تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

الكتاب:  المنتخب  

بسم الله الرحمن الرحيم(1)
باب معرفة الأصول
فكان أول ما سألته عنه: أن قلت له: أيها الإمام رضي الله عنك، ما تقول في أول ما افترض الله على خلقه، ما هو؟
فقال: أول ما افترض الله على خلقه: معرفته.
قلت: وما أصل معرفته؟
قال: أصل معرفة الله: توحيده.
قلت: وما كمال معرفة توحيده؟
قال: نفي جميع صفات التشبيه له.
قلت: فبين لي كيف نفي التشبيه عن الله؟ بكلام موجز مختصر.
قال: نعم، إن شاء الله، اعلم وفقك الله، أنَّه لم يتوهم المتوهمون، ولم يتمثل في عقولهم مثل صفة ذات الله إلاَّ كان الله بخلاف ذلك الذي يتوهمه المتوهمون، أو يتمثل في عقولهم، والشَّاهد بذلك والدَّال عليه قول الله تبارك وتعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}[ ]، فافهم هذا، فلك فيه كفاية.
قلت: ثُمَّ ما بعد هذا؟
قال: أن تعلم أنَّه العادل في جميع أفعاله.
قلت: ثُمَّ ما بعد هذا؟
قال: أن تعلم أنَّه لا يخلف الوعد والوعيد، فهذه الكلمات تفرع لك جميع ما تحتاج إليه من معرفة ربك، فافهمها وتدبرها.
قلت: قد فهمت، فما بعد هذا؟
قال: معرفة إثبات النبوءة، من أين ثبتت.
قلت: فبين لي ذلك؟
قال: اعلم أن الله عز وجل لما خلق الخلق جعل فيهم عقولاً هي الحجج له عليهم، ركَّبها فيهم ودلهم بها عليه بآثار صُنْعه فيهم، وفي جميع ما خلق، ولم يكن عز وجل مشافهاً لهم فيما أراد من الأمر والنهي؛ لأن المشافهة ليست من صفاته، فكان الخلق محتاجين مضطرين إلى من يشافههم بما أراد الله منهم.

(1/1)


فلما علم الله ذلك من حاجة الخلق، وأنه لا بد لهم ممَّن يشافههم ويقيم الأحكام فيهم، أرسل الأنبياء حججاً عليهم، ولو لم يرسل الرسل لكان للخلق حجة، كما قال الله تبارك وتعالى ـ لعلمه بمنابذة المنابذين وكلام المتعنتين ـ: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}[ ]، ولقولهم هم: {ما جاءنا من بشير ولا نذير}[ ]، فأرسل الله تبارك وتعالى رسله حججاً على خلقه، لِمَا علمه من حاجة الخلق إليهم وأنهم لا بد لهم منهم، فهذا لك فيه كفاية.
قلت: قد فهمتُ إثبات النبوة، فما بعد ذلك؟
قال: معرفة الأئمة، والقول بهم، ومن أين ثبتت الإمامة.
قلت: بيِّن لي ذلك وأوجزه لي في كلام يسير حتَّى أفهمه؟
قال: قد قدمت لك جواب ذلك، أن الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه رَكَّب فيهم عقولاً، ولم يكن مشافهاً لهم، فاحتاج الخلق إلى من يشافههم، فأرسل الرسل فكانت الرسل حججاً، ثُمَّ من بعد الرسل الإمام الذي يقوم مقام الرسول المختومة به الرسل، لا يجهل من أفعاله وأحكامه شيئاً، فمن كان بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الصفة فهو الإمام، وقد شهدت الأمة بأسرها فيما نقله الناقلون من الأخبار أنَّه لم يكن بعد رسول الله بهذه الصفة إلاَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه.
قلت: وكيف شهدت الأمة بأسرها لعلي بذلك؟
قال: أجمعوا فيما رووه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه: <أُبَيٌّ أقرؤكم، وزيد أفرضكم، وعلي أقضاكم>(1)، فجمع القضاءُ القرآنَ والفرائضَ وجميع الأحكام، ورووا جميعاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <علي مني بمنزلة هارون من موسى إلاَّ أنَّه لا نبي بعدي>(2)، فدل صلى الله عليه وآله وسلم بقوله هذا أن عليّاً خليفته في جميع أموره، كما كان هارون خليفة موسى في جميع أموره.

(1/2)


وأجمعوا جميعاً أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخا بين المسلمين، فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وبين طلحة والزبير، وبين سعد وسعيد، وغيرهم من المسلمين، فقال علي يا رسول الله آخيت بين المسلمين وتركتني، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : <يا علي أما ترضى بأن أكون أنا أخاك>(1). فآخاه، فكان علي أخاه.
وكذلك روى كادح بن جعفر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <يا علي أنت أخي ورفيقي في الجنة>(2).
وكل ذلك من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فدلالة على علي ٌّ ، وله بأنه الإمام من بعده، فافهم هذا.
وكذلك إشارته صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحسن والحسين في قوله: <هما سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما والمهدي من ولدهما(3)>، وكذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة وقد عادته في مرضه ـ في حديث طويل ـ : <ومنا ـ والذي نفس محمد بيده ـ مهديُّ هذه الأمة>(4)، كل ذلك من محمد دلالة على أن الإمامة في أهل بيته في ولد فاطمة، وقد بينا وشرحنا أن الإمام من ولد فاطمة، الباذل نفسه، الشاهر سيفه، والداعي إلى كتاب ربه، القوي في الله، الأمين على أحكام الله وأمواله، الورع في دينه، فهذه معرفة الإمامة فافهمها.
قلت: ثُمَّ ما بعد هذا؟
قال: البحث والنظر في الحلال والحرام في جميع الدين.
[الإستأذان في السؤال عن مسائل الحلال والحرام، واشترط الهادي السؤال عن الدليل]
قلت: فإني قد فهمت ما أجبتني به في التوحيد وإثبات النبوة والإمامة، وأنا أريد أن أسألك عن أصول الحلال والحرام في جميع الفقه، فإني قد وطأت علوم العامة وعلوم عامة الخاصة، فوجدتهم مختلفين كما ذكرت لك؟
فقال لي: إذا كنت قد قدمت النية في طلب العلم وفرغت قلبك للمسائل عن الحلال والحرام فافهم ما أقدمه لك من الشرط فيما تسألني عنه.
قلت: نعم، إن شاء الله أن أجمع همي في ذلك.

(1/3)


قال: فلا تقبل مني جواب مسألة أنبئك عنها أو أجيبك فيها بتقليد ولا اتكال على ما تعرفه ممَّا قد خصني به في العلم ربي دون أن تسألني عن الحجة وحجة الحجة حتَّى ينتهي بك ذلك إلى أصول المعرفة الَّتِي لا يجوز لأحد أن يجاوزها(1).
فقلت: وما أصول المعرفة الَّتِي لا ينبغي لأحد أن يجاوزها عند بلوغها؟
فقال: هي المعاني الَّتِي مَنْ طلب مجاوزتها خرج إلى حد المكابرة والبلادة وإلى طلب جواز ما أوقفه الله عليه ومنعه من التجاوز له.
قلت: وما ذلك الذي منع الله العباد عن مجاوزته؟
قال: هو ما رضيه لهم وأوقفهم عليه، وجعله منتهى حججهم، وغاية مناظرتهم، فجعله شاهداً لمن استشهد به، وقائلاً بالحق لمن سأله، وناطقاً بالصدق لمن صدَّقه، فمن جاوزه بعد معرفته فقد خرج إلى حد الجهل، وقصر عن حد العلم، فصار طالباً لما لا يجده، ومستشهداً لغير العدل من شهوده، ومن كان كذلك وصار إلى شيءٍ من ذلك فقد ارتطم في بحور الجهالات، وخرج إلى غاية المنكرات، وعدل عن الطَّرق البَيِّنات، وصار طالباً لغير ما جعل الله، وقاصداً لغير ما افترض الله، وباغياً للهدى من حيث لم يجعله الله، ومن طلب الهدى من غير هدى الله ازداد عمىً، ولم يزل يخبط في الكُمْهِ(2) والرَّدى.
قلت: وما ذلك الذي تذكر وتشرح وتزعم أنَّه حَدٌّ حدَّه الله وأوقف عباده عليه، من طلب أن يجوزه لم يقدر، ومن تناول سواه لم يظفر؟
فقال: هي الثلاثة الأصول الَّتِي جعلها الله حجة على خلقه لا ينفك الحق منها، ولا يخرج أبداً عنه، وهي:
1ـ كتابه الناطق.
2ـ والإجماع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مما جاء به عن الله عز وجل.
__________
(1) ـ كأنه يقول: لا تعتمد على علمي وذكائي، وتقول: ما دام الهادي قد توصل إلى أن المسألة هكذا وهو صاب علم وذكاء فهو أدرى ولا ولا فائدة في معرفة الدليل.
(2) ـ الكمه، هو: العمي.

(1/4)


3ـ وحجة العقل الَّتِي رَكَّبها الله في صدور العالمين، لتدلهم على رب العالمين، وتهديهم إلى فرائض الدين، ويثبت ما اختار الله لهم من الحق واليقين، وتزيح عنهم المعاني الباطلات، وتدفع الريب عن الفِكَر الجايلات في القلوب والمخلوقات المركبات.
وإذا سألت عن شيءٍ من أمر الحلال والحرام، فاجعل ذلك لله تبارك وتعالى خالصاً لا تشوره برياء ولا طَلِبة رياسة، فإن ذلك أجزل لثوابك، وأكثر لتَفَجُّرِ ينابيع الحكمة من قلبك، واستقص في مسائلك كما أطلقتُ لك وأمرتك، وإلى ذلك ندبتك، فإني مجيبك عما تسأل عنه، فسل عمَّا بدا لك إن شاء الله تعالى.
مسائل الوضوء
[أدب قضاء الحاجة]
قلت: فما تقول أيها الإمام رضي الله عنك في الرجل إذا دخل المخرج، كيف يقول؟
قال: يقول: بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الرِّجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم.
قلت: فإذا جلس للبول أو لغائط، هل يستقبل القبلة أو يستدبرها؟
قال: لا.
قلت: وما يضره من ذلك، وما عليه فيه؟
قال: مخالفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما قال.
قلت: وما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك؟
قال: روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، شرقوا أو غربوا>(1).
قلت: فإن قال قائل: هذا حديث لا ندري أيصح أم لا، ما نقول له؟
قال: نقول: إن الحديث صحيح، والقرآن يؤكده ويصححه.
قلت: وأين نجد ذلك في القرآن؟
قال: قول الله تبارك وتعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها}[ ]، فولاه الله تبارك وتعالى قِبْلَة رضيها له وعظمها في القرآن، وأمره بها، فيجب على المسلمين تعظيمها مكا عظمها الله، ولا يستقبلوها بغائط ولا بول، ولكن يشرقون عنها ويغربون، تعظيماً لها وتنزيهاً.
قلت: فإذا فرغ من حاجته، ما الذي يعمل؟

(1/5)


قال: يجب له أن يتمسح قبل أن يقوم بأحجار، ثُمَّ يقوم ويستر عورته، وكذلك عن جلوسه أُحِبُّ له ذلك، فإذا قام تنشف من البول تنشفاً بحجر أو بجدار حتَّى يعلم أنَّه قد استبرأ.
قلت: فإن لم يطل التنشف؟
قال: الماء يقطع البول، وكذلك روي عن علماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتنشف أحب إليَّ.
[المياة الصالحة للطهارة، وإقام الغسل]
قلت: فإنه تنشف ثُمَّ أتى إلى الموضع الذي يتوضأ فيه، وفيه طهوره في سطل أو مركن(1)، فغمس يده قبل أن يغسلها؟
قال: إن كان لم يصبها شيء من الأقذار فلا بأس بذلك، والغسل على حال أوكد وأحب إليَّ.
قلت: فإنه كان جنباً فأدخل يده في الإناء الذي فيه الطهور، ولم يغسلها؟
قال: قد نجس الماء بنجاسة يده.
قلت: فيهرق الماء ويجدد غيره؟
قال: نعم.
قلت: فإنه لم يكن جنباً، ولكنه غسل يده وأدخلها، ولم يذكر اسم الله عند إدخاله يده في الإناء؟
قال: يجزيه ذلك؛ لأن اعتقاده ملةُ الإسلام، وليس ذلك بأعظم من الذبيحة لو نسي عليها التسمية.
قلت: فإن الماء الذي أراد أن يتطهر به كان قد وقع فيه قطرة مقدار وزن دانق(2) أو أقل من ذلك، أو أكثر بشيء يسير خمراً، واتهم أنَّه تنضح فيه قطرة من بول أو قطرة من دم؟
قال: إذا تيقن ذلك يقيناً أنَّه قد خالط الماء شيء من ذلك، قل أو كثر، لم يجز له أن يتوضأ بذلك الماء.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأن الله حرم قليل ذلك وكثيره، فإذا وقع في الماء القليل شيء من ذلك لم يجز التطهر به.
قلت: فإنه وقع في الماء الذي أراد أن يتطهر به شيء من بول بغل أو حمار أو كلب أو فرس أو ثور أو شاة أو شيء من البهائم؟
قال: أما بول جميع ما أكل لحمه فلا ينجس الماء لطهور ولا لشُرب، وأما ما كان من البهائم لا يؤكل لحمه فبوله نجس، لا أرى الطهور بما وقع فيه منه شيء.
قلت: وكذلك أيضاً سور الحمار وما أشبهه من البهائم الَّتِي لا يؤكل لحمها؟
__________
(1) ـ المركن: إناء.
(2) ـ الدانق: وزن سدس درهم فضة.

(1/6)


قال: إذا وجد في الماء من لعابها شيء قد خالط الماء لم أحب أن يتطهر به، وإذا كثر الماء لم يضره، ولم ينجسه شرب الدواب الَّتِي لا يؤكل لحمها.
قلت: فهل يتطهر بماء البحر؟
قال: نعم، هو الطهور ماؤه، لا اختلاف عند علماء آل الرسول عليهم السلام في ذلك.
قلت فإن رجلاً أصابته جنابة ومعه مائة رطلٍ ماء وردٍ أو أكثر أو أقل، هل يجزيه أن يغتسل به؟
قال: ليس ماء الورد من ماء الطهور في شيء، ولا يجوز الغسل به، وإنَّما عليه التيمم.
قلت: فإن الجنب لم يجد إلاَّ ماء عُصْفُرٍ، أو ماءً فيه زعفران، أو ماء مستعملاً بمعنى من المعاني، هل يغتسل به أو يتوضأ للصلاة إذا لم يكن جنباً إن لم يجد ماء غيره؟
قال: لا يجزي في الطهور والغسل من الجنابة إلاَّ ماء القراح وإلاَّ فالتيمم بالصعيد.
قلت: ولِمَ لا يجوز؟
قال: لقول الله تبارك وتعالى: {فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً}[ ] والماء الذي أمر الله بالطهور به فهو ماء القراح الذي لا يخالطه شيء من غيره، فيغلب عليه اسمه.
قلت: بيِّن لي ذلك؟
قال: نعم، ألا ترى أنك تقول: ماء عصفر، وماء ورد، وماء زعفران، فلم تفرد الماء لعلة ما خالطه وغلب عليه.
قلت: وكذلك لو أن الماء القراح وقع فيه شيء من الأشربة، مثل السكنجين أو الجلاب(1) أو اللبن أو ما أشبهه؟
قال: نعم، قد قدمنا لك الجواب في ذلك كله، ما غلب عليه اسمٌ غير اسم الماء، فليس لأحد أن يتطهر به.
قلت: فمثل الغدير والبير والوقيعة(2) وما أشبه ذلك، وكذلك الإناء مثل الجرة أو القربة وما أشبهه من الآنية؟
قال: كل ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه مما وقع فيه كائناً ما كان من الميتة والأدران لم يتوضأ به، فأما إذا لم يتغير للماء طعم ولا لون ولا ريح مما وقع فيه مما ذكرنا من ميتة أو غيرها جاز الطهور به؟
قلت: فإنه لم يجد إلاَّ هذا الماء؟
__________
(1) ـ الجلاب: ماء الورد. معرب.
(2) ـ الوقيعة: الحفرة في الجبل أو السهل يستنقع فيها الماء.

(1/7)


قال: يتيمم، ولا يتطهر به.
قلت: فإن جنباً لم يجد ماء إلاَّ في بئر، ولم يكن معه دلو ينزع بها ولا إناء يغرف به، هل يغتسل في جوف البئر؟
قال: نعم يجزيه ذلك إن كان ماؤها حاملاً.
قلت: وكيف يكون الماء حاملاً؟
قال: كثيراً لا يُقْدَر على نزفه من البير حتَّى لا يبقى منه شيء، فإذا كان الماء في البئر كذلك اغتسل الجنب فيها.
قلت: فإن اغتسل هذا الجنب في البئر غمسة حتَّى غمره الماء، وكذلك إن اغتمس في نهر أو غدير ولم يعرك بدنه بيديه(1)، ثُمَّ خرج فتطهر وصلى؟
قال: أرى أن ذلك لا يجزيه لاغتسال الجنابة، ولا ينقى المغتسل من الجنابة حتَّى يدلك جميع بدنه وأرفاغه، ويبلغ مواضع الشعر من جسده، حتَّى يصل الماء إلى غامض شعره.
قلت: فتوجب على هذا إعادة الغسل؟
قال: نعم.
قلت: فإن الجنب اغتسل ولم يَبُل هل يجزئه؟
قال: لا.
قلت: فإن صلى هل توجب عليه إعادة الغسل والصلاة؟
قال: نعم، إذا لم يبل الجنب لم ينق، ولم يزل في إحليله بقية من الجنابة.
قلت: فإن هو بال وأراد الغسل، هل يبدأ بالطهور للصلاة قبل غسله أو يؤخره إلى بعد الغسل؟
قال: قد قال غيرنا أنَّه يبدأ بالوضوء، وأخطأ في ذلك؛ لأن الطهور إنَّما يكون على طهارة الجسم، فأما إذا أمَرَّ يده على بدن جنب لم يكن ذلك طهوراً.
قلت: وكيف يعمل؟
قال: إذا اغتسل ونقى وتنظف توضأ بعد ذلك بالماء للصلاة، فهذا أحب إلينا.
قلت: فصف لي الطهور كيف هو؟
[الاستنجاء]
__________
(1) ـ في (أ) بيده.

(1/8)


قال: ينبغي للمتطهر أن يبدأ فيغسل كفه اليمنى فيُنْقيها، ثُمَّ يدخلها في الإناء، ثُمَّ يسمي، ثُمَّ يأخذ بكفه ماءً فيصب على يده اليسرى ويغسلها وحدها حتَّى ينقيها أيضاً، ثُمَّ يأخذ بيده اليمنى فيصب على يده اليسرى ثُمَّ يعركهما جميعاً غسلاً، ثُمَّ يأخذ بيده الينى فيصب على فرجه الأعلى ويغسله بيده اليسرى حتَّى ينقيه، ثُمَّ يحدر بيده اليسرى إلى فرجه الأسفل، ثُمَّ يأخذ بيده اليمنى فيصب على يده اليسرى وهو ينقي فرجه الأسفل إن كان خرج من الغائط فينبغي له أن يتفحج قليلاً ويرفع رجله اليسرى على صدرها ثُمَّ ينقي بأصبعه الوسطى من يده اليسرى ما يمكنه من داخل فرجه من الأقذار، وهو كلما فعل ذلك صب على يده اليسرى الماء ثُمَّ دلكها ونَظَّفها، ثُمَّ أعاد حتَّى ينقي جميع ما ثَمَّ من الأقذار، فإذا تيقن أنَّه قد أنقى ذلك، غسل بالماء جميع مَرَاقّ ذلك الموضع من الفرج الأعلى والأسفل، فإذا فعل ذلك فقد أتم الاستنجاء.
قلت: فالاستنجاء فريضة من فرائض الطهور؟
قال: نعم، أكبر فرائض الطهور.
قلت: فإن العامة تروي في الأخبار أن الاستنجاء ليس من فرائض الطهور(1)؟
قال: قد رووا ذلك، وهذه الرواية مضادة لكتاب الله، ونقض لما أمر الله به.
قلت: وأين أمر الله به في كتابه؟
قال: قوله تبارك وتعالى في كتابه: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمت إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيدكم إلى المرافق}، إلى قوله سبحانه: {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً}[ ]، فدل بقوله سبحانه: {أو جاء أحد منكم من الغائط}، أنَّه قد أمر بالاستنجاء عند وجود الماء من الغائط، فافهم ذلك فإن فيه من نص كتاب الله بطلان ما قال به غيرنا من أن الاستنجاء ليس بفرض.
[الوضوء]
قلت: قد فهمت ما ذكرت من وجوب فرض الاستنجاء، فبين لي ما بعده؟
__________
(1) ـ حيث قالوا: إنَّه يكفي التمسح بالأحجار، وروو في ذلك ثلاث أحجار ينقين المؤمن.

(1/9)


قال: إذا استنجى المتطهر، كما شرحت لك، تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً ثلاثاً من غَرْفة واحدة.
قلت: هل يزيد غرفة أخرى أو أكثر؟
قال: لا بأس بذلك.
قلت: فالمضمضة والاستنشاق، فرض من فرائض الطهور، أو سُنَّة؟
قال: فرض من الله نَصٌّ في كتابه.
قلت: وأين فرضهما في ذلك؟
قال: قوله تبارك وتعالى: {فاغسلوا وجوهكم}، فالأنف والفم قد أجملهما من الوجه، ويؤكد ما قلنا أيضاً إجماع علماء أهل بيت محمد عليهم السلام بأسرهم، أن جنباً لو اغتسل ولم يتمضمض ويستنشق لم يكن له صلاة، فعلمنا عند ذلك أنهما من فرض الطهور.
وأما من قال: إنهما سنة بَيِّنة، فهي سنة الله الَّتِي أنزلها على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه وعلَّمه إيَّاها، ولم يخترعها محمد صلى الله عليه وآله وسلم اختراعاً كما قال الجاهلون بمعاني السنة، فجعلوها من محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون الله.
قلت: قد فهمت ذلك، فما بعد المضمضة والاستنشاق؟
قال: غسل الوجه.
قلت: كيف نغسله؟
قال: يحمل الماء بكفيه، فيغسل وجهه ثلاثاً.
قلت: فأين حَدُّ الوجه؟
قال: مَقَاصُّ الشعر.
قلت: فإن جاز الذي يغسل وجهه مقاصَّ الشَعر، هل يكون متعدياً لما أمر الله به من حد الطهور؟
قال: لا.
قلت: وكيف وقد حددت الوجه، وإنَّما ذكر الله غسله؟
قال: لأن المتوضئ إنَّما يعتقد غسل الوجه الذي أمر الله به، أرأيت لو غسل في وقت كل صلاة وجهه ورأسه وعنقه غسلاً، أكان عند الله متعدياً إذا اعتقد قبل غسل رأسه ووجهه وعُنُقه أنَّه يريد غسل الوجه الذي أمره الله به لطهوره؟
قلت: لا.
قال: وكذلك أيضاً لو غسل لكل وقت صلاة كل جسمه، وتطهر للصلاة، أكان في ذلك مذموماً؟
قلت: لا.
قال: فافهم ذلك.
قلت: فإذا غسل وجهه ما يعمل بعد ذلك؟
قال: يغسل ذراعيه إلى المرفقين، كما قال الله.
قلت: وأين المرفقان، وحَدُّهما؟
قال: العظم الناتئ، وهو المفصل ما بين العضد والذراع، فيغسل ذلك ثلاثاً ثلاثاً.
قلت: فإذا فعل ذلك فما يعمل؟

(1/10)


قال: يمسح رأسه.
قلت: كيف؟
قال: يأخذ الماء بيده، ثُمَّ يريقه من كفيه، ثُمَّ يمسح رأسه كله مقدمه ومؤخره وجوانبه وأذنيه باطنهما وظاهرهما ثلاثاً.
قلت: فإن مسح بعض رأسه، هل يجزيه ذلك؟
قال: لا.
قلت: فإن صلى بذلك، أتوجب عليه إعادة الصلاة؟
قال: نعم.
قلت: ولِمَ ذلك، وقد جاءت الروايات أن ذلك جائز؟
قال: قد جاءت في ذلك روايات مكا ذكرت، وليس بصحيحة؛ لنها لا توافق كتاب الله.
قلت: وكيف لا توافق كتاب الله؟
قال: لأن الله يقول: {وامسحوا برؤوسكم}[ ]، فجمع كُلَّ الرأس في قوله: {وامسحوا برؤسكم}، فلم يجعل في ذلك بعضاً، ولم يحدد كما حَدَّدَ في اليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين، وليس بعض الرأس ككله، فمن مسح بعضه لم يأت في الطهور بما أمر الله به.
قلت: قد فهمت، ثُمَّ ما يعمل بعد ذلك؟
قال: يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ثلاثاً باطنهما وظاهرهما غسلاً نقياً، يفرغ عليهما الماء إفراغاً، ويخلل بين أصابعهما، وكذلك يخلل اليدين.
قلت: فأين الكعبان، وحدُّهما؟
قال: العظمان الناتئان ، وهو مفصل الساق من القدم.
قلت: فإن مسحهما ولم يغسلهما، هل يجزيه؟
قال: لا، حتَّى ينقيهما بالماء جميعاً إلى الكعبين، كما قال الله تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين}[ ]، ولو كان معنى قوله هذا في المسح دون الغسل لكان يجب مسحهما كلاهما جميعاً باطنهما وظاهرهما؛ لن قوله: {وأرجلكم}، عموم لكل الرجلين فعلمنا أن معنى قوله: {وأرجلَكم} بالنصب، إنَّما أراد بذلك الغسل ولم يرد المسح، فافهم ما شرحنا لك في ذلك فلك فيه كفاية وثبات.
فهذا الوضوء التام الذي جاء به الخبر الصَّحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه كان يتوضأ كذلك.
[مسائل متفرقة للوضوء]
قلت: فإنه تمضمض واستنشف مرةً مرةً، وغسل وجهه مرةً، وكذلك ذراعيه، ومسح رأسه وغسل رجليه، كل ذلك مرةً مرَّةً أو مرتين مرتين؟

(1/11)


قال: يجزيه إذا أسبغ الوضوء بالماء، الثلاث أفضل، كما قال محمد صلى الله عليه وآله وسلم: <الثلاث طهوري وطهور الأنبياء من قبلي>(1).
قلت: فإنه لما توضأ للصلاة وأراد أن يقوم يصلي ثُمَّ رَعُفَ أو كان به دملٌ وبثرة فسال منهما شيء؟
قال: يعيد الطهور.
قلت: أيبتدئ الطهور بالاستنجاء أم يجزيه من موضع الجارحة الَّتِي حدث منها الحدث؟
قال: إذا كان شيء مما ينقض الطهور مثل سيل الدمل أو البثرة أو الرعاف أو القيء أو الريح أو المذي أو الدود يخرج أو ما أشبه ذلك أعاد منه الطهور من أوله ابتداءً.
قلت: فإنه لما توضأ للصلاة أخذ من شعره أو قلم أظفاره أو حلق شاربه أو ما أشبه ذلك؟
قال: يُمِرُّ على أثر ذلك الذي أخذه الماء، وأجزأه ذلك عن الإعادة للطهور.
قلت: فإنه لما توضأ سها، فَشَكَّ في غسل ذراعيه من أين يعيد الوضوء؟
قال: من حيث شك.
قلت: وكذلك لو شك في غسل رجليه وتيقن أنَّه قد أسبغ ما سوى ذلك بالوضوء؟
قال: يغسل رجليه، ويجزيه.
قلت: ولو كان قد جف ويبس من الطهور؟
قال: كذلك وقد كرهه غيرنا.
قلت: فإنه توضأ في السَّحر، ولم يقدم النية أنَّه يصلي بذلك الطهور الفجر، هل يصلي الفجر بذلك الطهور، وإن كان لم يقدم النية؟
قال: لا يجزيه ذلك الطهور حتَّى يعيد الطهور للفجر.
قلت: فإنه تطهر طهوراً سابغاً ولم يقدم النية أنَّه لصلاة من الصلوات، هل يصلي بذلك الطهور الظهر أو صلاة من الصلوات؟
قال: لا يجزيه ذلك؛ لأنَّه ينبغي له إذا أراد الصلاة أن يقوم فيقدم النية أن هذا الطهور للصلاة المكتوبة.
قلت: فإن رجلاً قال لرجلٍ: علمني الطهور، فأخذ الرجل إناءً فيه ماء، فقال له: انظر إليَّ وأنا أتطهر. فتطهر والرجل ينظر إليه حتَّى أسبغ الوضوء، هل يجزيه ذلك للصلاة إن أراد أن يصلي فريضة؟
قال: لا يجزيه ذلك.
قلت: ولِمَ، وقد أسبغ الوضوء؟
قال: لأنَّه إنَّما توضأ وهو يريد التعليم للرجل الذي سأله أن يعلمه.

(1/12)


قلت: فإنه لما أخذ الإناء وقال للرجل: انظر إليَّ، اعتقد هو أن هذا الطهور للصلاة؟
قال: إذا قَدَّم النية أن هذا الطهور للصلاة أجزأه ذلك.
قلت: فمقدار الماء الذي يجزي للتوضؤ للصلاة والغسل من الجنابة كم يكون؟
قال: قد قال غيرنا: أنَّه المد للطهور، والصاع للغسل، ورووا ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يصح عنه ذلك، فأما أنا فقولي وقول علماء آل الرسول عليه وعليهم السلام أنَّه لا حَدَّ للماء ولا مقدار فيما يكفي الطهور، وإنَّما ذلك إلى ما يعلم المتطهر من نفسه، فإذا نقي وعلم أنَّه قد أسبغ الطهور أو الغسل من الجنابة على ما وصفنا في صفة الطهور والغسل من الجنابة فهو المجزي الكافي.
قلت: فهل يصلي الرجل بطهور واحد صلاتين؟
قال: أحب إليَّ أن يتوضأ لكل صلاة.
قلت: فإن رجلاً أصابته جنابة، فقام فغسل رأسه ثُمَّ مضى فلما جف شَعْرُه، عاد الطهور فغسل سائر جسمه من حيث أنقى من رأسه، هل يجزيه ذلك؟
قال: نعم يجزيه، قد روي عن بعض علماء آل الرسول أنَّه أجاز تفريق الوضوء.
قلت: فإن رجلاً نام ثُمَّ استيقظ فوجد على فخذه مَنْياً ولم يرَ في النوم شيئاً، هل يجب عليه الغسل؟
قال: نعم، ربما نسي النائم ما يرى.
قلت: فإنه رأى في نومه أنَّه يجامع، فلما استيقظ لم يجد منياً، هل يغتسل؟
قال: لا إذا لم ير شيئاً مما يجب به الغسل، لم يغتسل.
قلت: فإنه لما استيقظ من نومه وجد على إحليله ندىً؟
قال: ينظر في ذلك، فإن تيقن أنَّه مني اغتسل، وإن كان مذياً توضأ لصلاته، ولم يغتسل.
[نواقض الوضوء]
قلت: فالذي ينقض الوضوء، ما هو؟
قال: قد قدمنا جواب بعض ذلك، أنَّ كلَّ ما خرج من الدبر أو القبل من دود أو ريح أو بول أو سيل دمل أو بثرة أو دم فسال عن رأس الجرح أُعيد منه الطهور.
قلت: فالقهقهة والضحك؟
قال: لا ينقض ذلك الوضوء عندنا، وقد قال غيرنا: إنَّه ينقض الوضوء، ولم نلتفت إلى ذلك.
قلت: فالنوم هل ينقض الوضوء؟

(1/13)


قال: نعم، إذا نام الرجل وزال عقله من النوم على أيِّ حال كان قائماً أو جالساً، انتقض وضوؤه واستأنف الوضوء للصلاة.
قلت: فإن رجلاً انكسرت يده أو رجله أو كان به جدري أو بثرة أو علة فوضع على ذلك خِرَقاً أو جبائر على الكسر؟
قال: أصل ذلك كله أن كل ما كان في الجسم من علة يخاف صاحبها عليها إذا أصابها الماء أن يعنت، لم نر له أن يُعْنِتَ نفسه لغسلها، ولا يدني الماء منها، ويتوضأ ويترك ذلك الغضو ويمسح على الجبائر(1)، إلاَّ أن يؤلمه ذلك، فإذا توضأ صلى وأجزاه ذلك لصلاته، فافهم هذه الجملة فلك فيها كفاية إن شاء الله، وقد قال غيرنا أنَّه يتوضأ بالماء ثُمَّ يتيمم لذلك العضو، وليس ذلك عندنا بشيء، ولا يلتفت إليه من قولهم.
قلت: فما تقول في المسح على الخفين؟
قال: قد روي في ذلك روايات، ولسنا نرى ذلك، ولا يقول به أحد من علماء آل الرسول عليهم السلام.
صفة التيمم
وسألته عن التيمم، كيف هو؟
فقال: معنى التيمم، هو: طلب الصعيد، والصعيد، فهو: التراب الطيب.
فإذا أراد الرجل التيمم جلس، ثُمَّ ضرب بيديه على التراب الطيب، وفرَّج بين أصابعه، ثُمَّ مسح بيديه على وجهه كله مسحة غامرة له، وأدخل إبهاميه من تحت غَابَّته، مخللاً للحيته، ثُمَّ عاد فضرب بيديه على التراب ضربة أخرى، وفَرَّج بين أصابعه، ثُمَّ رفع بيديه فبدأ يمسح يمينه من ظاهرها من عند أظفاره، حتَّى يأتي على ذلك إلى المرفق، ثُمَّ يقلب راحته اليسرى على باطن يده اليمنى، فيمسح جميع باطنها إلى راحته وجميع يده وإبهامه، ثُمَّ يرد يده اليمنى على ظاهر يده اليسرى، فيفعل بها ما فعل باليمنى سواء سواء.
قلت: فهل يصلي بتيمم واحد صلاتين؟
قال: لا يجوز ذلك، ولا يصلى بالتيمم إلاَّ صلاة واحدة.
__________
(1) ـ في الأحكام 1/60: فأما ما يقال من المسح على ذلك العضو فليس ذلك عندنا بشيء ....... يديه رجليه.

(1/14)


قلت: فإن عدم الرجل الصعيد الطيب من التراب، ووجد رملاً أو نورةً أو زرنيخاً(1)، أو ما أشبه ذلك من الأرض، هل يتيمم به؟
قال: لا يتيمم بشيء من ذلك، إلاَّ أن يكون في الرمل من الصعيد الطيب الذي يلصق باليدين، وهو التراب، فيتيمم به.
قلت: فإن عدم ذلك كله، هل يصلي بغير تيمم؟
قال: إن خاف فوات الوقت من الصلاة الَّتِي يتيمم لها، صلى بغير تيمم إذا عدم الماء والصعيد، ولا يترك الصلاة.
قلت: فيعيدها إذا وجد الماء أو الصعيد؟
قال: لا، إذا خرج وقتها.
باب القول الحيض
وسألته عن: أقل الحيض وأكثره.
قال: أقله ثلاث، وأكثره عشر.
قلت: فما زاد على العشر؟
قال: ذلك استحاضة، وليس بحيض، وقد قال أهل المدينة: إن أكثر الحيض خمس عشرة، ولم نلتفت إلى ذلك(2).
قلت: فهل للرجل أن يدنو من امرأته في وقت حيضها؟
قال: نعم، إذا اجتنبَ موضع الحرث، وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأم سلمة رحمة الله عليها(3).
قلت: فهل للرجل أن يواقع امرأته إذا نَقَت من الدم ورأت النقاء في موضع الحرث من قبل أن تغتسل وتَطَّهر بالماء؟
قال: لا، حتَّى تطهر بالماء، كما قال الله سبحانه: {حتى يطهرن}[ ].
قلت: فما تقول في الصُّفرة والكدرة في (أيام الحيض)(4)؟
قال: الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، والحيض فبِّينٌ مِن غيره.
قلت: وكيف يبين الحيض من غيره؟
__________
(1) ـ الزرنيخ: نوع من الحجارة، يستخدم في متحضرات طبية.
(2) ـ ذكر ابن المنذر في الأوسط 2/ 227، أن الشافعي وأحمد وأبو نور وعطاء بن أبي رياح، يقولون: أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمس عشرة.
(3) ـ روى البخاري ومسلم، ومن طريق البخاري بن النمذر، عن أم سلمة قالت: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخميلة، فوضعت فانسللت في الخميلة، فقال لي: أنقيت؟ قلت: نعم، فلبست ثياب حيضتي، ودخلت مع رسول الله في الخميلة.
(4) ـ سقط من (أ) أيام الحيظ.

(1/15)


قال: لأن دم الحيض أسود (عكر)(1)، ودم الاستحاضة أصفر.
قلت: فهل يجتمع الحيض والولد؟
فقال: لا، إذا حملت المرأة وبان حملها لم تحض، وذلك أن الله عز ذكره جعل موضع الحيض موضع الولد ومستقره، فإذا وقع الولد في الرحم واستوى ذهب الحيض، فلم تحض المرأة، وإذا لم يكن الولد في الرحم جاء الحيض.
قلت: فإن المرأة تحمل ويبين(2) حملها، ثُمَّ ترى بعد ذلك دَماً أو صُفْرةً أو كُدْرةً؟
قال: ذلك علَّةٌ، ليس ذلك بحيض.
قلت: فإذا رأت ذلك أتصلي؟
قال: نعم، تَطَهَّر وتصلي.
قلت: فإن المرأة ترى الدم يوماً أو يومين، ثُمَّ ترى النقاء بعد ذلك يوماً أو يومين، ثُمَّ يعاودها الدم بعد ذلك، كيف تعمل؟
قال: أصل ذلك عندنا وما نقول به أن المرأة متى رأت الدم الذي تيقن أنَّه دم حيض تركت الصلاة، ومتى رأت النقاء صلت، ولو رأت الدم يوماً والنقاء يوماً، كان القول فيه على ما قلنا، فافهم ذلك(3).
باب القول في النِّفاس
وسألته عن النِّفاس.
فقال: أكثره أربعون يوماً، إلاَّ أن ترى الطهر قبل ذلك، فتطَهَّر وتصلي.
قلت: فإن عاودها الدم في الأربعين؟
قال: تترك الصلاة.
قلت: فإن طهرت في الأربعين، وكان نفاسها في شهر رمضان فصلت وصامت، ثُمَّ عاودها الدم في الأربعين، هل يجزيها الصوم الذي(4) صامت قبل أن يعاودها الدم؟
قال: نعم، متى ما رأت الطهر والنقاء تصوم وتصلي، ولو لم تفعل لكانت تاركة لدين الله(5) .
قلت: فنفاس أم الولد مثل نفاس الحرة؟
قال: نعم، سواء سواء.
باب القول في الأذان
__________
(1) ـ سقط من (أ) عكر.
(2) ـ ويتبين (ب).
(3) ـ الذي ذكر أبو طالب في التحرير: أن النقاء إذا لم يبلغ طهراً صحيحاً ـ وهو عشرة أيام ـ ليس له حكم الطهر. ولعل الهادي: أن تصلي وتصوم أيام النقاء احتيطاً، ولغيره بالانكشاف. فإن بلغ طهراً كان طهراً، وإن لم كان حكمه حكم الحيض، والله أعلم.
(4) ـ نسخة: التي.
(5) ـ نسخة: كافرة في دين الله.

(1/16)


وسألته عن الأذان، أواجب على المصلين أم غير واجب؟
قال: الأذان واجب من الله أمر به نبيه أمراً، وليس كما قال الجاهلون إنَّه إنَّما رآه رجل في النوم رؤيا.
قلت: فأين أمر الله به؟
قال: قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع}، وقوله: {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزؤاً ولعباً}، فدل عز وجل على الأذان بذلك.
قلت: فكيف الأذان؟
قال: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاَّ الله، أشهد أن لا إله إلاَّ الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، حي على خير العمل، حي على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاَّ الله.
قلت: فإن الأكثر من الناس يكررون التكبير في الأول، ويسقطون حي على خير العمل؟
قال: الذي صح لنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهذا، وهو مثنى مثنى، وهم فقد أجمعوا على أن الأذان مثنى مثنى، ورووه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتركوا قولهم بالتكرير في التكبير عند روايتهم أنَّه مثنى مثنى؛ لأنَّه إذا قال: الله أكبر، الله أكبر، فهو مثنى، وصح الخبر، فإذا زادوا أكثر من ذلك أبطلوا الخبر، وأتوا في الأذان بما ليس فيه.
وأما حي على خير العمل فلم تزل في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتَّى قبضه الله، وفي عهد أبي بكر حتَّى مات، وإنَّما تركها عمر وأمر بذلك، فقيل له: لِمَ تركتها؟ فقال: لأن لا يتكل الناس عليها ويتركوا الجهاد!!
باب القول في تسمية أوقات الصلوات في كتاب الله وعددها
وسألته عن الخمس الصلوات وأوقاتها، من أين نجده حتَّى نعلم أن الخمس واجبة علينا يقيناً، وأوقاتها معروفة؟
فقال: الخمس الصلوات وأوقاتها فموجودة في كتاب الله عز وجل نصاً، ومن شاهد العقول حجة، ومن إجماع العالم، فكل ذلك مما يؤكدها.
فقلت: فأخبرني، فأين هي في كتاب الله؟

(1/17)


فقال: قول الله: {من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء}[ ]، فنص في هذه الآية ثلاث صلوات بأسمائها وأوقاتها.
ثُمَّ قال: {والعصر}، فنصها باسمها.
ثُمَّ قال: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}، فكرر صلاة الظهر، وهي عند دلوك الشمس، ودلوكها فهو زوالها.
وقوله: {إلى غسق الليل}، فهو غروب الشمس ودخول الليل: وهي المغرب، وإنَّما قوله: {إلى غسق الليل}، أراد عند غسق الليل؛ لأن هذه حروف الصفات، وهي يقوم بعضها مقام بعض، وعند غسق الليل فهو المغرب، فهذه خمس صلوات، وأوقاتها منصوصات معروفات في الكتاب.
وفيها من الكتاب تأكيد أكثر من هذا، مثل قوله: {أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل}[ ]، وقوله: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيّاً وحين تظهرون}[ ].
فرووا في الأخبار أن في هذه الآية أربع صلوات منصوصات، وقوله: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}[ ]، ومثل هذا كثير في كتاب الله عز وجل مما يؤكد الخمس الصلوات وأوقاتها، فاكتف بذلك.
وأما شواهد العقول الَّتِي تدل على أن الصلوات خمس في كتاب الله فبَيِّنٌ لقول الله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}، فلا تكون صلاة وسطى لأقل من خمس صلوات، ثنتين وثنتين وواحدة وسطى. فإن قال قائل: فإن للثلاث صلوات صلاة وسطى، قلنا له: فالذي بقي من الثلاث بعد إفراد الله الوسطى صلاتان، ولا تكون الصلاتان صلوات؛ لأنهما ثنتان، فدل بذلك على أنَّها خمس صلوات، فافهم ذلك وتدبره فإن لك فيه كفاية إن شاء الله.
قلت: قد فهمت ما ذكرت من تسمية أوقات الصلاة في كتاب الله، ومن العقول، فبَيِّن لي أوقات الصلاة الَّتِي تُصلَّى فيها الصلوات، فقد أكثر الناس الاختلاف في ذلك؟

(1/18)


فقال لي: إن اختلاف الناس في هذا الذي ذكرت؛ لجهلهم وتقليدهم لعلمائهم، وتركهم النظر في كتاب الله، والتفتيش عن تفسيره وتفسير شرح الأخبار الَّتِي رووها وأجمعوا عليها، فاستشنعوا ما قال علماء آل الرسول عليهم السلام في هذا الذي سألت عنه من بيان أوقات الصلوات من أهل بيت نبيهم، ولم ينظروا في معاني الأخبار وشرحها، وما تقضي من البيان لما سألت عنه، وأنا أبين لك ما سألت عنه، والقوة بالله، من أخبارهم الَّتِي رووها بأجمعهم وصححوها عن رجالهم الثقات، فافهم ذلك.
أجمعوا جميعاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <أمَّني جبريل عند البيت، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، فكانت بقدر الشراك، ثُمَّ صلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثُمَّ صلى بي المغرب حين أفطر الصائم، ثُمَّ صلى بي العشاء حين غاب الشفق، ثُمَّ صلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم. قال: ثُمَّ صلى بي الغد الظهر حين كان ظل كل شيء مثله، ثُمَّ صلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثُمَّ صلى بي المغرب حين أفطر الصائم، ثُمَّ صلى بي العشاء في ثلث الليل الأول، ثُمَّ صلى بي الفجر فأسفر، ثُمَّ التفت إليَّ جبريل، فقال لي: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، الوقت فيما بين هذين الوقتين>.

(1/19)


وروى هذا الحديث من أهل العراق، أبو بكر بن أبي شيبة(1) وغيره، ورواه عبد الرزاق(2)، عن سفيان الثوري، وابن أبي سبرة، عن عبد الرحمن بن الحرث، قال: حدثني حكيم بن حكم(3)، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...
وقد جاء هذا الحديث من وجوهٍ شتَّى لم نذكرها لئلا يطول الكلام، فروى القوم هذا الخبر مجملاً، ولم ينظروا فيه نظراً شافياً حتَّى يتبين لهم فيه مواقيت الصلوات، فافهم ما سألت عنه، وفرِّغ ذهنك له يتبين لك ـ إن شاء الله ـ ما أذكر لك من شرح هذا الخبر في أوقات الصلاة؛ لأنَّه الأصل المعمول عليه عندهم.
__________
(1) ـ مصنف ابن أبي شيبة 1/280 (3220)، فقال: أخبرنا وكيع، قال: أخبرنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عباس بن ربيعة، عن حكيم بن حكم بن عباد بن حنيف، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ...
(2) ـ مصنف عبد الرزاق 1/531 (2028).
(3) ـ في ط: حكيم بن حكم، وهو غلط، والصواب ما أثبته، وهو كذلك في مصادر الحديث.

(1/20)


واعلم ـ وفقك الله ـ أنَّه لما صح هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآل وسلم أنَّه صلى الظهر في أول يوم حين زالت الشمس، وصلى العصر وظل كل شيء مثله، ثُمَّ صلى من الغد الظهر وظل كل شيء مثله، وصلى العصر وظل كل شيء مثلاه، علمنا أنَّه قد صلى في أول يوم العصر في وقت صلاة الظهر الَّتِي صلاها من الغد، فأجاز صلى الله عليه وآله وسلم بفعله هذا صلاة الظهر في وقت صلاة العصر، وصلاة العصر في وقت صلاة الظهر؛ لأنَّه صلَّى الظهر والعصر وظل كل شيء مثله، فوجب بفعله هذا أن وقت الظهر كله وقت للعصر، ووقت العصر كله وقت للظهر؛ لأن من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله وقت واحد ممدود لا مرية فيه، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الوقت الواحد الظهر والعصر عند زوال الشمس، ومن فعل ذلك فقد أدَّى الصلاتين في أوقاتهما؛ لأن أول الوقت كآخره، وآخر الوقت كأوله في تأدية صلاتهما، غير متعد لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك من صلاَّهما في آخر الوقت فقد صلاهما في أوقاتهما.
قلت: فبيَّن لي آخر الوقت، ما هو؟
قال: قد بينت لك فيما شرحت لك وأجبت، أن وقت الظهر كله وقت للعصر، ووقت العصر كله وقت للظهر، ووقت العصر إلى أن تدرك منها ركعتان قبل غروب الشمس أو ركعة، وبذلك جاء الأثر الصَّحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يختلفوا في رواية هذا الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: <من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها ومن أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها>، روى ذلك من العراقيين: ابن أبي شيبة(1) وغيره، ومن أهل اليمن: عبد الرزاق اليماني(2)، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: <من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها>.
__________
(2) ـ المصنف 1/584 (2224)

(1/21)


وروى هذا الخبر عبد الرزاق(1)، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة، فقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنه من أدرك من العصر ركعة فقد أدركها، يوجب أنَّه في وقت منها، لم يفت الوقت، فافهم ذلك وتدبر ما شرحت لك من وقت الظهر والعصر، فلك فيه كفاية إن شاء الله.
وكذلك صح لنا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه كان يجمع بين الظهر والعصر إذا زالت الشمس في السفر، وإذا حانت المغرب جمع بينها وبين العشاء، روى هذا الخبر عبد الرزاق(2)، عن ابن جريج، قال: أخبرني الحسين بن عبد الله(3) بن عباس، عن عكرمة، وكريب، أن ابن عباس قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السفر، قلنا: بلى، قال: كان إذا زاغت الشمس من منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، وإذا لم تزغ له في منزله سار حتَّى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت المغرب وهو في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تَحِن له في منزله ركب، حتَّى إذا حانت العشاء نزل فجمع بينهما.
فهو(4) دليل على ما قلنا: إن وقت الظهر وقت للعصر، وأن وقت العصر وقت للظهر.
قلت: قد فهمت ما ذكرت من وقت الظهر والعصر، فبين لي وقت المغرب والعشاء، هل يكون وقت المغرب للعشاء، ووقت العشاء للمغرب وقتاً؟
قال: نعم، أبَيِّنه لك ـ إن شاء الله ـ من الكتاب، ومما رووا من الأخبار:
__________
(1) ـ المصنف 1/585 (2228).
(2) ـ 2/548 (4405).
(3) ـ في ط: الحسين بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس، وما أثبته في المصنف.
(4) ـ فهذا (ب).

(1/22)


فأما ما في الكتاب فإن الله تبارك وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {يا أيها المزمل قم الليل إلاَّ قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً}[ ]، فكان ذلك من الله توقيتاً لما فرض من الصلاة في الليل من المغرب والعتمة فرضاً، والدليل على أنَّه عنى بذلك الفرض قوله سبحانه من بعد ذلك: {والله يقدِّر الليل والنهار علم أن لن تحصوه، فتاب عليكم، فاقرؤا ما تيسر من القرآن، علم أن سيكون منكم مرضى، وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}[ ]، فدل سبحانه بقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}: على أن ذلك من الصلاة فرض كفرض إيتاء الزكاة، إذ ضمه إليها، ولو كانت الصلاة نافلة لم يضمها إلى الزكاة المؤكدة، فدل بذلك سبحانه على أن الليل كله من أوله إلى آخره وقت للمغرب العشاء.
وفي ذلك ما روى عبد الرزاق اليماني(1)، عن ابن جريج، عن عطاء، أنَّه قال: لا تفوت صلاة النهار الظهر والعصر حتَّى الليل، ولا تفوت صلاة الليل المغرب والعشاء حتَّى النهار(2)، ولا يفوت الصبح حتَّى تطلع الشمس.
وروى عبد الرزاق أيضاً(3)، عن ابن جريج قال: كان [طاووس لا يصلي المغرب يجمع، حتَّى يذهب الشفق، قال: وكان طاووس] يقول: لا يفوت الظهر والعصر حتَّى الليل، ولا يفوت المغرب والعشاء حتَّى الفجر، ولا يفوت الصبح حتَّى تطلع الشمس.
وروى عبد الرزاق(4) عن ابن جريج قال: كان طاووس يقول: لا يفوت الظهر والعصر حتَّى الليل، ولا يفوت المغرب والعشاء حتَّى الفجر، ولا يفوت الصبح حتَّى تطلع الشمس.
وروى عبد الرزاق(5)، عن معمر، عمن سمع عكرمة يقول: مثل قول طاووس.
__________
(1) ـ مصنف عبد الرزاق 1/582 (2219).
(2) ـ في ط: حتَّى يطلع الفجر، وما أثبته من المخطوطة ومصادر الحديث.
(3) ـ مصنف عبد الرزاق 1/584 (584)
(4) ـ ثقة.

(1/23)


وروى عبد الرزاق أيضاً(1)، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء أكان يقول(2): صلاة العشاء فيما بينك وبين شطر الليل الأول، فما وراء ذلك تفريط، والمغرب على نحو ذلك. قال: لا تفريط لهما(3) حتَّى شطر الليل.
فهذه أخبار صحيحة موافقة لكتاب الله، أن وقت الظهر والعصر من زوال الشمس إلى الليل، ووقت المغرب والعشاء إلى الفجر، وهو قول ثابت، وهو قول جدي القاسم بن إبراهيم رحمة الله عليه، وبه نأخذ، والدليل على صحة هذا القول وثباته أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المدينة من غير سفر ولا خوف ولا مطر، من ذلك:
ما روى أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي(4)، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. قال: قيل لابن عباس ما أراد بذلك؟ قال: أن لا يحرج على أمته.
ورواه مالك بن أنس(5)، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله سواء.
وروى عبد الرزاق(6)، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر بالمدينة في غير سفر ولا خوف. قال: قلت لابن عباس ولم تر فعَل ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِج أحداً من أمته.
وروى عبد الرزاق(7)، عن داود بن قيس، عن صالح مولى التوأمة، أنَّه سمع ابن عباس يقول: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير سفر ولا مطر. قال: قلت لابن عباس: لِمَ تراه فعل ذلك؟ قال: أراد التوسعة على أمته.
__________
(1) ـ المصنف 1/581 (2213).
(2) ـ ابن عباس.
(3) ـ في المصنف: خير تفريط بها.
(4) ـ مصنف بن أبي شيبة.
(5) ـ الموطأ 1/144 (9/1/4).
(6) ـ المصنف 2/555 (4432).
(7) ـ المصنف 2/555 (4434).

(1/24)


وروى عبد الرزاق(1) عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال: قال عبد الله بن عمر: جمع لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو غير مسافر(2) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. فقال رجل لابن عمر: لِمَ تر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك؟ قال: لأنْ لا يحرج أمته إن جمع رجل.
وروى عبد الرزاق(3)، قال: أخبرنا ابن جريج، عن معمر، عن عمرو بن دينار أن أبا الشعثاء أخبره أن ابن عباس أخبره، قال: صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعاً بالمدينة.
وروى عبد الرزاق(4)، عن إبراهيم بن محمد، عن صفوان بن سليم، قال: جمع عمر بن الخطاب بين الظهر والعصر في يوم مطير.
وروى عبد الرزاق(5)، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، أن أهل المدينة كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، فيصلي معهم ابن عمر لا يعيب ذلك عليهم.
وروى عبد الرزاق(6)، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء أن ابن عباس خرج من أرضه من (مر) حين أفطر الصائم، يريد المدينة، فلم يصل المغرب حتَّى جاء المحجة من الظهران، فجمع بينها وبين العشاء، ويقال له: الصلاة، فيقول: شمروا عنكم.
وروى عبد الرزاق(7)، عن معمر، قال: سمعت أن الصلاة جمعت لقوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}، فغسق الليل المغرب والعشاء.
وروى عبد الرزاق(8)، عن إبراهيم بن يزيد، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غربت له الشمس وهو بسَرف، فلم يصل المغرب حتَّى دخل مكة، وذكره الحجاج بن أرطاه، عن ابن الزبير.
__________
(1) ـ المصنف 2/556 (4437).
(2) ـ في المصنف: مغيماً غير مسافر.
(3) ـ المصنف 2/555 (4436).
(4) ـ المصنف 2/556 (4440).
(5) ـ المصنف 2/556 (4441).
(6) ـ المصنف 1/554 (2103)، ومر موضع على مرحلة من مكة.
والمحجة: جادة الطريق. والظهران، لعل المراد به: ظهر مكة.
(7) ـ 1/551 (4417).
(8) ـ 1/554 (4432).

(1/25)


فكل ما شرحنا وذكرنا من الأخبار تدل على ما قلنا به في أوقات الصلاة، وإنَّما جمعنا في هذا الباب هذه الأخبار برواية الثقات من رجال العامة؛ لئلا يحتجوا فيه بحجة، فقطعنا حججهم بروايات ثقاتهم، فافهم ذلك فلك فيه كفاية إن شاء الله، والقوة بالله.
باب مسائل التوجه للصلاة ومسائل الصلاة
وسألته عن الرجل إذا تطهر للصلاة وقام فتوجه إلى القبلة، هل يقدم النية قبل أن يتوجه للصلاة الَّتِي يصليها إلى البيت، وكذلك يقدم النية أيضاً أنَّها الظهر أو العصر أو أي الصلوات كانت؟
قال: هكذا ينبغي أن يفعل.
قلت: فإن لم يقدم النية أنَّه يصلي إلى البيت، ولا أنَّها صلاة الظهر أو العصر، هل يجزيه ذلك؟
قال: نعم، الملة ملة الإسلام تجزيه عن ذلك؛ لأن صلاة المسلم قد تقدمتها النية بعقد الإسلام، وكذلك كل أوقات الصلاة فهي مجزية له، وإن قدم النية كان أفضل وأحب إليَّ.
قلت: فإن استقبل القبلة وبين يديه جدار، وخلف الجدار كنيف فيه الأقذار، وكذلك لو كان عن يمينه أو عن شماله؟
قال: إذا حال الجدار الذي بينه وبين الأقذار لم تضره الأقذار، جازت صلاته.
قلت: فإن الجدار الذي استقبله كان مطيَّناً بطين فيه سرجين فرس أو دابة من الدواب أو بول من أبوالها مختلطاً في الطين؟
قال: إذا ظهر ذلك في الطين كرهت له الصلاة إليه.
قلت: فإنه طُيِّنَ فوق ذلك الطين بطين طَيِّبٍ ليس فيه من الأقذار شيء؟
قال: إذا كان الطين طيِّباً وستر الأقذار جازت الصلاة إليه.
قلت: فإن الجدار في نفسه مبني بلبن وطين قد خالطهما الأقذار، وتيقن المصلي ذلك يقيناً؟
قال: لا أحب له أن يصلي إليه ولو طُيِّن الجدار بطين طيِّب.
قلت: فإن قيل له ذلك ولم يتيقَّنه هو، هل يصلي إليه؟
قال: نعم.
قلت: فإن الطين الذي طين به الجدار غليظ لو انهدم الجدار قام بنفسه، هل يصلي إليه؟

(1/26)


قال: نعم؛ لأن ما في الكنيف من الأقذار أكثر مما في الجدار، فإذا كان دونه ما يقوم بنفسه فكأنه جدار دون جدار، جازت إليه الصلاة.
قلت: فإنه بسط مصلاه في موضع كان فيه كنيف يطرح فيه الأقذار أو بلاَّعة تسيل إليها الأبوال، ثُمَّ دُفن الكنيف أو البلاعة بتراب طيب، هل يصلي على ذلك الموضع؟
قال: التنزه عن ذلك الموضع، والصلاة في غيره أحب إليَّ.
قلت: فإن صلى عليه، هل يعيد الصلاة؟
قال: لا؛ لأن الذي صلى عليه طيب، وما في بواطن الأرض من الأقذار أكثر من ذلك، فإذا صلى على موضع ظاهر الطهارة جازت صلاته.
قلت: فإن البيت الذي قام يصلي فيه كان في جداره تماثيل من جص أو صبغ مصور أشبه الناس والدواب، هل يصلي في ذلك البيت؟
قال: نعم، وما يضره إذا كان الموضع الذي استقبله إلى قدر رأسه نقياً من ذلك، جازت صلاته.
قلت: فإنه بسط مصلاه على بساطٍ فيه تماثيل، هل يصلي عليه؟
قال: لا أرى ذلك، وقد أجازه غيرنا.
قلت: فكيف يعمل؟
قال: يكشف من البساط قدر موضع سجوده من الأرض، ويضع مصلاه على ذلك، وإن لم يثق بطهارة البساط كشفه كله.
قلت: وكذلك اللبود وبسط الشعر والوبر وما أشبه ذلك؟
قال: لا أحب الصلاة على شيء من ذلك، ولا السجود عليه.
قلت: فأي شيء أحب إليك أن تسجد عليه؟
قال: كلما أنبتت الأرض وكان نظيفاً طاهراً لا قذر فيه من صباغةٍ ولا غيره، فهو أحب الأشياء إليَّ، وإلاَّ فحضيض الأرض.
قلت: فيصلي الرجل على الصفا والصاروج: وهو القضاض؟
قال: نعم، إذا كان الموضع طاهراً.
قلت: فإن الرجل لما توجَّه مال يميناً أو شمالاً عن القبلة بغير تعمُّد ولم يعلم حتَّى فرغ من صلاته، ثُمَّ علم بعد ذلك أنَّه صلى إلى غير القبلة، هل يعيد الصلاة؟
قال: إن كان علم أنَّه صلى إلى غير القبلة وهو في وقتٍ من تلك الصلاة أعادها، وإن كان لم يعلم أنَّه صلى إلى غير القبلة حتَّى جاز وقت تلك الصلاة لم يعدها؛ لأنَّه قد تحرى القبلة عند توجهه.

(1/27)


قلت: وكذلك لو كان في يوم غيم ففعل ذلك؟
قال: نعم.
قلت: وكذلك لو كان أيضاً في يوم غيم فصلى قبل زوال الشمس، ثُمَّ علم بعد ذلك؟
قال: يعيد الصلاة على كل حال؛ لأنَّ هذا ليس مثل الأول، وإنَّما صلى في غير وقت صلاة، فهي صلاة باطلة، فعليه إعادتها.
قلت: فإنه كان في سفينة سائرة فتوجه للصلاة إلى القبلة فدارت السفينة يمنةً أو يسرةً.
قال: يدور إلى القبلة إذا دارت السفينة، ويتبع القبلة حيث كانت واجب(1) عليه ذلك.
قلت: فإن الرجل المتوجه فوق ارتفاع من الأرض أو فوق سطح وبين يديه في الأرض قذر من عذرة أو غير ذلك من الأقذار، والرجل يتيقن ذلك، أو هو قريب منه إذا سجد أشرف عليه، هل يجوز له الصلاة؟
قال: لا أحب له إذا كان هو المرتفع وكان القذر أسفل أن يصلي في ذلك الموضع.
قلت: فإن القذر كان على ارتفاع من الأرض وكان هو أسفل من ذلك؟
قال: نعم، يجوز له الصلاة؛ لأنَّه يستقبل طهارة(2) والقذر مرتفع عنه في معزل.
قلت: فإن(3) توجَّه الرجل فاستقبل القبلة، بأيِّ شيء يبدأ؟
قال: بالاستعاذة، ثُمَّ يفتتح، ثُمَّ يكبر من بعد الافتتاح.
قلت: فبأي شيء يفتتح؟
قال: قد روي في ذلك رويات كثيرة مختلفة متضادة، وإنَّما قلت متضادة؛ لأن المختلفين رووا في الافتتاح كلاماً ليس هو من القرآن، فلم يلتفت إلى رواياتهم لما خصَّنا الله به من معرفة غوامض كتابه، فكان الذي ندبنا الله إليه من الافتتاح أمره لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث يقول: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً}[ ]، ثُمَّ أمره الله، فقال تبارك وتعالى: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل}[ ]، فدلَّ على أن هذا هو الافتتاح للصلاة قبل التكبير، ثُمَّ قال له: {وكبره تكبيراً}[ ]، فأمره بالتكبير بعد الافتتاح.
__________
(1) ـ وأوجب (ب).
(2) ـ طاهرة (ب).
(3) ـ نسخة: فإذا.

(1/28)


قلت: فقد جمعت لي في هذا الجواب جواب مسألتين في الافتتاح قبل التكبير، وبأيِّ شيءٍ يبدأ المتوجه للصلاة، فزدني حجةً من المعقول في الافتتاح أنَّه قبل التكبير، فإن أصحاب الأخبار قد أكثروا في ذلك الروايات أنَّه بعد التكبير، ولم أقل ذلك إني لم أرض بما أتى في كتاب الله، بل هو أكفأ الكفاية، ولكن حجة من اللغة أو من المعقول؟
قال: نعم أخبرك بذلك، والقوة بالله: أليس عقول العالم تشهد بأن افتتاح باب الدار قبل دخولها؟
قلت: بلى.
قال: وكذلك يقول القائل استفتحت على بني فلان في دارهم، فلم يفتحوا لي ولم يدخلوني، وكذلك أيضاً يقول القائل إذا أراد أن يتعلم من رجل قرآناً افتتح عليَّ آيات، وكذلك يقول الرجل إذا سئل وهو يتعلم القرآن ممَّن تستفتح، فيقول: من فلان وفلان، فإذا لم يفتح عليه لم يدخل في التعليم من القرآن، ومتى جلس بين يدي القارئ قال له: افتح عليَّ آيات، وهو غير متعلم لها ولا داخل فيها، فلما فتح عليه دخل حينئذ بعد ما يفتح عليه ويعلمه، ففي هذا كفاية لك في الافتتاح، أنَّه قبل التكبير، ولولا ما أردت من اختصار الشرح وإيجازه لشرحنا واستخرجنا من الكتاب وما جاء به الرسول وشواهد المعقول ما يطول به كتابك، فافهم هذا فلك فيه كفاية إن شاء الله. ألا ترى كيف قد بين الله ذلك وليس بعد تبيين الله تبيين، فذكر في قوله سبحانه ما أمر به من الافتتاح فقال: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل}، ثُمَّ قال: {وكبره تكبيراً}، فأمر بالافتتاح قبل التكبير، ثُمَّ قال: {وكبره تكبيراً}، فأمره بالتكبير والدخول في الصلاة بعد التكبير.
قلت: قد فهمت ما ذكرت في الافتتاح أنَّه قبل التكبير، فأخبرني إذا كبر الرجل، هل يرفع يديه أم لا؟

(1/29)


قال: قد رُويت في ذلك أخبار كثيرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى إلى قريب من الأذنين أو الخدين أو المنكبين، ورووا أيضاً في أخبارهم ضد هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <ما بال أقوام يرفعون أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس، لئن لم ينتهوا ليفعلن الله بهم وليفعلن>، وكذلك بلغنا عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه لم يكن يرفع يديه في خفض، ولا رفع في الصلاة، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحب ويأمرنا بالسكون فيقول: <اسكنوا في الصلاة>، حتَّى أنَّه نظر إلى رجل يعبث بلحيته في الصلاة فقال: <لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه>، وذلك فحثٌّ منه على أن لا يحرك المصلي يداً ولا رجلاً إلاَّ من حاجة إلى ذلك، وهذا أحب إلينا، واضح(1) عندنا، من الأولى أن لا يرفع المكبر يديه لا في أول الصلاة ولا في وسطها.
قلت: زدني حجة في ترك الرفع لليدين في الصلاة؟
قال: نعم، أليس قد أجمعت الأمة بأسرها أنَّه لو قام رجل متوجه ثُمَّ رفع يديه ولم يحرك لسانه بتكبير وصلى أن صلاته باطلة؟
قلت: بلى، لا اختلاف بينهم في ذلك.
قال: وكذلك أجمعوا جميعاً لو أن رجلاً توجه فكبر وحرك لسانه بالتكبير ولم يرفع يديه أن صلاته جائزة تامة بتحريك لسانه بالتكبير وإن لم يرفع يديه؟
قلت: بلى، لا اختلاف بينهم في ذلك.
قال: فأي حجة أبين من هذه في ترك رفع اليدين بإجماعهم، فافهم ذلك.
قلت: قد فهمت، فإن الرجل افتتح وكبر، بأيّ شيءٍ يبدأ بعد ذلك؟
قال: بالجهر ببسم الله الرحمن الرحيم إذا كان في صلاة يجهر فيها بالقراءة، ثُمَّ يتم الحمد(2) وسورة بعدها.
[الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم]
قلت: فإن لم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، هل يعيد الصلاة؟
__________
(1) ـ وأصح (ب).
(2) ـ ثُمَّ الحمد، نسخة.

(1/30)


قال: قد قال غيرنا: إنَّه لا يعيد، ولا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأما علماء آل الرسول وقولي أنا: فيعيد الصلاة؛ لأنَّه قد ترك ما أمر الله به نبيَّه محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: وأين أمر الله محمداً بالجهر ببسم الله الرحمن الرحيم؟
قال: قوله لنبيه: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}[ ]، وقوله أيضاً: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه}[ ]، فقوله: {أَذِنَ} أي: أمر، ثُمَّ وكد مع أمره له بتظليم من منع الجهر في مساجده، فقال: {ومن أظلم ممَّن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه}[ ]، فذلك كله تأكيد من الله بالجهر باسمه لعلمه تبارك وتعالى بمن يخالف أمره، ثُمَّ جعل ذلك مكرراً في أم الكتاب الَّتِي أنزلها الله على نبيه، فقال: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني}[ ]، وهي أم الكتاب، فأولها: بسم الله الرحمن الرحيم، ثُمَّ جعل من بعد أول السورة تكريراً لعلمه بمنابذة المنابذين لاسمه وإخفائه، فقال بعد اسمه: {الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم}[ ]، هو نصف الجهر ولم يخف الذي أخفى، إلاَّ اسم الله الذي أمر الله نبيه أن يقرأه، وظلم من منع الجهر به في المساجد، فمن ادعى من المخالفين أنَّه إنَّما أخفى بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن النبي أخفاها، قلنا له: أحلت ورويت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه فعل غير ما أمره الله به إذ قال له: {اقرأ باسم ربك}[ ]، وكيف يخفي عليكم صلى الله عليه وآله وسلم ما وكد الله عز وجل في إظهاره في السورة الَّتِي هي أم الكتاب مرتين، فلو كان صلى الله عليه وآله وسلم أمر بإخفائها كما ادعيت أيها المدعي ورويت من الزور لإخفاء: الرحمن الرحيم، بعد قراءته: {الحمد لله رب العالمين}، وكيف يفعل ذلك صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أمره الله به أمراً، وكذلك لو فعلت أنت أيها المدعي من الإخفاء إذا قرأت الحمد لله رب العالمين، فأخفيت الرحمن الرحيم ولم تجهر بها ظاهراً إذا كنت في مثل صلاة

(1/31)


الفجر أو مثل صلاة الليل، لأكفرك أهل مقالتك ولأبطلوا صلاتك؛ لأن الأمة أجمعت كلها من جهر منها، ومن لم يجهر أنَّه لا بد من قراءة الحمد في الصلاة، وكلهم فأجمعوا(1) إذا قام المصلي فجهر أو أخفى فابتدأ: بـ{الحمد لله رب العالمين}، لم يكن له بعد من إظهار: {الرحمن الرحيم}، وهو بعض الجهر فلم يترك منه إلاَّ باسم الله الذي أمر الله به نبيَّه أن يقرأه نصاً، فتدبر ما قلنا في ذلك، وأنصف فيه عقلك، ولا تركب فيه هواك، ولا قول من تقلده دينك فيضلك عن سواء السبيل، ولقد علمت إن كنت ممَّن قد روى الأخبار أن الأمة روت بأجمعها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <ما كنت أعرف آخر هذه السورة من أول الأخرى حتَّى ينزل(2) عليَّ جبريل ببسم الله اللرحمن الرحيم>، وكذلك ما أجمعت عليه الأمة عن عائشة، أنَّها قالت: اختلس الشيطان من الناس أعظم آية في كتاب الله وهي: {بسم الله الرحمن الرحيم}، وفي ذلك من الروايات ما يكثر، وفي أقل مما شرحنا وبينا في إيجاب الجهر كفاية لك إن شاء الله.
قلت: قد فهمت ما شرحت من أمر الجهر، وثبت عندي، فإن الرجل افتتح وكبر وقرأ الحمد لله وسورة ثُمَّ ركع، هل يفرج أصابعه على ركبتيه أو يضمها؟
قال: يفرجها قليلاً، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: فكم يسبح وهو راكع؟
قال: قد قيل في ذلك بأقاويل، من العشر التسبيحات إلى الثلاث.
قلت: فالذي تستحب أنت في ذلك؟
قال: ما هو، قال: خمس أو ثلاث، ففيها كفاية.
قلت: فكيف تسبح؟
قال: (سبحان الله العظيم وبحمده) في الركوع.
قلت: فإن العامة كلها قد روت: (سبحان ربي العظيم) في الركوع؟
قال: قد رووا ذلك، وفيه لو قال قائل من الملحدين قولاً يلحد فيه لشبه على الجهال.
قلت: وكيف ذلك؟
__________
(1) ـ قد أجمعوا (ب).
(2) ـ نزل (ب).

