|

الجامع
الكافي
كتاب النكاح
روى محمد بإسناد عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: <من
كان له ما يتزوج به فلم يتزوج فليس منا>.
وعن شداد بن أوس قال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم
أوصاني أن لا ألقى اللّه عزباً.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: <من تزوج من خشية اللّه
تعالى زوجه اللّه من الحور العين>.
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: <من تزوج لله توجه اللّه بتاج
الملك وأعطاه من الجنة حتى يرضى>. قالوا: كيف يتزوج لله؟ قال: <رحم
يصلها أو حاجة يسدها>.
وعنه عليه السلام، قال: <مسكين مسكين رجل ليست له زوجة، مسكينة
مسكينة امرأة ليس لها زوج>. قالوا: وإن كانا غنيين من المال؟ قال:
<وإن كانا غنيين من المال>.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: <من أدرك له ولد في
الإسلام وعنده ما يزوجه فالإثم بينهما>.
وعنه عليه السلام قال: <يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة
فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم
فإنه له وجاء>.
وعنه عليه السلام قال: <من وجد سعة فلم يتزوج فليس منا>.
وقال عليه السلام: <من ترك التزويج مخافة الفقر فقد أساء بربه
الظن، إن اللّه عز وجل يقول: {إن يكونوا فقراء يغنهم اللّه من
فضله}>.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: <تزوجوا فإني مكاثر
بكم يوم القيامة>.
وعنه عليه السلام قال: <تنكح المرأة لدينها ومالها وجمالها فعليك
بذات الدين تربت يداك>.
وعن النبي عليه السلام قال: <ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً ولساناً
صادقاً وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة>.
وعن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: تزوجت؟ قلت: لا. قال: تزوج
فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: <لاتزوجوا الحمقاء فإن
صحبتها ضناً وولدها ضياع>.
وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: <ليس للمرأة خير من زوج
أو قبر>.
(1/1)
قال محمد: حدثنا أبو الطاهر، عن أبيه، قال: حدثني أبي، عن أبيه،
عن جده عليهم السلام، عن علي صلى اللّه عليه، قال: جاء عثمان بن
مظعون إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يارسول اللّه قد
غلبني حديث النفس، ولم أحدث شيئاً حتى استأمرك. فقال: <بم تحدثك
نفسك يا عثمان؟>. قال: هممت، فذكر شيئاً فيها طول. ثم قال: هممت أن
أحرم خولة زوجتي على نفسي. قال: <فلا تفعل يا عثمان، فإن العبد إذا
أخب بيد زوجته كتب اللّه له مائة حسنة ومحا عنه مائة سيئة، فإن
قبلها كتب اللّه له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات، فإن ألم بها
حضرتهما الملائكة، فإن اغتسلا لم يمر الماء على شعرة منهما إلا كتب
اللّه لهما بها حسنة ومحا عنهما سيئة، وقال اللّه لملائكته انظروا
إلى عبديَّ هذين اغتسلا في هذه الليلة الباردة علما أني ربهما
أشهدكم أني قد غفرت لهما فإن كان لهما في وقعتهما تلك ولد فتقدمهما
كان شفيعاً لهما وإن تأخرهما كان نوراً لهما، وإن لم يكن لهما في
وقعتهما تلك ولد كان لهما وصيف في الجنة>. ثم ضرب رسول اللّه صلى
اللّه عليه وآله وسلم بيده صدري، ثم قال: <يا عثمان لا ترغب عن
سنتي، فإنه من رغب عن سنتي عرضت له الملائكة يوم القيامة فصرفت
وجهه عن حوضي>.
باب من يجوز نكاحهن ومن لا يجوز
قال القاسم عليه السلام، ومحمد ـ في قوله تعالى: {حرمت عليكم
أمهاتكم وبناتكم} إلى قوله: {وأمهات نسائكم} ـ: يحرم على الرجل
نكاح أم امرأته دخل بامرأته أو لم يدخل بها، وتحرم عليه بنت امرأته
إن كان دخل بها وإن لم يكن دخل بها لم تحرم عليه ابنتها.
(1/2)
قال محمد: وكذلك حكم بناتها وإن سفلن، ويدخل في هؤلاء المحرمات
الجدات، وبنات البنات، وبنات بنات الأخ، وعمات الأب، وخالاته،
وعمات الأم وخالاتها من النسب والرضاع، فما كان من قبل الأب فهن
بنات جده من قبل أبيه، وما كان من قبل الأم فهن بنات جده من قبل
امه، ويدخل في المحرمات جدة امرأته، وبنت بنت امرأته، وزوجة ابن
ابنه، وزوجة جده.
وروى محمد، عن ابن مسعود أنه سئل بالكوفة عن رجل تزوج امرأة فماتت
قبل أن يدخل بها أيحل له أن يتزوج أمها فرخص في ذلك فتزوجها فولدت
له فعرض في نفسه منها شيء فلقي علياً عليه السلام فسأل فقال: لاتحل
له. فقال له: أليس قال اللّه عز وجل: {وربائبكم اللاتي في حجوركم
من نسائكم الاتي دخلتم بهن} الآية. فقال له علي صلى اللّه عليه:
هذه مفسَّرة وهذه مبهمة. فرجع ابن مسعود ففرق بينهما.
وإذا وطئ رجل أمته وأمها حرم عليه وطئهما جميعاً، وجائز أن
يستخدمهما.
وإذا تزوج رجل امرأة ودخل بها أو لم يدخل بها فقد حرمت على أبيه
وأجداد لأمه، وإن بعدوا من نسب أو رضاع، وحرمت على ابنه وبني ابنه
وبني ابنته وإن سفلوا من نسب أو رضاع، وجائز أن يتزوج الرجل ام
امرأة ابنه، وإذا تزوج امرأة فجائز أن يتزوج ابنه ابنتها، وجائز أن
يتزوج أبوه أمها بأيهما بدأ فهو جائز.
مسألة:
قال محمد: وإذا تزوج رجل امرأة فخلا بها وأرخى ستراً وأغلق باباً
ولم يقربها ثم طلقها تحرم عليه ابنتها فيما بينه وبين اللّه ولكن
يكره له تزويجها لما فيه من الشناعة.
وروى محمد بن خليد، عن محمد أنه قال: إذا قبل الرجل امرأته ولم
يدخل بها ثم طلقها جاز له أن يتزوج ابنتها.
مسألة: الجمع بين الأختين
قال القاسم عليه السلام والحسن عليه السلام ومحمد: ولايجمع الرجل
بين الأختين، ولا بين امرأة وعمتها أو خالتها من نسب أو رضاع.
(1/3)
قال الحسن بن يحيى: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم
لاتنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، وأجمع آل رسول اللّه صلى
اللّه عليه وآله وسلم على أن ذلك لازم للأمة العمل به والحكم به
لايسع أح تركه ولاخلافه.
قال القاسم والحسن ومحمد: ولايجمع بين امرأتين لو كانت إحداهما
رجلاً حرمت عليه الأخرى، إذا كان ذلك من نسب أو رضاع.
وروى محمد مثل ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وإن كان من
صهر فلا بأس بذلك مثل أن يجمع بين امرأة وبنت زوجها من غيرها.
قال القاسم عليه السلام: قد جمع عبد اللّه بن جعفر بين أم كلثوم
بنت علي من فاطمة وبين امرأة علي ـ يعني ليلى بنت مسعود ـ، ولابأس
أن يجمع الرجل بين ابنتي العم وابنتي الخال، قال اللّه سبحانه:
{وبنات عمك وبنات عماتك}، وقد جمع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم
بين أمة سلمة وزينب بنت جحش وأمهما جميعاً ابنتا عبدالمطلب عمتاه.
قال محمد: فإن تزوجهما في عقدة واحدة فليعتزلهما بلا طلاق؛ لأن أصل
عقدة النكاح باطل، ويفرق بينهما ولا صداق لهما ولاعدة عليهما إن
كان لم يدخل بهما ويتزوج أيهما شاء ولايجمع بينهما، وإن كان قد دخل
بهما فلكل واحدة منهما الصداق.
(1/4)
وفي رواية سعدان عنه: فلكل واحدة منهما مهر مثلها بدخوله بها،
ولاينظر إلى ما سمى لها وعليها العدة فإن انقضت عدة إحداهما كان له
أن يتزوج التي لم تنقضي عدتها، وكذلك إن كان دخل بإحداهما كان له
أن يتزوج التي دخل بها في عدتها، وليس له أن يتزوج التي لم يدخل
بها حتى تنقضي عدة التي دخل بها، وإن كان تزوج إحداهما بعد الأخرى
فالأولى امرأته فليمسكها دخل بها أو لم يدخل بها، ونكاح الأخيرة
باطل، ويفرق بينه وبينها ولا صداق لها ولا عدة عليها إن كان لم
يدخل بها، وإن كان قد دخل بها فلها الصداق بما استحل من فرجها،
وعليها العدة، ويعتزل امرأته الأولى حتى تنقضي عدة الثانية ثم يعود
إلى امرأته فإن ظهر بهما جميعاً حمل فرق بينه وبين الأخيرة حتى
تنقضي عدة الأولى ثم ينكحها نكاحاً جديداً إن شاء.
مسألة: الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ وهو قول محمد:
ولايجمع الرجل بين الأختين في الوطء بملك اليمين. وهذا قول علي
عليه السلام.
قال القاسم: وقد يلزمهما من التبار والصلة ما يلزم غيرهما، وإذا
كان ذلك بينهما كان شبيهاً بالقطيعة منهما والمملوكتين في ذلك
كالحرتين، وكلا أمره اللّه بالتبار والصلة.
قال محمد: إذا كان عند رجل أمتان أختان من نسب أو رضاع فلا يطأهما
جميعاً لأنهما أختان.
وروى محمد بإسناده عن إياس بن عامر أنه سأل علياً عليه السلام عن
رجل له جاريتان أختان تسرى إحداهما فولدت له ثم رغب في الأخرى
أيطأها؟ قال: يعتق التي كان يطأها ثم يطأ الأخرى. فقلت له: إن
رجالاً يقولون يزوجها. فقال: أفرأيت إن مات زوجها كيف يفعل بل
يعتقها أسلم، ثم أخذ بيدي فقال: يحرم عليك من الأحرار ومما ملكت
يمينك ما يحرم عليك في كتاب اللّه عز وجل من النسب، أكره لك ما كره
اللّه ورسوله، قال اللّه تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد
سلف}.
(1/5)
وعن ابن عمر أنه سئل عن رجل له وليدة يطأها فأراد أن يطأ أختها.
قال: لا. قيل: فإن زوجها أيطأ أختها؟ قال: لا، حتى يخرجها عن ملكه.
وعن علي أيضاً عليه السلام، وعن محمد بن الحنفية عليه السلام وسعيد
بن المسيب فيمن عنده مملوكتان قالوا: أحلتهما آية وحرمتهما آية.
يعنون قوله عز وجل: {وأن تجمعوا بين الأختين}، وقوله تعالى: {إلا
ما ملكت أيمانكم}.
وعن علي عليه السلام أنه كان يقول: لا أفعله ولا آمر أحداً من أهل
بيتي بفعله.
وعلى قول محمد إذا كان لرجل أمتان أختان فوطئ إحداهما فليس له أن
يطأ الأخرى فإن جهل فوطئها فقد أخطأ وأساء ولاينبغي له أن يعاود
واحدة منهما حتى يملكها غيره أو يملكه بعضها.
مسألة:
وكذلك إذا كانت له أمة يطأها ثم تزوج أختها فالنكاح جائز، وليس له
أن يطأ امرأته حتى يخرج الأمة من ملكه ، وكذلك إذا تزوج امرأة ثم
اشترى أختها فلا يطأها بالملك فإن وطئها فقد أخطأ وأساء، ولايقرب
امرأته حتى يملك الأمة غيره.
مسألة: إذا طلق طلاقاً بائناً هل له أن يتزوج أختها في العدة
قال القاسم عليه السلام ـ فيما روى داود عنه ـ: وإذا طلق امرأته
طلاقاً بائناً فلا بأس أن يتزوج أختها قبل أن تنقضي عدة المطلقة،
وإذا كان عنده أربع نسوة فطلق إحداهن طلاقاً بائناً فلا بأس أن
يتزوج خامسة متى شاء، وإن كان الطلاق رجعياً فليس له ذلك في
المسألتين جميعاً.
وقال محمد: إذا طلق امرأته طلاقاً بائناً لم يجز له أن يتزوج أختها
ولاذات محرم منها حتى تنقضي عدة المطلقة، فإن تزوجها قبل أن تنقضي
عدة المطلقة فنكاحها باطل ويفرق بينهما حتى تنقضي عدة المطلقة ثم
يجدد نكاحاً إن شاء، وإن كانت حاملاً فحتى تضع حملها. هذا قول علي
عليه السلام.
(1/6)
وإذا كان لرجل أربع نسوة قد دخل بهن ثم طلق إحداهن طلاقاً
بائناً أو اختلعت منه لم يجز له أن يتزوج الأخرى حتى تنقضي عدة
المطلقة لئلا يكون ماؤه في خمس نسوة. وإن كانت المطلقة حاملاً فحتى
تضع حملها، ولو وضعت بعد ساعة، وكذلك قال علي بن أبي طالب، وروى
ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وهو قول أهل الكوفة.
وقال أهل المدينة: قد ذكر مثل قول القاسم بن إبراهيم عليه السلام
في أول المسألة.
قال محمد: وإذا كان له أربع نسوة قد دخل بهن ثم طلقهن جميعاً
ثلاثاً ثلاثاً أو اختلعن منه لم يجز له أن يتزوج خامسة حتى تنقضي
عدة واحدة منهن فتخلف مكانها، وإن كان لم يدخل بهن فطلقهن واحدة
واحدة أو ثلاثاً ثلاثاً فقد بنَّ منه جميعاً ولاعدة عليهن، وله أن
يتزوج من ساعته أربعاً إن شاء، وكذلك إن كان له أربع نسوة فارتدت
إحداهن ولحقت بدار الحرب فلا يتزوج حتى تنقضي عدة المرتدة، وإذا
فارق امرأته من نكاح صحيح أو فاسد لم يحل له أن يتزوج أختها في
عدتها، ولا ذات محرم منها من نسب أو رضاع.
قال سعدان: قال محمد: وإذا دخل الرجل بزوجته ثم ماتت فليتزوج أختها
إن شاء.
مسألة: نكاح الذميات
قال أحمد بن عيسى عليه السلام: لا بأس بنكاح نساء أهل الكتاب.
قال أحمد: وما أدري أي شيء هذا الذي روي عن زيد بن علي عليه
السلام، أراه ذهب إلى الآية.
قال محمد: وسمعت أحمد بن عيسى يقول لايختلف آل محمد صلى اللّه عليه
وآله وسلم في حق حكم من اللّه عز وجل وذكر اختلاف أبي جعفر وزيد بن
علي عليهما السلام في نكاح نساء أهل الكتاب. فقال أبو جعفر عليه
السلام: هو حلال. وقال زيد: هو حرام.
قال أحمد بن عيسى: لم يحرمه زيد بن علي على أن تحريمه حكم من اللّه
ولو كان كذلك لبرئ كل واحد منهما من صاحبه، ولكنه حرمه من جهة
النظر على أنه عنده كذلك.
قال أحمد بن عيسى: حدثني حاضر بن إبراهيم، عن حسين بن زيد، قال:
يحل من النساء ثلاث نسوة امرأة ترث، وامرأة لا ترث، وملك اليمين.
(1/7)
قال محمد: قلت لأحمد قوله بلا موارثة اليهودية والنصرانية. قال:
هو وجهه.
قال السيد أبو عبدالله: والتي لا ترث الزوجة الأمة المسلمة والزوجة
الذمية، والاحتجاج على من يقول بالمتعة بالأمة، وفي نكاح الذمية
خلاف، وعلى قول القاسم لا تجوز تزويج يهودية ولا نصرانية لأنه قال
فيما روى داود عنه في الذمي يسلم قبل امرأته نكاحهما الأول كاف
لهما إن أسلم في العدة، فإن انقضت العدة قبل أن يسلم انقطعت عصمة
النكاح؛ لقوله تعالى: {ولاتنكحوا المشركات حتى يؤمن}، وإمساكهن بعد
شركهن كذي نكاحهن.
وقال محمدك ولابأس أن يتزوج المسلم أربعاً نصرانيات أو يهوديات وله
أن يتزوج الذمية على المسلمة والمسلمة على الذمية، وطلاق الذمية
وعدتها وإيلاؤه منها وظهاره منها بمنزلة الحرة المسلمة إلا أنه لا
ميراث بينهما، لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: <لا توارث بين
أهل ملتين>.
ويكره للمسلم أن يتزوج يهودية أو نصرانية من أهل دار الحرب.
مسألة: روى محمد، عن عبيدة، عن علي عليه السلام قال: لاتحل نساء
بني تغلب ولا ذبائحهم فإنهم لم يتمسكوا من النصارنية إلا بأكل
الخنزير وشرب الخمر وصلواتهم للصليب.
وعن الحكم، عن علي عليه السلام، وابن عباس قالا: لاتأكلوا ذبائح
أرمينية ونصارى العرب.
مسألة: هل يجوز أن يتزوج اليهودي نصرانية
قال محمد: كره بعض العلماء أن يتزوج اليهودي نصرانية أو النصراني
يهودية.
وقال بعضهم: لابأس بذلك هم حيز والإسلام حيز.
وكره عطا وحسن بن صالح وغيرهما أن يتزوج اليهودي والنصراني مجوسية،
أو يتزوج المجوسي يهودية أو نصرانية.
وقال عطاء: لاتباع اليهودية من نصراني ولاتزوج إياه.
(1/8)
قال محمد: وإذا أسلم الذمي بعدما تمجست امرأته فهما على النكاح
لأنها لو كانت مجوسية من الأصل كانا على النكاح حتى يعرض عليها
الإسلام، فإن أسلمت فهي امرأته فإن ارتد بعد الإسلام وقعت الفرقة
بينهما، وهذا على قول من قال الكفر كله ملة واحدة، وأجاز نكاح
اليهود والنصارى بعضهم من بعض، وورث بعضهم من بعض.
وقال قوم: لايجوز نكاح بعضهم من بعض، ولايرث بعضهم من بعض.
فصل: في نكاح المجوسية والصائبة والمشركة
قال القاسم ـ في رواية داود عنه ـ وهو قول محمدك ولايجوز تزويج
المجوسية حرة ولا أمة من أهل العهد كانت أو من غير أهل العهد ولا
صابية ولا مشركة من أهل العهد ولا من عبدة الأوثان.
وروى محمد بإسناد، عن الحسن بن محمد بن علي عليه السلام قال: كتب
النبيء صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى مجوس يعرض عليهم الإسلام: فمن
أسلم قبل منه، ومن أبى ضربت عليهم الجزية على أن لا نأكل لهم ذبيحة
ولا ننكح منهم امرأة.
مسألة:
قال محمد: ولايجوز للمسلم أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب في دار
الحرب إن أسر أو دخل إليهم بأمان ذكر عن علي عليه السلام وابن عباس
أنهما كرها ذلك مخافة النسل لئلا يولد له ولد فيسترق أو يموت الأب
ويدع ولده أصاغر على دينهم فيكون حكمهم حكم الدار، وكذلك إن سبي
رجل وامرأته فصارا في دار الحرب فيكره له أن يطأها وطئاً يكون منه
ولد، وليس يحرم ذلك عليه، وكذلك إن أسلما جميعاً في دار الحرب
فيكره له وطئها.
وقال جماعة من العلماء: إن تزوج في دار الحرب فنكاحه جائز، إنما
كره ذلك مخافة على ولده أن يسترقوا.
قال محمد: فأما من غير أهل الكتاب فلا يحل.
مسألة: قال محمد: واختلف في نكاح الصابين، وأكل ذبائحهم فبعض كره
ذلك. وقال: هم صنف من المجوس. وبعض رخص في ذلك. وقال: هم صنف من
النصارى. وقال قوم: هم صنف بين اليهود والنصارى. وقال قوم: هم صنف
بين المجوس والنصارى.
(1/9)
قال محمد في (كتاب التفسير): فمن قال منزلتهم منزلة بين المجوس
والنصارى لم ينكح نساءهم، ولم يأكل ذبائحهم. ومن قال: منزلتهم بين
اليهود والنصارى؛ نكح نساءهم وأكل ذبائحهم. ونحن نأخذ باحوط
القولين وأقواهما أن لاننكح نساءهم ولا نأكل ذبائحهم.
مسألة: وطء المجوسية بملك اليمين
قال القاسم ـ فيما روى داود عنه، وهو قول محمد ـ: وليس للمسلم أن
يطأ أمته المجوسية ولا الوثنية حتى تسلم. وبه قال أبو حنيفة
وأصحابه.
وقال محمد في وقت آخر: إذا سبيت المشركة من أهل الحرب فلا يطأها
حتى تحيض حيضة ثم يأمرها أن تغتسل وتأخذ من شعرها وأظفارها وعانتها
ثم يقررها بشهادة أن لا إله إلا الله، فإن هي أبت لم يمنعه ذلك من
وطئها ولابأس أن يطأ أمته اليهودية والنصرانية، ذلك له حلال.
مسألة: من يجوز له أن يتزوج الإماء المسلمات
قال محمد: ولايتزوج الحر أمة إلا أن لا يجد طولاً بحرة، ويخاف
العنت، فإن وجد طولا ولم يخف عنتاً فلا يتزوج أمة، قال اللّه
سبحانه: {ذلك لمن خشي العنت منكم} ذكر أن العنت هو: الزنا، {وإن
تصبروا خير لكم}، ولايتزوج إلا أمة واحدة. وروي عن علي عليه السلام
أنه قال: لايحل نكاح الإماء إلا لمن خشي العنت ولاتنكح إلا واحدة.
مسألة:
قال محمد: وله أن يتزوج الحرة على الأمة ولا يجوز له أن يتزوج
الأمة على الحرة، وروى ذلك عن النبي، وعن علي عليه السلام.
قال محمد: فإن تزوج أمة على حرة فنكاحها باطل سواء كانت الحرة
مسلمة أو ذمية وسواء كان دخل بها أم لم يدخل بها، وإن تزوج واحدة
منهن وحرة في عقدة ثبت نكاح الحرة وبطل نكاح الأخرى.
وقال إبراهيم: يبطل نكاحهما.
قال محمد: وكذلك المدبرة والمكاتبة وأم الولد ليس له أن يتزوج
واحدة منهن على حرة.
وروى محمد بإسناد، عن عمر بن علي، عن علي عليه السلام أنه أجاز أن
يتزوج المكاتبة على الحرة وقال: إن ولدت ولداً عتق من ولدها مثل ما
يعتق منها ويرق منه مثل ما رق منها.
مسألة: في نكاح الأمة الذمية
(1/10)
قال محمد: ولا يجوز لمسلم حر ولاعبد أن يتزوج أمة ذمية.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز.
قال محمد: وإنما يحل من نساء أهل الكتاب الحرائر فأما إماؤهم فلا
تجوز إلا بملك يمين، وكذلك المدبرة منهم والمكاتبة وأم الولد لقوله
سبحانه: {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما
ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من
بعض}.
ولو تزوج أمة ذمية أو مدبرة أو مكاتبة أو أم ولد وهو لايعلم بفساد
ذلك فنكاحه باطل ويعتزلها بلا طلاق، وإن كان دخل بها فلها عليه مهر
مثلها، ولاحد عليهن ولا أدب لأنه لم يعلم بفساد النكاح، وإن كان
منه ولد ثبت نسبه منه، وولده منها مسلمون بإسلام أبيهم، وهم مماليك
لسيد أمهم، فإن كان مسلماً فالولد عبيد له، وإن كان ذمياً أجبر على
بيعهم.
ولو كان لرجل عبد مسلم وأمة ذمية لم يحل له أن يزوجه إياها لا يحل
تزويج إماء أهل الكتاب لحر ولا لعبد مسلم.
مسألة: إذا طلق امرأته ثلاثاً فتزوجت غيره نكاحاً فاسداً هل تحل
للزوج الأول
قال محمد: وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً فتزوجت غيره نكاحاً فاسداً
فلا تحل للزوج الأول حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً، فإن
تزوجها عبد بإذن سيده أو مكاتب أو مدبر أو ابن أم ولد من غير سيدها
أو ابن مدبرة أو ابن مكاتبة بأذن سيده، ثم طلقها بعد دخوله بها فقد
حل نكاحها للزوج الأول إذا انقضت عدتها، وأي هؤلاء تزوج بغير أذن
سيده ثم علم السيد بالنكاح قبل دخوله بها أو بعد دخوله بها فأجازه
فهو جائز.
وفي رواية سعدان عن محمد فإن دخل بها العبد بعد إجازة المولى
دخولاً لايوجب المهر والحد حلت للزوج الأول، وإن أبطله السيد فقد
بطل، ولاتحل لزوجها الأول بهذا النكاح الفاسد، وكذلك كل نكاح فاسد
بين حر وحرة، فإنها لاتحل لزوجها الأول بدخول النكاح الفاسد.
مسألة: إذا أسلم الحربيان في دار الحرب ثم خرجا إلى دار الإسلام
(1/11)
قال محمدك إذا أسلم الحربيان في دار الحرب فهما على نكاحهما
فأما في دار الحرب فإن خرجا معاً إلى دار الإسلام فهما على
نكاحهما، وإن كان الزوج خرج أولاً ثم خرجت بعده قبل انقضاء عدتها
منه فهو أحق بها، وإن خرجت بعد انقضاء عدتها منه في دار الحرب
استقبلا النكاح، وإن كانت المرأة خرجت أولاً إلى دار الإسلام فقد
بانت منه بخروجها، فإن خرج بعد ذلك في العدة استقبلا النكاح.
وقال بعضهم: هو أحق بها مالم تحض ثلاث حيض إن كانت من أهل الكتاب.
مسألة: إذا أسلم أحد الحربيين في دار الحرب ولم يسلم الآخر
قال محمد: وإذا أسلم الحربي في دار الحرب ولم تسلم امرأته وهي غير
كتابية فهما على نكاحهما مالم تحض ثلاث حيض دخل بها أو لم يدخل
بها، فإذا حاضت ثلاث حيض فقد بانت منه، فإن أسلمت بعد ذلك ثم خرجت
استقبلا النكاح، وإن كانت كتابية فهما على النكاح أبداً حاضت ثلاث
حيض أو لم تحض.
وعلى قول محمد: إذا أسلمت امرأة الحربي وهما في دار الحرب فهما على
النكاح مالم تحض ثلاث حيض إن كانت ممن يحيض أو تمضي ثلاثة أشهر إن
كانت ممن لايحيض، فإذا حاضت ثلاث حيض أو مضت ثلاثة أشهر قبل أن
يسلم الزوج وقعت الفرقة بينهما، فإن أسلم الزوج فهما على النكاح.
قال محمد: وإذا أسلم الحربي وله زوجة صبية لم تدرك فهي زوجته على
حالها مالم تمض ثلاثة أشهر من وقت إسلامه فإن مضى ثلاثة أشهر فقد
بانت منه، فإن أسلم أحد أبويها قبل مضي ثلاثة أشهر فهي مسلمة
بإسلامه، وهي زوجته على حالها سواء مضى ثلاثة أشهر أو أكثر، أقام
في دار الحرب أو خرج إلينا، وكذلك إن خرجت إلى دار الإسلام بعده
قبل أن تدرك أو بعدما أدركت فهي زوجته على حالها بالنكاح الأول.
مسألة: إذا أسلم الكتابيان في دار الحرب ثم خرجا إلينا
(1/12)
قال محمد: وإذا كان في دار الحرب يهوداً ونصارى من أهل العهد
وهم من أهل الحرب فأسلم الزوج قبل امرأته فهي امرأته على حالها
حاضت ثلاث حيض أو أكثر، وأيهما خرج إلى دار الإسلام مسلماً قبل
صاحبه فقد بانت منه، فإن خرج الآخر استقبلا النكاح.
مسألة: إذا خرج الحربي إلينا بأمان ثم أسلم
قال محمد: وإذا خرج أحد الحربيين إلينا بأمان وخلف الآخر على دينه
فهما على النكاح، فإن أسلم الذي خرج منهما أو صار ذمياً وقعت
الفرقة بينهما وانقطعت العصمة، ولكن لاتزوج المرأة حتى تنقضي
عدتها، وكذلك أيهما سبي وخرج إلى دار الإسلام وبقي الآخر انقطعت
العصمة بينهما، وإذا أسلم أحد الحربيين وخرج الآخر بأمان لحاجة
فهما على النكاح مالم تحض ثلاث حيض، فإن صار الخارج ذمياً من قبل
أن تحيض ثلاث حيض فهما على نكاحهما، والحكم فيهم كالحكم في أهل
الذمة، فإن خرج الحربي إلينا بأمان ثم خرجت امرأته من قبل أن يصير
ذمياً فهي امرأته حتى يعرض عليه الإسلام بمنزلة أهل الذمة.
مسألة: إذا خرج رجل مهاجراً إلى دار الإسلام وخلف امرأته كافرة هل
له أن يتزوج أختها قبل انقضاء عدتها
قال محمد: وإذا خرج رجل من دار الحرب إلينا مسلماً وخلف امرأته
كافرة قبل أن تحيض ثلاث حيض فلا يعتد بها وله أن يتزوج أختها
ولاينتظر عدة التي خلفها في دار الحرب، وكذلك إن خرج مهاجراً إلى
دار الإسلام وخلف أربع نسوة في دار الحرب فله أن يتزوج أربعاً ذكر
ذلك عن جماعة من التابعين وغيرهم.
وإذا كان لرجل مسلم امرأة مسلمة فارتدت عن الإسلام ولحقت بدار
الحرب فلا يتزوج أختها حتى يوقن بانقضاء عدة المرتدة، وكذلك إن كان
له أربع نسوة فارتدت إحداهن ولحقت بدار الحرب فلا يتزوج رابعة حتى
يوقن بانقضاء عدة المرتدة. ذكر ذلك عن عطاء، وابن أبي ليلى، وحسن
بن صالح.
(1/13)
قال حسن: فإن لم يتبين له انقضاء عدتها تربص حتى تبلغ من السن
ما لاتحيض فيه امرأة، فإذا بلغت ذلك اعتد لها ثلاثة أشهر ثم يتزوج
إن شاء رابعة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا ارتدت امرأته ولحقت بدار الحرب فلا
يعتد بها من نسائه وله أن يتزوج أختها وأربعاً سواها.
قال محمد: والقول الأول أحوط وبه نأخذ.
مسألة: نكاح المرتد والمرتدة
قال محمد: وإذا ارتد الرجل وامرأته جميعاً معاً وقد دخل بها فهما
على نكاحهما مالم يعرض عليهما الإسلام سواء حاضت ثلاث حيض أو لم
تحض مكث في ردته سنة أو عشرين سنة فإن رجعا إلى الإسلام كانا على
نكاحهما الأول، وإن كان الرجل ارتد أولاً عرض عليه الإسلام فإن
أسلم فهو أحق بها وإن لم يسلم فرق الحاكم بينهما، فإن أسلم بعدما
فرق الحاكم بينهما وقبل أن تحيض ثلاث حيض استقبلا النكاح، فإن
ارتدت المرأة بعد الرجل قبل أن يفرق الحاكم بينهما لم تحل له
بالنكاح الأول، ولابنكاح مستقبل إلا أن يسلما فيستأنفا نكاحاً
جديداً.
وإن كانت المرأة اردت أولاص عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت فهي
امرأته، وإن لم تسلم فرق بينهما، وإن كانت غير مدخول بها بانت منه
ولامهر لها عليه.
وروي عن زفر قال: إن ارتدا معاً أو واحد قبل الآخر فسد نكاحها، فإن
رجعا إلى الإسلام استقبلا نكاحاً جديداً.
قال محمد: ولايجوز للمرتد أن يتزوج مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية
ولا مجوسية ولا حربية ولا مرتدة مثله ولا غير ذلك، وكذلك المرأة لا
يجوز لها أن تتزوج في ردتها مسلماً ولا معاهداً، ولا حربياً
ولامرتداً مثلها ولا غير ذلك.
وفي قول محمد: لايحل للمرتد أن يطأ بملك اليمين مرتدة ولاغيرها،
ولا يحل وطء المرتدة بملك اليمين أيضاً، وإذا ارتد الرجل والمرأة
معاً فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الردة فهو مسلم يرثهما
ولايرثانه، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الردة فهو مرتد
بمنزلتهما لا يرثهما ولا يرثانه.
(1/14)
وإذا ارتد المسلم وله امرأة ذمية فقد بانت منه والذمية والمسلمة
في هذا سواء، وإذا ارتد رجل ولحق بدار الحرب قبل امرأته وقعت
الفرقة بينهما ولزمتها العدة حين ارتد، فإن رجع إلى الإسلام وهي في
العدة فإن كان الحاكم قد فرق بينهما لم ترجع إليه إلا بنكاح مستقبل
لا خلاف فيه، وإن لم يكن الحاكم فرق بينهام فقد قال بعضهم: هما على
نكاحهما، وأحب إلي أن يستأنفا نكاحاً جديداً لموضع الخلاف فيه.
وفي رواية سعدان، عن محمد: وإن ارتدا جميعاً فلحقت بالدار فقد بانت
منه.
قال محمد: وإذا زوج رجل أمته أو مدبرته أو أم ولده فارتدت عن
الإسلام قبل أن يدخل بها الزوج بطل النكاح وللسيد على الزوج نصف
الصداق لأنها لم تفسد على نفسها لأن الصداق لسيدها.
بقية باب من يجوز نكاحهن ومن لايجوز
مسألة: تجويز الأكفاء وغير الكفاء
قال أحمد بن عيسى ـ وهو قول القاسم والحسن ومحمد ـ: يجوز أن يتزوج
المولى عربية ـ يعني إذا رضيت به هي ووليها ـ.
وقال أحمد: هو حلال ولا أجد في كتاب اللّه تحريماً له.
وقال القاسم عليه السلام: لو أن رجلاً من أبناء الفرس ممن نرضى
دينه لرأيت أن أزوجه عربية.
وقال أحمد بن عيسى أيضاً ـ فيما أخبرنا علي بن محمد، عن محمد بن
هارون، عن سعدان، عن محمد بن منصور ـ، قال: حدثني أبو عبد اللّه
أحمد بن عيسى قال: قال لي حسن بن هذيل أن سارية وعيينة يعني صاحبي
أبي عبد اللّه يحضران تزويج المولى من العرب، ويجيزان المسح
والنبيذ، فلو ناظرتهم في ذلك ورددتهم عنه. قال: قلت إن شاء الله.
قال: فاتعدنا بموضع من الجبان فاجتمعنا فيه، فقلت لهما: ما تقولان
في مولى أمَّكم في مسجد فصلى بكم؟ فقالا: جائز. قال: قلت: حلال؟
فقالا: حلال. قال: قلت فكذلك النكاح حلال. ـ قال محمد: وذكر أبو
عبد اللّه مع هذا احتجاجاً احتج به عليهما لم أحفظه ـ فقالا: تبنا
منه جزاك اللّه خيراً.
(1/15)
قال محمد: وسمعت هاشم بن إبراهيم يقول: قال رسول اللّه صلى
اللّه عليه وآله وسلم: <لله عز وجل في أرضه خيرتان فخيرة اللّه من
العرب قريش، وخيرة اللّه من العجم الفرس>.
وقال الحسن بن يحيى عليه السلام ـ فيما أخبرنا زيد بن حاجب، عن ابن
وليد، عن سعدان، عن أبي جعفر محمد بن علي بن معية الحسني ـ قال:
سألت الحسن بن يحيى عن الرجل من العامة يتزوج علوية. فقال: ليس هو
بحرام ولكن لم أر أحداً من أهلي فعله.
وقال محمد: ثبت عندنا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه زوج ابنته
أم كلثوم ورقية من عثمان واحدة بعد الأخرى، وثبت عندنا أن عمر خطب
إلى علي صلى اللّه عليه ابنته من فاطمة فزوجه إياها.
قال: وجائز أن يزوج الرجل عبده ابنته، ولابد من مهر وإشهاد؛ لأن
المهر يصير لها، ويكون السيد هو الولي، أو من يأذن له أن يكون
ولياً، فإن مات الأب فسد النكاح بملك البنت بعض العبد.
مسألة: تحريم الحلال بالحرام
قال القاسم في الرجل يفجر بأم امرأته أو بنتها. قال: لايحرم حرام
حلالاً. وهو قول أهل الأثر.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما اخبرنا حسين بن القطان، عن زيد بن
محمد، عن أحمد بن يزيد، عنه ـ: وإذا فجر الرجل بأم امرأته فأنا
أكره له امرأته.
وقال الحسن أيضاً ـ فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ: وإذا
زنا رجل بأم امرأته أو بنت امرأته فقد حرمت عليه امرأته ولاتحل له
أبداً ولها الصداق بما استحل من فرجها وحرمت عليه أم امرأته لوطئه
ابنتها وحرمت عليه بنت امرأته إن كان دخل بامرأته، وإن لم يكن دخل
بها حل له تزويج بنت امرأته بعد أن يستبرئها من الماء الفاسد بثلاث
حيض، وكذلك إن زنا بأم امرأته من الرضاع فمثل ذلك قال محمد، وهذا
قول أهل الكوفة، قالوا: ما كان الحلال يحرمه فالحرام أشد له
تحريماً. قالوا: ويعتزلها بلا طلاق.
(1/16)
وقال أهل المدينة: لايحرم الحرام الحلال. قالوا: وإذا زنا بأم
امرأته أو امرأة ابنه أو امرأة أبيه لم تحرم واحدة منهن على زوجها،
ولكن لا يقربها حتى تستبرأ من الوطء الفاسد.
وروى محمد بإسناده عن علي صلى اللّه عليه وأبي جعفر عليه السلام
قالا: لايحرم حرام حلالاً.
قال محمد: والأحوط لمن زنا بأم امرأته أو ابنتها أو بامرأة ابنه أو
أبيه أن يطلق الزوج امرأته تطليقة واحدة يحلها بها للأزواج إذا
انقضت عدتها لموضع الخلاف، ولايقربها أبداً، فإذا انقضت عدتها
تزوجت من ثبات.
قال الحسن ومحمد: وإن زنا رجل بأمه حرمت الأم على أبي الواطئ.
مسألة:
قال الحسن ومحمد: وإذا زنا بأخت امرأته أو بعمتها أو بخالتها أو
بنت أخيها من رضاع أو ونسب لم يحرم ذلك عليه امرأته، ولكن لايقرب
امرأته حتى يستبرئ التي زنا بها من الوطء الفاسد.
قال محمد: يستبرئها بحيضة.
قال الحسن ومحمد: فإن كانت علقت من الزنا فلا يقرب امرأته حتى تضع
الأخرى حملها، قال اللّه عز وجل: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما
قد سلف}.
وقال علي عليه السلام: لايجمع الرجل ماءه في أختين.
قال الحسن ومحمد: وإذا زنا رجل بأخته أو عمته أو خالته أو بامرأة
أخيه من النسب لم تحرم المرأة على زوجها.
قال محمد: وإذا زنا رجل بأم امرأة ابنه أو بنت امرأة ابنه أو بجدة
امرأة أبنه من قبل الرجال والنساء لم تحرم على الإبن امرأته، وكذلك
لو زنا بأم امرأة أبيه أو بنت امرأة أبيه أو بجدة امرأة أبيه من
قبل الرجال والنساء لم تحرم على الأب امرأته.
مسألة: إذا قبّل أم امرأته أو نظر إلى فرجها
وعلى قول أحمد والقاسم ومحمد: إذا قبل الرجل أم امرأته أو ابنتها
أو جدتها أو امرأة أبيه أو امرأة ابنه أو ابن ابنه أو قبلته لم
تحرم المرأة على زوجها.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: تحرم على زوجها.
(1/17)
أخبرنا علي، عن محمد بن هارون، عن سعدان، عن محمد قال: سألت
أحمد بن عيسى عن رجل قبّل أم امرأته لشهوة. قال: الذي فعل محرم
عليه ولا تفسد عليه امرأته.
قال أحمد بن عيسى: وقد سألني فلان عن مسألة غير هذه فأجبته قلت: قد
أخبرني بها، وكانت المسألة رجل مرخته أم امرأته بدهن فانتشر فأجابه
أحمد بن عيسى أن امرأته لم تفسد عليه فاعاد عليه الرجل أني قد سألت
الفقهاء فحرموا امرأته عليه، فأجابه أحمد بن عيسى قد فهمت ما قلت،
وما سألت وما أُفتِيتَ به، وليس هو عندي بشيء، ولم تحرم امرأتك
عليك.
قال محمد: وأخبرني الرجل أنه سأل القاسم بن إبراهيم فأفتاه بمثل
ذلك. وقال له: لاتعد.
قال محمد: وإذا نظر الرجل إلى فرج امرأة متعمداً لشهوة فلا تحل له
أمها ولا ابنتها.
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نحو ذلك. قرأت في كتاب
سعدان بخطه قال محمد في رجل نظر إلى فرج امرأة ابنه أو امرأة أبيه.
قال: ليس يفسد عندي. وفي امرأة قبلت ابن زوجها لشهوة قال إبراهيم
وحسن بن صالح وأبو حنيفة: يقولون يفسد، وأنا أهاب الجواب فيه.
وروى محمد بن خليد، عن محمد، قال: سالت عن رجل قبّل امرأة حراماً
هل يحل له أمها أو ابنتها؟ قال: نعم.
مسألة: إذا لاط رجل بغلام هل له أن يتزوج بأم الغلام أو ابنته
قال محمد: وإذا لاط غلام بغلام في دبره ثم كبرا فولد للمفعول به
جارية فليس للفاعل أن يتزوجها، وإن كان أتاه في غير الدبر فمكروه
أن يتزوجها؛ لأن حد اللوطي حد الزاني، ويجب عليهما الغسل أنزلا أم
لم ينزلا.
وقال بعض أهل العلم ـ فيمن يأتي البهيمة فلا ينزل ـ قال: يغتسل.
وروى محمد بإسناده عن الحسن البصري وحسن بن صالح وسفيان أنهم كرهوا
لمن لعب بغلام أن يتزوج أمه، وكان أبو حنيفة يقول: لا تحرم.
مسألة: إذا تزوج رجل وابنه امرأتين فأدخل على كل واحد منهما امرأة
الآخر
(1/18)
قال محمد: وإذا تزوج رجل وابنه امرأتين لا قرابة بينهما فغلطوا
فأدخلوا امرأة الابن على الأب وامرأة الأب على الابن فوطئ كل واحد
منهما المرأة التي أدخلت عليه ثم علموا بغلطهم فلكل واحدة على
زوجها نصف المهر، وعلى الذي وطئها مهر مثلها، وقد حرمت كل واحدة
منهما على زوجها، ولايجوز لواحد من الرجلين أن يتزوج واحدة من
المرأتين أبداً، توعتد كل واحدة منهما ثلاث حيض.
وقد ذكر عن علي عليه السلام في مثل هذا أنه قال: يرجع الواطئ بما
أخذ منه على الذي غره.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لايرجع بشيء؛ لن الذي أخذ منه إنما هو عقر
للوطء، ولايكون وطء يدرأ فيه الحد بغير شيء.
قالوا: وإن كانت طاوعت الذي أدخلت عليه وهي تعلم بالفساد فليس لها
على زوجها نصف الصداق؛ لأنها أفسدت، وإن كانت لم تطاوعه وإنما
غلبها على نفسها فلها على زوجها نصف الصداق، ويرجع الزوج على الذي
غلبها إن أقر بذلك.
وقال أهل المدينة ـ وهو قول القاسم بن إبراهيم عليه السلام ـ:
لايحرم حرامٌ حلالاً.
وقالوا: إن الوطء لم يحرم المرأتين على أزواجهما وللمرأة على
الواطئ مهر مثلها، وعليها العدة وترجع إلى زوجها بلا تجديد نكاح.
قالوا: ولا يحرم على الأب ما نكح الابن ولا على الإبن ما نكح الأب،
إلا أن يكون النكاح حلالاً بتزويج صحيح، أو بملك يمين، فأما وطء
حرام فإنه لايفسد الحلال.
قال محمد: فإن ابتلي أحد بهذا فاشتبه عليه لموضع الخلاف فيه
فليطلقها تطليقة يحلها بها للأزواج.
مسألة: إذا تزوج رجل امرأة ثم تزوج أمها أو بنتها وهو لايعلم
قال محمد: وإذا تزوج رجل امرأة ثم تزوج أمها أو بنتها وهو لايعلم
فدخل بالأولى ثم دخل بالآخرة ثم علم أنها أمها او بنتها فقد حرمت
عليه الأولى بدخوله بالثانية وتزويج الأخيرة باطل؛ لأنها ليست له
بزوجة، ولاتحل له واحدة منهما أبداً، وللأخيرة مهر مثلها بدخوله
بها.
(1/19)
وذكر عن علي عليه السلام أنه قال: يرجع على الذي غره بما أخذ
منه وتستبرئ بثلاث حيض، وللأولى ما سمى لها من الصداق وتعتد بثلاث
حيض، وإن مات قبل أن تحيض الأولى ثلاث حيض قعدت أبعد الأجلين من
ثلاث حيض أو أربعة أشهر وعشر، ولاميراث لهما منه؛ لأن الأولى بانت
منه وحرمت عليه حين دخل بالثانية لأنها إما أمها أو بنتها، وأما
الأخيرة فلم تكن له بزوجة فترث، وإن كان دخل بالأخيرة أولاً ثم دخل
بالأولى ثم علم بذلك فقد حرمت عليه الأولى بدخوله بالثانية، وتزويج
الأخيرة باطل ولا تحل واحدة منهما أبداً، ووجب للأولى نصف ما سمى
لها من الصداق، ولها أيضاً مهر مثلها لدخوله بها بعدما حرمت عليه،
وليست له بزوجة فصار لها مهر ونصف ولا عدة عليها ولكن تستبرئ بثلاث
حيض لا عدة عليها غير ذلك مات أو عاش، وعليه للأخيرة مهر مثلها
لدخوله بها سواء كان دخل بها آخراً أو أولاً.
وإذا تزوج امرأة ولم يدخل بها ثم تزوج أمها فدخل بها ثم علم أنها
أمها فقد حرمتا عليه جميعاً ويعتزلهما بلا طلاق ولا يحل له واحدة
منهما أبداً، وللأولى ـ وهي البنت ـ عليه النصف، وللأخيرة ـ وهي
الأم ـ مهر مثلها لدخوله بها.
وإذا تزوج رجل امرأة ولم يدخل بها ثم تزو ابنتها ودخل بها ثم علم
أنها ابنتها فقد حرمت عليه الأم فلا تحل له أبداً، ونكاح البنت
باطل ويعتزلهما بلا طلاق، وله أن يتزوج البنت بنكاح جديد إذا
ابترأت من الوطء الفاسد بثلاث حيض؛ لأنها ابنة امرأة لم يدخل بها
وللأم عليه نصف المهر الذي سمي لها، وللنت مهر مثلها لدخوله بها.
مسألة: إذا تزوج أخوان أختين فأدخل على كل واحد منهما امرأته أخيه
(1/20)
قال محمد: وإذا تزوج أخوان أختين فغلط فأدخل على كل واحد منهما
امرأة أخيه فوطئها ثم علما بعدما وطئا فلكل واحدة من المرأتين على
الذي وطئها مهر مثلها. ويروى عن علي عليه السلام أنه قال: ويرجع كل
واحد منهما بما أخذ منه على الذي غره، وترد كل واحدة منهما إلى
زوجها ولايقربها الزوج حتى تستبرئ بثلاث حيض، وإن كان بواحدة منهما
حمل لم يقربها زوجها حتى تضع حملها ويثبت نسب الولد من أبيه، وإن
كانا حين علما بذلك طلق كل واحد منهما امرأته فلكل واحدة منهما على
زوجها الذي طلقها نصف المهر، ولا عدة عليها منه؛ لأنه لم يدخل بها،
ولكل واحدة منهما على الذي طئها مهر مثلها كاملاً.
وفيما روي عن علي عليه السلام: ويرجع لما أخذ منه على من غره،
وتعتد بثلاث حيض، وإن كان الذي وطئها هو الذي تزوجها فليس عليها
استبراء لأنها تعتد من مائه.
مسألة: إذا تزوج رجلان امرأة وابنتها فأدخل على كل واحد منهما
امرأة الآخر
قال محمد: ولو أن رجلين لا قرابة بينهما تزوجا امرأة وابنتها
فأدخلت الأم على زوج البنت فوطئها وأدخلت البنت على زوج الأم
فوطئها فلكل واحدة منهما على الذي وطئها مهر مثلها، وعلى زوجها نصف
المهر ولايحل لزوج البنت واحدة من المرأتين أبداً لأن الأم حرمت
عليه لتزويجه ابنتها، وحرمت عليه البنت بوطئه أمهان ولزوج الأم أن
يتزوج البنت بعد أن تستبرئ من الماء الفاسد بثلاث حيض.
وعلى قول محمد في المسألة التي قبلها ليس عليها أن تستبرئ منه، وله
أن يتزوجها لأنه إنما يستبرئ من مائه ولاتحل له الأم أبداً بوطئه
ابنتها.
مسألة: في تزويج امرأة المفقود
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه، وهو قول الحسن عليه
السلام في رواية ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ: وليس لامرأة
المفقود أن تتزوج أبداً حتى توقن بموته أو طلاقه ثم تعتد ما وجب
عليها من العدة.
(1/21)
قال الحسن ومحمد: فإن طالت غيبته فلم تتبين له حياة ولا موت،
فبلغنا عن علي صلى اللّه عليه أنه قال: ابتليت فلتصبر ولم يوقت لها
وقتاً، ولم يأذن في قسمة ميراثه حتى يتيقن موته.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا بلغ للمفقود عشرون ومائة سنة منذ يوم
ولد اعتدت امرأته أربعة أشهر وعشراص ويقسم ميراثه.
قال محمد: وبلغنا عن عمر أنه وقت لها أربع سنين.
مسألة: إذا تزوجت امرأة المفقود ثم قدم فطالب بها
فقال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول القاسم
فيما روى داود عنه، وهو قول محمد ـ: وإذا تزوجت امرأة المفقود ثم
قدم زوجها الأول فهو أحق بها، وهي امرأته ترثه ويرثها، ويعتزلها
الثاني بلا طلاق، وأيهما مات لم يرثه صاحبه، فإن كان الثاني لم
يدخل بها فلا مهر لها عليه، ولاعدة عليها يطأها الأول متى شاء، وإن
كان الأخير قد دخل بها فلها عليه المهر بدخوله بها، وعلى الزوج
الأول أن لايقربها حتى تستبرئ من ماء الزوج الأخير.
قال الحسن ومحمد: وتستبرئ بثلاث حيض.
قال محمد: وقال غيرنا تستبرئ بحيضة.
مسألة:
قال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ:
وإذا نُعِي رجل إلى امرأته فتزوجت رجلاً فولدت له ثم قدم الأول فإن
كانت جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من دخول الثاني بها فالولد
للأول، ثابت النسب منه، وإن جاءت بالولد لستة أشهر فصاعداً من
دخوله بها فالولد للثاني ثابت النسب منه؛ لأنه ناكح شبهة.
وقال محمد في النكاح: إن جاءت بولد تام لأقل من ستة أشهر منذ
تزوجها الثاني فالولد للأول، وإن جاءت به لستة أشهر فصاعداً فهو
للثاني سواء ادعياه جميعاً أو نفياه جميعاً. وكذلك قال أبو يوسف هو
في كل حال للأخير.
وقال أبو حنيفة، وحسن بن صالح: هو في كل حال للأول.
قال حسن بن صالح: إلا في خصلة واحدة، إذا نفاه الول وادعاه الثاني
فهو للثاني.
مسألة:
(1/22)
قال الحسن عليه السلام ـ في رواية ابن صباح ـ، وهو قول محمد:
وإذا تزوج رجل امرأة ثم جاء رجل آخر بشاهدين عدلين فشهدا عند
الحاكم أنها زوجته فرق الحاكم بينها وبين الأخير وردها على الو.
قال الحسن ومحمد: وإذا تزوج رجل امرأة ثم جاء رجلان فشهدا أن هذه
املرأة زوجها أبوها من فلان، وأن فلاناً توفي بعد تزويج الثاني
لها، فإن كان الأب زوجها قبل أن تدرك أو بعدما أدركت بأمرها فنكاح
الأخير باطل، والولد ثابت النسب منه لأنه نكاح شبهة ولها عليه
المهر بما استحل من فرجها ويعتزلها بلا طلاق، وهي ترث الأول، ويدرأ
عنهما الحد إن كانا لم يعلما بتزويج الأول، وإن أراد الأخير
يتزوجها فليصبر حتى تنقضي عدتها، وتستبرئ من هذا الماء الفاسد
بثلاث حيض، ثم يتزوجاه إن شاء وشاءت، وإن كان الأخير والمرأة قد
علما بتزويج أبيها إياها لم يثبت نسب الولد من الثاني وهو ولد زنا،
ويقام عليهما الحد إن كانا محصنين رجما وإن كانا بكرين جلدا.
قال محمد: وإن كان الأخير تزوجها بعد وفاة الأول وهي في عدة منه
وهو يعلم أنها في عدة فنكاحه باطل ويعتزلها بلا طلاق، ويؤدبهما
الإمام أدباً شديداً لايبلغ بهما الحد، وإن جاءت بولد لم يثبت
نسبه.
مسألة:
قال محمد: وإذا زوج رجل ابنته رجلاص فغاب الرجل فادعا الأب أن
الزوج قد مات فزوجها رجلاً غيره وأنكر ذلك أخو الجارية وزعم أن
الزوج الأول لم يمت، فالقول قول الأب، وليس للأخ في هذا اعتراض؛
إلا أن تقوم البينة عند الحاكم أن هذا الزوج حي، ويكون له خصم يثبت
عند الحاكم وكالته فيفسخ ما فعل الأب.
وسئل محمد: هل يجوز التبرع في هذا؟ فقال: إنما التبرع على حاضر
يضعف عن حجته، وليس ههنا أحد يتبرع عليه، ولو ادعت الجارية أن
زوجها الأول حي من بعد ما أقرت لأبيها بتزويج الثاني لم يكن على
الزوج الأخير أن يقبل منها إلا أن يصدقها أو تقيم بينة بما قالت،
ولكن عليها فيما بينها وبين اللّه عز جل إذا أيقنت بحياة الأول أن
لايقربها.
(1/23)
مسألة:
قال محمد: وإذا نعي رجل فتزوجت مدبرته أو أم ولده ثم قدم فإنه
يأخذها ويأخذ عقرها وقيمة أولادها يوم يقضى بينهم.
وقال بعضهم: يوم ولدوا ويكون ولدها أحرار، ويثبت نسبهم ويستبرئها
بحيضتين. وإن مات الول قبل أن يقضى بهم لم يضمن قيمتهم. ومن قال
قيمتهم يوم ولدوا ضمنه قيمتهم، وهو قول علي عليه السلام.
وإذا كان الزوج لم يدخل بها اعتزلها بلا طلاق ولاشيء عليه من
المهر.
مسألة:
وإذا التقط رجل صبية منبوذة فرباها حتى بلغت ثم باعها من رجل على
أنها مملوكة فوطئها المشتري فجاءت بولد ثم أن البائع أخبر المشتري
بخبر الجارية، وقال: كنت أرى أن بيعها يحل لي؛ فإن الجارية حرة
ويعتزلها المشتري ويرجع على البائع بالثمن، وللجارية على الجارية
مهر مثلها يدفعه إليها، والولد ثابت النسب من المشتري وتعتد
الجارية ثلاث حيض لأنها حرة، وإذا أراد المشتري أن يتزوجها كان هو
وغيره في ذلك سواء لايتزوجها إلا بعد ثلاث حيض.
وقد قال محمد في وقت آخر في مثل هذه املسألة: له أن يتزوجها لأنها
تعتد من مائه.
مسألة: هل يجوز نكاح الزانية
قال القاسم عليه السلام: إذا زنا رجل بالمرأة ثم تاب وتابت فلا بأس
بنكاحهما، وقد يجوز هذا فيهما لو كانا مشركين فكيف إذا كانا مليين.
وروى داود، عن القاسم نحو ذلك إلا أنه قال: لابأس بذلك إذا تابت
وتاب وعاد إلى ولاية اللّه بعد عداوته، وأخلص كل واحد منهما لله عز
وجل في توبته.
حدثنا علي، عن ابن هارون، عن ابن سهل، عن عثمان، عن القومسي قال:
سألت القاسم عليه السلام عن معنى قوله تعالى: {الزاني لاينكح إلا
زانية أو مشركة}. قال: كذلك الزاني لا يأتي إلا من كانت زانية
مثله، أو كان مشركاً فالشرك أكبر من الزنا.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ:
وإذا زنى الرجل بالمرأة فينبغي لهما أن يسترا على أنفسهما ويتوبا
إلى اللّه عز وجل ولابأس أن يتزوجها إذا تابت وتاب.
(1/24)
وإذا زنا رجل بامرأة ثم تاب إلى اللّه عز وجل وأراد أن يتزوجها
فليعرض نفسه عليها حراماً فإن أطاعته إلى الزنا فلا يتزوجها لأنها
غير تائبة فلا يأمن أن يلحق به ولداً ليس منه.
وروى محمد نحو ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي. وقال مثل ذلك مثل رجل
سرق شيئاً فكان حراماً عليه ثم اشتراه بعينه فكان حلالاً.
قال الحسن ومحمد: وتفسير ما ذكر عن علي عليه السلام في الزاني
والزانية أنهما لا يزالان زانيين، وإنما ذلك فيما يجب من حكمهما
أراد أنه لا حد على من قذفهما بالزنا.
قال محمد: ومنه أنها إن جاءت بولد فأنكره الزوج لم يكن بينهما
ملاعنة.
قال محمد: وسئل ابن عباس عمن زنا بامرأة أو جارية ثم أراد أن
يتزوجها فأجازه، وقال: كان أوله سفاحاً وآخره نكاحاً.
مسألة: إذا زنا بامرأة هل له أن يتزوجها من غير استبراء
قال الحسن عليه السلام ـ في رواية ابن صباح عنه ـ وهو قول محمد:
وإذا زنا رجل بامرأة ثم تابا فلا يتزوجها حتى يستبرئ رحمها من
الزنا لئلا يلحق به نسباً من الزنا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: له أن يتزوجها من غير استبراء.
قال محمد: فإن ولدت له من الزنا ولداً لم يثبت نسبه منه ولايحل قتل
الولد ولا الرمي به ولا يجبر الواطئ على النفقة على الولد من الزنا
ولا على كل ولد لا يثبت نسبه منه ولكن يستحب للواطئ أن يرضخ له
بشيء من النفقة ويستغفر اللّه عز وجل مما فعل، وإذا زنا رجل بامرأة
لها زوج مسلم فلم يتبين حملها حتى ولدت فقد قضى رسول اللّه صلى
اللّه عليه وآله وسلم أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، فالولد لزوج
المرأة وإن نفاه الزوج لاعنها.
مسألة: هل يجوز نكاح امرأة من الزنا
قال القاسم عليه السلام ـ فيما روى داود عنه ـ: ولا بأس بنكاح بنت
زنا إذا كانت محصنة مؤمنة وليست من فعل أبويها في شيء ولابأس إن
كان الزوج ولد زنا والمرأة لرشدة إذا كان مؤمناً.
(1/25)
وروى محمد بإسناد عن بعض أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم
أنه قال فيمن تزوج أو تسرى ولد زنية لأن أتزوج أمها أحب إلي من أن
أتزوجها.
قال محمد: وإذا زنا رجل بامرأة فلا يتزوج أحداً من ولدها من نسب أو
رضاع.
وروى محمد الوراق، عن سعدان، عن محمد: وإن زنا رجل بأمة فولدت له
بنتاً ثم اشتراها فينبغي له أن يعتقها ولايستعبد ولدها.
وذكر عن مالك بن أنس أنه قال: يجوز له نكاحها.
قال محمد: وهذا قول رديء. وذهب إلى قول النبي صلى اللّه عليه وآله
وسلم: <للعاهر الحجر>، فأقام هذه مقام الحجر.
مسألة:
قال محمد: وإذا زنا رجل بكر فجلد الحد وله امرأة لم يدخل بها لم
يفرق بينه وبينها وترك على حاله.
وروي عن علي عليه السلام أنه أتاه رجل فقال: إني زنيت. فقال:
أحصنت؟ فقال: قد نكحت ولم أدخل بها فضربه الحد، وفرق بينه وبين
امرأته وأعطاها نصف الصداق.
وروى محمد نحو ذلك عن سفيان بن وكيع، والوليد بن أبي ثور، وسلام بن
سليم، عن سماك، عن حنش، عن علي عليه السلام. وعن قيس، عن سماك أن
علياً أقام عليه الحد وتركهما على نكاحهما.
قال محمد: والناس على هذا الخير.
وعن إبراهيم قال: يفرق بينهما ولا صداق لها.
وعن ابن عباس أنه قال له رجل: إن امرأتي أخبرتني أنها زنت. فقال:
إن كنت صنعت مثل الذي صنعت فأقم عليها.
مسألة: هل للرجل أن يطأ جارية ولده الصغير
قال الحسن ـ فيما أخبرنا زيد، عن زيد، عن أحمد بن يزيد، عنه ـ وهو
قول محمد: ليس للرجل أن يطأ جارية ولده الصغير ولا جارية ولده
الكبير.
قال الحسن عليه السلام: فإن أراد أن يطأ جارية ولده الصغير فليبع
الجارية من غيره ثم يشتريها منه لفنسه وإن أراد أن يطأ جارية ولده
الكبير فليشترها منه أو يستوهبها منه.
مسألة:
قال محمد: ولايزوج الأب عبد ولده الصغير لأنه يغرمه مهره ويوجب على
العبد نفقة امرأته ولكن يزوج أمة ولده الصغير لأنه يكسب له مهراً
ولايزوج مملوك ابنه الكبير إلا بأذن أبيه.
(1/26)
وعلى قول محمد: يجوز للجد وللوصي أن يزوج أمة الصغير لأنه يكسب
لها مهراً.
باب ما يصح أو يفسد من النكاح
مسألة: في فساد عقد النكاح من غير ولي وشاهدين
قال أحمد، والقاسم، والحسن عليهم السلام، ومحمد: لا نكاح إلا بولي
وشاهدين.
وقال الحسن عليه السلام: أجمع آل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
وسلم على أنه لانكاح إلا بولي وشاهدين.
وقال محمد: سمعت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وعن علي، وابن
عباس، وأبي جعفر، وزيد بن علي، وعبدالله بن الحسن، وجعفر بن محمد
عليهم السلام، أنهم قالوا: لانكاح إلا بولي وشاهدين.
وقال أحمد، والقاسم، ومحمد، وسئلوا عن المرأة تولي أمرها رجلاص من
المسلمين تزوجها بغير أذن وليها. فقال أحمد: لانكاح إلا بولي للثيب
والبكر للأمر القائم عند أمير المؤمنين عليه السلام فإن أبى الولي
فذاك إلى السلطان، وأحب إلينا أن يكون القاضي، وإن كان غيره ممن
يملك الأحكام من الولاة فجائز إن شاء اللّه تعالى.
وقال القاسم ـ وهو معنى قول أحمد والحسن ومحمد ـ: وليس لأحد أن
ينكح المرأة إلا بإنكاح وليها إلا أن يعضلها الولي أو يصير إلي
المضارة لها فإن لم يكن لها ولي ولت أمرها رجلاً من المسلمين
فزوجها.
(1/27)
قال القاسم عليه السلام: ولايجوز النكاح إلا بولي وشاهدين لأن
في ذلك ترك ما بين اللّه عز وجل فيه، وخروج النساء من أبري
الأولياء وإبطال ما جعل اللّه للأولياء فيهن وما حكم به الأولياء
عليهن إلا تسمع كيف يقول لاشريك له: {وأنكحوا الأيامى منكم} أي
زوجوا، وقال: {ولاتنكحوا المشركين}، وقال: {ولاتعضلوهن أن ينكحن
أزواجهن}، فلو كان الأمر في ذلك إليهن بطل الأمر في هذا كله من
أيدي الرجال وخرج من أيدي الأولياء أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم
وحرماتهم، وكيف يعضل من ليس له أن يزوج ولقد كان هذا ومثله في
الجاهلية الجهلاء، وأنه يستعظم ويراق فيه بين الناس كثير من
الدماء، ويكون فيه فساد عظيم بين الأولياء من الرجال والنساء فكيف
في الإسلام الذي جعله اللّه يصلح ولا يفسد، ويؤكد الحقوق بين اهلها
ويسددها، ولقد أدركنا مشائخنا من أهل البيت عليهم السلام وما يرى
هذا منهم أحد حتى كان بآخره أحداث سفهاء رووا الزور والكذب.
وقد حدثني إسماعيل بن أبي أويس، عن حسين بن عبد اللّه بن ضميرة، عن
أبيه، عن جده، عن علي، عن النبي صلى اللّه عليهما أنه قال: لانكاح
إلا بولي وشاهدين. وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن
نكاح السر، وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: <أشيدوا
النكاح>. قال محمد: يعني أظهروه.
قال محمد: وإذا تزوج رجل امرأة من وليها بشهادة رجل فلما كان في غد
أشهد رجلاً آخر، فقد ذكر عن حسن بن صالح أنه أجازه.
وعن شريك، ومحمد بن الحسن أنهما لم يجيزاه. قال محمدك فأجمع القول
عندنا أن يستقبل النكاح.
قال محمد: وإذا زوجت المرأة نفسها بلا ولي ولا بينة فلا يسعه أن
يقربها حتى يتم النكاح بشهود وإجازة الولي، وإجازة القاضي إن أبى
الولي.
قال سعدان: قال محمد: وإذا تزوجت امرأة بغير أذن وليها وهو العصبة
فبلغ الولي فأجازه فهو جائز، وإن لم يجز وكان الزوج كفؤاً لها
أجبره الحاكم وهذا عضل، وقد نهى اللّه عز وجل عن العضل.
(1/28)
وروى محمد بإسناد عن عائشة قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه
وآله وسلم: <لاتنكح المرأة إلا بولي أو بأذن ولي، فإن نكحت فهو
باطل، فإن نكحت فهو باطل، فإن نكحت فهو باطل، فإن تشاجرا فلها
المهر إن كان دخل بها، والسلطان ولي من لا ولي له>.
وعن جابر قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: <لاتنكحوا
النساء إلا الأكفاء ولايزوجهن إلا الأولياء>.
وعن عكرمة قال: جمع الطريق ركباً فيهم امرأة فولت أمرها رجلاً ليس
بولي فزوجها فرفع ذلك إلى علي عليه السلام فضرب الناكح والمنكح
وفرق بينهما.
وعن علي عليه السلام قال: من نكح أو أنكح بغير أذن ولي فهو باطل.
وقال محمد: في قول علي عليه السلام لا نهز للنساء إلا بضعهن، فإذا
بلغ الحقاق النص فالعصبة أولى بهن الحقاق وقت عقدة النكاح يريد
وإذا بلغ عقدة النكاح فالعصبة أولى بالعقدة، وليس لوليها أن يزوجها
إلا بأذنها. وقوله: لانهز للنساء إلا بضعهن يقول: ليس للمرأة في
عقدة النكاح إلا بضعها في أن يجيز النكاح أو لا يجيزه وعقدة النكاح
إلى الولي وإنما لها الأذن.
وعن أبي أوس الأودي عن هذيل أن امرأة زوجها خالها وأمها فرفع إلى
علي عليه السلام فأجازه، قال يحيى: قال سفيان: لايؤخذ به لأنه نكاح
بغير ولي.
وقال حسن بن صالح: علي عليه السلام هو الولي فإذا أجازه فهو جائز
حين أجازه. وفي حديث آخر: إن عصبتها كانوا غيباً. قال محمد: هذه
امرأة كان وليها نصرانياً بالشام فزوجت الأم أذنت لخال الجارية أن
يزوجها.
مسألة: هل يصح عقد النكاح بشهادة فاسقين
قال القاسم عليه السلام: لابد في كل نكاح من إشهاد رجلين عدلين.
وقال محمد في (المسائل): لانكاح عندنا إلا بولي وشاهدي عدل. سمعنا
ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم. وعن علي عليه السلام، وابن
عباس، وأبي جعفر محمد بن علي، وزيد بن علي، وعبدالله بن الحسن،
وجعفر بن محمد عليهم السلام.
(1/29)
قال محمد: وإذا تزوج امرأة بشهادة رجلين ليسا بفاسقين إلا أن
القاضي لايجيز شهادتهما ببعض ما تجرح به الشهادة فالنكاح ثابت وإن
تزوجها بشهادة محدودين في قذف وقد تابا فالنكاح جائز.
ذكر عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام انه قال: تجوز شهادتهما
إذا تابا.
وذكر عن شريك قال: هما مسلمان. يعني يثبت النكاح وإن تزوجها بشهادة
فاسقين فقد قال حسن بن صالح وغيره: لايقربها حتى يشهد من تجوز
شهادته.
مسألة: في نكاح المتعة
قال محمد: سالت أحمد بن عيسى عليه السلام عن المتعة فلم يرها.
قال محمد: وحدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثني حاضر بن إبراهيم، عن
حسين بن زيد، قال: يحل من النساء ثلاث امرأة ترث وامرأة لا ترث
وملك اليمين. فقلت لأحمد بن عيسى: التي لاترث هي اليهودية
والنصرانية نكاحهما حلال ولايرثان. قال: هو وجهه.
قال الحسني: لاتي لاترث الأمة المسلمة، والزوجة الذمية، والاحتجاج
بالمتعة بالأمة أقوى من الاحتجاج بالذمية؛ لأن الأمة مجمعة على
جواز نكاح الأمة لمن لا يجد طولاً إلى حرة وخشي العنت، وفي نكاح
الذمية خلاف.
وقال القاسم عليه السلام: لايحل نكاح المتعة لأن المتعة إنما كانت
في سفر كان فيه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ثم حرم اللّه ذلك
على لسان رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وقد صح لنا عن علي عليه
السلام أن النبي صلى اللّه عليه وىله وسلم نهى عنها، وأما من يحتج
بهذه الآية ممن يستحل الفاحشة من الفرقة المارقة في قوله سبحانه:
{فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} فالاستمتاع هو الدخول بهن
على وجه النكاح صحيح، وإيتاؤهن أجورهن فهو إعطاء مهورهن إلا ما
وهبن بطيب من أنفسهن والتراضي هو التعاطي، ولايجوز النكاح إلا بولي
وشاهدين.
(1/30)
وقال الحسن عليه السلام: أجمع آل رسول اللّه صلى اللّه عليه
وىله وسلم على كراهة المتعة والنهي عنها. وقالوا: إنما كانت أطلقت
في سفر ثم نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عنها وحرمها،
وقالوا: نسختها العدة والمواريث، وأجمعوا على أنه لانكاح إلا بولي
وشاهدين وصداق بلا شرط في النكاح.
وقال الحسن بن يحيى، ومحمد: وسئلا عن متعة النساء أحرام هي أم حلال
أم شبهة؟ فقال محمد: متعة النساء منسوخة نسختها آية المواريث الربع
والثمن، ولانكاح عندنا إلا بولي وشاهدي عدل.
وسألت عنها أحمد بن عيسى والقاسم بن إبراهيم فقالا مثل ذلك أو
نحوه.
وقال الحسن عليه لاسلام: قد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
وسلم أباحها أصحابه في غزوة الحديبية، وكانوا خرجوا فيها مع النبي
صلى اللّه عليه وىله وسلم فطالت غيبتهم عن أهليهم فرخص لهم في
المتعة فكان الرجل يتزوج المرأة من وليها بشاهدين أياماً معلومة
بدراهم معدودة، فإن زادت الأيام زاد في المهر فلما رجع رسول اللّه
صلى اللّه عليه وآله وسلم من تلك الغزوة نهى أصحابه عن المتعة
فليست المتعة حراماً مثل الميتة والدم ولحم الخنزير ولاهي حلال
ولكنها شبهة أحلها في وقت ضرورة، ثم نهى عنها بعد ذلك، فمن تزوج
متعة خالف رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فيما نهى عنه.
مسألة:
قال محمد: وإذا قال رجل لامرأة: أستمتع منك بهذه العشرة دراهم.
فرضيت بذلك وأجاز الولي وأشهد الشهود، فإن هذا عندنا باطل حتى
يقول: أتزوجك.
مسألة:
وإذا قال: أتزوجك بهذه العشرة دراهم عشرة أيام فقد بلغنا عن علي
عليه السلام أنه أبطل مثل هذا، وقال: ليس باليوم ولا اليومين
ولاشرط في نكاح، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه.
مسألة:
(1/31)
قال محمد ـ في رواية سعدان عنه ـ: وإذا قالت امرأة لرجل: قد
وهبت نفسي لك ـ يعني ولم يشهدا فدخل بها ثم علم أنه لايحل له درئ
عنه الحد بالشبهة ولها مهر مثلها بدخوله بها، فإن جاءت بولد فنفاه
فهو ابنه، ولا حد عليه بنفيه إياه، ولمحمد احتجاج في إبطال المتعة،
قد ذكرته في آخر الكتاب.
مسألة:
قال الحسن: ومن تزوج متعة لم يجب عليه الحد؛ لأن رسول اللّه صلى
اللّه عليه وآله وسلم قال: <ادرؤا الحدود بالشبهات ما استطعتم>.
وقال في رجل وجد مع امرأة فقال: تزوجتها متعة، وأقرت المرأة بذلك
يخلي سبيلها ويفرق بينهما حتى يكون التزويج على صحة بولي وشاهدين.
ولو قال الرجل: تزوجتها متعة. فقالت المرأة: زنى بي، قبل قوله،
وتكون المرأة قاذفة له ويدرأ عنها الحد؛ لأنه حد واحد، فإذا درئ عن
واحد درئ عن الآخر.
مسألة: في وجوب النكاح أقاويل
القاسم، والحسن، ومحمد: تدل على أن النكاح ليس بواجب، وأن خطبة
النكاح ليست بواجبة ولكنها سنة.
مسألة: في وقوع النكاح الموقوف
قال أحمد، والحسن، ومحمد: يقع النكاح الموقوف على رضا المرأة وعلى
رضى الصبية إذا بلغت؛ لأن أحمد ومحمد قالا في صبية صغيرة زوجها
عمها فماتت قبل أن تبلغ قال: يتوارثان.
قال محمد بن منصور: لأنه نكاح مالم تفسخه الصبية عند بلوغها. وهذا
قول محمد بن علي عليه السلام، وأبي حنيفة وأصحابه.
وقال ابن أبي ليلى: لايتوارثان، وليس هو نكاح حتى تجيزه.
قال محمد: والأولى أن يجوز لأنه نكاح موقوف.
وقال الحسن ومحمد: وإذا زوج أحد من الأولياء سوى الأب صبية لم تدرك
فلها الخيار إذا بلغت.
وقال محمد: فالنكاح موقوف على بلوغها.
قال محمد: وإذا زوج رجل ابنه البالغ أو ابنته البالغة بغير أذنهما
فلهما الخيار إذا بلغهما، فإن جازاه جاز وإن أبطلاه بطل.
مسألة: إذا زوج الأب ابنة له صغيرة من رجل غائب
(1/32)
قال محمد: وإذا زوج رجل ابنة له صغيرة لم تبلغ أو كبيرة بأذنها
من رجل غائب أو وهبها له أو تصدق بها عليه وأشهد على ذلك فبلغ
الزوج فأجازه فالنكاح جائز، ولو أن الأب فسخ النكاح قبل أن يبلغ
الزوج وإجازته. وهو قول أبي يوسف.
مسألة: هل يجوز أن يعقد الولي النكاح لنفسه
قال محمد: قال بعض آل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وحسن،
وسفيان، وشريك، وأبو يوسف: جائز لولي المرأة أن يزوجها من نفسه إذا
استأذنها ويشهد شاهدين.
قال محمد: وأخبرني أبو الطاهر العلوي أنه فعل ذلك في نفسه.
وقال محمد ـ فيما روى ابن خليد عنه ـ وسئل عن امرأة لاولي لها ولت
أمرها الذي يتزوجها. قال: جائز.
وحضرت أبا الطاهر العلوي فعله.
وإن كان الزوج ولياً لهما وهما صغيران جاز عقده عليهما.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ: إذا تزوج العبد
بغير أذن سيده لم يكن ذلك نكاحاً.
وقال الحسن ـ فيما أخبرنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ وهو قول
محمد: إذا تزوج العبد أو الأمة بغير أذن سيدهما فالنكاح باطل إلا
أن يجيزه السيد.
قال محمد: ولو أبطل العبد النكاح أو أبطلته المرأة قبل أن يبطله
السيد بطل النكاح، وليس للسيد إجازة بعد ذلك.
وإذا تزوجت الأمة بغير أذن سيدها ثم علم بالنكاح فلم يجزه ولم
يبطله حتى مات أو حتى باعها فالنكاح باطل.
مسألة: الخيار والشرط في النكاح
قال القاسم عليه السلام: وإذا تزوج الرجل بالمرأة واشترطت عليه أن
يخرجها من مصرها أو قريتها أو دارها فلا يجوز مثل هذه الشروط في
عقدة النكاح لأن الشروط فيها على غير مدة معلومة ولا أجل محدود،
وكذلك إن اشترط عليها أن لاينفق عليها أو ينفق عليها ما شاء ويقسم
لها من الليل والنهار ما شاء فهذا أيضاً شرط مجهول، وما أحب أن
يكون في النكاح إلا شرط محدود معلوم.
وقال القاسم عليه السلام ـ فيما روى داود عنه نحو ذلك.
(1/33)
قال: وهذا ومثله يفسد كل عقدة عقد بها المعقود فيما سوى الفروج
فكيف الفروج.
وقد أجمعوا أنه لايحل فرج وفيه عقدة تمنع أو شرط إلى غير حد ولا
أجل معلوم.
وقال محمد: إذا تزوج امرأة فأصدقته واشترطت عليه أن الجماع والطلاق
بيدها أو اشترط أن لاينفق عليها أو ينفق عليها ما شاء ويقسم لها من
الليل والنهار ما شاء أو اشترط على نفسه أن لايخرجها من دارها أو
مصرها أو قريتها فالنكاح في ذلك كله ثابت جائز، والشرط باطل. وروى
نحو ذلك عن علي عليه السلام.
وإذا قال رجل لرجل: قد زوجتك ابنتي إن رضيت أمها ـ وابنته صغيرة ـ
فلا نكاح بينهما حتى ترضى الأم.
وإذا قال رجل لامرأة: أتزوجك على كذا وكذا فإن جئت بالمهر إلى كذا
وكذا وإلا فليس بيني وبينك عمل، فالنكاح ثابت إذا وقعت عقدة النكاح
وليس الشرط بشيء. وإذا قال لها: أتزوجك على كذا وكذا فإن أخرجتك من
بلدك فأمرك بيدك فالنكاح ثابت ويكره أن يكون مثل هذا الشرط في عقدة
النكاح.
وإذا تزوج رجل امرأة واشترط لها أن لك علي عشرة دراهم في كل شهر ما
عشت فإن لم أعطك فأمرك بيدك فوهبت له العشرة التي لها فأمرها بيدها
إن لم يعطها العشرة التي فرض لها ولا أعلم في هذا خلافاً، فإن هي
اختارت نفسها في مجلسها الذي كانت فيه حين لم يعطها العشرة الدراهم
فقد بانت منه بتطليقة، وإن اخترات زوجها في مجلسها ذلك بطل خيارها
باختيارها إياه وبطلت العشرة بهبتها إياها له، وإن قامت من مجلسها
ذلك ولم تختر نفسها ولا زوجها فقد بطل خيارها بتركها الاختيار
وبطلت العشرة عن الزوج بالهبة، وإذا تزوج امرأة على مهر معلوم على
أن يؤخرها بالمهر إلى أجل معلوم فالناس على أنه إلى أجله.
وإن قال: أؤخرك ولم يضرب أجلاً فهو حال.
وروى محمد بإسناد، عن علي عليه السلام قال: لاينكح الأعرابي
المهاجرة إلا على أن لايخرجها من دار الهجرة.
مسألة: في التحليل
(1/34)
قال الحسن عليه السلام: وإذا طلق امرأته ثلاثاً فلا تحل له حتى
تنكح زوجاً غيره ويدخل بها الثاني على غير تحليل ولا مواطأة من
الزوج الأول لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لعن المحلل
والمحلل له.
وقال محمد: وإن قال لامرأة أتزوجك بهذه العشرة دراهم عشرة أيام.
فقد بلغنا عن علي عليه السلام أنه أبطل مثل هذا. وقال ليس باليوم
ولا باليومين، ولاشرط ولاشرط في نكاح.
وروى محمد بإسناد، عن الحارث، عن علي عليه السلام أنه قال المحلل
والمحلل له.
وعن عمر بن علي، عن علي عليه السلام في رجل طلق امرأته ثلاثاً، ثم
ندما فاصطلحا على أن يأمرا رجلاً بغير علمك ولا أمرك فإن نكحت بغير
أمرك نكاح الإسلام فجامعها ثم طلقها فحل أجلها فانكحها إن شئت
وشاءت.
وعن سفيان فيمن تزوج امرأة ليحلها لزوجها فأعجبته فأراد إمساكها.
قال: يجدد النكاح.
وعن شريك قال: إن كان يشرط لها أن يحلها لم يمسكها، فإن لم يكن شرط
فله أن يمسكها.
وعن حسن، قال: لايجزئه النكاح يستقبل نكاحاً جديداً.
مسألة: نكاح الشغار
قال محمد: نكاح الشغار لا يجوز، وهو أن يقول رجل لرجل: أزوجك ابنتي
أو أخي على أن تزوجني ابنتك على أن مهر ابنتي تزويجك إياي ابنتك
ولا يكون لواحد منا على الآخر صداق لابنته فتكون كلواحدة منهما
مهراً لصاحبتها، وهذا شيء كان يفعل في الجاهلية، فجاء رسول اللّه
صلى اللّه عليه وآله وسلم بتحريمه على أهل الإسلام، فإن فعله فاعل
في الإسلام بجهل فأحب إلينا لكل واحد منهما أن يبتدئ تزويجاً
جديداً على ما أمر اللّه به وسنة رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: النكاح صحيح ولكل واحدة منهما مهر مثلها.
مسألة: نكاح المحرم وإنكاحه
قال القاسم عليه السلام: لايزوج المحرم نفسه ولا غيره. وكذلك قال
محمد: لاينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب على أحد. ذكر ذلك عن النبي
صلى اللّه عليه وآله وسلم، فأما الشهادة فلا شيء عليه فيها.
(1/35)
قال محمد: ولا أعلم بين آل رسول اللّه صلى اللّه عليه وىله وسلم
اختلافاً في أن المحرم لا يتزوج ولا يزوج.
وروى محمد، عن علي عليه السلام انه قال: لاينكح المحرم ولا ينكح،
فإن نكح فنكاحه باطل.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس بذلك.
وإنما اختلف الناس في نكاح المحرم لأن ابن عباس روى عن النبي صلى
اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: تزوج ميمونة وهو محرم. وروى غيره
أنه تزوجها وهو حلال.
وإذا طلق الرجل امرأته طلاقاً يملك فيه الرجعة فله أن يراجعها في
عدتها وهو محرم، وليس هذا بتزويج مستقبل، وإنما تكون رجعته إياها
بلسانه يقول: قد راجعتك، أو يقول: اشهدوا أني قد راجعتها، وليس
يحتاج في الرجعة إلى مراضاة المرأة، والتزويج لابد فيه من مراضاة
المرأة.
مسألة: نكاح المريض
قال محمد: نكاح المريض والمريضة جائز، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه
وأيهما مات ورثه صاحبه، فإن طلقها في مرضه قبل أن يدخل بها ثم مات
بعد ذلك فلها عليه نصف المهر، وإن كان تزوجها في مرضه على أكثر من
مهر مثلها جاز لها من ماله بقدر مهر مثلها، وكان الباقي ميراثاً.
مسألة: فيمن تزوج امرأة في عدتها من غيره
قال القاسم ـ فيما روى داود عنه ـ، والحسن ـ فيما روى ابن صباح عنه
ـ، ومحمد في (المسائل): وإذا تزوج رجل امرأة وهي في عدتها من غيره
وهو لايعلم فالنكاح باطل، ويعتزلها بلا طلاق، ولايتوارثان.
قال محمد: وإن جاءت بولد ثبت نسبه، وإن كان تزوجها في عدتها وهو
يعلم أن ذلك لا يحل له لم يثبت نسب الولد منه. قال ذلك حسن بن
صالح.
وقال محمد في (المسائل): يثبت نسبه لأنه اسم نكاح ذكر ذلك عن أبي
حنيفة.
