطع اللّه ورسوله فقد رشد ومن يعص اللّه ورسوله فقد غوى)) (1).
وروي عن الرسول أنه خطب فقال: ((ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البَرُّ والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، ألا وإن الخير بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر بحذافيره في النار، ألا فاعملوا وكونوا من اللّه على حذر، واعلموا أنكم معرضون على أعمالكم من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)) (2).
وروى جابر أن الرسول خطب يوم الجمعة فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ثم قال على أثر ذلك: وعلا صوته واشتد غضبه واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) وأشار بالسبابة والوسطى ثم قال: ((إن أفضل الحديث كتاب اللّه وخير الهدي هدي محمد، شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ضياعاً أو عيالاً فإليَّ))(3)
ـ والهدى بفتح الهاء وتسكين الدال هي الطريقة يقال: فلان حسن الهدى. أي: حسن الطرائق وحسن المذاهب قاله الهروي في غريبه والضياع بفتح الضاد العيال. قال العتيبي هو مصدر ضاع يضيع ضياعاً فجاء بالمصدر نائباً عن الإسم كما جاء المصدر في قوله تعالى: {لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}[المائدة:95] نائباً عن الإسم، فأما من رواه بالكسر في الضاد فهو محتمل لمعنيين:
__________
(1) أورده الشافعي في مسنده 1/67، وفي (الأم) 1/202.
(3) رواه مسلم، وللنسائي (زيادة): ((...وكل ضلالة في النار)).

(4/97)


أحدهما: أن يكون جمعاً لضائع كجائع وجياع.
وثانيهما: أن يكون جمعاً لضيعة كقولك: حربة وحراب، فهذه خطب الرسول مشتملة على ما ذكرناه.
الحكم السادس: ويجب أن يأتي بالخطبة بالعربية لأن الرسول والخلفاء بعده كانوا يخطبون بالعربية وقد قال الرسول : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فإن لم يوجد فيهم من يحسن العربية أجزأهم ذلك لأجل العذر، ويجب أن يتعلم واحد منهم العربية.
ويستحب: تقصير الخطبة وتطويل الصلاة لما روي عن الرسول أنه قال: ((طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنَّة من فقهه2))(1).
والمئنَّة: بهمزة ونون: القوة(2).
ويستحب: أن يخطب على شيء مرتفع كالمنبر والدرجة والحجر لما روي عن الرسول أنه لما دخل المدينة خطب على جذع مستنداً إليه في المسجد ثم وضع له منبر فصعده، وتحول إليه فحن الجذع حتى سمعه أهل المسجد فضمه فسكن(3)،
لأنه أبلغ في الإعلام.
ويستحب: أن يكون المنبر ثلاث مراق من غير زيادة ويكره أن يكون منيفاً عالياً لما روي أن منبره كان ثلاث مراق وإنما كره علوه لمخالفته لمنبر رسول اللّه ، ولأن هذا دأب الظلمة وأهل الجور.
ويستحب: أن يكون المنبر عن يمين المحراب وهو الموضع الذي يكون عن يمين الإمام إذا توجه للقبلة لأن الرسول وضع منبره على هذه الصفة.
ويستحب للإمام: إذا دخل المسجد أن يسلم على الناس عند دخوله فإذا بلغ المنبر صلى ركعتين تحية المسجد، لما روي عن الرسول أنه قال: ((لكل شيء تحية وتحية المسجد ركعتان))(4)
__________
(1) صحيح مسلم 2/594، وسنن البيهقي الكبرى 3/208.
(2) في هامش الأصل: المئنة: العلامة، قال الجوهري: وهم يروونها في الحديث والشعر يتشديد النون، وحقه عندي أن يقال: مئينة مثل معينة فعلى فعيله، وكان أبو زيد يقول: مئتة بالتاء، أي مخلقة لذلك ومجدرة ومجرأة.
…قال الأصمعي: سألني شعبة عن هذا؟ فقلت: مئنة، أي علامة لذلك وخليق لذاك. اهـ.
(3) أخرجه الترمذي 2/379، وابن أبي شيبة 6/319، وأحمد 1/249.
(4) تقدم.

(4/98)


ثم يصعد فإذا بلغ الدرجة التي يستريح بالقعود عليها التفت إلى الناس، وهل يسلم عليهم أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يسلم لما روي أن الرسول كان يسلم على من عند المنبر ثم يصعد فإذا استقبل الناس بوجهه سلم أيضاً.
وثانيهما: أنه لا يسلم ويكره السلام. وهذا هو المحكي عن مالك، وأبي حنيفة لأنه قد سلم عند دخوله فلا معنى لإعادته.
الحكم السابع: والمختار: أنه إذا صعد المنبر التفت إلى الناس بوجهه ثم يقعد للإستراحة من طلوع المنبر من غير سلام ثم يؤذن المؤذن فإذا فرغ من أذانه قام للخطبة ثم يسلم على الناس قبل الخطبة لما روي عن الرسول أنه قال: ((السلام قبل الكلام))(1).
ولا يغنيه السلام الأول عند دخوله المسجد لما روي أن أصحاب رسول اللّه كانوا إذا مروا في طريق تَحُولُ بين بعضهم وبين بعضٍ شجرة سلم بعضهم على بعض، ولأن الأول سلام لأجل الملاقاة والمخالطة، والثاني سلام لأجل الكلام والمخاطبة، فأحدهما مخالف للآخر، ثم يؤذن المؤذن في حال قعوده فإذا فرغ من أذانه قام لخطبته.
ويستحب: أن يكون المؤذن واحداً لما روي عن الرسول أنه لم يكن يؤذن له يوم الجمعة إلا واحد.
ويستحب: أن يعتمد عند أشتغاله بالخطبة على قوس أو سيف أو عكاز أو عصى، لما روى الحكم بن حرب(2)
أن الرسول اعتمد على قوس في خطبته، ولأنه أسكن لجاشِهِ وأثبت لقلبه عن الإنزعاج والفشل والطيش، فإن لم يكن له شيء من ذلك سكن نفسه إما بأن يضع يمينه على شماله، وإما بأن يرسل يديه لئلا يعبث بهما في تنقية أنفه ومسح لحيته، وإما بأن يضع يديه على جانبي المنبر ويخطب خطبتين على ما مضى تقريره.
__________
(1) رواه الترمذي 5/59، وأبو يعلى في مسنده 4/48.

(4/99)


الحكم الثامن: ويستحب أن يقبل على الناس بوجهه ولا يستدبرهم، فإن خالف واستقبل القبلة مستدبراً للناس لم يكن مجزياً، لأن الغرض هو خطابهم بالخطبة، وهذا إنما يتأتى مع الإستقبال دون الإستدبار، وحكي عن الشافعي: جواز ذلك. لكنه يكون مخالفاً للسنة.
وهل يحول وجهه في أثناء الخطبة يميناً وشمالاً أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: المنع من ذلك. وهذا هو المحكي عن الشافعي.
ووجهه: أن المقصود هو سماع الناس وهذا يحصل مع استقبالهم بوجهه فلا وجه للتحويل.
وثانيهما: استحباب ذلك. كالأذان، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.
والمختار: ما قاله أبو حنيفة، لأن المقصود إعلامهم، فلهذا استحب التحويل ليكون الإعلام شاملاً للجانبين، وإن ارتج على الإمام في الخطبة فتعذر عليه الكلام؛ فالمستحب تلقينه والفتح عليه، لما روي عن الرسول أنه قرأ سورة هود في الصلاة فالتبس عليه آية فركع فلما فرغ قال: ((أليس فيكم أُبيٌّ))؟ قالوا: بلى. فقال: ((هلا رددت عليَّ))(1).
قال: إني ما كان اللّه ليراني وأنا أردُّ على رسول اللّه ، وروي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال: إذا استطعمكم الإمام فأطعموه. أراد: يفتح عليه.
الحكم التاسع: وهل يجوز شرب الماء البارد في حال الخطبة لتسكين العطش أو للتبرد.
فحكي عن الشافعي: جوازه. وقال مالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل: لا يجوز ذلك. حتى قال الأوزاعي: إن فعل ذلك بطلت جمعته.
والمختار: جوازه.

(4/100)


والحجة على ذلك: هو أن الكلام غير مبطل لها فهكذا شرب الماء والجامع بينهما أنه فعل مباح فإذا لم يكن الكلام مبطلاً لها فهكذا شرب الماء، فإن قرأ سجدة في خطبته فنزل فسجد جاز ذلك، لما روي عن عمر أنه فعل ذلك، وإن تركها جاز ذلك أيضاً لما روي أن عمر قرأ السجدة في الجمعة الثانية فتهيأ الناس للسجود فقال: أيها الناس على رسلكم فإن اللّه لم يكتبها علينا. ولم يسجد. والقعدة التي تكون بين الخطبتين تكون مقدار قدر سورة الإخلاص، فإذا فرغ من الخطبة الثانية نزل وابتدأ المؤذن الإقامة بحيث يوافق بلوغه المحراب الفراغ من الإقامة.
الحكم العاشر: ويباح الكلام بعد خروج الإمام قبل أن يبتدئ بالخطبة على ظاهر المذهب، وهو محكي عن الشافعي ومالك وأبي يوسف، ومحمد. لأن هذا الوقت ليس فيه شغل عن سماع الموعظة فلهذا كان مباحاً.
وهل يجوز الكلام ما بين الخطبة والصلاة أم لا؟ فالظاهر على المذهب: جوازه لما روي عن الرسول : أنه كان إذا نزل عن المنبر والمؤذن يقيم للصلاة فيقوم له الرجل فيحدثه ثم يجيبه ثم يتقدم للصلاة فلو كان مكروهاً لم يفعله، وحكي عن أبي حنيفة كراهة ذلك.
والحجة على هذا: ما روي أن الصحابة رضي اللّه عنهم كانوا يركعون حتى يصعد الرسول المنبر، فإذا صعد المنبر قطعوا الركوع، وكانوا يتكلمون حتى يبتدئ بالخطبة، فإذا ابتدأ بها قطعوا الكلام، ففيما فعلوه دلالة على ما قلناه من إباحة الكلام في الحالين اللذين ذكرناهما.
الحكم الحادي عشر: فإذا شرع الإمام في الخطبة فهل يجب الإنصات ويحرم الكلام أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب الإنصات ويحرم الكلام، وهذا هو المحكي عن الهادي والناصر وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل والقول القديم للشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أن رجلاً تكلم في حال الخطبة فقال الرسول : ((لا جمعة لك)) (1).
__________
(1) حكاه في (مجمع الزوائد) 2/185، ومصنف ابن أبي شيبة 1/458.

(4/101)


والحجة الثانية: روي أن رجلاً سأل أُبَيَّاً: متى نزلت هذه الآية؟ والإمام يخطب فقال له أُبَيُّ: ليس لك من صلاتك إلا ما لغوت. ثم سأل الرسول عن ذلك فقال: ((صدق أُبَيُّ)) (1).
المذهب الثاني: جواز الكلام الخفيف الذي لا يشغل عن سماع الخطبة، وهذا هو رأي القاسم ومحمد بن القاسم(2)
ومحمد بن يحيى والقول الجديد للشافعي.
والحجة على هذا: ما روى أنس بن مالك: أن رجلاً دخل ورسول الله على المنبر يوم الجمعة فقال: يا رسول اللّه متى تكون الساعة؟ فأشار الناس إليه أن اسكت. فقال له رسول اللّه : عند الثالثة، ((ويحك ما أعددت لها))؟ فقال: ما أعددت لها شيئاً ولكني أحب اللّه ورسوله. فقال الرسول : ((أنت مع من أحببت))(3).
فلو كان الكلام محرماً لأنكره الرسول ، فلما أجابه دل على جواز ذلك.
والمختار: ما قاله الهادي والناصر ومن تابعهما من منع الكلام وحظره في حال الخطبة قليله وكثيره.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو قوله : ((إذا قلت أنصت والإمام يخطب فقد لغوت))(4).
ظاهر هذا الخبر دال على المنع من الكلام قليله وكثيرة.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا}[الأعراف:204]. فأمر بالإستماع والإنصات ولا شك أن الكلام يبطل الإستماع والإنصات فلهذا كان ممنوعاً محرماً وبه قال ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عمر، وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه قال: من رأيته يتكلم والإمام يخطب فاقرع رأسه بالعصى.
الحجة الثالثة: ولأنه ذكر جعل شرطاً في صحة الصلاة للجمعة فيجب أن يكون الكلام محرماً منهياً عنه كالإفتتاح والقراءة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
__________
(1) رواه في (نيل الأوطار) 3/272 عن أبي الدرداء، وهو في (مجمع الزائد) 2/186، وسنن ابن ماجة 1/352، ومسند أحمد 2/393.
(3) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 3/149، والبيهقي في (الكبرى) 3/221، وأحمد في مسنده 3/202.

