تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

 

الكتاب : السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار
المؤلف : محمد بن علي بن محمد الشوكاني
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة الأولى ، 1405
تحقيق : محمود إبراهيم زايد
عدد الأجزاء : 4

 

مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم إياك نعبد وإياك نستعين أحمدك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وأشكرك شكرا يليق بنعمك التي لا تحصى بلسان ولا تحصر بقلم تجرى به البنان ويبلغ إليه البيان والصلاة والسلام على رسولك الذي بين الناس ما نزل إليهم وعلى آله الكرام الذين أمرنا بالصلاة عليه وعليهم وعلى أصحابه الهداة الأعلام صلاة وسلاما يتكرران بتكرار لحظات الأيام وبعد
فإن مختصر الأزهار لما كان مدرس طلبة هذه الديار في هذه الأعصار ومعتمدهم الذي عليه في عباداتهم ومعاملاتهم المدار وكان قد وقع في كثير من مسائله الاختلاف بين المختلفين من علماء الدين والمحققين من المجتهدين أحببت أن اكون حكما بينه وبينهم ثم بينهم أنفسهم عند اختلافهم في ذات بينهم فمن كان أهلا للترجيح ومتأهلا للتسقيم والتصحيح فهو إن شاء الله سيعرف لهذا التعليق قدره ويجعله لنفسه مرجعا ولما ينوبه ذخرا وأما من لم يكن بهذا المكان ولا بلغ مبالغ أهل هذا الشأن ولا جرى مع فرسان هذا الميدان فهو حقيق بأن يقال له ماذا بعشك يا حمامة فادرجي ... لا تعذر المشتاق في أشواقه ... حتى تكون حشاك في أحشائه ... لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها ... دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى ... فإذا هويت فعند ذلك عنف ... فكن رجلا رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا ...
وسنقف يا طالب الحق بمعونة الله سبحانه في هذا المصنف على مباحث تشد إليها الرحال وتحقيقات تنشرح لها صدور فحول الرجال لما اشتمل عليه من إعطاء المسائل حقها من التحقيق والسلوك فيما لها وعليها في أوضح طريق مع كل فريق
وقد طولت الكلام في مسائل المعاملات وأبرزت مع الحجج والنكات ما لم يسبق إليه سابق لخفاء بعض دلائلها على كثير من المصنفين كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى واختصرت الكلام في مسائل العبادات لأنها صارت أدلة مباحثها نصب الأعين ولم أترك ما يتميز به الحق في كل مقام
وأرجو من الملك العلام الإعانة على التمام وأن ينفع به المصنفين من الأعلام وينفعني به في هذه الدار وفي دار السلام

(1/3)


وسميته السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار
مقدمة لا يسع المقلد جهلها
فصل
التقليد في المسائل الفرعية العملية الظنية والقطعية جائز لغير المجتهد لا له ولو وقف على نص أعلم منه ولا في عملي يترتب على علمي كالموالاة والمعاداة
قوله مقدمة لا يسع المقلد جهلها
أقول المقدمة بفتح الدال وكسرها كما صرح به جماعة من المحققين وليس الفتح بخلف كما قيل وهي تصدق على ما ذكره أهل الاصطلاح من جعل المقدمة منقسمة إلى قسمين مقدمة علم ومقدمة كتاب
فمقدمة العلم ما يتوقف الشروع على بصيرة عليها لأنها تكون مشتملة على الحد والموضوع والغاية والفائدة
ومقدمة الكتاب ما يوجب الشروع بها زيادة في البصيرة ولا ريب أن شروع طالب علم الفقه بهذه المقدمة يوجب له زيادة في البصيرة لأنه يعرف بمعرفتها حقيقة التقليد وما يجوز التقليد فيه وما لا يجوز ومن يجوز تقليده ومن لا يجوز ونحو ذلك
ومعلوم أن من عرف هذه الأمور يكون له زيادة في البصيرة لا يكون لمن لا يعرفها فلا يرد الاعتراض على المصنف بما قيل إن هذه المقدمة لم تشتمل على الحد والموضوع والغاية والفائدة فلا تكون مقدمة اصطلاحا لأنا نقول المقدمة تصدق على مقدمة الكتاب كما تصدق على مقدمة العلم وهذه مقدمة كتاب لما ذكرنا
وقد ذكر أئمة اللغة أن المقدمة ما يتقدم أمام المقصود ومنه مقدمة الجيش فمقدمة الكتاب مقدمة لغة واصطلاحا أما اللغة فلما ذكرنا وأما الاصطلاح فلأن أهل العلم قد ذكروا انقسام المقدمة إلى القسمين كما تقدم وكما لم يرد الاعتراض على المصنف بما تقدم لا يرد عليه الاعتراض بما قيل إن هذه المقدمة ليست مقدمة علم ولا مقدمة كتاب لما عرفناك به

(1/4)


إذا تقرر لك اندفاع ما اعترض به على المصنف في تسميته لما ذكره ها هنا أمام المقصود مقدمة فاعلم أن محل الإشكال وموضع المناقشة هو قوله لا يسع المقلد جهلها
ووجهه أنه قد ذكر المصنف رحمه الله فيما سيأتي بعد هذا ان التقليد يختص بالمسائل الفرعية وهي التي لم تكن من أصول الدين ولا من أصول الفقه وأكثر هذه المسائل المذكورة في هذه المقدمة ليست بفرعية لا في اصطلاح المصنف ولا في اصطلاح غيره فهي مما لا يجوز التقليد فيه عنده وعندهم فكيف يصنع المقلد الطالب لمعرفة ما اشتمل عليه هذا الكتاب
إن قال المصنف يأخذها تقليدا فقد خالف ما رسم له من كون التقليد إنما هو في المسائل الفرعية فإنه قد ناقض نفسه قبل أن يجف قلمه ولم يتخلل بين قوله لا يسع المقلد جهلها وبين قوله التقليد في المسائل الفرعية إلا لفظة واحدة وهي قوله فصل
وإن قال يأخذها اجتهادا فالمفروض أنه مقلد ليس من الاجتهاد في ورد ولا صدر ولو كلف بالاجتهاد قبل التقليد لكان بلوغه إلى مرتبة الاجتهاد موجبا لتحريم التقليد عليه لا سيما على القول الراجح من كون الاجتهاد لا يتبعض لمعرفته لما اشتملت عليه هذه المقدمة لأنه لا يعرفها اجتهادا إلا وقد صار الواجب عليه العمل بما يؤدي إليه اجتهاده فهو مستغن عن معرفة هذا الكتاب الذي جعلت هذه المقدمة مقدمة له لأنه موضوع للمقلدين لا للمجتهدين ولا واسطة بين التقليد والاجتهاد ولا بين المجتهد والمقلد اصطلاحا والمصنف وكثير من أهل الأصول قائلون بنفي الواسطة
وأما من قال إن الاجتهاد متعين وإنه لا يجوز التقليد على كل حال فهو يوجب الاجتهاد في مثل هذه المسائل المذكورة في هذه المقدمة وفي جميع مسائل هذا الكتاب ولم يكن المصنف من القائلين بتعيين الاجتهاد حتى يصح حمل كلامه هنا على ذلك على أن ثم مانعا من حمله على ذلك وهو أنه لو كان قائلا بذلك لكان تصنيفه لهذا الكتاب ضائعا ليس تحته

(1/5)


فائدة لأنه لا ينتفع به إلا المقلدون وليس للمجتهد إليه حاجة بل يكون تصنيفه لهذا الكتاب مع قوله بتعيين الاجتهاد إيهاما للمقلدة بجواز ما لا يجوز عنده وتحليلا لما هو غير حلال في اعتقاده وحاشاه من ذلك
وما قيل من أن المراد بوضعها تعريف المقلد كراهية جهل ما ذكر فيها وبيان حسن معرفته لها بالدليل لا وجوب تعين الاجتهاد فيجاب عنه بأن هذا لا يدفع الاعتراض على المصنف لأنه لم يثبت الواسطة بين الاجتهاد والتقليد حتى يحمل كلامه على هذا
على أنه لو كان من القائلين بذلك لكان للمقصرين مندوحة عن الاحتياج إلى كتابه هذا وأمثاله لأنهم إذا قدروا على معرفة الحق في مسائل هذه المقدمة بالدليل من دون اجتهاد كانوا على معرفة الحق في المسائل المذكورة بعد هذه المقدمة أقدر لصعوبة هذه وسهولة تلك
قوله فصل التقليد في المسائل الفرعية القطعية والظنية جائز لغير المجتهد لا له ولو وقف على نص أعلم منه
أقول الكلام على هذا من وجوه
الأول حقيقة التقليد اعلم أنه مأخوذ عند أهل اللغة من القلادة التي يقلد الإنسان غيره بها ومنه تقليد الهدى فكأن المقلد يجعل ذلك الحكم الذي قلد فيه المجتهد كالقلادة في عنق المجتهد
وأما في الاصطلاح فهو العمل بقول الغير من غير حجة فيخرج العمل بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم والعمل بالإجماع والعمل من العامي بقول المفتي والعمل من القاضي بشهادة الشهود العدول فإنها قد قامت الحجة في جميع ذلك
أما العمل بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم وبالإجماع عند القائلين بحجبته فظاهر وأما عمل العامي بقول المفتي فلوقوع الإجماع على ذلك وأما عمل القاضي بشهادة الشهود العدول فالدليل عليه ما في الكتاب والسنة من الأمر بالشهادة وقد وقع الاجماع على ذلك ويخرج عن ذلك أيضا قبول رواية الرواة فإنه قد دل الدليل على قبولها ووجوب العمل بها وأيضا ليست قول الراوي بل قول المروي عنه وهو رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/6)


وقال ابن الهمام في التحرير التقليد العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة وهذا الحد أحسن من الأول
وقال القفال هو قبول قول القائل وأنت لا تعلم من اين قاله
وقال الشيخ أبو حامد والأستاذ أبو منصور هو قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة

(1/7)


الوجه الثاني أورد الجلال في شرحه هنا بحثا فقال وربما يتوهم أن احكام الشرع متعلقة بالعامي وأكثرها استدلال مظنون وليس من أهل الاستدلال فيجب عليه التقليد بدلا عن الاجتهاد كالتراب بدل الماء إذ هو الممكن وما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه
والجواب منع تعلق الظنيات بالعامي للاتفاق على أن الفهم شرط التكليف فهو شرط للوجوب وتحصيل شرط الواجب ليجب لا يجب فإذن لا يتعلق بها إلا ما فهمه وليس ذلك إلا ضروريات الشرع والعمل بالضروري ليس بتقليد لأن الضرورة أعظم الأدلة ولهذا وقع الاتفاق على أن العامي يقر ما فعله ولا ينكر عليه ما لم يخرق الإجماع انتهى
ولا يخفى عليك أن هذا الكلام ساقط فاسد فإن قوله للاتفاق على أن الفهم شرط التكليف إن أراد فهم التركيب الذي وقع الخطاب به من الشارع فهذا يفهمه كل عاقل ولا يتعذر فهمه إلا على المجنون أو صبي صغير وهذا المعنى هو الذي أراده أهل العلم بقولهم الفهم شرط التكليف
وإن أراد بالفهم فهم النفع المرتب على التكليف فهذا لم يقل به أحد قط ولو فرضنا أنه قال به قائل لكان ذلك مستلزما لعدم تكليف كل كافر وجاحد وزنديق واللازم باطل بإجماع المسلمين أجمعين فالملزوم مثله
وإن أراد غير هذين المعنيين فلا ندري ما هو ولم يقل به أحد بالجملة فهذه فاقرة عظمى ومقالة عمياء صماء بكماء فليكن هذا منك على ذكر فإنه قد كرره في مواضع من كتابه

(1/8)


وما ذكره الجلال رحمه الله في آخر بحثه هذا جعله كالنتيجة له من كون العامي إنما كلف بالضروريات فهو من أغرب ما يقرع الأسماع لأنه خرق للإجماع وباطل لا يقع في مثله بين اهل العلم نزاع وكل من له نصيب من علم وحظ من فهم يعلم أن هذه التكاليف الثابتة في الكتاب والسنة لازمة لكل بالغ عاقل لا يخرج عن ذلك منهم أحد كائنا من كان إلا من خصه الدليل والضروريات منها هي بالنسبة إلى جميعها أقل قليل وأندر نادر والواقعون في معاصي الله المتعدون لحدوده الهاتكون لمحارمه من العامة لو علموا بهذا البحث من هذا المحقق لقرت به أعينهم واطمأنت إليه أنفسهم وأقاموا به الحجة على من أراد إقامة حدود الله عليهم وطلب منهم القيام بشرائعه فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه فإن غالب الواجبات الشرعية والمحرمات الدينية ثابتة بالعمومات وهي ظنية الدلالة وما كان ثابتا بما هو ظني التمن أو ظن الدلالة فهو ظني لا قطعي فضلا عن أن يكون ضروريا
وإذا كانت العامة في راحة من هذه التكاليف وهم السواد الأعظم فإن الخاصة بالنسبة إليهم أقل قليل قد يوجد واحد منهم في الألف والألفين والثلاثة وقد لا يوجد فهذا هو تعطيل الشريعة
الوجه الثالث أن قوله الفرعية يخرج الأصلية أي مسائل أصول الدين وأصول الفقه وإلى هذا ذهب الجمهور لا سيما في أصول الدين فقد حكي الأستاذ أبو إسحق في شرح الترتيب إن المنع من التقليد فيها هو إجماع أهل العلم من أهل الحق وغيرهم من الطوائف
قال أبو الحسين بن القطان لا نعلم خلافا في امتناع التقليد في التوحيد

(1/9)


وحكاه ابن السمعاني عن جميع المتكلمين وطائفة من الفقهاء
وقال إمام الحرمين في الشامل لم يقل بالتقليد في الأصول إلا الحنابلة
وقال الإسفراييني لم يخالف فيه إلا أهل الظاهر
ولم يحك ابن الحاجب الخلاف في ذلك إلا عن العنبرى وحكاه في المحصول عن كثير من الفقهاء واستدل الجمهور على منع التقليد في ذلك بأن الأمة أجمعت على وجوب معرفة الله سبحانه وأنها لا تحصل بالتقليد لأن المقلد ليس معه إلا والأخذ بقول من يقلده ولا يدرى أهو صواب أم خطأ
واعلم أن ذكر الفرعية يغنى عن ذكر العملية وما قيل من أن قيد العملية لإخراج الفرعية العلمية كمسألة الشفاعة وفسق من خالف الإجماع فذلك غير جيد لأن هاتين المسألتين ليستا بفرعيتين فقد خرجتا من قيد الفرعية

(1/10)


ودعوى أنهما فرعيتان علميتان باطلة وإن زعم ذلك بعض شراح الأزهار والأثمار وارتضاه الأمير في حاشيته على ضوء النهار بل هما أصليتان من مسائل أصول الدين ولا خلاف في ذلك بين علماء هذين العلمين
وهذه القيود مبنية على الاصطلاح والاعتبار بما وقع عليه التواضع بين أهله
والمراد بالفرعية ما كان موضعها الفعل أو الوصف فلا يرد ما أورده الجلال على قيد العملية وكان الأولى له أن يذكر ما ذكرناه من كونه مستدركا وهكذا قوله الظنية والقطعية فإنه قد أغنى عن ذلك قوله الفرعية لأن إطلاق الفرعية بتناول قطعيها وظنيها
وهكذا قوله لغير المجتهد لا له ولو وقف على نص أعلم له فإن عدم تجويز التقليد للمجتهد يفيد أنه لا يجوز له بحال لا لمن هو مثله ولا لمن هو فوقه لكونه قد حصل له باجتهاده ما هو المانع من التقليد على كل حال ولكل أحد
وهكذا قوله ولا في عملي يترتب على علمي كالموالاة والمعاداة فإن هذا العملي هو من مسائل الأصول لا من مسائل الفروع فقد خرج بقيد الفرعية فلو قال المصنف هكذا
فصل التقليد في الفروع جائز لغير المجتهد لكان أخصر وأظهر وأوضح معنى فإن ما زاد على هذا من القيود التي ذكرها ليس فيه إلا مجرد التكرار مع إيهام التناقض في البعض من ذلك
الوجه الرابع في الكلام على جواز التقليد
اعلم أنه قد ذهب الجمهور إلى أنه غير جائز قال القرافي مذهب مالك وجمهور العلماء

(1/11)


وجوب الاجتهاد وإبطال التقليد وادعى ابن حزم الإجماع على النهي عن التقليد ورواه مالك وأبو حنيفة والشافعي وروى المروزي عن الشافعي في أول مختصرة أنه لم يزل ينهى عن تقليده وتقليد غيره
وقد ذكرت نصوص الأئمة الأربعة المصرحة بالنهي عن التقليد لهم في الرسالة التي سميتها القول المفيد في حكم التقليد
والحاصل أن المنع من التقليد إن لم يكن إجماعا فهو مذهب الجمهور ومن اقتصر في حكاية المنع من التقليد على المعتزلة فهو لم يبحث عن اقوال أهل العلم في هذه المسألة كما ينبغي
وقد حكي عن بعض الحشوية أنهم يوجبون التقليد مطلقا ويحرمون النظر وهؤلاء لم يقنعوا بما هم فيه من الجهل حتى أوجبوه على غيرهم فإن التقليد جهل وليس بعلم
وذهب جماعة إلى التفصيل فقالوا يجب على العامي ويحرم على المجتهد وبهذا قال كثير من أتباع الأربعة ولكن هؤلاء الذين قالوا بهذا القول من أتباع الأئمة يقرون على أنفسهم بأنهم مقلدون والمعتبر في الخلاف إنما هو قول المجتهدين لا قول المقلدين

(1/12)


والعجب من بعض المصنفين في الأصول فإنه نسب هذا القول المشتمل على التفصيل إلى الأكثر وجعل الحجة لهم الإجماع على عدم الإنكار على المقلدين
فإن أراد إجماع الصحابة فهم لم يسمعوا بالتقليد فضلا عن أن يقولوا بجوازه وكذلك التابعون لم يسمعوا بالتقليد ولا ظهر فيهم بل كان المقصر في زمان الصحابة والتابعين يسأل العالم منهم عن المسألة التي تعرض له فيروى له النص فيها من الكتاب أو السنة وهذا ليس من التقليد في شيء بل هو من باب طلب حكم الله في المسألة والسؤال عن الحجة الشرعية
وقد عرفت مما قدمنا أن المقلد إنما يعمل بالرأي لا بالرواية من غير مطالبة بحجة وإن أراد إجماع الأئمة الأربعة فقد عرفت أنهم مصرحون بالمنع من التقليد لهم ولغيرهم ولم يزل من كان في عصرهم منكرا لذلك أشد إنكار وإن أراد إجماع المقلدين للأئمة الأربعة فقد عرفت أنه لا يعتبر خلاف المقلد فكيف ينعقد بقولهم الإجماع وإن أراد غيرهم فمن هم فإنه لم يزل أهل العلم في كل عصر منكرين للتقليد وهذا معلوم لكل من يعرف أقوال أهل العلم
والحاصل أنه لم يأت من جوز التقليد فصلا عمن أوجبه بحجة ينبغي الاشتغال بجوابها قط وقد أوضحنا هذا في رسالتنا المسماة بالقول المفيد في حكم التقليد وفي كتابنا الموسوم بأدب الطلب ونهاية الأرب
وأما ما ذكروه من استبعاد أن يفهم المقصرون نصوص الشرع وجعلوا ذلك مسوغا للتقليد فليس الأمر كما ظنوه فهاهنا واسطة بين الاجتهاد والتقليد وهي سؤال الجاهل للعالم عن الشرع فيما يعرض له لا عن رأيه البحت واجتهاده المحض وعلى هذا كان عمل المقصرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم
ومن لم يسعه ما وسع هؤلاء الذين هم أهل القرون الثلاثة الفاضلة على ما بعدها فلا وسع الله عليهم

(1/13)


وما أحسن ما قاله الزركشي في البحر عن المزني فإنه قال يقال لمن حكم بالتقليد هل لك من حجة فإن قال نعم أبطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد
وإن قال بغير علم قيل له فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج والأموال وقد حرم الله ذلك إلا بحجة
فإن قال أنا أعلم أني أصبت وإن لم أعرف الحجة لأن معلمي من كبار العلماء قيل له تقليد معلم معلمك أولى من تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عن معلمك كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك
فإن قال نعم ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه وكذلك حتى ينتهي إلى العالم من الصحابة
فإن أبى ذلك نقض قوله وقيل له كيف يجوز تقليد من هو أصغر واقل علما ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علما
وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه حذر من زلة العالم وعن ابن مسعود أنه قال لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن أمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر انتهى
وأقول متمما لهذا الكلام وعند أن ينتهي إلى العالم من الصحابة يقال له هذا الصحابي أخذ علمه عن أعلم البشر المرسل من الله إلى عباده المعصوم عن الخطأ في أقواله وأفعاله فتقليده أولى من تقليد الصحابي الذي لم يصل إليه إلا شعبة من شعب علومه وليس له من العصمة شيء ولم يجعل الله سبحانه قوله ولا فعله ولا اجتهاده حجة على أحد من الناس

(1/14)


واعلم أن رأي المجتهد عند عدم الدليل إنما هو رخصة له بلا خلاف في هذا ولا يجوز لغيره العمل به بحال من الأحوال فمن ادعى جواز ذلك فليأتنا بالدليل وهو لا محالة يعجز عنه وعند عجزه عن البرهان يبطل التقليد لأنه كما عرفت العمل برأي الغير من غير حجة
الوجه الخامس قال الجلال في شرحه إن تجويز التقليد لغير المجتهد لا له تحكم لأن العامي كالمجتهد
ولا أدري ما اصل هذه الدعوى ولا ما هو الموجب للوقوع فيها فإن هذه التسوية بين من بلغ في العلم إلى أعلى مكان وبين من هو بجهله في أسفل سافلين كالتسوية بين النور والظلمة وبين الجماد والحيوان ولعله أراد إلزام من يجرى على لسانه ذلك من مقصري المقلدة
وأورد الجلال أيضا على قوله في الأزهار ولا في عملي يترتب على علمي بحثين
الأول قد أجاب عنه والثاني أن الفقه كله عملي يترتب على علمي وهو أصول الفقه
وأجاب عنه الأمير في حاشيته بأن المراد بالعلمي المذكور هو العلم بالمعنى الأخص وليس كل مسائل أصول الفقه كذلك بل المترتب منها على العلم بالمعنى الأعم أكثر وأنه شامل للظن هكذا قال
وأقول إن الفقه مترتب على علمي بالمعنى الأخص وهو إثبات النبوة بالدليل العقلي والنقلي وكل واحد منهما علمى بلا خلاف فالمقلد في جميع ما قلد فيه قد قلد إمامة في عملي مترتب على علمي وهذا يبطل التقليد من أصله ويجتثه من عرقه
ثم أن الأمير رحمه الله في حاشيته ها هنا رجح التفصيل في جواز التقليد لمن كان بليد الفهم جامد الفكرة بعيد النظر دون من كان فيه أهلية للنظر وإدراك للمباحث ولا يخفاك أن هذا التفصيل عليل ودليله كليل فإن ذلك البليد إن بقي له من الفهم ما يفهم ما به من كلام من اراد تقليده فهذه البقية الثابتة له يقوى بها على فهم كلام من يروى له الدليل ويوضح له معناه فليس به إلى التقليد حاجة وليس فهم رأي عالم من العلماء بأظهر من فهم معنى ما جاد به الشرع فما الملجىء له إلى رأي الغير البحث وهو يجد من يروى له ما هو الشرع الذي شرعه الله لعباده

(1/15)


وإن قدرنا أنه قد بلغ من البلادة إلى حد لا يفهم معه رأى من يقلده فقد انسد عليه الباب من الجهتين وهو بالمجانين أشبه منه بالعقلاء وليس عليه إلا العمل بما بلغ إليه فهمه ولا يكلفه الله فوق طاقته
فصل
وإنما يقلد مجتهد عدل تصريحا وتأويلا ويكفى المغرب انتصابه للفتيا في بلد شوكته لإمام حق لا يرى جواز تقليد فاسق التأويل
قوله فصل وإنما يقلد مجتهد
أقول الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد وهو المشقة والطاقة فيختص بما فيه مشقة ليخرج عنه ما لا مشقة فيه
قال الرازي في المحصول هو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في أي فعل كان يقال استفرغ ووسعه في حمل الثقيل ولا يقال استفرغ وسعه في حمل النواة وأما في عرف الفقهاء فهو استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم مع استفراغ فيه
وهذا سبيل مسائل الفروع وكذلك تسمى هذه المسائل مسائل الاجتهاد والناظر فيها مجتهد وليس هكذا حال الأصول انتهى
وقد ذكرت في كتابي الموسوم بإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ما ذكره اهل الأصول وغيرهم في تحقيق الاجتهاد وشروط المجتهد وعقبت ذلك بما هو الراجح عندي وقد أطلت الكلام على ذلك في كتابي الموسوم بأدب الطلب ومنتهى الأرب وذكرت فيه مراتب للمجتهدين ولما يحتاج كل واحد منهم إليه وهو تحقيق لم أسبق إليه

(1/16)


وقد اختلف في رسم العدالة وأحسن ما قيل في ذلك أنها ملكة للنفس تمنعها عن اقتراف الكباشر والرذائل فمن كان كذلك فهو عدل ومن لم يكن كذلك فليس بعدل لأن الإقدام على كبائر الذنوب يجعل صاحبه مظنة للتهمة فهو غير مأمون على علم الشرع وأيضا مرتكب ذلك مسلوب الأهلية فليس من المتأهلين للاقتداء به في مسائل الدين
وهكذا الإقدام على الرذائل فإنه يدل على سقوط النفس وانحطاط رتبة فاعله عن رتبة حملة العلم الذين جعلهم الله أمناء على دينه وأمر عباده بسؤالهم عند الحاجة
وقد أورد الجلال هاهنا بحثا فقال إن العدالة والاجتهاد ملكة نفسية ولا سبيل إلى الاطلاع عليها إلا بقرائن نظرية إلى أن قال فلا بد من التقليد فيهما وهما عمليان وما يترتب عليهما عملي يترتب على علمي
ويجاب عنه بأن هذا ليس من التقليد في شيء بل هو من باب قبول الرواية ممن له قدرة على معرفة هذه الملكة الاجتهادية
وأما ملكة العدالة فهي معروفة للمقصر والكامل والاعتبار إنما هو بما يدل عليها من الأفعال والأقوال ومن ترك ما ينافيها وذلك قبول رواية لا قبول رأي ثم إن مسائل الدين بأسرها مترتبة على علمي فتخصيص بعضها بإيراد الإلزام بها ليس كما ينبغي
قوقه تصريحا وتأويلا
أقول هذا تفصيل لمفهوم قوله عدل وهو مستعنى عنه لأن إطلاق قوله عدل يخرج من لم يكن عدلا سواء كان ملتبسا بما ينافي العدالة على جهة التصريح أو على جهة التأويل
والحق أنه لا كفر تأويل ولا فسق تأويل ولا يدل على ذلك دليل
والكلام على المقام مبسوط في غير هذا الموضع وبهذا تعرف أنه لا حاجة إلى قوله ويكفي المغرب إلى آخر الفصل عند من لا يثبت التأويل وذلك ظاهر وأيضا لا حاجة له عند من يثبته لأنه قد أغنى عنه إطلاق العدالة فإنها لا تكون عنده إلا لمن ليس من كفار التأويل ولا من فساق التأويل فلا بد من تحقيق عدم هذا المانع من ثبوت العدالة وكون الولاية لمن لا يرى جواز تقليد فاسق التأويل هو مجرد قرينة ضعيفة ولا تثبت ملكة العدالة بمثل ذلك فلو اقتصر على قوله في هذا الفصل إنما يقلد مجتهد عدل لكان أخصر

(1/17)


وأظهر لأن التفصيل إنما أخرج فاسق التصريح وفاسق التأويل والعدالة تنتفي بمجرد ارتكاب محرم وإن لم يبلغ بصاحبه إلى الفسق بالمعنيين
وفي هذا الفصل ابحاث في ضوء النهار إذا تأملت ما ذكرناه هنا عرفت الجواب عنها
فصل
وكل مجتهد مصيب في الأصح والحي أولى من الميت والأعلم من الأورع والأئمة المشهورون من أهل البيت أولى من غيرهم لتواتر صحة اعتقادهم وتنزههم عما رواه البويطي وغيره عن غيرهم من إيجاب القدرة وتجويز الرؤية وغيرهما ولخبري السفينة وإني تارك فيكم
قوله فصل وكل مجتهد مصيب
أقول اعلم أن الخلاف في هذه المسألة تختص بالمسائل الشرعية لا العقلية فلا مدخل لها في هذا وقد ذهب الجمهور ومنهم الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني ومن

(1/18)


المعتزلة أبو الهذيل وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهم إلى أن المسائل الشرعية تنقسم إلى قسمين الأول منها قطعيا معلوما بالضرورة أنه من الدين كوجوب الصلوات الخمس وصوم رمضان وتحريم الزنا والخمر فليس كل مجتهد فيها مصيبا بل الحق فيها واحد فالموافق له مصيب والمخطىء غير معذور بل آثم
وإن كان فيها دليل قاطع وليست من الضروريات الشرعية فقيل مخطىء آثم وقيل مخطىء غير آثم
القسم الثاني المسائل الشرعية التي لا قاطع فيها فذهب كثيرون إلى أن كل مجتهد مصيب وحكاه الماوردي والروياني عن الأكثرين وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأكثر الفقهاء إلى أن الحق في أحد الأقوال ولم يتعين لنا وهو عند الله متعين لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد للشخص الواحد حلالا وحراما
والكلام في هذه المسألة طويل وقد ذكرنا في مؤلفنا المرسوم بإرشاد الفحول إلى

(1/19)


تحقيق الحق من علم الأصول أقوال المختلفين في هذه المسألة وذكرنا أن كل طائفة استدلت لقولها بما لا تقوم به الحجة
وهاهنا دليل يرفع النزاع ويوضح الحق إيضاحا لا يبقى بعده تردد وهو ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عمرو بن العاص وابي هريرة مرفوعا إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر
فهذا الحديث قد دل دلالة بينة أن للمجتهد المصيب أجرين وللمجتهد المخطىء أجرا

(1/20)


فسماه مخطئا وجعل له أجرا فالمخالف للحق بعد أن اجتهد مخطىء مأجور وهو يرد على من قال إنه مصيب ويرد على من قال إنه آثم ردا بينا ويدفعه دفعا ظاهرا
وقد أخرج هذا الحديث الدارقطني والحاكم من حديث عقبة بن عامر وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وبلفظ إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله عشرة أجور
قال الحاكم صحيح الاسناد فيه فرج بن فضالة وهو ضعيف وتابعه ابن لهيعة بغير لفظه وأخرجه أحمد من حديث عمرو بن العاص بلفظ إن اصبت فلك عشرة أجور وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة وإسناده ضعيف
وما ذكره المصنف رحمه الله من أولوية تقليد الحي إلى آخر الفصل هو مبني على جواز التقليد وقد قدمنا أنه غير جائز
فصل
والتزام مذهب إمام معين أولى ولا يجب ولا يجمع مستفت بين قولين في حكم واحد على صورة لا يقول بها إمام منفرد كنكاح خلا عن ولي وشهود لخروجه عن تقليد كل من الإمامين
قوله فصل والتزام مذهب إمام معين اولى ولا يجب
أقول الأولوية مغنية عن قوله ولا يجب لأن كون الشيء أولى من غيره ما يفيد أن ذلك الغير جائز مرجوح كما أن الأولى جائز راجح فلو يأت قوله ولا يجب بفائدة بل هو مستدرك

(1/21)


وقد أوجب جماعة تقليد إمام معين ورجح هذا القول الكيا الهراسي وقال جماعة ليس بواجب ورجح هذا القول ابن برهان والنووي
ويالله العجب من عالم ينسب إلى العلم يحكم بأولوية التقليد لمعين جزافا فلا برهان من عقل ولا شرع
وأعجب من هذا من يوجب ذلك فإنه من التقول على الله بما لم يقل ومن إيجاب البدع التي لم تكن في عصر الصحابة ولا عصر التابعين ولا تابعيهم
وأعجب من هذا كله قول ابن المنير إن الدليل يقتضي التزام مذهب معين بعد الأربعة لا قبلهم فليت شعري ما هو هذا الدليل وقد صان الله أدلة الشرع أن تدل على هذا بل وصان علماء الدين من المجتهدين أن يقولوا بمثل هذا التفصيل العليل
ولعله قول لبعض المقلدة فظنه هذا القائل دليلا
فصل
ويصير ملتزما بالنية في الأصح وبعد الالتزام يحرم الانتقال إلا إلى ترجيح نفسه بعد استيفاء طرق الحكم فالاجتهاد يتبعض في الأصح أو لإنكشاف نقصان الأول فأما

(1/22)


إلى أعلم أو أفضل ففيه تردد وإن فسق رفضه فيما تعقب الفسق فقط وإن رجع فلا حكم له فيما قد نفد ولا ثمرة له كالحج وأما ما لم يفعله ووقته باق أو فعل ولما يفعل المقصود به فبالثاني
فأما ما لم يفعله وعليه قضاؤه أو فعله وله ثمرة مستدامة كالطلاق فخلاف
قوله فصل ويصير ملتزما بالنية في الأصح
أقول لو كان هذا التقليد المشئوم قربة من القرب الشرعية وطاعة من طاعات الله لم يكن مجرد النية قبل العمل موجبا للزومه للناوي ومقتضيا لتحريم انتقاله عنه
والحاصل أن هذه المسائل هي بأسرها من التخبط فب البدع والتجرؤ على الشريعة المطهرة بنسبة ما لم يكن منها إليها بل بنسبة ما هو معاند لها ومضاد لما فيها إليها
وقد ذهب جماعة إلى التفصيل فقالوا إن كان قد عمل بالمسألة لم يجز له الانتقال وإلا جاز واختار هذا إمام الحرمين الجويني
وقيل إن غلب على ظنه أن مذهب غير إمامه في تلك المسألة أقوى من مذهبه جاز له وإلا لم يجز وبه قال القدوري الحنفي
وقيل إن كان الذي انتقل إليه ما ينقض الحكم لم يجز له الانتقال وإلا جاز واختاره ابن عبد السلام

(1/23)


وقيل يجوز بشرط أن ينشرح له صدره وألا يكون قاصدا للتلاعب وألا يكون ناقضا لما قد حكم به عليه واختاره ابن دقيق العيد
وقد ادعى الآمدي وابن الحاجب أنه يجوز قبل العمل لا بعده بالاتفاق
وكل هذه الأقوال على فرض جواز التقليد لا دليل عليها لكنها أقل مفسدة ومخالفة للحق من إيجاب التقليد وتحريم الانتقال بمجرد النية
وفي الشر خيار
قوله والاجتهاد يتبعض في الأصح
أقول اختلف أهل العلم في ذلك فذهب جماعة إلى أنه يتجزأ وعزاه الصفي الهندي إلى الأكثرين قال ابن دقيق العيد وهو المختار لأنها قد يمكن العناية بباب من الأبواب الفقهية حتى تحصل المعرفة بمآخذ أحكامه وإذا حصلت المعرفة بالمآخذ أمكن الاجتهاد
وذهب آخرون إلى المنع واحتج الأولون بأنه لو لم يجز تجزؤ الاجتهاد للزم أن يكون المجتهد عالما بجميع المسائل واللازم منتف فإن كثيرا من المجتهدين قد سئل فلم يجب وكثيرا منهم سئل عن مسائل فأجاب في البعض وهم مجتهدون بلا خلاف

(1/24)


واحتج آخرون بأن كل ما يقدر جهله به يجوز تعلقه بالحكم المفروض فلا يحصل له ظن عدم المانع
وأجيب بأن المفروض حصول جميع ما يتعلق بتلك المسألة ويرد هذا الجواب بمنع حصول ما يحتاج إليه المجتهد في مسألة دون غيرها فإن من لا يقتدر على الاجتهاد في بعض المسائل لا يقتدر عليه في البعض الآخر وأكر علوم الاجتهاد يتعلق بعضها ببعض ويأخذ بعضها بحجزة بعض ولا سيما ما كان من علومه مرجعه إلى ثبوت الملكة فإنها إذا تمت حصلت القدرة على الاجتهاد في جميع المسائل وإن نقصت لم يقتدر على الاجتهاد في شيء ولا يثق في نفسه لتقصيره ولا يثق به الغير لذلك
فإن ادعى بعض المقصرين بأنه قد اجتهد في مسألة دون مسألة فتلك الدعوى يتبين بطلانها بأن يبحث معه من هو مجتهد اجتهادا مطلقا فإنه يورد عليه من المسالك والمآخذ ما لا يتعقله
قوله أو لانكشاف نقصان الأول
أقول المقلد لا يعرف الكامل من المجتهدين ولا الناقص منهم وإنما يستروى ذلك ممن له إدراك يعرف به الكمال والنقص فهذا المقلد إن انكشف له نقص من قلده بإخبار من أخبره باجتهاده وكماله فقد أقر على نفسه أن خبره الأول المتضمن لكماله غير صحيح وإن كان انكشاف النقص بخبر غير من أخبره بالكمال فقد وقع هذا المقلد المسكين في حيرة لأنه غير متأهل للترجيح في الأخبار المتعارضة عن مثل هذا الأمر الذي لا يعرفه إلا المتأهلون
والمنهج الواضح والمهيع الآمن أن يقطع عن عنقه علائق التقليد وقد جعل الله له في الأمر سعة بسؤال أهل العلم عن حكم الله سبحانه فيما يفرض له وتدعو حاجته إليه من عبادة أو معاملة
قوله فأما إلى أعلم أو أفضل ففيه تردد

(1/25)


أقول لا تردد بل ينبغي أن يعمل بمزية الأعلمية والأفضلية ولا شك أنه يوجد في معاصري إمامه وفيمن قبله من هو أعلم منه وأفضل منه ثم كذلك حتى ينتهي الأمر إلى الإمام الأول الذي بعثه الله سبحانه برسالته وأنزل عليه كتابه وأمره بأن يبين للناس ما نزل إليهم فإنه منتهى الكمالات ومنشأ الفضائل ومعدن الفواضل فيأخذ دينه عنه من الكتاب الذي أنزل عليه او السنة المطهرة التي جاء بها
قوله فإن فسق رفضه إلى آخر الفصل
أقول إن كان قد عمل عملا وهو عند نفسه مقلد لعالم من العلماء فليس انتسابه إلى ذلك العالم مسوغا به ما لم يسوغه له الشرع فإن كان موافقا للدليل فقد أجزأه وتقبله الله منه وإن كان مخالفا للدليل فلا اعتبار به ولا حكم له سواء فسق المجتهد أم لم يفسق رجع أم لم يرجع وسواء كان للفعل ثمرة مستدامة أم لا
فإن قيل قد يلحق المقلد في ذلك مشقة قلنا هو أدخل نفسه فيما لا يجوز له الدخول فيه فعلى نفسها براقش تجني
فصل
ويقبل الرواية عن الميت والغائب إن كملت شروط صحتها ولا يلزمه بعد وجود النص الصريح والعموم الشامل طلب الناسخ والمخصص من نصوصه وإن لزم المجتهد
ويعمل بآخر القولين وأقوى الاحتمالين فإن التبس فالمختار رفضهما والرجوع إلى غيره كما لو لم يجد له نصا ولا احتمالا ظاهرا
ولا يقبل تخريجا إلا من عارف دلالة الخطاب والساقط منها والمأخوذ به ولا قياسا لمسألة على أخرى إلا من عارف بكيفية رد الفرع إلى الأصل وطرف العلة وكيفية العمل عند تعارضها ووجوه ترجيحها لا خواصها وشروطها كون إمامه ممن يرى تخصيصها أو يمنعه وفي جواز تقليد إمامين فيصير حيث يختلفان مخيرا بين قوليهما فقط خلاف
وبتمام هذه الجملة تمت المقدمة

(1/26)


قوله فصل وتقبل الرواية عن الميت والغائب إن كملت شروط صحتها
أقول قبول الرواية ثابت في كل شيء مع كمال ما يعتبر فيها وهي أمور قد استوفيناها في إرشاد الفحول
وسواء كانت عن حي أو ميت وعن مجتهد أو مقلد في رواية أو رأي ولم يقل أحد من أهل العلم إن المقلد لا يقبل الرواية عن الميت والغائب حتى يحتاج إلى ذكر ذلك
قوله ولا يلزمه بعد وجود النص الصريح والعموم الشامل الخ
أقول إذا كان هذا غير لازم له فليعدل إلى النص الصريح والعموم الشامل من كتاب الله وسنة رسوله ويعمل بهما ولا يلزم معه طلب الناسخ والمخصص كما لم يلزمه ذلك في رأي من قلده من المجتهدين وليس في محض الرأي الذي يأخذ به المقلد زيادة سهولة أو ظهور على ما في نصوص الرواية حتى يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير
قوله ويعمل بآخر القولين وأقوى الاحتمالين
أقول أما آخر القولين فيمكن المقلد أن يعرفه بأن يكون في كتاب لإمامه متأخرا عن الكتاب المشتمل على القول الأول أو بالتصريح من إمامه بأن احد القولين متأخر والآخر متقدم
وأما أقوى الاحتمالين فلا سبيل للمقلد إلى معرفة الأقوى منهما لأن القوة للقول أو الاحتمال يحتاج إلى علم لا يكون عند المقلد
نعم إذا صرح إمامه بأن أحد الاحتمالين اقوى وأرجح من الآخر أو أخبر المقلد من له قدرة على معرفة الأقوى استقام ما ذكره هنا
ولا وجه لما ذكره الأمير رحمه الله في حاشيته من أن المقلد قد يتمكن من ذلك بأسباب يعرفها لمعرفته لقوة بعض المفاهيم على بعض لأنا نقول لو عرف ذلك كما ينبغي لم يكن مقلدا في هذا الحكم الذي توصل إلى تقويته بذلك السبب
قوله ولا يقبل تخريجا الخ
اقول إن كان التخريج هو ما ذكره من كون المقلد يعرف أنه لا فرق بين مسألتين نص المجتهد على إحداهما دون الأخرى فيجعل المقلد حكم تلك المسألة الأخرى حكم هذه التي نص عليها المجتهد فيقال أولا من أين لهذا المقلد المسكين معرفة عدم الفرق بين هاتين المسألتين فإن ذلك يرجع إلى علم ليس هو من علمه

(1/27)


وعلى تقدير أنه عارف بدلالة الخطاب والساقط منها والمأخوذ به وأنه بهذه المعرفة ألحق مسألة أخرى فهذا القياس بعينه وإن زعم زاعم أنه غير القياس فما هو
والحاصل أن جعل التخريج نوعا مستقلا مغايرا للقياس هو مجرد دعوى لا برهان عليها أصلا ثم قد عرفت عدم جواز التقليد فيما هو مسائل صريحة واضحة فعدم جوازه في مثل هذه المسائل التي هي كما قيل ليست من قول المخرج ولا من قول المخرج له أولى
وعلى تقدير احتمال أن يكون من قول أحدهما لا على التعيين فقد علمت أن أحدهما مقلد وتقليد المقلد لا يجوز بالإجماع
وبالجملة فهذه ظلمات بعضها فوق بعض وتوسيع لدائرة التقليد المنهي عنه بالكتاب والسنة
قوله ولا قياسا لمسألة الخ
أقول إنما يعرف الأصل والفرع والعلة والحكم كما ينبغي المجتهد المطلق وأما من كان مقلدا فمعرفته لذلك مجرد دعوى لأن أصالة الأصل وفرعية الفرع وعلية العلة تستمرى من علوم لا يدري المقلد ما هي فضلا عن أن يفهمها بوجه من الوجوه
من أين له الوقوف على محل التعارض حتى يصير إلى الجمع عند إمكانه أو الترجيح عند عدمه فإنه إنما يقتدر على هذا على وجه الصحة من يقتدر على الجمع أو الترجيح عند تعارض الأدلة
وعلى تقدير أنه قد بلغ إلى هذه الرتبة ووصل إلى هذه المنزلة فهو مجتهد لا مقلد فما له وللاشتغال بكلام مجتهد مثله
قوله وفي جواز تقليد إمامين الخ
أقول هذا قد أغنى عنه قوله فيما تقدم والتزام مذهب إمام معين أولى ولا يجب فإن هذا يفيد جواز تقليد إمامين وأكثر ومن لازم الجواز أن يكون مخيرا بين أقوالهم مع الاختلاف فتصريحه هنا بأن في الجواز خلاف مخالف لقوله فيما تقدم ولا يجب لأن نفي الوجوب يوجب الجواز وهذا ظاهر لا يخفى

(1/28)


- كتاب الطهارة

(1/29)


باب النجاسات
هي عشر ما خرج من سبيلي ذي دم لا يؤكل أو جلال قبل الاستحالة والمسكر وإن طبخ إلا الحشيشة والبنج ونحوهما والكلب والخنزير والكافر وبائن حي ذي دم حلته حياة غالبا والميتة إلا السمك وما لا دم له وما لا تحله الحياة من غير نجس الذات وهذه مغلظة
وقيء من المعدة ملأ الفم دفعة ولبن غير المأكول إلا من مسلمة حية والدم وأخواه إلا من السمك والبق والبرغوث وما صلب على الجرح وما بقي في العروق بعد الذبح وهذه مخففة إلا من نجس الذات وسبيلي ما لا يؤكل
وفي ماء المكوة والجرح الطري خلاف وما كره أكله كره بوله كالأرنب
قوله ما خرج من سبيلي ذي دم لا يؤكل
أقول حق استصحاب البراءة الأصلية واصالة الطهارة أن يطالب من زعم بنجاسة عين من الأعيان بالدليل فإن نهض به كما في نجاسة بول الآدمي وغائطه والروثة فذاك وإن عجز عنه أو جاء بما لا تقوم به الحجة فالواجب علينا الوقوف على ما يقتضيه الأصل والبراءة
وبهذا تعرف أن الاستدلال بمفهوم حديث جابر والبراء بلفظ لا بأس ببول ما أكل لحمه على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه لا تقوم به الحجة فإن في إسناد حديث جابر

(1/31)


عمرو بن الحصين العقبلي قال أبو حاتم ذاهب الحديث ليس بشيء وقال أبو زرعة واهي الحديث وقال الأزدي ضعيف جدا يتكلمون فيه وقال الدارقطني متروك
وفي إسناده أيضا يحيى بن العلاء أبو عمرو البجلي الرازي قال أحمد كذاب يضع الحديث وقال يحيى ليس بثقة وقال ابن عدي أحاديثه موضوعات

(1/32)


وأما حديث البراء ففي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك الحديث عند جميع أهل النقل وقال ابن حزم في المحلي خبر باطل موضوع
على أنه قد اختلف على سوار فيه فرواه الدارقطني عنه عن مطرف عن أبي الجهم عن البراء مرفوعا بلفظ ما أكل لحمه فلا بأس بسؤره
فهو بهذا اللفظ لا يدل على محل النزاع وتعرف أيضا انتهاض ما استدل به القائلون بنجاسة الأبوال والأزبال على العموم لأن غاية ما عولوا عليه حديث إنه كان لا يستنزه من بوله وحديث اسنتزهوا من البول
والأول في الصحيح والثاني صححه ابن خزيمة
وما أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعا بلفظ اتقوا البول فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر قال في مجمع الزوائد رجاله موثقون
قالوا والبول في هذه الأحاديث عام ويجاب عنه بأنه مخصص على تقدير العموم ومقيد على تقدير الإطلاق بما ثبت في الصحيح بلفظ من بوله

(1/33)


ثم هذا الدليل هو أخص من الدعوى فإنه في البول لا في الزبل
وبالجملة فكل ما استدل به القائلون بطهارة ما خرج من سبيلي ما يؤكل لحمه يدل على الأصل الذي ذكرناه ولا ينفي طهارة ما خرج من سبيلي غير المأكول
وتعرف أيضا عدم انتهاض ما استدل به القائلون بنجاسة مني الآدمي فإن حديث إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والقيء والدم والمني لا تقوم به الحجة أصلا لبلوغه في الضعف إلى حد لا يصلح معه للاحتجاج به وكذا حديث أنه صلى الله عليه و سلم كان يغسل ثوبه من المني ليس فيه أن ذلك لأجل كونه نجسا فإن مجرد الاستقذار بل مجرد درن الثوب مما يكون سببا لغسله وقد ثبت من حديث عائشة عند مسلم وغيره أنها كانت تفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله ولم وهو يصلي ولو كان نجسا لنزل عليه الوحي بذلك كما نزل عليه الوحي بنجاسة النعال الذي صلى فيه
وأما المذى والودى فقد قام الدليل الصحيح على غسلهما فأفاد ذلك بنجاستهما ولكنه اخرج أبو داوود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وقال الترمذي حسن صحيح عن سهل

(1/34)


ابن حنيف قال كنت ألقي من المذى شدة وكنت أكثر الاغتسال منه فسألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فقال إنما يجزيك من ذلك الوضوء قلت يا رسول الله فكيف بما يصيب ثوبي منه قال يكفيك بأن تأخذ كفا من ماء فتنضخ بها ثوبك حيث ترى أنه أصابه
فدل هذا الحديث على أن مجرد النضخ يكفي في رفع نجاسة المذى ولا يصح أن يقال هنا ما قيل في المني إن سبب غسله كونه مستقذرا لأن مجرد النضخ لا يزيل عين المذى كما يزيله الغسل فظهر بهذا أن نضخه واجب وأنه نجس خفف تطهيره
قوله أو جلال قبل الاستحالة
أقول لم يرد دليل يدل على نجاسة بول الجلالة ورجيعها بل الذي ورد عنه صلى الله عليه و سلم هو النهي عن أكل الجلالة وشرب لبنها حتى تحبس كما أخرجه أصحاب السنن وغيرهم من حديث ابن عباس وهو حديث صحيح
والنهي عن أكل لحمها وشرب لبنها لا يستلزم نجاسة رجيعها وبولها ولا يصح إلحاق ذلك بالقياس على الأكل والشرب لأن الحكم في الأصل تحريم الأكل والشرب وفي الفرع النجاسة وهما مختلفان وليس القياس إلا إثبات مثل حكم الأصل في الفرع
نعم إن خرج ما جلته بعينه فله حكمه الأصلي لبقاء العين وإن خرج بعد استحالة تلك العين إلى صفة أخرى حتى لم يبق لون ولا ريح ولا طعم فلا وجه للحكم بالنجاسة لا من نص ولا من قياس ولا من رأي صحيح
قوله والمسكر وإن طبخ إلا الحشيشة والبنج ونحوهما
أقول ليس في نجاسة المسكر دليل يصلح للتمسك به أما الآية وهو قوله إنما الخمر

(1/35)


والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فليس المراد بالرجس هنا النجس بل الحرام كما يفيده السياق وهكذا في قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أي حرام
وقد أنكر بعض أهل العلم ورود لفظ الرجس بمعنى النجس وجعل ما ورد منه مثل قوله صلى الله عليه و سلم في الروثة إنها ركس والركس النجس مجازا على أن في الآية الأولى ما يمنع من حملها على أن المراد بالرجس النجس وذلك اقتران الخمر بالميسر والأنصاب والأزلام فإنها طاهرة بالإجماع
وأما الاستدلال على نجاسة الخمر بحديث أبي ثعلبة الخشنى عند أبي داود والترمذي والحاكم أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر برحض آنية أهل الكتاب لما قال له إنهم يشربون فيها الخمر ويطبخون فيها لحم الخنزير فإن المراد بأمره صلى الله عليه و سلم بالغسل أن يزيلوا منها أثر ما يحرم أكله وشربه ولا ملازمة بين التحريم والنجاسة كما عرفت
ولفظ الحديث إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء وكلوا واشربوا
وفي لفظ الترمذي أنقوها غسلا وأطبخوا فيها
فهذا يدلك على أن الكلام في الأكل والشرب فيها والطبخ لما يطبخونه فيها تحذير من اختلاط مأكولهم ومشروبهم بمأكول اهل الكتاب ومشروبهم للقطع بتحريم الخمر والخنزير
ومما يؤيد ما ذكرناه ما أخرجه أحمد وأبو داود عن جابر قال كنا نغزو مع رسول الله

(1/36)


صلى الله عليه و سلم فنصيب من آنية المشركين واسقيتهم فنستمتع بها فلا يعيب ذلك عليهم
وأخرج أحمد عن أنس أن يهوديا دعا النبي صلى الله عليه و سلم إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه
قوله والكلب
اقول استدلوا على ذلك بحديث إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم الحديث وهذا حكم مختص بولوغه فقط وليس فيه ما يدل على نجاسة ذاته كلها لحما وعظما ودما وشعرا وعرقا وإلحاق هذه بالقياس على الولوغ بعيد جدا ولا سيما مع حديث ابن عمر عند أبي داود والاسماعيلي وأبي نعيم والبيهقي بلفظ كانت الكلاب تبول في المسجد وتقبل وتدبر زمان رسول الله فلم يكونوا يرشون شيئا وأخرجه البخاري بدون لفظ تبول ولكن ذكره الأصيلي في رواية إبراهيم بن معقل عن البخاري بزيادة لفظ تبول وهذا مما يقوي الاقتصار على إفادة حديث الولوغ وذلك لحكمة للشارع لا نعقلها والواجب علينا العمل بما دلت عليه النصوص وإن لم نعقل الحكمة التي وردت لها

(1/37)


ومما يدل على ما ذكرناه إيجاب التسبيع والتتريب فإنه مخالف لما ورد في غسل سائر النجاسات ومما يؤيد ما ذكرناه من الاختصاص لحكمة لا نعقلها
قوله والخنزير
اقول استدلوا على ذلك بقوله تعالى أو لحم خنزير فإنه رجس ويجاب عنه بما قدمنا من أن المراد بالرجس هنا الحرام كما يفيده سياق الآية والمقصود منها فإنها وردت فيما يحرم أكله لا فيما هو نجس فإن الله سبحانه قال قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أي حرام
ولا تلازم بين التحريم والنجاسة فقد يكون الشيء حراما وهو طاهر كما في قوله حرمت عليكم أمهاتكم ونحو ذلك واستدلوا ايضا بحديث ابي ثعلبة الخشني المتقدم وفيه الآمر بغسل آنية أهل الكتاب معللا ذلك بأنهم يطبخون فيها لحم الخنزير ويشربون فيها الخمر وقد قدمنا أن إيجاب الغسل لإزالة ما يحرم أكله وشربه لا لكونه نجسا فإن ذلك حكم آخر غير مقصود للشارع وعلى تقدير الاحتمال تنزلا فلا ينتهض المحتمل للاحتجاج به على محل النزاع
قوله والكافر
أقول استدلوا بقوله تعالى إنما المشركون نجس وهذا الدليل فيه التصريح بأنهم نجس ولكنه ورد ما يدل على أن هذه النجاسة ليست النجاسة الحسية بل النجاسة الحكمية ومن ذلك أنه صلى الله عليه و سلم لما أنزل ثقيف المسجد قيل يا رسول الله أتنزلهم المسجد وهم أنجاس فقال صلى الله عليه و سلم ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء إنما أنجاس القوم على أنفسهم ومن ذلك ما ثبت في الصحيح من أمره صلى الله عليه و سلم لأصحابه أن يشربوا وتوضؤا من مزادة المشركة
ومن ذلك أكله صلى الله عليه و سلم لطعام المشركين وتسويغه لوطء المشركات المسبيات قبل إسلامهن وغير ذلك

(1/38)


وورد في أهل الكتاب خاصة وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ونزل القرآن بحل نكاح نسائهم
وأما الاستدلال بحديث أبي ثعلبة من أمره صلى الله عليه و سلم بغسل آنيتهم فقد تقدم أن ذلك لأجل أنهم يشربون فيها الخمر ويطبخون فيها الخنازير وقد أوضحنا ذلك فيما تقدم وقد أخرج أحمد وابو داود من حديث جابر قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فنصيب من آنية المشركين واسقيتهم فنستمتع بها ولا يعيب ذلك عليهم
قوله وبائن من حي ذي دم حلته حياة غالبا
أقول استدلوا بقوله صلى الله عليه و سلم ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة أخرجه أحمد وأبوا داود والترمذي والدارمي والحاكم من حديث أبي واقد مرفوعا وأخرجه ابن ماجه والبزار والحاكم وغيرهم من حديث ابن عمر وأخرجه الطبراني من طرق أخرى عن ابن عمر وفيها عاصم بن عمر وهو ضعيف وأخرجه ابن ماجه والطبراني وابن عدي من حديث تميم الداري وإسناده ضعيف وأخرجه الحاكم عن أبي سعيد قال في البدر المنير هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الأحكام وهو مروي من طرق أربع انتهى
أقول وبمجموعها ينتهض الحديث للاحتجاج ولكن غاية ما فيه أن ذلك البائن من الحي هو ميتة أي محرم اكله وأما أنه نجس فليس في الحديث ما يدل على ذلك وسيأتي الحديث على نجاسة الميتة

(1/39)


واحترز بقوله غالبا عما ابين من السمك والجراد لحديث أحل لكم ميتتان السمك والجراد وإذا حلت ميتتهما بجميع أجزائها حل ميتة بعضهما
قوله والميتة
اقول استدلوا على ذلك بقوله تعالى حرمت عليكم الميتة ويجاب عنه بأن التحريم لا يستلزم النجاسة كما تقدم واستدلوا أيضا بقوله قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس وقد قدمنا أن سياق الآية والمقصود منها هو تحريم الأكل وأن الرجس هنا ليس المراد به النجس بل الخبيث الذي لا يحل أكله واستدلوا ايضا بحديث عبد الله بن عكيم عند أحمد وأهل السنن والبخاري في التاريخ والدارقطني والبيهقي وابن حبان مرفوعا لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب وهو حديث حسن ولم يعل بما يوجب سقوط الاحتجاج به وله شاهد من حديث جابر قال الشيخ الموفق إسناده حسن وشاهد آخر من حديث ابن عمر وفي إسناده عدي بن الفضل وهو ضعيف
والمنع من الانتفاع بشيء من إهاب الميتة وعصبها يدل على نجاستها ولا ينافي ذلك تخصيص احاديث طهارة الإهاب بالدبغ فإنه يبني العام على الخاص وهي أحاديث صحيحة وهي تقوي نجاسة مطلق الميتة لأن قوله صلى الله عليه و سلم أيما إهاب دبغ فقد طهر يفيد أنه كان نجسا

(1/40)


وأما المناقشة من الجلال وغيره بأن نجس العين لا يطهر بالغسل ولا بالدباغ وإنما يطهر بذلك المتنجس والمدعي أن الميتة نجس عين لا متنجسة فهي مناقشة فروعية لم تستند إلا إلى ما قد تقرر في أذهاب بعض المتفقهة من ذلك
وأي مانع من ذهاب النجاسة العينية بالغسل والدبغ وقد قال صلى الله عليه و سلم في شاة ميمونة هلا انتفعتم بإهابها فقالوا يا رسول الله إنها ميتة فقال أليس في القرظ ما يطهرها أو قال يطهرها الماء والقرظ الحديث
ومما يؤيد نجاسة الميتة قوله صلى الله عليه و سلم المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا هو حديث صحيح فإنه يفيد أن ميتة غير المسلم ينجس
قوله إلا السمك وما لا دم له
أقول أما السمك فلحديث هو الطهور ماؤه والحل ميتته وهو حديث صالح للاحتجاج به وله طرق كثيرة قد صحح الحفاظ بعضها وقد استوفينا الكلام عليه في شرحنا للمنتقي ولو كانت ميتة السمك نجسة لكانت حراما لا حلالا
ومثل هذا الحديث حديث أحل لكم ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال وله طرق في أسانيدها مقال وقد روى موقوفا على ابن عمر بإسناد صحيح
وبالجملة فلا خلاف في أن ميتة السمك حلال طاهرة
وأما ما لا دم له فقد استدلوا على ذلك بحديث إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء وهو في صحيح البخاري وغيره من حديث ابي هريرة وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي من حديث ابي سعيد وأخرجه الدرامي من حديث أنس وأخرجه أيضا البزاز والطبراني في الأوسط من حديثه

(1/41)


ولكن لا يخفاك أنه لا ملازمة بين جواز شرب ما وقع فيه الذباب وبين طهارته فقد يكون ذلك لعدم الاستقذار وقد يكون لتعذر الاحتراز من وقوعه في الأشربة لكثرة وجوده فالظاهر أن له حكم سائر الحيوانات في ميتته ولا ينافي ذلك تخصيصه بالتخفيف في شرب ما وقع فيه فإن ذلك تخصيص لما ورد في عموم الميتة على تقدير ورود أنه لا يحل شرب ما وقعت فيه الميتة على العموم ولكنه لم يرد ذلك إلا خصوصا لا عموما
قوله وما لا تحله الحياة
أقول إذا تقرر بالدليل نجاسة مجموع الميتة فتخصيص بعض ما هو منها والحكم عليه بالطهارة محتاج إلى دليل ومجرد كونها لا تحله الحياة لا يصلح لذلك لأن الحكم بنجاسة الميتة يشمله وقد استدل في ضوء النهار على طهارته بالاتفاق فإن صح ذلك كان دليلا مخصصا عند من يرى حجية الإجماع ولكن الخلاف في المسألة معروف
وممن قال بنجاسة ما لا تحله الحياة المرتضى وأبو العباس
قوله وهذه مغلظة
أقول الوصف لبعض النجاسات بالتغليظ ولبعضها بالتخفيف هو مجرد اصطلاح لا يرجع إلى دليل والواجب اتباع الدليل في إزالة عين النجاسة فما ورد فيه الغسل حتى لا يبقى منه لون ولا ريح ولا طعم كان ذلك هو تطهيره وما ورد فيه الصب أو الرش أو الحت أو المسح على الأرض أو مجرد المشي في أرض طاهرة كان ذلك هو تطهيره
وقد ثبت في السنة أن النعل الذي يصيبه القذر يطهر بالمسح وهو من المغلظة اصطلاحا وكذلك ورد في الثوب إذا أصابه القذر عند المشي على أرض قذرة أنه يطهره المرور على أرض طاهرة
والحاصل أن الشارع الذي عرفنا كيفية تطهير النجاسات هو الذي عرفنا كون هذه العين نجسة أو متنجسة والواجب علينا اتباع قوله وامتثال أمره وطرح الشكوك الشيطانية والتوهمات الفاسدة فإن ذلك مع كونه مخالفة للشريعة السمحة السهلة هو أيضا غلو في الدين وقد ورد النهي عنه وهو أيضا إفراط ودين الله إنما يؤخذ عن الله وعن رسوله

(1/42)


فليكن هذا منك على ذكر فإنه يخلصك من أمور شديدة وقعت في كتب الفروع
قوله وقيء من المعدة ملأ الفم دفعة
أقول قد عرفناك في أول كتاب الطهارة أن الأصل في جميع الأشياء هو الطهارة وأنه لا ينقل عن ذلك إلا ناقل صحيح صالح للاحتجاج به 1 غير معارض بما يرجح عليه أو يساويه فإن وجدنا ذلك فبها ونعمت وإن لم نجد ذلك كذلك وجب علينا الوقوف في موقف المنع ونقول لمدعي النجاسة هذه الدعوى تتضمن أن الله سبحانه أوجب على عباده واجبا هو غسل هذه العين التي تزعم أنها نجسة وأنه يمنع وجودها صحة الصلاة بها فهات الدليل على ذلك
فإن قال حديث عمار إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والقيء والدم والمني
قلنا هذا لم يثبت من وجه صحيح ولا حسن ولا بلغ إلى أدنى درجة من الدرجات الموجبة للاحتجاج به والعمل عليه فكيف يثبت به هذا الحكم الذي تعم به البلوى وهو لا يصلح لإثبات أخف حكم على فرد من أفراد العباد
فإن قال قد ورد أنه ينقض الوضوء كما سيأتي
قلنا فهل ورد أنه لا ينقض الوضوء إلا ما هو نجس
فإن قلت نعم فأنت لا تجد إليه سبيلا وإن قلت قد قال بعض أهل الفروع إن النقض فرع التنجيس
قلنا فهل هذا القول من هذا البعض حجة على أحد من عباد الله
فإن قلت نعم فقد جئت بما لم يقل به أحد من أهل الإسلام وإن قلت لا قلنا فما لك والاحتجاج بما لم يحتج به أحد على أحد
قوله ولبن غير المأكول إلا من مسلمة حية
أقول الكلام على هذا كالكلام على الذي قبله وليس في الحكم بنجاسة اللبن على العموم ولا على الخصوص أثارة من علم ولا هو مما تستقذره الطباع لا من المأكول ولا من غيره ولا قام إجماع على نجاسته

(1/43)


وبالجملة فالتسرع إلى تشريع الأحكام وإلزام عباد الله بها هو من التقول على الله بما لم يقل وقد ورد أنه من أشد الناس عذابا
وقد قدمنا الكلام على تلك الأشياء التي زعموا أنها نجس ذات فارجع إليه
قوله والدم وأخواه إلا من السمك والبق والبرغوث وما صلب على الجرح وما بقي في العروق بعد الذبح إلى آخر الفصل
أقول لم يصح في كون كل الدم نجسا شيء من السنة وأما الاستدلال بما في الكتاب العزيز من قوله سبحانه قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس فقد قدمنا أن الآية مسوقة للتحريم كما هو مصرح به فيها والحكم بالرجسية هو باعتبار التحريم والحرام رجس ولا يكون بمعنى النجس إلا بدليل كما في قوله صلى الله عليه و سلم في الروثة إنها ركس فإن الركس والرجس معناهما واحد
ومن زعم بأن الرجس بمعنى النجس لغة متمسكا بما في الصحاح وغيرها من كتب اللغة أن الرجس القذر فقد استدل بما هو أعم من المتنازع فيه فإن القذر يشمل كل ما يستقذر والحرام مستقذر شرعا والأعيان الطاهرة إذا كانت منتنة أو متغيرة مستقذرة طبعا
وعلى كل حال فالآية لم تسق لبيان الطهارة والنجاسة بل لبيان ما يحل ويحرم قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما
وإذا تقرر لك هذا وعلمت به أن الأصل طهارة الدم لعدم وجود دليل ناهض يدل على نجاسته فاعلم أنه قد انتهض الدليل على نجاسة دم الحيض لا لقوله سبحانه ويسألونك

(1/44)


عن المحيض قل هو أذى فإن ذلك ليس بلازم للنجاسة فليس كل أذى نجس بل بما صح عنه صلى الله عليه و سلم من الأمر بغسله وبقرصه وبحته وبحكه وتشديده في ذلك بما يفيد أن يكون إزالته على وجه لا يبقى له اثر فأفاد ذلك أنه نجس فيكون هذا النوع من أنواع الدم نجسا ولا يصح قياس غيره عليه لأنه من قياس المخفف على المغلظ
وبهذا تعرف أنه لا حاجة إلى الكلام عن استثناء ما استثناه المصنف رحمه الله من تلك الدماء
فصل
والمتنجس إما متعذر الغسل فرجس وإما ممكنه فتطهير الخفية بالماء ثلاثا ولو صقيلا والمرئية حتى تزول واثنتين بعدها او بعد استعمال الحاد المعتاد
وإما شاقة فالبهائم ونحوها والأطفال بالجفاف ما لم تبق عين
والأفواه بالريق ليلة والأجواف بالإستحالة والآبار بالنضوب وبنزح الكثير حتى يزول تغيره إن كان وإلا فطاهر في الأصح والقليل إلى القرار والملتبس إليه أو إلى أن يغلب الماء النازح مع زوال التغير فيهما فتطهر الجوانب المداخلة وما صاده الماء من الأرشية والأرض الرخوة كالبئر
قوله فصل والمتنجس إما متعذر الغسل فرجس
أقول كان الأولى أن يقال فنجس لأن الرجس يطلق على معاني الحرام والقذر والعذاب والنجس وليس مقصود المصنف هنا إلا النجس والمراد من الكلام أن ما تعذر تطهيره فحكمه حكم نجس العين في تحريمه وعدم جواز الانتفاع به لقوله صلى الله عليه و سلم

(1/45)


في حديث الفأرة وإن كان مائعا فلا تقربوه فإن النهي عن قربانه يدل على عدم جواز الانتفاع به بوجه من وجوه الانتفاع
وغير الفأرة مما هو في حكمها من الحيوانات مثلها وغير السمن من المائعات مما لا يمكن تطهيره مثله ولكنه أخرج الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر مرفوعا اطرحوها وما حولها وكلوه إن كان جامدا قالوا يا رسول الله فإن كان مائعا قال انتفعوا به
وفي إسناده عبد الجبار بن عمر قال ابن سعد ثقة وضعفه جماعة وهو لا يصلح لمعارضة حديث وإن كان مائعا فلا تقربوه فإنه أرجح من هذا الحديث وجانب الحظر مقدم على جانب الإباحة
قوله وإما ممكنة فتطهير الخفية بالماء ثلاثا
أقول أعلم أن التعبد ورد بإزالة النجاسة ورفع أثرها ومحو عينها إما على جهة الاستقصاء وعدم بقاء شيء من العين أو اللون كما ورد في دم الحيض من حديث ام قيس بنت محصن الثابت عند أحمد وابي داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان بلفظ حكيه واغسليه بماء وسدر وهو حديث صحيح وكما في حديث التسبيع والتتريب من ولوغ الكلب فإنه قد يولغ في محو أثر اللعاب هذه المبالغة ودع عنك الاختلاف في العلة التي وقع ذلك لأجلها فإنه أمر وراء ما تعبدنا به وقد تعبدنا بأن نصنع هذا الصنع في دم الحيض ولعاب الكلب سواء عقلنا العلة وفهمناها أم لا فإن هذا هو الواجب علينا بل يجب

(1/46)


علينا اتباع ما أمر به الشارع وإن كان مبنيا على الشك والاحتياط كما في حديث إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري اين باتت يده
فإذا قال المتفقه الذي لم يتعقل الحجة كما ينبغي إن الأصل الطهارة وعدم وقوع النجاسة في اليد بمجرد النوم قلنا هذا حكم شرعه لنا من شرع لنا الصلاة والزكاة والصيام والحج فدع عنك الرجوع إلى الأصل فإن ذلك مع ورود الدليل لا يغني من الحق شيئا
نعم لو لم يرد الدليل لكان الرجوع إلى الأصل هو الحكم الذي توجبه البراءة الأصلية حتى ينقل عنها ناقل صحيح
وإما لا على جهة الاستقصاء وذلك كحديث صب الذنوب من الماء على بول من بال في المسجد وحديث الرش من بول الغلام وهو في الصحيحين وغيرهما وكما في حديث النعل إذا رأى به قذرا ثم الأمر بالصلاة فيه وهو حديث صحيح وأحاديث إن الأرض التي فيها القذر يطهرها المروربأرض لا قذر فيها وحديث رش المذي بكف من ماء وحديث

(1/47)


ابن عمر عند أبي داود مرفوعا في غسل الثوب من البول مرة واحدة وفي إسناده عبد الله ابن عصيم والراوي عنه ايوب ابن جابر أبو سليمان اليماني وقد تكلم في كل واحد منهما
ونحو ذلك مما ورد في الحت أو الحك أو المسح أو القرص أو الإماطة وكل ذلك شريعة واردة عن الصادق المصدوق لا تحل المخالفة لشيء مما ورد عنه بل الواجب علينا الاقتداء بقوله صلى الله عليه و سلم في كون هذا الشيء طاهرا وهذا الشيء نجسا والاقتداء بما ورد عنه في كيفية رفع النجاسة لأن الذي أخبر بأن هذا الشيء نجس أو متنجس قد أخبرنا بما تصنعه إن أردنا رفعه أو تطهير ما وقع فيه
فالحاصل أن الواجب علينا أن نتمثل ما أمرنا به على أي صفة كانت ولا نرجع إلى عقولنا ولا إلى ما تقتضيه شكوكنا وخواطرنا الواردة على خلاف ما جاءنا عنه وندع التشكيك على أنفسنا وعلى غيرنا بأن هذه العين من النجاسة قد بقي لها اثر أو لون أو ريح او طعم بعد فعل ما شرعه الشارع لنا في تطهيرها فإن ذلك نزغة من نزغات الشيطان الرجيم ونبضة من نبضات الشكوك التي جاءت الشريعة المطهرة بقطعها واجتثاثها من أصلها
فإذا رأينا رجلا رأى في نعله قذرا فمسحه بالأرض مرة واحدة ثم لبسه وصلى فيه قلنا له أصبت السنة أصاب الله بك وأجزأتك صلاتك وفعلت ما امرك به رسول الله صلى الله عليه و سلم
فإن أنكر عليه متنطع متفيهق قلنا له أنت في انكارك هذا قد جئت بالمنكر البحت وأنكرت الشرع الخالص والدين الحق فإن كنت تدري بما ثبت عن الشارع في ذلك فأنت تنكر ما شرعه لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم وليس بعد هذا من الجرأة والجسارة والمعاندة للشريعة شيء وإن كنت لا تدري بذلك فما لك ولهذا وأنت بهذه المنزلة من جهالة أحكام الله وما جاء عن رسول الله

(1/48)


وما أحقك بأن يلصق بك صوت عذاب وشؤبوب عقوبة حتى تدع ما ليس من شأنك وتترك ما لست من رجاله
وإذا تقرر لك هذا علمت أن كل ما قد ثبت عن الشارع في تطهير النجاسات كان تطهيرها بذلك الذي ثبت عنه سواء كانت النجاسة في اصطلاح أهل الفقه مغلظة أو مخففة ظاهرة أو خفية
وأما ما ثبت عن الشارع الحكيم بانه نجس أو متنجس ولم يثبت لنا عنه ما تقوم به الحجة في كيفية تطهيره كان الواجب علينا فعل ما يصدق عليه مسمى رفع النجاسة وإزالتها
فإن كان غير ظاهر كالبول ونحوه فلا بد من أن يغلب على ظن الغاسل أنه لم يبق منه شيء في الثوب ونحوه ولكن هذا الظن المذكور هو ظن المتشرعين لا ظن المصابين بالشكوك والأوهام
وإن كان ظاهرا بارزا للعيان فلا بد من غسله حتى لا يبقى له لون ولا ريح فإنه لا يكون المعالج لإزالة النجاسة مزيلا لها إلا بهذا فإنه لو بقي شيء من العين أو اللون أو الريح لم يكن مزيلا لها حقيقة
فاحرص على هذا البحث واشدد عليه يديك فإنك تنجو به من خبط وخلط وتكلف وتعسف
واعلم أن الماء هو الأصل في تطهير النجاسات لوصف الشارع له بقوله خلق الماء طهورا فلا يعدل إلى غيره إلا إذا ثبت ذلك عن الشارع وإلا فلا لأنه عدول عن المعلوم كونه طهورا إلى ما لا يعلم كونه طهورا وذلك خروج عما تقتضيه المسالك الشرعية
وما ذكره من طهارة البهائم ونحوها والأطفال بالجفاف فوجه ذلك أنه لم يسمع من الصحابة في عصر النبوة وبعده أنهم تعرضوا لتطهير ذلك مما يقع فيه من النجاسة أو تحرزوا من المباشرة لذلك

(1/49)


وقد كان الصبيان يتصلون بهم وهم في صلاتهم كما روي أنه صلى الله عليه و سلم كان يحمل الصبية على ظهره وهو يصلي فإذا سجد وضعها وكذلك كان يحمل الحسن والحسين حال الصلاة وهما في سن الصغر
وبالجملة فالشريعة سمحة سهلة وليس لنا أن نفتح على أنفسنا ابوابا قد سكت عنها الشارع فإن ذلك عفو كما ثبت ذلك بالشرع
ومن هذا التعرض لطهارة الأفواه والأجواف فإن ذلك من التنطع والغلو في دين الله والتقول على الشرع بما ليس فيه
نعم إن أراد بطهارة الأجواف طهارة الجلالة فقد ثبت ذلك في الشريعة أخرج أحمد وأهل السنن والحاكم وابن حيان من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن اكل الجلالة وشرب لبنها حتى تحبس
قوله والآبار بالنضوب وبنزع الكثير الخ
أقول أرض الابار لها حكم سائر الأرض في طهارتها ونجاستها فلا وجه للتنصيص عليها فمن قال إنها تطهر بالنضوب قال به في أرض البئر ومن قال لا بد من صب الماء عليها قال به في أرض البئر ومن فرق بين الأرض الرخوة والصلبة كما سيأتي قال به في أرض البئر
وإن كان التنصيص على أرض البئر لكونه يتعذر تطهيرها ويشق فإن كان ذلك لأجل ما فيها من الماء فطهارة الماء بكونه مستبحرا أو غير متغير اللون والريح والطعم يوجب طهارة أرض البئر وإن كان التعذر لغير ذلك فقد تقدم حكم متعذر الغسل
وأما قوله وبنزح الكثير حتى يزول تغيره فإن كان كلاما مستأنفا في طهارة ما ينجس من ماء الآبار فكان الأولى أن يأتي بعباة مشعرة بذلك فإنه لا يفهم من عبارته إلا العطف على النضوب

(1/50)