(1/32)


قال: لأن العرب تجيز في لغتها ربَّ الدار وربّ المصر، تريد بذلك رئيس الدار ورجلها وأمير المصر، فلما علمنا ذلك أخذنا بقول أمير المؤمنين في التسبيح في الركوع والسجود، الذي رواه علي بن رجاء، عن الحسن بن الحسين العرني، عن علي بن القاسم الكندي، عن محمد بن عبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن أبيه عن جده، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، أنَّه كان يقول في ركوعه: (سبحان الله العظيم وبحمده)، وفي سجوده: (سبحان الله الأعلى وبحمده)، وهذا الاسم لا يشاركه فيه أحد من المخلوقين؛ لأنَّه قال: (هل تعلم له سميّاً)، أي هل يسمى الله إلاَّ الله عز وجل، فاخترنا هذا؛ لأنَّه ليس لملحد فيه قول ولا تشبيه.
قلت: قد فهمت شرح هذا فإن نقَّص الرجل من الثلاث تسبيحات، هل يجوز له؟
قال: لا، وقد قال غيرنا: إنَّه يجزيه، ولكنَّا نقول: أقل ما يسبح في الركوع والسجود ثلاثاً ثلاثاً، وكذلك أقل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التسبيح: ثلاث، إلاَّ أن يكون الرجل ناسياً.
قلت: فإن تعمد ذلك متعمد؟
قال: لا يخلو تعمده من أحد وجهين: إما أن يكون راغباً عمَّا أُجمع عليه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون ذلك مبطلاً لصلاته إذا كان ترك ما أتى به محمد متعمداً، أو الوجه الآخر وهو السهو.
قلت: فإنه رفع رأسه من ركوعه، فقال: سمع الله لمن حمده، هل يقول بعد ذلك: ربنا لك الحمد؟
قال: أما إذا كان يصلي وحده أجزاه أن يقول: سمع الله لمن حمده، لا غير، ويخرُّ ساجداً، وأما إذا كان مع الإمام، فقال الإمام عند رفع رأسه: سمع الله لمن حمده، قال هو: ربنا لك الحمد.
قلت: فإذا خرَّ ساجداً، هل يبدأ بركبتيه على الأرض قبل يديه، أم يضع يديه قبل ركبتيه؟
قال: يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه؛ لأن وضع الركب فعل البهائم؛ لأنها ترمي بركبها على الأرض.
قلت: فبأي شيء يبدأ الرجل إذا خر ساجداً على الأرض، بجبهته أم بأنفه؟

(1/33)


قال: بجبهته، ويضع أيضاً أنفه على الأرض مع جبهته.
قلت: فإن لم يضع أنفه على الأرض مع جبهته، هل يجوز ذلك؟
قال: قد قال غيرنا: إنَّه جائز، وأما نحن فنحب أن يمكن جبهته مع أنفه على الأرض.
قلت: فإذا مكن جبهته وأنفه وبسط يديه، أين يكونان؟
قال: بحذا خديه.
قلت: فيفرج أصابعه في سجوده أم يضمها؟
قال: يضمها أحب إليَّ.
قلت: فيخرج مرفقيه ويتفجج إذا كان ساجداً أم يتضمم؟
قال: أما الرجال فيتفججون شيئاً يسيراً، ويخرجون مرافقهم، ويمدون أصلابهم في سجودهم، وأما النساء فيتضممن.
قلت: فإذا رفع رأسه من سجوده، هل يقول بين السجدتين شيئاً؟
قال: قد قال غيرنا في ذلك أقاويل، وأما علماء آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقولي أنا فلا أرى أن يقول المصلي إذا رفع رأسه من ركوعه إلاَّ (سمع الله لمن حمده)، ويخر ساجداً، وكذلك إذا رفع رأسه من سجوده قال: الله أكبر، ثُمَّ خر ساجداً لا يقول غير ذلك.
قلت: فإذا وثب يريد القيام، هل يعتمد على يديه أم يضعهما على ركبتيه ويقوم؟
قال: وكذلك أيضاً، إذا أراد القيام من سجوده اعتمد على يديه لقيامه.
قلت: وكذلك أيضاً، إذا قرأ الحمد وختمها، هل يقول آمين؟
قال: لا، ومن قالها فقد تكلم في صلاته؛ لأن آمين كلمة من الكلام، وليست من القرآن.
قلت: فإنه لما صلى الركعة الثانية وأراد الجلوس في آخرها سها فقام فلم يجلس حتَّى استوى قائماً.
قال: إن كان لم يبتدئ في قراءته ويمضي في صلاته جلس وتشهد، وإن كان قد مضى في بعض القراءة أو بعض الصلاة مضى في صلاته حتَّى يتمها، ثُمَّ يسجد سجدتي السهو.
قلت: وكيف يتشهد في الأولتين؟
قال: يقول في الأولتين: (بسم الله، وبالله، والحمد لله، والأسماء الحسنى، كلها لله، أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).
قلت: فكيف يتشهد في الأخرتين؟

(1/34)


قال: مثل تشهده في الأولتين، فإذا قال: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، ثُمَّ يسلم.
قلت: فإن قال: التحيات لله والصلوات والطيبات، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله، ويتم التشهد؟
قال: لا بأس بذلك، وأحب إلينا أن يتشهد بما قلنا به أولاً، وهو قول زيد بن علي رضي الله عنه.
قلت: فيسجد سجدتي السهو قبل التسليم، أم بعد التسليم؟
قال: بعد التسليم.
قلت: فإنه سجد سجدتي السهو قبل التسليم، ما يعمل؟
قال: بطلت صلاته، ويبتدئ الصلاة من أولها.
قلت: ولأي علة بطلت صلاته، وقد رويت في ذلك روايات في سجدتي السهو قبل التسليم؟
قال: لم يصح ذلك عندنا، ولا هو مما يوجبه العقل.
قلت: بيِّن لي ذلك أنَّ سجدتي السهو لا يكونان قبل التسليم، وأن صلاة الذي يفعل ذلك باطلة؟
قال: نعم، أليس قد أجمعت الأمة كلها أن التكبيرة الأولى تحريم الصلاة، وأن التسليم تحليل الصلاة؟
قلت: بلى.
قال: فمن زاد شيئاً في الصلاة ليس منها ما بين تحريمها إلى تحليلها، أليس قد أبطل صلاته؟
قلت: بلى، لا شك في ذلك.
قال: أفلا ترى أن هذا الذي سجد سجدتي السهو قبل التسليم، الذي هو التحليل، أليس قد زاد فيها ما ليس منها، ولم يحل له بعد ما عمل؛ لأنَّه بعد في تحريم الصلاة، فافهم ما قلت في هذا الباب.
قلت: قد فهمت. فإن الرجل كان قد وجبت عليه سجدتا السهو، فلما سلم سها، فقام ومضى ولم يسجد، ثُمَّ ذكر أنَّه لم يسجد، ما يعمل؟
قال: يعود إلى مصلاه فيسجد سجدتي السهو.
قلت: فإن لم يقدر على مصلاه، أو كان قد أبعد عنه؟
قال: يسجد في موضعه حيث ذكر، وذلك مجز له.
قلت: فإن كان قد تكلم واشتغل عن معنى الصلاة بتجارة أو كلام، ما يعمل؟
قال: يسجدهما عند ذكره لهما، وليس ذلك بناقض للصلاة، وذلك أنهما جعلتا إرغاماً للشيطان، ولم تجعلا إتماماً للصلاة ولا نقصاناً.

(1/35)


قلت: فإن كان الرجل خلف الإمام، وقد صلى معه المغرب وقد فاتته ركعة فجلس معه في الثانية والثالثة ثُمَّ كان على الإمام سهو، هل يسجد معه سجدتي السهو إذا سلم الإمام وسجد، أم يقوم فيقضي ويسجد هو بعد ذلك؟
قال: لا يسجد مع الإمام سجدتي السهو؛ لأنَّه لا يجوز له أن يسجد سجدتي السهو حتَّى يسلم، فإذا سلم الإمام قام فقضى ما كان عليه من باقي الصلاة، ثُمَّ يسجد سجدتي السهو.
قلت فإن سها الرجل وهو خلف الإمام حتَّى يذهب به السهو عما فيه الإمام من الصلاة، ولم يكن على الإمام سهو، هل عليه هو إذا سلم الإمام وانصرف أن يسجد هو سجدتي السهو لسهوه؟
قال: قد قال غيرنا: إنَّه إذا كان مع الإمام وأصابه السهو ولم يكن على الإمام سهو لا يسجد؛ لأنَّه مع الإمام وصلاته معقودة بصلاته، وأما قولي أنا فأُحِبُّ له إذا سها وهو خلف الإمام حتَّى لم يعلم ما قرأ الإمام ولا ما هو فيه سجد سجدتي السهو لفعله، واستغفر الله من ذنبه، ولم يعد إلى ما فعله من ذلك.
قلت: فإنه أدرك الإمام وهو راكع، كيف يعمل؟
قال: يكبر تكبيرة وهو قائم مُستوٍ، ثُمَّ يكبر ويركع وهو قد تمت صلاته.
قلت: فإنه كان يصلي لنفسه فسها في صلاته فلم يدر أصلَّى ركعتين أم ثلاثاً، ما يفعل؟
قال: ينظر إلى ما تيقن من ذلك، فإن كان أقرب يقينه إلى الركعتين بنَى عليهما، فإن كان إلى الثلاث بنى عليها.
قلت: فإن شك في ذلك ولم يدر أي ذلك صلَّى؟
قال: يستأنف الصلاة من أولها.
قلت: ولِمَ ذلك، وقد روي أنَّه يبني على أقل العددين؟
قال: أرأيت إذا بنى على أقل العددين وهو لا يتيقن ذلك يقيناً، أليس قد صلى على شك منه، إما كان ثلاثاً إن كان في الفجر، وإما خمساً إن كان في الظهر أو العصر، وفي كل ذلك فهو لا يدري أي ذلك صلى، أثلاثاً أو خمساً، هل تصح لهذا صلاة وقد خالف أمر الله؟
قلت: وكيف خالف أمر الله؟

(1/36)


قال: لقول الله تبارك وتعالى: {حافظوا على الصلوات}، وإنَّما معناها حافظوا على الصلوات الَّتِي أنزلت على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما نزل بها جبريل من عند الله، لا يزيدون فيها ولا ينقصون منها، فمن شك في أنَّه قد زاد فيها أو نقص منها أمرناه بإعادتها من أولها.
قلت: فإن الرجل لما قضى الصلاة فكر فقال في نفسه، قال: قد قصرت في بعض السجود أو الركوع، وهو متيقن أنَّه قد صلى أربع ركعات، هل يعيد الصلاة؟
قال: قد قال غيرنا: إنَّه لا يعيد، أما أنا فأرى أنَّه لا يضره بل الإعادة أحب إليَّ.
قلت: وكذلك أيضاً لو صلى وحده لنفسه، ثُمَّ مضى فنظر إلى رجل يصلي بالناس وهو يرضى به، هل يعيد الصلاة مع الجماعة ويعتقدها فريضة، ويرفض الأولى؟
قال: نعم، وما يضره من ذلك، وقد كرهه غيرنا، ولم يلتفت إلى قوله، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، أنَّه دخل وصلى بالناس، ورجل جالس في المسجد لم يصل معهم، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعاه فسأله عن أمره فقال: صليت يا رسول الله قبل أن تدخلوا، فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان مثل ذلك أن يصلي مع إمامه صلاة مبتدأة ولا يعتد بالأولى.
قلت: فإن الرجل لما صلى وجلس في الثانية سها، فسلم تسليمتين عن اليمين وعن الشمال وهو جالس لم يتكلم، هل يجزيه أن يقوم فيبني على ما صلَّى؟
قال: قد قال غيرنا: إنَّه(1) يجوز، وأما علماء آل الرسول وقولي أنا: فلا أرى ذلك، وأُوجِبُ عليه أن يستأنف الصلاة من أولها.
قلت: ولأيِّ علةٍ ذلك؟
قال: لأنهم أجمعوا جميعاً أن التكبير تحريم الصلاة، وأن التسليم تحليلها، فلما سلم هذا كان قد أحل صلاته فليس يجزيه إلاَّ أن يستأنفها استئنافاً.
قلت: فإن الرجل لم يسلم تسليمتين، ولكنه سلم واحدة، هل يجزيه أن يقوم فيبني على الركعتين الأولتين؟
__________
(1) ـ وقد قال غيرنا يجزيه (ب).

(1/37)


قال: نعم؛ لأن التسليمة الواحدة لم تحل الصلاة، ولا تحل الصلاة إلاَّ تسليمتان عن اليمين وعن الشمال.
قلت: فإذا فرغ هذا من صلاته، هل يسجد سجدتي السهو؟
قال: نعم؛ لأنَّه قد سها فسلَّم واحدة.
قلت: فصف لي الصلاة الَّتِي إذا صلاَّها الرجل أجزته؟
قال: نعم، ينبغي للمصلي قبل أن يصلي أن يعرف الموضع الذي وقف فيه.
قلت: فكيف يعرف ذلك، وأي موضع هو؟
قال: أعظم المواضع وأجلها أن يكون العبد بين يدي الله تبارك وتعالى، فينبغي له أن يعظم ذلك الموقف(1)، ويجمع همَّه حتَّى يصيره همَّاً واحداً في قيامه لصلاته والمحافظة عليها والخشوع فيها، ولا يلهو عنها بغيرها، فإذا قام وتوجه استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ثُمَّ افتتح كما شرحنا في صدر كتابنا، ثُمَّ كبر فقال: (الله أكبر)، ثُمَّ ابتدأ فقرأ الحمد وسورة، ثُمَّ وضع يديه على ركبتيه راكعاً ومدَّ ظهره حتَّى يستوي، ثُمَّ يسبح كما ذكرنا، ثُمَّ يرفع رأسه رفعاً حتَّى ينتصب قائماً وترجع مفاصله، ثُمَّ يخر ساجداً بتثبت، فيبسط يديه بسطاً، وكذلك جبهته وأنفه ويخرج مرفقيه ويتفجج ويسبح كما ذكرنا، ثُمَّ يرفع رأسه من سجوده ويتثبت حتَّى يرجع مفاصله ويستوي، ثُمَّ يعود فيسجد، وهو مع ذلك إذا انحط راكعاً كبر، وإذا رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده، وإذا خر ساجداً قال: الله أكبر، وكذلك إذا رفع بين السجدتين كبر، وكذلك في كل صلاته، فعلى هذا المثال يفعل، فإنَّ هذه صلاة تامة مجزية لا بالقصيرة ولا بالطويلة.
قلت: فإنه نسي بعض التكبير؟
قال: يسجد سجدتي السهو وصلاته تامة.
قلت: فإنه سها عن التكبير كله؟
قال: إذا لم يكبر في صلاته أصلاً فصلاته باطلة، وعليه إعادة الصلاة.
قلت: وكذلك لو قرأ الحمد وحدها؟
قال: قد قال غيرنا: إن صلاته تامة، وأما نحن فنقول: يستأنف الصلاة.
قلت: ولِمَ وقد روي أن القرآن كله مُجْزٍ مَا كَانَ ثلاث آياتٍ؟
__________
(1) ـ الموضع (ب).

(1/38)


قال: قد روي في ذلك روايات، والذي صح عندنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <أقلَّ ما يجزي في الصلاة أُمّ الكتاب وثلاث آيات معها>.
قلت: فإن كانت الثلاث آيات من وسط السورة؟
قال: مُجْزٍ.
قلت: فإنه صلى صلاته كلها بأُمِّ الكتاب وقل هو الله أحد، هل تجزيه؟
قال: نعم.
قلت: فإنه قرأ في صلاته الحمد وسورتين قصيرتين، هل يجوز(1) له ذلك؟
قال: نعم.
قلت: فهل يجوز أن يصلي مصل ويقرأ في صلاته الحمد وقل أعوذ برب الناس وقل أعوذ برب الفلق، هل يجزيه ذلك؟
قال: نعم، هما من القرآن وقد كذبت هذه الحشوية فيهما على الله وعلى رسوله ما لا يجوز ذكره ولا يحل القول به، فقالوا: ليستا من القرآن.
قلت: فإن قرأ في صلاته عشر آيات من سورة ولم يقرأ الحمد، هل تجزيه صلاته؟
قال: لا.
قلت: لِمَ؟
قال: لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <كل صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج>.
قلت: فهل يقرأ الرجل في الركعتين الآخرتين من الظهر والعصر والعتمة والثالثة من المغرب، بالحمد، أم يسبح؟
قال: كل ذلك عندنا جائز، والتسبيح أحب إلينا، وقد روي التسبيح عن علي بن أبي طالب عليه السلام، وروى علي، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه كان يقرأ في الأولتين من الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويسبح في الآخرتين، وإن قرأ الحمد فلا بأس بذلك.
قلت: فإن الرجل لمَّا قام يصلي فكبر ومضى في صلاته مر بين يديه أعمى يتكمه وبين يديه بئر فخاف الرجل أن يسقط فيها وهو قريب منه، هل يمضي وهو في صلاته فينجي الأعمى عن البئر ويرشده إلى الطريق ثُمَّ يعود إلى صلاته فيبني على ما مضى منها، وكذلك إن مرت بين يديه عقرب أو حية فخاف أن يلسعه أو تلسع غيره، هل يتقدم بين يديه فيقتلها، وكذلك لو كانت عن يمينه أو عن شماله(2) ثُمَّ يرجع إلى صلاته فيبني على ما مضى منها؟
__________
(1) ـ يجزيه: نسخة.
(2) ـ يساره (ب).

(1/39)


قال: قد قال غيرنا إن ذلك جائز، وأما علماء آل الرسول، وقولي أنا فلا أرى أن يفعل المصلي من ذلك شيئاً.
قلت: فهل يترك الأعمى يقع في البئر، والعقرب أو الحية يلسعان الناس؟
قال: لا، ولكنه يقطع صلاته ويقتلهما، وكذلك يهدي الأعمى إلى الطريق، ثُمَّ يرجع فيبتدئ صلاته استئنافاً.
قلت: فإن فعل ذلك فاعل ثُمَّ رجع إلى صلاته فبنى على ما مضى، هل تبطل صلاته؟
قال: نعم.
قلت: ولِمَ وقد جاءت في ذلك روايات؟
قال: لم تصح الرواية في ذلك لما ضادَّت الكتاب.
قلت: ومن أين ضادت هذه الرواية الكتاب؟
قال: من قول الله سبحانه: {حافظوا على الصلوات}، والمحافظة على الصلوات ألاَّ يعمل فيها عمل ليس منها، وأن لا يشتغل بشغل غير شغلها، ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه: {الذين هم في صلاتهم خاشعون}[ ]، ومن فعل شيئاً من ذلك فلم يخشع، وليس الخشوع بالقلب دون الجوارح، الخشوعُ بالكل، ومن اشتغلت جوارحه بغير الصلاة فلم تخشع له جارحة ولا قلب، ومن لم يخشع قلبه وجوارحه فلم تتم صلاته، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه نظر إلى رجل يعبث بلحيته وهو في الصلاة فقال: <لو خشع قلب هذا الرجل لخشعت جوارحه>.
قلت: فإن الرجل قام يصلي وهو ممَّن يكثر السهو ويخاف أن يسهو، هل يعُدُّ الركوع والسجود بخاتمه يجوله في أصابعه؟
قال: ذلك جائز، هو من المحافظة على الصلاة.
قلت: وكذلك لو وضع قبل التكبير حصى، فكلما ركع ركعة أو سجد سجدة حوَّل(1) واحدةً ليعرف بذلك ما يصلي؟
قال: وهذا أيضاً جائز.
قلت: وكذلك لو أن الرجل لما قام يصلي فكلما ركع أو سجد خطَّ بإصبعه خطّاً ليعرف به عدد الصلاة؟
قال: ذلك أيضاً جائز.
قلت: أفليس هذه أعمالاً، وقد ذكرت أن العمل يقطع الصلاة؟
__________
(1) ـ حول بالمهملة، نسخة.

(1/40)


قال: إنَّما قلت: إن كل عمل ليس من عمل الصلاة فهو يقطعها ويبطلها، وأما هذه الأعمال فهي مما يحفظ الصلاة ويقيمها في عددها وركوعها وسجودها، فهذا العمل من صلاح الصلاة لا من فسادها، والمحافظة عليها والتأني لإقامتها إذا احتاج إلى ذلك ولم يجد منه بداً لما يخشى من عوارض الشك ووسوسة الشيطان، ومن ابتلي بشيء من ذلك فالواجب عليه أن يستعمل كل ما ذكرنا مما يزيل عنه وسواس(1) الشيطان، ويثبت له ما قصد بصلاته من طاعة الرحمن.
قلت: فهل يجوز للرجل أن يُسَوِّي رداءه في صلاته إذا وقع عن كتفيه؟
قال: نعم.
قلت: فهل يضع الرجل يده على فمه إذا تثاءب في الصلاة؟
قال: ما أحب ذلك، إلاَّ أن يخاف صاحبه ضرراً.
قلت: فإذا سجد الرجل، هل يسوِّي الحصا بيديه لموضع سجوده؟
قال: إن كان كَبَّرَ ولم يسوِّ الحصا بين يديه ثُمَّ نظر بعد ذلك فإذا الحصا الذي بين يديه ليس بمستوٍ سوَّاه ولم يضره؛ لأنَّه أيضاً من عمل الصلاة ولا يعمل ذلك من غير حاجة، وإنَّما أجزناه له؛ لأن الحصا إذا تفاوت لم تستو جبهته ولا أنفه على الأرض، فأمرناه بتسويته ليتم له ما أمره الله به.
قلت: فإن الرجل لما قام في صلاته مَرَّ بين يديه كلب أو سنَّور أو حمار أو ما أشبه ذلك من الدواب أو مرت حائض أو ولد زنى معروف، هل يقطع شيء من ذلك الصلاة؟
قال: لا يقطع الصلاة عندنا شيء من ذلك، وقد قال غيرنا: إنَّه يقطع الصلاة، ولسنا نلتفت إلى شيء من قولهم.
قلت: فَلِمَ؟
قال: لأن الله تبارك وتعالى أقرب إلى العبد مما يمر بين يديه؛ لقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}[ ].
قلت: فإن قام المصلي في فضاء من الأرض، هل يجزيه أن يصلي وإن لم يضع بين يديه شيئاً؟
قال: أحب إليَّ أن يضع بين يديه مثل مقدمة الرجل، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: فإن لم يضع ذلك؟
قال: بأحجارٍ نظافٍ(2) يصُفّها بين يديه.
__________
(1) ـ وساوس (ب).
(2) ـ قال بأحجار نظاف يضعها بين يديه (ب).

(1/41)


قلت: فإن لم يفعل ذلك؟
قال: فيخط بين يديه خطاً؟
قلت: فإن لم يفعل؟
قال: يجزيه ذلك.
قلت: فإن رجلاً قام يصلي وفي لبته(1) دراهم أو دنانير أو حجارة أو طين أو قوارير أو ما أشبه ذلك؟
قال: إذا لم يعلم أن في ذلك قذراً فلا بأس به.
قلت: فإن رجلاً صلى صلاة تامة حتَّى إذا جلس في الرابعة الَّتِي يجب فيها التسليم فاستوى جالساً رعف قبل أن يتشهد؟
قال: يعيد الصلاة.
قلت:فإن تشهد ثُمَّ رعف أو أحدث حدثاً قبل أن يسلم؟
قال: يعيد الصلاة.
قلت: فقد روي عن ابن مسعود وغيره أن المصلي إذا استوى في آخر صلاته قدر التشهد فقد تمت صلاته، وإن لم يسلم؟
قال: هذه الرواية الَّتِي رووها تنقض عليهم إجماعهم الذي أجمعوا عليه.
قلت: وكيف ذلك؟
قال: لأنهم أجمعوا جميعاً أن تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم، ثُمَّ زعموا أن من لم يسلم فقد تمت صلاته، وفي هذا ما ينقض قولهم من قولهم، وكذلك أيضاً قولنا؟
قلت: وكذلك إذا سها المصلي، ثُمَّ كان أقرب يقينه أنَّه قد صلى أربعاً فانصرف، ثُمَّ ذكر بعد ذلك أنَّه صلى خمساً؟
قال: قد أجملت لك هذا الباب كله جملةً واحدة في الصلاة، أن المصلي إذا لم يعلم علماً يقيناً ما صلى أعاد الصلا، وإذا علم أنَّه قد نقص أو زاد أعاد الصلاة، وكذلك إن عمل في الصلاة شيئاً ليس من عملها والمحافظة عليها من لدن تحريمها إلى لدن تحليلها أو حدث به رعاف أو سيل نثرة أو شيء من هذه المعاني أعاد الصلاة من ذلك كله، فاكتف بذلك في هذا الباب.
قلت: فإن رجلاً جُنَّ عشرة أيام ثُمَّ أفاق بعد ذلك، هل يعيد الصلاة؟
قال: لا؛ لأنَّه قد اعتلَّ عِلَّةً زال بها ما كان عليه من فرض الصلاة.
قلت: وَلِمَ؟
قال: لأن الاستطاعة للصلاة زالت فزال عنه الفرض، فلما أفاق عادت الاستطاعة، فعاد الفرض.
قلت: فكيف وجب عليه إعادة الصوم ولم يجب عليه إعادة الصلاة؟
__________
(1) ـ لبسته (ب).

(1/42)


قال: لقول الله سبحانه: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر}[ ]، ولم يذكر إعادة الصلاة بعد المرض كما ذكر إعادة الصوم، وكذلك أجمعوا جميعاً أن المغمى عليه لو مكث شهراً أو أقل أو أكثر لم يُعِدْ من الصلاة إلاَّ لليوم الذي أفاق فيه، فإن أفاق وقد بقي من الشمس قدر ما يصلي ركعة من عصره قضى صلاة يومه ذلك، وكذلك إن أدرك من ليلته مقدار ما يصلي ركعة من العتمة قبل طلوع الفجر قَضى صلاة ليلته تلك ولم يعد صلاة اليوم، فهذا إجماعهم.
قلت: فإن أقام هذا المجنون عشر سنين مجنوناً أو أكثر أو أقل، لم يصم في شيء منها، ثُمَّ برأ، ما يلزمه؟
قال: يلزمه أن يقضي جميع ما أفطر من الشهور الَّتِي أوجب الله عليه صيامها، وهي شهر في كل سنةٍ وهو رمضان {الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}[ ].
قلت: ولِمَ لزمه هذا كله؟
قال: لأنَّه كان مريضاً، فأفطر في حال مرضه فوجب عليه القضاء.
قلت: وكذلك لو أنَّه مرض مرضاً ولم يغم عليه، ولكنه لم يقدر يصلي وعقله ثابت؟
قال: وكذلك أيضاً لا يعيد؛ لأنَّه لم يستطع، وكذلك كل من كان في علة لم يقدر على الصلاة بحيلةٍ لم يُعِدْها إذا زال وقت تلك الصلاة.
قلت: فإن كان يستطيع وهو مريض فنسيها أو تغافل عنها حتَّى ترك ذلك عشرة أيام أو أكثر من ذلك أو أقل؟
قال: إذا لم يتركها استحلالاً وكفراً أعادها.
قلت: كيف يعيدها، مع كل صلاة صلاة، أم في وقت واحد؟
قال: قد قال غيرنا: إنَّه يعيد مع كل صلاة صلاة، فأما أنا فقولي وقول علماء آل الرسول عليه وعليهم السلام: أنَّ كل ذلك مجزٍ له، إن أعاد مع كل صلاة صلاة ونوى(1) أنَّها لما تقدم من نسيانه، أو صلاَّها في يوم واحد في موضع واحد إذا قدّم النية لكل صلاةٍ الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، جاز له ذلك.
قلت: فهل يعيد مع ذلك النوافل؟
قال: لا، إلاَّ أن يحب ذلك.
__________
(1) ـ ونواها، نسخة.

(1/43)


قلت: فإنه في صحته ترك النوافل عمداً ولم يصل إلاَّ الفرض، هل يعيد النوافل؟
قال: قد قدمنا جواب ذلك أنَّه لا يعيد، ويلزمه الخطأ والأدب إذا تعمد ذلك، وتركه استخفافاً.
قلت: فأقل ما يتنفل به الرجل، ماهو؟
قال: ركعتا الفجر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وثلاث ركعات (الوتر).
قلت: فهل توقت في النوافل بعد هذا شيئاً؟
قال: أما علماء آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم وقولي أنا: فلا نوقت في النوافل وقتاً؛ لأنها خير موضوع، فمن شاء أقل منه ومن شاء أكثر، وقد وقت في ذلك أصحاب الإمامة في اليوم والليلة إحدى وخمسين ركعة النوافل وكذا الفرائض، ومن نقص من ذلك عندهم شيئاً فقد نقص الصلاة، ولم يلتفت إلى قولهم في ذلك.
قلت: فإن الرجل يتنفل في يومه وليلته بمائة ركعة، ثُمَّ نقَّص من بعد ذلك فتنفل بخمسين ركعة، وكذلك يزيد يوماً وينقص يوماً؟
قال: ذلك حسن جميل لا ينهض نفسه فيما لا يطيق وتضعف نيته، ولكنه يعمل في ذلك على قدر ما يمكنه.
قلت: فإن رجلاً صلى بالناس على سطح بيت أو في مسجد مغلق ومعه جماعة وفي الأرض قوم يأتمُّون به ويصلون معه، وكذلك لو كان الإمام أسفل على الأرض ومعه جماعة وقوم آخرون على سطح بيت يأتمون به ويصلون معه جماعة؟
قال: قد أجاز ذلك غيرنا، وأما أنا فأكره ذلك وأحب إليَّ أن يكون الإمام وكل من يصلي بصلاته أسفل، إذا كان الإمام أسفل، وإذا كان فوق سطح كانوا معه فوق سطح.
قلت: فإن الإمام كان فوقهم وهم أسفل، هل يعيدون الصلاة؟
قال: نعم.
قلت: فإن رجلاً صلى بالناس وهو جنب ناسياً أو صلى بهم على غير وضوء ناسياً، ما يعمل؟
قال: قد روي في ذلك عن عمر أنَّه قال: يجزيه أن يعيد هو وحده ولا يعيد من صلى معه، وروي عن علي بن أبي طالب أنَّه قال: (إذا صلى الإمام بالناس وهو جنب أو على غير وضوء أعاد وأعادوا جميعاً)، وهو قولي وقول علماء آل الرسول عليهم السلام.
قلت: فكيف يعمل الإمام وقد تفرق الناس؟

(1/44)


قال: يعلمهم كل ما صلى ويقول: إني قد صليت يوم كذا وكذا الفجر أو الظهر أو الصلاة الَّتِي صلاها، فمن صلاها معي فليعد الصلاة ويعلم الشاهد منكم الغائب.
قلت: هل تجوز الصلاة في جوف الكعبة؟
قال: قد كرَّه ذلك قوم، وما الصلاة إلى جدرها في جوفها إلاَّ كالصلاة إلى جدرها من خارجها، وإنَّما كره ذلك من كرهه؛ لأنَّه أحب أن يكون الكعبة كلها بين يديه، ولا يكون وراءه منها شيء، والقليل منها والكثير يجزي إذا كان وجه المصلي إليها كما أمره الله، ألا تسمع كيف ذكر الله الصلاة إلى البعض كما ذكر الصلاة إلى الكل حيث يقول: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}[ ]، يريد جانباً منه حيث وليتم من الجوانب، وكان تجاهكم من نواحي الكعبة أي ناحية كانت أجزت، ولو كان فرضاً أن يكون كلها أمامه، لم تتم صلاة مصل صلى إلى بعضها دون بعض، ولمَا تمت لمصل صلاة إلاَّ أن المصلي إليها لا يقدر أن يجعلها كلها بين عينيه، ولا بد أن يكون بين عينيه وتجاه وجهه منها جانب، وليس الصلاة إلى جانب منها في جوفها إلاَّ كالتوجه خارجاً منها إلى بعضها، ولا بد أن يكون عن يمين المصلي إليها بعضها وعن شماله بعضها، وليس كينونة بعضها عن يمينه وعن(1) شماله إلاَّ ككينونة بعضها من ورائه.
قلت: فإن الإمام صلى بالناس بمكة في المسجد الحرام فقام عند مقام إبراهيم وصف الناس بالمسجد حلقة، هل يجوز ذلك وإن كان بعضهم مقابلاً له؟
__________
(1) ـ عن يمينه ويساره (ب).

(1/45)


فقال: قد رأينا الناس يصلون حلقاً من حوالي الكعبة والإمام وراء المقام فنمهم من هو مواجه له، ومنهم من الكعبة بينهم وبينه، وهم على ذلك قديماً وحديثاً، ولسنا نرى ذلك ولا نحبه ولا نجيزه، ولا الصلاة إلاَّ من وراء الإمام عن يمينه أو عن يساره، والقول عندنا أن تنقض تلك الحلق كلها ويصفون وراء الإمام صفوفاً صفاً من وراء صف حتَّى يكونوا به مؤتمين ويكون لهم إماماً، وإذا لم يكن أمامهم ويكونوا وراءه لم يصح له اسم إمامتهم ولم يصح لهم اسم الائتمام به وليس من قابل وجوه الناس لهم بإمام، إذ ليس هو متقدماً لهم وهم متأخرون عنه؛ لأن كلهم متوجه إليها مستقبل لجانب منها.
قلت: فإن الإمام في جوف الكعبة وأراد أن يصلي بالناس وهم في المسجد الحرام حول البيت، هل يجوز ذلك؟
قال: قد تقدم قولنا فيمن صلى بناس وهو فوقهم؛ لأن الكعبة عالية والمسجد خافظ.
قلت: فهل يجوز لأحد أن يصلي فوق الكعبة؟
قال: لا أحب ذلك له ولا أراه؛ لأنَّه لم يتوجه إلى شيء من جدرها ولم يجعل قبلته شيئاً منها.
قلت: فإن الإمام قام عند مقام إبراهيم وصف الناس خلفه حول البيت وصف النساء بين صفوف الرجال، هل يفسد بذلك صلاة من يقاربهن من خلفهن؟
قال: نعم، ولا يجوز أن يكون النساء إلاَّ من وراء الرجال كلهم، ومن فعل ذلك فقد أخطأ.
قلت: وكذلك لو أن الإمام وقف في المسجد خلف مقام إبراهيم وامتلأ المسجد فوقف بين يديه صفاً وصفان ما بين مقام إبراهيم والكعبة وهم يأتمون به، من الذي يفسد صلاته منهم؟
قال: من كان تجاه وجهه، فأما من كان زائغاً عن وجهه يميناً أو شمالاً فلا بأس ـ عند الضرورة ـ بصلاتهم.
قلت: فإن رجلاً لم يجد الماء ولا الصعيد، هل يصلي بغير طهور؟
قال: نعم إذا عدم الماء والصعيد صلى ولم يترك الصلاة.
قلت: فهل يعيدها إذا وجد الماء؟
قال: إذا كان في وقت من تلك الصلاة توضأ وأعاد الصلاة، وإن كان الوقت قد جاز وفات لم يعدها.

(1/46)


قلت: فإن رجلاً مس ذكره في الصلاة، هل ينقض عليه الوضوء؟
قال: لا. وقد قال غيرنا: إنَّه ينقض الوضوء، ولم نلتفت إلى قوله.
قلت: فإنه مس بعض بدنه فوجد قملة، ما يعمل؟
قال: يطرحها عنه.
قلت: فإنه لما وجدها أخذها بأصبعه فقتلها(1)، ما يعمل؟
قال: أحب إليَّ أن يعيد الصلاة، وذلك أنَّه عمل عملاً ليس من عمل الصلاة، وقد قال غيرنا: إنَّه لا يعيد، والإعادة أحب إلينا.
قلت: فهل يجوز للرجل أن يصلي جالساً فيكبر وهو جالس، فإذا قرأ بعض السورة قام فأتم السورة وركع؟
قال: لا أحب ذلك وقد قال غيرنا: إنَّه يجوز، وأما نحن فلا نرى ذلك، ولكنا نرى أن الرجل إذا افتتح الصلاة قائماً أتم قائماً، وإذا افتتح الصلاة جالساً أتم الصلاة جالساً في النافلة، فأما الفريضة فلا يصلي جالساً إلاَّ من علة.
باب القول في القصر في صلاة السفر
وسألته عن الرجل إذا سافر، متى يقصر الصلاة؟
قال: أما علماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم وقولي أنا: ففي بريد يقصر الصلاة، والبريد أربعة فراسخ بالميل الأول.
قلت: فإذا خرج الرجل من مدينته فظهر منها وصار على بريد وهو يرى بيوت مدينته، هل يقصر الصلاة؟
قال: لا يقصر ما دام يرى بيوت مدينته حتَّى يتوارى عنه البيوت، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليس ترى البيوت من بريد؛ لأن حجبات الأرض تحجب الأبصار عن درك الديار.
قلت: وما حجبات الأرض؟
قال: البعد الذي ينقطع دونه البصر، وما أحسب ـ والله أعلم ـ أن معنى قول الله تبارك وتعالى في مريم عليها السلام حين يقول سبحانه: {فاتخذت من دونهم حجاباً}[ ]، فما أراد في ذلك عندي ـ والله أعلم ـ إلاَّ بعداً وتنحياً من قربهم، حتَّى احتجبت بالمسافة بينهم وبينها أبصارهم.
قلت: فإن خرج من مدينته يريد سفراً فغابت منه(2) البيوت على ميل أو أقل من ميل وحضرت الصلاة، هل يقصر؟
قال: نعم.
__________
(1) ـ ففتها، نسخة.
(2) ـ عنه، نسخة.

(1/47)


قلت: وكذلك لو رجع المسافر من سفره فرأى بيوت مدينته قبل أن يدخلها ببريد أو أقل أو أكثر، هل يتم الصلاة إذا حضرت؟
قال: نعم، إذا رأى المسافر بيوت مدينته أتم.
قلت: فإن المسافر خرج من مدينته إلى بعض البلاد، ثُمَّ رجع فمر بمدينته نافذاً إلى غيرها فبات فيها ليلة على أن يغدو منها في سفره، هل يتم الصلاة في الليلة الَّتِي بات فيها؟
قال: نعم، ما دام موطنه فيها ورجوعه من الأسفار إليها.
قلت: فإنها مدينته وانقلع منها وصار موطنه في غيرها، فسافر فمر بها وبات فيها، هل يتم الصلاة في الليلة الَّتِي يبيت فيها؟
قال: لا؛ لأنَّه قد انتقل منها.
قلت: فإن مُسَافراً أقام في بلد وهو لا يعزم على المقام، كم يقصر الصلاة؟
قال: إذا كان يقول: اليوم أخرج وغداً أخرج، فله أن يقصر الصلاة شهراً، فأما أكثر من ذلك فلا، وإن عزم على مقام عشرة أيام أتم الصلاة.
قلت: فهل يجب على أهل البوادي الذين ينتقلون في كل يوم ويومين وثلاثة القصر؟
قال: أهل البوادي البادية دارهم، فإذا انتقلوا كل يوم أقل من بريد أتموا الصلاة، وإذا تيقنوا في نقلتهم أنهم يسيرون بريداً قصروا فيها الصلاة.
قلت: فأهل البحر الذين في السفن، هل يجب عليهم القصر؟
قال: نعم، هم مسافرون.
قلت: ولو كانوا دهرهم لا يقيمون؟
قال: إذا لم يقيموا وكانوا في سفر في بحر أو بر وجب عليهم القصر.
قلت: فإنهم أرسوا في جزيرة أو غيرها وعزموا على مقام عشرة أيام، هل يتمون؟
قال: نعم، قد قدمنا الجواب في ذلك.
قلت: فإن هؤلاء الجند يخرجون في العساكر يسافرون وهم يعصون الله سبحانه، هل يجب عليهم القصر؟
قال: نعم، يجب القصر على كل مسافر بما أوجب الله عليهم، وعليهم أن لا يعصوا الله.
قلت: فإن عارضنا معارض فقال: إنَّما أوجب الله القصر في السفر عند المخافة ولم يوجبه عند الأمانة بقوله: {إن خفتم}[ ]، فبِمَ نحتجُّ عليه، بيِّن لي ذلك حتَّى أفهمه؟

(1/48)


قال: نعم ـ إن شاء الله والقوة بالله وله ـ يقال لمن قال بذلك: خبرنا عن القصر الذي تذكر، فلا بد أن يكون مشروحاً مبيناً، فلا يجد بداً من أن يقول: نعم، فإذا قال ذلك، قيل له: أفتجد في القرآن ذكر قصرين أم قصر واحد؟ فإذا قال: لا أجد قصرين إلاَّ قصراً واحداً، وهو هذا القصر الذي عند المخافة، قيل له: فكيف صلاة المخافة وقصرها؟ فلا تجد بداً من أن تقول: ما الناس مجمعون عليه معاً، فنقول: هي عند مواجهة العدو ومضاربته ومصادمته، فيقال له: فكيف هي؟ فلا بد أن تقول: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الخوف، وهي أن يقوم الإمام إذا كان ذلك فيكبر ويصف وراءه نصف الناس أو أقل أو أكثر، ثُمَّ يصلي بهم ركعة ثُمَّ يقوم من الركعة الثانية فيطوِّل في قراءته، وتتم الفئة الَّتِي وراءه صلاتها وهي ركعة أخرى، ثُمَّ يسلمون إذا صلوا ركعتين واحدة مع الإمام وواحدة مع أنفسهم، ثُمَّ يمضون فيقومون في وجه العدو وتأتي الفئة الأخرى فتقف وراء الإمام وهو في قراءته فيصلي بها الركعة، الَّتِي هي له ثانية وهي لهم الأولى، ثُمَّ يسلم الإمام ويقومون فيصلون الثانية لأنفسهم، ثُمَّ يسلمون ويعودون إلى مصافهم، فلما وجدناهم يقصرون صلاتهم عن صلاة الإمام فيصلون واحدة معه وواحدة مع أنفسهم، ولم يكن هذا يجوز لمصل في غير الخوف أن يقصر صلاته عن صلاة إمامه بحيلة من الحيل ولا في رخصة من الرخص إلاَّ في هذا الموضع موضع الخوف والتلف، علمنا أن الذي أمر الله عز وجل بقصره عند الخوف وأجازه وأطلقه ورخص فيه عند الحاجة هو هذا الموقف، وهي هذه الصلاة صلاة الخوف، فرخص لهم عند نزول هذه النازلة في أن يقصروها عن صلاة إمامهم فيصلون واحدةً معه وواحدةً مع أنفسهم، فهذا معنى ما ذكر الله من القصر عند الخوف، ولم يرد تبارك وتعالى قصر الأربع إلى الثنتين، ومن الحجة في ذلك أن صلاة الخوف بإجماع الناس(1) كلهم، لا يكون إلاَّ في سفر
__________
(1) ـ الأمة كلها، (ب).

(1/49)


ولا يجوز في حضر ولا يكون، فلما أن وجدنا المصلين في وقت الخوف يصلون واحدة مع الإمام وواحدة مع أنفسهم علمنا أنهم قد قصروا مقصوراً في الأصل وهي الأربع الَّتِي قصرت في الأصل إلى الثنتين، ثُمَّ قصرت في صلاة الخوف عن صلاة الإمام، ولو كانت الصلاة في السفر أربعاً غير مقصورة ثُمَّ دخل عليها الخوف لكان الواجب أن يقصرها الناس فيصلوا نصفها مع الإمام ونصفها مع أنفسهم، فيصلوا مع الإمام ركعتين ومع أنفسهم ركعتين فيكون قصر الخوف الذي لا يجوز في غير الخوف من قصر صلاتهم عن صلاة إمامهم، فلما وجدناهم لا يصلون إلاَّ اثنتين وجدنا قصرهم لصلاتهم عن صلاة إمامهم لا يقع إلاَّ ركعتين ولا يتمون أربعاً لأنفسهم، علمنا أن أصل الصلاة في السفر اثنتان، ولذلك قصروا صلاتهم عن صلاة إمامهم فيهما فصلوا واحدة معه وواحدة مع أنفسهم، ومن الدليل على أن صلاة السفر اثنتان لا أربع في غير الخوف صلاة الإمام الآمن على نفسه بالمقاتلة الَّتِي من ورائه ركعتين دون أربع، فلما صلى الإمام واحدةً بطائفةٍ وركعةً أخرى بطائفة، علمنا أنَّها أصل صلاة السفر، وعلمنا أن الذي ذكر الله من القصر وأطلقه حين قال: {أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا}[ ]، هو قصر المسلمين صلاتهم عن صلاة إمامهم، وسلامهم قبل سلامه وانقضاء فرضهم قبل انقضاء فرضه ودخول الطائفة الأخرى في آخر صلاته وإتمامها لركعتها الباقية بعد سلامه، وفي هذا بيان لمن أراد الحق، وترك الباطل، وقصد الهدى، ولمَّا أن لم نجد في القرآن ذكر قصرين علمنا أن القصر الذي ذكر عند المخافة هو القصر الذي وجدنا، يكون مع الفئتين في صلاتهما مع إمامهما، وعلمنا أن الله تبارك وتعالى أخبرنا بما ألقى من ذلك إلى جبريل وألقاه جبريل عليه السلام إلى نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم من شرحه في الكتاب، أو قد أصَّل أصل الصلاة فيه فاجترأ بعد تأصيل ذكرها في كتابه عن تفصيل عددها في فرقانه كما أخبرنا تبارك

(1/50)


وتعالى بتبليغ جبريل لعدد ركعاتها في الحضر إليه، ولم يفصلها بعددها في الكتاب الذي أنزله عليه، فكان تأصيل ذكر الصلاة مشروحاً في الكتاب مبيناً بقوله تبارك وتعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}[ ]، وكان تفصيلها وشرح عددها على لسان جبريل من الله تبارك وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فأثبت فرض الصلاة في الكتاب، وفرع ذكر الصلاتين على لسان الملك الذي هبط به إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فبيَّنَ لنبيه صلاة السفر على لسان جبريل كما بيَّنَ له على لسانه صلاة الحضر، فأعلمه أن صلاة السفر ركعتان كما كانت الصلاة أولاً، وأن صلاة الحضر أربع كما جعلت آخراً، وكذلك ذكرت الزكاة مجملة في الكتاب، ثُمَّ فسرت على لسان جبريل عليه السلام، فبَّيَن كم هي، ومتى هي، ومن كم هي. فجاء من الله شرح القصر في السفر على المعنى الذي جاء منه شرح الإتمام في الحضر على لسان الملك المقرب المذكور في الكتاب المنزل المسطور، ثُمَّ وجدنا بعد ذلك ذكر القصر في الخوف، ثُمَّ وجدنا القاصرين للصلاة في ذلك الوقت عن صلاة إمامهم لم يقصروا إلاَّ ركعة دون ركعة، ولم يتموا إلاَّ ركعتين، وكذلك وجدنا الإمام لم يصل إلاَّ ركعتين، فاستدللنا بصلاة الإمام وإتمام الفئة على ما أرد الله من القصر، فعلمنا أنَّه لم يرد إلاَّ قصر صلاتهم عن صلاة إمامهم، فرخص في ذلك لهم عند هذا الوقت من مخافة عدوهم، ولو أراد الله سبحانه ما قال به من لم يرى القصر في السفر لكان الواجب أن يبين ذكر القصر الثاني، الذي هو قصر من يصلي وراء الإمام لصلاته عن صلاة إمامه؛ لأن هذا أمر استحلته الأمة واستجازته هول عظيم لم يكن ليجوز لخلقٍ ولا لورعٍ أن يفعله إلاَّ بإجازة من الله سبحانه وإطلاق، فلم نجد ذكر قصرين، ووجدنا ذكر قصر واحد، فعلمنا أن الله لم يرد إلاَّ القصر الثاني الذي فيه إباحة هذا المعنى من قصر صلاة الرعية عن صلاة إمامها، وعلمنا أن حال عدد صلاة السفر كان

(1/51)


كحال ذكر عدد صلاة الحضر تبلغةً من جبريل إلى نبي الله عن الله، فقد بان بما ذكرنا وشرحنا صدق ما به قلنا، وبطلان ما قال به غيرنا؛ لأن ما قلنا به من طرح ذكر عدد صلاة السفر يمكن أن يكون مبيناً في غير الكتاب مما أرسل الله عز وجل به جبريل إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، كما أمكن أن يكون تبيين عدد صلاة الحضر في غير الكتاب، وذلك كله بإجماع الأمة لا يختلف فيه أن عدد الركعات لم يأت مشروحاً في الكتاب، وأنه إنَّما أتى عن الله على لسان جبريل صلى الله عليه إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فكان الأمر في هذا واحداً لا اختلاف في الفرضين بسببٍ ولا معنى.

(1/52)


وكلما سأل سائل أو طالب مطالب به بما في الكتاب وما جعل الله من قصرها طولب بإيجاد عدد فرض صلاة الحضر في إيجاد ذكر صلاة السفر، ولا يطالب بإيجاد عدد صلاة السفر في معنى إلاَّ وجَبَ عليه مثله في إيجاد عدد صلاة الحضر في الكتاب سواء سواء، فلا يجد بُدّاً من الرجوع إلى الحق أو الخروج إلى غير الصدق، فيكون بذلك جاهلاً، وعن الحق مائلاً ولم يكن بُدٌّ أن تأتي هذه الرخصة والإطلاق لهذا الأمر العظيم من قصر صلاة المصلين عن صلاة إمامهم في كتاب أو سنة مما جاء بها جبريل عن الله، فلما أن لم نجد ذلك فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أحد من الناس فضلاً عن أن يجمعوا عليه، فنقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء بهذه الرخصة دون الله، أو يقولون: إنها جاءت إلى رسول الله من الله على لسان الملك دون كتاب الله، ووجدناهم مجمعين معاً على أن هذه الرخصة جاءت في كتاب الله منصوصة، وهو قول الله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً}[ ]، علمنا أنَّه قصر صلاة الأمة لصلاتها عن صلاة إمامها في وقت حربها وخوفها دون ما قالوا به من قصر الأربع إلى الثنتين، وكنا نحن وهم مجمعين على هذا ولم يكن معهم حجة في أن الأمة جاءت بقصر الأربع إلى الثنتين ، وكنا مخالفين لهم في ذلك، فكانت الحجة حجة من أقام البينة على دعواه ولم يكن الحجة لمن لم يُقم البينة على قوله ومعناه، وقد شرحنا حجتنا وبينا في أول الكلام بما فيه كفاية لمن أنصف من أهل الإسلام.
قلت: قد فهمت ما شرحت من الحجة في القصر، فما تقول في رجلٍ سافر فأتم الصلاة في سفره؟
قال: من أتم الصلاة في سفره كان كمن قصر في الحضر؟
قلت: فتوجب عليه الإعادة؟
قال: نعم؛ لأنَّه قد صلى في السفر صلاة لم يأمره الله بها، وترك ما أمره الله به من صلاة السفر، فأوجبنا عليه الإعادة.

(1/53)


قلت: فهل يجوز للمسافر أن يصلي خلف المقيم، وكذلك المقيم، هل يصلي خلف المسافر؟
قال: قد قال بعض علماء آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إن المقيم يصلي خلف المسافر، فإذا سلم المسافر أتم المقيم، وكره أن يصلي المسافر خلف المقيم، والصواب عندي أن لا يصلي مسافر خلف مقيم؛ لأنَّه إذا سلم قبله فلم يأتم به.
قلت: فإن رجلاً صلى بالناس فحدث به حادث من رعاف أو غيره، ما يعمل ؟
قال: قد انقطعت صلاته في نفسه، وإذا انقطعت صلاته في نفسه فقد انقطعت صلاة من خلفه؛ لأن صلاتهم معقودة بصلاته، وقد قال غيرنا: إنَّه يجذب رجلاً من خلفه بثوبه فيقدمه موضعه، فيصلي بالقوم تمام الصلاة، ولسنا نرى ذلك.
قلت: فهل يجوز للمطلق أن يصلي خلف المقيد؟
قال: نعم، إذا أتم الصلاة لم يضره القيد.
قلت: فهل يكره الصلاة خلف أحد؟
قال: الصلاة تجوز خلف كل أحد إلاَّ أربعة، لا يجوز لأربعة أن يصلوا خلفهم.
قلت: بيِّن لي هؤلاء؟
قال: لا يجوز للمكتسي أن يصلي خلف العريان، ولا يجوز للمتطهر أن يصلي خلف المتيمم، ولا يجوز للورع أن يصلي خلف الفاسق، ولا يجوز للمهاجر أن يصلي خلف الأعرابي وسائر الناس، فصلاة بعضهم ببعض جائزة إذا كانوا مسلمين ورعين، وقد قال غيرنا: إنَّه يكره الصلاة خلف الأعمى، وليس ذلك عندي كما قال، بل الصلاة خلف الأعمى إذا كان ورعاً أفضل؛ لأن النظر يشغل البصيرة، والأعمى ليس له بصر يشغله عما هو فيه من صلاته.
باب صلاة الليل
وسألته عن صلاة الليل، كم هي؟ وكيف يصلي مثنى مثنى، أم أربعاً؟ وكذلك صلاة النهار؟
فقال: اليل والنهار جميعاً مثنى مثنى، وهما مستويان في النافلة سواء، وكل نافلة فهي مثنى، وقد اختلف في ذلك، فقال قوم: ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر، ولم نلتفت إلى ذلك، وإنَّما صلاة الليل ثماني ركعات، وكذلك صح لنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثُمَّ الوتر بعد ذلك لمن أخره.

(1/54)


قلت: فإن قدم الوتر وصلاَّها بعد صلاة الفريضة وهي التعتمة؟
قال: حسن لا بأس به، وإن أخرها إلى آخر الليل فهو أفضل.
قلت: فما تقول في الرجل تفوته صلاة الليل حتَّى يطلع الفجر، هل يصلي صلاة الليل بعد طلوع الفجر قضاءً لصلاة الليل؟
قال: قد كرهه غيرنا، ونحن فلسنا نكرهه وهو جائز، ولا يجعله الرجل عادة ولا تعمداً، وإنَّما كرهت الصلاة في ثلاثة أوقات: أول طلوع الشمس حتَّى ترتفع، وأول ما تقوم الشمس حتَّى تزول، وعند غروب الشمس حتَّى تغرب ويدخل الليل.
باب صلاة الجمعة
وسألته عن الرجل إذا أمره الإمام أن يصلي بالناس يوم الجمعة، كيف يعمل؟
قال: يركع قبل أن يصعد المنبر ركعتين، ثُمَّ يصعد المنبر وهو متأيد على كل درجة وقفة يذكر الله حتَّى يصير في أعلى المنبر، ثُمَّ يجلس مستقبلاً للناس بوجهه حتَّى ينادي المنادي، ثُمَّ يقوم فيبتدئ الخطبة، فيخطب الخطبة الأولى يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويعظ الناس ويذكرهم بالله، فإذا فرغ من ذلك ذكر الجمعة وفضلها ورغب الناس في السعي إليها، ثُمَّ يقرأ سورة من سور المفصَّل، ثُمَّ يجلس جلسة خفيفة، ثُمَّ يقوم فيخطب الخطبة الثانية وهي أقصر من الأولى وأوجز، فإذا صلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا للإمام والمسلمين، ثُمَّ ينزل فيتقدم بالناس فيصلي بهم ركعتين وينصرف.
قلت: فما يقرأ في الركعتين؟
قال: يقرأ في الأولى الجمعة، وفي الثانية المنافقين.
قلت: فإن قرأ في الثانية بسبح وما أشبه ذلك؟
قال: فلا بأس بذلك.
قلت: فما تقول في رجل فاتته الخطبة يوم الجمعة، كم يصلي؟
قال: يصلي أربعاً.
قلت: فإن أدرك الإمام على المنبر وقد أتم الخطبة، ولم يسمع الرجل منها شيئاً حتَّى نزل الإمام فتقدم بالناس يصلي بهم فصف الرجل مع الناس؟
قال: يصلي أربعاً، اثنتين مع الإمام، فإذا سلم الإمام قام فأتم ركعتين آخرتين.

(1/55)


قلت: فإنه أدرك الإمام على المنبر وهو يقول آخر الخطبة: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان}...الآية[ ]؟
قال: إذا أدرك الإمام على المنبر وهو يتكلم بآخر الخطبة صلى مع الإمام ركعتين، وسلم إذا سلم.
قلت: فإذا فاتته مع الإمام ركعة وسلم الإمام فقام، هل يتم؟
قال: يصلي ثلاثاً مع الَّتِي أدرك مع الإمام؟
قلت: فهل يجوز للرجل أن يصلي الجمعة بالناس ركعتين ولم يوله الإمام؟
قال: إذا كان الرجل في بلدٍ ناءٍ عن الإمام وهو يدعو إليه ويحث عليه جاز له أن يصلي بالناس.
قلت: فإن لم يقدر أن يدعو للإمام في الخطبة، فأكنى عن ذلك فدعا لأهل الحق والمحقين؟
قال: إذا كانت نيته الدعاء إلى الإمام في الخطب جاز ذلك.
قلت: فإن رجلاً ممَّن ولاه الإمام الصلاة كان على المنبر يخطب بالناس فجاءه خبر الإمام أنَّه مات وهو على المنبر، أيتم الصلاة بالناس ركعتين؟
قال: نعم؛ لأنَّه إذا ابتدأ الصلاة وقد دخل الوقت وهو في ولايته.
قلت: فإن رجلاً أراد أن يصلي بالناس الجمعة قبل ظهور الإمام وهو يقول بالإمام العادل، هل يصلي بالناس ركعتين؟
قال: لا تجب صلاة الجمعة ركعتين، إلاَّ بقيام الإمام العادل المحق؟
قلت: فما تقول في رجل صعد المنبر في يوم غيم، فلما استوى على المنبر وابتدأ في الخطبة طلعت الشمس، ولم تزل الشمس وهو في خطبته، فأتم الخطبة وزالت الشمس، ونزل فصلى بالناس ركعتين، هل يجزيه ذلك؟
قال: لا، حتَّى يعود فيصعد المنبر فيخطب مستأنفاً للخطبة، وكذلك يعيد الصلاة؛ لأن الخطبة بمنزلة ركعتين، فإذا خطب ولم تزل فكأنه ابتدأ الصلاة في غير وقت فعليه الإعادة.
قلت: فهل يقرأ يوم الجمعة في صلاة الفجر السجدة ويسجد؟
قال: قد قال غيرنا بذلك، فأما قولي وقول علماء آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلا أرى أن يقرأ سجدة ويسجد في صلاة الفريضة؛ لأنها زيادة في الصلاة، وليس الزائد في الصلاة إلاَّ كالناقص منها.
قلت: فإن كان في نافلة فقرأ سجدة، أيسجد؟

(1/56)


قال: ليس النوافل كالفرائض، وقد وسع في ذلك في النوافل، وأما قولنا والذي(1) نحب له فلا يسجد بسجدة تقرأ في فريضة ولا نافلة؛ لأنها سجدة زيادة في الصلاة.
باب القول في القنوت والوتر وما يقال فيهما
وسألته عن القنوت، في أي الصلوات هو؟
قال: قد قال أصحاب الإمامة: إنَّه في كل الصلوات، وقال غيرهم من العامة: ليس في شيء من الصلوات قنوت إلاَّ في الوتر، فأما قول علماء آل الرسول وقولي أنا: فليس القنوت إلاَّ في صلاة الفجر والوتر، وليس ذلك عندنا بفريضة لازمة(2).
قلت: فإن ترك القنوت تارك متعمداً، هل يعيد الصلاة؟
قال: لا، ولا أحب لأحد أن يتركه متعمداً؛ لأنَّه قد جاءت فيه سنة.
قلت: فإن تركه الرجل ناسياً، هل يسجد سجدتي السهو؟
قال: نعم.
قلت: فإذا سجد سجدتي السهو وقعد(3)، هل يعيد التشهد والتسليم؟
قال: ليس ذلك بواجب، وإعادته أحب إلينا.
قلت: فالقنوت قبل الركوع، أم بعده؟
قال: قد قال غيرنا: إنَّه قبل الركوع، ولم يبلغنا ذلك إلاَّ عن عثمان، ومن قال بقوله، وأما قول علماء آل الرسول عليهم السلام وقولي أنا: فالقنوت في الفجر بعد الركوع، وكذلك أيضاً في وتر العتمة.
قلت: فما يقول الرجل في القنوت، إذا قنت في صلاة الفجر؟
قال: قد روي في ذلك روايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك عن أصحابه، ولم يصح فيه عندنا إلاَّ القراءة، وأما ما نراه نحن: فيقنت الرجل بآية من القرآن، مثل قوله: {ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار}[ ]، ومثل قوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلاَّ وسعها}...الآية[ ]، ومثل قوله: {آمنا بالله وما أنزل إلينا}...الآية[ ]، فهذا أحب إلينا أن يقنت الرجل به في الفجر.
قلت: فيجهر الرجل بالقنوت(4)، أو يخفي؟
قال: يجهر أحب إلينا.
__________
(1) ـ والذي نختاره (ب).
(2) ـ وجلس (ب).
(3) ـ واجبة (ب).
(4) ـ بقنوته في الفجر، أم يخفي (ب).

(1/57)


قلت: فإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: سمع الله لمن حمده، هل يكبر ثُمَّ يقنت؟
قال: لا يكبر إذا قال: سمع الله لمن حمده، ولكن يقنت بعد هذا.
قلت: فما يقول الرجل في وتر العتمة؟
قال: وكذلك أيضاً قد روي في ذلك روايات، والذي نختار من ذلك ونقول به ما يقنت به في الفجر من آي القرآن، أو ما روى أبو الجوزاء، والذي روى أبو الجوزاء، عن الحسن بن علي عليهما السلام، قال: علَّمَنِي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلمات أقولهن في القنوت في الوتر: (اللهم اهدني فيمن هديت، وتولني فيمن توليت، وعافني فيمن عافيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت). قال: وزاد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفة والغنى، وأعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو>. وقد قيل: أنَّه كان يدعو بهذا الدعاء من بعد التسليم، وهو أحب إلينا أن يقوله من بعد التسليم من الوتر، ويقنت بعد الركوع بكتاب الله. وقد قيل: إن ذلك كان قبل تحريم الكلام، ومن أحب أن يقنت بقنوت علي بن أبي طالب عليه السلام، قنت في الوتر، كذلك كان أمير المؤمنين يقول إذا رفع رأسه من الركوع: (اللهم إليك رُفِعَت الأبصار، وبسطت الأيدي، وأفضت القلوب، ودعيتَ بالألسن، وتُحُوكِم إليك في الأعمال، اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، نشكوا إليك غيبة نبينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وتظاهر الفتن، وشدة الزمان، اللهم فأعنا بفتح تعجله ونصر(1) تعز به، وسلطان حق تظهره إله الحق آمين)، وأحب أن يكون هذا بعد التسليم، ولا يكون في الصلاة إلاَّ قراءة، ولا أحسبه بصيحيح عنه في الصلاة، وقال: ولست أحب شيئاً من الكلام في شيء من الصلوات، ولعل هذا القنوت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، ولعل هذا الدعاء الذي ذُكر
__________
(1) ـ ونصر تقربه (ب).

(1/58)


عن علي رضي الله عنه كان بعد التسليم.
قلت: فهل يرفع الرجل يديه في دعاء وتر العتمة؟
قال: لا نحب ذلك.
قلت: فما يقرأ الرجل في وتر العتمة؟
قال: قد روي في ذلك روايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه كان يقرأ في الأولى من الوتر: بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية: بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة: بقل هو الله أحد.
وروي أنَّه كان يقرأ في الأولى بألهاكم التكاثر، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد.
وروي أيضاً عن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه، أنَّه كان يوتر بتسع سور قصار من المفصل، في كل ركعة ثلاث سور، وكل هذا عندنا واسع؛ لأن القرآن كله مجزٍ.
قلت: فهل يسلم الرجل في الركعتين الأولتين من الوتر، أم لا يسلم إلاَّ في الثالثة؟
قال: قد قال غيرنا من أصحاب الإمامة وغيرهم: إنَّه يسلم في الأولتين، وأما قول علماء آل الرسول وقولي أنا: فلا أرى أن يسلم الرجل في الوتر إلاَّ في آخر صلاته.
قلت: فإن نسي الرجل الوتر ـ وتر العتمة ـ فلم يوتر ولم يذكر ذلك إلاَّ بعد يوم أو يومين، وكذلك إن نسي ركعتي الفجر، هل يجب عليه الإعادة إذا ذكر؟
قال: ليس يجب عليه ذلك عندنا، كما يجب عليه إعادة الفريضة، ولسنا نحب تركه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه لم يكن يترك ذلك في سفر ولا حضر.
قلت: فإن رجلاً صلى مع الإمام صلاة الفريضة في الفجر ولم يكن صلى ركعتي الفجر، هل يصليهما بعدما يسلم الإمام؟
قال: ليس إعادتهما عندنا بواجبة كوجوب الصلاة، فإن أحب الرجل أن يصليهما، فأحب إلينا أن يكون بعد طلوع الشمس وعلوها.
قلت: فإن صلاهما بعدما يسلم الإمام؟
قال: لا بأس بذلك عندنا.
باب التكبير في أيام التشريق
وسألته عن التكبير بعد الصلاة في أيام التشريق، متى يكبر الرجل؟

(1/59)


فقال: أما قولي وقول علماء آل الرسول عليهم السلام: فيكبر إذا صلى الفجر يوم عرفه إلى آخر أيام التشريق، وهو: يوم الثالث من بعد الأضحى عند العصر، ويكبر في العصر ويقطع، والتكبير عندنا فهو في دبر ثلاث وعشرين صلاة، وهي: هذه الأيام الَّتِي وصفنا.
قلت: فكيف يكبر؟
قال: يقول: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاَّ الله، والله أكبر، ولله الحمد)، بعد كل صلاة ، فإن زاد في التكبير، فقال: (ولله الحمد على ما هدانا وأولانا وأحل لنا من بهيمة الأنعام)، فهذا أحب إلينا.
باب صلاة الكسوف
وسألته عن صلاة الكسوف، وكيف هي؟
قال: قد روي في ذلك روايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه كان يصلي الكسوف ست ركعات في أربع سجدات في كسوف الشمس، ولم يصح ذلك لنا عنه صلى الله عليه وآله وسلم، وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، أنَّه صلى صلاة الكسوف عشر ركعات في أربع سجدات.
قلت: فما تقول أنت، وكيف تصلي؟
قال: عشر ركعات في أربع سجدات.
قلت: فَبِيِّن لي ذلك؟
قال: إذا قام الإمام واصْطَفَّ المصلون وراءه كبر، وقرأ بالحمد، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، سبع مرات، ثُمَّ يركع ويرفع رأسه، ثُمَّ يعود فيقرأ كما قرأ أولاً، ثُمَّ يركع حتَّى يستوفي خمس ركعات، يقرأ بين كل ركعتين بما ذكرت لك، ثُمَّ يسجد من بعد خمس سجدتين، ثُمَّ يقوم فيقرأ ويركع ثُمَّ يقرأ ويركع حتَّى يركع خمساً آخرى، يقرأ بين كل ركعتين منهن ما قرأ أولاً بين الركعات الأولات، ثُمَّ يسجد سجدتين، ثُمَّ يتشهد، ثُمَّ يسلم، ويثبت مكانه، ويكثر من الإستغفار والتهليل والتكبير، ويسمع من وراءه، ويجهر بذلك جهراً شديداً.
قلت: فيجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، أو يخفي؟

(1/60)


قال: كل ذلك عندنا واسع(1)، قال أبو جعفر محمد بن سليمان الكوفي: ورأيته يصلي صلاة الكسوف، وقد انكسف(2) القمر، فأمر رجلاً ينادي الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس أمرهم أن يَصْطَفُّوا وَيُسَوُّوا صفوفهم، وتقدم وكبر ولم يجهر بالقراءة، وطوَّل فصلى عشر ركعات في أربع سجدات، كما وصف في صلاة الكسوف، فسألته عمَّا قرأ؟
فقال: قرأت الكهف، وكهيعص، وطه، والطواسين.
قلت: وكذلك في كسوف الشمس والقمر؟ قال: كل ذلك واحد.
باب صلاة الاستسقاء
وسألته عن صلاة الاستقاء، كيف هي؟
فقال: ينبغي لإمام المسلمين إذا أراد الاستسقاء، أن يأمر الناس فيقوموا ويصطفوا، ويتقدم بهم، ويكبر، ويصلي بهم أربع ركعات، يسلم في كل ركعتين، وتكون قراءته في كل ركعة: الحمد، وإذا جاء نصر الله، وبهذه الآيات آيات من القرآن أولهن: {وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته}[ ]، {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً}[ ]، {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا، فأبى أكثر الناس إلاَّ كفوراً}[ ]، وبآخر سورة الحشر، وإذا صلى أربع ركعات استغفر الله واستغفر للمسلمين، وقصد بالتوبة وبالدعاء، ومسألة الرحمة والقبول لتوبتهم، والغفران لما تقدم من خطاياهم، ثُمَّ يقول إمامهم: اللهم إياك قصدنا ودعونا، ومنك طلبنا ورحمتك رجونا، وأنت إلهنا وسيدنا وخالقنا، فلا تخيب دعاءنا، ولا تقطع رجاءنا، إنك أنت أرحم الراحمين، ثُمَّ يقلب شق ردائه الذي على منكبه الأيمن على منكبه الأيسر.
قلت: فإن لم يقلب رداءه؟
قال: لا بأس بذلك، ثُمَّ ينصرف ويقرأ في طريقه يس، ويكثر الاستغفار، هو ومن معه، والدعاء والتضرع إلى الله.
قلت: فإن لم يكن الإمام ظاهراً؟
قال: فيفعل ذلك إمام مسجدهم إذا أجدب بلدهم.
باب القول في العيدين
__________
(1) ـ كل ذلك عندنا جائز (ب).
(2) ـ انخسف (ظ).

(1/61)


وسألته(1)، هل في صلاة العيدين أذان وإقامة؟
فقال: لا.
فقلت: كيف يصلي الرجل بالناس صلاة العيدين؟
قال: صلاة العيدين قبل الخطبة، فإذا أراد الرجل أن يصلي بالناس، تقدمهم قبل الخطبة، فكبر التكبيرة الأولى، ثُمَّ افتتح القراءة، فقرأ الحمد وسورة، فإذا فرغ من قراءته كبر بعد فراغه من قراءته سبعاً، يذكر الله بين كل تكبيرتين، ويركع بالسابعة من التكبير، ثُمَّ يرفع رأسه، ويسجد سجدتين، ثُمَّ يقوم في الثانية فيفتتح القراءة بالحمد وسورة مما تيسر، فإذا فرغ من قراءته كبر خمساً، ثُمَّ ركع بالخامسة، وكذلك يذكر الله في تكبيرة في الثانية، فإذا سلم صعد المنبر فخطب، فحمد الله وأثنى عليه، ويفعل في خطبته ما يفعل في خطبة الجمعة من الموعطة، ويذكر فضل يوم العيد، ويحث الناس على الذبائح إن كان في الأضحى، وإن كان يوم الفطر فيجب أن يحث على إخراج الفطرة، ويجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة كما يجلس في الجمعة، ويكبر في خطبته الأولى سبع تكبيرات، يقول: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاَّ الله، والله أكبر، على ما هدانا وأولانا وأحل لنا من بهيمة الأنعام) إذا كان في الأضحى، وإن كان في الفطر لم يذكر شيئاً في خطبته من ذبح بهيمة الأنعام، وكذلك صلاة العيدين جميعاً عندنا، وقد قال غيرنا: إنَّه يكبر التكبير كله قبل القراءة، ولم يُلْتَفَت إلى قوله، وهذا الذي صح(2) عندنا عن أمير المؤمنين عليه السلام.
قلت: فما تقول في صلاة العيدين، إذا صلى الرجل وحده ولم يكن مع الإمام، كم يصلي؟
قال: ركعتين كما يصلي مع الإمام.
قلت: فهل يكبر في صلاة العيدين إذا كان وحده كما يكبر الإمام؟
قال: نعم.
قلت: فكم يكبر؟
قال: سبعاً في الأولى ويركع في السابعة، وفي الثانية خمساً ويركع بالخامسة.
قلت: فيذكر بين التكبير(3) شيئاً؟
قال: نعم، يذكر الله ويسبحه.
__________
(1) ـ وسألته عن صلاة العيدين، هل فيهما أذان وإقامة؟ (ب).
(2) ـ صح لنا (ب).
(3) ـ بين التكبيرتين (ب).

(1/62)


قلت: فإن لم يكبر الرجل إذا كان وحده كما يكبر الإمام في صلاة العيد، هل يجزيه؟
قال: لا.
قلت: فإذا لم يكبر، هل يعيد صلاة العيدين؟
قال: نعم؛ لأن التكبير معنى صلاة العيد، ويستحب للذي يصلي صلاة العيد أن يصلي قبل الركعتين ركعتين بلا تكبير، يستحب ذلك استحباباً، ولا نوجبه إيجاباً.
ذكر صلاة الضحى
قلت: فما يقول في صلاة الضحى؟
قال: قد روي في ذلك روايات، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاَّها يوم فتح مكة ركعتين، ولم يعد بعد ذلك لصلاتها، والمعنى عندنا في صلاته يوم فتح مكة أنَّه إنَّما صلى في وقت الفتح شكراً لله، لا أنَّه قصد الضحى، بل الصَّحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه لم يصلِّها قط، وروي لنا عنه بالصحيح من الرواية، أنَّه نظر إلى رجل يصلي الضحى، فقال: <ما له ينحر الصلاة، نحره الله>، وإنَّما صلاة الضحى كانت تعرف من بدو مكة وجفاتها، ثُمَّ استن بهم الجهال من بعد.
باب القول في غسل الميت
<والصلاة عليه>(1)
وسألته، كيف يُغْسَل الميت؟
فقال: كالغسل من الجنابة.
قلت: صف لي ذلك؟
__________
(1) ـ موجود في النسخة (ب).