(4/102)


قالوا: روى أنس بن مالك أن رجلاً سأله في حال الخطبة متى الساعة؟ فأجابه، فلو كان محظوراً لأنكره عليه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلعله كان يخطب في غير الجمعة، أو كان قبل الشروع في الخطبة، أو كان بعد الفراغ منها.
وأما ثانياً: فلأن هذا الخبر يعارضه ما ذكرناه من الأخبار الدالة على المنع من الكلام وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن أخبارنا أقوى وأشهر ولأنها دالة على الخطر، وهذا الخبر يدل على الإباحة وما دل على الحظر أحق بالقبول لما فيه من الإحتياط للدين.
ومن وجه آخر: وهو أن الإجماع منعقد على تحريم الكلام الكثير والمنع منه لأنه يضاد الإستماع والإنصات اللذين أمر بهما فيجب أن يكون ممنوعاً، ولا شك أن الكلام اليسير يدعو إلى الكثير وليس هناك مانع فلو سوغنا الكلام القليل لدعا إلى الكثير خاصة والنفوس مولعة بكثرة الكلام في أكثر الأحوال، ولكان في ذلك إبطال الغرض من سماع الموعظة والذكر فلهذا كان المنع منه هو الأوجه ليقع الإنتفاع بسماع الخطبة والإقبال إليها.
ومن وجه آخر: وهو أن الكلام الخفي يشغل عن سماع الخطبة الذي لا يدرك فكيف حال الكلام الخفيف الذي يدرك هو لا محالة اشغل للقلب وأبعد عن سماع الوعظ والتذكير كما قررناه. وقد نجز غرضنا من الكلام في الأحكام المتعلقة بالخطبة ونرجع الآن إلى التفريع.
الفرع الخامس: فإذا فرغ الإمام من الخطبة نزل وصلى الجمعة ركعتين ولا خلاف أن فرض الجمعة ركعتين مع الخطبتين وهو نقل الخلف عن السلف وفعله الخلفاء الراشدون والأئمة السابقون، واختلف العلماء فيما المستحب من القرآءة فيهما على أقوال أربعة:

(4/103)


القول الأول: أن المستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة، وفي الثانية بسورة ((المنافقون))، وهذا هو المحكي عن: القاسم والهادي والناصر والشافعي، لما روى ابن عباس رضي اللّه عنه أن الرسول كان يقرأ بهما في صلاة الجمعة، وعن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه: أنه كان يقرأ بهما في صلاة الجمعة.
القول الثاني: محكي عن مالك: أنه يقرأ في الأولى بسورة ((الجمعة))، وفي الثانية بسورة ((الغاشية)).
القول الثالث: مروي عن أبي حنيفة وأصحابه أنه يقرأ بما شاء من القرآن ولا تعيين هناك.
القول الرابع: محكي عن زيد بن علي أنه يقرأ في الأولى ((بحم السجدة)) وفي الثانية بـ((هل أتى على الإنسان)).
والمختار: أن الجواز حاصل في جميع القرآن، ولكن الكلام إنما هو في الأفضل، فالأفضل ما فعله الرسول وأمير المؤمنين كرم اللّه وجهه، فإن قرأ غيرهما من القرآن أجزأ لما روي سمرة بن جندب أن الرسول قرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بسورة الغاشية، وفي هذا دلالة على الجواز كما ذكرناه، والجهر بالقرآءة في صلاة الجمعة هو السنة، وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة، وهو معمول عليه عند السلف والخلف، وروي عن بعض التابعين أنها تكون سراراً محتجاً بما روي عن الرسول أنه قال: ((صلاة النهار عَجْماء))(1).
فإن ظاهره غير معمول عليه لأن صلاة الفجر من صلاة النهار وهي مجهور بها، وإنما أراد أن الأكثر من صلاة النهار عَجماء، فهذا ما أردنا ذكره في شروط الجمعة.
__________
(1) تقدم في الصلاة، وقد رواه عبد الرزاق في المصنف 2/493، وابن أبي شيبة في مصنفه 1/320، وابن عبد البر في (التمهيد) 3/310.

(4/104)


---
القول في المكان
ولا بد من مراعاته، وهل يجب أن يكون مصراً أو قرية أو محلة أو درباً؟ فيه التردد الذي ذكرناه بين الأئمة والفقهاء فإنه قد مر الخلاف فيه وذكرنا من قبل أن القاسمية يذهبون إلى أن المصر غير معتبر وأنها كما تقام في المصر فإنها تقام في المحلة والدرب مما يكون مستوطناً لأهله. وأخرجنا من كان من أهل الخيام الذين يظعنون بالمواشي ولا يكون لهم قرار في موضع دون موضع. وهو رأي مالك، ومحكي عن الشافعي والناصر.
فأما زيد بن علي والباقر والمؤيد بالله وأبو حنيفة فيذهبون إلى أن الجمعة لا تقام إلا في الأمصار والمدن. وقد مضى الكلام في الأدلة للفريقين، وذكر المختار والانتصار له فأغنى عن الإعادة.

(4/105)


---
القول في الخطبتين
والخطبتان مشروعتان لما روي عن الرسول أنه كان يخطب في الجمعة خطبتين يقعد بينهما، ولا خلاف في كونهما مشروعتين. وهل تكونان واجبتين أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنهما واجبتان وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، ومحكي عن الشافعي ومالك.
والحجة على هذا: هو أن الرسول لم يصل الجمعة إلا بخطبتين وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
المذهب الثاني: أن الخطبتين مستحبتان، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري وعبدالملك الجويني وداود من أهل الظاهر.
والحجة على هذا: هو أن الرسول فعلهما والفعل ليس فيه دلالة على الوجوب وإنما يحمل فعله على الاستحباب.
المذهب الثالث: أن الخطبة الواحدة كافية في الوجوب. وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة.
والحجة على هذا: هو أن المقصود بالخطبة إنما هو التعريف بفضل الجمعة والحث عليها وتذكير الناس بالوعظ والخوف، وهذا حاصل بالخطبة الواحدة فلهذا كانت كافية.
والمختار: ما عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء من القول بوجوبهما.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. وظاهر الأمر للوجوب، وأحوال الجمعة مجملة وهي موكولة إلى بيانه، وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولم يكن يصلي الجمعة إلا بالخطبتين فلهذا قضينا بوجوبهما، ولأنهما خلف عن الركعتين، قال عمر رضي الله عنه: إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبتين.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الفعل لا يدل على الوجوب.
قلنا: إنا لم نقل إن الفعل دلالة على الوجوب وإنما الفعل بيان لما أجمل في الجمعة ودلالة الوجوب هي قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. وقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فهاذان أمران، والأمر ظاهره يدل على الوجوب إلا لدلالة تدل على كونه ندباً.
قالوا: الخطبة الواحدة كافية كما حكي عن أبي حنيفة.

(4/106)


قلنا: الذي دل على وجوب الخطبة هو بعينه دال على كونهما خطبتين وهو الأمر بقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
قالوا: روي عن عمار أنه خطب فأوجز. وفي هذا دلالة على أن الذكر القليل من الخطبة فيه كفاية فلهذا قلنا: بأن الواجب واحدة.
قلنا: الإيجاز لا يدل على عدم الوجوب فالواجب خطبتان، ويستحب إيجازهما.
قالوا: روي أن عثمان ارتج عليه على المنبر في الخطبة فقال: أيها الناس إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً وإنكم إلى إمام فعَّال أحوج منكم إلى إمام قوال وأنا أستغفر الله لي ولكم. ونزل عن المنبر، وفي هذا دلالة على أن الذكر القليل كاف فلهذا قدر بالخطبة الواحدة.
قلنا: عن هذا أجوبة:
أما أولاً: فأكثر ما في هذا أن هذا مذهب لعثمان واجتهاد له فلا يلزمنا قبوله.
وأما ثانياً: فلعله ارتج عليه بعدما أتى بالقدر الواجب الذي نذكره في الخطبتين.
وأما ثالثاً: فلعل هذا الكلام إنما كان في الخطبة الثانية بعد ذكر الواجب منها وإذا كان ما قلناه محتملاً بطل ما ذكروه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الطهارة من الحدث والنجاسة وستر العورة مشروعة في الخطبتين لأن الرسول كان يخطب على هذه الصفة، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولأن الخلفاء الراشدين والأئمة السابقين كانوا يفعلون ذلك، وقد قال : ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)).
وهل تكون الطهارة من الحدث والنجس واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن ذلك واجب، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو العباس وأبو طالب، وهو قول الشافعي في الجديد.
والحجة على هذا: هو أنه ذكر في الصلاة فاشترط فيه الطهارة، دليله: تكبيرة الإحرام للصلاة.
المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو قول مالك، ومحكي عن أبي حنيفة، وهو قول الشافعي في القديم.
والحجة على هذا: هو أنه ذكر يتقدم الصلاة فلم تشترط فيه الطهارة كالأذان.
والمختار: ما قاله السيد أبو طالب وأبو العباس ومن تابعهما.

(4/107)


وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
وستر العورة واجب بالأدلة التي قدمناها في الصلاة على الوجوب. وهو أحد قولي الشافعي، وقوله القديم: أنه غير واجب في الخطبة.
فإن أحدث في خطبته مسبوقاً أو متعمداً بطلت وعليه أن يستأنفها لأن الخطبتين بمنزلة الركعتين اللتين أُسقطتا من الصلاة.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: ذكر يتقدم الصلاة فلم تجب [فيه الطهارة] كالأذان.
قلنا: المعنى في الأصل: أنه ليس شرطاً في الصلاة بخلاف ما ذكرنا في الخطبتين فإنهما شرط في صحة صلاة الجمعة فافترقا.
الفرع الثاني: والقيام مشروع في الخطبة لما جرت عليه عادة الرسول ومن بعده أنهم كانوا يخطبون قياماً. وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه ليس واجباً، وهذا هو الذي ذكره أبو العباس، ومحكي عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل.
والحجة على هذا: هو أن الوجوب لا بد من دلالة عليه. ومطلق الفعل لا يدل على الوجوب لأنه لا ظاهر للفعل، والذي يقطع من الفعل على كونه مباحاً، فأما دلالته على الوجوب والندب فلا بد من دلالة خارجة.
المذهب الثاني: أنه واجب وهذا هو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى جابر بن سَمُرة أنه قال: كان الرسول يخطب الخطبتين وهو قائم ثم يجلس ثم يقوم. فمن حدثك أنه كان يخطب قاعداً فقد كذب فقد صليت خلفه أكثر من ألف صلاة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
فإن قعد لعذر أو مرض أجزأه كما جاز ذلك في الصلاة.
والمختار: هو الوجوب كما قاله الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن المعلوم من حال الرسول وحال الخلفاء بعده وحال الأئمة أنهم ما كانوا يخطبون إلا قياماً، ولم يحك عن أحدٍ منهم أنه خطب قاعداً فلو كان جائزاً لفعل على ممر الدهور وتكرر الأعصار وفي هذا دلالة على الوجوب.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.

(4/108)


قالوا: الفعل لا دلالة فيه على الوجوب بمطلقه بل لا بد من دلالة غير مطلقة ولا دلالة فلهذا قضينا بالاستحباب فيه لفعل الرسول .
قلنا: تكرر العادات من جهة الرسول وعادة الخلفاء والأئمة دلالة زائدة على مطلق الفعل، فلأنه لو كان مستحباً لجاز تركه على العادات المتكررة.
الفرع الثالث: القعود بين الخطبتين مشروع لفعل الرسول . وهل هي(1)
اجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنها سنة مستحبة وهذا هو الذي ذكره السيدان أبو طالب وأبو العباس، وهو محكي عن أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل.
والحجة على هذا: هو أنا لم نأخذ الدلالة عليها إلا من جهة فعل الرسول ، ومطلق الفعل ليس فيه دلالة على الوجوب وإنما دليل على كونها سنة مستحبة.
المذهب الثاني: أنها واجبة وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى جابر بن سمرة أن الرسول كان يفصل بين الخطبتين بجلسة.
فإن خطب قاعداً لأجل العجز والمرض، فصل بينهما بسكتة. وإن كان لا يقدر على القعود فصل بينهما بسكتة أيضاً.
والمختار: هو الوجوب.
والحجة عليه: هو أن الذي دل على وجوب القيام في الخطبتين هو بعينه دال على وجوب القعدة بينهما فلا وجه لتكريره.
الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه.
قالوا: الفعل لا دلالة فيه على الوجوب.
قلنا: قد أجبنا عن هذا في الدلالة على وجوب القيام فأغنى عن تكريره.
الفرع الرابع: في الذكر الذي تشتمل عليه الخطبتان.
ويشتمل على أحكام(2) نفصلها.
والذكر مشروع في الخطبتين لا خلاف فيه، وإنما الخلاف فيما يكون واجباً وما يكون مسنوناً.
الحكم الأول: المشروع من الذكر في الخطبة الأولى أمور أربعة:
أولها: حمدالله تعالى.
وثانيها: الصلاة على الرسول .
وثالثها: الموعظة لمن حضر من المسلمين وتعريفهم فضل الجمعة وحثهم على فروضها وسننها.
ورابعها: قرآة سورة من المفصل أو ثلاث آيات.
__________
(1) ربما أراد الجلسة أو القعدة فأنث الضمير وهو هنا عائد على القعود.
(2) أحد عشر حكماً.

(4/109)


والمشروع في الخطبة الثانية أمور أربعة:
أولها: حمدالله تعالى.
وثانيها: الصلاة على الرسول .
وثالثها: الدعاء للإمام المخطوب له بالإعانة له على ما يحمله من أمور المسلمين، وإن خاف من ذكره كنى عنه.
ورابعها: الدعاء للمسلمين والمسلمات.
فهذه الأمور كلها مشروعة لأنه قد جرى عمل المسلمين على فعلها والمواضبة عليها.
الحكم الثاني: قرآة سورة من المفصل أو ثلاث آيات، وهل تكون واجبة أم لا؟
فالظاهر من المذهب وجوبها على ما ذكره السيد أبو طالب وهو رأي الشافعي.
والحجة على هذا: ما روى سمرة بن جندب عن الرسول أنه كان يخطب قائماً ويقرأ آيات(1). وحكي عن الشافعي أنه ذكر في (الإملاء) أنها غير واجبة، والصحيح من مذهبه ما ذكره في (الأم) من وجوبها.
وفي محل القرآة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن محلها هو آخر الخطبة الأولى دون الثانية، وهذا هو المحكي عن السيد أبي طالب، وهو المذكور في (الإيضاح) عن الشافعي.
القول الثاني: أن محلها في كل واحدةٍ من الخطبتين لأن كل ما كان واجباً في إحدى الخطبتين فهو واجب في الأخرى، وهذا محكي عن بعض أصحاب الشافعي.
القول الثالث: أن محلها إحدى الخطبتين لا على جهة التعيين. وهذا أيضاً مذكور عن بعض أصحاب الشافعي.
والأمر في هذا قريب لكن الأولى ما قاله أبو طالب؛ لأن عمل الأئمة قد جرى عليه و((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)).
الحكم الثالث: الذكر للإمام المخطوب له مشروع، وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه رأيان:
الرأي الأول: أنه واجب، ذكره السيد أبو طالب. فيذكره إما بالتصريح، وإما بالكناية لأن عمل المسلمين قد جرى بذلك.
والرأي الثاني: أنه غير واجب. وهذا هو الذي ذكره المؤيد بالله.
قال المؤيد بالله: فالتولية هي الواجبة، وأما ذكر الإمام المخطوب له فلا أراه شرطاً في صحتها ولا أرى له تأثيراً.
__________
(1) رواه النسائي 3/110، وابن ماجة 1/351، وأحمد 5/107 بلفظ: كان يخطب قائماً ثم يجلس ثم يقوم ويقرأ ...إلخ.