قال محمد: ولامهر لها إن كان لم يدخل بها، وإن دخل بها فلها مهر
مثلها، وإن أراد أن يتزوجها نكاحاً مستقبلاً صبر حتى تستبرئ من هذا
الوطء الفاسد بثلاث حيض.
مسألة: فيمن عقد على حامل من الزنا أو غيره
(1/36)
قال محمد: وإذا تزوج رجل امرأة وهي حامل من الزنا أو في عدة من
الزنا فالنكاح باطل لايجوز، ولا مهر لها إن كان لم يدخل بها، وإن
كان قد دخل بها فلها عليه مهر مثلها بدخوله بها، ويعتزلها بلا
طلاق، وهذا قول حسن بن صالح وأبي يوسف.
وقال محمد في وقت آخر: أستحب أن يعتزلها بطلاق لموضع الخلاف، لأن
أبا حنيفة وشريكاً قالا: يجوز النكاح ولا يقربها حتى تقضي العدة من
الزنا.
قال محمد: وإن أراد أن يتزوجها وهي في عدة من الزنا فلا يتزوجها
حتى تستبرئ من هذا الماء الفاسد بثلاث حيض، فإن كان تزوجها في
عدتها ودخل بها فجاءت بولد ثبت نسبه لأن العدة من الزنا ليست بفراش
فيدعي الولد غيره، وإن كانت حاملاً من الزنا فلا يتزوجها حتى تضع
حملها سواء كان الحمل منه أو من غيره، ولايجوز له أن يستلحق الولد
إن كان الوطء منه.
وروي عن الزهري قال: قضى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أيما رجل
تزوج امرأة فوجدها حبلى إنما في بطنها عبد له مملوك بما غر منها.
وعن سعيد بن المسيب، عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نحو ذلك.
قال محمد: إن كان هذا الحديث صحيحاً فإنه منسوخ، وإذا تزوج رجل
امرأة فمكثت عنده خمسة أشهر ثم ولدت ولداً تاماً وعاش لم يلحق به
نسبه، وإن ولدته لستة أشهر من يوم دخل بها فالولد ولده ثابت النسب
منه، وإن جاءت بولد لخمسة أشهر فأقامت البينة أنه تزوجها من ستة
أشهر لزمه الولد؛ لأن البينة بينتها، وإن أنكر الزوج لاعن.
وإذا طلق الرجل امرأته تطليقة فادعت انقضاء عدتها فتزوجت زوجاً
فمكثت عنده شهراً فظهر بها حمل فهي امرأة الأول والولد ولده، فإذا
وضعت حملها بانت منه بتطليقة فلتزوج من شاءت، وإن كان الحمل لجماع
منه لها في عدتها لم تبن منه، وإن وضعت حملها لأن ذلك الجماع رجعة.
(1/37)
وإذا تزوج امرأة وهي حامل من الزنا فلم يعلم بذلك حتى مات
فالتزويج باطل، فإن كان لم يدخل بها فلا مهر لها ولاميراث لها
ولاعدة عليها منه، وإن كان دخل بها فلها عليه مهر مثلها بدخوله بها
ولاميراث لها وعدتها منه كانت استبراء بثلاث حيض، فلما كان وطئه
إياها على حمل ليس منه كان استبراءها بوضعها حملها كافياص من
الاستبراء بثلاث حيض.
وفي قول أبي حنيفة: النكاح ثابت. ولها ما سمي لها وتعتد منه أربعة
أشهر وعشراً ولاتزوج حتى تضع حملها، فإن تزوجت بعد أربعة أشهر وعشر
فهو جائز ولا يقربها حتى تضع حملها، فإن تزوجت بعد أربعة أشهر وعشر
فهو جائز، ولايقربها حتى تضع حملها.
قال أبو جعفر محمد بن منصور: بئس ما قال أبو حنيفة.
مسألة:
وعلى قول محمد: إذا دخلت أيضاً امرأة من أهل الحرب مسلمة فتزوجت
فالنكاح باطل.
وقال ابو حنيفة: النكاح جائز، ولايقربها الزوج حتى تضع حملها.
مسالة:
وعلى قول محمد في هذه المسألة المتقدمة إذا مات الصبي عن امرأته
وهي حامل نظر فإن كانت حملت قبل عقد النكاح فلا عدة عليها لأنه
نكاح باطل، وإن كانت حملت بعد النكاح فعدتها أن تضع حملها، وإن كان
الحمل حدث بعد موته قبل انقضاء العدة فعدتها أربعة أشهر وعشر.
مسألة: في تزويج البالغ البكر والثيب
قال القاسم ومحمد ـ وهو معنى قول الحسن فيما أخبرنا زيد عن زيد، عن
أحمد، عنه ـ: ولايزوج الأب ابنته البالغة إلا بأذنها بكراً كانت أو
ثيباً، فإن زوجها بغير أذنها فالأمر أمرها، إن أجازته جاز، وإن
أبطلته بطل. قال محمد: وهذا قول الكوفيين.
وقال ابن أبي ليلى: إن كانت بكراً فلا أمر لها مع أبيها، وإن كانت
ثيباً فالأمر أمرها.
قال محمد: وكذلك إن زوج ابنه البالغ بغير أذنه فله الخيار في إجازة
النكاح فإن اجازه جاز وإن لم يجزه لم يلزمه ولا صداق عليه.
(1/38)
قال القاسم ـ فيما روى داود عنه ـ: وقد كانت خنساء بنت جذام
أنكحها أبوها وهي ثيب فجاءت إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم
فرد نكاحها. وقال: الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في
نفسها وأذنها صماتها. وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم
فيما أذكر إذا أراد أن يزوج إحدى بناته ستر بينه وبينها ستراً ثم
ذكر لها من ذكرها فإن خطت بأصبعها في الستر لم يزوجها وإن سكتت عن
ذلك علم أن قد رضيت فزوجها.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه كان إذا
أراد أن يزوج بعض بناته أتاها فضرب على فخذها ثم قال: إن فلاناً
يذكر فلانة ثم يزوجها. وعن النبي صلى اللّه عليه وىله وسلم أنه
قال: لا تزوجوا النساء إلا بأذنهن.
وعن أبي سلمة أن رجلاً زوج ابنته وهي كارهة فأتت النبي صلى اللّه
عليه وآله وسلم فقالت: يارسول اللّه إن أبي زوجني وأنا كارهة وعم
ولدي أحب إلي فأرسل عليه السلام إليه. فقال: زوجت ابنتك وهي كارهة؟
قال: نعم أنا أبوها ولم آلها. فقال النبي صلى اللّه عليه وآله
وسلم: إذهب فلا نكاح لك. وقال لها: تزوجي من شئت.
وعن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
<الأيم أولى بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها، وأذنها
صماتها>. قال محمد: الأيم أذنها كلامها لا أو نعم، والأيم المرأة
التي لا زوج لها، والبكر أذنها صماتها ـ يعني إذا كان المستأمر لها
ولياً ـ.
وعلى قول محمد ـ فيما روى سعدان عنه ـ: وإن كان المستأمر أجنبياً
لم يكن سكوتها أذناً حتى يقول: نعم. وعلى قول محمد في هذه المسألة:
إذا زوج الولي بالغاً بغير أمرها فإن كانت ثيباً لم يجز العقد إلا
أن تجيزه بقول أو فعل يدل على الرضى مثل أن تمكنه من نفسها فيطأها
أو تطالبه بمهر أو نفقة، وإن كانت بكراً فبلغها ذلك فضمنت جاز
النكاح، وإن كان المزوج أجنبياً لم يجز النكاح عليها بالسكوت، ولا
يجز إلا بقول أو فعل يدل على الرضا.
(1/39)
وقال محمد ـ فيما حدثنا حسين، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ
وسئل عن البكر تستأذن في التزويج فتبكي فقال: هو أذنها. فقيل له:
في نفسك من هذا شيء؟ فقال: انظر فيه.
قال محمد: وإذا زوج الرجل ابنه البالغ وابنته البالغة وهما كارهان
فأجازا النكاح جاز. قال: وبلغني عن أبي يوسف قال: إذا استأمر الولي
بكراً بالغاً في أن يزوجها نفسه فسكتت فزوجها نفسه فهو جائز، وإن
كان تزوجها ولم يستأمرها ثم بلغها فسكتت فجائز وهو قياس قول ابن
أبي ليلى.
وفي قول أبي حنيفة: لايجوز.
وقال الحسن، ومحمد: وإذا زوج المرأة أبوها بغير أذنها فأبطلته ثم
كلمت بعد ذلك فأجازته لم يجز إلا بنكاح مستقبل.
مسألة: في الصغيرة يزوجها أبوها
قال أحمد، والقاسم، والحسن، ومحمد: وإذا زوج الأب ابنه أو ابنته
وهما صغيران جاز عليهما ولا خيار لهما إذا بلغا.
قال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه ـ وهو قول محمد في
(المسائل): وإذا زوج الأب ابننة له صغيرة كفؤاً لها فلما أدركت
أنكرت النكاح فإن التزويج يلزمها ولا خيار لها إذا بلغت ولها ما
يبقى لها من الصداق، وإن كان لم يسم صداقاً فلها مهر مثلها، ولها
أن تمنع الزوج من أن يدخل بها حتى يوفيها جميع مهرها. قالا: وإذا
زوج الأب ابناً له صغيراً فلما أدرك فسخ النكاح لم يكن فسخه فسخاً
ولزمه النكاح إذا كان عدلاً لا ضراراً، وإن مات الأب قبل بلوغ
الصبي فلا خيار له إذا كبر وعليه المهر كاملاً، إن كان دخل بها،
ونصف المهر إن كان لم يدخل بها.
مسألة: في الصغية يزوجها جدها
قال أحمد بن الحسين: قال القاسم عليه لاسلام: ولاينكح الصغيرة إلا
أبوها.
وقال محمد ـ وهو معنى قول الحسن عليه السلام ـ: وإذا زوج الصبي أو
الصبية جدهما أبو أبيهما فلهما الخيار إذا بلغا لأن الأب لو أسلم
كان ولده الصغار مسلمين بإسلامه، ولو أسلم الجد لم يكن ولد ابنه
الأصاغر مسلمين بإسلامه.
(1/40)
وقال محمد في وقت آخر: يلزمهما النكاح ولا خيار لهما إذا بلغا.
وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه.
مسألة: في الصغيرة يزوجها عمها
قال أحمد، والحسن، ومحمد: وإذا زوج الأخ أو العم ـ قال الحسن
ومحمد: أو أحد من الأولياء سوى الأب ـ صبية لم تبلغ فلها الخيار
إذا بلغت في إجازة النكاح أو إبطاله.
قال الحسن ومحمد: فإن أجازته جاز ولها ما سمى لها من المهر، وإن
أبطلته بطل ولا شيء لها من المهر، فإن أجازته بعد أن قالت لا أجيزه
لم يجز إلا بنكاح مستقبل.
قال أحمد، والحسن، ومحمد: وأيهما مات قبل بلوغهما ورثه صاحبه.
قال محمد: لأنه نكاح جائز حتى يبطله.
قال سعدان: قال محمد: لأن الذي زوجها ولي. ذكر ذلك عن جعفر بن محمد
عليه السلام. وقال اللّه عز وجل في جواز تزويج اليتامى: {وإن خفتم
أن لاتقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} فكيف يؤمر
بالقسط في النكاح من لا يجوز له أن يزوج.
وقال عز وجل: {ويستفتونك في النساء قل اللّه يفتيكم فيهن وما يتلى
عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن
وترغبون أن تنكحوهن}، فعاتبهم اللّه في نكاح اليتامى ولم يكن
يعاتبهم على ذلك ونكاحهن لا يجوز.
وعلى قول محمد هذا إن زوج الصغيرة غير ولي فأيهما مات قبل بلوغها
لم يرثه صاحبه لأنه ليس بنكاح حتى تجيزه.
قال محمد: ولو زوجها ولي فأبطلته قبل بلوغها لم يبطل ولا خيار لها
حتى تبلغ، فإذا بلغت فأبطلته بطل.
وقال محمد في وقت آخر: فإن اخترات نفسها وفرق الحاكم بينهما بطل
النكاح، وكانت فرقة بغير طلاق، وإن أبطلته ثم مات أحدهما قبل أن
يفسخ الحاكم النكاح يقولون فهما يتوارثان ـ وهو قول ابي حنيفة
وأصحابه ـ، وكذلك قالوا في الغلام إذا بلغ فاختار الفسخ لم ينفسخ
إلا أن يفسخه الحاكم.
(1/41)
قال محمد: فإن دخل بها قبل أن تبلغ فلها الخيار إذا بلغت، وليس
دخوله بها يبطل حكم الخيار، فإن اختارت نفسها وفسخ الحاكم النكاح
فلها ما سمى لها من الصداق بدخوله بها وعليها العدة ثلاث حيض.
وروى محمد، عن حسن بن صالح، قال: لها السكنى ولا نفقة لها.
قال محمد: وإذا زوج الأخ أو العم صبياً لم يدرك فله الخيار إذا بلغ
فإن أجازه جاز وإن أبطله بطل.
مسألة:
قال الحسن، ومحمد: وإذا أرادت المرأة فسخ النكاح عند بلوغها فتشهد
في وقت بلوغها أنها قد فسخت النكاح.
قال سعدان: قال محمد: فإن قامت من مجلسها فلا خيار لها.
قال الحسن عليه السلام: ويجوز أن يشهد وليها شاهدين أنه قد فسخ
النكاح بأمرها وعليها اليمين بالله أنها ساعة بلغت لم يرض بالنكاح.
قال محمد: فإذا قدمت إلى الحاكم سألها الحاكم متى بلغت. فإن قالت:
أمس أو اليوم أو أي وقت وقتت قبل مجلس الحاكم فإن الحاكم يسألها
البينة على ما ادعت من فسخ النكاح، فإن أتت بشاهدين عدلين فشهدا
لها بفسخ النكاح في الوقت الذي ذكرت أنها بلغت فيه حكم لها بفسخ
النكاح، وإن لم تأت ببينة لم يقبل الحاكم دعواها ولم يرض منها
باليمين في ذلك، وإن قالت الساعة بلغت عندك في مجلس الحاكم كان
القول قولها مع بينتها فإن حلفت قبل قولها، يعني وإن لم تحلف لزمها
النكاح.
وقال أبو حنيفة: القول قولها ولايمين عليها.
مسألة: في المرأة الصغيرة يزوجها غير ولي
قال القاسم عليه السلام ـ فيما روى داود عنه ـ: ولا أحب أن يعقد
الوصي للصبيين لأن اللّه عز وجل جعل للأب في ولده مالم يجعل لغيره.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا القاضي محمد بن عبدالله، عن علي بن عمر ـ:
وعنه ثبت لنا عن آل محمد عليهم السلام أنهم قالوا: لانكاح للوصي.
وقال سعدان: قال محمد: وليس للحاكم أن يزوج لايتيمة حتى تدرك.
وقال أبو حنيفة: إذا زوجها القاضي فلا خيار لها إذا بلغت. وقال بعض
أصحابه: لها الخيار.
(1/42)
وعلى قول محمد: إذا زوج المرأة أو الصبية غير ولي بغير علم
الولي فالنكاح باطل إلا أن يجيزه الولي، وأيهما مات قبل إجازة
الولي لم يرثه صاحبه، وإن كان كفؤاً لأنه قال: وإذا زوج بعض
الأولياء امرأة ولها ولي أولى بإنكاحها منه لم يجز النكاح إلا أن
يجيزه الذي هو أولى. يعني محمد أنهما لايتوارثان قبل أن يجيزه الذي
هو أولى، فإذا أجازه جاز وكان نكاحاً موقوفاً على إجازة المرأة،
فإن اجازته جاز وإن أبطلته بطل.
روى محمد بإسناد عن أبي جعفر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه
وآله وسلم: <لانكاح إلا بولي، فمن لم يكن له ولي فالسلطان وليه>.
وعن عائشة قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: <لاتنكح
المرأة إلا بولي، فإن نكحت بغير ولي فنكاحها باطل، والسلطان ولي من
لا ولي له>.
باب ما يفسد به النكاح من الملك
قال محمد: ولايجوز أن يتزوج الرجل أمته ولا مدبرته ولا مكاتبته ولا
أم ولده، ولايجوز أن تتزوج المرأة عبدها ولا مدبرها ولا مكاتبها،
وإذا تزوج رجل أمة من سيدها ثم ملكها أو بعضها فسد النكاح، وكذلك
إذا تزوجت المرأة عبداً ثم ملكته أو جزءاً منه فسد النكاح.
مسألة: حد بلوغ الغلام والجارية
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ، والحسن عليه السلام
ـ فيما روى ابن صباح عنه ـ، وهو قول محمد: حد بلوغ الغلام أن يحتلم
أو يبلغ خمسة عشر سنة.
قال الحسن ومحمد: وحد بلوغ الجارية أن تحيض أو تبلغ خمس عشرة سنة.
وقال محمد: فإن لم يدرك الغلام ولم تُعرف سِنُوُه فإدراكه أن ينبت
الشعر الأسود، فإذا بلغ ذلك جاز أن يتزوج ويزوج، وجاز الحكم عليه
وله، وكذلك بلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في بني قريظة
أنه قتل من أنبت منهم، وإذا ارتد الغلام أو الجارية لم تكن ردتهما
ردة ولا إسلامهما إسلاماً حتى يدركا أو يبلغا من السن خمس عشرة
سنة، وعلى هذا أكثر العلماء وبه نأخذ.
(1/43)
وقال بعضهم: إذا ارتد الغلام وهو ابن ثلاث عشرة سنة ولم يحتلم
فردته ردة وإسلامه إسلام إذا عقل ما له وما عليه وصار في حد يشترى
مثله ويبيع.
وقال محمد في موضع آخر: وإذا زوج الذمي ابنه وهو صغير صبية صغيرة
من أبيها فهما على نكاحهما، فإن كبرا وعقلا الإسلام ولم يبلغا
فأسلما فإسلامهما إسلام وهما على نكاحهما. قال ذلك كثير من
العلماء.
وقال أبو حنيفة: لاتكون ردة الغلام ردة حتى يحتلم أو يبلغ ثماني
عشرة سنة، والجارية حتى تحيض أو تبلغ سبع عشرة سنة.
مسألة: إذا عقد النكاح بلفظ الهبة
قال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه ـ وهو قول محمد:
وإذا وهب رجل لرجل بنتاً له صغيرة لم تبلغ على وجه التزويج أو تصدق
بها عليه ولم يسم صداقاً، فقال: اشهدوا أني قد وهبت له ابنتي. أو
قال: تصدقت بها عليه. فقال الرجل: قد قبلت فالنكاح جائز، ولا خيار
لها إذا بلغت ولها على الزوج مهر مثلها.
قال محمد: وكذلك إن كانت بالغة.
مسألة: إذا عقد النكاح بلفظ الهبة
قال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه ـ، وهو قول محمد:
وإذا وهب رجل لرجل بنتاً صغيرة لم تبلغ على وجه التزويج أو تصدق
بها عليه ولم يسم صداقاً. فقال: اشهدوا أني قد وهبت له ابنتي. أو
قال: تصدقت بها عليه. فقال الرجل: قد قبلت فالنكاح جائز، ولا خيار
لها إذا بلغت، ولها على الزوج مهر مثلها.
قال محمد: وكذلك إن كانت بالغة ورضيت بذلك فالنكاح جائز ولها مهر
مثلها. وكذلك قال أبو حنيفة، قال: وكل شيء يكون في الأمة تمليكاً
للرقبة مثل الهبة والصدقة فهو في الحرة نكاح.
(1/44)
قال محمد: وكذلك إن قال: اشهدوا على أني قد تصدقت بابنتي على
ابن أخي وهو صغير في حجره فالنكاح جائز، وقبض العم لابن أخيه قبض،
ولها مهر مثلها على زوجها، وكذلك لو قال: قد وهبتها أو تصدقت بها
على فلان وهو صبي صغير في حجر عمه. فقال عمه: قد قبلت فالنكاح جائز
ولها مهر مثلها، وكذلك لو قالت امرأة لرجل اشهدوا أني قد وهبت له
نفسي أو تصدقت عليه بنفسي على جهة النكاح. فقال: قد قبلت فالنكاح
جائز إذا أجازه الولي ولها مهر مثلها.
ولو قال رجل: اشهدوا أني قد أبحت فلاناً ابنتي أو قد أحللت لفلان
بانتي وهي صغيرة لم يجز ذلك سواء قال: قد قبلت او لم يقل، وكذلك لو
قالت امرأة اشهدوا أني قد أبحت فلاناً نفسي أو قد أحللته من نفسي
لم يجز ذلك سواء قال: قد قبلت أو لم يقل.
مسألة: فيمن أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة
قال القاسم ـ فيما روى داود عنه ـ وهو قول محمد: وإذا تزوج المجوسي
عشر نسوة في عقود متفرقة ثم أسلم وأسلمن فليمسك الأربع الأول من
نسائه ويفارق ما سواهن من بعدهن، وكذلك إن أسلم وعنده أختان فليمسك
الأولى ويفارق الأخيرة منهما.
وقال محمد: إذا تزوج المشرك خمس نسوة أو أكثر في عقدة واحدة ثم
أسلم وأسلمن بطل نكاحهن جميعاً وله أن يتزوج منهن اربعاً بنكاح
مجدد.
ولو أن مشركاً تزوج امرأتين في عقدة ثم تزوج ثلاثاً في عقدة، ثم
أسلم وأسلمن ثبت نكاح الثنتين وبطل نكاح الثلاث. وكذا لو تزوج
ثلاثاً في عقدة ثم اثنتين في عقدة ثبت نكاح الثلاث وبطل نكاح
الاثنتين.
ولو تزوج امرأة في عقدة ثم أربعاً في عقدة ثم ثلاثاً في عقدة ثبت
نكاح الأولى والثلاث وبطل نكاح الأربع.
وقال الحسني: وقول محمد هذا كله هو قول إبراهيم وأبي حنيفة وأبي
يوسف والثوري.
وقال الأوزاعي، ومالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن: إذا تزوج أكثر من
أربع في عقدة واحدة ثم أسلموا فله أن يختار منهن أربعاً.
(1/45)
وروى محمد بإسناده عن أبي مسعود الثقفي أنه أسلم وعنده تسع نسوة
إحداهن بنت أبي سفيان فخيره النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم منهن
أربعاً فاختار بنت أبي سفيان في الرابعة.
مسألة: وإذا تزوج رجل امرأتين في عقدة فوجد إحداهما مما لا يحل له
نكاحها
قال محمد في (النكاح) ـ وهو آخر قوليه ـ: وإذا تزوج رجل امرأتين في
عقدة واحدة فوجد إحداهما أمه أو أخته أو ذات رحم محرم منه من نسب
أو رضاع وهو لايعلم ثبت نكاح الأجنبية وبطل نكاح الأخرى وللذي ثبت
نكاحها حصتها من المهر إن كان سمى لها مهراً واحداً، وإن لم يكن
سمى لها مهراً فلها مهر مثلها، ولاشيء للتي بطل نكاحها إن كان لم
يدخل بها، وإن كان قد دخل بها أخذته بالمهر أو بما بقي عليه منه.
وقال بعضهم: لاتأخذ منه شيئاً لا يحسن أن تأخذ المرأة مهرها من
ابنها ولا من أخيها ولامن ذي رحم محرم، وكذلك لو تزوج امرأتين في
عقدة واحدة فوجد إحداهما مشركة أو امرأة قد كان طلقها ثلاثاً ولم
تزوج غيره أو وجد إحداهما أخت امرأته أو عمتها أو خالتها ثبت نكاح
الأجنبية وبطل نكاح الأخرى على ماوصفت.
ولو تزوج مسلمة ويهودية ونصرانية ومجوسية في عقدة واحدة بطل نكاح
المجوسية وثبت نكاح البواقي.
وقال في المجموع وهو قول الأول ثم رجع عنه: إذا تزوج رجل امرأتين
مسلمتين في عقدة فوجد إحداهما أمه أو أخته أو ذات رحم محرم منه من
نسب أو رضاع وهو لايعلم فنكاحها باطل منفسخ بغير طلاق، ولا شيء
لواحدة منهن، وإن كان دخل بالأجنبية منهما فلها الصداق بما استحل
من فرجها، وإن كان دخل بالتي بينه وبينها رحم محرم فإن كانت قد
أخذت الصداق لم يرجع به عليها، وإن كانت قد أخذت بعضه لم ترجع عليه
بما بقي، وإن كانت لم تأخذ منه شيئاً ففي هذا قولان: قال قوم:
لاتأخذ منه شيئاً لنه لا يصلح أن تأخذ صداقها من ابنها أو من
أخيها، وكذلك كل ذي رحم محرم.
مسألة: إذا أسلم الذمي قبل امرأته
(1/46)
قال القاسم ـ فيما روى داود عنه ـ: وإذا أسلم الذمي قبل امرأته
أو أسلمت قبله والمرأة مدخول بها فهما على نكاحهما إن كان إسلامهما
جميعاً قبل انقضاء العدة، فإن انقضت عدتها قبل أن يسلم انقطعت
بينهما عصمة النكاح وعقدته لقوله سبحانه: {ولاتنكحوا المشركات حتى
يؤمن}، وإمساكهن بعد شركهن كذي نكاحهن.
وقد قال غيرنا: لابد من تجديد النكاح وليس قولهم بشيء يلتفت إليه
ولايصح إن شاء الله.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما أخبرنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه
ـ: وإذا أسلمت المرأة ثم أسلم زوجها في عدتها فليستقبلا النكاح.
وقال محمد: إذا كان تحت النصراني نصرانية فأسلم الزوج فهما على
نكاحهما وهي امرأته على حالها إن شاء طلق وإن شاء أمسك، وإن أسلمت
امرأته ولم يسلم هو وهي مدخول بها عرض عليه الإسلام فإن أسلم فهما
على نكاحهما وإن لم يسلم فرق بينهما وهما على النكاح مالم يفرق
الحاكم بينهما أو يخرج بها من دار الهجرة أو تحيضن ثلاث حيضن، ولكن
لا يقر بها لا يعلو نصراني مسلمة فإن فرق الحاكم بينهما أو خرج بها
من دار الهجرة أو حاضت ثلاث حيض فقد بانت منه. وهو قول حسن بن
صلاح، ولها المهر كاملاً.
قال محمد: وقال ابن أبي ليلى، وابن شبرمه: إن أسلمت ولم يسلم أنتظر
حتى تحيض ثلاث حيض فإن أسلم وإلا فرق بينهما.
قال محمد: وإن كان لم يدخل بها فقد بانت منه ساعة أسلمت ولها نصف
المهر، وإن كان دفع إليها المهر ردت إليه نصف المهر لأن إسلامها
بمنزلة الطلاق لأنها دعته إلى الحق يعني أن إسلامها تطليقة بائن،
وإذا أسلمت وأبى هو أن يسلم فرق الحاكم بينهما، وفرقة الحاكم فرقة
بغير طلاق، ولو طلقها بعدما فرق بينهما، وهي في العدة لو وقع عليها
طلقة، ولو أسلم وهي في العدة فتزوجها كانت معه على ثلاث تطليقات.
(1/47)
وقال محمد في موضع آخر: وفي قول علي إذا أسلمت امرأة النصراني
قبله فهو أحق بها مالم يحكم الحاكم بالفرقة بينهما أو يخرجها من
دار الهجرة أو يلحق هو بدار الحرب.
وقال ابن عباس: وقعت الفرقة بينهما ساعة أسلمت فإن أسلم هو بعد ذلك
وهي في العدة استقبلا النكاح.
وروي عن ابن عباس أيضاً قال: أسلمت امرأة على عهد رسول اللّه صلى
اللّه عليه وآله وسلم فتزوجت رجلاً غير زوجها. فقال: يارسول اللّه
إني قد أسلمت معها، وعلمت بإسلامي فرداه النبي صلى اللّه عليه وآله
وسلم على زوجها الأول.
وعن ابن عباس أيضاً أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم رد زينب بنت
أبي العاص ابن الربيع بعد ست سنين على النكاح الأول، وإذا أسلم
الذمي وامرأته مجوسية عرض عليهما الإسلام فإن أسلمت وإلا فرق
بينهما وهذا على قول من قال الكفر كله ملة واحدة.
وعلى قول محمد: إذا انتقل الذميان إلى غير دينهما أو اعتقدا ديناً
آخر فهما على النكاح وكذلك إن أسلم أحدهما، وإذا أسلم المجوسي قبل
امرأته أو أسلمت قبله وهي مدخول بها فهما على نكاحهما إن كان
إسلامهما في العدة.
وقال بعضهم: يستقبلان النكاح، وإن كان لم يدخل بها فرق بينهما.
مسألة:
وإذا أسلم الذمي قبل امرأته ثم ارتد عن الإسلام قبل أن يعرض على
امرأته الإسلام فقد بانت منه ووقعت الفرقة بينهما فإن كان دخل بها
فلها المهر كاملاً وإن كان لم يدخل بها فلها نصف المهر؛ لأن الفرقة
جاءت من قبله.
مسألة:
وإذا زوج الذمي ابنه وهو صغير لا يعقل الإسلام امرأة ذمية مدركة من
وليها فأسلمت المرأة فإن لها في هذه املسألة قولين أحدهما في
المسائل يفرق بينهما إلا أن يسلم أبو الصبي.
والقول الآخر في النكاح أنها توقف عليه حتى يدرك أو يبلغ خمس عشرة
سنة ثم يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم كانا على نكاحهما وإن أبى فرق
بينهما، وإذا بلغ الصبي إلى حد يدنو مثله من النساء ثم ارتد أُمِرت
المرأة أن تعتزل عنه حتى يدرك فيعرض عليه الإسلام.
(1/48)
وإذا زوج الذمي ابنه وهو صغير لايعقل الإسلام صبية لاتعقل
الإسلام ولم يبلغا فأسلما فإسلامهما إسلام وهما على نكاحهما. قال
ذلك كثير من العلماء.
مسألة:
قال محمد: وإذا قال رجل لرجل قد تزوجت ابنتك حراماً، فقال ولي
المرأة: قد زوجتك فالنكاح ثابت وقوله حرام كذب.
مسألة:
وروى محمد بإسناده، عن ابن مسعود في رجل قال القوم: أيكم يذبح شاة
ويطعمها القوم وأزوجه أول بنت تولد لي فقام رجل من القوم فذبح شاة
وأطعمها القوم فولدت له جارية، فقال ابن مسعود لها صدقة نسائها،
وأثبت النكاح، وكان جعل مهرها ذبح شاة.
قال محمدك هذا لا يؤخذ به وغير ابن مسعود يبطل النكاح في هذا
ويقول: لايجوز تزويج من لم يخلق.
باب ذكر الأولياء من أولى العصبة بالإنكاح
قال أحمد، والقاسم، والحسن، ومحمد: لايجوز نكاح إلا بولي فإذا كان
للمرأة ولي فليس لأحد أن ينكحها إلا بأذن وليها إلا أن يعضلها
الولي ويضارها فإن لم يكن لها ولي فلا بأس أن تولي أمرها رجلاً من
المسلمين يزوجها.
قال أحمد: قد أجاز على ناكح الأم.
وقال الحسن ـ فيما أخبرنا محمد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ: والأب
أولى بغنكاح الجارية من الجد.
وقال محمد: أولياء المرأة الذين لايجوز لثيب ولا بكر نكاح إلا
بعلمهم العصبة من قبل الأب والابن أقرب الأولياء، والأب أولى بعقدة
النكاح منه. وقد قيل: إن الابن أولى من الأب ولكن يستحب أن لايتقدم
الابن أباه.
وروى سعدان، عن محمد أنه قال الابن أولى بإنكاح المرأة من الأب
لأنه عصبتها.
قال محمد: وقد كره أبو حنيفة أن يتقدم جده وإن كان أولى.
وقال حسن بن صالح: ابن الابن أولى من الأب.
قال محمد: والجد أب الأب أولى من الأخ لأب وأم والأخ لأب وأم أولى
من الأخ لأب، ثم ابن الأخ للأب والأم ثم ابن الأخ للأب، ثم العم
للأب والأم ثم العم للأب وابن العم أولى من عم الأب لأن ابن العم
ابن الجد وعم الأب ابن جد الأب وكذلك الحكم في الميراث.
(1/49)
وإذا كان للمرأة ابن صغير فهي بمنزلة من لا ولي لها.
وإذا لم يكن للمرأة من الولاة إلا ولي النعمة فلا ينبغي لها أن
تنكح بغير علمه.
وما رأيت بين علماء آل رسول اللّه عليه السلام في كراهية ذلك
اختلافاً منهم أحمد بن عيسى والقاسم بن إبراهيم مع ما جاء عن أبي
جعفر محمد بن علي وغيره أنه كره ذلك ونهى عنه.
وقال: إن الولي في كتاب اللّه عز وجل لبين لقوله: {ولاتنكحوا
المشركين}، وقوله: {فانكحوهن بإذن أهلهن}، وقوله: {فلا تعضلوهن}
فكل ذلك يدل على تثبيت الأولياء، وإذا أراد الحر أو العبد أن يتزوج
أمة مسلمة فلا يتزوجها إلا من مولاها الذي يملك رقبتها أو بأذنه.
مسألة:
قال محمد: وإذا زوج الأخ بغير علم الأب أو زوج العم بغير علم الأخ
ولا رضاه لم يجز النكاح، وكذلك إذا زوج بعض الأولياء امرأة ولها
ولي أولى بإنكاحها منه لم يجز النكاح إلا أن يجيزه الذي هو أولى
حضر أو غاب إلا أن تكون غيبته بعيدة نحو خراسان ومكة والمدينة من
الكوفة، وإذا زوج الأصغر من الأخوين أخته بغير رضا الأكبر فالأكبر
أولى إلا أن يحيز الأكبر وقد قال جماعة العلماء: النكاح جائز وإن
لم يجزه الأكبر، وأجمعوى على أنه لاينبغي له أن يتقدمه في النكاح.
هذا قول محمد المشهور في أصوله.
وقد روي عنه رواية أخرى أنه إذا زوج أحد من الوليا ءامرأة ولها ولي
أولى منه فلم يجز الذي هو أولى فالنكاح جائز ما خلا الأب فإنه
لايجوز عليه إنكاح من هو دونه إلا الابن فإنه أولى من الأب.
وعن حسن البصري، وحسن بن صالح قالا: تزوج المرأة أمتها كما تتبعها.
قال الحسن البصري: فإذا أعتقها لم يزوجها.
مسألة: إذا نكح الوصي بغير أذن الولي
قال القاسم عليه السلام: وليس للوصي أن يزوج وليس الوصي من اولي
بالنسب في شيء إنما الأولياء أهل الإشراك في الأنساب. وفي رواية
داود عنه: ولايجب للوصي أن يعقد النكاح لصبي ولا لصبية.
(1/50)
وقال محمد: العصبة أولى بالنكاح عندنا من الأوصياء. قال بذلك
جماعة من آل رسول اللّه صلى اللّه عليه وعليهم وغيرهم.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا القاضي، عن علي بن عمر، عنه ـ: ثبت لنا عن
آل محمد أنهم قالوا: لانكاح لوصي.
مسألة: تزويج المعتوه والمعتوهة
قال محمد: وإذا زوج المعتوه أبوه أو غيره من الأولياء أو زوجه
الحاكم جاز ولزمه النكاح فإن برأ من علته فطلق لزمه المهر إن كان
دخل بها أو نصف المهر إن كان لم يدخل، وأي هؤلاء زوجه على اكثر من
صداق مثلها رد إلى صداق مثلها، وكذلك حكم المعتوهة، وأي هؤلاء
زوجها على دون مهر مثلها جاز النكاح ورفعت إلى مهر مثلها.
مسألة: هل يكون المسلم ولي الكافرة
قال محمد: ولايكون المسلم ولي اليهودية ولا النصارنية ولا المجوسية
في النكاح، ولو كان أباً ولا يكون اليهودي ولا النصارني ولا
المجوسي ولياً لمسلمة في نكاح ولا في سفر ولو كان أباً.
مسألة: هل للفاسق ولاية في النكاح
وعلى قول أحمد والقاسم عليهما السلام: أن للأب الفاسق أن يعقد على
ابنته الحرة المسلمة لأن أحمد قال: إذا زوج إمام الجور امرأة لا
ولي لها ثم قام بعده إمام عدل فلا يرد النكاح ولا يبطله.
وقال أحمد، والقاسم عليهما السلام: يجيز من أحكامهم ما وافق الحق
ويبطل من أحكامهم ما خالف الحق.
وروى محمد بإسناد عن ابن عباس قال: لانكاح إلا بولي مرشد أو سلطان.
مسألة: هل للمملوك ولاية في النكاح
قال محمد: لايكون المملوك ولا المدبر ولا المكاتب ولياً في النكاح
ولو كان أباً ولا يكون ابن المدبرة وابن أم الولد ولياً في نكاح
حتى يعتق أيهما، ويكون المعتق بعضه ولياً في النكاح.
مسألة:
(1/51)
ويكون ابن العم ولياً في النكاح ولا يكون ولياً في السفر، ويكون
الأخ من الرضاعة ولياً في السفر ولايكون ولياً في النكاح، وكذلك
الأب من الرضاعة والابن من الرضاع أولياء في السفر، وليسوا بأولياء
في النكاح، وللمرأة أن تسافر مع أخيها من الرضاع حيث شاءت وهو محرم
إذا كان مأموناً.
مسألة: في المرأة يعضلها وليها
قال أحمد عليه السلام: إذا كان للمرأة ولي فأبى أن يزوجها فذاك إلى
السلطان وأحب إلي أن يكون القاضي وإن كان غيره ممن ملك الأحكام من
الولاة فذلك أيضاً جائز إن شاء الله.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه ـ وهو قول محمد:
إذا أبى الولي أن يزوجها من كفؤ لها جاز لها أن تولي أمرها الحاكم
إن أمكنها الحاكم وإلا ولت في التزويج فأبى عليها ضراراً ثم خطبها
بعد ذلك رجل آخر لم يكن لها إن تولى أمرها رجلاً بغير أذن وليها
لامتناعه في المرة الأولى ولكن تستأذنه، فإن أبىة عليها ولت
الحاكم، فإن لم ترد الحاكم لشهرة ذلك فتولى أمرها رجلاً من
المسلمين مالم يخف سلطاناً.
مسألة: في المرأة يغيب وليها
قال محمد: وإن كان وليها غائباً فليس لها أن تزوج إلا بأذنه إلا أن
تكون غيبته نحو خراسان من الكوفة، أو نحو اليمن، أو نحو مكة، أو
المدينة، فإن كان كذلك ولت أمرها رجلاً من المسلمين بكراً كانت أو
ثيباً، أباً كان الولي أو غير أب، فأما إذا كان غائباً في مثل
السواد من الكوفة فلا تتزوج إلا بأذنه.
وروى بإسناده عن علي عليه السلام قال: إذا غاب الأب فأنكح الأخ فهو
جائز.
وعن حسن وشريك قالا: إذا غاب الولي زوجها أولى الناس بها في المصر.
مسألة: هل يصح نكاح بعقدة المرأة
قال أحمد، والقاسم، والحسن، ومحمد عليهم السلام: لانكاح إلا بولي
وشاهدين.
قال محمد: ولاتزوج المرأة نفسها ولا غيرها لا يفعل ذلك إلا زانية،
فإن زوجت نفسها بغير أذن وليها لم يجز النكاح ولا يحل له وطئها
وأيهما مات لم يرثه صاحبه.
(1/52)
وقرأت في بعض الأصول وليس لي بسماع قال محمد: ولايكون أحد من
النساء ولياً في نكاح امرأة إلا المولاة المعتقة فإنها إذا زوجت
أمتها جاز إنكاحها كما جاز أن تبيعها. وهو قول الحسن البصري، وحسن
بن صالح. وقال بعضهم: لايجوز إنكاح المولاة لأمها، ولكن إذا أرادت
تزويجها وكلت رجلاً يزوجها.
وروى محمد بإسناده عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم
قال: <لاتزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها لا يفعل ذلك إلا
زانية>.
وعن عائشة قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: <لاتنكح
المرأة إلا بولي أو بأذن ولي فإن نكحت فهو باطل، فإن نكحت فهو
باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، والسلطان ولي من
لا ولي له>.
وعن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم خطب ميمونة فجعلت
أمرها إلى أم الفضل فجعلت أم الفضل أمرها إلى العباس فزوجها النبيء
صلى اللّه عليه وآله وسلم.
مسألة: إذا أنكح الوليان امرأة رجلين
قال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه ـ وهو قول محمد:
وإذا نكح الوليان امرأة من رجلين بأمرها صح نكاح الأول منهما.
وروى محمد نحو ذلك عن النبي عليه السلام. وعن علي عليه السلام، وعن
الحسن البصري، وعطاء، قالا: فإن لم يعلم أيهما أول بطل النكاح.
وقال الحسن، ومحمد: وإن زوجاها معاً من رجلين يعني بغير أمرها
فتختار أيهما شاءت، وإن زوجاها من رجلين بغير أذنها فالنكاح موقوف
على إجازتها فإن أجازت جاز وسواء كانا زوجاها معاً أو أحدهما قبل
الآخر، وإن أجازت نكاحهما معاً بطل نكاحهما جميعاً.
قال السيد أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن العلوي: ومعنى قول
محمد في هذه المسائل أن يكون الوليان مستويين ليس أحدهما أولى من
الاخر مثل أن يكونا ابني عم، لنه قال في وقت آخر: وإذا زوج بعض
الأولياء امرأة ولها ولي أولى بإنكاحها منه لم يجز النكاح إلا أن
يجيزه الذي هو أولى.
مسألة: الكفؤ يكون في الدين والنسب
(1/53)
قال محمد: الكفؤ عندنا في الدين والمنصب لا ينظر في ذلك إلى قلة
المال وكثرته يعني إذا وجد المهر والنفقة المقل كفؤ للمؤسرة إذا
كان كفؤاً في الدين والمنصب وقريش كلها بعضها لبعض أكفاء قد زوج
النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عثمان وزوج علي صلى اللّه عليه عمر
والعرب بعضها لبعض أكفاء، والموالي من أدرك له أبوان في الإسلام أو
ثلاثة بعضهم لبعض أكفاء وسائر الناس بعد ذلك بعضهم لبعض أكفاء.
قال السيد: يعني أن من أعتق أو أسلم ليس بكفؤ لمن له أبوان في
افسلام، وإن من له أبوان في افسلام ليس بكفؤ للعرب، وأن العرب ليست
بكفؤ لقريش.
قال محمد: وأما الأعمال والمكاسب فإنما ينظر منها إلا ما كان أسلم
في الدين وقد تكلم الناس في الحجام والكناس فقالوا: ليسا بكفؤ لمثل
البزاز والعطار وما أشبه ذلك من الأعمال.
وروى محمد بإسناد عن الأشدق قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه
وآله وسلم: <العرب بعضها لبعض أكفاء قبيلة فقبيلة ورجل فرجل
والموالي بعضها لبعض أكفاء قبيلة فقبيلة ورجل فرجل إلا حجام أو
حائك>.
مسألة: فيمن زوج حرمته من فاسق
قال الحسن عليه السلام ـ فيما أخبرنا حسين بن القطان، عن زيد بن
محمد، عن أحمد بن يزيد، عنه ـ: لاينبغي للرجل أن يزوج ابنته ولا
أخته بجلاً مخالفاً وهو يجد موافقاً.
(1/54)
وقال الحسن عليه السلام أيضاً ـ فيما روى ابن صباح عنه ـ، وهو
قول محمد: بلغنا عن النبيء صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال فيمن
شرب الخمر لايحل أن يزوج ولايصدق إذا حدث، ولايؤتمن على أمانة،
ولايشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، وهذا على التغليظ ووجه النهي
التحذير لتعدي حدود اللّه وكذلك يقول لاينبغي أن يزوج ولا يصدق
حديثه ولايؤتمن على أمانة وكذلك كل من أقام على كبيرة أوجب اللّه
عز وجل فيها الوعيد، وهو عندنا في حد براءة منه حتى يتوب إلى اللّه
عز وجل من ذلك ولاينبغي للرجل أن يزوج حرمته من فاسق وقد نهى رسول
اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك.
وقال: من زوج حرمته من فاسق فقد قطع رحمها ولم يقل أن نكاحه باطل،
ولم يخرجه ذلك من الإيمان.
قال الحسن ومحمد: فإن زوج مزوج من فيه هذه الخصال أو بعضها فقد
أساء والنكاح ثابت.
باب الشهادة في النكاح
مسألة: أقل العدة التي ينعقد النكاح بشهادتهم
قال أحمد، والقاسم، والحسن، ومحمد: لانكاح إلا بولي وشاهدين.
قال محمد: وإذا زوج رجل ابنة له صغيرة لم تبلغ أو كبيرة بأذنها من
رجل غائب وأشهد على ذلك شاهدين فبلغ الزوج ذلك فأجازه فالنكاح
جائز، ولو أن الأب فسخ النكاح قبل أن يبلغ الزوج لجاز فسخه لأن
عقدة النكاح لم يتم وإنما يتم مقبول الزوج وإجازته.
مسألة: شهادة النساء في النكاح
قال القاسم عليه السلام لابد في كل نكاح من إشهاد رجلين عدلين.
وقال محمد: يجوز شهادة رجل وامرأتين في النكاح والطلاق وهو قول أبي
حنيفة ولايجوز شهادة أربع نسوة في الطلاق ولا في النكاح.
وروى عن علي عليه السلام أنه قال: تجوز شهادة النساء في كل شيء إلا
في الحدود.
قال محمد: تجوز شهادة الأب لابنه وشهادة الابن لأبيه، وإذا شهد
رجلان لأبيهما أنه تزوج امرأة وأنكرت المرأة جازت شهادتهما إذا
كانا عدلين.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام: لاتجوز شهادة المملوك.
(1/55)
وقال محمد: شهادة المملوك جائزة إذا كان عدلاً إلا شهادته لسيده
قد استشهد علي عليه السلام عند شريح عبداً أسود على درعه.
وقد روى سعدان، عن محمد أنه قال: لاتجوز شهادة العبد.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام ـ فيما روى داود عنه ـ: تجوز شهادة الأعمى
فيما يعلم مثله من محس أو سماع.
وقال محمد: لاتجوز شهادة الأعمى إلا على النسب فإن شهد الأعمى بشيء
قد عرفه قبل عماه قبلت شهادته.
مسألة:
قال محمد: وإذا دعا رجل على امرأة أنه تزوجها من وليها برضى منها
وأن الهشود ماتوا أو غابوا فأنكرت المرأة ذلك كله فللزوج أن يحلفها
على ذلك فإن حلفت منعه القاضي منها وحال بينه وبينها، وإن نكلت عن
اليمين قضى القاضي بأنها امرأته وأثبت النكاح.
وروى عن حسن وشريك قالا: لا يستحلف، وكذلك إن ادعا الولي أنه زوجها
برضاها وقالت: لم أرض فعليها اليمين، وكذلك لو ادعت امرأة على رجل
أنه تزوجها من وليها برضاء منها، وإن الشهود ماتوا أو غابوا فأنكر
الزوج ذلك فعليه اليمين فإن حلف فلا نكاح بينهما، وإن نكل عن
اليمين فهي امرأته والنكاح ثابت.
وروى محمد بإسناد عن ثابت بن هرمز: إن رجلاص خطب امراة فأبت أن
تزوجه فقدمها إلى علي عليه السلام وجاء بشاهدين فشهدا أنها امرأته
فأمكنه منها، فقالت: يا أمير المؤمنين والله ما تزوجني فجدد نكاحي.
فقال: إذهبي هما زوجاك.
قال محمد: بلغنا أن علي بن أبي طالب عليه السلام تقدم إليه
عبيدالله بن الحسن وعكرمة بن حنبص في امرأة دعا كل واحد منهما أنها
امرأته وأقام كل واحد منهما البينة أنها امرأته وأقام عبيدالله
البينة أنه تزوجها أولا وجاءت المرأة بولد فقضى علي عليه السلام
بالمرأة لعبيدالله وقضى بالولد لعكرمة. وقال لعبيدالله لايقربها
حتى تستبرئ من عكرمة.
مسألة: إذا ادعت المرأة الدخول وأنكر الرجل
(1/56)
وعلى قول محمد إذا ادعت المرأة على زوجها أنه دخل بها وأنكره
الرجل فاقامت بينة أنه قد خلا بها وأغلق باباً وأرخى ستراص فلها
المهر كاملاً.
باب المهور
مسألة: أقل المهر
قال أحمد بن عيسى، والقاسم، ومحمد: لايكون المهر أقل من عشرة دراهم
بلغنا ذلك عن علي عليه السلام وابن عمر والشعبي والنخعي.
وروى محمد بإسناده عن جابر قال: قال النبي صلى اللّه عليه وآله
وسلم: <لامهر دون عشرة الدراهم>. وعن جابر أيضاص أن النبي صلى
اللّه عليه وآله وسلم قال: <من أعطى في صداق مثل هذا براً أو
دقيقاً أو سويقاً فقد استحل>.
قال محمد: ووجه هذا عندنا أن الرجل إذا تزوج على صداق مسمى فعجل
لها من صداقها ما قل أو كثر فقد حل له الدخول بها حللته مما بقي أو
أخرته.
وروى محمد، عن حسن، وسفيان، وشريك، قالوا: يجوز النكاح على درهم.
قال محمد: فإن تزوج امرأة على أقل من عشرة دراهم أو على عرض بعينه
قيمته أقل من عشرة دراهم فالنكاح ثابت ويكمل لها تمام عشرة دراهم
ويعتبر قيمة العرض يوم وقع العقد.
مسألة:
فإن تزوجها على عرض قيمته خمسة دراهم ثم طلقها قبل أن يدخل بها
فلها نصف العرض أو درهمان ونصف، وإن كان قد دفع إليها لعرض أو
الخمسة الدراهم رجع عليها بنصف العرض وبدرهمين ونصف بلغنا ذلك عن
علي عليه السلام.
مسألة: إذا زوج الولي حرمته على دون مهر مثلها
قال محمد: غذا زوج الأب ابنته البالغة من كفؤ على دون مهر مثلها
فأجازت النكاح فلها مهر مثلها فإن طلقها قبل أن يدخل بها فلها نصف
صداق مثلها، وهو قول أبي حنيفة.
وقال في وقت آخر: وإذا زوج الأب ابنته قبل أن تبلغ على دون صداق
مثلها بقدر ما يتغابن الناس بمثله جاز النكاح ولها ما سمى لها من
المهر، وإن زوجها على دون صداق مثلها بما لايتغابن الناس بمثله
فعلى ما روي عن زيد بن علي عليه السلام. وعن أبي حنيفة وزفر أن
النكاح لازم لها ولها ما سمى لها من المهر.
وقال بعضهم: لها مهر مثلها.
(1/57)
قال محمد: وإذا زوج الصبي أبوه أو جده أبو أبيه امرأة على أكثر
من مهر مثلاه بما يتغابن الناس بمثله لزم الصبي ما سمى له من
المهر، وإن زوجه امرأة على أكثر من صداق مثلها بما لايتغابن الناس
بمثله فعلى ما روى عن زيد بن علي عليه السلام، وعن أبي حنيفة، وزفر
أن النكاح جائز، ويلزم الصبي ما سمي من المهر يكون بمنزلة البيع.
وقال بعضهم: إذا كان ما لايتغابن الناس بمثله وفيه اجتياح لمال
الصبي لم يجز.
مسألة: فيمن دخل بزوجته قبل أن يعطياه مهرها
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ والحسن ـ فيما روى
ابن صباح عنه ـ، وهو قول محمد: ولابأس أن يدخل لارجل بالمرأة قبل
أن يعطيها شيئاً من مهرها إذا تراضيا على ذلك.
وقال الحسن عليه السلام، ومحمد: إذا تزوج رجل امرأة فلها أن تمنعه
أن يدخل باه حتى يعطيها صداقها، وكذلك إن دفع إليها بعض صداقها
فلها أن تمتنع عليه أن يدخل بها حتى يوفيها جميع صداقها.
قال محمد: وإن اعطاها بعض صداقها ودخل بها فليس لها أن تمنعه نفسها
ولها أن تطالبه بباقي صداقها، وإذا طلق امرأته تطليقة ثم راجعها
فليس لها عليه مهر هي امرأته، وإذا وهبت المرأة لزوجها مهرها كله
قبل أن تقبضه منه قبل دخوله بها أو بعد دخوله بها فهو جائز، ويستحب
له أن يعطيها منه شيئاً.
وروى محمد بإسناد عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه جهر امرأة
إلى زوجها ولم ينقدها شيئاً. قال محمد: آخر الصداق عليه.
مسألة: إذا تزوجها على خنزير أو خمر أو ما لايجوز بيعه وشراه
قال محمد: وإذا تزوج رجل امرأة على خنزير أو ميتة أو على حر وهي
تعلم أنه حر وميتة فلها مهر مثلها والنكاح ثابت، وهو قول حسن بن
صالح، وأبي حنيفة وأصحابه.
(1/58)
وقال قوم: يبتدئ النكاح في مثل هذا وإذا تزوجها على عبد فوجدته
حراً أو على دن خل فوجدته خمراً أو على شاة مذبوحة فإذا هي ميتة
فلها قيمة الحر لو كان مملوكاص وقيمة الشاة لو كانت ذكية وقيمة
الخمر لو كان خلاً إن كانت قيمته عشرة دراهم فصاعداً وإلا فليتم
لها عشرة دراهم، وكذلك لو تزوجها على مكاتب أو مدبر أو أم ولد أو
ابن مكاتبة أو ابن مدبرة أو ابن أم ولد من غير سيدها وهي لاتعلم.
وقال أبو حنيفة: لها مهر مثلها في ذلك كله.
قال محمد: والقول الأول عندنا قوي وهو قول حسن بن صالح وهو عندي
على قول علي عليه السلام في غير هذه المسألة، وهو قول أبي يوسف في
الخمر. قال له مثله كله خلا وسطاً هذا آخر قولي محمد.
والقول الول لها مهر مثلها في هذا كله. قاله في المجموع.
وعلى قول محمد في هذه المسألة إذا تزوج الذمي ذمية على خنزير أو
خمر غير معينين ثم أسلما أو أسلم أحدهما قبل أن يعطيها المهر فلها
مهر المثل في الخنزير وقيمة الخمر، وهو قول أبي حنيفة.
وقال يعقوب: لها مهر المثل فيها سواء كان بعينه أو غير عينه.
وقال محمد: لها القيمة فيهما جميعاً.
وعلى قول محمد في هذه المسألة أيضاً: إذا تزوجها على عبدين فوجدت
إحداهما حراً فلها العبد وقيمة الحر لو كان عبداً.
وروى ابن خليد عن محمد أنه سمعه يقول: إذا سرق رجل مائة درهم.
ثم قال لامرأة أتزوجك على هذه المائة درهم بعينها فالفرج حرام ـ
يعني أن عليه أن لايقربها حتى يبرأ من صاحب الدراهم ـ.
قال محمد: فإن تزوجها على مائة درهم فأعطاها من مال حرام فالإثم
عليه في المال الحرام والفرج له حلال.
مسألة: إذا لم يذكر المهر ثم طلقها قبل أن يدخل بها
(1/59)
قال محمد: وإذا تزوج رجل امرأة بولي وشهود على غير مهر مسمى
فالنكاح ثابت ولها مهر مثلها، يعني من أخواتها وعماتها ونسائها إن
كان دخل بها، وكذلك إن تزوجها على مهر ليس بمال مثل أن يتزوجها على
طلاق أخرى أو على أن لايخرجها من دارها فإن طلقها قبل أن يدخل بها
فلها عليه المتعة سواء كانت المطلقة حرة أو مملوكة أو مدبرة او
مكاتبة أو أم ولد أو يهودية أو نصارنية فلها المتعة كما قال اللّه
عز وجل: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره}.
وروى محمد بإسناد عن ابن عباس قال: أرفع المتعة الخادم ثم دونها
الكسوة ثم دونها النفقة.
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: ليس للمتعة حد غير أن الحسن بن علي
عليه السلام كان يمتع بالخادم والوصيف.
وعن الحسن بن علي عليه السلام أنه طلق عائشة بنت خليفة فوفاها
صداقها كاملاً ومتعها عشرة ألف درهم ومن طلق امرأته قبل أن يدخل
بها وقد سمى لها صداقاً، فلها نصف ما سمى لها، وإذا كان لرجل على
امرأة ألف درهم ديناً، وتزوجها على الألف الدرهم التي له عليها ثم
طلقها قبل أن يدخل بها فإنه يرجع إليها بخمسمائة.
وإذا تزوج صبية لم تبلغ فوطئ أمها حرمت عليه امرأته ولها نصف
الصداق لأن تحريمها جاء من قبله هو حرمها على نفسه فكأنه طلقها ولا
تحل له أبداً.
مسألة: إذا تزوج امرأة على مملوك أو متاع بيت
قال محمد: ذكر عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام.
(1/60)
وعن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم أجازوا أن يتزوج المرأة
على وصيف. قالوا: فإن كان وصف صفة فلها تلك الصفة، وإن لم يصف صفة
فلها وسط من الوصف ولا أعلم أحد منهم حد في قيمة الوصيف حداً إلا
أبا حنيفة فإنه قال: إذا تزوج على جارية بيضاء وسط قيمتها خمسون
ديناراً، وإن تزوجها على جارية سوداء ولم يسم لها صفة فلها جارية
سوداء قيمتها ثلاث ديناراً، وإن تزوجها على خادم وسط ولم يسم بيضاء
ولا سوداء فلها خادم وسط سندية قيمتها أربعون ديناراً، وإن تزوجها
على متاع بيت وخادم فلها متاع بيت وخادم قيمته أربعون ديناراً.
وقال غير أبي حنيفة: إنما ذلك على البلدان، وعلى قدر الغلا والرخص،
وإن تزوجها على بيت وخادم وكان في البادية فلها بيت شعر.
قال السيد: وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه.
وإذا تزوج امرأة على مهرم سمى غير معين نظر فإن كان الاسم يقع على
أجناس مختلفة بطلت التسمية وكان للمرأة مهر مثلها مثل يقع على
القطعن والكتان والخز والديباج، وإن كان الاسم إنما يقع على جنس
واحد مختلف الصفة فالتسمية صحيحة ولها وسط من ذلك مثل أن يتزوجها
على عبد أو بغل أو حمار أو على ثوب مروي أو هروي ولم يصف شيئاً من
ذلك بصفة فلها في ذلك إلى الزوج ولا خيار للمرأة في ذلك، وإن كان
ما سمى معلوم الجنس والصفة يصح ديناً في البيع فلها ذلك الشرط يجبر
الزوج على دفعه إليها، وليس له أن يدفع قيمته إذا أبت.
وروى محمد بإسناده أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم تزوج عائشة
على متاع بيت قيمته خمسون درهماً.
مسألة: فيمن تزوج امرأة على أمة ثم وطئها قبل أن يسلمها
(1/61)
قال محمد: وإذا تزوج رجل امرأة على جارية بعينها فوطئ الجارية
قبل أن يدفعها فلا حد عليه لأن الجارية في ضمانه، فإن جاءت بولد لم
يثبت نسبه منه والجارية ولاولد للمرأة، فإن طلقها قبل أن يدخل بها
فعليه نصف عقرها والجارية بينه وبينه نصفان ويسعى الولد للمرأة في
نصف قيمته ولاتكون الجارية أم ولد للرجل لأنه وطئ وطئاً غير
مستقيم.
مسألة: وإذا تزوج امرأة على جارية ثم وطئها بعدما سلمها إلى المرأة
ودخل بها فإنه يسأل عن بينتهن فإن كان وطئها عالماً بتحريمها وجب
عليه الحد، فإن كان محصناً رجم، وإن قال: ظننت أنها تحل لها درئ
عنه الحد، وعليه العقر، وهو مهر مثلها يدفعه إلى المرأة ولا يجتمع
عقر وحد، فإن كان من الوطئ ولد فهو مملوك للمرأة لايثبت نسبه منه.
مسألة: في المهر يزيد قبل القبض أو بعده
قال محمد: إذا تزوج امرأة على جارية بعينها أو ناقة فنتجت قبل أن
يقبضها فإنها تأخذ الم وولدها فإن مات ولدها قبل أن تقبضها فهي
بالخيار إن شاءت أخذت الأم بنقصانها، وإن شاءت ردتها فأخذت قيمتها
يوم تزوجها بمنزلة البيع.
وقال بعضهم: يأخذ الأم لها غير ذلك فإن لم يمت الولد ولكن ماتت
الأم فإن المرأة تأخذ الولد وتأخذ قيمة الأم يوم تزوجها، وكذلك إن
تزوجها على غنم بعينها فولدت الغنم قبل أن تقبضها المرأة. وكذلك إن
تزوجها على أرض فيها نخلوشجر فأثمرت قبل أن تقبضه المرأة فإنه مهر
مع الأصل، فإن طلقها قبل أن يدخل بها فجميع ذلك بينهما نصفان.
قال محمد: وكذلك إذا تزوج المرأة على جارية بعينها فوهب للجارية
شيء أو اكتسبت مالاً ـ يعني في يد الزوج ـ قبل أن يدخل بها فقد
اختلف فيه.
قال أبو حنيفة: الكسب والهبة للمرأة خاصة ولايكون مهراً طلقها قبل
الدخول أو لم يطلقها لأنه وهب لها وهي في ملك المرأة، وإنما ملك
الرجل نصف الجارية بالطلاق.
وقال أصحاب أبي حنيفة: هي بمنزلة الولد بين الرجل والمرأة نصفين
بمنزلة المهر.
(1/62)
قالوا جميعاً: وإن أجرها الزوج فالكسب له ويتصدق به.
وعلى قول محمد: وإن كانت الهبة والكسب بعد قبض المرأة للجارية فذلك
كله للمرأة لاترد على الزوج منه شيئاً إن طلقها قبل دخوله بها.
قال محمد: وإن تزوجها على جارية بعينها فجنى على الجارية جناية في
يد الزوج أي جناية كانت فإنها بالخيار إن شاءت أخذت الجارية واتبعت
الجاني بأرش الجناية، وإن شاءت أخذت من الزوج القيمة، وكان ما على
الجاني للزوج، فإن طلقها قبل أن يدخل بها فأرش الجناية بين الرجل
والمرأة نصفان لا خلاف فيه.
وكذلك إن وطئ الجارية رجل يشبهه فجاءت بولد درئ الحد عن الواطئ
بالشبهة وعليه مهر مثلها يكون بين الرجل والمرأة نصفين والولد
مملوك لهما جميعاً، والجارية بينهما نصفين.
انتهى والحمدلله رب العالمين الجزء الثاني من جامع آل محمد عليهم
السلام ويليه الجزء الثالث أوله:
إذا تزوجها على عرض فبطل العرض أو استحق وهذه الورقة وما نسخناه في
باطن الكتاب من الأوراق سهى عنها الراسم على الأصل وحرر بتاريخه 27
شهر الحجة سنة (1405 هـ)، أما كاتب الأصل ففرغ من نساخته سنة (1193
هـ). محمد بن حسن بن يحيى العجري. آمين.
(1/63)
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
[مقدمة المؤلف]
الحمدلله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد
وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير
المغضوب عليهم ولا الضالين. وصلى الله على محمد خاتم النبيين وآله
الطاهرين.
أما بعد. فإنك ذكرتَ لي أنك رأيت الزيدية قبلنا بالكوفة يُعَوِّلون
في مسائل الخلاف على مذهب أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن
علي بن أبي طالب، والقاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن
الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، والحسن بن يحيى بن الحسين بن
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، ومحمد بن
منصور بن يزيد المرادي المقرئ رحمه الله تعالى.
وذكرتَ أن أقوالهم متفرقة، ليس يحويها كتاب فيُقْصَدُ، وحاجة
أصحابنا الزيدية إلى كتاب يجمع أقاويلهم.
وذكرت أن أكثر ماتعتمد عليه الزيدية من الكتب مصنفات محمد بن
منصور، وماروى فيها عن آل محمد عليهم السلام، وأن مصنفاته مبسوطة
لايكاد أحد يصل إلى غرضه منها إلا بعد قراءة مالايحتاج إليه.
وسألتَ أن أختصر لك منها كتاباً أجمع فيه بين قول أحمد، والقاسم،
ومحمد، وَعُمَداً مما رواه من الأخبار عن النبي، وعن آله عليهم
السلام، وَطُرَفاً من قول الصحابة والعلماء، فيما وافق أو خالف
ليعرف، مطَّرِحاً للأسانيد، وأن أضيف إلى ذلك ما انتهى إليَّ من
قول الحسن بن يحيى، ومن قول أحمد، والقاسم، ومحمد، مما لم
يُسَطِّره محمد في مصنفاته المشهورة، ليكون هذا الكتاب كافياً،
جامعاً لأصول الزيدية.
فأجبتك إلى ذلك، محتسباً في ذلك الثواب من الله سبحانه.
(2/1)
واعتمدت فيما ذكرتُ من أقاويلهم على حكاية ألفاظهم في أكثر
المسائل، وربما قدمت في بعضها وأخرت، وربما زدت اللفظة التي توضح
المعنى وتكشفه ولاتغيره، وربما نقصت من ألفاظهم مايستغنى عن ذكره،
وربما روى محمد خبراً عن بعض العلماء، ثم قال في عقبه: وبهذا نأخذ،
وهذا قولي. فابتدأت المسألة على أنها قوله، وربما سئل فقيل له:
أيجوز كذا؟ فقال: نعم، أو: لا. فحكيت أن ذلك القول قوله، وقلت،
قال: يجوز كذا، أو لايجوز كذا، وربما كرر المسألة في مواضع عدة،
وفي كل موضع زيادة لفظ أو معنى ليس في الموضع الآخر، فاختصرت من
ذلك مسألة واحدة تجمع تلك المعاني كلها، وتحريت في ذلك كله جُهدي،
وأتيت بالمعنى وبالله التوفيق.
فما كان من أقوال(1) أحمد، والقاسم، ومحمد مطلقاً ـ لم أذكر راويه
ـ فهو مما ذكره محمد في مصنفاته، وماكان من سواها فقد ذكرت في
المسألة من رواه. وماكان من قول القاسم من رواية داوود عنه فحدثنا
به: حسن بن حبيش، وحسين بن القطان، عن الحسن بن زيد الجعفري، عن
أبيه، عن داود بن القاسم، عن أبيه القاسم بن إبراهيم.
وماكان من قول الحسن بن يحيى مطلقاً، فهو من المسائل المشهورة عنه،
التي أخبرنا بها: أحمد بن علي العطار، عن علي بن أحمد بن عمرو عنه.
وماكان من رواية بن صباح عنه، فحدثنا به: حسن بن حبيش، عن محمد بن
أحمد بن مزرفن، عن عبدالله بن صباح البزار عنه.
وماكان من قول الحسن من غير هاتين الجهتين فقد ذكرت في المسألة من
حدثنا به عنه.
ومصنفات محمد التي اختصرت منها هذا الكتاب ثلاثون مصنفاً وهي:
(( كتاب أحمد بن عيسى بالزيادات )) حدثنا به: أحمد بن علي العطار،
ومحمد بن الحسين بن الغزال، عن علي بن أحمد بن عمرو الجنبي عنه.
و(( كتاب المجموع )) أخبرنا به: الحسين بن محمد البجلي، عن الحسن
بن محمد الرفا، عن عبدالله بن عبدالجبار عنه.
و (( كتاب المسائل )) حدثنا به: محمد بن غزال، عن علي بن عمرو عنه.
__________
(1) ـ في (ب، ج): قول.
(2/2)
و (( كتاب الطهارة )) حدثنا به: زيد بن حاجب، عن علي بن عمرو
عنه. وحدثنا به أيضاً: حسن بن حبيش، وحسين بن أحمد القطان، عن أبي
المثنى محمد بن أحمد بن موسى عنه.
و (( كتاب النهي عن المسح على الخفين )) حدثنا به: محمد بن منذر،
عن عبدالواحد بن الأدلاي، عن أحمد بن عمرويه عنه.
و (( كتاب الصلاة )) حدثنا به: حسن بن حبيش، عن أبي المثنى عنه.
و (( كتاب الجنائز )) حدثنا به: حسن بن حبيش، عن أبي المثنى عنه.
و (( كتاب الزكاة )) حدثنا بأكثره: محمد بن غزال، عن علي بن عمرو
عنه.
و (( كتاب الخمس )) حدثنا به: محمد بن علي بن خشيش، عن أبي ذر أحمد
بن محمد البقار، عن علي بن أحمد بن عمرو عنه.
و (( كتاب الصوم )) حدثنا به: ابن غزال، عن ابن عمرو عنه.
و (( كتاب الحج )) حدثنا به: أحمد بن علي العطار، ومحمد بن غزال،
عن ابن عمرو عنه.
و ((كتاب منسك الحج )) حدثنا به: حسين بن القطان، عن أبي المثنى
عنه.
و (( كتاب النكاح )) حدثنا به: ابن حبيش، عن أبي المثنى عنه.
و (( كتاب إبطال المتعة )) وجدته بخط جدي لأمي محمد بن الحسن بن
حسين بن عيسى العلوي.
و (( كتاب الطلاق )) حدثنا به: ابن حبيش، عن أبي المثنى عنه.
و (( كتاب إيقاع الطلاق ثلاثاً في كلمة، وإيقاع الطلاق في المحيض
)) إجازة لي من جعفر بن حاجب، عن إسماعيل بن أحمد الأكفاني، عن
محمد بن زكريا الفرضي عنه.
و (( كتاب الرضاع )) أخبرنا به: أحمد بن العطار، عن ابن عمرو عنه.
و (( كتاب البيوع )) حدثنا به: ابن حبيش، عن أبي المثنى عنه.
و (( كتاب الأيمان والكفارات )) حدثنا به: محمد بن جعفر النجار، عن
محمد بن علي بن عامر، عنه إلا أوراقاً من آخره فاته سماعها. أخبرنا
بها: أبي، عن الحسن بن محمد الرفا، عن ابن عبدالجبار عنه.
و (( كتاب الحدود )) حدثنا به: أبي، عن أحمد بن أبي رؤبة، عن ابن
عمرو عنه.
و (( كتاب الديات )) مما أجازه لي جعفر بن حاجب، عن ابن عمرو عنه.
(2/3)
و (( كتاب الفرائض )) حدثنا به: القاضي محمد بن عبدالله الجعفي،
عن علي بن عمرو عنه.
و (( كتاب القضاء )) حدثنا به: محمد بن خشيش، عن أحمد بن محمد
البقار، عن علي بن عمرو عنه. وهو إجازة لي من محمد بن زيد بن
مروان، عن علي بن عمرو عنه.
و (( كتاب السيرة )) أخبرنا به: جعفر بن حاجب إجازة، عن ابن عمرو
عنه.
و (( كتاب مختصر السيرة )) قرأته بخط جد جدي لأبي الحسين بن عيسى
بن يحيى بن الحسين بن زيد، وذكر في الكتاب بخطه أنه سمعه من محمد
بن منصور سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
و (( كتاب الصيد والذبائح )) من رواية سعدان عنه.
و (( كتاب صفة العصير والطلاء ومعرفة الأوزان )) حدثنا به: محمد بن
علي بن الحكم (1) ، عن علي بن عمرو عنه.
و (( كتاب تحريم الأشربة والملاهي )) حدثني به: أبي، عن جعفر بن
حاجب، عن ابن عمرو عنه. وهو إجازة لي من ابن حاجب.
و (( كتاب الإلفة والجملة )) حدثني به: أبي، عن محمد بن زيد بن
مروان، عن ابن عمرو عنه. وهو إجازة لي عن ابن مروان.
و (( كتاب مسائل أحمد بن عيسى، والقاسم بن إبراهيم عليهما السلام
)) حدثني به: علي بن محمد الشيباني، عن محمد بن محمد بن هارون، عن
سعدان عنه.
كتاب الطهارة باب طهارة الماء
القول في أحكام ماء البئر وماجرى مجراه
قال القاسم عليه السلام: إذا وقع في البئر أو الغدير نجس، أو ميتة،
أو ماتت في البئر فأرة، أو دجاجة، فماؤها طاهر، ولاينجسه شيء من
ذلك، إلا أن يتغير له طعم، أو ريح، أو لون. وإذا ماتت الخنافس(2)،
والذباب، وأشباه ذلك في البئر فلابأس بمائها مالم يتغير.
قال محمد: حضرت القاسم عليه السلام استُقِيَ له من بئر فأصابوا في
البئر حمامة ميتة، فأُعْلِم بذلك فقال لغلمانه: انظروا أتغير منها
طعم، أو ريح، أو لون؟ فلم يروا تغيراً، فتوضأ منها ولم ينزح منها
شيء.
__________
(1) ـ في (ب): الحاكم.
(2) ـ الخنافس: جمع خنفس: دويبة سوداء كريهة الرائحة، في حجم رأس
الأنملة.
(2/4)
قال الحسن بن يحيى ـ فيما روى عبدالله بن صباح عنه، وهو قول
محمد في (المسائل) ـ: وإذا وقعت الفأرة في البئر فلم يتغير للماء
طعم، ولاريح، ولالون، فيستحب أن ينزح منها مابين ثلاثين دلواً إلى
أربعين، وليس ذلك بواجب، وإن تغير للماء طعم، أو ريح، أو لون،
نزح(1) جميع مافيها من الماء، حتى يعود إلى حالته الأولى من الطيب
والصفاء.
وقال الحسن أيضاً ـ فيما حدثنا زيد بن حاجب، عن زيد بن محمد
العامري، عن أحمد بن يزيد الخراساني عنه، وهو قول محمد ـ: وإذا
ماتت في البئر فأرة فتغير للماء طعم، أو ريح، نزحت حتى تطيب،
فلايوجد لها طعم، ولاريح.
قال الحسن عليه السلام: وكذلك القول فيها لو تفسَّخت.
قال الحسني: وهو قول محمد في رواية سعدان. وإذا بال إنسان في البئر
قُدِّر ماؤها، فإن كان عرض البئر ثلاثة أشبار، ضربت في ثلاثة فصارت
تسعة، ثم ضربت التسعة في سمك الماء كائناً ماكان، ثم نزح منها لكل
شبر قدره. وقال محمد: لكل شبر دلوان، وهذا حكم البئر المربعة(2).
وقال الحسن عليه السلام أيضاً ـ فيما حدثنا حسين بن أحمد بن
القطان، عن زيد بن محمد العامري، عن أحمد بن يزيد الخراساني عنه ـ:
وإذا وقعت السِّنَّور(3) ، أو الدجاجة، أو الفأرة في البئر، فتفسخت
نزحت، فإن خُبِزَ من ذلك الماء فلا أحب أكل ماعجن من ذلك الماء،
ويغس كل شيء أصابه ذلك الماء.
__________
(1) ـ في (ج): ينزح.
(2) ـ قوله: (وهذا حكم البئر المربعة) حاشية من هامش (ج).
(3) ـ السنور: الهر.
(2/5)
قال محمد: وإذا وقع في البئر فأرة، أو جُرّذ(1) ، أو وَزَغ(2) ،
أو عظاية(3) ـ وفي رواية سعدان ـ: أو حية، أو ما أشبه ذلك فأخرج
حياً لم يضرها، وإن أخرج ميتاً ولم يتغير للماء طعم، ولاريح،
ولالون، فيستحب أن ينزح منها ثلاثون دلواً إلى الأربعين، وليس ذلك
بواجب. هذا قول محمد في (الطهارة) و في (المسائل) جميعاً.
وقال في (المسائل): وإذا وقع في البئر طائر، أو دجاجة، أو قنفذ، أو
نحو ذلك نزح منها مابين أربعين دلواً إلى الخمسين بدلو يسع عشرة
أرطال.
وروى بإسناده عن الحسن البصري، قال: إذا ماتت الفأرة في البئر، نزح
منها أربعون دلواً.
قال محمد: وإذا(4) تغير للماء طعم، أو ريح، أو لون نزح كل مافيها.
وإن كانت العيون تمدها نزح حتى يعود إلى حالته الأولى من الطيب
والصفاء.
وروى محمد حديثاً عن أبي البَخْتُري، عن علي رضي الله عنه(5) قال:
إذا وقعت الفأرة في البئر فماتت نزحت حتى يغلبهم الماء(6) .
قال سعدان، قال محمد: وإذا كانت البئر ثلاثاً في ثلاث، وأريد أن
ينزح ماؤها كله [مُسِح] (7) ـ يعني: ضرب بعضه في بعض ـ ونزح لكل
شبر دلوان، بدلو يسع عشرة أرطال. حدثنا بذلك حسين البجلي، عن ابن
وليد، عن سعدان عنه.
__________
(1) ـ الجُرَذ: جمع جرذان، نوع من الفئران.
(2) ـ الوزغ: جمع وزغة: دويبة سام أبرص، سميت به لخفتها. انظر
صورتها في المنجد في اللغة والأعلام 910.
(3) ـ العظاية: دويبة ملساء على خلقة الوزغ انظر صورتها في المنجد
في اللغة والأعلام 516.
(4) ـ في (ج): وإن.
(5) ـ في (ج): صلى الله عليه.
(6) ـ أخرجه المؤيد بالله في شرح التجريد ـ خ ـ، والطحاوي 1/17،
والبيهقي في السنن 1/268، وعبدالرزاق في المصنف 1/82، وابن حزم في
المحلى 1/149، وكنز العمال 1/577، وانظر الروض النضير 1/453 ـ 456.
(7) ـ ظنن في هامش الأصل و (ب) بقوله: فعل وإلا ضرب.
(2/6)
قال محمد: وإذا وقع في البئر سنور، فأخرج منها حياً، نزح منها
مابين أربعين دلواً إلى الخمسين، لموضع رجيعه(1) ومباله. وقال كثير
من العلماء: لاينزح منها شيء. وإن أخرج منها ميتاً، قد غير ريحاً
أو طعماً، نزح ذلك الماء حتى يعود إلى حالته الأولى. قال ابن عامر،
قال محمد: والأحوط أن ينزح منها مثل مافيها من الماء. وإذا تغير
الماء بالنجاسة فتوضأ منه متوضي وصلى، وغسل منه الثياب بعد
التغير(2) أعاد الوضوء والصلاة، وغسل الإناء والثياب. وإذا اغتسلت
الحائض بماء نجس نحو سور الكلب لم تطهر، وإن هي ألقت عليها ثوباً
حين تطهرت به غسلته بماء طاهر. وإذا وقع في البئر قطرة من بول أو
جنابة أو خمر أو نحو ذلك فليطهر بدلاء ـ يعني: ثلاثين، أو ربعين ـ
في رواية سعدان عنه استحباباً.
وروى سعدان أيضاً عن محمد، أنه قال في وقت آخر: تنزح البئر كلها.
وكذلك إذا وقع فيها ميتة فأخرجت، طيبت بدلاء، وإن تغير للماء طعم
أو ريح أو لون نزحت حتى تطيب.
وإذا بال في البئر إنسان، أو سنور، أو كلب، أو ثعلب، أو غيره من
السباع، أو وقع فيها خنزير، أو كلب، أو شيء من السباع فأخرج حياً
أو ميتاً، أو صب فيها خمر نزح ماؤها كله إن كانت مما ينتزح مثلها،
إلا أن يكون كثيراً غالباً لايدرك، فينزح منه نحو ماءة دلو.
قال محمد: وإذا وقع رجل في بئر فمات، نزح ماؤها كله، إلا أن يكون
كثيراً لايدرك، ويستحب مع هذا أن تُطَيَّب بخمسين أو ستين دلواً،
إلا أن يكون مثل البُرْك والغدران فلايضر في قولهم جميعاً. هذا
قوله في (الطهارة)، وهو آخر قوليه، وقد قال قديماً في المجموع: إذا
وقع رجل في بئر فمات نزح منها مابين خمسين دلواً إلى الستين، وإن
لم ينزح فلايضر ذلك.
__________
(1) ـ الرجيع: الروث والبعر.
(2) ـ في الأصل و (ب): التغيير.
(2/7)
وقال(1) في (الطهارة): إذا أخرج الكلب من البئر حياً أجزاك أن
تنزح منها نحو الخمسين إلى الستين إذا كان الماء كثيراً غالباً.
وروى بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إذا وقع في البئر كلب،
أو فأرة، أو شيء مما له دم، فإن كان الماء قليلاً فانزحه، وإن كان
الماء كثيراً فاخرج منه قدر كُرٍّ(2) من ماء.
قال: وإذا سقط الجنب في بئر فارتمس(3) فيها فإن كان ماؤها كثيراً
لاينجس مثله فقد طهر هو، والبئر طاهرة، وإن كان ماؤها قليلاً
فينبغي أن تنزح كلها، ويغتسل هو بماء جديد.
وروى سعدان عنه في هذه المسألة قال: إن كان استنجى قبل ذلك فليغتسل
بماء غيره أحب إلي، وماء البئر يجزي إن شاء الله، وإن كان لم يستنج
قبل ذلك وجب الترك.
وقال محمد ـ فيما حدثنا حسين بن محمد البجلي، عن محمد بن وليد، عن
سعدان عنه في جنب وقع في بئر فاغتسل يعني ولاقذر عليه ـ: قيل فيها
ثلاثة أقوال: قال قوم: طهر ونجست البئر، وقال قوم: نجس ونجست
البئر، وقال قوم: طهر والبئر طاهرة إلا أن يكون ثمة خبث.
وقال سعدان في غير هذه الرواية، قال محمد: إذا وقع الجنب في بئر
فاغتسل منها وقد كان استنجى قبل ذلك فليغتسل أحب إلي، وماء البئر
يجزي إن شاء الله تعالى، وإن كان لم يستنج قبل ذلك نزحت البئر.....
استنجى(4) فيه من غائط أو بول، فإن كان ينزح وقتاً بعد وقت فلابأس
به، وإن كان لاينزح فتوقيه أحب إلي.
وقال في بالوعة يبال فيها أو يستنجى أو يكون فيها عذرة فامتلأت
وفاضت من ذلك إلى بئر الماء: فإنه ينزح جميع مافيها، إلا أن يكون
الماء كثيراً لايُدْرك فلايضرها ذلك مالم يتغير لها طعم، أو ريح،
أو لون، وإن أصابها ماء المطر حتى امتلأت وفاضت إلى البئر فقد رخص
في ذلك، وإن طهرت بدلاء فحسن.
__________
(1) ـ في الأصل و (ب): وقد قال.
(2) ـ سيأتي تقدير الكر قريباً في الكتاب.
(3) ـ ارتمس: اغتمس.
(4) ـ في (ب): وإن استنجى.
(2/8)
وقال محمد ـ فيما حدثنا محمد بن عبدالله، عن ابن عمرو عنه في
مثل هذه المسألة ـ: ما أكثر مايرخص بنو هاشم في هذا، ويتوقى
الإنسان ما أمكنه، فإن لم يمكنه رجع إلى الرخصة.
وروى فرات عن محمد ـ في بئر انخرق إليها بالوعة ـ قال: ينزح ماء
البئر كله، فإن كان كثيراً نزح لكل شبر دلوان. وإذا مات في البئر
سلحفاة، أو ضفدع، أو ماله نفس سائلة(1) إذا ذبح فغير من الماء
طعماً، أو ريحاً نزحت حتى تطيب، وإن لم يتغير فلايضرها، إذا كان
الماء كثيراً.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا محمد، عن ابن عامر عنه ـ: والأحوط إذا
ماتت السلحفاة في البئر أن ينزح منها مثل مافيها من الماء.
مسألة:
وإذا تغيرت البئر بحمأة(2) أو نحوها مما لايفسد الماء فإن كانت
الرائحة يسيرة فلابأس أن يتوضأ منه، فإن غلب النتن فلايتوضأ منها،
,إن لم يجد ماء غيره تيمم، وإذا كان على وجه الأرض ماء راكد نحو كر
فوقعت فيه ميتة، أو ماتت فيه دابة فلايتوضأ منه وإن لم يتغير.
وروى حديث(3) ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
(( لاتبولوا في الماء الناقع )) (4).
__________
(1) ـ النفس السائل: الدم، ومنه قولهم: لانفس له سائلة، أي: لادم
له يجري.
(2) ـ الحمأة: .......... الأسود المنتن.
(3) ـ في (ب): حديثاً عن عمر.
(4) ـ لم نجده عن ابن عمر. وأخرج نحوه المؤيد بالله في شرح التجريد
ـ خ ـ، والبخاري 1/115، ومسلم 1/187، وأبو داود (69)، والنسائي
1/193، والدارمي 1/186، وأبو يعلى 10 رقم (6036)، وعبدالرزاق برقم
(300)، وابن أبي شيبة 1/131 رقم (1501 ـ 1504)، وأحمد 2/265 و 492،
وابن حبان رقم (1251)، وابن خزيمة رقم (66)، وابن الجارود رقم
(45)، والبيهقي 1/14، والطحاوي في معاني الآثار 1/15 عن أبي هريرة.