(1/63)


قال: نعم، إن شاء الله، إذا مات الرجل حمل بثيابه الَّتِي مات فيها، حتَّى يوضع على مغسله على قفاه مستقبلاً القبلة، ثُمَّ يأخذ الغاسل خرقة فيضعها على فرجه، ثُمَّ يسلخ ثيابه، ثُمَّ يأمر بمركن فيصب له فيه ماء القراح، ثُمَّ يبدأ بيمينه فيغسلها غسلاً نظيفاً، ويأمر رجلاً يصب عليه الماء، فإذا غسل يمينه غسل أيضاً شماله، ثُمَّ لف على يده اليسرى خرقة، ثُمَّ يبدأ فيمسح بطنه مسحاً رفيقاً، ثُمَّ يلين مفاصله، فإذا فعل ذلك أمر الذي يصب عليه الماء أن يتبع يده الصب حيث ما رأى يده، ثُمَّ يدخل يده فيغسل فرجه الأعلى والأسفل، ثُمَّ يمضمض فمه بإبهامه، ثُمَّ ينشق منخريه، ثُمَّ يغسل وجهه وأذنيه ويخللهما، ثُمَّ يبدأ بذراعه اليمنى فيغسلها، ثُمَّ بذراعه اليسرى فيغسلها، ثُمَّ يمسح رأسه، ثُمَّ يغسل رجله اليمنى، ثُمَّ رجله اليسرى ويخلل بين أصابعه، ثُمَّ يقلبه على جنبه الأيسر فيغسل جنبه الأيمن، وكل ظهره وبطنه من رأسه إلى رجليه، ويغسل بين أفخاذه وجميع أرفاغه، ثُمَّ يقلبه على جنبه الأيمن فيغسل جنبه الأيسر، كما فعل بجنبه الأيمن، فإذا فعل ذلك فهي غسلة تامة.
قلت: فالغسلة الثانية، بأي شيء، وكيف؟
قال: يغسل بالسدر رأسه ولحيته وجميع جسمه، ويدلكه دلكاً نظيفاً، فإذا فعل ذلك أعاد عليه بالماء القراح، كما فعل بالغسلة الأولى.
قلت: فالغسلة الثانية بأي شيء يغسله؟
قال: بماء الكافور.
قلت: كيف يعمل؟
قال: إذا أراد أن يغسله الثالثة أمر المغسل الرجل الذي يصب عليه الماء أن يصب عليه، ثُمَّ قلب الميت على يمينه، ثُمَّ صب على المغتسل الماء القراح فغسل المغتسل غسلاً جيداً نظيفاً، ثُمَّ أمر بغسل المركن فغسله، ثُمَّ ملأه ماء، ثُمَّ طرح فيه الكافور، ثُمَّ غسل يده اليمنى، ثُمَّ ضرب الماء بالكافور، ثُمَّ غسله الثالثة بماء الكافور، كما غسله في الأولى، والثانية.
قلت: فإن لم يوجد كافور ولا سدر، هل يجزيه أن يغسله الثلاث بالماء القراح؟

(1/64)


قال: نعم.
قلت: وكذلك لو أن الميت مات في الشتاء فاحتاج إلى أن يسخن له الماء، هل يجوز ذلك؟
قال: نعم، وما يضره من إسخان الماء، بل هو إنقاء للقذر.
قلت: فإنه لما غسله الثالثة، حدث بالميت حدث، هل يعيد الغسل؟
قال: نعم.
قلت: كم؟
قال: يغسله اثنتين حتَّى يتم على ما وصفنا خمساً.
قلت: فإنه حدث به في الخامسة حدث؟
قال: يتم الغسل سبعاً؟
قلت: فإذا غسل سبعاً، ما يعمل به؟
قال: ينشفه المغسل بثوب أو بخرقة، ثُمَّ يتركه في موضعه، ثُمَّ يعمد إلى كفنه فيبسطه(1) على بساط نظيف أو موضع نظيف، ثُمَّ يعمد إلى الذريرة فيذرها على كفنه، ثُمَّ يحمل الميت هو ومن معه حتَّى يضعوه في كفنه، ثُمَّ يأخذ بيده كافوراً مسحوقاً فيضعه على مساجده، على جبهته وأنفه ويديه وركبتيه ورجليه، ثُمَّ يضع عليه قطناً إن أحب ذلك، فإن لم يضع أجزاه، إلاَّ في موضع فرجه، فإنا نحب له أن يفعل ذلك، ثُمَّ يلفه في أكفانه.
باب التكفين(2)
قلت: فإنه لما لفه في أكفانه حدث بعد ذلك حدث؟
قال: لا ينظر إلى الحدث من الميت بعد تكفينه، ويحمل إلى قبره بعد تكفينه، حدث به حدث أو لم يحدث.
قلت: فكم يجزي الميت من الأكفان؟
قال: أقل ذلك ثوب واحد يُلف به لفاً، وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعمه حمزة، وبعد ذلك ثوب وثوبان وأكثر، والأمر في ذلك واسع.
قلت: فكيف يكون الكفن، أَمِئْزَر وقميص ولفافة، أو ثياب(3) مبسوطة يُلَف بها الميت؟
قال: أما من كُفِّن في ثلاثة، أُزِّرَ بمئزرٍ واحدٍ، ولُف في اثنين لفاً، ومن كُفِّن في خمسة أثواب، أُلبِسَ قَميصاً، وأُزِّر بواحدٍ، وأدرج في ثلاثةٍ، ومن كُفِّنَ في سبعةٍ، أُلبِسَ قميصاً، وعُمِّمَ بعمامةٍ، وأُزِّر بمئزرٍ، وأُدرج في أربعةٍ.
قلت: فإن كانت امرأة؟
__________
(1) ـ فيبسط (ب).
(2) ـ غير موجود في نسخة (ب).
(3) ـ في نسخة (ب): فكيف يكون الكفن، أَمِئزرا وقميصاً ولفافة، أو ثياباً ...إلخ.

(1/65)


قال: تُبدل العمامة بخمار، يعصب به رأسها عصباً.
قلت: فإن لم يوجد للميت كفن، ما يعمل به؟
قال: يوضع عليه من نبات الأرض، ثُمَّ يدفن.
قلت: فما تقول في المسك في الحنوط؟
قال: قد كره ذلك بعض الناس من آل محمد وغيرهم، ولسنا نرى به بأساً؛ لأنَّه قد كان في حنوط النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: فهل يؤخذ من الميت إذا مات شعر، أو يقص له ظفر، أو يطلى بالنورة؟
قال: لا يفعل بالميت بعد موته شيء من هذا، ولا يحدث فيه حدث.
قلت: فهل يغسل في موضع مكشوف غير متظلل ولا مسقوف؟
قال: لا ينبغي أن يغسل الميت إلاَّ في موضع مسقوف مستور من فوقه، يستر، ولا يترك من فوق مكشوفاً بينه وبين السماء.
قلت: فهل يَغسِل الجنبُ الميتَ، أو تَغْسِل(1) المرأةُ الحائضِ؟
قال: لا أحب ذلك إلاَّ أن لا يوجد غيرهما، فإن لم يوجد غيرهما أجزيا إذا انتقيا وتنظفا(2)، إنَّما ذلك عند الضرورة إليهما، فإن وجد الجُنب ماءً اغتسل قبل غسل الميت، وتَغْتَسِل الحائض أيضاً، وإن كان الماء قليلاً، وكان في ماء(3) الميت فضل، اغتسل ببعضه، وإن لم يكن فيه فضل تيمَّم، فأما الحائض فتغسل يديها قبل أن تغسل الميت(4).
قلت: فهل يجب على الذي يغسل الميت الغسل بعد غسل الميت؟
قال: نحب له ذلك، وليس ذلك بواجب عليه.
قلت: فأيُّ الأوقات أفضلُ للصلاة على الميت؟
قال: أوقات الصلوات المفروضات، الليل كله، والنهار كله.
قلت: فيكره الصلاة على الميت في وقت؟
قا: نعم، في الثلاثة الأوقات، الَّتِي جاء النَّهي فيها عن الصلاة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي: عند طلوع الشمس حتَّى ترتفع وتبيض، وعند اعتدالها حتَّى تزول، وعند تدليها حتَّى تغرب.
قلت: فأين يقف الإمام إذا وضعت الجنازة؟
قال: يقف الإمام من الرجال حذاء السرة، ومن النساء حذاء الصدر والمنكبين.
__________
(1) ـ أو تَغْسِل المرأة الحائض المرأة.
(2) ـ في (ب): إذا انقيا ونظفا.
(3) ـ غسل (ب).
(4) ـ الميتة، نسخة.

(1/66)


قلت: فالمرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد حيٌّ يتحرك؟
قال: إذا أوقن موتها إيقاناً وفي بطنها ولد حي يتحرك شقَّ بطنها، واستخرج ولدها استخراجاً رفيقاً، ثُمَّ يخاط بطنا تخييطاً جيِّداً، ثُمَّ يفعل بها ما يفعل بالموتى، من الغسل والتكفين والدفن، إن شاء الله.
ذكر(1) الجنائز
وسألته عن الجنائز، كيف تحمل، وبم يبدأ به منها؟
قال: يبدأ بأول ميامن السرير، فيحمله حامله، ثُمَّ بمؤخر ميامنه، ثُمَّ يدور فيحمله بمقدم مياسره، ثُمَّ يحمله بآخر مياسره.
قلت: فيجوز لمن يشيع الجنازة أن يتقدمها؟
قال: أما قولنا وقول علماء آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يتقدم أحد ممَّن يشيع الجنازة أَمامها، ولكن يكونون كلهم خلفها؛ لأنهم مشيعونن والمشيع إنَّما يكون خلفاً، وليس يكون أَمَامَاً، فاعلم ذلك.
ذكر الصلاة(2) على الميت
وسألته، كم يكبر على الميت؟
فقال: قد روي في ذلك روايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه كبر على شهداء أُحد تسعاً تسعاً، وسبعاً سبعاً، وروي أنَّه كبر على حمزة بن عبد المطلب عليه السلام سبعين تكبيرةً، ولهذا التكبير معنى فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذلك المعنى.
قلت: بَيِّن لي المعنى، ما هو؟
قال: لمَّا وضع حمزة عليه السلام، فكبر النبي عليه، كانت الجنائز توضع بعدَه واحداً بعد واحد، فكلما وضع فوج من القتلى اعتقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليها تكبيراً، غير ما مضى من التكبير على حمزة وغيره.
قلت: قد فهمت ذلك. فكم التكبير على الجنائز؟
قال: أمَّا قولي، وقول علماء آل الرسول: فخمس تكبيرات، وقد قال غيرنا: التكبير أربع، ولسنا نرى ذلك، وقد روي خمس تكبيرات عن زيد بن أرقم، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه كبر خمساً، وكذلك عن أمير المؤمنين عليه السلام، وقال: الصلوات خمس لكل صلاة تكبيرة.
__________
(1) ـ غير موجود في النسخة (ب).
(2) ـ غير موجود في (ب).

(1/67)


قلت: فإذا كانت جنائز، فرجل حرٌّ ورجل مملوك، وصبي حرٌّ وصبي مملوك، وامرأة حرة وامرأة مملوكة، كيف توضع هذه الجنائز؟
قال: يوضع الرجل الحر بني يدي الإمام، ثُمَّ الصبي الحر خلف ذلك، ثُمَّ المرأة الحرة خلف ذلك، ثُمَّ العبد خلف المرأة، ثُمَّ المملوكة خلف العبد.
قلت: فيكبر على هؤلاء جميعاً خمس تكبيرات؟
قال: نعم.
قلت: فإذا أتت جنازة بعد جنازة وقد كبر الإمام على الأولى تكبيرة أو اثنتين، ثُمَّ أتت الثانية فكبر الإمام عليها تكبيرة ثالثة، ثُمَّ أتت جنازة ثالثة فكبر الإمام عليها تكبيرة رابعة، ثُمَّ أتت جنازة رابعة فكبر عليها الإمام تكبيرة خامسة، هل تجزي هذه الخمس تكبيرات لهذه الجنائز جميعاً على ما أتى بعضهن بعد بعض؟
قال: لا.
قلت: فكيف يعمل؟
قال: يقدم النية لكل جنازة خمس تكبيرات، فإذا كبر على الأولى خمساً وهي للثانية ثلاث زاد تكبيرتين، وقد قدم النية أن التكبيرتين للثانية، وكذلك إذا أدركت الجنازة الثالثة تكبيرة واحدة زاد أربع تكبيرات بعد التكبيرتين اللتين زاد للثانية، وكذلك ما زاد على الجنائز فعلى هذا المثال، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه فعل بحمزة والجنائز تأتي بعده(1) واحدة بعد أخرى حتَّى كبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه سبعين تكبيرة، وعلى هذا كان ما روي من تكبيرة على بعضهم تسعاً وسبعاً، كان على هذا المعنى؛ لأنَّه قصد تكبير(2) تسع ولا سبع على ميت ولا على شهيد من شهداء أُحد رحمة الله عليهم.
قلت: فإذا وقف الإمام ووضعت الجنازة وكبر الإمام، ما يقول على الميت؟
قال: قد روي في ذلك روايات مختلفة، وقولي(3) أنا وقول علماء آل الرسول عليهم السلام: إن كل ما قال أو دعا به على الميت فواسع جائز، ليس نُضيف شيئاً من ذلك.
قلت: ثُمَّ ما يقول بعد ذلك؟
__________
(1) ـ تأتي واحدة بعد واحدة (ب).
(2) ـ بتكبيرة تسعاً ولا سبعاً (ب).
(3) ـ فأما قولي أنا (ب).

(1/68)


قال: يقرأ الحمد، ثُمَّ يكبر، ثُمَّ يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الثانية، ثُمَّ يقرأ: {قل هو الله أحد}، ثُمَّ يكبر، ثُمَّ يصلي على الملائكة والمرسلين، ثُمَّ يقرأ: {قل أعوذ برب الفلق}، ثُمَّ يكبر ثُمَّ يقول: سبحان من سبحت له السموات والأرضون، سبحان ربنا الأعلى، سبحانه وتعالى، ثُمَّ يدعو للميت بما تيسر من العفو عنه والرضوان إن كان مؤمناً موافقاً في الدين.
قلت: فإن كان مُخالِفاً عدوّاً للهِ معروفاً بذلك؟
قال: يبتهل عليه باللعنة والخلود في النار، ثُمَّ يقول: اللهم ارزقنا حسن الاستعداد للقائك(1)، واجعل خير أعمالنا آخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك، ثُمَّ يدعو للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات بما تيسر، ثُمَّ يكبر، ويسلم تسليمتين على يمينه وعلى شماله.
قلت: فهل يرفع يديه إذا قام يصلي على الميت في كل تكبيرة؟
قال: لا يرفع يديه في الأولى ولا بعد ذلك.
قلت: فإن رجلاً فاتته تكبيرة أو اثنتان مع الإمام، هل يتم هو ما فاته من التكبير إذا انصرف الإمام؟
قال: نعم، قبل أن يُرفع الميِّت.
قلت: فيصلي الرجل على الجنازة على غير طهور؟
قال: ما أحِبُّ ذلك.
قلت: فإن خاف أن تفوته الصلاة على الجنازة إن مضى يتطهر؟
قال: إذا خاف أن تفوته تيمم وصلَّى.
قلت: فإن يهودياً أو نصرانياً أقر بالإسلام قبل موته بساعةٍ، وشهد شهادة الحق، وأقر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثُمَّ مات، ما يُفْعَل به؟
قال: يعمل بهذا ما يعمل بالمسلمين من الغسل والتكفين، ويدفن بين المسلمين؛ لأنَّه قد شهد شهادة الحق.
قلت: فإن يهوديةً أو نصرانيةً ماتت وفي بطنها ولد لمسلم، ما يعمل بها؟
قال: تدفن بين أهل ملتها؛ لأنها ماتت على دينهم، وولدها في بطنها لم يخرج.
قلت: فإذا حمل الميت إلى قبره، هل يُسَلُّ سَلاًّ من عند رجليه أو يستقبل به من ناحية القبلة؟
__________
(1) ـ لمثل هذا اليوم (ب).

(1/69)


قال: أما قولي وقول علماء آل الرسول عليه وعليهم السلام: فإنَّه يسل سلاًّ من عند(1) رجليه، وقد قال غيرنا: إنَّه يستقبل من ناحية القبلة استقبالاً، ولسنا نرى ذلك.
قلت: فهل يُلْحَد القبر في قبلته، أو يُضرح في وسطه؟
قال: اللحد أحب إليَّ، وهو قولنا وقول علماء آل الرسول عليه وعليهم السلام، وإنَّما الضرح لأهل الذمة في وسط القبور، وقد لُحِدَ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحدٌ.
قلت: فما الذي يوضع على اللَّحد؟
قال: اللِّبْن النظيف الطيب.
قلت: فالقصب؟
قال: لا بأس بذلك، واللِّبن أحب إلينا.
قلت: فالصفا؟
قال: وكذلك أيضاً الصفا لا بأس به عندنا.
قلت: فالآجر؟
قال: لا أحب ذلك إلاَّ أن يضطر إليه.
قلت: فهل تدفن جماعة في قبر واحد؟
قال: لا إلاَّ عند الضرورة.
قلت: فإن اضطر الناس إلى ذلك؟
قال: تدفن الثلاثة والأربعة في قبر واحد ويحجر بينهم في القبر بالحجارة والتراب؛ حتَّى يبين بعضهم من بعض، ولا يجمعون جميعاً، وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشهداء أُحد حين ضعف الناس عن الحفر لما بهم من الجراح، فَدَفَنَ(2) اثنين في قبر، وثلاثة في قبر.
قلت: فهل يربَّع القبر أو يسنم؟
قال: التربيع أحب إلينا.
قلت: فيجوز تجصيص القبور؟
قال: نحن نكره ذلك، والتطيين(3) أحب إلينا.
قلت: فهل يغسل الرجل وزوجته، ويُدخلها في قبرها؟
قال: قد كره ذلك غيرنا، ولسنا نرى به بأساً، وقد غسل أمير المؤمنين عليه السلام فاطمة رحمة الله عليها، وكذلك روي أن أسماء بنت عميس غسَّلت أبا بكر.
قلت: فإن امرأة سافرت مع الرجال فماتت، وليس لها منهم ذو رحم، كيف يعملون بها في تغسيلها؟
__________
(1) ـ من قبل رجليه (ب).
(2) ـ فَدُفِنَ اثنان (ب).
(3) ـ والطين (ب).

(1/70)


قال: قد قال غيرنا، مثل سفيان وغيره: إنها تُيَمم، ولسنا نلتفت إلى قولهم في ذلك، ولكنا نرى أن تغسل بالماء من فوق الثياب، وتنقى وتنظف الثياب الَّتِي غسلت وهي عليها، وإن أمكن تجريدها بغير نظر منهم إليها لتكفينها فعلوا ذلك، وإلاَّ تحروا الغسل بسكب الماء على الثياب حتَّى يصل الماء إلى بدنها، وينقى ما تحت ثيابها الَّتِي غسلت فيها إنقاءً نظيفاً، وأدرجت في أكفانها، ودفنت.
قلت: وكذلك إذا مات الرجل مع النساء ولم يكن معهن رجل؟
قال: يعمل(1) به ما وصفنا من عمل الرجال بالمرأة.
قلت: فيجوز أن تكفن المرأة في ثيابها المصبوغة؟
قال: نعم، ألا ترى أنَّه يجوز لها فيها الصلاة، فما جاز لها أن تصلي فيه جاز أن تكفن فيه.
قلت: وكذلك الرجل يكفن في الثوب المصبوغ؟
قال: يغسل ويكفن فيه إذا لم يكن البياض، والبياض أحب إلينا.
مبتدأ مسائل الزكاة
قال أبو جفعر محمد بن سليمان الكوفي، سألت إمام المسلمين في عصره يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، عن أقل ما تجب فيه الزكاة من الذهب والفضة، ما هو؟
قال: هذا المثقال الذي في أيدي الناس وهو عشرون قيراطاً بالقيراط العراقي، وأربعة وعشرون قيراطاً بالقيراط الحجازي والبصري.
قلت: وكيف وقع الاختلاف في ذلك، فصار هذا عشرين قيراطاً، وصار هذا أربعة وعشرين قيراطاً؟
قال: ليس في ذلك اختلاف، كله يرجع إلى معنى واحد.
قلت: وكيف ذلك؟
__________
(1) ـ يعملن، نسخة.

(1/71)


قال: لأن قيراط العراق ثلاث حبات، فصار المثقال به عشرين قيراطاً، وجميع المثقال ستون حبة بوزن الشعير، وأمَّا القيراط الحجازي والبصري فحبتان ونصف بالشعير، فلذاك صار المثقال أربعة وعشرين قيراطاً، وأما المثقال في نفسه فهو: الذي ذكره الله سبحانه لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو: الدينار، فقال: في كتابه: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك}[ ]، فهذا هو الدينار الذي عرَّفه اللهُ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على لسان جبريل، وأخبره أنَّ أقل ما تجب فيه الزكاة عشرين ديناراً، فإذا بلغت عشرين مثقالاً ففيها نصف مثقال.
قلت: فإن نقص من العشرين سدس مثقال، هل تجب فيه الزكاة؟
قال: لو نقص من عشرين مثقالاً حبة ما وجبت فيها الزكاة إلاَّ أن يكون مع صاحبها شيء من وَرِق الدراهم فيضمها إليها ويخرج منها ما يجب في ذلك.
قلت: قد فهمت ما يجب في الدنانير، فأقل ما يجب في الدنانير فيه الزكاة من الدراهم كم؟
قال: أقل ما يجب فيه الزكاة من الدَّراهم مائتا درهم.
قلت: بأيِّ درهمٍ؛ لأنِّي أرى الدراهم مختلفة في كل بلد، بخرسان ضربٌ، فمنها: الخوارزمية أربعة دوانيق من هذا الدرهم الذي تعرفه، ومنها طبرية تزيد على ذلك نصف دانق، ومنها أكثر من ذلك، ما يكون درهماً وكسراً في العراق هذا(1) الدرهم، وفي اليمن دراهم مختلفة، فَبِيِّن لي من أيِّ الدراهم إذا بلغت مائتين يخرج منها الزكاة، وكيف كان معناها وأولها حتَّى أعرفه؟
قال: أُبينه لك إن شاء الله، هذه الدراهم الَّتِي في أيدي الناس في العراق وما والاها من البلاد هي المعمول عليها، وهو الدرهم الذي وزنه اثنتان(2) وأربعون حبة بالشعير.
قلت: اشرح لي ذلك حتَّى أفهمه؟
__________
(1) ـ هذه الدراهم (ب).
(2) ـ في نسخة: ثمانية وأربعون حبة، وما في الكتاب هو الصَّحيح كما سيأتي.

(1/72)


قال: نعم، لم يزل هذا الدرهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معروفاً غير منكر، كان كدرهمنا هذا اليوم، ولم يكن مضروباً في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كضربة اليوم، وكذلك أيضاً الدنانير، وإنما كانوا يتبايعون ويتشارون بالتبر دراهم معروفة، وأواقي مفهومة، الوقوية أربعون درهماً، فكان رطلهم أربعمائة درهم وثمانين درهم بهذا الدرهم الذي في أيدي الناس اليوم، فأقَرَّ رطلهم صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، والدليل على ما قلنا به من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <ليس فيما دون خمس أواق من الفضة زكاة>، ثُمَّ قال صلى الله عليه وآله وسلم بإجماع الأمة عنه: <ليس فيما دون مائتين درهم زكاة، وليس فيما دون خمس أواق زكاة>، وإن الوقية إذ ذاك كانت أربعين درهماً بهذا الدرهم الذي لا اختلاف فيه عند الأمة أن الزكاة تجب في مائتي درهم، فهذا الدرهم الذي سألت عنه، فهو الدرهم الذي يسميه أهل العراق وزن سبعة، وإنَّما سموه وزن سبعة؛ لأنَّه وزن سبعة أعشار المثقال، والدليل على ذلك أنك إن زدت على هذا الدرهم ثلاثة أسباع صار مثقالاً، ولذلك صارت العشرة دراهم به سبعة مثاقيل، وقد كانت دنانير قيصر ملك الروم ودراهم كسرى البغلية ترد على العرب في الجاهلية بمكة، فلم يكونوا يتبايعون بها، وكانوا يردونها إلى ما يعرفون من التبر على وزن المثقال والدرهم على تجزئتها في الأواقي والأرطال، والرطل الذي ذكرنا فهو رطل المدينة، وهو رطل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو: أربعمائة درهم وثمانون درهماً، فهذه الدراهم الَّتِي بيَّنا أمرها وشرحناه فهي المعمول عليها الزكاة، فإذا بلغت عند صاحبها مائتي درهم وحال عليها الحول وجب فيها خمس دراهم منها.
قلت: وكذلك إن نقصت درهماً، هل يجب فيها زكاة؟
قال: لا، ولو نقصت حبة.
قلت: فإن زادت على المائتي درهم درهماً واحداً، هل يجب فيه شيء؟

(1/73)


قال: نعم، ربع عشره، كذلك أيضاً لو زادت حبة واحدة وجب ربع عشرها، فاكتف بهذا الأصل فيما زاد ونقص.
قلت: فإن رجلاً لمَّا وجبت عليه الزكاة آخرجها وعزلها، فذهبت في الليلة الَّتي وجبت عليه فيها الزكاة، هل يجب عليه أن يخرج غيرها؟
قال: نعم، لا يزال ضامناً لها حتَّى يؤديها فيما أمر الله به.
قلت: وكذلك لو كان أخرجها بعدما وجبت عليه بيوم أو يومين؟
قال: الجواب في ذلك واحد، إن أخرجها قبل أو بعد فذهبت كان ضامناً حتَّى يخرج غيرها، ويؤديها.
قلت: فإنه حملها وقد كان الإمام في بلد غر بلده، فلما صار في بعض الطريق لقيه لصوص فأخذوها، هل يجب عليه أن يخرج غيرها؟
قال: نعم، كل ذلك أمر واحد والجواب فيه واحد، لا يزال الرجل ضامناً للزكاة حتَّى يؤديها إلى الإمام إن كان ظاهراً.
قلت: فإن لم يكن الإمام ظاهراً ففي مَن(1) يخرجها؟
قال: قد قال غيرنا في ذلك بأقاويل، ولسنا نلتفت إلى قولهم: إنها لا تخرج في بناء مسجد ولا حفر قبر ولا عمل سقاية ولا تكفين ميت، وأما أنا فأرى أن أفضل ما تخرج فيه الزكاة: هذه الوجوه وما أشبهها، إذا لم يكن الإمام ظاهراً ولم يجد مخرجها من الناس موافقاً مستحقاً؟
قلت: فإن الرجل كان معه عشرة دنانير، فلما كان قبل أن يحول عليه الحول بيوم أو يومين ورث عشرة دنانير أخرى أو أكثر من ذلك، هل يجب عليه الزكاة ولم يحل عليه الحول فيما ورث؟
قال: نعم، لو كان معه عشرة دراهم ثُمَّ ورث أو اكتسب عشرين مثقالاً قبل الحول بيوم أو يومين لوجب عليه في ذلك الزكاة.
قلت: وكذلك لو كان معه عشرون مثقالاً، فلما كان قبل الحول بيوم أو يومين ذهب، هل يجب عليه فيها زكاة؟
قال: لا؛ لأنها ذهبت قبل أن يحول الحول.
__________
(1) ـ في (ب): ففيم يخرجها.

(1/74)


قلت: فإن رجلاً حال عليه الحول ومعه عشرون مثقالاً ناضةً وله آلة من آلة الدكاكين، مثل: آلة العطارين أو الأساكفة وما أشبه ذلك من الآلات، هل يجب على الرجل أن يقوِّم آلته الَّتي هي للتجارة ويضم ثمنها إلى ماله فيخرج من الجميع زكاة؟
قال: لا، يجب في الآلات الَّتي يكتسب بها ولا الآلات الَّتي ينتفع بها في التجارة، وكذلك آلات الصناع لا يجب أن تقوَّم ويخرج منها الزكاة؛ لأنها من الَّتي يكتسب منها وبها المال الذي يجب فيه الزكاة.
قلت: وكذلك الطحان الَّتي له أرحية تسوى مائتي دينار أو أكثر، وبغال أو جمال تدير الأرحي تسوى أكثر من مائتي دينار، فربما كانت آلة الطحان تسوى خمسمائة دينار، ولعله لا ينض معه إذا حال عليه الحول إلاَّ مائتا دينار.
قلت: وكذلك أيضاً لا يقوِّم هذا الطحان ثمن البغال من الأرحية، ولا يضمها إلى ماله الذي نض عنده عند رأس الحول فيخرج منه الزكاة؟
قال: قد بينا(1) لك الجواب في ذلك كله، أنَّه لا يجب في الآلات شيء، قلَّ ثمنها أو كثر.
قلت: فالدكاكين أيضاً الَّتي فيها الأرحية، هل هي مثل الآلات؟
قال: نعم، إذا كان الطحان يطحن فيها فهي مثل المساكن والدور.
قلت: وكذلك أيضاً دكان العطار والبائع كل ذلك، سواء؟
قال: نعم.
قلت: وكذلك العبيد الذين يخدمون في التجارات في الدكاكين في هذا المعنى(2)؟
قال: كل ذلك معنى واحد.
قلت: فإن رجلاً اشترى دكاناً أو دكاكين يكريها ويستغلها، هل عليه أن يقوِّم إذا حال عليه الحول، ويخرج من ثمنها ربع عشره؟
قال: نعم، ليس هذه الدكاكين مثل الدكاكين الَّتي يتجر فيها صاحبها؛ لأن هذه إنَّما اشتريت للكراء، فصارت للتجارة فوجبت فيها الزكاة، وكل ما كان للتجارة من دار أو دكان أو عبيد أو غير ذلك وجبت فيه الزكاة.
قلت: فإنه لما اشتراها للكراء أو أكراها وقتاً بدا له فجلس فيها هو يتجر، هل يكون حالها كحال الأولى؟
__________
(1) ـ نسخة (ب): وقد قدمنا لك الجواب.
(2) ـ على هذا المعنى (ب).

(1/75)


قال: لا، إذا اتَّجر فيها فهي مثل مسكنه.
قلت: فإن رجلاً اشترى عبداً أو عبيداً للحياكة يحوكون ويستغلهم، هل يُقوَّمون إذا حال الحول، ويُخرج من أثمانهم ربع العشر؟
قال: قد كفيناك الجواب في الأصل، كل ما اشتري للتجارة أو للغلة ففيه الزكاة إذا حال عله الحول، وكل ما اشتري يُسكن أو يُتَّجر فيه أو عبد يستخدم فلا زكاة فيه، فاكتف بهذا الأصل ففيه كفاية إن شاء الله.
قلت: فإن رجلاً اشترى بُرّاً(1) أو طعاماً أو عَرَضاً من العروض أو حيواناً قبل رأس الحول بألف دينار، فلما حال عليه الحول زاد ثمنه ضعف الثمن، أو نقص الثمن، أو نقص من ثمنه الذي اشتراه به نصف الثمن، كيف يزكيه عند رأس الحول؟
قال: لا ينظر في ذلك إلى زيادة الأسعار ونقصانها ولا ينظر إلى ما اشترى به، ولكنه إذا حال عليه الحول نظر إلى قيمته في ذلك الوقت فزكاه وأخرج منه ما يجب فيه.
قلت: فإن رجلاً حال عليه الحول وعنده خمسة عشر مثقالاً ومائة وخمسون درهماً، كيف يعمل في ذلك؟
قال: يضم الدراهم يصرفها إلى الدنانير(2) ثُمَّ يحسب ذلك دنانير، ثُمَّ يخرج من كل عشرين مثقالاً نصف مثقال.
قلت: فإن الدراهم خمسون درهماً، والدنانير عشرة، كيف يعمل في ذلك؟
قال: يضم الدنانير يصرفها إلى الدراهم، ثُمَّ يخرج من كل مائتي درهم خمسة دراهم.
قلت: فلأي معنى هذا؟
قال: لأن لا يبطل الزكاة، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأخذها، فقال سبحانه: {خُذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها}[ ].
قلت: فهذان الصنفان لم يبلغ كل واحد منهما ما يجب فيه الزكاة، فَلِمَ جمعتهما وضممت أحدهما إلى صاحبه، ومنعت أن يجمع شيء من الأصناف بعضه إلى بعضٍ في الزكاة غير هذين الصنفين؟
__________
(1) ـ كلمة بِر عند بعض أهل اليمن ـ بكسر الباء، والبعض الآخر ـ بضمها ـ والبر الحنطة، أي القمح بلغة العصر الحاضر.
(2) ـ على اعتبار صرف الدينار خمسة عشر درهماً فما فوق، تمت.

(1/76)


قال: لأن هذين الصنفين جوهر من جواهر الأرض نباتهما بغير بذر نبتا، وإنَّما جعلهما الله عز وجل محنةٌ لهذا الخلق، ففرض عليهم تأدية الزكاة منهما لو كان الجمع بينهما لا يجب؛ لذهب كثير من فرض الزكاة إذا كان من كان معه عشرون مثقالاً إلاَّ قيراطاً ومائتا درهم إلاَّ دانقاً لم يجمع بينهما، ولم يجب على من معه هذا الذي وصفنا زكاة كان كثير من الخلق يحتالون في نقصان المائتي درهم والعشرين مثقالاً، وهذا ما لا يصح في شواهد العقول، وقد أمر الله سبحانه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فقال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}[ ]، وقد قال أبو حنيفة وأصحابه: إنَّ الدنانير والدراهم يُجمعان في الزكاة، وهذا أحب الأقاويل إلينا، إنهما يجمعان.
قلت: فإن رجلاً كان عنده ألف درهم خمس سنين، ولم يخرج منها زكاة في هذه السنين، كيف يعمل؟
قال: يُخرج منها لأول سنة خمسة وعشرين درهماً، ثُمَّ يُخرج السنة الثانية أربعة وعشرين درهماً وربع درهم وثمن درهم، وكذلك السنة الثالثة والرابعة والخامسة بحساب ما ينقص في كل سنة بما تنتقصه الزكاة.
قلت: وكذلك العمل أيضاً في البقر والغنم والإبل؟
قال: نعم.
قلت: وكذلك لو أن رجلاً له دين ألف درهم فحال الحول ولم يقبضها، هل يزكيها؟
قال: نعم، كل دين يرجوه صاحبه ويأمل أن يقبضه فعليه أن يزكيه إذا حال عليه الحول.
قلت: فهل تجب الزكاة في الحُلي إذا كان على سيف أو على مرآة أو ما أشبه ذلك من الحلية للسروج أو غير ذلك أو حلي النساء؟
قال: كل حلي من الذهب والفضة يحول عليه الحول فهو عندنا يجب فيه الزكاة، ربع عشره، فافهم ذلك.
قلت: فإن كان هذا الحلي عشرين مثقالاً ذهباً ومائتي درهم فضة، والعشرون مثقال ذهباً يساوي مائة وخمسون درهماً، والمائتان درهم الفضة تساوي عشرة مثاقيل، كيف يُخرج صاحبه زكاته، أَمِنْ نفس الحلي ربع عشر، أم يقوِّمه فيُخرج من قيمته؟

(1/77)


قال: يُخرج من وزن الحلي ربع عشر، ولا يلتفت إلى قيمته.
قلت: وكذلك أيضاً لو كان معه له مصحف، عليه حلي مائة درهم فضة، ومعه خمسة عشر مثقالاً من الذهب، هل يضم بعض ذلك إلى بعض ويُخرج زكاته؟
قال: نعم.
قلت: فإن رجلاً عليه دين ألف درهم ومعه ألف درهم ومائة درهم، هل يجب عليه الزكاة؟
قال: نعم، يُخرج منها ما يجب في جميعها، ربع عشرها، ولا ينظر إلى ما عليه من الدين؛ لأن هذه قد حال عليها الحول وهي في ملكه.
قلت: وكيف يكون في ملكه، وإنَّما هي ألف ومائة، وعليه ألف، ولا أرى في ملكه إلاَّ مائة درهم؟
قال: أليس إنَّما عليه ألف درهم ديناً؟
قلت: بلى.
قال: أفلا ترى أنَّه لو أراد أن ينكح من هذه الألف والمائة بنصفها أو بأكثر أو بأقل لم يمنعه الحاكم من ذلك، وكذلك لو أراد أن يتصدق أو يأكل أو يشرب منها؟
قلت: بلى.
قال: فهو أملك بها من صاحب الدين، والواجب عليه أن يخرج زكاتها كلها، ولا يلتفت إلى ما عليه من الدين إذا وجبت الزكاة، وقد قال غيرنا بغير ذلك، ولم يُلتفت إلى قوله في ذلك.
قلت: فإن رجلاً كان معه ألف درهم فدفنها في موضع، فلما كان بعد ذلك ضل عن الموضع الذي دفنها فيه، وكذلك لو كانت معه فسقطت منه، وكذلك لو اغتصبها مغتصبٌ فمكثت سنين، ثُمَّ وجدها بعد ذلك أو ردها بعد ذلك عليه الغاصب، هل يجب عليه أن يخرج زكاتها إذا قبضها لما مضى من السنين؟
قال: نعم.
قلت: فإن المغتصب الذي اغتصب هذه الألف من أهل دار الحرب، ثُمَّ رجعت إليه بعد سنين بغلبة أو ردها الحربي عليه تطوعاً، هل يجب عليه فيها الزكاة؟
قال: لا.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأنَّه ما غلب المشركون عليه من مال أو كراع فقد زال عنه ملك صاحبه، فإذا رجع عليه لم يجب عليه فيه زكاة لما مضى.
باب صدقة الإبل
وسألته عن أقل ما تجب فيه الزكاة من الإبل؟
قال: خمس.
قلت: فهذه الخمس تعرف أسنانها؟
قال: إذا بلغت خمساً صغرت الأسنان أو كبرت، وكانت سائمة.
قلت: وما السائمة، وكيف تكون سائمة؟

(1/78)


قال: مرعية للنتاج وغير ذلك من منافع أهلها لا للكراء، وجبت فيها الزكات.
قلت: وكم يجب في الخمس؟
قال: شاة.
قلت: فهذه الشاة تُرف سنها بصغر أو كبر؟
قال: لا، ولكن تؤخذ شاة وسطة من الغنم، لا هرمة ولا ذات عوار.
قلت: ثُمَّ إلى كم تجب الصدقة بعد الخمس؟
قال: إلى عشر، فإذا بلغت عشراً ففيها شاتان إلى خمس عشرة، فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياة إلى عشرين، فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياة إلى خمس وعشرين، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها ابنة مخاض؟
قلت: وما معنى ابنة مخاض؟ ولِمَ سميت ابنة مخاض؟
قال: لأن أمها تتمخض بالولد في بطنها، وهي تابع لها، فلذلك سميت ابنة مخاض.
قلت: فقد روي عن علي رضي الله عنه، أنَّه جعل في خمس وعشرين من الإبل خمس شياة، وفي ست وعشرين ابنة مخاض؟
قال: لمْ يصح ذلك عنه عندنا، والذي صح عنه عندنا أنَّه قال: (وجدت في قراب سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صحيفة فيها زكاة الإبل والبقر والغنم، فكان فيها: وفي خمس وعشرين من الإبل ابنة مخاض)، فهذا الذي صح عنه عندنا.
قلت: فبعد الخمس والعشرين، إلى كم تجب الصدقة؟
قال: إلى خمس وثلاثين.
قلت: فإذا صارت خمساً وثلاثين، فكم يجب فيها؟
قال: يجب فيها ابنة مخاض أيضاً حتَّى تزيد واحدة على خمس وثلاثين، فإذا صارت ستاً وثلاثين وجبت فيها ابنة لبون.
قلت: فهل يجب بين الخمس والعشرين إلى خمس وثلاثين شيء؟
قال: لا.
قلت: فلأيِّ علَّة لا يجب في ذلك شيء؟
قال: لأنها الأوقاص الَّتي عفا عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمر الله عز وجل، وهي: ما بين السن والسن، وإنَّما تجب ابنة لبون إذا كملت ستاً وثلاثين، ألا ترى أن سبعاً وعشرين لا يجب فيها ابنة لبون؛ لأنَّه زيادة بعير واحد، وكذلك في زيادة البعير والبعيرين والثلاثة والأربعة إلى ما يجب فيه ابنة لبون؛ لأن بين ابنة مخاض وابنة لبون فرقاً في الثمن والسن.
قلت: فلِمَ سُمِيَت ابنة لبون؟

(1/79)


قال: لأن أمها قد أنتجت وهي تسقيها، فصارت هي ابنة لبون؛ لأن في أمها لبناً وسنها غير سن ابنة المخاض؛ لأن ابنة المخاض لها سنة، وابنة لبون لها سنتان.
قلت: فبعد ما يجب ابنة لبون، إلى كم تجب الزكاة؟
قال: إلى ست وأربعين، فإذا كملت ستاً وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل.
قلت: ولأيِّ معنىً سُمَيت حقة طروقة الفحل؟
قال: لأنها قد استحقت أن يحمل عليها ويقرعها الفحل، فلذلك سميت حقة طروقة الفحل.
قلت: فبعد ما وجبت الحقة، ففي كم تجب الزكاة؟
قال: إلى ستين، فإذا زادت على الستين واحدة وجب فيها جذعة.
قلت: وما معنى الجذعة؟
قال: الجذعة معروفة غير منكرة، إذا أتى عليها أربع سنين صارت جذعة.
قلت: فمن بعد ما وجبت الجذعة، إلى كم تجب الصدقة؟
قال: إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، ثُمَّ تستقبل الفريضة من بعد ذلك.
قلت: كيف تستقبل الفريضة، وبأيِّ شيء تستقبل؟
قال: بالغنم.
قلت: وأي شيء يؤخذ منها؟
قال: حقتان وشاة.
قلت: فإنها صارت ثلاثين ومائة؟
قال: فيجب فيها حقتان وشاتان.
قلت: فعلى هذا القياس في الغنم حتَّى يبلغ خمساً وأربعين ومائة؟
قال: نعم.
قلت: فإذا بلغت ذلك؟
قال: ففيها حقتان وابنة مخاض.
قلت: وكذلك إذا صارت خمساً وخمسين ومائة؟
قال: إذا زادت واحدة على الخمس والخمسين ومائة ففيها حقتان وابنة لبون.
قلت: فإنها صارت ستاً وستين ومائة؟
قال: ففيها ثلاث حقات.
قلت: فإن صارت إحدى وثمانين ومائة؟
قال: ففيها حقتان وجذعة.
قلت: فإنها صارت ستاً وتسعين ومائة؟
قال: ففيها حقتان وابنتا لبون.
قلت: فإنها صارت مائتين وإحدى عشرة؟
قال: ففيها أربع حقاق.
قلت: فإنها صارت أربعين ومائتين؟
قال: وكذلك أيضاً فيها أربع حقاق.
قلت: فإن زادت على أربعين ومائتين، ما العمل في ذلك؟

(1/80)


قال: تستقبل أيضاً الفريضة بالغنم على ما قدمنا وشرحنا، في كل خمس شاة، حتَّى تكمل خمساً وستين ومائتين، فيكون فيها أربع حقاق وابنة مخاض، ثُمَّ على هذا الحساب الذي قدمنا في فرائض الإبل ، وقد قال غيرنا: إنَّه إذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون، وأما علماء آل الرسول عليه وعليهم السلام، وقولي أنا: فهذا القول الذي شرحنا.
قلت: وكذلك إن بلغت الإبل ألفاً أو أكثر تستقبل بها الفريضة أيضاً، على ما ذكرت وشرحت؟
قال: نعم.
قلت: فإن المصدق وجب له على صاحب الإبل ابنة مخاض، فلم يجد عنده إلاَّ ابنة لبون، وكذلك لو وجب له ابنة لبون فلم يجد عنده إلاَّ ابنة مخاض؟
قال: يترادان الفضل ما بين السنين.
قلت: فإن وجب للمصدق ابنة مخاض ولم يكن عند صاحب الإبل إلاَّ ابنة لبون؟
قال: رد المصدق على صاحب الإبل فضل ثمن ابنة لبون، وكذلك إن وجب له ابنة لبون فلم يكن عند صاحب الإبل إلاَّ ابنة مخاض أخذها المصدق، وأخذ من صاحب الإبل فضل ثمن ابنة لبون.
قلت: فيجعل لما بين السنين ثمناً معلوماً؟
قال: لا، وإنَّما يعمل في ذلك المصدق على قدر ما يعرف أصحاب الإبل الذين هم عندهم.
قلت: فإن المصدق لما وجب له ابنة مخاض أو ابنة لبون وأخذها من صاحبها، قال له المصدق: ذرها لي مع إبلك ترعى حتَّى آخذها، فماتت عنده أو فُرست، هل يجب للمصدق على صاحب الإبل غيرها؟
قال: لا.
قلت: فإنه لم يقبضها، ولكنه قال: أعزل لي ما وجب عليك، وهي ابنة مخاض، وذرها لي معك حتَّى أرسل إليك مَن يقبضها، فعزلها صاحب الإبل وعرَّفها، فلم يرسل المصدق لها حتَّى ماتت أو فُرست، هل يجب عليه غيرها؟
قال: نعم؛ لأنَّه لا يزال ضامناً لها حتَّى يقبضها المصدق.

(1/81)


قلت: فإن المصدق لم يجد عند صاحب الإبل إلاَّ عشرة أجمال بوازل يرحل عليها أهله في البادية من موضع إلى موضع، ويكريها في بعض السنة مرة أو مرتين من عند أهله إلى العراق أو من العراق إلى أهله، وكذلك لو كان عنده عشرون بازلاً ترعى ويكريها كما وصفنا في العشر؟
قال: أمّا الَّتي تحمل عليها، فإن كان أكثر السنة يَحمل عليها أهله في البادية من موضع إلى موضع ففيها أيضاً صدقة أربع شياة إذا كانت عشرين.
قلت: فإنها كانت خمساً وعشرين بازلاً، يَحمل عليها أيضاً، ويرعاها؟
قال: فيجب فيها ابنة مخاض.
قلت: فإن لم يكن عنده ابنة مخاض، هل يأخذ قيمتها دنانير؟
قال: لا.
قلت: فكيف يعمل؟
قال: يأخذ من البوازل واحداً، ويرد المصدق عليه فضل الثمن ما بين البازل وبنت المخاض على قدر ما يعرف أهل الموضع من أثمان الإبل.
قلت: فإن بعض هذه البوازل يكريها صاحبها إلى مثل العراق أو غير ذلك من البلاد في السنة مرة أو مرتين، ويمتار(1) عليها لأهله؟
قال: إذا كانت الإبل أكثر السنة يحتمل عليها صاحبها في البادية، وهي مرعية فهي من الإبل الَّتي يجب فيها الصدقة ولو كانت تكرى مرة أو مرتين.
قلت: فإن هذه الإبل لحمَّالٍ يكريها في المواسم إلى مكة، فإذا رجع بها من مكة وجه بها إلى البادية ترعى من السنة إلى السنة، فإذا كان في الموسم أكراها؟
قال: ليس هذه من الإبل الَّتي يجب فيها الصدقة.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأن هذه موقوفة للتجارة والكراء، وإنَّما ترعى في البادية حتَّى تسمن فتصلح للمحامل والأحمال.
قلت: فما يجب على صاحب هذه؟
قال: إذا حال على صاحب هذه الجمال الحول قوَّمها بما تسوى في ذلك الوقت من الثمن، ثُمَّ أخرج ربع عشر ثمنها.
قلت: فَلِمَ ذلك، وهي عوامل، وقد عفا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن العوامل من الإبل؟
__________
(1) ـ ثُمَّ يمتاز، نسخة.

(1/82)


قال: إنَّما عفا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخمس من الإبل تكون بالمصر يعمل عليها صاحبها في المناقلة وما أشبه ذلك من الكراء في المصر من موضع إلى موضع، وينفق من كرائها على نفسه وعياله.
قلت: فإن هذه الخمس أيضاً صاحبها يعمل عليها بالمصر، فإذا كان الموسم باعها للجمالين، ثُمَّ اشترى بدلها أيضاً فيعمل عليها بالمصر، ويحسن إليها ويسمنها حتَّى يأتي الموسم فيبيعها أيضاً؟
قال: قد بينت لك عن الخمس الَّتي عفى عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأما هذه ومثلها فهي للتجارة، فيجب فيها إذا حال الحول ربع عشر ثمنها إذا بلغ ثمنها ما يجب فيه الزكاة.
قلت: وكذلك كل ما كان من الدواب قد جعل للتجارة فهو على ما وصفت؟
قال: نعم.
قلت: مثل الرجل يكون له الرمكة أو الرمكتان والعشر أو أكثر، قد جعلها للنتاج فهو يبيع منها المهارة؟
قال: نعم، يجب فيها عندما يحول عليها الحول ربع عشر ثمنها.
قلت: أفليس هذه من الخيل الَّتي قد عفا عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
قال: لا.
قلت: فأيُّ الخيل عفا عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
قال: مثل الفرس والفرسين والثلاثة وأكثر إذا كان صاحبها يركبها في سبيل الله أو إلى ضيعته ومنافعه، وليست للتجارة.
قلت: وكذلك الحمير بهذه المنزلة إذا كان لرجل مائة حمار قد جعلها للنتاج أو حمار واحد، فعليه أيضاً إذا حال عليه الحول ربع عشر ثمنها؟
قال: نعم، إذا كان وقت ما يحول عليه الحول ثمنه عشرين مثقالاً فصاعداً وجب فيه عليه ربع عشر ثمنه.
باب القول في صدقة البقر
وسألته عن أقل ما تجب فيه الزكاة من البقر؟
قال: أقل ما تجب فيه الزكاة من البقر في الثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة، حَوْليٌّ أو حَوْلِيَّةٌ.
قلت: ثُمَّ إلى كم تجب الزكاة بعد ذلك؟
قال: إلى أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها مَسِنٌّ أو مَسِنَّةٌ.
قلت: ثُمَّ إلى كم تجب بعد ذلك الزكاة؟

(1/83)


قال: إلى ستين، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان، ثُمَّ ليس فيها شيء حتَّى تبلغ سبعين، فإذا بلغت سبعين ففيها مُسِنَّة وتبيع، ثُمَّ ليس فيها شيء إلى ثمانين، فإذا بلغت ثمانين ففيها مسنتان، ثُمَّ ليس فيها حتَّى تبلغ تسعين، فإذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبايع، ثُمَّ ليس فيها شيء إلى المائة، فإذا بلغت مائة ففيها تبيعان ومَسِنَّةٌ، ثُمَّ ليس فيها شيء حتَّى تبلغ عشراً ومائة، فإذا بلغت عشراً ومائة ففيها مسنتان وتبيع، ثُمَّ ما جاءك من هذا في البقر فقسه على ما مضى ووصفت لك، إن شاء الله.
باب صدقة الغنم
وسألته عن أقل ما تجب فيه الصدقة من الغنم؟
فقال: أقل ما تجب فيه الصدقة من الغنم في أربعين شاة، فإذا بلغت أربعين شاة ففيها شاة.
قلت: فإن نقصت من الأربعين شاة واحدة؟
قال: لا يجب فيها شيء إذا نقصت واحدة.
قلت: فإن كانت هذه الغنم عشرين فولدت قبل أن يحول الحول بشهر أو بنصف شهر فصارت مع أولادها أربعين؟
قال: إذا ولدت الغنم قبل الحول بنصف شهر أو أكثر فكملت عند رأس الحول أربعين، وجبت فيها شاة.
قلت: فإن كانت قبل أن يحول الحول بعشرة أيام ثمانية وثلاثين شاة، ثُمَّ ولدت شاتان وَلَدَيْن ولم يخرج الولدان مع الغنم إلى المرعى، هل تجب فيها الصدقة؟
قال: إذا كان مثل الولدين لو خرجا يتقرمان وجبت في الغنم الصدقة.
قلت: وما معنى تقرم؟
قال: إذا خرج الجدي الصغير أو الحمل فنتف من الأرض البقل، فهذا التقرم.
قلت: وكذلك ينبغي للمصدق أن يعد جميع صغار الغنم إذا تقرمن؟
قال: نعم، يعد المصدق الصغار والكبار، فإذا بلغت أربعين أخذ منها شاة.
قلت: فما هذه الشاة الَّتي يأخذها؟
قال: يأخذ شاة وسطة من الغنم، لا تيساً ولا هرمةً ولا ذات عوار.
قلت: ثُمَّ إلى كم من بعد الأربعين تجب الصدقة في الغنم؟
قال: إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان، ثُمَّ ليس فيها شيء إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة.

(1/84)


قلت: وكم كثير الغنم عندك؟
قال: ثلاثمائة؟
قلت: فقد ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه عفا عن الأربعين شاة تكون في المصر؟
قال: قد روي ذلك عنه صلى الله عليه وآله وسلم، والذي صح من هذا الحديث: أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم إنَّما عفا عن الأربعين شاة تكون بالمصر يحلبها صاحبها ويعلفها بالمصر.
قلت: فإن أخرجها صاحبها إلى خارج المصر فرعاها، هل يجب فهيا الصدقة؟
قال: نعم، كل ما كان من الغنم والبقر والإبل ترعى في المراعي وجبت فيها الصدقة.
قلت: فإن صاحب الغنم الذي يرعاها كثرت، فجمع منها سمناً يساوي ألف درهم، وحال عليه الحول عنده، هل يجب عليه فيه الزكاة؟
قال: لا، لأن هذا قد أخرج زكاته من الغنم.
قلت: وكذلك لو جَزَّ منها صوفاً يساوي ألف درهم، فحال عليه الحول؟
قال: الجواب في ذلك واحد.
قلت: وكذلك إن مكث عنده السمن أو الصوف سنتين أو ثلاثاً أو عشراً، وهو يتزايد في كل سنة عنده؟
قال: الجواب في ذلك واحد، لا يجب فيه شيء ما دام السمن على حاله أو الصوف، إلاَّ أن يبيعه فيصير ثمنه وَرِقاً.
قلت: فإن باعه وحال على ثمنه الحول؟
قال: يجب فيه ربع عشر ثمنه.
قلت: فإن باع هذا السمن أو الصوف بطعام أو ثياب أو تمر أو عرض من العروض، هل يجب عليه فيه الزكاة؟
قال: إن كان إنَّما اشترى ذلك للتجارة وجب عليه فيه الزكاة عند رأس الحول.
قلت: فإن كان اشترى طعاماً لأهله، فأنفق منه على أهله وبقي منه عند رأس الحول ما يساوي مائتي درهم، هل يجب عليه في ذلك الزكاة؟
قال: لا؛ لأنَّه اشتراه نفقة لأهله، وكل ما اشتري للنفقة أو اللباس لم يجب فيه الزكاة، وإنَّما تجب الزكاة فيما اشتري للتجارة.
قلت: وكذلك الدر والياقوت؟
قال: الجواب في ذلك كله واحد، فاكتف به، إن شاء الله.
قلت: فإن رجلاً له ثلاثمائة شاة مع ثلاثة رعاة، مع واحد خمسون ومائة، ومع واحد عشرون ومائة، ومع واحد ثلاثون، كيف يعمل المصدق في ذلك؟

(1/85)


قال: يضمها جميعاً، ويأخذ منها ثلاث شياه.
قلت: وكيف ذلك، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق>؟
قال: قد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم هذا الخبر، ولكن جهل العوام ما أراد به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: فَبِيِّن لي ما أراد صلى الله عليه وآله وسلم بهذا القول؟
قال: نعم، وإنَّما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: لا يفرق بين ما جمعه المِلك، مثل ما ذكرت من الرجل الذي له غنم كثيرة على جماعة رعاة، والمِلك واحد لصاحب الغنم، فلا ينبغي للمصدق أن يفرق بين هذا؛ لأن مالكه واحد؛ لأنه لو فرقه ترك ما أوجب الله عز وجل، ألا ترى أنَّه لو كان لرجل أربعون شاة مع راعيين، مع كل واحد عشرون، ثُمَّ لم يجمع المصدق ذلك، أبطل الزكاة عن صاحب الأربعين شاة، والزكاة واجبة عليه؛ لأنَّه يملك الأربعين كلها، فهذا معنى قوله: <لا يفرق بين مجتمع>، أراد به صلى الله عليه وآله وسلم ما جمعه المِلك، لم يفرَّق، وأما قوله: <لا يجمع بين مفترق>، فإنما أراد به صلى الله عليه وآله وسلم: لا يجمع بين ما فرقه المِلك.
قلت: بِيِّن لي ذلك، كما بينت لي الأولى؟
قال: نعم، لو أن لعشرة رجال مائة شاة مع راع واحد، لكل واحد منهم عشر شياة، لم يجب للمصدق أن يأخذ منها شيئاً؛ لأنَّ المِلْك قد فرقها، فلا ينبغي للمصدق أن يجمع ما فرقه الْمِلْك، وهذا الذي عنى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <أنَّه لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق>.
قلت: فإن رجلاً مات وخلف مائة شاة، وله ثلاثة بنين، فلم يقسموها حتَّى حال الحول، ما يعمل المصدق فيها؟
قال: يأخذ منها شاة.
قلت: وكيف ذلك، وقد فرقها المِلك؟
قال: المِلك بعد مجتمع ما لم يقتسم، ألا ترى أن كل واحد منهم لا يدري ما له من أعيان هذه الغنم.

(1/86)


قلت: وكذلك إن مكث في أيديهم عشر سنين لم يقتسموها، ثُمَّ نقصت حتَّى صارت أربعين وهي على حالها؟
قال: الجواب في ذلك واحد، والزكاة واجبة فيها ما لم تقتسم، ويعرف كل واحد منهم ما له من الغنم بعينه.
قلت: فإن شريكين في مائة شاة، وكل واحد منهما يعرف ما له، فلواحد سبعون شاة، وللآخر ثلاثون شاة، وهي مع راع واحد؟
قال: ينبغي للمصدق أن يأخذ منها شاة، ويتراد الشريكان الفضل بينهما كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <الشريكان يترادان الفضل فيما بينهما بالحساب>.
قلت: فكيف يترادان؟
قال: يرد هذا الذي له سبعون شاة على الذي له ثلاثون شاة ثلاثة أعشار ثمن الشاة.
قلت: وكيف ذلك؟
قال: لأنَّه لم يكن يجب عليه شيء؛ لأن له ثلاثين شاة، والآخر فله سبعون شاة يجب عليه شاة، فلما أخذ المصدق من غنمهما جميعاً شاة وجب على الذي وجبت عليه في غنمه الشاة أن يرد على الذي لم يجب عليه ثلاثة أعشار قيمة ثمنها؛ لأنها مائة، فلهذا منها سبعة أعشارها، ولهذا ثلاثة أعشارها، فافهم هذا، وقس عليه كل ما أتاك من أمر الشريكين اللذين يترادان الفضل فيما بينهما.
قلت: وعلى هذا المعنى في البقر والإبل في الشريكين؟
قال: نعم.
باب مسائل ما يخرج من البحر
وسألته عن جميع ما يخرج من البحر، مثل العنبر والدر واللؤلؤ، وما أشبه ذلك، ما يجب فيه؟
قال: يجب فيه الخُمس؛ لأنَّه غنيمة.
قلت: ما قل منه وما كثر؟
قال: نعم.
قلت: فإن صيَّاداً اصطاد من البحر حوتاً واحداً يساوي دانقاً؟
قال: يجب فيه الخمس.
قلت: فإنه يصطاد السمك الكبير فيأكل منه ويبيع منه، حتَّى يجمع من ثمنه مائتي درهم ويحول عليها الحول عنده وقد أخرج الخمس من قبل؟
قال: عليه زكاتها إذا حال عليها الحول.
قلت: كم؟
قال: ربع العشر؛ لأنَّه قد زال عن المعنى الأول وصار في عداد الأموال الَّتي يجب فيها الزكاة.
قلت: فإنه لما اصطاد السمك أراد أن يأكله هو وعياله، ولا يبيع منه شيئاً، هل يجب عليه فيه الخمس؟

(1/87)


قال: نعم، كل ذلك غنيمة.
قلت: فإنه لم يصطد من البحر، ولكنه كان زرَّاعاً، فأراد أن يسقي زرعه ففتح نهراً من البحر ليسقي به الزرع، فخرج من البحر حوت إلى الأرض، ونضب الماء فأخذ الرجل الحوت من أرضه، هل يجب فيه شيء؟
قال: نعم؛ لأنَّه مما أخرج البحر.
قلت: وكذلك جميع ما يخرج من الفرات ودجلة على هذا المثال غنيمة؟
قال: نعم.
قلت: وكذلك العيون إذا صار فيها حِيْتَان، وأُخرجت؟
قال: نعم، كل هذا على مثال البحر، ما خرج منه فهو غنيمة؟
قلت: وكذلك ما أخرج من العيون من الكبريت؟
قال: نعم.
قلت: وكذلك القار والنفط؟
قال: كل ما خرج من ذلك من معين الأرض فهو غنيمة، وفيه الخمس.
قلت: فإن صياداً عمل سفينة بمائة دينار، وشباكاً بعشرين ديناراً، ودخل بها البحر أو الفرات أو دجلة أو النيل أو بعض الأنهار، فاصطاد ما يساوي خمسة دنانير أو ديناراً، هل يحسب ما أنفق فيقتضيه مما يصيد حتَّى يستوفي أو يخرج مما يصيد الخمس ولا ينظر إلى ما أنفق؟
قال: لا يلتفت إلى ما أنفق، لو أنفق ألف دينار ثُمَّ اصطاد ما يساوي درهماً لوجب عليه فيه الخمس.
قلت: فإن الصياد لما اصطاد الحيتان لم يخرج منها الخمس، ثُمَّ باعها من رجل، هل يجب على المشتري أن يخرج هو الخمس؟
قال: نعم، إذا أيقن المشتري أن الصياد لم يخرج منه الخمس، وجب عليه هو أن يخرجه.
قلت: فإن لم يخرج التاجر الخمس، واشترى أيضاً رجل من التاجر حوتاً واحداً بدرهم ليأكله، هل يجب على المشتري أن يخرج الخمس من هذا الحوت؟
قال: نعم.
قلت: فلأيِّ علَّة يجب على المشتري أن يخرج منه الخمس وهو إنَّما اشتراه بدراهمه ولم يصطده؟
قال: لأنَّه اشترى شيئاً لله فيه حق، فلا بد أن يخرج ما لله فيه، وإن لم يفعل كان خائناً لله، ومثل ذلك مثل رجل اغتصب رجلاً شيئاً ثُمَّ باعه من رجل فعلم المُغتَصَب عليه بذلك الشيء، أنَّه عند المشتري، فأثبت عليه البينة، أليس يأخذه؟
قلت: بلى.

(1/88)


قال: وكذلك هذا الذي اشترى من هذا الصياد ما لله فيه حق، أليس يجب عليه أن يخرج الذي لله فيه من الحق؛ لأن الصياد باع ما لا يملكه مما وجب لله عليه.
قلت: فصيد البر من الطيور والوحش وغير ذلك مما أشبهه؟
قال: وكذلك كل هذا غنيمة وفيه الخمس؛ لأن كل غنيمة فيها الخمس.
قلت: وكذلك جميع ما خرج من معادن الأرض مثل الذهب والفضة؟
قال: نعم، في كل ذلك الخمس، قَلَّ أو كثر.
قلت: فمتى يجب على صاحبه إخراج خمسه؟
قال: عند وقت وجوده إياه.
قلت: وكذلك ما كان من غير الذهب والفضة مما يخرج من معادن الأرض مثل الكحل والشب والزرنيخ والمغرَّة والزئبق والفصوص والزمرد والياقوت وما أشبه ذلك، ممَّا يخرج من معادن الأرض؟
قال: كل ذلك فيه الخمس، قَلَّ أو كثر، وهي الركاز الَّتي روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <في الركاز الخمس>، والركاز فهي: الكنوز الجاهلية والمعادن.
قلت: فهذا الخمس إذا أراد صاحبه أن يخرجه، إلى من يدفعه؟
قال: إلى الإمام العادل الظاهر، الحاكم بكتاب الله وسنة رسوله، فهو أولى به.
قلت: فإن لم يكن الإمام ظاهراً؟
قال: يفرقه هو فيمن جعله الله له.
قلت: فيمن؟
قال: في آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتاماهم ومساكينهم وبني سبيلهم.
قلت: وكيف جعلته في هؤلاء دون غيرهم؟
قال: لأن الله عز وجل جعله فيهم وصيره لهم دون غيرهم كما صير لغيرهم من الصدقات ما لم يجعله لهم، أمَا سمعت قوله: {واعلموا أنَّما غنمتم من شيء، فإن لله خمسه وللرسول}[ ]، فخمس الله هو خمس الرسول الذي جعله الله للرسول، وخمس الرسول هو الذي جعله الله لقرابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال: {ولذي القربى واليتامة والمساكين وابن السبيل}[ ]، فالخمس هو لِيتاماهم ومساكينهم وبني سبيلهم، وأما الصدقات فلغيرهم من الأصناف الَّتي ذكرها الله الثمانية، وإنَّما جعل الله الخمس لهم عوضاً من أوساخ الناس، وتفضيلاً لهم على غيرهم.

(1/89)


قلت: فمَن قرابة الرسول الذين يجب لهم الخمس؟
قال: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس.
قلت: فإن الرجل وجد في المعدن مائة مثقال تبراً أو فضة، فأخرج خمسها، ثُمَّ حال على ما بقي منها الحول؟
قال: معناها على معنى الغنيمة، وصارت من الأموال عند رأس الحول، وصار فيها ربع العشر.
قلت: فإنَّه وجد ياقوتة أو ما أشبه ذلك، تساوي ثلاثين مثقالاً أو أكثر، ما الذي يجب عليه في ذلك؟
قال: ينظر إلى قيمتها عند وجودها، فيخرج خمس قيمتها.
قلت: فإنه بعدما أخرج الخمس من قيمتها عملها فُصّاً أو خرزة لمرأة تلبسها، ثُمَّ حال عليها الحول، هل يجب عليه فيها شيء، إذا ألبسها هو أو جعلها حلياً لامرأته(1)؟
قال: ليس فيها زكاة.
قلت: فإنه لم يجعلها فُصّاً ولا حليّاً، ولكنه جعلها للتجارة، وطلب بها الثمن، والبيع إلى رأس الحول؟
قال: إذا جعلها للتجارة فحال عليها الحول قوَّمها في ذلك الوقت، وأخرج ربع عشر قيمتها.
قلت: وكذلك جميع ما أخرج من المعادن على هذا المثال؟
قال: نعم.
باب صدقة الطعام
وسألته، عَمَّا يجب فيما أخرجت الأرض؟
قال: تجب الزكاة في جميع ما أخرجت الأرض مما يكال أو لا يكال.
قلت: مثل أي شيء؟
قال: مثل البر والشعير وجميع الحبوب الَّتي تكال، وجميع الفواكه الَّتي لا تكال مثل الخوخ والرمان والجوز والعنب وجميع ثمر الأشجار.
قلت: فبين لي كيف زكاة ذلك، ومتى يجب فيه، ومتى يؤخذ منه، وكيف يعمل فيه؟
قال: نعم إن شاء الله، إذا أخرجت الأرض برّاً أو شعيراً أو ثمراً من ثمر النخل الذي يكال أو فستقاً أو بندقاً أو جلوزاً أو بلوطاً أو عناباً أو زبيباً أو ذرة أو غير ذلك من جميع صنوف ما يكال، ففيه إذا بلغ كيله خمسة أوسق: العشر إذا كان يسقيه سيحاً.
__________
(1) ـ في النسخة الَّتي تمت القصاصة عليها، ما لفظه: في نسخة صحيحة قديمة، أنَّه قال: إذا لبسها هو أو جعلها حلياً لمرته ففيها الزكاة إذا بلغت قيمتها ما تجب فيه الزكاة. تمت.

(1/90)


قلت: وما معنى سيحاً؟
قال: يفتح له الماء فتحاً من فرات أو دجلة أو عين، فإذا كان كذلك كان فيه العشر ما لم ينزع فيه بدلوٍ.
قلت: وكذلك إذا سقي بماء السماء؟
قال: نعم.
قلت: فإذا كان سقيه بغير الفتح وماء السماء؟
قال: كلما كان سقيه غير السيح مثل ما يسقى بالدوالي والخطارات والمساني وكل ما نشط ماؤه نشطاً ففيه إذا بلغ كيله خمسة أوسق، نصف العشر.
قلت: وكم الوسق؟
قال: الوسق ستون صاعاً، بصاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: بَيِّن لي هذا الصاع حتَّى أعرفه، كم هو؟
قال: الصاع ثلث مكوك العراق سواء سواء، قد عَبَرناه(1) فوجدناه كذلك.
قلت: فإذا أخرجت الأرض برّاً، فنقص من الخمسة أوسق صاعاً أو صاعين، هل يجب فيه شيء؟
قال: لا.
قلت: فإن زاد بعض هذه الأصناف على الخمسة أوسق صاعاً أو صاعين، ونقص بعضها صاعاً أو صاعين، هل يضم بعضها إلى بعض؟
قال: لا يُضَمُّ شيءٌ ممَّا أخرجت الأرض ممَّا يكال أو لا يكال بعضه إلى بعض، ولكن إذا نقص بعضها وزاد بعضها أخذ ممَّا زاد، وترك ما نقص من خمسة أوسق، لم يؤخذ منه شيء، فهذه جملة لك، فيها كفاية فيما أخْرَجَت الأرض ممَّا يكال إن شاء الله.
قلت: قد فهمت هذا، فَبِيِّن لي كيف العمل فيما لا يكال؟
قال: نعم إن شاء الله، إذا كان في الأرض شجر فأثمر مثل الرمان والفرسك ـ وهو الخوخ ـ والسفرجل والمشمش والتين والخرنوب والإجاص وقصب السكر والموز والكمثرى، وما أشبه ذلك من الفواكه وغيرها، مثل: البصل والجزر وغير ذلك ممَّا تخرج الأرض ممَّا لا يكال، فأحسن ما أرى في ذلك أن يبعث إليه من يبصر كل صنف منه عند ينعه(2) ومنتهاه، فإذا قوَّمه وصح عنده أن ذلك الصنف يسوى إذا بيع مائتي درهم قفلة، فإذا بلغ مائتي درهم قفلة أخذ منه عشره، إذا كان يُسقَى سيحاً أو بماء السماء، أو نصف عشره إذا كان يسقى بالسواني والدوالي وما أشبه ذلك.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): قد عايرناه.
(2) ـ في نسخة (ب): عند بلوغه ومنتهاه.

(1/91)


قلت: فيؤخذ فيما يجب في هذا ذهب أو فضة؟
قال: لا.
قلت: فكيف يعمل به؟
قال: يقسم فيأخذ المستعمل على ذلك عشره أو نصف عشره، فإذا عرف الذي له باعه إن أحب أن يبيعه.
قلت: فإن أراد صاحبه أن يشتريه؟
قال: ذلك جائز يشتري ويعطي ثمنه.
قلت: فإن قصر كل صنف من هذه الأصناف عن مائتي درهم؟
قال: لا يجب فيه شيء.
قلت: وكذلك العنب؟
قال: إذا كان لرجل كرم أو كروم، فإن كان ممَّا يزبب فقد قدمنا تفسيره فيما قد قدمنا فيما أخرجت الأرض، يؤخذ منه عشره أو نصف عشره عند كمال التزبيب.
قلت: فإن لم يكن ممَّا يزبب؟
قال: الجواب في ذلك كالجواب في غيره ممَّا لا يكال.
باب ما يأتي شيئاً بعد شيء
قلت: قد فهمت في هذا ما ذكرت، فما تقول في زكاة البطيخ والقثاء وكل ما أشبه ذلك ممَّا يأتي شيئاً بعد شيءٍ؟
قال: العمل في ذلك أن ينظر إلى هذا الذي يخرج شيئاً بعد شيء، فإن كان من أول ما يخرج ويباع منه شيء بعد شيء آخر ما ينقضي يبلغ ثمن ذلك الذي يخرج من الأصل من البطيخ أو القثاء أو الدبا أو ما أشبه ذلك يبلغ مائتي درهم قفلة من عند وقت خروجه إلى وقت انقضائه وجب فيه، وأخذ منه على قدر سقيه، إن كان يسقى سيحاً ففيه العشر، وإن كان يسقى بالدوالي والمساني ففيه نصف العشر، وإذا لم يبلغ كل صنف من هذا الذي يخرج شيئاً بعد شيءٍ مائتي درهم لم يجب فيه شيء.
باب القطن والحناء والقضب والكتان والقنب ومثل هذا
قلت: فما القضب والحناء والقطن وما أشبه ذلك ممَّا له أصل ثابت، وهو يقطع ويقطف ويجز ثُمَّ يرجع، كيف العمل فيه؟
قال: أمَّا ما كان مثل هذا فينبغي للمستعمل عليه أن ينظر إلى جميع ما يقطف منه أو يجز في السنة، فإذا كان يبلغ ثمن كل صنف من ذلك مائتي درهم قفلة في السنة أخذ منه عشره أو نصف عشره على قدر سقيه كما وصفنا.
قلت: فإذا علم المستعمل أنَّه يبلغ في السنة مائتي درهم قفلة، هل يجوز للمستعمل أن يقاسم صاحبه في كل جزة أو قطفة ممَّا قل أو كثر؟
قال: نعم.