(4/110)


وسئل عطاء عن ذكر الإمام فقال: إنه محدث.
وأما الدعاء للمسلمين وللإمام فهل يكون واجباً أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه واجب، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب، وهو محكي عن المزني من أصحاب الشافعي.
وثانيهما: أنه غير واجب؛ لأنه لا يجب في غير الخطبة فلا يجب في الخطبة.
وإن خطب بالناس رجل وصلى بهم آخر، فهل يجوز أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مجزي وهذا هو ظاهر المذهب، ومحكي عن أبي حنيفة والشافعي في الجديد.
ووجهه: أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة فأشبه الأذان وقد تقرر أنه يجوز أن يؤذن رجل ويصلي بالناس آخر.
وثانيهما: أن ذلك غير جائز وهو محكي عن الشافعي في القديم.
ووجهه: أن الخطبتين صارا عوضاً عن الركعتين فكما لا يجوز ذلك في الصلاة فهكذا الخطبتين.
والمختار: هو الأول، وإنما لم يجز ذلك في الصلاة لأن الشرط فيها الموالاة بخلاف الخطبة مع الصلاة.
الحكم الرابع: الحمد يتعين لفظه ولا يقوم غيره مقامه، والصلاة على النبي تتعين ولا يقوم غيرها مقامها، وأما الوعظ والتذكير فلا يتعين لفظهما لأن المقصود هو التخويف والتحذير. وأبواب المواعظ وإن اتسعت مسالكها فهي راجعة إلى الأمر بالطاعة والتحذير عن المعصية. والدعاء للمؤمنين والمؤمنات فلا يتعين لأن المقصود بالدعاء هو الفوز بالجنة والبعد عن النار. والمستحب ألا يقتصر في الدعاء على حظوظ الدنيا.
ويجب رفع الصوت بالخطبة لأن المقصود هو إسماع الحاضرين الوعظ والتذكير وسائر الأذكار ،وهذا لا يحصل بالإسرار فلهذا وجب اشتراط الجهر.
وأقل ما يجزي في الخطبة أن يقول الخطيب: الحمدلله والصلاة على رسول الله أطيعوا الله يرحمكم اللّه، ويقرأ آية.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يجزيه، سبحان الله ولا إله إلا اللّه.
وعن أبي يوسف ومحمد: أنه لا يجزيه حتى يأتي بكلام يسمى خطبة في العادة.
وعن مالك روايتان:
إحداهما: أن كل من سبح أو هلل أعاد ما لم يصل.
والثانية: أنه لا يجزيه إلا ما تسميه العرب خطبة.

(4/111)


والمختار: ما قاله أصحابنا من تلك الأنواع الأربعة.
والحجة على ما قلناه: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9]. ولم يبين كيفية الذكر، وكيفيته مأخوذة من فعل الرسول وقد روي عن الرسول أنه كان يأتي في الخطبة بجميع ما ذكرناه.
الحكم الخامس: ويستحب أن تكون الخطبة قريبة من الأفهام، بليغة في الوعظ، خلية من غريب الكلام ووحشيه، مؤداة على ترتيل، مائلة إلى القصر. لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول خطب يوماً فقال: ((الحمد لله نستعينه ونستنصره ونستهديه. ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى))(1).
وروي عن الرسول أنه خطب فقال: ((ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البَرُّ والفاجر.، والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، ألا وإن الخير بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر بحذافيره في النار، ألا فاعملوا وكونوا من الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)).
وروى جابر أن الرسول خطب يوم الجمعة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال على إثر ذلك، وعلا صوته واشتد غضبه واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) وأشار بالسبابة والوسطى ثم قال: ((إن أفضل الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ضياعاً أو عيالاً فإليَّ))(2)
__________
(1) أورده الشافعي في مسنده 1/67، وفي (الأم) 1/202.
(2) رواه مسلم، وللنسائي (زيادة): ((...وكل ضلالة في النار)).

(4/112)


والهدي بفتح الهاء وتسكين الدال: هي الطريقة. يقال: فلان حسن الهدي. أي: حسن الطرائق وحسن المذاهب. قاله الهروي في غريبه. والضياع بفتح الضاد: العيال. قال العتيبي: هو مصدر ضاع يضيع ضياعاً. فجاء بالمصدر نائباً عن الإسم كما جاء المصدر في قوله تعالى: {لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}[المائدة:95] نائباً عن الإسم. فأما من رواه بالكسر في الضاد فهو محتمل لمعنيين:
أحدهما: أن يكون جمعاً لضائع كجائع وجياع.
وثانيهما: أن يكون جمعاً لضيعة كقولك: حربة وحراب.
فهذه خطب الرسول مشتملة على ما ذكرناه.
الحكم السادس: ويجب أن يأتي بالخطبة بالعربية لأن الرسول والخلفاء بعده كانوا يخطبون بالعربية وقد قال الرسول : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فإن لم يوجد فيهم من يحسن العربية، أجزأهم ذلك لأجل العذر، ويجب أن يتعلم واحد منهم العربية.
ويستحب: تقصير الخطبة وتطويل الصلاة لما روي عن الرسول أنه قال: ((طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنَّة من فقهه))(1).
والمئنَّة: بهمزة ونون: القوة(2).
ويستحب: أن يخطب على شيء مرتفع كالمنبر والدرجة والحجر، لما روي عن الرسول أنه لما دخل المدينة خطب على جذع مستنداً إليه في المسجد ثم وُضع له منبر فصعده، وتحول إليه فحن الجذع حتى سمعه أهل المسجد فضمه فسكن(3)،
ولأنه أبلغ في الإعلام.
__________
(1) صحيح مسلم 2/594، وسنن البيهقي الكبرى 3/208.
(2) في هامش الأصل: المئنة: العلامة، قال الجوهري: وهم يروونها في الحديث والشعر بتشديد النون، وحقه عندي أن يقال: مئينة مثال معينة على فعيله، وكان أبو زيد يقول: مئتة بالتاء، أي مخلقة لذلك ومجدرة ومحرأة.
قال الأصمعي: سألني شعبة عن هذا؟ فقلت: مئنة، أي علامة لذلك وخليق لذاك. اهـ.
(3) أخرجه الترمذي 2/379، وابن أبي شيبة 6/319، وأحمد 1/249.

(4/113)


ويستحب: أن يكون المنبر ثلاث مراق من غير زيادة. ويكره أن يكون منيفاً عالياً لما روي أن منبره كان ثلاث مراق. وإنما كره علوه لمخالفته لمنبر رسول اللّه ، ولأن هذا دأب الظلمة وأهل الجور.
ويستحب: أن يكون المنبر عن يمين المحراب وهو الموضع الذي يكون عن يمين الإمام إذا توجه للقبلة لأن الرسول وضع منبره على هذه الصفة.
ويستحب للإمام، إذا دخل المسجد: أن يسلم على الناس عند دخوله فإذا بلغ المنبر صلى ركعتين تحية المسجد، لما روي عن الرسول أنه قال: ((لكل شيء تحية وتحية المسجد ركعتان))(1)
ثم يصعد فإذا بلغ الدرجة التي يستريح بالقعود عليها التفت إلى الناس، وهل يسلم عليهم أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يسلم لما روي أن الرسول كان يسلم على من عند المنبر ثم يصعد فإذا استقبل الناس بوجهه سلم أيضاً.
وثانيهما: أنه لا يسلم ويكره السلام. وهذا هو المحكي عن مالك، وأبي حنيفة. لأنه قد سلم عند دخوله فلا معنى لإعادته.
الحكم السابع: والمختار: أنه إذا صعد المنبر التفت إلى الناس بوجهه ثم يقعد للإستراحة من طلوع المنبر من غير سلام ثم يؤذن المؤذن فإذا فرغ من أذانه قام للخطبة ثم يسلم على الناس قبل الخطبة لما روي عن الرسول أنه قال: ((السلام قبل الكلام))(2).
ولا يغنيه السلام الأول عند دخوله المسجد لما روي أن أصحاب رسول اللّه كانوا إذا مروا في طريق تَحُولُ بين بعضهم وبين بعضٍ شجرة سلم بعضهم على بعض، ولأن الأول سلام لأجل الملاقاة والمخالطة، والثاني سلام لأجل الكلام والمخاطبة، فأحدهما مخالف للآخر، ثم يؤذن المؤذن في حال قعوده فإذا فرغ من أذانه قام لخطبته.
ويستحب: أن يكون المؤذن واحداً لما روي عن الرسول أنه لم يكن يؤذن له يوم الجمعة إلا واحد.
__________
(1) تقدم.
(2) رواه الترمذي 5/59، وأبو يعلى في مسنده 4/48.

(4/114)


ويستحب: أن يعتمد عند اشتغاله بالخطبة على قوس أو سيف أو عكاز أو عصى، لما روى الحكم بن حزن(1)
أن الرسول اعتمد على قوس في خطبته(2)،
ولأنه أسكن لجأشِهِ وأثبت لقلبه عن الإنزعاج والفشل والطيش، فإن لم يكن له شيء من ذلك سكن نفسه إما بأن يضع يمينه على شماله، وإما بأن يرسل يديه لئلا يعبث بهما في تنقية أنفه ومسح لحيته، وإما بأن يضع يديه على جانبي المنبر ويخطب خطبتين على ما مضى تقريره.
الحكم الثامن: ويستحب أن يقبل على الناس بوجهه ولا يستدبرهم، فإن خالف واستقبل القبلة مستدبراً للناس لم يكن مجزياً، لأن الغرض هو خطابهم بالخطبة، وهذا إنما يتأتى مع الإستقبال دون الاستدبار.
وحكي عن الشافعي: جواز ذلك. لكنه يكون مخالفاً للسنة.
وهل يحول وجهه في أثناء الخطبة يميناً وشمالاً أم لا؟ فيه وجهان:
__________
(1) قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب)2/365: الحكم بن حزن الكلفي. حزن في (التقريب) بفتح [الحاء] المهملة وسكون الزاي، والكلفي في (لب اللباب) بضم الكاف وفتح اللام ثم فاء، بطن من تميم.
قال البخاري يقال: كلفة. من تميم، وفد على النبي ، روى عنه شعيب بن رزيق الطائفي، له عند أبي داود حديث واحد في خطبة الجمعة.
قلت: وقال الحازمي: الصحيح أنه منسوب إلى كلفة بن عوف بن نصر بن معاوية يعني ابن بكر بن هوازن، كذا ذكره غير واحد.
قلت: منهم خليفة وأبو عبيد والبرقي. وقال مسلم في (الوحدان): تفرد عنه شعيب.
(2) عن الحكم بن حزن -بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي ثم نون- الكُلَفي-بضم الكاف وفتح اللام ثم فاء- قال: وفدت إلى رسول الله سابع سبعة أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه فقلنا: يا رسول الله زرناك فادع الله لنا بخير، إلى أن قال: وشهدنا معه الجمعة فقام متوكئاً على عصا أو قوس... إلى آخره، اخرجه أبو داود وأورده ابن بهران في (تخريج البحر) 2/18 وابن حجر في (بلوغ المرام) صفحة 81 بالرقم 376، وهو في (نيل الأوطار)1/268.

(4/115)


أحدهما: المنع من ذلك. وهذا هو المحكي عن الشافعي.
ووجهه: أن المقصود هو سماع الناس وهذا يحصل مع استقبالهم بوجهه فلا وجه للتحويل.
وثانيهما: استحباب ذلك. كالأذان، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة.
والمختار: ما قاله أبو حنيفة، لأن المقصود إعلامهم، فلهذا استحب التحويل ليكون الإعلام شاملاً للجانبين.
وإن ارتج على الإمام في الخطبة فتعذر عليه الكلام؛ فالمستحب تلقينه والفتح عليه، لما روي عن الرسول أنه قرأ سورة هود في الصلاة فالتبس عليه آية فركع فلما فرغ قال: ((أليس فيكم أُبيٌّ))؟ قالوا: بلى. فقال: ((هلا رددت عليَّ))(1).
قال: إني ما كان الله ليراني وأنا أردُّ على رسول اللّه ، وروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: إذا استطعمكم الإمام فأطعموه. أراد: يفتح عليه.
الحكم التاسع: وهل يجوز شرب الماء البارد في حال الخطبة لتسكين العطش أو للتبرد؟
فحكي عن الشافعي: جوازه.
وقال مالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل: لا يجوز ذلك. حتى قال الأوزاعي: إن فعل ذلك بطلت جمعته.
والمختار: جوازه.
والحجة على ذلك: هو أن الكلام غير مبطل لها فهكذا شرب الماء. والجامع بينهما: أنه فعل مباح فإذا لم يكن الكلام مبطلاً لها فهكذا شرب الماء.
فإن قرأ سجدة في خطبته فنزل فسجد جاز ذلك، لما روي عن عمر أنه فعل ذلك، وإن تركها جاز ذلك أيضاً لما روي أن عمر قرأ السجدة في الجمعة الثانية فتهيأ الناس للسجود فقال: أيها الناس على رسلكم فإن الله لم يكتبها علينا. ولم يسجد.
والقعدة التي بين الخطبتين تكون مقدار قدر سورة الإخلاص.
فإذا فرغ من الخطبة الثانية نزل وابتدأ المؤذن الإقامة بحيث يوافق بلوغه المحراب الفراغ من الإقامة.
__________
(1) صحيح ابن حبان 6/13، وسنن البيهقي الكبرى 3/212.

(4/116)


الحكم العاشر: ويباح الكلام بعد خروج الإمام قبل أن يبتدئ بالخطبة على ظاهر المذهب، وهو محكي عن الشافعي ومالك وأبي يوسف، ومحمد. لأن هذا الوقت ليس فيه شغل عن سماع الموعظة فلهذا كان مباحاً.
وهل يجوز الكلام ما بين الخطبة والصلاة أم لا؟
فالظاهر على المذهب: جوازه لما روي عن الرسول : أنه كان إذا نزل عن المنبر والمؤذن يقيم للصلاة فيقوم له الرجل فيحدثه ثم يجيبه ثم يتقدم للصلاة. فلو كان مكروهاً لم يفعله.
وحكي عن أبي حنيفة: كراهة ذلك.
والحجة على هذا: ما روي أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يركعون حتى يصعد الرسول المنبر، فإذا صعد المنبر قطعوا الركوع، وكانوا يتكلمون حتى يبتدئ بالخطبة، فإذا ابتدأ بها قطعوا الكلام، ففيما فعلوه دلالة على ما قلناه من إباحة الكلام في الحالين اللذين ذكرناهما.
الحكم الحادي عشر: فإذا شرع الإمام في الخطبة فهل يجب الإنصات ويحرم الكلام أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب الإنصات ويحرم الكلام، وهذا هو المحكي عن الهادي والناصر وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، والقول القديم للشافعي.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أن رجلاً تكلم في حال الخطبة فقال الرسول : ((لا جمعة لك)) (1).
والحجة الثانية: روي أن رجلاً سأل أُبَيَّاً: متى نزلت هذه الآية؟ والإمام يخطب فقال له أُبَيُّ: ليس لك من صلاتك إلا ما لغوت. ثم سأل الرسول عن ذلك فقال: ((صدق أُبَيُّ)) (2).
المذهب الثاني: جواز الكلام الخفيف الذي لا يشغل عن سماع الخطبة، وهذا هو رأي القاسم ومحمد بن القاسم ومحمد بن يحيى، والقول الجديد للشافعي.
__________
(1) حكاه في (مجمع الزوائد) 2/185، ومصنف ابن أبي شيبة 1/458.
(2) رواه في (نيل الأوطار) 3/272 عن أبي الدرداء، وهو في (مجمع الزائد) 2/186، وسنن ابن ماجة 1/352، ومسند أحمد 2/393.