وابن أبي شيبة 1/130 رقم (1500) عن جابر. والناقع من الماء: ماطال
مكثه.
(2/9)
قال محمد: ولو أن رجلاً أصاب ماء بأرض فلاة نحو كر أو كرين مما
ولغت فيه الكلاب، وبالت فيه الدواب فإنه يتيمم ولايتوضأ منه، إلا
أن يكون في الكثرة بمنزلة الغدران والبرك التي تكون بطريق مكة
فلايضر ماولغ فيه من الكلاب والسباع، ولايضره ماوقع فيه من جيفة
مالم يتغير طعمه أو ريحه، وإذا اجتمع ماء المطر في طرق قذرة
فلايتوضأ به وإن كثر، إلا أن يكون مثل الغدران التي تكون في طريق
مكة والبرك فلابأس به لُر الذي جاء.
وروى حديث أبي سعيد قال: انتهينا إلى غدير ونحن مع رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم وفيه جيفة، فكففنا حتى جاء النبي صلى الله
عليه وآله وسلم فقال: (( إن الماء لاينجسه شيء )) (1) فاستقينا
وتوضأنا، وإن كان في خداد(2)، أو في دار، أو سطح، أو طريق نظيف
فاجتمع فيه ماء قليل أو كثير فلابأس بشربه والوضوء منه. وإنما ذكر
في الكر والكرين أنه لاينجسه شيء إذا كان في الآبار التي تمدها
العيون، ويقال: إن الكر قدر جرتين من جرار تكون بمصر تسع الجرة
نحواً من راويتين براوية(3) الجمل، ويقال: إن الكر الذي لاينجسه
شيء مثل العيون والأحسا(4).
قال سعدان، قال محمد: ويقال: إن الكر أربعمائة دلو بدلو تسع عشرة
أرطال.
__________
(1) ـ أخرجه المؤيد بالله في شرح التجريد ـ خ ـ، والطحاوي في معاني
الآثار 1/11 عن أبي سعيد الخدري، وأخرجه المؤيد بالله ـ خ ت،
والطحاوي 1/11، والترمذي رقم (66)، وأبو داود (69)، والدار قطني
1/301، والبيهقي 1/257، وأحمد 3/86، وأبو يعلى 2 رقم (1304)،
وعبدالرزاق رقم (55) عن أبي سعيد بلفظ: إن الماء طاهر لاينجسه شيء.
(2) ـ الخداد: جمع خديد، الجدول من الماء.
(3) ـ الراوية: مزادة الماء.
(4) ـ الأحسا: جمع حسي، سهل من الأرض يستنقع فيه الماء.
(2/10)
قال محمد: وبلغني عن يحيى بن آدم في البئر إذا نجس ماؤها قال:
تعلم كم سمك الماء وتمسح البئر(1) فيعرف سعتها فإن كانت ثلاثة
أشبار ضربتها في مثلها فصارت تسعة أشبار، ثم تضرب التسعة الأشبار
في سمك الماء، فإن كان سمكه سبعة أشبار فذلك ثلاثة وستون شبراً،
تنزح لكل شبر دلوين.
وروى عن (( يحيى بن آدم )) قال: إذا تفسخت الفأرة في البئر نزحت،
فإن لم يُدْرك ماؤها نزح منها كُرٌّ ـ أربع مائة دلو بدلو يسع عشرة
أرطال ـ.
القول في أحكام الماء القليل في الأواني وغيرها
قال القاسم عليه السلام: لايفسد الماء عندنا إلا ماغيره، وتبين فيه
أثره وقذره.
وقال في الوضوء بالماء المُرْوِح(2): إذا تبين القذر(3) في ريحه،
أو لونه، أو طعمه، لم نحب أن يتوضأ به، ولايتطهر به، ولابأس بسؤر
الكلاب، والسباع، مالم يتغير للماء طعم، أو يبين فيه نتن أو قذر.
قال: وأكره سؤر اليهودي، والنصراني، والمجوسي.
وقال القاسم عليه السلام أيضاً ـ فيما رواه داود عنه ـ: وإذا وقع
في إناء الوضوء قطرة من خمر، أو دم، أو جيفة فغلب الماء عليه ولم
يتغير، ولم يتبين فيه نتن توضأ به.
__________
(1) ـ مسحت الأرض مسحاً: ذرعتها.
(2) ـ الماء المروح: ذو الرائحة.
(3) ـ في الأصل و (ب): إذا تبين فيه القذر في ريحه. وما أثبتناه من
(ج).
(2/11)
وقال محمد: إذا وقع في الإناء قطرة من دم، أو جنابة، أو شيء من
الميتة مثل جلد، أو صوف، أو عظم، أو غير ذلك أفسد الماء غيره أو لم
يغيره، ويهراق، ويطهر الإناء، وإن أصابه نضح من الماء الذي غسل به
الإناء فلاشيء عليه، وإن قطرت قطرة من خمر في حُبٍّ(1) من ماء
أهريق وغسل الحب، وإذا قطر في الإناء قطرات دم فاغتسل به رجل وهو
لايعلم فليعد الغسل وليغسل الإناء، وليس عليه أن يغسل ثوبه، وإذا
وقع الوزغ في الحب فأخرج حياً أهريق الماء على طريق التقزز، وإن
غسل منه ثوب، أو عجن منه فلايضر، وقد رخص كثير من العلماء في شربه
والتوضي به، وإذا كان مع المسافر من الماء مايكفيه لطهوره فوقع فيه
وزغ أو عضاية أو فأرة أو نحو ذلك فخرج حياً فليتوضأ به، ثم يتيمم،
والتيمم احتياط وليس بواجب، وإن وقع فيه بول، أو قطرة من دم، أو
خمر، أو نحو ذلك مما لايختلف الناس أنه لايصلح الوضوء به فليتيمم
ويصل، ولايضره أن لايهريقه، وإن أصابه مايختلف الناس فيه فليهريقه
ويتميمم، وإن وقع فيه بصاق فتفشأ فيه توضأ به، وتيمم لموضع
الاختلاف، وإن وقع فيه نخامة أو مخاط فليقذفه منه ويجزيه الوضوء
به، وإن كان شيئاً يسيراً لايمكنه أخذه فلايضره، وإن ذرق فيه طائر
يؤكل لحمه أو لايؤكل لحمه فليقذفه ويتوضأ منه، فإن تفشأ فلم يمكن
أخذه توضأ به، ولايضر إن شاء الله تعالى، وإذا وقع جراد، أو ذباب،
أو نمل، أو قمل، أو براغيث، أو بعوض في حب أو إناء فلايضر ذلك،
وإذا ماتت الحَلَمة(2) في إناء أو حب تنزه عنه.
مسألة: في جلود الميتة إذا دبغت.
__________
(1) ـ الحب بالضم: الجرة الضخمة.
(2) ـ الحَلَمة: واحدة الحَلَم، وهو القراد الضخم.
(2/12)
قال أحمد بن عيسى عليه السلام: لا أرى بأساً بالصلاة في جلود
الثعالب وغيرها من السباع إذا دبغت، وأرى دباغها طهورها، للحديث عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم(1).
وقال الحسن بن يحيى عليه السلام ـ فيما حدثنا الحسين بن القطان، عن
زيد بن محمد، عن أحمد بن يزيد عنه عليه السلام ـ: ولا أرى أن يصلي
في شيء من جلود السباع إذا دبغت، ولا أرى أن تلبس، وسائر الجلود
إذا دبغت صلي فيها، ولايسأل عنها.
وقال الحسن عليه السلام أيضاً ـ فيما حدثنا محمد بن عبدالله، وزيد
بن حاجب، عن زيد بن محمد العامري، عن أحمد بن يزيد عنه عليه السلام
ـ: يكره بيع الجلود إذا اختلط الذكي منها بالميت، ولكن يدبغه
وينتفع به، وذلك رخصة، والاحتياط أن لايبيعها، ولايأكل ثمنها لأنها
شبهة.
وقال محمد: إذا لم يجد المسافر إلا ماء في سقاء من جلد ميتة مدبوغ
مما أحل الله أكله ففيه اختلاف، قيل: دباغه طهوره، وقيل: لاينتفع
من الميتة بإهاب ولاعصب، فيأخذ بالرخصة ويتوضأ به، وإن كان غير
مدبوغ، أو كان جلد خنزير أو غيره مما حرم الله أكله ـ دبغ أو لم
يدبغ ـ فيتيمم، ولايتوضأ به.
وقال في (المجموع): ومعنى دباغه: غسله بالماء. وقيل: كل شيء دبغ به
من تراث أو غيره فهو دباغ.
مسألة:
__________
(1) ـ في الباب عدة أحاديث، منها عن ابن عباس عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم أنه قال: (( إذا دبغ الإهاب فقد طهر )) أخرجه مالك
في الموطأ 2/498، ومسلم 1/277، وأحمد 1/219، والدارمي 2/86،
والطبراني في الكبير 12/235 رقم (12979) بلفظ: الدباغ طهور. وأبو
داود 4/65 رقم (4123)، والترمذي 4/221 رقم (1728) بلفظ: أيما إهاب
دبغ فقد طهر. والنسائي 7/173 بلفظ: الدباغ طهور. وابن ماجة 2/1193
رقم (3609) بلفظ: أيما إهاب دبغ فقد طهر. والطحاوي 1/469 بلفظ: إذا
دبغ الأديم فقد طهر. والدار قطني 1/46، والبيهقي 1/20، وابن
الجارود في المنتقى 221 رقم (874) بلفظ: أيما إهاب دبغ فقد طهر.
(2/13)
وعلى قول محمد إذا وقع في البئر جلد كلب مدبوغ، أو كل مذكى(1).
فإنه يفسد الماء، لأن من مذهبه أن جلده لايطهر بالدباغ، وكل
مالايطهر بالدباغ من الجلود فإن الذكاة لاتطهره، ولاتطهر شحمه، ولا
لحمه. وكذلك الخنزير، والسباع.
مسألة: في عظم الميتة وشعرها إذا وقع في الإناء.
قال أحمد بن عيسى عليه السلام: فيما رواه محمد بن فرات ـ وراق محمد
بن منصور وقراءته في كتاب وسماعه من محمد ـ عن علي بن أحمد، عن
أبيه أنه كان لايرأ بأساً بشعر البز(2). وبكل شعر خلا شعور الناس
فإنه ميتة.
وقال القاسم عليه السلام: فيما حدثنا علي بن محمد، عن محمد بن
هارون، عن أحمد بن سهل، عن عثمان بن محمد بن حبان، عن عبدالله بن
منصور القومسي، قال: سألت القاسم عليه السلام عن جلود الميتة فقال:
نكرهها كما نكره عظمها، لأن الذكاة تلزم جلدها، كما تلزم غيره من
أعضائها. وسألته عن جلود الثعالب فقال: مكروه، وكذا جاء عن علي
عليه السلام(3).
وقال الحسن بن يحيى ـ فيما حدثنا حسين بن القطان، عن زيد بن محمد،
عن أحمد بن يزيد عنه عليه السلام ـ: وإنما نهى عن مشط العاج لأنه
من الممسوخ(4).
وقال محمد: إذا وقع في الإناء شيء من الميتة من جلد أو صوف أو عظم
ـ غيَّره أم لم يغيره ـ فيراق، ويطهر الإناء.
__________
(1) ـ إشارة إلى قول من يقول بطهارته وجواز أكله.
(2) ـ لعله: البَبْر من كبار السباع ذوات الشعر وأشرافها. الحيوان
6/11، 5/484.
(3) ـ حكا كراهة الصلاة في جلود الثعالب عن الإمام علي في موسوعة
فقه الإمام علي 581 وعزا ذلك إلى ابن أبي شيبة في المصنف 94 ب،
والمغني 1/68.
(4) ـ العاج: أنياب الفيل، وقد روي عن ابن عباس أثر في الممسوخات،
وعدَّ منها الفيل. الحيوان 1/309.
(2/14)
وقال محمد :ولو أن رجلا أخذ شعره فسقطت منه خَصْلة(1) في إناء
أو قُلَّة(2) كره له أن يتوضأ منه أو يشرب، وإن وقعت الخصلة في مثل
حُبٍّ فيه ماء كثير رجوت أن لايضر إن شاء الله، وإذا تنزه عنه فهو
أفضل، وإن وقعت شعرة أو شعرتان أو نحو ذلك في إناء أو قلة فلايضره،
وإن توضأ فانكسر ظفره في الإناء فلايضره.
وقال محمد: في رواية محمد بن خليد عنه وسئل عن منخل الشعر يعمل من
شعر الميتة فلم ير به بأساً.
مسألة: في الماء القليل يموت فيه ماليس له نفس سائلة.
قال القاسم، ومحمد: وإذا مات في الإناء أو الحُبِّ ماليس له نفس
سائلة لم يفسد الماء مثل العقرب والخنفساء والزنبور(3) وصياح
الليل(4) وما أشبه ذلك.
قال القاسم عليه السلام: ولاينجس ذلك الماء وإن قل.
مسألة: إذا مات ما حياته الماء في الماء
قال محمد: وكلما أخرج من البحر مما ذكاته أخذه ـ نحو السمك إذا خرج
حياً ـ ثم مات في إناء، أو حب، فلايضر، وما أخرج من ذلك طافياً(5)
فسقط في إناء، أو حب، فيتنزه عنه، وما أخرج من البحر حياً مما
ذكاته ذبحه ـ مثل السلحفاة ـ فمات ثم سقط في إناء أو حب فلايتوضأ
منه، ولايشرب، ويطهر الإناء.
مسألة: ذرق الطير.
قال محمد: ذرق الطير طاهر، مايؤكل لحمه ومالايؤكل، فإن سقط في ماء
في إناء فأمكنك أن تأخذه فتقذفه بمنزلة النخامة فلابأس بالماء، وإن
تفشا فلم تدركه حتى اختلط بالماء، فإن أمكنك غيره وإلا فتوضأ به
ولايضرك، وإن أصاب الثوب فإن غسلته فحسن، وإن مسحته فلابأس، وإن
وطئت عليه فامسح رجلك، ويجزيك ذلك.
__________
(1) ـ الخصلة: لفيفة من الشعر.
(2) ـ القلة: الجرة العظيمة.
(3) ـ الزنبور: الدَّبْر حشرة طائرة تلسع، انظر صورته في المنجد في
اللغة والأعلام 303.
(4) ـ صياح الليل: حشرة تصر في الليل، تشبه الصرصور انظر صورتها في
المنجد في اللغة والأعلام 426.
(5) ـ الطافي: مايعلو فوق وجه الماء.
(2/15)
وروي عن الحسن أنه ذرقت عليه حمامة فمسحه بطين ومضى، فقيل له:
ألا نأتيك بماء فأبى.
مسألة: في سؤر مايؤكل لحمه وبوله ورجيعه
قال القاسم، ومحمد: جميع ما أكل لحمه فلابأس بسؤره(1)، وبوله،
وزبله.
قال محمد: مثل الإبل، والبقر، والغنم، والفرس، والبرذون.
قال القاسم عليه السلام ـ فيما روى داود عنه ـ: إلا أن ينتن، أو
يُرْوِح، أو يقذر.
قال محمد: ومالايؤكل لحمه فمكروه بوله، وزبله، وسؤره.
وروى محمد، عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: لابأس بنضح بول
الدواب.
قال محمد: فإذا وقع بعر الشاة، أو الجمل، أو ذَرْق العصفور، أو
الطير وما أشبه ذلك مما يؤكل لحمه في إناء فيه ماء، أو في طعام، أو
شراب فإنه لايفسده ذلك، وإن انتضخ من أبوال مايؤكل لحمه في إناء
فيه ماء فلابأس بشربه، والوضوء منه، إذا كان النضح يسيراً، وإن كثر
ذلك في الإناء حتى تغلب منه رائحة أو لون، فلانرى في الوضوء به
بأساً، وما اكل لحمه فيكره بوله مالم يتغير الماء.
وقال: لابأس بسؤر الدجاجة مالم تحبس(2) في ذلك الوقت.
وروي عن عطاء أنه ذرق عليه طير من طير مكة فقال بيده هكذا ثم قام
يصلي.
وروى محمد بإسناد عن زيد بن علي عليه السلام قال: كل شيء يحل أكله
لابأس ببوله، ولابأس أن يصيب ثوبك إلا الخيل فإنه يكره رجيعها،
ورجيع الحمر وأبوالها(3).
وعن علي صلى الله عليه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم وطيء على بعر بعير رطب فمسحه في الأرض فمسحه في الأرض، ثم
صلى، ولم يغسل دمه(4).
مسألة: سؤر الكلاب والسباع
__________
(1) ـ السُّؤر: مايبقى في الإناء.
(2) ـ كذا في النسخ، وظنن في (ب) بـ: تجل. وتجل: تأكل العذرة.
(3) ـ المجموع 59، وهو في أمالي أحمد بن عيسى 1/142 رقم (173)، وفي
شرح التجريد ـ خ ـ.
(4) ـ رواه الإمام زيد في المجموع 60، ومحمد بن منصور في الأمالي
1(140) رقم (170).
(2/16)
قال القاسم عليه السلام: لابأس بسؤر الكلب والسباع مالم يتغير
للماء طعم، أو يتبين فيه نتن أو قذر.
وقال الحسن بن يحيى ـ فيما حدثنا محمد وزيد، عن زيد، عن أحمد عنه
ـ: في الكلب يلغ في سمن، أو زيت، أو لبن، يكره سؤره، وإن انتفع به
ففيه رخصة.
وقال محمد: لاخير في سؤر الكلب، والأسد والذئب، والخنزير، والسباع
لأنه نجس. وكذلك سؤر القرد وكل ذي ناب من السبع مكروه، منهي عنه،
إلا إن كان الماء كثيراً مثل الغدران التي بطريق مكة ونحوها. وكذلك
سؤر ابن عَرْس(1) مكروه، وإنما رخص في سؤر السَّنَّور وحدها.
مسألة: سؤر الهر ولعابه
قال القاسم، ومحمد، والحسن ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد عنه
ـ: ولابأس بسور السَّنَّور.
قال محمد: ويتوضأ منه، ويشرب.
قال القاسم عليه السلام: مالم يتغير للماء طعم، أو ريح، أو لون.
قال الحسن، ومحمد: وإذا ابتلت السنور بالماء، ثم أصابت ثوباً أو
جسداً لم يضره.
قال الحسن عليه السلام: وإذا(2) رآها قد تمرغت على موضع نجس ثم
مسها وهي رطبة فينبغي له أن يغسل يده.
قال محمد: ولابأس بلعاب الهر يصيب الثوب أو الجسد، ويكره بوله
ورجيعه، ويغسل ماقل منه أو كثر. ولو رأيت سنوراً أكلت فأرة أو
نحوها، أو شيئاً من المخرج، ثم شربت من إناء كنت أتوقاه، ولاأتوضأ
به، فإن سؤرها في ذلك الوقت يكره، وإن احتيج إلى شربه فلابأس به.
__________
(1) ـ ابن عرس: حيوان يفتك ببيوت الدجاج والحمام. انظر صورته في
الصحاح في اللغة والعلوم 722.
(2) ـ في (ب): وإن.
(2/17)
وروى محمد، عن أبي جعفر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
(( إنما الهر من أهل البيت )) (1).
وقال أبو جعفر عليه السلام: توضأ من سؤرها واشرب.
مسألة: سؤر البغل والحمار
قال القاسم عليه السلام: لابأس بسؤر الحمار والبغل والفرس مالم
يتغير للماء طعم أو يتبين فيه نتن أو قذر.
وقال محمد: قد اختلف في الوضوء بسؤر الحمار والبغل، جاءت فيه
الرخصة، توقيه أحب إلي.
وقال في وقت آخر: والثقة في توقيه.
قال: وإذا اضطر الجنب أو الحائض في السفر إلى الوضوء من سؤر حمار
أو بغل توضأ به وأجزاه.
وقال في وقت آخر: وقد قيل يغتسل به، ويتيمم، وإذا أصاب الماء اغتسل
ويجزيه ماصلى بالتيمم، وأما الفرس فلابأس بسؤره.
مسألة: [نجو الحمار والبغل والفرس]
قال القاسم عليه السلام: وإذا أصاب الثوب نجو الحمار والبغل
والفرس(2) غسل منه مابان له أثر، ومالم يبن فلاشيء عليه.
قال محمد ـ في كتاب أحمد ـ: وكذا أقول.
وقال في (المسائل): لابأس بنثر الحمار والبغل(3) يصيب الثوب أو
الجسد.
__________
(1) ـ رواه محمد بن منصور في الأمالي 1/138 رقم (168) وأخرج المؤيد
بالله في شرح التجريد ـ خ ـ، ومالك في الموطأ 54، وأبو داود رقم
(75)، والنسائي 1/55، والترمذي رقم (92) وقال: حسن صحيح، وابن ماجة
رقم (367)، والدارمي 1/187، والدار قطني 1/70، والحاكم 1/159 ـ
160، والطحاوي في مشكل الآثار 3/370، وفي معاني الآثار 1/18،
والبيهقي في السنن 1/245، وأحمد 5/303 و 309، وابن خزيمة رقم
(104)، وعبدالرزاق رقم (353)، وابن حبان رقم (1299)، وابن الجارود
رقم (60) عن أبي قتادة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم في الهرة: إنها ليست بنجسة هي من الطوافين عليكم والطوافات.
(2) ـ في الأمالي: نَخْر، ولعله الصواب.
(3) ـ النثر: طرح الأذى من الأنف.
(2/18)
وقال في (الطهارة) ـ وهو قول الحسن عليه السلام فيما حدثنا
حسين، عن زيد، عن أحمد عنه عليه السلام ـ: وإذا أصاب الثوب أو
الجسد نثر الحمار والبغل، ولعابهما، وعرقهما ففيه رخصة.
قال الحسن عليه السلام: وإن فركه من الثوب فلابأس، وغسله أحب إلي.
وقال محمد: وغسله أفضل.
وقد ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: في عرق الحمار يصيب
الثوب أنه يغسل(1).
وروى محمد بإسناد(2) عن أبي جعفر عليه السلام قال: لابأس بسؤر
الحمار إلا أن يكون منه لعاب.
وعن زيد بن علي عليهما السلام: أنه شرب من سؤر بغلته(3).
مسألة: سؤر الفأرة، والجُرَذ، والوزغ، وابن عرس
قال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا محمد، وزيد، عن زيد، عن أحمد
عنه عليه السلام ـ، قال: لابأس بسؤر الفأرة.
وقال محمد: ولايتوضأ بسؤر الفأرة، والجُرَذ، وابن عرس، والوزغ،
والعضاية إلا أن لايجد من ذلك بداً فيتوضأ به ويجزي، ولايضر الثوب
والجسد ما أصابه من سؤر الفأرة ونحوها، وإن أصاب خر الفأرة ثوباً
أو غيره فإن كان رطباً غسل موضعه، وإن كان يابساً فلايضره.
مسألة: سؤر اليهودي والنصراني
قال القاسم عليه السلام: أكره سؤر اليهودي، والنصراني، والمجوسي.
وقال محمد(4): يكره سؤر وضوء المشرك، ولابأس بسؤر شربه، إلا أن
يراه قد أكل لحم خنزير، أو شرب خمراً.
مسألة: سؤر الجنب والحائض
قال القاسم عليه السلام: لابأس بسؤرالجنب والحائض.
__________
(1) ـ أخرج المؤيد بالله في شرح التجريد بسنده عن ابن عباس قال:
كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حمار يقال له:
يعفور، فأصاب ثوبي من عرقه، فأمرني النبي صلى الله عليه وآله وسلم
بغسله.
(2) ـ في الأصل و (ب): بإسناده.
(3) ـ رواه محمد بن منصور في الأمالي 1/138 رقم (166).
(4) ـ في (ب): وقال محمد الحسن (كذا)، وظنن بـ: قال محمد والحسن.
(2/19)
وقال محمد: لابأس بفضل وضوء الرجل والمراة والجنب وفضل غسلهما،
يتوضأ به الرجل إن كانا يحسنان الطهور، ويفقهان، فإذا اغتسلا من
إناء واحد بدأ الرجل، وقد رخص في سؤر الحائض والنفساء، وكرهه
بعضهم. هذا قوله في (الطهارة) و (المجموع). وقال في (المسائل):
ولاخير في فضل وضوء المرأة من الحيض، والنفاس، كرهه العلماء. قال:
والسؤر هو الذي يبقى في الإناء.
وروى محمد بأسانيده عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قالت: (( كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من
الجنابة من إناء واحد إلا أنه الفَرَق )) (1).
وقال الحسن عليه السلام، قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم
يبدأ بالغسل، وكره الحسن فضل وضوء المرأة.
باب مالاينبغي الوضوء إلا به من الماء الطاهر
مسألة: الوضوء بالماء المستعمل
قال محمد: لايصلح الوضوء بماء مرتين إذا كان مع الرجل إناء فيه ماء
فتوضأ به في إناء آخر فليس له أن يتوضأ به هو ولاغيره.
قال: وإذا غمس الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها يريد الاغتراف
لوضوئه لم يَفْسُد الماء، ولابأس به، وعلى قول محمد إن غمس يده أو
رجله في الإناء ودلكها يريد التطهر(2) لذلك الوضوء فالماء مستعمل
لأنه لايكون مستعملا إلا بالنية.
قال: وإذا سقط جنب في بئر ماء فارتمس في الماء فإن كان قليلا
فينبغي أن تنزح كلها، ويغتسل هو بماء جديد، وإن كان الماء لاينجس
مثله فهو طاهر والبئر طاهرة.
__________
(1) ـ الحديث عن أم سلمة أخرجه المؤيد بالله في شرح التجريد ـ خ ـ،
والبخاري 1/144، ومسلم 3/7، والدارمي 1/243، وأحمد 6/291، وابن
ماجة رقم (380)، والبيهقي في السنن 4/234، وأبو يعلى 12 رقم
(6991)، والطحاوي 1/25 من طريق زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة، قالت:
كنت أغتسل.. الخ. والفرق ـ بفتحتين ـ: مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهي
اثنا عشر مداً، أو ثلاثة آصُع عند أهل الحجاز.
(2) ـ في (ب): التطهرة.
(2/20)
وبلغنا عن عطاء أنه قال في الجنب لايصيب الماء إلا في بئر
لايمكنه أن يستقي منها قال: إن كان يمكنه أن يدلي ثوبه إذا كان
طاهراً أو يغمسه في الماء ثم يعصره على جسده أجزاه ذلك.
وقال محمد ـ فيما روى محمد بن زكريا عنه ـ فيمن نسي مسح رأسه ومسحه
ببلل لحيته: هذا ماء مستعمل ولكن يمسحه بماء جديد.
مسألة: طهارة الماء المستعمل
قال محمد: كان أحمد بن عيسى يمسح وجهه ويديه بالمنديل عند كل وضوء،
وكان له منديل معد للوضوء.
قال محمد: ورأيت عبدالله بن موسى يتوضأ في جُبَّة صوف، ويصلي فيها،
وكان يمسح وجهه بالمنديل.
وقال القاسم عليه السلام ـ فيما رواه داود عنه، وسئل عن المسح
بالمنديل والخرقة والثوب بعد الوضوء فقال ـ: لابأس بالمسح
والتجفيف، وليس يزداد بذلك صاحبه إلا نقاء.
وقال محمد: لابأس بالتمسح بالمنديل بعد الوضوء، وبعد الغسل، ولابأس
بالصة في المنديل الذي مسح به وجهه وذراعيه حين توضأ. وقد كره ذلك
بعضهم.
وقد ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه توضأ فمسح وجهه
بثوبه وصلى فيه(1).
وروى محمد عن أبي جعفر عليهم السلام قال: لابأس بأن يتوضأ ويمسح
وجهه ويديه بالمنديل.
قال الحسني: وقول أحمد، وعبدالله، والقاسم، ومحمد يدل على أن الماء
المستعمل طاهر لابأس بشربه.
مسألة: الوضوء بالماء المضاف
__________
(1) ـ أخرجه محمد بن منصور بسنده عن ثوبان قال: رأيت رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم مسح وجهه في ثوبه ثم صلى فيه <رأب الصدع> 1/36
(21) و 58 رقم (57)، وأخرج الترمذي 1/75 (54)، والبيهقي في السنن
الكبرى 1/236 عن معاذ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه.
(2/21)
قال القاسم عليه السلام: كلما زال عنه اسم الماء المفرد المحض
بما يغلب عليه من لبن، أو عسل، أو خل، أو حبر، أو تمر، أو زبيب، أو
غير ذلك، فلايجوز الوضوء به ولا التطهر، لزوال اسم الماء عنه، لأن
الله تعالى إنما جعل الطهارة بالماء المفرد، فقال: {وينزل عليكم من
السماء ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11]، وقال: {وأنزلنا من السماء
ماء طهوراً} [الفرقان: 48]، وقال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً
طيباً} [النساء: 43]. ولايَتَطَهر إذا عدم الماء المحض إلا بالصعيد
كما أمره الله عز وجل. وأما النبيذ فلايجوز الوضوء به.
وقال محمد: لايجوز الوضوء بلبن، أو بماء ورد، أو خيار، أو بطيخ، أو
رمان، أو ما أشبه ذلك ـ يعني مما اعتصر من ماء الأشجار والأثمار ـ،
وكل شيء زال عنه اسم الماء فلايُتَوضأ به، لقوله عز وجل: {فلم
تجدوا ماء فتيمموا صعيداً} [النساء: 43]، وكذلك الخل لأنه إدام،
ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <نعم الإدام الخل>، وكذلك
النَّشَاستَج(1)، والزردج(2) لايتوضأ به لانتقال اسم الماء عنه.
وقد رخص قوم في الزَّرْدَج، فيتوضأ به ويتيمم، فيكون قد جمع
الأمرين. وإذا لم يجد المسافر ماء ومعه نبيذ، فإن كان تمراً قُذِف
في سقاء ـ بمنزلة ماذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه توضأ
به وقال: <تمرة طيبة وماء طهور> ـ فليتوضأ به ولايتيمم، وإن كان
نبيذاً حلواً حين عصر أو نحو ذلك مما أجمعت الأمة على تحليل شربه،
فليتيمم ولايتوضأ به لانتقال اسم الماء عنه.
قال: وإذا غسل الجنب رأسه بخطمي(3) وماء، ثم جف أجزاه، ولايعيد غسل
رأسه، وإذا غسل الرجل ثوباً بماء من فيه، فأَحَبُّ إلي أن يغسله
بماء جديد.
مسألة: الماء يقع فيه البصاق والمخاط
__________
(1) ـ أصله النشا مقصور فارسي معرب يعمل به الفالوذج وهو نوع من
الحلوى يسوى من لب الحنطة.
(2) ـ الزردج: العصفر وهو نبت يصبغ به.
(3) ـ الخطمي: نبات يستعمل للتطهير كالسدر.
(2/22)
قال القاسم عليه السلام: وإذا وقع في الوضوء بصاق أو نخامة،
فلابأس به إذا خرج منه دفقاً أو لقطاً.
وقال محمد: وإذا وقع في ماء الوضوء مخاط أو نخامة، فيقذفه منه
ويجزيه الوضوء به(1)، وإن كان يسيراً لايمكن أخذه فلايضره، وإن وقع
فيه بصاق فتفشى فيه توضأ به وتيمم، لموضع الاختلاف.
مسألة: الوضوء بماء البحر
قال القاسم عليه السلام، ومحمد: لابأس بالوضوء والغسل بماء البحر.
قال محمد: سواء أمكن غيره أم لم يمكن، هو طهور.
مسألة: الوضوء بالماء المُسَخَّن
قال أحمد بن عيسى، والقاسم، ومحمد: لابأس بالوضوء بالماء المسخن.
قال محمد(2): وإذا أوقد تحت الماء بميتة، أو عظم، أو عذرة، لم
ينجسه ذلك، فإن توضأ به أو اغتسل ففيه رخصة، وغيره أفضل إن أمكن،
وإن دخل حماماً يوقد بعذرة، فيستحب أن يغتسل بعد خروجه بماء غيره،
وإن لم يغتسل أجزاه.
مسألة: الوضوء بالماء المغصوب
حكى أحمد بن الحسين، عن القاسم عليه السلام، أنه قال: لاوضوء
بالماء المغصوب.
قال محمد: وإذا لم يجد المسافر إلا ماء غُصِبَ من أهله فيتيمم
ولايتوضأ به.
مسألة: التحري في الأواني
قال محمد: وإذا كان مع المسافر إناءان في أحدهما ماء نجس، فاشتبه
عليه الطاهر من النجس ولم يقدر من الماء على غيرهما، فإن شاء
أراقهما وتيمم، وإن شاء خلطهما وتيمم، وحبس الماء لنفسه إن خاف
العطش، ويتوقى أن يصيب ثوبه أو جسده شيء من ذلك الماء.
باب طهارة الأبدان واللباس
__________
(1) ـ سقط من (ج): به.
(2) ـ سقط من (ب): محمد.
(2/23)
قال محمد: بلغنا أن في الإنسان عشر خصال من السنة، خمس في
الرأس، وخمس في الجسد، فأما التي في الرأس فالسواك، والمضمضة،
والاستنشاق، وقص الشارب، وإعفاء اللحية. وأما التي في البدن
فالختان، وحلق العانة، والاستنجاء، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط(1).
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
<عشرة من الفطرة>، فذكر هذه الخصال، إلا أنه ذكر في بعض الحديث أن
من العشر خصال <انتقاص الماء(2)، وغسل البراجم(3)، والاستحداد(4)>
ثم فسر ذلك محمد فقال: انتقاص الماء: الاستنجاء بالماء،
والاستحداد: حلق العانة، والبراجم: المفاصل.
__________
(1) ـ إشارة إلى ما أخرجه الحاكم 2/266 وصححه، وعبدالرزاق،
والبيهقي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم،
كما في الدر المنثور 1/273 عن ابن عباس في قوله تعالى: {وإذ ابتلى
إبراهيم ربه بكلمات} قال: ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس: قص
الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم
الأظفار، وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل مكان الغائط والبول
بالماء.
(2) ـ انتقاص: بالقاف والصاد المهملة، وقيل الصواب بالفاء، والأول
هو المشهور في الرواية والمعنى: انتقال البول بالماء إذا غسل
المذاكير به. النهاية 5/97 و 107.
(3) ـ البراجم: العقد التي في ظهور الأصابع.
(4) ـ الاستحداد: حلق العانة.
(2/24)
قال محمد: وبعض هذه السنن أوكد من بعض، أما الختان فلايحل تركه
إلا من عذر علةٍ لايستطاع معها الختان، وحلق العانة لاينبغي تركه،
بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه وقت في ذلك أربعين
يوماً(1)، وكذلك الاستنجاء من الغائط والبول السنة فيهما مؤكدة.
وتقليم الأظفار لاينبغي تركه، بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم: أنهى سهى في الصلاة فقال عليه السلام: <كيف لاأسهو والرفث في
أظلافكم؟!> ـ(2) يعني الوسخ الذي يكون بين الظفر واللحم ـ، ويستحب
تقليمها كل جمعة.
وأخذ الشارب سنة مؤكدة، ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه
قال: <من لم يأخذ شاربه فليس منا>(3)، وذكر عنه عليه السلام أنه
قال: <أمرني ربي بإحفاء هذا> ـ يعني الشارب ـ. وروى محمد بإسناده
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <إن آل كسرى يجزون
لحاهم، ويوفرون شواربهم، وإن آل محمد يأخذون شواربهم، ويعفون
لحاهم>.
__________
(1) ـ أخرج مسلم 1/222 (51/258)، والترمذي 5/86 (2759)، وابن ماجة
1/108 (295)، وأبو داود 4/82 (4200)، والبيهقي 1/150 عن أنس قال:
وقت لنا في قص الشارب وتقليم الإظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن
لاتترك أكثر من أربعين ليلة. هذا لفظ مسلم.
(2) ـ في كنز العمال: مالي لا أوهم ورفغ ـ وسخ الظفر ـ بين ظفره
وأنامله. وعزاه إلى عبدالرزاق عن قيس مرسلاً، والبزار عنه عن
عبدالله بن مسعود قال: ..................... إلا الضحك. كنز
العمال 6/659 (17262)، ورقم (17263) وعزاه إلى الطبراني عن ابن
مسعود والبيهقي في شعب الإيمان عن قيس بن أبي حازم مرسلاً.
(3) ـ أخرجه الترمذي 5/87، والنسائي 1/15 و 8/129 رقم (2761)،
وأحمد 4/366 و 368 عن زيد بن أرقم بلفظ: من لم يأخذ من شاربه..
الخ.
(2/25)
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال(1): <من أخذ شاربه حتى
يأخذ بظفريه فلايمكنه كان كلما يسقط نوراً له يوم القايمة>. وعن
عثمان بن عبدالله بن رافع قال: رأيت سبعة من أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم يُحْفون شواربهم أخا الحلق، منهم(2): جابر،
وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وأبو سعد الساعدي، ورافع بن خديج،
وعبدالله بن عمر، وسلمة بن الأكوع.
والسواك: فيه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر وتأكيد،
وذكر عنه عليه السلام أنه قال: <يجزي الأصبع عند الوضوء مكان
السواك>(3).
والمضمضة والاستنشاق: هما من السنة في الوضوء، واجبان في الجنابة.
وفرق الشعر: من شاء فرق، ومن شاء طَمَّ شعره(4).
مسألة: في الذمي يسلم
وإذا أسلم ذمي، أو ذمية، أو مشرك على أي شرك كان، فينبغي له(5) أن
يغتسل بالماء كما يغتسل من الجنابة، ويقلم أظفاره، وينور عانته(6)،
وسائر جسده، وينتف إبطه، ويستحب له أن يحلق رسه. ذكر عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم أنه أمر رجلا بذلك وقال: <إلق عنك شعر
الكفر>(7).
__________
(1) ـ سقط من الأصل: قال.
(2) ـ كذا في النسخ: ولعل الصواب: وهم.
(3) ـ أخرج البيهقي 1/40، وابن عدي 5/1971 عن أنس عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم قال: يجزي من اسواك الأصابع. وهو في الجامع
الصغير 2/589 (9999) وعزاه إلى الضياء ورمز له بالصحة.
(4) ـ طم شعره: جزه واستأصله. النهاءة مادة (طمم).
(5) ـ سقط من (ب): له.
(6) ـ أي يزيلها بالنورة، أو أي مزيل غيرها.
(7) ـ أخرجه أبو داود 1/96 (356)، وأحمد 3/415، والبيهقي 1/172،
وعبدالرزاق 6/10 (9835) عن غثيم بن بن كليب عن أبيه عن جده أنه جاء
إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: قد أسلمت. فقال له النبي
صلى الله عليه وآله وسلم: إلق عنك شعر الكفر.
(2/26)
وقال محمد: وأول مايجب على المشرك ساعة يدخل في الإسلام: توحيد
الله عز وجل، وهو أن يشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له، وأنه
الحق لامعبود غيره، وأن كل معبود سواه باطل، والإقرار برسوله، وأن
ما جاء به هو الحق، وبجميع الرسل، ويتبرأ من الدين الذي كان عليه،
ويغسل ثيابه التي كانت تلي جسده، وكل ثوب كان يمتهنه(1).
ثم أول ما يبدأ به بعد هذا: التعلم للطهور والصلاة، ومايجب عليه من
توحيد الله تعالى، والإقرار به، وبرسوله محمد صلى الله عليه وآله
وسلم، وبكل ماجاء به من عند الله، والأقرار بجميع الأنبياء والرسل،
ويبرأ من الدِّين الذي كان عليه بإخلاص لله تعالى، ورهبة من عقابه،
ورغبة في ثوابه، ويتعلم سائر الفرائض والسنن. وينبغي أن يتعلم
مايجب عليه من طهوره، وصلاته قبل دخول وقتها، وليس ذلك بفرض عليه،
ولكن ذلك من توقير الإسلام أن يأخذ في أهبة ما افترض الله عليه من
وضوءه وصلاته، قبل دخول وقتها، وإن أسلم في غير وقت صلاة فلم يتعلم
غير مايجب عليه من توحيد الله، والإقرار به، وبرسله حتى دخل وقت
صلاة ولم يتعلم كيف الطهور والصلاة، ولم يتطهر، ولم يصل، إلا أنه
معتقد لذلك، مريد له في وقت صلاته قبل خروج وقتها، فإن مات قبل أن
يتطهر ويصلي وقد بقي عليه من الوقت مايمكنه في أداء ما افتُرِض
عليه من الطهور والصلاة فإنه قد مات مسلماً، حكمه حكم المسلمين
في(2) الطهور والصلاة والميراث.
وإذا أسلم الشيخ والعجوز الضعيفان غير مختتنين اختتنا، لايسعهما أن
يفرطا في ذلك إلا من عذر، وقد ذكر أن لهما وللمريض ـ إذا خافوا على
أنفسهم ـ عذراً في ترك الختان إلى أن يطيقوا ذلك.
__________
(1) ـ أي: يبتذله للخدمة والعمل.
(2) ـ في (ب، ج): من.
(2/27)
وكل من أسلم فترك الختان من غير عذر فقد ترك سنة عظيمة، وقيل:
لاصلاة له ولاطهور، وإنما ذلك على التغليظ في سنة الختان، كما قيل:
إن العبد الآبق لاصلاة له، وليس عليه إعادتها إذا رجع إلى مواليه،
وكما روي <لاصلاة لجار المسجد إلا في المسجد>(1)، ولاتقبل شهادته،
ولايغسل إذا مات، ولايُصَلى عليه، وقد رَخَّص بعضهم في غسله
والصلاة عليه، فأي ذلك فعل ففيه قول من العلماء، وهو على الرجال
آكد منه على النساء، قيل: سنة للرجال، مركمة للنساء، وقد اسْتُقصي
الكلام في غسل من أسلم في: <باب الغسل>.
مسألة: في البول والمني والخمر والميتة يصيب الثوب أو الجسد
قال أحمد بن عيسى عليه السلام فيما روى محمد بن فرات، عن محمد عنه،
وسئل عن الثوب يتهمه الرجل ببول أو قذر ولم يستيقن ذلك أيصلي فيه؟
قال: نعم مالم يعلم.
وقال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ: وإذا أصاب المني
ثوباً فرأى أثره، غسَل من الثوب الموقع الذي أصابه، وإن لم يَر فيه
أثراً واستيقن أنه قد أصابه غسله كله. ومن صلى في ثوب قد أصابه
المني أعاد صلاته.
قال: ومن وطيء على عذرة يابسة أو موضع قذر، فلم يتبين فيه ريح، ولم
ير أثراً، ولم يظهر منه في ثوب أو بدن قذر، فكأَنَّ ماوُطِئ منه لم
يوطأ، وليس عليه أن يتوضأ.
قال: وإن ظهر في بدن أو ثوب قليل من العذرة، أو البول غسل، وأعيدت
منه الصلاة كما تعاد من كثيرِ ذلك.
قال الحسن بن يحيى ومحمد عليهما السلام: وإذا غُسِل الثوب ثم جفف
على موضع قذر فليُغسل.
قال الحسن عليه السلام: وإن كان يظن أن الموضع قذر فلابأس بالصلاة
فيه، الأرض يطهر بعضها بعضاً، ولايلزم غَسل الثوب إلا أن يعلم أنه
قد أصابه قذر، وإن أصاب الثوب بول فشَكَكْتَ في موضعه فاغسل الثوب
كله.
__________
(1) ـ أخرجه الحاكم 1/246، والدار قطني 1/420، والبيهقي 3/57 عن
أبي هريرة مرفوعاً، ومثله عن علي موقوفاً أخرجه البيهقي 3/57.
(2/28)
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا محمد وزيد، عن زيد، عن
أحمد عنه ـ: وإذا صُب ماء على موضع يبال فيه، فتَنَضَّح على ثوب(1)
فلابد من غسله، وإذا ابتلَّت البوري(2)، فأصابها قذر فتكره الصلاة
عليها، وإذا أصاب المطر كنيفاً(3) فوق سطح فوكف(4) فأصاب ثوباً
فليغسل الثوب.
قال: وإن وقع ثوبه على حمار ميت، فإن كان يابساً صلى فيه وليس عليه
أن يغسله.
وقال الحسن أيضاً ـ فيما حدثنا حسين، عن زيد، عن أحمد عنه ـ: وإذا
صلى الرجل وفي ثوبه بول أو قذر وهو لايعلم أحببنا له أن يحتاط،
ويعيد الصلاة، وإن لم يعدها فجائز، ـ يعني إذا كانت النجاسة قليلة
ـ.
قال: وإذا أجنب الرجل في ثيابه غسل موضع الجنابة، وإن خاف أن يكون
قد أصاب غير ذلك فالاحتياط في غسل الثوب.
وقال محمد: يغسل ما أصاب الثوب من البول، والمني، والمذي، والودي،
والخمر ما قل منه أو كثر، وقد رخص بعضهم فيما دون الدرهم من المني.
وروى محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لاتعاد الصلاة من نضح دم
ولابول.
فأما ما أصاب الجسد من ذلك فلا أعلم فيه خلافاً أنه يغسل قل أو
كثر، ماخلا أبا حنيفة وأصحابه فإنهم رخصوا في قليل ذلك.
قال ابن عامر، قال محمد: والبول أشد من المني، فإذا صلى وفي ثيابه
مقدار الدرهم الكبير من المني أعاد الصلاة، وإن كان دون ذلك أجزته
صلاته، أخبرنا بذلك محمد، عن ابن عامر عنه.
__________
(1) ـ في (أ): الثوب، وتنضخ ـ بالخاء المعجمه ـ بمعنى ترشرش.
(2) ـ البوري: الحصير المعمول من القصب، ويقال: بارية وبورياء.
(3) ـ الكنيف: الخلاء.
(4) ـ وكف: سال، أو قطر.
(2/29)
قال: والمسكر أيضاً إذا أصاب الثوب أو الجسد غُسِل. وقال في وقت
آخر: والمسكر من النبيذ قد اختلف فيه، والثقة(1) في غسله من الثوب
والجسد. وإن قاء مِرّة أو طعاماً أو غير ذلك فأصاب ثوبه فليغسله،
وإذا انتضح البول على ثوبه أو جسده غسل من ذلك ما عَلم منه وأدرك
بصره، وماخفي من ذلك غسل الثوب كله.
وكل مالايجزي الوضوء به ـ لنجاسة أصابته ـ إذا أصاب ثوباً أو جسداً
غُسِل ما أصابه إن كان كثيراً، وإن كان نضحاً يسيراً كنضح
الاستنجاء فلابأس به، ولايضر الثوب ولا الجشد ما أصابه من نضح
الاستنجاء ونضح الغل من الجنابة، وإن قطر على الثوب شيء من الماء
الذي أنجى به موضع البول فليغسل ما أصابه من ذلك.
وإذا كانت البالوعة يبال فيها أو يستنجى أو فيها عذرة افمتلأت
وفاضت من لك فليطهر ما أصاب من ذلك من ثوب، أو جسد، أو موضع، أو
غير ذلك.
وإذا وقع الذباب على الغائط والبول ثم وقع على الثوب أو الجسد
فلابأس به.
ومن نسي أن يستنجي من بول أو غائط حتى صلى فليُنَجِّ ذلك الموضع
وليعد الصلاة.
وإن(2) اغتسل من جنابة وصلى ثم رأى على موضع من جسده منياً فليغسله
وليعد الصلاة، وإن كان المني الذي على جلده قد أصاب ثوبه لم يضره
ذلك.
وإذا أصاب ثوبه أو بعض جسده بول أو غيره من النجاسة بدأ بغسله ثم
توضأ بعد(3).
وجملة قول محمد أن كل نجاسة لها عين مرئية فينبغي أن تزال عينه،
وإن لم تكن له عين مرئية فطهارته أن يُغسَل ثلاث غسلات فصاعداً.
قال محمد: وإذا غسل الرجل ثوبه بماء من فيه فأحَبُّ إلي أن يغسله
بماء جديد، وعلى قول محمد هذا إذا غسل الثوب أو غيره بماء ورد أو
خل، أو ما أشبه ذلك فيستحب أن يعاد غسله بماء جديد.
وإذا وطئ على جيفة أو عذرة يابسة أو بول مكانه يابس فلايضره، وإن
كانت رجله أو النجاسة رطبة غسل رجله.
__________
(1) ـ الثقة هنا بمعنى الاحتياط.
(2) ـ في (ج): وإذا.
(3) ـ في (ج): بعده.
(2/30)
وقد ذكر عن علي صلوات الله عليه أنه قال: إذا جفت الأرض فقد
طهرت.
وروى محمد بإسناد عن صفوان بن سُليم قال: سئل النبي صلوات الله
عليه وآله عن العذرة اليابسة يطأها الإنسان فقال: <التراب يطهر كل
ذلك>(1).
وروي عن ابن عباس قال: من وطيء على عذرة يابسة فلايضره، وإن كان
رطباً غسله.
وكذلك إذا أصاب الثوب جلد كلب وكان الثوب أو الكلب رطباً فاغسل ما
أصاب الثوب، وإن كانا يابسين فلايضر إن شاء الله.
وكذلك ما أشبهه من السباع، إلا السِّنَّور فإنها إذا ابتلّت بالماء
ثم أصابت ثوباً أو جسداً لم يضره.
وقال عثمان بن حكيم: إذا كان جلد الكلب والثوب يابسين فرش الثوب.
وروى محمد عن زيد عليه السلام قال: إذا اجتنبت في الثوب فالتمسته
فلم تجد شيئاً فلاتنضحه فإنه يزيده وصل، وإن استيقنت أنه قد أصابه
فاغسل أثره إن قدرت عليه وإلا فاصبغ الثوب في الماء.
قال محمد: وإن(2) أصاب الثوب بول أو عذرة أو جنابة(3) ثم جف، ثم
تندَّى بماء أو غيره، ثم أصابته يدك فاغسلها. وإذا غُسل الثوب ثم
جفف على موضعٍ قذر فليغسل، وإن وقعت عذرة يابسة على باريَّة رطبة
فلم يلتزق بالبارية شيء منها لم يضر إن شاء الله.
__________
(1) ـ لم نجده بلفظه، وصفوان تابعي، وله شواهد منها ما أخرجه أبو
داود 1/103 (385) عن أبي هريرة بلفظ: إذا وطيء أحدكم بنعله الأذى
فإن التراب له طهور.
(2) ـ في (ج): وإذا.
(3) ـ المراد بالجنابة: المني.
(2/31)
قال: والكلب والأسد والخنزير والقرد والذئب والنمر والثعلب وابن
آوى(1)، وكل ذي ناب من السبع مكروه ما أصاب الثوب أو الجسد من
نثرهم أو لعابهم أو عرقهم. وكذلك سؤر الفأرة وابن عِرْس(2)، وقد
قيل أيضاً: إن الفيل يكره منه مايكره من كل ذي ناب من(3) السبع.
وأما الضبع فقد اختلف فيه، وتوقيه أحسن. وكذلك يغسل ما أصاب الثوب
أو الجسد من بول هؤلاء جميعاً ورجيعهم. وإن(4) أصاب الثوب أو غيره
خر الفأر فإن كان رطباً غسل موضعه، وإن كان يابساً فلايضر.
وروى محمد بأسانيده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه بال
جالساً واستتر بهيئة الدرقة، فقال عمرو بن العاص: إن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم ليبول جالساً كما تبول المرأة، فقال النبي صلى
الله عليه وآله وسلم: <أما علمتم مالقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا
إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض فنهاهم عن ذلك فعذب في قبره>(5).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يبول جالساً ويفرق بين
رجليه، فقال له رجل: لقد شق عليك.
وعنه عليه السلام قال: <استنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر من
البول>(6).
وعن علي صلى الله عليه قال: <عذاب القبر من ثلاث: من البول،
والدين، والنميمة>(7).
__________
(1) ـ حيوان يشبه الكلب وهو أصغر حجماً من الذئب من رتبة آكلات
اللحوم له ذيل طويل غزير الشعر.
(2) ـ ابن عرس: حيوان يشبه الفأرة أصلم الأذنين مستطيل الجسم يفتك
ببيوت الدجاج والحمام.
(3) ـ في الأصل و (ب): في، وما أثبتناه من (ج).
(4) ـ في (ج): وإذا.
(5) ـ كنز العمال 9/530 (27287) عن عبدالرحمن بن حسنة وعزاه إلى
ابن أبي شيبة وابن ماجة في كتاب عذاب القبر.
(6) ـ أخرجه الدار قطني 1/128 عن أبي هريرة، وبلفظ: أكثر عذاب
القبر من البول. أخرجه أحمد 2/326 و 388، وابن ماجة 1/125 رقم
(348)، والحاكم 1/183 عن أبي هريرة أيضاً.
(7) ـ المجموع 72، رأب الصدع 1/44 رقم (32).
(2/32)
وعن أبي جعفر عليه السلام: إني آمر(1) بالمبولة أن توضع في
الداخل أو يكون بيني وبينها ستر(2).
مسألة: الدم يصيب الثوب أو الجسد
قال القاسم عليه السلام فيما حدثنا علي، عن محمد، عن أحمد، عن
عثمان بن محمد، عن القومسي، قال: سألت القاسم عليه السلام ماترى
فيمن رأى في ثوبه دماً وهو يصلي؟ قال: إن كان دماً كثيراً مما يعلم
أنه يسيل لو تركه ابتدأ صلاته ابتداء، وإن كان كدم البراغيث
والبعوض والبق مما لايسيل ولايقطر طرح الثوب الذي كان عليه إن كان
عليه ثوب غيره، ومضى في صلاته، وإن صلى فيه وليس هو مما يسيل
ولايقطر فلابأس بصلاته.
وقال القاسم عليه السلام فيما رواه داود عنه، في دم الحيض يصيب
الثوب، قال: يُغسَل من الثوب الموضع الذي أصابه لا الثوب كله، إلا
أن يكون أصاب مواضع كثيرة يشتبه(3) تتبعها.
وسئل عن دم البراغيث والذباب والبق، القليل منه والكثير، فقال: كل
دم كان من ذي دم لم يسل ولم يقطر، أو يتبين له أثر فيرى ويبصر
فلابأس به، وإن ظهر من ذلك في ثوب أو بدن قليلا كان أو كثيراً غسل،
وأعيدت منه الصلاة كما تعاد من قليل العذرة والبول وكثيرهما.
وقال الحسن عليه السلام: وإذا أصاب الثوب دم قليل أو كثير فأحب إلي
أن تغسله.
وقال محمد: إذا أصاب الثوب دم أو قيح أو صديد، فإن كان يسيراً
فلابأس أن يصلى فيه. وإن كان فيه قطرة من دم فغسله أحب إلي. وإن
كان في الثوب أقل من قدر الدرهم الكبير دم أو قيح أو صديد فغسله
أحب إلي، وإن صلى فيه فجائز.
وقال: إن صلى فيه ولايعلم غَسَله، ولم يعد الصلاة.
وروى بإسناده عن زيد عليه السلام، قال: إذا كان في ثوبك قدر الدرهم
فلابأس، وغسله أحسن، وإن كان نكتاً فلايضر، وإن كان أكثر من الدرهم
فاغسله ولاتعد.
__________
(1) ـ في الأصل و (ج): عن أبي جعفر عليه السلام أنه أمر.
(2) ـ رأب الصدع 1/45 رقم (34).
(3) ـ في (ج): يشتد تتبعها.
(2/33)
وروي عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا رأيت في ثوب أخيك دماً
وهو يصلي فلاتخبره حتى ينصرف.
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: لاتعاد الصلاة من نضح دم، ولابول.
قال محمد: وإن أدخل يده في أنفه فخرج عليها(1) دم ليس بِعَادٍ(2)،
فإن غسلها فحسن، وإن مسح يده بالتراب(3) وصلى، فقد جاءت فيه رخصة.
وإن خرج من أنفه أو من بثره(4) دون القطرة؛ فإن غسله فحسن، وإن لم
يفعل فلابأس.
وروى بإسناده عن علي عليه السلام، أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم <توضأ، ثم أمس إبهامه أنفه فإذا دم، فأعاد مرة أخرى فلم ير
شيئاً، وجف مافي إبهامه، فأهوى بيده إلى الأرض فمسحه ولم يحدث
وضوءاً، ومضى إلى الصلاة>(5).
وإن صلى وفي ثوبه مقدار الدرهم الكبير دماً ـ وقال في الطهارة أكثر
من مقدار الدرهم ـ متفرقاً أو مجتمعاً، ولم يعلم به قبل ذلك غسله،
وأعاد الصلاة، هذا قوله في (المسائل). وقال في (الطهارة): غَسَله
وأعاد الصلاة، إن كان علم به قبل خروج وقت تلك الصلاة، وإن علم به
بعد خروج وقتها فلا إعادة عليه، وإن كان قد علم به ثم نسي فصلى
فيه، فليغسله، وليعد الصلاة.
قال: ودم الحيض ـ إذا أصاب الثوب ـ مِثْلُ غيره من الدم، يغسل
كثيره وقليله، وإذا نضح الجرح ماء ليس فيه دم، ولاقيح، ولاصديد
فلاشيء فيه(6)، وإن أصاب ثوباً فلايضره.
مسألة: [في الدم يصيب الجسد]
قال علي بن حسن، قال محمد ـ في الدم يصيب الجسد ـ قال: الجسد
والثوب عندي سواء في الدم والبول، يغسل قليله وكثيره.
__________
(1) ـ في (ج): منها.
(2) ـ في الأصل: تعاد. والصحيح ما أثبتناه، والعادي: الكثير
السائل.
(3) ـ في الأصل: بالثوب.
(4) ـ البثرة: واحدة البثور: النفط في الجلد.
(5) ـ أخرجه الإمام زيد عليه السلام في المجموع 69، والمرادي في
الأمالي 1/81 (88) <رأب الصدع>.
(6) ـ في (ج): عليه.
(2/34)
قال الحسن ومحمد ـ وهو قول القاسم عليه السلام ـ: وإذا أصاب
الثوب دم البراغيث والبق والقمل والبعوض فلايضره، والصلاة فيه
جائزة.
قال محمد: وإذا أصاب ذلك الثوب أو الجسد فلايضر وإن كثر، وإن غسل
فحسن، فإن(1) فرك قملة أو قملاً بعدما تطهر(2)، فإن كان بقربه ماء
غسل أثره، وإن لم يفعل ففيه رخصة. وإذا كان برجل جرح فأصاب ثوبه
دم، أو قيح ولم يمكنه ثوب غيره فإنه يصلي فيه. وإذا اغتسل رجل من
إناء قد قطرت فيه قطرات دم أعاد الغسل، وغسل الإناء، وليس عليه أن
يغسل ثوبه.
وقال محمد ـ فيما حدثنا به ابن غزال في (السيرة) لنوح، عن ابن عمرو
عنه ـ: وقد رخص في الصلاة في الثوب والسيف وعليهما الدم ـ يعني في
الحرب.
وقال محمد، فيما حدثنا الحسين بن محمد، عن محمد بن وليد، عن سعدان،
قال: سألته عن الثوب يُصلى فيه وفيه مثل الدرهم الصغير من الدم، أو
الجنابة(3)، فقال: ليس عليه شيء، فقلت: فيغسله إذا علم به؟ قال:
نعم. قلت: فالمذي يصيب الثوب منه مقدار العدسة أو الحمصة(4) لايمكن
غسله في كل وقت؟ فقال: أرجو أن لايكون به بأساً، وقال: إن دين الله
أوسع، وأومى إلي أن لاعليه إن لم يغسله وتركه.
وقال ابن عبدالجبار: سئل محمد عمّن به دماميل يتأذى كلما غسلها،
فقال: أرجو أن يكون له فسحة إذا لم يضبطها.
مسألة: في المسافر ينجس جسده أو ثيابه ولايجد الماء
قال محمد: لو أن مبطوناً(5) في سفر نجَّس جسده وثيابه ولم يمكنه من
تطهره(6) ثم حضرت الصلاة فإنه يتيمم ويصلي على تلك الحال، فإذا(7)
أصاب الماء تطهر وطهر ثيابه، وأحب إلينا أن يقضي ماكان صلى.
__________
(1) ـ في (ج): وإن.
(2) ـ في (ب): يظهر.
(3) ـ الجنابة: أي المني.
(4) ـ في (ب): الحمضة.
(5) ـ المبطون: المريض ببطنه.
(6) ـ في (ب): من تطهر.
(7) ـ في الأصل و (ب): وإذا.
(2/35)
وقال بعضهم: لايصلي حتى يطهر جسده وثيابه من النجاسة، ثم يقضي
ماترك من الصلاة. فإن نَجَسَت ثيابه ـ وجسده طاهر لم يصبه شيء ـ
ولم يمكنه تطهيرها ولاطاهر يصلي فيه، فإنه يصلي في ثيابه، فإذا
أصاب الماء طهر ثيابه وأعاد ماصلى فيها(1) في تلك الحال. وقال أبو
حنيفة: يخلع ثيابه ويصلي قاعداً يوميء إيماء.
وقال محمد في المجموع: إن نجست ثيابه بما لاتحل الصلاة فيها وجسده
طاهر فإنه يخلعها، ويصلي قاعداً يومئ إيماء(2) وتجزيه صلاته.
مسألة: في بول الصبي الرضيع
قال محمد: بول الصبي والصبية عندي سواء إذا كانا قد فطما، وإن كانا
لم يفطما فإنه يصب على بول الغلام، ويغسل بول الجارية.
ذكر ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم(3).
قال علي بن حسن، قال محمد: وإن غسلهما جميعاً فهو أحوط، وإن أصاب
الثوب غسل، ويقال: شربهما اللبن بمنزلة الطعام.
مسألة: في أثر النجاسة تبقى في الثوب
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ وسئل عن دم الحيض
يصيب الثوب فيغلب عليه، ولايذهب أثره، قال: تغسل ماقدرت عليه،
ولابأس إذا غلب ولم يخرج أثره، إذا لم يتبين فيه قذر ولانتن(4).
__________
(1) ـ سقط من الأصل: فيها.
(2) ـ في (ب): يومئ قاعداً.
(3) ـ عن علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال
في بول الرضيع يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام. أخرجه أبو
داود 1/101 (337)، والترمذي.....، وابن ماجة 1/175 رقم (525)،
وأحمد 1/76، والحاكم 1/165، والدار قطني 1/129، والبيهقي 2/415،
والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/93.
(4) ـ في (ج): أو نتن.
(2/36)
وقال محمد: إذا غسل الثوب من جنابة، أو دم، أو بول، أو غائط، او
ما أشبه ذلك فبقي له أثر، أو رائحة(1) فلابأس بلبسه والصلاة فيه،
قد يكون بالإنسان بطن فيصيب الثوب فلاتذهب رائحته ولو غسل
بالأشنان(2) إلا بعدُ. وإذا أصاب البارية، أو الحصير ونحوهما دم،
أو جنابة، فأصابه من المطر ما أذهب الأثر فقد طهر، وإن لم يذهب
الأثر غسل. وإن كان الذي أصابه بول ثم أصابه المطر، فإن كان المطر
كثيراً ينقي ذلك وما تحته. وإذا خرج من الرجل ريح وعليه سراويل
وقميص فلابأس أن يصلي فيه ـ ذكر ذلك عن علي عليه السلام(3)ـ، وإذا
صبغ الثوب بالبول أسلسل خروجاً.
مسألة: هل تطهر النار ما أحرقته؟
قال جعفر بن الصيدلاني، سألت محمد بن منصور: عن رماد الميتة تطير
به الريح فيقع في طعام، فقال: هؤلاء يقولون ـ يعني أصحاب أبي حنيفة
ـ إن النار تطهر، ونحن نقول: إن النار لاتطهر، وكذلك قال أبو يوسف.
مسألة: السرجين(4) وذرق الطير يصيب الخف أو النعل أو الثوب أو
الجسد
قال القاسم عليه السلام: وإذا أصاب النعل أو الخف السرجين، فلابأس
أن يصلى فيهما مالم يتبين بهما قذر يظهر عليهما.
وسئل عن بول البهائم يصيب الثوب فقال: ما أكل لحمه لم ينجس بوله.
وقال محمد: إذا وطئت على روث الحمير والبغال، فالأحسن أن تغسله،
وليس هو بمنزلة الرجيع، وإذا أصاب خفك أو نعلك أو رجلك، أجزاك أن
تحكه بالأرض، وإن وطئت على خر الدجاج وهو رطب ـ في رواية سعدان عنه
ـ فلابأس به، وإن غسلته فهو حسن، وإن مسحته أجزاك. ولابأس بذرق
الطير كله مايؤكل لحمه ومالايؤكل(5).
__________
(1) ـ في الأصل: ورائحة.
(2) ـ الأشنان ـ بالضم ـ : نبات يستعمل للتطيهر.
(3) ـ في (ب): عن النبي (ص).
(4) ـ السرجين: الزبل.
(5) ـ يعني: إذا أصاب الثوب، وإن كان كثيراً فاحشاً، وهو قول أبي
يوسف.
(2/37)
وروي عن زيد بن علي عليه السلام قال: إذا وطئت شيئاً من رجيع
الدواب ـ يعني اخيل والبغال والحمير ـ وهو رطب فاغسله، وإن كان
يابساً فلا بأس.
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: لابأس بنضح أبوال الدواب.
مسألة: في ماء المطر إذا خالطه نجاسة
قال القاسم عليه السلام: إذا خاض الطين وماء المطر(1) فمر بموضع
نظيف وآخر قذر فانتهى إلى المسجد وليس برجله أثر من قذر مامر فيه،
في ريح ولاتغَيُّر، فليس عليه أن يغسل رجليه ولايتطهر.
وقال الحسن عليه السلام: وإذا أصاب الثوب الطين والماء المختلط،
فإن علمت أن فيه بولاً فاغسله، وإن لم تعلم فلاشيء عليك، وإن شككت
في الموضع فاغسل الثوب كله.
وقال محمد: وإذا(2) اجتمع في الطريق من ماء المطر قليل أو كثير
فبالت فيه الدواب فأصاب ثوباً أو جسداً فليغسل، وقد رخص في تركه،
وإذا اختلط ماء المطر ببول أو عذرة ولم يجد بداً من أن يخوضه فقد
جاءت فيه الرخصة، وغسل ذلك أفضل وأوثق.
قال: وإذا كان في البالوعة بول أو عذرة فأصابها ماء المطر حتى
امتلأت وفاضت فقد رخص فيما أصاب من فيضها بعد المطر وما أمكن من
تطهير ما أصاب من ذلك فهو أحوط. وروي عن أبي الجارود، قال: قلت
لأبي جعفر أني شاسع عن المسجد فيكون المطر فأحمل معي الكوز. قال:
إن ذلك لايضرك لاتحمل معك ماء(3) وادخل فصل، أليس تمر على المكان
النظيف؟ قلت: بلى. قال: فإن الأرض يطهر بعضها بعضاً.
وعن أبي خالد عن أبي جعفر عليه السلام أنه خرج من المسجد في يوم
مطير فعلق بخفيه الطين فلما انتهى إلى المسجد مسحهما بالبلاط(4) ثم
دخل فصلى وهما عليه، فقيل له: أتصلي فيهما وقد أصابهما الطين
والقذر؟ فقال: إن الأرض يطهر بعضها بعضاً.
__________
(1) ـ خاض الطين وماء المطر: مشى فيه.
(2) ـ في (ج): إذا.
(3) ـ في (ب، ج): لاتحمل ماء معك.
(4) ـ البلاط: وجه الأرض، وكل أرض فرشت بالحجارة والآجر بلاط.
(2/38)
مسألة: في ماء المآزيب(1)
قال محمد: إذا أصاب الثوب ماء ميزاب في يوم مطر أو غيره فليس عليه
أن يغسله إلا أن يعلم أنه قذر، وإن كان في منزل ذمي. هذا قوله في
(المجموع).
وقال في (الطهارة): ليس عليه أن يغسله إلا أن يعلم أنه سال من موضع
قذر، فإن أصابه في بدي ذلك غسل ما أصابه، وإن كان قد سال قبل ذلك
فطهره المطر(2) فلايضر ما أصاب بعد، وليس عليه أن يسأل أهل الدار
وإ، سأل فله ذلك.
وروى محمد بإسناده عن علقمة والأسود أنهما كانا يخوضان ماء المطر
والميازيب تدفق أو يصب فيه من الغائط والبول ثم يصليان ولايتوضآن.
مسألة: في عرق الجنب والحائض
قال القاسم عليه السلام ـ فيما أخبرنا علي، عن محمد، عن أحمد، عن
عثمان، عن القومسي، عنه عليه السلام، قال ـ: لابأس بعرق الجنب
والحائض(3) وبزاقهما ومخاطهما ودموعهما ولبن الحائض إذا أصاب الثوب
أو الجسد. ولابأس إذا اغتسل من جنابة أن يصيب جسده جسد امرأته وهي
جنب مالم يصيب منها موضع أذى فإن أصاب من ذلك شيئاً غسل موضعه
بعينه.
بلغنا عن علي بن أبي طالب صلى الله عليه أنه كان يستدفي بامرأته
بعدما يغتسل وهي جنب على حالها.
وروى بأسانيده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن علي، وأبي
جعفر، وزيد، وجعفر بن محمد عليهم السلام: الرخصة في عرق الجنب
والحائض.
مسألة: في البزاق يصيب الثوب والجسد
قال القاسم عليه السلام في رواية داود عنه: ولابأس بالبزاق في
الثوب أو الجسد ولو كان مكروهاً لزم غسله من الأفواه والأسنان
والشفاه.
وقد ذكر عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنه سئل عنه فأخرج
لسانه فضرب به على ذراعه، وقال: لابأس به.
وذكر أن الحسن بن علي عليهما السلام سئل عنه فمسح بعض جسده بريقه.
__________
(1) ـ المآزيب: جمع ميزاب، وهو: بجري الماء، فارسي معرب الهمزة.
(2) ـ في (ب، ج): قطر المطر.
(3) ـ في نسخة: قال محمد ولابأس بعرق الجنب والحائض.
(2/39)
وقال القاسم أيضاً ـ فيما حدثنا علي، عن محمد، عن أحمد، عن
عثمان، عن القومسي، عنه ـ: ولاينجس الثوب ولا الجسد ما أصابه من
البزاق والمخاط.
وقال الحسن، وهو قول محمد: وإذا أصاب الثوب البزاق والمخاط فلايضر
الصلاة فيه، وإن كان من جنب أو حائض ولابأس(1) بالثوب يخيطه الخياط
بالبزاق ولايغسله.
وقال محمد: وإذا غسل الرجل ثوبه بماء من فيه فأحب إلي أن يغسله
بماء جديد.
باب طهارة الأرض
قال الحسن بن يحيى: وإذا أصاب الأرض بول فطلعت عليها الشمس، أو
مطرت عليها المطر، فلابأس بها، وإن لم تطلع عليها الشمس، ولم يصبها
المطر فصب عليها الماء، ولابأس بالثوب الذي بسط على مكان بطن أنه
قذر الأرض يطهر بعضها بعضاً، ولايلزمك أن تغسله مالم تعلم أنه قد
أصابه قذر.
وقال ـ في الطين والماء المختلط يصيب الثوب ـ: إن علمت فيه(2)
بولاً فاغسله، وإن لم تعلم فلاشيء عليك، وإن شككت في الموضع فاغسل
الثوب كله.
وقال محمد: إذا أصاب البول موضعاً من الأرض أو جُوَّه(3) فإنه إذا
جف ذلك كله وذهب أثره فقد طهر فلابأس أن تصلي عليه وتجلس عليه، وإن
جف ولم يذهب أثره فيكره أن تصلي عليه أو تسجد عليه.
ذكر عن علي صلى الله عليه أنه قال: إذا جفت الأرض فقد طهرت.
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: ذكوة الأرض يبسها.
قال محمد: ومعنى ذكوة الأرض يبسها: أنه إذا أصاب الأرض بول فإن كان
بقي من أثر البول شيء فلاتصل عليها، وإن كان قد ذهب أثره فلابأس.
وقال في (المسائل): وإذا بال الصبي في البيت غسل بخرقة وصب عليه
الماء ونشف بخرقة وعصر في طست أو غير ذلك، يفعل ذلك مراراً، ولابأس
أن يلين من التراب(4) القذر ويكره أن يكنس المسجد بمكنسة قد كنس
بها موضع قذر.
__________
(1) ـ في (ب، ج): فلابأس.
(2) ـ في (ج): إن علمت أن فيه.
(3) ـ في (ب): موضعاً من الأرض أو حوه. وحوة الوادي بالضم: جانبه.
والجوة بمعجمة: القطعة من الأرض فيها غلظ.
(4) ـ في (ب، ج): ولابأس أن يلين من البزاق.
(2/40)
باب طهارة الآنية
قال محمد: كان أحمد بن عيسى عليه السلام يتوضأ في آنية الشَّبَه(1)
ولايرى بذلك بأساً.
قال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه
عليه السلام ـ: فإن كان دن الخمر مما ينشف فمكروه أن يجعل فيه الخل
والزيتون وشبه ذلك(2)، وإن كان مما لاينشف مثل المقير(3) والجرة
الخضراء(4) فلابأس أن يغسل وينتفع به، وإذا وقعت النجاسة في
إناء(5) من زجاج أو رصاص أو غَضَار(6) مما إذا غسل طهر فلابأس بأن
يغلس الإناء ويؤكل فيه.
وقال محمد: لابأس بالوضوء في آنية الصفر(7) والشبه وما أشبه ذلك،
إن احتيج إليه، والوضوء في الخزف أحب إلي وفيه اتباع.
قال: وكل إناء من خزف أو ما أشبهه(8) مما ينشف إذا وقع فيه دم أو
خمر أو بول منشفة فيكره أن يتوضأ فيه وإن غسل، وقد رخص كثير من
العلماء في الوضوء فيه إذا غسل. وإذا كان الإناء مما لاينشف مثل
الغضار والصفر غسل حتى يتنظف ثم يتوضأ فيه، وإن أصاب القلة بول
فكانت تنشف فلايتوضأ فيها ولايشرب، وإن كانت لاتنشف فتغسل ويتوضأ
فيها ويشرب ويكره أن يغسل ثوب قد أصابه بول أو خمر أو دم وما أشبه
ذلك في إناء منشف مثل إجَّانة(9) أو مِطْهرة وما أشبه ذلك، وإن كان
الإناء مقيراً أو لاينشف فلابأس أن يغسل فيه ويراق الأول فالأول
حتى يطهر الثوب.
باب طهارة الأطعمة
مسألة: البول والدم والخمر والفأرة يقع في السمن والزيت ونحوهما
__________
(1) ـ الشبه: النحاس الأصفر، وسمي شبهاً لشبهه للذهب.
(2) ـ في (ج): وما أشبه ذلك.
(3) ـ المقير: المطلي بالقار.
(4) ـ الجرة الخضراء: هي المدهونة بمادة تجعلها صقيلة.
(5) ـ في (ج): وعاء.
(6) ـ غضار: الطين اللازب الأخضر الحر.
(7) ـ الصفر ـ بالضم ـ: من النحاس.
(8) ـ في (ب، ج): أو ما أشبهه ذلك.
(9) ـ الإجانة ـ بالتشديد، جمعها: أجاجين ـ: إناء يغسل فيه الثياب.
(2/41)
قال الحسن بن يحيى عليه السلام ـ فيما روى عبدالله بن صباح عنه،
وهو قول محمد ـ: وإذا وقعت الفأرة في جابية(1) فيها زيت أو سمن
فأخرجت حية فإنه يؤكل ويباع وينتفع به، وإن أخرجت منه ميتة نظر فإن
كان جامداً أخرجت وماحولها فرمي به وأكل مابقي، وإن كان ذائباً
فلايؤكل ولايباع، وجائز أن يستصبح(2) به، وإن وقعت فأرة في جانبية
نبيذ ثم حلو مما لايسكر كثيره ولايخدر أو ماكان مثل التمر فماتت
فيه فقد فسد فيهراق ولاينتفه به ولايباع ولايؤكل له ثمن، وإن خرجت
حية في جميع ماذكرنا أكل وبيع وانتفع به.
وروى محمد بأسانيده عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم(3)، وعن أبي البحتري عن علي صلى الله عليه في الفأرة تقع في
السمن فتموت إن كان جامداً أخذت وماحولها فألقي وأكل مابقي، وإن
كان ذائباً لم يؤكل وانتفع به(4).
وعن علي صلى الله عليه وإن وقعت في الخل فماتت أهريق(5).
قال محمد: وإذا بالت الفأرة في شيء مما يشرب من ماء أو غيره فإنه
يهراق.
__________
(1) ـ الجابية: الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل.
(2) ـ يستصبح: يستعمل في الإضاءة.
(3) ـ أخرج الدار قطني 4/292 عن أبي سعيد قال: سئل رسول الله (ص)
عن الفأرة تقع في السمن والزيت. قال: استصبحوا به ولاتأكلوه. وذكر
أن الثوري رواه عن أبي سعيد موقوفاً. وله شاهد من حديث ابن عمر
قال: سئل رسول الله (ص) عن الفأرة تقع في السمن والورل، قال:
أخرجوا ماحولها إن كان جامداً، وإن كان مائعاً فانتفعوا به
ولاتأكلوا. أخرجه الدار قطني 4/291، والطبراني في الأوسط كما في
المجمع 1/287.
(4) ـ أورد الخبر المتقي الهندي في كنز العمال 9/532 (27296) وعزاه
إلى ابن جرير، وذكره صاحب موسوعة فقه الإمام علي 580، وعزاه إلى
المحلى 142، والمجموع (شرح المهذب) 1/274.
(5) ـ أخرجه المرادي في الأمالي 1/192 باب الأذان وفضله رقم (193).
(2/42)
وقال محمد: وكل ماتغير طعمه و ريحه بشيء من النجاسات ثم عجن منه
أو خبز أو طبخ فلاينبغي أن يؤكل شيء من ذلك ولكن يطعم من البهائم
مالايؤكل لحمه مثل السنور والكلب والحمار، ويغسل منه الإناء
والثياب، وإن كان الماء لم يتغير ريحه ولاطعمه فقد خص فيه جماعة من
آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه لايعاد منه صلاة ولايغسل
منه ثوب، ويؤكل ماعجن منه أو خبز، وأهل الحجاز أيضاً فلا أعلمهم
يختلفون في إجازته.
مسألة: سؤر الكلب
قال القاسم عليه السلام: لابأس بسؤر الكلاب والسباع مالم يتغير
للماء طعم أو يتبين فيه نتن أو قذر.
قال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه،
وهو قول محمد ـ: وإذا ولغ الكلب في غسل أو زيت أو سمن أو لبن فإنا
نكره سؤر الكلب.
قال محمد: ولايحرمه.
وقال الحسن عليه السلام: وإن انتفع به ففيه رخصة.
مسألة: في سؤر الحمار والفأر
قال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا محمد، عن زيد، عن أحمد، عنه،
وهو قول محمد ـ: ولابأس بسؤر الفأرة والجرذ في الطعام والشراب.
قال محمد: إن كان لايمكن غسله مثل ثريد(1) أو لبن، وإن كان خبزاً
غسل موضع ما أكل، وأما الحمار فلايضيق فضل سؤره، وإذا ضربت الدجاجة
بمنقارها في شراب فلابأس به مالم يكن في منقارها(2) عذرة.
مسألة: إذا أصاب الحنطة بول أو خمر
قال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ:
وإذا أصاب الطعام خمر غسل موضع الخمر، وإذا وقع دم في لحم وماء
مطبوخ لم يجز أكله.
وقال محمد: وإذا بال الفأر في طعام فشربه الطعام فأحب إلي أن تطعم
البهائم مايؤكل لحمه ومالايؤكل لحمه، وإذا أصاب بول الفأرة والجرذ
ونحوهما طعاماً خبزاً أو ثريداً غسل ما أمكن غسله ومالم يمكن غسله
توقى أكله.
__________
(1) ـ الثريد: الخبز المفتوت.
(2) ـ في (ب، ج): مناقرها.
(2/43)
وقال محمد أيضاً ـ فيما حدثنا الحسين بن محمد، عن ابن وليد، عن
سعدان، عنه ـ: في خمر إهراق في حنطة. قال: يغسل ويجفف.
أبواب الوضوء
من ذلك باب في الاستنجاء
مسألة: مايقال عند الدخول إلى الغائط، وعند الخروج منه
قال محمد: إذا أراد الرجل الدخول إلى الغائط فليقل عند دخوله قبل
أن يكشف عورته قدر مايسمع نفسه ولايجهر بذلك: بسم الله المودي،
أعوذ بالله من الرجس النجس، الخبيث المخبث، الشيطان الرجيم(1).
وروي نحو ذلك عن علي صلى الله عليه.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا دخل المخرج قال:
<اللهم إني أعوذ بك(2) من الخبث والخبائث>(3)، وإذا خرج من المخرج
فليقل: <الحمدلله الذي أماط عني الأذى وكفاني المؤنة>، وإذا فرغ من
البول قال: الحمدلله الذي هنأني دخوله، وسهل علي خروجه.
وروى محمد بإسناده عن علي صلى الله عليه، أنه كان إذا خرج من
المخرج قال: الحمدلله الذي عافاني في جسدي الحمدلله الذي أماط عني
الأذى(4).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إذا خرج أحدكم من
الخلا فليقل: <الحمدلله الذي أذهب عني مايؤذيني وأمسك عني
ماينفعني>(5).
مسألة: استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط
__________
(1) ـ أخرجه المرادي 1/25 رقم (1).
(2) ـ سقط من (ب، ج): بك.
(3) ـ أخرجه البخاري 1/97، ومسلم 1/283 رقم (122/375)، وأبو داود
1/ رقم (4)، والترمذي 1/11 رقم (6)، والنسائي 1/20، وابن ماجة
1/109 رقم (693)، وأحمد في المسند 3/99 كلهم عن أنس بن مالك.
(4) ـ المسند 76، رأب الصدع 1/25 رقم (2)، وعند ابن ماجة 1/110 رقم
(301) عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج من
الخلا قال: الحمدلله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.
(5) ـ أخرج ابن السني والطبراني من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج من الخلا قال: الحمدلله الذي
أذاقني لذته وأبقى من فوته وأذهب عني أذاه. كذا في الهداية 2/232.
(2/44)
قال القاسم عليه السلام: قد جاء في الحديث الكراهية في استقبال
القبلة بالغائط والبول ماقد ذكر، وإنما ذلك في الفضاء من الأرض
أشد(1)، وقد ذكر أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم استقبل
القبلة وهو قاعد لحاجته في مخرجه(2) وإنما كراهية هذا لأنه يستحب
إجلال القبلة لحرمتها عن استقبالها واستدبارها بالغائط والبول فإن
فعل ذلك فاعل فأرجو أن لايكون بآثم ولاحرج.
وقال الحسن بن يحيى عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول
محمد ـ: واستقبال القبلة بالغائط والبول مكروه، وقد نهي عنه.
قال محمد: إذا أراد الرجل الغائط أو البول فلايعجل برفع ثوبه حتى
يقرب من الأرض(3)، ويستتر ما استطاع من كشف العورة. بلغنا ذلك عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كان في صحراء فليستتر بحجارة
أو كثيب رمل إن أمكن ذلك، ولايستقبل القبلة ولايستدبرها بغائط
ولابول فإن ذلك مكروه وقد نهي عنه.
__________
(1) ـ في الأصل: أشده، والتصحيح من (ب، ج).
(2) ـ رأب الصدع بلفظ: ذكر أنه رؤي النبي صلى الله عليه وآله وسلم
استقبل القبلة وهو قاعد لحاجته في مخرجه. وهو عند البخاري 1/80
الوضوء باب من يتبرز على لبنتين، ومسلم 1/324 ـ 325 رقم (61/266)،
وأبو داود 1/ رقم (12)، والترمذي 1/16 رقم (11)، والنسائي 1/23 ـ
24، وابن ماجة 1/116 رقم (322)، وأحمد 2/12 عن ابن عمر قال: ارتقيت
على بيت حفصة فرأيت رسول الله (ص) قاعداً لحاجته على لبنتين مستقبل
الشام مستدبر القبلة.
(3) ـ أخرجه أبو داود 1/ رقم (14)، والترمذي 1/21 رقم (14) من حديث
أنس بلفظ: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد الحاجة لم
يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.
(2/45)
وروي عن سلمان، قال: أمرنا أن لانستقبل القبلة ولانستدبرها
ولانستنجي بأيماننا ولانكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع(1).
قال محمد: فإن استقبل القبلة بشيء من ذلك ناسياً انحرف واستغفر
الله، فإن استدبر القبلة وطرح ثوبه من خلفه فلابأس، ولايستقبل
الشمس والقمر ولا الريح. وإذا أراد الاستنجاء بالماء فلايستقبل
القبلة بفرجه، ولايستدبرها وإذا أراد أ، يتمسح من البول استدبر
القبلة لأن ثوبه يستره من خلفه.