ثم اعلم أنه لا وجه لقوله بنزح الكثير وكان حذف لفظ الكثير أولى لأن الماء لا ينجس إلا إذا وقع فيه ما يغير ريحه أو لونه أو طعمه كما في الحديث الوارد من طرق بلفظ خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء أخرجه أحمد وأهل السنن وغيرهم من حديث أبي سعيد وأخرجه غيرهم من حديث غيره وقد صححه جماعة من الأئمة ومجموع ما ورد في ذلك صالح للاحتجاج به ولا شك ولا شبهة ولا يقدح في مجموع الطرق ما قيل في بعضها من الكلام الذي لا يوجب سقوط الاحتجاج
وقد أوضحنا ذلك في شرحنا للمنتقى وتكلمنا على كل طريق على انفرادها وذكرنا ما قاله الحفاظ في ذلك
وقد زيد في بعض الطرق زيادة بلفظ إلا أن يتغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه وهذه الزيادة وإن كان قد ضعفها كثير من الحفاظ لكنه قد وقع الاجماع على العمل بما دلت عليه فصارت من المتلقي بالقبول
وإذا تقرر لك هذا فالماء الذي في البئر ونحوها إن لم يتغير بوقوع النجاسة فيه فهو طاهر لا يحتاج إلى نزح أصلا وإن كان قد تغير لبعض أوصافه أو كلها فالواجب النزح حتى يزول تغيره سواء كان حصول زوال التغير بنزح القليل أو الكثير بل لو زال التغير بغير نزح لكان ذلك موجبا لطهارته لأنه عند ذلك يصير طهورا ويعود عليه الحكم الذي كان له قبل تغيره وسواء كان الماء الذي في البئر قليلا أو كثيرا فإنه إذا زال تغيره صار طاهرا
وأما الحكم بأنه ينزح القليل والملتبس إلى القرار أو إلى أن يغلب الماء النازح فليس ذلك إلا مجرد رأي ليس عليه اثارة من علم

(1/51)


فصل
ويطهر النجس والمتنجس به بالاستحالة إلا ما يحكم بطهارته كالخمر خلا والمياه القليلة المتنجسة باجتماعها حتى كثرت وزال تغيرها إن كان قبل وبالمكاثرة وهي ورود أربعة أضعافها عليها أو ورودها عليها فيصير مجاورا ثالثا إن زال التغير وإلا فأول وبجريها حال المجاورة وفي الراكد الفائض وجهان
قوله فصل ويطهر النجس والمتنجس به بالاستحالة إلى ما يحكم بطهارته كالخمر خلا
أقول إذا استحال ما هو محكوم بنجاسته إلى شيء غير الشيء الذي كان محكوما عليه بالنجاسة كالعذرة تستحيل ترابا أو الخمر يستحيل خلا فقد ذهب ما كان محكوما بنجاسته ولم يبق الاسم الذي كان محكوما عليه بالنجاسة ولا الصفة التي وقع الحكم لأجلها وصار كأنه شيء آخر وله حكم آخر
وبهذا تعرف أن الحق قول من قال بان الاستحالة مطهرة ولا حكم لما وقع من المناقشة في ذلك كما في ضوء النهار وغيره
أما حديث أنه صلى الله عليه و سلم نهى عن آكل الجلالة وشرب لبنها فذلك يقيد التحريم للأكل والشرب ولا يعترض به على كون الاستحالة مطهرة بأن يقال إن النجاسة التي أكلتها الجلالة إذا صارت لبنا فقد استحالت فكيف وقع النهي عن شرب اللبن لأنا نقول هذا حكم وارد في تحريم الشرب للبن الجلالة لا في نجاسة لبنها ولا ملازمة بين التحريم والنجاسة فليست النجاسة فرع التحريم كما يقوله بعض أهل الفروع
قوله والمياه القليلة المتنجسة باجتماعها الخ
أقول قد قدمنا لك أن الماء طاهر مطهر لا ينجسه إلا ما غير بعض أوصافه من غير فرق بين قليل وكثير
فهذه المياه القليلة لا تنجس بمجرد وقوع النجاسة فيها إلا أن يتغير بعض أوصافها

(1/52)


على ما هو المذهب الحق والقول الراجح فإن تغيرت حال قلتها صارت متنجسة فإن زال ذلك التغير عند اجتماعها صارت طاهرة بزوال التغير وسواء كانت حال اجتماعها مستبحرة أم لا فليس المقصود الذي هو مناط الطهارة إلا زوال التغير فاحفظ هذا فإن أردت مزيد التحقيق فارجع إلى ما حررناه في سائر مصنفاتنا فإنك تقف فيها على ما لا تحتاج إلى غيره
وأما تحديد المكاثرة لورود أربعة اضعافها عليها أو ورودها عليها فليس ذلك إلا مجرد رأي بحت ليس عليه إثارة من علم
قوله ويجريها حال المجاورة
أقول لم يثبت ما يدل على أن جري الماء يوجب طهارته بل إن كان مع جريه قد تغير بعض أوصافه فهو متنجس لبقاء ما هو سبب النجاسة كما تقدم
وأما النهي عن البول في الماء الدائم فليس تخصيص الدائم إلا لكون تأثير ما وقع فيه من النجاسات أكثر من تأثيرها فيما ليس بدائم
وهذا الكلام في الراكد أسفله الفائض أعلاه الاعتبار بزوال التغير ولا اعتبار بفيض أعلاه كما أنه لا اعتبار بمجرد الجري مع بقاء التغير

(1/53)


باب المياه
فصل
إنما ينجس منها مجاور النجاسة وما غيرته مطلقا أو وقعت فيه قليلا وهو ما ظن استعمالها باستعماله أو التبس أو متغيرا بطاهر وإن كثر حتى يصلح وما عدا هذه فطاهر
قوله باب المياه فصل إنما ينجس منها مجاور النجاسة
أقول هذا رأي بحت ليس عليه أثارة من علم وما ورد في حديث الفأرة إذا وقعت في السمن فإنها تلقى وما حولها إذا كان جامدا فليس ذلك لأجل النجاسة بل لأجل الاستخباث وعدم جواز الأكل
ثم هذا الحكم فيما كان جامد إلا فيما كان مائعا وقد عرفناك غير مرة أنه لا ينجس من المياه إلا ما غيرته النجاسة بنص خلق الماء طهورا إلا أن يتغير ريحه أو لونه أو طعمه
وهذه الزيادة قد اتفق الحفاظ على ضعفها وإن وردت من طريق ولكنهم اتفقوا على العمل بها كما نقل ذلك غير واحد من الأئمة والفقهاء وكان العمل بها متعينا من الإجماع على العمل بها لأنها تصير بذلك من المتلقى بالقبول وما كان كذلك فهو مما يجب العمل به كما تقرر في الأصول
فالحاصل أنه لا اعتبار بالمجاورة ولا هي مما يوجب الحكم بالنجاسة إلا إذا غيرت فما تغيرت احد أوصافه كان نجسا سواء كان قريبا من النجاسة أو بعيدا
قوله أووقعت فيه قليلا
اقول ليس مجرد وقوع النجاسة في القليل مقتضيا لصيرورته نجسا ولا ثبت ما يدل على ذلك لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام بل المعتبر أن تؤثر فيه النجاسة تغيرا فإن حصل

(1/54)


ذلك فقد ضعف عن حمل النجاسة وصار متنجسا وإن لم يحصل ذلك فلا تؤثر النجاسة الواقعة فيه شيئا ويكون حكمه الحكم الذي كان له قبل وقوعها فيه وهو الطهارة فاعرف هذا
قوله وهو ما ظن استعمالها باستعماله
أقول إن كان الظن هو ظن العقلاء المتشرعين فهو لا يكون إلا عند تأثير النجاسة في الماء بجرمها أو لونها أو طعمها أو ريحها وهذا لا يخالف ما قررناه بأنه لا ينجس إلا ما غيرته النجاسة
وإن كان هذا الظن هو ظن أهل الشكوك والوسوسة في الطهارة فلم يقل بذلك أحد من المسلمين أجمعين فلا مخالفة بين هذا القول والقول بأنه لا ينجس من الماء إلا ما غيرته النجاسة
وأما حديث القلتين فغاية ما فيه أن ما بلغ مقدار القلتين لا يحمل الخبث فكان هذا المقدار لا يؤثر فيه الخبث في غالب الحالات فإن تغير بعض أوصافه كان نجسا بالإجماع الثابت من طرق متعددة
وبتلك الزيادة التي وقع الإجماع على العمل بها في حديث خلق الماء طهورا فيكون إطلاق حديث القلتين مقيدا بذلك حملا للمطلق على المقيد
وأما ما كان دون القلتين فلم يقل الشارع إنه يحمل الخبث قطعا وبتا بل مفهوم حديث القلتين يدل على أن ما دونهما قد يحمل الخبث وقد لا يحمله فإذا حمله فلا يكون ذلك إلا بتغير بعض أوصافه فيقيد مفهوم حديث القلتين بحديث التغير المجمع على قبوله والعمل به كما قيد منطوقه بذلك

(1/55)


وبهذا تعرف أنه لا مخالفة بين الأحاديث الواردة في هذه المسألة وأن الجمع بينها بما ذكرناه متحتم
وأما الاستدلال بمثل حديث دع ما يريبك إلا ما لا يريبك واستفت قلبك فليس فيهما إلا الإرشاد إلى الورع والتوقف عند الاشتباه وتوقي المشتبهات وليس ما نحن بصدده من ذلك القبيل لورود الشريعة الواضحة الطاهرة في شأنه وليس في مخالفتها بمجرد الشكوك والوسوسة إلا الاثم على فاعل ذلك
قوله أو متغيرا بطاهر
أقول تغير الماء بالطاهر لا تأثير له في أن وقوع النجاسة فيه وهو كذلك يصيره متنجسا ولا ورد ما يدل على هذا لا من كتاب ولا من سنة ولا من قياس صحيح فلا يخرج عن كونه طاهرا إلا بتغير بعض أوصافه كما قررنا ذلك في كثير من هذه المسائل المتقدمة نعم إذا تغير بذلك الطاهر حتى خرج عن اسم الماء المطلق بأن يطلق عليه اسم خاص كماء الورد ونحوه فهو طاهر في نفسه غير مطهر كما سيأتي
فصل
وإنما يرفع الحدث مباح طاهر لم يشبه مستعمل لقربة مثله فصاعدا فإن التبس الأغلب غلب الأصل ثم الحظر ولا غير بعض أوصافه مما زج إلا مطهر أو سمك متوالد فيه لا دم له أو أصله أو مقره أو ممره
ويرفع النجس ولو مغصوبا والأصل فيما التبس مغيره الطهارة ويترك ما التبس بغصب أو متنجس إلا أن تزيد آنية الطاهر فيتحرى ويعتبر المخالف الانتهاء قيل ولو عامدا
قوله فصل وإنما يرفع الحدث مباح طاهر لم يشبه مستعمل

(1/56)


أقول أما اشتراط كونه مباحا فلأن ملك الغير الذي لم يأذن الشرع باستعماله يكون مغصوبا وذلك ينافي التقرب به لأن بتلك القربة وهي الوضوء وما يترتب عليه يؤجر عليها الفاعل وغصب مال الغير يعاقب عليه الغاصب له والطاعة والمعصية لا يجتمعان
وقد يقال إنه يؤجر عليه من وجه ويعاقب عليه من وجه آخر
ويجاب عن ذلك بان الوجه الذي استحق به الأجر هو استعمال ذلك الماء وبهذا الاستعمال كان استهلاك ما هو ملك للغير
وعلى كل حال فقد ثبت النهي عن أكل مال الغير واستهلاكله والانتفاع به والنهي يقتضي الفساد المرادف للبطلان على ما هو الحق إذا كان النهي لذات المنهي عنه أو لجزئه أو لوصفه الملازم له لا الخارج عنه
وأما المنع من التطهر بالماء الذي شيب بمستعمل فلا وجه له إذا لم يخرج بالاستعمال عن الماء المطلق
والحاصل أن الماء طاهر مطهر فمن ادعى خروجه عن كونه طاهرا أو مطهرا لم يقبل منه ذلك إلا بدليل وهذا الأصل هو مجمع عليه فالرجوع إليه متحتم حتى ينقل عنه ناقل صحيح صالح للاحتجاج به ولا يصلح للاحتجاج ما ورد في أمور خاصة لم يصرح فيها بأن السبب هو الاستعمال كحديث النهي عن الاغتسال في الماء الدائم فإنه لم يرد البيان من الشارع بأن سبب النهي أن يصير مستعملا والمستعمل غير مطهر
وغاية ما يمكن أن يستخرج منه أن علة النهي هي أنه يفسد الماء بذلك لكونه دائما غير جار ويؤيد ذلك أنه ورد النهي عن البول في الماء الدائم كما ورد النهي عن الاغتسال فيه بل ورد النهي عن الجمع بينهما في حديث واحد فلا يصلح ذلك دليلا بمحل النزاع
وهكذا حديث إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها

(1/57)


ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده فإنه لا دلالة فيه على محل النزاع لأن النهي عن إدخال اليد في الإناء والأمر بغسلها قبل ذلك إنما هو لخشية أن تكون قد تلوثت بنجاسة حال النوم والكلام هنا إنما هو في المستعمل لقربة لا في تطهير النجاسات
ولو قدرنا ورود دليل فيه رائحة دلالة لكان غاية ما فيه هو تخصيص ذلك الأصل المصحوب بالبراءة فيجب الاقتصار على محل النص ولكنه لم يرد ما هو بهذه المنزلة قط
وأما ما ذكره من قوله ولا غير بعض أوصافه مما زج فالتحقيق أن ذلك الممازج إن خرج به اسم الماء المطلق كما يقال ماء ورد ونحوه فليس هذا الماء هو الماء الذي خلقه الله طهورا وإن لم يخرج عن اسم الماء المطلق فهو طهور وإن تغير بعض أوصافه فإن ذلك لا يضره ولا يخرجه عن كونه طهورا ولا فرق بين أن يكون ما تغير به مطهرا أو غير مطهر أو بما هو من حيواناته أو بمفرده أو بممره أو بغير ذلك
هذا يغنيك عن هذه المسائل التي ذكرها المصنف يC وذكرها غيره من المفرعين فإنها مبنية على غير اساس
قوله ويترك ما التبس بغصب أو متنجس
أقوله هذا صواب فإنه بعد أن يعلم أن أحد المائين متنجس ثم يلتبس بالطاهر أو يعلم أن أحدهما مغصوب ثم يلتبس بالمباح لا يجوز له أن يتطهر بأحدهما قبل أن يرتفع اللبس لأنه متعبد برفع حدثه بما هو صالح للرفع مجزىء للرافع ومع اللبس لم يفعل ما هو مأمور به لجواز أن يتطهر بما يجزىء التطهر به والتحري إذا أمكن به أن يتعين ما يجزىء مما لا يجزىء فهو مقدم على الترك وليس من شرطه زيادة آنية الطاهر بل يجب عليه أن يقدم التحري مطلقا وإلا وجب عليه ترك الجميع وعدل إلى التيمم إذا لم يجد ماء آخر محكوما بطهارته غير ملتبس بنجس أو غصب
ووما يرشد إلى ما ذكرناه قول الله عز و جل فاتقوا الله ما استطعتم وقول النبي صلى الله عليه و سلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم

(1/58)


قوله ويعتبر المخالف الانتهاء قيل ولو عامدا
اقول لا يسقط ما أوجبه الله على العبد أو جعله شرطا لما اوجبه عليه إلا باليقين فإذا انكشف أنه فعل ما لا يجزىء أو ما لا يصلح لتأدية ما هو شرط فالاعتبار بذلك ولا اعتبار بما ظنه مجزئا في الابتداء
فانكشف أنه غير مجزىء
ثم إذا تعمد مثلا الإقدام على ما لا يجزىء فانكشف أنه مجزىء فالاعتبار بذلك الانكشاف ولا ينافي ذلك كونه قد صار عاصيا بالإقدام على ما لا يجزىء فإنه عصى بنفس الاعتقاد وأطاع باستعمال ما هو صالح لتأدية تلك الطاعة
وبهذا يظهر لك أن الحق ما قاله صاحب هذا القيل ولا فرق بين هذه المسألة وبين سائر المسائل الشرعية فالاعتبار فيها جميعا بالانتهاء ولا اعتبار بالابتداء
فصل
ولا يرتفع يقين الطهارة والنجاسة بيقين أو خبر عدل او ظن مقارب
قيل والأحكام ضروب ضرب لا يعمل فيه إلا بالعلم وضرب به أو المقارب له وضرب بأيها أو الغالب وضرب بأيها والمطلق وضرب يستصحب فيه الحال وضرب عكسه وستأتي
قوله فصل ولا يرتفع يقين الطهارة والنجاسة إلا بيقين
أقول لا شك أن تيقن طهارة شيء أو نجاسته كان الواجب البقاء على ما قد تيقنه وعدم الانتقال عنه إلا بناقل صحيح واليقين هو أعظم موجبات الانتقال من اليقين الأول لأنه قد ارتفع بمثله ثم إذا ورد في الشرع ما يدل على أنه يجوز الانتقال عن ذلك اليقين بما لا يفيد إلا الظن كخبر العدل والعدلين كان ذلك ناقلا بدليله وإن كان دون اليقين الحاصل لذلك الشخص

(1/59)


وقد دلت الأدلة على وجوب قبول خبر العدل فيما هو أعظم من هذا فإن النبي صلى الله عليه و سلم لم ينكر على الذين انحرفوا في صلاتهم إلى جهة القبلة لما سمعوا قائلا يقول وهم في صلاتهم إن النبي صلى الله عليه و سلم قد صلى إلى جهة القبلة وترك استقبال بيت المقدس وقد كان استقباله صلى الله عليه و سلم لبيت المقدس معلوما عندهم بيقين وهذا الحديث صحيح
وينبغي أن يقال هنا ولا يرتفع أصالة الطهارة إلا بناقل شرعي قد دل الدليل على صلاحيته للنقل وكون الأصل الطهارة مما لا ينبغي أن يقع فيه خلاف ثم ليس من الورع أن يسأل من عرف أن الأصل الطهارة عن وجود ما ينقل عنها بل يقف على ذلك الأصل حتى يبلغ إليه الناقل
ومما يقوي لك هذا الذي ذكرناه ويؤيده ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل صاحب المقراة قائلا يا صاحب المقراة هل ترد السباع هذه المقراة فقال النبي صلى الله عليه و سلم يا صاحب المقراة لا تخبره فإنه متكلف
قوله قيل والأحكام ضروب
أقول اراد المصنف رحمه الله أن يتعرض ها هنا لاختلاف الأحكام باعتبار المسوغات للعمل بها وجعلها ضروبا أربعة كما تراه قاصدا لتعريف طالب هذا العلم بهذه الجملة التي ستأتي مفصلة في أبوابها من هذا الكتاب
وسنتكلم إن شاء الله على كل فرد من أفرادها في بابه الخاص فإن الكلام عليها هنا يحتاج إلى بسط طويل يخرجنا عن المقصود ولكنا نعرفك ها هنا بقضية كلية تفيدك في

(1/60)


كل باب وهي أن الشيء إذا كان حكمه معلوما بالرجوع إلى ما هو الأصل فيه فلا يجوز الانتقال عن ذلك الأصل إلا بسموغ جعله الشارع صالحا للانتقال فإن اعتبر الشارع في ذلك المسوغ العلم فلا يصلح للنقل إلا العلم وإن اعتبر الظن كان الظن صالحا لذلك والاعتبار بما يصدق عليه مسمى الظن وأما تقسيم الظن إلى هذه الأقسام فهو مما لا يدل عليه دليل ولا ثبت في شأنه ما يصلح للتعويل عليه والرجوع إليه
ولا شك أن الظن في نفسه يكون قويا في بعض الأحوال وضعيفا في بعض آخر بحسب قوة ما أفاده وضعفه ولكن المصير في كونه ظنا أن يكون تجويزا راجحا على مقابله وبذلك يمتاز عن الشك
فما ورد فيه تجويز العمل بالظن أو إيجابه كفى فيه ما يصدق عليه أنه ظن
وأما كونه لا يجوز العمل به في بعض المواضع إلا بشرط أن يكون مقاربا للعلم ويجوز العمل به في بعض آخر وإن لم يكن كذلك فهذا لم يرد ما يدل عليه
ثم وصفه للظن بالغالب إن أراد أنه غالب بما قابله فهو لا يكون ظنا إلا بذلك لأنه إذا ساواه ولم يغلبه فهو الشك وإن أراد بالغالب مرتبة من مراتب الظن فلم يكن ذلك إلا مجرد اصطلاح لم تدل عليه لغة العرب ولا وافق اصطلاح أهل الأصول وإن كان معلوما بالدليل كان الدليل الوارد على خلاف ما دل عليه ذلك الدليل إما ناسخا إن تأخر عنه تاريخا أو مقيدا لاطلاقه أو مخصصا لعمومه إن كان أحدهما مطلقا والآخر مقيدا أو أحدهما عاما والآخر خاصا ولا يصار إلى التعارض مع إمكان الجمع بوجه مقبول معتبر
فهكذا ينبغي ان يكون الكلام في هذا المقام وأما قوله وضرب يستصحب فيه الحال وضرب عكسه فاستصحاب الحال متعين عند من قال بدليل الاستصحاب والكلام في ذلك معروف في الأصول

(1/61)


ولا ريب أنا إذا علمنا وجود الشيء مثلا أو وجود صفة من صفاته قائمة به فليس لنا أن ننتقل عن ذلك إلا بما يفيد أنه قد صار ذلك الشيء غير موجود أو صارت تلك الصفة التي كانت قائمة به غير قائمة به
لكنه إذا ورد الدليل الدال على عدم العمل بالاستصحاب كما في حديث لا حتى يختلف الصاعان أي صاع البائع وصاع المشتري فإن هذا الحديث قد دل على أنه لا يجوز لنا أن نبيع شيئا علمنا مقدار كيله أو وزنه حتى نعيد كيله أو وزنه ولا يعمل باستصحاب الحال وأنه باق على ذلك الكيل أو الوزن الذي وقع عند أن اشتراه من أراد أن يبيعه الآن

(1/62)


باب ندب لقاضي الحاجة التواري
والبعد عن الناس مطلقا وعن المسجد إلا في الملك والمتخذ لذلك والتعوذ وتنحية ما فيه ذكر الله تعالى وتقديم اليسرى دخولا واعتمادها واليمنى خروجا والاستتار حتى يهوي مطلقا واتقاء الملاعن والحجر والصلب والتهوية والكلام ونظر الفرج والأذى وبصقة والأكل والشرب واستقبال القبلتين والقمرين واستدبارهما وإطالة القعود
ويجوز في خراب لا مالك له أو عرف ورضاه ويعمل في المجهول بالعري
وبعده الحمد والاستجمار ويلزم التيمم إن لم يستنج ويجزيه جماد طاهر منق لا حرمة له ويحرم ضدها غالبا مباح لا يضر ولا بعد استعماله ويجزي ضدها
قوله باب ندب لقاضي الحاجة التواري
أقول إطلاق ندبية بعض هذه الأمور مع ورود بعضها بلفظ الأمر بفعله وبعضها بلفظ النهي عن تركه ليس كما ينبغي إلا أن يوجد ما يصرف عن لمعنى الحقيقي للأمر والنهي وهو وجوب الفعل للمأمور به وتحريم الفعل للمنهي عنه
فالتواري عن الناس حال قضاء الحاجة ورد فيه الأمر وهو قوله صلى الله عليه و سلم من أتى الغائط فليستتر أخرجه ابو داود وغيره وقال في البدر المنير بعد أن ساق اختلاف الحفاظ فيه والحق أنه حديث صحيح وقد صححه جماعة منهم ابن حبان والحاكم والنووي في شرح مسلم انتهى وحسنه الحافظ في الفتح ولفظه في سنن أبي داود من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ومن استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ومن أكل فما تخلل فليلفظ ومن لاك بلسانه فليبتلع من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ومن أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم انتهى

(1/63)


واقتران الثلاثة الأمور بقوله من فعل فقد أحسن إلخ دليل واضح على الندب فقط وعدم اقتران الرابع منها يدل على أن الأمر بذلك فيه على حقيقته وأنه لم يرد ما يصرفه عن الوجوب
قوله والبعد عن الناس
اقول لم يصح في هذا إلا مجرد الفعل منه صلى الله عليه و سلم فكان للقول بندبيته فقط وجه وأما ما ورد في حديث جابر عن أبي داود وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد
وفي لفظ ابن ماجه لا يأتي البراز حتى يتغيب فلا يرى
وهذا ليس إلا حكاية لفعله صلى الله عليه و سلم وليس فيه ما يفيد أنه من قوله صلى الله عليه و سلم كما وهم صاحب ضوء النهار
وفي إسناد هذا الحديث إسماعيل بن عبد الملك الكوفي نزيل مكة وهو صدوق كثير الوهم وقال البخاري يكتب حديثه وقال ابو حاتم ليس بالقوي
وله واعتمادها
أقول لم يرد في هذا شيء يثبت به حكم الندب وما ورد في ذلك فليس بصحيح ولا حسن ولا ضعيف خفيف الضعف وإثبات الأحكام الشرعية بما لا تقوم به الحجة لا يجوز
وأما تقديم اليسرى دخولا واليمنى خروجا فله وجه لكون التيامن فيما هو شريف والتياسر فيما هو غير شريف وقد ورد ما يدل عليه في الجملة
قوله والاستتار حتى يهوي مطلقا
اقول أصل ستر العورة الوجوب فلا يحل كشف شيء منها إلا لضرورة كما يكون عند خروج الحاجة فالاستتار قبل حالة الخروج واجب فيكشف عورته حال الانحطاط لخروج الخارج لا حال كونه قائما ولا حال كونه ماشيا إلى قضاء حاجة

(1/64)


قوله واتقاء الملاعن
أقول الحق أن اتقاء الملاعن واجب وقضاء الحاجة فيها حرام لحديث أبي هريرة مرفوعا عند مسلم وغيره بلفظ اتقوا اللاعنين قالوا وما اللاعنان يا رسول الله قال الذي يتخلى في طرق الناس أو في ظلهم
ولحديث معاذ مرفوعا عند أبي داود وابن ماجه اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل وقد حسن إسناده ابن حجر وزارد ابن حبان في حديث أبي هريرة وأفنيتهم وزاد ابن الجارود ومجالسهم
وأخرج الحاكم والطبراني في الأوسط من سل سخيمته على طريق عامرة من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وفي إسناده محمد بن عمر الأنصاري ضعفه ابن معين ووثقه ابن حبان وبقية رجاله ثقات كما قال في مجمع الزوائد وهو من مشايخ عبد الرحمن بن مهدي
وأخرج ابن ماجه من حديث جابر مرفوعا إياكم والتعريس على جواد الطريق والصلاة عليها فإنها مأوى الحيات والسباع وقضاء الحاجة عليها فإنها الملاعن وإسناده حسن
وأخرج الطبراني في الكبير من حديث حذيفة بن أسيد أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم وإسناده حسن

(1/65)


وهذه الأحاديث تفيد وجوب الترك وتحريم الفعل لا شك في ذلك فلا وجه للقول بأنه متدوب
قول والجحر
أقول قد ثبت النهي عن البول فيها كما في حديث عبد الله بن سرجس عند أبي داود والنسائي والحاكم والبيهقي أن نبي الله صلى الله عليه و سلم قال لا يبولن احدكم في جحر وإسناده صحيح وكل رجاله ثقات
والنهي حقيقة للتحريم وروي من طرق وإسنادها صحيح
وأما قول الصحابي لما سئل عن سبب ذلك فقال كان يقال إنها مساكن الجن فهذا لم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه و سلم ولو قدرنا رفعه لم يصلح ذلك لصرف النهي عن حقيقته لأن كونها مساكن الجن مما يؤكد التحريم
قوله والصلب والتهوية به
أقول إن كان البول في الصلب أو التهوية به مما يتأثر عنه عود شيء منه إلى البائل فتجنب ذلك واجب لأن التلوث به حرام وما يتسبب عنه الحرام حرام
قوله وقائما
أقول المروي عنه صلى الله عليه و سلم أنه كان يبول قاعدا كما في حديث عائشة عند أحمد ومسلم والترمذي والنسائي قالت ما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يبول

(1/66)


إلا قاعدا وفي رواية عنها عند أبي عوانة في صحيحه والحاكم قالت ما بال رسول الله صلى الله عليه و سلم قائما منذ أنزل عليه القرآن
وأخرج ابن ماجه والحاكم وعبد الرزاق وصححه السيوطي عن عمر قال رآني رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا أبول قائما فقال يا عمر لا تبل قائما فما بلت قائما بعد
وأخرج ابن ماجه والبيهقي من حديث جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبول الرجل قائما وفي إسناده عدي بن الفضل وفيه ضعف
وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه و سلم مال إلى سباطة قومه فبال عليها قائما وعلل ذلك أنه كان لجرح مأبضه
ولم يثبت ذلك من وجه يصلح للعمل به وقد تقرر في الأصول أن فعله صلى الله عليه و سلم لما نهى عنه نهيا عاما يكون مخصصا له وإن كان النهي خاصا بالأمة فلا يعارضه فعله صلى الله عليه و سلم بل يكون خاصا به والحاصل أن البول من قيام إذا لم يكن محرما فهو مكروه كراهة شديدة وأما إذا كان يتأثر منه ترشرش البائل بشيء من بوله فهو حرام لأنه يتسبب عنه الحرام كما تقدم

(1/67)


قوله والكلام
أقول حديث ابي سعيد عند أبي داود مرفوعا لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتيهما يتحدثان فهذا النهي يدل على تحريم كشف العورة والتحدث حال قضاء الحاجة ولا سيما مع زيادة الحديث وهي قوله فإن الله يمقت على ذلك
فإن المقت من الله عز و جل من أعظم الأدلة على التحريم وكون في إسناده هلال بن عياض أو عياض بن هلال وقد ضعفه بعضهم لا يقدح في الاستدلال به على التحريم فإنه قد ذكره ابن حبان في الثقات
قوله ونظر الفرج والأذى وبصقه
أقول نظر الفرج داخل تحت الأحاديث المانعة من نظر العورة كحديث عوراتنا يا رسول الله ما نأتي منها وما نذر فقال إن استطعت ألا يراها احد فافعل فقال الرجل يكون خاليا فقال صلى الله عليه و سلم الله أحق أن يستحيا منه وهو حديث صحيح وقوله ألا يراها أحد يشمل نظر الرجل إلى عورة نفسه ولا يخص من ذلك ما دعت إليه الحاجة
وأما كراهة نظر الأذى وبصقه فهذا من أعجب ما يسمعه السامع من تساهل أهل الفروع في إثبات الأحكام الشرعية بما لا دليل عليه فإن كان سبب ذكر ذلك هنا لكون النفس تستكرهه وتنفر عنه فليس موضوع الكتاب المكروهات النفسية بل المكروهات الشرعية ومثل ذلك الحكم بكراهة الأكل والشرب
قوله والإنفتاح باليمنى

(1/68)


اقول الأحاديث مصرحة بالنهي عن ذلك والنهي حقيقة في التحريم كما عرفت ولم يرد ما يقتضي صرف ذلك عن معناه الحقيقي
قوله واستقبال القبلتين والقمرين واستدبارهما
اقول أقول أما استقبال القبلة واستدبارها فالنهي عن ذلك ثابت عن جماعة من الصحابة رووا النهي عن استقبالها واستدبارها مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه و سلم وبعض هذه الأحاديث في الصحيحين وبعضها في غيرهما
وحقيقة النهي التحريم ولا يصرف ذلك ما روي أنه صلى الله عليه و سلم فعل ذلك فقد عرفناك أن فعله صلى الله عليه و سلم لا يعارض القول الخاص بالأمة إلا أن يدل دليل على أنه أراد الاقتداء به في ذلك وإلا كان فعله خاصا به وهذه المسألة مقررة في الأصول محررة أبلغ تحرير وذلك هو الحق كما لا يخفى على منصف ولو قدرنا أن مثل هذا الفعل قد قام ما يدل على التأسي به فيه لكان ذلك خاصا بالعمران فإنه رآه وهو في بيت حفصة كذلك بين لبنتين
وأما بيت المقدس فلم يكن فيه إلا حديث معقل بن أبي معقل أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى أن تستقبل القبلتين ببول أو غائط أخرجه ابو داود وفي إسناده أبو زيد الراوي له عن معقل وهو مجهول فلا تقوم به حجة ولم يرد في بيت المقدس غيره وقد نقل الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس وقيل إنه خاص بأهل المدينة ومن هو على سمتهم لأن استقبال بيت المقدس يستلزم استدبارهم للكعبة
وأما ما قيل من أن بيت المقدس يكون له حكم الكعبة بالقياس فهذا القياس من أبطل الباطلات لأنه إن كان الجامع الشرف لزم ذلك في كل محل شريف وإن تفاوت الشرف

(1/69)


ويدخل في ذلك دخولا أوليا مسجده صلى الله عليه و سلم ومسجد قباء ونحوهما وإن كان ذلك بجامع أن بيت المقدس قد كان قبلة قبل استقبال الكعبة فقد نسخ ذلك وإن كان ذلك لكونه تستقبله اليهود فقد تقرر في الشريعة الأمر بمخالفتهم وأن ذلك شريعة ثابتة وسنة قائمة
وأما استقبال القمرين فهذا من غرائب أهل الفروع فإنه لم يدل على ذلك دليل لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف وما روي في ذلك فهو كذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن رواية الكذابين وإن كان ذلك بالقياس على القبلة فقد اتسع الخرق على الراقع ويقال لهذا القائس ما هكذا تورد يا سعد الإبل وأعجب من هذا إلحاق النجوم النيرات بالقمرين فإن الأصل باطل فكيف بالفرع وكان ينبغي لهذا القائس أن يلحق السماء فإن لها شرفا عظيما لكونها مستقر الملائكة ثم يلحق الأرض لأنها مكان العبادات والطاعات ومستقر عباد الله الصالحين فحينئذ يضيق على قاضي الحاجة الأرض بما رحبت ويحتاج أن يخرج عن هذا العالم عند قضاء الحاجة
وسبحان الله ما يفعل التساهل في إثبات أحكام الله من الأمور التي يبكي لها تارة ويضحك منها أخرى
قوله وإطالة القعود
اقول هذا إن كان مرجعه الشرع كما هو شأن من يتكلم في الأحكام الشرعية فلا شرع وإن كان مرجعه الطب فليس هذا الكتاب مدونا لذلك ومما يضحك منه التمسك بما روي عن لقمان الحكيم أنه يورث الباسور

(1/70)


فيا لله العجب ممن لا يتحاشى عن تدوين مثل هذا الكلام في كتب الهداية
ولقد أبعد النجعة من اعتمد في مثل هذه المسألة الشرعية على لقمان الحكيم
قوله ويجوز في خراب لا مالك له
أقول إذا لم يكن له مالك فلا حاجة إلى بيان الجواز فإنه جائز بلا شك ولا شبهة
ولو أردنا أن نعدد الأمكنة التي يجوز قضاء الحاجة فيها لطال ذلك وإنما ينبغي الاقتصار على ذكر ما لا يجوز فيه فيعرف بذلك أنه جائز فيما عداه كما يفعله المصنفون في مثل هذه الفنون
وقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم واصحابه ومن بعدهم يقضون الحاجة في المواطن المملوكة للغير من غير استئذان إذا كانت خالية ولم يكن وقت سقوط ثمارها وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه و سلم دخل حائطا وقضى حاجته فيه
قوله وندب بعده الحمد
اقول هذا مندوب كما قال ووجهه ما أخرجه ابن ماجه من حديث أنس بإسناد صالح قال كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وأخرج نحوه النسائي وابن السني من حديث أبي ذر وإسناده صحيح
وينبغي أن يضم إلى الحمد الاستغفار لما أخرجه أحمد وابو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا خرج من الخلاء قال غفرانك وصححه ابن حبان وابن خزيمة والحاكم
قوله والاستجمار

(1/71)


أقول ظاهر الأحاديث أنه واجب لاجتماع الأمر به والنهي عن تركه وظاهرها أنه يكفي ولا يحتاج بعد ذلك إلى أن يستنجي بالماء بل مجرد فعل الاستجمار بالأحجار مطهر وإن لم يذهب الأثر إذ قد فعل ما أمر به من استعمال ثلاثة أحجار
فإن عدل عن الاستجمار إلى الاستنجاء بالماء فهو أطيب وأطهر وإن جمع بينهما فقد فعل الأتم الأكمل
وأما الأيتار بأحجار الاستجمار فليس ذلك إلا سنة لما في حديث من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج
قوله ويلزم المتيم إن لم يستنج
اقول وكذلك يلزم غير المتيم لأن رفع أثر النجاسة واجب وهي نجاسة معلومة بالضرورة الدينية وقد جعل الشارع الاستجمار بالأحجار كافيا في رفعها فإذا لم ترتفع بالأحجار وجب رفعها بالماء وإذا لم ترتفع بالماء وجب رفعها بالأحجار
قوله ويجزئه جماد إلى آخر الباب
أقول المعنى الذي وقع لأجله الأمر بالاستجمار هو قطع أثر النجاسة ورفع عينها باستعمال ما أمر به الشارع فما نهى الشارع عن الاستجمار به كان غير مجزىء وما لم ينه عنه إن كان لا حرمة له ولا يضر استعماله فهو مجزىء
وأما الحكم على بعض أضداد هذه الأمور بالإجزاء وعلى بعضها بعدمه فليس كما ينبغي

(1/72)


باب الوضوء
شروطه التكليف والإسلام وطهارة البدن عن موجب الغسل ونجاسة توجبه
قوله شروطه التكليف والإسلام
اقول الشرط ما يؤثر عدمه في عدم المشروط كما صرح به أهل أصول الفقه وقد يكون شرطا للطلب وهو المعبر عنه في الفروع شرط الأداء
وقد يكون شرطا للمطلوب وهو المعبر عنه في الفروع بشرط الصحة وشرط الوجوب والشرط الأول هو الذي يقولون فيه تحصيل شرط الواجب ليجب لا يجب والثاني هو الذي يقولون فيه ما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه وهو الذي يعبر عنه اهل الأصول بمقدمة الواجب
إذا عرفت هذا فالتكليف شرط الطلب أي لا يطلب فعل الوضوء إلا من مكلف وتحصيل هذا الشرط لا يجب لأنه ليس في وسع العبد ذلك والإسلام شرط للصحة أي لا يصلح الوضوء إلا من مسلم ويجب على من لم يكن مسلما تحصيل هذا الشرط بالإسلام ولا يصح منه قبل ذلك وإن كان مكلفا به بمعنى انه يعاقب على تركه لتفريطه في تحصيل شرط ما هو واجب عليه فاعرف هذا فهو واضح ظاهر ومجرد التشكيك في مثله على المقصرين والقعقعة عليهم وصوغ عبارات تبعد عن أذهانهم ليس من دأب من قصد نشر العلم ونفع عباد الله بما يؤلفه لهم ويدونه لقصد إرشادهم
إذا تقرر لك هذا فاعلم أن رفع قلم التكليف عن غيرالمكلفين لا ينافي ثبوت الأجر لهم بما عملوه من خير لأن معنى رفع التكليف أنهم غير مكلفين بالأمور الشرعية وليس معناه أنهم لا يؤجرون في شيء مما يفعلونه من القربات وهكذا لا ينافي أمرهم بالصلاة وضربهم على تركها رفع التكليف عنهم فإن ذلك من باب التأديب لهم والتعويد لطبائعهم والتمرين لما يشق عليهم إذا تركوا فعله قبل وجوبه عليهم

(1/73)


فإن قلت قد زعمت أن الكفار مخاطبون بتحصيل شرط صحة ما شرعه الله لعباده مكلفون بذلك معاقبون على تركه فهل من دليل يدل على ذلك
قلت الكثير الطيب من الكتاب والسنة ولو لم يكن من ذلك إلا قوله سبحانه ما سلكم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وقوله سبحانه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وقوله سبحانه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين
قوله وطهارة البدن عن موجب الغسل
اقول لم يدل على هذا الاشتراط دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا من قياس صحيح بل الثابت من فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان يقدم الوضوء حتى لا يبقى منه إلا غسل الرجلين ثم يفيض الماء على بدنه ثم يغسل رجليه بعد الفراغ من غسل بدنه ثم يصلي ولا يحدث بعد ذلك وضوءا
هذا معلوم من فعله صلى الله عليه و سلم وأمته أسوته ولم يثبت ما روي أنه كان من عادته صلى الله عليه و سلم تقديم الغسل على الوضوء لا من وجه صحيح ولا من وجه حسن
قوله ونجاسة توجبه
اقول لا وجه لهذا الاشتراط لأن خروج النجاسة التي توجب الوضوء لا يلزم منه وجوب غسلها أو شرطيته قبل الوضوء فإن الناقض للوضوء إنما هو مجرد خروجها وقد خرجت قبل أن يشرع في هذا الوضوء الذي جعل غسلها شرطا لصحته نعم إذا كانت النجاسة في الفرجين

(1/74)


أو أحدهما فتقديم غسلها متعين لأن لمس الفرج من نواقض الوضوء إذا كان باليد أما إذا كان غسلها بشيء غير اليد فلا بأس بأن يتوضأ ثم يزيل النجاسة من فرجيه أو أحدهما
ولا شك أن رفع هذه النجاسة واجب ولكن النزاع في وجوب تقديم رفعها على الوضوء في كون رفعها شرطا للوضوء لا يصح إلا به وهذا وإن لم تقبله أذهان أهل التقليد فليس علينا إلا إيضاح الحق وإبطال ما لم يقم عليه دليل
فصل
وفروضه غسل الفرجين بعد إزالة النجاسة والتسمية حيث ذكرت وإن قلت أو تقدمت بيسير ومقارنة أوله بنيته للصلاة أما عموما فيصلي ما يشاء أو خصوصا فلا يتعداه ولو رفع الحدث إلا النفل فيتبع الفرض والنفل ويدخلها الشرط والتفريق وتشريك النجس أو غيره والصرف لا الرفض والتخيير والمضمضة والاستنشاق بالدلك والمج مع إزالة الخلالة والاستنثار وغسل الوجه مستكملا مع تخليل اصول الشعر ثم غسل اليدين مع المرفقين وما حاذاهما من يد زائدة وما بقي من المقطوع إلى العضد ثم مسح كل الرأس والأذنين فلا يجزىء الغسل ثم غسل القدمين مع الكعبين والترتيب وتخليل الأصابع والأظفار والشجج
قوله فصل وفروضه غسل الفرجين بعد إزالة النجاسة
أقول جعل الفرجين عضوا من أعضاء الوضوء لم يثبت عن عالم من علماء الإسلام قط لا من الصحابة ولا من التابعين ولا من تابعيهم ولا من أهل المذاهب الأربعة ولا من الأئمة من أهل البيت
وذكر المصنف له في كتابه هذا قد تبع فيه من تقدمه من المصنفين في الفروع من أهل هذه الديار وكلهم يجعل ذلك مذهبا للهادي وهو أجل قدرا من أن يقول به وليس في كتبه حرف من ذلك قط
ولا أظن هذه المقالة إلا صادرة من بعض الموسوسين في الطهارة وأهل العلم بأسرهم بريئون

(1/75)


عنها كما أن الشريعة المطهرة بريئة عنها وليس في الكتاب ولا في السنة حرف يدل على ذلك لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ومن استدل لهما بما ورد في الاستنجاء بالماء فهو لا يدري كيف الاستدلال فإن النزاع ليس هو في رفع النجاسة من الفرجين بل في غسلهما للوضوء بعد زالة النجاسة كما ذكره المصنف هنا وذكره غيره
وقد قدمنا لك أن الاستجمار بالأحجار يكفي كما دلت عليه الأدلة ودين الله غير محتاج إلى أن يبلغ شكوك أهل الشكوك في الطهارة إلى إثبات عضو زائد للوضوء الذي شرعه الله
وقد كان شكهم مرتفعا بما جزموا به من إيجاب رفع نجاستيهما بالماء وعدم الاكتفاء بالأحجار فما بالهم لم يقنعوا بذلك بل أوجبوا غسلا آخر بعد رفع النجاسة وجعلوا هذا الغسل فرضا على عباد الله وجزموا بأن الفرجين عضوين من أعضاء الوضوء وأن من ترك غسلهما للوضوء بعد غسل النجاسة فهو كمن ترك غسل أحد أعضاء الوضوء المذكورة في القرآن فيا لله العجب
قوله والتسمية حيث ذكرت وإن قلت أو تقدمت بيسير
أقول حديث لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه وقد روي من طرق عن جماعة من الصحابة أبي هريرة وأبي سعيد وسعيد بن زيد وعائشة وسهل بن سعد وأبي عبيدة وأم سبرة وكذلك روي من طريق علي وأنس وهذه الطرق يقوي بعضها بعضا فتصلح للاحتجاج بها
قال ابو بكر بن أبي شيبة ثبت لنا أن النبي صلى الله عليه و سلم قاله وقال ابن كثير في الأرشاد طرقه يشد بعضها بعضا فهو حديث حسن أو صحيح

(1/76)


وقال ابن حجر الظاهر أن مجموع الأحاديث تحدث منها قوة فتدل على أن له أصلا وهذه الصيغة أعني قوله لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه إن كان النفي فيها متوجها إلى الذات كما هو الحقيقة دل ذلك على انتفاء الوضوء بانتفاء التسمية والمراد انتفاء الذات الشرعية
وإن كان متوجها إلى الصحة كما هو المجاز الأقرب إلى الحقيقة لأن نفي الصحة يستلزم نفي الذات دل على عدم صحة وضوء من لم يسم
وإن كان متوجها إلى الكمال الذي هو أبعد المجازين من الحقيقة لأنه لا يدل على نفي الذات ولا على نفي صحتها دل ذلك على صحة الوضوء لكن لا على جهة الكمال
فالواجب الحمل على المعنى الحقيقي فإن قامت قرينة تصرف عنه وجب الحمل على المجاز القريب من الذات وهو الصحة فإن وجدت قرينة تدل على الصحة كان النفي متوجها إلى الكمال
فاعرف هذا واستعمله فيما يرد عليك تنتفع به
وقد جعل صاحب ضوء النهار هذا النفي متوجها إلى الكمال قال قالوا حديث من ذكر الله أول وضوئه طهر جسده كله ومن لم يذكره لم يطهر منه إلا مواضع الوضوء أخرجه رزين من حديث أبي هريرة انتهى
ولا يخفاك أن هذه النسبة في التخريج إلى رزين ليست كما ينبغي فرزين رجل اراد

(1/77)


أن يجمع بين الأمهات الست في مصنف مستقل ثم وجدت في مصنفه أحاديث لم يكن لها في الأمهات أصل ولا وجدت في شيء منها ثم تصدى للجمع بين الأمهات ابن الأثير في كتابه الذي سماه جامع الأصول وذكر تلك الأحاديث التي زادها رزين معزوة إليه فأجاد وافاد
2 - فما هو معزو إليه فالمراد أنه ليس في الأمهات التي تعرض رزين للجمع بينها وقد قدح فيه بعض أهل العلم ولعمري إن ذلك قادح فادح وهو وإن كان من علماء الإسلام ولكنه فعل ما لا يفعله الثقات
إذا عرفت هذا فاعلم أن عزو الجلال للحديث إليه لا طائل تحته فليس رزين ممن يخرج الأحاديث وفي الأحاديث التي زادها تهمة ظاهرة فليس فيما ينقل عنه وينسب إليه حجة أصلا
فإن قلت فهل أخرج هذا الحديث الذي عزاه إلى رزين أحد من المخرجين للأحاديث قلت أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث أبي هريرة وفي إسناده ضعيفان مرداس بن محمد ومحمد بن ابان وأخرجه الدارقطني والبيهقي ايضا من حديث ابن مسعود وفي إسناده يحيى بن هاشم السمسار وهو متروك وأخرجاه ايضا من حديث ابن عمر وفيه ابو بكر الداهري وهو متروك
قال البيهقي بعد إخراجه وهذا ايضا ضعيف ابو بكر الداهري غير ثقة عند أهل العلم بالحديث ولا يخفاك أن هذه الطرق لا تقوم بها حجة اصلا ولا يصح أن يكون من الحسن لغيره لأنها من طريق المتروكين والضعفاء بمرة فلا يقوى بعضها بعضا
وقد استدل البيهقي على عدم وجوب التسمية بحديث رفاعة بن رافع بلفظ لا تتم

(1/78)


صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه الحديث
واستدل النسائي في المجتبي وابن خزيمة والبيهقي عن استحباب التسمية بحديث أنس قال طلب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وضوءا فلم يجد فقال النبي صلى الله عليه و سلم هل مع أحد منكم ماء فوضع يده في الإناء وقال توضؤوا باسم الله
وأصله في الصحيحين بدون هذه الزيادة وأنت خبير بأنه لا دلالة في هذين الحديثين على ما استدلوا بهما عليه لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام
ومما يؤيد دلالة أحاديث التسمية على الوجوب بل على عدم صحة الوضوء بدونها حديث كل أمر ذي بال لا يذكر على أوله اسم الله فهو أجذم لا كما زعم بعضهم أن هذا الحديث يدل على عدم وجوب التسمية في الوضوء
قوله ومقارنة أوله بنيته للصلاة
أقول ظاهر حديث إنما الأعمال بالنيات وحديث لا عمل إلا بنية ونحوهما أن النية إذا عدمت عدم الوضوء وما كان هكذا فهو شرط فقول من قال إن النية شرط هو الظاهر
وأما قولهم إن الشرط يجب استصحابه في جميع المشروط فالمراد أنه يستمر عليه ولا يجيء بما يبطله كالوضوء فإنه شرط في الصلاة وليس معنى استصحابه فيها إلا أنه لا يقع منه حدث قبل فراغها فيبطل وضوءه

(1/79)


وهكذا النية في الوضوء والصلاة وغيرهما ليس المراد باستصحابها في المشروط وهو المنوي إلا مجرد البقاء عليها وعدم صرفها إلى غيره
فهذا معنى استصحاب الشرط في جميع المشروط
فإن قلت ما الدليل على أن النية إذا عدمت عدم الوضوء ونحوه من المنويات
قلت لأن هذا التركيب هو الذي يسميه أهل الأصول المقتضي وهو ما لا يتم معناه إلا بتقدير محذوف يتم به الكلام والمقدم تقدير المعنى الحقيقي أي إنما وجود الأعمال أو ثبوتها بالنية أو لا صلاة موجودة أو ثابتة إلا بالنية
وهذا التقدير يدل على انتفاء ذات الصلاة بانتفاء النية
لا يقال إن الذات قد وجدت فلا يصح توجه النفي إليها لأنا نقول إن المراد الذات الشرعية وتلك الذات التي وجدت غير شرعية
وعلى تقدير أن ثم مانعا يمنع من تقدير ما يدل على انتفاء الذات فالواجب تقدير أقرب المجازين إلى الذات كما قدمنا في البحث الذي قبل هذا
فيقال إنما صحة الأعمال بالنيات أو لا صحة لعمل إلا بنية
هذا يدل على أن العمل لا يصح بدون نية فقد أثر عدمها في عدم المنوي وذلك هو معنى الشرط ولا يصح ها هنا تقدير الكمال لعدم وجود دليل يدل عليه لكونه مجازا بعيدا
وأما قوله بنيته للصلاة فاعلم أن الحدث مانع من فعل الصلاة فإذا نوى رفعه فقد ارتفع المانع فيصلي ما شاء من فرض ونفل فلا وجه لقوله بنيته للصلاة ولا لما بعده فإنه إذا قد ارتفع المانع لم يزل المتوضىء متوضئا حتى يعود عليه حكم الحدث فيعود المانع
وقبل عوده يصلي ما شاء عموما وخصوصا فرضا ونفلا
ولا وجه أيضا لما ذكره من قوله يدخلها الشرط فإنه إذا ارتفع المانع لم يزل مرتفعا

(1/80)


حتى يعود ولا يصح أن يقيده بشرط لأن الوضوء إذا وقع على الصفة المشروعة مع إرادة ذلك الفعل وقصده فقد وقع مطابقا لما وقع به الأمر وذلك هو الوضوء الشرعي الرافع للحدث المانع من الصلاة
وأما ما ذكره من أنه يدخل النية التفريق أي إيقاعها عند كل عضو فإن كل ذلك بمعنى استحضار العزم الذي وقع منه عند الشروع وهو رفع المانع من الصلاة فلا بأس بذلك وإن كان المراد تكرير العزم عند كل عضو فلا يبعد أن ذلك بدعة
وأما تشريك النجس فالنجاسة إذا كانت في أعضاء الوضوء وجب تقديم غسلها حتى تزول عينها ولونها وطعمها وعرفها فإذا فرغ من ذلك غسل العضو غسل الوضوء ولا يصح أن يكون الغسل لرفع الحدث والنجس جميعا وبعد زوال النجاسة لا معنى لتشريكها
وما ذكره من الصرف والرفض والتخيير فهو مبني على ما ذكره من أنه لا بد أن ينوي الوضوء للصلاة وقد عرفت أنه يكفي مجرد رفع المانع وهو الحدث ولا يصح صرف نفس رفع المانع ولا رفضه ولا التخيير بينه وبين شيء آخر
قوله والمضمضة والاستنشاق
أقول القول بالوجوب هو الحق لأن الله سبحانه قد أمر في كتابه العزيز بغسل الوجه ومحل المضمضة والاستنشاق من جملة الوجه
وقد ثبت مداومة النبي صلى الله عليه و سلم على ذلك في كل وضوء ورواه جميع من روى وضوءه صلى الله عليه و سلم وبين صفته فأفاد ذلك أن غسل الوجه المأمور به في القرآن هو مع المضمضة والاستنشاق

(1/81)


وأيضا قد ورد الأمر بالاستنشاق والاستنثار في أحاديث صحيحة وأخرج أبو داود والترمذي من حديث لقيط بن صبرة بلفظ إذا توضأت فمضمض وإسناده صحيح وقد صححه الترمذي والنووي وغيرهما ولم يأت من أعله بما يقدح فيه
قوله مع تخليل أصول الشعر
أقول الأحاديث في تخليل اللحية وقد وردت من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة وفيها الصحيح والحسن والضعيف وقد صحح بعضها الترمذي في جامعه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والدارقطني والحاكم وابن دقيق العبد وابن الصلاح وحسن بعضها البخاري وما دون ذلك ينتهض للاحتجاج به وفي بعضها الحكاية لفعل النبي صلى الله عليه و سلم مع زيادة وهي قوله بهذا أمرني ربي ومجرد الفعل المستمر يدل على أنه بيان لما في القرآن من قوله فاغسلوا وجوهكم الآية لأن اللحية والحاجبين والشارب كلها نابتة في الوجه ولم يأت من ضعف أحاديث تخليل اللحية بما يقدح في الاحتجاج وليس ذلك إلا باعتبار بعض الطرق وأما باعتبار الكل فلا وقد قامت الحجة بتصحيح من صححها وتحسين من حسنها كما ذكرنا ومن علم حجة على من لا يعلم وبهذا تعرف أن ما روي عن أحمد بن حنبل من أنه لم يثبت في تخليل اللحية حديث صحيح وأن أحسن

(1/82)


شيء فيه حديث شقيق عن عثمان وروي مثله عن ابن أبي حاتم عن أبيه لا يعارض ما ذكرنا عن أولئك الأئمة
قوله ثم غسل اليدين مع المرفقين
أقول كلام أهل اللغة والنحو في كون إلى للغاية أو بمعنى مع معروف وقد ذهب إلى كل قول طائفة وذهب قوم إلى التفصيل فقالوا إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها كما في هذه المسألة كانت بمعنى مع وإن لم يكن من جنسه كما في قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل كانت للغاية فلا يدخل ما بعدها فيما هو قبلها
والحق احتمالها للأمرين فإذا ورد ما يدل على أحدهما تعين وإن لم يرد ما يدل على أحدهما كان الكلام في ذلك كالكلام في اللفظ المشترك بين معنيين وقد ورد ها هنا ما يدل على أحد المعنيين وهو أنها بمعنى مع
ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه توضأ حتى أشرع في العضد وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخرج الدارقطني والبيهقي من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم أدار الماء على مرفقيه ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به
وفي إسناده القاسم بن محمد بن عبد الله بن عقيل وفيه كلام معروف
وفي رواية للدارقطني من حديث عثمان أنه غسل وجهه ويديه حتى مس أطراف

(1/83)


العضوين وأخرج البزار من حديث وائل بن حجر قال شهدت النبي صلى الله عليه و سلم توضأ فغسل وجهه ثم يديه فغسل حتى جاوز المرفق
قوله وما حاذاهما من يد زائدة
أقول لا وجه لاعتبار المحاذاة وليس مجرد المحاذاة للمرفقين مما يوجب أن يكون للمحاذاة من ذلك العضو الزائد حكم الأصل ولا يجب غير غسل اليد الأصلية إلا إذا كان العضو الزائد نابتا في المحل الذي يجب غسله فإنه داخل في مسمى اليد وأما النابت في غير ذلك المحل فليس بداخل في مسمى اليد التي ورد الشرع بغسلها
وأما ما ذكره من وجوب غسل ما بقي من العضو الذي يجب غسله بعد قطع بعضه فلا شك في ذلك لأن الوجوب الذي كان قبل القطع لا يرتفع بالقطع وإن كان الباقي يسيرا مهما كان مما يجب غسله
قوله ثم مسح كل الرأس
أقول وجه إيجاب مسح الكل أن مسمى الرأس حقيقة هو جميعه ولكن محل الحجة ها هنا هو ما يفيده إيقاع المسح على الرأس وهو يوجب المعنى الحقيقي جزءا من أجزائه كما تقول ضربت رأسه وضربت برأسه فإنه يوجد المعنى بهذا التركيب بلإيقاع الضرب على جزء من أجزاء الرأس
ومن قال إنه لا يكون ضاربا لرأسه حقيقة إلا إذا وقع الضرب على كل جزء من أجزائه فقد جاء بما لا يفهمه أهل اللغة ولا يعرفونه ومثل هذا إذا قال القائل مسحت الحائط ومسحت بالحائط فإن المعنى للمسح يوجد بمسح جزء من أجزاء الحائط ولا ينكر هذا إلا مكابر وبهذا تعرف معنى قوله تعالى وامسحوا برءوسكم ودع عنك ما أطال الناس القول فيه من الكلام في معاني الباء وفي معنى الرأس حقيقة ومجازا فإن ذلك تطويل بلا طائل
وإذا عرفت الآية الكريمة فاعلم أن السنة المطهرة تعضد ذلك وتقويه فإنه صلى الله عليه و سلم

(1/84)


مسح جميع رأسه واقتصر في بعض الأحوال على مسح بعضه مكملا على العمامة تارة وغير مكمل عليها أخرى فكان ذلك مطابقا لما افاده القرآن ولا شك أن الأحسن والأحوط مسح كل الرأس على الهيئة التي كان يفعلها رسول الله صلى الله عليه و سلم حسب ما ذكر ذلك أئمة الحديث في كتبهم التي هي دواوين الإسلام ولكن لم يقم دليل على أن ذلك واجب متعين
وكيف يقال ذلك وقد فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يخالفه ودلت الآية على ما هو أوسع منه
قوله والأذنين
اقول قد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه مسحهما مع مسح رأسه وثبت أنه مسح ظاهرهما وباطنهما كما أخرجه النسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن منده
وأخرج أبو داود والبزار من حديث تعليم علي بن أبي طالب وضوء رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه مسح ظهور أذنيه وإسناده حسن
ومن ذلك حديث الأذنان من الرأس وهو مروي من طريق ثمانية من الصحابة وفي بعض أسانيدها مقال وهي يقوي بعضها بعضا فتصلح للاحتجاج بها
والحاصل أن مسح ظاهرهما وباطنهما هو الهيئة الكاملة كما ذكرنا في مسح كل الرأس

(1/85)


وأما أن ذلك واجب متعين فلا بل يجزىء ما يصدق عليه مسمى المسح كما قلنا في الرأس
قوله ثم غسل القدمين مع الكعبين
أقول قد أطال أهل العلم الكلام على القراءتين في قوله سبحانه وأرجلكم ولا شك أن ظاهرهما انه يجزىء الغسل وحده والمسح وحده وهما قراءتان صحيحتان لكنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم المسح للرجلين قط بل الثابت عنه في جميع الروايات أنه كان يغسل رجليه وثبت عنه ما يدل على أن الغسل لهما متعين كما في حديث أنه صلى الله عليه و سلم توضأ ثم قال بعد فراغه من الوضوء هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به وكان ذلك الوضوء مع غسل الرجلين وقال للأعرابي توضأ كما أمرك الله ثم ذكر له صفة الوضوء وفيه غسل الرجلين وثبت عنه في الصحيحين وغيرهما أنه قال ويل للأعقاب من النار قال ذلك لما رأى جماعة وأعقابهم تلوح
ولهذا وقع الإجماع على الغسل قال النووي ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به
وقال ابن حجر في الفتح إنه لم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا علي وابن عباس وأنس وقد ثبت الرجوع منهم عن ذلك
وبالجملة فاستمراره صلى الله عليه و سلم على الغسل وعدم فعله للمسح أصلا إلا في المسح على الخفين وصدور الوعيد منه على من لم يغسل وتعليمه لمن علمه أنه يغسل رجليه وقوله

(1/86)


هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به يدل على أن قراءة الجر منسوخة أو محمولة على وجه من وجوه الإعراب كالجر على الجواز أو محمولة على المسح على الخفين الثابت ثبوتا أوضح من شمس النهار حتى قيل إنه روي من طريق أربعين من الصحابة وقيل من طريق سبعين منهم وقيل من طريق ثمانين منهم
والكلام في غسل الكعبين هنا كالكلام في غسل المرفقين وقد تقدم فلا نعيده
قوله والترتيب
اقول هذه هيئة واجبة ولا يحسن جعلها من جملة فرائض الوضوء وكذلك قوله فيما بعد وتخليل الأصابع والأظفار والشجج فإن جعل ذلك من جملة الفرائض فيه نوع تساهل وقد ثبت عن الشارع فعلا وتعليما أنه غسل أعضاء الوضوء مقدما لما قدمه القرآن ومؤخرا لما اخره كذلك ثبت عن الحاكين لوضوء النبي صلى الله عليه و سلم والمعلمين لهم فهذا هو الوضوء الذي شرعه الله لعباده في كتابه
ومن زعم أنه يجزىء وضوء غير مرتب على ذلك الترتيب فقد خالف الجادة البيضاء والطريقة الواضحة التي لا يزيغ عنها إلا زائغ
وأما كون الواو لا تفيد الترتيب فهذا لو لم يرد البيان النبوي وأما بعد وروده دائما مستمرا فلا
ثم قوله صلى الله عليه و سلم بعد أن توضأ وضوءا مرتبا هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به وقوله للأعرابي توضأ كما أمرك الله ثم علمه الوضوء مرتبا على ما في القرآن يدلان دلالة بينة واضحة أن ذلك واجب متعين لا يجوز المخالفة له بحال ولم يصب من قال إن الإشارة بقوله هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به إلى نفس الفعل لا إلى هيئته فإن ذلك دعوى بلا دليل بل الإشارة أي إشارة كانت إلى فعل أي فعل كان إلى الفعل الذي له تلك الهيئة لا إلى الفعل مجردا عنها فإن ذلك مما لا يدل عليه عقل ولا نقل

(1/87)


فصل
وسننه غسل اليدين أولا والجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة وتقديمهما على الوجه والتثليث ومسح الرقبة وندب السواك قبله عرضا والترتيب بين الفرجين والولاء والدعاء وتوليه بنفسه وتجديده بعد كل مباح وإمرار الماء على ما حلق أو قشر من أعضاء
قوله فصل وسننه غسل اليدين أولا
أقول قد ثبت ذلك من فعله صلى الله عليه و سلم وحكاه من حكاه من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في تعليمهم لوضوئه ومن ذلك ما هو في الصحيحين ومنه ما هو في غيرهما ولا شك في مشروعيته وأما قول من قال بالوجوب فلا وجه له لأن غسل اليدين قبل الوضوء لم يكن مما في القرآن الكريم وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم للأعرابي توضأ كما أمرك الله يعني في القرآن
أما حديث إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده فهو خاص بمن قام من النوم فعلى تقدير دلالته على الوجوب لا يدل على وجوب غسلها عند كل وضوء بل في هذه الحالة الخاصة بمن قام من النوم
واعلم أن المشروع غسلهما ثلاثا كما ثبت ذلك عنه صلى الله عليه و سلم من حديث عثمان في حكايته لوضوء النبي صلى الله عليه و سلم أنه أفرغ الماء على كفيه ثلاث مرات يغسلها وأخرج أحمد والنسائي من حديث أوس بن أوس الثقفي قال رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم توضأ فاستوكف ثلاثا أي غسل كفيه ثلاثا
قوله والجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة
أقول كان ينبغي للمصنف رحمه الله أن يزيد لفظ ثلاثا فيقول والجمع بين

(1/88)


المضمضة والاستنشاق ثلاثا بغرفة كما كان ينبغي له أن يقول وسننه غسل اليدين ثلاثا أولا لما تقدم في غسل اليدين وكذلك هنا لأن الثابت من فعله صلى الله عليه و سلم هو الجمع بين المضمضة والاستنشاق ثلاثا بغرفة كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن زيد في تعليمه لوضوء رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه تمضمض واستنشق ثلاث مرات من غرفة واحدة
والروايات المطلقة عن لفظ ثلاثا ينبغي أن تحمل على هذه الرواية المقيدة بالثلاث فإن قلت قد لا يتسع الكف للجميع بين المضمضة والاستنشاق منه ثلاث مرات
قلت إذا لم يتمكن المتوضىء من ذلك إما لضيق كفه أو لعدم حفظها لما فيها فذلك مما يسوغ له أن يكرر الغرفات جامعا بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة
وقد ورد الفصل بين المضمضة والاستنشاق كما في حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق وقد أعلوا هذا الحديث بجهالة مصرف والد طلحة ولكنه قد حسن إسناده ابن الصلاح في كلامه على المهذب وقد وثق ابنه طلحة ابن معين وأبو حاتم وكانوا يسمونه سيد القراء
قوله وتقديمها على الوجه
أقول هذا هو الثابت من فعله صلى الله عليه و سلم ومن حكاية الحاكين لوضوئه في الصحيحين وغيرهما ولكنه قد أخرج أحمد وأبو داود والضياء في المختارة عن المقدام بن معد يكرب أنه أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم بوضوء فتوضأ فغسل

(1/89)


كفيه ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم تمضمض واستنشق ثلاثا ثم مسح برأسه وأذنيه الحديث
وأخرج الدارقطني عن الربيع وفيه ثم يتوضأ فيغسل وجهه ثلاثا ثم يمضمض ويستنشق ثلاثا إلخ الحديث وهو من طريق شيخ الدارقطني إبراهيم بن حمادة عن العباس ابن يزيد عن سفيان بن عيينة عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ والكلام في عبد الله بن محمد بن عقيل معروف وللحديث طرق وألفاظ مدارها عليه وقد أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة
وطريقة الجمع بين هذه الأحاديث أن يقال إنه صلى الله عليه و سلم أخر المضمضة في هذين الحديثين لبيان الجواز فيكون هذا في حكم المخصص لما تقدم في الترتيب بين أعضاء الوضوء
قوله والتثليث
أقول قد ورد في مشروعية التثليث أحاديث كثيرة وورد في إجزاء الوضوء مرة مرة ما أفاد أن الزيادة على المرة مسنونة غير واجبة ولكن الأحاديث الصحيحة الكثيرة أن المسح بالرأس مرة واحدة ولم يثبت في تثليثه ما يصلح للإحتجاج به فالتثليث سنة إلا في مسح الرأس وقد أوضحت ذلك في شرح المنتقى وذكرت جميع ما ورد في إفراد مسحه وفي تثليثه وتعقبت كل رواية من روايات التثليث فمن أراد الاستيفاء فليرجع إليه
قوله ومسح الرقبة
أقول لم يثبت في ذلك شيء يوصف بالصحة أو الحسن وقد ذكر ابن حجر في التلخيص أحاديث وهي وإن لم تبلغ درجة الاحتجاج بها فقد أفادت أن لذلك أصلا لا كما قال النووي إن مسح الرقبة بدعة وإن حديثه موضوع وقال ابن القيم في الهدى لم يصح عنه في مسح العنق حديث ألبتة انتهى
وهذا مسلم ولكن لا تشترط الصحة في كل ما يصلح للحجية فإن الحسن مما يصلح للحجية

(1/90)


وكذلك الأحاديث التي كل حديث فيها ضعيف وكثرة طرقها يوجب لها القوة فتكون من قسم الحسن لغيره
قوله وندب السواك
أقول جعل السواك مندوبا مع جعل ما قبله سننا من غرائب التصنيف وعجائب التأليف فإن الأحاديث الثابتة في السواك قولا وفعلا أوضح من شمس النهار مع كونها في غاية الكثرة والصحة فكيف كان السواك مندوبا وتلك الأمور المتقدمة من أول الفصل إلى هنا مسنونة وما المقتضى لحط رتبة السواك عن رتبتها وهي دونه بمراحل وأكثرها لم يرد فيه إلا مجرد الفعل فقط وسيأتي للمصنف في كتاب الصلاة أن المسنون ما لازمه الرسول صلى الله عليه و سلم وأمر به وإلا فمستحب والمستحب في اصطلاحه يرادف المندوب فكان عليه أن يحكم للسواك بأنه مسنون فقد لازمه الرسول صلى الله عليه و سلم وأمر به ولولا قوله صلى الله عليه و سلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك لكانت الأوامر الواردة فيه باقية على حقيقتها وأن يحكم لمثل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة بأنه مندوب فقط
قوله والترتيب بين الفرجين
أقول قد قدمنا أن عد الفرجين عضوا من أعضاء الوضوء من غرائب هذه الديار وأهلها ولم يكتف المصنف رحمه الله بذلك حتى أبان لهما هذه الهيئة الترتيبية وحكم لها بالندب
ويالله العجب من هذه الأباطيل الموضوعة من المصنفات التي يقصد بها مصنوفها إرشاد العباد إلى ما شرعه الله لهم وتسهيل حفظها عليهم فإن هذا من التقول على هذه الشريعة المطهرة بما لم يكن فيها ومن تكليف الأمة المرحومة بما لم يكلفها الله به ولا يحمل القائل بذلك على معمد الإتيان بالباطل بل أحسن المحامل له ولأمثاله من المشتغلين بالفروع المصنفين فيها

(1/91)


أن يقال إنه لا إلمام لهم بالأدلة الشرعية ولا شغلوا أنفسهم بشيء منها ولهذا نفقت عندهم هذه الأباطيل وراجت على عقولهم هذه الأضاليل ولكن ما لمن كان بهذه المنزلة والتعرض للتصنيف في الأمور الدينية التي لا تؤخذ إلا عن الكتاب والسنة أو ما يرجع إليهما بوجه من وجوه الدلالة
قوله والولاء
أقول لم يثبت عنه صلى الله عليه و سلم في وضوئه ولا عمن حكى وضوءه من الصحابة أنهم فرقوا بين أعضاء الوضوء وترك الموالاة بينها بل كانوا يغسلون الأول فالأول غير مشتغلين بعمل آخر فيما بين أعضاء الوضوء ولا واقفين بين غسل الأعضاء فالتفريق بدعة مخالفة لما كان عليه أمره صلى الله عليه و سلم فهي رد على فاعليها ولا يخلص فاعلها عن كونه مبتدعا ما يتمسك به من فعل صحابي قد روي عنه ذلك كما أخرجه البيهقي عن ابن عمر أنه توضأ في السوق فغسل يديه ووجهه وذراعيه ثلاثا ثلاثا ثم دخل المسجد فمسح خفيه بعد أن جف وضوؤه وصلى
قال البيهقي وهذا صحيح عن ابن عمر وقد علقه البخاري في الغسل ولا يخفاك أن فعل الصحابي لا يقوم به الحجة في أقل حكم من أحكام الشرع فكيف بمثل هذا
وأخرج البيهقي أيضا أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ارجع فأحسن وضوءك قال البيهقي رواه مسلم
وهذا ليس فيه ما يدل على جواز التفريق بل ظاهر قوله ارجع فأحسن وضوءك أنه يعيد الوضوء من أوله

(1/92)


وعلى تسليم أنه أراد بقوله فأحسن وضوءك غسل موضع ذلك المتروك من ظهر القدم فليس تكميل غسل العضو كترك غسله كله بعد غسل ما قبله حتى يمضي وقت فإن التفريق إنما يكون هكذا
ومثل هذا ما أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي من حديث ابن مسعود أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الرجل الذي يغتسل من الجنابة فيخطيء بعض جسده الماء قال ليغسل ذلك المكان ثم ليصل وفي اسناده عاصم بن عبد العزيز وليس بالقوي كما قال النسائي والدارقطني وقال البخاري فيه نظر
وقد استدل صاحب فتح الباري على جواز التفريق بأن الله أوجب غسل أعضاء الوضوء فمن غسلها فقد أتى بما وجب عليه ويجاب عنه بأن هذا الغسل الذي أوجبه الله قد بينه رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي أرسله الله سبحانه ليبين للناس ما نزل إليهم ولم يثبت عنه التفريق من فعله الدائم المستمر طول عمره ولا جاء في قوله ما يدل على ذلك بوجه من وجوه الدلالة
قوله والدعاء
أقول لم يثبت في ذلك شيء وما روى فهو إما موضوع أو في إسناده كذاب أو متروك والذي ثبت في الوضوء من الأذكار هو التسمية في أوله وفي آخره أشهد أن ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ولم يثبت غير هذا لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف خفيف الضعف
قوله وتوليه بنفسه
أقول الأمر القرآني لكل قائم إلى الصلاة أن يغسل أعضاء وضوئه يدل على أنه يجب على المتوضىء أن يغسل أعضاء وضوئه بنفسه والبيان الواقع من رسول الله صلى الله عليه وآله

(1/93)


وسلم في وضوئه وفي تعليمه لغيره يؤيد ذلك ويقويه فمن زعم أنه يجزىء العبد وضوء وضاه غيره فعليه الدليل ولا دليل يدل على ذلك أصلا
وإذا ألجأت الضرورة فلها حكمها وذلك كالمريض الذي يعجز عن غسل أعضائه أو بعضها والأشل والأقطع ونحو ذلك
وأما الصب من الغير على يد المتوضىء فذلك ثابت في السنة في الصحيحين وغيرهما من رواية جماعة من الصحابة
قوله وتجديده بعد كل مباح
أقول الأولى مشروعية فعله لكل صلاة من غير نظر إلى فعل المباح أو عدمه فإنه لم يدل دليل على ربط المشروعيه بأن يفعل بعد وضوئه الأول مباحا وقد كان صلى الله عليه و سلم في غالب حالاته يتوضأ لكل صلاة
ويدل على هذا ما أخرجه الترمذي من حديث بريدة وقال صحيح حسن قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتوضأ لكل صلاة فلما كان عام الفتح صلى الصلوات كلها بوضوء ومسح على خفيه فقال عمر إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله قال عمدا فعلته وأخرجه أيضا مسلم وأبو داود والنسائي بنحوه وقال فيه خمس صلوات بوضوء
وأخرج البخاري والترمذي والنسائي من حديث عمر وأنس أنه كان صلى الله عليه و سلم يتوضأ لكل صلاة وأخرج الترمذي وابن ماجة من حديث ابن عمر من توضأ على طهر كتبت له عشر حسنات وفي إسناده عبد الرحمن الإفريقي وهو ضعيف الحفظ عن أبي غطيف وهو مجهول

(1/94)


وتأديته صلى الله عليه و سلم للصلوات بوضوء واحد وترغيبه في الوضوء على طهر يدلان على أن الأمر بالوضوء عند القيام إلى الصلاة محمول على الندب أو هو أمر للمحدثين
وهكذا حديث أبي هريرة عند الدرامي والترمذي وابن ماجة مرفوعا لا وضوء إلا من حدث وفي بعض ألفاظه لا وضوء إلا من صوت أو ريح قال الترمذي حسن صحيح يحمل على أن معناه لا وضوء واجب جمعا بين الأدلة
ومثله ما أخرجه أحمد وابن ماجة والطبراني وابن نافع عن السائب بن خباب مرفوعا لا وضوء إلا من ريح أو سماع
قوله وإمرار الماء على ما حلق أو قشر من أعضائه
أقول لا مستند لهذا التشريع العجيب إلا مجرد خيالات مختلة وآراء معتلة فالحكم بالندب لا يجوز إلا بدليل وإلا كان من التقول عن الشارع بما لم يقله
فصل
ونواقضه ما خرج من السبيلين وإن قل أو ندر أو رجع وزوال العقل بأي وجه إلا خفقتى نوم ولو توالتا أو خفقات متفرقات وفيء نجس ودم أو نحوه سال تحقيقا أو تقديرا من موضع واحد في وقت واحد إلى ما يمكن تطهيره ولو مع الريق وقدر بقطرة والتقاء الختانين ودخول الوقت في حق المستحاضة ونحوها وكل معصية كبيرة غير الأصرار أو ورد الأثر بنقضها كالكذب والنميمة وغيبة المسلم وأذاه
قوله فصل ونواقضه ما خرج من السبيلين
أقول أما انتفاضه بالبول والغائط فبالضرورة الدينية وأما ما عداهما فما وقع النص