(1/92)


قلت: فإنه لما خرج واستوى نظر فيه، فإذا فيه أكثر ممَّا يبلغ مائتي درهم قفلة، فقاسم المستعمل عليه صاحبه مرة أو مرتين، ثُمَّ أصابته آفة من بَرْدٍ أو بَرَد أو غير ذلك من الآفات فتلفت أُصول البطيخ أو القثاء أو نثرت جوز القطن أو قلعت الحناء أو فسدت القضب، فطالب صاحب البطيخ والقضب المستعمل على الجباية بما أخذ منه، هل يجب على المستعمل أن يرد على الرجل ما أخذ منه قبل أن يصيب القضب أو البطيخ البرد؟
قال: أمَّا ما كان عرقه باقياً في الأرض يأتي في السنة مراراً فلا يرد عليه ما أخذ منه في أول مرة؛ لأنَّه قد دخل عليهما جميعاً المصيبة بثمرة هذا العرق، وهو يعود بعد أيام مثل القضب والحناء وما أشبه ذلك من العروق، وأمَّا ما كان لا يرجع ثمرته إلاَّ من سنة إلى سنة فإنه يرد عليه ما أخذ منه قبل فساده، إلاَّ أن يكون قد أخذ منه في مبتدأِ أمره ما يجب عليه فيه الزكاة، فإنه إذا كان كذلك لم يرد عليه القابض ما قبض منه؛ لأنَّه قبض ما يجب فيه الزكاة.
باب زكاة العسل
قلت: فما تقول في زكاة العسل؟
قال: أحسن ما أرى في ذلك أنَّه إذا كان لرجل نحل فكان يخرج من عسلها في كل سنة من وقت ما تعمل النحل العسل إلى آخر السنة قيمة مائتي درهم قفلة وجب فيه العشر.
قلت: فإن أصاب النحل آفة في وسط السنة فقتلته، كيف العمل فيه؟
قال: إن كان العامل على استخراج ذلك أخذ من صاحب النحل شيئاً من العسل رده على صاحبه؛ لأنَّه قد بطلت عنه الزكاة عند موت النحل، وإن كان لم يأخذ منه شيئاً فليس عليه فيما تقدم زكاة، وقد بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه أمر أبا سيّارة ـ وكان له نحل ـ أن يخرج من كل عشر قرب عسل قربة، وهذا الصَّحيح، وبه نأخذ.
باب أرض الخراج
قلت: قد فهمت ما يجب في أرض العشر، فأرض الخراج ما يجب فيها؟

(1/93)


قال: إنَّما أرض الخراج هي: أرض الفتوح الَّتي قد وضع عليه الخراج، مثل سواد الكوفة وما أشبهها، وإنَّما الخراج هو كراء الأرض، فللإمام في ذلك النظر والصلاح لمن في بلد الخراج وأرضه، يأخذ منهم الخراج على قدر ما يرى.
قلت: فإن أبوا؟
قال: يجبرهم على ذلك، فإذا أخذه فإنما هو كراء أرض الله وضعه في أموال الله الَّتي جعلها فيئاً تجري على صغير المسلمين وكبيرهم فارسيهم وعربيهم.
قلت: فيجب على الذي في يده الأرض الَّتي عليها الخراج أن يخرج الزكاة أيضاً؟
قال: نعم.
قلت: فإن لم يخرج الزكاة؟
قال: يكون ذلك الرجل عند الله من التاركين للزكاة.
قلت: بَيِّن لي ذلك؟
قال: نعم، إنَّما مثل أرض الخراج مثل الرجل الذي يكتري الأرض من أربابها، فعليه أن يؤدي كراءها، وعليه أن يخرج ما أوجب الله فيها.
قلت: إلى من يخرجه؟
قال: إلى إمام المسلمين العادل.
قلت: فإن لم يكن الإمام ظاهراً؟
قال: يخرجه فيمن أمر الله به عز وجل، فيمن تجب له الصدقات من الأصناف الثمانية.
قلت: فإن ظهر الإمام بعد ذلك، هل يجب على الرجل الذي أخرج زكاة أرضه إلى هؤلاء الأصناف، أن يؤدي إلى الإمام مثل ذلك، أم قد أجزاه الإخراج الأول؟
قال: نعم، قد أجزاه الإخراج الأول على الأصناف الذين أمر الله تبارك وتعالى بإخراجه فيهم، إذا لم يكن الإمام ظاهراً.
قلت: فهل يجزي أخذ السلطان الجائر من الرجل زكاة أرضه أو ماله؟
قال: لا.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأنَّه أخذ ما ليس له ولا أوجب الله له، وإنَّما ينبغي للمزكي أن يعطي من أمره الله بعطائه، مثل ما سأل الله لنبيه: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}[ ]، فلا ينبغي لمسلم أن يعطي زكاته إلاَّ من قام بمثل مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم من العدل في الرعية، فأما من ظلم وتعدى فلا يعطى الزكاة.
قلت: فهل يجبر الإمام العادل الناس على أخذ الزكاة؟

(1/94)


قال: نعم، لا يسعه عند الله غير ذلك، ولا ينبغي للإمام ـ إمام المسلمين ـ أن يفرط في شيء من ذلك.
قلت: فإلى من يدفعها الإمام إذا أخذها؟
قال: إلى مَن أمر الله من هذه الثمانية الأصناف الذين قال الله عز وجل: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، فريضة من الله والله عليم حكيم}[ ].
قلت: ومَن الفقراء، ومتى يكون فقيراً؟
قال: إذا لم يملك إلاَّ المنزل والخادم وثياب الأبدان، فهؤلاء الفقراء، وإذا كانوا كذلك وجب لهم أن يأخذوا من الصدقات.
قلت: فمَن المساكين؟
قال: ذوو الحاجة والضرورة، الذين لا يملكون شيئاً.
قلت: فمَن العاملون عليها؟
قال: الذين يجبون الصدقات.
قلت: فمن المؤلَّفة قلوبهم؟
قال: هم أهل الدنيا المائلون إليها، الذين لا يتبعون الإمام، إلاَّ لما يعطيهم من الأموال الَّتي يتألفهم بها.
قلت: فالرِّقاب؟
قال: هم المكاتبون، فيجب على الإمام أن يغنيهم.
قلت: فالغارمون؟
قال: الذين قد لزمتهم الديون في غير إسراف ولا سفه ولا تبذير.
قلت: فالسَّبيل؟
قال: هو أن يصرف الإمام جزء السبيل للمجاهدين والمعاونة للإسلام.
قلت: فابن السبيل؟
قال: هو مارّ الطريق، فينبغي للإمام أن يزوده إلى بلده أو إلى سفره.
قلت: فمتى يجب للرجل أن يأخذ من الصدقة، ومتى يحرم عليه أخذها؟
قال: ينبغي للمسلم أن يأخذ من الصدقة إذا كان في ملكه ما يجب في مثله الصدقة.
قلت: مثل أي شيء؟
قال: إذا كان عند الرجل خمسة أوسق طعاماً لم يجز له أن يأخذ من الصدقة شيئاً؟
قلت: فإن كان على هذا الرجل عيال كثير، والخمسة أوسق لا تبلغهم سنتهم؟

(1/95)


قال: لا يجوز له، وإن كان لا تبلغهم سنتهم أن يأخذ من الصدقة؛ لأنَّه قد أغناه الله وأوجب عليه هو الصدقة، وإن كان خوفه أن يقطع به الطعام قبل السنة فرجاؤه من الله أن يغنيه في وسط السنة ويأتيه برزقه من حيث لا يحتسبه، كما قال الله تبارك وتعالى: {إن مع العسر يسراً}[ ]، وكما قال سبحانه: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}[ ].
قلت: فلمن تجب الصدقة، ومتى يجوز للرجل أخذها؟
قال: إذا لم يكن للرجل عروض للتجارة أو غير ذلك من الغنم والبقر والإبل يجب في مثلها الصدقة.
قلت: فكم يأخذ المحتاج الذي ليس في يده ما يجب فيه زكاة من الصدقة؟
قال: يأخذ على قدر حاجته وكثرة عياله وقلتهم:
إن كان كثير العيال أخذ من الزكاة مائتي درهم إلاَّ خمسة دراهم، أو تسعة عشر مثقالاً من الذهب، أو أربعاً من الإبل، أو تسعة وثلاثين من الغنم، أو تسعة وعشرين من البقر، أو خمسة أوسق إلاَّ ثلثاً من الطعام ، وإن أخذ من أنواع ثمار الأشجار أخذ منه ما يسوى مائتي درهم إلاَّ خمسة دراهم.
وإن كان ممَّن ليس له عيال كثير أخذ ما بين خمسين درهماً إلى مائة درهم، وأكثر من ذلك وأقل على قدر حاجته، وما يرى الإمام في ذلك.
باب تسمية الأرضين ومعانيها
وسألته عن تسمية الأرضين ومعانيها؟
فقال: الأرضون سِتٌّ.
قلت: بيِّن لي معناهن أرضاً أرضاً حتَّى أفهم(1)؟
قال: نعم إن شاء الله. أولهن: أرض افتتحها المسلمون عنوة بالسيف، وهي: أرض مثل خيبر، حيث افتتحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنوة، فقسم بعضها على المسلمين، فصارت ميراثاً لمن قسمها عليه، يجب فيها العشر، وعامل على بعضها بالنصف، وتركها في أيدي أهلها يعملونها ويؤدون نصف ما يأتي فيها، فما كان من ذلك فهو فَيْءٌ بين جميع المسلمين.
__________
(1) ـ حتَّى أفهمهن (ب).

(1/96)


وأرض افتتحها المسلمون مثل سواد الكوفة ومصر والشام وخراسان وغير ذلك من البلاد، فهي أرض خراج، فما أخذ منها فهو فيء يرد إلى بيت مال المسلمين.
وأرض صَالَحَ عليها أهلها وهم في منعه، فلا يؤخذ منهم إلاَّ ما صولحوا عليه، مثل أهل نجران وغيرها من البلاد، فهي أيضاً لبيت مال المسلمين.
وأرض أُجلي عنها أهلها، وخلوها من قبل أن يوجف عليهم بخيل ولا ركاب أو يقاتلوا، مثل فدك(1)، فما كان من البلاد على هذا فإمام المسلمين أولى بها يصرفها حيث شاء ورأى، وجميع ما سمينا من هذه الأموال تحل لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم فيها المقدمون على غيرهم؛ لأن غيرهم ينال من الأعشار، وهم لا ينالون، ويجوز لإمام المسلمين أن يصيب معهم من هذه الأموال، فيأكل ويشرب ويركب وينكح بالمعروف، ويرزق نفسه فيها كما يرزق المسلمين.
وأرض أسلم عليها أهلها، فهي أرض عشر، مثل أرض اليمن والحجاز، فعلى أهلها فيها العشر إذا بلغت ثمرتها خمسة أوسق، وما أخذ منها فهو صدقات تخرج حيث سمَّى الله من قوله: {إنَّمَا الصدقات للفقراء والمساكين}[ ].
وأرض أحياها مسلم، فهي له ولورثته من بعده، ويؤخذ منه فيها العشر، وكذلك بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <من أحيا أرضاً فهي له>، وإنَّما أراد بذلك الأرض الَّتي لم يملكها أحد قبله ولم يزرعها أحدٌ سواه، وليس لأحدٍ فيها أثر ولا دعوى.
قلت: فإن رجلاً أخذ أرضاً ميتةً وضرب علهيا أعلاماً، ثُمَّ تركها ولم يعملها ولم يحييها سنة أو سنتين أو ثلاثاً، ثُمَّ جاء غيره فأحياها، ما العمل في ذلك؟
قال: إنَّما أمر الأرضين إلى الإمام إذا كانت الأرض لا صاحب لها، فإذا فعل ذلك رجل بأرض وتركها أمره الإمام بعمارتها وصلاحها، فإن فعل وإلاَّ دفعها(2) إلى غيره يعمرها، فإن في عمارتها صلاح الإسلام.
__________
(1) ـ نسخة (ب): مثل أهل فدك.
(2) ـ نسخة (ب): وإلاَّ دفعها إلى غيره إذا طلبها يعمرها.

(1/97)


باب ما يؤخذ من تجار أهل الذمة إذا اتَّجروا من بلد إلى بلد شاسع
وسألته عن تجار أهل الذمة إذا خرجوا من بلدهم ومواطنهم بالتجارة إلى بلد شاسع، هل يؤخذ منهم الزكاة إذا قدموا وباعوا، أو لم يبيعوا المتاع؟
قال: الزكاة لا تؤخذ من ذمي؛ لأنها تطهره وتزكيه، وليس الذميون بأهلٌ لذلك، وإنَّما تؤخذ منهم الجزية، فأما ما يؤخذ من تجارهم فإنما هو صلح يجوز لهم معه التجارة على المسلمين كانوا قد صولحوا في وقت ما جعلوا ذمة على ذلك برضا إمام المسلمين ورأيه، ولنا في هذا كلام وتفسير جيد في مسائل ابني أبي القاسم أطال الله بقاه.
قلت: فكم يؤخذ منهم؟
قال: يؤخذ منهم نصف عشر ما يأتون به من أموالهم، ويتجرون به على المسلمين في أرض الإسلام، وإنَّما يؤخذ منهم ذلك ممَّن أتى من بلد شاسع إلى بلد، مثل تجار أهل الذمة الذين بالشام إذا اتجروا من بلد بعيد إلى بلد من بلاد المسلمين، فأما من كان في الأمصار منهم فلا يؤخذ منهم في الأمصار الَّتي هم فيها متسكنون شيء إلاَّ الجزية، وإنَّما تؤخذ ممَّن انتجع بتجارته من بلد هو فيه متسكن إلى بلد بعيد، فأما تجار في بلد فلا يؤخذ منهم فيه شيء، وإن خرجوا إلى غيره أخذ منهم فيه كما يؤخذ من غيرهم.
قلت: ولأي معنى يؤخذ منهم إذا خرجوا من بلد إلى بلد نصف عشر؟
قال: على ذلك صُولِحُوا، وأطلق لهم التجارة على المسلمين وبينهم، فلزمهم ما صولحوا عليه عند وقت دخولهم في الذمة.
قلت: فكم يؤخذ منهم إذا كانوا في بلد قارِّين غير خارجين؟
قال: لا يؤخذ منهم شيء، إلاَّ جزية رؤوسهم.
قلت: وكم هي؟
قال: تؤخذ من مياسيرهم وأصحاب الضياع منهم الذين يركبون البراذين ويتختمون بالذهب ثمانية وأربعون درهماً قفلة، ويؤخذ من أوساطهم أربعة وعشرون درهماً قفلة، ويؤخذ من ضعفائهم اثنا عشر درهماً قفلة.
قلت: مثل من يكون ضعيفهم؟ وكم قدر ما يملك؟
قال: إذا ملك خمسة دنانير أخذ منه.
قلت: فالصبيان؟

(1/98)


قال: لا يؤخذ منهم حتَّى يبلغوا، ولا يؤخذ من النساء شيء.
قلت: ولِمَ لا يؤخذ من النساء ولا من المماليك ولا من الصبيان وهم مشركون؟
فقال: إنَّما جعلت الجزية فدية من القتل، وذلك قول الله عز وجل: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتَّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}[ ]، فمن وجب عليه الإيجاف والجهاد والقتل أُخذ منه فدية القتل عن نفسه، ومن لم يجب عليه ذلك ولم يكن من أهله فلا فدية عليه في غيره، وأما النساء فمنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قتلهن؛ لأنهن ضعف، ولا امتناع عندهنّ ولا حمل سلاح فيهنَّ، وأما الصبيان فلم تجر أحكام الله تعالى عليهم، فسقط بسقوطها القتل عنهم إذ هو حكمٌ من أحكام الله، فلما أن سقطت كلها عنهم سقط هذا الجزاء أيضاً ولم يجر عليهم، وأما المماليك فإنَّما هم أموالهم، وحالهم كحال المال في كل حال من الحال تابعون لأمر غيرهم جارون في إرادة مواليهم لا يجدون عن ذلك مندفعاً، فلذلك سقط اختيارهم، فلما لم يكن اختيارهم نافذاً لهم وكان اختيار مواليهم جارياً عليهم سقط القتل عنهم وصاروا غنيمةً يتغنمهم المسلمون، فلما سقط القتل عنهم سقطت الجزية.
باب في نصارى بني تغلب
قلت: فنصارى بني تغلب؟

(1/99)


قال: هم قوم كانوا قد أَنِفُوا أن تؤخذ منهم الجزية، وسألوا أن تضاعف عليهم الصدقة، فأُجيبوا إلى ذلك، وشرط عليهم: أن لا يدخلوا أولادهم في دينهم، وعوهدوا على ذلك، فأوجب عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أموالهم كلها ضِعْفَي ما يجب على المسلمين من الزكاة في المائتي درهم قفلة عشرة دراهم، وفي العشرين مثقالاً من الذهب مثقال، وفي خمس من الإبل شاتان، وفي عشرين من الغنم شاة، وفي خمس عشرة من البقر تبيع أو تبيعة، وفي الطعام ما كان يؤخذ منه العشر أخذ منهم الخمس، وما كان يؤخذ فيه نصف العشر أخذ منه العشر، فهذا جملة ما يؤخذ منهم وما يجب عليهم.
باب القول في الصيام
وسألته عن الرجل ينوي بالليل أنَّه يصبح صائماً تطوعاً، فإذا أصبح بدا له عن الصوم، هل يجوز له الإفطار؟
قال: نعم.
قلت: فإن أفطر، هل يجب عليه القضاء بما قد تقدم من النية للصوم؟
قال: لا.
قلت: فإن رجلاً جُنَّ شهر رمضان كله ثُمَّ أفاق بعد ذلك، هل يجب عليه القضاء؟
قال: نعم، إنَّما هي علة عرضت، فإذا أفاق صام.
قلت: وكذلك إن جُن بعض الشهر وأفاق بعضه، كيف يعمل؟
قال: يصوم أيام إفاقته ويقضي ما كان فاته من الشهر.
قلت: فإن رجلاً ارتد عن الإسلام خمس سنين، ثُمَّ رجع إلى الإسلام، هل يصوم ما فاته من السنين الَّتي ارتد فيها؟
قال: لا؛ لأنَّه قد خرج من عقد الإسلام في ارتداده.
قلت: فإن صبيّاً بلغ مبالغ الرجال بعد انتصاف شهر رمضان أو في آخر يوم منه بعد زوال الشمس، ما يجب عليه؟
قال: إذا أتى على الصَّبي أربع عشر سنة أو خمس عشرة سنة أوجبنا عليه الصوم؛ لأنَّه قد استطاع الصوم.
قلت: فإن رجلاً أكل في شهر رمضان ناسياً أو شرب ناسياً أو جامع ناسياً، ثُمَّ أكل باقي يومه متعمداً، ما يجب عليه في ذلك؟
قال: قضاء يوم، وقد قال غيرنا: إن عليه في الجماع كفارة عتق رقبة، ولسنا نرى في الصوم إلاَّ القضاء والتوبة.

(1/100)


قلت: وكذلك إن جامع امرأته في شهر رمضان متعمداً، ما يجب عليه في ذلك؟
قال: قد قال غيرنا: إن عليه الكفارة والقضاء، ولسنا نرى ذلك، والذي يجب عليه عندنا القضاء يوماً مكان يومه، والتوبة والإنابة، والأدب الشديد إن رأى الإمام ذلك.
قلت: فإن رجلاً قال: لله عليَّ أن أصوم يوم النحر أو يوم الفطر، ما يعمل؟
قال: يفطر، ويصوم يوماً غيره.
قلت: فإن رجلاً أصبح في شهر رمضان، فعزم على الإفطار ثُمَّ بدا له فصام، هل يجب عليه القضاء لما تقدم من نيته؟
قال: لا.
قلت: فإن رجلاً تقيّأَ متعمداً ولم يرجع منه في حلقه شيء، ما يجب عليه في ذلك؟
قال: إن لم يرجع إلى جوفه منه شيء فلا قضاء عليه.
قلت: فإن رجلاً أفطر في يوم غيم، وهو يظن أنَّه وقت المغرب، ثُمَّ طلعت الشمس بعد ذلك، ما يعمل؟
قال: يقضي يوماً.
قلت: فإن رجلاً كان عليه صيام شهرين متتابعين فأفطر يوماً واحداً قبل مضي الشهر بيوم أو بعد مضي الشهر بيوم، ما يعمل؟
قال: إن كان أفطر لعلة يجب في مثلها الإفطار من مرض أو سفر أتم على ما مضى، وإن كان أفطر تمرداً واستخفافاً ابتدأ الصوم من أوله متتابعاً.
قلت: وكذلك لو كان عليه نذر صيام سنة ممتابعة فأفطر منها شهراً أو يوماً، ما يعمل؟
قال: قد تقدم الجواب في ذلك في المسألة الأولى.
قلت: فإن امرأة أفطرت في شهر رمضان قبل الزوال متعمدة، ثُمَّ حاضت بعد الزوال، ما يجب عليها؟
قال: إن كانت أفطرت تمرداً وفسقاً في دين الله وجب عليها قضاء يوم، وعليها التوبة، وإن علم بها الإمام أدَّبها.
قلت: فإن رجلاً جامع امرأته وهي نائمة لم تعلم حتَّى أولج، ما يجب عليها وعليه، وكذلك لو كانت المرأة مجنونة؟
قال: إن علمت بذلك وطاوعت وجب عليهما القضاء والتوبة، وإن علم بهما الإمام أدبهما، وإن كانت هي لم تعلم وجب عليه هو القضاء والأدب، ولا قضاء عليها هي، وكذلك إن كانت مجنونة.
قلت: فإن رجلاً نظر لشهوة إلى امرأته أو إلى غيرها فأمنى أو أمذى، ما يجب عليه؟

(1/101)


قال: القضاء، وقد قال غيرنا: إنَّه لا يجب القضاء في المذي، وأما أنا فأُحب له أن يقضي من المذي.
قلت: فإن مسافراً نوى الإفطار في شهر رمضان، ثُمَّ دخل بلده قبل الزوال أو بعده، ما يعمل؟
قال: يتم صومه ولا قضاء عليه.
وسألته عن الكحل والذرور والحقنة، والرجل يصب في إحليله دهناً، والسعوط للصائم؟
فقال: أما الكحل والذرور والحقنة وصب الدهن في الإحليل فلا بأس بشيء من ذلك عندنا للصائم إذا احتاج الرجل إليه، وأما السعوط فلا يجوز عندنا ولا نراه؛ لأن السعوط يدخل في الحلق، وكل ما دخل إلى الحلق لم يجز للصائم فعله.
قلت: فإن رجلاً تمضمض واستنشق فبدر الماء إلى حلقه ودخل إلى جوفه؟
قال: قد قال غيرنا: لا قضاء عليه، وأما نحن: فنحب أن يقضي يوماً.
قلت: وكذلك لو أن صائماً ابتلع ذباباً، أو دخل في حلقه غبار أو دخان؟
قال: ليس ذلك عندنا ممَّا يوجب عليه الإعادة؛ لأنَّه لم يقصد ابتلاع شيء من ذلك، ولكن ينبغي للصائم أن يتحرز من ذلك كله.
قلت: فإن وضع في فِيْهِ ديناراً أو درهماً أو فلساً أو ما أشبه، ذلك فتكلم فدخل في حلقه شيء من ذلك بغير تعمد؟
قال: لا قضاء عليه.
قلت: فإن تعمد ابتلاع ذلك تعمداً؟
قال: إذا تعمد ذلك تعمداً وجب عليه عندنا القضاء.
قلت: فإن رجلاً صائماً اشترى عسلاً أو خلاًّ أو ما أشبه ذلك فذاقه بلسانه قبل أن يشتريه أو بعد ما اشتراه؟
قال: لا يضر الصائم ما ذاق بلسانه إذا(1) لم يدخل من ذلك إلى جوفه شيء، ولو أفسد ذلك الصيام لأفسدته المضمضة بالماء الطهور.
وسألته عن الرجل اعتلَّ في شهر رمضان فأفطر، هل يقضي ما عليه متفرقاً أو مجتمعاً؟
قال: يقضي على قدر ما أفطر، إن كان أفطر متفرقاً قضاه متفرقاً، وإن كان أفطر متتابعاً قضاه متتابعاً.
قلت: فإنه أفطر شهر رمضان من علة ثُمَّ لم يقض ما أفطر حتَّى أتاه شهر رمضان من قابل، ما يعمل؟
__________
(1) ـ نسخة (ب): إذا لم يدخل جوفه من ذلك شيء.

(1/102)


قال: قد قال غيرنا: إنَّه يتصدق في كل يوم بنصف صاع بر على قدر ما أفطر، ويقضي عدة ما أفطر، وأما قولنا: فلا كفارة عليه، وعليه قضاء ما أفطر.
باب زكاة الفطر
وسألته عن زكاة الفطر، متى يخرجها الرجل؟
قال: يوم الفطر قبل خروجه إلى المصلى أحب إلينا.
قلت: فهل يقدمها ليلة الفطر فيخرجها إلى من يستحقها؟
قال: لا، ولكن يؤخرها إلى يوم الفطر.
قلت: فهل يؤخرها إلى بعد صلاة العيد أو إلى(1) يوم الثاني؟
قال: إذا لم يجد الذي يخرجها له ممَّن يستحقها كالها وعزلها إلى بعد الصلاة أو يوم الثاني أو الثالث حتَّى يدفعها إلى من عزلها له ممَّن يستحقها.
قلت: فكم زكاة الفطر؟
قال: صاع من بر أو صاع من شعير أو صاع من زبيب أو صاع من تمر أو صاع من ذرة أو صاع من إقطٍ، وقد قال غيرنا: نصف صاع من بر، ولم نلتفت إلى ذلك.
قلت: فكم الصَّاع؟
قال: ثلث مكوك العراق، وقد كلناه فوجدناه مثل صاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سواء سواء.
قلت: فكم يكون وزن الصاع أرطالاً؟
قال: لا ينظر إلى وزن الصاع كم هو، ولا يصح وزنه، وليس إلاَّ بالكيل.
قلت: فهل يخرج الرجل عن نفسه ما يجب عليه، فيدفعه إلى ثلاثة أو اثنين؟
قال: لا بأس بذلك إذا كان الناس في حاجة شديدة وسنة مجدبة، فأما إذا كان الناس في خصب فأحب إليَّ أن يدفع إلى كل واحد عن واحد.
قلت: فيدفع الرجل زكاة فطرته شعيراً أو تمراً وهو يأكل براً؟
قال: أحب إليَّ أن يدفع ممَّا يأكل، وإن فعل فلا بأس بذلك.
قلت: فهل يدفع الرجل قيمة زكاة فطرته دراهم؟
قال: أما الدراهم فلا يجوز له وهو يجد الطعام بحيلة.
قلت: فيجب على الرجل أن يخرج زكاة الفطر عن الجنين؟
قال: لا، وقد قال بذلك غيرنا، ولم نلتفت إلى قوله.
قلت: فيجب على الرجل أن يخرج فطرة مملوكه؟
قال: نعم، يجب على الرجل أن يخرج عن جميع عياله صغيرهم وكبيرهم وحرَّهم ومملوكهم وذكرهم وأنثاهم.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): أم إلى يوم الثاني.

(1/103)


قلت: فهل يخرج زكاة فطرته من بَلَدهِ إلى بلدٍ إذا كان له ذو رحم محتاج وهو ناءٍ عن بلده؟
قال: نعم، يخرجها إليه إذا كان له ذو الرحم ممَّن لا يجب عليه له نفقة.
قلت: مثل مَن؟
قال: مثل عمته وأخته إذا كان لها ولد يحجب أخاها عن ميراثها، وكذلك كل قرابة ممَّن يجب له عليه النفقة، فلا يجوز أن يدفع إليه فطرته ولا زكاته.
قلت: فما تقول في الفقراء الذي لا يكون معهم ما يخرجون الفطرة، هل(1) يجب عليهم أن يأخذوها من غيرهم ويخرجوها؟
قال: لا، وكيف يجب على من ليس معه ما يخرجه أن يخرج الفطرة وهو يجب له أن يأخذها إذا كان فقيراً.
قلت: فَبَيِّن لي مَن الفقير الذي تجب له أن يأخذ الفطرة ولا يخرجها؟
قال: من لم يكن معه قوت عشرة أيام له ولعياله أخذ الفطرة ولم يخرجها.
قلت: فإن كان معه قوت عشرة أيام له ولعياله، هل يجب عليه أن يخرج الفطرة؟
قال: نعم.
قلت: فإنه لم يكن معه يوم الفطر قوت عشرة أيام، فأصاب بعد يوم الفطر بيوم أو يومين مالاً، هل يجب عليه أن يخرج الفطرة؟
قال: لا، إنَّما الفطرة ليوم الفطر بعينه، فإذا جاز يوم الفطر ولم يكن مع الرجل ما يجب عليه فيه إخراج الفطرة لم يجب عليه أن يخرج بعد ذلك، ففي ذلك كفاية إن شاء الله تعالى.
باب مسائل الحج
وسألته عن مواقيت الإحرام؟
فقال: أما من حج فأخذ على طريق المدينة فميقات إحرامه من ذي الحليفة، وأما من أخذ على طريق الجادة أو من أتى من أهل نجد أيضاً فميقات إحرامه من ذات عرق، ومن أتى من المغرب فميقات إحرامه الجحفة، ومن أتى من اليمن فميقات إحرامه يلملم، ومن أتى من أهل اليمن من طريق نجد أو من أهل نجد فميقات إحرامه قرن المنازل.
قلت: فمَن كان منزله أقرب إلى مكة من هذه المواقيت، فمِن أين يُحرم؟
قال: مِن منزله.
قلت: فإذا أتى الرجل ذا الحليفة أو بعض هذه المواقيت، فبأي شيء يبدأ؟
__________
(1) ـ في نسخة (ب): هل تحب لهم أن يأخذوها.

(1/104)


قال: يغتسل، ثُمَّ يلبس ثوبين جديدين أو غسيلين، ثُمَّ يدخل مسجد ذي الحليفة فيصلي ركعتين، وإن كان في وقت صلاة مكتوبة صلى، ثُمَّ أحرم بعد ذلك.
قلت: فإنه لم يغتسل، هل يجزيه؟
قال: نعم، ما لم يكن تركه الغسل رغبة عن السنة.
قلت: فإذا أراد أن يحرم، أي(1) شيء يقول، وهل(2) يقرن أو يتمتع أو يفرد الحج؟
قال: أما(3) من لم يكن حَجَّ حجة الإسلام فأحب إليَّ أن يفرد الحج.
قلت: وكيف ذلك وقد تواترت الروايات في التمتع؟
قال: قد جاء في ذلك روايات، وليس شواهد العقول تدل على ما رووا من ذلك.
قلت: بيِّن لي ذلك؟
قال: نعم، ألا ترى المتمتع يجب عليه دم لعلة التمتع؟
قلت: بلى.
قال: أفليس الدم إنَّما هو كفارة لإحلاله ورفاهيته من الإحرام؛ لأن المحرم محظور عليه ما أبيح للمحل؟
قلت: بلى.
قال: فلذلك قلنا: إن الإفراد أحب إلينا وأفضل، إذ في التمتع كفارة، والكفارة فلا تكون إلاَّ لنقصان عن ما لا كفارة فيه، وما لا كفارة فيه أفضل ممَّا فيه كفارة.
قلت: فإذا صلى ركعتين وأراد أن يحرم مفرداً بالحج، ما يقول؟
قال: يقول: اللهم إني أريد الحج رغبة مني فيما رغبت فيه منه، ولطلب ثوابك وتحرِّياً لرضاك، فيسره لي، وبلغني فيه أملي في دنياي وآخرتي، واغفر لي ذنبي، وامح عني سيئاتي، وقني شرَّ سفري، وأخلفني بأحسن الخلافة في ولدي وأهلي ومالي ومحلي حيث حبستني، أُحرم لك بالحج شعري وبشري ولحمي ودمي وما أقلته الأرض مني ونطق لك به لساني وعقد لك عليه قلبي.
قلت: ثُمَّ يلبي في موضعه؟
قال: نعم.
قلت: فكيف يلبي؟
__________
(1) ـ نسخة (ب): بأي شيء يقول.
(2) ـ نسخة(ب): أهو يقرن.
(3) ـ نسخة (ب): أما ما لم يكن حج اهـ. فـ ما هنا مصدرية.

(1/105)


قال: يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك لبيك ذا المعارج لبيك، وضَعَت لعظمتك السمواتُ كنفيها، وسبحت لك الأرض ومن عليها، إياك قصدنا بعملنا، ولك أحرمنا بحجنا، فلا تخيب عندك آمالنا، ولا تقطع منك رجانا.
قلت: فإذا أحرم وخرج من المسجد، هل يلبي؟
قال: أحب إليَّ أن يذكر الله ويسبحه ويقدسه حتَّى يستوي على البيداء، ثُمَّ يلبي ويديم التلبية.
قلت: فإنه أتى بعض هذه المواقيت فلم يحرم وجازها، ما يجب عليه؟
قال: يرجع إلى الميقات حتَّى يحرم منه.
قلت: فإن خاف على نفسه في الطريق من رجوعه أو خاف فواتاً من أصحابه؟
قال: يمضي حتَّى يأتي الحرم، ويحرم من بعض مواقيت الحرم.
قلت: فهل عليه إذا فعل ذلك دم؟
قال: استحب له إذا جاوزه متعمداً أن يهريق دماً.
قلت: فإن الرجل لما أحرم ولبس ثوبين رداءً ومئزراً، لبس أيضاً من بعد ذلك إزاراً ثانياً أو كساءً، وكذلك لو زاد مئززراً آخر، هل يجب عليه شيء؟
قال: لا؛ لأنَّه لبس ما يجب له أن يلبسه، وإنَّما يجب عليه لو لبس قميصاً أو عمامةً.
قلت: فإنه لبس قميصاً ناسياً أو متعدماً، ما يجب عليه؟
قال: أما القميص فإذا لبسه ناسياً شَقَّه من تجاه لبته، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه فعل، فإذا(1) لبسه متعمداً فعليه دم.
قلت: وكذلك لو اعتل المحرم، فلبس في وقت علته قميصاً وعمامة وخفين وذلك في وقت واحد، ما يجب عليه؟
قال: دم واحد إذا كان لبس ذلك في وقت واحد.
قلت: فإنه لبس في يوم قميصاً، وفي يوم آخر عمامةً، وفي يوم آخر خفين؟
قال: فعليه لكل واحد من هذه المعاني كفارة.
قلت: فإن زاد مع العمامة قلنسوة، وزاد مع القميص جبة؟
__________
(1) ـ في نسخة (ب): وأما إذا لبسه متعمداً.

(1/106)


قال: كل ذلك واحد، إذا لبس العمامة فقد وجبت عليه الكفارة في العمامة؛ لأنَّه قد وضع على رأسه ما لم يحل للمحرم؛ لأن إحرام الرجل في كشف رأسه، وإحرام المرأة في وجهها، وكذلك إذا زاد على القميص جبة فهو على هذا القياس.
قلت: فكيف إذا لبس هذا وقتاً واحداً وجب عليه كفارة واحدة، وإذا لبسه متفرقاً وجب عليه كفارات؟
قال: لأن للرأس كفارة، وللبدن كفارة، وللرجلين كفارة.
قلت: فإن المحرم لما اعْتَلَّ فلبس العمامة والجبة والخفين، أفاق من علته فنزع هذه الثياب فوجبت عليه الكفارة، ثُمَّ عاد فلبس بعد ذلك العمامة أو الجبة؟
قال: يجب عليه بعدما يبرأ من علته إذا فعل ذلك أيضاً كفارة.
قلت: وما الكفارة؟
قال: الذي قال الله سبحانه: {فمن كان به أذىً من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}[ ].
قلت: بيِّن لي ذلك حتَّى أفهمه؟
قال: أما الصيام فصيام ثلاثة أيام، وأما الصدقة فإطعام ستة مساكين، لكل مسكين مُدَّان بمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طعام ذلك البلد الذي لبس فيه، والنسك فأقله شاة، ومن عظم فهو خير له عند ربه.
قلت: فبيِّن لي الذي يتوقاه المحرم، ما هو؟
قال: ما نهى الله عنه من الرفث والفسوق والجدال.
قلت: فما الرفث والفسوق والجدال؟
قال: أما الرفث فهو: جماع النساء، وهو قول الله تبارك وتعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم}[ ]، ومن الرفث أيضاً الفراء على الناس، واللفظ بالقبيح ممَّا يستشنعه أهل الخير.
وأما الفسوق فهو: الفسق والكذب، والظلم، والتعدي على عباد الله، والغشم، والطعن على أولياء الله، والإدخال لشيء من المرافق على عدو من أعداء الله سبحانه، أو دَفْعُ شيء من المنافع عن ولي من أولياء الله.
وأما الجدال الذي نهى الله عنه فهو: المجادلة بالباطل ليدحض به الحق، والمخاصمة التي تخرج إلى الفاحشة الَّتي لا يملك صاحبها نفسه معها.
قلت: فإن محرماً تزوج وهو محرم؟
قال: نكاحه باطل مفسوخ.

(1/107)


قلت: فقد روي عن بعض أصحاب الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث وهو محرم؟
قال: هذا حديث باطل كَذِبٌ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولسنا نرى أن ينكح المحرم، ولا يخطب لغيره.
قلت: فإن نكح لنفسه أو لغيره، ما الذي يجب عليه؟
قال: يفسخ نكاحه، ويلزمه الأدب إذا تعمد ذلك تعمداً.
قلت: قد فهمت هذا، فبيِّن لي الذي يتوقاه المحرم بعد هذا، ما هو؟
قال: يتوقى أن يقتل صيداً، أو يشير إليه، أو يفزعه، أو يعين عليه، أو يدل عليه، وكذلك أيضاً لا يشم طيباً، ولا يلبس ثوباً مصبوغاً، ولا يدنو من النساء، ولا يلبس قميصاً، ولا يجز من شعره، ولا يتداوى بدواء فيه طيب ولا يكتحل به، ولا يقتل من قمل ثوبه شيئاً، وإن أراد أن يحولها من مكان إلى مكان فعل؟
قلت: فإن قتلها؟
قال: يتصدق بشيء من الطعام، ولا يأكل لحم صَيْد صِيْدَ لَهُ أولغيره.
قلت: فإنه أكل لحم صيد ولم يعلم أو علم، ما الذي يجب عليه؟
قال: يجب عليه كفارة إذا علم أنَّه قد أكل، فإذا علم كفَّر.
قلت: فإنه علم أنَّه صيد قبل أن يأكله، ثُمَّ أكله متعمداً، ما الذي يجب عليه؟
قال: إن تعمد ذلك خلافاً لما أمر الله في كتابه واجتراءً منه على فعله وتمرداً في مخالفته لربه عز وجل ولنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وجب على الإمام أن يستتيبه، فإن تاب لزمه الجزاء.
قلت: فإن أبى أن يتوب من أكل الصيد وهو محرم؟
قال: إن أبى أن يتوب ضربت رقبته؛ لأن الله تبارك وتعالى قد نهى عن صيده وأكله لمن كان محرماً، وليس حال من استحل قتل الصيد محرماً إلاَّ كحال من استحل أكل الربا وشرب الخمر، فمن استحل شيئاً من هذه الثلاثة الأشياء ولم يثبت تحريمها كما أثبته الله وجب عليه في ذلك القتل بتحليل ما حرم الله وترك التوبة من ذلك والرجوع إلى ما أمر الله بالرجوع إليه.

(1/108)


قلت: قد فهمت ما ذكرت ممَّا يتوقاه المحرم، فإن احتاج إلى التداوي أو اللبس فلم يلبس وامتنع من ذلك لطلب الفضل واستعمل في ذلك الصبر؟
قال: مواضع الصبر معروفة، وهي: المواضع الَّتي لا يخشى على نفسه معها تهلكة، فإذا خشي على نفسه معها تهلكة فالصبر عند ذلك يحرم عليه ولا يحل له، ولا يسعه في دين الله ترك ما فيه شفاؤه ودفع التهلكة عن نفسه.
قلت: فما الذي يجوز للمحرم قتله في إحرامه؟
قال: كلما خاف المحرم على نفسه وعلى المسلمين جاز قتله.
قلت: فمثل أي شيء؟
قال: مثل السبع العادي إذا عدا عليه، والكلب العقور إذا خافه على نفسه، وكذلك الحدا والغراب والفأرة والبرغوث والكتان والزنبور والحية والعقرب وما أشبه ذلك ممَّا يخاف ضرره.
قلت: قد فهمت ما يجوز للمحرم قتله، فما الذي لا يجوز قتله؟
قال: الذي قال الله تبارك وتعالى في كتابه: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم}[ ].
قلتك فما هذا الصيد الذي إذا قتله المحرم وجب عليه فيه الجزاء؟
قال: كلما كان صيداً فقتله المحرم وجب عليه فيه الجزاء.
قلت: بيِّن لي ذلك واشرحه لي حتَّى أفهمه؟
قال: نعم إن شاء الله، إذا قتل المحرم الصيد متعمداً يرميه بسهم أو يطعنه برمح أو يضربه بسيف أو بحجر أو بغير ذلك من عصا أو ما كان به القتل وهو يريد قتله أو يتعمد أخذه وهو ناس لإحرامه غير ذاكر لما دخل فهي من حجة فعليه الجزاء كما قال الله تبارك وتعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغاً الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبالَ أمره}[ ].
قلت: فما الجزاء؟

(1/109)


قال: مثل ما يقتل، إن قتل ما يكون جزاؤه شاة فلم يجد الشاة أطعم عشرة مساكين إن أحب، أو صام عشرة أيام؛ لأن عدل الشاة من الصيام ما حكم الله به على المتمتع من صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فجعل الله عدل هذه الشاة صيام هذه العشرة أيام للمتمتع، فأوجبنا ذلك لما وجدنا في كتاب الله سبحانه، وكذلك وجدنا الله تبارك وتعالى قد أقام إطعام كل مسكين مقام صيام يوم، وذلك قوله سبحانه في الظهار: {فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسّا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً}[ ]. فافهم هذا الباب، وقس عليه.
قلت: قد فهمت، فإن المحرم قتل الصيد وهو ذاكر لإحرامه متعمد لقتله؟
قال: فعليه التوبة النصوح إلى الله ربه من ذنبه؛ لأنَّه قد أتى كبيرة فعليه الخروج منها إلى الله سبحانه، وعليه أيضاً الجزاء كما قدمانا وذكرنا.
قلت: بِّين لي الصيد، ما هو؟
قال: نعم، إذا قتل المحرم نعامة فعليه فيها بدنة.
قلت: ولم ذلك؟
قال: لأنا وجدنا البدنة تقوم مقام عشر شياة، ووجدنا الشاة تقوم بحكم الله للمتمتع مقام صيام عشرة أيام بقوله: {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم}[ ].
قلت: فلأيِّ معنىً أقمت البدنة مقام عشر شياه؟
قال: لقول الله عز وجل: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي}[ ]، فوجدنا المتمتع يجزيه هدي شاة، ووجدنا البدنة تجزي عن عشرة متمتعين، فأقمناها مقام عشر شياة.
قلت: قد فهمت، فإن المحرم قتل بقرة وحش أو حمار وحش، ما يجب عليه؟
قال: يجب عليه في هذين بقرة بقرة؟
قلت: فإن لم يكن معه ثمن بقرة، أو كان معه فلم يفعل، بأي شيء يُحكم عليه؟
قال: بإطعام سبعين مسكيناً.
قلت: وَلِمَ؟
قال: لأن البقرة تجزي عن سبعة متمتعين، وكذلك إن أراد أن يُحكم عليه بصيام حُكم عليه بصيام سبعين يوماً.
قلت: فالمحرم مخير في أي ذلك فعل جاز له، أم إن لم يجد بدنة وجب عليه الإطعام، وكذلك إن لم يجد الإطعام وجب عليه الصيام؟

(1/110)


قال: إنَّما هذا على المظاهر، وأما المحرم فمخير في أي ذلك شاء فعله أجزأه.
قلت: فإن ضعف عن الصيام؟
قال: تكون البدنة عليه ديناً حتَّى يجدها فينحرها بمكة.
قلت: فإن قتل ظبياً؟
قال: عليه شاة.
قلت: فإنه قتل وعلاً؟
قال: عليه فيه كبش.
قلت: فإنه قتل ثعلباً أو رمى حماماً فقتله؟
قال: عليه أيضاً في هذه شاة شاة.
قلت: فعلى المحرم قيمة الظبي وقيمة الحمام مع الجزاء؟
قال: نعم.
قلت: ولِمَ ذلك؟
قال: لأن الله تعالى أوجب فيه الجزاء فقال: {فجزاء مثل ما قتل من النعم}[ ].
قلت: فَلِمَ أوجبت عليه القيمة مع الجزاء؟
قال: لحرمة الحَرَم، وليس في غير الحَرَم أكثر من الجزاء.
قلت: فإن محرماً خلَّى كلباً له في الحَرم على ظبي فلحقه الكلب خارج الحرم في الحل فأخذه، ما يجب عليه؟
قال: الجزاء الذي شرحناه في الظبي والقيمة؛ لأنَّه خلاه وأغراه به في الحرم.
قلت: فإنه خَلَّى كلباً له في الحل على صيد وأغراه به، فلم يزل الكلب يطلبه حتَّى أخذه في الحرم فقتله؟
قال: عليه أيضاً الجزاء وقيمة الصيد.
قلت: ولِمَ؟
قال: لقتله كلبه إياه في الحرم حين أغراه به.
قلت: فإن رجلاً حلالاً خلى كلبه في الحل، فلحق الصيد في الحرم فقتله؟
قال: عليه قيمة الصيد فقط؟
قلت: فإن الحلال أغرى كلبه على صيد في الحرم فقتله في الحل؟
قال: عليه أيضاً القيمة لا غير.
قلت: فإن محرماً مفرداً وقارناً وحلالاً اشتركوا في قتل ظبي في الحرم؟
قال: على القارن شاتان وقيمة الظبي، وعلى المفرد شاة وقيمة الظبي، وعلى الحلال قيمة الظبي لا غير.
قلت: فلأيِّ علَّة صار على القارن شاتان؟
قال: لأنَّه في عمرة وحجة، فكلما وجب عليه لهما عملان يجب عليه فيما قتل جزاآن.
قلت: فإن محرماً دلَّ حلالاً على صيد في الحرم فقتله الحلال؟
قال: على المحرم الجزاء والقيمة، وعلى الحلال قيمة الصيد لا غير.
قلت: فإن محرماً أفزع صيداً أو دل عليه، فأُفزِع بدلالته أو بإشارته، ولم يقتل؟

(1/111)


قال: يتصدق المحرم بصدقة لإفزاعه الصيد.
قلت: بأي شيء يتصدق؟
قال: بإطعام مسكين مدَّين بمدِّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: فإن محرماً قتل قُمْرِيّاً أو ديسيّاً أو يعقوباً أو رخمةً أو ورشانةً أو حجلةً، ما يجب عليه؟
قال: يجب عليه في جزاء ذلك شاة شاة.
قلت: فإن صاد المحرم من هذه الطيور واحداً ولم يقتله، ما يجب عليه؟
قال: يرسله ويتصدق بمدين على مسكين بمدّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: فإنه قتل عصفوراً أو قنبراً أو صعوة(1) أو بلبلاً أو زرزوراً أو ما أشبه هذا من هذه الطيور، ما يجب عليه؟
قال: يتصدق بمدَّين من طعام بمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلاَّ أن يكون قيمة ذلك أكثر فيبلغ القيمة، وهذا في هذه الطيور الصغار دون الكبار.
قلت: فإنه قتل يربوعاً أو ضبّاً؟
قال: عليه عناق من المعز، وكذلك روي عن أمير المؤمنين عليه السلام.
قلت: فإن محرماً أو حلالاً صاد صيداً في الحرم فذبحه، فهل يجوز أكله للحلال؟
قال: لا.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأن الله سبحانه قال: {يا أيُّها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}[ ]، فجمع بين ما صاد المحرم فذبحه أو ذبحه غيره، فهو قتلٌ لا يحل له ولا لغيره أُكل ما ذبح من الصيد.
قلت: قد فهمت هذا المعنى من أمر المحرم، فلِمَ لا يأكله الحلال ولو ذبحه؟
قال: لأن الله عز وجل حرم صيده في الحرم، وما حرم الله صيده في الحرم فتذكيته حرام، لا يؤكل.
قلت: فإن محرماً اشترى صيداً في الحرم؟
قال: عليه إرساله.
قلتك فإن لم يرسله حتَّى مات في يده، ما يجب عليه؟
قال: عليه الكفارة إذا مات في يده.
قلت: فإن محرماً اشترى صيداً في الحل؟
قال: كذلك أيضاً عليه أن يرسله؛ لأن المحرم لا ينبغي له أن يشتري شيئاً من الصيد، ولا يأخذه ولا يحصر شيئاً من الصيد ولا يأخذه ولا يأسره(2) ولا يحبسه.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): أو صعوة. [وهي الَّتي تسمى بصنعاء الصغيران].
(2) ـ نسخة: يباشره.

(1/112)


قلت: فإن محرماً أخذ صيداً فنتف ريشه أو قصه، ما يجب عليه؟
قال: يُقَوَّم عليه حتَّى ينبت جناحه، ثُمَّ يرسله ويتصدق في حبسه له بإطعام مسكين.
قلت: فهل يجب للمحرم أن يحتش حشيشاً لناقته أو يختلي لها بقلاً أو يقطع لنفسه مسواكاً من الأراك أو غيره من الأشجار أو النخل أو يشم ريحاناً مثل المردقوش(1) أو ما أشبهه، أو يشم سفرجلاً أو أترجّاً أو كمثري أو ما أشبه هذا من العضاة المريحة؟
قال: لا بأس بذلك ما خلا الرياحين، وما كانت له رائحة ظاهرة جدّاً والرياحين، فكلما لزمه اسم الطيب، وما لم يلزمه اسم الطيب فلا بأس به وإن طابت رائحته.
قلت: فهل يحتجم المحرم؟
قال: نعم إذا احتاج إلى ذلك، ولا يقطع شعراً، فقد احتجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو محرم.
قلت: فإن محرماً دخلت في رجله شوكة أو سلاة أو ما أشبه ذلك، ما يعمل؟
قال: يخرجها.
قلت: فإن لم يمكنه خروجها إلاَّ بقطع شيء من جلده، هل يفعل؟
قال: نعم.
قلت: فإن نقش عنها وقطع شيئاً من الجلد وأخرجها ودمي الموضع، ما يجب عليه؟
قال: إن خرج الدم من قبل قطعه الجلد فعليه كفارة، وإن كان الدم خرج من أثر نقشه الشوكة وجرحها عند خروجها فلا شيء عليه فيه.
قلت: وكذلك إن احتجم فحلق من الشعر ما يبين في رأسه، ما يجب عليه؟
قال: دم.
قلت: فإن الذي حلق لم يبن في رأس، وإنَّما حلق شعرات يسيرة عشراً أو أكثر أو أقل؟
قال: قد أُختُلِف في ذلك، فقال قوم: ما جاوز الثلث ففيه دم، وقال قوم: لا يكون دم حتَّى يتبين في الشعر ويُرى أثر القطع، والآخر عندي أصوب القولين، وما كان دون ذلك أجزأت فيه الصدقة اليسيرة على قدر الموجود.
قلت: فإن محرماً ضرب عليه ضرسه، فأراد أن يقلعه؟
قال: إذا آذاه فليقلعه، ويكفِّر بشاة.
قلت: فإن محرماً أتى ميقاته وهو عليل لا يعقل إحراماً، ما يعمل به؟
__________
(1) ـ (البردقوش) ظن.

(1/113)


قال: يخلف إحرامه إلى آخر المواقيت الَّتي بينه وبين مكة، فإذا بلغ آخر ميقات بينه وبينها أحرم قبل جوازه الميقات.
قلت: فإن لم يطق الإحرام، أو لم يعقل حدوده؟
قال: يُهلُّ بالحج له غيره زميله أو بعض رفقائه.
قلت: كيف يعمل به؟
قال: يجرده من الثياب ويفيض الماء عليه إذا لم يكن على المريض في ذلك ضرورة، ثُمَّ يقول: اللهم إن عبدك فلاناً خرج قاصداً لبيتك الحرام متبعاً في ذلك لسنن نبيك صلى الله عليه وآله وسلم فأدركه من المرض ما قد ترى، ثُمَّ قد جردناه من ثيابه وقصدنا به ما علمنا أنَّه قصد من إحرامه، وقد أحرم لك شعره وبشره ولحمه ودمه.
قلت: فإذا فعل ذلك به، هل يلبِّي عنه؟
قال: نعم، ويسير به، ويجنبه ما يجنب المحرم، ممَّا قد ذكرناه من الطيب وغيره.
قلت: فإن أضَرَّ به التجرد، هل يلبس ما يحتاج إليه من الثياب؟
قال: نعم.
قلت: فيكفِّر عنه؟
قال: نعم.
قلت: فإذا دخل مكة وهو في مرضه لم يقدر أيضاً على طواف ولا غيره؟
قال: يوضع أيضاً في محفة ويطاف به، وكذلك أيضاً يعمل به في جميع حجه حتَّى ينقضي.
قلت: فإنه مات وهو محرم، كيف يعمل به؟
قال: يُغسل ويُكفَّن في ثيابه، ولا يكن في حنوطه شيء من الطيب، وكذلك لا يغطى رأسه، وكذلك بلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في محرم وَقَصَتْهُ ناقته فقتلته، فأمر صلى الله عليه وآله وسلم أن يُغسل ويُكفن ويُدفن ولا يغطى رأسه.
قلت: فإن محرماً قتل ضبعاً، ما يجب عليه؟
قال: قد قال غيرنا: إنَّه لا شيء فيها؛ لأنها تفرس وهي من السباع، وأما نحن: فنعرفها بالحجاز أنَّها لا تفرس، والقول عندي: أن ينظر في أمرها في الموضع الذي قتلها المحرم فيه، فإن كانت تفرس فيه فلا شيء عليه فيها، وإن كانت لا تفرس في ذلك الموضع ففيها شاة.
قلت: فإن محرماً اصطاد ظبية فأخذها وأخرجها إلى بلده، ما يجب عليه في ذلك؟

(1/114)


قال: يرسل بها إلى الموضع الذي اصطادها فيه، فتُترك في ذلك الموضع، وعليه لحصرها وإفزاعها صدقة على قدر(1) جدته ممَّا هو دون القيمة.
قلت: فإنه لم يرسل بها حتَّى ماتت؟
قال: عليه الجزاء شاة.
قلت: يرسل بالشاة إلى مكة أم يذبحها عنده في بلده؟
قال: لا يجزئه أن يذبحها في بلده؛ لأنها هدي بالغ الكعبة، ولا يذبح إلاَّ بمكة، ويتصدق بها.
قلت: فإنه لما خرج بالظبية نتجت عنده ولداً، ما يعمل به؟
قال: يرسل به أيضاً معها.
قلت: فإن مات قبل أن يرسل به؟
قال: عليه جزاء.
قلت: وكذلك لو كان ولد أو ولدان؟
قال: نعم.
قلت: فإن محرماً اصطاد طيراً فقال له حلال: أرني هذا الطير، فناوله إياه، فأرسله الحلال، ما يجب عليه؟
قال: لا يجب عليه شيء؛ لأنَّه قد أُرسل وعليه صدقة لإفزاعه.
قلت: فإن الحلال قتله؟
قال: على المحرم الجزاء، وعلى الحلال قيمته.
قلت: فإن محرماً قبَّل أو ضمَّ فأمنى، ما يجب عليه؟
قال: إذا قبَّل المحرم لشهوة فأمنى، وجب عليه بدنة.
قلت: فإن أمذى؟
قال: يجب عليه بقرة.
قلت: فإن لم يُمن ولم يُمذ، ولكنه تلذذ بذلك، ووجد في قلبه حركة الشهوة ومنازعة إلى غير ذلك؟
قال: يجب عليه شاة.
قلت: فإن قبَّل لغير شهوة، ولم يتحرك لذلك قلبه لشهوة ولا غير ذلك، ما يجب عليه؟
قال: ليس يجب عليه في ذلك شيء، ولكن أحب له أن لا يعود إلى شيء من ذلك.
قلت: فإن المحرم يحمل امرأته من الأرض إلى المحمل، ومن مكان إلى مكان، فكان منه في ذلك حركة أو منازعة شهوة؟
قال: سبيله في ذلك سبيل ما قدمنا في القُبلة، إن كان منه في حمله لها تلذذ أو منازعة بضمها إليه، وجب عليه في ذلك بدنة إذا أمنى.
قلت: وكذلك إن لم يكن في حمله إياها تلذذ ولا طلب لشهوة فأمذى؟
قال: لا شيء عليه، ولا نحب له أن يحملها إلاَّ أن لا يجد من ذلك بُدّاً.
قلت: فإن محرماً قتل بقرة أهلية قد توحشت حتَّى صارت لا يقدر عليها، ما يجب عليه؟
__________
(1) ـ في نسخة (ب): (على قدر حدثه).

(1/115)


قال: لا يجب عليه في قتلها شيء؛ لأن أصلها أهلية وإن توحشت.
قلت: وكذلك ما توحش من الدواب الأهلية بهذه المنزلة؟
قال: نعم.
قلت: فإن محرماً أكل لحم حمار وحش قد استأنس أو قتله، أو لحم ظبي قد استأنس، أو ما أشبه ذلك من الوحش المستأنس؟
قال: عليه في ذلك كله الكفارة؛ لأن حكم الوحش وإن استأنس مردود إلى الأصل، ألا ترى أنَّه في مبتدأ أمره اصطيد اصطياداً، وأُخذ أخذاً.
قلت: فإن محرماً اضطر إلى أكل الميتة، فوجد لحم صيد ولحم ميتة، من أيهما يأكل؟
قال: أحب إليَّ أن يأكل من الميتة؛ لأن الله سبحانه أباح له الميتة عند اضطراره، وحظر عليه أكل الصيد.
قلت: فإن خاف على نفسه ضرراً من أكل الميتة من علة أو غير ذلك؟
قال: إذا خاف على نفسه ذلك أكل من لحم الصيد، وكفر.
قلت: فأيُّ شيء يكفر؟
قال: عليه قيمة اللحم الذي أكل، وعليه كفارة.
قلت: وما الكفارة؟
قال: ما يكون في مثل الذي أكل من لحمه كبير فكبير وصغير فصغير(1)، وإنَّما يكون عليه الجزاء وقيمة اللحم إذا ذبح الصيد أو أمر بذبحه كان عليه جزاء مثله وقيمة لحمه، فأما إذا لم يكن اصطاده ولا أمر بذبحه ولا ذبحه فعليه قيمة ما أكل من اللحم وكفارة، والكفارة شاة، أو إطعام عشرة مساكين، أو عدل ذلك صياماً.
قلت: فإن محرماً بالحج جامع امرأته وهي محرمة بالحج؟
قال: فسد حجهما جميعاً، وعليهما الحج من قابل، فإن أتيا الموضع الذي جامعها فيه فارقها.
قلت: كيف يفارقها؟
قال: لا يركب معها في المحمل، ولكن يكون مركبه غير مركبها، ولا يبيت معها في بيت.
قلت: فهل يقطر بعيرها إلى بعيره؟
قال: نعم.
قلت: فيُتمَّان باقي الحج الذي أفسداه؟
قال: نعم.
قلت: فما الذي يجب عليهما من بعد فساد حجهما؟
قال: إن كانت طاوعته لما أراد منها وجب عليهما بدنة بدنة، وإن كانت لم تطاوعه، وإنَّما غصبها وقهرها على ذلك كانت عليه هو بدنة في نفسه لما أفسد من حجه.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): كبيراً فكبيراً وصغيراً فصغيراً.

(1/116)


قلت: فيجب عليه بدنة أخرى لما أفسد من حجها إذا لم تطاوعه؟
قا: نعم، وقد أُختلف في ذلك، وأحب إليَّ أنا: أن يغرم عنها بدنة.
قلت: فإن المحرم أهلَّ بعمرة، وأهلت المرأة بحجة، فلما دخلا مكة وأحل من عمرته جامع امرأته وهي محرمة؟
قال: قد أفسد عليها حجها، وعليه أن يحج بها من قابل لما أفسد علها من حجها.
قلت: فهل يجب عليه أيضاً البدنة، هو يشتريها لها لما أفسد من حجهما؟
قال: نعم، الجواب في هذه والأولى واحد.
قلت: فإن محرماً رمى طيراً في الحل فطار حتَّى وقع في الحرم، فمات من رميته، ما يجب عليه؟
قال: تجب عليه الكفارة.
قلت: فعليه القيمة مع الكفارة؟
قال: لا.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأنَّه إنَّما رماه في الحل، وإنَّما يلزمه القيمة مع الكفارة إذا قتله في الحرم لحُرمة الحَرم.
قلت: فإنه رماه في الحرم، فطار حتَّى وقع في الحل فمات؟
قال: عليه الكفارة مثل ما يكون في مثله والقيمة؛ لأنَّه رماه في الحرم.
قلت: فإن حلالاً رمى طائراً في الحل فطار حتَّى وقع في الحرم فمات، ما يجب عليه في ذلك؟
قال: لا شيء عليه في ذلك.
قلت: فإن رجلاً أحرم تطوعاً فلم يدخل مكة حتَّى فاته الحج، ما يعمل؟
قال: يحل ويذبح شاة، وعليه الحج من قابل، وقد قال غيرنا: إنَّه إذا كان في حج طوع بعد حجة الإسلام رفض الحج، وذبح ولم يكن عليه حج من قابل، وأما علماء آل الرسول عليهم السلام، وقولي أنا: فعليه الحج من قابل.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأنَّه قد عقد على نفسه الحج فلا يجزيه دون أن يأتي بما جعل لله على نفسه.
قلت: فإنه أهلّ بعمرة ودخل مكة يوم التروية، ما يعمل؟
قال: يطوف لعمرته ويسعى ويقصر، ثُمَّ قد أحل من عمرته، ثُمَّ يهل الحج، ثُمَّ يهلُّ بالحج من المسجد، ثُمَّ يخرج في قضاء حجه، وعليه دمٌ في إهلاله بالعمرة في أشهر الحج، ثُمَّ يهل بالحج في يوم التروية من عند البيت، ثُمَّ يخرج إلى منى فيقضي حجه، فإذا رجع إلى مكة يوم الزيارة أو بعد ذلك بيوم طاف وسعى لحجه.

(1/117)


قلت: فكذلك لو أن امرأة أيضاً أهلت بعمرة ثُمَّ حاضت ودخلت إلى مكة حائضاً حتَّى خافت أن يفوتها الحج وهي حائض، ما تعمل؟
قال: ترفض العمرة.
قلت: وكيف ترفضها؟
قال: تنوي أنَّها قد رفضتها وتفرغت منها لغيرها.
قلت: ثُمَّ ما تعمل بعد ذلك؟
قال: تغتسل وتلبس ثوباً نضيفاً من الأقذار، ثُمَّ تهلُّ بالحج من مكة، ثُمَّ تخرج إلى منى وعرفات، فتقضي جميع مناسك الحج، وتقوم بما يقوم به الحاج في جميع أمره، فإذا طهرت دخلت المسجد فطافت طوافها لحجها وسعت بين الصفا والمروة، ثُمَّ عادت فطافت طواف النساء، وهو طواف الزيارة، ثُمَّ قد أحلت وحل لها كل شيء كان عليها حراماً، وعليها دم تهريقه بمنى لما كان من رفضها لعمرتها.
قلت: فعليها أن تقضي تلك العمرة الَّتي رفضتها؟
قال: نعم.
قلت: كيف تعمل؟
قال: تُحرم لها من أقرب المواقيت إلى مكة.
قلت: من أين؟
قال: من مسجد عائشة، أو من الجعرانه إن شاءت، ثُمَّ تصير إلى مكة فتطوف وتسعى لعمرتها وتقصر من شعرها.
قلت: قدر كم؟
قال: قدر أنملة.
قلت: ما الأنملة؟
قال: هي: طرف الأصبع.
قلت: فإنها لم تطهر حتَّى نفر أهل بلدها، ما تعمل، وكذلك إن أراد زوجها وأهلها أن ينفروا؟
قال: لا يجوز لها أن تخرج أبداً حتَّى تقضي ما يكون عليها من مناسك الحج.
قلت: فإن رجلاً أُحصر بعدما أحرم، ما يعمل؟
قال: إذا أُحصر المحرِم لمرض مانع له من السفر قاطع له عن المسير لا يقدر معه على شيء، أو لخوفٍ من الطريق مانع، أو يُحبس من ظالم لا يطيق التخلص منه بَعَث بما استيسر من الهدي، وأقل ذلك شاة، وواعد رسوله يوماً من أيام النحر ينحره فيه، ووقَّت له في ذلك اليوم وقتاً يفهمه، فإذا كان بعد الوقت بقليل حلق المحصر رأسه، وأحل من إحرامه.
قلت: فإن تخلص من إحصاره؟
قال: يسير إلى مكة، فإن لحق الحج حج وانتفع بهديه، ولم يجب عليه نحره ولا ذبحه.
قلت: فإن فاته الحج؟
قال: يُهلُّ بعمرة ويهدي هدياً لإحصاره.
قلت: فإن لم يجد هدياً؟

(1/118)


قال: يصوم عشرة أيام، ثلاثة قبل الحج، وسبعة بعد أيام التشريق.
قلت: متى يلحق المحصر الحج؟
قال: إذا لحق الوقوف بعرفة قبل طلوع الفجر فإنه فاته ذلك، فقد فاته الحج وعليه الحج من قابل، وليس له إلى الانتفاع بهديه سبيل.
قلت: فإن كان مع المحصر حرمه، فأحصر فلم تستطع حرمته الذهاب.
قال: فهن محصرات بإحصاره، وعليهن من الإرسال بالهدي ما عليه، ويفعلن كما يفعل.
باب القول في الرجل يلبي فيغلط في التلبية
قال أبو جفعر محمد بن سليمان الكوفي: سألت الإمام الهادي إلى الحق أمير المؤمنين، عن رجل يريد الإفراد بالحج فيغلط فيلبي بعمرة؟
قال: إذا غلط فلبى بغير ما تقدم من نيته لم يلزمه ما لفظ به من عمرته، ووجب عليه أن يعود فيلبي بما نوى من حجه.
قلت: وكذلك لو أن متمتعاً أراد التمتع، فغلط ولبى بالحج مفراداً؟
قال: كذلك لا يلزمه ما لفظ به مخطئاً من الحج، ويلزمه الذي عقد عليه نيته من العمرة؛ لأن الله سبحانه يقول: {وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخطَأتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَت قُلُوبِكُم}[ ].
قلت: فإن رجلاً أهلَّ بحجتين معاً؟
قال: إن فعل ذلك متعمداً وجب عليه أن يرفض إحداهما ويثبت الأخرى، ويهريق لرفضه لها دماً.
قلت: فعليه أن يعود للحجة الَّتي رفض من قابل؟
قال: نعم.
قلت: فإن كان أهلَّ بهما وهو غلط؟
قال: قد قدمنا الجواب، أن ليس في الخطأ شيء.
قلت: فعليه في خطأ اللفظ دم؟
قال: لا؛ لأنَّه لم يعقد النية إلاَّ بحجة واحدة، فلم يجب عليه في خطأِ اللفظ دم.
قلت: وكذلك لو أنَّه أهل بعمرتين معاً؟
قال: عليه أن يمضي لإحداهما ويرفض الأخرى حتَّى يتمها، ثُمَّ عليه أن يقضي الأخرى الَّتي كان رفضَها وكان عقدها، وعليه دم لما رفض منها.
قلت: وكذلك إن كان فعل ذلك في وقت الحج؟
قال: سواء عليه قضى الَّتي رفض من عمرته قبل الحج أو بعده إذا كان في فسحة من أمره، ويهريق لذلك دماً.
قلت: أين يذبح ذلك الدم الذي للعمرة؟

(1/119)


قال: بالجزارين من مكة؛ لأنَّه محل المعتمرين كما أن منى محل الحاجين.
قلت: فيجوز لمن كانت عليه عمرة قد رفضها أن يقضيها في أيام التشريق؟
قال: لا.
قلت: فإن أراد أن يتطوع بعمرة، هل يجوز له أن يهل بها في أيام التشريق؟
قال: لا.
قلت: فإن جهل فأهلّ بعمرة بمنى أو مكة أو عرفة وهو مفرد بالحج؟
قال: يرفض تلك العمرة التي أهلَّ بها ويمضي فيما هو فيه من الحج؛ لأن العمرة لا تدخل على الحجة والحج، فيدخل على العمرة في وقته، فإذا قضى ما كان عليه من حجه قضى بعد خروجه من أيام التشريق ما رفض من عمرته الَّتي أهل بها، وأوجبها على نفسه، ويهريق دماً لرفضه إياها.
قلت: فما يقول المحرم إذا دخل الحرم؟
قال: يستحب له إذا قارب الحرم أن ينزل فيغتسل، ثم يدخل الحرم، فإذا وضعت راحلته أو دابته قوائمها في طرف الحرم، قال: اللهم هذا حرمك وأمنك، والموضع الذي اخترته لنبيك صلى الله عليه وآله وسلم وافترضت على خلقك الحج لك إليه، وقد أتيناك راغبين فيما رغبتنا فيه، وراجين منك الثواب عليه، فلك الحمد على حسن البلاغ، وإياك نسأل حسن الصحابة في المرجع فلا تخيب عندك دعاءنا، ولا تقطع منك رجاءنا، واغفر لنا وارحمنا، وتقبل سعينا واشكر فعلنا، وآتنا بالحسنة إحساناً، وبالسيئة غفراناً يا أرحم الراحمين.
قلت: فإذا دخل المحرم مكة، ما يعمل؟

(1/120)


قال: إذا وصل بدأ بمتاعه فأحرزه في منزله حتَّى لا يتعلق قلبه بشيء، ثُمَّ يتطهر للصلاة، وإن اغتسل كان أحب إليَّ، ثُمَّ يمضي حتَّى يأتي المسجد فيقدم رجله اليمنى إلى المسجد، ثُمَّ يدخل، فإذا نظر الكعبة قال: اللهم البيت بيتك والحرم حرمك والعبد عبدك، فاغفر لي وارحمني إنك أنت أرحم الراحمين. ثُمَّ يمضي حتَّى يواجه الحجر الأسود فيقف عنده، ويبتدئ طوافه منه، وإن أمكنه أن يستلمه فعل، ثُمَّ يقول: اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك واتِّباعهاً لأمرك واقتداءً بسنة نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، اللهم اغفر عني ذنوبي، وكفِّر عني سيئاتي وأعنِّي على طاتك إنك سميع الدعاء. ثُمَّ يمضي حتَّى يواجه الباب، فإذا حاذاه استقبله بوجهه، ثُمَّ قال ـ وهو مقبل بوجهه ـ: اللهم البيت بيتك والحرم حرمك والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ بك من النار، اللهم فأعذني من عذابك، واختصني بالأجزل من ثوابك ووالديَّ وما ولدا، والمسلمين والمسلمات، يا جبار الأرضين والسموات. ثُمَّ يمضي في طوافه وهو يقول في طوافه: رب اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم إنك أنت الأعز الأكرم، يُردِّد هذا القول وما أشبهه، ويدعو بما حضره من ذلك أو غيره من الدعاء، وكل ذلك واسع حتَّى ينتهي إلى الحجر الأسود، فإذا انتهى إليه استلمه إن أمكنه، ثُمَّ قال ما قال أولاً عنده، ثُمَّ مضى في طوافه حتَّى ينتهي إلى الباب، فيقول ما قال أولاً ، ثُمَّ يمضي في طوافه على ما ذكرنا حتَّى يطوف البيت سبعة أشواطٍ يرمل في ثلاثة منها ويمشي في الأربعة الباقية، ويستلم الأركان كلها إن أمكنه ذلك فهو أفضل.
قلت: فإن لم يمكن؟
قال: يشير بيده ويقول عند استلامه لها وإشارته إليها: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار}[ ].
قلت: فإذا طاف سبعة أشواط، ما يعمل؟
قال: يأتي مقام إبراهيم عليه السلام، فيصلي ركعتين.
قلت: فإن كان طافه بعد العصر، يصلي الركعتين؟
قال: نعم.