(4/117)


والحجة على هذا: ما روى أنس بن مالك: أن رجلاً دخل ورسول الله على المنبر يوم الجمعة فقال: يا رسول الله متى تكون الساعة؟ فأشار الناس إليه أن اسكت. فقال له رسول اللّه عند الثالثة: ((ويحك ما أعددت لها))؟ فقال: ما أعددت لها شيئاً ولكني أحب الله ورسوله. فقال الرسول : ((أنت مع من أحببت))(1).
لو كان الكلام محرماً لأنكره الرسول ، فلما أجابه دل على جواز ذلك.
والمختار: ما قاله الهادي والناصر ومن تابعهما من منع الكلام وحظره في حال الخطبة، قليله وكثيره.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا وهو قوله : ((إذا قلت أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)). فظاهر هذا الخبر دال على المنع من الكلام قليله وكثيره.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا}[الأعراف:204]. فأمر بالاستماع والإنصات ولا شك أن الكلام يبطل الاستماع والإنصات فلهذا كان ممنوعاً محرماً. وبه قال ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عمر، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: من رأيته يتكلم والإمام يخطب فاقرع رأسه بالعصى.
الحجة الثالثة: ولأنه ذكر جعل شرطاً في صحة الصلاة للجمعة فيجب أن يكون الكلام محرماً منهياً عنه كالإفتتاح والقراءة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روى أنس بن مالك أن رجلاً سأله في حال الخطبة: متى الساعة؟ فأجابه، فلو كان محظوراً لأنكره عليه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلعله كان يخطب في غير الجمعة، أو كان قبل الشروع في الخطبة، أو كان بعد الفراغ منها.
__________
(1) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 3/149، والبيهقي في (الكبرى) 3/221، وأحمد في مسنده 3/202.

(4/118)


وأما ثانياً: فلأن هذا الخبر يعارضه ما ذكرناه من الأخبار الدالة على المنع من الكلام وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن أخبارنا أقوى وأشهر، ولأنها دالة على الخطر، وهذا الخبر يدل على الإباحة، وما دل على الحظر أحق بالقبول لما فيه من الإحتياط للدين.
ومن وجه آخر: وهو أن الإجماع منعقد على تحريم الكلام الكثير والمنع منه لأنه يضاد الاستماع والإنصات اللذين أمر بهما فيجب أن يكون ممنوعاً، ولا شك أن الكلام اليسير يدعو إلى الكثير وليس هناك مانع فلو سوغنا الكلام القليل لدعا إلى الكثير خاصة والنفوس مولعة بكثرة الكلام في أكثر الأحوال، ولكان في ذلك إبطال الغرض من سماع الموعظة والذكر، فلهذا كان المنع منه هو الأوجه ليقع الإنتفاع بسماع الخطبة والإقبال إليها.
ومن وجه آخر: وهو أن الكلام الخفي الذي لا يدرك يشغل عن سماع الخطبة فكيف حال الكلام الخفيف الذي يدرك؟ هو لا محالة اشغل للقلب وأبعد عن سماع الوعظ والتذكير كما قررناه.
وقد نجز غرضنا من الكلام في الأحكام المتعلقة بالخطبة ونرجع الآن إلى التفريع.
الفرع الخامس: فإذا فرغ الإمام من الخطبة نزل وصلى الجمعة ركعتين. ولا خلاف أن فرض الجمعة ركعتين مع الخطبتين وهو نقل الخلف عن السلف وفعله الخلفاء الراشدون والأئمة السابقون، واختلف العلماء فيما [هو] المستحب من القرآءة فيهما على أقوال أربعة:
القول الأول: أن المستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة ((الجمعة))، وفي الثانية بسورة ((المنافقون))، وهذا هو المحكي عن القاسم والهادي والناصر والشافعي، لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول كان يقرأ بهما في صلاة الجمعة، وعن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه كان يقرأ بهما في صلاة الجمعة.
القول الثاني: محكي عن مالك: أنه يقرأ في الأولى بسورة ((الجمعة))، وفي الثانية بسورة ((الغاشية)).
القول الثالث: مروي عن أبي حنيفة وأصحابه: أنه يقرأ بما شاء من القرآن ولا تعيين هناك.

(4/119)


القول الرابع: محكي عن زيد بن علي: أنه يقرأ في الأولى بـ((حم السجدة)) وفي الثانية بـ((هل أتى على الإنسان)).
والمختار: أن الجواز حاصل في جميع القرآن، ولكن الكلام إنما هو في الأفضل، فالأفضل ما فعله الرسول وأمير المؤمنين كرم الله وجهه، فإن قرأ غيرهما من القرآن أجزأ، لما روى سمرة بن جندب: أن الرسول قرأ في الأولى بـ((سبح اسم ربك الأعلى))، وفي الثانية بسورة ((الغاشية))، وفي هذا دلالة على الجواز كما ذكرناه.
والجهر بالقرآءة في صلاة الجمعة هو السنة، وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة، وهو معمول عليه عند السلف والخلف.
وروي عن بعض التابعين أنها تكون سراراً محتجاً بما روي عن الرسول أنه قال: ((صلاة النهار عَجْماء))(1).
فإن ظاهره غير معمول عليه لأن صلاة الفجر من صلاة النهار وهي مجهور بها، وإنما أراد أن الأكثر من صلاة النهار عَجماء.
فهذا ما أردنا ذكره في شروط الجمعة.
__________
(1) تقدم في الصلاة، وقد رواه عبد الرزاق في المصنف 2/493، وابن أبي شيبة في مصنفه 1/320، وابن عبد البر في (التمهيد) 3/310.

(4/120)


---
الفصل الثالث في بيان هيئة الجمعة
وهي من جملة الصلوات المفروضة لكنها تختص بسنن وآداب نفصلها ونشرحها كالغسل واللباس والتزيُّن وغير ذلك من السنن.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الغسل سنة ومشروع.
والحجة على هذا: قوله : ((من توضأ يوم الجمعة فبِهَا ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل. ))(1).
فجعل الغسل في يوم الجمعة أفضل، فدل على أنه غير واجب، ومعنى قوله: ((فبها ونعمت)). أي: فبالفريضة أخذ ونعمت الخلَّة الفريضة.
وحكي عن أبي عبيد الهروي عن الأصمعي أنه قال: فبالسنة أخذ ونعمت الفضيلة السنة.
وقال بعضهم: فبالرخصة أخذ ونعمت. لما فيها من تخفيف التكليف.
الحجة الثانية: ما روى عثمان بن عفان: أنه دخل المسجد وعمر يخطب على المنبر فقال: أي ساعة هذه؟ فقال عثمان: كنت في السوق فلم أشعر أن سمعت النداء فما زدت على أن توضأت وجئت. فقال عمر: والوضوء أيضاً. وقد علمت أن رسول اللّه كان يأمر بالغسل. فأقره عمر على ترك الغسل بمحضر من الصحابة، ولو كان واجباً لم يجز تركه، ولم يُقره عليه.
وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه غير واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، وهو محكي عن أكثر الفقهاء.
والحجة على هذا: قوله : ((من غَسَّل واغتسل وبكَّر وابتكر ولم يرفث خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) (2).
__________
(1) أخرجه الترمذي 2/369، والبيهقي في (الكبرى)1/295، وأبو داود1/97، والنسائي3/94.
(2) رواه البيهقي في (السنن الصغرى) 1/379، وعبد الرزاق في (المصنف) 3/260، والطبراني في (الكبير) 1/214.

(4/121)


ومعنى قوله: بكَّر إلى صلاة الصبح، وابتكر: راح إلى الجمعة في الساعة الأولى لما فيه من الفضل كما سنقرره، وإنما قال: ((ابتكر)). مبالغة في اللفظ لما فيه من أعمال الجوارح في المسير إلى الجامع أو إلى الجبان بخلاف قوله: ((بكر)). فإنه ليس فيه مشقة في الخروج للصلاة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ }[البقرة:286]. فظاهره دال: على أن الله يجزي على الفعل الخير بأدنى ملابسة، ولا يجزي على الشر إلا بأعمال الجوارح وإتعابها في المعصية، ومعنى قوله: ((غَسَّل واغتسل)). ففي قوله: ((غَسَّل)). روايتان:
الأولى: بالتخفيف. ومعناه: غَسَلَ أعضاء الوضوء وغسل جميع البدن.
الثانية: بالتثقيل. ومعناه: غَسَّل غيره واغتسل، وفيه إشارة إلى استحباب الوطء في يوم الجمعة؛ لما فيه من إيجاب الغسل على الغير.
المذهب الثاني: أن الغسل واجب، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري، وداود وطبقته من أهل الظاهر.
والحجة على هذا: ما روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)) (1).
وقوله : ((حق على كل مسلم أن يغتسل في كل ثمانية أيام يوماً)) (2).
والمختار: ما عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة [من أن الغسل غير واجب].
وحجتهم: ما ذكرناه.
__________
(1) أخرجه البخاري 1/300،305، وابن حبان 4/28،29، والبيهقي في (الكبرى) 1/293، وأبو داود في سننه 1/94، والنسائي في (المجتبى) 3/93.
(2) أخرجه البخاري 1/305، وابن حبان 4/33،35، ومسلم2/582، والبيهقي في (الكبرى) 3/188، وكلها بلفظ: ((...في كل سبعة أيام...)).

(4/122)


ونزيد هاهنا: وهو ما رواه أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، عن الرسول أنه قال: ((من اغتسل يوم الجمعة واستن واستاك ولبس أجدَّ ما يجد من الثياب وخرج ولم يتخط رقاب الناس وركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإمام كان كفارة ما بين تلك الجمعة إلى الجمعة قبلها))(1).
ووجه الدلالة في الخبر: وهو أنه عطف على الغسل هذه الأشياء المسنونة ومن حق المعطوف أن يشارك المعطوف عليه في حكمه، فإذا كان المعطوف مسنوناً كان المعطوف عليه مثله في السنة حتى يتسق الكلام ويتناسب.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((حق على كل مسلم أن يغتسل في كل ثمانية أيام يوماً )).
قلنا: ليس في الخبر إلا ذكر الحق، والحق كما يكون واجباً فقد يكون سنة. فإذن لا دلالة في ظاهر الخبر.
قالو: روي عن الرسول أنه قال: ((غسل الجمعة واجب على كل مسلم )).
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الواجب لفظ مشترك بين وجوب الاختيار ووجوب الإلزام.
ونعني بوجوب الاختيار: أن الفعل واجب عند توفر الداعية إليه لا يجوز تخلفه.
ونعني بالإلزام: أنه يستحق الذم على تركه إما بالعقل، وإما بالشرع، فلعل الرسول أراد وجوب الاختيار لا وجوب الإلزام.
وأما ثانياً: فلأنا نعارض ما ذكروه بالأخبار التي رويناها، وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح، ولا شك أن أخبارنا مشهورة ظاهرة، فلهذا كان العمل عليها أرجح.
الفرع الثاني: الغسل يوم الجمعة، هل يسن لليوم أو للصلاة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يسن للصلاة لقوله : ((من جاء منكم فليغتسل ))(2).
فعلى هذا لا يسن الغسل لمن لا يأتي الجمعة لعذر أو لغير عذر.
__________
(1) روي الحديث عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، أخرجه ابن حبان في صحيحه 7/14، والحاكم في (المستدرك) 1/419، والبيهقي في (الكبرى) 3/243، وفي (الصغرى) 1/379.
(2) أخرجه الستة عن ابن عمر بلفظ: ((من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل)).

(4/123)


وثانيهما: أنه يسن لليوم لقوله : ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم )). فعلقه باليوم، وعلى هذا يسن لمن يحضر الصلاة ولمن لا يحضرها.
والمختار: أنه يسن لهما جميعاً ونجمع بين الأخبار في الدلالة ثم نحتمل أن يكون كل واحد منهما مقصوداً، فإن اغتسل يوم الجمعة ولم يصلّ كان موافقاً للسنة، وإن اغتسل قبل طلوع الفجر للصلاة كان موافقاً للسنة، وإن اغتسل يوم الجمعة للصلاة كان مطابقاً للسنة.
ويجوز أن يكون أحدهما مقصوداً والآخر تابعاً، فيحتمل أن يكون المقصود هو الصلاة واليوم تابع، ويحتمل أن يكون المقصود هو اليوم والصلاة تابعة.
والحجة على هذا: هو أن الأخبار قد دلت على تعليق السنة باليوم تارة وبالصلاة مرةً أخرى فلا جرم جمعنا بين الأخبار، وقلنا: إن السنة متعلقة بهما جميعاً على هذا التنزيل الذي ذكرناه والاحتمال الذي وجهناه، فإن اغتسل بعد الفجر وراح إلى الجمعة عقيبه فقد أتى بالأفضل، وإن لم يرح عقيبه أجزأه ذلك.
وحكي عن مالك: أنه لا يجزيه.
والحجة على ذلك: قوله : ((من توضأ يوم الجمعة فبِهَا ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل)). ولم يفرق بين أن يروح عقيبه أو لا يروح.
وإن كان جنباً يوم الجمعة فاغتسل غسلين غسلاً من الجنابة وغسلاً ليوم الجمعة فقد أتى بالأفضل لما روي عن الرسول أنه طاف على نسائه في ليلة واحدة فاغتسل لكل وطءٍ غسلاً فقيل له: ألم يكن غسل واحد كافياً؟ قال: ((بلى. ولكن هذا أطيب وأطهر ))(1).
فإذا كانت الغسلات الواجبة مع اتفاقها في الوجوب لم تتداخل فهكذا حال الفرض والسنة لا يتداخلان أحق وأولى لاختلافهما.
وإن اغتسل غسلاً واحداً عنهما أجزأه إذا نواه عنهما، لما روى نافع عن ابن عمر أنه كان يغتسل يوم الجمعة غسلاً واحداً عن الجنابة والجمعة، ولأنهما غسلان ترادفا فأجزأه عنهما غسل واحد كما لو كان على المرأة غسل جنابة وغسل حيض.
__________
(1) رواه البيهقي في (الكبرى) 1/204، وابن ماجة 1/194، وأحمد 6/391.