(1/95)


عليه كما في حديث حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وهو في الصحيح من رواية جماعة من الصحابة فهو ناقض بالنص وما لم يقع النص عليه فهو لاحق بالريح إما بفحوى الخطاب أو بلحن الخطاب ولا يحتاج مع هذا إلى الاستدلال على تعميم نقض الخارج بما لم يثبت ففي هذا كفاية وهو يشمل ما قل أو ندر أو رجع
قوله وزوال العقل بأي وجه
أقول وجه النقض أن من زوال عقله بنوم أو جنون أو إغماء لم يكن على يقين من بقاء طهارته التي تعتبر في صحة الصلاة ولا سيما وتلك الحالة مظنة لاسترخاء الأعضاء وعدم القدرة على دفع ما ينتقض به الوضوء وقد ثبت في النوم حديث العين وكاء السه من رواية علي ومعاوية مرفوعا وقد حسنه جماعة من الحفاظ
فجعل النوم مظنة للنقض لأنه إذا نامت العين استطلق الوكاء كما في بعض الروايات ثم رتب صلى الله عليه و سلم على هذه المظنة الجزم على من نام بأن يتوضأ فقال فمن نام فليتوضأ كما في بعض الروايات الخارجة من مخرج معمول به
ولكنها وردت أحاديث قاضية بأنه لا ينتقض الوضوء بالنوم إلا إذا نام مضطجعا وهي تقوى بعضها بعضا كما أوضحت ذلك في شرحي المنتقى فتكون مفيدة لما ورد في نقض مطلق النوم فلا ينقض إلا نوم المضطجع
إذا تقرر لك هذا فاعلم أن الجنون والإغماء أولى بوجود هذه المظنة فيهما فأقل أحوالهما أن يكونا مثل النوم فلا يحتاج إلى إيراد دليل عليهما بخصوصهما
ومعلوم أنه إذا استطلق الوكاء بالنوم أستطلق بما هو مثله في زوال العقل وذهاب الإحساس فكيف بما هو فوقه

(1/96)


وبهذا تعرف أنه لا ينقض نوم القاعدة ونحوه ممن لم يكن مضطجعا لا بخفقتين ولا بخفقات متواليات أو متفرقات
وعلى هذا يحمل ما ورد أن جماعة من الصحابة كانوا ينامون فيوقظون للصلاة فيصلون ولا يتوضئون
وأما ما ورد في بعض الروايات أنهم كانوا يضعون جنوبهم فهو لا يصلح للتمسك به في معارضة إيجاب الوضوء على نوم من نام مضطجعا ثم الاضطجاع لا يستلزم النوم فقد يضطجع منتظرا للصلاة للاستراحة فيظن من رآه كذلك أنه نائم
على ان هذا اللفظ أعنى قوله كانوا يضعون جنوبهم لم يثبت من وجه يصلح للاحتجاج به
قوله وقيء نجس
أقول قد صح أنه صلى الله عليه و سلم قاء فتوضأ كما أخرج ذلك أحمد وأهل السنن وهو حديث حسن ويؤيده حديث من أصابه قيء أو رعاف أو قلس فلينصرف فليتوضأ وإعلاله بإسماعيل بن عياش لا يوجب ترك العمل به فإسماعيل إمام قد وثقه جماعة وضعفه آخرون بما لا يوجب سقوط حديثه وترك العمل به ولحديثه هذا شواهد تقوية
قوله ودم أو نحوه إلخ
أقول قد عرفناك فيما سلف أن الأصل في الأشياء الطهارة فمن ادعى نجاسة شيء من الأشياء فعليه الدليل فإن جاء بما يصلح للنقل عن هذا الأصل المصحوب بالبراءة الأصلية فذاك وإلا فلا قبول لقوله

(1/97)


وهكذا من ادعى أنه ينقض الطهارة الصحيحة ناقض فعليه الدليل فإن نهض به فذاك وإلا فقوله رد عليه
وعرفناك أن الحدث مانع من الصلاة فإذا ارتفع بالوضوء كان مرتفعا حتى يعود ذلك المانع بما يوجب بطلان تلك الطهارة التي ارتفع بها ذلك المانع ولم يأت من قال بأن خروج الدم ناقض بشيء يصلح للتمسك به فإن حديث سلمان أنه رعف فقال له صلى الله عليه و سلم أحدث لك وضوءا وإن أخرجه الطبراني في الكبير ففي إسناده كذاب وضاع وحديث تميم الداري بلفظ الوضوء من كل دم سائل وإن عزاه السيوطي في الجامع الصغير إلى الدارقطني ففي إسناده من لا تقوم به الحجة وحديث أبي هريرة ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون سائلا وإن اخرجه الدارقطني ففي إسناده من لا تقوم به الحجة وأما حديث إسماعيل بن عياش فقد قدمنا في البحث الذي قيل هذا الكلام فيه وذكرنا أنه يؤيد ما ذكرناه من أنه صلى الله عليه و سلم قاء فتوضأ فلا يصلح للاحتجاج به منفردا فكيف إذا عورض بمثل أنه صلى الله عليه و سلم احتجم وصلى ولم يزد على غسل محاجمه أخرجه الدارقطني وفي إسناده صالح بن مقاتل ووالده وسليمان بن داود وصالح ووالده ضعيفان وسليمان بن داود مجهول ولكنه رواه المنذري في تخريج المهذب من هذه الطريق وقال إسناده حسن وقال ابن العربي في خلافياته إن الدارقطني رواه بإسناد صحيح هكذا حكى ذلك في البدر المنير
وبما أخرجه البخاري عن جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم كان في غزوة ذات الرقاع فرمى رجل بسهم فنزفه الدم فركع وسجد ومضى في صلاته وأخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم

(1/98)


وقد ثبت في روايات صحيحة أن النبي صلى الله عليه و سلم نزل الشعب فقال من يحرسنا الليلة الليلة فقام رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فباتا بفم الشعب فاقتسما الليلة للحراسة وقام الأنصاري يصلي فجاء رجل من العدو فرمى الأنصاري بسهم فأصابه فنزعه واستمر في صلاته ثم رماه بثان فصنع كذلك ثم رماه بثالث فنزعه وركع وسجد وقضى صلاته ثم أيقظ رفيقه فلما رأى ما به من الدماء قال له لم لا أنبهتني أول ما رمى قال كنت في سورة فأحببت أن لا أقطعها
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه و سلم قد اطلع على ذلك ولم ينكر عليه الاستمرار في الصلاة بعد خروج الدم ولو كان الدم ناقضا لبين له ولمن معه في تلك الغزوة وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز
وقد كان الصحابة رضى الله عنهم يخوضون المعارك حتى تتلوث أبدانهم وثيابهم بالدم ولم ينقل أنهم كانوا يتوضئون لذلك ولا سمع عنهم أنه ينقض الوضوء
قوله والتقاء الختانين
أقول قد ثبت أن هذا من موجبات الغسل بالأدلة الصحيحة كما سيأتي ومعلوم أن موجبات الطهارة الكبرى موجبات للطهارة الصغرى فذكر هذا هنا غفلة شديدة
قوله ودخول الوقت في حق المستحاضة ونحوها
أقول ليس على هذا أثارة من علم ولا عقل فلا حاجة إلى التطويل في رده وبيان بطلانه
قوله وكل معصية كبيرة غير الإصرار
أقول لم يتمسك القائلون بهذا سوى حديث أبي هريرة عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه و سلم

(1/99)


رأى رجلا مسبلا إزاره في الصلاة فأمره بإعادة الوضوء والصلاة وفي إسناده مجهول قيل هو يحيى بن أبي كثير المدني وقيل هو كثير بن جهمان السلمي وقيل غيرهما فلا تقوم به حجة ولا يصح الاستدلال به على نقض وضوء المسبل إزاره فكيف يستدل به على هذه القضية الكلية التي تعم بها البلوى
فيالله العجب من التسرع إلى إثبات أحكام الله سبحانه بمجرد الخيالات المختلة والشبه المعتلة
وأما الاستدلال بأن الكبائر محبطة فلا يصلح للاستدلال به بوجه من الوجوه ولو سلم لكانت محبطة لكل عمل فعل قبلها من أعمال الخير كائنا ما كان فلا ينعقد لفاعل الكبيرة عمل ولا تثبت له طاعة وهذا باطل بالإجماع وليس مراد القائلين بالإحباط إلا إحباط ثواب الطاعات المترتب على فعلها لا شك في هذا
قوله أو ورد الأثر بنقضها كتعمد الكذب والنميمة
أقول لم يرد شيء قط في ذلك لا من وجه صحيح ولا حسن ولا ضعيف خفيف الضعف فإثبات مثل هذا الحكم الذي تعم به البلوى بلا شيء من كتاب ولا سنة ولا قياس ولا وجه من وجوه الاستدلال ليس من دأب المتورعين فضلا عن العلماء العاملين
ومع هذا فإقرار هاتين المعصيتين بالذكر بعد ذكر كل معصية كبيرة ليس على ما ينبغي فإنهما من الكبائر كما دلت على ذلك الأدلة وانطباق حد الكبائر عليهما على اختلاف الاصطلاحات ومثلهما غيبة المسلم
وأما القهقهة في الصلاة فأشف ما استدلوا به قصة الأعمى التي أخرجها الطبراني

(1/100)


في الكبير عن أبي موسى قال بينما النبي صلى الله عليه و سلم يصلي بالناس إذا دخل رجل فتردى في حفرة كانت في المسجد وكان في بصره ضرر فضحك كثير من القوم وهم في الصلاة فأمر النبي صلى الله عليه و سلم من ضحك أن يعيدوا الوضوء والصلاة وفي إسناده محمد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أبو جعفر الواسطي الدقيقي قد اختلف فيه حتى قال أبو داود إنه لم يكن بمحكم العقل ورواه البيهقي عن أبي العالية مرسلا وقال أما هذا فحديث مرسل ومراسيل أبي العالية ليست بشيء كان لا يبالي عمن أخذ حديثه ورواه البيهقي أيضا من طرق ثم قال وهذه الروايات كلها راجعة إلى أبي العالية الرياحي قال الشافعي حديث أبي العالية الرياحي رياح وقال ابن عدي وأكثر ما نقم على أبي العالية هذا الحديث وكل ما رواه غيره فإن مدارهم ورجوعهم إلى أبي العالية والحديث له وبه يعرف ومن أجل هذا الحديث تكلموا في أبي العالية وسائر أحاديثه مستقيمة صالحة انتهى
وقد جزم جماعة من الحفاظ أنه لم يصح في كون الضحك ينقض الوضوء شيء فليس ها هنا ما يصلح لإثبات أقل حكم من أحكام الشرع
وقد أخرج البيهقي في سننه من طريق الدارقطني عن أبي موسى أنه كان يصلي بالناس فرأوا شيئا فضحك بعض من كان معه فقال أبو موسى من كان ضحك منكم فليعد الصلاة
قال البيهقي وكذلك رواه أبو نعيم عن سليمان بن المغيرة وليس في شيء منه أنه أمر بالوضوء
ثم أخرج عن أبي الزناد قال كان من أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إليهم منهم

(1/101)


سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار في مشيخة جلة سواهم يقولون فيمن رعف غسل عنه الدم ولم يتوضأ وفيمن ضحك في الصلاة أعاد صلاته ولم يعد منه وضوءه انتهى
وهؤلاء الذين ذكرهم هم الفقهاء السبعة المشهورون
ثم قال وروينا نحو قولهم في الضحك عن الشعبي وعطاء والزهري
قوله قيل ولبس الذكر الحرير
أقول هذا قول لم يدل عليه دليل ولا مستند له إلا مجرد القال والقيل والعجب من قائله كيف استحل الجزم به وهكذا مطل الغنى والوديع ثم جعل النصاب لذلك أن

(1/102)


يكون فيما يفسق غاصبه فإن كان هذا التقدير لأجل يكون فاعله فاعلا لكبيره فلا وجه لذكره مستقلا فإنه قد دخل في قوله وكل معصية كبيرة فإن كان لأجل كون الفسق من نواقض الوضوء فهو لا يكون إلا بسبب التفسيق وهو فعل الكبيرة عند البعض أو المخالفة لما هو معلوم من ضرورة الدين عند آخرين مع أنه قد وقع الإجماع على أن صلاة الفاسق ووضوءه وسائر عباداته ومعاملاته صحيحة والحكم بانتقاض وضوئه بفسقه مخالف للإجماع ومن قواعد المصنف وأمثاله أنه يفسق من خالف الإجماع
وإن كان المراد تكثير المسائل على أي صفة رقع وكيفما اتفق فهذا لا يعجز عنه احد وليس هذا بعلم بل محض إثم
والحاصل أن هذه المسائل ظلمات بعضها فوق بعض ومسكين مسكين المقلد ماذا جرى عليه من هذه الآراء التي تشعبت طرائقها وخفيت دقائقها وحقائقها اللهم غفرا
فصل
ولا يرتفع يقين الطهارة والحدث إلا بيقين فمن لم يتيقن غسل قطعي أعاد في الوقت مطلقا وبعده إن ظن تركه وكذا إن ظن فعله أو شك إلا للأيام الماضية
فأما الظني ففي الوقت إن ظن تركه ولمستقبله ليس فيها إن شك
قوله فصل ولا يرتفع يقين الطهارة والحدث إلا بيقين
أقول إذا كان أحد الأمرين متيقنا فكونه لا ينتقل عنه إلا بيقين لا يتم على ما هو الحق من التعبد بأخبار الآحاد المفيدة للظن فإذا كان الرجل مثلا متيقنا أنه قد توضأ فاستصحاب هذا اليقين والعمل عليه هو مجرد دليل ظني لا يقيني فإذا أخبره عدل بأنه

(1/103)


بأنه شاهده يبول بعد ذلك الوقت الذي تيقن إيقاع الوضوء فيه فهذا الخبر من العدل صالح للانتقال عن ذلك الاستصحاب والعمل به واجب وهو في الحقيقة انتقال من ظني وهو الاستصحاب بما تيقن وقوعه إلى ظني وهو خبر العدل
ولم يقع خبر هذا العدل معارضا لنفس ذلك اليقين لإيقاع الوضوء فإنه لم يقل العدل للمتوضىء المتيقن لإيقاع الوضوء أنت لم تتوضأ بل قال قد فعلت بعد الوضوء الذي تيقنته ما يبطله
وبهذا يظهر لك أن اشتراط اليقين في رفع ما تيقنه أولا ليس على ما ينبغي والاتفاق كائن بالتعبد بالظن في العبادات والمعاملات إلا ما خصه دليل وقد استدلوا على إثبات هذه القاعدة بمثل حديث إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره فأشكل عليه أحدث أم لم يحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وليس في هذا ما يدل على هذه الكلية وغايته أن المصلي عند الشك لا يعمل بما لا يفيد ظنا ولا علما كالحركة التي يحسها في دبره
فالحاصل أن من يتقن الحدث وجب عليه استصحاب ذلك حتى يحصل ما يوجب الانتقال عنه وهو العلم بأنه قد رفعه أو الظن بأنه قد رفعه وذلك بخبر من يجب قبول خبره ونحوه ومن حصل له تيقن إيقاع الوضوء وجب عليه استصحاب ذلك حتى يتيقن أنه قد احدث أو يظن ذلك بخبر عدل أو نحوه
وإن شكل عليك هذا الذي قررناه فافرض المسألة في رجل يكثر شكه ويضطرب حاله ويتسارع إليه النسيان فيما يفعله فإنك عند ذلك تستوضح ما استشكلته وتستقرب ما استبعدته
وإذا عرفت هذا فاعلم أن هذه التفريعات الواقعة في هذا الفصل لم تستند إلا إلى مجرد الرأي المحض الذي لا يحل العمل به في شيء من أمور الدين وإنما رخص فيه للمجتهد عند عدم الدليل من الكتاب والسنة وذلك رخصة خاصة به لا يجوز لغيره أن يعمل بذلك الرأي الذي حصل له فلا نطول برد ما أورده من هذه التفاصيل المبنية على شفا جرف هار

(1/104)


باب الغسل
فصل يوجبه الحيض والنفاس والإمناء لشهوة تيقنهما أو المنى وظن الشهوة لا العكس وتوارى الحشفة في أي فرج
قوله فصل يوجبه الحيض
أقول هذا صواب وقد أخطأ من قال يوجبه الطهر فإن السبب الذي لأجله وجب الغسل هو الحيض لا الطهر ومعلوم أن الطهر لا يكون سببا للتطهر ولا يكون للاغتسال من السبب إلا بعد الفراغ منه وكذلك الوضوء سببه الحدث الموجب له ولا يكون إلا بعد وقوعه وهذا ظاهر لا يخفى
فما وقع في ضوء النهار من التصويب والاستدلال له ليس على الصواب وهكذا تقرير الأمير في حاشيته على ضوء النهار للتصويب والجزم بأنه الحق ليس كما ينبغي فالسبب الذي أوجب الغسل هو الحيض ولكنه لا يمكن التطهر منه إلا بعد انقضائه كسائر الأسباب
والحاصل أن الحيض إذا حدث فقد وجد المانع ولا يرتفع إلا بالغسل وهكذا النفاس والوطء فالمانع قد وجد بوجود هذه الاسباب كما أن البول والغائط ونحوهما قد وجد بوجودها المانع من الصلاة ولا يرتفع هذا المانع إلا بالضوء
وسيأتي الكلام على الحيض والنفاس في باب الحيض إن شاء الله تعالى
قوله والإمناء لشهوة إن تيقنهما أو المنى وظن الشهوة لا العكس
أقول لا خلاف في وجوب الغسل بالاحتلام وما يروى عن النخعي من المخالفة في ذلك فما أظنها تصح عنه الرواية ولو صحت لكان قوله مخالفا لإجماع من قبله من المسلمين ومن بعده ولكن الاعتبار هو بوجود الماء أعنى المنى فإذا استيقظ المحتلم ووجد منيا في بدنه أو ثوبه فقد وجب عليه الغسل سواء ذكر أنه حصل ذلك لشهوة أم لا وأما إذا ذكر أنه احتلم

(1/105)


لشهوة ولم يجد أثرا للمنى فلا اعتبار بذلك ووجهه ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث عائشة قالت سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما فقال يغتسل وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل فقال لا غسل عليه وهذا الحديث رجاله رجال الصحيح إلا عبد الله بن عمر العمري وفيه مقال خفيف وحديثه يصلح للاحتجاج به
ويؤيده ما أخرج أحمد والنسائي من حديث خولة بنت حكيم بنحوه وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أم سلمة أن أم سليم قالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت قال نعم إذا رأت الماء فأدار صلى الله عليه و سلم وجوب الغسل على رؤية الماء
قوله وتواري الحسفة في أي فرج
أقول للحديث الصحيح إذا قعد بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل وهو ثابت من طريق جماعة من الصحابة في الصحيحين وغرهما وإليه ذهب الجمهور من الصحابة ومن بعدهم ولا يعارضه ما ورد من الأحاديث المصرحة بأن الماء من الماء فإن هذا أعني أنه لا يوجب الغسل إلا الإنزال للماء كان رخصه في أول الإسلام ثم نسخ بما ورد في إيجاب الغسل بالتقاء الختانين كما صرح بذلك أبي بن كعب أخرجه أبو داود ورجاله ثقات وكما في صحيح مسلم عن عائشة أن رجلا سأل النبي

(1/106)


صلى الله عليه و سلم عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل هل عليهما الغسل فقال صلى الله عليه و سلم إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل
وأيضا لو قدرنا عدم النسخ لكان الجمع بين هذه الأحاديث ممكن بأن نقال حديث الماء من الماء دل بمفهومه على عدم إيجاب الغسل على من جامع ولم ينزل وحديث التقاء الختانين دل بمنطوقه على وجوبه ودلالة المنطوق أرجح من دلالة المفهوم
فصل
ويحرم بذلك القراءة باللسان والكتابة ولو بعض آية ولمس ما فيه ذلك غير مستهلك إلا بغير متصل به ودخول المسجد فإن كان فيه فعل الأقل من الخروج أو التيمم ثم يخرج ويمنع الصغيران ذلك حتى يغتسلا ومتى بلغا أعاد ككافر أسلم
قوله فصل ويحرم بذلك القراءة باللسان
أقول حديث علي عند أحمد وأهل السنن وغيرهم أنه صلى الله عليه و سلم لم يكن يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة قدد صححه جماعة من الحفاظ ولم يأت من تكلم عليه بشيء يصلح لأدنى قدح ومن جملة من صححه الترمذي وابن حبان والحاكم وابن السكن والبغوي وعبد الحق
وفي لفظ منه للنسائي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخرج من الخلاء فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم ولم يكن يحجبه من القرآن شيء ليس الجنابة
وفي بعض ألفاظ الحديث كان يقرأ القرآن في كل حال إلا الجنابة

(1/107)


ولهذا الحديث شواهد تقوية وتشد من عضده وإن كان صالحا للاحتجاج به بدونها ولكن غاية ما يفيده الحديث كراهة القراءة للقرآن من الجنب ولا يفيد التحريم
نعم أخرج الترمذي وابن ماجة من حديث ابن عمر مرفوعا لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن يدل على التحريم وتضعيفه بإسماعيل بن عياش مندفع لو روده من طريق غيره وهو أيضا لم يقدح فيه بما يوجب عدم صلاحية حديثه للاحتجاج به قال المنذري في تخريجه لأحاديث المهذب هذا الحديث حسن وإسماعيل تكلم فيه وأثنى عليه جماعة من الأئمة انتهى
ويؤيده ما اخرجه أبو يعلى من حديث علي قال رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن ثم قال هكذا من ليس بجنب فأما الجنب فلاولا آية قال في مجمع الزوائد رجاله موثقون انتهى
وأما ما روى بلفظ لا ولا حرفا فلم يصح رفع ذلك
إذا عرفت هذا فاعلم أنه لم يرد ما يدل على المنع من الكتابة ولا ما يدل على المنع من مس المصحف إلا ما اخرجه الطبراني في الكبير والصغير من حديث عبد الله بن عمر أنه قال صلى الله عليه و سلم لا يمس القرآن إلا طاهر قال في مجمع الزوائد رجاله موثقون وذكر له شاهدين من حديث حكيم بن حزام وحديث عثمان بن أبي العاص
قلت حديث حكيم بن حزام أخرجه الدارقطني والطبراني والحاكم والبيهقي مرفوعا بلفظ لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر وفي إسناده سويد بن إبراهيم العطار وأبو حاتم وهو

(1/108)


ضعيف كما قاله بعض الحفاظ وقال ابن معين لا بأس به وقد صحح الحاكم إسناد هذا الحديث وحسنه الحازمي ووثق رواته الدارقطني
وأخرج مالك في الموطأ والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث عمرو بن حزم بلفظ لا يمس القرآن إلا طاهر
وأخرج الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص بلفظ كان فيما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تمس المصحف وأنت غير طاهر
قوله ودخول المسجد
أقول حديث عائشة أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لوجوه أصحابه وبيوتهم شارعة إلى المسجد وجهوا هذه البيوت عن المسجد ثم دخل النبي صلى الله عليه و سلم ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل فيهم رخصة فخرج إليهم فقال وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب وهو حديث صحيح ولا وجه لتضعيف ابن حزم له بأفلت بن خليفة الكوفى فهو معروف مشهور صدوق كما صرح بذلك أئمة الحديث وليس بمجهول كما قال وأيضا قد أخرج هذا الحديث من غير طريقه ابن ماجة والطبراني عن جسرة بنت دجاجة عن أم سلمة قالت دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته إن المسجد لا يحل لجنب ولا حائض

(1/109)


وروى هذا الحديث من طرق وله شواهد فالحجة قائمة بذلك وهو يقتضى تحريم المسجد على الجنب والحائض ولا ينافيه جواز المرور فيه لعابر السبيل وهو المجتاز فيه للحاجة كما فسر الآية جماعة من الصحابة منهم أنس وابن مسعود وجابر وابن عباس وقد قيل إنه المسافر
وعلى كل حال فهذه رخصة لا تنافى مطلق التحريم وأما الحكم بمنع الصغار من دخول المسجد فلا وجه له لأن رفع قلم التكليف عنهم يقتضي أنها لا تنعقد لهم جنابة ولا يجب عليهم غسل فدخولهم المسجد لا يتناوله دليل المنع ولا هو محظور في نفسه حتى يجب على المكلفين أن يمنعوهم منه وهذا ظاهر واضح لا يخفى
وأما ما قيل من التعويد والتمرين لهم كما في أمرهم بالصلاة قبل بلوغهم فذلك باب آخر ومن غرائب الأقوال إيجاب الغسل عليهم إذا بلغوا فإن هذا الإيجاب لم يكن له سبب يقتضيه لما قدمنا من أنها لا تنعقد لهم جنابة ولا يتصفون بوصف الاجتناب ما داموا قبل البلوغ والاتفاق كائن على انها لا تتناولهم الخطابات المشتملة على الأحكام التعبدية فكيف يجب عليهم عند التكليف الغسل لغير سبب شرعي وأما إلزامهم بخطابات الوضع كالجنابات ونحوها فليس ذلك من هذا القبيل فإن ما نحن بصدده لا يقول قائل بأنه من أحكام الوضع ثم يقال لهم إن كان الغسل الأول صحيحا فما وجه إيجاب الغسل عند البلوغ وإن كان غير صحيح فكيف يؤمرون بما لا يصح
وبالجملة فالتساهل في إثبات الأحكام الشرعية يأتي بمثل هذه الخرافات ثم قياسهم على كافر أسلم غفلة عظيمة فإن الكافر مخاطب بالشرعيات فأين خطاب الصغار بها ثم لا وجه لإيجاب الغسل على الكافر لأجل اجتنابه حال الكفر فإن الإسلام يجب ما قبله وقد أوجب الشرع عليه الغسل بمجرد الإسلام وذلك تكليف وجب بالإسلام لا بالاجتناب حال الكفر

(1/110)


فصل
وعلى الرجل الممنى أن يبول قبل الغسل فإن تعذر اغتسل آخر الوقت فقط ومتى بال أعاده لا الصلاة
وفروضه مقارنة أوله بنيته لرفع الحدث الأكبر أو فعل ما يترتب عليه فإن تعدد موجبه كفت نية واحدة مطلقا عكس النفلين والفرض والنفل وتصح مشروطة والمضمضة والاستنشاق وعم البدن بإجراء الماء والدلك فإن تعذر فالصب ثم المسح وعلى الرجل نقض الشعر وعلى المرأة في الدمين
وندبت هيئته وفعله للجمعة بين فجرها وعصرها وإن لم تقم وللعيدين ولو قبل الفجر ويصلي وإلا أعاده قبلها ويوم عرفة وليالي القدر ولدخول الحرم ومكة والكعبة والمدينة وقبر النبي صلى الله عليه و سلم وبعد الحجامة والحمام وغسل الميت والإسلام
قوله وعلى الرجل الممنى أن يبول قبل الغسل
أقول هذا تشريع بغير شرع وإيجاب لما لم يوجبه الله ولا رسوله ولا دل عليه دليل صحيح ولا حسن ولا ضعيف والذي رواه بلفظ إذا جامع الرجل فلا يغتسل حتى يبول لم يكن من قول الرسول صلى الله عليه و سلم ولا من قول أصحابه بل هو كلام مكذوب وباطل موضوع وقياسهم لهذا على بقاء شيء في الرحم من الحيضة إلحاق باطل بباطل وقياس ما لا أصل له على ما لا أصل له مع اختلاف السبب فإن إيجاب الغسل في الحيض سببه نفس الحيض مع انقطاعه وظهور الطهر وسبب الغسل من الجماع إنزال المنى ثم دعوى بقاء شيء في الرحم من الحيض بعد ظهور الطهر دعوى باطلة ثم لو سلمنا ذلك لكان الباقي بعد ظهور الطهر عفوا كما أن الباقي في الذكر من المنى بعد الإنزال والدفق عفو
وبالجملة فما هذه بأول غفلة وقعت من المتمسكين بمحض الرأي التاركين للتمسك بأدلة الشرع بل ما هي بأول جرأة اجترؤوا عليها وكلفوا عباد الله بها والدين يسر والشريعة

(1/111)


سمحة سهلة وقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدور في الليلة الواحدة على جميع نسائه وهن تسع ويغتسل بعد أتيانه لكل واحدة منهن كما أخرج ذلك عنه الحفاظ الموثوق بهم وبما يروونه ومعلوم أنه لا يتيسر البول بعد كل غسل حتى يبول تسع مرات في الليلة الواحدة وقد ترتب على هذا التشريع البديع ما هو من غرائب التفريع فقال فإن تعذر اغتسل آخر الوقت وصلى فقط ومتى بال أعاده لا الصلاة فيا لله العجب من جري قلم التصنيف بمثل هذه الأمور التي يعرف سقوطها وعدم وجود الدليل عليها اصغر الطلبة لعلم الشرع
قوله وفروضه مقارنة أوله بنيته لرفع الحدث الأكبر
أقول أما جعل النية من الفروض فخلاف ما هو الظاهر من دليلها فإنه يدل على أنها شرط كما قدمنا ذلك في نية الوضوء وأما جعل النية لرفع الحدث الأكبر فذلك صواب وقد قدمنا في الوضوء ما يوضح هذا ويقرره
ولا يعتبر غير نية رفع الحدث فإذا ارتفع فعلى ما شاء ومن العبادات التي يكون الحدث مانعا عنها لأنه قد ارتفع المانع ولا فرق بين فريضة ونافلة لكن إذا كان هذا المانع مرتفعا وأراد أن يفعل الغسل لا لرفع المانع بل لقربة من القرب كغسل الجمعة ونحوه فها هنا لا حدث أكبر تتوجه النية إلى رفعه بل ذلك الغسل لمجرد فعل تلك القربة فلا بد أن ينويها بالغسل وإلا لم يكتب له ثوابها لحديث إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى
قوله والمضمضة والاستنشاق
أقول قد ثبت ذلك من فعله صلى الله عليه و سلم ثبوتا متفقا عليه وهو بيان لما أجمله الله سبحانه في كتابه وقد ورد الوعيد على ترك شيء من البدن وورد الأمر ببل كل الشعر وإنقاء البشر وهما حديثان حسنان ولهما شواهد قوية ومجموع ذلك ينتهض للوجوب ومحل المضمضة والاستنشاق وإن لم يكن من ظاهر البدن ففعل النبي صلى الله عليه و سلم لهما في الوضوء والغسل يدل على أن لهما حكم ظاهر البدن

(1/112)


قوله وعم البدن بإجراء الماء والدلك
أقول أما تعميم البدن فلا يتم مفهوم الغسل إلا به وأما الدلك فإن ثبت لغة أو شرعا انه داخل في مفهوم الغسل بحيث لا يسمى غسلا إلا به كان ذلك واجبا وفاء بما اوجبه الله من الغسل وقد ذكر نشوان في كتابه شمس العلوم ما يفيد ذلك وهو من أئمة اللغة ويؤيده حديث وأنقوا البشر فإنه فسر صاحب المصباح الإنقاء بالتنظيف ومعلوم أن التنظيف لا يكون إلا بالدلك وأخرج مسلم من حديث عائشة بلفظ أن اسماء سألت النبي صلى الله عليه و سلم عن غسل الجنابة فقال تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شئون رأسها ثم تفيض عليها الماء فهذا ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه و سلم وفيه الأمر بالدلك للرأس وهو جزء من أجزاء البدن وإن كان يستحق مزيد العناية في غسله لما فيه من الشعر
قوله وعلى الرجل نقض الشعر
اقول ليس في هذا دليل صحيح يدل على وجوب ذلك وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا كما أخرجه أبو يعلى من حديث أنس ورجاله رجال الصحيح
وأخرج أحمد والبزار عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصب بيده على رأسه ثلاثا فقال رجل شعري كثير قال كان شعر رسول الله صلى الله عليه و سلم أكثر وأطيب ورجاله رجال الصحيح
وأخرج احمد من حديث أبي سعيد نحوه وأخرج البخاري في صحيحه من حديث جبير ابن مطعم قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا وأشار بيديه كليتهما

(1/113)


وأخرج البخاري أيضا عن جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يفيض على رأسه ثلاثا وقد ورد أنه كان يفيض الماء على رأسه بعد أن يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول الشعر كما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة والأحاديث بنحو هذا كثيرة ويؤيد ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يوجب ذلك على النساء كما في الصحيح من حديث أم سلمة أنها قالت يا رسول الله إني امرأة شديدة عقص الراس أفأحله إذا اغتسلت قال إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات والنساء شقائق الرجال فهذا التعليم لأم سلمة يدل على أن حكم الرجال في ذلك حكم النساء ولم ينتهض دليل صحيح يدل على التفرقة بين الرجال والنساء
وأما ما أخرجه أبو داود عن ثويان أنه حدثهم أنهم استفتوا النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك فقال أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله ففي إسناده محمد بن إسماعيل بن ابي عياش وفيه مقال وقيل إنه لم يسمع من ابيه وفي أبيه المقال المشهور ومع ذلك فلا يدل النشر على النقض لما كان مضفورا بل غايته نشر الضفائر أو نشر ما لم يكن مضفورا ولا ملبدا وقد كان الضفر والتلبيد قليلين في الصحابة وكما أنه لا دليل صحيح يدل على وجوب نقض شعر الرجل والمرأة في الجنابة لا دليل صحيح أيضا يدل على أنه يجب على المرأة نقضه في غسل الدمين وغاية ما يجب عليها ما تقدم من حديث عائشة من قوله صلى الله عليه و سلم لأسماء ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شئون رأسها ثم تفيض عليها الماء
وأما ما أخرجه الدارقطني في الأفراد والخطيب في التلخيص والطبراني في الكبير

(1/114)


االبيهقي من حديث أنس مرفوعا إذا اغتسلت المرأة من حيضها فقضت شعرها نقضا وغسلته بخطمي وأشنان وإن غسلت من الجنابة صبت الماء على رأسها صبا وعصرته ففي إسناده مسلم بن صبح اليحمدي وهو مجهول وهو غير أبي الضحى مسلم بن صبح المعروف فإنه أخرج له الجماعة كلهم وأيضا اقترانه بالغسل بخطمي وأشنان يدل على عدم الوجوب فإنه لم يقل أحد بوجوب الخطمي والأشنان
ثم قد وقع في رواية مسلم من حديث أم سلمة أأنقضه للحيض والجنابة فقال إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين
والحاصل أنه لا يجب على الرجل ولا على المرأة نقص الشعر لا في الجنابة ولا في الحيض والنفاس فإيجابه في الجنابة على الرجل دون المرأة ثم إيجابه على المرأة في غسل الحيض والنفاس لم يستند كل ذلك إلى ما يعول عليه كما عرفت
وأشف ما استدلوا به على وجوب نقض المرأة لرأسها في الحيض هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج واختصاص هذا بالحج لا يقتضي بثبوته غيره لا سيما وللحج مدخلية في مزيد التنظيف ثم اقترانه بالامتشاط الذي لم يوجبه أحد يدل على عدم وجوبه ثم لا يقوم على معارضة ما تقدم
ومما يدل على اختصاص هذا بالحج ما أخرجه مسلم عن عائشة أنه بلغها أن عبد الله ابن عمرو بن العاص يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن فقالت يا عجبا لابن عمرو

(1/115)


بهذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن أفلا أمرهن أن يحلقن رءوسهن لقد كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم من إناء واحد فما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات
وقد جمع بعضهم بين الأحاديث بأن النقض مندوب فقط وجمع بعضهم بأن النقض يتعين إذا لم يصل الماء إلى أصول الشعر إلا بالنقض
قوله وندب هيأته
أقول الواجب غسل البدن من قمة الرأس إلى قرار القدم فإذا قد فعل من وجب عليه الغسل ذلك فقد أتى بما عليه لأن ما فعله يصدق عليه مسمى الغسل لغة وشرعا سواء قدم غسل أسفل البدن على أعلاه أو العكس وسواء قدم الميامن على المياسر أو العكس
ولكنه ينبغي للمغتسل أن يكون اغتساله على الصفة المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلى الهيئة المروية عنه في الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما المتضمنة تقديم أعضاء الوضوء ثم إفاضة الماء على الرأس ثم على الميامن ثم على المياسر وذلك سنة ثابتة غير واجبة
قوله وللجمعة بين فجرها وعصرها وإن لم تقم
أقول الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة قاضية بالوجوب كحديث غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وحديث إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل ونحوهما كحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما مرفوعا حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام

(1/116)


ولكنه ورد ما يدل على عدم الوجوب وهو ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن ماجه وابن خزيمة من حديث الحسن البصري عن سمرة مرفوعا من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل فإن دلالة الحديث على عدم الوجوب ظاهرة واضحة وقد أعل بما وقع من الخلاف في سماع الحسن من سمرة ولكنه قد حسنه الترمذي
ويقوي هذا الحديث أنه قد روي من حديث أبي هريرة وأنس وأبي سعيد وابن عباس وجابر كما حكى ذلك الدارقطني قال الترمذي وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وأنس وأخرجه البيهقي من حديث ابن عباس وأنس وابي سعيد وجابر
ويقويه أيضا ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم أتى في الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام فإن اقتصاره صلى الله عليه و سلم على الوضوء في هذا الحديث يدل على عدم وجوب الغسل فوجب تأويل حديث غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم بحمله على أن المراد بالوجوب تأكيد المشروعية جمعا بين الأحاديث وإن كان لفظ واجب لا يصرف عن معناه إلا إذا ورد ما يدل على صرفه كما فيما نحن بصدده لكن الجمع مقدم على الترجيح ولو كان بوجه بعيد
قال الترمذي في جامعه بعد أن أخرج حديث سمرة المذكور والعمل على هذا عند أهل العلم من اصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ومن بعدهم اختاروا الغسل يوم الجمعة ورأوا أنه يجزىء الوضوء عن الغسل انتهى
واعلم أن حديث إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل يدل على أن الغسل لصلاة الجمعة وأن من فعله لغيرها لم يظفر بالمشروعية سواء فعله في أول اليوم أو في وسطه أو في آخره ويؤيد هذا ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما مرفوعا من أتى إلى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل زاد ابن خزيمة ومن لم يأتها فليس عليه غسل

(1/117)


قوله وللعيدين ولو قبل الفجر ويصلي به وإلا أعاده قبلها
اقول ليس في ذلك إلا حديث الفاكه بن سعد عند أحمد وابن ماجه والبزار أنه صلى الله عليه و سلم كان يغتسل يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر وأخرج نحوه ابن ماجه من حديث ابن عباس وأخرج نحوه ايضا البزار من حديث أبي رافع وفي أسانيدها ضعف ولكنه يقوي بعضها بعضا إلا أن جعل غسل العيدين للصلاة وغسل الجمعة لليوم من الرأي الجاري على عكس ما ينبغي وعلى خلاف ما يقتضيه الدليل
قوله ويوم عرفة
أقول قد استدل على ذلك بما أخرجه ابن ماجه قال حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا يوسف بن خالد حدثنا أبو جعفر الخطمي عن عبد الرحمن بن عقبة بن الفاكهه بن سعد عن جده الفاكهه ابن سعد وكانت له صحبة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان يغتسل يوم الفطر ويم النحر ويوم عرفة وكان الفاكهه يأمر أهله بالغسل هذه الأيام انتهى
وفي إسناده يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب وضاع ونسبه ابن معين إلى الزندقة فالعجب من ابن ماجه كيف يروي في سننه عن مثل هذا
وأخرج في مسند الفردوس عن أبي هريرة مرفوعا الغسل في هذه الأيام واجب يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة وإسناده مظلم
وذكر في جامع الأصول عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم اغتسل لإحرامه ولطوافه بالبيت ولوقوفه بعرفة وقال ذكره رزين انتهى

(1/118)


وهذه الأحاديث التي ذكرها لا يعرف أصلها ولا من خرجها فلا عمل عليها ولا تقوم بها الحجة
وأخرج مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر أنه كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم ولدخول مكة ولوقوفه بعرفة انتهى وهذا فعل صحابي لا تقوم به الحجة
قوله وليالي القدر
أقول ليس على هذا أثارة من علم لا من كتاب ولا من سنة ولا من إجماع ولا من قياس صحيح ولا من قول صحابي وما قيل من قياسه على الجمعة إن كان لمجرد الشرف لزم القول باستحباب الغسل لكل ماله شرف من الأيام والليالي والأقوال والأفعال وهذا خرق للأجماع بل خرق للقواعد الشرعية بل تلاعب بالأحكام الدينية
وإن كان لجماع غير الشرف فلا ندري ما هو وقد استدل لذلك بعض من لا يفرق بين الغث والسمين بأنه صلى الله عليه و سلم كان يعتزل النساء في ليالي القدر ويغتسل وهذا لايصح بوجه من الوجوه
قوله ولدخول الحرم
أقول لم يثبت مشروعية ذلك أصلا ولعل المصنف رحمه الله يريد بقوله لدخول الحرم فعل الإحرام فقد أخرج الترمذي وحسنه والدارقطني والبيهقي والطبراني من حديث زيد بن ثابت أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم تجرد لإهلاله واغتسل وفي إسناد الترمذي عبد الله بن يعقوب المدني لم يتكلم فيه بجرح ولا تعديل ولكن تحسين الترمذي له يدل على أنه قد عرف حاله وقد تابعه الأسود بن عامر شاذان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه مثله والأسود ثقة من رجال الصحيحين

(1/119)


ويؤيد هذا الحديث ما أخرجه الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم اغتسل ثم لبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين ثم قعد على بعيره فلما استوى على البيداء أحرم بالحج وفي إسناده يعقوب بن عطاء بن أبي رياح المكي وقد ضعفه أحمد وقال أبو حاتم ليس بالقوي وقال ابن معين ضعيف لكنه وثقة ابن حيان
قوله ومكة
أقول وجهه ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر أنه كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى ثم يصلي به الصبح ويغتسل ويحدث أن نبي الله صلى الله عليه و سلم كان يفعل ذلك
قال ابن المنذر الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء وليس في تركه عندهم فدية وقال أكثرهم يجزىء عنه الوضوء
قوله والكعبة والمدينة وقبر النبي صلى الله عليه و سلم
اقول لا يخفاك أن الحكم بكون الشيء مندوبا هو حكم شرعي لا يستفاد من غير الشرع فإذا لم يكن في الشرع ما يفيد ذلك فهو من التقول على الله سبحانه بما لم يقل ومن التشريع للعباد بما لم يشرعه الله لهم ومن توسيع دائرة الشريعة المطهرة بمجرد الخيالات المختلة والآراء المعتلة وليت شعري ما الحامل على هذا وما المقتضى له فإن القول بذلك ليس من الخطأ في الاجتهاد فإن هذا إنما يكون عند تعارض الأدلة وتخالف القرائن المقبولة ثم مجرد دعاوى القياس على ما في إثبات الأحكام الشرعية بغالب مسالكه من عوج لا يتم إلا بوجود

(1/120)


اصل وفرع بعد تسليم الأصالة والفرعية ثم أمر جامع بينهما جمعا لا يدخله دفع ولا نقض ولا معارضة وما كان بدون ذلك فلا يعجز أحد أن يدعيه ويقول به ولو كان مثل ذلك سائغا لقال من شاء بما شاء وكيف شاء
ثم كان على المصنف أن يذكر من هذه التي ذكرها دخول بيت المقدس ودخول مسجد قباء ودخول قبور الأنبياء ودخول كل ما له شرف
وسبحان الله ما يفعل التساهل في إثبات الأحكام الشرعية من الفواقر التي يبكى لها تارة ويضحك لها أخرى
قوله وبعد الحجامة والحمام
أقول أما بعد الحجامة فقد استدل لذلك بما أخرجه أحمد وابو داود والدارقطني والبيهقي من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال يغتسل من أربع من الجمعة والجنابة والحجامة وغسل الميت ولفظ أبي داود كان يغتسل إلخ وصححه ابن خزيمة وقال الدارقطني في إسناده مصعب بن شيبة وليس بالقوي ولا بالحافظ وقال النسائي منكر الحديث ووثقه ابن معين وأخرج له مسلم وأهل السنن
وقد عورض هذا الحديث بما أخرجه الدارقطني من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم احتجم ولم يزد على غسل محاجمه وفي إسناده صالح بن مقاتل وليس بالقوي
والجمع ممكن بحمل الغسل على الندب ولا ينافي الندب الترك في بعض الأحوال
وأما الغسل بعد الحمام فليس عليه أثارة من علم ولا وجه لذكره في الأغسال المشروعة
قوله وغسل الميت
أقول استدلوا على ذلك بما أخرجه أحمد وأهل السنن والبيهقي من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه و سلم قال من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ

(1/121)


وفي إسناده صالح مولى التوأمة وفيه مقال ولكنه قد روي من طريق غيره فأخرجه البزار عن أبي هريرة من ثلاث طرق ولهذا حسنه الترمذي وصححه اب حبان وابن حزم وقال ابن دقيق العيد رجاله رجال مسلم وقال ابن حجر هو لكثرة طرقه اسوأ أحواله أن يكون حسنا وذكر الماوردي أن بعض أهل الحديث ذكر له مائة وعشرين طريقا
ويؤيد هذا الحديث الذي تقدم قبله أنه صلى الله عليه و سلم كان يغتسل من أربع
وقد ورد ما يدل على أن هذا الأمر محمول على الندب كما اخرجه البيهقي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه إن ميتكم يموت طاهرا فحسبكم أن تغسلوا أيديكم وقد حسنه ابن حجر
وكما اخرجه الخطيب من حديث عمر كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل وقد صحح ابن حجر إسناده
وكما أخرجه الموطأ والبيهقي أن اسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق رضي الله عنه غسلته ثم قالت لمن حضر من المهاجرين إن هذا يوم شديد البرد فهل على من غسل فقالوا لا
قوله والإسلام
اقول قد أمر النبي صلى الله عليه و سلم قيس بن عاصم بأن يغتسل لما أسلم

(1/122)


كما أخرجه أحمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وابن خزيمة وصححه ابن السكن ووقع منه صلى الله عليه و سلم الأمر لثمامة بأن يغتسل لما أسلم كما أخرجه أحمد وعبد الرزاق والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان وأصله في الصحيحين وليس فيهما الأمر بالاغتسال ولكن فيهما أنه اغتسل والظاهر الوجوب ولا وجه لما تمسك به من قال بعدم الوجوب من أنه لو كان واجبا لأمر به صلى الله عليه و سلم من اسلم لأنا نقول قد كان هذا في حكم المعلوم عندهم ولهذا أن ثمامة لما اراد الإسلام ذهب فاغتسل كما في الصحيحين والحكم يثبت على الكل بأمر البعض ومن لم يعلم الأمر بذلك لكل من اسلم لا يكون عدم علمه حجة له

(1/123)


باب التيمم
فصل سببه تعذر استعمال الماء أو خوف سبيله أو تنجيسه أو ضرره أو ضرر المتوضيء من العطش أو غيره محترما أو مجحفا به أو فوت صلاة لا تقضى ولا بدل لها أو عدمه مع الطلب إلى آخر الوقت إن جوز إدراكه والصلاة قبل خروجه وأمن على نفسه وماله المجحف مع السؤال وإلا أعاد إن انكشف وجوده
ويجب شراؤه بما لا يجحف وقبول هبته وطلبها حيث لا منة لاثمنه
والناسي للماء كالعادم
قوله فصل سببه تعذر استعمال الماء
أقول تعذر استعمال الماء كعدمه لأن وجوده مع تعذر استعماله لا يفيد شيئا فالواجد له مع تعذر استعماله غير واجد لماء يمكنه التطهر به فهو داخل تحت قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا إذ ليس المراد وجود مجرد ذات الماء ولو في قعر بئر لا يمكن الوصول إليه فإنه لا يقول بذلك أحد
ولا فرق بين أن يكون تعذر استعمال الماء لمانع في نفس الماء أو لمانع في المكلف فإن ذلك بمنزلة عدم الماء
قوله أو خوف سبيله
أقول إذا خشي الضرر على نفسه أو ماله فقد جعل الله له من استعمال ذلك الماء فرجا

(1/124)


ومخرجا فالدين يسر والشريعة سمحة سهلة فاتقوا الله ما استطعتم و إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم
قوله أو تنجيسه
أقول إذا كان استعماله للماء على تقدير يوجب تنجيسه حتى يخرج بذلك عن كونه طهورا فليست هذه صورة مستقلة ولا هذا سببا من أسباب التيمم مستقلا بل هو داخل تحت قوله تعذر استعمال الماء لأن هذا قد تعذر عليه استعمال الماء على الوجه المجزيء فوجود ذلك الماء كعدمه
قوله أو ضرره
أقول إذا كان استعمال الماء يحدث للمتوضيء علة يحصل بها الضرر عليه كان ذلك موجبا لترك استعمال الماء والعدول إلى التيمم
أخرج أبو داود وابن ماجه والدارقطني من حديث جابر قال خرجنا في سفر وأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم أحتلم فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم هل تجدون له رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم أخبر بذلك فقال قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده وقد تفرد به الزبير بن حريق وليس بالقوي وقد صححه ابن السكن وله طريق أخرى من حديث ابن عباس
ومما يدل على جواز التيمم لخوف الضرر حديث عمرو بن العاص أنه احتلم في ليله

(1/125)


باردة فتيمم ثم بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فسأله فقال ذكرت قول الله عزوجل ولا تقتلوا انفسكم فضحك صلى الله عليه و سلم ولم يقل له شيئا وهو حديث صحيح
قوله أو ضرر المتوضيء من العطش
أقول لا وجه لإفراد هذا بالذكر فإن خشية الضرر يشمل قوله أو ضرره وقوله أو ضرر المتوضيء وإذا عرفت أن تعذر استعمال الماء أو خوف تنجيسه يدخلان تحت قوله أو عدمه فكان يغنيه عن ذكر هذين السببين ما سيذكره من سببية عدم الماء لما قدمنا وعرفت أن خشية الضرر يغنى عن الضررين اللذين جعلهما سببين بل ويغني عن قوله أو خوف سبيله لأنه إذا كأن يحصل بالخوف ضرر كان مسوغا للتيمم وإلا فلا فكان يكفيه أن يقول وسببه عدم الماء أو خشية الضرر فإن الاقتصار على هذين السببين يقوم مقام الستة الأسباب
وإذا أراد زيادة الإيضاح قال سببه عدم الماء أو نحوه أو خشية الضرر
ويدخل أيضا تحت خشية الضرر قوله أو مجحفا به فإن الإحجاف ضرر عظيم ويدخل أيضا تحت عدم الماء قوله أو فوت صلاة لا تقضى ولا بدل لها لأن وجود الماء في تلك الحال كعدمه لعدم الانتفاع به فرجعت هذه الاسباب التي ذكرها كلها إلى سببين
واعلم أن كون فوت الصلاة المذكورة سببا من أسباب التيمم لا دليل عليه بخصوصه لكن إذا نظرنا إلى قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم وقوله صلى الله عليه و سلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم كان ذلك مسوغا للتيميم عند خشية فوت الصلاة بخروج وقتها سواء كانت تقضى أو لا تقضى وسواء كان لها بدل أو لا بدل لها ولا سيما مع قوله سبحانه إذا قمتم إلى الصلاة ثم قال فلم تجدوا ماء فتيمموا
ويمكن أن يقال إن الله سبحانه لم يتعبد المكلف بالإتيان بالصلاة المفروضة إلا بشرطها المعتد وإذا فاته الأداء وجب عليه القضاء ولا سيما إذا لم يتركها إلى ذلك الوقت الذي خشى

(1/126)


قوتها فيه باستعمال الماء اختيارا وتعمدا كالنائم والساهي وأما إذا كانت تلك الصلاة لا تقضى ولا بدل لها فيقال لا يجب عليه الدخول فيها مع وجود الماء إلا بعد أن يأتى بالوضوء فإذا ضاق الوقت عن ذلك فلا وجوب عليه في الصلاة الواجبة كصلاة الجنازة ولا استحباب له في غير تلك الصلاة بالوضوء فهو لا يستطيع فقد عمل بقوله سبحانه فاتقوا الله ما استطعتم وبقوله صلى الله عليه و سلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم
قوله أو عدمه مع الطلب إلى آخر الوقت
أقول ظاهر الآية الكريمة وهي قوله سبحانه وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا أن عدم وجود الماء قيد للمرض والسفر والمجىء من الغائط والملامسة على ما هو الراجح من أن القيد الواقع بعد جمل يعود إلى جميعها ولا يختص ببعضها إلا بدليل ولكن لما كان السبب الموجب للطهارة الصغرى هو المجىء من الغائط وما في معناه والموجب للطهارة الكبرى هو الملامسة للنساء وما في معناه من غير فرق بين مريض ومسافر وحائض كان ذلك دليلا على أن حرف التخيير في قوله أو جاء أحد منكم من الغائط بمعنى الواو وقد ورد ذلك كثيرا في لغة العرب وذهب إليه جماعة من أئمة العربية
فيكون معنى الآية على هذا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاد أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فكان الحاصل من هذا أن المريض الذي حصل له أحد سببي الطهارة وهي المجىء من الغائط أو الملامسة لا يتيمم إلا عند عدم الماء وكذلك المسافر
لكنه قد ورد ما يدل على أن المرض سبب مستقل لجواز التيمم وإن كان الماء موجودا لما في حديث صاحب الشجة المتقدم وفيه أنه صلى الله عليه و سلم قال قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم إلخ ونحوه فيكون قيد عدم وجود الماء راجعا إلى المسافر وهو مجمع عليه أعني كون المسافر لا يتيمم إلا إذا لم يجد الماء ويدل عليه قصة عمرو بن العاص المتقدمة فإنه لما لم يغتسل مع وجود الماء أنكر عليه أصحابه ولم يقرره صلى الله عليه و سلم إلا حيث ذكر ما يدل على أنه خشى الضرر على نفسه واستدل بقوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم

(1/127)


ويدل على ذلك أن رخصة التيمم نزلت في السفر لما أقاموا لطلب عقد عائشة كما في الصحيحين وغيرهما وفيه أنها قالت وليسوا على ماء وليس معهم ماء الحديث
فإن قلت إذا كان القيد المذكور في الآية راجعا إلى المسافر فماذا يكون في الصحيح الحاضر
قلت لم يكن في الآية تعرض لذلك لما قررناه لكنه قد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه تيمم في الحضر كما في الصحيحين وغيرهما ووردت الأدلة الدالة على مشروعية التيمم سواء كان حاضرا أو مسافرا صحيحا أو مريضا كما في حديث الصعيد الطيب طهور المسلم ولو إلى عشر سنين أخرجه أهل السنن وغيرهم من حديث أبي ذر وصححه أبو حاتم والحاكم وابن حيان وابن السكن وقال الترمذي هو حديث حسن صحيح وقد أخرجه مسلم أيضا وروي من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح
وكما في حديث جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وهو في الصحيحين وغيرهما وفي لفظ لمسلم وتربتها طهورا وقد ثبت اعتبار عدم الماء في السفر بالآية المذكورة فاعتباره في الحضر ثابت بفحوى الخطاب فإن السفر مطنة المشقة والتعب ولهذا شرع الله له قصر الصلاة وترك الصيام مع كون المسافر في الغالب غير عارف بمواطن الماء كما يعرفها الحاضر في وطنه وبلد إقامته
وأما إيجاب الطلب إلى آخر الوقت فلم يدل عليه دليل لا من كتاب ولا سنة ولا قياس صحيح ولا إجماع

(1/128)


فإن قلت فما المعتبر في عدم وجود الماء
قلت إذا قام المصلى إلى الصلاة ولم يكن عنده ماء ولا كان قريبا منه يمكنه إدراكه ويصلي الصلاة لوقتها جاز له التيمم لأن الله سبحانه وتعالى ذكر القيام إلى الصلاة فقال إذا قمتم إلى الصلاة ثم ذكر بعد ذلك رخصة التيمم مع عدم وجود الماء فالمعتبر عدم حضور الماء عند القيام للصلاة وعدم علم المصلي بوجوده في المواضع القريبة منه وحد القرب أن يمكنه الوصول إلى الماء والتطهر به ويصلي الصلاة لوقتها فمن كان هكذا فهو واجد ومن لم يكن هكذا فهو عادم
ويدل لهذا حديث أبي سعيد قال خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعادا أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد أصبت السنة وأجزأتك صلاتك وقال الذي توضأ وأعاد لك الأجر مرتين أخرجه أبو داود والنسائي
وهذا الحديث يرد على أن من أوجب الإعادة إذا وجد الماء في الوقت وما ذكره من أنه يجب عليه شراء الماء وقبول هبته فلا بأس بذلك لم أراد أكمل الطهارتين وأما أنه يجب وجوبا شرعيا فلا دليل عليه وإذا لم يجب قبول الهبة فكيف يجب الطلب لها فإن الظاهر تحريم السؤال على كل حال ولهذا عهد النبي صلى الله عليه و سلم إلى أصحابه ألا يسألوا الناس شيئا حتى كان يسقط سوط أحدهم وهو على راحلته فينزل له ولا يسأل غيره أن يناوله وذلك ثابت في الصحيح
وما ذكره المصنف رحمه الله من أن الناسي للماء كالعادم فهو صواب لرفع الخطاب عن الناسي وعدم المؤاخذة له بنسيانه ولا يكلف الانسان بما لا يعلمه فإذا ذكر بعد فعل الصلاة بالتيمم فقد أجزأته صلاته ولا إعادة عليه كما تقدم في العادم

(1/129)


فصل
وإنما يتيمم بتراب مباح طاهر منبت يعلق باليد لم يشبه مستعمل أو نحوه كما مر
وفروضه التسمية كالوضوء ومقارنة أولة بنية معينة فلا يتبع الفرض إلا نفله أو ما يترتب على أدائه كالوتر أو شرطه كالخطبة وضرب التراب باليدين ثم مسح الوجه مستكملا كالوضوء ثم أخرى لليدين ثم مسحهما مرتبا كالوضوء ويكفي الراحة الضرب
وندب ثلاثا وهيأته
قوله فصل وإنما يتيمم بتراب
أقول استدلوا لذلك بقوله سبحانه فتيمموا صعيدا طيبا قالوا الصعيد الطيب هو التراب وهذا هو مسلم فإنه قال في المصباح إن الصعيد وجه الأرض ترابا كان أو غيره قال الزجاج لا أعلم خلافا بين أهل اللغة في ذلك انتهى وحكى في الكشاف عن الزجاج مثل ذلك
واستدلوا أيضا بقوله صلى الله عليه و سلم جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا كما ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره
ويجاب عنه بأنه من التخصيص بموافق العام فإن مفهوم اللقب لا يخصص به على ما ذهب إليه الجمهور ولكنه يقوى هذا قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه فإنه لا يتيسر المسح ببعض الحجر ولا ببعض الشجر فتعين أن يكون الممسوح به ترابا
ولا يعارض هذا تيممه صلى الله عليه و سلم من الحائط فإنه لم يرو أنه كان معمورا من الحجر بل الظاهر أنه معمور من الطين وإذا كان كذلك فالضرب فيه لا يبعد ان يعلق باليد من تربته ما له أثر يمسح به ولا سيما وقد اخرج الشافعي أنه حته أي الحائط الذي

(1/130)


تيمم منه بعصا وقد أخرج هذه الزيادة البيهقي من طريق الشافعي ثم قال وفي إسنادها يعني هذه الزيادة إبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي عن أبي الحويرث وهو متكلم فيهما عن الأعرج عن أبي الصمة وهو يعني الأعرج لم يسمع منه
ومما يعين التراب ويفيد أنه المراد أن جماعة من اهل اللغة كصاحب القاموس وغيره فسروا الصعيد بالتراب أو بما صعد على وجه الأرض فجعلوا التراب أحد معنيي الصعيد
والروايات المصرحة بالتراب هي معينة لأحد معنيي الصعيد
ثم قد ورد ذكر التراب في غير حديث فأخرج أحمد والبيهقي من حديث على مرفوعا بلفظ وجعل التراب لي طهورا وقد حسن إسناده في مجمع الزوائد وكذلك الحافظ ابن حجر في الفتح وصححه السيوطي
وقد كان التيمم في زمن النبوة بالتراب لا يعرف غير ذلك فالتعويل على ما هو محتمل من اللفظ لا ينبغي لمصنف
قوله مباح
أقول استدلوا على ذلك بقوله سبحانه صعيدا طيبا وأجيب بأن الطيب المذكور مشترك بين معنيي الطهارة عن النجاسة والحل والأليق بالمقام المعنى الأول لا الثاني وأولى من هذا الجواب أن يقال المعنى الحقيقي للطيب هو الطاهر وأما الحلال فمجاز له لا حقيقة كما يفيد ذلك ما ذكره الزمخشري في أساسه

(1/131)


ولكنه يغني عن الاستدلال بالآية ما ورد في الكتاب والسنة من تحريم ما ليس بحلال فلا يحتاج إلى الاستدلال بدليل آخر فالآية قد دلت على اعتبار كون التراب طاهرا وأدلة تحريم ما للغير قد دلت على اعتبار كون التراب مباحا حلالا
قوله منبت يعلق باليد
اقول أما كونه منبتا فلم يدل على ذلك دليل أصلا بل المراد ما يصدق عليه اسم التراب وقد صح عنه صلى الله عليه و سلم أنه تيمم من الحائط وصح عنه أنه قال جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا
فكل تراب يحصل به مقصود التيمم يرفع الحدث وأما ما روي عن ابن عباس أنه قال أطيب الصعيد تراب الحرث كما أخرجه عنه البيهقي وغيره فلم يشترط القرآن ولا السنة أطيب الصعيد ولا يستلزم كون أطيب الصعيد تراب الحرث أنه لا يجزىء في التيمم إلا هو وغايته أن التيمم به أحب من غيره لكونه الأطيب وقد دل أفعل التفضيل أن غيره طيب فحصل به مقصود التيمم وقد ثبت أن المدينة سبخة وقد كانوا يتيممون منها ولم ينقل أنهم طلبوا ترابا للتيمم وهكذا كانوا يتيممون عند حضور وقت الصلاة مع عدم الماء بما يجدونه من التراب
وأما اشتراط كون التراب يعلق باليد فوجهه قوله سبحانه وتعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه وقد قدمنا ذلك
وأما اشتراط كونه لم يشبه مستعمل فليس على عدم كون المستعمل طهورا دليل صحيح لا في الماء ولا في التراب وقد أوضحنا ذلك في الوضوء فليرجع إليه
قوله وفروضه التسمية ومقارنة أوله بنية معينة
أقول الكلام في التسمية والنية هنا كالكلام في الوضوء وأما كون النية هنا لا بد أن تكون معينة وأنه لا يتبع الفرض إلا نفله أو شرطه فمبنى على أنه لا يجوز بالتيمم إلا فريضة واحدة وأنه يبطل بالفراغ منها واستدلوا على ذلك بما روى عن ابن عباس أنه قال

(1/132)


من السنة أن لا يصلي بالتيمم إلا مكتوبة ثم يتيمم للأخرى كما اخرجه الدارقطني والبيهقي وفي إسناده الحسن بن عمارة وهو متروك مجمع على تركه وقد روى عن غيره نحو ذلك من قوله غير مرفوع منها عن علي وفي إسناده ضعيفان وهما الحارث الأعور والحاج ابن أرطأة ومنها عن عمرو بن العاص وابن عمر ولا يقوم شيء من ذلك حجة
والعجب ممن قال إنه ينجبر ما فيها بالإجماع فإن المرفوع باطل والموقوف لا حجة فيه فالحق أن يستباح بالتيمم ما يستباح بالوضوء وأنه طهارة جعلها الله سبحانه بدلا عن الوضوء عند عدم الماء وللبدل حكم المبدل إلا ما خصه الدليل ولم يكن هذا مما خصه الدليل
قوله وضرب التراب باليدين
أقول قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه و سلم فعل ذلك وعلمه غيره كما في الصحيحين وغيرهما من حديث عمار أن النبي صلى الله عليه و سلم قال له إنما يكفيك وضرب النبي صلى الله عليه و سلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه
والحاصل أن جميع الأحاديث الصحيحة ليس فيها إلا ضربة واحدة للوجه والكفين فقط وجميع ما ورد في الضربتين أو كون المسح إلى المرفقين لا يخلو من ضعف يسقط به عن درجة الاعتبار ولا يصلح للعمل عليه حتى يقال إنه مشتمل على زيادة والزيادة يجب قبولها
فالواجب الاقتصار على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة وما ذكره المصنف رحمه الله من انه يجب مسح الوجه مستكملا كالوضوء إن أراد أنه يجب تمييم الوجه بالمسح فذلك

(1/133)


متعين وإن أراد أنه يجب تخليل الشعر فليس ذلك من شأن المسح ولا لتخليل الشعر مدخلية فيه بل المراد التعبد بمسح الشعر ما كان يجب غسله بالماء ويصيب ما أصاب ويخطىء ما أخطأ
وكذا ما ذكره في مسح اليدين إن أراد به مجرد إيقاع المسح عليهما فلا بد من ذلك ولكن إلى الرسغين إلى المرفقين وإن أراد التخليل ونحوه فليس ذلك من شأن المسح ولا هو داخل في مفهومه
وأما ما ذكره من أنها بندب هيأة التيمم فلا هيئة له إلا ما اشتمل عليه حديث عمار الذي ذكرناه
فصل
وإنما يتيمم للخمس آخر وقتها فيتحرى للظهر بقية تسع العصر وتيممها وكذلك سائرها وللمقضية بقية تسع المؤداة ولا يضر المتحري بقاء الوقت
وتبطل ما خرج وقتها قبل فراغها فتقضى
قوله فصل وإنما يتيمم للخمس آخر وقتها
أقول الأوقات المضروبة للصلاة لا تختص بطهارة دون طهارة فطهارة التراب كطهارة الماء في أن كل واحدة منهما تؤدى بها الصلاة في الوقت المضروب لها ومن زعم أن ذلك يختص بالصلاة المؤداة بالطهارة بالماء فعليه الدليل ولا دليل أصلا
ثم قد ورد الترغيب في تأدية الصلاة لأول وقتها بأحاديث صحيحة ثابتة في الصحيحين وغيرهما حتى وقع التصريح منه صلى الله عليه و سلم بأن أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها فمن زعم أن ذلك يختص بالصلاة المؤداة بالطهارة بالماء فعليه الدليل ولا دليل

(1/134)


أصلا ثم قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للمتيمم الذي وجد الماء بعد أن فرغ من صلاته ولم يعد الطهارة ولا الصلاة إنه قد أصاب السنة والخير كل الخير في إصابة السنة فلو كان التيمم آخر الوقت واجبا مفترضا لم يكن مصيبا للسنة لأنه صلى بالتيمم تلك الصلاة لوقتها ولم يؤخرها إلى آخر الوقت وقد وجد الماء في الوقت ولم يعد
والحاصل أنه لا دليل على ما ذكره في هذا الفصل بل هو خلاف الدليل وأعجب من هذا قوله في آخر الفصل وتبطل ما خرج وقتها قبل فراغها فتقضى فإن الأحاديث الصحيحة ناطقة بأن من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها فأي دليل دل على أن هذه الصلاة المؤداة بالتيمم لا تدرك بإدراك ركعة منها ولكن المصنف رحمه الله لما ظن أن خروج الوقت من نواقض التيمم وقع في هذا المضيق وليس على ذلك أثارة من علم بل ليس عليه أثارة من رأي مستقيم فلا رواية ولا رأي يوقعان عباد الله في مثل هذه التكاليف الشديدة وهذا الحرج العظيم اللهم غفرا
فصل
ومن وجد ماء لا يكفيه قدم متنجس بدنه ثم ثوبه ثم الحدث الأكبر أينما بلغ في غير أعضاء التيمم وتيمم للصلاة ثم الحدث الأصغر
فإن كفى المضمضة وأعضاء التيمم فمتوضىء وإلا أثرها ويمم الباقي وهو متيمم وكذا لو لم يكف النجس ولا غسل عليه
ومن يضر الماء جميع بدنه تيمم للصلاة مرة ولو جنبا فإن سلمت كل أعضاء التيمم وضأها مرتين بنيتهما

(1/135)


وهو كالمتوضىء حتى يزول عذره وإلا غسل ما أمكن منها بنية الجنابة ووضأه للصلاة ويمم الباقي وهو متيمم فيعيد غسل ما بعد الميمم معه ولا يمسح ولا يحل جبيرة خشي من حلها ضررا أو سيلان دم
قوله فصل ومن وجد ماء لا يكفيه قدم متنجس بدنه
أقول لعل وجه ذلك تحريم التلوث بالنجاسة وورود الوعيد الشديد على ذلك وقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يبدأ في غسله بإزالة النجاسة من فرجيه وكذلك جادت الشريعة بإزالة أثر الخارج من الفرجين بالماء أو الأحجار قبل الوضوء
ولعل الوجه في تقديم غسل متنجس الثوب على رفع الحدثين أن لهما بدلا وهو التيمم ولا بدل لستر العورة
ولعل وجه تقديم الحدث الأكبر عند من يقول إن الطهارة الصغرى تدخل تحت الطهارة الكبرى أن الغسل يغني عن الوضوء وأما من يقول بذلك فوجهه أن الحدث الأكبر مانع من رفع الحدث الأصغر ولكن الثابت عنه صلى الله عليه و سلم في الأحاديث الصحيحة أنه كان يقدم الوضوء على الغسل إلا غسل الرجلين فيؤخره إلى بعد الفراغ من الغسل وقد تقدم ذلك
ويمكن أن يقال إن هذا لا يصلح للاستدلال به على محل النزاع لأن النزاع إنما هو حيث وجد من الماء ما لا يكفي لرفع الحدثين وفعله صلى الله عليه و سلم إنما كان مع وجود ما يكفي لرفع الحدثين وقد يقال إن التأثير مع السعة ووجود ما يكفي لرفع الحدثين يدل على تأثير ما أثره مع عدم وجود ما يكفي لهما وفيه ما فيه
قوله فإن كفى المضمضة وأعضاء التيمم فمتوضىء الخ
اقول قد جعل الله عز و جل رخصة التيمم ثابتة لمن لم يجد ماء يتوضأ به فمن وجد ماء يتوضأ به الوضوء الذي ورد به الشرع ويستوفى غسل أعضاء الوضوء فلا يحل له العدول إلى رخصة التيمم وإذا وجد من الماء ما يكفي بعض أعضاء الوضوء دون البعض فهو في حكم

(1/136)


العادم لما يكفي للوضوء ولا حكم لوجود ما يكفي لبعض الوضوء فإن فاعل ذلك لا يسمى متوضأ ولا يصدق عليه أنه قد فعل ما أمره الله من الوضوء فالواجب عليه ترك غسل ذلك البعض الذي لم يجد من الماء إلا ما يكفيه ويعدل إلى التيمم ولم يرد ما يدل على خلاف هذا وهكذا من وجد ما يكفيه لغسل بعض بدنه عدل إلى التيمم وتيمم مرة واحدة وصلى ما شاء حتى يجد الماء أو يحدث ولا يغسل بعض بدنه ويترك بعضا
وهكذا من يضر الماء بدنه إذا غسل به فإنه يترك الغسل بالماء ولا يغسل شيئا منه ويعدل إلى التيمم فيتيمم مرة واحدة ويصلي ما شاء حتى يحدث أو يجد الماء وإذا وجد الماء في الوقت فليس عليه إعادة ولا غسل لأن الجنابة قد ارتفعت وكذا إذا وجده بعد الوقت فلا يغتسل لهذه الجنابة التي قد تيمم لها لأنها قد ارتفعت بالتيمم
والدليل يدل على ما ذكرناه كحديث والتراب كافيك ولو إلى عشر حجج وحديث جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا
وأما ما ورد في بعض الروايات بلفظ إذا وجد الماء فليمسه بشرته فليس المراد به إلا أنه إذا وجد الماء اغتسل لما يتجدد عليه من الموجبات بعد وجوده لا لما مضى فإنه قد ارتفع ولو سلمنا الاحتمال فهو لا يصلح للاستدلال
وأيضا قد ورد في هذه الرواية فإن ذلك خير لك يدل وهذا يدل على عدم وجوب الغسل للحدث الماضي حيث قد فعل التيمم المشروع
فإن قيل قد أخرج البخاري في صحيحه في باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء من حديث عمران بن حصين ما حاصله أنه نودي بالصلاة فصلى صلى الله عليه و سلم

(1/137)


بالناس فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم فقال ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم فقال أصابتني جنابة ولا ماء قال عليك بالصعيد فإنه يكفيك ثم سار صلى الله عليه و سلم فلما وجد الماء أعطى الرجل الذي أصابته الجنابة إناء من ماء فقال اذهب فأفرغه عليك وهذا ظاهر في أن الغسل للجنابة التي قد تيمم لها
وأخرجه البيهقي عن عمران بن حصين بلفظ فقال للرجل ما منعك أن تصلي قال يا رسول الله أصابتني جنابة قال فتيمم بالصعيد فإذا فرغت فصل فإذا أدركت الماء فاغتسل وهذا أأصرح من الحديث الذي قبله في أن الغسل للجنابة التي قد تيمم لها
وفي إسناده أحمد بن عبد الجبار العطاردي قد ضعفه جماعة ولكنه قال الذهبي في المغني حديثة مستقيم انتهى والحديث الأول يشهد له ويقويه
وأخرج الطبراني في الكبير حديث أسلع خادم النبي صلى الله عليه و سلم أنه أصابته جنابة فأمره صلى الله عليه و سلم بالتيمم فتيمم ثم مروا بماء فقال النبي صلى الله عليه و سلم يا أسلع هذا أمس هذا جلدك وهو كالحديث الأول في الدلالة على أن الغسل للجنابة التي قد تيمم لها
قلت ليس في الحدثين ما يفيد ان الأمر بالغسل للجنابة التي قد تيمم لها كما ذكرت ولو كان كذلك لأمره بإعادة الصلاة التي قد فعلها بالتيمم ولم يثبت ذلك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز

(1/138)


ولو سلمنا ما ذكرت لكان معارضا لحديث عمرو بن العاص الصحيح أنه احتلم فصلى بأصحابه بالتيمم فشكوه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال صليت بأصحابك وأنت جنب فقال سمعت الله يقول ولا تقتلوا أنفسكم فقره على ذلك ولم يأمره بالغسل
وأيضا قياس الجنابة على الوضوء يدل على عدم وجوب غسل الجنابة بعد التيمم لها لما تقدم في حديث الرجلين وقوله صلى الله عليه و سلم للذي لم يعد اصبت السنة فإذا قوي التيمم على رفع الحدث الأصغر قوي على رفع الحدث الأكبر لاشتراكهما في منع كل واحد منهما من الصلاة
ويؤيد هذا ما تقدم من العمومات الصحيحة ومع التعارض يرجع إلى الأصل وهو أن التيمم طهارة شرعها الله عوضا عن الماء فيرتفع بها ما يرتفع بالماء
وقد يجمع بين الأدلة بأن أمره صلى الله عليه و سلم للجنب بأن يغتسل عند وجود الماء ليس لرفع الجنابة فإنها قد ارتفعت بالتيمم بل لغسل ما يتلوث به البدن من آثار الجنابة لا سيما المحتلم فإنه لا بد أن يصيب المني بعض بدنه في الغالب
فصل
ولعادم الماء في الميل أن يتيمم لقراءة ولبث في المسجد مقدرين ونفل كذلك وإن كثر قيل ويقرأ بينهما ولذي السبب عند وجوده والحائض للوطء وتكرره للتكرار
قوله فصل ولعادم الماء في الميل أن يتيمم لقراءة ولبث في المسجد مقدرين
أقول قد عرفناك أن التيمم يرفع الحدث إما مطلقا أو إلى وقت وجود الماء فإذا تيمم لصلاة جاز له أن يفعل ما يفعله المتوضىء حتى يحدث وهكذا إذا تيمم لغير صلاة فإنه قد ثبت أنه صلى الله عليه و سلم تيمم لرد السلام وهو مجرد ذكر من الأذكار فالتيمم للقراءة ولدخول المسجد أولى وأحق فإذا تيمم لشيء من ذلك بعينه فقد ارتفع الحدث بذلك التيمم فيجوز له أن يفعل غير ما سماه حتى يحدث لأنه قد صار في حكم المتوضىء وقد

(1/139)