مسألة: الاستنجاء بالأحجار قبل الماء
قال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ:
الاستجمار بثلاثة أحجار سنة.
قال محمد: ثم يستنجي بالماء من الغائط والبول ويبدأ بأعلى الفرج،
وينبغي أن يعد الأحجار قبل أن يدخل الخلا ثم يستنجي بالأحجار قبل
أن يقوم(2).
ذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بذلك.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <إذا استجمرت
فأوتر>(3).
وقال محمد ـ فيما روى ابن زكريا عنه ـ: والسنة أن يجمع بين الحجارة
والماء.
وقال محمد ـ في رواية بن جليد عنه ـ: وسئل عن المرأة تستجمر
بالحجار كما يستجمر الرجل. فقال: سئل عن ذلك رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم. فقال: <ليس عليها أن تستجمر>(4).
مسألة: الاستجمار بالعظم والروث
قال محمد: ولايستجمر بعظم ولابرجيع ولاببعر ولابروثة ولابشعر.
__________
(1) ـ أخرجه مسلم 1/223 رقم (57/262)، وأبو داود 1/ رقم (7)،
والترمذي 1/24 رقم (16)، وابن ماجة 1/115 رقم (216)، والطيالسي 91،
وأحمد 5/437 و 439، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/123، والدار
قطني 1/56، والبيهقي في السنن الكبرى 1/102، عن سلمان بلفظ: نهانا
أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو نستنجي باليمين أو نستنجي بأقل
من ثلاثة أحجار أو نستنجي برجيع أو عظم.
(2) ـ قد قيل هذا عن سلمان.
(3) ـ أخرجه الطبراني 7/37 رقم (6306) ومابعده عن سليم بن قيس
الأشجعي.
(4) ـ لم نجده بهذا اللفظ.
(2/46)
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <لايستجمر بعظم
ولاروث>(1).
قال محمد: ولايستجمر بحجر قد استجمر به إلا أن يكون حجراً كبيراً
فليستجمر بموضع منه لم يصبه أذى ولابأس أن ستجمر بعود أو ليطة(2)
أو خرقة أو صوفة إن لم يكن حجارة، ولابأس أن يستجمر بقطن إن كانت
به علة، ويؤذيه الشيء الخشن، وبأي شيء استجمر متى دلك(3) فبيده
اليسرى، وكذا الاستنجاء بالماء. ذكر ذلك عن النبي(4) صلى الله عليه
وآله وسلم، أنه نهى عن اليمين للفرج(5).
مسألة: المواضع التي كره التخلي والبول عندها
قال محمد: يكره للرجل أن يتغوط أو يبول تحت شجرة مثمرة، لموضع
ثمرها، أو على بئر يستعذب منها، أوعلى نهر يستعذب منه، أو عند
مشارع الماء حيث يستقي الناس، أو تحت شجرة يستكن تحتها ابن السبيل،
أو حيث يسكنون من الحر والبرد، أو بين القبور أو على الجواد(6) من
الأرض، أو حيال قبلة المسجد. ولابأس أن يبول ويتغوط في الخراب،
وإذا أراد أن يبول فليرتد(7) موضعاً ليناً لئلا يصيبه من نضح
البول.
__________
(1) ـ لم نقف عليه بهذا اللفظ ولكن له شواهد. منها ما أخرج ابن أبي
شيبة 1/143 عن علقمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
<لاتستنجوا بالعظام ولا بالروث إنها زاد إخوانكم الجن>، وما أخرج
أبو داود 1/10 رقم (39 عن ابن مسعود مرفوعاً: <لاتستنجوا بهما>
يعني العظم والروث. وما أخرج النسائي في السنن 8/135 وأبو داود 1/9
(36) من حديث رويفع: <أو استجمار برجيع دابة أو عظم فإن محمداً
بريء منه>. وانظر الفلك الدوار 282 و 369 ـ 372.
(2) ـ الليطة: قشر كل شيء.
(3) ـ في الفلك: من ذلك.
(4) ـ في (ب، ج): لما ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(5) ـ تقدم قريباً في حديث سلمان.
(6) ـ جواد ـ جمع جادة ـ: معظم الطريق.
(7) ـ فليرتد: ارتاد الشيء وراده: طلبه.
(2/47)
بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان يتبوأ لبوله كما
يتبوأ لمنزله(1). معناه: يرتاد موضعاً ليناً ستيراً.
وبلغنا أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يكون معه شيء يحفر به
الموضع الخشن إذا أراد البول(2).
ويكره أن يطمح ببوله من فوق سطح، أو يبول إلى رابية(3)، أو في
جحر(4) مخافة دابة تؤذيه، ويكره أن يبول على حجر أو صخرة مخافة أن
ينتضح عليه منه، ولايبل في الماء الراكد إلا أن يكون في سفينة،
ويكره أن يبول في مغتسله، فإن فعل فليجر عليه الماء قبل أن يغتسل.
حدثنا الحسين بن محمد، عن أبي وليد، عن سعدان، قال: سألت محمد بن
منصور عن البول في المخرج. فقال: ليس فيه كراهية في الدين، وإنما
كره مخافة الريح.
مسألة: كراهية البول قائماً
قال القاسم ومحمد: يكره للرجل أن يبول قائماً.
قال القاسم عليه السلام: إلا من علة أو عجلة.
وروى محمد بإسناد، عن عائشة، قالت: من حدثكم أن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم كان يبول قائماً فلاتصدقوه إنما كان يبول
قاعداً(5).
مسألة: في الخطأ بعد البول
قال محمد: سمعت عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه كان يستحب خطا بعد
البول.
قال محمد: ومن لم يفعل فلابأس إذا لم يخف ظهور شيء من البول، وهذا
على قدر مايعرف الإنسان من نفسه، وليس على المرأة من الاستبراء مثل
ما على الرجل.
__________
(1) ـ أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد 1/204 عن أبي
هريرة بلفظ: كان رسول الله (ص) يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله. وهو
في المطالب العالية 1/15.
(2) ـ من المطالب العالية 1/15: عن طلحة بن أبي قنان أن رسول الله
(ص) كان إذا أراد أن يبول فوافى غمزازاً من الأرض أخذ عوداً فنكث
في الأرض حتى ينتثر التراب ثم يبول فيه.
(3) ـ الرابية: ما ارتفع من الأرض.
(4) ـ في (ب): في الجحر.
(5) ـ أخرجه المرادي 1/38 رقم (26)، والنسائي 1/21، والترمذي 1/17
رقم (12)، وابن ماجة 1/112 رقم (307) كلهم عن عائشة.
(2/48)
وروي بإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <إذا
بال أحدكم فلينتره ثلاثاً>(1).
مسألة: كراهية الكلام عند البول والغائط
قال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن الصباح عنه ـ: يكره الكلام
عند الغائط والبول، وقد نهي عنه.
بلغنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُلِّم عليه وهو يبول فلم
يرد السلام(2).
وقال محمد: يكره أن يذكر الله عز وجل في الخلا أو في موضع قذر إلا
في نفسه، وقد جاء في الذي يعطس في الخلا أنه يحمد الله في نفسه
ويضمر الحمد، وإذا كان يبول أو كان في الخلا فسلم عليه فلايرد
السلام حتى يتنحى عن موضعه ذلك ويتمسح.
بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يُسَلَّم عليه وهو في
الخلا فلايرد حتى يتنح عن(3) مكانه(4).
وروي بإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أقبل من حاجة
فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه حتى تمسح بالجدار.
مسألة: قراءة القرآن ومس المصحف على غير وضوء
__________
(1) ـ أخرجه أحمد في مسنده، وابن ماجة، والبيهقي، وابن قانع، وأبو
نعيم في المعرفة، وأبو داود في المراسيل، والعقيلي في الضعفاء، من
رواية يحيى بن يزداد اليماني عن أبيه. كما في تلخيص الحبير 1/108.
(2) ـ أخرج أبو داود 1/4 رقم (16)، والنسائي 1/36 عن ابن عمر قال:
مر رجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم
يرد عليه.
(3) ـ في (ب، ج): يتنحى من.
(4) ـ تقدم قبل هذا.
(2/49)
قال محمد: ومن خرج من الخلا فلابأس أن يقرأ القرآن ويقري قبل أن
يستنجي إذا استجمر بالأحجار. وذكر عن علي صلى الله عليه أنه كان
يفعل ذلك(1).
وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرئنا القرآن على كل
حال إلا أن يكون جنباً(2).
ولابأس أن يقرأ في المصحف ويمسه بيده ويتصفح ورقه ويمس الدرهم فيه
ذكر الله، وهو على غير وضوء إلا أن يكون في يده نجس من بول أو غيره
فيكره له ذلك، ولابأس أن يقرأ الصبي في المصحف ويمسه بيده مالم يكن
فيها نجس، ويكره أن يمس أحد الكعبة وهو على غير وضوء، وقد كره
بعضهم أن يدخل الرجل الخلا وعليه خاتم فيه ذكر الله أو معه دراهم
فيها ذكر الله، ورخص فيه بعضهم، وأرجو أن لايكون به بأس لأنه لابد
للناس من حفظ أموالهم.
وإذا دخل الخلا وعليه خاتم فيه ذكر الله فليحوله إلى يمينه قبل أن
يستجمر بالأحجار ويستنجي، ويستحب له أن يحول الفص إلى باطن راحته.
مسألة: صفة الاستنجاء بالماء من الغائط والبول
قال محمد: رأيت في متوضى أحمد بن عيسى عليه السلام كوز شبه واسع
الرأس نائياً عن المخرج قليلاً، وفوق الكوز كوز صغير، إذا أراد أن
يستنجي غرف بالكوز الصغير من الكوز الكبير، فإذا اكتفى أعاد الكوز
على رأس الكبير.
__________
(1) ـ أخرج الدار قطني 1/118 من طريق أبو الغريف الهمداني قال: كنا
مع علي بالرحبة فخرج إلى أقصى الرحبة فوالله ما أدري أبولا أحدث أم
غائطاً ثم جاء فدعى بكوز من ماء فغسل كفيه ثم قبضهما إليه ثم قرأ
صدراً من القرآن ثم قال: اقرأوا القرآن مالم يصب أحدكم جنابة فإن
أصابته جنابة فلا ولاحرفاً واحداً. قال الدار قطني: هو صحيح عن
علي. ونحوه في سنن البيهقي 1/90.
(2) ـ أخرجه الترمذي 1/273 رقم (146) وقال: حديث حسن صحيح،
والنسائي 1/144، وأحمد 1/83، والحاكم 4/107، وصححه ووافقه الذهبي،
وابن ماجة 1/107، كلهم عن علي بلفظه.
(2/50)
وقال القاسم عليه السلام: على المتوضي إذا ابتدأ في الوضوء أن
يصب على يده اليمنى من الماء قبل أن يدخلها في الإناء فيغسلها
بالماء حتى ينقي ثم يغرف بها ويفرغ على يده اليسرى فيغسل بها كل
مايحتاج إلى غسله من قبل أو دبر حتى يطهر ذلك كله وينقيه.
قال محمد: وإذا أراد المتطره الاستنجاء بالماء فليغسل يده اليمنى
ثلاثاً، يفيض بها على اليسرى فيغسلها ثلاثاً، ثم لبيدأ بمقدم فرجه
موضع البول فليغسل ماثم بيده اليسرى ثلاثاً. ذكر ذلك عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، ثم يسفل بيده إلى موضع الغائط ويفيض بيده
اليمنى على اليسرى فيبقى ماثمة من أذى أو رائحة ويتقصى بأصبعه
قليلا بقدر مايمكن ذكر ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه
كان يموث بأصبعه، وقد جاءت الرخصة: يجزئك حيث تبلغ يدك ثم تدلك يدك
بعد الاستنجاء بالأرض. بلغنا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ويرفق بصب الماء في أول الاستنجاء مخافة النضح.
وقد رخص في نضح الاستنجاء، ثم أفض بيدك اليمنى على اليسرى فاغسلها
ثلاثاًن ثم يحول من موضع الاستنجاء إن كان يجتمع فيه ماء
الاستنجاء، وعلى المرأة أن تستنجي بعد البول إلا أن تعرف علة.
مسألة: في وجوب الاستنجاء بالماء من الغائط والبول
قال القاسم ـ فيما روى عثمان بن محمد بن حبان، عن القومسي، عنه ـ:
ومن ترك الاستنجاء بالماء من الغائط فلاصلاة له.
قال الحسن ومحمد: الاستنجاء بالماء من الغائط والبول سنة.
قال محمد: والسنة فيهما مؤكدة.
قال الحسن ومحمد: وماظهر من الغائط والبول وجب غسله.
قال محمد: ومن نسي أن يستنجي من الغائط أو البول متى صلى فليمسح
ذلك الموضع وليعد الصلاة وليس عليه إعادة الوضوء، وإذا بال فتمسح
أجزاه ذلك إلى أن يتستنجي بالماء، ويكره له أن ينام حتى يستنجي
مخافة العرق.
(2/51)
بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <ليستنزه
أحدكم من البول فإن عامة عذاب القبر منه>(1).
حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا محمد بن اوليد، قال: حدثنا
سعدان، قال: سمعت محمد بن منصور يقول: لو أن رجلا بعر كما كانوا
يبعرون، واستجمر بثلاثة أحجار، ولم يتستنج بماء، ثم توضأ وصلى،
كانت صلاته جائزة، وإن صلى بقوم فصلاتهم جائزة، ولو أمكن في البول
كان كذلك، وقد جرب فلم يمكن، يعني حتى يبرز على الحشفة فإذا برز
على الحشفة كان منه الاستنجاء، وإنما منزلة البول والغائط إذا أصاب
الإنسان منه اللطخ(2) بمنزلة لو أصاب باطن فخذه أو شيئاً من بدنه.
وسئل عن رجل بال ونسي أن ينجي موضع البول حتى صلى. قال: يستنجي
ويعيد الصلاة ولايعيد الوضوء. ثم قال: أستغفر الله أن أقول شيئاً
لا أفعله أنا. يعني أنه لو أصابه من هذا شيء استقبل الوضوء.
وقال: من أصابه من هذا شيء فأخذ فيه بالحائطة اغتبط به بعد قليل.
وقال محمد ـ فيما روى علي بن عمرو عنه ـ: والسنة أن يجمع بين
الحجارة والماء، إن كان ثم لطخ.
وروى محمد بإسناده(3) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم
يخرج من غائط قط إلا مس ماء أو توضأ(4).
__________
(1) ـ أخرجه الدار قطني 1/127 عن أنس بلفظ: <تنزهوا من البول فإن
عامة عذاب القبر منه>. وانظر الفلك الدوار 282 ـ 283.
(2) ـ اللطخ: التلويث. واللطخ أيضاً: القليل.
(3) ـ في (ب): بإسناد.
(4) ـ أخرجه ابن ماجة 1/127 رقم (354) عن عائشة بلفظ: مارأيت رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج من غائط قط إلا مس ماء.
(2/52)
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <استنجوا فإنه
مذهبة للباسور>(1).
وعن علي صلى الله عليه وسلم: من بالغ في الاستنجاء لم ترمد عيناه.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لأهل قبا: <إن الله قد
أثنى عليكم في الطهور خيراً>، وقوله: {فيه رجال يحبون أن
يتطهروا}(2). قالوا: إنا نجد مكتوباً عندنا في التوراة الاستنجاء
بالماء(3).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <لايجزي المرأة أن تستنجي
بشيء سوى الماء إلا أن لاتجد الماء>(4). وعن أبي جعفر مثل ذلك.
وعن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ليس الاستنجاء من الواجب في
الطهور ولكنه من السنة في الطهور.
وعن علي بن الحسين عليهما السلام قال: إذا ظهر البول على الحشفة
فاغسله.
مسألة: الاستنجاء من الريح
قال القاسم عليه السلام: من أدركت من أهلنا كانوا يستنجون من الريح
على التنظف، وليس بواجب.
قال الحسن ومحمد: الاستنجاء من الريح ليس بواجب، وإن استنجى من
الريح فحسن.
وقال محمد: وما أحسن عندنا أن يتمسح بالماء.
بلغنا عن زيد بن علي عليه السلام، وعن غيره، أنه كان يتمسح من
الريح بالماء. وروي عن محمد بن جعفر بن محمد عليه السلام أنه كان
يستنجي من الريح.
باب صفة الوضوء
__________
(1) ـ أخرج أحمد في مسنده 6/93 عن عائشة حديثاً طويلا في الاستنجاء
فيه: وهو ـ أي الاستنجاء ـ شفاء من الباسور. وفي الجامع الصغير
1/67 رقم (1004): استنجوا بالماء البارد فإنه مصحة للبواسير. ورمز
إلى أنه أخرجه الطبراني في الصغير عن عائشة، وعبدالرزاق عن ابن
مسور بن رفاعة، ورمز له بالضعف.
(2) ـ التوبة: 108.
(3) ـ روي بصيغ مختلفة وألفاظ متفاوتة وأسانيد متعددة. انظر: تلخيص
الحبير 1/112، وسنن الدار قطني 1/62، وسنن ابن ماجة 1/127 رقم
(355).
(4) ـ أخرجه الإمام زيد في المجموع (المسند) 72، ومحمد بن منصور
المرادي 1/46 رقم (37) <رأب الصدع> عن علي عليه السلام.
(2/53)
قال محمد: الفرض من الوضوء الذي أمر الله به: غسل الوجه،
واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، فأما
المضمضة والاستنشاق والاستنجاء فمن سنن الوضوء.
مسألة: النية في الوضوء
قال محمد: إذا أراد الرجل أن يتوضأ لصلاة فريضة فلينو عند وضوئه
أنه للفريضة، وجائز له أن يصلي بطهوره ذلك الفرائض أبداً مالم
يحدث، ويستحب له أن ينوي عند وضوئه أنه لكل مايصلي به من الفرائض،
وإن توضأ لصلاة نافلة أو سنة أو جنازة فيعتقد أن يصلي به الفرائض،
وإن لم يعتقد ذلك فقد رخص له أن يصلي به الفريضة، وإذا توضأ للصلاة
أو تيمم يعلم رجلاً فينبغي له أن ينوي به أنه للفريضة، ويجزيه ذلك،
وإن اغتسل وهو جنب يريد بغسله تعليم رجل أجزاه ذلك من غسل الجنابة،
وينبغي له أن يعتقد النية عند التيمم للوضوء وعند التيمم للغسل
جميعاً، إنما الأعمال عندناب النيات كلما يعمله المؤمن ينبغي أن
ينوي أنه لله عز وجل خالصاً، إذا أراد أن يتوضأ نوى أنه لفريضة،
وكذلك الصلوات.
مسألة: في ثواب الوضوء
وروى محمد بإسناده عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم، قال: <الوضوء يكفر ماقبله وتكون الصلاة نافلة>(1).
وعنه قال: <إذا توضأ الرجل خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه
فإن قعد قعد مغفوراً له>(2).
__________
(1) ـ أخرجه المرادي 1/30 (8) <رأب الصدع> عن أبي أمامة.
(2) ـ روي بألفاظ مختلفة تؤدي هذا المعنى. انظر رأب الصدع 1/31
(11)، وسنن النسائي 1/91، ومسلم 1/215، وعزاه في رأب الصدع إلى
مالك وأحمد والشافعي وابن ماجه والحاكم، وانظر أيضاً مجمع الزوائد
1/221 ـ 226.
(2/54)
وعنه قال: <إذا غسل كفيه غفر الله(1) له ماعملت يداه، وإذا
تمضمض واستنشق غفر الله له مانطق به لسانه، وإذا غسل وجهه كفر الله
عنه(2) مانظرت عيناه، وإذا مسح رأسه وأذنيه كفر الله عنه ماسمعت
أذناه، وإذا غسل رجليه كفر الله عنه مامشت به رجلاه>(3).
وعن علي صلى الله عليه قال: من توضأ فأسبغ الوضوء تساقطت عنه
الذنوب كما تتساقط الورق عن الشجرة في يوم الريح العاصف.
مسألة: في التسمية عند الوضوء
كان أحمد بن عيسى عليه السلام إذا ابتدأ في الوضوء يسمي.
قال القاسم والحسن ومحمد: ينبغي للمتوضي أن يذكر الله عز وجل يبتدئ
في وضوئه يقول: بسم الله.
قال الحسن: يسمي ويصلي على محمد وعلى أهل بيته، ثم يغسل يده، ثم
يستنجي بالماء.
وقال محمد: يسمي حين يبتدئ في غسل يده قبل أن يدخلها في الإناء.
بلغنا ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قال القاسم عليه السلام: ومن نسي التسمية عند الوضوء حتى صلى فإنه
يكفيه الملة والعقد كما يكفي عند الذبيحة لو نسيها.
وقال الحسن ـ فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول محمد في (المسائل) ـ:
وإن ترك التسمية في الوضوء ناسياً فلاشيء عليه يسمي متى ذكر، وإن
تركها متعمداً أعاد الوضوء.
وقال محمد في (الطهارة): ومن نسي التسمية في الوضوء حتى صلى فلاشيء
عليه، هو بمنزلة من نسي التسمية عند الذبيحة.
قال محمد: مفتاح الوضوء التسمية، ومفتاح الصلاة الطهور. بلغنا ذلك
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وروى محمد بأسانيده عن علي صلى الله عليه، وحذيفة، وأنس، عن علي
صلى الله عليه أنه قال: لاوضوء لمن لم يذكر الله عز وجل.
مسألة: غسل اليد قبل الوضوء
قال القاسم عليه السلام: على المتوضي إذا ابتدأ في الوضوء أن يصب
على يده اليمنى فيغسلها بالماء حتى يبقى قبل أن يدخلها في إنائه ثم
يغرف بها، ويفرغ على يده اليسرى فيغسل بها كلما يحتاج إليه من قبل
أو دبر.
__________
(1) ـ في (ب): غفر له.
(2) ـ في (ب): كفر عنه.
(3) ـ تقدم تخريجه.
(2/55)
وقال محمد: إذا أراد الرجل الوضوء فليكن الإناء عن يمينه ويفرغ
بالإناء بيده اليسرى على يده اليمنى فيغسلها ثلاثاً ثم يغسل فرجه.
وروي عن علي صلى الله عليه قال: أول ما يبدأ به من الوضوء غسل
الكفين.
وبلغنا عن الحسن والحسين عليهما السلام: أنهما كانا يحركان
خواتيمهما في الطهور وإن غمس الجنب يده في الإناس قبل أن يغسلها
فلا بأس بالماء مالم يصب يده أذى، ولكن السنة أن يغسلها وإنما
الرخصة لمن نسي أو جهل.
وروي عن النبي صلى الله عليه أنه خرج إلى الصلاة فلقي حذيفة فأومى
إلى ذراعه ليدعم عليها فخنسها حذيفة، فقال: مالك؟ فقال: إني جنب.
فقال له: إن المسلم ليس بنجس ثم وضع كفه على ذراعه وإنها لرطبة
فادعم عليها حتى انتهى إلى المسجد ثم دخل فصلى ولم يغسل يده.
مسألة: في المضمضة والاستنشاق
قال محمد: كان أحمد بن عيسى على قول أبي جعفر محمد بن علي يعني
يقول: إن المضمضة والاستنشاق من السنة في الوضوء وليسا من الواجب
فيه.
وقال محمد: هما واجبان في الغسل وليسا واجبين في الوضوء.
وقال القاسم عليه السلام: هما واجبان في الوضوء والغسل جميعاً فمن
نسيهما فلايجزيه إلا أن يتمضمض ويستنشق لأن الفم والمنخرين من
الوجه، وقد أمر الله عز وجل فقال: {اغسلوا وجوهكم}(1)، فهما من
الوجه، ويتمضمض ويستنثر بغرفة واحدة إن شاء، ولايفرد إن شاء بغرفة
الماء استنثاراً ولامضمضة.
وقال القاسم عليه السلام أيضاً ـ فيما حدثنا علي، عن أحمد، عن
عثمان، عن القومسي، عنه ـ: أوجب مافي غسل الوجه المضمضة والاستنشاق
لأن مكانهما البزاق والمخاط.
وقال محمد: وليسا بواجبين في الوضوء فمن نسيهما في الوضوء فقد قال
بعضهم: يعيد. وقال بعضهم: لايعد. قال في كتاب أحمد: وكل ذلك حسن.
__________
(1) ـ المائدة: 6.
(2/56)
وقال في (المجموع): وأنا أعيد الصلاة(1) لموضع الخلاف، ثم قال
بعد ذلك في (الطهارة): وأما أنا فلا أعيد. قال: وإن نسيهما في
جنابة حتى صلى صلاة أو صلوات فليتمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة، وإن
كان أم قوماً أعاد وأعادوا.
وروى محمد بأسانيده، عن حماد، وابن أبي ليلى، أنهما قالا: إن
نسيهما في الوضوء أعاد الصلاة.
وعن الحكم وقتادة وسفيان قالوا: لايعيد.
وقال حسن بن صالح: يعيد أحب إلي وإن لم يعد أجزاه.
وروى محمد، عن علي، أن النبي صلى الله عليهما قال: <المضمضة
والاستنشاق من وظيفة الوضوء لايتم إلا بهما>.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <من الفطرة المضمضة
والاستنشاق>.
وقال محمد في صفة الوضوء: ثم تمضمض ثلاثاً، ولابأس أن تشوص(2) قال:
بأصبعك(3) اليسرى، ثم يستنشق ويستنثر ثلاثاً.
وروى عن علي صلى الله عليه أنه تمضمض واستنشق ثلاثاً ثلاثاً.
وإن كان بالمتوضي علة في أنفه يمنعه من الاستنشاق فلابأس أن يغمس
أصبعه في الماء ثم يدخلها في أنفه ويديرها ثلاثاً يقدر مايمكنه،
وإن أفرد المضمضة والاستنشاق في الوضوء فحسن، وهو أبلغ، وإن جمعهما
بكف واحد أجزاه، ولكن يفردهما في الجنابة وكذلك في تنقية الأنف.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه تمضمض واستنشق من غرفة
واحدة.
مسألة: في السواك
قال الحسن ومحمد: والسواك سنة.
قال محمد: وقد جاء فيه عن النبي صلى الله عليه أمر وتأكيد.
قال الحسن عليه السلام: وقد يجزيك من السواك أن تجيل أصبعك في فيك.
وروى محمد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <لولا أن اشق
على امتي لفرضت السواك مع الطهور، فمن أطاق السواك مع الطهور
فلايدعه>.
وعن ابن عباس: لم يزل رسول الله صىل الله عليه يأمر بالسواك، حتى
ظننا أنه سينزل عليه فيه.
__________
(1) ـ في (ج): وإنما أعيد الصلاة.
(2) ـ التَّشَوُص ـ بفتحتين ـ: دلك الأسنان وتنقيتها.
(3) ـ في (ج): أن تشوص بأصبعك.
(2/57)
وعن مجاهد: قال استبطأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
الوحي، فقال: <وكيف يأتيكم وأنتم لاتستاكون>.
وقال محمد: ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <يجزي
الأصبع عند الوضوء مكان السواك>.
مسألة: صفة غسل الوجه وتخليل اللحية وإمرار الماء عليها
قال القاسم عليه السلام: وعلى المتوضي أن يغسل وجهه كله يبدأ في
غسله لوجهه من أعلى جبهته، وما طلع عليها من شعر رأسه، وصدغيه إلى
ماظهر من لحيته كلها إلى ذقنه.
وفي رواية سعدان عن محمد، عنه: وأطراف لحيته ويجمع لحيته عند ذلك
في بون كفيه.
وقال محمد: وتأخذ بكفك اليمنى ماء وتستقبله باليسرى فتغسل وجهك
ثلاثاً، ثم ترسل الماء عليه إرسالاً يكره أن يضرب الوجه بالماء.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم <أنه كان يسكب الماء على
موضع سجوده وتمر يديك على باطن أذنيك، مع غسل وجهك>.
قال الحسن ومحمد: وخلل اللحية مع غسل الوجه.
وروى محمد، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلل
لحيته، وقال: <بهذا أمرني ربي>.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم <أنه خلل لحيته من تحت حنكه>.
قال محمد: ومابين الأذنين والوجه يغسل مع غسل الوجه ويبلغ بالغسل
إلى الأذنين.
مسألة: غسل المرفقين مع اليدين، والكعبين مع الرجلين
قال القاسم عليه السلام: وعلى المتوضي أن يغسل يده(1) إلى
المرفقين.
وقال القاسم عليه السلام أيضاً ـ فيما حدثنا علي بن هارون(2)، عن
سعدان، عن محمد بن منصور، عنه ـ: ويغسل يديه إلى آخر مناهي ماحدد
له من مرفقيه، وكذلك إذا غسل رجليه غسلهما بيديه غسلاً منقياً
سابغاً يأتي به على مناهي حدود الكعبين كما غسل يديه إلى مناهي
حدود مرفقيه ومسح باطن رجليه وظاهرهما بيسرى يديه.
__________
(1) ـ في (ب، ج): يديه.
(2) ـ في (ب، ج): فيما حدثنا علي عن ابن هارون.
(2/58)
وقال محمد: ويغسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً يبدأ
باليمنى(1) ثم اليسرى ويدير الماء على مرفقيه في الوضوء. وروي ذلك
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
مسألة: من أين يُبدأ في غسل الذراع
قال محمد: حدثني شيخ من ولد علي صلى الله عليه، عن جارية لجعفر بن
محمد عليهما السلام، قالت: كنت أوضي جعفراً، وكان يبدأ في آخرهن من
مرفقيه، ويقول: آخرهن من ههنا يعني من المرافق إلى الكف.
قال محمد: وكذلك بلغني عن سفيان، أنه قال: آخرهن من المرفق.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم <أنه كان يصب الماء في
راحته ويرده إلى مرفقه>(2).
مسألة: صفة مسح الرأس
قال القاسم والحسن ومحمد: ويمسح المتوضي برأسه مقدمه ومؤخره.
قال القاسم عليه السلام: مقبلاً في ذلك ومدبراً ببطون يديه.
وفي رواية داود عنه: حتى يقع على ذلك كله اسم المسح، ويعم الرأس
كله بالمسح، ويمسح الأذنين باطنهما وظاهرهما.
قال الحسن عليه السلام: وليس عليه أن يوصل الماء إلى أصول الشعر.
وقال القاسم عليه السلام ـ فيما حدثنا علي عن ابن هارون، عن أحمد،
عن عثمان، عن القومسي، قال ـ: وتمسح المرأة على رأسها كمسح الرجل
مقبل الرأس ومؤخره.
وقال محمد: ويبدأ بمقدم رأسه إلى مؤخره، وأحب إلينا أن يعم رأسه
بالمسح.
وروى محمد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم <أنه توضأ فمسح رأسه
مقدمه ومؤخره>، وإن مسح رأسه بحذا أذنيه إلى رقبته، أو مسح أذنيه
ولم يمسح رأسه لم يجزيه، وإن نسي مسح رأسه فأصابه المطر فأمر يده
عليه فإنه يجزيه، والحائطة أن يمسح رأسه بماء غير ذلك، وإن استقبل
المطر بيديه ثم مسح بهما رأسه(3) فإنه يجزيه في القولين جميعاً.
__________
(1) ـ في ب): إلى مرفقيه ثلاثاً بيده اليمنى.
(2) ـ أخرجه المؤيد بالله في شرح التجريد عن جابر بلفظ: كان رسول
الله (ص) يرد الماء إذا توضأ على مرفقيه، وكذلك أخرجه الدار قطني
1/83، والبيهقي 1/56.
(3) ـ في (ج): مسح بها رأسه.
(2/59)
مسألة: مسح الأذنين والرقبة مع الرأس
قال القاسم: ويمسح الأذنين باطنهما وظاهرهما مع الرأس.
وقال القاسم عليه السلام في رواية داود عنه: والأذنان من الرأس،
ولابد للرجل والمرأة أن يمسحا رؤوسهما ويمسحا مع الرؤوس الأذنين.
وقال القاسم عليه السلام أيضاً ـ فيما حدثنا علي، عن محمد، عن
أحمد، عن عثمان، عن القومسي ـ: وليست الأذنان من الرأس ولامن
الوجه، والدليل على ذلك أنهم لايوجبون غسلهما إيجابهم غسل الوجه،
ولايوجبون حلقهما في حج ولاعمرة كما يوجبون حلق الرأس.
وقال محمد: ويمر بيديه(1) على باطن أذنيه مع غسل وجهه، ويمسح ظاهر
أذنيه وباطنهما مع مسح رأسه، ويدخل أصبعيه في حجري أذنيه. بلغنا
ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <أنه توضأ فمسح رأسه
وأذنيه مقدمهما ومؤخرهما، وأدخل أصبعيه في حجري أذنيه>.
وروي بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <الأذنان
من الرأس ويمسح على عنقه مع مسح رأسه>. وروي ذلك عن علي صلى الله
عليه.
وروى محمد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <أنه توضأ فمسح بيده
مقدم رأسه حتى أتى على سالفته>. ثم قال محمد: سالفته: قريب من أذنه
مما يلي رأسه.
مسألة: هل يجزي مسح الرأس بأصبع
قال القاسم عليه السلام: ويمسح رأسه ببطون يديه.
قال محمد: ويجزيه أن يمسح رأسه بأصبعه أو ببعض أصبعه.
مسألة: مسح الرأس ثلاثاً
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه، والحسن، ومحمد بن
منصور ـ: ويمسح المتوضي رأسه ثلاثاً وواحدة تجزي.
__________
(1) ـ في (ب): ويمر يديه.
(2/60)
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم <أنه توضأ
ثلاثاً ثلاثاً ومسح رأسه مرتين>(1).
وعن علي عليه السلام أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وأدخل يده في الماء
فمسح رأسه.
مسألة: إذا نسي رأسه فمسحه ببل(2) بعض جسده
قال محمد: ومن نسي مسح رأسه فلا أحب أن يمسح رأسه إلا بماء جديد.
قال محمد بن زكريا: قال محمد: ولايمسح رأسه ببلل(3) لحيته، وإن شك
في مسح رأسه وهو يصلي فلينصرف فليمسح رأسه، وإن كان الوضوء قد جف،
وإن كثر هذا عليه في صلاته مضى فيها ولم يعبأ به.
مسألة: وجوب غسل الرجلين وترك المسح على الخفين والقدمين والخمار
والعمامة
قال محمد في (كتاب الغسل): ذكر أحمد بن عيسى عليه السلام المسح
فقال: والله ما أمسح ولا أراه.
وقال أحمد: حدثني حسين، عن أبي خالد، عن زيد أنه سئل عن المسح.
فقال: كان علي صلى الله عليه لايمسح، وكان عمر يمسح.
قال محمد: قال أحمد بن عيسى، والقاسم بن إبراهيم عليهما السلام:
ليس على متأول إعادة.
قال محمد: قلت لأحمد بن عيسى: يفترق عندك من رأى المسح ولم يمسح،
ومن مسح؟ قال: نعم. قال محمد: كأنه لايسوي بين من صلى خلف من مسح
وخلف من لم يمسح وإن رأى المسح.
__________
(1) ـ أخرجه المؤيد بالله في شرح التجريد ولفظه: عن عبدالله بن زيد
بن عاصم المازني عن رسول الله (ص) أنه أخذ بيده في وضوئه للصلاة
ماء فبدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بيديه إلى مؤخر رأسه ثم ردهما إلى
مقدمه. وأخرجه البخاري 1/96، ومسلم 3/123، والترمذي 1/47 (32)،
وأبو داود 1/30 (118)، وعبدالرزاق 1/6 رقم (5)، وأحمد 4/38 و 39،
والنسائي 1/71، وابن ماجة 1/149 (434)، وابن خزيمة 1/80، ومالك 33،
والدارمي 1/177، وغيرهم كثيره. وقال الطحاوي في معاني الآثار 1/30:
قال مالك: هذا أحسن ماسمعت في ذلك وأعم في مسح الرأس.
(2) ـ في (ج): ببلل.
(3) ـ في (ج): ببل.
(2/61)
قال محمد: وسمعت قاسم بن إبراهيم عليه السلام، وقد سئل عن المسح
على الخفين. فقال: من مضى من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
كانوا لايمسحون.
قال محمد: وسألت عبدالله بن موسى عليهما السلام عن المسح على
الخفين فكرهه، وقال فيه قولاً غليظاً.
قال محمد: وسمعت أبا الطاهر يذكر أنه كان في سفر في برد شديد وهو
مريض، قال: فحدثتني نفسي بالمسح، فقلت: هو إلا الموت، فخلعت خفي
وغسلت. ذكر ذلك محمد في كتاب (الغسل).
وقال في كتاب أحمد: سئل أحمد بن عيسى عليه السلام عن صلاة النبي
صلى الله عليه وآله وسلم كيف كانت قبل نزول المائدة أبوضوء أو
بمسح؟ فقال: إن جبريل نزل فعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم
الوضوء بتمامه، فكان يتوضأ بالوضوء التام ويصلي، ثم أنزل الله آية
الوضوء في سورة المائدة بتوكيد الوضوء الأول، والقرآن نزل بالغسل.
وقال القاسم عليه السلام: على المتوضي غسل رجليه إلى الكعبين غسلا
منقياً سابغاً بغسل باطنهما وظاهرهما ويخلل مابين أصابع رجليه
ويبدأ بيمناهما قبل يسراهما، فإذا فعل ذلك فقد أتم طهوره كله
وأكمله، وتأويل الوضوء في اللسان إنما هو إنقاء مايغسل الأثر، أنه
لو غسل ما أمر بغسله من ثوب نجس ببول أو مثله ثم لم يبق البول لما
زال حكم النجاسة عنه، ولاجاز أن يدعا غاسلاً ولامطهراً، والعرب
تقول إذا أمرت بالشيء من الأرض أو غيرها من تنقية: نظف يا هذا
ماتعمل ووضه، فإذا أنقاه قيل: قد وضاه.
قال: وأهل بيت النبي عليهم السلام لايرون أن تمسح المرأة على
خمارها.
وقال القاسم عليه السلام أيضاً ـ فيما حدثنا علي، عن محمد، عن
أحمد، عن عثمان، عن القومسي، عنه ـ: أجمع آل رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم على ترك المسح على الخفين. قال القومسي: فقلت له:
أتنهى عن المسح على الخفين؟ قال: نعم أشد ما.
(2/62)
وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
على غسل القدمين، وعلى النهي عن المسح على الخفين، وعلى النهي عن
المسح على القدمين والخمار والعمامة والكمة(1)، وأن ذلك كله لايجزي
المتطهر عندهم من الرجال والنساء.
وقال الحسن بن يحيى عليه السلام: لاتمسح على خف ولاعلى عمامة
ولاعلى رجليك في سفر ولاحضر.
وقال محمد: المسح على النعلين والقدمين والعمامة والخمار لايجزي،
وغسل الرجلين بالماء عندنا فريضة. سمعنا عن علي عليه السلام، وابن
مسعود، وغيرهما من الصحابة والتابعين أنهم قرأوا: {وأرجلكم}(2)
نصباً وقالوا: عاد الأمر إلى الغسل.
وروينا عن الحسن بن علي عليه السلام أنه قرأ على أبي عبدالرحمن
السلمي: {فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}(3) نصباً، قال أبو
عبدالرحمن للحسن: وأرجلك خفضاً. فقال له صلى الله عليه: أصاب الحسن
وأخطأت، قال الله لاشريك له: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم
وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم وامسحوا برؤوسكم. هذا من المقدم
والمؤخر من القرآن.
قال محمد: وإذا غسل رجليه خلل أصابع رجليه، ويبلغ الماء إلى
العرقوبين.
بلغنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بتخليل الأصابع. وأنه
قال: <ويل للعراقيب من النار>، وإن توضأ على شاطئ نهر او رأس بئر
فخضخض(4) رجليه في الماء(5) فليخلل أصابعه ويمسح رجليه ظاهرهما
وباطنهما ثلاثاً كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في
تخليل الأصابع وإن هو غمس رجليه في الماء ولم يخلل أصابعه ولم يمسح
قدميه إلا أن الماء قد أصاب مايجب عليه غسله وأنقاه. فقد روي عن
علي صلى الله عليه في الجنب، قال: رمسة في الماء تجزيه.
وروي عن الحسن البصري قال: الغسل الدلك.
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا غمس يده في الماء أو رجله
أجزاه.
__________
(1) ـ الكمة: القلنسوة المدورة.
(2) ـ المائدة: 6.
(3) ـ المائدة: 6.
(4) ـ الخَضْخَضَة: تحريك الماء ونحوه.
(5) ـ في (ج): بالماء.
(2/63)
وقال محمد ـ فيما أخبرنا محمد، عن أبي عامر، عنه ـ: وإن خضخض
رجليه في الماء أجزاه وأحب إلي أن يمسحهما، وإذا مسح قدميه وصلى
بقوم فإنه يعيد ويعيدون.
وروى محمد بإسناد عن عبدخير، عن علي صلى الله عليه أنه أتى بوضوء
فتوضأ ثلاثاً وغسل رجليه ثلاثاً ثم قال: هذا وضوء نبيئكم صلى الله
عليه وآله وسلم فاعلموا.
وعن علي صلى الله عليه أنه توضأ ومسح على نعليه فلما فرغ قال: هذا
وضوء من لم يحدث.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <تأتي أمتي يوم القيامة
غراً محجلين من أثر الوضوء>.
وعن علي صلى الله عليه قال: رأىر سول الله صلى الله عليه وآله وسلم
رجلاً يصلي فقال: <ياصاحب الصلاة إني أرى جانباً من عقبك جافاً فإن
كنت أمسسته الماء فامضه وإن كنت لم تمسسه فاخرج من الصلاة>. قال:
يارسول الله وأستقبل الطهور؟ قال: لا، بل اغسل مابقي.
مسألة: وجوب تخليل الأصابع
قال القاسم، وهو قول الحسن ومحمد: وعلى المتوضي أن يخلل بالماء بين
أصابع رجليه.
مسألة: فيما يحول بين الجلد وبين الماء من قير أو صبغ او وسخ
قال محمد: كل ماحال بين الجلد وبين الماء من وسخ أو غيره فينبغي أن
ينظف حتى يصل الماء إلى الجلد، وإن كانت به علة من شقاق(1) أو غيره
وكان يرجو أن يذهب بالماء المسخن فليغسله به، وأما الحنا والمداد
والصبغ(2) ونحوه فإنه لايضر أثره في اليد ولايحول بين الجلد وبين
الماء، وإذا اختضبت المرأة وهي على طهر فلابأس أن تصلي والحنا على
يدها أو رجلها، وإذا أحدثت نزعته وتوضأت للصلاة، والحائض لابأس أن
تختضب فإذا طهرت من دمها نزعته وتطهرت، ولابأس أن تعيد ذلك الحنا
على يدها أو رجلها وتصلي وهو على يدها(3). حدثنا بذلك عثمان، عن
جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم.
__________
(1) ـ الشقاق: هو تشقق الجلد، وهو من الأدواء كالسعال والزكام.
(2) ـ الصبغ: الدهن.
(3) ـ في (ج): يدها ورجلها.
(2/64)
ومن توضأ وفي يده أو رجله أو بعض مواضع الوضوء قير(1) أو غيره
مما يحجز الماء أن يصل إلى الجلد فإن كان وضوءه لم يجف غسل ذلك
الموضع وأعاد الصلاة، وإن كان قد جف فيستحب له إعادة الوضوء
والصلاة، وإن كان ذلك في غسل الجنابة غسل ذلك الموضع وأعاد الصلاة.
مسألة: حد الكعبين
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى عليه السلام عن حد الوضوء الذي قال
الله عز وجل: {إلى الكعبين}(2) فقلت: الكعب وسط القدم أو الناتي في
مؤخر القدم؟ قال: الناتي في مؤخر القدم أحوط يعني أنه يبلغ بالوضوء
إلى مؤخر القدم والعرقوب.
قال محمد: يبلغ بالماء إلى العرقوبين.
بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم <أنه قضى في سيل مهروز(3)
أن لأهل النحل إلى الكعبين(4)، وأهل الزرع إلى الشراكين(5)>.
مسألة: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً
قال القاسم، والحسن عليهما السلام ـ في رواية ابن صباح عنه، وهو
قول محمد ـ: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً سنة من النبي صلى الله عليه وآله
وسلم.
قال الحسن، ومحمد: ومرة مرة تجزي إذا كانت سابغة وعمت كلما يجب أن
يصيبه الماء حتىي قطر والوضوء ثلاثاً ثلاثاً أفضل.
قال القاسم عليه السلام: إذا أتى المتطهر على كل عضو من أعضاء
الوضوء فغسله حتى صار في الطهارة إلى ما أمره الله والله عز وجل لم
يذكر العدد إنما ذكر الغسل فجعله للطهارة، وإنما الثلاث سنة من
النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإذا غسل أقل أو أكثر فقد أدى مايجب
لله عليه، وصار إلى ما أمره الله به.
__________
(1) ـ قير، القار: طلاء أسود تطلى به السفن والجمال.
(2) ـ المائدة: 6.
(3) ـ مهروز: وادي بني قريظة بالحجاز.
(4) ـ في (ب): أنه قضى في سيل مهروز لأهل النحل إلى الكعبين.
(5) ـ الشراك: هو العظم الناتئ في ظهر القدم.
(2/65)
وروى محمد، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه توضأ
مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثاً ثلاثاً(1).
وعن الحسن البصري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه توضأ مرة
مرة، فقال: هذا وضوء من لايقبل الله الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين
مرتين، ثم قال: هذا وضوء من ضاعف الله أجره مرتين، ثم توضأ ثلاثاً
فقال: <هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي>.
مسألة: هل الوضوء لكل صلاة واجب أو مستحب
قال محمد: قال أحمد بن عيسى عليه السلام: جائز لمن توضأ للصلاة أن
يصلي بذلك الوضوء صلوات كثيرة وإن تشاغل فيما بين ذلك بأمر الدنيا،
ولم ير بذلك بأساً. وكان يصلي الصلاتين بوضوء واحد، ويتحدث فيما
بين ذلك، ويتكلم بحاجته، ويأمر بما يريد ويدعو بالمشك عند كل وضوء
يسرح به لحيته.
قال محمد: ورأيت أحمد بن عيسى عليه السلام صلى بعد الظهر ثماني
ركعات ثم جلس ماشاء الله يسبح ويذكر الله ويدعو ثم انصرف من القبلة
فلم يزل يتحدث ويذكر شيئاً من العلم وغير ذلك حتى قيل: قد دخل(2)
وقت العصر.
قال محمد: أخبرني جعفر، عن القاسم، قال: يستحب تجديد الوضوء لكل
صلاة.
قال جعفر: وسألته عن الرجل يصلي الصلوات بالوضوء الواحد؟ فقال: قد
أمر الله بالوضوء عند القيام إلى الصلاة وهو المحكم عندنا، وقد
رويت أحاديث بأنها تصلى بوضوء واحد.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه أنه كان يتوضأ لكل صلاة إلا يوم
فتح مكة فإنه صلى الصلوات بوضوء واحد. وقد ذكر أيضاً عن علي صلى
الله عليه أنه كان يتوضأ من لحم الجزور(3) ومامست النار ليس
لنجاسته، ولكن لتشاغل الآكل به عن طهارته.
وروى داود، عن القاسم عليه السلام قال: ليس على من ذبح أن يتوضأ
وإن توضأ فحسن.
__________
(1) ـ أخرجه المؤيد بالله في شرح التجريد ـ خ ـ، والدار قطني 1/81،
والبيهقي 1/80 عن ابن عمر.
(2) ـ في (ج): حتى قيل دخل.
(3) ـ الجزور: البعير، وخاص بالناقة.
(2/66)
وقال القاسم عليه السلام أيضاً ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون،
عن ابن سهل، عن عثمان بن محمد، عن القومسي، قال ـ: جائز أن تصلي
الصلوات الخمس بوضوء واحد، إذا لم يخرج من مصلاه، وإذا خرج من
مصلاه وجلس وأقبل وأدبر فإن عليه الوضوء قال الله عز وجل: {يا أيها
الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}(1).
قلت للقاسم: أتوجبه؟ فقال: يعني نعم.
وقال الحسن ومحمد: لابأس أن تصلي الصلوات بوضوء واحد مالم تحدث.
قال الحسن عليه السلام: وأما قولهم لايجوز أن تصلي الصلوات بوضوء
واحد ومن تكلم بشيء من أمر الدنيا فقد انتقض وضوءه ويعيد لذلك
الوضوء.
فإنا نروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الخبر المشهور أنه
صلى يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد، وأنه صلى يوم عرفة صلاتين
بوضوء واحد، وصلى ليلة المزدلفة صلاتين بوضوء واحد، فقد كذب من
ادعا دعوى لم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها
برهان.
وقد أجمع المسلمون على أن من توضأ فهو على وضوئه حتى يكون على يقين
من الحدث وهم على ما أجمعوا عليه من الطهور حتى يجمعوا على خلافه.
قال محمد: وإذا ذبح أو نحر وهو على وضوء فهو على وضوئه يصلي ولايمس
ماء إلا أن يصيبه دم أو يمس ميتة فيغسل يده.
مسألة: هل يستحب التوضي قبل دخول الوقت؟
قال محمد: رأيت أحمد بن عيسى يتوضأ للصلاة قبل دخول وقتها وحضرته
توضأ للظهر قبل زوال الشمس ثم جلس يتحدث حتى قيل له: قد زالت فتوجه
إلى القبلة قاعداً فصلى.
قال محمد: ورأيت عبدالله بن موسى يتوضأ لصلاة المغرب قبل غروب
الشمس ويتوضأ للظهر قبل الزوال وكان إذا توضأ للصلاة لايكاد يتكلم
حتى يصلي.
قال محمد: ماوقر الصلاة من دخل وقتها وهو على غير وضوء.
مسألة: ترتيب الوضوء
قال القاسم والحسن ومحمد: ويبدأ باليمنى قبل اليسرى في وضوئه.
قال الحسن ومحمد: وإن بدأ باليسرى قبل اليمنى فأحب إلينا أن يبدأ
بميامنه.
__________
(1) ـ المائدة: 6.
(2/67)
قال محمد: كما ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان
يبدأ بميامنه في تلبسه وتنعله.
قال الحسن: وإن بدأ باليدين قبل الوجه فليعد حتى يبدأ بما بدأ الله
به.
وقال محمد: إن بدأ بذراعه(1) قبل وجهه فقد ذكر عن علي صلى الله
عليه فيه رخصة، وأحب أن يتوضأ كما أمره الله عز وجل، وأما الغسل
فلايضرك ماقدمت منه وما أخرت، وبأي شيء منه بدأت، إلا أن يفعل كما
فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه اغتسل ثم خرج إلى
الصلاة فرأى لمعة من كنفه(2) لم يصبها الماء فبلها......... (3) ثم
مضى.
مسألة: الموالاة في الوضوء
قال محمد: لا أحب التفريق في الوضوء، ومن توضأ بعض وضوئه ثم اشتغل
بشيء من أمر الوضوء بسقائه ماء أو غير ذلك بنى على وضوئه وإن جف.
وإن اشتغل بغير ذلك حتى جف وضوئه استقبل الوضوء، وإذا توضأ فنسي
مسح رأسه أو غسل وجهه أو ذراعيه ثم ذكر قبل أن يجف وضوءه أتم غسل
مابقي عليه، وإن توضأ ونسي مسح رأسه أو بعض ذراعيه أو بعض رجله أو
موضعاً من فرض الوضوء حتى صلى وجف الوضوء فإنه يعيد الوضوء والصلاة
وقد رخص في غسل ذلك الموضع الذي ترك ويعيد الصلاة ولكن استقبال
الوضوء أحب إلي.
وروي عن أبي الجارود، عن أبي جعفر فيمن نسي مسح رأسه حتى صلى. قال:
يعيد الوضوء والصلاة.
__________
(1) ـ في (ج): بذراعيه.
(2) ـ في (ج): من كفه.
(3) ـ جُمَّة: مجتمع شعر الرأس.
(2/68)
قال: ومن توضأ وصلى صلاة أو أكثر من ذلك وفي بعض مواضع الوضوء
يده أو رجله قير أو غيره مما يحجز الماء أن يصل إلى جسده فإن كان
وضوءه لم يجف غسل ذلك الموضع وأعاد الصلاة، وإن كان وضوءه قد جف
فيستحب له استقبال الوضوء والصلاة، وإن توضأ ونسي شيئاً من سنن
الوضوء المضمضة(1) والاستنشاق أو الاستنجاء من غعائط أو بول حتى جف
وضوءه أتم مانسي ولايستقبل الوضوء، ولابأس بتفريق الغسل إذا غسل
الجنب رأسه ثم جف أجزاه أن لايعيد غسل رأسه.
ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو ذلك، وكذلك أي موضع من
جسده نسي غسله حتى صلى مما ينبغي أن يصل إليه الماء نحو أذنه وسرته
فليمر عليه الماء ويعيد الصلاة ولايستقبل الطهور وإن كان قد جف لأن
الله عز وجل يقول: {وإن كنتم جنباً فاطهروا}(2) فلم يحد في الغسل
كما حد في الوضوء من غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين
مؤلفاً شيئاً بعد شيء.
وبلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه اغتسل ثم خرج إلى
الصلاة فرأى لمعة في كنفه لم يصبها الماء فبلها...... ومضى.
قال محمد: قال أبو حنيفة وأصحابه: إذا توضأ الرجل أو اغتسل فترك
بعض مواضع وضوئه أن يغسله ناسياً أو ذاكراً لشغل بأمر الوضوء أو
غيره حتى جف ما بدأ به من ذلك أنه يبني في هذه الوجوه كلها.
وقال ابن أبي ليلى: يستقبل في ذلك كله.
وقال الحسن بن صالح: يستقبل إلا أن يكون شغل بأمر وضوئه.
مسألة: تقدير الماء الذي يتوضأ به ويغتسل والفرق بين الغسل والمسح
__________
(1) ـ في (ب): ونسي شيئاً من المضمضة. وفي (ج): ونسي شيئاً من سنن
الوضوء والمضمضة والاستنشاق والاستنجاء.
(2) ـ المائدة: 6.
(2/69)
قال القاسم عليه السلام: ليس على مقدار الماء الذي يتوضى به
ويغتسل به شيء معلوم، وإنما هو على قدر مايعلم أنه قد استنقى، وقد
ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل
بالصاع، فإذا أتى المتطهر على كل عضو من أعضاء الوضوء فغسله فقد
صار في الطهارة إلى ما أمره الله به وتأويل الوضوء في اللسان إنما
هو إنقاء مايغسل، ألا ترى أنه لو غسل(1) ما أمر بغسله من ثوب نجس
ببول أو مثله ثم لم يبق البول لما زال حكم النجاسة عنه، ولاجاز أن
يدعى غاسلا ولامطهراً والعرب تقول إذا أمرت بالشيء من الأرض أو
غيرها من ينقيه: نظف ياهذا ماتعمل ووضه، فإذا أنقاه قيل: قد وضاه.
وقال القاسم عليه السلام ـ فيما أخبرنا علي، عن محمد، عن أحمد، عن
عثمان، عن القومسي، عنه ـ: وإذا غسل الأعضاء التي أمر الله بغسلها
بقليل من الماء أو كثير اكتفى به من تطهيره.
وقال الحسن: ويجزي من الماء للوضوء للصلاة مثل الدهن يمر على الجسد
إذا قطر.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح، عنه، وهو قول محمد ـ:
وإذا توضى مرة مرة فعم بوضوئه كلما يجب عليه أن يصيبه الماء حتى
يقطر فجائز.
وقال محمد: ويجزي من الماء للوضوء رطلان بغير استنجاء.
ذك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أتي بماء نحو رطلين فتوضأ
منه.
وذكر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يتوضى بالمد، ولم يذكر
فيه استنجاء، وكذلك هو عندي ليس الاستنجاء منه.
وذكر عنه عليه السلام أنه اغتسل بقدر صاع من ماء يقال: إن الصاع
ثمانية أرطال برطنا هذا، والمد رطلان.
__________
(1) ـ في (ب، ج): ألا ترى لو غسل.
(2/70)
وروي عن علي صلى الله عليه في الغسل للرجل صاع من ماء وللمرأة
صاع ونصف، وإن كان في سفر ومعه رطل من ماء فأجزاه أن يتوضأ به مرة
مرة بعد أن يعم مايجب عليه من فرض الوضوء حتى يقطر أجزاه. وينبغي
إذا غسل وجهه وذراعيه أن يعم حتى يقطر ولاينبغي أن يكون مسحاً لن
الله سبحانه قال: {اغسلوا}(1) والغسل هو: أن يعم حتى يقطر.
مسألة: كراهية السرف في الوضوء
قال محمد: يكره السرف في الوضوء وليس السرف شيئاُ يوقف على حده،
ولكن هو ماينسب فيه صاحبه إلى الإكثار، فأما إذا زاد قليلا أو نقص
قليلاً إذا أسبغ الوضوء فليس يخلو الناس من هذا.
وروي عن أبي جعفر عليه السلام أنه سئل عن الوضوء فقال: اسبغ ولم
يحده لنا، ومن توضى فبلغ بالماء إلى إبطيه أو ركبتيه فإن الأخذ بما
قال الله عز وجل: {إلى المرفقين}(2) والكعبين أولى أن يفعل.
وروى محمد بإسناده، عن أبي الجارود، قال: قلت لأبي جعفر عليه
السلام: إن المغيرة يتوضأ بجر(3) أو قريب منه. فقال: ذلك عذاب عذبه
الله به.
قال: وسألته عن الوضوء. فقال: أسبغ. ولم يحده لنا.
وعن إبراهيم، قال: كانوا يقولون: كثرة الوضوء من الشيطان.
مسألة: نضح الغابة وموضع السجود
قال محمد: بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان ينضح
غابته بالماء بعد الطهور وهو باطن لحيته، وقال: <أمرني به جبريل
صلى الله عليه>.
وبلغنا عن علي صلى الله عليه أنه كان يفضل موضع السجود(4) بكف من
ماء بعد الطهور.
مسألة: الوضوء في المسجد
قال محمد: لابأس بالوضوء للصلاة في المسجد الحرام وغيره من المساجد
مالم يكن موضعاً يسجد فيه أو يخاف أن يؤذيه جاهل.
مسائل: في وضوء الأقطع
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه، وهو قول محمد ـ:
ويبلغ الأقطع بوضوئه إلى المرفقين مايبلغ من ليس بأقطع.
__________
(1) ـ المائدة: 6.
(2) ـ المائدة: 6.
(3) ـ جَرٍّ: إناء من الخزف.
(4) ـ أي يبقي له ماء.
(2/71)
قال محمد: إذا قطعت يده من الرسغ(1) غسل مابقي منها إلى
المرفقين، وإن قطعت من المرفق فيستحب له غسل طرف العضد وليس ذلك
بواجب، وكذلك الرجل إذا قطع بعضها غسل مابقي إلى الكعب والعرقوب،
وإن قطعت من الكعب غسل العرقوب، وإن قطعت من العرقوب فيستحب له غسل
موضع القطع بمنزلة اليد إذا قطعت من المرفق، وكذلك إن قطعت من
الركبة استحب غسل طرف الركبة، وإذا كان الأقطع في سفر وليس معه من
يعينه على طهوره فإن كان معه ماء في إناء يمكنه أن يميله بيده
العليلة ويتوضأ بالصحيحة فعل، وإن كان الماء فيما لايمكنه أن يميله
فليفعل من ذلك ما أمكنه ويتيسر عليه، وإن لم يمكن الأقطع أن يستنجي
لعلة به تمنعه فليستجمر بالحجارة ويتوضأ بالماء ـ يعني لباقي
فرائضه ـ وهو مؤد إن شاء الله. وإن كان أقطع اليدين جميعاً فإن
أمكنه أن يغسل وجهه ومايجب عليه غسله من سائر جسده فينبغي له أن
يفعل ذلك وذلك أن يجد غديراً من الماء ونحو ذلك، وإن وجد من يوضيه
وضاه، وإن لم يجد من يوضيه فإن أمكنه أن يتيمم بما بقي من يديه يمم
وجهه ويديه تيمم الصلاة، ويسمي على التيمم كما يسمي أو يوضيه ثم
يقضي مافاته من الصلوات. هذا قوله في (الطهارة).
وقال في (المجموع): ولابأس أن يضطجع على الأرض ويمر وجهه على الأرض
إمراراً رفيقاً ينوي به التيمم ويستحب له أن يستقبل بوجهه القبلة
وإن لم يستقبل بوجهه القبلة أجزاه، ويستحب له أن يمر طرف عضده على
الأرض إن أمكنه ينوي به التيمم أيضاً، ولايلزمه ذلك في العضد وإن
لم يمكنه التيمم لعلة بوجهه أو جراحة أو مانع يمنعه من ذلك فليصل
بغير تيمم ولايدع الصلاة، فإذا وجد الماء توضأ وأعادها.
مسألة: من أولى الناس بأن يوضي العليل وينجيه
__________
(1) ـ الرسغ: المفصل بين الزند والكف.
(2/72)
قال محمد: إذا مرض الرجل فبلغ به المرض إلى حال يحتاج فيها إلى
من يوضيه للصلاة فتنجيه امرأته إن كان له امرأة، وإلا فذات محرم
ممن لايحل له نكاحها(1) أمّاً كانت أو بنتاً وإن سفلت، أو أختاً أو
بنت أخت، أو عمة أو خالة أو جدة، وأي هؤلاء كانت فأحب إلي أن تنجيه
وعلى يدها خرقة لاتباشر العورة بيدها ولتغض بصرها عن عورته فإن
جهلت أو لم يمكنها خرقة فأنجبته بيدها لم يضق عليها، وكذلك المرأة
إذا كانت بهضه المنزلة من العلة فيوضيها ذوو محارمها من الرجال إن
لم يكن غيرهم من النساء وإن كانت ذات محرم من الرضاعة من أي هؤلاء
اللاتي ذكرنا أو من غيرهن فأحب إلينا أن تنجيه بخرقة أو بقطن أو ما
أشبه ذلك حتى ينظف ماثمة(2) ثم ينجيه بعد ذلك بثلاثة أحجار مسحاً
رفيقاً خلفاً من الماء لموضع السنة، وإن ...... رجل ذا محرم كان أو
غيره فلابأس أن ينجيه وعلى يده خرقة وتيحرز من النظر إلى عورته.
مسألة: الدعاء عند الفراغ من الوضوء
قال الحسن عليه السلام: إذا فرغت من الوضوء قلت: أشهد أن لا إله
إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم
اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين.
وقال محمد: يستحب إذا فرغ من الطهارة أن يقول: أشهد أن لاإله
إلاالله وحده لاشريك له، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من
المتطهرين.
وروى بإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو ذلك.
وعن علي عليه السلام قال: مامن مسلم يتوضأ ثم يقول عند وضوئه:
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك،
اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، واغفر لي إنك على
كل شيء قدير. إلا كتبت في رق(3) ثم ختم عليها ثم وضعت تحت العرش
حتى تدفع إليه بخاتمها يوم القيامة.
__________
(1) ـ في (ج): إنكاحها.
(2) ـ في (ب): ماثم.
(3) ـ جلد رقيق يكتب فيه. والمراد هنا التجوز عن حفظها له.
(2/73)
وعن محمد بن الحنفية قال: دخلت على والدي علي صلى الله عليه
فإذا عن يمينه إناء من ماء فسمى ثم سكب على يمينه فغسلها ثم
استنجى، فقال: اللهم حصن فرجي واستر عورتي ولاتشمت بي الأعداء.
واستنشق، فقال: اللهم لقني حجتي ولاتحرمني رائحة الجنة. ثم غسل
وجهه فقال: اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجود، ولاتسود وجهي يوم تبيض
الوجوه. ثم سكب على يمينه فقال: اللهم اعطني كتابي بيميني والخلد
بشمالي. ثم سكب على يساره فقال: اللهم لاتعطني كتابي بشمالي
ولاتجعلها مغلولة إلى عنقي. ثم مسح برأسه فقال: اللهم غشني برحمتك
فإنا نخشى عذابك اللهم لاتجمع بين نواصينا وأقدامنا. ثم مسح عنقه
فقال: اللهم نجنا من مقطعات النيران(1) وأغلالها. ثم غسل قدميه
فقال: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام. ثم استوى قائماً
فقال: اللهم كما طهرتنا بالماء فطهرنا من الذنوب. ثم قال بيديه
هكذا يقطر الماء من أنامله، ثم قال: يابني افعل كفعالي هذا فإنه
مامن قطرة تقطر من أناملك إلا خلق الله منها ملكاً يستغفر لك إلى
يوم القيامة ويكون ثواب تسبيح ذلك الملك لك يوم القيامة، يابني إنه
من فعل كفعالي هذا تساقط عنه الذنوب كما تساقط الورق عن الشجرة في
يوم الريح العاصف.
باب ماينقض الطهارة ويوجب الوضوء
مسألة: فيما يخرج من السبيلين
أجمع أحمد والقاسم والحسن ومحمد على أن الطهارة تنتقض بكل خارج من
السبيلين من بول أو غائط او ريح أو دم أو مني أو مذي أو ودي
وبالنوم مضطجعاً.
قال القاسم ومحمد والحسن ـ فيما حدثنا حسين بن القطان، عن زيد، عن
أحمد، عنه ـ: ويتوضأ من الدود يخرج من الدبر. وروى محمد ذلك عن علي
صلى الله عليه.
قال القاسمك إلا أن يكون شيئاً غالباً لاينقطع.
قال ابن منصور: معنى قوله: عندي أن عليه أن يتوضأ مرة واحدة ويصلي
وإن جاءه ذلك دائماً بمنزلة الجرح السائل.
__________
(1) ـ ثياب من نار قطعت وفصلت. وقيل: قصار الثياب.
(2/74)
وقال القاسم عليه السلام في رواية داود عنه: ولايخرج الدود إلا
ومعه غيره من العذرة مما لايرى والريح أقل من الدودة ولايختلف في
الوضوء منها.
وقد ذكر عن إبراهيم النخعي أنه رخص فيه وليس قوله بشيء.
قال محمد: وإذا(1) انتثر الدود من شجة(2) أو من جرح في رأسه أو من
جرح لم يصل إلى جوفه لم ينقض وضوءه إن شاء الله.
مسألة:
وقال محمد ـ فيما حدثنا الحسين، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ وسئل
عن رجل به أرواح(3) فيصيبه منها شيء يعني أن تظهر المقعدة(4) أيعيد
الوضوء؟ قال: نعم. قيل: فإن لم يظهر معها شيء؟ قال: ليس عليه شيء.
وقال: أرجو أن لايكون عليه شيء.
مسألة:
واختلف أحمد والقاسم والحسن ومحمد في الدم السائل من الجسد وفي
القيء والقهقهة في الصلاة وفي النوم غير مضطجع.
فقال أحمد بن عيسى عليه السلام: لاينقض الرعاف ولا الدم السائل
الوضوء إلا أن يخرج من قبل أو دبر.
وقال الحسن عليه السلام: لك رخصة في الدم السائل والقيح والقيء أن
تغسل موضعه وتصلي، وليس يجب الوضوء إلا مما خرج من الطرفين.
وقال القاسم عليه السلام ومحمد: كل دم سال(5) أو قطر فإنه ينقض
الوضوء.
قال محمد: وإن لم يقطر غسله ولاوضوء عليه. بلغنا ذلك عن جماعة من
علماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
حدثنا مخول، قال: سألت يحيى بن عبدالله عن الدم يسيل من أنف الرجل
أو من غير أنفه؟ فقال: إن كنت إذا تركته قطر فتوضأ.
قال محمد: وإن بصق بصاقاً فيه صفرة فإن كان البصاق هو الغالب
فلايضر وإن كانت الصفرة الغالبة فالاحتياط في الوضوء وكذلك المخاط
إذا كانت فيه صفرة فلابأس مالم يقهره الدم.
__________
(1) ـ في (ب، ج): وإن.
(2) ـ شُجة: واحدة شجاج الرأس أي الشق.
(3) ـ ...............
(4) ـ ..............
(5) ـ في (ب، ج): كل دم سائل.
(2/75)
قال محمد: وإن خرج من أنفه أو من بثره أثر يسير دون القطرة فإن
غسله فحسن وإن لم يغسله فلابأس، وإذا أدخل أصبعه في أنفه فخرج
عليها دم ليس بعاد ثم عاد فلم يخرج شيء فإن غسل يده وأنفه فحسن،
وإن لم يغسلهما(1) فلابأس، وإن مسح يده بالتراب وصلى فجائز.
وقال: وإن استقبل الوضوء فحسن.
وروى محمد بإسناده عن علي صلى الله عليه، قال: خرجت مع رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم إلى الصلاة فأمس إبهامه أنفه فإذا دم فعاد
مرة أخرى فلم يرد شيئاً فمسح يده بالأرض ولم يحدث وضوءاً.
وعن أبي حمزة قال: أدخلت أصبعي أنفي وأنا أصلي فخرج عليها دم فأشرت
إلى أبي جعفر عليه السلام فأشار إلي أن صل.
قال محمد: وإن نضح الجرح ماليس فيه دم ولاصديد ولاقيح فلاشيء عليه،
وإن أصاب ثوبه لم يضره، ومن قاء أو رعف ثم صلى ولم يتوضأ، وقال: إن
الوضوء مما خرج من الطرفين ولم يزد على ذلك توقيت الصلاة خلفه
لموضع الاختلاف فيه.
وقال محمد ـ فيما حدثنا علي، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ قال
الكوفيون: إذا رأى الدم في الأنف ولم يقطر نقض.
وقال آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لاتنقض مالم يقطر.
قال سعدان: فسألته عما يأخذ به، فقال: مالم يقطر فأرجو أن لايكون
به بأس.
وروى محمد بإسناده عن زكريا بن سلام، عن عبيد بن حسان وحمزة بن
سيان رفعاه، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <يعاد
الوضوء من سبعة من دم سائل أو قيء ذارع، أو من دسعة تملأ الفم، أو
من نوم مضطجعاً، أو قهقهة في الصلاة، أو تقطار بول، أو من حدث>.
مسألة: سلس البول والجرح الذي لايرقأ(2)
قال القاسم: ومن لم ينقطع عنه البول توضأ لكل صلاة وصلى ولايضره
دوام البول لأنه لاحيلة له فيه.
وقال فيمن به القروح أو الجرب أو الحكة: إن كان ذلك مما يزول
بالغسل وجب عليه غسله وإن كان لا ...... بالغسل والإنقاء فلا وضوء
عليه.
__________
(1) ـ في (ج): يغسلها.
(2) ـ لايرقأ: أي لاينقطع سيلانه.
(2/76)
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا محمد، وزيد، عن زيد، عن
أحمد، عنه ـ في الدمل يسيل منه القيح يروى عن علي عليه السلام أنه
كان يأمر من عليه الدم لجرح(1) أو غيره أن يتوضأ لكل صلاة.
وقال محمد: وإذا كان بالرجل إبردة(2) أو تقطير لايرقأ فإنه يتوضأ
في آخر الوقت ويسد(3) على الموضع الذي يخافه خرقة ويصلي ويغسل
الخرقة عند كل طهور ويتوضأ لكل صلاة.
قال سعدان، قال محمد: وإن دام به البلل حتى خاف(4) فوت الصلاة صلى
وإن قطر.
قال محمد: وإن كان به جرح سائل في بعض جسده سده إن أمكن سده وتوضى
وصلى، وإن كان به دماميل تنضح فكان يسيل منها ماينقض الوضوء من دم
أو قيح أو صديد فليصبر إلى آخر الوقت، وإن كان مما لاينقض الوضوء
مثل الجرح الذي ينضح الماء فلا وضوء عليه من ذلك.
وقال في الصلاة: وإذا استمر بالرجل الرعاف فلم يرقأ وحضرته الصلاة
فإن أمكنه أن يسده سده وصلى ويركع ويسجد، وإن غلب الدم ولم
يمكنه(5) سده فقد قال قوم: يومي إيماء إذا خاف فوت الوقت. وقال
آخرون: يركع ويسجد.
مسألة:
وعلى قول القاسم والحسن ومحمد أن المستحاضة ومن به سلس البول
واستطلاق(6) البطن أو جرح لايرقأ إذا دام به ذلك فكان يتوضأ لكل
صلاة ثم أصابه بعد الوضوء رعاف لاينقطع فإنه يعيد الوضوء للرعاف ثم
يتوضأ بعد ذلك للرعاف وللعلة الأولى وضوء ....... وكذلك إن أحدث(7)
بعد الوضوء حدث غير ذلك كان ماكان وجب إعادة الوضوء(8).
مسألة: القيء والقلس(9)
__________
(1) ـ في (أ): الدم الجرح.
(2) ـ الإبردة ـ بالكسر ـ: برد في الجوف.
(3) ـ في (ج): يشد.
(4) ـ في (ج): يخاف.
(5) ـ في (ب، ج): ولم يمكن.
(6) ـ في (ب): واستطلاقه.
(7) ـ في (ج): إذا أحدث.
(8) ـ في (ج): كان وجه إعادة الوضوء. وظنن بـ: كان الوجه.
(9) ـ القلس: ماخرج من الحلق ملء الفم أو دونه ولم يغلب فإن غلب
فهو قيء.
(2/77)
وعلى قول أحمد والحسن عليهما السلام أن القيء وإن كثر لاينقض
الوضوء لأن من قول أحمد عليه السلام أن الرعاف لاينقض الوضوء.
وقال الحسن عليه السلام: إذا قلس طعاماً أو ماء لم ينقض وضوءه.
وقال القاسم عليه السلام، ومحمد: إذا قاء الرجل أو قلس ملء فيه.
قال محمد: أو قارب ذلك أعاد الوضوء.
قال القاسم عليه السلام: وإذا كان القلس يسيراً تمضمض منه إلا أن
يكون(1) قياً غالباً.
وقال محمد: إذا ظهر القلس على اللسان فأمكنه أن يمجه فبلغهما ولم
يبلغه فعليه الوضوء وكذلك جاء الأثر.
وقال محمد: ماظهر على اللسان من طعام أو شراب أو غير ذلك مما يخرج
من الجوف ففيه الوضوء، ومالم يظهر على اللسان ولم يجاوز اللهوات
فلا وضوء منه، وإن قاء مِرة فالوضوء ...... وإن ........ بلغماً(2)
فلا وضوء عليه.
وينبغي على قول القاسم ومحمد أن يكون الدم إذا خرج من الجوف بمنزلة
القيء.
قال محمد: وإذا خرج من الفم ففيه الوضوء وإن كانت الصفرة الغالبة
على البصاق فالاحتياط في الوضوء.
قال محمد: وإذا دخل الذباب حلقه ثم خرج فلا وضوء عليه ليس هو
بمنزلة القلس.
مسألة: ماينقض الوضوء من النوم
قال أحمد عليه السلام: لا أرى على من نام جالساً أو راكباً أو نام
قلبه وضوء، وهو الذي عليه الإجماع، وقليل النوم وكثيره في مثل تلك
الحال(3) سواء.
وقال القاسم ومحمد ـ وهو قول الحسن ـ: إذا غلب النوم على العقل
وزال به عقل صاحبه لزمه بزوال عقله إعادة الوضوء والصلاة على أية
حال كان النوم من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود.
وقال الحسن عليه السلام أيضاً ـ فيما حدثنا حسين، عن زيد، عن أحمد،
عنه ـ فيمن نام على دابته: إذا غلب النوم على عقله على أي الحالات
كان الوضوء أحب إلي.
__________
(1) ـ في (ب، ج): فإن كان.
(2) ـ البلغم: خلط من أخلاط البدن.
(3) ـ في (ب، ج): في تلك الحال.
(2/78)
وقال محمد: إذا نام في صلاة أو في غير صلاة(1) فغاب عنه عقله
وخفي عليه ماهو فيه ولم يعلم مايقول ولاما يقال له فليستقبل وضوءه
وصلاته.
وقال في موضع، في الصلاة: أحببنا له أن يعيد.
وقال في كتاب أحمد: لزمته الإعادة.
وقال في (الطهارة): والوضوء أوثق على أي حال كان في صلاته قائماً
أو راكعاً أو ساجداً أو قاعداً وقد رخص فيه قوم إلا أن ينام
مضطجعاً فلاخلاف أن وضوءه قد انتقض وكذلك كل من غاب عنه عقله من
إغماء أو سكر أو جنون أو غير ذلك فعليه الوضوء.
وروى بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا خفق خفقة أو خفقتين
وهو جالس فلا وضوء عليه، وإن نام حتى يغط(2) فعليه الوضوء.
مسألة: القهقهة في الصلاة
قال القاسم عليه السلام: ولايتوضأ من الضحك ـ يعني في الصلاة ـ.
وقال الحسن ومحمد: وإذا قهقه في الصلاة أعاد الوضوء والصلاة، وأما
في غير الصلاة فلا ينقض الوضوء.
قال محمد: وإذا لم يقهقه فخرج الصوت من أنفه أو من فيه أعاد الوضوء
والصلاة ولا إعادة على من كشر(3) أو تبسم إلا أن تبدو النواجذ
والأضراس فاستقبال الصلاة(4) أحب إلينا، وإن أمسك عن الضحك حتى
يمتنع من القراءة فليمض في صلاته.
مسألة:
وإن قهقه في آخر صلاته بعد ماتشهد فأحب إلينا أن يجدد طهوراً
للصلاة التي بعدها لموضع الاختلاف ولايعيد هذه الصلاة التي ضحك في
آخرها.
بلغنا أن علياً عليه السلام وابن مسعود قالا: لا إعادة عليه.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا محمد بن جعفر، عن ابن عامر، عنه ـ: إن
قهقه قبل أن يسلم فصلاته تامة ولاوضوء عليه لما يستقبل، وهو قول
أهل البيت عليهم السلام، وهو قول أبي يوسف وزفر.
وقال أبو حنيفة: صلاته تامة ويتوضأ لما يستقبل من الصلوات.
__________
(1) ـ في (ب): أو غير صلاة.
(2) ـ الغطيط: تردد النفس صاعد إلى الحلق حتى يسمع.
(3) ـ كشر عن أسنانه: أبداها.
(4) ـ في (ب، ج): فاستقبال الوضوء. وكتب فوق الوضوء: الصلوات.
(2/79)
قال محمد: وإن ضحك في سجدتي السهو توضأ وسجدهما.
مسألة:
قال محمد: وإن ذكر وهو في صلاة الظهر أن عليه صلاة الفجر فضحك فلا
يلزمه الوضوء، وعليه إعادة الفجر لأن ذكره ماعليه من الصلاة فسخ
للصلاة(1) التي هو فيها. وقد قيل أيضاً: يستقبل الوضوء ثم يصلي
الفجر ثم الظهر(2)، فإن ضحك قبل أن يذكر أن عليه الفجر ثم ذكرها
بعدما فرغ من الظهر استقبل الوضوء ثم بدأ بالفجر ثم الظهر. وإذا
صلى صلاة فنسي أنه قد صلاها فقام يصليها فضحك ثم ذكر أنه قد صلاها
فليتوضأ لما يستقبل من الصلوات ولايلزمه إعادة هذه الصلاة.
مسألة: القُبْلَة واللمس والمباشرة
قال القاسم والحسن عليهما السلام ـ في رواية ابن صباح عنه، وهو قول
محمد ـ: ولايجب الوضوء من القبلة.
قال الحسن ومحمد: بلغنا عن ابي جعفر محمد بن علي عليه السلام وغيره
من العلماء أنهما كانوا يستحبون إعادة الوضوء من القبلة مخافة
الحدث.
وبلغنا عن ابن عباس أنه رخص فيها للشيخ وكرهها للشاب.
قال محمد: ويستحب للرجل إذا توضأ للصلاة أن يتوقى من امراته
وماملكت يمينه اللمس والقبلة لشهوة، وكذلك يستحب للمرأة من زوجها
وللمملوكة من سيدها مثل ذلك، فإن قبل أو لمس لشهوة فقد اختلف فيه،
والوضوء أحب إلينا فأما قبلة الرحمة وقبلة السلام فلا وضوء منهما.
وإذا قبل امرأته أو لمسها لشهوة ولم يكن لها في ذلك شهوة فلا وضوء
عليها، وكذلك إن قبلته لشهوة ولم يكن له شهوة فلا وضوء عليه، فإن
قبلها لغير شهوة فكان منها في ذلك شهوة فيستحب لها الوضوء ولاوضوء
عليه، فإن قبلته لغير شهوة فكان له شهوة فيستحب له الوضوء. وإن
أمذى وجب عليه الوضوء وإذا تأملها أو تأملته لشهوة فلا وضوء في ذلك
إلا أن يمذي أحدهما فيكون عليه الوضوء، ولابأس أن يلتزم امرأته
بعدما يغتسل ويباشرها لغير شهوة وهي جنب مالم يصبه أذى، فإن كان
منه شهوة فيستحب له الوضوء.
__________
(1) ـ فسخ للصلاة: أي نقض لها.
(2) ـ في (ب): ثم يصلي الظهر.
(2/80)
وروى محمد بإسناده عن زينب السهمية: أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم كان يقبل ويصلي ولايتوضأ.
وعن ابن مسعود وابي جعفر عليهما السلام وإبراهيم: إن القبلة واللمس
ينقضان الوضوء.
وعن سعيد بن المسيب والحسن الشعبي ومغيرة في القبلة مثله.
مسألة: مسُّ الذَّكَر
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه، وهو قول محمد ـ:
ولاوضوء من مس الذكر والإبط والإلية.
قال القاسم عليه السلام: ولاعلى المرأة إذا مست فرجها، لابأس بذلك
إنما ذلك كبعض الأعضاء الأنف والأذن.
مسألة: في المتطهر يقلم أظفاره أو يحلق شعره أو يقطع من رجله لحماً
ميتاً
قال القاسم ـ في رواية داود عنه ـ والحسن والحسين، فيمن أخذ شعر
رأسه أو شاربه و أظفاره(1): يستحب له أن يمسح بالماء على ما أخذ من
ذلك قبل أن يصلي.
قال الحسن: روي عن علي صلى الله عليه أنه كان يتوضأ من ذلك طلب
الفضل.
وقال محمد: وإن لم يفعل وأخذ بالرخصة وصلى(2) فليمض على صلاته، فقد
روي في أخذ الأظفار مازاده ذلك إلا طهوراً.
قال القاسم عليه السلام: وأعجب إلينا(3) أن يعيد الوضوء إذا قام
إلى الصلاة.
قال محمد: وروي عن علي صلى الله عليه في أخذ الشعر والشارب
والأظفار قال: يغسل ماكان منه يغسل، ويمسح ماكان منه يمسح، وذلك
إذا أخذه بعد تطهره، وإن تطهر للصلاة فسقط من لحيته أو رأسه أو
شاربه شعرة أو شعرات لم يضره ذلك مالم يتبين موضعها كالخصلة
ونحوها(4) فيمر عليها الماء، ومن توضأ أو اغتسل ثم قطع من يده أو
رجله أو من موضع يمر عليها الماء في الطهور لحماً ميتاً أو غير ذلك
فليمر عليه الماء قبل أن يصلي، وإن قطع ذلك من موضع لايمر عليه
الماء في الوضوء فلا شيء عليه وقد رخص في الخدش في موضع الوضوء لمن
كان متوجهاً إلى الصلاة والاحتياط في غسله.
__________
(1) ـ في (ب، ج): أو أظفاره.
(2) ـ في (ج): فصلى.
(3) ـ في (ج): وأحب إلينا.
(4) ـ في (ج): أو نحوها.
(2/81)
وقال محمد ـ فيما حدثنا علي عن(1) ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ
وسئل عن الرجل ينتف من رجله الجلد الميت أيعيد الوضوء؟ قال: لا.
قلت: وإن كثر؟ قال: وإن كثر.
وروى فرات عن محمد أنه قال: لايضره ذلك، إلا أن يكون شيء له أثر.
مسألة: الوضوء من المعاصي
قال محمد: يستحب تجديد الوضوء من كل مافيه معصية لله عز وجل فمن
لعب الشطرنج(2) أو النرد(3) أو غير ذلك من الميسر والقمار أو اغتاب
رجلا في وجهه أو من حيث لايسمع أو كذب متعمداً أو تأمل امرأة لاتحل
له لشهوة من وراء ثيابها أو غير ذلك، أو تأمل غلاماً لشهوة وهو على
طهر فليتب إلى الله عز وجل ويستغفره، ويستحب له إعادة الوضوء.
ذكر عن حذيفة في صائم تأمل خلق امرأة وهي من وراء الثياب؟ قال:
انتقض صومه. فإذا توضأ فليتحفظ من الكذب والغيبة والنميمة وكلما
يكرهه الله عز وجل، لأنه قد قيل: يعاد الوضوء من ذلك، وليس بمنزلة
الحدث الذي ينقض الوضوء ولكن يخاف أن يذهب أجره، وينبغي أن يحفظ
لسانه وسمعه وبصره مما يكرهه الله، ويجب ذلك عليه على كل حال على
طهر كان أو غيره.