(1/121)


قلت: فهل يَمرُّ في طوافه في جوف الْحِجْرِ؟
قال: لا.
قلت: فإنَّه طاف ومرَّ في وسط الحِجْرِ، ما يجب عليه؟
قال: قد قال غيرنا: إنَّه يجب عليه أن يعيد الطواف ويذبح لذلك، وليس ذلك عندنا كما قالوا، وينبغي أن لا يمرّ الرجل الحِجْر في طوافه ولا يدخله وهو في طوافه.
قلت: فإن رجلاً دخله وهو في الطواف؟
قال: إن كان دخله جاهلاً فلا شيء عليه كما ذكرنا ولا يعود.
قال: وإن دخله متعمداً وقد علم بما جاء فيه من الكراهية ألزمناه دماً لذلك.
قلت: فإنه سها عن الركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام بعدما طاف؟
قال: يعيدهما إذا ذكرهما.
قلت: فإنه طاف ثمانية أشواط غلطاً منه، ما يعمل؟
قال: قد قال غيرنا: إنه يزيد مع هذا الطواف الذي غلط به ستة حتَّى يكون طوافين، وهذا ما لا يلتفت إليه من قولهم؛ لأن الذي غلط بهذا الطواف لم يُقدّم النية في طوافين.
قلت: فما يعمل إذا غلط فطاف ثمانية؟
قال: يرفض الثامن، ولا شيء عليه في ذلك؛ لأنَّه قدم النية في أنَّه يطوف سبعة.
قلت: فما يقرأ في الركعتين خلف مقام إبراهيم عليه السلام؟
قال: ما أحبَّ من سور المفصَّل؟
قلت: فإذا صلى الركعتين، ما يعمل؟
قال: يستقبل الكعبة، ويدعو بما تيسر له وأَحبَّ، ثُمَّ يدخل زمزم فيشرب من مائها ويشرف فيها، فإن في ذلك بركة، ويقول: اللهم إنك أظهرتها وسقيتها نبيك إسماعيل عليه السلام رحمة منك به يا جليل، وجعلت فيها من البركة ما أنت أهله، فأسألك أن تبارك لي فيما شربتُ منها، وتجعله لي دواء وشفاء، تنفي به كل سقم وداء، وتسلمني به من كل رداء، إنك سميع الدعاء، تستجيب لمن تشاء.
قلت: فإذا فرغ من دعائه، ما يعمل؟
قال: يخرج إلى الصفا.
قلت: من أين؟

(1/122)


قال: من بين الأسطوانتين المكتوبتين، فإذا استوى على الصفا استقبل القبلة، ثُمَّ قرأ الحمد والمعوذتين وقل هو الله أحد وآية الكرسي وآخر الحشر، ثُمَّ يقول: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، نصر عبده، وهزم الأحزاب وحده حقّاً لا شريك له [وأشهد ألاَّ إله إلاَّ الله وحده لا شريك له](1)، اللهم اغفر لي ذنبي، وتجاوز عن خطيئتي، ولا تردَّني خائباً يا أكرم الأكرمين، واجعلني في الآخرة من الفائزين. ثُمَّ لينزل من الصفا ويمضي حتَّى إذا كان عند الميل الأخضر المعلق في جدار المسجد هرول حتَّى يحاذي الميل المنصوب في أول السراجين، ثُمَّ يمشي حتَّى ينتهي إلى المروة، ويقول في طريقه: رب اغفر وارحم وتجاوز عمَّا تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم. يردد هذا القول وغيره من الذكر الحسن لله والدعاء حتَّى يفرغ من سعيه، فإذا انتهى إلى المروة فليرق عليه حتَّى يواجه الكعبة، ثُمَّ ليدع بما دعا على الصفا ويقول ما قال على الصفا، وما يضره من سوى ذلك، ثُمَّ يرجع ويفعل ما فعل أولاً في طريقه حتَّى ينتهي إلى الصفا، ثُمَّ على ذلك الفعال فليكن فعاله حتَّى يوفي سبعة أشواط، ثُمَّ ينصرف فيقيم على حاله إلى يوم التروية، حتَّى يخرج مع الناس إلى منى وعرفات فيقضي المناسك، وهذا الفعال الذي ذكرنا، فهو للمُفرِد بالحج.
قلت: فإن كان متمتعاً؟
قال: إذا دخل متمتعاً فنظر إلى الكعبة قطع التلبية، ثُمَّ دخل ففعل ما وصفنا من الطواف والسعي بين الصفا والمروة، وذلك للعمرة، فإذا فرغ من سعيه بين الصفا والمروة انصرف فقصر من شعره، ثُمَّ قد حل له كل شيء، وجاز له ما يجوز للحلال من النساء والطيب والثياب.
قلت: ثُمَّ ما يعمل؟
__________
(1) ـ ما بين قوسي الزيادة غير موجود في نسخة (ب).

(1/123)


قال: يقيم على حاله إلى يوم التروية، فإذا كان يوم التروية اغتسل ولبس ثياب إحرامه، ثُمَّ دخل المسجد الحرام فأهلَّ بالحج كما أهلَّ في أول مرة بالعمرة غير أنَّه يهلُّ بالحج ويلبي به ويفعل كما فعل أولاً، ثُمَّ يستقيم إلى منى، فإن أمكنه صلى بها الظهر والعصر معاً، وإن لم يمكنه الخروج إلاَّ في بعض الليل فليخرج متى أمكنه، كل ذلك واسع له بعد أن يدرك صلاة الفجر بمنى.
قلت: فإذا أراد القِران، كيف يعمل، بَيِّنه لي حتَّى أفهمه، وكيف يقول أيضاً المتمتع عند إهلاله، وكذلك أيضاً كيف يقول المفرد عند إهلاله؟
قال: أمَّا من أراد أن يُفرِد الحج فيقول: ما قدمنا في كتابنا: اللهم إني أريد الحج فيسره لي، ويقول ما شرحناه أولاً، ويقول: لبيك بحجة تمامها وأجرها عليك، ولا يقطع التلبية حتَّى يرمي جمرة العقبة من بعد رجوعه من يوم النحر من عرفة، وأما المتمتع فيقول عند إحرامه: اللهم إني أريد العمرة متمتعاً بها إلى الحج فيسرها لي، ثُمَّ يقول ما يقول في إحرامه(1) للحج، ويعمل ما قد فسرناه أوَّلاً.
وأما القارن فإذا أراد الإهلال بالحج والعمر معاً فلا يجوز ذلك عندنا، إلاَّ بسوق بدنَة يسوقها من موضعه الذي أحرم فيه، ويقول حين يريد الإحرام في دبر صلاته: اللهم إني أريد الحج والعمرة معاً فيسرهما لي، ثُمَّ يقول ما شرحناه من قول المحرم في ابتداء إحرامه، ثُمَّ يقول في التلبية: لبيك لبيك بعمرة وحجة معاً.
قلت: فإذا أهلَّ بعمرة وحجة ودخل مكة، ما يعمل؟
قال: يطوف طوافين، ويسعى سعيين.
قلت: كيف يعمل؟
قال: يطوف سبعة أشواط، كما وصفنا في الطواف الأول، ثُمَّ يخرج إلى الصفا فيسعى سبعة أشواط كما وصفنا، فيكون ذلك لعمرته، ثُمَّ يعود فيطوف سبعة أشواط ويسعى سبعة أشواط لحجته، فذلك طوافان وسعيان، وهذا الذي لا اختلاف فيه عندنا.
قلت: فإذا قاد البدنة، ما يعمل بها؟
__________
(1) ـ في إحرام الحج نسخة.

(1/124)


قال: ينيخها ويشعرها ويقلدها فرد نعلٍ، ويجلِّلها بأي الإجلال شاء من صوف أو قطن أو كتان، ثُمَّ يصلي ركعتين.
قلت: فيحمل على بدنته شيئاً؟
قال:لا، إلاَّ أن تنتج فيحمل ولدها عليها إن احتاج إلى ذلك.
قلت: فهل يركبها؟
قال: لا، إلاَّ أن يضطر إلى ذلك ضرورة شديدة فيركبها ركوباً لا يعقرها ولا يُتعبها.
قلت: فإن رأى رجلاً ضعيفاً من المسلمين قد فدحه المشي، هل يركبه إياها؟
قال: نعم، يحمله عليها العقبة والعقبتين والليلة بعد الليلة والليلتين، فإن ذلك أجر وخير، والبدنة فهي لله، والمضطر إليها فعبد من عبيد الله.
قلت: فهل يقف ببدنته معه في المواقف عند المشعر وفي عرفات؟
قال: كل ذلك واسع، وأحب إلينا أن يشهد ببدنته المشاهد كلها، وهو قولي وقول علماء آل الرسول عليه وعليهم السلام.
قلت: ثُمَّ ما يعمل القارن بعد ذلك؟
قال: يكون على حاله حتَّى يخرج مع الناس يوم التروية إلى منى فيبيت بها ثُمَّ يغدو إلى عرفات، فإذا انتهى إلى عرفة نزل بها وأقام حتَّى يصلي الظهر والعصر، فإذا صلى الظهر والعصر ارتحل فوقف في أي عرفات شاء، ويحرص أن يدنو من موقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الجبال، وإن لم يقدر على ذلك لكثرة الإزدحام فيقف بأي عرفات شاء ما خلا بطن عرنة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: <عرفة(1) كلها موقف ما خلا بطن عرنة>.
قلت: وكذلك أيضاً يفعل الحاج المفرد والمتمتع؟
قال: نعم، كلهم في ذلك سواء.
قلت: فإذا وقف بعرفة، ما يفعل؟
__________
(1) ـ في نسخة (ب): كل عرفة موقف.

(1/125)


قال: يذكر الله سبحانه، ويسبحه ويحمده ويخلص النية إليه ويتضرع إليه بما أمكنه من الدعاء، ويكثر قراءة (قل هو الله أحد) والإستغفار لذنوبه ولوالديه، فإذا توارت الشمس(1) بالحجاب فلينهض من عرفة ملبياً مقبلاً نحو مزدلفة، وعليه السكينة والوقار، ويكثر في طريقه من قراءة القرآن والاستغفار والدعاء والتكبير والتهليل والتلبية، وإن حضره شيء فيتصدق به على من يرى من الضعفة والمساكين.
قلت: فإن صام ذلك اليوم؟
قال: هو أحبُّ إليَّ أن يكون في ذلك اليوم صائماً، ولا يصلي المغرب والعشاء حتَّى يرد مزدلفة وهي جمع، فينزل بها ويحط بها رحله، ثُمَّ يجمع فيها بين المغرب والعشاء، ويأخذ حصى منها فيغسله ويصره في ثوبه، وإن أخذ الحصى من غير ذلك المكان أجزاه ذلك.
قلت: ولِمَ سميت جمعاً؟
قال: للاجتماع بها.
قلت: فإذا انتهى إلى مزدلفة وحط بها رحله وصلى؟
قال: يبيبت بها ليلته حتَّى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر فليرتحل وليمض حتَّى يقف عند المشعر الحرام، ويذكر الله سبحانه.
قلت: فإذا أتى المشعر الحرام، ما يقول؟
قال: يقول: اللهم هذا المشعر الحرام الذي تعبدت عبادك بالذكر لك عنده، وأمرتهم به فقلت: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام}[ ]، ولا ذكرٌ لك أذكرك به أعظم من توحيدك، والإقرار بعدلك في كل أمورك، والتصديق بوعدك ووعيدك، ثُمَّ يذكر الله بما أحب، وحضره وتيسر له.
قلت: فيفيض(2) من المشعر قبل طلوع الشمس أو بعد طلوعها؟
قال: إذا طلع(3) الشمس أفاض من عند المشعر الحرام.
قلت: فإذا أفاض من المشعر، ما يعمل؟
__________
(1) ـ في نسخة (ب): فإذا توارت الشمس عنه بالحجاب.
(2) ـ في نسخة (ب): من عند المشعر الحرام.
(3) ـ في كتاب الأحكام: قبل طلوع الشمس.

(1/126)


قال: يسير راجعاً إلى منى، وعليه الخشوع والوقار، ويقرأ ما تيسر من القرآن، ويدعو بما شاء أن يدعو، وذكر الله بما هو أهله ويستغفره، فإذا انتهى إلى جمرة العقبة رماها بسبع حصيات يقول مع كل حصاة: لا إله إلاَّ الله، والله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، ثُمَّ ليقطع التلبية مع أول حصاة يرمي بها، ولا يرمي ذلك اليوم غير جمرة العقبة وحدها.
قلت: فإذا رماها، ما يعمل؟
قال: يرجع إلى رحله فينحر إن كان ممَّن يجب عليه هدي، فيذبح هديه أو ينحره.
قلت: فما يقول حين ينحر أو يذبح؟
قال: إذا وضع الشفرة قال: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا إله إلاَّ الله والله أكبر، ثُمَّ يذبح، ويقول: اللهم منك وإليك فتقبل من عبدك وابن عبديك، ثُمَّ يأمر به فيصنع منه فيأكل منه هو وإخوانه، ويأمر ببعضه فيتصدق به على المساكين من قرب من منزله، ومن رحله من أهل الفاقة والحاجة.
قلت: فإذا ذبح، ما يعمل؟
قال: يحلق رأسه أو يقصر، كل ذلك واسع له.
قلت: فإن حلق قبل أن يذبح، ما يجب عليه في ذلك؟
قال: لا ينبغي أن يتعمد ذلك تعمداً، فإن فعله ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه سئل عن ذلك فقال: <لا حرج عليه>.
قلت: فإذا حلق؟
قال: يلبس ما أحب من الثياب، ويتطيب بما شاء من الطيب، وقد حل له كل شيء يحل للحلال، إلاَّ مجامعة النساء فإنها لا تحل له حتَّى يطوف طواف الزيارة.
قلت: فمتى يطوف طواف الزيارة؟
قال: في أي أيام منى شاء، إن شاء في آخرها، وإن شاء في أولها، كل ذلك واسع.
قلت: فإن كان خرج المحرم من مكة ولم يطف لحجه، ما يعمل؟
قال: فإذا رجع من منى طاف لحجه إن كان مفرداً سبعة أشواط يفعل فها ما وصفنا أولاً، ويسعى بين الصفا والمروة كذلك كما وصفنا.
قلت: فيطوف لحجه قبل طواف الزيارة؟

(1/127)


قال: كذلك ينبغي إذا طاف لحجه وسعى رجع إلى الكبعة فطاف طواف الزيارة وهو الطواف اللازم الذي يحل له من بعده النساء.
قلت: فهو الطواف الذي ذكره الله في كتابه؟
قال: نعم.
قلت: فهل يجوز للرجل أن يبيت أيام منى بمكة؟
قال: لا يجوز له ذلك.
قلت: فإن بات بمكة في أيام منى؟
قال: إن أتاها ليلاً فأدركه الفجر بها، أو نهاراً فأدركه الليل بها وجب عليه دم.
قلت: فمتى يرمي الرجل الجمار؟
قال: إذا كان يوم الثاني من يوم النحر ـ وهو اليوم الذي يسمى يوم الروس ـ نهض طاهراً متطهراً بعد زوال الشمس ويحمل معه من رحله إحدى وعشرين حصاةً من الحصى الذي أخذه من مزدلفة فيغسله، فإن ذلك يُروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتَّى يأتي الجمرة الَّتي في وسط منى، وهي أقربهن إلى مسجد الخيف فيرميها بسبع حصيات من بطن الوادي، يكبر مع كل حصاة مكا ذكرنا، ثُمَّ يستقبل القبلة ويجعل الجمرة الَّتي رماها وراء ظهره ثُمَّ يقول: اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، اللهم إني عبدك وابن عبديك طالب منك ضارع إليك، فاعطني بفضلك إقالة عثرتي وغفران خطيئتي وستر عورتي والكفاية لكل ما أهمني. ويدعو بما أحب، ثُمَّ يمضي حتَّى ينتهي إلى الجمرة الوسطى فيفعل كما يفعل عند الأولى، ثُمَّ يستقبل القبلة ويجعلها وراء ظهره ثُمَّ يدعو فيقول: اللهم اغفر لي الذنوب الَّتي تهتك العصم، واغفر لي الذنوب الَّتي تورث الندم، واغفر لي الذنوب الَّتي تغير النعم، واغفر لي الذنوب الَّتي تحبس القسم، واغفر لي الذنوب الَّتي تكشف الغطاء، واغفر لي الذنوب الَّتي ترد الأعمال، واغفر لي الذنوب الَّتي تعلمها مني، ووفقني لما تحب وترضى، واعصمني عن الزلل والخطأ إنك أنت الواحد العلي الأعلى. ثُمَّ يأتي جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات يفعل فيها ويقول ما قال أولاً ، ثُمَّ ينصرف ولا يقف عندها، ويقول في طريقه ما يحب ممَّا لله فيه رضى، ثُمَّ

(1/128)


ينصرف إلى منزله. فإذا كان من غد وزالت الشمس فعل في رمي الجمار ما فعل بالأمس وهو يوم الثالث من النحر وهو يوم النفر الأول.
قلت: فإذا أراد أن ينفر في النفر الأول، ما يعمل؟
قال: إذا زالت الشمس وهو بمنى رمى الجمار كما وصفنا كلها بإحدى وعشرين حصاة، كل جمرة بسبع حصيات، ثُمَّ ينفر من منى إلى مكة فيطوف بالبيت سبعة أشواط، ثُمَّ يصلي ركعتين ثُمَّ يستقبل القبلة، ثُمَّ يقول: اللهم البيت بيتك والحرم حرمك والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ بك من النار، اللهم اجعله سعياً مشكوراً وحجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وعملاً مقبولاً، اللهم لا تجعله آخر العهد من بيتك الحرام الذي جعلته قبلة لأهل الإسلام وفرضت حجه على جميع الأنام، اللهم أصحبنا في سفرنا، وكن لنا وليّاً وحافظاً، اللهم إنا نعوذ بك من كآبة السفر وسوء المنقلب وفاحش المنظر في أهلنا ومالنا وأولادنا ومن اتصل بنا من ذوي أرحامنا وأهل عنايتنا، اللهم لك الحمد على ما مننت به علينا من أداء فرضك العظيم، ولك الحمد على حسن الصحابة والبلاغ الجميل، اللهم لا تشمت بنا الأعداء، ولا تسيء بنا الأصدقاء، ولا تكلنا إلى أنفسنا، ربنا وهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً. ويدعو بما أحب وحضره إن شاء الله، ثُمَّ ينفر إلى بلده، ولا ينفر حتَّى تزول الشمس.
قلت: فإذا أراد أن ينفر في النفر الثاني، ما يعمل؟
قال: فإذا كان ذلك اليوم ـ وهو يوم الرابع من يوم النحر، وهو آخر يوم من أيام التشريق ـ فلينفر إذا ارتفع الضحى ورمى الجمار في ذلك الوقت إن أحب التعجيل إلى مكة، وإن أحب وقف حتَّى تزول الشمس، ثُمَّ يرمي الجمار وينفر إلى مكة، كل ذلك واسع له يوم الرابع في النفر الثاني، ثُمَّ يطوف كما وصفنا طواف الوداع، ويقول ما وصفنا وينفر.
قلت: فإن أراد المقام بمكة بعد النفر الثاني، ما يعمل؟

(1/129)


قال: يؤخر طواف الوداع إلى اليوم الذي يريد أن ينفر فيه، فإن الوداع لا يكون إلاَّ يوم الرحيل، ويستحب للحاج عند وقت نفره أن يتصدق بما حضره فيما بين مكة ومنى، ويتصدق بما أمكنه يوم خروجه من مكة.
قلت: فما تقول لو أن صبيّاً بلغ ليلة عرفة أو عتق عبدٌ أو أسلم ذمي؟
قال: إن أمكنه تلك الليلة أن يرجع إلى مكة فيغتسل بها ويبتدئ الإحرام من المسجد الحرام ثُمَّ يلحق إلى عرفة فيفعل.
قلت: فإن كان ذلك منهم مع زوال الشمس يوم عرفة أو بعد زوالها ولا يمكنهم أن يرجعوا إلى مكة؟
قال: فليحرموا بها ويمضوا فيقفوا مع الناس بمواقفهم، ثُمَّ ليفضوا إذا أفاض الناس من عرفات، ويؤدوها ما أداه الحاج من مناسك الحج كلها، ثُمَّ قد تمَّ حجهم إذا أدوا جميع ما يجب عليهم.
قلت: فإن كان منهم ذلك ليلة النحر؟
قال: إن أمكنهم أن يرجعوا إلى عرفة فيقفوا بها قبل طلوع الفجر فلا بأس أن يحرموا بمزدلفة ثُمَّ ينهضوا(1) حتَّى يقفوا بعرفة، فإن وقفوا بها قبلل طلوع الفجر ثُمَّ أدّوا بعد ذلك جميع مناسكهم فقد تم حجهم.
قلت: فمتى يكون المعتمر متمتعاً بالعمرة إلى الحج؟
قال: إذا أهلَّ بالعمرة في أشهر الحج.
قلت: فإن رجلاً أهلّ بعمرة في شهر رمضان، ثُمَّ طاف لها وسعى في شوال؟
قال: لا يكون متمتعاً.
قلت: فعليه في ذلك دم؟
قال: لا.
قلت: لأي علة؟
قال: لأنَّه أهل بها في غير أشهر الحج، وإنَّما العمرة للشهر الذي يهل بها فيه، وليست للشهر الذي يحل منها فيه.
قلت: فإن أهلَّ بعمرة في شوال؟
قال: فهو متمتع، وعليه الهدي.
قلت: فإن رجلاً من أهل العراق أو اليمن دخل مكة بعمرة في أشهر الحج، ثُمَّ أقام بها إلى قابل، فأهلَّ أيضاً بعمرة في أشهر الحج؟
قال: لا يكن في ذلك متمتاً؛ لأن حكمه حكم أهل مكة.
قلت: فإنه خرج إلى بلده حتَّى جاوز الميقات بميل، ثُمَّ رجع إلى مكة فأقام بها حتَّى دخل أشهر الحج فأهلَّ بعمرة، هل يكون متمتعاً؟
__________
(1) ـ في نخسة (ب): ثُمَّ يمضوا.

(1/130)


قال: نعم، إذا كان قد خرج من مكة وجاوز ميقاته فليس حكمه حكم أهل مكة، وعليه ما على المتمتع من دم أو صيام أو صدقة.
قلت: فما تقول فيمن نسي السعي بين الصفا والمروة حتَّى خرج من مكة؟
قال: إن أمكنه الرجوع رجع فسعى.
قلت: فإن لم يمكنه أن يرجع؟
قال: يجزيه أن يهريق دماً.
قلت: فأين؟
قال: حيث شاء.
قلت: فإن عاود الحج؟
قال: يسعى بينهما.
قلت: فإن طاف بينهما وهو على غير طهور ثُمَّ ذكر ذلك بعد خروجه؟
قال: ليس عليه في ذلك شيء.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأنَّه ليس عليه في ذلك صلاة، غير أنه لا ينبغي له أن يفرط في التطهر؛ لأنهما موقفان شريفان، والساعي بينهما في عبادة ربه.
قلت: فما تقول فيمن نسي رمي الجمار، ثُمَّ ذكرها في آخر أيام التشريق؟
قال: يرمي ما نسي منها، وليهرق لذلك دماً.
قلت: فإن لم يذكر منها حتَّى صدر الناس من منى؟
قال: عليه أن يهريق لذلك دماً، وليس عليه رمي؛ لأن وقت الرمي قد فاته.
قلت: فإن نسي أن يرمي بحصاة أو حصاتين أو ثلاث؟
قال: يرمي من الغد ويطعم لكل حصاة مسكيناً، ويهريق لذلك دماً.
قلت: فكم يطعم كل مسكين؟
قال: نصف صاع.
قلت: فما تقول فيمن رمى الجمار على غير طهور؟
قال: لا ينبغي أن يرمي الجمار على غير طهر؛ لأنها مواقف شريفة كريمة، ومن رماها جاهلاً على غير طهر لم يفسد ذلك عليه شيئاً من مناسكه.
قلت: فما تقول في رمي الجمار قبل طلوع الفجر؟
قال: لا يجوز ذلك إلاَّ للنساء لضعفهن، ولم يرخص في ذلك لغيرهن، ولا يجوز رميهن للرجال إلاَّ بعد طلوع الشمس.
باب القول فيما يجوز أكله من ذبائح الحاج وما لا يجوز
قلت: فما يجوز أكله من ذبائح الحاج، وما لا يجوز؟
قال: يأكل الحاج بدنته إذا كان قارناً، ويطعم من شاء من مسكين وغيره، وكذلك يفعل المتمتع بهديه، وكذلك يفعل المضحي بأضحيته.
قلت: فالجزاء من الصيد والكفارة في لبس الثياب ومس الطيب وما أشبه ذلك؟

(1/131)


قال: لا يأكل منه شيئاً صاحبه ولا ينتفع منه بشيء، ولا يعطي منه لحماً ولا جلداً من يجزر له.
قلت: ولِمَ ذلك؟
قال: لأنَّه في معنى الصدقة؛ لأن الله قال: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}[ ]، فجعل النسك في مقام الصدقة.
قلت: فما تقول في حلال دفع إلى محرم صيداً فذبحه، هل يحل أكله للحلال؟
قال: لا يحل أكل ما ذبح المحرم من الصيد للحلال ولا للمحرم.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأن الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}[ ]، فما ذبح المحرم من صيد فهو قتل حرام لا يؤكل.
قلت: فما تقول في الظلال للمحرم؟
قال: لا بأس بذلك، وقد قال غيرنا: إن عليه دماً، ولا يلتفت إلى ذلك، ويتحرز من أن يصيب رأسه ويكون مرتفعة عن الرأس بجهده، ولو فسد عليه التظلل تحت الظلل والعماريات لفسد عليه أن يتظلل تحت المضارب، ولو فسد عليه التظلل تحت المضارب لفسد عليه التظلل تحت السقوف.
باب القول في مسائل الصيد
وسألته عن رجل أرسل كلباً له على ظبي، فلحق الكلب الظبي فقتله، هل يجوز أكله؟
قال: إذا كان الكلب الذي أرسله الرجل معلَّماً، فأرسله وذكر اسم الله فقتل الكلب الصيد فهو ذكي يحل له أكله إذالم يغب عليه.
قلت: وكذلك لو أكل بعضه؟
قال: إذا كان الكلب معلَّماً فأكل بعضه، أكل ما بقي منه، هذا قولي وقول علماء آل الرسول عليه وعلهيم السلام، وقد قال ابن عباس: إذا قتل الكلب وأكل بعضه لم يؤكل ما بقي منه، ولا أدري هل يصح هذا عن ابن عباس أم لا.
قلت: فما معنى قولك: معلَّماً؟
قال: لأن الكلاب مختلفة في معانيها فمنها كلب يكون مع الغنم، ومنها ما يكون للصيد معلماً، فهذا كلب الصيد.
قلت: فكيف يعرف الكلب المعلم من غيره؟
قال: ذلك معروف غير مجهول، فمعرفة المعلَّم أن يؤمر ويشلى فيأتمر، يُدعى فيجيب، والآخر فليس كذلك لا يجيب إذا دُعي، فهذا فرق ما بينهما، فافهم ذلك.
قلت: فالفهد عندك هو على مثال الكلب المعلَّم؟

(1/132)


قال: وكذلك الفهد إذا أمر وأشلى فكان يأتمر ويُدعى فيجيب فهو عندي كالكلب المعلَّم، يحل صيده ويؤكل ما قتل وإن كان أكل بعض الصيد أكل ما بقي منه.
قلت: فالصقر والبازي والشاهين وما أشبه ذلك من الجوارح؟
قال: أما هذه الجوارح فما قتلت فليس بذكي عندي ولا يحل أكله، وأما ما أمسكت فذبحه ذابح أُكِل.
قلت: فلأيِّ علَّة لم يحل أُكل ما قتلت هذه الجوارح؟
قال: لأنها لا تأتمر إذا أمرت ولا تأتي إذا دُعيت لغير طعم، وإنَّما تأخذ الصيد إذا جاعت، وكذلك إذا شبعت فدُعيت لم تجب، وإنَّما تُجيب إذا دُعيت إذا لوح باللحم إليها أو تصيد، فتأتي من جوعها إلى طعامها، فلذلك قلنا: إنَّه لا يحل أكل ما قتلت.
قلت: فما تقول في صيد كلب المجوسي واليهودي أو النصراني إذا أرسله واحد من هؤلاء؟
قال: إذا أرسل المجوسي أو اليهودي أو النصراني كلباً فضبط الصيد وقتله لم يحل أكله؛ لأن هؤلاء لا نرى أكل ذبائحهم؛ لأنهم لا يذكرون اسم الله عليها.
قلت: فإن ذكر هؤلاء اسم الله، هل تؤكل ذبائحهم؟
قال: لا.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأنهم لم يعرفوا الله؛ لأن الله عندهم هو غير الذي بعث محمداً إليهم، والله تبارك وتعالى هو باعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم إليهم وإلى غيرهم، ومن قال بذلك فلم يعرف الله قط ولم يسمه على صيد ولا ذبيحة، والله عند هؤلاء هو الذي أدخلهم فيما هم فيه من الشرك، وعز الله عن ذلك.
قلت: فإن أرسل كلب المجوسي أو الذمي مسلم، فقتل الصيد؟
قال: لا بأس بأكله.
قلت: فما تقول في الصيد بالليل؟
قال: الصيد جائز بالليل والنهار ولم يحظر الله شيئاً من ذلك في كتابه.
قلت: فما تقول في صيد المجوسي أو الذمي للسمك؟
قال: لا بأس بذلك إذا غسل من أثر أيديهم؛ لأنَّه لا يقع على السمك ذكاة.
قلت: فإن رجلاً رمى صيد بسهم أو أرسل عليه كلباً معلماً وذكر اسم الله ثُمَّ تغيب عن عينه ساعة، ثُمَّ وجده بعد ذلك ميتاً.

(1/133)


قال: إذا رماه بسهمه أو أرسل عليه كلبه فغاب عنه ساعة أو ساعتين أو أكثر ثُمَّ وجده ميتاً فوجد سهمه فيه ثابتاً وأيقن أن سهمه الذي قتله أو أن كلبه الذي قتله فلا بأس بأكله إذا أيقن أنَّه هو قاتله؛ لأن الله سبحانه أحل ذلك ولم يذكر تغيباً ولا غير تغيب، ولا يزيح اليقين إلاَّ اليقين، فإذا أيقن أن كلبه أو سهمه قتل الصيد أكله.
قلت: قد فهمت ما ذكرت في صيد الكلب المعلم، فأخبرني عن صيد الكلب الذي ليس بمعلم إذا أخذ الصيد وقتله؟
قال: إذا لم يكن الكلب معلماً فلحق الصيد فقتله لم يحل أكله إلاَّ أن يلحق الرجل الصيد لم يمت فيذكيه ويأكله.
قلت: فإن أرسل رجل كلباً معلماً على صيد فعارضه كلب غير معلم فعاونه عليه فقتلاه جميعاً؟
قال: لا يجوز أكله؛ لأنَّه قد أفسد ذكاته معاونة الكلب الذي ليس بمكلب للمكلب عليه.
قلت: فإن رجلاً ركض فرساً على صيد، ثُمَّ رماه بسهم فقتله؟
قال: إذا أثبت الصيد بسهمه وقد ذكر اسم الله عليه فأدماه وجرحه حل أكله له.
قلت: فإن لم يدمه ومات من وقعة سهمه؟
قال: لا يحل أكله؛ لأنَّه وقذة.
قلت: فصيد المعراض؟
قال: لا يحل منه إلاَّ ما لحقت ذكاته.
قلت: وكذلك أيضاً صيد البندق؟
قال: وكذلك أيضاً صيد البندق إذا رمى الرجل بالبندق الصيد فقتله لم يحل أكله إلاَّ أن تدرك ذكاته.
قلت: فإنه رمى صيداً بسهم فتردى فوقع في الماء فمات؟
قال: لا يحل أكله؛ لأنَّه لا يؤمن أن يكون غرقاً.
قلت: فإنه رماه فتردى من جبل فمات؟
قال: وكذلك أيضاً لا يؤكل؛ لأنَّه لا يؤمن أن يكون مات من ترديه.
قلت: فإنه رمى صيداً فتردى من جبل فأدركه وهو يطرف بعينه أو يركض برجله أو يحرك ذنبه؟
قال: يذكيه ويأكله، وكذلك إن تحرك منه شيء بعد أن يذكيه فهو ذكي.
باب الذبائح
وسألته عن الرجل يذبح الشاة أو غير ذلك من الدواب، ولا يذكر اسم الله، هل يحل أكل ذلك؟
قال: نعم، إذا كان عقد التسمية فنسي، فعقد ملة الإسلام يجزي، ولا ينبغي لأحد أن يغفل عن ذلك.

(1/134)


قتل: فإن رجلاً ذبح شاة من القفا وذكر اسم الله، هل يحل أكلها؟
قال: قد قال غيرنا: إنَّه يحل، وأما قولي أنا: فإنه لا يحل؛ لأنَّه لا يبلغ السكين إلى الأوداج، وهو: موضع الذبح حتَّى تموت.
قلت: فإن رجلاً ذبح شاة فقطع رأسها، هل تحل؟
قال: نعم، وقد روي عن أمير المؤمنين رضي الله عنه، أنه قال في ذلك: (هذه الذكاة الشريعة).
قلت: فما تقول في ذبيحة المرأة والصبي والجنب والحائض؟
قال: لا بأس بذبيحة المرأة إذا كانت امرأة مسلمة وعرفت الذبح وأقامت حدوده وفرت الأوداج واستقبلت به القبلة والمنهاج، وكذلك الصبي فلا بأس بذبيحته إذا فهم الذبح وأطاقه وفرى الأوداج وأنهرها وعرف مأخذها وقطعها، وإن لم يبلغ مبالغ الرجال، ولا بأس بذبيحة الجنب والحائض في حال نجاستهما؛ لأنهما مِلِّيان مسلمان، وليس نضيُّق عليهما في حال نجاستهما إلاَّ الصلاة والقرآن.
قلت: فما تقول في الذبح بالشظاظ والظفر والعظم والحجر؟
قال: لا يجوز الذبح بالشظاظ ولا بالظفر ولا بالعظم، ولا بأس بالذبح بالمروة والحجر الحاد إذا فرى الأوداج وأنهر الدم وأبان العروق كما تفعل المدية.
قلت: فما تقول في ذبيحة الأخرس والعبد الآبق والأغلف؟
قال: لا بأس بكل ما ذبح هؤلاء المسلمون إذا كانوا من أهل الملة وكانوا بالذبائح عارفين وكان الأغلف تاركاً للاختتان لعلَّة تقوم له بها عند الله حجة، ومن جازت مناكحته حلت ذبيحته.
قلت: فما تقول في ذكاة الجنين؟
قال: قد قال غيرنا أن ذكاته ذكاة أمه، ولسنا نقول بذلك ولا نلتفت إليه، ولا تصح الذكاة إلاَّ لما ذكي وقُدِرَ على تذكيته خارجاً من بطن أمه؛ لأنَّه لا يكون ذكاةٌ واحدةٌ ذكاة اثنين، وقد يمكن أن يموت في بطنها قبل ذبحها كما يموت عند ذبحها، وقد يحيا في بطنها ويستخرج حيّاً بعد موتها، موجود ذلك في النعام وغير ذلك من نساء الأنام، ولا يعمل في التذكية بما في بطون الأنعام إلاَّ من بعد خروجه حيّاً.

(1/135)


قلت: فإن جملاً أو شاة أو بقرة تردى في بئر فلم يقدر على إخراجه حيّاً؟
قال: يجب على أصحابه أن يطلبوا منحر البعير ومذبح البقرة أو الشاة في جوف البئر، فيذبحوه.
قلت: فإن لم يقدروا على ذلك؟
قال: إذا لم يقدروا على ذلك طعنوه حيث أمكن وذكروا اسم الله وأخرجوه إرباً، فأكلوه.
قتل: فإن رجلاً أتى بشاة أو بجزور أو ببقرة ليذبحها، فندت منه فلم يقدروا على أخذها وذبحها، فرماها بسيفه أو بسهمه أو طعنها برمحه فأدماها وعقر فقتل وقد سمى حين رمى أو طعن؟
قال: لا بأس بأكلها إذا كان قدم النية أنَّه يريد نحرها أو ذبحها ولم يقدر على ذلك، وإن فعل ذلك متمرداً ماثلاً بها لم تؤكل، وعليه في ذلك أدب وتنكيل على المثل بالبهائم والتعدي للسنة في ذبحها إلى ما فعل من المثل بها.
باب الأضاحي
وسألته عمَّا يجزي من الغنم والبقر والإبل في الأضاحي؟
فقال: الجذع من الضأن، والثني من المعز والبقر والإبل.
قلت: فهل يجزي جذعاً أو عوراء أو عمياء أو مكسورة القرن؟
قال: لا يجوز في الأضاحي شيء من ذلك إلاَّ العضباء القرن فإنها تجوز، ومن وجد غيرها كان أفضل، ولا تكون الأضحية إلاَّ سليمة.
قلت: فما تقول في الخصي، يجوز في الأضحية؟
قال: نعم، وهو خيارها وسمانها، وقد ضحى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: فهل الأضحية واجبة كوجوب غيرها، مثل الزكاة وما أشبه ذلك؟
قال: لا، ولكنا نحب لمن وجد أن لا يتركها لما جاء فيها من الفضل.
قلت: فهل يجوز أن يذبح الرجل الأضحية قبل خروجه إلى المصلى أو قبل طلوع الشمس؟
قال: لا، وليس يذبح الأضحية إلاَّ بعد انصراف الإمام من المصلى أو بعد صلاة الرجل إذا صلى وحده.
قلت: فإن الرجل ذبح الشاة قبل خروجه إلى المصلى؟
قال: تلك شاة لحم وليست بأضحية.
قلت: فهل يقدد الرجل من لحم الأضحية؟

(1/136)


قال: قد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد نهى أن لا يحبس لحم الأضحية فوق ثلاث، ثُمَّ أطلق بعد ذلك، فقال: <قد كنت نهيتكم أن لا تُحبس لحم الأضحية فوق ثلاث، فاحبسوا ما بدا لكم>، فوسَّع لهم ما كان ضيَّق عليهم، وهذا قولنا أن يحبس الرجل لحم أضحيته ما شاء.
قلت: فعن كم تجزي الشاة والبقرة والجزور؟
قال: أما الشاة فعن ثلاثة، وأما الجزور من الإبل فعن عشرة، وأما البقرة فعن سبعة، وكل ذلك إذا كانوا أهل بيت واحد.
باب القول في العقيقة
وسألته عن العقيقة، ما هي؟
فقال: العقيقة شاة تذبح عن المولود إذا ولد يوم سابعه، كذلك روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه عق عن الحسن والحسين عليهما السلام يوم سابعهما، وحلق رؤوسهما وتصدق بوزن شعرهما فضة.
قلت: فهل يتصدق بها، أو هي لأهلها يأكلونها؟
قال: يعملون في ذلك ما شاءوا، ويأكلون منها ويطعمون ما شاءوا، ويتصدقون على من شاءوا.
قلت: فالعقيقة واجبة للغلام والجارية سواء؟
قال: نعم، العقيقة للغلام والجارية شاةٌ شاة، وقد قال غيرنا: إن للغلام شاتين، وللجارية شاة، وأما قولنا: فشاةٌ شاة.
باب الأطعمة، وتفسير ما تحرم منها في القرآن والسنَّة
وسألته، متى يحل أكل الميتة؟
قال: لا يحل أكل الميتة إلاَّ عند الضرورة إلى أكلها، ولا يكون ذلك إلاَّ فيما ذكر الله سبحانه من المخمصة، والمخمصة فهي المجاعة، فإذا لم يجد الرجل ما يأكل ممَّا يقيم جسمه ويقوى به على أداء فرض ربه حل له أكل الميتة ليقوى به على ما ذكرنا من فرض ربه.
قلت: فكم يأكل المضطر من الميتة؟
قال: يأكل منها ما يلزم روحه في بدنه ويقيم قواه.
قلت: فإن كان الرجل مسافراً أو اضطر إلى أكل الميتة فأكل منها، هل يجوز له أن يتزود منها؟
قال: إذا خاف أن لا يجد شيئاً يغنيه تزود من الميتة قدر ما يغنيه ويقيم نفسه، فإذا وجد الطعام رمى بالميتة.
قلت: فما تقول في رجل أكل لحم الثعلب وما أشبهه؟

(1/137)


قال: الأصل في ذلك كله عندنا واحد، والذي نقول به ما صح عندنا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرَّم أُكل لحوم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، فهذا أصلٌ لك فيه كفاية إن شاء الله.
قلت: فما تقول في الذباب والخنفساء والفأرة وما أشبه ذلك يقع في الطعام، هل يحرم ذلك الطعام؟
قال: إذا وقع الذباب والخنفساء في الطعام أخرج فرمي وأُكل ذلك الطعام، وليس بمحرم، وقد قال الشافعي بغير ذلك، ولم يُنظر في قوله، وأمَّا الفأرة فإذا وقعت في الطعام أُخرجت حية فلا بأس أيضاً بأكل ذلك الطعام، وإن ماتت فتغير الطعام بنتن ريحه أو بفساد طعمه لم يؤكل.
قلت: فإن لم يتغير الطعام بنتن ولا ريح وقد ماتت الفأرة فيه؟
قال: يطرح ما حواليها ويؤكل باقي الطعام، وكذلك أيضاً لو وقعت في سمن أو زيت فماتت فيه كان على ما وصفنا، يؤخذ ما حواليها إن كان جامداً فيرمى به ويؤكل سائر ذلك، وإن كان غير جامد فتغير كما وصفنا لم يؤكل، وإن لم يتغير أُكل، وقد بلغنا وصح عندنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه أتى بجفنة من طعام، فوجد فيها خنفساء، فأمر بها فطرحت، ثُمَّ قال: <سموا عليها>، وكذلك أيضاً أتى بجفنة طعام، فوجد فيها ذباباً فطرحه وقال: <كلوا فليس يحرم هذا شيئاً>.
قلت: فخبرني عمّا يكره أكله، ما هو؟

(1/138)


قال: يكره ما طفا من السمك فمات، وكذلك يكره ما نضب عنه الماء إلاَّ أن يدرك حيّاً أو يموت في حظيرة حظرت لصيده، ويكره أكل الجري والمارماهي، وكذلك صح لنا عن أمير المؤمنين عليه السلام: ويكره أكل الضب والقنفذ والأرنب وليس بمحرم، ولكنا نعافه، وكذلك بلغنا أنَّه أُهديَ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فعافه ولم يأكله وأمر أصحابه بأكله، ويُكره أكل الطحال وجميع ما عمل المجوس وأهل الذمة من جبن أو سمن أو غير ذلك من الأشياء؛ لأنهم نجس، ويكره أن يأكل الرجل مستلقياً على قفاه أو مبتطحاً على بطنه، ويكره أكل السلحفاة، ويكره أكل الطين؛ لأنَّه ربما قتل.
قلت: فما تقول في البغال والحمير والخيل؟
قال: لا تؤكل، ولا يجوز أكلها عندنا؛ لأن الله تبارك وتعالى لم يطلق أكلها وحظره بقوله: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة}[ ]، ولم يقل: لتأكلوها، كما قال في غيرها من الأنعام: {ومنها تأكلون}[ ].
أبواب الأشربة
وسألته عن الخمر، لِمَ سميت خمراً؟
فقال: لأنها تخامر العقل فتزيله، فلذلك سميت خمراً.
قلت: فالخمر، أي شيء هي؟
قال: من العنب والزبيب والتمر والذرة والشعير والبر وجميع ما عمل فشرب فخامر العقل، فهذا أصلٌ فيه جملة ما يحتاج إليه.
قلت: فإنه عصر عنباً على أن يعمله خمراً فلما خمر بدا لصاحبه فعمله خلاًّ؟
قال: لا أحب أكل ذلك، لما تقدم من النية فيه أنَّه خمر، وكذلك بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه لما حرمت الخمر أمر بإهراقها، وقال: <لا يُنتفع بها، ولا يعمل خلاًّ، ولا غيره>.
قلت: فما تقول في الطلاء والنحتح والمثلث وما أشبه ذلك، ممَّا يُعمل من الزبيب والعسل إذا طبخ فذهب ثلثاه أو نصفه؟

(1/139)


فقال: أخبرك في هذا بأصل تكتفي إن شاء الله، اعلم أن جميع ما كان من هذه الأشياء المطبوخة أو المنقعة أو ما أشبه ذلك فما لم يسكر كثيره إذا شرب ولم يزل عقل صاحبه من شربه فهو حلال قليله وكثيره، وما أسكر كثيره فقليله وكثيره حرام، فاكتف بهذا.
قلت: فما تقول في الشراب في آنية الذهب والفضة؟
قال: لا يجوز ذلك عندنا أن يشرب في آنية الذهب والفضة.
قلت: فإن كان الإناء في نفسه خشباً ففضِّض أو ذُهِّبَ؟
قال: كذلك أيضاً لا يجوز عندنا الشرب فيه؟
قلت: فما تقول في الشرب والانتفاع بآنية الرصاص والنحاس وما أشبه ذلك؟
قال: الشراب والانتفاع بذلك جائز.
القول في أبواب الِّباس
وسألته عن لبس الرجل الحرير والديباج؟
فقال: لا يجوز لبس ذلك للرجال.
قلت: فالنساء؟
قال: تلبس المرأة ما شاءت من ذلك.
قلت: فإن كان الثوب نصفه حريراً(1) ونصفه قطناً، هل يجوز لبسه والصلاة فيه؟
قال: نعم.
قلت: فإنه حرير كله فقطعه رجل جبة أو قلنسوة أو ما أشبه ذلك أو بطَّنه بغيره ببطانة من القطن، هل يجوز الصلاة في ذلك؟
قال: إذا كان ثوباً كاملاً مصمتاً من حرير فلا تجوز الصلاة فيه بُطِّن أو لم يبطَّن، ولا أحب له لبسه إلاَّ أن يكون في حرب أو آلة حرب، وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال: (أُهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثياب حرير، فأمرني فقسمتها بين النساء).
قلت: فما تقول في الخز؟
قال: لا أحب الصلاة فيه.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأني لا آمن أن يكون أصله ميتة ممَّا لا يحل أكله ولا تقع الذكاة عليه.
قلت: فما تقول في لبس جلود الثعالب والنمور وجلود كل ذي ناب؟
فقال: كلما حرم الله وروسله أكل لحمه فلا يجوز لبس جلده ولا الانتفاع به ولو دبغ، وقد أجاز ذلك غيرنا.
قلت: فما تقول في لبس جلود الغنم الَّتي تُعمل فراء؟
قال: لا بأس بذلك إذا كانت ذبيحة الغنم على ملة الإسلام، ونظِّف من الأقذار.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): فإن كان الثوب نصفه حرير.

(1/140)


قلت: فما تقول في المرأة تصل شعرها بغيره؟
قال: أما إذا وصلت شعرها بشعر غنم صوفاً كان أو شعراً أو ما أشبه ذلك فلا بأس به أن تصل المرأة في شعرها ما تزين به لزوجها، وأمَّا شعور الناس فلا يحل لمرأة أن تصل شعرها بشيء من شعور الناس؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عنه، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه لعن الواصلة والموصولة(1)، أراد بذلك الَّتي تصل شعرها بشعر الناس لا شعر الغنم، ولعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الواشمة والمؤتشمة، والنامصة والمتنمصة.
قلت: فما تقول في الخضاب بالحناء والكتم يغير به الشيب؟
قال: لا بأس بذلك، وأحب إلينا أن لا يغير الشيب بشيء، ويترك كما خلقه الله.
قلت: فما الذي يُكره لبسه من اللباس؟
قال: لا أحب أن يلبس الرجال من الثياب المصبوغ المشبع، ولا ذا الشهرة بالتلوين إلاَّ في الحروب، ولا نحب أن يلبس من الميتة شيء لا نعل ولا خف.
قلت: فما تقول في صوف الميتة من الأنعام وشعورها ووبرها؟
قال: لا بأس بذلك إذا غسل وأنقي؛ لأنَّه ليس ممَّا يقع عليه ذكاة، وإن تركه تارك تنزهاً كان أفضل، وقد تجز الغنم ويستعمل صوفها وشعرها وهي حية.
قلت: فشعر الخنزير الذي يعمل به الأساكفة؟
قال: لا أحب أن يعملوا به؛ لأن الله حرم الخنزير، وشعره منه.
قلت: فما تقول في هذه الأكسية الَّتي تُصبغ بالنيل وما أشبهه وتغمس في البول، هل يحل الصلاة فيها؟
فقال: إذا غُسِلَت وأُنقيَت ولم يتبين فيها أثر البول ونظفت فلا بأس أن يُصلَّى فيها، ولا ينبغي لأحد أن يتعمد الصباغ ولا العمل بشيء من النجس لا البول ولا غيره.
قلت: فهل يجوز للرجال أن يتختموا بالذهب؟
قال: لا يتختم الرجال بالذهب، وعليهم بخواتم الفضة.
قلت: ففي أي اليدين يلبس الرجل خاتمه؟
__________
(1) ـ في نسخة (ب): الواصلة والمؤتصلة.

(1/141)


قال: في يمينه، كذلك صح عندنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تختَّم في يمينه، وعلي والحسن والحسين عليهم السلام.
قلت: فما تقول في لبس الخلاخيل للغلمان؟
قال: لا أحب ذلك إلاَّ للنساء.
بسم الله الرحمن الرحيم(1)
00باب مسائل النكاح
قلت له: فهل يجوز النكاح أو تثبت عقدته بغير ولي وشهود؟
فقال: لا تثبت عقدة نكاح إلاَّ بولي وشاهدين.
قلت: فإن نكح رجل امرأة بغير ولي وشهود، هل يبطل نكاحه؟
قال: نعم، وكيف لا أبطل نكاحه وقد خالف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: وكيف خالف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
قال: لأن الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <لا نكاح إلاَّ بولي وشاهدين، ومهر>، وذلك فأمرٌ من الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك أمر الله عز وجل الأولياء بإنكاح النساء بقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم}[ ]، فأمر الله الأولياء بذلك ودلَّ سبحانه بأمر الأولياء أنَّه لا نكاح للنساء ولا يتزوج رجل امرأة إلاَّ بأمر وليها، فمن خالف ذلك لم يثبت له نكاح، ولقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا نكاح إلاَّ بولي وشاهدين>، وكذلك أيضاً نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نكاح السر؛ تأكيداً منه ألاَّ يكون النكاح إلاَّ مشهوراً غير خفي ولا مكتوم؛ لأنَّه لا يخفى ولا ينكتم ما كان عليه الشهود والأولياء.
قلت: فمَن الأولياء، ومن أولاهم بالنكاح؟
قال: الأولياء فهم العصبة المتناسبون.
قلت فسِّرهم لي؟
قال: نعم إن شاء الله، أُولي القرابة بعقدة نكاح المرأة وتزويجها أحقهم بوراثة ما تتركه من ميراثها من الرجال دون النساء.
قلت: مثل مَن؟

(1/142)


قال: مثل الابن، ثُمَّ ابن الابن وإن سفل، ثُمَّ الأب، ثُمَّ الجدّ، ثُمَّ الأخ لأبٍ وأمٍ، ثُمَّ الأخ لأبٍ، ثُمَّ ابن الأخ لأبٍ وأمٍ، ثُمَّ ابن الأخ لأبٍ، ثُمَّ العمّ لأبٍ وأم، ثُمَّ العم لأبٍ، ثُمَّ ابن العمّ لأبٍ وأم، ثُمَّ ابن العم لأب، ثُمَّ مولى النعمة وهو المعتق.
قلت: فإذا لم يكن لها عصبة وكان لها ذوو أرحام؟
قال: فإمام المسلمين أولى بها من ذوي الأرحام بعقدة نكاحها.
قلت: فإن لم يكن الإمام ظاهراً؟
قال: تولي المرأة رجلاً من المسلمين؟
قلت: أفليس ذوو الأرحام أولى بها بعد العصبة من سائر الناس؟
قال: ذوو الأرحام وسائر الناس في هذا سواء، وإن قدم في ذلك ذوو الرحم فذلك حسن جميل إذا كان فيهم رشيد يصلح لذلك.
قلت: فهل تعقد المرأة عقد النكاح؟
قال: لا تعقد النساء عقدة النكاح.
قلت: فإن أراد الأب أن يزوج ابنته، هل يؤآمرها؟
قال: ذلك الواجب إذا كانت بالغة.
قلت: فإن سكتت ولم ترد عليه إذا أمرها؟
قال: سكوتها إقرارها.
قلت: فيستأمر الأب ابنته البكر إذا أراد أن يزوجها.
قال: إن فعل فحسن، وإن لم يؤآمرها لم يضره، وجاز له تزويجها إذا كانت لم تبلغ، فأما إذا بلغت فلا بد من استئذانها.
قلت: فإن أنكرت على أبيها تزويجه لها عند البلوغ؟
قال: لا ينفعها ذلك وقد ثبتت عقدة النكاح.
قلت: فإن الأب لما زوج ابنته البالغة أنكرت على أبيها تزويجها؟
قال: إذا أنكرت في ذلك الوقت الذي زوجها أبوها فيه بطل النكاح.
قلت: فإن كانت وقت ما زوجها علمت بتزويجه لها فسكتت يومها ذلك أو بعض يوم، ولم تنكر، ثُمَّ أنكرت بعد ذلك؟
قال: إذ سكتت عند تزويجه لها ولم تنكر فهو رضى منها، وقد ثبتت عقدة النكاح.
قلت: فإن كانت لم تعلم ذلك الوقت، ثُمَّ علمت بعد فأنكرت.
قال: لها الإنكار ويبطل النكاح.
قلت: وكذلك الثيب؟
قال: تستأمر أيضاً، كذلك فإن سكتت فهو رضىً منها.
باب القول في الوليِّين يُنكِحان جميعاً في وقت واحد

(1/143)


وسألته عن امرأة بالغة زوَّجها أبوها برجل وزوجها أخوها برجل آخر في ليلة واحدة، فأنكرت الذي زوجها أبوها، ورضيت الذي زوجها أخوها؟
قال: لا يصح نكاحهما جميعاً؛ لأن الأب زوَّجها من لم ترض وهو الولي، وزوجها أخوها مَن رضيت والأب قائم بعينه، فلا يجوز للأخ أن يزوج والأب حيّ سليم، فبطل نكاحهما جميعاً، ولكن يعقد الأب حينئذ لمن رضيت.
قلت: فإن الأب أبى أن يزوجها من رضيت؟
قال: يجبر على ذلك، فإن أبى كان الأمر إلى إمام المسلمين.
قلت: فإن زوجاها جميعاً في وقت واحد من رجلين وهي صغيرة ولم تبلغ فأراد كل واحد منهما أن يدخلها على من زوجها، فأبى الآخر؟
قال: توقف إلى أن تبلغ، فإذا بلغت اختارت من أحبت منهما، فأدخلت عليه.
قلت: فإن أخويها زوجاها وهي بالغ، وقد أمرتهما جميعاً؟
قال: فالعقد عقد الأول.
قلت: فإنَّ لها أخاً واحداً فزوجها ولم تبلغ فأنكرت؟
قال: لا يلتفت إلى قولها ما لم تبلغ.
قلت: فإنها لما صلحت للرجال أدخلها على زوجها فابتنى بها، هل لها إذا بلغت أن تنكر؟
قال: نعم.
قلت: فهل تفسخ النكاح، أم يكون على الزوج الطلاق؟
قال: تفسخ النكاح.
قلت: فإن امرأة زوجها أخوها أو عمها ولم تبلغ، فأنكرت في ذلك الوقت، هل يجوز إنكاحها؟
قال: لا يلتفت إلى إنكارها ما لم تبلغ.
قلت: فإن الزوج دفع الصداق، وطالب الولي أن يدخلها عليه وقد صلحت، هل يجب على الولي أن يدخلها عليه؟
قال: نعم.
قلت: فإنها أيضاً أنكرت وقت الدخول؟
قل: لا ينظر إلى إنكارها قبل أن تبلغ؟
قلت: فإنها أنكرت بعدما دخل بها وبلغت؟
قال: ذلك لها.
قلت: فيُفسخ النكاح، أو على الزوج الطلاق؟
قال: لا طلاق هاهنا.
قلت: لِمَ لا يكون طلاقاً؟
قال: لأنَّه كان من قِبَل المرأة ومِن فعلها، وليس من أفعال النساء الطلاق، وإنما يكون الطلاق للرجال، إنَّما المرأة تفسخ النكاح في مثل هذا الموضع.
قلت: فإذا فسخت النكاح، هل لها المهر؟
قال: نعم، بما استحل من فرجها.

(1/144)


قلت: وكذلك النفقة في العدة؟
قال: نعم، حتَّى تحل للزوج.
قلت: فإنها لما بلغت سكتت يومها أو ساعة، هل لها بعد ذلك أن تنكر؟
قال: لا، إذا لم تنكر في وقتها الذي بلغت فيه وهو رضىً منها، ولا إنكار لها بعد ذلك.
قلت: فإنها ادعت الجهل، وقالت: لم أعلم أنَّه يجب لي الإنكار؟
قال: ينظر في قولها ويكشف عن ذلك الحاكم، فإن صحّ له أنَّه كما قالت وادعت أبطل نكاحها ولم يجز إنكاحها، واستحلفت على ذلك وانفسخ النكاح أيضاً.
قلت: فإن نكلت عن اليمين؟
قال: يثبت العقد ويبطل إنكراها.
قلت: فهل يجب على زوجها نفقتها قبل أن يدخل بها؟
قال: نعم.
قلت: ولِمَ ولها الإنكار إذا بلغت؟
قال: لأنَّه قد علم أنَّه قد تزوج من لم تبلغ، ولها الإنكار، فهو الذي غر نفسه وضرها.
قلت: ولِم؟
قال: لأنَّه كان عليه أن يبحث عن ذلك ويستخبر عنه، فلما لم يفعل ألزمه جَهلُه ما أدخل على نفسه.
قلت: فإن قوماً لا يرون تزويج الصغيرة الَّتي لم تبلغ، إلاَّ أن يكون المزوج لها أبوها، وقوم يقولون: لا يزوج الصغيرة أبوها ولا غيره؟

(1/145)


قال: لا يلتفت إلى قول من قال بذلك؛ لأن الله سبحانه قد أجاز تزويجها، وذلك قول الله تبارك وتعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن}[ ]، وهن اللواتي لم يبلغن مبالغ النساء بعدة اللواتي قد يئسن من المحيض ثلاثة أشهر سواء، فلولا أنَّه قد أجاز نكاحهن ما ذَكَرَ عدتهن؛ لأن ما لا يحل نكاحه ولا يجوز عند الله لا يكون له عدة عند الله موصوفة(1) مذكورة في حكمه مقدمة على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم منزله، فأمَّا قول من قال: إن ذلك للأب دون غيره، فليس معه بذلك حجة تقوم له بها قول؛ لأن الآية جاءت مجملة مبهمة، وقد علم الله مكان الأب وغيره في ذلك، فلو كان عنده كما قالوا لبَيَّنَه وشَرَحَه؛ لأنَّه يقول سبحانه: {ما فرَّطنا في الكتاب من شيء}[ ]، ويقول: {نزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمة}[ ].
باب القول في تزويج الأب للبالغة
وسألته عن امرأة زوجها أبوها وقد بلغت مبالغ النساء بغير رضاها؟
قال: النكاح باطل.
قلت: فإن زوجها أبوها وهي صغيرة ثُمَّ بلغت فقالت: لا أرضى؟
فقال: لا يقبل منها، ونكاح الأب جائز عليها في صغرها، رضيت أو لم ترض.
قلت: فإن من لها أخ من أبيها وأمها وأخ من أمها، فأراد الأخ من الأم يزوجها رجلاً رضيت به، وأراد الأخ من أبيها وأمها يزوجها غير ذلك ولم ترض؟
فقال: لا يزوجها إلاَّ أخوها من أبيها وأمها برضاها، فإن أبى أن يزوجها جبر على تزويجها.
باب القول في الولي إذا كان الولي بعيداً
وسألته عن امرأة لها ولي على مسيرة شهر، هل يزوجها رجل من المسلمين ترضى(2) به وتوليه أمرها؟
فقال: لا يجوز أن يزوجها إلاَّ وليها ما علم أن لها وليّاً قريباً أو بعيداً، إلاَّ أن يكون الولي ببلد لا ينال.
قلت: فكم مقدار البلد الذي إذا كان فيه الولي انتظر بالنكاح حتَّى يرسل إليه؟
__________
(1) ـ موصولة (نسخة)، موصلة (نسخة أخرى).
(2) ـ في نسخة (ب): برضاها.

(1/146)


قال: قد قيل: شهر، ولو كان على أكثر لم يجز النكاح، إلاَّ برأيه إذا كان يُعرف موضعه.
باب القول في إنكاح الأبوين للصغيرين
وسألته عن رجل له ابن طفل رضيع ورجل له بنت طفلة رضيعة، فزوج الأبوان الطفلين، هل ثبتت عقدة النكاح بينهما؟
قال: نعم.
قلت: مات الصبي الذكر، هل يكون على أبيه صداق الصبية؟
قال: نعم، أرأيت لو جنى الصبي جناية، أليس كانت جنايته على العاقلة؟
قلت: نعم.
قال: فالصداق جناية الأب على نفسه.
قلت: فإن ماتت الصبية ولها مال، يرثها الصبي؟
قال: نعم.
قلت: فإن كبر الصبيان، فرد أحدهما النكاح ولم يرضه؟
قال: لا يقبل منه إذا كان عقد أبوه نكاحه وهو صغير، فنكاحه جائز.
إنكاح الأخ والجد
وسأله عن امرأة لها جد ـ أب الأب ـ وأخ؟
قال: أحب إليَّ وأولى عندي أن يزوجها جدها.
قلت: فإن زوجها الأخ.
قال: إن كان سكت الجد فهو رضى.
قلت: فإن زوج الأخ، وأبى الجد أن يرضى؟
قال: يبطل النكاح.
قلت: فامرأة لها أب وابن، أيهما أولى بتزويجها؟
قال: الابن، وقد يستحب(1) أن يتولى عقد النكاح الأب برضا الابن لما في ذلك من الحشمة على الابن.
قلت: فإن امرأة زوجها عمها أو ابن أخيها أو أخوها أو ابن عمها أو بعض الأولياء ولم تبلغ، هل لها أن تنكر إذا بلغت؟
قال: نعم، لها ذلك، وينفسخ النكاح.
قلت: فهل لها نفقة قبل أن تبلغ إذا طالب لها أبوها أو بعض الأولياء؟
قال: نعم؛ لأن الزوج تزوج من لا تصلح للرجال، فصار الحبس منه لا منها ولا من أهلها.
قلت: ففي كم يجب على الأب أو الولي من السنين أن يدخلها على زوجها؟
قال: قد قيل في ذلك تسع سنين وأكثر وأقل، وليس في ذلك عندنا وقت مؤقت، وإنَّما ينظر في ذلك إلى ما تقول النساء والعدول، فإذا قلن: إن مثلها تصلح للجماع وجب عليه أن يدخلها إلى زوجها إذا دفع الصداق.
قلت: فإنه زوجها بعض الأولياء وهي صغيرة ثُمَّ ماتت، هل يجب لها الصداق؟
قال: نعم، لها الصداق كاملاً.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): نحب.

(1/147)


قلت: فإن امرأة لها ابن عم وأخ صغير، فزوجها ابن عمها وقد رضيت ورضي؟
قال: ذلك جائز.
قلت: فإن أخاها أنكر بعدما بلغ؟
قال: ليس ذلك له إذا رضيت المرأة بتزويج ابن العم.
قلت: فهل يجوز تزويج الصبي؟
قال: إذا جرت عليه الأحكام وأنبت، زوَّج وحكم عليه وله.
قلت: في كم يحكم له وعليه؟
قال: في خمس عشرة سنة.
ما يوجب المهر والعدة
وسألته، ما يوجب المهر والعدة على الرجل إذا تزوج؟
قال: إذا خليا وأرخيا عليهما الستور.
قلت: وإن لم يمسها؟
قال: نعم، وإن لم يمسها وجب الصداق والعدة.
قلت: فإنه تزوج صبية لم تبلغ، فخلا بها وهي في بيت فلم يمسها، هل يجب الصداق كاملاً والعدة؟
قال: ينظر في ذلك إليها، فإن كان مثلها يصلح للجماع وجب المهر والعدة.
قلت: فإنها مثلها ليس يصلح للجماع وقد خلا بها، هل يجب عليه المهر والعدة؟
قال: نعم، ما الحكم في ذلك إلاَّ واحداً.
قلت: فما تقول في امرأة دخل عليها زوجها وأرخى الستر عليه وعليها، وفي البيت معهما امرأة أو امرأتان من نسائها، هل يجب عليه مهر إذا لم يدن منها بإرخاء الستر عليهما؟
فقال: لا يجب المهر بإرخاء الستر، إلاَّ أن لا يكون معه ومعها في البيت أحد من نسائها ولا نسائه، فإذا كانت الخلوة مع إرخاء الستر وجب المهر والعدة.
قلت: فإن المرأة أو المرأتين رقدتا فدنا منها في جانب من البيت؟
فقال: قد أساء في فعله، وقد وجب عليه المهر بالدنو من أهله، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتي الرجل أهله ومعه في البيت أحد، حتَّى ذَكَر الطفل، ثُمَّ قال: لو رفع إليَّ خبر هذا لأدبته على فعله؛ لأنَّه قد تعرض للفضيحة الَّتي كره التعرض لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمن معه من النساء.
قلت: فإن رجلاً وامرأة اختلفا في الدخول فقال الزوج: لم أدخل بك، وقالت المرأة: قد دخلْتَ بي، ولم يكن لأيهما بينة، أيهما المصدق في ذلك، أو على من تجب البينة منهما؟

(1/148)


قال: على المرأة البينة؛ لأنها المدعية، وعلى الرجل(1) اليمين.
قلت: فإنه دخل بها ولم يفرض لها صداقاً فطالبته بعد الدخول بها بالصداق؟
قال: لها مهر مثلها.
قلت: ومن مهر مثلها من نسائها الَّتي يجب لها صداق مثلها؟
قال: نساؤها ما كان من قبل أبيها لا ما كان من قبل أمها.
قلت: مثل العمة وبنت العم وما كان من قبل الأب؟
قال: نعم.
قلت: فإنه تزوج امرأة ولم يفرض لها، ثُمَّ فرض لها بعد النكاح ولم يدخل بها، هل يلزمه ما فرض لها أم لا؟
قال: نعم، إذا أشهد لها.
قلت: فإنه تزوجها ولم يفرض لها صداقاً، ثُمَّ مات، ما لها من الصداق والميراث؟
قال: لها مهر مثلها وميراثها، وعليها العدة الكاملة.
قلت: فإنها هي الَّتي ماتت، ولم يدخل بها، ما لها من الصداق؟
قال: لها الصداق كاملاً، يكون مع مالها لورثتها.
قلت: متى يكون الرجل محصناً؟
فقال: لا يكون الرجل محصناً إلاَّ بحرة مسلمة بالغة مدخول بها، وكان لا يجيز نكاح الذميات للمسلمين.
(باب مريض تزوج مريضة بألف درهم، ومهر مثلها مائة)
وسألته عن رجل مريض تزوج مريضة على ألف درهم، ومهر مثلها مائة درهم، ثُمَّ اختلعت، ثُمَّ مات الرجل وليس له مال إلاَّ ألف درهم؟
__________
(1) ـ في نسخة (ب): الزوج.

(1/149)


قال: نقول في ذلك: إن المرض الذي يكون في صاحبه ثابت العقل لا يرى منه تخليط يجوز فيه النكاح، فإذا تزوج على ألف درهم وهو ثابت العقل وثبت بذلك شهود كان عليه لها الصداق على ما سمي، وسمع الشهود ولا يلتفت إلى مهر مثلها إلاَّ أن يكون لا يعلم على ما تزوجها الرجل، فيرجع في ذلك إلى مهر مثلها إلاَّ أن يكون أراد بذلك توليج الميراث عن الورثة، فإن صح ذلك وثبت عليه في مرضه وكانت عليه البينة ردت إلى مهر مثلها إلاَّ أن يكون الفضلة تخرج في الثلث فيجوز على طريق الوصية والهبة، وإن كانت الفضلة فوق الثلث ردت إلى الثلث، وأما الخلع فهو تطليقة بائنة فما كانت في عدتها فلا ترثه ولا يرثها؛ لأنَّه لا رجعة له عليها إلاَّ برضاها، وكل ما لم يكن للرجل على المرأة رجعة يملكها بغير مؤامرة منها، فلا ميراث بينهما.
قلت: فكم عدتها؟
قال: عدة المطلقة.
قلت: فإن تزوج رجل وهو في سياق الموت، ثُمَّ أصدق داراً بعينها أو أرضاً بعينها أو جمالاً أو شاة أو بقرة بعينها(1)؟
قال: النكاح ثابت(2) إذا كان الرجل ثابت العقل، ولا يجاوز بذلك الصداق مهر مثلها من نسائها إذا أيقنوا أنَّه حابا وزاد في المهر لينقص الورثة، فإن لم يصح منه الزيادة والميل فجميع ما أصدقها جائز.
قلت: فإن ادعى الورثة أنَّه قد زادها في الصداق حيفاً عليهم؟
قال: عليهم البينة في ذلك، فإن أثبتوا أنَّه زادها في الصداق حيفاً عليهم ردت إلى مهر مثلها، وقد تقدم القول منا في الفصل الذي زادها إياه على صداق مثلها في المسألة الأولى.
(إذا ادعى رجل تزويج امرأة فأقرت)
وسألته عن رجل ادعى أنَّه تزوج بامرأة فأقرت المرأة أنَّه زوجها، وأقرّ الرجل أنَّها زوجته؟
قال: يطلب الشهود على ذلك، إذا طلب ذلك الأولياء.
قلت: فإن لم يكن أولياء؟
__________
(1) ـ في نسخة (ب): أو شاءً أو بقراً.
(2) ـ في نسخة (ب):صحيح.