قدمنا في الوضوء ما يزيدك في هذا بصيرة وليس هذا الحكم مختصا بعادم الماء بل هو ثابت لكل من يجوز له التيمم
وأما تقيدد الجواز بالعدم في الميل فهو مبني على ما تقدم من وجوب الطلب في الميل وقد قدمنا دفعه وهكذا لا وجه لقوله مقدرين لما عرفت من أن الحدث قد ارتفع ولا فائدة لذكره هنا للنفل ولذوات الأسباب فإنها صلوات يشرع لها التيمم كما شرع للصلوات الخمس
وما ذكره من أن الحائض تتيمم للوطء فذلك صواب لأن الله سبحانه يقول فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله والتطهر يصدق على طهارة التراب عند عدم الماء كما يصدق على طهارة الماء
فصل
وينتقض بالفراغ مما فعل له وبالاشتغال بغيره وبزوال العذر ووجود الماء قبل كمال الصلاة وبعده يعيد الصلاتين إن أدرك الأولى وركعة بعد الوضوء وإلا فالأخرى إن أدرك ركعة وبخروج الوقت ونواقض الوضوء
قوله فصل وينتقض بالفراغ مما فعل له الخ
أقول قد عرفناك غير مرة أن الطهارة بالتراب كالطهارة بالماء يفعل بها المتيمم ما يفعل بها المتطهر بالماء ولم يرد ما يدل على خلاف ذلك لا من كتاب ولا من سنة ولا من رأي صحيح فلا ينتقض إلا بما تنتقض به الطهارة بالماء فدعوى انتقاضه بالفراغ مما فعل له ليس بشيء وكذلك دعوى انتقاضه بالاشتغال بغيره ليس عليه أثارة من علم
وأما دعوى انتقاضه بوجود الماء وإيجاب الأعادة للصلاة فدفع في وجه الدليل ورد لما هو الحق بالصدر والنحر فإن النبي صلى الله عليه و سلم قد أخبرنا بأن الذي لم يعد عنا وجوب الماء قد أصاب السنة والخير كل الخير في إصابة السنة وليس وراء ذلك إلا البدعة

(1/140)


وأما قوله للذي أعاد لك الأجر مرتين فذلك لكون الله سبحانه لا يضيع عمل عامل وقد تيمم وتوضأ وصلى مرتين ولا يستلزم ثبوت الأجر له إصابته فإن النبي صلى الله عليه و سلم قد أثبت لمن أخطأ في اجتهاده أجرا فقال فيما صح عنه في الصحيحين وغيرهما إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر فصرح بثبوت الأجر مع الخطأ في الاجتهاد
وهذا الذي أعاد الوضوء والصلاة قد أخطأ في اجتهاده وثبت له الأجر كما ثبت للحاكم المخطىء في اجتهاده
وأما دعوى انتقاض التيمم بخروج الوقت فلا أصل له يرجع إليه ولا دليل يدل عليه والصواب الاقتصار في هذا الفصل على قوله ونواقض الوضوء وفيه ما يغني عن تكليف عباد الله ما لم يشرعه لهم بلا خلاف شرعه لهم فان هذا الكتاب وضعه المصنف رحمه الله لبيان ما ورد به الدليل لا لبيان القال والقيل

(1/141)


باب الحيض
هو الأذى الخارج من الرحم في وقت مخصوص والنقاء المتوسط بينه جعل دلالة على أحكام وعلة في أخر
وأقله ثلاث وأكثره عشر وهي أقل الطهر ولا حد لأكثره ويتعذر قبل دخول المرأة في التاسعة وقبل أقل الطهر وبعد أكثر الحيض وبعد الستين وحال الحمل
وتثبت العادة لمتغيرتها والمبتدأة بقرئين فإن اختلفا فيحكم بالأقل ويغيرها الثالث المخالف وتثبت بالرابع ثم كذلك
قوله باب الحيض هو الأذى الخارج من الرحم في وقت مخصوص
أقول قد نظر المصنف رحمه الله في هذا الحد إلى ما وقع في القرآن من قوله عز و جل يسألونك عن المحيض قل هو أذى وإلى ما ذكره أهل اللغة
قال الأزهري والهروي وغيرهما الحيض جريان دم المرأة في أوقات معلومة من رحمها بعد بلوغها
وقد نوقش المصنف في هذا الحد بما يرد عليه فإن المراد التعريف بالوجه لا بالكنه
قوله وأقله ثلاث وأكثره عشر
أقول لم يأت في تقدير أقل الحيض وأكثره ما يصلح للتمسك به بل جميع الوارد في ذلك إما موضوع أو ضعيف لمرة والذي ثبت أنه صلى الله عليه و سلم قال تمكث

(1/142)


إحداهن الليالي ذوات العدد لا تصلي وغاية ما ثبت في ذلك العدد ما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة قال الترمذي حسن صحيح وقال الترمذي عن أحمد والبخاري أنهما صححاه وكذلك نقل ابن المنذر عنهما من حديث حمنة بنت جحش قالت كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة فأتيت النبي صلى الله عليه و سلم الحديث وفيه فقال النبي صلى الله عليه و سلم إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله كما تحيض النساء
فلو قيل إن أكثر الحيض سبعة أيام لكان لذلك وجه
قوله ويتعذر قبل دخول المرأة في التاسعة
أقول قد استدل على تعذره قبل دخول المرأة في التاسعة بالإجماع وكذلك استدل بالإجماع على تعذره قبل أقل الطهر بعد أكثر الحيض
وأما تعذره بعد الستين فاستدل عليه بأنه أكثر ما قيل في مدة الإياس فكان إجماعا
والحاصل أنه لا دليل على هذه الثلاث الحالات التي يتعذر عندها الحيض لا من كتاب ولا سنة وليس إلا مجرد الاستقراء وذلك أنه لم ينقل أن امرأة حاضت حيضا شرعيا قبل تسع سنين ولا بعد ستين سنة
وأما أقل الطهر بعد أكثر الحيض فلا خلاف في ذلك بين القائلين بتقدير مدة أقل الحيض وأكثره وأقل الطهر وكل على أصله

(1/143)


وأما من لم يقل بذلك التقدير وجعل الاعتبار بصفات الدم لمن لم تتقرر عادتها فهو خارج عن هذا الإجماع المدعي
وأما الحالة الرابعة وهي حالة الحمل فهي محل الخلاف وقد استدل كل قائل لقوله بما لا يلزم خصمه وقد يقع لبعض النساء الحيض في أيام حملها ولكن القائل بأنها حالة تعذر لا يقول بأن ذلك حيض بل يجعله لفساد عرض للحامل في طبيعتها ولا يخفاك أنه إذا كان متصفا بصفات دم الحيض التي بينها النبي صلى الله عليه و سلم بقوله في دم الحيض إنه أسود يعرف كان الظاهر مع من يقول إنه دم حيض وقد سمعنا في عصرنا بوقوع ذلك لكثير من النساء ولا يلزم من القول بأنه دم حيض أن تعتد بالحيض فإن الدليل الخاص قد دل على أن عدة الحامل بوضع الحمل ولا يلزم من ذلك ايضا أن لا يكون الحيض معرفا لخلو الرحم عن الحمل في الاستبراء لأنا نقول هو معرف إذا لم تظهر قرائن الحمل فإن ظهرت لم يكن معرفا لأن كونه معرفا قد عورض بشيء آخر
وهذه المسألة من المضائق لما يترتب عليها من ترك صلاة المرأة وصيامها على القول بأن ذلك حيض أو فعل الصلاة والصيام واعتدادها بذلك وعدم قضاء الصيام على القول بأنه ليس بحيض وليس في المقام من الأدلة الشرعية ما تسكن إليه النفس سكونا تاما
قوله وتثبت العادة لمتغيرتها
أقول استدلوا على ثبوت العادة بالقرائن بما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال في المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها
وقد تكلم في إسناد الحديث بما لا يوجب سقوطه عن درجة الاعتبار وله شواهد تقويه

(1/144)


قالوا فأمرها بالرجوع في العادة إلى أقرائها والثلاثة الأقراء وإن كانت أقل الجمع عند الجمهور لكن قالوا إن الثلاثة الأقراء غير معتبرة إجماعا فبقي قرآن
قلت ومما يدل على اعتبار العادة ما أخرجه مسلم وغيره من حديث عائشة أن أم حبيبة سألت النبي صلى الله عليه و سلم عن الدم قالت عائشة فرأيت مركنها ملآن دما فقال لها رسول الله امكني قدر ما كانت حيضتك تحبسك ثم اغتسلي فهذا وما قبله يدلان على رجوع المستحاضة إلى العادة وأنها معتبرة وأما أنهما يدلان على أن العادة تثبت بقرائن فلا
لكن قد تقرر في كتب اللغة أن العادة مأخوذة من عاد إليه يعود إذا رجع فدل ذلك على أنه لا يقال عادة إلا لما تكرر وأقل التكرر يحصل بمرتين
فصل
ولا حكم لما جاء وقت تعذره فأما وقت إمكانه فتحيض فإن انقطع لدون ثلاث صلت فإن تم طهرا قضت الفائت وإلا تحيضت ثم كذلك غالبا إلى العاشر فإن جاوزها فإما مبتدأة عملت بعادة قرائبها من قبل أبيها ثم أمها فإن اختلفن فبأقلهن طهرا وأكثرهن حيضا فإن عدمن أو كن مستحاضات فبأقل الطهر وأكثر الحيض
وأما معتادة فتجعل قدر عادتها حيضا والزائد طهرا إن أتاها لعادتها أو في غيرها وقد مطلها فيه أو لم يمطل وعادتها تتنقل وإلا فاستحاضه كله
قوله فصل ولا حكم لما جاء وقت تعذره الخ
أقول قد تقدم ما يفيد هذا وهو قوله ويتعذر قبل دخول المرأة في التاسعة إلخ وإذا كان الحيض متعذرا في تلك الحالات كان الخارج غير حيض وما كان غير حيض فلا تثبت له أحكام الحيض وهكذا لا فائدة لقوله فأما وقت إمكانه فتحيض لأن هذا الباب أعني باب الحيض إنما يراد منه ذكر أحكام ما جاء من الحيض في وقت إمكانه وذلك

(1/145)


معلوم أنه حيض وله أحكام الحيض وهكذا لا يحتاج إلى قوله فإن انقطع لدون ثلاث صلت وما بعده لأن هذا قد عرف من قوله فيما سبق فصل وأقله ثلاث
قوله فإن جاوزها فإما مبتدأة عملت بعادة قرائبها من قبل أبيها إلخ
أقول استدلوا على ذلك بحديث حمنة الذي قدمنا ذكره وهو حديث صحيح وفيه فتحيضي ستة ايام أو سبعة أيام في علم الله كما تحيض النساء
قالوا وقرابتها أحق من غيرهن برجوعها إلى عادتهن واعلم أنه قد ورد ما يدل على الرجوع إلى عادة النساء كهذا الحديث وورد ما يدل على الرجوع إلى صفة الدم كحديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي صلى الله عليه و سلم إن كان دم حيض فإنه أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم وورد ما يدل على رجوع المرأة إلى عادة نفسها كحديث أم حبيبة المتقدم قريبا وفيه امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي
والجمع بين هذه الأحاديث ممكن بأن يقال إن كانت المرأة مبتدأة أو ناسية لوقتها وعددها فإنها ترجع إلى صفة الدم فإن كان بتلك الصفة التي وصفها به رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو دم حيض وإن كان على غير تلك الصفة فليس بحيض فإن لم يتميز لها وذلك بأن يخرج على صفات مختلفة أو على صفة ملتبسة رجعت إلى عادة النساء القرائب فإن اختلفت عادتهن فالاعتبار بالغالب منهن فإن لم يوجد غالب تحيضت ستا أو سبعا كما أمرها رسول الله صلى الله عليه و سلم
وأما إذا كانت غير مبتدأة بل معتادة عارفة لوقتها وعددها رجعت إلى عادتها المعروفة فإن جاوز عادتها رجعت إلى التمييز بصفة الدم فإن التبس عليها قدر عادتها لعارض عرض لها والتبس عليها التمييز بصفة الدم رجعت إلى عادة النساء من قرائبها فإن اختلفن فكما تقدم في المبتدأة
وبهذا يرتفع الاشكال ويندفع ما كثر وطال من القيل والقال

(1/146)


فصل
ويحرم بالحيض ما يحرم بالجنابة والوطء في الفرج حتى تطهر وتغتسل أو تيمم للعذر وندب أو تعاهد نفسها بالتنظيف وفي أوقات الصلاة أو توضأ وتوجه وتذكر الله وعليها قضاء الصيام لا الصلاة
قوله فصل ويحرم بالحيض ما يحرم بالجنابة
أقول قد تقدم في باب الغسل بيان ما يحرم بالجنابة فينبغي الرجوع إليه وقد يحرم بالحيض ما لم يحرم بالجنابة كالصيام فإنه يجوز للجنب أن يصبح صائما ويستمر على ذلك حتى يتطهر وسيأتي تحقيق البحث في الصيام بخلاف الحائض فإنه لا يصح صومها بحال
قوله والوطء في الفرج
أقول هذا معلوم بنص القرآن الكريم قال الله عز و جل يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ولا خلاف في تحريم وطء الحائض وقوله حتى تطهر دل عليه قوله تعالى حتى يطهرن وقوله وتغتسل دل عليه قوله تعالى فإذا تطهرن وقوله أو تيمم للعذر قد قدمنا الكلام عليه
قوله وندب أن تتعاهد نفسها بالتنظيف
أقول غسل النجاسة من البدن والثوب بعمومات القرآن كقوله تعالى وثيابك فطهر والرجز فاهجر وقوله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وورد في السنة ما يؤيد ذلك ويؤكده والحائض من جملة من يشمله الخطاب وأما كونه يندب لها أن تتوضأ فليس على ذلك دليل والوضوء عبادة شرعية فلا يشرع لغير ذلك وأما كونها تذكر

(1/147)


الله تعالى فذلك داخل تحت العمومات من الكتاب والسنة القاضية بمشروعية الذكر والحائض داخله تحت عمومات الخطاب ولكنها لا تقرأ القرآن كما تقدم الكلام على ذلك
قوله وعليها قضاء الصيام لا الصلاة
أقول هذا معلوم بالأدلة الصحيحة وعليه كان العمل في عصر النبوة وما بعده وأجمع عليه سلف هذه الأمة وخلفها سابقها ولاحقها ولم يسمع عن أحد من علماء الاسلام في ذلك خلاف وأما الخوارج الذين هم كلاب النار فليس هم ممن يستحق أن يذكر خلافهم في مقابلة قول المسلمين أجمعين ولا هم ممن يخرج المسائل الإجماعية عن كونها إجماعية بخلافهم وما هذه بأول مخالفة منهم لقطعيات الشريعة والعجب ممن ينصب نفسه من أهل العلم للاستدلال لباطلهم بما لا يسمن ولا يغني من جوع
فصل
والمستحاضة كالحائض فيما علمته حيضا وكالطاهر فيما علمته طهرا ولا توطأ فيما جوزته حيضا وطهرا ولا تصلي بل تصوم أو جوزته انتهاء حيض وابتداء طهر لكن تغتسل لكل صلاة إن صلت وحيث تصلي توضأ لوقت كل صلاة كسلس البول ونحوه ولهما جمع التقديم والتأخير والمشاركة بوضوء واحد وينتقض بما عدا المطبق من النواقض وبدخول كل وقت اختيار أو مشاركة
قوله فصل والمستحاضة كالحائض إلخ
أقول قد قدمنا لك قريبا ما يدفع تحير المستحاضة ويقطع عرق شكها ويدفع جميع وسوستها
وإذا عرفت ذلك حق معرفته علمت أنها لا تكون في بعض أحوالها مجوزة لكون دمها

(1/148)


حيضا لكونه غير حيض لأنها إذا لم يحصل لها التمييز لصفة الدم رجعت إلى عادتها إن كانت قد استقرت لها عادة أو إلى عادة النساء من قرائبها إن لم تكن قد استقرت لها عادة ومع الاختلاف ترجع إلى غالبهن ومع عدم الغالب تحيض ستا أو سبعا كما أمرها رسول الله صلى الله عليه و سلم وحينئذ فلا تكون متحيرة أبدا بل هي في استحاضتها على بيان من أمرها ووضوح من حالها
وبهذا تعرف الكلام على قوله ولا توطأ فيما جوزته حيضا وطهرا إلخ وإذا تقرر لك هذا علمت أن إيجاب الغسل على المستحاضة لكل صلاة مبني على ثبوت اللبس عليها ولا لبس
وقد وردت أحاديث أكثرها في سنن أبي داود في غسل المستحاضة وقد صرح جماعة من الحفاظ بانها لا تقوم بها الحجة وعلى فرض أن بعضها يشهد لبعض فهي لا تقوى على معارضة ما في الصحيحين وغيرهما من أمره صلى الله عليه و سلم لها بالغسل إذا أدبرت الحيضة فقط
والحاصل أن مثل هذا التكليف الشاق لا يجوز الثباته بغير حجة أوضح من الشمس فكيف يجوز إثباته بما هو ضعيف لا تقوم به حجة هذا على تقدير عدم وجود ما يعارضه فكيف وقد عارضه ما هو في الصحة في أعلى المراتب مع مطابقته لما بنيت عليه هذه الشريعة المباركة من التيسير وعدم التعسير والتبشير وعدم التنفير كما قال صلى الله عليه و سلم فيما صح عنه يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وقال إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبة وقال بعثت بالشريعة السمحة السهلة
ومع هذا فإثبات الغسل عليها لكل صلاة أو للصلاتين مبني على التباس الأمر عليها
وقد أرشدها الشارع إلى ما يرفعه ويدفعه كما قدمنا فإن أرادت أن تعذب نفسها بالشك والوسوسة فعلى نفسها براقش تجني لأنها مع تمييز دم الحيض من دم الاستحاضة لا تكون إلا حائضا أو غير حائض وعليها ما تستطيع ويدخل في وسعها من تطهير بدنها وثوبها من دم الاستحاضة ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وكما أنه ليس في إيجاب الغسل عليها لكل صلاة وللصلاتين ما تقوم به الحجة كذلك لا دليل تقوم به الحجة في إيجاب الوضوء عليها لكل صلاة

(1/149)


وأما الحكم عليها بأنه ينتقض وضوءها بدخول كل وقت اختيار أو مشاركة فمن التساهل في إثبات الأحكام الشرعية لمجرد الخيالات المختلة والآراء المعتلة
فصل
والنفاس كالحيض في جميع ما مر وإنما يكون بوضع كل الحمل متخلقا عقيبه دم ولا حد لأقله وأكثره أربعون فإن جاوزها فكالحيض جاوز العشر ولا يعتبر الدم في انقضاء العدة به
قوله فصل والنفاس كالحيض
أقول هذا صحيح وأما اشتراك أن يكون متخلقا عقيبه دم فإن كان النفاس معنى شرعي يفيد هذا الاشتراط فذاك وإن لم يكن له معنى شرعي فالمرجع لغة العرب فإن ثبت فيها ما يدل على ذلك كان لهذا الاشتراط وجه وإلا فلا
قوله وأكثره أربعون يوما
أقول قد تعاضدت الأحاديث الواردة بالأربعين وفي بعضها أن النبي صلى الله عليه و سلم وقت للنساء في نفاسهن أربعين يوما أخرجه الحاكم وصححه وأخرجه البيهقي من طريق اخرى
وقد ذكرنا في شرح المنتقى ما ورد في الباب وأما تضعيف من ضعف حديث أم سلمة بمسة الأزدية والقول بأنها مجهولة فلا نسلم جهالة عينها فقد روي عنها كثير بن زياد

(1/150)


والحكم بن عتيبة وزيد بن علي بن الحسين بن علي وغيرهم وقد أثنى على حديثها البخاري وصحح الحاكم إسناده فالقول بأن أكثر أيام النفاس أربعون يوما هو أعدل الأقوال وأحسنها فإذا رأت الطهر قبل ذلك طهرت وإن لم تره فهي نفساء حتى تنقضي الأربعون ثم لا حكم لما خرج من الدم بعد ذلك

(1/151)


كتاب الصلاة

(1/153)


فصل
يشرط في وجوبها عقل وإسلام وبلوغ باحتلام أو إنبات أو مضي خمس عشرة سنة أو حبل أو حيض والحكم لأولهما
ويجبر الرق وابن العشر عليها ولو بالضرب كالتأديب
قوله فصل يشترط في وجوبها عقل
أقول للإجماع على أن الصلاة وغيرها من الحكام التكليفية لا تجب على المجنون وحديث رفع القلم عن ثلاث قد روى من طرق يقوى بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض فمن لا يكون عاقلا لا يتوجه إليه خطاب الشرع ما دام غير عاقل فلا يجب عليه الصلاة فجعل العقل شرطا للوجوب صحيح وهو مطابق لما ذكره أهل الأصول في حقيقة الشرط أنه ما يلزم من عدمه عدم المشروط ولا يلزم من وجوده وجوده لأن الصلاة لا توجد بوجود نفس العقل وإن وجد مجرد طلبها منه وإيجابها عليه وهي تنتفي بانتفاء العقل أعني الصلاة الشرعية فلا تجب على غير عاقل ولا تطلب منه
وأما جعله للإسلام شرطا للوجوب فمخالف لما هو متقرر عنده وعنده من يقول بخطاب الكفار بالشرعيات وقد حكى بعض أهل الأصول أن ذلك إجماع أعني كونها واجبة عليهم وأنهم يعاقبون على تركها في الآخرة
وأما جعله البلوغ شرطا للوجوب فحق للأدلة الدالة على رفع قلم التكليف عن الصبيان وللإجماع على ذلك وكونه يحصل باحد الأسباب التي ذكرها صواب أيضا
واعلم أن الجلال رحمه الله قد جاء في شرحه في هذه الشروط والعلامات بمناقشات للمصنف خرجت به إلى خلاف الإجماع في غير موضع بل إلى خلاف ما هو معلوم بضرورة الشرع فلا نطيل الكلام معه في ذلك فإن بطلان ما ذكره لا يخفى على عارف وقد اعترضه الأمير رحمه الله في حاشيته بما يكشف بعض قناع ما لفقه من الهذيان الذي لم يجر على شرع ولا عقل

(1/155)


قوله ويجبر الرق وابن العشر عليها ولو بالضرب كالتأديب
أقول أما الرق المحكوم له بالإسلام فإجباره على فعل الصلاة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيده أخص الناس بإجباره على ذلك وقد ورد الشرع بأنه يحده سيده إذا ارتكب ما يوجب حدا فهكذا يجبره سيده إذا ترك واجبا من غير فرق بين الصلاة وغيرها
وأما ابن العشر فقد ورد النص بذلك وأما الاستشكال بانه كيف يضرب وهو غير مكلف فنقول المكلف بذلك وليه والشرع قد أباح ضربه لذلك كما يباح ضربه إذا أراد الإقدام على قتل من لا يجوز قتله أو أخذ ماله
وأما قوله وكالتأديب فإن أراد أن التأديب اصل وإجباره على الصلاة فرع فباطل وإن أراد تنظير أحد الأمرين بالآخر فلم يرد ما يدل على كون هذا التأديب مندوبا فضلا عن كونه واجبا
فصل
وفي صحتها ستة الأول الوقت وطهارة البدن من حدث ونجس ممكني الإزالة من غير ضرر الثاني ستر جميع العورة في جميعها حتى لا ترى إلا بتكلف وبما لا يصف ولا تنفذه الشعرة بنفسها
وهي من الرجل ومن لم ينفذ عتقه الركبة إلى تحت السرة ومن الحرة غير الوجه والكفين وندب للظهر والهبرية والمنكب
الثالث طهارة كل محمولة وملبوسة وإباحة ملبوسة وخيطه وثمنه المعين وفي الحرير الخلاف فإن تعذر فعاريا قاعدا موميا أدناه فإن خشي ضررا أو تعذر الإحتراز صحت بالنجس لا الغصب إلا لخشية تلف وإذا التبس الطاهر بغيره صلاها فيهما وكذا ماءان مستعمل أو نحوه فإن ضاقت تحرى وتكره في كثير الدرن وفي المشبع صفرة وحمرة وفي السراويل والفرو وحده وفي جلد الخز
الرابع إباحة ما يقل مساجده ويستعمله فلا يجزىء قبر وسابله عامره ومنزل غصب إلا لملجىء أحدهما ولا ارض هو غاصبها وتجوز فيما ظن إذن مالكه وتكره على تمثال حيوان كامل إلا تحت القدم أو فوق القامة وبين المقابر ومزاحمة نجس لا يتحرك بتحركه وفي الحمامات وعلى اللبود ونحوها

(1/156)


الخامس طهارة ما يباشره أو شيئا من محموله حاملا لا مزاحما وما يتحرك بتحركه مطلقا وإلا أومأ لسجوده
السادس تيقن استقبال عين الكعبة أو جزء منها وإن طلب إلى آخر الوقت وهو على المعاين ومن في حكمه وعلى غيره في غير محراب الرسول صلى الله عليه و سلم الباقي التحري لجهتها ثم تقليد الحي ثم المحراب ثم حيث يشاء آخر الوقت
ويعفى لمتنفل راكب في غير المحمل ويكفي مقدم التحري على التكبيرة إن شك بعدها أن يتحرى أمامه وينحرف ويبني ولا يعيد المتحري المخطىء إلا في الوقت إن تيقن الخطأ كمخالفة جهة إمامه جاهلا
ويكره استقبال نائم ومحدث ومتحدث وفاسق وسراج ونجس في القامة ولو منخفضة
وندب لمن في الفضاء اتخاذ سترة ثم عود ثم خط
قوله وفي صحتها ستة الأول الوقت
أقول اعلم أن الأسباب والشروط والموانع من أحكام الوضع والمرجع في حقائقها إلى ما دونه أئمة الأصول لأن البحث أصولي وقد ذكر أهل الأصول في ذلك ما اصطلحوا عليه فقالوا الشرط ما يؤثر عدمه في عدم المشروط ولا يؤثر وجوده في وجوه كالوضوء فإنه شرط للصلاة يؤثر عدمه في عدمها فلا تصح بغير وضوء ولا يؤثر وجوده في وجودها فإنه لا يؤثر مجرد فعل الوضوء في وجود الصلاة
وأما السبب فهو ما يؤثر وجوده في وجود المسبب وعدمه في عدمه
وإذا عرفت هذا علمت أن الوقت سبب لا شرط لأنه يؤثر وجوده في وجود المسبب وهو إيجاب فعل الصلاة ويؤثر عدمه في عدمه فإنها لا تجب الصلاة قبل دخول وقتها
وذكر بعض أهل الأصول في حقيقة السبب أنه ما يؤثر وجوده في وجود المسبب ولا يؤثر عدمه في عدمه
قوله وطهارة البدن من حدث ونجس ممكن الإزالة
أقول قد عرفناك ان الشرط هو ما يؤثر عدمه في عدم المشروط ولا يؤثر وجوده في وجوده فلا يثبت إلا بدليل يدل على أن المشروط يعدم بعدمه وذلك أما بعبارة مفيدة لنفي

(1/157)


الذات والصحة مثل أن تقول لا صلاة لمن لا يفعل كذا أو لمن فعل كذا أو تقول لا تقبل صلاة من فعل كذا أو من لا يفعل كذا ولا تصلح صلاة من فعل كذا أو من لم يفعل كذا وأما مجرد الأوامر فغاية ما يدل عليه الوجوب والواجب ما يستحق فاعله الثواب بفعله والعقاب بتركه وذلك لا يستلزم أن يكون ذلك الواجب شرطا بل يكون التارك له آثما وأما أنه يلزم من عدمه العدم فلا
وهكذا يصح الاستدلال على الشرطية بالنهي الذي يدل على الفساد المرادف للبطلان إذا كان النهي عن ذلك الشيء لذاته أو لجزئه لا لأمر خارج عنه
إذا عرفت هذا علمت أن طهارة البدن من الحدثين شرط الصلاة لوجود الدليل المفيد للشرطية وأما طهارته من النجس فإن وجد دليل يدل على أنه لا صلاة لمن صلى وفي بدنه نجاسة أو لا تقبل صلاة من صلى وفي بدنه نجاسة أو وجد نهى لمن في بدنه نجاسة أن يقرب الصلاة وكان ذلك النهي يدل على الفساد المرادف للبطلان صح الاستدلال بذلك على كون طهارة البدن عن النجاسة شرطا لصحة الصلاة وإلا فلا وليس في المقام ما يدل على ذلك فإن حديث الأمر بالإستنزاه من البول وأن عامة عذاب القبر منه ليس فيه إلا الدلالة على وجوب الاستنزاه فيكون المصلي مع وجود النجاسة في بدنه آثما ولا تبطل صلاته
قوله الثاني ستر جميع العورة
أقول الأدلة الصحيحة قد دلت على وجوب ستر العورة في الصلاة وفي غيرها ولكن هذا الدليل الدال على الوجوب لا يدل على الشرطية كما عرفناك وأما ما ورد من أن الله لا يقبل صلاة حائض إلا بخمار ونحوه قد عورض بما ورد من نفي قبول صلاة شارب الخمر وصلاة الآبق مع أنها تصح صلاتهما ولا وجه لهذه المعارضة لأن نفي القبول يستلزم نفي الصحة فإن ورد دليل يدل على صحة صلاة من ورد الدليل بأن الله لا يقبل صلاته كان ذلك مخصصا له فيكون نفي القبول في حقه مجازا عن عدم توفير الثواب

(1/158)


قوله وهي من الرجل ومن لم ينفذ عتقه الركبة إلى تحت السرة
أقول العورة ينبغي الرجوع في تحقيقها وتقديرها إلى ما ورد في الشرع فإن ثبت ذلك في الشرع وجب تقديمه والرجوع إليه لأن الحقيقة الشرعية مقدمة على غيرها
وإن لم تثبت في ذلك حقيقة شرعية وجب الرجوع إلى معناها وتقديرها عند أهل اللغة لوجوب حمل كلام الشارع على اللغة إذا لم يتقرر في ذلك عرف شرعي
وقد اتفق الشرع واللغة على أن القبل والدبر عورة من الرجل وزاد الشرع على الفخد فأخرج أبو داود وابن ماجة والحاكم والبزاز من حديث علي قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت وفي إسناده ابن جريج عن حبيب بن أبي ثابت ولم يسمع منه قال أبو حاتم في العلل إن الواسطة بينهما الحسن بن ذكوان وفيه علة أخرى وهي أن حبيبا رواه عن عاصم ولم يسمع منه
وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه عن محمد بن جحش أن النبي صلى الله عليه و سلم قال الفخذ عورة ورجاله رجال الصحيح غير أبي كثير وقد روي عنه جماعة وأخرج البخاري هذا الحديث في صحيحه تعليقا
وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال الفخذ

(1/159)


عورة وفي إسناده يحيى القتات وفيه ضعيف
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن جرهد الأسلمي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال له غط فخذك فإن الفخذ عورة وصححه ابن حبان وعلقه البخاري في صحيحه
فهذه الأحاديث قد دلت على أن الفخذ عورة وإليه ذهب الجمهور وذهب أحمد ومالك في رواية عنه أهل الظاهر وابن جرير والإصطخري إلى أن العورة القبل والدبر وتمسكوا بأحاديث فيها دلالة على أن الفخذ ليس بعورة وذلك كما روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه كشف فخذه في خيبر وحديث أنه كان كاشفا لفخذه ثم لما دخل عثمان غطاها ولا يصلح مثل ذلك لمعارضة هذه الأحاديث
أما الأول فقد اختلفت فيه الروايات هل هو الذي حسر الثوب عن فخذه أو انحسر الثوب بنفسه وأيضا تلك الحالة حالة حرب يغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها
وأما الحديث الثاني فيمكن أنه صلى الله عليه و سلم لم يقصد كشفه ولهذا غطاه وليس بعد التصريح منه صلى الله عليه و سلم بأن الفخذ عورة شيء

(1/160)


ولم يثبت ما يدل على أن الركبة عورة بل ورد ما يدل على انها ليست بعورة كما في حديث إذا زوج أحدكم خادمته عبده أو اجيره فلا ينظرن إلى ما دون السرة وفوق الركبة أخرجه أبو داود وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
قوله ومن الحرة غير الوجه والكفين
أقول قد دل الدليل على أن هذا يجب عليها ستره من الرجال ولا يجوز لهم النظر إليه وأما كون صلاتها لا تصح إذا كانت خالية أو مع النساء أو مع زوجها او محارمها فغير مسلم وغاية ما ورد في ذلك حديث إن الله لا يقبل صلاة حائض إلا بخمار كما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد من حديث عائشة فقد أعل بالوقف قال الدارقطني الوقف أشبه وأعل ايضا بالإرسال كما قال الحاكم وغايته أنها لا تصح صلاتها إلا بستر رأسها لأن الخمار هو ما يستر به الرأس وليس فيه زيادة على ذلك
وأما حديث أم سلمة أنها سألت النبي صلى الله عليه و سلم أتصل المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار فقال إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها أخرجه أبو داود والحاكم وقد أعل بالوقف قال ابن حجر وهو الصواب قال أبو داود روى هذا الحديث مالك بن أنس وبكر بن مضر وحفص بن غياث وإسماعيل بن جعفر وابن أبي ذئب وابن إسحق عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة ولم يذكر واحد منهم النبي صلى الله عليه و سلم يروونه عن أم سلمة انتهى
فهذا الحديث لا تقوم به حجة لكونه من قول أم سلمة ولو سلمنا أن العمل على رواية من رفعه كما يقوله أهل الأصول فلا أقل من ان يكون هذا التفرد علة تمنع من انتهاضه للحجية
قوله وندب للظهر والهبربة والمنكب
اقول لا دليل على ذلك فإن الندب حكم شرعي لا يجوز إثباته إلا بدليل وقد استدل

(1/161)


على ندب ستر الظهر والمنكب بحديث أبي هريرة مرفوعا لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء وهو في الصحيحين وغيرهما والعاتق هو ما بين المنكبين إلى أصل العنق فليس فيه دليل على ستر الظهر وأيضا ليس المقصود من الحديث ستر المنكبين بل المراد منه أن يأمن من استرخاء الثوب وسقوطه وقد ثبت ما يفيد هذا المعنى من حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من صلى في ثوب واحد فليخالف بطرفيه فليس المراد بالمخالفة إلا ما ذكرنا لا الستر للمنكب
وأيضا قد ثبت من حديث جابر في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إذا صليت في ثوب واحد فإن كان واسعا فالتحف به وإن كان ضيقا فاتزر به
ويالله العجب من جعل ستر الهبريتين مندوبا فإنه لم يكن ذلك من رأي مستقيم فضلا عن أن يكون عن دليل
قوله الثالث طهارة محموله وملبوسه
أقول قد قدمنا لك أن الشرطية التي يستلزم انتفاؤها انتفاء المشروط لا تثبت إلا بدليل خاص وهو ما قدمنا في طهارة البدن ولم يأت في طهارة الثياب حال الصلاة إلا ما غايته الأمر بالطهارة وذلك لا يستلزم الشرطية أصلا فجعل طهارة المحمول والملبوس شرطا من شروط الصحة ليس كما ينبغي
وأشف ما استدلوا به حديث انه صلى الله عليه و سلم خلع نعله في الصلاة لما اخبره جبريل بأن فيها قذرا ولا يخفاك ان هذا مجرد فعل يقصر عن الدلالة على الوجوب فضلا عن الدلالة على الشرطية

(1/162)


ثم القائل بأن طهارة الثياب ليست بشرط هو أحق بالإستدلال بهذا الحديث لأنه يقول إن النبي صلى الله عليه و سلم خلع نعله وبنى على ما قد فعله من الصلاة قبل خلعه فلو كان وجود النجاسة والملبوس والمحمول يوجب بطلان الصلاة لما بنى صلى الله عليه و سلم على ما قد كان صلى
قوله وإباحة ملبوسه وخيطه وثمنه المعين
أقول تخصيص الملبوس باشتراط الحل والإباحة دون المحمول مبني على اصطلاح وقع للمشتغلين بالفقه في هذه الديار وهو خطأ وقد بني عليه الخطأ
ولا بد من ان يكون ما دخل به المصلى في صلاته مما يجعله على بدنه كائنا ما كان حلالا فإن كان مغصوبا أو بعضه فعليه إثم الغصب وأما أنها لا تصح الصلاة فيه فمبني على ورود دليل يدل على ذلك نعم قد انضم إلى إثم النصب إثم دخوله في الصلاة بما هو مأمور بخلافه وإذا صح حديث ابن عمر الذي أخرجه أحمد بلفظ من اشترى ثوبا بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم يقبل الله عز و جل له صلاة ما دام ثم أدخل إصبعه في أذنيه وقال صمتا إن لم أكن سمعته من النبي صلى الله عليه و سلم كان دليلا على عدم صحة صلاة من كان عليه شيء غير حلال وأما ما قيل إن ذلك تشديد كسائر ما ورد فيه الوعيد بنفي القبول من العاصي فمردود بل الواجب علينا تفسير نفي القبول بالمعنى الظاهر العربي
وإذا ورد ما يدل على صحة صلاة من ورد النص بنفي قبولها منه كان ذلك مخصصا له من العموم
أقول من قال بتحريم لبسه مطلقا كان لبسه في حال الصلاة أحق بالتحريم لأنه دخل في عبادة الرب سبحانه لابسا ما حرمه وتوعد على لبسه فعليه إثم فاعل المحرم وعقوبته وأما أن صلاته تبطل فهذا يحتاج إلى دليل يدل على ذلك ولا يدل على ذلك إلا ما كان

(1/163)


مفيدا لنفي صحة صلاة من صلى لابسا للحرير كما قدمنا بيان ذلك في أول هذا الفصل
قوله فإن تعذر فعاريا قاعدا موميا أدناه
أقول قد جعل الله في الأمر سعة وفي الشريعة الواردة باليسر ما يخفف الخطب على هذا الذي لم يجد ما يستر به عورته إلا ما كان متنجسا فيدخل في الصلاة على تلك الهيئة المنكرة كاشفا سوءته ثم يترك بعض اركانها ولا شك أن الصلاة بالثوب المتنجس أهون من ذلك فتكون الصلاة في هذه الحالة في الثوب المتنجس عفوا للضرورة وللوقوع فيما هو أشد مما فر منه وقد جاز أكل الميتة عند عدم وجود ما يسد الرمق والشريعة مهيمنة على رعاية المصالح ودفع المفاسد والمعادلة بين المفاسد إذا كان ولا بد من الوقوع في واحد منها
وهكذا تجوز الصلاة في الثوب المغصوب إذا كان لا يجد غيره من ثياب ولا شجر يستر عورته وقد اجاز الله مال الغير لسد الرمق وهذا مع عدم خشية الضرر فاما مع خشية التلف فالأمر أوضح ولا وجه للتقيد بخشية التلف وهكذا
قوله وإذا التبس الطاهر بغيره صلى فيهما
بل يكون اللبس مع عدم وجود غيرهما مسوغا للصلاة بأحدهما للضرورة وأما الصلاة فيهما فذلك يستلزم مفسدة عظيمة ورد النهي عنها وهو قوله صلى الله عليه و سلم لا تصلي صلاة في يوم مرتين وقوله لا ظهران في يوم والحديثان صحيحان
وأما التباس الماء الطاهر بالمتنجس فيعدل إلى التيمم لأن عدم تميز الطاهر كعدمه فهو غير واجد لماء يرفع به الحدث
قوله وفي المشبع صفرة وحمرة
أقول هذا المقام من المعارك والحق أنه يتوجه النهي عن المعصفر إلى نوع خاص من

(1/164)


الأحمر وهو المصبوغ بالعصفر لأن العصفر يصبغ صباغا أحمر فما كان من الأحمر مصبوغا بالعصفر فالنهي متوجه إليه وما كان من الأحيمر غير مصبوغ بالعصفر فليس جائزا وعليه يحمل ما صح عنه صلى الله عليه و سلم من أنه لبس الحلة الحمراء وقد أطلنا الكلام في شرحنا للمنتفى على هذا البحث وذكرنا الأحاديث المختلفة والكلام عليها والجمع بينها فليرجع إليه
وأما المشبع صفرة فلا يستدل على المنع عن لبسه بما صح عنه صلى الله عليه و سلم من النهي عن لبس المعصفر لما قدمنا لك من أن المصبوغ بالعصفر يكون أحمر لا أصفر وهذا معلوم لا شك فيه ولم يرد ما يدل على تحريم الأصفر دلالة يجب المصير إليها ولا سيما وقد ثبت أنه صلى الله عليه و سلم صبغ بالصفرة ووقع التصريح في بعض الروايات بأنه صبغ بها لحيته وثيابه وكان ابن عمر يفعل ذلك اقتداء به صلى الله عليه و سلم
قوله وفي السراويل والفرو وحده
أقول أما السراويل فقد أخرج أحمد والطبراني بسند رجاله ثقات من حديث أبي أمامة قال قلنا يا رسول الله إن اهل الكتاب يتسرولون ولا يتزرون فقال رسول الله تسرولوا واتزروا وخالفوا أهل الكتاب وفي هذا الأذن بلبس السراويل وهو يستر العورة سترا فوق ستر المئزر وقد وقع الخلاف هل لبسه النبي صلى الله عليه و سلم أم لا مع ثبوت

(1/165)


أنه اشتراه وقد ذكرت ما ورد في ذلك في شرحي للمنتقى وقد استدلوا على الكراهة في الصلاة فيه وحده بما رواه أبو داود عن بريدة قال نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يصلي في لحاف يتوشح به وأن يصلي في سراويل ليس عليه رداء وفي إسناده أبو نميلة يحيى بن واضح الأنصاري المروزي وأبو المسيب عبيد الله بن عبد الله العتكي المروزي وفيهما مقال خفيف جدا وقد وثقا وأخرجه أيضا الحاكم ورمز السيوطي لصحته فكان هذا الحديث صالحا للاحتجاج به على الكراهة في السراويل وحده
واما الكراهة في الفرو وحده فاستدلوا على ذلك بأنه مظنة لانكشاف العورة ولكن هذه المظنة ترتفع بأن يربطه بخيط أو يزره بشوكة ولعلهم لا يخالفون في زوال الكراهة بهذا
قوله وفي جلد الخز
أقول قد أنكر بعض المتكلمين على هذا الكتاب وجود دابة تسمى الخز وقال إنه بحث في القاموس وغيره من كتب اللغة وبحث حياة الحيوان فلم يجد ذلك وفيه نظر فإنه قال في المصباح ما لفظه الخز اسم دابة ثم أطلق على الثوب المتخذ من وبرها وقال الشيخ داود في التذكرة في الطب ما لفظه الخز ليس هو الحرير كما ذكره ما لا يسع بل هو دابة بحرية ذات قوائم أربع في حجم السنانير ولونها إلى الخضرة يعمل من جلدها ملابس نفيسة يتداوى بها ملوك الصين حارة يابسة في الشاتيه ينفع من النقرس والفالج وضعف الباءة والأمراض البلغمية ووبرها يبرىء الجراح ويقطع الدم وضعا ويسد الفتوق اكلا ولبسها يبرىء الجذام والحكة انتهى

(1/166)


فعرفت بهذا اندفاع الاعتراض على المصنف ولكن لا وجه للقول بالكراهة لأن الأصل الحل على ما هو الحق ولا سيما إذا كان هذا الحيوان بحريا لما ورد في خصوص حيوانات البحر من كون ميتها حلالا
قوله الرابع إباحة ما يقل مساجده ويستعمله
أقول لا شك أن من صلى في مكان مغصوب أو استعمل شيئا مغصوبا فقد فعل محرما ولزمه إثم الحرام وأما كون ذلك يمنع من صحة الصلاة فلا بد فيه من دليل خاص كما قدمنا تحقيقه وما قيل من انه عصي بنفس ما به أطاع فغير مسلم ولو سلم لم يكن دليلا على عدم صحة الصلاة المفعولة في المكان الغصب
قوله فلا يجزىء قبر وسابلة
أقول استدلوا على هذا بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى أن يصلي في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي أعطان الإبل وفوق ظهر بيت الله رواه عبد بن حميد في مسنده والترمذي وابن ماجة قال الترمذي وإسناده ليس بذاك القوي وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظة وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله وقال حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد والعمري ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه انتهى كلام الترمذي
قال البخاري وابن معين زيد بن جبيرة متروك وقال ابو حاتم لا يكتب حديثه وقال النسائي ليس بثقة وصحح الحديث ابن السكن وإمام الحرمين

(1/167)


فأما إمام الحرمين فليس من أهل هذا الشأن وأما ابن السكن فكيف يصحح ما كان في إسناده متروك
ولكنه قد ورد في القبر ما تقوم به الحجة وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي مرثد الغنوي قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لا تتخذوا القبور مساجد فإني انهاكم عن ذلك وورد في الحمام غير حديث ابن عمر المشتمل على السبعة المواطن وهو حديث أبي سعيد المذكور قبل هذا
وورد في أعطان الإبل ما أخرجه أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل
وكان على المصنف ومن تابعه أن يذكروا مع القبر والطريق بقية تلك المواطن السبعة
قوله ومنزل غصب إلا لملجىء ولا أرض هو غاصبها
أقول قد أغنى عن هذا قوله وإباحة ما يقل مساجده فإنه يفيد المنع من الصلاة في المنزل الغصب وفي الأرض الغصب ولا وجه لتقييد أرض الغصب بكون المصلي هو غاصبها فلا فرق أن يغصبها هو أو يغصبها غيره لأن جميع ذلك غير مباح للمصلي ولا حلال له
وأما جواز الصلاة في الأرض التي يظن إذن مالكها فليس بصحيح لأن الظن لا يحلل مال الغير ولا يجوز به استعماله

(1/168)


قوله وتكره على تمثال حيوان كامل
أقول قد وردت الأدلة الصحيحة القاضية بتحريم التصوير والنهي عنه وشدة الوعيد عليه وورد ما يدل على تغييره وعدم تركه في البيوت ومن ترك ذلك فقد ترك ما عليه من إنكار المنكر ولزمه من الإثم ما يلزم تارك المنكر وأما الصلاة عليه أو في المكان الذي هو فيه فلم يأتنا الشارع في ذلك بشيء ولعله وجه استثناء ما تحت القدم ما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة وأن جبريل عليه السلام أمر النبي صلى الله عليه و سلم أن يجعل من القرام الذي في بيت عائشة وسادتين توطآن
قوله وبين المقابر
أقول قد قدمنا الأدلة الصحيحة القاضية بالنهي عن الصلاة إلى القبر والنهي عن الصلاة في المقبرة وهي طية بين المقابر ولا وجه للفرق بين الصلاة على القبر والصلاة بين المقابر وجعل الأول مما لا يجزىء الصلاة وجعل الثاني مكروها فقط بل الكل منهي عنه ممنوع منه وإن كان في الصلاة على نفس القبر زيادة على الصلاة إليه والصلاة بين المقابر ولكن هذه الزيادة لم يعتبرها الشارع بل نهى عن الصلاة في المقبرة وذلك أعم من أن تكون الصلاة على نفس القبر أو بينه وبين قبر آخر أو إلى قبر إذ يصدق على الجميع أنه فعل الصلاة في المقبرة
وإذا عرفت هذا علمت أنه كان يغني المصنف أن يقول ولا يجزىء في مقبرة ويحذف ذكر بين المقابر
قوله ومزاحمة نجس لا يتحرك بتحركه
أقول لا وجه للحكم بكراهة ذلك حيث لم يكن مما يتحرك بتحرك المصلي فإنه منفصل عنه فلا تحريم ولا كراهة وإن كان متصلا به أو يتحرك بتحركه فلا وجه لجعله مكروها

(1/169)


فقط على مذهب المصنف بل هو محرم ولا تجزىء الصلاة معه فعرفت بهذا أنه لا وجه لذكر هذا ولا حاجة إليه على كل تقدير
قوله وفي الحمام
أقول قد تقدم أن الحمام أحد السبعة المواطن التي ورد النهي عن الصلاة فيها وورد أيضا ذكر الحمام في حديث آخر كما سلف فلا وجه لجعل الصلاة على القبر وفي الطريق مما لا تجزىء الصلاة فيه وجعل الحمام مما تكره الصلاة فيه فقط فإن هذا تلاعب بالأدلة على غير صواب ولم يرد ما يصرف النهي عن الصلاة في الحمام إلى مجرد الكراهة حتى يكون ذلك وجها لكلام المصنف
وينبغي النظر فيما يصدق عليه مسمى الحمام فالظاهر أنه الذي يغتسل فيه ويوقد عليه فلا يدخل في ذلك الصلاة في مكان منفرد عنه كالمكان الذي يسميه الناس المخلع
قوله وعلى اللبود ونحوها
أقول ليس على هذا أثارة من علم أصلا ولا يحتاج إلى التبرع بالأدلة الدالة على خلافه فإن ذلك إنما يكوى عند أن يكون في المسألة اشتباه وأما هذه فليست بهذه المنزلة وما هذه بأولة مسألة لم يدل عليها دليل ومن غرائب الأكابر من أهل العلم أنه روى ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين أنهما قالا الصلاة على الطنفسة وهي البساط الذي تحته خمل محدثة وعن جابر بن زيد أنه كان يكره الصلاة على كل شيء من الحيوان ويستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض وعن عروة بن الزبير أنه كان

(1/170)


يكره أن يسجد على شيء دون الأرض وهذه المقالة من هؤلاء لا مستند لها إلا مجرد الوسوسة والشكوك الخالية عن الدليل
وأما الإمامية وإن كانوا ليسوا بأهل للكلام معهم فمنعوا من صحة الصلاة على ما لم يكن أصله من الأرض
قوله الخامس طهارة ما يباشره الخ
أقول جعل المصنف رحمه الله طهارة ملبوس المصلي ومحموله شرطا مستقلا كما سبق وجعل طهارة المكان الذي يصلي فيه شرطا آخر كما هنا وجعل طهارة البدن شرطا مستقلا كما تقدم وهذا تطويل وتكثير وشغلة للحيز فإنه جعل شروط الصحة ستة ثم جعل طهارة البدن والملبوس والمكان ثلاثة منها وكان يغنيه عن هذا كله أن يقول طهارة بدن المصلى وثيابه ومكانه ويجعل ذلك شرطا واحدا
وإذا عرفت هذا فاعلم أن الكلام هنا كالكلام على طهارة البدن والثياب فإنهم لم يستدلوا على طهارة المكان إلا بمثل قوله تعالى وطهر بيتي للطائفين الآية وبقوله والرجز فاهجر وقد عرفناك أن الشرط لا يثبت إلا بدليل خاص وأن دليل الوجوب لا يثبت به الشرطية وفيما أسلفناه كفاية فارجع إليه
قوله السادس تيقن استقبال عين الكعبة أو جزء منها
أقول قال الله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وشطره سواء كان جهته أو نحوه أو تلقاءه أو قبله على اختلاف تفاسير السلف للشطر يدل على أن استقبال الجهة يكفي من الحاضر والغائب إلا إذا كان حال قيامه إلى الصلاة معاينا للبيت لم يحل بينه وبينه حائل إلا إذا كان في بعض بيوت مكة أو شعابها أو فيما يقرب منها وكان بينه وبين البيت حائل حال القيام إلى الصلاة فإنه لا يجب عليه أن يصعد إلى مكان آخر يشاهد منه البيت بل عليه أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام وليس عليه غير ذلك ولم يأت دليل يدل على غير هذا

(1/171)


وأما ما أخرجه البيهقي في سننه عن ابن عباس مرفوعا البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها وفاربها من أمتي فمع كونه ضعيف الا ينتهض للاحتجاج به هو أيضا دليل على ما ذكرنا لأن من كان في المسجد فهو معاين المبيت ولا حائل بينه وبينه وقد جعل البيت قبلة لأهل الحرم وذلك يدل على أنه لا يجب على أهل الحرم إلا استقبال الجهة وأما غيرهم فذلك ظاهر والمراد من الجهة أن ما بين المشرق والمغرب قبلة أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وأخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر ولا يحتاج المصلي أن يرجع في أمر القبلة إلى تقليد أحد من الأحياء ولا إلى المحاريب المنصوبة في المساجد فمحرابه ما بين المشرق والمغرب وكل عاقل يعرف جهة المشرق والمغرب ولا يخفى ذلك إلا على مجنون أو طفل
قوله ويعفى لمتنفل راكب
اقول قد دلت على هذا الأدلة الصحيحة الثابتة في الصححيحين وغيرهما إلا أن قوله في غير المحمل إن كان وقوفا مع النص وهو أن النبي صلى الله عليه و سلم رخص في الاستقبال لراكب الدابة إذا أراد أن يتنفل فلا شك أن الأمر كذلك فإنه صلى الله عليه و سلم لم يذكر من كان راكبا في محمل وإن كان يصدق عليه أنه راكب للدابة وإن كان لكون من في المحمل يمكنهم الاستقبال فهذا مسلم وغيره مثله فإنه إذا تمكن الراكب من الاستقبال

(1/172)


استقبل سواء كان في محمل أو في غير محمل وإن كان لا يتمكن من الاستقبال كان له أن يتنفل إلى غير القبلة سواء كان في محمل أو في غيره فلا وجه لهذا الاستثناء
قوله ولا يعيد المتحري المخطىء إلا في الوقت
أقول حديث السرية يرد ذلك وهو ما أخرجه أبو داود الطيالسي وعبد بن حميد والترمذي وضعفه ابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم والعقيلي وضعفه أيضا الدارقطني وابو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن عامر بن ربيعة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلا فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا فيصلي فيه فلما اصبحنا إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة فقلنا يا رسول الله صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة فأنزل الله سبحانه ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله فقال مضت صلاتكم
وأخرج الدارقطني وابن مردويه والبيهقي عن جابر قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم سرية كنت فيها فأصابتنا ظلمة فلم تعرف القبلة فقالت طائفة منا القبلة ها هنا قبل الشمال فصلوا وخطوا خطوطا وقال بعضنا القبلة ها هنا من الجنوب فصلوا وخطوا خطوطا فلما اصبحوا وطلعت االشمس اصبحت تلك الخطوط لغير القبلة فلما قفلنا من سفرنا سألنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فسكت فأنزل الله ولله المشرق والمغرب الآية
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس بسند ضعيف نحوه وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عطاء نحوه

(1/173)


فهذه الأحاديث تدل على عدم وجوب الإعادة على المخطىء لا في الوقت ولا بعده وحديث أهل قباء المتفق عليه أنهم كانوا في حال الصلاة مستقبلين بيت المقدس فلما سمعوا خبر المخبر لهم بأن النبي صلى الله عليه و سلم قد استقبل الكعبة استداروا إلى الكعبة وقررهم النبي صلى الله عليه و سلم على ذلك ولم يأمرهم بالإعادة مع أنهم قد صلوا بعض الصلاة إلى غير القبلة
قوله ويكره استقبال نائم ومحدث ومتحدث
أقول استدلوا على ذلك بما رواه في جامع الأصول عن كتاب رزين من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا تصلوا خلف النيام ولا المتحلقين ولا المتحدثين وقد عرفناك أن ما تفرد به رزين لا يجوز العمل به ولا يصلح للاحتجاج لأنه جعل كتابه لجمع ما في الست الأمهات ثم ذكر أحاديث ليست فيها ولا يعرف من خرجها من غيرهم وقد زعم بعضهم أن هذا الحديث أخرجه أبو داود في سننه ولم يوجد في السنن فينظر ولكنه أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم نهيت أن أصلي خلف المتحدثين والنيام وفي إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وفيه مقال وهو ثقة من رجال الصحيح
وأخرج ابن عدي من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن الصلاة خلف النائم قال ابن حجر في فتح الباري وإسناده واه
وأخرج البزار من حديث على بن ابي طالب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رأى رجلا يصلي إلى رجل فأمره أن يعيد الصلاة وفي إسناده عبد الأعلى التغلبي وهو ضعيف

(1/174)


هذا حاصل ما في الباب والعلة في الكراهة اشتغال قلب المصلي إذا كان أمامه شيء مما في الحديث وفي النائم قد يخرج منه شيء يؤذي المصلي وقد عرفت أن النبي صلى الله عليه و سلم قال في الأنبجانية التي بعث بها إلى بعض الصحابة إنها ألهته في صلاته وهو حديث صحيح وقال في قرام عائشة أميطي عني قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي وهو في الصحيح ولا جامع بين هذا وبين الأحاديث الواردة فيما يقطع الصلاة كالكلب والمرأة الحائض فإن هذا الذي نحن بصدده في كراهة استقبال الشيء المستقر في قبلة المصلي وأحاديث القطع في الشيء الذي يمر بين يديه
ويعارض ما ورد في المنع من استقبال النائم ما ثبت في الصحيحين من أنه صلى الله عليه و سلم كان يصلي وعائشة معترضة في قبلته والظاهر من كونها معترضة أنها كانت نائمة ولهذا أورد في لفظ في الصحيحين فإذا أراد أن يوتر أيقظني
ولا شك أن اشتغال قلب المصلي باستقبال المرأة أكثر من اشتغاله باستقبال الرجل وأما توسيع دائرة الكلام إلى كراهة استقبال الفاسق والسراج والنجس فليس كما ينبغي ولو قال المصنف رحمه الله ويكره استقبال ما يلهي لكان ذلك أخصر وأشمل وأوفق بالأدلة
قوله وندب لمن في الفضاء اتخاذ سترة الخ

(1/175)


اقول هذه السنة ثابتة بالأحاديث الصحيحة الكثيرة ولا وجه لتخصيص مشروعيتها بالقضاء فالأدلة أعم من ذلك والكلام على مقدار السترة ومقدار ما يكون بينها وبين المصلي مستوفى في كتب الحديث وشرحه وأكثر الأحاديث مشتملة على الأمر بها وظاهر الأمر الوجوب فإن وجد ما يصرف هذه الأوامر عن الوجوب إلى الندب فذاك ولا يصلح للصرف قوله صلى الله عليه و سلم فإنه لا يضره ما مر بين يديه لأن تجنب المصلي لما يضره في صلاته ويذهب بعض أجرها واجب عليه
فصل
وأفضل أمكنتها المساجد وافضلها المسجد الحرام ثم مسجد رسول الله ثم مسجد بيت المقدس ثم الكوفة ثم الجوامع ثم ما شرف عامره
ولا يجوز في المساجد إلا الطاعات غالبا ويحرم البصق فيها وفي هوائها واستعماله ما علا
وندب توقي مظان الرياء إلا من أمنه وبه يقتدى
قوله فصل وأفضل أمكنتها المساجد
اقول أما المساجد الثلاثة فقد ورد النص على أن الصلاة فيها أفضل من غيرها مع تفاضلها في أنفسها فأخرج أحمد من حديث ابن الزبير قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام فصلاة فيه أفضل من مائة صلاة في هذا
وأخرج أيضا ابن حبان بلفظ وصلاة في ذلك أفضل من مائة صلاة في مسجد المدينة

(1/176)


قال ابن عبد البر اختلفوا على ابن الزبير في رفعه ووقفه ومن رفعه أحفظ وأثبت ومثله لا يقال بالرأي
وأخرج ابن ماجه من حديث جابر مرفوعا صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه ورجال إسناده ثقات ورواه البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء مرفوعا الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة
قال البزار إسناده حسن
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة والظاهر أن الصلاة في هذه الثلاثة المساجد تكون أفضل من الصلاة في غيرها بذلك المقدار الذي بينه صلى الله عليه و سلم ولا فرق بين الفرائض والنوافل كما يدل عليه تنكير الصلاة في هذه الأحاديث فلا يرد ما أورده الجلال في شرحه من البحث الذي بحثه ولم يثبت زيادة وأفضل من ذلك كله صلاة الرجل في بيت مظلم حيث لا يراه أحد إلا الله يطلب بها وجه الله ولكنه ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه و سلم قال أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة قال الترمذي وفي الباب عن عمر وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وابن عمر وعائشة وعبد الله بن سعد وزيد

(1/177)


ابن خالد وأما سائر المساجد فقد ورد ما يدل على فضل الصلاة فيها في الجملة كحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إذا توضأ الرجل فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لا يخرجه أو قال لا ينهزه إلا إياها لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح
وأخرج مسلم وغيره من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط
وأخرج ابو داود والترمذي عن ابي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة
وورد ايضا مان حافظ على هذه الصلوات حيث ينادى لها الحديث
وورد أيضا لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد
وورد أيضا أن منتظر الصلاة في المساجد في صلاة
وورد أيضا عدم الترخيص لمن سمع النداء في حضور المسجد الذي ينادى للصلاة فيه وثبت الحث على بناء المساجد والترغيب في ذلك
وحديث أحب البلاد إلى الله مساجدها

(1/178)


وهذه أحاديث معروفة مشهورة وهي تدل على مزيد خصوصية في الفضيلة للمساجد التي يجتمع الناس إليها وينادى للصلاة فيها وهي أخص من كون كل بقاع الأرض مسجدا لحديث جعلت لي الأرض مسجدا فهذا هو الوجه لقول المصنف رحمه وأفضل أمكنتها المساجد
وأما جعل مسجد الكوفة في الشرف بعد الثلاثة المساجد فلم يثبت ذلك بدليل ولا كان للكوفة مسجد في أيام النبوة وكان الأولى أن يجعل مكان مسجد الكوفة مسجد قباء ومسجد عبد القيس بعد أن يذكر شرف البقاع التي ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى فيها
وأما شرف الجوامع فإن كان لكثرة الجماعات فيها فليس ذلك بمختص بالمساجد بل صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ثم صلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ثم كذلك كلما كثر الجمع في الجماعة كانت أزكى كما وردت السنة بذلك
وأما قوله ثم ما شرف عامره فليس ذلك بمزية توجب كون المسجد أفضل من غيره فضلا عن كون الصلاة فيه أفضل منها في غيره وما اسمج ما قال الجلال رحمه الله ها هنا من أن الأرض قد جعلها الله مسجدا على السواء وهو أعظم من كل عظيم فترجيح وضع العبد على وضع الرب مما لا ينبغي أن ينسب إلى ذي فهم انتهى
ولا يخفاك أن المساجد التي جعلها العباد هي أحد بقاع الأرض التي جعلها الله مسجدا وليست غيرها ولا خارجة عنها حتى يتم ما قاله وكان ينبغي للمصنف رحمه الله أن يجعل مكان ما شرف عامره الصلاة في فلاة من الأرض فإنه قد ورد أنها بخمسين صلاة وقد ذكرنا في شرح المنتقي عند ذكر مصنفه لهذا الحديث ما ينبغي الرجوع إليه لما اشتمل عليه من الفائدة
قوله ولا يجوز في المساجد إلا الطاعات

(1/179)


أقول هي التي بينها رسول الله صلى الله عليه و سلم بقوله إنما هي لذكر الله والصلاة وفي لفظ إنما بنيت لذكر الله والصلاة والحديث في الصحيح فإن هذا الحصر يدل أنه لا يجوز غير الصلاة والذكر في المسجد إلا بدليل كما ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه أنزل وفد ثقيف في مسجده قبل إسلامهم وثبت أنه صلى الله عليه و سلم أنزل وفد الحبشة في مسجده ولعبوا فيه بحرابهم وهو ينظر إليهم وفي كلا الفعلين مصلحة ظاهرة عائدة إلى الإسلام أما إنزال وفد ثقيف فلأجل يشاهدون عبادة المسلمين وتواضعهم لله وكثرة ذكرهم له فتلين قلوبهم وأما إنزال وفد الحبشة فلو لم يكن من ذلك إلا المكافأة لملكهم الصالح الذي هاجر إليه المسلمون فأحسن جوارهم وفعل بهم تلك الأفعال الحسنة وقد ثبت أنهم كانوا يتناشدون فيه الأشعار ولهذا قال حسان لعمر قد كنت أنشد وفيه يعني المسجد من هو خير منك يعني النبي صلى الله عليه و سلم
وكان غالب ما يتناشدونه ومدح رسول الله صلى الله عليه و سلم ومد الإسلام وأهله وذم الكفر وأهله وفي ذلك مصلحة ظاهرة وبهذه الخصوصية يمتنع إلحاق غيره من الأشعار به
ومما يدل على جواز تعلم العلم في المساجد وتعليمه ما أخرجه أحمد وأبوا داود وإسناد رجاله ثقات عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله ومن دخل لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له
ومما ورد المنع منه في المساجد الحد والقصاص لما اخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني

(1/180)


والحاكم وابن السكن والبيهقي من حديث حكيم بن حزام قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقام الحدود في المساجد ولا يستفاد فيها وإسناده لا بأس به
ومما ورد النهي عنه في المساجد ما في حديث أبي هريرة عند الترمذي وحسنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إذا رأيتم من يبيع أن يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد الضالة فقولوا لا رد الله عليك
والنهي عن إنشاء الضالة ثابت في الصحيح ومن ذلك حديث واثلة الذي أخرجه ابن ماجه مرفوعا جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على ابوابها المطاهر وإسناده ضعيف ولكن له شاهد عند الطبراني وغيره بسند فيه العلاء بن كثير الشامي وهو ضعيف من حديث مكحول عن أبي الورد وأبي أمامة وواثلة من حديث مكحول عن معاذ وهو منقطع ولابن عدي من حديث أبي هريرة وفيه عبد الله بن محرر وهو ضعيف
وأخرج ابن ماجة من حديث ابن عمر مرفوعا قال خصال لا تنبغي في المسجد لا يتخذ طريقا ولا يشهر فيه سلاح ولا يقيض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل ولا يمر فيه بلحم نيء ولا يضرب فيه حد ولا يقتص فيه من أحد ولا يتخذ سوقا وفي إسناده زيد ابن جبير الأنصاري وهو متروك
ومن جملة ما ثبت المنع منه في المساجد البصق فيها كحديث البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها وهو ثابت في الصحيح ولفظ البخاري ومسلم البزاق في المسجد خطيئة

(1/181)


وكفارتها دفنها هكذا لفظ حديث أنس فيهما وفي لفظ لمسلم التفل مكان البزاق وفي لفظ النسائي البصاق
وأخرج مسلم من حديث أبي ذر مرفوعا وجدت في مساوىء أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن
وأخرج مسلم عن عبد الله بن الشخير قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فرأيته تنخع فدلكها بنعله اليسرى وهكذا إذا كان المسجد غير مفروش فإن كان مفروشا بالحصر أو نحوها فلا يتيسر الدفن الذي هو كفارة البصق فيكون خطيئة غير مكفرة
وقد وردت أحاديث في منع البصق في قبلة المسجد ووردت أحاديث في أنه يبصق في ثوبه إذا احتاج إلى ذلك فمن دعت حاجته إلى البصق بصق في ثوبه
قوله وندب توقي مظان الرياء
أقول الرياء من معاصي الله العظيمة وهو الشرك الأصغر فإذا كان له ذريعة وإليه وسيلة فالواجب قطع تلك الذريعة ودفع تلك الوسيلة فالذريعة إلى الحرام حرام والوسيلة إلى الحرام حرام فتوقي مظان الرياء واجب والوقوع فيها حرام ومدافعة النفس عن مثل هذه المعصية من أوجب الواجبات الشرعية وتجنب الأسباب التي تفضي إليها لازم لكل مسلم فلا وجه لجعل ذلك مندوبا كما قال المصنف رحمه الله

(1/182)


باب الأوقات
اختيار الظهر من الزوال وآخره مصير ظل الشيء مثله وهو أول العصر وآخره المثلان والمغرب من رؤية كوكب الليل أو ما في حكمها وآخره ذهاب الشفق الأحمر وهو أول العشاء وآخره ذهاب ثلث الليل
وللفجر من طلوع المنتشر إلى بقية تسع ركعة كاملة
واضطرار الظهر من آخر اختياره إلى بقية تسع العصر وللعصر اختيار الظهر إلى ما يسعه عقيب الزوال ومن آخر اختياره حتى لا يبقى ما يسع ركعة وكذلك المغرب والعشاء وللفجر إدراك ركعة ورواتبها في أوقاتها بعد فعلها إلا الفجر غالبا
وكل وقت يصلح للفرض قضاء وتكره الجنازة والنقل في الثلاثة وأفضل الوقت أوله
قوله اختيار الظهر من الزوال الخ
أقول الأحاديث المبينة للأوقات كثيرة جدا اقوالا وأفعالا وتعليما وحاصلها أن أول وقت الظهر الزوال وآخره مصير ظل الشيء مثله سوى فيء الزوال وهو أول وقت العصر وآخره ما دامت الشمس بيضاء نقية وأول وقت المغرب غروب الشمس وغروبها يستلزم إقبال الليل من المشرق وإدبار النهار من المغرب ويستلزم ظهور النجم الذي سماه النبي صلى الله عليه و سلم شاهدا فلا مخالفة بين هذه العلامات لدخول وقت المغرب فإنها متلازمة وآخره ذهاب الشفق الأحمر وهو أول وقت العشاء وآخره نصف الليل ولا وجه لقول المصنف وآخره ذهاب ثلث الليل فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم امتداده إلى

(1/183)


نصف الليل كما هو ثابت في الصحيحين وهي زيادة يجب قبولها ويتعين المصير إليها
وقد صرح النبي صلى الله عليه و سلم أنه لولا أن يشق على أمته لأخرها إلى نصف الليل فدل ذلك على أنها في ذلك الوقت أفضل وأنه وقت لها بل ورد ما يدل على أنه وقتها إلى أن يذهب عامة الليل أي أكثره
وأول وقت الفجر طلوع الفجر وهو يعرفه كل ذي بصر وآخره طلوع الشمس فهذه الأوقات لا ينبغي أن يقع في مثلها خلاف لأن الأدلة عليها أوضح من كل واضح وأظهر من كل ظاهر وقد كرر صلى الله عليه و سلم الإيضاح وعلمهم ما لا يحتاجون بعده إلى شيء وجعل هذه الأوقات منوطة بعلامات حسية يعرفها كل من له بصر صحيح فلا نطيل الكلام في هذا فإن الإطالة لا تأتي بطائل
قوله واضطرار الظهر
اقول الشارع قد بين أول وقت كل صلاة من الصلوات الخمس وبين آخره حسب ما عرفناك ثم بين بأقواله الصحيحة ان الوقت لكل صلاة من تلك الصلوات هو ما بين الوقتين فهذه الأوقات هي التي عينها الشارع للصلوات الخمس ولم يأت عنه أن الأوقات منقسمة إلى قسمين وقت اختبار ووقت اضطرار بل غاية ما ورد عنه في بيان حالة الاضطرار أن من أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها فمن كان نائما أو ناسيا أو مغشيا عليه أو نحو ذلك وأدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها أداء لا قضاء وأما من تركها من غير عذر حتى خرج وقتها الذي عينه النبي صلى الله عليه و سلم فهو تارك للصلاة وإن فعلها في وقت صلاة أخرى فكيف إذا تركها حتى خرج وقت الصلاة الأخرى كمن يصلي الظهر وقت اصفرار الشمس فإنه لم يصل أصلا ولا فعل ما فرض الله عليه بل

(1/184)


جاء بصلاته في غير وقتها بل في الوقت الذي وصفه النبي صلى الله عليه و سلم بأنه وقت صلاة المنافق
ولقد ابتلى زمننا هذا من بين الأزمنة وديارنا هذه من بين ديار الأرض بقوم جهلوا الشرع وشاركوا في بعض فروع الفقة فوسعوا دائرة الأوقات وسوغوا للعامة أن يصلوا في غير أوقات الصلاة فظنوا أن فعل الصلاة في غير أوقاتها شعبة من شعب التشيع وخصلة من خصال المحبة لأهل البيت فضلوا وأضلوا واهل البيت رحمهم الله براء من هذه المقالة مصونون عن القول بشيء منها
ولقد صارت الجماعات الآن تقام في جوامع صنعاء للعصر بعد الفراغ من صلاة الظهر وللعشاء في وقت المغرب وصار غالب العوام لا يصلي الظهر والعصر إلا عند اصفرار الشمس فيا لله وللمسلمين من هذه الفواقر في الدين
وسيأتيك الكلام في الجمع الذي جعله هؤلاء ذريعة إلى هذه المفاسد السارية إلى ترك الصلوات التي صرح الشارع بأنه ليس بين العبد وبين الكفر إلا تركها
قوله ورواتبها في أوقاتها يعد فعلها إلا الفجر
أقول رواتب الفرائض كثيرة جدا ومنها ما هو قبل فعل الفريضة ومنها ما هو بعد فعلها فإن أراد الرواتب التي وردت في الأحاديث الصحيحة فهي كما عرفناك وإن اراد ما ورد في حديث ابن عمر المتفق عليه أنه قال حفظت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الغداة فهذا الحديث قد دل على أنه يصلي قبل الظهر ركعتين فلا يتم قوله إلا الفجر

(1/185)


وإن أراد حديث أم حبيبة الثابت عند الجماعة إلا البخاري قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من صلى في يوم وليلة اثنتي عشرة سجدة سوى المكتوبة بني له بيت في الجنة
ثم بينها صلى الله عليه و سلم كما في رواية بعض الجماعة فقال أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الفجر فهذه فيها أربع قبل الظهر
وإن أراد غير هذين الحديثين فمنها ما فيه أربع قبل الظهر وأربع بعدها ومنها ما فيه أربع قبل العصر ومنها ما فيه أن بين كل أذانين صلاة أي بين الأذان والإقامة في جميع الصلوات
وورد في خصوص صلاة المغرب بلفظ بين أذاني المغرب صلاة وورد صلوا قبل صلاة المغرب ركعتين وهو في الصحيح
وبالجملة فالمصنفون في الفروع في هذه الديار جعلوا رواتب الفرائض ركعتين بعد الظهر وركعتين بعد المغرب وركعتين قبل الفجر ولا راتبة عندهم سوى هذه ولا موجب

(1/186)


إلا عدم الإشراف على كتب السنة وهجرها بالمرة وجعلها من كتب الخصوم وليسوا بخصوم لأحد من أهل الإسلام بل هم الجامعون لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم
فإن كانوا خصوما بهذا العمل فالويل لمن كانوا خصومه
وأعجب من هذا أنهم جعلوا الوتر ثلاث ركعات لا يزاد عليها ولا ينقص منها ولا وتر عندهم إلا ذلك لأنهم لم يعرفوا ان الوتر إنما هو إيتار صلاة الليل وقد كان النبي صلى الله عليه و سلم في غالب حالاته يوتر بركعة والمراد اشتمال آخر صلاة الليل على وتر إما بركعة منفردة أو ثلاث أو خمس أو سبع ولكنه قد ورد النهي عن الإيتار بثلاث كما أوضحته في شرح المنتقي
وأما اعتقاد أن الله شرع صلاة ثلاث ركعات متصلة بعد صلاة العشاء من دون أن يتقدمها صلاة فليس هذا إلا من الجهل البالغ بما جاءت به السنة وأقل ما يفعله من كان عاجزا غير راغب في الأجر أن يصلي ركعتين ويسلم فيهما ثو يوتر بركعة منفردة فإن هذا يصدق عليه أنه لم يصل من النافلة في الليل إلا ركعتين ثم أوترها بركعة وقد كانت صلاته في الليل صلى الله عليه و سلم تبلغ إلى ثلاث عشرة ركعة بوترها وقد يقتصر على اقل منها
قوله وكل وقت يصلح للفرض قضاء
أقول استدلوا على ذلك بحديث أنس عند الشيخين وغيرهما مرفوعا من نام عن صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وفي رواية لغيرهما فوقتها حين يذكرها وقد

(1/187)


عورض ذلك بالنهي عن الصلاة في الثلاثة الأوقات وهو ثابت في أحاديث الصحيحين وغيرهما وقد قيل إن حديث من نام عن صلاته مطلق مقيد بأحاديث النهي عن الصلاة في الثلاثة الأوقات وهو ممنوع فإنا إذا سلمنا شمول أحاديث النهي للفرائض المقضية كان بين هذه الأحاديث عموم وخصوص من وجه فأحاديث النهي هي أعم من أن تكون الصلاة نافلة أو فريضة مقضية أو مؤداة
وحديث من نام عن صلاته هو أعم من أن يكون قيام النائم وذكر الناسي في هذه الثلاثة الأوقات أو غيرها إلا أنه لا يخفاك أن الصلاة التي تركت لنوم أو نسيان هي مفعولة في وقت القيام من النوم أو الذكر بعد النسيان في الوقت الذي لا وقت لها سواه فهي أداء لا قضاء فيتوجه النهي عن الصلاة في الثلاثة الأوقات إلى النوافل لا إلى الفرائض المؤداة وقد ثبت أن من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك فمن أدرك من العصر ركعة قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدركه ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الفجر وهذه الأحاديث المصرحة بأن من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها أخص مطلقا من أحاديث النهي عن الثلاثة الأوقات وصلاة النائم والساهي لأن ذلك الوقت وقت الأداء لها فهي كسائر الفرائض المؤداة ومن زعم أنها مقضية لا مؤداة فالدليل عليه فقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن وقتها حين يذكرها لا وقت لها سواه
قوله وتكره الجنازة والنفل في الثلاثة
أقول الأحاديث الصحيحة قد وردت مصرحة بالنهي عن الصلاة في الثلاثة الأوقات وعن قبر الموتى فيها ووردت أحاديث صحيحة مصرحة بالنهي عن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس وبعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وظاهر النهي التحريم ولم يرد

(1/188)