وروى محمد، عن مجاهد، قال: من لعب بالنرد فلا يصل حتى يتوضأ.
وعن إبراهيم، قال: يتوضأ من الغيبة.
مسألة: الوضوء من لحم الجزور ومامست النار
قال القاسم: يتوضأ من لحم الجزور ومامست النار ليس لنجاسته ولكن
لتشاغل الآكل به عن طهارته.
وقال الحسن ومحمد: ولاوضوء(4) مما مست النار.
وقال محمد: ومن أكل شيئاً مما مست النار من جميع اللحمان وغير ذلك
فلا وضوء عليه.
__________
(1) ـ سقط من (ب، ج): عن.
(2) ـ الشطرنج: لعبة فارسية قديمة يلعبها شخصان على رقعة مربعة بها
64 مربعاً ذات لونين مختلفين وهي لعبة معروفة.
(3) ـ النرد: لعبة ذات صندوق وحجارة وفصين، تعتمد على ..........
وتنقل فيها الحجارة على حسب مايأتي به الفص، وتعرف عند العامة
بالطاولة.
(4) ـ في (ب): لا وضوء.
(2/82)
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم <أنه أكل خبزاً ولحماً
ثم صلى ولم يتوضأ>.
وعن أبي جعفر قال: الوضوء مما خرج وليس مما دخل.
وقد ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن الوضوء من
لحم الإبل فأمر به. وقد ذكر أنه لاوضوء من ذلك، وينبغي لمن أكل
شيئاً من الطعام أن يتخلل قبل أن يصلي. ذكر ذلك عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم. وإن تمضمض ولم يتخلل أجزاه، وإن أكل شيئاً مما
يبقى له وضر(1) أودسم في أضراسه أو بين أسنانه أو في فمه فيستحب له
أن يتخلل ويتمضمض منه قبل الصلاة ومن لاك شيئاً بلسانه فليلفظه وإن
شاء فليبلعه، ومن تخلل فليلفظه. قال: والفرق بينهما أنه ربما كان
مع التخلل دم فلذلك يؤمر بلفظه.
مسألة: مدافعة البول والغائط في الصلاة
قال القاسم: وإذا دافع(2) من البول والغائط مايؤذيه ومايخضى ضرره
فلاينبغي له أن يصلي حتى ينتقض منهما ويتطهر ثم يستقبل الصلاة.
وقال محمد: إذا وجد الرجل أو المرأة(3) في بطنه رزاء من بول أو
غائط أو ريح وهو يصلي وكان ذلك يشغله عن شيء من حدود الصلاة حتى
لايتمه فلينصرف فليتخفف مما يجد ويتوضأ ويستقبل الصلاة، وإن كان
ذلك لايشغله عن حدود الصلاة فلايضره.
وقد ذكر عن علي صلى الله عليه أن الرزء(4) في الصلاة حدث، ومعناه
عندنا: الرزء الذي يشغله عما يجب من حدود الصلاة، وإذا حبس الريح
حتى امتنع من القراءة أو حبسها بعدما رفع رأسه من الركوع حتى امتنع
من السجود فلابأس بذلك مالم يتطاول به أو يمنعه من شيء من حدود
الصلاة فإن منعه ذلك من شيء من حدود الصلاة انصرف فيخفف مما يجد ثم
توضأ واستقبل الصلاة.
مسألة: إذا توهم أنه قد أحدث
قال محمد: ومن كان على يقين من وضوءه فهو على يقينه حتى يوقن
بالحدث وإذا أحدث فهو على يقينه حتى يوقن بالطهور.
__________
(1) ـ الوضر: الوسخ.
(2) ـ في (ب): وإذا وقع.
(3) ـ في (ج): الرجل والمرأة.
(4) ـ رزأه البول والغائط: أثقله حتى شغله عن الصلاة.
(2/83)
قال: وإذا توهم في الصلاة أنه قد أحدث حدثاً من ريح أو غيرها
فلا شيء عليه حتى يوقن بالذي توهم.
وروى بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <لاوضوء إلا
أن تسمع صوتاً أو تجد ريحاً>.
قال محمد: وإذا شك في مسح رأسه وهو يصلي فلينصرف ويمسح رأسه، وإن
كان قد جف الطهور وإن كثر هذا عليه مضى في صلاته ولم يعبأ به.
قال الحسن: وعلى هذا القول إذا توضأ فشك في بعض وضوءه فعليه غسل
ماشك فيه إن كان ذلك أول ما شك وإن كان هذا يعرض له كثيراً في
صلاته أو بعد الفراغ منها لم يلتفت إليه ومضى في صلاته.
باب الغسل
مسألة: الغسل الواجب
قال القاسم والحسن ومحمد: الغسل الواجب المفروض: الغسل من الجنابة،
والحيض، والنفاس.
قال الحسن ـ في رواية ابن صباح عنه ـ وهو قول محمد في (المسائل):
وماسوى ذلك فضل وبر.
وقال القاسم عليه السلام: إنما أوجبنا الغسل من النفاس كما اوجبناه
من الحيض لأن النفاس حيض وإن خالف اسمه اسم الحيض.
وذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كانت معه امرأة من
نسائه في فراش فطمثت فوثبت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: <مالك.. أنفست؟>.
وفصحاء العرب يدعون الطمث باسم النفاس، وقد أوجب الله الغسل من
الحيض في كتابه فأوجبناه في النفاس إذ كان حيضاً اتباعاً لأمر الله
عز وجل.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه ـ وهو قول محمد:
وإذا جامع امرأته دون الفرج أو في علوها في البطن أو غيره حتى أنزل
الماء وجب عليه الغسل.
مسألة: الغسل من التقاء الختانين
(2/84)
قال القاسم عليه السلام: اختلف عن النبي وعن علي صلى الله
عليهما في الرجل يجامع امرأته فلاينزلان واختلف فيه المهاجرون
والأنصار، وكثرت الأحاديث في هذا غير أن الاحتياط أن يغتسل ومن ترك
الغسل منه وتوضأ وأخذ بما ذكر عن كثير من الأنصار. وعن علي صلى
الله عليه وابن عباس، وتأول ما جاءت به الآثار لم يكن كمن لم يغتسل
بعد الإنزال، وقد قالوا: إن ما أوجب الحد أوجب الغسل. وقالوا
أيضاً: الماء من الماء.
وقال الحسن ـ فيما حدثنا زيد بن حاجب عن محمد بن وليد، عن جعفر
الصيدياني(1) ـ وهو قول محمد: إذا جامع امرأته فالتقى الختانان
وتوارت الحشفة وجب الغسل عليهما أنزلا أم لم ينزلا.
قال محمد: وكذلك سمعنا عن النبي، وعن علي صلى الله عليهما وروى
بإسناد عن أبي جعفر عليه السلام قال: قالت قريش: إذا التقى
الختانان وجب الغسل. وقالت الأنصار: الماء من الماء. فترافعوا إلى
علي صلى الله عليه فقال: يامعشر الأنصار أيوجب الحد، أيوجب المهر؟
قالوا: نعم. قال: فمابال مايوجب الحد والمهر لايوجب الغسل. فأبوا
وأبى.
قال الحسن ومحمد: وإن جامعها دون الفرج فأنزل الماء فعليه الغسل
ولا غسل عليها إلا أن تنزل فإن أنزلت فعليها الغسل وإن لم ينزلا
فلا غسل عليهما، ولكن يتوضآن.
قال محمد: وإن شم الختان الختان فلا غسل عليهما مالم توارى الحشفة،
ولكن يجددان الطهور فليس هذا بأقل من القبلة لشهوة، وإذا جامع
المرأة صبي ممن يؤمر بالصلاة ويجد النعوظ ـ والنعوظ ـ أن ينتشر ـ
فعليهما جميعاً الغسل إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة.
__________
(1) ـ في (ب، ج): الصيدلاني.
(2/85)
وكذلك لو جامع رجل صبية ممن تؤمر بالصلاة وإن لم تبلغ فعليهما
الغسل جميعاً ولو أن مجبوباً له مايولجه ويواريه جامع امرأة لكان
عليهما الغسل جميعاً فإن لم يكن بقي له مايولجه أو كان خصياً، فإن
الخصي قد ينزل ماء فاسداً متغيراً فإنه إذا أنزل فعليه الغسل
ولاغسل عليها إلا أن تنزل هي فإن لم ينزلا فلا غسل عليهما وليحدثا
طهوراً. وكذلك الخنثى أجمع العلماء في أنه في حال ذكر وفي حال أنثى
وعلى ذلك يقسم ميراثه فإذا أولج فعليهما الغسل وإن لم ينزلا.
مسألة: الغسل على من أتى في الدبر
قال محمد: ولو أن رجلا أتى امرأة في دبرها أو رجلا في دبره كان
عليهما الغسل جميعاً أنزلا أو لم ينزلا.
وذكر عن علي صلى الله عليه أنه قال: ما أوجب الحد أوجب الغسل.
وروينا عن إبراهيم وعن حسن بن صالح قالا: هما فرجان القبل والدبر
يوجبان الغسل.
قال محمد: وقال بعضهم: إذا أتى الرجل البهيمة فليغتسل وإن لم ينزل.
مسألة: إذا احتلم ولم ير بللا ولم يحتلم
قال محمد: إذا رأى في المنام كأنه يجامع ثم انتبه فوجد بللا
فليغتسل، وبه جاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن علي
صلى الله عليه، وإن لم يجد بللا فلا غسل عليه وإن انتبه من نومه
فوجد بللا ولم يكن رأى في نومه شيئاً فلا غسل عليه حتى يتيقن أنه
احتلام. وقال أبو حنيفة: عليه الغسل.
وإن قام من نومه فمشى ثم رأى بللاً فلا غسل عليه وإن رأت المرأة في
المنام مايراه الرجل فأنزلت فعليها الغسل.
وروى محمد، عن علي صلى الله عليه نحو ذلك.
قال: والاحتلام إذا كان فليس به ........ لزوجة ورائحة وفيه الغسل.
والمذي لارائحة له وفيه الوضوء فهو شيء يظهر على رأس الذكر وربما
كان من حديث النفس أو غير ذلك ولايفتر له الذكر. والودي شيء يظهر
على الذكر بعد البول يجب منه الوضوء.
مسألة: إذا اغتسل الجنب قبل أن يبول ثم خرج منه شيء
(2/86)
قال القاسم عليه السلام: إذا خرج من الجنب بعد الغسل ماء دافع
مني أعاد الغسل، وإن كان مذياً أو شيئاً رقيقاً أو بولا اكتفى
بالوضوء.
قال محمد: معنى قول قاسم عندي: إذا كان الجنب قد بال قبل أن يغتسل.
قال محمد: إذا اغتسل الرجل من الجنابة قبل أن يبول ثم خرج منه شيء
بعد الغسل فإعادة الغسل أحب إلينا. ذكر ذلك عن علي صلى الله عليه
وعن الحسن.
قال علي بن حسن المقري: قال محمد: وإن لم يغتسل فقد رخص فيه جماعة
من العلماء.
وروى محمد بإسناده عن علي صلى الله عليه، وأبي جعفر محمد بن علي
عليه السلام، والحسن البصري، قالوا: يعيد الغسل.
وقال محمد بن علي: وإن اغتسل بعدما أراق الماء ثم خرج منه شيء فهو
مذي، إن البول قد غسل ماثمة.
وعن أبي جعفر عليه السلام، قال: يعجبني إذا اجتنب أن يفصل بينه
وبين غسله ببول فإنه أحرى أن لايبقى منه شيء.
قال الحسني بن عبدالله، وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: إذا احتلم
أو جامع ثم اغتسل فخرج من ذكره مذي قبل البول فإنه يعيد الغسل.
مسألة: الغسل على من أسلم
قال محمد: إذا أسلم ذمي أو مشرك صغيراً كان أو كبيراً ذكراً أو
أنثى بعد أن يكون قد جرى عليه حكم الطهور والصلاة فينبغي له أن
يغتسل كما يغتسل من الجنابة.
وروى بإسناد عن أبي هريرة أن رجلا أسلم على عهد النبي صلى الله
عليه وآله وسلم فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يغتسل. ولو
أنه اغتسل من الجنابة أو من غيرها وهو لاينوي الإسلام ثم أسلم بعد
غسله على الوقت فلايعتد بذلك الغسل، ويبتدئ غسلاً للإسلام، وإن صلى
بعدما أسلم مجتزياً بالغسل الأول فينبغي له أن يغتسل ويتطهر ويعيد
صلاته. هذا قوله في (المجموع) من رواية سعدان عنه.
وقال في (الطهارة): وقال آخرون: يجزيه ولايعيدها.
قال الحسن: وقول محمد هذا يدل على أن مذهبه وجوب النية في الوضوء
وفي الغسل جميعاً.
(2/87)
قال محمد: وكذلك لو أسلم فتوضأ للصلاة ثم ارتد عن الإسلام في
وقته ثم أسلم فينبغي أن يغتسل ويتوضأ لصلاة بعد إسلامه، وكذلك لو
اغتسل مسلم من جنابة ثم ارتد عن الإسلام ثم اسلم في وقته كان عليه
أن يغتسل ويتوضأ للصلاة والرجال والنساء في هذا سواء، وإسلام الصبي
إذا كان يعقل الإسلام إسلام وليست ردته بردة، لو أن صبياً ممن يؤمر
بالصلاة ابن سبع سنين ونحوها تطهر للصلاة ثم ارتد عن الإسلام ثم
رجع إلى الإسلام في وقته لكان على طهره، ولو أسلم صبي ثم رجع عن
الإسلام استتيب فإن لم يتب لم يقبل، وإذا أسلم ذمي أو مشرك على أي
شرك كان فينبغي له أن يغتسل بالماء كما يغتسل من الجنابة.
مسألة: غسل السنة والمستحب
قال أحمد بن عيسى عليه السلام: غسل يوم الجمعة، والعيدين ليس بواجب
ولكنا نستحسنه.
وقال: لا أرى غسلا واجباً إلا غسل الجنابة ـ يريد الحيض والنفاس ـ
وأما سائر الغسل ففضل وبر وخير، وإن توضأ أجزاه.
وقال القاسم عليه السلام: ما أحب لأحد أمكنه غسل يوم الجمعة أن
يتركه، وإن اغتسل يوم الجمعة لصلاة الفجر اكتفى به من غسل يوم
الجمعة، وإن أحدث بعد ذلك. ويجب على النساء من الغسل يوم الجمعة
مايجب على الرجال.
وقد ذكر عن علي صلى الله عليه أنه كان يغتسل إذا احتجم ولم يوجبه
عليه السلام.
وقال الحسن عليه السلام: أما غسل السنة فإن أمير المؤمنين صلى الله
عليه كان يغتسل يوم الجمعة وفي العيدين ويوم عرفة وإذا غسل ميتاً
وكان يغتسل للإحرام وللنصف من شعبان وإذا احتجم.
وقال الحسن عليه السلام أيضاً ـ في رواية ابن صباح عنه ـ: غسل يوم
الجمعة سنة حسنة وليس بواجب.
وقال محمد: أما مايستحب من الغسل فغسل يوم الجمعة والعيدين الفطر
والأضحى وغسل يوم عرفة والغسل عند الإحرام وعند دخول الحرم والغسل
من غسل الميت.
وقال: وإن توضأ من غسل الميت وضوءه للصلاة اجزاه. بلغنا ذلك عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(2/88)
وسئل محمد بن منصور: أتوضى أنت أم تغتسل؟ قال: أتوضى. قال محمد:
قال علي عليه السلام: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
بغسل يوم الجمعة وفي العيدين(1) ويوم عرفة وليس بواجب.
قال: وبلغنا عن علي عليه السلام أنه كان يغتسل من الحجامة ونتف
الإبط.
قال محمد: وينبغي للمجنون إذا أفاق من جنونه المطبق(2) أن يغتسل
مخافة حدث.
وروى بإسناده عن الحسن البصري قال: إذا أفاق المجنون اغتسل ومن سعى
إلى الجمعة فليغتسل وليس بفرض ومن لم يسمع فهو أيسر في ترك الغسل،
ومن اغتسل ليلة الجمعة من جنابة أو غيرها فقد روي عن بعض أهل العلم
أنه يجزيه من غسل الجمعة.
وروي عن أبي جعفر عليه السلام نحو ذلك. ومن اغتسل للجمعة ثم أحدث
فليس عليه إعادة الغسل ولكن يتوضأ وليس على النساء غسل يوم الجمعة
وإن كان إمام عدل ونرى أنه على من راح منهن إلى الجمعة.
مسألة: الغسل والوضوء قبله وبعده
قال القاسم عليه السلام: وسئل عن الغسل من الجنابة كيف هو؟ فقال:
الذي روي لنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه توضأ فغسل يديه
ثم غسل فرجه، ثم مسح يده اليسرى بالأرض، وكان يفيض الماء بيمينه
على يساره، ثم غسل يديه فمضمض واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً،
وغسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه(3) ثم أفاض الماء على رأسه
ثلاثاً، ثم غسل سائر جسده بيده، ثم تنحى عن الموضع الذي أفاض الماء
على جسده فيه وغسل رجليه بعد ذلك كله.
وقال القاسم عليه السلام أيضاً ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن
ابن سهل، عن عثمان، عن القومسي، قال: ـ سألت القاسم عن الوضوء بعد
الغسل من الجنابة أم قبل الغسل؟ قال: قبل الغسل أحب إلي.
__________
(1) ـ أخرجه محمد بن منصور في الأمالي 1/ (116)، عن علي عليه
السلام، وله شواهد. انظر رأب الصدع 1/102.
(2) ـ المطبق زيادة من (ب، ج).
(3) ـ في (ب، ج): مسح رأسه.
(2/89)
وقال الحسن عليه السلام: وإذا أصابتك جنابة استنجيت وغسلت فرجك
بالتراب أو بالأشنان حتى يبقى المني ثم توضى للصلاة تسمي(1) وتصلي
على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم تغسل يدك، ثم تمضمض وتستنشق،
ثم تغسل وجهك ثلاثاً، ويديك ثلاثاً ثلاثاً، وتمسح راسك وتغسل رجليك
ثلاثاً، ثم تصب الماء على رأسك ثلاثاً، وعلى جانبك الأيمن لاثاً،
وعلى يسارك ثلاثاً، ثم تعم رأسك وجسدك تسكب الماء ثلاثاً ثم تغسل
رجليك.
وقال الحسن عليه السلام أيضاً ـ فيما روى ابن صباح عنه ـ: بلغنا عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه توضأ قبل الغسل ولم يعد الوضوء
بعد الغسل.
__________
(1) ـ في (ب، ج): وتسمي.
(2/90)
وقال محمد: إذا أردت الغسل من الجنابة ابتدأت من وضع(1) الإناء
والطهور للصلاة كما وصفت لك أولا يني ضع الإناء عن يمينك وأفرغ
بالإناء(2) بيدك اليسرى على اليمنى ثلاثاً ثم سم الله وأفض بيدك
اليمنى على اليسرى فاغسلهما ثلاثاً، ثم اهو بيدك اليسرى إلى مقدم
الفرج فأفض بيدك اليمنى على اليسرى(3) إلى موضع الغائط فانق ماثمة
من أذى أو رائحة، ثم اغسل يدك اليسرى وادلكها بالأرض أو بغيرها، ثم
تحول من موضع الاستنجاء إن كان يجتمع فيه ماء الاستنجاء، ثم تمضمض
واستنشق ثلاثاً ثلاثاً واستنثر ثلاثاً، وفرق بين المضمضة
والاستنشاق، ثم اغسل وجهك وذراعيك وامسح برأسك واغسل رجليك كما
وصفت لك في الوضوء للصلاة فإذا أكملت طهور الصلاة فأفض بيديك على
رأسك ولحيتك ثلاثاً، ثم أفض على كتفك الأيمن ثلاثاً، ثم على الأيسر
ثلاثاً، ثم أفض الماء على سائر جسدك، وأبلغ بيديك حيث ينالان من
جسدك ثم تنح فاغسل رجليك. وينبغي للجنب أن يدير أصبعه على سرته عند
غسله، ويحرك خاتمه، ويتبع بالماء أصول الشعر في تخليل اللحية
وغيرها، وإن كانت له جمة فكذلك وكذلك المرأة، ومعنى: <تحت كل شعرة
جنابة>(4) أنه ينبغي أن يصيب الماء أصول الشعر. وغسل المرأة مثل
غسل الرجل إلا أنها تزيد من الماء أكثر لمكان شعرها وإذا أرادت
الغسل من الجنابة نقضت شعرها إن خافت أن لايصل إليها الماء، وأما
الوضوء بعد الغسل فلست ازيد على غسل رجلي بعد الغسل كما فعل رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم.
__________
(1) ـ في (ب، ج): من موضع.
(2) ـ في (ب): وأفرغ الإناء.
(3) ـ في (ب، ج): وأفض بيدك اليمنى على اليسرى فاغسلها ثلاثاً
ثلاثاً.
(4) ـ أخرجه المؤيد بالله في شرح التجريد ـ خ ـ، والترمذي 1/106)،
والبيهقي 1/175 عن علي عليه السلام
(2/91)
بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه توضأ قبل الغسل ولم
يعد الوضوء بعد الغسل. ومن أراد الغسل من الجنابة فتوضأ ثم أحدث
قبل أن يغتسل فلا يلزمه أن يعيد الوضوء، وأحب إلي أن يتوضأ وإن
تركه حتى يجيء وقت صلاة فلا بأس.
وقال محمد ـ فيما حدثنا الحسين، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ: وإن
قدم الغسل وأخر الوضوء أجزاه.
قال سعدان: وسألته عن الجنب يتوضأ ويؤخر غسل رجليه ويجتزي بما يمر
على رجليه من غسله؟ فقال: جائز وغسلهما أحب إلي.
مسألة: هل تنقض المرأة شعرها عند غسلها
قال القاسم عليه السلام: لاتنقض المرأة شعرها عند الجنابة، الماء
يأتي على ذلك تجمع شعرها على رأسها وتصب عليه الماء وتغمزه وتحركه
حتى تعلم أن الماء قد وصل إلى أصول الشعر، وكذلك ذكرت أم سلمة زوج
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمرها بذلك وكانت كثيرة الشعر،
شديدة الضفر، فلم يأمرها بنقض شعرها وأما عند غسلها من الحيض فإنها
تنقض شعرها أعجب إلينا.
وقال محمد: إذا أرادت المرأة الغسل من الجنابة والحيض نقضت شعرها
إن كان من هذه الدقاق(1) التي أحدث الناس مما لايصل إليه الماء،
وإن كان مما يصل إليه الماء فلايضرها أن لاتنقضه وغسل المرأة مثل
غسل الرجل إلا أنها تزيد من الماء أكثر لمكان شعرها.
مسألة: المرأة تجنب ثم تحيض
قال القاسم عليه السلام: إذا أجنبت(2) المرأة ثم حاضت فأعجب إلينا
أن تغتسل لجنابتها إن لم يكن دم الطمث غالباً عليها، وإن لزمها
الدم فلم يفارقها ولم يكف عنها تطهرت منهما جميعاً طهراً واحداً.
وقال محمد: إذا وجب على المرأة الغسل بجماع أو احتلام فأخرت الغسل
تفريطاً أو شغلاً أو سعة وقت فحاضت قبل أن تغتسل فأحب إلي أن تغتسل
لجنابتها، وإن أخرت الغسل حتى تطهر من حيضها ثم تغتسل غسلا واحداً
فذلك واسع لها.
مسألة: هل يجزي الجنب الإغتماسة الواحدة من غير تدليك
__________
(1) ـ ..............
(2) ـ في (ب، ج): إذا جنبت.
(2/92)
قال القاسم عليه السلام: يجزي الجنب أن يغتمس اغتماسة فيما
يغمره إذا أنقى أعضاءه إلا أن لايكون أنقى ما أمر بإنقائه من قبل
أو دبر، فإن ذلك ربما لم ينق بالاغتماسة الواحدة.
وقال محمد: يجزي الجنب رمسة واحدة بعد الاستنجاء إذا تمضمض واستنشق
وتتبع مواضع الشعر وتدلك حتى يصيب جميع جسده الماء.
وروي عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا غمس يده في الماء أو رجله
أجزاه.
مسألة: المسح على الجبائر في الوضوء والغسل
قال القاسم عليه السلام، والحسن، ومحمد: لابأس بالمسح على الجبائر
إذا خاف العنت(1) من حلها وغسلها.
قال الحسن، ومحمد: وذلك إذا كان في موضع الوضوء جرح.
قال محمد: أو كسر أو وُثَى(2) أو غيره مما يخشى على صاحبه من حلها
العنت.
قال محمد: وإن كان لايخاف العنت حلها وغسل موضعها.
قال الحسن ومحمد: وذلك جائز في الوضوء وفي الغسل من الجنابة
جميعاً. قال محمد: كما جاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم.
مسألة: كراهية قراءة القرآن ومس المصحف للجنب والحائض
قال القاسم، والحسن، ومحمد: ويكره للجنب والحائض أن يقرآ القرآن.
قال محمد: وقد رخص لهما في الحرف ونحوه ولايتما آية.
قال القاسم والحسن ومحمد: ولهما أن يذكرا الله تعالى ويسبحاه.
وقال الحسن ومحمد: ويكره لهما أن يمسا المصحف أو الدرهم فيه ذكر
الله.
قال الحسن عليه السلام: أو شيئاً مكتوباً فيه اسم الله.
قال محمد: وقد رخص لهما في الأخذ بعلاقة المصحف.
قال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا محمد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ:
ويكره للجنب أن يكتب القرآن في الألواح والصحيفة.
__________
(1) ـ العنت: الضرر.
(2) ـ وثى: شبه الفسخ في المفصل.
(2/93)
وقال محمد: ولابأس بمس الدراهم وحملها إذا كانت في هِمْيَان(1)
أو مِعْضَدة(2) أو صرة(3)، وإن كانا في سفر واحتاجا إلى حمل المصحف
أو إنفاق الدرهم عليه آية من كتاب الله، ولم يجدا ماء فليتيمم
الجنب عند ذلك ولابأس عليهما أن يمارسا(4) العمل من العجن والخبز
والطبخ وغير ذلك، ولكن ليغسلا أيديهما قبل ذلك إلا أن تكون أيديهما
طاهرة، ولابأس أن يقرأ الصبي في المصحف ويمس بيده إذا كانت يده
طاهرة. ويستحب للمرأة الجنب أو الحائض إذا أرادت أن ترضع ولدها أن
تغسل ثديها وإن لم تفعل فلا بأس. ولابأس أن يمس الرجل الدرهم فيه
ذكر الله وهو غير متوضي مالم يكن في يديه أذى.
وقال محمد ـ في رواية سعدان عنه ـ: وقد رخص في تعليق التعويذ إذا
كان فيه ذكر الله وسواء علقه على البهيمة أو الإنسان مالم يصبه
أذى، وإذا كان على الرجل تعويذ أو خاتم فيه ذكر الله فأجنب فلينزعه
حتى يغتسل فإن لم يمكنه تيمم.
قال: وأكره للنفساء أو الحائض أن تعلق عليها كتاباً فيه قرآن حتى
تطهر.
وسئل عن التعوذ بالقرآن في إناء فقال: قد رخص فيه، وقد كرهه بعضهم.
مسألة: أخذ الشعر وقص الأظفار للجنب والحائض
قال محمد: يكره للجنب والحائض تقليم الأظفار، ونتف الإبط،
والتنوُّر، وقص الشارب الشعر، والحجامة، إلا عند الحاجة إلى ذلك.
وقال محمد ـ فيما حدثنا الحسين، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه: أنه
سئل عن الحائض تسرح شعرها ـ فقال: إن احتاجت إلى ذلك فلابأس. قيل
له: فإن سقط من شعرها شيء تغسله؟ قال: لا. غسله وتركه سواء.
مسألة: الجنب يأكل أو ينام
قال القاسم ومحمد: لابأس أن يأكل الجنب أو ينام قبل أن يتوضأ وأحب
إلينا أن يغسل يده قبل الأكل وفرجه قبل النوم.
__________
(1) ـ هميان: الهميان بالكسر وعاء تجعل فيه النفقة، ويشد على
الوسط. معرب.
(2) ـ معضدة: كيس للدراهم.
(3) ـ صرة: كيس للدراهم أيضاً.
(4) ـ في (ج): في أن يمارسا.
(2/94)
وقال محمد أيضا في (المجموع): وإذا أراد الجنب أو الحائض أن
يأكل أو يشرب غسل يده وتمضمض وإن توضأ فحسن.
وقال في (جامع حسن): والأفضل أن تغسل المرأة ثدييها يعني قبل أن
ترضع صبيها إذا كانت جنباً، وهو قول بني هاشم.
مسألة: إذا أراد أن يجامع ثم يعود
قال القاسم ومحمد: ولابأس أن يجامع الرجل امرأته ثم يعود من غير
وضوء.
قال القاسم عليه السلام: ما آخر ذلك إلا كأوله.
قال محمد: وإن كان له نسوة فجامعهن جميعاً ولم يمس بين ذلك ماء
فلابأس بذلك.
مسألة: ستر العورة عند الغسل
قال القاسم عليه السلام في رواية داود عنه، وهو قول محمد: يستحب
للرجل والمرأة أن يستترا عند غسلهما بسترة أو كِنّ(1) إن وجدا ذلك.
وروى محمد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <إذا أراد
أحدكم أن يغتسل فيتوارى بشيء>.
قال القاسم عليه السلام: ولابأس لهما بالاغتسال في النهر بغير إزار
وفي الفضاء(2) بغير إزر وظل شجرة أو وزاء سترة إذا كان المغتسل
خالياً لايراهما أحد وإن كانا متعريين.
قال محمد: يكره للرجل وامرأته أن يتجردا عند غسلهما من إناء واحد
حتى يستترا بمئزر، ويستحب للرجل إذا اغتسل وحده وهو مفض إلى الماء
أن يكون مستور العورة وكذلك المرأة. وإن وقع الرجل في الماء بلا
مئزر لم يضق عليه إذا لم ير أحد عورته والاستتار أفضل إن أمكن.
ولابأس أن يتغسل الرجل وعليه مايستر عورته تبان(3) أو غيره.
مسألة: دخول الحمام والغسل منه
قال محمد: إذا كان الحمام لايوقد بعذرة ويدخل بمئزة فلابأس بدخوله
مستور العورة وإن كان يوقد بعذرة ويدخل بلا مئزر فإني أتوقاه ولا
أدخله بلا تحريم من أجل إيقاده بالعذرة والدخول بلا مئزر.
__________
(1) ـ كِنّ: مايرد الحر والبرد من الأبنية والمساكن.
(2) ـ في (ب، ج): بغير إزال أو الاغتسال في الفضاء.
(3) ـ التبان ـ كرمان ـ: سراويل دون الركبة.
(2/95)
قال محمد: فإن دخله خالياً فيستحب له أن يغتسل بعد خروجه بماء
غير ماء الحمام وإن لم يفعل أجزاه وإذا أوقد تحت الماء بميتة أو
عظم أو عذرة أو نحو ذلك لم ينجسه ذلك وغيره أفضل إن أمكن وإن توضى
به واغتسل فقد رخص له في ذلك.
وروى محمد بإسناده عن محمد بن الحنفية عليه السلام قال: إذا اغتسلت
بماء الحمام فلا تغتسل إن الماء لايخبث وإنما يغتسل بالماء
ولايغتسل منه.
وعن أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن الحمام يدخله
من تعلم(1). قال: اغتسل فإن الماء لاينجسه شيء.
قال محمد: ويكره أن يقرأ القرآن في الحمام أو يقصد للتسبيح إلا
التسبيحة والتسمية ونحو ذلك، فقد بلغنا عن بعض أصحاب النبي صلى
الله عليه وآله وسلم أنه قال في الحمام: لاإله إلاالله. ولايسلم
فيه وإن سلم عليه فليرد إن كان مستور العورة.
مسألة: متى يؤمر الصبي بالصلاة ومتى تستتر الجارية
قال الحسن عليه السلام: إذا كان للجارية سبع سنين استترت من
الرجال.
وقال محمد: يعلم الصبي الصلاة ويؤمر بها إذا صار له سبع سنين،
ويضرب عليها إذا صار له تسع سنين.
وروى محمد ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك الجارية.
وروى بإسناد عن الحسن البصري قال: يؤمر بالصلاة إذا حفظ الصلاة.
وعن ابن عمر وابن سيرين قالا: إذا عرف يمينه من شماله. وعن إبراهيم
قال: إذا اثَّغَر(2). وعن حبيب قال: إذا عد عشرين.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <فرقوا بين الغلمان
والجواري إذا بلغوا تسع سنين>.
باب التيمم
مسألة(3):
قال محمد: ينبغي للمتيمم أن يعتقد النية عند التيمم للوضوء وللغسل
أنه جميعاً لفريضة.
__________
(1) ـ في (ب، ج): إن الحمام قد يدخله من تعلم.
(2) ـ الإثِّغار: سقوط السن ونباتها، ضد. والمراد هنا السقوط.
(3) ـ في (ب، ج): مسألة: تيمم المتيمم آر الوقت إذا لم يقدر على
الماء. قال محمد: ينبغي.. الخ.
(2/96)
وقال محمد ـ فيما حدثنا القاضي، عن علي، عنه ـ: وإن علم رجل
رجلا التيمم لم يجزيه إلا أن ينو به لنفسه. وهو قول أبي حنيفة
وأصحابه.
مسألة: تيمم الحاضر إذا لم يقدر على الماء
قال القاسم عليه السلام: ومن كان في موضع لايقدر على الماء يعني من
حاضر أو مسافر تيمم وصلى.
وقال محمد: في قول الله عز وجل: {فتيمموا صعيداً طيباً}(1) قال:
إنما هذا في السفر حيث لايقدر على الماء وإذا حيل بين المحبوس وبين
الطهور وخاف فوت الصلاة تيمم وصلى وأحب إلي أن يعيد إذا امكنه
الطهور.
وقال بعضهم: ليس له أن يتيمم في الحضر وإن خرج الوقت.
قال محمد: سألت عبدالله بن موسى بن جعفر عليهم السلام عن التيمم
للصلاة على الجنازة إذا خاف أن تفوته فلم ير التيمم، وقال: إنما
ذاك وأومى بيده نحو البرية.
مسألة: التلوم في التيمم إلى آخر الوقت
قال القاسم، والحسن، ومحمد: يتيمم المتيمم في آخر الوقت عند الإياس
من وجود الماء.
قال الحسن ومحمد: إذا لم يجد المسافر ماء فليؤخر الصلاة في طلب
الماء إلى آخر الوقت قدر مايصلي في وقت فإن لم يجد تيمم فإن تيمم
في أول الوقت وصلى ثم وجد الماء قبل خروج الوقت توضأ وأعاد تلك
الصلاة.
قال محمد: وقد رخص بعضهم في أن يجتزي بصلاته الأولى ولكن المعروف
عن علي صلى الله عليه أنه قال: يتيمم في آخر الوقت وإذا كان يتلوم
في طلب الماء فرآه أمامه وعنده أنه لايبلغه حتى يخرج الوقت أو كان
على شفير بئر يرى فيها الماء ولاسبيل له إليه تيمم وصلى إذا خشي
خروج الوقت، وإن حال بينه وبين الماء عدو أو أسد تيمم وصلى، وإن
وجد الماء في وقت لايمكنه الوضوء والصلاة حتى يخرج الوقت توضأ
وصلى، وإن خرج الوقت لم يجزيه(2) التيمم في هذه الحال لأنه واجد
للماء. قال الله عز وجل: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}(3).
__________
(1) ـ المائدة: 6.
(2) ـ كذا في النسخ، والصواب: يجزه.
(3) ـ المائدة: 6.
(2/97)
قال الحسني: وينبغي على قول محمد في هذه المسألة إذا كان مع
رجلين إناء إن اغترف به صاحبه من البئر فإن انتظره الآخر حتى يتوضى
ثم يأخذ الإناء خرج الوقت فإنه ينتظر إذا وعده صاحبه أن يعطيه
إياه، ومثل هذا رجلان أحدهما عار وهما في آخر الوقت أراد الكاسي
الصلاة وخاف الآخر أن انتظره حتى يأخذ ثوبه أن يخرج الوقت أنه
ينتظر وإن خرج الوقت ولايصلي عرياناً إذا كان صاحبه وقد وعده
بالثوب إذا فرغ.
مسألة: التيمم لكل صلاة
قال القاسم عليه السلام: يصلي المتيمم صلاة واحدة، ويتيمم لوقت كل
صلاة.
وفي رواية داود عن القاسم عليه السلام وهو قول محمد: يتيمم لكل
صلاة ولايصل صلاتين بتيمم واحد.
قال محمد: وإن أراد(1) أن يجمع بين صلاتين في السفر في وقت واحد من
علة أو حاجة إلى ذلك فلم يجد ماء فليتيمم لكل صلاة لموضع الخلاف
فيه، وإذا ذكر المسافر وهو عادم للماء أن عليه صلوات في سفره تيمم
وقضى ماعليه من الصلوات يحدد لكل صلاة تيمماً ذكر عن أبي جعفر محمد
بن علي عليهما السلام أنه لايصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة ونافلتها.
قال محمد: وإن صلى صلوات تيمم واحد فقد رخص فيه قوم.
قال أبو حنيفة وأصحابه: التيمم بمنزلة الطهور إذا تيمم لصلاة فهو
على طهور مالم يجد ماء أو يحدث.
مسألة: التيمم بالنورة والزرنيخ
قال القاسم عليه السلام: لايجوز التيمم بالنورة والزرنيخ(2) والكحل
وما أشبه ذلك ولايجزي إلا بالصعيد الطيب.
وقال الحسن ومحمد: الصعيد الطيب هو التراب الطاهر.
__________
(1) ـ في (ج): وإذا أراد.
(2) ـ الزرنيخ ـ فارسي معرب ـ: عنصر شبيه بالفلزات له بريق الصلب
ولونه: منه أبيض وأحمر وأصفر.
(2/98)
قال محمد: والرمل والسِّهلة(1) والطين الحر(2) كله بمنزلة
التراب الطاهر، ولابأس أن يتيمم بالجص إذا لم يجد أطهر منه لأنه من
الأرض، ولايتيمم بالرماد لأنه من النبات، ولابأس أن يتيممب الحائط
إذا لم يمكنه الأرض.
وقال أبو حنيفة: يتيمم بكل ما كان من الأرض مثل الكحل والزرنيخ
والنورة. والمراد: سنج والآجر.
وقال قوم: لايتيمم إلا بالصعيد لقوله تعالى: {فتيمموا صعيداً}(3).
مسألة: التيمم بتراب البرذعة
قال القاسم عليه السلام: لايجوز التيمم بتراب البرذعة(4) واللبد
والثوب وما أشبه ذلك، ولابأس بالوضوء بالثلج إذا انماع وذاب.
وقال الحسن عليه السلام، وهو قول محمد: وإذا لم يجد المسافر ماء
ولاصعيداً أجزاه التيمم بتراب اللِّبْد(5) والثوب والسرج أو أي آلة
كانت معه إن كان في شيء من ذلك غبار يبين أثره على يديه إذا ضربه
بهما.
قال محمد: بعد أن يكون طاهراً.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه ـ وهو قول محمد في
(المسائل): وإذا كان المسافر في وحل(6) وبينه وبين الماء بعد ولم
يمكنه الصعيد فإن أمكنه أن يجفف طيناً حتى يصير له غبار ويتيمم
بتراب اللبد ونحوه فمن لم يصب من ذلك شيئاً فليتربص حتى يجد الماء
أو الصعيد ويقضي مايفوته من الصلاة على ذلك.
__________
(1) ـ السهلة ـ بالكسر ـ: تراب كالرمل يجيء به الماء.
(2) ـ الطين الحُرّ ـ بالضم ـ: الطيب.
(3) ـ المائدة: 6.
(4) ـ البرذعة ـ بالذال المعجمة والمهملة ـ: حلس يجعل تحت الرحل،
أو للحمار مايركب عليه بمنزلة السرج للفرس.
(5) ـ اللِّبْد ـ كحمل ـ: مايتلبد من شعر أو صوف.
(6) ـ الوحل ـ بالفتح ـ: الطين الرقيق.
(2/99)
وقال محمد أيضاً ـ في وقت آخر ـ: وإذا لم يجد صعيداً ولاثوباً
يتيمم بغباره فأمكنه أن يتمسح بما أصابه من المطر ويعم من جسده
ماينبغي أن يصيبه الماء حتى يقطر من جسده أجزاه فإن لم يمكنه ذلك
وأمكنه أن يجفف شيئاً من الطين ويتيمم به أجزاه ذلك، وإن لم يجد
الجنب إلا ثلجاً، فإن أمكنه أن يذيبه ويغتسل به فعل وإلا تيمم
بالصعيد.
قال الحسني: وعلى قول الحسن ومحمد إذا ضرب بيده على حنطة أو شعير
أو حائط فلصق بهما غبار من ذلك أجزاه التيمم به، وفي قول القاسم:
لايجزيه.
مسألة: إذا لم يجد ماء ولاتراباً هل يصلي أم لا؟
قال القاسم عليه السلام: وإذا لم يجد الجنب ماء طاهراً ولاصعيداً
طيباً فقد زال عنه فرض الطهارة الذي أمر الله به وعليه أن يصلي،
وإن كان غير طاهر، ولايتيمم بشيء غير الصعيد إلى أن يجد الصعيد،
لأن الله عز وجل لم يذكر الطهارة إلا بالماء أو بالصعيد الطيب، وقد
علم الله عز وجل مكان غيرهما من جميع الأشياء فلم يأمر به.
وقال الحسن عليه السلام: وإذا لم يجد ثوباً يتيمم بغباره ووجد ماء
ستيراً أو طيناً رطباً طاهراً تمسح به مثل التيمم وصلى، فإذا وجد
الماء أو التراب أعاد الصلاة.
وقال الحسن أيضاً ـ في رواية ابن صباح عنه ـ وهو قول محمد في
(المسائل): وإذا لم يجد المسافر ماء ولاصعيداً ولاثوباً له غبار
فليصبر حتى يجد الماء أو الصعيد ويقضي مافاته من الصلاة.
قال محمد: فإن هو صلى بغير تيمم فإنه يعيد الصلاة إذا أصاب الماء.
وعلى قول القاسم أن المحبوس في الحبس إذا لم يقدر على ماء ولاصعيد
طيب صلى إيماء، وكذلك قال الأنصاري: يصلي إيماء ويعيد إذا خرج.
وقال محمد: إن صلى أعاد. وقال في الأقطع: إذا يمكنه التيمم لجراحة
بوجهه أو مانع يمنعه فليصل بغير تيمم ولايدع الصلاة، فإذا وجد
الماء أعاد.
مسألة(1): صفة التيمم
__________
(1) ـ في (ب، ج): باب صفة التيمم.
(2/100)
قال الحسن عليه السلام: وإذا أراد التيمم ضرب يديه بالأرض
ومسحهما على وجهه وضربة مسح بها على يديه إلى مرفقيه.
وقال محمد: إذا أراد الرجل التيمم فليقصد موضعاً طاهراً فليجلس(1)
مستقبل القبلة وإن لم يستقبلها أجزاه ويكره التيمم من كل موضع تكره
الصلاة فيه ثم ليضرب بيده على التراب. ويقول: بسم الله. ويفرج
أصابعه حتى يدخل بينهما الغبار فإن شاء أن ينفض يديه نفضاً خفيفاً
قبل أن يمسح بهما وجهه فعل ثم يمسح بهما وجهه كله مسحاً عاماً مثل
الوضوء ويمر يديه على باطن أذنيه ثم يعود فيضرب بيده على التراب
ضربة أخرى ويفرج بين أصابعه ويبدأ بمسح يمينه فيضع ظاهر أصابع
اليمنى على باطن أصابع يده اليسرى ثم يمسح بأصابع اليسرى ظاهر
اليمنى إلى المرفق، ثم يقلب راحته اليسرى على باطن ذراعيه اليمنى
فيمسح باطنهما إلى الراحة ويمسح ظاهر إبهامه اليمنى بباطن إبهامه
اليسرى، ثم يضع ظاهر أصابع اليسرى على باطن أصابع اليمنى فيفعل بها
كما فعل باليمنى ويعم ظاهرها وباطنها.
وروى بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو ذلك، وقد رخص
في التيمم أن يقبل بيديه ويدبر على يديه وذراعيه إلى المرفقين مثل
الوضوء. وهكذا تيمم الرجل والمرأة المتوضي والجنب....... والحائض
تطهير كلهم في ذلك سواء.
مسألة: التيمم ضربتان إلى المرفقين كحد الوضوء
قال أحمد والقاسم والحسن ومحمد: التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة
لليدين إلى المرفقين.
وروى محمد نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن علي صلى
الله.
قال القاسم: ويستحب ثلاث ضربات للوجه وثلاث ضربات لليدين، مثل
الوضوء بالماء، وليس ذلك بلازم ولايسع غيره، وقد يجزي ضربة للوجه
وضربة لليدين إلى المرفقين.
وقال الحسن علي السلام ـ فيما حدثنا حسين، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ:
الاحتياط في الضربتين والضرب جائز.
__________
(1) ـ في (ج): وليجلس.
(2/101)
قال القاسم: أوجبنا التيمم إلى الرسغين ولم نوجبه إلى المرفقين
كما أوجبه غيرنا لقول الله سبحانه: {والسارق والسارقة فاقطعوا
أيديهما}(1) فكان قطعهما الذي أوجبه الله عليهما إلى الرسغين إذ لم
يحدد الله في ذلك حداً. وكذلك قلنا في مسح اليدين عند التيمم إذ لم
يكن محدوداً(2) كقولنا في قطع اليدين لأن الله عز وجل يقول:
{فامسحوا بوجوهكم وأيديكم}(3).
وقال محمد بن منصور: ثم رجع القاسم عليه السلام عن هذا إلى التيمم
إلى المرفقين، وقال: حد التيمم بالصعيد إلى المرفقين كحد الوضوء.
وقد ذكر عن علي عليه السلام أنه كان يأمر بذلك.
مسألة: المسافر يكون معه ماء قليل يخاف على نفسه إن هو توضأ منه
قال القاسم، والحسن، ومحمد: إذا كان مع المسافر مايجزيه لطهوره
فخاف على نفسه إن تطهر به أن يهلك عطشاً فليحبسه لنفسه ويتيمم
ويصلي(4).
قال محمد: وكذلك إن خاف على نفسه العنت جنباً كان أو غير جنب.
قال القاسم عليه السلام: ولايحل له أن يتوضأ به لأن الله عز وجل
حرم عليه إتلاف نفسه وإهلاكها فقال: {ولاتقتلوا أنفسكم إن الله كان
بكم رحيماً ومن يفعل ذلك عدواناً وظلما فسوف نصليه ناراً وكان ذلك
على الله يسيراً}(5).
قال الحسن عليه السلام: فإن لم يخف على نفسه الهلكة توضأ بالماء.
قال محمد: وكذلك إن خاف على غيره من المسلمين العنت سقاه الماء
وتيمم جنباً كان أو غير ذلك، وكذلك الحائض تطهر في السفر ومعها من
الماء مايكفيها لغسلها فتجد قوماً يخافون على أنفسهم العطش فلتسقهم
إياه وتيمم فإذا وجدت الماء اغتسلت.
مسألة: إذا لم يجد المسافر الماء إلا أن يشتريه بثمن غال
قال القاسم عليه السلام، ومحمد: فإذا لم يجد المسافر ماء للوضوء
إلا بثمن غال فليشتره ولايتيمم.
قال محمد: إن كان لايجحف به في نفقته.
__________
(1) ـ المائدة: 38.
(2) ـ في (ب، ج): إذا لم يكن محدوداً.
(3) ـ المائدة: 6.
(4) ـ لعلها: ويصل.
(5) ـ النساء: 29 ـ 30.
(2/102)
وقال القاسم عليه السلام: إن كان واجداً لثمنه فعليه أن يشتريه
لأنه واجد له لوجوده لثمنه لقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء
فتيمموا}(1) فهو واجد له في اللغة لوجوده لثمنه، إلا أن يكون في
دفعه للثمن إجحاف بنفسه وتعرض للعطب والتلف فيكون له حينئذ ألا
يشتريه وأن يتيمم.
وروى داود عن القاسم عليه السلام أنه قال: وإن غلا الماء على
المسافر فأفرط في الغلا أجزاه التيمم.
قال محمد: فإن أبى صاحب الماء أن يبيعه إلا بعامة نفقته فقد رخص له
في أن يتيمم(2) ويحبس نفقته على نفسه فإن أبى أن يبيعه تيمم وصلى
وليس له أن يغلبه عليه إلا أن يخاف على نفسه العطش ويأبى أن يسقيه
أو يبيعه يقال: فله أن يغلبه عليه ويضمن له القيمة مالم يكن في ذلك
تلف نفس.
مسألة: إذا كان معه من الماء مايوضي به بعض أعضائه
حكى أبو الحسين عن القاسم عليه السلام أنه قال: لو لم يجد إلا ماء
يسيراً لايكفي إلا الوجه واليدين فإنه يغسلهما ولاييممهما ولو لم
يكف إلا الوجه غسله ويمم اليدين دون الوجه.
وقال محمد: إذا لم يكن مع المسافر إلا مايكفي الوجه واليدين
فيغسلهما به وليتيمم(3) تيمم من لم يجد الماء، وإذا كان معه من
الماء مالايكفيه للاستنجاء من الغائط وللوضوء فإنه يستنجي به
ويتيمم وكذلك إن استنجى ووضى بعض أعضائه مثل الوجه أو غيره وبقي من
أعضائه رجل أو أكثر منها فإنه يتيمم لما بقي كتيمم من لم يجد
الماء.
وعلى قول محمد في هذه المسألة: إذا كان المسافر محدثاً وفي ثوبه
نجاسة ومعه من الماء مايكفي أحدهما فإنه يغسل النجاسة ويتيمم وإن
توضأ وصلى أجزاه وهو مسيء، وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه.
مسألة: فيمن ببعض أعضائه علة لايمكنه غسله أو خشي على نفسه من
الغسل العنت من علة أو برد
__________
(1) ـ المائدة: 6.
(2) ـ في (ج): رخص في أن يتيمم.
(3) ـ في (ج): ويتيمم.
(2/103)
قال القاسم، والحسن ـ فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ:
وإذا خاف المريض أو المجدور أو من به قروح على نفسه من الغسل أو
الوضوء التلف أو العنت تيمم وأجزاه ذلك.
قال القاسم: وإن كان بعضو من أعضائه علة لايمكنه أن يصيب العضو
العليل بالماء غسل جميع أعضاء الوضوء سوى العضو الذي به العلة
وليست علة هذا العضو مما يزيل الطهارة عن أعضاء الوضوء الباقية.
وقال محمد: إذا كان الجدري والقروح في مواضع الوضوء تيمم وأجزاه
ذلك، وإن كان في بعض أعضاء الوضوء(1) ليست فيه علة مثل ذراعيه أو
رجليه غسل من ذلك مايمكنه غسله ثم تيمم لما بقي يعني إذا لم يمكنه
المسح عليه بالماء.
قال: وكذلك إن كان بهذه الحال وأصابه جنابة غسل من جسده مايمكنه
غسله وتيمم لما بقي. يعني: لو لم يمكن(2) المسح عليه بالماء.
وقال محمد: وإذا كان الجنب والحائض مسافرين فخافا على أنفسهما من
الغسل العنت فقد رخص لهما في التيمم وإن توكلا واغتسلا جاز لهما
والفضل في أن يتوكلا ويغتسلا. ذكر عن محمد بن علي عليه السلام فيمن
اغتسل من جنابة فأصابه البرد فمات فإنه شهيد، وذلك عندنا إذا لم
يخف على نفسه من الغسل العنت ورجا السلامة.
وروى بإسناد أن عمر قال: يارسول الله أصابتني جنابة فخشيت على نفسي
البرد فتيممت وصليت. فقال له: أصبت.
وينبغي على قول محمد أن يكون المقيم والمسافر في ذلك سواء، إذا خاف
على نفسه من البرد أجزاه التيمم إذا لم يجد الإدفا(3).
قال محمد: وإذا كان المسافر في فر فاغتسل من جنابة وصلى ثم رأى
موضعاً من جسده لم يصبه الماء فليغسل ذلك الموضع ويعيد الصلاة فإن
لم يجد ماء فأصاب في لحيته أو رأسه بللا أجزاه أن يمسح به ذلك
الموضع. كذلك ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن لم يمكنه
شيء من ذلك تيمم وأعاد الصلاة.
__________
(1) ـ في (ب، ج): وإن كان بعض أعضاء الوضوء.
(2) ـ في (ب، ج): يعني إن لم يمكن.
(3) ـ في (ب، ج): الدفا.
(2/104)
وقال محمد ـ فيما حدثنا محمد بن عبدالله الجعفي، عن ابن عمرو،
عنه ـ فيمن به جرح أو كسر فأحدث أو أجنب فلم يستطع الوضوء أو
الغسل، قال: يغسل ما يمكنه غسله من موضع الوضوء أو من جسده ويمسح
مالايمكنه غسله فإن لم يمكنه المسح غسل مايقدر على غسله وتيمم لما
بقي.
قال الحسن(1): ولم يعتبر محمد مواضع القروح هل هي أكثر من مواضع
الصحة أو أقل وذلك عنده سواء يغسل ما يمكنه غسله ويمسح مالايمكن
غسله فإن لم يمكن المسح عليه غسل مايمكن غسله وتيمم لما بقي.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان بأكثر مواضع الوضوء جراح تيمم وإن
كان بالأقل توضأ ومسح على ذلك.
قال محمد: ومن أجهده المرض فخاف من الغسل العنت فإنه يتيمم. وعلى
قول محمد إذا كان بساعده جرح لايقدر على غسله مسحه ويغسل يده
وماكان معصوباً مسحه.
مسألة: إذا هرب من عدو فأدركته الصلاة فخاف إن توضأ أن يدرك(2)
قال القاسم عليه السلام: ومن خاف على نفسه سلطاناً أو لصوصاً أو
سبعاً أو برداً إن هو تطهر بالماء فعليه أن يتيمم بالصعيد ومحرم(3)
عليه في جميع ذلك كله أن يعرض نفسه للتلف والعطب.
وقال محمد: المسافر إذا طلبه عدو أو سبع فهرب منه وبحضرته ماء في
حال الهرب منه فإنه يتيمم ويصلي يومي إيماء في حال الهرب راكباً
كان أو راجلا مقبلا إلى القبلة ومدبراً عنها {فأينما تولوا فثم وجه
الله}(4) ويجزيه في هذه الحالة ضربة واحدة لوجهه وكفيه.
مسألة: إذا صلى المتيمم ثم وجد الماء قبل خروج الوقت
قال الحسن، ومحمد: إذا تيمم وصلى ثم وجد الماء قبل خروج الوقت توضأ
وأعاد تلك الصلاة.
وقال محمد في وقت آخر: فأحب إلينا أن يعيد الصلاة.
قال الحسن ومحمد: وإن وجد الماء بعد خروج الوقت فلا إعادة عليه.
__________
(1) ـ في (ب، ج) :قال الحسني.
(2) ـ في (ج): يدركه.
(3) ـ في (ج): ويحرم.
(4) ـ البقرة: 115.
(2/105)
قال محمد: بلغنا أن رجلين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم تيمماً وصليا ثم أصابا الماء في وقت فأعاد أحدهما ولم يعد
الآخر ثم أتيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرا ذلك له فقال
للذي لم يعد: أما أنت فقد أجزتك. وقال للذي أعاد: أما أنت فقد ضوعف
لك أجرك مرتين. وإن وجد الماء في وقت لايمكنه أن يتم وضوءه والصلاة
حتى يخرج الوقت أجزته الصلاة الأولى وإن تيمم وصلى ثم وجد الماء
قبل أن يرفع رأسه من آخر سجدة انتقض تيممه ولزمه الوضوء والصلاة،
وإن وجد يعني في آخر الوقت قبل أن يتم تشهده أو بعد ما قعد مقداراً
يتشهد توضأ وأعاد الصلاة وإن وجده قبل أن يسلم فقد ذكر عن علي عليه
السلام فيمن أحدث في آخر تشهده قبل أن يسلم فصلاته تامة ولا إعادة
عليه قال: وأحب إلينا أن يتوضأ ويعيد الصلاة.
قال: والماء إذا رآه المتيمم بمنزلة الحدث ومن قال تحليلها التسليم
لزمه الإعادة وهو في الحالين(1) جميعاً إذا أمكنه أن يتوضى حتى عدم
الماء فعليه أن يحدث تيممه(2) لأن من قوله أن المتيمم إذا وجد
الماء انتقض وضوءه وأن رؤيته للماء بمنزلة الحدث.
مسألة: إذا تيمم وصلى ثم ذكر أن معه ماء
قال محمد: إذا كان مع المسافر ماء فنسيه أو طلبه فلم يجده(3) فتيمم
وصلى، ثم وجد الماء قبل خروج الوقت فليتوضأ ويعيد الصلاة.
وقال محمد في موضع آخر: يستحب له ذلك وإن وجد الماء في وقت لايمكنه
أن يستتم الطهور والصلاة حتى يخرج الوقت أجزته الصلاة الأولى، وإن
وجد الماء بعد خروج الوقت فلا إعادة عليه.
وقال بعضهم: يتوضأ ويعيد الصلاة.
وروى علي بن حسن المقري، وابن عامر، عن محمد أنه قال: إن ذكر(4)
بعد خروج الوقت أن معه ماء توضأ وأعاد الصلاة. أخبرنا بذلك محمد بن
جعفر، عن ابن عامر، عنه.
مسألة: إذا بقي في وجه المتيمم موضع لم يصبه التراب
__________
(1) ـ في (ج): الإعادة في الحالين.
(2) ـ في (ب، ج): يحدث تيمماً.
(3) ـ في (ب): فلم يجد.
(4) ـ في (ج): إذا ذكر.
(2/106)
قال محمد: إذا تيمم الرجل وترك بعض وجهه لم ييممه ناسياً أو لم
يمر يده عليه حتى صلى أعاد التيمم والصلاة، وإن نسي أن ييمم بعض
ذراعيه حتى صلى فإن أعاد فحسن، وإن لم يعد فقد قال به كثير من
العلماء.
مسألة: إذا أحدث المتيمم في الصلاة
قال محمد: إذا أحدث المتيمم في صلاة حدثاً ينقض وضوءه تيمم وبنى
على صلاته، وإن أحدث حدثاً ينقض طهوره وصلاته تيمم واستقبل الصلاة،
وإن أحدث حدثاً ينقض الصلاة ولاينقض وضوءه استقبل الصلاة بلاتيمم.
مسألة: المسافر ينجس بدنه وثيابه هل يتيمم ويصلي
قال محمد: إذا أصاب جسد الرجل من البول قبل أن يتيمم أقل من مقدار
الدرهم مسح ما أصابه ثم تيمم وصلى، وإن كان أكثر من مقدار الدرهم
انتظر بالصلاة وجود الماء.
وقال في وقت آخر: يتيمم ويصلي فإذا وجد الماء توضأ وأعاد الصلاة.
قال: ولو أن مبطوناً في سفر نجس جسده وثيابه ولم يمكنه من يطهره
تيمم وصلى فإذا أصاب الماء تطهر وطهر ثيابه وأعاد ما صلى على تلك
الحال.
وقال بعضهم: لايصلي حتى يطهر جسده من النجاة ثم يقضي ماترك من
الصلوات، فإن نجست ثيابه وجسده طاهر ولم يمكنه تطهير ثيابه ولاثوب
طاهر يصلي فيه صلى في ثيابه فإذا أصاب الماء طهرها وأعاد ماصلى
فيه.
وقال أبو حنيفة: يخلع ثيابه النجسة ويصلي قاعداً يومي إيماء. وإذا
تيمم ثم أصاب بعض جسده بول أو غيره مما ينجسه فليس عليه إعادة
التيمم ولكن يمسح ذلك النجس.
مسألة: مسافران مات أحدهما وأجنب الآخر وليس معه من الماء إلا
مايجزي أحدهما
(2/107)
قال محمد: إذا كان رجلان في سفر ولاماء معهما فمات أحدهما وأجنب
الآخر ثم أصاب ماء قدر مايجزي أحدهما فإن كان للحي اغتسل به، وإن
كان للميت غسله به إلا أن يكون موته شهادة لايجب غسله فليغتسل به
الحي ويضمن قيمته لورثة الميت، وإن كان الماء بينهما فإن كان يجزي
كل واحد منهما حصته اغتسل الحي بحصته وغسل الميت بحصته، وإن كان
إنما يجزي أحدهما اغتسل به الجنب وضمن قيمة حصة الميت، وإن شاء غسل
به الميت وتيمم هو، وإن شاء توضى بحصته وتيمم لما بقي وفعل بالميت
مثل ذلك.
مسألة: هل لعادم الماء أن يجامع امرأته
قال محمد: وإذا كان رجل وامرأته في سفر ولاماء معهما فلابأس أن
يجامعها ويتيمم.
وروى حديث أبي ذر قلت: يارسول الله أصبت أهلي ولا أقدر على الماء.
قال: أصب أهلك ولو لم تجد الماء عشر سنين، فإن التراب كافيك.
140 ـ مسألة: إذا طهرت الحائض في السفر فلم تجد ماء تيممت وصلت وحل
لزوجها إتيانها إذا تيممت والتيمم مع عدم الماء بمنزلة الماء حتى
تجد الماء، وله أن يطأها مراراً بتيممها الأول لأن الوطي إنما ينقض
الطهور بمنزلة الجنابة وليس ينقض الحيض، فإن كان معها ماء نجس نحو
سؤر الكلب تيممت ولاتغتسل به، فإن جهلت فاغتسلت به لم تطهر
ولاينبغي لزوجها أن يطأها حتى تيمم بعد الغسل من الماء النجس فإن
هو وطيها قبل أن تيمم جهلاً منهما فلاشيء عليهما غير الاستغفار،
وإن كانت صلت بذلك الغسل صلاة أو صلوات اغتسلت بماء طاهر وأعادت
ماصلت فإن لم تجد ماء تيممت لكل صلاة وقضت ماصلت بذلك الغسل.
مسألة: دخول الجنب والحائض المسجد
(2/108)
قال محمد: ولايدخل المسجد جنب ولاحائض ولانفساء ولابأس أن يأخذ
الجنب والحائض الشيء من المسجد أو يضعه فيه مالم يدخله، وإذا أجنب
في المسجد رجل أو حاضت فيه امرأة فليخرجا بعد تيمم لقوله تعالى:
{ولاجنباً إلا عابري سبيل}(1)، وإذا احتاج الجنب والحائض إلى دخول
المسجد ولم يجدا من ذلك بداً فيستحب للجنب أن يتمم قبل دخوله وأما
الحائض فتدخل بلاتيمم إن كانت في اتصال الدم لأن تيممها في هذه
الحال وتركها التيمم سواء، وإذا كان دمها قد انقطع ووجب عليها الغل
تيممت لأن تيممها في هذه الحال تقوم مقام الغسل لدخول المسجد.
مسألة: إذا نسي الحاضر أنه أجنب حتى سافر
قال محمد: إذا أجنب رجل في الحضر فنسي الجنابة فلم يذكرها حتى سافر
قضى ماكان صلى في الحضر صلاة حضر وأعاد من صلاة السر ماكان صلى
بوضوء ولم يعد ماكان صلى بتيمم لأن التيمم في ذلك الوقت بمنزلة
الغسل، فإن كان فيما صلى في الحضر صلاة جمعة أعادها أربعاً.
مسألة:
قال محمد: وإذا أجنب في السفر فنسي الجنابة حتى صلى صلوات ثم ذكرها
في وقت عدمه الماء تيمم وقضى تلك الصلوات يتيمم لكل صلاة منها، وإن
صلاهن بتيمم واحد فقد رخص فيه قوم.
مسألة: إذا اضطر المسافر إلى الوضوء بماء قد وقع فيه نجس أو إلى
سؤر الحمار أو الفأر(2)
قال محمد: وإذا كان مع المسافر ماء قدر مايكفيه لوضوئه فأصابه نجس
مما لايختلف الناس فيه أنه لايجوز الوضوء به نحو أن يصيبه بول أو
دم أو خمر أو يلغ فيه كلب فإنه يتيمم ويصلي ولايضره إلا يهريقه
ويتمم وإن أصابه مايختلف الناس فيه فإنه يهريقه ويتيمم(3) إلا أن
يخاف على نفسه العطش فيحبسه على نفسه ويتيمم.
قال محمد في (المجموع): وإذا اضطر المسافر إلى الوضوء أو الغسل من
سؤر حمار أو بغل توضأ به ويجزيه.
__________
(1) ـ النساء: 43.
(2) ـ في (ب، ج): إلى سؤر الحمار والفأر.
(3) ـ وكذا في (ج)، وفي (ب) بحذفها، وهو الصواب.
(2/109)
وقال في (الطهارة): وقد قيل يغتسل به ويتيمم فإذا أصاب الماء
اغتسل ويجزيه ماصلى بالتيمم وكذلك الحائض، وإذا اضطر المسافر إلى
سؤر الفأرة والجرذ والوزغ والعظا وابن عرس ونحوه، وإلى الوضوء بماء
وقعت فيه فأرة أو وزغ أو عظاية، أو نحو ذلك ثم خرج حياً أو وقع فيه
بزاق فتفشى فيه فليتوضأ به ويجزيه إن شاء الله.
وقال في وقت آخر: ويستحب له أن يتيمم احتياطاً وليس بواجب وإن ذرق
في الإناء طائر يؤكل لحمه أو لايؤكل لحمه فليقذفه ويتوضأ وإن تفشى
فلم يمكن أخذه فليتوضأ ولايضره إن شاء الله تعالى.
أبواب الحيض
مسألة: أقل غايات الحيض وأكثر نهاياته
قال أحمد بن عيسى، والحسن بن يحيى، ومحمد: أقل الحيض ثلاثة أيام
وأكثره عشرة أيام، فإن زادت على العشر فهي مستحاضة توضأ لكل صلاة
وتصوم وتصلي.
قال محمد: سمعنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن علي صلى
الله عليه، وعن محمد بن علي، وزيد بن علي عليهم السلام، وعبدالله
بن مسعود، وأنس بن مالك، وعثمان بن العاص: إن أكثر الحيض عشرة
أيام.
وروى بإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أقل الحيض
ثلاث وأكثر مايكون عشرة أيام.
قال الحسن عليه السلام: فإن رأت الدم في وقت حيضها يوماً أو يومين
تركت الصلاة فإن أكملت ثلاثاً فهو حيض ولم تعد الصلاة التي تركت،
وإن لم تتم ثلاثاً فليس بحيض وأعادت الصلاة التي تركت وإن كان ذلك
في غير وقت حيضها توضأت لكل صلاة وصلت.
قال الحسن ومحمد: فإن كانت امرأة لها عادة تقعد فوق العشر مابينها
وبين خمسة عشر يوماً فهو حيض.
قال الحسن عليه السلام: وذلك قليل.
قال محمد: وعلى هذا تقضي العدة فإن استمر بها الدم بعد انقضاء
وقتها المعروف فهي مستحاضة، وإذا كان عادة المرأة أن تقعد في حيضها
أحد عشر يوماً أو فوق ذلك إلى الخمسة عشر يوماً فقد اختلف في هذا.
(2/110)
قيل: أكثر الحيض عشرة أيام ومازاد على العشر فليس بحيض. وقيل:
أكثر الحيض خمسة عشر يوماً فقد أجمعوا أن العشرة الأيام إذا رأت
الدم فيهن جميعاً أنه حيض لاشك فيه، واختلفوا فيما بعد العشرة إلى
الخمسة عشر فإذا جاز الخمسة عشر فلا أعلم فيه اختلافاً أنه ليس
بحيض.
وينبغي لمن ابتلى بشيء من هذا أن يحتاط فيه لنفسه ودينه.
قال الحسن ومحمد: فإذا قعدت المرأة في حيضها عشرة أيام ثم استمر
بها الدم اغتسلت عند انقضاء(1) العشرة الأيام.
قال الحسن عليه السلام: وهي خمسون صلاة.
قال محمد: تفعل ذلك لموضع الخلاف.
قال الحسن ومحمد: ثم يحتاط فيما زاد على العشرة وتوضأ لكل صلاة
وتصلي وتصوم إن وافقت شهر رمضان وتقضيه وإن كان عليها أيام من شهر
رمضان لم تقضها في الزيادة على العشرة وتمسك زوجها عن جماعها في
الأيام الزائدة على العشر خمساً كانت أو دونها ثم تغتسل عند انقضاء
الزيادة كما تغتسل الحائض إذا طهرت.
قال محمد: لموضع الخلاف. قال: وإن كانت تقضي عدة من زوجها فتعتد في
حيضها بالعشر ولاينبغي أن يتزوج إلا بالخمسة عشر.
وقال القاسم عليه السلام: أكثر الحيض تعتبر فيه المرأة عادتها،
وماعرف توجربت من نفسها فإن لم يكن لها عادة لم تكن حاضت قط فنفست
واستحيضت اعتبرت أكثر قدر عادة نسائها ولانوقت فيه وقتاً معلوماً
كما وقت غيرنا لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أفتى فاطمة
بنت أبي حبيش أن تقعد أيام أقرائها ولم يوقت لها وقتاً، والقياس في
هذا لايمكن إلا أن يقتحم مقتحم فيقول فيه برأيه.
مسألة: أقل الطهر بين الحيضتين وأكثره
قال محمد: أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يوماً وأكثره لا حد له،
وإذا كانت ممن تحيض فطلقت فعدتها بالحيض مابينها وبين أن تستكمل
ستين سنة منذ يوم ولدت ثم تعتد بعد الستين بالشهور تفعل هذا في
الطلاق وغيره.
__________
(1) ـ في (ب): بعد انقضاء.
(2/111)
قال محمد: ومن قال أكثر الحيض خمسة عشر يوماً قال بكون حيضة
وطهر في شهر. ومن قال أكثر الحيض عشرة أيام قال الطهر عشرون يوماً
فتكون حيضة وطهر في شهر، وهذا على أكثر ما يعرف الناس ويدور بينهم.
وأقل ماتنقضي فيه العدة ويقبل قولها فيه تسعة وثلاثون يوماً تحيض
ثلاثة أيام وتطهر خمس عشر يوماً، ثم تحيض ثلاثة أيام وتطهر خمسة
عشر يوماً، ثم تحيض ثلاثة أيام.
وقد ذكر عن شريح أن امرأة أقرت عنده أن عدتها انقضت في شهر. فقال:
إن أتت بشهود عدول من أهلها فشهدوا أنهم كانوا يرونها في وقت ذلك
تطهر وتصلي قبلت قولها. فقال له علي صلى الله عليه: قالون.
بالرومية، أي: أصبت.
مسألة: أقل ماتحيض له المرأة من السنين، وحد الإياس من المحيض
قال محمد: إذا رأت الصبية الدم ولها ثماني سنين أو دونها فيقال له
علة وليس بحيض، وإذا رأته ولها تسع سنين ولم تكن رأته قبل ذلك
فيستحب لها في أول يوم تراه أن توضأ وتصلي وتصوم وتوقى مايتوقها
الحائض إلى وقت زوال الشمس من اليوم الثالث فإن انقطع قبل الزوال
فليس بحيض واعتدت بصلاتها وصيامها، وإن مضى أكثر النهار وهي ترى
الدم فهو حيض وقضت صيامها فيه ولم تضرها صلاتها، وحكمها حكم الحائض
تقعد كما تقعد الحائض الكبيرة، وإن طلقها زوجها فعدتها بالحيض
مابينها وبين أن تستكمل ستين سنة منذ يوم ولدت ثم تعتد بعد الستين
بالشهور فيما تحتاج إليه من طلاق أو غيره.
وقد ذكر عن عائشة أنها قالت مابينها وبين خمسين سنة.
قال محمد: فإذا بلغت ستين سنة فقد يئست عندنا من المحيض والموئسة
إذا رأت الدم بعد الستين فليس بحيض، وتوضأ لكل صلاة، فإن انقطع
الدم عنها فإن اغتسلت فحسن، وإن توضأت أجزأها. وقد زعم بعض أهل
الرأي حسن بن زياد وغيره أنها آيسة إذا يئست فلم تر شيئاً. يقولون:
فإذا رأت الدم مستقيماً على حسب ماكانت تراه فيما مضى فهي حائض
وسبيلها سبيل الجارية إذا رأت ذلك.
(2/112)
قال محمد: ولايعرف أحداً قال بهذا القول من أصحاب النبي صلى
الله عليه وآله وسلم ولامن آل رسول الله عليهم السلام ولا من أصحاب
الحديث.
مسألة: إذا رأت الدم في أيام حيضها متفرقاً
قال محمد: إذا كانت المرأة تجلس في حيضها عشرة أيام فرأت الدم في
أول يوم العشرة ثم انقطع عنها ورأت البياض خالصاً فإنها تغتسل
وتصلي وتصوم ويتوقاها زوجها مابينه وبين أن تكمل عشرة أيام، فإن
عاودها الدم في أول اليوم الرابع أو الخامس أو السادس فإنها تقعد
عن الصلاة كما قعدت أولاً فإن انقطع عنها الدم في اليوم الثامن
اغتسلت وصلت فإن عاودها الدم في اليوم التاسع أو العاشر قعدت أيضاً
عن الصلاة، وكانت العشرة كلها حيضاً ولم تضرها صلاتها وصيامها فيما
بين كل دمين ولاتعتد بصيامها، وكان زوجها قد فعل ماعليه. وإذا كانت
املرأة تقعد في حيضها عشرة أيام فقعدت فيها ثلاثة أيام متصلة أو
متفرقة، ثم رأت الدم في اليوم التاسع أو العاشر فالعشر كلها حيض
وكذلك إن رأت الدم في أول يوم من العشر ثم انقطع عنها ثم رات في
اليوم الخامس أو السادس صفرة أو كدرة أو حمرة فاستمر بها إلى العشر
فالعشر كلها حيض.
وقال أبو يوسف: لاتكون الكدرة في أيام الحيض حيضاً إلا أن ترى
قبلها دماً.
مسألة: إذا قعدت الحائض أيامها المعروفة ورأت الطهر ثم عاودها الدم
في العشر
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ وسئل عن امرأة حاضت
يومين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة ثم طهرت يومين ثم حاضت كيف تصنع
في طهرها بين الحيضتين أتصل أم لا؟ فقال: تصلي صلاتها إذا باب
طهرها ونقيت من دم حيضها.
(2/113)
وقال محمد: إذا كانت عادة المرأة أن تقعد في حيضها ثلاثة أيام
أو أكثر من ذلك إلى مادون عشرة أيام لا تعرف غيرها فمتى انقطع الدم
عنها ورأت البياض خالصاً اغتسلت وصلت وصامت وأتاها زوجها فإن رأت
الدم بعد طهرها بيوم أو أكثر إلا أنها دون العشرة توضأت لكل صلاة،
وصلت وصامت إن وافقت رمضان، وإن كان عليها دين من شهر رمضان فلا
تقضه في هذا اليوم وتوقى دخول المسجد ويتوقاها زوجها إلى كمال
العشرة، فإذا كملت العشرة ـ يعني ثم انقطع الدم(1) ـ واغتسلت وكانت
طاهراً إلى الحيضة المقبلة، فإن قعدت في الحيضة المقبلة كما قعدت
في الحيضة التي(2) قبلها علمنا أن الأيام التي كانت زادت على
عادتها كانت........ استحاضة واعتدت بصلاتها وصيامها في تلك
الزيادة التي زادت على حيضتها الأولى.
قال الحسني: ولم يصرح محمد بقدر العادة في عدد الحيض إلا أن في هذه
المسألة إشارة إلى أن العادة يجوز أن تكون بمرتين فعلى هذا إذا رأت
المرأة شهرين خمسة أيام دماً في أول كل شهر منها وباقي كل الشهر
طهر ثبت ذلك عادتها، فإذا رأت الدم في الشهر الثالث واستمر بها
الدم شهوراً فأيام حيضها خمس من أول كل شهر وخمس وعشرون طهر فينبغي
أن تغتسل بعد مضي خمسة أيام وتتوضأ بعد ذلك لكل صلاة وتصلي فإن رأت
بعد ذلك شهرين في أول كل شهر منهما ستة أيام دماً وطهرت باقي الشهر
صارت عادتها ستة أيام فإن استمر بها الدم بعد ذلك شهوراً فأيامها
في الحيض ستة أيام ولو رأت شهراً واحداً ستة أيام ثم استمر بها
الدم في الشهر الثاني فأيامها خمسة عادتها الأولى، ولاتكون ستة لأن
الستة إنما رأتها مرة واحدة وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه.
مسألة: الحائض تزداد أيام دمها على أيامها التي كانت لها
__________
(1) ـ يعني ثم انقطع الدم. زيادة من (ج)، وفي هامش (ب).
(2) ـ في (ب، ج): الذي.
(2/114)
قال محمد: إذا كانت عادة المرأة أن تحيض في كل شهر ثلاثة أيام
ثم حاضت في شهر بعد ذلك عشرة أيام فإن الحيض قد ينتقل، فإذا حاضت
ثلاثة أيام قعدت ثلاثة أيام، وإذا حاضت عشرة أيام قعدت عشرة أيام،
فإن استمر بها الدم بعد العشر فإنها ـ يعني فيما زاد على أيام
أقرائها ـ مستحاضة.
مسألة: الحائض يستمر بها الدم وقد كان لحيضها أيام معروفة
قال القاسم، ومحمد في المستحاضة يستمر بها الدم شهرين أو سنة، وقد
كان لحيضها أيام معروفة خمس أو سبع(1) أو نحو ذلك، قالا: تقعد عن
الصلاة أيام أقرائها.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
<المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي وتوضأ عند كل
صلاة>.
قال محمد: فإن كان وقتها المعروف يختلف عليها ربما كان في أول
الشهر، وربما كان في آخره، اعتبرت في آخر حيضة قعدتها من الشهر
فتقعد في مثل وقتها.
مسألة: الحائض يستمر بها الدم وقد كانت تحيض حيضاً متفاوتاً
قال محمد: والمستحاضة إذا استمر بها الدم سنة أو أقل أو أكثر،
وكانت تحيض حيضاً مختلفاً ربما قعدت سبعاً وربما قعدت عشراً فإنها
تأخذ في صلاتها وصيامها وفي عدتها من الطلاق بأقل ماكانت تقعد
وتأخذ في الأزواج بأكثر ماكانت تقعد وتفسير ذلك أن تقعد سبعاً في
وقتها ثم تغتسل وتحتاط في الثلاثة الأيام الأخر فتوضأ فيها لكل
صلاة وتصلي ويجتنبها زوجها وإن كان عليها صوم فلاتقضيه فيها. وإن
وافقت رمضان صامت هذه الثلاثة الأيام ثم قضتها، وإن كانت تقضي عدة
من طلاق بانت منه بالأقل ولاتروح إلا بالأكثر، وتوقى في هذه
الثلاثة الأيام ماتوقى في العدة من الطيب وغيره، ثم تغتسل عند
انقضاء الثلاثة الأيام.
وروى بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام في المرأة يطول حيضها.
__________
(1) ـ في (ب): أو ستة.
(2/115)
قال: إاذ جاءت حيضتها فلتدع الصلاة إلى أقصى ماكانت تجلس فإنها
تنقص وتزيد ثم تغتسل وتصلي. ثم قال: لقد عذبتموها إن اغتسلت بين كل
صلاتين غسلا يجزيها الغسل الأول وتوضأ عند كل صلاة.
مسألة: البكر يستمر بها الدم أول ماتراه
قال القاسم عليه السلام: وإن كان المستحاضة لم تحض قط قعدت أكثر
عادة نسائها.
قال الحسني: قال أبو حنيفة وأصحابه: تقعد عشرة أيام.
قال محمد: حثدنا عبادة، عن عمرو بن ثابت، عن عبدالله بن محمد، عن
إبراهيم بن محمد، عن عمه عمران بن طلحة، عن حمنة بنت جحش، قالت:
قلت يارسول الله إني أستحاض حيضة شديدة كثيرة قد منعتني الصلاة
والصوم فما ترى فيها؟ قال: إني أنعت لك الكرسف(1) فإنه يذهب الدم.
قلت: إنه أكثر من ذلك. قال: فالتجمي(2). قلت: هو أكثر من ذلك. قال:
فاتخذي ثوباً. قلت: هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجاً(3). قال: سآمرك
بأمرين أيهما فعلت أجزاك من الآخر، فإن قويت عليه فأنت أعلم إنما
هي ركضة من الشيطان فتحايضي ستة أيام أو سبعة في علم الله ثم
اغتسلي فإذا رأيت أنك قد طهرت واستيقنت فصلي أربعاً وعشرين ليلة
وأيامه أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن ذلك يجزيك، وكذلك
فافعلي في كل شهر كما تحيض الحائض، وكما تطهر، فإن قويت على أن
تؤخري الظهر وتعجلي العصر وتغتسلي حتى تطهري وتصلي الظهر والعصر
جميعاً وتؤخري المغرب وتعجلي العشاء ثم تغتسلي وتجمعي بينهما
فافعلي، وتغتسلي مع الفجر، ثم كذلك فافعلي صلي وصومي إن قويت على
ذلك. قلت: يانبي الله هذا أعجب الأمرين إلي.
مسألة: الحائض يستمر بها الدم وقد كان لحيضها أيام معروفة فنسيت
عددها أو الوت الذي كانت تحيض فيه من الشهر
__________
(1) ـ الكرسف: القطن.
(2) ـ التجمت وتلجمت: شدت اللجام، وهو خرقة تشدها الحائض في وسطها.
(3) ـ ثجاً: أي يسيل مني سيلاناً كثيراً.
(2/116)
قال الحسن ومحمد، في المرأة تستحاض فيشتبه عليها دم الحيض من دم
الاستحاضة: بلغنا عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: دم الحيض
حار ودم الاستحاضة بارد.
قال محمد: ويذكر أن دم الحيض أشد سواداً وأشد نتناً من دم
الاستحاضة.
مسألة: الصفرة والكدرة في أيام الحيض
قال القاسم عليه السلام ومحمد: إذا رأت المرأة الصفرة أو الكدرة في
أيام الحيض فهو حيض حكمه حكم الدم.
قال محمد: إن كانت رأت قبل ذلك دماً.
قال القاسم ومحمد: وإن رأت صفرة أو كدرة في غير أيام الحيض فليس
بحيض ولكنه استحاضة.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا محمد، عن ابن عامر، عنه، قال ـ: لاتكون
الصفرة بعد الدم طهراً حتى يكون البياض خالصاً.
مسألة: هل يكون حيض وحمل
قال أحمد، والقاسم، والحسن، ومحمد: لايكون حيض مع حمل فإذا رأت
الحامل الدم فهو بمنزلة الاستحاضة.
قال الحسن، ومحمد: وتوضأ لكل صلاة وتصلي ما رات الدم.
قال الحسن: وسواء كان الدم أحمر أو أصفر فإنها لاتترك الصلاة وأحب
لها أن تغتسل عند انقطاع الدم إن كان أحمر، وإن كان أصفر فلاتغتسل
منه.
وقد أخبر الله عز وجل أن العدة من أربعة أوجه، ولو كان من غيرها
لبينة فقال: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}(1)، وقال:
{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}(2)، وقال: {واللائي يئسن من
المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم
يحضن}(3).
مسألة: هل المستحاضة بمنزلة الطاهر إلا أنها توضأ لكل صلاة
قال أحمد، والقاسم، والحسن، ومحمد: المستحاضة توضأ لكل صلاة وتصلي
وتصوم، ويأتيها زوجها.
قال الحسني: قولهم أنها توضأ لكل صلاة إذا كان الدم سائلا في حال
وضوئها أو بعد وضوئها فإن كان لم يسل في حال وضوئها ولابعده حتى
حضرت الصلاة الأخرى فلا وضوء عليها، وإن أحدثت بعد وضوئها حدثاً
غير ذلك كائناً ماكان وجب عليها إعادة الوضوء.
__________
(1) ـ الطلاق: 4.
(2) ـ البقرة: 228.
(3) ـ الطلاق: 4.
(2/117)
قال محمد: عرضت على أحمد بن عيسى هذه المسائل وجوابها فاعجبته.
قلت: المستحاضة هل تطوف بالبيت؟
قال: هي بمنزلة الطاهر في جميع أمورها كلها من الصوم والصلاة
والقراءة في المصحف والطواف بالبيت وإتيان زوجها إياها، وغير ذلك،
إلا أنها توضأ لكل صلاة.
قلت: وما المستحاضة؟
قال: هي التي ترى الدم أو الصفرة أو الكدرة أو مثل غسالة اللحم في
غير أيام حيضها. قال: وحد ذلك أن يطهر أو يصير إلى حيث يبلغه الماء
إذا استنجت.