(1/150)


قال: فإقرارهما جائز فيما أقرا به على أنفسهما، فإن طلب الأولياء فلم يوجد الشهود فذلك عندي مثل نكاح السرّ.
قلت: فإن لم يكن لهما شهود؟
قال: ذلك عندي فاسد؛ لأنه مثل نكاح السِّر، وقد قال غيرنا: إن ذلك جائز، وإنهما يصدقان في أربعة أشياء، هذا منها. وعن نكاح السر نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: فإن كان له شاهد واحد، وادعى أن الشهود قد ماتوا؟
قال: لا يخفى التزويج في محلته، يسأل عن ذلك، فإن لم يجد واضطر إلى الشاهد أخذ به، وكان الشاهد معروفاً بالعدالة [أجزته]؛ لأن هذا ليس مثل الحقوق.
المرأة تعقد عقدة النكاح
وسألته عن المرأة تعقد عقدة النكاح؟
فقال: ليس ذلك لها، ولا يكون النساء أولياء.
قلت: فوكالة المرأة تصح في مثل الطلاق والعتاق وغير ذلك؟
قال: نعم، في كل شيء ما خلا عقد النكاح.
قلت: فلِمَ لا تعقد إذا وكلت بذلك وأُمرت؟
قال: لو جاز عقدها بالوكالة لجاز بما هو أوكد وأولى، وهو المِلك، فإذا لم يجز لها أن تعقد عقدة نكاح مملوكتها كانت عن العقد بالوكالة أبعد.
إذا وجد الرجل بالمرأة عيباً بعد الخلوة
وسألته عن رجل تزوج بامرأة، ودخل عليها وأرخى ستره وأغلق بابه، ثُمَّ وجد بها عيباً برصاً أو جذاماً أو رتقاً، فردَّها بالعيب، هل يجب عليه مهر بعد الخلوة وإرخاء الستر، ولم يكن افتضها؟
قال: لا؛ لأنها مردودة بالعيب.
قلت: فعليها العدة؟
قال: نعم.
قلت: فإنه افتضها، ثُمَّ وجد بها عيباً، هل يجب عليه المهر؟
قال: نعم، بما استحل من فرجها.
إذا وهب الرجل بنته لرجل
وسألته عن رجل وهب بنته لرجل ودفعها إليه بعد أن أشهد شاهدين له بالهبة، له يحل له أن يطأها، ولم يدفع إليها قليلاً ولا كثيراً؟

(1/151)


قال: أما الهبة فلا تجوز؛ لأنها حرة، ولا توهب الأحرار، وإن كان إنَّما أراد بهبتها له هبة مهر وهي بالغ ورضيت بذلك فوطئها الرجل لم نوجب عليه في ذلك ذنباً، ولم يكن عليه حرج، غير أنَّه أحب إليَّ أن يدفع إليها أقل ما يكون من المهر، وهو: عشرة دراهم قفلة.
قلت: وكذلك لو أن امرأة وهبت نفسها لرجل، وأشهدت بذلك شاهدين على أنَّها قد وهبت نفسها لفلان وأحلت نفسها له، فرضي بذلك أولياؤها أو أنكروا، ما يجب في ذلك؟
قال: وكذلك إن كان لم يقع عقدة نكاح فلا يحل للرجل تهب المرأة نفسها له أن يطأها، وإن كانت قد عقدت عقدة النكاح ووهبت نفسها، وإن أرادت بذلك مهرها فهو كالجواب الأول.
إذا كان للمرأة أولاد صغار من غير زوجها
وسألته عن الرجل يتزوج المرأة ولها أولاد صغار من غيره فيمنعها من تربيتهم وأن يدخلوا عليها ويأتوها؟
قال: لا يجوز له ذلك، ويدخلون عليها ويأتونها وتربيهم، إلاَّ أن يحتال هو لهم مَن تربيهم، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أم سلمة حين تزوجها، أقام لودها من كفلهم برضاءٍ منها.
إذا دخل الأب على زوجة الابن ودخل الابن على زوجة الأب
وسألته عن رجل وابنه تزوجا معاً في ليلة واحدة، ودخلا على نسائهما في ليلة واحدة، فأُدخِلت امرأة الأب على الابن، وأُدخِلت امرأة الابن على الأب وجامعا جميعاً، فلمَّا أصبحا إذا امرأة الأب عند الابن وامرأة الابن عند الأب؟
قال: لا يُحرِّم ذلك عليهما نساءهما؛ لأنَّه لا يحرم حرام حلالاً، وترد كل واحد منهما إلى زوجها بالنكاح الأول، ولكل واحدة منهما مهر آخر على الذي دخل بها لما استحل من فرجها، وتستبرئ كل واحدة منهما من ماء الآخر قبل أن يجامعها زوجها.
قلت: فإن رجلاً حراً تزوج مملوكة، وهو معسر لا يستطيع طَولاً، ثُمَّ أيسر، ما يلزمه بعد إيساره؟
قال: يُؤمَر بطلاقها.
قلت: فإن أبى، فهل يجبر على طلاقها؟

(1/152)


قال: لا، ولكنا نستحب ذلك له عند إيساره، وإنَّما أحببنا له ذلك لئلا يكون ولده مملوكاً، وقد جعل الله له السبيل إلى غير ذلك.
رجل تزوج بامرأة قبل أن تنقضي عدتها
وسألته عن رجل تزوج بامرأة قبل أن تنقضي عدتها؟
قال: ذلك نكاح فاسد مفسوخ.
قلت: فيجب لها شيء من الصداق؟
قال: إن كان دخل بها وجب لها الصداق.
قلت: وكذلك نكاح مفسوخ، فلا صداق فيه؟
قال: نعم، ما لم يوطأ ذلك الفرج.
امرأة متهمة
وسألته عن رجل تزوج بامرأة، ودخل بها، ثُمَّ بلغه أنَّها متهمة بفسق، هل يجوز له أن يقيم معها، وإن اتهمها هو؟
قال: نعم، يجوز له ما لم يصح له ذلك عليها؛ لأن الناس يكذبون ويقولون غير الحق.
قلت: فإن تيقن أمرها، وعلم منها الفسق يقيناً يجوز له المقام علهيا؟
قال: لا.
قلت: فإن أصرَّ على ذلك وأقام عليها، ما يجب عليه؟
قال: إن علم منه بذلك الإمام وصحّ له هذا عنه قتله؟
قلت: ولأيِّ معنى يجب عليه القتل؟
قال: لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قتل الديوث، وهذا هو الديوث.
قلت: فإن قال لنا قائل: هذا خبر، ولا ندري هل يصح لنا هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم لا؟ فبِيِّن لي من أين وجب عليه القتل؟
قال: من قول الله تبارك وتعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا}[ ]، فأوجب القتل على كل من سعى بالفساد في الأرض، فأي فساد أعظم عند الله من أن يُورِّث ولداً ليس منه، ويجعل ولداً ليس لأبيه، فيدخل في ذلك من الفساد ما يؤول إلى أن ينكح الأخ أخته.
في امرأة غريبة لا يعلم لها ولي
وسألته عن المرأة الغريبة، إذا دخلت بلداً فأراد رجل أن يتزوجها، هل يجوز لها أن تولِّي رجلاً من المسلمين؟

(1/153)


قال: أما إذا كان الإمام ظاهراً فأمرها إليه يولي لها رجلاً يزوجها بعد أن يأمر الذي يزوجها بالاستقصاء عن خبرها، هل يُعلَم لها ولي في بلد قريب أو بعيد، فإن عُلِم لها وليٌّ لم يزوجها إلاَّ وليها، وإن أنكرت أن لها وليّاً يلي أمرها كشف عن خبرها، فإن لم يعلم لها ولي استحلفت على ذلك ما لها وليس، ثُمَّ أمر رجلاً فزوجها.
في تزويج ابن ابن العم وابن العم باق
وسألته عن امرأة زوجها ابن ابن عمها وابن عمها باق، وهو وليها، هل يجوز النكاح؟
قال: لا.
قلت: فإن سكت ابن عمها، هل يكون سكوته إقراراً ورضى؟
قال: قد قال غيرنا: إن سكوته إقرار منه ورضى بالنكاح، وأما أنا فلا أرى أن سكوته رضى.
قلت: فإن قال بعدما زوج ابن ابن العم قد رضيت، هل يجوز؟
قال: نعم، قد أثبت بقوله عقدة النكاح.
قلت: فإنه لم يقل قد رضيت، ولا أنكر، ثُمَّ طالب بصداق المرأة الزوج، هل يكون ذلك رضىً منه بالنكاح؟
قال: نعم.
قلت: فإنه لم يعلم، ولا ذُكر له ذلك حتَّى مات، هل يكون هذا النكاح فاسداً؟
قال: إن كان للمرأة ابن عم مثله في منزلته أوجبت أن يجدد للمرأة نكاحاً في ذلك الوقت، وإن لم يكن لها ابن عم في منزلته فإن ابن ابن عمها وليها، وقد ثبتت عقدة النكاح.
قلت: فإن وليها زوجها، فلما دخلت على زوجها وجد بها عيباً من برص أو جذام أو جنون أو ما أشبه ذلك، هل يردها بالعيب؟
قال: نعم.
قلت: فهل يكون لها الصداق؟
قال: إن كان دخل بها فلها الصداق بما استحل من فرجها، وإن لم يكن دخل بها فلا صداق لها.
قلت: فإن كان الولي دلَّسَها وبها هذا العيب، فدخل بها هذا الرجل فوطئها، ثُمَّ ظهر له العيب من ذلك؟
قال: لها على زوجها الصداق بما استحل من فرجها، ويرجع الزوج بالصداق بما استحل من فرجها على وليها الذي دَلَّسها عليه.
قلت: فإن كان الولي لم يعلم بهذا العيب؟
قال: فلا شيء عليه، وعلى الزوج الصداق بم استحل من فرجها.

(1/154)


قلت: فإن رجلاً تزوج امراة ولم يفرض لها فأنكحه الخاطب على ما تراضيا؟
قال: إن كانا قد شرطا بينهما شرطاً قبل ذلك عشرة دراهم أو أكثر فخطب الخاطب على ما تراضيا به جاز ذلك، وإن لم يكونا شَرَطا شرطاً قبل قول الخاطب هذا ردَّت إلى مهر نسائها.
نكاح المماليك، ونفقتهم
وسألته عن رجل حرٌّ تزوج مملوكة بإذن سيدها، ما يكون ولده؟
قال: مماليك.
قلت: فيجب على زوجها نفقة؟
قال: على قدر الشرط.
قلت: فما لأهلها عليها من الخدمة، وهل يجب عليهم من نفقتها وكسوتها شيء؟
قال: إن كان التزويج منهما وأرسلوها إليه فلها عليه النفقة، فإن استخدموها فعليهم نفقتها إلاَّ أن يكونوا شرطوا بينهم شرطاً فيكون الشرط أولى.
قلت: فهل لمواليها إذا مرض واحد منهم أو احتاج إليها أن يمنعها من زوجها، أو من المساء(1) عنده؟
قال: لا بأس بذلك إذا لم يكن أمر طويل.
قلت: فعلى من يجب نفقتها في تلك الأيام؟
قال: على من كانت عليه أولاً حتَّى يتبين ضرر.
قلت: فإن عبداً تزوج حرَّة بإذن سيده، فولدت منه، ما يكون ولدها؟
قال: أحراراً.
قلت: فوجب لهم على العبد نفقة، وهو مملوك؟
قال: لا، نفقتهم على من يرثهم، وهم موالي أمهم، فإن عتق العبد جرَّ ولاهم، وكانت النفقة عليه، وكانوا موالي لمولى أبيهم دون مولى أمهم.
قلت: فإن أبى السيد؟
قال: يجبر على ترك العبد يكتسب وينفق على امرأته.
قلت: فلو أن العبد بيع من رجل يخرج به من البلد، فقال العبد لزوجته الحرة: اخرجي معي، هل يجب له عليها ذلك؟
قال: نعم.
قلت: فهل يجب على السيد الآخر الذي اشترى العبد من نفقة امرأة العبد، ما يجب على السيد الأول؟
قال: إذا علم وقت ما اشترى العبد أن له امرأة حرة، وجر ذلك عليه أيضاً.
قلت: فإن مولى المملوكة أراد بيعها من رجل يخرج بها إلى بلد، ولها زوج حر، هل له ذلك؟
قال: نعم.
قلت: فهل يفرق بينها وبين ولدها؟
قال: لا.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): المبيت.

(1/155)


قلت: فإن بعض الولد قد بلغ، وبعضهم صغير، من أبناء ثلاث سنين أو أربع، وبعضهم قد استغنى عنها، ما بين العشر سنين إلى أكثر، فهل يفرق بينها وبين من بلغ منهم واستغنى عنها؟
قال: أما الصغار فلا يفرق بينها وبينهم، وأما من استغنى عنها بالكبر فيفرق بينها وبينهم.
قلت: فنفقة ولدها على مَن تجب، على مولى الأم، أم على الأب الحر؟
قال: على مواليهم إلاَّ أن يكون الموالي شرطوا على أبيهم الحر النفقة للولد فيكون عليه.
قلت: فإن مملوكاً تزوج مملوكةً بإذن سيده وإذن سيدها فولدت، لِمَن يكون الولد؟
قال: ليسد الأمة.
قلت: فإن الموالي عندما وقع التزويج تشارطوا على أن يكون الولد بينهم نصفين، فهل يصح ذلك الشرط؟
قال: نعم، ذلك الشرط صحيح إذا تشارطوا عليه، ووفي بعضهم لبعض.
قلت: فإن اختلفوا بعد ما ولدت الجارية، فقال صاحب الجارية: الولد لي كله، وقال صاحب العبد: بل هو بيننا على ما شرطنا؟
قال: الولد كله لصاحب الجارية إذا وقع الحكم عند الحاكم.
قلت: وكذلك في الفرس والحمار؟
قال: نعم.
قلت: فنفقة المملوكة وأولادها على العبد ومولاه، أم على مولاها؟
قال: على ما تشارطوا في النفقة.
قلت: فإن لم يكن شرط؟
قال: فهي على العبد إذا تركوها معه، وإن منعوها منه فعليهم النفقة.
عبدٌ تزوج بغير إذن سيده
وسألته عن عبد تزوج بغير إذن سيده بجارية لرجل بإذن سيدها، ودخل بها، هل يجب عليه ما شرط العبد على نفسه، أو هل للمملوكة على العبد نفقة؟
قال: النكاح مفسوخ، فإذا انفسخ النكاح بطلت النفقة، وليس على العبد ممَّا شرط على نفسه شيء؛ لأن أمر العبد إلى سيده، فإذا فسخ نكاحه انفسخ.
إذا أراد المولى أن يزوج من بنات عبده
وسألته عن رجل له عبد، وللعبد زوجة حرة، ولها بنات أحرار منه، فأراد المولى أن يزوج من بنات مملوكه رجلاً؟

(1/156)


قال: ليس(1) له ذلك، إلاَّ أن يكون المولى الذي أعتق ولد العبد فيكون له ولاؤهم فيزوجهم، وإن لم يكن للمولى الذي أعتق ولد العبد لم يزوجهم، ويزوجهم الذي أعتقهم أو أعتق أمهم؛ لأنه أولى.
قلت: فإن أعتقهم رجل وكانوا ذكوراً وإناثاً، والأب مملوك، مَن أولى بتزويجهم الإخوة أو أولياء النعمة؟
قال: الأخوة.
إباحة فرج الأمة
وسألته عن رجل قال لرجل: أبحت لك فرج جاريتي، أو أعرتك فرج جاريتي، أو أحللت لك، أو أطلقته لك؟
قال: هذا باطل.
قلت: فإن وطئها؟
قال: يدرأ عنه الحد بالشبهة، وهو عندي زانٍ، وإنَّما درأْت عنه الحد لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <ادرؤوا الحدود بالشبهات>.
باب الرضاعة
وسألته عن رجل أرضعته امرأة مع بنت لها، ثُمَّ ولدت المرأة بنتاً أخرى، هل يجوز للرجل تزويجها؟
قال: لا.
قلت: فللرجل أخ لم ترضعه المرأة، هل يجوز له تزويجها؟
قال: نعم.
قلت: وكيف وهي أخت أخيه من الرضاعة؟
قال: وإن كانت أخت أخيه فهي تحل له؛ لأنَّه هو لم يشرب الثدي الذي شربت هي منه، فليس بينهما مقارعة نسب؛ لأنَّه إنَّما يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، أرأيت لو أن رجلاً تزوج امرأة فأولدت له ولداً، وكان له ابنة من غيره وله ابن من غيرها، أليس جائزاً أن يتزوج ابنة ابنتها؟
قلت: بلى.
قال: أفليس ابنتها أخت ولده منها، فقد تزوج أخت أخيه، وحل له ذلك؛ لأن هذا لا يقارع النسب، فقس ما جاءك من هذا على هذا الباب، وإنَّما يحرم على هذا الذي شرب من لبن هذه المرأة ولدها وولد ولدها أبداً،
فأما أخوه فلا يحرم عليه ذلك.
قلت: فإن غلاماً أرضعته امرأة بلبن ولدها، ثُمَّ أقامت ثلاث سنين، ثُمَّ أرضعت جارية بلبن ولدها لها آخر، هل تحل هذه الصبية لهذا الغلام؟
قال: لا؛ لأنهما وإن تفاوت رضاعهما أخوان برضاع المرضع لهما؛ لأن الأخوة بلبن المرضع كالأخوة لولد الأم.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): لا يجوز.

(1/157)


قلت: فما تقول في المصة والمصتين، والرضعة والرضعتين، هل يكون ذلك في الحولين رضاعاً؟
قال: نعم، ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، إن امرأة أتته فقالت: إن ابن أخي أعطيته ثديي، فمص منه، ثُمَّ ذكرت قرابته فكففت عنه، ثُمَّ أنا أريد أن أنكحه ابنتي، وقد بلغا، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: (الرضعة الواحدة كالمائة رضعة، لا تحل له أبداً).
قلت: وكذلك لو أن الصبي لم ترضعه المرأة ولكنها حلبت له في مسعط من ثديها، وأوجرته الصبي مرة أو مرتين؟
قال: فكذلك، هذا مثل الرضاع سواء سواء، يحرم به النكاح إذا وصل إلى بطن الصبي بمسعط أو غير مسعط.
قلت: فما تقول في الرضاع بعد الفصال؟
قال: ليس هو عندي برضاع.
قلت: وكيف وقد شرب من هذا اللبن بعد فصاله، بيِّن لي ذلك حتَّى أفهمه؟
قال: نعم إن شاء الله، لو أن رجلاً أرضع ولده بعد فطامه وبعد انقضاء حولين من أيامه بلبن صبية لم ير أنَّها تحرم عليه إذ كان رضاعه بعد فطامه.
قلت: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال لسهلة ـ زوجة أبي حذيفة ـ حين ذكرت له: ما ترى في زوجة أبي حذيفة من دخول سالم عليها حين أنزل الله تبارك وتعالى ما أنزل في النَّهي عن دخول بيوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت قد تبنت سالماً، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: <أرضعي سالاً عشر رضعات، ثُمَّ ليدخل عليك كما كان يدخل>؟

(1/158)


قال: هذا ما لا يصح عنه عندنا، ولا نراه، وليس ذلك بشيء، وفي ذلك ما بلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أن رجلاً أتاه فقال: يا أمير المؤمنين إنّ لي زوجة، وليس منها ولد، وإني أصبت من جاريتي فغارت عليها، فقالت: ائتني بها، وأعطني بها موثقاً، لا تسؤني فيها، فأتيتها يوماً، فقال: لقد أرويتها من لبني، فما تقول في ذلك؟ فقال عليه السلام: (انطلق فائت جاريتك، وأحسن أدب زوجتك عقوبة لما صنعت، وخذ بأي رجلي جاريتك شئت، فإنه لا رضاع بعد فصال، ولا رضاع إلاَّ ما أنبت لحماً أو شد عظماً).
قلت: فإن امرأة أرضعت زوجها في الحولين، وذلك أن هذه المرأة كانت عند رجل فولدت منه، ثُمَّ طلقها طلاقاً بائناً، فزوجها وليها صبياً صغيراً لم يتم له حولان، فأرضعته هذه المرأة، هل تحل له؟
قال: لا تحل له؛ لأنها صارت أمه من الرضاعة، وقد حرَّم الله الأم من الرضاعة.
قلت: فهل لها صداق؟
قال: لا صداق لها؛ لأن الفسخ جاء من قبلها.
قلت: فإن أراد زوجها الأول أن يراجعها، هل تحل له؟
قال: لا يحل له نكاحها(1)
__________
(1) ـ اعلم أن كلام الإمام الهادي إلى الحق عليه السلام في المنتخب صريح في تحريم المرأة، حيث قال: لأنها أرضعت الصبي...إلخ، أي فتكون حليلة ابنه، وقوله: ولا تحل له إلاَّ من بعد زوج...إلخ، هو وجه آخر لتحريمها، فكأنه قال: مع أنَّها لا تحل له إلاَّ من بعد زوج، أي لمو لم تكن أرضعت الصبي، فهي لا تحل له إلاَّ من بعد زوج، فلا يمكن حمله على غير ذلك؛ لأنَّه قد صرح بعلة ذلك.

وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلامه عليه السلام في الأحكام، حيث قال: فإن أراد زوجها الأول أن يراجعها فلا يحل له نكاحها، أي لأنها أرضعت الصبي كما نص على ذلك هنا نصاً صريحاً، لا يحتمل التأويل، فقد صارت زوجة ابنه من الرضاع، ثُمَّ قال عليه السلام: ولا يجوز له ارتجاعها إذا كان قد طلقها ثلاثاً، ولا تحل له إلاَّ من بعد نكاح زوج...إلخ، أي لا يحل له ارتجاعها لو لم ترضع الصبي إذا كان قد طلقها ثلاثاً...إلخ، فصير القولان في الأحكام والمنتخب قولاً واحداً، وهذا أولى من حمله على اختلاف القولين، وإنك كان جائزاً لكن لا يصار إلى ذلك إلاَّ عند التنافي وعدم إمكان الجمع، ولا يمكن حمل ما هنا على ما في الأحكام؛ لقوله هنا: لا يحل له نكاحها؛ لأنها أرضعت الصبي، فهو صريح في أن تحريمها على الزوج الأول لأجل رضاع الصبي؛ لأنها تصير زوجة لبنه، والتحريم هو الراجع لترجيح جنبه الحظر، وهو المذهب، وقول الأكثر بل لم يظهر فيه قول إلاَّ حمل كلام الأحكام عليه، وقد عرفت اختلال هذا الحمل، ولو كان صحيحاً فقوله في المنخب هو الأقوىى، وليس المنتخب هو المتقدم كا يُتَوَهَّم، فإنه ابتدأ في تأليف الأحكام في الحجاز، والمنتخب سأله به محمد بن سليمان الكوفي ـ رضي الله عنهم ـ جميعه في اليمن، فلا معنى للقول بأن الأحكام المتأخرة إلاَّ أنَّه يحتمل أن يكون فيه ا هو متأخر، فهذا الذي يظهر، والله ولي الهداية والتوفيق.
مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي، غفر الله لهم، كتبها تلميذه: عبد الرحمن بن محمد شمس الدين وفقه الله.

(1/159)


؛ لأنها أرضعت الصبي فصارت أمه، ولا تحل له إلاَّ من بعد زوج يدخل بها، ويطأها.
قلت: فهل تتزوج من ساعتها؟
قال: نعم؛ لأن الصبي لم يدخل بها، ولا عدة عليها.
باب القول في الطَّلاق
وسألته، كيف الطَّلاق للعدة؟
فقال: ينبغي للرجل أن يطلق زوجته إذا عزم على تطليقها كما أمر الله عز وجل نبيَّه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يخالف ذلك.
قلت: فبيِّن لي، كيف الطَّلاق الذي أمر الله سبحانه به؟
قال: ينبغي للمطلِّق إذا أراد الطَّلاق أن يترك امرأته حتَّى تطهر من حيضها وتغتسل من قرئها، فإذا طهرت لم يقربها حتَّى يقول لها: أنت طالق أو اعتدي، ينوي بذلك الطلاق، ثُمَّ يتركها تمضي في عدتها حتَّى تحيض ثلاث حيض، فإن بدا له أن يراجعها راجعها من قبل أن تطهر وتخرج من عدتها الثلاث حيض، فهو أولى بها من نفسها ووليها، فإذا أراد ذلك أشهد شاهدين على أنَّه قد راجعها، ثُمَّ قد ملكها.
قلت: فإن تركها حتَّى تخرج من الحيضة الثانية؟
قال: إذا تركها حتَّى تغتسل بالماء من الحيضة الثالثة فقد بانت منه، وصارت أملك بنفسها، وصار هو خاطباً من الخطاب، وتتزوج بن شاءت.
قلت: فإن راجعها من وليها بتزويج جديد ومهر وشاهدين؟
قال: إذا تزوجها من وليها بعد التطليقة الأولى فهي معه باثنتين.
قلت: فإن عزم على أن يطلقها الثانية؟
قال: يفعل كما فعل في الأولى، فإن تركها أيضاً الثانية فهو أملك بها كما وصفنا في الأولى، وإن لم يراجعها قبل أن تنقضي العدة الثانية تزوجها من وليها بمهر وشهود، وهي معه بواحدة، فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتَّى تنكح زوجاً غيره، وعليها العدة ثلاث حيض، لا يحل لها أن تنكح حتَّى تطهر من الحيضة الثالثة، فإذا فعل ذلك فقد طلق كما أمر الله.
قلت: فأين تعتد المطلقة؟
قال: في بيت زوجها، وحيث طُلِّقت.
قلت: فإن خرجت؟
قال: ترد إلى موضعها.
قلت: فإن أبت؟
قال: تجبر على الرد إلى الموضع الذي طلقت فيه، وينفق عليها زوجها حتَّى تخرج من عدتها.

(1/160)


قلت: فإن كانت حبلى فولدت بعدما طلقها بشهر أو بأكثر؟
قال: لو ولدت بعد الطلاق بيوم واحد خرجت من عدتها.
قلت: فأين تعتد المتوفى عنها زوجها؟
قال: تعتد أين(1) شاءت، هي مخيَّرة.
قلت: فلها النفقة؟
قال: نعم.
قلت: من أين؟
قال: من جميع المال قبل أن يقسم.
قلت: وكذلك إن كانت حاملاً؟
قال: كذلك ينفق عليها من جميع المال حتَّى تضع ما في بطنها.
قلت: فكم عدتها؟
قال: آخر الأجلين.
قلت: كان(2) الرجل إذا توفى عن زوجته وهي حامل، فولدت بعد وفاته بشهر، لم يجز لها أن تنكح حتَّى تستوفي أربعة أشهر وعشراً؟
قال: نعم، هذا قولنا وقول علماء آل الرسول عليهم السلام، وقد قال غيرنا بغير ذلك، ولم نلتفت إلى قوله.
قلت: فإن الرجل توفي وزوجته حامل لشهر أو شهرين، فأرادت إذا مضى لها بعد وفاته أربعة أشهر وعشر أن تتزوج، هل لها ذلك؟
قال: لا نجيز لها ذلك حتَّى تضع ما في بطنها.
قلت: فلِم، وقد انقضت عدتها؟
قال: لأن رحمها مشغولة عن النكاح.
قلت: فإذا مضى لها أربعة أشهر وعشر بعد وفاة زوجها وهي حامل، هل تختضب وتتزيّن ووترك الأحداد؟
قال: لا.
قلت: ولِمَ وقد خرجت من عدتها الَّتي أوجب الله؟
قال: لأن رحمها مشغولة، ولا تنكح أبداً حتَّى تضع ما في بطنها.
قلت: فإن كان حملها لسنة أو سنتين أو ثلاث أو أربع سنين؟
قال: كذلك، لا تنكح حتَّى تضع ما في بطنها.
قلت: فيلزم لها النفقة في هذه السنين ما دام الحمل في بطنها؟
قال: نعم، من جميع المال.
قلت: فيعرض لها بالنكاح؟
قال: لا يجوز ذلك.
قول الرجل لامرأته قد أبرأتك من عقدة النكاح
وسألته عن رجل قال لامرأته: قد أبرأتك من عقدة النكاح؟
قال: هو لغة أهل اليمن، وإنَّما معنى القائل في هذا: قد فارقتك، فإذا قال هذا فهي مبارأة تطليقة تملك بها(3) الرجعة.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): حيث.
(2) ـ في نسخة (ب): فإن.
(3) ـ في نسخة (ب): معها.

(1/161)


قلت: فالرجل يقول لامرأته: قد أبرأتك من عقدة النكاح، فتقول المرأة: قد أبرأتك من جميع حقي عليك؟
قال: وكذلك، وهي تطليقة بائنة ليس يملك رجعتها إلاَّ برضاها.
قلت: فإن أبت؟
قال: فليس عليها رجعة إلاَّ أن تريد، فيكون خاطباً من الخطاب فيتزوجها بمهر جديد وولي وشهود.
قلت: فإن أراد أن يتزوجها في عدتها؟
قال: جائز من يومه، أو من الغد.
قلت: فإن رجلاً طلق امرأته وشرطت له قبل أن يطلقها، إن طلقها فهو بريء من جميع مهرها الذي عليه، ومن نفقتها في العدة، ومن تربية ولد له صغير سنة أو سنتين، ويأخذ ابنتين له صغيرتين لم يبلغا؟
قال: ذلك كله جائز إذا كان عن تراضٍ منهما جميعاً.
باب القول في الرجل يقول لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، في كلمة واحدة
وسألته عن رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، في كلمة واحدة؟
فقال: هي تطليقة واحدة، وهو أملك بها من نفسها ما دامت في عدتها، ألا ترى أنَّه لما قال لها: أنت طالق بانت منه باللفظة الأولى، ثُمَّ قال: ثلاثاً، فعدَّ بعد الطلاق عدداً، كقول الرجل: استغفر الله مائة مرة، وإنَّما استغفر الله مرة واحدة، ثُمَّ قال: لو جاز ذلك لجاز أن يجمع الرجل سبع حصيات ثُمَّ يرمي بها الجمرة فيجزيه، ولو فعل ذلك لم يجزه، وقد روي في ذلك روايات كثيرة بعضها من روايات علماء آل رسول الله صلى الله عليه وعليهم، ومنها روايات روتها العامة من رواياتهم من ثقات رجالهم، فتركوا ما روى رجالهم الثقات، وقلدوا أهواءهم، وتركوا ما جاءهم من(1) ثقاتهم، في أن الطلاق الثلاث في كلمة واحدة واحدة، من ذلك ما روى عن أهل البيت جدي القاسم بن إبراهيم رحمة الله عليه، روى عنه بنوه كلهم، عن أبيهم، عن أبي هارون العبدي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، فيمن طلق ثلاثاً في كلمة واحدة أنَّها تطليقة واحدة يملك بها الرجعة ما دامت في عدتها.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): عن.

(1/162)


وكذلك روى عبد الرزاق اليماني، عن معمر، عن أبي طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى عهد أبي بكر، وصدرٍ من خلافة عمر الثلاث واحدة.
وقد روى هذا الحديث أحمد بن عبد الله بن النبأ، عن محمد بن عبد الله بن القاسم الحشاش، عن عبد الرزاق.
وروى محمد بن عبيد الكندي الكوفي، وعن(1) محمد بن إسحاق الزهري قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمر، وعن عطاء، عن ابن عباس، قال: (كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر الثلاث واحدة). محمد بن عبيد قال: حدثنا أحمد بن صبيح، قال: حدثنا يحي بن يعلى، قال: حدثنا سفيان بن عبد الله، قال: قال أنس بن مالك: كان عمر بن الخطاب إذا أُتي برجل قد طلق في مجلس ثلاثاً ضرب بطنه وظهره.
محمد بن عبيد قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن ابن إدريس، عن ليث، عن طاووس، وعطاء وجابر بن زيد، وأبي موسى الأشعري، قالوا: من طلق ثلاثاً فهي واحدة إذا كانت طاهراً في غير جماع.
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني بعض بني رافع، عن عكرمة، أن ابن عباس قال: طلق رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأته ثلاثاً، فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يراجعها، قال: إني قد طلقتها ثلاثاً. قال: قد علمتُ، وقال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة}...الآية[ ].
وروى عبد الرزاق، عن معمر، قال: أخبرني ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: (كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبي بكر وشيئاً(2) من خلافة عمر الطلاق الثلاث واحدة). فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا أمراً كانت لهم فيه أناءة(3) فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): عن، بحذف الواو.
(2) ـ في نسخة (ب): سنين.
(3) ـ في نسخة (ب): الأناءة.

(1/163)


وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرنا ابن طاووس، عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: تعلم أنَّها كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وثُلُثاً من خلافة عمر، فقال ابن عباس: نعم.
وروى عبد الرزاق، عن عمر بن حوشب، قال: أخبرني عمرو بن دينار أن طاووساً أخبره فقال: دخلت على ابن عباس ومعي مولاه أبو الصهباء، فسأله أبو الصهباء عن الرجل يطلق امرأته ثلاثاً جميعاً؟
فقال: ابن عباس: كانوا يجعلونها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى عهد أبي بكر وولاية عمر إلاَّ قليلاً، حتَّى خطب عمر الناس فقال: قد أكثرتم في هذا الطلاق(1)، فمن قال شيئاً فهو على ما تكلم به. فهذه أخبار صحيحة موافقة لكتاب الله تعالى، وإنَّما جعلنا هذه الأخبار في هذا الباب واحتججنا بها؛ لأنها من أخبار العامة الَّتي نقلوها عن ثقات رجالهم لا يردها منهم أحد إلاَّ مكابر، فقطعنا حججهم في هذا الباب بما رووا من الأخبار الصحيحة عن الثقات.
قلت: فما تقول فيه إن قال لامرأته: أنت طالق، ثُمَّ اعتدت المرأة حتَّى خرجت من عدتها ثُمَّ قال لها: أنت طالق، ثُمَّ اعتدت كما فعلت في الأولى، ثُمَّ طلقها ثالثة، ثُمَّ اعتدت حتَّى خرجت من عدتها، هل تحل له قبل أن تنكح زوجاً غيره؟
قال: إن كان ارتجعها بين التطليقتين فطلقها، ثُمَّ راجعها حتَّى فعل ذلك ثلاثاً لم تحل له حتَّى تنكح زوجاً غيره، وإن لم يكن عند انقضاء عدتها قال لها: قد راجعتك، وأشهَدَ على ذلك شاهدين ثُمَّ طلقها على غير مراجعة، فاعلم أنَّه طلق ما لا يملك، فقد بانت منه بالتطليقة الأولى، وهو خاطب من الخطاب.
إذا طلق ثُمَّ راجع ثُمَّ طلق في الغد وبعد غد
__________
(1) ـ في نسخة (ب): هذا الكلام.

(1/164)


وسألته عن رجل قال لامرأته: أنت طالق، ثُمَّ قال لها من الغد: قد راجعتك، ثُمَّ طلقها من بعد قوله لها قد راجعتك في يومه حتَّى فعل ذلك ستة أيام، أو في ثلاثة أيام يوماً يطلق ومن غد يراجع، يطلق ويراجع، حتَّى فعل ذلك ثلاث تطليقات؟
قال: هذا طلاق، ولا تحل له حتَّى تنكح زوجاً غيره، ويجب عليه أن يشهد مع كل ارتجاعة على المراجعة.
قلت: فله في التطليقة الثالثة أن يراجعها؟
قال: لا، إنَّما عليها العدة.
باب إذا بقي من جسدها شيء لم تغسله
وسألته عن رجل طلق امرأته، ثُمَّ راجعها، ثُمَّ طلقها الثانية فحاضت ثلاث حيض، وانقضت العدة، ونقيت من الدم، هل له أن يراجعها قبل أن تغتسل؟
قال: نعم، ولو بقي من جسدها موضع شبر كان له أن يراجعها، ما لم تغسل جسدها كله، ولو بقيت كفها أو بعض شعرها كان له أن يراجعها.
قلت: فإن أخرت الغسل عن الوقت، هل له عليها رجعة؟
قال: إن كان مثل ما جعل للمريض أو المعتل من تأخير الوقت.
قلت: وكم تأخير الوقت الذي يكون للرجل أن يراجعها بعدما رأت النقا؟
قال: إذا نقيت بالنهار، فله أن يراجعها إلى قبل غروب الشمس بقدر ما يصلي خمس ركعات، وكذلك إذا كان النقاء في الليلة فله أن يراجعها إلى قبل طلوع الفجر.
قلت: فرجل طلق امرأته، وأبرأته المرأة ممَّا عليه؟
قال: هذه مبارأة لا يراجعها إلاَّ بإرادتها.
قلت: فهل عليه لها نفقة؟
قال: نعم، حتَّى تخرج من عدتها.
قلت: وكذلك المطلقة الثلاث، إذا طلقها الثالثة، هل لها نفقة وهي في العدة الثالثة؟
قال: نعم، لها النفقة حاملاً كانت أو غير حامل، وقد قال غيرنا: إنَّه لا نفقة لها، ولم نلتفت إلى ذلك.
قلت: فإن طلقها ولم يكن دخل بها، هل له أن يرتجعها من يومه، أو من غده من غير مؤامرة لها؟
قال: لا، هي تطليقة بائنة تزوج من شاءت، ولا عدة عليها هو أو غيره.
قلت: فالمطلقة ثلاثاً، هل لها سكنى مع النفقة؟
قال: ليس لها السكنى، ولها النفقة.
قلت: فلأيِّ علة يكون لها نفقة بلا سكنى؟

(1/165)


قال: لأن السكنى إنَّما جعلها الله سبحانه نظراً لهما لأن يحدث منهما أمر، كما قال الله سبحانه: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}[ ]، فأما إذا كانت في العدة الثالثة من الطلاق فليس له عليها رجعة لا برضائه ولا برضائها، فبطلت السكنى؛ لأن الأمر الذي جعل الله له السكنى قد بطل بعد التطليقة الثالثة، وهو ما جعل الله له من السبيل إلى المراجعة لها، وإنَّما عليها تمام العدة لا غير.
قلت: فكم العدة من حيضة؟
قال: لكل تطليقة ثلاث حيض.
قلت: فالأقراء هي الحيض أم الطهر؟
قال: الأقراء الحيض.
قلت: فما دامت في التطليقتين الأولتين له أن يرتجعها ما لم تنقض من كل تطليقة ثلاث حيض قبل أن تغتسل من الدم؟
قال: نعم.
باب تفسير الحمل أكثره وأقله
وسألته عن المتوفى عنها زوجها وهي تدعي حملاً، كم تنتظر؟
قال: بيان الحمل.
قلت: وكم بيان الحمل؟
قال: أربعة أشهر، وبيانه وحركته في العشر بعد الأربعة الأشهر، وربما لم يتبين إلاَّ بعد هذا الوقت، وليس يغب ذلك على من يفهمه من النساء، ويحتاط في ذلك إلى الستة أشهر.
قلت: فأكثر ما يكون الحمل، كم؟
قال: أربع سنين.
قلت: فأقل ما يكون الحمل؟
قال: ستة أشهر.
قلت: فإن الرجل طلق امرأته وهي حامل فولدت بعد الطلاق بيوم واحد، هل تخرج من عدتها؟
قال: نعم.
قلت: وكذلك تنقضي نفقتها عن الرجل؟
قال: لا، ما دامت في دم النفاس فلها النفقة.
قلت: فهل تزوج بعد أن تلد بيوم أو يومين؟
قال: لا، حتَّى تخرج من دم النفاس.
قلت: ولأيِّ علة لا تزوج، وقد خرجت من عدتها؟
قال: ألا ترى أنَّها ما دامت في النفاس أنَّها في دم لم تنق؟
قلت: بلى.
قال: وكذلك ألا ترى أنَّه إذا طلقها أليس عليها ثلاثة قروء؟
قلت: بلى.
قال: فإذا بقي من القرء الثالث يوم أو يومان، هل يجوز لها أن تتزوج ما لم تنقُ من الدم؟
قلت: لا.
قال: وكذلك ما دامت في دم النفاس فليس لها أن تزوج ما لم تنق وتغتسل، فإذا نقيت من النفاس واغتسلت تزوجت من أحبت.

(1/166)


قلت: فإن طلقها وهي من ذوات الحيض، فحاضت ثُمَّ ارتفعت حيضتها، هل تعتد بالشهور؟
قال: لا، حتَّى تيئس.
قلت: ولِكَم تيئس؟
قال: لستين سنة.
قلت: فهل تزوج حتَّى تنقضي الستون سنة؟
قال: لا.
قلت: فهل تجب على زوجها نفقتها ما دامت في عدتها هذه الستين سنة؟
قال: نعم.
قلت: وكذلك إن مات أو ماتت وهي في هذه الستين سنة، أيتوارثان؟
قال: نعم، إذا كان ذلك الطلاق طلاقاً يملك معه رجعتها.
قلت: فما تقول في رجل تزوج صبية فأدخلت عليه، وخلا بها وهي ممَّن لا تصلح للجماع، ثُمَّ طلقها، هل تزوج من يومها أو من غد؟
قال: ما أُحبُّ ذلك، وأَحَبُّ إليَّ أن تعتد بالشهور؛ لأني لا آمن أن يكون كشفها، أو كان دون الفرج شيء.
قلت: فإنه طلقها وهي صبية لم تبلغ فأبرأته من صداقها، فلما بلغت رجعت في صداقها؟
قال: لها ذلك؛ لأنَّه خالع من لم يجب عليه الحكم، فلها أن ترجع في صداقها.
قلت: فهل يجوز له أن يراجعها؟
قال: هو خاطب من الخطاب.
باب الأب يباري عن بنته الصغيرة في صداقها ثُمَّ رجعت في صداقها بعدما بلغت
وسألته عن رجل زوج بنتاً له صغيرة من رجل، ثُمَّ وقع بينهما اختلاف، فقال الأب: أبرئ لي ابنتي وأنا أبريك من صداقها، فأبرأها الرجل وأبرأه الأب من الصداق، وذلك قبل أن يدخل بها، فلما كبرت طلبت الزوج بالصداق؟
فقال: ليس إبراء الأب من الصداق براءة للزوج؛ لأنَّه أبرأه ممَّا لغيره، وعلى الزوج نصف الصداق، ويرجع على الأب بذلك؛ لأنَّه لما أبرأه ممَّا ليس له حتَّى ترك الرجل امرأته كان ضامناً لذلك.
قلت: فإن رجلاً تزوج بامرأة ثُمَّ مات قبل أن يدخل بها، ما العدة عليها؟
قال: عليها العدة أربعة أشهر وعشر.
قلت: فمن أين ينفق عليها في عدتها؟
قال: من جميع المال، ولها الصداق كاملاً.
قلت: فإن رجلاً تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً معروفاً، ثُمَّ مات، ما لها من الصداق والميراث؟
قال: لها مهر مثلها وميراثها، وعليها العدة كاملة.

(1/167)


قلت: فإن الرجل يتزوج المرأة ثُمَّ يطلقها ولم يفرض لها ولم يدخل بها؟
قال: لا صداق لها، ولها المتعة كما قال الله سبحانه: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ومتعوهن علىالموسع قدره وعلى المقتر قدره}[ ].
باب القول في المرأة إذا جاءت بولد لخمسة أشهر وعشر
وسألته عن رجل تزوج بامرأة تزويجاً صحيحاً، فأتت بولد لخمسة أشهر وعشرة أيام منذ دخل بها؟
قال: إذا جاء الولد لتمام ستة أشهر وانقضائها فهو له، وإن كان دون ذلك فليس له.
قلت: فإن الرجل لما ولدت له، قال: ليس هو ابني، فقال رجل آخر: بلى هو ابني؟
قال: يسأل الذي قال: هو ابني، فيقال له: بيِّن.
قلت: فإن قال: كانت معي فطلقتها فتزوجها هذا في عدتها، وقد وطئتها قبل ذلك؟
قال: ينظر في كلامه، فإن كان كما قال كان الولد له، وإن قال: فجرت بها وهذا ابني من الفجور، أقيم عليه الحد، ولم نلتفت إلى قوله؛ لأن الولد للفراش، وللعاهر الحجر، ولم يكن الولد لواحد منهما، وإنما يكون هذا النظر والعمل في أمر الناكح الأول إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر من يوم دخل بها الآخر، فأما إذا جاءت به لتمام السة أشهر فهو للآخر، فإن جحده وأنكره وقد جاءت به لستة أشهر وفاءً أو بعد ستة أشهر فجحده، قيل له: لاَعِن، وإذا لاعن كان الولد ابن ملاعنة.
باب الرجل يقول لامرأته أنت طالق إن شئت
وسألته عن رجل يقول لامرأته: أنت طالق إن شئت، فقامت من الموضع ولم تتكلم، هل لها بعد المجلس أن تطلق نفسها؟
قال: لا؛ لأن هذا الكلام إنَّما هو للمجلس إذا قال لها: إن شئت، فإذا قامت من مجلسها لم يكن لها ولا إليها طلاق بعد ذلك.
قلت: فإنه قال لها: أنت طالق إن(1) شئت، أو قال لها: أنت طالق متى شئت، ثُمَّ قاما من مجلسهما، هل لها أن تطلق نفسها بعد ذلك؟
قال: نعم، هذا كلام غير الأول، قد جعل لها في نفسها الخيار والطلاق إذا شاءت ومتى شاءت.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): إذا.

(1/168)


قلت: فإنه لما كان بعد ما قال لها هذا بيوم أو يومين أو أقل أو أكثر، قال لها: قد نسخت ما كنت قلت لك، ولست أجيز لك ما ذكرت لك في ذلك المجلس في نفسك؟
قال: ذلك له، فبطل ما كان وكَّلها فيه، وليس لها بعد أن ينسخ ذلك أن تطلق نفسها.
باب إذا قال لها: أنت طالق إن شاء أبوك
وسألته عن رجل يقول لامرأته: أنت طالق، إلاَّ أن يشاء أبوك حبسك، فقال أبوها: قد شئت أن لا تطلقها؟
قال: لم يقع بهذا الطلاق إذا لم يشأ أبوها.
قلت: فإن شاء أبها طلاقها؟
قال: يلزمها تطليقة؛ لأنَّه قد وكل أباها بطلاقها.
قلت: وكذلك إن قال: أنت طالق إن شاء فلان، فشاء فلان تطليقها؟
قال: وكذلك أيضاً يلزمه الطلاق إن شاء فلان، وإن لم يشأ فلان لم يلزمها الطلاق.
قلت: فإنه قال لها: أنت طالق واحدة إلاَّ واحدة؟
قال: هي واحدة كاملة؛ لأن الطلاق لا ينقسم، ومن طلق جُزءً من تطليقة فقد لزمته تطليقة كاملة.
قلت: ولِمَ ذلك؟
قال: لأنَّه ساعة قال: أنت طالق فقد طلقت، ثُمَّ أتى بالجزء فلم يقع الجزء، ووقع لفظ الطلاق الأول، وبذلك وكذلك وعلى ذلك قلنا فيمن طلق ثلاثاً معاً إنهن يرجعن إلى واحدة؛ لأنَّه قال في مبتدأ كلامه: أنت طالق، فطلقت بهذه اللفظة، ثُمَّ قال بعد وقوع الطلاق ثلاثاً، فأتبع الطلاق عدد لفظ حساب لا طلاق.
باب إذا طلق بعض تطليقة
وسألته عن رجل يقول لامرأته: أنت طالق نصف تطليقة، أو ربع تطليقة؟
قال: كلما قال الرجل من ذلك نصفاً أو ربعاً أو عشراً فهي تطليقة كاملة.
قلت: ولأيِّ معنىً تكون تطليقة كاملة إذا قال: نصفاً أو ربعاً؟
قال: لأنَّه قد ابتدأ في لفظه بكمال الطلاق، وإنَّما قال: نصف تطليقة فكان كلاماً بعدما أكمل التطليقة.
قلت: وكيف ذلك؟

(1/169)


قال: ألا ترى أنَّه لما قال: أنت طالق كانت تطليقة كاملة، فلما قال: نصف تطليقة كان كلاماً بعد التطليقة كما أنَّه إذا قال: أنت طالق ثلاثاً لم يلزمه إلاَّ واحدة؛ لأنَّه قال: أنت طالق فألزمناه بهذه اللفظة تطليقة، ثُمَّ قال: ثلاثاً فكان كلاماً بائناً، وهو حجة على أبي حنيفة وأصحابه وجميع من قال إن الطلاق الثلاث في كلمة واحدة ثلاث؛ لأنهم قد أجمعوا جميعاً أن من قال لامرأته: أنت طالق نصف تطليقة أنَّها قد طلقت واحدة، وإن كسر الطلاق جبر كامل، فافهم ذلك. وأيضاً الطلاق لا يتبعض ولا ينقسم.
باب إذا قال لامرأته: أنت سائبة أو أنت حرة
وسألته عن الرجل يقول لامرأته: أنت سائبة أو أنت حرة، أو لست لي بامرأة؟
قال: إذا قال الرجل شيئاً من ذلك لامرأته سئل عن نيته، فإن قال: نويت طلاقها فهي تطليقة، يملك معها الرجعة، وإن قال: لم أنو طلاقها وإنَّما نويت غير الطلاق صدق في قوله، إلاَّ أن يُتهم فيستحلف على ذلك.
قلت: فإن نكل عن اليمين؟
قال: يلزمه تطليقة.
باب الخلية والبرية وحبلك على غاربك
وسألته عن رجل يقول لامرأته: أنت برية أو خلية أو بتة أو بائن أو حرام أو حبلك على غاربك أو استبري والحقي بأهلك؟
قال: قد روي في ذلك أنَّها ثلاث ثلاث، وروي ذلك عن أمير المؤمنين رضي الله عنه، ولم يصح ذلك عندنا عنه.
قلت: فما تقول أنت في ذلك؟
قال: إذا قال الرجل من ذلك شيئاً، وهو ينوي الطلاق لامرأته كانت واحدة يملك عليها الرجعة ما دامت في العدة.
قلت: فإن تركها حتَّى تخرج من عدتها؟
قال: إذا خرجت من عدتها كانت أملك بنفسها، وكان خاطباً من الخطاب.
قلت: فإن قال الرجل: لم أنو بهذا الذي قلت طلاقاً؟
قال: يدين في ذلك ويكشف عن قوله، فإن ثبت على أنَّه لم ينو الطلاق كان القول قوله وصدق في قوله، إلاَّ أن يُتَّهم فإن اتهم حلف بالله ما نوى بقوله طلاقاً، ويبطل ما ادعوا عليه من الطلاق.
باب إذا قال أمرك بيدك

(1/170)


وسألته عن الرجل يقول لامرأته إذا خرج في سفر أو غير سفر إذا كان وقت كذا وكذا فأمرك بيدك، فأتى ذلك الوقت فلم تقل اخترت نفسي ولا طلقت نفسي، هل لها بعد ذلك بأيام أو أشهر أو أقل أو أكثر أن تختار نفسها أو طلاقها؟
قال: نعم، إذا خرجت، وقال لها هذا كان لها إذا أتى الوقت أن تختار نفسها أو تطليقها، إلاَّ أن يفسخ ما وكلها فيه قبل أن تطلق نفسها أو تختاره، وكذلك لها بعد شهر وأكثر وأقل، فأما إذا كان حاضراً فقال لها: أمرك بيدك ولم يوقت وقتاً، فلم تقل في وقتها ذلك قد اخترت نفسي أو طلقتها، فليس لها بعد ذلك أن تختار إذا كان بالحضرة.
قلت: فإنه كان بالحضرة، ولم يسافر فقال لها: إذا كان رأس هذا الشهر أو إذا رأيت الهلال فأمرك بيدك، فلما رأت الوقت أو جاء الوقت لم تختر نفسها ولم تقل شيئاً، هل يكون لها إذا جاوز الوقت الذي وقَّت لها أن تختار نفسها؟
قال: إن كان قال لها: إذا جاء الوقت الذي وقت، أو جاز الهلال فلم تختاري فقد فسختُ ما جعلتُ إليك، فجاز الهلال لم يكن لها بعد ذلك اختيار.
قلت: فإن كان قال لها: قولاً مبهماً؟
قال: فلها إذا جاز الوقت أن تختار بعد يوم أو يومين وأكثر من ذلك.
باب إذا قال إذا كان رأس الحول أو الشهر فأنت طالق
وسألته عن الرجل يقول لامرأته: إذا كان رأس الحول أو رأس الشهر فأنت طالق، هل يجوز له أن يطأها إلى ذلك الوقت الذي وقت؟
قال: نعم، وقد قال أهل المدينة: إنَّه يلزمها الطلاق إذا لفظ به، وإن وقَّت لها وقتاً، ولسنا نلتفت إلى قولهم.
باب إذا كتب بطلاق امرته ولم يتكلم به
وسألته عن الرجل يكتب بطلاق امرأته ولا يلفظ به، ويكتب: إذا وصل إليكِ كتابي فأنت طالق؟
قال: إذا وصل إليها الكتاب طلقت.
قلت: فإن ضاع الكتاب ولم يصل؟
قال: إذا ذهب الكتاب أو ضاع لم يقع بها طلاق؛ لأنَّه شرط وصول الكتاب، فلم يصل.
قلت: فإنه لما كتب الكتاب ندم فأمسكه، ولم يوجه به؟
قال: كذلك أيضاً لا يقع بها الطلاق.

(1/171)


قلت: فإنه كتب إليها: أنت طالق، ولم يشترط وصول الكتاب، ولا وقَّت وقتاً للفراق؟
قال: إذا كتب ذلك لزمها الطلاق وصل أو لم يصل؛ لأنَّه لم يشترط وصوله.
باب إذا استثنى في الطلاق
وسألته عن الرجل يقول لامرأته: أنت طالق إن شاء الله؟
فقال: قد اختلف الناس في ذلك، فقال قوم: لا استثنى في طلاق. وقال قوم: الاستثناء في الطلاق جائز. وأما قولي أنا فأقول: إنَّه إذا قال لها: أنت طالق إن شاء الله، نظر في أمرهما، فإن كانا متفقين في دين الله وزوجته قابلة لأمر الله فيه غير هاجرة له ولا مانعة من فراشه ولا تاركة لمصالح منافعه، وهو أيضاً كذلك، فاستثناؤه جائز؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}[ ]، ويقول سبحانه: {ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبينة}[ ]، فإذا كانا على ما وصفنا منهما فقد أمر الله تبارك وتعالى بإمساك مثلها، وجاء استثناؤه، ولم يقع عليها طلاق.
قلت: فإن كان الرجل مسيئاً إليها غير منصف لها؟
قال: قد قدمنا جواب ذلك كله، وأجملناه لك، أنهما إذا كانا متفقين في أمرهما، وكل واحد منهما مصلح لصاحبه أمر معاشه ودينه، فقد شاء الله اجتماعهما ولم يشأ فرقتهما، وإذا كانا مختلفين في أمرهما متبائنين في دينهما ودنياهما فقد شاء الله سبحانه فراقهما، ولا استثناء له إذا كانا كذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإسحان}[ ].
باب إذا كان له أربع نسوة، فحلف بالطلاق فحنث
وسألته عن الرجل يكون له أربع نسوة، فيقول: امرأته طالق إن فعلت كذا وكذا، فيحنث ولم تقع نيته على واحدة منهن بعينها، كيف العمل في ذلك؟
قال: إذا لم تقع نيته على واحدة بعينها فقد التبس عليه أمره في شأنه، وأحسن ما نرى له في ذلك أن يطلقن كلهن تطليقة واحدة يملك معها الرجعة لهن حتَّى يذهب عنه الشك والالتباس، فهذا أحسن ما عندنا، وهو قولنا وقول علماء آل الرسول عليه وعليهم السلام.

(1/172)


قلت: فإنه دعا واحدة منهن باسمها قد عزم على طلاقها، فأجابته منهن غيرها، فقال: أنت طالق، وهو يظن أنَّها الَّتي أراد وعزم على فراقها؟
قال: لا تطلق هذه المجيبة، وتطلق الَّتي عزم على طلاقها.
قلت: ولِم، وإنَّما طلق الَّتي أجابته؟
قال: لأن نيته وعقده إنَّما كان على الَّتي دعا وعزم على طلاقها، فيلزمها الطلاق بالنية والعقد، وإنَّما قال: أنت طالق، وهو يظن أنَّها الَّتي أجابته.
باب طلاق الحامل والحائض
وسألته عن الرجل إذا أراد أن يطلق امرأته الحامل، كيف يعمل؟
فقال: قد قيل في ذلك: إنَّه يتركها شهراً، ثُمَّ يطلقها، وأما أنا فقولي: أن يطلقها متى شاء إذا كانت حاملاً.
قلت: فإن الرجل أراد أن يطلق امرأته، وهي حائض؟
قال: لا نرى له ذلك، ولا يجوز له أن يطلقها إذا أراد إلاَّ وهي طاهر.
قللت: فإنه وقع بينه وبينها كلام محرد، فقال لها: أنت طالق، وهي حائض؟
قال: قد وقع بها الطلاق، وقد أخطأ، ولزمه بخطأئه ما ألزم نفسه، فنحب له أن يرتجعها حتَّى تطهر، ثُمَّ يطلقها في طهرها، كذلك روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ابن عمر حيث طلق زوجته وهي حائض، فأمره أن يرتجعها ثُمَّ يطلقها وهي طاهر؛ لأن الطلاق وقع بها عند تطليقه لها وهي حائض.
قلت: فإن الرجل الذي طلق امرأته وهي حائض أمر بأن يرتجعها حتَّى يطلقها في طهر، فقال: لا أرتجعها، هل يجبر على ذلك، أم كيف العمل في ذلك؟ وهل تعتد بتلك الحيضة الَّتي طلق فيها، أم تستأنف العدة بعد الطهر؟
قال: قد قال غيرنا: إنَّه يجبر على ارتجاعها حتَّى تطهر، ثُمَّ يطقها، وأما قولي أنا فلا أرى أن يجبر على ارتجاعها، ولكن أنا أحب له ذلك إن فعل، وإلاَّ فقد وقعت التطليقة الأولى، وإنَّما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فعل ذلك بالارتجاع حسن نظر منه له لا إيجاباً، ومن فعل فقد أصاب ومن لم يفعل فقد لزمه ما ألزم بهذا نفسه.

(1/173)


وسألته عن رجل له أربع زوجات فطلق واحدة، هل له أن يتزوج غيرها وهي في عدتها؟
قال: لا، وقد روي عن علي عليه السلام أنَّه قال: (لا يجمع الرجل ماءه في خمس نسوة)، وما أحب له أن يتزوج حتَّى تخرج الرابعة من عدتها.
وسألته عن رجل قال لامرأته: أنت طالق إلاَّ أن لا أريد؟
قال: استثناؤه في نفسه كاستثنائه لغيره.
قلت: وكيف يكون ذلك؟
قال: ألا ترى أنَّه لو قال لامرأته: أنت طالق إلاَّ أن لا يشاء فلان، فلم يشأ فلان أن الطلاق لم يلزمها، وكذلك أيضاً هذا الذي قال: إلاَّ أن لا أريد، يقال له: ما تنوي الطلاق أم غير الطلاق؟ فإن قال: أنوي الطلاق وأريده طلقت امرأته، وإن قال: لا أنوي الطلاق ولا أريده لم تطلق امرأته، وكان استثناؤه لنفسه جائزاً.
مسألة أيضاً[فيمن طلقت ثم مكثت سنة ولو تحض]
وسألته عن رجل تزوج امرأة وهي من ذوات الحيض، ثُمَّ طلقها فمكثت سنة لم تحض من بعد ما طلقها، ثُمَّ تزوجها رجل آخر فحاضت عنده حيضة، وقد دخل بها، ثُمَّ حملت، ثُمَّ علم الرجل بعد ذلك أنَّها لم تكن حاضت من بعد الطلاق الأول، ما العمل في ذلك؟
قال: تزويج الثاني باطل؛ لأنَّه تزوجها وهي في عدة من الأول، فينبغي أن تفسخ من الثاني حتَّى تضع ما في بطنها، ثُمَّ تستقبل ثلاث حيض عدة للأول.
قلت: فإن راجعها الأول قبل تمام هذه الثلاث حيض بغير مؤامرة يجوز له ذلك؟
قال: نعم؛ لأنها في عدته.
قلت: فإن تركها حتَّى تخرج من الحيضة الثالثة وتغتسل؟
قال: قد بانت منه حينئذ، وتزوج من شاءت الأول أو الثاني.
وسألته: أين تعتد المختلعة؟
قال: حيث ما شاءت، وكل طلاق لا يجب لزوج فيه رجعة بغير مؤامرة المرأة فالمرأة تعتد حيث شاءت، مثل المطلقة في الثالثة الَّتي ليس للزوج عليها رجعة، ومثل المرأة الَّتي تفتدي من زوجها بشيء من مهرها فيطلقها فتعتد حيث شاءت.
باب طلاق المماليك

(1/174)


قلت: قد فهمت ما شرحت لي من طلاق الأحرار وما احتججت فيه من كتاب الله تعالى وشواهد العقول، فبيِّن لي كيف طلاق المماليك، وكيف يطلقون، وعدة المملوكة كم عدتها؟
قال: قد قال غيرنا من جميع العوام وبعض الخواص: إن المملوك يطلق تطليقتين، والمملوكة تعتد بحيضتين.
وروي ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وعن غيره من فقهائهم، ولم يصح ذلك عندنا عن علي عليه السلام، ولم نجد ذلك صواباً في شواهد العقول.
قلت: فكيف طلاقهم، وعدتهم، بيِّنه لي حتَّى أفهمه؟
قال: نعم، والقوة بالله، طلاق المماليك وعدة المملوكات مثل طلاق الأحرار وعدة الحرائر سواء سواء، مثال حذو النعل بالنعل لا اختلاف بين المماليك والأحرار في شيء من الطلاق والعدة.
قلت: وكيف ذلك، وأنّى يكون ذلك كذلك وقد ميز الله سبحانه بين المماليك والأحرار في كتابه وفرق بينهم فرقاً عظيماً؟
قال: جوابك في مسأتك.
قلت: وكيف يكون جوابي في مسألتي؟
قال: ألا ترى أنك عجبت من قولي: إن طلاق المماليك مثل طلاق الأحرار سواء سواء؟
قلت: وكيف ذلك وقد فرق الله بينهم في كتابه وميز أمرهم، أفلا ترى أنَّه لما فرق بينهم وميز بعضهم عن بعض فيما بينه فيهم في كتابه وأغفل أمرهم، وأمر الأحرار في موضع آخر في كتابه أنَّه دلنا تبارك وتعالى أن الذي أغفل من أمر المماليك وأمر الأحرار في كتابه لا فرق بينهم وبين الأحرار فيه؛ لما ميز أمرهم، وأمر الأحرار في معنى وفرق بينهم في معنى آخر في كتابه.
قلت: اشرح لي هذا الذي قلت وبيِّنه لي، فإني أراني قد اتجهت فيما ذكرت، فبين لي ما ذكرت حتَّى أفهمه.
قال: نعم، أليس قد قلت: إن الله سبحانه قد ميز بين الأحرار والمماليك في كتابه وفرق بينهم؟
قلت: بلى.
قال: فأين ميز بينهم وفرق؟

(1/175)


قلت: في الحدود، في قوله: {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}[ ]، فجعل على المملوك والمملوكة إذا زنيا نصف ما على الحر والحرة وهو خمسون جلدة، وكذلك أيضاً في النفس فحَكَم في كتابه ألاّ يُقتَل حرٌ بعبد، فقال في ذلك: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد}[ ]، فهذا الذي ميز الله بينهم وفرق.
قال: صدقت وأوجبت على نفسك الحجة بهذا.
قلت: وكيف أوجبْتُ على نفسي الحجة بهذا؟
قال: لما فرَّقت وميَّزت بينهم كما فعل الله عز وجل بهم، فهل جمع الله بينهم في شيء غير ما فرق بينهم؟
قلت: لا أشك في أن الله قد جمع بينهم في كتابه في غير ما فرق بينهم، فبيِّنه لي أنت فإنه عندك أوجد ومنك أبيَن؟
قال: نعم، قوله تعالى: {السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله}[ ]، ولم يذكر في هذا القطع حُرّاً ولا عبداً، وأغفل ذكرهما؛ لأنَّه جمعهما في ذلك فكانا فيه على معنى واحد في القطع، فجمع بينهما فيه، فإذا سرق العبد قطعت يده، وإذا سرق الحر قطعت يده لحكم من الله عز وجل فيهما، وجمع منه فيه بينهما ولم يميز بينهما في هذا الموضع لإرادته الجمع بينهما فيه، فافهم هذه المعاني، فإنه لا يفقهها إلاَّ ذو لب، ثُمَّ قد جئت إلى النكتة الَّتي سألت عنها بعينها من طلاق المماليك وطلاق الأحرار إنهم فيه سواء لا فرق بينهم فيه؛ لأن الله تبارك وتعالى لم يفرق بينهم في كتابه، ولم يميز بعضهم من بعض، وأغفل ذكرهم فيه والتمييز بينهم لإرادته من الجمع بنيهم فيه، كما أغفل التمييز بينهم في القطع لإرادته الجمع بينهم فيه.
قلت: قد فهمت، فزدني حجَّة وبياناً في تفسير معنى الجمع بينهم وبين الأحرار في الطلاق؟

(1/176)


قال: نعم، والقوة بالله وحده لا شريك له، قوله تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثُمَّ طلقتموهن من قبل أن تمسوهن}[ ]، فكانت هذه الآية جامعة في المخاطبة للأحرار والعبيد المؤمنين؛ لأن الله قد جمع بين العبد والحر المؤمن في الإيمان بقوله تبارك وتعالى: {ولعبد مؤمن خير من مشرك}[ ]، فجمعلهما في الإيمان معنى واحداً، وسماهما مؤمنين، فاجتمعا في اسم الإيمان وحكمه، فهذا تفسير ما عنه سألتَ، قد بينته لك، والدليل على ما قلنا به أن الله سبحانه جمع بنيهم في هذه الآية وخاطبهم جميعاً الأحرار منهم والعبيد: إجماع آل الرسول مع الأمة بأسرها أن العبد مطلق له تزويج الحرة، لم يحظر الله ذلك عليه في كتابه ولا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء عنه، وكذلك بتزويج المملوكة الحر إذا لم يستطع طولاً، فلما لم يفرق بين الأحرار والعبيد في نفس النكاح علمنا أنَّه لم يفرق بينهم في الطلاق، وإن أحببتَ أن أزيدك في تمييز الله تبارك وتعالى وتفريقه وجمعه فعلت.
قلت: كما زدْت من هذا شيئاً ازدَدتُّ به يقيناً؟

(1/177)


قال: فافهم ما ميز الله سبحانه به بين الأحرار وفرق بينهم وجمعهم في موضع آخر لم يذكر جمعهم فيه، وأغفلهم لإرادته الجمع بينهم ولغنى أهل العقول ومعرفتهم للجمع بينهم لما أغفل ذلك، ولم يذكره سبحانه وجل عن كل شأن شأنه، ففرق بين الأحرار في الأنفس فحكم أن لا يقتل رجل بمرأة وهو قوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والآنثى بالأنثى}[ ]، ففرق بين الذكر والأنثى في القتل، وكذلك أيضاً فرق بينهما في الشهادة، فجعل الامرأتين في الشهادة بمنزلة شاهد واحد من الرجال، ثُمَّ جمع بينهما في الحد في الزنا فقال: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}[ ]، فجمع بينهما في الحد، ثُمَّ جمع بينهما في الحد في موضع آخر بين الحر والحرة والمملوك والمملوكة في آية واحدة، ولم يميز بينهم فيها، ولم يذكرهم بتمييز، وأغفل ذلك لإرادته الجمع بينهم، وهو قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}[ ]، ولم يذكر حرّاً ولا عبداً، وكذلك كلما أراد الله عز وجل أن يميز من أحكام الخلق ويفرقه بينهم في كتابه، وكلما أراد الجمع بينهم أغفله لإرادته الجمع بينهم فيه ولغنى المخاطبين عن تمييزه بمعرفتهم الَّتي دلهم الله عليها، وكذلك لما أغفل الله عز وجل طلاق المماليك ولم يميزه ولم يفرق بينهم وبين الأحرار في كتابه، علمنا أنَّه أراد أن يجعل طلاق الأحرار والعبيد واحداً لإغفاله في كتابه وتركه بغير تمييز. فتدبَّر ما قلنا فلك فيه كفاية إن شاء الله.
باب الرجل الحر يطلق الأمة ثلاثاً، ثُمَّ يشتريها
وسألته عن رجل تزوج أمةً ثُمَّ طلقها ثلاثاً واحدة بعد واحدة، ثُمَّ اشتراها بعد الطلاق، هل يحل له أن يطأها بالملك قبل أن تنكح زوجاً غيره؟
قال: لا.
قلت: ولِم وقد صارت ملك يمينه؟

(1/178)


قال: ليس المِلك بأولى من النكاح، وهذه المملوكة فقد صيرها زوجة، فلما طلقها ثلاثاً كانت ممَّن قال الله تعالى: {فلا تحل له من بعدُ حتَّى تنكح زوجاً غيره}[ ]، ولم يميز في هذه الآية الأحرار من العبيد.
قلت: فإن رجلاً حرّاً طلق أمةً ثلاث تطليقات ثُمَّ اشتراها رجل آخر فوطئها، ثُمَّ أراد زوجها الأول أن يتزوجها من سيدها، هل تحل له بوطء سيدها؟
قال: لا؛ لأن وطء المِلك ليس مثل وطء النكاح، ولا يحل تزويج المطلقة ثلاثاً، إلاَّ من بعد نكاح زوج راغب في النكاح، أمة كانت المطلقة أو حرة، وفي هذا ما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: (حتى تحل من حيث حرمت).
قلت: ما يريد بذلك أمير المؤمنين رضي الله عنه؟
قال: يريد يحل بعد نكاح زوج، كما حرمت أولاً على الزوج.
قلت: فإن عبداً طلق أمة ثلاثاً ثُمَّ وطئها سيدها، فأراد العبد أن يتزوجها من بعد وطء سيدها، هل يجوز له ذلك؟
قال: لا؛ لأن السيد وطئ وطء مِلك، ولا يجوز للعبد أن يتزوجها إلاَّ من بعد نكاح زوج.
في المرأة تدعي طلاق زوجها لها
وفي الرجل يقول: قد طلقتك، فتنكر المرأة
وسألته عن امرأة ادعت على زوجها أنَّه قد طلقها، فأنكر الزوج ذلك؟
قال: على المرأة البينة بما ادعت من الطلاق.
قلت: فإن لم يكن لها بينة؟
قال: فعلى الزوج اليمين بالله البتة أنَّه ما طلقها.
قلت: فإن الرجل قال لامرأته: قد طلقتك، فقالت المرأة: لم تطلقني؟
قال: القول قول الزوج في ذلك، يلزمه ما أقر به على نفسه من الطلاق، ولا يلتفت إلى قول المرأة في إنكارها إذا أقر الزوج بالطلاق.
باب الخلع
وسألته عن الرجل، متى يجوز له أن يخالع زوجته؟
فقال: إذا اختلفا أو تباغضا وهاجرها وهاجرته ومنعته فراشها، وقالت له: لا أبر لك قسماً ولا أطيع لك أمراً، فإذا صارا إلى ذلك جاز للرجل أن يخالع امرأته.
قلت: كيف يخالعها؟
قال: يوقعان شرط المخالعة قبل أن يأخذ منها المال.
قلت: وكيف يقول لها؟
قال: يقول: إذا دفتِ إليَّ مالي فأنت طالق.

(1/179)


قلت: فإن لم يوقع لفظ الطلاق؟
قال: فليس ذلك عندي مخالعة؛ لأنَّه لا بد لكل نكاح من طلاق يلفظ به.
قلت: فهل يجوز له أن يأخذ منها إذا خالعها أكثر ممَّا دفع إليها من صداقها؟
قال: لا يجوز ذلك.
قلت: فإن قال لها: إذا أعطيتيني كذا وكذا فأنت طالق، فدفعت إليه ما أوقعا بينهما من المال، هل يكون قد طلقت بقوله هذا، أم تحتاج بعد قبض المال أن يطلقها؟
قال: يجزيه القول الأول عن تكرير الطلاق.
قلت: فإنه قال لها: أعطيني كذا وكذا ديناراً حتَّى أطلقك، هل تطلق بقوله لها حتَّى أطلقك؟
قال: لا يكون ذلك طلاقاً، وإنَّما هذه عِدَة منه لها إن أراد أن يطلق طلق، وإن لم يرد لم يجبر على ذلك.
قلت: فإن لم يطلقها، هل لها أن ترجع فيما دفعت إليه؟
قال: نعم؛ لأنها إنَّما دفعت المال على أن يطلقها، فلما لم يف لها بما وعدها كان لها ترجع في مالها.
قلت: فكم عدة المختلعة؟
قال: عدة المطلقة.
باب القول في عدة المتوفى عنها زوجها وهو غائب
وسألته عن رجل مات في غربة، ولم تعلم امرأته بموته إلاَّ بعد سنة، هل يلزمها أن تعتد مذ يوم بلغها موته، أم قد أجيزت بما مضى من السنة بعد موته؟
قال: قد قال غيرنا: إنها قد خرجت من عدتها ولها أن تتزوج، وهذا ممَّا لا يجوز في شواهد العقول، وأما أنا فقولي وقول علماء آل الرسول عليه وعليهم السلام: فيجب عليها أن تعتد مذ يوم بلغها موت زوجها أربعة أشهر وعشراً، ولو لم نوجب عليها ذلك لأبطلنا العدة الَّتي ذكر الله جل وتعالى وفرض على المرأة من العدة، وإنَّما جعل الله ذلك لمعنيين:
أحدهما: أن تستبرئ من ماء زوجها حتَّى تيقن أن رحمها من الولد فارغة غير مشغولة فتزوج على يقين من أمرها.
والمعنى الثاني: أن يعرف منها أنَّها قد عظمت أمر زوجها الذي مات ولم تترك الإحداد عليه، وعرف منها الحزن بترك الزينة والخضاب وما أشبه ذلك.
باب طلاق المعتوه والمبرسم والمجنون
وسألته عن طلاق المبرسم والمعتوه والمجنون؟

(1/180)


فقال: إذا زال عقل المعتوه والمجنون والمبرسم فطلاقهم في وقت زوال عقولهم باطل؛ لأنَّه لا يعقل واحد من هؤلاء ما يقول، فإن كان المعتوه والمجنون يفيقان في وقتٍ ويعتلاّن في وقتٍ فطلاقهما في وقت إفاقتهما جائز؛ لأنهما قد يعقلان إذا أفاقا، وإن كانا ممَّن لا يفيق من علتهما مثل الموسوس ـ الدائم الوسوسة ـ فطلاقهما باطل، وأما المبرسم فما كان في هذيانه وزوال عقله فطلاقه باطل، فإذا أفاق وبرأ من علته جاز طلاقه إذا طلق في صحته.
باب الظهار
وسأته عن رجل يقول لامرأته: أنت علي كظهر أختي، أو كظهر خالتي، أو كظهر عمتي، أو كظهر أختُك، أو كظهر أمُّكِ، أو كظهرٍ محرم من محارمه غير أمه؟
قال: لا يكون ذلك ظهاراً، وقد قال غيرنا: إن ذلك كله ظهار، ولم نلتفت إلى ذلك، وليس الظهار عندنا إلاَّ أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، لا غير، فيكون مظاهراً كما قال الله تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم}[ ]، ولم يذكر غير الأم في الظهار.
قلت: فإذا قال : أنت علي كظهر أختي أو بعض محارمه(1)، هل ينوي في ذلك؟
قال: لا؛ لأن هذه كذبة كذبها.
قلت: فإنه قال: أردت بهذا طلاقاً أو تحريماً لامرأتي عليَّ، ما العمل في ذلك؟
قال: يلزمه ما نوى من الطلاق.
ظهار المملوكة
قلت: فهل يجب الظهار على الإماء المماليك؟
قال: لا يكون الظهار إلاَّ على النساء الحرائر، وعلى المملوكة الَّتي يتزوجها الحر ويعقد لها عقدة نكاح، فإذا تزوج الحر مملوكة وجب بينهما الظهار لعلة عقدة النكاح.
باب الإيلاء
وسألته عن رجل آلى أن لا يجامع امرأته أربعة أشهرٍ، ثُمَّ فاء قبل الأربعة أشهر، هل عليه كفارة؟
قال: نعم.
قلت: ما الكفارة؟
قال: كفارة اليمين على قدر ما يطيق من إطعام عشرة مساكين أو غير ذلك ممَّا أمر الله سبحانه به من كسوة أو صوم.
قلت: فإنه حلف أن لا يجامع امرأته ثلاثة أشهر؟
__________
(1) ـ حرمة، نسخة.