ما يدل على صرفة عن معناه الحقيقي وهو التحريم إلى معناه المجازي وهو كراهة التنزيه ولم يرد ما يدل على تخصيص ذوات الأسباب من هذا العموم نعم ما ورد فيه دليل يدل على فعله من غير فرق بين وقت الكراهة وغيره كتحية المسجد فبينه وبين أحاديث النهي عموم وخصوص من وجه فيرجع إلى مرجح لأحدهما على الآخر خارج عنهما فإن كان ترجيح الحظر على الإباحة من المرجحات المعمول بها كما يدل عليه حديث إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه كان المتعين ترك تحية المسجد في الأوقات المكروهة وينبغي للمتحري لدينه تجنب دخول المساجد فيها فإن دخل لحاجة فلا يقعد
قوله وأفضل الوقت أوله
أقول قد كان استمرار رسول الله صلى الله عليه و سلم على فعل الصلوات في أول أوقاتها وكان ذلك ديدنه وهجيراه ولا يخالف في ذلك أحد ممن له اطلاع على السنة المطهرة وورد من أقواله ما يدل على ذلك كحديث أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها وما ورد في معناه وجعل قوم الإسفار بالفجر أفضل ولكن كان آخر الأمرين منه صلى الله عليه و سلم التغليس بها وورد عنه صلى الله عليه و سلم ما يدل على أن تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل أو إلى نصف الليل أفضل وأنه إنما ترك ذلك لئلا يشق على أمته وورد عنه صلى الله عليه و سلم رخصة الإبراد بالظهر وعلل ذلك بأن شدة الحر من فيح جهنم
والحاصل أن أفضل الوقت أوله إلا ما خصه دليل مع بيان أنه أفضل كتأخير العشاء لا مجرد الترخيص لعذر فإنه لا يعارض أفضلية أول الوقت

(1/189)


والعجب من استدلال الجلال للرافضة في قولهم بتأخير صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم لحديث لا حتى يطلع الشاهد والشاهد النجم ثم تكميل هذا الاحتجاج الساقط بقوله ولام النجم للاستغراق فيا لله العجب من وقوع هذا المحقق في مثل هذه المضايق التي يتحاشى كل عارف أن يقع في مثلها وهب أن قول والشاهد النجم ليس بمدرج وأنه من كلام النبوة فكيف يحمل على الاستغراق فيكون مدلوله أن تطلع نجوم السماء كلها حتى لا يبقى نجم وهكذا لو قال قائل لآخر لا اكرمك حتى يأتي الرجل وهو غير مريد لرجل بعينه كان مدلوله على ما زعم الجلال امتناع الإكرام حتى يأتي كل رجل في الدنيا فأي فهم يسبق إلى مثل هذا أو أي علم يدل عليه ويستفاد منه وقد بالغ النبي صلى الله عليه و سلم في تعجيل صلاة المغرب حتى صلوها في يومي التعلم في وقت واحد عند غروب الشمس وكانوا يفرغون منها بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم مع طول القراءة وإن الرجل ليبصر مواقع نعله 2 كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة وقال لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم وهو حديث صحيح اخرجه أحمد وأبو داود والحاكم في المستدرك ورجال إسناده ثقات وابن إسحق قد صرح بالتحديث فيه

(1/190)


وأخرج ابن ماجه والحاكم وابن خزيمة في صحيحه هذا الحديث من حديث العباس ابن عبد المطلب بلفظ لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم
ثم أعجب من هذا أن الجلال رحمه الله أيستدل على استحباب تأخير الصلاة للمغرب بما ورد من أحاديث إذا حضر الطعام فيا لله العجب أي دليل في هذا فإن العلة التي صرح الشارع بتأخيرها لها حضور الطعام ولم يكن ذلك خاصا بالمغرب بل ورد في جميع الصلوات كما في الحديث الثابت في الصحيح بلفظ لا صلاة بحضرة طعام وحاشا مثله أن يوقعه حب الروافض في مثل هذا التعسف الذي لا يخفى على من له أدنى عرفان ومن الروافض حتى يتبرع بمذهبهم الباطل بما هو من الباطل وما كلامهم في هذه المسألة بأول عناد عاندوا به الشريعة فإنهم يخالفون كل السنن ويدافعون كل حق
فصل
وعلى ناقص الصلاة والطهارة غير المستحاضة ونحوها التحري لآخر الاضطرار ولمن عداهم جمع المشاركة وللمريض المتوضىء والمسافر ولو لمعصية والخائف والمشغول بطاعة أو مباح ينفعه وينقصه التوقيت جمع التقديم والتأخير بأذان لهما وإقامتين ولا يسقط الترتيب وإن نسي ويصح التنفل بينهما
قوله فصل وعلى ناقص الصلاة أو الطهارة غير المستحاضة ونحوها التحري لآخر الاضطرار
اقول هذا رأي فائل واجتهاد عن الحق مائل وقول عن دليل العقل والنقل عاطل وقد عرفناك فيما سبق ما هو الحق فيما جعلوه وقت اضطرار والمصنف ومن قاله بقوله ممن قبله أو بعده قد أوجبوا على ناقص الصلاة أو الطهارة أن يترك الصلاة التي ليس بين العبد وبين الكفر إلا تركها كما صح بذلك الدليل

(1/191)


وبيان ما ذكرناه من إيجابهم عليه أن يترك الصلاة المفروضة هو أنه لم يرد في كتاب الله سبحانه ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أحدا من هؤلاء يؤخر الصلاة عن وقتها المضرب لها جوازا فضلا عن أن يكون ذلك على جهة الوجوب فضلا عن أن يكون التأخير إلى آخر وقت الاضطرار حتما فإن من فعل الصلاة في هذا الوقت لغير عذر يقتضي التأخير فقد فعلها بعد خروج وقتها المضروب لها ومن فعلها بعد خروج وقتها المضروب لها فقد تركها ولا تأثير لفعلها بعده
والأحاديث الواردة بأن من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها هي رخصة للمعذورين كالنائم والساهي لا لهؤلاء فإنهم مأمورون بفعل الصلاة في وقتها كغيرهم
فانظر هذه الفائدة التي استفادها المقلد المسكين من هؤلاء المصنفين في علم الدين
وأما قياس هؤلاء على المتيمم فقياس باطل ودعوى كون صلاة الجميع بدلية مصادرة على المطلوب لأن ذلك هو محمل النزاع
ثم لو قدرنا صحة القياس تنزلا لكان الأصل المقيس عليه وهو التيمم والمتيمم ممنوعا فإنه ليس على كونه يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت أثارة من علم بل ذلك خلاف الأدلة الدالة على أن المتيمم كغيره يصلي في أول الوقت كما يصلي غيره
وقد قدمنا في باب التيمم ما فيه كفاية فلا أصل ولا فرع ولا عقل ولا شرع
ثم انظر كيف تلون الكلام في هذه الأحكام فإنه استثنى من ناقص الصلاة والطهارة المستحاضة ونحوها ثم أثبت لمن عداهم جمع المشاركة وهذا كله ظلمات بعضها فوق بعض وخبط يتعجب منه الناظر فيه إذا كان له أدنى تمييز
والحاصل أن هذا القول لم يسمع في أيام النبوة وقد كان فيهم الزمني وأهل العلل الكثيرة وفيهم من قال له صلى الله عليه و سلم صل قائما فإن لم تسطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ولم يسمع بأنه أمر احدا منهم بتأخير الصلاة عن وقتها ولا جاء في ذلك حرف واحد لا من كتاب ولا من سنة وهكذا لم يسمع شيء من ذلك في عصر الصحابة بعد موته

(1/192)


صلى الله عليه و سلم ولا في عصر من بعدهم من التابعين وتابعيهم ولم يقل بذلك أحد من أهل المذاهب الأربعة ولا من سائر أهل الأرض فمثل هذه المسائل من عجائب الرأي الذي اختص به أهل أرضنا هذه
اللهم غفرا
قوله وللمريض المتوضىء والمسافر ولو لمعصية الخ
أقول أما الجمع للمسافر فقد ثبت بالأحاديث الكثيرة أما جمع التأخير فأحاديثه في الصحيحين وغيرهما وأما جمع التقديم فهو ثابت بأحاديث حسان مع مقال فيها ومع معارضتها لما في الصحيحين من أنه صلى الله عليه و سلم كان إذا زالت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب
وأما الجمع للمريض والخائف وفي المطر فلم يرد في ذلك دليل يخصه إلا ما يفهم من قول الرواة لحديث الجمع بالمدينة فإنهم قالوا من غير خوف ولا سفر ولا مطر
وقد استدلوا على جواز الدجمع لهم بقياسهم على المسافر وليس بقياس صحيح ولو كان صحيحا لجاز لهم قصر الصلاة وقد مرض النبي صلى الله عليه و سلم ولم ينقل إلينا أنه جمع بين الصلوات وكذلك ما نقل إلينا أنه سوغ لأحد من المرضى جمع الصلوات
وأما ما ذكره المصنف من جواز الجمع للمشغول بطاعة فليت شعري ما هي هذه الطاعة

(1/193)


التي يجوز تأثيرها على الصلاة التي هي رأس الطاعات وهي أحد أركان الاسلام والتي ليس بين العبد وبين الكفر إلا مجرد تركها
وأعجب من هذا وأغرب تجويز الجمع للمشغول بمباح ينفعه وينقص في التوقيت فإن جميع الناس إلا النادر يدأبون في أعمال المعاش العائد لهم بمنفعة وإذا وقتوا فقد تركوا ذلك العمل وقت طهارتهم وصلاتهم ومشيهم إلى المساجد فعلى هذا هم معذورون عن التوقيت طول أعمارهم ولهم جمع الصلاة ما داموا في الحياة وهذا تفريط عظيم وتساهل بجانب هذه العبادة العظيمة وإفراط في مراعاة جانب الأعمال الدنيوية على الأعمال الأخروية وقد كان الصحابة رضي الله عنهم في أيام الرسول صلى الله عليه و سلم يشتغلون بالأعمال التي يقوم بها ما يحتاجون إليه فمنهم من هو في الأسواق ومنهم من هو في عمل الحرث ونحوه ومنهم من هو في تحصيل علف ماشيته ولم يسمع أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه عذر أحدا منهم عن حضور الصلاة في أوقاتها ولا بلغنا ان أحدا منهم طلب من رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يرخص له لعلمهم بأن مثل ذلك لا يسوغه الشرع
وأما التمسك بحديث جمعه صلى الله عليه و سلم في المدينة فهذا وقع مرة واحدة وتأوله كثير من الراوين للحديث وحمله بعضهم على الجمع الصوري لتصريح جماعة من رواته بذلك
وقد افردنا هذا البحث برسالة مستقلة وذكرنا في شرح المنتقي ما ينتفع به طالب الحق

(1/194)


ورحم الله الحافظ الترمذي فإنه صرح بأن جميع ما في كتابه معمول به إلا حديثين هذا أحدهما
والحال أن كتابه قد اشتمل على ذكر ألوف مؤلفة من الأحاديث
والحاصل أن الكلام في مثل هذا البحث يطول جدا وقد وقع فيه الخبط البالغ والخلط العجيب وتكلم الجلال في شرحه لهذا الكتاب في هذا الموضوع بما هو حقيق بأن يضحك منه وتارة ويبكي منه أخرى بل حقيق بأن يعد في لغو الكلام وسقطه وغلطه
قوله بأذان لهما وإقامتين
أقول يدل على هذا ما في حديث جابر الطويل عند مسلم في حجته صلى الله عليه و سلم فذكر وقوفه بعرفات فقال ثم اذن ثم اقام فصلى الظهر ثم اقام فصلى العصر
وأخرج ابو داود ما يخالف هذا عن ابن عمر قال جمع النبي صلى الله عليه و سلم بين المغرب والعشاء يجمع بإقامة واحدة لكل صلاة ولم يناد في الأولى وفي رواية لم يناد بينهما ولا على إثر واحدة منهما إلا بالإقامة
وفي البخاري عن ابن مسعود أنه صلاهما بأذان وإقامتين وأخرج الدارقطني في قصة جمعه بين المغرب والعشاء فنزل فأقام الصلاة وكان لا ينادي لشيء من الصلاة في السفر
والراجح حديث جابر فإنه حكاه عن النبي صلى الله عليه و سلم بخلاف ما روي عن ابن مسعود فإنه موقوف عليه فيكون ما ذكره المصنف رحمه الله هنا موافقا لما هو الراجح

(1/195)


باب الأذان والإقامة
على الرجال في الخمس فقط وجوبا في الأداء ندبا في القضاء ويكفي السامع ومن في البلد أذان في الوقت مكلف ذكر معرب عدل طاهر من الجنابة ولو قاضيا او قاعدا أو غير مستقبل
ويقلد البصير في الوقت وفي الصحو
قوله على الرجال
أقول هذه العبادة من أعظم شعائر الإسلام وأشهر معالم الدين فإنها وقعت المواظبة عليها منذ شرعها الله سبحانه إلى أن مات رسول الله صلى الله عليه و سلم في ليل ونهار وسفر وحضر ولم يسمع أنه وقع الإخلال بها أو الترخيص في تركها وقد كان صلى الله عليه و سلم يأمر أمراء الأجناد في الغزو أنهم إذا سمعوا الأذان كفوا وإن لم يسمعوه قاتلوا وناهيك بهذا الحديث يجعله صلى الله عليه و سلم علامة للإسلام ودلالة على التمسك به والدخول فيه ومع هذه الملازمة العظيمة الدائمة المستمرة فقد أمر به صلى الله عليه و سلم غير مرة ومن ذلك حديث مالك بن حويرث أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وهو في الصحيحين وغيرهما وفي لفظ البخاري فأذنا وأقيما ومنها قوله صلى الله عليه و سلم لعثمان

(1/196)


ابن أبي العاص اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا عند أحمد وأهل السنن وهو حديث صحيح
ومنها أمره صلى الله عليه و سلم لبلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة وهو في الصحيحين وغيرهما
ومنها قوله صلى الله عليه و سلم في حديث عبد الله بن زيد إنها لرؤيا حق إن شاء الله ثم أمر بالتأذين وهو حديث صحيح صححه الترمذي وغيره
ومنها حديث أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ما من ثلاثة لا يؤذنون ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان وقال صحيح الإسناد
والحاصل أنه ما ينبغي في مثل هذه العبادة العظيمة أن يتردد متردد في وجوبها فإنها أشهر من نار على علم وأدلتها هي الشمس المنيرة وما اسمج ما شكك به الجلال على الوجوب فقال ولو كان وجوبه للصلاة لزم كونه شرطا أو ركنا إلخ
وأقول يا لله العجب أي قائل قد قال إن جميع ما وجب للصلاة لا يكون إلا شرطا أو ركنا فإن الصلاة لها شروط وأركان وفروض لا شروط ولا أركان
وهذا مما لا ينبغي أن يقع في مثله خلاف وهو قائل به وتصرفه في كتابه هذا مناد بذلك بأعلى صوت
ثم هذا الشعار لا يختص بصلاة الجماعة بل لكل مصل عليه أن يؤذن ويقيم لكن من كان في جماعة كفاه أذان المؤذن لها وإقامته
ثم الظاهر أن النساء كالرجال لأنهن شقائق الرجال والأمر لهم أمر لهن ولم يرد ما ينتهض

(1/197)


للحجة في عدم الوجوب عليهن فإن الوارد في ذلك في أسانيده متروكون لا يحل الاحتجاج بهم فإن ورد دليل يصلح لإخراجهن فذاك وإلا فهن كالرجال
قوله ويكفي السامع ومن في البلد
أقول يمكن الاستدلال لهذا بقوله صلى الله عليه و سلم فليؤذن لكم أحدكم فإن هذا يدل على أنه يكفي أذان واحد من الجماعة وأما كونه يكتفي به من في البلد فيدل على ذلك أنه صلى الله عليه و سلم أمر باتخاذ المؤذن كما في حديث واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا والظاهر أنه يؤذن في البلدة التي هو فيها وأيضا عدم أمره لمن لم يسمع اذان مؤذنيه في المدينة بأن يؤذن دليل على عدم وجوبه على سامعه وإنما يشرع له المتابعة فقط
قوله في الوقت
اقول الأذان هو دعاء إلى الصلاة ولهذا اشتمل على ألفاظ الدعاء التي منها حي على الصلاة حي على الفلاح فلا يفعل في غير الوقت بل ذلك بدعة ظاهر وأما أذان بلال في ذلك الوقت الخاص فقد وضحت فيه العلة بقوله صلى الله عليه و سلم ليوقظ نائمكم ويراجع قائمكم كما ثبت في الصحيح فلم يبق ما يستدل به على جواز الأذان لنفس الصلاة قبل دخول وقتها وليس هنا ما يقتضي التعارض والترجيح
قوله من مكلف
اقول هذا هو الظاهر لأن الأذان عبادة شرعية لا تجزىء إلا من مكلف بها وقد استدل الجلال في شرحه لهذا الكتاب على جواز أذان الصبي بأذان أبي محذورة للنبي صلى الله عليه و سلم ثم قال وهو صبي ولا شيء في الروايات أنه كان صبيا بل الذي في الروايات أنه كان صيتا أو قوي الصوت فلعله تصحف على الجلال الصيت بالصبي فجزم بأنه كان صبيا
وقد وقع في بعض روايات هذا الحديث أنه كان غلاما ولفظ الغلام يطلق على الكبير والصغير قالت ليلى الأخيلية في مدح الحجاج

(1/198)


شفاها من الذى العضال الذب بها ... غلام إذا هز القناة سقاها ...
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ... أنا الغلام القرشي المؤتمن ... أبو حسين فاعلمن والحسن ...
وقال الأزهري سمعت العرب يقولون للمولود غلام وسمعتهم يقولون للكهل غلام
ومما يدل على أنه كان رجلا ما وقع في رواية النسائي قال ابو محذورة خرجت عاشر عشرة من مكة فسمعناهم يؤذنون بالصلاة فقمنا نؤذن نستهزىء بهم فقال النبي صلى الله عليه و سلم قد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت فأرسل إلينا فأذنا رجلا رجلا وكنت آخرهم الحديث
فقوله رجلا يدل على أنه كان رجلا وقال السهيلي إنه كان أبو محذورة في أول أذانه في ست عشرة سنة
قوله ذكر
اقول الأذان إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى الصلاة فلا يكون إلا برفع الصوت والمرأة مأمورة بالستر ولم يسمع في ايام النبوة ولا في الصحابة ولا فيمن بعدهم من التابعين وتابعيهم أنه وقع التأذين المشروع الذي هو إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى الصلاة من امرأة قط
وأما أذان المرأة لنفسها أو لمن يحضر عندها من النساء مع عدم رفع الصوت رفعا بالغا فلا مانع من ذلك بل الظاهر أن النساء ممن يدخل في الخطاب بالأذان كما قدمنا ذلك
قوله معرب
أقول الأذان عبادة شرعية فينبغي أن يكون على الصفة الواردة عن الشارع ومعلوم أنه كان يؤدى معربا على ما تقتضيه لغة العرب فمن جاء به على غير تلك الصفة فهو لم يفعل ما أمر به كسائر الأذكار الواردة عن الشارع
قوله عدل

(1/199)


أقول قد عرفت أن الأذان إعلام بدخول الوقت للصلاة ودعاء إليها ومن كان غير عدل ولا يؤمن على الوقات ولا يقبل إذا أخبر بدخولها فيفوت المقصود من جعله مؤذنا
ويؤيد هذا ما اخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليؤذن لكم خياركم وفي إسناده الحسين بن عيسى الحنفي الكوفي وفيه مقال لا يوجب عدم الاحتجاج بحديثه
وأخرج أحمد وابو داود وابن حبان وابن خزيمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين
وروى أيضا من حديث عائشة قال ابو زرعة حديث ابي هريرة أصح من حديث عائشة وصحح الحديثين جميعا ابن حبان
وقد أطلت الكلام على الحديثين في شرحي للمنتقي فليرجع إليه
ووصفه صلى الله عليه و سلم للمؤذن بأنه مؤتمن يدل على أنه لا بد أن يكون عدلا لأن من ليس بعدل ليس بمؤتمن
قوله طاهر من الجنابة
اقول لم يأت ما تقوم به الحجة لا في كون المؤذن طاهرا من الحدث الأكبر ولا من الحدث الأصغر لأن ما هو مرفوع في ذلك لم يصح وما هو موقوف على صحابي أو تابعي لا تقوم به الحجة وإن كان التطهر للمؤذن من الحدثين هو الأولى والأحسن فقد كره النبي صلى الله عليه و سلم أن يرد السلام وهو محدث حدثا اصغر حتى توضأ كما في رواية وتيمم كما في أخرى والأذان أولى بذلك من مجرد رد السلام
قوله ولو قاضيا أو قاعدا أو غير مستقبل

(1/200)


أقول لا شك أن الأذان من المذكورين يجزىء ولكنه في القاعد وغير المستقبل مخالف للهيئة المشروعة الثابتة
قوله ويقلد البصير في الوقت في الصحو
اقول ليس هذا من التقليد في شيء بل هو من باب قبول الرواية لأن المؤذن العدل العارف بمداخل الأوقات ومخارجها إذا أذن فهو بأذانه مخبر بدخول الوقت ولا سيما إذا كان في محل مرتفع كالمنارة وأما مع الغيم فهو مانع من صحة الرواية لأنه يحول بين المؤذن وبين العلامات التي يستدل بها على دخول الأوقاف فلم يكن لروايته بالأذان صحة يتعين عندها القبول
فصل
ولا يقيم إلا هو متطهرا فتكفي من صلى في ذلك المسجد تلك الصلاة ولا يضر إحداثه بعدها وتصح النيابة والبناء للعذر والإذن
قوله فصل ولا يقيم إلا هو متطهرا
أقول حديث من أذن فهو يقيم لم يتكلم عليه إلا بأن في إسناده عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم الإفريقي وقد وثقه جماعة ولم يقدح فيه بما يوجب عدم الاحتجاج بحديثه لكنه قد أخرج أحمد وأبو داود عن عبد الله بن زيد صاحب رؤيا الأذان أنه

(1/201)


أخبر النبي صلى الله عليه و سلم برؤياه قال القه على بلال فألقاه عليه فأذن بلال فقال عبد الله أنا رأيته وأنا كنت أريده قال له صلى الله عليه و سلم فأقم أنت وفي إسناد هذا الحديث ومتنه خلاف
والحديث الأول متأخر لأن هذا كان عند رؤيا عبد الله بن زيد للأذان وقيل إن هذا الحديث يدل على أن تولي المؤذن للإقامة إنما هو على طريق الندب فقط
وأما كون المقيم متطهرا فلم يرد ما يدل على أن ذلك حتم وغايته ان تكون الإقامة مثل الأذان وقد تقدم الكلام فيه
قوله فيكفي من صلى في ذلك المسجد تلك الصلاة
أقول مشروعية الإقامة لم تختص بشخص دون شخص ولم يرد فيها ما ورد في الأذان مما يدل على أنه يكفي أذان الواحد في البلد أو في المسجد كما قدمنا فإن ورد دليل يدل على أن إقامة الواحد تكفي غيره وتسقط بها المشروعية على كل من صلى في ذلك المسجد فلا بأس وإلا فالظاهر أن مشروعية الإقامة ثابتة على كل شخص سواء كان وحده أو في جماعة وسواء أقام غيره أو لم يقم
وأما كونه لا يضر إحداثه بعدها فظاهر لأنه قد أقام وهو متطهر بل لا يضر إحداثه حالها لعدم ورود ما يدل على أن الطهارة واجبة على المقيم
وأما كون غير المؤذن ينوب عنه في الإقامة فالظاهر أنها تجوز النيابة إذا قد حصل الرضا من المؤذن لأن تخصيصه بالإقامة إنما هو لكونه الأولى بذلك فإذا وقع الإذن جاز للغير أن يقيم سواء كان له عذر أو لا وأما البناء فإنما يكون للعذر لأن وقع الإقامة من اثنين مع عدم العذر بدعة فلو قال المصنف وتصح النيابة للإذن والبناء للعذر لكان صوابا
فصل
وهما مثنى إلا التهليل ومنهما حي على خير العمل والتثويب بدعة وتجب نيتهها ويفسدان بالنقص والتعكيس لا بترك الجهر ولا الصلاة بنسيانهما
ويكره الكلام حالهما وبعدهما والنفل في المغرب بينهما

(1/202)


قول فصل وهما مثنى إلا التهليل
اقول قد ثبت تشفيع الأذان وإيثار الإقامة إلا لفظ الإقامة في الصحيحين وغيرهما
وثبت تربيع التكبير في أول الأذان من طرق حسنها البعض وصححها البعض وثبت التربيع في الشهادتين في صحيح مسلم وغيره وروي من وجه صحيح تشفيع جميع ألفاظ الإقامة
وورد في الإقامة من وجه صحيح ما يدل على إيتارها إلا التكبير في أولها وآخرها وقد قامت الصلاة فإن ذلك يكون مثنى مثنى
وروي ايضا التثويب في صلاة الصبح من وجه صححه بعض الحفاظ وتكلم فيه آخرون فإن عملنا بأصح ما ورد فهو تشفيع الأذان مع الترجيع في الشهادتين وإيتار الإقامة إلا لفظ قد قامت الصلاة والتكبير في أولها وآخرها
وإن سلكنا طريقة الجمع فيتعين العمل بالزيادة الخارجة من مخرج صحيح فيكون التكبير في أول الأذان أربعا وتكون الشهادتان مع الترجيح ثمانيا وسائر الألفاظ في الأذان مرتين مرتين إلا قول المؤذن لا إله إلا الله في آخره فإنه مرة واحدة ويزاد في صلاة الصبح لفظ التثويب وهو أن يقول المؤذن الصلاة خير من النوم
وتكون الإقامة مثنى مثنى إلا قول المقيم لا إله إلا الله في آخرها فإنها مرة واحدة فهذا حاصل ما ورد في الأذان والإقامة وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الكل سنة وأيها فعله المؤذن والمقيم فقد فعل ما هو حق وسنة قال ابو عمر بن عبد البر ذهب أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وداود بن علي ومحمد بن جرير الطبري إلى إجازة القول بكل ما روي

(1/203)


عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك وحملوه على الإباحة والتخيير قالوا كل ذلك جائز لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم جميع ذلك وعمل به اصحابه فمن شاء قال الله أكبر في أول الأذان أربعا ومن شاء ثنى ومن شاء ثنى الأقامة ومن شاء أفردها إلا قوله قد قامت الصلاة فإن ذلك مرتان على كل حال انتهى
وهذا الذي قالوه صواب كما قيل في التشهدات والتوجهات ولكن ذلك لا ينافي أن يختار الإنسان لنفسه أصح ما ورد أو يأخذ بالزائد فالزائد قال ابن القيم في الهدي ذاهبا إلى ما ذهب إليه أولئك الأئمة ومشيرا إلى ما اشرنا إليه ما لفظه أنه سن التأذين بترجيع وغير ترجيع وشرع الإقامة مثنى وفرادى لكن صح عنه تثنيه كلمة الإقامة قد قامت الصلاة ولم يصح عنه إفرادها ألبتة وكذلك صح عنه تكرر لفظ التكبير في أول الأذان ولم يصح عنه الاقتصار على مرتين
وأما حديث أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة فلا ينافي الشفع بأربع وقد صح التربيع صريحا في حديث عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب وأبي محذورة
وأما إفراد الإقامة فقد صح عن ابن عمر استثناء كلمة الإقامة فقال إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم مرتين مرتين والإقامة مرة مرة غير أنه يقول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة
وفي البخاري عن أنس أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة وصح في حديث عبد الله بن زيد وعمر في الإقامة قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة
وصح في حديث أبي محذورة تثنية كلمة الإقامة مع سائر كلمات الأذان
وكل هذه الوجوه جائزة مجزئة لا كراهة فيها وإن كان بعضها أفضل من بعض انتهى

(1/204)


وبما أوضحناه لك في هذا البحث ترتفع عنك الإشكالات في هذه المسألة فقد طالت ذيولها وتشعبت طرائقها
قوله ومنهما حي على خير العمل
أقول هذا اللفظ قد صار من المراكز العظيمة عند غالب الشيعة ولكن الحكم بين المختلفين من العباد هو كتاب الله وسنة رسول فما جاءنا فيهما فسمعا وطاعة وما لم يكن فيهما فإن وضح فيه وجه قياس بمسلك من المسالك المقبولة التي لا ترفع ولا تنقض كالنص على العلة أو دلالة الدليل على ثبوت الحكم في المسكوت عنه بفحوى الخطاب كان للمتمسك بذلك أن يقول به على ما فيه من خلاف
وهكذا إذا صح الإجماع على حكم ولكن دون تصحيح الإجماع مفاوز متلوية وطرائق متشعبة وعقاب شامخة كما أوضحنا ذلك في إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول
وإذا كان اختلاف المختلفين في حكم ثابت من السنة فالمرجع دواوينها التي وضعها علماء الرواية وهي الأمهات وما يلتحق بها من المسانيد ونحوها ولم يثبت رفع هذا اللفظ إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم في شيء من كتب الحديث على اختلاف أنواعها وغاية ما يروى في ذلك ما أخرجه الطبراني والبيهقي عن بلال أنه كان يؤذن للصبح فيقول حي على خير العمل فأمره رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجعل مكانها الصلاة خير من النوم وترك حي على خير العمل وفي إسناده عبد الرحمن بن عمار بن سعد وهو ضعيف وقد قال البيهقي بعد إخراجه هذا اللفظ لم يثبت فيما علم النبي صلى الله عليه و سلم بلالا وأبا محذورة ونحن نكره الزيادة فيه انتهى
ومع هذا ففي هذا التصريح بأن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بلالا أن يترك ذلك فلو قدرنا ثبوته لكان منسوخا

(1/205)


قوله والتثويب بدعة
اقول قد رويت فيه أحاديث منها ما هو صحيح ومنها حسن ومنها ما هو ضعيف فلا وجه للقول بأنه بدعة وهو مختص بصلاة الفجر وذلك بأن يقول المؤذن بعد قوله حي على الفلاح الصلاة خير من النوم
ولقد وقع للجلال في شرح هذا الكتاب في هذا البحث وفي بحث حي على خير العمل من التكلف والتعسف والخروج عن طريق الحق ما يعجب الناظر فيه من قائله خصوصا إذا كان ممن يدعي الإنصاف في مسائل الخلاف وتأثير الأدلة على القيل والقال ولله الأمر من قبل ومن بعد
قوله وتجب نيتهما
اقول لحديث إنما الأعمال بالنيات وما ورد في معناه وقوله عز و جل مخلصين له الدين فوجه مشروعيته النية في الأذان والإقامة هو هذا لأن الأعمال المذكورة في الحديث تشمل الأقوال والأفعال
وأما ما ذكره الجلال في شرحه لهذا الكتاب من أن النية تجب لما كان يقع على وجوه كثيرة لا ما كان يقع على وجه واحد فليس ذلك إلا مجرد رأي محض والدليل قد دل على مشروعية النية على العموم لأنه وقع التعبد بها في كل عمل كما نطق به الدليل فينوي المؤذن والمقيم أن هذا القول الذي قصد له هو ما تعبده الله به وشرعه له وبهذه النية يخلص من كل وجه من الوجوه التي لم يقصدها الشارع ولا شرع الفعل لها
وأما ما ذكره المصنف من أن الأذان والإقامة يفسدان بالنقص فوجهه أن الذي نقص بعض ألفاظ الأذان والإقامة لم يأت بالمشروع منهما فهو كمن لم يعقل ذلك وهكذا من عكس ألفاظهما
وأما ما ذكره من أنهما لا يفسدان بترك الجهر فهذا إذا أذن لنفسه أوله ولمن هو حاضر

(1/206)


لديه يسمع إسراره وأما إذا كان المؤذن داعيا إلى الصلاة معلما بدخول وقتها فهو لم يفعل ما هو المقصود من نصبه للتأذين وإن كان قد فعل المشروع له بخصوصه من الأذان لنفسه
وأما عدم فساد الصلاة بنسيانهما فهو واضح لأنهما عبادة خارجة عن الصلاة التي تحريمها التكبير وتحليلها التسليم لا شرط من شروط كالوضوء فلا تفسد الصلاة يتركهما عمدا فضلا عن نسيانهما ولكن التارك لهما عمدا قد أخل بواجبين عليه كما قدمنا من أن الأدلة قد دلت على وجوبهما
وأما كراهة الكلام حالهما فواضح لأنه اشتغال حال العبادة بما ليس منها وكذا الكلام بعدها لأن الإقامة للصلاة دعاء إليها بعد الدعاء بالأذان فالاشتغال بعد ذلك بغير الصلاة مما لا جدوى فيه من الكلام يخالف ما هو مدلول لفظ الإقامة لا سيما قول المقيم قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة فإن ذلك متضمن للإخبار بقيامها ففعل شيء بعدها من كلام أو غيره يخالف هذا الإخبار وينافيه
وأما ما ثبت في الصحيح من حديث أنس قال اقيمت صلاة العشاء فقال رجل للنبي صلى الله عليه و سلم لي حاجة فقام إليه يناجيه فهذا هو من قضاء حوائج المسلمين لا من الاشتغال بما لا يغني من الكلام الذي ذكر المصنف كراهته وقد تكون هذه الحاجة التي طلب ذلك الرجل من النبي صلى الله عليه و سلم قضاءها مما لا ينبغي تأخيره ولو بمجرد ظنه صلى الله عليه و سلم كذلك عند قول القائل لي حاجة وقد يكون هذا الرجل من المؤلفين الذين لم يرسخ الإيمان في قلوبهم فأراد صلى الله عليه و سلم أن يتألفه بقضاء حاجته في ذلك الوقت
قوله والنفل بينهما
أقول هذا دفع في وجه الأدلة الصحيحة ورد للسنة التي هي أظهر من شمس النهار فإنه قد ثبت مشروعية النفل بين الأذان والإقامة في جميع الصلوات كحديث بين كل أذانين صلاة ثم ثبت مزيد لخصوصية النفل بين اذان المغرب وإقامته فورد بلفظ بين

(1/207)


أذاني المغرب صلاة وورد بلفظ صلوا قبل صلاة المغرب ركعتين وكرر ذلك ثلاثا وقال في الثلاثة لمن شاء وهو في الصحيحين وغيرهما وقال الراوي معللا لقوله صلى الله عليه و سلم لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة يعني سنة لازمة لا يجوز تركها
وقد ثبت أن الصحابة كانوا إذا أذن المؤذنون للمغرب قاموا يصلون هذه النافلة حتى يظن من دخل المسجد أن الصلاة قد صليت لما يرى من كثرة ما يصلي هذه النافلة
وأما الاستدلال للكراهة بما تقدم من حديث أبي أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب فليس في ذلك ما يدل على كراهة هذه النافلة فإن المقصود التأخير عن الوقت الذي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يفعلها فيه وهو الذي أرشد الأمة إلى فعل هذه النافلة وأكد ذلك عليهم بالتكرير فنصب هذا الحديث في مقابلة الأحاديث التي ذكرناها ليس كما ينبغي ولا يفعله من له ملكة في الاستدلال ومعرفة بما جاءت به السنة

(1/208)


باب صفة الصلاة
هي ثنائية وثلاثية ورباعية
فصل وفروضها نية يتعين بها الفرض مع التكبيرة أو قبلها بيسير ولا يلزم للأداء والقضاء إلا للبس ويضاف ذو السبب إليه
قال المؤيد بالله تكفي صلاة إمامي حيث التبس أظهر أمر جمعة فقط والمحتاط آخر ما علي من كذا والقاضي ثلاثا عما علي مطلقا وركعتان ممن لا قصر عليه لا الأربع غالبا ثم التكبير قائما لا غيره وهو منها في الأصح ويثنى للخروج والدخول في أخرى ثم القيام قدر الفاتحة وثلاث آيات في أي ركعة أو مفرقا ثم قراءة ذلك كذلك سرا في العصرين وجهرا في غيرهما
ويتحمله الإمام عن السامع وعلى المرأة أقله من الرجل وهو إن يسمع من بجنبه ثم ركوع بعد اعتدال ثم اعتدال تام وإلا بطلت إلا لضرر أو خلل طهارة ثم السجود على الجبهة مستقرة بلا حائل حي أو يحمله إلا الناصية وعصابة الحرة مطلقا والمحمول لحر أو برد وعلى الركبتين وباطن الكفين والقدمين وإلا بطلت ثم اعتدال بين كال سجودين ناصبا للقدم اليمنى فارشا لليسرى وإلا بطلت
ويعزل ولا يعكس للعذر ثم الشهادتان والصلاة على النبي وآله قاعدا والنصب والفرش هيئة ثم التسليم على اليمين واليسار بانحراف مرتبا معرفا قاصدا للملكين ومن

(1/209)


في ناحيتها من المسلمين في الجماعة وكل ذكر تعذر بالعربية فبغيرها إلا القرآن فيسبح لتعذره كيف أمكن
وعلى الأمي ما أمكنه آخر الوقت إن نقص ويصح الاستملاء لا التلقين والتعكيس وتسقط عن الأخرس لا الألثغ ونحوه وإن غير
ولا يلزم المرء اجتهاد غيره لتعذر اجتهاده
قوله وفروضها نية يتعين بها الفرض مع التكبيرة الخ
أقول حديث إنما الأعمال بالنيات وفي لفظ لا عمل إلا بنية قد دل على أن النية شرط من شروط الصلاة لوجود دليل الشرطية القاضي بعدم المشروط عند عدم الشرط فإنه إن قدر أن الذات الشرعية لا تكون إلا بالنية كما هو المعنى الحقيقي انتفت تلك الذات الشرعية بانتفاء النية وهذا هو معنى الشرط
وهكذا إن قدرت الصحة التي هي أقرب المجازين إلى الحقيقة أفاد انتفاء الصحة بانتفاء النية ولا يصار إلى تقدير الكمال إلا بدليل لأنه مجاز بعيد
إذا عرفت هذا علمت أن النية شرط من شروط الصحة وأنه لا صلاة لمن لم ينو وليست بفرض كما قال المصنف فإن الفرض لا يؤثر عدمه في عدم ما هو فرض فيه إلا إذا كان ركنا فإن الركن يؤثر عدمه في عدم ما هو ركن فيه لعدم وجود الذات المطلوبة على الصفة المقصودة إلا أن يدل دليل على أن عدم ذلك الركن لا يقدح في تلك الذات المطلوبة ولا يوجب انعدامه انعدامها
وقد تكلم الجلال ها هنا بما هو نوع من الهذيان لأنه لم يجر على مقتضى الرواية ولا على أسلوب الرأي وهكذا لا وجه لقول المصنف ولا يجب للأداء والقضاء إلا للبس فإن وجوب النية ليس لمجرد رفع اللبس بل لورود التعبد بها في كل عبادة سواء كانت

(1/210)


مما يلتبس بغيره أم لا ولا فرق بين الصلوات الخمس وبين غيرها كالجمعة والعيد والجنازة لأن جميع ذلك عمل ولا عمل إلا بنية
والمراد بالنية قصد تأدية تلك العبادة التي شرعها الله سبحانه لعباده على الوجه المطلوب منهم فلا يصح أن تكون مترددة ولا مجملة ولا مشروطة
وبهذا تعرف الكلام على ما حكاه المصنف عن المؤيد بالله
قوله ثم التكبير
أقول اعلم أن الله سبحانه امرنا بالصلاة في كتابه العزيز أمرا مجملا فقال أقيموا الصلاة وهذا أمر فما وقع في بيانه منه صلى الله عليه و سلم فهو بيان لمجمل واجب فيكون واجبا
فهذا الدليل بمجرده قد دل على وجوب جميع ما وقع منه صلى الله عليه و سلم في الصلاة سواء كان ركنا أو ذكرا أو شرطا ثم زاد هذا الدليل تأكيدا قوله صلى الله عليه و سلم صلوا كما رأيتموني أصلي فكان هذا دليلا على وجوب جميع ما فعله في صلاته أو قاله فيها فلا يخرج عن الوجوب شيء منها إلا بدليل يدل على عدم وجوبه وذلك كحديث المسيء صلاته فإنه اقتصر في تعليمه على البعض مما كان صلى الله عليه و سلم يفعله في الصلاة وكان ذلك دليلا على أن ما لم يذكر فيه ليس بواجب ومن جملة ما هو مذكور فيه تكبير الافتتاح فتقرر بهذا أنه من واجبات الصلاة وزاد ذلك

(1/211)


تأكيد قوله صلى الله عليه و سلم تحريمها التكبير وتحليلها التسليم فإنه قد بين في هذا الحديث أن للصلاة تحريما وتحليلا
وأما المعارضة بأنه قد وقع في حديث المسيء اشياء غير واجبة فليس مجرد هذه المعارضة قادحة في وجوب ما دلت الأدلة على وجوبه لأن ذلك هو مجرد إلزام لمثل مصنف هذا الكتاب ومن قال بقوله
وقد استكثر الجلال من التمسك بمجرد هذه المعارضة في شرحه لهذا الكتاب وأسقط بها فرائض جاءت الأوامر بها وثبتت في حديث المسيء وليس هذا من داب أهل الإنصاف بل مجرد مجادلة ومخاصمة في الحق ولا يوجب وقوع المعارضة أو المناقضة لطائفة ذهاب الحق الذي شرعه الله لعباده وهم إذا التزموا ذلك واعترفوا فالحق من وراء إلزامه لهم واعترافهم له
ونحن نقول له ما عارضتهم به أو ناقضتهم باعتبار ما قالوه وما صرحوا به هو عندنا ملتزم ونحن نقول بوجوبه حتى يدل دليل على عدم وجوبه وحينئذ يصفو مشرب الحق وترتفع ظلمة الجدال وينجلي قتام الخصام
فيا طالب الحق خذ هذه الكلية واجعلها على ذكر منك تنتفع بها في كثير من المباحث التي صارت بالتمسك بالطرائق الجدلية ظلمات بعضها فوق بعض ولم يستفد منها كثير من المطلعين عليها إلا مجرد الحيرة وعدم الاهتداء لوجه الصواب
وقد جمعت جميع طرق حديث المسيء في شرحي للمنتقي وذكرت جميع ألفاظه المختلفة فاحكم لجميع ما اشتمل عليه بالوجوب لما قدمنا من كونه بيانا لمجمل واجب ولأمره صلى الله عليه و سلم بأن نصلي كما رأيناه يصلي ولاقتصاره في تعليم المسيء على ما اشتمل عليه حتى يأتي دليل يخص بعضه بعدم الوجوب فإنك بهذا الصنع قاعد في مقعد الإنصاف قائم في مقام الحق الذي لا تزحزحه شبهة ولا يدفعه جدال ولا يضره قيل ولا قال

(1/212)


إذا عرفت هذا فاعلم أن تكبير الافتتاح من قعود أو بغير اللفظ الذي ثبت عن الشارع بدعة وكل بدعة ضلالة فما لنا وللتعرض لمثل هذا وأنه قد قال به فلان أو عمل به فلان وجعل ذلك ذريعة إلى الاعتراض على من قال بالحق ودان بالصواب
قوله والقيام قدر الفاتحة
اقول القيام ركن من أركان الصلاة التي لا تتم إلا به ولا ينبغي أن يقع في مثله خلاف فهو فرض ركني له مزيد خصوصية على مجرد الفرضية لتأثير عدمه في عدم الصلاة
وأما تقدير المصنف لما هو الواجب من القيام بأنه قدر الفاتحة وثلاث آيات فهذا مجرد رأي محض ليس عليه دليل ولا شبهة دليل
وأعجب من هذا وأغرب أنه يكفي القيام هذا القدر في ركعة من الركعات ولا يستقر في قيامه في سائر الركعات إلا قدر سبحان الله فإن هذه ليست الصلاة التي جاءت بها الشريعة وعلمها رسول الله صلى الله عليه و سلم الصحابة منذ فرض الله الصلاة إلى أن قبضه الله إليه
ويا لله العجب من التجرؤ على مثل هذه العبادة التي هي رأس الدين وأساسه بمثل هذه الخزعبلات والترهات
قوله ثم قراءة ذلك كذلك
أقول قد ورد الأمر بالقراءة في الكتاب العزيز ثم بينت السنة بأنه لا صلاة لمن لا يقرأ بأم القرآن وفي لفظ لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن
وقوله لا صلاة يدل أن ترك قراءة الفاتحة تبطل به الصلاة لأن المراد لا صلاة شرعية فما وقع من الصلاة لم يقرأ فيه بأم القرآن فهو غير صلاة شرعية وهذا يكفي

(1/213)


في الاستدلال على فرضية القراءة بفاتحة الكتاب بل استلزم عدمها لعدم الصلاة وهو زيادة على مجرد الفرضية وعلى فرض ورود دليل يدل على أن هذا النفي لا يتوجه إلى الذات فقد قدمنا لك أن تقدير الصحة هو أقرب المجازين إلى الذات فيتعين تقدير الصحة
هذا على فرض أنه لم يرد ما قدمنا بلفظ لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فكيف وقد ورد وثبت فإن ذلك يقطع النزاع ويرفع الخلاف ويدفع في وجه من زعم أن الذي ينبغي تقديره ها هنا هو الكمال
إذا عرفت هذا فاعلم أنه قد ورد في حديث المسيء من وجه صحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم علمه أن يقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن يقرأ ثم قال له اصنع ذلك في كل ركعة وهذا دليل قوي على وجوب الفاتحة في كل ركعة وقد أخرجه أحمد وابن ماجه في حديث المسيء من رواية رفاعة بن رافع بأسناد صحيح وأخرجه أيضا ابن حبان والبيهقي بإسناد صحيح
فتقرر لك بهذا فرضية قراءة الفاتحة في كل ركعة بالأدلة الصحيحة فدع عنك القيل والقال والمجادلة بما لا يتفق من المقال عند فحول الرجال فإن كل ذلك لا يسمن ولا يغني من جوع
قوله سرا في العصرين وجهرا في غيرهما
أقول أما قراءته صلى الله عليه و سلم في الصلوات المفروضة فقد تبين أمرها وعرف ما كان يجهر فيه منها وما كان يسر فيه لكنه لم يرد في تعليم المسيء أنه صلى الله عليه و سلم قال له أقرأ في صلاتك كذا جهرا وفي صلاتك كذا سرا بل امره بالقراءة وهي أعم من أن يأتي بها سرا أو جهرا فيكون فعله للجهر في بعض الصلوات وهي الفجر والمغرب والعشاء والإسرار في البعض الآخر وهما الظهر والعصر كالبيان لذلك الأمر للمسيء فيتم حينئذ القول بوجوب الجهر فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم والإسرار فيما أسر فيه لا بدليل كون فعله بيانا للمجمل ولا بقوله صلوا كما رأيتموني أصلي بل بما في حديث المسيء

(1/214)


أقول قوله تعالى فاستمعوا له وأنصتوا وقوله صلى الله عليه و سلم وإذا قرأ فأنصتوا وقوله صلى الله عليه و سلم فقراءة الإمام قراءة له يدل على أن الإمام يتحمل القراءة عن السامع
وعلى تقدير ما قيل من عدم دلالة الآية على المطلوب وعدم انتهاض الحديث للاستدلال به فقد أغنى عن ذلك الحديث الصحيح وهو قوله صلى الله عليه و سلم لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب
وإن هذا الحديث قد أفاد فائدتين الأولى النهي عن القرآن خلف الإمام والثاني وجوب قراءة الفاتحة خلفه وهذا ظاهر واضح لا ينبغي التردد في مثله لصحته ووضوح دلالته
قوله وعلى المرأة أقله من الرجل
أقول لم يرد دليل يدل على هذا إلا مجرد ملاحظة ما هو اقرب إلى الستر وأبعد من الفتنة وأقل الجهر إذا كان مجزئا للرجال فهو مجزىء للنساء بالأولى
قوله ثم ركوع بعد اعتدال ثم اعتدال تامة وإلا بطلت إلا لضرر أو خلل طهارة
أقول فرضية الركوع والاعتدال منه معلوم بالضرورة الشرعية وبطلان صلاة من لم يفعل ذلك أصلا أو لم يفعله حتى يطمئن معلوم بالأدلة الصحيحة كحديث المسيء فإنه صرح فيه بقوله ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما الحديث

(1/215)


مع قوله صلى الله عليه و سلم لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها ظهره وهو حديث صحيح وورد عند أحمد وغيره بلفظ لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده وقد قال للمسيء ارجع فصل فإنك لم تصل
وأما الاستدلال على عدم البطلان بقوله للمسيء بعد تعليمه إذا انتقصت من ذلك شيئا فقد انتقصت من صلاتك فلا دلالة له على ذلك لأن انتقاصه من صلاته بترك ركن من أركانها يخرجها عن الصورة المطلوبة للشارع وقد قال لهذا المسيء نفسه ارجع فصل فإنك لم تصل فوجب حمل هذا الانتقاص على الإسقاط المبطل للصلاة جمعا بين الروايتين
ولأهل الرأي في عدم إيجاب الطمأنينة كلام يعرف فساده من يعرف الاستدلال ويدري بكيفيته وقد أفضى ذلك إلى أن يصلي غالب عامتهم وبعض خاصتهم صلاة لا ينظر الله إلى صاحبها ولا تجزئه كما نطق بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فكانت هذه الرؤية النازلة بهم هي ثمرتهم المستفادة من تقليدهم
قوله ثم السجود على الجبهة مستقرة
اقول قد ثبت في حديث المسيء أنه صلى الله عليه و سلم أمره بأن يمكن جبهته من الأرض وأخرج الترمذي من حديث ابي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه

(1/216)


وآله وسلم كان إذا سجد امكن جبهته وأنفه الأرض وقال حسن صحيح وأخرج النسائي من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أمرت أن اسجد على سبعة لا اكف الشعر ولا الثياب الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين وأخرجه مسلم بلفظ على سبع ولا أكف الشعر ولا الثياب الجبهة والأنف الحديث وقد ثبت في ألفاظ الأحاديث في الصحيحين وغيرهما بلفظ أمرنا النبي صلى الله عليه و سلم أمرنا أمر النبي صلى الله عليه و سلم
وبهذا البيان يتضح لك ان رواية ذكر الجبهة مع الإشارة إلى الأنف لبيان أن السجود على الجبهة لا يكون تاما كاملا إلا بوضع الأنف معها
ومع هذا فقد أغنانا على ذلك ذكرهما معا في الأحاديث كما اشرنا إليه وقد اجتمع في السجود على الجبهة والأنف البيان للسجود المأمور به في القرآن المعلوم وجوبه بالضرورة الشرعية بالقول والفعل فكان ذلك كافيا في فرضية السجود على تلك الأعضاء من غير انضمام أمر الأمة بذلك فكيف وقد ثبت كما ذكرناه لك وحينئذ تعرف أنه لا وجه لما ذكره الجلال من تلك المقاولات التي هي بمعزل عن التحقيق
واعلم أن الأمر بالسجود على هذه الأعضاء لا بد أن يكون على الأرض او على ما هو عليها من حصير أو نحوه فلا يجعل المصلي بين هذه الأعضاء وبين ذلك حائلا لا من حي ولا من غيره فإن فعل خالف ما أمر به مع كون ذلك بيانا لمجمل القرآن ولهذا حكم المصنف على من لم يسجد على هذه الأعضاء بلا حائل بينها وبين الأرض بالبطلان لسجدته ولكنه ربما يقال إن الذي سجد على هذه الأعضاء مع حائل قد سجد عليها وفعل ما امر به فإنه يصدق عليه لغة وعرفا وشرعا أنه قد سجد عليها فكون الحائل مانعا من صحة السجود الموجود في الخارج يحتاج إلى دليل فإن جاء به صافيا عن شوب الكدر صالحا للحجية فبها ونعمت وإلا فلا نسلم أن ذلك السجود الموجود في الخارج كلاسجود مع كونه على الأعضاء التي وقع الأمر بالسجود عليها

(1/217)


ومما يؤيد هذا ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قال كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه
قوله ثم اعتدل بين كل سجودين
أقول هذا فرض ركني لا ينبغي أن يقع في مثله خلاف وهو بيان للسجود المأمور به في القرآن وصح في حديث المسيء في الصحيحين وغيرهما بلفظ ثم ارفع حتى تطمئن جالسا
فيا عجبا لمن لم يقل بفرضية هذا الركن وتلاعب به في صلاته وترك ما هو الشرع الواضح والركن الذي لا صلاة لمن لا يأت به فيها
قوله ثم الشهادتان
أقول لا وجه للاقتصار على مجرد الشهادتين لأنهم استدلوا على وجوبها بما وقع من الأوامر عنه صلى الله عليه و سلم بالتشهد فينبغي إيجاب أحد التشهدات بنفس الدليل الذي استدلوا به على وجوب الشهادتين
وحاصل ما استدل به الموجبون للتشهد ما وقع من امره صلى الله عليه و سلم مع قول ابن مسعود وكنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد فإن هذا يدل على أنه فرض عليهم ولم يأت القائلون بعدم وجوبه بحجة مقبولة إلا قولهم إنه لم يذكر في حديث تعليم

(1/218)


المسيء وصدقوا لم يذكر في حديث المسيء لكن إذا تقرر أن حديث تعليم المسيء متأخر عن مشروعية التشهد أما إذا كان حديث المسيء متقدما فلا مانع من أن يتجدد إيجاب واجبات لم يشتمل عليها فإن جهل التاريخ كان القول بالوجوب أرجح لأنه قد وجد ما يقتضي الوجوب ولم يتيقن ما يصرفه عن ذلك فوجب على الوجوب عملا بدليله

(1/219)


لا يقال إن الأصل البراءة للذمة لأنا نقول لا براءة بعد وجود الدليل الدال على الوجوب إلا بوجود ما يصرفه عن حقيقته
قوله والصلاة على النبي وآله
أقول أدلة وجوب ذلك في الصلاة دون أدلة وجوب التشهد وقد عرفناك ما في ذلك ووجهه أن التشهد قد صرحت الأحاديث بمحله وأين يقال وأما الأحاديث الواردة بتعليم كيفية الصلاة فليس فيها ذكر إيقاع ذلك في التشهد
وأما ما ورد في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود عند ابن حبان وابن خزيمة والحاكم والبيهقي وصححوه والدارقطني أنهم قالوا كيف نصلي عليك في صلاتنا فليس فيه أن ذلك في التشهد بل هو مطلق في جنس الصلاة ومع هذا فلم يذكر الصلاة في حديث المسيء الذي هو مرجع الواجبات
وقد أطلنا البحث في هذا في شرح المنتقى فليرجع إليه
قوله والنصب والفرش هيئة
أقول أصح ما ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم وأكثر ما روى هو أن يتورك المصلي عند قعوده لهذا التشهد وقد ورد النصب والفرش ورودا يسيرا بالنسبة إلى التورك وورد صفة ثالثة هي أنه صلى الله عليه و سلم كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه الأيمن وساقه فلا وجه لاقتصار المصنف على هيئة واحدة وتأثيرها على ما هو أصح منها
قوله ثم التسليم على اليمين واليسار
أقول أشف ما استدل به القائلون بالوجوب هو حديث تحريمها التكبير وتحليلها التسليم فإن هذا الحديث يدل على أنهما جزاءان للصلاة وعلى تسليم دلالة هذا على الوجوب فإنما يتم ذلك لو قدرنا تأخره عن حديث المسيء فإنه لم يذكر فيه السلام

(1/220)


وقد عرفناك أن واجبات الصلاة قد انحصرت فيه الا أن يأتي ما يدل على الوجوب ويثبت تأخره عن حديث المسيء لما تقرر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز
وأما الخلاف في التسليم هل هو واحدة أو اثنتان أو ثلاث فالأدلة الصحيحة الكثيرة قد دلت على تسليمتين والدليل الدال على كفاية الواحدة على تقدير صلاحيته للحجية لا يعارض أحاديث التسليمتين لأنها مشتملة على زيادة غير منافية للمزيد ولم يرد في مشروعية الثلاث شيء يعتد به
وأما ما ذكره المصنف رحمه الله من الأنحراف فلا يتم السلام المشروع إلا بالانحراف وهكذا لا يكون سلاما مشروعا إلا بالتعريف لأنه الصفة الثابتة عنه صلى الله عليه و سلم
وأما قصد الملائكة فلم يدل دليل على ذلك
قوله وكل ذكر تعذر بالعربية فبغيرها
أقول دل على هذا ما وقع في رواية من حديث المسيء بلفظ فإن كان معك قرآن وإلا فاحمد الله وكبره وهلله ووقع في حديث ابن أبي أوفى عند أحمد وأبي داود والنسائي وغيرهم أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه و سلم لا استطيع شيئا من القرآن فقال له صلى الله عليه و سلم قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله وفي إسناده مقال لا يوجب سقوط الاستدلال به فمن لم يقدر على قراءة الفاتحة وما تيسر من القرآن عدل إلى هذا الذكر مع إيجاب التعلم عليه وتضييقه حتى يحفظ الفاتحة وقرآنا معها فبصلي بذلك ما فرضه الله عليه وهكذا من كان مستعجم اللسان وتعذر عليه شيء من أذكار الصلاة بالعربية كالتشهد والتوجه فله أن يأتي بمعنى ذلك بلسانه حتى يتعلم ذلك الذكر الذي تعذر عليه حال وجوب الصلاة عليه وقد جعل الله في الأمر سعة لكن مع تحتم تعلم ما شرعه الله لعباده من اذكار الصلاة خصوصا الفاتحة وما يتيسر

(1/221)


معها من القرآن لما قدمنا من الأدلة الدالة على أنها لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب بل لا تجزىء ركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب
وأما إيجاب التأخير إلى آخر الوقت فليس على ذلك دليل وقد قدمنا الكلام على هذا في قوله وعلى ناقص الصلاة أو الطهارة التحري لآخر الاضطرار
قوله ويصح الاستملاء لا التلقين والتعكيس
أقول قال الله سبحانه فاتقوا الله ما استطعتم وقال النبي صلى الله عليه و سلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فالذي لا يحفظ القرآن يستملي من المصحف ويتلقن من الغير ويقرأ ما يقدر عليه ولو غير بعض تغيير
وإن كان أخرس لا يقدر على النطق ولا يسمع ما يقال له ولا يتعلم بالإشارة فليس عليه شيء فما كلف الله العباد إلا بما يدخل تحت طاقتهم ولا يكلف أحدا منهم بما لا يطيقه
قوله ولا يلزم المرء اجتهاد غيره لتعذر اجتهاده
أقول إن كان مجتهدا فهو لا يحتاج إلى اجتهاد غيره قط ولا يتعذر عليه الاجتهاد من كل وجه أصلا وأقل الأحوال أن يرجع إلى البراءة الأصلية عند اشتباه الأمر ثم أقل أحوال المجتهد أن يكون مستحضرا للمرجحات التي يحتاج إليها عند تعارض الأمور أو التباس راجحها من مرجوحها
نعم إذا كان هذا المجتهد ممن يجوز للمجتهد أن يقلد غيره ولم يطق في الحال خلوصا عما ورد عليه ولا مخرجا مما نابه إلا بالعمل بقول الغير كان له ذلك ولكن ليس هذا الذي هذه صفته هو المجتهد المطلق بل هو مجتهد المذهب وهو مقلد وليس بمجتهد وهكذا من ظن أنه قد صار مجتهدا في بعض المسائل دون بعضها فإنها قد تتخبط عليه الأمور وتضطرب عليه المسائل ولكن هذا ليس هو المجتهد المطلق بل هو إلى المقلدين أقرب وبهم أشبه ... فإن لم يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها

(1/222)


فصل
وسنتها التعوذ والتوجهان قبل التكبير وقراءة الحمد والسورة في الأوليين سرا في العصرين وجهرا في غيرهما والترتيب والولاء بينهما والحمد أو التسبيح في الأخريين سرا كذلك وتكبير النفل وتسبيح الركوع والسجود والتسميع للإمام والمنفرد والحمد للمؤتم وتشهد الأوسط وطرفا الأخير والقنوت في الفجر والوتر عقيب آخر ركوع بالقرآن
وندب المأثور من هيئة القيام والقعود والركوع والسجود
والمرأة كالرجل في ذلك غالبا
قوله فصل وسننها التعوذ والتوجهان قبل التكبيرة
أقول من له حظ من علم السنة المطهرة ورزق نصيبا من إنصاف يعلم أن جميع الأحاديث الواردة في التعوذ والتوجهان مصرحة بأنه صلى الله عليه و سلم كان يفعل ذلك بعد تكبير الافتتاح وهذا مما لا يكاد أن يشك فيه عارف أو يخالط فيه ريب وكان يتوجه بعد التكبيرة ويتعوذ قبل افتتاح القراءة وقد ثبت عنه ألفاظ في التعوذ أيها فعل المصلي فقد فعل المشروع وثبت عنه توجهات أيها توجه به المصلي فقد فعل السنة ولكنه ينبغي للمتحري في دينه أن يحرص على فعل أصح ما ورد في التوجهات وأصحها حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل القراءة فقلت يا رسول الله بأبي أنت وامي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول قال أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس فهذا أصح ما ورد في التوجهات حتى قيل إنه قد تواتر لفظه فضلا عن معناه ثم فيه التصريح بأنه كان يتوجه بهذا في صلاته ولم يقيد بصلاة الليل كما ورد في بعض التوجهات فالعمل عليه والاستمرار على فعله هو الذي ينشرح له الصدر وينثلج له

(1/223)


القلب وإن كان جميع ما ورد من وجه صحيح يجوز العمل عليه ويصير فاعله عاملا بالسنة مؤديا لما شرع له
وأصح ما ورد في التعوذ حديث أبي سعيد عند أحمد والترمذي وأبي داود والنسائي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزة ونفخه ونفثه
واعلم أن المصنف ومن قال بقوله قد قسموا التوجه إلى توجهين كبير وصغير وجاءوا بما ورد في الكتاب العزيز هربا من أن يقع في الصلاة ما ليس من القرآن فكان حاصل ما اختاروه المخالفة لجميع ما جاءت به السنة
أما ما جعلوه توجها صغيرا فلم يثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قط وهو الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا فهذا هو في القرآن هكذا وليس هو من التوجهات ولو كان التوجه جائزا بكل ما فيه دعاء في القرآن لكان التوجه غير مختص بما ذكروه بل بكل ما فيه دعاء أو حمد أو توحيد أو عبادة أو استعاذة
وأما التوجه الكبير فقالوا هو أن يقول وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وأنا من المسلمين وهذا وقد ورد التوجه به من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند مسلم وأحمد والترمذي وغيرهم ولكن مع زيادة وهو قوله بعد وأنا من المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت إلى آخر الحديث بطولة فكان الأولى لهم أن يتوجهوا بكل ما ورد في حديث على مع أنه مقيد في صحيح مسلم بصلاة الليل وإن اطلقه غيره فحمل المطلق على المقيد متعين

(1/224)


ومع هذا فالحديث قد وقع التصريح فيه في سنن أبي داود أنه كان إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال ففي هذا التوجه الذي أخذوا ببعض الفاظه وجعلوها توجها ما يدفع قولهم إنه قبل تكبير الافتتاح
قوله والحمد والسورة في الأوليين
أقول هذا هو الثابت عن النبي صلى الله عليه و سلم ثبوتا متواترا لا يكاد أن يقع فيه اختلاف أنه كان يقرأ في كل واحدة من الركعتين الأوليين الفاتحة وسورة وقد يقرأ سورتين وقد يقرأ سورة طويلة
ولكن قد عرفناك أن الأدلة قد دلت على وجوب الفاتحة في كل ركعة دلالة بينة واضحة ظاهرة
وما ذكره من كون القراءة تكون سرا في العصرين وجهرا في غيرهما فذلك هو الثابت عنه صلى الله عليه و سلم ثبوتا لا شك فيه ولا شبهة وقد قدمنا ما يفيد هذا
قوله والولاء بينهما
أقول لم يأت في هذا دليل يخصه وقد كان صلى الله عليه و سلم بعد فراغه من قراءة الفاتحة يسكت سكتة طويلة ثم يقرأ السورة وهذا مما يدفع كون الموالاة من غير فصل سنة ثم السكوت بين الفاتحة والسورة للدعاء وإن طال الفصل لا يخالف السنة فقد ندب الشارع إلى الدعاء في الصلاة مطلقا ومقيدا ببعض مواضعها فلا وجه لإدخال هذا في مسنونات الصلاة
ولو جعل المصنف مكانه إطالة الركعتين الأوليين وتخفيف الركعتين الأخريين فقد ثبت عنه أنه كان يطيل القيام في الركعتين الأوليين من الظهر ويقوم في الأخريين

(1/225)


على النصف من قيامه في الأوليين ثم يقوم في الأوليين من العصر قدر نصف قيامه في الأوليين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من وقوفه في الأوليين منهما وكان ينبغي له أن يذكر في هذا الفصل المشتمل على ذكر سنن الصلاة السنة العظمى والخصلة الكبرى التي هي أشهر من شمس النهار وهي العلم الذي في رأسه نار وذلك سنة الرفع عند افتتاح الصلاة فإنه قد ثبت من طريق خمسين من الصحابة منهم العشرة المبشرة بالجنة
ثم سنة الرفع عند الركوع وعند الاعتدال منه ثم سنة ضم اليد اليمنى على اليسرى فإن هذه سنن ثابتة بأحاديث متواترة منها ما هو عن طريق عشرين من الصحابة ومنها ما هو اكثر من طريق عشرين ومنها ما هو من طريق نحو العشرين
ثم سنة التأمين الثابتة بالأحاديث المتواترة هذا على فرض أنه سنة فقط وإن كانت الأحاديث مصرحة بوجوبه
ثم سنة طول البقاء عند الاعتدال من الركوع والإتيان بذلك الدعاء الوارد فيه ثم سنة طول البقاء عند الاعتدال بين السجودين والإتيان بذلك الدعاء الوارد فيه لا سيما وقد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه كان قيامه فركوعه فاعتداله من الركوع فسجوده فاعتداله بين السجدتين فسجوده قريبا من السواء فإن هذه ونحوها سنن ينبغي الاعتناء بشأنها وإرشاد الأمة إلى فعلها وترغيبهم فيها وترهيبهم من تركها والتصريح لهم بأن المحروم من حرمها ... فدع عنك نهبا صيح في حجراته ... وهات حديثا ما حديث الرواحل ...
... أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا تورد يا سعد الإبل ...
قوله والحمد أو التسبيح في الأخريين

(1/226)


أقول هذا التخيير العجيب والتشريع الغريب عبرة للمعتبرين ومغربة خبر للناظرين فإنه قد علم كل من يعرف السنة المطهرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يجعل هذا التسبيح عوضا عن فاتحة الكتاب في شيء من صلاته المنقولة إلينا التي اشتملت عليها مجاميع السنة على اختلاف أنواعها ولا ثبت عنه أنه شرع لأحد من أمته أن يجعل هذا التسبيح عوضا عن الفاتحة او أنه خيرهم بين الفاتحة وبينه لا في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف وغاية ما ورد ما قدمنا في حديث المسيء صلاته أنه إذا لم يستطع القراءة سبح وهذا أمر آخر لأنه مشروط بعدم القدرة على القراءة ثم هو رخصة في حالة التعذر مع أنه غير معذور من تعلم ما يقرأ به في صلاته فما لنا وللتخيير بينه وبين الفاتحة التي هي أشرف سورة بالنص في أشرف عبادة وهي الصلاة مع ما ورد من الأدلة الدالة على وجوب الفاتحة في كل ركعة فانظر إلى هذه المجازفة التي يتبرأ عنها قلم كل من له وزن خردلة من إنصاف
وأما القول بأن التسبيح أفضل من الفاتحة فأغرب وأعجب ولا يأتي التطويل في رده بفائدة لوضوح بطلانه لكل ناظر في علم الأدلة
والعجب من الجلال في شرحه لهذا الكتاب فإنه جعل معظم مقصده الانتصار لنفاة الأذكار كالأصم وابن علية الذين خالفوا قطعيات الشريعة الثابتة في هذه العبادة بالأدلة التي هي الجبال الرواسي ... فما لك والتلدد نحو نجد ... وقد غصت تهامة بالرجال ...
ولله الأمر من قبل ومن بعد
قوله وتكبير النقل

(1/227)


أقول هذه السنة ثابتة من فعله صلى الله عليه و سلم ثبوتا متواترا لا يشك في ذلك من له اطلاع على كتب السنة المطهرة وما وقع من ترك الجهر بة أو تركه بالمرة فمن ترك السنن وظهور البدع
قوله وتسبيح الركوع والسجود
اقول وهذه السنة متواترة من فعله صلى الله عليه و سلم والتسبيح المشروع هو سبحان ربي العظيم في الركوع وسبحان ربي الأعلى في السجود وأقل ما يفعله المصلي من ذلك ثلاث تسبيحات في الركوع وثلاث تسبيحات في السجود ويختمها بقوله سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وقد ورد أنه يقول المصلي سبحان ربي العظيم وبحمده في الركوع وسبحان ربي الأعلى وبحمده في السجود من طرق ضعيفة
فالاقتصار على ما ذكرناه هو الأولى وأما من قال إن التسبيح في الركوع هو أن يقول المصلي سبحان الله العظيم وبحمده وفي السجود سبحان الله الأعلى وبحمده فلا أصل لذلك وقد وردت الأحاديث الصحيحة في الأدعية التي تقال في الركوع والسجود والاعتدال من الركوع والاعتدال بين السجودين وهي ثابتة ثبوتا متواترا ومن منع الأدعية في الصلاة فقد خالف السنة مخالفة ظاهرة فإن مجموع ما وردت مشروعيته من الأدعية في الصلاة لا يفي به إلا مؤلف مستقل ولكن هجر كتب السنة يوقع في مثل هذا
قوله والتسميع للإمام والمنفرد والحمد للمؤتم
أقول قد ورد ما يدل على أنه يجمع بين التسميع والحمد كل مصل إماما كان أو مأموما أو منفردا وقد أوضحت ذلك في شرح المنتقي والزيادة مقبولة
قوله والتشهد الأوسط
اقول الأوامر بالتشهد لم تخص التشهد الأخير بل هي واردة في مطلق التشهد فما قدمنا في التشهد الأخير من الاستدلال على وجوبه فهو بعينه دليل على وجوب التشهد الأوسط ومع هذا فالتشهد الأوسط مذكور في حديث المسيء الذي هو مرجع الواجبات ولم يرد ذكر التشهد

(1/228)


الأخير في حديث المسيء فكان القول بإيجاب التشهد الأوسط أظهر من القول بإيجاب الأخير
وأما الاستدلال على عدم وجوب الأوسط بكون النبي صلى الله عليه و سلم تركه سهوا ثم سجد للسهو فهذا إنما يكون دليلا لو كان سجود السهو مختصا بترك ما ليس بواجب وذلك ممنوع
قوله وطرفا الأخير
اقول الأدلة التي ثبت بها وجوب التشهد هي مشتملة على الطرفين فإيجاب البعض بها دون البعض تحكم يأباه الإنصاف ولم يرد ما يدل على تخصيص وسط التشهد الأخير بالوجوب دون طرفيه قط
قوله والقنوت في الفجر والوتر عقيب آخر ركوع بالقرآن
أقول إثبات هذا في سنن الصلاة لم يأت دليل يدل عليه فإن الأحاديث الواردة في هذا مصرحة باختصاصه بالنوازل وأن النبي صلى الله عليه و سلم كان يفعله إذا نزلت بالمسلمين نازلة فيدعو لقوم أو على قوم ولم يثبت غير هذا إلا الدعاء المروي عن الحسن ابن علي مرفوعا بلفظ اللهم اهدني فيمن هديت إلخ فإن ذلك دعاء علمه رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجعله في الوتر فهو من جملة الأدعية الواردة في الصلاة وينبغي فعله فإنه حديث قد صححه جماعة من الحفاظ ولا مقال فيه بما يوجب قدحا ولا يفعل هذا الدعاء إلا في هذا الموضع لا كما يفعله طائفة بعد الركوع في الركعة الثانية من صلاة الفجر فإنه لم يدل على ذلك دليل

(1/229)


والحاصل أنه قد ورد الدعاء في النوازل في جميع الصلوات وفي بعضها وقبل الركوع وبعده
وأما قوله بالقرآن فلم يرد في هذا شيء قط وإنمكا قال به من قال لأنه سمع أن في صلاة الفجر قنوتا مع كونه يمنع الدعاء في الصلاة إلا بالقرآن فتحصل له من هذا أن يقول بما قال
قوله وندب المأثور من هيئات القيام والقعود والركوع والسجود
أقول هذه الهيئات الواردة في هذه الأركان بالأحاديث الصحيحة حكمها حكم ما ثبت بأفعاله صلى الله عليه و سلم إن لم يرد فيها إلا مجرد الفعل ولها حكم ما ورد من أقواله إن ثبتت بالقول وإذا اجتمع في شيء منها القول والفعل كان حكمها حكم ما ثبت بالقول والفعل ولا وجه للحكم على جميعها بأنها مندوبة فقط لأن الندب في الاصطلاح الحادث لأهل الأصول والفروع هو رتبة قاصرة عن رتبة ما يقولون فيه إنه مسنون ثم تخصيص هيئات هذه الأربعة الأركان بالذكر دون ما عداها من الأركان والأذكار لا وجه له
والحاصل أن المقال في هذا المقال أن واجبات الصلاة إذا كانت منحصرة في حديث المسيء صلاته إلا ما ورد فيه دليل يدل على وجوبه بعده فما عدا ذلك ليس بواجب فإن ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه فعله أو أرشد إليه كان ذلك سنة ثابتة وطريقة نبوية فإن لازمه أو إرشدا إليه مؤكدا كان ذلك سنة لها مزيد خصوصية بما وقع لها من اعتنائه صلى الله عليه و سلم بشأنها فاحفظ هذا لتسلم به من تخليطات المخلطين وتخبطات المتخبطين الذين خلطوا الشرع الصافي بالاصطلاحات الحادثة المتواضع عليها بين طائفة من الناس
قوله والمرأة كالرجل في ذلك غالبا
اقول النساء شقائق الرجال فما شرعه الله للرجال من هذه الشريعة فالنساء مثلهم إلا أن يأتي دليل على إخراجهن من ذلك الشرع العام كان ذلك مخصصا لهن وسواء كان

(1/230)


التخصيص متضمنا للتخفيف وذلك ما اختص وجوبه بالرجال من الأحكام كالجهاد أو متضمنا لتغليظ عليهن كالحجاب
وبهذا تعرف أنه لا وجه لتخصيص هذا الموضع بالذكر لهن فإن غالب الأبواب قد تختص النساء فيه بما يخالف الرجال ولو نادرا
فصل
وتسقط عن العليل بزوال عقله حتى تعذر الواجب وبعجزه عن الإيماء بالرأس مضطجعا وإلا فعل ممكنه ومتعذر السجود يومىء له من قعود وللركوع من قيام فإن تعذر فمن قعود ويزيد في خفض السجود ثم مضطجعا ويوجه مستلقيا ويوضئه غيره وينجيه منكوحه ثم جنسه بخرقة ويبنى على الأعلى لا الأدنى فكالمتيمم وجد الماء
قوله فصل وتسقط عن العليل بزوال عقله
أقول لا وجه للتقييد بالعليل بل مجرد زوال العقل موجب لسقوط الصلاة وغيرها إذ لا يتعلق بمن لا عقل له شيء من التكاليف الشرعية وقد أورد الجلال ها هنا إشكالات زائفة ساقطة لا يرد شيء منها والعجب العجيب أنه جعل النتيجة التي تنحل بها تلك الإشكالات حمل أمر النائم والناسي والحائض بالقضاء على الندب فجاء بما يخرق الإجماع خرقا لا يرقع وبما يخالف الأدلة التي هي أوضح من شمس النهار وهكذا يقع في مثل هذه المضايق من جعل أوهام ذهنه وغلطات فكره بالمنزلة التي جعلها فيها هذا المحقق
قوله وبعجزه عن الإيماء بالرأس مضطجعا
أقول قوله سبحانه وتعالى فاتقوا الله ما استطعتم وقوله صلى الله عليه و سلم إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم يدلان على أنه إذا أمكنه الايماء بعينيه او بحاجبيه كان ذلك حتما عليه ولا يسقط عنه بمجرد عجزه عن الإيماء برأسه فقد تصيب الإنسان علة يعجز عندها عن الايماء برأسه كما يقع في الأمراض العصبية مع ثبات عقله وقدرته على الايماء بعينيه وحاجبيه

(1/231)


وأما اختيار المصنف رحمه الله لهيئة الاضطجاع وتقديمها على غيرها فمدفوع بما ثبت في البخاري وهو عند أحمد وأهل السنن الأربع وغيرهم أن عمران بن الحصين كان به بواسير فسأل النبي صلى الله عليه و سلم عن الصلاة فقال صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب وفي رواية للنسائي فإن لم تستطع فمستلقيا لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
وهذا الحديث الصحيح يغني عن غيره من الأحاديث الواردة في هذا الباب فإنها لا تخلو من مقام ومعلوم أن من صلى على جنب أو مستلقيا لا يتمكن إلا من مجرد الايماء فلا حاجة إلى الاستدلال على لزوم الايماء فإن هذا الحديث الصحيح يفيد ذلك ويقتضيه
قوله ويوضئه غيره وينجيه منكوحه
اقول إذا بلغ المرض بصاحبه إلى هذا الحد فقد جعل الله له فرجا ومخرجا بالتيمم قال الله سبحانه وإن كنتم مرضى أو على سفر الآية وقد قدمنا الكلام على التقيد بقوله تعالى فلم تجدوا ماء
قوله ويبنى على الأعلى لا الأدنى فكالمتيمم وجد الماء
أقول لا دليل على هذا أصلا والواجب عليه أن يفعل ما يمكنه فإذا كان مقعدا وأمكنه القيام أتم صلاته قائما ولا يرفض ما قد فعله فقد نهى الله سبحانه عن إبطال الأعمال فقال ولا تبطلوا أعمالكم والقياس على المتيمم مختل لما عرفناك فيما سبق في باب التيمم أن الأدلة قد دلت على أنه لا يعيد من صلى بالتيمم ثم وجد الماء لا قبل الفراغ من الصلاة ولا بعده