قلت: وإن كان لايرقأ ولاينقطع عنها؟
قال: توضأ وتحتشي بالكرسف.
قلت: فكلما حضرت صلاة ينبغي لها أن تحل الاستذفار وتنزع الكرسف
وتستنجي وتوضأ وضوء الصلاة؟
قال: نعم.
قلت: فإذا توضأت تعيد ذلك الكرسف والاستثفار ثم تصلي؟
قال: إن كان لم يصيب ذلك الكرسف أذى لتعده وإلا فلتحش كرسفاً غيره.
وقال القاسم عليه السلام: المستحاضة تقعد أيام أقرائها، ثم تغتسل
وتوضأ لكل صلاة كما كانت توضأ ويغشاها زوجها وتستنقي من الدم إذا
أراد أن يغشاها فإن عليه الدم فهو كدم جرح أو عرق لو كان بها.
وقال الحسن عليه السلام: والمستحاضة تجمع بين كل صلاتين وتوضأ لكل
صلاة وتحتشي بالقطن وتستثفر بالإزار وتغتسل عند طهرها مرة واحدة.
وقال في موضع آخر: وإن شق عليها الوضوء عند كل صلاة أخرت الظهر إلى
آخر وقتها، وجمعت بين الصلاتين، وأخرت المغرب إلى قريب من وقت
العشاء الآخرة وجمعت، وتوضأ لكل صلاة، قال الله عز وجل: {الله يعلم
ماتحمل كل أنثى وماتغيض الأرحام وماتزداد وكل شيء عنده بمقدار}(1).
__________
(1) ـ الرعد: 8.
(2/118)
وقال محمد: المستحاضة بمنزلة الطاهر في جميع أمرها كله من الصوم
والصلاة، والقراءة في المصحف، والطواف بالبيت، وإتيان زوجها إياها
في موضع الولد إن شاء، ودون ذلك إلا أنها توضأ لكل صلاة.
والمستحاضة هي التي ترى الدم أو الصفرة أو الكدرة أو مثل غسالة
اللحم أو نحو ذلك في غير أيام حيضها وحد ذلك أن يطهر أو يصير إلى
حيث يبلغه الماء إذا استنجت، فإن كان لايرقأ فلتتوضأ ولتحش بالكرسف
وهو القطن وتستثفر وتصلي ـ والاستثفار أن تشد عليها خماراً أو غيره
ـ كما يشد الغلمان التبابنة(1). وينبغي لها كلما حضر وقت صلوات تحل
الاستثفار وتنزع الكرسف وتستنجي وتوضأ وضوء الصلاة وتعيد الكرسف إن
لم يكن أصابه(2) أذى، وإلا كرسفاً غيره، وتشد الاستثفار وتصلي،
وإذا توضأت في أول وقت صلاة ثم أخرت الصلاة إلى آخر وقت فذلك
الوضوء يجزيها.
وعلى قول محمد أيضاً أن ذلك الوضوء يجزيها وإن خرج الوقت لأن مذهبه
أن توضأ لكل صلاة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليها إعادة الوضوء. وإذا كان على المرأة
صلوات نسيتهن أو صلتهن على غير وضوء ثم علمت وهي مستحاضة فإنها
تقضيهن وتوضأ لكل صلاة وضوءاً(3).
قال: والمستحاضة إذا انقطع عنها دم الاستحاضة ورأت البياض خالصاً
فإن اغتسلت فحسن وإلا فالوضوء يجزيها.
__________
(1) ـ التبابنة: جمع تبان، وهي سراويل فوق الركبة.
(2) ـ في (ب، ج): أصابت.
(3) ـ في (ب، ج): وضوءاً لأن الأثر جاء فيها توضأ لكل صلاة وضوءاً.
(2/119)
قال محمد: والمستحاضة هي التي ترى الدم أو الصفرة أو الكدرة أو
نحو ذلك في غير أيام حيضها فينبغي لها أن توضأ لكل ولم يحد محمد في
عدد الأيام حداً فينبغي على قوله أنها إن رأت الدم في غير أيامها
ثلاثة أيام أو أكثر فإنها مستحاضة سواء رأت في أيامها دماً أو لم
تره وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه قالوا: وإن رأت الدم قبل أيامها
ثلاثة أيام أو أكثر ثم رأت مع ذلك في أيامها يوماً أو يمين فهو
استحاضة. وإن رأت قبل أيامها ثلاثاً أو أقر أو أكثر ثم رأت في
أيامها ثلاثاً فصاعداً ولم تجاوز العشر فهو حيض كله ماتقدم أيامها
ومافي أيامها.
وروي عن أبي حنيفة رواية أخرى أن كلما كان قبل أيامها استحاضة إذا
كان ثلاثاً فصاعداً.
مسألة: هل للرجل أن يقرب الحائض فيما دون الفرج أو يباشرها
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ وسئل عن الرجل ينال
من الحائض فيما دون الفرج؟ فقال: ما أحب أن يتقرب منها ولايدنو
منها ولايباشرها في ثوم ولا لحاف لقوله تعالى: {ولاتقربوهن حتى
يطهرن}(1) ومن المقاربة لهن ماحددنا من هذه الأشياء، وإن كانت
عندهم إنما هي الملامسة.
وقال الحسن بن يحيى عليه السلام: وسألت عن الحديث الذي روي: يحل
للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً مادون الإزار. فقد ذهب قوم إلى أن
معنى هذا الحديث عندهم أن المرأة الحائض تشد عليها إزاراً من السرة
إلى الركبة ويكون له مافوق ذلك ومادونه وليس الأمر كما ذهبوا إليه،
وإنما وجه ذلك أن له مادون الإزار والإزار عندنا أن يشد عليها
وتستثفر، والاستثفار أن تشد على الفرج وتلتجم بثوب وله مادون ذلك
من الفخذين وغير ذلك مما فوقه ومادونه، وإنما المحرم عليه موضع
الدم وهو الفرج.
وقال محمد: لايضيق على الرجل من الحائض مادون الإزار إذا توقى موضع
الدم ويحتاط ويتنحى من حيث يخاف أن يصل إلى مايحرم عليه.
وذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الحائض يحل لزوجها مادون
الإزار.
__________
(1) ـ البقرة: 222.
(2/120)
وروى محمد بإسناد عن ابن عباس أن رجلا قال: يارسول الله ملكي
ملكي مالي من امرأتي(1) إذا كانت حائضاً؟ قال: <شد عليها الإزار ثم
شأنك بها>.
مسألة: هل يقرب امراته إذا طهرت قبل أن تغتسل
قال القاسم ومحمد: إذا طهرت الحائض من حيضها وانقطع عنها الدم.
قال محمد: ورأت البياض خالصاً فلا يغشاها حتى تغتسل لقوله سبحانه:
{ولاتقربوهن حتى يطهرن}(2).
قال القاسم عليه السلام: وتأويله حتى يغتسلن.
وقال محمد: تأويله حتى ينقطع الدم {فإذا تطهرن}(3) يقول بالماء
{فأتوهن من حيث أمركم الله}(4) يقول: في القبل فإن جهل أو غلبته
نفسه فأتاها قبل أن تغتسل من حيضها فليستغفر الله ولايعد لمثلها
ولاكفارة عليه ليس هو بمنزلة من أتى الحائض في دمها. وإذا كان تحت
المسلم امرأة ذمية فله أن يجبرها على الغسل من الحيض إذا طهرت وليس
له أن يجبرها على الغسل من الجنابة ولكن يأمرها لأن له أن يطأها
وإن لم تغتسل من الجنابة، وليس له أن يطأها إذا طهرت من حيضها حتى
تغتسل.
مسألة: كفارة من أتى حائضاً
قال القاسم عليه السلام: وإذا جامع امرأة وهي حائض فليس عليه إلا
التوبة وترك العودة، وإن تصدق بصدقة فنافلة حسنة.
وقد ذكر عن ابن عباس يرفعه: ويتصدق بنصف دينار إن صح الحديث.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه ـ وهو قول محمد:
وإذا أتى الرجل امرأته وهي حائض ناسياً أو ذاكراً فإن كانت في أول
الدم فليتصدق بدينار، وإن كانت في آخره قرب النظافة فنصف دينار،
وليتب إلى الله عز وجل ويستغفره من ذنبه مع الصدقة إن كان فعل ذلك
ذاكراً عامداً.
وروى محمد حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيمن
أتى حائضاً إن كان دماً غبيطاً فليتصدق بدينار وإن كان صفرة فنصف
دينار.
__________
(1) ـ .................
(2) ـ البقرة: 222.
(3) ـ البقرة: 222.
(4) ـ البقرة: 222.
(2/121)
وقال محمد ـ فيما حدثنا حسين، عن وليد، عن سعدان، عنه ـ في
امرأة رأت الطهر قبل الأربعين فوطيها زوجها ثم رأت الدم قبل
الأربعين، قال: لايجب عليه كفارة.
قال أحمد الخلال: قال محمد: وإذا وطي امرأته وهي طاهر فحاضت في ذلك
الوقت فيتنحى ولاشيء عليه.
وعن مجاهد أن رجلاً قال لعلي: أتيت امراتي وهي حائض فما كفارة ما
أتيت؟ فقال علي: والله ما أنت بصبور ولاقدور تصدق بدينار واستغفر
الله من ذنبك ولاتعد لمثلها.
مسألة: الحائض تطهر والكافر يسلم قبل مغيب الشمس أو قبل طلوع الفجر
قال أحمد بن عيسى عليه السلام، وهو قول القاسم والحسن ومحمد: إذا
طهرت الحائض قبل مغيب الشمس صلت الظهر والعصر، وإن طهرت قبل الفجر
صلت المغرب والعشاء.
قال أحمد عليه السلام: والذي يجب عليها من ذلك أن تقضي العصر
والعشاء، وإنما تقضي الظهر والمغرب توثقاً.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا حسين، عن زيد، عن احمد، عنه
ـ: روينا عن علي صلى الله عليه أنه قال: إذا طهرت الحائض بالليل
قضت صلاة الليل، وإذا طهرت بالنهار قضت صلاة النهار.
وقال محمد: وإنما يجب عليها ذلك إذا طهرت في وقت يمكنها فيه أن
تغتسل وتصلي الصلاتين قبل خروج الوقت.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا طهرت الحائض قبل خروج الوقت بقليل أو
كثير وأيامها عشرة فعليها صلاة ذلك الوقت وإن كانت أيامها أقل من
عشرة اعتبر الغسل، فإن أمكنها الغسل قبل خروج الوقت قضت الصلاة،
وإن كان الوقت يذهب مع فراغها من الغسل فليس عليها.
وقال القاسم عليه السلام: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس تقدر
مايمكنها أن تصلي خمس ركعات قبل الغروب صلت الظهر والعصر وكذلك
الحكم في كل الصلوات إذا أدركت منها ركعة فقد أدركتها لما روي عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <من أدرك منها ركعة قبل
غروب الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من الفجر ركعة قبل طلوع الشمس فقد
أدركها>.
(2/122)
وقال محمد: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس في وقت يمكنها فيه
أن تغتسل وتصلي الظهر والعصر [فإن لم تغتسل قبل غروب الشمس وجب
عليها أن تغتسل وتصلي الظهر] (1) فإن لم تغتسل بجهل أو شغل حتى
غربت الشمس فلتستغفر الله وتقضيهما قبل صلاة المغرب فإن خافت خروج
وقت المغرب بدأت بالمغرب وخروج وقتها أن يغيب الشفق وكذلك إن طهرت
قبل طلوع الفجر في وقت يمكنها فيه أن تغتسل وتصلي المغرب والعشاء
قبل طلوع الفجر وجب عليها صلاة المغرب والعشاء، وكذلك إن طهرت بعد
طلوع الفجر في وقت يمكنها أن تغتسل وتصلي الفجر قبل طلوع الشمس
وجبت عليها صلاة الفجر، وإذا طهرت قبل غروب الشمس فاغتسلت ولم تفرط
ففرغت ثم غربت الشمس فليس عليها قضاء الظهر والعصر، وإن قضتهما قبل
المغرب فهو احتياط لها وكذلك إن طهرت قبل الفجر فاغتسلت ولم تفرط
فاستتمته ثم طلع الفجر فليس عليها قضاء المغرب والعشاء وكذلك إن
طهرت بعد طلوع الفجر فأخذت في غسلها ولم تفرط فلم تفرغ حتى طلعت
الشمس فلا قضاء عليها، وإن قضتها فحسن، وإن استتمت غسلها قبل
الغروب فخافت إن هي صلت الظهر أن لاتدرك العصر فلتصلي العصر وتدع
الظهر فإن جهلت فصلت الظهر ثم غربت الشمس فلتقض العصر قبل أن تصلي
المغرب لتفريطها.
قال محمد ـ وهو قياس قول أحمد والقاسم والحسن عليهم السلام ـ: إذا
أسلم الذمي بعد العصر فينبغي ان يصلي الظهر والعصر، وإن أسلم قبل
طلوع الفجر أمر بصلاة المغرب والعشاء، وإن أسلم بعد طلوع الفجر
فإنما عليه صلاة الفجر، وإن أسلم بعد طلوع الشمس فليس عليه صلاة
حتى تزول الشمس.
مسألة: إذا دخل على المرأة وقت صلاة فلم تصلها حتى حاضت
قال القاسم عليه السلام في امرأة دخل عليها وقت صلاة فلم تصلها حتى
حاضت، قال: إذا كانت في وقت منها لم يجب عليها قضاؤها لأنها لم
تضيعها إذا كانت في وقت منها، وإن لم تصلها حتى خرج وقتها ثم حاضت
وجب عليها قضاؤها.
__________
(1) ـ مابين المعكوفين زيادة من (ب).
(2/123)
وقال محمد في امرأة دخل عليها وقت صلاة وهي طاهر فلم تصلها حتى
حاضت، قال: إن كانت قد كان يمكنها لو توضأت(1) في أول الوقت أن
تصلها قبل أن تحيض فينبغي أن تبدأ بها فتقضيها إذا طهرت، وهذا على
قول أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام والشعبي وغيرهما، وإن كانت
لايمكنها ذلك لقرب الحيض(2) من دخول الوقت فليس عليها قضاؤها ولا
أعلم في هذا خلافاً.
وقال قوم: إذا حاضت في وقت صلاة فلايلزمها قضاؤها إلا أن تكون
أخرتها إلى وقت لو أرادت أن توضأ فيه وتصلي لم يدركها حتى يخرج
الوقت هذه مفرطة عندهم والقول الأول أحوط، وإذا طلقت(3) الحامل بعد
الزوال فأخرت الصلاة حتى ولدت في ىخر الوقت فيستحب لها إعادتها.
مسألة: مايستحب للمرأة أن تفعله عند توقع طهرها وحيضها
قال محمد: ويستحب للمرأة أن تعاهد وقت طهرها من حيضها فإن توقعت
الطهر بالنهار تعاهدته بالنظر، وإن توقعته بالليل أسرحت وتعاهدته
بقطنة حتى تعرض ذلك وليس ذلك بواجب عليها، وإذا كانت توقع حيضها
قرب الزوال أو قرب المغرب أو قرب الفجر فما أحسن أن توضأ للصلاة
عند ذلك فإذا دخل الوقت بادرت بها ولايجب ذلك عليها ولكنه فضيلة،
ولابأس إذا خافت ذلك في مثل وقت الزوال أن تصلي الظهر والعصر فإن
عوفيت اعادت العصر في وقتها.
مسألة: مايستحب للحائض أن تفعله في اوقات الصلوات
قال أحمد بن عيسى عليه السلام ـ فيما روى محمد بن فرات ووراق بن
منصور، عن محمد، عنه ـ: ويستحب للحائض أن توضأ عند وقت كل صلاة
وتجلس فتسبح لمقدار كل ركعة عشر تسبيحات.
وقال الحسن: ويستحب للحائض في أوقات الصلوات أن توضأ وتجلس في غير
المسجد مستقبلة القبلة وتسبح.
مسألة:
__________
(1) ـ في (ب، ج): يمكنها أن لو توضأت.
(2) ـ في (ب): المحيض.
(3) ـ طلقت: أخذها الطلق وهو وجع الولادة.
(2/124)
قال القاسم عليه السلام: ولاتقضي المرأة صلاتها التي تركت في
أيام حيضها ونفاسها، وإنما تقضي الصوم، لأن الطمث مرض من أمراضها
فتقضي الصوم كما يقضي المريض والمسافر، تصوم عدة ما أفطرت من
الأيام كما قال الله لاشريك له: {ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة
من أيام أخر}(1)، والرجل والمرأة في السفر سواء.
قال محمد: قوله مرض لاوجه له وإنما هذا حكم الله وسنة رسوله(2) أن
الحائض والنفساء يقضيان الصيام ولايقضيان الصلاة. هذا إجماع علماء
آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم(3).
حدثنا علي بن الحسن بن يحيى العلوي وأبو حازم(4) محمد بن علي الوشا
قالا(5): نا أبو تمام عبدالله بن أحمد بن عبيد الأنصاري، قال: نا
سليمان بن القاسم بن إبراهيم الحسني، قال: سألت القاسم عن الحائض
يجب عليها إعادة الصلاة كما يجب عليها إعادة الصوم؟ قال: لا، لم
يوجب الله عليها إعادة الصلاة.
قال محمد: وأجمع علماء أمة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
أن الحائض والنفساء في شهر رمضان مفطرة أكلت أو لم تأكل وعليها
القضاء.
باب النفاس
أكثر غايات النفاس وأقل أوقاته
قال أحمد بن عيسى عليه السلام: تجلس النفساء ثلاثة قروء على قدر
ماكانت تجلس في حيضها.
وقال القاسم عليه السلام ـ فيما أخبرنا علي بن محمد، عن محمد بن
هارون، عن أحمد بن سهل، عن عثمان بن محمد بن حبان، عن عبدالله بن
منصور القومسي، قال ـ: سألت القاسم عن النفساء كم تجلس في نفاسها؟
قال: قد جاء فيها أحاديث أربعون ودون الأربعين، وأحب الأشياء إلي
منه حديثزيد بن علي عليه السلام: ثلاثة قروء.
وقال موسى بن عبدالله، وإسماعيل بن موسى بن جعفر عليهم السلام:
تقعد النفساء ستين يوماً.
__________
(1) ـ البقرة: 185.
(2) ـ في (ب، ج): سنة آل رسوله.
(3) ـ في (ب) وهامش (ج): إجماع علماء أمة محمد. وفي(ج): إجماع آل
محمد.
(4) ـ في (ج): أبو حارثة.
(5) ـ في (ب، ج): قال.
(2/125)
وقال الحسن بن يحيى، ومحمد: الذي نأخذ به أن تجلس النفساء عن
الصلاة أربعين يوماً ثم تغتسل وتصلي إلا أن ترى الطهر قبل ذلك. روى
ذلك عن النبي وعن علي صلوات الله عليهما.
قال الحسن: وروي عن زيد بن علي عليه السلام أنه قال: تجلس النفساء
ثلاثة قروء ثم تغتسل وتصلي فمن أخذ بقول زيد بن علي عليه السلام
ومن تبعه من أهله في الأقراء فإن ذلك عندي جائز له، وقد اقتدى بحجة
تسعه فيما بينه وبين الله عز وجل لن زيد بن علي كان إماماً من أئمة
المسلمين.
قال الحسن ومحمد: فإن استمر بها الدم بعد الأربعين فليغتسل عند
كمال الأربعين وتوضأ لكل صلاة وتصلي.
قال الحسن: فإذا انقطع الدم اغتسلت وتطهرت وصلت وبايتها زوجها إن
شاء.
وقال محمد: هي فيما زاد على الأربعين بمنزلة المستحاضة توضأ لكل
صلاة وتصلي ويأتيها زوجها إن شاء.
قال الحسن(1) أطال الله بقاه: يعني حتى يأتي على وقت طهرها المعتاد
قبل الحمل فإن(2) مضى وقت طهرها جلست مقدار أيامها التي كانت تجلس
قبل الحمل ثم اغتسلت وتوضأت لكل صلاة.
قال محمد: وإذا ولدت الجارية وهي بنت تسع سنين فولادتها إدراكها
وهي بمنزلة الحائض تجلس في نفاسها أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر
قبل ذلك، وسواء كانت حرة أو أمة أو أم ولد أو مدبرة أو مكاتبة أو
ذمية حكمهن جميعاً في هذا واحد. وقد ذكر أن أقل النفاس سبعة أيام.
وقد قيل: تسعة أيام(3) إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فأما عن النبي أو
عن علي أو عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه فلا أعلمهم حدوا في
الأقل حداً.
وقال محمد أيضاً ـ فيما حدثنا الحسين بن محمد، عن محمد بن وليد، عن
سعدان، عنه ـ وسئل عن النفساء كيف تعد الأربعين يوماً؟ فقال: تنظر
إلى اليوم الذي ولدت فيه أي وقت هو فتقعد إلى مثل ذلك اليوم(4) من
اليوم الحادي وأربعين.
__________
(1) ـ في (ب، ج): الحسني.
(2) ـ في (ب، ج): وإذا.
(3) ـ في (ب، ج): وقيل تسعة أيام.
(4) ـ في (ب، ج): الوقت.
(2/126)
مسألة: إذا رأت الطهر قبل الأربعين ثم عاودها الدم في الأربعين
قال محمد: والنفساء إذا رأت الطهر قبل الأربعين اغتسلت وصلت ونحب
لزوجها أن لايقربها حتى تبلغ الأربعين فإن عاودها الدم في الأربعين
فكل ذلك عندنا نفاس. روي نحو ذلك عن أبي حنيفة وسفيان وحسن بن صالح
وقال بعضهم: إن كان الدمين خمسة عشر يوماً أو أكثر فالأول نفاس
والثاني حيض إن كان ثلاثة أيام فصاعداً وإن استمر بها الدم بعد
الأربعين اغتسلت عند كمال الأربعين وكانت فيما زاد على الأربعين
بمنزلة المستحاضة.
وقال الحسني أطال الله بقاه: وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه إذا لم
يكن لها عادة في الولاد قالوا: فإن كان لها عادة ردت إلى أيامها
المعتادة ثم تغتسل بعد أيامها وتصلي.
مسألة: أقل الطهر بعد الأربعين
قال محمد: وأقل الطهر بعد الأربعين خمسة عشر يوماً فإن رأت الدم
بعد الأربعين قبل مضي خمسة عشر يوماً من طهرها لم يكن عندنا حيضاً
هو استحاضة توضأ لكل صلاة فإن رأت الدم بعد مضي خمسة عشر يوماً
فإنها تجلس عن الصلاة كما تجلس الحائض، فإن رأت الدم ثلاثة أيام
فصاعداً فهو حيض، وإن رأت الدم يوماً أو يومين فليس بحيض.
مسألة: إذا أسقطت مضغة مخلقة أو غير مخلقة
قال محمد: وإذا أسقطت المرأة مضغة مخلقة و غير مخلقة بعد أن تعلم
أنه يكون منها ولد فإنها تقعد كما تقعد من الولد التام أربعين
يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك.
وقال بعض العلماء: لايكون نفاساً حتى يكون مضغة ويستتم خلقه. وذكر
أن النطفة تبقى في الرحم أربعين يوماً ثم تكون علقة أربعين يوماً
ثم تكون مضغة أربعين يوماً.
مسألة:
قال محمد: والحامل التي تطلق لاتترك الصلاة حتى ترى الدم على رأس
الولد فإذا رأته تركت الصلاة، وإذا أطلقت فلم يمكنها الوضوء
فيوضيها غيرها وتومي إيماء إن لم تقدر إلا على ذلك، وإن أطلقت في
آخر وقت صلاة فأخرتها حتى ولدت فيستحب لها إعادة تلك الصلاة.
مسألة: إذا ولدت ولداً وبقي في بطنها ولد آخر
(2/127)
قال محمد: وإذا ولدت المرأة ولداً وبقي في بطنها ولد آخر فلتدع
الصلاة بالولد الأول وتقضي العدة بالآخرة. ذكر عن علي صلى الله
عليه أنه قال: تعتد من الآخر من الولدين.
وبلغنا أن امرأة ولدت ولدين بينهما شهر. قال أبو حنيفة وأبو يوسف:
النفاس من الولد الأول.
وقال زفر ومحمد: النفاس من الآخر، ولاتدع الصلاة حتى تلد الآخر.
كتاب الصلاة
باب مواقيت الصلاة
قال أحمد بن عيسى، وعبدالله بن موسى، والقاسم بن إبراهيم، والحسن
بن يحيى، ومحمد بن منصور: أول وقت صلاة الفجر طلوع الفجر.
وروى محمد، عن علي صلى الله عليه، قال: ليس الفجر فجرين إنما الفجر
المعترض.
قال محمد: وآخر وقت صلاة الفجر طلوع الشمس.
وقال القاسم عليه السلام: إن أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس
فقد أدركها، وإن أدرك ركعة من العصر قبل الغروب فقد أدركها، وكذلك
جميع الصلوات إذا أدرك منها ركعة فقد أدركها.
قال أحمد، وعبدالله، والحسن، ومحمد: وأول وقت الظهر حين تزول
الشمس، وآخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثله بعدما تزول عليه الشمس.
قال الحسن، ومحمد: وهو أول وقت العصر.
قال أحمد عليه السلام: ومن صلى الظهر بعد القامة بعد الزوال من غير
علة ولاعذر فإنما يقضي صلاة قد كانت وجبت عليه.
قال أحمد، وعبدالله، وإدريس بن محمد، والحسن، ومحمد: وأول وقت
العصر أن يصير ظل كل شيء مثله بعدما تزول عليه الشمس. وهو قول
القاسم فيما روى القومسي عنه.
وكان أحمد عليه السلام ينكر إنكاراً شديداً قول من يقول: إذا زالت
الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر فاتت منهم في وقت ما لم تغرب الشمس
من غير علة ولاعذر.
وقال محمد ـ فيمن صلى العصر قبل أن يصير ظل كل شيء مثله ـ: أحب إلي
أن يصير إلى القامة، وهو الذي عليه الإجماع، ولاخلاف فيه، وإن صلى
مصلٍّ قبل القامة لم نأمره بالإعادة وذلك أنه قد فعله قوم صالحون
من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم.
(2/128)
حدثنا محمد بن عبدالله، قال: حدثنا سعدان إملاءً من حفظه، قال:
قلت لمحمد بن منصور: بلغني أنك دُعيت لغسل ميت فصليت العصر، وخرجت
فقِست الشمس فلم تكن بلغت القامة فأعدت الصلاة، فترك جوابي. ثم
قال: لئن أصلي العصر بعد القامة بقدمين أحب إلي من أن أصليها قبل
القامة بنصف قدم.
وحدثني علي بن بنان، عن ابن وليد، عن محمد، قال: رأيت أصحابنا
لايصلون حتى تتم القامة بعد الزوال.
وكان أحمد بن عيسى، وعبدالله بن موسى، وأبو الطاهر يشددون في
القامة.
وكان عبيدالله بن علي، ورجل من آل رسول الله صلى الله عليه ذهب عن
سعدان اسمه يسهلون قبل القامة وبعدها.
وقال محمد في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم <أنه كان يصلي
العصر والشمس ... ضاحية> ـ يعني يوجد حرها ـ.
وأجمعوا جميعاً على أن أول وقت المغرب إذا غربت الشمس، وتبين دخول
الليل وخروج النهار.
قال القاسم عليه السلام: وقت الإفطار أن يغشى الليل، ويذهب النهار،
ويبدو نجم في أفق من آفاق السماء لأن الله عز وجل يقول: {فَلَمَّا
جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً}.
وقال القاسم عليه السلام ـ أيضاً فيما أخبرنا زيد بن حاجب، وعلي بن
محمد، عن محمد بن هارون، عن أحمد بن سهل، عن عثمان بن محمد، عن
القومسي ـ، قال: سألت القاسم عن وقت المغرب إذا غربت الشمس أو يؤخر
إلى اشتباك النجوم؟ فقال: فعل أهل البيت إلى أن تتبين، أو كلمة
تشبه الاشتباك.
قال أحمد، وعبدالله، ومحمد: وآخر أوقات المغرب أن يغيب الشفق.
قال أحمد: وقد قيل أيضاً أن وقت المغرب وقت واحد سقوط القرص إلا من
عذر.
وقال الحسن عليه السلام: روينا الخبر المشهور عن نبيئنا صلى الله
عليه وآله وسلم <أن جبريل نزل عليه فصلى به المغرب في اليومين
جميعاً في وقت واحد حين غابت الشمس.
(2/129)
وكان أحمد بن عيسى عليه السلام ينكر إنكاراً شديداً قول من
يقول: إذا غربت الشمس ودخل الليل فقد دخل وقت المغرب والعشاء، فأنت
منهما في وقت مالم يطلع الفجر من غير علة ولاعذر وكان هذا عنده
خلاف قول العلماء، ورأى أن من صلى المغرب بعد مغيب الشفق من غير
علة ولاعذر فإنما يقضي صلاة قد كانت وجبت عليه.
قال أحمد، وعبدالله، والحسن، ومحمد: وأول وقت العشاء الآخرة إذا
غاب الشفق.
قال الحسن، ومحمد: وآخر وقتها إلى ثلث الليل.
وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه.
وقال الحسن بن يحيى عليه السلام: وسألت عن أوقات الصلوات فإنا نروي
في الخبر المشهور عن نبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم <أن جبريل نزل
عليه فصلى به الفجر في أول يوم حين طلع الفجر، وصلى به الظهر حين
زالت الشمس، وصلى به العصر حين صار ظل كل شيء مثله بعد الزوال،
وصلى به المغرب حين غابت الشمس، وصلى به العشاء الآخرة حين غاب
الشفق، ثم عاد في اليوم الثاني فصلى به الفجر حين أسفر، وصلى به
الظهر حين صار ظل كل شيء مثله بعد الزوال، وصلى به العصر حين صار
ظل كل شيء مثليه بعد الزوال، وصلى به المغرب في وقت واحد حين غابت
الشمس، وصلى به العشاء الأخيرة حين مضى ثلث الليل، وقال: مابين
هذين وقت>.
قال الحسن: وعلامة مغيب الشمس انجلاء الصفرة عن الحيطان وإظلام
الهوى من قبل المشرق. وقال في وقت آخر: وعلامة مغيبها إقبال الليل
من قبل المشرق. وقال في وقت آخر: وسألت عن مغيب الشمس، ومتى يحل
الإفطار، فإذا رأيت ثلاثة كواكب ونظرت إلى المشرق قد أظلم فهو
عندنا علامة الليل ومغيب الشمس، لأن الله عز وجل قال: {فَلَمَّا
جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً}، فعلامة الليل الكواكب
الخفية.
(2/130)
وقال الحسن أيضاً ـ فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول محمد في
(المسائل)، وسئلا عمن يقول: إن للصلوات الخمس ثلاثة مواقيت ـ:
فالذي اتصل بنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى خمس
صلوات في خمسة مواقيت، إلا ما جمع بعرفة ومزدلفة.
وكذلك بلغنا عن علماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
وإجماع علماء أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن للصلوات الخمس
خمسة مواقيت إلا من علة أو عذر.
وقال محمد: ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم <أن جبريل نزل
عليه بمواقيت الصلاة فصلى به الفجر حين طلع الفجر، وصلى به الظهر
حين زالت الشمس، وصلى به العصر حين صار كل شيء مثله بعد ظل الزوال،
وصلى به المغرب حين سقط القرص وغابت الشمس، وصلى به العشاء حين غاب
الشفق، ثم نزل عليه من الغد فصلى به الفجر مسفراً وصلى به الظهر
حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى به العصر حين صار ظل كل شيء مثليه
بعد ظل الزوال وصلى به المغرب حين سقط القرص>.
وفي حديث آخر: <أنه صلى به المغرب قرب غيبوبة الشفق، وصلى به
العشاء حين مضى من الليل ثلثه، وقال: مابين هذين الوقتين وقت>.
وقال: وبلغنا عن علي صلى الله عليه أنه سئل عن إفراط الصلاة. فقال:
دخول وقت التي تليها.
ـ مسألة: معرفة الزوال والقبلة
(2/131)
قال الحسن عليه السلام: علامة زوال الشمس أن يزيد الظل فإذا زاد
فقد زالت الشمس ودخل وقت الظهر، وإذا زالت الشمس على قدمين أو أقل
أو أكثر فزد عليه بعد الزوال ستة أقدام وثلثي قدم فذلك آخر وقت
الظهر، وهو أول وقت العصر إلى أن يصير ستة أقدام وثلثي قدم مرتين،
فهو حينئذ آخر وقت العصر، وعلامة القبلة بالليل أن تجعل الجدي في
نقرتك، وتستقبل القبلة، وعلامة القبلة بالنهار إذا زالت الشمس
فاجعل المشرق عن يسارك والمغرب عن يمينك، واستقبل عين الشمس، فإذا
زالت عن يمينك قليلا فقد زالت الشمس وهو وقت الصلاة، وإن كنت بمكة
فاستقبل البيت من أي جوانبه أحببت، فإن البيت قبلة أهل الإسلام،
فإذا غبت عن البيت ولم تدر كيف توجه إلى البيت صليت بين المشرق
والمغرب.
قال علي بن عمرو: قال محمد: معرفة الزوال وظل كل شيء مثله أن تأخذ
قرب نصف النهار عوداً مستوية فتقيمه في موضع مستو وتعلم على طرف
ظله علامة فما دام الظل ينقص فأنت في أول النهار فإذا زاد الظل فقد
زالت الشمس، وذلك أول وقت الظهر فانظر عند ذلك على كم قدم زالت وزد
عليه لوقت العصر قامة وذلك ظل كل شيء مثله تفعل ذلك في الشتاء
والصيف.
ـ مسألة: الشفق الحمرة أو البياض
قال أحمد بن عيسى، وعبدالله بن موسى، والقاسم، والحسن، ومحمد:
الشفق الحمرة لا البياض.
قال القاسم عليه السلام: إنما يقول الشفق البياض من لايعرف اللغة.
وقال محمد: الشفق الحمرة وهو أن تذهب الحمرة كلها.
وروى محمد بإسناده عن علي صلى الله عليه قال: الشفق الحمرة لا
البياض.
ـ مسألة: فضل أول الأوقات على آخرها
قال أحمد بن عيسى: الصلاة عندنا في أول الوقت أفضل، والأمر في ذلك
واسع إلى آخر الوقت.
(2/132)
وقال محمد: أحسن مواقيت الصلاة والذي نختاره ما أدركت عليه
مشائخ آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأفاضلهم في صلاة
الجماعة وغيرها، ثم وصف محمد أوقات صلاتهم فقال: كان أحمد بن عيسى،
وعبدالله بن موسى عليهم السلام يصلينا الفجر إذا اعترض الفجر
ويغلسان بها، وكان عبدالله يغلس بها حداً.
قال محمد: وأخبرني عبدالله بن موسى عليه السلام، عن ابنه محمد أنه
كان يترصد الفجر في مكان مرتفع فلما طلع الفجر وتبينه أذن، ثم دخل
البيت فركع ركعتي الفجر ثم أقام وتقدم بنا فقرأ البقرة وآل عمران.
قال عبدالله: ثم خرجت فرأيت النجوم.
وكان أحمد بن عيسى، وعبدالله بن موسى عليهما السلام يصليان الظهر
إذا زالت الشمس يتطوعان ركعات ثم يصليان الفريضة. كان أحمد عليه
السلام يتطوع قبلها ثماني ركعات.
قال محمد: ورأيت أحمد، وعبدالله، وإدريس بن محمد، وغير واحد من
مشائخ بني هاشم يصلون العصر بعد قامة بعد الزوال لايكادون يفرطون
في ذلك.
قال محمد: وسألت محمد بن علي بن جعفر بن محمد العريضي فذك فيها
قريباً من ذلك.
وحدثني أبو الطاهر، عن إبراهيم، ويحيى ابني عبدالله عليهما السلام
أنهما كانا يقيسان الشمس لوقت العصر، وذكر نحو القامة. وكان
عبدالله يصلي المغرب إذا سقط القرص وتبين دخول الليل قبل أن تستبك
النجوم، وكذلك كان احمد عليه السلام أو أمهل قليلا في المغرب.
وكان أحمد، وعبدالله عليهما السلام يصليان العشاء الآخرة إذا غاب
الشفق وهو الحمرة قبل أن يغيب البياض.
وقال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ: وسئل عن مواقيت
الصلوات الخمس. فقال: اجتز بما عليه جماعة آل رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم لايختلفون فيه، وقد كان بعض آل رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم يقول: ما آخر وقت الصلاة إلا كأوله فيما ألزم الله
العباد فيه فرضه.
(2/133)
قال محمد: ولايجب أن تؤخر صلاة الفجر إلى امتحاق النجوم. ذكر عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <لاتزال أمتي في فسحة من
دينها مالم يؤخروا الفجر إلى امتحاق النجوم والمغرب إلى اشتباك
النجوم>.
وروى محمد بإسناده عن عبدالله بن حسن، أنه قال: ما أعرف لأول الوقت
على آخره من الفضل شيئاً. ثم قال محمد: ليس هذا على التعمد.
وقال الحسن بن يحيى: الأوقات المختارات للصلوات هي الأوقات التي
نزل بها جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وحدَّها له في الأخبار المشهورة عنه عليه السلام وعلمها.
قال محمد: سألت أبا عبدالله أحمد بن عيسى عليه السلام عن قوله
تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس}. قال: زوالها. قلت: إنه يروى عن
ابن مسعود أنه قال: دلوكها: غروبها. قال: دلكت براح. فقال أبو
عبدالله: تدري مامعنى دلكت براح؟ قال، قلت: ماهو؟ قال: كان الراعي
يطلب إبله أو غنمه فلما زالت الشمس ستر بصره براحته ـ ووضع أبو
عبدالله راحته فوق حاجبه ورفع رأسه ـ وقال، قال الراعي:
ثبتت قدما رباح ... دنت حتى دلكت براح
قال أبو عبدالله: أراد منه طلعت حتى دلكت براح، يقول: حتى زالت،
ولكن العرب قد تخفف ربما تسقط الشيء كان يطلب غنمه أو إبله منذ
طلعت الشمس حتى زالت.
ـ مسألة: الجمع بين الصلاتين في السفر
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى، وعبدالله بن موسى، وعبيدالله بن علي،
والقاسم بن إبراهيم، ومحمد بن علي بن جعفر بن محمد عليه السلام،
وأبا الطاهر عليهم السلام: عن جمع الصلاتين في السفر، الظهر والعصر
إذا زالت الشمس، فلم يروا به بأساً.
وقال عبدالله بن موسى: هو عمل يعني اتباعاً.
وقال عبيدالله بن علي: مازلنا نفعله.
وقال أحمد عليه السلام: ما أبالي إذا جمعتهما في أول الوقت أو في
آخره.
(2/134)
وحدثني علي، ومحمد ابنا أحمد بن عيسى عليهم السلام عن أبيهما
أنه كان يجمع الصلاتين في السفر الظهر والعصر، والمغرب والعشاء،
فسألت علياً: متى كان يجمعهما؟ قال: يخر الظهر ويؤخر المغرب.
وحدثني يحيى بن عبدالله بن موسى، قال: صليت مع أبي في سفر قصر
الظهر والعصر حين زالت الشمس.
قال محمد: وحدثني إبراهيم بن عيسى بن قيس، قال: كنت لا أجمع
الصلاتين حتى صحبت عبدالله بن موسى مدة أربعين ليلة في السفر، قال:
كنت أنتظر الزوال فأرسل عبدالله بن موسى إلى النساء صلين العصر
فأنا أجمع حتى الآن.
قال محمد: وسألت أحمد بن عيسى، وعبدالله بن موسى، وعبيده بن علي،
وأبا الطاهر عليهم السلام عن جمع المغرب والعشاء لمن احتاج إلى
جمعهما قبل أن يغيب الشفق أو بعد؟ قالوا: بعد.
وسألت القاسم بن إبراهيم عليه السلام عن ذلك فقال: قبل وبعد.
وأخبرني جعفر عن القاسم قال: يجمع المسافر بين الظهر والعصر إذا
زالت الشمس، وبين المغرب والعشاء إذا غربت الشمس لأن الله عز وجل
يقول: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}، وإن أخرهما فواسع،
قد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أنه قدم من سَرِف حين
غربت الشمس فأخر المغرب فلم يصلها حتى بلغ مكة، وبينهما عشرة أميال
وهو لم يبلغ حتى اظلم وبعد.
وقال الحسن عليه السلام: والجمع بين الصلاتين رخصة فسحها رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم لئلا تبطل صلاة أمته. وأحب الأمور إلينا
إذا كان في الحضر أن يلزم الأوقات التي نزل بها جبريل عليه السلام،
وإن صلى مصل في الأوقات التي فسحها رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم في السفر والحضر لم يضيق عليه من ذلك ماوسع رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى
الظهر والعصر بعرفة بأذان واحد وإقامتين وجمع بين المغرب والعشاء
بمزدلفة بعد أن سار أربعة أميال على التئد وغاب الشفق، ودخل وقت
العشاء الآخرة.
(2/135)
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا كان في سفر
فزالت الشمس وهو في المنزل صلى الظهر والعصر ثم ارتحل، وإذا ارتحل
قبل أن تزول الشمس آخر الظهر حتى يبرد النهار ثم يجمع بين الظهر
والعصر، وكان يؤخر المغرب إلى قريب من وقت العشاء ثم يصلي المغرب،
ثم يقضي حاجته، ثم يصلي العشاء الآخرة إذا غاب الشفق، وهو الحمرة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جمع بين الظهر والعصر
بالمدينة من غير علة، وجمع بين المغرب والعشاء في غير وقت معلوم.
وقال: <لئلا تحرج أمتي>.
ويروى من حديث جعفر بن محمد عليه السلام أنه كان ربما صلى العصر
على أربعة أقدام بعد الزوال. وروى الحديث المشهور عن ابن عباس أن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الصلاتين بالمدينة من غير
علة، وقال: <لاتحرج أمتي>.
قال: إن هذا الحديث كان قبل نزول جبريل.
وقال محمد: الذي نأخذ به في جمع الصلاتين في الظهر والعصر في السفر
إن شاء بعد زوال الشمس، وإن شاء في آخر وقت الظهر، كل ذلك جائز،
وأما جمع المغرب والعشاء فأحب إلينا أن يؤخر المغرب إلى آخر وقتها
ويصلي العشاء في أول وقتها فإن لم يمكنه ذلك فجائز عندنا أن
يجمعهما بعد مغيب الشفق.
وروى محمد بإسناده عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان
في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زوال الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى
العصر ويصليهما جميعاً ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل غروب الشمس أخر
المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء
فصلاها مع المغرب.
ـ مسألة: الجمع بين الصلاتين للمريض والخائف
(2/136)
قال محمد: ذكرت لأحمد بن عيسى عليه السلام قول من يقول: إذا
زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر فأنت منهما في وقت مالم تغرب
الشمس من غير علة ولاعذر، وإذا غربت الشمس وأيقنت دخول الليل فقد
دخل وقت المغرب والعشاء فأنت منهما في وقت مالم يطلع الفجر من غير
علة ولا عذر، فأنكر أحمد بن عيسى هذا القول إنكاراً شديداً، وكان
عنده على خلاف قول العلماء.
ورأى أن من صلى الظهر بعد القامة بعد الزوال من غير علة ولاعذر
فإنما يقضي صلاة قد كانت وجبت عليه. ومن صلى المغرب بعدما يغيب
الشفق من غير علة ولاعذر فإنما يقضي صلاة قد كانت وجبت عليه.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه، وهو قول محمد في
(المسائل) ـ: بلغنا عن علماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
أن للصلوات خمسة مواقيت إلا من علة أو عذر.
ـ مسألة: وقت الصلاة يوم الغيم
قال الحسن: الاحتياط في الصلاة يوم الغيم أن تؤخر الصلاة حتى يحتاط
في تأخيرها، وإن شاء صلى النافلة قبل الفريضة، وإن شاء صلى الفريضة
قبل.
وقال محمد: ينبغي للمؤذن وغيره في يوم الغيم إذا كان من السحاب
مايواري الشمس والنجوم أن يؤخر الظهر حتى لايشك في الوقت، وتعجل
العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء الآخرة، ويتثبت في صلاة الفجر
حتى يتبين الصبح وهو الضوء الغالب الذي يتبع بعضه بعضاً، فإذا
استيقن الوقت فليحدث الأذان والإقامة والقراءة في الصلاة فإنه
لايتبين الصبح حتى يسفر جداً.
حدثنا محمد بن جميل، عن إسماعيل، عن عمرو، عن جابر، عن أبي جعفر
عليه السلام بنحو ذلك.
ـ مسألة: الصلاة تجب بأول الوقت أو بآخره
قال أحمد، والقاسم، ومحمد: إذا طهرت الحائض قبل مغيب الشمس صلت
الظهر والعصر، وإن طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، إلا أن
القاسم قال: إنما يجب عليها ذلك إذا طهرت قبل مغيب الشمس بقدر صلاة
خمس ركعات، أو قبل الفجر بقدر أربع ركعات.
(2/137)
وقال محمد: إنما يجب ذلك عليها إذا طهرت قبل غروب الشمس، أو قبل
طلوع الفجر بقدر ماتغتسل وتصلي الصلاتين قبل خروج الوقت، وإذا طهرت
بعد طلوع الفجر بقدر ماتغتسل وتصلي الفجر قبل طلوع الشمس، وتجب
عليها صلاة الفجر.
قال محمد: وإذا أسلم الذمي قبل مغيب الشمس صلى الظهر والعصر وإن
أسلم قبل طلوع الفجر صلى المغرب والعشاء، وإن أسلم بعد طلوع الفجر
فعليه صلاة الفجر، وإن أسلم بعد طلوع الشمس فليس عليه صلاة حتى
تزول الشمس.
وقال الحسني ـ وهو السيد الشريف أبو عبدالله بن عبدالرحمن ـ: وعلى
هذه الأقاويل إذا أسلم كافر أو أدرك صبي أو أفاق مجنون او مغمى
عليه أو رجع إلى الإسلام مرتد قبل مغيب الشمس على قول القاسم بقدر
خمس ركعات فعليهم الظهر والعصر، وعلى قولهم جميعاً إن كان ذلك منهم
قبل طلوع الفجر على قول القاسم بقدر أربع ركعات فعليهم المغرب
والعشاء، وعلى قول القاسم إن كان ذلك قبل طلوع الشمس بقدر ركعة
فعليهم الفجر، وإن كان قبل مغيب الشمس بقدر ركعة صلى العصر وحدها
وكذلك سائر الصلوات، وكذلك المسافر إذا نوى الإقامة قبل خروج الوقت
صلى أربعاً.
وعلى قول القاسم إذا ارتد أو جن أو أغمي عليه في آخر وقت صلاة فليس
عليه قضاؤها، وكذلك إن دخل على المقيم وقت صلاة فلم يصلها حتى سافر
صلاها صلاة حظر، لأنه قال: إذا دخل عليها وقت صلاة فلم تصلها حتى
حاضت فليس عليها قضاؤها.
وعلى قول محمد أن على الصبي والمجنون والمغمى عليه والحائض القضاء
في هذه المسائل........ بالآية. قال: وإذا طلقت الحامل قبل الزوال
فأدت الصلاة حتى...... آخر الوقت فيستحب لها إعادتها إن كان يمكنها
لو توضأت في أول الوقت قبل أن تحيض فينبغي أن تبدأ بها فتقضها إذا
طهرت، وهذا على قول أبي جعفر محمد بن علي صلى الله عليهما قال:
وإذا جن رجل في وقت صلاة ثم أفاق بعد أيام فليقض تلك الصلاة وحدها.
(2/138)
قال: ومن دخل عليه وقت صلاة وهو مقيم فلم يصلها حتى سافر فيجب
له أن يصلي صلاة حظر، لأنها قد كانت وجبت عليه وهو في الحظر.
وروى ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام.
وقال بعضهم: يصلي صلاة سفر لأنه قد كان له أن يؤخرها إلى ذلك
الوقت.
قال: ومن دخل عليه وقت صلاة وهو مسافر فلم يصلها حتى دخل الحضر
فليصلها صلاة قصر.
ـ مسألة: هل يقضي الفريضة ويصلي الصلاة التي لها سبب في الأوقات
المكروهة
قال أحمد: لايتطوع الرجل بعد صلاة الفجر، ولابعد صلاة العصر لأنه
لاصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولابعد العصر حتى تغرب الشمس.
وروى محمد بن فرات، عن محمد، عن أحمد بن عيسى، أنه قال: وتقضى
الصلاة الفائتة متى ذكرها في وقت صلاة.
وقال القاسم، وسئل عن الطواف بعد الفجر أو بعد العصر فقال: كان
الحسن والحسين عليهما السلام، وعبدالله بن عباس يطوفون بعدهما
ويصلون.
قال القاسم عليه السلام: ولابأس بالصلاة على الجنازة بعد الصبع
وبعد العصر.
وقال الحسن عليه السلام: ولايضرك أن تصلي الصبح عند طلوع لاشمس إذا
استيقظت في ذلك الوقت.
واتصل بنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <من نام عن
صلاة أو نسيها فكفارتها أن يقضيها إذا ذكرها وإن كان في غير وقت>،
وإن فاتك صلاة الوتر فأخرها حتى ترتفع الشمس قيد رمح أو رمحين.
وقال محمد: الأوقات التي تحرم الصلاة فيها حين تطلع الشمس، وحين
تقوم للزوال، وحين تدلي للغروب.
(2/139)
وروى بإسناده عن عقبة بن عامر، قال: ثلاث ساعات كان رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا
حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل،
وحين تصفر للغروب. وقال: الأوقات التي كرهت الصلاة فيا بعد العصر
حتى تغرب الشمس ثم تصلي المغرب، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس وتبيض،
ذكر أن كراهية ذلك من أجل قوم يستقبلون الشمس عند طلوعها وعند
غروبها، وهذا قول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وأهل المدينة
يخالفون في ذلك، وإنما قيل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت
عليه ركعتان فقضاهما بعد العصر وإن فاتته صلاة فذكرها عند طلوع
الشمس، او عند غروبها، أو عند زوالها فلا يقضها فيها.
وعلى قول محمد: إن قضاها في هذه الأوقات أعادها لأنه قال: لايصلي
على الميت في هذه الأوقات، فإن صلي عليه فيها فلتعد الصلاة عليه في
الوقت الذي ينبغي أن يصلى عليه فيه لأن تابع خلاف السنة، وإن فاتته
صلاة فذكرها بعد ما صلى الفجر أو بعد ما صلى العصر قضاها ساعة
ذكرها، وكذلك إن حضرت جنازة في هذين الوقتين صلى عليها مالم تكن
عند طلوع الشمس أو عند غروبها وجائز أن تصلى بعد العصر وبعد الفجر
لطوافه فرضاً كان الطواف أو تطوعاً إلا عند طلوع الشمس وعند
غروبها، وإذا اخذ المؤذن في إقامة صلاة الفجر أو العصر وفي المسجد
رجل قد صلى تلك الصلاة فصلاته معهم تطوعاً أحب إلي من خروجه، وإن
فاتته ركعتا الفجر صلاهما بعد صلاة الفجر، وإن شاء بعد طلوع الشمس
وإن أصبح وعليه صلاة الليل والوتر وركعتا الفجر بدأ بالوتر ثم
ركعتي الفجر ثم صلاة الليل.
وقال محمد ـ في رواية عبدالجبار عنه، وسئل عن الركوع والوتر قبل
الإقامة ـ فقال: جائز صلى أو ركع ثم أوتر قبل أن يقيم الإمام، كلما
فعلت من هذا فواسع.
ـ مسألة: من أدرك ركعة من العصر أو ركعة من الفجر فقد أدركها
(2/140)
قال القاسم عليه السلام ـ وهو معنى قول محمد ـ: إذا أدرك الرجل
ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدركها، وإن أدرك ركعة من العصر
قبل غروب الشمس فقد أدركها وكذلك جميع الصلوات إذا ادرك منها ركعة
فقد أدركها، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر عنه أنه
قال: <من أدرك من العصر ركعة قبل غروب الشمس فقد أدركها، ومن أدرك
من الفجر ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدركها>.
قال محمد: ومن أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة ويتم عليها
ركعة أخرى.
ـ مسألة: الصلاة الوسطى ماهي
قال القاسم عليه السلام: في قوله عز وجل: {حافظوا على الصلوات
والصلاة الوسطى} إنما أريد بالوسطى العظمى، كما قال الله عز وجل:
{قال أوسطهم} طريقة.
قال محمد: الصلاة الوسطى هي عندي العصر، وكذلك سمعنا عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم. وقال قوم هي الجمعة. وقال قوم: هي الظهر.
وقال ابن عباس: الفجر.
باب الأذان
قال الحسن بن يحيى: أجمع أبرار العترة وصالحوا المسلمين على أن
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يزل يؤذن حتى قبضه الله
إليه، ولم يزل يؤذن لعلي بن أبي طالب صلى الله عليه وإلى يومنا هذا
بإجماع أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فمن ادعى غير ذلك فعليه
أن يأتبي البينة وإجماع المسلمين على ما ادعى وإلا فهو باطل.
ـ مسألة: هل أصل الأذان رؤيا رآها رجل أو نزل به الملك على النبي
صلى الله عليه وآله وسلم
قال الحسن بن يحيى عليه السلام: سمعنا في الحديث أن الله عز وجل
بعث ملكاً من السماء إلى الأرض بالأذان.
وروى محمد بإسناد عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: من جهالة هذه
الأمة أن يزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما علم
الأذان من رؤيا رآها رجل وكذبوا والله لما أراد الله أن يعلم نبيئه
الأذان جاءه جبريل بالبراق.. وذكر الحديث بطوله.
(2/141)
وعن محمد بن الحنفية عليه السلام أنه قال: ألا تتقون الله عز
وجل عمدتم إلى أمر جسيم من أمر دينكم فزعمتم أنه رؤيا رآها رجل في
المنام، وذكر حديث المعراج بطوله.
وعن عبدالله بن زيد الأنصاري في الأذان، قال محمد: هذان الحديثان
عندي حق: حديث بن الحنفية وحديث عبدالله بن زيد الأنصاري.
ـ مسألة: الأذان واجب على الكفاية أم على الأعيان
قال القاسم ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن ابن سهل، عن عثمان،
عن القومسي، عنه ـ قال: لابأس بالصلاة بغير أذان ولا إقامة إلا في
مسجد جماعة، أو في جماعة، فإن يكن ذلك كذلك فلا بد فيه من الأذان
والإقامة.
وقال القاسم عليه السلام ـ فيما روى داود عنه ـ: وإذا نسي الرجل
الأذان والأقامة حتى دخل في صلاته مضى فيها، ولم يلزمه ذلك فيها.
وقال الحسن عليه السلام ـ في رواية ابن صباح عنه، وهو قول محمد في
(المسائل) ـ: وإذا كان الرجل في مصر من أمصار المسلمين أو قرية من
قرى المسلمين يسمع فيها الأذان والأقامة أجزاه أن لايؤذن ولايقيم
والأفضل أن يؤذن لنفسه ويقيم، وإذا أذن وجعلها إقامة أجزاه، وإن
كان مسافراً أو في بدو فأحب إلينا أن يؤذن ويقيم ولايدع الأذان
والأقامة، فإن أعجله أمر فأقام أو أذن وجعلها إقامة أجزاه، وإن صلى
بغير أاذن ولا إقامة لم نأمره بإعادة الصلاة، وصلاته جائزة.
وقال محمد: والأذان عندنا سنة من رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم لو اجتمع الناس على تركه لضلوا، والأمة مؤد بعضها عن بعض
كالجهاد في سبيل الله مع الإمام العادل تؤديه الأمة بعضها عن بعض،
ولو اجتمعوا على تركه لضلوا، وإذا دخل القوم مسجداً قد صُلِّي فيه
فليُجَمِّعُوا إن شاؤوا ويجزيهم أذان من أذن فيه وإقامته وإن شاؤوا
صلوا وحداناً ويجزيهم أذان من أذن فيه وإقامته، وكل ذلك قد جاء فيه
أثر.
ـ مسألة: هل يجوز أن يؤذن للصبح قبل دخول وقتها
(2/142)
قال محمد: لايؤذن للفجر إلا بعد دخول وقتها وينبغي للمؤذن في
يوم الغيم أن يتثبت في صلاة الفجر حتى يتبين الصبح وهو الضوء
الغالب الذي يتبع بعضه بعضاً، فإذا استيقن الوقت فليؤذن.
وروى محمد بإسناد عن أنس أن بلالاً أذن بليل، فقال له النبي صلى
الله عليه وآله وسلم: <ماحملك على أن تجعل صلاة النهار في صلاة
الليل، عد فناد إن العبد نام> فنادى ثلاثاً: إن العبد نام، فلما
طلع الفجر أعاد.
وعن علي صلى الله عليه قال: من أذن قبل الوقت فليعد.
وعن زيد بن علي عليه السلام قال: من أذن قبل الفجر فقد أحل ما حرم
الله وحرم ما أحل الله.
قال محمد: يريد أحل صلاة الفجر وهي حرام، وحرم الطعام على الصائم
وهو حلال.
ـ مسألة: أذان الأعمى والعبد والصبي والفاسق
قال القاسم عليه السلام: لابأس بأذان الأعمى قد كان ابن أم مكتوم
مكفوفاً وكان يؤذن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقال الاقسم ـ فيما روى القومسي عنه ـ: ولابأس بأذان الصبي الذي لم
يحتلم إذا احسن الأذان.
وقال محمد: لابأس بأذان المملوك واللقيط والخصي والغلام قبل أن
يحتلم.
قال محمد: وينبغي أن يكون المؤذن مأموناً لايشرف على حرم المسلمين
ولايطلع إلى ماينبغي له.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <يؤذن لكم قراؤكم
ويؤمكم فقهاؤكم>، وبلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه
قال: <اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين>.
ـ مسألة: هل يقيم غير من أذن
قال القاسم عليه السلام، ومحمد: يكره أن يقيم الصلاة للقوم غير من
أذن لهم.
قال القاسم عليه السلام: إلا أن يضطر إلى ذلك.
وقال محمد: إلا أن يحدث به علة فلابأس أن يقيم غيره.
ـ مسألة: كم قدر مايجعل مابين الأذان والإقامة من الوقت
(2/143)
قال محمد: حضرت أحمد بن عيسى عليه السلام توضأ للظهر قبل الزوال
فقيل له: قد زالت الشمس فصلى ثماني ركعات، ثم قال لي: أذن وأقم.
فأذنت وأقمت، فأردت أن أقوم عن يمينه، فجذبني ثم قال: صلي بي أنت
فإني أنا أسهو، فلم يدعني حتى صليت به. وحضرته ـ يعني يوماً آخر ـ
فأذن لصلاة الظهر ثم أقام ولم يركع بينهما ولم يقف.
قال محمد: لابأس أن يصل الأذان بالإقامة إذا كان يؤذن لنفسه فأما
إذا كان يؤذن للناس فلايصل الإقامة بالأذان حتى يسكت قليلا، وإذا
أذن مؤذن الإمام ثم أراد أن يقيم فلينتظر الإمام من لم يكن حاضراً
مالم يكن في ذلك ضرر على أهل المسجد. يقال: قدر وضوء رجل.
وروى محمد بإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه دخل المسجد
وبلال في الإقامة فجلس.
ـ مسألة: استقبال القبلة بالأذان والاستدارة فيه ووضع الأصبغين في
الأذنين
قال القاسم، ومحمد: إذا أراد الرجل أن يؤذن فليستقبل القبلة.
قال القاسم عليه السلام: ويجعل أصبعيه السبابة من يده اليمنى في
أذنه اليمنى.
وقال محمد: ويجعل أصبعيه في أذنيه.
قال القاسم ومحمد: وليدر وجهه إلى يمينه إذا قال: حي على الصلاة،
حي على الصلاة. ثم ليدر وجهه إلى يساره فليقل: حي على الفلاح حي
على الفلاح. ثم يستقبل القبلة فيقول: الله أكبر الله أكبر لاإله
إلاالله.
قال محمد: وإن سها في أذانه فكبر وتشهد عن يمينه وشماله، وقال: حي
على الصلاة حي على الفلاح أمامه فإن كان يؤذن لنفسه فلاشيء عليه،
وإن كان يؤذن للناس فليبتدئ الأذان من أوله، وإذا أراد أن يقيم
فليقل مثل ماقال في الأذان وليفعل مثل ذلك الفعل من استقبال القبلة
وغيره، فإذا قال: حي على الفلاح، فليقل مستقبل القبلة: قد قامت
الصلاة، قد قامت الصلاة.
وروى ابن عبدالجبار عن محمد بن منصور ت فيمن أذن ولم يلتفت ـ قال:
جائز، إذا كان لنفسه.
ـ مسألة: تكرير الله أكبر الله أكبر
قال أحمد، ومحمد: تكرر في الأذان والإقامة الله أكبر أربع مرات.
(2/144)
وقال القاسم، والحسن: يكرر الله أكبر مرتين، وأجمعوا على أن
يقال في آخر الأذان والإقامة الله أكبر مرتين.
قال أحمد، والقاسم، ومحمد: ويقول في آخر الأذان لاإله إلاالله مرة
واحدة.
وقال الحسن عليه السلام: يقولها مرتين يخفي الأخيرة منهما.
ـ مسألة: تكرير أشهد أن لاإله إلاالله أشهد أن محمداً رسول الله
كان أحمد، والقاسم، والحسن، ومحمد إذا بلغوا في الأذان إلى أشهد أن
محمداً رسول الله لم يرجعوا فيقول مرة أخرى: أشهد أن لاإله إلا
الله أشهد أن محمداً رسول الله.
ـ مسألة: الأذان بحي على خير العمل
كان أحمد بن عيسى، والحسن بن يحيى عليهم السلام يقولان في الأذان:
حي على خير العمل مرتين.
وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن
يقولوا في الأذان والإقامة: حي على خير العمل، وأن ذلك عندهم
السنة.
وقد سمعنا في الحديث أن الله سبحانه بعث ملكاً من السماء إلى الأرض
بالأذان وفيه: حي على خير العمل، ولم يزل النبي صلى الله عليه وآله
وسلم يؤذن بحي على خير العمل حتى قبضه الله إليه، وكان يؤذن بها في
زمن أبي بكر فلما ولي عمر قال: دعوا حي على خير العمل لايشتغل
الناس عن الجهاد فكان أول من تركها، ولم يذكر القاسم ومحمد حي على
خير العمل في الأذان ولا في الإقامة بل روى محمد بأسانيده عن علي
بن الحسين ومحمد بن علي ويحيى بن زيد علهيم السلام أنهم كانوا
يقولون في الأذان: حي على خير العمل.
ـ مسألة: هل تثنى الإقامة
قال أحمد، وعبدالله بن موسى، والحسن، ومحمد: الأذان والإقامة مثنى
مثنى.
قال محمد: يرتل الأذان ويحدر الأقامة، وكذلك قال القاسم أيضاً في
رواية داود والقومسي جميعاً عنه.
حدثنا علي بن محمد، عن ابن هارون، عن ابن سهل، عن عثمان، عن
القومسي، عنه، قال: أجمع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على
أن الأذان والإقامة مثنى مثنى.
(2/145)
وروى محمد، عن جعفر الطبري، عن القاسم عليه السلام أنه قال:
الإقامة الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لاإله إلا الله أشهد ألا إله
إلاالله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح،
قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لاإله
إلاالله. يشفع الأذان ويوتر الإقامة ليعرف.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا حسين، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ
قال: الشهادة مرتين، والإقامة واحدة.
وقال محمد ـ فيمن يؤذن فيفرد أذانه وإقامته ـ: أحب إلي أن يؤذن
مثنى مثنى، ويقيم كذلك.
ـ مسألة: التثويب
كانوا يقولون في الأذان: حي على خير العمل.
قال القاسم ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن ابن سهل، عن عثمان،
عن القومسي ـ، قال: سألت القاسم عليه السلام عن التثويب. فلم يره.
وقال: قولهم: الصلاة خير من النوم محدث أحدثه عمر أو في زمان عمر،
وليس فيه حديث إلا حديث أحدثوه الآن ضعيف.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا به زيد من كتابه، عن أبي جعفر بن هارون،
عن سعدان، عنه ـ وسئل عن التثويب في الفجر، فقال: أما أنا فحين كنت
أصلي في المسجد فلم أكن أثوب. وقال: التثويب في العشاء الآخرة
بدعة.
ـ مسألة: التطريب في الأذان
قال أحمد بن عيسى عليه السلام، قال رجل لعلي صلى الله عليه: إني
لأحبك. فقال له علي صلى الله عليه: لكني أبغضك. قال له: ولم؟ قال:
لأنك تتغنى في أذانك، وتأخذ على تعليم القرآن أجراً، وقد سمعت رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: <من أخذ على تعليم القرآن
أجراً كان حظه يوم القيامة>. حدثنا بذلك علي بن هارون، عن سعدان،
عن محمد، عنه.
وقال محمد في كتاب أحمد، قلت لأحمد بن عيسى عليه السلام: مامعنى
تتغنى في أذانك؟ قال: تمدده يعني يطرب.
وقال القاسم عليه السلام: لابأس بالتطريب في الأذان إذا أتم وبين.
وقال محمدك يكره التطريب والتمديد في الأذان. وقيل: يرتل الأذان
ويحدر الإقامة.
ـ مسألة: الكلام في الأذان والإقامة
(2/146)
قال القاسم عليه السلام: ولايتكلم المؤذن في أذانه ولا في
إقامته إلا من ضرورة أو حاجة لابد منها.
وقال محمد: أحب إلي أن لايتكلم المؤذن في أذانه قبل أن يستتمه، فإن
تكلم لم يضره إن شاء الله تعالى، وأما الإقامة فأكره أن يتكلم فيها
أو بعدها حتى يدخل في الصلاة إلا أن يرد سلاماً بعد إقامته وقد كره
كثير من العلماء الكلام بعد الإقامة وقد ذكر أيضاً عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم فيه رخصة.
وقال محمد ـ في رواية سعدان عنه ـ: وإن سلم عليه وهو يؤذن أو يقيم
فلايرد السلام حتى ينقضي ماهو فيه ثم يرد السلام، وإن كان المسلم
قد مضى اتبعه السلام وإذا فرغ من الإقامة فأحب له أن يدخل في
الصلاة ولايسلم على من في المسجد وإن سلم عليهم فقد فعله قوم.
ـ مسألة: الأذان راكباً أو جالساً
قال القومسي: سألت القاسم عليه السلام عن الأذان على الدابة؟ فقال:
الأذان على الأرض أحب إلينا، ولابأس بالأذان على الحمار وغيره في
الخوف والحاجة إلى ذلك.
قال محمد: لابأس أن يؤذن الرجل على راحلته ويكره له أن يؤذن جالساً
إلا من عذر ولايقيم راكباً ولاجالساً إلا من عذر إن صلى على راحلته
من عذر أقام عليها وإن صلى جالساً من عذر أقام جالساً.
ـ مسألة: هل يؤذن فوق سطحه أو يؤذن أسفل ويقيم فوق
قال محمد: لابأس أن يؤذن الرجل فوق سطحه إذا كان متصلا بالمسجد،
ولابأس أن يؤذن فوق ويقيم أسفل ويؤذن أسفل ويقيم فوق.
ـ مسألة: أخذ الجعل على الأذان
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ: لابأس بأخذ الجعل
والأجرة على الأذان إذا لم يعقد ذلك عليه عقد مشارطة.
وقال محمد: يكره أن يأخذ المؤذن على أذانه أجراً ذكر ذلك عن علي
صلى الله عليه.
ـ مسألة: أذان الجنب
قال القاسم عليه السلام: لايؤذن الجنب ولايدع الناس إلى الصلاة وهو
على غير طهارة لها، وإن أذن وهو على غير وضوء أجزى أذانه.
(2/147)
وقال محمد، وهو قول الحسن عليه السلام: لابأس أن يؤذن الجنب
خارج المسجد أو في المنارة إن كانت منفصلة من المسجد وبابها خارج
منه.
ـ مسألة:
قال القاسم عليه السلام أيضاً ـ فيما حدثنا علي، عن محمد، عن أحمد،
عن عثمان، عن القومسي، عنه ـ، وهو قول الحسن ومحمد: لابأس بالأذان
على غير وضوء لو ضاق الأذان بغير وضوء ضاق ذكر الله عز وجل، وإنما
الأذان ذكر الله.
قال محمد: ولايقيم الصلاة على غير وضوء، لأن الإقامة متصلة
بالصلاة، وإن أقام على غير وضوء فليعد الإقامة، فإن لم يعلم بذلك
حتى صلوا فصلاتهم تامة، وإن أقام على وضوء فلم يتم الإقامة حتى
انتقض وضوءه فليعد الوضوء قبل أن يتم الإقامة، وإن شاء بنا من حيث
كان بلغ.
ـ مسألة: هل على النساء أذان أو إقامة
قال القاسم، ومحمد: ليس على النساء أذان ولا إقامة.
قال القاسم عليه السلام: ذكر عن علي صلى الله عليه أنه قال: ليس
عليهن ذلك. وعلى قول القاسم ومحمد لايجوز أن تؤذن المرأة بحال.
ـ مسألة: إذا غلط فصير الأذان إقامة والإقامة أذاناً
قال الحسن عليه السلام: ومن نسي فصير الأذان إقامة أو صير الإقامة
أذاناً فليعد من حي على الصلاة حي على الفلاح حتى يأتي بالذي هو
فيه.
وقال محمدك إذا أراد أن يؤذن فأقام فليعد من حي على اللاة حتى يفرغ
من أذانه، ومن أراد أن يقيم فأذن فليرجع إلى موضع الإقامة حتى يفرغ
منه.
ـ مسألة: إذا كان عليه قضاء صلوات هل يؤذن لها ويقيم
قال محمد: في قوم فاتتهم صلاة بعينها من يوم قد مضى. قال: إن شاؤا
صلوها جميعاً، وإن شاؤا وحداناً، وكيف صلوا فبأذان وإقامة.
ـ مسألة: مايقول من سمع الأذان والأقامة
قال محمد: يستحب لمن سمع الأاذن أن يقول كما يقول.
(2/148)
وروى بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا سمع
المؤذن قال كما يقول، فإذا بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح قال:
<لاحول ولاقوة إلا بالله>، وإذا بلغ الإقامة قال: <اللهم رب هذه
الدعوة الدامة والصلاة القائمة أعط محمداً سؤله يوم القيامة وبلغه
الدرجة الوسيلة من الجنة وتقبل شفاعته في أمته>.
باب ستر العورة والثياب التي يصلي فيها وعليها
ـ مسألة: مايجب على المصلي صتره وهل السرة والركبة من العورة
قال الحسن عليه السلام: العورة التي يحرم النظر إليها من الرجل
والمرأة هي الفرج، والعورة التي يستحب سترها ويكره أن يراها الرجل
من الرجل والمرأة من المرأة هيمن السرة إلى الركبة.
وقال الحسن ـ فيما حدثنا زيد، عن أحمد، عنه ـ فيمن صلى متوشحاً
بثوب فوقع الثوب إلى الأرض. قال: أحب إلي أن يعقده في رقبته ولا
يتعمد تركه حتى يسقط، ولم نأمره بإعادة.
وقال محمد: العورة التي يجب ان يسترها المصلي مابين السرة إلى
الركبة، والركبة منها، والسرة ليست منها، فإن صلى وركبته مكشوفة
أعاد الصلاةن وإن صلى وصرته مكشوفة فلا إعادة عليه، والعورة التي
تبطل الصلاة بانكشافها هي العورة بعينها من الرجل والمرأة جميعاً،
فإن صلى رجل أو امراة وفي ثوبه خزق قدر الدرهم أو نحو ذلك تظهر منه
العورة أعاد الصلاة، وإن صلى مصل مشتملا بثوب فسقط عنه فبدت عورته
أو رفعت الريح ذيله فبدت عورته أعاد الصلاة وإن لم يعد لم تنقطع
صلاته، وإن رفعت الريح ثوبه فكشفت فخذه أو ركبته فلم يطل ذلك به
فصلاته تامة، وإن طال ذلك به استقبل الصلاة. يعني إذا ابتدأ مع
انكشاف ذلك فرضاً مستقبلا من ركوع أو سجود أو قيام لأنه ليس له أن
يصلي حتى يستر فخذيه وركبتيه، ويكره له أن يصلي وسرته مكشوفة.
ويستحب له أن يستر من سرته إلى نحو نصف الساق، وكذلك بلغنا عن علي
صلى الله عليه، وإنما يستحب إسبال الإزار إلأى نصف الساق لأنه إذا
ركع أو سجد وهو دون ذلك بدت عورته.
(2/149)
وإذا حضرت الصلاة وليس معه إلا إزاراً واحداً فإنه يشده على
رقبته إن كان يستر ركبتيه حتى إذا ركع وسجد لم ير منه مايكره فإن
لم يجزيه لذلك ائتزر به فوق السرة وصلى، ويستحب تخمير المناكب.
ـ مسألة: مايجب على المرأة ستره في الصلاة
قال القاسم عليه السلام: تصلي المرأة في قميص وخمار، فإن لم تجد
ماتختمر به اجتزت بثوب واحد إذا ستر شعرها وقدميها.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا محمد، وزيد، عن زيد، عن أحمد،
عنه ـ: وإذا صلت المرأة في قميص ومقنعة أو في ملحفة ومقنعة فصلاتها
جائزة إذا سترت مايجب عليها ستره.
وقال محمد: يجزي المرأة من الثياب في الصلاة قميص سابغ ستير وخمار
ستير، ويستحب لها تغطية كفيها وقدميها في الصلاة.
وروى عن أم سلمة قالت: تصلي المرأة في درع سابغ يغطي قدميها،
ويستحب لها ستر كفيها إذا كبرت لافتتاح الصلاة، وإن كان في قميص
المرأة خزق قدر الدرهم أو أكبر وهي في الصلاة فظهر منه بعض جسدها
أي موضع كان سوى العورة فلتستر ماظهر من ذلك وتتم الصلاة، وإن كان
في خمارها خزق قدر الدرهم أو أكبر فاحب إلينا أن تستره وتصلي.
وذكر عن حسن بن صالح وغيره أنهم رخصوا في الخصلة تظهر من الشعر.
وذكر عن أبي حنيفة أنه رخص في قدر الربع من شعرها ومن كل عضو من
أعضائها سوى الفرج.
وقالم حمد ـ فيما أخبرنا زيد، عن ابن هارون، عن سعدان، عنه ت: وإن
صلت ومن شعرها أو بدنها سوى العورة أكثر من قدر الدراهم الكبير
مكشوفاً لم تؤمر في مثل هذا بالإعادة.
ـ مسألة: صلاة الأمة بغير خمار
قال محمد: جائز للأمة وأم الولد والمدبرة أن يصلين مكشوفات الرؤوس،
وإن شئن مقنعات.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: العورة من الأمة الظهر والبطن وما أسفلهما
إلى الركبة.
(2/150)
قال محمد: وأما المكاتبة فتغطي رأسها في الصلاة إن كانت قد أدت
بعض مكاتبتها. وقال في وقت آخر: لها أن تصلي مكشوفة الرأس إن شاءت،
وقد ذكر عن علي ..... قال: إذا أدت بعض مكاتبتها عتق منها بقدر ما
أدت. ومن قال بهذا القول فإنه يأمرها بتغطية رأسها. وإذا بلغ الأمة
عتقها وقد صلت بعض صلاتها غطت رأسها وتعيد مامضى من الصلاة وهذه
رواية أبي المثنى.
وفي رواية ابن عمر وتعتد بما مضى، وفي رواية علي وتبني على صلاتها.
وقال في المجموع: وإن أعتقت وهي تصلي فلم تعلم حتى قضت الصلاة
مكشوفة الرأس أعادت صلاتها.
ـ مسألة: ستر المناكب في الصلاة
قال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا محمد، وزيد، عن زيد، عن أحمد،
عنه ـ: جائز للرجل أن يصلي في الإزار إن لم يكن له غيره، ويستحب
تخمير المناكب للإمام.
وقال محمد: يستحب تخمير المناكب ولو بعقال، ويكره أن يصلي ومنكباه
مكشوفان. ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر بتخمير
المناكب، وبلغنا ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام، وليس
تركه مما يفسد الصلاة إن فعله فاعل.
ـ مسألة: الصلاة في ثوب واحد
قال القاسم عليه السلام، وهو قول محمد: لابأس أن يصلي الرجل في ثوب
واحد معسراً كان أو مؤسراً، صحت بذلك الروايات عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى في
ثوب واحد.
وعن الحسن بن علي صلى الله عليهما، وجابر بن عبدالله أنهما صليا في
ثوب واحد.
وعن أبي جعفر عليه السلام، قال: لابأس بالصلاة في القميص الواحد.
وعن أبي الجارود قال، قلت لأبي جعفر عليه السلام إن المغيرة يقول:
لاتصل إلا بإزار. فقال أبو جعفر: هذا قول اليهود.
قال محمد: والإزار تحت القميص في الصلاة أحب إلي منه فوق القميص
ولايضيق ذلك على فاعله، ويكره أن يصلي الرجل وبين فرجه والأرض
فضاء، ولايفسد ذلك الصلاة، ويكره أن تصيب أنثياه الأرض وإن أصابت
الأرض فلاتفسد صلاته.
(2/151)
وقال محمد ـ فيما حدثنا الحسين، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ:
ولابأس أن يصلي الرجل في الثوب الكبير، ويعطف منه في الأرض، ولابأس
أن يرتدي بالمنديل أو غيره.
ـ مسألة: تحليل الإزار في الصلاة
قال محمد: وإذا صلى الرجل في الثوب الواحد فحلل الإزار فقد ذكر عن
ابن عباس وابن عمر أنهما كانا يصليان محللي الإزار، ولو كان تحت
ثيابهما شيء لم يحتج إلى ذكره.
وقد ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر رجلا أن يحلل
جبته ولو بشوكة وإنما يخاف من هذا أن تبدو العورة إذا ركع فإن خاف
ذلك فلابد من أن يزرر عليه.
ـ مسألة: التلحي في الصلاة
قال محمد ـ فيما حدثنا علي، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ: ويكره
أن يصلي الرجل وعمامته كلها على رأسه ليس تحت حلقه منها شيء، وكره
ذلك.
ـ مسألة: الصلاة في الثوب الذي يشف أو يصف
قال محمد: يكره للرجل أن يصلي في ثوب رقيق يصف أو يشف، فالذي يشف
يقال أنه الرقيق الذي يصف ماخلفه والذي يصف هو الذي يلزق بالجسد من
لينه.
ـ مسألة: الصلاة في الحرير
قال محمد: لاينبغي أن يصلي في الحرير ولا الديباج إلا أن يكون في
الحرب، فقد رخص في ذلك، وكذلك الخدم والصبيان الذين يؤمرون بالصلاة
سبيلهم في ذلك سبيل الرجال، ولابأس أن تصلي المرأة في الحرير
والديباج وما أشبه ذلك، وكذلك الأمة وأم الولد والمدبرة والمكاتبة
بمنزلة الحرة في لباس الحرير ونحوه.
ـ مسألة: الصلاة في الثوب المعصفر
قال محمد: نهي أن يصلى الرجل في ثوب المرأة إذا كان مصبوغاً مشبعاً
بالعصفر.
وقال محمد في رواية بن خليد عنه: وإن كان مورداً أو نحوه فلابأس
به.
ـ مسألة: الصلاة في جلود الميتة إذا دبغت
قال أحمد بن عيسى عليه السلام: لاأرى بأساً بالصلاة في جلود
الثعالب وغيرها من السباع إذا دبغت وأرى دباغها طهورها للحديث عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(2/152)
وقال القاسم عليه السلام ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن
أحمد، عن عثمان، عن القومسي، عنه ـ قال: يكره جلود الميتة كما يكره
عظمها لأن الذكاة تلزم جلدها كما تلزم غيره من أعضائها.
وقال: جلود الثعالب مكروهة، وكذلك جاء عن علي عليه السلام.
وقال الحسن ـ فيما حدثنا الحسين، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ: ولابأس
أن يلبس شيء من جلود السباع ولايصلي فيها وإن دبغت وسائر الجلود
إذا دبغت يصلى فيها، ولايسأل عنها.
وقال محمد: تكره الصلاة في جلود الميتة وإن دبغ لأنه روي عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه إلى عرينة: <لاينتفع من الميتة
بإهاب ولاعصب>، وإن صلى في السيف عليه الكيمخت من الميتة أعاد
الصلاة.
وقد ذكر عن علي صلى الله عليه أنه صلى في سيف وعليه كيمخت ولم ذكر
أنه من ميتة، وتكره الصلاة في جلود الثعالب، ولابأس بالفرو إذا كان
ظاهراً.
ـ مسألة: الصلاة في جلود الميتة
قال أحمد بن عيسى عليه السلام ـ فيما روى محمد بن فرات، عن محمد،
عن علي بن أحمد، عن أبيه ـ: أنه كان لايرى بأساً بشعر البز، وكل
شعر ماخلا شعور الناس فإنه ميتة، وكان أهله يفعلون ذلك بعلمه
فلاينهاهم.
وقال الحسن عليه السلام: لابأس بالكسا الذي جز صوفه من شاة حية
وهذا وصوف المذبوح سواء.
وقال محمد ـ فيما روى علي بن حسن عنه ـ: ومن صلى ومعه شعر إنسان أو
أظفار قد قصها أعاد الصلاة، وإن كان قد غسل ذلك لأنه روي أن كل شيء
يسقط من ابن آدم فهو ميتة.
وقال محمد ـ في رواية محمد بن خليد عنه ـ: وسئل عن المنخل الشعر
تعمل من الميتة فلم ير به بأساً.
ـ مسألة: فيمن صلى في ثوب طرفه نجس ملقى على الأرض
قال محمد: إذا أصاب الثوب الواسع قذر فأمكنه أن يصلي فيه وموضع
القذر من الثوب ملقى على الأرض ولايتحرك بحركته كلما نهض وسجد فلا
بأس بالصلاة فيه إذا اضطر إليه، ذكر ذلك عن حسن بن صالح. وقال
غيره: لايجزيه إلا أن لا يقدر على غيره.
(2/153)
قال محمد بن عامر، قال محمد: والقول الأول أجود وهو الذي عليه
الناس، وإن كان الثوب يتحرك بحركته فالصلاة فاسدة.
ـ مسألة: فيمن صلى على فراش له نجس
قال الحسن عليه السلام: إذا كان الفراش كثير الصوف فأصابه البول
فأحب إلينا أن يفتقه ويغسل موضع البول من الثوب، وما أصابه البول
من الصوف.
وقال محمد: وإذا طرح المصلى على موضع قذر فلا أحب أن يتعمد الصلاة
عليه إلا أن يحتاج إليه أو يفعله ناسياً، فلا أرى عليه إعادة إذا
ذكر.
قال: وإذا أصاب الثوب أو الفراش جنابة فليغسل منها ولابأس أن ينام
في الثوب أو على الفراش إذا كان يابساً ويستحب أن يتعاهده بالغسل
لئلا يعرق فيه.
ـ مسألة: سدل الثياب في الصلاة
روى محمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى رجلا
سادلا ثوبه فعطف أحدهما على الآخر.
وعن علي صلى الله عليه أنه خرج فرأى قوماً قد سدلوا ثيابهم في
الصلاة، فقال: مالي أراهم قد سدلوا ثيابهم في الصلاة كأنهم اليهود
خرجوا من فهرهم.
قال محمد: فهر اليهود كنائسهم وبيعهم.
ويقال: إن السدل أن يقوم الرجل في الصلاة فيرسل رداءه على كتفيه
إرسالا حتى يقطع على طرفاه على الأرض.
وقال محمد ـ في رواية ابن خليد عنه ـ: ويكره السدل في الصلاة.
ـ مسألة: الصلاة في النعلين
قال محمد: لابأس بالصلاة في الخفين والنعلين إذا كانا طاهرين كبعض
لباسه، وإن دخل في الصلاة وعليه نعلاً فلا أحب له أن يخلعهما بعد
دخوله في الصلاة إلا أن يكون فيهما أذى فيخلعهما ويستقبل الصلاة.
وروى محمد بأسانيده عن ابن عباس، وعلي بن الحسين، وأبي جعفر عليه
السلام أنهم لم يروا بأساً بالصلاة في النعلين.
وعن ابن عباس قال: لايخلع نعليه وهو يصلي فإنها من اللباس.
قال محمد: كانت نعالهم لينة فكان الرجل يثني رجله فلايفسد ذلك
عليه.