(1/181)


قال: ليس ذلك بإيلاءٍ، ولا يكون مولياً إلاَّ بأربعة أشهر.
قلت: فإنه حلف أن لا يجامع امرأته عشرة أشهر؟
قال: يكون بذلك مولياً؛ لأنَّه ما زاد على الأربعة فهو إيلاءٌ، وما نقص من الأربعة فليس بإيلاء.
قلت: فإنه حلف أن لا يجامع امرأته، وأبهم في يمينه فلم يوقت وقتاً؟
قال: لا يكون ذلك إيلاءً، وإن وطئ قبل الأربعة الأشهر فعليه الكفارة.
قلت: فإن ترك حتَّى تجوز الأربعة ثُمَّ وطئ؟
قال: عليه الكفارة، ولا يكون إيلاءً.
قلت: فإنه آلى ثُمَّ طلق بعد إيلائه، ثُمَّ راجع، هل يرجع عليه الإيلاء من بعد رجعة الطلاق؟
قال: نعم ما لم يجامع.
قلت: فإنه مكث في الإيلاء قبل أن تطلق شهرين، ثُمَّ مكث بعدما راجع من الطلاق شهرين إلاَّ عشرة أيام، هل يوقفه الحاكم في أن يفي أو يطلق؟
قال: نعم.
قلت: فإنه طلق، هل يلزمه تطليقتان؟
قال: نعم.
قلت: فإنه فاء ولم يطلق، هل يلزمه كفارة؟
قال: نعم.
قلت: فإنه لما راجع بعد التطليقة الأولى وطئ، هل يكون وطؤه فيئاً؟
قال: نعم، إذا كان وطئ فقد فاء وبطل الإيلاء من بعد وطئه، وعليه الكفارة.
قلت: فإنه فاء، هل يكون عليه الكفارة؟
قال: نعم.
قلت: فإنه لما وقف لم يفئ، ولكنه طلق؟
قال: يلزمه تطليقتان.
قال: نعم.
قلت: فإنه بعد الطلاق الثاني راجع، هل يعود عليه الإيلاء؟
قال: قد قدمنا جواب ذلك، فافهم فيه أصلاً واحداً تكتفي به، إن الرجل إذا آلى ثُمَّ راجع بعد الطلاق ثُمَّ جامع، إنّ جماعه فيئٌ قد أبطل الإيلاء، وإذا لم يجامع راجعه الإيلاء حتَّى يوقف فيفيء أو يطلق.
قلت: فإن رجلاً حلف بطلاق امرأته أن لا يقربها سنةً، هل يكون ذلك إيلاء؟
قال: قد قال غيرنا: إنَّه إيلاء، ولم نلتفت إلى ذلك، وليس يكون الرجل مولياً إلاَّ بيمين بالله.
باب اللعان، وإثبات النسب
وسألته عن رجل تزوج بامرأة، ثُمَّ بلغه أنَّها متهمة بفسق، هل يجوز له أن يقيم عليها وإن اتهمها هو؟

(1/182)


قال: نعم، يجوز له ما لم يصح له عليها؛ لأن الناس يكذبون ويقولون غير حق.
قلت: فإن هذا الرجل لما ولدت له المرأة قال: ليس هذا الولد لي ونفاه، وهذا الولد لفلان الذي كان يتهم بالمرأة؟
قال: فيجب بين المرأة والرجل اللعان، وهو أيضاً قاذف للرجل الذي قال إن الولد له.
قلت: فإن أخذ الرجل باللعان فنكل، هل يجب عليه الحد؟
قال: نعم.
قلت: وكذلك يلحق به الولد؟
قال: نعم.
قلت: فإن لم يكن الرجل لاعن المرأة حتَّى طلقها فتزوجت الرجل الذي كان يتهم بها، فأقر بالولد، هل يجب عليه الحد بإقراره بالولد بأنه قد أقر بالفسق؟
قال: لا.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأنَّه أقر على نفسه مرةً واحدة، ولا يجب عليه الحد حتَّى يقر على نفسه أربع مرات.
قلت: فهل يجب على الزوج الأول الحد لقذفه له؟
قال: لا.
قلت: ولِم؟
قال: لتصديق المقذوف بما قال القاذف؛ لأنَّه لما قال الزوج الأول: الولد لفلان، كان قاذفاً يجب عليه بالقذف الحد، فلما أقر المقذوف بالولد صدق القاذف فيما قال، فدرئ عنه الحد لذلك.
قلت: فالولد بمن يلحق؟
قال: بالذي ولد على فراشه، وهو الزوج الأول.
قلت: فكيف يلحق به وقد نفاه؟
قال: لأن النسب ثابت أبداً ما لم يقع اللعان، فإذا وقع اللعان صار الولد ابن ملاعنة، ولم يلحق بالملاعن.
قلت: فإقرار الزوج الآخر يثبت له به شيء؟
قال: لا.
قلت: ولِم؟
قال: لأنَّه عاهر، وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <الولد للفراش، وللعاهر الحجر>.
باب اللعان
قلت: فبيِّن لي اللعان، كيف هو، ومتى يكون، وبأي سبب يجب؟
قال: اللعان أبداً تابع للحد إذا وجب لأحد الزوجين على صاحبه الحد بالقذف وجب اللعان بينهما ومتى لم يجب لأحدهما على الآخر حد سقط بينهما اللعان.
قلت: فبيِّن لي ذلك؟
قال: مثل الزوج إذا كان حرّاً والزوجة مملوكة فقذفها ونفى الولد، لم يكن لها عليه حد بقذفه لها؛ لأنها مملوكة، ولا حد للملوك على الحر.

(1/183)


قلت: فإن كان الزوج مملوكاً والزوجة حرة فقذفها ونفى الولد؟
قال: بينهما اللعان؛ لأن لها عليه الحد، فافهم هذا الباب واكتف به فياللعان.
قلت: فإن رجلاً نفى ولده فأُمر باللعان، ولاعن، وفرق الحاكم بينهما، فلما كان بعد وقت أراد الملاعن أن يتزوج المرأة الَّتي لاعنها، هل يجوز له ذلك؟
قال: إن أقر أنَّه رماها، وكذب عليها أُقيم عليه الحد وجاز له تزويجها إذا أظهر التوبة من كذبه وقذفه.
قلت: وكذلك الولد يلحق به ويثبت نسبه؟
قال: نعم.
قلت: فإن كان الولد أُنثى وقد مات قبل أن يقر الملاعن بالكذب وله بنت فاقتسمت بنته وعصبة أمه ماله، فلما أقر الملاعن ولحق به الولد طالب عصبة الأم بميراث ابنه، هل يجب ذلك له؟
قال: لا.
قلت: ولِمَ وقد ثبت النسب ولحق به الولد؟
قال: لأنَّه لم يقر حتَّى قبض عصبة الأم ما وجب لهم من الميراث؛ ولأنهم لو قالوا له: إنَّما أقررت بهذا لطلب الميراث كان لهم في ذلك قول وحجة.
قلت: فإن الولد الذي نفي مات وله ابن، هل يرث أبوه الذي كان نفاه وأقر به بعد موته مع ابنه السدس؟
قال: لا.
قلت: لأيِّ علةٍ؟

(1/184)


قال: لأنَّه ادعى أن ابنه الذي دعاه إلى التوبة خوف من الله ورجعة إلى الحق، والورثة يدعون أن الذي رده إلى التوبة بعد وفاة الميت طمع في الميراث فنظرنا فإذا بفعله تكاد تقوى حجة ضده من الورثة، ووجدنا إقراره على نفسه بالتكذيب بعد وفاة ولده مدخلاً على نفسه شبهة تكاد أن يصح قول الورثة، ولم نجد معه بدعواه أنَّه إنَّما حمله على ذلك الخوف لله حجة، وعلمنا أن الميراث قد وجب لأهله عند وفاة الميت، فكان الورثة في وقت موته مستحقين لميراثه دون أبيه؛ لأن أباه في ذلك الوقت ـ وقت موته ـ كان ثابتاً على جحدانه وقذف أمه، فلم يكن بذلك في وقت موت ابنه له وارثاً، فكان أقل ما يجب عليه في ذلك أن لا يلحق بما لم يستحقه من المال عند وجوبه للورثة ويكون من بعد ذلك وارثاً موروثاً لعقبه، ويلحق به من بعد ذلك النسب نسب الميت وعقب الميت ونسب عقبه، ومثل ذلك عندي مثل رجل حرٌ له أب مملوك، فمات وله أولاد فورثه أولاده، ثُمَّ أُعتِقَ الأبُ بعد ذلك بأيام، فلم يضرب الأب معهم بسهم؛ لأنَّه عُتق بعد أن جرت المواريث لأهلها. وكذلك أيضاً مثله عندي مثل رجل مسلم له أب كافر يهودي أو نصراني، فمات المسلم وله ورثة فورثوه، وأسلم الأب بعد ذلك بأيام فلا يضرب معهم بالسهم الذي يكون للأب؛ لأن الميراث قد وجب لأهله قبل إسلامه، وليس يمنع هذا الكافر ولا ذلك المملوك أن يرثا من أبنائهما ما داموا في حالتهم الأولى، إلاَّ كمنع الملاعن ميراث ولده الذي لاعن به ما دام ثابتاً على لعانه؛ لأنَّ الحكم من الله تبارك وقع فيه وفي ميراث ولده الذي نفاه كحكمه في الكافر وفي ميراث ولده، وكحكمه في المملوك، وما يكون من ميراث ولده الحر، والأحكام كلها إلى الله عز وجل فما جاء الحكم منه فيه منصوصاً لم يكن لأحد أن يغيره، فافهم ما قلت لك وميزه تمييزاً جيداً يتبين لك إن شاء الله، وكذلك هذا المملوك والكافر وإن لم يرثا من مال ابنيهما فالموارثة بينهما وبين عقبهما يرثانهم

(1/185)


ويرثونهما كما ذكرت لك في ابن الملاعنة.
باب القول في الرجل يقول لأحد عبديه: هو ابني
وسألته عن الرجل له ثلاثة عبيد، فقال: أحد هؤلاء ابني، ثُمَّ مات ولم يبين أيهم ابنه؟
قال: يضرب الثلاثة في مال الميت بنصيب ابن واحدٍ؛ لأن الشبهة قد دخلت فيهم كلهم، فكانوا كلهم قد صاروا ابناً واحداً، فلكل واحد منهم ثلث هذا السهم، وعلى واحد منهم ثلثا قيمته يدفعه إلى ورثة الميت.
قلت: اشرح لي ذلك حتَّى أفهمه؟
قال: نعم، كان الميت مات وترك ثلاثة بنين وهؤلاء الثلاثة الذين قال: أحدهم ابني، وخلف أربعمائة دينار، فأصاب الثلاثة بنين ثلاثمائة دينار، وأصاب هؤلاء الثلاثة مائة دينار، لكل واحد منهم ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، وقيمة الثلاثة تسعون ديناراً كل واحد ثلاثون ديناراً، فعليه ثلثا قيمته عشرون ديناراً، والباقي له ثلاثة عشر ديناراً وثلث؛ لأن مورثهم بسهمهم مائة دينار، وثلثا قيمتهم ستون ديناراً والباقي لهم أربعون ديناراً.
قلت: فإن مات من هؤلاء الثلاثة واحد، هل يرث منه هذان الاثنان اللذان دخلا معه في الشبهة مع بني الميت؟
قال: نعم، يرثان جميعاً ثلث ربع ما خلف الميت؛ لأنهم ثلاثة لهم ربع ما خلف الميت؛ لأن الثلاثة بمنزلة ابن واحد، وله ثلاثة بنين، وباقي الميراث لبني الميت.
قلت: فإن أحد هذين الابنين مات وخلف بنتاً، وهذا الذي دخل معه في الشبهة، وبني الميت؟
قال: لابنته النصف، وللذي دخل معه في الشبهة ربع الربع الذي أصاب الثلاثة، والباقي لابني الميت.
قلت: فإن هذا الثالث مات وخلف بنتاً، وقد مات أيضاً بنو الميت وتركوا بنين وبنات؟
قال: فلابنته النصف، ولبني الأخ ما بقي.
قلت: فلورثة الميت ولاءُ هؤلاء الذين دخلت فيهم الشبهة بما بقي عليهم من قيمة أنفسهم؟
قال: نعم، الولاء للرجال دون النساء.
في الرجل يتزوج المرأة في عدتها فتأتي بولد، هل يلحق بالأول أو بالثاني الذي تزوجها في عدتها

(1/186)


وسألته عن رجل تزوج امرأة في عدتها، ودخل بها فولدت ولداً، بمن يلحق نسبه؟
قال: إن كانت ولدت لأقل من ستة أشهر منذ يوم طلقها الأول، ولأقل من أربع سنين مذ يوم دخل بها الآخر، فالولد للأول يلحق به، وإن كان منذ يوم طلقها الأول ولدت لأكثر من ستة أشهر ولأقل من أربع سنين فالولد يلحق بالآخر.
قلت: فإن الأول نفى الولد، ولم يقر به؟
قال: يؤخذ بالعان، هو والمرأة.
قلت: وكيف يلاعن وقد طلق المرأة؟
قال: لأنَّ اللعان إنَّما هو لنفي الولد بينه وبين المرأة لا للطلاق، ولو لم يلاعن كان قاذفاً ووجب الحد عليه ولحق الولد به.
قلت: فبيِّن لي أمر اللعان، كيف هو، وكيف يلاعن الرجل المرأة؟
قال: إذا نفى الرجل الولد الذي ولد على فراشه وقال: ليس هذا مني، جمع الحاكم بينه وبين المرأة في مجلس واحد، وأمر المرأة أن يكون ولدها في حجرها، ثُمَّ أقبل الحاكم عليهما فقال لهما: خافا الله ربكما واتقياه ولا تقدما على اللعان، فإن عزما على اللعان بدأ بالرجل، فقال له: قل أشهد بالله الذي لا إله إلاَّ هو الرحمن الرحيم إني لصادق فيما رميتها به من نفي ولدها هذا، ويشير الرجل إلى الولد بيده، يكرر ذلك عليه الحاكم أربع مرات، ثُمَّ يقول له في الخامسة قل: لعنة الله عليَّ إن كنت من الكاذبين. ثُمَّ يقول للمرأة: قولي أشهد بالله الذي لا إله إلاَّ هو أنَّه فيما رماكِ به أنَّه لمن الكاذبين من نفي ولدك هذا، يكرر ذلك عليها أربع مرات، ثُمَّ يقول لها في الخامسة: قولي: غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين فيما رماني به من نفي ولدي.
قلت: فإن نكل الرجل؟
قال: يضرب ثمانين جلدةً حد القاذف.
قلت: فإن نكلت المرأة؟
قال: ترجم.
قلت: فإن رجلاً طلق امرأته فمكث سنةً بعد طلاقها ثُمَّ تزوجها رجل آخر، ودخل بها فأتت بولد لأربعة أشهر، لمِن يكون هذا الولد؟

(1/187)


قال: ينظر في أمر هذه المرأة، فإن كانت بعدما طلقها الأول حاضت ثلاث حيض وخرجت من عدتها ثُمَّ تزوج بها الآخر بعدما خرجت من عدتها ونقيت من دمها لم يلحق هذا الولد بالأول ولا بالآخر، وأُقيم عليها الحد؛ لأنَّه لا يكون ولداً لأربعة أشهر.
قلت: فإن كانت هذه المرأة لم تحض حتَّى تزوجها الثاني، ثُمَّ أتت بهذا الولد لأربعة أشهر وهي مع الثاني؟
قال: فالولد لاحق بالأول؛ لأن الحمل يكون أربع سنين، وقد قال غيرنا: إن أكثر الحمل سنتان، والقول الأول قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو قولنا وبه نأخذ.
قلت: فإن هذه المرأة جاءت بهذا الولد لستة أشهر إلاَّ يوماً مذ يوم تزوجها الزوج الثاني؟
قال: فالولد لاحق به.
قلت: وكيف يكون لاحقاً بالثاني وقد نقص من الستة أشهر يوم، وأقل الحمل ستة أشهر كما قال الله عز وجل: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً}[ ]، فجعل أقل الحمل ستة أشهر؛ لأنَّه قال: {وفصاله في عامين}[ ]؟
قال: قد تنقص الشهور وقد يضع النساء حملهن في نقصان من وفاء الحمل بهذا المقدار، وذلك فمشاهد معروف غير منكر، وقد سمى الله تبارك وتعالى أشهراً وهن غير توامٍّ، فقال: {الحج أشهر معلومات}[ ]، فسمى سبعين يوماً أشهراً؛ لأن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
قلت: فإن ادعى هذان الرجلان الزوج الأول والثاني هذا الولد؟
قال: الولد للثاني؛ لأنَّه وُلِد على فراشه، وهو للأشهر الَّتي يأتي فيها الولد.
قلت: فإن نفاه، وقال: ليس هو ولدي؟
قال: فإذا نفاه وجب بينهما اللعان، فإن لاعن فالولد ابن ملاعنة.
قلت: فإنه لما ولد الصبي هُنِّئ الرَّجُل به فسكت، ولم ينكر ولم ينف الولد في ذلك الوقت؟

(1/188)


قال: افهم مني هذا الأصل فيما سألت عنه، واعلم أن الرجل إذا سكت وقت ما يولد المولود على فراشه ولم ينكر وقت الولادة فلا إنكار له بعد ذلك، وكذلك لو بشر به فسكت فقد لزمه الولد ولحق به، ولا إنكار له بعد ذلك، والسكوت أيضاً في هذا الموضع عندما يولد الولد إقرار بالولد.
قلت: فإن المرأة لما ولدت هذا الولد لأربعة أشهر من يوم تزوجها الثاني وحكم بالولد للأول وأُلحِقَ به، قال الأول أيضاً: ليس هذا الولد مني؟
قال: يجب بينهما اللعان.
قلت: وكيف يجب اللعان بين هذا الرجل وهذه المرأة وقد طلقها ومكثت بعد الطلاق سَنَة، وتزوجها ثانٍ وهي في حباله؟
قال: ألا ترى أن المراة ما لم تحض فهي في عدَّةٍ من الأول بعد، وما دامت المرأة في عدة من الرجل فاللعان واجب إذا نف الولد؛ لأن المرأة ممنوعة من التزويج فما دامت ممنوعة من التزوج فهي في عِدَّةٍ من المطلق.
قلت: وسواء في هذا كانت في تطليقة ثالثة أو ثانية تجب عليها الرجعة؟
قال: كل ذلك سواء إذا حظر على المرأة التزويج في عدتها وجب اللعان ما كانت ممنوعة في ثانية كانت من الطلاق أو ثالثة.
قلت: فما تقول في نكاح هذا الثاني؟
قال: إذا صح أن المرأة لم تحض من بعد طلاق الأول حتَّى تزوجها هذا الثاني فنكاحه باطل.
قلت: فيجب لها الصِّداق؟
قال: إذا ادعت جهلاً، وقالت: ظننت أني قد خرجت من عدتي لمّا جلست سَنَةً بعد الطلاق فتزوجت وجب لها الصداق ودرئ عنها الحد بالشبهة بما استحل من فرجها، وإن كانت علمت أنَّها تزوجت في عدتها وتيقنت أن ذلك حرام عليها أُقيم عليها الحد ولا صداق لها إذا كانت في عدة تجب للرجل عليها الرجعة.
قلت: فإن امرأة طلقها زوجها فمكثت شهرين ثُمَّ قالت: قد حضت ثلاث حيض، هل تُصدَّق؟
قال: قد قال غيرنا: إنها تُصدَّق، وليس ذلك عندنا كذلك، ولكنا نقول لها: تأتي ببينة على الحيض.
قلت: فإن لم يكن لها بينة تستحلف وتزوج؟
قال: لا، حتَّى تحيض وتشهد على ذلك.
قلت: من تشهد على الحيض؟

(1/189)


قال: امرأتان عدلتان، فإذا شهدتا أنَّها قد حاضت الحيضة الثالثة واغتسلت زوجت.
قلت: فإن شهدت امرأة واحدة عدلة أنَّها قد حاضت ثلاث حيض، هل تقبل شهادتها مع قول المرأة؟
قال: نعم إذا كانت ثقة، وتستحلف المرأة مع المرأة الَّتي تشهد.
قلت: وكذلك القابلة إذا شهدت وحدها؟
قال: تقبل شهادتها على استهلال الولد وما أشبه ذلك.
باب القول في المدبّر
وسألته عن رجل دبّر في مرضه الذي مات فيه عبيداً له فيهم رجال قد بلغوا وصبيان لم يبلغوا؟
قال: إذا كانوا كلهم يخرجون في الثلث جاز عتقهم، وإن كانوا أكثر من الثلث استسعى الكبار منهم بقدر نصيبهم، وكان ما بقي ديناً على الصغار حتَّى يكبروا، فإذا كبروا سعوا فيما بقي للورثة عليهم من قيمتهم.
وسألته عن المدبَّر، هل يرد في الرق؟
فقال: إذا احتاج صاحب حاجة شديدة وضرورة من دين أو فاقة رده، وإلاَّ فلا يرد في الرق.
قلت: فإن كان الذي دبّره مؤسراً، وظهر من العبد فسق أو جور أو خبث بعد تدبيره؟
قال: يرد في الرق، ويشتري بثمنه غيره رقبة مؤمنة.
قلت: فإن رده في الرق ولم يشتر غيره؟
قال: لا يجوز له إلاَّ أن يشتري غيره.
قلت: فإذا ظهرت من المدبّر بعد الفسق توبة وقد ردَّه في الرق واشترى غيره فدبّره؟
قل: حال هذا عندي كحال قارن ساق هدية فَضَلَّ عنه فأخلف غيره ثُمَّ وجده بعد أن قاد قبله غيره، فله أن ينتفع بأحدهما ويخرج الآخر في واجبه، وكذلك يعم التدبير للآخر منهما.
قلت: فلِمَ لا يجعل التدبير الأول الثابت؟
قال: قد انفسخ عنه معنى التدبير بفسقه وإبادال سيده غيره، ووجب التدبير للبدل.
قلت: فلِمَ لا يجعله كحال من ساق بدنة تطوعاً فضَلَّت فأبدل غيرها ثُمَّ وجدها، فوجب عليه أن ينحرهما جميعاً؛ لأن تدبيره للأول كان تطوعاً فيقيس التطوع بالتطوع لا التطوع بالواجب؟
قال: ليس قياس تطوع هذا المدبر، وإن كان تطوعاً كقياس من ساق بدنة متطوعاً فضلت ثُمَّ وجدها.
قلت: ولِمَ؟

(1/190)


قال: لأن البدنة لم تحدث ما أحدث العبد من السبب الذي حرم به تدبيره وعتقه، ألا ترى أن العبد الفاسق لا يجوز عتقه عند من عقل عن الله عز وجل وعرف ما أمر به من قوله: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}[ ]، ومن أعتق فاسقاً فقد أعانه على فسقه وعدوانه، فلما كان ذلك في حكم الله سبحانه كذلك كان تدبير الفاسق فاسداً مفسوخاً، فلذلك لم يلزمه فيهما ما ألزمنا المتطوع بالهدي وألزمناه ما ألزمنا القارن في هديه.
وسألته عن رجل دبَّر جارية له فولدت وهي مدبَّرة؟
قال: الولد تابع لها يكون أيضاً مدبَّراً.
باب القول في العتق
وسألته عن رجل قال لجاريته: إن ولدتِ غلاماً فهو حر، فولدت غلامين؟
فقال: عتقا جميعاً؛ لأنَّه إنَّما أراد بالعتق ما في بطنها.
وسألته عن رجل قال لعبده: إذا خدمتَ ولدي أياماً كثيرةً فأنت حر، متى يعتق؟
قال: يعتق إذا خدمهم سنة، وذلك أنا نظرنا في أقل الأيام، فإذا هي ثلاث ثُمَّ نظرنا في كثرة الأيام، فإذا هي أضعاف القليل فتسمَّى أيّاماً كثيرة، وقد يجوز من العشرة أيام إلى مائة يوم ومائتين وثلاثمائة وأكثر وأقل، فنظرنا في ذلك فإذا استكمال منتهى الأيام تمام أيام السنة كلها؛ لأن ذلك أكمل ما يكون من كثرة الأيام؛ لأن كل سنة لها منتهى أيام، ثُمَّ تبدأ سنة أخرى، فلكل سنة أشهر معلومة وأيام معدودة، فهذا أحسن ما رأينا في ذلك.
باب القول في عبد بين ثلاثة نفر فدبَّره واحد وأعتقه واحد وكاتبه واحد
وسألته عن عبد بين ثلاثة أنفس، فكاتب العبد أحدهم في ثلثه، ودبّر أحدهم بعد ذلك بيوم ثلثه، وأعتق الثالث بعد ذلك بيوم ثلثه؟
قال: يضمن المكاتب الأول للآخرَين ثلثي قيمة العبد.
قلت: وكيف يضمن وهو لو عجز المكاتب رد في الرق؟

(1/191)


قال: لأنَّه بدأ فكاتب فأتلفه، ولو أراد رده في الرق قبل أن يعجز ما جاز له، فلذلك ضمن، وكذلك الآخر لو أراد أن يبيعه لم يبتع بعد المكاتبة؛ لأنَّه قد عتق من العبد بعضه، وإذا عتق منه شعرة فقد صار حُرّاً كله.
قلت: وكذلك إن كان المعتق أعتق أوَّلاً، ثُمَّ دبر الثاني، ثُمَّ كاتب الثالث؟
قال: وكذلك يكون الأول ضامناً؛ لأنَّه أتلف أوَّلاً.
باب القول في الرجل يعتق أم ولده في الكفارة
وسألته عن رجل قتل خطأً، هل تعتق أُم ولده في الكفارة؟
قال: لا يجوز له ذلك.
باب إذا قال: أحد مماليكي حرّ
وسألته عن رجل له ثلاثة مماليك، فكلمه رجل بشيءٍ بينه وبينه فقال: أحد مماليكي حرّ إن لم أفعل، ثُمَّ مات ولم يفعل، ما الحكم في ذلك؟
قال: دخل عليهم العتق كلهم في ثلث كل واحد منهم، ويستسعي كل واحد منهم في ثلثي قيمته.
فإن لم يكن السيد مات، ولكنه جاز الوقت ولم يفعل؟
قال: يقال له: اختر أيهم شئت فأعتقه.
قلت: فإن رجلاً قال: نصف عبدي هذا حر، وثلث عبدي هذا حر، وسدس عبدي هذا حر، وله مال غيرهم، أو لا مال له غيرهم؟
قال: قد عتقوا كلهم بقوله؛ لأنَّه لو قال: شعرةٌ من عبدي هذا حرّ عتق العبد كله.
قلت: فيستسعي هؤلاء في شيء ممَّا يبقى؟
قال: لا، وليس يبقى منمهم شيء مملوكاً؛ لأنَّه لمَّا قال: نصف عبدي حرّ فقد عتق كله، وكذلك في الآخرين، وإنَّما الاستسعاء لو كان له فيهم شريك، فأما له فلا.
باب القول في الولاء
وسألته عن تفسير قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <الولاء للرجال دون النساء>؟

(1/192)


فقال: معناه في ذلك أنَّه جعل الولاءَ للرجال دون النساء؛ لأن الولاء لحمة كالنسب، وإنَّما جعل الله الولاء للرجال دون النساء؛ لأنهم العصبة فالولاء فيهم؛ لأن الرجال ينسب أولادهم أبداً إليهم، فالولاء راجع عليهم أبداً، فلذلك جعل الولاء للرجال، ولو شرك فيه النساء لشرك فيه أولادهن وأولاد أولادهن، فقد يكونون من بطن سوى بطن المعتق، فلذلك لم يجعل الولاء في النساء.
قلت: فمَن أولى بالولاء؟
قال: الكبر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت: فما معنى الكبر، بيِّن لي ذلك حتَّى أفهمه؟
قال: إنَّما قال: <الولاء للكبر>، أراد بذلك الأكبر من العصبة، وهم الوارثون للمعتق ـ الأقربون منه ـ والولاء كالمال، فمن أحرز مال الميت من العصبة الذكور أحرز مال الولاء.
قلت: فهل يباع الولاء أو يوهب؟
قال: لا.
قلت: ولِمَ لا يباع الولاء، ولا يوهب؟
قال: لأنَّه لو جاز أن يباع أو يوهب لجاز أن يكون في غير عصبة المعتق، ولكان الولاء لمن لم يعتق، وذلك لا يجوز.
قلت: فإن بيع أو وهب يكون ذلك باطلاً؟
قال: نعم.
قلت: فهل يكون للنساء من الولاء شيء؟
قال: لا يكون للنساء من الولاء شيء، إلاَّ ما أعتقنه أو أعتقه من أعتقن، أو كاتبه أو جر ولاه من أعتقن.
قلت: فبين لي ذلك حتَّى أفهمه؟
قال: نعم إن شاء الله، إذا أعتقت المراة عبداً فولاؤه لها، فإن أعتق العبد المعتَق عبداً أيضاً كان ولاؤُه لها، وكذلك إن كاتبت عبداً كان ولاؤه لها.
قلت: فما معنى وقولك: أو جر ولاه من أعتقن؟
قال: ذلك مثل رجل مملوك لامرأة فتزوج حرة مولاةً لقوم فولدت له أولاداً، ثُمَّ أعتقت أباهم مولاته فقد جر ولاءَهم أبوهم إليها إذا أعتق.
باب القول في المكاتبة
وسألته عن رجل كاتب عبداً له على كذا وكذا، فعجز العبد عن أداء ما عليه، هل يرد في الرق؟

(1/193)


قال: نعم، ما بقي عليه من مكاتبته درهم واحد رد في الرق إذا عجز، وقد قال غيرنا: بغير هذا ولا(1) يلتفت إليه.
قلت: فإن مات العبد وقد أدَّى بعض مكاتبته؟
قال: إذا مات فقد عتق منه بقدر ما أدَّى، ولورثته من ميراثه بقدر ما عتق منه، ولسيده باقي المال.
قلت: فكل ما ولد المكاتب فهو في مكاتبته؟
قال: هم بمنزلته على قدر ما عتق من أبيهم، كذلك يعتق منهم.
قلت: فيطالبون بما بقي على أبيهم مع ما بقي عليهم؟
قال: لا يطالبون بما بقي على أبيهم إذا كان الأولاد حدثوا بعد المكاتبة، ويستسعون فيما بقي عليهم هم إذا لم يكن الإمام ظاهراً.
قلت: فإن كان الإمام قد ظهر(2)؟
قال: عليه أن يخرج ما بقي عليهم من بيت مال المسلمين إن كان المال محتملاً لذلك، وإن لم يحتمل أعانهم على قدر ما يحتمل بيت مال المسلمين في ذلك الوقت؛ لأن الله عز وجل يقول: {وفي الرقاب}[ ]، وهم المكاتبون.
قلت: فإنه كاتب العبد وأولاده جميعاً، فمات العبد وقد أدَّى نصف ما عليهم، هل يطالب الأولاد بما بقي على أبيهم وعليهم؟
قال: نعم، إذا كانت المكاتبة عليهم جميعاً.
قلت: فإن الأولاد كانوا صغاراً، ولم يكن الإمام ظاهراً، وليس يستسعى مثلهم؟
قال: يكون ديناً عليهم حتَّى يكبروا، أو يظهر الإمام فيؤدي عنهم كما قدمنا، فإذا كبروا أدَّوا ما يلزمهم من قيمتهم في وقت ما مات أبوهم لا في وقت كبرهم وسعيهم.
باب القول في الأيمان
وسألته عن رجل حلف لا يأكل لحماً فأكل كبداً أو كرشاً أو لحم قنفذ أو لحم سلحفاة؟
قال: يلزمه ما نوى من ذلك، إذا كانت يمينه وقعت على أن هذا كله لحمٌ حنث، وإن لم يكن نيته وقعت على أن هذا ليس بلحمٍ لم يحنث.
وسألته عن رجل حلف أن لا يشتري لحماً، فاشتُرِي له بأمره أو بغير أمره؟
__________
(1) ـ في نسخة (ب): ولم نلتفت.
(2) ـ في نسخة (ب): ظاهراً، مع حذف قد.

(1/194)


قال: إن كان ممَّن لا يشتري اللحم هو فاشتُرِي له حنث، وإن كان ممَّن يشتريه بنفسه لزمه نيته، فإن كان نوى أن لا يشتريه هو فاشتُرِيَ له لم يحنث، وإن كان نوى أن لا يشتريه ولا يُشتَرَى له، ثُمَّ اشتُرِيَ له حنث.
وسألته عن رجل حلف أن لا يأتدم بإدام فأكل بملح أو بشوى أو بدهن أو بِخَل؟
قال: أما الخل فإدامٌ، وأما الملح فليس إداماً.
قلت: فالشوى والمرق والشبرج والبصل وما أشبه ذلك ممَّا يؤكل به الخبز؟
قال: هو إدام إلاَّ الملح والماء.
وسألته عن الرجل يحلف بطلاق امرأته إن لم أقتل فلاناً، وفلان ميت ولم يعلم؟
قال: لا حنث عليه؛ لأنَّه حلف على معدوم.
وسألته عن الرجل(1) يحلف إذا دخلت هذه الدار فامرأته طالق، فهدمت وصارت صَحْرَاء فيدخلها، أو تبنى بناءً آخر أو حمَّاماً أو يجعل بستاناً فيدخلها؟
قال: إذا كانت نيته أن لا يدخل هذه العرصة ولا يطأها لزمه الحنث إن دخلها، وإن كانت يمينه يمين مبهمة فصارت مسجداً أو بستاناً أو حمّاماً فدخلها لم يحنث.
وسألته عن رجل قال: إن أكلت من هذا اللَّبن شيئاً فامرأته طالق، فيصير شيرازاً أو إقطاً أو جبناً أو مصلاً؟
قال: يحنث؛ لأنَّه إذا قال: هذا، فكلما كان منه أو تولد أو حَال فهو هو.
قلت: وكذلك التمر إذا حلف لا آكل من هذا التمر، فصار خلاًّ أو رُبّاً؟
قال: كذلك أيضاً.
وسألته عن الرجل يحلف بطلاق امرأته لا يشتري لأهله عشرة أيام لحماً، وعنده شاة قد اشتراها قبل أن يحلف فذبحها بعدما حلف، هل يحنث؟
قال: لا يحنث.
وكذلك لو كان عنده قبل يمينه فدية أو غير ذلك من اللحم فأكلوه؟
قال: لا يحنث في شيء من ذلك، إلاَّ أن يكون نوى أن لا يأكل شيئاً من ذلك.
وسألته عن رجل قال لعبده: أنت حرّ إن بعتك، ثُمَّ باعه؟
قال: يقال لصاحب العبد استقل لصاحبك، فإن أقالك وإلاَّ فاشتره بما قل أو كثر.
قلتك فإن أبى إلاَّ بأضعاف ثمنه؟
__________
(1) ـ في نسخة (ب): عن رجل إن حلف إن دخل هذه الدار.

(1/195)


قال: لا بد أن يشتريه، ولو بأضعاف ثمنه.
قلت: فإن أبى أن يبيعه؟
قال: إذا أبى لم يجبر ونقول(1) لبائع العبد: اشتر مثله بثمنه فأعتقه.
وسألته عن رجل قال لامرأته: أنت طالق إن ابتدأتك بكلام، فقالت المرأة: جاريتي حرَّة إن ابتدأتك بكلام، فقال لها هو: لا جزاك الله خيراً لِمَ فعلت؟
قال: إن كان لمَّا قال لها: لا ابتدأتك بكلام أقبلت عليك فابتدأته بالكلام فقالت: جاريتي حرة إن ابتدأتك بكلام، فقد كلمته إذ ابتدأته، وإن كانت إنَّما أقبلت على غيره تكلمه ولم تكلم الزوج فليس له أن يبتدئها بكلام، فإن ابتدأها حنث، وإن كان لمَّا حلف ابتدأته مُقبلة عليه ثُمَّ أجابها هو بعد ذلك مقبلاً عليها فلا حنث على واحد منهما.
وسألته عن رجل قال لرجل: والله لا كلمتك يوماً، والله لا كلمتك يومين، والله لا كلمتك ثلاث أيام؟
قال: ينوي في ذلك، فإن كان نوى ستة أيام أُلزِمَ ما نوى، وإن كانت(2) يمينه مبهمةً وقال هذا في موقف واحد فهي يمين واحدة في ثلاثة أيام.
قلت: فإن قال: والله لا كلمتك اليوم، والله لا كلمتك غداً، والله لا كلمتك بعد غَدٍ؟
قال: وكذلك الجواب كالأول يمين واحدة في ثلاثة أيام.
وسألته عن رجل قال: لِلَّه عليه ثلاثون أو عشرون نذراً منذوراً ـ ولم يسم شيئاً معلوماً ـ لا فعلت كذا وكذا، ثُمَّ فعلهه، ما يجب عليه، وما يلزمه في هذه النذور؟
قال: قد قيل في ذلك أشياء، وأحسن ما عندي وما قد قاله العلماءُ من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن عليه لكل نذر يميناً، إلاَّ أن يكون عقد نذوراً بعينها أن عليه يميناً واحدة إذا كان ذلك في شيء واحد.
وسألته عن الرجل يقول: إن رزقت مالاً فلله عليَّ مائة درهم صدقةً، كم يكون مقدار هذا المال؟
قال: الذي إذا أخرج منه هذا الذي نذر لم يضر بباقيه.
قلت: شِبه(3) الذي يجب فيه الزكاة؟
__________
(1) ـ في نسخة (ب): ويقال.
(2) ـ في نسخة (ب): وإن كان إنَّما حلف يميناً مبهمة.
(3) ـ في نسخة (ب): شبيه.

(1/196)


قال: شَبيهٌ بذلك؟
وسألته عن الرجل يحلف بالطلاق، لا يلبس ثيابه، وله ثياب، هل يلبس بعضها؟
قال: لا، وإن لبس بعضها حنث.
وسألته عن رجل حلف بطلاق امرأته، لا يأكل طعاماً، فشرب سويقاً أو فتوتاً أو لبناً أو غير ذلك ممَّا يشرب من جلاب أو سكنجبين أو غير ذلك؟
قال: أمَّا السويق والفتوت وما كان ممَّا له ثقل(1) يغذو فهو طعام إن شرب من ذلك شيئاً حنث، وأما السكنجبين والجلاب والأشربة الَّتي لا ثقل لها ولا تغذو فإن شرب منها لم يحنث.
قلت: وسألته عن رجل يقول لرجل، عليه له ألف درهم: إن لم أقضك اليوم فامرأتي طالق، فيقضيه فيها زيوفاً أو رصاصاً أو مزبقة؟
قال: إذا أخذه الرجل والدافع قد نوى وفاه، ولم يقضه الزيوف عمداً لم يحنث.
قلت: وسألته عن الرجل يقول: عبدي هذا حر إن بعته، فباعه على أن البائع بالخيار ثلاثاً، وكذلك إذا قال المشتري: إن اشتريته فهو حرّ، فاشتراه على أن المشتري بالخيار ثلاثاً؟
قال: إذا كان الخيار للبائع لم يعتق العبد؛ لأنَّه يملك المشتري عقدة البيع، ولم يحنث البيع، وإذا جعل الخيار للمشتري وملك المشتري عقدة البيع فلا حنث عليه، والعبد عبده مملوك له ولا يضره قوله: إن اشتريته فهو حرّ؛ لأنَّ أصل قولنا وقول جميع علماء آل الرسول عليه وعليهم السلام: أنَّه لا عتق إلاَّ بعد ملك، ولا طلاق إلاَّ بعد ملك عقدة النكاح، والعامة ترى أن ذلك واجد عند الشراء وعند التزويج، ولسنا نقول بذلك ولا نراه ولا أحد من علماء أهل بيت نبينا عليه وعلهيم السلام.
قلت: فكيف يعمل البائع، وقد باعه؟
قال: يشتريه من صاحبه ولو بأضعاف ثمنه، ثُمَّ يعتقه.
قلت: فإن أبى المشتري، هل يجبر على رد العبد؟
قال: لا؛ لأنَّه قد ملكه، ولكن نقول له: يشتري عبداً مكانه بقدر ثمنه فيعتقه.
قلت: ولِم لا يجبر المشتري على البيع وقد لزم البيع العتق وحنث في قوله؟
__________
(1) ـ في نسخة (ب): ثفل.

(1/197)


قال: لا سبيل على المشتري للبيع؛ لأنَّه إنَّما اشترى عبداً لا حرّاً، وملك الشراء قبل حنث البيع؛ لأنَّه إنَّما يحنث من بعد نفاذ البيع، وقد توسط اشتراء المشتري وملك العبد؛ لأن شراءه صحيح، ولا سبيل للبيع على العبد ولا على المشتري، ومثل ذلك مثل رجل قال: إن بعت ثوبي هذا فهو للمساكين فباعه، القول في ذلك: أن البيع صحيح، والثوب للمشتري، ويقال للبائع: اشتره واجعله للمساكين، فإن باعه إياه المشتري جعله للمساكين، وإن لم يبعه إياه وجب عليه أن يجعل ثمنه للمساكين، فيقاس العبد هو كقياس هذا الثوب.
قلت: فإن قال المشتري: لله عليَّ نذرٌ إن أنا اشتريت هذا العبد أن أعتقه، فاشتراه؟
قال: إذا ملك عقدة البيع فقد وجب عليه عتقه، ولا يحل له ملكه.
قلت: فما الفرق بين هذين المعنيين؟
قال: هذا أمر جعله لله، فعليه الوفاء لله بما جعل له حين قال: إذا اشتريته أو إن اشتريته فهو حر أنَّه قد أعتق ما لا يملك، ووقع قوله: فهو حر، ذلك الوقت على غير ما يملك، وليس يجوز لأحد عتق عبدٍ لغيره، ولا طلاق امرأة غيره، فلما أن وقع هذا العتق الذي أوجبه واللفظ الذي ذكره هذا الوقت على عبد لا يملكه وعلى امرأة لا يملكها كان كمن طلق امرأة غيره أو أعتق عبد غيره، وذلك لا يجوز لأحد؛ لأنَّه تكلم بذلك والمرأة في حبال رجل غيره من زوج أو ولي، وكذلك العبد تكلم بعتقه وهو في ملك غيره.
وسألته عن رجل قال: إن لم أبع هذا العبد أو هذه الجارية فامرأته طالق فأعتقه أو دبّره.
قال: يلزمه الحنث.
قلت: وكذلك لو كاتبه.
قال: نعم، كلما كان يزيل الملك وجب فيه الحنث.
وسألته عن رجل يحلف أن لا يأكل فاكهة فاكل عنباً أو رطباً أو رماناً أو قثاءً أو خيارً أو بطيخاً أو مشمشاً أو خوخاً أو تيناً رطباً أو يابساً أو عنَّاباً أو باقلاء أخضر أو لوبياء أخضر.
قال: كل ذلك من الفاكهة، إلاَّ الرطب والباقلاء فإنه ليس عندي بفاكهة ولا تسميه العرب من الفاكهة.

(1/198)


قلت: وكذلك كل ما يبس من هذه الفواكه.
قال: هو فاكهة ولو يبس.
قلت: فالتمر اليابس هو فاكهة؟
قال: لا.
قلت: فالسكر والفانيد؟
قال: أما عند أهل اليمن فهو فاكهة، وإن حلف منهم حالف فأكل منه حنث؛ لأن نياتهم أن هذا فاكهة، وأما أهل العراق وغيرهم من أهل البلدان إذا أكلوا منه شيئاً لم يحنثوا؛ لأن نياتهم أن هذا ليس بفاكهة.
قلت: فالجوز اليابس واللوز اليابس والغبيراء؟
قال: كل هذه الأشجار الَّتي تأتي في كل وقت يستطرفها الناس ويتفكهون بها فهي فاكهة، وكذلك ما يبس منها.
وسألته عن رجل حلف بالله، أو بطلاق امرأته لا يساكن أهله في هذه الدار، أو في هذا البيت، هل له أن يدخل بالنهار إلى هذا البيت أو إلى هذه الدار فيأكل ويشرب ويصلي ويجامع وغير ذلك ولا يأوي في الدار ولا في البيت بالليل.
قال: نعم له ذلك؛ لأن المساكنة إنَّما هي النوم بالليل والنهار، فلا يجب أن ينام بالليل ولا بالنهار، وله أن يدخل مثل الزائر فيقضي جميع ذلك ويخرج ولا حنث عليه.
قلت: وكذلك إن حلف رجل لا يلبس هذا الثوب، فباعه واشترى بثمنه ثوباً غيره، أو اشترى بثمنه غزلاً فعمله ثوباً فلبسه.
قال: لا يحنث، إلاَّ أن يكون نوى أن لا ينتفع من ثنمه بشيءٍ.
قلت: وكذلك إن حلف رجل أن لا يلبس ثيابه وكان له أثواب فلبس بعضها، هل يحنث؟
قال: نعم يحنث؛ لأنَّه لو كان له عشر جوار فحلف أن لا يطأهن ولم يكن له نية فوطء واحدة منهن حنث.
قلت: فإن حلف بطلاق امرأته، أو بالله لا تلبس امرأته هذين الخلخالين فلبست أحدهما؟
قال: وكذلك يحنث أيضاً، والجواب في هذا واحد.
قلت: فإن حلف بطلاق امرأته، أو بالله أن لا يفارق غريمه حتَّى يأخذ حقه منه، ففر غريمه منه، أو قام هو لحاجة، هل يحنث؟
قال: إن كان نوى أن لا يزايله حتَّى يأخذ منه ويده في يده، أو نيته أن يراصده ففر الغريم لزمه الحنث.
وسألته عن رجل حلف لا يأكل لحماً، فأكل شحماً أو أكل بمرق اللحم، هل يحنث؟

(1/199)


قال: يسأل عن نيته، فإن كانت نيته أن لا يأكل اللحم ولم يعقد على الشحم أكل؛ لأنَّ الله قد ميز ذلك.
قلت: فإن كانت يمينه مبهمة ولا نية له؟
قال: فلا يأكل؛ لأن الشحم يخالط اللحم كما قال الله تبارك وتعالى: {إلا ما حملت ظهورهما}[ ]، فإن أكل حنث.
قلت: وكذلك إن حلف أن لا يأكل خبزاً فأكل فتوتاً أو شرب سويقاً أو سف دقيقاً أو عمل عصيدة، هل يحنث في ذلك.
قال: أما الفتوت فهو من الخبز، فإن شرب فتوتاً حنث، وأما السويق والعصيدة فزائل عن الخبز، فإن أكل عصيدة أو شرب سويقاً لم يحنث.
قلت: وكذلك إن حلف لا يأكل رؤوساً فأكل رؤوس طيرٍ مَّا، أو حمام أو غير ذلك، هل يحنث.
قال: لا يحنث؛ لأن رؤوس الطير ليس من الرؤوس الَّتي يقع عليها نية الحالف.
قلت: وكذلك إن حلف أن لا يأكل تمراً فأكل رطباً أو زهواً، هل يحنث؟
قال: على ما نوى، فإن كانت نيته أن ما حمل النخل فهو التمر فأكل من ذلك حنث، وإن كان عنى تمراً يابساً دون شيء من ذلك لم يحنث.
قلت: فإن كانت يمينه مبهمة؟
قال: لا يأكل؛ لأنَّه كله تمر.
قلت: وكذلك إن حلف لا يأكل هذه الرمانة فأكل بعضها؟
قال: لا يحنث؛ لأنها رمانة وليس بعضها كلها إلاَّ أن يكون نوى أن لا يأكل منها شيئاً.
قلت: وكذلك إن حلف لا يأكل رمانة، فأكل نصف واحدة وربع أخرى وثلث أخرى؟
قال: إذا أكل ذلك حنث، إلاَّ أن يكون له نية في رمانة بعينها فأكل غيرها لم يحنث.
وسألته عن رجل يحلف لا أبرح حتَّى أخذ حقي من غريمي هذا، ويكون الغريم مُعدِماً، وله عَرضٌ من العروض، ما يعمل في ذلك؟
قال: إن أخذ منه عرضاً من العروض فقيمة ما له عليه، فقد استوفى ولم يحنث.
قلت: فإنه كان له عليه دنانير فأبى الغريم أن يأخذ إلاَّ دنانير.
قال: ذلك له يبيع له.
قلت: فإنه لم يشتر منه إلاَّ بوكس؟
قال: يؤجل له أيّاماً، فإن لم يجد من يشتري منه إلاَّ بوكس ألزم البيع بوكس أو بغير وكس.

(1/200)


قلت: وكذلك لو حلف لا يفارقه حتَّى يأخذ منه حقه، فضمن له رجل آخر عنه، أو دفع إليه صاحبه رهناً بالذي له عليه فقبضه، أو قَبِل الضمان، هل يحنث؟
قال: قد استوفى، فلا حنث عليه، إلاَّ أن يكون نوى أن لا يقبل ضماناً ولا رهناً.
قلت: وكذلك لو حلف لا يأكل لبناً، فأكل إقطاً؟
قال: لا يحنث؟
قلت: وكذلك لو حلف لا يأكل بلبن فأكل شيرازاً أو مصلاً أو جبناً؟
قال: لا يحنث في ذلك.
قلت: فإن رجلاً حلف لا يأكل سمناً فأكل زبداً.
قال: لا يحنث.
وسألته: عن رجل حلف على امرأته بطلاقها، وقد توجهت لتخرج من الدار: أن لا تخرجي، فرجعت فجلست ساعة ثُمَّ خرجت؟
قال: يسأل عن نيته، فإن كانت نيته قبل أن يحلف أن لا تخرج من الدار وكان يأمرها بلزوم المنزل حنث في يمينه؛ لأنَّه كانت نيته أن لا تخرج، وإن لم يكن يأمرها قبل ذلك بلزوم المنزل ولا ينهاها عن الخروج، وإنَّما حلف في الوقت لغضب لا لشيء تقدم لم يحنث.
وسألته عن رجل قال لامرأته وهي راكبة: أنت طالق إن ركبت هذه الدابة؟
قال: تنزل ولا حنث عليه.
قلت: فإن لبثت قليلاً على الدَّابة؟
قال: إذا كانت في أهبة النزول وحركته فلا حنث عليه، وإن ثبتت على الحمار في غير أهبة النزول من بعد يمينه فقد حنث.
قلت: وكذلك إن قال لها: أنت طالق إن لبست هذا الثوب، وهي لابسة؟
قال: وكذلك القياس في جميع هذا واحد.
وسألته عن رجل حلف على امرأته لا تلبس حليّاً فلبست خاتماً أو لؤلؤاً أو دُرّاً أو ياقوتاً أو زبرجداً أو شيئاً من الجوهر غير الذهب والفضة.
قال: أما الخاتم فليس هو حليّاً، وأما الدر والؤلؤ والزبرجد والياقوت وما أشبهه من الجوهر فهو حليّ.
قلت: فمثل المهاء والجزع وما عمل من جوهر القوارير أو حجارة الأرض؟
قال: أما أهل المدن فليس هذا عندهم حليّاً، وكذلك هو عندي، وأما أهل السواد والبوادي فهم يعدونه(1) حليّاً، فمن حلف منهم على ذلك حنث.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): يعتدونه.

(1/201)


وسألته عن رجل حلف أن أول عبد يشتريه حرّ، فاشترى عبدين معاً في صفقة واحدة.
قال: لا يلتفت إلى ذلك، ولا يلزمه، وسواء اشترى عبداً أو عبدين؛ لأنَّه لا عتق إلاَّ بعد ملك، ولا طلاق إلاَّ بعد مِلك.
قلت: فإن رجلاً قال: كل عبد لي حرّ، وله مدبرون ومكاتبون وأمهات أولاد وعبد قد عتق بعضه.
قال: يعتقون كلهم.
قلت: فيرجع عليه المكاتب بشيء ممَّا أخذ منه.
قال: لا، إنَّما عتق ما يملك فيه.
بابٌ في من حلف يميناً إلى وقت من الأوقات
وسألته عن رجل حلف بالله ليأتين فلاناً في وقت العشاء، فلم يأته إلاَّ بعد ربع الليل أو ثلثه؟
قال: يُسأل عن نيته، فإن كان نوى أن يأتيه في أول وقت العشاء وحين وجوبها حنث، وإن كان لم ينو أول الوقت فأتاه قبل طلوع الفجر فليس بحانث؛ لأن ذلك وقت لصلاتها لمن كانت به علة قاطعة عن تعجيل صلاتها.
قلت: وكذلك لو حلف على دين لغريمه ليقضينه إياه في وقت من الأوقات من ليل أو نهار؟
قال: وكذلك الأمر فيه كما شرحت لك.
قلت: فإن رجلاً حلف بالطلاق ليكلمن رجلاً أو ليأتينَّه على رأس السنة أو رأس الشهر؟
قال: عليه أن يأتيه في أول وقت دخول السنة المقبلة، وخروج السنة الأولى فيكلمه في أول ليلة دخلت من السنة الداخلة ما بينه وبين طلوع الفجر، فإن طلع الفجر ولم يكلمه فقد حنث؛ لأنَّه قد مضت من السنة الداخلة ليلة، ومضى رأس السنة الخارجة.
قلت: وكذلك القول في الشهر؟
قال: وكذلك المعنى واحد، فافهم هذه المعاني، وقس عليها ما أتاك إن شاء الله بقياس حسن ولب حاضر.
بابٌ في الصبي يحلف باليمين في صغره فيحنث في صغره
أو بعد كبره، والمملوك يحنث
قلت: فإن صبيّاً حلف بيمين في معنى من المعاني في صغره ثُمَّ حنث؟
قال: لا كفارة عليه.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأن اليمين لم تلزمه عقدتها لصغره عندما حلف بها.
قلت: وكذلك لو حلف في صغره أن لا يكلم فلاناً فكلمه بعد بلوغه، هل عليه كفارة؟

(1/202)


قال: لا يلزمه كفارة في يمينه؛ لأنَّه عقَد اليمين والعقد بها لا يلزمه؛ لأنَّه عقدها في حال صغره، فلما أن لم يلزمه حفظها عند تعقيده إياها لم يلزمه عند الحنث كفارة فيها.
قلت: فإن حلف بالطلاق، أو بالعتاق في حال صغره في معنى من المعاني لا يفعله، ثُمَّ فعله في كبره؟
قال: وكذلك لا يلزمه حنث عندي إذا كان إنَّما حلف وهو ابن عشر سنين وما قاربها، إلاَّ أن يكون ذلك الوقت بالغاً.
قلت: فالمملوك إذا أقسم ثُمَّ حنث، ما يجب عليه؟
قال: إذا أقسم وكان كبيراً وجبت عليه الكفارة.
قلت: وما كفارته؟
قال: صيام ثلاثة أيام.
قلت: فإن أطعم عنه سيده أو أعتق؟
قال: لا يجزيه ذلك.
قلت: فكفارة المملوك في الظهار والقتل خطأ؟
قال: لا يجزيه إلاَّ صيام شهرين متتابعين.
قلت: ولِمَ لا يجزي عنه إطعام مولاه ولا عتقه؟
قال: لأن الله تبارك وتعالى إنَّما جعل الكفارة على المذنبين في أموالهم وما يملكونه ويظنون به ممَّا يعز إخراجه عليهم تنكيلاً وتأديباً، والعبد فليس ماله له ولا مال سيده، وليس يؤدبه وينكله إلاَّ ما ناله في نفسه، والصيام فهو داخل عليه في نفسه، فلذلك أوجبنا عليه الصيام، ولم يجز غير ذلك من فعل سيده للغلام من عتق أو كسوة أو إطعام.
باب القول في من حلف لا يشتري شيئاً ولا يبيعه ولا يتزوج
قلت: فإن رجلاً حلف بيمين كائنة ما كانت لا يبيع ولا يشتري شيئاً، ثُمَّ باع أو اشترى بيعاً فاسداً؟
قال: إن باع بيعاً فاسداً أو اشترى شراءً فاسداً يجوز له فيه العتق أو الهبة أو الصدقة، لزمه الحنث.
قلت: وما البيع الفاسد الذي يجوز له هبته وصدقته، بيِّنه لي حتَّى أفهمه؟

(1/203)


قال: نعم إن شاء الله، مثل الرجل يبيع مسكة من الذهب فيها خمسة مثاقيل بستة مطوقة، فأخذ الدنانير فوهبها أو تصدق بها جازت هبته وصدقته، وكذلك لو اشترى بها عبداً فأعتقه لجاز عتقه له، وإن كان البيع بينه وبين من أخذ منه فاسداً مفسوخاً؛ لأن الذهب مثل بمثل لا يجوز الفضل بينهما، فقد أخذ أقل من وزن ذهبه، وإنَّما يجب عليه أن يرد عليه مثقالاً أو يرد عليه خمسة دنانير ويرجع ذهبه، ولا يجب عليه أن يرد تلك الدنانير بعينها ممَّن تصدق بها عليه أو ممَّن اشترى منه العبد فأعتقه.
قلت: فإن رجلاً اشترى من رجل عبداً بعبدين إلى سنة فأخذه من ساعته فأعتقه؟
قال: كذلك أيضاً يكون العتق لازماً له؛ لأنَّه قد باعه، ويحكم له عليه بقيمته يوم باعه، ولا يحكم له بالعبدين.
قلت: ولِمَ لا يحكم عليه بالعبدين؟
قال: لأنَّه وقع التأخير والدين، ولا يجوز بيع الحيوان واحداً باثنين إلى أجل، وإنَّما يجوز ذلك يداً بيدٍ.
قلت: فإن كان إلى يوم أو يومين؟
قال: اليوم واليومان كالشهر والشهرين، وليس له إلاَّ قيمة عبده؛ لأن المشتري قد استهلكه بعتقه له، فلما أن لم يحكم عليه في هذا كله برد الشيء نفسه وكان فعله في ذلك الشيء الذي أخذه جائزاً لا يرد عليه، وإنَّما يطالب بمثله، كان الحالف يمينه حانثاً؛ لأنَّه قد استهلك ثمن الشيء ولم يحكم عليه برده بعينه دون غيره فلزمه باستهلاك الثمن اسم البيع، فلما أن ألزم البيع لزمه في يمينه الحنث.
قلت: فإن رجلاً حلف ألاّ يتزوج، فتزوج؟
قال: إن كان تزوج تزويجاً فاسداً لم يحنث.
قلت: وما التزويج الفاسد؟
قال: التزويج الذي لا يجب عليه فيه الطلاق.
قلت: وما التزويج الذي لا يقع عليه فيه الطلاق؟
قال: مثل الرجل يتزوج أمه من الرضاعة أو أخته من الرضاعة وهو لا يعلم، أو امرأة قد أرضعت أباه وهو لا يعلم، فهذا التزويج الذي لا يقع عليه الطلاق، وهو تزويج فاسد يُفسخ.
بابٌ فيمن أكره على اليمين

(1/204)


وسألته عن رجل أكرهه سلطان جائر فأحلفه بالطلاق أو العتاق على أمر من الأمور الَّتي لا تحل للظالم، ولا يحل للرجل أن يصدقه فيها؟
قال: لا يكون استحلافه إياه ممَّا يوجب عليه حنثاً.
قلت: فإن قال له: طلق امرأتك وإلاَّ فعلت بك أمراً يخاف على نفسه فيه الأذى فطلق؟
قال: لا يحنث.
قلت: فإن أعطي من ذلك شيئاً غير مكره.
قال: يلزمه الحنث.
بابٌ فيمن حلف بالطلاق فحنث وهو لا يعلم
وسألته عن رجل حلف بالطلاق لا يبرح حتَّى(1) يشتري عشرة أرطال سكراً، فاشتراها ثُمَّ وجد فيها رطل قند؟
قال: يحنث.
قلت: فإن حلف لا أبرح أو أتزن من فلان عشرين درهماً، فاتزنها فوجد فيها بعد ذلك درهمين حديداً؟
قال: يحنث أيضاً.
قلت: فإن رجلاً حلف بالطلاق لا يلبس ثوبه هذا غيره، فسُرق الثوب منه، فلبسه الذي سرقه وعلم الرجل بذلك، هل يحنث؟
قال: لا يحنث؛ لأن الذي سرقه لبسه بغير إرادته، وإنَّما أراد بيمينه ألاَّ يلبسه غيره طوعاً، إلاَّ أن تكون له نية غير ذلك.
باب الكفارات
وسألته عن الأيمان، كم هي، وما تجب فيه الكفارة منها، وما لا تجب؟
فقال: الأيمان ثلاث أيمان، فمنهن: اللغو، وكسب القلب، وما عقدت عليه الأيمان.
قلت: وما معنى اللغو، وكسب القلب، وما عقدت عليه الأيمان؟
قال: أما اللغو: فاليمين يحلف بها الرجل هو يظن أنَّه صادق فيها، ولا يكون الذي حلف عليه كما حلف، فهاتيك لغو ولا كفارة عليه فيها، وينبغي للحالف أن يتجنب مثلها.
وأما كسب القلب: فهو ما حلف عليه الحالف كاذباً وهو يعلم أنَّه كاذب يتعمد ذلك تعمداً في بيع أو شرى أو غير ذلك، فليس في تلك كفارة وليس عليه فيها إلاَّ التوبة إلى الله سبحانه والإنابة والرجعة عن الخطيئة.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): أن لا يبرح أو يشتري...إلخ.

(1/205)


وأما العقد من الأيمان: فهي ما حلف عليه الحالف أن لا يفعله، أو أقسم أن يفعله، وهو عازم على التمام على يمينه والوفاء، ثُمَّ رأى أن غير ذلك خير منه ففعله، فعليه في تلك كفارة اليمين.
قلت: ولأيِّ علة كفّرت هذه اليمين ولم تكفّر الأولتين؟
قال: أما اللغو فلعلة أن الله تبارك وتعالى قال: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم}[ ]، فلم يوجب عليه في اللغو كفارة، وأما كسب القلب الَّتي هي هجم عليها وهو كاذب فيها متعمد لكذبه مجترئ على الله جل وتعالى فيها فلا يجب عليه فيها كفارة؛ لأنَّه حلف على ما يعلم أنَّه خلاف ما حلف عليه اجتراءً على الله في ذلك، وهذه أعظم الأيمان إثماً.
وأما عقد القلب فقول الله عز وجل: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان، فكفارته إطعام عشرة مساكين}... إلخ[ ]، فأوجب في الكفارة إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة.
قلت: فكم يطعم كل مسكين، أو يكسوه، بيِّن لي ذلك حتَّى أفهمه إن شاء الله؟
قال: يطعم كل مسكين منهم نصف صاع من حنطة أو دقيق غداءه وعشاءه النصف الصاع لا غيره، مأدوماً بأوسط الإدام من أوسط ما يطعم أهله.
قلت: وما معنى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم}[ ]؟
قال: يطعم ممَّا يأكل هو وعياله، إن أكل برّاً فبرّاً لكل مسكين نصف صاع كما ذكرنا غداءه وعشاءه وإدامه، وإن أكل شعيراً أو ذرةً أو تمراً فصاعاً صاعاً لغدائه وعشائه وإدامه.
قلت: فما يكسو المساكين إن كساهم؟
قال: يكسوهم كسوة الجسد.
قلت: مثل أي شيءٍ؟
قال: إما قميصاً سابغاً، وإمّا ملحفة يلتحف بها، وإما كساء، لا تكون الكسوة إلاَّ كسوة جامعة للبدن، ولا يجوز أن يكسو أحدهم عمامة وآخر سراويلاً.
قلت: فإذا أراد أن يعتق، ما يعتق؟
قال: يعتق رقبة مسلمة صغيرة كانت أو كبيرة.
قلت: فهو في أي ذلك شاء مخير؟
قال: نعم، أي ذلك شاء أجزاه، وعتق الرقبة أفضل، ثُمَّ الكسوة أفضل من الطعام، ثُمَّ الإطعام.

(1/206)


قلت: فمن لم يجد من ذلك شيئاً؟
قال: يصوم ثلاثة أيام متتابعات.
قلت: فإن أراد أن يطعم فلم يجد عشرة مساكين، ولم يجد إلاَّ ثلاثة مساكين، هل يدفع إليهم كفارة اليمين؟
قال: لا أحب ذلك إلاَّ أن لا يجد غيرهم، وكذلك لا أحب له أن يدفع كفارات أيمان إلى عشرة مساكين إلاَّ أن لا يجد غيرهم بحيلة من الحيل.
قلت: فإن لم يجد في كفارة اليمين إلاَّ ثلاثة مساكين، وكذلك إن لم يجد في كفارة ثلاث أيمان إلاَّ عشرة مساكين، ما يعمل؟
قال: إن لم يجد غيرهم دفعها إليهم في أوقات مختلفة، ولا يدفعها إليهم جملة، ولكن يطعمهم كل يوم عن كفارة.
قلت: فهل يبعث بكفارته إذا لم يجد المساكين إلى بلدة أخرى فيها مساكين.
قال: نعم.
قلت: فلِمَ كرهت أن تدفع كفارة اليمين إلى ثلاثة مساكين في يوم واحد.
قال: لأن الواجب على كل مكفر أن يطعم عشرة مساكين طعامهم يوماً، فإذا أطعم ثلاثة إطعام عشرة في يوم لم آمن أن يأكلوه كله في يومهم فيكون قد أطعم ثلاثة إطعام عشرة، والواجب أن يطعم عشرةً.
قلت: فيجب للمكفِّر أن يعطي المساكين الكفَّارة طعاماً، أو يطعمهم في منزله؟
قال: وكل ذلك واسع جائز، وأحب إليَّ إذا أراد أن يكفر يميناً أخرج طعام عشر مساكين خمسة أصوع، ويأمر بعملها حتَّى يخبز، ثُمَّ تفت وتؤدم بلحم أو سمن أو بما أمكن، ثُمَّ يدعوهم فيغديهم ويعشيهم في منزله.
قلت: فإن فضل من عشائهم شيء؟
قال: يدفعه إليهم فيقتسمونه بينهم.
قلت: فإن لم يمكنه يدعوهم في منزله، وكان لهم منازل؟
قال: فأحب إليَّ أن يبعث به إليهم مفتوتاً مأدوماً.
قلت: ولأيِّ علة يجب أن يبعث به إليهم مفتوتاً مأدوماً؟

(1/207)


قال: لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {فإطعام عشرة مساكين}[ ]، فأوجب الإطعام على من لم يرد العتق أو الكسوة، فإذا بعث به مفتوتاً لم يكن لهم بدّاً من أكله، ولم يصرفوه في غير الطعام والأكل له، وهو إذا بعث به إليهم حبّاً لم آمن أن يصرفوه في غير الطعام والأكل له، فيكون المرسل بالحب إليهم غير مؤدٍّ لما أمر الله به من إطعامهم.
بابٌ في ترديد اليمين في الشيء الواحد
قلت: فإن رجلاً حلف في شيء بعينه بأيمان(1) كثيرة فحنث، هل عليه فيها كفارات على قدر أيمانه، أم عليه كفارة واحدة؟
قال: ليس عليه إلاَّ كفارة واحدة.
قلت: فإن تعداه إلى غيره فحلف في شيءٍ سواه، فحنث؟
قال: فعليه كفارتان.
باب القول في ما يقع به القسم على المقسم
قلت: فإن رجلاً قال: والله لا فعلت(2) كذا وكذا، أو بالله أو تالله لا فعلت(3) كذا وكذا، أو وحق الله، أو قال: وربي، أو قال: وحق ربي، أو قال: ورب شيء ممَّا خلق الرحمن ـ كائناً من الأشياء ما كان ـ أو قال: عليه عهد الله وميثاقه، أو قال: أيم الله، أو هاهيم الله، أو أقسم بالله؟
قال: كل ذلك يمين إذا حلف الحالف(4) ثُمَّ حنث، وجبت عليه الكفارة.
قلت: فإن قال رجل: أقسم إن لم أفعل كذا وكذا ثُمَّ لم يفعل، ما يجب عليه؟
قال: يُسأل عن نيته، فإن كان أراد القسم بالله كانت عليه فيه الكفارة وجبت عليه، وإن كان أراد أن يقسم بغير الله فلا كفارة عليه، كل من أقسم بغير الله أو حلف بغير الله لم يجب عليه كفارة.
بابٌ فيما يجزي من الرقاب في الكفارات
قلت: فما يجزي من الرقاب في الكفارات؟
قال: أما كفارة اليمين وكفارة الظهار، فإنه يجزي فيهما الصبي والمكفوف والأعرج والأعور والأخرس والأشل والمجنون لمن لم يجد غير ذلك، والسالمة من ذلك أفضل.
__________
(1) ـ في نسخة (ب) أيماناً.
(2) ـ في نسخة (ب): لا قلت.
(3) ـ في نسخة (ب): لا أفعل.
(4) ـ في نسخة (ب): حالف.

(1/208)


فأما في القتل فلا يجوز إلاَّ صحيح العقل بالغ في سِنِّه قد عرف الإسلام وعمل به؛ لأن الله عز وجل يقول: {فتحرير رقبة مؤمنة}[ ]، والمؤمنة فهي الَّتي تَعرف الإيمان.
وأما في النذور فعليه ما نوى، إن نوى سليمة فسليمة، وإن نوى بالغة فبالغة، وإن نوى صغيرة فصغيرة على قدر نيته، وإن أبهم يمينه فالسليمة أحب إلينا له.
وولد الزنا إذا كان مسلماً عفيفاً يجزي في الرقاب كلها.
بابٌ في الرجل يحلف ويستثني بعد انقطاع كلامه
قلت: فإن رجلاً(1) حلف في شيء فاستثنى في مجلسه قبل انقطاع(2) كلامه وكينونة قيامه؟
قال: من حلف واستثنى هذا الاستثناء الذي ذكرت فله ما استثنى.
قلت: فإنه استثنى بعد انقطاع(3) كلامه فيما حلف فيه؟
قال: فلا استثناء له في ذلك، وعليه الكفارة إن حنث.
بابٌ فيمن لزمته كفارة فلم يجد مساكين المسلمين
هل يجوز له أن يطعم مساكين أهل الذمة
قلت: فإن رجلاً وجبت عليه كفارة، فلم يجد مساكين المسلمين، هل يطعم مساكين أهل الذمة؟
قال: لا يجوز أن يصرف كفارات المسلمين إلى غيرهم من الذميين.
قلت: فما يعمل بها إذا لم يجد مساكين المسلمين؟
قال: ينتظر بها أهلها من فقراء المسلمين حتَّى يصرف فيهم، ويؤثرون بها دون غيرهم، وقد قال غيرنا: إنها تجوز في فقراء أهل الذمة، ولسنا نقول: إنها لا تكون إلاَّ في فقراء أهل الملة الذين تجوز فيهم زكوات أغنيائهم، وبها حكم الله لهم في أموالهم.
بابٌ فيمن حلف بطلاق، ليفعلنّ كذا وكذا، ثُمَّ مات قبل(4) أن يفعل
وسألته عن الرجل يحلف بطلاق امرأته، ليفعلنَّ كذا وكذا، ثُمَّ يموت قبل أن يفعله؟
قال: إذا كان مُجمِعاً على فعله غير تارك له فقد وقع الطلاق بها يوم مات، وهي ترثه؛ لأنها في عدَّةٍ منه.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): حالفاً.
(2) ـ في نسخة (ب): إنقضى.
(3) ـ انقضى، نسخة.
(4) ـ في نسخة (ب): ولم يفعل.

(1/209)


قلت: فإن سمَّى وقتاً، فقال: عليه الطلاق ليفعلنَّ كذا وكذا في هذا اليوم وهذا الشهر(1)، فمات بعدما وقت، ما يجب عليه.
قال: قد حنث وقت ما خرج ذلك الوقت وطلقت امرأته قبل وفاته، فإن كان طلقها طلاقاً يجوز له فيه ارتجاعها وكنت في عدتها ورثته، وإن كانت قد خرجت من عدتها لم ترثه.
قلت: فإن حنث وقد تقدم قبلها تطليقتان؟
قال: فلا ترثه إذاً؛ لأن هذه تطليقة ثالثة لا تحل له حتَّى تنكح زوجاً غيره، فلذلك قلنا: إنها لا ترثه إذا كان كذلك، ولو مات بعد الحنث بيوم.
قلت: فإن حلف بطلاق أو بعتق عبده ليفعلنَّ كذا وكذا، ولم يوقت وقتاً، ثُمَّ كان على ذلك مُجمِعاً حتَّى مات؟
قال: فلا حنث عليه.
باب القضاء بين أهل الأسواق في المجالس
وسألتُه عن بطون الأسواق من أحق بها.
فقال: من سبق بموضع فهو أحق به يومه ذلك.
قلت: فإن جلس فيه يومه ذلك وبنى في موضعه دكاناً يجلس فيه، ثُمَّ بدره من غد إليه غيره فجلس فيه، هل للذي بنى الدكان بالأمس أن يقيمه منه؟
قال: لا، حتَّى ينقضي يومه ذلك، ثُمَّ هو لمن بدر إليه أيضاً فجلس، وكذلك بلغنا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه خرج إلى السوق ذات يوم فإذا دكاكين في بطون الأسواق قد بنيت ورفعت، فقال: (ما هذا السوق إلاَّ للأسود والأبيض، فمن سبق إلى مكان غدوة فهو مكانه إلى الليل).
قلت: فأفنية الحوانيت؟
قال: تلك لأربابها لا يزاحمهم فيها أحد، وإنَّما هذا الذي ذكرنا في بطون الأسواق.
باب القول فيما يجب على الزوج والزوجة من القيام في أمر منزلهما
وسألته: ما يجب على الرجل لزوجته؟
فقال: النظر فيما خارج والقيام به والعناية بإصلاحه.
قلت: مثل أيّ شيء؟
قال: مثل اكتساب النفقة والكسوة وغير ذلك ممَّا لا يصلح لها الخروج فيه.
قلت: فما يجب على المرأة لزوجها؟
قال: القيام بما في داخل المنزل والقيام في جميع أمره والإصلاح لكل شأنه.
قلت: مثل أيّ شيء؟
__________
(1) ـ في نسخة: أو شهر.