(1/232)


فصل
وتفسد باختلال شرط أو فرض غالبا وبالفعل الكثير كالأكل والشرب ونحوهما وما ظنه لاحقا به منفردا أو بالضم أو التبس ومنه العود من فرض فعلي إلى مسنون تركه ويعفى عن اليسير وقد يجب كما تفسد الصلاة بتركه
ويندب كعد المبتلي الأذكار والأركان بالأصابع أو الحصى
ويباح كتسكين ما يؤذيه ويكره كالحقن والعبث وحبس النخامة وقلم الظفر وقتل القمل لا إلقائه وبكلام ليس من القرآن ولا من أذكارها ومنهما خطابا بحرفين فصاعدا
ومنه الشاذة وقطع اللقطة إلا لعذر وتنحنح وأنين غالبا ولحن لا مثل له فيهما أو في القدر الواجب ولم يعده صحيحا والجمع بين لفظتين متباينتين عمدا والفتح على إمام قد أدى الواجب أو انتقل أو في غير القراءة أو في السرية أو بغير ما أحصر فيه وضحك منع القراءة ورفع الصوت إعلاما إلا للمار او المؤتمين وبتوجه واجب خشي فوته كإنقاذ غريق أو تضيق وهي موسعة قيل أو أهم منها عرض قبل الدخول فيها وفي الجماعة والزيادة من جنسها بما سيأتي إن شاء الله تعالى

(1/233)


قوله فصل وتفسد باختلال شرط
أقول هذا صواب إذا قد تقررت الشرطية بدليلها الذي يفيدها حسبما قدمنا ذلك ولتعلم أن هذا الحكم منا بعدم المشروط عند عدم شرطه ليس هو بمجرد ما ذكره أهل الأصول في حقيقة الشرط بل للأدلة الدالة على انعدام الذات أو صحتها بانعدام ذلك الشرط ولهذا جزمنا فيما تقدم بأن ما ورد فيه دليل يفيد هذا المفاد فهو شرط ولا يشكل على هذا حديث من قاء أو رعف أو مذى فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ووجه إشكاله أن يقال قد بطل الوضوء وهو شرط بالدليل الصحيح ولم يؤثر عدمه في عدم المشروط لقوله وليبن على صلاته لأنا نقول هذا الحديث لا تقوم به حجة لأنه لم يصح رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم كما صرح بذلك جماعة من الأئمة منهم الشافعي وأحمد وأبو زرعة ومحمد بن يحيى الذهلي وابن عدي وأبو حاتم الرازي والدارقطني والبيهقي وفي إسناد المرفوع من لا تقوم به الحجة وأصح من هذا الحديث وأرجح حديث طلق بن علي أو علي ابن طلق عند أحمد وأهل السنن وغيرهم إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف فليتوضأ وليعد الصلاة وصححه ابن حبان ولا يضر تفرد جرير بن عبد الحميد بالزيادة وهي قوله وليعد الصلاة فإنه إمام ثقة
ولا يشكل على هذا أيضا حديث ذي اليدين ووجه الإشكال أنه خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم من الصلاة فأخبره ذو اليدين بأنه صلى ثلاثا فقط فقال أحق ما يقول ذو اليدين لأنا نقول هذا الخروج والكلام الواقع منه صلى الله عليه و سلم هو حال اعتقاده لتمام الصلاة وعدم نقصها فالبناء على ما مضى منها هو لهذا والدليل وإن دل على أن الكلام مبطل للصلاة فهو كلام العامد لا كلام من كان ساهيا أو في حكم الساهي
قوله أوفرض
أقول الحق أن الفروض لا توجب فساد الصلاة بل يأثم تاركها وتجزئه صلاته

(1/234)


لأن الأدلة الدالة عليها إنما اقتضت وجوبها ولم تقتض أن الصلاة تنعدم بانعدامها ولو اقتضت ذلك لما كنت فروضا بل تكون شروطا
وأما إذا كان الفرض ركنا من الأركان كالركوع والسجود فالركن يختل صورة ما هو ركن فيه باختلاله فالصورة المطلوبة بكمالها غير موجودة فإن تركه عمدا بطلت الصلاة وإن تركه سهوا فعله ولو بعد الخروج من الصلاة كما فعل النبي صلى الله عليه و سلم الركعة الرابعة بعد أن سلم من ثلاث ركعات في حديث ذي اليدين
قوله وبالفعل الكثير الخ
اقول قد خبط المفرعون في هذا المقام خبطا طويلا واضطربت آراء جماعة من الجتهدين العاملين بالأدلة المؤثرين لما صح من الرواية
والحق الحقيق بالقبول أن يقال إن الصلاة بعد انعقادها والدخول فيها لا تفسد إلا بمفسد قد دل الشرع على أنه مفسد كانتقاض الوضوء ومكالمة الناس عمدا أو ترك ركن من أركانها الثابتة بالضرورة الشرعية عمدا
فمن زعم أنه يفسدها إذا فعل المصلي كذا فهذا مجرد دعوى إن ربطها المدعي بدليلها نظرنا في الدليل فإن أفاد فساد الصلاة بذلك الفعل أو الترك فذاك وإن جاء بدليل يدل على وجوب ترك الفعل كحديث اسكنوا في الصلاة فإنه حديث صحيح فيقال له هذا أمر بالسكون وغاية ما فيه وجوب السكون وترك ما لم يكن من الحركات الراجعة إلى ما لا يتم الإتيان بالصلاة إلا به فمن فعل ما ليس كذلك من الأفعال كمن يحرك يده أو رأسه أو رجله لا لحاجة فقد أخل بواجب عليه ولزمه إثم من ترك واجبا

(1/235)


وأما أنها لا تفسد به الصلاة فلا
فإن قلت هل يمكن الإتيان بضابط يعرف به ما لا يفسد الصلاة وما يفسدها من الأفعال قلت لا بل الواجب علينا الوقوف موقف المنع حتى يأتي الدليل الدال على الفساد
ومما يصلح سندا لهذا المنع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت النبي صلى الله عليه و سلم فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعها وفي رواية لمسلم وأبي داود بينا نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه و سلم في الظهر أو العصر وقد دعاه بلال إلى الصلاة إذ خرج علينا وأمامه بنت أبي العاص بنت بنته على عاتقه فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم في مصلاه وقمنا خلفه وهي في مكانها الذي هي فيه فكبر وكبرنا حتى إذا أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها في مكانها فما زال رسول الله صلى الله عليه و سلم يصنع بها ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته
وهذا الحديث الصحيح إذا سمعه المقلد الذي قد تلقن أن الفعل الكثير من مفسدات الصلاة وتلقن أن تحريك الإصبع مثلا ثلاث حركات متوالية لا حق بالفعل الكثير موجب لفساد الصلاة خارت قواه واضطرب ذهنه فإن هذه الصبية لا تقدر على أن تستمسك على ظهره صلى الله عليه و سلم إلا وعمرها ثلاث سنين فصاعدا فأخذها من الأرض ووضعها على الظهر وكذلك إنزالها ووضعها على الأرض يحتاج إلى مزاولة وأفعال تحصل الكثرة لدى هذا المقلد بما هو ليس من ذلك بكثير
ثم مما يصلح أيضا أن يكون سندا للمنع حديث أنه صلى الله عليه و سلم صلى

(1/236)


على المنبر وكان إذا أراد السجود نزل عنه إلى الأرض فسجد ثم يعود وفعل كذلك حتى فرغ من صلاته والحديث في الصحيحين وغيرهما
فإن كان ولا بد من تقدير الفعل الكثير المخالف لمشروعية السكون في الصلاة فليكن ما زاد على ما وقع منه صلى الله عليه و سلم في هذين الحديثين فإنه فعل هذه الأفعال في صلاته الفريضة والمسلمون يصلون خلفه وهو القدوة والأسوة وإنما فعل ذلك لبيان جوازه وأنه لا ينافي ما شرعه الله في الصلاة ومن قال بخلاف هذا فقد أعظم الفرية وقصر بجانب النبوة وأوقع نفسه في خطب شديد والهداية بيد الله سبحانه
وبهذا تعرف أن ما جعله المصنف كثيرا بذاته أو بانضمام غيره إليه وإلحاق الملتبس بالكثير وذكره للعفو عن الفعل اليسير وإيجاب تارة وندب أخرى وكراهته التنزيهية في حالة وإباحته في أخرى لا مستند له إلا مجرد الرأي المحض فلا نطيل الكلام على ذلك
قوله وبكلام ليس من القرآن ولا من أذكارها
أقول في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال إن في الصلاة شغلا ولفظ أبي داود والنسائي إن الله عز و جل يحدث من امره ما شاء وإن الله سبحانه وتعالى قد أحدث ألا تكلموا في الصلاة وأخرجه عبد بن حميد وأبو بعلي وفيه وإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا
واخرج البخاري من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي وكان على راحلته متوجها إلى القبلة
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن زيد بن أرقم قال إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه و سلم يكلم أحدنا صاحبه

(1/237)


بحاجته حتى نزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام
فقد اجتمع في هذه الأحاديث الأمر بترك الكلام والنهي عن فعله في الصلاة قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدا وهو لا يريد إصلاح صلاته أن صلاته فاسدة
واختلفوا في كلام الساهي والجاهل وقد ذكرت الخلاف في ذلك وما استدلوا به في شرحي للمنتقى
ومما يستدل به على المنع من الكلام في الصلاة حديث معاوية بن الحكم السلمي عند مسلم وغيره بلفظ إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن وفي لفظ لأحمد إنما هي التسبيح والتكبير والتحميد وقراءة القرآن
والمراد بقوله لا يصلح فيها شيء من كلام الناس أي من تكليمهم ومخاطبتهم هذا هو المعنى العربي الذي لا يشك فيه عارف وليس المراد ما زعمه المانعون للدعاء في الصلاة من أن المراد لا يصلح فيها شيء مما هو من كلام الناس الذي ليس من كلام الله فإن هذا خلاف ما هو المراد وخلاف ما دلت عليه أسباب هذه الأحاديث الواردة في منع الكلام وخلاف ما ثبت في الصلاة من ألفاظ التشهد ونحوها وخلاف ما تواتر تواترا لا يشك فيه من لديه أدنى علم بالسنة من الأحاديث المصرحة بمشروعية الدعاء في الصلاة بألفاظ ثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم وبألفاظ دالة على مشروعية مطلق الدعاء كقوله صلى الله عليه و سلم وليتخير من الدعاء أعجبه إليه

(1/238)


وبالجملة فالمنع من الدعاء في الصلاة لا يصدر إلا ممن لا يعرف السنة النبوية ولا يدري بما اشتملت عليه كتبها المعمول بها والمرجوع إليها في جميع الأقطار الإسلامية وفي كل عصر وعند أهل كل مذهب
ومن عجائب الغلو وغرائب التعصب قولهم إن القراءة الشاذة من جملة ما يوجب فساد الصلاة وجعلوها من كلام الناس وأنه لا يكون من كلام الله إلا ما تواتر وهي القراءات السبع
والحق أن القراءات السبع فيها ما هو متواتر وفيها ما هو آحاد وكذلك القراءات الخارجة عنها وقد جمعنا في هذا رسالة حافلة ونقلنا فيها مذاهب القراء وحكينا إجماعهم المروي من طريق أهل هذا الفن أن المعتبر في ثبوت كونه قرآنا هو صحة السند مع احتمال رسم المصحف له وموافقته للوجه العربي وأوضحنا أن هذه المقالة أعني كون السبع متواترة وما عداها شاذا ليس بقرآن لم يقل بها إلا بعض المتأخرين من أهل الأصول ولا تعرف عند السلف ولا عند أهل الفن على اختلاف طبقاتهم وتباين أعصارهم
قوله وتنحنح وأنين
أقول ليس هذا من كلام الناس ولا من التكلم في الصلاة ولا تشمله الأحاديث المشتملة على النهي عن الكلام ولا يحتاج إلى الاستدلال على الجواز بل الدليل على من زعم أن التنحنح والأنين من جملة المفسدات ولا دليل أصلا ولكن إذا فعله المصلي لا لسبب يقتضيه من عروض إنسداد في الصوت كما في التنحنح ولا من زيادة من الخشوع والتدبر كما في الأنين فهو لم يعمل بقوله صلى الله عليه و سلم إن في الصلاة لشغلا وقد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه تنحنح في صلاته وثبت عنه أنه كان يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء

(1/239)


قوله ولحن لا مثل له فيهما
أقول الإتيان بالقراءة على الوجه العربي والهيئة الإعرابية هو المتعين على كل قارىء سواء كان في الصلاة أو خارجها وأما أن ذلك يوجب فساد الصلاة فلا
فإنه لا بد من دليل يدل على الفساد كما عرفناك غير مرة
وهكذا الجمع بين لفظتين متباينتين عمدا فإنه لا يوجب فسادا أصلا وإن كان على غير ما ينبغي أن تكون عليه القراءة وقد خرج النبي صلى الله عليه و سلم على جماعة ما بين أسود وأبيض وعربي وعجمي وهم يقرأون القرآن فسره ذلك وقال اقرأوا فكل حسن وقال لمختلفين في آيات القرآن من الصحابة مثل ذلك ونهاهم عن الاختلاف
فدعوى كون اللحن أو الجمع بين لفظين من مفسدات الصلاة دعوى عاطلة عن البرهان خالية عن الدليل
قوله والفتح على إمام إلخ
أقول جعل هذا من المفسدات من جمود المفرعين وقصور باعهم وعدم اطلاعهم على الأدلة فلو قدرنا عدم ورود دليل يدل على مشروعيته لكان من التعاون على البر والتقوى فكيف وقد ورد ما يدل على مشروعيته فمن ذلك حديث من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنما التصفيق للنساء وهي في الصحيحين وغيرهما وثبت في الصحيحين وغيرهما أنه

(1/240)


صلى الله عليه و سلم قال التسبيح للرجال والتصفيق للنساء وأخرج أبو داود وابن حبان والأثرم عن المسور بن يزيد المالكي قال قال صلى النبي صلى الله عليه و سلم فترك آية فقال له رجل يا رسول الله آية كذا وكذا قال فهلا أذكر تنيها وإسناده لا بأس به وأخرج أبو داود والحاكم وابن حبان من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى صلاة فقرأ فيها فلبس عليه فلما انصرف قال لأبي هل كنت معنا قال نعم قال فما منعك ورجال إسناده ثقات
وأخرج الحاكم عن أنس قال كنا نفتح على الأئمة على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ابن حجر قد صح عن أبي عبد الرحمن السليمي أنه قال قال علي إذا استطعمك الإمام فأطعمه
واما ما اخرجه أبو داود عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة فهذا في إسناده من رمى بالكذب ومع ذلك ففيه انقطاع ولو كان هذا صحيحا ما صح عن علي ما ذكرنا من قوله إذا استطعمك الإمام فأطعمه وقد ثبت في الصحيح في قصة صلاة ابي بكر بالناس أنهم لما شاهدوا النبي صلى

(1/241)


الله عليه وآله وسلم صفقوا لأبي بكر ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم أمرهم بالإعادة مع انهم فتحوا على أبي بكر بما هو غير مشروع للرجال
والحاصل أن الفتح على الإمام بالآية التي نسيها وبالتسبيح إذا وقع منه السهو في الأركان ستة ثابتة وشريعة مقدرة فالقول بأنه من المفسدات للصلاة باطل وأبطل من هذا ما ذكره المصنف من تقييده للفساد بهذه القيود التي هي مجرد خيال مختل أو رأي معتل
قوله وضحك منع القراءة
أقول قد قدمنا في الوضوء أن حديث الأعمى الذي روي أنه تردى فضحك بعض من كان يصلي خلف النبي صلى الله عليه و سلم فأمرهم بإعادة الوضوء والصلاة لا تقوم به الحجة ولا يصلح للاستدلال به وذكرنا هنالك ما ورد أن الضحك يبطل الصلاة وذكرنا من قال به فارجع إلى ما ذكرناه هنالك
قوله ورفع الصوت إعلاما إلا للمار أو المؤتمين
اقول لا دليل يدل على أن هذا من مفسدات الصلاة أصلا ثم مشروعية التسبيح للرجال عند الفتح على الإمام هو من رفع الصوت إعلاما بلا شك ولا شبهة وهكذا الفتح على الإمام بالآية التي أحصر فيها هو من رفع الصوت إعلاما وقد قدمنا لك الأدلة الدالة على هذا ثم استثناء المار والمؤتمين يدل على أنه لا بأس عند المصنف ومن قال بقوله برفع الصوت إعلاما إذا كان فيه مصلحة فهو يفيد جوازه في كل ما فيه مصلحة عائدة على الواحد والجماعة من المصلين فلا وجه للفرق على ما يقتضيه كلام المصنف
والحاصل أن غالب هذه الأمور التي جعلها المصنف من مفسدات الصلاة ليس لها مستند إلا مجرد الدعاوي والشكوك والوسوسة وما بمثل هذه الخرافات تثبت الأحكام الشرعية التي تعم بها البلوى والله المستعان

(1/242)


قوله وبتوجه واجب خشي فوته كإنقاذ غريق
اقول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما عمادان من أعمدة الشريعة المطهرة قد دل عليهما كتاب الله عز و جل في كثير من الآيات ودلت عليها السنة المطهرة في الأحاديث المتواترة التي لا شك فيها بل هذان العمادان هما أعظم أعمدة الدين ثم أعظم أنواع هذين العمادين هو ما يرجع إلى حفظ نفوس المسلمين فمن ترك مسلما يغرق وهو يقدر على إنقاذه واستمر في صلاته فقد ارتكب أعظم المنكرات وترك أهم المعروفات فلا هو عمل بالأدلة الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا عمل بما ورد في حق المسلم على المسلم ومنها أن يحب له ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه ومنها أن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه وأي إسلام له أعظم من تركه يموت غرقا وهو بمرأى منه ومسمع وأين عمل هذا المصلي الذي آثر الاستمرار في صلاته على أخيه الذي صار في غمرات الموت بأحاديث المحبة منها والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا
فالحاصل أن هذا المصلي قد ترك أعظم الواجبات وارتكب أعظم المحظورات المنكرات واستمراره في صلاته منكر عظيم وقبيح شنيع فإن الله سبحانه قد طلب منه ما هو أهم من ذلك وأعظم وأقدم وهو يؤدي صلاته إذا كان في الوقت سعة وإذا ضاق عنها ولم يدرك شيئا منها فقد جعل الله القضاء لمن فاته الأداء بل يجب على المصلي ترك الصلاة والخروج منها فيما هو دون هذا بكثير وذلك نحو أن يرى من يريد فعل منكر كالزنا وشرب الخمر وهو يقدر على منعه والحيلولة بينه وبين ما هم به من المعصية وهو إذا استمر في صلاته تم لذلك العاصي فعل تلك المعصية فالواجب عليه الخروج من الصلاة وإنكار ذلك المنكر

(1/243)


والحاصل أن هذه الشريعة المطهرة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد والموازنة بين أنواع المصالح وأنواع المفاسد وتقديم الأهم منها على ما هو دونه ومن لم يفهم هذا فهو لم يفهم الشريعة كما ينبغي والأدلة الدالة على هذا الأصل من الكتاب والسنة كثيرة جدا لا يتسع لها هذا المؤلف
وقد ذكر الجلال ها هنا أبحاثا ساقطة البنيان مهدومة الأركان ليس في الاشتغال بدفعها إلا تضييع الوقت وشغلة الحير وإذا قد عرفت ما ذكرناه فيه تعرف الكلام على قوله أو تضيق وهي موسعة وعلى قوله قيل أو أهم منها عرض قبل الدخول فيها
ومما يؤيد ما حررناه لك في هذا البحث حديث جريج الثابت في الصحيح أنها دعته أمه وهو يصلي فقال اللهم أمي وصلاتي وتردد أيهما أقدم فعوقب تلك العقوبة والحال أن إجابته لأمه وقضاء حاجتها لا تفوت باستمراره في صلاته وإكمالها فكيف إذا كان الاستمرار في الصلاة يحصل به هلاك مسلم وكان الخروج منها محصلا لحياته
وهذا وإن كان من شرع من قبلنا فقد حكاه لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يذكر ما يخالفه في شرعنا فكان شرعا لنا كما تقرر في الأصول

(1/244)


باب والجماعة سنة مؤكدة
إلا فاسقا أو في حكمه وصبيا ومؤتما غير متخلف بغيرهم وامرأة برجل والعكس
إلا مع رجل والمقيم بالمسافر في الرباعية إلا في الأخريين والمتنفل بغيره غالبا وناقص الطهارة أو الصلاة بضده والمختلفين فرضا أو أداء أو قضاء او في التحري وقتا أو قبلة أو طهارة لا في المذهب فالإمام حاكم
وتفسد في هذه على المؤتم بالنية وعلى الإمام حيث يكون بها عاصيا
وتكره خلف من عليه فائتة أو كرهه الأكثر صلحاء والأولى من المستويين في القدر الواجب الراتب ثم الأفقه ثم الأورع ثم الأقرأ ثم الأسن ثم الأشرف نسبا
ويكفي ظاهر العدالة ولو من قريب
قوله باب والجماعة سنة مؤكدة
أقول هذا هو الحق فإن الأحاديث المصرحة بأفضلية صلاة الجماعة على صلاة الفرادى منادية بأعلى صوت بأن الجماعة غير واجبة وموجبة لتأويل ما ورد مما استدل به على وجوبها
ومن هذه الأحاديث القاضية بعدم الوجوب ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أعظم الناس أجرا في الصلاة ابعدهم إليها ممشى فأبعدهم والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها الأمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام

(1/245)


ومنها حديث أبي بن كعب عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه مرفوعا بلفظ صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله عز و جل
ومن ذلك حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة وهو في الصحيحين وغيرهما
ومنها حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة وهو في الصحيحين وغيرهما
وأخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة
فهذه الأحاديث وما ورد في معناها تدل على أن صلاة الفرادى صحيحة مجزئة مسقطة للوجوب وكل ما ورد مما استدل به على الوجوب فهو متأول والمصير إلى التأويل متعين
وقد ذكرنا في شرح المنتقي ما لا يبقى بعده ريب لمرتاب فليرجع إليه ولكن المحروم من حرم صلاة الجماعة فإن صلاة يكون أجرها أجر سبع وعشرين صلاة لا يعدل عنها إلى صلاة ثوابها جزء من سبعة وعشرين جزءا منها إلا مغبون ولو رضي لنفسه في المعاملات الدنيوية بمثل هذا لكان مستحقا لحجره عن التصرف في ماله لبلوغه من السفه إلى هذه الغاية والتوفيق بيد الرب سبحانه

(1/246)


قوله إلا فاسقا أو في حكمه
أقول الفاسق من المسلمين المتعبدين بالتكاليف الشرعية من الصلاة وغيرها فمن زعم أنه قد حصل فيه مانع من صلاحيته لإمامة الصلاة مع كونه قارئا عارفا بما يحتاج إليه في صلاته فعليه تقرير ذلك المانع بالدليل المقبول الذي تقوم به الحجة وليس في المقام شيء من ذلك أصلا لا من كتاب ولا من سنة ولا من قياس صحيح فعلى المنصف أن يقوم في مقام المنع عند كل دعوى يأتي بها بعض أهل العلم في المسائل الشرعية
وما استدل به على المنع من تلك الأحاديث الباطلة المكذوبة فليس ذلك من دأب أهل الإنصاف بل هو صنع أرباب التعصب والتعنت فإياك أن تغتر بما لفقه الجلال في هذا البحث وجمع فيه بين المتردية والنطيحة وما أكل السبع فإن هذا دأبه في المواطن التي لم ينتهض فيها الدليل
ومن تتبع شرحه لهذا الكتاب عرف صحة ما ذكرناه
وإذا عرفت هذا فلا تحتاج إلى الاستدلال على جواز إمامة الفاسق في الصلاة ولا إلى معارضة ما يستدل به المانعون فليس هنا ما يصلح للمعارضة وإيراد الحجج وبيان ما كان عليه السلف الصالح من الصلاة خلف الأمراء المشتهرين بظلم العباد والإفساد في البلاد
نعم يحسن أن يجعل المصلون إمامهم من خيارهم كما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم وفي إسناده سلام بن سليمان المدائني وهو ضعيف

(1/247)


وأخرج الحاكم في ترجمة مرثد الغنوي عنه صلى الله عليه و سلم إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم
ولكن ليس محل النزاع إلا كونه لا يصلح أن يكون الفاسق ومن في حكمه إماما لا في كون الأولى أن يكون الإمام من الخيار فإن ذلك لا خلاف فيه
قوله وصبيا
أقول الأحاديث الواردة في أن الأولى بالإمامة الأقرأ أو من كان أكثر قرآنا شاملة للصبي ومنها حديث ابن عمرو بن سلمة الثابت في صحيح البخاري وغيره أنه أم قومه وهو ابن ست سنين أو سبع أو ثمان وذلك أنه لما وفد ابوه على رسول الله صلى الله عليه و سلم مسلما قال له وليؤمكم أكثركم قرآنا وكان الصبي عمرو بن سلمة أكثرهم قرآنا لأنه كان يسأل من يمر بهم من الوفد عن حال رسول الله صلى الله عليه و سلم وما جاء به فيحفظ ما يروونه له من القرآن
وقد ورد ما يدل على أنه وفد مع أبيه كما رواه الدارقطني وابن منده والطبراني
وعلى تقدير أنه لم يفد مع أبيه فقد كانت إمامته مع وجود رسول الله صلى الله عليه و سلم والوحي ينزل عليه ولا يقع التقرير مع نزول الوحي على ما لا يجوز

(1/248)


وقد استدل أهل العلم على جواز العزل بحديث جابر وأبي سعيد بأنهم فعلوا ذلك على عهد النبي صلى الله عليه و سلم ولو كان منهيا عنه لنهى عنه القرآن
وعلى كل حال فالصبي داخل تحت العموم فمن ادعى أن فيه مانعا من الإمامة فعليه الدليل وقد صحت الصلاة جماعة بصبي مع الإمام كما في حديث ابن عباس أنه قام يصلي مع النبي صلى الله عليه و سلم فوقف على يساره فجذبه وأقامه عن يمينه وإذا انعقدت صلاة الجماعة مع الإمام فقط فلتنعقد صلاة الجماعة به وهو الإمام ورفع الوجوب عنه لا يستلزم عدم صحة صلاته
وقد صحت صلاة معاذ بقومه بعد صلاته مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو متنفل وهم مفترضون فصحت إمامته ولا وجوب عليه إذ قد أدى الصلاة الواجبة عليه
قوله ومؤتما غير مستخلف
أقول أما في حال كونه مؤتما فظاهر لحديث إنما جعل الإمام ليؤتم به وحديث لا تختلفوا على أئمتكم ومعلوم أن كون الإمام مؤتما تصير له أحكام الإمام وأحكام المؤتم فيؤدي ذلك إلى الاختلاف على إمامه يما يجب عليه الاقتداء به فيه
وأما ما ورد من ائتمام الناس بأبي بكر وائتمامه بالنبي صلى الله عليه و سلم وهو يصلي قاعدا في مرضه وما ورد أنه يأتم بالمتقدمين من بعدهم فالمراد أنهم يركعون بركوعهم ويسجدون

(1/249)


بسجودهم لأنهم مطلعون على ركوع الإمام وسجوده واعتداله لقربهم منه وقد يخفى ذلك على من هو بعيد منه فأمرهم صلى الله عليه و سلم أن يقتدوا بمن هو متقدم عليهم من صفوف الجماعة
وأما المؤتم اللاحق بالإمام إذا قام لتمام صلاته منفردا فلا بأس بأن يأتم به غيره من المؤتمين الذين لم يدركوا إلا بعض الصلاة وعليه عند ذلك نية الإمامة وعليهم نية الائتمام ولا مانع من هذا والأدلة الدالة على مشروعية الجماعة تشمله
ومن ادعى أنه لا يصلح للإمامة فعليه الدليل والتعليل بكون النية المتوسطة لا تصلح ليس بشيء
قوله وامرأة برجل أو العكس
أقول لم يثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم في جواز إمامة المرأة بالرجل أو الرجال شيء ولا وقع في عصره ولا في عصر الصحابة والتابعين من ذلك شيء وقد جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم صفوفهن بعد صفوف الرجال وذلك لأنهن عورات وائتمام الرجل بالمرأة خلاف ما يفيده هذا ولا يقال الأصل الصحة لأنا نقول قد ورد ما يدل على أنهن لا يصلحن لتولي شيء من الأمور وهذا من جملة الأمور بل هو أعلاها وأشرفها فعموم قوله لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة كما في الصحيحين وغيرهما يفيد منعهن من أن يكون لهن منصب الإمامة في الصلاة للرجال
وأما كون الرجل يؤم المرأة وحدها فلم يرد ما يدل على المنع من ذلك وقد صح أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر النساء بحضور المساجد والدخول في جماعة الرجال وإذا جاز ذلك مع الرجال جاز أن يؤم الرجل بمرأة واحدة من محارمه ومن يجوز له النظر إليه

(1/250)


وقد أخرج ابو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نفخ في وجهها الماء رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نفخت في وجهه الماء وإسناده ثقات وظاهره أعم من أن يصليا جماعة أو فرادى
وأصرح من هذا ما أخرجه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من استيقظ من الليل وأيقظ أهله فصليا ركعتين جميعا كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات
وأخرج الإسماعيلي في مستخرجه عن عائشة أنها قالت كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا رجع من المسجد صلى بنا وقال إنه حديث غريب ولكن غرابته لا تنافي صحته فإن الإسماعيلي إنما ذكر في مستخرجه ما هو على شرط الصحيح
وثبت في صحيح البخاري في ترجمة باب إنه كان يؤم عائشة عبدها ذكوان من المصحف
وأما كون المرأة تؤم النساء فالظاهر أنه لا منع من ذلك وقد أخرج أبو داود من حديث أم ورقة أن النبي صلى الله عليه و سلم أمرها أن تؤم أهل دارها وفي إسناده عبد الرحمن ابن خلاد وهو مجهول الحال ولكن ذكره ابن حبان في ثقاته وقد رواه معه غيره ففي رواية

(1/251)


لأبي داود قال عن عثمان عن وكيع عن الوليد بن جميع قال حدثتني جدتي وعبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت نوفل فذكره
قوله والمقيم بالمسافر في الرباعية إلا في الأخريين
أقول ما أحسن ما قيل في هذا إن المسافر إذا صلى مع المقيم أتم لما أخرجه أحمد في مسنده عن ابن عباس أنه سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعا إذا ائتم بمقيم قال تلك السنة وفي لفظ لأحمد أنه قال له موسى بن سلمة إنا إذا كنا معكم صلينا أربعا فإذا رجعنا ركعتين قال تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه و سلم قال في خلاصة البدر إن إسناده على شرط الصحيح انتهى قال في البدر وأخرجه الطبراني في الكبير بإسناد رجاله كلهم محتج بهم في الصحيح
وأصله في مسلم والنسائي بلفظ قلت لابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلي مع الإمام قال ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه و سلم
قوله والمتنفل بغيره
اقول أما صلاة المتنفل بالمتنفل فمما لا ينبغي أن يقع في صحتها خلاف لما ثبت من ائتمام غير النبي صلى الله عليه و سلم به في كثير من النوافل وهي أحاديث صحيحة ثابتة في الصحيحين وغيرهما
وإما ائتمام المفترض بالمتنفل فحديث صلاة معاذ بقومه بعد صلاته مع النبي صلى الله عليه و سلم وتصريحه هو وغيره أن التي صلاها مع النبي صلى الله عليه و سلم هي الفريضة والتي صلاها بقومه نافلة لهو دليل واضح وحجة نيرة وما أجيب به عن ذلك من أنه قول صحابي لا حجة فيه فتعسف شديد فإن الصحابي أخبرنا بذلك وهو أجل قدرا أن يروي يروي بمجرد الظن والتخمين وقد وقع هذا في عصره صلى الله عليه و سلم والقرآن ينزل فلو كان غير جائز لما وقع التقرير عليه

(1/252)


ومما يؤيد ذلك ما وقع منه صلى الله عليه و سلم في صلاة الخوف فإنه صلى بكل طائفة ركعتين فهو في إحدى الصلاتين متنفل وهو مفترضون
وايضا الأصل صحة ذلك والدليل على من منع منه
وأما الاستدلال بحديث لا تختلفوا على إمامكم فوضع الدليل في غير موضعه فإن النهي على فرض شموله لغير ما هو مذكور بعده من التفصيل لا يتناول إلا ما كان له أثر ظاهر في المخالفة من الأركان والأذكار وفعل القلب لا يدخل في ذلك لعدم ظهور اثر المخالفة فيه ولو قدرنا دخوله لكان مخصوصا بدليل الجواز
قوله وناقص الصلاة أو الطهارة بضده
أقول الدليل على من منع من ذلك لأن الأصل الصحة وقد استدلوا على منع إمامة ناقص الصلاة بضده بالحديث الصحيح المصرح بالنهي عن الاختلاف على الإمام وفيه وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا ولكن هذا لا يدل على أن كل ناقص صلاة لا يؤم بغيره كالأعرج والأشل مع كونهم يجعلونهما وأمثالهما ناقصي صلاة ثم مع هذا قد صلى النبي صلى الله عليه و سلم بأصحابه في مرض موته وهي آخر صلاة صلاها بهم وكان قاعدا وكانوا قياما فإن حمل هذا على اختصاصه به صلى الله عليه و سلم كان ذلك خلاف الظاهر وإن جعل ناسخا لم يصح الاستدلال بحديث وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا هكذا ينبغي أن يقال في ناقص الصلاة
وأما ناقص الطهارة فلا دليل يدل على المنع أصلا فيصح أن يؤم المتيمم متوضئا ومن ترك غسل بعض أعضاء وضوئه لعذر بغيره ونحوهما ولا يحتاج إلى الاستدلال بحديث عمرو بن العاص في صلاته بأصحابه بالتيمم وهو جنب فإن الدليل على المانع كما عرفت والأصل الصحة

(1/253)


قال في المنتقي وقد صح عن عمر أنه صلى بالناس وهو جنب ولم يعلم فأعاد ولم يعيدوا وكذلك عثمان وروي عن علي رضي الله عنهم من قوله انتهى
وروى الأثرم عن ابن عباس أنه صلى بجماعة من الصحابة منهم عمار بن ياسر فلما فرغ من الصلاة ضحك وأخبرهم أنه اصاب من جارية له رومية فصلى بهم وهو جنب متيمم
وأخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلون بكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم
قول والمختلفين فرضا
أقول قد ذكرنا أن الدليل على من زعم أن ثم مانعا من الصحة ولكن أما مع اختلاف الفرضين فمدعي الصحة يحتاج إلى دليل على ذلك ولم يثبت أصلا ولا سمع في ايام النبوة بمثل هذا
فالحاصل أن الفريضة إن كانت واحدة فالأصل صحة الائتمام والدليل على من ادعى عدم الصحة أما إذا كانا مفترضين فريضة فظاهر وهكذا إذا كانا متنفلين وقد قدمنا أن الأدلة على ذلك كثيرة جدا
وأما إذا كان الإمام مفترضا والمؤتم متنفلا فلحديث ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم فإن الخطاب لجماعة قد صلوا فريضتهم
وأما إذا كان الإمام متنفلا والمؤتم مفترضا فلحديث معاذ المتقدم وما ورد في معناه

(1/254)


وأما مع الاختلاف أداء وقضاء مع اتفاق الفريضة فلم يثبت شيء من هذا في أيام النبوة ولا في أيام الصحابة
وأما مع الاختلاف وقتا فلا يحل لمن لم يكن عنده أن ذلك الوقت وقت للصلاة أن يدخل فيها لا إماما ولا مؤتما فإن فعل فقد عصى وصلاته باطلة وإذا كان إماما فقد صحت صلاة المؤتم به الذي يعتقد دخول الوقت لحديث وإن أخطأ فلكم وعليهم
وأما مع الاختلاف في القبلة فلا يحل من اعتقد أن القبلة في غير جهة إمامه أن يأتم به
وأما استثناء الخلاف في المذهب فلا بأس بذلك لكن لا يجوز أن يخالفه فيما نص عليه حديث لا تختلفوا على إمامكم
من ذلك التفصيل وإذا عرفت هذا علمت أن قوله وتفسد على المؤتم بالنية وعلى الإمام حيث يكون بها عاصيا لا ينبغي أن يؤخذ كليا فإن الفساد لا يكون إلا لفوات ما دل الدليل على أن الصلاة لا تكون صلاة إلا به وقد قدمنا تحقيق هذا
ولا وجه لقوله وتكره خلف من عليه فائتة لعدم وجود الدليل على ذلك والكراهة حكم شرعي لا يجوز القول به مجازفة وعلى تقدير كون التراخي عن قضاء الفائتة معصية فذلك لا يستلزم عدم صلاحيته للإمامة كما تقدم
قوله وكرهه الأكثر صلحاء
أقول ما ورد فيمن أم قوما وهم له كارهون من الوعيد متوجه إلى الإمام ولم يرد في المؤتمين شيء من ذلك بل الأحاديث القاضية بأن الأئمة في الصلاة إن اصابوا فللمؤتمين بهم ولهم وإن أخطأوا فللمؤتمين وعليهم يدل على أن صلاة المؤتمين صحيحة وأن الإمام الذي أم قوما وهم له كارهون يكون خطؤه عليه لا عليهم وظاهر الأحاديث الواردة في وعيد من أم قوما وهم له كارهون أن صلاته غير مقبولة كحديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة من تقدم قوما وهم له كارهون

(1/255)


الحديث أخرجه ابو داود وابن ملجه وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وضعفه خفيف لا يسقط الاعتبار بحديثه
وأخرج الترمذي في حديث أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم وفيه إمام أم قوما وهم له كارهون قال الترمذي حديث حسن غريب انتهى وفي إسناده أبو غالب الراسبي البصري قال أبو حاتم ليس بالقوي وقال النسائي ضعيف لكنه قد صحح له الترمذي ووثقه الدارقطني وعدم قبول صلاته لا يستلزم عدم قبول صلاة المؤتمين لما تقدم فذلك عليه لا عليهم والإثم راجع إليه لا إليهم
وقد أخرج الترمذي عن أنس مرفوعا بلفظ لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاثة رجلا أم قوما وهم له كارهون الحديث قال الترمذي حديث أنس لا يصح لأنه قد روي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه و سلم مرسلا وفي إسناده ايضا محمد بن القاسم الأسدي قال الترمذي يتكلم فيه أحمد بن حنبل وضعفه وليس بالحافظ وضعفه أيضا البيهقي
وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رءوسهم شبرا رجل أم قوما وهم له كارهون الحديث قال العراقي إسناده حسن
واخرج الطبراني في الكبير عن طلحة سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول

(1/256)


ايما رجل أم قوما وهم له كارهون لم تجز صلاته أذنيه وفي إسناده سليمان بن ايوب الطلحي قال أبو زرعة عامة أحاديثه لا يتابع عليها وقال الذهبي في الميزان
صاحب مناكير وقد وثق
وأخرج البيهقي عن أبي سعيد مرفوعا بلفظ ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم رجل أو قوما وهم له كارهون الحديث قال البيهقي هذا إسناده ضعيف
قوله والأولى من المستويين في القدر الواجب
اقول ثبت في صحيح مسلم وأحمد والنسائي من حديث ابي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة اقرأهم
وثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يؤم القوم اقرأهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا وفي رواية فأقدمهم سلما أي إسلاما ولا يؤمن الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث مالك بن الحويرث قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لي ولصاحب لي إذا حضرت الصلات فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما
ولمسلم وأحمد وكانا متقاربين في القراءة

(1/257)


فهذا الترتيب النبوي هو الذي ينبغي اعتماده والعمل عليه ولم يرد شيء في تقديم الراتب على غيره وما قيل إنه قد ثبت له سلطان لكونه راتبا فذلك مجرد دعوى فإن السطان أمره بالمعروف لغة وشرعا
نعم إذا كان الرجل في بيته فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره لا يؤم الرجل الرجل في أهله
وهكذا لم يرد في تقديم الأورع شيء يخصه وأما حديث ابن عباس الذي رواه الدارقطني قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم فلا تقوم به الحجة لضعف إسناده
وهكذا لا دليل على تقديم الأشرف نسبا والاستدلال بمثل حديث الناس تبع لقريش ونحوه وضع الدليل في غير موضعه
وأما قوله ويكفي ظاهر العدالة ولو من قريب فمبنى على اعتبار العدالة في إمام الصلاة وقد قدمنا ما فيه كفاية
فصل
وتجب نية الإمامة والائتمام وإلا بطلت أو الصلاة على المؤتم فإن نويا الإمامة صحت فرادى والائتمام بطلت وفي مجرد الاتباع تردد
قوله فصل ويجب نية الإمامة والائتمام إلخ
أقول صلاة الجماعة عمل لأن لها وصفا زائدا على صلاة الفرادى بالاجتماع والمتابعة وقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إنما الأعمال بالنيات وصح عنه أنه قال لا عمل إلا بنية فلا يكون الإمام إماما ولا المؤتم مؤتما إلا بالنية فإذا لم ينويا

(1/258)


جميعا لم تكن جماعة وصحت صلاة الجميع فرادى ومجرد الانتظار والمتابعة لا يوجبان البطلان
وهكذا إذا نويا الائتمام لم يكن ذلك موجبا لبطلان صلاتهما لأن نية الإمامة قد تضمنت نية أصل الصلاة مع نية أمر زائد عليها وهو التجميع فإذا بطل كونها جماعة لم يبطل كونها صلاة ومن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل فكهذا ينبغي أن يكون الكلام في هذا المقام فدع عنك التسرع إلى الحكم بالبطلان فأمر الشرع لا يثبت بالترهات والخزعبلات كما وقع هنا في شرح الجلال رحمه الله من المجادلة لعدم وجوب النية من الأصل
فصل
ويقف المؤتم الواحد أيمن إمامه غير متقدم ولا متأخر بكل القدمين ولا منفصل وإلا بطلت إلا لعذر إلا في التقدم والاثنان فصاعدا
خلفه في سمته إلا لعذر أو لتقدم صف سامته ولا يضر قدر القامة ارتفاعا وانخفاضا وبعدا وحائلا ولا فوقها في المسجد أو في ارتفاع المؤتم لا الإمام فيهما
ويقدم الرجال ثم الخناثا ثم النساء ويلي كلا صبيانه ولا تخلل المكلفة صفوف الرجال مشاركة وإلا فسدت عليها وعلى من خلفها أو في صفها إن علموا
ويسد الجناح كل مؤتم أو متأهب منضم إلا الصبي وفاسد الصلاة فينجذب من بجنب الإمام أو في صف منسد لا اللاحق غيرهما
قوله فصل ويقف الواحد أيمن إمامه إلخ
أقول هذا الموقف للمؤتم الواحد هو الثابت ثبوتا لا شك فيه ولا شبهة وأما الحكم على من تقدم بكل القدمين أو تأخر بهما او انفصل بقدرهما ببطلان صلاته فليس على ذلك دليل

(1/259)


ولا شك أن تسوية الصف والتراص والزاق الكعاب بالكعاب سنة ثابتة وشريعة مستقرة ولكن البطلان لا يكون إلا بدليل يدل عليه ويفيده وإلا فالأصل الصحة بعد الدخول في الصلاة
قوله والاثنان فصاعدا خلفه
أقول الثابت عنه صلى الله عليه و سلم هو هكذا كما في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر أنه أقامه النبي صلى الله عليه و سلم عن يمينه ثم جاء آخر فقام عن يسار النبي صلى الله عليه و سلم فأخذ النبي صلى الله عليه و سلم بأيديهما فدفعهما حتى أقامهما خلفه
واخرج الترمذي من حديث سمرة بن جندب قال أمرنا النبي صلى الله عليه و سلم إذا كنا ثلاثة أن يتقدم أحدنا قال ابن عساكر في الأطراف إنه حديث غريب فاجتمع القول والنقل على أن موقف الاثنين خلف الإمام هو الثابت في عصره صلى الله عليه و سلم في عصر الصحابة بعده أو عصر من بعدهم

(1/260)


وأما ما روي عن ابن مسعود أنه دخل عليه الأسود بن يزيد وعلقمة فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فهو موقوف عليه كما في صحيح مسلم وغيره
ووقع عند أحمد وأبي داود والنسائي أن ابن مسعود قال هكذا كان النبي صلى الله عليه و سلم يصنع إذا كانوا ثلاثة وفي إسناد هذه الزيادة هارون بن عنترة وفيه مقال معروف قال ابن عبد البر هذا الحديث لا يصح رفعه والصحيح عندهم أنه موقوف على ابن مسعود وعلى تقدير صحة الرفع فقد ذكر جماعة من الحفاظ أنه منسوخ قالوا وإنما تعلم ابن مسعود ذلك من النبي صلى الله عليه و سلم بمكة فلما قدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة تركه ومن زعم أن هذه الزيادة المقتضية للرفع في صحيح مسلم فقد أخطأ
وأما اعتبار أن يكونا في سمته فهو معنى كونهما في خلفه وأنهما لو وقفا في جانب خارج عن سمته لم يكونا خلفه وإذا عرض مانع يمنعهما من الوقوف خلفه في سمته جاز لهما الوقوف في أي مكان فلا يجب عليهما إلا ما يدخل تحت إمكانهما
قوله ولا يضر قدر القامة إلخ
أقول لا يضر قدر القامة ولا فوقها لا في المسجد ولا في غيره من غير فرق بين الارتفاع والانخفاض والبعد الحائل ومن زعم أن شيئا من ذلك تفسد به الصلاة فعليه الدليل
ولا دليل إلا ما روي عن حذيفة أنه أم الناس بالمدائن على دكان فأخذ ابو مسعود البدري بقميصه فجذبه فلما فرغ من صلاته قال له ابو مسعود ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك قال بلى قد ذكرت حين مددتني أخرجه ابو داود وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم

(1/261)


وفي رواية للحاكم التصريح برفعه ورواه أبو داود من وجه آخر وفيه أن الإمام كان عمار ابن ياسر والذي جبذه حذيفة ولكن فيه مجهول لأنه من رواية عدي بن ثابت الأنصاري قال حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر في المدائن فأقيمت الصلاة فتقدم عمار وقام علي وكان يصلي والناس من اسفل منه فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فأتبعه عمار حتى أنزله حذيفة فلما فرغ عمار من صلاته قال حذيفة ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مكانهم أو نحو ذلك قال عمار لذلك تبعتك حين أخذت على يدي هكذا ساقه أبو داود وفي إسناده الرجل المجهول الذي ذكرناه ورواه البيهقي ايضا
ففي هذا الحديث والحديث الأول دليل على منع الإمام من الارتفاع على المؤتم ولكن هذا النهي يحمل على التنزيه لحديث صلاته صلى الله عليه و سلم على المنبر كما وقع في الصحيحين وغيرهما ومن قال إنه صلى الله عليه و سلم فعل ذلك للتعليم كما وقع في آخر الحديث فلا يفيده ذلك لأنه لا يجوز له في حال التعليم إلا ما هو جائز في غيره ولا يصح القول باختصاص ذلك بالنبي صلى الله عليه و سلم
وقد جمعنا في هذا البحث رسالة مستقلة جوابا عن سؤال بعض الأعلام فمن أحب تحقيق المقام فليرجع إليها
قوله وتقدم الرجال إلخ
اقول أما تقديم الرجال على النساء فهو الثابت في جماعاته في مسجده صلى الله عليه و سلم وكذلك ثبت عنه ذلك في صلاته في غير المسجد كما في حديث فصففت أنا واليتيم خلفه والعجوز من ورائنا وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس

(1/262)


وأخرج أحمد وابو داود من حديث ابي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يجعل الرجال قدام الغلمان والغلمان خلفهم والنساء خلف الغلمان فأفاد هذا تقديم الرجال على الغلمان وتقديم الغلمان على النساء وأما الخناثى فلم يرد فيهن شيء ولا وجد هذا الجنس في زمن النبوة ولا ورد ما يفيد تقديمه على النساء وإنما لما كان له نسبة إلى الرجال ونسبة إلى النساء كان متوسطا بين الجنسين
قوله ولا تخلل المكلفة صفوف الرجال مشاركة لهم وإلا فسدت عليها وعلى من خلفها إلخ
اقول إذا لم تقف المرأة في موقفها الذي عينه رسول الله صلى الله عليه و سلم لها وهو وقوفها في صف النساء أو وقوفها وحدها بعد الرجال فقد صارت بذلك عاصية
وأما فساد صلاتها بذلك فلا دليل يدل عليه وهكذا لا دليل يدل على فساد صلاة الرجال لأن غاية الأمر دخول الأجنبية معهم ونظرهم إليها وذلك لا يوجب فساد الصلاة بل يكون من وقف بجنبها مختارا لذلك أو نظر إليها عاصيا وصلاته صحيحة وأما من لم يقف بجنبها ولا نظر إليها فليس بعاص فضلا عن كون صلاته تفسد بمجرد دخولها معهم في الصلاة ومشاركتها لهم في الائتمام بإمامهم
والحاصل أن هذا التسرع إلى إثبات مثل هذه الأحكام الشرعية بمجرد الرأي الخالي عن الدليل ليس من دأب أهل الإنصاف ولا من صنيع المتورعين
قوله ويسد الجناح كل مؤتم أو متأهب منضم إلا الصبي وفاسد الصلاة
أقول أما استثناء الصبي فمصادم للدليل الصحيح الثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس أنه صف هو واليتيم خلف النبي صلى الله عليه و سلم ووقفت العجوز أم سليم خلفهما

(1/263)


ومصادم لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من صلاة ابن عباس مع النبي صلى الله عليه و سلم وحده بعد أن وقف عن يساره فأداره إلى يمينه
ومصادم لما أخرجه النسائي في الخصائص أن عليا كان يصلي إلى جنب النبي صلى الله عليه و سلم قبل بلوغه
وأما استثناء فاسد الصلاة فليس على ذلك دليل والأصل الصحية وغاية ما هناك أن يكون فاسد الصلاة بمنزلة السارية المتخللة في وسط الصف ولم يصب من ادعى أن بينهما فرقا
قوله فينجذب من بجنب الإمام
اقول أما مشروعية انجذاب من بجنب الإمام فيدل على ذلك ما تقدم في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم أقامه عن يمينه فجاء آخر فوقف عن يسار النبي صلى الله عليه و سلم فأخذ النبي صلى الله عليه و سلم بأيديهما فدفعهما حتى أقامها خلفه
وأما مشروعية انجذاب من في الصف المنسد لمن لحق ولم يجد من ينضم إليه فلم يثبت ما يدل على ذلك بخصوصه ولا يصح الاستدلال بما أخرجه ابو داود في المراسيل بلفظ إذا انتهى أحدكم إلى الصف وقد تم فليجبذ إليه رجلا يقيمه إلى جنبه لأنه مع كونه مرسلا في إسناده مقاتل بن حيان وفيه مقال ولم يثبت له لقاء أحد من الصحابة فثم انقطاع بينه وبين الصحابي فهو مرسل معضل
ولا يصح الاستدلال أيضا بما أخرجه الطبراني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه

(1/264)


وآله وسلم أمر الآتي وقد تمت الصلاة بأن يجذب إليه رجلا يقيمه إلى جنبه فإن في إسناده بشر بن إبراهيم وهو ضعيف جدا
وهكذا ما أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي عن وابصة بن معبد أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لرجل صلى خلف الصف أيها المصلي هلا دخلت في الصف وجررت رجلا من الصف أعد صلاتك فإن في إسناده السري بن إسماعيل وهو متروك وقد رواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان من طريق اخرى ولكن فيها قيس بن الربيع وهو ضعيف ورواه ابن أبي حاتم في علله من طريق ثالثة وفي إسنادها ضعف
ولكن الانجذاب معاونة على البر والتقوى فيكون مندوبا من هذه الحيثية
فصل
وإنما يعتد اللاحق بركعة أدرك ركوعها وهي أول صلاته في الأصح ولا يتشهد الأوسط من فاتته الأولى من أربع ويتابعه ويتم ما فاته بعد التسليم فإن أدركه قاعدا لم يكبر حتى يقوم
وندب أن يقعد ويسجد معه ومتى قام ابتدأ وأن يخرج مما هو فيه لخشية فوتها وأن يرفض ما قد أداه منفردا ولا يزد الإمام على المعتاد انتظارا وجماعة النساء والعراة صف وإمامهم وسط
قوله فصل وإنما يعتد اللاحق بركعة أدرك ركوعها
أقول هذا مذهب الجمهور وخالفهم جماعة من أهل العلم وقد كتبت في هذه المسألة رسالة مستقلة بحثت فيها مع بعض اهل العلم المائلين إلى مذهب الجمهور ثم ذكرت في شرحي للمنتقي خلاصة البحث بما لا يحتاج الناظر إلى غيره فلا نطيل الكلام في هذا المقام فإن رجوع الطالب للحق إلى ما ذكرناه يغنيه

(1/265)


قوله وهي أول صلاته في الأصح
أقول هذا القول الراجح والمذهب الصحيح وقد صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد عبد الرحمن بن عوف ودخل معه صلى الله عليه و سلم في الركعة الثانية فلما سلم عبد الرحمن قام النبي صلى الله عليه و سلم فصلى ركعة ثم سلم وهو في الصحيحين وغيرهما وثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا فالأمر بالإتمام يدل على أن ما أدركه مع الإمام أول صلاته
وأما ما ورد في رواية مسلم بلفظ وما فاتكم فاقضوا فقد حكم مسلم على الزهري بأنه وهم في هذا اللفظ فلا متمسك لمن تمسك بهذا اللفظ الذي وقع فيه الوهم
وأيضا لو قدرنا عدم الوهم لكان تأويل هذا اللفظ الذي خالف الروايات الكثيرة الصحيحة بحمل القضاء على الإتمام فإنه أحد معانيه متعينا وقد ورد به الكتاب العزيز قال الله عز و جل فإذا قضيتم مناسككم اي تممتموها وقال الله عز و جل فإذا قضيت الصلاة الآية
وبهذا تعرف أنه ليس في المقام ما يصلح لمعارضة الأمر بالإتمام وتعرف صحة ما قاله المصنف من أنه لا يتشهد الأوسط من فاتته الأولى من أربع وأنه يتم ما فاته بعد التسليم
وأما قوله فإن أدركه قاعدا لم يكبر حتى يقوم فليس على هذا دليل بل ظاهر أمر المؤتم بالسجود إذا أدرك الإمام ساجدا أنه يكبر ويعتد بتلك التكبيرة لصلاته ولا يعتد بتلك السجدة ولفظ الحديث في سنن أبي داود هكذا إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة وقد صححه ابن خزيمة

(1/266)


وهكذا حديث إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حاله فليصنع كما يصنع الإمام أخرجه الترمذي وقال حديث غريب لا نعلم أحدا أسنده إلا ما روي من هذا الوجه والعمل على هذا عند أهل العلم انتهى وفي إسناده الحجاج ابن أرطاة وفيه مقال قال ابن حجر في الفتح وينجبر ضعفه بما رواه سعيد بن منصور عن أناس من أهل المدينة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من وجدني قائما أو راكعا أو ساجدا فليكن معي على الحالة التي أنا عليها
قوله وأن يخرج مما هو فيه لخشية فوتها
اقول جعل المصنف هذا الخروج مندوبا وقيده بقوله لخشية فوتها وظاهر الحديث الصحيح عند مسلم وأحمد وأهل السنن وغيرهم أن الخروج واجب إذا سمع إقامة الصلاة إن كان المراد بقوله في الحديث إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة نفس الإقامة وهي قول المؤذن قد قامت الصلاة
وإن كان المراد القيام إلى الصلاة كان الواجب عليه إذا عاين قيامه إلى الصلاة أن يخرج لأن ظاهر قوله فلا صلاة نفي ذات الصلاة الشرعية فالمتنفل عند إقامة الصلاة قد بطلت صلاته فإذا استمر فيها فقد استمر في صلاة غير شرعية وخالف ما جاء عن الشارع
وإن كان المراد المعنى المجازي في قوله فلا صلاة فقد قدمنا لك أن نفس الصحة هو أقرب المجازين إلى الحقيقة فيجب الحمل عليه لأنه يستلزم انتفاء صحة الصلاة
وبهذا تعرف أنه لا وجه للتقييد بقوله لخشية فوتها ولا لجعل الخروج مندوبا فقط
قوله وندب أن يرفض ما قد أداه منفردا
أقول قول الله عز و جل ولا تبطلوا أعمالكم يدل بعمومه على أنه لا يجوز إبطال عمل من الأعمال كائنا ما كان والذي قد صلى منفردا إذا رفض صلاته فقد أبطل عمله

(1/267)


فلا يجوز المخالفة لما يقتضيه هذا العموم إلا بدليل وقد دل الدليل على أن من صلى في بيته ثم وصل إلى جماعة فإنه يدخل معهم في الجماعة ثم اختلفت الروايات أيهما النافلة هل التي قد صلاها أو التي دخل فيها مع الجماعة وثم مرجح لكون النافلة هي الأخرى وهي الأحاديث الواردة أنها لا تصلي صلاة في يوم مرتين وأنه لا ظهران في يوم فلو كانت الثانية هي الفريضة لكان قد أبطل عمله وصلى الصلاة في يوم مرتين وهذا مرجح قوي لكون الثانية نافلة والأولى فريضة ومع هذا فالحديث الذي فيه أن الأولى نافلة والثانية فريضة حديث ضعيف لا تقوم به الحجة
ويقوي ما ذكرناه من كون الفريضة هي الأولى ما تقدم في حديث معاذ أنه كان يصلي بقومه ويجعلها نافلة وكذلك حديث ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه وقد قدمنا أنه حديث صحيح
فهذان الحديثان في الجملة يدلان على مشروعية النافلة مع الجماعة
ويؤيد ما ذكرناه أيضا أحاديث الصلاة مع أمراء الجور فإن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بالدخول في جماعتهم ويجعلها الذي قد صلى في بيته نافلة
وأظهر مما ذكرناه حديث يزيد بن الأسود في قضية الرجلين اللذين لم يصليا مع النبي

(1/268)


صلى الله عليه و سلم وأتي بهما ترعد فرائصهما فقالا قد صلينا في رحالنا فقال لهما إذا اتيتما مسجد الجماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة هو حديث صحيح
قوله ولا يزيد الإمام على المعتاد انتظارا
اقول انتظار اللاحق ليدرك إمامه هو من باب قوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه بدليل يخصه بل يكفي هذا العموم ثم حديث أمر الإمام بالتخفيف لا يعارض هذا العموم إلا إذا حصل بالانتظار تطويل وهو غير مسلم فإن التطويل والتخفيف من الأمور النسبية نعم إذا كان الانتظار يحصل به تضرر من المؤتمين فإنه يخصص عموم الآية وهذا على تقدير أنه لم يرد في انتظار اللاحق دليل يخصه وقد ورد ما يخصصه وهو ما أخرج أحمد وأبو داود والبزار عنه صلى الله عليه و سلم أنه كان ينتظر في صلاته حتى لا يسمع وقع قدم وفي إسناده رجل مبهم ولكنه قد بين هذا الرجل المبهم المزني في الأطراف فقال إنه روى هذا الحديث ابو إسحق الخميسي عن محمد ابن حجارة عن كثير الحضرمي عن ابن أبي أوفى فذكره وكثير هذا ثقة من ثقات التابعين وذكر النووي في شرح المهذب أن بعض الرواة سمى هذا الرجل فقال طرفة الحضرمي صاحب ابن أبي أوفى وذكر في التقريب أنه مقبول من الخامسة
وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يطيل الركعة الأولى من صلاة الظهر وهكذا في صلاة الصبح وفي رواية لأبي داود أنه كان يطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية وهكذا في صلاة العصر وهكذا في صلاة الغداة
وفي رواية لعبد الرزاق وابن خزيمة أنه قال الراوي ظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى
قوله وجماعة النساء والعراة صف وإمامهم وسط

(1/269)


قول أما جماعة النساء فقد تقدم الكلام عليها وأما جماعة العراة فالظاهر أنهم يصلون جماعة كما يصلي غيرهم من الرجال ويتقدم الإمام ويصفون خلفه ولهم عذر ظاهر وهو كونهم عراة وعليهم غض أبصارهم
فصل
ولا تفسد على مؤتم فسدت على إمامه بأي وجه إن عزل فورا وليستخلف مؤتما صلح للابتداء وعليهم تجديد النيتين ولينتظر المسبوق تسليمهم إلا أن ينتظروا تسليمه
ولا تفسد عليه بنحو إقعاد مأيوس فيبنى ويعزلون ولهم الاستخلاف كما لو مات أو لم يستخلف
قوله فصل ولا تفسد على مؤتم فسدت على إمامه بأي وجه
اقول هذا صواب فإن الفساد لا بد من قيام دليل يدل عليه ومجرد تعليق صلاة المؤتم بصلاة الإمام بنية الائتمام به هي ما دام الإمام إماما فإذا بطلت صلاته فلا وجه لفساد صلاة المؤتم ثم إيجاب نية العزل عليه لا فائدة فيه لأنه قد صار بمجرد بطلان صلاة إمامه منفردا إذ لا ائتمام إلا بإمام ولا إمام فلا وجه للحكم بفساد صلاته إذا لم ينو العزل وهذا إذا كان الذي فسدت به صلاة الإمام لا اختيار له فيه كمن يحدث غير متعمد للحدث أما إذا كان الفساد وقع باختياره بسبب منه فقد قدمنا أن الإمام إذا اصاب فله وللمؤتمين به وإن أخطأ فعليه لا عليهم فلا وجه للحكم بفساد صلاة المؤتم على كل تقدير
قوله وليستخلف مؤتما إلخ
اقول أما كون هذا واجبا على الإمام فلم يدل عليه لأن صلاته قد بطلت فلم يبق إماما وصلاة المؤتمين به إذا لم يتقدم أحدهم قد صحت فرادى
وأما حديث ائتمام الناس بأبي بكر لما ذهب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم ثم تقدم النبي صلى الله عليه و سلم وتأخر أبي بكر لما وصل رسول الله صلى الله عليه و سلم كما ثبت هذا في الصحيح فغايته الدلالة على أنه إذا لم يحضر إمام الصلاة جاز للمؤتمين أن يؤمروا من يصلي بهم وإذا رجع الإمام وهم في الصلاة كان لللإمام الأول المفضول أن يتأخر ويتقدم الإمام الفاضل فيتم بهم الصلاة

(1/270)


وهكذا صلاة أبي بكر في مرضه صلى الله عليه و سلم ثم خروج النبي صلى الله عليه و سلم وقعوده جنب أبي بكر فكان ابو بكر يقتدي بصلاة النبي صلى الله عليه و سلم والناس يقتدون بصلاة أبي بكر
فغاية ما فيه الدلالة على ما دل عليه الحديث الأول وبهذا تعرف أنه لا دليل يدل على وجوب الاستخلاف من الإمام الذي بطلت صلاته وأنه لا دليل على تجديد النية من الإمام والمؤتمين به فإن النبي صلى الله عليه و سلم لم يأمرهم في تين الصلاتين بتجديد النية ولو كان ذلك واجب لأمرهم به
وأما عدم فسادها على الإمام بعروض إقعاد مأيوس فظاهر ولا يحتاج إلى ذكره ولا فرق بين الإمام والمؤتم والمنفرد أما كونهم يعزلون صلاتهم فلا وجه لذلك وقد تقدم حديث وإذا صلة قاعدا فصلوا قعودا وهذا عذر عارض في وسط الصلاة فلا يكون حكمه حكم من دخل في الصلاة قاعدا
وأما كون للمؤتمين أن يستخلفوا من يتم بهم الصلاة فلا مانع من ذلك كما تقدم والحاصل أن هذه التفريعات لم تكن مبنية على رواية مقبولة ولا رأي صحيح
فصل
ويجب متابعته إلا في مفسد فيعزل أو جهر فيسقط إلا أن يفوت لبعد أو صمم أو تأخر فيقرأ
قوله فصل ويجب متابعته إلخ
أقول هذا صحيح وقد دل عليه حديث إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا الحديث وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث ابي هريرة

(1/271)


وأخرج البخاري عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تركعوا حتى يركع ولا ترفعوا حتى يرفع
وأخرج مسلم من حديث أنس ايضا قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالقعود ولا بالانصراف
فهذه الأحاديث ونحوها تدل على وجوب المتابعة مع ما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أما يخشى أحدكم إذا رفع راسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يحول صورته صورة حمار
وأما كونه يعزل في المفسد فقد قدمنا في الفصل الذي قبل هذا ما فيه
وأما كونه يسكت إذا جهر الإمام فذلك فيما عدا فاتحة الكتاب وأما هي ففرض عليه قراءتها في كل ركعة كما تقدم تحقيقه
فصل
ومن شارك في كل تكبيرة الإحرام أو في آخرها سابقا بأولها أو سبق بها او بآخرها أو بركنين فعليين متواليين أو تأخر بهما غير ما استثني بطلت أحدهما
قوله فصل ومن شارك إمامه في كل تكبيرة الإحرام
أقول ليس في هذا ما يوجب الفساد وهكذا إذا شاركه في أولها وسبق بآخرها وأما إذا سبقه بالتكبيرة كلها أو سبقه بأولها فهذا قد خالف ما أمر به من قوله صلى الله عليه و سلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر كبروا
أما كون صلاته تفسد فلا وتعليلهم بأنه دخل في الصلاة قبل دخول إمامه علة عليلة لا ينبغي جعلها مقتضية للفساد فإن الفساد لا بد له من دليل خاص يدل عليه يوجب انتفاء الصلاة بانتفاء ما تركه أو انتفاءها بفعل ما فعله

(1/272)


وأما الحكم بالبطلان بتقدم المؤتم على الإمام بركنين فعليين متواليين أو تأخره عليه بهما فلا شك أن الفاعل لذلك قد اثم وخالف ما هو واجب عليه لما قدمنا من الأدلة في الفصل الذي قبل هذا فإنها قاضية بالمنع من ذلك في الركن الواحد فضلا عن الركنين
وأما كون ذلك مبطلا للصلاة فلا دليل عليه يوجب البطلان وقد تابع الصحابة النبي صلى الله عليه و سلم في الركعة الخامسة حيث صلى بهم خمسا وهي مشتملة على أركان وأذكار ولم يأمرهم بالإعادة وهكذا في حديث ذي اليدين وأن النبي صلى الله عليه و سلم سلم من الرباعية على ثلاث ثم تكلم وتكلموا ثم قام فكبر وصلى بهم ركعة واحدة وسلم وفي كثير من الروايات أنه سلم على ركعتين ثم قام فصلى ركعتين
وهذا مما يفيدك أن حكم أهل الفقه بالفساد في كثير من المواضع ليس على ما ينبغي ثم كان يلزمهم أن يوجبوا الفساد بمجرد التقدم بركن واحد فإنه يصدق على الفاعل لذلك إذا كان متعمدا أنه قد خالف حديث إنما جعل الإمام ليؤتم به وحديث فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالقعود ولا بالانصراف ويصدق عليه حديث أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يحول الله صورته صورة حمار

(1/273)


باب سجود السهو
يوجبه في الفرض خمسة الأول ترك مسنون غير الهيئات ولو عمدا
الثاني ترك فرض في موضعه سهوا مع أدائه قبل التسليم على اليسار ملغيا ما تخلله وإلا بطلت فإن جهل موضعه نبي على الأسوأ ومن ترك القراءة أو الجهر أو الإسرار أتى بركعة
الثالث زيادة ذكر جنسه مشروع فيها إلا كثيرا في غير موضعه عمدا أو تسليمتين مطلقا فتفسد
الرابع الفعل اليسير وقد مر ومنه الجهر حيث يسن تركه
الخامس زيادة ركعة أو ركن سهوا كتسليمة في غير موضعها
باب سجود السهو قوله فصل يوجبه في الفرض خمسة
أقول قد اجتمع في مشروعية سجود السهو أقوال وأفعال وفي أقواله وأفعاله ما هو بصيغة الأمر فكان بهذا واجبا ولكن إذا كان المتروك سنة من السنن التي ليست بواجبة فالسجود لها مسنون لأن الفرع لا يزيد على أصله
قوله الأول نرك مسنون غير الهيئات
أقول اعلم أن تسمية بعض ما ثبت من فعله صلى الله عليه و سلم سنة وبعضه هيئة هو مجرد اصطلاح لأهل علم الفروع وليس مثل ذلك حجة بل ما تقرر ثبوته من فعله صلى الله عليه و سلم مع المداومة عليه فهو سنة وهكذا ما ثبت من قوله صلى الله عليه و سلم مقترنا بقرينة تدل على عدم الوجوب وهكذا ما خرج عن حديث المسيء صلاته فإن النبي صلى الله عليه و سلم علمه صفة الصلاة وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز إلا ما ورد بعد تعليم المسيء بدليل يدل على وجوبه فإنه مقبول معمول به فلا يصرف حديث المسيء عن الوجوب إلا ما كان من الأقوال والأفعال في الصلاة ثابتا قبل تعليم المسيء

(1/274)


إذا تقرر لك هذا علمت أن جعل بعض أفعال الصلاة وأقوالها سنة يسجد فيها للسهو وبعضها هيئة لا يسجد فيها للسهو لا ينبغي الالتفات إليه ولا العمل به
وقد سجد صلى الله عليه و سلم لذلك التشهد الأوسط فكان ذلك دليلا للسجود لترك مسنون ولكن قد قدمنا لك أن التشهد الأوسط مذكور في حديث المسيء فكان ذلك دليلا على وجوبه فلا يتم هذا الاستدلال ولكن يستدل على السجود بترك المسنون بحديث ثوبان عند أبي داود وابن ماجة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لكل سهو سجدتان وقد قيل إن في إسناده انقطاعا لأنه مروي عن طريق عبد الرحمن ابن جبير بن نفير عن ثوبان ولم يدركه عبد الرحمن
ويجاب عن هذا بأنه رواه أبو داود من طريق شيخة عمرو بن عثمان الحمصي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن ابيه عن ثوبان فلا انقطاع
وأما تضعيف الحديث بأن في إسناده إسماعيل بن عياش فالمقال الذي فيه لا يوجب طرح حديثه
ويؤيد هذا الحديث ما رواه البيهقي من حديث عائشة بلفظ سجدتا السهو تجزئان من كل زيادة ونقصان
وقد قدمنا أن السجود لترك مسنون لا يكون واجبا لئلا يزيد الفرع على أصله فغايته أن يكون مسنونا كأصله ولم يرد في ترك المسنون ما يدل على وجوب سجود السهو له كما عرفت بل يختص الوجوب بما ورد الأمر به كالأحاديث التي فيها ليسجد سجدتين وليس ذلك في ترك المسنون

(1/275)


وأما إيجاب السجود لمن ترك المسنون عمدا فهو عكس ما يدل عليه عنوان هذا الباب فإنه قال باب سجود السهو
وأما تعليلهم بأنه إذا وجب السجود للسهو فوجوبه للعمد اولى فليس ذلك بشيء ها هنا فإن مشروعية السجود قد عللها الشارع بأن في السجود ترغيما للشيطان وأن السجدتين مرغمتان والمتروك عمدا ليس من جهة الشيطان بل من جهة المصلى نفسه
قوله الثاني ترك فرض في موضعه سهوا
أقول يدل على هذا سجوده صلى الله عليه و سلم على ركعتين كما في بعض الأحاديث وعلى ثلاث كما في بعض أخرى وسجوده لما صلى خمسا وهي أحاديث صحيحة وهي كلها تدل على وجوب السجود لمثل ذلك
وأما قوله مع أدائه قبل التسليم على اليسار ملغيا ما تخلل وإلا بطلت فمردود بما صح عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال فصلى ما تركه بتكبير وتسليم مع عدم الإلغاء لما كان قد صلاه وهذا دليل أوضح من الشمس ثابت في حديث ذي اليدين وغيره

(1/276)


ولم يرد في هذه الشريعة ما يخالف ذلك قط ولكن أبى كثير من المفرعين إلا ترجيح رأيهم المعكوس واجتهادهم المنكوس بلا برهان
وهكذا يصنع المتعمدون في إثبات الأحكام الشرعية على الرأي دون الرواية وإنها لرزية في الدين وفاقرة من فواقر المفرعين
فإن قلت قد تبين بفعله صلى الله عليه و سلم أن تارك الركعة او الركعتين يأتي بهما بعد تسليمه الذي وقع منه سهوا فما حكم من ترك مثلا سجدة
قلت حكمه أن يأتي بها قبل أن يسلم إن ذكرها وإن لم يذكر إلا بعد التسليم كبر وسجد وسلم اقتداء بفعله صلى الله عليه و سلم فيما تركه والسجود هو جزء من الركعة وللجزء حكم الكل
وما أبعد هذا من أذهان المقلدين وأنفر طبائعهم عنه
قوله ومن ترك القراءة أو الجهر أو الإسرار أتى بركعة
أقول هذا رأي بحث ليس عليه أثارة من علم والعجب ممن يتجارأ على إثبات مثل هذا ويكلف الناس به ويزعم أنه الشرع الذي شرعه الله ورسوله لعباده وهو يعلم أنه ليس في ذلك حرف واحد من كتاب ولا سنة ولا قياس صحيح
فإن قلت فماذا لديك في مثل هذا
قلت أما من ترك القراءة فقد قدمنا من الأدلة الصحيحة الكثيرة ما يدل على أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب بل قدمنا ما يدل على انه لا ركعة إلا بفاتحة الكتاب وهذا الدليل يفيد أن وجود تلك الصلاة التي لم يقرأ فيها المصلي أصلا باطلة وجودها كعدمها
وأما من ترك الجهر أو الإسرار فالأمر يسير ليس هنا ما يوجب بطلان الصلاة وغايته على تقدير ثبوت ما يدل على الوجوب أنه ترك واجبا وصلاته صحيحة وعليه أن يسجد للسهو
قوله الثالث زيادة ذكر جنسه مشروع فيها
أقول هذه دعوى مجردة بل شريعة متبوعة فالصلاة كما قال صلى الله عليه و سلم إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن فمن جاء بتسبيحة أو تسبيحات أو تكبيرة أو تكبيرات في الموضع الذي شرع جنسها فيه فهو زيادة في ثوابه ومضاعفة لحسناته

(1/277)


وإن كرر ما لم يشرع فيه إلا المرة الواحدة كتكبيرة النقل إذا كبر عند الانتقال من ركن إلى ركن تكبيرتين أو ثلاثا فقد خالف السنة بذلك ولا سجود عليه لعدم الدليل على ذلك لا من قول ولا فعل
وهكذا إذا سبح في موضع التشهد ونحو ذلك
وأما الجمع بين سورتين أو سور في ركعة فقد وردت به السنة من أنكر ذلك فهو الجاني على نفسه بتركه لعلم السنة فإن قرأ في غير موضع القراءة فقد ورد النهي عن القراءة في الركوع والسجود ففاعل ذلك عمدا آثم ولا دليل يدل على أنه يسجد من فعل ذلك للسهو لأنه متعمد
وعلى فرض أنه فعل ذلك سهوا وأن حديث لكل سهو سجدتان يشمله فلا يلحق به إلا فعل ما هو منهي عنه في غير موضعه لا ما كان في موضعه وليس هذا مراد المصنف
وأما قوله إلا كثيرا في غير موضعه فقد قدمنا الكلام في الفعل الكثير فليرجع إليه
وأما إيقاع التسليمتين في غير موضعهما فإن كان سهوا فلا يفسد به ما تقدمهما من الصلاة لما تقدم في حديث ذي اليدين وما ورد في معناه بل صلاته قبل التسليم سهوا صحيحة ويقوم يأتي بما فاته بتكبير مستأنف
وأما كونه خروجا من الصلاة فالأمر كذلك ولو كان سهوا ولهذا قام النبي صلى الله عليه و سلم فكبر وصلى بهم ما بقي ولو لم يكن خروجا من الصلاة ما استأنف النبي صلى الله عليه و سلم التكبير للدخول في تأدية ما تركه
وأما إذا سلم عمدا عالما بانه ترك ركعة أو ركنا فق خرج من الصلاة قبل الفراغ منها متعمدا ولم يرد البناء على ما قد فعله قبل التسليم إلا في الناسي فقط فلا يلحق به المتعمد لوجود الفارق بينهما
قوله الرابع الفعل اليسير
أقول لم يرد في هذا شيء بل الوارد يخالفه فقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يفعل في صلاته أفعالا هي عند الفقهاء كثيرة فضلا عن أن تكون يسيرة ثم كان لا يسجد سجود السهو فمن ذلك صلاته على المنبر ونزوله منه للسجود ثم رجوعه إليه