(4/124)


وإن اغتسل عن الجنابة في يوم الجمعة ولم ينو الجمعة أجزأ عن الجنابة. وهل يجزيه عن الجمعة؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يجزيه لأنه لم ينوه. والأعمال بالنيات.
وإن اغتسل ونوى الغسل للجمعة ولم ينو الجنابة التي عليه لم يجزه عن الجنابة لأنه لم ينوه. وهل يجزيه عن الجمعة؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يجزيه لأن غسل يوم الجمعة غير واقع مع تحقق الجنابة.
وإن اغتسل بنية الجمعة وكان يوم عيد حصل له غسل العيد والجمعة جميعاً، وإن إغتسل بنية العيد وكان يوم جمعة حصل له العيد والجمعة معاً، لأنهما غسلان للنفل فتداخلا بخلاف الجمعة والجنابة فإنهما لا يتداخلان.
فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا: أن الغسلين من الفرض يتداخلان في النية كما لو كان على المرأة غسل حيض وغسل جنابة فإن نية أحدهما تجزي عن نية الآخر وإن لم ينوه؛ لأن الفرضية تجمعهما. وأن الغسلين من النفل يتداخلان أيضاً كما لو غسل عن العيد في يوم الجمعة أجزأه عن الجمعة وإن لم ينوه. أو غسل عن الجمعة في يوم العيد أجزأه عن العيد وإن لم ينوه، لأن النفلية تجمعهما، فلهذا كان مجزياً.
فأما الفرض فلا يدخل تحت النفل كما لو غسل بنية الجمعة لم يجزه عن الجنابة، وهكذا فإن النفل لا يدخل في الفرض كما لو غسل عن الجنابة لم يجزه عن الجمعة لإختلافهما.
الفرع الثالث: ويستحب مع الغسل يوم الجمعة أن يفعل أموراً ثمانية:
أولها: إزالة الشعور: حلق العانة ونتف الإبط.
وثانيها: تقليم الأظفار. وفي الحديث: ((يطلب أحدكم خبر السماء وأظفاره كمخالب الطير )) (1).
وأراد بخبر السماء: إدراك العلوم الدينية فإنها من أخبار السماء. ولم يرد من جهته وقت في تقليمها مخصوص، ولا ورد كيفية تقليمها لا من جهة الله تعالى ولا من جهة رسوله، ولكن المقصود إزالتها على أي وجه كان.
__________
(1) رواه أحمد في (المسند) 5/414، وهو في (مجمع الزوائد) 5/168.

(4/125)


وثالثها: السواك. فقد ورد فيه من الفضل ما أوردناه في الطهارات فأغنى عن الإعادة.
ورابعها: إزالة الروائح الكريهة باحتمال الطيب.
وخامسها: لبس أحسن ثيابه إذا وجدها.
وسادسها: ألا يتخطى رقاب الناس لما فيه من الأذية للمسلمين الحاضرين للجمعة.
وسابعها: أن يركع ركعتين تحية المسجد.
وثامنها: الإنصات. لما روي عن الرسول أنه قال: ((من اغتسل يوم الجمعة واستن - وعنى بالإستنان: إزالة الشعور- واستاك ولبس أحسن ما يجد من ثيابه وخرج ولم يتخط رقاب الناس وركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة لما بين تلك الجمعة إلى الجمعة قبلها))(1).
قال أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام لأن الله تعالى يقول: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}[الأنعام:160]. وروي عن الرسول أنه قال في يوم الجمعة: ((يا معاشر المسلمين إن هذا اليوم جعله الله عيداً لجميع المسلمين فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمسه)) (2).
وفي حديث آخر: ((ومن لا يجد طيباً يلتمس من قارورة أهله)). وفي حديث آخر: ((إذا عرض على أحدكم الطيب فليحتمله فإنه خفيف المؤنة طيب الرائحة)) (3).
__________
(1) وعن سلمان قال: قال رسول الله : ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور ويدهن من دهن ويمس من طيب بيته، ثم يخرج ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) أخرجه البخاري، وللنسائي نحوه أو قريب منه. اهـ. من (تخريج أحاديث البحر) 2/21.
(2) رواه ابو هريرة وأخرجه البيهقي في (الكبرى) 3/243، والشافعي في مسنده 1/63، وهو في موطأ مالك 1/65، ومصنف ابن أبي شيبة 1/435، ومصنف عبد الرزاق 3/197.
(3) رواه أبو هريرة بلفظ: ((من عُرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة)) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود. هكذا أورده الشوكاني في (نيل الأوطار) 1/148.

(4/126)


الفرع الرابع: ويستحب ذلك للعبيد والصبيان إذا أرادوا حضور الجمعة، ويستحب للنساء التنظف بالغسل ونحو ذلك، ويكره لهن لباس الشهرة من الثياب والطيب لأن ذلك يؤدي إلى الإفتتان بهن هذا إذا سوغنا لهن حضور الجمعة، فأما إذا منعناهن لأجل الفتنة بهن فلا وجه لذلك.
ويستحب أن يلبس من الثياب البيض لقوله : ((البسوا البياض فإنه خير ثيابكم ))(1).
لأن البياض كان أكثر لباس رسول اللّه وكُفِّنَ في ثلاثة أثواب[بيض] (2)،
ولم ينقل أنه لبس السواد إلا في فتح مكة فإنه دخلها وعليه عمامة سوداء. فإن لم يجد البياض فعصب اليمن. وعصب اليمن: هي هذه الأبراد التي فيها الخطوط التي يصبغ غزلها ثم ينسج، والغزل: هو العصب بالعين والصاد المهملتين. والغَزَّال: هو العصاب الذي ينسج العصب ويبيعه.
ويكره لبس الثياب المصبوغة بالورس والزعفران والعصفر، لما روي أن الرسول رأى رجلاً عليه ثوب مصبوغ بالحمرة فقال له: ((لو وضعت هذا في تنور أهلك لكان خيراً لك)) لأنها من ثياب النساء. ولا يكره ما صبغ بالزرقة والفَّوة والنقم لأنه لا زينة فيها، وقد شرحناه في لباس المصلي.
ويستحب أن يرتدي ويعتم لأن الرسول كان يفعل ذاك، وروي عن الرسول أنه قال: ((العمائم تيجان العرب ))(3).
__________
(1) رواه ابن عباس، واخرجه أبو داود والترمذي. وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله : ((البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم)) أخرجه الترمذي والنسائي. اهـ (تخريج أحاديث البحر) 2/22.
(2) وهو في الصحيحين كما جاء في حاشية الأصل.
(3) ذكره في (مسند الشهاب) 1/75، و(تحفة الأحوذي) 5/339، و(فيض القدير) 4/392، وجاء في (الجواهر)2/22: عن أبي المليح قال: قال رسول الله : ((اعتموا تزدادوا حلماً)) وقال: قال لي علي : (العمائم تيجان العرب)) أخرجه أبو داود.

(4/127)


لأن لبس التاج من عادة ملوك العجم، وروي عن الرسول أنه قال: ((اعتموا تزدادوا حلماً ))(1).
وعن الرسول : أن الملائكة تكتب أصحاب العمائم.
ويستحب للإمام من هذه الأمور أكثر مما يستحب لغيره لأنه القدوة وعليه العمدة في الإقتداء.
الفرع الخامس: يستحب التبكير إلى الجمعة لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب شاة)) وفي حديث آخر: ((كبشاً أقرن)) ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)) (2).
وروى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الأول فالأول فإذا خرج الإمام طويت الصحف)) (3).
ومن أين يكون تعيين هذه الساعات؟ فيه تردد.
والمختار: أن تعيينها يكون من طلوع الفجر لأنه أول اليوم، لأن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، اليوم إثنتا عشرة ساعة، والليلة إثنتا عشرة ساعة.
سؤال: أمر الله بالسعي بعد النداء بقوله: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا}[الجمعة:9]. وهو بعد الزوال فكيف ورد الاستحباب بالسعي قبل الزوال؟
وجوابه: أن السعي المأمور به بعد الزوال هو الواجب، وذلك لا يمنع استحباب السعي قبل الزوال لأن الوجوب لا يضاد الاستحباب.
__________
(1) أخرجه الحاكم في (المستدرك) 4/214، وهو في (مجمع الزوائد) 5/119، وفي (المعجم الكبير) 1/194، و(فتح الباري) 10/273.
(2) رواه الجماعة إلاَّ ابن ماجة.
(3) رواه البخاري ومسلم وابن ماجة في سننه 1/347، والنسائي 3/98، والبيهقي في (الكبرى) 3/226. وقال في (الجواهر): أخرجه الستة بروايات متقاربة. اهـ 2/22.

(4/128)


ويستحب: أن يمشي إلى الجمعة وعليه السكينة والوقار، ولا يركب من غير عذر، لما روى أوس بن أوس " (1)
عن الرسول أنه قال: ((من غَسَّلَ واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنى من الإمام فاستمع ولم يلغُ كان له بكل خطوة أجر عمل سنة صيامها وقيامها)) (2).
فإن كان عاجزاً عن المشي لم يكره له الركوب لأنه معذور في الركوب كما عذر في ترك القيام في الصلاة فهاهنا أحق وأولى.
ويستحب إذا بلغ باب المسجد، أن يصلي على الرسول ويقول: اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك وأقرب من تقرب إليك وألحح من طلب إليك.
الفرع السادس: ويكره التخطي لرقاب الناس في يوم الجمعة إلا للإمام لأنه معذور لأنه لا بد له من المحراب والمنبر الذي يصعد فوقه، ولما روي عن الرسول : أنه خرج يتهادى بين اثنين من مرضه حتى دخل المحراب.
وإن جلس رجل في موضع لم يجز لغيره أن يقيمه منه، لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن يقول: تفسحوا وتوسعوا)) (3).
__________
(1) أوس بن أوس الثقفي الصحابي، له تراجم في (الجرح والتعديل) 2/303 و(تهذيب التهذيب) 1/333، و(الإصابة) 1/143 وغيرها، وملخصها: روى عنه النعمان بن سالم وغيره، روى عن النبي في فضل الاغتسال يوم الجمعة، وعنه أبو الأشعث الصنعاني، وأبو أسماء الرحبي وجماعة، روى له أصحاب السنن الأربعة أحاديث صحيحة، سكن دمشق ومات بها.
(2) أخرجه الحاكم في (المستدرك) 1/418، وأبو داود 1/95، والنسائي 3/95، وابن ماجة 1/346، واحمد في (المسند) 4/9.
(3) رواه أحمد 2/16، ومسلم 4/1414، عن جابر بلفظ: ((لا يقيمنَّ أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول: افسحوا)) وفي رواية: ((... ثم يخالفه إلى مقعده)).

(4/129)


فإن قام الجالس وأجلس غيره لم يكره له أن يجلس فيه، فأما القائم عنه فإن تقدم إلى موضع أقرب إلى الإمام لم يكره له ذلك، وإن كان أبعد من الإمام كره له ذلك، لأنه آثر غيره بالقربة دون نفسه.
وإن أمر غلامه أن يحوز له موضعاً يوم الجمعة فإذا جاء السيد تنحى الغلام عنه جاز ذلك، لما روي أن ابن سيرين كان يفعل ذلك.
وإن وجد ثوباً مفروشاً للصلاة لرجل في المسجد لم يجز له أن يجلس عليه، لأنه لا يجوز الإنتفاع بمال الغير من غير إذنه من غير ضرورة، ولا يرفعه عن مكانه لئلا يلزمه ضمانه، لكن ينحيه.
ويستحب إذا غشيه النعاس أن يقوم من موضعه إلى موضع آخر، لما روي عن رسول اللّه أنه قال: ((إذا نعس أحدكم في مجلسه فليتحول إلى غيره ))(1).
ولا يشبك بين أصابعه لأن ذلك مكروه في الصلاة، وما دام ينتظر الصلاة في الجمعة فهو في الصلاة، فلهذا كره الشبك في الجمعة.
ويستحب أن يقرأ سورة الكهف، لما روي عن الرسول أنه قال: ((من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أو يومها وُقِيَ فتنة الدجال)). وفي حديث آخر: ((من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة غفر الله له ما بين الجمعة إلى الجمعة ))(2).
__________
(1) رواه أحمد والترمذي عن ابن عمر وصححه، وأبو داود وابن حبان في صحيحه عن إسحاق.
(2) وفي (الجواهر) 2/24: عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: ((من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين)) رواه النسائي والبيهقي مرفوعاً، والحاكم مرفوعاً وموقوفاً، ورواه الدارمي موقوفاً على أبي سعيد ولفظه: ((من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق)).

(4/130)


ويستحب أن يكثر من الصلاة على الرسول في يوم الجمعة وليلتها، لما روي عن الرسول أنه قال: ((أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة فإني أسمع وأبلغ ))(1).
وفي حديث آخر: ((إن أقربكم إليَّ في الجنة أكثركم عليَّ صلاة فأكثروا من الصلاة عليَّ في الليلة الغراء واليوم الأزهر)) (2). يعني: ليلة الجمعة ويومها.
وتكره الحُبوة(3) والإمام يخطب في الجمعة، لما روى سهل بن معاذ (4)
عن أبيه عن رسول اللّه : أنه نهى عن الحُبوة في يوم الجمعة والإمام يخطب(5).
رواه الترمذي واستحسنه، وروي عن ابن عمر: جواز الحُبوة. والأول أقوى لما ذكرنا من الحديث.
__________
(1) في الحديث روايات إحداها عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله : ((إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فاكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي)) فقالوا: يا رسول الله، كيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: يقول: بليت، قال : ((إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء)) ذكره النووي في (الأذكار) ونسبه إلى سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة.
(2) ذكره في (شعب الإيمان) 3/111 و(لسان الميزان) 4/456، و(الأم) للشافعي 1/208.
(3) جاء في (لسان العرب) ما لفظه: وقد احتبى بثوبه احتباءً، والإحتباء بالثوب: الاشتمال، والاسم: الحِبْوة والحُبْوة والحِبْيَة. اهـ 14/160.
(4) سهل بن معاذ بن أنس الجهني، روى عن أبيه، وعنه: الليث ويزيد بن أبي حبيب وفروة بن مجاهد، وصفه بعض رجال الحديث بالضعف (الجرح والتعديل) 4/203، وقال فيه آخرون بأنه من خيار أهل مصر، وكان ثبتاً، وإنما وقعت المناكير في أخباره من جهة زبان بن فائد (مشاهير علماء الأمصار) 1/140، وذكره ابن حبان في الثقات. (تهذيب التهذيب) 4/227.
(5) أخرجه أبو داود 1/290، والترمذي 2/390 في باب ما جاء في كراهية الاحتباء والإمام يخطب، وأحمد في (المسند) 3/439.