ـ مسألة: في تطهير ما يصلي فيه وعليه
(2/154)
قال الحسن عليه السلام: لابأس بالصلاة في الثوب الذي بسط على
موضع يظن أنه قذر ولايلزم غسل الثوب إلا أن يعلم أنه قد أصابه قذر.
وقال الحسن عليه السلام أيضاً فيما حدثنا حسين عن زيد عن أحمد عنه:
وإذا صلى الرجل في ثوب فيه بول أو قذر وهو لايعلم فأحب إلي أن
يحتاط ويعيد الصلاة وإن لم يعد فجائز وإن أصاب ثوبه جنابة غسل
موضعها وإن تخوف أن يكون قد أصاب غير ذلك الموضع فالاحتياط في غسل
الثوب.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا محمد، عن زيد، عن أحمد، عنه
ـ: وإذا ابتلت البوري فأصابها قذر فيكره الصلاة عليها.
وقال محمد: وإذا أصاب ثوب رجل أو بعض جسده بول أو دم أو غيره من
النجاسات بدأ بغسله ثم توضأ بعد ذلك.
قال ابن عامر، قال محمد: ومن صلى وفي ثوبه أو جسده بول أو عذرة
غسله وأعاد الصلاة وإن قطرت قطرة بول على خفه ثم صلى فأحب إلي أن
يعيد، وإذا وقع طرف الثوب على عذرة رطبة فنظر إلى الثوب فلم ير فيه
أثر أو لم يجد له رائحة فلايغسله. أخبرنا بذلك محمد بن جعفر، عن
ابن عامر، عنه.
قال محمد: وإن بال أو تغوط ونسي أن يستنجي حتى صلى فلينج موضع
البول أو الغائط وليعد الصلاة، وإذا كان مع المسافر ثوب نجس مما
يختلف الناس في الصلاة فيه فليصل فيه كما يصلي في غيره إن لم يجد
غيره، وإن كان مما أجمع العلماء على أنه لاصلاة لمن يصلي فيه
لتفاحش القذر فيه فليصل فيه قائماً لأنه في حال ضرورة فإذا وجد
الماء طهر الثوب وأعاد الصلاة، هذا قوله في (الطهارة).
وقال في (المجموع): إن نجست ثيابه بما لاتحل الصلاة فيها وجسده
طاهر لم يصبه شيء خلع ثيابه وصلى قاعداً يومي إيماء وتجزئه صلاته.
قال: ولو أن مبطوناً في سفر نجس جسده ولم يمكنه من يطهره فحضرت
الصلاة تيمم وصلى فإذا أصاب الماء طهر جسده وأعاد ما صلى على تلك
الحال وكذلك إن نجست ثيابه مع جسده.
(2/155)
وقال بعضهم: لايصلي حتى يطهر جسده من النجاسة ثم يقضي ما ترك من
الصلوات، فإن نجست ثيابه وجسده طاهر لم يصبه شيء ولم يمكنه تطهير
ثيابه ولاطاهراً يصلي فيه صلى في ثيابه، فإذا أصاب الماء طهرها
وأعاد ما صلى فيها في تلك الحال.
وقال أبو حنيفة: يخلع ثيابه النجسة، ويصلي قاعداً يومي إيماء.
روى محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لاتعاد الصلاة من نضح دم
ولابول.
ـ مسألة: أثر النجاسة بعد الغسل
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ وسئل عن دم الحيض
إذا أصاب الثوب فلم يذهب أثره قال: تغسل ماقدرت ولابأس إذا غلب فلم
يخرج أثره إذا لم يبين فيه قذر أو نتن.
وقال محمد: إذا غسل الثوب من جنابة أو دم أو بول أو غائط أو ما
أشبه ذلك فبقي له أثر أو رائحة فلابأس بلبسه والصلاة فيه.
ـ مسألة: صلاة العراة على الأرض وفي الماء
قال محمد: يصلي العران قاعداً ويستر عورته بحشيش طاهر، أو تبن، أو
بقل أو غير ذلك مما يستره إذا سجد حتى لاتبدو عورته، ويركع ويسجد
فإن لم يجد شيئاً من ذلك ستر عورته بفخذيه وساقيه وضم فخذيه إلى
عورته وجعل ساقه اليمنى على ساقه اليسرى حتى يستر عورته، وألزم
قدميه الأرض منتصبتين حيال القبلة، وأومى إيماء يجعل إيماءه للسجود
أخفض من الركوع وكذلك المرأة بهذه المنزلة فإن كانوا جماعة صلوا
وحداناً.
وقد رخص بعض العلماء في أن يصلوا جماعة فإن أرادوا أن يصلوا جماعة
صلوا جلوساً يومون إيماء يكون إمامهم وسطهم وهم صف عن يمينه وعن
شماله ولايتقدمهم.
وروى محمد بإسناده عن علي، قال: إذا كان العريان يراه أحد صلى
جالساً، وإن كان لايراه أحد صلى قائماً، وإن كان في ما أومى إيماء
ولم يسجد على الماء، وإن كان العريان بقرب الماء دخل فيه حتى يواري
سرته ثم يصلي يومي إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع، ولايسجد على
الماء.
وقد روي عن الحسن البصري أنه قال: يسجد على متن الماء.
(2/156)
وإذا كان في الثلج أو الردغة لايمكنه غير ذلك فإنه يومي إيماء
وكل هؤلاء يصلون بأذان وإقامة.
ـ مسألة:
وقال محمد ـ فيما أخبرنا محمد، عن ابن عامر، عنه ـ: ولو أن عرياناً
صلى وهو لايجد ثوباً، فلما تشهد في آخر صلاته وجد ثوباً فسدت صلاته
وأعادها في الثوب إن كان يدرك وقت الصلاة، وإن كان لايدرك الوقت
فصلاته تجزئه. قال: ولو أن رجلا صلى في ثوب فيه أكثر من مقدار
الدرهم بول أو دم فلما تشهد في آخر صلاته وجد مايغسل به البول أو
الدم فسدت صلاته وعليه أن يغسل النجاسة ويعيد الصلاة.
ـ مسألة: هل يصلي وعلى ذكره خرقة
قال محمد: لابأس أن يصلي الرجل وعلى إحليله خرقه مشدودة.
ـ مسألة: الصلاة في ثوب الذمي
قال محمد: إذا اشترى رجل من ذمي ثوباً كان يلي جسده ويمتهنه قميصاً
أو سراويلاً فليغسله قبل أن يصلي فيه، وإذا نسج الذمي أو المجوسي
ثوباً أو خاطه فأحب إلي أن يغسله قبل أن يصلي فيه.
وقد روي عن علي صلى الله عليه في الصلاة فيه رخصة، ولاأدري كيف صحت
ذلك.
ـ مسألة: الصلاة في ثوب شارب المسكر
قال محمد: وقد كرهت الصلاة في ثوب من علم أنه يسكر من النبيذ،
يقال: لأنه لم يستنزه من البول والصلاة جائزة في ثوب من لاتجوز
شهادته مالم يعلم مكروه.
ـ مسألة: الصلاة في الثوب الذي يخرج من النساج
قال محمد: لابأس بالصلاة في الثوب الذي يخرج من النساج قبل أن
يغسل.
روي عن علي صلى الله عليه أنه كان يفعله فإن هو احتاط فغسله قبل أن
يصلي فهو أحب إلينا، وإذا اشترى ثوباً جديداً أو لبيساً من سوق
المسلمين فلابأس أن يصلي فيه.
ـ مسألة: هل يصلي في ثوب قد تمسح به
قال محمد في (الصلاة): لابأس أن يصلي الرجل في ثوب منديل قد مسح به
وجهه وذراعيه حين توضأ للصلاة، ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أنه توضأ فمسح وجهه بثوبه وصلى، وقد كره بعض أهل العلم الصلاة
فيه.
ـ مسألة: السجود على الصوف والشعر و......
(2/157)
كان أحمد بن عيسى عليه السلام لايرى بأساً بالسجود على الثياب
من القطن وما أشبه ذلك.
وقال القاسم عليه السلام وسئل عن السجود على اللبود والمسوح والبسط
وما أشبهها فقال: يستحب لكل مصل أن يضع جبهته على التراب وحضيض
الأرض فإن كان لابد مما يتوقى به الأرض كان مما تنبت الأرض إلا أن
يخشى ضرر الحر والبرد فيتوقى بما يوقيه، ويسجد من ذلك على ما أحب.
وقال القاسم عليه السلام، فيما حدثنا علي، عن محمد، عن أحمد، عن
عثمان، عن القومسي قال: سألت القاسم عن السجود على اللبود والمسوح.
فقالك يكره أن يسجد على شيء إلا ما أنبتت الأرض من الحصر والخصف
والخُمَر.
وسألته عن السجود على الثياب فقال: أما مايوقى به من حر أو برد
فلابأس به.
وقال محمد: روي عن محمد بن القاسم صاحب الطالقان عليه السلام أنه
قال: ماجاز لك الصلاة فيه جاز لك السجود عليه، وصوبه آل رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك.
قال محمد: لابأس بالسجود على الصوف والشعر واللبد والثوب والفرو
والنطع، وغير ذلك مما تجوز الصلاة فيه، والسجود على غير ما أنبتت
الأرض جائز، وكل ما جازت الصلاة فيه جاز السجود عليه.
بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يسجد على الصوف
والشعر والنطع.
وعن ابن عباس، وأبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنهما سجدا على
بساط.
وروي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم قالوا: كنا نتقي
بفضول ثيابنا الحر والبرد.
ـ مسألة: إذا كان على الثوب صورة هل يصلى فيه أو عليه
قال محمد: تكره الصلاة على بساط فيه تصاوير، ويكره للرجل والمرأة
أن يصليا في زنار فيه صلبان فإن صليا فلايعودا، ويكره أن يصلي
الرجل وفي كمه دنانير أو دراهم أو ما أشبه ذلك فيها تماثيل أو
صلبان.
باب البقاع التي يصلى عليها وإليها
ـ مسألة: يستحب لمن صلى في فضاء أن يجعل أمامه سترة
(2/158)
قال القاسم عليه السلام ـ فيما رواه داود عنه، وهو قول محمد ـ:
ويستحب لمن صلى في فضاء أن يجعل بين يديه سترة، فإن لم يجد مايستتر
به خط خطاً بينه وبين إمام وجهه، وإن أمكنته سترة فلم يستتر لم يكن
عليه في ذلك نقص.
وروى محمد بإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كانت له
عنزة يتوكأ بها ويغرزها بين يديه إذا صلى.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قيل له: إن الدواب تمر بين
أيدينا ونحن نصلي. فقال: مثل مؤخرة الرجل يكون بين يدي أحدكم ثم
لايضره مامر بين يديه.
وعن أبي سعيد، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن
يدفع ـ يعني من يمر بين أيدينا ونحن نصلي ـ.
وعن ابي سعيد قال: أمرنا أن لانذر أحداً يمر بين أيدينا ونحن نصلي.
ـ مسألة: إذا صلى إلى نجاسة أو كلب أو حمار أو مشرك أو امرأة
قال القاسم عليه السلام ـ فيما رواه داود عنه ـ: وإذا مر بين
المصلي وبين سترته خنزير أو مثله مما نهى الله عن أكله استحببنا له
أن يستقبل صلاته استقبالا، وأن يبتديها ابتداء، وإن سقط بينه وبين
سترته شيء من الأقذار والأنجاس فلايصل إليه حتى ينجيه فإن صلى إليه
شيئاً من صلاته استقبل صلاته ولم يمض لها، ولم يعتد بما كان منها.
وقال الحسن عليه السلام: إذا كان في جانب الحصير الطويل أو البوري
قذر فلابأس أن يصلي في جانبه الطاهر إلى الموضع الطاهر مالم يكن
الموضع القذر في القبلة.
وقال الحسن أيضاً ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ: وإذا
ألزق الخنزير برجل وهو يصلي فالاحتياط له أن يستقبل الصلاة.
وقال محمد: يكره للرجل أن يصلي وبينه وبين القبلة سترة نجسة أو
مكان نجس، أو خنزير، أو نحوه، أو مشرك، أو ثوب نجس يكره له أن
يتعمد ذلك. ونهي عن الصلاة تجاه حش، وذكر عن أبي حنيفة وغيره أنهم
رخصوا في مثل ذلك.
وقال محمد بن خليد، قال محمد بن منصور: وأحب له الإعادة ـ يعني في
ذلك كله ـ.
(2/159)
وذكر عن سعيد بن جبير وغيره أنهم كرهوا أن يصلي وأمامه مجنبٌ أو
من كان نحوه في النجاسة.
وقال في (المسائل): وإذا مر بين يدي المصلي كلب أو حمار أو امرأة
حائض فلايقطع ذلك صلاته.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
<لايقطع الصلاة شيء، ولكن ادرأوا ما استطعتم>. وعن علي صلى الله
عليه مثله.
وعن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي صلاته من
الليل وأنا معترضة بين يديه نائمة.
وعن أبي جعفر عليه السلام وسئل أتقطع المرأة الصلاة؟ فقال: لا يقطع
الصلاة شيء، فكيف يصنع بمكة إذاً.
ـ مسألة:
وعلى قول القاسم، والحسن، ومحمد: إذا صلى رجل وتحت قدمه أو موضع
سجوده نجس أعاد الصلاة، وكذلك إن صلى وموضع يديه وركبتيه نجس على
قول القاسم ويتبع على قول الحسن ومحمد أن يعيد استحباباً.
قال محمد: ,غذا طرح المصلي على موضع قذر فلا أحب الصلاة عليه فإن
صلى عليه ناسياً فلا أرى عليه إعادة.
ـ مسألة: فيمن صلى وأمامه صورة الحيوان
قال محمد: تكره الصلاة على بساط فيه تصاوير، وتكره الصلاة في البيت
الذي فيه الصورة، وتكره الصلاة في البيعة من أجل التصاوير، ولابأس
بالصلاة في الكنيسة.
ـ مسألة: فيمن صلى وأمامه سيف أو مصحف أو قنديل أو ما يشغل المصلي
من حجلة أو سرير أو نحو ذلك
قال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد بن حاجب، عن ابن وليد، عن
جعفر الصيدلاني، عنه ـ: وسئل عن الصلاة في هذه القباب العاج، فقال:
ما أحب أن أصلي فيها، وسئل عن الرجل يكون له قرابة فيدعوه إلى
الطعام وفي بيته من هذه الحجال والنجد البدعة فقال: لايجبه.
وقال محمد: يكره للرجل أن يصلي وبين يديه سراج أو قنديل أو نار
توقد أو سيف أو مصحف. وقد كره له أن يصلي وبينه وبين القبلة حجلة
أو سرير، وإن فعله فاعل أجزته صلاته، وإنما كره ذلك لشغل قلبه.
(2/160)
وفي رواية ابن خليد عن محمد: ويقال لايعد لمثل ذلك. وكذلك لو
صلى في الحجلة أو على السرير لم نأمره بالإعادة، ونهى عن الصلاة
حذا قوم يتحدثون إذا كانت وجوههم إليه. وقد قيل أيضاً: حذاء
النيام.
وقال محمد ـ فيما حدثنا علي، عن محمد بن وليد، عن سعدان، عنه ـ:
ولايصلي إلى مصحف فإن كان عن يمين القبلة فلابأس به.
قال: وإن دعي إلى مثل قبة من فضة فلايجب، وغن كانت من عاج فقد ذكر
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <ما أشغل عليا عن
حجلة>، وذكر عن سلمان نحواً من ذلك.
ـ مسألة: الصلاة في أعطان الإبل
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية عنه ـ: لابأس بالصلاة في أعطان
الإبل، ودمن الغنم، وليس بصحيح ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أنه كره الصلاة في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين وما
أعجب هذه الرواية مخالفة لكتاب الله عز وجل، قال الله عز وجل:
{ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين..} إلى ىخر الآية.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ:
وسئل عن الصلاة في معاطن الإبل. فقال: في ذلك كراهية.
وقال محمد: لابأس بالصلاة في مراح الغنم، والبقر، وأما مبارك الإبل
فسمعنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الصلاة فيها.
وقال: ولابأس بالصلاة إلى البعير والراحلة قد فعل ذلك بعض أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ـ مسألة: الصلاة في الحمامات والمقابر والطرق
قال القاسم عليه السلام: كرهت الصلاة في بيوت الحمام الداخلة
لقذرها ولم ننه عن الصلاة في بيوت الحمام الخارجة، وكرهت الصلاة في
المقابر ونهي عن الصلاة على قارعة الطريق لمعنى المضرة بالمارة،
وليست المضرة من أخلاق المسلمين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم: <لاضر ولاضرار في الإسلام>.
(2/161)
وروى داد عن القاسم نحو ذلك وزاد فيه: ولم ينه عن الصلاة في
بيوت الحمام الخارجة النقية من الأقذار التي ليس فيها قذر ولا
أنتان مؤذية، وإنما كرهت الصلاة في داخلها. ونهي عن الصلاة على
قارعة الطريق لمعنى الأقذار والأضرار بالمار ولابأس به إن لم يكن
فيه ضرر عليه أو على مار، وكان مقامه ومسجده نقياً من الأقذار،
وإنما كرهت الصلاة على المقابر لإكرام أهلها إن كانوا مؤمنين
ولقذرهم ونجاستهم إن كانوا كافرين.
وقال محمد: ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن
الصلاة في الحمام والمقبرة والمجزرة وقارعة الطريق فجاء الحديث
مرسلاً، فتكره الصلاة في بيوت الحمام جميعاً. وقد رخص بعضهم في
الصلاة في البيت الخارج الذي يجلس فيه صاحب الحمام، وتكره الصلاة
على الجواد من الأرض وإن فعل ذلك أجزته صلاته.
وروى محمد بإسناده، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ينهى عن الصلاة في سبعة مواطن، في: المزبلة، والمجزرة،
والمقبرة، وعلى قارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق
بيت الله الحرام.
وعن الحكم، عن علي صلى الله عليه قال: لاتصل في حمام، ولا تجاه
قبر، ولا تجاه حش.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <لعن الله اليهود
والنصارى كما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد>.
ـ مسألة: الصلاة في الموضع الذي غسل فيه الميت
قال محمد: لا أحب الصلاة على الموضع الذي يغسل فيه الميت، ولايتعمد
ذلك المكان أحد وهو يجد غيره.
ـ مسألة: الصلاة جوف الكعبة وفوقها وفي الحجر وإلى الحجر
قال القاسم عليه السلام: لابأس بصلاة التطوع في الكعبة وفي الحجر،
لأنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى في الكعبة،
وسئل عن دخول الكعبة فقال: دخولها حسن.
(2/162)
وروى داود عن القاسم أنه قال: لابأس بالصلاة إلى الحجر لأنه
لايخلو أن يصلي إلى ركن من أركان الكعبة وأي ركن توجه إليه من
أركانها فهو قبلة من داخل أو خارج، ولابأس بالصلاة في الكعبة كذلك.
وقال محمد: لاصلاة لمن صلى فوق البيت الحرام.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لابأس بذلك. وقال في الحج: ولابأس
بالصلاة في البيت وفي الحجر ومن صلى في الحجر توجه إلى البيت، وإذا
أراد أن يصلي في الكعبة فيجزيه أن يقصد بوجهه أي جوانب البيت شاء،
وأحب إلينا أن يتوجه حيث ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه
صلى وهو بحذا الداخل من باب البيت وهو أن يقوم على الرخامة بين
الاسطوانتين ويكون إلى الاسطوانة اليسرى أقرب قليلا.
وقد كره بعض العلماء أن يصلي الفريضة في البيت وفي الحجر. وعلى قول
محمد إن صلى الإمام في جوف الكعبة إلى حائط من حيطانها وصلوا خلفه
صفوفاً جاز، وإن قام وسط البيت واستداروا حوله أجزاهم.
ـ مسألة: الصلاة في الطاق
قال محمد: الصلاة خارجاً عن الطاق الذي يكون في المسجد أحب إلي من
الصلاة فيه، لأنه بلغنا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم وغيرهم أنهم كانوا يكرهون ذلك.
ـ مسألة: الصلاة على دكاكين السوق والدور
قال محمد ـ فيما حدثنا علي بن محمد، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ،
وسئل عن الصلاة على الدكاكين التي تبنى على أبواب المنازل أفيها
ورع؟ فقال: ليس عليه شيء فيما بينه وبين الله، ولافيما بينه وبين
الناس، وإنما يتوقى هذا لئلا يصيب شيئاً، ولو أن رجلا قام في
الطريق أو قعد يبول فأعنت لزمه ما أعنت، ولو أعنت وهو مار في
الطريق لم يكن عليه شيء.
قال سعدان: فقلت له: ماترى في الصلاة في الدكان الذي يكتريه البائع
أيصلي فيه إنسان؟ فذكر لي حديث علي عليه السلام حين استظل في يوم
المطر في سقيفة ذلك فدفعه فصفقه علي عليه السلام صفقة....
ـ مسألة:
(2/163)
قال محمد: ويكره للمصلي أن يقوم في موضع مستقبل، ويسجد على موضع
مرتفع ويكره له أن يصلي وبينه وبين القبلة حفرة.
ـ مسألة: السجود على الطين والماء
قال القاسم عليه السلام: إذا كان الرجل في ماء وطين سجد في الطين
والماء مالم يكن في ذلك مايضره، وقد ذكر عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم أنه صلى في ماء وطين.
وقال الحسن عليه السلام: وقد ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أنه صلى في ماء وطين.
وقال الحسن عليه السلام: إذا كنت في سفر وفي الطريق الوحل والماء
ولاتقدر على السجود على الأرض وأردت الصلاة فأوم برأسك إيماء
ولاتسجد إلا على الأرض فإذا جزت إلى مكان يابس تقدر على السجود على
الأرض فأعد الصلاة ماكنت في وقتها فإن كان وقتها قد خرج فلا تعدها.
وقال محمد: إذا كان الرجل في ماء صلى فيه يومي إيماء ولايسجد على
الماء. وروى ذلك عن علي صلى الله عليه.
وإن كان في طين فكان الصلاة فيه لايضر به ولايثوبه فليصل فيه، وإن
كانت تضربه أومى إيماء.
وإن كان على دابة في يوم مطير في سفر فلم تمكنه الصلاة على الأرض
من الطين والماء صلى على ظهر دابته الفريضة يومي إيماء يجعل السجود
أخفض من الركوع.
وروي بإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى الفريضة في
يوم مطير على الدابة.
باب التوجه إلى الكعبة
ـ مسألة: إذا تحرى فأخطأ جهة القبلة يعيد أم لا؟
قال القاسم في رواية داود عنه: قد أمر الله سبحانه إذا أراد الرجل
الدخول في صلاته أن يستقبل القبلة في مصلاه، وسئل عمن صلى لغير
القبلة في يوم غيم ثم علم بعد ذلك، هل عليه إعادة الصلاة؟ فقال:
يعيد ماكان في وقته حسب.
وقال الحسن عليه السلام: البيت قبلة أهل الإسلام، فإذا كنت بمكة
فاستقبل البيت من أي جوانبه أحببت، وإذا غبت عنه ـ يعني تحريت جهته
ـ، فإن لم تدر كيف التوجه إليه صليت بين المشرق والمغرب.
(2/164)
وقال محمد: قال الله عز وجل: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث
ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} فإذا أشكلت على المسافر القبلة تحرى
جهة القبلة، فإن تحرى في يوم غيم أو في ليلة ظلماء فأخطأ ثم علم
وهو راكع أو ساجد أنه على غير القبلة فإن كان منحرفاً قليلاً
يميناً أو شمالاً انحرف في حال ركوعه إلى القبلة وإن كان مستدبراً
القبلة استقبل الصلاة.
وكذلك إن كان علم بعدما فرغ من الصلاة أنه صلى على غير القبلة فإن
كان انحرافه عن القبلة يميناً أو شمالا إلى المشرق أو إلى المغرب
فصلاته جائزة كما ذكر في الحديث: <مابين المشرق إلى المغرب قبلة
إذا لم يعلم>.
وإن كان صلى مستدبراً القبلة فقد قال قوم: يعيد. وقال قوم: لايعيد.
قال محمد: وكذلك إن أم قوماً فتحرى وصلى بهم مستدبراً القبلة ثم
علم أعاد وأعادوا، وقد ذكر فيه الرخصة أن لايعيدوا وإنما تجوز
الجماعة للمتحرين إذا اتفق تحريهم على جهة واحدة، وإن لم يتحروا
جميعاً فصلاتهم جميعاً باطلة، وإنما يكون التحري في غير مصر في بر
فأما إذا تحرى في المصر فأخطأ القبلة فليُعد على كل حال.
ـ مسألة: صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت به
قال القاسم عليه السلام ـ وهو قول الحسن ومحمد ـ: جائز أن يوتر
المسافر على الراحلة أو على الحمار، أو في المحمل، إذا لم يقدر على
الأرض، والوتر على الأرض أحب إلينا.
قال الحسن عليه السلام: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه
كان ربما صلى صلاة الليل في الفر على راحلته حيث ماتوجهت به يومي
إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا حسين، عن زيد، عن أحمد، عنه
ـ، وسئل عن المريض يصلي الفريضة في المحمل؟ فقال: إن أمكنه النزول
ولم يخف الفوت نزل.
(2/165)
وقال محمد: إذا صلى المسافر الفريضة على الأرض ثم عجل به الركوع
قبل أن يصلي السنة أو نافلة فلابأس أن يصليها راكباً على الراحلة
أو على الدابة أو في المحمل يومي إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع
حيث ماتوجهت به راحلته لايبالي كان مستقبل القبلة أو مستدبرها
الوتر وركعتي الفجر وغير ذلك، فأما الفريضة فلايصلها إلا على الأرض
إلا من ضرورة وعذر يعذر به من مرض أو خوف أو نحو ذلك، ويومي أيضاً
في الفريضة إيماء أينما توجهت به راحلته.
ـ مسألة: الصلاة في السفينة
قال القاسم، ومحمد: يصلي المصلي في السفينة قائماً فإن لم يمكنه
صلى قاعداً فإن لم يمكنه صلى على الحالة التي يمكنه ويدور نحو
القبلة إذا دارت السفينة.
وقال الحسن عليه السلام ـ في رواية ابن صباح عنه، وهو قول محمد في
(المسائل) ـ: وإذا كان قوم في سفينة في البحر فحضرت صلاة وضربت
الأمواج والرياح، واشتبهت عليهم القبلة، ولم يمكنهم الخروج منها
إلى الجد فإنهم يتوجهون القبلة ويصلون قياماً يركعون ويسجدون إن
استطاعوا.
قال محمد: وإن شاؤا صلوا جماعة إذا اتفق تحريهم على جهة واحدة، وإن
لم يمكنهم أن يركعوا ويسجدوا فليوموا إيماء يجعلون السجود أخفض من
الركوع.
قال الحسن، ومحمد: فإن لم يمكنهم القيام صلوا جلوساً يركعون
ويسجدون.
قال محمد: وعلى أي حال صلوا فإنهم يتوجهون إلى القبلة يدورون مع
القبلة حيث دارت السفينة ينصبون علماً يعرفون به القبلة فأينما
دارت السفينة توجهوا إلى القبلة فإن لم يمكنهم ذلك فقد قيل يكبرون
أول الافتتاح على القبلة ثم يصلون ولايضرهم حيث دارت.
قال الحسن، ومحمد: وإن لم يمكنهم السجود صلوا قعوداً يومون إيماء
يجعلون السجود أخفض من الركوع، ولايعودوا لمثل ذلك إلا لما لابد
لهم منه.
(2/166)
قال سعدان ـ فيما أخبرنا زيد، عن هارون، عنه، قال ـ: سألتأبا
جعفر عن المصلي في السفينة إن احتاج إلى أن ينظر إلى السماء. فقال:
هذا موضع ضرورة أرجو أن لايكون عليه شيء إن شاء الله تعالى.
باب الصلاة وكيفيتها
ـ مسألة: فرض الصلاة
قال محمد: فرض الصلاة عندنا الذي لايزول عن العبد في حال من
الأحوال إذا كان معه عقله: القيام في الصلاة لمن استطاع، والتوجه
إلى الكعبة لقوله تعالى: {فولوا وجوهكم شطره}، وينوي حين يتوجه أن
توجهه إلى الكعبة، واللباس لقوله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد}
يريد بذلك اللباس والتستر في الصلاة، ولاتجزي صلاة إلا بلباس يواري
إلا أن لايقدر على ذلك. والنية، ينوي لصلاة الظهر أنها الظهر يعتقد
بنيته حين يكبر التكبيرة الأولى لافتتاح الصلاة. وتكبيرة الافتتاح
لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <تحريمها التكبير>، فليس
بداخل في الصلاة حتى يكبر. والقراءة في الركعتين، لقول النبي صلى
الله عليه وآله وسلم: <كل صلاة بغير قراءة فهي خداج>، والركوع،
ورفع الرأس من الركوع حتى يستوي قائماً، والسجود، ورفع الرأس من
السجود حتى يستوي قاعداً، ويستتم صلاته كذلك.
وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن جماعة من أصحابه
والتابعين أنهم قالوا : إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته،
وما سوى ماسميناه بعد التكبيرة الأولى من الاستعاذة والاستفتاح
وسائر التكبير في الرفع والخفض وسمع الله لمن حمده والتسبيح في
الركوع والسجود والتشهد في الركعتين الأوليين وفي آخر الصلاة
والتسليم فكل ذلك من سنن الصلاة لاينبغي لأحد أن يتعمد ترك شيء من
ذلك.
وبلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <مفتاح الصلاة
الطهور>.
ـ مسألة: صفة القيام في الصلاة
قال القاسم عليه السلام: يستحب للرجل في صلاته تسكين أطرافه كلها
لأنه من الخشوع في الصلاة.
(2/167)
وقال محمد: إذا أردت أن تصلي الفريضة وقصدت إليها فانتصب قائماً
متوجهاً إلى القبلة تنوي بذلك الكعبة خاشعاً، قال الله عز وجل: {قد
أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}، واجمع قلبك واحضر نيتك
لأداء فريضة الله عليك، وتفهم ماتقرأ، ولاتحدث نفسك إلا بالذي أنت
فيه من مقامك بين يدي ربك سبحانه، ويكون نظرك في قيامك إلى موضع
سجودك، لاتصرف عنه بصرك، وكذلك يكون نظرك في الركوع إلى موضع سجودك
أو دونه، ولاتلتفت في شيء من صلاتك، ولاتغمش عينيك، ولاتحد بصرك،
كن خاشعاً كما أمر الله عز وجل.
ويكره للمصلي أن يعتمد على إحدى رجليه أكثر من الأخرى في الفرض،
وأرجو أن لايكون به بأس في التطوع، وروي عن علي بن الحسين عليه
السلام أنه كره أن يتروح في الصلاة وهذا عندنا منه في الفريضة لأنه
قد ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان ربما تروح في
الصلاة. ووجه ذلك عندنا في التطوع.
ويفرق قدميه قليلا فإن تفريقهما أفضل، رأى علي بن أبي طالب صلى
الله عليه رجلا قد ألصق ركبتين وهو راكع فضربه بالدرة.
ـ مسألة: الافتتاح بـ(الله أكبر)
كان أحمد، والقاسم، والحسن يفتتحون الصلاة بـ(الله أكبر) ولم
يبلغنا عن أحد منهم أجاز أن يفتتح بغير ذلك.
قال القاسم ـ في رواية داود عنه ـ: أمر الله العبد إذا أراد الدخول
في الصلاة أن يستقبل القبلة في مصلاه فقال: {وقل الحمدلله الذي لم
يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل} ثم
أمره أن يكبره، ويفتتح الصلاة بالتكبير، فقال: {وكبره تكبيراً}،
وهو أن يقول: الله أكبر.
وقال محمد: إذا افتتح الصلاة فهلل مكان التكبير سهواً منه فهذا
يختلف فيه وأحب إلي أن يفتتح الصلاة بالتكبير كما جاء عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم: <تحريمها التكبير>.
(2/168)
قال محمد ـ في رواية أحمد الجلال عنه ـ: سمعت عن جعفر بن محمد
أنه قال لرجل: إذا قلت الله أكبر، أيُّشٍ تنوي به؟ قال: أكبر من
خلقه. فقال: حددت. قال له الرجل: فماذا أنوي؟ قال: أكبر من أن
يوصف.
وعلى قول محمد لايجزي التهليل مكان التكبير لأنه قال: لايجزي
الملبي أن يقول مكان التلبية لاإله إلاالله. وأخبرنا بذلك محمد بن
عبدالله، عن علي بن عمرو، عنه.
وعلى قول محمد أيضاً لايجزي الرجل أن يكبر بالفارسية وهو يحسن
العربية لأنه لم يجز له أن يقرأ بالفارسية وهو يحسن العربية.
ـ مسألة: صفة رفع اليدين في التكبيرة الأولى
قال أحمد، والقاسم، والحسن، ومحمد: ومن السنة أن يرفع الرجل يديه
في التكبير في أول الصلاة.
قال محمد: رأيت أحمد يرفعهما إلى دون أذنيه ويستقبل بهما القبلة
مفرجَةً أصابعه.
وقال إسماعيل بن إسحاق: صليت خلف أحمد عليه السلام فرفع يديه حين
افتتح الصلاة فكانتا بحيال وجهه.
وقال القاسم ـ فيما روى داود عنه ـ: يرفع يديه إذا كبر حذاء منكبيه
أو شحمة أذنيه.
وقال الحسن عليه السلام ـ في رواية ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ:
يرفعهما حذاء أذنيه مفرجة أصابعه، ولايجاوز بهما أذنيه ولارأسه،
لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذلك، وقال: <إن
إبليس حين أخرج من الجنة رفع يديه فوق رأسه>.
وقال محمد: وإن كبر ولم يرفع يديه أجزته صلاته، وما أحب له أن
يتعمد ذلك.
ـ مسألة: رفع المرأة يديها في الصلاة
قال القاسم عليه السلام: إذا كبرت المرأة للصلاة فلاترفع يديها
وتسكن.
قال الحسن عليه السلام ـ في رواية ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ:
وإذا كبرت المرأة لافتتاح الصلاة رفعت يديها إلى ثدييها مفرجة
أصابعها.
قال محمد: ويستحب لها أن تستر كفيها ولا أعلم بين أهل العلم خلافاً
أنها ترفع يديها إلى ثدييها.
ـ مسألة: إذا كبر أو سجد ويداه في ثيابه
(2/169)
قال محمد: وإن كبر لافتتاح الصلاة أو ركع أو سجد ويداه في ثيابه
أجزاه وأحب إلينا إذا كبر أن يظهر يديه ويحاذي بهما أذنيه، كما ذكر
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ـ مسألة:
كان أحمد، والقاسم، والحسن، ومحمد، يفتتحون الصلاة بتكبيرة واحدة.
وقال الحسن ـ فيما حدثنا حسين، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ: تجزي
التكبيرة الواحدة في افتتاح الصلاة. وكان جعفر بن محمد عليه السلام
يكبر سبع تكبيرات.
ـ مسألة: فيمن نسي تكبيرة الافتتاح
قال القاسم عليه السلام ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن أحمد،
عن عثمان، عن القومسي، قال ـ: ومن نسي تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع
فأحب إلينا أن يعيد تكبيرة الافتتاح وإن لم يفعل أجزته تكبيرة
الركوع.
وقال الحسن، ومحمد: ومن نسي تكبيرة الافتتاح حتى صلى أعاد لأن
تكبيرة الافتتاح بها تحريم الصلاة وتحريم الكلام.
ـ مسألة:
قال محمد: وإن دخل مع الإمام فكبر تكبيرة واحدة ينوي بها الافتتاح
والركوع جميعاً أجزته صلاته وإن نوى بها الركوع ولم ينو بها
الافتتاح لم تجزيه الصلاة وعليه إعادتها.
وروى محمد بإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <إن
لكل شيء أنفاً وأنف الصلاة التكبيرة الأولى فحافظوا عليها>.
ـ مسألة: وضع اليمين على الشمال
كان أحمد بن عيسى عليه السلام إذا كبر في أول الصلاة أرسل يديه على
فخذيه وهو قائم لايضع واحدة على الأخرى.
وقال محمد: إذا كبرت فأرسل يديك حتى تقع كفاك على فخذيك.
وقد ذكر عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم أنهم كانوا
يضعون أيمانهم على شمائلهم في الصلاة، وإنه لمما يختلف فيه، وإنما
ذكر عمن كان يفعله أنه كان يضع كفه اليمنى على موضع الرسغ من
اليسرى من الذراع، وأما وضع اليمنى على كف اليسرى فيكره، ويقال:
إنه فعل اليهود.
وروى ابن عبدالجبار، عن محمد أنه أجاز وضع اليمنى على الرسغ أسفل
السرة غير الفرض وكره ذلك في الفرض.
(2/170)
ـ مسألة: هل الاستفتاح والتعوذ قبل التكبير أو بعده
قال أحمد، والحسن، ومحمد: يبدأ بالتكبير ثم الاستفتاح ثم التعوذ ثم
القراءة.
قال أحمد عليه السلام: ولاأعرف الاستفتاح قبل التكبير، وكذلك كان
عبدالله بن موسى يبدأ بالتكبير ثم الاستفتاح.
قال الحسن عليه السلام: وقد ذكر عن زيد بن علي أنه قال: التعوذ قبل
التكبير.
وقال القاسم عليه السلام: التعوذ والاستفتاح قبل التكبير، واحتج
بالآية: {وقل الحمدلله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في
الملك ولم يكن له ولي من الذي وكبره تكبيراً} يعني أنه يبدأ
بالتعوذ ثم الاستفتاح ثم التكبير ثم القراءة.
وفي رواية داود عنه: أنه يبدأ بالاستفتاح ثم التعوذ ثم القراءة.
قال محمد: ذكرت التعوذ لحسين بن عبدالله فرآه قبل التكبير.
وقال محمد: الاستفتاح والتعوذ عندنا بعد التكبير، وكذلك سمعنا عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن علي صلى الله عليه وعن غيره من
أهل البيت وغيرهم.
وقال الحسن بن يحيى: والتعوذ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان
الرجيم.
وقال محمد: التعوذ أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويخفي
الاستعاذة وليس على من خلف الإمام استعاذة.
ـ مسألة: مايقال في الاستفتاح
قال أحمد، والحسن، ومحمد: يقول المصلي: الله أكبر، وجهت وجهي للذي
فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين إن صلاتي
ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له وبذلك أمرت وأنا من
المسلمين. ثم يتعوذ وهو استفتاح علي صلى الله عليه.
وقال الحسن عليه السلام ـ في رواية ابن صباح عنه، وهو قول محمد ـ:
الذي نأخذ به في الافتتاح هو الذي سمعنا عن علي صلى الله عليه، وعن
أبي جعفر، وزيد بن علي، وعبدالله بن الحسن، وجعفر بن محمد عليهم
السلام، وهو: وجهت وجهي.. إلى آخره.
(2/171)
وقال محمد في موضع آخر: وكذلك رأينا مشائخ آل رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم ماخلا القاسم بن إبراهيم عليه السلام فإنه كان
يستفتح بالآية: {الحمدلله الذي لم يتخذ ولداً..} إلى آخرها.
وقال الحسن، ومحمد: ولايجهر بالاستفتاح.
قال أحمدك وإن شاء استفتح باستفتاح ابن مسعود: سبحانك اللهم وبحمدك
وتبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولاإله غيرك، أنت كما أثنيت على
نفسك، لاأحصي ثناء عليك، تعاليت عما يقول الظالمون علواً كبيراً..
إلى آخره، وإن شاء جمعها كلها، وإن شاء بعضها، وقد جاء عن أبي جعفر
غير ذلك، وعن زيد بن علي خلاف ما قال أبو جعفر فكل ذلك يدل على
السعة فيه.
وقال القاسم: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في افتتاح
الصلاة وجوه مختلفة وكلها حسنة.
روى حذيفة أنه سمعه يقول حين افتتح الصلاة: <الله أكبر، ذو الملكوت
والجبروت والكبرياء والعظمة>.
وذكر عن غيره: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: <سبحانك
اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولاإله غيرك>.
وروي عن علي صلى الله عليه في حديث ابن أبي رافع افتتاح طويل يعني
قوله: اللهم أنت الملك لاإله إلاأنت.
قال الحسن: وقد روي عن علي صلى الله عليه في الاستفتاح: الله أكبر
اللهم أنت الملك لاإله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي
واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لايغفر الذنوب إلا أنت،
لبيك وسعديك، والخير في يديك، والمهدي من هديت، ولاملجأ منك إلا
إليك، تباركت ربنا وتعاليت، سبحانك رب البيت. ثم يتعوذ، ثم يقرأ.
وقال الحسن أيضاً في رواية ابن صباح عنه، وهو قول محمد في
(المسائل): جائز أن يقال في الاستفتاح: اللهم أنت الملك لاإله إلا
أنت.. إلى آخر الكلام ذكر ذلك عن علي صلى الله عليه. وجائز أن يقول
في الاستفتاح: الحمدلله الذي لم يتخذ ولداً.. الآية.
قال محمد: وكل ذلك حسن.
وقال محمد في الصلاة: قل الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء
والعظمة.
(2/172)
قال محمد ـ فيما حدثنا القاضي، عن ابن عمرو، عنه ـ: رأيت بعض
بني هاشم يفعله.
وروى محمد بإسناد عن جبير بن مطعم، قال: رأيت رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم حين دخل في الصلاة، قال: <الله أكبر كبيراً
والحمدلله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً، اللهم إني أعوذ بك من
الشيطان الرجيم.
وقال محمد ـ فيما حدثنا الحسين، عن ابن وليد، عن سعدان ـ قال: سألت
أبا جعفر عليه السلام عن استفتاح المرأة تقول: حنيفاً مسلماً؟ قال:
نعم. قلت: فإن قالت: حنيفة؟ فأجازه. قلت: فإن استفتحت ببعض الآية؟
قال: جائز. قلت: فإن تركت الاستفتاح؟ قال: جائز.
مسألة: وجوب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم
قال محمد: كان أحمد بن عيسى، وعبدالله بن موسى عليهما السلام يجهر
ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين وكذلك كان ولد علي صلى الله
عليهم جميعاً.
وقال الحسن، ومحمد: أجمع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على
الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين.
وقال الحسن عليه السلام ـ في رواية ابن صباح عنه، ومحمد في
(المسائل)، وسئلا عمن لايجهر ولايقنت في الفجر ويقول: هذه بدعة. ـ
فقالا: نقول إن آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجمعوا على
الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين وعلى القنوت في الفجر
فمن زعم أن آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجمعوا على بدعة
فقد أساء القول وخالف ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
واعتدى في القول.
وروى محمد بأسانيده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يجهر
ببسم الله الرحمن الرحيم وروى الجهر أيضاً عن علي وعبدالله بن
الحسن، ومحمد، وإبراهيم ابني عبدالله بن الحسن عليهم السلام، وعن
جعفر بن محمد، وعمر بن علي بن الحسين، وأحمد بن عيسى، وعبدالله بن
موسى بن عبدالله عليهم السلام.
وعن أبي بكر، وعمر، وعمار، وابن عمر، وجابر بن عبدالله، وعبدالله
بن الزبير.
(2/173)
وعن أبي عبدالله الجدلي، وابن معقل، وسعيد بن جبير، وعطاء،
وطاووس، ومجاهد، والزهري، وأبي عاصم النبيل أنهم كانوا يجهرون ببسم
الله الرحمن الرحيم.
مسألة: بسم الله الرحمن الرحيم آية من كل سورة
قال محمد: وإذا قرأ الرجل في ركعة واحدة عشر سور من القرآن جهر
فيهن جميعاً ببسم الله الرحمن الرحيم، إن كانت صلاة يجهر فيها
بالقراءة، وإن كانت صلاة مخافت فيها خافت فيها ببسم الله الرحمن
الرحيم كما يخافت بالقراءة.
وروى محمد عن علي صلى الله عليه أنه كان يصلي بهم فيقرأ في
السورتين والثلاث فيجهر في كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم. وعن
ابن عمر نحو ذلك.
حدثنا القاضي ابن النهرواني، قال: حدثنا سعدان بن محمد إملاء من
حفظه، قال: سمعت أبا جعفر بن منصور وهو يقول: لو أن رجلا حلف
بالطلاق أنه قد قرأ القرآن ولم يقرأ في أول كل سورة بسم الله
الرحمن الرحيم طلقت امرأته.
وقال محمد ـ فيما حدثنا علي بن محمد، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه
أنه قال ـ: لو أن رجلاً قرأ المصحف ثم لم يقرأ في فاتحة كل سورة
بسم الله الرحمن الرحيم، ثم حلف بالطلاق أنه قد قرأ القرآن طلقت
امرأته. وقال محمد، فيما أخبرنا زيد بن حاجب، من كتابه عن أحمد بن
علي، عن ابن عبدالجبار، قال: سألته عمن أراد أن يقرأ قل هو الله
أحد مائة مرة أيقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة؟ قال: لايجب
عليه وإن فعل فحسن.
مسألة: فيمن ترك بسم الله الرحمن الرحيم
قال أحمد بن عيسى عليه السلام ـ فيما رواه محمد بن فرات، عن محمد،
عنه ـ: ومن خاف الاشتهار في الجهر لم يحرج في تركه إن شاء الله،
وهو بمنزلة بعض القرآن للرجل يقرأ ماشاء ويدع منه ماشاء.
(2/174)
قال الحسن عليه السلام ـ في رواية ابن صباح عنه ـ، ومحمد في
(المسائل)، وسئلا عمن يفتتح الصلاة بالحمد ولايقرأ بسم الله الرحمن
الرحيم. فقالا: هذا شيء اختلف الناس فيه غير أن الأمة مجمعة على
الجهر بالقراءة في الفجر وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء
بفاتحة الكتاب وسورة وبسم الله من فاتحة الكتاب.
وروى محمد بإسناد عن ضميرة، عن علي صلى الله عليه قال: من لم يجهر
في صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم فقد أخدج صلاته.
مسألة: هل فرض القراءة في ركعة أو ركعتين
كان أحمد بن عيسى، والحسن، ومحمد يرون أن فرض القراءة في ركعتين في
كل واحدة من الخمس الصلوات.
قالوا: فإن نسي القراءة في الأوليين قرأ في الأخريين فإن نسي فلم
يقرأ إلا في ركعة واحدة من أي صلاة كانت أعاد الصلاة.
قال محمد: لأنه ترك القراءة في الأكثر من صلاته.
وقال القاسم عليه السلام، وسئل عمن نسي القراءة في الأوليين. فقال:
إذا قرأ في صلاته بعض القراءة فصلاته تامة، فإن لم يقرأ في شيء
منها استقبل الصلاة استقبالا لأن الله عز وجل أمرنا بالقراءة فيها
كما أمر الله بها.
مسألة: أقل مايجزي من القراءة
قال القاسم عليه السلام في رواية داود عنه: ويبتدئ فاتحة الكتاب
ويتلوها بسورة مما تيسر.
وقال الحسن عليه السلام: يقرأ في الأوليين بالحمد وماتيسر من
القرآن.
وقال الحسن أيضاً ـ فيما حدثنا حسين، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ:
وأكره للرجل أن يقرأ في الصلاة أقل من الحمد وثلاث آيات إلا أن
لايحسن القرىن فإن الحمد يجزيه.
قال محمد: أقل مايجزي من القراءة فاتحة الكتاب وثلاث آيات، فإن قرأ
الحمد وآية طويلة مثل آية الكرسي أجزاه، والأفضل أن يقرأ السورة
كاملة في ركعة، وإن قرأ ثلاث آيات من سورة أجزاه، ولايجزي الإمام
أن يقرأ ثلاث آيات من الحمد، ولكن يقرأ الحمد وثلاث آيات من غيرها.
(2/175)
بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <كل صلاة
لايقرأ فيها بفاتحة الكتاب وقرآن معها فهي خداج>.
وروى بإسناده عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
لاتجزي صلاة لايقرأ فيها بفاتحة الكتاب وقرآن معها>.
وقال قوم: تجزيه ثلاث آيات من الحمد أو من غيرها.
مسألة:
قال محمد ـ فيما أخبرنا محمد، عن ابن عامر، عنه ـ: وإذا صلى الأمي
بغير قراءة أجزته صلاته، وإن هو لما تشهد في آخر صلاته سمع آية
طويلة فحفضها قبل أن يسلم فصلاته تامة ولاإعادة عليه، وعليه أن
يستأنف مايستقبل من الصلوات بصحتهن.
مسألة: القراءة بالفارسية
قال محمد ـ فيما حدثنا علي، عن ابن وليد، عن سعدان عنه ـ: وإن قرأ
رجل في صلاته بالفارسية وهو يحسن القرآن بالعربية فليعد صلاته.
مسألة: قول آمين في الصلاة
أجمع أحمد، والقاسم، ومحمد على أن لايقولوا في الصلاة آمين،
واختلفوا في جوازها، فقال أحمد عليه السلام: إذا قال المصلي: {ولا
الضالين} فإن شاء قال آمين وإن شاء تركها، كل ذلك واسع لاحرج فيه.
قال: وأما أنا فلا أقولها.
وقال القاسم عليه السلام ـ فيما روى داود عنه ـ: ليس يعجبنا قول
آمين ـ يعني في الصلاة ـ وليست معروف من كلام العرب، والحديث الذي
جاء فيها إنما هو عن وائل بن حجر، ووائل الذي فعل مافعل.
وقال محمد: ثلاثة أشياء تخفا في الصلاة: الاستعاذة وربنا لك الحمد
وآمين لمن قالها، وقولها عندنا جائز وإن شاء فلايقلها.
مسألة: قراءة السورتين في ركعة وتكرير السورة في ركعة
قال القاسم عليه السلام ـ فيما حدثنا علي، عن محمد، عن عثمان، عن
القومسي، عنه، قال ـ: جائز أن يقرأ سورتين في ركعة إن أراد.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا حسين، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ
فيمن يقرأ سورتين في ركعة في الفريضة. قال: أحب إلي أن يقرأ الحمد
وسورة.
(2/176)
وقال محمد: لابأس أن يردد السورة الواحدة بعد فاتحة الكتاب
مراراً في الركعة من الفريضة، وإن قرأ في صلاة يجهر فيها بعشر سورة
جهر فيهن جميعاً ببسم الله الرحمن الرحيم كما يخافت بالقراءة.
مسألة:
قال محمد: ولابأس أن يقرأ السورة بنفس واحد، وذكر عن بعض أصحاب
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يكره ذلك.
مسألة: قراءة المعوذتين في الفريضة
قال محمد: جائز أن يقرأ الإمام أو غيره المعوذتين وحدهما مع الحمد
في صلاة الفريضة، هما عندنا من القرآن، ثبت عندنا أن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم قرأ بهما في الفريضة.
مسألة: هل يقرأ في الأخريين أو يسبح
سئل أحمد والقاسم عليهما السلام عن الركعتين الآخرتين من الظهر
والعصر وما أشبههما أيقرأ فيهما أو يسبح؟ فقال أحمدك أي ذلك فعل
فحسن، ولم نر به بأساً.
وروى أن علياً صلى الله عليه كان يسبح.
وقال محمد: وكان القرآن أعجب إليه.
وقال القاسم عليه السلام: الذي رأيت عليه مشائخ آل رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم على التسبيح.
وكذلك روي عن علي، قال أحمد عليه السلام: والتسبيح أن يقول: سبحان
الله سبحان الله عشراً.
وقال القاسم عليه السلام: يسبح في كل ركعة سبحان الله والحمدلله
ولاإله إلا الله والله أكبر ثلاثاً، ثم يكبر، وإن قالها في كل ركعة
مرة واحدة أجزاه ذلك.
وقال الحسن ومحمد: يقرأ في الآخرتين بالحمد وحدها في كل ركعة.
قال محمد: القراءة في الآخرتين أحب إلي والتسبيح جائز.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا محمد، عن ابن عامر، عنه ـ: ومن سبح سبح
سبع مرات.
وروى محمد حديث أبي قتادة، قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم
يقرأ في الآخرتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب.
مسألة: حد المخافتة والجهر في القراءة وغيرها
قال أحمد، والقاسم، والحسن، ومحمد: يجهر بالقراءة في ركعتي الفجر
وفي الأوليين من المغرب والعشاء، ويخافت في الظهر والعصر والأخيرة
من المغرب والآخرتين من العشاء.
(2/177)
وقال القاسم ـ في رواية داود عنه ـ قال الله سبحانه: {ولاتجهر
بصلاتك ولاتخافت بها} يقول: لاتجهر بقوله في الظهر والعصر،
ولاتخافت بالقراءة في المغرب والعشاء الآخرة والفجر، وابتغ بين ذلك
سبيلا، افصل بينهما.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ:
وإذا قرأ في صلاته سراً فاسمع أذنيه القراءة فلا بأس.
وقال محمد: المخافتة بالقراءة أن لايجهر بها، وحد المخافتة في
القراءة قدر مايسمع أذنيه، فإن كبر للافتتاح فلم يسمع أذنيه أعاد
التكبير، وإن قرأ فيما يجهر فيه قراءة تسمعها أذنيه أجزاه، وإن قرأ
في الظهر والعصر وغيرهما فلم يسمع أذنيه فأحب إلينا أن يعيد
الصلاة.
وسمعت عن يحيى بن آدم أنه أمر في هذا بالإعادة وإن كان ثقيل السمع
أجزاه أن يقرأ قراءة يعلم أنه لو كان سميعاً سمعها، وكذلك لو قرأ
قراءة المخافتة وبقربه قوم لهم أصوات عالية فلم تسمع أذناه قراءته
من أجل أصواتهم أجزته قراءته إن كان قرأ قراءة لو لم يحل بينه وبين
سماعها حائل سمعها.
وينبغي له أن يرفع صوته حينئذ حتى يسمع بعض قراءته.
قال: وماكان من تسبيح في ركوع أو سجود أو تكبير في الصلاة أو توجه
فإن حد الجهر به أن يسمع أذنيه بذلك كله ولايجزي مادون سماع
الأذنين فمن سها عن بعض ذلك فلايعد، وذكر أن صلاة النهار عجما
لايجهر فيها بالقراءة.
ومعنى عجما: يريد البهائم أنها لاتتكلم.
ورأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يصلي بالنهار رافعاً
صوته بالقرآن فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يومي بالبعر.
قال أصحاب أبي حنيفة: خافت في التطوع بالنهار، ولابأس بالجهر بها
في الليل، مالم يؤذ الذي إلى جنبه.
قالم حمد: وينبغي للمرأة أن تجهر بالقراءة في الصلاة التي يجهر
فيها أكثر قليلا مما تسمع أذنيها وليس عليها أن تجهر مثل الرجال.
مسألة: قراءة الأخرس وصلاته
(2/178)
قال محمد: ويجزي الأخرس من القراءة مايستطيع من الهمهمة إن كان
يعي شيءاً من القرآن أو من التسبيح أو من التهليل، أو من التحميد،
فإن لم يستطع الهمهمة فيجزيه من ذلك أن يضمر القراءة أو التسبيح،
وكذلك أيضاً يجزيه في استفتاحه الصلاة من التكبيرة الأولى وغيرها
من فورض الصلاة وبينها أن يهمهم أو يضمر من ذلك مايجب عليه، ويكون
قيامه في صلاته بقدر قراءة الحمد وثلاث آيات فيما كان يقرأ فيه
الحمد وسورة، وماكان يقرا فيه الحمد وحدها فبقدر قراءة الحمد،
ويلزمه في صلاته كلها مايلزم غيره من ركوعها وسجودها وخشوعها ويقف
في ركوعه وسجوده بقدر ثلاث تسبيحات أو أكثر إن أحب ذلك، فإن استتم
تشهده في آخر صلاته أدار وجهه يميناً وشمالا يهمهم بالتسليم أو
يضمره.
مسألة: صفة الركوع
قال أحمد بن عيسى عليه السلام ـ فيما رواه محمد بن فارت، عن محمد،
عن علي بن أحمد، عن أبيه ـ قال: لاتقبل صلاة إلا بتمام الركوع
والسجود. فقيل له: التطوع مثل ذلك؟ قال: نعم.
وقال القاسم ـ في رواية داود عنه ـ: وإن أراد الركوع فيكبر وهو
منتصب ثم يهوي بتكبيرة في ركوعه وسجوده.
وقال القاسم ـ فيما روى عثمان بن حبان عن القومسي، عنه ـ: ويضع
يديه على ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ولايصف ولايجمع ولايطبق.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ:
ومن السنة أن تفرج الأصابع على الركبتين في الركوع.
وقال محمد: إذا فرغت من القراءة فكبر وأنت تهوي للركوع، وإن شئت
كبرت وأنت قائم ثم تنحدر للركوع بعد إتمام التكبير. ذكر عن علي صلى
الله عليه نحوه.
(2/179)
فإذا استويت راكعاً فأمكن راحتيك من ركبتيك، وأفرج أصابعك
عليهما ولاتلزم إحدى ركبتيك بالأخرى وجاف ذراعيك عن فخذيك، ولاترفع
رأسك ولاتصوبه، وابسط صلبك، ويكون نظرك إلى موضع سجودك، أو دونه،
وإن ركع رجل فمكن راحتيه من ركبتيه ولم يسبح شيئاً أجزاه ذلك.
بلغنا ذلك عن علي صلى الله عليه، ويستغفر الله ولايعد لمثل ذلك.
وروى محمد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا ركع وضع
يديه على ركبتيه وتجافا بعضديه وأفرج بين أصابعه، وسوى ظهره حتى لو
صب عليه الماء لاستنقع.
مسألة: ركوع المرأة
قال القاسم عليه السلام: وإذا ركعت المرأة انتصبت قليلا ولاتنكب
انكباباً شديداً.
مسألة: رفع اليدين في الخفض والرفع
كان أحمد بن عيسى قديماً يرفع يديه في كل خفض ورفع ثم ترك ذلك.
قال محمد: حدثني علي ومحمد ابنا أحمد عن أبيهما، قال: يرفع الرجل
يديه في تكبيرة الركوع، وإذا استوى من الركوع قائماً رفع يديه،
وقال: سمع الله لمن حمده، ثم يكبر فسجد.
قال محمد: وحثدنا إسماعيل بن إسحاق الراشدي، قال: صليت خلف أحمد بن
عيسى عليه السلام فلما أراد أن يركع رفع يديه نحواً من حيال وجهه
ثم كبر وركع، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه مثل ذلك مع قوله:
سمع الله لمن حمده، ثم كبر، وسجد، وصلى بنا كذلك حتى فرغ وسلم.
قال محمد: وحدثنا أحمد بن طاهر الرقي أنه رأى احمد بن عيسى عليه
السلام يرفع يديه في كل خفض ورفع نحواً من حديث إسماعيل.
قال محمد: ورأيت احمد بن عيسى عليه السلام بعد ذلك يصلي فلم يرفع
يديه بعد التكبير الأولى في خفض ولارفع حتى انصرف تفقدت ذلك منه في
الفرائض وغيرها.
قال محمد: ينبغي أن يكون تركه لضعف.
وقال القاسم، والحسن عليهما السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه ـ، وهو
قول محمد في (الصلاة): ولايرفع الرجل يديه في شيء من التكبير سوى
التكبيرة الأولى.
وقال القاسم عليه السلام: يكره رفع اليدين في الخفض والرفع بعد
التكبيرة الأولى، وقال: هو عمل.
(2/180)
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى نع ذلك.
وفي رواية داود عن القاسم عليه السلام: ولايرفع يديه إلا في أول
التكبير عند الدخول في الصلاة وقد رويت أحاديث في رفع اليدين ـ
يعني في كل خفض ورفع ـ، وأحب إلينا أن لايرفع إلا في أول التكبير،
لأنه قد صح عن ابن مسعود، وغيره أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله
وسلم لم يرفع إلا في أول التكبير.
وقال الحسن عليه السلام: وإذا ركعت رفعت يديك مع كل تكبيرة من رفع
ووضع حيال أذنيك وتحريك رفع اليدين في التكبيرة اولى.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا حسين، عن زيد، عن أحمد، عنه
ـ: ورفع اليدين في أول الصلاة من آلة الصلاة وهو فيما بعد مخير إن
فعل فحسن وإن ترك فجائز.
وقال الحسن عليه السلام أيضاً ـ في رواية ابن صباح عنه ـ، وقاله
محمد في (المسائل): ورفع اليدين إذا ركع وإذا سجد وإذا رفع كله
عندنا جائز مفعول غير أنا روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم،
وعن علي عليه السلام أنهما كانا يرفعان أيديهما مع أول تكبيرة حتى
لايعيدنا رفع اليدين في سواهما.
مسألة: مايقال في الركوع والسجود
قال أحمد، والحسن: يسبح في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثاً.
وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثاً.
قال أحمد بن عيسى عليه السلام: وإن شاء ترك قوله: وبحمده، وكله
واسع.
وقال القاسم: يسبح في الركوع: سبحان الله العظيم وبحمده ثلاثاً.
وفي السجود: سبحان الله الأعلى وبحمده، ثلاثاً.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما روى ابن صباح عنه ـ وهو قول محمد في
(المسائل) ويقول في الركوع: سبحان ربي العظيم. وفي السجود: سبحان
ربي الأعلى، ثلاثاً. لأن السنة أن يسبح في الركوع والسجود ثلاثاً،
فما زاد فلا ينبغي أن يخالف السنة فيسبح أقل من ثلاث، فإن سبح في
ركوعه أو سجوده مرة أجزته صلاته، ولايعد لمثل ذلك.
(2/181)
قال محمد: وإن مكن راحتيه من ركبتيه، ولم يسبح شيئاً أجزته
صلاته، بلغنا عن علي صلى الله عليه أنه تجزئه، وإن فعل ذلك عمداً
جهلاص منه بالسنة فليستغفر الله ولايعد لمثل ذلك، وإن زاد ثلاث
تسبيحات في الركوع والسجود فحسن، قد ذكر سبع وتسبع.
قال محمد: كنت أصلي خلف عبدالله بن موسى الفريضة فيسبح في الركوع
والسجود سبعاً وأكثر من ذلك إلى العشر.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إذا
ركع أحدكم ثم مكث حتى يطمئن كل عظم من مفاصله ثم يسبح ثلاث مرات
فإنه يسبح الله من جسده ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون عظماً وثلاثمائة
وثلاثة وثلاثون عرقاً وإذا سجد فليسبح ثلاثاً فإنه يسبح الله من
جسده مثل ذلك.
مسألة:
وقال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ: وإن قال في الركوع
وإذا رفع رأسه من الركوع وبين السجدتين شيئاً من ذكر الله وشكره
فحسن، وإن لم يقل فليس ذلك بلازم له.
قال الحسن عليه السلام: وقد روي عن أمير المؤمنين صلى الله عليه
أنه كان يقول في ركوعه: اللهم لك ركعت ولك خشعت، ولك أسلمت، وبك
آمنت، وعليك توكلت، خشع وجهي وسمعي وبصري ولحمي ودمي وشعري وبشري
ومخي وعظمي وعصبي لله رب العالمين. ثم يقول: سبحان ربي العظيم
وبحمده ثلاثاً.
وروي عنه عليه السلام أنه كان يقول في سجوده: سجد وجهي لمن خلقه
وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين. ثم يقول: سبحان ربي
الأعلى وبحمده ثلاثاً.
وقال الحسن عليه السلام ـ في رواية ابن صباح عنه ـ، وهو قول محمد
في (المسائل): وقد ذكر عن علي عليه السلام أنه كان يقول إذا ركع
قبل التسبيح: اللهم لك ركعت.. إلى ىخر الكلام، وفي السجود أيضاً
قبل التسبيح، والذي نأخذ به أنا نجرد الفرائض عن ذلك فلانقوله في
الفرائض.
مسألة: من قرأ في ركوعه بقية السورة
(2/182)
قال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا محمد، عن زيد، عن أحمد، عنه
ـ، وسئل عن الرجل يقرأ في ركوعه ماتبقى عليه من السورة. فقال: روي
عن علي صلى الله عليه أنه قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم أن أقرأ وأنا راكع أو ساجد.
وقال محمد: إن بقي عليه من قراءته الحرف والحرفان فأتمه وهو منحط
لركوعه فلايعد لشيء من ذلك وصلاته تامة.
وقال فيمن قرأ آخر السورة وهو يهوي للركوع: ذكر عن علي صلى الله
عليه أنه كان يسكت سكتة بعد القراءة قبل أن ينحط للركوع.
مسألة: إذا قرأ في الركوع بقية من السورة
قال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا محمد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ:
وسئل عن الرجل يقرأ في ركوعه ماتبقى عليه من السورة. فقال: روي عن
علي صلى الله عليه أنه قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم أن أقرأ وأنا راكع أو ساجد.
وقال محمد: إن بقي عليه من قراءته الحرف والحرفان فأتمه وهو منحط
لركوعه فلايعد لشيء من ذلك وصلاته تامة.
وقال ـ فيمن قرأ آخر السورة وهو يهوي للركوع ـ: ذكر عن علي صلى
الله عليه أنه كان يسكت سكتة بعد القراءة قبل أن ينحط للركوع.
مسألة: إذا لم يقم صلبه في الركوع والسجود
قال الحسن عليه السلام ـ في رواية ابن صباح عنه ـ، وهو قول محمد في
(المسائل): ومن نقر في صلاته نقر الغراب فإنه يؤمر عندنا بالإعادة،
بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <لاتجوز صلاة رجل
لايقيم صلبه حتى يرجع كل عضو إلى مفصله> فإن سهى فانحط من ركوعه
إلى سجوده ثم ذكر بعد ماسجد أنه لم يرفع رأسه من الركوع فأحب إلينا
أن يعيد.
وإن رفع رأسه من السجدة الأولى فلم يعدل ظهره في قعوده فليعد
الصلاة لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لاتجزي رجلاً صلاة
لايقيم فيها ظهره في الركوع والسجود>.
وقال محمد بن علي: إذا لم يقف حتى يرجع كل عضو منه إلى موضعه لعنه
عضوه.
(2/183)
قال محمد: وإن رفع رأسه من السجدة الأولى ولم يرفع يديه من
الأرض حتى سجد الثانية فقد أساء، ولايؤمر بالإعادة.
وروى محمد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <إن العبد
إذا قام إلى الصلاة فأحسن القراءة فيها وأتم ركوعها وسجودها حتى
ينصرف منها قالت له الصلاة حفظك الله كما حفظتني وصعد بها الملك
ولها ضوء إلى الرب سبحانه فتشفع لصاحبها، وإن أساء وضوءها وركوعها
وسجودها والقراءة فيها قالت له: ضيعك الله كما ضيعتني وصعد بها
الملك وعليها ظلم تغلق دونها أبواب السموات ثم تلف كما يلف الثوب
الخلق فيضرب بها وجهه>.
قال محمد: أما تسمع إلى قول الله سبحانه: {لاتفتح لهم أبواب
السماء} أي لاتفتح لأعمالهم.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <إن أشر السرقة الذي
يسرق صلاته>. قالوا: يارسول الله وكيف يسرق صلاته؟ قال: <لايتم
ركوعها ولاسجودها>.
وعن أبي هريرة قال: رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يصلي
فلما قضى صلاته قال له: <ارجع فصل فإنك لم تصل> فعاد فصلى، ثم أتى
النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: <ارجع فصل فإنك لم تصل>
فقال الرجل في الثالثة: فعلمني. فقال: <إذا صليت فاستقبل القبلة،
وكبر ثم اقرأ واركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً،
ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها>.
وعن البراء قال: كان ركوع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورفعه
رأسه من الركوع وسجوده وجلوسه بين السجدتين قريباً من السواء.
وعن حذيفة أنه رأى رجلا يصلي ولايتم الركوع والسجود فلما قضى
الصلاة قال له حذيفة: منذ كم أنت تصلي هذه الصلاة؟ قال: مذ أربعون
سنة. فقال: ماصليت مذ أربعين سنة، ولو مت وأنت تصلي هذه الصلاة لمت
على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمداً صلى الله عليه وآله
وسلم. قال: فعلمه، وقال: إن الرجل يخفف الصلاة ويتم الركوع
والسجود.
مسألة: مايقول إذا رفع رأسه من الركوع
(2/184)
قال أحمد عليه السلام: إذا استوى الرجل من الركوع قال قائماً:
سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملأ السماء وملأ الأرض
وملأ مابينهما وملأ ماشئت من شيء بعد، ثم يكبر فيسجد.
وقال الحسن عليه السلام: إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله
لمن حمده، ربنا لك الحمد، اللهم بحولك وقوتك أقوم وأقعد.
وقال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ: وإن قال الرجل إذا
رفع رأسه من الركوع شيئاً من ذكر الله أو شكره فحسن، وإن لم يقل
فليس ذلك بلازم له.
وقال محمد: وإذا رفع رأسه من الركوع فليقم صلبه حتى يرجع كل عضو
إلى مفصله، ويداه مرسلتان على فخذيه ثم يقول: سمع الله لمن حمده،
ربنا لك الحمد.
وقال في موضع ىخر: اللهم ربنا لك الحمد يخفها، ثم يقول: الله أكبر
ويخفيها.
وروى محمد، عن أبي جحيفة، وابن أبي أوفى أن النبي صىل الله عليه
وآله وسلم كان يقول إذا رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده،
اللهم ربنا لك الحمد. زاد أبي جحيفة: ملأ السماء وملأ الأرض وملأ
مابينهما من شيء بعد.
قال محمد: والذي نأخذ به في الفرائض التجويد، إذا قال: ربنا لك
الحمد، لم يزد على ذلك شيئاً، وإن أخذ ببعض ماروي فهو جائز.
مسألة: صفة الانحطاط من الركوع
قال القاسم ـ فيما روى القومسي عنه: وأحب إلينا أن يضع يديه قبل
الركبتين، وأي ذلك فعل فلايضيق عليه.
قال محمد: تقول الله أكبر، وأنت تهوي للسجود معتمداً بيديك على
فخذيك فابدأ بوضع ركبتيك إلى الأرض ثم يديك ثم وجهك وكلما أهويت
إلى ركوع أو سجود أو نهضت فبخشوع ووقار وتؤده، فمن وضع جبهته على
الأرض قبل يديه أو وضع يديه قبل ركبتين فإن كان فعله لعلة فلابأس
عليه، وإن فعله لغير علة قيل له: لايعد ولاشيء عليه.
مسألة: صفة السجود
كان أحمد عليه السلام إذا سجد ضم أصابع يديه ووضع يديه بحذاء رأسه
نحواً مما كانتا في التكبير.
(2/185)
وقال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عه ـ: يستحب له إذا
سجد أن يلصق جبهته بالأرض، وأن يعفر وجهه لله عز وجل في التراب،
والإكبار له. ويستحب له أن يضع يديه حذاء أذنيه، وأن يبطح كفيه في
السجود ويلصقهما بالأرض إلصاقاً كما ألصق جبهته، وإن لم يفعل شيءاً
من ذلك لم يفسد ذلك عليه صلاته، ولم ينقصها. وإذا سجدت المرأة لم
تفجج ولم تجاف ولصقت بالأرض وضمت بعضها إلى بعض.
وقال محمد: إذا سجدت فأمكن جبهتك وأنفك من الأرض، وأمكن راحتيك
وكفيك من الأرض، تحاذي بهما أذنيك نحواً مما كانتا في افتتاح
الصلاة وضم أصابعك واستقبل بهما القبلة فمن سها عن بعض ذلك فلا سهو
عليه. ذكر عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
لأن ترضض أصابعي بالصخر أحب إلي من أن أفرج أصابعي وأنا ساجد.
وجاف ذراعيك عن الأرض وجاف صدرك وبطنك عن فخذيك وابسط ظهرك
ولاتمدده كثراً ولاتخنس وسطاً من ذلك، كان رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم إذا سجد يخوي حتى يكاد يرى بياض إبطيه، وانصب قدميك في
السجود وأمكن أصابع رجليك من الأرض وأنت ساجد، ويكره للساجد أن
يرفع قدميه عن الأرض أو إحداهما أو يديه أو إحداهما، وإن لم يضع
الساجد على الأرض إلا أطراف أصابع قدميه أجزاه.
وروى محمد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا سجد جافى
بمرفقيه عن جنبيه حتى يرى بياض إبطيه، ويجعل أطراف أصابع قدميه
تجاه القبلة، وأنه قال: <إذا سجد أحدكم فليعتدل ولايفترش ذراعيه
كما يفترش الكلب>. وإذا سجدت المرأة ضمت أصابع يديها واستقبلت بهما
القبلة مثل الرجل، ولاتفاج في السجود مثل الرجل الذي يخوي وتضم
بطنها في السجود قليلا وتضم فخذيها في السجود أيضاً، وقد جاء أن
المرأة تجلس في الصلاة مستوفزة، وجاء أنها تجلس متربعة، وأحب إلينا
أن تجلس مستوفزة أو مسدلة رجليها.
مسألة: السجود على الأنف
قال القاسم عليه السلام: يستحب للرجل إذا سجد أن يلصق أنفه بالأرض.
(2/186)
وفي رواية داود عنه: إلصاقاً خفيفاً، وإن لم يفعل لم يدخل عليه
نقص في صلاته.
وقال محمد: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أمرت أن
أسجد على سبعة أعضاء على الراحتين، والقدمين ـ يعني بطون أصابعهما
ـ، والركبتين، والجبهة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <لاتجزي صلاة لايصيب
الأنف منها مايصيب الجبين> يريد أن الأنف والجبهة شيء واحد، فيكره
لمن سجد أن لايضع أنفه على الأرض وينبغي أن لايقصر عن ذلك.
وذكر عن سفيان قال: إن سجد على جبهته دون أنفه أجزاه، وإن سجد على
أنفه دون جبتهته لم يجزه.
وروى محمد في جامع حسن عنه: وإذا سجد فلم يلصق أنفه بالأرض لم
يجزه.
ثم قال محمد: مأخوذ به.
وروى عن زيد بن علي عليه السلام نحوه.
مسألة: صفة الجلوس بين السجدتين
قال محمد: وارفع رأسك من السجود وقل الله أكبر، ثم استو قاعداً
وارفع رأسك من السجود قبل يديك وافترش قدمك اليسرى وأمكن ظاهرها من
الأرض وباطنها تحت إليتك، وانصب قدمك اليمنى وأمكن أصابعها من
الأرض وعقبك اليسرى تحت إليتك ثم أرسل ذراعيك على فخذيك وأطراف
أصابعك على طرف ركبتيك وافرج أصابعك ثم استقر حتى يرجع كل عضو منك
إلى مفصله، ثم قل: الله أكبر، واسجد ومن سجد السجدة الأولى ثم رفع
رأسه ولم يرفع يديه من الأرض حتى سجد الثانية فقد أساء ولايقال له
أعد الصلاة إلا أن لايعدل ظهره في قعوده فيعيد الصلاة لقول النبي
صلى الله عليه وآله وسلم: <لاتجزي صلاة رجل لايقيم ظهره في الركوع
والسجود>.
مسألة: مايقال بين السجدتين
قال أحمد، والحسن عليهما السلام: ويقول المصلي بين السجدتين رب
اغفر لي وارحمني وأجبرني وارفعني.
وقال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ: وإن قال فيما بين
السجدتين شيئاً من ذكر الله أو شكره فحسن، وإن لم يقل فليس بلازم
له.
(2/187)
وروى محمد بإسناد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
كان يقول بين السجدتين: <رب اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني
وارزقني واهدني>.
مسألة: من كبر وركع وسجد ويداه في ثيابه
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ، وسئل هل يسجد في
البرد ويداه في ثيابه؟ فقال: لابأس أن يتقي برد الأرض وحرها، فقد
روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقالمحمد: إذا كبر لافتتاح الصلاة أو ركع أو سجد ويداه في ثيابه
أجزاه ,احب إلينا أن يظهر يديه.
قال علي بن الحسين المقري: معنى هذا أن يخرج يديه من داخل ثيابه
ولم يرد إخراجهما من كميه.
وروى محمد عن الحسن بن علي صلى الله عليهما أنه صلى في برنس خز ولم
يخرج يديه منه.
مسألة: السجود على كور العمامة أو على الثوب من الحر والبرد
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ: ولا أحب أن يسجد
على كور العمامة إلا أن يخشى على نفسه ضرراً من حر أو برد، ولابأس
أن يتقي بثوبه حر الأرض وبردها فقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ:
يكره السجود على كور العمامة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يتوقا بثوبه حر
الأرض وبردها.
وقال محمد: ذكر عن علي أنه كره السجود على كور العمامة، ولابأس أن
يسجد على ثوبه من الحر والبرد. ذكر ذلك عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، وعن أصحابه.
مسألة: النهوض إلى القيام
كان أحمد بن عيسى عليه السلام إذا نهض إلى القيام في الصلاة إلى
القيام لايعتمد بيديه على الأرض فلما ضعف كان يعتمد عليها.
وكان أحمد، وعبدالله بن موسى عليهما السلام ينهضان من السجود إلى
القيام ولايرجعان بإليتيهما إلى الأرض، وهذا قول محمد أيضاً.
(2/188)
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا محمد، عن زيد، عن أحمد،
عنه ـ: الأفض أن ينهض على صدور قدميه إذا قام من تشهد الركعتين
الأوليتين ولايعتمد على الأرض إلا أن يضعف فلابأس بذلك، ولابأس إذا
قام في الركعتين الأوليين من صلاة فريضة أن يتناول جانب الحائط
يستعين به على النهوض إذا احتاج إلى ذلك.
قال محمد: وتبدأ برفع رأسك من السجود، ثم يديك، ثم ركبتيك، ثم انهض
على صدور قدميك معتمداً بكفيك على ركبتيك، وأنت تقول: الله أكبر،
فإذا استويت قائماً ورجع كل عضو منك إلى مفصله فاقرأ، وتنهض من
التشهد الأول معتمداً بيديك على ركبتيك وتقول: الله أكبر، ولاتقدم
في نهوضك قدماً وتؤخر أخرى فإن ذلك يكره وقد نهي عنه.
وروى محمد، عن ابن عباس، وابن مسعود أنهما كانا ينهضان في الصلاة
على صدور أقدامهما.
وعن علي صلى الله عليه قال: إن من السنة إذا نهضت من الركعتين
الأوليين أن لاتعتمد بيديك على الأرض إلا أن لاتستطيع.
مسألة: إجماع آل محمد على القنوت
قال أحمد عليه السلام ـ فيما رواه محمد بن فرات، عن محمد، عنه ـ:
ولاتدع القنوت في صلاة الفجر.
وقال الحسن، ومحمد: أجمع آل رسول الله صلى الله عليه وعليهم على
القنوت.
وقال الحسن أيضاً ـ في رواية ابن صباح عنه ـ ومحمد في (المسائل):
القنوت في الفجر والوتر عندنا سنة ماضية، وأجمع أهل بيت النبي صلى
الله عليه وآله وسلم على القنوت في صلاة الفجر.
قال محمد: وعلى المرأة من سائر صلاتها من القنوت وغيره ماعلى
الرجل، وليس عليها أن تجهر مثل الرجال.
قال محمد: ذكرت للقاسم عليه السلام القنوت فلم يوجبه. وقال: إن كان
لابد ففي الفجر، ورأى أن يقنت بشيء من القرآن.
وحدثني القاسم، عن موسى بن جعفر، أنه قال: لاتقنت وما أصابك ففي
رقبتي.
قال محمد: وجه هذا عندي من موسى على جهة التقية.
مسألة: هل القنوت في الفجر قبل الركوع أم بعد
قال أحمد، والحسن، ومحمد: القنوت في الفجر قبل الركوع، والقنوت بعد
الركوع جائز.
(2/189)
قال أحمد عليه السلام: روى أهل البصرة عن علي صلى الله عليه أنه
قنت بعد الركوع، وروى أهل الكوفة أنه قنت قبل الركوع.
قال أحمد عليه السلام: وأما أنا فأقنت قبل الركوع ثبت لنا ذلك عن
علي عليه السلام، وأبي جعفر، وزيد بن علي عليهم السلام.
قال محمد: فإن سهى عن القنوت حتى ركع فليقنت بعد الركوع.
وقال: كان القاسم عليه السلام يرى القنوت في الفجر بعد الركوع.
وقال الحسن: روي عن علي أمير المؤمنين أنه كان يقنت في الفجر قبل
الركوع وفي الوتر بعد الركوع.
مسألة: هل يجوز القنوت في كل صلاة يجهر فيها
قال علي بن عمرو، قال محمد: جائز أن يقنت في كل صلاة يجهر فيها
بالقراءة وذلك في المغرب والعشاء والفجر والجمعة.
وروى محمد ذلك عن أبي حمزة، وأبي الجارود، عن أبي جعفر عليه
السلام.
مسألة: تكبيرة القنوت
قال أحمد عليه السلام: لا أعرف تكبيرة القنوت.
وقال القاسم عليه السلام: لايكبر للقنوت في الفجر وينصبت لسمع الله
لمن حمده.
وقال محمد: إذا فرغت من القراءة في الفجر قبل أن تركع قلت: الله
أكبر، ثم تقنت.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا زيد بن حاجب، عن ابن هارون، عن سعدان، عنه
ـ: أما أنا فما أكبر للقنوت، ومن كبر فجائز، لأنه قد روي فيه عن
علي صلى الله عليه.
وكان أحمد بن عيسى، وقاسم بن إبراهيم لايكبران.
مسألة: رفع اليدين في القنوت
قال القاسم عليه السلام: ولايرفع يديه في قنوت الفجر، ولافي قنوت
الوتر.
قال محمد: ولايرفع الرجل يديه في قنوت الفريضة، ولايمسح وجهه بيده
عند فراغه من القنوت، وله أن يرفع يديه في قنوت الوتر إن شاء
ويكونان قريباً من صدره ويفتح باطن كفيه إلى السماء.
مسألة: مايقال في قنوت الفجر
(2/190)
قال أحمد عليه السلام ـ فيما رواه محمد بن فرات، عن محمد، عنه
ـ: أما أنا فأدعوا بما علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسناً:
اللهم اهدني فيمن هديت.. إلى آخره، وربما دعوت بالدعوتين: اللهم
إنا نستعينك ونستغفرك.. إلى آخرها، وليس فيه دعاء مؤقت، ولابأس أن
يناجي الرجل ربه في القنوت فيدعو بما أراد حتى تسمية الرجال، فقد
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمي الرجال بأسمائهم فيدعو
عليهم في قنوته، وكلك كان أمير المؤمنين صلى الله عليه يسمي الرجال
بأسمائهم في قنوته في صلاة الغداة، وكل ماجاز في التطوع جاز في
الفريضة.
وقال القاسم عليه السلام: إن شاء أن يدعو في قنوت الفجر بهذا ـ
يعني بما روي عن الحسن بن علي عليهما السلام ـ: اللهم اهدني فيمن
هديت.. إلى آخره، أو بغيره: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة
حسنة وقنا عذاب النار. وما أشبهه من القرآن، واختار القنوت
بالقرآن.
وقال الحسن عليه السلام: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه
علم الحسن بن علي عليه السلام القنوت: اللهم اهدني فيمن هديت.. إلى
آخره.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول في القنوت:
<الله أكبر سبحان الله والحمدلله ولاإله إلا الله والله أكبر،
اللهم اغفرلي وللمؤمنين والمؤمنات..> وقد ذكرناه بطوله في قنوت
الوتر، ويجزئك أن تقول في القنوت: {آمنا بالله وما أنزل إلينا..}
إلى آخر الآية، {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا
عذاب النار}.
(2/191)
وقال الحسن ـ فيما حدثنا محمد بن جعفر التميمي، عن محمد بن
شاذان، عنه ـ: وذكر حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه دعا
على عصية وذكوان في قنوت الغداة أربعين يوماً فنزلت: {ليس لك من
الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون}، فأمره أن يكف عن
الدعاء عليهم فلم يقنت وقنت علي عليه السلام أربعين يوماً يدعو على
معاوية ثم قال: لا أزيد على ماصنع رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم، وكان ابن عباس يفعله.
قال الحسن بن يحيى: هذا الدعاء على من دعوا عليه.
وقال محمد في (الصلاة): فإذا فرغت من القراءة في الفجر وأنت قائم
قبل أن تركع قلت: الله أكبر، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني
عليك الخير، ولانكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك
نسعى نحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق.
وقد قيل أيضاً في قنوت الفجر: {أمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل
إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب..} إلى قوله: {ونحن له مسلمون}
ثم يركع.
وقال في كتاب أحمد: الذي نأخذ به في القنوت في الفريضة نقنت بشيء
من القرآن، وكذلك سمعنا عن علي صلى الله عليه، ولابأس أن يناجي
الرجل ربه في القنوت فيدعو بما أراد حتى يسمي الرجال، وكلما جاز في
التطوع جاز في الفريضة ولايجهر بالقنوت.