(1/278)


ومن ذلك حمله أمامه في صلاته ثم وضعها إذا سجد وردها إلى ظهره إذا رفع ثم أمره للمصلي بأن يقاتل الحية وهو باق في صلاته ثم حمله للحسن على ظهره ثم ما وقع منه من إدارة من يقف عن يساره إلى يمينه ودفعه للرجلين اللذين وقفا عن يمينه ويساره إلى خلفه وكذلك اتقاؤه بيده وتأخره ولعنه للشيطان لما جاء له في صلاته بسعفه من نار
والحاصل أن هذا الباب إذا تتبع حصل منه الكثير ولم يسجد في شيء من ذلك
وأما ما اخرجه مسلم وغيره من حديث ابن مسعود قال صلينا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فإما زاد أو نقص علينا فقلنا يا رسول الله حدث في الصلاة شيء قال لا فقلنا له الذي صنع فقال إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين فينبغي حمل هذه الزيادة أو النقصان على الزيادة التي سجد لها رسول الله صلى الله عليه و سلم وهي زيادة الركعة الخامسة وعلى النقصان الذي سجد له وهو التسليم على ركعتين أو ثلاث أو ما يشابه ذلك لا لكل زيادة أو نقص لأمرين أحدهما أنه صلى الله عليه و سلم لم يسجد في هذه الزيادة أو النقص في حديث ابن مسعود بعد ان نبهوه على ذلك الأمر
الثاني ما ذكرنا من الأحاديث التي وقعت منه صلى الله عليه و سلم ولم يسجد لها
قوله الخامس زيادة ركعة أو ركن سهوا
أقول هذا صحيح أما زيادة الركعة فلسجوده صلى الله عليه و سلم لما صلى خمس ركعات وأما زيادة الركن فلكونه جزءا من الركعة فيكون حكمه حكمها ويجبر الجميع بسجود السهو
فصل
لا حكم للشك بعد الفراغ فأما قبله ففي ركعة يعيد المبتدىء ويتحرى المبتلى ومن لا يمكنه يبني على الأقل ومن يمكنه ولم يفده في الحال ظنا يعيد وأما في ركن فكالمبتلي

(1/279)


ويكره الخروج فورا ممن يمكنه التحري قيل والعادة تثمر الظن ويعمل بخبر العدل في الصحة مطلقا وفي الفساد مع الشك ولا يعمل بظنه أو شكه فيما يخالف إمامه وليعد متظنن تيقن الزيادة ويكفي الظن في أداء الظني ومن العلم في أبعاض لا يؤمن عود الشك فيها
قوله فصل ولا حكم للشك بعد الفراغ
أقول الأصل صحة الصلاة التي فرغ منها فلا يعمل بما يعرض من الشكوك فإن الشك الاصطلاحي الذي هو استواء الطرفين هو مجرد تردد والتردد لا يمكن العمل بأحد طرفيه لأنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر وإذا لم يكن العمل بأحد طرفيه فلا يحتاج فيه إلى أن يقال لا حكم له لأنه ينفي حكم ما يمكن العمل به لا ما لا يمكن العمل به من الأصل فإنه لم يثبت بحال حتى ينفي
إذا تقرر لك هذا فاعلم أنه لا يجوز العمل بالشك بمعنى إذا تردد في شيء ما كان لتردده معنى وفائدة لا بعد الفراغ من الصلاة ولا قبل الفراغ منها ولهذا ثبت عنه صلى الله عليه و سلم في الأحاديث الصحيحة الأمر باطراح الشك والبناء على اليقين وفي بعضها البناء على الأقل وورد في بعضها الأمر بتحري الصواب والجمع بين هذه الروايات ظاهر واضح وهو أن من عرض له الشك إن أمكنه تحري الصواب وذلك بأن ينظر في الأمور التي تفيده معرفة الصواب كان ذلك واجبا عليه فإن لم يفده التحري وجب عليه البناء على اليقين وهو البناء على الأقل ويجب عليه السجود لمجرد عروض هذا الشك كما صرحت

(1/280)


به الأحاديث الصحيحة ولم يعد المصنف عروض الشك من اسباب السجود مع أنه السبب الذي ثبت ثبوتا أوضح من الشمس وذكر أسبابا قد قدمنا تزييف أكثرها فما كان أحقه بذكر هذا السبب الصحيح
واما الفرق بين المبتدىء والمبتلي وبين الركعة والركن فليس بشيء ولا يعول على مثله من له دراية بالرواية والكل سواء في إيجاب تحري الصواب عليهم أولا ثم البناء على اليقين الذي هو الأقل ثانيا بعد اطراح الشك وعدم الالتفات إليه وللركن حكم الركعة فإنه إذا وجب اطراح الشك في الركعة كان وجوب اطراحه في الركن ثابتا بفحوى الخطاب
قوله ويكره الخروج فورا
أقول الأولى أن يقال ويحرم الخروج على كال حال ووجه ذلك أن الشارع قد عرفه أنه يتحرى الصواب فإن لم يفده التحري بنى على اليقين والبناء على الأقل ممكن لكل احد إذا كان صحيح العقل لأنه إذا تردد هل صلى ثلاثا أو أربعا أمكنه أن يبني على الثلاث
ولو قدرنا أنه اختلط عليه الأمر حتى لم يدركم صلى ولم يهتد إلى مقدار أصلا فعليه أن يبني على أنه في الركعة الأولى لأنه قد صار مصليا ولا أقل من ان يكون في الركعة الأولى وليس عليه غير ذلك فإنه هو الذي أمر به الشارع من البناء على اليقين والبناء على الأقل
واطراح الشك هذا إذا كان المصلي من جنس العقلاء فإن كان قد انسلخ من العقل وصار مجنونا فقد رفع الله عنه قلم التكليف في الصلاة وغيرها
قوله قيل والعادة تثمر الظن
أقول هب أن العادة تثمر الظن فكان ماذا فإن المقام مقام العمل باليقين ومقام البناء على الأقل فليس لمجرد الظن ها هنا فائدة يستد بها ولا يجوز العمل به فيما نحن بصدده وهكذا العمل بخبر العدل إن لم يحصل به اليقين الذي أمر به الشارع فلا اعتبار به ويغني عنه البناء على الأقل وهو ممكن كل عاقل
قوله ولا يعمل بظنه أو بشكه فيما يخالف إمامه
أقول هذا صواب ولو قال المصنف رحمه الله في هذا الفصل ولا يعمل بالظن

(1/281)


والشك مطلقا أي قبل الفراغ من الصلاة وبعده وفي صلاته منفردا أو مع الإمام لكان ذلك صوابا مغنيا عن جميع ما في هذا الفصل على مقتضى ما هو الحق كما عرفناك
قوله ولبعد متظنن تيقن الزيادة
أقول الذي تقتضيه الأدلة أنه إذا تيقن الزيادة عمل على اليقين كما تيقن أنه صلى خمسا وليس عليه إلا سجود السهو كما فعله صلى الله عليه و سلم لما اخبروه أنه صلى خمسا فإنه سجد للسهو فقط ولم يعد الصلاة ولا أمرهم بالإعادة ولا اعتبار بكونه زاد تلك الزيادة متظننا فإنه لا عمل بالظن في مثل هذا ولا تأثير له على أن من صلى الخامسة لا بد له من حامل على ذلك من جهة نفسه وأقل ما يحمله على ذلك ما يحصل له من الظن أنها أربعة مثلا وقد عرفنا رسول الله صلى الله عليه و سلم بأنه ليس عليه إلا سجود السهو
قوله ويكفي الظن في أداء الظني
أقول جاء بهذه القاعدة الكلية وهي غير مقبولة لأن الحكم الشرعي الثابت بدليل ظني قد كلف به من وجب عليه وثبت في ذمته يقينا وإن كان دليله ظنيا فكيف يكفي ظن المكلف في تأدية ما هو ثابت عليه بيقين وأين هذا الظن من ظنية دلالة الدليل على وجوب الحكم مع تعلقه بالمكلف بيقين
وإذا تقرر لك هذا في الظن فهو فيما هو أعلى منه أولى
فصل
وهو سجدتان بعد كمال التسليم حيث ذكر اداء أو قضاء إن ترك وفروضهما النية للجبران والتكبيرة والسجود والاعتدال والتسليم وسننهما تكبير النفل وتسبيح السجود والتشهد
ويجب على المؤتم لسهو الإمام أولا ثم لسهو نفسه قيل المخالف إن كان ولا يتعدد

(1/282)


لتعدد السهو إلا لتعدد أئمة سهوا قبل الاستخلاف وهو في النفل ولا سهو لسهو ويستحب سجوده بنية وتكبيرة لا تسليم أحدها شكرا واستغفارا ولتلاوة الخمس عشرة آية أو لسماعها وهو بصفة المصلي غير مصل فرضا إلا بعد الفراغ ولا تكرار للتكرار في المجلس
قوله فصل وهو سجدتان بعد التسليم
أقول هذه المسألة قد طال فيها الخلاف وقد استوفيت الكلام في المذاهب وما استدل به لكل مذهب في شرح المنتقى وذكرت فيها ثمانية مذاهب ولاح لي ما ينبغي أن يعد مذهبا تاسعا وهو أنه يسجد لما سجد له رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل السلام كذلك ولما سجد له بعد السلام كذلك وللسهو الخارج عن المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم يكون المصلي مخيرا إن شاء سجد قبل السلام وإن شاء بعده لأن الكل قد ثبت وهذا قول حسن وجمع جامع بين الأدلة
واما قول حيث ذكر أداء أو قضاء إن ترك عمدا فالناسي يسجد عند الذكر ويكون أداء وإن خرج وقت الصلاة التي سها فيها
ولا وجه لتقييده بالعمد فلا فرق بين العمد والسهو
وإن كان التارك عمدا قد أثم بالتراخي عن تأدية ما يجب عليه
قوله وفروضهما النية للجبران
أقول قد قدمنا أن في الأدلة الدالة على النية ما يفيد أنها شرط يؤثر عدمها في عدم المشروط وأما كونها للجبران فلكونه قد لحق الصلاة بالنقص منها أو الزيادة فيها ما هو نقص ولهذا وجب سجود السهو فلا وجه لما قيل أن الزيادة ليست بنقص فتجبر

(1/283)


وأما فرضية التكبير فلما تقدم لأن سجود السهو قد صار كالصلاة المستقلة لتحريمه بالتكبير وتحليله بالتسليم
وأما فرضية السجدتين فلكونهما هما والاعتدال أركانا لسجود السهو
وأما فرضية التسليم فلما تقدم في تسليم الصلاة
وأما كون تكبير النقل وتسبيح السجود سنة فلكونهما في الصلاة كذلك
وأما جعل التشهد سنة فلا وجه له بل حكمه حكم تشهد الصلاة وقد تقدم الكلام في ذلك في صفة الصلاة لكنه إذا كان السجود قبل التسليم فلا تشهد بل يغني عنه تشهد الصلاة وهكذا يكفي السلام الواحد تحليلا لصلاة الفريضة ولسجود السهو لأنه لم يرد أن النبي صلى الله عليه و سلم سلم تسليمتين ولا تشهد تشهدين فيما سجد له قبل التسليم وأما ما سجد له بعد التسليم من الصلاة فلا بد من التشهد والتسليم
وقد ورد أنه صلى الله عليه و سلم تشهد في سجود السهو فأخرج أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم قال الترمذي حسن غريب صحيح وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين
وقد ورد في التشهد في سجود السهو غير هذا الحديث وهو ما اخرجه أبو داود والنسائي عن ابن مسعود وأخرجه البيهقي عن المغيرة وفي إسنادهما ضعف ولكن الحديث الأول على انفراده تقوم به الحجة
قوله ويجب على المؤتم لسهو الإمام أولا
أقول هذا صحيح لورود الأمر بمتابعة الإمام وإن كان نقص صلاته لا يسري إلى صلاة المؤتم لما تقدم في الحديث الصحيح أنه إذا أصاب فله وللمؤتمين وإن أخطأ فعليه لا عليهم

(1/284)


وأما إيجاب السجود على المؤتم لما عرض له من السهو في صلاته فذلك صواب لأن أدلة سجود السهو تتناوله ولم يرد ما يدل على ان مجرد سجوده مع الإمام لسهو الإمام يسقط عنه السجود لسهو نفسه
والحاصل أنه إذا كان سهو الإمام في فعل أو ترك قد تابعه المؤتم في ذلك الفعل أو الترك سهوا فسجوده مع الإمام يكفي وإن كان قد وقع منه سهو غير سهو الإمام فعليه أن يسجد له لدخوله بهذا السجود في جملة الأدلة الواردة في سجود السهو
فقول المصنف قيل المخالف إن كان هو أصوب من قول القائل إنه يسجد مطلقا
قوله ولا يتعدد بتعدد السهو
أقول أحسن ما يستدل به لهذا أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا عن احد من أصحابه أنهم كرروا السجود لتكرر السهو مع أن تكرر السهو ممكن من كل مصل وأما الاستدلال على عدم التعدد بأن النبي صلى الله عليه و سلم سلم على ركعتين وتكلم وسلم ففيه أن الكلام وقع بعد الخروج من الصلاة بالتسليم ثم التسليم هو الذي تبين به أنه وقع السهو فإن قيل إنه في حكم المصلي لبنائه على ما قد فعل فيجاب عنه أنه لو كان ذلك صحيحا لكان للكلام الواقع منه في تلك الحالة حكم الكلام الواقع قبل الخروج من الصلاة
وأما قوله إلا لتعدد أئمة سهوا قبل الاستخلاف فلا وجه له لأن الصلاة واحدة والأئمة المتعددون كالإمام الواحد فكما لا يتعدد السجود لسهو الإمام الواحد كذلك لا يتعدد لتعدد سهو الأئمة وسهوهم بعد الاستخلاف يخصهم لأنهم لم يكونوا أئمة في حال السهو
قوله وهو في النفل نفل
أقول قد اختلف أهل الأصول في لفظ الصلاة إذا لم يقيد هل إطلاق الصلاة على الفريضة والنافلة من باب الاشتراك اللفظي أو المعنوي وإلى الثاني ذهب جمهورهم وإلى الأول ذهب الرازي والظاهر الأول فتكون الأحاديث التي ذكر فيها السجود لمن سها في صلاته شاملة للفريضة والنافلة ويكون عدم وجوب النافلة صارفا لما تدل عليه الأحاديث من الوجوب فلا يرد الاشكال الذي أورده الجلال

(1/285)


قوله ولا سهو لسهوه
أقول سجود السهو قد قدمنا أنه صار كالصلاة المستقلة لوجود خاصيتها فيه وهو كون تحريمهه التكبير وتحليله التسليم
وقد اتفق الجميع أنه يبطل بمبطلات الصلاة كالحدث ونحوه فلو صح ما قالوه من لزوم التسلسل لكان الحدث غير مبطل له
وإذا عرفت هذا فالسهو فيه كالسهو في الصلاة بشمول أحاديث السهو له لأنه صلاة
وأما ما قاله بعض أئمة النحو من أن المصغر لا يصغر فهو بمعزل عن علم الفقه في الدين
قوله ويستحب سجود بنية وتكبيرة لا تسليم أحدها شكرا
قوله قد وردت أحاديث كثيرة بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها فيه ضعف ومجموعها مما تقوم به الحجة أن النبي صلى الله عليه و سلم سجد سجود شكر في مواضع ولم يرد في ذلك غير فعله صلى الله عليه و سلم فلم يكن واجبا ولم يرد في الأحاديث غير فعله صلى الله عليه و سلم للسجود ولم يرد أنه كبر ولا أنه سلم فالمشروعية تتم بمجرد فعل السجود
فإن قلت لم يرد في الأحاديث ما كان يقوله صلى الله عليه و سلم في سجود الشكر فماذا يقول الساجد للشكر
قلت ينبغي أن يستكثر من شكر الله عز و جل لأن السجود سجود الشكر
فإن قلت نعم الله على عباده لا تزال واردة عليه في كل لحظة
قلت المراد النعم المتجددة التي يمكن وصولها إلى العبد ويمكن عدم وصولها ولهذا أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يسجد إلا عند تجدد تلك النعم مع استمرار نعم الله سبحانه وتعالى عليه وتجددها في كل وقت

(1/286)


قوله واستغفارا
أقول لم يرد في هذا شيء وليس في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم سجد في ص وقال سجدها داود توبة ونسجدها شكرا ما يدل على مشروعية السجود للاستغفار لأن ذلك هو بيان لمشروعية سجدة التلاوة في ص وأن داود عليه السلام فعلها للتوبة ولم يفعلها النبي صلى الله عليه و سلم للتوبة بل قال ونسجدها شكرا فلم يقرر النبي صلى الله عليه و سلم سجود التوبة من داود بل خالفه فليس ذلك من شرع من قبلنا كما زعمه البعض لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يقرره وغاية ما في الحديث أنه يحسن السجود في ص شكرا عند تلاوة الآية أو سماعها
ولكنه قد ورد أن السجود هو مقام القرب من الرب سبحانه كما في الحديث الصحيح أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فمن قصد إيقاع دعائه في هذا المقام أو استغفاره فقد وفق للصواب وتعرض لنفحات الرحمن في المقام الذي أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه و سلم أن العبد أقرب إلى ربه فيه من سائر المقامات التي يكون العبد عليها كالقيام والقعود والاضطجاع فمن فعل السجود عند دعائه قاصدا به هذا المقصد مريدا به هذه الإرادة فنعم ما فعل
قوله ولتلاوة الخمس عشرة آية
أقول سجود التلاوة سنة ثابتة وشريعة قائمة حتى ذهب أبو حنيفة ومن تابعه إلى وجوبه والأحاديث في ذلك كثيرة
وأما اشتراط أن يكون الساجد بصفة المصلي فليس على ذلك دليل ولا حجة فيما يروي عن بعض الصحابة

(1/287)


وأما قول المصنف غير مصل فرضا فدفع في وجه الدليل الصحيح ورد للسنة الثابتة ولو لم يكن من ذلك إلا ما في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه و سلم سجد في الصلاة لما قرأ إذا السماء انشقت
قوله ولا تكرار للتكرار في المجلس
أقول هذا التكرار لنفس الآية التي وقع السجود عند قراءتها إن كان من القارىء الذي قرأها أولا لا لفرض بل لما فرغ من السجود لها ابتدأ بها فلا سجود وإن كان من قارىء آخر أو من هذا القارىء نفسه لا لقصد التكرار كأن يقرأ سورة الانشقاق في جملة ما يتلوه ثم يقوم فيصلي بها فلا وجه لإسقاط السجود

(1/288)


باب والقضاء
يجب على من ترك إحدى الخمس أو ما لا يتم إلا به قطعا أو في مذهبه عالما في حال تضيق عليه فيه الأداء غالبا
وصلاة العيد في ثانيه فقط إلى الزوال إن تركت للبس فقط
ويقضي كما فات قصرا وجهرا وعكسهما وإن تغير اجتهاده لا من قعود وقد أمكنه القيام والمعذور كيف أمكن وفوره مع كل فرض فرض
ولا يجب الترتيب ولا بين المقضيات ولا التعيين
وللإمام قتل المتعمد بعد استتابته ثلاثا فأبى
قوله باب والقضاء على من ترك إحدى الخمس
أقول لفظ الترك يشمل الترك عمدا والترك سهوا أو نسيانا أو لنوم والأدلة الثابتة عنه صلى الله عليه و سلم لم ترد إلا في السهو والنسيان والنوم وقال صلى الله عليه و سلم فيها فوقتها حين يذكرها لا وقت لها إلا ذلك وهذا يفيد أن ذلك وقتها
إذا لا قضاء فتكون هذه الأحاديث مخصصة لما ورد من توقيت الصلاة وتعيين أوقاتها ابتداء وانتهاء فيقال إلا الصلاة التي نام عنها المصلي أو سها عنها فإن فعلها عند الذكر هو وقت أدائها ولو بعد خروج الوقت المضروب لتلك الصلاة
وأما العمد فلا تشمله هذه الأحاديث الواردة في النوم والسهو والنسيان ولا يدخل تحتها ولا يصح قول من قال إنه ثبت القضاء مع السهو والنسيان والنوم ثبت مع العمد بفحوى الخطاب لأنا نقول ليس تأدية الصلاة التي نام عنها أو نسيها من باب القضاء بل من باب الأداء فلا يتم القياس من هذه الحيثية

(1/289)


ثم لا نسلم أن ذلك اولى لأن التارك عمدا قد أثم بالترك بالإجماع فإيجاب القضاء عليه لا يرفع عنه هذا الإثم
فإن قلت قد زعم قوم كداود الظاهري وابن حزم وابن تيمية ومن تابعهم أنه لا قضاء في العمد وأنه لم يرد بذلك دليل فهل هذا صحيح
قلت نعم لم يرد في قضاء الصلاة المتروكة عمدا دليل يدل على وجوب القضاء على الخصوص ولكنه وقع في حديث الخثعمية الثابت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لها دين الله أحق أن يقضى والتارك للصلاة عمدا قد تعلق به بسبب هذا الترك دين الله وهو أحق بأن يقضيه هذا التارك
وأما قول من قال إن دليل القضاء هو دليل الأداء فليس ذلك إلا مجرد دعوى ادعاها بعض أهل الأصول
وما ذكره المصنف رحمه الله من أن ترك ما لا يتم الصلاة إلا به كتركها وذلك كترك شرط من شروط صحتها أو نحو ذلك فهذا مسلم
وأما قوله أو في مذهبه عالما فهذا وإن قبله المقلدون فلا بد أن يكون ذلك المتروك مما يستلزم بطلان الصلاة شرعا وإلا فلا اعتبار بالأقوال المخالفة للحق وإن قال بها من قال
وأما اعتبار أن يكون الترك في حال تضيق عليه فيه الأداء فذلك لإخراج من لا وجوب عليه كالمجنون والحائض وقد أخرج النائم والساهي والناسي بقوله غالبا
قوله وصلاة العيد في ثانيه فقط
أقول هذا قد دل عليه الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي

(1/290)


وابن ماجه وابن حبان عن أبي عمير بن انس عن عمومة له من الأنصار قالوا غم علينا هلال شوال فأصبحنا صياما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر الناس أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد وصححه ابن حبان وابن المنذر وابن السكن وابن حزم والخطابي وابن حجر في بلوغ المرام
فهذا فيه التصريح بأنه صلى الله عليه و سلم أمر الناس أن يفطروا وأمرهم بالخروج لعيدهم من الغد والناس هم الموجودون إذ ذاك في المدينة وقد كان ترك الإفطار في ذلك لكون الهلال قد غم على أهل المدينة مع كون ذلك الوقت مظنة لظهوره فكان الترك من هذه الحيثية للبس عرض لهم في ذلك اليوم ثم تبين لهم الصواب
وبهذا يندفع ما وقع الاعتراض به على المصنف
وأما كون القاضي يقضي كما فات فذلك ظاهر ولكنه إذا تغير اجتهاد المجتهد قبل فعله للقضاء كان العمل على اجتهاده الآخر لا كما قال المصنف لأنه إنما انتقل عن الاجتهاد الأول لدليل قد ظهر له يجب العمل عليه ولم يكن قد فعل القضاء
وأما قوله لا من قعود وقد أمكنه القيام فصحيح لأنه قد صار قادرا على القيام قبل القضاء فوجب عليه أن يقوم لزوال عذره ومع بقاء العذر يفعل ما بلغته استطاعته
قوله وفوره مع كل فرض فرض
اقول هذه دعوى مجردة بل فوره أن يفعل ما يقدر عليه وهو يقدر على أن يأتي بصلاة الأيام المتعددة في بعض يوم
قوله ولا يجب الترتيب ولا بين المقضيات
أقول يريد أنه لا يجب الترتيب بين المقضية والمؤداة ولا بين المقضيات نفسها لأن الجمع قد تعلق بمن عليه القضاء ولا دليل يدل على خلاف هذا حتى يتعين المصير إليه وأما من ترك الصلاة لنوم أو نسيان فقد عرفناك أن فعلها في وقت الذكر هو أداء لا قضاء
قوله وللإمام قتل المتعمد إلخ

(1/291)


أقول قد دل على هذا كتاب الله عز و جل قال الله سبحانه فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وصح عنه صلى الله عليه و سلم في الصحيحين وغيرهما من طرق أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة الحديث
وصح عنه في الصحيحين وغيرهما أن خالد بن الوليد قال له في الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه و سلم يا رسول الله اتق الله يا رسول الله ألا أضرب عنقه فقال صلى الله عليه و سلم لا لعله يصلي
وصح في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة
وثبت عند أحمد وأهل السنن من حديث بريدة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة فمن تركها فقد كفر وصححه النسائي والعراقي وأخرجه ابن حبان والحاكم
وثبت إجماع الصحابة رضي الله عنهم على قتال مانعي الزكاة وهي عديلة الصلاة بل الصلاة أدخل في الركنية للإسلام منها
فالحاصل أن تارك الصلاة عمدا كافر يستحق القتل ويجب على إمام المسلمين قتله لا كما قال المصنف وللإمام قتل المتعمد فيقال له صل فإن أبى قتل ولا وجه لتأخيره عن القتل ثلاثة ايام بل مجرد امتناعه يقتل

(1/292)


فصل
ويتحرى في ملتبس الحصر ومن جهل فائتته فثنائية وثلاثية ورباعية يجهر في ركعة ويسر في أخرى
وندب قضاء المؤكدة
قوله فصل ويتحرى في ملتبس الحصر إلخ
أقول إذا تيقن انها فاتته إحدى الصلوات الخمس والتبس أيها الفائتة ولم يفده التحري فلا تحصل له البراءة إلا بفعل الخمس الصلوات جميعها يقول في كل واحدة إن كانت هي فقضاء وإلا فنافلة وصحت النية المشروطة هنا للضرورة وتوقف البراءة عليها
قوله وندب قضاء المؤكدة
أقول ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنها فاتته الركعتان بعد الظهر فقضاهما بعد العصر وثبت عنه أنه أمر من فاته وتره بالليل أن يقضيه بالنهار وثبت عنه فيمن فاته ورده بالليل أن يقضيه بالنهار وهذا إذا لم يترك تلك النافلة المؤكدة لغرض المرض أو نحوه
أما إذا تركها لذلك فقد ورد أن الله يكتب له ثوابها

(1/293)


باب وصلاة الجمعة
تجب على كل مكلف ذكر حر مسلم صحيح نازل في موضع إقامتها أو يسمع نداءها وتجزىء ضدهم وبهم غالبا
وشروطها اختيار الظهر وإمام عادل غير مأيوس وتوليته في ولايته أو الاعتزاء إليه في غيرها وثلاثة مع مقيمها ممن تجزئه ومسجد في مستوطن وخطبتان قبلها مع عدد متطهرين من عدل متطهر مستدبر للقبلة مواجها لهم اشتملتا ولو بالفارسية على حمد الله تعالى والصلاة على النبي وآله وجوبا
وندب في الأولى الوعظ وسورة وفي الثانية الدعاء لإمام صريحا أو كناية ثم للمسلمين وفيهما القيام والفصل بقعود أو سكتة ولا يتعدى ثالثة المنبر إلا لبعد سامع والاعتماد على سيف او نحوه والتسليم قبل الأذان والمأثور قبلهما وبعدهما وفي اليوم ويحرم الكلام حالهما
فإن مات أو أحدث فيهما استأنفتا ويجوز أن يصلي غيره
قوله تجب على كل مكلف
اقول الأدلة المصرحة بأنها حق واجب على كل مسلم وبأنها واجبة على كل محتلم وبالوعيد الشديد على تاركها وبهمه صلى الله عليه و سلم بإحراق المتخلفين عنها يقتضي أنها واجبة على الأعيان
وأما ما قيل من أنه صلى الله عليه و سلم قد هم بإحراق المتخلفين عن الجماعة ولم يثبت بذلك وجوبها على الأعيان فنقول قد ورد الصارف في صلاة الجماعة وهي الأدلة القاضية بصحة صلاة الفرادى ولم يرد في صلاة الجمعة ما يصرف ذلك

(1/294)


وأما ما قيل من أن مسجده صلى الله عليه و سلم كان يضيق عن أن يصلي فيه جميع أهل المدينة فهذه الدعوى من ضيق العطن أما أولا فالأدلة إذا قضت بالوجوب على الأعيان فلا يصرفها مثل هذا وأما ثانيا فإقامتها خارجة ممكنة وأما ثالثا فقد ورد أن الجمعة كانت تقام في غير مسجده صلى الله عليه و سلم
ثم ليس بعد الأمر القرآني المتناول لكل فرد من قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله حجة بينة واضحة وزحلقة دلالة هذه الآية عن الوجوب العيني تعصب يأباه الإنصاف
وأما استثناء من استثناه المصنف فيدل على ذلك ما أخرجه ابو داود من حديث طارق ابن شهاب أن النبي صلى الله عليه و سلم قال الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض وقد وقد صححه غير واحد من الأئمة
وما قيل من أن طارق بن شهاب لم يسمع من النبي صلى الله عليه و سلم فقد ثبت أنه قد لقي النبي صلى الله عليه و سلم قال العراقي فإذا قد ثبتت صحبته فالحديث صحيح وغايته أن يكون مرسل صحابي وهو حجة عند الجمهور إنما خالف فيه أبو إسحق الإسفراييني على أنه قد اندفع الإعلال بالإرسال بما في رواية الحاكم من ذكر أبي موسى
ويؤيده ما أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث جابر بلفظ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا امرأة أو مسافرا أو عبدا أو مريضا وفي إسناده ضعف

(1/295)


وفي الباب عند الطبراني في الأوسط وعن مولى لآل الزبير عند البيهقي وعن أم عطية عند ابن خزيمة وعن أبي هريرة ذكره صاحب مجمع الزوائد وصاخب التلخيص وفيه ضعف وعن تميم الداري عند العقلي والحاكم وفي إسناده ضعف
وأما إيجاب الجمعة على المسافر إذا كان نازلا في الموضع الذي تقام فيه الجمعة أو يسمع النداء لها فهو تخصيص لقوله في الحديث أو مسافرا بغير مخصص
وأما قوله وتجزىء ضدهم فصواب لأن مجرد الترخيص لهؤلاء لا يدل على عدم صحة الجمعة منهم إذ الرخصة ما خير المكلف بين فعله وتركه مع بقاء سبب الوجوب والتحريم كما تقرر في الأصول وهكذا قوله وتجزىء بهم لأن صلاتهم صحيحة
قوله وشروطها اختيار الظهر
أقول قد جعل المصنف الوقت هنا شرطا كما جعله في أول كتاب الصلاة وقد قدمنا الكلام على ذلك هنالك فلا نعيده
واعلم أن الأحاديث الصحيحة قد اشتمل بعضها على التصريح بإيقاع صلاة الجمعة وقت الزوال كحديث سلمة بن الأكوع في الصحيحين وغيرهما قال كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا زالت الشمس وبعضها فيه التصريح بإيقاعها قبل الزوال كما في حديث جابر عند مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يصلي الجمعة ثم يذهبون إلى جمالهم فيريحونها حين تزول الشمس وبعضها محتمل لإيقاع الصلاة قبل الزوال وحاله كما في حديث سهل بن سعد في الصحيحين وغيرهما قال ما كنا نقيل

(1/296)


ولا نتغدى إلا بعد الجمعة وكما في حديث أنس عند البخاري وغيره قال كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه و سلم الجمعة ثم نرجع إلى القائلة فنقيل
ومجموع هذه الأحاديث يدل على أن وقت صلاة الجمعة حال الزوال وقبله ولا موجب لتأويل بعضها
وقد وقع من جماعة من الصحابة التجميع قبل الزوال كما أوضحناه في شرح المنتقي وذلك يدل على تقرير الأمر لديهم وثبوته
قوله وإمام عادل إلخ
أقول ليس على هذا الاشتراط أثارة من علم بل لم يصح ما يروى في ذلك عن بعض السلف فضلا عن أن يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه و سلم ومن طول المقال في هذا المقام فلم يأت بطائل قط ولا يستحق ما لا أصل له أن نشتغل برده بل يكفي فيه أن يقال هذا كلام ليس من الشريعة وكل ما ليس هو منها فهو رد أي مردود على قائله مضروب في وجهه
قوله وثلاثة مع مقيمها
أقول هذا الاشتراط لهذا العدد لا دليل عليه قط وهكذا اشتراط ما فوقه من الأعداد
وأما الاستدلال بأن الجمعة أقيمت في وقت كذا وعدد من حضرها كذا فهذا استدلال باطل لا يتمسك به من يعرف كيفية الاستدلال ولو كان هذا صحيحا لكان اجتماع المسلمين معه صلى الله عليه و سلم في سائر الصلوات دليلا على اشتراط العدد
والحاصل أن صلاة الجماعة قد صحت بواحد مع الإمام وصلاة الجمعة هي صلاة من الصلوات فمن اشترط فيها زيادة على ما تنعقد به الجماعة فعليه الدليل ولا دليل
وقد عرفناك غير مرة أن الشروط إنما تثبت بأدلة خاصة تدل على انعدام المشروط عند انعدام شرطه فإثبات مثل هذه الشروط بما ليس بدليل أصلا فضلا عن أن يكون دليلا على الشرطية

(1/297)


مجازفة بالغة وجرأة على التقول على الله وعلى رسوله وعلى شريعته والعجب من كثرة الأقوال في تقدير العدد حتى بلغت إلى خمسة عشر قولا وليس على شيء منها دليل يستدل به قط إلا قول من قال إنها تنعقد جماعة الجمعة بما تنعقد به سائر الجماعات
قوله ومسجد في مستوطن
أقول وهذا الشرط ايضا لم يدل عليه دليل يصلح للتمسك به لمجرد الاستحباب فضلا عن الشرطية ولقد كثر التلاعب بهذه العبادة وبلغ إلى حد تقضي منه العجب
والحق أن هذه الجمعة فريضة من فرائض الله سبحانه وشعار من شعارات الإسلام وصلاة من الصلوات فمن زعم أنه يعتبر فيها ما لا يعتبر في غيرها من الصلوات لم يسمع منه ذلك إلا بدليل وقد تخصصت بالخطبة وليست الخطبة إلا مجرد موعظة يتواعظ بها عباد الله فإذا لم يكن في المكان إلا رجلان قام أحدهما يخطب واستمع له الآخر ثم قاما فصليا صلاة الجمعة
ولقد تضرب الجلال في هذه الشروط تضربا يأباه الإنصاف بل يأباه التحقيق ومال مع الخوارج في بعضها كما جرت عادته بالقيام في المواطن المبتدعة والأقوال المخترعة
قوله وخطبتان قبلها إلخ
أقول قد ثبت ثبوتا متواترا يفيد القطع بأن النبي صلى الله عليه و سلم ما ترك الخطبة في صلاة الجمعة قط فالجمعة التي شرعها الله سبحانه هي صلاة الركعتين مع الخطبة قبلها وقد أمر الله سبحانه في كتابه العزيز بالسعي إلى ذكر الله والخطبة من ذكر الله إذا لم تكن هي المرادة بالذكر فالخطبة فريضة
وأما كونها شرطا من شروط الجمعة فلا
وأما قوله مع عددها فقد عرفت ما فيه وهكذا اشتراط طهارتهم وطهارة الخطيب فليس على ذلك دليل بل يصح أن يخطب وهو محدث وهم محدثون ثم يقوم ويقومون فيتطهرون ويصلون صلاة الجمعة
وهكذا اشتراط عدالة الخطيب لا دليل عليه وأما استدبار الخطيب للقبلة واستقباله للحاضرين فهذه هيئة حسنة كان يفعلها رسول الله صلى الله عليه و سلم ويفعلها من بعده من الخلفاء الراشدين ومن بعدهم ولكن لا دليل يدل على الوجوب فإن تأدية الذكر المأمور بالسعي إليه ممكنة بدون ذلك

(1/298)


وأما اشتمال الخطبة على حمد الله والصلاة على رسوله فهكذا كانت خطبته صلى الله عليه و سلم وليس ذلك إلا استفتاحا للخطبة المقصودة ومقدمة من مقدماتها والمقصود بالذات هو الوعظ والتذكير وهو الذي يساق إليه الحديث ولأجله شرع الله هذه الخطبة ولم يشرعها لمجرد الحمد لله والصلاة على رسوله فجعل المصنف للوعظ مندوبا وللحمد والصلاة على رسول الله واجبا ليس كما ينبغي وكان عليه أن يضم إلى الحمد والصلاة الشهادتين فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم لازمهما في خطبته كما لازم الحمد وغيره فلا وجه لإيجاب بعض ما لازمه رسول الله صلى الله عليه و سلم دون بعض فإن ذلك تحكم لا ينبغي من منصف وقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتلو شيئا من القرآن وقد يأتي في خطبته بسورة كاملة والمقصود الموعظة بالقرآن وإيراد ما يمكن من زواجره وذلك لا يختص بسورة كاملة
والحاصل أن روح الخطبة هو الموعظة الحسنة من قرآن أو غيره وقد خلط المصنف خلطا عظيما بإيجابه للبعض وإهماله للبعض والقول بندبية البعض وكان عليه أن يثبت لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حكما واحدا وإذا أراد تخصيص البعض بحكم آكد من غيره فليجعل ما هو المقصود والمراد من الخطبة وهو الوعظ آكد من غيره وأدخل في المشروعية
والقيام في الخطبتين مع القعود بينهما هو الثابت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وخلاف ذلك بدعة
والسكتة مع عدم القعود لم تثبت ولا فعلها رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا الخلفاء الراشدون بل كانوا يقعدون بين الخطبتين
وأما قوله ولا يتعدى ثالثة المنبر إلا لبعد سامع فلم يرد في هذا شيء فذكره في مندوبات الخطبة لا وجه له

(1/299)


وأما الاعتماد على سيف أو نحوه فقد روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وروي عنه ايضا التسليم على الحاضرين قبل الشروع في الخطبة من طرق يقوي بعضها بعضا
قوله وندب المأثور قبلهما وبعدهما وفي اليوم
اقول قد اشتملت السنة المطهرة على ذلك فمن جملة ما اشتملت عليه الإتيان إلى الجمعة بالسكينة والوقار وعدم تخطي الرقاب وترك الجلوس في مجلس قد سبق إليه سابق والتطيب بعد الاغتسال وصلاة ركعتي التحية ولو في حال الخطبة وصلاة اربع ركعات بعد الفراغ من الصلاة والتكبير إلى الجمعة وترك الاحتباء حال الخطبة وترك العبث بالحصى والتحول من المحل الذي نعس فيه إلى غيره
ومن المشروعات في اليوم الاستكثار من الدعاء لأن فيه الساعة التي لا يرد فيها الدعاء والاستكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم
قوله ويحرم الكلام حالهما
أقول هذا هو مقتضى الأدلة كحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت وأخرج هذا الحديث أحمد وأبو داود من حديث علي وزاد فيه ومن لغا فلا جمعة له وفي إسناده رجل مجهول ولكنه قد أخرج معنى هذه الزيادة أحمد وابن ابي شيبة والبزار والطبراني في الكبير من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/300)


من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا والذي يقول له أنصت ليس له جمعة وفي إسناده مجالد بن سعيد وفيه مقال خفيف
وأخرج أحمد والطبراني من حديث أبي الدرداء عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ وفي الباب أحاديث
وأما الخطيب فيجوز له أن يجيب سؤال من سأله ويأمر من ترك ما ينبغي فعله بأن يفعله كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة
وأما قوله فإن مات أو أحدث استؤنفتا فلا وجه للاستئناف إذا عرض ما يمنع من تمام الخطبة بل يبني الآخر على ما قد فعله الأول إذا لم يكن قد فعل ما هو مشروع
وقد قدمنا أنه لا دليل على اشتراط كون الخطيب متطهرا لأن المقصود من الخطبة يحصل من المحدث كما يحصل من المتطهر وما قيل من أنها بمنزلة ركعتين فلا اصل لذلك بل هي ذكر من الأذكار وموعظة من المواعظ
وأما قوله ويجوز أن يصلي غيره فذلك خلاف ما جرت به السنة فإنه صلى الله عليه و سلم كان يخطب ثم يصلي بالناس مدة حياته ثم كذلك الخلفاء الراشدون ومن بعدهم بل كان هذا هو الأمر المستمر عند أمراء الأمصار فضلا عن الخلفاء
فصل
ومتى اختل قبل فراغها شرط غير الإمام أو لم يدرك اللاحق من أي الخطبة قدر آية متطهرا أتمت ظهرا وهو الأصل في الأصح والمعتبر الاستماع لا السماع وليس لمن حضر الخطبة تركها إلا المعذورين غالبا ومتى أقيم جمعتان في دون الميل لم يعلم تقدم إحداهما أعيدت فإن علم أعاد الآخرون ظهرا فإن التبسوا فجميعا وتصير بعد جماعة العيد رخصة لغير الإمام وثلاثة
وإذا اتفق صلاة قدم ما خشي فوته ثم الأهم
قوله فصل ومتى اختل قبل فراغها شرط غير الامام إلخ

(1/301)


أقول قد عرفت ما أسلفنا أنه لم يصح شيء من تلك الشروط وأن إطلاق إسم الشروط عليها لم يدل عليه دليل يثبت به الوجوب فضلا عن الشرطية إلا الخطبتان فقد قدمنا أن دليلهما قد يدل على وجوبهما وبعد هذا كله تعلم أنه لا يضر اختلال شيء مما جعله مشروطا ثم حكمه على بعض الشروط بأنه يضر اختلاله قبل الفراغ وبعضها بأنه لا يضر بعد حكمه على الجميع بالشرطية تحكم يأباه الإنصاف فإن الشرط هو ما يؤثر عدمه في العدم فكيف كان بعض الشروط مؤثرا وبعضها غير مؤثر فهذا كونه تحكما مخالف لاصطلاح أهل الأصول والفروع
وأعجب من هذا كله أنه لا دليل بيده يدل على ما ذكره لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف بل إيجاب رفض الجمعة وتتميمها ظهرا مخالف للدليل وهو ما أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة بلفظ من أدرك من الجمعة فقد أدرك الجمعة ولهذا الحديث أثنا عشر طريقا صحح الحاكم منها ثلاثا وقال في البدر المنير هذه الطرق الثلاث أحسن طرق هذا الحديث والباقي ضعاف
وأخرج النسائي وابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عمر نحوه وله طرق قال ابن حجر في بلوغ المرام إسناده صحيح وقوى أبو حاتم إرساله وأخرج الطبراني في الكبير من حديث ابن مسعود بلفظ من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى ومن فاتته الركعتان فليصل أربعا قال في مجمع الزوائد وإسناده حسن
فهذه الأحاديث تقوم بها الحجة ويندفع بها ما قاله المصنف ويدل على ما دلت عليه هذه الأحاديث ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة فإن صلاة الجمعة داخلة في هذا العموم ولا تخرج عنه إلا بمخصص ولا مخصص

(1/302)


قوله وهو الأصل في الأصح
اقول الواجب يوم الجمعة الجمعة فريضة من الله عز و جل فرضها على عباده فإذا فاتت لعذر فلا بد من دليل على وجوب صلاة الظهر وقد قدمنا في القولة التي قبل هذه من حديث ابن مسعود بلفظ ومن فاتته الركعتان فليصل أربعا فهذا يدل على أن من فاتته الجمعة صلى ظهرا فإن كانت الأصالة من هذه الحيثية فذاك
وأما ما ذكره أهل الفروع من فوائد الخلاف في هذه المسألة فلا أصل لشيء من ذلك
قوله والمعتبر الاستماع لا السماع
أقول هذا صحيح فمن وقف حيث ينتهي به الوقوف وكان لا يسمع أو كان أصم أو كان صوت الخطيب خفيفا فالمستمع كالسامع
قوله وليس لمن حضر الخطبة تركها
أقول وجه هذا أنه قد ورد النهي عن الخروج من المسجد بعد سماع الدعاء إلى الصلاة والحاضر حال الخطبة داخل تحت هذا النهي وهذا يشمل المعذورين وغيرهم لأنهم قد حضروا إلا إذا كانوا يتضررون بالوقوف إلى وقت انقضاء الصلاة فما جعل الله في الدين من حرج
قوله ومتى اقيم جمعتان في دون الميل إلخ
أقول هذه المسألة قد اشتهرت بين أهل المذاهب وتكلموا فيها وصنف فيها من صنف منهم وهي مبنية على غير أساس وليس عليها أثارة من علم قط وما ظنه بعض المتكلمين فيها من كونه دليلا عليها هو بمعزل عن الدلالة وما أوقعهم في هذه الأقوال الفاسدة إلا ما زعموه من الشروط التي اشترطوها بلا دليل ولاشبهة دليل
فالحاصل أن صلاة الجمعة صلاة من الصلوات يجوز أن تقام في وقت واحد جمع متعددة في مصر واحد كما تقام جماعات سائر الصلوات في المصر الواحد ولو كانت المساجد متلاصقة ومن زعم خلاف هذا فإن كان مستند زعمه مجرد الرأي فليس ذلك بحجة على أحد وإن كان مستند زعمه الرواية فلا رواية

(1/303)


قوله وتصير بعد جماعة العيد رخصة لغير الإمام وثلاثة
أقول ظاهر حديث زيد بن أرقم عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه بلفظ أنه صلى الله عليه و سلم صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال من شاء أن يصلي فليصل يدل أن الجمعة تصير بعد صلاة العيد رخصة لكل الناس فإن تركوها جميعا فقد عملوا بالرخصة وإن فعلها بعضهم فقد استحق الأجر وليست بواجبة عليه من غير فرق بين الإمام وغيره وهذا الحديث قد صححه ابن المديني وحسنه النووي وقال ابن الجوزي هو أصح ما في الباب وفي إسناده إياس بن أبي رملة قال ابن القطان وابن المنذر هو مجهول ولكنه يشهد له ما أخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه عن الجمعة فإنا مجمعون قال في البدر المنير وصححه الحاكم وأخرج نحوه ابن ماجه من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف وأخرج ابو داود والنسائي والحاكم عن وهب بن كيسان قال اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فأخر الخروج حتى تعالى النهار ثم خرج فخطب فأطال الخطبة ثم نزل فصلى ولم يصل للناس يومئذ الجمعة فذكر ذلك لابن عباس قال اصاب السنة ورجاله رجال الصحيح وأخرجه أيضا أبو داود عن عطاء بنحو ما قاله وهب بن كيسان ورجاله رجال الصحيح وجميع ما ذكرناه يدل على أن الجمعة بعد العيد رخصة لكل أحد ولا ينافي ذلك قوله صلى الله عليه و سلم فإنا مجمعون فقد دلت أقواله على أن هذا التجميع منه صلى الله عليه و سلم ليس بواجب

(1/304)


قوله وإذا اتفق صلوات قدم ما خشي فوته ثم الأهم
اقول إن كانت الصلوات متفقة في كونها جميعا واجبة كصلاة جمعة و 2 جنازة أو متفقة في كونها جميعا غير واجبة كصلاة الكسوف والاستسقاء فيقدم ما خشي فوته ثم الأهم أما إذا كان بعضها واجبا وبعضها غير واجب فعليه أن يأتي بالواجب عليه فإن أمكن فعل غير الواجب بعده فعله وإلا فهو معذور عن فعله باشتغاله عنه بما هو واجب عليه لأن من الجائز أن يعرض له ما يمنعه عن فعل الواجب الذي أخره وفعل ما خشي فوته من غير الواجب

(1/305)


باب ويجب قصر الرباعي
إلى اثنتين على من تعدى ميل بلده مريدا أي سفر بريد حتى يدخله مطلقا أو يتعدى في أي موضع شهرا أو يعزم هو ومن يريد لزامه على إقامة عشر في أي موضع أو موضعين بينهما دون ميل ولو في الصلاة وقد نووا القصر لا العكس غالبا أو لو تردد
قوله باب ويجب قصر الرباعي إلى اثنتين
أقول لم يثبت عنه صلى الله عليه و سلم في جميع أسفاره إلا القصر وذلك في الصحيحين وغيرهما وأظهر الأدلة على الوجوب الحديث الثابت عن عائشة في الصحيحين وغيرهما بلفظ فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر فهذا اخبار بأن صلاة السفر أقرت على ما فرضت عليه فمن زاد فيها فهو كمن زاد على أربع في صلاة الحضر ولا يصح التعلق بما روي عنها أنها كانت تتم فإن ذلك لا تقوم به الحجة بل الحجة في روايتها لا في رأيها
وهكذا لم يثبت ما روي عنها أنه روت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أتم وقد وافقها على هذا الخبر الذي أخبرت به ابن عباس فأخرج مسلم عنه أنه قال إن الله عز و جل فرض الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه و سلم على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعا والخوف ركعة
ومن ذلك ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه عن عمر قال صلاة السفر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام من غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه و سلم ورجاله رجال الصحيح

(1/306)


وأخرج النسائي وابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما عن ابن عمر قال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتانا ونحن ضلال فعلمنا كان فيما علمنا أن الله عز و جل أمرنا أن نصلي في السفر ركعتين
فهذه الأدلة قد دلت على أن القصر واجب عزيمة غير رخصة وأما قوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فهو وارد في صلاة الخوف والمراد قصر الصفة لا قصر العدد كما ذكر ذلك المحققون وكما يدل عليه آخر الآية ولو سلمنا أنها في صلاة القصر لكان ما يفهم من رفع الجناح غير مراد به في ظاهره لدلالة الأحاديث الصحيحة على أن القصر عزيمة لا رخصة
ولم يرد في السنة ما يصلح لمعارضة ما ذكرناه من الأدلة الصحيحة
قوله على من تعدى ميل بلده مريدا أي سفر بريدا
أقول هذه المسألة قد اضطربت فيها الأقوال وكثرت فيها مذاهب الرجال وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس قال صليت مع النبي صلى الله عليه و سلم الظهر بالمدينة أربعا وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين
وهذا يدل على أن الخارج لسفر يقصر الصلاة إذا خرج من بلده قدر ما بين المدينة وذي الحليفة وهو ستة أميال ولكن هذا لا يدل على عدم القصر فيما دون هذه المسافة لما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين
وأخرج سعيد بن منصور عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة

(1/307)


والحاصل أن هذه التقديرات لا تدل على عدم جواز القصر فيما دونها مع كونها محتملة أن يكون قاصدا لسفر هو خلف ذلك المقدار وأن يكون ذلك هو منتهى سفره
فالواجب الرجوع إلى ما يصدق عليه أنه سفر وأن القاصد إليه مسافر ولا ريب أن أهل اللغة يطلقون اسم المسافر على من شد رحله وقصد الخروج من وطنه إلى مكان آخر فهذا يصدق عليه أنه مسافر وأنه ضارب في الأرض ولا يطلقون اسم المسافر على من خرج مثلا إلى الأمكنة القريبة من بلده لغرض من الأغراض فمن قصد السفر قصر إذا حضرته الصلاة ولو كان في ميل بلده وأما نهاية السفر فلم يرد ما يدل على أن السفر الذي يقصر فيه الصلاة هو أن يكون المسافر قاصدا لمقدار كذا من المسافة فما فوقها
وقد صح النهي للمرأة أن تسافر بغير محرم ثلاثة أيام وفي رواية مسيرة يوم وليلة وفي رواية أن تسافر بريدا فسمى النبي صلى الله عليه و سلم كل ذلك سفرا وأقله البريد فكان القصر في البريد واجبا ولكنه لا ينبغي ثبوت القصر فيما دون البريد إلا أن يثبت عند أهل اللغة أو في لسان أهل الشرع أن من قصد دون البريد لا يقال له مسافر وأما قول المصنف مريدا أي سفر أي سواء كان السفر طاعة أو معصية فهو صواب لأن الأدلة الأخرى لم تفرق بين سفر وسفر ومن ادعى ذلك فعليه الدليل
قوله أو يتعدى في أي موضع شهرا
اقول الذي لم يعزم على إقامة مدة معينة لا يزال يقصر حتى يمضي له قدر المرة التي أقامها رسول الله صلى الله عليه و سلم في مكة عام الفتح وفي تبوك
وقي روي أنه اقام في مكة ثماني عشرة ليلة كما في رواية أو تسع عشرة ليلة كما في رواية أخرى أو سبع عشرة ليلة كما في رواية ثالثة
وروي أنه قام بتبوك عشرين ليلة فإذا مضى للمتردد الذي لم يعزم على إقامة معينة عشرون ليلة أتم صلاته

(1/308)


فإن قلت ومن أين لنا أن النبي صلى الله عليه و سلم لو أقام أكثر من هذه المدة لأتم صلاته
قلت المقيم ببلد قد حط رحله وذهب عنه مشقة السفر فلولا أنه صلى الله عليه و سلم قصر في هذه المدة لما كان القصر في ذلك سائغا فعلينا أن نقتصر على المدة التي قصر فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم وأطلق عليه وعلى من معه فيها اسم السفر فقال أتمو يا أهل مكة فإنا قوم سفر
وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال لما فتح النبي صلى الله عليه و سلم مكة اقام فيها تسع عشرة ليلة فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسع عشرة ليلة قصرنا وإن زدنا أتممنا فهذا حبر الأمة يقول هكذا وهو الحق اقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم فيما قصر فيه مع الإقامة ورجوعا إلى الأصل وهو أن المقيم يتم صلاته فيما زاد على ذلك
قوله أو يعزم هو أو من يريد لزامه على إقامة عشر
أقول قد قدمنا لك أن المقيم الذي حط رحل السفر لا يقصر إلا بدليل وقد ثبت فيمن لم يعزم على إقامة معينة ما قدمناه وأما من عزم على إقامة معينة فلم يثبت فيه إلا أن النبي صلى الله عليه و سلم قصر الصلاة في عام حجه في أيام إقامته بمكة وهو قدم مكة صبحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح في اليوم الثامن بمكة ثم خرج إلى منى فقد عزم صلى الله عليه و سلم على إقامة هذه الأربعة الأيام بمكة وقصر الصلاة فيها فمن عزم على إقامة أربعة ايام بمكة قصر وإن عزم على إقامة أكثر منها أتم اقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم رجوعا إلى الأصل وهو أن المقيم يتم
وقد خلط الكلام الجلال في هذا المقام ووهم عدة أوهام

(1/309)


فصل
وإذا انكشف مقتضى التمام وقد قصر اعاد تماما لا العكس إلا في الوقت ومن قصر ثم رفض السفر لم يعد ومن تردد في البريد أتم وإن تعداه كالهائم
قوله فصل وإذا انكشف مقتضى التمام وقد قصر أعاد تماما
اقول وجه ذلك عند المصنف أنه انكشف عدم المقتضى للقصر وهو سفر البريد ووجد المقتضى للتمام وهو عدم السفر إلى البريد واما قوله لا العكس فغير صواب لأنه قد وجد مقتضى القصر والقائل بأن القصر عزيمة لا يفيده قول من قال إنه رخصة ولكنه مبني على قاعدة فروعية وهي أن المختلف فيه لا يقضى إلا في الوقت لا بعده وهو يخالف قاعدة لهم أخرى وهي أن الاعتبار بالانتهاء
وهكذا قوله ومن قصر ثم رفض السفر لم يعد كأن قياس قواعدهم أن يعيد اعتبارا بالانتهاء لأن النية غير مؤثرة بمجردها
وأما قوله ومن تردد في البريد اتم فإن كان التردد في البريد مع عدم مجاوزته فلم يحصل مقتضى القصر وإن كان مع مجاوزته فقد حصل موجبه فلا وجه لقوله وإن تعداه وقياسه على الهائم غير صحيح لأن الهائم لم يقصد السفر فهو غير مسافر وهذا مسافر فإن كان هذا الذي تردد في البريد هائما فلا وجه لقوله كالهائم لأنه هائم لا كالهائم
فصل
والوطن ما نوى استيطانه ولو في مستقبل بدون سنة وإن تعدد يخالف دار الإقامة بأنه يصير وطنا بالنية قيل وبأن لا يقصر منه إلا لبريد وتوسطه يقطعه ويتفقان في قطعهما حكم السفر وبطلانهما بالخروج مع الإضراب

(1/310)


قوله فصل والوطن هو ما نوى استيطانه
اقول مصير المكان وطنا بمجرد النية لم يوافق رواية صحيحة ولا رأيا مقبولا وجعل النية مؤثرة في دون سنة لا في سنة فما فوقها لا يدري ما وجهه ولا من أين مأخذه وليس مثل هذا الكلام القائل والرأي العاطل مما يدون في مثل كتب الهداية التي هي لقصد إرشاد العباد إلى ما شرعه الله لهم
وهكذا ما ذكره من الفرق بين دار الوطن ودار الإقامة ليس عليه أثاره من علم وكان الأولى للمصنف أن يجعل مكان هذه الخرافات ما ورد فيمن تأهل في بلد أنه يتم الصلاة فيها لما اخرجه أحمد عن عثمان بن عفان أنه صلى بمنى أربع ركعات فأنكر الناس عليه فقال يا ايها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم وفي إسناده عكرمة بن إبراهيم وفيه ضعف خفيف لا يوجب ترك ما رواه

(1/311)


باب وشرط جماعة الخوف
من أي أمر صائل السفر وآخر الوقت وكونهم محقين مطلوبين غير طالبين إلا لخشية الكر فيصلي الإمام ببعض ركعة ويطول في الأخرى حتى يخرجوا ويدخل الباقون وينتظر في المغرب متشهدا ويقوم لدخول الباقين
وتفسد بالعزل حيث لم يشرع وبفعل كثير لخيال كاذب
وعلى الأولين بفعلها له
قوله باب وشروط جماعة الخوف من أي أمر صائل السفر
اقول الظاهر ثبوت مشروعية صلاة الخوف من كل أمر يخاف منه في السفر والحضر ولا يدل كونه صلى الله عليه و سلم لم يصلها إلا من خوف خاص وفي إسفاره على أنها لا تصلى من خوف من غير آدمي ولا تصلى في الحضر فإن العلة التي شرعت لها كائنة في الجميع ولا يصح التمسك بأنه صلى الله عليه و سلم لم يصلها في المدينة مع اشتداد الملاحمة والمدافعة لأنه صلى الله عليه و سلم اشتغل هو وأصحابه بمواقعة الأحزاب حتى قال له عمر يا رسول الله ما كدت اصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب فقال له النبي صلى الله عليه و سلم والله ما صليتها قال جابر فقمنا إلى بطحان فتوضأ النبي صلى الله عليه و سلم للصلاة وتوضأنا فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب هكذا في البخاري من حديث جابر وفي الموطأ أن الذين فاتهم الظهر والعصر والمغرب وأنهم صلوا بعد هدوء من الليل
وأيضا قد أخرج النسائي وابن حبان من حديث أبي سعيد أن ذلك كان قبل أن ينزل قوله تعالى فرجالا أو ركبانا

(1/312)


وأما اشتراط أن تكون صلاة الخوف في آخر الوقت فلا دليل عليه بل تفعل في أول الوقت ووسطه وآخره على حسب ما يقتضيه الحال
وأما اشتراط كونهم محقين مطلوبين غير طالبين فلم يرد ما يدل على ذلك وقد صلاها رسول الله صلى الله عليه و سلم في كثير من المواطن وهو طالب للكفار غير مطلوب
قوله فيصلي الإمام ببعض ركعة إلخ
اقول قد وردت صلاة الخوف على أنحاء مختلفة وثبت فيها صفات فأيها فعل المصلون فقد أجزأهم وقد ذكرنا ما ورد فيها من الأنواع في شرحنا للمنتقي وذكرنا جملة ما صح من ذلك فليرجع إليه فإن إيراده هنا يحتاج إلى تطويل يخالف ما هو الغرض لنا من التنبيه على الصواب والإرشاد إلى الحق
وهذه الصفة التي ذكرها المصنف هي من جملة الصفات الواردة ولا وجه للاقتصار عليها فإن ذلك تضييق لدائرة قد وسعها الله على عباده
قوله وتفسد بالعزل حيث لم يشرع
اقول إذا لم يوافق العزل صفة من الصفات الواردة فغاية ما هناك أنه أتى ببعض صلاته جماعة وبعضها فرادى وذلك لا يقتضي الفساد
وأما فسادها بالفعل الكثير للخيال الكاذب فقد قدمنا في الفعل الكثير ما يغني عن الإعادة
فصل
فإن اتصلت المدافعة فعل ما أمكنه ولو في الحضر ولا تفسد بما لا بد منه من قتال وانفتال ونجاسة على آلة الحرب وعلى غيرها تلقى فورا ومهما أمكن الإيماء بالرأس فلا قضاء وإلا وجب الذكر والقضاء

(1/313)


ويؤم الراجل الفارس لا العكس
قوله فصل فإن اتصلت المدافعة فعل ما أمكنه
أقول يدل على هذا قول الله سبحانه فاتقوا الله ما استطعتم وقوله صلى الله عليه و سلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ويدل على ذلك ما أخرجه ابو داود عن عبد الله ابن أنيس قال بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عرنة وعرفات فقال اذهب فاقتله قال وحضرت صلاة العصر فقلت إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومىء يماء نحوه فلما دنوت منه قال لي من أنت قلت رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك فقال إني لفي ذاك فمشيت معه ساعة حتى أمكنني ثم علوته بسيفي حتى برد
ومثل هذا من هذا الصحابي المبعوث في هذا الأمر المهم لا يخفى على رسول الله صلى الله عليه و سلم وفيه دليل على أنه يفعل ما أمكنه ولو بمجرد الايماء وإلى غير القبلة وفيه أنه لا يشترط ما تقدم من كونهم مطلوبين وفيه أن صلاة الخوف تصح أن تكون فرادى

(1/314)


باب وفي وجوب صلاة العيدين خلاف
وهي من بعد انبساط الشمس إلى الزوال ركعتان جهرا ولو فرادى بعد قراءة الأولى سبع تكبيرات فرضا يفصل بينهما الله أكبر كبيرا إلى آخره ويركع بثامنة وفي الثانية خمس كذلك ويركع بسادسة ويتحمل الإمام ما فعله مما فات اللاحق
قوله باب وفي وجوب صلاة العيدين خلاف
اقول هذه العبارة لا تفيد السامع ولا يحسن السكوت عليها لأنه غالب مسائل الفروع هكذا فيها خلاف ولعله لم يتقرر دليل الوجوب للمصنف كما ينبغي وكان عليه أن يقف على ما دون الوجوب ويجزم به كعادته في هذا الكتاب حتى يكون لكلامه فائدة يستفيدها المقلد
واعلم أن النبي صلى الله عليه و سلم لازم هذه الصلاة في العيدين ولم يتركها في عيد من الأعياد وأمر الناس بالخروج إليها حتى أمر بخروج النساء العواتق وذوات الخدور والحيض وأمر الحيض أن يعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين حتى أمر من لا جلباب لها أن تلبسها صاحبتها من جلبابها وهذا كله يدل على أن هذه الصلاة واجبة وجوبا مؤكدا على الأعيان لا على الكفاية
قوله وهي من بعد انبساط الشمس إلى الزوال
اقول قد قدمنا حديث أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر الناس أن يفدوا إلى مصلاهم لما أخبره الركب برؤية الهلال

(1/315)


وأخرج ابو داود وابن ماجه أن عبد الله بن بسر صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم أنكر على الإمام الذي أبطأ بصلاة العيد ورجال إسناده عند أبي داود ثقات
وأخرج أحمد بن الحسن البناء عن جندب في كتاب الأضاحي قال كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قيد رمحين والأضحى على قيد رمح هكذا ذكره ابن حجر في التلخيص ولم يتكلم عليه
وأخرج الشافعي في حديث مرسل أن النبي صلى الله عليه و سلم كتب إلى عمرو ابن حزم وهو بنجران أن عجل الأضحى واخر الفطر وذكر الناس
قوله وهي ركعتان جهرا ولو فرادى
اقول أصل كل صلاة تصح فرادى كما تصح جماعة وصلاة العيد صلاة من الصلوات فمن ادعى أنها لا تصح فرادى كان عليه الدليل ولا يصلح لذلك أنه صلى الله عليه و سلم ما صلاها إلا جماعة فإن غاية ما يستفاد من ذلك أن التجميع في العيد أولى ولا شك في ذلك ومحل النزاع الصحة فمن نفاها فهو المحتاج إلى الدليل
وهكذا الجهر هو الثابت عنه صلى الله عليه و سلم ولكنه لا ينفي صحة الإسرار
قوله بعد قراءة الأولى سبع تكبيرات فرضا
اقول لم يصح في كون التكبير بعد القراءة شيء اصلا بل لم يكن في ذلك حديث ضعيف فضلا عن أن يوجد فيه حديث صحيح أو حسن وأما تقديم التكبير في الركعتين على القراءة ففيه حديث عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الأخرى والقراءة بعدهما كلتيهما أخرجه أبو داود والدارقطني وأخرجه من غير ذكر تقديم التكبير على القراءة أحمد وابن ماجه

(1/316)


قال العراقي إسناده صحيح وقال الترمذي في العلل المفردة عن البخاري إنه قال حديث صحيح
وأخرج الترمذي عن عمرو بن عوف المزني أن النبي صلى الله عليه و سلم كبر في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الثانية خمسا قبل القراءة قال الترمذي هو أحسن شيء في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه و سلم وأخرجه الدارقطني وابن عدي والبيهقي وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال الشافعي وأبو داود إنه ركن من أركان الكذب وقال ابن حبان له نسخة موضوعة عن أبيه عن جده قال ابن حجر في التلخيص وقد أنكر جماعة تحسينه على الترمذي وأجاب النووي في الخلاصة على المنكرين على الترمذي فقال لعله اعتضد بشواهد وغيرها قال العراقي في شرحه للترمذي إن الترمذي إنما تبع في ذلك البخاري فقال قال في كتاب العلل المفردة سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال ليس في هذا الباب شيء أصح منه وبه اقول انتهى
وأخرج ابن ماجه عن سعد القرظ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يكبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الأخرى خمسا قبل القراءة وفي إسناده ضعف
وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا وتصلح للاحتجاج بها في كون التكبير قبل القراءة وفي كون التكبير سبعا في الأولى وخمسا في الثانية
وقد وردت روايات أخر في عدد التكبير مقوية لهذه الأحاديث
قوله ويفصل بينهما ندبا الله أكبر إلخ
أقول هذا الندب لا يستند إلى كتاب الله ولا إلى سنة رسول الله ولا إلى قول صحابي ولا تابعي ومجرد أنه استحسنه فرد من أفراد العلماء لا يصلح لإثبات الندب فإن الندب هو أحد الأحكام الخمسة ولا يثبت إلا بدليل يدل عليه في هذا التسرع إلى التقول على الشرع بما لم يكن منه

(1/317)


والحاصل أن صلاة العيد هي أن يكبر المصلي للإحرام ثم يكبر في الأولى سبع تكبيرات ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن ثم يقوم إلى الركعة الثانية فيكبر خمسا ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن وإذا أراد أن يقتدي بالقراءة التي كان يقرأ بها رسول الله صلى الله عليه و سلم في صلاة العيد قرأ في الأولى سبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية ب هل أتاك حديث الغاشية أو قرأ في الأولى ب ق والقرآن المجيد وفي الثانية ب اقتربت الساعة وانشق القمر فهذا هو المروي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في قراءته في العيدين
وأما قوله ويتحمل الإمام ما فعله مما فات اللاحق فلم يدل على هذا التحمل دليل وقد تقدم في أدلة قراءة الفاتحة في كل ركعة ما ينبغي اعتباره هنا وهكذا هذه الأحاديث المذكورة في تكبير صلاة العيدين يفعلها المؤتم كما يفعلها الإمام فلا يكون المؤتم مدركا للركعة إلا بقراءة فاتحتها والإتيان بما شرع فيها من التكبير
فصل
وندب بعدها خطبتان كالجمعة إلا أنه لا يقعد أولا ويكبر في الأولى تسعا وفي آخرهما سبعا سبعا ومن خطبة الأضحى التكبير المأثور ويذكر حكم الفطرة والأضحية وتجزىء من المحدث وتارك التكبير وندب الإنصات ومتابعته في التكبير والصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم والمأثور في العيدين
قوله فصل وندب بعدها خطبتان كالجمعة
اقول هذا أعني كون الخطبتين بعد الصلاة هو الثابت عنه صلى الله عليه و سلم في الأحاديث الصحيحة وأما كونهما مندوبتين فلما أخرجه النسائي وابو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن السائب قال شهدت مع النبي صلى الله عليه و سلم العيد فلما قضى الصلاة قال إنا نخطب فمن أحب أن يجلس فليجلس ومن أحب أن يذهب

(1/318)


فليذهب وهذا الحديث هو من الأحاديث المسلسلة بيوم العيد وقد رويته مسلسلا بإسناد إلى النبي صلى الله عليه و سلم في مجموعي الذي سميته إتحاف الأكابر
قوله إلا أنه لا يقعد أولا
أقول هذا صواب لأنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قعد في خطبة العيد بل كان يفرغ من الصلاة فيقوم ثم يخطب
قوله ويكبر في الأولى تسعا إلخ
اقول لم يرد في ذلك دليل صحيح للتمسك به وأما ما رواه البيهقي عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة أنه قال من السنة أن تفتتح الخطبة بتسع تكبيرات تترى والثانية بسبع تكبيرات تترى فإن أراد سنة النبي صلى الله عليه و سلم فالحديث مرسل وإن أراد سنة الصحابة فلا تقوم به الحجة إلا أن يكون إجماعا منهم قال ابن القيم وأما قول كثير من الفقهاء إنه تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار وخطبة العيد بالتكبير فليس معهم فيها سنة من النبي صلى الله عليه و سلم ألبتة والسنة تقضي خلافها وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد انتهى
وأما قوله وفي فصول الأولى من خطبة الأضحى التكبير المأثور فلم يؤثر في ذلك شيء ألبتة فإن أراد أنه يستحب في فصول هذه الخطبة تكبير التشريق الذي سيأتي فهو لم يؤثر في خطبة العيد قط
قوله ويذكر حكم الفطرة والأضحية
اقول اما ذكر حكم الفطرة في خطبة عيد الفطر فلم يثبت في ذلك شيء ولكنه إذا فعل ذلك الخطيب فهو من البيان الذي شرعه الله مع كون ذلك مزيد اختصاص بهذا اليوم
وهكذا ذكر حكم الأضحية وما يجزىء منها وما لا يجزىء وبيان وقتها وما ينبغي للمضحي أن يفعله في أضحيته وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه خطب يوم الأضحى فذكر مشروعية النحر بعد الصلاة وأن من نحر قبل الصلاة فليست بأضحية

(1/319)


وأما كون الخطبة تجزىء من المحدث فذلك صواب لعدم الدليل على أن يكون الخطيب متطهرا
وأما أنها تجزىء من تارك التكبير فتارك التكبير ابعد من البدعة من فاعله كما قدمنا
وأما كون الإنصات مندوبا فلكون سامع الموعظة ينبغي له أن يفهمها وإذا اشتغل بالكلام ولم ينصت لم يفهمها فهو إنما يحسن من هذه الحيثية لا من حيث الدليل فإنه لم يرد في خطبة العيد ما يدل على ذلك ولا ورد ما يدل على المتابعة في التكبير ولا ورد ما يدل في خصوص خطبة العيد على المتابعة في الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم ولكنه ورد ما يدل على مشروعية الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم عند ذكره وهم أعم من أن يكون في خطبة العيد أو في غيرها ولم يخص إلا خطبة الجمعة لوجوب الإنصات فيها
قوله وندب المأثور في العيدين
اقول من المأثور في العيدين أن تكون الصلاة في الجبانة إلا لعذر من مطر أو نحوه وأن يخالف الإمام ومن معه الطريق فيرجعون في طريق غير الطريق التي جاءوا منها ورفع الصوت بالتكبير والتهليل وتعجيل الخروج لصلاة الأضحى وتأخيره لصلاة الفطر وأن لا يغدو لصلاة الفطر حتى يطعم ويخرج لصلاة الأضحى قبل أن يطعم وأن لا يصلي قبل صلاة العيد ولا بعدها وأن يلبس أحسن ما يجد ويتطيب بأجود ما يجد وأن يخرج إلى العيد ماشيا وأن يستكثر من الموعظة للرجال والنساء ويرغبهم في الصدقة
فصل
وتكبير التشريق سنة مؤكدة عقيب كل فرض من فجر عرفة إلى آخر أيام التشريق ويستحب عقيب النوافل
قوله فصل وتكبير التشريق سنة مؤكدة إلخ
أقول قد ثبت الأمر بالذكر في الأيام المعدودة قال الله عز و جل واذكروا الله في أيام معدودات وهي أيام التشريق وثبت عنه صلى الله عليه و سلم مطلق التكبير وفي

(1/320)


وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه و سلم قال والحيض يكن خلف الناس يكبرن مع الناس
وفي البخاري أن أم عطية قالت كنا نؤمر أن نخرج الحيض فيكبرن بتكبيرهم
وثبت في الصحيح عن عمر أنه كان يكبر فيكبر من في المسجد ويكبر بتكبيرهم من في الأسواق وأنه كان يقع ذلك مرة بعد مرة في دبر الصلاة وغيرها من الأوقات
والحاصل أن المشروع في ايام التشريق الاستكثار من ذكر الله عز و جل خصوصا التكبير والمراد مطلق التكبير وهو أن يقول الله أكبر ويكرر ذلك في الأوقات ومن جملتها عقب الصلاة ولا وجه لتخصيصه بعقب الصلاة ولا لجعل يوم عرفة من جملة الأيام التي يستحب فيها تكبير التشريق فإن أيام التشريق هي أيام النحر وهي يوم النحر ويومان بعده
وأما يوم عرفة فهو من الأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة التي قال الله سبحانه فيها ويذكروا اسم الله في أيام معلومات وثبت فيها كما في البخاري وغيره من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما من ايام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز و جل من هذه الأيام يعني ايام العشر قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وما له ثم لم يرجع بشيء من ذلك
وأخرج مسلم من حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والحمد

(1/321)


باب
ويسن للكسوفين حالهما ركعتان في كل ركعة خمسة ركوعات قبلها ويفصل بينها الحمد مرة والصمد والفلق سبعا سبعا ويكبر موضع التسميع إلا في الخامس
وتصح جماعة وجهرا وعكسهما وكذلك لسائر الإفزاع أو ركعتين لها
وندب ملازمة الذكر حتى ينجلي ويستحب للاستسقاء أربع بتسلمتين في الجبانة ولو سرا وفرادى ويجأرون بالدعاء والاستغفار ويحول الإمام رداءه راجعا تاليا للمأثور
قوله باب ويسن للكسوفين حالهما ركعتان في كل ركعة خمس ركوعات قبلها إلخ
اقول هذا أكثر ما ورد في صلاة الكسوف فالأخذ به أخذ بالزيادة ولكن أصح ما ورد في صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان فإن هذا هو الثابت في الصحيحين وغيرهما من طرق ثم دون هذا في الصحة مع كونه صحيحا في كل ركعة ثلاثة ركوعات وكذا ركعتان في كل ركعة أربعة ركوعات ثم دون هذين في الصحةركعتان في كل ركعة خمس ركوعات وورد ركعتان في كل ركعة ركوع وورد أن صلاة الكسوف تكون كأحدث صلاة صلوها
فجملة ما ورد ركوع في كل ركعة وركوعان في كل ركعة وثلاثة في كل ركعة وأربعة في كل ركعة وخمسة في كل ركعة وكأحدث صلاة فهذه ست صفات وقد استشكل كثير من المحدثين وقوع مثل هذا الاختلاف مع كونه صلى الله عليه و سلم لم يصل صلاة الكسوف إلا مرة واحدة وذكروا في الجمع وجوها ليس هذا موضع ذكرها وإذا تقرر لك أن مخرج هذه الأحاديث متفقا وأن القصة واحدة عرفت أنه لا يصح ها هنا أن يقال كما قيل في صلاة الخوف

(1/322)


أنه يأخذ بأي الصفات شاء بل الذي ينبغي ها هنا أن يأخذ بأصح ما ورد وهو ركوعان في كل ركعة لما في الجمع بين هذه الروايات من التكلف البالغ
ثم اعلم أنه قد اجتمع ها هنا في صلاة الكسوف الفعل والقول ومن ذلك قوله صلى الله عليه و سلم إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموها كذلك فافزعوا إلى المساجد
وفي رواية فصلوا وادعوا
والظاهر الوجوب فإن صح ما قيل من الإجماع على عدم الوجوب كان صارفا وإلا فلا
قوله ويفصل بينهما الحمد مرة والصمد والفلق سبعا سبعا
أقول كان يغني عن هذا الرأي البحث والاستحسان الصرف ما ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم انه كان يقرأ بعد كل ركوع بسورة من الطوال ولا وجه ها هنا لتكرير الحمد بعد كل ركوع بل يقرأ بعد الدخول في الصلاة ثم يقرأ بين كل ركوعين بسورة من الطوال اقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم
وأما قوله ويكبر موضع التسميع فهو خلاف الثابت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقول عند الارتفاع من الركوع سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد وكذلك كان يقول عند الارتفاع من الركوع الثاني
وهكذا ينبغي أن يقال عند الارتفاع من سائر الركوعات لمن أراد أن يأتي بالزيادة على ركوعين في كل ركعة اقتداء بما فعله رسول الله صلى الله عليه و سلم لأن الذي في رواية عائشة في هذا الحديث الذي فيه التسميع والتحميد هو في صلاته صلى الله عليه و سلم ركعتين في كل ركعة ركوعان