(1/210)


قال: مثل خدمة المنزل من خبز الطعام وتبريد الماء ونفض الفراش، وغير ذلك من خدمة البيت، وبذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين علي وفاطمة عليهما السلام، فقضى على ابنته فاطمة بخدمة البيت، وقضى على علي رضي الله عنه بإصلاح ما كان خارجاً والقيام به.
باب القول في تخيير الغلام بين أمه وعمه ومن أحق بالولد
وسألته عن امرأة ماتت وتركت ولداً صغيراً ولها زوج وأم وأخت، من أحق بالولد من هؤلاء، فيحكم له به؟
قال: أمُّ الأمِّ أحقّ بالولد.
قلت: كم يكون الولد عندها حتَّى يستحقه الأب؟
قال: حتَّى يحتاج إلى الأدب والدخول إلى الكتَّاب لتعليم الكتَّاب وغير ذلك، فيكون أبوه يفعل به ذلك، ولا يُمنع أيضاً من الجدة.
قلت: فإذا ماتت الجدة والصبي صغير لم يبلغ، من أحق به من بعد أُمِّ أُمِّه؟
قال: خالته أحق به أيضاً، يكون عندها على ما كان عند الجدة.
قلت: فإن ماتت الخالة؟
قال: فالأب أحق به بعد هاتين.
قلت: فإن الأب طلق أمُّ الصبي، من أحق به؟
قال: أمه أحقّ، ما لم يحدث في نفسها حدثاً تزويجاً.
قلت: فإذا تزوجت؟
قال: يحكم به حينئذ للأب.
قلت: فإن كانت له أمّ أمّ فطلبته؟
قال: لا يكون لها ذلك إذا كانت الأمُّ باقيةً وتزوجت فالأب أحقّ به.
قلت: فإن قالت الأم لأب الصبي: لا أرضى أن يكون ولدي عند زوجتك ولا عندك؟
قال: لا يلتفت إلى قولها، الأب أحق به.
قلت: فإن كان موضع الزوج نائياً عن البلد الذي فيه الصبي، هل له أن يخرجه إلى موضعه؟
قال: نعم، ذلك له فلا ينبغي له أن يقتطعه(1) على أمه، بل يأتيها به فتنظر إليه ويكون عندها الوقت والوقتين.
قلت: فإن الأم لما حكم عليها بهذا قالت لزوجها الذي تزوجها: قد فرق بيني وبين ولدي بسببك ولست أقوى على فرقته، وخاشنته في ذلك حتَّى طلقها وبانت منه، هل لها أن تأخذ ولده بعد فراق زوجها؟
__________
(1) ـ في نسخة (ب): يقطعه.

(1/211)


قال: لا، قد نفذ الحكم عند التزويج وحدثها في نفسها: أن الولد لأبيه، وليس الذي فعلت يبطل الحكم الذي وجب.
قلت: فإن الصبي شبَّ وكبر ومات أبوه وله عمٌّ فطالبته أمه بأخذ الولد، مَن أحق به؟
قال: إذا كبر الصبي فبلغ ست عشرة سنة أو شبهاً بذلك خُيِّر بين العم والأم، فإذا بلغ فهو أملك بنفسه.
باب البيوع
وسألته عن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <البيِّعان بالخيار ما لم يفترقا>؟
فقال: أراد بذلك أن البيِّعين بالخيار في رد البيع ما لم تثبت عقدة البيع ويفترقا عن تراضٍ منهما بما بينهما من البيع.
قلت: فكيف الافتراق؟
قال: قد قال غيرنا: الافتراق افتراق الأبدان، وأما قولنا: فهو الافتراق بقطع البيع والمساومة والرضاء بالشراء به، ووقع قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <البيِّعان بالخيار ما لم يفترقا>.
باب البيوع الَّتي يفسدها الشرط إذا كان فيها،
والبيوع الَّتي لا يفسدها الشرط إذا كان فيها
وسألته عن رجل اشترى عبدين صفقةً واحدة بألف درهم، فوجد أحدهما حُرّاً أو مكاتباً أو مدبراً، هل يفسد البيع أو يقبض المشتري العبد ويرد الحر؟
قال: إن كان اشترى ذلك كله بدراهم مجملة معاً ولم يعرف قيمة كل واحد منهما فالبيع منتقض.
قلت: ولِمَ انتقض؟
قال: لأنَّه بيع غير صحيح بُنِي على غير صحةٍ.
قلت: وكيف بُني على غير صحةٍ؟
قال: لأنَّه باع ما لا يجوز بيعه ولا يحل له.
قلت: فلِمَ لا يثبت بيع الذي يحل بيعه ويبطل بيع الذي لا يحل بيعه؟
قال: قد ذكرنا ذلك في أول الكلام حين قلنا: إن كان اشترى بدراهم مجملةً ولم تُعرَف قيمة كل واحدٍ فالبيع باطل، وإنَّما يكون ما قلت من ثبات بعضٍ وبطلان بعضٍ إذا كانت قيمة كل واحدٍ منهما معروفة، فحينئذٍ يثبت ما يجوز بيعه بقيمته، ويبطل بيع ما لا يجوز بيعه، ويسقط على المشتري قيمته، وإن كانت صفقة البيع في الكل واحدة.
قلت: وكيف تكون الصفقة واحدة، وقد مُيِّزت الأثمان وعُرِفت؟

(1/212)


فقال: قد تُعرَف الأثمان ويجمع الكل الصفقة.
قلت: وما الصفقة؟
فقال: هي الرضاء والقطع من البائع والمشتري والافتراق عن المساومة بالرضاء منهما.
باب الثياب
قلت: وكذلك لو أن رجلاً اشترى عِدَلاً من ثياب معروفة على أن في العِدل مائة ثوب بألف درهم، فوجد في العِدَل مائة ثوب وثوباً واحداً، أو وجد فيه مائة ثوب إلاَّ ثوباً واحداً؟
قال: إن كان اشترى الثياب بعضها على بعض جيدها برديئها وطويلها مع قصيرها بهذا الألف درهم وشرط له البائع مائة قطعة فالقول عندي في ذلك أنَّه إن وجده ناقصاً وقت ما ذكر له أنَّه وافٍ فالبيع منتقض ويبتديان بيعاً جديداً، وإن كان زائداً فالبيع جائز تامّ يرتد من القِطَع قِطْعة لا يتخيرها.
قلت: وكيف بطل في حال النّقصان وثبت في حال الزيادة؟
قال: لأنَّه في حال الزيادة مستوفٍ ما شرط له من العدد، وفي حال النقصان غير مستوفٍ.
قلت: أفلا يعطيه ثوباً حتَّى يتم كما أخذ منه حين زاد؟
قال: وكيف يكون ذلك والثوب الذي نريده خلاف ما في عِدله، ولم يقع عليه بيع، ولا يدري ما قيمته على سعر الثياب من الألف درهم، فلذلك بطل البيع حين لم يكن ما في العِدل على الوفاء، وإذا زاد ففي العدل وفاءٌ لشرطه، ولم يدخل فيه شيئاً من غيره فتختلف القيمة في الشراء.
بابٌ في الشاة المذبوحة
قلت: وكذلك لو أنَّه اشترى شاتين مذبوحتين، فوجد إحداهما ذبيحة يهودي أو مجوسي أو ذبيحة مسلم ترك التسمية عمداً، فعلم بذلك بعد القبض أو قبله؟
قال: الجواب في ذلك كالجواب فيما تقدم في هذا الباب، أن البيع باطل إلاَّ أن يعرف قيمة كل شاة قبل الصفقة، فإن كانت كل شاة قد عرف ثمنها فاشتريت هذه بكذا وهذه بكذا بطل شراء ما لا يجوز شراؤه، وثبت شراء ما يجوز شراؤه، وإن جمعتهما الصفقة.
بابٌ في الحيوان
قلت: وكذلك لو اشترى غنماً أو بقراً أو غير ذلك من الحيوان، أو عِدل برّ كل اثنين من ذلك بكذا وكذا، هل يفسد البيع أم لا؟

(1/213)


قال: إذا رآه وأبصره كله وقلَّبه ثُمَّ اشترى اثنين بدينار أو ثلاثة بدينار بعضها على بعض من بعد النظر والمعرفة والتقليب فلا بأس بذلك، وإن كان لم يقلب ولم ينظر فللعَين عند المعاينة حظها في الرضاء والسخط بخيار النظر.
باب بيع الدار مذارعة
قلت: وكذلك لو اشترى داراً كل ذراع بكذا وكذا ولم يسم جيمع ذرعها، هل يفسد البيع أم لا؟
قال: إن كان اشترى عرصة الدار أذرعاً كل ذراع بشيء معروف فذلك جائز، وكذلك إن كان اشترى كل ذراع من العرصة ومن الجدر الَّتي تحيط بالعرصة وقدر عرضه وطوله، وعرفه فلا بأس أيضاً ببيعه بعد معرفته، وأما السقوف والخشب فلا تدخل في بيع المذارعة بالأرض ولا بالجدر؛ لأنَّه يختلف، رُبَّ ذارع يكون فيه خشبتان وثلث، وربَّ ذراع لا يكون فيه خشبة ولا في ذراع ونصف، فمن هاهنا أفسدنا بيع الخشب مع مذارعة الأرض والجدر؛ لأن ذرع الأرض والجدر يمكن ويصح، والسقوف والخشب لا يمكن ذرعها ولا يصح؛ لتباعد خشبة وتقاربه إذا كان ذلك كذلك لم يصح عدد ما يدخل في المزارعة من الخشب، إذا لم يصح ذلك كان شراؤه غرراً وشراء الغرر لا يجوز بيعه.
قلت: فكيف يعمل من اشترى الأرض والجدر؟
قال: يبصر الخشب ويدور تحته حتَّى إذا عرفه اشتراه جزافاً أو عدداً.
قلت: فقد ذُكر أن عمرو بن جرير اشترى داراً على هذا الذرع، فلم ينكر عليه من علماء دهره أحد؟
قال: لعلّ شراءه على ما ذكرنا.
قلت: فإن كان اشترى على غير ما ذكرت؟
قال: ليس عمرو ولا غيره بحجة على الحق، وإنما الحق حجة على الناس، ومن تعدَّى الحق فقد أخطأ، والخطأ لا يثبت ولا يقتدى به، وقد أعلمناك الحجة، وكل من ادعى شيئاً أو أجازه أو حرمه ولم يكن معه حجة نيِّرةٌ بينةٌ من كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو ثبات في العقل فلا يقبل منه ما يأتي به.
بابٌ في الحنطة والشعير وغير ذلك

(1/214)


قلت: وكذلك لو اشترى كر حنطة، أو فرق سمن، أو فرق زبيب معاً، أو ثوباً واحداً، أو غير ذلك من جميع الأصناف، وقال: قد أخذت منك هذا بمثل ما يبيع الناس، هل يفسد البيع أم لا؟
قال: إن كان قد باع من ذلك الصنف صدراً على سعر واحدٍ فلا بأس بشرائه على ذلك الشرط الذي قد عُرف وفُهم، وإن كان لم يبع منه شيئاً فلا يجوز ذلك الشراء.
قلت: وما الفرق بين ذلك.
قال: لأنَّه إذا كان قد باع جزءاً من ذلك الصنف وعرف سعره ثُمَّ اشترى منه هذا المشتري على ما باع الناس فقد اشترى منه على سعر معروف قد مضى غير مجهول، إن تشاجرا فيه من بعد ذلك كان على البائع أن يثبت على بيعه كيف باع، فإذا ثبت لزم المشتري الرضاء بذلك؛ لأنَّه قد اشترط له شرطاً معروفاً قد كان وبان ومضى، وإذا لم يكن باع منه شيئاً فلم يقع شراء هذا الذي لم يسم بيعه وثمنه شيئاً مفهوماً على أصلٍ يثبت به بيع، وهو غررٌ عليهما جميعاً؛ لأنَّه إن رخص سعره بعد ذلك كان الوكس على البائع، وإن غلا سعره كان الوكس على المشتري، وكذلك إن باع من بعدُ بأسعارٍ مختلفةٍ متفاوتةٍ كان ذلك غرراً بيعه أيضاً على المشتري فيما أخذ بغير قطع، فبهذا وشبهه أبطلنا بيعه وفرقنا بين الماضي والمستأنف؛ لأن الماضي معروف لا كغرر فيه وليس فيه إن تناكر البيعان عند إثبات البينة من البيع.
قلت: فما تصنع بهذا الطعام إن كان أخذه على شرط ما يستأنف من البيع؟
قال: يكون عليه ديناً حتَّى يثبت سعره فيشتريه منه في ذلك الوقت بعد بيان السعر ووضوحه وتراضيهما عليه.
بابٌ في الطعام بعضه ببعض
قلت: وكذلك لو أنَّه اشترى قفيز طعام بقفيز طعام مثله إلى أجل، هل يفسد البيع أم لا؟

(1/215)


قال: نعم، هذا بيع فاسد لا يجوز إلاَّ يداً بيدٍ، وفي ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <البرّ بالبر مثلاً بمثل، والشعير بالشعير مثلاً بمثلٍ يداً بيدٍ، فمَن زاد أو ازداد فقد أربا>، فقال صلى الله عليه وآله وسلم في المثل بالمثل: <يداً بيدٍ>.
بابٌ فيما يوزن بعضه ببعض
قلت: فإنه اشترى عشرة أرطال سكراً أجلاً بعشرة أرطال تمر عاجلاً، هل يجوز ذلك؟
قال: إن كان التمر ممَّا يوزن ولا يكال فلا يجوز، وإن كان التمر يكال ولا يوزن في ذلك البلد مثل ذلك التمر فلا بأس بذلك، وأصل ما سألت عنه أنَّه لا يجوز أن يسلم ما يوزن فيما يوزن، ولا ما يكال فيما يكال، وإن كان مثلاً بمثل فلا بأس به يداً بيد. قال: وقوله: <يداً بيدٍ>، دليلٌ على أنَّه حرَّم التأخير.
بابٌ في العبد الآبق
قلت: فإن باع عبداً آبقاً ليس في يده حين باعه، هل يفسد البيع أم لا؟
قال: هذا بيعٌ لا يصح.
قلت: ومن أين لا يصح؟
قال: لأنَّه غرر.
قلت: وما الغرر فيه؟
قال: لأنهما يتبايعان شيئاً لا يدريان أيظفر به من يشتريه أم لا.
قلت: فإن كان قد ضبط في بلد قريب أو بعيد وكتب ضابطه إلى صاحبه بضبطه له، هل يجوز بيعه؟
قال: لا، حتَّى يحضر فيقبضه عند الصفقة.
قلت: ولِمَ فسد ذلك وهو ملزوم.
قال: أرأيت إن مات أو أفلت فأبق قبل أن يقبضه المشتري أو وكيله، على مَن يكون الضمان؟
قلت: على البائع.
قال: فلذلك أفسدنا البيع.
بابٌ في بيع الغائب
قلت: فما تقول في رجل اشترى من رجل بالكوفة عبداً له بمكة وقد رآه وأبصره وعرفه.
قال: لا يقع البيع حتَّى يقبضه المشتري أو وكيله، ولا يبرئ البيع من ضمانه حتَّى يقبضه المشتري.
ثُمَّ قال لي: دع عنك الغائب، ما تقول في رجل اشترى منك الساعة عبداً لك، والعبد عنكما غائب في بعض منازلك فأوقعتما الثمن ثم طلبته لتسليمه إليه فوجدته قد مات، على من تدخل مصيبته، ومَن تلزم قيمته.

(1/216)


قلت: البائع يلزمه ذلك كله ما لم يسلمه ويقبضه المشتري؟
قال: وكذلك الإقصاء لم يزده بعده إلاَّ تأكيد حجة.
قلت: وكذلك لو باع عبداً قد اغتصبه إياه رجل، هل يفسد البيع أم لا؟
قال: هذا كغيره، بيعٌ لا يجوز؛ لأن كل شيءٍ باعه صاحبه فعليه أن يسلمه إلى المشتري، وما لم يسلم من كل ما بيع فبيعه غررٌ باطلٌ لا يجوز.
باب بيع الثمار قبل أن تبلغ
قلت: وكذلك لو أنَّه اشترى عنباً لم يُبلَغ أو تمراً في رؤس النخل لم يُبلَغ أو ما أشبه ذلك من الفواكه، هل يفسد البيع في ذلك؟
قال: نعم، لا يجوز بيع ذلك حتَّى يؤمَن عليه الفساد ويظهر صلاحه.
باب البيع المفسوخ في الغنم
قلت: فإن رجلاً اشترى من رجل غنماً على أن يرد منها واحدةً لم يُعرِّفه أيتهن هي، هل يفسد هذا البيع أم لا؟
قال: إذا لم يعرف أيَّتُهن هي فالبيع مفسوخٌ لما في ذلك من الغرر عليهما في الجيدة والرديئة.
قلت: وكذلك لو أنَّه باع مائة ثوبٍ على أنَّ له منها ثوباً أو ثوبين لم يُعرِّفهُما، هل يفسد البيع أم لا؟
قال: كذلك القول في هذا كالقول في الغنم.
قلت: وكذلك لو أنَّه اشترى شاةً وشرط له البائع أنَّها حامل أو أنَّها تحلب كذا وكذا، هل يفسد البيع أم لا.
قال: إذا كان شراؤه لها من أجل ذلك المعنى ثم لم يجده فيها فالبيع مفسوخ.
باب ما يفسد البيع من الشروط
وسألته عن رجل اشترى جارية على أنَّه يتخذها لنفسه أُمّ ولدٍ وشرط على نفسه ذلك، هل يجوز هذا الشرط؟
قال: لا، هذا شرطٌ باطلٌ.
قلت: فيفسد البيع لعلة هذا الشرط؟
قال: لا، البيع ثابت والشرط باطل، إلاَّ أن يكون وضع عنه لذلك الشرط بعض الثمن.
قلت: وكذلك لو أنَّه اشتراها وشرط على نفسه أن لا يطأها؟
قال: أما البيع فثابت، وأما الوطء فأكرهه له كراهية.
قلت: فنأمره ببيعها ونمنعه عن وطئها؟
قال: أما الوطء فأمنعه منه، وأما البيع فلا آمره به، وقد قال غيرنا: إن الشراء إذا كان كذلك مفسوخ.
قلت: فإن وطئها، هل نوجب عليه أدباً؟

(1/217)


قال: لا، إنَّما كرهت له أن يطأها كراهية مني لما أدخل على نفسه من الشرط، ولسنا نجيز وطء فرج يشرط فيه صاحبه أن لا يطأه.
وسألته عن رجل اشترى من رجل عشرة أقفزة حنطة أو ثوباً أو فرساً بكذا وكذا، ثُمَّ يبيعه من رجل آخر بزيادة كذا وكذا، أو يشتريه ولا يبيع مرابحةً ولكن يشتري فرساً بعشرة دنانيرٍ ولا يقبضه، ثُمَّ يبيعه باثني عشر ديناراً على أن يقبضه المشتري من يد البائع الأول.
قال: هذا بيع فاسدٌ مفسوخٌ لا يجوز.
كذلك روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه نهى عن بيع ما لم يضمن، ويختلف فيه الصاعان من البائع والمشتري.
قلت: فإنه لما اشترى من الرجل عشرة أقفزة طعاماً، قال المشتري للبائع: كِل لي هذا الطعام وأعزله لي في بيتك، ففعل البائع، ثُمَّ إن المشتري بعد ذلك باعه من رجل آخر، ثُمَّ وجد له من يقبضه من بيت البائع الأول.
قال: ذلك جائز؛ لأنَّه قد وكَّل البائع يقبض الطعام من نفسه، فلما كاله وعزله جاز بيعه لهذا المشتري وجاز أيضاً تقبيض البائع الأول للمشتري.
بابٌ بكَم تستبرئ الأمة إذا اشتراها الرجل
وسألته: بكم تستبرئ الأمة؟
فقال: بحيضة.
قلت: فإن اشتراها اليوم وحاضت غداً ثُمَّ طهرت أيواقعها؟
قال: نعم.
قلت: فإن اشتراها اليوم وأعتقها ثُمَّ تزوجها، هل له أن يواقعها قبل أن تحيض؟
قال: لا.
قلت: فإن كانت ممَّن لا تحيض؟
قال: تستبرئ بشهر.
قلت: فإن اشتراها وهي حائض؟
قال: تلك للبائع وعليه أن يستبرئها بحيضة.
قلت: فيقربها في غير الموضع ممَّا هو دون الفرج؟
قال: لا بأس بذلك إذا أيقن أنَّه لا حمل بها.
باب الرجل يشتري السلعة فيستغليها فيردها ويرد معها فضلاً

(1/218)


وسألته عن رجل يشتري عبداً أو ثوباً أو غير ذلك من السلع ويقبضها، فإذا صارت معه استغلاها فيأتي بها إلى صاحبها فيقول له: أقلني فقد استغليت ما اشتريت منك، فيقول له صاحب السلعة: لست أقيلك إلاَّ أن تطرح من ثمنها كذا وكذا، فيطرح عنه المشتري بعض ثمن السلعة، هل يجوز ذلك؟
قال: لا يجوز هذا عندنا، إنَّما هي قيلولة وإحسان إلى من استقاله، أو يأبى أن يقيله فلا يجب عليه في ذلك شيء.
قلت: فإن البائع لم يطلب من المشتري نقصاناً من الثمن، ولكن المشتري لما استغلى السلعة تبرع بشيء من ثمنها برده مع السلعة إلى البائع؟
قال: إذا كان ذلك تبرعاً من المشتري إلى البائع بغير مواطأة جاز ذلك للبائع.
بابٌ في بيع الشريك من شركائه أو من غيرهم قبل أن يقاسمهم
وسألته عن جماعة اشتروا حمل بز، أو حمل أدم، أو كر حنطة بكذا وكذا، ثُمَّ باع أحدهم حصته من رجل ليس من شركائه قبل أن يقاسم شركاءه، هل يجوز ذلك أم لا؟
قال: لا يجوز هذا، هو بيع فاسدٌ مفسوخٌ.
قلت: ولِمَ فسد هذا البيع؟
قال: لأنَّه باعه شيئاً مجهولاً غرراً.
قلت: وكيف صار غرراً؟
قال: لأنَّه باعه ما لم يره ويعرفه.
قلت: فإن كان الشريك قد عرف ما باع وراءه وهو مشاع، وكذلك المشتري من الشريك قد عرف ما اشترى من حصة الشريك وقبله يقيناً بالمعرفة والنظر، هل يجوز هذا؟
قال: نعم إذا عرف هذا ما باع، وعرف هذا ما اشترى.
قلت: وكذلك أيضاً بيع الشريك لشركائه؟
قال: قد قدمنا جواب ذلك، أن الشريك إذا باع من شريكه قبل أن يقاسمه جاز ذلك لهما، ولا يجوز لغير الشريك، إلاَّ أن يكون قد قاسمه أو عرف المشتري ما اشترى من الشريك بمعرفة يقين أو نظر منه إليه وعرف الشريك ما باع.
بابٌ في الرجل يبيع سلعة من رجل وينظره بثمنها
ثُمَّ يشتريها البائع بأقل من ثمنها حاضراً

(1/219)


وسألته عن رجل اشترى من رجل عبداً أو ثوباً أو فرساً بعشرة دنانير وأنظره بها، أو ببعضها وقبض المشتري السلعة ومكثت عنده وقتاً، ثُمَّ أراد بعد ذلك بيعها، فعرضها للبيع فبلغت أقل من ثمنها الذي اشتراها به، فأراد البائع أن يشتريها، هل يجوز له؟
قال: إن كان المشتري عرضها وأراد بيعها قبل حلول أجل ثمنها وقبض البائع له كرهنا أن يشتريها؛ مخافة المحاباة للإنظار والمداهنة، وإن لم يكن في ذلك بينهما مداهنة فلا بأس بذلك، وإن كان عرضها للبيع بعدما قبض البائع ثمنها وزال وقت الإنضار بالثمن جاز له أن يشتريها بأقل من ثمنها؛ لأن المحاباة والمداهنة قد ذهبت بعد قبض الثمن.
قلت: فإن العبد لما اشتراه الرجل بعشرة دنانير وأنظره البائع بها حدث في العبد عيب عند المشتري أو نقصان في جسمه ينتقص بذلك من ثمنه وقيمته، ثُمَّ أراد المشتري أن يبيعه من البائع بأقل من ثمنه.
قال: ذلك جائز لا بأس به إذا كان الأمر صحيحاً ولم يكن بينهما مداهنة في ذلك.
بابٌ في الرجل يشتري من رجل سلعة بكذا وكذا، ثُمَّ يقول المشتري لرجل آخر: خذ هذه السلعة فبعها، فما زاد على كذا وكذا فالزيادة بيني وبينك
وسألته عن رجل يشتري(1) من رجل ثوباً أو عبداً بكذا وكذا، ثُمَّ يقول المشتري لرجل آخر: خذ هذا الثوب أو العبد فبعه، فما زاد على كذا وكذا فالزيادة بيني وبينك؟
قال: هذا أمر فاسدٌ لا يجوز ولا يصح.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأنَّه غررٌ مجهول.
قلت: فإن الرجل أخذ العبد فباعه وجاء بالثمن وفيه زيادة على ما حدد له الرجل، ما العمل في ذلك؟
قال: الثمن والزيادة لصاحب الثوب أو العبد، ولهذا المأمور أجرة مثله.
باب بيع ما لا يجوز بيعه
وسألته عن الرجل يقول للرجل: بعني ما حمل كرمُك من قابل أو نخلك أو ما أشبه ذلك من ثمر الأشجار؟
قال: ذلك كلّه بيعٌ فاسدٌ لا يجوز.
__________
(1) ـ في نسخة (ب): اشترى.

(1/220)


قلت: فإن الرجل اشترى من رجل بطيخاً أو قثَّاءً أو قضباً أو بقلاً أو ما أشبه ذلك ممَّا يأتي شيئاً بعد شيء في شجره وبساتينه، وقد نظر إليه وعرف ما فيه؟
قال: إن كان اشترى ما اشترى من البطيخ والقثاء والبقل والقضب الذي نظر إليه على أن يقطعه في يومه أو من غدٍ جاز ذلك، وإن كان إنَّما اشترى المبطخة والمبقلة وما أشبه ذلك بما فيها وما يخرج بعد ذلك فيها كان ذلك بيعاً فاسداً لا يجوز.
قلت: ولِمَ يبطل؟
قال: لأنَّه بيع غرر، ألا ترى أنَّه اشترى بيعاً مجهولاً لم يعلم ما اشترى بما يخرج بعد الذي هو فيها.
قلت: فإنه لما اشترى القثاء أو البطيخ أو القضب أو البقل دفع إلى صاحبه الثمن فقطف من البطيخ شيئاً، وكذلك من القثاء وما أشبهه، ثُمَّ أصاب المبطخة آفة فيبست، كيف العمل في ذلك؟
قال: هذا بيع أصله فاسد لا يجوز، وإنَّما للبائع ثمن ما باع المشتري من بطيخة أو قثائة أو قضبة إذا كان البيع على ما ذكرنا أنَّه اشترى هذا القضب وما يخرج بعده، وفي سنة أخرى، وهذا البطيخ الذي في المبطخة وما أخرجت بعد ذلك.
قلت: فكيف يشتري ذلك حتَّى يكون البيع صحيحاً؟
قال: يشتري عدداً أو وزناً أو جزافاً، فهذا أصح ما يشتري به هذا.
قلت: وكذلك البصل والجزر؟
قال: كذلك أيضاً، هذا على ما قلنا من الوزن في الجزر؛ لأنَّه في الأرض وهو مجهول وما كان من البصل المدفون في الأرض، فأما البصل الظاهر فشراؤه جائز إذا نظر إليه المشتري؛ لأنَّه لا يأتي شيئاً بعد شيء، وإنَّما هو إذا ظهر وغلظ واستوى نباته لم يأت شيئاً بعد هذا الشيء.
باب بيع ما لا يجوز بيع بعضه ببعض إذا كان صنفاً واحداً، وبعضه أفضل من بعض
وسألته عن الثمن كله، هل يجوز مكوك تمر برني بمكوك ونصف جمعاً؟
فقال: لا يجوز ذلك عندنا، هذا ربا.
قلت: وكيف صار ذلك رباً وهو في الثمن متفاوت؟

(1/221)


قال: حكمه حكم التمر وإن كان متفاوتاً في الثمن والفضل، وكذلك بلغنا وصح عندنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه أُهدي له تمر فأمر بلالاً بأخذه، فلما كان بعد ذلك قال: <يا بلال هلم التمر>، فأتاه بتمر غير الذي بعث به إليه، فقال: <يا بلال ما هذا التمر؟> قال: يا رسول الله استبدلته من فلان بأجود منه وأقلّ كيلاً، قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <هذا لا يجوز>، وأمره أن يسترده.
قلت: وكذلك الحنطة والذرة والزبيب؟
قال: هذه صنوف، كل صنف منها واحد وإن اختلف في لونه وتفصيل ثمنه، لا يجوز مكوك ونصف حنطة بيضاء بمكوك حنطة طيساري، ولا يجوز مكوك ذرة بيضاء بمكوك ونصف ذرة حمراء، ولا يجوز مكوك زبيب رازقي بمكوك ونصف زبيباً أسود، فافهم هذا الأصل فإن لك فيه كفاية.
قلت: فإن اختلف النوعان، مثل الشعير والحنطة؟
قال: بيع ذلك جائز يداً بيد، مكوك حنطة بمكوكي شعير يداً بيدٍ، وكذلك مكوك ذرة بمكوكي زبيب، ومكوك زبيب بمكوكي شعير يداً بيدٍ، ولا يجوز فيه التأخير.
قلت: ولِمَ لا يجوز فيه التأخير؟
قال: لأنَّه يكون مثل السلم، ولا يجوز أن يسلم الرجل ما يكال فيما يكال، ولا ما يوزن فيما يوزن، ومِن هذا فسد.
باب بيع اللحم بعضه ببعض، وبيع الحيوان باللحم، والسمن بعضه ببعض
وسألته عن اللحوم، هل تختلف؟
قال: نعم اختلافها بَيِّنٌ.
قلت: فهل يجوز رطل لحم ماعز برطل وربع ضائن؟
قال: لا يجوز ذلك.
قلت: أفليس هذان صنفين مختلفين؟
قال: لا.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأن الماعز والضائن في معنى واحد من الغنم.
قلت: فالبقر والإبل؟
قال: البقر غير الغنم، والغنم غير الإبل، هذه أصناف مختلفة غير مؤتلفة، لا يجوز رطل لحم غنم ماعز برطل وربع ضان، ويجوز رطل لحم غنم برطلي لحم بقر، وكذلك أيضاً رطل لحم بقر برطل ونصف لحم إبل؛ لأن الغنم صنف والإبل صنف، فمن هذا جاز الفصل بين هذه اللحوم.
قلت: كله لحم، فبيِّن لي الفرق بين لحمان هذه الدواب؟

(1/222)


فقال: الغنم كلها معزها وضانها تجمع في الزكاة معاً، والبقر والإبل يفترق شروطها في الزكاة، ومعانيها افتراقاً بيناً، فلذلك جعلنا لحم الغنم كله لحماً واحداً، ولم نجعل لحوم ما افترق في الزكوات لحماً مجتمعاً واحداً.
قلت: وكذلك سمن الغنم؟
قال: كذلك أيضاً رطل سمن بقر برطلي سمن غنم جائز؛ لأنَّه صنفان مختلفان.
قلت: فالجواميس عندك مثل البقر؟
قال: نعم،
وسمنها مثل سمن البقر؟
قال: نعم.
قلت: وكذلك الضبا، هل هي في معنى الغنم، وكذلك بقر الوحش، هل هي في معنى البقر يكون لحمها يقوم مقام لحم البقر؟
قال: نعم.
قلت: فإن رجلاً اشترى شاة بعشرين رطلاً لحم بقر أو لحم إبل، وكذلك لو اشترى عشرين رطلاً لحم بشاة.
قال: لا يجوز ذلك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان من أي اللحوم كان.
باب ما لا يجوز بيعه وما يجوز بيعه
وسألته عن الرجل يأتي إلى صاحب جوز أو رمان أو سفرجل أو ما أشبه ذلك من الفواكه اليابسه والرطبة فيقول له: كيف تبيع الجوز؟ فيقول له صاحب الجوز: مائة بدرهم، والسفرجل خمسون بدرهم، وما أشبه ذلك، هل يجوز هذا قبل أن يعزله الرجل وينتقيه؟
فقال: لا يجوز، هذا بيع فاسد.
قلت: فكيف يصح شراء مثل هذه الفواكه اليابسة والرطبة؟
قال: إذا أراد المشتري أن يشتري من ذلك شيئاً من رمان أو سفرجل أو جوز عزل ما أراد من ذلك وانتقاه وساوم به واشتراه إذا نظر إليه صاحبه والمشتري فتبايعا على ذلك صح وجاز شراء ذلك كذلك.
قلت: فإن الرجل لما عزل الرمَّان أو البطيخ أو ما أشبه ذلك واشتراه كسرة فوجده فاسداً، هل يجب للمشتري ردّ ما كان من ذلك فاسداً؟
قال: إذا كان شرى المشتري من الفواكه على أنه جيد فكسره فوجد به عيباً نظر إليه بعد الكسر، فإن كان له قيمة وهو مكسور نظر إلى قيمته صحيحاً وقيمته وهو مكسور، ثُمَّ لزمت المشتري ورجع على البائع بفضل ما بين القيمتين الصَّحيح والمكسور.

(1/223)


قلت: ولأي علة لزمت المشتري وقد وجد بها عيباً؟
قال: لأنَّه قد أحدث في ذلك حدثاً لمَّا كسره.
قلت: فإن المشتري لمَّا اشترى البيطيخ وما أشبهه لم يكسره حتَّى رأى فيه عيباً؟
قال: يرد على البائع ويحكم له بذلك.
قلت: وكذلك البيض؟
قال: الأصل في ذلك كله أن المشتري جميع ما اشترى ممَّا إذا كسره ووجده فاسداً ولم يكن بعد كسره له قيمة يُشتَرَى بها أو يباع فهو مردود على البائع ويرتجع المشتري بقيمته أو يستبدله صحيحاً جيداً إن أراد ذلك، وما كان له قيمة بعد كسره فله أرش ما بين القيمتين، ولا يجب له رده، فافهم هذا الأصل في البيض والقثاء وما أشبه ذلك.
باب بيع الفواكه بعضها ببعض
قلت: فهل يجوز بيع رمانتين برمانة أو أترنجة باترنجتين أو ما أشبه ذلك من الفواكه؟
قال: نعم، هذا كله جائز اثنتين(1) بواحدة يداً بيدٍ؛ لأنَّه لا يكال ولا يوزن، فلذلك جاز.
باب بيع الحنطة بالدقيق
قلت: فهل يجوز بيع مكوك حنطة بمكوك دقيق أو سويق؟
قال: لا يجوز ذلك؛ لأنَّه يختلف عند الطحن في الزيادة والنقصان؛ ولأنهما يكالان.
قلت: فإنه اشترى مكوكي خبز مخبوز بمكوك دقيق؟
قال: ذلك جائز؛ لأن الدقيق يكاك والخبز يوزن.
قلت: وكذلك لو أنَّه اشترى مكوكاً ونصفاً عجيناً بمكوك دقيق؟
قال: ذلك أيضاً جائز.
باب بيع اللَّبن بعضه ببعض، والزبد باللَّبن
وسألته: هل يجوز بيع رطل سمن برطلي زبد؟
قال: لا يجوز ذلك؛ لأنَّه لا يوقف على ما في الزبد من اسم عند السلاء.
قلت: فهل يجوز السمن بالزبد مثلاً بمثل؟
قال: لا يجوز؛ لأنَّه ينقص الزبد عند السلاء فيكون بعضه أكثر من بعض.
قلت: فهل يجوز بيع اللبن الرائب بالزبد؟
قال: لا يجوز ذلك، إلاَّ أن يكون في اللبن من الزبد أقل من ذلك الزبد الذي اشترى به فيكون ذلك الزبد الذي في اللبن بمثله من هذا الزبد، ويكون فضلة هذا الزبد ثمناً لفاضل ذلك اللبن.
قلت: فهل يجوز بيع اللبن الرائب بالمخيض؟
__________
(1) ـ في نسخة (ب): اثنين بواحد.

(1/224)


قال: لا يجوز ذلك.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأن في المخيض ماءً، ولا يكون بيع الماء في اللبن بمعنى اللبن.
باب القول في الرجل يقول للرجل: بعني على ما يبيع الناس
وسألته عن رجل يقول للرجل: بعني هذا التمر أو الحنطة على ما يبيع الناس، هل يجوز ذلك؟
قال: لا.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأن ذلك بيع لم يقع، وهذا الذي شرط المشتري فشيءٌ مجهول؛ لأنَّه إذا لم يكن باع من ذلك شيئاً فقد اشترط هذا ما لم يصح بيعه؛ لأن الناس يشترون فيشتري واحد بأكثر ممَّا يشتري الآخر، فإذا قال هذا: بعني على ما يبيع الناس، كان هذا بيع غرر، والغرر لا يصح بيعه.
باب بيع ثوب إلى أجل
قلت: فإنه اشترى ثوباً بكذا وكذا على أن ينقده الثمن إلى أربعة أيام أو إلى شهر، هل يفسد البيع أم لا؟
قال: إذا لم يزده في الثمن من أجل النسيئة فلا بأس بذلك.
باب الشروط في البيع
قلت: فإنه اشترى بيعاً شيئاً واشترط على البائع أن يحمله إلى منزله، أو اشترى منه حنطة على أن يطحنها له، أو اشترى منه ثوباً على أن يخيطه، أو اشترى طعاماً على أن يوفيه إياه في منزله، هل يفسد هذا الشرط البيع أم لا؟
قال: لا يفسد هذا الشرط البيع؛ لأن هذا شرط مفهوم مطروق صحيح، ولا يفسد بمثل هذا الشرط اليبع، وقد أفسده غيرنا.
قلت: فإنه اشترى جارية على أن يتخذها أم ولد لنفسه وشرط ذلك على نفسه، هل يجوز هذا الشرط؟
قال: لا، هذا شرط باطل.
قلت: فيفسد البيع لعلة هذا الشرط؟
قال: لا، البيع ثابت، والشرط باطل، إلاَّ أن يكون وضع عنه لذلك الشرط بعض الثمن، فيجب عليه إن لم يف بشرطه أن يوفيه باقي الثمن الذي وضعه له من أجل ذلك الشرط، فأما عقدة البيع فلا يخلها هذا الشرط.
باب السلعة تباع بدينار إلاَّ درهماً
قلت: فإن رجلاً اشترى من رجل ثوباً بدينارٍ إلاَّ درهماً أو بدينارٍ ودرهم، هل يجوز ذلك؟

(1/225)


قال: نعم، وما يفسد البيع من ذلك أن يبيعه ثوباً ثُمَّ يأخذ منه ديناراً أو درهماً أو يبيعه ثوباً ودرهماً بدينار، كل ذلك جائز، وقد قال غيرنا: إنَّه لا يجوز.
قلت: فإنه باع ثوباً بدينار إلاَّ مكوك طعام إلى أجل، ثُمَّ غلا الطعام حتَّى صار المكوك يساوي ديناراً أو أقل من ذلك أو أكثر، هل يجوز ذلك؟
قال: نعم، إذا عرف الطعام فله طعام، غلا الطعام أو رخص، والذي يرجى من الغلاء يخاف من الرخص.
باب بيع الجزاف
قلت: فإن رجلاً باع تمراً أو زبيباً جزافاً في ظروفه، هل يجوز ذلك؟
قال: نعم، هذا جائز ما لم يكن أحدهما قد علم وزن الزبيب أو التمر.
قلت: فإن كان أحدهما قد علم؟
قال: ذلك لا يجوز؛ لأنَّه قد صار مكراً من أحدهما بصاحبه.
باب اختلاف البيِّعين في الظروف
قلت: فإن رجلاً اشترى سمناً أو عسلاً أو زيتاً في زِقٍّ فاتَّزنه كله في زقّه فإذا فيه مائة رطل، ثُمَّ جاء بالزق يرده وفيه عشرون رطلاً، فقال البائع: ليس هذا زقي، وقال المشتري: بل هو زقك، ما الحكم في ذلك؟
قال: هو المدعي في ذلك وعليه البيِّنة أن هذا الزق زق البائع.
قلت: فإن لم تكن له بينة؟
قال: يستحلف له البائع أن هذا الزق ليس الذي دفعه إليه وفيه الزيت، فإذا حلف طرح عنه بوزن ما يحلف عليه من وزن زقه.
قلت: فإن جهله فقال: لا أدري كم كان فيه؟
قال: إن جهله ولم يدر كم كان وزن زقه كان في ذلك صلح بينهما على قدر ما يرى الحاكم، ويستحلف البائع أن زقي لأخف من هذا الزق وما يبلغ وزنه وزن هذا الزق.
قلت: فإن قال: لا أدري أزقي أثقل منه أو أخف، إلاَّ أن هذا ليس زقي؟
قال: القول في ذلك عندي: أن يُسأل المشتري البينة على أنَّه زقه، فإن أتى ببينةٍ حكم بها، وإن لم يأت ببينة على ذلك استحلف البَيِّعُ ما هذا بزقك، فإن حلف وجب له ما يدعي، وإن رد اليمين على المشتري استحلف أن هذا زق صاحبه ثُمَّ يطرح وزنه.
قلت: طرحت وزنه على أنك صدقته أنَّه زق البائع أم على صلح رأيته؟

(1/226)


قال: إذا لم يثبت صاحب الزق على دعواه أن زقه أخف من هذا الزق وقال: لا أدري أهو أخف أو أثقل رأينا أن يجعل الصلح بينهما عند ذلك على وزن هذا الزق، ويستحلف الذي ادعى أنَّه لصاحبه على أنه هو، فيكون ذلك عدلاً بينهما في العينين إذا كان صاحب الزق في شك من وزن زقه فلا يدري أكثر من هذا أو أقل فرأينا أن أوسط الأمرين وزن هذا الزق مع يمين المشتري؛ لأن صاحب الزق يقول: لعل زقي أثقل من هذا، ولعله أخف من ذا، فليس يكون بين ما هو أثقل منه وبين ما هو أخف منه إلاَّ وزنه.
باب اختلافهما في عبد
قلت: فإن رجلاً اشترى عبدين بألفي درهم وخمسمائة درهم، فقبض أحدهما، ومات الآخر في يد البائع، ومات الآخر في يد المشتري بعدما قبضه، ثُمَّ اختلفا في ذلك فقال المشتري: قبضت عبداً يسوى ألف درهم ومات في يدك عبدٌ يساوي ألفاً وخمسمائة، وقال البائع: بل قبضت عبداً يساوي ألفي درهم، وبقي عندي العبد الذي يساوي خمسمائة، على مَن البينة؟
قال: كلاهما مُدَّعٍ جَاحد، فعلى كل واحد بينة في دعواه، فمن ثبتت بينته قضي له ببينته، ومن لم تثبت بينته استحلف له صاحبه.
قلت: فإن أتى كل واحد ببينة عدول على دعواه؟
قال: يساوى بينهما في الحكم إذا استوت بينتهما.
قلت: فإن لم يكن لواحد منهما بينة؟
قال: فيستحلف كل واحد على ما يدعي صاحبه.
قلت: فإن حلفا جميعاً؟
قال: يساوى بينهما أيضاً في الغرامة.
قلت: وما الغرامة الَّتي يساوى بينهما فيها؟
قال: الفضلة الَّتي يطلبها المدعي بين العبدين تقسم حتَّى تستوي غرامتهما.
باب اختلافهما في الطعام
قلت: فإن رجلاً اشترى كر حنطة فقبض بعضاً وتلف بعض، فقال البائع للمشتري: قبضت نصفه، وقال المشتري: قبضت ثلثه، على مَن البينة؟

(1/227)


قال: الحكم في هذا كالحكم في الأول إذا كان هذا يدعي أنَّه قبض النصف وذا يدعي بأنه قبض الثلث، فإذا وقعت الدعوى من كليهما وجبت البينة عليهما، وإن ادعى أحدهما على صاحبه شيئاً وأنكره الآخر ولم يدع شيئاً معروفاً نصفاً ولا ثلاثاً ولا ربعاً كانت البينة على المدعي، واليمين على المنكر.
باب اختلافهما في عبدين أيضاً
قلت: فإن رجلاً اشترى عبدين صفقةً واحدةً وقبضهما جميعاً ثُمَّ مات أحدهما عند المشتري ثُمَّ أتى بالعبد الآخر يرده بعيب، فاختلفا في قيمة العبد الذي مات، فقال البائع: كانت قيمته ألفاً، وقال المشتري: كان قيمته خمسمائة، على مَن البينة؟
قال: قد تقدم القول منّا في هذا في المسألة الَّتي قبل هذه، فالحكم في هذا كالحكم في تلك.
باب اختلافهما في الثمن
قلت: فإن رجلاً اشترى من رجلٍ سلعةً، ثُمَّ اختلفا في الثمن، والسلعة قائمة بعينها في يد البائع أو المشتري، على مَن البينة؟
قال: على المدعي.
قلت: ومن المدعي؟
قال: البائع.
قلت: ولِمَ وكُلٌ يدَّعي معنى؟
قال: كلاهما قد اجتمعا على القليل، ثُمَّ ادعى البيِّع الفضل، فالبينة على من ادعى الفضل على ما اجتمعا عليه.
باب شراء عبد بثوبين ثُمَّ وجد به عيباً
قلت: فإن رجلاً اشترى من رجل عبداً بثوبين، وقبض كل واحد منهما وتفرقا، ثُمَّ وجد بالعبد عيباً فرده أو استحق، وقد هلك أحد الثوبين أو هلكا جميعاً، ما الحكم في ذلك؟
قال: عليه قيمتهما.
قلت: أفلا يعطيه مثلهما من الثياب؟
قال: القيمة أعدل في مثل هذا وأشبه بالحق؛ لأن الثياب تختلف والقيمة لا تختلف إذا كان المقوم لهما عارفاً بقيمتهما في بلده.
قلت: فإن لم يكن ذا البصر بتقويم الثياب ولم يكن وقف عليهما ولا عرفهما ولا رآهما؟
قال: يصفهما البائع والمشتري لأهل المعرفة بهما طولاً وعرضاً وجنساً وليناً ولوناً، ثُمَّ يقوم أهل المعرفة على الصفة.
قلت: فإن اختلفا في الوصف؟

(1/228)


قال: يرجعان إلى حال الدعوى والإنكار فيكون على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين.
قلت: ومَن أولى بالدعوى في هذا الموضع؟
قال: صاحبهما الذي اشترى بهما العبد.
قلت: فإن ادعيا جميعاً فقال هذا: جنسهما كذا، وقال هذا: جنسهما كذا؟
قال: صارا في هذا الحال مدعيين جميعاً؛ لأن كل واحد منهما يدعي جنساً، فمَن أثبت البينة كان القول قوله.
قلت: فإن لم يُبَيِّنا؟
قال: يستحلفان.
قلت: فإنهما جميعاً حلفا؟
قال: قول الناس: إن الغرامة تقسم بنهما، وقولي أنا في مثل هذا: إن اليمين يمين أطهرهما وأعفهما وأنقاهما وأعرفهما بالله، فإن اشتبهت ديانتهما كان ما قال الناس.
باب السلعة تباع على أن يدفع الثمن في مجلسين
قلت: فإن رجلاً اشترى سلعة بألف درهم على أن يدفع في شهر كذا النصف، وفي شهر كذا وكذا النصف الآخر، هل يجوز البيع كذلك؟
قال: لا بأس بذلك إذا تراضيا ولم يكن ثَمَّ ازدياد على قيمة السلعة من أجل النظرة.
باب بيع ما يكال بما يكال إلى أجل
قلت: فإن رجلاً اشترى عشرة أرطال زيتاً كيلاً أجلاً بقفيز حنطة عاجل؟
قال: لا بأس بذلك؛ لأن الزيت ممَّا يوزن في الأصل، ألا ترى أنك قلت عشرة أرطال زيتاً، والأرطال فهي وزن، وإن كيلت كيلاً فهي ترجع في الأصل إلى الوزن، فافهم ذلك.
قلت: فإنه اشترى قفيز شعير عاجلاً بقفيز حنطة آجلاً؟
قال: لا يجوز ذلك؛ لأنَّه كله كيل ممَّا يكال، ولا يجوز أن يسلم ما يوزن فيما يوزن ولا ما يكال فيما يكال، وإن كان مثلاً بمثل، ولا بأس به يداً بيدٍ، فإن اختلف المعنيان فلا بأس أن يسلم ما يوزن فيما يكال، وما يكال فيما يوزن إلى أجل إذا وقع الرضى والمعرفة بما يشتري وأثبتت الصفات من الجنس والوزن والكيل، وأثبتت الأرطال المعروفة والمكاييل المعروفة وأثبت المكان الذي يستوفي فيه وكان ذلك إلى يوم معروف.
قلت: فإن دفع ما يكال فيما يوزن بقيمة معروفة ودنانير وشرط بالدنانير من هذا الوزن وزناً معروفاً؟

(1/229)


قال: ذلك لا يجوز، وهذا باطل ولا يكون ذلك صحيحاً، إلاَّ أن يشترى الذي يكال موزوناً، فأما إن أوقع بيعاً وشرى فهذا يدخل في معنى الكالي بالكالي، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنه.
قلت: بيِّن لي ذلك؟
قال: ألا ترى أنه باع هذا الذي يكال بدنانير ولم يقبضها، ثُمَّ اشترى بها ما لم يقبضه فاشترى ديناً بدين، فمِن هذا بطل إذا كانت الدنانير غير حاضرة وغير مقبوضة وكان الذي اشترى بها غير حاضر ولا مقبوض وكانت الدنانير ديناً على المشتري للبائع، ثُمَّ اشترى بهذا الدين موزوناً ديناً على صاحبه غائباً، وهذا لا يجوز، وهو الكالي بالكالي ـ الدين بالدين ـ وفي هذا بعينه جاء النَّهي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنهي الله سبحانه وتعالى.
باب السلف في الطعام
وسألته عن رجلٍ أسلف رجلاً قفيزين من طعام بقفيزين من طعام مثلاً بمثل إلى وقت مسمى، فلما جاء الوقت قال الذي عليه الطعام: ليس عندي طعام، وهذا دينار عن طعامك، فأخذ صاحب الطعام الدينار وقبضه، ثُمَّ قال له الذي كان عليه الطعام: أسلفني ديناراً بطعام، فدفع إليه الدينار بثلاثة أقفزة طعام إلى وقت مُسمَّى؟
فقال: هذا باطل لا يجوز، وليس له إلاَّ قفيزان الطعام الأول.
باب سلف دنانير في أصناف طعام
وسألته عن رجل أسلف رجلاً عشرة دنانير في ثلاثة أصناف طعام زبيب وشعير وحنطة معاً غير معروف وهو كيل معروف إلى أجل معروف؟
فقال: هذا لا يجوز، ولا يجوز السلم في صنف من الصنوف حتَّى تصح شروط السلم، ولا يصح شروط السلم في صنف من الصنوف حتَّى يعرف كيله وصفته ووقته، ويقدم نقد سلمه.
باب الصرف في الرجل يستلف من رجل دراهم ثُمَّ ينقص الصرف

(1/230)


وسألته عن الرجل يستلف من الرجل دراهم، والصرف على عشرين درهماً بدينار، فيستلف منه خمسة دراهم، ثُمَّ ينقص الصرف حتَّى يصير خمسة عشر درهماً بدينارٍ فيطالبه غريمه بالخمسة دراهم الَّتي عليه، وقد كانت يوم قبضها منه بربع دينار، ثُمَّ صارت بثلث، ما يجب له في ذلك؟
قال: له دراهم كمثل دراهمه في جودتها وخلوصها، وليس الدراهم إلاَّ كالدراهم مِثلاً بمثلٍ، كما سائر الأصناف الواحدة مثلاً بمثل، وكذلك الفضة بالفضة مثلاً بمثل في البيع والسلف.
باب الصرف
وسألته عن رجل معه دراهم مزيفة، وصَرْفُها ثلاثون درهماً قفلة بدينار، فأتى بها إلى رجل يطلب بها دراهم صحاحاً يدفع إليه المزيفة يصرفها ويأخذ منه الصحاح يصرفها؟
قال: لا يجوز، إلاَّ أن يبيعه هذه الدراهم بدينار ويقبضه، ثُمَّ يصطرف منه بالدينار دراهم صحاصاً، أو ما أراد، وإلاَّ كانت فضة بفضة، ولا يجوز فضة بفضة بينهما فضل.
قلت: وكذلك لو كان مع رجل بنصف دينار دراهم صحاح، وهي ثمانية دراهم، فأراد أن يدفعها إلى تاجر بنصف دينار ويأخذ بالنصف منه غلة اثنا عشر درهماً؟
قال: وكذلك لا يجوز حتَّى يدخل قبض الذهب بين البيعين.
باب العيب في الفضة والذهب
قلت: فإن رجلاً اشترى من رجل عشرة دراهم فضة على أنَّها فضة جيدة، فوجد فيها وزن درهمين فضة رديئة، فقال المشتري للبائع: أبدلني هذنين، فقال البائع: لا، إما أن تأخذ الجميع وإما أن ترد الجميع، ما يجب في ذلك؟
قال: يجب على البائع إذا كان البيع وقع على فضة جيدة أن يبدله درهمين بفضة جيدة.
قلت: فإن أراد المشتري أن يرد الجميع، هل يجب له ذلك؟
قال: لا، إنَّما يجب أن يرد الدرهمين.
قلت: وكذلك لو كان ذهباً، كان على هذا القياس؟
قال: نعم.
بابٌ من الصرف
قلت: فإن رجلاً باع من رجل ثوباً بدينار إلى ثلاثة أيام على أن ينقده، ووقع البيع بالدينار، فقال المشتري: ليس معي دينار، ولكن خذ بالدينار دراهم، هل يجوز ذلك؟

(1/231)


قال: نعم؛ لأن الدينار له حال في الوقت الذي باعه، فإذا أخذ منه كذا وكذا درهماً جاز.
قلت: وكذلك لو أن رجلاً دفع إلى رجل ديناراً ولم يذكر صرفاً ولا غيره، ثُمَّ أخذ منه دراهم متفرقة العشرة والأكثر والأقل، فلما علم المشتري أنَّه شبيه بصرف الدينار أتاه فقال له: احسب الدراهم الَّتي لك عندي، فحسبها فوجدها مستوية بصرف الدينار أو تنقص درهماً أو تزيد، فأراد الرجل أن يصارفه في ذلك الوقت فيقول له: هذه الدراهم لك عندي بالدينار الذي لي عندك، وإن زاد على صرف الدينار دفعه إليه الرجل، وكذلك إن نقصت الدراهم من الصرف دفع إليه الباقي، هل يجوز ذلك؟
قال: نعم، إذا كان الصرف عند حسابهما ولم يفترقا، وبينهما فيه نَسيئة.
قلت: وكذلك لو لم يقدم إليه الدينار وأخذ منه دراهم حتَّى اجتمعت، ثُمَّ أتى الرجل فحاسبه ثُمَّ صارفه في ذلك الوقت ودفع إليه الدينار؟
قال: نعم، هذا أيضاً جائز.
باب شراء الدراهم عدداً
قلت: فإن اشترى منه عشرين درهماً صحاحاً عدداً بغير وزن، هل يجوز ذلك بغير وزن؟
قال: لا؛ لأنَّه أوقع اسم الدراهم، ولا يدري أفيها زائد أو ناقص، وذلك إذا أراد عشرين درهماً وزناً، فأما إن اشتراها منه عدداً لا وزناً ولم يشترطا الوزن بينهما، وكان كلٌ لا يدري كم وزنها ولا يدري أتزيد أم تنقص، فهذا بيع جزاف، ولا بأس به، وإن علم أحدهما بوزنها دون صاحبه فسد البيع.
باب الصرف أيضاً
وسألته: هل يجوز الصرف بتأخير؟
فقال: لا يجوز الصرف إلاَّ يداً بيدٍ، لا يفترقان وبينهما في الصرف معاملة.
قلت: فإن رجلاً أتى إلى رجل فقال له: عندك دراهم بدينار، فقال له: نعم، فتقاطعا على عشرين درهماً بدينار، وأخذ الصيرفي الدينار، ثُمَّ وزن الدراهم فوجدها تنقص درهمين أو أكثر أو أقل، فقال الصيرفي: خذ هذه الدراهم وعُد إليَّ بعد ساعةٍ حتَّى أعطيك الذي بقي لك؟
قال: هذا صرف باطل لا يجوز؛ لأنَّه لا صرف إلاَّ يداً بيد.

(1/232)


قلت: فإن الرجل حاسب الصيرفي على ما أخذ من الدراهم وبقي عنده كذا وكذا قيراطاً من الدنانير؟
قال: هذا جائز.
قلت: فإن استقرض الصيرفي تمام الدراهم ودفعها إلى الرجل؟
قال: هذا أيضاً جائز.
قلت: فإن دفع إلى الرجل خمسة عشر درهماً وبقي من صرف الدينار خمسة دراهم، فاستقرضها الصيرفي من الرجل الذي صرف عنده الدينار، ثُمَّ دفعها إلهي حتَّى استوفى العشرين درهماً، وبقي للرجل عند الصيرفي خمسة دراهم، هل يجوز ذلك؟
قال: لا.
قلت: ولِمَ؟
قال: لأن الدراهم الَّتي صارفه بها لم تكن تامة فبطل الصرف عند نقصان الدراهم؛ لأنَّه لا يتم الصرف ولا يملك الذهب حتَّى تتم الدراهم ويكون الصرف يداً بيدٍ.
قلت: فإن الرجل لما دفع الدينار وقاطع الصيرفي على عشرين درهماً بدينار ولم يكن مع الصيرفي إلاَّ خمسة عشر درهماً، فقال للرجل: خذ هذه وعُد إليَّ حتَّى أدفع إليك الباقي، فقال له الرجل: ليس يجوز هذا، ولكني أترك الخمسة الباقي عندك لي وديعة، هل يجوز ذلك؟
قال: لا يجوز، إلاَّ أن يقبض الخمسة دراهم ثُمَّ يودعها إيَّاه.
قلت: فكيف يعملان حتَّى يحل لهما صرفهما؟
قال: إذا نقصت الدراهم عند الصيرفي من صرف الدينار تحاسبا على ما كان من الدراهم حاضراً بكذا وكذا من الدينار، ووقع الصرف على ذلك، ونظر فيما بقي من الدينار فحسباه قراريطاً ربعاً أو ثمناً أو سدساًن فإن اتفقا على أن يقطعا من الدينار قطعة فعلا، وإن أحب صاحب الدينار أن يودع الصيرفي ما بقي له من الدينار إذا عرَّفاه قراريطاً أو ثلثاً أو ربعاً أو ثمناً جاز ذلك لهما وصح صرفهما وحل أن يجعل الدينار عنده رهناً بالخمسة عشر، فإذا كمل باقي الدراهم عنده أوقعا الصرف بينهما في ذلك الوقت واستوفى جميع باقي صرف الدينار.
قلت: فإن عاد صاحب الدينار بعد أيام فقال للصيرفي ادفع بما بقي عندك لي من الدينار دراهم، فصارفه في ذلك الوقت لما بقي له من الدينار وقبض الدراهم، هل يجوز ذلك؟

(1/233)


قال: نعم، ذلك جائز صحيح.
قلت: فإن رجلاً أتى بدينار مثقال إلى صيرفي فقال له: اعطني ديناراً مطوَّقاً واعطني بباقي المثقال دراهم، هل يجوز ذلك؟
قال: إن كانا نظرا بكم وزن الدينار المطوق من وزن المثقال فأسقطا وزن المطوق من المثقال مِثلاً بمثل، ثُمَّ تبايعا وتصارفا فَضل المثقال بدراهم على ما يصرف الناس، ولم يكن في ذلك ممَّا كره لطلب الفضل فلا بأس بذلك، وذلك جائز.
قلت: فإن رجلاً اشترى من رجل عشرة مثاقيل تِبْراً أو حليّاً مكسَّراً أو ما أشبه ذلك بسبعة مثاقيل دنانير وثلاثين درهماً، هل يجوز ذلك؟
قال: قد قدمنا جواب ذلك كله، إن كانت الثلاثون درهماً ثمناً للثلاثة المثاقيل الفاضلة من التبر لا زيادة فيها ولا نقصان منها على ما يتصارف الناس ويعرفونه من الذهب المثقال بالفضة والفضة بالذهب جاز ذلك، وإن كان إنَّما أدخلا الدراهم بين الدنانير والتبر لفضل الدنانير على التبر أو التبر على الدنانير بطل ذلك عندنا، ومن فعله فقد أربى، وقد قال غيرنا: إنَّه جائز ولم نلتفت إلى قوله.
باب الرجل يكون له على الرجل دنانير ديناً أو غير دين فيتفقان على أن يأخذ صاحب الدنانير من الذي له عليه الدنانير دراهم يصرفها في ذلك الوقت
وسألته عن رجل يكون له على رجل خمسة دنانير فيأتيه بمائة درهم فيقول له: خذ هذه الدراهم بمالك عندي، هل يجوز ذلك؟
قال: إن كان الصرف في ذلك اليوم عشرين بدينار فهي بالخمسة دنانير، فإذا دفعها إليه وقبضها صاحب الدنانير وصارفه بها في ذلك الوقت مثل صرف الناس وافترقا في وقتهما ولم يبق بينهما معاملة في شيء ممَّا كان بينهما من سبب الدنانير الَّتي كانت له عليه وقت ما قبض الدراهم جاز ذلك.
قلت: وذلك لو كان له عليه مائة درهم فأتاه بخمسة دنانير فقال له: خذ هذه بالدراهم الَّتي لك عليَّ؟
قال: الجواب في هذا كالجواب في الأول.

(1/234)


قلت: فإنه كان له عليه مائة درهم فأتاه بدراهم مكحلة، فأخذها الرجل فحك الكحل عنها واتزنها، فقال له صاحبها: لم آمرك أن تحك الكحل، ما يجب في ذلك؟
قال: ليس عليه فيما فعل شيء؛ لأنَّه حك غشّاً، ولا يجوز الغش بين المسلمين.
قلت: فهل يكون عليه قيمة الكحل الذي حك من الدراهم؟
قال: إن كان الكحل إذا اجتمع له قيمة فعليه قيمته إن كان ضَيَّعهُ، وإن كان لا قيمة له لم يكن عليه شيء، وقد قال غيرنا: قيمة الكحل عليه على كل حال.
قلت: فإن رجلاً أتى بدينار إلى صيرفي، فقال له: بعني بهذا الدينار دراهم، فقاطعه على عشرين درهماً بدينار، وقبض الصيرفي الدينار ووزن الدراهم، فقال الذي قبض الدراهم للصيرفي: أنا أنفق فما رُدَّ عليَّ من هذه الدراهم رددته عليك، هل يجوز ذلك؟
قال: نعم، هذا جائز لا بأس به.
باب القواصر والعيب فيها
قلت: فإن رجلاً اشترى قواصر تمرٍ أو قرَبَ تمر، ثُمَّ كشفها ونظر إلى رأسها، ثُمَّ أكل نصفها أو أقل أو أكثر، ثُمَّ وجد بعد ذلك تمراً أردى من الذي كان على رأسها، وهو من جنس التمر الذي نظر إليه، هل يجب له رد ما فيها من الرديئ أو رد الجميع؟
قال: الجواب في ذلك كله واحد، مثل جواب الفضة والذهب، وإن أراد أن يرد التمر الرَّديئ وجب له ذلك، وإن أراد أن يأخذ قيمته وهو فضل ما بين التمر الجيِّد والرديئ من التمر أخذ، وإن أراد أن يرد ما بقي من التمر الجيِّد لم يجب له ذلك.
باب العيب في الثياب
قلت: فإن رجلاً اشترى ثياباً كل ثوب بكذا وكذا فاشترى مائة ثوب، فوجد في واحد منها عيباً؟
قال: إذا كان أوقع كل ثوب بكذا وكذا رد الثوب الذي فيه العيب، إذا كان العيب يمكن أن يُردَّ بعينه، وأخذ الذي ليس فيه عيب.
باب البراءة من العيوب
قلت: فإن رجلاً اشترى من رجل دابةً أو ثوباً أو غير ذلك فقال البائع للمشتري: قد برئت إليك من كل عيب، وأبرأه المشتري من ذلك؟
قال: هذا شرط فاسد، وقد أجازه غيرنا.

(1/235)


قلت: فإن أوقفه البائع على كل عيب وبرأ إليه منه؟
قال: جائز.
قلت: فإن ظهر في السلعة عيب سوى الذي أوقفه عليه البائع؟
قال: يرد المشتري السلعة بذلك العيب.
قلت: فإن ادعى البائع أن هذا العيب حدث عند المشتري؟
قال: يقيم البينة على ذلك وإلاَّ فله اليمين على المشتري، ثُمَّ يرد الثمن من بعد اليمين.
قلت: فإن ظهر بالسلعة عيب غير الذي أوقفه عليه البائع ثُمَّ استعمل المشتري السلعة بعدما ظهر العيب ولم يطالب بالعيب، هل يكون ذلك رضى من المشتري وتلزمه السلعة؟
قال: نعم.
باب القول في ظهور العيب بعد حمل السلعة من بلد إلى بلد
وسألته عن رجل اشترى من رجل بزّاً أو طعاماً بالصفة، ولم يره بمكة فحمله إلى المدينة، فلما أن صار بالمدينة فتحه فوجد به عيباً، فالتقى هو والبائع بالمدينة فقال له: خذ متاعك مني، فقال البائع: رده إليَّ حيث اشتريته مني بمكة، كيف الحكم في ذلك؟
قال: لا يجب على المشتري أن يرده إلى مكة، ويجب على البائع أن يقبضه حيث وجد فيه العيب.
قلت: فإن المشتري قال للبائع: اعطني كراه الذي حملته به من مكة إلى هاهنا؟
قال: لا يجب أيضاً على البائع ذلك؛ لأن المشتري إذا لم ير السلعة عند البيع فله خيار النظر إذا نظر إليها، فحيث وجد بها عيباً ردها في الموضع الذي وجد فيه العيب.
قلت: وكذلك إن كان حماراً أو جملاً؟
قال: القياس في ذلك كله واحد.
بابٌ في الخيار بغير وقت
وسألته عن الخيار إذا جعله البائع للمشتري أو المشتري للبائع ولم يؤقتا وقتاً؟
قال: ذلك فاسد حتَّى يقع وقتٌ معلوم مفهوم، فإذا وقع وقت ما شاء فليكن وجب.
باب الخيار في العبد ثُمَّ يموت
قلت: فإن رجلاً اشترى عبداً وقبضه والخيار للبائع فمات عند المشتري، أو كان الخيار للمشتري، فمات وهو في خياره؟

(1/236)


قال: إذا كان الخيار للمشتري فمات عنده فهو ضامن له؛ لأنَّه لو باعه من غيره جاز بيعه، وكذلك لو أراد البائع أن يرجع في العبد من غد لم يجز له ذلك، فكما جاز للمشتري بيعه في الخيار لزمه الضمان.
باب الخيار شهراً أو سنة
قلت: فما تقول في الخيار شهراً أو شهرين أو ثلاثة أو سنة؟
قال: ما وقع بينهم من الشرط جاز ما شاء الوقت فليكن، وقد أبى غيرنا ذلك.
باب الخيار للمشتري ثُمَّ يموت البائع
وسألته عن رجل اشترى عبداً أو عرضاً من العروض بكذا وكذا، على أن المشتري بالخيار شهراً، فمات البائع قبل الشهر بيوم أو يومين، ثُمَّ أراد المشتري أن يرد السلعة، هل يردها على ورثة البائع، أم كيف العمل في ذلك؟
قال: إذا كان الشرط ثابتاً على ذلك فالبيع يقع عند انقضاء الشرط ويجب، وما لم يمض البيع فله الرد على الورثة، وانقضاء البيع ومضيه انقضاء الأجل.
بابٌ إذا مات وله الخيار
قلت: فإن المشتري مات وله الخيار إلى أجل، أو مات المشتري وللبائع الخيار إلى أجل، هل يكون لورثتهما من بعدهما الخيار إلى أجل؟
قال: إذا مات المشتري وله الخيار إلى أجل فالبيع ماضٍ ولا خيار لورثته؛ لأن المساومة والموافقة قد وقعت والرضى بالثمن وحاز المشتري السلعة، وإنَّما بقي له أجل اشترطه يجوز له فيه نقض البيع وإثباته، فإذا مات ولم ينقض البيع فالأصل الذي أثبتاه بينهما من المبايعة ثابت.
قلت: فإن كان البائع شرط إلى أجل، ثُمَّ مات المشتري قبل انقضاء الأجل، هل للبائع أن يرجع فيما كان اشترط فيه الأجل على ورثة المشتري؟
قال: له من ذلك ما كان للمشتري على ورثة البائع.
قلت: وما ذلك؟
قال: له أن يرجع فيما لم ينقض أجله.
باب الرجل إذا زال عقله أو عمي أو ارتدّ وله الخيار
قلت: فإن زال عقل البائع أو المشتري، أو عمي أحدهما، أو ارتدَّ عن الإسلام وله الخيار؟
قال: الناظر في ذلك ورثته، ما أجازوا جاز، وما أبطلوا بطل إذا كان حيّاً.

(1/237)


قلت: فإن صح أو رجع إلى الإسلام قبل انقضاء الأجل أو بعده؟
قال: أما إن كان ما ذكرت قبل انقضاء المدة فليس في ذلك كلام وهو على شرطه، وإن كان بعد انقضاء المدة كان للزائل عقله الخيار عند رجوع عقله؛ لأنَّه كان في سبب لم يجنه على نفسه، وأما المرتد فلا خيار له بعد الأجل؛ لأنَّه قطع ما كان له من الخيار بالتنحي عن دار الإسلام، فكان قطع الخيار وجواز الأجل منه لا من غيره، فلما ارتدَّ عن الإسلام لم يكن له من الشرط ما كان أوجبه لنفسه؛ لأن المرتد خلاف غيره في جميع الأحكام.
قلت: فإن بعث من داره الَّتي هو فيها بذكر رضى أو سخط إجازة أو غير ذلك؟
قال: لا إجازة له ولا رضى ولا سخط في شيء ممَّا ترك من ماله ممَّا باع واشترط فيه شرطاً أو ممَّا تركه من سائر ماله في منزله مجموعاً وورثته أولى بشرطه وماله.
باب العيب في الخيار
قلت: فإن حدث بالسلعة عيب عند المشتري وله الخيار أو تلفت أو جنت جناية؟
قال: إذا حدث بها عيب فصاحب الخيار على خياره إن شاء أخذ وإن شاء رد إذا كان رده على خياره ولم يكن رده من أجل العيب الذي حدث بعد قبضه لها.
قلت: وما خياره؟
قال: شيء تبين له فيها ممَّا كان يطمع ببيانه في الأجل الذي طلبه من ظهور عيب كان بها قديماً ممَّا يرد بمثله ويكره من أجله الرقيق.
قلت: فإنه لم يبين فيها ممَّا كان يطمع ببيانه في الأجل الذي طلبه من ظهور عيب كان بها قديماً ممَّا يرد بمثله ويكره من أجله الرقيق ولم يتبين فيها شيء يكون له به حجة، غير أنَّه لما حدث هذا العيب ردها؟
قال: إذا لم يكن منه سخط قبل العيب فلا سبيل له إلى ردها بعد العيب.
باب اختلاف البيِّعين في السلعة بعد الخيار
قلت: فإن المشتري رد السلعة وكان له الخيار فاختلفا فيها، فقال البائع: ليست هذه السلعة الَّتي بعتك، وقال المشتري: بلى هي سلعتك؟
قال: البينة على الراد الذي يدعي ويذكر أنَّها سلعة البائع بعينها، واليمين على الذي يجحد السلعة وينكرها.