(4/131)


الفرع السابع: ويستحب: أن يصلي بعد الجمعة وقبلها ما كان يصلي في الظهر قبله وبعده لأنها عوض عن الظهر إذا تكاملت شروطها، ويجوز الكلام الخفيف إذا قعد الإمام بين الخطبتين كما لا يكره قبل خروجه للصلاة وعند نزوله عن المنبر قبل إنتهائه إلى المحراب كما ذكرناه من قبل.
وإن سلم رجل والإمام يخطب فهل يُرد السلام عليه أم لا؟ فيه تردد.
والمختار: أنه لا يسلم عليه لأن الرجل سلم في غير موضع سلام فلهذا لم يكن الجواب متوجهاً كما لو دخل وهم في الصلاة.
وإذا عرض ذكر الله تعالى بالتحميد والتعظيم وذكر صفاته الحسنى وذكر الرسول فإنه يكره أن يكثر اللغط بالتسبيح والتهليل لله تعالى، وذكر الصلاة على الرسول لأن ذلك كله يشغل الإمام عن الخطبة ويشغل المستمعين عن الإصغاء للسماع.
والمستحب أن يقولوا ذلك سراً من غير علو الأصوات به لما ذكرناه.
ويكره الحصب بالحصى لمن يتكلم في أثناء الخطبة لأنه ليس معهوداً، وروي عن ابن عمر أنه كان يحصب بالحصى من تكلم في الخطبة، ولا بأس بالإشارة بالسكوت إليه لأن الصحابة رضي الله عنهم أشاروا إلى الرجل الذي سأل عن الساعة، ولم ينكر الرسول إشارتهم.
ويستحب إذا شم رائحة من الطيب في امرأة ممن يجوز لها حضور الجمعة كالعجائز ومن لا رغبة للرجال فيهن، أن ينكر عليها، لما روي أن أبا هريرة رأى امرأة تفوح منها رائحة المسك، فقال لها: تطيبت للجمعة؟ فقالت: نعم. فقال لها: سمعت رسول اللّه يقول: ((أيما امرأة تطيبت للجمعة لم يقبل الله صلاتها حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل غسلها من الجنابة))(1).
الفرع الثامن: ومن دخل والإمام في صلاة الجمعة نظرت، فإن أدرك شيئاً من الخطبة ولو مقدار آية كان مدركاً للجمعة، عند أئمة العترة والفقهاء.
__________
(1) رواه أبو داود 4/79، والحميدي في مسنده 2/429.

(4/132)


والحجة على ذلك: هو أن الخطبتين بمنزلة الركعتين، فإذا أدرك شيئاً منها صار كأنه أدرك ركعة ولا خلاف فيه، فإن لم يدرك شيئاً من الخطبة فهل تكون جمعة له بإدراك ركعة من الصلاة، أو يكون ظهراً في حقه؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه إذا لم يدرك شيئاً من الخطبة صلاها ظهراً، وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن عمر بن الخطاب وعطاء وطاووس ومجاهد.
والحجة على هذا: ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: إنما جعلت الخطبتان مكان الركعتين فمن لم يدرك الخطبة صلاها أربعاً. ولم يرو خلافه عن أحد من الصحابة فجرى مجرى الإجماع في كونه حجة.
الحجة الثانية: هو أن المصلي لم يلحق شرطاً من شروطها فكان فرضه أن يصلي أربعاً كما لو لم يلحق الوقت أو لم يلحق الركعة الثانية من الجمعة.
المذهب الثاني: أنه يكون مدركاً، وإن لم يدرك شيئاً من الخطبة إذا أدرك ركعة منها ويتمها جمعة، وهذا هو رأي زيد بن علي، ومحكي عن ابن عمر وابن مسعود وأنس بن مالك من الصحابة رضي الله عنهم، والأوزاعي ومالك وأحمد بن حنبل والثوري، وهو رأي أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى ))(1).
الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدركها ، ومن أدرك دون الركعة صلاها ظهراً)) .
والمختار: ما قاله الإمام زيد بن علي ومن تابعه.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو أن المقصود من الجمعة إنما هو الصلاة فمن أدرك شيئاً منها فقد أدرك المقصود لأنها صلاة مفروضة فمن أدرك شيئاً منها فقد أدركها كالصلوات المفروضة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: الخطبتان بمنزلة الركعتين كما حكي عن عمر، ولا مخالف له من الصحابة.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) رواه النسائي وابن ماجة والدار قطني، واللفظ له عن ابن عمر رضي الله عنهما بزيادة: ((... وقد تمت صلاته)).

(4/133)


أما أولاً: فلأن هذا مذهب لعمر فلا حجة فيه لأنه كسائر المجتهدين، وإنما الحجة ما كان عن الله أو عن رسول اللّه .
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأخبار الدالة بصرائحها على ما ذهبنا إليه، فلا يمكن أن تعارض بمذاهب المجتهدين ولا بشيء من أنواع الأقيسة فلهذا وجب الإعتماد عليها.
قالوا: المصلي لم يلحق شرطاً من شروط الجمعة فكان فرضه أن يصلي أربعاً كما لو لم يلحق الوقت.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن هذا غير مقبول في مقابلة الأخبار الصريحة التي رويناها.
وأما ثانياً: فإنا نعارض هذه القياس بمثله فنقول: أدرك جزءاً من الصلاة فكان مدركاً لها كما لو أدرك ركعة من الظهر.
أو نقول: ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن إدراكه إدراكاً للصلاة كالأذان.
أو نقول: ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن فواته مخلاً بالصلاة كافتتاح الصلاة على رأي الهادي.
قالوا: المأموم ممن تنعقد به صلاة الجمعة فوجب أن يكون إدراك الخطبة شرطاً في حقه كالإمام.
قلنا: المعنى في الأصل: كون الإمام هو الخاطب بخلاف المأموم فإنه ليس خاطباً فلا جرم افترقا.
الفرع التاسع: ومن أدرك مع الإمام الركوع في الركعة الثانية فقد أدرك معه الجمعة، فإذا سلم الإمام قام المأموم وأضاف إليها ركعة أخرى وسلم، وإن أدركه بعد الركوع في الثانية فقد فاتته الجمعة، وما الذي يتوجه عليه في هذه الحالة؟ فيه أقوال أربعة:
القول الأول: أنه ينوي الظهر لأنه فرضه بعد بطلان جمعته، وهذا هو مذهب أئمة العترة، وأحد قولي الشافعي.
والحجة على هذا: قوله : ((من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدركها، ومن أدرك دون الركعة صلاها ظهراً)). فهذا نص فيما ذهبنا إليه.
القول الثاني: أنه يلزمه أن ينوي الجمعة لأن الإمام لم يسلم فلهذا كان لاحقاً به، وهذا أحد قولي الشافعي، ومحكي عن ابن عمر وابن مسعود وأنس بن مالك ومالك والأوزاعي.

(4/134)


والحجة على هذا: قوله : ((من أدركني فليكن على الحالة التي أنا عليها)) فمهما لم يسلم الإمام فهو مدرك للصلاة معه.
القول الثالث: محكي عن أبي حنيفة، وهو أنه إذا أحرم خلف الإمام في التشهد فإنه يكون مدركاً للجمعة، وهكذا لو أحرم خلف الإمام وهو في سجدتي السهو بعد السلام فإنه يكون مدركاً للجمعة.
والحجة على هذا: هو أن الإمام مهما كان في الصلاة أو فيما يكون تتمة للصلاة فإنه يتمها جمعة خلف الإمام.
القول الرابع: أنه لا يكون مدركاً للجمعة حتى يدرك الخطبة أو بعضاً منها، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن عمر، وقد ذكرناه من قبل فأغنى عن الإعادة.
والمختار: هو القول الأول، لأن الجمعة إنما تكون واجبة بتمام شروطها فإذا بطل شرط منها رجع إلى الظهر لأنه هو الأصل كما مر تقريره.
فإن أدرك المأموم مع الإمام ركعة من الجمعة فلما جلس الإمام للتشهد ذكر المأموم أنه ترك سجدة فإنه يسجدها ويتابع الإمام في التشهد فإذا سلم الإمام أتى بركعة وعلى هذا يكون مدركاً للجمعة.
فإن صلى الإمام الجمعة ثلاث ركعات ساهياً فدخل المأموم معه في الركعة الثالثة ولم يعلم أنها ثالثة فصلاها معه فإنه لا يكون مدركاً للجمعة لأن هذه الركعة ليست من الجمعة في شيء، وعلى هذا يقوم المأموم ويأتي بثلاث ركعات.
وإن أدرك المأموم الإمام راكعاً في الثانية ثم رفع الإمام رأسه من الركوع وشك المأموم هل أدرك معه الركوع الجائز(1)
أم لا. فإنه لا يكون مدركاً للجمعة بل يجب عليه أن يصلي الظهر أربعاً لأن الأصل هو عدم الإدراك.
وإن دخل المأموم مع الإمام ولم يدر أجمعة هي أم ظهراً فصلى معه ركعتين ونوى بما يصليه الإمام، فهل يجزيه ذلك أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجزيه ذلك؛ لأن الجمعة والظهر تختصان بوجه واحد، فإذا علق نيته بنية الإمام أجزأه ذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة.
__________
(1) يقصد: الواجب.

(4/135)


وثانيهما: أنه لا يجزيه لا عن الجمعة ولا عن الظهر، وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والمختار: هو الأول لما ذكرناه.
الفرع العاشر: وإذا وقع الازدحام في يوم الجمعة لكثرة الناس وازدحم المأموم عن السجود نظرت، فإن أمكنه السجود ففيه أقوال ثلاثة:
القول الأول: أنه يجوز له السجود على ظهر إنسان أو رأسه أو رجليه بحيث إذا سجد كان على هيئة الساجدين بأن يكون رأسه منخفضاً، وهذا هو الظاهر من المذهب، وهو قول الشافعي في الجديد، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
والحجة على هذا: ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه. ولا مخالف له في الصحابة، فجرى ذلك مجرى الإجماع في التصويب.
القول الثاني: أنه يكون بالخيار إن شاء سجد على ظهر إنسان أو على رأسه(1)
أو قدمه، وإن شاء صبر حتى يزول الزحام ثم يسجد على الأرض، وهذا هو قول الشافعي في القديم، ومحكي عن الحسن البصري.
والحجة على هذا: هو أن هذه الحالة حالة ضرورة لأجل الازدحام فلهذا رددنا الأمر إلى خيرته، فإن سجد على ظهر إنسان فهو معذور، وإن صبر حتى يمكنه السجود على الأرض فهو معذور في التأخر عن الإمام.
القول الثالث: أنه لا يجوز له السجود على ظهر إنسان ولا على قدميه بل يصبر حتى يسجد على الأرض وهذا هو قول مالك وعطاء والزهري.
والحجة على هذا: هو أن السجود على الأرض هو الواجب فلا يجوز تركه مع إمكانه لقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)). والإستطاعة هاهنا حاصلة بالصبر وليس فيه إلا التأخر عن الإمام وهو مغتفر للضرورة في الازدحام، وهو محكي عن الطبري من أصحاب الشافعي.
__________
(1) لا يبدو أن الازدحام يؤدي إلى أن يسجد الرجل على رأس مصلٍ آخر أمامه أو بجانبه.

(4/136)


وهذا هو المختار، ويدل عليه: أن متابعة الإمام واجبة، والسجود على الأرض واجب، فإذا انتظر بالسجود حتى يفرغ المكان بقيام الناس إلى الركعة الثانية ويقوم ويدرك الإمام في حال قيامه كان قد أتى بالأمرين جميعاً ووفَّى حق الفرضين، هذا كله إذا كان السجود ممكناً له، فإن كان لا يمكنه السجود على حالة أصلاً فإنه ينتظر زوال الزحام بكل حال، فإن زال وقد صار الإمام قائماً في الركعة الثانية فإن المأموم يسجد على الأرض ويتابع الإمام لأنه الواجب عليه لقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا)).
ويستحب للإمام: أن يرتل القرآءة ويطولها ليتبعه المزحوم في صلاته فإذا فرغ المزحوم من السجود وأدرك الإمام قائماً في الركعة الثانية تبعه، ولا كلام في هذا، وإن أدركه راكعاً في الثانية لزمه أن يركع مع الإمام ويمضي معه في تمام صلاته.
الفرع الحادي عشر: ويكره الدق بالسيف عند صعود الإمام على المنبر وهو بدعة لم ترد به السنة ولا فعله أحد من الخلفاء الراشدين ولا الأئمة السابقين، ولكن أخذ به المتأخرون بدعة وضلالة.
ويستحب الدعاء عند صعود المنبر وأن يقول عند صعوده: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم ارفع درجاتنا عندك يا أكرم الأكرمين. وبأي دعاء أحب أن يدعو دعا.
ويستحب للإمام أن يبسط كفيه عند الدعاء على المنبر لما روي عن الرسول أنه قال: ((سلوا الله ببطون أكفكم واستعيذوه بظهورها فإذا فرغتم من الدعاء فامسحوا بها وجوهكم فإن الله يتعالى إذا بسطتموها أن يردها صفراً)) (1).
ويكره رفع اليدين حتى يحاذيا الصدر لأن ذلك هو الإبتهال ولم يفعله الرسول إلا عند الاستسقاء.
والمستحب أن يبسط يديه على فخذيه، والتضرع أن يرفعهما قليلاً، والإبتهال أن يرفعهما حتى يحاذيا صدره.
__________
(1) رواه الحاكم في (المستدرك)1/719، وأبو داود2/78، وابن أبي شيبة في (المصنف)6/52.

(4/137)


ويستحب للإمام إذا فرغ من صلاة الجمعة، أن يتجوز بركعتين، واختلف العلماء في الصلاة قبل الجمعة وبعدها على أقوال خمسة حكاها الترمذي في صحيحه.
القول الأول: محكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه أمر أن يصلي قبل الجمعة ركعتين وبعدها أربعاً، وهذا لا يقوله إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن الباب باب عبادة فلا مساغ للإجتهاد فيه.
القول الثاني: حكاه ابن عمر، أن الرسول كان إذا انصرف من الجمعة صلى ركعتين في بيته، وبه يقول الشافعي وأحمد بن حنبل.
القول الثالث: محكي عن سالم عن عمر بن الخطاب قال: كان الرسول يصلي بعد الجمعة ركعتين ولم يذكر أنهما تكونان في البيت.
القول الرابع: عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه : ((من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً))(1).
القول الخامس: عن ابن مسعود قال: كان رسول اللّه يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً. فهذه الأقوال كلها حكاها الترمذي. قال: إنها صحيحة حسنة وكل واحد من هذه الأقوال قد ذهب [إليه] من ذهب من علماء التابعين واستقواه، وكلها معمول عليها.
وقد تم غرضنا من باب هيئة الجمعة وما يستحب فيها وما يكره والحمد لله رب العالمين
__________
(1) رواه الجماعة إلاَّ البخاري بلفظ: ((إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات)) وجاء الحديث كما أورده المؤلف في رواية مسلم.