(1/323)


قوله وتصح جماعة وجهرا وعكسهما
اقول الثابت عنه صلى الله عليه و سلم في هذه المرة التي صلى فيها صلاة الكسوف أنه صلاها جماعة وجهر فيها بالقراءة ولكن أمره صلى الله عليه و سلم بالصلاة يتناول صلاة الفرادى وصلاة الإسرار مع أنه ثبت من حديث سمرة عند أحمد وأهل السنن أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى بهم في الكسوف لا يسمعون له صوتا وقد صححه الترمذي وابن حبان والحاكم ولكن روايات الجهر أصح وأكثر وراوي الجهر مثبت وهو مقدم على النافي
قوله وكذلك لسائر الإفزاع
أقول إذا لم تثبت الصلاة لمثل ذلك كان فعلها لحدوث الأمر المفزع بدعة من هذه الحيثية لا من حيثية كونها صلاة ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك شيء وما روي عن بعض الصحابة لم يصح ولو صح لم تقم به الحجة
قوله وندب ملازمة الذكر حتى تنجلي
أقول ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال في الكسوف فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وفي لفظ آخر فيهما فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره وفي لفظ لهما فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى تنجلي
قوله ويستحب للاستسقاء أربع بتسليمتين
اقول لم يرد عنه صلى الله عليه و سلم أنه صلى أربعا ولا أرشد إلى صلاة الأربع بل الثابت عنه أنه صلى ركعتين فقط وثبت عنه أنه خطب بعد صلاته للركعتين

(1/324)


وثبت عنه أنه استسقى في خطبة الجمعة وثبت أنه خطب قبل صلاة الركعتين والكل سنة
وثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه جهر بالقراءة
وأما قول المصنف رحمه الله ولو سرا أو فرادى فذلك رجوع إلى ما هو أصل كل صلاة أنها تصح سرا وجهرا وجماعة وفرادى
ولكن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه و سلم فيما ثبت عنه هو الذي ينبغي اعتماده
وأما ما ذكره من الجأر بالدعاء والاستغفار فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يدعو ويحول وجهه إلى القبلة ويرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه ولا يزال في الدعاء والتضرع
وما ذكره من تحويل الرداء فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه حول رداءه وحول أصحابه ولا وجه لتقييد ذلك بحال الرجوع فقد كان النبي صلى الله عليه و سلم يفعله حال الدعاء والخطبة
وأما قوله تاليا للمأثور فلم يرد في ذلك شيء يصلح للتمسك به لا في حال الخطبة والدعاء ولا في حال الرجوع ولكنه روى سعيد بن منصور في سننه عن عمر بن الخطاب أنه خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار فقالوا ما رأيناك استسقيت فقال لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء ثم قرأ استغفروا ربكم إنه كان غفارا الآية

(1/325)


فصل
والمسنون من النفل ما لازمه الرسول صلى الله عليه و سلم وأمر به وإلا فمستحب وأقله مثنى وقد يؤكد كالرواتب ويخص كصلاة التسبيح والفرقان ومكملات الخمسين
فأما التراويح جماعة وصلاة الضحى بنيتها فبدعة
قوله فصل والمسنون من النقل ما لازمه الرسول صلى الله عليه و سلم وأمر به إلخ
اقول مراده أنه قد تبين أن ذلك الذي لازمه وأمر به نفل بدليل يدل على ذلك ولهذا قال من النفل فلا يرد عليه باعتبار عبارته شيء ولكنه يقال له ما لازمه فقط فهو سنة وما أمر به أمرا لا يراد به المعنى الحقيقي لوجود صارف فهو سنة وما اجتمع فيه القول والفعل فلا شك أن له مزيد خصوصية فهو آكد مما لم يرد فيه إلا أحدهما فإن أراد هذا المعنى فلا وجه لجعل البعض مسنونا والبعض مستحبا لأن المستحب والمندوب عنده وعند من يوافقه من أهل الأصول والفروع لهما رتبة دون رتبة المسنون
والحق أن الكل يصدق عليه اسم السنة وإن كان بعضه آكد من بعض لكونه ثابتا بالسنة النبوية بل السنة تشمل ما ثبت وجوبه بالسنة فإن قلت هذا اصطلاح ولا مشاحة فيه قلت إذا جرى الاصطلاح على ما يخالف المعنى الشرعي فهو مدفوع من أصله
قوله وأقله مثنى
أقول أما الإيتار بركعة فقد ثبت ثبوتا متواترا وذلك واضح ظاهر لكل من له أدنى اطلاع على السنة المطهرة وقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه وصف صلاة النفل بالليل والنهار أنها مثنى مثنى وخص صلاة الوتر بالزيادة فصلاها أربعا أربعا وورد ما يدل على جواز الزيادة على أربع متصلة وخصها أيضا بالنقصان فجوز الإيتار بركعة واجتمع في ذلك قوله وفعله

(1/326)


قوله وقد يؤكد كالرواتب
أقول رواتب الفرائض قد اجتمع فيها القول والفعل وثبت ذلك ثبوتا لا شك فيه ولا شبهة فهي داخلة في المسنون من النفل دخولا أوليا فإفرادها بالذكر تطويل بلا طائل
قوله وقد يخص التسبيح
أقول كأنه لم يرد في النوافل دليل يخصها إلا هذه التي ذكرها وذلك من أغرب ما يقرع سمع من يعرف الأدلة فإنه قد ورد في الاثني عشر الركعة التي هي رواتب الفرائض أن من صلاها في يوم وليلة بنى له بيت في الجنة وورد في كل راتبة من هذه الرواتب بخصوصها من الترغيبات ما لا يخفى على عارف فورد في الأربع قبل الظهر والأربع بعدها أن من صلاها حرمه الله على النار وقال صلى الله عليه و سلم رحم الله امرأ صلى أربعا قبل العصر وقال صلى الله عليه و سلم في الركعتين قبل الفجر إنها خير من الدنيا وما فيها وقال لا تدعوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل بل ورد في غالب النوافل في الليل والنهار من الترغيب بالأحاديث الصحيحة ما لا يخفى على عارف بل ورد في صلاة الضحى التي جعلها المصنف بدعة ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال أوصاني خليل صلى الله عليه و سلم بثلاث بصيام ثلاثة

(1/327)


أيام في كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام
وثبت في الصحيح أنه يصبح على كل سلامي صدقة وأنه يجزىء من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى
فالعجب من المصنف حيث يعمد إلى صلاة التسبيح التي اختلف الناس في الحديث الوارد فيها حتى قال من قال من الأئمة إنه موضوع وقال جماعة إنه ضعيف لا يحل العمل به فيجعلها أول ما خص بالتخصيص وكل من له ممارسة لكلام النبوة لا بد أن يجد في نفسه من هذا الحديث ما يجد وقد جعل الله في الأمر سعة عن الوقوع فيما هو متردد ما بين الصحة والضعف والوضع وذلك بملازمة ما صح فعله أو الترغيب في فعله صحة لا شك فيها ولا شبهة وهو الكثير الطيب
قوله والفرقان
أقول رحم الله المصنف فإن هذه الصلاة التي جعلها مما خص بالتخصيص مكذوبة موضوعة لم يثبت فيها حرف عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا عن غيره من الصحابة وما روي في ذلك عن علي فلا اصل له وهكذا الكذب
قوله ومكملات الخمسين
أقول لا يعرف في السنة المطهرة استحباب مثل هذا ولا ثبت في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف وقد كان صلى الله عليه و سلم يواظب على نوافل لا يخل بها في غالب الحالات
فإن أراد المصنف ما كان يواظب عليه صلى الله عليه و سلم مضموما إلى الفرائض فهو معروف وهو دون هذا العدد وإن أراد ما أرشد إليه أو كان يفعله في بعض الحالات فهو أكثر من هذا العدد

(1/328)


فيا لله العجب حيث يعمد المصنف إلى مثل هذه الأمور التي لا دليل عليها أصلا فيجعلها مما خص من النوافل بمزيد مزية على غيرها فإن هذا صنع من لا يدري بالسنة أصلا
قوله فأما التراويح جماعة والضحى بنيتها فبدعة
أقول أما صلاة التراويح فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه صلى في ليال من رمضان وائتم به جماعة من الصحابة وعلم بهم فترك ذلك مخافة أن تفترض عليهم وهذا ثابت في أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما وبهذا يتقرر أن صلاة النوافل في ليالي رمضان جماعة سنة لا بدعة لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يتركها إلا لذلك العذر وثبت ايضا عند أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي ورجاله رجال الصحيح عن أبي ذر قال صمنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يصل بنا حتى مضى سبع من الشهر فقام بنا حتى ذهب ثلثا الليل ثم لم يقم بنا في السادسة وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل فقلنا يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه فقال إنه من قام مع الإمام حتى يتصرف كتب له قيام ليلة ثم لم يقم بنا حتى بقي ثلث الشهر فصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح قلت له وما الفلاح قال السحور
ففي هذا الحديث أنه صلى الله عليه و سلم صلى بهم في النافلة في ليالي رمضان جماعة فكيف تكون الجماعة بدعة كما قال المصنف ولم يقع من عمر إلا أنه لما خرج إلى المسجد فوجد الناس أوزاعا متفرقين يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أولى ثم عزم فجمعهم على أبي ابن كعب

(1/329)


فقد كانت الجماعة موجودة في المسجد بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم وقبل أن يجمعهم عمر وبهذا كله تعرف أن التجميع في النوافل في ليالي رمضان سنة لا بدعة
وأما ما استحسنه جماعة من أهل العلم من جعل هذه الصلاة عشرين ركعة وجعل القراءة في كل ركعة شيئا معينا فهذا لم يكن ثابتا بخصوصه لكنه من جملة ما يصدق عليه أنه صلاة وأنه جماعة وأنه في رمضان
وأما صلاة الضحى التي جعلها المصنف بنيتها بدعة فكما قال الشاعر
... أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل ...
وقد ذكرت في شرحي للمنتقي الأحاديث الواردة فيها وهي شيء واسع فمن أحب الوقوف على ذلك فليرجع إليه حتى يتبين له هذا الخبط والخلط الذي وقع من المصنف فإنه جعل السنن بدعا والبدع سننا والأمر لله العلي الكبير

(1/330)


- كتاب الجنائز

(1/331)


فصل
يؤمر المريض بالتوبة والتخلص عما عليه فورا ويوصي للعجز ويلقن الشهادتين ويجه المحتضر القبلة مستلقيا ومتى مات غمض ولين برفق وربط من ذقنه إلى قمته بعريض ويشق أيسره لاستخراج حمل تحرك أو مال علم بقاؤه غالبا ثم يخاط
ويعجل التجهيز إلا للغريق ونحوه ويجوز البكاء والإيذان لا النعي وتوابعه
قوله كتاب الجنائز
فصل يؤمر المريض بالتوبة والتخلص عما عليه فورا
اقول كان الأولى أن يقول المصنف تجب على المريض التوبة والتخلص عما عليه فورا للأدلة من الكتاب والسنة على وجوب التوبة والتخلص عن الحقوق الواجبة عليه نعم إذا بلغ إلى حالة من شدة المرض لا يتذكر ما عليه إلا بتذكير فذلك من الحاضرين عنده من باب الموعظة الحسنة والأمر بالمعروف الذي ندب الله إليه العباد وأمرهم به
قوله ويوصى للعجز
اقول هذا من جملة ما يؤمر به أي يؤمر المريض بالتوبة والتخلص في الحال
وأصل الوصية واجب في جميع الأحوال إذا لم يتمكن من التخلص ولو كان صحيحا فإن أمكن ذلك فهو الواجب للحديث الصحيح الذي يقول فيه صلى الله عليه و سلم ولا يدعها حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا

(1/333)


قوله ويلقن الشهادتين
أقول قد ثبت الأمر بتلقين من حضره الموت فمن ذلك ما في صحيح مسلم وغيره عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ومثله من حديث أبي هريرة في صحيح مسلم وغيره وهو مروي خارج الصحيح من طريق جماعة من الصحابة منهم عائشة وعبد الله بن جعفر وجابر وعروة بن مسعود وحذيفة ابن اليمان وابن عباس وابن مسعود قال النووي والأمر بهذا التلقين أمر ندب قال وأجمع العلماء على هذا التلقين انتهى
وظاهر الأمر الوجوب ولا قرينة تصرفه عن ذلك وظاهر الأحاديث أن مشروعية التلقين إنما هي لهذا اللفظ أعني لا إله إلا الله ولكنه ثبت في غير هذا التلقين الأمر بمقاتلة الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله كما في الصحيحين وغيرهما من رواية ابن عمر
وقد قيل إن المراد هنا بقول لا إله إلا الله التلفظ بالشهادتين لكونه صار علما على ذلك
قوله ويوجه المحتضر القبلة مستلقيا
أقول استدل على مشروعية هذا التوجيه بما أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم من

(1/334)


حديث عبيد بن عمير عن أبيه أن رجلا قال يا رسول الله ما الكبائر قال هي سبع وذكر منها استحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا وهذا لايدل على المطلوب لأن المراد بقوله أحياء عند الصلاة وقوله أمواتا في اللحد والكلام في توجيه الحي المحتضر وقد استدل على ذلك بما أخرجه الحاكم والبيهقي من حديث أبي قتادة أن البراء بن معرور أوصى أن يوجه إلى القبلة إذا احتضر فقال صلى الله عليه و سلم أصاب الفطرة فإن صح هذا كان دليلا على مشروعية ذلك وقد ذكره في التلخيص ولم يتكلم عليه
والأولى أن يكون على شقه الأيمن لا مستلقيا لما ورد في أحاديث من الإرشاد منه صلى الله عليه و سلم إلى أن يكون النوم على الشق الأيمن وقال في بعض الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما بلفظ إذا أويت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن قال في آخره فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة فإن هذا فيه دليل على أنه إنما أرشد إلى ذلك لأن النائم إذا مات مات على الفطرة فينبغي أن يكون المريض عند حضور الموت على شقه الأيمن
وأخرج أحمد في المسند عن سلمى أم أبي رافع أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم عند موتها استقبلت القبلة ثم توسدت يمينها
والحاصل أنه لم يرد في التوجه عند الموت إلى القبلة ما يدل على مشروعيته إلا ما تقدم من قوله صلى الله عليه و سلم إن البراء بن معرور أصاب الفطرة حيث أوصى بأن يوجه إلى القبلة إذا احتضر ولو كان مشروعا لأرشد إليه صلى الله عليه و سلم من مات في حياته ولم يسمع منه صلى الله عليه و سلم في ذلك شيء مع كثرة الأموات من أهله وأصحابه
قوله ومتى مات غمض

(1/335)


أقول استدل على مشروعية هذا بما أخرجه احمد وابن ماجه والحاكم والطبراني في الأوسط والبزار عن شداد بن أوس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت وفي إسناده قزعة بن سويد قال أبو حاتم محله الصدق وليس بذلك القوي
والأولى الاحتجاج بما ثبت في صحيح مسلم عن ام سلمة قالت دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال إن الروح إذا قبض أتبعه البصر قال النووي واجمع المسلمون على ذلك
والحكمة فيه أن لا يقبح منظره إذا ترك إغماضه
وأما ما ذكره المصنف من التليين برفق والربط من ذقن الميت إلى قمته فلم يرد فيه شيء لكنه عمل حسن لئلا تيبس أعضاء الميت فيصعب غسله وتكفينه ولئلا ينفتح فوه فيكون منظره قبيحا
قوله ويشق ايسره لاستخراج حمل تحرك أو مال علم بقاؤه غالبا
اقول لم يرد في الشق لواحد من الأمرين شيء يعتمد عليه لكن قد علم بتحرك الحمل أنه حي فدفنه إهلاك له وقد ورد في حفظ النفوس واحترامها ما هو أشهر من ضوء النهار فإن كان مثلا ذلك الحمل المتحرك مما يظن حياته إذا خرج من البطن فإنقاذه واجب ولا يعارض هذا ما ورد من أن الميت يتألم كما يتألم الحي وأن كسر عظمه ميتا ككسره حيا لأن حرمة الحي والحظر في إهلاكه أبلغ من ذلك وأشد
وأما من ازدرد مالا فمات وهو في بطنه فبقاؤه منكر عظيم وإضاعة للمال المنهي عن إضاعته فإخراجه متوجه والميت هو الجاني على نفسه فلا حرج في تأليمه ولا فرق بين قليل

(1/336)


المال وكثيره لأن الكل منكر وإضاعة فلا وجه للاحتراز على مقدار ثلث ماله فإن الله سبحانه إنما جعل له ثلث ماله ليتقرب به إلى الله لا ليدسه في التراب معه
وأما كونه يخاط بعد الشق فذلك صواب لئلا يكون منظره قبيحا
قوله وتعجيل التجهيز إلا لغريق ونحوه
أقول حديث الأمر بالتعجيل للتجهيز وتعليل ذلك بقوله فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري اهله أخرجه أبو داود من حديث الحصين بن وحوح وفي إسناده عروة بن سعيد الأنصاري ويقال عزره عن أبيه وهما مجهولان
وحديث علي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ثلاث لا يؤخرون الصلاة إذا آنت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت كفؤا أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وفي إسناده مقال لا يقدح في صلاحيته للاحتجاج به ويشهد لهما أحاديث الإسراع بالجنازة
وأما استثناء الغريق ونحوه فظاهر لأن من كانت حياته مرجوة كان تعجيل دفنه حراما
قوله ويجوز البكاء والإيذان لا النعي وتوابعه
أقول اعلم أنه قد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم من طرق في الصحيحين وغيرهما أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه وفي لفظ من ينح عليه يعذب بما ينح عليه وهو

(1/337)


في الصحيحين وغيرهما فهذا يدل على أن النوح والبكاء الذي يمكن دفعه حرام وأما مجرد فيضان العين وذروفها بالدموع من دون صوت ولا نوح ولا تعمد للبكاء فهو الذي حصل الإذن به وهو الذي قال فيه صلى الله عليه و سلم كما ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وهو الذي قال فيه صلى الله عليه و سلم كما ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما لما رأى القوم بكاءه فقال ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم وهو الذي قال فيه صلى الله عليه و سلم كما ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما لما بكى عند أن رأى نفس الصبي تقعقع كأنها في شنة ففاضت عيناه هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء
فهكذا ينبغي أن يكون الجمع بين الأحاديث المختلفة في هذا الباب
وأما الإيذان بموت الميت فقد ثبت في كتب اللغة أن النعي هو الإخبار بموت الميت وإذاعته وقد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم في الصحيحين وغيرهما أنه قال لما رأى قبرا دفن ليلا فقال

(1/338)


متى دفن هذا فقالوا البارحة قال افلا آذنتموني وثبت في الصحيح أنه قال ذلك لما أخبروه بموت السوداء أو الأسود الذي كان يقم المسجد فدل على أن مجرد الإخبار بموت الميت من دون إذاعة ولا تفجع جائز لإنه قد ورد ما يدل على أن في كثرة المصلين عليه منفعة له وأنهم شفعاؤه وأيضا لا بد من حضور من يتولى تجهيزه وحمله ودفنه فإخبارهم بذلك مما تدعو إليه الحاجة وتقتضيه الضرورة
وأما ما ذكره من توابع النعي فهي ما ورد النهي عنه من ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوة الجاهلية كما في الصحيحين وغيرهما وهكذا ما ثبت عنه صلى الله عليه و سلم من قوله إن رسول الله صلى الله عليه و سلم بريء من الصالقة والحالقة والشاقة وهو في الصحيحين وغيرهما وهكذا قوله للميت واعضداه واناصراه واكاسباه واجبلاه واأسداه وهو منهي عنه كما ثبت في صحيح البخاري وغيره
فصل
ويجب غسل المسلم ولو سقطا استهل أو ذهب اقله ويحرم للكافر والفاسق مطلقا ولشهيد مكلف ذكر قتل أو جرح في المعركة بما يقتله يقينا أو في المصر ظلما أو مدافعا عن نفس أو مال أو غرق لهرب أو نحوه
ويكفن بما قتل فيه إلا آله الحرب والجورب مطلقا والسراويل والفرو إن لم ينلها دم وتجوز الزيادة

(1/339)


قوله فصل ويجب غسل الميت
أقول غسل الأموات ثابت في هذه الشريعة ثبوتا قطعيا ولم يسمع في أيام النبوة أنه مات ميت غير شهيد فترك غسله بل هذه الشريعة في غسل الأموات ثابتة من لدن أبينا آدم عليه السلام إلى الآن فإنه أخرج عبد الله بن أحمد في المسند والحاكم في المستدرك قال صحيح الإسناد
ولم يخرجاه يعني الشيخين أن آدم عليه السلام قبضته الملائكة وغسلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له والحدوا وصلوا عليه ثم دخلوا قبره فوضعوه فيه ووضعوا عليه اللبن ثم خرجوا من القبر وحثوا عليه التراب وقالوا يا بني آدم هذه سنتكم
وقد حكى الإجماع على وجوب الغسل للميت على الكفاية النووي والمهدي في البحر واعترض ابن حجر في الفتح على نقل النووي والإجماع على أنه فرض كفاية بأن المالكية يخالفون في ذلك وأن القرطبي منهم رجح في شرح مسلم أنه سنة ورد ابن العربي على المالكية وقال قد تواتر به القول والعمل
قوله لو سقطا استهل
أقول السقط باستهلاله قد صار له حكم الأحياء من العباد ولهذا أنه يرث ويورث فالغسل له داخل في عموم مشروعية الغسل لأموات المسلمين وهذا المقدار يكفي على تقدير أنه لم يرد دليل يدل على غسل السقط فكيف وقد أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث جابر إذا استهل السقط صلي عليه وورث وأخرج أيضا البيهقي والحاكم وصححه ولا مطعن فيه يوجب سقوط الاحتجاج به وأخرج أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم وصححوه السقط يصلي عليه ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة وأخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة صلوا على أطفالكم فإنهم أفراطكم

(1/340)


وأما ما روى أبو داود من حديث عائشة أنها قالت مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه و سلم وهو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه فقد قال ابن عبد البر حديث عائشة هذا لا يصلح لأن الجمهور قد أجمعوا على الصلاة وراثة وعلما مستفيضا عن السلف والخلف ولا أعلم احدا جاء عنه غير هذا إلا عن سمرة بن جندب وحديثه يحمل أنه لم يصل عليه جماعة وأمر أصحابه فصلوا عليه ولم يحضرهم قال البيهقي رواية الصلاة عليه أشبه بسائر الأحاديث الصحيحة فقد ثبت عن عائشة أنها قالت دعي رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة الحديث
وإذا قد ثبت للسقط المستهل أنه يصلى عليه فما قبل الصلاة وهو الغسل والتكفين وما بعدهما وهو الدفن كذلك
قوله أو ذهب أقله
اقول الظاهر أن ثبوت المشروعية للكل يستلزم ثبوت المشروعية للبعض ولو كان اقل من النصف فلا يحتاج إلى الاستدلال على هذا بدليل مستقل وأما إذا كان الباقي هو الأكثر فهو في حكم الكل كما وقع في أمثال هذه المسألة
قوله ويحرم للكافر والفاسق مطلقا
أقول أما الكافر فمسلم فإنه لم يسمع في ايام النبوة ولا بعدها بأن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بغسل كافر وما روي في غسل أبي طالب فلم يثبت ذلك ثبوتا يقوم به الحجة وأيضا هذا الغسل للميت هو حكم من أحكام الإسلام فلاحظ فيه لمن لم يكن مسلما وأما الفاسق فلا وجه للقول بأنه لا يغسل ومن قال بذلك فقد غلط غلطا بينا فإن احكام الإسلام جارية له وعليه ومعصيته لا تخرجه عن الإسلام الذي هو متصف به وأشار المصنف بقوله مطقا إلى عدم الفرق بين كفر التأويل وكفر التصريح وفسقهما ولا يخفاك أن هذا الذي يسمونه

(1/341)


كفر التأويل لا اصل له وإنما هو أمر ناشىء عن العصبية الكائنة بين طوائف المسلمين حتى رمى بعضهم بعضا بذلك بغيا وعدوانا والخطأ في مسألة أو مسائل لا يوجب خروج المخطىء عن عصمة الإسلام بل الحق أن الخطأ في الاجتهاد من غير فرق بين مسائل الأصول والفروع يثبت لصاحبه أجر وللمصيب أجران ومن خص هذا الحديث الصحيح ببعض المسائل فهو تخصيص بلا مخصص ودعوى لا برهان عليها ولقد استفز الشيطان من أطاعه بالوقوع في هذا الخطر العظيم فإنه قد صح أن المكفر لأخيه المسلم واقع في هوة الكفر ومترد في حفرته ومتلبس بثيابه وليس ما يزعمه المكفرون بالإلزام بشيء يعتد به بل هو تعصب على تعصب وتعسف على تعسف والهداية للحق بيد هادي الخلائق
قوله ولشهيد مكلف ذكر إلخ
أقول قد وردت أحاديث قاضية بترك غسل الشهيد منها ما هو في صحيح البخاري ومنها ما هو في غيره وبهذا القدر تقوم به الحجة وقد أطال الكلام في هذا البحث في غير طائل وخبط خبطا لا يخفى على عارف
وأما اشتراط التكليف والمذكورة فلا دليل عليه بل الصبي والمرأة من جملة الشهداء إذا قتلوا قتلا يستحقون به اسم الشهادة
أما المرأة فظاهر لأنها من جملة من يكتب له الأجر ويكتب عليه الوزر وعدم وجوب الجهاد عليها لا يسلبها حكم الشهادة إذا قاتلت وقتلت
وهكذا الصبي فإن رفع قلم التكليف عنه لا يقتضي أنه لا يؤجر فيما يفعله من القرب
وأما المقتول في المصر ظلما فهو وإن كان شهيدا لكنه لم يأت ما يدل على عدم غسله وهكذا المدافع عن نفسه أو ماله ولا ملازمة بين إثبات اسم الشهادة وترك الغسل فقد وردت الأحاديث الصحيحة بإطلاق اسم الشهادة على المبطون والميت بالطاعون وبالغرق والهدم والمرأة النفاس وغير هؤلاء نحو الخمسين كما ذكره القرطبي والسيوطي في رسالته وجمعت أنا فيه

(1/342)


رسالة فهؤلاء يستحقون أجر الشهادة وهم من جملة المسلمين في أنهم يغسلون كما يغسل غيرهم من أموات المسلمين
ويؤيد هذا ما فعله الصحابة من غسل عمر رضي الله عنه وقد قتل في المصر ظلما وكان قاتله كافرا وهكذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتل في المصر ظلما وكان قاتله خارجيا من كلاب النار ولم ينقل أحد أنه دفن بلا غسل وقد نقل المهدي في البحر الإجماع على أن سائر من يطلق عليه اسم الشهيد كالطعين والمبطون والنفساء ونحوهم يغسلون فاقتضى هذا النقل أن يلحق بهم المقتول في المصر ظلما والمقتول في المدافعة عن نفسه أو ماله وأما قوله ويكفن بما قتل فيه إلخ فقد استدل على ذلك بما أخرجه أبو داود وابن ماجة عن ابن عباس قال أمر النبي صلى الله عليه و سلم بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم وفي إسناده علي بن عاصم الواسطي وقد تكلم فيه جماعة وعطاء بن السائب وفيه مقال
وأما جواز الزيادة من الأكفان على ما قتل فيه فلم يرد ما يمنع من ذلك والأصل الجواز
فصل
وليكن الغاسل عدلا من جنسه أو جائز الوطء بلا تحديد عقد إلا المدبرة فلا تغسله ثم محرمة بالدلك لما ينظره والصب على العورة مستترة ثم أجنبي بالصب على جميعه مستترا كالخنثى المشكل مع غير أمته ومحرمه فإن كان لا ينقيه الصب يمم بخرقة
فأما طفل أو طفلة لا تشتهي فكل مسلم ويكره الحائض والجنب
قوله فصل وليكن الغاسل عدلا من جنسه أو جائز الوطء

(1/343)


أقول لم يأت دليل يدل على اشتراط العدالة ولكن الفاسق ليس بمحل للأمانة والستر على الميت إن رأى مالا يحسن إفشاؤه وقد أخرج أحمد من حديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من غسل ميتا فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وقال ليليه أقربكم إن كان يعلم فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة وفي إسناده مقال ولكنه يشهد له حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ولا يخفاك أن الفاسق ليس من اهل الأمانة ولا من اهل الورع فمنعه عن الغسل من هذه الحيثية
وأما كونه يغسله جنسه أو جائز الوطء فهذا هو الثابت في الشريعة فإنه كان في زمن النبوة وما بعدها في عصر الصحابة يغسل الرجل الرجال والمرأة النساء وهذا أمر أوضح من الشمس وقد دفع النبي صلى الله عليه و سلم ابنته إلى النساء يغسلنها وثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال لعائشة لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك أخرجه أحمد وابن ماجة والدارمي وابن حبان والدارقطني والبيهقي من حديثها
وكانت عائشة تقول لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا نساؤه أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة وقد غسل الصديق امرأته أسماء بنت عميس رضي الله عنهما وغسل على فاطمة رضي الله عنهما فما ذكره المصنف صواب وحق

(1/344)


وقد وقع للجلال ها هنا من زائف الكلام وساقطه ما هو غني عن البيان وإذا ألجأت الضرورة فلم يوجد الجنس غسل الجنس غير جنسه مع ستر ما لا يجوز النظر إليه ويكون الدلك بحائل وإذا تعذر الدلك فالمسح وإذا تعذر المسح فالصب وإذا تعذر الصب ارتفع وجوب الغسل ومحارم المرأة من الرجال أقدم من سائر الرجال ومحارم الرجل من النساء أقدم من غيرهن من النساء للتخفيف بين المحارم في مقدار العورة
وأما قوله وأما طفل أو طفلة لا يشتهى فكل مسلم فالصواب أن يغسل كل جنس جنسه إلحاقا للصغار بالكبار
وأما الحائض والجنب فهما وإن كانا ممنوعين من بعض القرب فإن ذلك لا يقتضي منعهما من كل قربة بل حكمها فيما لم يرد فيه دليل المنع حكم من ليس بجنب ولا حائض
فصل
وتستر عورته ويلف الجنس يده لغسلها بخرقة وندب مسح بطن الحامل وترتيب غسله كالحي وثلاثا بالحرض ثم السدر ثم الكافور فإن خرج من فرجه قبل التكفين بول أو غائط كملت خمسا ثم سبعا ثم يرد بالكرسف
والواجب منها الأولى والرابعة والسادسة وتحرم الأجرة ولا تجب النية عكس الحي وييمم للعذر ويترك إن تفسخ بهما
قوله فصل وتستر عورته إلخ
أقول الأدلة الواردة في منع نظر العورة ولمسها شاملة لعورة الحي والميت فغسلها يكون بالدلك مع حائل بين اليد وبينها وأما مسح البطن فهو لخروج ما عساه يخرج بعد الغسل فهذا وإن لم يرد به دليل ولكنه من المبالغة في تطهير بدن الميت
وأما صفة الغسل فينبغي الاعتماد في ذلك على حديث أم عطية الثابت في الصحيحين وغيرهما قالت دخل علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم حين توفيت ابنته فقال

(1/345)


اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور وفي لفظ لهما اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن
فهذا الحديث قد دل على أن الغسل ينبغي أن يكون وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا وإذا رأى الغاسل الزيادة على ذلك زاد وينبغي أن تكون الغسلات بماء وسدر ويكون في الغسلة الآخرة كافور وأنه ينبغي أن تكون البداية في الغسل بميامن الميت ومواضع الوضوء منه
وبهذا تعرف أن التخيير بين الثلاث أو الخمس أو السبع والزيادة عليها مفوض إلى الغاسل سواء خرج خارج أو لا فلا وجه لما ذكره من قوله فإن خرج قبل التكفين إلخ ثم خروج الخارج لا وجه لإعادة الغسل لأجله بل يغسل موضع الخروج وما أصابه من سائر البدن فإن أعي الأمر وتكرر خروج الخارج فلا بأس بهذا الفرج أن يرد بخرقة أو نحوها وأما قوله والواجب منها الأولى والرابعة والسادسة فمبني على أن خروج الخارج يوجب الإعادة وهو ممنوع وليس الواجب إلا ما يصدق عليه مسمى الغسل كما تقدم في غسل الجنابة وما زاد على ذلك فهو سنة مفوض إلى الغاسل
وأما تحريم الأجرة فهو مبني على تحريم أخذ الأجرة على الواجب وسيأتي إن شاء الله تحقيق الكلام في الإجارات
وأما عدم وجوب النية فلكونه لم يرد الأمر بها في هذا بخصوصه ولكن لا يخفاك أن غسل الميت عمل وقد صح عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال إنما الأعمال بالنيات وصح عنه أنه قال لا عمل إلا بنية ولا سيما إذا كان العمل قربة من القرب وغسل الميت واجب على الأحياء يؤجرون عليه كما يؤجرون على سائر الواجبات فلا وجه لعدم إيجاب النية
وأما أن الميت ييمم للعذر فلم يرد بذلك دليل والتيمم إنما شرعه الله للأحياء ولم يشرعه في غسل الأموات فمن تعذر مسحه خشية أن يتفسخ ثم تعذر صب عليه الماء لذلك فلا غسل له ولا واجب على الأحياء بل يدفن كما هو

(1/346)


فصل
ثم يكفن من رأس ماله ولو مستغرقا بثوب طاهر ساتر لجميعه مما لبسه ويعوض إن سرق وغير المستغرق يكفن مثله
والمشروع إلى سبعة وترا ويجب ما زاد من الثلث وإلا أثم الورثة وملكوه ويلزم الزوج ومنفق الفقير ثم بيت المال ثم على المسلمين ثم بما أمكن من شجر ثم تراب
وتكره المغالاة وندب البخور وتطييبه سيما مساجده ثم يرفع مرتبا ويمشي خلفه قسطا وترد النساء
قوله ثم يكفن من رأس ماله بثوب إلخ
أقول قد حصل الاتفاق على أن الواجب في الكفن ثوب واحد يستر جميع البدن وأن ذلك مقدم على ما يخرج من التركة من دين وغيره فإن ألجأت الضرورة إلى أن يكفن في ثوب لا يستر جميع بدنه فللضرورة حكمها كما وقع في الصحيحين وغيرهما أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة إذا غطوا بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطوا بها رجليه بدا رأسه فأمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يغطوا بها رأسه ويجعلوا على رجليه شيئا من الإذخر
وإذا كان للميت تركة كان على المتولي لتكفينه أن يحسن كفنه كما أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث قال إذا ولى أحدكم أخاه فليحسن كفنه أخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث ابن قتادة وقال الترمذي إسناده حسن وأيضا رجال إسناده ثقات وهو أيضا ثابت في صحيح مسلم من حديث جابر بلفظ إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه وورد أيضا الإرشاد إلى التكفين في الثياب البيض كما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال البسوا

(1/347)


من ثيابكم البياض فإنها خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم وصححه الترمذي وابن القطان وأخرجه أيضا الترمذي وصححه وابن ماجه من حديث سمرة
وأما عدد الأكفان فلم يرد في ذلك شيء يعتمد عليه إلا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة ولم يثبت في تكفينه صلى الله عليه و سلم ما يخالف هذا وكل ما روي في ذلك فهو لا يصلح للمعارضة هذا مع كونه في نفسه غير صحيح لا يحل العمل به فضلا عن أن يعارض ما في الصحيحين وغيرهما ولكن هذا إنما هو فعل من حضر من الصحابة ولا تقوم به الحجة وقد قيل إن وجه الاستدلال به أن الله سبحانه لم يكن يختار لنبيه صلى الله عليه و سلم إلا الأفضل ولا يخفاك أن هذا التوجيه لا تقوم به الحجة ولو سلمنا ذلك لكان أفضل الأكفان ثلاثة دروج فلا يصح قول المصنف والمشروع إلى سبعة وترا وقد اقتدى أبو بكر الصديق بكفن رسول الله صلى الله عليه و سلم فأوصى أن يكفن في ثلاثة أثواب كما في البخاري وغيره
قوله ويجب ما زاد من الثلث وإلا أثم الورثة وملكوه
أقول الذي أوصى بأن يكفن في زيادة على سبعة أكفان فقد أوصى بما نهى عنه صلى الله عليه و سلم من إضاعة المال وهذا إضاعة للمال بلا شك ولا شبهة فهو وصية بمحظور لا يجوز تنفيذها وإنما قلنا إنه إضاعة للمال لأنه لا ينتفع به الميت وإن كفن بألف كفن لأن ذلك يصير ترابا عن قريب ومعلوم أنه إذا كان صحيح العقل لا يقصد التزين بذلك بين أهل البرزخ فقد صاروا جميعا في شغل شاغل عن ذلك فالصواب أنه يأثم الوصي والوارث بامتثال هذه الوصية لا بردها والله سبحانه إنما جعل للميت ثلث ماله ليجعله زيادة

(1/348)


في حسناته ويتقرب به إلى الله سبحانه لا ليضعه في موضع الإضاعة ويخالف به ما شرعه الله لعباده من عدم إضاعة المال
قوله ويلزم الزوج إلخ
أقول يدل على هذا حديث عائشة الذي تقدم أنه قال لها صلى الله عليه و سلم لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك وقد كان الزوج في أيام النبوة وما بعدها يكفن زوجته ولم يسمع عن أحد منهم أنه قال قد انقطع النكاح وذهب موجب حسن العشرة كما يقول الجامدون على الرأي
وأما الفقير الذي ينفقه في حياته قريبه فهذا من تمام البر والصلة بل من أعظمها فإن أبي لم يجبر على ذلك لعدم الدليل
وأما قوله ثم بيت المال فصواب فإن هذا هو بيتا مال المسلمين الموضوع لمصالحهم وقد ثبت بالدليل أن تكفين الميت واجب والإمام وبيت مال المسلمين أولى بذلك ولهذا يقول صلى الله عليه و سلم فيما صح عنه أنا أولى بالمسلمين من أنفسهم فمن ترك دينا أو ضياعا فإلى وعلى ومن ترك مالا فلورثته
وأما قوله ثم المسلمين أيضا صواب لأن تكفين الميت إذا كان واجبا عليهم حرم عليهم أن يدفنوه بغير كفن لأنهم بذلك يخلون بالواجب المتعلق بهم
وأما قوله ثم بما أمكن من شجر ثم تراب فقد عرفناك أن للضرورة حكمها وليس في الإمكان غير ما قد كان

(1/349)


وأما قوله وتكره المغالاة فهو أيضا صواب لأن المراد بالمغالاة أن يعمد إلى الثياب المرتفعة الأثمان الغالية القيمة فيكفن الميت بها مع حصول المقصود بما هو دونها وقد عرفت أن الزيادة على ما ورد به الشرع إضاعة للمال لما قدمنا وتحسين الكفن وكونه جديدا أبيض لا ينافي هذا فإن ذلك يحصل بدون المغالاة ويؤيد هذا النهي عن المغالاة في الأكفان معللا ذلك بقوله فإنه يسلب سريعا كما أخرجه أبو داود من حديث علي
قوله وندب البخور وتطييبه سيما مساجده
أقول يدل على ذلك ما أخرجه أحمد والبيهقي والبزار بإسناد رجاله رجال الصحيح من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا وأخرج نحوه من حديث جابر بلفظ إذا أجمرتم الميت فأوتروا فهذا يدل على مشروعية التطيب ويدل عليه أيضا النهي عن تطييب المحرم وتحنيطه كما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس فإن ذلك يدل بمفهومه على تطييب غير المحرم ولم يرد ما يدل على أن مساجد الميت أولى بالطيب من غيرها فالأعضاء مستوية في ذلك
وأما قوله ثم يرفع مرتبا فلم يرد في هذا شيء يصلح للقول للندب لأنه حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل شرعي لا بمجرد الرأي
قوله ثم يمشي خلفه قصدا
أقول قد ورد ما يدل على المشي خلف الجنازة وأمامها وفي جوانبها وورد الفرق بين الراكب والماشي كما في حديث المغيرة الذي أخرجه أحمد عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال الراكب خلف الجنازة والماشي أمامها قريبا منها عن يمينها أو عن يسارها

(1/350)


وأخرجه أبو داود وقال فيه والماشي خلفها وأمامها قريبا منها وفي رواية الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها
ومع هذا فورد النهي عن الركوب مع الجنازة وامتنع صلى الله عليه و سلم من الركوب مع الجنازة وعلل ذلك بأن الملائكة كانت تمشي وأخرج أحمد وأهل السنن عن ابن عمر أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة وصححه ابن حبان وابن خزيمة وأعل بما لا يقدح في الاحتجاج وقد احتج به أحمد بن حنبل وقد ذهب الجمهور إلى أن المشي أمام الجنازة أفضل واستدلوا بهذا الحديث وذهب الآخرون إلى أن المشي خلفها أفضل واستدلوا بما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم قال سألنا نبينا صلى الله عليه و سلم عن المشي خلف الجنازة فقال ما دون الخبب فإن كان خيرا عجلتموه وإن شرا فلا يبعد إلا أهل النار والجنازة متبوعة وقد ضعف إسناده جماعة من أهل الحديث ولكنه قد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعا من تبع جنازة مسلم وثبت في الصحيحين أيضا وغيرهما مرفوعا إن حق المسلم على المسلم ست ومنها وإذا مات فاتبعه
وهذان اللفظان ظاهران في المشي خلف الجنازة وإن كان محتملا كون المراد الخروج معه عند حمله فإنه إذا أخرج الميت من منزله ثم خرج بخروجه المشيعون له كانوا تابعين له لأنه أخرج ثم خرجوا وسواء مشوا خلفه أو أمامه

(1/351)


وأما قوله قصدا فمراده أن يكون المشي معها متوسطا بين الإسراع والبطء ولكن قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا أسرعوا بالجنازة فإن لم تكن صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم
وثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث محمود بن لبيد أن النبي صلى الله عليه و سلم أسرع بجنازة سعد بن معاذ حتى تقطعت نعالنا وروى من حديث أبي بكرة قال لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وإنا لنكاد أن نرمل بها رملا
أخرجه أبو داود والنسائي
فهذه الأحاديث تدل على أن الإسراع أفضل ولا يعارضها ما تقدم من قوله دون الخبب لما قدمنا من كون الحديث ضعيفا
وأما قوله وترد النساء فلما ورد من المنع لهن من زيارة القبور كما أخرجه أحمد والترمذي وصححه من حديث ابي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لعن زوارات القبور وأخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه وإذا منعن من الزيارة على انفراد فمنعهن من الخروج مع الجنازة مع اجتماعهن بالرجال اولى
وقد أخرج ابن ماجه والحاكم والأثرم في سننه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم رخص لهن في زيارة القبور وأخرج ابو داود والحاكم أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى فاطمة ابنته فقال ما أخرجك من بيتك فقالت أتيت أهل هذا الميت

(1/352)


فرحمت على ميتهم فقال لها فلعلك بلغت معهم الكدى قالت معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر فقال لو بلغت معهم الكدى فذكر تشديدا في ذلك قال الحاكم صحيح الإسناد على شرط الشيخين
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أم عطية قالت نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا وفي الباب أحاديث
فصل
وتجب الصلاة كفاية على المؤمن ومجهول شهدت قرينه بالإسلامه فإن التبس بكافر فعليهما وإن كثر الكافر بنية مشروطة وتصح فرادى والأولى بالإمامة الإمام وواليه ثم الأقرب الصالح من العصبة وتعاد إن لم يأذن الأولى
وفروضها النية وخمس تكبيرات والقيام والتسليم وندب بعد الأولى الحمد وبعد الثانية الصمد وبعد الثالثة الفلق وبعد الرابعة الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم والدعاء للميت بحسب حاله والمخافتة وتقديم الابن للأب وتكفي صلاة على جنائز وتجديد نية تشريك كل جنازة أتت خلالها فتكمل ستا لو أتت بعد تكبيرة وترفع الأولى أو تعزل بالنية ثم كذلك فإن زاد عمدا أو نقص مطلقا أعاد قبل الدفن لا بعده واللاحق ينتظر تكبير الإمام ثم يكبر ويتم ما فاته بعد التسليم قبل الرفع
وترتب الصفوف كما مر إلا أن الآخر أفضل ويستقبل الإمام سرة الرجل وثدي المرأة ويليه الأفضل فالأفضل
قوله فصل وتجب الصلاة كفاية على المؤمن
اقول الصلاة على الأموات شريعة ثابتة ثبوتا أوضح من شمس النهار فلم تترك الصلاة لا في أيام النبوة ولا في غيرها على فرد من أفراد أموات المسلمين إلا من عليه دين لا قضاء له وعلى الذي قتل نفسه مع أنه قال فيمن عليه دين صلوا على صاحبكم فعرف بهذا أنه

(1/353)


ممن يصلى عليه وإنما ترك النبي صلى الله عليه و سلم الصلاة عليه لقصد الزجر عن أن يحصل التراخي في قضاء الديون وهكذا تركه للصلاة على قاتل نفسه فإنه للزجر عن أن يتسرع الناس في قتل أنفسهم فلا يلحق غيره من أهل المعاصي به فإنه من جملة المسلمين وممن يدخلون تحت ما شرعه الله لعباده أحياء وأمواتا هم أحق بالشفاعة من المسلمين بصلاتهم عليهم وتخصيص الصلاة بالمؤمنين من الحجر الواسع الرحمة وللتفضل الرباني
وقد صح عنه صلى الله عليه و سلم أنه صلى على ما عز والغامدية وقال الإمام أحمد بن حنبل إن النبي صلى الله عليه و سلم ما ترك الصلاة على أحد إلا على الغال وقاتل نفسه قال النووي في شرح مسلم قال القاضي مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنا انتهى
وأما الصلاة على الشهيد فقد أوضحنا الكلام فيها في شرحنا للمنتقى فليرجع إليه
وأما مجهول الحال كمن يوجد في فلاة يمر بها المسلم والكافر فلا يصلى عليه إلا بعد وجود ما يدل على إسلامه كما ذكر المصنف لأن الصلاة على الكافر حرام وإذا علم أحد الموجودين مسلم ولم يمكن تعيينه صلى عليه وحده وأفراده بالنية وإن كان معه كفار فإن مجرد وجودهم والصلاة إليهم لا يستلزم أن تكون الصلاة عليهم لأن النية مميزة
ولعل مراد المصنف بقوله فعليهما في الصورة لا في الحقيقة ولا يحتاج إلى أن تكون النية مشروطة بل يجعلها على المسلم من الابتداء وإنما يحتاج إلى المشروطة لو كان سيفعل الصلاة على كل واحد ولا حاجة إلى ذلك بل يجمعون جميعا في قبلته ويصلي على المسلم منهم وحده
قوله وتصح فرادى
أقول الثابت عنه صلى الله عليه و سلم في زمنه التجميع ولكن الأصل في كل صلاة أنها تصح فرادى وإن كانت الجمعة افضل كما قدمنا في الصلوات الخمس ويؤيد

(1/354)


ذلك صلاة الصحابة على النبي صلى الله عليه و سلم فرادى فصلى عليه الرجال أرسالا حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء حتى إذا فرغن أدخلوا الصبيان ولم يؤمهم أحد وهذا ثابت في كتب السير والتاريخ قال ابن عبد البر صلاة الناس عليه صلى الله عليه و سلم فرادى مجمع عليه عند أهل السير وجماعة أهل النقل لا يختلفون فيه انتهى
وأما ما روي أن صلاتهم عليه فرادى كان بوصية منه صلى الله عليه و سلم فلم يصح في ذلك شيء
قوله والأولى بالإمامة والإمام وواليه
أقول هذا صحيح وحديث لا يؤمن الرجل في سلطانه يتناول بعمومه كل صلاة جماعة من الصلوات الخمس وغيرها وقد اقتدى بهذه السنة الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما وقدم سعيد بن العاص يصلي على أخيه الحسن بن علي رضي الله عنه وقال لولا أنها سنة ما قدمتك كما أخرجه البزار والطراني والبيهقي وهو المنقول في كتب السير والتاريخ
وأما قوله ثم الأقرب الصالح من العصبة فلم يرد بذلك دليل يدل عليه لكنه قد صار القريب أولى بقريبه في كثير من الأمور وهذا منها مع كونه أحق الناس بالشفاعة له بصلاته عليه واصدقهم نية في ذلك وأخلصهم له دعاء لما تقتضيه القرابة من التراحم والتعاطف
وأما كون الصلاة تعاد إن لم يأذن الأولى فلكون الحق له ولم يأذن به فهو باق وليس في تكرار الصلاة إلا زيادة الخير للميت ولهذا صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/355)


على قبر السوداء أو الأسود حيث دفنوه ولم يؤذنوا النبي صلى الله عليه وأله وسلم مع أن المعلوم أنهم لا يدفنونه إلا وقد صلوا عليه وهكذا صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم على قبر رطب هذا والذي قبله ثابت في الصحيحين وغيرهما
قوله وفروضها النية
أقول لما قدمنا من الأدلة الدالة على أنها فرض بل على أنها شرط يستلزم عدمه عدم المشروط كما تفيده الأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه لا عمل إلا بنية وإنما الأعمال بالنيات والنفي متوجه إلى الذات الشرعية فالموجود في الخارج ليست ذاتا شرعية فمن خالف في وجوب النية فقد أخطأ ولم يصب
قوله وخمس تكبيرات
اقول قد ثبتت الخمس في صحيح مسلم وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى قال كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا وأنه كبر خمسا على جنازة فسألته فقال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يكبرها وأخرج أحمد عن حذيفة أنه صلى على جنازة فكبر خمسا ثم التفت فقال ما نسيت ولا وهمت ولكن كبرت كما كبر النبي صلى الله عليه و سلم صلى جنازة فكبر خمسا وفي إسناده يحيى بن عبد الله الجابري وهو متكلم عليه ولكن السنة التي هي أظهر من شمس النهار المروية من طريق جماعة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما أنه كان صلى الله عليه و سلم يكبر على الجنائز أربعا وهو مذهب الجماهير قال ابن عبد البر إنه انعقد الإجماع بعد الاختلاف على أربع وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع على ما جاء في الأحاديث الصحاح

(1/356)


وما سوى ذلك عندهم فشذوذ لا يلتفت إليه قال ولا نعلم أحدا من أهل الأمصار يخمس إلا ابن أبي ليلى انتهى
وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال كل ذلك قد كان أربعا وخمسا فاجتمعنا على أربع
واعلم أنه لم يصح شيء في الزيادة على الخمس ولا في النقص عن أربع مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم والأخذ بالأربع هو الذي لا ينبغي غيره لأن تلك الرواية عن زيد بن أرقم قد صرحت بأنه كان يكبر على الجنائز أربعا فلو علم ثبوت الخمس عن النبي صلى الله عليه و سلم لم يعدل عنه إلى الأربع في جميع صلاته على الجنائز إلا في تلك المرة الواحدة وعلى تقدير أنه وقع منه صلى الله عليه و سلم التكبير خمسا على جهة الندور والقلة فالذي ينبغي الاعتماد على ما هو الأعم الأغلب مما ثبت عنه ولا سيما بعد إجماع الصحابة ومن بعدهم عليه
وأما ما ذكره المصنف من فرضية القيام فلكون صلاة الجنازة لا تتم إلا به وهو ركنها الأعظم وقد قدمنا أنها فرض كفاية على المسلمين فكان القيام من هذه الحيثية فرضا
وأما ما ذكره من فرضية التسليم فلكونها صلاة وقد تقدم أن الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم وقدمنا وجه الاستدلال بهذا الحديث على فرضية التسليم وفيه الكفاية
قوله وندب بعد الأولى الحمد
اقول صلاة الجنازة صلاة من الصلوات التي قال فيها النبي صلى الله عليه و سلم فيما صح عنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فهذا يكفي في كونها فرضا في صلاة الجنازة بل في كونها شرطا يستلزم عدمها عدم الصلاة فكيف وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه و سلم أنه كان يقرأ في صلاة الجنازة فاتحة الكتاب
وأما قوله وبعد الثانية الصمد وبعد الثالثة الفلق فلم يرد في هذا شيء وإنما هو مجرد

(1/357)


استحسان من بعض أهل العلم ولا يثبت بمثل ذلك شرع عام ولا خاص ولا تعبد الله أحدا من خلقه برأي أحد من أهل العلم نعم ينبغي أن يضم إلى الفاتحة قراءة ما تيسر من القرآن وينبغي أن يعمد إلى سورة قصيرة فيقرأها ثم لا يشتغل بغير الدعاء للميت بعد كل تكبيرة بما ورد وبما لم يرد فهذا هو المقصود من صلاة الجنازة
وما ذكره من كون الدعاء بحسب حال الميت فحال المذنب أنه قد أتى به إلى إخوانه من المسلمين ليشفعوا له عند ربه ويسألونه المغفرة له والتجاوز عنه وقد أمروا بإخلاص الدعاء للأموات فينبغي لكل من صلى على ميت سواء كان الميت صالحا أو طالحا أن يدعو له بالأدعية الواردة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن كان نفسه لا تطاوعه على ذلك فليتجنب الصلاة على الأموات ففي غيره من المسلمين من هو أرق قلبا منه وأكثر رحمة لإخوانه
قوله والمخافتة
أقول قد ورد الجهر فأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال لتعلموا أنه من السنة فمعلوم أن قراءته هذه لا تكون إلا جهرا حتى يعلم ذلك من صلى معه وزاد النسائي بعد فاتحة الكتاب سورة وذكر أنه جهر ولفظه هكذا فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر ويؤيد ذلك ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عوف بن مالك قال صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم على جنازة فحفظنا من دعائه الحديث فإن هذا يدل على أنه جهر بالدعاء فلا وجه لجعل المخافتة مندوبة وإن وردت في حديث أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة

(1/358)


الكتاب بعد التكبيرة سرا في نفسه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه و سلم ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات ولا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سرا في نفسه أخرجه الشافعي في مسنده وفي إسناده اضطراب وقواه البيهقي في المعرفة وأخرج عن الزهري معناه وأخرج نحوه الحاكم من وجه آخر وأخرجه أيضا النسائي وعبد الرزاق قال ابن حجر في الفتح وإسناده صحيح وليس فيه قوله بعد التكبيرة ولا قوله ثم يسلم سرا في نفسه
قوله وتقديم الابن للأب
اقول لا يخفى أن صلاة الجنازة من جملة الصلوات وقد تقدم في صلاة الجماعة أن لعلو السن مدخلا في التقديم فليكن هنا كذلك فإن كان الابن أعلم بالسنة كان مقدما على الأب من هذه الحيثية
قوله ويكفي صلاة على جنائز
اقول الأصل أن ذلك جائز صحيح إلا أن يرد ما يمنع من ذلك ولم يرد في ذلك شيء هذا على تقدير أنه لم يصل صلى الله عليه و سلم على جماعة بعد جماعة من قتلى أحد كما جزم به المحققون فإن جميع ما ورد في الصلاة عليهم في أسانيدها ضعف وقد أطلنا الكلام على ذلك في شرحنا للمنتقي فليرجع إليه
وأما ما ذكره المصنف رحمه الله من تشريك ما وصل من الجنائز بالنية فهو صحيح إذ لا عمل إلا بنية وصلاته على كل واحد عمل وهكذا رفع ما فرغ من التكبير عليه أو عزله بالنية لأن الصلاة قد تمت على الأول وبقي منها بقية للواصل
قوله فإن زاد عمدا أو نقص مطلقا أعاد
اقول قد قدمنا لك أن ما ورد في النقص من أربع والزيادة على الخمس لم يثبت ثبوتا تقوم به الحجة فالزيادة على الخمس والنقص من أربع ابتداع إن وقع ذلك عمدا إلا إذا وقع سهوا وأما كون الصلاة تفسد بذلك فلا لما عرفناك غير مرة أنه لا يدل على الفساد المرادف للبطلان إلا دليل خاص يفيد أن عدم ذلك الشيء يوجب العدم أو أن وجوده مانع من الصحة

(1/359)


وأما ما ذكره من كون الدفن مانعا من الصلاة فخلاف ما ثبت في السنة ثبوتا متفقا عليه وقد قدمنا الإشارة إلى ذلك
وأما قوله وينتظر تكبير الإمام فلا وجه له بل يكبر عند وصوله إلى الصف كسائر الصلوات
وأما كونه يتم ما فاته بعد التسليم قبل الرفع فهو صواب لأنه لم يرد ما يدل على أن الإمام يتحمل عنه
قوله وترتب الصفوف كما مر إلا أن الآخر أفضل
أقول أما ترتيب الصفوف كما مر في الصلاة فهو صحيح لأن الجنازة صلاة من الصلوات فالدليل المتقدم في الصلوات الخمس جماعة وتقديم الرجال على الصبيان والصبيان على النساء ثابت هنا
وأما كون الآخر أفضل فلا دليل عليه بل هو خلاف الدليل الوارد في صلاة الجماعة فإنه مصرح بالترغيب في الأول وبأنه يتم الصف الأول ثم الذي يليه ثم كذلك فما ثبت في صلاة الجماعة ثبت في صلاة الجنازة لأن الكل صلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم
وأما تكثير الصفوف ليكونوا ثلاثة فصاعدا حتى يستحق الميت المغفرة فلا بأس به كما ورد في حديث مالك بن هبيرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما من ميت يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف إلا غفر له اخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وحسنه الترمذي وله شواهد وقد كان مالك بن هبيرة الراوي لهذا الحديث إذا قل أهل الجنازة يجعلهم ثلاثة صفوف
وورد أيضا من حديث عائشة في صحيح مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه و سلم ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه وثبت في صحيح مسلم أيضا وغيره من حديث ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه

(1/360)


وآله وسلم يقول ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه
قوله ويستقبل الإمام سرة الرجل وثدي المرأة
اقول الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم هو استقبال 6 رأس الرجل وعجيزة المرأة ولا منافاة بين رواية استقبال وسط المرأة ورواية استقبال عجيزتها فإن عجيزتها هي وسطها ولم يرد ما يصلح لمعارضة هذا فلا وجه لما قاله الجلال إن الكل واسع وما ذكره عقب هذا فهو هوس منه
وأما قوله ويليه الأفضل فالأفضل فالمراد الأفضل في الجنس فيلي الإمام الرجال ثم الصبيان ثم النساء وقد قدم إلى ما يلي الإمام الصبي على المرأة بمحضر من جماعة من الصحابة وشهدوا أن ذلك هو السنة كما أخرجه ابو داود والنسائي ورجال إسناده ثقات
وأما الأفضل باعتبار المزايا الدينية فقد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه يقدم في القبر أكثرهم قرآنا أي يكون مما يلي القبلة فلا يبعد أن يقدم عند الصلاة على رجلين أو ثلاثة فصاعدا أفضلهم في المزايا الدينية باعتبار الظاهر كأن يكون أحدهم عالما والآخر غير عالم فيكون العالم مما يلي الإمام
فصل
ثم يقبر على ايمنه مستقبلا ويواريه من له غسله أو غيره للضرورة وتطيب أجرة الحفر والمقدمات
وندب اللحد وسله من مؤخره وتوسيده نشزا أو ترابا وحل العقود وستر القبر حتى توارى المرأة وثلاث حثيات من كل حاضر ذاكرا لله تعالى ورشه وتربيعه ورفعه شبرا وكره ضد ذلك والإنافة بقبر غير فاضل وجمع جماعة إلا لتبرك أو ضرورة والفرش والتسقيف والآجر

(1/361)


والزخرفة إلا رسم الاسم ولا ينبش لغصب قبر وكفن ولا لغسل وتكفين واستقبال وصلاة ولا تقضى بل لمتاع سقط نحوه
ومن مات في البحر وخشي تغيره غسل وكفن وأرسب
ومقبرة المسلم والذمي من الثرى إلى الثريا فلا تزدرع ولا هواؤها حتى يذهب قرارها ومن فعل لزمته الأجرة لمالك المملوكة ومصالح المسبلة فإن استغنت فلمصالح الأحياء دين المسلمين ودنيا الذميين
ويكره اقتعاد القبر ووطؤه ونحوهما ويجوز الدفن متى ترب الأول لا الزرع ولا حرمة لقبر حربي
قوله فصل ثم يقبر على أيمنه مستقبلا
أقول هذا معلوم في الشريعة الإسلامية لا يحتاج إلى الاستدلال عليه فما مات مسلم منذ ظهور النبوة المحمدية إلى الآن إلا وقبر على هذه الصفة إلا لعذر كمن يموت في البحر ونحوه بل وقع منه صلى الله عليه و سلم الأمر بمواراة قتلى المشركين في يوم بدر وجعل لهم قليب دفنوا فيه والأمر أشهر من أن يذكر
قوله ويواريه من غسله أو غيره للضرورة
اقول لا دليل على هذا بل الدليل على خلافه فإنه قد ثبت في البخاري وغيره أنها لما ماتت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم زوجة عثمان جلس رسول الله صلى الله عليه و سلم على القبر وقال هل من أحد لم يقارف الليلة فقال أبو طلحة أنا قال فانزل في قبرها وفي رواية لأحمد عن أنس أنها رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم زوجة عثمان فقد واراها ونزل في قبرها أبو طلحة مع حضور زوجها ووالدها وأما قوله وتطيب أجرة الحفر والمقدمات فلا وجه لذلك بعد جعل الدفن واجبا على الكفاية وسيأتي الكلام على ذلك في الإجارات إن شاء الله تعالى

(1/362)


قوله وندب اللحد
أقول حديث اللحد لنا والشق لغيرنا أخرجه أحمد وأهل السنن عن ابن عباس مرفوعا وحسنه الترمذي وصححه ابن السكن وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر وفيه ضعف وله شاهد من حديث جرير مرفوعا بنحوه أخرجه أحمد والبزار وابن ماجه وفي إسناده عثمان بن عمير وفيه ضعف وفي الحديثين دليل على مشروعية اللحد وأنه الذي ينبغي للمسلمين
ولا ينافي هذا ما أخرجه أحمد وابن ماجه عن أنس قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم كان رجل يلحد وآخر يضرح فقالوا نبعث إليهما فأيهما سبق تركناه فسبق صاحب اللحد فلحدوا له قال ابن حجر إسناده حسن وأخرج ابن ماجه نحوه من حديث ابن عباس لأن مجرد تردد من حضر من الصحابة لا تقوم به الحجة بعد قوله صلى الله عليه و سلم اللحد لنا والشق لغيرنا وأيضا قد اختار الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه و سلم اللحد كما في هذا الحديث وهو ثابت في صحيح مسلم وغيره من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص قال قال ألحدوا لى لحدا وانصبوا على اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه و سلم
قوله وسله من مؤخره
اقول مؤخر القبر هو الذي يكون عند رجلي الميت ويدل على كون ذلك مشروعا ما أخرجه أبو داود وسعيد بن منصور في سننه ورجاله رجال الصحيح عن أبي إسحق قال

(1/363)


أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله يزيد فصلى عليه ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر وقال هذا من السنة ولا يعارض هذا ما أخرجه الشافعي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم سل من قبل رأسه سلا فإن المعنى أنه سل من جهة رأسه من قبل رجلي القبر وعلى تقدير احتماله لغير هذا المعنى فلا تقوم به الحجة لأمرين الأول أنه مرسل والثاني أنه فعل بعض الصحابة ولا تقوم به الحجة كما تقدم
وأما ما رواه البيهقي من حديث ابن عباس وابن مسعود وبريدة أنهم أدخلوا النبي صلى الله عليه و سلم من جهة القبلة فقد ضعف هذا الحديث البيهقي وايضا لا تقوم به الحجة لأنه فعل لبعض الصحابة قال في البدر المنير إن ذكر أنه دخل النبي صلى الله عليه و سلم من جهة القبلة وهو غير ممكن كما ذكره الشافعي في الأم وأطنب في الشناعة على من يقول ذلك ونسبه إلى الجهالة ومكابرة الحس انتهى
وأما قوله وتوسيده نشزا أو ترابا وحل العقود فلم يرد في هذا شيء والاقتداء بما ثبت في الشريعة أولى من ابتداع ما ليس فيها
وأما قوله وستر القبر حتى توارى المرأة ففي ذلك ما ذكره سعيد في سننه في رواية من حديثه السابق أن عبد الله بن زيد قال أنشطوا الثوب فإنما يصنع هذا بالنساء وأخرجه الطبراني وقال إنه لم يدعهم يمدون ثوبا وقال هذا السنة ويعارضه ما رواه عبد الرزاق من حديث سعد بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ستر على قبر سعد بن معاذ حين دفن ولكن في إسناده مجهول فلا تقوم به الحجة وأيضا قد قيل إن سبب ذلك أن لا تظهر رائحة من جرح سعد الذي مات به
قوله وثلاث حثيات من كل حاضر ذاكرا
اقول استدل لذلك بما أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا ورجال إسناده

(1/364)


ثقات وأما أبو حاتم فقال في العلل هذا الحديث باطل وقال ابن حجر إسناده ظاهر الصحة لكن ابو حاتم إمام لم يحكم عليه بالبطلان إلا بعد أن تبين له قال وأظن العلة فيه عنعنة الأوزاعي وعنعنة شيخه ا ه
ويؤيده ما أخرجه البزار والدرقطني عن عامر بن ربيعة قال رأيت النبي صلى الله عليه و سلم حين دفن عثمان بن مظعون صلى عليه وكبر عليه أربعا وحثى على قبره بيديه ثلاث حثيات من التراب وهو قائم عند رأسه وزاد البزار فأمر فرش عليه الماء وقال البيهقي وله شاهد من حديث جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا وله شاهد آخر عند أبي داود في المراسيل أن النبي صلى الله عليه و سلم حثى على قبر ثلاثا وفي إسناده مجهول كما قال ابو حاتم وشاهد ثالث عند البيهقي من حديث أبي أمامة قال توفي رجل فلم نصب له حسنة إلا ثلاث حثيات حثاها على قبر فغفرت له ذنوبه وشاهد رابع أخرجه ابو الشيخ عن أبي هريرة مرفوعا من حثى على قبر مسلم احتسابا كتب له بكل ثراة حسنة قال ابن حجر إسناده ضعيف
وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا فتدل على أن لذلك أصلا في الشريعة وأما ما يشرع من الذكر فأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال كان إذا وضع الميت في القبر قال بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه و سلم وفي لفظ وعلى سنة رسول الله وأخرجه أيضا ابن حبان والحاكم
وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي أمامة قال لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم في القبر قال رسول الله صلى الله عليه و سلم منها خلقناكم

(1/365)


وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله قال ابن حجر وسنده ضعيف
قوله ورشه
أقول استدل على ذلك بما أخرجه الشافعي وسعيد بن منصور والبيهقي عن جعفر ابن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رش على قبر ابنه إبراهيم الماء وهو مرسل وعن جابر عند البيهقي قال رش على قبر النبي صلى الله عليه و سلم الماء رشا فكان الذي رش على قبره بلال بن أبي رباح بدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى إلى رجليه ولا يصح الاستدلال بهذا لوجهين الأول أنه لا حجة في فعل بلال الثاني أن في إسناده الواقدي والكلام فيه معروف وقد تقدم ذكر الرش في حديث عامر ابن ربيعة المذكور في القول الذي قبل هذا
قوله وتربيعه
أقول قد اتفق أهل العلم على جواز التربيع والتسنيم وإنما اختلفوا في الأفضل فاستدل القائلون بأن التسنيم أفضل بما أخرجه البخاري في صحيحه عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه و سلم مسنما واستدل القائلون بالتربيع بما أخرجه ابو داود عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة قال قلت يا أمة بالله اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه و سلم وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطية مبطوحة ببطحاء العرصة وقد عرفت أن هذا فعل لبعض الصحابة ولكن حديث أبي الهياج الأسدي عن علي قال أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي يدل على أن التربيع أفضل لأن التسنيم بعض إشراف

(1/366)


قوله ورفعه شبرا
اقول رفع القبر هو من الإشراف الذي أمر النبي صلى الله عليه و سلم كما تقدم فلا يباح منه إلا ما ورد الإذن به وقد أخرج ابو داود في المراسيل عن صالح بن صالح قال رأيت قبر النبي صلى الله عليه و سلم شبرا أو نحو شبر وأخرج أبو بكر الآجري في صفة قبر النبي صلى الله عليه و سلم عن عثيم بن بسطام المديني قال رأيت قبر النبي صلى الله عليه في إمارة عمر بن عبد العزيز فرأيته مرتفعا نحوا من أربع أصابع وقد قدمنا لك أن هذا إنما هو من فعل بعض الصحابة فلا تقوم به الحجة وقد ثبت النهي عن أن يبنى على القبور كما في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر
قوله وكره ضد ذلك
اقول ما دل عليه دليل مما تقدم بدون ما يقتضي الحتم ولا كراهة الترك فليس تركه مكروها وغايته أنه خلاف الأولى وأما ما لم يدل عليه دليل فتركه أولى من فعله لأن فعله ابتداع
وأما ما ورد فيه النهي كرفع القبر فهو حرام لا كراهة تنزيه هكذا ينبغي أن يقال في أضداد هذه المذكورات
قوله والإنافة بقبر غير فاضل
اقول هذا اعتزاز بما وقع من الناس لا سيما الملوك والأكابر من رفع قبورهم وجعل القباب عليها وهذا حرام بالأدلة الصحيحة الثابتة في الصحيح وغيره من طرق توجب العلم اليقين فمنها الأمر بتسوية القبور كما تقدم ومنها النهي عن البناء عليها كما تقدم أيضا ومنها النهي عن اتخاذ القبور مساجد ولعن فاعل ذلك وغير ذلك مما هو مبين في كتب السنة
وبالجملة فما هذه اول شريعة صحيحة وسنة قائمة تركها الناس واستبدلوا بها غيرها ولكن هذه البدعة قد صارت وسيلة لضلال كثير من الناس لا سيما العوام فإنهم إذا رأوا القبر وعليه الأبنية الرفيعة والستور الغالية وانضم إلى ذلك إيقاد السرج عليه تسبب عن ذلك الاعتقاد

(1/367)


في ذلك الميت ولا يزال الشيطان يرفعه من رتبة إلى رتبة حتى يناديه مع الله سبحانه ويطلب منه ما لا يطلب إلا من الله عز و جل ولا يقدر عليه سواه فيقع في الشرك
فليت شعري ما وجه تخصيص قبور الفضلاء بهذه الداهية الدهياء والمعصية الصماء العمياء فإنهم أحق من غيرهم باتباع السنة في قبورهم وترك ما حرمته الشريعة على الناس
قوله وجمع جماعة إلا لتبرك وضرورة
اقول الثابت في هذه الشريعة ثبوتا قطعيا أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يجعل لكل ميت حفرة مستقلة وكان هذا معلوما لا ينكره أحد ووقع منه جمع جماعة في قتلى أحد للضرورة وتضييق الحادثة فليقتصر على الضرورة ويكون الجمع فيما عدا الضرورة خلاف الشريعة والكراهة اقل ما يتصف به
وأما الجمع للتبرك فلم يرد في هذا شيء لأن الكلام في جمع جماعة من الأموات في حفرة واحدة لا في حفر متجاورة فليس ذلك مما نحن بصدده
وأما ما ذكره من كراهة الفرش للقبر فلكون الواقع في زمن النبوة بمرأى ومسمع من رسول الله صلى الله عليه و سلم هو وضع الميت على الأرض ففي فرش القبر مخالفة للسنة الثابتة مع ما في ذلك من كونه من إضاعة المال التي ثبت النهي عنها وما روي من أن بعض الصحابة وضع قطيفة حمراء في قبره صلى الله عليه و سلم فلا حجة في ذلك على أنه قد روى أنهم أخرجوها
وأما كراهة التسقيف للقبر فلكونه خلاف الشريعة الثابتة المستمرة المستقرة من أنهم كانوا بعد وضع الميت في حفرته يهيلون عليه التراب حتى يستوي على الأرض وايضا هذا التسقيف يصدق عليه أنه بناء على القبر وهو منهي عنه كما تقدم
وأما كراهة إدخال الآجر فلم يرد بذلك دليل وهي مثل اللبن الذي كانوا يفعلونه في أيام النبوة وأصلب منه وهكذا إدخال الأحجار وجعلها على اللحد فلا وجه للقول بالكراهة
قوله والزخرفة إلا رسم الاسم

(1/368)


أقول الزخرفة حرام لنهيه صلى الله عليه و سلم عن أن يجصص كما في صحيح مسلم وغيره وأما استثناء المصنف لرسم الاسم فمن نصب الرأي الفاسد في وجه الدليل الصحيح فقد ثبت عند الترمذي وغيره وقال صحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى أن يكتب على القبر وهكذا رواه النسائي بلفظ النهي عن أن يكتب على القبر قال الحاكم الكتابة على القبر وإن لم يذكرها مسلم فهي على شرطه
قوله ولا ينبش لغصب قبر ولا كفن
اقول قد علم بالضرورة الدينية عصمة مال المسلم وأنه لا يخرج عن ملكه إلا بوجه مسوغ فمن زعم أن الدفن من مسوغات ذلك فعليه الدليل ولا دليل وقد تقدم أنه يشق بطنه لاستخراج ماله في نفسه لكون ذلك إضاعة مال فكيف لا ينبش للمال الذي اغتصبه وهو الكفن أو الأرض التي دفن فيها مع كونه إتلاف لمال محترم معصوم بعصمة الإسلام وقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من اغتصب شبرا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين فكيف بمن اغتصب قبرا هو عدة أشبار وهكذا ينبش إذا ترك بغير غسل لأن الغسل واجب شرعي لا يسقطه الدفن إلا بدليل ولا دليل هذا إذا كان يظن أن جسمه لم يتفسخ وأن غسله ممكن وهكذا التكفين لا يسقطه الدفن إلا بدليل ولا دليل لأنه واجب شرعي لا يسقط إلا بمسقط شرعي
وأما مجرد الاستقبال فلم ينتهض الدليل على وجوبه حتى ينبش لتركه
وأما الصلاة فقد قدمنا ثبوت الصلاة على القبر بالأدلة الصحيحة وذلك يكفي ويسقط الواجب ويحصل به مطلوب الميت من الشفاعة
وأما قوله بل لمتاع سقط فصواب لما قدمنا
ومن غرائب المصنف الفرق بين غصب القبر والكفن وبين المتاع الساقط في القبر مع كون الكل من إهلاك مال الغير وإضاعته مع اختصاص الأول بكونه غصبا

(1/369)


قوله ومن مات في البحر وخشي تغيره إلخ
أقول هذا صواب وليس في الإمكان غير ما قد كان وأما كونه لا يجوز ذلك إلا مع خشية التغير فلا وجه له ولا دليل عليه بل هو مصادم لأدلة تعجيل تجهيز الميت التي قدمنا ذكرها
قوله وحرمة مقبرة المسلم والذمي من الثرى إلى الثريا
أقول مجرد الحرمة يدل عليها ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث بشر بن الخصاصية أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رأى رجلا يمشي في نعلين بين القبور فقال يا صاحب السبتيتين ألقهما فإذا كان المشي على المقبرة بالنعال ممنوعا فازدراعها وتغيير رسمها وإذهاب قرارها ممنوع بفحوى الخطاب ولكن إلحاق مقبرة أهل الذمة بالمسلمين إن كان من جهة كونهم في أمان المسلمين بتسليم الجزية إليهم فذلك حكم خاص بالأحياء وأما الأموات فقد خرجوا عن العهد وصاروا إلى النار فكيف تكون حرمة مقبرة الكافر الذي هو من أهل النار بالاتفاق كمقبرة المسلم وإن كان الدليل دل على ذلك فما هو
وأما ما ذكره تفريعا على هذه المسألة من لزوم الأجرة إلخ فهو مجرد رأي لا دليل عليه والأصل احترام مال المسلم فلا يؤخذ منها إلا بمسوغ شرعي وليس هذا بمسوغ شرعي بل قد اثم بما فعله وغاية ما يجب عليه إصلاح ما أفسده بحسب الإمكان
قوله ويكره اقتعاد القبر ووطؤه ونحوهما
أقول أما الاقتعاد فلحديث أبي هريرة عند مسلم وأحمد وأبي داود والنسائي وابن

(1/370)


ماجه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر
وأخرج احمد من حديث عمرو بن حزم قال رآني رسول الله صلى الله عليه و سلم متكئا على قبر فقال لا تؤذ صاحب هذا القبر قال ابن حجر وإسناده صحيح
وأما وطء القبر فلما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ لأن أطأ على جمرة أحب إلي من أن أطأ على قبر ولفظ الطبراني أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم
وأما قبر الحربي فلا حرمة ل