وذكر محمد أن حسن بن حسين، وإبراهيم بن محمد بن ميمون كانا يريان
القنوت بهذه الآية: {آمنا بالله وما انزل إلينا..} إلى آخرها.
وكان إبراهيم يجرد الآية كما رويت عن علي صلى الله عليه، وكان حسن
يقول بعدها: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب
النار}.
وقال: فيكون أولها إيماناً وآخرها دعاء.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في
قنوته: <اللهم العن أبا سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو ذا الأنياب،
اللهم العن الغواة العصاة من قريش الذين عادوا نبيئك وجهدوا أن
لايقال لاإله إلا الله>.
(2/192)
وعن علي صلى الله عليه أنه كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب
ويلعن في قنوته معاوية وعمرو بن العاص وأبا الأعور السلمي وأبا
موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <إنما قنت بكم لتدعو
الله وتسألوه حوائجكم}.
مسألة: صفة الجلوس في التشهد وبين السجدتين
قال محمد: الذي رأيت عليه آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
منهم أحمد بن عيسى، والقاسم بن إبراهيم عليهما السلام، وغيرهما من
آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجلسون على أقدامهم في
التشهد.
وكان أحمد إذا جلس للتشهد وضع ذراعيه على فخذيه واصابع كفيه مفرجة
نحو ركبتيه ويفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى إذا جلس بين السجدتين
وحين يتشهد.
وقال محمد: وإذا رفعت رأسك من السجود لتشهد في الركعتين أو في آخر
الصلاة فاستو قاعداً حتى يرجع كل عضو إلى مفصله، وافترش قدمك
اليسرى وأمكن ظاهرها من الأرض وباطنها تحت إليتك وانصب قدمك اليمنى
وأمكن أصابعها من الأرض وعقبك اليسرى تحت إليتك وأرسل ذراعيك على
فخذيك وكفاك وأطراف أصابعك مفرجة على طرف ركبتيك ولاتجلس على إليتك
إلا من علة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يجلس في الصلاة على
رجله اليسرى وينصب اليمنى ويكره أن يجلس على شقه الأيسر.
قال محمد: وأحب إلينا أن تجلس المرأة في الصلاة مستوفزة أو مسدلة
رجلها.
وروي أيضاً أنها تجلس متربعة، وفي رواية ابن خليد عنه روي أنها
تجلس مستوفزة على إليتيها منتصبة قدماها.
وروي أنها تجلس متربعة وأحب إلينا أن تجلس مستوفزة أو مسدلة رجليها
إلى مكان واحد.
مسألة: مايقال في التشهد الأول
قال أحمد عليه السلام: إن شاء تشهد في الركعتين الأولتين كما يتشهد
في آخر الصلاة، وإن شاء قال: <بسم الله والحمدلله والأسماء الحسنى
كلها لله، أشهد أن لاإله إلاالله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله> ثم
ينهض.
(2/193)
قال القاسم عليه السلام، ومحمد في (كتاب أحمد): يتشهد في
الأوليين بتشهد زيد بن علي وهو: بسم الله والحمدلله والأسماء
الحسنى كلها لله أشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله.
وقال محمد في (الصلاة): يقول في التشهد الأول: التحيات لله
والصلوات والطيبات أشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأن
محمداً عبده ورسوله. ثم ينهض.
وقال الحسن بن يحيى: روي عن زيد بن علي أنه كان يقول في التشهد
الأول: بسم الله والحمدلله والأسماء الحسنى كلها لله أشهد أن لاإله
إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ويروى أن أمير المؤمنين صلى الله عليه كان يقول في التشهد في
الركعتين الأوليين: بسم الله، والحمدلله والأسماء الحسنى كلها لله
التحيات لله الطيبات والصلوات الزاكيات الطاهرات الغاديات الرائحات
الناعمات السابغات لله ماطاب فلله، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده
لاشريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.
قال الحسن عليه السلام: ولم يكن أمير المؤمنين صلى الله عليه يصلي
بالناس فيفعل شيئاً فيه ثقل على الناس، إنما كان يقول هذا الكلام
في التطوع.
مسألة: هل يكره السلام في التشهد في الأوليين
قال محمد: قلت لأحمد عليه السلام: يقول في التشهد في الركعتين
الأوليين: السلام. يعني على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فذكر
عن أبي جعفر عليه السلام أنه كان يكرهه.
وحدثنا علي بن أحمد، عن أبيه، قال: إن تشهد في الجلسة الأولى
بالتشهد تاماً فقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
فلايضيق ذلك عليه.
وقال محمد ـ فيما حدثني علي، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ: ولو
قال الإمام في الركعتين الأوليين: السلام عليك أيها النبيء ورحمة
الله وبركاته لصليت خلفه.
مسألة: مايقال في التشهد آخر الصلاة
(2/194)
قال أحمد بن عيسى عليه السلام: إن شاء تشهد بتشهد عبدالله، وهو
مما علمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو: <التحيات لله
والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لاإله إلا الله
وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله> ثم تدعو بعد ذلك
بأحسن ماحضرك. وإن شاء قال: <بسم الله والحمدلله والأسماء الحسنى
كلها لله، والصلوات الطيبات الطاهرات الزاكيات الناعمات السابغات
الغاديات الرائحات المباركات ماطاب وطهر وزكا وخلص ونما فلله، أشهد
أن لاإله إلاالله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً
ونذيراً بين يدي الساعة ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، من
يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصه فقد غوي، أشهد أنك نعم الرب،
وأن محمداً نعم الرسول، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت
على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد> فذكر الخمس كلمات: السلام
عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب
النار>.
فإن أعجلت رجلاً حاجته فله أن يقطع التشهد من حيث يقول: أشهد أن
لاإله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده روسوله، وإن شاء قال:
الحمدلله خير الأسماء التحيات الطيبات الصلوات الزاكيات الطاهرات
لله، أشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله
بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، السلام على أنبياء الله
ورسله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم اغفر لمحمد
وتقبل شفاعته وعظم أجره. ثم يسأل ماقدر له، ثم يسلم، ثم يقول:
لاإله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، فله الحمد وله الملك
وهو على كل شيء قدير.
(2/195)
وقال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ: وكلما جاء من
الحديث في التشهد فقد يجزي، وقيل به وإنما هو كله ذكر الله جل
ثناؤه يقصر ويطول، ويختلف فيه القول من القائلين، وكله واسع نافع
بحمدالله.
وقال الحسن عليه السلام: يروى عن زيد بن علي أنه كان يقول في
التشهد: بسم الله، والحمدلله، والأسماء الحسنى كلها لله، أشهد أن
لاإله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على محمد بن
عبدالله، السلام على أنبياء الله ورسله، اللهم صل على محمد وعلى آل
محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على
محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد
مجيد، اللهم صل على محمد وتقبل شفاعته واغفر لأهل بيت نبيئك وصل
عليهم، السلام علينا وعلى المؤمنين والمؤمنات من غاب منهم ومن شهد،
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ثم يسلم.
(2/196)
وقال محمد: إذا رفعت رأسك من آخر سجدة واستويت قاعداص ورجع كل
عضو منك إلى مفصله قلت: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام
عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين، ماطاب وزكا فلله وماخبث فلغير الله، أشهد أن لاإله إلا
الله وحده لاشريك له، وأن محمداً عبده ورسوله وأن الساعة آتية
لاريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، اللهم صل على محمد وعلى
آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد وتحنن على محمد وعلى آل محمد
وترحم على محمد وعلى آل محمد وسلم على محمد وعلى آل محمد، كما صليت
وباركت وترحمت وتحننت وسلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد
مجيد، اللهم إني أسألك من الخير كله ماعلمت منه ومالم أعلم، وأعوذ
بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم اغفر لي ولوالدي
وارحمهما كما ربياني صغيراً، واغفر لهما ولما ولدا ولمن ولدهما في
الإسلام وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم
والأموات، اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بافيمان ولاتجعل
في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
وإن أحببت أن تزيد على هذا فزد، وإلا فهو يجزيك ودونه أيضاً يجزي.
وروى محمد بإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <من
سنة الصلاة أن يخفي الإمام التشهد>.
مسألة: صفة التسليم وعدده وماينوي به
قال أحمد، والقاسم، والحسن، ومحمد: ويسلم الرجل في الصلاة تسلميتين
تسليمة عن يمينه وتسليمة عن شماله: السلام عليكم ورحمة الله السلام
عليكم ورحمة الله، إماماً كان أو غير إمام.
قال الحسن عليه السلام: وقد روى أيضاً: السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
(2/197)
قال القاسم عليه السلام، والحسن، ومحمد: فإن كان وحده نوى
بالسلام الملكين، وإن كان إماماً نوى بالسلام الملكين ومن خلفه من
المصلين، وإن كان خلف إمام نوى به الملكين ومن عن يمينه ومن عن
يساره من المصلين. إلا أن محمد قال: ينوي به الملائكة والإمام ومن
عن يمينه ومن عن يساره. ويدير وجهه إذا سلم إلى منكبه وعن يساره
مثل ذلك.
بلغنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يدير وجهه حتى يرى
بياض خديه.
قال محمد: وكان عبدالله بن موسى إذا تشهد سلم أمامه تسليمة واحدة
لايجهر بها كثيراً، ثم يسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم
ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا حسين عن زيد، عن أحمد، عنه ـ:
رأيت بني هاشم يسلمون تسليمة، والذي يستحب مرتين ومرة تجزي.
مسألة: فيمن ترك التشهد والتسليم
قال الحسن عليه السلام: إن نسي التسليم سجد سجدتي السهو وسلم لأن
تحريمها التكبير وتحليلها التسليم.
وقال محمد: التشهد الول والأخير والتسليم من سنن الصلاة، ولاينبغي
لأحد أن يتعمد ترك شيء منه، وإذا تشهد أو قعد مقدار التشهد ثم أحدث
حدثاً يبنى على مثله توضأ وأتم صلاته، وإن كان حدثاً لايبنى على
مثله فأرجو أن يجزيه لأنه روي عن علي صلى الله عليه، وعن عبدالله:
إذا تشهد أو قعد مقدار التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته، وإن ذحك بعد
ماتشهد فلا إعادة عليه.
وقال في وقت آخر ـ أي فيمن ضحك ـ: فإن علياً وعبدالله قالا: لا
إعادة عليه ويتوضأ للصلاة التي بعدها أحب إلي.
وإذا صلى المسافر ركعتين لما تشهد تكلم جاهلا أو ناسياً فلاته
تامة.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا زيد، عن أحمد، عن ابن عبدالجبار، عنه ـ:
وإذا حدث بالرجل حدث بعدما رفع رأسه من آخر سجدة وتمكن من القعود
ولم يتشهد فقد تمت صلاته.
مسألة: في استحباب الدعاء والذكر في دبر الصلوات
(2/198)
قال الحسن: وسألت عن قوله: {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}
فإنا سمعنا في ذلك يعني فانصب لله في الصلاة، وإلى ربك فارغب يعني
الدعاء ورفع اليدين في التكبير.
ويروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا انصرف من
الصلاة يمسح بيده موضع سجوده ثم يمسح بيده وجهه، ثم يقول: <بسم
الله الذي لاإله إلاهو الرحمن الرحيم، اللهم أذهب عني الهم والحزن
والإثم والفواحش والمغرم والذل والخزي والصغار في الدنيا والآخرة>.
ويروى عن أمير المؤمنين صلى الله عليه أنه صلى: من أحب أن يكتال
بالمكيال الأوفى فليقل إذا انصرف من الصلاة: سبحان ربك رب العزة
عما يصفون وسلام على المرسلين والحمدلله رب العالمين.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <من أحب أن يزوجه
الله من الحور العين فليقرأ خلف كل صلاة قل هو الله أحد أحد عشرة
مرة>، وأنه كان يقول خلف كل صلاة: <سبحان الله والحمدلله ولاإله
إلا الله والله أكبر ثلاثين مرة> واقرأ آية الكرسي خل كل صلاة
فريضة.
وقال محمد: يستحب الدعاء في دبر كل صلاة، والتسبيح، وذكر الله،
وقراءة القرآن، وقراءة قل هو الله أحد، وآية الكرسي، ونحو ذلك.
ويستحب الدعاء والذكر بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس وقلة الكلام
ولاتعرض لشيء من أمر الدنيا من البيع والشراء، ونحو ذلك من بعد
صلاة الفجر إلى طلوع الشمس لمن أمكنه ذلك سمعنا في ذلك خيراً
كثيراً.
وبلغنا أنه من قرأ قل هو الله أحد في دبر صلاة الفجر لم يلحقه ذلك
اليوم ذنب وإن جهد الشيطان.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <من قعد في مصلاه
بعد صلاة الفجر يذكر الله عز وجل حتى تطلع الشمس كان كحاج بيت
الله>.
وعن صلى الله عليه وآله ولم أنه قال: <لدعاء الرجل بعد صلاة الفجر
إلى طلوع الشمس ألح في طلب الرزق من الضارب بماله في الأرض>.
(2/199)
وبلغنا أنه من استغفر بعد صلاة العصر سبعين مرة غفر له ذنوب
سبعين عاماً، وبلغنا عن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم أنه نزل
جبريل بأسامي ودعاء علمها إياه فيستحب أن يدعا بها في دبر كل صلاة
لمن أمكنه ذلك وهو: <يانور السموات والأرض، يازين السموات
والأرض..> إلى آخر الدعاء.
وبلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لبعض أصحابه:
<ألا أدلك على عمل تدرك به مامضى وتسبق به من بقي إلا من أتى بمثل
ماجئت أو زاد عليه؟> قلت: بلى يارسول الله. قال: <تسبح الله في دبر
كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمده ثلاثاً وثلاثين، وتكبره أربعاً
وثلاثين>.
وروى محمد بإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا
قضى صلاته مسح جبهته بيمينه ثم يقول: <بسم الله الذي لاإله غيره،
اللهم أذهب عنا الهم والحزن>.
مسألة:
قال محمد ـ فيما اخبرنا زيد من كتابه عن أبي جعفر بن هارون، عن
سعدان عنه ـ: ويكره رفع الصوت بالدعاء، وهو من الجفاء. سمع النبي
صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً يرفع صوته بالدعاء فنهاه ثم قال:
<ياعبدالله إنك ليس تناجي أصم>، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم يغضب من رفع لاصوت بالدعاء.
وقال في قوله: {إذ نادى ربه نداء خفياً} قال: فحمد الله ذلك من
فعله وأنزل به قرآناً يتأدب به الناس ويعبدون الله به.
مسألة: متى يعلم الصبي الصلاة ومتى يضرب عليها
قال الحسن عليه السلام: إذا كان للجارية تسع سنين استترت من
الرجال.
وقال محمد: يعلم الصبي الصلاة ويؤمر بها إذا صار له سبع سنين وكذلك
الجارية.
وروى محمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: حثوا
الصبيان على الصلاة إذا بلغوا سبع سنين واضربوهم لتسع سنين.
وعن علي بن الحسين قال: لسبع سنين، وفرقوا بين الغلمان والجواري في
المضاجع إذا بلغوا تسع سنين.
وعن عمر وابن سيرين قالا: إذا عرف يمينه من شماله.
وعن إبراهيم: إذا ثغر.
وعن الحسن قال: يؤمر بالصلاة إذا حفظ الصلاة.
(2/200)
وعن حبيب، قال: إذا عد عشرين.
وعن عمر: إذا عقلها.
مسألة:
قال الحسن عليه السلام ـ فيما رواه ابن صباح عنه ـ، وهو قول محمد
في (المسائل): وسئلا عمن يقول: إن الله عز وجل فرض هذه الصلوات منذ
خلق الله آدم إلى نبيئنا عليه السلام، وأمر الله آدم وجميع
الأنبياء عليهم السلام بالصلاة على هذه الحال فإنا نقول: إن هذه
الصلوات الخسم إنما عرفناها نبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم ونزل
بها جبريل عليه السلام مسماة بحدودها من عند الله تبارك وتعالى،
ولم يخبرنا نبيئنا أن هذه الصلوات الخسم فرضت على آدم عليه السلام
ولاعلى من بعده من الأنبياء قبل نبيئنا عليه السلام، وقد بلغنا أن
نبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم قال: <من كانت له حاجة إلى الله عز
وجل فليدع بها في صلاة العشاء الآخرة، فإنها صلاة لم يصلها أحد من
الأمم قبلنا ولكن قد أخبرنا في القرآن أن الأنبياء عليهم السلام
كانوا يصلون، ولم يخبرنا أنها هذه الصلوات الخمس بحدودها بعينها>.
مسألة:
قال محمد: رأيت في وجه أحمد بن عيسى عليه السلام أثراً خفياً من
السجود وكذلك رأيت في وجه عبدالله بن موسى بن عبدالله، وقاسم بن
إبارهيم، وعبدالله بن موسى بن جعفر، وإدريس بن محمد بن يحيى بن
عبدالله بن الحسن، وعبيدالله بن علي بن عبيدالله بن الحسين بن علي
بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبدالله بن محمد بن يحيى بن
عبدالله بن الحسن عليهم السلام بعضهم أكثر من بعض.
مسألة: صلاة المريض
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ: إن أطاق المريض
السجود على الأرض سجد عليها، وإن لم يطق ذلك سجد على مايمكنه وسادة
أو غيرها، وإن لم يمكنه ذلك لضعفه أومى برأسه وكان إيماؤه لسجوده
أخفض من إيمائه لركوعه.
(2/201)
وقال الحسن عليه السلام: ومن كان على جبهته جراحة لايستطيع
لأجلها أن يضع جبهته على الأرض، فإنه يصلي كما يصلي قائماً ويركع،
فإذا بلغ إلى السجود أومى برأسه إيماء وهو جالس، ويجزيه ـ يعني أنه
إذا قدر على القيام والركوع ولم يقدر على السجود إلا بالإيماء فإنه
يسبح قائماً ويقرأ قائماً ثم يجلس ويوميء إيماء حتى تفرغ صلاته
يفعل كما يفعل الصحيح إلا ماعجز عنه فإنه يسقط عنه ـ.
وقال محمد، وهو قول الحسن عليه السلام: وإذا كان برجل صداع أو غيره
من العلل فلم يمكنه أن يصلي قائماً فجائز أن يتوكأ على عصا أو حائط
أو على رجل ويصلي. قد توكأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في
الصلاة على عود.
قال الحسن عليه السلام: ولابأس بالاعتماد على الجدار يستعين به على
النهوض عند القيام في الفريضة إذا احتاج إلى ذلك.
وقال الحسن عليه السلام ـ في رواية ابن صباح عنه ـ، وهو قول محمد:
فإن لم يمكنه القيام صلى جالساً يركع ويسجد على الأرض فإن لم يمكنه
السجود على الأرض أومى برأسه إيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع.
قال الحسن عليه السلام: روي عن أم سلمة أنها اشتكت عنها فكانت تومي
إيماء في الركوع والسجود وهي قاعدة.
وروي عن أبي جعفر عليه السلام مثل ذلك فيمن لايقدر على السجود.
قال محمد: ولايسجد على وسادة ولاعود ولايرفع إلى وجهه مروحة
ولاغيرها ليسجد عليها ، ولايسجد على شيء دون الأرض فإن لم يمكنه أن
يصلي جالساً صلى مضطجعاً على جنبه الأيمن بحذاء القبلة يومي برأسه
إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه
صلى على ظهره ووجهه ورجلاه إلى القبلة ثم يستفتح صلاته بقدر
مايمكنه يقول: الله أكبر، ثم يقرأ ماتيسر عليه ويومي بحاجبه أو
طرفه فإن لم يستطع عند ذلك ـ وهو قول زفر ـ وإن لم يمكنه القراءة
قريء عنده، وأسمع القراءة وأومى كما يمكنه سمعنا نحو ذلك عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم .
(2/202)
مسألة: إذا صلى المريض جالساً ثم أطاق القيام
قال محمد: إذا صلى المريض بعض صلاته قاعداً يركع ويسجد ثم استطاع
القيام استقبل صلاته من أولها، وكذلك إن ابتدأ صلاته قاعداً إيماء
ثم استطاع السجود ابتدأ صلاته بالسجود، وكذلك إن صىل بعض صلاته
مضطجعاً ثم استطاع الجلوس استقبل صلاته جالساً، وإذا ابتدأ صلاته
قائماً فصلى بعضها ثم ضعف عن القيام فليتمها قاعداً، وكذلك إن
ابتدأها قاعداً بركوع وسجود ثم ضعف عن الركوع والسجود أو ابتدأ
قاعداً يومي إيماء ثم ضعف عن القعود فإنه يبني في ذلك كله على
مامضى من صلاته ويتمها على مايستطيع.
مسألة: صفة قعود المصلي جالساً
قال محمد: كان أحمد عليه السلام يتربع في صلاته قاعداً وربما لم
يتربع.
قال محمد: وأخبرني أحمد أنه ليس يصلي قائماً إلا الفريضة لضعف كان
به.
وقال القاسم عليه السلام ـ فيما حدثنا علي، عن محمد، عن أحمد، عن
عثمان، عن القومسي، عنه ـ: قال: سألته عمن يصلي قاعداً كيف يقعد؟
قال: يتربع.
وقال محمد: إذا أراد المريض أن يصلي قاعداً فليتربع ثم يستفتح ويضع
كفيه على ركبتيه ويقرأ وهو متربع ويركع وهو متربع فإذا أراد السجود
ثنا رجله اليسرى ونصب اليمنى وسجد كذلك وكذلك أيضاً يكون جلوسه بين
السجدتين ثم يعود إلى حالة التربع، فإذا أراد أن يتشهد في الركعتين
الأوليين أو في آخر صلاته ثنى رجله اليسرى ونصب اليمنى كما يجلس
وهو صحيح حتى يستتم صلاته، وإن لم يمكن المريض أن يصلي متربعاً صلى
جالساً كيف ما أمكنه يومي إيماء على قدر طاقته.
مسألة: صفة العلة التي يصلي لها جالساً
قال محمد: إذا كان قيام العليل في الصلاة يزيد في علته وسعه أن
يصلي جالساً، ويومي إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع إن لم يمكنه
الركوع والسجود.
(2/203)
وروى محمد بإسناده أن أبا لبابة أتى علياً صلى الله عليه فقال:
يا أبا الحسن مايبلغ من وجع الرجل أن يصلي وهو جالس؟ فقال: يا أبا
لبابة أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخرج إلينا حتى
يأتي مصلاه هذا ثم يصلي جالساً؟ قال: بلى. قال: فلم تسألني؟.
وعن أبي الجارود قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام، وعنده ابنه
عبدالله فحضرت الصلاة فقام عبدالله عليه السلام فتوضأ ثم جاء فصلى
جالساً يومي إيماء فذكرت ذلك لأبي جعفر عليه السلام فال: إنه يصدع،
وإن الرجل إذا صدع أو وعك كان في عذره.
مسألة: إذا فاتت المريض صلوات هل يقضيها جالساً
قال محمد: إذا غمي على المريض صلوات ثم آفاق فكان لايطيق الصلاة
والركوع والسجود إلا قاعداً فليؤخر ماعليه من الصلوات حتى يطيق
القيام والقراءة والركوع والسجود، ثم يقضي ما ترك.
مسألة: تغير فرض المصلي في الصلاة
قال محمد ـ فيمن صلى متيمماً أو عرياناً أو في ثوب نجس أو عليه
فائتة وعليه مهل في الوقت أو كان أمياً فصلى بغير قرآن أو كان
مريضاً فصلى قاعداً، أو كان مسافراً فتحرى وأخطأ جهة القبلة
فاستدبرها، أو كانت أمة فأعتقت وهي تصلي ورأسها مكشوف، أو كانت
صلاة جمعة فخرج وقتها وهو فيها ثم زال العذر عنهم في ذلك كله قبل
أن يقعد في آخر الصلاة قدر التشهد أنهم يستقبلون الصلاة فيتوضأ
المتيمم ويلبس العريان وصاحب الثوب النجس ويقرأ الأمي، ويقوم
القاعد، ويقضي من عليه فائتة، ويستقبل المخطيء جهة القبلة، وتغطي
رأسها، ويصلي من خرج عنه وقت الجمعة قبل أن يقعد مقدار التشهد
الظهر أربعاً.
وعلى قول محمد في هذه المسائل: إن كان العذر زال عنهم في ذلك كله
وقد قعدوا قدر التشهد فإن فيه قولين: أحدهما أن يستقبلوا الصلاة
كاملاً. والقول الآخر: تجزيهم. لأنه قال ـ فيما أخبرنا جعفر، عن
ابن عامر، عنه ـ فيمن صلى عرياناً، أو في ثوب نجس وزال عذره في آخر
الصلاة وجوب الإعادة.
(2/204)
وقال في الصلاة: وإذا بدأ المسافر أربعاً .......... سلم فليتم
الصلاة أربعاً، وإذا وجد المتيمم الماء قبل أن يسلم فليتم الصلاة،
وإذا أطأ جهة القبلة ثم عرف قبل أن يسلم استقبل الصلاة، وإذا عتقت
الأمة في الصلاة أعادت.
وروى الحسن عنه أنها تبني على صلاتها.
وروى علي المقري عنه أنه قال: إذا دخل في صلاة العصر بعد ما قعد
قدر التشهد أن عليه صلاة الظهر أجزته العصر، وإذا صلى الأمي بلا
قراءة فلما تشهد سمع آية طويلة فحفظها أجزأته صلاته ولايعيد.
وقال في كتاب (الصلاة): إذا دخل في صلاة العصر بعدما تشهد الإمام
في صلاة الجمعة أجزته الجمعة، وإذا دخل وقت العصر بعدما قعد مقدار
التشهد ولم يتشهد استقبل الظهر.
وروى عامر عنه أنها تجزئه في الوجهين جميعاً، وإذا توضأ بماء نجس
أو صلى في ثوب نجس أو على مكان نجس ثم علم قبل الفراغ منها أعاد
الصلاة.
باب إمامة الصلاة
مسألة: من أحق الناس بالإمامة
قال أحمد بن علي عليه السلام ـ فيما حدثنا محمد بن جعفر، عن علي بن
عمرو، عن محمد بن منصور، عنه ـ أن النبيء صلى الله عليه وآله وسلم
قال: <يؤمكم أقرأكم لكتاب الله فإن كنتم في الهجرة سواء فأسنكم>.
وقال الحسن عليه السلام: انتهى إلينا في الخبر المشهور عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <يؤمكم أقرأكم لكتاب الله
وأفقهكم في دين الله، وأقدمكم هجرة وأعلاكم سناً>.
وقال محمد: ينبغي أن يكون إمام القوم أقرأهم لكتاب الله، وأعلمهم
بالسنة تقياً عدلاً، صاحب سنة واتباع، وإذا استوى الأب والإبن في
القراءة فالأب اولى بالتقدم، فإن كان الابن أقرأ فالابن أولى لقول
النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <يؤم القوم أقرأهم> ولم يذكر فيه
ابن ولا أب، ومن كانت به علة تحجبه عن بعض حدود الصلاة فلا يؤم
أحداً، وإذا كان القوم في منزل رجل فصاحب المنزل أحق بالتقدم إذا
كان موضعاً لذلك ولايؤم بعضهم بعضاً إلا بإذنه.
(2/205)
وروى محمد بإسناد عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: دعوت ناساً من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى منزلي فيهم: حذيفة،
وأبو ذر، وابن مسعود، فحضرت الصلاة فتقدم أبو ذر. فقال بعضهم: ورآك
فقال كذلك؟ قالوا: نعم. فقدموني فصليت بهم وانا غمر.
مسألة:
قال الحسني: إذا........ على قول أحمد، والقاسم، والحسن، وحمد: إذا
اختصم قوم في الإمامة في المسجد أن يحكم لمن له القراءة والعلم
بالسنة فإذا استووا فأهل الصلاح والتقى والثقة والرضا، فإن كان
أقرأهم لكتاب الله يطعن عليه في دنيه لم يقدم، وقدم من يوثق به في
دينه وصلاحه ولم تظهر منه ريبة.
وعلى قول محمد: إن اختلفوا في رجل فكرهه بعضهم، ولم يكرهه بعضهم
فإن كان من يكرهه لابأس بهم لم يؤمهم، وإن كانوا ممن لايوثق به في
دينه أمهم.
مسألة: الصلاة خلف المملوك وولد الزنا والأعمى والخصي
قال أحمد بن عيسى عليه السلام: لابأس بالصلاة خلف الأعمى والمملوك
إذا كانا عفيفين.
وقال القاسم عليه السلام، وهو قول محمد: تجوز إمامة الأعمى
والمملوك وولد الزنا إذا لم يعرف أحد منهم بكبيرة ولاريبة.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ:
وإذا كان ولد الزنا عدلا ولم ير منه جرية جازت شهادته والصلاة
خلفه.
قال محمد: وتجوز الصلا خلف العبد وولد الزنا إذا كانا عفيفين وغير
ولد الزنا أحب إلي منه، وإذا أحدث الإمام وخلفه عبد وولد زنا
فأيهما شاء قدم إذا كان عفيفاً، ولابأس أن يؤم المجبوب والخصي.
مسألة: الصلاة خلف الأمي والأعرابي والأخرس
وعلى قول أحمد، ومحمد لايؤم الأخرس المتكلمين، ولا الأمي القارين،
لأن أحمد بن عيسى قال: تكره الصلاة خلف الأعرابي.
وقال أعرابي في البادية ولعله لايحسن يقرأ.
وقال محمد: روي عن محمد بن الحنفية أنه قال: لايؤم الأمي الأميين،
وهو قول أبي حنيفة. وقال بعض العلماء: لابأس بذلك.
مسألة: صلاة المطلق خلف المقيد
(2/206)
قال محمد: ولايؤم المقيد المطلقين، ذكر ذلك عن علي صلى الله
عليه.
وقال بعضهم: لابأس به، وأحب إلي أن يؤمهم جميعاً مطلق. ومن كانت به
علة تحجبه عن بعض حدود الصلاة فلا يؤم أحداً.
مسألة:
ومن كان به سلس البول لم يجز له أن يصلي بالناس، وكذلك من كان به
رعاف لاينقطع، أو استطلاق بطن.
مسألة: صلاة اللابس خلف العريان
قال محمد: ويصلي العراة وحداناً، وقد رخص بعضهم أن يصلوا جماعة
ويكون إمامهم وسطهم لايتقدمهم.
مسألة: صلاة القائم خلف القاعد
قال محمد: ولايصلح لأحد بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤم
جالساً إلا من عذر يكونون جميعاً مرضى في حال واحدة فيؤمهم جالساً
وهم جلوس.
مسألة: صلاة المتوضي خلف المتيمم
قال محمد: لايؤم المتيمم المتوضيين، ولاقوماً فيهم متوضي ولابأس أن
يؤم المتيمم المتيممين.
وقال في (الجنائز): لايؤم متيمم قوماً على صلاة جنازة وفيهم متوضي.
ذكر عن علي صلى الله عليه أنه قال: لايؤم المتيمم المتوضيين.
وروى محمد بإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل ذلك.
مسألة: صلاة المؤدي فرض خلف المتطوع
قياس قول محمد أن الرجل إذا صلى فريضة خلف المتطوع مؤتماً به أعاد
الصلاة لأنه قال فيمن فاتته ركعة مع الإمام فصلى الإمام خمساً
ساهياً: أحب إلي أن يعيد.
وكذلك قال في مسافر صلى بمسافرين ومقيمين أربعاً ساهياً أجزت
المسافرين صلاتهم وأحب إلي أن يعيد المقيمون.
مسألة: الصلاة خلف المرأة والصبي
ومسائل محمد تدل على أنه لاتجوز الصلاة خلف امرأة ولاصبي لم يحتلم
أو يبلغ خمس عشر سنة لأنه قال: إن أم رجل نسوة وصبياناً فأحدث
حدثاً يبنى على مثله توضأ وبنى على صلاته، وتستقبل النسوة
والصبيان.
وقال: ويكره للرجل أن يؤم النساء لا رجل معهن لأنه لو أحدث لم يكن
خلفه من يستخلفه، ويدل عليه أيضاً قوله فيما تفسد المرأة من
الصفوف.
وقال: وإذا قرأت المرأة السجدة فليس على من سمعها من الرجال أن
يسجد لأنها لاتكون إماماً للرجل.
(2/207)
قال محمد: وإذا بلغ الغلام خمس عشرة سنة جاز أن يكون إماماً.
مسألة: الصلاة خلف القاذف
قال محمد: وإذا تاب القاذف جازت الصلاة خلفه، كان أبو جعفر محمد بن
علي عليه السلام يقول في المحدود في القذف وغيره إذا تاب: قبلت
توبته وقبلت شهادته.
مسألة: هل تفسد صلاة المأموم بفساد صلاة الإمام
قال أحمد، ومحمد في إمام صلى بقوم وهو جنب أو على غير طهارة ناسياً
ثم ذكر فإنه يجب على الإمام والمأمومين أن يعيدوا تلك الصلاة.
قال محمد: صلى أحمد بن عيسى معي الظهر فقلت له بعد ما انصرفنا: قد
عرض في نفسي شيء من وضوئي أريد أن أعيد الصلاة. فقال أحمد: من
يقين؟ قلت: لا. قال: فليس عليك. قلت: يأبى قلبي. فقال: إن كان من
يقين لزمني الإعادة. قلت: ليس هو من يقين فأعدت ولم يعد.
حدسنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا ابن وليد، قال: حدثنا سعدان،
قال: سألت أبا جعفر محمد بن منصور، عن رجل صلى بقوم شتى لايعرفهم
ثم ذكر أنه صلى على غير وضوء. فقال: روي فيه عن علي صلى الله عليه
قولانا، أحدهما: أن يعيد ويعلمهم فيعيدوا. والآخر: أن يعيد
ولايأمرهم بالإعادة.
مسألة: إمامة الفاسق
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى تصلي خلف من يخالفك، وخلف من يعمل
بمعصية الله؟ فقال: لا أصلي إلا خلف رضي موافق، ولا أضلل من صلى
خلفه لما روى.
(2/208)
وقال أحمد: إن الإمام هو وافد القوم إلى الله عز وجل، فلا أحب
أن يكون وافدي إلى الله عز وجل من ليس على رأيي ومذهبي، ولا أقول
لمن صلى خلف من يقيم أحكام الصلاة وإن كان مخالفاً لأهل العدل في
رأيه ليست له صلاة، وليس له تضعيف صلاة الجماعة من قبل أني إنما
أنقم على المخالف إحداثه التي أحدثها، فأقول: لاتقبل صلاته لتلك
الأحداث، وأما صلاته إذا أتى بها بتمام ما أمري به من أحكامها
وسننها فلايجوز أن يقال: إنك لم تقمها لأحداثك التي أحدثت، لأنا إن
قلنا للإمام المخالف إنك لم تتم الصلاة، وقد أتمها كنا غير قائلين
بحق، وإن قلنا أن تمامها ليس بتمام نذب إلى أن نقول: لم يؤمر
الإمام المحدث بالصلاة فهو قد أمر بها بأحكامها فأقامها على ماقد
وصف له، لم يجز لنا أن نقول لم يتمها وقد أتمها، لكنا نقول: إنها
غير مقبولة منه لأحداثه، وإن كان قد أتمها، فإذا كان من خلف هذا
الإمام المخالف على حق ومذهب صحيح وهو تارك للحدث الذي نقمه على
إمامه فقد أجزت عنه الصلاة إن شاء الله غير أن الاحتياط عندنا أن
يصيبها الرجل لنفسه في أول الوقت بتمام أحكامها.
وقال أحمد ـ فيما رواه محمد بن فرات، عن محمد، عنه ـ: أنه سئل هل
علينا حرج في ترك جماعتهم إذا حضرناهم فصلينا لأنفسنا؟ فقال: ما
أرى في ذلك من حرج، وإنما وسعنا في الصلاة بصلاتهم ألا نقول لمن
صلى معهم: لاصلاة له، ولاحرج عليكم في ترك ذلك إن شاء الله.
وقال: الصلاة جائزة خلف من أقام أحكام الصلاة، وصلاها في وقتها ولم
يضيق في الوقت. وقال: هو جائز إلى ىخر الوقت.
وقال القاسم عليه السلام: إذا لم نعرف الرجل بكبيرة ولاريبة جازت
إمامته.
وقال الحسن عليه السلام: أجمع آل رسول الله صلى الله عليه وعليهم
على أن لايقتدوا في الصلاة إلا بثقة موافق ولايقتدوا بالفاسقين في
جمعة ولاجماعة.
قال الحسن: لايصلي الرجل خلف من لايقتدى به إلا تقية ويعيد الصلاة.
(2/209)
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد، عن ابن وليد، عن جعفر
الصيدلاني، عنه ـ: ولايصلى خلف من يأخذ المزبقة.
وقال الحسن أيضاً ـ في رواية ابن صباح عنه ـ، وهو قول محمد في
(المسائل): ولاتجوز الصلاة إلا مع إمام تقي، وإذا لم يكن الإمام
عدلا ولا رضي فلا ينبغي أن يصلى خلفه.
وروى أن العدل في المسلمين من لم تظهر ريبته.
وقال محمد: من لم تظهر ريبته جازت شهادته والصلاة خلفه.
وروى محمد: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <لايؤمكم ذو
خَرْبَةٍ في دينه>، ثم قال محمد: الخربة: شبه الخدش، أو مثل القشر
يكون في الجسد يعني يكون في دينه من الفساد مثل مايكون في الجسد من
الخدش(1).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <لايؤمن فاجر مؤمناً،
ولايصلي مؤمن خلف فاجر>ج.
وعن أبي الجارود قال: قال لنا أوب جعفر عليه السلام: لاتصلوا خلف
ناصب ولاكرامة، إلا أن تخافوا أن تُشهَروا أو يشار إليكم فصلوا في
بيوتكم ثم اجعلوا صلاتكم معهم تطوعاً.
مسألة: هل على متأول أو من صلى خلف متأول إعادة
قال أحمد بن عيسى عليه السلام: إذا كان المصلي خلف الإمام المخالف
على حق، ومذهب صحيح، وهو تارك للحدث الذي نقمه على إمامه فقد أجزت
عنه الصلاة إن شاء الله غير أن الاحتياط عندنا أن يصليها الرجل
لنفسه في أول الوقت بتمام أحكامها.
وقال محمد في كتاب (الغسل): قلت لأحمد بن عيسى: يفترق عندك من رأى
المسح ولم يمسح ومن مسح؟ فقال: نعم.
قال محمد: لايسوَّى بين من صلى خلف من مسح، وخلف من لم يمسح، وإن
رأى المسح.
قال محمد: قال أحمد بن عيسى عليهما السلام، وقاسم بن إبراهيم
عليهما السلام: ليس على متأول إعادة.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا الحسين، عن زيد، عن أحمد، عنه
ـ: ومن صلى خلف من لايقتدى به أعاد الصلاة، وهذا قول محمد فيما روى
ابن خليد عنه.
__________
(1) ـ في تاج العروس: الخُرْبَة: الفساد في الدين والريبة، وأصلها
العيب، ويقال: مافيه خربة. أي عيب.
(2/210)
وقال محمد ـ فيما حدثنا علي، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ،
وسئل عن رجل صلى مع إمام يقتدى به فحدث بالإمام حدث فقدم من
لايقتدى به؟ فقال: يفسخ صلاته فإذا سلم أعاد.
مسألة: كيف يصنع من دخل مع إمام لايأتم به
قال أحمد: إذا دخل الرجل مع من لايأتم به في صلاته، فينبغي أن يجعل
صلاته معهم تطوعاً إلا صلاة الفجر والعصر فلايتطوع بها معهم لأنه
لاصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولاصلاة بعد العصر حتى تغرب
الشمس، فإذا ابتلى بالدخول معهم في هاتين الصلاتين فليدخل معهم بلا
افتتاح ولا قراءة ولاتسبيح.
قال: وإن هو صلى الفريضة خلف من لايثق به في دينه افتتح الصلاة
ونواها لنفسه وسبح وكبر وتشهد ينوي به لنفسه.
وقال الحسن ـ فيما حدثنا حسين ، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ: وإذا دخل
رجل مع إمام لايقتدى به في وقت لايمكنه إعادة الصلاة فيعتقد
التكبير والقراءة لنفسه.
مسألة: فيمن أم قوماً وهم له كارهون
قال محمد: ولايجوز لأحد أن يؤم قوماً وهم له كارهون فإن ذلك قد نهي
عنه، وقيل: لاتقبل له صلاة. وقد سمعنا أن الآخرين إذا تصارما لم
تقبل لهما صلاة.
وروى محمد بإسناده أن علياً صلى الله عليه قال لرجل: إنك لخروط تأم
قوماً هم لك كارهون.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <ثلاثة لاتقبل لهم صلاة
ولاصيام ولاصدقة: رجل أم قوماً وهم له كارهون، وامرأة نشزت من
زوجها حتى ترجع إليه، والعبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه>.
مسألة:
قال محمد: إذا بنى الرجل مسجداً فأذن فيه ثم مرض أو غاب فقام في
المسجد غيره فلا ننحه حتى يكون هو الذي يتنحى، بلغنا عن وكيع أنه
كان إذا مرض أو غاب فقام في المسجد غيره لم ينحه حتى يكون هو الذي
يتنحى.
مسألة: هل يجمع في مسجد قد جمع فيه
قال القاسم عليه السلام: لابأس بالتجميع في مسجد قد صلي فيه تلك
الصلاة جماعة.
(2/211)
وقال محمد: إذا دخل القوم مسجداً قد جمع فيه فإن شاؤا صلوا
وحداناً وإن شاؤا جمعوا، ويجزيهم أذان من أذن فيه وإقامته كل ذلك
قد روي.
وروى محمد بإسناد عن علي صلى الله عليه أنه أتاه رجلان في المسجد
فقال: أصليتما؟ قالا: لا. قال: ولكنا قد صلينا. قال: فتنحيا فصليا
وليؤم أحدكما صاحبه، ولا أذان عليكما ولا إقامة ولاتطوع حتى تبدآ
بالمكتوبة. يعني أن الأولى بمن دخل المسجد في وقت صلاة أن يبدأ
بالفريضة قبل تحية المسجد.
وقال محمد ـ فيما حدثنا حسين، عن ابن وليد، عن سعدان ـ: قال: سألت
أبا جعفر عن إمامين يصليان في مسجد واحد صلاة واحدة. فقال: نعم،
يصليان إذا كانا مثل هؤلاء يعني المخالفين.
مسألة: هل صلاة الجماعة واجبة أو فضيلة.
قال أحمد عليه السلام: إذا كان إمام القوم موافقاً لأهل الحق على
مذهبهم فإني أرى الفضل في حضور الجماعة، ولا أرى التخلف عنها إلا
لعذر يعذر الله عليه عبده.
وقال الحسن عليه السلام ـ في رواية ابن صباح عنه ـ، ومحمد في
(المسائل): وإذا كان إمام المسجد عفيفاً مسلماً على مذهب صحيح
فينبغي لمن يقرب المسجد أن يصلي خلفه ولايتخلف عن الجماعة إلا أن
يكون له عذر من مرض أو غيره وليس على من تخلف عن الصلاة خلفه شيء
في أمر الدنيا ولكن يخاف أن يكون مأثوماً فيما بينه وبين الله عز
وجل.
وقالا: نقول: إن الصلاة في المسجد مع إمام يقيم حدودها وحقها أفضل
من الصلاة في المنزل وإن لم يكن الإمام براً ولاتقياً فالصلاة في
المنزل أفضل من الصلاة مع من لاتنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر.
(2/212)
وروى محمد بإسناده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم: <ألا أدلكم على مايكفر الله به الخطايا ويزيد به
في الحسنات؟> قالوا: بلى يارسول الله. قال: <إسباغ الوضوء على
المكاره وكثرة الطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فما
منكم من يخرج من بيته متطهراً فيصلي في الجماعة ثم يجلس في مجلسه
ينتظر الصلاة إلا أن الملائكة يقولون: اللهم اغفر له اللهم ارحمه>.
وعن علي عليه السلام: لاصلاة لجار المسجد لايحضر إلى الصلاة إذا
سمع الندا>.
وعن علي عليه السلام: <لئن أصلي الفجر والعشاء في جماعة أحب إلي من
أن أحيي مابينهما>.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <لو يعلمون مافيها لأتوهما
ولو حبواً وإنهما ليكفران الذنوب>.
وعن علي عليه السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <لما
أسري بي إلى السماء، قيل: هل تعلم فيما اختصم الملأ الأعلى؟ قلت:
لا أدري. قال: في إسباغ الوضوء في الغدوات، ونقل الأقدام إلى
الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة>.
وروى محمد ـ بإسناده في الحج ـ ، عن جابر، قال: مطرنا ونحن مع رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم في الفر فنادى مناديه صلوا في
رحالكم.
مسألة: أفضل الصفوف وإقامة الصف ومن ينبغي أن يلي الإمام
قال محمد: ينبغي أن يلي الإمام في الصلاة الأفضل فالأفضل، ويقال:
إن الذي يليه هو أقرب إلى الرحمة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <ليليني منكم أولوا
الأحلام والنهى>.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <إذا قمتم إلى الصلاة
فأتموا صفوفكم والزموا عواتقكم، ولاتدعوا خللاً فيتخللكم الشيطان
كما يتخلل أولاد الحِذَف ـ يعني المِعًزى الصغار من الغنم ـ>.
وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقبل بوجهه على الناس قبل
أن يكبر فقال: <أقيموا صفوفكم> حتى قالها ثلاثاً، <فوالله لتقيمن
صفوفكم أو لتختلفن قلوبكم>.
(2/213)
قال النعمان بن بشير: فرأيت الرجل منا يلصق كتفه بكتف صاحبه
وركبته بركبة صاحبه ومنكبه بمنكبه.
وفي حديث آخر عنه عليه السلام: <الزموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم
من وراء ظهري>.
وبلغنا عن علي صلى الله عليه أنه خرج وقد أقيم الصف للصلاة، فقال:
استووا تستو قلوبكم وتماسوا وتزاحموا.
وقال ـ فيمن قام في الصف الثاني قبل أن يستتم الصف الأول ـ: الأفضل
أن يستتم الأول. وقد رخص في ذلك، ويطلب الرجل أن يصلي في ميامن
الصفوف فإن ذلك أفضل إلا أن يكون إلى تسوية الصف أحوج.
وقال الحسني ـ وهو السيد الشريف أبو عبدالله بن عبدالرحمن ـ: إن
الرجل إذا جاء والصف الأول لم يمتلي نظر أي الجانبين أقرب إلى
الإمام فقام فيه، وإن كان الجانبان سواء أقام عن يمينه وإن كان خلف
الإمام رجلين أحدهما بحذاء الإمام والآخر عن يمينه قام عن يسار
الرجل الأقرب إلى ا؟لإمام.
وروى محمد بإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <فضل
ميامن الصفوف على مياسرها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده>.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: <خير صفوف الرجال
المقدم وشرها المؤخر، وخير صفوف النساء المؤخر وشرها المقدم>.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى في أصحابه تأخراً فقال:
<تقدموا وائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم، لايزال قوم يتأخرون حتى
يؤخرهم الله>.
مسألة: أين يقدم المؤتم من الإمام
قال محمد: قال لي أحمد بن عيسى عليه السلام: أذن وأقم. فأذنت وأقمت
فأردت أن أقوم عن يمينه فجذبني ثم قال: صل بي أنت، فإني أنا أسهو،
فلم يدعني حتى صليت به.
وقال محمد: إذا افتتح رجل الصلاة ونوى أن يكون إماماً فجاء رجل
فقام عن يساره ..... إليه أن يقف عن يمينه وإن جذبه فقد روي عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلا من أصحابه قام عن يساره
فأقامه عن يمينه.
(2/214)
وذكر عن سعيد بن جبير أنه جذب رجلاً في الصلاة، وإذا لم يكن مع
الإمام إلا رجل وصبي له سبع أو ثماني سنين فليقم الرجل عن يمين
الإمام وليقم الغلام عن يمين الرجل، وإن قام الغلام عن يسار الإمام
أجزاه، وإن كانت معه امرأة قامت خلف الإمام بحذاء نقرته، وإن كان
مع الإمام رجلان قاما خلفه وتقوم النساء خلف الصفوف، وإذا صلى
الإمام بقوم فغفل أو جهل فكان بعضهم أمامه وبعضهم عن يمينه وبعضهم
عن يساره، فأما من تقدم فيعيد الصلاة وأما من كان عن يمينه وعن
يساره فصلاتهم جائزة.
وقال محمد ـ فيما حدثنا حسين، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ، وسئل
عن رجل جاء ومع الإمام رجل وصبي فدخل معهم في الصف ولم يجذب الرجل.
فقال: صلاتهم جائزة.
وقرأت في سعدان بخطه: قال محمد: وإذا جاء رجل وقد افتتح الإمام
الصلاة فهو مخير إن شاء قام عن يمين الإمام وإن شاء قام خلفه في
نقرته، فإن ثاب إليه أحد قبل أن يركع الإمام ثبت على صلاته وصلاتهم
تامة، وإن لم يثب إليه أحد تقدم فكان عن يمين الإمام لانعلم في هذا
خلافاً.
وسئل جعفر بن محمد عليه السلام عن ذلك فقال: وهل تتم الصفوف إلا
وحداناً؟ فقال: قرأت: قال محمد وإن قام رجل عن يسار الإمام ناسياً
ثم ذكر في بعض الصلاة دار إلى يمين الإمام.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا زيد، عن أحمد بن علي الخزاز، عن ابن
عبدالجبار، عنه ـ قال: سألته عن رجل قام إلى جانب الإمام ثم دخل
آخر فقام في نقرة الإمام ولم يجذب الذي عن يمين الإمام. فقال:
يتأخر الذي مع الإمام فيقوم معه. قلت: فإن كان صبياً؟ قال: يرجع
إلى يمين الإمام إلا أن يكون مراهقاً فتجوز صلاته معه. وسألته عن
الصف يكون خلف الصف متطرفاً ولايكون في نقرة الإمام؟ قال: جائز،
والأفضل أن يكون في نقرة الإمام.
مسألة: هل يصلي الإمام بنساء لارجل معهن
قال القاسم عليه السلام: ولايصلي الرجل مع امرأته الفريضة ـ يعني
في بيته ـ، وليس ذلك بسنة وإنما يلزم ذلك في مساجد الجماعات.
(2/215)
وقال القاسم أيضاً ـ فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن ابن سهل،
عن عثمان، عن القومسي، عنه ـ، وهو قول محمد: يكره أن يؤم الرجل
النساء ليس معهن رجل.
قال محمد: وقد رخص فيه بعضهم والوجه فيه عندنا كراهيته لأنه لو
أحدث حدثاً لم يكن خلفه من يستخلفه فأما المرأة وحدها خلف الرجل
الغريب فقد نُهي عنه وإن أم رجل نسوة أو صبياناً جازت صلاتهم فإن
أحدث حدثاً يبنى على مثله فإنه يخرج فيتوضأ ويبني على صلاته،
وتستقبل النسوة والصبيان.
مسألة: كيف تؤم المرأة النساء
قال القاسم عليه السلام ـ فيما حدثنا علي، عن محمد بن أحمد، عن
عثمان، عن القومسي ـ، وهو قول محمد: إذا أمت المرأة النساء فلتقم
وسطهن وهن عن يمينها وعن شمالها لاتقدمهن.
وروى محمد بإسناده نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
مسألة: ماتفسد المرأة من الصفوف
قال محمد: إذا صلت المرأة مع الرجال في الصف تصلي بصلاة الإمام
فإنها تفسد على ثلاثة منهم على الذي في نقرتها، وعلى الذي عن
يمينها، والذي عن يسارها. والثلاثة الذين أفسدت عليهم سُترة لمن
سواهم. فإن قامت بين الصفين وحدها فيقال: إنها تفسد صلاة الذي
خلفها وحده.
وإن قامت امرأة عن يمين الإمام؛ فإن نوى أن يؤمها استقبلا الصلاة
وحداناً، وإن لم ينو أن يؤمها فصلاته تامة وتعيد هي صلاتها، وكذلك
الأمة والمدبرة سواء كانت مكشوفة الرأس أو مختمرة، ولو صلى رجل
وإلى جنبه امرأة تصلي وكل واحد منهما يصلي لنفسه وليسا مع إمام لم
تفسد عليه سواء كانت عن يمينه أو عن شماله أو أمامه، ويستحب له أن
يتجنب ذلك لأنه قد كره له أن يمشي خلف المرأة في غير صلاة فكيف
بالصلاة.
وقال عيسى بن مريم عليه السلام: امش خلف الأسد ولاتمش خلف امرأة.
(2/216)
وفي رواية ابن خليد، عن محمد: وإنما كره أن يصلي الرجل خلف
المرأة وحداناً لئلا ينظر إلى عجزها إذا ركعت أو سجدت، فإن سلم من
ذلك فلابأس، وكذلك لو افتتحا الصلاة وكل واحد منهما ينوي أن يؤم
صاحبه فصلاتهما تامة لأن كل واحد منهما يصلي لنفسه لأنه نوى أن
يصلي بها ولم تنو هي أن تأتم به، ونوت هي أن تصلي به ولم ينو هو أن
يأتم بها.
وإذا افتتح رجل الصلاة ونوى أن يكون إماماً فجاءت امرأة فقامت إلى
جنبه تصلي تطوعاً مؤتمة به أعاد هو ولم تعد هي، وإن دخلت معه في
صلاة الظهر تقتدي به وهي تظن أنه يصلي العصر أعادت هي ولم يعد هو
لأنها لم تدخل معه في صلاته، وإن افتتح الصلاة فجاءت امرأة مغلوبة
على عقلها فكبرت وقامت إلى جنبه كما رأته صنع فصلاته تامة لن هذه
لاصلاة لها إذ لم تعقلها فتعتقدها.
مسألة: أين يقف الخنثى مع الإمام
قال محمد: إذا أراد الخنثى الصلاة في جماعة فليقم خلف صفوف الرجال،
وأمام صفوف النساء. وإذا صلى الإمام برجل وخنثى قام الرجل عن يمين
الإمام، وقام الخنثى في نقرة الإمام، وإن صلى بامرأة وخنثى قام
الخنثى في نقرة الإمام وقامت المرأة خلف الخنثى.
مسألة: متى يقوم الإمام ومتى يكبر للصلاة
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود عنه ـ، وسئل عن القوم
يقومون للصلاة إذا تقدم الإمام ـ يعني إذا قال المؤذن: قد قامت
الصلاة ـ، فقال: أي ذلك فعلوا فغير ضيق عليهم.
وقال محمد: إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة فليقم الإمام وأحب إلي
أن لايكبر حتى يستتم المؤذن قول: لاإله إلاالله.
وروى محمد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه دخل المسجد وبلال
في الإقامة فجلس.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <إذا قال المؤذن قد قامت
الصلاة كبر ولم ينتظر>.
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة حل
افتتاحها بالتكبير، وحرم على أهل المسجد الكلام.
مسألة: إذا شك الإمام في التكبيرة الأولى
(2/217)
قال محمد: إذا شك الإمام في التكبيرة الأولى فلم يدر كبر أم لا،
وهو قام في الركعة الأولى أو الثانية فليبتديء الصلاة بتكبيرة ينوي
بها افتتاح الصلاة ويرفع بها صوته حتى يسمع القوم فيكبروا بعد
تكبيره.
مسألة: متى يكبر المأموم
قال محمد: ولاينبغي لمن خلف الإمام أن يكبر حتى يكبر الإمام، فإذا
كبر كبر بعده متبعاً له وإذا ابتدأ الإمام ثم كبر معه أجزاه
والأفضل أن لايكبر حتى يفرغ الإمام من التكبيرة، فإن كبر قبل
الإمام أعاد الصلاة، وكذلك إن كبر ثم كبر الإمام ففرغ من تكبيره
قبل فراغ الإمام أعاد الصلاة.
مسألة: إذا أدرك بعض صلاة الإمام أيكون ما أدرك أول صلاته أو آخرها
قال أحمد بن عيسى عليه السلام: إذا أدرك الرجل ركعتين من الظهر
فليجعل ما ادرك من الصلاة أول صلاته، فيقرأ في الركعتين اللتين
أدركهما بفاتحة الكتاب وسورة في نفسه، فإذا سلم الإمام ففي
الركعتين الفائتتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب أو يسبح فيهما، وإذا
أدرك ركعة من المغرب جعلها كما قلت لك أول صلاته يقرأ فيها بفاتحة
الكتاب وسورة ثم يجلس فيتشهد ثم ينهض فيصلي ركعة يقرأ فيها بفاتحة
الكتاب أو يسبح فيها، أي ذلك فعل فحسن.
وقال محمد: إذا أدرك الرجل مع الإمام بعض صلاته جعل ما أدرك معه
آخر صلاته فإذا سلم الإمام قام يقضي ماسبقه به الإمام إن كان ركعة
أو ركعتين قرأ فيهما الحمد وسورة وإن كانت صلاة جهر فجهر فيها
فليجهر فيما يقضي ولايخافت، ولايرفع صوته كثيراً.
وإن نسي الإمام أن يقرأ في الأوليين وقرأ في الآخرتين وخلفه رجل
أدرك معه الآخرتين فإنه إذا قام يقضي قرأ بالحمد وسورة، وإذا افتتح
الرجل الصلاة مع الإمام فصلى بعضها ثم أحدث حدثاً يبنى على مثله
فخرج فتوضأ ثم جاء وقد صلى الإمام بعده ركعة أو ركعتين وبقيت عليه
ركعة أو ركعتان فإنه يصلي مع الإمام ما أدرك فإذا سلم الإمام قضى
ماصلى الإمام وليس هو معه.
(2/218)
وقال محمد ـ فيما أخبرنا محمد، عن ابن عامر، عنه ـ فيمن أدرك
بعض الصلاة مع الإمام فجعل أولها آخرها، أو آخرها أولها، قال: كل
ذلك عندي جائز والذي يأخذ بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم
يصلي مع الإمام ما أدرك ويقضي ما فات يقرأه مثل قراءة الإمام.
وقال محمد بن الحسن: يجعل ما أدرك مع الإمام أول صلاته وآخر صلاة
الإمام.
وروى محمد بإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ليأت
أحدكم الصلاة بوقار وسكينة فليصل ما أدرك وليقض ماسبق به.
وعن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال: إذا فاتك مع الإمام
الركعتان الأوليان فابدأ بالركعتين الآخرتين. يقول: استقبل صلاتك
بهما واقرأ فيهما.
مسألة: إذا أدرك مع الإمام ركعة أو فاتته ركعة هل يتشهد معه ويقنت
أم لا
قال محمد: وإذا دخل رجل مع الإمام وقد فاتته ركعة أو ثلاث ركعات
فجلس الإمام يتشهد في الثانية أو في الرابعة وهي الأولى للداخل
فليجلس معه فإن شاء تشهد وإن شاء سكت كل ذلك واسع، وقد قيل: وإن
أدرك مع الإمام ركعة من صلاة الفجر فإن شاء قنت مع الإمام وإن شاء
قنت حين يقضي أي ذلك فعل فهو جائز.
وفي رواية سعدان عن محمد: وإن شاء قنت مع الإمام، وقنت فيما يقضي
كل ذلك جوزه العلماء.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا زيد بن جعفر، عن أحمد بن علي، عن ابن
عبدالجبار، عنه ـ، قال: سألته عن رجل أدرك ركعتين من المغرب فقعد
الإمام في ثالثته وهي ثانية الرجل فتشهد تشهد الركعتين قبل أن يفرغ
الإمام أيعيد التشهد إلى أن يفرغ الإمام من تشهده، فقال: كل ذلك
جائز، إن شاء أعاد، وإن شاء لم يعد.
مسألة: القراءة خلف الإمام
كان أحمد بن عيسى، وعبدالله بن موسى، والقاسم بن إبراهيم، وأبو
الطاهر أحمد بن عيسى، والحسن بن يحيى عليهم السلام يرون القراءة
خلف الإمام فيما خافت فيه، وكان القاسم وأبو الطاهر يكرهان القراءة
خلف الإمام فيما جهر فيه بالقرآن.
(2/219)
قال القاسم: قد أمرنا بالاستماع والإنصات فإذا قرأ فلم يستمع
ولم ننصت.
وقال أحمد بن عيسى ـ فيما روى محمد بن فرات، عن محمد، عنه ـ: وأحب
قراءة فاتحة الكتاب خلف من يجهر ومن لايجهر.
وقال الحسن: إذا جهر الإمام بالقراءة وهو عدل ثقة فأحب إلي أن تسمع
قراءته وتثبت مايقرأ في قلبك لأن الله عز وجل يقول: {وإذا قريء
القرآن فاستمعوا له وأنصتوا}، واقرأ في الأخرى من المغرب والآخرتين
من العشاء بالحمد وحدها، وإذا لم يجهر الإمام بالقراءة فأحب إلي أن
يقرأ سراً بالحمد وسورة في الأولتين وإن لم يقرأ فجائز، واقرأ في
الآخرتين بالحمد وحدها.
وقال محمد: وغذا صلى خلف إمام يقتدى به فلايقرأ فيما جهر فيه
الإمام.
قال سعدان: قال محمد: لأن القراءة والاستماع فرض، فإذا استمع فقد
زال الفرض بالفرض، وأما فيما خافت فيه فإن شاء قرأ وإن شاء لم
يقرأ.
مسألة: القنوت وراء الإمام
قال محمد: القنوت خلف الإمام أحب إلي لما روي عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم يعني قوله: <إنما قنت بكم لتدعوا الله وتسألوه
حوائجكم>.
وقال محمد أيضاً ـ في رواية سعدان عنه ـ: وإذا قنت الإمام قبل
الركوع فليقنت معه فإن لم يقنت معه وقنت بعد الركوع فقد أخطأ حين
خالف الإمام وصلاته تامة.
مسألة: الاستعاذة وراء الإمام
قال محمد: ليس على من خلف الإمام استعاذة، وقد قيل إذا فاتته خلف
الإمام ركعة أو ركعتان أو ثلث استعاذ عند دخوله في الصلاة لقوله
سبحانه: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}.
وقد قيل أيضاً: ليس عليه استعاذة لأن استعاذة الإمام تجزئه، وأرجو
أن تجزئه استعاذة الإمام إن شاء الله.
قال محمد بن زكريا: قال محمد: يتعوذ أحب إلي.
(2/220)
وقال محمد أيضاً ـ فيما أخبرنا زيد بن حاجب من أصله عن أحمد بن
علي الخراز، عن ابن عبدالجبار، عنه ـ: تعوذ الإمام يجزي المأموم،
وإن تعوذ فيتعوذ فيما لايجهر فيه الظهر والعصر والآخرتين من العشاء
والأخرى من المغرب إذا أراد أن يقرأ تعوذ.
مسألة: قول الإمام: ربنا لك الحمد
قال احمد، ومحمد: يقول الإمام والمأموم جميعاً: ربنا لك الحمد.
قال محمد: وسمعت قاسم بن إبراهيم كأنه يكره ذلك للإمام.
وقال الحسن عليه السلام: إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله
لمن حمده، وإن كنت خلف إمام فقل: ربنا لك الحمد.
قال محمد: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى بأصحابه
قاعداً من علة فلما فرغ قال: <إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر
فكبروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا
لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً
أجمعين>.
قال محمد: كان أبو حنيفة يكره أن يقول الإمام: ربنا لك الحمد.
مسألة: إذا حال بين الإمام والمأمومين حائل من طريق أو جدار أو في
مكانين أحدهما أعلى من الآخر
قال محمد: وإذا صلى قوم فوق سطح أو في مئذنة يقتدون بالإمام وهو
أسفل فجائز مالم يكن بينهم وبين الإمام طريق أو يكون موضعهم ذلك
منفصلا من المسجد إذا كانوا يرون الإمام أو من يقتدي بالإمام.
ويكره أن يصلي الإمام بالقوم وهو على موضع مرتفع مثل الدكان ونحوه،
وكذلك يكره أن يكونوا على موضع مرتفع والإمام أسفل منهم، ويكره
للرجل أن يقوم على موضع مسفل ويسجد على موضع مرتفع، ويكره أن يصلي
الرجل وبينه وبين القبلة حفرة.
مسألة: في الرجل يدرك الإمام راكعاً أو ساجداً
قال القاسم عليه السلام ـ في رواية داود، عنه ـ في الرجل يدرك
الإمام. فقال: من ادرك الركعة فقد أدرك الصلاة وركعة تامة وهي في
صلاته معدودة.
(2/221)
وقال محمد: إذا جاء الرجل والإمام راكع فينبغي له أن يستوي
قائماً ثم يكبر وهو قائم تكبيرة ينوي بها افتتاح الصلاة ثم يهوي
للركوع حتى يدرك الإمام راكعاً فإن كبر تكبيرة واحدة ينوي بها
الافتتاح والركوع أجزته صلاته وإن نوى بها الافتتاح ولم ينو بها
الركوع أجزته صلاته. وإن نوى بها الركوع ولم ينو بها الافتتاح لم
تجزيه، وكان عليه أن يعيد صلاته.
وقال محمد في (جامع حسن): والمأخوذ به أنه إن لم يرد بها الافتتاح
ولا الركوع لم تجزئه صلاته، وإذا جاء والإمام راكع فكبر ثم سها أو
شغل بافتتاح الصلاة عن الركوع حتى رفع الإمام رأسه فلايعيد بتلك
الركعة ولكن يسجد مع الإمام فإذا قام الإمام ابتدأ هو الصلاة مع
الإمام وقضى مافاته، ولايعتد بالركعة إلا من افتتح وهو قائم ثم ركع
وأمكن راحتيه من ركبتيه فإن أدرك ثلاث تسبيحات والإمام راكع مضى مع
الإمام في صلاته وإن رفع الإمام رأسه قبل أن يسبح ثلاث تسبيحات
أتمها ولحق بالإمام.
وقال قوم: إذا كبر والإمام راكع فشغل بالافتتاح حتى رفع الإمام
رأسه فليركع هو الركعة التي سبقه بها الإمام ويتبع الإمام في صلاته
وتجزئه الركعة وإذا جاء والإمام راكع فكبر وعليه نعلاه ثم ركع فلما
رفع رأسه وأراد السجود خلع نعليه ثم سجد فما أحب أن يفعل ذلك أحد
وليس يقطع ذلك صلاته، إلا أن يكون فيهما خبث فيخلعهما ويستقبل
الصلاة.
وإذا صلى خلف الإمام فركع الإمام فسها عن الركوع معه فلما سجد
الإمام سجد معه ولم يركع فلايحتسب بتلك الركعة.
وروى محمد بإسناد، عن علي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <ثلاث
لايدعهن إلا عاجز، رجل سمع مؤذناً لايقول كما يقول، ورجل لقي جنازة
لايسلم على أهلها ويأخذ بجوانب السرير، ورجل أدرك الإمام ساجداً لم
يكبر ويسجد معه، ولايعتد بها>.
وفي رواية سعدان عنه: وإذا أدرك الإمام ساجداً سجد معه، فإذا قام
ابتدأ الصلاة.
مسألة: فيمن سبق الإمام أوس بقه الإمام بركوع أو سجود
(2/222)
قال محمد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <إذا قال
إمامكم الله أكبر فقولوا الله أكبر، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال
سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد>.
وبلغنا عن سلمان أنه قال: من وضع رأسه أو رفعه قبل الإمام فإنما
ناصيته بيد شيطان يرفعها ويضعها.
قال محمد: وإذا كان الإمام شيخاً كبيراً أو رجلاً ضعيفاً فلاينبغي
لمن خلفه أن يسبقوه بقيام ولاغيره لمكان ضعفه وأرجو أن يكون هذا
مما لايفسد الصلاة إن شاء الله، وإن نهض الإمام من السجود فسها بعض
من خلفه أو ضعف عن القيام حتى ركع الإمام ورفع رأسه من الركوع
فليتبعه حتى يستوي قائماً ثم يقرأ ويقوم بقدر قيام الإمام أو نحوه
ثم يركع ويتبع الإمام ولاسهو عليه.
مسألة: السجود على ظهور الرجال عند الزحام
قال محمد: وإذا لم يمكن الرجل السجود إلا على ظهر رجل في الزحام
فقد رخص له في ذلك والإعادة أحب إلي.
مسألة: الصلاة في رحبة المسجد
قال محمد: ولا أحب لأحد أن يصلي في الرحبة وهو يقدر على المسجد يوم
الجمعة وهذا مما يختلف فيه.
مسألة: صلاة الفرد خلف الصف
قال محمد: وإذا صلى الرجل خلف الصف أو بين الصفوف وحده من أجل
الزحام فأحب إلينا أن يعيد الصلاة.
وروى بإسناد عن وابصة بن معبد، قال: صلى رجل خلف الصف فلما قضى
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة نظر إليه فقال:
<يامصلياً وحده هلا كنت دخلت في الصف فإن لم تجد سعة أخذت بيد رجل
فأخرجته إليك، فأعد الصلاة>.
وعن علي صلى الله عليه قال: صلى رجل خلف الصفوف فلما انصرف رسول
الله صلى الله عليه وعلى آهل قال: <أهكذا صليت وحدك ليس معك أحد؟
قال: نعم. قال: فأعد الصلاة>.
قال محمد: ولابأس أن تصلي المرأة وحدها خلف الصفوف وقد نهي أن يصلي
وحدها خلف الرجل الغريب وحده.
(2/223)
وإذا صلى رجلان خلف الإمام وأحدهما يقتدي والآخر لايقتدي فيستحب
للذي يقتدي أن يعيد صلاته، وإذا صلى رجل في طرف الصف وإلى جنبه رجل
على غير وضوء أو رجل في غير صلاة فأرجو أن لاتفسد عليه صلاته إن
شاء الله، وقد كان بعضهم يستحب له الإعادة، وإذا أقيمت الصلاة وفي
المسجد رجل قد صلى وليس مع الإمم إلا رجل واحد فلايدخل معهما حتى
يكون رجلان سواه لأنه لايصلح أن يصلي رجل وحده خلف الإمام، وأكره
للرجل أن يصلي بين الأساطين وحده.
وفي رواية علي بن حسن عنه : وإذا صلى خلف الإمام رجلان ليس معه
غيرهما فقام أحدهما بحذاء حائط المسجد في ميمنته وقام الآخر بحذاء
حائط المسجد في ميسرته بحذاء صاحبه في الصف فأحب إلي أن يعيدا.
وفي رواية سعدان عنه: وإذا صلى رجل وصبي غير مراهق وحدهما خلف
الإمام فليعد الرجل صلاته أحب إلي لأن فيه اختلافاً.
وقال محمد ـ في رواية ابن عبدالجبار عنه ـ: وإذا قام الصبي في الصف
فلايجوز أن ينحى إلا أن يكون الصبي وحده فلا يحزنك أن تقوم معه
وحدهما إلا أن يكونا في صف.
وقال محمد ـ فيما حدثنا حسين، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ، وسئل
عن رجل كان مع الإمام فجاء رجل فجذبه فمكث الرجل طويلا ثم كبر ثم
قطع ثم كبر أتفسد على الأول صلاته؟ قال: لا، إذا فعل هذا قبل أن
يركع الإمام.
مسألة: فيمن صلى الفريضة وحده ثم أدركها في جماعة
قال الحسن بن يحيى عليه السلام: إذا صليت الفريضة ثم دخلت مع
الإمام في جماعة فاجعل التي مع الإمام نافلة، والتي صليت وحدك
فريضة لأنك قد اعتقدت الفريضة.
(2/224)
وقال محمد: إذا أقيمت الصلاة وفي المسجد رجل قد صلى تلك الصلاة
فينبغي أن تدخل معهم في صلاتهم تطوعاً، والأولى هي الفريضة
ولاتقعدوهم في الصلاة فإن ذلك قد كره ونهي عنه، وصلاته معهم تطوعاً
أحب إلي من خروجه من المسجد إلا أن يكون الإمام ليس معه إلا رجل
واحد، وهو الثاني، فلايدخل معهما حتى يكون رجلان سواه لأنه لايصلح
أن يصلي رجل وحده خلف الإمام، وإن دخل المسجد والإمام يتشهد في آخر
صلاته فيستحب له أن يقعد معه بلا تكبير فإذا سلم الإمام فيستحب له
أن يصلي مثل صلاة الإمام مخافة أن يتهم وليس ذلك عليه.وإن أخذ
المؤذن في إقامة صلاة الفجر أو العصر وفي المسجد رجل قد صلى تلك
الصلاة فصلاته معهم تطوعاً أحب إلي من أن يخرج.
وعلى قول أحمد بن عيسى عليه السلام في هذه المسألة إلا يتطوع بها
معهم لأنه قال: إذا دخل رجل مع من لايأتم به في صلاته جعل صلاته
معهم تطوعاً إلا الفجر والعصر فلايتطوع بها معهم.
وروى محمد بإسناده عن محجن الدئلي أنه كان جالساً مع النبيء صلى
الله عليه وآله وسلم فصلى ثم رجع ومحجن في مجلسه كما هو فقال له
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <مامنعك أن تصلي مع الناس ألست
رجلاً مسلماً> قال: بلى يارسول الله، ولكني كنت قد صليت في أهلي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <فإذا جئت فصل مع الناس
وإن كنت قد صليت>.
مسألة:
وعلى قول محمد: إذا أقيمت الصلاة ورجل في صلاة تطوع فلينصرف على
شفع ثم يسلم ويدخل مع القوم وهو قول اصحاب أبي حنيفة، قالوا: وإن
كان في فريضة فإن كان قد صلى أكثرها مضى فيها وإن كان صلى الأقل
قطع ودخل مع القوم إلا أن تكون أربعاً فإنه يسلم في ركعتين ويدخل
معهم.
مسألة: إذا حدث بالإمام حدث كيف يستخلف غيره
(2/225)
قال محمد: إذا حدث برجل في صلاته حدث يُبنى على مثله وهو راكع
أو ساجد فلينصرف على أي حال كان فيتوضأ ويعود إلى حاله فيبني على
مامضى من صلاته مالم يتكلم أو يكشف عورته ولايضره استدباره القبلة،
والأفضل عند محمد أن يتوضأ ويستأنف الصلاة لأنه قال في المسائل:
ومن رعف في صلاته فإنا نرى له أن ينصرف فيتوضأ ويعيد الصلاة.
وقال في (الصلاة): وإن خرج من جوفه ملأ فيه وهو يصلي فليعد الوضوء
والصلاة والحدث الذي يبنى على مثله الدم السائل والقيء.
وقال محمد ـ فيما حدثنا محمد، عن ابن عامر عنه ـ: وإن رعف في صلاته
فليخرج فليتوضأ ويرجع إلى مسجده فيبني على صلاته، وإن بنى في مسجد
غيره فجائز.
مسألة:
قال محمد: وكذا إذا أحدث الإمام حدثاً يبنى على مثله قدم رجلاً على
أي حال كان راكعاً أو ساجداً قبل أن يرفع رأسه ثم مضى فتوضأ وبنى
على صلاته.
قال محمد ـ فيما اخبرنا محمد، عن ابن عامر، عنه ـ: وإن أحدث الإمام
فجهل فلم يقدم أحداً فإنه ساعة يزول ولم يقدم أحداً فسدت صلاته.
قال محمد: وغن صلى رجل مع إمام بعض الصلاة ثم حدث به حدث فذهب
فتوضأ ثم أيقن أن الإمام قد انصرف صلى مكانه إن شاء وإن شاء في
المسجد.
وقال محمد ـ فيما اخبرنا محمد، عن ابن عامر، عنه ـ: ويرجع إلى
المسجد أحب إلي، وإن أحدث الإمام فقدم رجلاً فضحك فليبن الأول على
صلاته لأنه قد فارقه على تمام ولايلزم واحد منهما مافسدت على
الآخر.
مسألة:
قال محمد: وإذا حدث بالإمام حدث يبنى على مثله وليس معه إلا رجل
واحد فليومي إليه فيستخلفه يبني على صلاته ثم يمضي فيتوضأ ويبني
على صلاته فإن خرج ولم يستخلفه استقبل المأموم صلاته.
قال محمد: وإن صلى رجل بنسوة وصبيان ثم أحدث حدثاً يبنى على مثله
فليتوضأ ويبني على صلاته ويستقبل النساء والصبيان.
مسألة: إذا استخلف الإمام رجلاً قد فاته بعض الصلاة
(2/226)
قال محمد: وإذا أحدث الإمام في الظهر أو العصر فلم يستخلف إلا
رجلاً قد أدرك أول الصلاة، فإن استخلف رجلاً قد فاتته معه ركعة
والإمام لايعلم أنه قد فاته شيء فينبغي أن يصلي بهم ثلاث ركعات
فإذا أتمها قدم رجلاً قد شهد أول الصلاة فسلم بهم وقام هو فصلى
الركعة التي سبقه بها الإمام.
وقال قوم: يصلي بهم ثلاث ركعات ثم يقضي الركعة التي سبقه بها
الإمام ويجلس القوم لايتبعونه فيها فإذا صلاها تشهد، وتشهد القوم
معه، وسلم بهم وسلم القوم معه.
قال محمد: والأول هو القول فإن صلى بهم أربعاً فأما المستخلف
فتجزيه صلاته، وأما الباقون فيستقبلون الصلاة جميعاً، لأنهم زادوا
ركعة وهم يعلمون.
قال محمد: وإن استخلف الإمام رجلاً قد فاته بعض الصلاة فلم يدر
المستخلف ماافته ولامابقي على الإمام استقبل بهم الصلاة.
مسألة: فيمن صلى ولم ينو أن يكون إماماً هل تصح صلاة من يأتم به
قال محمد ـ فيما حدثنا حسين، عن ابن وليد، قال: حدثنا سعدان ـ قال:
سألته عن رجل دخل في الصلاة ولم يعتقد أن يؤم أحداً، فجاء رجل فقام
عن يمينه ـ يعني مؤتماً ـ ماتقول في صلاة الرجل؟ فقال: صلاته
باطلة.
مسألة: إذا نوى أن يؤم الرجال ولايؤم النساء هل يكون إماماً لهن
قال محمد: وإذا افتتح رجل الصلاة ونوى أن يكون إماماً فجاءت امرأة
فقامت غىل جنبه تأتم به أعادا جميعاً، وإن كانت افتتحت معه تطوعاً
أعاد هو ولم تعد هي.
قال الحسن: وقرأت في كتاب سعدان بخطه قال محمد: وإذا نوى الإمام أن
يصلي بالرجال ولايصلي بالنساء فالأكثر من الفقهاء قالوا: هو إمام
الرجال والنساء. وقال بعضهم: له نيته. وهو عندي إمام لهم جميعاً.
وإن نوى الإمام أن يصلي برجل ولم ينو أن يصلي بغيره فهو مصل به
وبغيره وليس نيته بشيء، وإذا صلى بقوم فأخرج منهم رجلاً بنيته
فصلاته جائزة، وليس يخرج بنيته.
مسألة: إذا صلى رجلان كل واحد منهما ينوي أنه إمام لصاحبه
(2/227)
قال محمد: وإذا افتتح رجلان الصلاة، وكل واحد منهما ينوي أنه
إمام لصاحبه فصلاتهما تامة وكل واحد منهما يصلي لنفسه وإن كان كل
واحد منهما نوى أن يأتم بصاحبه فصلاتهما فاسدة وأعادا الصلاة.
مسألة: إذا ظن أنه قد أحدث فخرج فتبين له أنه لم يحدث
قال محمد: وإذا ظن الإمام في صلاته أنه قد أحدث حدثاً يُبنى على
مثله أولا يبنى على مثله فخرج فأيقن أنه لم يحدث حدثاً فليستقبل
بهم الصلاة لأنه خرج من غير حدث.
وقال محمد ـ فيما أخبرنا محمد بن جعفر، عن محمد بن علي بن عامر،
عنه ـ: وإن أحدث الإمام فقدم رجلاً فحصر أن يقرأ فليتأخر ويقدم
غيره وتجزيهم صلاتهم لأن هذه علة، أرأيت لو خرس ألم يكن عذراً.
مسألة:
قال محمد: آخذ بحديث علي صلى الله عليه إذا احتجت إليه يعني: إذا
تشهد الرجل مع الإمام فخاف أن يحدث قبل أن يسلم الإمام فإنه يسلم
وقد تمت صلاته.
وعن حسن بن صالح مثله.
وقال محمد ـ فيما حدثنا الحسين، عن ابن وليد، عن سعدان، عنه ـ فيمن
قعد مع الإمام في آخر الصلاة فخشي أن يحدث فسلم قبل الإمام وأخذ
بحديث علي صلى الله عليه وكان على الإمام سجدتا السهو قال: يسجد
إذا توضأ.
مسألة: إذا صلى رجل بقوم فلما انصرف قال بعض صلى أربعاً وقال بعض
صلى ثلاثاً وخمساً
قال محمد: وإذا صلى رجل بقوم الظهر فلما سلم قال بعضهم إنما صلى
ثلاثاً، وقال بعضهم صلى أربعاً، فأما الذين قالوا صلى ثلاثاً
فيعيدون، وأما الذين قالوا صلا أربعاً فلا إعادة عليهم.
(2/228)
قال علي، قال محمد: ولو صلى بهم الظهر خمساً ساهياً فلما سلم
قال بعضهم: صلى خمساً، وقال بعضهم: صلى أربعاً. وقال بعضهم: لايدري
كم صلى إلا أنا اتبعنا الإمام، وكان الذين زعموا أنه صلى خمساً قعد
بعضهم حين أتم أربعاً فلم يتبعوه وتبعه بعضهم على الخطأ عندهم،
فأما الذين قالوا صلى بنا أربعاً والذين قالوا لاندري كم صلى
فصلاتهم جميعاً تامة، ولا إعادة عليهم، وأما الذين قالوا صلى خمساً
فيعيدون جميعاً لأن من قعد منهم في الرباعة متعمداً يعيد لأنه خالف
الإمام، ومن تبع منهم الإمام على الخطأ فيعيدون جميعاً لأن من قعد
منهم في الرابعة متعمداً يعيد لأنه خالف الإمام، ومن تبع منهم
الإمام على الخطأ فيعيد لأنه اتبعه على الخطأ وهو يعلم أنه صلى
خمساً، وأحب إلي أن يعيدوا وحداناً إلا أن يصلي بهم من لم يحضر تلك
الصلاة معهم.
مسألة:
قال محمد: وإذا صلى رجلان خلف إمام فلما خرج الإمام قال أحدهما:
صلى بنا الظهر. وقال الآخر: صلى بنا العصر، ولم يعلما أي صلاة صلى
بهما أعادا جميعاً.
مسألة: إذا وجب على قوم قضاء صلاة بعينها هل يجمعون بها
قال محمد: إذا وجب على رجلين قضاء صلاة بعينها من يوم بعينه فإن
شاءا صليا جميعاً وإن شاءا صليا وحداناً وكيف صلوا فبأذان وإقامة،
وإن كان على أحدهما تلك الصلاة بعينها من غير اليوم الذي على الآخر
يصليا إلا وحداناً.
مسألة: صلاة المقيم خلف المسافر والمسافر خلف المقيم
قال القاسم، ومحمد: إذا صلى المقيم خلف المسافر أتم المقيم مابقي
عليه من صلاته إذا سلم المسافر.
قال القاسم عليه السلام: ولايعجبني أن يدخل المسافر في صلاة
المقيمين لأن فرضه غير فرضهم وحكمه غير حكمهم في الصلاة.
وقال الحسن عليه السلام ـ فيما حدثنا زيد، عن زيد، عن أحمد، عنه ـ،
وهو قول محمد بن منصور: وغذا صلى المسافر خلف المقيم صلى بصلاة
المقيم.
قال محمد: فإن جهل فسلم في الركعتين فإنه يستقبل صلاة مسافر.
(2/229)
وقد قيل: يستقبل صلاة مقيم، وإن دخل مسافر في صلاة مقيم فعرض له
شيء قطع صلاته فذهب فتوضأ ثم جاء وقد فرغ الإمام من صلاته فليقض
صلاة مسافر. وقد قال حسن بن صالح وغيره: يصلي صلاة مقيم.
قال محمد: وكذلك إن دخل المسافر مع الإمام في صلاة الجمعة فقطع
عليه شيء من صلاته فجاء وقد فرغ الإمام من الجمعة فليصل الظهر صلاة
مسافر.
وقال الحسن بن صالح: يصلي الظهر أربعاً بمنزله حضري دخل في الجمعة
ففسدت عليه صلاته.
مسألة: إذا أحدث الإمام فقدم مسافراً
قال محمد: وإذا صلى المقيم بمسافرين ومقيمين فلما صلى ركعة أحدث
حدثاً يبنى على مثله فقدم مقيماً أو مسافراً فليتم به صلاة الذي
استخلفه صلاة مقيمن.
وإذا صلى مسافر بمسافرين ومقيمين فأحدث فقدم مقيماً فليتم بهم صلاة
مسافر ثم يقدم مسافراً فيسلم بهم ثم يعتزل في
|