(4/138)


---
الفصل الرابع في حكم صلاة الجمعة إذا اختل شرط من شروطها
اعلم أنا قد ذكرنا أن صلاة الجمعة مشروطة بأمور قد ذكرناها وأشرنا إلى أن الجمعة لا تصح إلا بها وبفعلها كالإمام والوقت والعدد والخطبتين، فإذا عرض في أحد هذه الشرائط ما يبطلها فهل تكون جمعة أو ظهراً؟ ف
يه تردد وخلاف. ونحن نشير إلى كل واحد من هذه الأمور بكلام مفرد بمعونة الله تعالى.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: وإذا نعي الإمام إلى الخاطب وقد ابتدأ الخطبة في يوم الجمعة أو كان بعد فراغه من الخطبة، فإنه يتمها جمعة على رأي أئمة العترة في إشتراط الإمام في إنعقادها وصحتها. فأما من لا يشترط الإمام الأعظم في إنعقادها فإنها غير مشروطة بالإمام في الإبتداء فلا تكون مشروطة في التمام.
والحجة على ما قلناه من أنها جمعة: هو أن الإجماع منعقد على إتمامها جمعة.
ووجهه: هو أن الإمام إنما كان شرطاً في انعقادها، عند القائلين بكونه شرطاً، لا في تمامها وكمالها، فإذا انعقدت على الصحة لم تبطل بموته ولأن الخطبتين بمنزلة الصلاة، فإذا ابتدأها والإمام حي فقد انعقدت على الصحة كما لو نعي الإمام بعد دخوله في الصلاة وشروعه فيها.
ووجه آخر وهو: أنها قد انعقدت في مبدأ الأمر على نعت الصحة فعروض الموت لا يبطلها كما لو لم يمت الإمام.
الفرع الثاني: وإن مات الخطيب والإمام باقٍ على الحياة فهل يجوز الاستخلاف أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجوز الاستخلاف، وهذا هو رأي الشافعي في القديم.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول÷: أنه أحرم بأصحابه في الصلاة ثم ذكر أنه جنب فقال: ((على رسلكم)). فذهب فاغتسل وجاء ورأسه يقطر ماءً فأحرم بهم وصلى. فلو كان الاستخلاف جائزاً في الصلاة لاستخلف من يصلي بهم، ولأن حكم الإمام مخالف لحكم المأموم فلو جوزنا الاستخلاف لأدى إلى أن يكون المأموم إماماً وهو متناقض.

(4/139)


المذهب الثاني: جواز الاستخلاف. وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو قول الشافعي في الجديد.
والحجة على هذا: ما روي أن الرسول÷ استخلف أبا بكر ليصلي بالناس في مرضه الذي مات فيه فأقام سبعة عشر يوماً يصلي بالناس فوجد رسول اللّه÷ يوماً من نفسه خِفَّة فخرج يتهادى بين العباس(1)
وأمير المؤمنين كرم الله وجهه فقام على يسار أبي بكر وصلى بالناس فصار أبو بكر والناس مؤتمين برسول اللّه÷ بعد أن كان الناس مؤتمين بأبي بكر، وهذا هو حقيقة الاستخلاف.
والمختار: ما قاله أئمة العترة[من جواز الاستخلاف]، وهو محكي عن مالك وأبي حنيفة.
وحجتهم: ما ذكرناه.
ونزيد هاهنا: وهو ما روي أن الرسول÷ خرج ليصلح بين بني عمرو بن عوف فأقيمت الصلاة فتقدم أبو بكر رضي الله عنه فصلى بالناس بعض الصلاة فجاء رسول اللّه÷ فلما رآه الناس أكثروا التصفيق، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة فلما أكثروا التصفيق التفت فرأى رسول اللّه÷ فتأخر فقال له الرسول÷: ((أثبت مكانك)). وتقدم الرسول÷ فصلى بهم(2)،
في هذا دلالة على الاستخلاف وجوازه.
الانتصار: يكن بالجواب عما ذكروه.
قالوا: روي عن الرسول÷: أنه صلى بهم وهو جنب ثم قال: ((على رسلكم)). فاغتسل ولم يستخلف، فدل على منعه.
قلنا: إنما لم يستخلف ليدل على أن الاستخلاف ليس أمراً حتماً واجباً، وإنما هو على سبيل الجواز، فإن رأى الإمام أن يستخلف فلا بأس، وإن لم يستخلف صلوا وِحْدَاناً وبنوا على صلاتهم.
قالوا: لو جاز الاستخلاف لصار المأموم إماماً، وفي ذلك نوع من المناقضة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الشرع قد دل على ذلك فلا وجه يمنع منه، وتحكمات الشرع كثيرة فلا وجه لإنكارها.
__________
(1) المعروف أنه الفضل.
(2) تقدم، وهو في صحيح البخاري 1/242، وفي (التمهيد) لابن عبد البر 21/102.

(4/140)


وأما ثانياً: فلأن الوجه متغاير فلا معنى للمناقضة لأنه كان مأموماً فيما مضى من الصلاة وصار إماماً فيما بقي منها بعد حصول الحدث فبطلت المناقضة.
وإذا جوزنا الاستخلاف كما مر بيانه، فهل يبني على ما مضى من خطبته أو يستأنفها؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يستأنفها سواء كان قد أتى ببعض الخطبة الأولى أو أتى بكمالها، فإن أتى ببعضها استأنفها، وإن كان قد أكملها استأنفها لأنه عرض ما يمنع من إتمامها فوجب الإستئناف كما لو أحدث.
وثانيهما: أنه يبني على ما فعله ولا يلزمه الإستئناف لقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[محمد:33]. فلو حكمنا عليه باستئناف الخطبة لكان ذلك إبطالاً لما فعله أولاً.
الفرع الثالث: في نفورهم عن الإمام.
اعلم أن نفارهم عنه له ثلاثة أحوال:
الحالة الأول: أن يكون نفارهم في حالة الخطبة، فإن عادوا على القرب أو خلف عوضهم آخرون، مضى في خطبته وبنى عليها، وإن مضى ركن من أركان الخطبة كالحمد والصلاة على الرسول÷ من غير حضور العدد ثم حضروا أعاد الخطبة لأنه لا فائدة فيها من غير سماع العدد، وإن نفروا بعد سماع الأركان الأربعة وقبل الدعاء للإمام المخطوب له فقد تمت الخطبة لأن ما هذا حاله فليس شرطاً في صحة الصلاة.
الحالة الثانية: أن يكون نفورهم بعد كمال الخطبة وقبل الصلاة، فإن طال الزمان أعاد الخطبة لأن الموالاة بين الخطبة والصلاة واجبة خاصة على رأي من يجعل الخطبتين بمنزلة الركعتين، وإن قصر الزمان فلا حاجة إلى إعادة الخطبة هذا كله مع عودتهم، فإن لم يعد الخطيب الخطبة مع طول الفصل فقد أثم النافرون لأنهم أخلوا بما وجب عليهم من الوقوف للسماع، وهل يأثم الخطيب أم لا؟ فيه تردد.
فيحتمل أن يقال: إنه يأثم لأنه تمكن من الإعادة فلم يعد.
ويحتمل أنه يزول عنه الإثم لأنه قد أدَّى ما وجب عليه.
الحالة الثالثة: أن يكون نفورهم في أثناء الصلاة. وفيه أقوال خمسة:

(4/141)


القول الأول: أنه إذا نقص العدد المعتبر في صحة الجمعة في حال الصلاة لم تصح الصلاة، وهذا هو رأي أبي العباس وأحد أقوال الشافعي.
ووجهه: أن العدد شرط في إبتداء الصلاة فكان شرطاً في استدامتها كالوقت والمكان.
القول الثاني: أنه إن بقي واحدٌ أو اثنان أَتَمَّ الجمعة، وهذا هو الذي حصله السيد المؤيد بالله لمذهب الهادي، وهو أحد أقوال الشافعي.
ووجهه: هو أن العدد لا يمكن ضبطه في الإستمرار فوجب أن يكون شرطاً في الإنعقاد والإبتداء دون البناء والكمال.
القول الثالث: أنه إن بقي واحد أَتَمَّ الجمعة لأنه مع الإمام يحصل لهما فضل الجمعة لقوله÷: ((الإثنان فما فوقهما جماعة))(1).
وهذا هو أحد أقوال الشافعي.
القول الرابع: أنهم إن نفروا بعد أن صلى بهم ركعة، أتمها جمعة. وإن كان قبل أن يصلي بهم ركعة، أتمها ظهراً، وهذا هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ومحكي عن المزني من أصحاب الشافعي، وبه قال مالك.
ووجهه: هو أنه قد تلبس بالجمعة وأتى ببعضها فوجب إكمالها.
القول الخامس: أنهم إذا نفروا بعد الإحرام بالجمعة وبقي وحده جاز أن يقيمها جمعة، وهذا هو رأي المزني حصله لمذهب الشافعي.
والمختار من هذه الأقوال: ما قاله المؤيد بالله.
ووجهه: هو أن الله تعالى قال: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً}[الجمعة:11]. فالظاهر أن نفورهم إنما كان بعد دخولهم في الصلاة، ولهذا قال: {وَتَرَكُوكَ قَائِماً}. فليس القيام إلا في حال الصلاة(2)
__________
(1) سبق في صلاة الجماعة، وقد أخرجه الحاكم في (المستدرك) 4/371، والدار قطني في (السنن)1/280.
(2) وكذلك يكون في حال الخطبة. فقد ورد الأثر بهما، فعن جابر قال: بينما كنا نصلي مع رسول الله÷ إذ أقبلت عير تحمل طعاماً فالتفوا إليها حتى ما بقي مع النبي إلإ اثنا عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية.
وفي رواية أن النبي÷ كان يخطب قائماً فجاءت عير من الشام، وذكر نحوه، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

(4/142)


ولم يوبخهم الله تعالى على نفارهم ولا أَثَّمهم به وإنما دعاهم إلى الخير، وفي هذا دلالة على أن الرسول÷ أتمها جمعة، ولو خرموا الجمعة بالنفار لوبخهم الله تعالى وأَثَّمهم، فدل ذلك على ما قلناه من إتمامها جمعة بعد الشروع فيها وهو المطلوب.
الفرع الرابع: وإذا دخل وقت العصر والإمام في صلاة الجمعة، فهل تكون جمعة أو يتمها ظهراً؟ فيه مذاهب أربعة:
المذهب الأول: أنه مهما بقي وقت للاشتراك بين الظهر والعصر فهي جمعة لأنه وقت لهما جميعاً، وإن خرج وقت الإشتراك بدخول وقت الاختيار المحض فهي ظهر وبنى عليها، وهذا هو الذي حصله السيد أبو طالب للمذهب، وهو رأي الشافعي.
ووجهه: أن وقت الإشتراك وقت للجمعة كما هو وقت للظهر، فلهذا كانت جمعة ببقائه، فإذا خرج فقد خرج وقتها وبطل شرط أدائها فيضيف إليها ركعتين حتى تكون ظهراً لأنه هو الأصل فإذا بطل شرط الجمعة ببطلان وقتها عاد إلى الأصل وهو الظهر.
المذهب الثاني: أنه إذا ابتدأها في وقت الظهر وامتدت إلى وقت العصر فإنه يتمها جمعة، وهذا هو رأي السيد المؤيد بالله.
ووجهه: أنها قد انعقدت على الصحة فلا تبطل بعد صحتها.
المذهب الثالث: أنه إذا دخل وقت العصر بطلت الجمعة لبطلان وقتها ووجب استئناف الظهر لأنه هو الأصل في الفرض عند بطلان الجمعة، وهذا هو رأي أبي حنيفة.
المذهب الرابع: أن وقت الجمعة ممتدٌ إلى غروب الشمس، وهذا هو المحكي عن مالك.
وأقول: إن قول مالك لا غبار عليه، ويدل على ما قاله: حجج:
الحجة الأولى: قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ}[الجمعة:9].
ووجه الحجة من الآية: هو أن الله تعالى أوجب السعي إلى الجمعة ولم يفصل بين وقت ووقت فلهذا كانت مجزية إلى قبل غروب الشمس بما يتسع لصلاة العصر.

(4/143)


الحجة الثانية: قوله÷: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا)). ولم يفصل بين وقت ووقت، فدل ذلك على إجزائها، وقوله÷: ((الجمعة واجبة على كل مسلم)). ولم يفصل. وقوله÷: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة)). ولم يفصل، وقوله÷: ((من ترك الجمعة ثلاثة أسابيع من غير عذر طبع الله على قلبه)). فهذه الأخبار وغيرها كلها دالة على ما قلناه من اتساع وقتها.
الحجة الثالثة: هو أن الأصل هو الظهر وهي بدل عنه ووقت البدل مثل وقت المبدل منه لأنه قائم مقامه كما نقوله في سائر الأبدال والمبدلات، ولا شك أن وقت الظهر ممتد إلى قبل غروب الشمس بما يتسع لصلاة العصر فيجب مثله في وقت الجمعة من غير فرق بينهما فصار وقتها كوقت الظهر. فالأفضلية للوقت في حق الجمعة هو أول الزوال، ووقت الاختيار لها من بعد ما يتسع لها إلى أول وقت العصر، ووقت الجواز إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، ووقت الكراهة من بعد ذلك إلى غروب الشمس بما يتسع لصلاة العصر، كالظهر سواء.
الفرع الخامس: ولو أحدث الإمام في صلاة الجمعة نظرت، فإن كان الحدث في الخطبة فقد قدمنا أن الطهارة شرط فيهما. فهل يجوز الاستخلاف فيهما أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: جواز الاستخلاف لأنهما بمنزلة الركعتين فلما جاز الاستخلاف في الركعتين جاز الاستخلاف في الخطبتين، وهذا هو الذي يأتي كلام الهادي، وهو أحد قولي الشافعي.
وثانيهما: أنه لا يجوز الاستخلاف فيهما؛ لأنهما ذكر يتقدم الصلاة فلم يجز الاستخلاف فيهما كالأذان، وهذا هو الذي يأتي على كلام المؤيد بالله.
وإن كان الحدث بعد الفراغ من الخطبتين وقبل الإحرام للصلاة، جاز استخلاف من سمع الواجبات من الخطبتين لأنهما بمنزلة الصلاة، ولا يجوز استخلاف من لم يسمع ذلك.

(4/144)


وإن كان الحدث في الركعة الأولى، نظرت فإن استخلف من أحرم معه في الصلاة قبل الحدث، جاز ذلك سواء سمع الخطبة أو لم يسمعها، وسواء كان قبل الركوع أو بعده؛ لأنه قد صار من أهل الجمعة ولا يجوز [أن يستخلف] من لم يكن دخل معه في الصلاة لأنه يكون مبتدئاً بالجمعة، ولا يجوز دخول جمعة على جمعة بخلاف من قد دخل معه في الجمعة فإنه متبع وليس مبتدئاً. فأما جواز الاستخلاف في غير الجمعة فقد قررنا ما فيه في صلاة الجماعة فأغنى عن تكريره.
فهذا ما أردنا ذكره في إختلال الشرائط في الجمعة وبتمامه يتم الكلام في صلاة الجمعة والله الموفق.

(4/145)


القسم الأول: السنن التابعة للفرائض
وإنما بدأنا بهذا القسم [من السنن] لأمرين:
أما أولاً: فلأنها تابعة للفرائض. فكما بدأنا بالفرائض ألحقنا بها ما يتبعها، وفي هذا دلالة على تأكيدها من جهة الشرع.
وأما ثانياً: فلأنها تتكرر بتكرار الأيام والليالي كما تتكرر الفرائض.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: في أعدادها. وجملتها سنن أربع:
السنة الأولى: سنة الفجر ركعتان. وهما مؤكدتان لما روي عن الرسول أنه قال: ((حافظوا على ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل طرداً ))(1).
وفي حديث آخر: ((حافظوا على ركعتي الفجر فإن فيهما رغب الدهر))(2).
وروت عائشة قالت: ما كان الرسول يعاهد على شيء من النوافل أشد من معاهدته على ركعتين قبل الصبح(3).
وروى زيد بن علي عن علي أنه قال له الرسول : ((لا تدعن صلاة ركعتين بعد طلوع الفجر قبل أن تصلي الفريضة في سفر ولا حضر فهو قول الله عز وجل: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ }[الطور:49]. وروت عائشة أن الرسول كان يصلي بين أذان الفجر وإقامته ركعتين(4).
__________
(1) رواه الشوكاني في نيل الأوطار 3/23، وهو في الترغيب والترهيب 1/224، وفي شرح معاني الآثار 1/299 بلفظ: ((لا تتركوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل طرداً)) وفي المصدرين الأولين: ((لا تدعوا... إلخ)).
(2) جاء في مجمع الزوائد 2/234 بلفظ: ((... فإن فيهما رغائب الدهر)) وفي مصنف ابن أبي شيبة 2/49 بلفظ: ((فإن فيهما الخير والرغائب)) وفي مصنف عبد الرزاق 3/57 بلفظه.
(3) قبل صلاة الفجر، أخرجه البخاري 1/393، ومسلم 1/501 عن محمد بن المثنى، وأخرجه البيهقي في (الكبرى) 2/470 عن أبي عبد الله الحافظ، وأبو داؤود في سننه 2/19 عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر.
(4) أخرجه أبو داود في سننه 2/39 وهو في شرح معاني الآثار 1/281.

(4/146)


والمستحب: أن يقرأ فيهما بسورة ((الكافرون)) وسورة ((الإخلاص)) لما روي [عن] عبدالله بن مسعود أنه قال: ما أحصي ما سمعت رسول اللّه يقرأ في الركعتين قبل الفجر بـ{قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ }[الكافرون:1] و{قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ }[الإخلاص:1](1).
ويستحب في فعلهما: التخفيف، لما روي أن الرسول كان إذا صلاهما كأنه لم يصلهما لسرعته في صلاتهما(2).
ويستحب فيهما: التغليس، لما روي عن الرسول أنه قال: ((أحشوهما في الليل حشواً)).
السنة الثانية: ركعتا المغرب. ولا خلاف في كونهما سنة وفي كونهما مشروعتين وفي استحباب فعلهما، لما روى زيد بن علي عن علي أنه قال له الرسول : ((لا تدعن ركعتين بعد المغرب في سفر ولا حضر فإنها قوله تعالى: {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ}[ق:40].
ويستحب أن يقرأ فيهما بسورة ((الإخلاص)) وسورة ((الكافرون))، لما روي [عن] ابن عمر أنه قال: سمعت رسول اللّه أربعاً وعشرين مرة أو خمساً وعشرين مرة يقرأ في ركعتي المغرب بـ{قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}[الكافرون:1] و{قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ}[الإخلاص:1]. (3)
__________
(1) رواه الترمذي في سننه 2/296، وأبو يعلى في مسنده 8/463.
(2) روت عائشة قالت: كان النبي يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني أقول: أقرأ بأم الكتاب؟. متفق عليه، توضيح الأحكام شرح بلوغ المرام 2/185 الطبعة الثالثة.
(3) روى الحديث أحمد في مسنده 2/58 والطبراني في (الكبير) 12/434 وهو في شرح معاني الآثار1/298.

(4/147)


وهل يُصلَّى قبل المغرب نافلة أم لا؟ فيه تردد، ولم أعلم أن أحداً من أهل البيت ذكر أنها سنة ولا فعلها، وروى عبدالله المزني(1)
عن رسول اللّه أنه قال: ((صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء ))(2).
خشية أن يتخذها الناس سنة، وروي عن الرسول أنه قال: ((بين كل أذان وإقامة صلاة ))(3).
وعن ابن عمر: أنه كان يصليهما(4)،
وروي عن أنس بن مالك أنه قال: صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول اللّه . قيل لأنس: هل رآكم رسول اللّه ؟ قال: نعم. رآنا فلم يأمرنا ولا نهانا(5).
__________
(1) جاء في (الكنى والأسماء)1/104 بالرقم 1227: أبو زياد عبد الله بن مغفل المزني، ويقال: أبو سعيد، له صحبة، وفي (الثقات) 3/236 بالرقم 761 قال عنه: عبد الله بن مغفل المزني، له صحبة، نزل البصرة، وهو المغفل بن عبد نهم بن عفيف بن أسحم، كنيته: أبو زياد، وقد قيل: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو سعيد، من مزينة مضر، مات سنة 59 في ولاية عبيد الله بن زياد، وأمر أن لا يصلي عليه ابن زياد، وأمر أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي، ويقال: مات سنة 61 وصلى عليه أبو برزة الأسلمي، وقد قيل: عائذ بن عمرو هو الذي صلى عليه. اهـ
(2) رواه البخاري 1/396 وجاء في شرح بلوغ المرام للبسام 2/183 -ط3، عن عبد الله بن مغفل المزني: ((صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب)) ثم قال في الثالثة: ((لمن شاء)) كراهية أن يتخذها الناس سنة.
(3) روى الحديث عبد الله بن المغفل المزني قال: قال رسول الله : ((بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة)) قال في الثالثة: ((لمن شاء)) أورده في (جواهر الأخبار - تخريج أحاديث البحر) 1/189، وقال: أخرجه الستة إلا الموطأ، ولا تكرار عند الترمذي، وعند أبي داود مرتين. وقد تقدم الحديث في الأذان والإقامة.
(4) أخرجه مسلم 1/573.
(5) أخرجه مسلم 1/573 والبيهقي والدارقطني وأبو داود.

(4/148)


وعن طاووس أنه قال: سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: ما رأيت أحداً صلاهما على عهد رسول اللّه ، وكان يصليهما(1).
السنة الثالثة: ركعتان بعد الظهر. وهما سنتان مؤكدتان واضب على فعلهما الرسول بعد صلاة الظهر. وعن أم سلمة زوج الرسول أنها قالت: صلى رسول اللّه في بيتي ركعتين بعد العصر، فقلت: ما هاتان الركعتان؟ فقال: ((هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني مال فصليتهما الآن ))(2).
فلما واضب رسول اللّه على قضائهما بعد فوات وقتهما دل على تأكدهما.
فأما العصر والعشاء الآخرة فليس لهما سنة مؤكدة مواضب عليها من جهة الرسول لا قبلهما ولا بعدهما إلا الوتر للعشاء الآخرة.
السنة الرابعة: الوتر، وهو مشتمل على أحكام عشرة:
الحكم الأول: ولا خلاف في كونه مشروعاً بعد العشاء، ولكن هل يكون سنة أم لا؟ فيه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أنه سنة مؤكدة. وهذا هو رأي أئمة العترة زيد بن علي والقاسم والهادي والمؤيد بالله ومحكي عن الشافعي ومالك وأبي يوسف ومحمد.
والحجة على هذا: قوله تعالى: {حَافِظُوا على الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى }[البقرة:238]. والصلاة الوسطى إنما تكون في الوتر، فلو كانت الوتر واجبة لم تكن وسطى، وفي هذا دلالة على أنها غير واجبة.
الحجة الثانية: ما روي أن ضمام بن ثعلبة وصل وافداً على الرسول فسأله عن شرائع الإسلام واحدة واحدة فسأله عن الصلاة المفروضة؟ فقال: ((خمس في اليوم والليلة إلا أن تطوع)). فلو كان الوتر فرضاً لذكره.
__________
(1) أخرجه البيهقي في (الكبرى) 2/476، وأبو داود في سننه 2/26، وهو في فتح الباري 2/108.
(2) رواه ابن حجر في بلوغ المرام ص 37 بزيادة، فقلت: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال : ((لا)) أخرجه أحمد، ولأبي داود عن عائشة بمعناه، وجاء في صحيح ابن حبان 6/377 وفي مراجع أخر.

(4/149)


الحجة الثالثة: ما روى عبادة بن الصامت عن رسول اللّه أنه قال: ((خمس صلوات كتبهن الله على عباده فمن جاء بهن لا يضيع منهن شيئاً إستخفافاً بحقهن كن له عند الله عهداً أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة)).
المذهب الثاني: محكي عن أبي حنيفة، وله فيه ثلاث روايات:
الرواية الأولى: أنه واجب. وهو قول: الحسن بن زياد من أصحابه.
الرواية الثانية: أنه فرض. وهو قول: زفر.
الرواية الثالثة: أنه سنة مؤكدة. وهو قول: أبي يوسف ومحمد.
فنقول: أما ما رواه أبو يوسف ومحمد فهو موافق لما قلناه.
والحجة فيه: ما أسلفناه.
والحجة على ما قالوه من كونه فرضاً واجباً: ماروي عن الرسول أنه قال: ((إن الله قد زادكم صلاةً هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الوتر ألا فصلوها ))(1).
وظاهر الأمر للوجوب.
الحجة الثانية: قوله : ((أوتروا يا أهل القرآن ))(2).
والأمر للوجوب. وإذا ثبت الوتر بالأمر على أهل القرآن للوجوب ثبت على غيرهم لأن المقصود: يامن أُمر بالقرآن.
__________
(1) قال ابن بهران رحمه الله: الخبر لفظه عن خارجة بن حذافة قال: خرج علينا رسول الله يوماً فقال: ((قد أمدكم الله بصلاة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر فجعلها لكم فيما بين العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر)) أخرجه أبو داود والترمذي. اهـ جواهر 2/130.
(2) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((أوتروا يا أهل القرآن فإن الله وتر يحب الوتر)) رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة، اهـ. توضيح الأحكام للبسام 2/212.

(4/150)


الحجة الثالثة: ماروى أبو أيوب الأنصاري عن الرسول أنه قال: ((الوتر حق واجب ))(1).
المذهب الثالث: ما حكي عن الناصر وعنه روايتان:
الرواية الأولى: أنه سنة مؤكدة وهو المروي عنه في كتابه (الكبير).
الرواية الثانية: ماذكره في (الألفاظ) أن الوتر عندنا لا يجوز تركه تشبيهاً لفريضة.
والحجة له على هذه الرواية: ماذكرناه عن أبي حنيفة.
ونزيد هاهنا، وهو أنها صلاة مشروعة على الوتر فأشبهت المغرب.
ومن وجه أخر: وهو أنه أحد زمانين فوجب أن يكون الواجب فيه عشراً كالنهار(2).
والمختار: أنها سنة مؤكدة كما حكي عمن ذكرناه من أئمة العترة وغيرهم.
وحجتهم: ماذكرناه.
ونزيد هاهنا، وهو ماروى عاصم (3)
عن علي أنه قال: الوتر ليس فريضة كالصلاة المكتوبة إنما هي سنة سنها رسول اللّه (4).
__________
(1) لفظ الحديث في (جواهر الأخبار): ((الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)) أخرجه أبو داود والنسائي. اهـ 2/30، وهو في سنن الدارقطني 2/22، وشرح سنن ابن ماجة 1/82 بألفاظ متقاربة.
(2) أي: كما أنها عشر ركعات في النهار فإن الصلاة في الليل تكون عشر ركعات، وهو ما قصده المؤلف من قوله: إنه أحد زمانين أي الليل، والزمان الآخر النهار.
(3) هو عاصم بن ضمرة السلولي، صاحب علي رضي الله عنه وروى عنه، وعنه: أبو إسحاق الهمداني والحكم وعدة، وثقه ابن المديني ويحيى بن معين، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أحمد: هو أعلى من الحارث، مات سنة 74هـ، انظر: الجرح والتعديل 6/345، الكاشف 1/519.
(4) تتمته: فقال : ((إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن)) أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي بألفاظ فيها بعض الاختلاف، وأخرجه البيهقي في (الكبرى) 2/8 وعبد الرزاق في (المصنف) 3/3 والطبراني في (الأوسط) 5/181 وغيرهم.

(4/151)


وهذا نص في موضع الخلاف، ومثل هذا لا يقوله إلا عن توقيف كما صرح به في كلامه هذا.
الحجة الثانية: ما روى ابن عمر أن الرسول كان يوتر على الراحلة، ولو كانت فرضاً لم يجز أداؤها على الراحلة لقوله : ((إذا كانت المكتوبة فالقرار ))(1).
الحجة الثالثة: ما روى زيد بن علي عن علي" أنه قال: ((الوتر سنة وليست حتماً كالفريضة))(2).
فهذه الأدلة كلها متفقة في الدلالة على أنها ليست واجبة.
الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.
قالوا: روي عن الرسول [أنه قال]: ((إن الله زادكم صلاة هي خيرٌ لكم من حمر النعم ألا فصلوها)). والأمر للوجوب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلا نسلم أن الأمر للوجوب وإنما هو نص في الطلب، فأما الوجوب فإنما يكون بدلالة خارجة عن ظاهره، وإنما هو هاهنا للندب والإرشاد إلى الفضل والأجر والثواب.
وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على كونه سنة، وإذا حصل التعارض وجب الترجيح ولا شك أن الأخبار التي رويناها صريحة في كونه سنة فيجب العمل عليها.